######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010496 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو المظفر مؤيد الدولة مجد الدين أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الكلبي الشيزري (المتوفى: 584هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 584 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: لباب الآداب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010496 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10496 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10496 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: أحمد محمد شاكر #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1407 هـ - 1987 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة السنة، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # [مقدمة التحقيق] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # هذا كتاب (لباب الآداب) ألفه أحد أبطال الاسلام وفرسانه: # (الأمير أسامة بن منقذ) (488- 584 هجرية) رحمه الله رحمة واسعة. # عهد إلى بتصحيحه صديقى الفاضل الأديب لويس سركيس. وكانت نسخته الأصلية ~~المخطوطة عند أستاذنا الكبير العلامة الدكتور يعقوب صروف صاحب مجلة ~~(المقتطف) الغراء. وقد وصفها وصفا جيدا فى المقتطف (شهر ديسمبر سنة 1907 ~~مجلد 32 صفحة 953- 960) ستراه فيما يأتى. # وفى دار الكتب المصرية نسخة نقلت عنها بالتصوير الفتوغرافى برقم (4700 ~~أدب) وعندنا صورة أخرى منها. # وهذه النسخة هي نسخة المؤلف كتبت فى حياته (سنة 579 هجرية) ثم أهداها ~~لابنه الأمير (مرهف بن أسامة) . # وفى أثناء طبع الكتاب، بعد إتمام (باب الكرم) وعند الشروع فى (باب ~~الشجاعة) (ص 148) وجدنا نسخة أخرى منه فى دار الكتب المصرية، دلنى عليها ~~صديقى الفاضل الأستاذ الشيخ محمد عبد الرسول. وكانت موضوعة فى الفهرس ~~القديم فى علم التصوف. # وقد تفضل حضرة صاحب العزة الأستاذ الجليل (أسعد بك برادة مدير دار الكتب) ~~باعارتى إياها لأستعين بها فى التصحيح. # PageV00P000 # وهى مكتوبة فى آخر (سنة 1066 هجرية) . وهى نسخة غير جيدة، وفيها تحريف ~~كثير. ويظهر أن ناسخها كان يترك أشياء من الكتاب لا ينقلها: # إما اختصارا، وإما كسلا، وإما عجزا عن قراءتها. ولكنها أفادتنا في ~~التصحيح فى مواضع متعددة. # وكان أول همى أن أرجع إليها فى موضع الخرم فى النسخة الأصلية، وهو الموضع ~~الذى أشار إليه الدكتور صروف فى مقاله الآتى، وهو فى الكتاب (ص 17 من ~~النسخة المطبوعة) . فوجدت أن كاتبها وصل الكلام ببعضه، فقال بعد قوله «ومن ~~مزح استخف به» (ص 17 س 2) -: «وقال الشاعر» ، ثم ذكر البيتين «لا تله عن ~~أمر» الخ، ولكنه كتبها «فلا تله عن أمر» . وجاء هذا الكلام في وسط الصفحة. ~~ولذلك ظننت بادىء ذى بدء أن نسخة الدكتور صروف كاملة، ولكنى تبينت بعد ذلك ~~أن رأيه صحيح، وأن النسخة مخرومة. # لأن جملة «ومن مزح ms001 استخف به» جاءت فى آخر الصفحة هناك. ثم كتب الكاتب فى ~~أسفل الصفحة كلمة «ومن أكثر» ثم جاء فى أول الصفحة التالية قوله «لاتله عن ~~أمر» . # وهذه الكلمة التى تكتب فى أسفل الصفحة تسمى فى اصطلاح الناسخين القدماء ~~(التعقيبة) وهى تعاد مرة أخرى فى أول الصفحة التالية لتدل على أن الكلام ~~متصل، وعلى أنه لم يسقط شىء بين الصفحتين، ولا تزال هذه الطريقة مستعملة فى ~~المطبوعات القديمة وبعض المطبوعات الحديثة، وهى معروفة إلى الآن فى الأوساط ~~العلمية الأزهرية وغيرها. # ويظهر لى أن النقص فى النسخة قديم فى عصر المؤلف أو بعده بقليل، وأن ~~الناسخين نقلوا الكتاب على ما فيه من خرم، لأن النسخة الأخرى الجديدة تخالف ~~القديمة فى مواضع كثيرة: باختلاف الألفاظ وبالنقص وبالزيادة أيضا- كما سترى # PageV00P000 # من المقارنة بينهما فى أثناء الكتاب- وهذا يدل على أن ناسخها لم ينقل عن ~~الأصل العتيق الذى بين أيدينا، بل نقل عن أصل آخر. # وقد أشرنا فى تعليقاتنا الى النسخة القديمة بقولنا «الأصل» وإلى النسخة ~~الأخرى الحديثة برمز «ح» واليهما معا بقولنا «الأصلين» . # ولقد عنيت بالكتاب، وبذلت فيه جهدا كثيرا، وحاولت أن أخرجه للناس مثالا ~~يحتذى فى جودة الطبع ودقة التصحيح. ولم يضن صديقى الفاضل الأديب لويس سركيس ~~بشىء من النفقة فى سبيل ذلك. # وأعاننى فى تصحيحه شقيقى الأصغر السيد محمود محمد شاكر. وكثيرا ما سهر ~~الليالى فى تحقيق بيت شعر أو تصويب جملة. وأعاننى أيضا صديقى الفاضل الشيخ ~~محمد حامد الفقى فى مقابلة كثير من الكتاب على الأصلين، وفى تخريج بعض ~~الأحاديث الواردة فيه. # والمؤلف رحمه الله يذكر فى أوائل الأبواب بعض الأحاديث النبوية، ولكنه لم ~~يكن من العلماء بالسنة، فيأتى بأحاديث منها الصحيح ومنها غير الصحيح. # ولم أستجز لنفسى أن أترك حديثا واحدا من غير بحث عن أصله وصحته، نصيحة ~~للأمة، وأداء للأمانة. # وعلى الرغم من كل هذا فانى عجزت عن معرفة كثير من الأحاديث التى. # فيه، ولذلك أنصح كل قارىء أن لا يحتج بشىء من الأحاديث فى الكتاب الا بما ~~صرحت أنه ms002 حديث صحيح أو حسن. وأما الأحاديث التى لم أكتب شيئا عنها أو أشرت ~~إلى أنى لم أجدها فانه لا يجوز الاحتجاج بها، إلا أن يثبت للقارىء صحتها ~~بالطريق العلمى الصحيح المعروف عند أهل هذا الفن. وهذا مما يجب على كل مسلم ~~مراعاته بالدقة التامة فى كل كتاب. والحديث عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شديد، والاحتياط فيه واجب. # PageV00P000 # وقد وقعت فى الكتاب بعض أغلاط- مع كل ما عانينا فى تصحيحه- بعضها جاء ~~سهوا مني، وبعضها جاء خطأ فى النظر، وبعضها من الأغلاط المطبعية التى لا ~~يتنزه عنها كتاب. # وأهمها أغلاط أربعة فى آيات قرآنية، نرجو من القارىء أن يصححها بقلمه عند ~~اقتناء الكتاب. وذكرناها وحدها فى أول الاستدراك الملحق به. # ثم إنى عنيت بوضع الفهارس المفصلة، إذ هى مفاتيح الكتب، فجعلت له فهارس ~~خمسة: أولا: أبواب الكتاب. ثانيا: الأعلام. ثالثا: الأماكن. # رابعا: أيام العرب. خامسا: قوافى الشعر. # وكنت أريد أن أضع فهرسا للآيات القرآنية، وآخر للأحاديث النبوية. # ولكنى وجدت فائدتهما فى الكتاب قليلة، لأنه يذكر الآيات ثم الأحاديث فى ~~أول الأبواب. فموضعها فيه معروف ظاهر. # وبعد: فانى لا أظننى مغاليا إذا قلت إن هذا الكتاب من أجود كتب الأدب ~~وأحسنها، وسيرى قارئه أنه ينتقل فيه من روض الى روض، ويحتنى أزاهير الحكمة، ~~وروائع الأدب، ويقتبس مكارم الأخلاق. # وفيه ميزة أخرى جليلة: أن فيه أقوالا من نثر ونظم لم نجدها فى كتاب غيره ~~من الكتب المطبوعة، فقد وجدنا فيه أبياتا لعامر بن الطفيل لم تذكر فى ~~ديوانه المطبوع فى أوربا، مع أن المستشرق الذى طبعه جمع فيه كل ما وجد ~~لعامر فى كتب الأدب الأخرى. ووجدنا أبياتا أخرى لمالك بن حريم الهمدانى لم ~~نجدها فى غيره من الكتب، وكذلك لابن المعتز ولأبى العلاء المعرى، ولغيرهم. # وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح. # مساء الأحد ثانى صفر الخير سنة 1354 5 مايو سنة 1935 كتبه أبو الاشبال ~~احمد محمد شاكر # PageV00P000 ### | مقدمة الكتاب بقلم الدكتور يعقوب صروف # منشىء مجلة المقتطف كتاب ms003 لباب الآداب وقع لنا فى هذه الأيام كتاب من خيرة ~~كتب الادب العربية، وضعه كاتب من مشاهير الكتاب، وهو أسامة بن مرشد بن علي ~~بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني. والنسخة التى وقعت لنا هى النسخة الأصلية ~~التى كتبت للمؤلف سنة 579 للهجرة، وقد وهبها لابنه، وكتب ابنه عليها بيده ~~يقول إن أباه وهبه إياها كما سيجىء. فهي من أقدم كتب الخط العربية المحفوظة ~~إلى الآن. # والكتاب متوسط الحجم، طوله 23 سنتمترا ونصف سنتمتر، وعرضه 15 سنتمترا، ~~وفيه 249 ورقة فى واحد وعشرين كراسا لا ينقصه إلا ست ورقات من الكراس ~~الثانى وجانب من حاشية الورقة الاخيرة. # واسم الكتاب فى الصفحة الأولى أبيض تحيط به نقوش مذهبة وزرقاء، وتحته اسم ~~المؤلف ويحيط بالاثنين برواز منقوش. وقد تفنن ولده فى ما كتبه، فرسم حوله ~~دوائر تحيط به كالغيوم بحبر أسود وذهبى، وملأ ما بين السطور بنقوش عقفاء ~~تدل على أن الناس كانوا قد خرجوا من قيد الخطوط المستقيمة، وعكفوا على ~~المنحنيات شأن المصورين. وخط الكتاب واضح جميل، وحبره أسود براق، وحروفه ~~المعجمة منقوطة غالبا ما عدا الكلمة التى تكتب فى آخر الصفحة وتعاد فى ~~الصفحة التالية، فانها غير منقوطة فى الغالب؛ ويحتمل أن # PageV00P000 # يكون النقط طارئا على الكتاب، لكن هذا الاحتمال بعيد، لأن حبر النقط مثل ~~حبر الحروف تماما، وحجمها يدل على أنها مكتوبة بالقلم الذى كتبت به الحروف. ~~ويمتاز بتعلق بعض الحروف المنفصلة: فاذا وقعت بعد الألف دال، أو ذال، أو ~~عين، أو غين علقت الألف بها، كما تعلق باللام فى الخط الديوانى؛ وإذا وقعت ~~بعد الدال ياء متطرفة مثل «عندى» علقت بها، وكثيرا ما توصل الكلمة الواحدة ~~بالتى بعدها. وتترك الكاف أحيانا من غير شرطة ولا سيما إذا كانت فى أول ~~الكلمة. وليس فى وسط الكاف الأخيرة كاف صغيرة. وقلما توضع علامة للحروف ~~المهملة. # وفى الكتاب علامات تدل على أن الناسخ قرأه للمؤلف، فأصلح فيه قليلا؛ لكن ~~المؤلف لم يقرأه بنفسه، إما لضعف بصره فى شيخوخته، أو لسبب ms004 آخر؛ لأن الكاتب ~~يخطىء أحيانا خطأ صرفيا لا يدركه من يسمع ولا يقرأ، ولو رآه المؤلف لأصلحه ~~حتما «1» . # وهذه الأمور العرضية يعنى بها اليوم جماعة من العلماء الذين يبحثون عن ~~الخطوط والكتب القديمة: ألمعنا إليها إلماعا؛ وجوهر الكتاب قائم بموضوعه ~~واسلوبه، فقد قسمه المؤلف إلى سبعة أبواب وهي: باب الوصايا، وباب السياسة، ~~وباب الكرم، وباب الشجاعة، وباب الآداب، وباب البلاغة، وباب ألفاظ من ~~الحكمة فى معان شتى. # ويبتدىء الباب بآيات من القرآن، تتلوها أحاديث نبوية، ثم أقوال حكمية ~~يتمثل بها، ونوادر وأشعار ونحو ذلك مما يرى بعضه فى كتاب «الغرر والعرر» ~~للوطواط، وكتاب «محاضرات الأدباء» للراغب الأصبهانى. # PageV00P000 # والمؤلف كاتب مشهور، ترجمه ابن خلكان فى «وفيات الأعيان» . # [ثم نقل ترجمة المؤلف عن ابن خلكان، وقد حذفناها اكتفاء بالترجمة التى ~~ستقرؤها فيما يأتى] وواضح من ذلك «1» أن المؤلف ألف كتاب «لباب الآداب» قبل ~~وفاته بنحو خمس سنوات، فألفه وهو شيخ عرك الدهر واجتنى ثمار الاختبار. # وقد صورنا منه النصف الأعلى من الصفحة الأولى بعد الفهرس، والنصف الأعلى ~~من الصفحة الأخيرة، كما ترى فى صدر هذه المقالة «2» . وهاك قراءة ما فيها ~~سطرا سطرا: # الصورة الاولى: # كتاب لباب الآداب تأليف أسامة بن مرشد بن مقلد بن نصر ابن منقذ الكنانى ~~غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين حبانى مولاى والدى مجد الدين مؤيد ~~الدولة وفقه الله بهذا الكتاب الذى هو من تأليفه بدمشق المحروسة فى شهور ~~سنة اثنتين وثمانين وخمس مائة وكتبه ولده مرهف بن أسامة حامدا ومصليا ~~الصورة الثانية: # [فرحم الله كريما وقف عليه وتصدق على مؤلفه بدعوة صالحة ### | .... # يثيبه الله تعالى عنها ويجزل حظه منها فهو سبحانه [من الدا] عى قريب يسمع ~~ويجيب [وكان الف] راغ منه في صفر سنة تسع وسبعين وخمس مائة # PageV00P000 # [والحمد لله و] حده وصلواته على سيدنا محمد نبيه وصحبه وسلامه ناسخه ~~الفقير الى رحمة ربه [غ] نايم «1» الناسخ المعرى غفر الله له ولوالديه ~~ولجمع المسلمين وقد أشكلت علينا قراءة اسم ابنه فى خطه، واتفق أننا فتحنا ~~«وفيات الأعيان» ms005 لنقرأ ترجمة الملك الأفضل، والد السلطان صلاح الدين، فاذا ~~فيه: # ورأيت فى تاريخ كمال الدين بن العديم فصلا نقله من تعليق العضد مرهف بن ~~أسامة بن منقذ الخ. فاتضح لنا من ذلك اسمه وأنه أديب ابن أديب. # والظاهر أن المؤلف نقح الكتاب بعد أن تم تبييضه ونسخه، فقطع الأوراق ~~الأولى من أوائل الأبواب، وأبدلها بغيرها وزاد فيها كثيرا من الآيات ~~والأحاديث. وهو فى الأصل واحد وعشرون كراسا، فى كل كراس منها عشر ورقات، أى ~~إنه كان 210 ورقات، لكن فيه الآن 249 ورقة. وفى كل صفحة من الصفحات الأصلية ~~13 سطرا، لكن الورقات التى زيدت فيه يختلف عدد سطورها، فيزيد تارة حتى يبلغ ~~20 سطرا، وينقص أخرى حتى يبلغ 11 سطرا. # والخط والحبر فى بعض هذه الأوراق غير جيدين، كأنها مقحمة فى الكتاب بعد ~~حين. ولكن أكثره بالخط الجيد، والحبر الجيد، ولا شبهة فى أنه هو الأصل، كما ~~هو واضح من وضع الكراريس، ولأن المؤلف يذكر فيه أهله وبلده ومؤلفاته وبعض ~~ما لقيه فى سفراته، كقوله عن على بن أبى طالب «2» : «وقد # PageV00P000 # ذكرت شيئا من حروبه ووقعاته في كتابي المترجم بكتاب فضائل الخلفاء ~~الراشدين» . وقوله «1» : «كان بيننا وبين الإسماعيلية قتال في قلعة شيزر في ~~سنة سبع وعشرين وخمس مائة» . وقوله «2» : «وقد كان عندنا بشيزر رجل يقال له ~~محمد البشيبش كان يخدم جدي سديد الملك أبو الحسن علي بن نصر بن منقذ ~~الكناني، رحمه الله» . وقوله «3» : «قرأت على حائط مسجد بديار بكر سنة خمسة ~~وستين وخمس مائة: # صن النفس وابذل كل شيء ملكته ... فإن ابتذال المال للعرض أصون # ولا تطلقن منك اللسان بسوءة ... ففي الناس سوءات وللناس ألسن # وعينك إن أبدت لديك معايبا ... لقوم فقل: يا عين للناس أعين # ونفسك إن هانت عليك فإنها ... على كل من تلقى أذل وأهون» . # فهل من أديب من أدباء دياربكر يبحث عن هذا المسجد، وينبئنا عما على حائطه ~~من الأشعار، عساه لا يزال قائما كما كان؟ # ثم شرع الدكتور فى نقل بعض فقرات من الكتاب ms006 لم نجد فائدة فى إعارتها هنا ~~ثم كتب عنه مقالا آخر في عدد (ابريل سنة 1908 مجلد 33 ص 308- 313) نقل فيه ~~فقرات أيضا، وفى آخرها حكاية بطرك مصر مع الملك العادل بن السلار وطلب ملك ~~الحبشة منه عزل بطرك الحبشة (ص 72- 73 من هذه الطبعة) وقال عقب ذلك: «فهذا ~~أمر جرى منذ نحو ثمانمائة سنة فى هذ القطر وفى هذه العاصمة، رآه مؤلف هذا ~~الكتاب بعينه، وسمع ما قيل فيه بأذنه، وهو كأنه حدث أمس، وكتب عنه كما نكتب ~~عنه اليوم. مرت ثمانمائة سنة والعادات لم تتغير، ولغة الكتاب لم تختلف ~~اختلافا يذكر» . # PageV00P000 # ثم كتب مقالا ثالثا فى عدد (مايو سنة 1908 مجلد 33 ص 479- 483) قال فى ~~أوله: «فى كتاب لباب الآداب أمور كثيرة مذكورة فى كتب الأدب، وفيه أمور ~~أخرى وقعت للمؤلف أو حدثت فى زمانه. والغالب أنه لم يذكرها أحد غيره، كقصة ~~بطريرك الأقباط التى نقلناها عنه فى مقتطف ابريل. وها نحن موردون الآن ~~حوادث أخرى حدثت فى زمانه، لا قصد الفكاهة، بل للاستدلال بها على شىء من ~~أحوال الناس فى عصره، أى منذ نحو ثمانمائة سنة» . # ثم نقل حكايات من الكتاب، منها حكاية فتح الافرنج انطاكية (ص 132- 134 من ~~هذه الطبعة) وحكاية المؤلف مع شيخة ابن المنيرة حين هجوم الاسمعيلية على ~~حصن شيزر (ص 190- 191) وحكاية زهر الدولة بختيار مع الأسد (ص 199) ثم قال: # «نقف الآن عند هذا الحد، وفى النوادر التى نقلناها أمور كثيرة حرية ~~بالنظر. من ذلك ذكره كلمة الافرنج بهذا اللفظ الشائع الآن فى مصر والشأم، ~~فاستعمالها كذلك قديم، ولا داعى للعدول عنه إلى كلمة فرنج أو فرنجة. ولم نر ~~فيما لدينا من التواريخ إشارة إلى قصة بغدوين ملك القدس وجوسلين صاحب تل ~~باشر، لكن أبا الفرج قال فى تاريخه إن بغدوين مات فى القدس ووصى ببلاده ~~للقمص صاحب الرها، وهو الذى أسره جكرميش وأطلقه سقاوو جاولى. وعليه فاسم ~~الموصول راجع إلى بغدوين لا إلى القمص، إذا كان مراد أبى الفرج الاشارة إلى ~~أسر بغدوين ms007 مع جوسلين واطلاق جاولى سقاوى لهما. وجاء فى تاريخ الصليبيين ~~للسر جورج كوكس أن جوسلين أعان بلدوين البرجى حتى خلف الملك بلدوين الثانى، ~~فجعله بلدوين البرجي أميرا على الرها. لكن جوسلين هذا أسر أخيرا سنة 546 ~~ومات أسيرا، فهل هو جوسلين عينه الذى أسر أو لا سنة 490؟. أو إن أسامة لم ~~يكن يدقق فى ذكر السنين، كما يظهر مما نقلناه عنه فى الجزء الماضى، حيث # PageV00P000 # قال: إنه كان فى مصر سنة 547 فى عهد الملك العادل، مع أن الملك العادل ~~خلف الملك الصالح سنة 655. # وكيفما كانت الحال فالقصة محتملة الصدق، ولا بد من أنها كانت تروى فى ~~عهده حتى تمثل بها. وهى تماثل ما يروى عن أخلاق فرسان الصليبيين وشهامتهم ~~وحفظهم للذمام، وما كان جاريا فى ذلك العهد من استعانة أمراء المسلمين ~~بأمراء الصليبيين، وأمراء الصليبيين بأمراء المسلمين. # ومنها اهتمام أمراء المسلمين بتعليم أولادهم، فقد كان أبو أسامة مستخذما ~~شيخا من كبار العلماء لتعليم أولاده، وظهرت نتيجة تعليمه فى تفوق أسامة فى ~~الانشاء، نثرا ونظما. # ومنها أن ذلك الزمان كان زمان حروب متتابعة، ولذلك كانوا يضطرون أن ~~يقيموا فى الحصون ويصعدوا إليها بالحبال. # ومنها أن الاسود كانت لا تزال كثيرة فى بلاد الشام، أو فى أطرافها، فذكر ~~هذا الاسد من غير استغراب، وقد انقرضت الأسود منها الآن ... # وواضح مما ذكره هنا أنه ألف كتاب (لباب الآداب) وعمره أكثر من تسعين سنة ~~«1» ، فهو ثمرة يانعة من ثمار عقله، بعد أن حنكته التجارب، وراضته الايام. # وفى الكتاب أدلة على أن الكاتب بيض مسودات كانت عند أسامة وخطها غير جلى، ~~لانه ترك بعض الأعلام الأعجمية ثم كتبها بقلم آخر وهو يقرأ الكتاب على ~~المؤلف، أو أخطأ فى كتابتها ثم أصلحها لما قرأ الكتاب. أما دعاء أسامة على ~~الافرنج بقوله: خذلهم الله (ص 132) فأقل مما كان يستعمله غيره من كتاب ~~عصره» . اه كلام العلامة الدكتور يعقوب صروف. # PageV00P000 ### | استدراك على كلام الدكتور صروف بقلم مصحح الكتاب # ولنا عليه استدراك فى قوله: «إن أسامة لم يكن ms008 يدقق فى ذكر السنين، كما ~~يظهر مما نقلناه عنه فى الجزء الماضى، حيث قال: إنه كان فى مصر سنة 547 فى ~~عهد الملك العادل، مع أن الملك العادل خلف الملك الصالح سنة 655» . # وذلك أنه نقل فى ### | ترجمة المؤلف # أنه توفى سنة 584، وبيده برهان مادي هو نسخة الكتاب (لباب الآداب) ~~المخطوطة فى عصر المؤلف وعليها تاريخ كتابتها سنة 579. فمن الواضح إذن أن ~~الملك العادل الذى كان بمصر سنة 547 غير الملك العادل الذى كان بها سنة ~~655، وبينهما أكثر من مائة سنة، بل إن مؤلف الكتاب توفي قبل التاريخ الذى ~~ذكره الدكتور صروف بأكثر من سبعين سنة، فلن يكون هذا من أن أسامة لم يكن ~~يدقق فى ذكر السنين. # وإنما حقيقة الأمر: أن لقب «الملك العادل» كان ذائعا فى تلك العصور، وقد ~~كان فى عصر المؤلف اثنان بهذا اللقب. # أحدهما: الملك العادل سيف الدين أبو الحسن على بن السلار، وهو الذى نقل ~~أسامة القصة عنه. وكان أسامة دخل مصر يوم الخميس 2 جمادى الآخرة سنة 539 فى ~~خلافة (الحافظ لدين الله الفاطمى) ، ثم توفى الحافظ وجلس بعده فى كرسى ~~الخلافة ابنه (الظافر بأمر الله) ، وهذا الظافر أسند الوزارة لابن السلار، ~~وخلع عليه خلع الوزارة، ولقبه (الملك العادل) . انظر (كتاب الاعتبار) ~~للمؤلف (ص 6- 8) ، ولهذا الملك العادل بن السلار ترجمة عند ابن خلكان (ج 1 ~~ص 467- 469) وذكر فيها أنه تولى الوزارة للظافر الخليفة سنة 543 ودخل ~~القاهرة فى 15 شعبان سنة 544، وأنه مات بمصر قتيلا يوم السبت 11 محرم سنة ~~548. # PageV00P000 # والثانى: الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى، وله ترجمة عند ابن خلكان ~~(ج 2 ص 115- 117) وذكر فيها أنه ولد فى يوم الأحد 17 شوال سنة 511، ومات ~~يوم الأربعاء 11 شوال سنة 569 بقلعة دمشق. وهذا الملك العادل نور الدين ~~لقيه المؤلف أسامة أيضا، إذ أرسله اليه صديقه الملك العادل بن السلار فى ~~سفارة سياسية حربية كما قال فى الاعتبار (ص 10) : «تقدم الى الملك العادل ~~رحمه الله بالتجهز للمسير إلى العادل نور الدين رحمه ms009 الله» ثم قال فى (ص ~~14) : # «ووصلنا فى طريقنا الى بصرى فوجدنا الملك العادل نور الدين رحمه الله على ~~دمشق» . ثم اتصل أسامة بعد ذلك بخدمته (ص 34) . # وأما بعد عصر المؤلف، وبعد زوال دولة الفاطميين، فقد كان بمصر الملك ~~العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب بن شادى، بويع بالسلطنة فى شوال سنة 595، ~~ثم حفيده الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن الملك الكامل محمد بن الملك ~~العادل أبى بكر بن أيوب، ولى الملك سنة 635. ثم خلع وبويع أخوه الملك ~~الصالح نجم الدين أيوب سنة 636، ثم توفى سنة 647، وخلفه ابنه الملك المعظم ~~توران شاه، ثم قتل يوم الاثنين 17 محرم سنة 648، وتولت السلطنة بعده (شجرة ~~الدر زوجة أبيه الملك الصالح) فى 2 صفر سنة 648 وخلعت نفسها بعد ثلاثة ~~أشهر. # تقريبا. وكانت ختام الدولة الأيوبية. ثم بدأت دولة الأتراك. انظر تاريخ ~~ابن اياس (ج 1 ص 75 و 82 و 83 و 85 و 89 و 90) . # وأنت ترى من هذه السلسلة التاريخية أن الملك العادل الأيوبى كان قبل ~~الملك الصالح لا بعده، وأنه تولى ملك مصر سنة 635 لا سنة 655. # وأسال الله سبحانه أن يوفقنا لما فيه رضاه. # كتبه احمد محمد شاكر عفا الله عنه # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | ترجمة المؤلف # «1» # ولد يوم الأحد 47 جمادى الآخرة سنة 488 (يوليو سنة 1095) توفى ليلة ~~الثلاثاء 23 رمضان سنة 584 (نوفمبر سنة 1188) ### | نسبه # أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ «2» بن محمد بن منقذ بن نصر ~~بن هاشم بن سوار بن زياد بن رغيب بن مكحول بن عمرو بن الحارث بن عامر بن ~~مالك بن أبى مالك بن عوف بن كنانة بن عوف «3» بن عذرة بن زيد اللات بن ~~رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب «4» بن حلوان بن # PageV00P000 # عمران بن الحاف «1» ] بن قضاعة بن مالك بن عمرو «2» بن مرة بن زيد بن ~~مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. # قال ياقوت: «هكذا ms010 ذكر هو نسبه، وفيه اختلاف يسير عند ابن الكلبى» ### | أسرته # بنو منقذ: أسرة مجيدة، نشأ فيها رجال كبار، كلهم فارس شجاع، وكلهم شاعر ~~أديب. وكانوا ملوكا فى أطراف حلب، «بالقرب من قلعة شيزر، عند جسر بنى منقذ ~~المنسوب إليهم، وكانوا يترددون إلى حماة وحلب وتلك النواحى، ولهم بها الدور ~~النفيسة، والأملاك المثمنة، وذلك كله قبل أن يملكوا قلعة شيزر، وكان ملوك ~~الشام يكرمونهم، ويجلون أقدارهم، وشعراء عصرهم يقصدونهم، ويمدحونهم، وكان ~~فيهم جماعة أعيان رؤساء كرماء أجلاء علماء «3» » . # وحصن شيزر: قلعة قريبة من حماة، على بعد خمسة عشر ميلا منها، ولم يزل ~~قائما إلى اليوم، معروف باسم «سيجر» تصحيف «شيزر» كما ذكر الأستاذ «فيليب ~~حتي» فى مقدمة كتاب «الاعتبار» . # وكان الحصن «لآل منقذ الكنانيين، يتوارثونه من أيام صالح بن مرداس «4» » # PageV00P000 # وصالح هذا ملك حلب سنة 417 وقتل سنة 419 أو 420 كما فى ابن خلكان (1: ~~286) ويظهر أنه خرج بعد ذلك من أيديهم إلى الروم، واسترده منهم «سديد الملك ~~أبو الحسن علي بن مقلد» جد المؤلف فى يوم السبت 27 رجب سنة 474 بالأمان ~~بمال بذله للأسقف الذي كان فيه (انظر ذيل تاريخ دمشق) لأبى يعلى بن ~~القلانسي ص 113 وابن خلكان 1: 464 ومعجم الأدباء 2: 187) وبقي الحصن فى ~~أيديهم حتى خرب بالزلازل فى سنة 552 وقتل كل من فيه من بنى منقذ تحت ~~أنقاضه. # ورأس هذه الأسرة وزعيمها: أبو المتوج مقلد بن نصر بن منقذ، الملقب «مخلص ~~الدولة» . قال ابن خلكان (2: 155) : «كان رجلا نبيل القدر، سائر الذكر، رزق ~~السعادة فى بنيه وحفدته» . مات بحلب فى ذى الحجة سنة 450 وحمل الى كفر طاب. ~~وكان الشعراء يقصدونه ويمدحونه، ورثاه بعضهم بقصائد نفيسة، منهم أبو محمد ~~بن سنان الخفاجى مؤلف «سر الفصاحة» . ونقل أسامة فى هذا الكتاب (ص 368) ~~أبياتا من قصيدة ابن سنان فى رثائه. # ونقل ابن خلكان قصيدة «من فائق الشعر» لأبى يعلى حمزة بن عبد الرزاق بن ~~أبى حصين فى رثائه أيضا. # ثم ابنه: أبو الحسن علي بن مقلد- جد المؤلف- الملقب «سديد الملك» ms011 . # وكان أديبا شاعرا، وشجاعا مقداما، قوى النفس كريما، مات سنة 475، ومدحه ~~جماعة من الشعراء، كابن الخياط وابن سنان الخفاجى. # ثم ابنه: أبو سلامة مرشد بن علي- والد المؤلف- الملقب «مجد الدين» ولد ~~سنة 460 ومات يوم الاثنين 8 رمضان سنة 531 (31 مايو سنة 1136) . # وكان فارسا شجاعا، ثابت الجنان عند البأس، لا يرتاع، صالحا دائبا على ~~مرضاة # PageV00P000 # ربه، ليس له شغل سوى الحرب وجهاد الافرنج ونسخ كتاب الله عز وجل، وهو ~~صائم الدهر مواظب على تلاوة القرآن. وكان مغرما بالصيد لهجا به، له فيه ~~ترتيب لا نظير له فيما حكى ابنه عنه، نسخ أكثر من أربعين مصحفا بخطه. # وحضر وقائع كثيرة، وفى بدنه جراح هائلة، ومات على فراشه «1» . # وكانت امارة الحصن لأخيه الأكبر «نصر بن علي» فمات سنة 491 عن غير عقب، ~~ولما حضرته الوفاة عهد بالامارة إلى مرشد هذا فأبى زهدا فيها وقال: # «والله لا وليتها، ولأخرجن من الدنيا كما دخلتها ... ثم ولاها أخاه أبا ~~العساكر سلطان بن علي، وكان أصغر منه «2» » . # وسلطان هذا لم يرزق أولادا فى أول أمره، فاصطفى لنفسه ابن أخيه- مؤلف ~~الكتاب: أسامة بن مرشد- وكان يوليه عنايته ويعهد اليه بكثير من المهام، ثم ~~رزق أولادا فى آخر أمره، فأظهر التجني على أخيه وأولاد أخيه، وكان فى الأمر ~~بعض الستر فى حياة مرشد. وأما بعد وفاته فقد صارح سلطان أولاد أخيه العداء ~~وأخرجهم من الحصن كرها فى العام التالى سنة 532. # وكان هذا من فضل الله عليهم، فنجوا من القتل تحت أنقاض الحصن فى سنة 552. ### | نشأته وأخباره # ولد أسامة يوم الأحد 27 «3» جمادى الآخرة سنة 488 (يوليو سنة 1095) بقلعة ~~شيزر. وقد حكى هو تاريخ ولادته فى الاعتبار (ص 124) . وكنيته «أبو المظفر» ~~. ونقل ياقوت كنية أخرى له وهى «أبو أسامة» وقد وجدت كنية ثالثة له فى ~~عنوان كتابه (البديع فى نقد الشعر) الموجود بمكتبة بلدية # PageV00P000 # الاسكندرية، وهى «أبو الفوارس» والكنية الأولى أشهر، ولم أجد ما يؤيد ~~الأخريين. ويلقب «مؤيد الدولة مجد الدين» . # ونشأ أسامة فى كنف أبويه وعمه وجدته، وفى وسط ms012 أسرة من أعظم الأسر ~~العربية، أكثر رجالها فرسان محاربون من الطبقة الأولى، وبعد ولادته بنحو ~~سنتين بدأت الحروب الصليبية فى بلاد الشام سنة 490، ورباه أبوه على الشجاعة ~~والفتوة والرجولة، ومرنه على الفروسية والقتال، وكان يخرجه معه إلى الصيد، ~~ويدفع به بين لهوات الأسود. فأخرج منه فارسا كاملا، وسياسيا ماهرا، ورجلا ~~ثابتا كالرواسى، لا تزعزعه الأعاصير، ولا تهوله النكبات والرزايا. فهو يقول ~~عن نفسه بعد أن جاوز التسعين، إذ يحكي بعض ما لقي من الأهوال: # «فهذه نكبات تزعزع الجبال، وتفني الأموال، والله سبحانه يعوض برحمته، ~~ويختم بلطفه ومغفرته. وتلك وقعات كبار شاهدتها، مضافة إلى نكبات نكبتها، ~~سلمت فيها النفس لتوقيت الآجال، وأجحفت بهلاك المال» (الاعتبار ص 35) . # ويقول أيضا: «فلا يظن ظان أن الموت يقدمه ركوب الخطر، ولا يؤخره شدة ~~الحذر، ففى بقائي أوضح معتبر، فكم لقيت من الأهوال، وتقحمت المخاوف ~~والأخطار، ولاقيت الفرسان، وقتلت الأسود، وضربت بالسيوف، وطعنت بالرماح، ~~وجرحت بالسهام والجروخ «1» - وأنا من الأجل فى حصن حصين- إلى أن بلغت تمام ~~التسعين ... فأنا كما قلت: # مع الثمانين عاث الدهر فى جلدي ... وساءنى ضعف رجلى واضطراب يدي # اذا كتبت فخطي جد مضطرب ... كخط مرتعش الكفين مرتعد # فاعجب لضعف يدي عن حملها قلما ... من بعد حطم القنا فى لبة الأسد # PageV00P000 # وإن مشيت وفى كفي العصا ثقلت ... رجلي كأني أخوض الوحل فى الجلد # فقل لمن يتمنى طول مدته ... هذى عواقب طول العمر والمدد» # (الاعتبار ص 163- 164) «1» ولم يكتف أبوه بتربيته الحربية، بل كان يحضر ~~له الشيوخ الكبار ليعلموه هو وإخوته، فسمع الحديث من الشيخ الصالح أبى ~~الحسن علي بن سالم السنبسي فى سنة 499 كما فى تاريخ الاسلام للذهبى «2» ، ~~وقد روى عنه حديثا فى أول (لباب الآداب ص 1) . وكان يؤدبه الشيخ العالم أبو ~~عبد الله محمد بن يوسف المعروف بابن المنيرة المتوفى سنة 503 «3» وقرأ علم ~~النحو قريبا من عشر سنين على الشيخ العالم أبى عبد الله الطليطلي النحوي، ~~وكان فى النحو سيبويه زمانه. «4» # والتوسع فى علم النحو هذه السنين الطويلة يستدعي كثرة الاطلاع على ms013 الشعر ~~القديم، وعلى غريب القرآن وتفسيره، وعلى علوم البلاغة وما يتبعها. وكان ~~الأمراء بنو منقذ ممن يقصدهم الأدباء والشعراء، يمدحونهم ويسترفدونهم، ~~وكانوا هم أيضا علماء شعراء، فاقتبس أسامة من هذا المجتمع الأدبي الذي نشأ ~~فيه أدبا جما، وعلما واسعا، وحفظ كثيرا من الشعر القديم، فقد نقل الحافظ ~~الذهبى فى تاريخ الاسلام عن الحافظ أبي سعد السمعاني قال: «قال لى أبو ~~المظفر- يعنى أسامة- أحفظ أكثر من عشرين ألف بيت من شعر الجاهلية» «5» . ~~وصار # PageV00P000 # شاعرا فحلا. حتى كان السلطان صلاح الدين الأيوبي لشغفه بديوان شعره يفضله ~~على جميع الدواوين. «1» # ولما خرج أسامة من شيزر سنة 532 أقام بدمشق نحوا من ثمان سنين فى رعاية ~~صديقه وظهيره الأمير معين الدين أنر وزير شهاب الدين محمود، حتى نبت به ~~دمشق «كما تنبو الدار بالكريم» «2» . فسار إلى مصر فدخلها يوم الخميس 2 ~~جمادى الآخرة سنة 539 قال: «فأقرنى الحافظ لدين الله- يعني الخليفة الفاطمي ~~عبد المجيد بن المنتصر بالله العلوي- ساعة وصولى، فخلع علي بين يديه، ودفع ~~لى تخت ثياب ومائة دينار، وخولنى دخول الحمام، وأنزلنى فى دار من دور ~~الأفضل بن أمير الجيوش، فى غاية الحسن، وفيها بسطها وفرشها ومرتبة كبيرة ~~وآلتها من النحاس، كل ذلك لا يستعاد منه شىء، وأقمت بها مدة فى إكرام ~~واحترام، وإنعام متواصل» «3» . ثم مات الخليفة الحافظ وولي الخلافة ابنه ~~الأصغر (الظافر بأمر الله أبو منصور اسمعيل) وكان عمره 17 سنة تقريبا، ووثب ~~على الوزارة سيف الدين أبو الحسن (علي بن السلار) فخلع عليه الخليفة خلع ~~الوزارة، ولقبه (الملك العادل) . وأرسل ابن السلار أسامة فى مهمة حربية ~~سياسية لدى (الملك العادل نور الدين بن زنكى) وبعد وقائع وحروب عاد إلى مصر ~~باستدعاء ابن السلار، ومكث فيها إلى سنة 549 ثم