######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000613 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي (المتوفى: 581هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 581 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: نتائج الفكر في النحو للسهيلي #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: النحو والصرف #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000613 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-613 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/613 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى 1412 - 1992 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة المصنف # رب يسر يا كريم # قال الشيخ الفقيه الأستاذ العلامة، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن # (أحمد بن أبي) الحسن الخثعمي ثم السهيلي - رحمة الله تعالى عليه، آمين -: # بحمد الله نفتتح كلامنا، وبنعمته نستديم سلامتنا وإسلامنا، وإليه بتوفيقه ~~نوجه رغبتنا واستسلامنا، ولعله أن يحفظ بمنه من فضول البطالة ألسنتنا ~~وأقلامنا، ويغسل من غباوة الجهالة وغبرات الضلالة آراءنا وأحلامنا. ونسأله ~~أن يصلي على محمد نبيه الذي نور بحبه قلوبنا، وشحذ بنوره أفهامنا، كما شرف ~~بدينه عوامنا، وفضل باتباع آئاره أعلامنا. # أما بعد، فإني رأيت اقتباس أنوار الحكم أولى ما صرفت إليه حكمات # الهمم، وأشرف ما عنيت به الأمم، وأنفس ما ثنيت إليه سوالف الآمال من بعد ~~ومن أمم، فكن أيها الطالب للأشرف ممن كرع في بحره وغرف، وإلا كنت قمامة ~~لغرف، فقيمة كل امرئ ما يحسنه، وذو العلم رفيع وإن مني بحاسد يلسنه. # فبدار بدار قبل الفوت، فإنما العلم حياة والجهل موت، قال الله سبحانه # PageV01P025 # وتعالى: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن ~~مثله في الظلمات ليس بخارج منها) . # ثم قال من سدد في المقال: # وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... فأجسامهم قبل القبور قبور # وإن امرا لم يحيى بالعلم ميت ... فليس له حتى النشور نشور # وكل علم - وإن تميز حامله عن البهيمة - فليس العلم الذي يلبس طالبه أكرم ~~شيمة، ويحيى فؤاد صاحبه كما تحيى الديمة الهشيمة - إلا ما أودع الله - عز ~~وجل - كتابه العلي من أنوار المعارف، وتضمنه كلام النبي العربي - - صلى ~~الله عليه وسلم - من الفوائد واللطائف، فذلك العلم الذي ينهض حامله إلى ~~أعلى المراتب، ويأخذ بضبع طالبه # حتى يقعده على هام الكواكب، ويكشف عن بصر فؤاد صاحبه فينزهه في رياض ~~البدائع والعجائب. # ثم لا يطمع في الاستبصار والاستكثار من فوائده ونضاره. # والاستبحار في فنون فوائده ومباحث أغواره إلا بعد معرفة باللسان الذي ~~أنزل به القرآن، ولغة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أحلنا عليه في ~~البيان، ms001 فإنه سبحانه وتعالى يقول: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ~~ليبين لهم) . # وقال سبحانه: (بلسان عربي مبين) . # فإذا كانت صناعة الإعراب مرقاة إلى علوم الكتاب، لا يتولج فيها إلا من # أبوابه ولا يتوصل إلى اقتطاف زهراتها إلا بأسبابه فواجب على الناشئين ~~تحصيل # أصولها، وحتم على الشادين البحث عن أسرارها وتعليلها. # وقد عزم لي بعد طول مطالبة من الزمان، ومجاذبة لأيدي الحدثان، وأمراض # همة لا تغب، وزمانة مرض تنيم الخاطر فلا يهب - على جمع نبذ من نتائج ~~الفكر، اقتنيتها في خلس من الدهر، معظمها من علل النحو اللطيفة، وأسرار هذه ~~اللغة الشريفة. # فالآن حين أردت زفافها إلى أسماع الطالبين، فإن لم يكونوا لأبكارها ~~خاطبين، # PageV01P026 # ولا في نفائسها بحكم هذا الزمن النائم أهله راغبين. # ومقصدنا أن نرتبها على أبواب كتاب (الجمل) (1) لميل قلوب الناس إليه، ~~وقصرهم الهمم عليه. # والله المعين على ما يقرب منه ويزلف لديه، وإياه في كل حال نستخير. # وبوجهه من كل ما يسخطه ويباعد منه نستجير، وهوحسبي ونعم الوكيل. ~~PageV01P027 ### | مسألة # في إضافة الاسم إلى الله عز وجل # والإضافة ثلاثة أقسام: إضافة ملك كقولك: كلام زيد، وإضافة ملابسة # ومصاحبة كقولك: سرج الدابة ونحوه، وإضافة تخصيص وهو أن تخصص الاسم ~~بإضافته إلى وصله أو إلى لقب علم، كقولهم: زيد بطة، وفي الوصف: مسجد ~~الجامع، و (جانب الغربي) . # وفي الحقيقة إضافة الشيء إلى نفسه محال، لا بد أن يكون المضاف غير # المضاف إليه، ولكن الصفة أفادت معنى ليس في الموصوف، فصرت كأنك تضيف إلى ~~ذلك المعنى، وفي اللقب إنما تضيف المسمى إلى الاسم الثاني، وهو اللقب، ~~فمعنى (زيد بطة) أي: صاحب هذا اللقب. # فإن قيل: فهلا جاز ذلك في جميع النعوت حتى يقال: زيد القائم، كما تقول: ~~مسجد الجامع؟ . # PageV01P028 # قلنا: إنما فعلت العرب هذا في الوصف المعرفة اللازم للموصوف لزوم اللقب # في الأعلام وأما الوصف الذي لا يثبت كالقائم والقاعد ونحوه فلا يضاف ~~الموصوف إليه، لعدم الفائدة التي قدمنا ذكرها في " زيد بطة "، وهي أنك تريد ~~إضافة المسمى بالاسم الأول إلى ms002 الاسم الثاني لتعرفه بإضافته إليه، فإن كان ~~غير لازم لم تفد إضافته إليه شيئا نحو: زيد الضاحك، وكذلك إن كان لازما ولم ~~يكن معرفة نحو: رجل قرشي. # فإن قلت: زيد القرشي، كان مثل (جانب الغربي) ، لأنه لازم معرفة # وكذلك: عمرو قفه. # * * * ### | فصل # [في الإضافة في بسم الله] # فإذا ثبت ذلك رجعنا إلى مسألتنا فنقول: إضافة (بسم الله) أهي إضافة ملك، ~~أم إضافة استحقاق، أم إضافة تخصيص؟. # فالجواب أن نقول: هذه المسألة تبنى على أصل القوم في الاسم والمسمى. # أهو هو أم (هو) غيره؟ وهي مسألة طال فيها التنازع وكثر فيها القول بين ~~الأصوليين والمتفلسفين وشاركهم فيها طائفة من النحويين، حتى ألفوا فيها ~~التواليف، وصنفوا فيها التصانيف، وشنع كل فريق على مخالفة بأنواع من ~~التشنيع والتعنيف، وبدع بعضهم بعضا أو كاد يكفره. # والأمر في ذلك - إن شاء الله تعالى - سهل المسلك. # قريب المدرك، لمن شرح الله صدره ونور بصيرته وإن كان " أبو حامد " قد زعم ~~أنها طويلة الذيل، قليلة النيل. # وليس الأمر عندي كما ذكر، بل نيلها كثير لمن نظر واستبصر، وذلك أنها ~~مسألة إذا انفتح ما استغلق منها، انفتح بذلك على الناظر كثير من المشكلات ~~في كتاب # PageV01P029 # الله عز وجل، وفي حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكلام العرب ~~الذين بفهم كلامهم نفهم عن الله - عز وجل - وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم ~~-، ونتوصل إلى فهم الكتاب وتأويله. # * * * ### | ### | فصل # [في الاسم والمسمى] # الاسم الذي هو " السين " و " الميم " عبارة عن اللفظ الذي وضع دلالة على # المعنى، والمعنى هو الشيء الموجود في العيان - إن كان من المحسوسات - ~~كزيد وعمرو - وفي الأذهان - إن كان مع المعقولات - كالعلم والإرادة. فذلك ~~الموجود الذي في العيان أو الموجود الذي في الأذهان وضعت له عبارة في ~~اللسان. # بما يترجم عنه، ويتوصل إلى فهمة والكشف عن حقيقته، ثم ذلك الشيء ~~المعبرعنه - وهو الشخص مثلا - كما استحق بأن يكون له عبارة بين المتخاطبين ~~يترجمون بها عنه. # وهي " الزاي " و " الياء " و " الدال " مع قولك " زيد " مثلا، فكذلك ms003 ~~استحق هذا اللفظ المؤلف من هذه الحروف أن يعبر عنه بعبارة أخرى يعبر بها ~~عنه، لأنه شيء موجود في اللسان، مسموع في الأذان. # فاللفظ المؤلف من " ألف " الوصل، و " السين " و " الميم " عبارة عن اللفظ # المؤلف من " الزاي " و " الياء " و " الدال " مثلا. واللفظ من " الزاي " ~~و " الياء " و " الدال " مثلا. # عبارة عن الشخص الموجود في العيان والأذهان وهو المسمى، واللفظ الدال ~~عليه الذي هو " الزاي " و " الياء " # و" الدال " هو الاسم، وقد صار أيضا ذلك اللفظ # مسمى من حيث كان اللفظ الذي هو " السين " و " الميم " عبارة عنه فقد تبين ~~لك في أصل الوضع أن الاسم ليس هو المسمى، وذلك أنك تقول: سميت هذا الشخص ~~بهذا الاسم، كما تقول: حليته بهذه الحلية، والحلية لا محالة غير المحلى، ~~فكذلك الاسم أيضا غير المسمى. # وقد صرح بذلك سيبويه وقد أخطا من ادعى غير هذا # عليه، ونسب القول باتحاد الاسم والمسمى إليه، وإن كانوا قد احتجوا بقوله؟ # " فأما الأفعال فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء ". # وقوله ها هنا محتمل، والمحتملات لا تعارض بها النصوص. # PageV01P030 # وقد نص - رحمه الله - قبل هذا الكلام بسطر واحد على أن الاسم غير # المسمى لو تأملوه، ولكنهم تعاموا عنه وأغفلوه، فقال: " الكلام: اسم وفعل ~~وحرف " فقد صرح أن الاسم كلمة، فكيف تكون الكلمة هي المسمى، والمسمى إنما ~~هو شخص، فهذا بيان ونمى، لا سيما مع قوله فيما بعد: " تقول: سميت زيدا بهذا ~~الاسم كما تقول: علمته بهذه العلامة، وكذلك نص في أكثر من ألف موضع في ~~كتابه على أن الاسم هو اللفظ الدال على المسمى؛ لأنه متى ذكر الخفض أو ~~النصب أو التنوين أو الألف واللام، وجميع ما يدخل على الأسماء ويعتريها من # الزيادة والحذف، حتى يكون بعضها ثلاثيا، وبعضها رباعيا، وبعضها خماسيا، ~~إلى غير ذلك مما يذكر سيبويه وجميع النحويين أنه يعتري الاسم ويختص به - ~~فلا يتعلق بشيء من ذلك بالمسمى الذي هوالشخص. # فسبحان الله كيف لا يستحيي من عرف هذا من مذهب النحويين أجمعين، ومن ~~مذاهب ms004 العرب، ثم يخبر عن أحد منهم بأن الاسم هو المسمى! ما أشار إلى ذلك ~~نحوي قط ولا اعتقده عربي! # ألا ترى أنهم يقولون: " أجل مسمى " ولا يقولون: " أجل اسم " # ويقولون: " هذا الرجل مسمى يزيد " ولا يقولون: " اسم يزيد ". # وتقول: " باسم الله "، ولا تقول: " بمسمى الله ". # ولو كان الاسم بمعنى المسمى ما امتنع شيء من هذا، فهذا غاية العجب، ~~ونهاية الكذب على العرب! # نعم، وعلى الكتاب الذي نزل بلسانهم "، نعم، وعلى الرسول الذي يقول: " لي ~~خمسة أسماء، و " سموا باسمي ولاتكنوا بكنيتي ". # وإذا ثبت حقيقة الاسم والمسمى فلم يبق إلا حقيقة التسمية التي بها موه # كثير من الناس، وبها يقع الغلط والالتباس، فتقول: التسمية عبارة عن فعل ~~المسمى # PageV01P031 # ووضعه الاسم عبارة عن الشيء المسمى (به) ، كما أن التحلية عبارة عن فعل # المحلى، وهو وضع الحلي على المحلى به. # فهذه ثلاثة ألفاظ: اسم، ومسمى، وتسمية، ولكل لفظ معنى، ولا سبيل إلى جعل ~~لفظين مترادفين على معنى واحد إلا بدليل واضح، ولا دليل هنا، فثبت أن لكل ~~لفظ من هذه الألفاظ معنى غير الذي للآخر، وإذا جعلت الاسم هو المسمى بطل ~~أحد المعاني الثلاثة التي قدمنا بيان وجودها واستحالة بطلانها، وبالله ~~تعالى التوفيق. # * * * ### | فصل # فإن قيل: فمن أين مثار الغلط في هذه المسألة من العلماء؟ وكيف غاب ما # قلتموه عن بعض الجلة القدماء كالباقلاني ومن تبعه من الأشعرية، وهم أرباب # التحقيق والمؤيدون بالتسديد والتوفيق؟. # والجواب: أن مثارات الغلط في ذلك كثيرة، منها شبهة داخلة في النظر، ومنها ~~ظواهر من القرآن والأثر، وأبيات من كلام العرب خفي المقصد فيها عن كثير من ~~أهل البصر، ولا توفيق إلا بالله. # فمن أقوى الشبه الداخلة في النظر إجماع المسلمين واعتقاد كافة الموحدين # أن الله - جل ثناؤه وتقدست أسماؤه - لم يزل بجميع صفائه وأسمائه، تعالى ~~أن يكون أسماؤه مخلوقة أو صفاته محدثة. # وهذه عقيدة من زلت عنها قدمه أريق دمه. # والجواب عن هذا السؤال، وحل هذا الإشكال: أن الله - عز وجل - لم يزل ~~بجميع أسمائه وصفاته، ونحو إذا ms005 قلنا: " الاسم غير المسمى "، فليس يلزمنا من ~~ذلك حدوث أسمائه تعالى، وإن كان كل غير الله - عز وجل - مخلوقا ومحدثا، ~~لأنه - عز وجل - هو المسمى نفسه بكلامه القديم، الذي هو صفة ذاته، لأن ~~القرآن قديم لا محالة، وتعسا لمن يخالف فيه من فرق الضلالة. # ثم القرآن متضمن لأسماء الله # PageV01P032 # الحسنى، فثبت أنه لم يزل بجميع أسمائه كما اعتقدناه، وثبت بما قدمناه من ~~البرهان أن الاسم هو اللفظ الدال على المسمى، وإنه غيره، فرجع الحدوث إلى ~~عبارات المخلوقين وألفاظهم، دون كلام رب العالمين، المتقدس عن الحرف والصوت ~~الذي منه ينتظم اللفظ، وأنه مسمى نفسه في الأزل بكلامه الذي لم يزل صفة له، ~~والمنطق عبارة فيما لا يزال بقدرته على التعبير بالعبارة الحادثة عما تضمنه ~~كلامه القديم. # فقد حصحص الحق وانحسم الإشكال، وآل المعنى إلى أن أسمه - سبحانه # وتعالى - إذا تلقيته من كلامه فلا تقل: هو هو، ولا تقل، هو غيره، لأنه ~~حينئذ من (كلامه القديم، وإذا تلقيته من) كلام غيره فهو لا محالة غير ~~المسمى، إذا الاسم كلمة، فحكمها حكم الكلام الذي هى منه، والقائل أن الاسم ~~هو المسمى على الإطلاق مخالف لمذاهب أهل السنة، لأن أصلهم في الكلام أن لا ~~يقال: هو هو. # وقد قال هذا في الاسم أنه المسمى، المسمى هو المتكلم بالكلام، الذي # الاسم كلمة منه، فقد قال ما لا يقوله أحد، لأنه لم يذهب أحد من الناس إلى ~~أن الكلام هو المتكلم، فلا هو مع المعتزلة ولا (هو) مع السنة. # وأصلنا المتقدم موافق للغة، موافق لمذهب أهل السنة، مخالف لمذهب ~~المعتزلة، لأنهم يقولون بقدم الكلام، فالاسم على مذهبهم هو المسمى، كان من ~~كلام الخالق أو من كلام المخلوق، وهذا باطل وبدعة، نعوذ بالله منها، فقد ~~حصحص الحق، وتبين القصد، والحمد لله. # * * * ### | فصل # [في أدلة القائلين بأن الاسم هو المسمي] # وأما مثار الغلط من ظواهر القرآن، فأقواها عندهم قوله عز وجل: # (تبارك اسم ربك) ، (واذكر اسم ربك) ، وسبح اسم ربك الأعلى) . ولا يجوز # PageV01P033 # التسبيح لغير الله، ولا أمر ms006 - صلى الله عليه وسلم - أن يذكر غير الله. ~~وهذه الحجة لمن تأملها عليهم لا # لهم، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان من أشد الناس امتثالا ~~لأوامر ربه، فلو فهم منها الذي قالوه لقال في تسبيحه: (سبحان اسم ربي) ولم ~~يقل ذلك قط، ولا روي عنه، على كثرة تسبيحه لمولاه - صلى الله عليه وسلم -. # ومن أقرب ما يعارضون به إجماع الأمة على أن لا يقول أحد: اسم الله أكبر، ~~يريد: الله أكبر، ولا يقول أحد: سجدت لاسم ربي، ولا خفت اسم ربي، ولا: يا ~~اسم الله، ارحمني، فدل ذلك كله على أن الاسترحام والاستعطاف والسجود والخوف ~~لا تعلق له بالاسم الذي هو عبارة عن المسمى - جل جلاله - وأن المسمى هو ~~المقصود بذلك كله، ولو كان الاسم هو المسمى لما امتنع شيء من ذلك. # فإن قيل: كيف جاز (سبح اسم ربك الأعلى) و (اذكر اسم ربك) # والمقصود بالذكر والتسبيح هو الرب تبارك وتعالى، لا اللفظ الدال عليه؟. # قلنا: هذا سؤال قد كع عنه أكثر المحصلين، ونكتة عجز عنها أكثر # المتأولين، وقد أجاب عنها أبو حامد في كتابه (المقصد الأسنى) بجواب غير ~~شاف ولا كاف، فقال: إنما تعلق التسبيح والذكر بالاسم، وإن كان غير المسمى، ~~لأن التعظيم والتنزيه إذا وجب للمعظم، فقد تعظم ما هو من سببه لأجله، كما ~~يقال: " السلام على حضرة الملك " ونحو هذا من الكلام، وهو - رحمه الله - ~~وإن كان من أهل التحقيق، فقد غابت عنه نكته المسألة وبالله التوفيق وإنما ~~ضعف جوابه - رحمه الله من وجهين: - # أحدهما: ما تقدم من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يؤثر عنه، ~~ولا عن أحد من المقتدين به أنه قال في تسبيحه: سبحان اسم ربي، فدل ذلك على ~~أنهم لم يعتقدوا ما قال من أن التسبيح في قوله تعالى: # (سبح اسم ربك الأعلى) متعلق بالاسم، بل المقصود به المسمى، والاسم مذكور ~~لحكمة أخرى. # PageV01P034 # والوجه الثاني: أنه يلزمه أن يطلق على الاسم التكبير والتحميد والتنزيه # والتقديس، وغير ذلك من المعاني ms007 المقصود بها الله عز وجل، فيقول: كبرت اسم ~~ربي، واسم ربي أكبر، وغير ذلك مما أجمع المسلمون على تركه، ولم يؤثر عن أحد ~~من السلف والخلف، رحمة الله عليهم. # والقول السديد في ذلك - والله المستعان - أن نقول: الذكر على الحقيقة ~~محله القلب لأنه ضد النسيان، والتسبيح نوع من الذكر، فلو أطلق الذكر ~~والتسبيح لما فهم منه إلا ذلك، دون اللفظ باللسان، والله - عز وجل - إنما ~~تعبدنا بالأمرين جميعا، ولم يتقبل من الإيمان إلا ما كان قولا باللسان، ~~واعتقادا بالجنان، فصار معنى الآيتين في هذا: اذكر ربك أو سبح ربك، بقلبك ~~ولسانك، وكذلك أقحم الاسم تنبيها على # هذا المعنى حتى لا يخلوا الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان، لأن الذكر ~~بالقلب متعلقه بالمسمى المدلول عليه بالاسم دون ما سواه، والذكر باللسان ~~متعلقه اللفظ مع ما يدل عليه، لأن اللفظ لا يراد لنفسه. # فلا يتوهم أحد أن اللفظ هو التسبيح دون ما يدل عليه من المعنى، هذا ما لا ~~يذهب إليه خاطر، ولا يتوهمه ضمير فقد وضحت تلك الحكمة التي من أجلها أقحم ~~ذكر الاسم، وأنه به كملت الفائدة وظهر # الإعجاز في النظم والبلاغة في الخطاب. # وهذه نكتة لمتدبرها خير من الدنيا بحذافيرها، والحمد لله على ما فهم ~~وعلم. # ومما غلطوا من أجله قوله عز وجل: (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها) ~~. # والمعبود هو المسمى. # والجواب: أنهم ما عبدوا إلا المسميات، ولكنهم عبدوها من أجل الأسماء # المفخمة الهائلة التي اخترعوها لهم، كاللات والعزى، وتلك أسماء كاذبة غير ~~واقعة على حقيقة، فكأنهم لم يعبدوا إلا الأسماء التي اخترعوها. # وهذا من المجاز البديع الغريب وكذلك قامت الحجة عليهم، ولو كانت الأسماء ~~ها هنا هي المسميات لقلت # فائدة الكلام، ولخلا عن الإعجاز والبلاغة هذا النظام. # PageV01P035 # إن قيل: ما فائدة دخول الباء في (فسبح باسم ربك العظيم) ولم لم # يدخل في (سبح اسم ربك الأعلى) ؟. # والجواب: أن التسبيح ينقسم قسمين: # أحدهما: أن يراد به التنزيه والذكر دون معنى يقترن به. # والثاني: أن يراد به الصلاة، وهي ms008 ذكر مع عمل، ومنه سميت سبحة، وهو في ~~القرآن كئير قال الله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) . # وأشار (به) إلى الصلوات الخمس، وقيل في قوله تعالى: (فلولا أنه كان من # المسبحين) ، أي: المصلين. فإذا ثبت ذلك وأردت التسبيح المجرد فلا معنى # للباء، لأنه لا يتعدى بحرف جر، لا تقول: " سبحت بالله ". # وإذا أردت التضمين لمعنى الصلاة دخلت " الباء " تنببها على ذلك المعنى، ~~فنقول: " سبح باسم ربك ". # كما تقول: " صل باسم ربك "، أي: مفتتحا باسمه. # وكذلك أيضا دخلت اللام في قوله تعالى: (سبح لله ما في السماوات) # لأنه أراد التسبيح الذي هو السجود والطاعة، كما قال الله # تعالى: (ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض) . # فهذا يقوي ما تقدم من أن ذكر الاسم ها هنا تنبيه على الذكر بالقلب ~~واللسان، ألا ترى أن الصلاة لا بد فيها من # PageV01P036 # اللفظ باسم الله عند التكبير ولذلك لم يقل: " سبح بربك " تنبيها على ما ~~تقدم، والله تعالى أعلم. # وأما مثار الغلط من جهة أبيات الشعر فقول لبيد: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # وقول ذي الرمة: # لا ينعش الطرف إلا ما تخونه ... داع يناديه باسم الماء مبغوم # PageV01P037 # وقول الآخر: # تداعين باسم الشيب في متثلم ... جوانبه من بصرة وسلام # يريد صوت (جرع) الماء في الحوض، لأنه يشبه قولك: " شيب. شيب ". # والداعي في البيت قبل هذا هي الظبية، وإنما دعت ولدها بهذا الصوت يعني: " ~~ماء. ماء "، لا بلفظ دال عليه، وهذا كله يدل على أن الاسم هو المسمى. # وقد أجاب بعض الحذاق عن هذا بجواب لا يقوم على ساق، ولا يكاد # يفهم لشدة التكلف فيه والاستغلاق. # وكان هذا الرجل قد ألف في الاسم والمسمى كتابا، ذهب فيه إلى أن الاسم # غير المسمى كما قدمناه، ولكنه تكلف وتعسف، ومن ألف فقد استهدف. # وهذه الأبيات التي احتجوا بها عندي أبين شيء في الرد عليهم، وأدل شيء # على أن الاسم غير المسمى، وذلك أنه قال: " باسم الماء " ولم يقل: " باسم ms009 ~~ماء. # PageV01P038 # ماء ". # والماء - بالألف واللام - ليس إلا الماء المشروب، فكيف يريد بها حكاية # صوتها؟ # ولكن الشاعر ألغز حيث وقع الاشتراك بين لفظ الماء وصوتها، فصار صوتها # كأنه هو اللفظ المعبر به عن الماء المشروب، فأي شيء أبين من هذا من أن ~~الاسم غبر المسمى؟. # وأما قوله: " تداعين باسم الشيب " فهو كذلك، لأنه لم يقل: " باسم شيب. # شيبا. وإنما قال: " الشيب " - بالألف واللام - ولفظ الألف واللام غير ~~موجود في صوت الإبل وإنما أراد: تداعين بصوت يشبه في اللفظ اسم الشيب، ~~أعني: جمع " أشيب "، كما في البيت الأول. # وأما قول لبيد: " اسم السلام عليكما " فالسلام اسم من أسماء الله تعالى. # والسلام عبارة عن التحية، وهذا الذي أراد، ولكنه شرفه بأن أضافه إلى الله ~~عز وجل، لأنه أبلغ في التحية، كأنه يقول: لو وجدت سلاما أشرف من هذا ~~لحييتكم به، ولكني لا أجده لأنه اسم السلام، والحمد لله. # ووجه آخر، وهو أحسن في المعنى، وذلك أن لبيدا لم يرد إيقاع التسليم # عليهم لحينه، وإنما أراده بعد الحول، ولو قال: " ثم السلام عليكما " لكان ~~مسلما في وقته الذي نطق به في البيت، فلذلك ذكر الاسم الذي هو عبارة عن ~~اللفظ، أي: إنما اللفظ بالتسليم بعد الحول، وذلك أن السلام دعاء، فلا يتقيد ~~بالزمان المستقبل وإنما هو لحينه، ألا ترى أنه لا يقال بعد الجمعة اللهم ~~ارحم زيدا ولا بعد الموت اللهم اغفر لي، إنما تقول: " اللهم اغفر لي بعد ~~الموت "، فيكون " بعد " ظرفا للمغفرة والدعاء واقع لحينه. # فإن أردت أن تجعل الوقت ظرفا للدعاء صرحت بلفظ الفعل فقلت: " بعد # الجمعة ادعو بكذا "، أو أسلم، أو ألفظ (بكذا) ، لأن الظروف إنما تقيد بها # الأحداث الواقعة فيها خبرا أو أمرا أو نهيا، وأما غيرها من المعاني ~~كالعقود، أعني عقد الطلاق وعقد اليمين، وكالدعاء والتمني والاستفهام وغير ~~ذلك من المعاني فإنما هي واقعة لحين النطق بها، ولذلك يقع الطلاق لمن قال: ~~" بعد يوم الجمعة أنت # PageV01P039 # طالق يا فلانة، فهو مطلق لحينه، ولا ينفعه ذكر الوقت. # وكذلك القسم ms010 إذا قال: " بعد الحول والله لأخرجن " فقد انعقد اليمين ~~(عليه) حين نطق به، ولا ينفعه أن يقول: # أردت أن لا أوقع اليمين إلا بعد الحول. # فإنه لو أراد ذلك فقال: بعد الحول أحلف أو ألفظ باليمين. # فأما الأمر والنهي والخبر فإنما تقيدت بالظروف، لأن الظروف في # الحقيقة إنما يقع فيها الفعل المأمور به أو المخبر به، دون الأمر والخبر، ~~فإنهما واقعان لحين النطق بهما فإذا قلت: " اضرب زيدا يوم الجمعة "، فالضرب ~~واقع في اليوم وأنت من الآن آمر. # وكذلك في الخبر إذا قلت: " سأقوم يوم الجمعة " فالقيام في اليوم # وأنت من الآن مخبر. فلا تعلق للظروف إلا بالأحداث، فقد رجع الباب كله ~~بابا واحدا، فلو أن لبيدا قال: " إلى الحول ثم السلام عليكما " لكان مسلما ~~لحينه ولكنه أراد أن لا يوقع اللفظ بالتسليم والوداع إلا بعد الحول (ولذلك ~~ذكر الاسم الذي هو بمعنى اللفظ، ليكون ما بعد الحول) ظرفا له، فافهم ذلك، ~~والحمد لله. # * * * ### | مسألة # وهي القول في الاسم الذي هو عبارة في الله عز وجل # وقد تكلم الناس فيه قديما وحديثا، تكلموا في " الألف واللام " أهي ~~للتعريف # أم للتعظيم أم هي دالة على معنى آخر؟ أم هي (من) نفس الكلمة؟. # وتكلموا في اشتقاقه أهو مشتق أم لا؟ # وإذا كان مشتقا فمن أي شيء اشتق؟ # وكثر في ذلك نزاعهم وتباينت أقوالهم. # والذي نشير إليه من ذلك ونؤثره ما أختاره شيخنا - رضي الله عنه - وهو # الإمام أبو بكر محمد بن العربي، قال: الذي اختاره من تلك الأقوال كلها ~~هذا: # PageV01P040 # أن الاسم غير مشتق من شيء، وأن الألف واللام من نفس الكلمة، إلا أن ~~الهمزة وصلت لكثرة الاستعمال، على أنها (فيه) جاءت مقطوعة من القسم، (حكى ~~سيبويه) : " أفالله لأفعلن "، وفي النداء نحو قولهم: " يا لله ". # فهذا يقوي أنها من: نفس الكلمة ويدلك على أنه غير مشتق أنه سبق الأشياء ~~التي زعموا أنه مشتق منها، لا نقول: إن اللفظ قديم، ولكنه متقدم على كل لفظ ~~وعبارة. # ويشهد بصحة ذلك قوله عزوجل: (هل تعلم ms011 له سميا) ؟ فهذا نص في # عدم المسمى، وتنبيه على عدم المادة المأخوذ منها الاسم. # مع أنا إذا قلنا بالاشتقاق فيه تعارضت علينا الأقوال، فمن قائل يقول: من ~~" إله " إذا عبد، فإله هو المعبود. # ومن قائل يقول: من الوله، وهي الحيرة، يريد أن العقول # تحار في عظمته، وهمزة إله عند هؤلاء بدل من واو. # ومن قائل يقول: إنه من " لاه " إذا علا. # وسائر الأقوال قريبة من هذه، فإن لم تكن هي هي في الحقيقة، ولكل قول # شاهد يطول ذكره، فإذا تعارضت الأقوال لم يكن بعضها أولى من بعض، فرجعنا ~~الى القول الأول لما عضده من الدليل، والله الموفق إلى خير قيل. # * * * ### | مسألة أخرى # إعراب (الرحمن) من قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم) # ذهب قوم إلى أنه نعت، وذهب آخرون إلى أنه بدل من الله، واستبعدوا النعت ~~فيه لأنه علم، وإن كان مشتقا من الرحمة، ولكنه ليس بمنزلة الرحيم ولا ~~الراحم، وغير ذلك مما يطرد القياس فيه، ويكثر في النعوت مثله. # PageV01P041 # وأما (الرحمن) فإنه مختص بالعلمية ومصنوع لها، كما أن " الدبران " وإن # كان مشتقا من " دبرت " ولكنه صيغ للعلمية، فجاء على بناء لا يكون في ~~النعوت. # ويدلك على أنه (علم) وروده في القرآن غير تابع لاسم قبله، كما ورد # غيره من الأسماء التي لا تجري مجرى الأعلام. # فلما ثبت أنه علم امتنع أن يكون نعتا، لأن العلم ينعت ولا ينعت به، وإذا ~~امتنع أن يكون نعتا لم يبق إلا أن يكون بدلا من الله. # هذا منتهى قولهم، وإليه ذهب الأعلم. # والبدل عندي فيه ممتنع، وكذلك عطف البيان، لأن الاسم الأول لا يفتقر إلى ~~تبيين، لأنه أعرف الأسماء كلها وأبينها، ألا ترى أنهم قالوا: # (وما الرحمن) ؟ ولم يقولوا: وما الله؟ ولكنه - وإن كان يجري مجرى الأعلام ~~- فإنه مشتق من الرحمة، فهو وصف يراد به الثناء، وكذلك الرحيم، إلا أن ~~الرحمن من أبنية المبالغة كغضبان ونحوه، وإنما دخله معنى المبالغة من حيث ~~كان في آخره ألف ونون كالتثنية، فإن التثنية في الحقيقة تضعيف، وكذلك في ms012 ~~الصفة، فكان " غضبان " و " سكران " حاملا لضعفين من الغضب والسكر، فكان ~~اللفظ مضارعا للفظ التثنية، لأن التثنية ضعفان # في الحقيقة، ألا ترى أنهم قد شبهوا التثنية بهذا البناء إذا كانت لشيئين ~~متلازمين فقالوا: " الجلمان " و " القلمان "، فأعربوا " النون " كأنه اسم ~~لشيء واحد، فقد اشترك باب " فعلان، وباب التثنية. # ومنه قول عائشة رضي الله عنها # " إذا حاضت المرأة حرم الجحران " بالرفع. # PageV01P042 # وهو قول طائفة من أهل العلم غير " القتبي " ومنه قول فاطمة # - رضي الله عنها - في نداء ابنها " يا حسنان، يا حسينان " هكذا روته ~~الرواة برفع " النون ". # ولمضارعته التثنية امتنع جمعه، فلا يقال في غضبان: " غضبانين " # وامتنع تأنيثه بالهاء، فلا يقال: " غضبانة "، وامتنع تنوينه كما لا ينون # " نون الاثنين ". # فجرت عليه كثير من أحكام التثنية لمضارعته إياها لفظا ومعنى. # وفائدة الجمع بين الصفتين - أعني (الرحمن الرحيم) - وإن كانتا جميعا من # الرحمة، الإنباء عن رحمة عاجلة، ورحمة آجلة، أو عن رحمة عامة وأخرى # خاصة، حاصلتين لقارئ القرآن والله أعلم. # * * * ### | مسألة # [في متعلق الباء في (بسم] # وأما ما تعلق به الباء من (بسم) فمحذوف، لا لتخفيف اللفظ كما زعموا، إذ ~~لو كان كذلك لجاز إظهاره وإضماره، كما يجوز في كل ما يحذف تخفيفا، ولكن في ~~حذفه فوائد ومعان، منها: # أنه موطن ينبغي أن لا يقدم فيه سوى ذكر الله تعالى، فلو ذكر الفعل - لا ~~سيما وهو لا يستغني عن فاعله - كان ذلك مناقضا للمقصود، فكان في حذفه ~~مشاكلة اللفظ للمعنى، كما تقول في الصلاة: " الله أكبر "، ومعناه: من كل ~~شيء، ولكن لا تقوله ليكون اللفظ في اللسان مطابقا لمقصود الجنان، وهو أن لا ~~يكون في قلب ذكر إلا لله وحده. # وفائدة أخرى في حذف الفعل، وهو أن إضمار الفعل وحذفه أكثر ما يكون في ~~الأمر نحو: " إياك والطريق "، (الطريق) ونحو ذلك. # والمتكلم ب (بسم الله الرحمن الرحيم) # PageV01P043 # هو الله سبحانه، وهو أمر عبادة بالابتداء بها في كل سورة من القرآن. # وفائدة ثالثة: وهو أنه إذا حذف الفعل صالح الابتداء في كل عمل أو ms013 شغل # فليس فعل أولى بها من فعل، فكان الحذف أعم من الذكر وأبلغ، (مع) ~~الاستغناء عنه بالمشاهدة والله - سبحانه - أعلم. # * * * ### | مسألة أخرى # [في الواو من قولك وصلى الله على سيدنا محمد] # الواو من قولك: " وصلى الله على سيدنا محمد " مختلف في إثباتها # وطرحها، وحجة من طرحها أن الفعل بعدها دعاء، والدعاء لا يعطف على الخبر، # PageV01P044 # لو قلت: " مررت بزيد وأكرم الله عمرا "، لكان كلاما غثا وقولا مسترثا، ~~وقولنا: " بسم الله " في معنى الخبر لأنه متعلق بفعل مضمر تقديره: أبدأ. # وحجة من أثبتها - مع الاقتداء بالسلف - أن هذه الواو لم تعطف دعاء على # خبر، ولكنها عطفت كلاما محكيا، والمحكي ينزل منزلة الاسم المفرد، ألا ترى ~~أنك تقول: " بدأت بالحمد لله، وختمت بصلى الله على محمد ". # أي: بهذا القول فكذلك تقول: " بدأت باسم الله وصلى الله على محمد، كأنك ~~قلت: بدأت بذكر هذا الاسم وبهذا القول بعده، أعني الدعاء لمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وهذا غير بعيد فيه العطف، والله المستعان. # * * * ### | مسألة أخرى # في معنى الصلاة على محمد - صلى الله عليه وسلم - # قال أهل اللغة: الصلاة تنقسم أقساما: الصلاة بمعنى الدعاء، والصلاة بمعنى # الرحمة والصلاة التي فيها الركوع والسجود. ### | فصل # اة الله - تعالى - على أنبيائه - عليهم الصلاة والسلام - رحمة، وصلاتنا ~~نحن عليه دعاء. # وقالوا في الصلاة التي فيها (الركوع والسجود: إنها) مشتقة من " الصلاتين ~~" # وهما عرقان في كفل الإنسان ينحنيان عند انحنائه، فقيل: أصليت " أي: ~~انحنيت راكعا أو ساجدا. # وقيل: " صلى الفرس "، أي: جاء بعد السابق وكان رأسه عند # صلاة، ولذلك جاء في الأثر: # " سبق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصلى أبو بكر " # إنما هو من هذا. # وقال: # كأن صلا جهيزة حين قامت ... حباب الماء يتبع الحبابا # PageV01P045 # وتركت الرمح يعمل في صلاه ... كأن سنانه خرطوم نسر # هذا منتهى كلامهم وأقصى مرامهم، لم ينبهوا على هذه الألفاظ أهي ألفاظ # اشتراك أم هي مستعارة في بعضها من بعض؟ # ولا ذكروا اشتقاقا للصلاتين اللتين هما الدعاء والرحمة، وتدخل عليهم ~~سؤلات واعتراضات، منها أن يقال: ms014 # إن كانت الصلاة هي التي بمعنى الرحمة أصلا في بابها، فمن أي شيء # اشتقاقها، وإن كانت مستعارة عن الأخرى ومجازا لها، فأي نسبة بين الرحمة # والدعاء؟ أو بين الرحمة والمعنى الآخر الذي هو الانحناء، حتى ينقل اللفظ ~~منه # إليها مجازا أو اتساعا؟ # ومما يسألون عنه في قولهم: الصلاة هي الدعاء # (أن يقال لهم: الدعاء) يكون بالخير والشر، قال الله تعالى: # (ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير) . # ولم يوجد في كلام العرب " صليت "، أي: دعوت بالشر، بل تقول: # دعوت على الظالم والعدو ونحوهما، ولا تقول: صليت. # ومما يسألون في قولهم: (دعوت) يتعدى باللام إذا كانت في الخير، تقول: # دعوت للمريض بالشفاء، ولا تقول: دعوت عليه بالشفاء. # وصليت يتعدى بعلى على كل حال، قال الأعشى: # عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوما فإن لجنب المرء مضطجعا # وقال آخر: # وقابلها الريح في دنها ... وصلى على دنها وارتسم # PageV01P046 # فكيف يكون معناهما واحدا ومواطنهما مختلفة هذه تستعمل في الخير والشر. # وهذه لا تستعمل إلا في الخير، وإحداهما تقتضي مفعولا وهو المدعو، ~~والثانية لا تقتضي مفعولا ولا تطلبه وهي (صليت) ، وإحداهما موصولة باللام ~~إذا كانت في الخير وموصولة بعلى إذا كانت في الشر، والأخرى موصولة بعلى ولا ~~تكون إلا في الخير كما تقدم، فأي تباين في المعنى أعظم من هذا لمن أنصف. # * * * ### | فصل # والجواب عن هذه التساؤلات كلها وبالله التوفيق، وهو المستعان على سلوك # سبيل التحقيق، أن نقول: الصلاة كلها - وإن توهم اختلاف معانيها - راجعة ~~في المعنى " والاشتقاق إلى أصل واحد، فلا تظنها لفظة اشتراك ولا استعارة ~~إنما معناها كلها الحنو والعطف، إلا أن الحنو والعطف يكون محسوسا ومعقولا، ~~فيضاف إلى الله - تعالى - منه ما يليق بجلاله، وينفي عنه ما يتقدس عنه، كما ~~أن العلو " محسوس ومعقول، فالمحسوس منه صلة الأجسام والأجرام، والمعقول منه ~~صفة ذي الجلال والإكرام وهذا المعنى كثير موجود في الصفات وغيرها، ألا ترى ~~أن الكبير يكون صفة للمحسوسات وصفة للمعقولات، وهو من أسماء الله عز وجل، ~~وقد # تقدس - سبحانه - عن مضاهاة الأجسام، وتنزه عن ms015 إدراك الأوهام ومشابهة ~~الأنام، فجميع ما يضاف إليه من هذه المعاني معقولة محسوسة. # وهذا واضح لا خفاء به. # وإذا ثبت هذا فالصلاة - كما قلنا - حنو وعطف، من قولك: # " صليت " أي: حنيت صلاك وعطفته، فأخلق بأن تكون الرحمة صلاة أيضا (كما) ~~تسمى عطفا وحنوا، تقول: " اللهم اعطف علينا "، أي: ارحمنا، قال الشاعر: # وما زلت في ليني له وتعطفي ... عليه كما تحنو على الولد الأم # أي: ترحمه وتعطف عليه. # ورحمة العباد: رقة في القلب إذا وجدها الراحم # من نفسه انعطف على المرحوم وانثنى عليه، ورحمة الله للعباد: جود (منه) # وفضل، فإذا صلى عليه فقد أفضل عليه وأنعم. # وكل هذه الأفعال - كانت من الله عز وجل، أو من العبد - فهي متعدية بعلى # PageV01P047 # ومخصوصة بالخير لا تخرج عنه إلى غيره، فقد رجعت كلها إلى معنى واحد، إلا ~~أنها في معنى الدعاء والرحمة صلاة معقولة، أي: انحناء معقول غير محسوس، ~~ثمرته من العبد الدعاء، لأنه لا يقدر على أكثر منه، وثمرته من الله تعالى ~~الإنعام والإحسان. # فلم تختلف الصلاة في معناها، إنما اختلفت ثمرتها الصادرة عنها. # والصلاة التي هي الركوع والسجود انحناء محسوس، فلم يختلف المعنى فيها # إلا من جهة المعقول والمحسوس، وليس ذلك باختلاف في الحقيقة، ولذلك تعدت ~~كلها بعلى، واتفقت في اللفظ المشتق من الصلاة، ولم يجز # " صليت على العدو " أي: دعوت عليه، فقد صار معنى الصلاة أرق وأبلغ من ~~معنى الرحمة، وإن كان راجعا إليه، إذ ليس كل راحم ينحني على المرحوم ولا ~~ينعطف عليه من شدة الرحمة. # فهذا غاية الكشف عن المسألة، فلا يزهدنك فيها طول العبارة، فقد يدرك # هذا المعنى بأدنى إشارة، ولكنها لما كانت مسألة لم يوجد لأحد فيها كلام ~~يوصل إلى التحقيق، أطلنا الكلام رغبة في البيان وحرصا على الإفهام، والله ~~ولي التوفيق. # وهذه النكتة يجب (من) الاعتناء بها ما لا يجب لغيرها، لكثرة دورها على # الألسنة، وأنه لا يتم الإيمان ولا (يكمل) الدين لمن لا يصلي على نبيه - ~~صلى الله عليه وسلم - ولا يكون مصليا عليه في ms016 الحقيقة إلا من فهم الصلاة ~~عليه - صلى الله عليه وسلم -. # PageV01P048 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | باب أقسام الكلام # قال فيه أبو القاسم (رحمه الله) : أقسام الكلام (ثلاثة) : اسم وفعل # وحرف. # وهذه العبارة - على طولها - واهية مردودة، وعبارة سيبويه - على إيجازها - ~~صحيحة مفيدة قال سيبويه: " الكلم: اسم وفعل وحرف ". # ووجه الرد على أبي القاسم في عبارته من وجهين: # أحدهما: أنه عبر بالكلام عن الكلم الذي هو جمع كلمة، إذ الاسم والفعل ~~والحرف، كل واحد منها كلمة. # وجمع الكلمة كلم، كما تقول: لبنة ولبن. # وأما الكلام فهو اسم مفرد يعبر به عن المعنى القائم في النفس الذي تدل ~~عليه العبارات، وما يصطلح عليه من الإشارات. # ثم قد يسمى اللفظ الدال عليه كلاما، على مذهب العرب في تسميتهم الشيء ~~باسم الشيء الذي اتصل به أو كان سببا له. # والوجه الثاني أنه قال: " أقسام الكلام ثلاثة "، فنوع الكلام ثلاثة ~~أنواع، وجعل الكلام جنسا جامعا لها، فخرج من مضمون ذلك أن الاسم على حدته ~~يسمى كلاما # وكذلك الحرف والفعل، كما أنك لو قلت: " الحيوان ينقسم قسمين: إنسانا ~~وبهيمة " # لكان كل قسم من الحيوان يسمى حيوانا، وكذلك جميع الأنواع الواقعة تحت # الأجناس. # وليس كذلك مسألتنا، فإن " زيدا " ليس كلاما على حدته، ولا " من "، # PageV01P049 # و " عن "، ولا " قام "، بل كل واحد منهن كلمة وليست بكلام. # قال سيبويه: # " وإنما يحكى ما كان كلاما لا قولا، وما لم يكن هكذا سقط القول عليه ". # وأصح من هذه العبارة عبارة من قال: " الكلام (ما) يتألف من ثلاثة أشياء: # اسم وفعل وحرف "، إلا أنها (أيضا) معترضة من وجه واحد، وهو أنه قد يوجد ~~في الكلام ما يتألف من شيئين، نحو: قام زيد، فليس الكلام كله يتألف من هذه ~~الثلاثة، بل أكثره. # فإن قيل: فما تصحيح عبارة من قال: الكلام ينقسم ثلاثة أقسام؟ # فالجواب أن يقال: صحيحها أن يقال: ثلاثة أقسام: خبر، واستخبار # وطلب. # فكل واحد من هذه كلام، وليس كذلك الاسم والفعل والحرف. # * * * ### | مسألة # [في الاسم] # قوله: (الاسم ما جاز أن يكون فاعلا ms017 أو مفعولا) . # لا يخلو أن يكون أراد بالاسم المسمى، أو أراد به اللفظ الدال عليه، فإن ~~كان أراد بالاسم المسمى - على مذهب من يقول ذلك - فعبارة صحيحة، إلا قوله: ~~" أو دخل حرف من حروف الخفض ". # فإن حرف الخفض لا يدخل على المسمى، وإنما يدخل على اللفظ الدال عليه، وهو ~~الاسم. # وإن كان أراد بالاسم اللفظ الدال على المسمى، فظاهر عبارته أيضا الفساد، ~~لأن الذي يكون فاعلا أو مفعولا في الحقيقة إنما هو المسمى دون الاسم. # والعذر له - رحمه الله - أنه تسامح، إرادة التقريب، ولم يقصد إحراز ~~ألفاظه # PageV01P050 # من اعتراض الطاعن، وتلك عادة في أكثر هذا الكتاب وليس مذهبا له ولا لأحد ~~من النحويين أن يريد بالاسم المسمى، ولكنه أراد به الكلمة الدالة. # وقولهم في الكلمة: فاعل أو مفعول، لفظ اصطلحوا عليه، ومعناه ارتفع، لأنه ~~عبارة عن فاعل، وانتصب لأنه عبارة عن مفعول به. # وقوله إذا في الاسم: " ما جاز أن يكون فاعلا أو مفعولا "، قول صحيح في ~~صناعة النحو، ولا يلتفت إلى غيرها. # فإن قيل: ما بال سيبويه قد حد الفعل والحرف ولم يحد الاسم حين قال: # " والاسم زيد وعمرو "؟ # فالجواب: أن الاسم وقع في عبارة النحويين على ما هو في كلام العرب، فلم # يحتج إلى تبيينه بحد ولا رسم. # وأما الفعل والحرف فعبارتان مصطلح عليهما عند النحويين، لأن الفعل عند ~~العرب هو الحدث، وعند النحويين هو: اللفظ الدال # على الحدث والزمان. # والحرف عند النحويين: ما دل على معنى في غيره. # وليس يفهم من العرب من الحروف ذلك المعنى. # وجميع ألفاظ النحويين ينقسم إلى قسمين، منها ما تواضعوا واصطلحوا عليه. # ولا يعبر العرب به إلا عن معنى آخر، نحو: " الظرف "، و (الحرف) ، فهذا لا ~~بد من تبيينه للمبتدئ بالحد والرسم. # ومنها ما هو على أصل موضوعه في كلام العرب # نحو: " الاسم " و " الفاعل " و " المفعول بها. # فهذا لا إشكال فيه على ناظر في صناعة النحو، والله أعلم. # PageV01P051 ### | ### | مسألة # " ما جاز أن يكون فاعلا أو مفعولا ". # قوله: " فاعلا، هاهنا حال ms018 وقع فيها الفعل، والفعل العامل فيه " كان "، ~~لأنها # هاهنا تامة تكتفي باسم واحد وليست " كان " الناقصة التي هي عبارة عن ~~الزمان، لأن تلك لا يجوز أن تعمل في الحال، على ما سيأتي بيانه، إن شاء ~~الله تعالى. # * * * # مسألة # فإن قيل: ولم لا يجوز أن يكون " فاعلا " هاهنا خبرا ليكون، وتجعلها ~~ناقصة؟ # فالجواب أن يقال: يمنع من ذلك أمران: المعنى وسياقة الكلام، فإن الكلام # ورد في معرض التبيين لماهية الاسم وحقيقته، فوجب أن يكون تأويله: ما جاز ~~أن يوجد فاعلا أو مفعولا، لأن " كان " التي هي عبارة عن الزمان إنما هي ~~داخلة على المبتدأ والخبر، فلا تدخل إلا على ما ثبت معناه وعرف وجوده، ~~والأمر ها هنا بخلاف ذلك. ### | مسألة # [في تعريف الفعل] # قوله: " والفعل ما دل على حدث وزمان ". # دلالة الفعل على الحدث بالتضمين لا بالمطابقة، كنحو دلالة " البيت " على # PageV01P052 # " السقف " # وأما دلالته على الزمان فقال النحويون: بالبنية. # وهو لا يدل على الزمان ألبتة، وإنما يدل اختلاف أبنيته على اختلاف أحوال ~~الحدث من المضي والاستقبال والحال. # وأما الزمان الذي هو حركة للفاعل، إن كان مقارنا له، لأن حركة فاعل لا # تدل على حركة فاعل آخر، وكذلك قال سيبويه في أول الكتاب: " أخذت من لفظ ~~أحداث الأسماء فبنيت لما مضى، ولما يكون ولما يقع، ولما هو كائن لم ينقطع ~~". # يعني لما مضى من الحدث ولما هو كائن منه لأنه لم يتقدم غير ذكر الأحداث. # * * * ### | فصل # في اشتقاق الفعل من المصدر # وفائدة اشتقاق الفعل من المصدر أن المصدر اسم كسائر الأسماء يخبر عنه # PageV01P053 # كما يخبر عن سائر الأسماء، نحو قولك: " أعجبني خروج زيد "، " سرني قدوم ~~بكر ". # فإذا ذكر هو وأخبر عنه كان الاسم الذي هو فاعل له مخفوضا مضافا إليه، ~~والمضاف إليه تابع للمضاف، ومستحق للخفض لما سنذكره بعد. # فإذا أرادوا أن يخبروا عن الاسم الفاعل للحدث، لم يمكن الإخبار عنه وهو # مخفوض تابع في اللفظ لغيره، وحق المخبر (عنه) أن يكون مرفوعا مبتدأ به # للحكمة المذكورة في باب المبتدأ، فلم يبق ms019 إلا أن يدخلوا عليه حرفا يدل ~~على أنه مخبر عنه كما تدل الحروف على معان في الأسماء، هذا لو فعلوه لكان ~~الحرف حاجزا (بينه) وبين الحدث في اللفظ، والحدث - الذي هو حركة الفاعل في ~~المعنى - يستحيل انفصاله عن الفاعل كما يستحيل انفصال الحركة عن محلها، ~~فوجب أن يكون اللفظ غير منفصل، لأنه تابع للمعنى. ولما بطل جعل الاسم مخبرا ~~عنه مع بقاء لفظ الحدث على حاله، وبطل إدخال حرف يدل على كونه مخبرا عنه، ~~لم يبق إلا أن تشتق من لفظ الحدث لفظا يكون كالحرف في النيابة عنه، دالا ~~على معنى في غيره، ويكون متصلا اتصال المضاف بالمضاف إليه، وهو الفعل ~~المشتق # من لفظ الحدث، فإنه يدل على الحدث بالتضمين، ويدل على أن الاسم مخبر عنه ~~لا مضاف إليه، (إذ يستحيل إضافة لفظ الفعل إلى الاسم) كما يستحيل إضافة ~~الحرف، لأن المضاف هو الشيء بعينه، والفعل ليس هو الشيء بعينه ولا يدل على ~~معنى في نفسه (وإنما يدل على معنى في الفاعل، وهو كونه مخبرا عنه) # فإن قيل: كيف لا يدل على معنى في نفسه وهو يدل على الحدث؟ . # PageV01P054 # قلنا: إنما يدل عليه بالتضمين كما سبق، دلالة " الفرس " على " القوائم ". # ودلالة السقف على البيت. # واللفظ الذي يدل على الحدث بالمطابقة إنما هو الضرب والقتل، وأما # " ضرب " و " قتل " فلا، وإذا ثبت أنه لا يدل على معنى في نفسه بالمطابقة، ~~فمن ثم وجب (أن ألا يضاف ولا أن يعرف بشيء من آلات التعريف، إذ التعريف ~~يتعلق بالشيء بعينه لا بلفظ يدل على معنى في غيره. # (ومن ثم وجب ألا يثنى ولا يجمع، كما لا يثنى الحرف ولا يجمع) . # ومن ثم وجب أن يبنى كما تبنى الحروف لمضارعته لها، من حيث دل على معنى في ~~غيره كالحرف، ومن ثم وجب أن يكون عاملا في الاسم كما أن الحرف لما دل على ~~معنى في غيره وجب أن يكون له أثر # في لفظ ذلك الغير، كما له أثر في معناه. # وإنما أعرب المستقبل الذي ms020 هو أوله الزوائد لأنه تضمن معنى الاسم، إذ # " الهمزة " تدل على المتكلم، و " التاء " على المخاطب، و " الياء " على ~~الغائب، فلما تضمن بلفظ معنى الاسم ضارع الاسم فأعرب، كما أن الاسم إذا ~~تضمن معنى الحرف بني. # وأما الماضي وفعل الأمر فإنهما - وإن تضمنا معنى الحدث، وهو اسم - فما # شاركا فيه الحرف من الدلالة على معنى في غيره، وهي حقيقة الحرف، أوجب # PageV01P055 # بناءهما، حتى إذا ضارع الفعل الاسم من وجه آخر غير التضمن للحدث، خرج عن ~~مضارعة الحرف، فكان أقرب شبها بالأسماء كما تقدم. # ولما قدمناه من دلالة الفعل على معنى في الاسم - وهو كون الاسم مخبرا # عنه - وجب أن لا يخلو عن ذلك الاسم مضمرا أو مظهرا، بخلاف الحدث فإنك ~~تذكره ولا تذكر الفاعل مضمرا ولا مظهرا، نحو قوله تعالى: # (أو إطعام في يوم ذي مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15) . # ونحو قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) ، وغير ذلك. # والفعل لا بد من ذكر الفاعل بعده كما لا بد بعد الحرف من ذكر الاسم الذي ~~دخل لمعنى فيه. # * * * ### | فصل # (في صيغ الفعل) # فإن قيل وإذا ثبت المعنى في اشتقاق الفعل من المصدر، وهو كونه دالا على # معنى في الاسم، فلا يحتاج من الأفعال الثلاثة إلا إلى صيغة واحدة، وتلك ~~الصيغة هي لفظ الماضي لأنه أخف وأشبه بلفظ الحدث، إلا أن تقوم الدلالة على ~~اختلاف أحوال الحدث فتختلف حينئذ صيغة الفعل، ألا ترى كيف لم تختلف صيغته ~~بعد " ما " الظرفية من قولهم: " لا " أفعله ما لاح برق، ولا ما طار طائر، ~~لأنهم يريدون الحدث مخبرا (به) على الإطلاق من غير تعرض لزمان ولا من حال ~~من أحوال الحدث. # فاقتصروا على صيغة واحدة وهي أخف أبنية الفعل. # وكذلك فعلوا بعد التسوية نحو قوله تعالى: (سواء عليهم أأنذرتهم) . # ونحو قوله تعالى: (أدعوتموهم أم أنتم صامتون) الآية. # أراد التسوية بين الدعاء والصمت على الإطلاق من غير تقييد # بوقت ولا حال، فذلك لم يحتج إلا (إلى) صيغة واحدة، وهي صيغة الماضي. # كما سبق. # فالحدث إذا على ms021 ثلاثة أضرب: # PageV01P056 # ضرب يحتاج إلى الإخبار عن فاعله، وإلى اختلاف أحوال الحدث، فيشتق # منه الفعل دلالة على كون الفاعل مخبرا عنه، وتختلف أبنيته دلالة على ~~اختلاف أحوال الحدث. # وضرب يحتاج (إلى) الإخبار عن فاعله على الإطلاق من غير تقييد بوقت # ولا حال. # فيشتق منه الفعل، ولا تختلف أبنيته نحو ما ذكرناه من الفعل الواقع بعد # التسوية، وبعد " ما " الظرفية. # وضرب لا يحتاج إلى الإخبار عن فاعله ولا إلى اختلاف أحوال الحدث. # بل يحتاج إلى ذكره خاصة على الإطلاق مضافا إلى ما بعده، نحو: سبحان الله، ~~فإن سبحان اسم ينبنئ عن العظمة والتنزيه، فوقع القصد إلى ذكره مجردا من ~~التقييدات بالزمان أو بالأحوال. # ولذلك وجب نصبه كما يجب نصب كل مقصود إليه بالذكر. # نحو " إياك " ونحو " ويل زيد وويحه "، وهما أيضا مصدران لم يشتق منهما ~~فعل، حيث لم يحتج إلى الإخبار عن فاعلهما، ولا احتيج إلى تخصيصهما بزمن، ~~فحكمهما حكم سبحان الله ونصبهما كنصبه، لأنه مقصود إليه. # ومما انتصب لأنه مقصود إليه بالذكر: " زيدا ضربته " في قول النحويين، وهو # مذهب شيخنا " أبي الحسين "، وكذلك " زيدا ضربت "، بلا ضمير، لا يجعله # مفعولا مقدما لأن المعمول لا يتقدم على عامله، وهو مذهب قوي. # ولكن لا يبعد عندي قول النحويين أنه مفعول مقدم، وإن كان المعمول لا ~~يتقدم على العامل. # والفعل كالحرف لأنه عامل في الاسم وذلك على معنى فيه، فلا ينبغي للاسم أن ~~يتقدم، كما لا يتقدم على الحرف. # ولكن الفعل في قولك: " زيدا ضربت " فد أخذ # معموله وهو الفاعل، فمعتمده عليه، ومن أجله صيغ، وأما المفعول فلم يبالوا ~~به، إذ ليس اعتماد الفعل عليه كاعتماده على الفاعل، ألا ترى أنه يحذف ~~والفاعل # PageV01P057 # لا يحذف، فليس تقديمه على الفعل العامل فيه بأبعد من حذفه. # وأما " زيدا ضربته " فينصب بالقصد إليه، كما قال الشيخ. # * * * ### | مسألة # (في المصدر) # هاهنا سؤال لطيف، وهو أن يقال: المصدر في اصطلاح النحويين أمصدر هو # أم اسم غير مصدر؟ # ومعنى هذا السؤال أن مصدر مفعل، ومفعل يكون عبارة عن # الحدث ms022 نحو " ذهبت مذهبا "، ويكون عبارة عن الموضع الذي يكون فيه الفعل، ~~فتسمية النحويين الحدث مصدرا هل هو مفعل الذي يراد به الحدث، أو مفعل الذي ~~يراد به الموضع؟ # فإن قلت: هو مفعل الذي يراد به الحدث، خرجت إلى قول الكوفيين في # قولهم: إن المصدر صادر عن الفعل (والفعل) أصل له، وذلك أنك إذا جعلته # مصدرا صار بمعنى الصدور والصدر، وصار الضرب ونحوه إذا سميته مصدرا # كقولك: " رجل صوم وزور وفطر " أي: صائم وزائر ومفطر، فيكون الحدث أيضا ~~صادرا من حيث جعلت المصدر مفعلا بمعنى الصدور والصدر. # فإن قلت: وكيف أجعله اسما غير مصدر وهو عبارة عن الحدث، والحدث هو ~~المصدر؟ # قلنا: تسمية الحدث عندنا مصدرا على جهة الاستعارة، كأنه الموضع # الذي صدرت عنه الأفعال، والأصل الذي نشأت عنه، ولا بد من المجاز على # القولين جميعا، لأن الكوفي إذا قال إنه بمعنى " الصدود فلا بد من حذف ~~عنده في تسمية الضرب مصدرا، كما لا بد من حذف في تسمية الرجل صوما وزورا، ~~أي: ذو صوم وذو زور. # وإذا جعلناه اسما للحدث على جهة المجاز والنقل من المصدر الذي # هو المكان فهو مجاز، وتسميته كتسمية الشجاع أسدا، وكتسمية المجاز مجازا، ~~فإن أصل موضوع المجاز في المحسوسات للشيء مجاز عليه، ثم نقله أهل الصناعة ~~للمعنى الذي تجوز بسببه في نقل الألفاظ عن أصل موضوعها، وتسمية الشيء باسم # PageV01P058 # غيره لمعنى جامع بينهما جائز، فذلك الوجه هو المجاز، إذ بسببه انتقل ~~اللفظ عن أصل موضوعه، وجاز أن يسمى به غيره، والله أعلم. # * * * ### | مسألة # (في الحرف) # قوله: " والحرف: ما دل على معنى في غيره ". # وذلك الغير إما اسم وإما فعل، وليس للحرف معنى في نفسه، وأما الذي له # معنى على الحقيقة هو الاسم، ومن ثم وجب أن لا يكون عاملا في غيره على # الحقيقة، ووجب أن يكون الحرف عاملا في كل ما دل على معنى فيه، لأن ~~الألفاظ تابعة للمعاني، فكما تشبث الحرف بما دخل عليه معنى، وجب أن يتشبث ~~به لفظا، وذلك هو العمل. # فاصل ms023 كل كل حرف أن يكون عاملا، فإذا وجدت حرفا غير عامل فسبيلك أن تسأل، ~~وأما الفعل فلا بد أن يكون عاملا في الاسم لما بين في المسألة قبل هذا. # فإن قيل: فما بال حروف كثيرة لا تعمل؟ # قلنا: لا نجد حرفا لا يعمل إلا حرفا دخل على جملة قد عمل بعضها في # بعض، وسبق إليها عمل الابتداء أو نحوه، وكان الحرف داخلا لمعنى في الجملة ~~لا لمعنى في اسم مفرد فاكتفى بالعامل السابق قبل هذا الحرف، وهو الابتداء ~~ونحوه. # وذلك نحو: هل زيد قائم؟ ونحو: أعمرو خارج؟ في الاستفهام. # فإن الحرف دخل لمعنى في الجملة، ولايمكن الوقوف (عليه) ولا يتوهم انقطاع ~~الجملة عنه، لأنه حرف مفرد لا يوقف عليه، ولو توهم ذلك فيه لعمل في الجملة ~~ليؤكدوا # PageV01P059 # بظهور أثره فيه تعلقه بها ودخوله عليها، كما فعلوا في " إن " وأخواتها ~~حيث # كانت كلمات من ثلاثة أحرف فصاعدا يجوز الوقف على كل واحدة منهن. # تقول: إنه، وليته، ولعله، فأعملوها في الجملة إظهارا لتشبثهن بالحديث # الواقع بعدهن. # وسيأتي بيان ذلك - إن شاء الله تعالى - بأكثر من هذا. # نعم وربما أرادوا توكيد تعلق الحرف بالجملة إذا كان الحرف مؤلفا من ~~حرفين، نحو " هل "، فربما يوهم الوقف عليه، أو خيف ذهول السامع عنه فادخل ~~في الجملة حرف زائد ينبه السامع عليه، وقام ذلك الحرف مقام العمل، نحو ~~قولك: هل زيد بقائم وما زيد بقائم، فإذا سمع المخاطب " الباء " وهي لا تدخل ~~في الوجوب، تأكد عنده ذكر النفي # والاستفهام وأن الجملة غيو منفصلة عنه، ولذلك أعمل أهل الحجاز " ما " ~~النافية تأكيدا لتشبثها بالجملة. # ومن العرب من اكتفى في التأكيد بإدخال الباء ورآها نائبة (في الثأثير) عن # العمل الذي هو النصب. # وإنما اختلفوا في " ما " ولم يختلفوا في " هل "، لمشاركة " ما " ل ليس في # النفي، فحين أرادوا أن يكون لها أثر في الجملة (يؤكد) تشبثها بها جعلوا ~~ذلك # الأثر كأثر (ليس) وهو النصب، والعمل في باب " ليس " أقوى، لأنها كلمة ~~كليت و " لعل " و " كان "، والوهم إلى ms024 انفصال الجملة عنها أسرع منه إلى ~~توهم انفصال الجملة عن " ما " و " هل " فلم يكن بد من إعمال " ليس "، ~~وإبطال معنى الابتداء السابق. # ولذلك إذا قلت: ما زيد إلا قائم، لم يعملها أحد منهم، لأنه لا يتوهم # انقطع " زيد " عن " ما " لأن " إلا " لا يكون إيجابا إلا بعد نفي، فلم ~~يتوهم انفصال الجملة عن " ما "، وكذلك لم يعملوها عند تقدم الخبر نحو: " ما ~~قائم زيد " لأنه ليس من رتبة النكرة أن يكون مبدوءا بها مخبرا عنها إلا مع ~~الاعتماد على ما قبلها، فلم يتوهم المخاطب انقطاع الجملة عن " ما " قبلها ~~لهذا السبب، فلم يحتج إلى إعمالها وإظهار أثرها، وبقي الحديث كما كان قبل ~~دخولها، مستغنيا عن تأثيرها فيه. # وأما حرف " لا " فإنه إن كان عاطفا فحكمه حكم حروف العطف، وليس من # حروف العطف شيء عامل، وإن لم يكن " لا " حرف عطف نحو: " لا زيد قائم ولا ~~عمرو "، فلا حاجة إلى إعمالها في الجملة لأنه " لا " يتوهم انفصال الجملة ~~بقوله # PageV01P060 # " ولا عمرو "، ولأن الواو مع لا الثانية تشعر بالأولى لا محالة، وتربط ~~الكلام فيها، فلم يحتج إلى إعمالها، وبقيت الجملة عاملا فيها الابتداء كما ~~كانت قبل دخول " لا ". # فإن قلت: فإن لم تعطف على الجملة بحرف عطف وقلت: " لا زيد قائم ". # فما حكم لا؟ # قلت: هذا لا يجوز، لأن " لا " ينفى بها في أكثر الكلام ما قبلها، تقول: # هل قام زيد؟ فيقال: لا. # وقال سبحانه: (لا أقسم بهذا البلد) ، وليست " لا " هاهنا # نفيا لما بعدها، كما لو قلت: " ما أقسم "، ألا ترى أن " ما " لا تكون ~~أبدا لا نفيا لما بعدها، فلذلك قالوا: " ما زيد قائم " ولم يخشوا توهم ~~انقطاع الجملة عنها، ولو قالوا: # لا زيد قائم لخيف أن يتوهم أن الجملة موجبة وأن " لا " كنحو " ما " هي في # " لاأقسم " إلا أن تعطف فتقول: " لا زيد في الدار ولا عمرو "، وكذلك في ~~النكرات نحو: (لا لغو فيها ولا تأثيم) إلا أنهم في النكرات قد أدخلوها على ~~المبتدأ والخبر تشبيها لها بليس ms025 لأن النكرة أبعد في باب الابتداء من ~~المعرفة، والمعرفة أشد استبدادا بأول الكلام. # وأما التي للتبرئة فللنحويين فيها اختلاف، أهي عاملة أم لا؟ # فإن كانت عاملة فكما أعملوا " أن " حرصا على إظهار تشبثها بالحديث، وإن # كانت غير عاملة - كما ذهب إليه سيبويه، والاسم بعدها مركب معها مبني على ~~الفتح - فليس كلامنا في المبنيات. # وأما حروف النداء فعاملة في المنادى عند بعضهم. # والذي يظهر لي الآن أن (يا) تصويت بالمنادى، نحو " جوت "، و " ها "، ونحو ~~ذلك، والمنادى منصوب بالقصد إليه وإلى ذكره، كما تقدم من قولنا في كل مقصود ~~إلى ذكره مجردا عن الإخبار عنه: أنه منصوب. # ويدلك على أن حرف النداء ليس بعامل وجود العمل في الاسم دونه # نحو: " صاحب زيد أقبل "، و (يوسف أعرض عن هذا) . # وإن كان مبنيا عندهم # PageV01P061 # فإنه بناء كالعمل، ألا تراه ينعت على اللفظ كما ينعت المعرب، ولو كان حرف ~~النداء عاملا لما جاز حذفه وبقاء العمل. # * * * ### | فصل # (في الحروف الناصبة والجازمة للمضارع) # فإن قيل: ما بال الحروف الناصبة للأفعال المضارعة والجازمة لها قد عملت # في الأفعال، والفعل مع فاعله جملة قد عمل بعضها في بعض؟ # ثم إن الفعل المضارع قبل دخول العامل عليه كان مرفوعا، ورفعه - لا شك - ~~بعامل، وذلك العامل - في قولهم - هو وقوعه موقع الاسم، فهلا منع هذا العامل ~~هذه الحروف الداخلة من العمل، كما منع العامل - الذي هو الابئداء - الحروف ~~الداخلة على الجملة من العمل، إلا أن يخشى انقطاع الجملة كما خيف في " أن " ~~وأخواتها؟ # فالجواب من وجهين: # أحدهما أن العامل في المبتدأ - وإن كان معنويا - كما # أن الرافع للفعل المضارع معنوي، لكنه أقوى منه، لأن حق كل مخبر عنه أن ~~يكون مرفوعا لفظا وحسا كما أنه مرفوع معنى وعقلا، ولذلك استحق الفاعل الرفع ~~دون المفعول، لأنه المحدث عنه بالفعل، فهو أرفع رتبة من المفعول في المعنى، ~~فوجب أن يكون في اللفظ كذلك، لأن تابع للمعنى. # وأما رفع الفعل المضارع فلوقوعه موقع الاسم المخبر به والاسم التابع له ~~فلم يقو قوته ms026 في استحقاق الرفع، فلم يمنع شيئا من الحروف اللفظية عن العمل، ~~إذ اللفظي أقوى من المعنوي، وامتنع ذلك في # PageV01P062 # بعض الأسماء المبتدأة لضعف الحروف، وقوة العامل السابق للمبتدأ، كما تقدم ~~بيانه. # والجواب الآخر: أن هذه الحروف لم تدخل في معنى الجملة، إنما دخلت # لمعنى في الفعل المتضمن للحدث من نفي أو إمكان أو نهي أو جزاء، وذلك كله ~~يتعلق بالفعل خاصة لا بالجملة، فوجب عملها فيه كما وجب عمل حروف الجر في ~~الأسماء من حيث دلت على معنى فيها، ولم تكن داخلة على جملة قد سبق إليها ~~عامل معنوي ولا لفظي، وهذا الجواب أولى أن يتمسك به. # * * * ### | مسألة # ومما يجب الوقوف عليه هاهنا أيضا أن النواصب والجوازم لا تدخل على # الفعل الواقع موقع الاسم لحصوله في موضع الأسماء، فلا سبيل لنواصب ~~الأفعال وجوازمها أن تدخل على الأسماء، ولا على ما هو واقع موقعها، فهي إذا ~~دخلت على الفعل خلصته للاستقبال ونفت عنه معنى الحال، وهذا معنى يختص ~~بالفعل لا بالجملة. # * * * # فصل # وأما " إلا " في الاستثناء فقد زعم بعضهم أنها عاملة. # وقد نقض ذلك عليه بما لا قبل له به من قولهم: " ما قام أحد إلا زيد " # و" ما جاءني إلا عمرو ". # والصحيح أنها موصلة الفعل إلى العمل في الاسم بعدها، كتوصيل واو # المفعول معه الفعل إلى العمل فيما بعدها. # وليس هذا بكسر الأصل الذي قدمناه، # PageV01P063 # وهو استحقاق جميع الحروف للعمل فيما دخلت عليه عن الأسماء المفردة ~~والأفعال، لأنها إذا كانت موصلة للفعل، والفعل عامل، فكأنها هي العاملة، ~~فأنت إذا قلت: " ما قام إلا زيد " فقد أعملت الفعل على معنى الإيجاب، كما ~~(لو) قلت: " قام زيد لا عمرو،، وقامت " لا " مقام نفي الفعل عن عمرو، فكذلك ~~قامت " إلا " مقام (إيجاب الفعل لزيد إذا قلت: ما جاءني إلا زيد، فكأنها هي ~~العاملة) ، فاستغنوا عن إعمالها عملا آخر. # وكذلك حروف العطف، وإن لم تكن عوامل، فإنما جاءت " الواو " الجامعة # منها تجمع بين الاسمين في الإخبار عنهما، فقد أوصلت الفعل إلى العمل في # الثاني، ms027 وسائر حروف العطف يتقدر بعدها العامل، فنكون في حكم الحروف # الداخلة على الجمل، فإذا قلت: " قام بعدها العامل " فتكون في حكم الحروف # الداخلة على الجمل، فإذا قلت: " قام زيد وعمرو " فكأنك قلت: " قام زيد ~~وقام عمرو ". # وإذا قلت: " زيد وعمرو في الدار "، فكأنك قلت: " زيد في الدار وعمرو فيها ~~أيضا ". # فصارت هذه الحروف كالداخلة على الجمل. # وقد تقدم في الحروف الداخلة على الجمل أنها لا تستحق من العمل فيها ما ~~تستحق الحروف الداخلة على الأسماء المفردة والأفعال. # ونقيس على ما تقدم لام التوكيد، وتركهم لإعمالها في الجملة، مع أنها لا # تدخل لمعنى في الجطه فقط، بل لتربط ما قبلها من القسم بما بعدها. # هذا هو الأصل فيها، حتى إنهم ليذكرونها دون القسم فتشعر عند المخطاب ~~باليمين، كما قال الشاعر: # إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسما إليك مع الصدود لأميل # PageV01P064 # لأنه حين قال: " لأمنحك " علم أنه قد أقسم، فلذلك قال: " قسما ". # وهذا الأصل محيط بجميع أصول أعمال حروف الجر وغيرها من العوامل. # وكاشف عن أسرار العمل للأفعال وغيرها من الحروف في الأسماء، ومنبهة على ~~سر امتناع الأسماء من أن تكون عوامل في غيرها، والحمد لله على ما علم. # PageV01P065 ### | باب الإعراب ### | مسألة # الإعراب الذي هو الرفع والنصب والخفض محله أواخر الكلم، ولبعض # النحويين في تعليل ذلك كلام يرغب عنه! # والحكمة فيه عندي - والله أعلم - أن الإعراب دليل على المعاني التي تلحق ~~الاسم نحو كونه فاعلا أو مفعولا وغير ذلك. # وتلك المعاني لا تلحق الاسم إلا بعد حصول العلم بحقيقته ومعناه. # فوجب أن لا يتقدم الإعراب الاسم ولا يتوسطه في الوجود، وأن يترتب بعده ~~كما ترتب مدلوله - وهو الوصف - بعد مدلول الاسم، وهو المسمى الموصوف بذلك ~~الوصف، والله أعلم. # * * * # مسألة # في الحركة والحرف # الحركة عبارة عن تحريك العضو الذي هو الشفتان عند النطق بالصوت الذي # هو الحرف، والحرف عبارة عن جزء من الصوت. # PageV01P066 # ومحال أن تقوم الحركة بالحرف حتى يقال: حرف متحرك، حقيقة، لأن # الحرف الذي هو جزء من الصوت عرض عند جميع العقلاء ms028 إلا النظام. # وقوله لا ينسق مع الصواب في نظام فإذا ثبت أن الصوت عرض والحركة عرض آخر، ~~فقولنا: # (حرف) متحرك أو ساكن، مجاز لأن السكون أيضا ضد الحركة ومحله محلها. # وهو العضو، إذ لا تقوم الحركة والسكون إلا بجسم أو جوهر، فإذا ثبت ذلك ~~فالضمة عبارة عن تحريك الشفتين بالضم عند النطق بالحرف، فيحدث عن ذلك صوت ~~خفي مقارن للحرف، وإن امتد كان " واوا " وإن قصر كانا ضمة ". # وصورتها عند حذاق الكتاب صورة " واو " صغيرة لأنها بعض واو. # والفتحة عبارة عن فتح الشفتين عند النطق بالحرف وحدوث الصوت الخفي # الذي يسمى فتحة أو نصبة، وإن امتدت كانت ألفا، وإن قصرت فهي بعض ألف. # وصورتها كصورة ألف صغيرة. # وكذلك القول في الكسرة والياء أن إحداهما بعض # الأخرى، وحدوثهما عند تحريك العضو بالكسر مع مقارنة الحرف. # والسكون عبارة عن خلو العضو من الحركات عند النطق بالحرف، فلا # يحدث بعد الحرف صوت فينجزم عند ذلك، أي: ينقطع، فتسميه جزما، اعتبارا ~~بالصوت وانجزامه، وتسميه سكونا، اعتبارا بالعضو الساكن. # فقولنا إذا: فتح، وضم، وكسر، وسكون، هو من صفة العضو، وإذا سميناها رفعا ~~ونصبا وخفضا وجزما، فهي من صفة الصوت، لأنه يرتفع عند ضم الشفتين، وينتصب ~~عند فتحهما، وينخفض عند كسرهما، وينجزم عند سكونهما. # PageV01P067 # ولهذه الحكمة عبر أرباب الصنعة بالرفع والنصب والجزم والخفض عن # حركات الإعراب، إذ الإعراب لا يكون إلا بعامل وسبب، كما أن هذه الصفات ~~التي تضاف إلى الصوت من رفع ونصب وخفض إنما يكون بسبب وهو تحرك العضو ~~فاقتضت الحكمة اللطيفة والصنعة البديعة أن يعبر بما يكون عن سبب عما يكون ~~لسبب وهو الإعراب، وأن يعبر بالفتح والضم والكسر والسكون عن أحوال البناء، ~~فإن البناء لا يكون بسبب، أعني بالسبب العامل. # فاقتضت الحكمة أن يعبر عن تلك الأحوال بما يكون وجوده بغير آلة، إذ # الحركات الموجودة في العضو لا تكون بآلة، كما تكون الصفات المضافة إلى # الصوت. # فمن تأمل هذه الحكمة من أرباب الصناعة، رأى من بعد غورهم، ودقة # أذهانهم، ورجاحة أحلامهم، وثقابة ms029 أفهامهم، ما يستدل به على أنهم مؤيدون ~~بالحكمة في جميع أغراضهم وكلامهم. # ولعلنا أن نعطف عنان الكلام بعد هذا إلى الخفض وتسميتهم إياه جرا. # والتكلم على صورته في الخط، إلى غير ذلك مما يليق ذكره بذلك المقام، ~~والله المستعان. # * * * ### | مسألة # (في بعض علامات الأسماء) # قوله: " تنفرد الأسماء بالخفض والتنوين ". # قال بعضهم في حد التنوين: التنوين نون ساكنة تلحق أواخر الأسماء # المتمكنة. # وتصحيح هذه العبارة عندي أن يقال: " التنوبن: إلحاق الاسم نونا ساكنة! ، ~~لأن التنوين مصدر " نونت الحرف "، أي: ألحقته نونا، كما أن التنعيل مصدر # PageV01P068 # " نعلت الرجل ": إذا جعلت له نعلا، وليس التنعيل هو النعل، وكذلك التنوين ~~ليس هو النون بمجردها، وهذا يطرد في الحروف، تقول: " سينت الكلمة "، أي: ~~ألحقت بها سينا، و " كوفتها " أي: ألحقت بها كافا، ومن الزاي: زينتها - في ~~قول بعضهم - # والصحيح: " زويتها " حكي عن بعض الأعراب أنه قال: (إنها زاي فزوها،. # فإن قيل: ما الحكمة في إلحاق هذه النون الأسماء، وسقوطها في الوقف. # وإبدالها ألفا في حال النصب، وغير ذلك من أحوالها؟ # فالجواب: أن أكثر مسائل هذا الباب قد تكلم الناس فيه بحكمة وصواب، إلا ~~أشياء أغفلوها منها مسائل كثيرة من باب ما ينصرف وما لا ينصرف ونتف في ~~أبواب أخر، لعلنا - إن شاء الله تعالى - أن نكشف عنها، ويشفى منها، ونقدم ~~لها هاهنا أصلا فنقول: # التنوين فائدته التفرقة بين المنفصل والمتصل، فلا يدخل في الاسم إلا # علامة لانفصاله مما بعده، ولذلك يكثر في النكرات لفرط احتياجها إلى ~~التخصيص بالإضافة، فإذا لم تضف احتاجت إلى التنوين تنبيها على أنها غير ~~مضافة، ولا تكاد المعارف تحتاج إلى ذلك إلا فيما قل من الكلام، لاستغنائها ~~في أكثره عن زيادة نخصيص، وما لا يتصور فيه الإضافة بحال لا ينون بحال ~~كالمضمر والمبهم، وكذلك ما دخلته الألف واللام لا يحتاج إلى التنوين في شيء ~~من الكلام. # وهذه علة عدمه في الوقف، لأن الوقوف عليه لا يكون مضافا إلى غيره، إذ # المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد، ولا يوقف على بعض الاسم دون ms030 بعض، ~~وبالله التوفيق. # PageV01P069 # فإن قيل: ما الحكمة في اختيار " النون " الساكنة لهذا المعنى دون سائر # الحروف؟ # فالجواب: أن الأصل في الدلالة على المعاني الطارئة على الأسماء حروف # المد واللين، وأبعاضها - وهي الحركات - متى قدر عليها فهي أخف من غيرها، ~~ومتى لم يمكن كان أشبه الحروف بها وأقربها إليها أولى بذلك مما هو أبعد ~~منها. # وأواخر الأسماء المعربة قد لحقتها حركات الإعراب فلا يصح أن يلحقها علامة ~~للانفصال إلا غير الحركات وغير حروف المد واللين، لأن حروف المد واللين هي ~~أنفس الحركات، إلا أنها مدت وطول بها الصوت، على ما سيأتي بيانه إن شاء ~~الله تعالى. # فإذا لم يمكن الحركة، ولا ما هي بعضها من الحروف، فأشبه الحروف # بحروف المد واللين " النون " الساكنة لخفائها وسكونها، وأنها من حروف ~~الزيادة، وأنهم قد جعلوها من علامات الإعراب في الأمثلة الخمسة، واختيرت ~~علامة لتمكن الاسم، وتنبيها على انفصاله، ولذلك لا نجد فعلا منونا أبدا، ~~لاتصاله بفاعله واحتياجه إلى ما بعده. # * * * ### | مسألة # (في التصغير) # قوله: " تنفرد الأسماء بالتصغير ". # والتصغير عبارة عن تغيير الاسم ليدل على صغر المسمى وقلة أجزائه، إذ # الكبير ما كثرت أجزاؤه، والصغير بعكس ذلك. # فإن قيل: وما الحكمة في أن ضم أوله، وفتح ثانيه، وزيدت فيه ياء ثالثة، ~~وقد كان يمكن في لفظ التصغير دروب من التغيير غير هذا؟ # PageV01P070 # فالجواب: أن التصغير هو تقليل أجزاء المصغر بخلاف الجمع، فهو مقابل لما # جمع على " فعالل " لأنه ضده، وقد زيد في جمع " فعالل " ألف ثالثة، فزيد ~~في # التصغير " ياء " ثالثة في أضعاف الكلمة، ولم تكن آخرا مثل علامة التأنيث، ~~لأن الزيادة في اللفظ إنما تكون على حسب الزيادة في المعنى، والصفة التي هي ~~صغر الجسم لا يختص بجزء منه دون جز لخلاف صفة التأنيث فإنها مختصة في جميع ~~الحيوانات بطرف يقع به الفرق بين الأنثى والذكر، فكانت العلامة في اللفظ ~~(المنبئة عن معنى التأنيث طرفا في اللفظ) . # بخلاف " الياء " في التصغير فإنها منبئة عن صفة واقعة على جملة المصغر، ~~وكانت " ياء " ولم تكن ألفا ms031 لأن الألف قد اختصت # بجمع التكثير، وكانت به أولى كما كانت الفتحة التي هي أختها بذلك أولى، ~~لأن الفتح ينبئ عن الكثرة ويشار به إلى السعة، ولذلك تجد الأخرس والأعجم ~~بطبعه إذا أخبر عن شيء كثير، فتح شفتيه، وباعد ما بين يديه. # وإذا كان الفتح ينبئ عن السعة والكثرة، فالضم الذي هو ضده ينبئ عن القلة ~~والحقارة، ولذلك تجد المقلل للشيء يشير إليه بضم فم أو يد، كما فعل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حين ذكر الساعة التي في يوم الجمعة، وأشار ~~بيده يقللها، لأنه ضم بين إبهامه وأصبعه - صلى الله عليه وسلم -. # وهذا بين في الحكمة لمن تأمله، ونافع في التعليل لمن # حصله. # وأما " الواو " فلا معنى لها في التصغير لوجهين: # أحدهما: دخولها في درب من الجموع نحو " الفعول "، فلم يكونوا ليجعلوها # علامة في التصغير، فيلتبس التقليل بالتكثير. # والثاني: أنه لا بد من كسر ما بعد علامة التصغير إذا لم يكن حرف إعراب. # كما كسر ما بعد علامة التكثير في نحو " مفاعل "، ليتقابل اللفظان كما ~~تقابل المعنيان. # وكثيرا ما تفعل العرب ذلك، توازن ما بين اللفظين، إذا كان معناهما # PageV01P071 # متضادين، ألا ترى أن " علما على وزن " جهل ". # و" روى " على وزن " عطش "، وشرف فهو شريف، على وزن وضع فهو وضيع؟ # وهذا كثير في كلامهم من أن يحصى، فلم يمكن إدخال " الواو " مكان " الياء ~~" لئلا يخرج منها إلى الكسر الذي هو ضدها. # فإذا امتنعت الواو - والألف قد اختص بها الجمع - فلم يبق إلا الياء. # و (قد) جعلت مفتوحا ما قبلها من أجل الضمة التي هي في أول الكلمة، لئلا # يخرج من ضم إلى كسر، والله أعلم. # * * * ### | مسألة # (الجزم خاص بالأفعال والخفض بالأسماء) # سؤالهم عن امتناع دخول الجزم في الأسماء والخفض في الأفعال، سؤال غير # لازم عند شيخنا (أبي الحسين) (رحمه الله تعالى) ، لأن المعاني المدلول ~~عليها # في الأسماء ثلاثة أفسام: مخبر عنه، وداخل في حديث غيره، ومضاف إليه - فلا ~~يحتاج إلى إعراب رابع، لأنه لا مدلول له. # وكذلك الأفعال، ms032 المعاني المدلول عليها ثلاثة أقسام: فعل واقع موفع الاسم # فله الرفع، وفعل في تأويل اسم فله النصب، لأن الرفع والنصب من إعراب ~~الأسماء، فاستحقه من الأفعال ما هوفي تأويل الاسم أو واقع موقع اسم، (وفعل ~~لا في تأويل اسم ولا واقع موقع اسم) فله الجزم، لأن الجزم ليس من إعراب ~~الأسماء. # وليست هذه عبارة الشيخ (أبي الحسين) في الأفعال، ولكنه قال: # " الأفعال واجب وممكن ومنتف، أو في حكم المنتفى، فالرفع للواجب، والنصب ~~للممكن. # والجزم الذي هو عدم الحركة وانتفاؤها للمنفي أو ما هو في حكمه. # وكل ما قاله صحيح إلا أن قوله: " لا يحتاج في الأسماء إلى رابع، ولا في # الأفعال "، فإن للسائل أن يقول: لم أرد إعرابا رابعا، وإنما أردت أن يكون ~~الجزم بدلا من الخفض، والخفض بدلا من الجزم. # فيجاب حينئذ بما اعتل به النحويون # PageV01P072 # من اختلال الأسماء عند ذهاب الحركة والتنوين، مع أن الأسماء أخف، فكانت ~~أحمل لثقل الحركة، والأفعال بعكس ذلك. # * * * ### | مسألة # (في الإضافة) # قوله: (ولم تخفض الأفعال لأن الخفض لا يكون إلا بالإضافة ". # هذا لا يلزم، لأن نصب الأفعال ورفعها لم يكن بعوامل الأسماء، فلزم مثل # ذلك في خفضها لو خفضت، ولكن العلة ما قدمناه. # وقوله: " ولا معنى للإضافة إلى الأفعال، لأنها لا تملك شيئا ولا تستحقه ~~". # صحيح من وجه الخبر ساقط من جهة التعليل، لأن عدم الملك والاستحقاق # ليس علة في وجوب انتفاء الإضافة، وإنما العلة في ذلك أن الأفعال عبارات ~~عن وقوع أحداث، وإنما الإضافة إلى المعبر عنه لا إلى أنفس العبارات، ~~والإخبار عن المشار إليه لا عن التلويحات والإشارات. # فاستحالت إضافة الأسماء إلى الأفعال. # فإن قيل: إن ظروف الزمان أسماء وقد أضيفت إلى الأفعال؟ # نعم، وأضيفت إليها أسماء أخر كحيث، وريث، وذي من ذي تسلم، وآية من قوله: # بآية ما يحبون الطعاما # PageV01P073 # فالجواب: أنه ما أضيف إلى الأفعال في الحقيقة شيء، وإنما أضيفت # هذه وما هو في معناها من الأسماء التي تقدم ذكرها إلى الاسم الذي اشتق ~~منه # الفعل، وهو الحدث، وذلك ms033 أن ظروف الزمان إنما تذكر من أجل الأحداث الواقعة ~~فيها، فتضاف إليها إذ هي أوقات لها. # وربما أضيفت إلى الحدث وليست بوقت له، لاتصالها بوقته، فتضاف إليه لتخصص ~~وتعرف بالإضافة إليه، وإن لم يكن واقعا # فيها، نحو قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام) # فالليلة من ظروف الزمان، وقد أضيفت إلى الصيام وليس بواقع فيها فلما كان ~~جائزا في بعض الكلام أن يضاف الظرف إلى الاسم الذي هو الحدث - وإن لم يكن ~~واقعا فيه - أضافوه إلى الفعل لفظا، وهو مضاف إلى الحدث معنى، وأقحم لفظ ~~الفعل إحرازا للمعنى، وتحصينا # للغرض، ورفعا لشوائب الاحتمال، حتى إذا سمع المخاطب قولك: # " يوم قام زيد "، علم أنك تريد: اليوم الدي قام فيه زيد. # ولو قلت مكان قولك " ليلة الصيام "؟ ليلة صيام زيد، ما كان له معنى إلا ~~وقوع الصيام في الليل. # فهذا الذي حملهم على إقحام لفظ الفعل عند إرادتهم إضافة الظروف إلى ~~الأحداث، وقس على ذلك المبتدأ والخبر. # وأما (ريث) فبمنزلة الظرف وقد صارت في معناه. # وكذلك (حيث) و (ذي تسلم) لأن المعنى في قول بعضهم: " اذهب لوقت ذي تسلم ~~"، أي: ذي سلامتك. # فلما حذفت المنعوت وأقمت النعت مقامه، أضفته إلى ما كنت تضيف إليه # المنعوت وهو الوقت هذا أحد قولي السيرافي، وهو عندي على الحكاية، حكوا ~~قول الداعي " تسلم " كلما تقول: " تعيش " و " تبقى "، فقولهم: اذهب بذي ~~تسلم، أي: اذهب بهذا القول مني، ولم يقولوا: اذهب بتسلم، لئلا يكون اقتصارا ~~على دعوة واحدة، ولكن قالوا: بذي تسلم، أي: بقول يقال فيه: " تسلم "، أو ~~يجمع معانيه # PageV01P074 # " تسلم "، فوصفوا القول بذي تسلم، يريدون هذا المعنى، وحذفوا القول ~~المنعوت بذي، اكتفاء بدلالة الحال عليه. # ونحو من هذا قول كثير: # وإن تامريني بالذي فيه أفعل # أي: بالأمر أو بالقول الذي فيه هذا الكلام. # وأما " آية ما تحبون الطعاما "، فالآية هي العلامة، وهي هاهنا بمعنى ~~الوقت. # لأن الوقت علامة للمؤقت، وبالله التوفيق. # وليس جميع ظروف الزمان يجوز إضافته إلى الفعل، بل ذلك يختص ببعضها. # فما كان منها مفردا ms034 متمكنا جاز إضافته إليها، وما كان مثنى نحو " يومين " ~~و " ساعتين " لم يجز إضافته إلى الفعل، لأن الحدث إنما يقع مضافا لظرفه ~~الذي هو وقت له، فلا معنى لذكر وقت آخر. # ووجه آخر وهو أن الجملة المضاف إليها (هي) نعت للظرف في المعنى. # فقولك: " يوم قام زيد "، كقولك: " يوم قام زيد فيه " في المعنى، والفعل ~~لا يدخله التثنية فلا يصح أن يضاف إليه الاثنان، كما لا يصح أن ينعت ~~الاثنان بالواحد. # ووجه ثالث، وهو أن قولك: قام زيد يوم قام عمرو لا يصح إلا أن يكون جوابا ~~لمتى، واليومان جواب لكم، وما هو جواب لكم لا يكون جوابا لمتى أصلا، فإن ~~أضفت اليومين إلى الفعل صرت مناقضا، لجمعك بين الكمية وبين ما لا يكون إلا ~~لمتى. # فأما الجمع نحو الأيام فإنما جاز إضافتها إلى الفعل، لأنها قد يراد بها ~~معنى # المفرد كالشهر والأسبوع والحول وغير ذلك. # وكذلك إن كان غير متمكن كقبل وبعد، فإنك لو أضفتها إلى الفعل لاقتضت ~~إضافتها إليه ما يقتضيه قولك: " يوم قام زيد "، أي: اليوم الذي قام فيه، ~~وذلك محال في " قبل " و " بعد "، لأنه يؤول إلى إبطال معنى القبلية ~~والبعدية. # PageV01P075 # وأما سحر - ليوم بعينه - فيمنع من إضافنه إلى الفعل ما فيه من معنى الألف # واللام. # فقس على هذا الأصل ما يضارعه من الكلام. # * * * ### | مسألة # (من باب معرفة علامات الإعراب) # قوله: " الواو: علامة الرفع في خمسة أسماء معتلة ". # اعتلال هذه الأسماء على غير قياس، إذا كان قياس " الواو " إذا تحركت ~~وانفتح - ما قبلها إن انقلبت ألفا، فيكون الاسم مقصورا، وهذه الأسماء حذفت ~~أواخرها في حال الإفراد والانفصال عن الإضافة. # قال لي بعض أشياخنا في تعليل الحذف: إن التنوين لما أوجب حذف الألف # المنقلبة لالتقاء الساكنين، حذفوها رأسا، كما قال الأول: # رأي الأمر يفضي إلى آخر ... فصير آخره أولا # فإذا أضيفت وزالت علة التنوين، رجعت الحروف المحذوفة، وكان الإعراب # فيها مقدرا كما هو مقدر في الأسماء المقصورة. # وقد قال بهذا القول طائفة من النحويين. # PageV01P076 # الأمر فيها عندي ms035 أنها علامات إعراب، وليست حروف إعراب، والمحذوف # منها لا يعود إليها في الإضافة، كما لا يعود المحذوف من " يد " و " دم "، ~~وبرهان ذلك أنك تقول: أخي وأبي إذا أضفت إلى نفسك، كما تقول: يدي ودمي، لأن ~~حركات الإعراب لا تجتمع مع ياء المتكلم، كما لا تجتمع معها واو الجمع، فلو ~~كانت الواو في " أخوك " حرف إعراب لقلت في الإضافة إلى نفسك: هذا أخي، كما ~~تقول: # هؤلاء مسلمي، فتدغم الواو في الياء لأنها حرف إعراب عند سيبويه، وهي عند ~~غيره علامات إعراب، فإذا كانت " واو " الجمع ثبتت مع " ياء " المتكلم وهي ~~زائدة علامة إعراب عند بعض النحويين، فكيف يحذف ما هو " لام " الفعل وأحق ~~بالثبات منها؟ # فقد وضح لك أنها ليست الحروف المحذوفة الأصلية. # فإن قيل: فلم كان إعرابها بالحروف دون الحركات؟ # ولم أعلت بالحذف دون القلب خلافا لنظائرها مما علته كعلتها، وهي الأسماء ~~المقصورة؟ # قلنا: في ذلك جواب فلسفي لطيف، وهو أن اللفظ جسد والمعنى روح، فهو تبع له ~~في صحته واعتلاله، والزيادة فيه والنقصان منه، كما أن الجسد مع الروح كذلك، ~~فجميع ما يعتري اللفظ من زيادة فيه أو حذف، فإنما هو بحسب ما يكون في ~~المعنى، اللهم إلا أن يكثر استعمال كلمة فيحذف منها تخفيفا على اللسان ~~لكثرة # PageV01P077 # دورها فيه، ولعلم المخاطب بمعناها، كقولهم: " أيش؟ "، و " لم أبل ". # وهذه الأسماء الخمسة مضافة في المعنى، فإذا قطعت عن الإضافة وأفردت. # نقص المعنى فنقص اللفظ تبعا له، مع أن أواخرها حروف علة، فلا بد من ~~تغييرها إما بقلب وإما بحذف، وكان الحذف فيها أولى لما قدمنا. # وكان بنبغي على هذا أن يتم لفظها في حال الإضافة كما تم معناها، إلا أنهم # كرهوا أن يخلو " الخاء " من أخ، و " الباء " من أب من الإعراب الحاصل ~~فيها، إذ ليس في الكلام ما يكون حرف إعراب في حال الإفراد ولا يكون حرف ~~إعراب في حال الإضافة، فجمعوا بين الغرضين ولم يبطلوا أحد القياسين، فمكنوا ~~الحركات التي هي علامات الإعراب في حال الإفراد فصارت ms036 حروف مد ولين في ~~الإضافة. # وقد تقدم أن الحركة بعض الحرف الذي هو حرف المد، فالضمة التي هي # علامة الوفع في قولك " أخ "، هي بعينها علامة الوفع في " أخوك "، إلا أن ~~الصوت بها مد، ليتمموا اللفظ كما تمموا المعنى بالإضافة إلى ما بعد الاسم، ~~ولم يحتاجوا مع تطويل حركات الإعراب إلى إعادة ما فد حذف من الكلمة رأسا، ~~كما لا يعاد ما حذف من (يد) و (دم) . # وأما التثنية فإنهم صححوا اللفظ فيها بإعادة المحذوف تنبيها على الأصل # الذي هو الانقلاب إلى الألف، فقالوا: " أخوان " و " أبوان " كما قالوا: " ~~عصوان " و " رجوان " لأن قياسه في الأصل كقياسه، بخلاف " يد " و " دم " فإن ~~الأصل فيهما يدي ودمي فلم يكن بابهما كباب " عصا " و " رجا "، فاستمر الحذف ~~فيهما في التثنية والإفراد # فإن قيل: فما بال " ابن " وهو اسم إضافي، ووزنه في الأصل " فعل "، كما # PageV01P078 # كان (أخ) و (أب) كذلك، ثم لم يعد إليه ما حذف منه في تثنية ولا إضافة؟ # قلنا: إنهم قد عوضوا من المحذوف ألف الوصل في ابن واسم، فلم يكونوا # ليجمعوا بين العوض والمعوض منه، بخلاف " أخ " و " أب " ومنعهم أن يعوضوا ~~من المحذوف في " أخ " و " أب " الهمزة التي في أولهما، فرارا من اجتماع ~~همزتين. # وأما " حم " فقد كان الأصل فيها " حمأ " بالهمزة، فلم يكونوا ليعوضوا من ~~الهمزة همزا آخر، فجعلوه كأب وأخ. # فإن قيل: فما بالهم يقولون في جمع ابن: (بنون) ، وهو جمع على حد التثنية. # فلم لم يقولوا: (ابنون) كما قالوا: (ابنان) ؟ # قلنا: إن الجمع قد يلحقه التغييرات (بالتكسير وغيره) ، بخلاف التثنية ~~فإنها # لا يتغير فيها لفظ الواحد بحال، مع أنهم رأوا أن جمع السلامة لا بد فيه ~~من " واو " في الرفع و " ياء " مكسور ما قبلها في النصب والخفض، فأشبهت ~~حاله حال ما لم يحذف منه شيء إذ المحذوف منه " ياء " أو " واو "، ففتحوا ~~أوله كما كانوا يفعلون لو لم يحذف منه شيء وليست هذه العلة في التثنية إذا ~~تأملتها. # وأما قولهم في المؤنث " بنات ms037 " - بفتح الباء - ولم يقولوا: (ابنات) كما ~~قالوا: (ابنتان) فإنهم حملوا جمع المؤنث على جمع المذكر، لئلا يختلف، والله ~~أعلم. # وأما " أخت " و " بنت " فالتاء من " أخت " مبدلة من " الواو " وكما أبدلت ~~منها في " تراث " و " تخمة "، وإنما حملهم على ذلك هاهنا أنهم رأوا المذكر ~~قد حذفت لامه في الإفراد فقالوا: أخ، وكان القياس أن يقولوا في المؤنث: " ~~أخته "، بهاء في الوقف، فلو فعلوا ذلك لكانت تلك التاء حرف إعراب في ~~الإضافة والإفراد، ولم يمكنهم أن يعيدوا المحذوف في الإضافة تتميما للفظ ~~فيخالف لفظه لفظ المذكر، ولا أمكنهم من تطويل الصوت بالحركات ما أمكنهم في ~~التذكير، لأن ما قبل (تاء) التأنيث ليس بحرف إعراب، ولا أمكنهم نقصان اللفظ ~~في الموطن الذي تم فيه المعنى، فجمعوا بين الأغراض بإبدالها تاء، لتكون في ~~حال الإفراد علما للتأنيث، # PageV01P079 # وفي حال الإضافة من تمام الاسم كالحرف الأصلي، إذ هو موطن تتميم كما ~~تقدم، وسكنوا ما قبلها لتكون بمنزلة الحرف الأصلي، وضموا أول الكلمة إشعارا ~~بالواو، وكسروها في " بيت " إشعارا بالياء، لأنها من (بنيت) . # وقالوا في تأنيث ابن: ابنة وبنت، ولم يقولوا في تأنيث أخ إلا أخت، والعلة # في ذلك مستقرأة مما تقدم من الكلام، والله أعلم. # وأما قولهم: " فوك " في الرفع، و " فاك " في النصب، و " فيك " في الخفض. # فحروف المد فيها حروف إعراب بخلاف ما تقدم في " أخيك "، و " أبيك " # و" حميك " # والفرق بينهما وبين أخواتها أن " الفاء " لم تكن قط حرف إعراب لانفرادها، ~~فلم يلزم فيها ما لزم في " الخاء " و " الباء " ألا تراهم يقولون: " هذا في ~~". # و" جعلته في " كما يقولون: " هؤلاء مسلمي "، فيثبتونها مع ياء المتكلم. # وهذا يدلك على أنها حرف إعراب بخلاف أخواتها، ألا تراهم في حال الإفراد ~~كيف أبدلوا من الواو ميما ليتعاقب عليها حركات الإعراب ويدخلها التنوين، إذ ~~لو لم يبدلوها ميما لأذهبها التنوين في الإفراد وبقيت الكلمة على حرف واحد، ~~فإذا أضيفت زالت العلة حيث أمنوا التنوين، فلم يحتاجوا إلى قلبها ميما. # فإن قيل: فأين علامات الإعراب ms038 في حال الإضافة؟ # قلنا: الإعراب مقدر فيها، وإن شئت قلت تغير صيغتها في الأحوال الثلاثة هو ~~الإعراب، والمتغير هو حرف الإعراب. # فإن قيل: فلم لم تثبت الألف في حال النصب إذا أضيفت إلى ضمير المتكلم # فتقول: " فتحت فاي "، كما تقول: " عصاي "؟ # قلنا: الفرق بينهما أن الألف من عصاي ثابتة في جميع أحوال الكلمة، وهذه # لا تكون إلا في حال النصب، وقد قلبت تلك " ياء " في لغة طيء فقالوا: عصي ~~وقفي، فهذه أحرى بالقلب وأولى، والله الموفق لما يرضى. # وأما " ذو مال " فكان الأظهر فيه أن يكون حرف العلة حرف إعراب، وأن # PageV01P080 # يكون الاسم على حرفين كما هو في بعض الأسماء المبهمة كذلك، يدلك على # (ذلك) قولهم في الجمع: " ذو مال "، و " ذوات مال "، إلا إنه قد جاء في ~~القرآن: (ذواتا أفنان) و (ذواتي أكل) ، وهذا ينبئ أن الاسم ثلاثي ولاماه ~~ياء، انقلبت ألفا في تثنية المؤنث خاصة. # وقولهم في التثنية: " ذواتي " ليس هو القياس، وإنما القياس " ذاتي " # وفي الجمع: " ذويات "، والجمع كان أحق بالرد إلى الأصل من التثنية، لأن ~~التثنية أقرب إلى لفظ الواحد، لأنها أقرب إليه في المعنى، ألا تراهم ~~يقولون: " أخت وأختان "، ويقولون في الجمع: " أخوات " # وكذلك: " ابنة وابنتان " ولا يقولون في الجمع: " ابنات "، فكذلك كان ~~القياس حين قالوا: " ذوات "، فلم يردوا لام الكلمة ألا يردوا # في التثنية، وإنما يكون منها أبعد، والحمد لله. # والعلة في ذلك أن " ذات " وإن كان ألفها منقلبة عن واو، فإن انقلابها ليس # بلازم، وإنما هو عارض لدخول التأنيث، ولولا التأنيث لكانت " واوا " في ~~حال الرفع غير منقلبة، و " ياء " في حال الخفض. # والتثنية أقرب إلى الواحد لفظا ومعنى، فلذلك حين ثنوها جعلوها " واوا " ~~كما # هي في الواحد إذا كان مرفوعا ومثنى ومجموعا، فكان حكم " الواو " أغلب ~~عليها من حكم " الياء " و " الألف ". # ثم ردوا لام الفعل لأنهم لو لم يردوها لقالوا: " ذوتا مال " في حال ~~الرفع. # فيلتبس بالفعل نحو: " رمتا "، و " قضتا "، إذا أخبرت عن امرأتين. # وكذلك: " ذوتا " من (الذوي) ، إذا أخبرت ms039 عن روضتين أو شجرتين، فكان في رد ~~اللام رفع لهذا اللبس، وفرق بين ما يصح عينه في المذكر نحو " ذات "، و " ذو ~~"، وبين ما لا يصح عينه في مذكر ولا في جمع نحو " شاة "، فإنك تقول في ~~تثنيته: شاتان # PageV01P081 # كما كان القياس في " ذات "، وليس في جمع ذات ما يوجب رد لامها كما في # تثنيتهما كما تقدم. # وأما " سنتان "، و " شفتان، (فليس) يلزم فيهما من الالتباس بالفعل ما لزم ~~في # " ذوتا "، لو قيل، لأن " نون " الاثنين لا تحذف منهما حذفا لازما، لأنهما ~~غير مضافين في أكثر الكلام، بخلاف " ذواتا " فإن " النون " لا توجد فيها ~~ألبتة، لأنها لا تنفك عن الإضافة. # * * * ### | مسألة # (في المثني والجمع السالم) # الواو والألف في " يفعلون " و " يفعلان "، أصل للواو والألف في " الزيدون ~~" # و" الزيدان " و " المسلمون " و " المسلمان "، وإنما جعلنا ما هو في ~~الأفعال أصلا لما هو في الأسماء، لأنها إذا كانت في الأفعال كانت اسما ~~وعلامة جمع، وإذا كانت في الأسماء كانت حرفا علامة جمع، وما يكون اسما ~~وعلامة في حال هو الأصل لما يكون حرفا في موضع آخر، أذا كان اللفظ واحدا، ~~كما تقول في كاف الإضمار وكاف المخاطبة وهذا الأصل أولى بنا من أن نجعل ~~الحرف أصلا والاسم فزعا له. # يدلك على ذلك أنهم لم يجمعوا بالواو والنون من الأسماء إلا ما كان فيه ~~معنى # الفعل، كقولنا: " المسلمون " و " الصالحون "، ولم يقولوا في جمع رجل ~~وكلام: # (رجلون) و (غلامون) ، فقد وضح لك أن الفعل في هذه المسألة هو الأصل، وإن ~~لم تقل ذلك دخل عليك ما هو أشنع مما تفرضه، وهو أن تجعل ما هو حرف أصلا لما ~~هو اسم، فتقول في الواو التي هي حرف وعلامة جمع في " الزيدون ": إنها ~~الأصل، وفي الواو التي في " يفعلون ": إنها الفرع. # فإن قيل: فالأسماء الأعلام ليس فيها معنى الفعل، وقد جمعوها كما تجمع # المشتقة من الفعل؟ # فالجواب: أن الأسماء الأعلام لا تجمع هذا الجمع إلا وفيها الألف واللام. # لا يقال: جاءني زيدون، ولا: رأيت زيدين، ms040 فدل ذلك أن على أنهم أرادوا معنى # PageV01P082 # الفعل، أي: الملقبون بهذا الاسم، والمعروفون بهذه العلامة، فعاد الأمر ~~إلى ما ذكرنا. # وأما التثنية فمن حيث قالوا في الفعل: " فعلا " و " صنعا " فيما يعقل ~~وفيما لا # يعقل ولما لم يقولوا: " فعلوا " و " صنعوا " إلا فيما يعقل، لم يجعلوا " ~~الواو " علامة # للجمع في الأسماء إلا فيما يعقل، إذ كان فيه معنى الفعل، ومن حيث اتفق ~~معنى التثنية ولم يختلف، اتفق لفظها كذلك في جميع أحوالها ولم يختلف، ~~واستوى فيها ما يعقل وما لا يعقل. # ومن حيث اختلفت معاني الجموع بالكثرة والقلة اختلفت ألفاظها. # ولما كان الإخبار عن جمع ما لا يعقل يجري مجرى الجملة والأمة والثلة، لا ~~يقصد به في الغالب إلا الأعيان المجتمعة على التخصيص، لا كل واحد منها على ~~التعيين، كان الإخبار عنها بالفعل كالإخبار عن الأسماء المؤنثة، إذ الجملة ~~والأمة وما هو في معنى ذلك أسماء مؤنثة، ولذلك قالوا في جموع ما لا يعقل: " ~~الجمال ذهبت "، و " الثياب بيعت "، و " الدور اشتريت "، وما أشبه ذلك، إذ ~~لا يتعين في قصد الضمير كل واحد # منها في غالب الكلام والتفاهم بين الأنام. # ولما كان الإخبار عن جمع ما يعقل بخلاف ذلك، وكان كل واحد من الجمع # فيه يتعين غالبا في القصد إليه والإشارة، وكان اجتماعهم في الغالب عن ملأ ~~منهم وتدبير وأغراض عقلية، جعلت لهم علامة تختص بهم تنبئ عن الجمع المعنوي ~~كما هي في ذاتها جمع لفظي، وهي " الواو "، لأنها ضامة بين الشفتين أو جامعة ~~لهما، وكل محسوس يعبر به عن معقول فينبغي أن يكون مشاكلا له، فما خلق الله ~~- تعالى - الأجساد في صفاتها المحسوسة إلا مطابقة للأرواح في صفاتها ~~المعقولة. # ولا وضع الألفاظ في لسان آدم - عليه السلام - وذريته إلا موازنة للمعاني ~~التي هي أرواحها، فهذا سر " الواو " في اختصاصها بالجمع لمن يعقل، وعلى نحو ~~ذلك خصت بالعطف لأنه جمع في معناه، وبالقسم لأن واوه في معنى واو العطف، ~~على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # وأما اختصاص (الألف) ms041 بالتثنية، فلقرب التثنية من الواحد في المعنى وجب أن # PageV01P083 # يقرب لفظها من لفظه، ولذلك لا يتغير بناء الواحد فيها كما يتغير في أكثر # الجموع. # وفعل الواحد مبني على الفتح فوجما أن يكون فعل الاثنين كذلك، وذلك لا # يمكن مع غير " الألف "، فلما ثبتت " الألف " بهذه العلة ضميرا للاثنين ~~كانت علامة للاثنين في الأسماء، كما فعلوا في " الواو " حين كانت ضميرا ~~للجماعة في الفعل جعلت علامة للجمع في الأسماء، والحمد لله. # وأما إلحاق " النون " بعد حروف المد في هذه الأفعال الخمسة، فحملت على # الأسماء التي في معناها المجموعة جمع السلامة والمثناة، نحو: " مسلمون " # و" مسلمان "، وهي في تثنية الأسماء وجمعها عوض من التنوين كما ذكروا، ثم ~~شبهوا بها هذه الأمثلة الخمسة، فألحقوا النون فيها في حال الرفع، لأنها إذا ~~كانت مرفوعة كانت واقعة موقع الاسم، فاجتمع فيها وقوعها موقع الاسم ~~ومضارعتها له في اللفظ، لأن آخرها حرف مد ولين، ومشاركتها له في المعنى، ~~فألحق فيها النون عوضا من حركة الإعراب حملا على الأسماء كما حملت الأسماء ~~عليها فجمعت بالواو والياء. # وقد ققدم ذكر ذلك. # فالنون في تثنية الأسماء وجمعها أصل للنون في تثنية الأفعال وجمعها. # وحروف المد في تثنية الأفعال وجمعها - أعني علامة الإضمار - هي أصل # لحروف المد في ثثنية الأسماء وجمعها، التي هي علامات إعراب، أو حروف # إعراب كما تقدم. # PageV01P084 # فإن قيل: فلم لم يثبتوا هذه النون في حال النصب والجزم من الأمثلة # الخمسة؟ # قلنا: لعدم العلة المتقدمة وهي وقوعها موقع الاسم، وأنت إذا أدخلت # النواصب والجوازم لم تقع موقع الأسماء، لأن الأسماء لا تكون بعد عوامل ~~الأفعال، فبعدت عن الأسماء، ولم يبق فيها إلا مضارعتها لها في اتصال حروف ~~المد بها، مع الاشتراك في معنى الفعل. # فإن قيل: فأين الإعراب فيها في حال النصب والجزم؟ # قلنا: مقدر، كما هو في كل اسم وفعل آخره حرف مد ولين، سواء كان حرف المد ~~زائدا أو أصليا، ضميرا أو غير ضمير، فالأصلي نحو: يرمي والقاضي، ونحو: عصا ~~ورحى، والزائد نحو: سكرى، والضمير ms042 نحو: غلامي وصاحبي، إلا أنه مع هذه الياء ~~مقدر قبلها - أعني الإعراب - وهو في (يرمي) و (يخشى) و (سكرى) # ونحو ذلك مقدر في نفس الحرف لا قبله، لأنه لا يتقدر إعراب اسم في غيره، ~~وإذا ثبت ذلك فقولك: " لن يفعلوا " و " لن تفعلي " إعرابه مقدر قبل الضمير ~~في لام الفعل، # PageV01P085 # كما هو كذلك في غلامي، وليس زوال النون وحذفها هو الإعراب، لأنه مستحيل ~~أن يحول بين حرف الإعراب وبين إعرابه اسم فاعل أو غير فاعل، مع أن العدم ~~ليس بشيء فيكون إعرابا وعلامة لشيء في أصل الكلام ومعقوله، والله أعلم. # وأما فعل جماعة النساء فكذلك أيضا إعرابه مقدر قبل علامة الإضمار كما هو # مقدر قبل الياء في غلامي. # فعلامة الإضمار منعت من ظهوره لاتصالها بالفعل وأنها # كبعض حروفه، فلا يمكن تعاقب الحركات على لام الفعل معها، كما لم يمكن ذلك ~~مع ضمائر الفاعلين المذكورين، ولا مع الياء من غلامي، ولا يمكن أيضا أن ~~يكون الإعراب في نفس النون لأنها ضمير الفاعل، فهي غير الفعل، ولا يكون ~~إعراب شيء في غيره، ولا يمكن أيضا بعدها، فإنه مستحيل في الحركات وبعيد كل ~~البعد في غير الحركات أن بكون إعرابا وبينه وبين (حرف) الإعراب اسم أو فعل، ~~فثبت أنه مقدر كما هو في جميع الأسماء والأفعال المعربة (التي) لا يقدر على ~~ظهور الإعراب فيها لعلة مانعة على نحوما تقدم. # فإن قيل: فقد أثبتم أن فعل جماعة المؤنث معرب، وهذا خلاف لسيبويه ومن # وافقه من النحويين، فإنهم زعموا أنه مبني وإن اختلفوا في علة بنائه! . # PageV01P086 # قلنا: بل هو وفاق لهم، لأنهم علمونا وأصلوا لنا أصلا صحيحا فلا ينبغي لنا ~~أن ننقضه ونكسره عليهم، وهو وجود المضارعة الموجبة للإعراب، وهو موجود في " ~~يفعلن " و " تفعلن "، فمتى وجدت الزوائد الأربع # وجدت المضارعة، وإذا وجدت المضارعة وجد الإعراب. # فإن قيل: فهلا عوضوا من حركة الإعراب في حال رفعه نونا، كما فعلوا في # (يفعلون) لأنه أيضا واقع موضع الاسم؟ # قلنا: تقدم ما في " يفعلون "، و " يفعلان " من وجوه ms043 الشبه بينه وبين جمع # السلامة في الأسماء، فمنها الوقوع موقع الاسم، ومنها المضارعة في اللفظ ~~من جهة حروف المد واللين. # وهذا الشبه معدوم في " يفعلن " من جهة اللفظ، لأنه ليس # مثل لفظ " فاعلين " ولا " فاعلات "، وإن كان واقعا موقعه في حال الرفع، ~~والله المستعان. ### | مسألة # (في علامات الإعراب) # قوله في هذا الباب: " وجميع ما يعرب به الكلام تسعة أشياء ". # وذكر الحروف والحركات والحذف والسكون. # وكلها أشياء في الحقيقة إلا الجزم والحذف، فإنهما عبارتان عن معدوم، ~~والمعدوم ليس بشيء، وهو معلوم. # وأما الحركات فأعراض، لأنها لحروف المد أبعاض، والحروف أصوات. # وهي عند جميع المحققين من المتكلمين أعراض إلا (إبراهيم النظام) ، وقد ~~تقدم # ذكرمذهبه فيما مضى. # والعرض شيء لأنه موجود، وكل موجود شيء، وكل شيء # موجود، بخلاف المعدوم. # ولم نقصد التعقيب على أبي القاسم في عبارته، لأن # التسامح من شأنهم في هذه الصناعة والله المستعان. # PageV01P087 ### | باب الأفعال ### | مسألة # (في أمس وغد واليوم) # القول في " أمس " و " غد " و " اليوم " أن الأيام لما كانت متماثلة من ~~حيث كان كل واحد منها عبارة عن جملة من حركات الفلك، والحركات متماثلة ~~بأنفسها لا يتميز يوم من يوم بصفة نفسية، إذ المثلان مشتركان في جميع صفات ~~النفس، ولا بصفة معنوية لأن الصفة المعنوية لا تقوم بالحركة ولا بعرض من ~~الأعراض، لأن المعنى لا يقوم بالمعنى، لم يبق إلا تمييزها بالأعداد، ولذلك ~~جعلوا أسماء أيام الأسبوع مأخذوة من العدد، كقولهم: الاثنين، والثلاثاء، ~~والأربعاء، ونحو ذلك، أو بالأحداث الكائنة فيها # نحو قولك: " اليوم (الذي خرج فيه زيد) ، فخصصته بما قارنه من الفعل) الذي ~~هو حركة للفاعلين، كما أن الزمان حركة للفلك، وكل واحد منهما حادث يتخصص ~~بمقارنة صاحبه، أيهما كان أعرف عند المخاطب كان وقتا للآخر مخصصا له، فإذا ~~ثبت ذلك فأقرب الأيام إليك يومك الذي أنت فيه، فيقال: " فعلته في اليوم ~~الذي فرط قبل هذا اليوم الذي نحن فيه ". # ويقال في غد نحو ذلك. # فاقتضى إيثار الإيجاز والاختصار أن يوضع له اسم، وأن يشتق له من أقرب ms044 # ساعة منه إلى يومك، ثم ينسحب معناه على اليوم كله، كما يقال في العبد: ~~(رقبة) فينسحب معنى الرقبة على الجملة، وهو في الأصل عبارة عن البعض، ورب ~~شيء هكذا. # وكذلك (غد) جعل له اسم يترجم به عن جميعه، وهو مشتق من أقرب ساعة # PageV01P088 # منه إلى يومك، إلا أن " أمس " مبني و " غد " معرب، فعل بكل واحد منهما ما ~~فعل بالفعل الذي في معناه، ولذلك (جاء) " أمس " بلفظ الأمر حين أرادوا ~~بناءه كما بني الفعل الماضي الذي صيغ من أجله، ولم يجئ بلفظ الفعل لئلا ~~يلتبس بالفعل # الماضي، ولعله قد جاء، وليس ببعيد أن يكون قول الراجز: # لقد رأيت عجبا مذ أمسا # أراد به: أفعل. # وهذه العملية التي في " أمس " بمنزلة " أطرقا " اسم علم لمكان بالحجاز ~~جاء # بلفظ الأمر يقول الرجل فيه لصاحبه حين استبطن خوفا وتوجس حسا، فلذلك هو ~~الاسم في المكان كهذا في الزمان، لعله سمي لقولهم فيه: # " أمس بخير "، و " أمس معنا "، أو نحو هذا، كما سمي ذلك المكان بقولهم ~~فيه: " أطرقا ". # والعملية فيه عندي ليست كهي في " زيد " و " عمرو "، ولكنها كهي في " ~~أسامة " و " ثعالة "، اسم علم لا يختص به واحد من الجنس، أي الجنس كان فهو ~~المسمى بذلك الاسم، كما أن " أمس " أي الأيام كان إذا ولي يومك ماضيا فهو ~~(أمس) . # PageV01P089 # فأما حذف لام الفعل من " غد "، فكل ما كان على وزن " فعل " معتل اللام، ~~ثم عبر به عن غير ما وضع له، فإنه وضع عن الحدث، فإذا زحزح عن أصل موضوعه ~~وبقي فيه من المعنى الأول ما يعلم به أنه مشتق منه - فإن حذف لامه مطرد، ~~ليكون النقص في اللفظ موازنا للنقص في المعنى، فلا يستوفي حروف الكلمة ~~بأسرها إلا عند حصول المعنى بأسره. # وتأمل ذلك تجده في " غد " و " دم " و " يد " و " سم ". # وعلى ذلك كل هذه الأسماء نقص من لفظها بحسب ما نقص من المعنى الذي # عبر عنه بجملة حروف الكلمة. فهذا ما في " أمس " و " غد ". # فأما اليوم إذا كان ms045 ظروفا فهو كالآن، استغنوا بلزوم الألف واللام له عن ~~أن # يصفوه أو يضيفوه أو يسموه باسم علم غير هذا اللفظ، كما فعلوا (ذلك) ~~بالنجم - أعني: الثريا -، وفي المدينة - أعني: مدينة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وفى غير ذلك مما ألزم الألف واللام عرفا واستحقاقا، فكذلك ~~اليوم (إذا أردت اليوم) الذي أنت فيه. # وكذلك الساعة والليلة، استغنوا بالمشاهدة ولزوم الألف واللام عن إلحاقهما ~~بالأسماء الأعلام. # وهذا الصواب لا ما ذهب إليه من علل البناء في " أمس " بتضمن الحرف أو # مشابهته الحرف، فإن ذلك ينكسر عليهم في " غد " بما ليس لهم عنه مندوحة ~~ولا صرف. # PageV01P090 ### | مسألة # (في أحرف المضارعة) # قال أبو القاسم: " أوكانت في أوله إحدى الزوائد الأربع ". # دخول الزوائد على الحروف الأصلية منبئة على معان زائدة على معنى الكلمة # التي وضعت الحروف الأصلية عبارة عنه، فإن كان المعنى الزائد آخرا كانت ~~الزيادة آخرا، كنحو " التاء " في " فعلت " لأنها تنبئ عما رتبه بعد الفعل. # فإن كان المعنى الزائد أولا كانت الزيادة المنبئة عنه (أولا) مسبقة على # حروف الكلمة كهذه الزوائد الأربع، فإنها تنبئ أن الفعل لم يحصل بعد ~~لفاعله، وأن بينه وبين تحصيله جزءا من الزمان، فكان الحرف الزائد السابق ~~للفظ الفعل مشيرا في اللسان إلى ذلك الجزء من الزمان، مرتبا في البيان على ~~حسب ترتب المعنى في الجنان. # وكذلك حكم جميع ما يرد عليك من كلامهم هذا الأصل آخذ # بآفاق الباب، ومشرف بك إن شاء الله تعالى على العسر والكتاب. # فإن قيل: فهلا اكتفي بزائدة واحدة من هذه الأربع؟ # وإن كان ذلك للفرق بين مخاطب وغائب، فهلا كانت الياء مكان التاء أو ~~الهمزة؟ # وما الحكمة في اختصاص كل واحدة منها بما اختصت به؟. # فالجواب: أن الأصل في هذه الزوائد الياء، بدليل كونها في الموضع الذي لا # يحتاج فيه إلى الفرق بين مذكر ومؤنث، وهو فعل جماعة النساء. # دليل آخر، وهو: أن أصل الزيادة لحروف المد واللين، والواو لا تزاد أولا ~~كيلا تشبه " واو " العطف، # PageV01P091 # ولعلة أخرى تذكر في باب التصريف، ms046 والألف لا تزاد أولا لسكونها، فلم تبق ~~إلا " الياء " فهي أصل هذا الباب. فلما أرادوا الفرق كانت الهمزة بفعل ~~المتكلم أولى، لإشعارها بالضمير المستتر في الفعل، إذ هي أول حروف ذلك ~~الضمير إذا برز فلتكن مشيرة إليه إذا أبرز. # وكانت النون بة هل المتكلمين أولى بوجودها في أول لفظ الضمير الكامن في # الفعل إذا ظهر فلتكن دالة عليه إذا خفي واستتر. # وكانت التاء من " تفعل " للمخاطب # لوجودها في ضميره المستتر فيه، وإن لم تكن في أول لفظ الضمير أعني # " أنت " ولكنها في آخره، ولم يخصوا بالدلالة عليه ما هو في أول لفظه - ~~أعني الهمزة - لمشاركته للمتكلم فيها وفي النون، فلم يبق من لفظ الضمير إلا ~~التاء، فجعلوها في أول الفعل علما عليه، وإيماء إليه. # فإن قيل: فكان يلزم على هذا أن تكون الزيادة في # فعل الغائب هاء، لوجودها في لفظ ضمير الغائب إذا أبرز؟. # فالجواب: إنه لا ضمير في فعل الغائب في أصل الكلام وأكثر # موضوعه، لأن الاسم الظاهر يغني عنه، ولا يستتر ضمير الغائب حتى يتقدمه ~~مذكور يعود علبه. # وليس كذلك فعل المتكلم والمخاطب والمخبرين عن أنفسهم، فإنه لا يخلو # أبدا من ضمير ولا يجيء بعده اسم ظاهر يكون فاعلا به ولا مضمر أيضا، إلا ~~مضمرا يكون توكيدا للضمير المنطوي عليه الفعل، فتأمل ما ذكرناه، والمح ما ~~قاله النحويون في تعليل هذه المسألة تجد طبعك يعافه، وسمعك يمجه، وعقلك لا ~~يستسيغه، وتجد هذه الأغراض المذكورة ها هنا يدعوك إلى قبولها الحس، ويشهد ~~بصحتها الحدس، والله المستعان ومن ها هنا ضارعت الأسماء حتى أعربت، وجرت ~~مجرى الأسماء في دخول لام التوكيد عليها وغير ذلك، لأنها تضمنت معنى ~~الأسماء بالحروف التي في أوائلها، فهي من حيث دلت على الحدث والزمان فعل ~~محض، ومن حيث دلت بأوائلها على المتكلم والمخاطب ونحو ذلك متضمنة معنى ~~الاسم، فاستحقت الإعراب الذي هو من خواص الأسماء، كما استحق الاسم المتضمن ~~معنى الحرف البناء. # PageV01P092 ### | ### | مسألة # (في دلالة المضارع على الزمان) # فعل الحال لا يكون مستقبلا وإن حسن ms047 فيه " غد "، كما لا يكون الفعل # المستقبل حالا أبدا، ولا الحال ماضيا، هذا هو اختيار شيخنا رحمة الله ~~عليه. # فإن قلت: كيف يكون حالا: " يقوم زيد غدا " # وهو واقع في زمان مستقبل؟. # قلنا: إنما ذلك على تقدير الحكاية له إذا وقع، والإشارة إلى صورة الفعل ~~إذا # جاء وقته، كما قال الله سبحانه وتعالى: (ولو ترى إذ وقفوا) . # والوقوف مستقبل لا محالة، ولكن جاء بلفظ الماضي حكاية لحال يوم الحساب ~~فيه، لا مرتب على وقوف قد ثبت. # وكذلك قوله تعالى: قال الذين حق عليهم القول) ، (وقال الذين في النار) . ~~وهذا كثير في القرآن، الوقت مستقبل والفعل بلفظ الماضي. # ونحو منه قوله تعالى: (فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من ~~عدوه) . # وهذا كله حكاية للحال، إذ ليس شيء منه حاضرا فكذلك: # " يقوم زيد غدا "، و " يذهب بعد غد "، هو حال على التقدير والتصوير ~~لهيئته إذا وقع. # وما أرى هذا الذي ذكره الشيخ إلا صحيحا، إذ الأصل ألا يحكم للفظين # متغايرين بمعنى واحد إلا بدليل، ولا للفظ واحد بمعنيين إلا بدليل، وقف ~~على هذا الأصل تهتد إلى سواء السبيل. # * * * # مسألة # وحروف المضارعة - وإن كانت زوائد - فقد صارت كأنها من أنفس الكلم، وليست ~~كذلك " السين "، و " سوف " وإن كانوا قد شبهوها بحروف المضارعة والحروف ~~الملحقة بالأصول في مسألة (نذكرها) بعد إن شاء الله تعالى، ولذلك تقول: " ~~غدا يقول زيد " و " يوم الجمعة يذهب عمرو "، بتقديم الظرف على الفعل، كما ~~يفعل ذلك # PageV01P093 # في الماضي الذي لا زيادة فيه فتقول: " أمس قام زيد "، و " يوم الجمعة ذهب ~~عمرو ". # ولا يستقيم هذا في المستقبل من أجل " السين " أو " سوف "، لا تقول: # " غدا سيقوم زيد "، لوجوه منها: # أن " السين " تنبئ عن معنى الاستئناف والاستقبال للفعل، وإنما يكون # مستقبلا بالإضافة إلى ما قبله، فإن كان قبله ظرف أخرجته " السين " عن ~~الوقوع في الظرف، فبقي الظرف لا عامل فيه، فبطل الكلام. # فإذا قلت: " سيقوم زيد غدا "، دلت " السين " على أن الفعل مستقبل ~~بالإضافة إلى ما قبله، وليس قبله ms048 إلا حالة # المتكلم، ودل لفظ " غدا " على استقبال اليوم فتطابقا، وصار ظرفا له. # ووجه ثان ماء من التقديم في الظرف وغيره، وهو أن " السين " و " سوف " من # حروف المعاني الداخلة على الجمل، ومعناها في نفس المتكلم وإليه يسند لا ~~إلى الاسم المخبر عنه، فوجب أن يكون له صدر الكلام كحروف الاستفهام والنفي ~~والتمني وغير ذلك، ولذلك قبح: " زيدا سأضرب ". # و" زيد سيقوم " مع أن الخبر عن " زيد " إنما هو بالفعل لا بالمعنى الذي ~~دلت عليه " السين "، فإن ذلك المعنى مسند إلى المتكلم لا إلى " زيد " فلا ~~يجوز أن يخلط بالخبر عن " زيد " فتقول: " زيد سيفعل ". # فإن أدخلت " إن " على الاسم المبتدأ جاز دخول " السين " في الخبر، ~~لاعتماد # الاسم على " إن "، ومضارعتها للفعل، فصارت في اللفظ مع اسمها كالجملة ~~التامة، فصلح دخول " السين " فيما بعد، فأما مع عدم " أن " فيقبح ذلك. # وهذا مذهب الشيخ أبي الحسين - رحمه الله - إلا التعليل فإنه بخلاف تعليله # وقد قلت له كالمحتج عليه: أليس قد قال الله - سبحانه وتعالى -: # (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار) # فجاء بالسين في خبر المبتدأ؟ فقال لي: اقرا ما قبل الآية. # فقرأت (إن الذين كفروا) الآية. . . فضحك وقال قد كنت أفزعتني، أليست هذه ~~" إن " في الجملة المتقدمة، وهذه الأخرى معطوفة بالواو عليها، والواو تنوب ~~مناب تكرار العامل؟ فسلمت له وسكت. # PageV01P094 # ونظير هذه المسألة مسألة " اللام " في " إن "، تقول: " إن زيدا لقائما، ~~ولا # تقول: " إن زيدا لقائم ". # والصحيح لتقديم الظرف على الفعل الماضي أن معنى المضي مستفاد من # لفظه، لا من حرف زائد على الجملة، منفصل من الفعل كالسين # و" قد " إلا فعل الحال فإن زوائده ملحقة بالأصل، فإن أدخلت على الماضي " ~~قد " التي للتوقع كانت بمنزلة " السين " التي للاستئناف، وقبح حينئذ: # " أمس قام زيد "، كما قبح: " غد سيقوم عمرو ". # والعلة كالعلة، حذوك النعل بالنعل. # وأما المسألة الموعود بها في أول الفصل التي شبهت فيها " السين " بالحروف # الملحقة بالأصل، فهو أن يقال: لم لم تعمل " السين " و " سوف ms049 " في الفعل # المستقبل وقد استبدت به دون الاسم، وشأن الحروف المستبدة بالأفعال، أو # بالأسماء دون الأفعال، أن تكون عاملة؟. # فإن الجواب أنها فاصلة لهذا الفعل عن فعل الحال، كما فصلت الزوائد # الأربع فعل الحال عن الماضي فأشبهتها، وإن لم تكن مثلها في اتصالها ~~ولحوقها # بالأصل، كما أشبهت حال الألف واللام التي للتعريف حال العلمية لاتصالها # اتصالها وتعرف الاسم بها، وإن لم تكن ملحقة بحروف الأصل. # فلما لم تعمل تلك الأسماء مع اختصاصها بها، لم تعمل هذه الأفعال مع ~~استبدادها بها، والله أعلم. # وقد رأيت هذا التعليل للفارسي في بعض كتبه، ولابن السراج أيضا. # PageV01P095 # وأما " سوف " فحرف، ولكنه على لفظ السوف الذي هو الشم لرائحة ما # ليس بحاضر وقد وجدت رائحته، كما أن " سوف " هذه - التي هي حرف - تدل على ~~أن ما بعدها ليس بحاضر وقد علم وقوعه وانتظر أبانه. # ولا غرو أن يتقارب معنى الحرف من معنى الاسم المشتق المتمكن في # الكلام، فهذه " ثم " حرف عطف، ولفظها كلفظ الثم، والثم هو: رم الشيء بعضه ~~إلى بعض، كما قال: " كنا أهل ثمة ورمة "، ويروي " أهل ثمة ورمة "، وأصله ~~من: ثممت البيت: إذا كانت فيه فرج فسد بالثمام. # وقال الشاعر: # وأما الرياح فقد غادرت ... رواكد واستمتعت بالثمام # والمعنى الذي في " ثم " العاطفة قريب من هذا، لأنه ضم الشيء إلى شيء # بينهما مهلة، كما أن ثم البيت: (ضم بين شيئين بينهما فرجة) . # ومن تأمل هذا المعنى في الحروف والأسماء المضارعة لها، ألفاه كثيرا، ~~والله - تعالى - المستعان. # * * * # مسألة # (في أن ولن) # (قوله) : " فالناصب (أن) و (لن) . # PageV01P096 # أما " أن " فهو مع الفعل بتأويل المصدر. # فإن قيل: فهلا اكتفي بالمصدر واستغني به عن " أن " لأنه أخصر؟. # فالجواب: أن في دخول " أن " ثلاث فوائد: # إحداها: أن الحدث قد يكون فيما مضى، وفيما هو آت، وليس في صيغة ما يدل ~~على مضي ولا استقبال، فجاؤوا بلفظ الفعل المشتق منه مع " أن " ليجتمع لهم ~~الإخبار عن الحدث مع الدلالة على الزمان. # الثانية: أن " أن " تدل على إمكان الفعل دون ms050 الوجود والاستحالة. # الثالثة: أنها تدل على مجرد معنى الحدث دون احتمال زائد عليه، ففيها # تحصين للمعنى من الإشكال، وتخليص من شوائب الاحتمال، وذلك أنك اذا # قلت: " كرهت خروجك "، أو: " أعجبني قدومك ". # احتمل الكلام معاني منها: أن يكون نفس القدوم هو العجب لك دون صفة من ~~صفاته وهيآته، وإن كان لا يوصف في الحقيقة بصفات ولكنها عبارة عن الكيفيات. # واحتمل أيضا أن تريد أنك أعجبتك سرعته أو بطؤه أو حالة من حالاته، فإذا ~~قلت: " أعجبني أن قدمت "، كانت على الفعل " أن " بمنزلة الطابع والعنوان من ~~عوارض الاحتمالات المتصورة في الأذهان. # ولذلك زادوا " أن " بعد " لما " في قولهم: # " لما أن جاء زيد أكرمتك " ولم يزيدوها بعد ظرف سوى " لما " # وذلك أن " لما " ليست في الحقيقة ظرف زمان، ولكنه حرف يدل على ارتباط ~~الفعل الثاني بالأول وأن # PageV01P097 # أحدهما كالعلة للآخر، بخلاف الظرف من الزمان إذا قلت: " حين قام زيد قام ~~عمرو " فجعلت أحدهما وقتا للآخر على اتفاق لا على ارتباط، فلذلك زادوا " أن ~~" بعدها صيانة لهذا المعنى، وتخليصا له من الاحتمال العارض في الظرف، إذ ~~ليس الظرف من الزمان بحرف فيكون قد جاء لمعنى كما هو في " لما ". # وقد زعم الفارسي أنها مركبة من " لم " و " ما " وما أدري ما وجه قوله، ~~وهو عندي من الحروف التي في لفظها شبه من الاشتقاق، وإشارة إلى مادة هي ~~مأخوذة منها نحو ما تقدم في " سوف " و " ثم "، لأنك تقول: # " لممت الشيء لما " إذا ضممت بعضه إلى بعض، وهذا نحو من المعنى الذي سبقت ~~إليه " لما "، لأنه ربط فعل بفعل على # جهة التسبيب أو التعقيب، فإذا كان التسبيب حسن إدخال أن بعدها زائدة ~~إشعارا بمعنى المفعول من أجله، وإن لم يكن مفعولا من أجله، نحو قوله تعالى: ~~(ولما أن جاءت رسلنا لوطا) و (فلما أن جاء البشير) ، ونحوه. # وإذا كان التعقيب مجردا من التسبيب لم يحسن زيادة " أن " بعد " لما " ~~وتأمله # في القرآن تعرف الحكمة، إن شاء الله تعالى. # وأما " أن " التي للتفسير فليست مع ما ms051 بعدها في تأويل المصدر، ولكنها ~~تشارك " أن " التي تقدم ذكرها في بعض معانيها، لأنها تحصين لما بعدها من ~~الاحتمالات، وتفسير لما قبلها من المصادر المجملات، التي في معنى المقالات ~~والإشارات، ولا يكون تفسيرا إلا لفعل في معنى التراجم الخمس الكاشفة عن ~~كلام النفس، لأن الكلام القائم في النفس والغائب عن الحواس في الأفئدة، ~~تكشفه للمخاطبين خمسة أشياء: اللفظ، والخط، والإشارة، والعقد، والنصب، وهي ~~لسان الحال، وهي أصدق من لسان المقال. # فلا تكون (أن) المفسرة إلا تفسيرا لما أجمل من هذه # الأشياء، كقولك: " كتبت إليه أن أخرج "، و " أشرت إليه أن اذهب ". # و (نودي أن بورك من في النار) # PageV01P098 # و " وأوصيته أن اشكر " و " عقدت في يدي أن قد أخذت خمسين ". # و" زويت على حائطي أن لا يدخلوه ". # ومنه قوله عز وجل: (ووضع الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) . # هي ها هنا تفسيرا للنصبة التي هي لسان الحال. # والله المسدد للمقال، والموفق لصالح الأعمال. # وإذا كان الأمر فيها كذلك فهي بعينها " أن " التي تقدم ذكرها، لأنها إذا ~~كانت تفسيرا فإنما تفسير الكلام، والكلام مصدر، فهي إذا في تأويل مصدر، إلا ~~أنك أوقعت بعدها الفعل بلفظ الأمر والنهي، وذلك مزيد فائدة، ومزيد الفائدة ~~لا يخرج الفعل عن كونه فعلا، وكذلك لا تخرج " أن " عن كونها مصدرية، كما لم ~~يخرجها عن ذلك صيغة المضي والاستقبال بعدها إذا قلت: " يعجبني أن تقوم " و ~~" أن قمت ". # فكأنهم إنما قصدوا إلى ماهية الحدث مخبرا به عن الفاعل لا الحدث # مطلقا، ولذلك لا تكون مبتدأ وخبرها ظرف أو مجرور، لأن المجرور لا يتعلق # بالمعنى الذي تدل عليه " أن "، ولا الذي من أجله صيغ الفعل واشتق من ~~المصدر، وإنما يتعلق المجرور بالمصدر نفسه مجردا من هذا المعنى، كما تقدم، ~~فلا يكون خبرا عن " أن " المتقدمة، وإن كانت في تأويل اسم. # وكذلك أيضا لا يخبر عنها بشيء مما هو صفة للمصدر، وكقولك: # " قيامك سريع أو بطيء " أو نحو ذلك، لا يكون مثل هذا خبرا عن المصدر. # فإن قلت: " حسن أن ms052 تقوم " أو: " قبح أن تفعل " جاز ذلك لأنك تريد بها ~~معنى المفعول، كأنك تقول: " استحسن هذا أو استقبحه "، وكذلك إذا قلت: " لأن ~~تقوم خير من أن تقعد " جاز، لأنه ترجيح وتفضيل، فكأنك تأمره بأن يفعل ولست ~~بمخبر عن الحدث، بدليل امتناع ذلك في المضي، فإنك لا تقول فيه: " إن قمت ~~خير من أن قعدت "، ولا: " أن قام زيد أحسن من أن قام عمرو ". # وامتناع هذا دليل على ما قدمنا من أن الحدث هو الذي يخبر عنه. # وأما " أن " وما بعدها فإنها - وإن كانت في تأويل المصدر - فإن لها معنى ~~زائدا لا يجوز الإخبار عنه، ولكنه يراد ويكره ويؤمر به. # فإن وجدتها مبتدأة ولها خبر فليس الكلام على ظاهره، على ما تقدم. # PageV01P099 # وأما " لن " فهي عند الخليل مركبة من " لا " و " أن "، ولا يلزمه ما ~~اعترض عليه # سيبويه في تقديم المفعول عليها، لأنه يجوز في المركبات ما لا يجوز في ~~البسائط. # فإذا ثبت ذلك فمعناها نفي الإمكان ب " أن " كما تقدم. # فكان ينبغي أن تكون جازمة كلم، لأنها حرف نفي مختص بالأفعال، فوجب # أن يكون إعرابه الجزم الذي هو نفي الحركة وانقطاع الصوت، ليتطابق اللفظ ~~والمعنى كما تقدم في باب الإعراب. # وقد فعلت ذلك طائفة من العرب، فجزمت بها حين لحظت هذا الأسلوب وأكثرهم ~~ينصب بها مراعاة لأن المركبة فيها مع لا، إذ هي # من جهة الفعل وأقرب إلى لفظه، فهي أحق بالمراعاة من معنى النفي، فرب نفي ~~لا يجزم الأفعال، وذلك إذا لم يختص بها دون الأسماء، والنفي في هذا الحرف ~~إنما جاءه من قبل " لا "، و " لا " غير عاملة، لعدم استبدالها بالأفعال دون ~~الأسماء، ولذلك كان النصب بها أولى من الجزم. # على أنها قد ضارعت " لم " لتقارب المعنى واللفظ. # حتى قدم عليها معمول فعلها. # فقالوا: " زيدا لن أضرب "، كما قالوا: " زيدا لم أضرب ". # ومن خواصها أنها تخلص الفعل للاستقبال بعد أن كانت صيغته للحال. # فأغنت عن " السين " و " سوف ". # وكذلك جل هذه النواصب تخلص الفعل للاستقبال. # ومن خواصها أنها ms053 تنفي ما قرب ولا يمتد معنى النفي فيها كامتداد معنى ~~النفى # في حرف " لا " إذا قلت: " لا يقوم زيد أبدا. # PageV01P100 # وقد قدمنا أن الألفاظ مشاكلة للمعاني التي هى أرواحها، يتفرس العاقل فيها # حقيقة المعنى بطبعه وحسه، كما يتعرف الصادق للفراسة صفات الأرواح في ~~الأجساد بنحيزة نفسه. # فحرف " لا ": لام بعدها ألف، يمتد بها الصوت ما لم يقطعه تضييق # النفس، فإذا امتداد لفظها بامتداد معناها، و " لن " بعكس ذلك، فتأمله ~~فإنه معنى لطيف، وغرض شريف، ألا ترى كيف جاء في القرآن البديع نظمه، الفائق ~~على كل العلوم علمه: (ولا يتمنونه أبدا) ، بحرف " لا " في الموضع الذي ~~اقترن فيه حرف الشرط بالفعل فصار من صيغ العموم، فانسحب على جميع الأزمنة، ~~وهو قوله - عز وجل -: (إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا ~~الموت) . # كأنه يقول: متى ما زعموا ذلك لوقت من الأوقات أو زمن من الأزمان وقيل ~~لهم: (تمنوا الموت) فلا يتمنونه، وحرف الشرط دل على هذا المعنى، وحرف " لا ~~" في الجواب بإزاء صيغة العموم، لاتساع معنى النفي فيها. # وقال في سورة البقرة: (ولن يتمنوه) فقصر من سعة النفي وقرب، لأن # فوله تعالى في النظم: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة) . # وليست " إن " ها هنا مع " كان " من صيغ العموم، لأن " كان " ليست بدالة ~~على حدث، وإنما هي داخلة على المبتدأ والخبر عبارة عن مضي في الزمان الذي ~~(كان) فيه ذلك الحدث، فكأنه يقول عز وجل إن كانت (قد) وجبت لكم الدار ~~الآخرة وثبتث (لكم) في علم # PageV01P101 # الله - تعالى - فئمنوا الموت الآن، ثم قال في الجواب: (ولن يتمنوه) ، ~~فانتظم معنى الجواب بمعنى الخطاب في الآيتين جميعا، والله الموفق للصواب. # وليس في قوله تعالى (أبدا) ما يناقض ما قلناه، فقد تكون (أبدا) بعد فعل # الحال، تقول: " زيد يقوم أبدا "، و " يصلي أبدا "، ونحو ذلك. # ومن أجل ما تقدم من قصور معنى النفي في " لن " ودلالتها على القرب في ~~أكثر الكلام، لم يكن للمعتزلة حجة على نفي الرؤية في قوله عز وجل: # (لن ms054 تراني) ، ولم يقل: " لا تراني " فلو كان النفي ب " لا " لكان لهم بعض ~~التعلق، ولم يكن حجة بجواز تخصيص العموم بنص آخر من الكتاب والسنة، والله ~~الموفق. # PageV01P102 # وأما الإدراك الذي لا يكون بحال فنفاه ب " لا "، فقال: (لا تدركه ~~الأبصار) ، فالأبصار إذا لا تدركه بحال، والرؤية تكون بعد هذه الحال وهو # - عندي - أصح من قول من قال: الرؤية والإدراك بمعنى واحد لا فرق بينهما: ~~ألا ترون كيف حسن قوله - صلى الله عليه وسلم -: # " إنكم ترون ربكم عيانا يوم القيامة ". # ولو قال: (إنكم) تدركون ربكم يوم القيامة، لم يحسن. # فالإدراك منفي ب (لا) نفيا مطلقا # بخلاف الرؤية على أني أقول: إن العرب - مع هذا - إنما تنفي ب " لن " # ما كان ممكنا عند الخطاب مظنونا أن سيكون، فتقول له: " لن يكون ". # لما يمكن أن يكون، لأن " لن " فيها معنى " أن " وإذا كان الأمر عندهم على ~~الشك لا على الظن، كأنه يقول: أيكون أم لا يكون؟ # (قلت في النفي لا يكون) وهذا كله مقو لتركيبها من " لا " # و" أن "، وسأشرح لك وجه اختصاصها في القرآن بالمواضع التي وقعت فيها دون ~~" لا ". # * * * ### | مسألة # قوله: (وإذن) # PageV01P103 # هذا حرف هو عندي " إذا " التي كانت ظرفا لما يستقبل، وكانت غير منونة من ~~أجل إضافتها إلى ما بعدها، فخلع منها معنى الاسمية كما فعلوا ذلك بإذ وبكاف ~~الخطاب، وبالضمائر المنفصلة في باب الفصل، خلع منها معنى (الاسم وصارت ~~حروفا لا مواضع) لها من الإعراب. # وكذلك فعلوا بإذا، إلا أنهم زادوا فيها التنوين # فذهبت الألف، والقياس إذا وقفت عليها أن ترجع الألف لزوال العلة، وإنما ~~نونوها لما فصلوها عن الإضافة إذ التنوين علامة الانفصال، كما فعلوا بإذ ~~حين فصلوها عن الإضافة، إلى الجملة فقالوا: يومئذ فصار التنوين معاقبا ~~للجملة، إلا أن " إذا في ذلك الموضع لم تخرج عن الاسمية (بدليل إضافة " يوم ~~" و " حين " إليها، وإنما أخرجوها عن الاسمية، في نحو قوله تعالى: # (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم) ، جعلها سيبويه ههنا (حرفا بمنزلة أن) # فإن قيل: ليس شيء من ms055 هذه الأشياء التي صيرت # حروفا بعد ما كانت أسماء، إلا وقد بقي فيها معنى من معانيها، كما بقي في # " كاف " الخطاب معنى الخطاب، وفي " على " معنى الاستعلاء، فماذا بقي في ~~(إذ) و (إذا) من معانيهما في حال الاسمية؟ # فالجواب: أنك إذا قلت: " سأفعل كذا إذا خرج زيد # أو قدم عمرو "، ففعلك مرتبط بالخروج أو القدوم مشروط به، وكذلك إذا قال ~~لك القائل: " قد أكرمتك " فقلت: " إذن أحسن إليك "، ربطت إحسانك بإكرامه ~~وجعلته جزاء له، فقد بقي فيهاطرف من معنى الجزاء وهي حرف، كما كان فيها ~~معنى الجزاء وهي اسم. # وأما " إذ " في قوله تعالى: (إذ ظلمتم) ففيها معنى الاقتران بين الفعلين، ~~كما # كان فيها ذلك في حال الظرفية، تقول: لأضربن زيدا إذ شتمني " فهي - وإن لم ~~تكن ظرفا ففيها من المعنى الأول طرف، كأنك تنبهه على أنك تجازيه على ما كان ~~منه إذ شتم، فإن لم يكن الضرب واقعا في حال الشتم، فله رد عليه وتنيه عليه. # فقد لاح # PageV01P104 # لك قرب ما بينهما وبين " أن " التي للمفعول من أجله، ولذلك شبهها سيبويه ~~بها في سواد كتابه. # وعجبا للفارسي حيث غاب ذلك عنه وجعلها ظرفا، ثم تحيل في إيقاع الفعل # الذي هو النفع فيها وسوقه إليها، بما هو مسطور في كتبه، فأغنى ذلك عن ~~ذكره. # وأما إذ إذا كانت منونة فإنها لا تكون إلا مضافا إليها ما قبلها، لتعتمد ~~على # الظرف المضاف إليها فلا يزول عنها معنى الظرفية، كما زال عن أختها حين ~~نونوها وفصلوها عن الفعل الذي كانت تضاف إليه. # والأصل في هذا أن " إذا و " إذا " في غاية من الإبهام والبعد عن شبه ~~الأسماء، والقرب من الحروف، لعدم الاشتقاق، وقلة حروف اللفظ، وعدم التمكن ~~وغير ذلك، فلولا إضافتها إلى الفعل الذي يبنى للزمان # ويفتقر إلى الظروف، لما عرف فيها معنى الاسم أبدا، إذ لا تدل واحدة منهما ~~على معنى في نفسها إنما جاءت لمعنى في غيرها، ف " إذا " قطعت عن ذلك المعنى ~~تمحض معنى الحرف، إلا أن " إذ " لما ms056 ذكرناه من إضافة ما قبلها من الظروف ~~إليها لم يفارقها معنى الاسم. # وليست الإضافة إليها في الحقيقة، ولكن الجملة التي عاقبها التنوين. # وأما " إذن " فلم يكن لها بعد فصلها عن الإضافة ما يعضد معنى الاسمية ~~فيها. # فصارت حرفا لقربها من حروف الشرط في المعنى، ولما صارت حرفا مختصا # بالفعل مخلصا له للاستقبال كسائر النواصب للأفعال. # نصبوا الفعل بعده، إذ ليس واقعا موقع الاسم فيستحق الرفع، ولا هو غير ~~واجب فيستحق الجزم، فلم يبق إلا النصب. # ولما لم يكن العمل فيها أصلا لم تقو قوة أخواتها، فألغيت تارة وأعملت # أخرى، وضعفت عن عوامل الأفعال فإن قيل: فهلا فعلوا بها ما فعلوا ب " إذا ~~" حين نونوها، وحذفوا الجملة بعدها فيضيفوا إليها ظروف الزمان كما يضيفونها ~~إلى " إذ " في قولك: " حينئذ " " يومئذ "، إذ الإضافة في المعنى إلى الجملة ~~التي عاقبها التنوين؟. # فالجواب: أن " إذ " قد استعملت مضافة إلى الفعل (المستقبل) في المعنى # على وجه الحكاية للحال، كما قال تعالى: (ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون ~~العذاب) # PageV01P105 # ولم يستعملوا " إذا " مضافة إلى الماضي بوجه ولا على حال، فلذلك # استغنوا بإضافة الظروف إلى " إذ " وهم يريدون الجملة بعدها عند إضافتها ~~إلى " إذا "، والله أعلم. # مع أن " إذا في الأصل حرفان، و " إذا " ثلاثة أحرف، فكان ما هوأقل حروفا ~~في اللفظ أولى بالزيادة فيه # (وإضافة الأوقات إليه زيادة فيه، لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة # اسم واحد) . # وأقوى من هذا أن " إذن " فيها معنى الجزاء، وليس في " إذ " منه رائحة. # فامتنع إضافة ظروف الزمان إلى " إذن "، لأن ذلك يبطل ما فيها من معنى ~~الجزاء، لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد، فلو أضيف " اليوم " # و" الحين " إليها لغلب عليها حكمه، لضعفها عن درجة حروف الجزاء، فتأمله. # * * * ### | مسألة # (في اللامين: لام كي، ولام الجحود) # هما حرفا جر، فكلاهما يضب بإضمار " أن "، إلا أن لام كي هي لام العلة # فلا يقع قبلها إلا فعل يكون علة لما بعدها، فإن كان ذلك الفعل منفيا لم ~~يخرجها (ذلك) عن أن تكون لام ms057 كي كما ذهب إليه الصيمري، لأن معنى العلة فيها ~~باق. # وإنما الفرق بين لام الجحود ولام كي من وجوه ستة: # أحدها: أن لام الجحود يكون قبلها ما كان أو لم يكن، وتكون كان بلفظ # المضي أو في معناه، لا بلفظ الاستقبال. # وتكون زمانية ناقصة لا تامة، ولا يقع بعد اسمها ظرف ولا مجرور، لا تقول: ~~" ما كان زيد عندك ليذهب " وإلا ". . . أمس ليخرج ". # فهذه أربعة فروق. # PageV01P106 # والذي يكشف لك قناع المعنى ويهجم بك على الغرض إن كانت الزمانية # عبارة عن زمان ماض، فلا تكون علة لحادث، ولا تتعدى إلى المفعول من أجله، ~~ولا إلى الحال وظرف المكان، وفي تعديها إلى ظرف الزمان نظر، فهذا الذي ~~منعها من أن تقع قبل لام العلة، أو يقع بعدها المجرور أو الظرف. # وأما الفرق الخامس بين اللامين فهو: أن الفعل بعد " لام " الجحود لا يكون # فاعله إلا عائدا على اسم " كان " لأن " اللام " وما بعدها في موضع الخبر ~~عنه، فلا تقول: ما كان زيد ليذهب عمرو، كما تقول: جاء زيد ليذهب عمرو، أو: ~~لتذهب أنت ولكن تقول: ما كان ليذهب وما كنت لأفعل. # والفرق السادس: جواز إظهار " أن " بعد " لام " كي، ولا يجوز إظهارها بعد # " لام " الجحود، لأنها جرت في كلامهم نفيا للفعل المستقبل بالسين أو سوف، ~~وصارت لام الجحود بإزائها، فلم يظهر بعدها ما لا يكون بعدهما. # وفي هذه النكتة مطلع على فوائد من كتاب الله - عز وجل -، ومرقاة إلى ~~تدبره، كقوله نعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) ، فجاء بلام الجحود. ~~حيث كان نفيا لأمر متوقع، وسبب مخوف في المستقبل. # ثم قال تعالى: (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) . # فجاء باسم الفاعل الذي لا يختص بزمان حيث أراد نفي وقوع العذاب ~~بالمستغفرين على العموم في الأحوال، لا يخص مضيا من استقبال. # ومثله: (وما كان ربك مهلك القرى) . # ثم قال عز وجل: (وما كنا مهلكي القرى) ، فالحظ هذه الآية من مطلع الأخرى ~~تجدها كذلك في المعنى، والله المستعان. # PageV01P107 # وأما (لام العاقبة) ، ويسمونها (أيضا) ms058 : " لام الصيرورة " وهي نحو اللام ~~في قوله # تعالى: (ليكون لهم عدوا) ، ونحو قوله: " أعنق ليموت "، فهي في الحقيقة # " لام كي "، ولكنها لم تتعلق بقصد المخبر عنه وإرادته، ولكنها تعلقت ~~بإرادة فاعل الفعل على الحقيقة، وهو الله سبحانه وتعالى، أى: فعل الله ذلك ~~ليكون كذا كذا، وقدر أن يعنق الرجل ليموت، فهي متعلقة بالقدر وقضاء الفعل. # وكذلك: إ اني لأنسى # اشن لا، ومن رواه: " إني لأنسى " فقد كشف قناع المعنى فلا غبار عليه، ~~والله الموفق لما يؤلف لديه. # * * * ### | مسألة # (في الأداتين " لم " و " لما ") # قوله: إ والجازم لم ولما " # " لما " نفي للماضي، كما أن " لن " نفي للمستقبل، وكان الأصل في نفي # (الماضي) حرف " لا "، إذ هى أعم بالنفي وبه أولى، وقد استعملوها نافية ~~للماضي في قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة) . # وفي قول الراجز: # وأي عبد لك لا ألما # PageV01P108 # ولكن عدلوا في أكثر الكلام عنها إلى حرف (لم) ، لوجوه منها: # أنهم (قد) خصوا المستقبل ب (لن) ، فأرادوا أن يخصوا كذلك الماضي في # النفي بحرف كما فعلوا بالمستقبل، لأن " لا "، لا تختص ماضيا من مستقبل في # النفي، ولا فعلا دون اسم. # ووجه آخر، وهو أن " لا " يتوهم انفصالها مما بعدها، إذ قد تكون نافية لما ~~قبلها ويكون ما بعدها في حكم الوجوب، مثل قوله تعالى: # (لا أقسم بهذا البلد) . # وحتى لقد قيل في قول عمر - رضي الله عنه -: # " لا نقضي ما تجانفنا فيه لإثم ": # أن " لاا " ردع لما قبلها، و " نقض " واجب لا نفي. # وكذلك قال بعض الناس في قوله - عليه السلام -: # " لا تتراءى ناراهما ": أن " لا " ردع، وما بعدها واجب. # لعمرى إن في لفظها إشارة لهذا المعنى، حيث كان بعد اللام فيها صوت # مديد ينقطع في أقصى الحلق، راجع إلى خلف مخارج الحروف، بخلاف # " لم " فإنها مشاركة ل " لا " في " اللام " المفتوحة كما هي مشاركة لها ~~في النفي. ثم فيها " الميم " وصوتها بين يدي الفم، ليكون هواء الكلمة إلى ~~ما بعدها، ومعناها فيما يتصل بها لا فيما وراءها، كما كان ذلك جائزا ms059 في " ~~لا ". # والله أعلم. # ويؤيد هذا المعنى ويوضحه قلبهم لفظ الفعل الماضي بعد " لم " إلى لفظ # المضارع حرصا على الاتصال، وصرفا لوجه الوهم عن ملاحظة الانفصال. # فإن قيل: وما في لفظ المضارع مما يؤكد هذا المعنى؟ # وليس هو والماضي سواء؟ # قلنا: لا سواء لمن استبصر وأمعن في هذا الشأن، ونحر إلى هذه # المسألة وكثيرا من المسائل الواردة عليك على أصل التمهر، إلا أن ذلك فليس # PageV01P109 # يتفوض إن شاء الله تعالى بنا، ولا يدوي لك فرع أختنا (1) . # اعلم أن الأفعال مضارعة للحروف، من حيث كانت عوامل في الأسماء مثلها، ومن ~~هنا استحقت البناء، وحق العامل أن لا يكون مهيئا لدخول عامل آخر عليه، كيلا ~~يفضي الأمر إلى التسلسل المستحيل عقلا وأصلا، والفعل الماضي بهذه الصورة ~~وعلى أصله من البناء ومضارعة الحروف العوامل في الأسماء، فليس يذهب الوهم ~~عند النطق، إلا إلى انقطاعه عما قبله إلا بدليل يربطه، وقرينه تضمنه إليه ~~تجمعه. # لذلك لا يكون في موضع الحال ألبتة، لا تقول " جاء زيد ضحك "، لتجعل هذا ~~الفعل في موضع الحال من " زيد " إذ لا جامع بينهما. # فإن قلت: فقد يكون في موضع الصفة من النكرة، كقولك: " مررت برجل # ذهب "؟ # قلنا: افتقار النكرة إلى الوصف، وفرط احتياجها إلى التخصيص تكملة # لفائدة الخبر هو الربط بين الفعل وبينهما، بخلاف الحال، فإنها تجيء بعد ~~استغناء الكلام وتمامه. # وأما كونه خبرا للمبتدأ فلفرط احتياج المبتدأ إلى خبره، جاز ذلك. # حتى إنك إذا أدخلت " إن " على المبتدأ بطل أن يكون الماضي في موضع الخبر، ~~إذا كان في خبرها اللام لما في اللام من معنى الابتداء والاستئناف لما ~~بعدها، فاجتمع ذلك مع صيغة المضي وتعاونا على منع الفعل الماضي من أن يكون ~~خبرا لما قبلها، وليس ذلك في المضارع. # فهذا أصل يبين لك ما تقدم قبله، ويفيدك أسرارا فيما يرد # عليك من هذا الباب بعده. # وليس الفعل المضارع كالماضي، لأن مضارعته للاسم هيأته لدخول العوامل # عليه، والتصرف بوجوه الإعراب كالاسم، وأخرجته عن شبه العوامل التي لها ~~صدر الكلام، ms060 وصيرته كالأسماء المعمول فيها، فوقع موقع الحال والوصف # وموقع خبر المبتدأ و (إن) ، ولم يقطعه دخول " اللام " عن أن يكون خبرا في ~~باب (إن) كما فطع الماضي، من حيث كانت صيغة الماضي لها صدر الكلام، كما ~~تقدم. PageV01P110 # فإن قيل: فما وجه مضارعة الفعل المستقبل والحال؟. # قلنا: دخول الزوائد عليه ملحقة بالحروف الأصلية متضمنة لمعاني الأسماء # كالمتكلم والمخاطب، فيما تضمن معنى الاسم أعرب، كما بني من الأسماء ما # تضمن معنى الحرف. # ومع هذا فإن الأصل في دخول حروف الزوائد الأربع، فأشبه # الأسماء، وصلح فيه من الوجوه ما لا يصلح في الماضي، وعول في المضارعة على ~~الفصل المتقدم، فهو أظهر وأقطع للبس وأولى بالتحقيق، ودع عنك ما علل به ~~النحويون في مضارعة الفعل للاسم من كلام واهي القواعد عن منهاج التحقيق ~~متباعد، والله الموفق للصواب، والمستعان على سلوك طريق ذوي الألباب. # * * * ### | مسألة # (في الفعل بعد الجوازم) # " لام " الأمر، و " لا " في النهي، وحروف المجازاة: هذه الجوازم كلها ~~داخلة # على المستقبل، فحقها أن لا يقع بعدها لفظ الماضي، ثم قد يوجد ذلك لحكمة. # أما حرف النهي فلا يكون فيه ذلك كيلا يلتبس بالنفي لعدم الجزم، ولكن إذا ~~كانت " لا " في معنى الدعاء جاز وقوع الفعل بعدها بلفظ الماضي، ثم قد يوجد ~~بعد ذلك لوجوه منها: أنهم أرادوا أن يجمعوا التفاؤل مع الدعاء في لفظ واحد، ~~فجاؤوا بلفظ الفعل الحاصل في معرض الدعاء تفاؤلا بالإجابة فقالوا: " لا ~~خيبك الله " و " لا رحم الكافر) ، ونحو ذلك. # وفائدة أخرى، وهي أن الداعي قد يضمن دعاءه القصد إلى إعلام السامع # وإعلام المخاطب بأنه داع، فجاء اللفظ بلفظ الخبر، إشعارا بما تضمنه من ~~معنى الإخبار، تقول: " أعزك الله وأبقاك " و " أكرم الله زيدا ". # و" لا رحم فلانا "، جمعت بين الدعاء والإخبار بأنك داع. # ويوضح ذلك ويبينه أنك لا تقول ذلك في حال مناجاتك مولاك وسؤالك إياه # لنفسك أو لغيرك، حيث لا أحد يسمعك أو يراك، لا تقول: (رحمني رب) # PageV01P111 # ولا: " رزقني " كما تقول للمخاطب: " رحمك الله ورزقك،، ونحو ms061 ذلك، فقد ~~تبين لك ما تضمنه الدعاء من الخبر في حين الخطاب، ولاح لك خلوه من ذلك ~~المعنى في حال انفرادك برب الأرباب، فقد تدحض اللفظ حين تدحض المعنى، ~~والأمر بمنزلة النهي سواء. # فإن قيل: وكيف لم يخافوا اللبس كما خافوه في النهي؟. # قلنا: للدعاء هيئة ترفع الالتباس، وذكر الله - تعالى - مع الفعل ليس ~~بمنزلة ذكر الناس، فتأمله فإنه بديع في النظر والقياس، فقد جاءت أشياء بلفظ ~~الخبر وهي في معنى الأمر أو النهي، منها قول عمر - رضي الله عنه -: # " جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء ". . . الحديث. # وقول العرب: " أنجز حر ما وعد " # و" حلأت حالئة عن كوعها "، وقول الحارث بن هشام: # " اتقى الله امرؤ. . " # وهو كثير في الكلام، ولكنه في معناه كله الأمر، ولكنه جاء بلفظ الخبر ~~الحاصل قصدا إلى معنى ثبوته ووجوبه في الديانة والمروءة، كأنهم يريدون ~~بقولهم: " أنجز حر ما وعد "، أي: ثبت ذلك في المروءة واستقر، وحلأت حالئة، ~~أي: جرى ذلك في العادة واستمر # و" جمع رجل عليه ثيابه " حكم فد وجب في الديانة وظهر وما استمر. فالإشارة ~~إلى هذه المعاني صيرنه إلى هذا البناء، وإن كان في معنى الأمر، ألا ترى أنه ~~لا يجيء بعده الاسم إلا نكرة، لعموم هذا الحكم وشيوع النكرة في جنسها على ~~العموم. # فلو جعلت مكان النكرة في هذه الأفعال اسما معرفة تدحض فيها معنى الخبر # وزال معنى الأمر فقلت: " اتقي الله زيدا " # و" أنجز عمرو ما وعد "، خبرا لا أمرا. # ومثله - فيما يزعم بعض (الناس أنه خبر في معنى) الأمر والنهي ما يرد # PageV01P112 # عليك في القرآن والسنة من نحو قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن) . # (والمطلقات يتربصن بأنفسهن) # و" لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين " # و" لا يكون المؤمن لعانا " و " لا يجني جان إلا على نفسه " # وهو كثير وليس هو في الحقيقة خبرا بمعنى أمر، كما لا يكون أمر بمعنى خبر، ~~ولكنها أخبار عما استقر في الشريعة وثبت في الديانة التي نحن مأمورون بها ~~على الجملة، فمن ms062 ههنا صرنا مأمورين بتلك # الأفعال، وإن لم تكن على صيغ الأمر والنهي في المقال، والله الموفق ~~للصواب في كل حال. # (وأما وقوع الأفعال المستقبلة بلفظ الماضي) بعد حروف المجازاة فلحكمة # لطيفة، ليس هي ما ذكروه من أن حروف المجازاة تدل على الاستقبال، واستغنوا ~~عن صيغة المستقبل إيثارا للخفة، لأن هذه العلة لا تستقل بنفسها، إذ يلزم ~~فيما يختص بالمستقبل ولا يقع بعدها لفظ الماضي نحو: لن، وكي، ولام الأمر. # ولكن الحكمة في هذه المسألة أن الفعل بعد حروف المجازاة - وإن كان ~~مستقبلا - فإنه ماض بالإضافة إلى جوابه، لأن الجواب لا يقع إلا بعده مترتبا ~~عليه، نحو قولك: " إن قام زيد غدا قام عمرو بعده " # فصار " قيام زيد غدا " بالإضافة إلى " قيام عمرو " ماضيا. # فأتوا بلفظ الماضي تأكيدا للجزاء وتحقيقا لأن الثانى لا يقع إلا بعد ~~الأول، مع ما أمنوا من اللبس حيث حصنت حروف المجازاة المعنى، وقطعت ~~الإشكال. # PageV01P113 # فإن قيل: هبكم سلم لكم أن الفعل ماض بالإضافة إلى الثاني، فما بال الثاني # جاء بلفظ الماضي إذا قلت: " إن قمت قمت معك " # و" إن خرج زيد ذهب عمرو؟ ". # فالجواب: أنهم قصدوا ازدواج الكلام، وآثروا اعتدال اللفظين حيث كانا معا ~~كالأخوين ألا تراهم يقولون: " آتيك بالغدايا والعشايا ". # وقالوا: # حوراء عيناء من العين الحير # وقال الله سبحانه: (نسوا الله فنسيهم) # (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه) . # ولولا لفظ الأول ما جاز الثاني في هذا الكلام كله، ألا ترى كيف حسن: # " إن تزرني أزرك " وكان قولهم: " إن زرتني أزرك " أحسن من قولهم: # " إن تزرني زرتك ". # وهو أقبح الوجوه الأربعة، لعدم الازدواج فيه. # وقد ذكر " أبو القاسم " قبحه في باب الجزاء، والحمد لله. # فإن قيل: إن كان يجوز " إن تزرني أزرك " بلفظ المستقبل في الثاني، فلم # (يكن) ينبغي أن يجوز " إن تزرني زرتك " بلفظ الماضي في الثاني والأول # مستقبل، إذ لا معنى يصححه، ولا ازدواج يحسنه؟ # فالجواب: أنهم أجازوه على قبحه لأن فيه طرفا من معنى المضي وحصول # الفعل، إذا كان واقعا إذ وقع الأول لا ms063 محالة وحاصلا بذلك الشرط، ~~فاستسهلوا أن يجيء بلفظ الفعل الحاصل ولم يمنعوه أصلا. # PageV01P114 # فإن قيل: فإنا نجد حروف المجازاة في كتاب الله العزيز يقع الفعل بعدها ~~تارة # بلفظ الماضي، لا يختلف القراء فيه، وتارة بلفظ المستقبل، لا يختلف القراء ~~فيه أيضا، وكلامه - سبحانه وتعالى - هو الكلام الجزل، وقوله فصل ليس ~~بالهزل، فما الحكمة في اختصاص لفظ الماضي ببعض الآي دون بعض؟. # قلنا: كل موضع اعتمد الكلام فيه على الفعل الواقع بعد حروف المجازاة. # كان بلفظ المضارع لأن القصد إليه يوجب تأثير العمل فيه وهو الجزم. # وإذا كانوا قد قلبوا لفظ الماضي بعد " لم " إلى المضارع ليظهر أثرها ~~وتعرف مزية اختصاصها، فما ظنك به في الموضع الذي لا يقلب فيه عن لفظه، ولا ~~ينقل عن أصله، وذلك نحو قوله عز وجل: (إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم) ~~وكقوله عز وجل: (إن تعذبهم فإنهم عبادك) الآية. # مع أن الحكمة التي من أجلها غير الفعل إلى الماضي بعد حروف الجزاء معدومة ~~في أكثر هذه المواضع، ألا ترى أن الفعل في # قوله: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك) . # ليس ماضيا بالإضافة إلى ما بعده، لأن ما بعده واجب في المعنى غير مترتب ~~عليه. # وهذا بديع إذا تأملته. # وإذا كان الكلام معتمدا على غيره، وكان هو في حكم التبعية له، إذ الشرط # تابع للمشروط، كان لفظ الماضي بعد حرف الجزاء أولى به. # فمنه قوله عز وجل: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) # وقوله تعالى: (لئن شكرتم لأزيدنكم) ، لأن اللام رابطة لجواب القسم # المضمر، فالكلام معتمد على جواب القسم لا على الشرط فحسن الإلغاء، وكان ~~لفظ الماضي أولى به إذ هو مبني لا يظهر فيه الإعراب. # وكذلك: (ولئن شئنا لنذهبن) و (لئن اجتمعت الإنس والجن) # وهو أصل غير منخرم، وعروة قياس لا تنفصم والحمد لله. # ومن أجل ما ذكرناه من وقوع الفعل بعد حرف الجزاء بلفظ الماضي، جاز # وقوع " لم " الجازمة بعد " أن " وهما جازمتان، ولا يجتمع جازمان كما لا ~~يجتمع في ms064 شيء من الكلام عاملان في معمول واحد من خفض ولا نصب، ولكن لما كان ~~الفعل # PageV01P115 # بعدها ماضيا في المعنى، وكانت متصلة به حتى كان صيغته صيغة الماضي، لقوة ~~الدلالة عليه، ب " لم " جاز وقوعه بعد " أن " فكان العمل والجزم بحرف " لم ~~" لأنه أقرب إلى الفعل وألصق وكان المعنى في الاستقبال بحرف " أن " لأنها ~~أولى وأسبق. # ولم ينكر إلغاء " أن " ههنا إذ ما بعدها في حكم صيغة الماضي، كما لا ينكر ~~إلغاؤها إذا لم يكن بعدها " لم ". # وقد أجازوا في " أن " النافية من وقوع المستقبل بعدها بلفظ الماضي ما ~~أجازوه # في " أن " التي للشرط، قال الله سبحانه وتعالى: # (ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) . # ولو جعلت مكان " إن " ههنا غيرها من حروف النفي لم يحسن فيه مثل # هذا لأن الشرطية أصل للنافية، كان المجتهد في النفي إذا أراد توكيد الجحد ~~يقول: " إن كان كذا وكذا فعلى كذا أو: فأنا كذا "، وكثر هذا في كلامهم حتى ~~حذف الجواب وفهم المقصد، فدخلت " إن " في باب النفي، والأصل ما قدمناه، ~~والحمد لله. # * * * ### | مسألة # (في التثنية والجمع الذي على حد التثنية) # قد بينا فيما تقدم أن " ألف " التثنية وواو الجمع أصلهما الألف والواو ~~اللتان هما علامتا إضمار، نحو الألف في " فعلا " والواو في " فعلوا ". # ولذلك لا تجد " الواو " علامة للرفع في جميع الأسماء إلا في الأسماء ~~المشتقة من الأفعال أو ما هو في حكمها. # ولما كانت الألف علامة إضمار في فعل الاثنين ممن يعقل وممن لا يعقل. # كانت (علامة) في تثنية الأسماء من العاقلين وغيرهم، وكانت أولى بضمير # الاثنين لقرب التثنية من الواحد في " فعلا " فارادوا أن لا يغيروا الفعل ~~عن البناء على الفتح في الاثنين كما كان ذلك في الواحد، لأن " الواو " في ~~الجمع يكون ما قبلها مضموما فتغير آخر الفعل عما كان عليه. # وسر المسألة أنك إذا جمعت وكان القصد إلى تعيين آحاد المجموع، والمخبر # PageV01P116 # معتمد على كل واحد منهم في الإخبار، سلم لفظ بناء الواحد في الجمع كما ~~سلم معناه ms065 في القصد إليه، فقلت: " فعلوا " أو: " هم فاعلون ". # وأكثرها يكون هذا فيمن يفعل، لأن (جميع ما لا يعقل من الأجناس يجري مجرى ~~الأسماء المؤنثة المفردة) كالجمة والأمة والثلة، فلذلك تقول في الدراهم ~~والثياب والأحجار ونحوها: جمعت وقبضت ولا تقول: جمعوا ولا قبضوا ولا تقول ~~في الحمير والغنم ونحوهما: ذهبوا. # ولا: فعلوا، ولكن: ذهبت وفعلت، لأنك تشير إلى الجملة من غير تعيين ~~لآحادها. # هذا هو الغالب فيما لا يعقل (وقد يسلم بناء الواحد فيما لا يعقل) ، كما ~~كان فيمن يعقل، ولذلك جاءت جموع التكسير معتبرا فيها بناء الواحد، وجارية ~~في الإعراب بالحركات مجرى الواحد حيث ضعف اعتمادهم على كل واحد بعينه، وصار ~~الخبر كأنه عن الجنس الكثير الجاري في لفظه مجرى الواحد، ولذلك جمعوا ما قل ~~فيه العدد من المؤنث جمع السلامة، وإن كان مما لا يعقل، كقولهم الثمرات ~~والطلحات، إلا أنهم لم يجمعوا المذكر منه - # وإن قل عدده - إلا جمع التكسير. # لأنهم في المؤنث لم يزيدوا غير " ألف " فرقا بينه وبين الواحد. # وأما " التاء " فقد كانت موجودة في الواحدة أو في وصفها، فإن كثر جمعوه ~~جمع تكسير كالمذكر. # وإذا كانوا في الجمع القليل يسلمون لفظ الواحد من أجل إمكان التعيين في # آحاده، والاعتماد في إسناد الخبر على أفراده، فما ظنك به في الاثنين إذا ~~ساغ لهم ذلك في الجمع الذي على حدها، لقربه منها. # فمن ثم لا تجد التثنية أبدا فيما يعقل وفيما لا يعقل إلا على حد واحد. ~~وكذلك ضمير الاثنين في الفعل المسند إلى # العاقلين وغيرهم فإذا ثبت ما قلناه فحق للعلامة في تثنية الأسماء أن تكون ~~على # (حدها في) علامة الإضمار، وأن تزاد ألفا في الرفع والنصب والخفض، لأنها # تثنية في جميع أحوالها. # وكذلك فعلت طوائف من العرب، وهم: خثعم وطيء وبنو الحارث بن # كعب، # PageV01P117 # وأما الأكثر منهم فإنهم كرهوا أن يجعلوه كالاسم المبني أو المقصور من # حيث كان الإعراب قد ثبت في الواحد والتثنية طارئة على الإفراد، وكرهوا ~~أيضا زوال الألف، لاستحقاف التثنية لها فتمسكوا بالأمرين، ms066 فجعلوا الياء ~~التي هي من الكسرة علامة الخفض، وأبقوا من الألف بعضها وهي الفتحة، وشركوا ~~النصب مع الخفض للعلل التي ذكرها النحويون، فما أجد الرفع بالألف إذا لا ~~سيما وهي في الأصل علامة إضمار الفاعل، وهي في تثنية الأسماء علامة رفع ~~الفاعل أو ما ضارع الفاعل. # فقد لاحت لك الحكمة في اختصاص التثنية بالألف في الإضمار وتثنية الأسماء. # وقد تقدم في باب المعرفة وجه الحكمة في اختصاص " الواو " بجمع ما # PageV01P118 # يعقل علامة وإضمارا، وأشرنا إلى أنها جامعة حسا وعقلا، حيث كانت هي الضمة ~~في الحقيقة ومخرجها في النطق من الشفتين، واطراد هذا المعنى فيها في جميع ~~أبوابها. # ولا معنى للحديث المعاد، إلا أنهم في موضع الخفض والنصب في علامة # الجمع حولوها إلى الياء، للعلة التي ذكرناها في التثنية، ومتى انقلبت ~~الواو إلى الياء، والياء إلى الواو فكأنها هي، إذ لم يفارقها المد واللين، ~~وكأنهما صف واحد، والانقلاب فيها تغيير حال لا تبديل بحال. # ولذلك تجد النحويين يعبرون عن هذا المعنى بالقلب لا بالإبدال، ويقولون # في التاء من تراث وتخمة: بدل من واو، وفي الطاء من مصطفى كذلك. # وفي الميم من " فم " وفي الألف المبدلة من التنوين في الوقف، يسمون هذا ~~كله بدلا ولا يسمونه قلبا، فاصغ لهذا الباب وفرغ له قلبا. # فإن قيل لك: إذا كانت طوائف من العرب فد جعك التثنية في جميع أحوالها # بالألف للعلة التي ذكرتم، فلم لم يطردوا على الجمع بالواو، فيكون في جميع # أحواله على تلك اللغة؟. # فالجواب: أن الألف منفردة في الكثير من أحكامها عن الواو والياء. ~~كانفرادها في الردف واختصاصها بالتأسيس وغير ذلك. # والياء والواو أختان في باب الإقواء والردف وأشياء كثيرة، فكأنهم إذا ~~قلبوها ياء في النصب لم يبعدوا عن الواو، بخلاف الألف فإنهم إذا قلبوها ياء ~~بعدوا عنها، والله أعلم. # فإن قيل: فما بال " سنين " و " مئين " وبابهما جمع على حدة التثنية، وليس ~~من # صفات العاقلين ولا أسمائهم الأعلام؟ # فالجواب: أن هذا الجمع لا يوجد إلا فيما اكتملت فيه أربعة شروط: ms067 # أحدها: أن يكون معتل اللام. # PageV01P119 # الثاني: أن لا يكون المحذوف منه غير حرف مد ولين. # الثالث: أن يكون مؤنثا. # الرابع أن لا يكون له مذكر. # فخرج من هذا الباب: شفةا، وشاة، وعضة، لأن المحذوف منهن هاء # وليست حرف مد ولين. # وخرج من هذا الباب: أمة لأن لها مذكرا - وإن لم يكن على لفظها - فقالوا # في جمعها: إموان، ولم يجمعوها جمع سنين، كيلا يظن أن جمع المذكر إذ كان # له جمع مذكر في معناه. # وجمع سائر الباب جمع السلامة من أجل أنه مؤنث. # والمؤنث كله يجمع جمع السلامة (وإن لم يكن على هذا اللفظ، فلما حصل فيه ~~جمع السلامة) بالقياس الصحيح - وكانت عادتهم رد اللام المحذوفة من الجموع ~~وكانت اللام المحذوفة واوا أو ياء - أظهر في الجمع السالم ياء أو واوا ولم ~~يكن في الواحد، وساق القياس إليها سوقا لطيفا حتى حصلت بعد زوالها، فأشبهت ~~حال هذا الجمع (حال الجمع) المسلم في العاقلين، من حيث كان جمعا، وكان ~~مسلما، وإن لم تكن واو الجمع هي لام الفعل، ولكنها واو لم تكن في الواحد، ~~فلم يبق إلا النون، وقد لا يكون في الجمع نون إذا أضيف فصار كأنه هو، ~~فألحقوه النون إذا لم يضيفوا، وأجروه مجراه في وجوه الإعراب. # وأما كسر السين (من سنين) فلئلا يلتبس بما هو على وزن " فعول " في # PageV01P120 # الواحد نحو " نوور " و " سنون " - الذي يستن - فكان كسر السين تحقيقا ~~للجمع، إذ ليس في الكلام (اسم) على وزن فعول ولا فعيل. # فإن قيل: فما بال الأرضين؟ # قلنا - والله المستعان -: ليس " الأرض " في الأصل كالأسماء الأجناس مثل # " صخر " و " كلب "، ولكنها لفظة جارية مجرى المصدر، فهي بمنزلة السفل ~~والتحت، وبمنزلة ما هو في مقابلتها كالفوق والعلو، ولكنها وصف بها هذه ~~الأرض المحسوسة. # فجرت مجرى قولهم: (امرأة ضيف وزورا، يدلك على ذلك قول الراجز: # ولم يقلب أرضها البيطار # يعني قوائم الفرس، فأفرد اللفظ - وإن كان يريد ما هو جمع في المعنى، فإذا # كانت بهذه المنزلة فلا معنى لجمعها كما لا يجمع ms068 الفوق والتحت، والعلو # والسفل، فإن قصد المخبر إلى جزء من هذه الأرض الموطوءة وعين قطعة محدودة ~~منها، خرجت عن معنى السفل الذي هو في مقابلة العلو، حيث عين جزءا محسوسا ~~منها، فجاز على هذا أن يثنى إذا ضممت إليه جزءا آخر فتقول: رأيت أرضين، أو: ~~هما أرضان، ولا يقال للواحدة: أرضة، بتاء التأنيث كما تقول في القطعة من ~~الجنس نحو " تمرة "، و " برة " من " تمر " # و" بر "، لأن الأرض ليس باسم جنس كما تقدم. # ولا يقال أيضا " أرضة " من حيث قلت " ضربة " و " شتمة "، لأنها في الأصل # PageV01P121 # تجري (مجرى) السفل والتحت، ولا يتصور في العقول أن يقال " تحتة " ولا # " سفلة "، كما تصور ذلك في بعض المصادر، لما يأتي بيانه إن شاء الله ~~تعالى. # فلما لم يمكنهم أن يجمعوا أرضا على أرضات، من حيث رفضوا " أرضة ". # ولا أمكنهم أن يقولوا: " آرض " ولا: " آراض "، من حيث لم يكن مثل صخر ~~وكلب، وكانوا قد عينوا جزءا محدودا فقالوا فيه: أرض، وفي تثنيته: أرضان، ~~وأرضين - إذا لم ينكروا إذا أضافوا إلى الجزأين مثل عددهما أو قريبا منه أن ~~يجمعوه على حد التثنية، فقد تقدم السر (في الجمع) الذي على حد التثنية، ~~وأنه مقصود إلى آحاده، على التعيين كالتثنية، فإن أرادوا الكثرة والجمع ~~الذي لا يتعين آحاده كأسماء الأجناس، لم يحتاجوا إليه ههنا، فإن لفظ " أرض ~~" تأتي على ذلك كله، لأنها # كلها بالإضافة إلى " السماء " تحت وسفل، فعبر عنها بهذا اللفظ الجاري ~~مجرى # المصدر لفظا ومعنى، وكأنه وصف لذاتها لا عبارة عن عينها وحقيقتها، إذ ~~يصلح أن يعبر به عن كل ما له فوق وهو بالإضافة إلى ما يقابله سفل، كما تقدم ~~في قوائم الفرس، فسماء كل شيء أعلاه، وأرضه أسفله، ألا ترى كيف وردت مجموعة ~~في نحو قوله عليه الصلاة والسلام: # " طوقه يوم القيامة من سبع أرضين ". # لما اعتمد الكلام على ذوات الأرضين وأنفسها على التفصيل والتعيين لآحادها ~~والتعيين لذواتها دون الوصف لها بذم أو سفل في مقابلة علو، فتأمله. # فإن قيل: فقد كان ms069 ينبغي على هذا أن لا يجمع ما هو في مقابلتها ويجري # PageV01P122 # مجرى المصدر الموصوف به، أعني السماء، وقد وردت في كتاب الله مجموعة # بخلاف (الأرض) فما الفرق بينهما؟. # قلنا: فرقان، فرق من جهة اللفظ وفرق من جهة المعنى، فأما " الأرض " فعلى ~~وزن ألفاظ المصادر الثلاثية الذي وجب لها في الأصل، وهو ما كان على وزن فعل ~~الآن مصدر الثلاثي، وإن اختلفت أبنيته فالواحدة في جميعه " فعلة " قياسا لا ~~ينخرم. # فهذا يدلك على أنه الأصل في أبنية المصادر الثلاثية وأما " السماء " # وإن كان مثالها في المصادر كالعلاء والجلاء (فهي بأبنية الأسماء أشبه) # وإنما الذي يماثل الأرض في معناها ووزنها (التحت، والسفل) وهي لا تثنى ~~ولا تجمع، وفي مقابلتهما الفوق، و " العلو "، وهما كذلك لا يجمعان أبدا، ~~على أنا لا نسلم أن السماوات جمع لسماء وإنما هي جمع لسماوة، وسماوة كل شيء ~~أعلاه، وأما جمع سماء على لفظها فأسمية في التكسير، وسماوات في المسلم. # وأما الفرق من جهة المعنى فإن الكلام متى اعتمد به على السماء المحسوسة # التي هي السقف، وقصد به إلى ذائها دون معنى الوصف، صح جمعها جمع # السلامة، لأن العدد قليل، وجمع السلامة بالقليل أولى، لا تقدم قبل من ~~قربه من التثنية، فوجب أن يكون على حدها، فإذا اجتمع الكلام على الوصف ~~استزاد معنى العلا والرفعة، وإن كان الخبر عن السماوات العلى، فجرى اللفظ ~~مجرى المصدر الموصوف به في قولك: " قوم عدل وزور ". # وأما الأرض فلم تجئ في القرآن مقصودا إلى ذاتها، ولا معبرا عنها إلا بما ~~هو بمعنى السفل (والتحت) ، تنبيها من الله تعالى على ذمها، وإعراضا عن ~~ذكرها، وترك الاعتناء بها إذ كانت دار الحياة الدنيا، تصديقا لما ورد في ~~الأثر من أن الله تعالى لم ينظر إلى الدنيا منذ خلقها، وأنه # يقول لها: (اسكتي يا لا شيء) . # وشبهها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجيفة، بل قال # " إنها أهون على الله من الجيفة ". # فلم يكن - جل ثناؤه - ليعتمد ذاتها بالذكر، ولا ليعبر # عنها بغير وصف الذم، ms070 بخلاف السماء المشوقة الرفيعة المقدسة المطهرة، التي ~~هي # PageV01P123 # مقر ملائكته، ومحل أنوار (جلاله) وعظمته، فإذا اعتمد ذكر ذاتها مع ما ~~فوفها من جمع، وإذا اعتمد الوصف الشامل لسماواته - وهو معنى العلاء والعلو ~~- أفرد. # وذلك في حسب ما يتصل به من كلام، ويقتضيه في بعض الآيات دون بعض # إعجاز الانتظام، كقوله سبحانه: (فورب السماء والأرض) # وكقوله: (أأمنتم من في السماء) ، (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في ~~أنفسكم) . # فإن اعتماد الكلام في هذه الأي يخالف اعتماده ومقصده في نحو قوله سبحانه: ~~(تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن) # و (قل من يرزقكم من السماوات والأرض) ، (خلق سبع سماوات) . # قصد في هذه إلى تعيين ذواتها وتفصيل آحادها بخلاف ما تقدم. # فإن قيل: فلم قال في سورة سبا: (قل من يرزقكم من السماوات والأرض) ، وفي ~~سورة يونس: (قل من يرزقكم من السماء والأرض) # وهل في النظم المعجز ما يقتضي فرقا بين الموضعين. # قلنا: نعم، قد يرد لفظ السماء عبارة عن كل ما علا من السماوات فما فوقها ~~إلى العرش وغير ذلك من المعاني العلوية المختصة بالربوبية، فيكون اللفظة ~~بصيغة الإفراد كالوصف المعبر به عن الموصوف، كما تقدم في الوصف قبل هذا. # وقد يكون السماء عبارة عن السماء الدنيا عرفا، ويكون عبارة عن السحاب ~~الذي ينزل منه الماء، وكان المخاطبون بهذه الآية - أعني التي في يونس - ~~مقرين بنزول الرزق من هذه السماء - أعني الرزق المحسوس كالغيث ونحوه وقد ~~قال في آخر الآية: (فسيقولون الله) فلما انتظم هذا الكلام بما قبله لم يصلح ~~في النظم إلا ذكر السماء مفردة، لأنهم لا يقرون بما ينزل من فوق ذلك من ~~الرزق المعقول والرحمة بالعباد كالوحي الذي به حياة الأرواح والأجساد، بل ~~ينكرون ذلك، فوردت # السماء فيها بلفظ الإفراد، بخلاف الآية الأخرى، فإنه لم ينتظم بها ذكر ~~إقرارهم بما ينزل من الرزق، ولكنه قال تعالى: (قل من يرزقكم من السماوات ~~والأرض قل الله) # PageV01P124 # فأمر نبيه بهذا القول الذي هو تصديق لنزول الرزق، والخبر هو الحكمة # والعلم - وهو ms071 أفضل الرزق - من فوق سبع سماوات، وأما الرزق من الأرض فيصلح ~~ذكره في الاثنين جميعا، إذ لا ينكر رزق الأرض وما ينزل من الغيث من هذه ~~السماء بر ولا فاجر، بل يعترف به المؤمن والكافر. # فتأمل ما ذكرته من هذه النكث فإنها أنف لم أزاحم عليها ولا وجدتها لأحد ~~تقدمني إليها، والله الموفق لشكر يقتضي الزيد من # فضله، وهو حسبنا ونعم الوكيل. # * * * ### | فصل # (ما لا يجمع جمع السلامة) # ومن الصفات المشتقة من الأفعال ما لا يجمع جمع السلامة في مستعمل # الكلام، وهو ما كان على وزن " فعلا مضاعفا، نحو: رجل بر، وثط، وفظ، وما ~~أشبهه، كأنهم كرهوا التباسه بفعول فكسروه. # وأما ما ليس بمضاعف فقد تقول فيه: " فعلون "، مثل: صعب وصعبين ولم # يخافوا في هذا البناء التباسا كما في ما قبله، إذ ليس في الكلام فعلول، ~~ومن ثم قالوا في مؤنثه: صعبات وخولات - بتسكين العين - حملا على مذكره، ولو ~~كان اسما غير وصف لفتحوا العين كما فتحوها في جفنات وبابه تأكيدا لمنع ~~الجمع، وكيلا يتوهم - لخفاء الألف - أنك أردت " جفنة "، فقد يوقف على هذه ~~التاء بالهاء، وكانت الفتحة أولى حين أرادوا التحريك لوجودها في المكسر نحو ~~" جفان ". # فإن قيل: فما بال " فعيل " إذا كان وصفا مشتقا، لا يكاد يوجد مجموعا جمع # السلامة نحو: رحيم وعليم؟ . # PageV01P125 # قلنا: جمع السلامة فيه جائز، ولكنه فيه مستثقل لتوالي الكسرات مع الياء # إذا قلت: رحيمين، والخروج من الكسر إلى الضم إذا قلت: رحيمون، فعدلوا عنه ~~إلى فعلاء، وأما " شعراء " فليس بجمع " شاعر "، على القياس، ولكنه جمع " ~~فعيل " من شعر يشعر فليس ما هو (في) وزن فاعل جاريا على فعل، ولا يوجد ذلك، ~~ولكنهم لما رفضوا أن يقولوا في اسم الفاعل من شعر: شعير، عدلوا عنه إلى " ~~فاعل "، الذي فيه معنى النسب نحو: رامح، وتامر، ولابن. # واستغنوا به، فلما جمعوه ردوه إلى الأصل الذي كان يقتضيه القياس، وكأنهم ~~إنما كرهوا موافقة اللفظ للفظ الشعير، الذي هو أخو الحنطة، فاستغنوا عنه ~~بفاعل الذي معناه ذو الشعر، كما ms072 أن رامحا معناه: ذو رمح، وليس هو من # " رمح "، وتامر ولابن كذلك، ولم يحتاجوا في الجمع إلى عدول عن القياس، ~~لعدم الاشتباه والالتباس، فافهم. # * * * ### | مسألة # (من باب الفاعل والمفعول به) # قوله: " لأن الفعل إذا تقدم الأسماء وحد، وإذا تأخر ثني وجمع، للضمير # الذي يكون فيه ". # ولعلة أصح من هذه، قد تقدمت في صدر هذا الكتاب. # فإن كان في الفعل ضميره لحقته في التثنية علامة الإضمار وهي الألف، وفي # الجمع " الواو ". # والفعل في كل حال مفرد، لأنك لم ترد أن تضم فعلا إلى فعل، ولا # يفعل " إلى " يفعل " آخر. # فإن قيل: لم ظهرت علامة الإضمار في التثنية والجمع ولم تظهر في # PageV01P126 # الواحد؟ # قلنا: الفعل يدل على فاعل مطلق، ولا يدل على تثنيته ولا على جمعه. # لأن التثنية والجمع معنى يطرأ على الإفراد، والإفراد هو الأصل، ففعل ~~الواحد مستغن عن ظهور علامة الإضمار بعلم السامع أن له فاعلا، وليس كذلك في ~~الثثنية والجمع، لأن السامع لا يعلم أن الفاعل مثنى ولا مجموع إلا بدليل. # فإن قيل: فضمير الفاعل المستتر في الفعل كيف يصح استتاره فيه، والفعل # كلمة مؤتلفة من حروف، والحروف أعراض في اللسان أجزاء من الصوت، لا يستتر ~~فيها شيء ولا يظهر إذ ليست بجسم؟. # فالجواب: أن أكثر ألفاظ النحويين محمولة على التجاوز والتسامح، لا على # الحقيقة، لأن مقصدهم التقريب على المبتدئين والتعليم للناشئين. # وتحقيق القول أن الفاعل مضمر في نفس المتكلم، ولفظ الفعل متضمن له # دال عليه، واستغني عن إظهاره لتقدم ذكره، وعبرنا عنه بمضمر - ولم نعبر ~~عنه بمحذوف، كما قلنا في المضمر المفعول العائد على الاسم الموصول - لأن ~~المضمر هنا قد لفظ به في النطق، ثم حذف تخفيفا، نحو قولنا: # " الذي رأيته، والذي رأيت ". # ويجوز حذفه في التثنية والجمع، فلما كان ملفوظا به ثم قطع من اللفظ # تخفيفا، عبر عنه بالحذف، وليس كذلك ضمير المرفوع، لأنه لم ينطق به ثم ~~حذف. # ولكنه مضمر في النية مخفي في الخلد، والإضمار هو الإخفاء، والحذف هو ~~القطع من الشيء، فهذا فرق ما ms073 بينهما، وهو واضح لا خفاء به، ولا غبار عليه. # * * * # مسألة # (من إلحاق علامة التأنيث بالفعل) # قد تلحق العلامة الفعل للتثنية والجمع قبل ذكر الفاعلين، فليست حينئذ # بضمير، إذ لم يتقدم مذكور يعود، ولكنها حروف لحقت علامة للتثنية والجمع، ~~حرصا على البيان وتوكيدا للمعنى، إذ كانوا يسمون بالجمع والتثنية نحو: ~~فلسطين، وقنسرين، وكذلك: سلمان، وحمدان، يشبه لفظه لفظ التثنية في الرفع، # PageV01P127 # فهذا ونحوه مما دعاهم إلى تقديم العلامة في نحو قولهم: " أكلوني البراغيث ~~". # وقد ورد في الصحيح نحو قوله عليه الصلاة والسلام: # " يتعاقبون فيكم ملائكة. . . ". # وكما أن هذه العلامة ليست للفعل إنما هي للفاعلين، فكذلك التاء # في: ظفرت يداك، وقامت هند، ليست للفعل، إذ الفعل عبارة عن الحدث، وهو اسم ~~مذكر لا تلحقه علامة التأنيث إلا في التحديد، نحو: ضربة وقتلة. # وقد تقدم أن الفعل لم يشتق من المصدر محدودا وإنما يدل عليه مطلقا. # فثبت بهذا أن التاء حرف بمنزلة العلامة التي تقدم ذكرها، إلا أنها ألزم ~~للفعل منها، إذ كل العرب تقول: قامت هند، ولا تكاد تقول: قاموا أخوتك، إلا ~~قليل منهم. # وقد ذكر النحويون فروقا في ذلك وعللا غنينا عن ذكرها، إذ كانت في كتبهم ~~مسطورة. # ولكنا نشير إلى فصول أغفلوها من أحكام تاء التأنيث. # زعموا أن الاسم المؤنث إذا كان تأنيثه حقيقيا، فلا بد من لحوق " تاء " ~~التأنيث في الفعل، وإن كان تأنيثه مجازيا كنت مخيرا في إثبات الئاء وتركها. # وزعموا أن " التاء " في (قالت الأعراب) لتأنيث الجماعة، وتأنيث الجماعة # PageV01P128 # غيرحقيقي. # وقد كان على هذا لحوق التاء في قوله تعالى: (وقال نسوة) أولى. # إذ كان تأنيث النسوة حقيقة. # واتفقوا أن الفعل إذا تأخر عن فاعله المؤنث، فلا بد من إثبات تاء # التأنيث، وإن لم يكن تأنيثه حقيقة، ولم يذكروا فرقا بين تقدم الفعل ~~وتأخره. وفي هذا كله وهن لأصولهم، ودليل على قلة تحصيلهم. # ومما يسألون عنه أن يقال: إذا لحقت " التاء " لتأنيث الجماعة، فلم لا ~~يجوز في الجمع (المسلم) ، فيحسن: " قالت الكافرون " و " قالت الظالمون "، ~~كما حسن: (قالت ms074 الأعراب) و " ذهبت الأحقاد "، ونحوه؟. # ومما يسألون عنه أن يقال: إذا كان لفظ الجماعة مؤنثا، فلفظ الجمع مذكر. # فلم روعي لفظ التأنيث، ولم يراع لفظ التذكير؟. # فإن قالوا: أنت مخير، إن راعيت لفظ الجمع ذكرت، وإن راعيت لفظ # الجماعة أنثت. # قلنا: هذا باطل، فإن أحدا من العرب لا يقول: الهندات ذهب، ولا: الجمال ~~انطلق، ولا: الأعراب تكلم، مراعاة للفظ الجمع، فدل على أن الأمو بخلاف ما ~~ذكروه، والله أعلم. # والأصل في هذا الباب أن الفعل مئى انصل بفاعله، ولم يحجز بينهما حاجز. # لحقت التاء علامة للتأنيث، ولا يبالى إذا كان تأنيث الفاعل حقيقة أم ~~مجازا. # تقول: طالت النخلة، كما تقول: جاءت المرأة، اللهم إلا أن يكون الاسم ~~المؤنث في معنى اسم آخر مذكر، كالحوادث والحدثان، والأرض مع المكان، فقد ~~جاء: فإن الحوادث أودى بها # PageV01P129 # ولا أرض أبقل أبقالها # حمل الحوادث على الحدثان، وحمل الأرض على الموضع والمكان، مع أنه # شعر، والشعر موضع ضرورة. # فإذا فصلت الفعل عن فاعله، فكلما بعد عنه قوي حذف العلامة منه، قالوا: ~~حضر القاضي اليوم امرأة. # وفي القرآن: (وأخذ الذين ظلموا الصيحة) . # هذا مثل هذا في الجواز. # كما أنه إذا تأخر الفعل عن الفاعل وجب ثبوت التاء فيهما جميعا، تقول: # المرأة حضرت، كما تقول: الصيحة أخذتهم، والنخلة طالت. # وما أشبه ذلك لأن الفعل إذا تأخر كان (فاعله) مضمرا فيه متصلا به اتصال ~~الجزء بالكل، فلم يكن بد من ثبوت التاء لفرط الاتصال. # وإذا تقدم الفعل متصلا بفاعله الظاهر، فليس مؤخر الاتصال كهو مع # المضمر لأن الفاعل الظاهر كلمة والفعل كلمة أخرى، والفاعل المضمر والفعل ~~كلمة واحدة فكان حذف " التاء " في قامت هند، وطالت النخلة، أقرب إلى الجواز ~~منه في قولك: النخلة طالت. # فإن حجز بين الفعل وفاعله حاجز، كان حذف " التاء " حسنا، وكلما كثرت # الحواجز كان حذفها أحسن. # فإن كان الفاعل جمعا مكسرا أدخلت التاء لتأنيث الجماعة، وحذفت لتذكير # PageV01P130 # اللفظ، لأنه بمنزلة الواحد في أن إعرابه كإعرابه، ومجراه في كثير من ~~الكلام مجرى اسم الجنس. # فإن ms075 كان الجمع مسلما فلا بد من التذكير لسلامة لفظ الواحد، فلا تقول: # قالت الكافرون، لأن اللفظ بحاله لم يتغير بطروء الجمع عليه. # فإن قلت: فلم لا تقول: " الأعراب قال ":، و " الجمال ذهب ". # كما يجوز ذلك في حال تقديم الفعل؟. # قلنا: ثبوت " التاء " إنما كان مراعاة لمعنى الجماعة، فإن أردت ذلك ~~المعنى # أثبت " التاء " وإن تأخر الفعل لم يجز حذفه لاتصال الضمير، وإن (لم) ترد ~~معنى # الجماعة حذفت " التاء " إذا تقدم الفعل، ولم يحتج إليها إذا تأخر لأن ~~ضمير # الفاعلين جماعة في المعنى وليس بجمع، لأن الجمع مصدر: " جمعت أجمع " # فمن قال: إن التذكير في " ذهب الرجال " و " قام الهندات " مراعاة لمعنى ~~الجمع، فقد أخطأ. # وأما حذف التاء من (قال نسوة) فلأنه اسم جمع بمنزلة رهط ونفر، ولولا أن ~~فيه هاء التأنيث لقبحت " التاء " في فعله. # ولكنه قد بجوز أن يقال: " قالت نسوة " # كما تقول: " قال فتية وصبية ". # فإن قلت: " النسوة " - بالألف واللام - كان دخول " التاء " في الفعل أحسن ~~من تركها، كما كان ذلك في (قالت الأعراب) ، لأن الألف واللام للعهد، فكان ~~الاسم قد تقدم ذكره، فأشبهت حال الفعل حاله إذا كان فيه ضمير يعود إلى ~~مذكور، من أجل الألف واللام، فإنها ترد على معهود. # فإن قيل: فإذا استوى ذكر " التاء " وتركها في الفعل المفعول عن الفاعل # المؤنث، فما الحكمة لاختصاصها في الفعل في قصة شعيب، وحذفها في قصة # صالح في قوله: (وأخذ الذين ظلموا الصيحة) ؟. # فالجواب: أن الصيحة في قصة صالح في معنى العذاب والخزي، إذ كانت # PageV01P131 # منتظمة بقوله سبحانه وتعالى: (ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز (66) ~~. # فصارت الصيحة عبارة عن ذلك الخزي وعن العذاب المذكور في الآية، فقوي ~~التذكير، بخلاف الآية الأخرى، والله أعلم. # فإن قيل: فلم قلتم: إن التاء حرف ولم تجعلوها علامة إضمار إذا تأخرت. # وعلامة تأنيث إذا تقدمت؟. # قلنا: قول العرب: الهندان قامتا وفعلتا، وبالتاء والضمير معا، يدل على أن # التاء حرف وليست بضمير، إذ لا يكون للفعل ضميران فاعلان، وهذا بين لا ~~خفاء ms076 به وبالله التوفيق. # فإن قيل: فما الفرق بين قوله عز وحل: # (فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة) . # (وبين قوله) : (وفريقا حق عليهم الضلالة) # حتى ثبتت التاء في إحداهما، وحذفت في الأخرى؟. # قلنا: لو كان هذا السؤال في غير القرآن ما احتاج إلى جواب، لأن الإثبات # والحذف جائزان، فللمتكلم أن يفعل من ذلك ما شاء، ولكن كلام (الحكيم) ~~الخبير ليس كغيره من الكلام، لإعجازه في الأسلوب والانتظام. والفرق بين ~~الموضعين المتقدمين لائح من وجهين: # أحدهما لفظي والآخر معنوي. # أما اللفظي فهو أن الحروف الحواجز بين الفعل والفاعل في قوله: # (حق عليهم الضلالة) أكثر منها في قوله: (حقت عليه الضلالة) . # وقد تقدم أن الحواجز بين الفعل والفاعل) كلما كثرت # كان حدف " التاء " أحسن - # وأما الفرق من جهة المعنى فإن (من) في سورة النحل واقعة على الأمة، وهي # مؤنثة لفظا، ألا تراه يقول سبحانه: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا) # ثم قال تعالى: (ومنهم من حقت عليه الضلالة) . # أي: من الأمم أمم ضلت أو حقت عليها الضلالة # (ولو قال بدل ذلك: ضلت، لتعينت التاء، ومعنى الكلامين واحد، وإذا # كان معنى الكلامين واحدا كان إثبات التاء أحسن من تركها، لأنها ثابتة ~~فيما هو في # PageV01P132 # معنى الكلام. # وليس كذلك قوله تعالى: (وفريقا حق عليهم الضلالة) ، لأن # معناه: وفريقا ضلوا، بغير تاء في اللفظ، فليحسن حذفها إذا فيما هو في ~~معناه، فكثيرا ما تفعل العرب ذلك، تدع حكم اللفظ الواجب له في القياس، إذا ~~كان في معنى الكلمة ما ليس له ذلك الحكم، ألا تراهم يقولون: # " هو أحسن الفتيان وأجمله في معنى: هو أحسن فتى وأجمله، ونظائره كثيرة. ~~فإذا حسن الحمل على المعنى فيما كان القياس أن لا يجوز، فما ظنك به حيث ~~يجوزه القياس والاستعمال. # وأحسن من هذه العبارة أن تقول: إنهم أرادوا " أحسن شيء وأجمله "، بجعل # " شيء " مكان " فتى " في اللفظ، لأن في الصحيح قوله عليه السلام: # " خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه ~~(على ms077 زوج) في ذات يده ". # فلو كان التقدير هناك: " أحسن فتى " حين ذكر الفتيان، لقلنا هنا: # " أحناها على ولد " إذا ذكر النسوان. # ولكن التقدير كما قدرناه لا كما قدروه، والله المستعان. # * * * ### | مسألة # (من تقديم الفاعل) # قوله: " واعلم أن الوجه تقديم الفاعل ". # قسم النحويون هذا الفصل أربعة أقسام: # قسم لا يجوز فيه إلا تقديم الفاعل على المفعول، نحو: ضرب موسى # عيسى، وضربت حذام قطام، وكل موضع لا يظهر فيه علامة إعراب. # وقسم لا يجوز فيه تأخير المفعول، نحو: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه) ، من # أجل الضمير الذي لا يجوز تقديمه قبل الذكر. # PageV01P133 # وقسم يكون فيه تقديم الفاعل أحسن من تأخيره، نحو: ضرب زيد عمرا. # وقسم يكون فيه تقديم المفعول أحسن. نحو: أعجب زيدا ما كره عمرو، لأن ~~الفاعل لا يظهر فيه الإعراب، فكان تقديم المفعول الذي يظهر فيه الإعراب ~~أولى. # حرصا على إفهام المخاطب. # والذي ذكروه حق، ولكننا ننبه على مسألتين: # إحداهما: لا يجوز فيها تأخير الفاعل وهو معرب والمفعول كذلك. # ومسألة يقدم فيها الفاعل على المفعول، فإن أخر انعكس المعنى، واختلف # المقصد والمغزى. # أما المسألة الأولى فقولك: " ضرب القوم بعضهم بعضا، لا يجوز تأخير الفاعل # ههنا من أجل حذف الضمير من المفعول، إذ كان الأصل أن يقال: ضرب بعضهم ~~بعضهم، إذ حق البعض أن يضاف إلى الكل ظاهرا أو مضمرا، فلما حذفوه من ~~المفعول استغناء بذكره في الفاعل، لم يجيزوا تأخير الفاعل فيقولوا: ضرب ~~بعضا بعضهم، لأن اهتمامهم بالفاعل قد قوي وتضاعف لاتصاله بالضمير الذي لا ~~بد منه، فبعد أن كانت الحاجة إلى الفاعل مرة، صارت الحاجة إليه مرتين. # فإن قيل: فما المانع له من إضافة " بعض " إلى الضمير إذا كان مفعولا دون # الفاعل، فتقول: (ضرب بعضهم بعضا) . # قلنا: الأصل أن يذكر الضمير فيهما جميعا، فلما أرادوا حذفه من أحدهما # تخفيفا، كان حذفه مع المفعول - الذي هو كالفضلة في الكلام - أولى من حذفه ~~مع الفاعل الذي لا بد منه ولا غنى عنه، وليتصل بما يعود إليه ويقرب منه. # نعم قد # PageV01P134 # يضاف إليه ms078 " بعض " وهو مفعول، إذ كان البعض الآخر مجرورا، كقولك: خلطت ~~القوم بعضهم ببعض، لأن رتبة المفعول ههنا التقديم (على المجرور، كما كانت ~~رتبة الفاعل التقديم) على المفعول، فحق الضمير العائد على الكل أن يتصل بما ~~هو بتقديمه أهم. # وأما المسألة الأخرى، التي يختلف فيها المعنى، فمثل أن يكون قبل الفعل # " إنما " نقول: إنما يأكل زيد الخبز، فحققت ما يتصل ومحقت ما ينفصل. وهذه ~~عبارة أهل سمرقند في " إنما " يقولون: إنها وضعت لتحقيق (المتصل وتمحيق ~~المنفصل، وتلخيص) هذا الكلام أنها نفي وإثبات، فأثبت لزيد أكل الخبز المتصل ~~به في الذكر، ونفيت ما عداه، فمعناه: ما يأكل زيد إلا الخبز. # فإن قدمت المفحول ههنا فقلت: إنما يأكل الخبز زيد، اختلف المعنى. # وانعكس مقصد الكلام، فكأنك قلت: ما يأكل الخبز إلا زيد. # فهذه المسألة تخالف الأربعة الأقسام التي ذكرها النحويون، لأن المعنى في # جميع تلك الأقسام قدمت أو أخرت واحد والمعنى في هذه المسألة مختلف، ألا ~~ترى أن معنى قوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) ليس كقولك: ~~إنما يخشى العلماء الله، لأنك إذا أخرت نفيت الخشية من غير العلماء، وإذا ~~قدمت الفاعل نفيت الخشية أن تتعلق بغير الله سبحانه وتعالى. # وهذا واضح لا خفاء به عند التأمل. والله الموفق. # ومما يوضح لك ما ذكروا من النفي والإثبات في " إنما " قول همام: # أدافع عن أعراض قومي وإنما ... يدافع عن أعراضهم أنا أو مثلي # PageV01P135 # فجعل الضمير المنفصل وهو أنا فاعلا، وهو متصل في اللفظ بالفعل، وما ذاك ~~إلا أن بينه وبين الفعل حاجزا في المعنى، وهو " إلا " فكأنه قال: ما يدافع ~~عن أعراضهم إلا أنا أو مثلي. # فقد وضح لك النفي والإثبات المذكوران في " إنما ". # * * * ### | مسألة # (في الأسماء النواقص) # اعلم أن العرب لما جعلت الاسم الذي هو الذي ذو وصلة إلى # وصف النكرات بالأجناس فقالوا: هذا رجل ذو مال، حيث لم يمكنهم أن يشتقوا ~~من " المال " ونحوه اسما بكون وصفا للرجل جاريا عليه، كما أمكنهم ذلك في ~~الفعل، حيث اشتقوا منه أسماء يصفون ms079 بها ويضمرون فيها ما يعود على الموصوف. # فلما لم يمكنهم ذلك في الاسم الجامد توصلوا إلى الوصف به بكلمة جارية # على الاسم الذي قبلها في الإعراب، ليكون جريها عليه في الإعراب رابطا لها ~~به، وإضافتها إلى الاسم الذي بعدها رابطا بينها وبينه، حيث لم يكن رابط سوى ~~ما ذكرناه من ضمير ولا غيره. # وإذا أرادوا وصف النكرة بجملة، كان الضمير الذي فيها # رابطا لها بالاسم الموصوف بها، كقولك: مررت برجل أبوه قائم، فلم يحتاجوا ~~إلى أكثر من الضمير العائد، فإذا أرادوا وصف المعرفة بجملة لم يمكنهم من ~~ذلك ما أمكنهم في النكرة لوجهين: # PageV01P136 # أحدهما: أن النكرة مفتقرة إلى الوصف والتبيين، فعلم أن الجملة بعدها # تبيين لها، وتكملة لفائدتها. # الوجه الثاني: أن الجملة تتنزل منزلة النكرة لأنها خبر، ولا يخبر المخاطب ~~إلا # بما يجهله لا بما يعرفه، فصلح أن يوصف بها النكرة، والمعرفة بخلاف هذا ~~كله. لو قلت: جاءني زيد أبوه قائم، على جهة الوصف، لما ارتبط الكلام بعضه ~~ببعض، لاستقلال كل واحد منهما بنفسه، فجاؤوا بالوصلة التي وصلوا بها إلى ~~وصف النكرة بالأجناس، وهي قولك: ذو، فقالوا: هذا زيد ذو قام أبوه، وذو وجه ~~حسن. # هذه لغة طىء، وهي الأصل. # قال الشاعر: # وبئري ذو حفرت وذو طويت # ثم إن العرب لما رأوه اسما وصف به المعرفة، أرادوا تعريفه ليتفق الوصف # والموصوف في التعريف، فأدخلوا الألف واللام عليه. # ثم ضعفوا اللام كيلا يذهب لفظها بالإدغام، ويذهب ألف الوصل في الدرج فلا ~~يظهر التعريف فجاء منه هذا اللفظ: الذو. # فلما رأوا الاسم قد اتفصل عن الإضافة حيث صار معرفة، فقلبوا " الواو " ~~منه # ياء، إذ ليس في كلامهم " واو " متطرفة مضموم ما قبلها إلا وتنقلب " ياء ~~"، كقولهم: # PageV01P137 # دلو وأدل. # ولا نطول بتكثير النظائر، لأن الأصل معروف عند الشادين. # فلما انقلبت الواو ياء، والضمة كسرة، صار اللفظ " الذي ". # وإنما صحت الواو في قولهم " ذو " لأنها كانت في حكم التوسط، إذ المضاف # مع المضاف إليه كالاسم الواحد. # وفي معنى " ذو " الذي هو مضاف طرف من ms080 معنى ذا الذي هو اسم مبهم، ألا # تراه يبين باسماء الأجناس كقولك: هذا الغلام، وهذا الرجل، فيتصل بها على ~~جهة البيان، كما يتصل بها " ذو " على جهة الإضافة، ولذلك قالوا في المؤنث ~~من (الذي: التي بالتاء، كما قالوا في المؤنث من) ذا: هاتا، وهاتين. والله ~~أعلم. # وأما استحقاقه للبناء - أعني الذي - فلما ذكره النحويون من مضارعة الحرف ~~والإبهام والنقصان في نفسه، حتى كأنه بعض كلمة. # وأما إعرابه في حال التثنية فلأن علامة التثنية هي الألف، وهي بعينها ~~علامة # الرفع في الأسماء فلم يكونوا ليبنوا وفيه علامة الإعراب، ولم يكونوا ~~ليسقطوها فيبطل معنى الثثنية، فكان ترك مراعاة علة البناء أهون عليهم من ~~إبطال معنى التثنية، ولذلك أعربوا " اثني عشر " و " هذين "، و " يا زيدان ~~". # فإن قيل: فما بالهم بنوا الجمع - أعني الذين - وهو على حد تثنية، وفيه ~~علامة الإعراب؟ # قلنا: الجمع يفارق التثنية من وجهين: # أحدهما: أن الجمع قد يكون إعرابه كإعراب الواحد بالحركات، نعم، وقد يكون ~~الجمع اسما واحدا في اللفظ كقولك: قوم ورهط. # الثاني أن الجمع في حال نصبه وخفضه يضارع لفظه لفظ # الواحد، من حيث كان آخره ياء مكسورا ما قبلها، فحملوا الرفع الذي هو أقل ~~حالاته على النصب والخفض، وغلبوا عليه البناء، حيث كان لفظه في الإعراب في ~~أغلب أحواله كلفظه في البناء. # وليس كذلك التثنية، لأن ياءها مفتوح ما قبلها، فلا يضارع لفظها في شيء من ~~أحوالها لفظ الواحد. # PageV01P138 # وأما النون في " الذين " فلا معتبر بها، لأنها ليست في الجمع ركنا من ~~أركان # صيغته، لسقوطها في الإضافة وفي ضرورة الشعر، كما قال: # وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد # وأما " ما " الموصولة فهي في قول النحويين بمعنى (الذي) ، وليس كذلك، وإن # واففت " الذي " في أكثر أحكامها، فإنها مخالفة لها في المعنى وفي بعض ~~الأحكام. # أما المعنى فإن " ما " اسم مبهم في غاية الإبهام، حتى إنها تقع على كل ~~شيء. # وتقع على ما ليس بشيء، ألا ترى أنك تقول: إن الله عالم ms081 بما كان وبما لم ~~يكن. # وما لم يكن معدوم، والمعدوم ليس بشيء، فلفرط إبهامها لم يجز الإخبار عنها # حتى توصل بما يوضحها، وكل ما وصلت به يجوز أن يكون صلة " الذي "، فهي ~~توافق " الذي " في هذا الحكم، وتخالفه في أنها لا تكون نعتا لما قبلها ولا ~~منعوتة، لأن صلتها تغنيها عن النعت. # وأيضا فلو نعتت بنعت زائد على الصلة لارتفع إبهامها. # وفي ارتفاع الإبهام منها جملة بطلان حقيقتها وإخراجها عن أصل موضوعها. # وتفارق " الذي " أيضا في امتناعها في التثنية والجمع، وذلك أيضا لفرط # إبهامها. # فقد وضح لك ما بينها وبين " الذي " من الفرق في المعنى والحكم. # فإذا ثبث ما قدمناه فلا يجوز أن توجد إلا موصولة، لأنه لا يعقل معناها ~~إلا بالصلة ولا يجوز أن توجد إلا واقعة على جنس تتنوع منه أنواع، لأنها لا ~~تخلو من الإبهام أبدا. # PageV01P139 # ولذلك كان في لفظها ألف آخرة لما في الألف من الحد والاتساع في هواء ~~الفم، مشاكلة لاتساع معناها في الأجناس. # فإذا أوقعوها على نوع بعينه، وخصوا ما يعقل # وقصروها عليه، أبدلوا الألف نونا ساكنة، فذهب امتداد الصوت، وصار قصرا ~~للفظ موازنا لقصر المعنى، فقالوا: من عندك. # تخصيصا بما يعقل. # وإذا كان أمرها كذلك ووقعت على جنس من الأجناس، وجب أن يكون ضميرها ~~العائد عليها من الصلة الذي لا بد للصلة منه، ولولا هو لم ترتبط بموصول حتى ~~تكون صلة (له) ، فيجب أن يكون ذلك الضمير بمنزلة ما يعود عليه من الإعراب ~~والمعنى. ف # إذا وقعت على ما هو فاعل في المعنى، كان ضميرها فاعلا في المعنى واللفظ، ~~كقولك كرهت ما أصابك. # فما مفعولة لكرهت في اللفظ والمعنى. # وإذا وقعت على مفعول، كان ضميرها مفعولا لفظا ومعنى، كقولك: سرني ما ~~أكلته، وأعجبني ما لبسته. # فهي في المعنى مفعولة، لأنها عبارة عن الملبوس والمأكول، فضميرها مفعول ~~في اللفظ والمعنى. # وكذلك إذا وقعت على المصدر كان ضميرها مفعولا مطلقا لأن المصدر كذلك. # وإن وقعت على الظرف كان ضميرها مجرورا بفي، لأن الظرف كذلك هو ms082 في المعنى، ~~إلا أنها لا تقع من المصادر إلا على ما تختلف أنواعه للإبهام الذي فيها، ~~وسيأتي شرح ذلك وبيانه آخر الفصل، إن شاء الله تعالى. # فإن قيل: أليس قد وقعت على ما يعقل في مواضع من القرآن وكلام العرب، ~~خلافا لما نص عليه النحويون، كقوله تعالى: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) ~~. # وكقوله سبحانه وتعالى: (والسماء وما بناها) . # وكقوله: (ولا أنتم عابدون ما أعبد) . # قلنا: هي في كل هذا على أصلها من الإبهام والوقوع على الجنس العام، لم # يرد بها ما يراد ب " من " التعيين لما يعقل والاختصاص به دون غيره. # ومن فهم جوهر الكلام عرف ما نقوله، واستبان له من الحق سبيله. # أما قوله عز وجل: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) ، فهذا كلام ورد # PageV01P140 # في معرض التوبيخ والتبكيت للعين على امتناعه من السجود، ولم يستحق هذا ~~التبكيت والتوبيخ من حيث كان السجود لما يعقل، ولكن لعلة أخرى وهي المعصية ~~والتكبر على ما لم يخلقه، إذ لا ينبغي التكبير لمخلوق على مخلوق مثله، ~~وإنما التكبر للخالق وحده، فكأنه يقول له - سبحانه -: لم عصيتني وتكبرت على ~~ما لم تخلقه وخلقته أنا، وشرفته وأمرتك بالسجود له؟ فهذا موضع " ما "، لأن ~~معناها أبلغ ولفظها أعم. # وهو في الحجة أوقع، وللعذر والشبهة أقلع، فلو قال: ما منعك أن # تسجد لمن خلقت، لكان استفهاما مجردا من توبيخ وتبكيت، ولتوهم أنه وجد ~~السجود له من حيث كان يعقل، أو لعلة موجودة في ذاته وعينه. وليس الأمر ~~كذلك، فلا معنى لتعيينه بالذكر، وترك الإبهام في اللفظ. # وكذلك قوله تعالى: (والسماء وما بناها) لأن القسم تعظيم للمقسم به. # واستحقاقه للتعظيم من حيث بنى وأظهر هذا الخلق العظيم الذي هو السماء، ~~ومن حيث سواها بقدرته وزينها بحكمته. # فاستحق التعظيم وثبتت له القدرة، كائنا ما كان # هذا المعظم فلو قال: " من بناها " لم يكن في اللفظ دليل على استحقاقه ~~للقسم به، من حيث اقتدر على بنيانها، ولكان المعنى مقصورا على ذاته ونفسه ~~دون الإيماء إلى أفعاله ms083 الدالة علي عظمته المنبئة عن حكمتها، المفصحة ~~لاستحقاقه التعظيم من خليقته. # وكذلك قوله سبحانه: (يسبح الرعد بحمده) ، لأن الرعد صوت عظيم # (من جرم عظيم) ، فالمسبح به لا محالة أعظم، واستحقاقه للتسبيح من حيث # سبحته العظيمات من خلقه، لا من حيث كان يعلم. # ولا نقول: " بعقل " في هذا الموضع، تأدبا وتأسيا بالشريعة. # فإذا تأملت ما ذكرناه، ونظرث في آخر الفصل ما ندكره من " ما " الواقعة ~~على المصدر، استبانت لك جهالة القائلين من النحويين أن " ما " مع الفعل ~~بتأويل المصدر، وأن المعنى: والسماء وبنيانها، فلا لصناعة النحو وفقوا، ولا ~~لفهم التأويل رزقوا، وأكثروا الحز وأخطأوا المفصل وما طبقوا. # وأما قوله عز وجل: (ولا أنتم عابدون ما أعبد) ، فما على بابها، لأنها ~~واقعة # PageV01P141 # على معبوده - عليه الصلاة والسلام - على الإطلاق، لأن امتناعهم عن عبادة ~~الله تعالى ليس لذاته، بل كانوا يظنون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا ~~جاهلين به، فقوله: (ولا أنتم عابدون ما أعبد) ، أي: أنكم لا تعبدون معبودي، ~~ومعبوده هو كان يعرفه دونهم وهم جاهلون به. # ووجه آخر، وهو أنهم كانوا يشتهون مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- حسدا له، وأنفة من اتباعه، فهم لا يعبدون معبوده لا كراهية لذات المعبود، ~~ولكن كراهية لاتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشهوتهم لمخالفته في ~~العبادة، كائنا ما كان معبوده وإن لم يكن معبوده إلا # الحق سبحانه وتعالى. # فعلى هذا لا يصح في النظم البديع والمعنى النبيه الرفيع، إلا # " ما " لإبهامها ومطابقتها الغرض الذي تضمنته الآية، وبالله التوفيق. # ووجه ثالث - وهو: ازدواج الكلام - أصل في البلاغة، وبديع في الفصاحة، مثل ~~قوله عز وجل: (نسوا الله فنسيهم) و (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه) . # فسمى المعاقبة اعتداء لازدواج الكلام وحسن الانتظام. # وكذلك قوله عز وجل: (لا أعبد ما تعبدون) ومعبودهم لا يعقل، ثم ازدوج مع ~~هذا الكلام قوله: (ولا أنتم عابدون ما أعبد) ، فاستوى اللفظان # وإن اختلف المعنيان، كما كان ذلك في قوله عز # وجل: (نسوا الله فنسيهم) # وفي قوله عليه الصلاة والسلام: # " إن فلانا هجاني، ms084 فاهجه اللهم ". # هذا حسن من جهة اللفظ، والذي قدمناه أقوى في المعنى، وأنفى # للشك وأجلى للعمى، والله الموفق لسبيل الهدى، والمشكور على ما هب من # نعمى. # * * * ### | (زيادة فائدة في الآية) # إن قيل: ما الفائدة في تكرير لفظ الفعل على بنية المستقبل حين أخبر عن # نفسه، وتكريره بلفظ الماضي حين أخبر عنهم، فقال: (ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد (3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) ؟. # قلنا: في ذلك إشارة وإيماء إلى عصمة الله - عز وجل - له في الزيغ ~~والتبديل # PageV01P142 # والانحراف عن عبادة مولاه، وأن معبوده واحد في الحال وفي المآل، وهو له # بخلاف الكافرين فإنهم يعبدون أهواءهم، ويتبعون شهواتهم في الدين ~~وأغراضهم، فهم معرضون لأنهم يعبدون اليوم إلها، وغدا آخر، فلذلك قال: (لا ~~أعبد ما تعبدون) يعني الآن، (ولا أنتم عابدون ما أعبد) أنا الآن أيضا. # ثم قال: (ولا أنا عابد ما عبدتم) يعني فيما يستقبل. # وأدخل فيها معنى الشرط، ولذلك وقع بعدها الفعل بلفظ الماضي، وهو # مستقبل في المعنى، كما يكون ذلك بعد حروف الشرط، كأنه يقول: # مهما عبدتم شيئا فلا أعبده ". # فإن قيل: وكيف يكون فيها الشرط وقد عمل فيها الفعل، وليس فيها جواب؟. # قلنا: لم نقل إنها شرط محض، ولكن فيها طرف من معناه، لوقوعها على # غير معين وإبهامها في المعبودات، كما كان ذلك في " قوله عز وجل: # (كيف نكلم من كان في المهد صبيا) . # حتى وقع بعدها الفعل بلفظ الماضي، وقد عمل فيها الفعل # وليس لها جواب، لقربها من الشرطية في المعنى، لأن معنى الكلام: # " من كان في المهد صبيا، فكيف نكلمه؟ " # فجاءت " كان، بلفظ الماضي، والمراد بها الاستقبال لما فيها من معنى ~~الشرط. وهذا كله معنى قول: " الزجاج " وغيره. # فإذا ثبت هذا فلا تنكرن أن يكون في " ما " من قوله تعالى: (ما عبدتم) ~~معنى الشرط، بل هو فيها أبين، وإذا كان كذلك فقد وضحت الحكمة التي من أجلها ~~جاء الفعل بلفظ الماضي من قوله: (ولا أنا عابد ما عبدتم) . # بخلاف قوله: (ولا أنتم عابدون ما أعبد) ، لبعد " ما ms085 " فيها عن معنى ~~الشرط، تنبيها من الله تعالى على عصمة نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن ~~اتباع هواه، وتوفيقه إياه إلى أن لا يتخذ ربا سواه، لا إله إلا هو. # PageV01P143 ### | فصل # (في وقوع " ما " على المصدر) # قد قدمنا أن " ما " اسم مبهم يقع على جميع الأجناس، والمصدر جنس من # الأجناس، فمعنى وقوعه عليه أن يعني بها مصدرا، ثم تصلها بفعل وفاعل. # ثم تعمل ذلك الفعل في ضمير المصدر، وهو العائد على " ما "، فيكون مفعولا ~~مطلقا، تقول: أعجبني ما صنعت، أي: أعجبني الفعل الذي صنعته، كما تقول: ~~أعجبني ما لبست أو ما أكلت، فيكون معناه الثوب الذي لبسته، أو الطعام الذي ~~أكلته. # فكما وقعت على الثوب والطعام وغير ذلك، فكذلك وقعت على المصدر # والظرف وهى في كل هذا بمنزلة " الذي " كما تقدم. # وظن بعض النحويين أن التي يعني بها المصدر ليست بما الأولى، وإنما هي # بمنزلة " أن " مع الفعل، بتأويل المصدر. # وليس كمنا ظنوه، ألا ترى أنك لا تقول: # يعجبني ما تجلس كما تقول: يعجبني أن تجلس وأن تخرج وأن تقعد. # ولا تقول في هذا كله " ما "؟ # والأصل في هذا الفصل أن " ما " لما كانت اسما مبهما، لم يصح # وقوعها إلا على جنس تختلف أنواعه، فإن كان المصدر مختلف الأنواع جاز أن ~~تقع عليه ويعبر بها عنه، كقولك: يعجبني ما صنعت، وما عملت، وما فعلت. # وكذلك تقول: ما حكمت، لأن الحكم مختلف أنواعه، وكذلك الصنع والفعل ~~والعمل. # فإن قلت: يعجبني ما جلست، وما انطلق زيد، كان غثا من الكلام، لخروج (ما) ~~عن الإبهام، ووقوعها على ما لا يتنوع من المعاني، لأنه يكون التقدير حينئذ: # أعجبني الجلوس الذي جلست، والقعود الذى قعدت، فيكون آخر الكلام مفسرا ~~لأوله، رافعا للإبهام، فلا معنى حينئذ ل " ما ". # فأما قوله تعالى: (ذلك بما عصوا) ، فلأن المعصية تختلف أنواعها. # وقوله سبحانه وتعالى: (بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) ~~. # فهو كقوله: لأعاقبنك بما ضربت زيدا، وبما شتمت عمرا، أوقعتها على الذنب، ~~والذنب # PageV01P144 # مختلف الأنواع، ودل ذكر ms086 المعاقبة والمجازاة على ذلك، فكأنك قلت: لأجزينك ~~بالذنب الذي هو ضرب زيد، أو شتم عمرو. # فما على بابها غير خارجة عن إبهامها. # وأما قولهم: طالما أقمنا في هذا المكان وطالما قعدنا، فما واقعة على ~~الزمان. # والفعل بعدها متعد إلى ضميره، والتقدير: طال زمان أقمنا فيه وقعدنا فيه، ~~والزمان مبهم وأما قولهم: كلما جاء زيد كلمته، فما التي أضيف إليها (كل) ~~ظرف زمان في المعنى فهما كالتي قبلها. # وأما قولهم: اجلس ما جلس زيد، و (صلوا كما رأيتموني أصلي) . # فقد ظن أكثر الناس أنها بمعنى المصدر ها هنا. # وقد تبين فساد هذا المذهب، لأن الفعل ههنا خاص غير عام، ولكنها كافة ~~للخافض، ومهيئة لكاف التشبيه أن يقع بعدها # الفعل، كما كانت كذلك في " رب " من قوله عز وجل: # (ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (2) . # وفي (إن) من قولك: إنما يقوم زيد، كفتها عن العمل، وهيأتها # لوقوع الفعل بعدها، وكذلك كفت " رب " و " كاف " التشبيه عن العمل، ~~وهيأتها لوقوع الجمل بعدهما. # والشاهد بما قلناه قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر - رضي الله عنه ~~-: (كما أنت) ، (فأنت) مبتدأ والخبر محذوف فلا مصدر ههنا، لأنه لا فعل ثم، ~~فكذلك هي مع " الكاف " إذ كان ثم الفعل. # فهذا بين لا خفاء به، وكذلك هي مع " بعد " من قولك: " بعدما جلس عمرو ". # وليست مصدرية لما تقدم من إبطال ذلك، ولكنها كافة # لبعد عن الخفض، مهيئة لوقوع الجمل بعدها، ألا ترى إلى قول الشاعر: أعلاقة ~~أم الوليد بعدما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس؟. # PageV01P145 # فليس ها هنا فعل فيكون معها مصدرا، كما لم يكن ذلك في قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - " كما أنت ". # فإن قيل: فما بالهم لم يفعلوا في " قبل " ما فعلوا في " بعد " فيقولوا: # " جئت قبل ما ذهب زيد "، كما قالوا: - بعدما؟. # قلنا: في امتناعهم من ذلك في " قبل " شاهد لما قدمناه، من أنها ليست ~~بمصدر، لأنه لا يمتنع: قبل أن يقول زيد، فيكون أن مع الفعل بمعنى المصدر. # فإن قيل: فلم لا تكون كافة ms087 لقبل، مهيأة لوقوع الجمل بعدها كما كانت كذلك ~~في بعد؟ # قلنا: لا يصح أن توجد كافة الأسماء بالإضافة، فإنها تكون كافة # الحروف وما ضارعها، و " بعد " أشد مضارعة للحروف من " قبل "، لأن # " قبل " كالمصدر في لفظها ومعناها، تقول: " جئت قبل الجمعة ". # تريد الوقت الذي تستقبل فيه الجمعة والجمعة بالإضافة إلى ذلك الوقت ~~قابلة، كما قال الشاعر: # . . . . نحج معا قالت أعاما وقابله # فإذا كان العام الذي بعد عامك يسمى فابلا فعامك الذي أنت فيه قبل، ولفظها ~~من لفظ قابل. # فقد بأن ذلك من جهة اللفظ والمعنى أن " قبل " مصدر في الأصل # والمصدركسائر الأسماء لا يكف به ولا يهيأ لدخول الجمل بعده، وإنما ذلك في ~~بعض الحروف العوامل، لا في شيء من الأسماء. # وأما " بعد " فهي أبعد عن شبه المصدر، وإن كانت تقرب من لفظ البعد ومن # PageV01P146 # معناه، فليس قربها (من لفظ) المصدر (كقرب) قبل، ألا ترى أنهم لم يستعملوا ~~من لفظها اسم فاعل، فيقولون في العام الماضي: باعد، كما قالوا في العام ~~المقبل: # قابل فقابل اسم فاعل من الفعل الذي قبل مصدر له. # فتأمل هذا فإنه مفيد دقيق، وقد جلوته لك في منصة التحقيق. # * * * ### | فصل # (في ما الموصولة) # اعلم أن " ما " إذا كانت موصولة بالفعل الذي لفظه عمل أو صنع أو فعل وذلك ~~الفعل مضاف إلى فاعل غير الباري - سبحانه وتعالى - فلا يصح وقوعها إلا على ~~مصدر، لإجماع العقلاء من الأنام، في الجاهلية والإسلام، على أن أفعال ~~الآدميين لا تتعلق بالجواهر والأجسام، لا تقول: عملت جبلا، ولا: صنعت جملا ~~ولا حديدا، ولا حجرا، ولا ترابا ولا شجرا. # فإذا ثبت ذلك وقلت: أعجبني ما عملت وما فعلت زيد، فإنما تعني الحدث. فعلى ~~هذا لا يصح في تأويل قوله سبحانه: # (والله خلقكم وما تعملون (96) . # إلا قول أهل السنة: إن المعنى: والله خلقكم وأعمالكم. # ولا يصح قول المعتزلة من جهة المنقول ولا من جهة المعقول، لأنهم # PageV01P147 # زعموا أن " ما " واقعة على الأصنام والحجارة التي كانوا ينحتونها، ~~وقالوا: تقدير الكلام: خلقكم والأصنام التي تعملون، إنكارا ms088 منهم بأن تكون ~~أعمالنا مخلوقة لله سبحانه. # واحتجوا بأن نظم الكلام يقتضي ما قالوه، لأنه قد تقدم: # (أتعبدون ما تنحتون) ، فما واقعة على الحجارة المنحوتة، ولا يصح غير هذا ~~من جهة النحو ولا من جهة المعنى أما النحو فقد تقدم أن " ما " لا تكون (مع) ~~الفعل الخاص مصدرا. # وأما المعنى فإنهم لم يكونوا يعبدون النحت، وإنما كانوا يعبدون المنحوت. ~~فلما ثبت هذا وجب أن تكون الآية التي هي رد عليهم وتقييد لهم كذلك " ما " ~~فيها واقعة على الحجارة المنحوتة والأصنام المعبودة، فيكون التقدير: ~~أتعبدون حجارة تنحتونها، والله خلقكم وتلك الحجارة التي تعملون؟ # هذا كله، معنى قول المعتزلة. # وشرح ما شبهوا به، والنظم على تأويل أهل الحق أبدع والحجة أقطع والمعنى ~~لا يصح غيره. # والذي ذهبوا إليه فاسد لا يصح بحال، لأنهم مجمعون معنا على أن أفعال # العباد لا تقع على الجواهر والأجسام. # فإن قيل: فقد تقول: عملت الصفحة، وصنعت الجفنة، وكذلك الأصنام # معمولة على هذا؟. # قلنا: لا يتعلق الفعل فيما ذكرتم إلا بالصورة التي هي التأليف والتركيب. # وهي نفس العمل (وأما الجوهر المؤلف المركب فليس بمعمول لنا، فقد رجع # العمل) والفعل إلى الأحداث دون الجوهر. # وهذا إجماع منا ومنهم، فلا يصح حملهم على غير ذلك وأما ما زعموا من حسن ~~النظم وإعجار الكلام فهو ظاهر. # وتأويلنا معدوم في تأويلهم، لأن الآية وردت في بيان استحقاق الخالق ~~للعبادة # لانفراده بالخلق، وإقامة الحجة على من يعبد ما لا يخلق شيئا # و (هم يخلقون) فقال: # PageV01P148 # (أتعبدون ما تنحتون) ، أي: ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون. # وتدعون عبادة من خلقكم وأعمالكم التي تعملون، ولو لم يضف خلق الأعمال ~~إليه في الآية، وقد نسبها بالمجاز إليهم، لما قامت له حجة (عليهم) من نفس ~~الكلام، لأنه كان يجعلهم خالقين لأعمالهم، وهو خالق لأجناس أخر، فيشركهم ~~معه في الخلق - تعالى الله عن # قول الزائغين، ولا ولعا لعثرات المبطلين - فما أدحض حجتهم وما أوهى قواعد ~~مذهبهم! وما أبين الحق لمن اتبعه. . نسال الله الكريم أن يجعلنا من أتباع ms089 ~~الحق وحزبه، وأن يعصمنا من شبه الباطل وريبه. # وهذا الذي ذكرناه هو الذي قاله أبو عبيد في قول حذيفة: # " إن الله يخلق صانع الخزم وصنعته ". # واستشهد بالآية، وخالفه القتبي في (إصلاح الغلط) ، فغلط أشد الغلط، ووافق ~~المعتزلة في تأويلها وإن لم يقل بقيلها. # وتلخيص ما تقدم أن " ما " وغيرها من الموصلات إذا عيت بها المصدر، لم # يجز أن تكون الصلة فعلا مشتقا من ذلك المصدر، لأن الصلة كالصفة توضح # PageV01P149 # الموصول وتبينه والشيء لا يبين نفسه، إذ لا معنى في الفعل أكثر من ~~الدلالة على المصدر، إلا أن تختلف أنواعه، فتكون الصلة مميزة بين نوع ونوع. # * * * ### | ### | مسألة # (في ياء المتكلم، والنون) # قوله: فإن ظهر اسمك فيه النون والياء، فغيرك فيه مرفوع، لأنها ضمير # المفعول به، كقوله: أعجبني وأسخطني وأرضاني وسرني. وإن ظهر اسمك فيه # بالتاء فغيرك فيه منصور، لأنها ضمير الفاعل. # كقولك: كرهت وأحببت واشتهيت، والضمير عند النحويين هي " الياء " وحدها، و ~~" النون " زائدة، زيدت وقاية لآخر الفعل من كسرة. # واستدلوا على ذلك بالقياس على ضمير المخاطب، فإنه # " كاف " في حال النصب والخفض. وكذلك ضمير الغائب " هاء " في حال النصب ~~والخفض، و " النون " زائدة. # وهذا قياس صحيح. # ولكن النص أقطع من القياس، وأرفع للشك والالتباس. # والنص في ذلك للعرب: لعلي، وليتي، قال الله سبحانه # وتعالى: (لعلي آتيكم منها بقبس) . # فهذه ياء مفردة في حال النصب. # وكذلك قول ورقة بن نوفل: # PageV01P150 # فيا ليتي إذا ما كان ذاكم ... شهدت وكنت أولهم ولوجا # فجعل اسم ليت " ياء " مفردة دون " نون ". # ووجه آخر وهو جعلهم " النون " مع " الياء " بعد حروف الخفض، نحو # قولهم: مني، وعني، ومن لدني، كيلا يتوهم أن " عن "، و " لدن، و " من " ~~أسماء مضافة إلى الياء، فإذا وجدت النون والياء في موضع الخفض، ووجدت الياء ~~مفردة في موضع النصب، ثم وجدا معا في موضع نصب، علم قطعا أن " الياء " هي ~~الضمير دون " النون ". # فإن قيل: فما فائدة النون؟ # ولم خصت بهذا الموطن دون سائر الحروف؟ # فالجواب: أنهم أرادوا فصل الفعل والحروف المضارعة ms090 له عن توهم الإضافة إلى ~~" الياء " وكيلا يظن ببعض الكلم أنها أسماء مضافة، والإضافة فيها محال، ~~فألحقوها علامة الانفصال، وعلامة الانفصال في أكثر الكلام هي النون ~~الساكنة، كما تقدم في التنوين فإنها لا توجد في الكلام إلا علامة لانفصال ~~الاسم، حتى أدخلوها في القوافي في الاسم المعرف بالألف واللام، إشعارا ~~بتمام البيت وانفصاله مما بعده. # كقوله: # . . . . . . الدموع الذرافن # أقلي اللوم عاذل والعتابن # PageV01P151 # في الوصل، فإن وقفوا استغنوا عنها. # وقد تقدم من قولنا في " إذن " و " يومئذ " ما يغنى عن إعادته. # وكذلك زادوها قبل علامة الإنكار حين أرادوا ### | فصل # الاسم من العلامة، كقولهم: أزيد إنيه! وقول الأنصارية - وقد خطب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بنتها لجليبيب -: " أجليبيب إنيه ". # ومن العرب من لا يحق هذه النون قبل علامة الإنكار، فيقول في # " عمر " مرفوعا: أعمروه. # وفي " زيد " مرفوعا: أزيدنيه يحرك التنوين بالكسر، فتنقلب العلامة ياء. # ومنهم من يزيد فصل الاسم عن العلامة كيلا يتوهم أنها من تمام الاسم أو # علامة جمع، فيفصل بين الاسم وبينها بنون زائدة يدخل عليها ألف الوصل # لسكونها، ثم يحركها بالكسر لالتقاء الساكنين، كما تقدم. # فلما كان من أصلهم تخصيص النون بعلامة الانفصال، وأرادوا فصل الفعل وما ~~ضارعه عن الإضافة إلى الياء، جاءوا بهذه النون الساكنة، ولو سكنوا الياء ~~لكانت ساكنة كالتنوين، ولكنهم كسروها لالتقاء الساكين، كما كسروا التنوين ~~في زيدنيه، وبالله التوفيق. # * * * ### | مسألة # قوله ما دعاك إلى الخروج؟ # والمعنى: أي شيء دعاك إلى الخروج؟ # " ما ": إذا كانت استفهاما لم يكن لها صلة، لأنها تنوب مناب ألف ~~الاستفهام والاسم المستفهم عنه، فلو كان ما بعدها صلة لم يجز أن يعمل فيها، ~~لأن الشيء لا يعمل بعضه في بعض وإذا لم بجز أن يعمل فيها، ولا ثم عامل ~~غيرها، بطل خلو الاسم من أن يكون معمولا فيه، إذ حد الاسم: ما جاز أن يكون ~~فاعلا أو مفعولا، أو دخل عليه حرف من حروف الخفض. # فإن قيل: وما يؤمنكم أن يكون الفعل الواقع بعدها صلة غير عامل فيها، بل ~~في ms091 # PageV01P152 # ضمير عائد عليها، ويكون العامل فيها مضمرا تقديره: " اعلمني " # أو: " بين لي " ما أكلته أو شربته. # قلنا: دخول حرف الجر عليها في قولك: لم جئت؟ و: فيم رغبت؟ - دليل قاطع في ~~أن ما بعدها عامل فيها، وظهور الإعراب في " أي " التي في معناها دليل آخر ~~أيضا. # ووقوع الاسم المفرد بعدها دليل آخر ثالث، لأن الاسم المفرد لا يكون صلة # إلا على حذف بقبح، وذلك قولك: ما زيد؟ و: ما ذاك؟ ونحوه. # وأما إعرابها إذا كانت استفهاما، فعلى حسب ما يكون الاسم المستفهم عنه. # فإذا قلت: ما العين؟ فهي في موضع الخبر، لأنه المسؤول عنه. # وإذا قلت: ما أصابك؟ فهي في موضع المبتدأ، وسائر أحكامها واضح، إلا أن ~~حذف الألف منها في حال الخفض له سر، وهو أنهم أرادوا مشاكلة اللفظ للمعنى، ~~فحذفوا الألف كما أسقطوا الصلة، ولم يحذفوا في حال النصب والرفع، كيلا تبقى ~~الكلمة على حرف واحد. # فإذا اتصل بها حرف الجر أو اسم مضاف اعتمدت عليه، لأن الخافض # والمخفوض بمنزلة واحدة أو بمنزلة كلمة واحدة. # نعم، وربما حذفوا الألف في غير موضع الخفض، ولكن إذا حذفوا الخبر. # يقولون: مه يا زيد؟ (أي) : ما الخبر؟ وما الأمر؟ فحين كثر الحذف في ~~المعنى كثر في اللفظ. # ولكن لا بد من هاء السكت لنقف عليها. # ومنه قولهم: " مهيم "؟ ، كان الأصل: مه يا امرؤ؟ أو: يا مقبل؟ # ثم حذفوا إيجازا وتخفيفا، كما قالوا: إيش؟ يريدون: أي شيء؟ و: م الله. ~~يريدون أيمن الله. # ثم صيروا الكلمتين كلمة واحدة، فقالوا: مهيم قالها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لعبد الرحمن بن عوف، حين رأى عليه خلوقا، فأنكره. # * * * ### | (فصل) # وأما " أي " فمعرب بخلاف أخواته لتمكنه بالإضافة. # وإنما لزمته الإضافة لأنه # PageV01P153 # وضع لتمييز البعض وتعيينه، فلا بد من إضافته إلى الجملة كما يضاف البعض ~~إلى الكل فإن جعلته موصولا عمل فيه ما قبله ولم يجز الإلغاء، وإن جعلته ~~استفهماما عمل فيه ما بعده ولم يجز أن يقع قبله إلا ما يجوز إلغاؤه كأفعال ~~العلم والشك ms092 الداخلة على ما حقه الابتداء، فتقول: أيهم أخوك؟ # ولا تقول: ضربت أيهم أخوك، لأن " ضربت " لا يلغى، ولا: (أيهم أخوك) ~~بالنصب، لأن الاسم المفرد لا يكون صلة. # فإن أضمرت مبتدأ كأنك تقول: (ضربت) أيهم هو أخوك، لتجعلها بمنزلة " الذي ~~" فحذف ذلك المبتدأ قبيح في الكلام، وربما جاز على قبحه. # ولذلك اختلفوا في إعراب قوله عز وجل: (ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد) : # ذهب الخليل إلى أنه محكي، كأنه يذهب إلى أن المعنى: لنقولن: أيهم # أشد؟. # وذهب سيبويه إلى أنها اسم مبني في موضع المفعول، وبني لمخالفته # نظائره، حيث لم يوصل بجملة، والتقدير عنده: أيهم هو أشد. # فلو صرحت ب " هو " لنصبت ثم ب " ننزعن "، فلما اختزلت بنيت " أي " ~~لمخالفته النظائر، كما تقدم -. # وهذا الذي ذكره لو استشهد عليه بشاهد من نظم أو نثر، أو وجدناه بعده في ~~كلام فصيح شاهدا له لم نعدل به قولا، ولا رأينا لغيره عليه طولا، ولكنا لم ~~نجد ما بني لمخالفته غيره، لا سيما مثل هذه المخالفة، فإنا لا نسلم أنه حذف ~~من الكلام شيء. # وإن قال: إنه حذف ولا بد، والتقدير: أيهم هو أخوك؟. # فيقال: فلم لم يبنوا النكرة فيقولون مررت برجل أخوك، أو: رأيت رجلا # أبوك؟. # ولم خص " أي " بهذا دون سائر الأسماء أن يحذف من صلته ثم يبني للحذف؟ # ومتى وجدنا شيئا من الجملة يحذف ثم يبنى الموصوف بالجملة من أجل ذلك # PageV01P154 # الحذف؟ وذلك الحذف لا يجعله متضمنا لمعنى الحرف ولا مضارعا له. # وهذه علة البناء وقد عدمت في أي! # وإنما المختار قول الخليل، لكن يحتاج إلى شرح، وذلك # أنه لم يرد بالحكاية ما سبق إلى الوهم من تقدير معنى القول، ولكنه أراد ~~حكاية لفظ الاستفهام الذي هوأصل في " أي "، كما تحكيه بعد العلم إذا قلت: ~~قد علمت أخوك؟ و: أقام زيد أم قعد؟ فقد تركت الكلام على حاله قبل دخول ~~الفعل، لبقاء معنى الاختصاص والتبيين في " أي " الذي كان موجودا فيها وهي ~~استفهام، لأن ذلك المعنى هو الذي وضعت له، ms093 استفهاما كانت أو خبرا، كما حكوا ~~لفظ النداء في قولهم: " اللهم، اغفر لي أيها الرجل " و " ارحمنا أيتها ~~العصابة "، حكي لفظ هذا # إشعارا بالتعيين والاختصاص الموجود في حال النداء. # وكذلك هذا، حكيت حاله في الاستفهام وإن ذهب الاستفهام، كما حكيت حاله في ~~النداء وإن ذهب النداء، لوجود معنى الاختصاص والتعيين فيه. # وقول يونس: " إن الفعل ملغى " حق، وإن لم يكن من أفعال القلب. # وعلة إلغائه قد قدمناه من حكاية لفظ الاستفهام للاختصاص. # فإذا أتممت الصلة وقلت: ضربت أيهم هو أخوك، زالت مضارعة الاستفهام، وغلب ~~عليه معنى الخبر، لوجود الصلة التامة بعده، وكان إلحاقه بالأسماء الموصولة ~~أولى من تشبيهه بحال الاستفهام. # وأما قوله سبحانه وتعالى: (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227) . ~~وإجماعهم على أنها موصولة ب " ينقلبون " لا بما قبلها. # وقد كان يتصور فيها أن تكون منصوبة ب " يعلم " لا على جهة الاستفهام، ~~ولكن تكون موصولة، والجملة صلتها، والعائد محذوف. # ولكن منع من هذا الوجه أصل قدمناه، ودليل أقمناه على أن الاسم الموصول ~~إذا عني به المصدر، ووصل بفعل مشتق من ذلك المصدر، لم يجز، لعدم الفائدة ~~المطلوبة من الصلة، وهي إيضاح الموصول وتبيينه، والمصدر لا يوضح بفعله ~~المشتق من لفظه، لأنه كأنه هو لفظا ومعنى، إلا في المختلف الأنواع كما ~~تقدم. # PageV01P155 # ووجه آخر أقوى من هذا، وهو أن (أي) لا يكون بمعنى (الذي) حتى يضاف # إلى معرفة، فتقول: لقيت أيهم في الدار، (إذ) من المحال أن يكون بمعنى ~~الذي هو نكرة، و " الذي " لا ينكر. # وهذا أصل يبنى عليه في " أي ". # * * * ### | فصل # (في تحقيق معنى " أي ") # وهو أن لفظ " ألف " و " ياء " مكررة، راجع في جميع الكلام إلى معنى ~~التعيين # والتمييز للشيء من غيره، فمنه: أياه الشمس، لضوئها، لأنه ضوء يبينها ~~ويميزها من غيرها. # والآية: العلامة على الشيء. # و: خرج القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم التي # تتميز بها ويتميزون بها من الاختلاط بغيرهم. # قال الشاعر: # خرجنا من القفين لا حي مثلنا ... بآيتنا نزجي اللقاح المطافلا # ومنه: تأييت بالمكان، أي: تلبثت لتتبين ms094 شيئا وتميزه. # قال امرؤ القيس بن عابس: # قف بالديار وقوف حابس ... وتأي إنك غير يائس # وقال الكميت: # PageV01P156 # وتأي إنك غير صاغر # ومنه: تأييت بالمد، أي: تظاهرت حتى عرفت وميزت. # ومنه: إياك، وإياي، هما في المضمرات. # وقد أشار الخليل إلى أنه اسم ظاهر، فاشتقاقه مما تقدم، لأنه في أكثر ~~الكلام مفعول مقدم، والمفعول إنما يتقدم على فعله قصدا إلى تعيينه، وحرصا ~~على تبيينه، وصرفا للوهم عن الذهاب إلى غيره # ولذلك لم يجز أن يتأخر عن الفعل في قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) ~~، إذ الكلام وارد في معرض الإخلاص وتحقيق الوحدانية ونفي عوارض # الأوهام عن الخلوص التام، ولهذا اختصت " أي " بنداء ما فيه " الألف ~~واللام "، تمييزا له وتعيينا، ولذاك صير بعض لفظها حرفا من حروف النداء في ~~قولك: أي زيد، وتفسيرا لقولهم: عندي عهن، أي: صوف. # إلى غير ذلك من تصرفات هذا اللفظ. # وأما وقوع " أي " نعتا لما قبلها، كقولك: مررت برجل أي رجل، فإنما تدرجت ~~إلى الصلة من الاستفهام، كأن الأصل: أي رجل؟ على الاستفهام الذي يراد به ~~التفخيم والتهويل، وإنما دخله التفخيم لأنهم يريدون إظهار العجز والإحاطة ~~بوصفه، فكأنه مما يستفهم عنه إذ يجهل كنهه. # فأدخلوه في باب الاستفهام الذي هو موضوع لما يجهل، لذلك قال الله # سبحانه: (القارعة (1) ما القارعة (2) و (الحاقة (1) ما الحاقة (2) . # أي: إنها لا يحاط بوصفها. # فلما ثبت هدا اللفظ في باب التفخيم والتعظيم للشيء قرب من النعت # والوصف، حتى أدخلوه في باب النعت، وأجروه في الإعراب ما قبله. ونظائر هذا ~~فى كلامهم كثيرة. # PageV01P157 # ويدلك على دخول الاستفهام في باب النعت قول الراجز: # حتى إذا كاد الظلام يختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط؟ ؟ # أي: فإنه في لون الذئب، إن كنت رأيت الذئب. # ويقول القائل: مررت بفارس شجاع هل رأيت الأسد؟ # أي: فإنه مثله. # ويشبه هذه المسألة في التدريج ما نذكره في باب النعت (من قولهم) : # مررت برجل حسن أبوه. # (والأصل: حسن أبوه) بالرفع. # والله المستعان، (وبه التوفيق) . # * * * ### | (باب النعت) # النعت: تخصيص الاسم بصفة هي ms095 له، أو لسبب يضاف إليه. # وهو مصدر نعت الشيء أنعته، ثم سموا الاسم التابع للمنعوت نعتا. # وإنما هو اسم منعوت به، كما يقال: درهم ضرب الأمير. # و" هؤلاء خلق الله "، أي: مخلوقون. # PageV01P158 # فإن قيل: فالاسم الأول كان أحق أن يسمى نعتا، لأنه المنعوت في الحقيقة. # والثاني انما هو منعوت به؟ # فعن ذلك جوابان: # أحدهما: أن الاسم الثاني الذي هو نحو " عاقل " و " عالم " هو المقصود ~~ببيان # أحكامه، فوقعت التسمية عليه. # الجواب الثاني: - وهو التحقيق -: أن اللفظ الدال على المعنى هو النعت # على الحقيقة في هذا الباب، لأنه فعل الناعت، دون المعنى الذي يعبر عنه، ~~وذلك في ألفاظ النحويين كثير، إذ من ألقاب النحوية ما هو نفس العبارة في ~~الحقيقة، كقولهم: تمييز، وتوكيد، بأن هذه كلمات هي أنفس العبارة، فهي مصادر ~~على الحقيقة، وليس كذلك الظرف والفاعل والمفعول، فإنها واقعة على المسميات ~~والمعاني المعبر عنها، ألا ترى إلى قول أبي القاسم: # فالاسم ما جاز أن يكون فاعلا أو مفعولا. # يريد الشخص المسمى لأنه الفاعل دون اللفظ. # ثم قال: أو دخل عليه حرف من حروف الخفض. # والخفض لا يدخل على المسمى ولكن على اللفظ الذي هو # الاسم. # * * * ### | فصل # (في أقسام النعت) # النعت في المحدثين يكون بالصفة المعنوية نحو: عاقل وعالم، وبصفة في # معنى النفي كقولك: واحد وظاهر، لأنها، لا تدل على معنى زائد موجود في نفس ~~المنعوت، وإنما تدل على نفي شيء عنه. # ويكون بصفة فعلية، إلا أنها الفعل في المحدثين راجع إلى الصفة المعنوية، ~~لأن الفعل منهم هو حركة الفاعل، والحركة معنى في الذات، بخلاف أفعال الباري ~~- سبحانه - فإنها ليست بحركة فاعل. # وإنما هي في غيره لا في نفسه. # وأما الصفة النفسية نحو فولك: " جوهر متحيز " و " جسم متألف " فلا تجدها ~~نعتا في كلام العرب، لأن المخاطب إن عرف النفس # المنعوتة فقد عرف صفاتها النفسية، فاستغنى عن النعت، وإن لم يعرفها أخبر ~~بما فيها حتى يعرفها. # PageV01P159 # فخرج من مضمون ما قلناه أن النعت قسمان: صفة معنوية، وصفة نفس، وأن الصفة ~~الفعلية ms096 نحو: رجل قائم، معنوية (أيضا) ، لأن الفعل حركة كما تقدم. # وثم قسم ثالث، وهو النعت المنبئ عن الكثرة والجمع، وذلك ليس بصفة # تقوم بالمنعوت، كقولك: رجل طويل، لأن الطول ينبئ عن كثرة أجزاء، ومال ~~كثير وبيت كبير، وأشباه ذلك. # وجميع ما تقدم من أقسام النعوت يختص بالجواهر دون الأعراض، إلا النعت # المنبئ عن الكثرة والزيادة في الأدوات، فلا يكون في الجواهر والأعراض، ~~تقول: # علم كثير وحركة سريعة، وهو مجاز، لأن سرعة الحركة راجع في التحقيق إلى ~~حركات كثيرة متواليات. نعم، وقد يوجد في كلام نعت الأعراض بالصفات النفسية ~~نحو قولهم: سواد شديد، وبياض ناصع، وحمرة قانية، وحرارة شديدة إلا أن هذه # النعوت راجعة عند الأشعرية إلى كثرة الأجزاء المتصفة بها، وليست عندهم # كصفات الألوان ولا الأعراض، لا معنوية ولا نفسية. # وذهب غيرهم من المنطقيين إلى أنها صفات نفسية وعبروا عنها بالكيفيات # وإلى هذا القول ذهبوا، فما تميز سواد من سواد، ولا بياض من بياض حتى صارت ~~أنواعا مختلفة إلا بصفات ذاتية وأحوال نفسية، وهي الكيفيات، ولكن اللغات ~~ضاقت عن وضع ألقاب لجميع أنواع الأعراض، فرجعت إلى وصفها بما هو مجاز في ~~حقها، أو بتمييز بعضها من بعض بالإضافة إلى جواهرها، كقولهم: رائحة مسك، ~~ورائحة تفاح. # فنعوت الجواهر ثلاثة أقسام سوى الصفة النفسية، ونعوت الأعراض ثلاثة: # صفة نفسية وصفة نفي بهو لا حادث، وصفة تنبئ عن كئرة ذوات وليست بصلة في ~~الحقيقة، وإنما الصفة في الحقيقة ما يضاف إلى ذات واحدة. # وأما صفات الباري - سبحانه - فلا نرى أن نسميها نعوتا، تحرجا من إطلاق ~~هذا اللفظ لعدم وجوده في الكتاب والسنة. # وقد وجدنا لفظ الصفة في الصحيح، # PageV01P160 # حيث قال عليه السلام للرجل الذي كان يقرأ قل هو الله أحد) # في كل ركعة: لم تفعل؟ # فقال: أحبها لأنها صفة الرحمن "، فإذا ثبت ذلك فصفاته - سبحانه - # تنقسم أربعة أقسام: # نفسية كقولك: موجود، وإله، وذات، وشيء. # ومعنوية كقولك: عالم وقادر، لأنها تنبئ عن معنى زائد على ذاته سبحانه. # وصفة نفي كقولك: واحد وقدوس، لأنها تنبئ ms097 عن نفي ثان، وعن نفي النقائص وما ~~لا يليق بجلاله سبحانه. # وصفة فعل كقولك: خالق، ورازق، وهي معنوية في المحدثين، كما تقدم. # وعندي قسم خامس وهو الأسماء الجملية، وهو ما دل كل واحد منها على # معان لا على معنى مفرد، كقولك: عظيم ومجيد وكريم، فإن كل واحد من هذه ~~الأسماء لا ينبئ عن معنى مفرد، فإن العظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات ~~المدح، والمجيد كذلك إنما هو في معنى الزيادة في الشرف على غيره، " استمجد ~~المرخ والعفار "، و " أمجد الناقة علفا ". # وكذلك تعرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لطلب الزيادة من ربه تعالى ~~حين سأله الصلاة عن نفسه، وعلم أمته كيف يصلون عليه، فقال: " كما صليت على ~~إبراهيم، إنك حميد مجيد "، (فطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المزيد ~~من صلاته التي صلاها أن يصلي عليه. # كما صلى على إبراهيم، وتعرض للمزيد بقوله: " إنك حميد مجيد " # لما سمعه يقول: (ولدينا مزيد) . # ولم يصرح بطلبه تأدبا مع أبيه الخليل عليه السلام، فجمع # عليه السلام بين الأمرين، إذ في ذكر الاسم من أسمائه - سبحانه وتعالى - ~~تعرض من العبد لطلب مقتضاه وما يدل عليه فحواه، فإذا قلت: يا غفور، فأنت ~~طالب للمغفرة، # PageV01P161 # وإذا قلت: يا رزاق، فأنت طالب للرزق، وكذلك لما أعطى - عليه الصلاة ~~والسلام - درجة أبيه إبراهيم - صلى الله عليهما - في النبوة والخلة، ولم ~~يستحل عنده المزيد. # ولا أمكنه التصريح به تأدبا، كما قلناه - تعرض إليه بقوله: # (إنك حميد مجيد) . # ويشهد بصحة ما قلناه قول المفسرين في قول المسيح عليه السلام: # (وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) . # ولم يقل: " إنك أنت الغفور الرحيم " # قالوا: " لأنه لم يرد أن يستغفر لهم ". # * * * ### | فصل # (في الذي ينعت به) # والاسم المفرد لا يكون نعتا، ونعنى بالمفرد ما دل على معنى واحد، نحو: # علم وقدرة وإنما لم يكن نعتا لأنه لا رابط بينه وبين الاسم الأول، لأنه ~~اسم # جنس على حاله، فإن قلت: ذو علم، وذو قدرة كان الرابط بينه وبين الاسم ~~المنعوت قولك: ms098 ذو. # وإن قلت: عالم وقادر كان الرابط بينه وبين المنعوت # الضمير المستتر فيه العائد على ما قبله. # فكل نعت وإن كان مفردا في لفظه فهو دال على معلومين، حامل ومحمول. # فالحامل هو الاسم المضمر، والمحمول هو الصفة. # PageV01P162 # وإنما أضمر في هذا الاسم وأشباهه ولم يضمر في المصدر الذي هو الصفة # في الحقيقة، لأن هذا الاسم مشتق من الفعل، والفعل هو الذي يضمر فيه # دون المصدر، لأنه إنما صيغ من المصدر ليخبر به عن فاعل، فلا بد له مما ~~صير من أجله إما ظاهرا وإما مضمرا، وليس كذلك المصدر، لأنه اسم جنس، فحكمه ~~حكم سائر الأجناس، ولذلك ينعت الاسم بالفعل لاحتماله اللضمير، تقول: مررت ~~برجل ذهب، فيجري مجرى ذاهب. # فإن قيل: وأيهما هو الأصل في باب النعت؟. # (قلت: الاسم أصل للفعل في باب النعت) ، والفعل أصل لذلك الاسم في # غير باب النعت. # وإنما قلنا ذلك لأن حكم النعت أن يكون جاريا على المنعوت في # رفعه ونصبه وخفضه، لأنه هو هو مع زيادة معنى، ولأن الفعل أصله أن يكون له ~~صدر الكلام لأنه عامل في الأسماء، وحق العامل التقديم على المعمول، لا سيما ~~على قول من زعم أن النعت يعمل فيه العامل في المنعوت. فعلى هذا القول لا ~~يتصور كون الفعل أصلا في باب النعت، لأن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال. # وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. # * * * ### | ### | فصل # (في نعت النعت) # إذا ثبت ما قدمناه، (فينبغي أن لا يجوز أن ينعت النعت) ، فتقول: مررت # برجل عاقل كريم، على أن يكون " كريم " نعتا لعاقل، ولكن نعتا للاسم ~~الأول. # PageV01P163 # وكذلك: عزيز حكيم، وسميع عليم، لأن النعت ينبئ عن الاسم المضمر # وعن الصفة، والمضمر لا ينعت، ولأنه قد صار بمنزلة الجملة من حيث دل على ~~الفعل والفاعل، والجملة لا تنعت، ولأنه يجري مجرى الفعل في رفعه للأسماء، ~~والفعل لا ينعت. # وكذلك قال (ابن جني) هذا كله. # ولا يمتنع عندي نعته في بعض المواطن، بعد أن يجري النعت الأول مجرى # الاسم الجامد فيكون خبرا ms099 عن مبتدأ أو بدلا (من اسم جامد، وأما نعتا محضا ~~يقوى فيه معنى الرفع، فما أراه) يجوز ذلك فيه. # * * * ### | (فصل) # ولما قدمناه من افتقاره للضمير فإنه لا يجوز إقامة النعت مقام المنعوت. # فتقول: جاءني طويل، و: رأيت شديدا وخفيفا. # وامتناع ذلك لوجهين: # أحدهما: احتماله (الضمير) ، فإذا حذف المنعوت لم يبق للضمير ما يعود # عليه. # والثاني: عموم الصفة، فلا يدري الموصوف بها ما هو؟. # فإن أجريت الصفة مجرى الاسم مثل: جاءني الفقيه، و: جالست العالم. # خرج عن الأصل الممتنع وصار كسائر الأسماء. # وإن جئت بفعل مختص بنوع من الأسماء وأعملته في نعت مختص بذلك النوع، كما ~~حذف المنعوت حسنا، كقولك: # أكلت طيبا، و: لبست لينا، و: ركبت فارها. # ونحو من هذا: أقمت طويلا، و: صحوت سريعا، لأن الفعل يدل على المصدر وكثرة ~~الزمان، فجاز حذف المنعوت # ههنا لدلالة الفعل عليه. # وقريب منه فوله تعالى: (ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) . # لدلالة الذرية على الموصوف بالصفة. # وإن كان في كلامك حكم منوط بصفة، اعتمد الكلام على تلك الصفة # واستغنى عن ذكر الموصوف كقولك: مؤمن خير من كافر، و: غني أحظى من فقير، # PageV01P164 # و: المؤمن لا يفعل كذا، و: (لعنة الله على الظالمين) : # " الكافر يأكل في سبعة أمعاء ". # وكقولهم في الشعر: # وأبيض كالمخراق # وأسمر خطي. . . . .. # وأشباه ذلك، لأن الفخر أو المدح إنما يتعلق بالصفة دون الموصوف. # فمضمون هذا الفصل ينقسم خمسة أقسام: ### | 1 - # نعت لا يجوز حذف منعوته (كقولك: رأيت سريعا، و: لقيت خفيفا. ### | 2 - # ونعت يقبح حذف منعوته، وهو مع ذلك جائز كقولك: لقيت ضاحكا، أو: رأيت ~~جاهلا، وإنما جاز لاختصاص الصفة بنوع واحد من الأسماء. ### | 3 - # ونعت يستوي فيه حذف الموصوف وذكره، كقولك: أكلت طيبا. # و: شربت عذبا، لاختصاص الفعل بنوع من المفعولات. ### | 4 - # وقسم يقبح فيه ذكر الموصوف لكونه حشوا في الكلام، كقولك: أكرم الشيخ، و: ~~وقر العالم، و: أرفق بالضعيف، لتعلق الأحكام بالصفات واعتمادها عليها ~~بالذكر. # PageV01P165 ### | 5 - # وقسم لا يجوز فيه ألبتة ذكر الموصوف، كقولك: دابة، وأبطح وأبرق، وأجرع ms100 - ~~للمكان - وأسود - للحية - وأدهم - للقيد - وأخيل - للطائر. # فهذه في الأصول نعوت، ألا تراهم لا يصرفونها ويقولون في المؤنث: بطحاء، ~~وجرعاء، وبرقاء. # ولكنهم لا يجرونها نعتا على منعوت، فنقف عندما وقفوا ونترك القياس إذا # تركوا. # والله المستعان. # * * * ### | فصل # (وهو الموعود به في آخر باب الفاعل والمفعول) # إذا نعت الاسم بصفة هي لسببه، فإن فيه ثلاثة أوجه: # أحدها - وهو الأصل - أن تقول: مررت برجل حسن أبوه، بالرفع. # وإنما قلنا: إن هذا هو الأصل، لأن الحسن ليس له فيجري صفة عليه. # وإنما ذكرت الجملة لتميز بها بين الرجل وبين من ليس عنده أب كأبيه، فلما ~~تميز بالجملة من غيره صارت هي موضع النعت وتدرجوا من ذلك إلى أن قالوا: حسن ~~أبوه، فأجروه نعتا على الأول، وإن كان للأب، من حيث تميز به وتخصص كما ~~يتخصص بصلة نفسه. # والوجه الثالث، برجل حسن الأب، فيصير نعتا للأول، وتضمر فيه ما يعود # عليه، حتى كان الحسن له. # وإنما فعلوا ذلك مبالغة وتقريبا للسبب، وحذفا # للمضاف وهو الأب وإقامة للمضاف إليه مقامه وهو الهاء، فلما قام الضمير ~~مقام الاسم المرفوع صار ضميرا مرفوعا، فاستتر في الفعل، ففلت: برجل حسن، ثم ~~أضفته إلى السبب الذي من أجله صار حسنا وهو الأب، ودخول الألف واللام على ~~السبب إنما هي لبيان الجنس، على ما يأتي بيانه في باب الصفة، إن شاء الله ~~تعالى. # وهذا الوجه الثالث لا يجوز إلا في الموضع الذي يجوز فيه حذف المضاف # وإقامة المضاف إليه مقامه. # وذلك غير جائز على الإطلاق وإنما يجوز حيث يقصدون # المبالغة وتفخيم الأمر، وإن بعد السبب كان الجواز فيه أبعد، كقولنا: نابح ~~كلب الجار، و: صاهل فرس العبد. # PageV01P166 # وما امتنع في هذا الفصل فإنه يجوز في الفصل الذي قبله، من حيث لم يقيموا # فيه مضافا إليه مقام المضاف. # وإنما حكمنا باختلاف المعاني في هده الوجوه الثلاثة، من حيث اختلف اللفظ # فيها، لأن الأصل ألا يختلف لفظان إلا لاختلاف معنى، ولا يحكم باتحاد ~~المعنى مع اختلاف اللفظ إلا بدليل. # فمعنى الوجه الأول ms101 تمييز الاسم من غيره بالجملة التي بعده. # ومعنى الوجه الثاني: تمييز الاسم من غيره مع انجرار الوصف إليه بمدح أو # ذم. # ومعنى الوجه الثالث: نقل الصفة كلها إلى الأول على حذف المضاف مع تبيين ~~السبب الذي صيره كذلك. # وأكثر ما يكون هذا الوجه فيما قرب سببه جدا، كقولك: عظيم القدر، وشريف ~~الأب، لأن شرف الأب شرف له، وكذلك القدر والوجه. # وههنا يحسن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما تقدم. # * * * ### | مسألة # (في عدم نعت الضمير) # قوله: " النعت تابع للمنعوت في رفعه ونصبه وخفضه وتعريفه وتنكيره ". # وقد زاد الناس عليه في هدا الفصل فقالوا: " وفي تثنيته وجمعه وإفراده، ~~وتأنيثه وتذكيره " # وينبغي أن تزاد كلمة أخرى، فيقول: وفي إظهاره، لأن المضمر لا ينعت ولا # ينعت به فلا بد أن يكون نعت الاسم الظاهر (ظاهرا) مثله. # PageV01P167 # وقد اعتل (أبو القاسم) في امتناع نعت المضمر بما ذكره في آخر الباب، ولا # أراها علة كافية، لأن غير المضمر من المعارف لا يستغني عن النعت، وإن كان ~~المخاطب قد عرفه، وليس النعت بآلة تعريف، ولكن الغرض به قد يكون تحلية ~~للمنعوت، وقد يكون تمييزا بينه وبين غيره ورفعا للالتباس. # والمضمر قد يحتاج إلى هذا كله، ألا تراه يبدل منه للبيان، ويؤكد وإنما ~~المانع # من نعته غير ما ذكره (أبو القاسم) وهو أن المضمر إشارة إلى المذكور، ~~والإشارة لا تنعت إنما ينعت المشار إليه، فإذا أضمرت بعد ذكر، ثم أردت أن ~~تنعت فإنما يجري النعت على الظاهر لا على علامة الإضمار التي هي إشارة ~~إليه. # وكذلك المبهم عندي أيضا لا ينعت إنما يبين بالجنس الذي يشير إليه. # كقولك: هذا الرجل، فالرجل تبيين ل " هذا " أي: عطف بيان، وتبيينه بالجنس ~~الذي يشير إليه آكد من تحليته بالنعت. # فإذا عرفت المخاطب ما الذي تشير إليه قححنثذ فانعته إن شئت أو لا تنعته، ~~ولا معنى لوصف " هذا " و " ذلك " بصفة مضافة. # وهو إشارة كالإشارة باليد والرأس، حتى يذكر المشار إليه. # * * * ### | مسألة # (من الإضافة) # قوله: " والمعرفة خمسة أجناس. . . " إلى آخر الفصل. ms102 # PageV01P168 # التعريف ينقسم قسمين: تعريف معنوي وتعريف لفظي، فالتعريف المعنوي # كالعلمية في الأسماء الأعلام، لأن لفظها واحد قبل التسمية وبعده، ~~والتعريف اللفظي كتعريف ما فيه " الألف واللام ". # والمبهم والمضمر عندي تعريف لفظي، لأن صيغة الإضمار والإبهام لفظ بمنزلة ~~الألف واللام. # فإذا ثبت هذا فكل ما كان تعريفه لفظيا فلا يجوزتنكيره مع وجود آلة ~~التعريف، وما كان تعريفه معنويا فقد يجوز تنكيره في بعض الأحوال، تقول: " ~~مررت بعمرو وعمرو آخر ". # وبأحمد وأحمد آخر ". # ومن التعريف المعنوي " سحر " إذا أردته ليوم بعينه، و " أجمع "، " جمع " ~~في # باب التوكيد، إلا أن " أجمع " و " جمع " لا يجوز تنكيره، لأن تعريفه - ~~وإن كان معنويا - فإنه كاللفظي، من حيث كان الاسم الذي هو مضاف إليه في ~~المعنى كالموجود في اللفظ، لأنه ضمير يعود على مذكور، وهو الاسم المؤكد. # ولا بد ل " أجمع " أن يكون تابعا لذلك الاسم، فقد صار تعريفه من جهة ~~اللفظ اللازم له. # وسيأتي بيانه في باب التوكيد، إن شاء الله تعالى. # وأما المضاف إلى معرفة فإنه اكتسب التعريف من الاسم الثاني واتصاله له. # وحلوله منه محل التنوين، فصار بمنزلة اسم واحد، فانسحب التعريف على ~~جميعه. # فإن قيل: ولم اكتسب الأول التعريف من الثاني، ولم يكتسب الثاني التنكير # من الأول إذ هو مقدم عليه في اللفظ، لا سيما والتنكير أصل في الأسماء ~~والتعريف فرع عليه، فكان ينبغي إذ جعلا كاسم واحد أن ينسحب التنكير من أول ~~الاسم إلى آخره، فلم غلبوا التعريف؟ # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أنهم قد غلبوا حكم المعرفة على النكرة في غير هذا الموطن كقولهم: ~~هذا زيد ورجل ضاحكين، على # PageV01P169 # الحال. # ولا يجوز: ضاحكان، على النعت تغليبا منهم لحكم المعرفة، وذلك # أنهم رأوا الاسم المعرفة يدل على معنيين: الرجل وتعيينه، والشيء وتخصيصه ~~من غيره، والنكرة لا تدل إلا على معنى مفرد، فكان ما يدل على معنيين أقوى ~~مما يدل على معنى واحد، وهذا بديع لمتأمله، وأصل نافع لمحصله. # والجواب الثاني أن تقول: الاسم المضاف إليه بمنزلة (آلة) التعريف. # فصار كالألف واللام والصيغة ms103 الدالة على الإبهام، ولم ينسحب تعريفه على ~~الأول لأنه لم يكتسب منه العلمية، وإنما اكنسب تعريفا آخر كما اكتسب من ~~الألف واللام التي هي آلة التعريف، ألا ترى أنه إذا أضيف إلى المضمر لم ~~يكتسب منه إضمارا، وإنما اكتسب تعريفا وكذلك إذا أضيف إلى المبهم لم ينسحب ~~عليه معنى الإبهام فدل على أن الإضافة بمجردها هي الموجبة لتعريف الاسم ~~والمضاف إليه بمنزلة آلة داخلة، فلم يلزم أن يقتبس الثاني من تنكير الأول، ~~ولا أن يقتبس الأول من علمية الثاني وحاله في المعرفة، وإنما تعرف بالإضافة ~~إلى أي نوع كان من المعارف. # والمضاف إليه في كل هذا كالآلة الداخلة على الاسم لمعنى، وهذا # أغمض من الأول وأدخل في باب التحقيق، وبالله التوفيق. # * * * ### | مسألة # (في تفسير المضمرات) # اعلم أن الكلام صفة قائمة في نفس المتكلم يعبر للمخاطب عنه بلفظ أولحظ # أو (بخط) ، ولولا المخاطب ما احتيج إلى التعبير عما في نفس المتكلم. # فإذا تقدم في الكلام اسم ظاهر ثم أعيد ذكره (أومأ المتكلم إليه بأدنى ~~لفظ. # ولم يحتج إلى إعادة اسمه لتقدم ذكره) . # فإذا أضمره في نفسه - أي: أخفاه - ودل المخاطب عليه بلفظة مصطلح عليها، ~~سميت تلك اللفظة اسما مضمرا، لأنها عبارة عن الاسم الذي أضمر استغناء عن ~~لفظه الظاهر. # PageV01P170 # وإذا ثبت هذا فالمضمرات في كلام العرب نحو من ستين، (منها) منفصل # يختص بالرفع نحو: أنا وأنت. ومنها متصل مختص بالرفع، ومنها ما يختص # بالنصب متصلا ومنفصلا. # وأما ما يختص بالخفض فلا يكون إلا متصلا بما قبله، لأن # المخفوض كله نوع واحد ولا يكون إلا متصلا بما قبله اتصال البعض بالكل. ~~وكل ما ذكرناه معلوم، وإنما قصدنا كشف أسرار الباب والتنبيه من واضع اللغة ~~في تخصيص ألفاظ المضمرات بما اختصت به، فنبدأ بضمير المتكلم المنفصل فنقول: # إن المتكلم لما استغنى عن الظاهر في حال الإخبار، لدلالة المشاهدة عليه. # جعل مكانه لفظا يومئ به إليه، وذلك اللفظ مؤلف من " همزة " و " نون "، ~~أما # " الهمزة " فلأن مخرجها من الصدر، وهو أقرب مواضع الصوت إلى ms104 المتكلم إذ # المتكلم في الحقيقة محله وراء حبل الوريد، ألا ترى إلى قوله سبحانه: # (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد (16) . # ألا تراه - تعالى - يقول: (ما يلفظ من قول إلا لديه) # يعني: ما يلفظ المتكلم فإذا كان المتكلم على الحقيقة محله هناك، وأردت من ~~الحروف ما يكون عبارة عنه، فأولاها بذلك ما كان مخرجه من جهته وأقرب ~~المواضع إلى محله، وليس إلا " الهمزة " أو " الهاء " والهمزة أحق بالمتكلم ~~لقوتها بالجهر والشدة، وضعف الهاء بالخفاء، فكان ما هو أجهر وأقوى أولى ~~بالتعبير عن اسم المتكلم الذي الكلام صفة له، وهو أحق بالاتصاف به وأما ~~تآلفها مع " النون "، فلما كانت " الهمزة " بانفرادها لا تكون اسما منفصلا، ~~كان أولى ما وصلت به النون أو حروف المد واللين، إذ هي # أمهات الزوائد، ولم تكن حروف المد مع " الهمزة "، لذهابها عند التقاء ~~الساكنين إذا قلت: أنا الرجل، و: أنا الغلام، و: أنا المخبر، وهذا كثير من ~~كلام فلو حذف الحرف الثاني لبقيت " الهمزة " في أكثر الكلام منفردة مع لام ~~التعريف، فتلتبس بالألف التي هي أخت اللام، فيختل أكثر الكلام. # فكان أولى ما قرن به النون لقربها من حروف المد واللين. # ثم بينوا النون - لخفائها - بالف في حال السكت، أو بهاء في لغة من قال: ~~إنه. # PageV01P171 # ثم لما كان المخاطب مشاركا للمتكلم في معنى الكلام، إذ الكلام مبدؤه من # المتكلم ومنتهاه عند المخاطب، ولولا المخاطب ما كان كلام المتكلم لفظا # مسموعا، ولا احتاج إلى التعبير عنه، فلما اشتركا في المقصود بالكلام ~~وفائدئه، اشتركا في اللفظ الدال على الاسم الظاهر، وهو الألف والنون، وفرق ~~بين ضمير المخاطب وضمير المتكلم بالتاء خاصة فقالوا: أنت، وخصت " التاء " ~~بذلك لثبوتها علامة الضمير المخاطب الفاعل في (فعلت) إلا إنها هناك اسم، ~~وفي " أنت " لا موضع لها من الإعراب. # وأما ضمير المتكلم المخفوض فإنما كان " ياء "، لأن الاسم الظاهر لما ترك # لفظه استغناء ولم يكن بد من علامة دالة عليه، كان أولى الحروف بذلك حرفا ms105 ~~من حروف الاسم المضمر؛ وذلك لا يمكن لاختلاف أسماء المتكلمين. # وإنما أرادوا علامة تختص بكل متكلم في حال الخفض، والأسماء مختلفة ~~الألفاظ متفقة في حال الإضافة إليها، في الكسرة التي هي علامة الخفض، إلا ~~أن " الكسرة " لا تستقل بنفسها حتى تمكن فتكون ياء، فجعلوا الياء علامة لكل ~~متكلم مخفوض، ثم شركوا النصب مع الخفض في علامة الإضمار، لاستوائهما في ~~المعنى واتفاقهما في كثير من الكلام، إلا أنهم زادوا نونا في ضمير المنصوب ~~للعلة التي تقدم ذكرها في باب الفاعل. # وأما ضمير المتكلمين المتصل، فعلامته واحدة في الرفع والنصب والخفض. # تقول: فعلنا، و: هذا غلامنا، وسر ذلك ما قدمناه، وهو أنه لما تركوا الاسم ~~الظاهر وأرادوا من الحروف ما يكون علامة للمخاطب عليه، أخذوا من الاسم ~~الظاهر ما يشترك جميع المتكلمين فيه في حال الجمع والتثنية، وهي النون التي ~~في آخر اللفظ، وهي موجودة في التثنية والجمع في حال الرفع والنصب والخفض، ~~فجعلوها # PageV01P172 # علامة للمتكلمين جمعا كانوا أو اثنين في حال رفع ونصب وخفض، وزادوا بعدها ~~ألفا كيلا تشبه التنوين أو النون الخفيفة، ولحكمة أخرى وهي القرب من لفظ " ~~أنا " لأنها ضمير المتكلمين، و " أنا " ضمير متكلم، فلم يسقط من لفظ " أنا ~~" إلا الهمزة التي هي أصل في المتكلم الواحد. # وأما جمع المتكلم وتثنيته ففرع طارئ على الأصل، فلم تكن فيه الهمزة التي # تقدم اختصاصها بالمتكلم، حتى خصت به " أفعل " وخص المخاطب بالتاء في # تفعل، للحكمة البديعة المذكورة في باب الأفعال، وفي هذا الفصل طرف منها. # وأما ضمير المرفوع المتصل فتاء، وإنما خصت " التاء " به لأنهم حين أرادوا # حرفا يكون علامة على الاسم الظاهر المستغنى عن ذكره، كان أولى الحروف ~~بذلك حرفا من الاسم، والاسم يختلف، فتارة يكون زيدا، وتارة يكون عمرا. # أخذوا من الاسم ما لا تختلف الأسماء فيه في حال الرفع، وهي الضمة، والضمة ~~لا تستقل بنفسها ما لم تكن واوا. # ثم رأوا الواو لا يمكن تعاقب الحركات عليها لثقلها، وهم # يحتاجون إلى الحركات في هذا الضمير فرقا بين ms106 المتكلم، والمخاطب المؤنث. # والمخاطب المذكر، فجعلوا " التاء " مكان الواو، لقربها من مخرجها، ولأنها ~~قد تبدل منها في كثير من الكلام نحو: تراث، و: تخمة، فاشترك ضمير المتكلم ~~والمخاطب في " التاء "، كما اشتركا في " الألف والنون " من " أنا " و " أنت ~~" لأنهما شريكان في الكلام، لأن الكلام من حيث كان للمخاطب كان لفظا، ومن ~~حيث كان للمتكلم كان معنى قائما بنفسه. # ثم وقع الفرق بين ضميريهما بالحركة دون الحروف للحكمة # المذكورة. # وأما ضمير المخاطب في حال النصب والخفض فكاف، ولم يكن " ياء " لأن # الياء قد اختص بها المتكلم في حال الخفض والنصب، فلو سكنت فيه الحركات أو ~~وجد ما يقوم مقامها في البدل، كما كانت " التاء " # مع " الواو "، لشرك المخاطب مع المتكلم في حال الخفض كما شرك معه في ~~التاء في حال الرفع، فلما لم يكن ذلك، ولم يكن بد من حرف يكون علامة إضمار، ~~كانت (الكاف) من بين سائر # الحروف أحق بهذا الموطن، لأن المخاطبين، وإن اختلفت أسماؤهم الظاهرة، - ~~فكل # PageV01P173 # واحد منهم مكلم ومقصود بالكلام الذي هو اللفظ، ومن أجله احتيج إلى ~~التعبير بالألفاظ عن الكلام الذي في نفس المتكلم فجعلت (الكاف) المبدوء بها ~~في لفظ (الكلام) علامة إضمار التكلم، ألا تراها لا تقع علامة إضمار له إلا ~~بعد كلام كالفعل والفاعل نحو: ضربتك، لأن الفعل والفاعل كلام، والفعل وحده ~~دون الفاعل لا يسمى كلاما، فلذلك لم يكن علامة المضمر " كاف " إلا بعد كلام ~~من فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر، نحو: ضربتك، و: هذا غلامك. # ولم يقل في ذهبت: ذهبك، ولا في قصدت: قصدك، لأن " ذهب " ليس # بكلام إلا بعد ذكر فاعلها كما تقدم. # فإن قيل: فالمتكلم أيضا " هو " صاحب الكلام، فهو أحق بأن تكون الكاف # المأخوذة من لفظ الكلام علامة لاسمه؟ # قلنا: الكاف لفظ فهي أحق بالمخاطب، لأن الكلام لم يكن لفظا إلا من # أجله، ولولا المتكلم المخاطب ما احتيج إلى التعبير عن الكلام القائم ~~بالنفس بعبارة ولا إشارة. # فعمدة " الكلام " الذي هو اللفظ إنما هو التكلم المخاطب، فالكاف الذي ms107 # هو جزء من لفظ الكلام أولى به. # وأما ضمير الغائب المنفصل ف " هاء " بعدها " واو " خصت " الهاء " بذلك، ~~لأن # الغائب لما كان مذكورا بالقلب واستغنى عن اسمه الظاهر بتقدمه، كانت الهاء ~~التي مخرجها من الصدر قريبا من محل الذكر، أولى بأن تكون عبارة عن المذكور ~~بالقلب، ولم تكن " الهمزة " لأنها مجهورة شديدة، فكانت أولى بالمتكلم الذي ~~هو أظهر، والهاء - لخفائها - أولى بالغائب، الذي هو أخفى وأبطن، ثم وصلت ~~بالواو لأنه لفظ يرمز به إلى المخاطب، ليعلم ما في النفس من مذكور. # والرمز بالشفتين، والواو مخرجها من هناك، فخصت بذلك. ثم طردوا أصلهم من ~~ضمير الغائب المنفرد فجعلوه في جميع أحواله " هاء "، إلا في الرفع. وإنما ~~فعلوا ذلك لأنهم رأوا الفرق بين الحالات واقعا باختلاف الضمير، لأنه إذا ~~دخلت عليه حروف الجر كسرت " الهاء " لضرورة اللفظ، وانقلبت واوه ياء. # وإذا لم يدخل عليه بقي مضموما على أصله. # PageV01P174 # وإذا كان في الرفع لم يكن له علامة في اللفظ، لأن الاسم الظاهر قبل الفعل # علم ظاهر يغني المخاطب عن علامة إضمار في الفعل، بخلاف المتكلم # والمخاطب، لأنك تقول في الغائب: زيد قام، فتجد الاسم الذي يعود عليه ~~الضمير موجودا ظاهرا في اللفظ، ولا تقول في المتكلم: زيد قمت، ولا في ~~المخاطب أن كان اسمه كذلك: زيد قمت - فلما اختلفت أحوال الضمير الغائب ~~لسقوط علامته في الرفع، وتغير الهاء بدخول حروف الخفض، قام ذلك عندهم مقام ~~علامات الإعراب في الظاهر، أو ما هو بمنزلتها في الضمير كالتاء المبدلة من ~~الواو، والياء المنبئة عن الكسرة، والكاف المختصة بالمفعول والمجرور ~~الواقعين بعد الكلام التام، ولا يقع # بعد الكلام التام إلا منصوب أو مجرور، فكانت الكاف المأخذوة من لفظ ~~الكلام علامة على المنصوب والمجرور إذا كان مكلما مخاطبا. # وأما " نحن " فهي ضمير منفصل للمتكلمين جماعة كانوا أو اثنين، وخصت # بذلك لما لم يمكنهم التثنية والجمع في المتكلم المضمر، لأن حقيقة التثنية ~~ضم # شيء إلى مثله ذي اللفظ، والجمع ضم شيء إلى أكثر مما يماثله في اللفظ، ~~فإذا ms108 قلت: زيدان، فمعناه: زيد وزيد، وإذا قلت: أنتما، فمعناه: أنت وأنت. # وكذلك الزيدون أنتم والمتكلم لا يمكنه أن يأتي باسم مثنى أو مجموع في ~~معناه، لأنه لا يمكن أن يقول: " أنا أنا " فيضم إلى نفسه مثله في اللفظ ~~فلما عدم ذلك، ولم يكن بد من لفظ يشير إلى ذلك المعنى، وإن لم يكن هو في ~~الحقيقة،، جاؤوا بكلمة تقع على الاثنين والجمع، لاشتراك التثنية والجمع في ~~هذا الموطن، والجمع المعبر به عنهما. # ثم كانت الكلمة نونا في أولها ونونا في آخرها، إشارة إلى الأصل المتقدم # الذي لم يمكنهم الإتيان به، وهو تثنية " أنا "، التي هي بمنزلة عطف اللفظ ~~على مثله. # فإذا لم يمكنهم ذلك اللفظ مثنى، كانت النون المكررة تنبيها عليه وتلويحا ~~إليه. # وخصت النون بذلك دون الهمزة لما تقدم من السر البديع فى اختصاص ضمير # الجمع بالنون، واختصاص ضمير المتكلم المنفرد بالهمزة، ثم جعلوا بين ~~النونين # " حاء " ساكنة لقربها من مخرج الألف الموجودة في ضمير المتكلم قبل النون # وبعدها، ثم بنوها على الضم - دون الفتح والكسر - إشارة إلى أنه ضمير ~~مرفوع. # PageV01P175 # ويشهد لجميع ما قلناه في هذا الباب، من دلالة الحروف المقطعة على # المعاني والرمز بها إليها، كثير من منظوم الكلام ومنثوره، كقول الراجز: # قلت لها قفي فقالت قاف. # وكقول الآخر لأخيه: ألاتا؟ فيقول له: ألافا. # يريد: ألا فارتحل. # وكقولهم: # بالخير خيرات وإن شرا فآ ولا أريد الشر إلا أن تآ # يريد: إن شرا فشرا، ولا أريد الشر إلا أن تشاء. # وكقولهم: أيش؟ يريدون: أي شيء؟ # وكقولهم: م الله. يريدون: أيمن الله. # ومن هذا الباب حروف التهجي من أوائل السور. # وقد رأيت لابن فورك نحوا من هذا في اسم الله سبحانه، قال: الحكمة في وجود ~~الألف في أوله أنها من أقصى مخارج الصوت قريبا من القلب الذي هو محل ~~المعرفة إليه، ثم الهاء في آخره مخرجها من هناك أيضا، لأن المبتدأ منه ~~والمعاد إليه، والإعادة أهون من الابتداء، وكذلك لفظ الهاء أهون من لفظ ~~الهمزة، هذا معنى كلامه. # فلم ms109 نقل ما قلناه في المضمرات إلا اقتضابا من أصول السلف، واستنباطا من # كلام اللغة، وبناء على قواعدها، وجريا على طريقة علمائها. # فتأمل هذه الأسرار بقلبك، والحظها بعين فكرك، ولا يذهلنك فيها نبو طباع ~~أكثر الناس عنها، واشتغال # PageV01P176 # العالمين بظاهر من الحياة الدنيا عن الفكر فيها، والتنبيه عليها، فإني لم ~~أفحص عن هذه الأسرار، وخفي التعليل في الظواهر والإضمار، إلا قصدا للتفكر ~~والاعتبار، في حكمة من خلق الإنسان وعلمه البيان، فإنه الخالق للعبارات، ~~والمقدر للطائف والإشارات (ألا له الخلق والأمر) ، (وهو اللطيف الخبير) ، ~~فمتى لاح لك من هذه الأسرار سر، وكشف لك عن مكنونها فكر، فاشكر الواهب ~~للنعمى، (وقل رب زدني علما (114) . # * * * ### | مسألة # (في المبهمات) # قوله: " والمبهم نحو: هذا وهذان ". # تسميتهم هذه الأسماء المبهمة، مأخوذة من " أبهمت الباب "، إذا أغلقته. # و" استبهم علي الجواب "، أي: استغلق. # وكذلك هذه الأسماء إنما وضعت في الأصل لما استبهم على المتكلم اسمه، أو ~~أراد هو إبهامه على بعض المخاطبين دون بعض، فاكتفى بالإشارة إليه، أو كانت ~~الإشارة إليه أبين من اسمه عند المخاطب. # وإذا ثبث ما قلناه فالاسم في هذا الباب هو الذال واحدها دون الألف # خلافا لبعض البصريين، يدل على ذلك سقوطها بالتثنية وفي المؤنث إذا قلت: ~~هذه، وتلك. # وخصت الذال بهذا المعنى لأنها من طرف اللسان، والاسم المبهم مشار # إليه، فالمتكلم يشير نحوه بلحظه أو بيده، ويشير مع ذلك بلسانه، لأن ~~الجوارح خدم القلب، فإذا ذهب القلب إلى الشيء ذهابا معقولا ذهب الجوارح نحو ~~ذلك الشيء ذهابا محسوسا. # والعمدة في الإشارة في هذا الموطن على اللسان، ولا يمكن إشارة اللسان إلا # بحرف يكون مخرجه من عذبة اللسان، التي هي آلة الإشارة دون سائر أجزائه، ~~فليس إلا الذال أو الثاء، فأما الثاء فمهموسة رخوة، فالمجهور أو الشديد من ~~الحروف أولى منها للبيان، والذال مجهورة فخصه بالإشارة إلى المذكر، وخصت ~~التاء بالإشارة إلى # PageV01P177 # المؤنث للفرق بينهما، وكانت أولى بها لهمسها، ولأنها قد ثبتت علامة ~~للتأنيث في غير هذا الباب. # ثم بينوا حركة الذال بالألف، كما ms110 فعلوا في النون من " أنا "، وربما شركوا # المؤنث مع المذكر في الذال واكتفوا، " بالكسرة " والياء فرقا بينهما. # وربما اكتفوا بمجرد لفظ التاء في الفرق فقالوا: " هاتا هند ". وربما ~~جمعوا بين لفظ التاء والكسرة، حرصا على البيان فقالوا: هات. # وأما في المؤنث الغائب فلا بد من لفظ التاء مع الكسر، لأنه أحوج إلى ~~البيان، للدلالة على الحاضر، فتقول في الغائب: تيك، وربما زادوا اللام ~~للتوكيد - كما زادوها في المذكر الغائب - فقالوا: تلك، إلا أنها ساكنة في ~~المؤنث لئلا تجتمع الكسرات مع التاء، وذلك ثقيل عليهم ومرفوض في كلامهم. # وكانت اللام أولى بهذا الموطن حين أرادوا الإشارة إلى البعيد، فكثروا # الحروف حين كثرت مسافة الإشارة، وقللوها حين قلت، لأن اللام قد وجدت في ~~كلامهم توكيدا، وهذا الموطن موطن توكيد، وقد وجدت بمعنى الإضافة للشيء، ~~وهذا الموطن شبيه به، لأنك إذا أومأت إلى الغائب بالاسم المبهم، فأنت تشير ~~إلى من تخاطب ومقبل عليه لينظر إلى من تشير، إما بالعين وإما بالقلب، ولذلك ~~جئت بالكاف للخطاب فكأنك تقول له: لك أقول، أو: لك أرمز بهذا الاسم. # ففي اللام طرف من هذا المعنى، كما كان ذلك في الكاف، وكما لم تكن # الكاف هنا اسما مضمرا، لم تكن اللام لام جر، وإنما في كل واحدة منهما طرف ~~من المعنى دون جميعه فلذلك خلعوا من الكاف معنى الاسمية، وبقي فيها معنى ~~الخطاب، واللام كذلك إنما اجتلبت لطرف من معناها الذي وضعت له في باب ~~الإضافة. # وأما دخول " ها " التي للتنبيه على هذه الأسماء، فلأن المخاطب يحتاج إلى # تنبيه على الاسم الذي يشير به إليه، لأن للإشارة قرائن حال يحتاج إلى أن ~~ينظر إليها، فالمتكلم كأنه آمر له بالالتفات إلى المشار إليه أو منبه له، ~~فلذلك اختص # PageV01P178 # هذا الموطن بالتنبيه، وقلما يتكلمون به في المبهم الغائب، لأن كاف الخطاب ~~تغني عنها، مع أن المخاطب مأمور بالالتفات بلحظه إلى المبهم الحاضر، فكان ~~التنبيه في أول الكلام أولى بهذا الموطن، لأنه بمنزلة الأمر الذي له صدر ~~الكلام. # وعندي أن حرف ms111 التنبيه بمنزلة حرف النداء وسائر حروف المعاني لا يجوز أن # تعمل معانهيا في الأحوال ولا في الظروف، كما لا يعمل معنى الاستفهام الذي ~~في " هل " ومعنى النفي الذي في " ما ". # ولا نعلم حرفا يعمل معناه في الحال والظرف إلا كان وحدها، لحكمه تذكر في ~~بابها إن شاء الله تعالى. # فدع عنك ما شغبوا به في مسائل الحال في هذا الباب، من قولهم: هذا قائما # زيد، و: قائما هذا زيد، فإنه لا يصح من ذلك إلا تأخير الحال عن الاسم ~~الذي هو " ذا " لأن العامل فيها معنى الإشارة " دون " التثنية فلا يصح ~~تقدمها والعامل معنوي. # فإن قيل: ولم جاز أن يعمل فيها معنى الإشارة، ولم يجز أن يعمل فيها معنى ~~التنبيه، وكلاهما معنى غير ملفوظ به؟ # قلنا: معنى الإشارة تدل عليه قرائن الحال من الإيماء باللحظ واللفظ ~~الخارج # من طرف اللسان وهيئة المتكلم، فقامت تلك الدلالة مقام التصريح بلفظ ~~الإشارة، لأن الدال على كلام النفس إما لفظ وإما إشارة وإما حق، فقد جرت ~~الإشارة مجرى اللفظ، فلتعمل فيما عمل فيه اللفظ - وإن لم تقو قوته - في ~~جميع أحكام العمل. # وأصح من هذا كله عندي أن معنى الإشارة ليس هو العامل، إذ الاسم الذي # هو " هذا " ليس بمشتق من أشار بشير، ولو جاز أن تعمل أسماء الإشارة لجاز ~~أن تعمل علامات الإضمار لأنها أيضا إيماء وإشارة إلى مذكور، وإنما العامل ~~فعل مضمر تقديره: " انظر "، وأضمر لدلالة الحال عليه من التوجه واللفظ. # وقد قالوا: " لمن الدار مفتوحا بابها " فاعملوا في الحال معنى " انظر "، ~~ودل # عليه التوجه إليه من المتكلم بوجهة نحوها، فكذلك: (وهذا بعلي شيخا) ، ~~وهذا أقوى في الدلالة لاجتماع اللفظ مع التوجه. # PageV01P179 # وإذا ثبث هذا فلا سبيل لتقديم الحال، لأن العامل المعنوي لا يعمل حتى # يدل عليه الدليل اللفظي أو التوجه أو ما شاكله، والله المستعان. # * * * ### | مسألة # (في العامل في النعت) # (قوله) : " وإذا تقدم نعت النكرة عليها نصب على الحال ". # تقدم في صدر هذا الفصل العامل في النعت، وفيه فولان: # أحدهما: أن ms112 العامل في المنعوت هو العامل في النعت، وكان سيبويه إلى هذا ~~ذهب حين منع أن يجمع بين نعتي الاسمين إذا اتفق إعرابهما واختلف العامل ~~فيهما نحو: جاء زيد وهذا محمد العاقلان. # وذهب قوم إلى أن العامل في النعت معنوي، وهو كونه في معنى الاسم # المنعوت، فإنما ارتفع أو انتصب من حيث كان هو الأول في المعنى، لا من حيث ~~كان الفعل عاملا فيه، وكيف يعمل فيه وهو لا يدل عليه، إنما يدل على فاعل أو ~~مفعول أو مصدر دلالة واحدة من جهة اللفظ، وأما الظروف فمن دليل آخر. # وإلى هذا القول أذهب، وليس فيه نقص لما منعه سيبويه من الجمع بين نعتي ~~الاسمين المتفقين في الإعراب إذا اختلف العامل فيهما، لأن العامل في النعت ~~- وإن كان معنويا - فلولا العامل في المنعوت لما صح رفع النعت ولا نصبه، ~~فكان الفعل هو العامل في النعت، فامتنع اشتراك عاملين في معمول واحد، ولو ~~لم يكونا عاملين فيه في الحقيقة، ولكنهما عاملان فيما هو هو في المعنى. # PageV01P180 # وإنما قوي عندنا هذا القول الثاني لوجوه، منها: امتناع تقديم النعت على # المنعوت، ولو كان الفعل عاملا فيه لما امتنع أن يليه معموله، كما يليه ~~المفعول تارة والفاعل أخرى، وكما يليه الحال والظرف، ولا يصح أن يليه ما ~~عمل فيه غيره. # لو قلت: قام زيدا ضارب، (تريد: ضارب زيدا) ، أو: ضربت عمرا رجلا # ضاربا، تريد: ضربت رجلا ضاربا عمرا لم يجز. # فلا يلي العامل إلا ما عمل فيه، فلذلك لا يلي " كان " إلا ما علمت فيه. # وكذلك خبر إن المرفوع ليس بمعمول لإن، وإنما هو على أصله في باب # المبتدأ، ولولا ذلك لجاز أن يليها، وإنما وليها إذا كان مجرورا، لأنها ~~ممنوعة من العمل فيه بدخول حرف الجر، مع أن المجرور رتبته التأخير، فلم ~~يبالوا بتقديمه في اللفظ إذ كان موضعه التأخير، ولأن المجرور ليس هو بخبر ~~على الحقيقة، وإنما هو متعلق بالخبر، والخبر منوي في موضعه، أعني بعد الاسم ~~المنصوب (بإن) . # فإن قيل: ولعل امتناع النعت ms113 من التقديم على المنعوت إنما هو من أجل # الضمير الذي فيه والضمير حقه أن يترتب بعد الاسم الظاهر؟ # قلنا: هذا ليس بمانع، لأن خبر المبتدأ حامل للضمير، ويجوز تقديمه، ورب # مضمر يجوز تقديمه على الظاهر إذا كان موضعه التأخير. # فإن قيل: ولعل امتناع تقديم النعت إنما وجب من أجل أنه تبيين للمنعوت # وتكملة لفائدته، فصار كالصلة من الموصول؟ # قلنا: هذا باطل، لأن الاسم المنعوت يستقل به الكلام ولا يفتقر إلى نعته # افتقار الموصول إلى صلته ومما يبين لك أن الفعل العامل في الاسم لا يعمل ~~في # نعته، أن النعت صفة لمنعوت لازمة له قبل وجود الفعل وبعده، فلا تأثير ~~للفعل فيه، ولا تسلط له عليه، وإنما التأثير فيه للاسم المنعوت، إذ بسببه ~~يرتفع وينتصب وينخفض، وإن لم يجز أن تكون الأسماء عوامل في الحقيقة. # وهذا بخلاف الحال، لأن الحال - وإن كان صفة كالنعت، وفيها ضمير يعود # على الاسم كالنعت وضاحكا إذا كان حالا من زيد، هو زيد في المعنى، كما ~~يكون إذا كان نعتا كذلك - لكن الحال ليست بصفة لازمة للاسم كالنعت، وإنما ~~هي صفة # PageV01P181 # الاسم في حين وجود الفعل (خاصة، فالفعل) إذا أولى بها من الاسم، فعمل ~~فيها دونه، فلما عمل فيها (الفعل) جاز تقديمها إليه، كقولك: جاء ضاحكا زيد. # وتقديمها عليه كقولك: ضاحكا جاء زيد، وتأخرها بعد الفاعل كقولك: # جاء زيد ضاحكا، لأنها كالمفعول، لعمل الفعل فيها. # والنعت بخلاف هذا كله، وسنبين فيما بعد - إن شاء الله تعالى - فصلا عجيبا ~~في أن الفعل لا يعمل بنفسه إلا بثلاثة أشياء: # الفاعل، والمفعول به، والمفعول المطلق، أو ما هو صفة لأحد هذه الثلاثة في ~~حين وقوع الفعل، ويخرج عن هذا الفصل الظرف من الزمان، والظرف من المكان، ~~والنعوت، والأبدال، والتوكيدات. # وجميع الأسماء المعمول فيها، وتقيم هنالك البرهان القاطع على صحة هذا ~~المعنى، بعون الله تعالى. # * * * ### | فصل # (في حكم الحال من النكرة) # حق النكرة إذا جاءت بعدها الصفة أن تكون جارية عليها، ليتفق اللفظ، وأما ~~نصب الصفة على الحال فيضعف عندهم ms114 لاختلاف اللفظ من غير ضرورة. # هذا منتهى قول النحويين، وكان شيخنا أبو الحسين - رحمه الله تعالى - # يريد هذا القول بالقياس والسماع. # (أما) القياس فكما جاز أن يختلف المعنى في نعت المعرفة والحال منها إذا # قلت: جاءني زيد الكاتب، وجاءني زيد كاتبا، وبينهما من الفرق في المعنى ما ~~تراه. # فما المانع من اختلاف المعنى كذلك في النكرة إذا قلت: مررت برجل كاتب، ~~أو: برجل كاتبا؟ # وإذا كان كذلك فلا بد من الحال إذا احنيج إليها. # (وأما السماع) ففي الحديث: " صلى خلفه رجال قياما ". # وأما " وقع أمر فجأة " فليس بحال من " الأمر "، وإنما هو حال من " الوقوع ~~" كما تقول: # PageV01P182 # أحسن من سقي ناقة، إنما هو حال مما دل عليه " سقي "، (وهو) المصدر. ومنه ~~أقبل رجل مشيا، هو حال من الإقبال. # وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # والذي قاله الشيخ صحيح، ولكن أكثر الكلام على ما قاله النحويون، إيثارا # لاتفاق اللفظ، ولتقارب ما بين المعنيين في النكرة، وتباعد ما بينهما في ~~المعرفة، لأن الصفة في النكرة مجهولة عند المخاطب حالا كانت أو نعتا، وهي ~~في الصرفة بخلاف ذلك، فتأمله تعرفه إن شاء الله تعالى. # ولو كانت الحال من النكرة ممتنعة، وكان رديئا في الكلام لعلة التنكير، ~~لما # اتفقت العرب على جعلها حالا إذا كانت مقدمة على الاسم. # كما أنشد سيبويه: # لمية موحشا طلل # وتحت العوالي والقنا مستكنة ... ظباء أعارتها العيون الجآذر # PageV01P183 # فإن قيل: وما حمل سيبويه وغيره على أن يجعلوا (موحشا) حالا من (طلل) . # و" قائم " حالا من رجل، إذا قلت: فيها قائما رجل، وهو لا يقول بقول ~~الأخفش: # إن قولك: رجل وطللا فاعل " بالاستقرار الذي تعلق به الجار؟ # فلو قال بهذا القول عذرناه، ولكن الاسم النكرة عنده مبتدأ، وخبره في ~~المجرور قبله، ولا بد في خبر المبتدأ من ضمير (يعود) على المبتدأ، تقدم ~~الخبر أو تأخر، فلم لا تكون هذه الحال من ذلك الضمير ولا تكون من النكرة؟ ~~ما الذي دعاهم إلى هذا؟ # فالجواب: أن هذا السؤال يجب التقصي (عنه) والاعتناء به؟ ms115 # فقد كع عنه أكثر الشارحين للكتاب، والمؤلفين في هذا الباب، بل ما رأيت ~~أحدا منهم أشار فيه إلى (جواب) مقنع، وأما أكثرهم فلم يتنبه للسؤال، ولا ~~تعرض إليه بحال. # والذي أقوله - وبالله التوفيق -: أن هذه المسألة في النحو، بمنزلة مسائل ~~الدور في الفقه، ونضرب منه مثالا فنقول: # رجل شهد مع آخر (في عبد) أنه حر، فعتق العبد وقبلت شهادته، ثم شهد # ذلك الرجل مرة أخرى فأريد تجريحه، فشهد العبد المعتق فيه بالجرحة، فإن ~~قبلت شهادته ثبتت جرحة الشاهد، (وإن ثبتت جرحة الشاهد) بطل عتق العبد، وإن ~~بطل عتق العبد سقطت شهادته، وإن سقطت شهادته لم يصح جرحة الشاهد، واستدارت ~~المسألة هكذا. # وكل نوع يؤول إلى إسقاط أصله فهو أولى أن يسقط في نفسه. # وكذلك مسألة هذا الفصل: # فأنت إن جعلت الحال من قولك: فيها قائما رجل، من الضمير، لم يصح # تقدير المضمر إلا مع تقدير فعل يتضمنه، ولا يصح تقدير فعل بعده، مبتدأ، ~~لأن معنى الابتداء يبطل ويصير المبتدأ فاعلا، وإذا صار فاعلا بطل أن يكون ~~في الفعل # PageV01P184 # ضمير لتقدم الفعل على الفاعل، وإذا بطل وجود الضمير بطل وجود الحال منه، ~~وهذا بديع في النظر. # فإن قيل: إن المجرور ينوى به التأخير، لأن خبر المبتدأ (حقه) أن يكون # مؤخرا. # قيل: وإذا نويت به التأخير لم يصح وجود الحال مقدمة على المبتدأ، لأنها # لا تتقدم على عاملها إذا كان معنويا. # فبطل كون الحال من شيء غير الاسم # النكرة، الذي هو مبتدأ عنه سيبويه، وفاعل عند الأخفش. # وهذا السؤال لا يلزم " الأخفش " على مذهبه، وإنما يلزم سيبويه ومن قال # بقوله، ولولا الوحشة من مخالفة الإمام (أبي بشر) لنصرت قول الأخفش نصرا ~~مؤزرا، وجلوت مذهبه في منصة التحقيق مفسرا! ولكن النفس إلى نصرة سيبويه ~~أميل، والله الموفق للصواب، واليه المآب. # وسيأتي في باب الابتداء من إقامة البرهان على بطلان قول الأخفش ما ينافي ~~إشارتي ههنا إلى نصرته. # * * * ### | مسألة # (في قطع النعت) # (قوله) : " وإذا تكررت النعوت فإن شئت أتبعتها الأول ". # جعل " أبو القاسم " تكرار ms116 النعوت شرطا في جواز القطع من الأول، ولا يلزم # هذا الشرط على الإطلاق ولكن الاسم إذا كان معروفا عند المخاطب، ولم يقصد ~~تمييزه من غيره، لم يكن النعت حينئذ من تمامه، وإنما يقصد به مدح أو ذم فلم ~~يمتنع القطع من الأول، كما قال سيبويه: " سمعت العرب تقول: (الحمد لله رب ~~العالمين) فسألت يونس عنها، فزعم أنها عربية ". # PageV01P185 # وأما إذا كان المنعوت غير متميز عند المخاطب إلا بنعته، فلا بد حينئذ أن # يكون تابعا للمنعوت، ثم يكون تكرار النعوت شرطا في جواز القطع، كما قال ~~أبو القاسم. # وفائدة القطع من الأول أنهم أرادوا تجديد مدح أو ذم غير المذكور في أول # الكلام، لأن تجدد لفظ غير الأول دليل على تجدد معنى، وكلما كثرت المعاني ~~وتجدد المدح كان أبلغ. # وقد رأيت هذا المعنى للفراء فاستحسنته. # * * * ### | ### | مسألة # (من عطف النعوت بعضها على بعض) # قال: " وإن شئث عطفت بعض النعوت على بعض ". # الأصل في باب العطف أن لا يعطف الشيء على نفسه، وإنما يعطف على # غيره، وعلة ذلك أن حروف العطف بمنزلة تكرار العامل، وتكرار العامل يلزم ~~معه تكرير المعمول. # فإذا ثبت هذا ووجدت شيئا معطوفا على ما هو في معناه مثل قوله: # " كذبا وزورا " و " كذبا ومينا "، فما ذلك إلا لمعنى زائد خفي في اللفظ ~~الثاني، أو لضرورة الشعر، فيشبه حينئذ تغاير اللفظين بتغاير المعنيين، ~~فيعطف أحدهما على الآخر، كما فعل بأشياء أضيف فيها الشيء إلى نفسه لتغاير ~~اللفظين. # وقد تقدم شرح ذلك في أوائل الكتاب. # PageV01P186 # وإذا كان الأمر كذلك بعد كل (البعد) أن تقول: جاءني محمد وأبو عبد الله. # وهو هو، أو: " رضي الله عن عتيق وأبي بكر " (وقد علم أن أبا بكر هو عتيق، ~~لأنك عطفت الشيء على نفسه، و " الواو " إنما تجمع بين الشيئين لا بين الشيء ~~الواحد، فإن كان في الاسم الثاني فائدة زائدة على معنى الاسم الأول، كنت ~~مخيرا بين العطف وتركه، فإن عطفت فمن حيث قصدت تعداد الصفات، وهي متغايرة، ~~وإن لم تعطف فمن حيث كان ms117 في كل واحد منها ضمير هو الأول، فتقول في الوجه ~~الأول: زيد شاعر وكاتب، وعلى الثاني: شاعر كاتب. # كأنك عطفت بالواو الكتابة على الشعر، وحين لم تعطف أتبعت الثاني الأول، ~~لأنه هو، من حيث اتحد الحامل للصفات. # فأما في كتاب الله - تعالى - فقلما تجد أسماءه الحسنى معطوفة بالواو، ~~نحو: # (الرحمن الرحيم) و (العزيز الحكيم) و (الملك القدوس) ، إلى آخرها. # لأنها أسماء له - سبحانه -، والمسمى بها واحد، فلم تجر مجرى تعداد الصفات ~~المتغايرة ولكن مجرى الأسماء المترادفة، نحو: الأسد والليث، وغير ذلك. # فأما فوله سبحانه: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) ، فلأنها ألفاظ # متضادة المعاني في أصل موضوعها، فكان دخول " الواو " صرفا لوهم المخاطب - ~~قبل التفكر والنظر - وعن توهم المحال، واجتماع الأضداد من المحال، لأن ~~الشيء لا يكون ظاهرا باطنا من وجه واحد، وإنما يكون ذلك من وجهين مختلفين، ~~فكان العطف ههنا أحسن من تركه، لهذه الحكمة الظاهرة، بخلاف ما تقدم مما لا ~~يستحيل اجتماعه من الصفات في محل واحد. # وأما قوله سبحانه وتعالى: # (غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول) # فإنما حسن العطف بين الاسمين الأولين لكونهما من صفات الأفعال. # وفعله - سبحانه - في غيره لا في نفسه، فدخل حرف العطف للمغايرة الصحيحة ~~بين المعنيين، ولتنزلهما منزلة الجملتين، لأنه - سبحانه - يريد تنبيه ~~العباد على أنه يفعل # PageV01P187 # تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب وقابل التوب شديد ~~العقاب ذي الطول لا إله إلا هو # هذا. ويفعل هذا، ليرجوه ويؤملوه. # ثم قال: (شديد العقاب) بغير واو، لأن الشدة # راجعة إلى معنى القوة والقدرة وهو معنى خارج عن صفات الفعل، فصار بمنزلة ~~ما تقدم من قوله: (العزيز العليم) . # وكذلك قوله: (ذي الطول) ، لأن لفظ (ذي) عبارة عن ذاته - سبحانه - فصح ~~جيمع ما أصلناه، والحمد لله. # وفي هذه الآية تصديق لقوله - عليه الصلاة والسلام - # " إن الله - تعالى - كتب كتابا هو عنده فوق عرشه، فيه: إن رحمتي غلبت ~~غضبي ". # وذلك أن في أولها: (تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم) ، وعلمه محيط ~~بما # فوق العرش وما ms118 دونه. # ثم قال: (غافر الذنب وقابل التوب) ، فهاتان صفتان من صفة الرحمة. # ثم قال: (شديد العقاب) فهذه صفة واحدة، وقد سبقتهما صفتان من # صفات الرحمة، واثنتان تغلب واحدة، وهما سابقتان لها في الذكر، فصحت رواية ~~من روى: " سبقت "، ورواية من روى " غلبت غضبي ". # والله يجيرنا من غضبه ويتغمدنا برحمته وكرمه، لا رب غيره. # * * * ### | ### | مسألة # # قالت الخرنق بنت هفان: # هذا الاسم يقال فيه: " الخرنق "، بالألف واللام، والقياس سقوطها، لأنه # اسم علم، والعلم إذا نقل من الأجناس لم تدخله الألف واللام وفي حال ~~العلمية، كمرأة تسمى " مزنة " أو رجل يسمى " كعبا "، أو " قردا "، أو " ~~فيلا ". # PageV01P188 # فإن كان منقولا من الصفة كالحارث والعباس، جاز إدخال الألف واللام فيه، ~~لأن الألف واللام تدل على المعنى المعهود فيما دخلت عليه، وهم يريدون # الإشارة إلى ثبوت هذه الصفة في المسمى، ولا يريدون الإشارة إلى معنى ~~الأرنب والقرد، ونحوهما في المسمى بذلك. # وإنما هي علامة وضعت للشخص ولفظه، ولا يراد بها إلا ميزة عن غيره، كما ~~قال " بيهس "، الملقب بنعامة حين سخر النعمان بن منذر منه، واستقبح اسم ~~نعامة، فقال: أبيت اللعن، إن الاسم علامة وليس بكرامة، ولو كان حسن الاسم ~~شرفا للمسمى لاشترك الناس في اسم واحد "، فكانت هذه من حكمه المأثورة. # فإذا ثبت هذا فالقياس أن لا يقال: الخرنق - بالألف واللام - في الاسم ~~العلم، إلا أن له وجها يخرج عليه، وهو أن يراد وصف المرأة باللين وملاسة ~~الجلد، أو غير ذلك من الصفات الموجودة في الخرنق، فيدخل الاسم معنى الصفة ~~المنقولة إلى العلمية، فيدخله الألف واللام، كما قالوا: الرباب، والرباب ~~منقولة من الأجناس لأنه السحاب، ولكنه مشتق من رببت الشيء أربه، فكأنه يرب ~~النبات بماثة ويصلحه، ثم سموا المرأة ربابا، فتارة يدخلون الألف واللام، ~~كأنهم يريدون معنى الصفة، وتارة # يجرون الاسم مجرى المنقول من الأجناس، كما قال: # علق القلب ربابا # ومما يقوي دخول معنى الصفة في " الخرنق " ونحوه ما حكاه سيبويه من # قولهم: مررت بسرج خز صفته، وبرجل أسد أبوه، فإذا كانوا قد أجروا ms119 الخز ~~مجرى النعت في إعرابه، لموضع اللين الذي فيه، وهو اسم جنس، فلا يبعد أن ~~يشار إلى ذلك المعنى في الأسماء المنقولة إلى العلمية، وبالله التوفيق. # PageV01P189 ### | ### | مسألة # # قوله: # لا يبعدن قومي # يسأل ههنا عن علامة الرفع في الفاعل الذي هو قومي فيقال: أمعرب هو أم # مبني؟ # ومحال أن يكون مبنيا، لأنه لا علة فيه توجب البناء، ولأنه متمكن ~~بالإضافة، وإذا كان معربا فأين (حرف) الإعراب؟ أهو الياء أم الميم؟ # ومحال أن يكون الياء حرف إعراب، لأنه الاسم المضاف إليه، وليست من الاسم ~~المضاف في شيء. # فلم يبق إلا أن تكون " الميم " من " قومي " هي حرف الإعراب، وإذا كان # كذلك فأين علامة الإعراب في حال الرفع والنصب؟ # والجواب: أن الضمة التي هي علامة الرفع في الفاعل هي " واو " قصيرة # الصوت، كما تقدم، و " الواو " تنقلب " ياء " عند مجاورة الباء، فتقول: ~~هؤلاء مسلمي. # فالواو - وهي علامة الرفع - قد انقلبت بالمجاورة ياء، فكذلك الضمة إذا # قلت: مسلم، تنقلب كسرة إذ أضفته إلى نفسك، كما انقلبت الواو في الجمع ~~المسلم حين أضفت إلى نفسك. # وإذا كان الواو - وهي أقوى من الحركة - تنقلب ياء في هذا الموطن، فما ظنك ~~بالحركة وهي أضعف منها؟ # فالكسرة الموجودة في اللفظ إذا قلت: قومي، عين الضمة # التي قبل الإضافة، كما كانت الياء الأولى من قولك: مسلمي، هي الواو # بعينها التي كانت في قولك: مسلمون، قبل الإضافة. # وأما في حال الخفض، فالكسرة التي هي علامة الخفض ممتزجة بصوت الياء # إذا كانت الياء ساكنة، وباقية على حالها إذا كانت الياء متحركة، فاستوى ~~اللفظ في حال الرفع والخفض إذا قلت: قومي، أو: غلامي، كما استوى في الجمع ~~إذا قلت: # هؤلاء مسلمون، مررت بمسلمي. # وأما الفتحة فقد غلب عليها صوت الياء، فاستوت مع الكسرة، وإذا كان الواو ~~من " خاف " يغلبون عليها صوت الكثرة في حال الإمالة، حتى يكون اللفظ بها ~~كاللفظ # PageV01P190 # بباع إذا أميلت فما ظنك بالفتحة التي هي حركة، والحركة أضعف من الحروف، ~~ولا سيما والفتحة أضعف الحركات؟ فاستوى لفظ علامات ms120 الإعراب في هذا الباب، ~~لما ذكرناه من العلل والأسباب. # * * * ### | مسألة # قوله: # سم العداة. .. # السم - بالفتح -: عندي مصدر " سممته سما "، إذا أطعمته السم، كما تقول: ~~زبدته زبدا "، إذا أطعمته بالزبد. # وأما الزبد فهو الاسم. فإذا فتحت السين فالعداة مخفوض في موضع نصب، لأنه ~~المفعول في المعنى، وإذا ضممت " السين " فلا موضع له إلا الإضافة المحضة. # ورواية من رواه بفتح السين أحصن للغة وأصح في المدح، لأنك تجعل العداة # مفعولين بهذا المصدر، فإذا ضممت " السين " فالسم اسم، فترجع إضافته إضافة ~~ملك واستحقاق لا على نحو إضافة المصدر إلى المفعول، فيكون كقولك: رماح ~~العداة، أو: سلاح العداة، فيكون كالكلام المحتمل للمدح وغيره. # وإذا كان مصدرا كان فى معنى الفعل، تريد أنهم يسمون العداة، أي: # يقتلونهم. # ولا بد من المجاز في كل هذا، فمجاز الكلام إذا جعلته مصدرا حذف # المضاف، كأنك قلت: ذوو سم العداة، وإذا جعلته اسما، فمجازه التشبيه، أي: ~~إنهم بمنزلة السم. # وقد تخرج رواية الضم على وجه، وهو أن السم لا يكون إلا قاتلا، ولا يراد ~~إلا # PageV01P191 # ليقتل به، وليس كالرماح والسلاح لاختلاف المنافع والأغراض، فصار معنى ~~الكلام: إنهم قاتلو العداة. # وعبر بالسم عن هذا المعنى. # ورواية الفتح أبين بصحيح الكلام. # وأما قوله: # وآفة الجزر # فمجازه أيضا التشبيه، جعلهم بمنزلة الآفة للجزر. # والآفة اسم ليس بمصدر عندي، لأنه على وزن " فعلة "، كالعظمة والحدبة وغير ~~ذلك، وإن كان قد وجد في المصادر هذا المثال، كالعجلة والحركة. ولكن لما لم ~~نجد منه فعلا ولا اسم # فاعل، حكمنا بأنه اسم غير مصدر. # فإن قيل: فقد قالوا: " رجل مؤوف ": إذا كانت به آفة؟ # قلنا: باب " مؤوف "، كباب " محموم " و " مجنون "، والحمى ليست بمصدر. # وكذلك " الجان، و " الجنة ". # ولكن العرب قد تجعل ما فيه الشيء بمنزلة المفعول. # وما له الشيء بمنزلة الفاعل وإن لم يكن له فعل، كقولهم: فيمن له رمح: ~~رامح، وفيمن له نبل نابل، وفيما فيه الحمى: محموم. # ومكان مضبوب ومسبوع، من الضباب والسباع. # ومنه طعام مسوس ومدود إذا وقع فيه السوس والدود. # على ms121 أنه قد يقال: ساس الطعام وداد، وسوس ودود، فهو # مسوس ومدود. # ولكن الأول مقول أيضا. # فثبت من هذا أن " الجزر " مخفوض بالإضافة، وليس له موضع إلا الخفض بخلاف ~~" العداة " إذا فتحت السين من " سم ". # وأما " العداة " فجمع " عاد "، كما تقول: " دعاة " في جمع " داع ". # وأما " أعداد " فجمع " عدا "، كما تقول: " أضلاع، في جمع " ضلع ". # وأما " عدا " فليس له واحد من لفظه، وإنما هو اسم للجمع كقوم ورهط. # PageV01P192 # وأما " عدو " فيقع للواحد والاثنين والجمع، لأنه - والله أعلم - بمنزلة ~~ما جرى من المصادر على فعول: كالولوع والقبول، فلذلك لم يثن ولم يجمع، قال ~~الله سبحانه: (هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله) . # وقد يجوز أيضا أن يكون أعداء (جمعا) لعدو، على تقدير حذف الحرف لا # الزائد، فيكون كالثلاثي المجموع على أفعال، يقوي ذلك أنهم قد قالوا في ~~المؤنث: " عدوة الله ". # ولو كان مصدرا ما ساغ فيه ذلك، والوجهان متكافئان في القياس # والنظر، وبالله التوفيق. # وأما " الجزر " فيجمع " جزورا " وهي فعول بمعنى مفعول. # وقد كان قياسه أن يكون بهاء التأنيث كالحلوبة والركوبة، ولكنهم جعلوه ~~اسما مخصوصا بالإبل دون غيرها، فضعف الاعتماد على الفعل، الذي هو الجزر، ~~وسار الاسم الذي لا ضمير فيه، فلم تدخله تاء التأنيث، إذ لا يؤظط في الصفات ~~إلا ضمائرها، ولا في الأفعال إلا فاعلوها. # وسيأتي بيان ذلك. # وقد مر منه أصل في باب الفاعل والمفعول. # فإن قيل: ما الحكمة في ثخصيص " النازلين " بالنصب على الإضمار، ورفع # " الطيبين "؟ وهل ذلك لمعنى؟ أو الحكم فيهما سواء؟ # فالجواب: أن القطع في " النازلين " بنصبه على الإضمار أولى، والرفع في # " الطيبين " أولى من النصب، لأن معه واو العطف، فصار في حكلم المعطوف على ~~" سم العداة " و " آفة الجزر "، وليس في " النازلين " واو تشركه مع ما قبله ~~في الرفع، فكان أولى بالنصب ومخالفة الإعراب. # فإن قيل: فهلا أدخل الواو على " النازلين " دون " الطيبين "، أو أدخلها ~~عليهما معا؟ # فالجواب: أن " واو " العطف وضعت لتعطف الشيء على غيره، لا لتعطف # الشيء على نفسه، فإذا تغايرت معاني الصفات حسن العطف، ms122 كقولك: الكاتب ~~والشاعر. # PageV01P193 # وإذا تقاربت معانيها قبح العطف، كقولك: الخطيب الفصيح. # وههنا " النازلين " في معنى سم العداة، لأنهما في معنى الشجاعة. # وأما " الطيبون " ففي معنى الصفات، وهو مخالف بمعنى الشجاعة والسخاء. # فدخلت " الواو " للعطف كما دخل في قوله: " وآفة الجزر " # عطفا على " سم العداة " لتغاير الصفات. # والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # PageV01P194 ### | (باب العطف) # العامل في المعطوف مضمر يدل عليه حرف العطف، وهو في معنى العامل في # الاسم الأول وكأنك إذا قلت: قام زيد وعمرو، قلت: قام زيد وقام عمرو، ~~وأغنت الواو عن إعادة الفعل، وإنما قلنا ذلك للقياس والسماع. # أما القياس فإنه ما بعد حرف العطف لا يعمل فيه ما قبله، ولا يتعلق به إلا ~~في باب المفعول معه، لعلة تذكر هناك. # ووجه آخر، وهو: أن النعت هو المنعوت في المعنى، وليس بينه وبين المنعوت ~~واسطة، ومع ذلك فلا يعمل فيه ما يعمل في # المنعوت في أصح القولين، فكيف بالمعطوف الذي هو غير المعطوف عليه. # وبينهما واسطة وهو الحرف؟ # وأما ما يدل على إضمار العامل من السماع، فقول الأنماري: # بل بني النجار إن لنا ... فيهم قتلى وإن تره # PageV01P195 # أرادة قتلى وترة، ثم أظهر " إن "، فدل على ما قلناه. # وهذا الأصل مستتب في جميع حروف العطف إلا في " الواو " الجامعة، وهي # التي تعطف الاسم على اسم لا يصح انفراده، كقولك: اختصم زيد وعمرو، وجلست ~~بين زيد وعمرو، فإن " الواو " ها هنا تجمع بين الاسمين في العامل، فكأنك ~~قلت: اختصم هذان، واجتمع الرجلان، إذا قلت: اجتمع زيد وعمرو. # ومعرفة هذه الواو أصل ينبني عليه فروع كثيرة، منها أنك تقول: رأيت الذي ~~قام زيد وأخوه، على أن تكون " الواو " جامعة، وإن كانت عاطفة لم يجز، لأن ~~التقدير: قام زيد وقام أخوه، فخلت الصلة من عائد يعود على الموصول. # ومنه قوله سبحانه: (وجمع الشمس والقمر) . # غلب المذكر على المؤنث لاجتماعهما، ولو قلت: طلع الشمس والقمر، يقبح ذلك، ~~إلا أن تريد الواو الجامعة، وأما فى الآية فلا بد أن تكون جامعة، لأن لفظ " ~~جمع " يدل عليها. ms123 # * * * ### | (فصل) # وأما " الفاء " فهي موضوعة للتعقيب، وقد تكون للتسبيب والترتيب، وهما # راجعان إلى معنى التعقيب، لأن الثاني بعدهما أبدا إنما يجيء في عقب ~~الأول. # والتسبيب نحو: " ضربته فبكى "، والترتيب مثل قوله سبحانه وتعالى: ~~(أهلكناها فجاءها بأسنا) ، دخلت الفاء لترتيب اللفظ، لأن الهلاك يجب تقديمه ~~في الذكر، لأن الاهتمام به أولى، وإن كان مجيء البأس قبله في الوجود. ~~ومثله: # إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد بعد ذلك جده # PageV01P196 # دخلت " ثم " لترتيب الكلام، لا لترتيب المعنى في الوجود. # وأما قوله تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) ~~. # فالفاء على أصلها من التعقيب، وإن كانت الاستعاذة قبل القراءة، إلا أن ~~العرب تخبر بالفعل عن ابتدائه تارة، وتعبر به عن انتهائه والفراغ منه أخرى، ~~فعلى هذا يكون معنى (قرأت) في الآية: أي شرعت في القراءة. # وأخذت في أسبابها. # ونحو منه ما جاء في الحديث من قوله: # " فصلى الصبح حين طلع الفجر " يريد ابتداء الصلاة. # وأما قوله: ثم صلاها من الغد بعد أن أسفر يريد الفراغ منها. # وحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - في إمامة جبريل: صلى الظهر حين زالت ~~الشمس، معناه ابتداء الصلاة. # وأما قوله: (وصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله) # فيحتمل أن يكون عبر بالفعل عن ابتدائه، أو عن الفراغ منه. # ومن ههنا نشأ الخلاف بين الفقهاء في دخول الظهر على العصر، والعصر على ~~الظهر. # * * * ### | ### | مسألة # # وأما " حتى " فموضوعة للدلالة على أن ما بعدها غاية لما قبلها، وغاية كل ~~شيء حده، ولذلك كان لفظها كلفظ الحد: " حاء " قبل تاءين. # والحد: حاء قبل دالين، والدال كالتاء في خرجها وشدتها، لا تفارقها إلا في ~~الجهر، فكانت لقوة الجهر أولى بالمعنى القوي وهو الاسم والفعل. # و" حتى " حرف معناه في غيره لا في نفسه بخلاف الاسم، ومن حيث كانت # " حتى " للغاية خفضوا بها كما يخفضون ب (إلى) التي لانتهاء الغاية. # PageV01P197 # والفرق بينهما أن " حتى " غاية لما قبلها وهو منه، وما بعد (إلى) ليس مما # قبلها، بل عنده انتهى ms124 ما قبل الحرف، ولذلك فارقتها في أكثر أحكامها. # ولم تكن " إلى " عاطفة لانقطاع ما بعدها عما قبلها، بخلاف " حتى ". # ومن حيث دخلت " حتى " في حروف العطف، لم يجز دخولها على المضمر # المخفوض إذا كانت خافضة، لا تقول: قام القوم حتاك، كما لا تقول: قام ~~القوم وك. # ومن حيث كان ما بعدها غاية لما قبلها لم يجز في العطف: قام زيد حتى # عمرو، ولا: أكلت خبزا حتى تمرا، لأن الثاني ليس بحد للأول ولا طرف. # * * * ### | ### | مسألة # # أو: وضعت للدلالة على أحد الشيئين المذكورين معها، ولذلك وقعت في # الخبر المشكوك فيه، من حيث كان الشك ترددا بين أمرين من غير ترجيح ~~لأحدهما على الآخر، لا أنها وضعت للشك، فقد تكون في الخبر ولا شك فيه إذا ~~أبهمت على المخاطب ولم تقصد أن تبين له. # كقوله سبحانه: إلى مائة ألف أو يزيدون) . # أي: إنهم من الكثرة بحيث يقال فيهم: هم مائة ألف أو يزيدون. # ف (أو) على بابها دال على أحد الشيئين، إما مائة ألف بمجردها. # وأما مائة ألف مع زيادة، والمخبر في كل هذا لا يشك. # وقوله تعالى: (فهي كالحجارة أو أشد قسوة) . # ذهب الزجاج في هذه، والتي في قوله: (أو كصيب من السماء) . # إلى أنها (أو) التي للإباحة، أي: فقد أبيح للمخاطبين، أن يشبهوا بهذا أو ~~هذا. # وعندي أن (أو) لم توضع للإباحة في شيء من الكلام، ولكنها على بابها. # أما قوله تعالى: (أو كصيب من السماء) فإنه ذكر مثلين مضروبين للمنافقين ~~في حالتين مختلفتين، فهم لا يخلون من (إحدى) الحالتين، ف (أو) على بابها من ~~الدلالة على أحد المعنيين. # PageV01P198 # وهذا كما تقول: " زيد لا يخلوا أن يكون في الدار أو في المسجد "، ذكرت # (أو) لأنك أردت أحد الشيئين. # وتأمل الآية مع ما قبلها في التفسير تجدها كما ذكرت لك. # وأما قوله تعالى: (فهي كالحجارة أو أشد قسوة) . # فإنه ذكر قلوبا ولم يذكر قلبا واحدا، فهي على الجملة قاسية، وعلى ~~التعيين: إما كالحجارة، ففيها ما هو كذلك. # وإما أشد قسوة ms125 ففيها ما هو كذلك أيضا. # ومثل هذا قول ابن علية: # فقالوا لنا ثنتان لا بد منهما # أي: لا بد منهما على الجملة: ثم قال: # صدور رماح أشرعت أو سلاسل # يريد في حق كل منهم على التعيين، لا بد له من هذا أو من هذا. # وأما في الجملة فالأمران واقعان جميعا. # وقد يجوز في قوله عز وجل: (أو أشد قسوة) أن يكون مثل قوله: # (مائة ألف أو يزيدون) . # وأما أو التي للتخيير فعلى أصلها، لأن المخبر إنما يريد أحد الشيئين. # وأما (أو) التي زعموا أنها للإباحة نحو: جالس الحسن أو ابن سيرين، فلم # توجد الإباحة من لفظ (أو) ولا من معناها، وإنما أخذت من صيغة الأمر مع ~~قرائن الأحوال. # و (أو) غير معتمدة في هذا الكلام، وإنما دخلت لغلب العادة في أن المشتغل # بالفعل الواحد لا يشتغل بغيره، وأن المجالس للحسن أو ابن سيرين غير جامع ~~بينهما معا، ألا ترى أن المأمور بهذا لو جمع بين الشيئين المباحين لم يكن ~~عاصيا، علما بأن (أو) ليست ههنا معتمدة. والله أعلم. # PageV01P199 ### | مسألة # وأما " لكن " فأصح القولين فيها: أنها مركبة من " لا " و " إن ". # و" الكاف ". و " الكاف " التي هي للخطاب - في قول الكوفيين - ما أراها ~~إلا كاف التشبيه، لأن المعنى يدل عليها إذا قلت: ذهب زيد لكن عمرا مقيم، ~~تريد: لا كفعل عمرو. # فلا لتوكيد النفي عن الأول، وإن لإيجاب الفعل الثاني، وهو المنفي عن # الأول، لأنك ذكرت الذهاب الذي هو ضده فدل على انتفائه. # فلا تقع " لكن " إلا بين كلامين متنافيين، فلذلك تركبت من " لا " و " ~~الكاف # و" إن "، إلا أنهم لما حذفوا " الهمزة " المكسورة، كسروا الكاف إشعارا ~~بها. ولا بد بعدها من جملة إذا كان الكلام قبلها موجبا، شددت نونها أو ~~خففت، فإذا كان ما قبلها منفيا اكتفيت بالاسم المفرد بعدها إذا خففت النون ~~منها، لعلم المخاطب أنه لا يضاد النفي إلا الإيجاب، فلما اكتفت باسم مفرد - ~~وكانت إذا خففت نونها لا تعمل - صارت كحروف العطف، فألحقوها بها، لأنهم حين ~~استغنوا ms126 عن خبرها بما تقدم من الدلالة، كان إجراء ما بعدها على ما قبلها ~~أولى وأحرى، ليتفق اللفظ كما اتفق المعنى. # فإن قيل: أليس مضادة النفي للوجوب بمثابة مضادة الوجوب للنفي، وهي في كل ~~حال لا تقع إلا بين كلامين متضادين، فلم قالوا: ما قام زيد لكن عمرو، ~~اكتفاء بدلالة النفي على نقيضه وهو الوجوب، ولم يقولوا: قام زيد لكن عمرو ~~اكتفاء بدلالة الوجوب على نقيضه وهو النفي؟ # فالجواب: أن الفعل الموجب قد يكون له معان تضاده وتناقض وجوده، كالعلم ~~فإنه يناقض وجوده الظن والشك والغفلة والموت، وأخص أضداده به الجهل، فلو # PageV01P200 # قلت: قد علمت الخبر لكن زيد، لم يدر ما تضيف إلى زيد، أظن أم شك أم غفلة ~~أم جهل؟ فلم يكن بد من جملة قائمة بنفسها ليعلم ما تريد، فإذا تقدم النفي ~~نحو قولك: ما علمت الخبر لكن زيد، اكتفى باسم واحد، لعلم المخاطب أنه لا ~~يضاد نفي العلم إلا وجوده، لأن النفي يشتمل على جميع الأضداد المنافية ~~للعلم. # * * * ### | (فصل) # فإن قيل: ولم إذا خففت " لكن " وجب إلغاؤها، بخلاف " إن " و " أن " # و" كأن " فإنه يجوز فيها الوجهان مع التخفيف، كما قال: # كأنه ظبية تعطو إلى وارق السلم؟ # قلنا: زعم الفارسي أن القياس فيهن كلهن الإلغاء إذا خففن، ولذلك ألزموا # " لكن " إذا خففت الإلغاء، تنبيها على أن ذلك هو الأصل في جميع الباب. # وهذا القول مع ما يلزم عليه من الضعف والوهن ينكسر عليه بأخواتها، فيقال ~~له: فلم خصت " لكن " بذلك دون " إن " و " أن " و " كأن "؟ # ولا جواب له على هذا. # وإنما الجواب في ذلك إنما لما كانت مركبة من " لا " و " إن " ثم حذفت ~~الهمزة # اكتفاء بكسر (الكاف) ، بقي عمل (إن) لبقاء العلة الموجبة للعمل، وهى فتح # آخرها، وبذلك ضارعت الفعل، فلما حذفت النون المفتوحة وقد ذهبت الهمزة ~~للتركيب، ولم يبق إلا النون الساكنة - وجب إبطال حكم العمل بذهاب طرفيها ~~وارتفاع علة المضارعة للفعل، بخلاف أخواتها إذا خففن، فإن معظم لفظها باق، # PageV01P201 # فجاز أن يبقى حكمها، على ms127 أن الأستاذ أبا القاسم بن الزماك - رحمه الله ~~تعالى - قد أفادني رواية عن (يونس) أنه حكى الإعمال في (لكن) مع تخفيفها. ~~وكان أبو القاسم - رحمه الله - يستغرب هذه الرواية، ورأيته حين ذكرني بها ~~متعجبا منها، وكان إماما في هذه الصناعة رحمه الله تعالى. # * * * ### | فصل # (في دخول الواو على لكن) # واعلم أن " لكن " لا تكون حرف عطف مع دخول (الواو) عليها، لأنه لا يجتمع ~~حرفان من حروف العطف، فمتى رأيت حرفا من حروف العطف مع الواو، فالواو هي ~~العاطفة دونه، فمن ذلك " إما " إذا قلت: # إما زيد وإما عمرو. # وكذلك " لا " إذا قلت: ما قام زيد ولا عمرو ودخلت " لا " لتوكيد النفي. # وكذلك لا لتوكيد النفي، ولئلا يتوهم أن " الواو " جامعة، وأنت نفيت ~~قيامها في وقت واحد. # * * * ### | فصل # (في لا العاطفة) # ولا تكون " لا " عاطفة إلا بعد إيجاب، وشرط آخر، وهو: أن يكون الكلام ~~قبلها يتضمن مفهوم الخطاب نفي الفعل عما بعدها، كقولك: جاءني رجل لا امرأة، ~~ورجل عالم لا جاهل. # ولو قلت: مررت برجل لا زيد، لم يجز، وكذلك: مررت برجل لا عاقل، لأنه ليس ~~في مفهوم الكلام ما ينفي الفعل عن الثاني، وهى لا تدخل إلا لتوكيد نفي. # PageV01P202 # فإن أردت ذلك المعنى جئت بلفظ (غير) فتقول: مررت برجل غير زيد. # وبرجل غير عالم، ولا تقول: برجل غير امرأة، ولا بطويل غير قصير، لأن في ~~مفهوم " الخطاب " ما يغنيك عن معنى النفي الذي في " غير "، وذلك المعنى ~~الذي دل عليه المفهوم حين قلت: بطويل لا قصير. # وأما إذا كانا اسمين معرفين نحو: مررت بزيد لا عمرو، فجائز هنا دخول ~~(غير) لجمود الاسم العلم، وأنه ليس له مفهوم خطاب عند الأصوليين إلا ~~(الضيرفي) من الشافعية، بخلاف الأسماء المشتقة وما جرى مجراها كرجل، فإنه ~~بمنزلة قولك " ذكر "، ولذلك دل بمفهومه على انتفاء الخبر عن المرأة، ويجوز ~~أيضا: مررت بزيد لا عمرو، لأنه اسم مخصوص بشخص فكأنك حين خصصته بالذكر، ~~نفيت المرور عن عمرو، ثم أكدت ذلك النفي بلا. # أما الكلام المنفي فلا ms128 يعطف عليه بلا، لأن نفيك الفعل عن " زيد " إذا ~~قلت: # ما قام زيد، لا يفهم منه نفيه عن " عمرو "، فيؤكد بلا. # فإن قلت: أؤكد بها النفي المتقدم. # قيل لك: وأي شيء يكون حينئذ إعراب " عمرو "، وهو اسم مفرد، ولم يدخل # PageV01P203 # عليه عاطف بعطفه على ما قبله؟ فهذا لا يجوز إلا أن تجعله مبتدأ وتأتي له ~~بخبر، فتقول: مما قام زيد لا عمرو وهو القائم، وأما أن أردت تشريكهما في ~~النفي فلا بد من الواو، إما وحدها وإما مع " لا "، ولا تكون " الواو " ~~عاطفة ومعها " لا " إلا بعد نفي. # وأما قوله سبحانه وتعالى: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) . # فإن معنى النفي موجود في " غير ". # فإن قيل: فهلا قلت: " لا المغضوب عليهم ولا الضالين؟. # فالجواب: أن في ذكر (غير) بيان الفضيلة للذين أنعم الله عليهم، وتخصيصا # لنفي صفة الغضب والضلال عنهم، وأنهم الذين أنعم الله عليهم بالنبوة ~~والهدى دون غيرهم. # ولو قال: " ولا المغضوب عليهم " لم يكن ذلك إلا تأكيد نفي إضافة # الصراط إلى المغضوب عليهم، كما تقول: هذا غلام زيد لا عمرو، أكدت نفي ~~الإضافة عن عمرو، بخلاف قولك: هذا غلام الفقيه غير الفاسق ولا الخبيث، فإنك ~~جمعت بين إضافة الغلام إلى الفقيه دون غيره، وبين نفي الصفة المذمومة عن ~~الفقيه، فافهمه. # فإن قيل: وأي شيء أكدت " لا " حين أدخلت عليها الواو، وقد قلت: إنها لا ~~تؤكد النفي المتقدم، وإنما تؤكد نفيا يدل عليه اختصاص الفعل الواجب بوصف ~~ما، كقولك: جاءني عالم لا جاهل؟ # فالجواب: أنك حين قلت: ما جاءني زيد، لم يدل الكلام على نفي المجيء # عن " عمرو " كما تقدم، فلما عطف بالواو دل الكلام على انتفاء الفعل عن # عمرو، كما انتفى عن الأول، لمقام الواو مقام تكرار حرف النفي، فدخلت لا ~~لتأكيد النفي عن الثاني. # PageV01P204 ### | مسألة # (في أم العاطفة) # قوله وأما أم فلا يعطف بها إلا بعد استفهام. # هو كما قال، إذا أردت المعادلة بين أمرين متساويين، إما على جهة # الاستفهام وإما على جهة التقرير أو التوبيخ، ثم قد ms129 تكون أم إضرابا ولكن ~~ليس بمنزلة بل كما زعم بعضهم، ولكن إذا مضى كلامك على اليقين ثم أدركت الشك ~~مثل قولهم: " إنها لإبل. أم شاء؟ " # أضرب عن اليقين ورجع إلى الاستفهام حين أدركه الشك. # ونظيره قول الزباء حين تكلمت بعسى،، ثم أدركها اليقين فقالت: " عسى # الغوير " وهي متوقعة شرا، ثم غلب على ظنها الشر فختمت الكلام بحكم ما غلب ~~على ظنها لا بحكم عسى، لأن عسى لا يكون خبرها اسما غير حدث، فكأنها قالت: " ~~صار الغويرا بؤسا ". # وهذه أم التي هي مشوبة المعنى بالإضراب والاستفهام، ولا ينبغي أن تكون # في القرآن، وإن كانت فعلى جهة التقرير، نحو قوله (أم أنا خير من هذا ~~الذي. . .؟) . # وأحسب جميع ما وقع منها في القرآن إنما هو على أصلها الأول من المعادلة. # وإن لم يكن قبلها ألف استفهام، نحو قوله: (أم يقولون شاعر) # و (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم. . .؟) . # لأن القرآن كله مبني على تقريع الجاحدين # PageV01P205 # وتبكيت المعاندين، وهو كله كلام واحد، كأنه معطوف بعضه على بعض، فإذا ~~وجدت أم وليس قبلها استفهام في اللفظ، فهو متضمن في المعنى معلوم بقوة ~~الكلام، كأنه يقول: أتقولون كذا، أم تقولون كذا؟ # و: أبلغك كذا أم حسبت أن الأمر كذا؟ # ونظيره ما يتكرر في القرآن من قوله سبحانه: (وإذ قلنا) و (إذ فرقنا) . # بواو العطف من غير ذكر عامل يعمل في " إذ "، لأن الكلام في معرض تعداد ~~النعم وتكرار الأقاصيص، فيشير بالواو العاطفة إليها، كأنها مذكورة في ~~اللفظ، لعلم المخاطب بالمراد. # ومن هذا الباب الواو المتضمنة لمعنى (رب) ، فإنك تجدها في أول الكلام # كثيرا إشارة منهم إلى تعداد المذكور قبلها، من فخر أو مدح أو غير ذلك. # فهذه كلها معان مضمرة في النفس، وهذه الحروف عاطفة عليها، وربما # صرحت العرب بذلك المضمر، كقول ابن مسعود - رضي الله عنه -: # (دع ما حاك في نفسك، وإن أفتوك عنه وأفتوك. .) . # ولذلك حذف كثير من الجوابات في القرآن لدلالة الواو عليها، لعلم # المخاطب أن الواو عاطفة، ولا يعطف بها إلا ms130 على شيء، كقوله تعالى: # (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه) . # وكقوله تعالى: (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها) . # وهو كثير مما يحذف فيه الجواب، وعطف بالواو على المحذوف. # ومن المسألة الأولى قوله تعالى: (ما لي لا أرى الهدهد أم كان من ~~الغائبين) # ليس على معنى بل، ولكن عطفا على الاستفهام المتضمن في # الكلام، كأنه يقول: أحضر أم كان من الغائبين؟ # ألا تراه يقول: (ما لي) كالمستفهم عن نفسه. # إن كان حاضرا فمالي لا أراه؟ # ولولا هذا التقدير والإضمار لقال: ما للهدهد لا أراه؟ # ولم يقل: لا أرى الهدهد. # PageV01P206 ### | مسألة # (في حذف حرف العطف) # لا يجوز إضمار حروف العطف، خلافا للفارسي ومن قال بقوله، لأن الحروف أدلة ~~على معان في نفس المتكلم، فلو أضمرت لاحتاج المخاطب إلى وحي يسفر به عما في ~~نفس مكلمه وحكم حروف العطف في هذا حكم حروف النفي والتوكيد والتمني والترجي ~~وغير ذلك، اللهم إلا أن حروف الاستفهام قد يسوغ إضمارها في بعض المواطن، ~~لأن للمستفهم هيئة تخالف هيئة المخبر، إلا أنهم احتجوا لمذهبهم بآي من كتاب ~~الله تعالى، وأشياء من كلام العرب هي عند التأمل والتحصيل حجة # عليهم، كقول الشاعر: # كيف أصبحت كيف أمسيت ... مما يثبت الود في فؤاد الكريم # هو عندهم على إضمار حرف العطف، ولو كان كذلك لانحصر إثبات الود في هاتين ~~الكلمتين من غير مواظبة ولا استمرار عليهما. # ولم يرد الشاعر ذلك، وإنما أراد أن يجعل أول الكلام ترجمة على سائره. # يريد الاستمرار على هذا الكلام والمواظبة عليه، كما تقول: قرأت ألفا باء، ~~جعلت ذكر هذين الحرفين ترجمة لسائر الباب وعنوانا للغرض المقصود. # ولو قلت: قرأت ألفا وباء، لأشعرت بانقضاء المقروء حيث عطفت الباء على ~~الألف دونما بعدها، فكان مفهوم الخطاب أنك لم تقرأ غير هذين الحرفين. # ألا ترى كيف أشعرت الواو العاطفة في قوله سبحانه: # (وثامنهم كلبهم) ، على انقضاء العدد المتنازع فيه. # وما مثلوا به من قولهم: " اضرب زيدا عمرا خالدا "، ليس كما ظنوه من إضمار ~~الواو ولو كان كذلك لاختص الأمر بالمذكورين، ms131 وإنما المراد الإشارة بهم إلى ~~ما # PageV01P207 # بعدهم ومنه قولهم: " بوبت الكتاب بابا بابا " # و" قسمت المال درهما درهما "، ليس على إضمار حرف العطف، ولو كان كذلك ~~لانحصر الأمر في " درهمين وبابين " # وأما ما احتجوا به من قوله سبحانه: # (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد) . # فليس على معنى الواو كما توهموه. # ولكن جواب إذا في قوله: قلت: لا أجد، وقوله تعالى: (تولوا وأعينهم) إخبار ~~عنهم وثناء عليهم، لأنها نزلت في قوم مخصوصين، وهم سبعة ذكرهم ابن إسحاق ~~وغيره، والكلام غير محتاج إلى العطف بالواو، لأنه مرتبط بما قبله كالتفسير ~~له. # وبلغني عن بعض أشياخنا الجلة أنه جعل من هذا الباب قول عمر بن # الخطاب - رضي الله عنه -: # " لا يغرنك هذه التي أعجبك حسنها حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لها ". # وقال: المعنى: حسنها وحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها. # وبلغ الاستحسان بالسامعين لهذا القول إلى أن علقوه في الحواشي من كتاب ~~الصحيح للبخاري، رحمه الله تعالى وليس الأمر كذلك، ولكن الحب بدل من قوله ~~(هذه) بدل اشتمال في موضع رفع.* * * ### | مسألة # (في أن " الواو " لا تدل على الترتيب ولا التعقيب) # تقول: صمت رمضان وشعبان، وإن شئت: شعبان ورمضان. # بخلاف الفاء وثم إلا أنهم يقدمون في كلامهم ما هم به أهم، وهو ببيانه ~~أعنى، وإن كانا جميعا # PageV01P208 # يهمانهم ويعنيانهم. # هذا لفظ سيبويه، وهو كلام مجمل يحتاج إلى بسط وتبيين. # فيقال: متى يكون أحد الشيئين أحق بالتقديم ويكون المتكلم ببيانه أعنى؟ # والجواب: أن هذا أصل يجب الاعتناء به، لعظم منفعته في كتاب الله تعالى. # وحديث رسوله - صلى الله عليه وسلم - إذ لا بد من الوقوف على الحكمة في ~~تقديم ما قدم في القرآن وتأخير ما أخر، كنحو: (السمع والبصر) . # و (الظلمات والنور) ، و (الليل والنهار) و (الجن والإنس) في أكثر الآي. # وفي بعضها: (الإنس والجن) # وتقديم السماء على الأرض في الذكر، وتقديم الأرض عليها في بعض الآي ونحو ~~قوله تعالى: (سميع عليم) ، ولم يجئ: (عليم سميع) ms132 ، وكذلك: (عزيز # حكيم) ، و (غفور رحيم) ، وفي آية أخرى: (الرحيم الغفور) إلى غير ذلك # مما لا يكاد ينحصر، وليس شيء من ذلك يخلو عن فائدة وحكمة، لأنه كلام ~~الحكيم الخبير. # وسنقدم بين يدي الخوض في هذا الغرض أصلا يقف بك على الأصح. # ويرشدك بعون الله إلى الطريق الأوضح، فنقول: # ما تقدم من الكلام فتقديمه في اللسان على حسب تقدم المعاني في الجنان. # والمعاني تتقدم بأحد خمسة أشياء: إما بالزمان، وإما بالطبع، وإما ~~بالرتبة، وإما بالسبب وإما بالفضل والكمال. # فإذا سبق معنى من المعاني إلى الخلد والفكر بأحد هي الأسباب الخمسة، أو # بأكثرها سبق اللفظ الدال على ذلك المعنى السابق، وكان ترتيب الألفاظ بحسب ~~ذلك. # نعم، وربما كان ترتيب الألفاظ بحسب الخفة والثقل لا بحسب المعنى. # كقوله: (ربيعة ومضر) وكان تقديم مضر أولى من جهة الفضل، ولكنهم آثروا ~~الخفة، لأنك لو قدمت (مضر) في اللفظ كثرت الحركات وتوالت، فلما أخرت وقف ~~عليها بالسكون. # قلت: ومن هذا النحو " الجن والإنس "، فإن الإنس أخف لفظا لمكان النون، # PageV01P209 # الخفيفة والسين المهموسة، فكان (تقديم) الأثقل أولى بأول الكلام من الأخف # لنشاط المتكلم وجماحه. # وأما في القرآن فلحكمة أخرى سوى هذه قدم الجن على الإنس في الأكثر # والأغلب. # وسنشير إليها في آخر الفصل، إن شاء الله تعالى. # وأما ما تقدم بتقدم الزمان فك (عاد وثمود) ، و (الظلمات والنور) . # فإن الظلمة سابقة للنور في المحسوس والمعقول، وتقدمها في المحسوس معلوم ~~بالخبر المنقول، وتقدم الظلمة المعقولة معلوم بضرورة العقل. # قال سبحانه وتعالى: (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل ~~لكم السمع والأبصار والأفئدة) . # وانتفاء العلم ظلمة معقولة، وهي متقدمة بالزمان على نور الإدراكات، ولذلك ~~قال سبحانه ونعالى: (في ظلمات ثلاث) ، فهي ثلاث محسوسات: ظلمة الرحم، وظلمة ~~البطن، وظلمة المشيمة، وثلاث معقولات # وهي: عدم الإدراكات الثلاثة المذكورة في الآية المتقدمة، إذ لكل آية ظهر ~~وبطن، ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع، قال علي رضي الله عنه: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: # " إن الله خلق عباده ms133 في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره ". # ومن المتقدم بالطبع نحو: (مثنى وثلاث ورباع) ، ونحوه: (ما يكون من نجوى ~~ثلاثة إلا هو رابعهم) الآية. # وما يتقدم من الأعداد بعضها على بعض إنما يتقدم بالطبع كتقدم الحيوان على ~~الإنسان، والجسم على الحيوان. # ومن هذا الباب تقدم العزيز على الحكيم، لأنه عز فلما عز حكم. # وربما كان هذا من تقدم السبب على المسبب، ومثله كثير في القرآن # والكلام، نحو قوله: (يحب التوابين ويحب المتطهرين) ، لأن التوبة سبب # PageV01P210 # الطهارة، وكذلك: (كل أفاك أثيم) ، لأن الإفك سبب الإثم. # وكذلك: (كل معتد أثيم) . # وأما تقدم (هماز) على (مشاء بنميم) فبالرتبة، لأن المشي مترتب على # القعود في المكان، والهماز هو: المغتاب، وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال ~~من موضعه، بخلاف النميمة. # وأما تقدم (مناع للخير) على (معتد) فبالرتبة أيضا، لأن المناع يمنع خير # نفسه، والمعتدي يعتدي على غيره، ونفسه في الرتبة قبل غبره. # ومن المقدم بالرتبة قوله تعالى: (يأتوك رجالا وعلى كل ضامر) ، لأن # الذي يأتي رجالا يأتي من المكان القريب، والذي يأتي على الضامر يأتي من ~~المكان البعيد، على أنه قد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: " ~~وددت أني حججت راجلا) ، لأن الله قدم الرجالة على الركبان في القرآن. # فجعله ابن عباس رضي الله عنهما من تقديم الفاضل على المفضول، والمعنيان ~~موجودان، وربما قدم الشيء لثلاثة معاني وأربعة وخمسة، وربما قدم لمعنى واحد ~~من الخمسة. # ومما قدم للفضل والشرف قوله تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ~~وامسحوا برءوسكم وأرجلكم) # وقوله تعالى: (من النبيين والصديقين) . # ومنه تقديم " السمع " على " البصر "، (وتقديم (سميع) على (بصير) . # ومنه تقديم (الجن) على (الإنس) في أكثر المواضع، لأن الجن يشتمل # على الملائكة (وغيرهم) مما اجتن على الأبصار، قال الله سبحانه وتعالى: # (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا) . # وقال الأعشى: # وسخر من جن الملائك تسعة ... قياما لديه يعملون بلا أجر # PageV01P211 # وأما قوله تعالى: (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) . # وقوله تعالى: (لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) . # وقوله: (وأنا ms134 ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا) . # فإن لفظ الجن هاهنا لا يتناول الملائكة بحال، لنزاهتهم عن # العيوب، وأنهم لا يتوهم عليهم الكذب ولا سائر الذنوب. # فلما لم يتناولهم عموم لفظ الجن، لهذه القرينة، بدأ بلفظ الإنس لفضلهم ~~وكمالهم. # وأما تقديم " السماء " على " الأرض " فبالرتبة أيضا وبالفضل والشرف. # وأما تقديم (الأرض) من قوله تعالى: (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في ~~الأرض ولا في السماء) # فبالرتبة، لأنها منتظمة بذكر ما هي أقرب إليه، وهم # المخاطبون بقوله تعالى: (ولا تعملون من عمل) . # فاقتضى حسن النظم تقديمها مرتبة في الذكر مع المخاطبين الذين هم أهلها، ~~بخلاف الآية التي في " سبأ "، فإنها منتظمة بقوله تعالى: (عالم الغيب) . # وأما تقديم المال على الولد في كثير من الآي، فلأن الولد بعد وجود المال # نعمة ومسرة، وعند الفقر وسوء الحال هم ومضرة، فهذا من تقديم السبب على ~~المسبب، لأن المال سبب تمام النعمة بالولد. # وأما قوله تعالى: (حب الشهوات من النساء والبنين) . # فتقديم النساء على البنين بالسبب، وتقديم البنين على الأموال بالرتبة. # ومما قدم بالرتبة ذكر بالسمع والعلم من قوله تعالى: (سميع عليم) ، حيث # وقع، فإنه خبر يتضمن التخويف والتهديد، فبدأ بالسمع لتعلقه بما قرب ~~كالأصوات وهمس الحركات، فإن من يسمع حسك وخفي صوتك أقرب إليك - في العادة - ~~ممن يقال لك: إنه يعلم، وإن كان علم الباري - سبحانه - متعلقا بما ظهر ~~وبطن، وواقعا على ما قرب وشطن، ولكن ذى السميع أوقع في باب التخويف من ذلك ~~العليم. # فهو أولى بالتقديم. # وأما تقديم (الغفور) على (الرحيم) فهو أولى بالطبع، لأن المغفرة سلامة # PageV01P212 # والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة، ألا ترى لقوله عليه السلام ~~لعمرو بن العاص - رضي الله عنه -: # " أبعثك وجها يسلمك الله تعالى ويغنمك، وأرغب لك # رغبة من المال ". # فهذا من الترتيب البديع، بدأ بالسلامة قبل الغنيمة، وبالغنيمة # قبل الكسب، والعطية الأولى من التقدم بالطبع، والثانية من التقدم بالسبب. # وأما قوله: (وهو الرحيم الغفور) في (سبأ) ، فالرحمة هناك متقدمة على # المغفرة، إما بالفضل ms135 والكمال، وإما بالطبع، لأنها منتظمة بذكر أوصاف ~~الخلق من المكلفين وغيرهم من الحيوان، فالرحمة تشمهلم والمغفرة تخصهم، ~~والعموم بالطبع قبل الخصوص كقوله تعالى: (فاكهة ونخل ورمان) . # وكقوله تعالى: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) . # افتتح بالعموم، الذي هو متقدم بالطبع على الخصوص. # ومما قدم للفضل قوله: (اسجدي واركعي مع الراكعين) ، لأن السجود # أفضل، قال عليه السلام: # " أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا كان ساجدا ". # فإن قيل: فالركوع قبل السجود بالزمان والطبع والعادة لأنه انتقال من علو ~~إلى انخفاض والعلو بالطبع قبل الانخفاض فهلا قدم في الذكر على السجود ~~لهاتين العلتين؟ # فالجواب أن يقال لهذا السائل: انتبه لمعنى هذه الآية من قوله: # (اركعي مع الراكعين) ، ولم يقل: اسجدي مع الساجدين، فإنما عبر بالسجود عن ~~الصلاة كلها، وأراد صلاتها في بيتها، لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل لها من ~~صلاتها مع قومها. # ثم قال لها: (اركعي مع الراكعين) ، أي: صلي مع المصلين في بيت # المقدس، ولم يرد أيضا الركوع وحده دون سائر أجزاء الصلاة، ولكنه عبر ~~بالركوع # PageV01P213 # عن الصلاة كلها، كما تقول: ركعت ركعتين وركعت أربع ركعات، إنما تريد ~~الصلاة لا الركوع بمجرده، فصارت الآية متضمنة لصلاتين: صلاتها وحدها، عبر ~~عنها بالسجود، لأن السجود أفضل حالات العبد، وكذلك صلاة المرأة في بيتها ~~أفضل لها، ثم صلاتها في المسجد عبر عنها بالركوع، لأنه في الفضل دون ~~السجود، وكذلك صلاتها مع المصلين دون صلاتها وحدها في بيتها ومحرابها، وهذا ~~نظم بديع وفقه دقيق، وبالله التوفيق. # وهذه نبذ تشير لك إلى ما وراء، أو تنبذن وأنت صحيح # بالعراء، إن شاء الله تعالى. # ومما يليق ذكره بهذا الباب ما تضمنه قوله تعالى: (وطهر بيتي للطائفين ~~والقائمين والركع السجود) من الحكم الباهرة، والفوائد الباطنة والظاهرة، ~~فإنه تعالى بدا بالطائفين للرتبة والقرب من البيت المأمور بتطهيره من أجل ~~الطوافين، وجمعهم جمع السلامة، لأن جمع السلامة أدل على لفظ الفعل الذي هو ~~علة يتعلق بها حكم التطهير، ولو قال مكان الطائفين: الطواف، لم يكن في هذا ms136 ~~اللفظ من بيان قصد الفعل ما في قوله: (الطائفين) . # ألا ترى أنك تقول: يطوفون، كما تقول: # طائفون، فاللفظ مضارع للفظ. # فإن قيل: فهلا أتي بلفظ الفعل بعينه فيكون أبين، فيقول: طهر بيتي للذين # يطوفون؟. # فالجواب: أن الحكم معلل بالفعل لا بذوات الأشخاص. # ولفظ (الذين) ينبئ عن الشخص والذات، ولفظ " الطواف " يخفي معنى الفعل ولا ~~يبينه، فكان لفظ (الطائفين) أولى بهذا الموطن. # ثم يليه في الترتيب (القائمين) ، لأنه في معنى العاكفين، وهو في معنى ~~قوله # تعالى: (إلا ما دمت عليه قائما) ، أي: مثابرا ملازما، وهو كالطائفين في ~~تعلق حكم التطهير به، ثم يليه بالرتبة لفظ الركع، لأن المستقبلين البيت ~~بالركوع لا يختصون بما قرب منه كالطائفين والعاكفين، ولذلك لم يتعلق حكم ~~النطهير بهذا الفعل الذي هو الركوع، وأنه لا يلزم أن يكون في البيت ولا ~~عنده، فلذلك لم يجئ # PageV01P214 # بلفظ الجمع المسلم، إذ لا يحتاج فيه إلى بيان لفظ الفعل كما احتيج فيما ~~قبله. # ثم وصف الركع بالسجود، ولم يعطف بالواو كما عطف ما قبله، لأن الركع هم ~~السجود، والشيء لا يعطف بالواو على نفسه، ولفائدة أخرى، وهو أن " السجود " ~~في الأغلب عبارة عن المصدر، والمراد به هاهنا الجمع، فلو عطفت بالواو لتوهم ~~أنه يريد السجود الذي هو المصدر دون الاسم الذي هو النعت. # وفائدة ثالثة، وهو أن الراكع إن لم يسجد فليس براكع في حكم الشريعة، فلو ~~عطفت بالواو لتوهم أن الركوع حكم يجري على حياله. # فإن قيل: فلم قال: (السجود) على وزن فعول، ولم يقل السجد كما قال # الركع، وكما قال في آية أخرى: (ركعا سجدا) ؟ # وما الحكمة في جمع ساجد على سجود، ولم يجمع راكع على ركوع؟ # فالجواب: أن السجود - في أصل موضوعه - عبارة عن الفعل، وهو في # معنى الخشوع والخضوع، وهو يتناول السجود الظاهر والباطن، ولو قال: " ~~السجد " جمع ساجد لم يتناول إلى المعنى الظاهر. # وكذلك الركع، ألا تراه يقول: (تراهم ركعا سجدا) : يعني رؤية العين، وهي ~~لا تتعلق إلا بالظاهر، والمقصود هاهنا الركوع # الظاهر لعطفه على ms137 ما قبله مما يراد به قصد البيت، والبيت لا يتوجه إليه ~~إلا بالعمل الظاهر، وأما الخشوع والخضوع الدي يتناوله لفظ الركوع، دون لفظ ~~الركع فليس مشروطا بالتوجه إلى البيت. # وأما السجود فمن حيث أنبأ عن المعنى الباطن، جعل وصفا للركع ومتمما # لمعناه، إذ لا يصح الركوع الظاهر إلا بالسجود الباطن، ومن حيث تناول لفظه ~~أيضا السجود الظاهر الذي يشترط فيه التوجه إلى البيت، حسن انتظامه أيضا بما ~~قبله، مما هو معطوف على الطائفين الدين ذكرهم بذكر البيت، فمن لحظ هذه ~~المعاني بقلبه، وتدبر هذا النظم البديع بلبه، ترفع في معرفة الإعجاز عن ~~التقليد، وأبصر بعين اليقين أنه تنزيل من حكيم حميد. # PageV01P215 ### | مسألة # من باب التوكيد # قوله: " الأسماء التي يؤكد بها المذكر: كله، ونفسه، وعينه " # إلى آخر الفصل. # الكلام في كل في ثلاثة فصول: في كونه توكيدا، وفي كونه مبتدأ مضافا، وفي ~~كونه مفردا عن الإضافة مخبرا عنه، والأصل من هذه الثلاثة أن يكون توكيدا ~~لجملة أو ما هو في حكم الجملة مما يتيقن، لأن موضوعه الإحاطة من حيث كان ~~لفظه مأخوذا من لفظ الإكليل والكلة، والكلالة، مما هو في معنى الإحاطة ~~بالشيء. # وهو اسم واحد في لفظه جمع في معناه، أو لم يكن معناه معنى الجمع لما جاز ~~أن # يؤكد به الجمع، لأن التوكيد تكرار للمؤكد فلا يكون إلا مثله، إن كان جمعا ~~فجمع، وإن كان واحدا فواحد. # وأما كونه مضافا غير توكيد فحقه أن يكون مضافا إلى اسم منكور شائع في # الجنس من حيث اقتضى الإحاطة، فإن أضفته إلى جملة معرفة كقولك: كل إخوتك ~~ذاهب، قبح إلا في الابتداء، لأنه إذا كان مبتدأ في هذا الموطن كان خبره ~~بلفظ الإفراد، تنبيها على أن أصله أن يضاف إلى نكرة، لأن النكرة شائعة في ~~الجنس. # وهو إنما يطلب جنسا يحيط به (فكأنما تقول) : كل واحد من إخوتك ذاهبا. # فيدل إفراد الخبر على المعنى الذي هو الأصل، وهو إضافة إلى اسم مفرد ~~نكرة. # فإن لم تجعله مبتدأ وأضفته إلى جملة معرفة، كقولك: ms138 رأيت كل إخوتك. # وضربت كل القوم لم يكن في الحسن بمنزلة ما قبله، لأنك لم تضفه إلى جنس، ~~ولا معك في الكلام خبر مفرد يدل على معنى إضافته إلى جنس كما كان في قولهم: ~~كلهم ذاهب، وكل القوم عاقل، فإن أضفته إلى جنس معرف بالألف واللام # PageV01P216 # كقوله عز وجل: (فأخرجنا به من كل الثمرات) # حسن ذلك، لأن الألف واللام للجنس لا للعهد ولو كانت للعهد لقبح، كقولك: ~~خذ من كل الثمرات التي عندك # والتي من شأنها كذا، لأنها إذا كانت جملة معرفة معهودة، وأردت معنى ~~الإحاطة فيها، فالأحسن أن تأتي بالكلام على أصله، فتؤكد المعرفة ب كل، ~~فتقول: خذ من الثمرات كلها، لأنك لم تضطر إلى إخراجها عن التوكيد، كما ~~اضطررت في النكرة حين قلت: " لقيت كل رجل "، لأن النكرة لا تؤكد، وهي أيضا ~~شائعة في الجنس كما تقدم. # فإن قيل: فإذا استوى الأمران في قوله: كل من كل الثمرات، وكل من الثمرات ~~كلها، فما الحكمة في اختصاص أحد الجائزين بأن يكون من نظم القرآن دون ~~الآخر؟ # قلنا: لو كان هذا السؤال من كلام غير هذا الكلام العزيز لم يحفل به، لأن # الفصيح يتكلم بما شاء من الوجوه الجائزات ولا اعتراض عليه، ولكن الكلام ~~الإلهي والنظم المعجز الخارق للعادات يقتضي حكمة ومزيد فائدة في اختصاص أحد ~~الوجهين دون الآخر. # أما قوله تعالى: (فأخرجنا به من كل الثمرات) # فمن هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض والمجرور في موضع المفعول لا في موضع ~~الظرف، إنما يريد الثمرات بأنفسها، لا أنه أخرج منها شيئا، وأدخل من لبيان ~~الجنس كله. # ولو قال: أخرجنا به (من) الثمرات كلها، لقيل؟ أي شيء أخرج منها؟ # وذهب الوهم إلى أن المجرور في موضع ظرف، وأن مفعول أخرجنا فيما بعد، ولم ~~يتوهم ذلك مع تقديم كل، لعلم المخاطبين أن كلا إذا تقدمت تقتضي الإحاطة ~~بالجنس، وإذا تأخرت - وكانت - توكيدا - اقتضت الإحاطة بالمؤكد خاصة، جنسا ~~شائعا كان أو معهودا معروفا. # وأما قوله عز وجل: (كلي من كل الثمرات) . # ولم يقل: من ms139 الثمرات كلها، ففيها الحكمة التي في الآية قبلها. # ومزيد فائدة وهو أنه قد تقدمت في النظم # قوله: (ومن ثمرات النخيل والأعناب) ، لأن الألف واللام إنما تردك إلى ~~المعهود # PageV01P217 # عندك، أو المتقدم في الخطاب، فكان الابتداء ب كل أحصن للمعنى، وأجمع # للجنس، وأرفع للبس، وأبدع في النظم المعجز لذوي الألباب. # والله الموفق للصواب. # وأما الفصل الثالث، وهو أن تكون مقطوعة عن الإضافة مفردة مخبرا عنها. # فحقها أن تكون ابتداء، ويكون خبرها جمعا، ولا بد من مذكورين قبلها، لأنها ~~إن لم يذكر قبلها جملة، ولا أضيفت إلى جملة، بطل معنى الإحاطة فيها، ولم ~~يعقل لها معنى. # وإنما وجب أن يكون خبرها جمعا لأنها اسم في معنى الجمع، فتقول: كل # ذاهبوان إذا تقدم ذكر قوم، لأنك معتمد في المعنى عليهم، وإن كنت مخبرا عن ~~كل فصارت بمنزلة قولك: الرهط ذاهبوان والنفر منطلقون. # لأن الرهط والنفر اسمان مفردان، ولكنهما في معنى الجمع. # والشاهد لما قلناه قوله سبحانه وتعالى: # (وكل في فلك يسبحون) ، و (كل إلينا راجعون) ، (وكل كانوا ظالمين) . # فإن كانت مضافة إلى ما بعدها في اللفظ، لم تجد خبرها إلا مفردا، للحكمة # التى قدمناها قبل، وهي أن الأصل إضافتها إلى النكرة المفردة، فتقول: # " كل إخوتك ذاهب " أي: كل واحد منهم ذاهب، ولم يلزم ذلك حين قطعتها عن ~~الإضافة فقلت: # كلهم ذاهبون لأن اعتمادها إذا أفردت على المذكورين قبلها، وعلى ما في ~~معناها من معنى الجمع، واعتمادها إذا أضفتها على الاسم المفرد، إما لفظا ~~وإما تقديرا، كقوله عليه الصلاة والسلام # " كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته ". # ولم يقل: " راعون " # ولا " مسؤولون "، وكقوله: # " أحسنوا الملأ، كلكم سيروي " # وكقول عمر - رضي الله عنه -: # " أو كل الناس يجد ثيابا ". # ولم يقل: " يجدون " # ومثله قوله سبحانه وتعالى: # PageV01P218 # (كل من عليها فان) ولم يقل: فانون، كما قال عز وجل: (كل له قانتون) # وقوله تعالى: (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا) . # إلى غير ذلك من الشواهد التي يغني عن غايتها الشاهد. # فإن قيل: فقد ورد في ms140 القرآن موضعان أفرد فيها الخبر عن " كل "، وهي غيم # مضافة إلى شيء بعدها، وهما قوله تعالى: (قل كل يعمل على شاكلته) # و (كل كذب الرسل) ، ولم يقل: كذبوا؟. # فالجواب: أنه في هاتين الآيتين قرينة تقتضي تخصيص المعنى بهذا اللفظ # دون غيره أما قوله تعالى: (قل كل يعمل على شاكلته) فلأن قبلها ذكر فريقين ~~مختلفين، وذكر مؤمنين وظالمين، فلو قال: " كل يعملون " # وجمعهم في الإخبار عنهم لبطل معنى الاختلاف، فكان لفظ الإفراد أدل على ~~المراد، كان يقول: " كل فريق يعمل على شاكلته ". # وأما قوله تعالى: (كل كذب الرسل) ، فلأنه ذكر قرونا وأمما، وختم ذكرهم # بذكر قوم تبع، فلو قال: كل كذبوا، و (كل) إذا أفردت إنما تعتمد على أقرب ~~المذكورين إليها، فكان يذهب الوهم إلى أن الإخبار عن قوم تبع خاصة، أنهم ~~كذبوا الرسل، فلما قال: (كل كذب) علم أنه يريد كل قرن منهم كذب، لأن إفراد ~~الخبر عن (كل) حيث وقع إنما يدل على هذا المعنى كما تقدم، ومثله قوله ~~تعالى: (كل آمن بالله) . # وأما قولنا في: (كل) إذا كانت مقطوعة عن الإضافة فحقها أن تكون مبتدأة # فإنما تريد أنها مبتدأة مخبر عنها، أو مبتدأة منصوبة بفعل بعدها لا ~~قبلها، أو مجرورة يتعلق خافضها بما بعدها، كقولك: كلا ضربت، وبكل مررت، قال ~~الشاعر: # كلا بلوت فلا النعماء تبطرني # PageV01P219 # وقال الخثعمي: # بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد # ويقبح تقديم الفعل العامل فيها إذا كانت منفردة، كقولك: ضربت كلا. # ومررت بكل من أجل أن يقطعها عن المذكورين قبلها في اللفظ، لأن العامل ~~اللفظي له صدر الكلام، وإذا قطعتها عما قبلها في اللفظ لم يكن لها شيء ~~تعتمد عليه قبلها ولا بعدها، قبح ذلك. # وأما إذا كان العامل معنويا نحو: كل ذاهبون، فليس بقاطع لها عما قبلها من # المذكورين، لأنه لا وجود له في اللفظ، فإذا قلت: ضربت (زيدا) وعمرا # وخالدا، وشتمت كلا، أو ضربت كلا، وما أشبه ذلك، لم يجز ولم يعد بخبر لما ~~قدمناه، ms141 والله أعلم. # وأما " كلا " فاختلاف النحويين فيها مشهور، واحتجاج البصريين والكوفيين # مذكور، لكننا نشير إلى ضروب من الترجيح لكل فريق، ترشد الناظر فيها إلى ~~واضح الطريق، فنقول: # أما من ذهب إلى أنها اسم مفرد وألفها لام الفعل وليست ألف التثنية، فمعظم # حجته أنها في الأحوال الثلاثة مع الظاهر على صورة واحدة، أعني حال الرفع # والنصب والخفض، وإنما تنقلب ياء في حال الخفض والنصب مع المضمر خاصة كما ~~ينقلب ما ليس بألف التثنية، نحو: لديهما وعليهما. # وهذا معنى قول الخليل وسيبويه، ولم يبعد عن الصواب من عول # عليه.! # ومما احتج لهذا المذهب قول العرب: كلاهما ذاهب، ولم يقل: ذاهبان. # PageV01P220 # وكلا يومي أمامة يوم صد. # وقوله سبحانه وقعالى: (كلتا الجنتين آتت أكلها) ، فأفرد الخبر عن (كلا) . # ولا حجة فيه، ولذلك عدل سيبويه في الاستدلال عنه، بما تقدم من أنك تضيف ~~كلى كلا فتفرد الخبر عنه، فتقول: " كلكم راع " حملا على المعنى، إذ المعنى: ~~كل واحد منكم راع. # وكذلك (كلا) إنما معناه: كل واحد مئهما ذاهب. # فإن قيل: إنما أفرد الخبر عن " كل " لأنه اسم مفرد، وكذلك (كلا) لا للعلة # الني ذكرت؟ # قلنا: فلم وكد الجمع بها، والجمع لا يوكد بالواحد، كما لا ينت بالواحد. # وهو في التوكيد أبعد، لأنه تكرار للمؤكد؟ # ولم يقل عز وجل: (كل له قانتون) # و (كل إلينا راجعون) # وقد ثبت بما تقدم من الشواهد السمعية والأدلة القياسية أنه # اسم للجمع بمنزلة قوم، وأنت لا تقول: قوم ذاهب، ولا قومك خارج فثبت أنه ~~ليس باسم مفرد، وإنما هو اسم للجمع. # وإنما التعديل لمن ذهب مذهب سيبويه على الحجة الأولى، على أنها معارضة # بضروب من الاحتجاج، منها: أنها توكيد للاثنين ولا يؤكد الاثنان بواحد، ~~كما لا ينعت الاثنان بواحد، وليس لقائل أن يقول فيها كما في " كل " إنها ~~اسم للجمع، لأن الجمع تختلف صوره فيكون مسلما ومكسرا وأسماء الجمع لا واحد ~~لها كرهط وقوم. # ولا يكون للتثنية إلا صورة واحدة وحد واحد، وإذا بطل أن يكون واحدا في ~~معنى التثنية، ms142 وبطل توكيد الاثنين بواحد ولم يبق إلا أن يكون (كلاهما) لفظا ~~مثنى تقلب ألفه ياء في النصب والخفض مع المضمر خاصة، لأنك إذا أضفته إلى ~~مظهر استغنيت عن قلب ألفه ياء فى الخفض والنصب، بانقلاب ألف المظهرين ~~اللذين تضيف إليهما إذا قلت رأيت كلا أخويك. # ولو قلت: رأيت كلا أخويك، كنت قد جمعمتا بين علامتي # إعراب في اسم واحد، لأنهما لا ينفصلان أبدا ولا تنفك " كلا " هذه عن ~~الإضافة # PageV01P221 # بحال، ألا ترى كيف رفضوا: ضربت رأسي الزيدين، وعدلوا إلى أن قالوا: # رؤوسهما، لما رأوا المضاف والمضاف إليه كاسم واحد. # هذا مع أن الرؤوس اسم ينفصل عن الإضافة في أكثر الكلام، وكذلك القلوب من ~~قوله تعالى: (صغت قلوبكما) ، فإذا كانوا قد رفضوا علامة التثنية هناك مع أن ~~الإضافة عارضة فما ظنك بهذا الموضع الذي لا تفارقه الإضافة ولا ننفك عنه؟ # فهذا الذي حملهم على أن لا يقولوا: ضربت كل أخويك، ومررت بكلى أخويك ~~وألزموها الألف في جميع الأحوال مع الظاهر، ولم يبعد ذلك كما لم يبعد في ~~لغة طيء وخثعم وبني الحارث بن كعب أن يقولوا: رأيت الزيدان، ومررت ~~بالزيدان، فلم يستنكروا هذا في كلامهم والتزموه بوجود التثنية في الاسم ~~اللازم له، وهو المضاف إليه، فإذا # أضافوه إلى المضمرين قلبوا ألفه في النصب والخفض ياء، لأن المضاف إليه لا ~~يثنى بالياء في نصبه ولا في خفضه، ولكنه أبدا بالألف، كقولك: ضربت كلاهما، ~~ومررت بكليهما، فقد زالت العلة التي رفضوها في كلا أخويك حين لم يجتمع ~~علامتا نصب ولا علامتا خفض في المضمر. # ومن الحجة لهذا القول الآخر أيضا أن (كلا) يفهم من لفظه ما يفهم من لفظ # (كل) ، وهو موافق له في فاء الفعل وعينه، وأما اللام فمحذوفة كما حذفت في ~~كثير من الأسماء فمن ادعى أن لام الفعل " واو "، وأنه من غير لفظ # " كل "، فليس له دليل يعضده ولا اشتقاق يشهد له ويؤيده. # فإن قيل لهم: ولم كسرت الكاف من " كلا " وهي في " كل " مضمومة؟ # فلهم أن يقولوا: كسرت إشعارا ms143 وتنبيها على معنى الاثنين، كما يبدأ لفظ # الاثنين بالكسر، ألا تراهم كسروا العين من عشرين إشعارا بتثنية العشر. # ومن حجتهم أن كلتا بمنزلة " بنتا " و " ثنتا "، والألف في " ثنتا " لا ~~خلاف أنها # ألف تثنية، فكذلك كلتاهما. # ومن ادعى أن الأصل فيهما " كلواهما "، فقد ادعى ما تستبعده العقول، ولا # يقوم عليه الدليل ولا البرهان. # PageV01P222 # ومن حجتهم أيضا أن تقول في التوكيد: مررت بإخوتك ثلاثتهم وأربعتهم. # فتؤكد بالعدد فاقتضى القياس أن تقول في الثثنية كذلك: مررت بأخويك ~~اثنيهما، فاستغنوا عنه بكليهما لأنه في معناه، وإذا كان في معناه فهو تثنية ~~مثله - # فإن قيل: فإنك تقول: كلا أخويك جاء، ولا تقول: اثنا أخويك جاء، فكيف يكون ~~في معناه؟ # قلنا: العدد الذي تؤكد به إنما يكون توكيدا مؤخرا تابعا لما قبله، فأما ~~إذا قدم لم يجز ذلك، لأنه في معنى الوصف، والوصف لا يقدم على الموصوف، فلا ~~تقول: ثلاثة إخوتك جاءوني. # وهذا بخلاف كل وكلا، لأن فيهما معنى الإحاطة، فصار كالحرف الداخل # لمعنى فيما بعده، فحسن تقديمهما في حال الإخبار عنهما، وتأخيرهما في حال # التوكيد (بهما) والله المستعان. # * * * ### | مسألة # (في التوكيد بأجمع وأجمعين) # أما أجمع فاسم يؤكد به الاسم الذي لا يتبعض، ولا يؤكد به من يعقل، لأن # حقيقته لا تتبعض. # فإن قيل: فقد تقول: رأيت زيدا أجمع، إذا رأيته بارزا من طاق أو نحوه. # فليس هذا توكيدا لزيد في الحقيقة، لأنك لا تريد نفسه وحقيقته، وإنما تريد ~~بدنه أو ما تدرك العين منه. # وأجمع هذا اسم معرفة، تعرف بمعنى الإضافة، لأن معنى # " قبضت المال أجمع " بمعنى " قبضته كله "، فلما كان مضافا في المعنى تعرف ~~ووكد به المعرفة. # وإنما استغنى عن التصريح بلفظ المضاف إليه معه، ولم يستغن عن لفظ # المضاف إليه مع كل إذا قلت: قبضت المال كله، لأن " كلا " تكون توكيدا ~~وغير توكيد، # PageV01P223 # وتتقدم في أول الكلام إذا قلت: كلكم ذاهب، فصار بمنزلة نفسه وعينه، لأن ~~كل واحد منهما يكون توكيدا وغير توكيد، وإذا أكدت به لم يكن بد من إضافته ~~إلى ms144 ضمير المؤكد حتى يعلم أنه توكيد، وليس كذلك " أجمع " لأنه لا يجيء إلا ~~تابعا لما قبله، فاكتفى بالاسم الظاهر المؤكد، واستغنى به عن التصريح ~~بضميره كما فعل ب " سحر " حين أردته ليوم بعينه، فإنه عرف بمعنى الإضافة ~~واستغنى عن التصريح # بالمضاف إليه اتكالا على ذكر اليوم قبله. # فإن قيل: ولم لم يقدم " أجمع " كما قدم " كل "، فتقول: " قبضت أجمع # مالك؟ " # فالجواب: أن " أجمع " فيه معنى الصفة، لأنه مشتق من جمعت فلم يقع # إلا تابعا، بخلاف (كل) . # ومن أحكامه أنه لا يثنى ولا يجمع على لفظه، لا تقول: قبضت الدرهمين # أجمعين، ولا يقال في جمعه: أجامع، كما تقول في جمع الأفضل: الأفاضل، ولا ~~جمع كلما تقول في أحمر: حمرا. # أما امتناع التثنية فيه فلأنه وضع لتوكيد الاسم المفرد الذي يتبعض، فلو ~~ثنيته # وقلت: هذا الدرهمان أجمعان، لم يكن في قولك " أجمعان " توكيد لمعنى ~~التثنية، كما يكون في قولك " كلاهما "، لأن التوكيد تكرار لمعنى المؤكد، ~~إذا قلت # " درهمان ": علم أنهما اثنان، فإذا قلت " كلاهما " أكدت ذلك المعنى، كأنك ~~قلت: " اثناهما ". # ولا يستقيم ذلك في قوله " أجمعان "، لأنه بمنزلة من يقول: " أجمع # وأجمع " كما أن (الزيدان) بمنزلة زيد وزيد، فلم يفدك أجمعان تكرار بمعنى # التثنبة، وإنما أفادك تثنية واحدة، بخلاف (كلاهما) إلا أنه ليس بمنزلة # قولك: (كلا) و (كل) ، وكذلك " اثناهما " الذي استغنى عنه بكلاهما لا ~~ينفرد فيقال فيه: اثن واثن، (فإنما هي) تثنية لا تنحل ولا تنفرد، فلم يصلح ~~لمعنى التوكيد تثنية غيرها، فلا ينبغي أن يؤكد معنى التثنية والجمع إلا بما ~~لا واحد له من لفظه، لئلا يكون بمنزلة الأسماء المفردة المعطوفة بعضها على ~~بعض بالواو # PageV01P224 # وهذه علة امتناع الجمع فيه، لأنك لو جمعنه كان جمعا لواحد من لفظه، ولا # يؤكده معنى الجمع إلا بجمع لا ينحل إلى الواحد. # وسنبين بعد هذا أن " أجمعين " و " أكتعين " لا واحد له من " لفظه، وإن ~~شئت # قلت: إن أجمع فيه معنى " كل "، و " كل " لا يثنى ولا يجمع، إنما يثنى ~~الضمير الذي يضاف إليه ms145 كل. # وأما قولهم في تأنيثه: جمعاء ولم يقولوا: جمعى،، كما يقولون في تأنيث # " الأكبر " الكبرى، " والأصغر ": الصغرى، إذا كان فيه الألف واللام، أو ~~كان مضافا فلأنه أقرب إلى باب " أحمر " و " حمراء " منه إلى باب " الأفعل " # و" الفعلى "، لأنه لا يدخله الألف واللام. # ولا يضاف إضافة مصرحا بها في اللفظ، فكان أقرب إلى باب " أفعل، الذي # مؤنثه " فعلاء "، وإن كان قد يخالف أيضا من وجوه، ولكنه أشبه به. # فإن قيل: كيف قلتم إنه لا يجمع، وأنتم تقولون: جاء الزيدون أجمعون، وهل " ~~أجمعون " إلا كقولك " الأكرمون " جمع أكرم؟ # وقلتم: إنه أقرب إلى باب " أحمر وحمراء " والعرب لا تقول: الأحمرون ~~والأصفرون، وإنما تقول: الحمر والصفر؟ # والجواب: ما تقدم من أن (أجمعين) ليس جمعا لأجمع، ولا له واحد من # لفظه، وإنما هو بمنزلة قولك: الياسمين، وبمنزلة قولك: أبينون تصغير ~~أبناء. # فهذا جمع مسلم وليس له واحد من لفظه. # ولو كان واحد " أجمعين " أجمع، لما قالوا في مؤنثه جمع، لأن " فعل " - ~~بفتح # العين - لا يكون واحده فعلا، وجمعاء التي هي مؤنث أجمع ولو جمعت لقيل: # جمعاوات أو " جمع " - على وزن حمر - وأما فعل فإنما هو جمع لفعلي، بضم ~~الفاء. # وإنما جاء أجمعون بناء على " الأكرمون " و " الأرذلون "، لأنه طرفا من ~~معنى التفضيل كما في الأكرمين والأرذلين، وذلك أن الجموع تختلف مقاديرها ~~فإذا كثر العدد احتيج إلى كثرة التوكيد، حرصا على التحقيق ورفع المجاز، ~~فإذا قلت: جاء القوم كلهم، وكان العدد كثيرا، توهم أنه قد شذ منهم البعض ~~فاحتيج إلى توكيد أبلغ من الأول، وهو أجمعون وأكتعون، فمن حيث كان أبلغ من ~~التوكيد الذي قبله، دخله # PageV01P225 # معنى التفضيل، ومن حيث دخله معنى التفضيل جمع جمع السلامة، كما يجمع # " أفعل " الذي فيه ذلك المعنى، وجمع مؤنثه على " فعل " كما يجمع مؤنث ما ~~فيه التفضيل. # وأما أجمع الذي هو توكيد الاسم الواحد، فليس فيه من معنى التفضيل شيء، ~~فكان كباب " أحمر "، ولذلك استغني أن يقال: " كلاهما أجمعان "، كما يقال: " ~~كلهم أجمعون " لأن التثنية أقل من أن تحتاج ms146 في توكيدها إلى هذا المعنى فثبت ~~أن " أجمعون " لا واحد له من لفظه، لأنه توكيد لجمع من يعقل، وأنت لا تقول ~~فيمن يعقل: " جاءني زيد أجمع "، فكيف يكون: # " جاءني الزيدون أجمعون " جمعا له، وهو غير مستعمل في الإفراد؟. # وحكمة هذا ما تقدم من أنهم لا يؤكدون معنى الجمع والتثنية إلا بجمع لا # واحد له من لفظه، أو تثنية لا واحد لها مستعملا، ليكون توكيدا على ~~الحقيقة، لأن كل جمع ينحل لفظه إلى واحد فهو عارض في معنى الجمع، فكيف يؤكد ~~به معنى الجمع، والتوكيد تحقيق وتثبيت ورفع للبس والإبهام، فوجب أن يكون ~~فيما يثبث لفظا ومعنى. # وأما حذف التنوين من " جمع " فكحذفه من " سحر "، لأنه مضاف في المعنى. # فإن قيل: ونون الجمع أيضا محذوفة في الإضافة. # قلنا: الإضافة المعنوية لا تقوى على حذف النون المتحركة التي هي كالعوض # من الحركة والتنوين، ألا ترى أن نون الجمع تئبت مع الألف واللام مع أنهما ~~مانع لفظي وتثبت في الوقف، والتنوين بخلاف ذلك، فقويت بالإضافة المعنوية ~~على حذفه، ولم تقو على حذف النون إلا الإضافة اللفظية. # فإن قيل: ولم كانت الإضافة اللفظية أقوى من المعنوية، والعامل اللفظي ~~أقوى من المعنوي؟ # قلنا: اللفظ لا يكون إلا متضمنا لمعناه، فاجتمعا معا، بخلاف المعنى ~~المفرد # عن اللفظ، فوجب أن يكون أضعف، وهذا بديع لمن أنصف. # PageV01P226 ### | مسألة # (في التوكيد بنفسه وعينه، وتحقيق معني العين والذات) # أما قولهم: (جاءني زيد عينها، فالعين هنا يراد بها حقيقة الشيء المدركة # بالعيان، أو ما يقوم مقام العيان، وليست اللفظة على أصل موضوعها، لأن ~~أصلها أن تكون مصدرا وصفة لمن قامت به، ثم عبر عن حقيقة الشيء بالعين، كما ~~عبر عن الوحش بالصيد، وإنما الصيد في أصل موضوعه مصدر، من (صاد يصيد) . # ومن هاهنا لم ترد في الشريعة عبارة عن نفس الباري سبحانه، لأن نفسه # - سبحانه - غير مدركة بالعيان في حقنا اليوم، وأما عين القبلة وعين الذهب ~~وعين الميزان، فراجعة إلى هذا المعنى. # وأما العين الجارية فشبيه بعين الإنسان لموافقتها لها في ms147 كثير من صفاتها، ~~وأما # عين الإنسان فمسماة بما هو أصله أن يكون صفة ومصدرا، لأن العين في أصل ~~الوضع مصدر كالزين والدين والبين والأين وما جاء على بنائه، ألا تراهم ~~يقولون: # " رجل عيون وعائن " ويقولون: " عنته ": أصبته بالعين و: " عاينته: رأيته # (بالعين) ، فرقوا بين المعنيين، وجاء: " عاينته " على وزن " فاعلته "، ~~لأنه يتضمن معنى قابلته، لأن الرؤية في العادة لا تكون إلا مع مقابلة، ~~بخلاف رؤية الباري سبحانه، ولذلك تقول في الباري - تعالى -: (رأى) ، ولا ~~تقول: (عاين) لتقدسه عن معنى قابل. # ومما يدلك (أيضا) أنها مصدر في الأصل قوله سبحانه: (عين اليقين) . # كما قال تعالى: (علم اليقين) ، فكما أن العمل المضاف إلى اليقين مصدر # وصفة فكذلك العين. # وإذا ثبت هذا فالعين التي هي الجارحة سميت عينا لأنها آلة ومحل لهذه # الصفة التي هي العين، وهذا من باب قولهم: " امرأة ضعيف وعدل ". # وهو تسمية # PageV01P227 # الفاعل بالمصدر، والعين - التي هي حقيقة الشيء ونفسه - من باب تسمية ~~المفعول بالمصدر، كصيد. # فإذا علمت هذا فاعلم أن العين إذا أضيفت إلى الباري - سبحانه - كقوله # تعالى: (ولتصنع على عيني) فهي حقيقة لا مجاز، كما توهم أكثر الناس، لأنها ~~صفة في معنى الرؤية والإدراك، وإنما المجاز في تسمية العضو بها، وكل شيء ~~يوهم الكفر والتجسيم فلا يضاف إلى الباري حقيقة ولا مجازا، ألا ترى كيف كفر ~~الرومية النصارى حين قالوا في عيسى عليه السلام: " إنه ولد، على المجاز لا ~~على الحقيقة "، فكفروا ولم يعذروا ألا ترى كيف لم يضف - سبحانه إلى نفسه ما ~~هو في معنى عين الإنسان كالمقلة والحدقة حقيقة ولا مجازا، نعم ولا لفظ ~~الإبصار، لأنه لا يعطى معنى البصر والرؤية مجردا، ولكنه يقتضى مع معنى ~~البصر معنى التحديق والملاحظة ونحوهما، وكذلك لا يضاف إليه سبحانه شيء من ~~آلات الإدراك كالأذن ونحوها، لأنها في أصل الوضع عبارة عن الجارحة لا عن ~~الصفة التي هي آلة لها، فلم ينقل لفظها إلى الصفة، أعني السمع مجازا ولا ~~حقيقة، إلا أشياء وردت على جهة المثل، مما يعرف بأدق نظر ms148 أنها أمثال ~~مضروبة، نحو قوله في الحجر الأسود: # " يمين الله في الأرض ". # و" قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن ". # وأشباه ذلك مما عرفت العرب المراد به بأول وهلة. # وأما اليد فهي عندي في أصل الوضع كالمصدر، عبارة عن صفة لموصوف. # ألا ترى قول الشاعر: # يديت على ابن حسحاس بن وهب ... بأسفل ذي الجذاة يد الكريم # PageV01P228 # فيديت: فعل مأخوذ من مصدر لا محالة والمصدر صفة لموصوف، ولذلك # مدح سبحانه بالأيدي مقرونة مع الأبصار في قوله تعالى: # (الأيدي والأبصار) . # ولم يمدحهم بالجوارح لأن المدح لا يتعلق إلا بالصفات لا بالجواهر. # وإذا ثبت هذا فصح قول أبي الحسن الأشعري: أن (اليد) من قوله: # (وخلق آدم بيده) ، ومن قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) ، صفة ورد بها الشرع، ~~ولم يقل إنها في معنى القدرة كما قال المتأخرون من أصحابه، ولا في معنى ~~(النعمة) ، ولا قطع بشيء من التأويلات تحرزا منه لمخالفة السلف، وقطع بأنها ~~صفة تحرزا منه عن مذاهب أهل التشبيه والتجسيم. # فإن قيل: وكيف خوطبوا بما لا يفهمون ولا يستعملون، إذ اليد بمعنى الصفة # لا يفهم معناه؟ # قلنا: ليس الأمر كذلك، بل كان معناها مفهوما عند القوم الذين نزل القرآن ~~بلغتهم، ولذلك لم يستفت أحد من المؤمنين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن معناها، ولا خاف على نفسه توهم التشبيه، ولا احتاج مع فهمه إلى شرح ~~وتنبيه. # PageV01P229 # وكذلك الكفار لو كانت اليد عندهم لا تعقل إلا في الجارحة لتعلقوا بها في # دعوى التناقض واحتجوا بها على الرسول، ولقالوا: زعمت أنه ليس كمثله شيء ~~ثم تخبر أن له يدا كأيدينا، وعينا كأعيننا؟ # ولما لم ينقل ذلك عن مؤمن ولا كافر علم أن الأمر كان فيها عندهم جليا لا ~~خفيا، وأنها صفة سميت الجارحة بها مجازا، ثم # استمر المجاز فيها حتى نسيت الحقيقة. ورب مجاز كثر واستعمل حتى نسي أصله ~~وتركته حقيقته. # والذي يلوح في معنى هذه الصفة أنها قريب من معنى القدرة، إلا أنها أخص # منها معنى، والقدرة أعم، كالمحبة مع الإرادة والمشيئة، ms149 فكل شيء أحبه الله ~~فقد أراده، وليس كل شيء أراده أحبه، وكذلك كل شيء حادث فهو واقع بالقدرة ~~وليس كل واقع بالقدرة واقعا باليد، (فاليد) أخص معنى من القدرة، ولذلك كان ~~فيها تشريف لآدم عليه السلام. # ومن فوائد هذه المسألة أن يسأل عن المعنى الذي من أجله قال: # (ولتصنع على عيني) بحرف " على ". # وقال في موضع آخر: (تجري بأعيننا) . # وكذلك: (واصنع الفلك بأعيننا) . # والفرق بين الموضعين أن الآية الأولى وردت في إظهار أمر كان خفيا وإبداء ~~ما # كان مكتوبا، فإن الأطفال إذ ذاك كانوا يغذون ويصنعون سرا، فلما أراد الله ~~أن يصنع موسى ويغذي ويربي على حال أمن وظهور أمر، لا تحت خوف واستسرار، ~~دخلت " على " في اللفظ تنبيها على المعنى، لأنها تعطى معنى الاستعلاء، ~~والاستعلاء ظهور وابتداء، فكأنه يقول سبحانه: # ولتصنع على أمن لا تحت خوف، وذكر (العين) لتضمنها معنى الرعاية والكلاءة. # وأما قوله تعالى: (تجري بأعيننا) ، فإنه إنما يريد: برعاية منا وحفظ، ولا ~~يريد إبداء شيء ولا إظهاره بعد كتم، فلم يحتج في الكلام إلى معنى على بخلاف ~~ما تقدم. # وأما (النفس) فعلى أصل موضوعها، إنما هي عبارة عن حقيقة الموجود دون # PageV01P230 # معنى زائد، وقد استعمل أيضا من لفظها: النفاسة والشيء النفسي، فصلحت ~~للتعبير # عن الباري سبحانه وتعالى. بخلاف ما تقدم من الألفاظ المجازية. # وأما " الذات "، فقد استهوى أكثر الناس - ولا سيما المتكلمين - القول ~~فيها، إنها في معنى النفس والحقيقة، ويقولون: (ذات الباري هي نفسه) ، ~~ويعبرون بها عن وجوده وحقيقته، ويحتجون في إطلاق ذلك بقوله عليه السلام في ~~قصة إبراهيم: # " ثلاث كذبات كلها في ذات الله ". # وقول خبيب: # وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع # وليست هذه اللفظة إذا استقريتها في اللغة والشريعة كما زعموا، ولو كان # كذلك لجاز أن يقال: " عبدت ذات الباري سبحانه "، و " احذر ذاته ". # كما قال تعالى: (ويحذركم الله نفسه) ، أو: " فعلت ذاته ":. # وذلك غير مسموع، ولا يقول إلا بحرف (في) الجارة، وحرف " في " للوعاء، وهو ~~معنى مستحيل على نفس ms150 الباري سبحانه، إذا قلت: # " جاهدت في الله "، و " أحببتك في الله " محال أن يكون هذا # اللفظ حقيقة، لما يدل عليه هذا الحرف من معنى الوعاء، وإنما هو على حذف ~~المضاف، أي: في مرضاة الله وطاعته، فيكون الحرف على بابه ومعناه، كأنك قلت: ~~فعلى هذا محسوب في الأعمال التي فيها مرضاة الله - تعالى - وطاعة له. # وأما أن تدع اللفظ على ظاهره فمحال، وإذا ثبت هذا فقوله: # " في ذات الله " و " في ذات الإله "، إنما يريد في الديانة أو الشريعة ~~التي هي ذات الله، فذات وصف للديانة. # وكذلك هي في أصل موضوعها نعت لمؤنث، ألا ترى أن فيها " تاء " التأنيث؟ # وإذا كان الأمر كذلك فقد صارت عبارة عما تشرف بالإضافة إلى الله - عز وجل ~~- لا عن نفسه. # وهذا هو المفهوم من كلام العرب، ألا ترى إلى قول النابغة: # مجلتهم ذات الإله ودينهم قويم. # PageV01P231 # فقد بان غلط من جعل هذه اللفظة عبارة عن نفس ما أضيفت إليه، وبان غلط من ~~قال من الفقهاء: " إنه فوق عرشه المجيد بذاته "، وغلط من جهة اللفظ ~~والمعنى. # أما اللفظ فهو ما قدمناه، وأما المعنى فمذكور في كتب الأصول، ومعلوم ~~بأدلة العقول. # * * * ### | ### | مسألة # (من باب البدل) # استشهد في هذا الباب بقوله عز وجل: (لنسفعا بالناصية (15) ناصية كاذبة ~~خاطئة (16) . # فإن قيل: ما فائدة البدل من المعرفة وتبيينها بالنكرة، فإن كانت الفائدة ~~في # النكرة المنعوتة فلم ذكرت المعرفة؟ # وإن كانت الفائدة في المعرفة فما بال ذكر النكرة والتبيين بها؟ # فالجواب أن تقول: الآية نزلت في رجل بعينه، وهو أبو جهل، ثم تعلق # حكمها بكل من اتصف بصفته، فلو اقتصر على الاسم المعرفة لاختص الحكم به ~~دون غيره، ولو اقتصر على الاسم النكرة لخرج عن هذا الوعيد الشديد من نزلت ~~الآية بسببه. # وكذلك حكم المعرفة إذا أبدل منها النكرة أن تكون النكرة منعوتة، وإلا لم ~~يقع بها فائدة، ولا كانت بيانا لما قبلها. # وأما قوله سبحانه: (ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات ~~والأرض) # PageV01P232 # ثم قال: (شيئا) ms151 ، على البدل من (رزقا) ، و " رزق " أبين من " شيء ". # لأنه أخص منه، والأخص أبين من الأعم، فإنما ذلك من أجل تقدم النفي، لأن ~~النكرة إنما تفيد بالإخبار عنها بعد النفي، فلما اقتضى النفي العام ذكر ~~الاسم العام الذي هو أنكر النكرات، ووقعت الفائدة به من أجل النفي، صلح أن ~~يكون بدلا من (رزقا) ألا ترى أنك لو طرحت الاسم الأول واقتصرت على الثاني ~~لم يكن إخلالا بالكلام. # على أنه قد قيل: إن (شيئا) هاهنا مفعول بالرزق، وأن الرزق مصدر. # والأشهر أنه اسم لأنه على وزن الطحن والذبح، ولو أراد المصدر لفتح الراء، ~~كما جاء في الشعر من نحو قوله في عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -: # واقصد إلى الخير ولا توقه ... وارزق عيال المسلمين رزقه # * * * ### | مسألة # واستشهد أيضا بقوله سبحانه: # (اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم) # وفي هذه الآية ضروب من الأسئلة، منها أن يقال: # ما فائدة البدل في الدعاء، والداعي مخاطب لمن لا يحتاج إلى البيان، ~~والبدل # يقصد به بيان الاسم الأول؟ # PageV01P233 # ومنها أن يقال: ما فائدة تعريف الصراط المستقيم بالألف واللام، وهلا أخبر # بمجرد اللفظ دونهما، كما قال: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (52) ، وكما ~~قال: (ويهديك صراطا مستقيما) . # ومنها أن يقال: ما معنى الصراط؟ # ومن أي شيء اشتقاقه؟ ولم جاء على وزن فعال؟ # ولم ذكر في أكثر المواضع في القرآن بهذا اللفظ. # وذكر في سورة الأحقاف بلفظ الطريق، فقال: (يهدي إلى الحق وإلى طريق ~~مستقيم) ؟ # ومنها أن يقال: ما الحكمة في إضافته إلى (الذين أنعمت عليهم) # بهذا اللفظ، ولم يقل: النبيين ولا الصالحين، وجاء باللفظ مبهما غير مفسر؟ # ومنها أن يقال: لم عبر عنه بلفظ " الذين " موصولة بصلتها، وقد كان أوجز # وأخصر أن يقال: المنعم عليهم، إذ الألف واللام في معنى الذي، كما قال: # (المغضوب عليهم) ولم يقل: " الذين غضبت عليهم؟ ". # ومنها أن يقال: لم وصفهم ب (غير) ، وقد كان الظاهر أن يقول هاهنا # " لا المغضوب عليهم "، كما تقول: " مررت بزيد لا عمرو، وبالعاقل لا ~~الأحمق ". # ومنها ms152 أن يقال: لم استحق اليهود دون النصارى اسم المغضوب عليهم. # والمغضوب عليهم أيضا النصارى؟ # ولم استحق النصارى اسم (الضالين) ، وقد ضلت اليهود؟ # ومنها أن يقال: لم قدم (المغضوب عليهم) على (الضالين) في اللفظ؟ # ولم جاء لفظ (الضالين) على وزن " الفاعلين "، ولم يجئ على وزن # " المفعولين "، كماجاء ما قبله، من قوله تعالى: (المغضوب عليهم) # ومن قوله: (الذين أنعمت عليهم) ، لأن معناه: المنعم عليهم، بلفظ ~~المفعول؟. # ومنها أن يقال: ما فائدة العطف ب " لا " من قوله: (ولا الضالين) . # ولو قال: (الضالين) ، لما اختل الكلام، وكان أوجز؟ # ولم عطف ب " لا "، وهي لا يعطف بها # PageV01P234 # مع " الواو " إلا بعد نفي، ولو كانت وحدها لعطف بها بعد إيجاب، كقولك: ~~مررت بزيد لا عمرو؟. # والجواب عن السؤال الأول، وهو: ما فائدة البدل في الدعاء؟ # أن الآية وردت في معرض التعليم للعباد الدعاء، وحق الداعي أن يستشعر عند ~~دعائه ما يجب عليه اعتقاده مما لا يتم الإيمان إلا به. # إذ " الدعاء مخ العبادة ". # والمخ لا يكون إلا في عظم، والعظم لا يكون إلا تحت دم ولحم، فإذا وجب ~~إحضار معتقدات الإيمان عند الدعاء، وجب أن يكون الطلب ممزوجا بالثناء، فمن ~~ثم جاء لفظ الطلب: للهداية ولفظ الرغبة مشوبا بالخير تصريحا من الداعي به ~~بمعتقده، وتوسلا من الداعي بذلك # المعتقد إلى ربه، فإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم) . # والمخالفون للحق يزعمون أنهم على الصراط المستقيم أيضا، والداعي يجب عليه ~~اعتقاد خلافهم وإظهار الحق الذي في نفسه، فلذلك أبدل وبين ليمرن اللسان على ~~ما اعتقده الجنان، فأخبر مع الدعاء أن الصراط المستقيم هو صراط الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين. # لا من خالفهم من الكافرين. # وأما تعريف (الصراط) بالألف واللام، فإن الألف واللام إذا دخلت على اسم ~~موصوف اقتضت أنه أحق بتلك الصفة من غيره، ألا ترى قولك: جالس فقيها أو ~~عالما، ليس كقولك: جالس الفقيه أو العالم؟ # ولا: أكلت طيبا، كقولك: أكلت الطيب؟ # ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام: # " أنت الحق ووعدك الحق "، ثم قال: " ولقاؤك ms153 حق والجنة حق، والنار حق "، ~~فلم يدخل الألف واللام على الأسماء المحدثة، وأدخلها على اسم الباري - ~~سبحانه وتعالى - وما هو صفة له، وهو القول والوعد. # فإذا ثبت هذا فلو قال: " صراطا مستقيما " لكان الداعي إنما يطلب الهداية ~~على صراط مستقيم على الإطلاق، وقد علم أنه على صراط مستقيم وهو الإسلام، ~~فإنما يطلب ما هو أقوى من طريقته التي هو عليها في علمه، لأن كل فريق من ~~المسلمين # PageV01P235 # مستقصر لنفسه في العمل، وراغب إلى ربه، في التوبة والهداية إلى الأفضل، ~~حتى ينتهي الأمر إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فيقولها أيضا، لأنها أخوف ~~لربه، وأكثر استقصارا لعمله، وكان يستغفر ربه - عز وجل - ويتوب إليه في ~~اليوم مائة مرة، وقال في الحديث: # " نظرت إلى جبريل كأنه حلس لاط، فعرفت فضل عمله علي ". # فإن قيل: فقد قال تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (ويهديك صراطا ~~مستقيما) وقد كان على الصراط الأقوم، فضلا عن صراط مستقيم على الإطلاق؟ # فالجواب: أن هذه الآية نزلت في صلح الحديبية، وكان المسلمين قد كرهوا # ذلك الصلح ورأوا أن الرأي خلافه، وكان الله ورسوله أعلم، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، فلم يرد صراطا مستقيما في الدين، وإنما أراد صراطا ~~مستقيما في الرأي والحرب والمكيدة وقوله تعالى: # (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) . # أي: تهدي من الكفر والضلال إلى صراط مستقيم. # ولو قال في هذا الموطن: " الصراط المستقيم "، لجعل للكفر والضلال حظا من ~~الاستقامة، إذ الألف واللام تنبئ أن ما دخلت عليه من الأسماء الموصوفة أحق ~~بذلك المعنى مما تلاه في الذكر، أو ما قرن # به في الوهم، ولا يكون أحق به إلا والآخر فيه طرف منه. # وأما اشتقاق الصراط فمن " سرطت الشيء أسرطه "، إذا بلعته بلعا سهلا. # فالصراط هو الطريق السهل القويم، وجاء على وزن " فعال "، لأنه مشتمل على ~~سالكة اشتمال الحلق على الشيء المسروط، وهذا الوزن كثير في المشتملات على ~~الأشياء كاللحاف والخمار والرداء، وكذلك الشكال والعنان، إلى سائر الباب. # وأما ذكره بلفظ (الطريق) في سورة الأحقاف خاصة، فلأنه ms154 انتظم بقوله # سبحانه: (سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى) . # وإنما أراد أنه سبيل مطروق قد # PageV01P236 # مرت عليه الرسل قبله، وأنه ليس ببدع، كما قال في السورة نفسها، فاقتضت ~~البلاغة والإعجاز لفظ " الطريق "، لأنه " فعيل " بمعنى " مفعول ". # أي: إنه مطروق مشت عليه الرسل والأنبياء قبل، وليس في المواضع الأخر ما ~~يقتضي هذا المعنى. # فكان لفظ الصراط بها أولى، لأنه أمدح من جهة الاشتقاق والوزن كما تقدم. # وأما إضافته إلى اللفظ المجمل، ولم يقل: " صراط النبيين والصالحين ". # فلفائدتين: إحداهما: نفي التقليد عن القلب، واستشعار العمل بأن من هدي ~~إلى هذا الصراط فقد أنعم عليه، ولو ذكرهم بأعيانهم لم يكن فيه هذا المعنى. # والفائدة الأخرى أن الآية عامة في طبقات المسلمين مسيئهم وصالحهم. # والمسيء لا يطلب درجة العالي حتى ينال التي هي أقرب إليه، ولفظ # (الذين أنعمت عليهم) يشمل الجميع، وجميع المأمورين بهذا الدعاء يطلب صراط ~~الذين أنعم الله عليهم، وهم أصناف، كما أن السائلين لدرجاتهم أصناف. # وأما قوله تعالى: (الذين أنعمت عليهم) ، ولم يقل: " المنعم عليهم "، فلأن # ذكر نعمة المنعم والثناء بها عليه وذكر النعم شكر، وإبراز ضمير الفاعل ~~العائد على الله سبحانه من قوله: (أنعمت عليهم) ذكر لله تعالى باللسان ~~والقلب، ولو قال: " المنعم عليهم " لخلا هذا اللفظ من هذه الفوائد المقرونة ~~بالدعاء، وهي الشكر والذكر، ألا ترى إلى قول إبراهيم عليه السلام: (والذي ~~هو يطعمني ويسقين) ؟ # فأضاف الفعل إلى ربه، ثم قال: (وإذا مرضت فهو يشفين) . # ولم يقل: " أمرضني "، كما قال: (يطعمني) ، إذ ليس في قولك # " أمرضني " إلا الإخبار المجرد عن الشكر والثناء، وربما اقترن به تسخط ~~وتضجر، فعدل عنه إلى قوله: (مرضت) . # ولذلك قال سبحانه: (المغضوب عليهم) ولم يقل: # " الذين غضبت عليهم "، إذ ليس في الإخبار عنه بالغضب من الشكر والإحسان ~~ما في قوله: (أنعمت عليهم) ؟ # فكان اللفظ الوجيز أولى. # ولفائدة أخرى وهي أن الغضب صفة ينبغي للعبد أن يشترك فيها مع الرب # فيغضب لغضب الله تعالى، فاليهود قد غضب عليهم لغضب الله وجميع المؤمنين، # PageV01P237 # فاستشعر الداعي هذا المعنى ms155 فلم يقل: " الذين غضبت عليهم ". # إذ لو قال ذلك لأخرج نفسه عن أن يغضب لغضب الله، كما أخرج نفسه عن أن ~~ينعم، وأفرد الرب بالإنعام فقال: (أنعمت عليهم) . # وفائدة أخرى، وهو أن الألف واللام في (المغضوب) ، وإن كانت بمعنى # " الذين " فليست مثلها في التصريح والإشارة إلى تعيين ذات الاسم، فإن ~~قولك: " الذين فعلوا " معناه: القوم الذين فعلوا، وقولك: # " الضاربون والمضربون " ليس فيه ما في قولك " الذين ضربوا أو ضربوا "، ~~وإذا صح هذا وتأملته فالذين أنعمت عليهم بلفظ (الذين) إشارة إلى تعرفهم ~~بأعيانهم، وتعرفهم من الدين ولا سيما النبيين. # بخلاف من غضب الله عليهم فوجب الإعراض عنهم وترك الالتفات إلى ذاتهم، ~~فاقتصر على الصفة المذمومة دون أن يعينوا بالذين. # وأما قوله: (غير المغضوب) نعتا للذين، ولم يقل: " إلا الغضوب عليهم " # فلفائدة وهو أن اليهود والنصارى يدعون أن الله - تعالى - أنعم عليهم ~~بالكتابين، وأنهم على الصراط المستقيم، فبين سبحانه أن الذين أنعم عليهم هم ~~غير المغضوب عليهم، وهم اليهود، ولم يقل اليهود، " تجريدا للفظ، ليخرجهم ~~بذكر الغضب عن صفة المنعم عليهم، وكذلك الضالين. # وقد تقدم في باب العطف ذكر " لا " في هذا الموضع، وأنها تعطي العطف بعد # إيجاب فلو عطف بها هاهنا لم يكن في الكلام أكثر من نفي إضافة الصراط إلى ~~اليهود والنصارى، فلما جاء بغير، وهي اسم ينعت بها، زاد في الكلام فائدة ~~الوصف والثناء للذين أنعم عليهم. # وأما استحقاق اليهود لهذا الاسم فلنزول غضب الله بهم في الدنيا، لتسليطه # الملوك عليهم وانتزاع الملك منهم، كما قال تعالى: # (وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله) . # فمن حيث أخبر عنهم أنهم قد باؤوا بغضب سماهم (المغضوب عليهم) . # وأما تقديمهم على (الضالين) فقد تقدم من أصول التقديم في باب العطف ذكر ~~التقديم بالزمان، وذكر التقديم بالرتبة. # واليهود متقدمون # PageV01P238 # بالرتبة والمكان، لأنهم كانوا مجاورين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وللمخاطبين بالآية. # وأقرب إليهم (ذكرا) من النصارى. # وأما ذكر (الضالين) بلفظ " فاعلين "، ولم يرد بلفظ المفعولين، لئلا يكون # كالعذر لهم، وإنما ينبغي ms156 أن يخبر عنهم باكتسابهم ضلالهم، لا بإضلال الله ~~- عز وجل - إياهم وأما فائدة العطف بلا مع " الواو " فلتأكيد النفي الذي ~~تضمنه (غير) ، فلولا ما فيها من معنى النفي لما عطف بلا مع " الواو ". # وفائدة هذه التوكيد أن لا يتوهم أن " الضالين " داخل في حكم # (المغضوب عليهم) ، أو وصف لهم، ألا ترى أنك إذا قلت: # " ما مررت بزيد وعمرو "، توهم أنك إنما تنفي الجميع بينهما خاصة، فإذا ~~قلت: " ما مررت بزيد وعمرو "، علم أنك تنفي # الفعل عنهما جميعا، على كل حال من اجتماع وافتراق؟ # * * * ### | ### | مسألة # (في ذكر بدل البعض من الكل وبدل المصدر من الاسم) # وهما جميعا يرجعان في المعنى والتحصيل إلى بدل الشيء من الشيء، وهما # لعين واحدة، إلا أن البدل في هذين الموضعين لا بد من إضافته إلى ضمير ~~المبدل منه، بخلاف (بدل) الشيء من الشيء وهما لعين واحدة. # أما اتفاقهم في المعنى فلأنك إذا قلت: رأيت القوم أكثرهم أو نصفهم، فإنما # تكلمت بالعموم وأنت تريد الخصوص، وهو شائع في اللغة لا ينكر جوازه أحد، ~~وإذا كان كذلك فإنما أردت: لقيت بعض القوم، وجعلت أكثرهم أو نصفهم تبيينا ~~لذلك البعض وأضفته إلى ضمير القوم، كما كان الاسم المبدل مضافا أيضا إلى ~~القوم، فقد آل الكلام إلى أنك أبدلت شيئا من شيء وهما لعين واحدة. # وأما بدل المصدر من الاسم فكذلك أيضا، لأن الاسم من حيث كان جوهرا أو ~~جسما لا يعجب ولا ينفع ولا يضر، وإنما يتعلق المدح والإعجاب وغير ذلك من ~~المعاني بصفات وأعراض قائمة بالجسم، وعلم ذلك ضرورة حتى استغني عن ذكرها # PageV01P239 # لفظا وهي معلومة المعنى، فإذا قلت: " نفعني عبد الله "، علم أن النافع ~~فيه صفة وعرض مضاف إليه، فبينت ذلك العرض ما هو، فقلت: " علمه أو رأيه،، ثم ~~أضفت العلم إلى ضمير الاسم، كما كان الاسم المبدل منه مضافا إليه في ~~المعنى، فصار التقدير: " نفعني صفة زيد أو خصلته " # ثم بينت بقولك: " علمه "، فعلم ما هي - تلك الخصلة، فآل المعنى إلى بدل ~~الشيء من الشيء وهما ms157 لعين واحدة. # وإذا ثبت هذا فلا يصح في بدل الاشتمال أن يكون الاسم الثاني جوهرا، لأنه ~~لا يبدل جوهر من عرض، ولا بد من إضافته إلى ضمير الاسم لأنه بيان لما هو ~~مضاف إلى ذلك الاسم. # والعجب كل العجب من إمام صنعة النحو في زمانه، وفارس هذا الشأن ومالك ~~عنانه، يقول في كتاب " الإيضاح " في قوله سبحانه: # (النار ذات الوقود) : إنها بدل من (الأخدود) بدل الاشتمال، والنار جوهر ~~وليست بعرض، ثم ليست مضافة إلى ضمير الأخدود، وليس فيها شرط من شروط بدل ~~الاشتمال. . . وذهل أبو علي عن هذا، وترك ما هو أصح في المعنى وأليق بصناعة ~~النحو، وهو حذف المضاف وإقامة # المضاف إليه مقامه، كأنه قال: " قتل أصحاب الأخدود، أخدود النار ذات ~~الوقود ". # فيكون من بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، كما قال: # رضيعي لبان ... ثدي أم تحالفا # وفي رواية الخفف، أراد: لبان ثدي أم، فحذف المضاف إيجازا واختصارا. # * * * ### | ### | مسألة # # واستشهد في هذا الباب بقول الله عز وجل: # (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) . # و (حج البيت) مبتدأ، خبره في أحد المجرورين قبله، والذي يقتضيه المعنى # أن يكون في قوله (على الناس) ، لأنه وجوب، والوجوب متعد ب على. # PageV01P240 # فإن قيل: إذا كان موضع الخبر ومقر الفائدة فيه، فلم أخر وقد قال سيبويه: # " متى جعلته مسنقرا قدمته ". # فالجواب: إن تقديم المجرور الأول لفائدتين: # إحداهما: أنه اسم للموجب لهذا الغرض، فيقدم تقدم السبب على # المسبب. # والفائدة الأخرى: أن الاسم المجرور من حيث كان اسما لله - سبحانه - وجب ~~الاهتمام بتقديمه، تعظيما لحرمة هذا الواجب الذي أوجبه، وتخويفا من تضييعه، ~~إذ ليس ما أوجبه الله سبحانه بمثابة ما يوجبه غيره. # وأما (من) فهي بدل كما ذكره. # وقد استهوى طائفة من الناس القول بأنها # فاعل بالمصدر، كأنه قال: " أن يحج البيت من استطاع ". # وهذا القول يضعف من وجوه: # أحدهما: من جهة المعنى، وهو أن الحج فرض على التعيين بلا خلاف، ولو # كان التأويل ما ذكروه لكان فرض كفاية، فإذا حج ms158 المستطيعون برئت ذمم غيرهم ~~وفرغت ساحتهم من التكليف، وليس الأمر كذلك، بل الحج فرض على جميع الناس حج ~~المستطيعون أو قعدوا، ولكنه عذر بعدم الاستطاعة إلى أن توجد الاستطاعة، ألا ~~ترى أنك إذا قلت: # " واجب على أهل هذا القطر أن يجاهد منهم الطائفة المستطيعون للجهاد "، ~~فإذا جاهدت تلك الطائفة سقط وجوب الجهاد عن # الباقين، مستطيعين كانوا أو غير مستطيعين، بخلاف الحج. # ومما يضعف به ذلك القول، أن إضافة المصدر إلى الفاعل - إذا وجد - # أولى من اضافته إلى المفعول، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بدليل منقول أو ~~معقول، فلو كان " من " هو الفاعل لأضيف المصدر إليه. # وإذا ثبت أن " من " بدل بعض من كل، وجب أن يكون في الكلام ضمير يعود # PageV01P241 # إلى الناس، كأنه قال: " من استطاع منهم "، وحذف هذا الضمير قبيح في أكثر ~~الكلام، وحسنه هاهنا أمور، منها: # أن " من " واقعة على من يعقل كالاسم المبدل منه، فارتبطت به. # ومنها أنها موصولة بما هو أخص من الاسم الأول، ولو كانت أعم لقبح حذف ~~الضمير العائد مثال ذلك أنك لو قلت: " رأيت إخوتك من ذهب إلى السوق "، ~~تربد: من ذهب منهم، لكان قبيحا، لأن الذاهب إلى السوق زعم من الإخوة. # وكذلك لو قلت: " البس الثياب ما حسن وكمل "، تريد: ما حسن منها، ولم تذكر ~~الضمير، لكان أبعد في الجواز، لأن لفظ ما أعم من لفظ الثياب، وكذلك الحسن ~~والكامل. # وحق بدل البعض من الكل أن يكون أخص المبدل منه، فإن كان أعم وأضفته إلى ~~ضمير، أو قيدته بضمير يعود إلى الأول، ارتفع العموم وبقي الخصوص. # ومما حسن حذف الضمير في هذه الآية أيضا مع ما تقدم، طول الكلام بالصلة # والموصول. # وأما المجرور من قوله: (إليه) فيحتمل وجهين: # أحدهما: أن يكون في موضع حال من (سبيلا) ، كأنه نعت نكرة قدم عليها. # لأنه لو تأخر لكان في موضع النعت لسبيل. # والثاني: أن يكون متعلقا بسبيل. # فإن قيل: وكيف يتعلق به وليس فيه معنى الفعل؟ # قلنا: " السبيل " هاهنا عبارة عن الموصل إلى البيت ms159 من قوة وزاد ونحوهما. # فلما كان في معنى الفعل الموصل، ولم يقصد به السبيل الذي هو الطريق، صار ~~فيه معنى (الفعل) وصلح تعلق المجرور به، واقتضى حسن النظم وإعجاز اللفظ ~~تقديم المجرور وإن كان موضعه التأخير، لأنه ضمير يعود على البيت، والبيت هو ~~المقصود به الاعتناء، وإنما يقدمون في كلامهم ما هم به أهم، وهم ببيانه ~~أعنى. # PageV01P242 ### | ### | مسألة # # واستشهد أيضا في الباب بقوله سبحانه: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) ~~الآية في هذه الآية دليل على أن ما وقع به الفعل - أو فيه - فإنه مشتمل # عليه كما يشتمل الفاعل على الفعل الذي هو حركة له أو صفة فيه، ولذلك أضيف ~~المصدر إلى المفعول كما يضاف إلى الفاعل، وأخبر (به) عما لم يسم فاعله، ~~وبني بناء فاعل في نحو قوله تعالى: (عيشة راضية) في أحد الأقوال. # وإذا ثبت هذا صح البدل في قوله، وهو عمر - رضي الله عنه - لحفصة: " لا ~~يغرنك هذه التي أعجبها حسنها، حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياها) ~~، فحب بدل من (هذه) ، وإن لم يكن فعلا لها، وإنما هو واقع بها، كما أن " ~~القتال " بدل من الشهر فإن لم يكن فعلا له، وإنما هو واقع فيه. # ومن فوائد هذه الآية أن يسأل عن قوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام) : ~~" لم قدم الشهر الحرام؟ ، ولم يقل: يسألونك عن قتال الشهر الحرام، وهم # لم يسألوا عن الشهر إلا من أجل القتال فيه، فكان الاهتمام بالقتال ~~والتقديم له أولى في الظاهر؟. # والجواب أن يقال: هذا السؤال لم يقع إلا بعد وقوع القتال في الشهر، ~~وتشنيع الكفرة عليهم انتهاك حرمة الشهر، فاغتمامهم واهتمامهم بالسؤال إنما ~~وقع من أجل حرمة الشهر، فلذلك قدم في الذكر. # وفيها سؤال آخر، وهو أنه أعاد ذكر القتال بلفظ الظاهر، وكان القياس أن # يعيد بلفظ المضمر فيقول: " قل: هو كبير "، كما لو سأل إنسان عن رجل في ~~الدار لقال: هو فلان، أو: هو طويل أو قصير، بلفظ المضمر، ويقبح أن يقول ~~بلفظ الظاهر، لأن المضمر ms160 - إذا عرف المعنى - أوجز وأولى. # PageV01P243 # والجواب أن يقال: في إعادة لفظ الظاهر هنا فائدة، وهي عموم الحكم، ولو # جاء بلفظ المضمر فيقول: " هو كبير "، لاختص الحكم بذلك القتال الواقع في # القصة، وليس الأمر كذلك، وإنما هو عام في كل قتال وقع في شهر حرام. # ونظير هذه ال ### | مسألة # قوله - صلى الله عليه وسلم - وقد قيل له: أنتوضأ بماء البحر؟ فقال: " هو ~~الطهور ماؤه ". # ولم يقل: نعم، توضؤوا منه، لئلا يتوهم أن الحكم مخصوص # بالسائل، فلما أخبر عنه أنه الطهور ماؤه استمر الحكم فيه على العموم ولم ~~يتوهم قصره على السبب. # وكذلك هذا حين قال: (قتال فيه كبير) ، فجعل الاسم المخبر عنه (قتال) . # وخصصه بالمجرور الذي هو ضمير الشهر، فتعلق الحكم به على العموم متى وقع، ~~لأن اللفظ المضمر لا تقتضي صيغته إلا تخصيص الخبر بما يعود عليه. # * * * # مسألة # وأنشدوا في هذا الباب قول كثير: # وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت # PageV01P244 # أجاز بعض النحويين في " رجل صحيحة " أرجلا صحيحة، على أنها حال موطأة ~~بالنعت، مثل قوله تعالى: (لسانا عربيا) لأن الحال من النكرة غير ممتنع من ~~حيث كان الاسم الأول نكرة كما تقدم في باب النعت. # وقالوا: هي حال من المضاف إليه، لأن الحال من المضاف إليه كثير نحو # قوله: # كأن حواميه مدبرا # وهذا غلط، لأن الحال من المضاف إليه لا يجوز على الإطلاق، لأنها مفعول # فيها فهي كالظرف والمفعول، فلا بد لها من عامل يعمل فيها، ولا يجوز أن ~~يعمل فيها معنى الإضافة، لأنه أضعف من لام الإضافة، ولام الإضافة لا يعمل ~~معناه في ظرف ولا حال، فمعناها - إذا لم يلفظ بها - أضعف وأجدر ألا يعمل. # لو قلت: " هذا غلام هند ضاحكة "، لم يجز لما ذكرناه. # فإن قلت: يعمل فيها ما يعمل في الغلام المضاف، فهو محال. # لأن " ضاحكة " من صفة هند، لا من صفة " الغلام "، فبطل من كل وجه، ولكنه ~~يجوز الحال من المضاف إليه إذا كان في المضاف معنى الفعل نحو: # " هذا ضارب هند ms161 قائمة " # PageV01P245 # أو: أعجبني خروجها راكبة "، ونحو قوله تعالى: (النار مثواكم خالدين فيها) ~~، لأن ما في المضاف من معنى الفعل واقع على المضاف إليه وعامل فيما هو حال ~~منه، بخلاف الغلام ونحوه مما ليس فيه معنى فعل. # وقد يجوز أيضا الحال من المضاف إليه نحو: " رأيت وجه هند قائمة "، لأن # البعض يجري عليه حكم الكل، فيعمل في الحال ما يعمل في البعض من حيث # أجروا البعض مجرى الكل في قوله: " ذهبت بعض أصابعه " و: " شرقت صدر # القناة "، و: " تواضعت سور المدينة "، وهو كثير، فعلى هذا جاء: # كأن حواميه مدبرا # ومنه قول حبيب: # والعلم في شهب الأرماح لامعة # وأنشد في هذا الباب قول الأعشى: # لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضى لبانات ويسأم سائم # نصب " يسأم " بإضمار (أن) كيلا ينعطف الفعل على الاسم، وإنما استحال # أن ينعطف الفعل على الاسم كيلا يشترك معه في العامل الذي يعمل فيه، إذ لا ~~تعمل عوامل الأسماء في الأفعال، فأضمروا (أن) لأنها مع الفعل في تأويل ~~الاسم. # فإن قيل: وكيف يجوز إضمار الناصب وأنتم لا تجيزون إضمار الخافض # PageV01P246 # ولا الجازم، نعم ولا إضمار الحروف الناصبة للأسماء، وعوامل الأسما عندكم # أقوى من عوامل الأفعال؟ # فالجواب: أنا لا نجيز إضمار " أن " إلا بإحدى شرائط، أما مع الواو ~~العاطفة # على مصدر، نحو قوله: # للبس عباءة وتقر عيني # تقضي لبانات ويسأم سائم # ألا ترى أنك لو جعلت مكان " اللبس " و " التقضي " اسما غير مصدر فقلت: # يعجبني زيد ويذهب عمرو " لم يجز، وإنما جاز هذا مع المصدر لأن الفعل # المنصوب بأن مشتق من المصدر ودال عليه بلفظه، فكأنك عطفت مصدرا على مصدر. # فإن قيل: فكان ينبغي إذا أن يستغنى بمجرد لفظ الفعل عن إضمار " أن "؟ # قلنا: هو فعل مضارع معرب، وعطفه بالواو على ما قبله يشركه معه في # الإعراب والعامل، وهما لا يشتركان في عامل واحد، فأضمرت " أن " واكتفي ~~بأثرها وعملها عن ظهور لفظها، وكانت " الواو " كالعوض منها كما كانت " حتى ~~" و " لام " العلة، و " لام " الجحود و " الفاء " في باب ms162 الجواب وغير ذلك ~~كالعوض من " أن " الناصبة للفعل، وكما كان الاستفهام كالعوض من الجار في ~~قولك: " الله لأفعلن؟ " ونحوه. # وقد جاء عطف الفعل على الاسم في معنى الفعل، نحو قوله تعالى: # (صافات ويقبضن) ونحو: (وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين (45) ويكلم ~~الناس) . # PageV01P247 # لأن الاسم المعطوف عليه حامل للضمير، فصار بمنزلة الفعل مع # الاسم، ولو كان مصدرا لم يجز، كما تقدم في: # للبس عباءة وتقر عيني # لأن المصدر ليس بحامل للضمير، فلا يجوز العطف عليه إلا بإضمار " أن ". # فإن قيل: فإذا جاز عطف الفعل على الاسم الحامل للضمير، فينبغي أن يجوز # عطف الاسم على الفعل، فيقول: " مررت برجل يقوم وقاعد "؟ # قلنا: هذا ممتنع على قبح، والزجاج قد أجازه في (المعاني) قياسا على # الأول، وليس هو مثله، لأنك إذا عطفت الفعل على الاسم المشتق منه رددت ~~الفرع إلى الأصل، لأن الاسم المشتق من الفعل فرع للفعل، فهو متضمن لمعناه، ~~فجاز عطف الفعل عليه. # وإذا عطفت الاسم المشتق على الفعل كنت قد رددت الأصل فرعا، وصيرت الفعل ~~في المعنى الاسم، وهو فعل محف، وإن كان قد وقع موقع الاسم فلم يقع موقع اسم ~~جامد، وإنما وقع موقع اسم في تأويل فعل، فلم يخرجه ذلك إلى أن يكون في ~~تأويل الاسم. وإنما هو فعل محض فلا يجوز عطف الاسم عليه، لأنك تشرك الاسم ~~مع الفعل في عامل واحد، وإذا قلت: " مررت برجل قائم ويقعد "، ففي يقعد ضمير ~~فاعل، كما في " قائم " ضمير فاعل، فكأنك إنما عطفت جملة على جملة، وتوهمت ~~في " قائم " الفعل المحض من حيث كان مشتفا منه وفرعا عليه، ولم يمكنك أن ~~تتوهم في " يقوم " الاسم المحض ولا الاسم المشتق أيضا، لأن الفرع يتضمن ~~الأصل ويدل عليه، والأصل لا يدل على الفرع بنفسه، لأنه كالمستغنى عنه. # فافهمه فإني لم أقصد الإطالة إلا لأسد أبواب الاعتراض، وأحمي جنبات ~~الكلام من الطعن عليه، والله الموفق لما يزلف لديه. # وأبين من هذه العبارة أن يقال: عطف الفعل على الاسم في مثل قوله # تعالى: (صافات ويقبضن ms163 ما يمسكهن) # ونحو: " مررت برجل قائم ويقعد "، لأن # الاسم معتمد على ما قبله، وإذا كان (اسم الفاعل) معتمدا على عمل الفعل، # PageV01P248 # والاعتماد أن يكون نعتا أو خبرا، والذي بعد (الواو) ليس بمعتمد، ولو عكست ~~المسألة فقلت: " برجل يقوم وقاعد " أو: " يصففن وقابضات "، قبح، لأن ما بعد ~~(الواو) اسم محض وليس بمعتمد فيجري مجرى الفعل. # * * * ### | مسألة # (من باب أقسام الأفعال) # الفعل غير المتعدي هو الذي لزم محله ولم يجاوزه إلى غيره، فهو فعل # الفاعل في نفسه، ولذلك جاء مصدره مثقلا بالحركات، إذ الثقل من صفة ما لزم ~~محله ولم ينقل وجميع مصادر الأفعال المتعدية الواقعة بمحل غير الفاعل ~~الحامل لها والمتصف بها، فكان خفة اللفظ في هذا الباب موازيا للمعنى الذي ~~هو ثبوت في محل الفعل واختصاص به وعدم تجاوز له، فما لزم مكانه فهو الثقيل، ~~وما تجاوزه وتعداه فهو الخفيف لفظا ومعنى. # ومن ههنا يرجح قول سيبويه إن " دخلت البيت " غير متعد إلى مفعول، لأن # مصدره الدخول، فهو كالخروج والقعود ونحوه، إلا أن الفعل منه لم يجئ على " ~~فعل " لأنه ليس بطبع في الفاعل ولا خصلة ثابتة فيه، فإن كان الفعل عبارة ~~عما هو طبع وخصلة ثابتة، ثقل بضم العين، كظرف وكرم. # فهذا الباب ألزم للفاعل من باب " قعد "، فكان أثقل منه لفظا. # وباب " قعد " # PageV01P249 # ألزم للفاعل من المتعدي إلى المفعول، فكان أثقل منه مصدرا، وإن اتفقا على ~~لفظ الفعل. # ولزم مصدر " فعل " - الذي هو طبع وخصلة - وزن الفعل نحو: الجمال # والكمال والبهاء والسناء والجلال والعلاء، هذا إذا كان المعنى عاما يشتمل ~~على خصال ولا يختص بخصلة واحدة، فإن اختص المعنى بخصلة واحدة صار كالمحدود ~~ولزمته " هاء " التأنيث لأن هاءالتأنيث تدل على نهاية ما دخلت عليه كالضربة ~~من الضرب، وحذفها في هذا الباب وفي أكثر الأبواب يدل على انتفاء النهاية، ~~ألا ترى أن الضرب يقع على القليل والكثير إلى غير نهاية، وكذلك التمر والبر ~~وسائر الأجناس، وإنما استحقت " الهاء " ذلك لأن مخرجها من منتهى الصوت ~~وغايته فصلحت للغايات، ولذلك قالوا: ms164 علامة ونسابة أي: غاية في صفتيهما. # فإذا ثبت هذا فالجمال والكمال كالجنس العام من حيث لم يكن فيه " الهاء " # المخصوصة بالتحديد والنهاية. # وقولك: ملح ملاحة، وفصح فصاحة، على وزن: جمل جمالا، كمل كمالا، إلا في ~~تاء التأنيث، لأن الفصاحة خصلة من خصال الكمال، فحددت بالهاء، لأنها ليست ~~بجنس عام كالجمال، فصارت تشبه باب الضربة والتمرة من الضرب والتمر، لمكان ~~التحديد والنهاية، ألا ترى إلى قول خالد بن صفوان - وقد قالت له عرسه -: " ~~إنك لجميل "، فقال: # " أتقولين ذلك وليس عندي عمود الجمال ولا رداؤه ولا برنسه؟ # ولكن قولي: إنك لمليح ظريف ". # فجعل الملاحة خصلة من خصال الجمال، فبان صحة ما قلناه. # وعلى هذا قالوا: الحلاوة والأصالة والرجالة، وكذلك في ضد هذا المعنى # نحو: السفاهة والوضاعة والرذالة والحماقة، لأنها كلها خصال محدودة ~~بالإضافة إلى السفال، والسفال في مقابلة العلاء والكمال، لأنه جنس يجمع ~~الأنواع التي تحته. # PageV01P250 # وهذا الأصل في هذا الباب، ولا يشرد عن هذا القياس شيء إلا ويمكن رده # إليه، إلا أن تكون ألفاظ قد أدخلت في هذا الباب بوجه من المجاز، فنجد ~~مصادرها مخالفة لهذا الأصل في وزنها أو شيء من أحكامها، وليس ذلك إلا ~~لنقلها بالاستعارة والمجاز عن أصل موضوعها، لقولهم: شرف الرجل شرفا، ولم ~~يقولوا: شرافا، كقولك: جمالا وكمالا ولا: شرافة، كقولك: جلالة، لأن الشرف ~~رفعة في الآباء. # والآباء شيء خارج عن محل الفعل، فهو مستعار من شرف الأرض، والشرف في ~~الأرض كالهدف والعلم، فاستعيد للرجل الرفيع في قومه، كأن آباءه الذين ذكر ~~بهم وارتفع بسببهم شرف له، إذ الشرف من الأرض يرتفع بسببه ويظهر منه. # وكذلك قالوا في هذا الباب: الحسب، لأنه من باب القبض والقنص، وليس # من باب المصادر، لأن الحسب ما يحسب الإنسان لنفسه من خصال كرام # وخصال حميدة، فقد تبين أنه لا يخرج عن هذا الباب شيء إلا لسبب ما، وأن ~~الأصل ما تقدم، واستحق الاسم العام في هذا الباب الفعال - بفتح الفاء # والعين - بعدهما ألف والألف فتح، ليكون اللفظ بتوالي الفتح فيه موازيا ms165 ~~لانفتاح المعنى واتساعه. # وكذلك اطرد في الجمع الكثير نحو: " مفاعل، و " فعائل "، وبابه، واطرد في ~~باب " تفاعل " نحو: تقاتل، وتخاصم، ونحو: تمارض، وتغافل، وتراقد، لأنه ~~إظهار للأمر وانتشار له. # ومن هذا الباب مما يوافقه في وجه ويخالفه في وجه آخر حلم، لأنه يدل على # ثبات الصفة، فوافق ما قبله في الضم وخالفه: في المصدر مخالفته له في ~~المعنى. # لأنه صفة نفي، وليس بصفة عرضية معنوية، وإنما هو عبارة عن تملك المعاقبة # ونفيها. # ومن هذا الباب: " كبر " و " صغر "، هو موافق لما قبل في ثبوت الفعل فجاء ~~على وزنه، وهو مخالف له في الحدث، لأن الصغر والكبر وما كان على هذا البناء ~~عبارة عن كثرة أجزاء الجسم وقلتها، لا عن عرض ومعنى زائد كالجمال ونحوه. # واستقصاء المصادر والأفعال وتتبع نوادرها وأسرارها، يأتي في بابها إن # شاء الله تعالى. # PageV01P251 ### | فصل # ومن غير المتعدي " انفعل "، نحو: " انطلقا، وهو أيضا فعل الفاعل في نفسه # بعد تقدم منع واستدعاء من فعل آخر، فيسمونه فعل المطاوعة، ونحو: كسرته ~~فانكسر، وشويته فانشوى، فمن حيث كان فعل الفاعل في نفسه لم يتعد، ومن حيث ~~لم يقع من فاعله إلا بعد استدعاء وسبب زيدت النون في أوله قبل الحروف ~~الأصلية، وزيدت ساكنة كيلا تتوالى الحركات، ثم وصل إليها بهمزة الوصل. # وقد تقدم أن الزوائد في الأفعال والأسماء موازية للمعاني الزائدة على ~~معنى # الكلمة، فإن كان المعنى الزائد مترتبا قبل المعنى الأصلي، كان الحرف ~~الزائد قبل الحروف الأصلية، كالنون في انفعال، وكحروف المضارعة في بابها، ~~وإن كان المعنى الزائد على الكلمة آخرا كان الحرف الزائد على الحروف ~~الأصلية آخرا، كعلامة التأنيث وعلامة التثنية. # ومن هذا الباب: " تفعلل " و " تفاعل " و " تفعل ". # أما " تفعلل " فلا يتعدى ألبتة، لأن التاء فيه بمثابة النون في انفعل، ~~إلا أنهم خصوا الرباعي بالتاء، وخصوا الثلاثي بالنون فرفا بينهما، ولم تكن ~~التاء ههنا ساكنة كالنون، لسكون عين الفعل. # فلم يلزم فيها من توالي الحركات ما لزم هناك. # وأما " تفاعل " فقد توجد متعدية لأنها لا يراد بها ms166 المطاوعة كما أريد ~~بتفعلل. # وإنما هو فعل دخلته التاء زيادة على " فاعل " المتعدية، فصار حكمه - إن ~~كان متعديا إلى مفعولين قبل دخول التاء أن يتعدى بعد دخول التاء إلى مفعول # نحو: " نازعت زيدا الحديث "، ثم تقول: " ما تنازعنا الحديث " # وإن كان متعديا إلى مفعول لم يتعد بعد دخول " التاء " إلى شيء آخر، نحو: ~~خاصمث زيدا. # وتخاصمنا. # وأما " احمر " و " احمار " ففعل مشتق من الاسم، كانتعل من النعل، وتمسكن ~~من المسكنة، لأن الحمرة والصفرة ونحوهما أسماء لأعراض ثابتة عند الفلاسفة، ~~أو في حكم الثابتة عند الأشعرية، إذ ليس عندهم عرض ثابت. # PageV01P252 # وسيأتي استقصاء هذا الفصل والبحث عليه في باب التعجب، إن شاء الله # تعالى. # إلا أن أبا سليمان الخطابي زعم أن معنى " احمر " مخالف لمعنى " احمار " # وبابه، وذهب إلى أن " افعل " يقال فيما لم يخالطه لون آخر، وافعال يقال ~~لما # خالطه لون آخر. # والخطابي ثقة في نقله، والقياس يقتضي صحة قوله، لأن الألف لم تزد في # أضعاف حروف الكلمة إلا لدخول معنى زائد بين أضعاف معناها - وقد تقدم هذا ~~الأصل. # * * * ### | ### | مسألة # # وقال في الفعل المتعدي إلى مفعولين: " أعطى زيد عمرا درهما ". # وهذا وأشباهه من المنقول الذي صير فاعله مفعولا. # وقد اختلفوا: أهو قياس مستتب في جميع الأفعال أم لا؟ # وليس مذهب سيبويه فيه طرد القياس في جميع # الأفعال، وهو الصحيح. # ولكني أشير لك إلى أصل ينبني عليه هذا الباب، وهو أن تنظر إلى كل فعل # حصل منه في الفاعل صفة ما، فهو الذي يجوز فيه النقل، لأنك إذا قلت: ~~أفعلته، فإنما معناه: جعلته على هذه الصفة. # وقلما ينكسر هذا الأصل في غير المتعدي إذا # كان ثلاثيا نحو: قعد وأقعدته، وطال وأطلته. # وأما المتعدي فمنه ما يحصل للفاعل منه صفة في نفسه ولا يكون اعتماده في # الثاني على المفعول فيجوز نقله، مثل: طعم زيد الخبز وأطعمته، وكذلك: جرع ~~الماء وأجرعته، وكذلك بلع، وشم وسمع، لأنها كلها يحصل منها للفاعل صفة في ~~نفسه، غير خارجة عنه، ولذلك جاءت أو أكثرها على فعل ms167 - بكسر العين - # PageV01P253 # مشابهة لباب: فزع وحذر وحزن ومرض، إلى غير ذلك مما له أثر في باطن الفاعل ~~وغموض معنى فيه، ولذلك كانت حركة العين كسرا، لأن الكسر خفض للصوت وإخفاء ~~له، فشاكل اللفظ المعنى. # ومن هذا النحو: لبس الثوب وألبسه إياه، لأن الفعل - وإن كان متعديا - # فحاصل معناه في نفس الفاعل، كأنه لم يفعل بالثوب شيئا، وإنما فعل بنفسه. # ولذلك جاء على فعل مقابلة لعرى، وكذلك كسى، ولم يقولوا: أكسيته الثوب، ~~لأن الكسوة ستر للعورة، فجاء على وزن سترته وحجبته ونحو ذلك. # وأما أكل وأخذ وضرب فلا تنقل، لأن الفعل واقع بالمفعول، ظاهر أثره فيه ~~غير حاصل في الفاعل منه صفة، فلا تقول: أضربت زيدا عمرا، ولا: أقتلته ~~خالدا. # لأنك لم تجعله على صفة في نفسه كما تقدم. # وأما " أعطيته " فمنقول من: " عطا يعطو " إذ أشار للتناول، وليس معناه ~~الأخذ. # ألا تراهم يقولون: " عاط بغيو أنواط "، فنفوا أن يكون وقع هذا الفعل ~~بشيء، فلذلك نقل كما نقل غير المتعدي لقربه منه، فقالوا: أعطيت زيدا درهما، ~~أي: جعلته عاطيا له. # وأما " أنلت " فمنقول من " نال " المتعدية، وهي بمنزلة " عطا يعطو "، لا ~~تنبئ # إلا عن وصول إلى المفعول دون تأثير فيه ولا وقوع ظاهر به، ألا ترى إلى ~~قوله سبحانه: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى) . # ولو كان فعلا مؤثرا في مفعوله لم يجز هذا، إنما هو منبئ هو الوصول فقط. # وأما " آتيت المال زيدا " فمنقول من " أتى "، لأنها غير مؤثرة في ~~المفعول، وقد # حصل منها للفاعل صفة. # فإن قيل: يلزمك أن تجيزت " أتيت زيدا عمرا، أو المدينة "، أي: جعلته # يأتيهما؟ # قلنا: بينهما فرق، وهو أن إتيان المال زيدا كسب وتمليك، فلما اقترن به # هذا المعنى صار كقولك: أكسبته مالا أو: أملكته إياه، وليس كذلك: " أتى ~~زيد عمرا، فهذا الفرق بينهما. # PageV01P254 # وأما " شرب زيد الماء " فلم يقولوا فيه: أشربته، لأنه بمثابة الأكل ~~والأخذ # ومعظم أثره في المفعول، وإن كان قد جاء على " فعل " مثل (بلع) ، ولكنه ~~ليس مثله، إلا ms168 أن تريد أن الماء خالط أجزاء الشارب له وحصلت من الشرب صفة ~~في الشارب فيجوز حينئذ، كما قال سبحانه: (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم) ~~. # وعلى هذا يقال: " أشربت الخبز اللبن،، لأن شرب الخبز اللبن والماء ليس ~~كشرب زيد له، فتأمله. # وأما " ذكر زيد عمرا " فإن كان من ذكر اللسان لم تنقله، لأنه بمنزلة شتم # ولطم. # وإن كان من ذكر القلب نقلته فتقول: " أذكرته الحديث "، بمنزلة أفهمته # وأعلمته، أي: جعلته على هذه الصفة. # * * * ### | ### | مسألة # # وقال في الباب: " اخترت الرجال زيدا "، واستشهد بالآية. # والأصل في هذا التعدي بحرف الجر وهو (من) ، لأن المعنى إخراج شيء من # شيء، وإنما حذف لتضمن الفعل معنى فعل آخر متعد، كأنك حين قلت: اخترت من ~~الرجال، أردت: نخلت الرجال ونقدتهم فأخذت منهم زيدا، فمن ههنا أسقط حرف ~~الجر كما أسقط في: " أمرتك الخير " إذا كان الأمر تكليفا، كأنك قلت: كلفتك ~~هذا الأمر. # وإذا ثبت هذا فللمسألة أحكام نذكرها، منها: أن الاختيار تقديم الاسم # المجرور إذا لم يسقط حرف الجر، يجوز فيه التأخير، تقول: " اخترت من ~~الرجال عشرة " ولو قدمت العشرة لم يحسن، لأن المخاطب يتوهم أن المجرور في ~~موضع النعت للعشرة وليس في موضع المفعول الثاني. # وأيضا فإن الرجال معرفة فتقديمه أحق بالاهتمام، كما لزم تقديم المجرور # الذي هو خبر عن النكرة من قولك: " في الدار رجل "، لكون المجرور معرفة، ~~فكأنه المخبر عنه. # فإذا حذفت حرف الجر لم يكن بد من التقديم للاسم الذي كان مجرورا نحو: # PageV01P255 # " اخترت الرجال عشرة " ولو قلت: " اخترت عشرة قومك " أو اخترت فرسا ~~الخيل، لم يجز. # والحكمة في ذلك أن المعنى الذي من أجله حذف حرف الجر هو # معنى غير لفظ، فلم يقو على حذف الجر إلا بعد اتصاله به وقربه منه. # ولوجه آخر أيضا وهو أن القليل الذي اختير من الكثير إذا كان مما يتبعض ثم # ولي الفعل الذي هو " اخترت " يوهم أنه مختار منه أيضا، لأن كل ما يتبعض ~~يجوز أن يختار منه وأن يختار، فألزموه التأخير وقدموا الاسم ms169 المختار منه، ~~وكان أولى بذلك لما سبق من القول، فإن كان مما لا يتبعض نحو: زيد، وعمرو، ~~فربما جاز على قلة من الكلام نحو قوله: # منا الذي اختير الرجال سماحة # وليس حكم هذا حكم قولك: " اخترت فرسا الخيل "، لأن الفرس اسم جنس فقد ~~يتبعض مثله ويختار منه، و " زيد " من حيث كان جسما يتبعض، ومن حيث كان " ~~زيدا "، أي: اسما علما للشيء بعينه لا يتبعض، فتأمل هذا ولا تغفله، فقلما ~~رأيت مشتغلا به، وهو أصل يجب تفقده، والقياس والسماع يعضده، وبالله ~~التوفيق. # * * * ### | مسألة # وقال في هذا الباب: " استغفر زيد ربه ذنبه ". # هذه المسألة في تأخير الاسم المسقط منه حرف جر، بخلاف التي قبلها، # PageV01P256 # لأن التي قبلها وهي: " اخترت الرجال " كان الأصل فيها حرف الجر، فأسقط ~~للمعنى الذي ذكرناه في الفعل عند اتصال الفعل به. # وأما هذه فالأصل فيها سقوط حرف الجر، وأن يكون " الذنب " مفعولا بالغفران ~~الذي لا يتعدى بحرف، لأنه من " غفرت الشيء "، إذا غطيته وسترته، مع أن ~~الاسم الأول هو فاعل في الحقيقة وليس كذلك " زيد " وسبعين رجلا في باب ~~(اختار) فلذلك تقول: " استغفر زيد ذنبه ربه! في جيد الكلام. # فإن قيل: فإن كان سقوط حرف الجر هو الأصل، فمن إذا زائدة، كما قال # الكسائي، وليس كما قال سيبويه ولا الزجاجي: إنما حذفت حرف الجر ثم # نصبت. # قلنا: إنما سقوط حرف الجر أصل في الفعل المشتق منه نحو: " غفر "، وأما ~~إذا # قلت: " أستغفر "، أو " أستغفر أنا الله "، ففي ضمن الكلام ما لا بد له من ~~حرف الجر، لأنك لا تطلب كفرا مجردا من معنى التوبة والخروج من الذنب، وإنما ~~تريد الاستغفار خروجا من الذنب وتطهيرا منه، فلزمت " من " في الكلام لهذا ~~المعنى فهي متعلقة بالمعنى لا بنفس اللفظ، فإن حذفتها تعدى الفعل ونصب، ~~وكان بمنزلة قولك: " أمرتك الخير ". # PageV01P257 # فإن قيل: فما قولكم في نحو قوله تعالى: (يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم) # و (يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم) ؟. # قلنا: هي متعلقة بمعنى الإنقاذ والخروج من الذنوب، وإنما دخلت لتؤذن. ms170 ~~بهذا المعنى ولكن لا يكون ذلك في القرآن إلا حيث يذكر الفاعل الذي هو ~~المذنب، نحو قوله: لكم، لأنه المنقذ المخرج من الذنوب بالإيمان، ولو قلت: ~~(يغفر من ذنوبكم) - دون أن تذكر الاسم المجرور - لم يحسن إلا على معنى ~~التبعيض، لأن الفعل الذي كان في ضمن الكلام وهو الإنقاذ، قد ذهب بذهاب ~~الاسم الذي هو واقع عليه. # فإن قلت: فقد قال: (ربنا اغفر لنا ذنوبنا) # وقال في سورة الصف: (يغفر لكم ذنوبكم) # فما الحكمة في سقوطها ههنا؟ وما الفرق؟. # فالجواب: أن هذا إخبار عن المؤمنين الذين قد سبق لهم الإنقاذ من ذنوب # الكفر بإيمانهم، ثم وعدوا على الجهاد بغفران ما اكتسبوا في الإسلام من ~~الذنوب، وهي غير محيطة بهم كإحاطة الكفر المهلك بالكافر، فلم يتضمن الغفران ~~معنى الاستنقاذ، إذ ليس ثم الإحاطة من الذنب بالمذنب، وإنما تضمن معنى ~~الإذهاب والإبطال للذنوب، لأن الحسنات يذهبن السيئات، بخلاف الآيتين ~~المتقدمتين فإنهما خطاب للمشركين وأمر لهم بما ينقذهم وبخلصهم مما أحاط بهم ~~وهو الكفر، وأما المؤمنون فقد أنقذوا. # وأما قوله في آية الصدقات: (ويكفر عنكم من سيئاتكم) . # فهي في موضع (من) التي للتبعيض، لأن الصدقة لا تذهب جميع الذنوب كالجهاد. # ومن هذا النحو قوله عليه السلام: # " فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير ". # فأدخل في كلامه " عن " لتؤذن بمعنى الخروج عن اليمين، لما ذكر الخارج ~~الفاعل وهو الضمير المستتر في (يكفر) فكأنه قال: فليخرج بالكفارة عن يمينه، ~~ولما لم يذكر الفاعل المكفر في قوله سبحانه: (ذلك كفارة أيمانكم) . # لم يدخل " عن " ولا احتيج إليها، وأضيفت (الكفارة) إلى (الأيمان) إضافة ~~المصدر إلى المفعول، وإن كانت الأيمان لا تكفر وإنما يكفر الحنث والإثم، ~~ولكن الكفارة حل لعقدة اليمين، # PageV01P258 # فمن هنالك أضيفت إلى اليمين كما يضاف الحل إلى العقد، إذ اليمين عقد ~~والكفارة حل له، والله المستعان. # * * * ### | فصل # (من ### | مسألة # النقل والتعدية) # المفعول (الثاني) من نحو قولك: " ألبست زيدا الثوب " ليس منتصبا بأفعلت. # لما تقدم من أنك لا تنقله عن الفاعل ويصير الفاعل مفعولا، حتى يكون ms171 الفعل # حاصلا في الفاعل ولكن المفعول الثاني منتصب بما كان منتصبا به قبل دخول ~~الهمزة والنقل، وذلك أنهم اعتقدوا طرحها حين كانت زائدة، كما فعلوا في ~~تصغير " حميد " و " زهير "، وكما فعلوا حين قالوا: (أورث النبت فهو وارس) ، ~~ولم يبنوه على " أورس ". # وقال الله - سبحانه وتعالى -: (والله أنبتكم من الأرض نباتا) . # فلم يجئ بالمصدر على " أنبت ". # ومما يوضح لك هذا أنهم أعلوا الفعل فقالوا: " أطال الصلاة وأقامها "، فلم # يقولوا: " أطول "، ولا " أقوم "، مراعاة لحكم الفعل قبل دخول " الهمزة "، ~~ألا ترى أنهم حيث نقلوه في التعجب واعتقدوا ثبات " الهمزة " لم يعدوه إلى ~~مفعول ثان، بل قالوا: ما أضرب زيدا لعمرو باللام، لأن التعجب تعظيم لصفة ~~المتعجب منه، وإذا كان الفعل صفة في الفاعل لم يتعد، ومن ثم صححوه في ~~التعجب فقالوا: ما أقومه وأطوله، حيث لم يعتقدوا سقوط الهمزة، كما صححوا ~~الفعل من " استحوذ " و " استنوق الجمل "، حيث كانت الهمزة والزوائد لازمة ~~له غير عارضة فيه، والحمد لله. # * * * # مسألة # حذف " الباء " من " أمرتك الخير " إنما يكون بشرطين: # PageV01P259 # أحدهما: اتصال الفعل بالمجرور فإن تباعد منه لم يكن بد من " الباء ": نحو # قولك: " أمرت الرجل يوم الجمعة بالخير " يقبح حذف الباء، لأن المعنى الذي ~~من أجله حدفث " الباء " ليس بلفظ، وإنما هو معنى في الكلمة، وهو ما تضمنته ~~في معنى " كلفتك " فلم يقو على الحذف إلا مع القرب من الاسم كما كان ذلك في ~~(اخترت) ، وقد تقدم، ألا ترى إلى قوله سبحانه وتعالى: # (قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن) # كيف أعاد حرف الجر في البدل لما طال الأول بالصلة # وكذلك قوله: (يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها) ، على أحد القولين، فإذا ~~أعيد حرف الجر مع البدل لطول الاسم الأول، فإثبات الحرف من نحو: " أمرتك ~~الخير " إذا طال الاسم أجدر والشرط الثاني: أن يكون المأمور به حدثا، فإن ~~كان جسما أو جوهرا، لم تحذف الباء من نحو: " أمرتك بزيد "، ولا تقول: أمرتك ~~زيدا، لأن الأمر في الحقيقة ليس به ms172 ولا للتكليف به متعلق، وإنما تدخل الباء ~~عليه مجازا، كأنك قلت: أمرتك بضرب زيد أو إكرامه "، ثم حدفت. # وأما " نهيتكن عن الشر " فلا يجوز حذف الحرف الجار فتقول: نهيتك # الشر، لأنه ليس في ضمن الكلام ما يتضمن النصب، والنهي عن الشيء إبعاد عنه ~~وكف وزجر، وكل هذه المعاني متعدية ب عن، فلم يكن بد منها، بخلاف الأمر فإنه ~~إغراء بالشيء وإلزاق به فمن ثم تعدى بالباء وهو أيضا بمعنى التكليف ~~والإلزام، فمن ثم جاز إسقاط الباء. # * * * ### | مسألة # (في " عرفت " و " علمت " ونحوهما) # أما " عرفت " فأصل وضعها لتمييز الشيء وتعيينه حتى يظهر للذهن منفردا من # معنى زائد عليه، وهذه اللفظة مأخوذة من لفظ " العرف "، وهو ما ارتفع من ~~الأرض حتى يظهر ويتميز. # وأما " علمت " فأصل موضوعها للمركبات لا لتمييز المعاني المفردة، ومعنى # PageV01P260 # التركيب إضافة الصفة إلى المحل، وذلك أنك تعرف " زيدا " على حدته، وتعرف ~~معنى " القيام " على حدته، ثم تضيف القيام إلى " زيد " فإضافة # القيام إلى زيد هو التركيب، وهو متعلق العلم. # فإذا قلت: (علمت) فمطلوبها ثلاثة معان: # جوهر وهو المحل، وصفة وهو القيام، وإضافة الصفة إلى المحل، فهي ثلاث ~~معلومات متلازمة في العقل: الجوهر (منها معروف) وماهية الصفة معروفة على ~~حدتها، والحدث الذي هو مركب من الجوهر والصفة معلوم متضمن ثلاث معلومات. # إذا ثبت هذا فلا يضاف إلى الله - سبحانه - إلا العلم. # ولا يقال فيه: " عرف " ولا " يعرف "، لأن علمه متعلق بالأشياء كلها، ~~مركبها ومفردها، تعلقا واحدا، بخلاف # علم المحدثين فإن معرفتهم بشيءآخر. # ومازعموه من قولهم: قد يكون " علمت " # بمعنى " عرفت "، واستشهادهم بالآي التي استشهدوا بها، ليس هو حقيقة، لأن ~~تعدي " علمت " إلى مفعول واحد في اللفظ # لا يخرجها إلى معنى " عرفت "، ولكن على جهة المجاز والاختصار. # فقوله: (لا تعلمهم نحن نعلمهم) ، ليس ينفي عنه معرفة أعيانهم # وأسمائهم، وإنما ينفي عنه العلم بعداوتهم ونفاقهم، وما تقدم من الكلام ~~يدل على ذلك. # وكذلك توله عز وجل: (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم) ، فربما كانوا # يعرفونهم ولا يعلمون أنهم أعداء، فيتعلق العلم بالصفة ms173 المضافة إلى ~~الموصوف، وذاته، وإنما مثل من يقول: إن " علمت " يكون بمعنى " عرفت "، من ~~أجل أنه رآها # PageV01P261 # متعدية إلى مفعول واحد في اللفظ، كمثل من يقول: إن (سألت) تتعدى إلى غير ~~الآدميين فيقول: اسالت الحائط والدابة، ويحتج بقوله تعالى: # (واسأل القرية) وإنما هذا جهل بالمجاز والحذف، وكذلك ما تقدم. # وأما نصب (علمت) و (ظننت) لمفعولين، فليس هما مفعولان في الحقيقة. # وإنما هو المبتدأ والخبر، وهو حديث إما معلوم وإما مظنون، فكان حق الاسم ~~الأول أن يرتفع بالابتداء والثاني بالخبر، ويلغى الفعل؛ لأنه لا تأثير له ~~في الاسم، وإنما التأثير لعرفت المتعلقة بالاسم المفرد تعيينا وتمييزا، ~~ولكنهم أرادوا تشبث " علمت " بالجملة التي هي الحديث، كيلا يتوهم الانقطاع ~~بين المبتدأ وبين ما قبله. # لأن الابتداء عامل في الاسم وقاطع له مما قبله، وهم إنما يريدون إعلام ~~المخاطب بأن هذا الحديث معلوم، فكان إعمال (علمت) فيه ونصبه له إظهارا ~~لتشبثها، ولم يكن عملها في أحد الاسمين أولى من الآخر، فعملت فيهما معا. # وكذلك " ظننت "؛ لأنه لا يتحدث بحديث حتى يكون عند المتكلم إما مظنونا ~~وإما معلوما، فإن كان مشكوكا فيه أو مجهولا عنده لم يسغ له الحديث، فمن ثم ~~لم يعملوا (شككت) ولا (جهلت) فيما عملت فيه ظننت وعلمت، لأن الشك تردد بين ~~أمرين من غير اعتماد على أحدهما، بخلاف الظن فإنك معتمد فيه على أحد ~~الأمرين، وأما العلم فأنت فيه # قاطع بأحدهما، ومن ثم تعدى الشك بحرف (في) لأنه مستعار من " شككت الحائط ~~بالمسمار ". # * * * # شك الفريصة بالمدرى. . .. # وشك الحائط إيلاج فيه من غير ميل إلى أحد الجانبين، كما أن الشك في # الحديث تردد فيه من غير ترجيح لأحد الجانبين. # ونظير إعمالهمم " علمت " وأخواتها في المبتدأ والخبر اللذين هما بمعنى # الحديث، إعمالهم " كان " وأخواتها في الجملة، وإنما (كان) أصلها أن ترفع ~~فاعلا # PageV01P262 # واحدا نحو: " كان الأمر "، أي: حدث، فلما خلعوا منها معنى الحدث ولم يبق ~~فيها إلا معنى الزمان، ثم أرادوا أن يخبروا بها عن الحدث الذي هو # (زيد قائم) أي: إن زمان ms174 هذا الحديث ماض أو مستقبل - أعملوها في الجملة ~~ليظهر تشبثها بها ولا يتوهم انقطاعها عنها، لأن الجملة قائمة بنفسها. # و" كان " كلمة قد يوقف عليها أو تكون خبرا عما قبلها، فكان عملها في ~~الجملة دليلا على تشبثها بها، وأنها خبر عن # هذا الحديث، ولم تكن لتنصب الاثنين لأن أصلها أن ترفع ما بعدها، ولم تكن ~~لترفعهما معا فلا يظهر عملها، فلذلك رفعت أحدهما ونصبت الآخر. # نعم، ومنهم من يقول: " كان زيد قائم "، فيجعل الحديث هو الفاعل بكان، ~~فيكون معمولها معنويا لا لفظيا، كأنك قلت كان هذا الحديث. # وإن أضمرت الأمر والشأن ودلت عليه قرينة حال فالمسألة على حالها، لأن ~~الجملة، حينئذ بدل من ذلك المضمر لأنها في معنى الحديث، وذلك الحديث هو ~~الأمر المضمر، فهذا بدل # الشيء من الشيء وهما لعين واحدة. # ونظير هذا المعمول المعنوي الذي هو الحديث، معمول (علمت) و (ظننت) # إذا ألغيت نحو: " زيد ظننت قائم "، كأنك قلت: ظننت هذا الحديث، فلم ~~تعملها لفظا إنما أعملتها معنى. # ومن هذا الباب إعمالهم " إن " وأخواتها، وإنما دخلت لمعان في الجملة # والحديث، إلا أنها كلمات يصح الوقف عليهن، لأن حروفهن ثلاثة فصاعدا، ألا ~~ترى إلى قوله: # ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنه # PageV01P263 # وقال الآخر: # ليث شعري. . وأين مني ليت؟ . . .. # وقال حبيب: # . . . . . . . . . . . . . . . . عسى وطن يدنوا بهم ولعلما # وإذا كان هذا حكمها فلو رفع ما بعدها بالابتداء على الأصل، لم يظهر ~~تشبثها بالحديث الذي دخلت لمعنى فيه، فكان إعمالها في الاسم المبتدأ إظهارا ~~لتشبثها بالجملة وكيلا يتوهم انقطاعها عنها، وكان عملها نصبا لأن المعاني ~~التي تضمنتها لو لفظ بها لنصبت نحو: التوكيد والترجي والتنمي، فإنها معان ~~في نفس المتكلم تقديرها: أؤكد وأتمنى، وليست هذه المعاني مضافة إلى الاسم ~~المخبر عنه، فإن (زيدا) من قوله: (إن زيدا) ، و (ليت زيدا) لم يؤكد شيئا ~~ولا تمناه، ولكن الحديث هو المؤكد أو المتمني، فكان عملها نصبا بهذا، وبقي ~~الاسم الآخر مرفوعا لم يعمل فيه، حيث لم تقل أفعالا كعلمت وظننت فتعمل في ms175 ~~الجملة كلها، وإنما أرادوا إظهار تشبثها بالجملة فاكتفوا بتأثيرها في الاسم ~~الأول، يدلك على أنها لم تعمل في الاسم # الثاني أنه لا يليها، لأنه لا يلي العامل ما عمل فيه غيره، فلو عملت فيه ~~لوليها، كما يلي (كان) خبرها، ويلي الفعل مفعوله. # نعم، ومن العرب من أعملها في الاسمين جميعا، وهو قوي في القياس، # PageV01P264 # لأنها دخلت لمعان في الجملة فليس أحد الاسمين أولى بأن يعمل فيه من ~~الآخر. # قال الراجز: # إن العجوز خبة جروزا ... تأكل كل ليلة قفيزا # واعلم أن معاني هذه الحروف لا تعمل في حال ولا ظرف، ولا يتعلق بها # مجرور، لأنها في نفس المتكلم كالاستفهام والنفي وسائر المعاني التي جعلت # الحروف أمارات لها وليس لها وجود في اللفظ، فإذا قلت: هل زيد فائم؟ ~~فمعناه: استفهم عن هذا الحديث. # وكذلك " لا " معناها أن الحديث نفي، وكذلك " ليس معناها # انتفاء الحديث. وكذلك حين أرادوا إظهار تشبثها بالجملة لم ينصبوا بها ~~الاسم # الأول، كما نصبوا بأن، حيث لم يكن معناها يقتضي نصبا إذا لفظ به، كما ~~يقتضي معنى (إن) و (لعل) إذا لفظ به. # وأما (كأن) فمفارقة لأخواتها من وجه، وهي أنها تدل على التشبيه، وهو معنى ~~في نفس المتكلم واقع على الاسم الذي بعدها فكأنك تخبر عن الاسم بعدها أنه ~~مشبه غيره، فصار معنى التشبيه مسندا إلى الاسم بعدها، كما أن معاني الأفعال ~~مسندة إلى الأسماء بعدها، فمن ثم عملت في الحال والظرف، تقول: " كأن زيدا ~~يوم الجمعة أمير "، فيعمل التشبيه في القول، ومن ذلك قوله: # كأنه خارج من جنب صفحته ... سفود شرب نسوه عند مفتأد # ومن ثم وفعت في موضع الحال والنعت، كما تقع الأفعال المخبر بها عن # الأسماء، تقول: " مررت برجل كأنه أسد "، و: " جاءني رجل كأنه أمير "، ~~وليس ذلك في أخواتها لا تكون في موضع نعت ولا في موضع حال، بل لها صدر ~~الكلام كما لحروف الشرط والاستفهام لأنها داخلة لمعان في الجمل فانقطعت مما ~~قبلها، وإنما # PageV01P265 # كانت " كأن " مخالفة لأخواتها من وجه وموافقة من وجه، ms176 من حيث كانت مركبة ~~من " كاف " التشبيه، و " أن " التي للتوكيد، فكان أصلها: " إن زيدا الأسد ~~"، أي: مثل الأسد، ثم أرادوا أن يبينوا أنه ليس هو بعينه فأدخلوا الكاف على ~~الحديث المؤكد إن، لتؤذن أن الحديث مشبه به. # وحكم " إن " إذا دخل عليها عامل أن تفتح الهمزة منها، فصار اللفظ: (كأن ~~زيدا الأسد "، فلما في كلمة من التشبيه المخبر به عن " زيد "، صار # " زيد " بمنزلة من أخبر عنه بالفعل، فوقع موقع النعت والحال، وعمل ذلك ~~المعنى وتعلقت به المجرورات ومن حيث كان في الكلمة وعني إن دخلت في هذا ~~الباب، ووقع في خبرها الفعل نحو قولك: " كأن زيدا يقوم ". # والجملة نحو: " كأن زيدا أبوه أمير ". # ولو لم يكن إلا مجرد التشبيه لم يجز هذا، لأن الاسم لا يشبه بفعل ولا ~~بجملة، ولكنه حديث مؤكد بإن، والكاف تدل على أن خبرا أشبه من هذا الخبر، ~~وذلك الخبر الذي شبه بهذا الخبر هو الذي دل عليه " زيد "، فكان المعنى: زيد ~~قائم وكأنه قاعد. # و" زيد أبوه وضيع وكأن أبوه أمير "، فشبهت حديثا بحديث، والذي يؤكد ~~الحديث " أن " والذي يدل على التشبيه " الكاف "، فلم يكن بد من اجتماعهما. # * * * ### | ### | فصل # # وكل هذه الحروف تمنع ما قبلها أن يعمل فيما بعدها لفظا أو معنى. # أما اللفظ فلأنه لا يجتمع عاملان في اسم واحد، وهذه الحروف عوامل. # وأما المعنى فلا تقول: " سرني زيد قائم "، أي: سرني هذا الحديث. # ولا " كرهت زيد قائم " أي: كرهت هذا الحديث، كما يكون ذلك في كان # وليس لأن كان ليست بفعل محض فجاز أن تقول: " كأن زيد قائم ". # أي: كأن هذا الحدبث، ولم يجز في " سرني " ولا " بلغني ". # فإن أدخلت " ليت " أو " لعل " أو " إن " المكسورة لم يجز أيضا، لأن هذه # المعاني ينبغي أن يكون لها صدر الكلام فلا يقع قبلها فعل معمل ولا ملغى. # PageV01P266 # فإن جئت ب " أن " المفتوحة قلت: " بلغني أن زيدا منطلقا، فأعملت الفعل في ~~معمول معنوي، وهو الحديث، لأن الجملة الملفوظ بها حديث في المعنى. # وإنما ms177 جاز هذا لامتناع الفعل أن يعمل فيما عملت فيه " أن "، ولا بد له من # معمول فيه، فتسلط على المعمول المعنوي وهو الحديث، حيث لم يمكن أن يعمل ~~في اللفظي الذي عملت فيه " أن ". # وكذلك: " كرهت أن زيدا منطلق "، المفعول وهو الحديث، وهو معنى لا # لفظ. # فإن قيل: وهلا كان لأن صدر الكلام كما كان لليت ولعل ولجميع الحروف # الداخلة على الجمل؟. # قلنا: ليس في " أن " معنى زائد على الجملة أكثر من التوكيد، وتوكيد الشيء # هو بمثابة تكراره لا بمثابة معنى زائد فيه، فصح أن يكون الحديث المؤكد ~~بها معمولا لما قبلها، حيث منعت هي من عمل ما قبلها في اللفظ الذي بعدها، ~~فتسلط العامل الذي قبلها على الحديث، ولم يكن له مانع في صدر الكلام يقطعه ~~عنه كما كان ذلك في غيرها. # فإن كسرت همزتها كان الكسر فيها إشعارا بتجريد المعنى الذي هو التأكيد عن ~~توطئة الجملة للعمل في معناها. # فليس بين المكسورة والمفتوحة فرق في المعنى، إلا أنهم إذا أرادوا توطئة # الجملة لأن يعمل الفعل الذي قبلها في معناها وأن يصيروها في معنى الحديث. # فتحوا الهمزة، وإذا أرادوا قطع الجملة مما قبلها وأن يعتمدوا على التوكيد ~~اعتمادهم على الترجي والتمني كسروا الهمزة ليؤذنوا بالابتداء والانقطاع عما ~~قبل، وأنهم قد جعلوا التوكيد صدر الكلام، لأنه معنى كسائر المعاني، وإن لم ~~يكن في الفائدة مثل غيره. # وكان الكسر بهذا الموطن أولى لأنه أثقل من الفعل، والثقل أولى ما يعتمد ~~عليه ويصدر الكلام به، والفتح أولى بما جاء بعد الكلام لخفته، وأن المتكلم ~~ليس في عنفوان نشاطه وجمامه، مع أن المفتوحة قد تلي الضم والكسر من قولك: ~~لأنك، وبأنك، وعلمت أنك، فلو كسرت لتوالي الثقل. # فإن قيل: فما المانع من أن تكون هي وما بعدها في موضع المبتدأ، كما كانت # PageV01P267 # فى موضع الفاعل والمفعول والمجرور؟ # أليس قد صيرت في الجملة في معنى الحديث فلم لا تقول " أنك منطلق معجب لي ~~"، وما الفرق بينها وبين أن التي هي وما بعدها في تأويل الاسم ms178 نحو: # " أن يقوم زيد خير من أن يجلس "، فلم تكون تلك في موضع المبتدأ، ولا تكون ~~هذه كذلك؟. # والجواب: أن المبتدأ يعمل فيه عامل معنوي، والعامل المعنوي لولا أثره في # المعمول اللفظي لما عقل، وهذه الجملة المؤكدة بأن إنما يصح أن تكون ~~معمولا # لعامل لفظي، لأن العامل معنى والمعمول معنى أيضا، وهذا لا يفهمه المخاطب # ولا يصل إلى علمه إلا بوحي، فامتنع أن تكون هذه الجملة المؤكدة في موضع # المبتدا لأنه لا ظهور للعامل ولا للمعمول، ومن ثم لم تدخل عليها عوامل ~~الابتداء من " كان " وأخواتها و " إن " وأخواتها، لأنها قد استغنت بظهور ~~عملها في الجملة عن حرف يصير الجملة في معنى الحديث المعمول فيه، فلا تقول: ~~" كان أنك منطلق "، لا حاجة إلى " أن " مع عمل هذه الحروف في الجملة. # وجواب آخر، وهو أنهم لو جعلوها في موضع المبتدأ لم يسبق إلى الذهن إلا # الاعتماد على مجرد التوكيد دون توطئة الجملة للإخبار عنها، فكأنك تكسر ~~همزتها. # وقد تقدم أن الكسر إشعار بالانقطاع عما قبل، واعتماد على المعنى الذي هو # التوكيد، فلم يتصور فتحها في الابتداء إلا بتقدم عامل لفظي يدل على ~~المراد # بفتحها، لأن العامل اللفظي يطلب معموله، فإن وجده لفظا فهذا غير ممنوع # منه، وإلا تسلط على المعنى، والابتداء بخلاف هذا. # فإن قيل: فلم قالوا: " علمت أن زيدا قائم " # و" ظننت أنك ذاهب "، هلا اكتفوا بعمل هذه الأفعال في الأسماء عن تصيير ~~الجملة في معنى الحديث، كما اكتفوا في باب (كان) و (أن) ؟. # والجواب: أن الفرق بينهما أن هذه أفعال تدل على الحدث والزمان، وليست ~~بمنزلة (ليس) و (كان) ، ولا بمنزلة (إن) و (ليت) ، فأجريت مجرى (كرهت) و ~~(أحببت) . # PageV01P268 # فلذلك فالوا: علمت أنك منطلق، كما قالوا: أحببت أنك منطلق إلا أنها تخالف ~~كرهت وأحببت وسائر الأفعال، لأنها لا تطلب إلا الحديث خاصة ولا تتعلق إلا ~~به، فمن ثم قالوا: علمت زيدا منطلقا وزيد - عملت - منطلق،، ولم يقولوا: " ~~كرهت زيدا أخاك، لأنه لا متعلق لكرهت وسائر الأفعال بالحديث، إنما متعلقها ms179 ~~الأسماء، إلا أن تمنعها " أن " من العمل في الأسماء، فتصير متعلقة بالحديث، ~~فافهمه. # * * * ### | فصل # إن قيل: فما العامل في هذا الحديث المؤكد بأن من قولك: لو أنك ذاهب # فعلت، لا سيما و (لو) لا يقع بعدها إلا الفعل، ولا فعل ههنا؟ # فما موضع (أن) وما بعدها؟. # فالجواب: أن " أن " في معنى التوكيد، وهو تحقيق وتثبيت، فذلك المعنى # الذي هو التحقيق اكتفت به (لو) ، حتى كأنه فعل وليها، ثم عملت ذلك المعنى ~~في الحديث كأنك قلت: " لو ثبت أنك منطلق "، فصارت كأنها من جهة اللفظ عاملة ~~في الاسم الذي هو لفظ، ومن جهة المعنى عاملة في المعنى الذي هو الحديث. # فإن قيل: ألم يتقدم أن لا يعمل عامل معنوي في معمول معنوي؟. # قلنا: هذا في الابتداء حيث لا لفظ يسد مسد العامل اللفظي، فأما ههنا فلو # لشدة مقارنتها للفعل وطلبها له، تقوم مقام اللفظ بالعمل الذي هو التحقيق ~~والتثبيت الذي دلت عليه " أن " بمعناها. ومن ثم عمل حرف النفي المركب مع ~~(لو) من قولك " لولا زيد " عمل الفعل، فصار زيد فاعلا بذلك المعنى حتى كأنك ~~قلت: لو انعدم زيد، أو: غاب زيد، ما كان كذا وكذا. # ولولا مقارنة (لو) لهذا الحرف لما جاز هذا، لأن الحروف لا تعمل في ~~الأسماء # معانيها أصلا، فالعامل في هذا الاسم الذي بعد (لولا) كالعامل في هذا ~~الاسم الذي هو الحديث من قولك: " لو أنك ذاهب لفعلت كذا ". # PageV01P269 # وأما اختصاص " لا " بالتركيب معها في باب " لولا زيد ذاهب لفعلت كذا ". # فلأن " لا " قد تكون منفردة تغني عن الفعل، إذ قيل لك: هل قام زيد؟ ~~فتقول: لا. # فقد أخبرت عنه بالقعود. # وإذا قيل لك: هل قعد؟ فقلت: لا. فكأنك مخبر بالقيام. # وليس شيء من حروف النفي يكتفى به في الجواب حئى يكون بمنزلة الإخبار إلا ~~هذا الحرف، فمن ثم صلح الاعتماد عليه في هذا الباب، وساغ تركيبه مع حروف لا ~~تطلب إلا الفعل، فصارت الكلمة بأسرها بمنزلة حرف وفعل، وصار " زيد " بعدها ~~بمنزلة الفاعل. # ولذلك قال سيبويه: ms180 " إنه " مبني على " لولا ". # وهذا هو الحق، لأن ما يهذون به من أنه مبتدأ وخبره محذوف، لا يظهر، وخامل ~~لا يذكر. # * * * ### | ### | مسألة # (أعلمت زيدا عمرا قائما) # زكر سيبويه أنه لا يجوز الاقتصار على المفعول الأول. # وتأول أصحابه قوله، قالوا: " لا يجوز: لا يحسن، لأن المعمول الأول هو ~~الفاعل في المعنى، والفاعل يجوز الاقتصار عليه فتقول: علم زيد. # وإنما الذي لا يجوز الاقتصار عليه المفعول الثاني الذي هو الأول قبل ~~النقل. # وعندي أن كلام سيبويه محمول على الظاهر، لأنك لا تريد بقولك: # " أعلمت زيدا " أي: جعلته عالما على الإطلاق، وهذا محال، إنما تريد: ~~أعلمته بهذا - الحديث، فلا بد إذا من ذكر الحديث الذي أعلمته به. # فإن قيل: فهل يجوز: " أظننت زيدا عمرا قائما "، كما تقول: أعلمت؟ . # PageV01P270 # قلنا: الصحيح امتناعه، لأن الظن إن كان بعد علم - والعلم ضروري - فمحال ~~أن يرجع ظنا، وإن كان العلم نظريا لم يرجع العالم إلى الظن إلا بعد النسيان ~~أو الذهول عن ركن من أركان النظر. # وهذا ليس من فعلك أنت به، فلا تقول: " أظننته " # بعد أن كان عالما. # وإن كان قبل الظن شاكا أو جاهلا أو غافلا فلا يتصور أيضا أن تقول: # " أظننته "، لأن الظن لا يكون عن دليل يوفقه عليه أو خبر # صادق يخبر به كما يكون العلم. # لأن الدليل لا يقتضى ظنا ولا يقتضيه أيضا شبهة # كما بينه أصحاب الأصول. # فثبت أن الظن لا تفعله أنت به، ولا تفعل شيئا من أسبابه، فلم يجز: # " أظننته " أي: جعلته ظانا، وكذلك يمتنع: " أشككته " من الشك، أي: جعلته ~~شاكا ولكنهم قد يقولون " شككته "، إذا حدثته بحديث يصرفه عن حال الظن إلى ~~حال الشك. # فلذلك جاء على وزن " حدثته ". والله أعلم. # * * * ### | مسألة # وقوله: " وفعل يتعدى بحرف جر وبغير حرف جر ". # أصل هذا الفصل أن كل فعل يقتضي مفعولا ويطلبه، فلا يصل إلى ما بعده إلا ~~بحرف الجر، ثم قد يحذف المفعول لعلم السامع به ويبقى المجرور. # وربما تضمن الفعل معنى فعل آخر متعد بغير حرف، فيسقط حرف الجر ms181 من # أجله، وربما كان الفعل يتعدى بغير حرف وفي ضمن الكلام ما يطلب الحرف، ~~فيدخل الحرف من أجله، فالأول نحو: " نصحت لزيد ". # و" شكرت له "، و " كلت له ": المفعول في هذا كله محذوف، والفعل واصل إلى ~~ما بعده بحرف، لأن " نصحت " مأخوذ من قولك: نصح الخائط الثوب: إذا أصلحه ~~وضم بعضه إلى بعض، ثم استعير في الرأي فقالوا: " نصحت له رأيه ". # والتوبة النصوح إنما هي لما تمزق من الدين كنصح الثوب، ولكنهم يقولون: # نصحت زيدا، فيسقطون الحرف، لأن النصيحة متضمنة للإرشاد، فكأنهم قالوا: ~~أرشدت زيدا. # وكذلك " شكرت " إنما هو تفخيم للفعل وتعظيم له، من " شكر بطنه ": إذا ~~امتلأت، # PageV01P271 # فالأصل: " شكرت لزيد فعله "، ثم قد يحذف المفعول فتقول: # شكرت لزيد، ثم يحذف الحرف لأن " شكرت " متضمنة لحمدت أو مدحت، لأن من شكر ~~فعلا للرجل فقد حمده، أو مدحه. # وأما " كلت لزيد "، ووزنت له فمفعولها غير " زيد "، لأن مطلوبهما ما يكال ~~أو بوزن فالأصل دخول اللام، ثم قد يحذف لزيادة فائدة، لأن كيل الطعام ووزنه ~~يتضمن معنى المبايعة والمعاوضة إلا مع حرف اللام، فإن قلت: # كلت لزيد، أخبرت بكيل الطعام خاصة، وإذا قلت: " كلت زيدا " فقد أخبرت ~~بمعاملة ومبايعة مع الكيل، كأنك قلت: بايعت زيدا بالكيل والوزن. # قال الله - سبحانه وتعالى -: (وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) # أي: بايعوهم كيلا ووزنا. # وأما قوله: (اكتالوا على الناس) ، فإنما دخلت " على " لتؤذن أن الكيل # على البائع للمشتري، ودخلت التاء في (اكتالوا) لأن افتعل في هذا الباب ~~كله للأخذ، لأنها زيادة على الحروف الأصلية تؤذن بمعنى زاد على معنى ~~الكلمة، لأن الأخذ للشيء كالمبتاع والمكتال والمشتري ونحو ذلك يدخل فعله من ~~التناول والاحتراز إلى نفسه والاحتمال إلى رحله ما لا يدخل فعل المعطي ~~والبائع، ولهذا قال سبحانه: # (لها ما كسبت) يعني من الحسئات، (وعليها ما اكتسبت) ، يعني من # السيئات، لأن الذنوب يوصل إليها بواسطة الشهوة والشيطان، والحسنة تنال ~~بهبة من الله - تعالى - من غير واسطة شهوة ولا إغواء عدو، فهذا الفرق ~~بينهما. # وأما قولهم: " سمع الله ms182 لمن حمده "، فمفعول (سمع) محذوف، لأن السمع # متعلق بالأقوال والأصوات دون ما عداها، فاللام على بابها، إلا أنها تؤذن ~~بمعنى زائد وهو الاستجابة المقارنة للسمع، فاجتمع في الكلمة الإيجاز ~~والدلالة على المعنى الزائد وهو الاستجابة لمن حمده. # وهذا مثل توله تعالى: (عسى أن يكون ردف لكم) . # ليست " اللام " لام المفعول - كما زعموا - ولا هي زائدة، ولكن ردف فعل ~~متعمد ومفعولها غير هذا الاسم، كما كان مفعول " سمع " غير الاسم المجرور، ~~ومعنى ردف: تبع وجاء على # PageV01P272 # الأثر، فلو حملته على الاسم المجرور، لكان المعنى غير صحيح إذا تأملته، ~~ولكن المعنى: ردف لكم استعجالكم وقولكم، لأنهم قالوا: # (متى هذا الوعد) ، ثم حذف المفعول الذي هو القول والاستعجال، اتكالا على ~~فعل السامع، ودلت اللام على الحذف لمنعها الاسم الذي دخلت عليه أن يكون ~~مفعولا، وآذنت أيضا بفائدة أخرى # وهي معنى " عجل لكم "، فهي متعلقة بهذا المعنى. # فصار معنى الكلام: قل: عسى أن يكون عجل لكم " بعض الذي تستعجلون، فردف ~~قولكم واستعجالكم فدلت ردف على أنهم قالوا: واستعجلوا، ودلت اللام على ~~المعنى الآخر، فانتظم # الكلام أحسن نظام واجتمع الإيجاز مع التمام. # ومما يتصل بهذا الفصل: " قرأت الكتاب واللوح ونحوهما "، فإنها متعدية ~~بغير # حرف، وأما قرأت بأم القرآن و " قرأت بسورة كذا "، فإنما يكون إذا أرددت ~~هذا المعنى، ولا بد من حذفها إذا لم ترده. # وأما (كفى بالله شهيدا) ، فالباء متغلقة بما تضمنه الخبر من معنى الأمر # بالاكتفاء لأنك إذا قلت: " كفى الله " أو: " كفاك زيد "، فإنما تريد أن ~~يكتفي هو به، فصار اللفظ لفظ الخبر والمعنى معنى الأمر، فدخلت الباء لهذا، ~~فليست زائدة في الحقيقة، وإنما هي كقولك: حسبك بزيد، ألا ترى أن حسبك مبتدأ ~~وله خبر، ومع هذا فقد يجزم الفعل في جوابه فتقول: # " حسبك ينم الناس "، فينم جزم على جواب # الأمر الذي في ضمن الكلام. # حكى هذا سيبويه عن العرب. # * * * ### | مسألة # من باب ما تتعدى إليه الأفعال المتعدية وغير المتعدية. # وهي تعدي الفعل إلى المصدر وتعديه إليه على ثلاثة أنحاء، على أن ms183 يكون ~~المصدر مفعولا مطلقا، أو توكيدا، أو حالا، قال سيبويه: # " وإنما تذكرة لتبيين أي فعل فعلت، أو توكيدا ". # وأما الحال فنحو: مشيت مشيا، وأنت تريد ماشيا، فقد تقول: مشيت ماشيا، # PageV01P273 # وقعدت قاعدا، يجعلها حالا مؤكدة. # وعلى وجه أقرب من هذا وهو أن تريد نعت # المصدر نحو قوله: مشيت مشيا شديدا أو مشيت مشيا، تريد: مشيا ما، فيكون ~~مثل قوله: (لسانا عربيا) ، وهي الحال الموطأة، لأن الصفة وطأت الاسم الجامد ~~أن يكون حالا، فإن حذفت الاسم وبقيت الصفة وحدها لم يكن في الحال إشكال. # ويبين ما قلناه نحوه: سرت شديدا، وهي أيضا حال من المصدر الذي دل عليه ~~الفعل، فإذا أردت بالمصدر هذا المعنى كان بمنزلة الحال. # ويجوز تقديمه وتأخيره إذا كان مفعولا مطلقا أو حالا، ولا يجوز تقديمه على # الفعل إذا كان توكيدا له، لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد. # والعامل فيه إذا أردت معنى الحال الفعل نفسه، والعامل فيه إذا كان مفعولا ~~مطلقا ليس هو لفظ الفعل بنفسه، وإنما هوما يتضمنه من معنى فعل - الذي هو: ~~فاء # PageV01P274 # وعين ولام - لأنك إذا قلت: - ضربت ضربا، فالضرب ليس بمضروب، ولكنك حين ~~قلت: ضربت تضمن ضربت معنى قلت لأن كل ضرب فعل، وليس كل فعل ضربا. # فصار هذا بمنزلة تضمن الإنسان والحيوان، إذ كل إنسان حيوان، وليس كل ~~حيوان إنسانا. # وإذا كان الأمر هنا كذلك، فضربا منصوب بفعلت المدلول عليها بضربت. # حتى كأنك قلت: فعلت ضربا. # ولا يكون المصدر مفعولا مطلقا حتى يكون منعوتا أو في حكم المنعوت. # وإنما يكون توكيدا للفعل لأن الفعل يدل عليه دلالة مطلقة ولا يدل علمه ~~محددا ولا منعوتا. # وقد يكون مفعولا مطلقا وليس له نعت في اللفظ إذا كان في حكم # المنعوت، كأنك تريد: ضربا ما، فلا يكون حينئذ توكيدا، إذ لا يؤكد الشيء ~~بما فيه معنى زائد على معناه، لأن التوكيد تكرار محض. # وقد احتج القتبي على القائلين من المعتزلة بأن تكليم الله لموسى - عليه ~~السلام - مجاز، بقوله: (وكلم الله موسى تكليما) ، فأكد الفعل بالمصدر، ms184 ولا ~~يصح المجاز مع التوكيد. # فذاكرت بقوله هذا شيخنا أبا الحسين - رحمه الله تعالى - فقال: هذا حسن # لولا أن سيبويه قد أجاز في مثل هذا أن يكون مفعولا مطلقا، وإن لم يكن ~~منعوتا في اللفظ فيحتمل على هذا أن يريد، تكليما ما، فلا يكون في الآية حجة ~~قاطعة. # والحجاج عليهم كثيرة لا يحتاج معها إلى الاحتجاج بالمحتملات. # وقد سألته عن العامل في المصدر إذا كان توكيدا للفعل، والتوكيد لا يعمل ~~فيه المؤكد إذ هو هو في المعنى، فما العامل فيه؟ # فسكت قليلا ثم قال: ما سألني عنه أحد قبلك! # فأرى أن العامل فيه ما كان يعمل في الفعل قبله لو كان اسما، لأنه لوكان ~~اسما كان منصوبا بفعلت المتضمنة فيه. # ثم عرضت كلامه على نفسي وتأملت الكتاب، فإذا هو قد ذهل عما لوح إليه # PageV01P275 # سيبويه في باب المصادر، بل صرح، وذلك أنه جعل المصدر المؤكد منصوبا # بفعل هو التوكيد على الحقيقة، واختزل ذلك الفعل، وسد المصدر الذي هو ~~معموله مسده، كما سدت (إياك) و (رويدا) مسد العامل فيهما، فصار التقدير: ~~ضربت ضربا، فضربت الثانية هي توكيد على الحقيقة، وقد سد ضربا مسدها، وهو ~~معمولها، وإنما يقدر عليها فيه أنه مفعول مطلق لا توكيد. # هذا معنى فول صاحب الكتاب مع زيادة في الشرح. # ومن تأمله هناك وجده كذلك. # والذي أقول به الآن قول الشيخ أبي الحسين، لأن الفعل المختزل معنى. # والمعاني لا يؤكد بها وإنما يؤكد بالألفاظ، وقولك ضربت فعل مشتق من ~~المصدر، فهو يدل عليه، فكأنك قلت: فعلت الضرب. # فضربت يتضمن الضرب المفعول ولذلك تضمره فتقول: من كذب فهو شر له، أي: ~~فالكذب شر له وتقيده بالحال فتقول: قمنا سريعا، فسريعا حال من القيام، فكما ~~جاز أن تقيده بالحال وأن تكتني عنه # ب هو، جاز أيضا أن تؤكده ب (ضربا) ، كان قلت: ضربا ضربا ونصب ضربا الأول ~~ضربا وبه يعمل في الثاني معنى فعلت، كما كان ذلك في المفعول المطلق إذا ~~قلت: # ضربت ضربا شديدا، أي: فعلت ضربا شديدا ليس ms185 المؤكد كذلك، إنما ينتصب كما ~~ينتصب زيدا الثاني في قولك: ضربت زيدا زيدا مكررا، انتصب من حيث كان هو ~~الأول لا أنك أضمرت له فعلا، فتأمله. # * * * ### | مسألة # (فيما بؤكد من الأفعال بالمصادر وما لا يؤكد) # قد أشرنا إلى أن الفعل قسمان: خاص وعام، فالعام منه نحو: فعلت # وعملت وصنعت، وأعمها كلها فعلت، لأن عملت عبارة عن حركات الجوارح الظاهرة ~~مع دؤب، ولذلك جاء على وزن فعل ك تعب ونصب ومن ثم لم تجدها يخبر بها عن ~~الله - عز وجل - إلا أن يرد بها سمع فيحمل على المجاز المحض، ويلتمس له ~~التأويل. # PageV01P276 # وإذا ثبت هذا ففعلت وما كان نحوها من الأحداث العامة الشائعة لا تؤكد # بمصدر، لأنها في الأفعال بمنزلة شي وجسم في الأسماء، لا يؤكد لأنه لم ~~تثبت # حقيقته عند المخاطب أحوج إلى ذكر المفعول المطلق الذي تقع به الفائدة منه ~~إلى توكيد فعلت، فلو قلت له: فعلت فعلت، وأكدته بغاية ما يمكن التوكيد، ما ~~كان الكلام إلا غير مفيد وكذلك لو قلت: فعلت فعلا، على التوكيد، لأن المصدر ~~الذي كنت تؤكد به - لو أكدت - قياسه أن يكون مفتوح الفاء، لأنه ثلاثي، ~~والمصدر الثلاثي # قياسه أن يكون على هذا الوزن مفتوح الفاء، كما أن فعله مفتوح الفاء. # فإذا ثبت هذا فلا يقع بعد فعلت إلا مفعول مطلق، إما من لفظها فيكون عاما # نحو: فعلت فعلا حسنا، ومن ثم جاء مكسور الفاء لأنه كالطحن والذبح، أي: ~~إنه ليس بمصدر اشتق منه الفعل، بل هومشتق من فعلت. # وإما أن يكون خاصا نحو: فعلت ضربا، فضربا أيضا مفعول مطلق من غير # لفظ فعل فصار فعلت فعلا كطحنت طحنا وفعلت ضربا كطحنت دقيقا. # فإن قيل: ألم يجيزوا في ضربت ضربا وقتلت قتلا أن يكون مفعولا مطلقا. # فلم يكن مكسور الأول إذا كان مفعولا مطلقا، ومفتوحا إذا كان مصدرا مؤكدا؟ # قلنا: حدث حديثين امرأة! ، ألم يقدم في أول الفصل أنه لا يعمل في ضربا ~~إذا كان مفعولا مطلقا إلا معنى فعلت، لا لفظ، ضربت، فلو ms186 عمل فيه لفظ ضربت ~~لقلت: ضربت ضربا، مكسور الأول، مثل: طحنت طحنا، ولكن هذا محال، لأن الضرب ~~لا يضرب، ولكن إذا اشتققت له اسما من فعلت الئي هي عاملة فيه على الحقيقة ~~فقلت: هو فعل. # وإن اشتققت له اسما من ضربت التي لا يعمل لفظها فيه، لم يجز أن تجعله # كالطحن والذبح، لأن الاسم القابل لصورة الفعل إنما يشتق لفظه من لفظ ما ~~عمل فيه، فثبت من هذا كله أن فعلت وعملت استغني بمفعولها المطلق عن مصدرها، ~~لأنها لا تتعدى إلا إلى حدث، وذلك الحدث مشتق له اسم من لفظها، فيجتمع ~~اللفظ والمعنى ويكون أفيد عند المخاطب من المصدر الذي اشتق منه الفعل، ~~ولذلك لم يقولوا: صنعت صنعا بفتح الصاد، ولا: عملت عملا، بسكون الميم، مثل: # PageV01P277 # حمدت حمدا. ولا: فعلت فعلا، بفتح الفاء، استغناء عن المصادر بالمفعولات # المطلقة، لأن العمل مثل: القنص والقبض، والصنع مثل: الدهن والخبز، والفعل ~~مثل الطحن، فكلها بمعنى المفعول لا بمعنى المصدر الذي اشتق منه الفعل. # وجميع هذه الأفعال العامة لا تتعدى إلى الجواهر والأجسام إلا أن يخبر بها ~~عن # خالق الجواهر والأجسام وفاعلها في الحقيقة. # وإنما يتعدى إلى الجواهر بعض الأفعال الخاصة نحو: ضربت زيدا. # ولذلك تقول: زيد مضروب على الإطلاق. # وإن اشتققت له من لفظ فعلت لقلت: مفعول به، أي فعل به ضرب ولم يفعل هو. # وأما حلمت في النوم حلما، فإن حلمت في المنام بمنزلة فعلت وصنعت في # اليقظة، لأن جميع أفعال النوم يشتمل عليها حلمت وكأن جميع أفعال اليقظة ~~يشتمل عليها فعلت، فمن ثم لم يقولوا: حلمت حلما على الأصل، لأن حلمت مغنية ~~عن المصدر، كما كانت فعلت مغنية عنه، وإنما مطلوب المخاطب معرفة المحلوم ~~والمفعول، فلذلك قالوا: حلما، ولذلك جمعوه على أحلام وحلوم، لأن الأسماء هي ~~التي تجمع وتثنى، وأما الفعل، أو ما فائدته كفائدة الفعل من المصادر فلا ~~تجمع ولا تثنى. # وقولهم: إنما جمعت الحلوم والأشغال لاختلاف الأنواع. # بل يقال لهم: وهل اختلف الأنواع إلا من حيث # كانت بمثابة الأسماء ms187 المفعولة؟ # ألا ترى أن الشغل على وزن فعل كالدهن، فهو عبارة عما يشتغل المرء به، فهو ~~اسم مشتق من الفعل وليس الفعل مشتقا منه، إنما هو مشتق من الشغل، والشغل ~~هوالمصدر، كما أن الجعل والجعل كذلك. # فعلى هذا ليس الأشغال والأحلام بجمع المصدر، إنما هو # جمع اسم، والمصدر على الحقيقة لا يجمع، لأن المصادر وكلها جنس واحد. # من حيث كانت كلها عبارة عن حركة الفاعل، والحركة تماثل الحركة ولا ~~تخالفها بذاتها، ولولاهاء التأنيث في الحركة ما ساغ جمعها، فلو نطقت العرب ~~بمصدر حلمت الذي استغنى عنه بالحلم، وبمصدر شكرت الذي استغنى عنه بالشكر ~~لما جاز جمعه، لأن اخئلاف الأنواع ليس راجعا إليه، إنما هو راجع إلى ~~المفعول المطلق. # ألا ترى أن الشكر عبارة عما يكافأ به المنعم من ثناء أو فعل وكذلك نقيضه ~~- وهو الكفر - عبارة عما يقابل به المنعم من جحد وقبح فعل، فهو مفعول مطلق ~~لا مصدر # PageV01P278 # اشتق منه الفعل، إلا أن الكفر يتعدى بالباء لتضمنه معنى التكذيب، وشكوت ~~يتعدى باللام، التي هي لام الإضافة، لأن المشكور في الحقيقة هي النعمة، وهي ~~مضافة إلى المنعم، وكذلك المكفور لي الحقيقة هي النعمة ولكن كفرها تكذيب ~~وجحد. # فلذلك قالوا: كفر بالله، وكفر بأنعمه وشكر لزيد، وشكر له نعمته. # وإذا ثبت أن الشكر من قولك: شكرت شكرا مفعول مطلق، وهو مختلف # الأنواع، لأن مكافأة النعم تختلف، فجائز أن يجمع كما جمع الحلم والشغل. # فيحمل قوله سبحانه: (لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) # على أنه جمع الشكر، وكذلك: كفر كفورا، ولا يجعل بمنزلة القعود والجلوس، ~~لأنه متعد، ومصدر الفعل المتعدي لا يجىء على الفعول. # ويزيد هذا الفصل بيانا ووضوحا قوله: أحببت حبا، فالحب ليس بمصدر لأحببت، ~~إنما هو عبارة عن الشغل بالمحبوب، ولذلك # جاء على وزنه مضموم الأول. # ومن ثم جمع كما جمع الشغل والحلم، قال الشاعر: # ثلاثة أحباب فحب علاقة ... وحب تملاق وحب هو القتل # فقد انكشف لك بقولهم: " أحببت حبا " # ولم يقولوا: " إحبابا " استغناء بالمفعول المطلق، الذي هو أفيد عند ms188 ~~المخاطب من الإحباب - أن حلمت حلما وشكرت # شكرا وكفر كفرا وصنع صنعا، كلها واقعة على ما هو اسم للشيء المفعول، ~~وناصبة له نصب المفعول المطلق. # وهو في هذه الأفعال أجدر أن يكون كذلك، لأنها أعم من أحببت إذ الشكر # واقع على أشياء مختلفة، وكذلك الكفر والشغل والحلم. # وكلما كان الفعل أعم # PageV01P279 # وأشيع لم يكن لذكر مصدره معنى، وكان فعل ويفعل، مغنيا عنه. ولولا كشف ~~الشاعر لاختلاف أنواع الحب ما كدنا نعرف ما فيه من العموم. ولكنه لما فيه ~~من العموم وأنه في معنى الشغل صار أحببت كشغك، وصار الحب كالشغل. # ولو قال: أحبابا، لكان بمنزلة شغلت شغلا، بفتح الشين. # ولعلنا أن نستوفي مسألة أحببت في باب حبذا، إن شاء الله تعالى، ألا ترى ~~أنهم لا يجمعون من المصادر ما كان على وزن الإفعال، نحو: الإكرام، وعلى وزن ~~(الانفعال والافتعال، وعلى وزن التفعيل، نحو: التكبير والتضريب، إلا أن ~~يكون محدودا. # فهذا يدلك على أنهم لا يجمعون مصدرا ألبتة، إلا أن يكون محدودا # فيكون كالتمرة من تمر والبرة من بر. # وأما أن بجمع لاختلاف أنواع فلا اختلاف أنواع فيه، إنما اختلاف الأنواع ~~فيما كان اسما مشتقا من الفعل استغنى به عن المصدر لخصوصه وعموم المصدر، ~~وذلك لا نجده من الثلاثي إلا على وزن فعل أو فعل ألا ترى أنهم لا يجمعون ~~الفرق والحذر، ولا شيئا من ذلك الباب نحو: الرمد، والعمش، والبرص، والبرش، ~~والحوص والخفش، والظمأ والعطش. # فإن قيل: فقد قالوا: سقم وأسقام، والسقم مصدر يسقم، فهذا جمع # لاختلاف الأنواع لا لأنه اسم كما ذكرت. # قلنا: هذا غفلة أليس قد قالوا: سقم، بضم السين، فهو عبارة عن # PageV01P280 # الداء الذي به يسقم الإنسان، فصار كالدهن والشغل، وهو في ذاته مختلف ~~الأنواع، فجمع. # وأما المرض فقد يكون عبارة عن (السقم) والعلة، فيجمع على أمراض، وقد # يكون مصدر المرض فلا يجمع. # فإن قيل: تفريقك بين الأمرين دعوى، فما دليلها؟ # قلنا: العرق، من قولك: عرق يعرق عرقا، لا يخفى على أحد أنه مصدر # لعرق، والعرق الذي ms189 هو جسم مائع سائل من الجسد، لا يخفى على أحد أنه غير ~~العرق الذي هو المصدر، وإن كان اللفظ واحدا، فكذلك المرض يكون عبارة عن ~~المصدر، وعبارة عن السقم والعلة، فعلى هذا تقول: تصبب زيد عرقا، فيكون له ~~إعرابان: تمييز - إذا أردت المائع - ومفعول من أجله، أو مصدر مؤكد - إذا ~~أردت المصدر. # وكذلك: دميت إصبعي دما، إذا أردت المصدر فهو الدمي، مثل العمى. # فإن أردت الشيء المائع فهو دم مثل يد، وقد يسمى المائع بالمصدر. # قال الشاعر: # ولكن على أقدامنا تقطر الدما # وقال الآخر: # جرى الدميان بالخبر اليقين # PageV01P281 ### | فصل # (في الحال من المصدر وفيما ورد من المصادر على وزن فعل) # ومن حيث امتنع أن يؤكد الفعل العام بالمصدر لشيوعه كامتناع النكرة من # التوكيد لشيوعها، وأنها لم تثبت لها عين - فمن ثم لم يجز أن يخبر عنه كما ~~لا يخبر عن النكرة، لا تقول: من فعل كان شرا له بخلاف: من كذب كان شرا له، ~~لأن كذب فعل خاص فجاز الإخبار عما تضمنه من المصدر، ومن ثم لم يقولوا: فعلت ~~سريعا ولا: عملت طويلا، كما تقول: سرت سريعا، وقعدت طويلا على الحال من ~~المصدر كما يكون الحال من الاسم الخاص ولا يكون من النكرة الشائعة. # فإن قلت: اجعله نعتا للمفعول المطلق، كأنك قلت: فعلت فعلا سريعا # وعملت عملا كثيرا. # قلنا: لا يجوز إقامة النعت مقام المنعوت إلا على شروط، وفد تقدمت في باب ~~النعت، فليس قولهم: سرت سريعا نعتا لمصدر نكرة محذوف، إنما هو حال من مصدر ~~في حكم المعرفة بدلالة الفعل الخاص عليه. # ففد استقام المنسم للناظر في فصول هذه المسألة، واستتب القياس فيها من # كل وجه، والحمد لله. # فإن قيل: فما قولكم في علمت علما، أليس هو مصدرا لعلمت، فلم جاء # مكسور الأول كالطحن والذبح؟ # قلنا: العلم يكون عبارة عن المعلوم، كما تقول: قرأت العلم، ويكون عبارة ~~عن المصدر نفسه الذي اشتق منه علمت إلا أن ذلك المصدر مفعول لعلمت، لأنه ~~معلوم بنفس العلم لأنك إذا علمث الشيء فقد ms190 علمت، وعلمت أنك قد علمته بعلم ~~واحد، فقد صار العلم معلوما بنفسه، فلذلك جاء على وزن الطحن والذبح. # وليس له نظير في الكلام إلا قليل، لا أعلم فعلا يتناول المفعول ويتناول ~~نفسه إلا # PageV01P282 # العلم والكلام، لأنك تقول للمخاطب: تكلم. # فيقول: قد تكلمت. فيكون صادقا # وإن لم ينطق قبل ذلك، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي حين ~~قال له يا ابن عبد المطلب -: قد أجبتك ". فكان قد أجبتك جوابا وخبرا عن ~~الجواب، فتناول القول نفسه. # وكذلك تعبدنا في التلاوة أن نقول: (قل هو الله أحد) . # لأن قل أمر يتناول ما بعده ويتناول نفسه، فمن ثم جاء مصدر القول على ~~القيل، كما جاء مصدر علمت على لعلم، وجاء أيضا على القال، وهو على وزن ~~القبض لأن القول قد يكون مقولا بنفسه. # وجاء أيضا على الأصل مفتوح الأول. # وأما العلم فلم يجئ إلا مكسورا كان مصدرا أو مفعولا، لأنه لا يكون أبدا ~~إلا # معلوما بنفسه، والقول بخلاف ذلك، قد يتناول نفسه في بعضر الكلام وقد لا ~~يتناول إلا المقول، وهو الأغلب فيه، والله المستعان. # وأما الفكر فهو كالعلم لقربه منه في معناه، ومشاركته له في محله، وليس ~~باسم عند سيبويه، ولذلك منع من جمعه فقال: لا يجمع الفكر على أفكار، حمله ~~على المصادر التي لا تجمع. # وقد استهوى الخطباء والقصاص خلاف هذا القول. # والله الموفق للصواب. # وأما الذكر فبمنزلة العلم، لأنه نوع منه. # * * * ### | فصل # (فيما يحدد من المصادر بالهاء، وفيه بقايا من الفصل الأول) # قد تقدم أن الفعل لا يدل على مصدره إلا مطلقا غير محدود ولا منعوت، وأنك ~~إذا قلت: ضربت ضربة فإنما هي مفعول مطلق لا توكيد، لأن التوكيد لا يكون في ~~معناه زيادة على المؤكد، ومن ثم لا تقول: سير زيد سريعة، تريد: سيرة سريعة، ~~ولا: قعدت طويلة، لأن الفعل لا يدل بلفظه على المرة الواحدة. # PageV01P283 # ومن ثم بطل ما أجازه (النحاس) ، وغيره من قولهم: زيد ظننتها منطلق. # تريد الظنة، لأن الفعل لا يدل عليها. # وإذا ثبت هذا ms191 فالتحديد في المصادر ليس يطرد في جميعها، ولكن فيما كان # منها حركة للجوارح الظاهرة ففيه يقع التحديد غالبا، لأنه مضارع للأجناس ~~الظاهرة التي يقع الفرق بين الواحد فيه والجنس بهاء التأنيث نحو: تمرة ~~وتمر، ونخلة ونخل. # وكذلك نقول: ضربة وضرب. # وأما ما كان من الأفعال الباطنة نحو: علم وحذر وفرق ووجل، وكذلك ما كان ~~طبعا نحو: ظرف وشرف - فلا يقال في شيء من ذلك: فعلة، لا يقال: فهم فهمة، ~~ولا: ظرف ظرفة. # وكذلك ما كان من الأفعال عبارة عن الكثرة والقلة نحو: طال وقصر، وكبر ~~وصغر، وقل وكثر، لا تقول: كبرة ولا: صغرة. # وأما قولهم: الكبرة، في الهرم، فعبارة عن الصفة وليست بواحدة من الكبر. # وكذلك الكبرة ليست كالضربة من الضرب، لأنك لا تقول: كثر كثرا. # وأما حمدا فما أحسبه يقال في تحديده: حمدة، كما تقول: مدحته مدحة. # لأن حمد فعل يتضمن الثناء مع العلم بما يثني به، فإن تجرد عن العلم كان ~~مدحا ولم يكن حمدا، فكل حمد مدح وليس كل مدح حمدا. # ومن حيث كان يتضمن العلم بخصال المحمود جاء فعله على حمد بالكسر موازيا ~~لعلم، ولم يجئ كذلك مدح. # فصار المدح في الأفعال الظاهرة كالضرب ونحوه، ومن ثم لم نجد في لكتاب ولا ~~في السنة: حمد ربنا فلانا. # وفد تقول: مدح الله - سبحانه - فلانا، وأثنى على فلان. # ولا تقول حمد إلا لنفسه. # ولذلك قال الله - سبحانه -: (الحمد لله) بالألف واللام التي للجنس. # فالحمد كله له إما ملكا وإما استحقاقا، فحمده لنفسه استحقاق، وحمد العباد ~~له # PageV01P284 # وحمد بعضهم لبعض ملك له، فلو حمد هو غيره لم يسغ أن يضاف إليه على # جهة الاستحقاق وقد تعلق بغيره. # فإن قيل: أليس ثناؤه ومدحه لأوليائه إنما هو بما علم، فلم لا يجوز أن ~~يسمى # مسمى حمدا؟ # قلنا: لا يسمى حمدا على الإطلاق إلا ما ينضمن (العلم) بالمحاسن على # الكمال، وذلك معدوم في غيره سبحانه، فإذا مدح فإنه يمدح بخصلة هي ناقصة ~~في حق العبد، وهو أعلم بنقصانها، وإذا حمد نفسه حمد ms192 بما علم من كمال صفاته. # وقد تعدينا طورنا في الفصل فلنرجع إليه ونقول: # كل ما حدد من المصادر فيجوز تثنيته وجمعته، وما لم يحدد فعلى الأصل # الذي تقدم لا يثني ولا يجمع. # وقولهم: إلا أن تختلف أنواعه، لا تختلف أنواعه، إلا إذا كان عبارة عن # مفعول مطلق اشتق من لفظ الفعل لا عند مصدر اشتق الفعل منه، ولذلك تجده ~~على وزن فعل بالكسر، وعلى وزن فعل نحو شغل، وعلى وزن فعل نحو عمل. # والذي هو مصدر حقيقة إنما تجده على وزن فعل، نحو ضرب وقتل. # وأما الشرب والشرب، فالشرب هو المصدر بالفتح والشرب عبارة عن المشروبات ~~أو عن الحدث الذي هو # مفعول مطلق في الأصل، وربما اتسع فيه فاجرى مجرى المصدر الذي اشتق الفعل ~~منه، كما قال: (فشاربون شرب الهيم) . # فإن قيل: فإن الفهم والعقل والوهم والظن، مصادر وليست مما ذكرت، وقد جمعت ~~فقلت: أفهام وعقول؟ # PageV01P285 # قلنا: هذه مصادر في أصل وضعها، ولكنها قد أجريت مجرى الأسماء، حيث # صارت عبارة عن صفات لازمة وعن حاسة باطنة كالبصرة، ألا ترى أنك إذا قلت: ~~عقلت البعير عقلا، لم يجز في هذا المصدر الجمع، فإذا أردت به المعنى الذي ~~استعير له - وهو عقل الإنسان - جاز جمعه، إذ صار للإنسان كأنه حاسة باطنة ~~كالبصر، ألا ترى أن البصر حيثما ورد في القرآن مع السمع فهو مجموع، والسمع ~~غير مجموع في أجود الكلام، لبقاء السمع على أصله من بناء المصادر الثلاثية، ~~ولكون البصر على وزن " فعل " كالأسماء، ولأنه يراد به الحاسة. # وقد يجوز في السمع - على ضعف - أن تجمعه إذا أردت به الحاسة دون # المصدر كما تجمع الفهم على أفهام، ولكن لا يكون ذلك إلا بشرط، وهو أن ~~يكون الأفهام والأسماع ونحوهما مضافة إلى جمع، نحو: أفهام القوم، وأسماع ~~الزيدين. # ولو كان هذا الجمع إنما هو لاختلاف أنواع المصدر، لما جاز أن تقول: # عرفت أفهام القوم في هذه المسألة، وعرفت علومهم بزيد، لأن الصفة لا تختلف ~~عند اتحاد متعلقها، بل هي متماثلة وإن اختلفت محالها، ms193 فعلم زيد وعلم عمرو، ~~إذا تعلقا بشيء واحد فهما مثلان، وعلم زيد بشيء واحد وعلم بشيء آخر ~~مختلفان، لاختلاف المعلومين، ولا نطول بإقامة البرهان على هذا الأصل، فإنه ~~ثابت في كتب الأصول وإنما أردنا أن نبين أن الأفهام والعقول لم تجمع ~~لاختلاف أنواعها، لأنها قد تجمع حيث لا تختلف وهي عند اتفاق أفهام على ~~مفهوم واحد. # وتجيء مفردة عند اختلافها نحو: فهم زيد بالحساب وفهمه بالنحو وفهمه بغير ~~ذلك. # لا يقال: عرفت أفهام زيد بالصناعات، ولكن تقول: " عرفت فهم زيد " ~~بالإفراد مع اختلاف متعلقه، واختلاف متعلقه يوجب اختلافه. # وإذا ثبت هذا فلم يجمع " الفهم " على أفهام إلا من حيث كانت بمنزلة حاسة # باطنة للإنسان، فإذا أضيف إلى أناسي كثيرة جمع، وإذا أضيف إلى إنسان واحد ~~لم يجمع، لأنه كالحاسة الواحدة، وإن كان في أصله مصدرا، فرب مصدر أجري مجرى ~~الأسماء كقولهم: ضيف وضيوف، وعدل وعدول، وصيد وصيود. # PageV01P286 # وأما رؤية العين فليست الهاء فيها للتحديد، وإنما هي لتأنيث الصفة # كالكدرة والحمرة والصفرة، وكان الأصل أن يكون مصدر " رأيت ": # " رأيا "، ولكنهم إنما يستعملون هذا المصدر مضافا إلى العين. # نحو قوله تعالى: (رأي العين) . # فإذا لم يضف استعمل في الرأي المعقول، واستعملت الرؤية في المعنى الآخر # للفرق. # وأما " الظن " فمصدر لا يثنى ولا يجمع، إلا أن تريد به الأمور المظنونة. # نحو قوله تعالى: (وتظنون بالله الظنونا) # أي: تظنون به أشياء وأمورا كاذبة. # فالظنون - على هذا - مفعول مطلق، لا عبارة عن الظن الذي هو المصدر في ~~الأصل، والله أعلم. # * * * ### | مسألة # قال: " واعلم أن سحرا إذا أردته ليوم بعينه، لم تصرفه. . . . . " # إلى آخر ال ### | فصل # حكم (سحر) إذا كان ليوم بعينه - معرفة كان اليوم أو نكرة - إذا كان اليوم ~~ظرفا ولم يكن مفعولا ولا فاعلا - فحكم " سحر " حينئذ أن يكون ظرفا غير منون ~~لأنه معرفة إما بمعنى الإضافة كأنك تريد: سحر ذلك اليوم، فانحذف التنوين ~~لهذا، كما انحذف في " أجمع " و " أكتع " حيث كان مضافا في المعنى. # فهذا وجه قد قيل. # وأحسن منه ما ذهب ms194 إليه سيبويه من أنه معرف بالألف واللام كأنك حين # ذكرت يوما قبله وجعلته ظرفا، ثم ذكرت " سحر "، فكأنك أردت: السحر الذي من ~~ذلك اليوم، واستغنيت عن " الألف واللام " بذكر اليوم. # وإنما اخترت هذا القول عن الأول للفرق الذي بين (سحر) وبين (أجمع) # PageV01P287 # فإن (أجمع) توكيد بمنزلة: " كله " و " نفسه "، فهو مضاف في المعنى إلى ~~ضمير المؤكد، واستغنى عن إظهار الضمير بذكر المؤكد من (أجمع) لا يكون إلا ~~تابعا له، ولا يكون مخبرا عنه بحال. # وليس كذلك " السحر "، لأنه بمنزلة (الفرس) و (الجمل) ، فإن # أضفته لم يكن بد من إظهار المضاف إليه، وإنما هو معرف بالألف واللام، كما ~~قال سيبويه. # وهذا كله لما كان اليوم ظرفا ولم يكن مفعولا، فلو جعلته مفعولا وفاعلا # لم يكن " سحر " ظرفا، ولكان بدلا مضاف إلى ضمير اليوم، مثال ذلك أن تقول: ~~كرهت يوم الخميس سحره، كما تقول: " أكلت سمكة رأسها ". # فإن قيل: فهلا جعلتموه بدلا إذا كان ما قبله ظرفا، لأنه بعض اليوم، فيكون ~~بدل البعض من الكل، كما كان ذلك إذا كان اليوم مفعولا؟. # قلنا: الفرق بينهما أن البدل يعتمد عليه ويكون المبدل منه في حكم الطرح. # ويكون الفعل مخصوصا بالبدل بعدما كان عموما في المبدل منه. # فإذا قلت: " أكلت السمكة رأسها "، لم يتناول الأكل إلا رأسها وخرج سائرها ~~من أن يكون مأكولا. # وليس كذلك: " خرجت يوم الجمعة سحر "، لأن الظرف مقدر ب (في) ، وجعل " سحر ~~" ظرفا لا يخرج اليوم عن أن يكون ظرفا أيضا، بل يبقى على حاله، لأنه ليس من ~~شرط الظرف أن يملأه ما يوضع فيه، فالكلام معتمد عليه كما كان قبل ذكر " سحر ~~". # نعم، وما هو أوسع من اليوم في المعنى نحو الشهر والعام الذي فيه ذكر # اليوم، وما هو أوسع من العام كالزمان، كل واحد من هذه ظرف للفعل الذي وقع ~~في " سحر ". # وتخصيصك سحر بالذكر لا يخرج شيئا من هذه أن يكون ظرفا لذلك # الفعل. # فلذلك اعتمد الكلام على اليوم، واستغنى به عن تجديد آلة التعريف. بخلاف ~~قولك ms195 " كرهت يوم الخميس سحره "، أو: " السحر منه "، بل لا بد من البدل من ~~أحد هذين الأمرين. # فقد بان لك الفرق بين المسألتين، وبانت علة ارتفاع التنوين، لأنه لا ~~يجتمع # PageV01P288 # مع " الألف واللام "، ولا مع معناها، وإن كان في حكم المضاف - كما زعم ~~بعضهم - فلذلك أيضا يمتنع من تنويه. # وأما الذي يمنع من تصوفه وتمكنه، فإنك أردته ليوم هو ظرف، فإن تمكن # خرج عن أن يكون من ذلك اليوم، لأن الظرفية كانت رابطة بينهما ومشعرة بأن ~~السحر من ذلك اليوم فإذا قلت: سير زيد يوم الجمعة " سحر " وجعلته مفعولا ~~على سعة الكلام، لم يجز لعدم الرابط بينه وبين اليوم. # فإن أردت هذا المعنى فقل: " سير زيد يوم الجمعة سحر " أو: " السحر منه "، ~~حتى يرتبط به، لأنك لا تقدر " الألف واللام " من غير أن يلفظ بهما إلا إذا ~~كان في الكلام ما يغني عنهما. # وأما إذا كان اسما متمكنا كسائر الأسماء، فلا بد من تعريفه بما تعرف به ~~الأسماء، أو تجعله نكرة فلا يكون من ذلك اليوم. # فإن قلت: فقد أجازوا: " سير زيد يوم الجمعة سحر " برفع " اليوم " # ونصب " سحر " فلم لا يجوز أيضا: " يوم الجمعة سحر "، بنصب " اليوم " # ورفع " سحر "؟ # قلنا: لأن اليوم - وإن اتسع فيه - فهو ظرف في معناه، وهو يشتمل على " ~~السحر " ولا يشتمل " السحر " عليه، فلا يجوز إذا أن يتعرف # " السحر " تعريفا معنويا حتى يكون ظرفا بمنزلة اليوم الذي هو منه، ليكون ~~تقدم اليوم مع كونه ظرفا معينا عن آلة التعريف. # * * * ### | ### | فصل # # وأما " ضحوة "، و " عشية " و " مساء " ونحو ذلك، فإنها مفارقة لسحر من ~~حيث كانت منونة وإن أردتها اليوم بعينه، وهي موافقة له في عدم التصرف ~~والتمكن. # والفرق بينهما أن هذه الأسماء فيها معنى الوصف، لأنها مشتقة مما توصف به # الأوقات التي هي ساعات اليوم، فالعشي من العشاء. # والضحوة من قولك: # PageV01P289 # " فرس أضحى " و " ليلة أضحيان "، تريد البياض. # والصباح من " الأصبح " وهي لون بين لونين فإذا قلت: خرجت اليوم عشيا ~~وظلاما وضحى وبصرا - حكاه سيبويه - # فإنما ms196 تريد: خرجت اليوم في ساعة وصفها كذا. # أو: خرجت يوما مظلما أو مبصرا أو مغشيا، أو نحو ذلك. # فقد بان لك أنها أوصاف لنكرات، وتلك النكرات هي أجزاء اليوم وساعاته، ألا ~~ترى أنك إذا قلت: خرجت اليوم ساعة منه، أو: مشيت اليوم وقتا منه - لم يكن ~~إلا منونا، إلا أن الساعة ووقتا غير معين وضحوة وعشية قد تخصصا بالصفة، ~~ولكنه لم يتعرف وإن كان ليوم بعينه، لأنه غير معرف بمعنى الألف واللام كما ~~كان سحر، لأن " سحر " اسم جامد يتعرف كالأسماء ويخبر عنه، وأما اسمه النعت ~~فلا يكون كذلك. # لأن النعت لا يكون فاعلا ولا مفعولا، ولا يقام مقام المنعوت الأعلى شروط # ذكرت في باب النعت. # فإن قلت: أليست هذه الأوقات معروفة عند المخاطب من حيث كانت ليوم # بعينه، فلم لا تكون معرفة كما كان " سحر " إذا كان ليوم بعينه؟. # قلنا: إن " سحر " لم يتعرف بشيء إلا بمعنى الألف واللام، لا من حيث كان # ليوم بعينه، فقد تعرف المخاطب الشيء بصفته، كما تعرفه بآلة التعريف، ~~فتقول لزيد مثلا: " رأيت رجلا من صفاته كذا "، وتنعته حتى يعلم أنه أبوه، ~~فيسرى إليه التعريف والاسم مع ذلك نكرة. # وكذلك " ضحوة " و " عشية "، وإنما استغنى عن ذكر المنعوت بهذه الصفات # PageV01P290 # لتقدم ذكر اليوم الذي هو مشتمل على الأوقات الموصوفة لهذه المعاني، كما ~~استغنى عن ذكر المنعوت إذا قلت: زيد قائم، ولا شك أن المعنى: زيد رجل قائم، ~~ولكن ترك ذكر الرجل لأنه " زيد ". # وكذلك: جاءني زيد صالحا، أي: رجلا صالحا. # ولكن زيدا هو الرجل. فأغناك عن ذكره. # وكذلك ما نحن بسبيله من هذه الأسماء التي هي نفسها أوصاف # لأوقات أغنى ذكر اليوم - الذي هو له - عن ذكرها لاشتمالها عليه. # ولم يكن ذلك في " سحر ". ومن ثم أيضا لم تتمكن، فتقول: سير عليه يوم # الجمعة ضحوة وعشية، لأن تمكنها يخرجها إلى حيز الأسماء ويبطل منها معنى # الصفة، فلا ترتبط حينئذ باليوم الذي أردتها له. # وتنضاف إلى هذه العلة علة أخرى قد تقدمت في ### | فصل # " سحر ms197 ". # وكذلك كل ما كان من الظروف نعتا في الأصل نحو: " ذا صباح " # و" ذات مرة "، و " أقمت طويلا " # و" جلست قريبا " - لا يتمكن ولا يخرج عن الظرف. # ويلحق بهذا الفصل " نهارا " إذا قلت: خرجت اليوم نهارا، لأنه مشتق من ~~قوله - عليه الصلاة والسلام -: # " أنهروا الدم بما شئتم ". # يريد الانتشار والسعة. # ومنه " النهر من الماء، لأنه بالإضافة إلى المفجرة بمنزلة النهار ~~بالإضافة إلى فجره، لأن النهار ما ينتشر ويتسع، فما انفجر من الماء بمنزلة ~~ما انتشر واتسع من فجر الضياء، واليوم أوسع من النهار في معناه، فصار قولك: ~~" خرجت اليوم نهارا " كقولك " خرجت اليوم ظهرا وعشيا ". # معنى الاشتقاق فيها كلها بين، فجرت بمعنى الأوصاف # النكرات في تنوينها وعدم تمكنها. # * * * # فصل # وأما " غدوة " و " بكرة " فهما اسمان علمان، وعدم التنوين فيهما للتعريف # والتأنيث، والذي أخرجهما من باب " ضحوةا " و " عشية " - وإن كان فيهما ~~معنى # PageV01P291 # الغدو والبكور - كما كان في أخواتها معنى الفعل - أنهما قد بنيا بناء لا ~~تكون عليه المصادر ولا النعوت وغيرتا للعملية كما غير " عمارة " و " عمر " ~~وأشباههما، وكما غير " الدبران " وفيه معنى الدبور، إيذانا بالعملية ~~وتحقيقا لمعناها، ألا ترى أن " ضحوة " على وزن " صعبة " من النعوت، وعلى ~~وزن " ضربة " من المصادر، والمصادر ينعت بها. # و" ضحى " على وزن " هدى " وعلى وزن " حطم " من النعوت. # وكذلك سائر تلك الأسماء. و " غدوة " و " بكرة " بخلاف ذلك قد غيرتا من ~~لفظ الغدو والبكور تغييرا بينا، ففارقتا الفصل المتقدم. # فإن قيل: فلعل امتناع التنوين منهما بمثابة امتناعه في " سحر " إذا أردته ~~ليوم # بعينه؟. # قلنا: كلام العرب يدل على خلاف ذلك، لأنهم لا يكادون يقولون: خرجت اليوم ~~في الغدوة، ولا: الغدوة خير من أول النهار، كما يقال: السحر خير من أول ~~الليل. # فالسحر كسائر الأجناس في تنكيره وتعريفه، وغدوة وبكرة من اليوم بمنزلة # رجب وصفر من العام. # فقد تبين مخالفتهما لسحر وضحوة وأخواتها، وأنها # بمنزلة الشهور الأعلام وأسماء الأيام الأعلام، نحو السبت والجمعة. # وإذا ثبت هذا فهما اسمان متمكنان يجوز إقامتهما مقام الفاعل إذا ms198 قلت: # " سير زيد يوم الجمعة غدوة ". # ولا يحتاج إلى إضافة ولا إلى لام التعريف. # وتقول أيضا: " سير زيد يوم الجمعة غدوة "، على الظرف فيهما جميعا، لأنها # PageV01P292 # بعض اليوم كما تقول: " سرت العام رجبا كله ". # وتقول أيضا: " سير زيد يوم الجمعة غدوة " برفعهما، كأنها بدل من اليوم، ~~ولا يحتاج أيضا إلى الضمير كما يحتاج في # بدل البعض من الكل، لأنها ظرف في المعنى. # ولو قلت: " كره يوم الخميس غدوة " - على البدل - لم يكن بد من إضافة # " غدوة " إلى ضمير المبدل منه، لأن اليوم ليس بظرف، فيكون كقولك: " كرهت ~~يوم الخميس سحره، إذا أردت البدل، لأن المكروه هو السحر دون سائر اليوم، ~~وإنما يستغني عن ضمير يعود على اليوم إذا تركته ظرفا على حاله، لأن بعض ~~اليوم إذا كان # ظرفا لفعل، كان جميع اليوم ظرفا لذلك الفعل، وقد تقدم هذا. # واعلم أنه ما كان من الظروف له اسم علم، فإن الفعل إذا وقع فيه تناول # جميعه، وكان الظرف مفعولا، على سعة الكلام. # فإذا قلت: " سرت غدوة " فالسير وقع في الوقت كله. # وكذلك: " سرت السبت والجمعة "، و " سرت المحرم وصفر ". # وكل هذا مفعول على سعة الكلام لا ظرف للفعل، لأن هذه الأسماء لا يطلبها ~~الفعل ولا هي في أصل موضوعها زمان، إنما هي عبارة عن معان أخر، فإن أردت أن ~~تجعل شيئا منها ظرفا، ذكرت لفظ الزمان وأضفته إليها، كقولك: " سرت يوم ~~السبت، و " شهر المحرم ". # فالسير واقع في الشهر ولا يتناول جميعه إلا بدليل، والشهر ظرف. # وكذلك اليوم. # قال سيبويه: " ومما لا يكون الفعل إلا واقعا به كله، " سرت المحرم # وصفر ". # هذا معنى كلامه. # وإذا ثبت هذا فرجب ورمضان وأشباههما أسماء أعلام إذا # أردتهما لعام بعينه، أو كان في كلامك ما يدل على عام تضيفهما إليه. # فإن لم يكن # PageV01P293 # ذلك صار الاسم نكرة، تقول: " صمت رمضان ورمضانا آخر ". # و" صمت الجمعة وجمعة أخرى "، إنما أردت جمعة أسبوعك ورمضان عامك. # وإذا كان نكرة لم يكن إلا شهرا واحدا، كما تكون النكرة في قولك: ms199 " ضربت ~~رجلا "، إنما تريد وأحدا. # وأما إذا كان معرفة يكون بما يدل على التمادي وتوالي # الأعوام، لم يكن حينئذ واحدا، كقولك: # " المؤمن يصوم رمضان "، فهو معرفة لأنك لا تريده لعام بعينه، إذ المعنى: ~~يصوم رمضان من كل عام على التمادي، وذكر # الإيمان قرينة تدل على المراد، ولو لم يكن في الكلام ما يدل على هذا لم ~~يكن # محمله إلا على العام الذي أنت فيه أو عام تقدم له ذكر. # وإذا ثبت هذا فانظر إلى قوله سبحانه: # (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) . # وقال - صلى الله عليه وسلم -: # " من صام رمضان إيمانا واحتسابا ". # وقال: " إذا دخل رمضان فتحت. . . " الحديث. # وترك لفظا الشهر ". # ومحال أن يكون فعل ذلك إيجازا واختصارا، لأن القرآن أبلغ إيجازا وأبين # إعجازا، ومحال أيضا أن يدع - عليه السلام - لفظ القرآن مع تحريه لألفاظه، ~~وما علم من عادته من الاقتداء به، فيدع ذلك لغير حكمة، بل لفائدة جسيمة ~~ومعان شريفة اقتضت الفرق بين الموضعبن وقد ارتبك الناس في هذا الباب، فكرهت ~~طائفة منهم أن يقولوا: " رمضان " ولا " شهر رمضان ". واستهوى ذلك الكتاب. # واعتان بعضهم في ذلك برواية منحولة إلى ابن عباس - رضي الله عنه - أن ~~رمضان اسم من أسماء الله تعالى، ولذلك أضيف إليه الشهر، وبعضهم يقول: إن ~~رمضان من الرمضاء، وهو الحر، وتعلق الكراهية بذلك، وبعضهم يقول: إنما هذا ~~استحباب واقتداء بلفظ القرآن. # وقد اعتنى بهذه المسألة أبو عبد الرحمن النسوي، لعلمه وحذقه فقال في # PageV01P294 # مصنفه: باب جواز أن يقال: دخل رمضان، أو: " صمت رمضان ". وذلك فعل ~~البخاري وأورد الحديث المتقدم. # وإذا أردت معرفة الحكمة والتحقيق في هذه النكتة، فقد تقدم أن الفعل إذا # وقع على هذه الأسماء الأعلام فإنه يتناول جميعها ولا يكون ظرفا مقدرا بفي ~~حتى يذكر لفظ الشهر أو اليوم الذي أصله أن يكون ظرفا. # وأما الاسم العلم فلا أصل له في الظرفية. # وإذا ثبث هذا فقوله سبحانه: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) # في ذكر الشهر فائدئان، وربما كانت أكثر من ذلك: # الأولى: أنه ms200 لو قال: " رمضان الذي أنزل فيه القرآن،، لاقتضى اللفظ وقوع ~~الإنزال على جميعه، كما تقدم من قول " سيبويه ". # وهذا خلاف المعنى، لأن الإنزال كان في ليلة واحدة منها، في ساعة منها، ~~فكيف يتناول جميع الشهر؟ # فكان ذكر الشهر - الذي هو غير علم - موافقا للمعنى، كما تقول: " سرت في ~~شهر كذا " # فلا يكون السير متناولا لجميع الشهر. # والفائدة الأخرى: أنه لو قال: (رمضان الذي أنزل فيه القرآن) لكان حكم # المدح والتعظيم مقصورا على شهر واحد بعينه، إذ قد تقدم أن هذا الاسم وما ~~هو مثله، إذا لم تقترن به قرينة تدل على توالي الأعوام التي هو فيها، لم ~~يكن محمله إلا العام الذي أنت فيه، أو العام المذكور قبله. # فكان ذكر الشهر - الذي هو الهلال في الحقيقة. # قال الشاعر: # والشهر مثل قلامة الظفر # يريد الهلال - فكان ذكره مضافا إلى " رمضان " مقتضيا لتعليق الحكم الذي ~~هو التعظيم بالهلال والشهر المسمى بهذا الاسم، متى كان، وفي أي عام كان. مع ~~أن # PageV01P295 # " رمضان " وما كان مثله، لا يكون معرفة في مثل هذا الموطن، لأنه لم يرد ~~العام بعينه، ألا ترى أن الآية في سورة البقرة، وهي من آخر ما نزل. # وقد كان القرآن أنزل قبل ذلك بسنين. # ولو قلت: " رمضان حج فيه زيد "، نريد فيما سلف، لقيل لك: # " أي رمضان كان؟ ". # ولزمك أن تقول: حج في رمضان من رمضانات، حتى تريد عاما # بعينه، كما سبق. # وفائدة أخرى في ذكر " الشهر "، وهو التبيين في الأيام المعدودات، لأن ~~الأيام # لتبين بالأيام وبالشهر ونحوه، ولا تتبين بلفظ " رمضان "، لأنه لفظ مأخوذ ~~من مادة أخرى، وهو أيضا علم فلا ينبغي أن تبين به الأيام المعدودات، حتى ~~يذكر الشهر الذي هو في معناها ثم تضاف إليه. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - # " من صام رمضان "، ففي حذف الشهر وترك ذكره فائدة # (أيضا) ، وهو تناول الصيام لجميع الشهر، فلو قال: # " من صام شهر رمضان "، لصار ظرفا مقدرا ب في ولم يتناول الصيام جميعه. ~~فرمضان في هذا الحديث مفعول على السعة، ms201 مثل قوله تعالى: (قم الليل إلا ~~قليلا) ، لأنه لو كان ظرفا لم يحتج الى # قوله: (إلا قليلا) . # فإن قيل: فينبغي أن يكون قوله: من صام رمضان مقصورا على العام الذي هو ~~فيه، لما تقدم من قولكم: إنه إنما يكون معرفة علما إذا أردته لعامك أو لعام ~~بعينه؟. # قلنا: قوله: " من صام رمضان " على العموم، خطاب لكل قرن ولأهل كل # عام، فصار بمنزلة قولك: " من صام كل عام رمضان غفر له "، كما تقول: " إن ~~جئتني كل يوم سحرا أعطيتك "، فقد اقترنت به قرينة تدل على التمادي وتنوب ~~مناب ذكر كل عام. # وقد اتضح الفرق بين الحديث والآية. # فإذا فهمت فرق ما بينهما بعد تأمل هذه الفصول وتدبرها، ثم لم تعدل عندك # PageV01P296 # هذه الفائدة جميع الدنيا (بأسرها) فما قدرتها حق قدرها. # والله المستعان على واجب شكرها. # * * * ### | مسألة # (تشتمل على فصول من الباب) # الفعل لا يعمل في الحقيقة إلا فيما يدل عليه لفظه، كالمصدر والفاعل # والمفعول به أو فيما كان صفة لواحد من هذه نحو: " سرت سريعا ". # و" جاء زيد ضاحكا "، لأن الحال هي صاحب الحال في المعنى. # وكذلك النعت والتوكيد والبدل، كل واحد من هذه هو الاسم الأول في # المعنى، فلم يعمل الفعل إلا فيما دل عليه لفظه، لأنك إذا قلت: # " ضرب " اقتضى هذا اللفظ: " ضربا " و " ضاربا " و " مضروبا ". # وأقوى دلالته على المصدر، لأنه هو الفعل في المعنى، ولا فائدة في ذكره مع ~~الفعل إلا أن نريد التوكيد أو تبيين النوع # منه، وإلا فلفظ الفعل مغن عنه. # ثم دلالة الفعل على الفاعل أقوى من دلالته على # المفعول به من وجهين: # أحدهما: أنه يدل على الفاعل بعمومه وخصوصه، نحو: فعل زيد، عمل # زيد. # وأما الخصوص فنحو: ضرب زيد عمرا. # ولا تقول: فعل زيد عمرا، إلا أن يكون الفاعل هو الباري سبحانه. # والوجه الآخر: أن الفعل هو حركة الفاعل، والحركة لا تقوم بنفسها، وإنما # هي متصلة بمحلها، فوجب أن يكون الفعل متصلا بفاعله لا بمفعوله. # ومن ثم قالوا: ضربت، فجعلوا ضمير الفاعل كبعض ms202 حروف الفعل. # ومن ثم قالوا: ضرب زيد لعمرو، وضرب زيد عمرا، فأضافوه إلى المفعول باللام ~~تارة وبغير اللام أخرى. # ولم بضيفوه إلى الفاعل باللام أصلا، لأن اللام تؤذن بالانفصال، ولا يصح ~~انفصال الفعل عن الفاعل لفظا، كما لا ينفصل عنه معنى. # فإن قيل: فإن الفعل لا يدل على الفاعل معينا، ولا على المفعول معينا # PageV01P297 # وإنما يدل عليهما مطلقا، لأنك إذا قلت: " ضرب "، لم يدل على " زيد " ~~بعينه، وإنما يدل على " ضارب ". (وكذلك " المضروب "، فكان ينبغي أن لا يعمل ~~حتى تقول: # " ضرب ضارب " مضروبا "، بهذا اللفظ، لأن لفظ " زيد " لا يدل عليه لفظ ~~الفعل ولا يقتضيه؟. # قلنا: الأمر كما ذكرت، ولكن لا فائدة عند المخاطب في الضارب المطلق. # ولا في المفعول المطلق، لأن لفظ الفعل قد تضمنها، فوضع الاسم المعين مكان ~~الاسم المطلق تبيينا له، فعمل فيه الفعل، لأنه هو هو في المعنى، وليس ~~بغيره. # وإذا ثبت ما قلناه، فما عدا هذه الأشياء - فلا يصل إليه الفعل إلا بواسطة ~~حرف، نحو: " المفعول معه " و " الظرف " من المكان، نحو: قمت في الدار، لأنه ~~لا يدل عليه بلفظه. # وأما " الظرف " من الزمان فكذلك أيضا، لأن الفعل لا يدل عليه بلفظه ولا ~~ببنيته وإنما يدل ببنيته على اختلاف أحوال الحدث، وبلفظه على الحدث نفسه. # وهكذا قال سيبويه في أول الكتاب، وإن تسامح في موضع آخر. # وأما الزمان فهو حركة الفلك فلا ارتباط بينه وبين حركة الفاعل إلا من جهة # الاتفاق والمصاحبة إلا أنهم قالوا: " الفعل فعلت اليوم "، لأن اليوم ~~ونحوه أسماء وضعت للزمان ليؤرخ بها الفعل الواقع فيها، فإذا سمعها المخاطب ~~علم المراد بها، واكتفى بصيغتها عن الحرف الجار. # فإن أضمرتها لم يكف لفظ الإضمار، ولا أغنى عن # PageV01P298 # الحرف لأن لفظ الإضمار يصلح للزمان ولغيره فقلت: " يوم الجمعة خرجت # فيه ". # وقد تقول: " خرجت في يوم الجمعة "، لأنها وإن كانت أسماء موضوعة للتاريخ ~~- فقد يخبر عنها فتقول: " ذهب اليوم "، كما يخبر عن المكان، إلا أن الإخبار ~~عن المكان المحدود أكثر وأقوى، لأن الأمكنة أشخاص كزيد ms203 وعمرو، وظروف الزمان ~~بخلاف ذلك، فمن ثم قالوا: " سرت اليوم " # و" سرت في اليوم "، ولم يقولوا: " جلست الدار "، بغير حرف الوعاء. # * * * ### | ### | فصل # (في تعدي الفعل إلى الظرف) # # فإن كان الظرف مشتقا من فعل، تعدي الفعل إليه بنفسه، لأنه في معنى الصفة ~~التي لا تتمكن ولا يخبر عنها. # وذلك نحو " قبل " و " بعد " و " قريبا " منك، لأن في # " قبل " معنى المقابلة، وهو من لفظ " قبل ". و " بعد " من لفظ " بعد "، ~~وهذا المعنى هو من صفة المصدر، لأنك إذا قلت: " جلست قبل جلوس زيد "، فما ~~في " قبل " من معنى المقابلة فهو من صفة جلوسك. # ولم يمتنع الإخبار عن " قبل " و " بعد " من حيث كان غير محدود، لأن ~~الزمان # والدهر قد يخبر عنهما، وهما غير محدودين، تقول: # " قمت في الدهر مرة ". # وإنما # امتنع " قمت في قبلك " للعلة التي ذكرناها. # ومن هذا النحو ما تقدم في فصل " غدوة " و " عشية "، من امتناع تلك ~~الأسماء من التمكن لما فيها من معنى الوصف، وما فيها من معنى الوصف راجع ~~إلى الاسم الذي هو الفاعل، نحو: " خرجت بصرا وظلاما "، أي: مبصرا ومظلما، ~~وكذلك " عشيا " و " ضحى ". # وإن كنا قد قدمنا أن هذه المعاني أوصاف للأوقات فليس # بمناقض لما قلناه آنفا، لأن هذه الأوقات قد توصف بهذه المعاني مجازا، ~~وأما في # الحقيقة فالأوقات هي الفلك، والحركة لا توصف بصفة معنوية، لأن العرض لا ~~يكون حاملا للوصف. # ومن هذا الفصل: " خرجت ذات يوم " و " ذات مرة "، لأن " ذات " في أصل # PageV01P299 # وضعها وصف للخرجة ونحوها، كأنك قلت: " خرجت خرجة ذات يوم "، أي: لم تكن ~~إلا في يوم واحد، فمن ثم لا يجز فيها إلا النصب، ولم يجز دخول الجار عليها. # وكذلك: " ذا صباح " و " ذا مساء " في غير لغة خثعم. # فإن قيل: فلم أعربها النحويون ظرفا إذا كانت في الأصل مصدرا؟. # قلنا: لأنك إذا قلت: " ذات يوم "، علم أنك تريد يوما واحدا، وقد اختزل ~~المصدر ولم يبق إلا لفظ اليوم مع الذات، فمن ثم أعربوه ظرفا. # وسره في اللغة ms204 ما تقدم. # وأما " مرة " فإن أردت بها فعلة واحدة من مرور الزمان، فهي ظرف زمان، وإن ~~أردت بها فعلة واحدة من المصدر مثل قولك: " لقيته مرة. أي: لقيته) لقية، ~~فهي مصدر، وعبرت عنها بالمرة، لأنك لما قطعت اللقاء ولم تصله بالدوام صار ~~بمنزلة شيء مررت به ولم تقم عنده، فإذا جعلت المرة ظرفا فاللفظ حقيقة، ~~لأنها من مرور الزمان، وإن جعلتها مصدرا فاللفظ مجاز، إلا أن تقول: " مررت ~~مرة "، فيكون حينئذ حقيقة. # * * * ### | ### | فصل # (في تعدي الفعل إلى الظرف) # ومن هذا القبيل: جلست خلفك وأمامك، وكذلك: فوق وتحت وإزاء وتلقاء وحذاء. # وكذلك قربك وعندك، لأن عندك في معنى القرب، وهي أيضا من لفظ # " العند " # قال الراجز: # PageV01P300 # كل شيء يحب ولده ... حتى الحبارى فتطير عنده # أي: إلى جنبه. # وهذه الألفاظ كلها ليس يخفي بأدنى نظر أنها مأخوذة من لفظ # الفعل فخلف من " خلفت "، و " قدام " من " تقدمت "، و " فوق " # من فقت ". # و" أمام " وأم من " أممت "، أي: قصدت. # وكذلك سائرها، إلا أنهم لم يستعملوا فعلا من # " تحت "، ولكنها مصدر في الأصل أميت فعله. # وإذا كان الأمر فيها كلها كذلك، فقد صارت قبل وبعد في الزمان، وكعشي ~~وقريب، وصار فيها كلها معنى الوصف. # فلذلك عمل الفعل بنفسه، كما يعمل فيما هو وصف للمصدر أو وصف للفاعل أو ~~المفعول به، لأن الوصف هو الموصوف # في المعنى، فلا يعمل الفعل إلا في هذه الثلاثة أوما هو في معناها، لأنه ~~لا يدل # بلفظه إلا عليها كما تقدم. فقد بان لك أنه لم يمتنع الإخبار عنها ولا ~~دخول الجار عليها من جهة الإبهام، كما قالوه، لأنه لا فرق بينها وبين غير ~~المبهم في انقطاع دلالة الفعل عنها، إذ لا يدل الفعل بلفظه على مبهمها ولا ~~على محدودها ولا على حركة فلك، وإنما يدل بلفظه على مصدره وفاعله إذا كان ~~الفاعل مطلقا، وعلى المفعول به كذلك. # فإن قيل: فأين لفظ الفعل في " ميل " و " فرسخ "؟ # وأي معنى للوصف فيه والفعل قد تعدى إليه بغير حرف، وعمل فيه بلا ms205 واسطة؟. # قلنا: المراد بالميل والفرسخ تبيين مقدار المشي لا تبيين مقدار الأرض، ~~فصار # الميل عبارة عن عدة خطا، فكأنك قلت: " سرت خطا عدتها كيت وكيت "، فلم ~~يتعد # PageV01P301 # الفعل في الحقيقة إلا إلى المصدر المقدر بعدد معلوم، كقولك: " ضربت ألف # ضربة " و " مشيت ألف خطوة "، ألا ترى أن " الميل " عندهم ثلاثة آلاف ~~وخمسمائة، والفرسخ أضعاف ذلك ثلاث مرات. # فلم ينكسر ما أصلناه من أن الفعل لا يتعدى إلا إلى ما ذكرناه. # وإنما سموا هذا المقدار من الخطا والأذرع ميلا لأنهم كانوا ينصبون في رأس ~~ثلث فرسخ نصبا كهيئة الميل الذي يكتحل به، إلا أنه كبير، ثم يكتبون في رأسه ~~عدد ما مشوه ومقدار ما تخطوه، ذكر قاسم بن ثابت أن هشام ابن عبد الملك مر ~~في بعض أسفاره بميل، وأمر أعرابيا أن ينظر في الميل كم مكتوبا فيه؟ وكان ~~الأعرابي أميا، فنظر فيه، ثم رجع إليه فقال: أفيه محجن، وحلقة، وثلاثة ~~كأطباء الكلية، وهامة كهامة القطا ". # فضحك هشام وقال: معناه خمسة أميال. # فقد وضح لك أن الأمثال مقادير المشي، والمشي مصدر، فمن ثم عمل فيه # الفعل، ومن ثم عمل في المكان نحو: " جلست مكان زيد، لأنه مفعل من الكون، ~~فهو في أصل وضعه مصدر عبر به عن الموضع. # والموضع أيضا من لفظ الوضع، فلا يعمل الفعل في شيء # من هذا القبيل بحرف. # والذي قلناه في مكان أنه من الكون هو قول الخليل في كتاب " العين "، إلا # أنهم شبهوا (الميم) بالحرف الأصلي للزومها، فقالوا في الجمع " أمكنة ". # حتى كأنه على وزن في " فعال "، وقد فعلوا ذلك في ألفاظ كثيرة، شبهوا ~~الزائد بالأصلي نحو: # " تمدرع " و " تمسكن "، ولهما نظائر. # PageV01P302 # وأما: " جلست يمينك وشمالك "، فليس من هذا ال ### | فصل # ، ولكنه مما حذف منه الجار لعلم السامع به، أرادوا: " عن يمينك وعن شمالك ~~" أي: الجارحتين، ثم حذف الحرف الجار، فتعدى الفعل فنصب. # فهو من باب " أمرتك الخير ". # وإنما حذف (الحرف) لما تضمنه الفعل مرة من معنى الناصب، لأنك إذا قلت: " ~~جلست عن يمينك " فمعنى الكلام: ms206 قابك يمينك وحاذيته، ونحو ذلك. # * * * # فصل # ومن هذا الأصل تعدي الفعل إلى الحال بنفسه، ونعني بالحال صفة الفاعل # التي فيها ضمير، أو صفة المفعول، أو صفة المصدر الذي عمل فيها، لأن # الصفة هي الموصوف من حيث كان فيها الضمير الذي هو الموصوف. # وذلك نحو: " سرت سريعا " و " جاء زيد ضاحكا " و " ضربته قائما ". # فلم يعمل الفعل في هذا النحو من حيث كان حالا، لأن الحال غير الاسم الذي ~~يدل عليه الفعل، ألا ترى أنك لو # صرحت بلفظ الحال لم يعمل فيها الفعل إلا بواسطة الحرف نحو: جاء # زيد في حال ضحك ولا تقول: " جاء زيد حال ضحك " # لأن الحال غير " زيد ". # وكذلك لا تقول: " جاء زيد ضحكا "، لأن الضحك غير " زيد "، وغير المجيء ~~فلا يعمل " جاء " فيه إلا بواسطة. # فإذا قلت: " ضاحكا " عمل فيه، لأن الضاحك هو زيد. # وإذا قلت: " جاء زيد مشيا "، عمل فيه أيضا لا من حيث كان صفة لزيد، لأنه ~~لا ضمير فيه يعود على " زيد "، ولكن من حيث كان صفة للمصدر الذي هو ~~(المجيء) فيعمل فيه " جاء " كما يعمل في المصدر. # وأما عمله في المفعول من أجله، فإنه لم يعمل فيه بلفظه عندي، ولكنه دل # PageV01P303 # على فعل باطن من أفعال النفس والقلب، آثار هذا الفعل الظاهر، وصار ذلك ~~الفعل الباطن عاملا في المصدر الذي هو المفعول من أجله في الحقيقة، والفعل ~~الظاهر دال عليه، ولذلك لا يكون المفعول من أجله منصوبا حتى يجتمع فيه ~~ثلاثة شروط: # الأول: أن يكون مصدرا. # والثاني: أن لا يكون من أفعال الجوارح الظاهرة. # والثالث: أن يكون من فعل الفاعل المتقدم ذكره. # نحو: " جاء زيد خوفا "، و " رغبة فيك "، فإن الخوف والرغبة من أفعال ~~النفس الباطنة وهو من فعل الفاعل المذكور في الجملة. # فلو قلت: " جاء زيد قراءة للعلم " # أو: " قتلا للكافر " - لم يجز أن يجعل ذلك مفعولا من أجله، لأنها أفعال ~~ظاهرة، فقد بان لك أن المجيء إنما يظهر ما كان باطنا خفيا حتى كأنك قلت: ~~جاء زيد مظهر بمجيئه الخوف ms207 والرغبة أو الحرص وأشباه ذلك. # فهذه الأفعال الظاهرة تبدي لك الباطنة، فهي مفعولات في المعنى والظاهرة ~~دالة على ما ينصبها فإن جئت بمفعول من أجله من غير هذا القبيل الذي ذكرنا، ~~لم يصل الفعل إليه إلا بحرف نحو: " جئت لكذا " # أو: " من أجل كذا "، والله أعلم. # ثم نرجع إلى الحال فنقول: إذا كانت صفة لازمة للاسم كان حملها عليه على # جهة النعت أولى بها، وإذا كانت مساوية للفعل غير لازمة للاسم إلا في وقت ~~الإخبار عنه بالفعل، صلح أن تكون حالا، لأنها مشتقة من التحول، فلا تكون ~~إلا صفة يتحول عنها، وكذلك لا تكون إلا مشتقة من فعل، لأن الفعل حركة غير ~~ثابتة. # وقد تجيء غير مشتقة ولكنها في المعنى كالمشتق، نحو قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: # يتمثل لي الملك رجلا ". # أي: يتحول عن حال إلى حال، ويرجع متصورا في صورة الرجال. # فصار قولك: " رجلأ " كقولك: متصورا على هذه الصورة، ومتحولا إلى # هذه الحال ". # وأما قولهم: جاء زيد رجلا صالحا، فالصلة وطأت الاسم للحال. # ولولا " صالحا " ما كان " رجلا " حالا. # PageV01P304 # وكذلك قوله تعالى: (لسانا عربيا) . # فإن قيل: وما فائدة ذكر الاسم الجامد؟ وهلا اكتفى بصالح وعربي؟. # قلنا: في ذكر الاسم موصوفا بالصفة، في هذا الموطن، دليل على لزوم هذه # الحال لصاحبها، وأنها مستمرة له، وليس كقولك: " جاء زيد صالحا "، لأن " ~~صالحا " ليس فيه غير لفظ الفعل، والفعل غير دائم. # وفي قولك: " رجلا صالحا " لفظ رجل وهو دائم، فلذلك ذكر. # فإن قيل: فكيف يصح في قوله عز وجل: (لسانا عربيا) أن يكون حالا. # والحال تعطي التحول والانتقال إليها عن حالة أخرى. # وأنت لو قلت: جاء زيد قرشيا أوحبشيا "، لم يجز، لأنه لم يزل كذلك؟. # فالجواب: أن قوله عز وجل: (لسانا عربيا) حال من الضمير في (مصدق) . # لا من (كتاب) ، لأنه نكرة والعامل في الحال ما في (مصدق) من معنى الفعل. # فصار المعنى: أنه مصدق لك في هذه الحال، والاسم - الذي هو صاحب الحال - ~~قديم، وقد كان غير موصوف بهذه الصفة حين ms208 أنزل معناه لا لفظه على موسى وعيسى ~~وداود عليهم السلام، وإنما كان عربيا حين أنزل على محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - مصدقا له ولما # بين يديه من الكتاب، فقد أوضحت فيه معنى الحال، وبرح الإشكال. # وأما قوله عز وجل: (وهو الحق مصدقا) ، فقد حكوا أنها حال مؤكدة. # ومعنى الحال المؤكدة أن يكون معناها كمعنى الفعل، لأن التوكيد هو المؤكد ~~في المعنى، وذلك نحو: " قم قائما " و " مشيت ماشيا "، و " أما: زيد معروفا ~~"، هذه هى الحال المؤكدة في الحقيقة. # وأما (وهو الحق مصدقا) فليسث بحال مؤكدة، لأنه قال: (مصدقا لما معهم) . # وتصديقه لما معهم ليس في معنى الحق، إذ ليس من شروط الحق أن يكون مصدقا ~~لفلان ولا مكذبا له، بل الحق في نفسه (حق) وإن لم يكن مصدقا لغيره. ولكن ~~(مصدقا) ههنا حال من الاسم المجرور من قوله تعالى: # (ويكفرون بما وراءه) وقوله: (وهو الحق) جملة في معنى الحال أيضا، ~~والمعنى: كيف تكفرون # PageV01P305 # بما وراءه وهو في هذا الحال؟ أعني مصدقا لما معهم، كما تقول: لا تشتم ~~زيدا وهو أمير محسنا إليك فالجملة حال، " ومحسنا " حال بعدها، والحكمة في ~~تقديم الجملة التي في موضع الحال على قولك " محسنا " و (مصدقا) - أنك لو ~~أخرتها لتوهم أنها في موضع الحال من الضمير الذي في " محسن، و (مصدق) ، ألا ~~ترى أنك لو قلت: # " أتشتم زيدا محسنا إليك (وهو أمير) - لذهب الوهم إلى أنك تريد؟ # محسنا إليك في هذه الحال. # فلما قدمتها اتضح المراد وارتفع اللبس. # هذا وجه لا يبعد في هذا الموضع. # ووجه آخر يطرد في هذه الآية، وفي الأخرى التي في سورة فاطر، قوله: # (والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه) ، وهو أن يكون # (مصدقا) ههنا حالا يعمل فيها ما دلت عليه الإشارة المنبئة عنها # " الألف واللام "، لأن " الألف واللام " قد تنبئ عما تنبئ عنه أسماء ~~الإشارة، حكي سيبويه: " لمن الدار مفتوحا بابها؟ ". # (فقولك: مفتوحا بابها) لا يعمل فيه الاستقرار الذي يتلق به " لمن "، لأن # ذلك خلاف المعنى ms209 المقصود، وتصحيح المعنى: # " لمن هذه الدار مفتوحا بابها؟ " # فاستغنى بذكر " الألف واللام " وعلم المخاطب أنه مشير وتنبه المخاطب ~~بالإشارة إلى النظر، وصار ذلك المعنى المنبه عليه عاملا في الحال. # وكذلك قوله تعالى: (وهو الحق مصدقا) ، كأنه يقول: " هو ذلك الحق "، لأن ~~الحق قديم ومعروف بالعقول والكتب المتقدمة. # فلما أشار نبهت الإشارة على العامل في الحال، كما إذا قلت: # " هذا زيد قائما "، نبهت الإشارة المخاطب على النظر، فكأنك قلت: # " انظر إلى زيد قائما " لأن الاسم الذي هو " ذا " ليس هو العامل، ولكنه ~~مشعر ومنبه على المعنى العامل في الحال، وذلك المعنى هو " انظر ". # وسنزيد هذا المعنى وضوحا فيما بعد إن شاء الله تعالى. # ومما أغنت فيه " الألف واللام " عن أسماء الإشارة قولهم: " اليوم قمت "، # PageV01P306 # و " الساعة تكلمت " " الليلة فعلت "، تريد: " هذا اليوم " و " هذه الليلة ~~"، اكتفيت بالألف واللام عن أسماء الإشارة والإبهام، والله ولي التوفيق ~~والإفهام. # * * * ### | مسألة # (في الحال) # " هذا بسرا أطيب منه رطبا ". # فيه أسئلة: # أحدها: ما العامل في هاتين الحالين، هل واحد أم لا؟ # والئاني: متى يجوز أن يعمل عامل واحد في حالين؟ ومتى لا يجوز؟. # الثالث: من أي اسم هي حال؟ أعني الأولى. # ومن أي اسم هي - الثانية - حال؟ # وهل هما حالان من اسم واحد أم لا؟ # الرابع: هل يجوز التقديم والتأخير فيهما جميعا أم لا؟. # الخامس: كيف تصورت الحال في اسم غير مشتق، وهو " البسر " ونحوه؟. # السادس: إلى أي شيء هي الإشارة في قولهم: هذا بسرا؟. # السابع: لم عول في إعرابهما على الحال، واختاره " سيبويه "، وعدلتم عن # إضمار كان؟ وتركتم قول من قال: إن التقدير: هذا إذا كان بسرا أطيب منه ~~إذا كان رطبا؟ # أما العامل في الحال الأولى فهو ما في " أطيب " من معنى الفعل، لأنك ~~تريد: # طيبه في حال البسرية يزيد على طيبه في حال الرطبية. (فالطيب) أمر واقع في ~~هذه الحال، فلذلك قال سيبويه: هذا باب ما ينصب من الأسماء على إنها أحوال ~~وقعت فيها الأمور # وأما الحال الثانية وهي " رطبا "، فالعامل فيها مضى ms210 الفعل الذي # تعلق به الجار في قولك: منه، لأن (منه) متعلق بمعنى غير الطيب. # لأن " طاب يطيب " لا يتعدى بمن، ولكن صيغة (أفعل) تقتضي التفضيل بين ~~شيئين # PageV01P307 # مشتركين في صفة واحدة، إلا أن أحدهما متميز من الآخر ومنفصل منه بزيادة ~~في تلك الصفة فمعنى التميز والانفصال الذي تضمنه أفعل هو الذي تعلق به حرف ~~الجر وهو الذي يعمل في الحال الثانية، كما عمل معنى الفعل الذي تعلق به حرف ~~الجر من قولك: " زيد في الدار قائما " في الحال التي هي قائما. # فإن قيل: فهلا أعمل فيهماجميعا ما في " أطيب " من معنى الطيب؟. # قلنا: لو تجرد ما فيه من معنى الطيب من معنى التفضيل فقلت: # " هذا طيب بسرا " لم يصح عمله إلا في حال واحدة، لأن الفعل الواحد لا يقع ~~في حالتين ولا في ظرفين لا تقول: " زيد قائم يوم الجمعة يوم الخميس ". # فإن قلت: " زيد أقوم يوم الجمعة منه يوم الخميس "، جاز، لأن العامل في ~~أحد اليومين غير العامل في اليوم الثاني، لأنك فضلت حين قلت: " أقوم "، ~~قياما على قيام آخر، وفضلت حالا من حال بمزية وزيادة. # وكذلك حين قلت: " هذا بسر أطيب منه رطبا ". # وليس يجوز أن يعمل عامل واحد في حالين ولا ظرفين، إلا أن يتداخلا ويصح ~~الجمع بينهما نحو قولك:، زيد خارج يوم الجمعة ضحوةا ". # لأن الضحوة في يوم الجمعة. # وكذلك " سرت راكبا مسرعا "، ولو قلت: " مسرعا مبطئأ " # لم يجز، لاستحالة الجمع بينهما وكذلك: " بسرا " و " رطبا " يستحيل أن ~~يعمل فيهما عامل واحد، لأنهما غير متداخلين كما سبق. # وفد فرغنا من السؤال الثاني. # وأما السؤال الثالث، وهو عن صاحب الحال ههنا، فإن الاسم المضمر في # " أطيب " الذي هو راجع على المبتدأ من خبره هو صاحب الحال الأول، فبسرا ~~حال منه، و " رطبا " حال من الضمير المجرور بمن وان كان المجرور بمن هو ~~المرفوع المستتر في " أطيب " من جهة المعنى، ولكنه تنزل منزلة الأجنبي، ألا ~~ترى أنك لو قلت: " زيد قائما أخطب من عمرو قاعدا،، لكان قاعدا " حال ms211 من ~~الاسم المخفوص بمن - وهو عمرو - فكذلك (رطبا) حال من الاسم المضمر المجرور ~~بمن. # PageV01P308 # وأما السؤال الرابع - وهو جواز التقديم والتأخير - فإن الحال الأولى يجوز ~~فيها ذلك لأن العامل فيها لفظي، وهو ما في " أطيب " من لفظ الفعل: # فلك أن تقول: # " هذا بسرا أطيب منه رطبا "، وأن تقول: هذا أطيب بسرا منه رطبا " # وهو الأصل. # فإن قيل: فإذا كان هذا هو الأصل، فلم مثل " سيبويه " بها مقدمة، وكان ذلك ~~أحسن عنده من أن يؤخرها؟ # فالجواب: أنه أراد تأكيد معنى الحال فيها، لأنه ترجم عن الحال فلو أخرها # لأشبهت التمييز، لأنك إذا قلت: " هذا الرجل أطيب بسرا وفلان ". # فبسرا - لا محالة - تمييز، وإذا قدمت " بسرا " على " أطيب من كذا ". # فبسرا - لا محالة - حال ولا يصح أن يخبر بهذا الكلام عن رجل ولا عن شيء ~~سوى التمر وما هو في معناه. # فإذا قلت: " هذا أطيب بسرا "، احتمل الكلام قبل تمامه وقبل النظر في # قرائن أحواله أن يكون " بسرا " تمييزا وأن يكون حالا، وبينهما في المعنى ~~فرق # عظيم، فاقتضى تحصين المعنى والحرص على البيان للمراد تقديم الحال الأولى # على عاملها، ولو أخرت لجاز. # وأما الحال الثانية فلا سبيل إلى تقديمها على عاملها، لأنه معنوي، ~~والعامل # المعنوي لا يتصور تقديم معموله عليه، لأن العامل اللفظي إذا تقدم عليه ~~منصوبه الذي حقه التأخير، قلت فيه: " مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى "، ~~فقسمت العبارة بين اللفظ والمعنى. # فإذا لم يكن للعامل وجود في اللفظ لم يتصور تقديم المعمول عليه: لأنه لا # بد من تأخير المعمول عن عامله في المعنى، فلا يوجد إلا بعده، وعامله ~~متقدم # عليه، لأنه منوي غير ملفوظ به، فلا تذهب النية والوهم إلى غير موضعه. ~~بخلاف اللفظي فإن محل اللفظ اللسان ومحل المعنى القلب، فإذا ذهب اللسان ~~باللفظ إلى غير موضعه لم يذهب القلب بالمعنى إلا إلى موضعه وهو التقديم، ~~فتأمله. # وأما السؤال الخامس، وهو الاشتقاق، فإن الاشتقاق لا يلزم في الحال، إنما # يلزم فيها أن تكون صفة متحولة، لأن الحال مشتقة من ms212 التحول، فإذا كان صاحب ~~الحال قد أوقع الفعل في صفة غير لازمة للفعل، فلا تبال أكانت مشتقة أم غير # PageV01P309 # مشتقة، فقد جاء في الحديث: " يتمثل لي الملك رجلا ". # فرجلا: حال، لأن صورة الرجل طارئة على الملك في حال التمثل، وليست لازمة ~~للملك إلا في وقت وقوع الفعل منه وهو التمثل، فهي إذا حال لأنه قد تحول ~~إليها. # ومثله: (يخرجكم طفلا) . ومثله قولك: " مررت بهذا العود شجرا ثم مررت به ~~رمادا ". # فهذه كلها أحوال وإن كانت جامدة لأنها صفات يتحول الفاعل إليها وليس يلزم ~~في الصفات أن تكون كلها فعلية، بل منها نفسية ومعنوية وعدمية، وهي صفة ~~النفي، وإضافية وفعلية، ولا يكون من جميعها حالا إلا ما كان الفعل واقعا ~~فيه وجاز خلوه عنها، وأما ما كان لازما الاسم فيها لا يجوز خلوه عنه، فلا ~~يكون حالا منتصبة بالفعل، نحو قولك: " قرشيا " # و" حبشيا " و " ابنا لزيد " و " أخا لعمرو "، فإذا أردت النسب لا يكون # شيء من هذا كله حالا، فافهمه. # وأما السؤال السادس، وهو: (ما) المشار إليه في # قولك: " هذا بسرا "، فهي الشيء الذي تتعاقب عليه هذه الأحوال. # وهو ما تخرجه النخل من أكمامها فيكون بلحا ثم سيابا، ثم جدالا ثم بسرا ~~إلى أن يكون رطبا. # ورأيت لبعض الأشياخ أنه قال: " إذا قدرته بإذا فالإشارة إلى الجدال. # والتقدير: " هذا الجدال إذا كان بسرا ". وإذا قدرته بإذ فالإشارة إلى ~~الرطب، والتقدير: " هذا إذا كان بسرا ". # وهذا تكلف لا معنى له، لأنا سنبطل إضمار " إذ " و " إذا " فيما بعد ~~وإضمار # " كان " وهو السؤال السابع. # ووجه آخر يبطل ما ذهب إليه هذا الشيخ، وهو أنه لا معنى لتخصيص # " الجدال " و " الرطب "، فإنها مسألة لا تختص بهذا المعنى، بل تقول: # " زيد قائما أخطب منه قاعدا "، و " هو راكبا أسرع منه ماشيا ". # فالإخبار إنما هو عن الاسم الحامل للصفة التي هي حال، وقولك " هذا وأنت ~~تشير إلى الجدال أو السياب، إن كنت تريد الصفة التي هي الجدالية فهو محال، ~~لأن البسرية ليست صفة للجدالية. # وإنما ms213 هي صفة وحال للجوهر الموصوف. # فلم يبق إلا أن تكون الإشارة إلى الجوهر الذي تتعاقب عليه الأحوال. # وكذلك أيضا يبطل قول من زعم أن معنى الإشارة في هذا هو العامل في # PageV01P310 # " بسرا " إذ لا تختص هذه المسألة بهذه الصورة بل قال ابن سلام لعثمان # رضي الله عنهما: أنا خارجا أنفع مني لك داخلا. # وكذلك: " زيد فارسا أشجع منه راجلا "، لا إشارة ههنا ولا معنى إشارة، ~~فبطل هذا القول، ورأيته منسوبا إلى " النسوي "، وليس بشيء فافهم. # وأما السؤال السابع - وهو اختيار نصبهما على الحال دون إضمار " كان " # وإذا - فإذا " كان " لا تضمر، قال سيبويه: " لو قلت: عبد الله المقتول ~~تريد: كن عبد الله المقتول لم يجز ". # وبرهان قوله في ذلك أن " كان " الزمانية ليست عبارة عن الحدث: وإنما هي # عبارة عن الزمان، والزمان لا يضمر، وإنما يضمر الحدث إذا كان في الكلام ~~ما يدل عليه وليس في الكلام ما يدل على الزمان الذي يقيد به الحدث، إلا أن ~~يلفظ به، فإن لم يلفظ به لم يعقل. # فإن قلت: تضمر " كان " التامة، وتكون " بسرا " حالا تعمل فيه " كان " ~~التامة؟ # قلنا: هذا كلام من لم يفهم " كان " فإن " كان " الزمانية و " كان " ~~التامة يرجعان إلى أصل واحد، ولا يجوز إضمار واحد منهما. # وكشف سرهما يطول، وليس هدا موضع ذكره. " # وإذا لم يجز إضمار " كان " على انفرادها فكيف يجوز إضمار " إذا " و " إذ ~~" معها # وأنت لو قلت: سآتيك جاء زيد، تريد: " إذا جاء زيد "، كان خلفا من الكلام ~~بإجماع. # وإذا كان كذلك كان من هدا الموطن أبعد، فإنه لا يدري ههنا إذ تريد أم # إذا؟ وفي قولك: " سآتيك " لا يحتمل إلا أحدهما، بخلاف قولك: # زيد قائما أخطب منه قاعدا. # وإذا بعد كل البعد إضمار الظرف ههنا فإضماره مع " كان " أبعد، ومن قدره ~~من النحويين فإنما أشار إلى شرح المعنى بضرب من التقريب على المبتدئين. # والحمد لله رب العالمين. # PageV01P311 ### | باب الابتداء أو الرفع # الرافع للاسم المبتدأ كونه مخبرا عنه، لآن كل مخبر عنه مقدم في ms214 # الرتبة، فاستحق من الحركات أثقلها، لأن أوائل الألفاظ والكلام أولى ~~بالثقل وأحمل له، ألا ترى أن الحذف والتغييرات إنما تلحق الأواخر تخفيفا. # ووجه آخر في استحقاق المخبر عنه الرفع، وذلك أنه أقوى حظا في الحديث من ~~المفعولات والمجرورات، فلما كان حظه من الخبر أقوى، كان أولى الحركات به ~~أقواها، وقوة الضمة وثقلها معلوم بالحس وموجود بالضرورة، فاختيرث للمخبر ~~عنه ليتشاكل اللفظ # المقول، والمعنى المنقول، كما تقدم فيما مضى من الأصول، فقد اشترك الفاعل ~~والمبتدأ في استحقاق الرفع، إلا أن العامل في الفاعل لفظي فلا يدخل عليه ما ~~يزيله، لأن العامل اللفظي أقوى من المعنوي، إذ هو متضمن اللفظ والمعنى ~~جميعا بخلاف المعنوي. # PageV01P312 # ومن ثم يبطل الرفع في المبتدأ بدخول (إن وأخواتها) (وظن وأخواتها) . # وقد تقدم في باب أقسام الأفعال في التعدي شرح عملها في المبتدأ، فأغنى عن # إعادته ههنا. # * * * ### | فصل # (في تقديم الخبر) # وأما رفع الخبر فمن حيث كان هو الاسم الأول في المعنى، كما في النعت # (والبدل) الجريان على المنعوت والمبدل منه واتباعه في الإعراب لازما. # وإذا كان الأمر كذلك فالقول إذا ما قاله الخليل - رحمه الله تعالى - في ~~امتناع تقديم الخبر عليه قياسا على النعت والبدل والتوكيد. # إلا أن حال الخبر في التقديم أخف من تقديم التوابع، لأن التوابع من تمام ~~الاسم المتبوع، وليس الخبر من تمام المبتدأ # ولكنه من تمام الكلام الذي فيه المبتدأ، ألا ترى أن النعت مع المنعوت لا ~~يكون كلاما كما يكون الخبر مع المبئدا كلاما، فقد صار النعت كجزء من الاسم ~~المنعوت فلا يتقدم عليه بإجماع، وخبر المبتدأ - وإن كان العامل فيه معنويا ~~- فالعامل المعنوي لا يتقدم معموله عليه للسر الذي ذكرناه في غير هذا ~~الموضع، ولكنه يفارق النعت والبدل قليلا بما قدمناه من الفرق. # فإن قيل: كيف يستقيم من الخليل منع تقديم الخبر مع كثرته في القرآن ~~والكلام الفصيح نحو قوله سبحانه: (وآية لهم الليل) . # ونحو ما استشهد به سيبويه من قولهم: " مسيء أنت " و " مسكين فلان "، ~~لاسيما # PageV01P313 # وفي الحديث: # "مسكين رجل ms215 لا زوجة له! مسكينة امرأة لا زوج لها ". # قلنا: لا يخفى على مثل الخليل مثل هذه الشواهد ولكنه أراد منع # تقديم الخبر الذي هو خبر محض مجرد من المعاني التي هي نحو المدح والذم # والترحم والتعظيم وغير ذلك، لأن تلك المعاني إذا دخلت في الكلام حسنت ~~تأخير المبتدأ، لأنه قد صار بسببها مفعولا في المعنى؛ ألا ترى أنك إذا قلت: # " حسن زيد! "، فإن المعنى: أستحسن زيدا. # وإذا قلت: "مسيء عمرو! "، فالمعنى: أذم عمرا. # وإذا قلت: " مسكين فلان! " # فالمعنى: أرحم فلانا وأرق له. # وأشعرت هذه الصفات كلها بهذا المعنى الذي # لو لفظ به مصرحا لكان مقدما والاسم مؤخرا. # وذلك الاسم هو المبتدأ في اللفظ وهو المذموم أو المرحوم في المعنى. # وأما إذا تجرد الخبر من هذه القرائن كلها مثل قولك: " قائم زيد " # و"ذاهب عمرو " و "خياط أخوك " # فهو الذي أراد الخليل أنه يقبح تقديمه. # والله أعلم. # وأما ما حكاه سيبويه من قولهم: " قائم أنا "، فليس " أنا " مبتدأ، إنما ~~هو # تأكيد للمضمر في " قائم "؛ لأن " قائم " خبر لمبتدأ محذوف؛ وكان قائلا ~~قال له: ما أنت؟! # فقال: " قائم ". # ثم أكد بقوله: " أنا ". # ولا يمنع الخليل مثل هذا. # فقد يجوز على هذا " فائم زيد! " # إذا سألك سائل أو توهمت منه إرادة السؤال عن زيد، فتقول: # " قائم "، أي: " هو قائم "، فيكون حينئذ " زيد " بدلا من الضمير # المستتر في قائم، وذلك الضمير عائد على أول الكلام لا على " زيد ". # فإن عاد على " زيد " لا على شيء في أول الكلام ف " زيد " مبتدأ # و" قائم " خبر عنه مقدم، وهو الذي منعه الخليل. # فقف على هذا الأصل تحكم جميع هذا الفصل - إن شاء الله تعالى - # وأكثر هذا الكلام قد رأيته للأستاذ # " أبي الحسين بن الطراوة " رحمه الله. # PageV01P314 ### | فصل # (في مسوغات الابتداء بالنكرة) # وحد المبتدأ أن يكون معرفة أو مخصوصا وإلا فلا فائدة في الإخبار عنه # فإن لم يكن منعوتا ولا مخصوصا ولامستفهما (عنه) ولامنفيا نحو: # (لا لغو فيها) ، فلا يخبر عنه، إلا أن يكون الخبر مجرورا معرفة مقدما ms216 ~~(عليه) ، لأن الخبر إذا كان مقدما ومعرفة فإن كان في اللفظ خبر المبتدأ ~~فإنه في المعنى مخبر عنه، لأن التعريف والتقديم يجران إليه ذلك المعنى، ~~فكأنك إذا قلت: " على زيد دين " إنما قلت: " زيد مديان " وإذا قلت: " في ~~الدار امرأة " # إنما أردت: " الدار فيها امرأة ". # فلذلك حسن الإخبار عن النكرة ههنا في اللفظ لأنه ليس خبرا عنهما في ~~الحقيقة، ألا ترى أنك إذا قدمت الاسم المبتدأ فقلت: " رجل في الدار "، كيف ~~يبقى الكلام ناقصا؛ لأن النكرة تطلب الوصف طلبا حثيثا، فيسبق إلى الوهم أن ~~الجار والمجرور وصف لها لا خبر عنها، إذ ليس من عادتها أن يخبر عنها إلا ~~بعد الوصف لها. # فإذا قدمت الجار والمجرور عليها استحال أن يكون وصفا لها، لأن الوصف لا # يتقدم الموصوف فذهب الوهم إلى أن الاسم المجرور المعرفة الذي هو في # موضع خبر عن النكرة هو المخبر عنه في المعنى وإن كان مجرورا في اللفظ. ~~فكم من مجرور في اللفظ مخبر عنه في الحقيقة، مثل قولهم: له صوت صوت # " حمار "، ونظائره أكثر من أن تحصى. # فهذا موضع يكون المبتدأ فيه نكرة مع ما تقدم # من ذكر المستفهم عنه والمنفي. # وفي العربية أبواب رفعت فيها النكرة بالابتداء سوى ما ذكرناه، ولكن لمعان # مازجت الكلام، وقرائن أحوال حسنت النظام. # من ذلك التفضيل نحو قول عمر # PageV01P315 # - رضي الله عنه - " تمرة خير من جرادة "، ونحو ما قدر سيبويه # من قوله تعالى: (طاعة وقول معروف) # أي: طاعة أمثل، ولم يقل: " مثيلة " ولا حسنة، لأن # النكرة لا يخبر عنها كما تقدم إلا على الشروط المذكورة أو تريد التفضيل ~~فتقول: " تمرة أفضل من كذا " أو: " طاعة أفضل "، لأنك حين قلت: # أفعل من كذا، علم أنك تريد أن تقول: أفضل تمرة لم وأوثر طاعة، ونحو هذا ~~المعنى. # فخرجت النكرة عن أن تكون مبتدأ محضا ومخبرا عنه حقيقة، والله تعالى أعلم. # * * * ### | فصل # (في بعض مسوغات الابتداء) # ومما ابتدى به - وهو نكرة - ما دخله معنى الدعاء أو معنى يخرجه عن أن ~~يكون الكلام خبرا ms217 محضا كما تقدم في التفضيل. # فمن ذلك ما أريد به التزكية نحو قوهم: " أمت في الحجر لا فيك "، لأنهم لم # يقولوا: " أمت في الحجر "، ويسكنوا ههنا حيت قرنوه بقول: # " لا فيك "، فصار معنى الكلام: إضافة " الأمت " إلى " الحجر " أقرب من ~~إضافته إليك، والأمت والحجر أليق به منك ونحو هذا، لأنهم أرادوا تزكية ~~المخاطب ونفي العيب عنه ولم يريدوا الأخبار عن " أمت " أنه في الحجر، بل هو ~~في حكم النفي عن الحجر وعن المخاطب معا، إلا أن نفيه عن المخاطب أوكد. # وإذا دخل الحديث معنى النفي فلا غرو أن يبتدأ بالنكرة، فقد تقدم حسن # الإخبار عنها في النفي لما فيه من العموم والفائدة، وهو بديع لمن تأمله. # ويشبهه: " شر ما جاء به " و " شر ما جاء به إلى مخه عرقوب ". # لأن معنى الكلام " ما جاء به إلا شر "، فقامت " ما " الزائدة مقام شيئين: # حرف النفي، وحرف الإيجاب، كما أدت هذين المعنيين في قولك: إنما زيد قائم، ~~أي: ما زيد إلا قائم. # وفي قوله عز وجل: (قليلا ما يؤمنون) ، أي: ما يؤمنون إلا قليلا. # و (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم) ، أي: ما لعناهم إلا بنقض ميثاقهم. # PageV01P316 # فإن قيل: من أين أفادت " ما " الزائدة معنيين، وهي إذا كانت موضوعة ~~موضعها لا تفيد إلا معنى النفي وحده؟ # قلنا: لم تفد النفي والإيجاب بمجردها، ولكن باجتماعها مع القرائن المتصلة # بها. أما في قولهم: " شر ما جاء به " فبانتظامها بالاسم النكرة، والنكرة ~~لا يبتدأ بها، فلما قصد إلى تقديمها علم أن فائدة الخبر مخصوصة بها، ووكد ~~ذلك التخصيص بما، وانتفى الأمر من غير الاسم المبتدأ أو لم يكن إلا له، ~~وصار ذلك بمنزلة من يقول: ما جاء به إلا شر. # واستغنينا بما ههنا عن " ما " النافية، وبالابتداء بالنكرة عن # " إلا ". # وأما قولك: " إنما زيد قائم " فقد انتظمت بإن وامتزجت معها، وصارتا كلمة ~~واحدة. و " إن " تعطي الإيجاب الذي تعطيه " إلا "، و " ما " تعطي النفي، ~~ولذلك جاز " إنما يقوم أنا، و " أنا " لا تكون فاعلة إلا إذا فصلت ms218 من الفعل ~~بإلا، تقول: " ما يقوم إلا أنا "، ولا تقول: " يقوم أنا "، فإذا قلت: " ~~إنما " صرت كأنك قد لفظت بما مع " إلا ". # قال الشاعر: # أدافع عن أعراض قومي وإنما ... يدافع عن أعراضهم أنا أو مثلي # وكذلك فعلت مع اتصالها بحرف الجر. # نحو قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم) . # وبالمنصوب نحو قوله: (قليلا ما يؤمنون) ، دلت على النفي بلفظها. # وعلى الإيجاب بتقدم ما حقه التأخير وارتباطها به، كما تقدم في قولهم: # " شر ما جاء وأما ما دخله معنى الدعاء فابتدئ به وهو نكرة، فلا يكون إلا ~~في معنى الأحداث والمصادر فما ارتفع منه نحو: " سلام عليكم ". # و" ويل له "، فإنما يرتفع لوجهين: # أحدهما: أنك لما كنت داعيا، وكان الاسم المبتدأ نكرة هو المطلوب # بالدعاء، صار كالمفعول ووقع موقعه، كأنك قلت: # " أسال الله سلاما عليك "، أو: " أطلب منه ويلا للكافرين ". # PageV01P317 # ولكنك لم تنصبه (كما نصبت) : سقيا ورعيا وجدعا وعقرا، لأنك تريد أن # تشوب الدعاء بالخبر، كأنك تريد: " سلام مني عليكم "، فصار السلام في حكم ~~المنعوت بقولك: " متى " فقوي الرفع فيه على الابتداء، لأن النكرة المنعوتة ~~يبتدأ بها. # وهذا هو الوجه الثاني من الوجهين المحسنين للابتداء بها والتقديم لها، ~~ألا ترى # أن كل من يقول: " سلام عليكم " إنما تريد أن يشعر بأنه مسلم ومحيي، ~~فالسلام صادر منه لأنه في معنى التحية. # وليس كذلك: سقيا وجدعا، لأن المتكلم بها ليس بساق # ولا جادع ولا عاقر، وإنما هو طالب من الله تعالى هذه الأشياء، فهي ~~مفعولة. # وأما " خيبة له "، و " ويحا " و " ويسا " و " ويلا "، فيجوز فيها النصب، ~~لأنها في # حكم المطلوب بالدعاء، ويجوز فيها الرفع إذا كان المتكلم بها يريد أن يجعل ~~لنفسه حظا في هذه المعاني، فإذا قال للسائل: " خيبة له "، فلا يريد محض ~~الدعاء كما أراد بقوله: " عقرا "، و " جدعا ". # ولكن يريد: " تخيبت مني "، كأنه يخبر عن الخيبة وأنها # صادرة منه، كما كان ذلك في السلام إذا أراد به التحية، ولو أراد به ~~السلامة والعافية لقال: " سلاما لك "، " سلامة لك ms219 " بالنصب، لأن سلامة ~~المخاطب ليست من فعل المتكلم. # وكذلك " السقي " " والرعي "، فلا بد من النصب على هذا الوجه، وأما " ويح ~~" و " ويل " فترحم واستقباح، و " ويس " استصغار، فتارة تكون نصبا كما تكون ~~" خيبة " وذلك إذا أردت محض الدعاء، وإن أردت أن تشوب الدعاء بخبر عن نفسك ~~رفعت كلما رفعت " سلام عليك " إذا أردت التسليم والتحية، لأنك مترحم كما ~~أنك مسلم. # فيكون التقدير " ويح مني لك " و " استقباح مني له "، لأن الويل قبوح، ولا ~~يتصور هذا في " تبا له " ولذلك منع " سيبويه " الرفع " تبا،، وأنكر على من ~~أجازه، ولم يبين العلة ولا كشف السر لا هو ولا من شرح " الكتاب ". # PageV01P318 # وقس على هذا " مرحبا بك " فإنه يجوز فيه الرفع والنصب، لأنك مرحب إذا # رفعت، وإذا نصبت فإما سائل الرحب وأما مبشر للضيف بأن قد صادفت الرحب. # فتأمل هذه الدقائق، وتعرف هذه الحقائق، والله - تعالى - يهدينا لأحسن # الطرائق بمنه وكرمه. # * * * ### | فصل # (في سر آية من سورة الذاريات) # مما يتصل بما تقدم قوله - عز وجل -: (قالوا سلاما قال سلام) . # نصب الأول لأنه لم يقصد الحكاية، ولكنه جعله قولا حسنا، وسماه سلاما لأنه ~~يؤدي معنى السلام في رفع الوحشة ووقوع الأنس. # وحكى عن ابراهيم - عليه السلام - قوله، فرفع بالابتداء، وحصل من الفرق ~~بين الكلامين في حكاية هذا ورفعه ونصب ذلك، إشارة لطيفة وفائدة شريفة، وهو ~~أن السلام من دين الإسلام، والإسلام ملة إبراهيم عليه السلام، وقد أمرنا ~~بالاتباع والاقتداء به، فحكي لنا قوله ولم يحك لنا قول أضيافه، إذ لا فائدة ~~في تعريف كيفيته، وإنما الفائدة في تبيين قول إبراهيم وكيفية تحيته، ليقع ~~الاقتداء به. # وأخبر عن قول الأضياف على الجملة، إلا على التفصيل، وعن قول إبراهيم - ~~عليه السلام - مفصلا محكيا لهذه الحكمة، والله أعلم. # PageV01P319 ### | ### | فصل # (في مواضع تصريف كلمة السلام) # إدخال " الألف واللام " على " سلام " يشعر بذكر الله سبحانه. # لأن السلام من أسمائه تعالى، ويشعر أيضا بطلب معنى السلامة منه، لأنك متى ~~ذكرت اسما من أسمائه ففد تعرضت لطلب المعنى الذي اشتق ذلك ms220 الاسم منه أيضا. # ويشعر أيضا - في بعض المواضع - بعموم التحية التحية وأنها غير مقصورة على ~~المتكلم، فأنت ترى أنه ليس قولك: (سلام عليك) . # أي: " سلام مني "، بمنزلة قولك: السلام في العموم. فقف على هذا الأصل تلح ~~لك أسرار كثيرة، منها: إجماع الأمة على أن # السلام من الصلاة بالألف واللام، إذ الصلاة كلها ذكر لله - تعالى - فلا ~~يدخل فيها إلا باسم من أسمائه، قال الله سبحانه: (فسبح باسم ربك) ، فسبح من ~~" السبحة "، وهي الصلاة. # وكذلك لا يخرج منها إلا باسم من أسمائه، وهو السلام معرفا بالألف واللام، ~~فاجتمع فيه الذكر والتحية معا. # ومن أسرار هذا الفصل أيضا حذف الألف واللام في القرآن من قوله تعالى: # (سلام على إبراهيم) و (سلام على نوح) ، لاستغناء هذه المواطن عن # الفوائد الثلاث التي تقدم ذكرها في " الألف واللام "، لأن المتكلم ههنا ~~هو الله # سبحانه فلم يقصد تبركا بذكر الاسم الذي هو السلام، ولا تعرضا وطلبا كما ~~يقصده العبد، ولا عموما في التحية منه ومن غيره، لأن سلاما منه - سبحانه - ~~كاف من كل سلام، ومغن عن كل تحية، ومرب على كل أمنية، فلم يكن لذكر " الألف ~~واللام " معنى ههنا، كما كان لها في قول المسيح - عليه السلام -: (والسلام ~~علي يوم ولدت) ، لأن هذا العبد الصالح يحتاج كلامه إلى هذه الفوائد ~~الثلاثة، وأوكدها # كلها العموم، لأنه مستحيل أن يقع سلامه على نفسه خاصة، ويبعد أيضا رغبته ~~عن ذكر مولاه، وتركه التعرض لمعنى الاسم ومقتضاه! # PageV01P320 # ومن فوائد هذا الأصل أيضا إجماعهم في الرد على قولهم: (السلام # عليك) : # بالألف واللام، لأنها لو سقطت ههنا لصار الكلام خبرا محضا كما تقدم في # قوله: " عليك دين "، و " في الدار رجل " أنه خبر عن المجرور في الحقيقة، ~~وإذا صار خبرا بطل معنى التحية والدعاء، لأن المسلم يبدأ بالأهم وهو ذكر ~~السلام، فليس بمسلم من قال: (عليك) ، إنما المسلم من قال: " السلام عليك) ، ~~لأن موضوع السلام للأحياء إنما هو للأنس ورفع الوحشة والإشعار بسلامة ~~الصدور، والدعاء لا بد فيه من ذكر المدعو، وهو ms221 السلام بالألف واللام، فإن ~~نكرته فليس باسم من أسمائه، فعرف بالألف واللام إشعارا بالدعاء للمخاطب ~~وأنك راد عليه التحية لا مخبر، فلم يكن بد من # " الألف واللام " فاعرفه، والله المستعان. # وأما أوائل الرسائل فقد أجمع على إسقاط الألف واللام فيها، إذ قد تقدم ~~أنها # مشعرة بالعموم، والكاتب مؤكد لخصوص نفسه بالتسليم، مشعر بسلامة وده ~~للمكتوب إليه، ولا سيما عند افتتاح الكلام، ليشعر المكتوب إليه الأنس ~~والسلام من الكاتب على الخصوص من غير التفات إلى طلب العموم. # وهذا المعنى كله إنما يحصل بإسقاط " الألف واللام ". # فإذا ختم الرسالة قال: " والسلام عليك " معرفا، وذلك لثلاث فوائد: # إحداها: أن الخصوص بسلام الكاتب قد حصل في أول الكتاب ووقع الأنس # به، فكان العموم هنا أبلغ في الدعاء، فإنه لا يخص نفسه بل يجمع له سلامة ~~وسلام غيره. # والفائدة الثانية: أن يختم باسم من أسماء الله تعالى، كما فعل في الصلاة. # طلبا للأجر وتبركا بالذكر. واكتفى في أول الرسالة ب بسم الله الرحمن ~~الرحيم. # وحسبك به ذكرا. # والفائدة الثالثة بديعة جدا، وهي أن " الواو " العاطفة توجب بناء الكلام ~~على ما تقدم لا تقول كما قال القتبي: " إنهم أرادوا السلام المتقدم عليكم ~~"، لما رأى أن # PageV01P321 # " الألف واللام " تكون للعهد، فإن في ذلك نقصا في الأدب، وشحا بسلام ~~مجدد، وإخلالا بمقاصد السلف، لأنهم لا يردون: السلام المتقدم عليك. وهذا غث ~~من القول! ولكن أشعرت " الواو " بعطف ### | فصل # على فصل من الكتاب، فلما فرغ منها قال: " والسلام عليك " يريد: وبعد هذا ~~كله " السلام عليك ". # وقد تقدم أن " السلام " إذا انبنى على اسم مجرور قبله كان بالألف واللام. # كقولك: (عليك السلام) ، وإن لم يكن ههنا مجرور فالواو مشعرة به ومغنية عن ~~ذكره. # وهذا المعنى الذي لحظه كتاب السلف وقلدهم فيه الخلف، بل ما تقول إلا # أنها حكمة نبوية وفصاحة شرعية موروثة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # والسعيد من فهم عنه، واقتبس العلم من لدنه، والحمد لله. # * * * # فصل # خبر المبتدأ إذا كان جملة فلا بد من مضمر يعود على ms222 المبتدأ، لأن الجملة # كلام مستقل بنفسه، فإن لم يكن فيه ضمير يعود على المبتدأ وإلا انقطع ~~الكلام منه واستغنى عنه، فإن كان اسما مفردا جامدا لم يحتج إلى رابط يربطه ~~بالأول، لأن المخاطب يعرف أنه مسند إليه من حيث (كان) لا يقوم بنفسه، لا ~~كما زعم المنطقيون أن الرابط بينهما لا بد منه مضمرا أو مظهرا! # وكيف يكون مضمرا ويدل على ارتباط أو غيره والمخاطب لا يستدل إلا بلفظ ~~يسمعه لا بشيء تضمره في نفسك. # ولو احتجنا إلى " هو " مضمرة أو مظهرة لاحتجنا إلى " هو " أخرى تربط ~~الخبر # بها، وذلك تسلسل. # فإن كان الخبر اسما مفردا مشتقا من فعل، كان فيه ضمير فاعل بذلك الفعل. # لا من حيث كان خبر للمبتدأ، ولكن من حيث كان فيه معنى الفعل، والفعل لا ~~بد له من فاعل فإن قيل: وما برهانه أن فيه ضميرا في اعتقاد العرب؟ # قلنا: تأكيدهم له وإبدالهم منه، وليس له ظهور في التثنية ولا في الجمع. # أعني إذا كان اسما، إنما يكون له علامة في التثنية والجمع إذا كان فعلا ~~نحو: # " يذهبان " ويذهبون. # وأما " ذاهبان " و " ذاهبون "، فالواو والألف علامتا إعراب # PageV01P322 # لا علامتا إضمار، فهما حرفان، وهما في الفعل اسمان، برهان ذلك أنهما - ~~أعني الواو والألف إذا كانتا في الاسم انقلبتا " ياء " في الثثنية والجمع ~~في حال النصب والخفض، كما تنقلب فيما لا ضمير فيه، نحو: " الزيدين " # و" الرجلين "، ولو كانت هي ضمير الفاعل لبقيت على لفظ واحد، كما تقول في ~~الفعل: " هؤلاء رجال يذهبون "، و " مررت برجال يذهبون "، ورأيت رجالا ~~يذهبون، فلا يتغير لفظها. # لأنها هي الفاعل وليست علامة إعراب للفعل. # فتثبث بها صحة دعوى النحويبن على العرب، حيث زعموا أن الضمير المستتر في ~~الاسم المشتق لا يظهر في تثنية ولا جمع، وأن الضمير المستتر في الفعل يظهر ~~في التثنية والجمع، ولولا الدليل المتقدم # لما عرف هذا أبدا، لأن العرب لم تشافهنا بهذا مشافهة، ولا أفصحت عن ~~أغراضها في هذا ونحوه إلا باستقراء كلامها والتتبع لأنحائها ومقاصدها، ~~الموصل ms223 إلى غرائب هذه اللغة وفرائدها. # فإن قيل: فقد عرفنا صحة دعوى النحويين في الفرق بين الموضعين، فما # الحكمة التي هن أجلها فرق واضع اللغة بين الموطنين، فجعلها علامة إضمار ~~في الأفعال ولم يجعلها كذلك في الأسماء المشتقة من الأفعال، مع أن الضمير ~~فيها في التثنية والجمع والإفراد، ولكن لا علامة له في اللفظ، وإنما يستدل ~~عليه بالتوكيد والبدل والعطف؟ # قلنا: الحكمة في ذلك بديعة، وهي أن الأسماء لما كان أصلها الإعراب. # كانت أحوج إلى علامة إعراب منها إلى علامة إضمار، والأفعال أصلها البناء. # ولم يكن لها بد من الفاعل ضرورة، كانت أحوج إلى علامة إضمار الفاعلين ~~منها إلى علامة إعراب، مع أن هذه العلامة في الأسماء علامة تثنية وجمع وحرف ~~إعراب أيضا، والأفعال لا تثنى ولا تجمع، إذ هي مشتقة من المصدر وهو لا يثنى ~~ولا يجمع، لأنه يدل على الفليل والكثير من جنسه. # ولعلة أخرى أصح منها وأدق وأجدر أن تكون هي الحق، ذكرناها في أول الكتاب، ~~فلترها هنالك. # وإذا ثبت أنها لا تثنى ولا تجمع، وعلامة التثنية والجمع هي حروف الإعراب، ~~فلا تكون " الواو " و " الألف " إلا علامة إضمار، ولا تكون في الأسماء - ~~وإن احتملت # PageV01P323 # الضمائر - إلا علامة تثنية وجمع، أو حرف إعراب على قول سيبويه، أو هي ~~إعراب على قول محمد بن المستنير، أو دليل إعراب على قول سعيد، ومحمد بن ~~يزيد. # * * * ### | فصل # (في متعلق الخبر إذا كان ظرفا) # خبر المبتدأ إذا كان ظرفا أو مجرورا يعلق بالفعل، ويقدر تقدير " مستقر " # وكذلك إذا كان في موضع نعت أو حال أو صفة أو صلة، وكان في ذلك الاستقرار ~~ضمير يعود على المبتدأ، كما يكون في " مستقر " إذا لفظ به، لأن تعلق الجار ~~به يدل عليه دلالة اللفظ، لكنه لا يجوي مجرى العوامل اللفظية في تقدم الحال ~~عليه، ولا في نصب المفعول معه. # فإن قيل: فهل تقديره تقدير الفعل المحض أو تقدير الاسم المشتق من الفعل؟ # فالجواب: أن النحويين إنما يقدرونه تقدير الاسم المشتق فيقولون: # " زيد في الدار "، أي: ms224 مستقر في الدار. # وكان الظاهر أن يذكروا الفعل لأنه الأصل في تعلق الجار به، لأن حرف الجر # إنما تعلق بالاسم المشتق من حيث كان فيه معنى الفعل لا من حيث كان اسما. ~~وقد سأل ابن جنى أبا علي عن هذه المسألة فلم يراجعه بجواب بين ولا شاف أكثر ~~من أن قال له: " تقدير الاسم ههنا أولى، لأن خبر المبتدأ في أغلب أحواله ~~اسم ". # ولم يبين ابن جنى فيه شيئا أيضا.. # والصحيح في التعليل والتقدير أن يقال: الجار # هنا لا يتصور تعلقه بفعل محض، إذ الفعل المحض ما دل على حدث وزمان. # ودلالته على الزمان ببنيته فإن لم يكن له وجود في اللفظ لم يكن له بنية ~~تدل على الزمان مع أن الجار لا تعلق له بالزمان ولا يدل عليه، إنما هو في ~~أصل وضعه # PageV01P324 # التقييد الحدث وجره إلى الاسم على وجه ما من الإضافة، فلا تعلق له إلا # بالحدث، والحدث الذي هو المصدر لا يمكن تقديره ههنا لأنه خبر المبتدأ، ~~والمبتدأ ليس هو الحدث، فبطل أن يكلون التقدير: زيد استقر في الدار، وبطل ~~أيضا أن يكون التقدير: " زيد استقر في الدار ". # ألا ترى أنه يقبح أن يقال: " زيد في الدار أمس ". # أو: " أول من أمس ". # وإذا بطل القسمان، أعني إضمار المصدر وإضمار # الفعل، لم يبق إلا القسم الثالث وهو إضمار اسم الفاعل لتصح الفائدتان: # إحداهما: أن يكون خبرا عن المبتدأ، ويضمر فيه ما يعود عليه، إذ لا يمكن # ذلك في المصدر. # والثانية: أن يصح تعلق الجار به، إذ مطلوبه الحدث، واسم الفاعل متضمن # للحدث لا للزمان، والله المستعان. # * * * ### | فصل # (في إعراب الاسم المرفوع بعد الظرف) # إذا ثبت هذا فلا يصح ارتفاع اسم بعد الظرف والمجرور بالاستقرار على أنه # فاعل، وإن كان في موضع خبر أو نعت، وإنما يرتفع بالابتداء كما يرتفع في ~~قولك: " قائم زيد " بالابتداء، لا بقائم، خلافا للأخفش على ما سيأتي ~~برهانه، إن شاء الله تعالى. # فإن قيل: أليس قد يرتفع الاسم بقائم إذا كان " قائم " معتمدا على ms225 مبتدأ، ~~أو # كان نعتا، أو حالا، أو كان قبله الاستفهام وما يطلب الفعل، فيرتفع أيضا ~~ههنا به؟ # قلنا: قد توهم: قوم أن هذا هو مذهب سيبويه، وأنه يجيز أن يرتفع # بالظرف إذا قلت: " وزيد في الدار أبوه " و " مررت برجل معه صقر ". # وليس هذا مذهب الرجل، وقد بين أبو سعيد السيرافي مراد سيبويه، وشرح وجه ~~الغلط عليه بما فيه غنية. # والفرق بين الظرف وبين اسم الفاعل مشتق وفيه لفظ الفعل موجود، فإذا # PageV01P325 # اقترنت به ألف الاستفهام أو قرينة من القرائن المتقدمة التي يقوي بها ~~معنى الفعل، عمل عمل الفعل. # والظرف في قولك: " زيد في الدار أبوه " لا لفظ للفعل فيه، إنما # هو معنى معلق به الحرف ويدل عليه، فلم يكن في قوة القرينة التي اعتمد ~~عليها أن تجعله كالفعل، كما لم يكن في قوته إذا كان ملفوظا به دون قرينة أن ~~يكون كالفعل. # حتى يجتمع (الاعتماد) المقوي لمعنى الفعل مع اللفظ المشتق من الفعل. # فيعمل حينئذ عمل الفعل، فتقول: " زيد ذاهب غلامه ". # و" مررت برجل قائم أبوه ". # ووجه آخر من الفرق بين المسألتين، وهو أنك إذا قلت: مررت برجل قائم # أبوه، فالقيام - لا محالة - مسند إلى الأب في المعنى، وهو في اللفظ جار ~~على ما قبله، وفي المعنى مسند إلى ما بعده، فأما الظرف والمجرور فليس للصفة ~~المشتقة لفظ يجري على ما قبله، إنما هو معنى يتعلق به الجار، وذلك المعنى ~~مسند إلى الاسم المرفوع وخبر عنه، فصح أنه مبتدأ والمجرور خبر عنه، والجملة ~~في موضع نعت أو خبر. # فإن قيل: فيلزمكم إذا قدمتم الظرف في موضع الخبر وقدرتم فيه ضميرا يعود # على المبتدأ أن تجيزوا: " في الدار نفسه زيد و " فيها أجمعون إخوتك " # وهذا لا يجيزه أحد وفي هذا حجة للأخفش ولمن رفع بالظرف. # قلنا: إنما قبح توكيد المضمر إذا كان الظرف خبرا مقدما، لأن الظرف في # الحقيقة ليس هو الحامل للضمير، إنما هو متعلق بالاسم الحامل للضمير وذلك # الاسم غير موجود في اللفظ حتى يقال: إنه مقدم في ms226 اللفظ مؤخر في المعنى، ~~وإذا لم يكن ملفوظا به فهو في المعنى والرتبة بعد المبتدأ، والمجرور المقدم ~~قبل # المبتدأ دال عليه، والدال على الشيء غير الشيء، فلذلك قبح: # " فيه أجمعون الزيدون "، لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد، ولذلك صح ~~تقديم خبر " إن " على اسمها إذا كان ظرفا، لأن الظرف ليس هو الخبر في ~~الحقيقة، إنما هو متعلق بالخبر. # والخبر منوي في موضعه مقدر في مكانه ولذلك لم ينكسر أصل الخليل في منعه # تقديم خبر المبتدأ مع كثرة هذا النحو في الكلام، أعني: " في الدار زيد "، ~~ولذلك # PageV01P326 # عدل " سيبويه " في قولهم: " فيها قائما رجل " و " لمية موحشا طلل " # إلى أن جعلها حالا من نكرة، ولم يجعلها من الضمير الذي في الخبر. # لأن الخبر مؤخر في النية هو العامل في الحال، وهو معنوي، والحال لا تتقدم ~~على العامل المعنوي. # فهذا كله ينبئك أن الظرف والمجرور ليس هو الخبر في الحقيقة، ولا الحامل # للضمير، ولا العامل في شيء من الأشياء، لا في حال، ولا في ظرف، ولا في ~~فاعل. # ومن جهة العقل أن " الدار " إذا انفردت بلفظها لم يصح أن تكون خبرا عن # " زيد " ولا عاملة، ولا حاملة للضمير. # وكذلك (في) و (من) سائر حروف الجر أو انفردت لم يكن فيها شيء من ذلك، فقد ~~وضح لك أن الخبر هو غيرها، وموضعه # موضعه، والحمد لله. # * * * ### | فصل # (في إعراب الوصف غير المعتمد) # وأما ما حكاه الزجاجى في هذا الباب عن بعض النحويين من قولهم: # " قائم زيد " أن " قائم " مبتدأ، و " زيد " فاعل، فقد قدمنا أن هذا باطل ~~في القياس، لأن # PageV01P327 # اسم الفاعل اسم محض، واشتقاقه من الفعل لا يوجب له عمل الفعل، إذا كنا ~~نعمل كل اسم مشتق من الفعل كمسجد، ومرقد، ومروحة، ومغرفة. ولكن إنما نعمل ~~إذا تقدم ما يطلب الفعل أو كان في موضع لا يدخل عليه العوامل اللفظية نحو ~~النعت والخبر، فيقوي حينئذ معنى الفعل فيه. # ويعضد هذا من السماع أنهم لم يحكوا عن # العرب: " قائم الزيدان " ولا: " ذاهب إخوتك "، إلا ms227 على الشرط الذي ~~ذكرناه. # ولو وجد الأخفش ومن قال بقوله مسموعا لاحتجوا به على الخليل وسيبويه، ~~فإذا لم يكن مسموعا، وكان بالقياس مدفوعا، فأخلق به أن يكون باطلا ممنوعا! # * * * ### | ### | ### | فصل # # (في إعراب الوصف المعتمد) # وإذا ثبت هذا فجائز أن يكون اسم الفاعل في حال الاعتماد على ما قبله، ومع ~~القرائن المقوية رافعا للفاعل، وخبرا مقدما والاسم بعده مبتدأ، الوجهان ~~جائزان. # نحو: " زيد قائم أخواه " و " زيد قائمان أخواه "، إلا في موضع واحد وهو ~~أن يكون الفاعل ضميرا منفصلا نحو: " زيد قائم أنت إليه " " أقائم هو؟ ". # فإن هذا لا يكون إلا مبتدأ وخبرا، لأن المنفصل لا يكون فاعلا مع اتصاله ~~بالعامل، إنما يكون فاعلا إذا لم يمكن اتصاله به نحو: " ما قائم إلا أنت " # ونحو: " الضاربة هو "، ألا ترى إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - لورقة بن ~~نوفل: # " أو مخرجي هم؟ ". # لم يروه أحد إلا بتشديد " الياء " لأنه خبر مقدم، و " هم " مبتدأ، فجمع ~~من أجل الضمير الذي في الخبر، وصار تقديره: # " أو مخرجوي هم "، ثم أدغم " الواو " في " الياء "، ولو كان " هم " فاعلا ~~لقال: " أو مخرجي هم؟! بتخفيف الياء، كما تقول: " أضاربي إخوتك " # فإن جعلته مبتدأ قلت: أضاربي، بالتشديد، والحمد لله. # * * * # فصل # ذكر: ظروف الزمان لا تكون إخبارا عن الجثث، ولكن تكون إخبارا عن # PageV01P328 # المصادر. # ولم يعلل النحويون هذا الأصل باكثر من أن قالوا: إنما لم يجز ذلك لأنه لا # فائدة فيه. . ولم يكشفوا عن سر عدم الفائدة. # وسره أن الزمان لما كان أحداثا تحدث عن حركة الفلك، وكان البشر # يحتاجون إلى تقييد إحداثهم وتأريخها بأحداث تقارنها معلومة عند المخاطب. # كما يقيدونها بالأماكن التي تقع فيها، جعل الله - تعالى - لهم في حركات ~~الفلك حوادث تختلف بما يقارنها من النور والظلمة، وارتفاع الشمس وانحدارها، ~~لأن الحركات لا تختلف لذواتها ولا تمييز بأنفسها. # ولما كانت هذه الحوادث التي هي أجزاء الزمان معلومة عند جميع # المخاطبين، جعلوها تأريخا وتقييدا لأفعالهم وحياتهم وموتهم وجميع الأمور # النازلة بهم، فلا معنى لوقت الفعل إلا أنه ms228 حادث يقارنه حادث معلوم عند من # يخاطبه، فإذا أخبرته أن فعلك قارن ذلك الحادث المعلوم عنده توقت له ~~وتقيد، فسميناه وقتا، وهو في الأصل مصدر: " وقت الشيء أوقته ": إ # ذا حددته وقدرته. # ولو أمكن أن تقيد وتؤرخ بما يقارن الفعل من الحوادث التي هي غير الزمان ~~استغنيت عن الزمان، نقول: قمت عند خروج الأمير، وخرجت عند قدوم الحاج، أو: ~~مع قدوم الحاج، لكان ذلك أيضا توقيتا وتأريخا. # ولكن الذي هو معلوم عند جميع المخاطبين إنما هي أجزاء الزمان كالشهر # والسنة واليوم وما دون ذلك، وإذا كان الأمر كذلك فلا معنى لقولك: " زيد ~~اليوم " # و" الغلام غدا " لأن الجثث ليست بأحداث فيحتاج إلى تقييدها بما يقارنها ~~وتأريخها بما يحدث معها، ولذلك تقول: " إن أول مخلوق خلقه الله - تعالى - ~~لم يكن في وقت "، ولو كان في وقت لافتقر ذلك الوقت إلى وقت، إلى غير نهاية، ~~وهذا محال فقد وضح لك أن الذي ليس بحدث فلا معنى لتقييده بالحدث الذي هو ~~الزمان. # ومع هذا فإذا أردت حدوث الجثة ووجودها فهو أيضا حادث، فجائز أن تخبر عنه ~~بالزمان إذا كان الزمان يسع مدتها، مثل ما يقول: # " نحن في زمان كذا "، و " كان الحجاج في زمن ابني أمية "، وإن جهل ~~المخاطب وجود زمن قيدته بزمان يسعه، فإن # PageV01P329 # كان الزمان أقصر من مدة الوجود لم يجز في شيء من الحوادث، كما لا يجوز: " ~~شب زيد غدوة "، ولا: " شاخ ضحوة "، لأن الوقت أقل من المؤقت، كذلك لا تقول ~~على هذا: نحن يوم السبت " ولا: الحجاج يوم الخميس ". # فإن قلت: فقد قالوا: " زيد حين بقل وجهه "؟ # قلنا: إنما جاز ذلك لقرينة أخرجته عن معنى الظرف من الزمان إلى معنى # الوصف بمقدار السنين، وهي إضافة الوجه إليه حين قلت: " بقل وجهه " و " طر ~~شاربه ". # ولو قلت: " يوم بقل وجهه -، لم يجز، لما في " حين " من لفظ " حان # يحين الذي يصح أن يكون خبرا عن زيد. # * * * # فصل # ومما ألحق بهذا الفصل قوله سبحانه: (سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم ~~صامتون) و ms229 (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) . # زعم بعض النحويين أن " سواء " خبر، وأن المبتدأ محذوف، وأن التقدير: # سواء عليهم الإنذار وتركه، ثم فسرته الجملة المصدرة بألف الاستفهام. ~~وصاحب هذا القول يلزمه أن يجيز: " سواء أقمت أم قعدت "، دون أن يقول: " علي ~~" أو " عليك ". # ويلزمه أن يجيز: " سيان أذهب زيد، أم جلس " # و" متفقان أقام زيد أم قعد ". # وما كان نحو هذا مما لا يجوز فى الكلام ولا روي عن أحد. # وقالت طائفة: سواء ههنا مبتدأ والجملة الاستفهامية في موضع الخبر. # وإنما قالوا هذا - وإن كان " سواء " نكرة - لأن الجمل لا تكون في موضع ~~المبتدأ أبدا ولا في موضع الفاعل. # PageV01P330 # ثم لزمهم أن يكون في الجملة ضمير يعود على " سوا " إذ لا تكون جملة في # موضع خبر إلا وفيها عائد يعود على المبتدأ. # فأجابوا عن هذا بأن قالوا: " سواء " مبتدأ في اللفظ وهو في المعنى خبر، ~~لأن المعنى: " سواء عليهم الإنذار وتركه "، ولا يلزم # أن يعود من المبتدأ ضمير على الخبر، فلما كان خبرا في المعنى دون اللفظ ~~روعي ذلك المعنى، كما لم يعد على " ضربي "، من قولك: # " ضربي زيد قائما " ضمير من الحال التي سدت مسد الخبر، لأن معناه: اضرب ~~زيدا، أو: ضربت زيدا، والفعل # لا يعود عليه ضمير، وكذلك: " أقائم أخوك "، لأن " أخوك " # وإن سد مسد الخبر فإنه فاعل في المعنى، و " قائم " معناه كمعنى الفعل ~~الرافع للفاعل، فروعيت المعاني في هذه المواضع وترك حكم اللفظ إلا من جهة ~~الرفع بالابتداء، فهي كلها مرفوعة بالابتداء متضمنة لمعنى يخالف معنى ~~الابتداء المخبر عنه، فحكم لذلك المعنى. # فلم يعد على اللفظ ضمير. # وهذا كله حسن، إلا أنه في هذه المسألة خاصة على خلاف ما قالوه، لأن # العرب لم تنطق بمئل هذا في " سواء " حتى قرنته بالضمير المجرور بعلى، نحو ~~(سواء عليهم) و " سواء علي أقمت أم قعدت ". # ولا يقولون: " سيان أقمت أم قعدت " # ولا: " مثلان " ولا: " شبهان ". # ولا يقولون ذلك إلا في " سواء " مع المجرور ب على. # فوجب البحث عن السر ms230 في ذلك، وعن مقصد القوم في هذا الكلام. # وعن المساواة بين أي شيئين هي؟ وفي أي الصفات هي من الاسمين الموصوفين # بالتساوي؟ # فوجدنا معنى الكلام ومقصوده إنما هو تساو في عدم المبالاة بقيام أو # قعود، أو إنذار أو ترك إنذار. # ولو أرادوا المساواة في صفة موجودة في الذات لقالوا: " سواء الإقامة # والشخوص "، كما تقول: " سواء زيد وعمرو،. و " سيان " # و" مثلان " تعني استواءهما في صفة لذاتهما، فإذا أردت أن تسوي بين أمرين ~~في عدم المبالاة وترك الالتفات لهما وأنهما قد هانا عليك وخفا عليك، قلت: " ~~سواء علي أفعل أم لم يفعل ". # كما تقول: " لا أبالي أفعل أم لم يفعل "، لأن المبالاة، فعل من أفعال ~~القلب، وأفعال القلب تلغي إذا وقعت بعدها الجمل المستفهم عنها أو المؤكدة ~~باللام، تقول # PageV01P331 # " لا أدري أقام زيد أم قعد،) ، و: " علمت ليقومن زيد ". # ولكن لا تلغى هذه الأفعال القلبية حتى يذكر فاعلها في اللفظ أو في ~~المعنى، فتكون حينئذ في موضع المفعول بالعلم. # * * * ### | ### | فصل # # فإذا ثبت هذا فسواء مبتدأ في اللفظ، و " على " أو " عليهم " مجرور في ~~اللفظ. # وهو فاعل في المعنى المتضمن في مقصود الكلام، إذ قولك: " سواء على " في # معنى: " لا أبالي "، " وفي أبالي " فاعل، فذلك الضمير الفاعل هو المجرور # ب على في المعنى، لأن الأمرين إنما استويا عليك في عدم المبالاة، وإذا لم ~~تبال بهما لم تلتفث بقلبك إليهما، وإذا لم تلتفت فكأنك قلت: # " لا أدري أقمت أم قعدت "، فلما صارت الجملة الاستفهامية في معنى المفعول ~~بفعل من أفعال القلب، لم يلزم أن # يكون بها ضمير يعود على ما قبلها، إذ ليس قبلها في الحقيقة إلا معنى فعل ~~يعمل فيها، وكيف يعود من المفعول فيه ضمير يعود على عامله؟ # ولولا قولك: " على " و " عليهم " ما قوي ذلك المعنى، ولا عمل في الجملة. # ولكن لما تعلق الجار به صار في حكم المنطوق به، وصار المجرور هو الفاعل # في المعنى كالفاعل في " علمت " و " دريت " و " باليت " ونحو ذلك. # ألا ترى كيف صار ms231 المجرور في قولهم: " له صوت صوت غراب ". # بمنزلة الفاعل في " يصوت " حتى كأنك تصف، فنصبت " صوت غراب " لذلك. # وإذا قلت: " عليه نوح نوح الحمام "، رفعت: نوح الحمام لأن الضمير # المخفوض ب على ليس هو الفاعل الذي ينوح، كما كان في مسألة # " له صوت صوت حمار ". # وكذلك المجرور في (سواء عليهم) هو الفاعل الذي في قولك: لا يبالون # ولا يلتفتون إذ المساواة إنما هي في عدم المبالاة والالتفات، والمتكلم لا ~~يريد غير هذا بوجه، فصار الفاعل مذكورا، والمبالاة مفعولة مقصودة، فوقعت ~~الجملة الاستفهامية مفعولا لها. # ونظير هذه المسألة - حذو النعل بالنعل - قوله تعالى: (ثم بدا لهم من بعد ~~ما رأوا الآيات) . # PageV01P332 # بدا: فعل ماض، فلا بد له من فاعل، والجملة المؤكدة باللام " # لا تكون في موضع فاعل أبدا، وإنما تكون في موضع مفعول بعلمت أو علموا، ~~فهي ههنا في موضع المفعول، وإن لم تكن في اللفظ " علموا " ففي اللفظ ما هو ~~في معناه، لأن قوله: " بدا " معناه: ظهر للقلب لا للعين، وإذا ظهر الشيء ~~للقلب فقد علم. # والمجرور من قوله: " لهم " هو الفاعل، فلما حصل معنى العلم وفاعله متقدما # على الجملة المؤكدة باللام، صارت الجملة مفعولا لذلك العلم، كما تقول: # " علمت ليقومن زيد "، و " لام " الابتداء و " ألف " الاستفهام يكون ~~قبلهما أفعال القلب ملغاة، فكذلك، (سواء عليهم أأنذرتهم) ، وقعت الجملة ~~الاستفهامية في المعنى بعد فعل من أفعال القلب وبعد فاعله، كما تقدم بيان ~~ذلك، حين قدرناه بقولك: " لا يبالون ". # فالواو في " يبالون " هو الفاعل، والضمير في " عليهم " هو الفاعل في ~~المعنى. # ألا ترى كيف اختص ب على من بين حروف الجر، لأن المعنى إذا كان يرجع إلى ~~عدم المبالاة فقد هان عليك الأمران وصار أخف شيء على من لا يباليهما، ولا ~~يلتفت إليهما. # فتأمله تجد المعاني صحيحة والفوائد كثيرة مزدحمة تحت هذا اللفظ الوجيز. # فكذلك نبت عنه كثير من الإفهام حتى تناقضت عليهم الأصول التي أصلوها، ~~واضطربوا في الجواب عن الاعتراضات التي ألزموها، مع ما غاب عنهم من فوائد ~~هذه الآيات ms232 وإعجازها، وسمانة هذه الكلمات على إيجازها، وبالله التوفيق. # * * * ### | ### | فصل # # فإن قيل: فما بال الاستفهام في هذه الجملة، والكلام خبر محض؟. # قلنا: الاستفهام مع " أم " يعطي معنى التسوية، فإذا قلت: " أقام زيد أم # قعد؟ "، فقد سويت بينهما في علمك. # فهذا جواب فيه مقنع. # وأما التحقيق في الجواب فأن تقول: ألف الاستفهام لم يخلع منها ما وضعت له ~~ولا عزلت عنه، وإنما معناه: " علمت أقام زيد أم قعد؟ ". # أي: علمت ما كنت أقول فيه هذا القول، وأستفهم عنه بهذا اللفظ، فحكيت ~~الكلام كما # PageV01P333 # كان، ليعلم المخاطب أن ما كان مسنفهما عنه معلوم، كما تقول: قام زيد ~~فترفعه لأنه فاعل ثم تقول: " ما قام زيد " فيبقى الكلام كما كان وتبقى ~~الجملة محكية على لفظها، لتدل على أن ما كان خبرا متوهما عند المخاطب فهو ~~الذي نفي بحرف النفي. # ولهذا نظائر يطول ذكرها، فكذلك قوله تعالى: (سواء عليهم أأنذرتهم) . # لما لم يبالوا بالإنذار ولا نفعهم ولا دخل في قلوبهم منه شيء، صار في حكم # المستفهم عنه أكان أم لم يكن. # فلا تسمي الألف ألف التسوية، كما فعل بعضهم. # ولكن " ألف " الاستفهام بالمعنى الذي وضعت له ولم تزل عنه. # * * * ### | فصل # فإن قيل: فلم جاء بلفظ الماضي - أعني قوله: (أأنذرتهم) ، وكذلك: # (أدعوتموهم أم أنتم صامتون) . # و" أقام زيد أم قعد " - ولم يجئ بلفظ الحال ولا المستقبل؟ # فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن في الكلام معنى الشرط، والشرط يقع بعده المستقبل بلفظ # الماضي، تقول: " إن قام زيد غدا قمت "، وههنا يتقدر ذلك المعنى كأنك قلت: ~~" إن قام زيد أو قعد لم أباله "، ولا ينفع القوم إن أنذرتهم # أو لم تنذرهم ". # فلذلك جاء بلفظ الماضي. # وقد قال الفارسي قولا غير هذا ولكنه قريب منه في # اللفظ، قال: " إن ألف الاستفهام تضارع " إن " التي للجزاء، لأن الاستفهام ~~غير واجب كما أن الشرط ليس بحاصل إذا عدم الشروط ". # وهذه العبارة، فاسدة من وجوه يطول ذكرها، ولو راعى المعنى الذي قدمناه ~~لكان أشبه، على أنه عندي مدخول أيضا لأن معنى الشرط ms233 يطلب الاستقبال خاصة ~~دون الحال والمضي. # وقوله: (سواء عليكم أدعوتموهم) و (سواء عليهم أأنذرتهم) لا يختص # بالاستقبال بل المساواة في عدم المبالاة موجودة في كل حال، بل هي أظهر في ~~فعل الحال، ولا يقع بعد حرف الشرط فعل حال بوجه. # والتحقيق في الجواب أن تقول: قد أصلنا في " نتائج الفكر " أصلا، وهو أن # الفعل لم يشتق من المصدر مضافا إلا ليدل على كون الاسم مخبرا عنه - أعني # PageV01P334 # الفاعل الذي كان المصدر مضافا إلا ليدل على كون الاسم مخبرا عنه - أعني # الفاعل الذي كان المصدر مضافا إليه - ولم تختلف أبنيته بعدما اشتق من ~~المصدر إلا لاختلاف أحوال الحدث من مضي واستقبال، فإن كان قصد المتكلم ألا ~~يقيد الحدث بزمان دون زمان، ولا بحال استقبال دون حال مضي، بل يجعله مطلقا ~~بلفظ الماضي الذي لا زوائد فيه، فيكون أخف على اللسان وأقرب إلى لفظ الحدث ~~المشتق منه، ألا ترى أنهم يقولون: # " لا أفعله ما لاح برق " و " ما طار طائر "، بلفظ # الماضي خاصة لما أرادوا مدة مطلقة غير مقيدة، وأنه لا يفعل هذا الشيء في ~~مدة لوح البرق وطيران الطائر ونحو ذلك، فلم يجاوز لفظ الماضي لأنه لا يريد ~~استقبالا ولا حالا على الخصوص. # فإن قلت: ولا يريد أيضا ماضيا، فكيف جاء بلفظ الماضي؟. # قلنا: قد قرن معه " لا أكلمه "، فدل على أن قوله: " ما لاح برق " # يريد به لوحا قد انقضى وانقطع، وإنما يريد مقارنة الفعل المنفي للفعل ~~الآخر في المدة على الإطلاق والدوام، فليس في قوله " لاح " إلا معنى اللوح ~~خاصة، غير أنه ترك لفظ المصدر ليكون " البرق " مخبرا به عنه كما تقدم. # فإذا أردت هذا ولم ترد تقييدا بزمام فلفظ الماضي أخف وأولى. # وكذلك قوله تعالى: (سواء عليهم أأنذرتهم) . # أضاف الإنذار إلى المخاطب المخبر عنه به. # فاشتق من الإنذار الفعل ليدل على أن المخاطب هو فاعل الإنذار، وترك الفعل ~~بلفظ الماضي لأنه مطلق في الزمان كله، وأن القوم لم يبالوا بهذا ولا ~~يبالون، ولا هم في حال مبالاة، فلم ms234 يكن لإدخال الزوائد الأربع معنى، إذ ليس ~~المراد تقييد الفعل بوقت ولا تخصيصه بآن. # فإن قلت: لفظ الماضي تخصيصه بالانقطاع؟. # قلنا: " حدث حديثين امرأة "، فيما قدمناه ما يفى عن الجواب، مع ما في # قوله: (سواء عليهم أأنذرتهم) من ثبوت هذه الصفة فيهم وحصولها في الحال ~~وفي المآل، ولا تقول: سواء ثوباك أو غلاماك، إذا كان الاستواء فيما مضى ~~وهما الآن مختلفان. # فهذه القرينة تنفي الانقطاع الذي يتوهم في لفظ المضي، كما كان لفظ # الحال في قولك: إلا أكلمه ما دامت السماوات والأرض " ينفي الانقطاع ~~المتوهم في # PageV01P335 # " دام ". # وإذا انتفى الانقطاع وانتفت الزوائد الأربع بقي الحديث مطلقا غير مقيد في # المسألتين جميعا. # فتأمل هذا تجده صحيحا، والحمد لله. # * * * ### | ### | فصل # (في مسألة من باب الاشتغال) # ومن باب اشتغال الفعل عن المفعول بضميره، ربطوا في هذا الباب اختيار # النصب على الرفع بالأمر والنهي والاستفهام والجحد والجزاء. # وليس مقصورا على هذه المواضع، بل كل موضع يكون القصد فيه إلى الفعل ~~والفائدة في ذكره أقوى كان النصب فيه هو الوجه، ألا ترى إلى قوله سبحانه: ~~(إنا كل شيء خلقناه بقدر) # كيف أجمع القراء على نصبه، ودل ذلك على قبح الرفع فيه، لأن مقصد الآية ~~المدح بالفعل والاقتدار على خلق الأشياء وتقديرها، مع أنه لو قال: " إنا كل ~~شيء "، لذهب الوهم إلى الصفة لا إلى الخبر في قوله: (خلقناه) ، فكان يكون ~~فيه للقدرية متعلق بأن يقولوا: " نعم " كل شيء خلقه فهو بقدر يقدره، وكل ~~شيء لم يخلقه فهو بخلاف ذلك، لأن فعل الإنسان عندهم غير مخلوق للرب. تعالى ~~عن قولهم. # وكذلك قول الشاعر: # فلو أنها إياك عضتك مثلها # PageV01P336 # ينصب لأنه موضع يقصد فيه إلى الفعل، والله أعلم - # * * * ### | فصل # ومن هذا الباب ما ذكره سيبويه على وجه ضرورة الشعر، ثم اعترف أنه في # الكلام بمنزلة في الشعر، أي: إنه لو جاء على الأصل لم بنكسر الشعر، وهو ~~قولهم: # علي ذنبا كله لم أصنع # ثلاث كلهن قتلت عمدا # جعله في القبح مثل: " زيد ضربت "، برفع زيد، مع عدم ms235 الضمير. # وليس مثله لوجوه منها: # أن الجملة هنا في موضع صفة، فلو نصب لولى الاسم غير الصفة، لأن # الفعل والفاعل والجملة هي الصفة، فإذا قدمت مفعولها عليها لم تل موصوفها، ~~فإذا رفعت بالابتداء وليت الجملة التي هي في موضع الصفة موصوفها. # ووجه آخر، وهو أن (كلا) يقبح أن يليه العوامل اللفظية، لأنه في الأصل # توكيد، والتوكيد لا يليه العوامل اللفظية ويحسن رفعه بالابتداء، إذ ~~الابتداء # PageV01P337 # ليس بعامل لفظي فأما ما ذكر من قولهم: " شهر ترى، وشهر ثرى، وشهر مرعى ". # وجعله من هذا الباب بمنزلة " كله لم أصنع " و " زيد ضربته "، فيا بعدما ~~بينهما هذا نكرة وما بعدها صفة لها لا خبر عنها، فلم يصح نصبه بها، لأن ~~الصفة لا تعمل في الموصوف. # وحسن حذف الضمير لأن الحذف في الصفة أحسن منه في الخبر. # وزاده حسنا ههنا ازدواج الكلام وطلب السجع، فشهر في هذه الكلمات مبني على ~~ما قبله، كأنه يقول: والسنة شهر ترى، وشهر ثرى ". # أو: " من السنة ". # وكذلك ما بعده من قوله: # فثوب نسيت وثوب أجر # والله أعلم. # انتهى الكلام في نتائج الفكر والحمد لله حمدا كثيرا كما هو أهله. # والصلاة والسلام الأطيبان الأكملان على سيد سائر خلقه سيدنا محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه وأزواجه وسلم تسليما كثيرا والحمد لله ~~رب العالمين. PageV01P338 ms236