######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009734 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طفيل القيسي الأندلسي، أبو بكر (المتوفى: 581هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 581 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: حي بن يقظان #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم أخرى - مرقم آليا #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009734 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9734 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9734 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | ذكر سلفنا الصالح - رضي الله عنهم - # أن جزيرة من جزائر الهند التي تحت خط الاستواء، وهي الجزيرة التي يتولد ~~بها الإنسان من غير أم ولا أب، وبها شجر يثمر نساء، وهي التي ذكر المسعودي ~~أنها جزيرة الوقواق لان تلك الجزيرة اعدل بقاع الأرض هواء؛ أتممها لشروق ~~النور الأعلى عليها استعداد، وان كان ذلك خلاف ما يراه جمهور الفلاسفة ~~وكبار الأطباء، فانهم يرون إن اعدل ما في المعمورة الإقليم الرابع، فان ~~كانوا قالوا ذلك لأنه صح عندهم انه ليس على خط الاستواء عمارة لمانع من ~~الموانع الأرضية، فلقولهم: أن الإقليم الرابع اعدل بقاع الأرض وجه، وان ~~كانوا إنما أرادوا بذلك إن ما على خط الاستواء شديد الحرارة، كالذي يصرح به ~~أكثرهم فهو خطأ يقوم البرهان على خلافه. # وذلك أنه قد تبرهن في العلوم الطبيعية أنه لا سبب لتكون الحرارة إلا ~~الحركة أو ملاقاة الأجسام الحارة والإضاءة؛ وتبين فيها أيضا إن الشمس ~~بذاتها غير حارة ولا متكيفة بشيء من هذه الكيفيات المزاجية؛ وقد تبين فيها ~~أيضا إن الأجسام التي تقبل الإضاءة أتم القبول، هي الأجسام الصقيلة غير ~~الشفافة، ويليها في قبول ذلك الأجسام الكثيفة غير الصقيلة، فأما الأجسام ~~الشفافة التي لاشيء فيها من الكثافة فلا تقبل الضوء بوجه. # وهذا وحده مما برهنه الشيخ أبو علي خاصة، ولم يذكره من تقدمه، فإذا صحت ~~هذه المقدمات، فاللازم عنها أن الشمس لا تسخن الأرض كما تسخن الأجسام ~~الحارة أجسام أخر تماسها، لان الشمس في ذاتها غير حارة ولا الأرض أيضا تسخن ~~بالحركة لأنها ساكنة وعلى حالة واحدة في شروق الشمس عليها وفي وقت مغيبها ~~عنها. # وأحوالها في التسخين والتبريد، ظاهرة الاختلاف للحس في هذين الوقتين. # ولا الشمس أيضا تسخن الهواء أولا ثم تسخن بعد ذلك الأرض بتوسط سخونة ~~الهواء، وكيف يكون ذلك ونحن نجد أن ما قرب من الهواء من الأرض في وقت الحر، ~~أسخن كثيرا من الهواء الذي يبعد منه علوا؟ فبقي أن تسخين الشمس للأرض إنما ~~هو على سبيل الإضاءة لا غير، فان ms01 الحرارة تتبع الضوء أبدا: حتى إن الضوء ~~إذا افرط في المرأة المقعرة، أشعل ما حاذاها. # وقد ثبت في علوم التعاليم بالبراهين القطعية، أن الشمس كروية الشكل، وأن ~~الأرض كذلك، وأن الشمس أعظم من الأرض كثيرا، وأن الذي يستضيء من الشمس أبدا ~~هو أعظم من نصفها، وأن هذا النصف المضيء من الأرض في كل وقت أشد ما يكون ~~الضوء في وسطه، لأنه أبعد المواضع من المظلمة، ولأنه يقابل من الشمس أجزاءا ~~أكثر، وما قرب من المحيط كان أقل ضوءا حتى ينتهي إلى الظلمة عند محيط ~~الدائرة الذي ما أضاء موقعه من الأرض قط، وإنما يكون الموضع وسط دائرة ~~الضياء إذا كانت الشمس على سمت رؤوس الساكنين فيه، وحينئذ تكون الحرارة في ~~ذلك الموضع أشد ما يكون فان كان الموضع مما تبعد الشمس عن مسامتة رؤوس ~~أهله، كان شديد البرودة جدا، وان كان مما تدوم فيه المسامتة كان شديد ~~الحرارة، وقد ثبت في علم الهيئة أن بقاع الأرض التي على خط الاستواء لا ~~تسامت الشمس رؤوس أهلها سوى مرتين في العام: عند حلولها برأس الحمل؛ وعند ~~حلولها برأس الميزان. # وهي في سائر العام ستة أشهر جنوبا منهم، وستة أشهر شمالا منهم: فليس ~~عندهم حر مفرط، ولا برد مفرط. # وأحوالهم بسبب ذلك متشابهة. # وهذا القول يحتاج إلى بيان أكثر من هذا، لا يليق بما نحن بسبيله؛ وإنما ~~نبهناك عليه، لأنه من الأمور التي تشهد بصحة ما ذكر من تجويز تولد الإنسان ~~بتلك البقعة من غير أم ولا أب. # فمنهم من بت الحكم وجزم القضية بأن ### | حي بن يقظان # من جملة من تكون في تلك البقعة من غير أم ولا أب، ومنهم من أنكر ذلك وروى ~~من أمره خبرا نقصه عليك، فقال: انه كان بازاء تلك الجزيرة، جزيرة عظيمة ~~متسعة الأكتاف، كثيرة الفوائد، عامرة بالناس، يملكها رجل منهم شديد الأنفة ~~والغيرة، وكانت له أخت ذات جمال وحسن باهر فعضلها ومنعها الأزواج إذا لم ~~يجد لها كفوا. # وكان له قريب يسمى يقظان فتزوجها سرا على ms02 وجه جائز في مذهبهم المشهور في ~~زمنهم. # ثم إنها حملت منه ووضعت طفلا. # PageV01P001 # فلما خافت أن يفتضح أمرها وينكشف سرها، وضعته في تابوت أحكمت زمه بعد أن ~~أروته من الرضاع؛ وخرجت به في أول الليل في جملة من خدمها وثقاتها إلى ساحل ~~البحر، وقلبها يحترق صبابة به، وخوفا عليه، ثم إنها ودعته وقالت: "اللهم ~~انك خلقت هذا الطفل ولم يكن شيئا مذكورا، ورزقته في ظلمات الأحشاء، وتكفلت ~~به حتى تم واستوى. # وأنا قد سلمته إلى لطفك، ورجوت له فضلك، خوفا من هذا الملك الغشوم الجبار ~~العنيد. # فكن له، ولا تسلمه، يا أرحم الراحمين" ثم قذفت به في اليم. # فصادف ذلك جري الماء بقوة المد، فاحتمله من ليلته إلى ساحل الجزيرة ~~الأخرى المتقدم ذكرها. # وكان المد يصل في ذلك الوقت إلى موضع لا يصل إليه بعد علم. # فأدخله الماء بقوته إلى أجمة ملتفة الشجر عذبة التربة، مستورة عن الرياح ~~والمطر، محجوبة عن الشمس تزاور عنها إذا طلعت، وتميل إذا غربت. # ثم أخذ الماء في الجزر. # وبقي التابوت في ذلك الموضع، وعلت الرمال بهبوب الرياح، وتراكمت بعد ذلك ~~حتى سدت مدخل الماء إلى تلك الأجمة. # فكان المد لا ينتهي إليها، وكانت مسامير التابوت قد فلقت، وألواحه قد ~~اضطربت عند رمي الماء في تلك الأجمة. # فلما أشتد الجوع بذلك الطفل، بكى واستغاث وعالج الحركة، فوقع صوته في أذن ~~ظبية فقدت طلاها، خرج من كناسه فحمله العقاب، فلما سمعت الصوت ظنته ولدها. # فتتبعت الصوت وهي تتخيل طلاها حتى وصلت إلى التابوت، ففحصت عنه بأظلافها ~~وهو ينوء ويئن من داخله، حتى طار عن التابوت لوح من أعلاه. # فحنت الظبية وحنت عليه ورئفت به، وألقمه حلمتها وأروته لبنا سائغا. # ومازالت تتعهده وتربيه وتدفع عنه الأذى. # هذا ما كان من ابتداء أمره عند من ينكره التولد. # ونحن نصف هنا كيف تربى وكيف أنتقل في أحواله حتى يبلغ المبلغ العظيم. # وأما الذين زعموا أنه تولد من الأرض فانهم قالوا إن بطنا من أرض تلك ~~الجزيرة تخمرت فيه طينه ms03 على مر السنين والأعوام، حتى امتزج فيها الحار ~~بالبارد، والرطب باليابس، امتزاج تكافؤ وتعادل في القوى. # وكانت هذه الطينة المتخمرة كبيرة جدا وكان بعضها يفضل بعضا في اعتدال ~~المزاج والتهيؤ لتكون الأمشاج. # وكان الوسط منها أعدل ما فيها وأتمه مشابهة بمزاج الإنسان: فتمخضت تلك ~~الطينة، وحدث فيها شبه نفاخات الغليان لشدة لزوجتها: وحدث في الوسط منها ~~لزوجة ونفاخة صغيرة جدا، منقسمة بقسمين، بينها حجاب رقيق، ممتلئة بجسم لطيف ~~هوائي في غاية من الاعتدال اللائق به، فتعلق به عند ذلك الروح الذي هو من ~~أمر الله تعالى وتشبث به تشبثا يعسر انفصاله عنه عند الحس وعند العقل؛ إذ ~~قد تبين أن هذا الروح دائم الفيضان من عند الله عز وجل، وأنه بمنزلة نور ~~الشمس الذي هو دائم الفيضان على العالم. # فمن الأجسام ما لا يستضيء به، وهو الهواء الشفاف جدا؛ ومنها ما يستضيء به ~~بعض الاستضاءة، وهي الأجسام الكثيفة غير الصقيلة وهذه تختلف في قبول ~~الضياء، وتختلف بحسب ذلك ألوانها، ومنها ما يستضيء به غاية الاستضاءة وهي ~~الأجسام الصقيلة كالمرأة ونحوها. # فإذا كانت هذه المرأة مقعرة على شكل مخصوص، حدث فيها النار لإفراط ~~الضياء. # الذي هو الروح، الذي هو من أمر الله تعالى، فياض أبدا على جميع ~~الموجودات؛ فمنها ما لا يظهر أثره فيه اعدم الأستعداد، وهي الجمادات التي ~~لا حياة لها، وهذه بمنزلة الهواء في المثال المتقدم، ومنها ما يظهر أثره ~~فيه، وهي أنواع النبات بحسب استعداداتها وهذه بمنزلة الأجسام الكثيفة في ~~المثال المتقدم؛ ومنها ما يظهر أثره فيه ظهورا كثيرا، وهي الأجسام الصقيلة ~~في المثال المتقدم. # ومن هذه الأجسام الصقيلة ما يزيد على شدة قبوله لضياء الشمس أنه يحكي ~~صورة الشمس، ومثالها. # وكذلك أيضا من الحيوان ما يزيد على شدة قبوله للروح أنه يحكي الروح ~~ويتصور بصورته وهو الإنسان خاصة. # واليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق أدم على صورته". # فان قويت في هذه الصورة حتى تتلاشى جميع الصور في حقها، وتبقى هي وحدها، ~~وتحرق سبحات ms04 نورها كل ما أدركته، كانت حينئذ بمنزلة المرأة المنعكسة على ~~نفسها المحرقة لسوها وهذا لا يكون إلا للأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. # وهذا كله مبين في مواضعه اللائقة به، فليرجع إلى تمام ما حكوه من وصف ذلك ~~التخلق. # PageV01P002 # قالوا: فلما تعلق هذا الروح بتلك القرارة، خضعت له جميع القوى وسجدت له ~~وسخرت بأمر الله تعالى في كمالها، فتكون بازاء تلك القرارة نفاخة أخرى ~~منقسمة إلى ثلاث قرارت بينهما حجب لطيفة، ومسالك نافذة، وامتلأت بمثل ذلك ~~الهوائي الذي امتلأت منه القرارة الأولى؛ إلا أنه ألطف منه. # وفي هذه البطون الثلاثة المنقسمة من واحد، طائفة من تلك القوى التي خضعت ~~له وتوكلت بحراستها والقيام عليها، وإنهاء ما يطرأ فيها من دقيق الأشياء ~~وجليلها إلى الروح الأول المتعلق بالقرارة الأولى. # وتكون بازاء هذه القرارة من الجهة المقابلة للقراءة الثانية، نفاخة ثالثة ~~مملوءة جسما هوائيا، إلا أنه أغلظ من الأولين وسكن في هذه القرارة فريق من ~~تلك القوى الخاضعة، وتوكلت بحفظها والقيام عليها؛ فكانت هذه القرارة الأولى ~~والثانية والثالثة، أول ما تخلق من تلك الطينة المتحمرة على الترتيب الذي ~~ذكرناه. # واحتاج بعضها إلى بعض: فالأولى منها حاجتها إلى الآخرين، حاجة استخدام ~~وتسخير. # والأخريان حاجتهما إلى الأولى حاجة المرؤوس إلى الرئيس، والمدبر إلى ~~المدبر؛ وكلاهما لما يتخلق بعدهما من الأعضاء رئيس لا مرؤوس. # وأحدهما، وهو الثاني، أتمم رئاسة من الثالث فالأول منهما لما تعلق به ~~الروح، واشتعلت حرارته تشكل بشكل النار لصنوبري وتشكل أيضا الجسم الغليظ ~~المحدق به على شكله، وتكون لحما صلبا، وصار عليه غلاف صفيق يحفظه وسمي ~~العضو كله قلبا واحتاج لما يتبع الحرارة من التحليل وافناء الرطوبات إلى ~~شيء يمده ويغذوه، ويخلف ما تحلل منه على الدوام، وإلا لم يطل بقاؤه، واحتاج ~~أيضا إلى تحسس بما يلائمه فيجذبه، وبما يخالفه فيدفعه. # فتكفل له العضو الواحد بما فيه من القوى التي أصلها منه بحاجته الواحدة، ~~وتكفل له العضو الآخر بحاجته الأخرى. # وكان المتكفل بالحس هو الدماغو المتكفل بالغذاء هو الكبد؛ واحتاج كل واحد ms05 ~~من هذين إليه في أن يمدها بحرارته، وبالقوى المخصوصة بهما التي أصلها منه، ~~فانتسجت بينهما لذلك كله مسالك وطرق: بعضها أوسع من بعض بحسب ما تدعواليه ~~الضرورة، فكانت الشرايين والعروق. # وصفه الطبيعيون في خلقة الجنين في الرحم، لم يغادروا من ذلك شيئا، إلى أن ~~كمل خلقه، وتمت أعضاؤه، وحصل في حد خروج الجنين من البطن، واستعانوا في وصف ~~كمال ذلك بتلك الطينة الكبيرة المتخمرة، وأنها كانت قد تهيأت لان يتخلق ~~منها كل ما يحتاج إليه في خلق الإنسان من الأغشية المجللة لجملة بدنه ~~وغيرها فلما كمل انشقت عنه تلك الأغشية، بشبه المخاض، وتصدع باقي الطينة إذ ~~كان قد لحقه الجفاف. # ثم استغاث ذلك الطفل عند فناء مادة غذائه واشتداد جوعه، فلبته ظبية فقدت ~~طلاها. # ثم استوى عبد ما وصفه هؤلاء بعد هذا الموضع، وما وصفه الطائفة الأولى في ~~معنى التربية؛ فقالوا جميعا: إن الظبية التي تكفلت به وافقت خصبا ومرعى ~~أثيثا، فكثر لحمها وكثر لبنها، حتى قام بغذاء ذلك الطفل أحسن قيام. # وكانت معه لا تبعد عنه إلا لضرورة الرعي. # وألف الطفل تلك الظبية حتى كان بحيث إذا هي أبطأت عنه اشتد بكاؤه فطارت ~~إليه. # ولم يكن بتلك الجزيرة شيء من السباع العادية، فتربى الطفل ونما واغتذى ~~بلبن تلك الظبية إلى أن تم له حولان، وتدرج في المشي وأثغر فكان يتبع تلك ~~الظبية، وكانت هي ترفق به وترحمه وتحمله إلى مواضع فيها شجر مثمر فكانت ~~تطعمه ما تساقط من ثمراتها الحلوة النضيجة؛ وما كان منها صلب القشر كسرته ~~له بطواحنها؛ ومتى عاد إلى اللبن أروته، ومتى ظمئ إلى الماء أرودته، متى ~~ضحا ظللته؛ ومتى خصر أدفأته. # وإذا جن الليل صرفته إلى مكان الأول وجللته بنفسها وبريش كان هناك؛ مما ~~ملئ به التابوت أولا في وقت وضع الطفل فيه. # وكان في غدوهما ورواحهما قد ألفهما ربرب يسرح ويبيت معهما حيث مبيتهما. # فما زال الطفل مع الظباء على تلك الحال: يحكي نغمتها بصوته حتى لا يكاد ~~يفرق بينهما؛ وكذلك كان يحكي جميع ms06 ما يسمعه من أصوات الطير وأنواع سائر ~~الحيوان محاكاة شديدة لقوة انفعاله لما يريده ما كانت محاكاته لأصوات ~~الظباء في الاستصراخ والاستئلاف والاستدعاء والاستدفاع. # إذ للحيوانات في هذه الأحوال المختلفة أصوات مختلفة فألفته الوحوش ~~وألفها؛ ولم تنكره ولا أنكرها. # PageV01P003 # فلما ثبت في نفسه أمثلة الأشياء بعد مغيبها عن مشاهدته، حدث له نزوغ إلى ~~بعضها؛ وكراهية لبعض. # وكان في ذلك كله ينظر إلى جميع الحيوانات فيراها كاسية بالاوبار والأشعار ~~وأنواع الريش، وكان يرى ما لها من العدو وقوة البطش، وما لها من الأسلحة ~~المعدة لمدافعة من ينازعها، مثل القرون والأنياب والحوافر والصياصي ~~والمخالب. # ثم يرجع إلى نفسه، فيرى ما به من العري وعدم السلاح، وضعف العدو، وقلة ~~البطش، عندما كانت تنازعه الوحوش أكل الثمرات، وتستبد بها دونه، وتغلبه ~~عليها، فلا يستطيع المدافعة عن نفسه، ولا الفرار عن شيء منها. # وكان يرى أترابه من أولاد الظباء، قد تبتت لها قرون، بعد أن لم تكن، ~~وصارت قوية بعد ضعفها في العدو. # ولم ير لنفسه شيئا من ذلك فكان يفكر في ذلك ولا يدري ما سببه. # وكان ينظر إلى ذوي العاهات والخلق الناقص فلا يجد لنفسه شبيها فيهم. # وكان أيضا ينظر إلى مخارج الفضول من سائر الحيوانات، فيراها مستورة: أما ~~مخرج أغلظ الفضلتين فبالاذناب، وأما مخرج وأما مخرج أرقهما فبالاوبار وما ~~أشبههما. # ولأنها كانت أيضا اخفى قضبانا منه. # فكان ذلك ما يكربه ويسؤه. # فلما طال همه في ذلك كله، وهو قد قارب سبعة اعوام، ويئس من أن يكمل له ما ~~قد أضر به نقصه، اتخذ من أوراق الشجر العريضة شيئا جعل بعضه خلفه وبعضه ~~قدمه، وعمل من الخوض والحلفاء شبه حزام على وسطه، علق به تلك الأوراق فلم ~~يلبث إلا يسيرا حتى ذوى ذلك الورق وجف وتساقط. # فما زال يتخذ غيره ويخصف بعضه ببعض طاقات مضاعفة، وربما كان ذلك أطول ~~لبقائه إلا انه على كل حال قصير المدة. # واتخذ من أغصان الشجر عصيا وسوى أطرافها وعدل متنها. # وكان بها على الوحوش المنازعة له، فيحمل ms07 على الضعيف منها، ويقاوم القوي ~~منها، فنبل بذلك قدره عند نفسه بعض نباله، ورأى أن ليده فضلا كثيرا على ~~أيديها: إذ أمكن له بها ستر عورته واتخاذ العصي التي يدافع بها عن حوزته، ~~ما استغنى به عما أراده من الذنب والعذاب الطبيعي. # وفي خلال ذلك ترعرع واربى على السبع سنين، وطال به العناء في تجديد ~~الأوراق التي كان يستتر بها. # فكانت نفسه عند ذلك تنازعه إلى اتخاذ ذنب من ذنوب الوحوش الميتة ليعلقه ~~على نفسه، إلا أنه كان يرى أحياء الوحوش تتحامى ميتها وتفر عنه فلا يتأتى ~~له الأقدام على ذلك الفعل، إلى أن صادف في الأيام نسرا ميتا فهدي إلى نيل ~~أمله منه، واغتنم الفرصة في، إذ لم ير للوحوش عنه نفرة فأقدم عليه، وقطع ~~جناحيه وذنبه صحاحا كما هي، وفتح ريشها وسواها، وسلخ عنه سائر جلده، وفصله ~~على قطعتين: ربط إحداهما على ظهره، وأخرى على سرته وما تحتها، وعلق الذنب ~~من خلفه، وعلق الجناحين على عضديه، فأكسبه ذلك سترا ودفئا ومهابة في نفوس ~~جميع الوحوش، حتى كانت لا تنازعه ولا تعارضه. # فصار لايدنو إليه شيء منها سوى الظبية التي كانت أرضعته وربته: فانها لم ~~تفارقه ولا فارقها، إلى أن اسنت وضعغت، فكان يرتاد بها المراعي الخصبة ~~ويجتني لها الثمرات الحلوة، ويطعمها. # ومازل الهزل والضعف يستولي عليها ويتوالى، إلى أن أدركها الموت، فسكنت ~~حركاتها بالجملة، وتعطلت جميع أفعالها. # فلما رأها الصبي على تلك الحالة، جزع جزعا شديدا، وكادت نفسه تفيض أسفا ~~عليها. # فكان يناديها بالصوت الذي كانت عادتها أن تجيبه عند سماعه، ويصيح بأشد ما ~~يقدر عليه، فلا لها عند ذلك حركة ولا تغييرا. # فكان ينظر إلى أذنيها والى عينيها فلا يرى بها آفة ظاهرة، وكذلك كان ينظر ~~إلى جميع أعضائها فلا يرى بشيء منها آفة. # فكان يطمع إن يعثر على موضع الآفة فيزيلها عنها، فترجع إلى ما كانت عليه ~~فلم ياتت له شيء من ذلك ولا استطاعة. # وكان الذي أرشده لهذا الرأي ما كان قد اعتبره في نفسه ms08 قبل ذلك: لانه كان ~~يرى انه إذا غمض عينيه أو حجبهما بشيء لا يبصر حتى نزول ذلك العائق، وكذلك ~~كان يرى انه اذا ادخل إصبعه في أذنيه وسدها لا يسمع شيئا حتى يزول ذلك ~~العارض، وإذا امسك أنفه بيده لا يشم شيئا من الروائح حتى يفتح أنفه. # فاعتقد من اجل ذلك إن جميع ماله من الادراكات والأفعال قد تكون لها عوائق ~~تعوقها، فإذا أزيلت العوائق عادت الأفعال. # PageV01P004 # فلما نظر إلى جميع أعضاء الظاهرة ولم ير فيها آفة ظاهرة - وكان يرى مع ~~ذلك العطلة قد اشتملها ولم يختص بها عضو دون عضو - وقع في خاطرة أن الآفة ~~التي نزلت بها، إنما هي العضو غائب عن العيان مستكن في باطن الجسد، وان ذلك ~~العضو لا يغني عنه في فعله شيء من هذه الأعضاء الظاهرة. # فلما نزلت به الآفة عمت المضرة، وشملت العطلة، وطمع لو أنه عثر على ذلك ~~العضو وأزال عنه ما يزال به لاستقامت أحواله وفاض على سائر البدن نفعه، ~~وعادت الأفعال إلى ما كانت عليه. # وكان قد شاهد قبل ذلك في الأشباح الميتة من الوحوش وسواها أن جميع ~~أعضائها مصمتة لا تجويف فيها إلا القحف، والصدر، والبطن. # فوقع في نفسه أن العضو الذي بتلك الصفة لن يعدو أحد هذه المواضع الثلاثة، ~~وكان يغلب على ظنه غلبة قوية أنه إنما هو في الموضع المتوسط من هذه المواضع ~~الثلاثة، إذ استقر في نفسه أن جميع الأعضاء محتاجة إليه، وأن الواجب بحسب ~~ذلك أن يكون مسكنه في الوسط. # وكان أيضا إذا رجع إلى ذاته، شعر بمثل هذا العضو في صدره لانه كان يعترض ~~سائرا اعضائه كاليد، والرجل، والأذن، والانف، والعين، ويقدر مفارقتها، ~~فيتاى له أنه كان يستغني عنها، وكان يقدر في رأسه مثل ذلك ويظن أنه يستغني ~~عنه، فإذا فكر في الشيء الذي يجده في صدره، لم يتأت له الاستغناء عنه طرفة ~~عين. # وكذلك كان عند محاربته للوحوش أكثر ما كان يتقي من صياصيهم على صدره، ~~لشعوره بالشيء الذي فيه. # فلما جزم الحكم ms09 بان العضو الذي نزلت به الآفة إنما هو في صدورها، اجمع ~~على البحث عليه والتنقير عنه، لعله يظفر به، ويرى آفته فيزيلها ثم انه خاف ~~أنه يكون نفس فعله هذا أعظم من الآفة التي نزلت بها أولا فيكون سعيه عليها. # ثم أنه تفكر: هل رأى من الوحوش وسواها، من ضار في مثل تلك الحال، ثم عاد ~~إلى مثل حاله الأول؟ فلم يجد شيئا! فحصل له من ذلك، اليأس من رجوعها إلى ~~حالها الأولى إن هو تركها، وبقي له بعض الرجاء في رجوعها إلى تلك الحال إن ~~هو وجد ذلك العضو وأزال الآفة عنه. # فعزم على شق صدرها وتفتيش ما فيه، فاتخذ من كسور الأحجار الصلدة وشقوق ~~القصب اليابسة، أشباه السكاكين، وشق بها بين أضلاعها حتى قطع اللحم الذي ~~بين الأضلاع، وأفضى إلى الحجاب المستبطن للأضلاع فراه قويا، فقوي ظنه مثل ~~ذلك الحجاب لا يكون إلا لمثل ذلك العضو وطمع بأنه إذا تجاوزه ألفى مطلوبه ~~فحاول شقه، فصعب عليه، لعدم الآلات، ولأنها لم تكن إلا من الحجارة والقصب، ~~فاستجدها ثانية واستحدها وتلطف في خرق الحجاب حتى انخرق له، فأفضى إلى ~~الرئة فظن أنها مطلوبه، فما زال يقلبها ويطلب موضع الآفة بها. # وكان أولا نصفها الذي هو في الجانب الواحد. # فلما راها مائلة إلى جهة واحدة، وكان قد اعتقد أن ذلك العضو لا يكون إلا ~~في الوسط في عرض البدن، كما في الوسط في طوله. # فمازال يفتش في وسط الصدر حتى ألفى القلب وهو مجلل بغشاء في غاية القوة ~~مربوط بعلائق في غاية الوثاقة، والرثة مطيفة به من الجهة التي بدأ بالشق ~~منها، فقال في نفسه: إن كان لهذا العضو من الجهة الأخرى مثل ما له من الجهة ~~فهو في حقيقة الوسط، ولا محالة أنه مطلوبي. # لا سيما مع ما أرى له حسن الوضع، وجمال الشكل، وقلة التشتت، وقوة اللحم، ~~وأنه محجوب بمثل هذا الحجاب الذي لم أر مثله لشيء من الأعضاء. # فبحث عن الجانب الآخر من الصدر، فوجد فيه الحجاب المستبطن ms10 للأضلاع، ووجد ~~الرئة كمثل ما وجد من هذه الجهة. # فحكم بان ذلك العضو هو مطلوبه، فحاول هتك حجابه، وشق شغافه، فبكد ~~واستكراه ما، قدر على ذلك، بعد استفراغ مجهوده. # وجرد القلب فراه مصمتا من كل جهة، فنظر هل يرى فيه آفة ظاهرة؟ فلم ير فيه ~~شيئا! فشد على يده، فتبين له أن فيه تجويفا، فقال: لعل مطلوبي الأقصى إنما ~~هو في داخل هذا العضو، وأنا حتى الآن لم أصل إليه. # فشق عليه، فألقى فيه تجويفين اثنين احدهما من الجهة اليمنى والآخر من ~~الجهة اليسرى، والذي من الجهة اليمنى مملوء بعقد منعقد، والذي من الجهة ~~اليسرى خال لا شيء به. # فقال: لن يعدو مطلوبي أن يكون مسكنه أحد هذين البيتين. # ثم قال: أما هذا البيت الأيمن، فلا أرى فيه إلا هذا الدم المنعقد. # PageV01P005 # ولا شك أنه لم ينعقد حتى صار الجسد كله إلى هذا الحال - إذ كان قد شاهد ~~الدماء متى سالت وخرجت انعقدت وجمدت ولم يكن هذا إلا دما كسائر الدماء - ~~وأنا أرى أن هذا الدم موجود في سائر الأعضاء لا يختص به عضو دون أخر، وأنا ~~ليس مطلوبي شيئا بهذه الصفة إنما مطلوبي الشيء الذي يختص به هذا الموضع ~~الذي أجدني لا أستغني عنه طرفة العين، واليه كان انبعاثي من أول. # واما هذا الدم فكم مرة جرحتني الوحوش في المحاربة فسال مني كثير منه فما ~~ضرني ذلك ولا افقدني شيئا من أفعالي، فهذا بيت ليس فيه مطلوبي. # وأما هذا البيت الأيسر فأراه خاليا لاشيء فيه، وما أرى ذلك لباطل، فاني ~~رأيت كل عضو من الأعضاء إنما لفعل يختص به، فكيف يكون هذا البيت على ما ~~شاهدت من شرفه باطلا؟ ما أرى إلا أن مطلوبي كان فيه! فارتحل عنه وأخلاه. # وعند ذلك، طرأ على هذا الجسد من العطلة ما طرأ، ففقد الإدراك وعدم ~~الحراك. # فلما رأى أن الساكن في ذلك البيت قد ارتحل قبل انهدامه وتركه وهو بحاله، ~~تحقق أنه أحرى أن لا يعود إليه بعد أن حدث فيه من ms11 الخراب والتخريق ما حدث. # فصار عنده الجسد كله خسيسا لا قدر له بالإضافة إلى ذلك الشيء الذي اعتقد ~~في نفسه أنه يسكنه مدة ويرحل عنه بعد ذلك. # فاقتصر على الفكرة في ذلك الشيء ما هو؟ وكيف هو؟ وما الذي ربطه بهذا ~~الجسد؟ والى اين صار؟ ومن أي الأبواب خرج عند خروجه من الجسد؟ وما السبب ~~الذي أزعجه إن كان خرج كارها؟ وما السبب الذي كره إليه الجسد، حتى فارقه إن ~~كان خرج مختارا؟ وتشتت فكره في ذلك كله، وسلا عن الجسد وطرحه، وعلم أن أمه ~~التي عطفت عليه وأرضعته، إنما كانت ذلك الشيء المرتحل، وعنه كانت تصدر تلك ~~الأفعال كلها، لا هذا الجسد العاطل وأن هذا الجسد بجملته، إنما هو كالآلة ~~وبمنزلة العصي التي اتخذها هو لقتال الوحوش. # فانتقلت علاقته عن الجسد إلى صاحب الجسد ومحركه، ولم يبق له شوق إلا ~~إليه. # وفي خلال ذلك نتن ذلك الجسد، وقامت منه روائح كريهة، فزادت نفرته عنه، ~~وود أن لا يراه ثم انه سنح لنظره غرابان يقتتلان حتى صرع أحدهما الآخر ~~ميتا. # ثم جعل الحي يبحث في الأرض حتى حفر حفرة فوارى فيها ذلك الميت بالتراب ~~فقال في نفسه: ما أحسن ما صنع هذا الغراب في مواراة جيفة صاحبه وان كان قد ~~أساء في قتله اياه! وأنا كنت أحق بالاهتداء إلى هذا الفعل بآمي! فحفر حفرة ~~وألقى فيها جسد أمه، وحثا عليها التراب. # وبقي يتفكر في ذلك الشيء المصرف للجسد لا يدري ما هو! غير أنه كان ينظر ~~إلى أشخاص الظباء كلها، فيراها على شكل أمه، وعلى صورتها فكان يغلب على ~~ظنه، أن كل واحد منها إنما يحركه ويصرفه شيء هو مثل الشيء الذي كان يحرك ~~أمه ويصرفها، فكان يألف الظباء ويحن إليها لمكان ذلك الشبه. # وبقي على ذلك برهة من الزمن، يتصفح أنواع الحيوان والنبات ويطوف بساحل ~~تلك الجزيرة، ويتطلب هل يرى أو يجد لنفسه شبيها حسبما يرى لكل واحد من ~~أشخاص الحيوان والنبات أشباها كثيرة، فلا يجد شيئا من ذلك. ms12 # وكان يرى البحر قد أحدق بالجزيرة من كل جهة، فيعتقد أنه ليس في الوجود ~~أرض سوى جزيرته تلك. # واتفق في بعض الاحيان أن انقدحت نار في أجمة قلخ على سبيل المحاكة. # فلما بصر بها رأى منظرا هاله، وخلقا لم يعهده قبل، فوقف يتعجب منها مليا، ~~ومازال يدنو منها شيئا فشيئا، فرأى ما للنار من الضوء الثاقب والفعل الغالب ~~حتى لا تعلق بشيء إلا أتت عليه وأحالته إلى نفسها، فحمله، العجب بها، وبما ~~ركب الله تعالى في طباعه من الجراءة والقوة، على أن يده إليها، وأراد أن ~~يأخذ منها شيئا فلما باشرها أحرقت يده فلم يستطع القبض عليها فاهتدى إلى أن ~~يأخذ قبسا لم تستول النار على جميعه، فأخذ بطرفه السليم والنار في طرفه ~~الآخر، فتاتي له ذلك وحمله إلى موضعه الذي كان يأوي إليه - وكان قد خلا في ~~جحر استحسنه للسكنى قبل ذلك. # ثم مازال يمد تلك النار بالحشيش والحطب الجزل، ويتعهدها ليلا ونهارا ~~استحسانا منه وتعجبا منها. # وكان يزيد انسه بها ليلا، لأنها كانت تقوم له مقام الشمس في الضياء ~~والدفء، فعظم بها ولوعه، واعتقد أنها أفضل الأشياء التي لديه: وكان دائما ~~يراها تتحرك إلى جهة فوق وتطلب العلو، فغلب على ظنه أنها من جملة الجواهر ~~السماوية التي كان يشاهدها. # PageV01P006 # وكان يختبر قوتها في جميع الأشياء بأن يلقيها فيها، فيراها مستولية عليه ~~أما بسرعة واما ببطء بحسب قوة استعداد الجسم الذي كان يلقيه للاحتراق أو ~~ضعفه. # وكان من جملة ما القى فيها على سبيل الاختبار لقوتها، شيء من أصناف ~~الحيوانات البحرية - كان قد ألقاه البحر إلى ساحله - فلما أنضجت ذلك ~~الحيوان وسطع قتاره تحركت شهوته إليه، فأكل منه شيئا فاستطابه، فاعتاد بذلك ~~أكل اللحم، فصرف الحيلة في صيد البر والبحر، حتى مهر في ذلك. # وزادت محبته للنار، إذ تأتي له بها من وجوه الاغتذاء الطيب شيء لم يتأت ~~له قبل ذلك. # فلما اشتد شغفه بها لما رأى من أحسن آثارها وقوة اقتدارها، وقع في نفسه ~~أن الشيء الذي ارتحل ms13 من قلب أمه الظبية التي أنشأته، كان من جوهر هذا ~~الوجود أو من شيء يجانسه، وأكد ذلك في ظنه، ما كان يراه من حرارة الحيوان ~~طول مدة حياته، وبرودته من بعد موته، وكل هذا دائم لا يختل، وما كان يجده ~~في نفسه من شدة الحرارة عند صدره، بازاء الموضع الذي كان قد شق عليه من ~~الظبية، فوقع في نفسه أنه لو أخذ حيوانا حيا وشق قلبه ونظر إلى ذلك التجويف ~~الذي صادفه خاليا عندما شق عليه في أمه الظبية، لرأه في الحيوان الحي وهو ~~مملوء بذلك الشيء الساكن فيه وتحقق هل هو من جوهر النار؟ وهل فيه شيء من ~~الضوء والحرارة، آم لا؟ فعمد إلى بعد الوحوش واستوثق منه كتافا وشقه على ~~الصفة التي شق بها الظبية حتى وصل القلب. # فقصد أولا إلى الجهة اليسرى منه وشقها، فرأى ذلك الفراغ مملوءا بهواء ~~بخاري، يشبه الضباب الابيض، فأدخل إصبعه فيه، فوجده من الحرارة في حد كاد ~~يحرقه، ومات ذلك الحيوان على الفور. # فصح عنده أن ذلك البخار الحار هو الذي كان يحرك هذا الحيوان، وأن في كل ~~شخص من أشخاص الحيوانات مثل ذلك، ومتى انفصل عن الحيوان مات. # ثم تحركت في نفسه الشهوة للبحث عن سائر أعضاء الحيوان وترتيبها وأوضاعها ~~وكميتها وكيفية ارتباط بعضها ببعض، وكيف تستمد من هذا البخار الحار حتى ~~تستمر لها الحياة به، وكيف بقاء هذا البخار المدة التي يبقى، ومن أين ~~يستمد، وكيف لا تنفذ حرارته؟ فتتبع ذلك كله بتشريح الحيوانات الأحياء ~~والاموات، ولم يزل ينعم النظر فيها ويجيد الفكرة، حتى بلغ في ذلك كله مبلغ ~~كبار الطبيعيين، فتبين له أن كل شخص من أشخاص الحيوان، وان كان كثيرا ~~بأعضائه وتفنن حواسه وحركاته فانه واحد بذلك الروح الذي مبدؤه من قرار ~~واحد، وانقسامه وانقسامه في سائر الأعضاء منبعث منه. # وأن جميع الأعضاء إنما هي خادمة له، أو مؤدية عنه، وأن منزلة ذلك الروح ~~في تصريف الجسد، كمنزلة من يحارب الأعداء بالسلاح التام، ويصيد جميع صيد ~~البر والبحر، ms14 فيمد لكل جنس آلة يصيده بها والتي يحارب بها تنقسم: إلى ما ~~يدفع به نكيلة غيره، والى ما ينكي بها غيره. # وكذلك آلات الصيد تنقسم: إلى ما يصلح لحيوان البحر، والى ما يصلح لحيوان ~~البر، وكذلك الأشياء التي يشرح بها تنقسم: إلى ما يصلح للشق، والى ما يصلح ~~للكسر، والى ما يصلح للثقب، والبدن الواحد، وهو يصرف ذلك أنحاء من التصريف ~~بحسب ما تصلح له كل آلة، وبحسب الغايات التي تلتمس بذلك التصرف. # كذلك؛ ذلك الروح الحيواني واحد، وإذا عمل بالة العين كان فعله أبصارا، ~~وإذا عمل بآلة الآذن كان فعله سمعا، وإذا عمل بآلة الآنف كان فعله شما، ~~وإذا عمل بآلة اللسان كان فعله ذوقا، وإذا عمل بالجلد واللحم كان فعله ~~لمسا، وإذا عمل بالعضد كان فعله حركه، وإذا عمل بالكبد كان فعله غذاء ~~واغتذاء. # ولكل واحد من هذه، أعضاء تخدمه. # ولا يتم لشيء من هذه فعل إلا بما يصل إليها من ذلك الروح، على الطريق ~~التي تسمى عصبا. # ومتى انقطعت تلك الطرق أو انسدت، تعطل فعل ذلك العضو. # وهذه الأعصاب إنما تستمد الروح من بطون الدماغ يستمد الروح من القلب، ~~والدماغ فيه أرواح كثير، لانه موضع تتوزع فيه أقسام كثيرة: فآي عضو عدم هذا ~~الروح بسبب من الأسباب تعطل فعله وصار بمنزلة الآلة المطرحة، التي يصرفها ~~الفاعل ولا ينتفع بها. # فان خرج هذا الروح بجملته عن الجسد، أو فني، أو تحلل بوجه من الوجوه، ~~تعطل الجسد كله، وصار إلى حالة الموت، فانتهى به إلى هذا من منشئه، وذلك ~~أحد وعشرون عاما. # PageV01P007 # وفي خلال هذه المدة المذكورة تفنن في وجوه حيله، واكتسى بجلود الحيوانات ~~التي كان يشرحها، واحتذى بها، واتخذ الخيوط من الأشعار ولحا قصب الخطمية ~~والخباري والقنب، وكل نبات ذي خيط. # وكان أصل اهتدائه إلى ذلك، أنه أخذ من الحلفاء وعمل خطاطيف من الشوك ~~القوي والقصب المحدد على الحجارة. # واهتدى إلى البناء بما رأى من فعل الخطاطيف فاتخذ مخزنا وبيتا لفضلة ~~غذائه، وحصن عليه بباب من القصب المربوط ms15 بعضه إلى بعض، لئلا يصل إليه شيء ~~من الحيوانات عند مغيبه عن تلك الجهة في بعض شؤونه. # واستألف جوانح الطير ليستعين بها في الصيد، واتخذ الدواجن ببيضها ~~وفراخها، واتخذ من الصياصي البقر الوحشية شبه الاسنة، وركبها في القصب ~~القوي، وفي عصي الزان وغيرها، واستعان في ذلك بالنار وبحروف الحجارة، حتى ~~صارت شبه الرماح، واتخذ ترسه من جلود مضاعة: كل ذلك لما رأى من عدمه السلاح ~~الطبيعي. # ولما رأى أن يده تفي له بكل ما فاته من ذلك، وكان لا يقاومه شيء من ~~الحيوانات على اختلاف أنواعها، إلا أنها كانت عنه فتعجزه هربا، فكر في وجه ~~الحيلة في ذلك، فلم ير شيئا أنجع له من أن يتالف بعض الحيوانات الشديدة ~~العدو، ويحسن إليها بأعداد الغذاء الذي يصلح لها، حتى يتأتى له الركوب ~~عليها ومطاردة سائر الأصناف بها. # وكان بتلك الجزيرة خيل البرية وحمر وحشية، فاتخذ منها ما يصلح له، وراضها ~~حتى كمل بها غرضه، وعمل عليها من الشرك والجلود أمثال الشكائم والسروج ~~فتاتي له بذلك ما امله من طرد الحيوانات التي صعبت عليه الحيلة في أخذها. # وانما تفنن في هذه الأمور كلها ف وقت اشتغاله التشريح، وشهوته في وقوفه ~~على خصائص أعضاء الحيوان، وبماذا تختلف، وذلك في المدة التي حددنا منتهاها ~~بأحد وعشرين عاما. # ثم انه بعد ذلك أخذ في مآخذ أخر من النظر، فتصفح جميع الأجسام التي في ~~عالم الكون والفساد: من الحيوانات على اختلاف أنواعها، والنبات والمعادن ~~وأصناف الحجارة والتراب والماء والبخار والثلج والبرد، والدخان واللهيب ~~والجمر، فرأى لها أصوافا كثيرة وأفعالا مختلفة، وحركات متفقة ومضادة، وأنعم ~~النظر في ذلك والتثبت، فرأى أنها تتفق ببعض الصفات وتختلف ببعض، وأنها من ~~الجهة التي تتفق بها واحدة، ومن الجهة التي تختلف فيها متغايرة ومتكثرة ~~فكان تارة ينظر خصائص الأشياء وما يتفرد به بعضها عن بعض، فتكثر عنده كثرة ~~تخرج عن الحصر، وينتشر له الوجود انتشار لا يضبط. # كل عضو منها فيرى أنه يحتمل القسمة إلى أجزاء كثيرة جدا، فيحكم على ذاته ms16 ~~بالكثرة، وكذلك على ذات كل شيء. # ثم كان يرجع إلى نظر آخر من طريق ثان، فيرى أن أعضاءه، وان كانت كثيرة ~~فهي متصلة كلها بعضها ببعض، لا انفصال بينها بوجه، فهي في الحكم الواحد، ~~وأنها لا تختلف إلا بحسب اختلاف أفعالها، أن ذلك الاختلاف إنما هو بسبب ما ~~يصل إليها من قوة الروح الحيواني، الذي انتهى إليه نظره أولا، وأن ذلك ~~الروح واحد ذاته، وهو حقيقة الذات، وسائر الأعضاء كلها كالآلات، فكانت تتحد ~~عنده ذاته بهذا الطريق. # ثم أنه كان ينتقل إلى جميع أنواع الحيوانات، فيرى كل شخص منها واحدا بهذا ~~النوع من النظر. # ثم كان ينظر إلى نوع منها: كالظباء والخيل وأصناف الطير صنفا صنفا، فكان ~~يرى أشخاص كل نوع يشبه بعضه بعضا في الأعضاء الظاهرة والباطنة الادراكات ~~والحركات والمنازع، ولا يرى بينها اختلافا إلا في أشياء يسيرة بالإضافة إلى ~~ما اتفقت فيه. # وكان يحكم بان الروح الذي لجميع ذلك النوع شيء واحد، وأنه لم يختلف إلا ~~أنه انقسم على قلوب كثيرة، وأنه لو أمكن أن يجمع جميع الذي افترق في تلك ~~القلوب منه ويجعل في وعاء واحد، لكان كله شيئا واحدا، بمنزلة ماء واحد، أو ~~شراب واحد، يفرق على أوان كثيرة، ثم يجمع بعد ذلك. # فهو في حالتي تفريقه وجمعه شيء واحد، إنما الغرض له التكثر بوجه ما، فكان ~~يرى النوع بهذا النظر واحدا، ويجعل كثرة أشخاصه بمنزلة كثيرة أعضاء الشخص ~~الواحد، التي لم تكن كثرة في الحقيقة. # ثم كان يحضر أنواع الحيوانات كلها في نفسه ويتأملها فيراها تتفق في أنها ~~تحس، وتغتذي، وتتحرك بالإرادة إلى أي جهة شاءت، وكان قد علم أن هذه الأفعال ~~هي أخص أفعال الروح الحيواني، وأن سائر الأشياء التي تختلف بها بعد هذا ~~الاتفاق، ليست شديدة الاختصاص بالروح الحيواني. # PageV01P008 # فظهر له بهذا التأمل، أن الروح الحيواني الذي لجميع جنس الحيوان واحد ~~بالحقيقة، وان كان فيه اختلاف يسير، اختص به نوع دون نوع: بمنزلة ماء واحد ~~مقسوم على أوان كثيرة، بعضه أبرد من بعض. ms17 # وهو في أصله واحد وكل ما كان في طبقة واحدة من البرودة، فهو بمنزلة ~~اختصاص ذلك الروح الحيواني بنوع واحد، وان عرض له التكثر بوجه ما. # فكان يرى جنس الحيوان كله واحدا بهذا النوع من النظر. # ثم كان يرجع إلى أنواع النبات على اختلافها. # فيرى كل نوع منها تشبه أشخاصه بعضها بعضا في الأغصان، والورق، والزهر ~~والثمر، والأفعال فكان يقيسها بالحيوان، ويعلم أن لها شيئا واحدا فيه: هو ~~لها بمنزلة الروح الحيواني وأنها بذلك الشيء واحد. # وكذلك كان ينظر إلى جنس النبات كله، فيحكم باتحاده بحسب ما يراه من اتفاق ~~فعله في أنه يتغذى وينمو. # ثم كان يجمع في نفسه جنس الحيوان وجنس النبات، فيراهما جميعا متفقين في ~~الاغتذاء والنمو، ألا أن الحيوان يزيد على النبات، بفضل الحس والادراك ~~والتحرك؛ وربما ظهر في النبات شيء شبيه به، مثل تحول وجوه الزهر إلى جهة ~~الشمس، وتحرك عروقه إلى الغذاء، بسبب شيء واحد مشترك بينهما، هو في أحدهما ~~أتمم وأكمل، وفي الآخر قد عاقه عائق ما، وأن ذلك بمنزلة ماء واحد قسم ~~بقسمين، أحدهما جامد والآخر سيال، فيتحد عنده النبات والحيوان. # ثم ينظر إلى الأجسام التي لا تحس ولا تغتذي ولا تنمو، من الحجارة، ~~والتراب، والماء، والهواء، واللهب، فيرى أنها أجسام مقدر لها الطول وعرض ~~وعمق وأنها لاتختلف، إلا أن بعضها ذو لون وبعضها لا لون له وبعضها حار ~~والآخر بارد، ونحو ذلك من الاختلافات وكان يرى أن الحار منها يصير باردا، ~~والبارد يصير حار وكان يرى الماء يصير بخارا والبخار ماء، والأشياء ~~المحترقة تصير جمرا، ورمادا، ولهيبا، ودخانا، والدخان إذا وافق في صعوده ~~قبة حجر انعقد فيه وصار بمنزلة سائر الأشياء الأرضية، فيظهر له بهذا ~~التأمل، أن جميعها شيء واحد في الحقيقة، وان لحقتها الكثرة بوجه ما، فذلك ~~مثل ما لحقت الكثرة للحيوان والنبات. # ثم ينظر إلى الشيء الذي اتحد به عند النبات والحيوان، فيرى أنه جسم ما ~~مثل هذه الأجسام: له طول وعرض وعمق، وهو إما حار واما بارد، كواحد ms18 من هذه ~~الأجسام التي لا تحس ولا تتغذى، وانما خالفها بأفعاله التي تظهر عنه ~~بالآلات الحيوانية والنباتية لا غير، ولعل تلك الأفعال ليست ذاتية، وانما ~~تسري إليه من شيء آخر ولو سرت إلى هذه الأجسام الآخر، لكانت مثله فكان ينظر ~~إليه بذاته مجردا عن هذه الأفعال، التي تظهر ببادئ الرأي، أنها صادرة عنه، ~~فكان يرى أنه ليس إلا جسما من هذه الأجسام، فيظهر له بهذا التأمل، أن ~~الأجسام كلها شيء واحد: حيها وجمادها، متحركها وساكنها، إلا أنه يظهر أن ~~لبعضها أفعالا بالات، ولا يدري هل تلك الأفعال ذاتية لها، أو سارية أليها ~~من غيرها. # وكان في هذه الحال لا يرى شيئا غير الأجسام فكان بهذا الطريق يرى الوجود ~~كله شيئا واحدا، وبالنظر الأول كثرة لا تنحصر ولا تتناهى. # وبقي بحكم هذه الحالة مدة. # ثم انه تأمل جميع الأجسام حيها وجامدها. # وهي التي هي عنده تارة شيء واحد وتارة كثيرة كثرة لا نهاية لها، فرأى إن ~~كل واحد منها، لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يتحرك إلى جهة العلو مثل ~~الدخان واللهيب والهواء، إذا حصل تحت الماء واما أن يتحرك إلى الجهة ~~المضادة لتلك الجهة، وهي جهة السفل، مثل الماء، وأجزاء الحيوان والنبات، ~~وأن كل جسم من هذه الأجسام لن يعرى عن إحدى هاتين الحركتين وأنه لا يسكن ~~إلا إذا منعه مانع يعوقه عن طريقه، مثل الحجر النازل يصادف وجه الأرض صلبا، ~~فلا يمكن أن يخرقه، ولو أمكنه ذلك لما انثنى عن حركته فيما يظهر، ولذلك إذا ~~رفعته، وجدته يتحامل عليك بميله إلى جهة السفل، طالبا للنزول. # وكذلك الدخان في صعوده، لا ينثني إلا أن يصادف قبة صلبة تحبسه، فحينئذ ~~ينعطف يمينا وشمالا ثم إذا تخلص من تلك القبة، خرق الهواء صاعدا لأن الهواء ~~لا يمكنه أن يحبسه. # PageV01P009 # وكان يرى إن الهواء إذا ملئ به زق جلد، وربط ثم غوص تحت الماء طلب الصعود ~~وتحامل على من يمسكه تحت الماء، ولا يزال يفعل ذلك حتى يوافي موضع الهواء، ~~وذلك بخروجه ms19 من تحت الماء فحينئذ يسكن ويزول عنه ذلك التحامل والميل إلى ~~جهة العلو الذي كان يوجد منه قبل ذلك. # ونظر هل يجد جسما يعرى عن إحدى هاتين الحركتين أو الميل إلى إحداهما في ~~الوقت ما؟ فلم يجد ذلك في الأجسام التي لديه، وانما طلب ذلك، لانه طمع أن ~~يجده، فيرى طبيعة الجسم من حيث هو جسم، دون أن تقترن به وصف من الأوصاف، ~~التي هي منشأ التكثر. # فلما أعياه ذلك ونظر إلى الأجسام التي هي أقل الأجسام حملا للأوصاف فلم ~~يرها تعرى عن أحد هذين الوصفين بوجه، وهما اللذان يعبر عنهما بالثقل والخفة ~~فنظر إلى الثقل والخفة، هل هما للجسم من حيث هو جسم؟ أو هما لمعنى زائد على ~~الجسمية؟ فظهر له أنهما لمعنى زائد على الجسمية لانهما لو كانا للجسم من ~~حيث هو جسم، لما وجد إلا وهما له. # ونحن نجد الثقيل لا توجد فيه الخفة، والخفيف لا يوجد فيه الثقل، وهما لا ~~محالة جسمان ولكل واحد منهما معنى منفرد به عن الأخر زائد على جسميته. # وذلك المعنى، الذي به غاير كل واحد منهما الآخر، ولولا ذلك لكانا شيئا ~~واحدا من جميع الوجوه. # فتبين له أن حقيقة كل واحد من الثقيل والخفيف، مركبة من معنيين: أحدهما ~~ما يقع فيه الاشتراك منهما جميعا، وهو معنى الجسمية؛ والآخر ما تنفرد به ~~حقيقة كل واحد منهما على الاخر، وهما أما الثقل في احدهما واما الخفة في ~~الاخر، المقترنان بمعنى الجسمية، أي المعنى الذي يحرك أحدهما الأخر علوا ~~والأخر سفلا. # وكذلك نظر إلى سائر الأجسام من الجمادات والأحياء، فرأى أن حقيقة وجود كل ~~واحد منهما مركبة من معنى الجسمية، ومن شيء أخر زائد على الجسمية: أما ~~واحد، واما أكثر من واحد؛ فلاحت له صور الأجسام على اختلافها وهو أول ما ~~لاح له من العالم الروحاني، اذ هي صور لا تدرك بالحس، وانما تدرك بضرب ما ~~من النظر العقلي. # ولاح له في جملة ما لاح من ذلك، أن الروح الحيواني الذي مسكنه القلب - ~~وهو ms20 الذي تقدم شرحه أولا - لابد له أيضا من معنى زائد على جسميته يصلح بذلك ~~المعنى لأن يعمل هذه الأعمال الغريبة، التي تختص به من ضروب الاحساسات، ~~وفنون الادراكات وأصناف الحركات، وذلك المعنى هو صورته وفضله الذي انفصل به ~~عن سائر الأجسام، وهو الذي يعبر عنه النظار بالنفس الحيوانية. # وكذلك ايضا للشيء الذي يقوم للنبات مقام الحار الغريزي للحيوان، شيء يخصه ~~هو صورته، وهو الذي يعبر عنه النظار بالنفس النباتية. # وكذلك لجميع الأجسام الجمادات: وهي ما عدا الحيوان والنبات مما في عالم ~~الكون والفساد شيء يخصها به، يفعل كل واحد منها فعله الذي يختص به مثل صنوف ~~الحركات وضروب الكيفيات المحسوسة عنها، وذلك الشيء هو صورة كل واحد منها، ~~وهو الذي يعبر النظار عنه بالطبيعة. # فلما وقف بهذا النظر على ان حقيقة الروح الحيواني، الذي كان تشوقه اليه ~~ابدا، مركبة من معنى الجسمية، ومن معنى أخر زائد على الجسمية، وان معنى ~~الجسمية مشترك، ولسائر الأجسام، والمعنى الأخر المقترن به هو وحده، هان ~~عنده معنى الجسمية فاطرحه، وتعلق فكره بالمعنى الثاني، وهو الذي يعبر عنه ~~النفس؛ فتشوق إلى التحقق به فالتزم الفكرة فيه، وجعل مبدأ النظر في ذلك ~~تصفح الأجسام كلها، لا من جهة ما هي أجسام، بل من وجهة ما هي ذوات صور تلزم ~~عنها خواص، ينفصل بها بعضها ببعض. # فتتبع ذلك وحصره في نفسه، فرأى جملة من الأجسام، تشترك في صورة ما يصدر ~~عنها فعل ما، أو أفعال ما، ورأى فريقا من تلك الجملة، مع أنه يشارك الجملة ~~بتلك الصورة، يزيد عليها بصورة أخرى، يصدر عنها ما، ورأى طائفة من ذلك ~~الفريق، مع أنها تشارك الفريق في الصورة الأولى والثانية، تزيد عليه بصوره ~~ثالثة، تصدر عنها أفعال ما خاصة بها. # مثال ذلك: إن الأجسام الأرضية، مثل التراب والحجارة والمعادن والنبات ~~والحيوان، وسائر الأجسام الثقيلة، وهي جملة واحدة تشترك في صورة واحدة تصدر ~~عنها الحركة إلى الأسفل، ما لم يعقها عائق عن النزول: ومتى تحركت إلى جهة ~~العلو بالقسر ثم تركت، ms21 تحركت بصورتها إلى الأسفل. # PageV01P010 # وفريق من هذه الجملة، وهو النبات والحيوان، مع مشاركة الجملة المتقدمة في ~~تلك الصورة، يزيد عليها صورة أخرى، يصدر عنها التغذي والنمو. # والتغذي: هو أن يخلف المتغذي، بدل ما تحلل منه، بان يحيل إلى ما التشبه ~~بجوهره مادة قريبة منه، يجتذبها إلى نفسه. # والنمو: هو الحركة في الأقطار الثلاثة، على نسبة محفوظة في الطول والعرض ~~والعمق. # فهذان الفعلان عامان للنبات والحيوان، وهما لا محالة صادران عن صورة ~~مشتركة لهما، وهي المعبر عنها بالنفس النباتية. # وطائفة من هذا الفريق، وهو الحيوان خاصة، مع مشاركته الفريق المتقدم في ~~الصورة الأولى والثانية، تزيد عليه بصورة ثالثة، يصدر عنها الحس والتنقل من ~~حين إلى أخر. # ورأى أيضا كل نوع من أنواع الحيوان، له خاصية ينحاز بها عن سائر الأنواع، ~~وينفصل بها متميزا عنها. # فعلم إن ذلك صادر عن صورة له تخصه هي زائدة عن معنى الصورة المشتركة له ~~ولسائر الحيوان، وكذلك لكل واحد من أنواع النبات مثل ذلك. # فتبين له إن الأجسام المحسوسة التي في عالم الكون والفساد، بعضها تلتئم ~~حقيقته من معان كثيرة، زائدة على معنى الجسمية، وبعضها من معان اقل؛ وعلم ~~إن معرفة الأقل اسهل من معرفة الأكثر؛ فطلب أولا الوقوف على الحقيقة لشيء ~~الذي تلتئم حقيقته من اقل الأشياء، ورأى إن الحيوان والنبات، لا تلتئم ~~حقائقها إلا من معان كثيرة، لتفنن أفعالها؛ فأخر التفكير في صورهما. # وكذلك رأى إن أجزاء الأرض بعضها ابسط من بعض، فقصد منها إلى ابسط ما قدر ~~عليه وكذلك رأى إن الماء شيء قليل التركيب، لقلة ما يصدر عن صورته من ~~أفعال، وكذلك راى النار والهواء. # وكان قد سبق إلى ظنه أولا، أن هذه الأربعة يستحيل بعضها إلى بعض، وان لها ~~شيئا واحدا تشترك فيه، وهو معنى الجسمية، وان ذلك الشيء ينبغي إن يكون خلوا ~~من المعاني التي تميز بها كل واحد من هذه الأربعة عن الأخر، فلا يمكن أن ~~يتحرك إلى فوق ولا إلى اسفل، ولا إن يكون حارا ولا يكون باردا، ms22 ولا يكون ~~رطبا، ولا يابسا، لان كل واحد من هذه الاوصاف، لا يعم جميع الأجسام، فليست ~~إذن للجسم بما هو جسم. # فإذا أمكن وجود جسم لا صورة فيه زائدة على الجسمية، فليس تكون فيه صفة من ~~هذه الصفات، ولا يمكن إن تكون فيه صفة إلا وهي تعم سائر الأجسام المتصورة، ~~بضروب الصور. # فنظر هل يجد وصفا واحدا يعم جميع الأجسام: حيها وجمادها، فلم يجد شيئا ~~يعم الأجسام كلها. # إلا معنى الامتداد الموجود في جميعها في الأقطار الثلاثة، التي يعبر عنها ~~بالطول، والعرض، والعمق، فعلم هذا المعنى هو للجسم من حيث هو جسم، لكنه لم ~~يتأت له بالحس وجود جسم بهذه الصفة وحدها، حتى لا يكون فيه معنى زائد على ~~الامتداد المذكور ويكون بالجملة خلوا من سائر الصور. # ثم تفكر في هذا الامتداد إلى الأقطار الثلاثة، هل هو معنى الجسم بعينه، ~~وليس ثم معنى أخر أو ليس الأمر كذلك، فرأى أن وراء هذا الامتداد معنى أخر، ~~هو الذي يوجد فيه هذا الامتداد، وان الامتداد وحده لا يمكن إن يقوم بنفسه ~~كما إن ذلك الشيء الممتد، لا يمكن أن تقوم دون امتداد. # واعتبر ذلك ببعض هذه الأجسام المحسوسة ذوات الصور، كالطين مثلا، كان له ~~طول وعرض وعمق على قدر ما. # ثم إن تلك الكرة بعينها لو أخذت وردت إلى شكل مكعب أو بيض، لتبدل ذلك ~~الطول وذلك العرض وذلك العمق، وصارت على قدر أخر. # غير الذي كانت عليه، والطين واحد بعينه لم يتبدل، غير أنه لا بد له من ~~طول وعرض وعمق على أي قدر كان، ولا يمكن إن يعرى عنها؛ غير أنها لتعاقبها ~~عليه، تبين له أنها معنى على حياله؛ ولكونه لا يعرى بالجملة عنها، تبين له ~~أنها من حقيقة. # فلاح له بهذا الاعتبار، إن الجسم، بما هو جسم، مركب على الحقيقة من ~~معنين: أحدهما يقوم منه مقام الطين للكرة في هذا المثال. # والأخر: يقوم مقام طول الكرة وعرضها وعمقها، أو المكعب، أو أي شكل كان ~~له. # وانه لا يفهم الجسم ms23 إلا مركبا من هذين المعنين، وان احدهما لا يستغني عن ~~الأخر. # ولكن الذي يمكن أن يتبدل ويتعاقب على أوجه كثيرة، وهو معنى الامتداد يشبه ~~الصورة التي لسائر الأجسام ذوات الصور، والذي يثبت على حال واحدة، وهو الذي ~~ينزل منزلة الطين في المثال المتقدم، يشبه معنى الجسمية التي لسائر الأجسام ~~ذوات الصور. # PageV01P011 # وهذا الشيء الذي هو بمنزلة الطين في هذا المثال هو الذي يسميه النظار ~~المادة والهيولى وهي عارية عن الصورة جملة. # فلما نظره إلى هذا الحد، وفارق المحسوس بعض مفارقة، وأشرف على تخوم ~~العالم العقلي، استوحش وحن إلى ما ألفه من عالم الحس، فتقهقر قليلا وترك ~~الجسم على الإطلاق، إذ هو أمر لا يدركه الحس، ولا يقدر على تناوله. # فاخذ أبسط الأجسام المحسوسة التي شاهدها، وهي تلك الأربعة التي كان قد ~~وقف نظره عليها. # فأول ما نظر إلى الماء فرأى انه إذا خلي وما تقتضيه صورته، ظهر منه برد ~~محسوس، وطلب النزول إلى اسفل فإذا سخن أما بالنار واما بحرارة الشمس، زال ~~عنه البرد أولا وبقي فيه طلب النزول، فإذا أفرط عليه بالتسخين، زال عنه طلب ~~النزول إلى اسفل. # وصار يطلب الصعود إلى فوق. # فزال عنه بالجملة الوصفان اللذان كانا أبدا يصدران عن صورته، ولم يعرف من ~~صورته أكثر من صدور هذين الفعلين عنها. # فلما زال هذان الفعلان بطل حكم الصورة، فزالت الصورة المائية عن ذلك ~~الجسم عندما ظهرت منه أفعال من شأنها أن تصدر عن صورة أخرى، وحدثت له صورة ~~أخرى، بعد أن لم تكن، وصدر عنه بها أفعال لم يكن من شأنها أن تصدر عنه وهو ~~بصورته الأولى. # فعلم بالضرورة أن كل حادث لا بد له من محدث. # فارتسم في نفسه بهذا الاعتبار، فاعل للصورة، ارتساما على العموم دون ~~تفصيل. # ثم أنه تتبع الصور التي كان قد عاينها قبل ذلك، صورة صورة، فرأى أنها ~~كلها حادثة، وأنها لا بد لها من فاعل. # ثم نظر إلى ذوات، الصور، فلم ير أنها شيء أكثر من استعداد الجسم لان يصدر ~~عنه ms24 ذلك الفعل، مثل الماء، فانه إذا افرط عليه التسخين، استعد للحركة إلى ~~فوق وصلح لها. # فذلك الاستعداد هو صورته، إذ ليس ها هنا إلا جسم وأشياء تحس عنه، بعد أن ~~لم تكن؛ فصلوح الجسم لبعض الحركات دون بعض، واستعداده بصورته، ولاح له مثل ~~ذلك في جميع الصور، فتبين له أن الأفعال الصادرة عنها، ليست في الحقيقة ~~لها، وانما هي لفاعل يفعل بها الأفعال المنسوبة إليها؛ وهذا المعنى الذي ~~لاح له، هو قول الرسول الله عليه الصلاة والسلام: "كنت سمعه الذي يسمع به ~~وبصره الذي يبصر به" وفي محكم التنزيل: "بسم الله الرحمن الرحيم" فان ~~تقتلوهم ولكن الله قتلهم؛ وما رميت إذا رميت، ولكن الله رمى! صدق الله ~~العظيم. # فلما لاح له من أمر هذا الفاعل، ما لاح على الإجمال دون تفصيل، حدث له ~~شوق حثيث إلى معرفته على التفصيل، ولانه لم يكن بعد فارق عالم الحس، جعل ~~يطلب هذا الفاعل على جهة المحسوسات، وهو لا يعلم بعد هل هو واحد أو كثير؟ ~~فتصفح جميع الأجسام التي لديه، وهي التي كانت فكرته أبدا فيها، فرأها كلها ~~تتكون تارة وتفسد أخرى، وما لم يقف على فساد جملته، وقف على الفساد أجزائه ~~مثل الماء والأرض، فانه راى أجزاءهما تفسد بالنار، وكذلك الهواء رآه يفسد ~~بشدة البرد، حتى بتكون منه الثلج فيسيل ماء. # وكذلك سائر الأجسام التي كانت لديه، ولم ير منها شيئا بريئا عن الحدوث ~~والافتقار إلى الفاعل المختار، فاطرحها كلها وانتقلت فكرته إلى الأجسام ~~السماوية. # وانتهى إلى هذا النظر على رأس أربعة أسابيع من منشئه، وذلك ثمانية وعشرون ~~عاما. # فعلم إن السماء وما فيها من كواكب الأجسام، لأنها ممتدة في الأقطار ~~الثلاثة: الطول، والعرض، والعمق؛ لا ينفك شيء منها عن هذه الصفة، وكل ما لا ~~ينفك عن هذه الصفة، فهو جسم؛ فهي إذن كلها أجسام. # ثم تفكر هل هي ممتدة إلى ما لا نهاية، وذاهبة أبدا في الطول والعرض ~~والعمق إلى ما لا نهاية، أو هي متناهية محدودة بحدود تنقطع عندها، ولا ms25 يمكن ~~أن يكون وراءها شيء من الامتداد؟ فتحير بعد ذلك بعض الحيرة. # PageV01P012 # ثم انه بقوة فطرته، وذكاء خاطره، راى أن جسما لا نهاية له أمر باطل، وشيء ~~لا يمكن، ومعنى لا يعقل، وتقوى هذا الحكم عنده بحجج كثيرة، سنحت له بينه ~~وبين نفسه وذلك أنه قال: أما الجسم السماوي فهو متناه من الجهة التي تليني ~~والناحية التي وقع عليها حسي، فهذا لا شك فيه لأنني أدركه ببصر، وأما الجهة ~~التي تقابل هذه الجهة، وهي التي يداخلني فيها الشك، فاني أيضا أعلم من ~~المحال أن تمتد إلى غير نهاية، لأني إن تخيلت أن خطين اثنين، يبتدئان من ~~هذه الجهة المتناهية، ويمران في سمك الجسم إلى غير نهاية حسب امتداد الجسم، ~~ثم تخيلت أن أحد هذين الخطين، قطع منه جزء كبير من ناحية طرفه المتناهي، ثم ~~أخذ ما بقي منه شيء واطبق الخط المقطوع منه على الخط الذي لم يقطع منه شيء، ~~وذهب الذهن كذلك معهما إلى الجهة التي يقال إنها غير متناهية، فأما أن نجد ~~خطين أبدا يمتدان إلى غير نهاية ولا ينقص أحدهما عن الأخر، فيكون الذي قطع ~~منه جزء مساويا للذي لم يقطع منه شيء وهو محال، كما أن الكل مثل الجزء ~~المحال؛ واما أن لا يمتد الناقص معه ابدا، بل ينقطع دون مذهبه ويقف عن ~~الامتدادمعه، فيكون متناهيا، فإذا رد عليه القدر الذي قطع منه أولا، وقد ~~كان متناهيا، صار كله أيضا متناهيا، وحينئذ لا يقصر عن الخط الأخر الذي ~~يقطع منه شيء، ولا يفضل عليه فيكون إذن مثله وهو متناه، فذلك أيضا متناه، ~~فالجسم الذي تفرض فيه هذه الخطوط متناه، وكل جسم يمكن أن تفرض فيه هذه ~~الخطوط، فكل جسم متناه. # فإذا فرضنا أن جسما غير متناه، فقد فرضنا باطلا ومحالا. # فلما صح عنده بفطرته الفائقة التي لمثل هذه الجهة، أن جسم السماء متناه، ~~أراد أن يعرف على أي شكل هو، وكيفية انقطاعه بالسطوح التي تحده. # فنظر أولا إلى الشمس والقمر وسائر الكواكب، فرأها كلها تطلع من ms26 جهة ~~المشرق، وتغرب من جهة المغرب، فما كان يمر على سمت رأسه، رأه يقطع دائرة ~~عظمى، وما مال عن سمت رأسه إلى الشمال أو إلى الجنوب، رأه يقطع دائرة أصغر ~~من تلك. # وما كان أبعد عن سمت الرأس إلى أحد الجانبين، كانت دائرته أصغر من دائرة ~~ما هو أقرب. # حتى كانت أصغر الدوائر التي تتحرك عليها الكواكب، دائرتين اثنتين: ~~إحداهما حول القطب الجنوبي، وهي مدار سهيل، والاخرى حول القطب الشمالي، وهي ~~المدار الفرقدين. # ولما كان مسكنه على خط الاستواء الذي وصفناه أولا، كانت هذه الدوائر كلها ~~على سطح آفة. # ومتشابهة في الجنوب والشمال وكان القطبان معا ظاهرين له، وكان يترقب إذا ~~طلع كوكب من الكواكب على دائرة كبيرة، وطلع كوكب آخر على دائرة صغيرة، وكان ~~طلوعهما معا، فكان يرى غروبهما معا. # واطرد له في ذلك جميع الكواكب وفي جميع الأوقات، فتبين له بذلك أن الفلك ~~على شكل الكرة، وقوى ذلك في اعتقاده، ما رآه من رجوع الشمس والقمر وسائر ~~الكواكب إلى المشرق، بعد مغيبها بالمغرب، وما رآه أيضا من أنها تظهر لبصره ~~على قدر واحد من العظم في حال طلوعها وتوسطها وغروبها، وأنها لو كانت ~~حركتها على غير شكل الكرة لكانت لا محالة في بعض الأوقات، أقرب إلى بصره ~~منها في وقت آخر، ولو كانت كذلك، لكانت مقاديرها واعظامها تختلف عند بصره ~~فيراها في حال القرب أعظم مما يراها في حال البعد، لاختلاف أبعادها عن ~~مركزه حينئذ بخلافها على الأول. # فلما لم يكن شيء من ذلك؛ تحقق عنده كروية الشكل. # وما زال يتصفح حركة القمر، فيراها آخذه من المغرب إلى المشرق وحركات ~~الكواكب السيارة كذلك، حتى تبين له قدر كبير من علم الهيئة، وظهر له أن ~~حركتها لا تكون إلا بأفلاك كثيرة، كلها مضمنة في فلك واحد، هو أعلاها. # وهو الذي يحرك الكل من المشرق إلى المغرب في اليوم والليلة. # وشرح كيفية انتقاله. # ومعرفة ذلك يطول؛ وهو مثبت في الكتب، ولا يحتاج منه في غرضنا إلا للقدر ~~الذي أردناه. # PageV01P013 # فلما ms27 انتهى إلى هذه المعرفة، ووقف على أن الفلك بجملته وما يحتوي عليه، ~~كشيء واحد متصل بعضه ببعض، وأن جميع الأجسام التي كان ينظر فيها أولا: ~~كالأرض والماء والهواء والنبات والحيوان وما شاكلها، هي كلها في ضمنه وغير ~~خارجة عنه، وأنه كله أشبه شيء بشخص من أشخاص الحيوان؛ وما فيه من الكواكب ~~المنيرة هي بمنزلة حواس الحيوان؛ وما فيه من ضروب الأفلاك، المتصل بعضها ~~ببعض، هي بمنزلة أعضاء الحيوان؛ وما في داخله من الكون والفساد هي بمنزلة ~~ما في جوف الحيوان من أصناف الفضول والرطوبات، التي كثيرا ما يتكون فيها ~~أيضا حيوان، كما يتكون في العالم الأكبر. # فلما تبين له أنه كله كشخص واحد في الحقيقة، واتحدت عنده أجزاؤه الكثيرة ~~بنوع من النظر الذي اتحدت به عنده الأجسام التي في عالم الكون والفساد، ~~تفكر في العالم بجملته، هل هو شيء حدث بعد إن لم يكن، وخرج إلى الوجود بعد ~~العدم؟ أو هو أمر كان موجودا فيما سلف، ولم يسبقه العدم بوجه من الوجوه؟ ~~فتشك في ذلك ولم يترجح عنده أحد الحكمين على الآخر. # وذلك أنه كان إذا أزمع على اعتقاد القدم، اعترضه عوارض كثيرة، من استحالة ~~وجود ما لا نهاية له، بمثل الذي استحال عنده به وجود جسم لا نهاية وكذلك ~~أيضا كان يرى أن هذا الوجود لا يخلو من الحوادث، فهو لا يمكن تقدمه عليها، ~~وما لا يمكن أن يتقدم على الحوادث، فهو أيضا محدث. # وإذا أزمع على اعتقاد الحدوث، اعترضته عوارض أخرى، وذلك أنه كان يرى أن ~~معنى حدوثه، بعد أن لم يكن لا يفهم إلا على أن الزمان تقدمه، والزمان من ~~جملة العالم وغير منفك عنه، فإذن لا يفهم تأخر العالم عن الزمان. # وكذلك أيضا كان يقول: إذا كان حادثا، فلا بد له من محدث؛ وهذا المحدث ~~الذي أحدثه، لم أحدثه الآن ولم يحدثه قبل ذلك، الطارئ طرأ عليه ولا شيء ~~هناك غيره، أم لتغير حدث في ذاته؟ فان كان فما الذي احدث ذلك التغيير؟ وما ~~زال يتفكر ms28 في ذلك عدة سنين. # فتتعارض عنده الحجج، ولا يترجح عنده أحد الاعتقادين على الآخر. # فلما أعياه ذلك، جعل يتفكر ما الذي يلزم عن كل واحد من الاعتقادين، فلعل ~~اللازم عنهما يكون شيئا واحدا. # فرأى انه إن اعتقد حدوث العالم خروجه إلى الوجود بعد العدم، فاللازم عن ~~ذلك ضرورة، انه لا يمكن أن يخرج إلى الوجود بنفسه، وانه لا بد له من فاعل ~~يخرجه إلى الوجود، وان ذلك الفاعل لا يمكن إن يدرك بشيء من الحواس، لانه لو ~~أدرك بشيء من الحواس لكان جسما من الأجسام، ولو كان جسما من الأجسام لكان ~~من جملة العالم، وكان حادثا واحتاج إلى محدث، ولو كان ذلك المحدث الثاني ~~أيضا جسما، لحتاج إلى محدث ثالث، والثالث إلى رابع، ويتسلسل ذلك إلى غير ~~نهاية وهو باطل. # فإذن لابد للعالم من فاعل ليس بجسم، وإذا لم يكن جسما فليس إلى إدراكه ~~لشيء من الحواس سبيل، الآن الحواس الخمس لا تدرك إلا الأجسام، وإذا لا يمكن ~~أن يحس فلا يمكن أن يتخيل، لان التخيل ليس شيئا إلا إحضار صور المحسوسات ~~بعد غيبتها، وإذا لم يكن جسما فصفات الأجسام كلها تستحيل عليه، وأول صفات ~~الأجسام هو الامتداد في الطول والعرض والعمق، وهو منزه عن ذلك، وعن جميع ما ~~يتبع هذا الوصف من صفات الأجسام. # وإذا كان فاعلا للعالم فهو لا محالة قادر عليه وعالم به "بسم الله الرحمن ~~الرحيم" إلا يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير؟ صدق الله العظيم. # وراى أيضا انه إن اعتقد قدم العالم، وان العدم لم يسبقه، وانه لم يزل كما ~~هو، فان اللازم عن ذلك أن حركته قديمة لا نهاية لها من جهة الابتداء، إذ لم ~~يسبقها سكون يكون مبدؤها منه، وكل حركة فلابد لها من محرك ضرورة، والمحرك ~~أما أن يكون قوة سارية في جسم من الأجسام - أما جسم المتحرك نفسه، واما جسم ~~أخر خارج عنه - واما أن تكون قوة ليست سارية ولا شائعة قي جسم. # وكل قوى سارية في جسم وشائعه فيه، فانها ms29 تنقسم بانقسامه، وتتضاعف ~~بتضاعفه، مثل الثقل بالحجر مثلا. # المحرك إلى الأسفل. # فانه إن قسم الحجر نصفين. # وان زيد عليه أخر مثله، زاد في الثقل أخر مثله، فان أمكن أن يتزايد الحجر ~~إلى غير نهاية، كتزايد هذا الثقل إلى غير نهاية، وان وصل الحجر إلى حد ما ~~من العظم ووقف، وصل الثقل إلى ذلك الحد ووقف، لكنه قد تبرهن أن كل جسم فانه ~~لا محالة متناه، فإذن كل قوة في الجسم فهي لا محالة متناهية. # PageV01P014 # فان وجدناها قوة تفعل فعلا لا نهاية له، فهي قوة ليست في جسم، وقد وجدنا ~~الفلك يتحرك أبدا حركة لانهاية لها ولا انقطاع إذ فرضناه قديما لا ابتداء ~~له فالواجب على ذلك أن تكون القوة التي تحرك ليست في جسمه، ولا في جسم خارج ~~عنه. # فهي إذا لشيء بريء عن الأجسام، وغير موصوف بشيء من أوصاف الجسمية، وقد ~~كان لاح له في نظره الأول في عالم الكون والفساد إن حقيقة وجود كل جسم، ~~إنما هي من جهة صورته التي هي استعداده لضروب الحركات، وان وجوده الذي له ~~من جهة مادته وجود ضعيف لا يكاد يدرك؛ فان وجود العالم كله إنما هو من جهة ~~استعداده لتحريك هذا المحرك البريء عن المادة، وعن صفات الأجسام، المنزه عن ~~أن يدركه حس، أو يتطرق إليه خيال، سبحانه، وإذا كان فاعلا لحركات الفلك على ~~اختلاف أنواعها، فعلا لا تفاوت فيه ولا فتور فيه ولا قصور، فهو لا محالة ~~قادر عليها وعالم بها. # فانتهى نظره بهذا الطريق إلى ما انتهى إليه بالطريق الأول، ولم يضره في ~~ذلك تشككه في قدم العالم أو حدوثه، وصح له على الوجهين جميعا وجود فاعل غير ~~الجسم، ولا متصل بجسم ولا منفصل عنه، ولا داخل فيه، ولا خارج عنه، إذ: ~~الاتصال، والانفصال، والدخول، هي كلمات من صفات الأجسام، وهو منزه عنها. # ولما كانت المادة في كل جسم مفتقرة إلى الصورة، إذ لا تقوم إلا بها ولا ~~تثبت لها حقيقة دونها، وكانت الصورة لا يصح وجودها إلا من ms30 فعل هذا الفاعل ~~تبين له افتقار جميع الموجودات في وجودها إلى هذا الفاعل وأنه لا قيام لشيء ~~منها إلا به فهو إذن علة لها، وهي معلومة له، سواء كانت محدثة الوجود، بعد ~~أن سبقها العدم، أو كانت الابتداء لها من جهة الزمان، ولم يسبقها العدم قط، ~~فانها على كلا الحالتين معلولة، ومفتقرة إلى الفاعل، متعلقة الوجود به، ~~ولولا دوامه لم تدم، ولولا وجوده لم توجد، ولولا قدمه لم تكن قديمة، وهو في ~~ذاته غني عنها وبريء منها! وكيف لا يكون كذلك وقد تبرهن أن قدرته غير ~~متناهية، وأن جميع الأجسام وما يتصل بها أو يتعلق بها، ولو بعض التعلق، هو ~~متناه منقطع. # فإذن العالم كله بما في السماوات والأرض والكواكب، وما بينها، وما فوقها، ~~وما تحتها، فعله وخلقه؛ ومتأخر عليه بالذات، وان كانت غير ماخرة عليها ~~بالزمان. # كما انك إذا أخذت في قبضتك جسما من الأجسام، ثم حركت يدك، فان ذلك الجسم ~~لا محالة يتحرك تابعا لحركة يدك، حركة متأخرة عن حركة يدك، تأخرا بالذات؛ ~~وان كانت لم تتأخر بالزمان عنها، بل كان ابتداؤهما معا، فكذلك العالم كله، ~~معلول ومخلوق لهذا الفاعل بغير زمان "بسم الله الرحمن الرحيم" إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون صدق الله العظيم. # فلما راى إن جميع الموجودات فعله، تصفحها من بعد ذا تصفحا على طريق ~~الاعتبار في قدرة فاعلها؛ والتعجب من غريب صنعته، ولطيف حكمته، ودقيق علمه ~~فتبين له في اقل الأشياء الموجودة، فضلا عن أكثرها من أثار الحكمة، وبدائع ~~الصنعة، ما قضى منه كل العجب، وتحقق عنده إن ذلك لا يصدر إلا عن فاعل مختار ~~في غاية الكمال وفوق الكمال "بسم الله الرحمن الرحيم" لا يغرب عنه مثقال ~~ذرة في السموات ولا في الأرض ولا اصغر من ذلك ولا اكبر صدق الله العظيم. # ثمتأمل في جميع أصناف الحيوان، كيف "بسم الله الرحمن الرحيم" أعطى كل شيء ~~خلقه، ثم هداه صدق الله العظيم لاستعماله، فلولا أنه هداه لاستعمال تلك ~~الأعضاء التي ms31 خلقت له في وجوه المنافع المقصود بها، لما انتفع بها الحيوان، ~~وكانت كلا عليه، فعلم بذلك أنه أكرم الكرماء، وارحم الرحماء. # من فيض ذلك الفاعل المختار - جل جلاله - ومن وجوده، ومن فعله، فعلم أن ~~الذي هو في ذاته أعظم منها، وأكمل، واتمم وأحسن، وأبهى وأجمل وأدوم، وأنه ~~لا نسبة لهذه إلى تلك. # فما زال يتتبع صفات الكمال كلها، فيراها له وصادرة عنه، ويرى أنه أحق بها ~~من كل ما يوصف بها دونه. # PageV01P015 # وتتبع صفات النقص كلها فرآه بريئا منها، ومنزها عنها؛ وكيف لا يكون بريئا ~~منها وليس معنى النقص إلا العدم المحض، أو ما يتعلق بالعدم؟ وكيف يكون ~~العدم تعلق أو تلبس، بمن هو الموجود المحض، الواجب الوجود بذاته، المعطي ~~لكل ذي وجود وجوده، فلا وجود إلا هو: فهو الوجود، وهو الكمال، وهو التمام، ~~وهو الحسن، وهو البهاء، وهو القدرة، وهو العلم، وهو هو، و "بسم الله الرحمن ~~الرحيم" كل شيء هالك إلا وجهه صدق الله العظيم. # فانتهت به المعرفة إلى هذا الحد، على رأس خمسة أسابيع من منشئه، وذلك ~~خمسة وثلاثون عاما، وقد رسخ في قلبه من هذا الفاعل، ما شغله عن الفكرة في ~~كل شيء إلا فيه، وذهل عما كان فيه تصفح الموجودات والبحث عنها، حتى صار ~~بحيث لا يقع بصره على شيء من الأشياء، إلا ويرى فيه أثر الصنعة، ومن حينه، ~~فينتقل بفكره على الفور إلى الصانع ويترك المصنوع، حتى اشتد شوقه إليه، ~~وانزعج قلبه بالكلية عن العالم الأدنى المحسوس، وتعلق بالعالم الأرفع ~~المعقول. # فلما حصل له العلم بهذا الموجود الرفيع الثابت الوجود الذي لا سبب لوجود ~~جميع الأشياء، أراد أن يعلم بأي شيء حصل له هذا العالم، وبأي قوة أدرك هذا ~~الموجود: فتصفح حواسه كلها وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، ~~فرأى أنها لا تدرك شيئا إلا جسما، أو ما هو في الجسم، وذلك أن السمع لا ~~يدرك المسموعات، وهي ما يحدث من تموج الهواء عند تصادم الأجسام، والبصر ~~إنما يدرك الألوان، والشم يدرك الروائح، والذوق ms32 يدرك الطعوم، واللمس يدرك ~~الأمزجة والصلابة واللين، والخشونة والملاسة، وكذلك القوة الخيالية لا تدرك ~~شيئا إلا أن يكون له طول وعرض وعمق؛ وهذه المدركات كلها من صفات الأجسام، ~~وليس لهذه الحواس أدراك شيء سواها، وذلك لأنها قوى شائعة في الأجسام، ~~ومنقسمة بانقسامها، فهي لذلك لا تدرك إلا جسما منقسما، لان هذه القوة إذا ~~كانت شائعة في شيء منقسم، فلا محالة أنها إذا أدركت شيئا من الأشياء، فانه ~~ينقسم بانقسامها؛ فإذن كل قوة في جسم، فانها لا محالة لا تدرك إلا جسما أو ~~ما هو جسم. # وقد تبين إن هذا الموجود الواجب الوجود، بريء من صفات الأجسام من جميع ~~الاتجاهات، فإذن لا سبيل إلى إدراكه إلا بشيء ليس بجسم، ولا هو قوة في جسم، ~~ولا تعلق له وجه من الوجوه بالأجسام، ولا هو داخل فيها ولا خارج عنها، ولا ~~متصل بها ولا منفصل عنها. # وقد كان تبين له أن أدركه بذاته، ورسخت المعرفة به عنده، فتبين له بذلك ~~أن ذاته التي أدركه بها أمر غير جسماني، ولا يجوز عليه شيء من صفات ~~الأجسام، وان كل ما يدركه من ظاهر ذاته من الجسمانية فانها ليست حقيقة ~~ذاته، وانما حقيقة ذاته ذلك الشيء الذي أدرك به الموجود المطلق الواجب ~~الوجود. # فلما علم أن ذاته ليست هذه المتجسمة التي يدركها بحواسه، ويحيط بها ~~أديمه، هان عنده بالجملة جسمه، وجعل يتفكر في تلك الذات الشريفة، التي أدرك ~~بها ذلك الموجود الشريف الواجب الوجود، ونظر في ذاته تلك الشريفة، هل يمكن ~~أن تبيد أو تفسد وتضمحل، أو هي دائمة البقاء؟ فرأى إن الفساد والاضمحلال ~~إنما هو من صفات الأجسام بأن تخلع صورة وتلبس صورة أخرى، مثل الماء إذا صار ~~هواء، والهواء إذا صار ماء، والنبات إذا صار ترابا، والتراب إذا صار نباتا، ~~هذا هو معنى الفساد. # وأما الشيء الذي ليس بجسم، ولا يحتاج في قوامه إلى جسم، وهو منزه بالجملة ~~عن الجسمانية، فلا يتصور فساده البتة. # PageV01P016 # فلما ثبت له أن ذاته الحقيقة لا يمكن فسادها، أراد ms33 إن يعلم كيف يكون ~~حالها إذا اطرح البدن وتخلت عنه، وقد كان تبين له أنها لا تطرحه إلا إذا لم ~~يصلح آلة لها، فتصفح جميع القوى المدركة، فرأى أن كل واحدة منها تارة تكون ~~مدركة بالقوة، وتارة تكون مدرة بالفعل: مثل العين في حال تغميضها أو ~~أعراضها عن البصر، فانها تكون مدركة بالقوة - ومعنى مدركه بالقوة أنها لا ~~تدرك الآن وتدرك في المستقبل - وفي حال فتحها واستقبالها للمبصر، تكون ~~مدركه بالفعل - ومعنى مدركة بالفعل أنها الآن تدرك - وكذلك كل واحدة من هذه ~~القوى تكون مدركة بالقوة وتكون مدركة بالفعل، وكل واحدة من هذه القوى إن ~~كانت لم تدرك قط بالفعل، فهي ما دامت بالقوة لا تتشوق إلى إدراك الشيء ~~المخصوص بها لأنها لم تتعرف به بعد، مثل من خلق مكفوف البصر؛ وان كانت قد ~~أدركت بالفعل تارة، ثم صارت بالقوة، فانها ما دامت بالقوة تشتاق إلى ~~الإدراك بالفعل لأنها قد تعرفت إلى المدرك، وتعلقت به، وحنت إليه، مثل من ~~كان يصيرا ثم عمي فانه لا يزال يشتاق إلى المبصرات. # وبحسب ما يكون الشيء المدرك أتم وأبهى وأحسن، يكون الشوق أكثر؛ والتألم ~~لفقده اعظم، ولذلك كان تألم من يفقد بصره بعد الرؤية أعظم من تألم من يفقد ~~شمه، إذ الأشياء التي يدركها البصر أتم وأحسن من التي يدركها الشم، فان كان ~~في الأشياء شيء لا نهاية لكماله، ولا غاية لحسنه وجماله وبهائه، وهو فوق ~~الكمال والبهاء والجمال، وليس في الوجود كمال، ولا حسن، ولا بهاء، ولا جمال ~~إلا صادر من جهته، وفائض من قبله، فمن فقد إدراك ذلك الشيء بعد إن تعرف به، ~~فلا محالة أنهما ما دام فاقد له، يكون في ألام لا نهاية لها، كما أن من كان ~~مدركا له على الدوام، فانه يكون في لذة لا انفصام لها، وغبطة لا غاية لها ~~ورائها، وبهجة وسرور لا نهاية لهما. # وقد تبين له أن الموجود الواجب الوجود. # متصف بأوصاف الكمال كلها، ومنزه عن الصفات النقص وبريء منها. # وتبين له أن ms34 الشيء الذي به يتوصل إلى أدركه أمر لا يشبه الأجسام، ولا ~~يفسد لفسادها؛ فظهر له بذلك أن من كانت له مثل هذه الذات، المعدة لمثل هذا ~~الإدراك؛ فانه إذا أطرح البدن بالموت؛ فإما أن يكون قبل ذلك - في مدة ~~تصريفه للبدن - لم يتعرف قط بهذا الموجود الواجب الوجود؛ ولا اتصل به؛ ولا ~~سمع عنه؛ فهذا إذا فارق البدن لا يشتاق إلى ذلك الموجود ولا يتألم لفقده. # واما جميع القوى الجسمانية، فانها تبطل ببطلان الجسم؛ فلا تشتاق أيضا إلى ~~مقتضيات تلك القوى، ولا تحن إليها، ولا تتألم لفقدها. # وهذه حال البهائم غير الناطقة كلها: سواء كانت من صورة الإنسان أو لم ~~تكن. # واما إن يكون قبل ذلك - في مدة تصريفه للبدن - قد تعرف بهذا الموجود، ~~وعلم ما هو عليه من الكمال والعظمة والسلطان والحسن إلا انه أعرض عنه واتبع ~~هواه، حتى وافته منيته وهو على تلك الحال، فيحرم المشاهدة، وعنده الشوق ~~إليها فيبقى في عذاب طويل، وألام لا نهاية لها. # فأما من يتخلص من تلك الآلام بعد جهد طويل، ويشاهد ما تشوق إليه قبل ذلك، ~~واما أن يبقى في آلامه بقاء سرمديا، بحسب استعداده لكل واحد من الوجهين ~~لحياته الجسمانية. # واما من تعرف بهذا الموجود الواجب الوجود، قبل أن يفارق البدن، واقبل ~~بكليته عليه والتزم الفكرة في جلاله وحسن بهائه، ولم يعرض عنه حتى وافته ~~منيته، وهذا على حال من الإقبال والمشاهدة بالفعل. # فهذا إذا فارق البدن بقي في لذة لا نهاية لها، وغبطة وسرور وفرح دائم، ~~لاتصال مشاهدته لذلك الموجود الواجب الوجود، وسلامة تلك المشاهدة من الكدر ~~والشوائب؛ ويزول عنه ما تقتضيه هذه القوى الجسمانية من الأمور الحسية التي ~~هي - بالإضافة إلى تلك الحال - ألام وشرور وعوائق. # فلما تبين له أن كمال ذاته ولذتها إنما هو بمشاهدة ذلك الموجود الواجب ~~الوجود على الدوام، مشاهدة بالفعل أبدا، حتى لا يعرض عنه طرفة عين لكي ~~توافيه منيته، وهو في حال المشاهدة بالفعل، فتتصل لذته دون أن يتخللها ألم. # PageV01P017 # ثم جعل يتفكر كيف ms35 يتأتى له دوام هذه المشاهدة بالفعل، حتى لا يقع منه ~~أعراض فكان يلازم الفكرة في ذلك الموجود كل ساعة، فما هو إلا يسنح لبصره ~~محسوس ما من المحسوسات، أو يخرق سمعه صوت بعض الحيوان، أو يتعرضه خيال من ~~الخيالات، أو يناله ألم في أحد اعضائه، أو يصيبه الجوع أو العطش أو البرد ~~أو الحر، أو يحتاج القيام لدفع فضوله؛ فتختل فكرته، ويزول عما كان فيه، ~~ويتعذر عليه الرجوع إلى ما كان عليه من حال المشاهدة، إلا بعد جهد. # وكان يخاف أن تفاجأه منيته وهو في حال الأعراض، فيفضي إلى الشقاء الدائم، ~~وألم الحجاب. # فساءه حاله ذلك، وأعياء الدواء. # فجعل يتصفح أنواع الحيوانات كلها، وينظر أفعالها وما تسعى فيه، لعله ~~يتفطن في بعضها أنها شعرت بهذا الموجود، وجعلت تسعى نحوه، فيتعلم منها ما ~~يكون في سبب نجاته. # فرآها كلها إنما تسعى في تحصيل غذائها، ومقتضى شهواتها من المطعوم ~~والمشروب والمنكوح، والاستظلال والاستدفاء، وتجد في ذلك ليلها ونهارها إلى ~~حين مماتها وانقضاء مدتها. # ولم ير شيئا منها ينحرف عن هذا الرأي، ولا يسعى لغيره في وقت من الأوقات، ~~فبان له بذلك أنها لم تشعر بذلك الموجود ولا اشتاقت إليه، ولا تعرفت إليه ~~بوجه من الوجوه، وأنها كلها صائرة إلى العدم، أو إلى حال شبيه بالعدم. # فلما حكم على ذلك بالحيوان، علم أن الحكم على النبات أولى، إذ ليس للنبات ~~من الادراكات إلا بعض ما للحيوان. # وإذا كان الأكمل إدراكا لم يصل إلى هذه المعرفة، فالأنقص إدراكا أحرى أن ~~لا يصل، مع انه رأى أيضا أن أفعال النبات كلها لا تتعدى الغذاء والتوليد. # ثم انه بعد ذلك نظر إلى الكواكب والأفلاك فرآها كلها منتظمة الحركات، ~~جارية على نسق؛ ورآها شفافة ومضيئة بعيدة عن قبول التغيير والفساد، فحدس ~~حدسا قويا أن لها ذوات سوى أجسامها، تعرف ذلك الموجود الواجب الوجود، وأن ~~تلك الذوات العارفة ليست بأجسام، ولا منطبعة في أجسام مثل ذاته، هو، ~~العارفة، وكيف لا يكون لها مثل تلك الذوات البريئة عن الجسمانية، ms36 ويكون ~~لمثله على ما به من الضعف وشدة الاحتياج إلى الأمور المحسوسة، وأنه من جملة ~~الأجسام الفاسدة؟ ومع ما به من النقص، فلم يعقه ذلك عن أن تكون ذاته بريئة ~~عن الأجسام لا تفسد، فتبين له بذلك أن الأجسام السماوية أولى بذلك، وعلم ~~أنها تعرف ذلك الموجود الواجب الوجود وتشاهد على الدوام بالفعل، لأن ~~العوائق التي قطعت به هو عن الدوام المشاهدة من العوارض المحسوسة، لا يوجد ~~مثلها للأجسام السماوية. # ثم انه تفكر: لم اختص هو من بين سائر أنواع الحيوانات بهذه الذات التي ~~أشبه بها الأجسام السماوية. # وقد كان تبين له أولا من آمر العناصر واستحالة بعضها إلى بعض، وأن جميع ~~ما على وجه الأرض لا يبقى على صورته؛ بل الكون والفساد متعاقبان عليه أبدا، ~~وأن أكثر هذه الأجسام مختلطة مركبة من أشياء متضادة، ولذلك تؤول إلى ~~الفساد، وانه لا يوجد منه شيء صرفا، وما كان منها قريبا من أن يكون صرفا ~~خالصا لا شائبة فيه، فهو بعيد عن الفساد جدا مثل الذهب والياقوت، وأن ~~الأجسام البسيطة صرفة، ولذلك هي بعيدة عن الفساد، والصور لا تتعاقب عليها. # وتبين له هنالك أن جميع الأجسام التي في عالم الكون والفساد، منها ما ~~تتقوم حقيقتها بصورة واحدة زائدة على معنى الجسمية - وهذه هي الاسطقسات ~~الأربع - ومنها ما تتقوم حقيقتها أكثر من ذلك كالحيوان والنبات. # فما كان قوام حقيقته بصور أقل، كانت أفعاله أقل، وبعده عن الحياة أكثر، ~~فان عدم الصورة جملة لم يكن فيه إلى الحياة طريق، وصار في حال شبيه بالعدم، ~~وما كان قوام حقيقته بصور أكثر، كانت أفعاله أكثر، ودخوله في حال الحياة ~~أبلغ؛ وان كانت تلك الصورة بحيث لا سبيل إلى مفارقتها لمادتها التي اختصت ~~بها كانت الحياة حينئذ كامل الظهور والكمال والقوة. # فالشيء العديم للصورة جملة هو الهيولى والمادة، ولا شيء من الحياة فيها ~~وهي شبيهة بالعدم، والشيء المتقوم بصورة واحدة هي الاسطقسات الأربع وهي في ~~أول مراتب الوجود في عالم الكون والفساد ومنها تتركب الأشياء ذوات الصور ms37 ~~الكثيرة. # وهذه الاسطقسات ضعيفة الحياة جدا، إذ ليست تتحرك إلا حركة واحدة، وانما ~~كانت ضعيفة الحياة لان لكل واحد منها ضدا ظاهر العناد يخالفه في مقتضى ~~طبيعته، ويطلب أن يغير صورته. # PageV01P018 # فوجوده لذلك غير متمكن، وحياته ضعيف، والبات أقوى حياة منه والحيوان أظهر ~~حياة منه. # وذلك أن ما كان من هذه المركبات تغلب عليه طبيعة أسطقس واحد، فلقوته فيه ~~يغلب طبائع الاسطقسات الباقية، ويبطل قواها، ويصير ذلك المركب في حكم ~~الاسطقس الغالب، فلا يستأهل لاجل ذلك من الحياة آل شيئا يسيرا، كما إن ذلك ~~الاسطقس لا يستأهل من الحياة إلا يسيرا ضعيفا وما كان من هذه المركبات لا ~~تغلب عليه طبيعة أسطقس واحد منها، فان الاسطقسات تكون فيه متعادلة متكافئة، ~~فإذن لا يبطل لأحدهما الآخر قوة الآخر بأكثر مما يبطل ذلك الآخر قوته، بل ~~يفعل بعضها في بعض فعلا متساويا، فلا يكون فعل أحد الاسطقسات أظهر فيه، ولا ~~يستولي عليه أحدها، فيكون بعيد الشبه من كل واحد من الاسطقسات، فكأنه لا ~~مضادة لصورته، فيستأهل الحياة بذلك. # ومتى زاد هذا الاعتدال وكان أتم وأبعد من الانحراف، كان بعده عن أن يوجد ~~له ضد أكثر، وكانت حياته أكمل. # ولما كان الروح الحيواني الذي مسكنه القلب، شديد الاعتدال، لانه ألطف من ~~الأرض والماء وأغلظ من النار والهواء، صار في حكم الوسط ولم يضاده شيء من ~~الاسطقسات مضادة بينه. # فاستعد بذلك الصورة الحيوانية، فرأى أن الواجب إلى ذلك أن يكون أعدل ما ~~في هذه الأرواح الحيوانية مستعدا لاتمم ما يكون من الحياة في عالم الكون ~~والفساد، وأن يكون ذلك الروح قريبا من أن يقال أنه لا ضد لصورته، فيشبه ~~لذلك هذه الأجسام السماوية التي لا ضد لصورها؛ ويكون روح ذلك الحيوان، ~~وكأنه وسط بالحقيقة بين الاسطقسات التي لا تتحرك إلى جهة العلو على ~~الإطلاق، ولا إلى جهة السفل، بل لو أمكن أن يجعل في وسط المسافة بين ~~المراكز وأعلى ما تنتهي إليه النار في جهة العلو ولم يطرأ عليه الفساد، ~~لثبت هناك ولم يطلب ms38 الصعود ولا نزول. # ولو تحرك في المكان، لتحرك حول الوسط كما تتحرك الأجسام السماوية، ولو ~~تحرك في الوضع، لتحرك على نفسه، وكان كروي الشكل إذ لا يمكن غير ذلك، فإذن ~~هو شديد الشبه بالأجسام السماوية. # ولما كان قد اعتقد أن أحوال الحيوان، ولم ير فيها ما يظن به انه شعر ~~بالموجود الواجب الوجود، وقد كان علم من ذاتها قد شعرت به، قطع ذلك على أنه ~~هو الحيوان المعتدل الروح، الشيبة بالأجسام السماوية وتبين لو انه نوع ~~مباين لسائر الحيوان، وانه إنما خلق لغاية أخرى، وأعد لامر عظيم، لم يعد له ~~شيء من أنواع الحيوان، وكفى به شرفا أن يكون أحس جزأيه - وهو الجسماني - ~~أشبه الأشياء بالجواهر السماوية الخارجة عن عالم الكون والفساد، المنزهة عن ~~الحوادث النقص والاستحالة والتغيير. # وأما أشرف جزأيه، فهو الشيء الذي به عرف الموجود الواجب الوجود، وهذا ~~الشيء العارف، أمر رباني الهي يستحيل ولا يلحقه الفساد، ولا يوصف بشيء مما ~~توصف به الأجسام، ولا يدرك بشيء من الحواس، ولا يتخيل، ولا يتوصل إلى ~~معرفته بآلة سواه، بل يتوصل إليه به؛ فهو العارف والمعروف، والمعرفة؛ وهو ~~العالم، والمعلوم، والعلم؛ لا يتباين في شيء من ذلك، إذ التباين والانفصال ~~من صفات الأجسام ولواحقها، ولا جسم هنالك ولا صفة جسم ولا لاحق بجسم! فلما ~~تبين له الوجه الذي اختص به من بين سائر أصناف الحيوان بمشابهة الأجسام ~~السماوية، رأى إن الواجب عليه أن يتقبلها ويحاكي أفعالها ويتشبه بها جهده. # وكذلك رأى أنه بجزئه الاشرف الذي به عرف الموجود الواجب الوجود، فيه شبه ~~ما منه من حيث هو منزه عن صفات الأجسام، وكما أن الواجب الوجود منزه عنها، ~~فرأى ايضا انه يجب عليه أن يسعى في تحصيل صفاته لنفسه من أي وجه أمكن، وان ~~يتخلق بأخلاقه ويقتدي بأفعاله، ويجد في تنفيذ إرادته، ويسلم الآمر له، ~~ويرضى بجميع حكمه، رضى من قلبه ظاهرا وباطنا، بحيث يسر به وان كان مؤلما ~~لجسمه وضارا به ومتلفتا لبدنه بالجملة. # وكذلك رأى فيه شبها من سائر ms39 أنواع الحيوان بجزئه الخسيس الذي هو من عالم ~~الكون والفساد، وهو البدن المظلم والكثيف، الذي يطالبه بأنواع المحسوسات من ~~المطعوم والمشروب والمنكوح، ورأى أيضا أن ذلك البدن لم يخلق له عبثا ولا ~~قرن به لامر باطل، ويجب عليه أن يتفقده ويصلح من شأنه. # هذا التفقد لا يكون منه إلا بفعل يشبه أفعال سائر الحيوان. # PageV01P019 # فاتجهت عنده الأعمال التي يجب عليه أن يفعلها نحو ثلاثة أغراض: أما عمل ~~يتشبه بالحيوان الغير الناطق. # واما عمل يتشبه به بالأجسام السماوية. # واما عمل يتشبه به بالموجود الواجب الوجود. # فالتشبه الأول: يجب عليه من حيث البدن المظلم ذو الأعضاء المنقسمة، ~~والقوى المختلفة، والمنازع المتفننة. # والتشبه الثاني: يجب عليه من حيث له الروح الحيواني الذي مسكنه القلب، ~~وهو مبدأ لسائر البدن، ولما فيه من القوى. # والتشبه الثالث: يجب عليه من حيث هو، أي: من حيث هو الذات التي بها عرف ~~ذلك الموجود الواجب الوجود. # وكان أولا قد وقف على أن سعادته وفوزه من الشقاء، إنما هي في دوام ~~المشاهدة لهذا الموجود الواجب الوجود، حتى يكون بحيث لا يعرض بطرفة عين. # ثم أنه نظر بالوجه الذي يتأتى له به هذا الدوام، فأخر له النظر أنه يجب ~~عليه الاعتمال في هذه الأقسام الثلاثة من التشبيهات: آما التشبه الأول، فلا ~~يحصل له به شيء من هذه المشاهدة، بل هو صارف عنها وعائق دونها، إذ هو تصرف ~~في الأمور المحسوسة، والأمور المحسوسة كلها حجب معترضة دون تلك المشاهدة؛ ~~وانما احتيج إلى هذا التشبه لاستدامة هذا الروح الحيواني الذي يحصل به ~~التشبه الثاني بالأجسام السماوية. # فالضرورة تدعو إليه من هذا الطريق، ولو كان لا يخلو من تلك المضرة. # واما التشبه الثاني، فيحصل له به حظ عظيم من المشاهدة على الدوام، لكنها ~~مشاهدة يخالطها شوب؛ اذ من يشاهد ذلك النحو من المشاهدة على الدوام فهو مع ~~تلك المشاهدة يعقل ذاته ويلتفت إليه حسبما يتبين بعد هذا. # واما التشبه الثالث، فتحصل به المشاهدة الصرفة، والاستغراق المحض الذي لا ~~التفات فيه بوجه من الوجوه ms40 الا إلى الموجود الواجب الوجود، والذي يشاهد هذه ~~المشاهدة قد غابت عنه ذات نفسه وفنيت وتلاشت. # وكذلك سائر الذوات، كثيرة كانت أو قليلة، إلا ذات الواحد الحق الواجب ~~الوجود - جل وتعالى وعز. # فلما تبين له أن مطلوبه الأقصى هو هذا التشبه الثالث، وأنه لا يحصل له ~~إلا بعد التمرن والاعتمال مدة طويلة في التشبه الثاني، وان هذه المدة لا ~~تدوم له بالتشبه الأول، وعلم أن التشبه الأول - وان كان ضروريا، فانه عائق ~~بذاته وان كان معينا بالعرض لا بالذات لكنه ضروري- فألزم نفسه أن لا يجعل ~~لها حظا من هذا التشبه الأول، إلا بقدر الضرورة، وهي الكفاية التي لا بقاء ~~للروح الحيواني بأقل منها. # ووجد ما تدعو إليه الضرورة في بقاء هذا الروح أمرين: أحدهما: ما يمده من ~~الداخل، ويخلف عليه بدل ما يتخلل منه وهو الغذاء. # والأخر: ما يقيه من الخارج، ويدفع عنه وجوه الأذى: من البرد والحر والمطر ~~ولفح الشمس والحيوانات المؤذية ونحو ذلك. # ورأى أنه إن تناول ضرورية من هذه جزافا كيفما اتفق، ربما وقع في السرف ~~واخذ فوق الكفاية. # فكان سعيه على نفسه من حيث لا يشعر، فرأى أن الحزم له أن يفرض لنفسه فيها ~~حدودا لا يتعداها، ومقادير لا يتجاوزها، وبأن له الفرض يجب أن يكون في جنس ~~ما يتغذى به. # وأي شيء يكون وفي مقداره وفي المدة التي تكون بين العبادات إليه. # فنظر أولا إلى أجناس ما به يتغذى، فرآها ثلاثة أضرب: أولا: أما نبات لم ~~يكمل بعد نضجه ولم ينته إلى غاية تمامه، وهي أصناف البقول الرطبة التي يمكن ~~الاغتذاء بها. # ثانيا: واما ثمرات النبات الذي تم وانتهى وأخرج بذرة ليتكون منه أخر من ~~نوعه حفظا له، وهي أصناف الفواكه رطبها ويابسها. # ثالثا: واما حيوان من الحيوانات التي يتغذى بها: أما البرية واما ~~البحرية. # وكان قد صح عنده أن هذه الأجناس كلها، من فعل ذلك الموجود الواجب الوجود ~~الذي تبين له أن سعادته في القرب منه، وطلب التشبه به، ولا محالة أن ~~الاغتذاء بها ms41 مما يقطعها عن كمالها ويحول بينها وبين الغاية القصوى ~~المقصودة بها. # فكان ذلك اعتراض على فعل الفاعل. # وهذا الاعتراض مضاد لما يطلبه من القرب منه والتشبه به. # فرأى أن الصواب كان له لو أمكن أن يمتنع عن الغذاء جملة واحدة، لكنه لما ~~لم يمكنه ذلك، لانه أن امتنع عنه أل ذلك إلى فساد جسمه، فيكون ذلك اعتراضا ~~على فاعله أشد من الأول، إذ هو أشرف من تلك الأشياء الآخر التي يكون فسادها ~~سببا لبقائه. # PageV01P020 # فاستهل أيسر الضررين، وتسامح في اخف الاعتراضين، ورأى إن يأخذ من هذه ~~الأجناس إذا عدمت آيها تيسر له، بالقدر الذي يتبين له بعد هذا. # فأما إن كانت كلها موجودة فينبغي له حينئذ إن يتثبت ويتخير منها ما لم ~~يكن في أخذه كبير اعتراض على فعل فاعل، وذلك مثل لحوم الفواكه التي قد ~~تناهت في الطيب، وصلح ما فيها لتوليد البزر على الشرط التحفظ على ذلك ~~البزر، بان لا يأكله ولا يفسده ولا يلقيه في موضع لا يصلح للنبات، مثل ~~الصفاة والسبخة ونحوهما. # فان تعذر عليه وجود مثل هذه الثمرات ذات الطعم الغاذي، كالتفاح والكمثرى ~~والأجاص ونحوها، كان له عند ذلك إن يأكل آما الثمرات التي لا يغذو منها إلا ~~نفس البزر، كالجوز والقسطل، واما من البقول التي لم تصل بعد حد كمالها. # والشرط عليه في هذين لأن يقصد أكثرها وجودا وأقواها توليدا، وان لا ~~يستأصل أصولها ولا يفني بزرها. # فان عدم هذه، فله أن يأخذ من الحيوان آو من بيضه، والشرط عليه من الحيوان ~~إن يأخذ من أكثره وجودا، ويستأصل منه نوعا بأسره. # هذا ما رأى في جنس ما يتغذى به. # واما المقدر فرأى أن يكون بحسب ما يسد خلة الجوع ولا يزيد عليها. # واما الزمان الذي بين كل عودتين، فرأى انه إذا اخذ حاجته من الغذاء، أن ~~يقيم عليه ولا يتعرض لسواه، حتى يلحقه ضعف يقطع به بعض الأعمال التي تجب ~~عليه في التشبه الثاني، وهي التي يأتي ذكرها بعد هذا. # فأما ما تدعو إليه ms42 الضرورة في بقاء الروح الحيواني مما يقيه من خارج، ~~فكان الخطب فيه يسيرا: إذ كان مكتسيا بالجلود، وقد كان له مسكن يقيه مما ~~يرد عليه من خارج، فاكتفى بذلك ولم يرى الاشتغال به، والتزم في غذائه ~~القوانين التي رسمها لنفسه، وهي التي تقدم شرحها. # ثم اخذ في العمل الثاني، وهو التشبه بالأجسام السماوية والاقتداء بها، ~~والتقبل أوصافها، فانحصرت عنده في ثلاثة أضرب: الضرب الأول: أوصاف لها ~~بالإضافة إلى ما تحتها من عالم الكون والفساد، وهي ما تعطيه إياه من ~~التسخين بالذات، آو التبريد بالعرض، والإضاءة والتلطيف والتكثيف، إلى سائر ~~ما تفعل فيه من الأمور التي بها يستعد لفيضان الصور الروحانية عليه من عند ~~الفاعل الواجب الوجود. # والضرب الثاني: أوصاف لها في ذاتها، مثل كونها شفافة وناصعة وطاهرة منزهة ~~عن الكدر وضروب الرجس، ومتحركة بالاستدارة بعضها على مركز نفسها، وبعضها ~~على مركز غيرها. # والضرب الثالث: أوصاف لها بالإضافة إلى الموجود الواجب الوجود، مثل كونها ~~تشاهد مشاهدة دائمة، وتعرض عنه، وتتشوق إليه، وتتصرف بحكمه، وتتسخر في ~~تتميم إرادته، ولا تتحرك إلا بمشيئته وفي قبضته. # فجعل يتشبه بها جهده في كل من هذه الاضرب الثلاثة. # آما الضرب الأول: فكان تشبه بها فيه: إن ألزم نفسه إن لا يرى ذا حاجة آو ~~عاهة آو مضرة، أو ذا عائق من الحيوان أو النبات، وهو يقدر على أزالتها عنه ~~إلا ويزيلها. # فمتى وقع بصره على نبات قد حجبه عن الشمس حاجب آو تعلق به نبات آخر ~~يؤذيه، أو عطش عطشا يكاد يفسده، أزال عنه ذلك الحاجب إن كان ما يزال، وفصل ~~بينه وبين ذلك المؤذي بفاصل لا يضر المؤذي، وتهده بالسقي ما أمكنه. # ومتى وقع بصره على حيوان قد أرهقه سبع آو نشب به ناشب، آو تعلق به شوك، ~~آو سقط على عينيه آو آذنيه شيء يؤذيه، آو مسه ظمأ آو جوع، تكفل بإزالة ذلك ~~كله عنه جهده واطعمه وسقاه. # ومتى وقع بصره على ماء يسيل إلى سقي نبات أو حيوان وقد عاقه عن ممره ذلك ms43 ~~عائق، من حجر سقط فيه، آو جرف انهار عليه، ازال ذلك كله عنه. # وما زال يمعن في هذا النوع من ضروب التشبه حتى بلغ فيه الغاية. # واما الضرب الثاني: فكان تشبهه بها فيه إن الزم نفسه دوام الطهارة وإزالة ~~الدنس والرجس عن جسمه والاغتسال بالماء في اكثر الأوقات، وتنظيف ما كان من ~~أظافره واسنانه ومغابن بدنه، وتطيبها بما أمكن من طيبات النبات وصنوف ~~الدهون العطرة، وتعهد لباسه بالتنظيف والتطييب حتى كان يتلألأ حسنا وجمالا ~~ونظافة وطيبا. # والتزم مع ذلك ضروب الحركة على الاستدارة: فتارة كان يطوف بالجزيرة، ~~ويدور على ساحلها ويسيح باكنافها، وتارة كان يطوف ببيته، او ببعض الكدى ~~أدوارا معدوده: آما مشيا، آما هرولة؛ وتارة يدور على نفسه حتى يغشه عليه. # PageV01P021 # واما الضرب الثالث: فكان تشبهه بها فيه، إن كان يلازم الفكرة في تلك ~~الموجود الواجب الوجود، ثم يقطع علائق المحسوسات. # ويغمض عينيه، ويسد أذنيه، ويضرب جهده عن تتبع الخيال، ويروم بمبلغ طاقته ~~إن لا يفكر في شيء سواه، ولا يشترك به احدا ويستعين على ذلك بالاستدارة على ~~نفسه والاستحثاث فيها. # فكان اذا اشتد في الاستدارة، غابت عنه جميع المحسوسات، وضعف الخيال وسائر ~~القوى التي إلى الألأت الجسمانية، وقوي فعل ذاته - التي هي بريئة من الجسم ~~- فكانت في بعض الأوقات فكرته قد تخلص عن الشوب ويشاهد بها الموجود الواجب ~~الوجود، ثم تكر عليه القوى الجسمانية فتفسد عليه حاله، وترده إلى اسفل ~~السافلين. # ويعود من ذي قبل، فان لحقه ضعف يقطع به عن غرضه تناول بعض الأغذية عن ~~الشرائط المذكورة. # ثم انتقل إلى شأنه من التشبه بالأجسام السماوية بالاضرب الثلاثة ~~المذكورة. # ودأب على ذلك مدة وهو يجاهد قواه الجسمانية وتجاهده، وينازعها وتنازعه في ~~الأوقات التي يكون له عليها الظهور، وتتخلص فكرته عن الشوب، يلوح له شيء من ~~أحوال أهل التشبه الثالث. # ثم جعل يطلب التشبه الثالث، ويسعى في تحصيله، فينظر في صفات الموجود ~~الواجب الوجود. # وقد كان تبين له أثناء نظره العلمي قبل الشروع في العمل، إنها على ضربين: ~~آما ms44 صفة ثبوت: كالعلم والقدرة والحكمة. # واما صففة سلب: كتنزه عن الجسمانية وعن صفات الأجسام ولواحقها، وما يتعلق ~~بها، ولو على بعد. # وان صفات الثبوت يشترط فيها هذا التنزيه حتى لا يكون فيها شيء من صفات ~~الأجسام التي من جملتها الكثرة، فلا تتكثر ذاته بهذه الصفات الثبوتية، ثم ~~ترجع كلها إلى معنى واحد هي حقيقة ذاته. # فجعل يطلب كيف يتشبه به في كل واحد من هذين الضربين. # آما صفات الاجاب، فلما علم انها كلها راجعة إلى حقيقة ذاته، وانه لا كثرة ~~فيها بوجه من الوجوه، إذ الكثرة من صفات الأجسام؛ وعلم إن علمه بذاته؛ ليس ~~معنى زائدا على ذاته، بل ذاته هي علمه لذاته؛ وعلمه بذاته هو ذاته، تبين له ~~انه إن أمكنه هو إن يعلم ذاته، فليس ذلك العلم الذي علم به ذاته معنى زائدا ~~على ذاته، بل هو هو! فرأى إن التشبه به من صفات الاجاب، هو ان يعلمه فقط ~~دون إن يشرك به شيئا من صفات الأجسام؛ فاخذ نفسه بذلك. # واما صقات السلب، فانها كلها راجعة إلى التنزه عن الجسمية. # فجعل يطرح اوصاف الجسمية عن ذاته. # وكان قد طرح منها كثيرا في رياضته المتقدمة التي كان ينحو بها بالتشبه ~~بالأجسام السماوية. # إلا انه أبقى منها بقايا كثيرة: كحركة الاستدارة - والحركة من أخص صفات ~~الأجسام - وكل الاعتناء بأمر الحيوان والنبات والرحمة لها، والاهتمام ~~بإزالة عوائقها. # فان هذه أيضا من صفات الأجسام، إذ لا يراها أولا إلا بقوة جسمانية، ثم ~~يكدح بأمرها بقوة جسمانية أيضا. # فاخذ في طرح ذلك كله عن نفسه، إذ هي بجملتها مما لا يليق بهذه الحالة ~~التي يطلبها الآن. # وما زال يقتصر على السكون في قصر مغارته مطرقا، غاضا بصره، معرضا عن جميع ~~المحسوسات والقوى الجسمانية، مجتمع الهم والفكرة في الموجود الواجب الوجود ~~وحده دون شركه؛ فمتى سنح بخياله سانح سواه، طرده عن خياله جهده، ودافعه ~~وراض نفسه على ذلك، ودأب فيه مدة طويلة، بحيث تمر عليه عدة أيام لا يتغذى ~~فيها ولا يتحرك. # وفي خلال ms45 شدة مجاهدته هذه ربما كانت تغيب عن ذكره وفكره جميع الأشياء إلا ~~ذاته، فانها كانت لا تغيب عنه في وقت استغراقه بمشاهدة الموجود الأول الحق ~~الواجب الوجود. # فكان يسوءه ذلك، ويعلم انه شوب في المشاهدة المحضة، وشركه في الملاحظة. # ومازال يطلب الفناء عن نفسه والإخلاص في مشاهدة الحق حتى تأتى له ذلك، ~~وغابت عن ذكره وفكره السموات والأرض وما بينهما، وجميع الصور الروحانية ~~والقوى الجسمانية، وجميع القوى المفارقة للمواد، والتي هي الذوات العارفه ~~بالموجود الحق؛ وغابت ذاته في جملة تلك الذوات، وتلاشى الكل واضمحل، وصار ~~هباء منثورا، ولم يبقى إلا الواحد الحق الموجود الثابت الوجود. # وهو يقول بقوله الذي ليس معنى زائدا على ذاته: "بسم الله الرحمن الرحيم" ~~لمن الملك اليوم لله الواحد القهار صدق الله العظيم ففهم كلامه وسمع ندائه ~~ولم يمنعه عن فهمه كونه لا يعرف الكلام، ولا يتكلم. # PageV01P022 # واستغرق في حالته هذه وشاهد ما لا عين رأت ولا إذن سمعت! ولا خطر على قلب ~~بشر. # فلا تعلق قلبك بوصف آمر لم يخطر على قلب بشر، فان كثيرا من الأمور التي ~~تخطر على قلوب البشر قد يتعذر وصفه، فكيف بأمر لا سبيل إلى خطورة على ~~القلب، ولا هو من عالمه ولا من طوره!؟ ولست أعني بالقلب جسم القلب، ولا ~~الروح التي في تجويفه بل أعني صورة تلك الروح الفائضة بقواها على بدن ~~الإنسان، فان كل واحد من هذه الثلاثة قد يقال له قلب ولكن لا سبيل لخطور ~~ذلك الآمر على واحد من هذه الثلاثة، ولا يتأتى التعبير إلا عما الخطر علها. # ومن رام التعبير عن تلك الحال، فقد رام مستحيلا وهو بمنزلة من يريد أن ~~يذوق الألوان من حيث هي الألوان، ويطلب أن يكون السواد مثلا حلوا أو حامضا. # لكنا، مع ذلك، لا نخيلك عن إشارات نومئ بها إلى ما شاهده من عجائب ذلك ~~المقام، على سبيل ضرب المثل، لا على سبيل قرع باب الحقيقية. # إذ لا سبيل إلى التحقق بما في ذلك المقام إلا بالوصول إليه. # فأصغ ms46 الآن بسمع قلبك، وحدق ييصر إلى ما أشير به اليك لعلك أن تجد منه ~~هديا يلقيك على جادة الطريق! وشرطي عليك أن لا تطلب مني في هذا الوقت مزيد ~~بيان بالمشافهة على ما أودعه هذه الاوراق فان المجال ضيق، والتحكم بالألفاظ ~~على آمر ليس من شأنه أن يلفظ به خطر. # فأقول: انه لما فني عن ذاتهوعن جميع وعن جميع الذوات ولم ير في الوجود ~~إلا الواحد القيوم، وشاهد ما شاهد، ثم عاد إلى ملاحظة الاغيار عندما آفاق ~~من حالة تلك التي شبيه بالسكر، خطر بباله انه لا ذات له يغاير بها ذات الحق ~~تعالى، وان حقيقة ذاته هي ذات الحق، وان الشيء الذي كان يظن أولا انه ذات ~~المغايرة لذات الحق، ليس شيئا في الحقيقة، بل ليس ثم شيء إلا ذات الحق، وان ~~ذلك بمنزلة نور الشمس الذي يقع على الأجسام الكثيفة فتراه يظهر فيها. # فانه وان نسب إلى الجسم الذي يظهر فيه، فليس هو في الحقيقية شيئا سوى نور ~~الشمس. # وان زال ذلك الجسم زال نوره، وبقي نور الشمس بحاله لم ينقص عند حضور ذلك ~~الجسم ولم يزد عند مغيبه. # ومتى حدث جسم يصلح لقبول ذلك النور، قبله، فإذا عدم الجسم عدم ذلك ~~القبول، ولك يكن له معنى، عنده هذا الظن بما قد بان له من إن ذات الحق، عز ~~وجل، لا تتكثر بوجهه من الوجوه، وأن علمه بذاته، وهو ذاته بعينها. # فلزم عنده من هذا أن حصل عنده العلم بذاته، فقد حصلت عنده ذاته، وقد كان ~~حصل عنده العلم فحصلت عنده الذات. # وهذه الذات لا تحصل إلا عند ذاتها، ونفس حصولها هو الذات؛ فإذن هو الذات ~~بعينها. # وكذلك جميع الذوات المفارقة للمادة العارفة بتلك الذات الحقه التي كان ~~يراها أولا كثيرة، وصارت عنده بهذا الظن شيئا واحدا. # وكادت هذه الشبه ترسخ في نفسه لولا أن تداركه الله برحمته وتلافاه ~~بهدايته، فعلم إن الشبهة انما ثارت عنده من بقايا ظلمة الأجسام، وكدورة ~~المحسوسات. # فان الكثير والقليل والواحد والوحدة، والجمع ms47 والاجتماع، والافتراق، هي ~~كلها من صفات الأجسام، وتلك الذوات المفارقة العارفة بذات الحق، عز وجل، ~~لبرائتها عن المادة، لا يجب إن يقال انها كثيرة، ولا واحدة، لان الكثرة ~~انما هي مغايرة الذوات بعضها لبعض، والوحدة أيضا لا تكون إلا بالاتصال. # ولا يفهم شيء من ذلك إلا في المعاني المركبة المتلبسة بالمادة. # غير إن العبارة في هذا الموضع قد تضيق جدا لانك إن عبرت عن تلك الذوات ~~المفارقة بصيغة الجمع حسب لفظنا هذا، أوهم ذلك معنى الكثرة فيها، وهي بريئة ~~عن الكثرة. # وان أنت عبرت بصيغة الإفراد، اوهم ذلك معنى الاتحاد، وهو مستحيل عليها. # وكأني بمن يقف على هذا الموضع من الخفافيش الذين تظلم الشمس في أعينهم ~~يتحرك في سلسلة جنونه، ويقول: لقد افرطت في تدقيقك حتى انك قد انخلعت عن ~~غريزة العقلاء، واطرحت حكم معقول، فان من أحكام العقل إن الشيء آما واحد ~~واما كثير، فليتئد في غلوائه، وليكف من غرب لسانه وليتهم نفسه، وليعتبر ~~بالعالم المحسوس الخسيس الذي هو أطباقه بنحو ما اعتبر به حي بن يقظان حيث ~~كان بنظر فيه بنظر فيراه كثيرا كثرة لا تنحصر ولا تدخل تحت حد، ثم ينظر فيه ~~بنظر آخر، فيراه واحدا. # وبقي في ذلك مترددا ولم يكنه إن يقطع بأحد الوصفين دون الآخر. # PageV01P023 # هذا فالعالم المحسوس منشأ الجمع والإفراد، وفيه الانفصال والاتصال، ~~والتحيز والمغايرة، والاتفاق والاختلاف، فما ظنه بالعالم الإلهي الذي لا ~~يقال فيه كل ولا بعض، ولا ينطق في أمره بلفظ من الألفاظ المسموعة، إلا ~~وتوهم فيه شيء على خلاف الحقيقة، فلا يعرفه إلا من شاهده؛ ولا تثبت حقيقته ~~إلا عند من حصل فيه. # واما قوله: حتى انخلعت عن غريزة العقلاء، واطرحت حكم المعقول. # فنحن نسلم له ذلك، ونتركه مع عقله وعقلائه، فان العقل الذي يعنيه هو ~~أمثاله، انما هو القوة الناطقة التي تتصفح أشخاص الموجودات المحسوسة، ~~وتقتنص منها المعنى الكلي. # والعقلاء الذين يعنيهم، هم ينظرون من هذا النظر والنمط الذي كلامنا فيه ~~فوق هذا كله، فليسد عنه سمعه من لا ms48 يعرف سوى المحسوسات وكلياتها، وليرجع ~~إلى فريقه الذين "بسم الله الرحمن الرحيم" يعملون ظاهرا من الحياة الدنيا. ~~وهم عن الآخرة هم غافلون. صدق الله العظيم. # فان كنت ممن يقتنع بهذا النوع من التلويح والإشارة إلى ما في العالم ~~الإلهي، ولا تحمل ألفاظا من المعاني على ما جرت العادة بها في تحميلها ~~إياه، فنحن نزيدك شيئا مما شاهده حي بن يقظان في مقام أولي الصدق الذي تقدم ~~ذكره، فتقول: انه بعض الاستغراق المحض، والفناء التام، وحقيقة الوصول، ~~وشاهد للفلك الأعلى، الذي لا جسم له، ورأى ذاتا بريئة عن المادة، ليست هي ~~ذات الواحد الحق، ولا هي نفس الفلك، ولا هي غيرها؛ وكأنها صورة الشمس التي ~~تظهر في مرآة من المرائي الصقيلة، فانها ليست هي الشمس ولا المرأة ولا ~~غيرهما. # وراى لذات ذلك الفلك المفارقة من الكمال والبهاء والحسن، ما يعظم عن إن ~~يوصف بلسان، ويدق إن يكسى بحرف آو صوت، وراه في غاية من اللذة والسرور، ~~والغبطة والفرح، بمشاهدة ذات الحق جل جلاله. # وشاهد ايضا للفلك الذي يليه، وهو فلك الكواكب الثابتة، ذاتا بريئة عن ~~المادة أيضا، ليست هي ذات الواحد الحق، ولا ذات الفلك الأعلى المفارقة، ولا ~~نفسه، ولا هي غيرها. # وكأنها صورة الشمس التي تظهر في المرآة قد انعكست إليها من مرآة أخرى ~~مقابلة للشمس، ورأى لهذه الذات ايضا من البهاء والحسن واللذة مثل ما راى ~~لتلك التي للفلك الأعلى. # وشاهد ايضا للفلك الذي يلي هذا، وهو فلك زحل ذاتا مفارقة للمادة ليست هي ~~شيئا من الدواب التي شاهدها قبله ولا هي غيرها؛ وكأنها صورة الشمس التي ~~تظهر في مرآة قد انعكست إليها الصورة من مرآة مقابلة للشمس؛ وراى لهذه ~~الذات ايضا مثل ما راى آمل قبلها من البهاء واللذة. # ومازال يشاهد لكل فلك ذاتا مفارقة بريئة عن المادة ليست هي شيئا من ~~الذوات التي قبلها ولا هي غيرها وكأنها صورة الشمس التي تنعكس من مرآة على ~~مرآة، على رتب مرتبة بحسب ترتيب الأفلاك. # وشاهد لكل ذات من هذه ms49 الذوات من الحسن والبهاء، واللذة والفرح، ما لا عين ~~رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. # إلى أن انتهى إلى عالم الكون والفساد، وهو جميعه حشو فلك القمر. # فرأى له ذاتا بريئة عن المادة ليست شيئا من الذوات التي شاهدها قبلها، ~~ولا هي سواها. # ولهذه سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان، ~~يسبح بها ذات الواحد الحق، ويقدسها ويمجدها، لا يفتر؛ ورأى لهذه الذات، ~~التي توهم فيها الكثرة وليست كثيرة، من الكمال واللذة، مثل الذي رآه لما ~~قبلها. # وكأن هذه الذات صورة الشمس التي تظهر في ماء مترجرج، وقد انعكست إليها ~~الصورة من آخر المرايا التي انتهى إليها الانعكاس على الترتيب المتقدم من ~~المرآة الأولى التي قابلت الشمس بعينها. # ثم شاهد لنفسه ذاتا مفارقة، لو جاز إن تتبعض ذات السبعين ألف وجه، لقلنا ~~انها بعضها. # ولولا إن هذه الذات حدثت بعد إن لم تكن، لقلنا إنها هي! ولولا اختصاصها ~~ببدنه عند حدوثه، لقلنا إنها لم تحدث! وشاهد في هذه الرتبة ذواتا، مثل ~~ذاته، لاجسام كانت ثم اضمحلت، ولاجسام لم تزل معه في الوجود، وهي من الكثرة ~~في حد بحيث لا تتناهى إن جاز أن يقال لها كثيرة، أو هي كلها متحدة إن جاز ~~إن يقال لها واحدة. # وراى لذاته ولتلك الذوات التي في رتبته من الحسن والبهاء واللذة غير ~~المتناهية، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا يصفه ~~الواصفون، ولا يعقله إلا الواصلون العارفون. # PageV01P024 # وشاهد ذواتا كثيرة مفارقة للمادة كأنها مرايا صدئة، قد ران عليها الخبث، ~~وهي مع ذلك مستدبرة للمرايا الصقيلة التي ارتسمت فيها صورة الشمس، ومولية ~~عنها بوجوهها، وراى لهذه الذوات من القبح والنقص ما لم يقم بباله قط؛ وراها ~~في ألام لا تنقضي، وحسرات لا تنمحي؛ قد أحاط بها سرادق العذاب، وأحرقتها ~~نار الحجاب، ونشرت بمناشير بين الانزعاج والانجذاب. # وشاهد هنا ذواتا سوى هذه المعذبة تلوح ثم تضمحل، وتنعقد ثم تنحل، ms50 فتثبت ~~فيها وأنعم النظر إليها، فرأى هولا عظيما وخطبا جسيما، وخلقا حثيثا، ~~وأحكاما بليغة، وتسوية ونفخا وإنشاء ونسخا. # فما هو إلا إن تثبت قليلا، فعادت إليه حواسه، وتنبه من حاله تلك التي ~~كانت شبيهة بالغشي، وزلت قدمه عن ذلك المقام، ولاح له العالم المحسوس، وغاب ~~عنه العالم الإلهي: إذ لم يكن اجتماعهما في حال واحدة، إذ الأخرى والدنيا ~~كضرتين، إن أرضيت احدهما أسخطت الأخرى، فان قلت يظهر مما حكيته من هذه ~~المشاهدة، إن الذوات المفارقة إن كانت لجسم دائم الوجود لا يفسد، كالأفلاك، ~~كانت هي دائمة الوجود؛ وان كانت لجسم يؤول إلى الفساد كالحيوان الناطق، ~~فسدت هي واضمحلت وتلاشت، حسبما مثلث به في المرايا الانعكاس، فان الصورة لا ~~ثبات لها إلا ثبات بثبات المرآة، فإذا فسدت المرآة صح فساد الصورة واضمحلت ~~هي؛ فأقول لك: ما لأسرع ما نسيت العهد، وحلت عن الربط، ألم نقدم إليك إن ~~مجال العبارة هنا ضيق، وان الألفاظ على كل حال توهم غير الحقيقة وذلك الذي ~~توهمته إنما أوقعك فيه، إن جعلت المثال والممثل به على حكم واحد من جميع ~~الوجوه. # ولا ينبغي أن يفعل ذلك في أصناف المخاطبات المعتادة، فكيف ها هنا والشمس ~~ونورها، وصورتها وتشكلها والمرايا والصور الحاصلة فيها، كلها أمور غير ~~مفارقة للأجسام، ولا قوام لها إلا بها وفيها؟ فلذلك افتقرت في وجودها إليها ~~وبطلت ببطلانها. # واما الذوات الإلهية، والأرواح الربانية، فانها كلها بريئة عن الأجسام ~~ولواحقها ومنزهة غاية التنزيه عنها، فلا ارتباط ولا تعلق لها بها، وسواء ~~بالإضافة إليها بطلان الأجسام أو ثبوتها، ووجودها أو عدمها؛ وانما ارتباطها ~~وتعلقها بذات الواحد الحق الموجود الواجب الوجود، الذي هو أولها ومبدؤها ~~وسببها وموجدها، وهو يعطيها الدوام ويمدها بالبقاء والتسرمد؛ ولا حاجة بها ~~إلى الأجسام بل الأجسام المحتاجة إليها. # ولو جاز عدمها لعدمت الأجسام فانها هي مبديها، كما انه لو جاز إن تعدم ~~ذات الواحد الحق - تعالى وتقدس عن ذلك؛ لا اله إلا هو! - لعدمت هذه الذوات ~~كلها، ولعدمت الأجسام، ولعدم العالم الحسي بآسره، ولم ms51 يبق موجود، إذ الكل ~~مرتبط بعضه ببعض. # والعالم المحسوس وان كان تابعا للعالم الإلهي، شبيه الظل له؛ والعالم ~~الإلهي مستغن عنه وبريء منه فانه مع ذلك قد يستحيل فرض عدمه، إذ هو لا ~~محالة تابع للعالم الإلهي، وانما فساده إن يبدل، لا إن يعدم بالجملة، وبذلك ~~نطق الكتاب العزيز حيثما وقع هذا المعنى منه في تسيير الجبال وتسييرها ~~كالعهن والناس كالفراش. # وتكوير الشمس والقمر، وتفجيرالبحار يوم تبدل الارض غير الأرض والسموات. # فهذا القدر هو الذي امكنني الآن أن أشير إليك به فيما شاهده حي بن يقظان ~~في ذلك المقام الكريم فلا تلتمس الزيادة عليه من جهة الألفاظ فان ذلك ~~كالمعتذر. # واما تمام خبره - فسأتلوه عليك إن شاء الله تعالى: وهو انه لما عاد إلى ~~العالم المحسوس، وذلك بعد جولا نه حيث جال، سئم تكاليف الحياة الدنيا، ~~واشتد شوقه إلى الحياة الدنيا، واشتد شوقه إلى الحياة القصوى، فجعل يطلب ~~العود إلى ذلك المقام بالنحو الذي طلبه أولا حتى وصل إليه بأيسر من السعي ~~الذي وصل به أولا ودام فيه ثانيا مدة أطول من الأولى. # ثم عاد إلى عالم الحس. # ثم تكلف الوصول إلى مقامه بعد ذلك فكان ايسر عليه من الأولى والثانية ~~وكان دوامه أطول. # وما زال الوصول إلى ذلك المقام الكريم يزيد عليه سهولة، والدوام يزيد فيه ~~طولا مدة بعد مدة، حتى صار يصل إليه متى شاء، ولا ينفصل عنه إلا متى شاء؛ ~~فكان يلازم مقامه ذلك ولا ينثني عنه إلا لضرورة بدنه التي كان قد قللها، ~~حتى كان لا يوجد اقل منها. # PageV01P025 # وهو في كل ذلك كله يريد إن يريحه الله عز وجل من كل بدنه الذي يدعوه إلى ~~مفارقة مقامه ذلك، فيتخلص إلى لذته تخلصا دائما، ويبرأ عما يجده من الألم ~~عند الأعراض عن مقامه ذلك إلى ضرورة البدن. # وبقي على حالته تلك حتى أناف على سبعة أسابيع من منشئه وذلك خمسون عاما. # وحينئذ اتفقت له صحبة أسال وكان من قصته معه ما يأتي ذكره بعد هذا إن ms52 شاء ~~الله تعالى. # ذكروا: إن جزيرة قريبة من الجزيرة التي ولد بها حي بن يقظان على أحد ~~القولين المختلفين على صفة مبدئه، انتقلت إليه ملة من الملل الصحيحة ~~الماخوذه على بعض الأنبياء المتقدمين، صلوات الله عليهم. # وكانت ملة محاكية لجميع الموجودات الحقيقية بالأمثال المضروبة التي ~~خيالات تلك الأشياء، وتثبت رسومها في النفوس، حسبما جرت به العادة في ~~مخاطبة الجمهور؛ فما زالت تلك الملة تنتشر بتلك الجزيرة وتقوى وتظهر، حتى ~~قام بها ملكها وحمل الناس على التزامها. # وكان قد نشأ بها فتيان من أهل الفضل والخير، يسمى أحدهما أسال والآخر ~~سلامان فتلقيا هذه الملة وقبلاها احسن قبول، واخذ على أنفسهما على بالتزام ~~جميع شرائعها والموظبة على جميع أعمالها، واصطحبا على ذلك. # وكانا يتفقهان في بعض الأوقات فيما ورد من ألفاظ تلك الشريعة في صفة الله ~~عز وجل وملائكته، وصفات الميعاد والثواب والعقاب. # فأما أسال فكان أشد غوصا على الباطن، وأكثر عثورا على المعاني الروحانية ~~واطمع في التأويل. # واما سلامان صاحبه فكان أكثر احتفاظا بالظاهر، وأشد بعدا عن التأويل، ~~وأوقف عن التصرف والتأمل؛ وكلاهما مجد في الأعمال الظاهرة، ومحاسبة النفس، ~~ومجاهدة الهوى. # وكان في تلك الشريعة أقوال تحمل عن العزلة والانفراد، وتدل على إن الفوز ~~والنجاة فيهما؛ واقوال أخر تحمل على المعاشرة وملازمة الجماعة. # فتعلق أسال بطلب العزلة، ورجح القول فيها لما كان في طباعه من دوام ~~الفكرة، وملازمة العبرة، والغوص على المعاني، وأكثر ما كان يتأتى له أمله ~~من ذلك بالانفراد. # وتعلق سلامان بملازمة الجماعة، ورجح القول فيها لما كان في طباعه من ~~الجبن عن الفكرة والتصرف. # فكانت ملازمته الجماعة عنده مما يدرأ الوسواس، ويزيل الظنون المعترضة ~~ويعيد من همزات الشياطين. # وكان اختلافهما في هذا الرأي سبب افتراقهما. # وكان أسال قد سمع عن الجزيرة التي ذكر أن حي بن يقظان تكون بها وعرف ما ~~بها من الخصب والمرافق والهواء المعتدل، وان الانفراد بها يتأتى لملتمسه، ~~فأجمع إن يرتحل إليها ويعتزل الناس بها بقية عمره. # فجمع ما كان له من المال، واشترى ms53 ببعضه مركبا تحمله إلى تلك الجزيرة، ~~وفرق باقيه على المساكين، وودع صاحبه سلامان وركب متن البحر؛ فحمله ~~الملاحون إلى تلك الجزيرة؛ ووضعوه بساحلها؛ وانفصلوا عنها. # فبقي أسال بتلك الجزيرة يعبد الله عز وجل؛ ويعظمه ويقدسه؛ ويفكر في ~~اسمائه الحسنى وصفاته العليا؛ فلا ينقطع خاطره؛ ولا تتكدر فكرته. # واذا احتاج إلى غذاء تناول من ثمرات تلك الجزيرة وصيدها ما يسد بها ~~جوعته. # وأقام على تلك الحال مدة وهو في أتم غبطة وأعظم أنس بمناجاة ربه. # وكان كل يوم يشاهد من ألطافه ومزايا تحفة وتيسره عليه في مطلبه وغذائه ما ~~يثبت يقينه ويقر عينه. # وكان في تلك المدة حي بن يقظان شديد الاستغراق في مقاماته الكريمة؛ فكان ~~لا يبرح عن مغارته إلا مرة في الاسبوع لتناول ما سنح من الغذاء، فلذلك لم ~~يعثر عليه أسال لأول وهلة، بل كان يتطوف بأكناف تلك الجزيرة ويسبح في ~~أرجائها، فلا يرى أنسيا ولا يشاهد أثرا فيزيد بذلك أنسه وتنبسط نفسه لما ~~كان قد عزم عليه من التناهي في طلب العزلة والانفراد. # إلى إن اتفق في بعض تلك الأوقات إن خرج حي بن يقظان لالتماس غذائه وأسال ~~قد ألم بتلك الجهة، فوقع بصر كل منهما على الآخر. # فإما أسال فلم يشك أنه من العباد المنقطعين، وصل تلك الجزيرة لطلب العزلة ~~عن الناس كما وصل هو إليها. # فخشي إن هو تعرض له وتعرف به إن يكون سببا في فساد حاله وعائقا بينه وبين ~~أمله. # واما حي بن يقظان فلم يدر ما هو، لانه لم يره على صورة شيء من الحيوانات ~~التي كان قد عاينها قبل ذلك. # وكان عليه مدرعة سوداء من الشعر والصوف، فظن إنها لباس طبيعي. # فوقف يتعجب منه مليا. # PageV01P026 # وولى أسال هاربا منه خيفة أن يشغله عن حاله، فاقتفى حي بن يقظان أثره لما ~~كان في طباعه من البحث عن الحقائق. # فلما رآه يشتد في الهرب. # خنس عنه وتوارى له، حتى ظن أسال انه قد انصرف عنه وتباعد من تلك الجهة. # فشرع أسال في الصلاة ms54 والقراءة، والدعاء والبكاء، والتضرع والتواجد، حتى ~~شغله ذلك عن كل شيء. # فجعل حي بن يقظان يتقرب منه قليلا قليلا، وأسال لا يشعر به حتى دنا منه ~~بحيث يسمع قراءته وتسبيحه، ويشاهد خضوعه وبكائه. # فسمع صوتا حسنا وحروف منظمة، لم يعهد مثلها من شيء من أصناف الحيوان. # ونظر إلى أشكاله وتخطيطه فرآه على صورته، وتبين له أن المدرعة التي عليه ~~ليست جلدا طبيعيا، وانما هي لباس متخذ مثل لباسه هو، ولما رأى حسن خشوعه ~~وتضرعه وبكائه لم يشك في انه من الذوات العارفة بالحق؛ فتشوق إليه واراد إن ~~يرى ما عنده، وما الذي أوجب بكاءه وتضرعه؛ فزاد في الدنو منه حتى أحس به ~~أسال؛ فاشتد في العدو، واشتد حي بن يقظان في أثره حتى التحق به - لما كان ~~أعطاه الله من القوة والبسطة في العلم والجسم - فالتزمه وقبض عليه؛ ولم ~~يمكنه من البراح. # فلما نظر إليه أسال وهو مكتس بجلود الحيوان ذوات الاوبار؛ وشعره قد طال ~~حتى جلل كثيرا منه، ورأى ما عنده من سرعة العدو وقوة البطش، فرق منه فرقا ~~شديدا، وجعل يستعطفه ويرغب إليه بكلام لا يفهمه حي بن يقظان ولا يدري ما ~~هو، غير أنه يميز فيه شمائل الجزع. # فكان يؤنسه بأصوات كان قد تعلمها من الحيوانات، ويجر يده على رأسه، ويمسح ~~أعطافه. # ويتملق إليه، ويظهر البشر والفرح به. # حتى سكن جأش أسال وعلم أنه لا يريد به سوءا. # كان أسال قديما لمحبته في علم التأويل. # قد تعلم أكثر الألسن، ومهر فيها. # فجعل يكلم حي بن يقظان ويسائله عن شأنه بكل لسان يعلمه ويعالج أفهامه فلا ~~يستطيع، وحي بن يقظان في ذلك كله يتعجب مما يسمع ولا يدري ما هو. # غير أنه يظهر له البشر والقبول. # فاستغرب كل واحد منهما أمر صاحبه. # وكان عند أسال من زاد كان قد اصطحبه من الجزيرة المعمورة، فقربه إلى حي ~~بن يقظان فلم يدر ما هو، لانه لم يكن شاهده قبل ذلك. # فأكل منه أسال وأشار إليه ليأكل ففكر حي بن يقظان ms55 فيما كان ألزم نفسه من ~~الشروط لتناول الغذاء، ولم يدر اصل ذلك الشيء الذي قدم له ما هو، وهل يجوز ~~له تناوله أم لا! فامتنع عن الآكل. # ولم يزل أسال يرغب إليه ويستعطفه. # وقد كان اولع به حي بن يقظان فخشي إن دام على امتناعه إن يوحشه، فاقدم ~~على ذلك الزاد وأكل منه. # فلما ذاقه واستطابه بدا له سوء ما صنع من نقض عهوده في شرط غذاء، وندم ~~على فعله، وأراد الانفصال عن أسال والإقبال على شأنه من طلب الرجوع إلى ~~مقامه الكريم، فلما تتأت له المشاهدة بسرعة. # فرأى أن يقيم مع أسال في عالم الحس حتى يقف على حقيقة شأنه، ولا يبقي في ~~نفسه هو نزوع إليه، وينصرف بعد ذلك إلى مقامه دون إن يشغله شاغل. # فالتزم صحبة أسال ولما رأى أسال أيضا انه لا يتكلم، آمن من غلوائه على ~~دينه، ورجا أن يعلمه الكلام والعلم والدين، فيكون له بذلك أعظم أجر وزلفى ~~عند الله. # فشرع أسال في تعليمه الكلام أولا بأن كان يشير له إلى أعيان الموجودات ~~وينطق بأسمائها ويكرر ذلك عليه ويحمله على النطق، فينطق بها مقترنا ~~بالاشارة، حتى علمه الأسماء كلها، ودرجه قليلا قليلا حتى تكلم في أقرب مدة. # فجعل أسال يسأله عن شأنه ومن أين صار إلى تلك الجزيرة، فأعلمه حي بن ~~يقظان انه لا يدري لنفسه ابتداء ولا أبا ولا أما أكثر من الظبية التي ربته، ~~ووصف له شأنه كله وكيف ترقى بالمعرفة، حتى انتهى إلى درجة الوصول. # فلما سمع أسال منه وصف تلك الحقائق والذوات المفارقة لعالم الحس العارفة ~~بذات الحق عز وجل، ووصفه ذلك الحق تعالى وجل بأوصافه الحسنى، ووصف له ما ~~أمكنه وصفه مما شاهده عند الوصول من لذات الواصلين وألام المحجوبين، لم يشك ~~أسال في أن جميع الأشياء التي وردت في شريعته من أمر الله عز وجل، ~~وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته وناره، هي أمثلة هذه التي ~~شاهدها حي بن يقظان؛ فانفتح بصر قلبه وانقدحت نار خطره وتطابق عنده ms56 المعقول ~~والمنقول، وقربت عليه طرق التأويل، ولم يبق عليه مشكل في الشرع إلا تبين ~~له، ولا مغلق إلا انفتح، ولا غامض إلا اتضح، وصار من أولى الألباب. # PageV01P027 # وعند ذلك نظر إلى حي بن يقظان بعين التعظيم والتوقير، وتحقق عنده أنه من ~~أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. # فالتزم خدمته والاقتداء به بإشارته فيما تعارض عنده من الأعمال الشرعية ~~التي قد تعلمها في ملته. # وجعل حي بن يقظان يستفصحه عن أمره وشأنه، فجعل أسال يصف له شأن جزيرته ~~وما فيها من العالم، وكيف كانت سيرهم قبل وصول الملة اليهم. # وكيف هي الآن بعد وصولها إليهم، وصف له جميع ما ورد في الشريعة من وصف ~~العالم الإلهي، والجنة والنار، والبعث والنشور، والحشر والحساب، والميزان ~~والصراط. # ففهم حي بن يقظان ذلك كله ولم ير فيه شيء على خلاف ما شاهده في مقامه ~~الكريم. # فعلم أن الذي وصف ذلك وجاء به محق في وصفه، صادق في قوله، ورسول من عند ~~ربه؛ فأمن به وصدقه وشهد برسالته. # ثم جاء يسأله عما جاء به من الفرائض، ووضعه من العبادات؛ فوصف له الصلاة ~~والزكاة، والصيام والحج، وما أشبهها من الأعمال الظاهرة؛ فتلقى ذلك ~~والتزمه، وأخذ نفسه بأدائه امتثالا للآمر الذي صح عنده صدق قوله. # إلا انه بقي في نفسه أمران كان يتعجب منهما ولا يدري وجه الحكمة فيهما: ~~أحدهما - لما ضرب هذا الرسول الأمثال للناس في أكثر ما وصفه من أمر العالم ~~الإلهي، وأضرب عن المكاشفة حتى وقع الناس في أمر عظيم من التجسيم، واعتقاد ~~أشياء في ذات الحق هو منزه عنها وبريء منها؟ وكذلك في أمر الثواب والعقاب! ~~والآمر الآخر - لم اقتصر على هذه الفرائض ووظائف العبادات وأباح الاقتناء ~~للأموال والتوسع في المأكل، حتى بفرغ الناس بالاشتغال بالباطل، والأعراض عن ~~الحق؟ وكان رأيه هو لا يتناول أحد شيئا إلا ما يقيم به من الرمق؛ واما ~~الأموال فلم تكن لها عنده معنى. # وكان يرى ما في الشرع من الأحكام في أمر الأموال: كالزكاة وتشعبها، ms57 ~~والبيوع والربا والحدود والعقوبات، فكان يستغرب هذا كله ويراه تطويلا، ~~ويقول: إن الناس لو فهموا الآمر على حقيقته لاعرضوا عن هذه البواطل، وأقبلو ~~على الحق، واستغنوا عن هذا كله، ولم يكن لاحد اختصاص بمال يسأل عن زكاته، ~~أو تقطع الأيدي على سرقته، أو تذهب النفوس على أخذه مجاهرة. # وكان الذي أوقعه في ذلك ظنه، أن الناس كلهم ذوو فطر فائقة، وأذهان ثاقبة، ~~ونفوس عازمة، ولم يكن يدري ما هم عليه من البلادة والنقص، وسوء الرأي وضعف ~~العزم، وأنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلا. # فلما اشتد إشفاقه على الناس، وطمع أن تكون نجاتهم على يديه، حدثت له ~~النية في الوصول إليهم، وإيضاح الحق لديهم، وتبييه لهم ففاوض في ذلك صاحبه ~~أسال وسأله: هل تمكنه حيلة في الوصول اليهم؟ فأعلمه بما هم فيه من نقص ~~الفطرة والأعراض عن آمر الله فلم يتأت له فهم ذلك، وبقي في نفسه تعلق بما ~~كان قد أمله. # وطمع أسال أيضا أن يهدي الله على يديه طائفة من معارفه المريدين الذين ~~كانوا أقرب من التخلص من سواهم، فساعده على رأيه، ورأيا أن يلتزما ساحل ~~البحر ولا يفارقاه ليلا ولا نهارا، لعل الله إن السني لهما عبور البحر ~~فالتزما ذلك وابتهلا الله تعالى أن يهيء لهما من أمرهما رشدأ. # فكان من أمر الله عز وجل أن سفينة ضلت مسلكها، ودفعها الرياح وتلاطم ~~الأمواج إلى ساحلها. # فلما قربت من البر رأى أهلها الرجلين على الشاطئ. # فدنوا منها فكلمهم أسال وسألهم أن يحملوهما معهم، فأجابوهما إلى ذلك، ~~وأدخلوهما السفينة، فأرسل الله إليهم ريحا رخاء حملت السفينة في أقرب مدة ~~إلى الجزيرة التي أملاها فنزلا بها، ودخلا مدينتها، واجتمع أصحاب أسال به، ~~فعرفهم شأن حي بن يقظان، فاشتملوا عليه شديدا وأكبروا آمره، واجتمعوا إليه ~~واعظموه وبجلوه، وأعلمه أسال أن تلك الطائفة هم أن تلك الطائفة هم أقرب إلى ~~الفهم والذكاء من جميع الناس، وانه إن عجز عن تعليمهم فهو عن تعليم الجمهور ~~أعجز. # وكان رأس تلك الجزيرة سلامان وهو صاحب أسال ms58 الذي كان يراه ملازمة ~~الجماعة، ويقول بتحريم العزلة، فشرع حي بن يقظان في تعليمهم وبث أسرار ~~الحكمة إليهم. # PageV01P028 # فما هو إلا أن ترقى عن الظاهر قليلا وأخذ في وصف ما سبق إلى فهمهم خلافه، ~~فجعلوا ينقبضون منه وتشمئز نفوسهم مما يأتي به، ويتسخطونه بقلوبهم، وان ~~اظهروا له الرضا في وجهه اكراما لغربته فيهم، ومراعاة لحق صاحبهم أسال! وما ~~زال حي بن يقظان يستلطفهم ليلا ونهارا، ويبن لهم الحق سرا وجهارا، فلا ~~يزيدهم ذلك إلا نبوأ ونفارا، مع أنهم كانوا محبين للخير، راغبين في الحق، ~~إلا انهم لنقص فطرتهم كانوا لا يطلبون الحق من طريقة ولا يأخذونه لجهة ~~تحقيقه، ولا يلتمسونه من بابه، بل كانوا لا يريدون معرفته من طريق أربابه. # فيأس من أصلاحهم، وانقطع رجائه من صلاحهم لقلة قبولهم. # وتصفح طبقات الناس بعد ذلك، فرأى كل حزب بما لديهم فرحون، قد اتخذوا ~~ألههم هواهم، ومعبودهم شهواتهم، وتهالكوا في جميع حطام الدنيا، ألهاهم ~~التكاثر حتى زاروا المقابر، لا تنجح فيهم الموعظة ولا تعمل فيهم الكلمة ~~الحسنة، ولا يزدادون بالجدل إلا إصرارا. # واما الحكمة فلا سبيل لهم إليها، ولا حظ لهم منه، قد غمرتهم الجهالة وران ~~على قلوبهم ما يكسبون ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ~~ولهم عذاب عظيم. # فلما رأى سرادق العذاب قد أحاط بهم، الظالمات الحجب قد تغشتهم، والكل ~~منهم - إلا اليسير - لا يتمسكون من ملتهم إلا بالدنيا، وقد نبذوا أعمالهم ~~على خفتها وسهولتها وراء ظهورهم، واشتروا بها ثمنا قليلا، وألهاهم عن ذكر ~~الله تعالى التجارة والبيع، ولم يخافوا يوما تنقلب فيه القلوب والابصار، ~~لأن له وتحقق على القطع، أن مخاطبتهم بطريق المكاشفة لا تمكن وأن تكليفهم ~~من العمل فوق هذا القدر لا يتفق، وأن حظ أكثر الجمهور من الانتفاع بالشريعة ~~إنما هو في حياتهم الدنيا لا يستقيم له معاشه، ولا يتعدى عليه سواه فيما ~~اختص هو به، وانه لا يفوز منه بالسعادة الأخروية إلا الشاذ النادر، وهو من ~~أراد حرث الآخرة وسعى لها سعيا وهو مؤمن. ms59 # واما من طغى وأثر الحياة الدنيا فان الجحيم هي المأوى، وأي تعب أعظم ~~وشقاوة أطم ممن إذا تصفحت أعماله من وقت انتباهه من نومه إلى حين رجوعه إلى ~~الكره لا تجد منها شيئا إلا وهو يلتمس به تحصيل غاية من هذه الأمور ~~المحسوسة الخسيسة آما مال يجمعه أو لذة ينالها أو شهوة يقضيها أو غيطا ~~يتشفه به أو جاه يحرزه أو عمل من أعمال الشرع يتزين به أو يدافع عن رقبته، ~~وهي كلها ظلمات بعضها فوق بعض في بحر لجي وان منكم إلا واردها كان على ربك ~~حتما مقضيا. # فلما فهم أحوال الناس وان أكثرهم بمنزلة الحيوان غير الناطق علم أن ~~الحكمة كلها والهداية والتوفيق فيما نطقت به الرسل ووردت به الشريعة لا ~~يمكن غير ذلك ولا يحتمل المزيد عليه ولكل عمل رجال وكل ميسر لما خلق له ~~"بسم الله الرحمن الرحيم" سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا صدق الله العظيم. # فانصرف إلى سلامان وأصحابه، فاعتذر عما تكلم به معه وتبرأ إليهم منه ~~وأعلمهم أنه قد رآه مثل رأيهم واهتدى بمثل هديهم، وأوصاهم بملازمة ما هم ~~عليه من التزام حدود الشرع والأعمال الظاهرة مقلة الخوض فيما لا يعنيهم، ~~والإيمان بالمتشابهات والتسليم لها، والأعراض عن البدع والأهواء والاقتداء ~~بالسلف الصالح والترك لمحدثات الأمور، وأمرهم بمجانبة ما عليه جمهور العوام ~~من إهمال الشريعة والإقبال على الدنيا، وحذرهم عنه غاية التحذير، وعلم هو ~~وصاحبه أسال أن هذه الطائفة المريدة القاصرة لا نجات لها إلا بهذا الطريق، ~~وأنها إن رفعت عنه إلى يفاع الاستبصار اختل ما هي عليه ولم يمكنها أن تلحق ~~بدرجة السعداء وتذبذبت وانتكست وساءت عاقبتها. # وان هي دامت على ما هي عليه حتى يوافيها اليقين فازت بالآمن وكانت من ~~أصحاب اليمين، والسابقون السابقون أولئك المقربون. # فو دعاهم وانفصلا عنهم وتلطفا في العود إلى جزيرتهما حتى يسر الله عز وجل ~~عليهما العبور إليها. # وطلب حي بن يقظان مقامه الكريم بالنحو الذي طلبه أولا حتى عاد إليه، ms60 ~~واقتدى به أسال حتى قرب من أو كاد وعبدا الله في تلك الجزيرة حتى أتاهما ~~اليقين. # PageV01P029 # هذا - أيدنا الله وأياك بروح منه - ما كان من نبأ حي بن يقظان وأسال ~~وسلامان وقد أشتمل على حظ من الكلام لا يوجد في كتاب ولا يسمع في معتاد ~~خطاب، وهو من العلم المكنون الذي لا يقبله إلا أهل المعرفة بالله، ولا ~~يجهله إلا أهل الغرة بالله. # وقد خالفنا فيه طريق السلف الصالح في الضنانا به والشح عليه. # إلا أن الذي سهل علينا إفشاء هذا السر وهتك الحجاب، ما ظهر في زماننا من ~~أراء فاسده نبغت بها متفلسفة العصر وصرحت بها، حتى انتشرت في البلدان وعما ~~ضررها وخشينا على الضعفاء الذين اطرحوا تقليد الأنبياء صلوات الله عليهم، ~~وارادوا تقليد السفهاء والأغبياء أن يظنوا أن تلك الآراء هي الأسرار ~~المضنون بها على غير أهلها، فيزيد بذلك حبهم فيها وولعهم فيها. # فرأينا أن نلمح إليهم بطرف من سر الأسرار لنجتذبهم إلى جانب التحقيق، ثم ~~نصدهم عن ذلك الطريق. # ولم نخل مع ذلك ما أودعناه هذه الأوراق اليسيره من الأسرار عن حجاب رقيق ~~وستر لطيف ينتهك سريعا لمن هو أهله، ويتكاثف لمن لا يستحق تجاوزه حتى لا ~~يتعداه. # وأنا أسئل إخواني الواقفين على هذا الكلام، أن يقبلو عذري فيما تسائلت في ~~تبينه وتسامحت في تثبيته، فلم أفعل ذلك إلا لأني تسمنت شواهق يزل الطرف عن ~~مرآها. # وأردت تقريب الكلام فيها على وجه الترغيب والتشويق في دخول الطريق. # وأسأل الله التجاوز والعفو، وأن يوردنا من المعرفة به الصفو، انه منعم ~~كريم. ### | والسلام عليك أيها الأخ المفترض إسعافه ورحمة الله وبركاته # . PageV01P030 ms61