خرج منها مكرها بعد قتل ~~الخليفة الظافر. وقد وقعت فى مصر فى هذه السنوات الخمس مدة خلافته (544- ~~549) أحداث وفتن كبار، قتل فيها ابن السلار الوزير والظافر الخليفة. واتهم ~~المؤرخون أسامة بأن له يدا فى قتلهما، بل بأنه هو الذي حرض # PageV00P000 # على هذه ms014 الجرائم المنكرة «1» . وقد برأه الله من أن يغمس يده فى الدماء ~~البريئة. # وإنما اتهم بذلك افتراء واتباعا للشائعات الكاذبة التى أشاعها ذوو ~~الأغراض من الدساسين. وأسامة حكى فى الاعتبار تفاصيل هذه الحوادث «2» ، ~~والقارىء المنصف يتبين له أن الرجل برىء مما نسب إليه زورا وبهتانا. # وسنفصل القول فى ذلك فى ترجمته المطولة التى سننشرها قريبا إن شاء الله. # ذهب أسامة من مصر إلى دمشق فأقام بها مدة. ثم انتقل باهله وولده إلى «حصن ~~كيفا» «3» وأقام بها إلى أن أخذ السلطان صلاح الدين الأيوبى دمشق فى ربيع ~~الأول سنة 570، وكان الأمير عضد الدين أبو الفوارس «مرهف بن أسامة» جليس ~~صلاح الدين وأنيسه، ولم يزل مشغولا بذكر أسامة، مشتهرا باشاعة نظمه ونثره، ~~فاستدعاه إلى دمشق، وهو شيخ قد جاوز الثمانين «4» . قال العماد: «فلما جاء ~~مؤيد الدولة- يعنى أسامة- أنزله أرحب منزل، وأورده أعذب منهل، وملكه من ~~أعمال المعرة ضيعة زعم أنها كانت قديما تجرى فى أملاكه، وأعطاه بدمشق دارا ~~وإدرارا. وإذا كان- يعني السلطان صلاح الدين- بدمشق جالسه وآنسه، وذاكره فى ~~الأدب ودارسه، وكان ذا رأي وتجربة، وحنكة مهذبة، فهو يستشيره فى نوائبه، ~~ويستنير برأيه فى غياهبه. وإذا غاب عنه فى غزواته كاتبه، وأعلمه بواقعاته ~~ووقعاته، واستخرج رأيه فى كشف مهماته، وحل مشكلاته» «5» . # ومكث أسامة فى دمشق إلى أن مات بها ليلة الثلاثاء 23 رمضان سنة 584 # PageV00P000 # (نوفمبر سنة 1188) فعاش رحمه الله يوم/ 25 شهر/ 2 سنة/ 96 بالحساب ~~الهجري. # وأخباره رضي الله عنه كثيرة، وآثاره عظيمة. حكى منها كثيرا فى كتابه ~~(الاعتبار) . ### | ثناء العلماء عليه # وصفه الذهبى فى تاريخ الاسلام بأنه «أحد أبطال الاسلام، ورئيس الشعراء ~~الأعلام» . وقال ياقوت فى معجم الأدباء (2: 174) : «وفى بنى منقذ جماعة ~~أمراء شعراء، لكن أسامة أشعرهم وأشهرهم» . وقال العماد الأصبهانى الكاتب: # «وأسامة كاسمه، فى قوة نثره ونظمه، يلوح من كلامه أمارة الامارة، ويؤسس ~~بيت قريضه عمارة العبارة، حلو المجالسة، حالي المساجلة، ندي الندي بماء ~~الفكاهة، عالي النجم فى سماء النباهة، معتدل التصاريف، مطبوع التصانيف» . ~~«1» # وقال أيضا: «هذا مؤيد الدولة من الأمراء ms015 الفضلاء، والكرماء الكبراء، ~~والسادة القادة العظماء. وقد متعه الله بالعمر وطول البقاء. وهو من ~~المعدودين من شجعان الشام، وفرسان الاسلام. ولم تزل بنو منقذ ملاك شيزر، ~~وقد جمعوا السيادة والمفخر ... وكلهم من الأجواد الأمجاد. وما فيهم إلا ذو ~~فضل وبذل، وإحسان وعدل. وما منهم إلا من له نظم مطبوع، وشعر مصنوع، ومن له ~~قصيدة وله مقطوع. وهذا مؤيد الدولة أعرقهم فى الحسب، وأعرفهم بالأدب «2» » ~~. # وقال أيضا: وكنت قد طالعت مذيل السمعانى، ووجدته قد وصفه وقرظه، وأنشدني ~~العامري له بأصفهان من شعره ما حفظه، وكنت أتمنى أبدا لقياه، وأشيم على ~~البعد حياه، حتى لقيته فى صفر سنة 71- يعنى 571- بدمشق «3» » # PageV00P000 # وقال الحافظ ابن عساكر: «اجتمعت به دمشق وأنشدني قصائد من شعره سنة 558 ~~وقال لى أبو عبد الله محمد بن الحسن بن الملحي: إن الأمير مؤيد الدولة ~~أسامة شاعر أهل الدهر، مالك عنان النظم والنثر، متصرف فى معانيه، لاحق ~~بطبقة أبيه. ليس يستقصى وصفه بمعان، ولا يعبر عن شرحها بلسان. # فقصائده الطوال لا يفرق بينها وبين شعر ابن الوليد، ولا ينكر على منشدها ~~نسبتها إلى لبيد. وهى على طرف لسانه، بحسن بيانه، غير محتفل بطولها، ولا ~~يتعثر لفظه العالي فى شيء من فضولها وأما المقطعات فأحلى من الشهد، وألذ من ~~النوم بعد طول السهد، فى كل معنى غريب وشرح عجيب «1» » . # وقد سمع منه من الكبراء الأجلاء: الحافظ أبو سعد السمعانى عبد الكريم بن ~~محمد (506- 562) وهو صاحب كتاب الأنساب. والحافظ ابن عساكر، وهو أبو القاسم ~~علي بن الحسن (499- 571) صاحب تاريخ دمشق. # والعماد الكاتب الأصبهانى، واسمه محمد بن محمد بن حامد (519- 597) . # والحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي (541- 600) وغيرهم. ### | مؤلفاته # (1) (لباب الآداب) ، وهو هذا الكتاب الذى نقدمه للقراء، وألفه وهو ابن ~~إحدى وتسعين سنة، كما ذكر فى آخره، ولم يطبع قبل الآن (2) (الاعتبار) ، وهو ~~كتاب طريف فى سيرته وأحواله، وألفه وهو ابن تسعين سنة، كما نص على ذلك فيه ~~(ص 163) . وقد طبع مرتين: الأولى فى ليدن سنة 1884- 1886 باعتناء الأستاذ ~~هرتويغ در نبرغ. والثانية: ms016 فى مطبعة جامعة برنستون بالولايات المتحدة سنة ~~1930 باعتناء الأستاذ فيليب حتى، وهى # PageV00P000 # التى نشير إليها فى هذه الترجمة وفى تعليقاتنا على لباب الآداب. # (3) (البديع فى نقد الشعر) . وهو كتاب جمع فيه ما تفرق فى كتب العلماء ~~المتقدمين المصنفة فى نقد الشعر. كما قال فى مقدمته. وتوجد منه نسخة جيدة ~~فى مكتبة بلدية الاسكندرية برقم (1344 ب) وهى مكتوبة فى سنة 711 وأوراقها ~~129 ورقة. # (4) (التأسى والتسلى) أشار إليه فى لباب الآداب (ص 294 و 410) (5) (الشيب ~~والشباب) أشار إليه فى اللباب (ص 377) وذكر ياقوت أنه ألفه لأبيه. # (6) (النوم والأحلام) أشار إليه فى الاعتبار (ص 186) . # (7) (أزهار الأنهار) ذكره صاحب كشف الظنون. # (8) (التاريخ البدري) جمع فيه أسماء من شهد بدرا من الفريقين، ذكره ~~الذهبى «1» (9) (التجائر المربحة والمساعي المنجحة) ذكره صاحب كشف الظنون ~~(10) (كتاب القضاء) ذكره ياقوت. «2» # (11) (تاريخ القلاع والحصون) هذه الأربعة ذكرها الأستاذ فيليب حتى. # (12) (نصيحة الرعاة) هذه الأربعة ذكرها الأستاذ فيليب حتى. # (13) (أخبار النساء) هذه الأربعة ذكرها الأستاذ فيليب حتى. # (14) (كتاب المنازل والأديار) هذه الأربعة ذكرها الأستاذ فيليب حتى. # (15) (أخبار البلدان) فى مدة عمره. ذكره الذهبى. # (16) (ذيل يتيمة الدهر) ذكره ياقوت. وسماه الذهبى «ذيل خريدة # PageV00P000 # القصر للباخرزى» وهو خطأ فان كتاب الباخرزى اسمه «دمية القصر» وهو ذيل ~~اليتيمة. # (17) (ديوان شعره) ذكره ابن خلكان، وذكر أنه فى جزأين، وأنه رآه بخط ~~أسامة ونقل منه. # (18) (كتاب فى أخبار أهله) هكذا ذكر ياقوت، وقال إنه رآه. وذكر له كتابا ~~آخر باسم (كتاب تاريخ أيامه) ولم أذكره وحده، لأني أرجح أنه يريد به كتاب ~~(الاعتبار) . # ويظهر من كلام الأستاذ فيليب حتى أن بعض هذه الكتب يوجد مخطوطا فى بعض ~~مكاتب أوروبا. وإن أجدرها بالنشر ديوان شعره، فلعلنا نوفق إلى الحصول على ~~نسخة منه ثم إلى طبعه، إن شاء الله. ### | شىء من شعره # ذكر المؤلف بعض أشعاره فى هذا الكتاب (لباب الآداب) وهى فى الصفحات (47 و ~~184 و 195 و 202 و 203 و 225 و 226 و 380 و 418 و 429 و 451) ومجموعها ms017 42 ~~بيتا. # وقد نقل الذين ترجموا له كثيرا من شعره. وسنذكر بعضه: # قال فى قلع ضرسه (عن الخريدة وياقوت وابن خلكان وغيرهم) : # وصاحب لا أمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد # لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا ... لناظري افترقنا فرقة الأبد # ومن قديم شعره (عن الخريدة وياقوت والذهبى) : # قالوا: نهته الأربعون عن الصبى ... وأخو المشيب يحور ثمت يهتدي # كم حار فى ليل الشباب فدله ... صبح المشيب على الطريق الأقصد # PageV00P000 # وإذا عددت سي ثم نقصتها ... زمن الهموم فتلك ساعة مولدي # ومن قديم شعره (عن الخريدة وياقوت) : # لم يبق لي في هواكم أرب ... سلوتكم والقلوب تنقلب # أوضحتم لي سبل السلو وقد ... كانت لي الطرق عنه تنشعب # الام دمعي من هجركم سرب ... قان، وقلبي من غدركم يجب؟ # إن كان هذا لأن تعبدني ... الحب فقد أعتقتني الريب # أحببتكم فوق ما توهمه ... الناس وخنتم أضعاف ما حسبوا # وسأله العماد: هل لك معنى مبتكر فى الشيب؟ فأنشده (عن الخريدة وياقوت) : # لو كان صد معاتبا ومغاضبا ... أرضيته وتركت خدي شائبا # لكن رأى تلك النضارة قد ذوت ... لما غدا ماء الشبيبة ناضبا # ورأى النهى بعد الغواية صاحبي ... فثنى العنان يريغ غيري صاحبا # وأبيه ما ظلم المشيب فانه ... أملى، فقلت: عساه عني راغبا # أنا كالدجى لما تناهى عمره ... نشرت له أيدي الصباح ذوائبا # ونقل ابن خلكان من (ديوانه بخطه) قوله: # لا تستعر جلدا على هجرانهم ... فقواك تضعف من صدود دائم # واعلم بأنك إن رجعت اليهم ... طوعا، وإلا عدت عودة راغم # ونقل منه أيضا فى ابن طليب المصرى وقد احترقت داره: # أنظر الى الأيام كيف تسوقنا ... قسرا الى الإقرار بالاقدار # ما أوقد ابن طليب قط بداره ... نارا، وكان خرائها بالنار # PageV00P000 # ونقل منه أيضا أبياتا كتبها الى أبيه «مرشد» جوابا عن أبيات كتبها أبوه ~~اليه، وهى: # وما أشكو تلون أهل ودي ... ولو أجدت شكيتهم شكوت # مللت عتابهم ويئست منهم ... فما أرجوهم فيمن رجوت # اذا أدمت قوارضهم فؤادي ... كظمت على أذاهم وانطويت # ورحت عليهم طلق المحيا ... كأني ما سمعت ولا رأيت ms018 # تجنوا لى ذنوبا ما جنتها ... يداي ولا أمرت ولا نهيت # ولا والله ما ضمرت غدرا ... كما قد أظهروه ولا نويت # ويوم الحشر موعدنا وتبدو ... صحيفة ما جنوه وما جنيت # قال ابن خلكان: «وله بيتان فى هذا الروي والوزن، كتبهما فى صدر كتاب الى ~~بعض أهل بيته، فى غاية الرقة والحسن، وهما» : # شكا ألم الفراق الناس قبلي ... وروع بالنوى حي وميت # وأما مثل ما ضمت ضلوعي ... فإني ما سمعت ولا رأيت # وقال في محبوس (عن الخريدة وياقوت) : # حبسوك والطير النواطق إنما ... حبست لميزتها على الأنداد # وتهيبوك وأنت مودع سجنهم ... وكذا السيوف تهاب في الأغماد # ما الحبس دار مهانة لذوي العلى ... لكنه كالغيل للآساد # وقال فى الشمعة (عن الخريدة وياقوت) : # انظر الى حسن صبر الشمع يظهر لل ... رائين نورا وفيه النار تستعر # كذا الكريم تراه ضاحكا جذلا ... وقلبه بدخيل الغم منفطر # PageV00P000 # وقال أيضا (عن الخريدة) : # لأرمين بنفسي كل مهلكة ... مخفوفة يتحاماها ذوو الباس # حتى أصادف حتفي فهو أجمل بي ... من الخمول، وأستغني عن الناس # وقال أيضا (عن الخريدة وياقوت) : # نافقت دهري فوجهي ضاحك جذل ... طلق، وقلبي كئيب مكمد باك # وراحة القلب فى الشكوى ولذتها ... لو أمكنت- لا تساوي ذلة الشاكي # وقال من قديم شعره (عن الخريدة وياقوت) : # لئن غض دهري من جماحي أوثني ... عناني أو زلت بإخمصي النعل # تظاهر قوم بالشمات جهالة ... وكم إحنة فى الصدر أبرزها الجهل # وهل أنا إلا السيف فلل حده ... قراع الأعادي ثم أرهفه الصقل # قال أسامة فى الاعتبار (ص 160- 161) : «ولم أدر أن الكبر عام، يعدي كل من ~~أغفله الحمام. فلما توقلت ذروة التسعين، وأبلانى مر الأيام والسنين، صرت ~~كجواد العلاف، لا الجواد المتلاف، ولصقت من الضعف بالأرض، ودخل من الكبر ~~بعضي في بعض، حتى أنكرت نفسي، وتحسرت على أمسي، وقلت في وصف حالي: # لما بلغت من الحياة الى مدى ... قد كنت أهواه تمنيت الردى # لم يبق طول العمر منى منة ... ألقى بها صرف الزمان اذا اعتدى # ضعفت قواي وخانني الثقتان من ... بصري وسمعي حين شارفت المدى # فاذا نهضت ms019 حسبت أبى حامل ... حملا، وأمشي إن مشيت مقيدا # PageV00P000 # وأدب في كفي العصا وعهدتها ... فى الحرب تحمل أسمرا ومهندا # وأبيت فى لين المهاد مسهدا ... قلقا كأنني افترشت الجلمدا # والمرء ينكس فى الحياة، وبينما ... بلغ الكمال وتم عاد كما بدا # وأنا القائل بمصر، أذم من العيش الراحة والدعة، وما كان أعجل تقضيه ~~وأسرعه! «1» : # أنظر إلى صرف دهري كيف عودني ... بعد المشيب سوى عاداتي الأول # وفى تغاير صرف الدهر معتبر ... وأي حال على الأيام لم تحل # قد كنت مسعر حرب كلما خمدت ... أذكيتها باقتداح البيض فى القلل # همي منازلة الأقران أحسبهم ... فرائسي، فهم مني على وجل # أمضى على الهول من ليل، وأهجم من ... سيل، وأقدم في الهيجاء من أجل # فصرت كالغادة المكسال مضجعها ... على الحشايا وراء السجف والكلل # قد كدت أعفن من طول الثواء كما ... يصدي المهند طول اللبث فى الخلل # أروح بعد دروع الحرب في حلل ... من الدبيقي، فبؤسا لى وللحلل # وما الرفاهة من رامي ولا أربي ... ولا التنعم من شاني ولا شغلي # ولست أرضى بلوغ المجد في رفه ... ولا العلى دون حطم البيض والأسل # وكنت أظن أن الزمان لا يبلى جديده، ولا يهي شديده، وأني إذا عدت إلى ~~الشأم وجدت به أيامي كعهدي، ما غيرها الزمان بعدي. فلما عدت كذبتني وعود ~~المطامع، وكان ذلك الظن كالسراب اللامع. اللهم غفرا: هذه جملة اعتراضية ~~عرضت، ونفثة هم أقضت ثم انقضت» . # PageV00P000 # وقال يمدح السلطان صلاح الدين الأيوبي بعد اجتماعه به فى دمشق سنة 570 ~~(عن الروضتين 1: 264) : # حمدت على طول عمري المشيبا ... وإن كنت أكثرت فيه الذنوبا # لأني حييت إلى أن لقيت ... بعد العدو صديقا حبيبا # وفى هذا القدر كفاية الآن، وقد كنت إذ شرعت فى ترجمته بدالى أن أستوعب ~~أحواله وأحوال أسرته، وأستقصي ما أجده من شعره ومناسباته، ولكني وجدت مجال ~~القول ذا سعة، وأن المقام يضيق بهذا التوسع فى مقدمة كتاب، فعزمت على إفراد ~~ذلك فى جزء خاص. وأسأل الله سبحانه أن يوفقني لاتمامه ونشره، إنه سميع ~~الدعاء. # كتبه أبو الاشبال احمد محمد ms020 شاكر # PageV00P000 ### $ 1- باب الوصايا # بسم الله الرحمن الرحيم # الوصية وصيتان: وصية الأحياء للأحياء- وهي أدب وأمر بمعروف ونهي عن منكر، ~~وتحذير من زلل، وتبصرة بصالح عمل ووصية الأموات للأحياء، عند الموت- بحق ~~يجب عليهم أدآؤه، ودين يجب عليهم قضآؤه. # وقد أمرنا بالوصية بذلك عند الموت في الكتاب العزيز، والأخبار المروية عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تبارك وتعالى [في سورة البقرة] : ~~كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ~~بالمعروف حقا على المتقين [180] فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين ~~يبدلونه إن الله سميع عليم [181] ) # وأخبرني الشيخ الصالح أبو الحسن علي بن سالم بن الأعز علي السنبسي رحمه ~~الله بثغر شيزر في سنة تسع وتسعين وأربع مائة، قال: حدثني الشيخ أبو صالح ~~محمد بن المهذب بن علي بن المهذب بن أبي حامد رحمه الله بمعرة النعمان في ~~منزله، [قال: حدثني] جدي أبو الحسين علي بن المهذب رحمه الله، قال: # حدثنا جدي أبو حامد محمد بن همام، قال: حدثنا محمد بن سليم القرشي، قال: # PageV01P001 # 1. حدثنا إبراهيم بن هدبة «1» عن انس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن امرأتين أتتا «2» النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيما يرى النائم: واحدة عليها ثياب خضر، والأخرى عليها ثياب صفر. ~~واحدة تتكلم، والأخرى لا تتكلم، كلتاهما من أهل الجنة؛ قال: تتكلمين وهذه ~~لا تتكلم؟ قالت: أنا إذ مت أوصيت، وهذه ماتت بغير وصية، فهي لا تتكلم الى ~~يوم القيامة» فالوصية مندوب إليها، مأمور بها. وسأورد في هذا الكتاب ما ~~يحضرني منها في اختصار؛ وأفتتحه بشيء مما ورد في الكتاب العزيز من ذلك، ثم ~~ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أفيض في سوى ذلك ### | فمما ورد في الكتاب العزيز # قول الله عز وجل في سورة النساء- والوصية من الله تبارك وتعالى أمر-: # يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلام لست مؤمنا، تبتغون عرض ms021 الحياة الدنيا، فعند الله مغانم كثيرة، ~~كذلك كنتم من قبل، فمن الله عليكم فتبينوا، إن الله كان بما تعملون خبيرا ~~[94] ) # ومنها [سورة النساء] : ولله ما في السماوات وما في الأرض؛ ولقد وصينا ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله، وإن تكفروا فإن لله ما ~~في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا [13] # ومن سورة الأنعام: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم # PageV01P002 # حتى يخوضوا في حديث غيره، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع ~~القوم الظالمين [68] # ومنها [سورة الأنعام] : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله ~~عدوا بغير علم؛ كذلك زينا لكل أمة عملهم، ثم إلى ربهم مرجعهم، فينبئهم بما ~~كانوا يعملون [108] # ومنها [سورة الأنعام] : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به ~~شيئا، وبالوالدين إحسانا، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق، نحن نرزقكم وإياهم؛ ~~ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق؛ ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون [151] ولا تقربوا مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا نكلف نفسا ~~إلا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى، وبعهد الله أوفوا؛ ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تذكرون [152] وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله؛ ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون [153] # ومن سورة بني إسرائيل «1» : أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن ~~الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهودا [78] ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا [79] وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ~~واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا [80] وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل ~~كان زهوقا [81] # PageV01P003 # ومن سورة الكهف: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا [23] إلا أن يشاء الله، ~~واذكر ربك إذا نسيت، وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا [24] # . ومنها: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا ~~تعد عيناك ms022 عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا [28] وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر، إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها، وإن يستغيثوا يغاثوا ~~بماء كالمهل يشوي الوجوه، بئس الشراب وساءت مرتفقا [29] # ومن سورة طه: فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى [130] ولا تمدن عينيك ~~إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير ~~وأبقى [131] وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا، نحن نرزقك ~~والعاقبة للتقوى [132] # ومن سورة العنكبوت: ووصينا الإنسان بوالديه حسنا، وإن جاهداك لتشرك بي ما ~~ليس لك به علم فلا تطعهما؛ إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون [8] # ومن سورة لقمان: ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن، وفصاله ~~في عامين؛ أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير [14] # PageV01P004 ### | ومن الأحاديث في ذلك # عن عبد الله بن عمر رضوان الله عليهما «1» قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إن الله عند لسان كل قائل، فليتق الله عبد، ولينظر ما يقول» ~~روى: «أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أوصني؛ ~~قال: عليك باليأس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع، فإنه فقر حاضر؛ وإذا ~~صليت فصل صلاة مودع؛ وإياك وما يعتذر منه» وعن إسمعيل بن عمر «2» قال: سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوصي رجلا فقال: «أقلل من الدين تعش حرا، وأقلل ~~من الذنوب يهن عليك الموت، وانظر في أي نصاب تصير «3» ولدك، فإن العرق دساس ~~«4» » وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوصاني ربي جل وعز بتسع، وأنا ~~أوصيكم بهن: # أوصاني بالسر والعلانية، وأن أعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من ~~قطعني، وان يكون صمتي فكرا، ونطقي ذكرا، ونظري عبرا «5» » روى أبو القاسم ~~الزجاجي عن حرملة بن عبد الله «6» قال: «ارتحلت # PageV01P005 # الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزداد من العلم، فجئت ms023 حتى قمت بين ~~يديه، فقلت: # يا رسول الله، ما تأمرني أن أعمل به؟ فقال: يا حرملة، إيت المعروف، ~~واجتنب المنكر، وانظر إلى الذي تحب أن يقوله القوم من الخير إذا قمت من ~~عندهم فأته، وانظر إلى الذي تكره أن يقوله القوم من الشر إذا قمت من عندهم ~~فاجتنبه. قال حرملة: فلما قمت من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرت، ~~فاذاهما أمران لم يتركا شيئا من إتيان المعروف واجتناب المنكر» قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «أوصيكم بثلاث، وأنهاكم عن ثلاث: أوصيكم بالذكر، ~~فان الله تعالى يقول: فاذكروني «1» أذكركم # [البقرة: 152] ؛ وأوصيكم بالشكر، فان الله تعالى يقول: لئن «2» شكرتم ~~لأزيدنكم # [إبراهيم: 7] ؛ وأوصيكم بالدعاء، فان الله تعالى يقول: ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60] ؛ وأنهاكم عن البغي، فان الله تعالى يقول: إنما بغيكم على ~~أنفسكم # [يونس: 23] ؛ وأنهاكم عن المكر، فإن الله تعالى يقول: ولا يحيق المكر ~~السيئ إلا بأهله # [فاطر: 43] ؛ وأنهاكم عن النكث، فإن الله جل جلاله يقول: فمن «3» نكث ~~فإنما ينكث على نفسه # [الفتح: 10] » . # وقال عيسى ابن مريم صلى الله عليه لأصحابه: «إذا اتخذكم الناس رؤوسا ~~فكونوا أذنابا» . # وقال عليه السلام: «يا معشر الحواريين، تحببوا إلى الله تعالى ببغض أهل ~~المعاصي، وتقربوا إليه بالبعد منهم، والتمسوا رضاه بسخطهم» . # 8* عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال «4» : «قدم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المدينة # PageV01P006 # وأنا ابن ثماني سنين، فانطلقت بي أمي إليه، فقالت: يا رسول الله، إنه ليس ~~أحد من الأنصار إلا وقد أتحفك بهدية، وإني لم أجد شيئا أتحفك به غير ابني ~~هذا، فأحب أن أتحفك به، وتقبله مني، يخدمك ما بدا لك. قال أنس رضي الله ~~عنه: فخدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين؛ فما ضربني ضربة، ولا ~~سبني سبة قط، ولا انتهرني قط، ولا عبس في وجهي قط. وقال: يا بني، اكتم سري ~~تكن مؤمنا. قال: فكانت أمى تألنى عن الشيء من سر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلا أخبرها به؛ وإن كانت أزواج رسول ms024 الله صلى الله عليه وسلم- ورحمة ~~الله عليهن- يسألنى عن سر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أخبرهن به؛ وما ~~أنا بمخبر بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا حتى أموت. قال: وقال لي: ~~يا بني، عليك بإسباغ الوضوء يزد في عمرك ويحبك حافظا. يا بني، بالغ في غسلك ~~من الجنابة، فإنك تخرج من مغتسلك وليس عليك ذنب ولا خطية. قلت يا رسول ~~الله، وما المبالغة في الغسل؟ # قال: أن تبل أصول الشعر وتنقى البشر. يا نبى، كن إن استطعت أن تكون «1» ~~على وضوء فافعل، فإنه من أتاه ملك الموت وهو على وضوء أعطي الشهادة. يا ~~بني، إن استطعت أن لا تزال تصلي «2» فإن الملائكة تصلي عليك ما دمت تصلي. ~~يا بني، إياك والالتفات في الصلاة «3» فإنه هلكة. يا بني إذا ركعت فارفع ~~يديك عن جنبيك، وضع كفيك على ركبتيك. يا بني، إذا رفعت رأسك من السجود ~~فأسكن كل عضو موضعه، فإن الله عز وجل لا ينظر يوم القيامة إلى من لا يقيم ~~صلبه في ركوعه. يا بني، إذا قعدت بين السجدتين فابسط ظهري قدميك على الأرض، ~~وضع أليتيك على عقبيك، فإن ذلك من سنتي # PageV01P007 # ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة. لا تقع كما يقعي ~~«1» الكلب، ولا تنقر كما ينقر الديك. يا بني، إذا خرجت من منزلك فلا يقعن ~~بصرك على أحد من أهل القبلة إلا سلمت عليه، فإنك ترجع وقد زيد فى حسناتك. ~~يا بني، إن استطعت أن تمسي وتصبح وليس في قلبك غش لأحد فافعل، فإنه أهون ~~عليك في الحساب. يا بني، إن حفظت وصيتي فلا يكونن شيء أحب إليك من الموت» ~~وعن أسامة بن زيد رحمهما الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ~~كرهت أن يراه الناس منك، فلا تعمله إذا خلوت» . # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «من الكبائر أن يشتم الرجل والديه. قالوا: وهل يشتم الرجل ms025 ~~والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه «2» » قيل: ~~مر عيسى بن مريم صلى الله عليه على قوم يبكون على ذنوبهم فقال: # «دعوها يغفر «3» لكم» 11* وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بيدي وقال: # «يا أبا هريرة، اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن ~~أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ~~وإياك وكثرة الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب «4» » . # PageV01P008 # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره. قالوا: يا رسول الله، وما حق ~~الجار على الجار؟ قال: إن سألك فأعطه، وإن استعانك فأعنه، وإن استقرضك ~~فأقرضه، وإن دعاك فأجبه، وإن مرض فعده، وإن مات فشيعه، وإن أصابته مصيبة ~~فعزه، ولا تؤذه بقتار «1» قدرك إلا أن تغرف له منها، ولا ترفع عليه البناء ~~لتسد عليه الريح إلا بإذنه» عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «جاء رجل ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أوصني. قال: عليك بتقوى ~~الله، فإنه جماع كل خير، وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية الاسلام؛ وعليك بذكر ~~الله وتلاوة القرآن، فإنه نور في الأرض وذكر لك في السماء؛ واخزن لسانك إلا ~~من خير، فإنه بذاك تغلب الشيطان «2» » وعن أبي أمية، قال: سألنا أبا ثعلبة ~~الخشني رحمه الله، فقلنا: كيف نصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: يا أيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم # [المائدة: 105] ؛ فقال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا. سألت عنها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: «نعم؛ ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر؛ ~~حتى إذا رأيتم شحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرا ~~لا يدان لك به، فعليك بنفسك، ودع أمر العوام، فإن من ورائكم أياما، الصابر ~~«3» فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن # PageV01P009 # كأجر خمسين ms026 رجلا يعملون مثل عمله «1» » وعن عبد العزيز «2» قال: أوحى ~~الله سبحانه إلى داود عليه السلام: # «يا داوود، اصبر على المؤونة، تأتك المعونة» وعن أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا ~~رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات ~~الغافلات المؤمنات «3» » . # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال، قال موسى عليه السلام: «يا رب، أي عبادك ~~أغنى؟ قال: الراضي بما أعطيته. قال: فأي عبادك أحب إليك؟ # قال: أكثرهم لي ذكرا. قال: يا رب، فأي عبادك أحكم؟ قال: الذي يحكم على ~~نفسه بما يحكم على الناس» وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه: «أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن مشى معه أكثر من ميل يوصيه قال: يا ~~معاذ، أوصيك بتقوى الله العظيم، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، ~~وحفظ الجار، وخفض الجناح، ولين الكلام، ورحمة اليتيم، والتفقه في القرآن، ~~وحب الآخرة. يا معاذ، لا تفسد أرضا، ولا تشتم مسلما، ولا تصدق كاذبا، ولا ~~تعص إماما عادلا. يا معاذ، أوصيك بذكر الله عند كل شجر وحجر، وأن تحدث لكل ~~ذنب توبة: # السر بالسر، والعلانية بالعلانية. يا معاذ، إني أحب لك ما أحب لنفسي، ~~وأكره لك ما أكره لنفسي. يا معاذ، إني لو أعلم أنا لو نلتقي لقصرت لك من # PageV01P010 # الوصية، ولكني لا أرانا «1» نلتقي إلى يوم القيامة. يا معاذ، إن أحبكم ~~إلي من لقيني يوم القيامة على مثل الحالة التي فارقني عليها» قال أبو موسى ~~العطار: حدثني رجل قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت: # يا رسول الله، أوصني. فقال: من اعتدل يوماه «2» فهو مغبون، ومن كان غده ~~شرا من يومه، فهو ملعون، ومن لم يتفقد النقصان من نفسه فهو في نقصان، ~~فالموت خير له» عن عقبة بن أبي الصهباء قال: لما ضرب ابن ملجم- لعنة الله- ~~أمير المؤمنين علي ms027 بن أبي طالب رضوان الله عليه دخل عليه الحسن رضوان الله ~~عليه- وهو باك- فقال: ما يبكيك يا بني؟ قال: وما لي لا أبكي، وأنت في أول ~~يوم من الآخرة وآخر يوم من الدنيا؟! قال: يا بني، احفظ عني أربعا وأربعا، ~~لا يضرك ما عملت معهن. قال: وما هن يا أبه؟ قال: «أغنى الغنى العقل، وأكبر ~~الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الحسب حسن الخلق» . قال: يا أبه ~~هذه الأربع فأعطني الأربع. قال: «يا بني، إياك ومصادقة الكذاب؛ فإنه يقرب ~~عليك البعيد «3» ، ويبعد عليك القريب. وإياك ومصادقة الأحمق؛ فإنه يريد أن ~~ينفعك فيضرك. وإياك ومصادقة البخيل؛ فإنه يعقد عنك أحوج ما تكون إليه. ~~وإياك ومصادقة الفاجر، فإنه يبيعك «4» بالتافه «5» » # PageV01P011 # وقال محمد بن علي «1» رضوان الله عليهما لابنه: يا بني، لا تكسل، فإنك إن ~~كسلت لم تؤد حقا؛ ولا تضجر، فإنك إن ضجرت لم تصبر على حق؛ ولا تمتنع من حق، ~~فإنه ما من عبد يمتنع من حق إلا فتح الله عليه باب باطل فأنفق فيه أمثاله. # قال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: «من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من ~~أساء به الظن؛ ومن كتم سره كانت الخيرة بيده. وضع أمر أخيك على أحسنه حتى ~~يأتيك ما يغلبك عليه. ولا تظنن بكلمة خرجت من امرىء مسلم شرا وأنت تجد لها ~~في الخير مخرجا «2» ؛ وعليك بإخوان الصدق فكس «3» في اكتسابهم، فإنهم زينة ~~في الرخاء، عدة في البلاء. ولا تهاون في الحلف بالله فيهينك. وعليك بالصدق ~~ولو قتلك، ولا تعتز إلى من لا يغنيك «4» ؛ واعتزل عدوك؛ واحذر صديقك إلا ~~الأمين: والأمين من خشي الله تعالى. ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا ~~تطلعه على سرك فيفضحك. وتخشع عند القبور؛ وآخ الإخوان على قدر التقوى؛ ولا ~~تستعن على حاجتك من لا يحب نجاحها لك؛ وشاور في أمرك الذين يخافون الله عز ~~وجل» ومن عجيب الوصايا ما روي عن قتادة قال: أخبرني محمد بن ثابت بن قيس ~~ابن شماس الأنصاري رحمه الله، قال: «كان ثابت بن ms028 قيس رجلا «5» جهير # PageV01P012 # الصوت، يحب الجمال والشرف، وكان قومه قد عرفوه بذلك. فلما أنزل الله ~~تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم إن الله لا يحب كل مختال فخور # [لقمان: 18] انصرف ثابت بن قيس بن شماس رحمه الله من عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو ينتحب؛ فدخل بيته وأغلق عليه وطفق يبكي، ففقده رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فسأل عنه بشير بن سعد رحمه الله فأخبره خبره. فأرسل إليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن أمره، فقال: أنزل الله تعالى عليك إن ~~الله لا يحب كل مختال فخور # وأنا أحب الجمال، وأحب أن أسود قومي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إنك لست منهم. إنك تعيش بخير، وتموت بخير وتدخل الجنة. فلما قال ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خرج من بيته، وسر بما قاله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. فلما أنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم ~~فوق صوت النبي # [الحجرات: 2] «1» رجع ثابت ابن قيس بن شماس رحمه الله إلى بيته ينتحب؛ ~~فدخل بيته وأغلق عليه. فافتقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنه أبا ~~مسعود الأنصاري «2» رحمه الله فأخبره خبره. فأرسل إليه رسول الله عليه صلى ~~الله عليه وسلم فسأله، فقال: إن الله عز وجل أنزل عليك يا أيها الذين آمنوا ~~لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي # وأنا جهير الصوت، فأخاف أن يكون قد حبط عملي. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: لست منهم، إنك تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، ويدخلك الله الجنة. ~~فكان ثابت رحمه الله يتوقع الشهادة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلم يرزقها. فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب، وبعث أبو ~~بكر الصديق- رضوان الله عليه- خالد بن الوليد # PageV01P013 # رضي الله عنه إلى اليمامة «1» ، انتدب «2» ثابت بن قيس بن شماس، فعقد له ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه لواء على الأنصار رضي الله عنهم. ثم سار مع ~~خالد إلى أهل ms029 الردة، فشهد وقعة طليحة بن خويلد «3» وأصحابه، ثم شهد ~~اليمامة، فلما رأى انكشاف المسلمين، قال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة رضي ~~الله عنهم: # ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحفرا لأنفسهما ~~حفرتين وقاما فيهما «4» - مع سالم مولى أبي حذيفة راية المهاجرين، ومع ثابت ~~بن قيس راية الأنصار- حتى قتلا رضي الله عنهما، وعلى ثابت درع له نفيسة ~~كانت لآبائه، فمر به رجل من الضاحية «5» فأخذها عنه، وهو قتيل رحمه الله، ~~فأري بلال بن رباح- رحمه الله- ثابت بن قيس يقول له في منامه: إني أوصيك ~~بوصية، فإياك ان تقول هذا حلم فتضيعها. إني لما قتلت بالأمس جاء رجل من ~~ضاحية نجد، وعلي درعي فأخذها، فأتى بها منزله فأكفأ عليها برمة، وجعل على ~~البرمة رحلا، وخباؤه في أقصى العسكر، إلى جانب خبائه فرس يستن في طوله «6» ~~. فأت خالد بن الوليد فخبره، فليبعث إلى درعي فليأخذها، وإذا قدمت على ~~خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن علي من الدين كذا، ولي من ~~الدين كذا؛ وسعد ومبارك غلاماي حران: فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه. فلما ~~أصبح بلال رحمه الله أتى خالدا رحمه الله فخبره الخبر؛ فبعث خالد نفرا إلى ~~الدرع فوجدوها كما قال، فلما قدم بلال رحمه الله المدينة، أتى أبا بكر ~~الصديق رضوان الله عليه فأخبره # PageV01P014 # بوصية ثابت بن قيس بن شماس رحمه الله فأجازها. فلا نعلم أحدا من المسلمين ~~أجيزت وصيته بعد موته على هذا الوجه إلا ثابت بن قيس بن شماس رحمه الله» ~~«1» . # عن الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال لي أبي: إني أرى أمير ~~المؤمنين- يعني عمر بن الخطاب رضوان الله عليه- يدنيك دون أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فاحفظ عني ثلاثا: لا يجربن عليك كذبا، ولا تغتابن عنده ~~أحدا، ولا تفشين له سرا. قال: فقلت: يا أبا عباس «2» كل واحدة خير من ألف ~~دينار، قال: كل واحدة منهن خير من عشرة آلاف دينار «3» . # قال عبد الله بن الحسن بن الحسين «4» رضوان ms030 الله عليهم لابنه محمد رضي ~~الله عنه: يا بني، احذر مشهورة الجاهل وإن كان ناصحا، كما تحذر العاقل إذا ~~كان عدوا؛ فيوشك أن يورطك الجاهل بمشورته في بعض اغتراره «5» ، فيسبق إليك ~~مكروه فكر العاقل. وإياك ومعاداة الرجال، فإنها لن تعديك مكر حليم أو ~~مفاجأة جاهل. # كتب إلى عبد الله بن الحسن رضي الله عنهما صديق له: أوصيك بتقوى الله عز ~~وجل، فإنه جعل لمن اتقاه من عباده المخرج مما يكره، والرزق من حيث لا ~~يحتسب. # دخل كعب الأحبار يوما على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، ~~فأمره بالجلوس إلى جانبه، فتنحى «6» كعب قليلا، فقال له عمر: ما منعك من # PageV01P015 # الجلوس إلى جانبي؟ قال: يا أمير المؤمنين، وجدت في حكمة لقمان مما أوصى ~~به ابنه أن قال له: يا بني، إذا قعدت إلى ذي سلطان فليكن بينك وبينه مقعد ~~رجل، فلعله أن يأتيه من هو آثر عنده منك، فيريد أن تنحى «1» له عن مجلسك، ~~فيكون ذلك نقصا عليك وشينا. # قال المدائني: قال زيد بن علي رضي الله عنهما لأصحابه: أوصيكم بتقوى ~~الله، فإن الموصي «2» بها لم يدخر نصيحة، ولم يقصر في الإبلاغ. فاتقوا الله ~~في الأمر الذي لا يفوتكم منه شيء وإن جهلتموه؛ وأجملوا في الطلب، ولا ~~تستعينوا بنعم الله على معاصيه. وتفكروا وأبصروا: هل لكم قبل خالقكم من عمل ~~صالح قدمتموه فشكره لكم؟ فبذلك جعلكم لله تعالى أهل الكتاب والسنة، وفضلكم ~~على أديان آبائكم. ألم يستخرجكم نطفا من أصلاب قوم كانوا كافرين، حتى بثكم ~~في حجور أهل التوحيد، وبث من سواكم في حجور أهل الشرك؟ فبأي سوابق أعمالكم ~~طهركم؟ إلا بمنه وفضله الذي يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. # كان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول لأصحابه: لا تكلفوا «3» من أمور الناس ~~ما لم تكلفوا «4» ، ولا تحاسبوهم دون ربهم تعالى. ابن آدم، عليك نفسك: فإنه ~~من يكثر تتبع الناس لما يرى في أيديهم يطل حزنه، ويكثر فكره، ولا يشفى «5» ~~غيظه. # قال معاذ بن جبل رضي الله عنه ms031 في وصيته: إنه لا بد لك من نصيبك من ~~الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج. فابدأ بنصيبك من الآخرة فخذه، فإنه ~~سيمر على نصيبك من الدنيا فينتظمه انتظاما، ويزول «6» معك حيث مازلت. # PageV01P016 # عن الأحنف بن قيس رحمه الله قال، قال لي عمر رضوان الله عليه: يا أحنف، ~~من كثر ضحكه قلت هيبته، ومن مزح استخف به، [ومن أكثر من شيء عرف به، ومن ~~كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ~~ورعه مات قلبه] «1» # لا تله عن أمر وهى منه جانب ... فيتبعه في الوهي- لا شك- سائره # إذا طرف من حبلك انحل صدره ... تداعت وشيكا بانحلال مرائره «2» # وقال آخر «3» : # اقض الحوائج ما استطعت، وكن لهم أخيك فارج فلخير أيام الفتى يوم قضى فيه ~~الحوائج كتب بعض الحكماء إلى أخ له: أما بعد، فاجعل القنوع ذخرا تبلغ به ~~إلى أن يفتح باب يحسن بك الدخول فيه؛ فإن الثقة من القانع لن تخذل، وعون ~~الله سبحانه مع ذي الأناة. وما أقرب الصنع من الملهوف! وربما كان الفقر ~~نوعا من آداب الله عز وجل، وخيرة في العواقب. والحظوظ مراتب. فلا تعجل على ~~ثمرة لم تدرك، فإنك تدركها في أوانها عذبة. والمدبر لك أعلم بالوقت الذي ~~تصلح فيه لما توصل [به] «4» ؛ فثق بخيرته لك في الأمور كلها. # وقال المهلب بن أبي صفرة رحمه الله لولده: إذا سمع أحدكم العوراء ~~فليتطأطأ لها تخطه. # PageV01P017 # قال أبو حازم رحمه الله: رأيت الدنيا شيئين: لي ولغيري: فما كان لغيري ~~فلا سبيل إليه، وما كان لي فلو جهدت لم أقدر عليه قبل وقته. ففيم أتعب ~~نفسي؟ # قال المدائني: لقي رجل راهبا فقال له: يا راهب، كيف ترى الدهر؟ قال. # يخلق الأبدان، ويجدد الآمال، ويقرب المنية. قال: فما حال أهله؟ قال: # من ظفر به تعب، ومن فاته نصب. قال: فما المغني؟ قال: قطع الرجاء. قال: # فأي الأصحاب آثر وأوفى؟ قال: العمل الصالح والتقوى. قال: فأيهم أضر ~~وأردى؟ قال: النفس والهوى. قال: فأين المخرج؟ ms032 قال: سلوك المنهج. قال: # وما هو؟ قال: ترك الراحة وبذل المجهود. قال: أوصني، قال: قد فعلت «1» عن ~~الشعبي قال: قلت لابن هبيرة: عليك بالتؤدة فإنك على رد ما لم تفعل أقدر منك ~~على رد ما فعلت. # عن العتبي، قال: حدثني بعض علماء الفرس أن أردشير قال لابنه: يا بني، إن ~~الملك والدين أخوان، ولا غنى بأحدهما عن صاحبه، ولا قوام له إلا به. # الدين أس، والملك حارس؛ فما لم يكن له أس فمهدوم، وما لم يكن له حارس ~~فضائع. يا بني، اجعل مرتبتك «2» مع أهل المراتب، وعطيتك لأهل الجهاد، وبشرك ~~لأهل الدين، وسرك لمن يعنيه ما عناك من أهل العقل «3» . # وعن سعد بن عبد العزيز رحمه الله «4» قال: من أحسن فليرج الثواب، ومن ~~أساء فلا يستنكر الجزاء، ومن أخذ عزا بغير حق أورثه الله تعالى ذلا بحق، ~~ومن جمع مالا بظلم أورثه الله فقرا بغير ظلم. # PageV01P018 # ووصى حكيم ابنه فقال: يا بني، إن المدبر لا يوفق لطرق المراشد. فإياك ~~وصحبة المدبر؛ فإنك إن صحبته علق بك إدباره، وإن تركته بعد صحبتك إياه ~~تتبعت نفسك آثاره. # وقال الحكيم: من التوفيق حفظ التجربة. # وقال بعض العلماء: صن عفتك بالحلم، ومروءتك بالعفاف، ونجدتك «1» بمجانبة ~~الخيلاء، وجهدك بالإجمال في الطلب. # كتب حكيم إلى حكيم: من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن نظر في ~~العواقب نجا، ومن أطاع هواه ضل، ومن لم يحلم ندم، ومن صبر غنيم، ومن خاف ~~رحم، ومن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم. # قال أنو شروان لابنه: يا بني، إن من أخلاق الملوك العز والأنفة. وإنك ~~ستبلى بمداراة أقوام، وإن سفه السفيه ربما تطلع «2» منه فإن كافأته بالسفه ~~فكأنك رضيت بما أتى. فاجتنب أن تحتذي على مثاله، فإن كان سفهه عندك مذموما ~~فحقق ذمك إياه بترك معارضته بمثله. # عن عطاه بن مسلم الخفاف قال، قال لي سفيان رضي الله عنه «3» : يا عطاء، ~~احذر الناس، وأنا فاحذر بي. فلو خالفت رجلا في رمانة، قال: حامضة، وقلت: ~~حلوة؛ أو ms033 قال «4» : حلوة، وقلت: حامضة-: لخشيت أن يشيط بدمي. «5» # أوصى رجل ابنه فقال: إن وصيتي مع وصية الله عز وجل لهجنة، وإن # PageV01P019 # في التذكرة ليقظة، وعود الخير محمود. وأنا أسترعي لك- بعد وفاتي- الذي ~~أحسن إليك في حياتي. تحر في كل أمرك طاعة الله تنجك، وإياك والأخرى فتردك ~~«1» . وابذل لجلة الناس إكرامك تنصرف إليك أبصارهم، وابذل لسائرهم بشرك يطب ~~ذكرك في أفواههم. وأصلح بكل الأدب «2» لسانك، واستعمل في إصلاحها بدنك؛ فإن ~~الأدب أول مدلول به على عقلك. # وأوصى بعض الحكماء بنيه فقال: أصلحوا ألسنتكم، فإن الرجل تنوبه النائبة ~~فيستعير من أخيه ثوبه، ومن صديقه دابته، ولا يجد من يعيره لسانه. # قال الصولي: كاتبت أبا حنيفة رحمه الله «3» فأغفلت التاريخ، فكتب إلي. # وصل كتابك مبهم الأوان، مظلم البيان، فأدى خبرا ما القرب فيه بأولى من ~~البعد منه. فإذا كتبت- أعزك الله- فلتكن كتبك موسومة بالتاريخ، لأعرف أدنى ~~آثارك وأقرب أخبارك قال أبو العيناء: سمعت الحسن بن سهل يقول: من أحب ~~الازدياد من النعم فليشكر، ومن أحب المنزلة عند السلطان فليعظه، ومن أحب ~~بقاء عزه فليتواضع، ومن أحب السلامة فليدم الحذر. # قال لقمان لابنه: إياك وصاحب السوء، فإنه كالسيف المسلول: يعجب منظره، ~~ويقبح أثره، ولا يهونن عليك من قبح منظره ورث لباسه، فإن الله تعالى إنما ~~ينظر إلى القلوب ويجازي بالأعمال. # PageV01P020 # كان قس بن ساعدة يفد على قيصر ويزوره، فقال له: يا قس، ما أفضل العقل؟ ~~قال: معرفة المرء بنفسه. قال: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف المرء عند علمه ~~قال: فما أفضل المروءة؟ «1» قال: استبقاء الرجل ماء وجهه. قال: فما أفضل ~~المال؟ قال ما قضي به الحق «2» . # لما حضرت أبا بكر الصديق- رضوان الله عليه- الوفاة دعا عثمان بن عفان، ~~رضوان الله عليه، وقال: اكتب. # بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة، في آخر عهده ~~بالدنيا خارجا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها؛ حيث يؤمن الكافر، ~~ويوقن الفاجر، ويصدق الشاك المكذب: إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب ~~فاسمعوا له وأطيعوا، فإني لم ms034 آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا. فإن ~~عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرىء ما اكتسب، والخير أردت، ولا ~~يعلم الغيب إلا الله وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون # [الشعراء: 227] والسلام عليكم ورحمة الله. «3» # روي أن عمر- رضوان الله عليه- أوصى ابنه عبد الله عند الموت، فقال: عليك ~~بخصال الإيمان. قال: وما هن يا أبه؟ قال: الصوم في شدة أيام الصيف، وقتال ~~الأعداء بالسيف، والصبر على المصيبة، وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي، ~~وتعجيل الصلاة في يوم الغيم، وترك ردغة الخبال «4» . قال [فقال] : وما ردغة ~~الخبال؟ قال: شرب الخمر ### | ..... # «5» وقال: إذا قبضت فغمضني، واقتصد # PageV01P021 # في الكفن، ولا تخرجن معي امرأة، ولا تزكوني بما ليس في، فإن الله تعالى ~~[هو] أعلم بي. وأسرعوا بي في المشي، فإنه إن كان لي عند الله خير قدمتموني ~~إلى ما هو خير لي، وإن كنت على غير ذلك كنتم قد ألقيتم عن رقابكم شرا ~~[تحملونه] . # لما حضرت عبد الله بن شداد الوفاة دعا ابنه محمدا فقال له «1» : يا بني، ~~أرى داعي الموت لا يقلع، ومن مضى منا لا يرجع، ومن بقي فإليه ينزع، وليس ~~أحد عليه بممتنع «2» ؛ وإني أوصيك- يا بني- بوصية [فاحفظها] : # عليك بتقوى الله [العظيم] ، وليكن أولى الأمور بك الشكر لله «3» وحسن ~~النية «4» في السر والعلانية. واعلم بأن الشاكر مزاد «5» ، والتقوى خبر ~~زاد. # وكن- يا بني- كما قال [الحطيئة] : # ولست أرى السعادة جمع مال، ... ولكن التقي هو السعيد # وتقوى الله خير الزاد ذخرا، ... وعند الله للأتقى مزيد # وما لا بد أن يأتي قريب ... ولكن الذي يمضي بعيد # ثم قال: يا بني، لا تزهدن في معروف؛ فإن الدهر ذو صروف، والأيام ذات ~~نوائب، على الشاهد والغائب. فكم «6» من راغب كان مرغوبا إليه، وطالب قد ~~أصبح «7» مطلوبا مالديه. واعلم بأن «8» الزمان ذو ألوان، ومن يصحب الزمان ~~يرى «9» الهوان. وكن كما قال أخو بني الدئل «10» [أبو الأسود الدؤلى] : # PageV01P022 # وعدد «1» من الرحمن فضلا ونعمة ... عليك، إذا ما جاء للخير «2» طالب # وإن امرأ «3» لا يرتجى الخير عنده ... يكن هينا ثقلا على ms035 من يصاحب # فلا تمنعن ذا حاجة جاء طالبا؛ ... فإنك لا تدري متى أنت راغب # رأيت تصاريف الزمان بأهله «4» ... وبينهم فيه تكون النوائب # ثم قال: يا بني، كن جوادا بالمال في مواضع الحق، بخيلا بالأسرار عن جميع ~~الخلق؛ فإن أحمد جود الحر «5» الإنفاق في وجوه «6» البر؛ [وإن أحمد بخل ~~الحر] ، الضن بمكتوم السر «7» ، وكن- يا بني- كما قال [قيس بن] الخطيم ~~[الأنصاري] : # أجود بمضنون التلاد وإنني ... بسرك «8» عمن سالني لضنين # إذا جاوز الاثنين سر، فإنه ... بنث «9» وتكثير الحديث قمين # وإن ضيع الإخوان «10» سرا فإنني ... كتوم لأسرار العشير «11» أمين «12» # وعندي له يوما إذا ما ائتمنته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين # ثم قال: يا بني، وإن غلبت يوما عن المال فلا تدع الحيلة بكل مكان «13» ؛ ~~فإن الكريم محتال، واللئيم مغتال «14» . وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالا-: # أقل ما تكون في الباطن مالا. واعلم أن الكريم من كرمت عند الحاجة # PageV01P023 # طبيعته [وظهرت عند الإنفاد نعمته] وكن كما قال الشاعر [ابن خذاق العبدي] ~~: # [وجدت أبي قد أورثه أبوه ... خلالا قد تعد من المعالي] # فأكرم «1» ما تكون علي نفسي ... إذا ما قل في الأزمات مالي # [فتحسن سيرتي، وأصون عرضي ... ويجمل عند أهل الرأي حالي] # فإن نلت الغنى لم أغل فيه ... ولم أخصص بجفوتي الموالي # ثم قال: يا بني، وإن سمعت كلمة من حاسد، فكن كأنك لست بالشاهد، [فإنك] إن ~~«2» أمضيتها حيالها «3» ، وقع العيب على من قالها. وقد كان يقال: إن الأريب ~~العاقل هو الفطن المتغافل. وكن كما قال حاتم الطائي: # وما من شيمتي شتم ابن عمي ... وما أنا مخلف من يرتجيني # وكلمة حاسد من غير جرم ... سمعت، فقلت: مري فانفذيني # فعابوها علي ولم تعبني ... ولم يعرق لها يوما جبيني # وذو اللونين «4» يلقاني طليقا ... وليس «5» إذا تغيب يأتليني «6» # بصرت بعيبه فكففت عنه «7» ... محافظة على حسبي وديني # ثم قال: يا بني، لا تواخ أخا حتى تعاشره وتعرف أمره، وتتفقد موارده ~~ومصادره؛ فإذا استطبت العشرة، ورضيت الخبرة، فآخه «8» على إقالة العثرة، ~~والمواساة في العشرة «9» . وكن- يا بني- كما قال [المقنع] الكندي: # PageV01P024 # أبل الرجال ms036 إذا أردت إخاءهم ... وتوسمن فعالهم «1» وتفقد # فإذا «2» ظفرت بذي الأمانة والتقى ... فبه اليدين- قرير عين- فاشدد # وإذا رأيت «3» - ولا محالة- زلة ... فعلى أخيك بفضل حلمك فاردد # ثم قال: يا بني، وإذا أحببت حبيبا فلا تفرط، وإذا أبغضت بغيضا فلا تشطط، ~~فإنه قد قال أمير المؤمنين رضوان الله عليه «4» : # «أحبب حبيبك هو ناما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما. وأبغض بغيضك هونا ما، ~~عسى أن يكون حبيبك يوما ما «5» » . وكن كما قال الشاعر [هدبة بن الخشرم ~~العذري] : # وكن معقلا للخير، واصفح عن الخنى «6» ... فإنك راء- ما حييت «7» - وسامع # وأحبب- إذا أحببت- حبا مقاربا ... فإنك لا تدري متى أنت نازع # وأبغض- إذا أبغضت- بغضا مقاربا ... فإنك لا تدري متى الود «8» راجع # وعليك- يا بني- بصحبة الأخيار وصدق الحديث، وإياك وصحبة الأشرار [فإنه ~~عار] . وكن كما قال الدارمي: # صاحب «9» الأخيار وارغب فيهم ... رب من صاحبته مثل الجرب # [ودع الناس فلا تشتمهم، ... وإذا شاتمت، فاشتم ذا حسب # إن من شاتم وغدا كالذي ... يشتري الصفر بأعيان الذهب] # PageV01P025 # وأصدق الناس إذا حدثتهم ... ومدع الكذب فمن شاء كذب «1» # رب مهزول سمين عرضه ... وسمين الجسم مهزول الحسب # ثم قال: يا بني، وإذا آخيت فآخ من يعد لنوائب الزمان. وعليك بذوي الألباب ~~الذين ثقفتهم «2» الآداب، ووثقتهم الأحساب، فإنهم أطيب مختبر، وأكرم محتضر، ~~وأعذب معتصر. واحذر إخاء كل جهول، وصحبة كل عجول؛ فإنه لا يغفر الزلة، وإن ~~عرف العلة، سريع «3» غضبه، عال لهبه، إن سأل ألحف، وإن وعد أخلف، يرى ما ~~يعطيك غرما، وما يأخذ منك غنما «4» ؛ فهو يرضيك، ما طمع فيك؛ فإذا يئس من ~~خيرك، مال إلى غيرك. # وفي مثله يقول الشاعر «5» : # لا تواخ- الدهر- جبسا راضعا ... ملهب «6» الشر، قليل المنفعه # ما ينل منك فأحلى مغنم ... ويرى ظرفا به أن يمنعه «7» # يسأل الناس ولا يعطيهم ... ثكلته أمه، وما أطمعه «8» ! # ثم قال: يا بني، من عتب على الزمان، وتتبع عثرات الإخوان، قطعه صديقه، ~~ومله رفيقه، واحتماه الأهلون، وظفر به الشامتون، ومن سار في البلاد ثمر ~~المراد. وطالب «9» الكفاف- بالقناعة والعفاف-: يعيش حميدا، ويموت فقيدا. ~~وقد قال النابغة «10» : # PageV01P026 # إذا المرء لم يطلب «1» معاشا لنفسه ms037 ... شكا الفقر، أو لام «2» الصديق ~~فأكثرا # وصار على الأدنين كلا، وأوشكت ... صلات ذوي القربى له أن تنكرا # فسر في بلاد الله والتمس الغنى، ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا # وما طالب الحاجات في كل وجهة «3» ... من الناس، إلا من أجد وشمرا «4» # ولا ترض «5» من عيش بدون، ولا تنم ... وكيف ينام الليل من بات معسرا «6» ~~؟ # ثم قال: وليكن إخوانك وأهل بطانتك أولي الدين والعفاف، والمروءات ~~والأخلاق الجميلة؛ فإني رأيت إخوان المرء يده التي يبطش «7» بها، ولسانه ~~الذي يصول به، وجناحه الذي ينهض به. فاصحب هؤلاء تجدهم إخوانا، وعلى الخير ~~أعوانا. واجتنب الصغار الأخطار، اللئام الأقدار، الذين لا يحامون على حسب، ~~ولا يرجعون إلى نسب، ولا يصبرون على نائبة، ولا ينظرون في عاقبة؛ فإنهم إن ~~رأوك في رخاء سألوك، وإن رأوك في شدة أسلموك؛ ولعلهم أن يكونوا عليك مع بعض ~~الأعداء. # واعلم بأن الرجل بلا خدين، كذي الشمال بلا يمين. واخلط نفسك مع الأبرار، ~~وطهرها من الفجار، فالمرء يعرف بقرينه. وقد قال الشاعر «8» : # وقارن- إذا قارنت- حرا، فإنما ... يزين ويزري بالفتى قرناؤه # PageV01P027 # ولن يهلك الانسان إلا إذا أتى ... من الأمر [ما لم يرضه نصحاؤه] «1» # إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ... ولا خير في وجه إذا قل ماؤه # ثم قال: يا بني، قد جمعت لك مصالح نفسك، فاستفتح الله بمسامع عقلك؛ وتفهم ~~ما وصفت لك بالتجارب، تحز «2» صلاح العواقب. # واعلم أن من حاسب نفسه تورع، ومن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب نجا، ~~ومن اعتبر أبصر، ومن فهم علم؛ وفي التواني تكون الهلكة، وفي التأني ~~السلامة. وزارع البر يحصد السرور. والقليل مع القناعة في القصد، خير من ~~الكثير مع السرف في المذلة. والتقوى نجاة، والطاعة ملك؛ وحليف الصدق موفق، ~~وصاحب الكذب مخذول؛ وصديق الجاهل تعب، ونديم العاقل مغتبط. فإذا جهلت فسل، ~~وإذا ندمت فأقلع، وإذا غضبت فأمسك. ومن لاقاك بالبشر فقد أدى إليك الصنيعة، ~~ومن أقرضك الثناء فاقضه الفضل. # وضع- يا بني- الصنائع عند الكرام ذوي الأحساب، ولا تضعن معروفك عند ~~اللئام فتضيعه، فإن الكريم يشكرك ms038 ويرصدك بالمكافأة، وإن اللئيم يحسب ذلك ~~حتما، ويؤول أمرك معه إلى المذلة. وقد قال الشاعر: # إذا أوليت معروفا لئيما ... فعدك قد قتلت له قتيلا # فعد- من ذاك- معتدرا إليه ... وقل: «إني أتيتك مستقيلا # فإن تغفر فمجترم عظيم ... وإن عاقبت لم تظلم فتيلا» # وإن أوليت ذلك ذا وفاء ... فقد أودعته شكرا طويلا # PageV01P028 # لما حضرت المهلب بن أبي صفرة رحمه الله الوفاة، قال لولده وأهله: أوصيكم ~~بتقوى الله، وصلة الرحم: فإن تقوى الله تعقب الجنة؛ وإن صلة الرحم تنسىء ~~الأجل، وتثري المال، وتجمع الشمل، وتكثر العدد وتعمر الديار، وتعز الجانب. # وأنهاكم عن معصية الله تعالى، فإن معصية الله تعقب النار؛ وإن قطيعة ~~الرحم تورث الذلة والقلة، وتقل العدد، وتفرق الجمع، وتذر الديار بلاقع، ~~وتذهب المال، وتطمع العدو، وتبدي العورة. # يا بني، قومك قومك: إنه ليس لكم فضل عليهم، بل هم أفضل منكم، إذ فضلوكم ~~وسودوكم، أوطؤا أعقابكم، وبلغوا حاجتكم فيما أردتم وأعانوكم؛ فإن طلبوا ~~فأطلبوهم، وإن سألوا فأعطوهم، وإن لم يسلوا فابتدئوهم، وإن شتموا ~~فاحتملوهم، وإن غشوا أبوابكم فلتفتح لهم ولا تغلق دونهم. # يا بني، إني أحب للرجل منكم أن يكون لفعله الفضل على لسانه، وأكره للرجل ~~منكم أن يكون للسانه الفضل على فعله. # يا بني، اتقوا الجواب، وزلة اللسان: فإني وجدت الرجل تعثر قدمه فيقوم من ~~زلته وينتعش منها سويا، ويزل لسانه فيوبقه ويكون فيه هلكته. # يا بني، إذا غدا عليكم رجل وراح فكفى بذلك مسألة وتذكرة بنفسه. # يا بني، ثيابكم على غيركم أجمل منها عليكم، ودوابكم تحت غيركم أجمل منها ~~تحتكم. # يا بني، أحبوا المعروف، وأنكروا المنكر واجتنبوه؛ وآثروا الجود على ~~البخل؛ واصطنعوا العرب وأكرموهم، فإن العربي تعده العدة فيموت دونك، # PageV01P029 # ويشكر لك، فكيف بالصنيعة إذا وصلت إليه في احتماله لها وشكره، والوفاء ~~منه لصاحبها؟ # يا بني، سودوا أكابركم، واعرفوا فضل ذوي أسنانكم؛ وارحموا صغيركم وقربوه ~~وألطفوه، وأجبروا يتيمكم وعودوا عليه بما قدرتم؛ ثم خذوا على أيدي سفهائكم، ~~وتعاهدوا فقراءكم وجيرانكم بما قدرتم عليه؛ واصبروا للحقوق ونوائب الدهور؛ ~~واحذروا عار غد؛ وعليكم ms039 في الحرب بالأناة والتؤدة في اللقاء، وعليكم ~~بالتماس الخديعة في الحرب لعدوكم؛ وإياكم والنزق والعجلة، فإن المكيدة ~~والأناة والخديعة أنفع من الشجاعة والشدة. # واعلموا أن القتال والمكيدة مع الصبر، فإذا كان اللقاء، نزل القضاء ~~المبرم. # فإن ظفر المرء وقد أخذ بالحزم قال القائل: قد أتى الأمر من وجهه؛ وإن لم ~~يظفر قال: ما ضيع ولا فرط، ولكن القضاء غالب. # يا بني، الزموا الحزم على أي الحالين وقع الأمر؛ والزموا الطاعة ~~والجماعة؛ وتواصلوا وتوازروا وتعاطفوا، فإن ذلك يثبت المودة، وتحابوا؛ ~~وخذوا بما أوصيكم به بالجد والقوة، والقيام به والتعهد له، وترك الغفلة ~~عنه، تظفروا بدنياكم ما كنتم فيها، وآخرتكم إذا صرتم إليها، ولا قوة إلا ~~بالله. # يا بني، وليكن أول ما تبدؤن «1» به أنفسكم إذا أصبحتم تعلم «2» القرآن ~~والسنن، وأداء الفرائض؛ وتأدبوا بأدب الصالحين من قبلكم من سلفكم؛ ولا ~~تقاعدوا أهل الدعارة «3» والريبة، ولا تخالطوهم، ولا يطمعن في ذلك منكم. # وإياكم والخفة في مجالسكم وكثرة الكلام، فإنه لا يسلم منه صاحبه. وأدوا ~~حق الله # PageV01P030 # تعالى عليكم؛ فإني قد أبلغت إليكم في وصيتي، واتخذت الله حجة عليكم. # وتوفي بمرو الروذ بعد ولاية خراسان أربع سنين. وفيه يقول نهار بن توسعة ~~[التميمي] : # ألا ذهب الغزو المقرب للغنى ... ومات الندى والجود بعد المهلب # أقاما بمرو الروذ رهن ترابه «1» ... وقد غيبا عن كل شرق ومغرب # قال الشاعر من وصية عبد الملك بن مروان لبنيه: # انفوا الضغائن والتخاذل عنكم ... عند البعيد، وفي الحضور الشهد # بصلاح ذات البين طول بقائكم ... إن مد في عمري وإن لم يمدد # فلمثل ريب الدهر ألفة بينكم ... بتواصل وتراحم وتودد # وانفوا الضغائن والتخاذل عنكم ... بتكرم وتوسع وتغمد «2» # حتى تلين جلودكم وقلوبكم ... لمسود منكم وغير مسود # إن القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو بطش شديد أيد «3» -: # عزت فلم تكسر؛ وإن هي بددت ... فالوهن والتكسير للمتبدد # وقال آخر: # وادن ليدنو منك من كان نائيا ... وشب منك بعض اللين والبذل في العدم # تنل بارتجاء القوم والخوف طاعة ... فتوصف في التدبير بالحزم والعزم # وقال آخر: # نظيرك ms040 لا تظهر عليه تطاولا ... فتملأ ضغنا صدره بالتطاول # PageV01P031 # ولكن له لن، وارع- إن كنت راعيا- ... له الحق وارمم حاله بالنوافل «1» # وقال آخر: # ولا تهدمن بنيان من قد وجدته ... بنى «2» لك بنيانا، وكن أنت بانيا # وقال آخر: # ولا تأمنن الدهر حرا وترته «3» ... ولا تحسبنه ليله «4» عنك نائما # PageV01P032 ### $ 2- باب السياسة ### | مما ورد فى الكتاب العزيز # من سورة آل عمران: فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب ~~لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل ~~على الله، إن الله يحب المتوكلين [159] # ومن سورة حم السجدة: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال: ~~إنني من المسلمين [33] ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي أحسن، ~~فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم [34] وما يلقاها إلا الذين ~~صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم [35] وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله، إنه هو السميع العليم [36] . # ومن سورة حم عسق: فلذلك فادع، واستقم كما أمرت، ولا تتبع أهواءهم، وقل ~~آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأمرت لأعدل بينكم، الله ربنا وربكم، لنا ~~أعمالنا ولكم أعمالكم، لا حجة بيننا وبينكم، الله يجمع بيننا، وإليه المصير ~~[15] . # ومن سورة المزمل: واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا [8] رب المشرق والمغرب ~~لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا [9] واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا ~~[10] . # PageV01P033 ### | ومن الأحاديث # 18* عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«يوم من إمام عدل خير من عبادة ستين سنة، وحد يقام في الأرض بحقه أزكى من ~~مطر أربعين صباحا «1» » . # 19* وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ~~رفق بأمتي رفق الله تعالى به، ومن شق على أمتي شق الله عليه «2» » . # 20* وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما ~~من الناس أعظم أجرا من وزير صالح مع سلطان يأمره بذات الله فيطيعه» . # 21* وعن أبي رجاء العطاردي رحمه الله قال: ms041 سمعت أبا بكر الصديق رضي الله ~~عنه وهو على المنبر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الوالي ~~العادل المتواضع ظل الله عز وجل في أرضه، فمن نصحه في نفسه وفي عباد الله ~~حشره الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومن غشه في نفسه وفي عباد الله خذ له ~~الله يوم القيامة. ويرفع للوالي العادل المتواضع في كل يوم وليلة عمل ستين ~~صديقا كلهم عابد مجتهد في نفسه» . # 22* وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # «إن أحب الناس إلى الله عز وجل وأقربهم منه مجلسا-: الإمام العادل «3» » ~~. # PageV01P034 # وعن أبي هريرة رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في ~~الجنة درجة* 23 لا ينالها إلا ثلاثة: إمام عادل، وذو رحم وصول، وذو عيال ~~صبور. # فقال علي رضوان الله عليه: وما صبر ذي العيال؟ قال: لا يمن على أهله بما ~~أنفق عليهم» . # وعن أبي هريرة رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ~~هريرة، * 24 عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة، قيام ليلها وصيام نهارها. يا ~~أبا هريرة، جور ساعة في حكم أشد وأعظم عند الله من معاصي ستين سنة «1» » . # وعن عبد الله بن مغفل رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إن الله* 25 رفيق يحب الرفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف «2» » وقال ~~زياد بن أبيه: جمال الولاية شدة في غير إفراط، وأيمن في غير إهمال. # وقال معاوية رحمه الله لعمرو بن سعيد: ما بين أن تملك الملك رعيته وبين ~~أن يملكها إلا الحزم والتواني. # وعن المدائني قال: قال الوليد بن عبد الملك لأبيه: يا أبه، ما السياسة؟ ~~قال: # هيبة الخاصة مع صدق محبتها، واقتياد قلوب العامة بالإنصاف لها، واحتمال ~~هفوات الصنائع فإن شكرها أقرب للأيدي منها «3» . # PageV01P035 # وقالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: من أراد الله به خيرا جعل الله ~~له وزير صدق صالحا؛ ms042 إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه «1» . # عهد بعض الملوك إلى وصية فقال: كن بالحق عمولا قؤولا، وعما جهلت سؤولا، ~~وافحص عن الأمور تنجل «2» ، واستبطن «3» أهل التقوى وذوي الأحساب، تزن نفسك ~~وتحكم أمرك. وإياك وقبول التزكية فيما لا تشك أنك فيه مكذوب، فإنها خدعة ~~تتبعها صرعة. ولا تختص بسرك إلا من يكتمه، ولا تول أمرك إلا من يهمه، ولا ~~تثق برجل تتهمه، ولا تعود لسانك الخنا وكثرة التألي «4» ، ولا تكلف نفسك ~~مالا تقوى عليه، وإذا هممت بخير فعجله، وإذا هممت بخلافه فتأن فيه، وارحم ~~ترحم. # وعهد آخر إلى وصية فقال: اتق من فوقك، يتقك من تحتك؛ وكما تحب أن يفعل بك ~~فافعل برعيتك، وانظر كل حسن فالزمه واستكثر من مثله، وكل قبيح فارفضه؛ ~~وبالنصحاء يستبين «5» لك ذلك، وخيرهم أهل الدين وأهل النظر في العواقب. ولا ~~تستنصح غاشا، ولا تستغش ناصحا؛ فربما غش العاقل إذا وتر أو حرم أو كان ضعيف ~~الورع. ولكل طبقة مهنة، وكل ذي علم بأمر فهو أولى به. وإنما رأيت آفة ~~الملوك في ثلاثة أمور، فاحسم عنك واحدا وأحكم اثنين-: # اتباع الهوى، وتولية من لا يستحق، وطي أمور الرعية عن الراعي، فإنك إن ~~ملكت هواك لم تعمل إلا بالحق، وإن وليت المستحق كان عونا لك على ما يجب، ~~ولم تضع الأمور على يديه. وإذا تناهت إليك الأمور # PageV01P036 # من أمور الرعية على حقائقها، عاش الوضيع، وحذر الرفيع، وأمسك الظلوم، ~~وأمن المظلوم. # قال كسرى: إني ضبطت ملكي بأني لم أهزل في أمر ولا نهي قط؛ وأعطيت للغناء ~~لا للرضى «1» ، وعاقبت للأدب لا للغضب، وصدقتهم الوعد والوعيد، وعممت ~~بالعدل والإنصاف، وكففت يدي عن دمائهم وأموالهم إلا بحقها. # وغضب كسرى على رجل من أصحابه فأمر بحبسه وقطع ما كان جاريا عليه، فقال له ~~بزرجمهر: إن الملوك تؤدب بالهجران، ولا تعاقب بالحرمان. # لما قدم محمد بن عبد الله بن خالد أذربيجان- أميرا عليها- جاء قوم إلى ~~كاتبه، فقالوا له: هاهنا أموال قد أخفيت، وحقوق قد بطلت. فكتب الكاتب بذلك ~~رقعة إلى الأمير، فأجابه الأمير في ms043 ظهرها: أجر الناس على دواوينهم، وما صح ~~من قوانينهم، واعلم أني ما وردت الناحية لإحياء الرسوم الردية، والاستماع ~~من سقاط «2» الرعية، فلا تركن إلى الفضول، وتدع الذي توجبه العقول، فإنما ~~هي أيام تمضي، ومدة تنقضي؛ فإما ذكر جميل، وإما خزى طويل. وإياك وقول جرير: # وكنت إذا نزلت بدار قوم ... رحلت بخزية وتركت عارا «3» # واعمل على أن يكون الدعاء لنا لا علينا. # وقع بعض العمال إلى كسرى قباذ في أنطاكية: للملك، جماعة قد فسدت نياتهم، ~~وخبثت ضمائرهم، وقد هموا بما لم يفعلوا، وهم غير مأمونين على المملكة؛ # PageV01P037 # وهم: فلان وفلان وفلان، فإن رأى الملك أن يعاجلهم فعل. فوقع في رقعته: # إنما أملك الأجساد لا النيات، وأحكم بالعدل لا بالرضى، وأفحص عن الأعمال ~~لا عن السرائر. # روي أن الموبذ سمع ضحك الخدم في مجلس أنو شروان، فقال له: أما تمنع هؤلاء ~~الغلمان؟ فقال له أنو شروان: إنما يهابنا أعداؤنا. # أوصى الاسكندر صاحب جيش له، فقال: حبب إلى العدو الهرب. قال: # نعم. قال: فكيف تصنع؟ قال: إن ثبتوا جددت في قتالهم، وإذا انهزموا لم ~~أطلبهم. قال: أصبت. # وقال قتيبة بن مسلم: ملاك السلطان الشدة على المريب، والإغضاء عن المحسن، ~~ولين القول لأهل الفضل. # قال ابن الكلبي: بلغني أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ~~سأل كبيرا من كبراء فارس: أي ملوككم أحمد عندكم؟ فقال: لأردشير فضيلة السبق ~~في المملكة، غير أن أحمدهم سيرة أنوشروان. قال: فأي أخلاقه كان أغلب عليه؟ ~~قال: الحلم والأناة؛ فقال علي رضوان الله عليه: هما توأم «1» ينتجهما علو ~~الهمة. # وقالت أم جبغويه ملك «2» طخارستان لنصر بن سيار: ينبغي للأمير # PageV01P038 # أن يكون له ستة أشياء: وزير يثق به ويفضي إليه بسره، وحصن يلجأ إليه، إذا ~~فزع أنجاه، تعني فرسا جوادا، وسيف إذا نازل به الأقران لم يخف أن يخونه، ~~وذخيرة خفيفة المحمل إذا نابته نائبة حملها، وامرأة إذا دخل عليها أذهبت ~~همه، وطباخ إذا لم يشته الطعام صنع له شيئا يشتهيه. # وقال بزرجمهر: عاملوا أحرار الناس بصفو ms044 المودة، وعاملوا العامة بالرغبة ~~والرهبة، وعاملوا السفلة بالمخافة صراحا «1» . # وقال بعض ملوك الفرس لحكيم من حكمائهم: أي الملوك أحزم؟ قال: # من ملك جده هزله، وقهر لبه هواه، وأعرب عن ضميره فعله، ولم يخدعه رضاه عن ~~حظه، ولا غضبه عن كيده. # وقيل لملك قد زال عنه ملكه: ما الذي سلبك ما كنت فيه؟ قال: دفع عمل يوم ~~إلى غد، والتماس عذر بتضييع عمل. # وكتب بعض الحكماء إلى ملك زمانه: لا تستكفين في مهامك مخدوعا عن عقله. ~~والمخدوع عن عقله من بلغ به قدر لا يستحقه، وأثيب ثوابا لا يستوجبه. # كتب بعض ملوك العجم إلى بعض حكمائهم: إن الحكماء قد أكثروا في وصف خلال ~~أسباب الفتن، فاكتب إلي بما ينشئها ويميتها، فكتب إليه: # تنشئها ضغائن، وتنتجها أثرة وأطماع لم يقمعها ذعر، وجرأة عامة ولدها ~~استخفاف بخاصة، وأكدها انبساط الألسن بضمائر القلوب، وإشفاق موسر، وأمل ~~معسر، وغفلة متلذذ، ويقظة محروم. ويميتها ذل مسلوب وعز # PageV01P039 # سالب، ودرك بعيد وموت أمل، وذهاب ذعر وتمني رغب. فكتب إليه: الذي وصفت ~~كما وصفت. فأي الامور أدفع لما ذكرت؟ فكتب إليه: # أخذ العدة لما تخاف حلوله، وإيثار الجد حتى تبيد الهزل، والعمل بالعدل في ~~الغضب والرضا. # قال المدائني: لما ولي زياد بن أبيه صعد المنبر بعد صلاة الظهر، فحمد ~~الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني رأيت خلالا ثلاثا نبذت إليكم ~~فيها بالنصيحة: رأيت إعظام ذي الشرف، وإجلال ذي العلم، وتوقير ذوي الأسنان، ~~وإني أعاهد الله لا يأتيني شريف بوضيع لم يعرف له شرفه- على ضعته-: إلا ~~عاقبته، ولا يأتيني عالم بجاهل لاحاه «1» في علمه ليهجنه عليه-: إلا عاقبته ~~«2» ، فإنما الناس بأعلامهم وذوي أسنانهم. ثم تمثل: # تهدى الأمور «3» بأهل الرأي ما صلحت ... فإن تولت فبالأشرار تنقاد # لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا # قال أبو الحسن المدائني: أوفد زياد بن أبيه عبيد بن كعب النميري إلى ~~معاوية، فقال له معاوية: أخبرني عن زياد؟ قال: يستعمل على الخير والأمانة، ~~دون الهوى، ويعاقب على قدر ms045 الذنب، ويسمر فيستحزم «4» بحديث الليل # PageV01P040 # تدبير النهار. قال: أحسن «1» . فكيف يعمل في حقوق الناس؟ قال: يأخذ ماله ~~عفوا. قال: فكيف عطاياه؟ يمنع حتى يبخل، ويعطي حتى يقال جواد. قال: أحسن ~~«2» . إن البذل رضيع العدل. فكيف الشفاعة عنده؟ قال: # ليس فيها مطمع، وما فعل من خير فلك وله. # عن المدائني قال: لما هلك معاوية، وملك ابنه يزيد، أتته بنو أمية، فأظهر ~~لهم يقظة وتفقدا لأمور الرعية، حتى بلغ خسيسها، فأعجبهم ما رأوا منه، وظهر ~~على ألسن العامة حزمه، فقال لهم عبد الملك بن مروان: ما رأيتم منه؟ فقال ~~أحدهم: # أنساني معاوية. فقال: وأي أموره أنساكم معاوية؟ فقال: من تفقده أمور ~~الرعية ما كان أغفله معاوية. قال: إن معاوية لم يكن يغفل من الأمور مهما؛ ~~فهل يتفقد خسيسها؟ قال: نعم. قال: أزرى بالمهم، لأنه إذا استكفى بالخسيس لم ~~تفرغ نفسه للمهم. # وقالت الحكماء: إن الملوك حقيقون باختيار الأعوان فيما يهتمون به من ~~أعمالهم وأمورهم، من غير ان يكرهوا على ذلك أحدا، فان المكره لا يستطيع ~~المبالغة في العمل. # وقالوا: ينبغي للملك أن يجتنب السكر، لأنه حارس المملكة، ومن القبيح أن ~~يحتاج الحارس إلى من يحرسه! وقالوا: إن السلطان إذا كان حارسا «3» ووزراؤه ~~وزراء سوء منعوا خيره من الناس، فلم يجتر «4» عليه أحد ولم يدن منه، وإنما ~~مثله في ذلك كالماء الصافي # PageV01P041 # الطيب الذي فيه التماسيح فلا يستطيع أحد- وإن كان سابحا وكان إلى الماء ~~محتاجا-: # أن يدخله، وإنما حلية الملوك وزينتهم أصحابهم: إن يكثروا ويصلحوا. # قالوا: ويجب على الملوك تعاهد عمالهم، والتفقد لأمورهم، حتى لا يخفى ~~عليهم إحسان محسن، ولا إساءة مسيء. ثم عليهم بعد ذلك أن لا يتركوا محسنا ~~بغير جزآء، ولا يقروا مسيئا ولا عاجزا على العجز والإساءة، فإنهم إن صنعوا ~~ذلك، تهاون المحسن، واجترأ المسيء، وفسد الأمر، وضاع العمل. # وقالوا: ينبغي للملك أن يحصن دون المتهم أسراره وأموره، ولا يدنيه من ~~مواضع أسراره، ولا من ماء الحوض الذي يعد لغسله، ولا من فرشه ودثاره، ولا ~~من كسوته، ولا من مراكبه، ms046 ولا من سلاحه، ولا من طعامه وشرابه، ولا من دهنه ~~وطيبه. # وقالوا: إن اللئيم الجاهل لا يزال باصحا حتى يرفع إلى المنزلة التي ليس ~~لها بأهل، فإذا بلغها التمس ما فوقها بالغش والخيانة؛ وإن اللئيم لا يخدم ~~السلطان وينصح له إلا عن فرق أو حاجة، فإذا أمن وذهبت الحاجة عاد إلى ~~جوهره، كذنب الكلب الذي يربط ليستقيم، فلا يزال مستقيما ما دام مربوطا، ~~فاذا حل عاد إلى أصله فانحنى. # وقالوا: إنما يؤتى السلطان من قبل ست خلال: الحرمان، والفتنة، والهوى ~~والفظاظة، والزمان، والخرق. فأما الحرمان فأن يحرم من الأعوان والنصحاء ~~والساسة «1» أهل الرأي والنجدة والأمانة، أو يقصد «2» بعض من هو كذلك # PageV01P042 # منهم. وأما الفتنة فتحزب الناس ووقوع الحرب بينهم. وأما الهوى فالإغرام ~~«1» بالنساء والدعة والشراب، أو بالصيد وما أشبه ذلك. وأما الفظاظة فإفراط ~~الشدة حتى ينبسط اللسان بالشتم، واليد بالبطش في غير موضعهما. وأما الزمان ~~فهو ما يصيب الناس من السنين والموتان «2» ونقص الثمرات والغرق وأشباه ذلك. # وأما الخرق فإعمال الشدة في موضع اللين، واللين في موضع الشدة. # وقالوا: إن الملوك إذا وكلوا إلى غيرهم ما ينبغي لهم مباشرته بأنفسهم ~~ضاعت أمورهم ودعوا الفساد إلى أنفسهم. # وقالوا: إذا ضيع الملك الفرصة، وترفع عن الحيلة، وأنف من التحرز، وظن أنه ~~يكتفي بنفسه-: فهنالك من سدد إليه سهمه وجد عورته واضحة، ومقاتله بادية. ~~وينبغي أن تكون الملوك أغلب «3» على الدين من المدعين له، ويحذروا مبادرة ~~السفل» # إياهم إلى دراسة الدين وتأويله والتفقه فيه، لئلا يحدث في الناس رياسات ~~مستسرة في من قصد صغروا قدره من سفل الرعية وحشو العامة، فإنه لم يجتمع قط ~~رئيس دين ورئيس ملك إلا انتزع الرئيس في الدين ما في يد الرئيس من الملك. # وقالوا: إذا عرف الملك من الرجل أنه قد ساواه في الرأي والمنزلة والهيبة ~~والمال والتبع فليصرعه، وإلا كان هو المصروع. # وقالوا: ينبغي للملك أن يقل الإذن للعامة، لأنهم إذا لم يروه هابوه، وإذا # PageV01P043 # رأوه كثيرا هان عليهم؛ كما أن الأسد يهابه كل من رآه، ms047 إلا الرعاة، فإنهم ~~من كثرة ما يرونه قد هان عليهم. # وقيل: سلطان تخافه الرعية خير من سلطان يخافها، وخير الملوك ما أشبه ~~النسر حوله الجيف، لا ما أشبه الجيفة حولها النسور. # وقال أبرويز لابنه: استكثر القليل مما تأخذ، واستقل الكثير مما تعطي؛ ~~واعلم أن قرة أعين الكرام في الإعطاء، وقرة أعين اللئام في الأخذ. والملك ~~إذا كان على رأس الكرماء فهو جدير أن يعطي ما وجد، ويمتنع من الأخذ ما ~~استطاع. # وقال أيضا: املك الرعية بالإحسان إليها، تظفر بالمحبة منها، فإن ذلك ~~بإحسانك أدوم منه باعتسافك، وليس الملك سلك الأبدان. واعلم أن الرعية إن ~~قدرت أن تقول قدرت أن تفعل، فاجتهد أن لا تقول تسلم من أن تفعل. # وقال الحكيم: إذا تناصرت عليك الخصوم فلن يدفع ذلك غير الله سبحانه، ثم ~~عزم لا يشوبه وهن، وصدق لا يطمع فيه التكذيب، ومضاء لا يقارنه الشك، وصبر ~~لا يختانه جزع، ونية لا يتقسمها عجز. # وقال الحكيم: يجب على الملك الفاضل أن يحصن عقله من العجب، ووقاره من ~~الكبر، وعطاءه من السرف، وصرامته من العنف، وحياءه من البلادة، وحمله من ~~التهاون، وإمضاءه من العجلة، وعقوبته من الإفراط، وعفوه من تعطيل الحقوق، ~~وصمته من العي، واستئناسه من البذآء، وخلواته من الإصاعة، وعزماته من ~~اللجاجة، وأناته من الملالة، وفرحاته من البطر، وروعاته من الاستسلام. # PageV01P044 # وقالت حكماء الهند: الملك إذا لم يقبل من نصحائه ما يقبل عليه مما ينصحون ~~«1» له به-: لم يحمد غب أمره، كالعليل الذى يدع ما يصف له الطبيب ويعود إلى ~~استعمال ما يشتهي، فمن التمس الرخصة من الإخوان عند المشاورة، ومن الأطباء، ~~عند المرض، ومن الفقهاء عند الشبهة-: أخطأ الرأي، وازداد مرضا، واحتمل ~~وزرا. # وقالت حكماء الهند: الملوك ثلاثة: حازمان وعاجز. فاحد الحازمين: من إذا ~~نزل به الأمر المخوف لم يدهش، ولم يذهب قلبه شعاعا «2» ، ولم يعي برأيه ~~وحيلته ومكيدته التي بها يرجو النجاة. والثاني- وهو أحزم من هذا-: # ذو العدة «3» الذي يعرف الأمر متقدما قبل وقوعه فيعظمه إعظامه «4» به، ~~ويحتال له حيلته، ms048 كأنه رأي عين، فيحسم الداء قبل أن يبتلى «5» به، ويدفع ~~الأمر قبل وقوعه. وأما العاجز: فهو الذي لا يزال في التردد والتمني حتى ~~يهلك نفسه. # وقالت الحكماء: الطمأنينة مقرونة بالمضار، والحذر مقرون بالنجاة. # ومن ضيع الحزم وهو غني عنه ضيعه الحزم حين يفتقر إليه. # وقالوا: من أخذ بالحزم وقدم الحذر وجاءت المقادير بخلاف مراده-: كان أحمد ~~رأيا وأظهر عذرا ممن عمل بالتفريط، وإن اتفقت له الأمور على ما يريد. # PageV01P045 # فليس على العاقل النظر في القدر الذي لا يدري ما يأتيه منه، وما ينصرف ~~عنه؛ ولكن عليه العمل بالحزم في أمره ومحاسبة نفسه في ذلك. # وقال الحكماء: الحازم من لم يشغله البطر بالنعمة عن العمل للعاقبة، والهم ~~بالحادثة عن الحيلة لدفعها. # وقالوا: الحزم: الحذر عند الأمن. والعاقل من حذر الليل والنهار، فإن ~~فيهما مكمن الآفات. # وقالوا: إياك أن يطمعك الاغترار: بالتهاون بالعدو الضعيف، فإن العدو ~~الضعيف المحترس من العدو [القوي] «1» -: أحرى بالظفر من العدو القوي المغتر ~~بالعدو الضعيف. # وقالت الحكماء: العجز عجزان: عجز عن طلب الأمر وقد أمكن، والجد في طلبه ~~وقد فات. # وقالت الحكماء: من كانت فيه ثلاث خلال لم يستقم له أمر: التواني في ~~العمل، والتضييع للفرص، والتصديق لكل مخبر. # وقد قيل: أربعة أشياء لا يستقل قليلها: المرض، والنار، والدين، والعداوة. # وقالوا: إن العاقل وإن كان واثقا بقوته وعقله-: فليس ينبغي أن يحمله ذلك ~~على أن يجني على نفسه العداوة والبغضاء اتكالا على ما عنده من الرأي ~~والقوة. # كما أن العاقل إذا كان عنده الترياق لا ينبغي له أن يشرب السم اتكالا على ~~ما عنده. # PageV01P046 # وقالوا: احذر معاداة الذليل، فربما شرق العزيز بالذبابة «1» . # وقالت الحكماء: لا تنم عن عدوك، فإنه غير نائم عنك، ولا تتغافل عنه، فإنه ~~غير متغافل عن تتبع عثراتك، وكيف لا يكون كذلك، وهو يرى أن بحياتك يكون ~~موته، وبغناك يكون فقره، وبقوتك يكون ضعفه؟! وقد قال مؤلف الكتاب: # لا تحقرن من الضعيف عداوة ... فالنار يحرق جمرها وشرارها # واحذر مداجاة العدو وكيده ... إن العداوة ليس تخبو ms049 «2» نارها # وقال العربي: # لله درك؛ ما تظن بثائر ... حران «3» ليس عن الترات «4» براقد؟! # أيقظته- ورقدت عنه- ولم ينم ... حنقا عليك؛ وكيف نوم الحاقد؟! # إن تمكن الأيام منك «5» - وعلها ... يوما- يكل لك بالصواع «6» الزائد # وقالت الحكماء: إياك والثقة بعدوك إذا صالحك وأظهر لك غاية النصيحة، فإن ~~صلح العدو لا يسكن إليه، ولا يغتر به؛ فإن الماء لو أسخن فأطيل إسخانه لم ~~يمنعه ذلك من إطفاء النار إذا صب عليها. وإنما صاحب العدو المصالح كصاحب ~~حية يحملها في كمه. # وقالوا: إذا أحدث لك عدوك صداقة- لعلة ألجأته إلى ذلك- فبعد # PageV01P047 # زوال تلك العلة ترجع العداوة إلى ما كانت عليه؛ كالماء الذي يطال إسخانه، ~~فإذا رفع عن النار عاد باردا. # وقالوا: إن الأحقاد مخوفة حيث كانت، وأشدها ما كان في أنفس الملوك؛ فإن ~~الملوك يدينون بالانتقام، ويرون الطلب بالوتر مكرمة. فلا ينبغي للعاقل أن ~~يغتر بسكون الحقد، فإنما مثله في القلب- ما لم يجد محركا- مثل الجمر ~~المكنون ما لم يجد حطبا. ولا يزال الحقد يتطلع إلى العلل كما تبتغي النار ~~الحطب؛ فإذا وجد علة استعر استعار النار، فلا يطفئه ماء ولا كلام ولا لين ~~ولا رفق ولا خضوع ولا تضرع، ولا شيء دون الأنفس. # وقد قيل: أحزم الملوك من لم يلتمس الأمر بالقتال، وهو يجد إلى غير القتال ~~سبيلا، لأن النفقة في القتال من الأنفس؛ وسائر الأشياء إنما النفقة فيها من ~~الأموال والقول. # وقالوا: أضعف حيل الحرب اللقاء. وصرعة اللين والمكر أشد استئصالا للعدو ~~من صرعة المكابرة. والحازم إذا نابه الأمر العظيم المفظع «1» الذي يخاف منه ~~الجائحة المخوفة على نفسه وقومه-: لم يجزع من شدة يصبر عليها، لما يرجو «2» ~~من حميد عاقبتها، ولم يجد لذلك مسا، ولم يشمخ بنفسه عن الخضوع لمن هو دونه، ~~حتى يبلغ حاجته ومقصوده، وهو حامل لغب أمره، لما كان من رأيه وحسن اصطباره. # وقال الشاعر «3» : # إذا المرء أولاك الهوان فأوله ... هوانا، وإن كانت قريبا أواصره «4» # PageV01P048 # فإن أنت لم تقدر على أن تهينه ... فذره إلى اليوم الذي أنت قادره «1» # وقارب إذا ما لم تكن لك ms050 قدرة ... وصمم إذا أيقنت أنك فاقره «2» # كتب أرسطاطاليس إلى الإسكندر: «إنك قد أصبحت ملكا على ذوي جنسك، وأوتيت ~~فضيلة الرئاسة عليهم، فمما تشرف به رئاستك وتزيدها نبلا-: أن تستصلح ~~العامة، لتكون رأسا لخيار محمودين، لا لشرار مذمومين. ورئاسة الاغتصاب- وإن ~~كانت تذم لخصال شتى- فإن أول ما فيها [من] «3» المذمة أنها تحط قدر ~~الرئاسة. وذلك: أن الناس في سلطان الغاصب كالعبيد لا كالأحرار، ورئاسة ~~الأحرار أشرف من رئاسة العبيد، ومن تخير رئاسة العبيد على رئاسة الأحرار ~~كمن تخير رعي البهائم على رعي الناس، وهو يظن أنه قد أصاب وغنم. فحال ~~الغاصب- فيما يركب من الغصب- هذه الحال؛ لأنه يطلب محل الملك وشرفه، وليس ~~شيء أبعد من شرف الملك من الاغتصاب، لأن الغاصب في شكل المولى، والملك في ~~شكل الأب اللطيف. ومما يضع قدر الرئاسة ما كان يصنع ملك فارس: فإنه كان ~~يسمي أباه وكل أحد من رعيته: «عبيدا» . والرئاسة على الأحرار والأفاضل خير ~~من # PageV01P049 # التسلط على العبيد وإن كثروا؛ وهي عند الناس جميعا أولى، ولا سيما لذوي ~~الفهم والأخطار. وأنت حقيق أن تسل سخيمة «1» العامة، بما تذيفهم من رفق ~~تدبيرك، وتضعه عنهم من مكروه العنف والخصاصة «2» ؛ فإن العبيد إذا عرضوا ~~على المشترين لا يسألون عن يسارهم وجاههم، وإنما يسألون عن أخلاقهم،: وهل ~~فيهم فظاظة؟ فالأحرار أجدر أن يتعرفوا ذلك، وأن يعروا منه إذا كان ذلك في ~~السلطان؛ ولذلك ما يصيرون «3» إلى خلعه والوثوب عليه. وإذا ظهرت على فئة ~~فضع من أوزار الحرب وأوزار الغضب، لأنهم في تلك الحال كانوا عدوا، وفي هذه ~~الحال صاروا خولا. فقد ينبغي أن تبدلهم من الغضب رحمة وعطفا. وقد ينبغي ~~للسلطان أن يعرف مقدار الغضب، فلا يكون غضبه شديدا طويلا، ولا ضعيفا قصيرا، ~~فإن ذلك من أخلاق السباع، وهذا من أخلاق الصبيان. ومن كبر الهمة أن يكون ~~الملك متعطفا على الناس، فإنه بالعطف والرحمة ينبل ويبعد صيته. وأنا أعرفك ~~على هذا المذهب، ولكني لا آمن أن تتوانى «4» فيه، مما جرى عليك من ناس كثير ~~من سوء المشورة؛ فإن كثيرا ms051 من الناس يشيرون- إذا استشيروا- بغير ما يشاكل ~~المشار عليه، بل بما يشاكلهم، وليس بما ينتفع به في الأمر الحادث، ولكن بما ~~يخصهم نفعه في أنفسهم. وأنا أحب لك أن تقتدي برأي أسندوس حيث يقول: إن فعل ~~الخير في الجملة أفضل من فعل الشر، ومن يستطيع أن يغلب الشر بالخير دون ~~الشر، فهي أشرف الغلبتين؛ لأن الغلبة بالشر جلد «5» ، والغلبة بالخير ~~فضيلة. واعلم أنه قد أمكنك أن تودع # PageV01P050 # الناس من حسن أثرك ما ينشر ذكره في آفاق البلاد، ويبقى على وجه الدهر-: ~~فافترص «1» ذلك في أوانه. واعلم أن الذي يتعجب منه الناس: # الجزالة وكبر الهمة؛ والذي يحبون عليه: التواضع ولين الجانب. فاجمع ~~الأمرين، تستجمع محبة الناس لك، وتعجبهم منك. ولا تمتنع أن تتكلم بما يطيب ~~قلوب العامة؛ فإن الناس ينقادون للكلام أكثر من انقيادهم بالبطش. # ولا تحسب «2» أن ذلك يضع من قدرك، بل يزيده نبلا: أن تنطق بالخير إذ أنت ~~على الشر قادر. واعلم أن التودد من الضعيف يعد ملقا، والتودد من القوي يعد ~~تواضعا وكبر همة؛ فلا تمتنع أن تتودد إلى العامة لتحصل لك محبتهم، وتنال ~~الطاعة منهم. واعلم أن الأيام تأتي على كل شيء فتخلق الأفعال، وتمحو ~~الآثار، وتميت الذكر، إلا ما رسخ في قلوب الناس، لمحبة تتوارثها الأعقاب. ~~فاجتهد أن نظفر بالذكر الذي لا يموت، بأن تودع قلوب الناس محبة يبقى بها ~~ذكر مناقبك، وشرف مساعيك. ولا ينبغي للمدبر أن يتخذ الرعية مالا وقنية «3» ~~، ولكن يتخذهم أهلا وإخوانا. ولا ترغب في الكرامة التي تنالها من العامة ~~كرها، ولكن التي تستحقها بحسن الأثر وصواب التدبير» . # قيل: بلغ بعض الملوك حسن سياسة ملك آخر، فكتب إليه: «قد بلغت من حسن ~~السياسة ما لم يبلغه ملك، فافدني: ما الذي بلغكه؟» فكتب # PageV01P051 # إليه: «لم أهزل في أمر ولا نهي ولا وعيد، واستكفيت للكفاية، وأثبت على ~~الغناء لا على الهوى، واودعت القلوب هيبة لم يشبها مقت، وودا لم يشبه كذب، ~~وعممت بالقوت، ومنعت الفضول» «1» . # قيل: لما أراد الإسكندر الخروج إلى أقاصي الأرض قال لأرسطا ms052 طاليس: # أخرج معي؛ قال: قد نحل بدني، وضعفت عن الحركة، فلا تزعجني. قال: # فأوصني في عمالي خاصة. قال: أنظر من كان منهم له عبيد فاحسن سياستهم. # فوله الجند، ومن كانت له ضيعة فأحسن تدبيرها فوله الخراج. # عن عوانة قال: قال زياد بن أبيه: ما غلبني معاوية في شيء من أمر السياسة ~~إلا في شيء واحد، وذاك: أنني استعملت رجلا على دست ميسان، فكسر الخراج ولحق ~~بمعاوية، فكتبت إليه أسأله أن يبعثه إلي، فكتب إلي: # «بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإنه ليس ينبغي لمثلي ومثلك أن نسوس ~~الناس جميعا بسياسة واحدة: أن نشتد جميعا فنخرجهم «2» ، أو نلين جميعا ~~فنمزجهم؛ ولكن تكون أنت تلي الفظاظة والغلظة، وأكون أنا ألي الرأفة ~~والرحمة؛ فإذا هرب هارب من باب، وجد بابا فدخل فيه. والسلام» . # قال بعض الحكماء: منازل الرأي أربعة: التقدم في الأمر قبل حلوله، فإن قصر ~~فيه فالجد عند وقوعه، فإن قصر عن ذلك فالسعي في التخلص منه، فإن قضر فيه ~~فليس إلا بذهاب الزمان الذي يذهب بنفع صواب الرأي. # روي أن بعض ملوك الفرس سأل حكيما من حكمائهم: ما شيء يعز به # PageV01P052 # السلطان؟ قال: الطاعة. قال: فما سبب الطاعة؟ قال: التودد إلى الخاصة، ~~والعدل على العامة. قال: فما صلاح الملك؟ قبل: الرفق بالرعية، وأخذ الحق ~~منهم في غير مشقة، وأداؤه إليهم عند أو انه، وسد الفروج، وأمن السبل، ~~وإنصاف المظلوم من الظالم، وأن لا يفرط القوي على الضعيف. قال: فما صلاح ~~الملك؟ قال: وزراؤه أصوله؛ فإن هم فسدوا فسد وإن صلحوا صلح. # قال: فأية خصلة تكون في الملك أنفع؟ قال: صدق النية. # وقال بعض الحكماء: لا تصغر أمر عدو تحاربه؛ فإنك إن ظفرت به لم تحمد، وإن ~~عجزت عنه لم تعذر. # وقال الحكيم: يجب على السلطان أن يعمل بثلاث خصال: تأخير العقوبة في ~~سلطان الغضب، وتعجيل مكافأة المحسن، والعمل بالأناة فيما يحدث؛ فإن له في ~~تأخير العقوبة إمكان العفو، وفي تعجيل المكافأة بالإحسان المسارعة في ~~الطاعة من الرعبة، وفي الأناة انفساح الرأي ms053 واتضاح الصواب. # وقال أنو شروان: الناس ثلاث طبقات، تسوسهم ثلاث سياسات: # طبقة من خاصة الأبرار، وتسوسهم بالعطف واللين والإحسان، وطبقة من خاصة ~~الأشرار، تسوسهم بالغلظة والشدة، وطبقة- وهم العامة- تسوسهم باللين والشدة، ~~لئلا تحرجهم «1» الشدة ولا يبطرهم اللين. # روي ان ملكا من ملوك اليمن أوصى من يخلفه من بعده، فقال: أوصيك بتقوى ~~الله، فإنك إن تتقه يهدك ويكفك ويرض عنك، ومتى يرضى رب # PageV01P053 # عن عبد يرضه. وآمرك أن لا تعجل فيما تخاف فيه الفوت؛ فإن العجلة مندمة. # وإذا شككت في أمر فشاور من ينصح لك، وإن اتهمت فاستبدل، وإذا استكفيت ~~فاختر، واذا قلت فاصدق، وإذا وعدت فأنجز، وإذا أوءدت في حق فأنفذ. واعلم ~~أنك إن ضبطت حاشيتك ضبط قاصيتك. # وأوصى ملك من ملوك حمير أخاه، فقال: لا تتجاوز بالأمور حدودها، ولا يكن ~~الإفراط من شأنك في نكان ولا نوال؛ فإنه في النوال يجحف ويكثر فيه عليك، ~~وفي النكال ما يؤثمك ويحنق عليك ويبغضك. وإذا أنكرت نفسك فأمسك وغالب هواك، ~~فإنه أضر ما اتبعت، واعمل بالحق فإنه لا يضيق معه شيء، ولا يتعب منه عاقل، ~~ولا يتعقب منه تبعة. وليكن خوف بطانتك منك أشد من أمنهم بك. # وقال الحكيم: ما استعين على العزم بمثل مجانبة الهوى. # وقال آخر: من جعل ملكه خادما لدينه انقادا له كل سلطان، ومن جعل دينه ~~خادما لملكه طمع فيه كل إنسان. # وقال آخر: من تمام الكرم أن تذكر الخدمة لك، وتنسى النعمة منك؛ وتفطن «1» ~~للرغبة إليك، وتتغابى «2» عن الجناية عليك. # وقال آخر: ما أقبح منع الإحسان مع حسن الإمكان. # وقال آخر: كن بعيد الهمم إذا طلبت، كريم الظفر إذا غلبت، جميل العفو إذا ~~قدرت، كثير الشكر إذا ظهرت. # PageV01P054 # وقال الآخر: أحسن إلى من كان له قدمة «1» في الأصل، وسابقة في الفضل. # ولا يزهدنك فيه سوء الحالة منه، وإدبار الدولة عنه، فإنك لا تحلو «2» - ~~في اصطناعك له وإحسانك إليه-: من نفس حرة تملك رقها، أو مكرمة حسنة توفي ~~حقها، فإن الدنيا تجبر كما تكسر، والدولة تقبل كما تدبر. # وقال ms054 آخر: بالراعي تصلح الرعية، وبالعدل تملك البرية. «3» # وقال آخر: من ظلم يتيما ظلم أولاده، ومن أفسد أمره أفسد معاده. # وقال آخر: أفضل الملوك من أحسن في فعله ونيته، وعدل في جنده ورعيته «4» ؛ ~~وأعظم الملوك من ملك نفسه وبسط عدله. # وقال آخر: سلطان السوء يخيف البريء ويصطنع الدني. # وقال الحكيم: ليكن مرجعك إلى الحق، ومنزعك إلى الصدق. فالحق أقوى معين، ~~والصدق أفضل قرين. # وقال: استعن على العدل بخلتين: قلة الطمع، وشدة الورع. # وقال آخر: لا تعودن نفسك إلا ما يكتب لك أجره، ويحسن عنك نشره. # وقال آخر: ارفق بإخوانك، واكفهم غرب لسانك؛ فطعن اللسان أشد من طعن ~~السنان، وجرح الكلام أصعب من جرح الحسام. # قال العتابي: مما يعين على العدل اصطناع من يؤثر التقى، واطراح من يقبل ~~الرشا، واستكفاء من يعدل في القضية، واستخلاف من يشفق على الرعية. # وقال أردشير: حقيق على كل ملك أن يتفقد وزيره ونديمه وحاجبه # PageV01P055 # وكاتبه: فإن وزيره قوام ملكه، ونديمه بيان معرفته «1» ، وكاتبه وكيل ~~معرفته «2» ، وحاجبه برهان سياسته. # وقال بهرام جور: لا شىء أضر بالملك من استخبار من لا يصدق إذا خبر، ~~واستكفاء من لا ينصح إذا دبر. # وقال أبرويز: من اعتمد على كفاة السوء ما ينجو من رأي فاسد، وظن كاذب، ~~وعدو غالب. وإن مما يعود بنصح الولاة ويؤمنهم عذر الكفاة-: # ربهم «3» لسالف النعم، وحفظهم لواجب الذمم، وتعففهم عن أموال الخدم، ~~وتصرفهم على شرط الكرم. فمن خافه وزيره سآء تدبيره، ومن طمع في أموال عماله ~~الجأهم إلى اقتطاع أمواله. # وقال الحكيم: بالراعي تصلح الرعية. وبالعدل تملك البرية. ومن مال إلى ~~الحق، مال إليه الخلق. ومن سل سيف العدوان، سلب عز السلطان. ومن أحسن ~~الملكة، أمن الهلكة. وأفضل الملوك من أحسن في فعله ونيته، وعدل في جنده ~~ورعيته. «4» # قال الحكيم: الأدب أدبان: أدب شريعة، وأدب سياسة. فأدب الشريعة ما انتهى ~~إلى قضاء «5» الفرض، وأدب السياسة ما أعان على عمارة الأرض، وكلاهما يرجع ~~إلى العدل، الذي به سلامة السلطان، وعمارة البلدان، وصلاح الرعية، وكمال ~~المزية، لأن من ms055 ترك الفرض ظلم نفسه، ومن خرب الأرض ظلم غيره. # PageV01P056 # وقال أفلاطون: بالعدل ثبات الأشياء، وبالجور زوالها، لأن المعتدل هو الذي ~~لا يزول. # وقال الإسكندر: لا ينبغي لمن تمسك بالعدل أن يخاف أحدا، فقد قيل: # إن العدول لا يخافون الله تعالى، أي: لا خوف عليهم منه، إذ «1» اتبعوا ~~رضاه وانتهوا إلى أمره. # وقال ذيو جانس للإسكندر: أيها الملك، عليك بالاعتدال في الأمور، فإن ~~الزيادة عيب، والنقصان عجز. # وقال الإسكندر لقوم من حكماء الهند: أيما أفضل: العدل أو الشجاعة؟ # قالوا: إذا استعمل العدل استغني عن الشجاعة. # وقال بزرجمهر: العدل هو ميزان الباري جل وعز، وذلك هو مبرا «2» من كل زيغ ~~وميل. # وقيل لأردشير: من الذي لا يخاف «3» أحدا؟ قال: الذي لا يخافه أحد. # فمن عدل في حكمه وكف عن ظلمه-: نصره الحق، وأطاعة الخلق، وملك القلوب، ~~وأمن الحروب. وإن أول العدل أن يبدأ الإنسان بنفسه، فيلزمها كل خلة زكية، ~~وخصلة مرضية، ومذهب سديد، ومكسب حميد، ليسلم عاجلا ويسعد آجلا. # وقال أفلاطون: من بدأ بنفسه أدرك سياسة الناس. # وقال: أصلحوا أنفسكم تصلح لكم آخرتكم. # PageV01P057 # وقال أرسطاطاليس: أصلح نفسك لنفسك، يكن الناس تبعا لك. # وقال بزرجمهر: من حق الملك أن يستوزر من يحفظ دينه، ويستبطن من يحفظ سره. # وقال أبرويز: أجهل الناس من يعتمد في أموره على من لا يأمل خيره، ولا ~~يأمن شره. # وقال الحكيم: من عدل في سلطانه، استغنى عن أعوانه. # وقال: لأن تحسن وتكفر، خير من أن تسيء وتشكر. فمن أحسن فبنفسه بدا، ومن ~~أساء فعلى نفسه اعتدى. # وقال الحكيم: من أحب نفسه اجتنب الآثام، ومن أحب ولده رحم الأيتام. # وقال: إذا بني الملك على قواعد العدل- أو دعم بدواعم العدل- وحصن بدوام ~~الشكر، وحرس بإعمال البصر-: نصر الله وإليه، وخذل معاديه، وعضده بالقدر، ~~وسلمه من الغير. فاعدل فيما وليت، واشكر الله على ما أوليت، يمدك الخالق، ~~ويودك الخلائق. # وقال الحكيم: حاجة السلطان إلى صلاح نفسه، أشد من حاجته إلى صلاح رعيته. ~~وفائدته في إحسان سيرته، وأعظم من فائدته في ثبات وطأته. لأنه ms056 إذا اصلح ~~نفسه صلحت «1» رعيته، وإذا أحسن سيرته ثبتت وطأته، ثم يبقى له جميل ~~الأحدوثة والذكر، ويتوفر عليه جزيل المثوبة والأجر. لأن السلطان خليفة الله ~~في أرضه، والحاكم في حدود دينه وفرضه، قد خصه الله بإحسانه، # PageV01P058 # وأشركه في سلطانه، وندبه لرعاية خلقه، ونصبه لنصرة حقه. فإن أطاعه في ~~أوامره ونواهيه تكفل بنصره، وإن عصاه فيهما وكله إلى نفسه. # وقال الحكيم: من ملكه الله من أرضه وبلاده، وائتمنه على خلقه وعباده، ~~وبسط يده وسلطانه، ورفع محله ومكانه-: فحقيق عليه أن يؤدي الأمانة، ويخلص ~~الديانة، ويجمل السيرة، ويحسن السريرة، ويجعل الحق دأبه المعهود، والأجر ~~غرضه المقصود، فالظلم يزل القدم، ويزيل النعم، ويجلب النقم، ويهلك الأمم. # وقال: من أبلى جدته في خدمتك، وأفنى مدته في طاعتك-: فارع ذمامه في ~~حياته، وتكفل أيتامه بعد وفاته. فإن الوفاء لك، بقدر الرجاء فيك. # أفض على جيشك سيب عطائك، وأصرف إليهم أحسن عنايتك وإرعائك «1» ، فإنهم ~~أهل الأنفة والحمية، وحفظ «2» الحوزة والرعية، وسيوف الملك، وحصون الممالك ~~والبلدان، وأوثق الأصحاب والأعوان، بهم تدفع العوادي وتقهر الأعادى، ويزال ~~الخلل، ويضبط العمل. قوضعيفهم يقو أمرك، وأغن فقيرهم يشد أزرك، وامنحهم قبل ~~الفرض، واختبرهم عند العرض، ولا تثبت منهم إلا الوفي الكمي الذي لا يعدل عن ~~الوفاء، ولا يجبن لدى الهيجاء وفان المراد منهم قوة العدة، لا كثرة العدة. ~~وإن أصاب أحدهم في وقعة تندبه لها، أو حملة تبرز فيها، ما يعطله عن اللقاء، ~~ويؤخره عن الأكفاء-: # PageV01P059 # فلا تمح اسمه، ولا تمنعه رسمه. وإن قتل في طاعتك، واستشهد تحت رايتك-: # فاكفل بنيه، وذب عن أهله وذويه، فإن ذلك يزيدهم رغبة في خدمتك، ويسهل ~~عليهم بذل المهج والأرواح في نصرة دولتك ودعوتك. # وقال الحكيم: من أبرم الأمر بلا تدبير، وصيره الدهر إلى تدمير. ومن أخلد ~~إلى التواني، حصل على الأماني. وزوال الدول، باصطناع السفل. # وقال الحكيم: الصبر على ما تكرهه وتجتويه «1» ، يؤديك إلى ما تحبه ~~وتشتهيه. # وقال: من اغتر بحاله، قصر في احتياله. ومن اغتر بمسالة الزمن، عثر ~~بمصادمة المحن. # وقال: من أعجبته ms057 آراؤه، غلبته أعداؤه. ومن ساء تدبيره، كذب تقديره. ومن ~~جهل مواطيء قدمه، عثر بدواعي ندمه. # وقال: من أتم النصح، الإشارة بالصلح. ومن أضر الغدر، الإشارة «2» بالشر. # وقال: من استصلح عدوه زاد في عدده. ومن استفسد صديقه نقص من عدده. # وقال: لا تثق بالصديق قبل الخبرة، ولا توقع بالعدو قبل القدرة. # وقال: لا تفتح بابا يعييك سده، ولا ترم سهما، يعجزك رده، ولا تفسدن أمرا ~~يعييك إصلاحه، ولا تغلق بابا يعجزك افتتاحه. # وقال: الكسل يمنع من الطلب، والفشل يدفع إلى العطب. ومن حق # PageV01P060 # العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العلماء، ويجمع إلى عقله عقل الحكماء، ~~ويديم الاسترشاد، بترك الاستبداد، فالرأي الفذ ربما زل، والعقل الفذ ربما ~~ضل. # من أعرض عن الحزم والاحتراس، وبنى على غير أساس-: زال عنه العز، واستولى ~~عليه العجز، وصار من يومه في نحس، ومن غده في لبس. # تاج الملك وحصنه إنصافه، وسلاحه كفاته، وماله رعيته. # إذا أنشأت حربا فأرهجها «1» ، وإذا أوقدت نارا فأججها، واستعمل في ~~الضعفاء حسن الحراسة، واستعمل في الأقوياء حكم السياسة، فمن لم تقمعه ~~بسياستك، أطمعته في رياستك، وعد أضعف أعدائك قويا، وأجبن أضدادك جريا تكف ~~الغيلة «2» ، وتأمن الحيلة. # من استعان بصغار رجاله، على كبار أعماله-: ضيع العمل، وأوقع الخلل. # الخطأ مع العجلة، والصواب مع التؤدة «3» ، ففوض كل أمر إلى أهله، واتئد ~~في عقده وحله، تأمن الزلل وتبلغ الأمل. # الشركة في الرأي تؤدي إلى صوابه، والشركة في الملك تؤدي إلى اضطرابه. # أغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيرا، وأجل الأمراء من لم يكن الهوى عليه ~~أميرا. فمن حق السائس أن يسوس نفسه قبل جنده، ويقهر هواه قبل ضده. # من جد في حرب عدوه وقتاله، واحتال في قتله واستئصاله-: يشغل # PageV01P061 # بذلك قلبه، ويسخط ربه، وينفق عليه ماله، ويكد فيه نفسه ورجاله، ثم يكون ~~من أمره على غرر، ومن حربه على خطر. ولو استعطفه بلطف مقاله، واستصلحه بحسن ~~فعاله، واتخذه وليا صفيا يشاركه في الخير والشر، ويساهمه في النفع والضر، ~~ويعضده في الأحداث والعوادي، وينجده على الأضداد ms058 والأعادي-: لكان أصلح له ~~في دينه ودنياه، وأعود عليه في بدئه وعقباه. # لا تصطنع «1» من خانة الأصل، ولا تستنصح من فاته العقل، لأن من لا أصل له ~~يغش من حيث ينصح، ومن لا عقل له يفسد من حيث يصلح، وذلك مما يعز توقيه، ~~ويفوت تداركه وتلافيه. # وإذا وليت فول الملئ الوفي الذي يحسن كفايته غناؤه «2» ، ويجمل رعايته ~~وفاؤه، ويعلم بواطن الأمور وظواهرها، ويعرف مواردها الأعمال ومصادرها. # فالولاة أركان الملك، وخزان الملك، وحصون الدولة، وعيون الدعوة، وبهم ~~تستقيم الأعمال، وتجتمع الأموال، ويقوى «3» السلطان، وتعمر البلدان. # فإن استقاموا استقامت الأمور، وإن اضطربوا اضطرب الجمهور. # وأما من يتصل بنسبك، أو يجب حقه عليك-: فأدم له بشرك وإقبالك، وأفض عليه ~~برك وإفضالك. فتكون قد قضيت واجبه، وأمنت جانبه، ووليت العمل من يقيم ميله، ~~ويزيل خلله، ويجنيك ثماره، ويكفيك انتشاره. # وقالوا: الأمور التي يشرف «4» بها الملك ثلاثة: سن السنن الجميلة، # PageV01P062 # وفتح الفتوح المذكورة، وعمارة البلدان المعطلة. # العفو احتمال الذنب الذي لا يكون عن عمد، ولا يقصد بحد، ولا ينقض سنة، ~~ولا يولد جرأة. فأما الذنب الذي يرتكب عمدا، ويوجب جراءة «1» -: # فالاحتمال له ترخيص في الذنوب، والتجاوز عنه إبطال للحدود، وذلك مما لا ~~تحتمله السياسة، ولا تطلقه الشريعة. فلا يكونن عفوك وتجاوزك وحلمك وإغضاؤك ~~سببا للجراءة عليك، وعلة للإساءة إليك. فإن الناس رجلان: # عاقل يكتفي بالعدل والتأنيب، وجاهل يحوج إلى الضرب والتأديب، فمن عفا عمن ~~«2» يستوجب العقوبة، كمن عاقب من يستوجب المثوبة. # إذا عقدت فأحكم، وإذا دبرت فأبرم، وإذا قلت فاصدق، وإذا فعلت فارفق. ولا ~~تستكف إلا الكفاة النصحاء، ولا تستبطن إلا الثقات الأمناء. وإذا استكفيتهم ~~شغلا، أو وليتهم أمرا-: فأحسن الثقة بهم، وأكد الحجة عليهم، ولا تتهمهم ~~فيه، ولا تعارضهم في توليه، ما لم يعدلوا «3» عن نصح وأمانة، ولم يقصروا عن ~~ضبط وكفاية. فإن رأيت منهم عذرا «4» ، أو تبينت منهم عجزا-: فاستبدل بهم، ~~واستوف مالك عليهم، ولا تقلد منهم أحدا، ولا تعتمد عليهم أبدا. فمن عارض مع ~~الاستقلال والأمانة، قبض كفاته وعماله. ومن قلد مع ms059 العجز والخيانة، ضيع ~~ماله وأعماله. # تجرع من عدوك الغصة، إلى أن تجد الفرصة، فإذا وجدتها فانتهزها قبل # PageV01P063 # أن يفوتك الدرك، أو يعينه الفلك، فإن الدنيا دول تقلبها الأقدار، ويهدمها ~~«1» الليل والنهار. # تفقد أمر عدوك قبل أن يمتد باعه، ويطول ذراعه، وتكثر شكته «2» ، وتشتد ~~شوكته. وعالجه قبل أن يعضل» # داؤه، ويصعب دواؤه. فكل أمر لا يداوى قبل أن يعضل «4» ، ولا يدبر قبل أن ~~يستفحل-: يعجز عنه مداويه، ويصعب تداركه وتلافيه. ولا تشغل نفسك بإصلاح ما ~~بعد عنك، حتى تفرغ من إصلاح ما قرب منك. # اعلم أن السعاية نار، وقبولها والعمل بها دناءة، والثقة بأهلها غباوة. ~~لأن الذي يحمل الساعي على سعايته قلة ورع، أو شدة طمع، أو لؤم طبع، أو طلب ~~نفع. فأعرض عن السعاة، وعدهم من جملة العداة، لأنهم يفسدون دينك، ويزيلون ~~يقينك، وينقضون عهدك ونيتك، ويحنقون خدمك «5» ورعيتك، ويحملونك على اكتساب ~~الآثام، ويعرضونك لاجتلاب الملام. # واعتمد في أعمالك على أهل المروءة، وفي قتالك على أهل الحمية، ولا تباشر ~~الحرب بنفسك، فإنك لا تخلو في ذلك من ملك تخاطر به، أو هلك تبادر إليه. # ولتكن مشاورتك بالليل، فإنه أجمع للفكر، وأعون على الذكر، ثم شاور في ~~أمرك من تثق بعقله ووده. # PageV01P064 # أي ملك أحسن إلى كفاته وأعوانه، استظهر لملكه وسلطانه. وأي ملك عدل في ~~حكمه وقضيته، استغنى عن جنده ورعيته. وأي ملك نفذ في ملكه حكم النساء، نفذ ~~في دولته حكم الأعداء. وأي ملك ملكته حاشيته وأصحابه، اضطربت عليه أموره ~~وأسبابه. وأي ملك عمي عن سياسة داره ودانيته، عمي عن سياسة أقطاره وقاصيته. ~~وأي ملك خفت وطأته على أهل الفساد، ثقلت عليه وطأة الأعداء والأضداد. # أربعة لا يزول معها ملك: حفظ الدين. واستكفاء الأمين. وتقديم الحزم. ~~وإمضاء العزم. # وأربعة لا يثبت معها ملك: غش الوزير. وسوء التدبير. وخبث النية. # وظلم الرعية. # أربعة تولد المحبة: حسن البشر. وبذل البر. وقصد الوفاق. # وترك النفاق. # أربعة من علامات الكرم: بذل الندى. وكف الأذى. وتعجيل المثوبة. وتأخير ~~العقوبة. # أربعة يزلن بأربعة: النعمة بالكفران. والقدرة ms060 بالعدوان. والدولة ~~بالإغفال. والحظوة «1» بالإدلال. # أربعة تدل على صحة الرأي: طول الفكر. وحفظ السر. وفرط الاجتهاد. # وترك الاستبداد. # أربعة توصل إلى أربعة: الصبر إلى المحبوب. والجد إلى المطلوب. # PageV01P065 # والزهد إلى التقى. والقناعة إلى الغنى. # أربعة لا تستغني عن أربعة: الرعية عن السياسية. والجيش عن القادة. # والرأي عن الاستشارة. والعزم عن الاستخارة. # ومن أمن المكائد، لقي الشدائد. ومن أمن المكر، لقي الشر. # لا تقطع قريبا وإن كفر. ولا تأمن عدوا وإن شكر. # ضعف «1» النظر يورث العثار، وضعف الرأي يورث الدمار. # قال معاوية بن أبي سفيان لصعصعة بن صوحان: صف لي عمر بن الخطاب؟ فقال: ~~كان عالما برعيته، عادلا في قضيته، عاريا من الكبر، قبولا للعذر، سهل ~~الحجاب، مصون الباب، متحريا للصواب، رفيقا بالضعيف، غير محاب للقريب، ولا ~~جاف للغريب. # دخل حكيم على بعض الملوك، فقال له: ما أقدمك؟ قال: حوادث الدهر، وخذلان ~~الصبر. قال: فعندنا درك ما قصدت له، فأفدنا شيئا. # قال: أذكر حسرات التفريط تلذ «2» الحزم، والحظ مصارع الهزل تؤثر الجد، ~~وألق خطرات الهوى تذكر عواقبها. إن الدهر قد نبهك من رقدتك، وأظهر لك ما ~~كان استتر عنك، فلا حين «3» أحين من سلامة مع تضييع، ولا عدو أقتل «4» من ~~أمن الاغترار، ولا تخاذل أخذل من # PageV01P066 # رأي ينتجته قدره «1» . # قال الحكيم: إذا استبد الملك برأيه عميت عليه المراشد. # قال الحكيم: الحازم فيما أشكل عليه، من الرأي مثل الذي أضل جوهرة فجمع ما ~~حول مسقطها من التراب فنخله حتى وجدها. كذلك الحازم يجمع أصناف الرأي في ~~الأمر المشكل ثم يخلصه ويسقط بعضه حتى يحصل منه الرأي الخالص. # وذلك في كتاب الله عز وجل قوله سبحانه وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل ~~على الله # [آل عمران 159] . # قال أبو الحسن علي بن محمد الصغاني في كتاب «الفرائد والقلائد «2» » في ~~الاستعانة على حسن السياسة: آفة الملوك سوء السيرة. وآفة الوزراء خبث ~~السريرة. وآفة الجند مخالفة القادة. وآفة الرعية مخالفة الطاعة. وآفة ~~الزعماء ضعف السياسة. وآفة العلماء حب الرياسة. وآفة القضاة شدة الطمع. ~~وآفة العدول قلة ms061 الورع. وآفة العدل ميل الولاة. وآفة الملك تضادد «3» ~~الحماة. وآفة الحرب إضاعة الحزم. وآفة القوي استضعاف الخصم. # وقال: الحزم الأسد «4» الآراء، والغفلة أضر الأعداء. ومن قعد عن حيلته ~~أقامته الشدائد، ومن نام عن عدوه أنبهته «5» المكائد. ومن سالم الناس # PageV01P067 # سلم، ومن قدم الحزم غنم. ومن لزم الحلم لم يعدم السلم. ومن ضعف رأيه قوي ~~ضده، ومن ساء تدبيره أهلكه جده «1» . والغرة «2» ثمرة الجهل، والتجربة مرآة ~~العقل. والصبر على الغصة، يؤدي «3» إلى الفرصة. ومن استرشد غويا ضل، ومن ~~استنجد ضعيفا ذل. ومن ضل مشيره قل نصيره. # والأناة حسن، والتودد يمن. من نام عن نصرة وليه، انتبه بوطأة «4» عدوه. ~~ومن دام كسله، خاب أمله. والعجول مخطىء وإن ملك، والمتئد مصيب وإن هلك. ومن ~~بان عجزه، زال عزه. ومن استبد برأيه، خفت وطأته على أعدائه. وعلة الأمن، ~~سوء الظن. ومن أمارة الخذلان، معاداة الإخوان. ومن علامات الإقبال، اصطناع ~~الرجال. ومن كثرت مخافته، قلت آفته. ومن طلب الرياسة، أحسن السياسة. ~~واستفساد الصديق، من عدم التوفيق. والرفق مفتاح الرزق. ومن نظر في العواقب، ~~سلم من النوائب. # وفضيلة السلطان، عمارة البلدان. # من استحلى معاداة الرجال، استمر ملاقاة القتال. ومن فعل ما شاء، لقي ما ~~ساء. من خانه الوزير، فاته التدبير. من كتم سره، أحكم أمره. ومن كثر ~~اعتباره، قل عثاره، ومن عمل بالرأي اعتلى مناره. ومن أحكم التجارب، أحمد ~~«5» العواقب. ومن أمارات الجد حسن الجد «6» . وزوال الدول، # PageV01P068 # باصطناع السفل «1» . القليل مع التدبير، أبقى من الكثير مع التبذير، ~~عزيمة الصبر، تطفىء نار الشر، فإن الصبر على ما تكرهه وتجتويه، يؤديك إلى ~~ما تحبه وتشتهيه. من وثق بإحسانك، أشفق على سلطانك. # إذا استشرت الجاهل، اختار لك الباطل. ومن اغتر بحاله، قصر في احتياله. # ومن اغتر بمسللة الزمن، عثر بمصادمة المحن. ومن اقتحم الأمور، لذي ~~المحذور. ومن ترك ما يعنيه، امتحن بما لا يعنيه «2» . ومن استعان بذوي ~~العقول، فاز بدرك المأمول. ومن استشار ذوي الألباب، سلك سبيل الصواب. # ومن ضيع أمره ضيع كل أمر، ومن جهل قدره جهل كل ms062 قدر. والحازم من حفظ ما في ~~يده، ولم يؤخر شغل يومه إلى غده. ومن طلب ما لا يكون طال به تعبه، ومن فعل ~~ما لا يجوز كان فيه عطبه. لا تثق بالصديق قبل الخبرة، ولا توقع بالعدو قبل ~~القدرة. وإذا أشكلت عليك الأمور، وتغير عليك الجمهور-: # فارجع إلى رأي العقلاء، وافزع إلى استشارة النصحاء، ولا تأنف من ~~الاسترشاد، ولا تستنكف من الاستمداد، فلأن «3» تسأل وتسلم، خير من أن تستبد ~~وتندم. ومن نصحك فلا تستبدل به، ومن وعظك فلا تستوحش منه، فمن نصحك أحسن ~~إليك، ومن وعظك أشفق عليك. # واعلم أن الأيدي بأصابعها، والملوك بصنائعها، فلا يغرك كبر الجسم، ممن ~~صغر في المعرفة والعلم، ولا طول القامة، ممن قصر في الكفاية والاستقامة، ~~فأن الدرة على صغرها-: أعود من الصخرة على كبرها. # PageV01P069 # واعلم أن سبب هلاك الملوك والممالك اطراح ذوي الفضائل، واصطناع ذوي ~~الوسائل، والاستخفاف بعظة الناصح، والاغترار بتزكية المادح. # واعلم أن عمال الولاة بمنزلة سلاحهم في القتال، وسهامهم في النضال. # ومن ولي الملك بلا كفاة، كمن لقي الحرب بلا حماة. ومما يديم لك نصحهم ~~ووفاءهم، ويحفظ عليك ودهم وولاءهم-: قلة الطمع فيهم، وحسن المقابلة ~~لمساعيهم. # واعلم أنك إن طمعت منهم في ذرة، طمعوا منك في بدرة، وإن ارتجعت من رفقهم ~~«1» دينارا، اقتطعوا من ملكك قنطارا، ثم أساءوا القول فيك، وأنكروا بيض ~~صنائعك وأياديك. وإذا اصطنعت فاصطنع من ينزع إلى أصل وأبوة، ويرجع الى عقل ~~ومروة، فإن الأصل والأبوة تمنعانه من الغدر والخيانة، والعقل والمروة ~~يبعثانه على الوفاء والأمانة، فإن كل فرع يرجع إلى أصله، وكل شيء يعود إلى ~~طبعه. # وقالت الحكماء: الملك كالبحر الأعظم: تستمد منه الأنهار الصغار، فإن كان ~~عذبا عذبت، وإن كان ملحا ملحت. # وقالوا: مهما كان في الملك فإنه لا ينبغي أن يكون فيه خمس خصال: # لا ينبغي أن يكون كذابا، فإنه إذا كان كذابا فوعد خيرا لم يرج، أو توعد ~~بشر لم يخف. ولا ينبغي أن يكون بخيلا، فإنه إذا كان بخيلا لم يناصحه أحد، ~~ولا تصلح ms063 الولاية إلا بالمناصحة. ولا ينبغي أن يكون حديدا، فإنه إن كان ~~حديدا- مع المقدرة «2» - هلكت الرعية. ولا ينبغي أن يكون حسودا، فإنه # PageV01P070 # إن كان حسودا لم يشرف أحدا، ولا يصلح الناس إلا على أشرافهم. ولا ينبغي ~~أن يكون جبانا، فإنه إن كان جبانا اجترأ «1» عليه عدوه، وضاعت ثغوره. # وقالوا: لا ينبغي للملك أن يكون جائرا، ومن عنده يلتمس العدل. # ولا سفيها، ومن عنده يلتمس الحلم. ولا غضوبا، لأن القدرة من وراء حاجته. ~~ولا كذوبا، لأنه ليس يقدر أحد على استكراهه على ما لا يريد. # ولا حقودا، لأن قدره قد جل عن المكافأة. # وقالوا: أفضل الملوك من بقي بالعدل ذكره، واستملى منه من يأتي بعده. # وقالوا: من ملك فقد استوفى من رعاياه وشريعته أجرته «2» ، وهو التملك، ~~وبقي عليه ما يجب لهما من الخدمة، وهو إقامة السنن والدين، والعدل على ~~الرعية، ومنع من قوي فيها عمن ضعف منها. # أي «3» ملك أحسن إلى كفاته وأعوانه، استظهر لملكه وسلطانه. # وإذا عدل في حكمه وقضيته، استغنى عن جنده ورعيته. وأي ملك نفذ في ملكه ~~حكم النساء، نفذ في دولته حكم الأعداء. وأي ملك ملكته حاشيته وأصحابه، ~~اضطربت عليه أموره وأسبابه. وأي ملك خفت وطأته على أهل الفساد، ثقلت عليه ~~وطأة الأعداء والأضداد «4» . # إذا بني الملك على قواعد العدل، ودعائم العقل، وحصن بدوام الشكر، # PageV01P071 # وحرس بأعمال البر-: نصر الله واليه، وخذل معاديه، وعضده بالقدر، وسلمه من ~~الغير. # وقالت الحكماء: السلطان خليفة الله في أرضه، والحاكم في حدود دينه وفرضه، ~~قد خصة الله تعالى بإحسانه، وأشركه في سلطانه، وندبه لرعاية خلقه، ونصبه ~~لنصرة حقه، فإن أطاعه في أوامره ونواهيه تكفل نصره «1» ، وإن عصاه فيهما ~~وكله إلى نفسه. # ويجب على السلطان أن لا يلح في تضييع حق ذي الحق، ووضع منزلة ذي المروءة، ~~وأن يستدرك رأيه في صلاح ذلك، ولا يغره أن يرى من صاحبه- المفعول ذلك به- ~~رضى. فإن الناس في ذلك رجلان: رجل أصل طباعه الشراسة، فهو كالحية التي لو ~~وطئها الواطىء فلم تلدغه-: لم يكن جديدا أن يغره ms064 ذلك منها فيعود لوطئها ~~ثانية. ورجل أصل طباعه السهولة، فهو كالصندل البارد الذي إذا أفرط في حكه ~~عاد حارا «2» مؤذيا. # وقالوا: قلوب الرعية خزائن ملكها «3» ، فما استودعها من شيء فليعلم أنه ~~فيها. وإنما سلطان الملك على الأجساد دون القلوب، فإن غلب الناس على ذات ~~أيديهم فلن يقدر أن يغلبهم على قلوبهم. # وقالت الحكماء: عمود الدنيا وصلاح الدين: في مملكة عادلة، وسلطان ورع ~~قوي، ورعية طائعة. # قلت: أذكرني قول الحكيم: «إنما سلطان الملك على الأجساد دون # PageV01P072 # القلوب» أمرا شهدته بمصر في سنة سبع وأربعين وخمس مائة، وهو: أن رسول ملك ~~الحبشة وكتابه وصل إلى الملك العادل «أبي الحسن علي بن السلار «1» » رضي ~~الله عنه، فسأله أن يأمر البطرك بمصر أن يعزل بطرك الحبشة- وتلك البلاد ~~كلها مردودة إلى نظر بطرك مصر- فأمر الملك العادل بإحضار البطرك، فحضر وأنا ~~عنده، فرأيت شيخا نحيفا مصفرا، فأدناه حتى وقف عند باب المجلس، فسلم، ثم ~~انحرف فجلس على دكل «2» في الدار، ونفذ إليه يقول له: ملك الحبشة قد شكا من ~~البطرك الذي يتولى بلاده، وسألني في التقدم إليك بعزلة. فقال: يا مولاي، ما ~~وليته حتى اختبرته، ورأيته يصلح للناموس الذي هو فيه، وما ظهر لي من أمره ~~ما يوجب عزله، ولا يسعني في ديني أن أعمل فيه بغير الواجب، ولا يجوز لي أن ~~أعزله. فاغتاظ الملك العادل- رحمه الله- من قوله، وأمر باعتقاله، فاعتقل ~~يومين. ثم أنفذ إليه- وأنا حاضر- يقول له: لا بد من عزل هذا البطرك لأجل ~~سؤال ملك الحبشة في ذلك. فقال: يا مولاي، ما عندي جواب غير ما قلته لك، ~~وحكمك وقدرتك إنما هي على الجسم الضعيف الذي بين يديك، وأما ديني فما لك ~~عليه سبيل، والله ما أعزله ولو نالني كل مكروه. فأمر الملك العادل- رحمه ~~الله- بإطلاقه، واعتذر إلى ملك الحبشة. # رجع القول إلى السياسة. # PageV01P073 # قال الحكيم: اعلم أن الملوك ثلاثة: ملك دين، وملك حزم، وملك هوى. فأما ~~ملك الدين فإنه إذا أقام لأهله دينهم، كان «1» دينهم هو الذي يعطيهم الذي ~~لهم، ويلحق بهم الذي عليهم-: أرضاهم ms065 ذلك، وأنزل الساخط منهم منزلة الراضي ~~في الإقرار والتسليم. وأما ملك الحزم فإنه يقوم به الأمر، ولا يسلم من ~~الطعن والسخط، ولن يضر طعن مع حزم القوي. وأما ملك الهوى فلعب ساعة ودمار ~~الدهر. # وقال الحكيم: أمر «2» ما يحتاج إليه الملك من أمر الدين والدنيا رأيان: ~~رأي يقوي سلطانه، ورأي يزينه في الناس. ورأي القوة أحقهما في التبدية، ~~وأولاهما بالأثرة، ورأي التزيين أحضرهما حلاوة «3» ، وأكثرهما أعوانا، مع ~~أن القوة من الزينة، والزينة من القوة، ولكن الأمر ينسب إلى معظمه. # وقال الشاعر: # ركوبك الهول ما أيقنت فرصته ... جهل، ورأيك بالإقحام تغرير # فاعمل صوابا تجد بالحزم مأثرة ... فلن يذم لأهل الحزم تدبير # فإن ظفرت مصيبا أو هلكت به ... فأنت عند ذوي الألباب معدور # وإن ظفرت على جهل فعشت به ... قالوا: جهول أعانته المقادير! # PageV01P074 # وقال آخر: # إذا الأمر أشكل إنفاذه ... ولم تر منه سبيلا فسيحا # فشاور بأمرك في سترة ... أخاك أخاك اللبيب النصيحا # فربتما فرج «1» الناصحون ... وأبدوا من الرأي رأيا صحيحا # ولا يلبث المستشير الرجال ... إذا هو شاور أن يستريحا # وقال آخر: # تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت ... فإن تولت فبالأشرار تنقاد # لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا «2» # PageV01P075 ### $ 3- باب الكرم ### | مما ورد فى الكتاب العزيز # قال الله عز وجل في سورة البقرة: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم ~~من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، والكافرون هم الظالمون ~~[254] . # ومنها: مثل «1» الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة؛ والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم [261] ~~الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [262] . # ومنها: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من ~~الأرض، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه، ~~واعلموا أن الله غني حميد [267] الشيطان يعدكم الفقر ms066 ويأمركم بالفحشاء، ~~والله يعدكم مغفرة منه وفضلا، والله واسع عليم [268] . # ومنها: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله، وما ~~تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون [272] . # ومن سورة آل عمران: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من # PageV01P076 # فضله هو خيرا لهم، بل هو شر لهم، سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ~~ميراث السماوات والأرض، والله بما تعملون خبير [180] . # ومن سورة النساء: إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا [36] الذين يبخلون ~~ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله، وأعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا [37] . # ومن سورة إبراهيم «1» : قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما ~~رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال [31] . # ومن سورة بني إسرائيل: قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم ~~خشية الإنفاق، وكان الإنسان قتورا [100] . # ومن سورة سبأ: قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده «2» ويقدر له، وما ~~أنفقتم من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين [39] . # ومن سورة يس: وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين ~~آمنوا: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه؟ إن أنتم إلا في ضلال مبين [47] . # ومن سورة محمد صلى الله عليه وسلم: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو، وإن ~~تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسئلكم أموالكم [36] إن يسئلكموها فيحفكم ~~«3» تبخلوا ويخرج أضغانكم [37] ها أنتم هؤلاء # PageV01P077 # تدعون لتنفقوا في سبيل الله «1» ، فمنكم من يبخل، ومن يبخل فإنما يبخل عن ~~نفسه، والله الغني وأنتم الفقراء، وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم [38] . # ومن سورة الحديد: وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله، ولله ميراث السماوات ~~والأرض، لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من ~~الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلا وعد الله الحسنى، والله بما تعملون خبير ~~[10] . # ومنها: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن ~~نبرأها، إن ذلك على الله ms067 يسير [22] لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا ~~بما آتاكم، والله لا يحب كل مختال «2» فخور [23] الذين يبخلون ويأمرون ~~الناس بالبخل، ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد [24] . # ومن سورة التغابن: فاتقوا الله ما استطعتم، واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا ~~لأنفسكم، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون # [16] . ### | ومن الأحاديث # 26* عن علي بن زيد بن جدعان «3» قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إن الله تعالى # PageV01P078 # ليحب [أن] «1» يرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه» «2» . # وعن ابن جريج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى ليحب ~~البيت* 27 الخصب «3» » . # وعن عطاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال: أحب الطعام إلى الله ~~تعالى ما كثرت عليه الأيدي «4» . # وعن شهر بن حوشب قال: كان يقال: إذا اجتمع للطعام أربع «5» فقد كمل «6» ~~كل شيء: إذا كان أوله حلالا، وذكر اسم الله تعالى عليه حين يوضع، وكثرت ~~عليه الأيدي، وحمد الله تعالى حين يفرغ منه. # وعن جابر بن عبد الله رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«كفى بالمرء* 28 شرا أن يتسخط ما قرب إليه «7» » . # PageV01P079 # وقال جابر رحمه الله: هلاك بالرجل يدخل عليه الرجل من إخوانه فيحتقر ما ~~في بيته أن يقدمه له، وهلاك بالقوم أن يحتقروا ما قرب إليهم «1» . # وعن الأصمعي عن إسحق بن إبراهيم قال: دخلنا على كهمس العابد رحمه الله، ~~فقدم إلينا إحدى عشرة تمرة حمراء، وقال: هذا الجهد «2» من أخيكم، والله ~~المستعان. # وقال الأحنف بن قيس: ثلاث ليس فيهن انتظار: الجنازة «3» إذا وجدت من ~~يحملها. والأيم «4» إذا أصبت لها كفؤا. والضيف إذا نزل لم ينتظر له الكلفة. # وعن بكر بن عبد الله المزني «5» رحمه الله قال: إذا أتاك الضيف فلا تنتظر ~~به ما ليس عندك وتمنعه ما عندك، قدم له ما حضر، وانتظر بعد ذلك ما تريد من ~~إكرامه. # وقال أبو خلدة «6» : دخلنا على محمد بن سيرين رحمه الله أنا وعبد الله ~~«7» بن عون فقال: ما أدري ما ms068 أتحفكم؟ كل منكم في بيته خبز ولحم، ولكن # PageV01P080 # سأطعمكم شيئا لا أراه في بيوتكم، فجاء بشهدة «1» ، فكان يقطع بالسكين ~~ويلقمنا. # وعن الأعمش عن خيثمة «2» قال: كان عيسى ابن مريم صلى الله عليه إذا دعا ~~أصحابه قام عليهم، ثم قال: هكذا اصنعوا بالقرى. # وعن أبي هريرة رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من ~~السنة أن* 29 يمشي الرجل مع ضيفه إلى باب الدار «3» » . # عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: «لما قدم وفد النجاشي على النبي* 30 صلى ~~الله عليه وسلم قام يخدمهم، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله، قال: ~~إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، فأنا أحب أن أكافئهم «4» » . # وسئل مجاهد رحمه الله عن قول الله تعالى: ضيف إبراهيم المكرمين # [الذاريات 24] قال: خدمته إياهم بنفسه «5» . # عن ثابت البناني رحمه الله قال: جئت إلى أنس بن مالك رحمه الله لأبيت ~~عنده، فلما تعشينا جاء الغلام بالطست، فوضعه بين يدي أنس، فأخذه أنس، وضعه ~~بين يدي، فرددته إليه، فقال لي: يا ثابت، إذا دخلت # PageV01P081 # على أخيك المسلم فأكرمك فاقبل كرامته: حيث أجلسك فاجلس، وما قدم إليك ~~فكل، فإن المؤمن إنما يكرم ربه عز وجل «1» . # 31* وعن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ~~وضعت المائدة فليأكل الرجل مما يليه، ولا يرفع يديه وإن شبع، وليعذر، فإن ~~ذلك يخجل جليسه» . التعذير: التقصير. «2» # وكان بعض السلف رضي الله عنهم يقول: مؤاكلة الأسخياء دواء، ومؤاكلة ~~البخلاء داء. # وروي: الخير أسرع إلى البيت الذي يطعم فيه الطعام من السيل إلى مستقره ~~«3» . # 32* وعن عبد الله بن عمرو رحمه الله: «أن رجلا سأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتفشي السلام على من عرفت ومن لم تعرف ~~«4» » . # 33* وعن أبي هريرة رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا ~~إن كل جواد في الجنة، حتم على الله تعالى، وأنا به كفيل. ألا وإن كل بخيل ~~في النار حتم على ms069 الله تعالى، وأنا به كفيل. قالوا: يا رسول الله: من ~~الجواد، ومن البخيل؟ # PageV01P082 # قال: الجواد من جاد بحقوق الله في ماله، والبخيل من منع حقوق الله تعالى ~~وبخل على ربه. وليس الجواد من أخذ حراما وأنفق إسرافا «1» » . # وعن أبي هريرة رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ~~السخي* 34 قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار. وإن ~~البخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار. # ولجاهل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل. وأكبر الداء البخل «2» » ~~وعن عبد الله بن عمرو رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«خلقان يحبهما* 35 الله عز وجل، وخلقان يبغضهما الله عز وجل: فأما اللذان ~~يحبهما الله تعالى فالسخاء وحسن الخلق. وأما اللذان يبغضهما الله عز وجل ~~فالبخل وسوء الخلق. # وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله على قضاء حوائج الناس «3» » . # رفع الواقدي رحمه الله إلى المأمون رقعة يذكر فيها كثرة الدين وقلة* 36 ~~صبره عليه. فوقع فيها المأمون: أنت رجل فيك خلتان: السخاء والحياء. # فالسخاء أطلق ما في يديك، والحياء منعك من إبلاغنا ما أنت عليه. وقد أمرت ~~لك بمائة ألف، فإن كنت أصبت إرادتك فازدد في بسط يدك «4» وإن لم # PageV01P083 # أصب إرادتك فبجنايتك على نفسك. وأنت كنت حدثتني- إذ كنت على قضاء الرشيد- ~~عن محمد بن اسحق عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إن مفاتيح أرزاق العباد بإزاء العرش، يبعث الله عز وجل إلى عباده على ~~قدر نفقتهم، فمن قلل قلل له، ومن كثر كثر له» . # فقال الواقدي: فلمذاكرة أمير المؤمنين أعجب إلي من الجائزة. # 37* وعن جابر بن عبد الله رحمه الله قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الإيمان؟ # فقال: الصبر والسماح» . # وعن الحميدي قال: قدم الشافعي رضي الله عنه مرة من اليمن، ومعه عشرون ألف ~~دينار، فضرب خيمته خارجا من مكة، وأقام حتى فرقها كلها. ms070 # 38* وعن أبي الحسن المدائني عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه اطلع من ~~وافد قوم على كذبة، فقال: لولا سخاء فيك ومقك الله «1» عليه لشردت بك من ~~وافد قوم «2» » . # وقال: أوحى الله تبارك وتعالى إلى موسى عليه السلام: أن لا تقتل السامري، ~~فإنه سخي. # وقيل للحسن بن علي رضوان الله عليهما: من الجواد؟ قال: الذي لو كانت ~~الدنيا له فأنفقها لرأى على نفسه بعد ذلك حقوقا. # وقال أبو الحسن المدائني: تحمل الهذيل بن زفر بن الحارث ديات # PageV01P084 # قومه، فأتى يزيد بن المهلب، فقال: أصلحك الله، إنه قد عظم شأنك عن أن ~~يستعان بك أو يستعان عليك، ولست تصنع شيئا من المعروف إلا أنت أعظم منه، ~~وليس العجب أن تفعل، إنما العجب أن لا تفعل! فقال: حاجتك؟ # فسأله أن يعينه في الديات التي تحمل، فأمر له بها وبمائة ألف درهم، فقبل ~~الديات ولم يقبل المائة ألف درهم، وقال: ليس هذا موضعها «1» . # ودعا الحسن رحمه الله حجاما ليسوي من شار به، فأعطاه درهمين، فقيل له في ~~ذلك: فقال لا تدنقوا فيدنق عليكم «2» . # وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: رب رجل فاجر في دينه، أخرق «3» في ~~معيشته-: يدخل بسماحه الجنة. # وقال شيخ من بني عمرو بن كلاب: خرج عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما يريد ~~الشأم، فألجأه المطر إلى أبيات، فإذا قبة حمراء بفنائها رجل ينادي: الذرى ~~الذرى «4» ! قال عبد الله: فأنخنا فدخلنا القبة، وحط عن رواحلنا، ثم أتى ~~بجزور فنحرها، فبتنا في شواء وقديد «5» وتحدث معنا من الليل هنيهة ثم ~~انصرف. فلما أصبح وقف عن القبة «6» ، وسألنا عن تنبيتنا؟ # PageV01P085 # وانصرف، فأتى بجزور فعقرها، فقلنا: رحمك الله ما تريد إلى هذا؟! قال: # كلوا رحمكم الله طريا، فإنا لا نطعم الضيف غابا «1» . قال عبد الله رحمه ~~الله: # فدعوت بثوب فجعلت فيه زعفرانا وصررت في طرف منه مائة دينار، ثم بعثت به ~~إلى أهله، فقالوا: إنا لا نقدر على أخذه إلا بإذنه، فسألته أن يقبله مني، ~~فأبى، فلما ارتحلنا وودعته أمرت فألقي الثوب ms071 بين البيوت، ومضينا. # فإنا لنسير إذ لحقنا على فرس مشرعا رمحه «2» ، قد احمرت عيناه، والثوب ~~بين يديه، فصاح بنا: أغنوا عني هذا «3» ، ونبذه إلينا، وولى وهو يقول: # وإذا أخذت ثواب ما أعطيته ... فكفى «4» بذاك لنائلي تكديرا # عن محمد بن سلام «5» قال: أخبرني أبان بن عثمان قال: أراد رجل أن يضار ~~عبيد الله بن العباس- رضي الله عنهما- فأتى وجوه قريش، فقال: # يقول لكم عبيد الله: تغدوا عندي اليوم. فأتوه فملئت عليه الدار، فقال: # ما هذا؟! فأخبر بما صنع الرجل، وعرف ما أراد. فأمر بالباب فأغلق، وأرسل ~~الى السوق فجيىء بالفاكهة، وأرسل قوما فذبحوا وخبزوا وشووا، فلم ينقض أكلهم ~~الفاكهة حتى جاء الطعام، وكان فيما أتاهم من الفاكهة الأترج والعسل، قال: ~~فأكل القوم حتى صدروا، فقال عبيد الله لو كلائه: أموجود هذا كلما أردت؟ ~~قالوا: نعم، قال: فليتغد عندنا هؤلاء «6» في كل يوم. # PageV01P086 # وقال مصعب الزبيري «1» حج معاوية بن أبي سفيان، فلما انصرف مر بالمدينة، ~~فقال الحسين بن علي لأخيه الحسن- رحمهما الله-: لا تلقه ولا تسلم عليه. ~~فلما خرج معاوية رحمه الله، قال الحسن: يا أخي، إن علينا دينا ولا بد لي أن ~~أذهب إليه، فلحقه بثنية النول «2» ، وهو منحدر على الوادي، فسلم عليه ~~وأخبره بدينه، فمروا ببختي «3» عليه ثمانون ألف دينار، وهو يضلع «4» وهم ~~يزجونه «5» ، فقال معاوية: ما هذا؟ قالوا: أعيى «6» وعليه المال، ونحن ~~نزجيه ليلحق، فقال: اصرفوه إلى أبي محمد «7» ، فدفعه إليه وعليه ثمانون ألف ~~دينار. # قال: لما قدم مصعب بن الزبير «8» - رحمهما الله- من العراق القدمة الأولى ~~مر بالمدينة ليلا، فجاوزها ونزل البيداء، فبلغ عبد الله بن جعفر وعاصم بن ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنهم ما صنع من ذلك، فالتقيا في صلاة الصبح في ~~المسجد، فقال أحدهما لصاحبه: هل لك بنافيه، فلا ينجيه منا ما فعل؟ # فركبا إليه، حتى أتياه بالبيداء خلف الشجرة إلى مكة، فوجدوا فسطاطا ~~مضروبا وقد فرش، فقيل لهما: انزلا حتى يخرج إليكما، فأتاهما يمشي، حتى دخل ~~عليهما الفسطاط، فسلم عليهما وحياهما، ثم قال له عبد الله ms072 بن جعفر: إنه قد ~~بلغنا خبر وأردنا أن نلقيه إليك لتكون منه على علم: إن أخاك عبد الله بن # PageV01P087 # الزبير لا يضع عبد الله بن أبي فروة «1» من لسانه، فجعل عليه: لئن أظفره ~~الله به ليقطعن يده وليأتين على ما وراء ظهره، فخذ حذرك، فإنما يريد قتلك. # فأمر مصعب براحلتين فرحلتا «2» ، ثم قال: علي بعبد الله بن أبي فروة، ~~فأتاه عبد الله بن أبي فروة، فقال له: إنه بلغني أن أمير المؤمنين عليك ~~غضبان، ولا قرار على غضبه، فعزمت عليك إلا ركبت وعون معك من أعوانك هاتين ~~الراحلتين، ثم مضيت حتى تدفع يدك في يده، ثم لا يسألك «3» عن شيء إلا صدقته ~~عنه، اركب، فركب ومضى لوجهه. ثم أقبل مصعب على عبد الله بن جعفر وعلى عاصم، ~~فقال: كأني بكما التقيتما في المسجد، فذكرتما مروري بالمدينة ليلا، ثم ~~تجاوزتها ولم أنزل بها، غير صلاة صليتها في مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقلتما: لا ندعه، ولنغيظنه؟! والله ما يغيظني من أمير المؤمنين شيء، ~~وما عندنا إلا السمع والطاعة، ولكني أعتذر إليكما: إنه كتب إلي يأمرني أن ~~أطوي المدينة فلا أجعلها منزلا حتى يكون منزلي البيداء، ثم لا أريمها «4» ~~حتى يأتيني أمره، فلم أجاوز ما أمرني به، وما أجهل حقوقكما وما يجب لكما ~~علي، يا عاصم، احتكم وسل ما شئت. فجعل عاصم يقول كذا وكذا، حتى ذكر الغلة ~~والماشية والرقيق وما يحتاج إليه الانسان، فقال: قوم هذا، قال: # عشرين ألف دينار، قال: هي لك، قال: وصلتك رحم أيها الأمير. ثم أقبل على ~~عبد الله بن جعفر وقال: هي لك وضعفها، فقال له عبد الله: ما منعك أن # PageV01P088 # تحكمني كما حكمت صاحبي؟! قال: أنا أعرف سرفك! ولك في هذا مقنع! قال: أما ~~لو فعلت لأخرجتك صفرا، أو لألحقتك عجزا! فأمر لهما بالمال وانصرفا. # قال: قدم المغيرة بن خنساء- أظنه «ابن حبناء» - «1» - على طلحة الطلحات ~~«2» يطلب صلته فأخرج إليه حجري ياقوت في درج «3» ، فقال: أيما أحب إليك: ~~عشرة آلاف «4» ، أو هذان الحجران؟ فقال: ms073 # ما كنت لأختار الحجارة على الدراهم! فأعطاه عشرة آلاف «5» درهم فقال: # إن نفسي قد تتبعت أحد «6» الحجرين، فدفعهما إليه «7» ، فقال المغيرة: # أرى الناس عاضوا ثم غاضوا «8» ولا أرى ... بني خلف إلا رواء الموارد # إذا نفعوا عادوا لمن ينفعونه ... وكائن ترى من نافع غير عائد # وقال مصعب: قدم الراعي «9» على سعيد بن عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد # PageV01P089 # بن أبي العيص «1» ، فأنشده مديحه، فقال له: حاجتك؟ قال: ثلاثة آلاف «2» ~~دينار، فأمر له بها. فقال: حاجة أخرى. قال: ما هي؟ قال: ترحلني الساعة، ~~فرحله إلى أهله، فقال: # وأنضاء «3» أنخن «4» إلى سعيد ... طروقا ثم عجلن ابتكارا # حمدن مزاره ورضين منه «5» ... عطاء لم يكن عدة ضمارا «6» # قال أبو الحسن المدائني: لقي ابن أبي بكرة سعيد بن عثمان بن عفان «7» رضي ~~الله عنهم- وقد ولاه معاوية خراسان، وابن أبي بكرة يريد المدينة- فرأى خباء ~~مضروبا رثا، فقال: لمن هذا؟ قالوا: لسعيد بن عثمان بن عفان، يريد خراسان. ~~فمشى إليه، وقال: أنت ابن أمير المؤمنين عثمان والي خراسان في هذه الهيئة؟! ~~اجعل طريقك بالبصرة، وأكتب إلى وكيلي يجهزك. # فكتب إلى وكيله سليم الناصح: أن أعطه عشرين ألفا وعشرين عبدا وعشرين ~~برذونا وعشرين بعيرا وعشرين طيلسانا. فظن سعيد «8» بن عثمان بن عفان # PageV01P090 # رحمه الله أنه يهزأ به، فدخل البصرة، فنزل على مولى لعثمان بن عفان رحمه ~~الله، وقال: إن ابن أبي بكرة قد كتب إلى وكيله بشيء، أفتراه ينفذ ما كتب ~~به؟ # فأرسل إلى وكيله، فأعطاه الكتاب، فقال: أجلني جمعة، فأجله، فأتاه بما في ~~الكتاب. ثم قال له سليم: ألك حاجة؟ فقال له سعيد: ولو كانت لي حاجة كنت ~~تقضيها؟ قال: أما في مثل ما أعطاك مولاي ما كنت لأفعل، فقال سعيد: ما أدري ~~أيكما أكرم؟!. # عن سليمان بن عياش قال: قال إبراهيم بن هشام- وكان في مال له قريبا من ~~أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة: - هل لكم أن أبخل أبا عبيدة «1» بن عبد ~~الله؟! فركب إليه في سبعين راكبا، وأبو عبيدة «2» بما له بالفرش «3» ، ~~فوافاه قبل طلوع ms074 الشمس؛ فقال له: أصلحك الله، انزل بنا، قال: لسنا ننزل، ~~ولكن عجل لنا ما حضر، فوافاهم بسبعين رأسا قد شويت من الليل، فغاظه ما رأى ~~من تعجيل ذلك عليه، فانصرف ولم يأكل عنده شيئا. # قال أبو الحسن المدائني: قال عبد الله بن عباس رحمه الله: لقد رأيت من. # عبد الله بن عامر «4» منظرا وددت أني كنت فعلته! كنا في الربيع في ~~المسجد، # PageV01P091 # فنشأت سحابة فأمطرت فتقوضت الحلق «1» ، فدعا ابن عامر بطيالسة، فألقى على ~~كل رجل من جلسائه طيلسانا مطبقا، ثم لم تلبث أن تجلت، فقال: قوموا بها. # قال مصعب الزبيري: حدثني مصعب بن عثمان قال: كان قيس بن سعد بن عبادة ~~رحمه الله بعين «2» ، وكان بينه وبين رجل عداوة، وكان لقيس على الناس دين ~~كثير، فذهب الرجل إلى الناس، فقال: يدعوكم قيس، فحضره ناس كثير، فقال: ما ~~بال الناس؟! فأخبر بذلك، فأخذ صكاكا كانت عنده بعشرين ألف دينار فقال: هذه ~~لكم، فتوزعوها بينكم. # قال: وباع ثابت بن عبيد الله دار الشقاق من مقاتل بن مقاتل «3» بنسيئة ~~«4» ، ثم تقاضاه، فلزمه في مسجد ابن أبي عبيدة «5» ، فرأى عبيد الله ~~مقاتلا، فقال له: مالك يا أبا المهاجر؟ قال: لزمني ابنك، قال: بم؟ قال: ~~بثمن دار الشقاق «6» ، قال: يا ثابت، ما وجدت محبسا لغرمائك «7» إلا داري؟ ~~ادفع إليه صكه وأعوضك، فعوضه عنها. # PageV01P092 # كان الحزين الكناني «1» مع قوم من أهل المدينة يقامر، فقمر ثيابه، فكان ~~عريانا في جانب البيت، وكانوا بالعقيق، فبيناهم كذلك إذ أقبل عبد الله بن ~~جعفر رضي الله عنهما، فقال الحزين: أعطوني ثوبا حتى ألقاه، فلعله يخلف علي ~~ثيابي، فما أمنوه حتى تبعه رجل يمسك بطرف رداء أعاروه «2» إياه، فقال له: # أقول له حين واجهته: ... عليك السلام أبا جعفر # قال: وعليك السلام، فقال: # فأنت المهذب من هاشم ... وفي البيت منه الذي يذكر # فقال: كذبت! ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: # فهذي ثيابي قد أخلقت وقد عضني زمن منكر قال: فثيابي لك بها، وانصرف حتى ~~أتى منزله، وبعث إليه بثيابه التي ms075 كانت عليه. # قال أبو الحسن المدائني: كان لبيد بن ربيعة «3» لا يمر به يوم إلا أراق ~~فيه دما، وكان يفعل ذلك إذا هبت الرياح، وربما ذبح العناق إذا أضاف، فصعد ~~الوليد بن عقبة المنبر وقد هبت الرياح، فقال: أعينوا أبا عقيل على مروءته، ~~وبعث إليه بمائة ناقة، فلما جاءته قال لابنته: أجيبيه عني، وكان لبيد قد ~~ترك قول الشعر، فقالت ابنته: # إذا هبت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبتها الوليدا # PageV01P093 # طويل الباع أبيض عبشميا «1» ... أعان على مروءته لبيدا # بأمثال الهضاب كأن ركبا ... عليها من بنى حام قعودا # أبا وهب جزاك الله خيرا ... نحرناها وأطعمنا «2» الثريدا # فعد إن الكريم له معاد ... وظني يابن أروى أن تعودا # فقال لها أبوها لبيد: أحسنت، لولا أنك سالت! فقالت: إن الملوك لا يستحي ~~من مسئلتهم، قال: وأنت في هذه أشعر. # قال: خرج عبد الرحمن بن هشام في بعض طرقه، ثم انصرف على طريق الكوفة، فمر ~~بالوليد بن عقبة، فلما صار بقصر ابن مقاتل «3» أنفض «4» من الزاد، فبعث إلى ~~الوليد بن عقبة براحلتين، ولم يدخل الكوفة، ومضى على طريق المدينة، وقال: ~~إنا أرملنا من الزاد، فابعث إلينا من زاد العراق، فبعث إليه عليهما ستين ~~ألف درهم. # قال أبو الحسن المدائني: بلغني أن أسد بن عبد الله قدم خراسان، ومعه ~~مرزبان مرو الروذ، فلما صار بأصبهان «5» بعث إلى واليها خالد بن ورقاء # PageV01P094 # الرياحي «1» : أن ابعث إلينا من شهد بلادك. فنظر خالد فوجد في بيت المال ~~سبع مائة ألف درهم، فأمر بحملها إليه، وكتب إليه: إني قد بعثت إليك بجميع ~~ما كان عندي من الشهد، ولو حضرني أكثر منه لبعثت [اليك] به. فقال المرزبان: ~~لست أعجب من قدر المال، ولكن من بعثه كل شيء عنده! قال ابن عائشة: كان طلحة ~~بن عبد الله «2» بن عوف جوادا، وولي المدينة، وأنشدني بعض قريش فيه: # يا طلح أنت أخو الندى وعقيده ... إن الندى إن مات طلحة ماتا «3» # إن الفعال إليك أطلق رحله ... فبحيث بت من المنازل باتا # قال: وقدم الفرزدق المدينة ms076 وقد مات طلحة، فقال: يا أهل المدينة، أنتم أذل ~~قوم في الأرض. قالوا: وما ذاك؟ قال: غلبكم الموت على طلحة!. # قال مصعب بن عبد الله الزبيري: حدثني مصعب بن عثمان عن نوفل بن عمارة ~~قال: بلغني أن رجلا من قريش من بني أمية بن عبد شمس، له قدر وخطر، لم يسم ~~لي-: رهقة «4» دين، وكان له مال من نخل وزرع، فخاف أن يباع ماله عليه، فشخص ~~من المدينة يريد الكوفة، يعمد «5» خالد # PageV01P095 # بن عبد الله القسري- وكان واليا لهشام بن عبد الملك على العراق، وكان يبر ~~من قدم عليه، من قريش- فخرج الرجل إليه، وأعد له الهدايا من طرف المدينة، ~~فسار حتى قدم فيدا «1» فأصبح بها، فنظر إلى فسطاط عنده جماعة، فسأل عنه؟ ~~فقيل له: الحكم بن المطلب بن حنطب «2» ، فلبس نعليه ثم خرج حتى دخل عليه، ~~فلما رأه قام إليه فتلقاه وسلم عليه، وأجلسه في صدر فراشه، ثم سأله عن ~~مخرجه؟ فأخبره بدينه وما أراد من إتيان خالد بن عبد الله القسري، فقال له ~~الحكم: انطلق بنا إلى منزلك، فلو علمت بمقدمك لسبقتك إلى إتيانك، فمضى معه ~~حتى أتى منزله، فرأى الهدايا التي أعد لخالد، فتحدث معه ساعة ثم قال: إن ~~منزلنا أحضر عدة، وأنت مسافر ونحن مقيمون، فأقسمت عليك إلا قمت معي إلى ~~المنزل وجعلت لنا من هديتك نصيبا، فقام معه، وقال: خذ منها ما أحببت، فأمر ~~بها فحملت إلى منزله، وجعل الرجل يستحي أن يمنعه شيئا منها، حتى صار معه ~~إلى منزله، فدعا بالغداء فتغدى «3» ، وأمر بالهدايا ففتحت، فأكل منها هو ~~ومن حضر، ثم أمر ببقيتها فرفع إلى خزانته، وقام الناس. ثم أقبل على الرجل ~~فقال: أنا أولى بك من خالد وأقرب # PageV01P096 # إليك «1» رحما ومنزلا، وهاهنا مال للغارمين أنت أولى الناس به، ليس عليك ~~فيه منة إلا لله تعالى، يقضى به دينك. ثم دعا بكيس فيه ثلاثة ألاف «2» ~~دينار، فدفعه إليه، وقال: قد قرب الله عليك الخطوة، فانصرف إلى أهلك مصاحبا ~~«3» محفوظا. فقام الرجل من عنده وهو يدعو «4» ويشكر، ms077 ولم يكن له همة إلا ~~الرجوع إلى أهله، وانطلق الحكم معه ليشيعه، فسار معه، ثم قال: # لكأني بزوجتك قد قالت لك: أين طرائف العراق؟ أما كان لنا معك نصيب؟! ثم ~~أخرج صرة فيها خمس مائة دينار، وقال: أقسم عليك إلا جعلت لها هذه عوضا عن ~~هدايا العراق. وودعه وانصرف. # قال مصعب «5» : كان الحكم بن المطلب من أبر الناس بأبيه، وكان أبوه- ~~المطلب بن عبد الله- يحب ابنا له يقال له «الحارث» حبا شديدا مفرطا، وكانت ~~بالمدينة جارية مشهورة بالجمال والفراهة، فاشتراها الحكم من أهلها بمال ~~عظيم، فقال له أهلها- وكانت مولدة عندهم-: دعها عندنا حتى نصلح من شأنها، ~~ثم نزفها إليك بما تستأهل الجارية منا، فإنما هي لنا ولد. # فتركها عندهم حتى أصلحوا حالها، ثم نقلوها كما تزف العروس إلى زوجها، ~~وتهيأ الحكم بأجمل ثيابه وتطيب. ثم انطلق، ثم بدأ بأبيه ليراه في تلك # PageV01P097 # الهيئة ويدعو له- تبركا بدعائه- حتى دخل عليه وعنده الحارث بن المطلب ~~أخوه. فلما رآه أبوه في تلك الهيئة أقبل عليه فقال: إن لي حاجة. قال: # ما تقول يا أبه؟! إنما أنا عبدك، فمرني بما أحببت. قال: تهب جاريتك هذه ~~للحارث أخيك، وتعطيه ثيابك هذه التي عليك، وتطيبه من طيبك، وتدعه حتى يدخل ~~على هذه الجارية، فإني لا أشك أن نفسه قد تاقت إليها! فقال له الحارث: لم ~~تكدر على أخي وتفسد عليه قلبه؟! وذهب يريد يحلف. فبدره «1» الحكم، فقال: هي ~~حرة إن لم تفعل ما أمرك به أبي، فإن قرة عيني أسر إلي «2» من هذه الجارية. ~~وخلع ثيابه فألبسه إياها، وطيبه، ودفع إليه الجارية!! قال: وكان الحكم بعد ~~حاله هذه قد تخلى «3» من الدنيا، ولزم الثغور، حتى مات بالشام بمنبج «4» . ~~وأمه السيدة بنت جابر بن الأسود بن عوف الزهرية. # وفي الحكم يقول ابن هرمة «5» : # ماذا بمنبج لو تنبش مقابرها ... من المقدم «6» بالمعروف والكرم؟ # PageV01P098 # سالوا عن المجد والمعروف: «ما فعلا؟» ... فقلت: «إنهما ما تامع الحكم» ~~«1» . # قال مصعب الزبيري: وحدثني عبد الله بن مصعب قال: خرج عبيد الله بن عباس- ~~رحمهما الله- يريد معاوية، ms078 فأصابته السماء وهو في أرض قفر ليلا، فرفعت له ~~نار، فقال لغلامه مقسم «2» : أقصد بنا النار، فأتاها، فاذا شيخ معه أهله، ~~وكان عبيد الله من أجمل الناس، فلما رآه الشيخ أعظمه، وقال لامرأته: إن كان ~~هذا قرشيا فهو من بني هاشم، وإن كان يمانيا فهو من بني آكل المرار «3» ، ~~فهيئي لنا غنزك أقضي بها ذمامه، فقالت له امرأته: اذا تموت ابنتي من الجوع، ~~قال الشيخ: الموت خير من اللؤم «4» ، فأخذ الشفرة وقام إلى العنز وهو يقول: # قرينتا «5» لا توقظي بنيه» # إن توقظيها تنتحب عليه # وتنزع الشفرة من يديه ... أبغض بهذا وبذا إليه # فذبحها، وحدث عبيد الله حتى نضجت، فأكل عبيد الله منها وبات ليلته، فلما ~~قرب الرحيل قال لمقسم: كم معك من نفقتنا؟ قال: خمس مائة دينار، قال: ألقها ~~إلى الشيخ، قال مقسم: سبحان الله! إنما كان يكفيه أن # PageV01P099 # تضعف «1» له ثمن عنزه، والله ما يعرفك، ولا يدري من أنت!! قال: # لكني أعرف نفسي، وأدري من أنا! هذا لم يكن له من الدنيا غير هذه العنز، ~~فجاد لنا بها وهو لا يعرفنا، فخرج من دنياه، وأعطيناه بعض دنيانا، فهو أجود ~~منا «2» ! وسار عبيد الله حتى قدم على معاوية، وقضى حوائجه، فلما انصرف ~~قال: يا مقسم، مر بنا على الشيخ ننظر كيف حاله «3» فإذا إبل عظيمة، وأنشده ~~الشيخ شعرا قال فيه: # توسمته لما رأيت مهابة ... عليه وقلت: المرء من آل هاشم # وإلا فمن آل المرار فإنهم ... ملوك ملوك من ملوك خضارم «4» # فقمت إلى عنز بقية أعنز ... فأذبحها فعل امرىء غير عاتم «5» # فعوضني منها غناي ولم تكن ... تساوي عناقي غير خمس دراهم «6» # فقلت لعرسي- في الخلا- وصبيتي: ... أألحق هذا أو هو أضغاث حالم «7» ؟! # فقالوا جميعا: لا، بل الحق هذه ... يخب بها الركبان وسط المواسم # بخمس مئين «8» من دنانير عوضت ... من العنز، ما جادت بها كف حاتم # PageV01P100 # [فلما «1» ] ارتحل عبيد الله سار الشيخ في العرب بالذي صنع عبيد الله، ~~[زبلغ «2» ] ذلك معاوية، فقال: لله عبيد الله! من أي بيضة خرج، ومن أي عش ~~درج! وهذا ms079 لعمري من فعلاته!! أذكرني قول مقسم مولى «3» عبيد الله بن عباس ~~رضي الله عنهما-: # شيئا جرى لي، وإن لم يكن من باب الكرم. قلت يوما لمؤدبي- الشيخ العالم ~~أبي عبد الله محمد بن يوسف المعروف بابن المنيرة «4» : - يا شيخ أبا عبد ~~الله، لو ركبت حصانا، ولبست كزاغندا «5» واعتقلت رمحا، ووقفت في طريق مسجد ~~القاضي- وكان الإفرنج يدخلون من هناك لقتالنا- لكنت تردهم وتمنعهم؟! قال: ~~لا والله، وإلا كانوا يجوزون كلهم! قلت: كانوا يبصرون هيكلك- وما يعرفونك- ~~فيخافون منك! قال: سبحان الله! إن لم يعرفوني أنا ما أرف نفسي؟!! «6» قال ~~الهيثم بن عدي: حدثني أبو جهضم- شيخ من بني العنبر- عن أبيه قال: أقبل عبيد ~~الله بن أبي بكرة- رحمه الله- مرة من العراق، فمر بنا في منازلنا، ونحن ~~بالجبانة، فإذا شاب من الحي قد كان يختلف إليه، فلما # PageV01P101 # رآه قال: أبا حاتم، فداك أبي وأمي، طعام حاضر، فلو نزلت «1» له؟! فنزل، ~~قال: وأمه تخبز، فقام إلى داجنة له فذبحها، وقال لأخيه: اكشط جلدها، ودخل ~~عبيد الله منزله، فجاءه ببساط، وما جعل تحته فراش ولا مصلى، إلا أنه أتاه ~~بمرفقة «2» فاتكأ «3» عليها، وجلس أصحابه، وسلخت الشاة، وجعلت في التنور، ~~وأخرج الخبز حارا ففته، ثم كدر «4» عليه السمن، ثم علاه بالسمن على الشاة، ~~ثم جاء بالجفنة يحملها حتى وضعها بين يديه، فقال عبيد الله: # ما أكلت قط طعاما أطيب من هذا، ثم دعا بتمر برني «5» وزبد، فأكل، ثم توضأ ~~«6» وركب. فقلت: ويحك! ما صنعت! أمثل عبيد الله يدخل منزلك ثم أجلسته على ~~بساط؟! فقال: قد علم أني لم آله تكرمة، وإني أتيته بما عندي، وقد ذبحت له ~~فلانة الداجنة، قال: فأقمنا يومين، ثم جاء رسوله فدعاه، فقال له: والله ما ~~زلت معجبا بك! ثم سرني إلقاؤك «7» الحشمة فيما بيني وبينك، وقد رأيت أمرا ~~غمني، خذ هذه الخمسة آلاف «8» درهم فابتع بها سوارا لابنتك، وهذه الثلاثون ~~ألف درهم فأقم بها وجهك، وهذه الخمسة آلاف «9» درهم فابن بها دارك، وهذه ~~خمسون جريبا «10» قد أمرت لك بها. قال أبو جهضم: # فحدثني أبي قال: فرأيته ms080 بعد ذلك وإنه لمن رجال بني تميم يسارا وفضلا ~~وهيبة. # PageV01P102 # عن الهيثم عن صالح بن حسان قال: قدم عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن ~~معاوية بن أبي سفيان رحمه الله، وكان رجلا فقيها فاضلا موسرا كثير الغزو ~~والحج، أعطى حتى بلغت عطاياه قواعد المسجد، قال: فبينا هو يوما يتغدى «1» ~~حيث فرغ من غدائه-: إذ استأذن عليه رجل مكفوف من بني فهر، تقوده أمة سوداء، ~~فقال: يا غلام، طعامك، فأقبل يأكل معه كأنه لم يأكل شيئا، ثم قال: حاجتك، ~~قال: حفظك الله، شيخ من بني فهر، لي أربع بنات، ليس لي ولا لهن إلا الأمة ~~السوداء، فإن خدمتني أضر ذلك بهن، وإن خدمتهن أضر ذلك بي، والله ما أصبحت ~~أملك شيئا، فانظر في حاجتي وصلك الله، فأقبل يعتذر إليه: ويذكر مسيره ومن ~~يأتيه من قومه وما يتكلف، فقلنا: يعطيه خمسة دنانير، فإن أعطاه عشرة فذلك ~~كثير! فقال: # يا غلام، أعطه أربع مائة دينار، وأخدم كل ابنة له خادما، وأعطه قائدا، ~~وأجر عليه من مالنا بالسقيا كذا وكذا وسقا من تمر. فلما نهض الشيخ قيل له: ~~يرحمك الله! اعتذرت إليه فقلنا: يعطيه خمس دنانير فإن زاده أعطاه عشرة ~~دنانير! فقال: إي والله! لأن يكون فعلي أحسن من قولي أحب إلي من أن يكون ~~قولي أحسن من فعلي!! وعن صالح بن حسان قال: لما قدم سليمان بن عبد الملك ~~المدينة أهدى له خارجة بن زيد بن ثابت رحمه الله ألف عرق موز، وألف قرعة ~~عسل أبيض، وألف شاة، ومائة أوزة، وألف دجاجة، ومائة جزور، فقال له سليمان: # PageV01P103 # يا خارجة، أجحفت بنفسك، وما كنت تصنع بهذا في مثل هذا الموضع؟! فقال: يا ~~أمير المؤمنين، قدمت بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت في بني مالك ~~بن النجار، فأنت ضيف، وإنما هذا قرى. قال: يغفر الله لك! هذا أجحف ببني ~~مخزوم، وصلك الله. قال صالح: فقال سليمان: هذا وأبيكم السؤدد! رجل أهدى ~~إلي- فسمى كل ما «1» أهدى له، حتى أتى على آخره- ثم سأل: ما ms081 عليه من الدين؟ ~~فقال: خمسة وعشرون ألف دينار، قال: اقضوها عنه، وأمر له بعشرة آلاف «2» ~~دينار، وهلك خارجة في تلك السنة، حين صدر سليمان عن الحج، سنة تسع وتسعين. # عن عكرمة بن الأغر عن أبيه قال: كان الأشعث بن قيس لا يقدم من سفر فيصلي ~~الفجر إلا كسا «3» أهل المسجد ووصلهم، قال: وكانت لي على رجل من كندة ألف ~~وخمس مائة درهم، فأتيته أتقاضاه، فقال: ما عندي شيء، ولكن الأشعث قد قدم ~~اليوم، وما قدم من سفر قط فصلى الفجر في المسجد-: إلا كسا «4» ووصل، ~~فاحضرنا بالغداة فصل معنا، فإني لأرجو أن تأخذ مالك. قال: فصليت معهم ~~الفجر، فلما سلم الإمام قام رجل فقال: # أيها القوم، أقيموا في صفوفكم. ثم أعطى كل رجل حلة وخمس مائة دره فقال: ~~فجاءني الرجل فأعطاني الخمس مائة درهم التي دفعت إليه، وأعطيت أنا خمس مائة ~~أخرى لنفسي. فانصرفت بألف درهم. # PageV01P104 # وعن أبي المجالد الجهني قال: كان زيد بن وهب «1» إذا خرج عطاؤه لم يدع ~~أحدا من كبار أهل ربيعة إلا كساه ثوبا، ويهب لمن كان صغيرا درهما، فلا ~~والله ما رأيت ألفي درهم أعظم بركة من ألفي درهم زيد بن وهب. # وذلك: أن القبيلة يظلون فرحين من ثياب وطعام ودراهم: الصغير والكبير. # وقدم على مخلد «2» بن يزيد بن المهلب رجل قد كان زاره فأجازه وقضى ~~حوائجه، فلما عاد قال له مخلد: ألم تكن أتيتنا فأجزناك؟ قال: نعم. # قال: فما ردك؟ قال: قول الكميت فيك: # فأعطى ثم أعطى ثم عدنا ... فأعطى «3» ثم عدت له فعادا # مرارا ما أعود إليه إلا ... تبسم ضاحكا وثنى الوسادا # فاضعف له مخلد ما كان أعطاه. # عن إسماعيل بن عبد الله قال: قدم الراعي الشاعر على خالد بن عبد الله ~~القسري ومعه ابنه جندل، فكان يغشاه مع أبيه، ثم فقده، فقال له: ما فعل ~~ابنك؟ فقال: توفي- أصلح الله الأمير- بعد أن زوجته وأصدقته. فأمر له خالد ~~بدية ابنه وصداقه. فقال الراعي: # وديت ابن راعي الإبل إذ حان يومه ... وشق له قبرا بأرضك ms082 لاحد # وقد كان مات الجود حتى نعشته «4» ... وذكيت نار الجود والجود خامد # PageV01P105 # فلا حملت أنثى ولا آب غائب «1» ... ولا ولدت أنثى إذا مات خالد # قال المدائني: خرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر- رضوان الله عليهم- ~~حجاجا، ففاتتهم أثقالهم، فجاعوا وعطشوا، فمروا بعجوز في خباء لها، فقالوا: ~~هل من شراب؟ قالت: نعم. فأناخوا إليها، وليس لها إلا شويهة، فقالت: ~~احتلبوها وامتذقوا لبنها «2» ، ففعلوا. وقالوا: هل من طعام؟ قالت: لا، إلا ~~هي، فليذبحها أحدكم حتى أصنعها لكم، فذبحها أحدهم، فشوت وأكلوا، وقالوا ~~عندها حتى أبردوا «3» . ثم قالوا: نحن نفر من قريش، نريد هذا الوجه، فإذا ~~انصرفنا سالمين فألمي بنا، فأنا صانعون بك خيرا. ثم رحلوا وأقبل زوجها، ~~فقالت: سمعت؟! فقال: لم أسمع! وخبرته الخبر، فأحال عليها ضربا «4» فشجها، ~~ثم قال: تذبحين عنزي لأعبد لا تدرين من هم، ثم يقولون: نفر من قريش؟! ثم ~~ضرب الدهر ضربانه، واضطرته الحاجة إلى أن دخلت هي وزوجها المدينة، فمرت ~~العجوز يوما تسوق حمارا لها تنقل عليه البعر «5» تبيعه-: إذ أبصرها الحسن ~~بن علي- رضوان الله عليهما- فعرفها، فأمر من أتاه بها، فقال: أتعرفيني؟ ~~قالت: # لا، فذكر لها العنز، فقالت: بأبي وأمي، إنك لأنت هو؟! قال: نعم، قال: ~~أفما لقيت صاحبيك؟ قالت: لا، فأمر من اشترى لها من شآء # PageV01P106 # الصدقة ألف شاة وأعطاها ألف دينار، وبعث بها مع رسول إلى الحسين رضي الله ~~عنه، فسأل عما فعل الحسن؟ فأعطاها مثل ذلك، ثم بعث بها إلى عبد الله بن ~~جعفر رضي الله عنهما، فسأل عما أعطياها؟ فأضعفه لها، وقال: لو بدأت بي ~~لأتعبتهما. فانصرفت إلى زوجها بأربعة آلاف دينار، وأربعة آلاف شاة. # قال أبو الحسن المدائني: كان عبيد الله بن قيس الرقيات «1» منقطعا إلى ~~عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما، فكان يصله ويقضي دينه، فجاءت صلة عبد ~~الله بن جعفر في بعض ما كانت تجيء، وعبيد الله بن قيس الرقيات «2» غائب، ~~وكان معاوية رحمه الله يصل عبد الله بن جعفر في كل سنة بمائة ألف، فأمر عبد ~~الله بديحا «3» غلامه ms083 فخبأ لعبيد الله بن قيس «4» صلته، فلما قدم أخذها، ~~وقال: # إذا زرت عبد الله- نفسي فداؤه- ... رجعت بفضل من يداه «5» ونائل # وإن غبت عنه كان للود حافظا ... ولم يك عني بالمغيب بغافل # تداركني عبد الإله وقد بدت ... لذي الحقد والشنآن «6» مني مقاتلي # حباني لما جئته بعطية ... وجارية حسناء ذات خلاخل # PageV01P107 # قال محمد بن سلام: قيل لعبد العزيز بن مروان: المتوكل الليثي «1» شاعر ~~مصر بالباب، فأذن له. فلما قام بين يديه أرتج عليه، وكان عبد العزيز مهيبا، ~~فقال المتوكل: أصلح الله الأمير، عظمت في عيني وملأت صدري، فاختلس مني ما ~~كنت قلت. فنكس عبد العزيز ينكت بقضيبه الأرض. # فقال المتوكل: أصلح الله الأمير، حضرني بيتان، قال: هاتهما، فقال: # في كفه خيزران نشره عبق «2» ... من كف أروع في في عرنينه شمم «3» # يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم # فأمر له بمنديل فبسطه، ثم دعا بأربعة آلاف «4» درهم فألقاها فيه، ودعا ~~بعبدين، وقال: اختر أيهما شئت، فقال: هذا وسيم جسيم وبه عوار «5» ، وهذا ~~أحب إلينا منه، قال: فعلينا ترد العوار؟! خذهما جميعا والمنديل بما فيه. # قلت: سمعت في هذين البيتين، وأنهما من جملة أبيات للفرزدق بن غالب «6» . # PageV01P108 # قال أبو الحسن المدائني: قام رجل إلى أسد بن عبد الله فسأله، فأعرض عنه، ~~فقال: أما والله إني لأسألك من غير حاجة، قال: فما يدعوك إلى مسئلتي إذا؟! ~~قال: رأيتك تحب من أعطيته، فأحببت أن تحبني، فأعطاه عشرة آلاف «1» درهم «2» ~~. # كان أسماء بن خارجة «3» يقول: إنما يسئلنى رجلان: كريم احتاج، فأنا أحق ~~من سد خلته، وستر ما هو فيه، وأعانه على خصاصته. وإما لئيم اشتريت منه ~~عرضي. # ومرض قيس بن سعد بن عبادة رحمه الله فاستبطأ إخوانه عن عيادته. # فسأل عنهم؟ فقيل: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخزى «4» ~~الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة. ثم أمر مناديا فنادى: من كان لقيس عليه ~~دين فهو في حل منه. فكسرت درجته بالعشي لكثرة من عاده «5» عن حسين الخادم ~~قال: حدثني ليث الطويل «6» قال: كنت ms084 في موكب # PageV01P109 # يزيد بن مزيد «1» الشيباني وهو يدور في برية الرقة على شاطىء الفرات، إذ ~~طلع عليه أعرابي كلبي على ناقة له، فلما صار غير بعيد عقل ناقته، ثم أقبل ~~يوجف «2» حتى وقف بين يدي يزيد، فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله ~~وبركاته، قال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ما خطبك أيها الأعرابي؟ # قال: أصلح الله الأمير، لم تسألني عن الخطب من قبل أن تسألني عن الاسم ~~والنسب والسبب والبلد؟! قال: يا أعرابي، إذا سألتك عن ذلك ثم عرفتك، فقد ~~صارت المعرفة شافعة لك في حاجتك، وأيم الله ما يحضرني شفيع هو أعز علي من ~~ماء وجهك، فما خطبك يا أعرابي؟ قال: أصلح الله الأمير، دين # فادح. وفقر فاضح. قال: يا أعرابي، وما بلغ ... من دينك الفادح وفقرك # الفاضح؟ قال: أصلح الله الأمير، الدين الفادح: خمس مائة دينار، أخذتها في ~~سنين سغبة، فوصلت بها الأرحام، وأطعمت بها الطعام، ابتغاء الأجر، واكتساب ~~الشكر، حتى أجلتني عن البلد الرحب، وحملتني على المسلك الصعب، وأما الفقر ~~الفاضح: فاغتراب وانفراد، ووحدانية وعيال كثيرة من بنين وبنات وأخوات ~~وأمهات مصونات، طالما صنتهن من الحر والقر، فهدمهن الدهر، وكشفهن الفقر، ~~بعد عز وامتناع، وخدم وأتباع، وظلف # PageV01P110 # وكراع، «1» أفناه الضيف والسيف، فأقبلت أجرهن من الصحصحان «2» حفاة عراة ~~جياعا، كلما عثرت إحداهن هتفت باسمك: «يا يزيد» حتى نزلت بهن في هذا الشعب- ~~وأومى «3» بيده إلى الجبل- ثم أتيتك، أيها الأمير، ولي فيهن بنية صغيرة، ~~وقد قالت في الأمير أبياتا، وحملتنيها إليه، وأقسمت علي بحقه أن أنشده ~~إياها، فقال يزيد: ما قالت الصبية؟ قال: هي التي تقول: # ليس ينفي حوادث الدهر عنا ... وخطوب الزمان إلا يزيد # سيد أجمعت عليه معد ... فله في أمورها الإقليد # ملك يرتجى نداه ويخشى ... بأسه في الوغى، قريب بعيد # لا يجير الملوك منه طريدا ... وإذا ما أجار عز الطريد # فدع الصحصحان واقصد يزيدا ... فلنا في جواره ما نريد # قال: فقال يزيد: إي والله يا أعرابي، إن لك ولها في جوارنا ما تريد، هل ~~يقضي دينك ويسد ms085 فقرك عشرة آلاف» # درهم؟ قال: لا والله- أصلح الله الأمير- ولا مثلها «5» ، قال: هي لك ~~عندي، وللجارية مثلها، ثم صرفه معه إلى داره، وأمر له بثمانين ألف درهم. # وعن حسين الخادم، قال: بينا أنا ذات يوم في مسجد الرحبة «6» في يوم # PageV01P111 # جمعة، والناس بين راكع وساجد من بعد صلاة الظهر، إذ مثل بين يدي غلام ~~أعرابي حسن الوجه حدث السن في أطمار خلقة، كالقضيب الذابل، يقلب في فكية ~~لسانا أبين من الصبح، وأحلى من الشهد، فكان في بعض ما سمعته منه: # «أيها الناس، إن الفقر أقامني لديكم مقام المذنب إليكم، وقد انغلق علي ~~فيه باب الشكر، فافتحوا لي باب العذر، رحمكم الله، فلقد أحسن الذي يقول: # كأن فقيرا حين يغدو «1» لحاجة ... إلى كل من يلقى من الناس مذنب # والله إني لأنفر من منن اللئام نفور الوحش من زئير الأسد، وإنما قصدت هذا ~~الملك السيد، الذي زينته أفعاله، وشرفته أحواله، فنفرني بوابه وتنكرلي ~~حجابه، فخرجت في يومي هذا الى عامتكم ملتمسا منكم رجلا عربيا تقيا نقيا ~~هبرزيا «2» يكون سببا لي إليه» . # قال حسين الخادم: وكان إلى جانبي يزيد بن حلوان القناني «3» ، فقال: # يا أبا خالد ما أرى هذا الأعرابي قصد غيرك، ولا أراد سواك، فصدق ظنه، # PageV01P112 # وأبلغ به أمنيته. فقلت: نعم يأبا عبد الله، انهض بنا، فنهض ونهضت ~~والأعرابي ثالثنا، حتى دخلنا على الأمير طوق بن مالك، فسلمنا عليه، وأنشده ~~الأعرابي: # يا طوق، إن الزمان حار بني ... وكنت في إخوة وأخوال # وفي رجال مثل البدور وفي ... قوم إلى ثروة وأموال # فلم تزل بي صروفه وبهم ... تنقل* من حالة إلى حال # فاستلب المال من يدي وعدا ... على رجالي عدو ربيال «1» # حتى دعيت «الغريب في ال ... أرض والمسكين» بعد كثرة المال # فقلت: من لي وللزمان؟ ومن ... يصدق ظني به وآمالي؟ # فقيل: طوق بن مالك ملك الناس ومأوى الطريد والجالي «2» طوق إذا عاذ ~~واستعاذ به الملهوف أضحى بموضع الوالي # فجئت يا طوق عائذا بك من ... شر الزمان وسوء أعمالي # قال: فضحك طوق، وقال: يا أعرابي، أما ms086 شر زمانك فقد بدا لنا من قبيح ~~حالتك، فما سوء أعمالك؟ قال: أصلح الله الأمير، والعزبة «3» والغربة، فقال ~~طوق: نكد وشؤم، ثم أمر له بجائزة وجارية وخلع ودابة، وانصرف إلى أهله على ~~أحسن حال. # PageV01P113 # قال عبد الله بن المعتز: # لا صاحبتني يد لم تغن ألف يد ... ولم ترد «1» القنا حمر الخياشيم # بادر بجودك بادر قبل عائقة ... فإن وعد الفتى عندي من اللوم «2» # لما احتضر محمد بن اسامة بن زيد بن حارثة- رحمهما الله- حضره الهاشميون، ~~وأطاف «3» به غرماؤه، فقال لهم حسن بن حسن رحمهما الله: أنا أضمن ما عليه، ~~قالوا: لا نريد، دع ما لنا يكون مكانه. فقال له علي بن الحسين رحمهما الله: ~~أتحب أن أضمنه لهم؟ قال: نعم، قال: أفتحب أن أقضيه وأنت حي؟ قال: وددت. ~~قال: فانصرف إلى مال كان عنده، أودعه إياه مروان بن الحكم، فقال: ما يمنعني ~~أن أحول هذا المال وأضمنه؟! فقضاهم، فلما أسرع فيه أتاه كتاب عبد الملك بن ~~مروان: إن مروان قد توفي، وأوصي: # أنه قد أودعك مالا وأنه قد سوغك إباه. # دخل طرماح بن حكيم الطائي «4» على خالد بن عبد الله القسري، فقال له: ~~أنشدني بعض شعرك، فأنشده «5» : # وشيبني ما لا أزال «6» مناهضا ... بغير غنى أسموبه وأبوع «7» # PageV01P114 # وإن رجال المال أضحوا ومالهم ... لهم عند أبواب الملوك شفيع # أمخترمي ريب المنون ولم أنل ... من المال «1» ما أعصي به وأطيع؟! # فأمر له بخمسين ألف درهم، وقال له: اعص الآن وأطع «2» . # كان علي بن عيسى ضامن أعمال الخراج والضياع فبقيت عليه بقية مبلغها ~~أربعون ألف دينار، فألح المأمون في اقتضائه إياها ومطالبته بها، إلى أن قال ~~لعلي بن صالح حاجبه: طالب علي بن عيسى بما بقي عليه، وأنظره ثلاثا فإن أحضر ~~المال قبل انقضائها، وإلا اضربه بالسياط حتى يؤديها أو يتلف. فانصرف علي بن ~~عيسى من دار المأمون آيسا من نفسه، إذ كان لا يعرف وجها يخلصه من المال. ~~فقال له كاتبه: لو عرجت على غسان بن عباد «3» وخبرته خبرك لرجوت لك أن ~~يعينك على أمرك. ms087 فقال له: على # PageV01P115 # ما بيني وبينه؟! فقال: نعم، فإن الرجل أريحي كريم. فحملته الحال التي هو ~~عليها على قبول ذلك من كاتبه. فدخلا إلى غسان، فقام إليه وتلقاه بالجميل ~~ووفاه حقه. فقال له: الذي بيني وبينك لا يوجب ما أسديته من تكرمة. فقال: # ذاك بحيث تقع المنافسة عليه والمضايقة فيه، والذي بيني وبينك نحن عليه ~~بحالته، ولدخولك داري حرمة توجب لك بلوغ ما رجوته عندي، فاذكر إن كانت لك ~~حاجة. فقص عليه كاتبه القصة. فقال: أرجو «1» أن يكفيكه الله. # ولم يزده شيئا. فنهض علي بن عيسى، وخرج من عنده آيسا من خيره، نادما على ~~قصده له. وقال لكاتبه: ما أفدتني بقصد غسان ودخولي عليه إلا تعجيل الشماتة ~~والهوان، وعساه يجد بذلك السبيل إلى التشفي بي. فلم يصل علي بن عيسى إلى ~~داره حتى حضر إليه كاتب غسان ومعه المال على البغال، وبلغه سلامه. وقال: قد ~~حضر [المال] «2» فتقدم بتسليمه، وبكر إلى دار أمير المؤمنين من غد. فبكر ~~علي بن عيسى فوجد غسانا قد سبقه إلى الدار، ودخل على المأمون ومثل «3» بين ~~الصفين وقال: يا أمير المؤمنين، إن لعلي بن عيسى بحضرتك حرمة وخدمة وسالف ~~أصل، ولأمير المؤمنين عليه إحسان وهو ولي ربه وحفظه، وقد لحقه من الخسران ~~والجائحة «4» في ضمانه ما قد تعارفه # PageV01P116 # الناس، وخرج أمر أمير المؤمنين بالشد عليه في المطالبة، وتوعده من ضرب ~~السياط بما يتلف نفسه-: ما أطار عقله، وأذهل لبه، وأدهشه عن الاضطراب في ~~الخلاص «1» ، والاحتيال فيما عليه، مع قدرته على ذلك. فإن رآى أمير ~~المؤمنين أن يشفعني فيه ببعض ما عليه، فهي صنيعة يجددها عندي ويحرس بها ~~قديم إحسانه، ويضاعف وجوب الشكر بها، والاعتداد بسبوغ النعمة فيها «2» . ~~ولم يزل يتلطف إلى حطه النصف مما عليه، وأقتصر منه على عشرين ألف دينار. ~~فقال غسان: على أن يجدد أمير المؤمنين عليه الضمان، ويشرفه بخلع تقوي «3» ~~نفسه، وترهف عزمه، ويعرف بها مكان الرضى عنه. فأجابه المأمون إلى ذلك. ~~فقال: فيأذن لي أمير المؤمنين في حمل الدواة إلى حضرته، ms088 ليوقع بما رآه من ~~هذا الإنعام، فيبقى شرف حملها علي وعلى عقبي من بعدي؟ فقال: افعل. فحمل ~~الدواة إلى بين يديه، فوقع له المأمون بما التمس، وخرج علي بن عيسى بالخلع ~~والتوقيع بيده. فلما حصل في داره حمل من المال عشرين ألف دينار، وأعاد ما ~~بقي على غسان، وشكره على جميله. فقال غسان، لكاتب علي بن عيسى: كأنني شفعت ~~إلى أمير المؤمنين ليعيد إلي المال؟! لم أستحطه «4» ذلك إلا ليتوفر عليه ~~وينتفع به، وليس يعود إلى منزلي منه شيء أبدا. وأعاد المال عليه. فكان ذلك ~~سبب صلاح ما بينهما، وعرف علي بن عيسى قدر ما فعله معه غسان، ولم يزل يحدث ~~به إلى آخر عمره. # PageV01P117 # روي: أن عبد الله بن عباس أتى الحسن والحسين رضوان الله عليهم فقال: إن ~~أخي وأخاكما «1» قد أسرع في ماله إسراعا قد خفت على نفاده، وله صبية قد خفت ~~أن يدعهم عالة، وقد عاتبته في ذلك مرارا، ولا أراه يقلع ولا ينزع، وأرجو أن ~~يكون لكما مطيعا، وإن قولكما عنده مقبول، فلو عاتبتماه؟ فقالا: نفعل، فصارا ~~إليه، فلما دخلا وجداه يطعم الناس، وإذا جزر تنحر. فقال أحدهما لصاحبه: هذا ~~بعض ما شكاه عبد الله. ثم صارا إليه، فاستقبلهما وأسهل لهما عن فراشه «2» ، ~~ولقيهما بالإجلال والإعظام. # وقالا: أتيناك في حاجة. فقال: الحوائج بعد الغداء، قالا: فهاته، قال: ما ~~كنت لأغديكما بنحيرة «3» لغيركما. فاحتبسهما حتى نحر لهما، فلما طعما وفرغا ~~سألهما عن حاجتهما؟ فقالا: إن أخانا وأخاك عبد الله أتانا فسألنا معاتبتك ~~على إسرافك في مالك، وقد رأينا بعض ما شكا، ولك بنون، ولسنا نأمن عليهم ~~الضيعة بعدك. فقال: ما لقولكما عندي مرد، ولا لي عما تأمراني به مدفع، لكني ~~أخبركما بقصتي، وأرد الأمر إليكما، فما أمرتماني به أتيته، وما نهيتماني ~~عنه وقفت عنده. فقالا: هات. فقال: إن الله تبارك وتعالى عودني عادة جميلة، ~~فعودتها عباده، ولست آمن إن قطعت عادتي عن عباده أن يقطع عادته عني. # فقالا: لا نأمرك في هذا بشيء. وقاما فانصرفا حامدين لأمره ms089 «4» . # PageV01P118 # قدم عيينة بن مرداس المعروف بابن فسوة «1» على ابن عامر «2» البصرة- وهو ~~واليها- فأغفل الغلمان أمره، فقال «3» : # كأني ونضوي عند باب ابن عامر ... من الصر ذئبا قفرة غرثان «4» # فبت وصنبر «5» الشتاء يلفني ... وقد مس برد ساعدي وبناني # فما أوقدوا نارا ولا أحضروا «6» قرى ... ولا اعتذروا من عسرة «7» بلسان # فلما بلغ شعره ابن عامر أقسم: «لا يغلق له باب» فكانت أبوابه تبيت ~~مفتوحة. # قال الحكيم: الجود خلقة أثرت «8» عذوبة لذة الثناء على لذة المال، وهو من ~~أمهات المحاسن، ومن الكرم بسبيل خاصة، وبمكان رفيع من القلوب. # PageV01P119 # وقال حاتم بن عبد الله الطائي: «1» # يابنة «2» ، عبد الله وابنة «3» مالك ... ويابنة «4» ذي البردين «5» ~~والفرس النهد «6» # إذا ما صنعت «7» الزاد فالتمسي له ... أكيلا، فإني لست آكله «8» وحدي # PageV01P120 # بعيدا قصيا أو قريبا «1» ، فإنني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي # وقال الشريف الرضي- رضي الله عنه- في ترك المال للوارث: # يا آمن الأقدار بادر صرفها ... واعلم بأن الطالبين حثاث «2» # خذ من تراثك ما استطعت فإنما ... شركاؤك الأيام والوراث «3» # ألمال- مال المرء-: ما قضيت «4» به الشهوات أو دفعت به الأحداث # ما كان منه فاضلا عن قوته ... فليتعلمن بأنه ميراث «5» # وقال أعرابي من بني أسد: # يقولون: «ثمر ما استطعت» وإنما ... لوارثه ما ثمر المال كاسبه # فكله وأطعمه وخالسه وارثا ... شحيحا ودهرا تعتريه نوائبه «6» # ينظر إليه قول المسعودي «7» : # PageV01P121 # إن الكرام مناهبو ... ك المجد- كلهم- فناهب # أخلف وأتلف، كل شي ... ء زعزعته الريح ذاهب # كان يقال: إنما نلقى ما أسلفنا، ولا نلقى ما خلفنا. # روي: أن هشام بن عبد الملك بن مروان لما ثقل في مرضه الذي مات فيه-: بكى ~~عليه ولده. فقال لهم: جاد لكم هشام بالدنيا، وجدتم عليه بالبكا، وترك لكم ~~ما كسب، وتركتم عليه ما اكتسب، فما أسوأ حال هشام إن لم يغفر الله له. # فأخذ هذا المعنى محمود الوراق فقال: # تمتع بمالك قبل الممات ... وإلا فلا مال إن أنت متا # شقيت به ثم خلفته ... لغيرك، بعدا وسحقا ومقتا # فجادوا عليك بزور البكا ... وجدت عليهم بما قد جمعتا # و «1» أوهبتهم كل «2» ما في يديك ... وخلوك رهنا ms090 بما قد كسبتا # يقال: مال الميت يعزي ورثته عنه. # فأخذ هذا المعنى ابن الرومي فقال «3» : # بقيت مالك ميراثا لوارثه ... فليت شعري: ما بقى لك المال؟! # PageV01P122 # ألقوم بعدك في حال تسرهم «1» ... فكيف بعدهم حالت «2» بك الحال؟ # ملوا البكاء فما يبكيك من أحد ... واستحكم القيل «3» في الميراث والقال # ولتهم عنك دنيا أقبلت لهم ... وأدبرت عنك، والأيام أحوال # عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- رضوان الله عليه- أنه قال: إنما تخلف ~~مالك لأحد رجلين: رجل عمل فيه بطاعة الله تعالى، فسعد بما شقيت فيه، أو رجل ~~عمل فيه بمعصية الله تعالى، فشقي بما جمعت له. # وقيل لابن عمر رضوان الله عليه: توفي زيد بن خارجة وترك مائة ألف درهم. ~~قال: لكنها لا تتركه. # بعث معاوية بن أبي سفيان رحمه الله إلى عبيد بن شرية «4» الجرهمي- وكان ~~من المعمرين «5» - فقال له: ما أدركت؟ فقال: أدركت يوما شبيها # PageV01P123 # بيوم قبله، وليلة شبيهة بأختها، ومولودا يولد، وحيا يموت. قال: أخبرني ~~بأعجب ما رأيت. قال: حضرت جنازة فذكرت الموت والبلى، فخنقتني العبرة فقلت ~~متمثلا: # يا قلب إنك في أسماء مغرور ... فاذكر، وهل ينفعنك اليوم تذكير؟ # فاستقدر «1» الله خيرا وارضين به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير # وبينما المرء في الأحياء مغتبطا «2» ... إذ صار في القبر تعفوه الأعاصير ~~«3» # حتى كأن لم يكن إلا تذكره ... والدهر- أيتما حال- دهارير «4» # يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور # فقال لي رجل من أهل الجنازة: أتدري لمن هذا الشعر؟ قلت: لا. # قال: هو لهذا المدفون، وأنت غريب تبكي عليه، وقراباته الذين يرثونه ~~مسرورون! وقيل: هذا الشعر لجبلة بن الحارث. وقيل: الميت عثمان بن لبيد ~~العذري «5» . # PageV01P124 # ما أحسن ما اعتذر حاتم بن عبد الله الطائي عن كرمه من قصيدة له!: «1» # أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما «2» وضاق بها الصدر # أماوي إن يصبح صداي «3» بقفرة ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر # أرى أن ما أنفقت لم يك ضائري «4» ... وأن يدي مما بخلت به صفر # ومثله قول الآخر: # أرأيت إن صرخت بليل هامتي ms091 ... وخرجت منها باليا أثوابي # هل تخمشن إبلي علي وجوهها؟ ... أم هل تشد رؤوسها بسلاب؟ # أأصرها وبني عمي ساغب؟! * لكفاك من إبة علي وعاب «5» سأل رجل الحسن بن ~~علي- رضوان الله عليهما- حاجة، فقال له: # يا هذا، حق سؤالك إياي يعظم لدي، ومعرفتي ما يجب لك تكبر علي، ويدي تعجز ~~عن نيلك «6» ما أنت أهله، والكثير في ذات الله تعالى قليل، # PageV01P125 # وما في ملكتي وفاء لشكرك، فإن قبلت الميسور، ورفعت عني مؤونة الاحتيال ~~والاهتمام لما اتكلف من واجبك-: فعلت. فقال: يابن رسول الله، أقبل القليل، ~~وأشكر العطية، وأعذر على المنع. فدعا الحسن- رضوان الله عليه- وكيله، وجعل ~~يحاسبه على نفقاته حتى استقصاها ثم قال: هات الفاضل من الثلاثمائة ألف ~~درهم، فأحضر خمسين ألفا. قال: فما فعلت الخمس مائة دينار؟ # قال: هي عندي، قال: أحضرها، فأحضرت، فدفع الدراهم والدنانير إلى الرجل. ~~وقال: هات من يحملها، فأتاه بحمالين، فدفع إليهم الحسن- رضوان الله عليه- ~~ركاءه لكري الحمل، فقال له مواليه: والله ما بقي عندنا درهم، فقال: لكني ~~أرجو «1» أن يكون لي عند الله تعالى أجر عظيم. # عن محمد بن المنكدر عن أم ذرة «2» - وكانت تخدم عائشة رضوان الله عليها- ~~قالت: بعث ابن الزبير رحمه الله إلى خالته أم المؤمنين عائشة رضوان الله ~~عليها-: في غرارتين ثمانين ومائة ألف درهم «3» ، فدعت بطبق فجعلت تقسمه بين ~~الناس، حتى فرغ، فلما أمست قالت: يا جارية، هاتي فطوري «4» ، فجاءت بخبز ~~وزيت، فقالت لها أم ذرة: ما استطعت- فيما قسمت اليوم- أن تشتري لنا بدرهم ~~لحما نفطر عليه؟! فقالت: لو كنت ذكرتيني «5» لفعلت!! # PageV01P126 # يروى: أنه كان لعثمان بن عفان على طلحة بن عبيد الله- رضوان الله عليهما- ~~خمسون ألف درهم، فخرج عثمان يوما إلى المسجد، فقال له طلحة: قد تهيأ مالك ~~فاقبضه، فقال له عثمان رضي الله عنه: هو لك يأبا محمد معونة على مروءتك. # خرج عبد الله بن عامر بن كريز رحمه الله من المسجد يريد منزله، وهو وحده، ~~فقام إليه غلام من ثقيف فمشى إلى جانبه، فقال له عبد الله: ألك حاجة يا ~~غلام؟ قال: سلامتك وفلاحك، ms092 رأيتك تمشي وحدك فقلت: «أقيك بنفسي وأعوذ بالله ~~إن طار بجناحك مكروه» فأخذ عبد الله بيده، ومشى معه إلى منزله، ثم دعا بألف ~~دينار فدفعها إلى الغلام، وقال: استنفق هذه، فنعم ما أدبك أهلك. # قيل: اشترى عبد الله بن عامر من خالد بن عقبة بن أبي معيط «1» داره التي ~~في السوق «2» بسبعين ألف درهم، فلما كان الليل سمع بكاء آل خالد، فقال ~~لأهله: ما لهؤلاء؟ قال: يبكون من أجل دراهم. قال: يا غلام، إئتهم «3» ~~فأعلمهم أن المال والدار لهم جميعا. # PageV01P127 # عن الحسن بن خضر قال: لما أفضت الخلافة إلى بني العباس اختفت رجال من بني ~~أمية، وكان فيمن اختفى إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك، حتى أخذ له داود بن ~~العباس أمانا، وكان إبراهيم رجلا عالما حدثا «1» ، فخص بأبي العباس، فقال ~~له يوما: حدثني عن ما مر بك في اختفائك؟ قال: كنت- يا أمير المؤمنين- ~~مختفيا بالحيرة، في منزل شارع عن الصحراء «2» ، فبينا أنا على ظهر بيت اذ ~~نظرت إلى أعلام سود قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة، فوقع في روعي «3» أنها ~~تريدني، فخرجت من الدار متنكرا، حتى أتيت الكوفة، ولا أعرف بها أحدا أختفي ~~عنده، فبقيت متلددا «4» ، فإذا بباب كبير ورحبة واسعة، فدخلت فيها، فإذا ~~رجل وسيم الهيئة على فرس قد دخل الرحبة، ومعه جماعة من غلمانه وأتباعه، ~~فقال: من أنت؟ وما حاجتك؟ فقلت: رجل مختف يخاف على دمه، استجار بمنزلك. ~~فأدخلى منزله، ثم صيرني في حجرة تلي حرمه «5» ، وكنت عنده فيما أحب من مطعم ~~ومشرب وملبس، ولا يسألني عن شيء من حالي، إلا أنه يركب في كل يوم ركبة. ~~فقلت له يوما: # أراك تدمن الركوب، ففيم ذلك؟ فقال: إن إبراهيم بن سليمان قتل أبي صبرا، ~~وقد بلغني أنه مختف، وأنا أطلبه لادرك منه ثأري! فكثر- والله- تعجبني، إذ ~~ساقني القدر إلى حتفي، في منزل من طلب دمي! وكرهت الحياة. فسألت الرجل عن ~~اسمه واسم أبيه؟ فخبرني. فعرفت أن # PageV01P128 # الخبر صحيح، وأنا قتلت أباه صبرا. فقلت: يا هذا، قد وجب علي حقك، ومن ms093 حقك ~~علي أن أدلك على خصمك، وأقرب عليك الخطوة. قال: وما ذاك؟ # قلت: أنا ابراهيم بن سليمان قاتل أبيك، فخذ بثأرك! فقال: إني أحسبك رجلا ~~قد مضه «1» الاختفاء، فأحب الموت. فقلت: بل الحق ما قلت لك، أنا قتلته يوم ~~كذا وكذا، بسبب كذا وكذا. فلما عرف صدقي اربد «2» وجهه واحمرت عيناه، وأطرق ~~مليا، ثم قال: أما أنت فستلقى أبي فيأخذ بثأره منك، وأما أنا فغير مخفر ~~ذمتي، فاخرج عني، فلست آمن نفسي عليك! وأعطاني ألف دينار. فأخذتها وخرجت من ~~عنده. فهذا أكرم رجل رأيته بعد أمير المؤمنين. # قال القاضي أبو علي المحسن بن أبي القاسم علي بن محمد التنوخي «3» # PageV01P129 # رحمه الله: حدثني أبو الفرج [المعروف ب] الإصبهاني [إملاء] من حفظه [وأنا ~~أسمع] ، قال: قرأت في بعض أخبار الأوائل: أن الإسكندر لما انتهى إلى [بلد] ~~الصين، ونازل ملكها «1» -: أتاه حاجبه، وقد مضى من الليل شطره، فقال له: ~~رسول ملك الصين بالباب يستأذن عليك. فقال: ائذن له. فلما دخل وقف بين يديه ~~وسلم، وقال: إن رأى الملك أن يخليني فليفعل. # فأمر الإسكندر من بحضرته بالانصراف، وبقي حاجبه «2» ، فقال له الرسول: # إن الذي جئت له لا يحتمل أن يسمعه غيرك، فأمر بتفتيشه، ففتش، فلم يوجد ~~معه شيء من السلاح. فوضع الإسكندر بين يديه سيفا مجردا، وقال له: # قف مكانك، وقل ما شئت. ثم أخرج كل من كان عنده. فلما خلا المكان قال له ~~الرسول: إني أنا ملك الصين، لا رسوله، وقد حضرت أسألك عما تريده؟ فإن كان ~~مما يمكن الانقياد إليسه [ولو] على أصعب الوجوه-: # أجبت إليه، وغنيت أنا وأنت عن الحرب. فقال له الإسكندر: وما أمنك مني؟! ~~فقال: لعلمي بأنك رجل عاقل، وأنه ليس بيننا عداوة متقدمة، ولا مطالبة بذحل ~~«3» ، وأنك تعلم أن أهل الصين متى قتلتني لا يسلمون إليك ملكهم، ولم يمنعهم ~~عدمهم إياي أن ينصبوا لأنفسهم ملكا غيري، ثم تنسب انت إلى غير الحميد وضد ~~الحزم. فأطرق الإسكندر مفكرا في مقالته، وعلم أنه رجل عاقل. ثم قال له: ~~الذي أريد ms094 منك ارتفاع ملكك «4» ثلاث # PageV01P130 # سنين عاجلا، ونصف ارتفاعه في كل سنة. قال: هل غير ذلك! قال: لا. # قال: قد أجبتك. قل: فكيف تكون «1» حالك حينئذ؟ قال: أكون قتيل أول محارب، ~~وأكلة «2» أول مفترس. قال: فان قنعت منك بارتفاع سنتين، كيف يكون حالك؟ ~~قال: أصلح- إذا لزمت- مما تقدم ذكره «3» . قال: فان قنعت منك بارتفاع سنة ~~واحدة؟ قال: يكون ذلك [مضرا بي و] مذهبا لجميع لذاتي. قال: فان اقتصرت منك ~~على السدس [مضرا بى و] مذهبا لجميع لذاتي. قال: فان اقتصرت منك على السدس؟ ~~قال: يكون السدس موفرا، والباقي لجيشي وأسباب الملك «4» . قال: قد اقتصرت ~~على هذا. فشكره وانصرف. فلما أصبح وطلعت الشمس أقبل جيش الصين، حتى طبق ~~الأرض واحتاط بجيش الإسكندر، حتى خافوا الهلكة، وتواثب أصحابه فركبوا ~~[الخيل] واستعدوا للحرب. فبيناهم كذلك إذ ظهر ملك الصين عليه التاج. فلما ~~رأى الإسكندر ترجل. فقال له الإسكندر: أغدرت؟! قال: لا والله. قال: فما هذا ~~الجيش؟ قال: أردت أن أعلمك أني لم أطعك من قلة، ولا من ضعف ولين «5» ، ~~[وأنت] ترى [هذا] الجيش، وما غاب عنك أكثر، لكني رأيت العالم الأثير «6» ~~مقبلا عليك، ممكنا لك، فعلمت أنه من حارب العالم الأثير «7» غلب، فأردت ~~طاعته بطاعتك، والذلة لأمره بالذلة لك «8» فقال الإسكندر: ليس مثلك من يؤخذ ~~منه شيء، فما رأيت بيني # PageV01P131 # وبينك أحدا يستحق التفضيل والوصف بالعقل غيرك، رقد أعفيتك من جميع ما ~~أردته منك، وأنا منصرف عنك. فقال ملك الصين: أما إذ فعلت ذاك فلست تخسر. ~~فلما انصرف الإسكندر أتبعه ملك الصين من الهدايا والألطاف بضعف ما كان قرر ~~معه «1» . # قلت: قد جرى في مدتي ما يشاكل حديث الإسكندر، وأنا مورده. # وذلك: أن الإفرنج- خذلهم الله- لما خرجوا في سنة تسعين وأربع مائة، ~~وفتحوا أنطاكية «2» ، وقهروا أهل الشأم-: تداخلهم الطمع، وحدثتهم نفوسهم ~~بملك بغداد وبلاد الشرق، فحشدوا وجمعوا وساروا يريدون البلاد، وصاحب الموصل ~~في ذلك الوقت حكرمش «3» ، فجمع أمراء التركمان الأرتقية ومن قدر عليه، ~~ولقيهم على الخابور فكسرهم، وأسر من يقدمهم «4» : الملك بغدوين البرونس «5» ~~وجوسلين «6» ، وسيرهم إلى ms095 قلعة جعبر، «7» إلى عند الأمير شهاب الدين مالك ~~بن سالم، «8» أودعهم عنده، وعاد من بقي من الإفرنج # PageV01P132 # إلى بلادهم، ومقدمهم ميمون «1» صاحب أنطاكية، فركب في البحر وسار إلى ~~بلاده، يستنجد بالإفرنج ويحشد ويرجع، فمات قبل ذلك، ومات حكرمش صاحب ~~الموصل، وأقطع السلطان الموصل جاولي سقاوي «2» ، فعزم على الغزاة، وتوجه ~~إلى الشأم، فوصل قلعة جعبر، وطلب أسارى الإفرنج الذين عند صاحبها، فقال: هم ~~بحكمك، قال: اقطع عليهم ما لا يشترون به أنفسهم، فتحدث معهم شهاب الدين، ~~وقرر عليهم مائة ألف دينار، وعرف جاولي بذلك، فقال: # أنفذ لي جوسلين، فلما حضر عنده قال: قطعتم على أنفسكم مائة الف دينار؟ # قال: نعم، قال: تشتهي أهب لك عشرة آلاف «3» دينار؟ قال: ما ينكر لمثلك أن ~~يوهب «4» عشرة آلاف «5» دينار! قال: تشتهي أن أوهب «6» لك عشرين ألف دينار؟ ~~قال: ما يصلح لملك مثلك أن يتلاهى بمثلي! قال: والله ما تلاهيت بك، ولو ~~أردت أن آخذ منك المال ما أبصرتك ولا تحدثت معك، وأنا أطلقكم وأخلي لكم ~~المال كله، بلى، لي حاجة، نقضوها لي؟ قال: # ما هي؟ قال: صاحب أنطاكية وصاحب حلب أعدائي، أريدكم تعينوني على # PageV01P133 # قتالهم. وكان صاحب أنطاكية: دنكري «1» ، وصاحب حلب: الملك رضوان «2» ، ~~فقال جوسلين: نمضي ونجتمع- فارسنا وراجلنا- ونصلك نقاتل معك كل من قاتلك، ~~فأطلقهم، فمضوا، حشدوا وجمعوا، ووصلوا إلى خدمته، وسار- هو وهم- إلى لقاء ~~عسكر حلب وعسكر أنطاكية، حتى التقوا، فحدثني من حضر حربهم قال: كان وقع ~~السيوف بينهم- يعني الإفرنج- كوقع الفؤس في الحطب، فكسرهم صاحب أنطاكية، ~~فأما المسلمين «3» فطار من سلم منهم، وأما الإفرنج فأسر من فرسانهم جماعة ~~كبيرة، فجاؤوا إلى عند دنكري صاحب أنطاكية ثاني يوم أسرهم، وقالوا له: أي ~~شيء تريد تعمل بنا؟ قال: أحملكم إلى أنطاكية، أحبسكم، قالوا: والله ما فينا ~~من يتبعك ولا يجيء معك، نحن عراة، ما معنا ثياب ولا نفقة ولا فرش ننام ~~فيها، ولا معنا غلمان يخدمونا، قال: وأي شيء تعملون؟ قالوا: تخلينا نمضي ~~إلى بيوتنا نعمل شغلنا ونجيء إلى الحبس، قال: امضوا، فمضوا، أحضروا غلمانهم ~~ونفقاتهم وفرشهم، ms096 ووصلوا إلى عنده إلى أنطاكية، فحبسهم إلى حين تسهل ~~خلاصهم. # روى أبو الفرج الأصبهاني «4» عن أبي بكر الهذلي قال: لما أطلق امير ~~المؤمنين «5» عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحطيئة الشاعر «6» من حبسه قال # PageV01P134 # له: يا أمير المؤمنين، اكتب لي إلى علقمة بن علاثة «1» كتابا لأقصده به، ~~فقد منعتني التكسب بشعري. قال: لا أفعل. فقيل له: يا أمير المؤمنين، وما ~~عليك من ذلك؟! [إن] علقمة ليس بعاملك فتخشى أن تأثم، وإنما هو رجل من ~~المسلمين، فتشفع «2» له إليه. فكتب له بما أراد، فمضى الحطيئة بالكتاب، ~~فصادف علقمة قد مات والناس ينصرفون «3» عن قبره. فوقف عليه ثم أنشد [قوله] ~~«4» : # لعمري لنعم المرء من آل جعفر ... بحوران أمسى أعلقته الحبائل # فإن تحي لا أملل «5» حياتي، وإن تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل # وما كان «6» بيني- لو لقيتك سالما-* وبين الغنى إلا ليال قلائل فقال له ~~ابنه: كم ظننت أن علقمة يعطيك؟ قال: مائة ناقة، [قال: فلك مائة ناقة] «7» ~~تتبعها مائة من أولادها. فأعطاه إياها. # وعن القحذمي «8» قال: لزم يزيد بن مفرغ «9» غرماؤه بدين لهم. فقال # PageV01P135 # لهم: انطلقوا نجلس على باب الأمير، عسى أن يخرج الأشراف [من عنده] فيروني ~~فيقضوا عني. فانطلقوا به، فكان أول من خرج إما عمر «1» بن عبيد الله ابن ~~معمر، وإما طلحة الطلحات. فلما رآه قال: أبا عثمان، ما أقعدك هاهنا؟! قال ~~«2» : غرمائي هؤلاء، لزموني بدين لهم علي، قال: وكم هو؟ قال: سبعون ألفا، ~~قال: علي منها عشرة آلاف «3» درهم. ثم خرج الآخر على الأثر، فسأله عما سأله ~~عنه صاحبه «4» ؟ فقال: هل خرج أحد قبلي؟ قالوا: نعم، فلان، قال: # فما صنع؟ قالوا: ضمن عشرة آلاف «5» درهم، قال: فعلي مثلها. وجعل الناس ~~يخرجون، فمنهم من يضمن الألف إلى أكثر من ذلك، حتى ضمنوا أربعين الفا. وكان ~~يأمل عبيد الله بن أبي بكرة رحمه الله، فلم يخرج حتى غربت الشمس، فخرج ~~مبادرا، فلم يره «6» ، حتى كاد يبلغ بيته. فقيل له: إنك مررت بابن مفرغ ~~ملزوما، وقد مر به الأشراف فضمنوا عنه، ms097 فقال: # واسوأتاه «7» ! إني لخائف أن يظن بي أنى تغافلت عنه. وكر راجعا فوجده ~~قاعدا، فقال: أبا عثمان، ما أجلسك «8» هاهنا؟ قال: غرمائى «9» هؤلاء، ~~يلزمونني، قال: وكم عليك؟ قلل: سبعون الفا، قال: وكم ضمن عنك؟ قال: أربعون ~~ألفا، قال: فاستمتع بها وعلي دينك أجمع. فقال فيه: # PageV01P136 # لو شئت أن تغني «1» ولم تنصبي ... عشت بأسباب أبي حاتم # عشت بأسباب الجواد الذي ... لا يختم الأموال بالخاتم # من كف بهلول «2» له غرة «3» ... ما إن لمن عاداه من عاصم # المطعم الناس إذا حاردت ... نكباؤها «4» في الزمن العارم «5» # والفاصل الخطة يوم اللحا «6» ... للأمر- عند الكربة- اللازم # جاورته- حينا- فأحمدته ... أثني، وما الحامد كاللائم # كم من عدو كاشح شامت ... أخزيته «7» يوما ومن ظالم # أذقته الموت على غرة ... بأبيض ذي «8» رونق صارم # روى أبو الفرج الأصبهاني عن مسلم بن الوليد- المعروف بصريع الغواني «9» ~~قال: كنت يوما جالسا في دكان خياط بإزاء منزلي، إذ رأيت طارقا ببابي، فقمت ~~إليه، فإذا هو صديق لي من أهل الكوفة، قد قدم من قم «10» ، فسررت به. # PageV01P137 # وكأن إنسانا لطم وجهي، لم يكن عندي درهم واحد أنفقه عليه! فقمت فسلمت ~~عليه، وأدخلته منزلي. وأخذت خفين كانا لي أتجمل بهما، فدفعتهما إلى جاريتي، ~~وكتبت معها رقعة إلى بعض معارفي في السوق، وأسأله أن يبيعهما ويشتري [لي] ~~لحما وخبزا بشيء سميته له. فمضت الجارية، وعادت إلي، وقد اشترى كل ما «1» ~~ذكرته له، وقد باع الخف بتسعة دراهم، وكأنها إنما جاءتني بخفين جديدين. ~~فقعدت أنا وضيفي نطبخ، فسألت جارا لي أن يسقينا قارورة نبيذ، فوجه بها الي، ~~وأمرت الجارية أن تغلق باب الدار، [مخافة طارق يجيء فيشركنا فيما نحن فيه، ~~ليبقى لي وله ما نأكله إلى أن ينصرف] . فإنا لجالسان نطبخ إذ طرق طارق ~~الباب، فقلت للجارية: انظري من هذا؟ فنظرت في شق الباب «2» فإذا رجل عليه ~~سواد وشاشية ومنطقة، ومعه شاكري، «3» فخبرتني بموضعه، فأنكرت أمري، ثم رجعت ~~إلى نفسي، فقلت: لست بصاحب دعارة «4» ، ولا للسلطان علي سبيل. ففتحت الباب ~~وخرجت إليه، فنزل عن دابته، وقال: أنت مسلم بن الوليد؟ قلت: نعم. ms098 قال: كيف ~~لي بمعرفتك؟! قلت: # الذي دلك على منزلي يصحح لك معرفتي! فقال لغلامه: امض إلى الخياط فسله ~~عنه. فمضي فسأله عني، فقال: نعم، هو مسلم بن الوليد. فأخرج الي كتابا من ~~خفه، قال: هذا كتاب الأمير يزيد بن مزيد إلي [يأمرني] ألا أفضه إلا عند ~~لقائك. فاذا فيه: «اذا لقيت مسلم بن الوليد فادفع اليه هذه العشرة # PageV01P138 # آلاف «1» درهم التي أنفذتها، تكون له في منزله، وأدفع إليه ثلاثة آلاف ~~«2» درهم لنفقته، ليتحمل بها إلينا» فأخذت الثلاثة والعشرة، ودخلت إلى ~~منزلي والرجل معي، فأكلنا ذلك الطعام، وازددت فيه وفي الشراب، واشتريت ~~فاكهة، واتسعت، ووهبت لضيفي من الدراهم ما يهدي به هدية لعياله، وأخذت في ~~الجهاز، ثم ما زلت معه حتى صرنا إلى الرقة إلى باب بزيد [بن مزيد] ، فدخل ~~الرجل فاذا هو أحد حجابه، فوجده في الحمام، فخرج إلي فجلس معي قليلا، ثم ~~خبر الحاجب بأنه [قد] خرج من الحمام، فأدخلني إليه، فاذا هو على كرسي جالس، ~~وعلى رأسه وصيفة بيدها غلاف مرآة، وبيده [هو] مرآة ومشط «3» يسرح [به] ~~لحيته، فقال لي: يا مسلم، ما الذي أبطأ بك عنا؟ # فقلت: أبها الأمير، قلة ذات اليد، قال: فأنشدني، فأنشدته قصيدتي التي ~~جئته بها» # أجررت حبل خليع في الصبا غزل «5» ... وشمرت همم العذال في العذل «6» # هاج البكاء على «7» العين الطموح هوى ... مفرق بين توديع ومرتحل «8» # أما كفى البين أن أرمى بأسهمه ... حتى رماني بلحاظ الأعين النجل # PageV01P139 # مما جنت «1» لي وإن كانت منى «2» صدقت ... صبابة خلس التسليم بالقبل «3» # فلما صرت [فيها] إلى قولي: # موف على مهج في يوم ذي رهج «4» ... كأنه أجل يسعى إلى أمل # تراه في الأمن في درع مضاعفة «5» ... لا يأمن الدهر أن يدعى «6» على عجل # لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ... ولا يمسح عينيه من الكحل # -: وضع المرآة في غلافها، وقال للجارية: انصرفي، فقد حرم مسلم علينا ~~الطيب، فلما فرغت من القصيدة، قال لي: يا مسلم، أتدري ما الذي حداني على أن ~~وجهت إليك؟ فقلت: لا والله، ما أدري. فقال: كنت ms099 عند الرشيد منذ ليال أغمز ~~رجليه إذ قال لي: يا يزيد، من القائل فيك «7» : # سل الخليفة سيفا من بني مطر ... يمضي فيخترم الأجساد «8» والهاما # كالدهر لا ينثني عما يهم به ... قد أوسع الناس إنعاما وإرغاما # فقلت له: لا والله، ما أدري! فقال الرشيد: يا سبحان الله! [إنك لمقيم على ~~أعرابيتك، يقال فيك مثل هذا الشعر] ولا تدري من قائله؟! [فسألت # PageV01P140 # عن قائله] فأخبرت أنك أنت هو، فقم حتى أدخلك على الرشيد «1» . فما علمت ~~حتى خرج علي الإذن، [فأذن لي] . فدخلت على الرشيد، وأنشدته مالي فيه من ~~الشعر، فأمر لي بمائتي «2» ألف درهم. فلما انصرفت إلى يزيد أمرلى بمائة ألف ~~وتسعين ألف درهم، وقال: لا يجوز [لي] أن أعطيك مثل ما أعطاك أمير المؤمنين. ~~وأقطعني إقطاعات تبلغ غلتها مائتي ألف درهم. # قال مسلم: ثم أفضت بي الأمور بعد ذلك إلى أن أغضبني، فهجوته، فشكاني إلى ~~الرشيد، فدعاني، فقال: أتبيعني عرض يزيد؟ قلت: نعم، يا أمير المؤمنين. فقال ~~[لي] «3» : بكم؟ فقلت: برغيف! فغضب حتى خفته على نفسي، وقال: قد كنت أرى أن ~~أشتريه منك بمال جسيم، فلست أفعل ولا كرامة، فقد علمت إحسانه إليك، أنا نفي ~~«4» عن أبي، ولله ثم والله «5» لئن بلغني أنك هجوته لأنزعن لسانك من بين ~~فكيك. فأمسكت عنه بعد ذلك، وما ذكرته بخير ولا بشر. # روى أبو الفرج الأصبهاني عن عمرو بن بانة «6» قال: ركبت يوما الى دار ~~صالح بن الرشيد، فاجتزت بمحمد بن جعفر بن موسى الهادي، وكان معاقرا للصبوح، ~~فألفيته في ذلك اليوم خاليا منه، فسألته عن السبب «7» في تعطيله إياه؟ # PageV01P141 # فقال: نيران علي غضبى «1» - يعني جارية كانت «2» لبعض النخاسين ببغداد، ~~وكانت إحدى المحسنات، وكانت بارعة الجمال، ظريفة اللسان، وكان قد أفرط في ~~حبها، حتى عرف بها «3» -: فقلت له: ما تحب؟ قال: تجعل طريقك على مولاها، ~~فانه سيخرجها «4» إليك، فاذا فعل دفعت رقعتي هذه إليها، ودفع لي رقعة فيها ~~«5» : # «ضيعت عهد فتى لعهدك حافظ ... في حفظه عجب وفي تضييعك # ونأيت عنه فما له من حيلة ... إلا ms100 الوقوف إلى أوان رجوعك # متخشعا يذري عليك دموعه ... أسفا ويعجب من جمود «6» دموعك # إن تقتليه «7» وتذهبي بفؤاده ... فبحسن وجهك لا بحسن صنيعك» # فقلت له: [نعم] أنا أتحمل هذه الرسالة، وكرامة، على ما فيها، حفظا لروحك ~~عليك؛ فإني لا آمن أن يتمادى بك هذا الأمر. فأخذت الرقعة، وجعلت طريقي على ~~منزل النخاس، فبعث للجارية «8» : اخرجي، فخرجت، فدفعت إليها الرقعة، ~~وأخبرتها بخبري، فضحكت، ورجعت «9» الى الموضع الذي خرجت منه، فجلست جلسة ~~خفيفة، ثم إذا بها قد وافتني ومعها رقعة فيها: # PageV01P142 # «وما زلت تقصيني «1» ونغري بي الردى ... وتهجرني حتى مرنت على الهجر «2» # وتقطع أسبابي وتنسى مودتى ... فكيف ترى- يا مالكي- في الهوى صبري؟! # فأصبحت لا أدري: أيأسا تصبري ... على الهجر؟ أم حد التصبر «3» ؟ لا ~~أدري!» # قال: فأخذت الرقعة منها، وأوصلتها اليه، وصرت الى منزل لي «4» ، فصنعت في ~~شعر «5» محمد بن جعفر لحنا، وفي شعرها «6» لحنا. ثم سرت إلى الأمير صالح بن ~~الرشيد، فعرفته ما كان من خبري، وغنيته الصوتين. فامر بإسراج دوابه، ~~فأسرجت، وركب وركبت معه الى النخاس- مولى نيران- فما برحنا حتى اشتراها ~~بثلاثة آلاف «7» دينار، وحملها إلى دار محمد بن جعفر، فوهبها له. فأقمنا ~~يومنا عنده. # قال القاضي أبو علي المحسن بن أبي القاسم علي «8» التنوخي: خرج رجلان من ~~المدينة، يريدان عبد الله بن عامر بن كربز، للوفادة عليه: أحدهما من ولد ~~جابر بن عبد الله الأنصاري، والآخر من ثقيف. وكان عبد الله عاملا بالعراق ~~لعثمان بن عفان رضي الله عنه. فأقبلا يسيران، حتى إذا كانا بناحية # PageV01P143 # البصرة قال الأنصاري للثقفي: هل لك في رأي رأيته؟ قال: أعرضه، قال: # ننيخ رواحلنا ونتوضى «1» ونصلي ركعتين، نحمد الله عز وجل فيهما على ما ~~قضى من سفرنا. قال له: نعم، هذا الرأي الذي لا يرد. قال: ففعلا. ثم التفت ~~الانصاري إلى الثقفي. فقال له: يأخا ثقيف، ما رأيك؟ قال: وأي موضع رأي ~~هذا؟! قضيت سفري، وأنضيت بدني «2» ، وأتعبت راحلتي، ولا مؤمل دون ابن عامر، ~~فهل لك من رأي غير هذا؟! قال: نعم، إنني لما صليت فكرت، فاستحييت من ms101 ربي أن ~~يراني طالب رزق من عند غيره. # ثم قال: اللهم رازق ابن عامر ارزقني من فضلك. ثم ولى راجعا إلى المدينة. # ودخل الثقفي إلى البصرة، فمكث «3» على باب ابن عامر أياما، فلما أذن له ~~دخل عليه، وكان قد كتب إليه من المدينة بخبرهما، فلما رآه رحب به، وقال: # ألم أخبر أن ابن جابر خرج معك؟ فأخبره ما كان منهما. فبكى ابن عامر، ~~وقال: والله ما قالها أشرا ولا بطرا، ولكن رأى مجرى الرزق ومخرج النعمة، ~~فعلم أن الله عز وجل هو الذي فعل ذلك، فسأله من فضله. ثم أمر للثقفي بأربعة ~~آلاف «4» وكسوة «5» وطرف، وأضعف ذلك للأنصاري، فخرج الثقفي وهو يقول: # أمامة ما سعي الحريص بزائد ... فتيلا، ولا عجز الضعيف بضائر # خرجنا جميعا من مساقط روسنا ... على ثقة منا بجود ابن عامر # فلما أنخنا الناعجات «6» ببابه ... تأخر عني اليثربى ابن جابر # PageV01P144 # وقال: «ستكفيني عطية قادر ... على ما يشاء اليوم للخلق قاهر # فإن الذي أعطى العراق ابن عامر ... لربي الذي أرجو «1» لسد مفاقري» # فلما رآني قال: «أين ابن جابر؟» ... وحن كما حنت عراب الأباعر # فأضعف عبد الله- إذ غاب- حطه «2» ... على حظ لهفان من الحرص فاغر «3» # قال الشافعي رحمه الله: لا أزال أحب حماد بن أبي سليمان «4» ، لشيء بلغني ~~عنه: أنه كان يوما راكبا حمارا له، فحركه، فانقطع زر «5» له، فمر على خياط، ~~فأراد أن ينزل، فسوى زره، فأخرج له صرة فيها عشرة دنانير، فسلمها إلى ~~الخياط، واعتذر إليه من قلتها. # قال الحميدي: قدم الشافعي رحمه الله من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف «6» ~~دينار، فضرب خباءه في موضع خارج عن مكة، ونثر الدنانير على ثوب، ثم أقبل ~~على كل من دخل عليه، يقبض قبضه ويعطيه، حتى صلى الظهر، ونفض الثوب وليس ~~عليه شيء «7» . # عن الأصمعي «8» قال: قدم وفد على [أمير المؤمنين] هشام بن عبد الملك، # PageV01P145 # وفيهم رجل من قريش، يقال له: اسمعيل بن [أبي] الجهم «1» ؛ وكان أكبرهم ~~سنا، وأفضلهم رأيا وحلما، فقام متوكئا على عصا «2» ، فقال: # يا أمير المؤمنين، إن خطباء قريش ms102 قد قالت [فيك] فأطنبت، وأثنت عليك ~~فأحسنت، ووالله ما بلغ قائلهم قدرك، ولا أحصى مثنيهم فضلك، أفتأذن لي في ~~الكلام؟ قال: فتكلم قال: فأوجز أم أطنب؟ قال: بل أوجز. # قال: تولاك الله- يا أمير المؤمنين- بالحسنى، وزينك بالتقوى «3» ، وجمع ~~لك خير الآخرة والأولى، إن لي حوائج فأذكرها «4» ؟ قال: نعم، قال: # كبرت سني، وضعفت قواي، واشتدت حاجتي، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجبر كسري ~~وينفي فقري-: فعل «5» . فقال: يابن [أبي] الجهم، وما يجبر كسرك وينفي فقرك؟ ~~قال: ألف دينار وألف دينار وألف دينار، قال: هيهات يابن [أبي] الجهم! بيت ~~المال لا يحتمل هذا. قال: كأنك آليت- يا أمير المؤمنين- أن لا تقضي لي حاجة ~~مقامي هذا؟! قال: فألف دينار لماذا؟ # قال: أقضي بها دينا قد فدحني حمله «6» ، وأرهقني أهله «7» . قال: نعم ~~المسلك أسلكتها، دينا قضيت، وأمانة أديت، وألف دينار لماذا؟ قال: أزوج بها ~~من أدرك من ولدي، فأشد بهم عضدي، ويكثر بهم عددي. قال: ولا بأس، # PageV01P146 # غصضت «1» طرفا، وحصنت فرجا، وأكثرت نسلا «2» ، وألف دينار لماذا؟ # قال: اشتري بها أرضا أعود بها «3» على ولدي، ويفضل فضلها على ذوي ~~قراباتي. # قال: ولا بأس، أردت ذخرا، ورجوت أجرا، ووصلت رحما، قد أمرنا لك بها. قال: ~~المحمود الله على ذلك، وجزاك الله- يا أمير المؤمنين- والرحم خيرا. فقال ~~هشام: تالله ما رأيت رجلا ألطف في سؤال، ولا أرفق في مقال-: # منه «4» ، هكذا فليكن القرشي. # PageV01P147 ### $ 4- باب الشجاعة «1» ### | مما ورد فى الكتاب العزيز # قال الله عز وجل في سورة البقرة: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ~~ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين [190] واقتلوهم حيث ثقفتموهم، ~~وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل. # ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم «2» فيه، فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم. كذلك جزاء الكافرين [191] فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم [192] ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة «3» ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا ~~على الظالمين [193] . # ومنها: كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، ~~وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم ms103 لا تعلمون [216] . # ومنها: فلما فصل طالوت بالجنود قال: إن الله مبتليكم بنهر، فمن شرب منه ~~فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده. فشربوا منه إلا ~~قليلا منهم. فلما جاوزه هو والذين آمنوا «4» معه # PageV01P148 # قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده. قال الذين يظنون أنهم ملاقوا ~~الله: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. والله مع الصابرين [249] ~~ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا: ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا ~~وانصرنا على القوم الكافرين [250] فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت، ~~وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء. # ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على ~~العالمين [251] . # ومن سورة آل عمران: يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا ~~لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى «1» : لو كانوا عندنا ما ماتوا ~~وما قتلوا، ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم. والله يحيي ويميت. والله بما ~~تعملون بصير [156] ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة ~~خير مما يجمعون [157] ولئن متم أو قتلتم لإلى «2» الله تحشرون [158] . # ومنها: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا. بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون [169] فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا ~~بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون [170] يستبشرون بنعمة من الله ~~وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين «3» [171] . # ومن سورة النساء: فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة # PageV01P149 # الدنيا بالآخرة. ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما [74] وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء ~~والولدان الذين يقولون: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا ~~من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا [75] . # الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل ~~الطاغوت. فقاتلوا أولياء الشيطان «1» ، إن كيد الشيطان كان ضعيفا [76] ألم ~~تر إلى الذين قيل لهم: كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، فلما كتب ms104 ~~عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية. وقالوا: ~~ربنا لم كتبت علينا القتال؟ لولا أخرتنا إلى أجل قريب! قل متاع الدنيا ~~قليل، والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا [77] أينما «2» تكونوا يدرككم ~~«3» الموت ولو كنتم في بروج مشيدة. وإن تصبهم حسنة يقولوا: هذه من عند ~~الله. وإن تصبهم سيئة يقولوا: هذه من عندك. قل كل من عند الله. فمال هؤلاء ~~«4» القوم لا يكادون يفقهون حديثا! [78] . # ومنها: ولا تهنوا في ابتغاء القوم، إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما ~~تألمون، وترجون من الله ما لا يرجون. وكان الله عليما حكيما [104] . # PageV01P150 # ومن سورة الأنفال: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم: أني ممدكم بألف من ~~الملائكة مردفين [9] وما جعله الله إلا بشرى «1» ولتطمئن به قلوبكم. وما ~~النصر إلا من عند الله، إن الله عزيز حكيم [10] . # ومنها: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم ~~الأدبار [15] ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد ~~باء بغضب من الله، ومأواه جهنم، وبئس المصير [16] . # ومنها: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإن انتهوا فإن ~~الله بما يعملون بصير [39] وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم. # نعم المولى ونعم النصير [40] . # ومنها: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون [45] وأطيعوا الله ورسوله «2» ، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين [46] . # ومنها: يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال. إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين. وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم ~~«3» لا يفقهون [65] الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا. فإن يكن منكم ~~مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله. والله ~~مع الصابرين [66] . # PageV01P151 # ومن سورة التوبة: ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول ~~وهم بدؤكم أول مرة! أتخشونهم؟! فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين [13] ~~قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ms105 ~~[14] ويذهب غيظ قلوبهم «1» ، ويتوب الله على من يشاء، والله عليم حكيم [15] ~~. # ومنها: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم ~~الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية ~~عن يد وهم صاغرون [29] . # ومنها: إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما ~~في الغار إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا. فأنزل الله سكينته عليه ~~وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى. وكلمة الله هي العليا. ~~والله عزيز حكيم [40] انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في ~~سبيل الله. ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون [41] . # ومنها: يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين «2» واغلظ عليهم. ومأواهم ~~جهنم وبئس المصير [73] . # ومنها: إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة: ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون. وعدا عليه حقا في # PageV01P152 # التوراة والإنجيل والقرآن. ومن أوفى بعهده من الله. فاستبشروا ببيعكم ~~الذي بايعتم به «1» وذلك هو الفوز العظيم [111] التائبون العابدون الحامدون ~~السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون «2» عن المنكر ~~والحافظون لحدود الله. وبشر المؤمنين [112] . # ومنها: يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار، وليجدوا فيكم ~~غلظة. واعلموا أن الله مع المتقين [123] . # ومن سورة الحج: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا. وإن الله على نصرهم لقدير ~~[39] الذين «3» أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله. ولولا ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم ~~الله كثيرا. ولينصرن الله من ينصره. إن الله لقوي عزيز [40] الذين إن ~~مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر. ولله «4» عاقبة الأمور [41] . # ومنها: يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير ~~لعلكم تفلحون [77] وجاهدوا في الله حق جهاده. هو اجتباكم وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج، ملة أبيكم إبراهيم، هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا، ليكون ~~الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس. فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~واعتصموا ms106 بالله هو مولاكم، فنعم المولى ونعم النصير [78] . # PageV01P153 # ومن سورة محمد «1» : فإذا «2» لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب، حتى إذا ~~أثخنتموهم «3» فشدوا الوثاق، فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب ~~أوزارها. ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم، ولكن ليبلوا بعضكم «4» ببعض. ~~والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم [4] سيهديهم ويصلح بالهم [5] ~~ويدخلهم الجنة عرفها لهم [6] يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ~~ويثبت أقدامكم [7] . # ومن سورة الفتح: قل للمخلفين من الأعراب: ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون، فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا، وإن تتولوا كما ~~توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما [16] . # ومن سورة الحجرات: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله. أولئك هم الصادقون [15] . # ومن سورة الصف: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان ~~مرصوص [4] . # ومنها: يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم؟ ~~[10] تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم. ذلكم ~~خير لكم إن كنتم تعلمون [11] يغفر لكم # PageV01P154 # ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن. ذلك ~~الفوز العظيم [12] وأخرى تحبونها: نصر من الله وفتح قريب. وبشر المؤمنين ~~[13] «1» يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين: من أنصاري إلى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله. فآمنت ~~طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم. فأصبحوا ~~ظاهرين [14] . # ومن سورة المتحرم «2» : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم ومأواهم جهنم، وبئس المصير [9] . ### | ومن الأحاديث # عن هشام عن الحسن رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لغدوة أو ~~روحة* 39 في سبيل الله تعالى أفضل من الأرض وما عليها. ولموقف رجل في الصف ~~أفضل من عبادة ستين سنة «3» » . # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ابن ~~رواحة* 40 # PageV01P155 # - رحمه الله- في سرية «1» ، فوافق ذلك يوم الجمعة، فقال: أصلي مع النبي ms107 ~~صلى الله عليه وسلم ثم ألحق بأصحابي، وقد غدا أصحابه، فلما رآه النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: مالك لم تغد مع أصحابك؟ قال: أحببت أن أصلي معك الجمعة ~~ثم ألحق بأصحابي. فقال صلى الله عليه وسلم: لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ~~أدركت فضل غدوتهم «2» » . # 41* وعن أبي هريرة رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «3» : ~~عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة من بني آدم، وأول ثلاثة يدخلون النار. فأما ~~أول الثلاثة الذين يدخلون الجنة-: فالشهيد، وعبد مملوك لم يشغله رق الدنيا ~~عن طاعة الله تعالى «4» ، وفقير متعفف ذو عيال «5» . وأما الثلاثة نفر ~~الذين يدخلون النار-: فأمير مسلط، وذو مال لا يؤدي منه حق الله تعالى «6» ، ~~وفقير فخور «7» » . # PageV01P156 # وعن أنس بن مالك رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم «1» قال: «ما من ~~عبد يموت* 42 وله عند الله خير يتمنى الرجوع إلى الدنيا، وإن كان له ~~الدنيا، لما يخاف من هول الموت-: إلا الشهيد، لما يرى من فضل الشهادة، فإنه ~~يتمنى «2» أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى» . # وعن سعيد بن جبير رحمه الله في قول الله تعالى: فصعق من في السماوات ومن ~~في الأرض إلا من شاء الله [39: 68] # قال: هم الشهداء، متقلدو «3» السيوف حول العرش «4» . # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده لوددت أني ~~أقاتل في* 43 سبيل الله فأقتل، ثم أحيا فأقتل ثم أحيا فأقتل «5» » . # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل ~~الله-* 44 والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب ~~«6» دما: # اللون لون الدم والريح ريح المسك» . # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم «7» : «أنه لما كان يوم أحد قال: من ~~يأتيني بخبر* 45 # PageV01P157 # سعد بن الربيع الأنصاري؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله. فذهب الرجل [يطوف] ~~«1» بين القتلى، فقال له سعد بن الربيع: ما شأنك؟ فقال الرجل: # بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ms108 إليك لآتيه بخبرك. فقال: فاذهب إليه ~~فأقره «2» مني السلام، وأخبره أني قد طعنت اثنتي عشرة «3» طعنة، وأني قد ~~أنفذت مقاتلي. وأخبر قومنا «4» أنه لا عذر لكم «5» إن قتل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وواحد منكم «6» حي» . # 46* وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وقوف ساعة في الصف في سبيل ~~الله تعالى أفضل من قيام ليلة القدر تحت الحجر الأسود «7» » . # 47* وروي عنه صلى الله عليه وسلم: «أنه سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك ~~خير ما تسأل، فأعطني أفضل ما تعطي. فقال: إن استجيب لك أهريق دمك في سبيل ~~الله تعالى «8» » . # 48* وعن عسعس بن سلامة قال: «أتى رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الجبل يتعبد ففقد وطلب، فجيء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الذي حملك على ذلك؟ فقال: يا ~~رسول الله، أردت أن أعتزل فأتعبد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا ~~تفعل، فإن صبر أحدكم ساعة # PageV01P158 # من النهار في بعض مرابط الإسلام خير من عبادة رجل خال أربعين سنة «1» » . # وعن أنس بن مالك رحمه الله قال: لما طعن خالي حرام بن ملحان- رحمه الله- ~~يوم بئر معونة قال بالدم هكذا: فنضحه على وجهه ورأسه، ثم قال: فزت ورب ~~الكعبة «2» » . # وعن عبد الله بن عمرو «3» رضوان الله عليهما قال: سمعت رسول الله* 49 صلى ~~الله عليه وسلم يقول: «أول ثلاثة يدخلون الجنة: الفقراء المهاجرون الذين ~~تتقى بهم المكاره، وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإذا كان للرجل منهم حاجة إلى ~~السلطان لم تقض «4» له حتى يموت وهي في صدره. وإن الله عز وجل ليدعو «5» ~~يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول تعالى: أين عبادي الذين ~~قاتلوا في سبيلي فقتلوا، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي، ادخلوا الجنة. ~~فيدخلونها بغير حساب. وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح بحمدك ~~الليل والنهار ونقدس لك، من هؤلاء الذين آثرتهم # PageV01P159 # علينا؟ فيقول الرب عز وجل: هؤلاء عبادي الذين قتلوا في سبيلي وأوذوا ms109 في ~~سبيلي. فتدخل عليهم الملائكة من كل باب: (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى ~~الدار [13: 24] # » . # 50* وعن أبي بكر بن عبد الله بن قيس «1» رحمه الله قال: سمعت أبي- وهو ~~بحضرة العدو- يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أبواب الجنة تحت ~~ظلال السيوف» . فقام رجل رب الهيئة فقال: يأبا موسى، أنت سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟ قال: نعم. قال: فرجع إلى أصحابه، فقال: أقرأ ~~عليكم السلام. ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى إلى العدو بسيفه، فضرب به ~~حتى قتل رحمه الله «2» . # 51* وعن النعمان بن بشير رحمه الله قال «3» : قد كنت عند منبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن ~~أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر ~~المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم «4» ~~عمر رضي الله عنه، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم- وهو يوم الجمعة- ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما ~~اختلفتم فيه. فأنزل الله عز وجل: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة # PageV01P160 # المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله # الآية «1» . # وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشهيد لا يجد ~~مس القتل* 52 إلا كما يجد أحدكم الفرصة يقرصها «2» » . # وعن أبي عبس رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما اغبرت ~~قدما عبد* 53 في سبيل الله فتمسهما النار «3» » . # أورد الإمام أبو الليث السمرقندي رحمه الله في كتاب (تنبيه الغافلين) «4» ~~: * 54 «أن رجلا [حشيا] أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، ~~إني كما ترى: دميم الخلقة «5» ، منتن الريح، غير زاكي الحسب «6» ، فأين أنا ~~إن قاتلت حتى أقتل؟ قال: أنت في الجنة. [فأسلم الرجل، ف] قال: عندي غنم ~~فكيف أصنع بها؟ قال: وجهها إلى المدينة ثم صح بها، فإنها ترجع «7» إلى ~~أهلها. # PageV01P161 # ففعل «1» ذلك. ms110 ثم التحم القتال «2» فاقتتلوا، فلما افترق «3» القوم قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: تفقدوا إخوانكم. [ففعلوا] ، فقالوا: يا رسول ~~الله، ذلك الرجل قتل «4» في وادي كذا. فقام «5» النبي صلى الله عليه وسلم ~~معهم، فلما أشرف عليه قال: # اليوم حسن الله وجهك، وطيب ريحك، وزك حسبك «6» . ثم أعرض عنه «7» . ~~فقالوا: رأيناك أعرضت عنه؟ قال: والذي نفسي بيده، لقد رأيت أزواجه من الحور ~~العين ابتدرن حتى بدت خلا خلهن «8» » . # 55* وأورد الامام أبو الحسن يحيى بن نجاح رحمه الله في كتاب (سبل ~~الخيرات) «9» قال: يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا أخبركم ~~بخير الناس منزلة؟ رجل أخذ بعنان فرسه يجاهد في سبيل الله تعالى «10» » 56* ~~وأورد أبو الليث السمرقندي رحمه الله عن الحسن رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «من سأل الله تعالى الشهادة فمات كان له أجر شهيد «11» ~~» . # PageV01P162 # وعن ابن عباس رضي الله عنه في قول الله تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون [3: 169] # قال: # أرواحهم كطيور خضر تسرح في الجنة، ثم تأوي إلى قناد بل خضر معلقة تحت ~~العرش «1» . # وأورد الإمام الحافظ أبو القسم إسمعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني* 57 ~~رحمه الله في كتاب (الترغيب والترهيب) «2» عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشهداء ثلاثة رجال: رجل خرج بماله ~~ونفسه محتسبا في سبيل الله تعالى، لا يريد أن يقتل ولا يقتل «3» ، لتكثير ~~سواد المسلمين-: فإن مات أو قتل غفرت [له] ذنوبه كلها، وأجير من عذاب ~~القبر، وأومن من الفزع الأكبر، وزوج من الحور العين [وحلت عليه الكرامة] ~~ووضع على رأسه تاج الوقار [والخلد] . والثاني: رجل جاهد بنفسه «4» وماله ~~محتسبا، يريد أن يقتل ولا يقتل-: فإن مات أو قتل كانت «5» ركبته مع ركبة ~~ابراهيم خليل الرحمن عليه السلام بين يدي الله عز وجل في مقعد صدق عند مليك ~~مقتدر. والثالث: رجل خرج في نفسه «6» وماله [محتسبا] ، يريد أن يقتل ~~ويقتل-: ms111 فإن مات أو قتل جاء يوم القيامة شاهرا سيفه واضعه على عنقه «7» ، ~~والناس جاثون على الركب، يقول: ألا # PageV01P163 # فافسحوا لنا [مرتين] ، فإنا قد بذلنا دماءنا وأموالنا لله عز وجل» قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لو قال ذلك لإبرهيم خليل ~~الرحمن أو لنبي من الأنبياء لتنحى لهم عن الطريق، لما يرى من واجب حقهم. ~~حتى يأتوا منابر من نور عن يمين العرش، فيجلسون ينظرون كيف يقضى بين الناس، ~~لا يجدون غم الموت، ولا يغتمون في البرزخ، ولا تفزعهم الصيحة، ولا يهمهم ~~الحساب ولا الميزان ولا الصراط، ينظرون كيف يقضى بين الناس، ولا يسألون ~~شيئا إلا أعطوا، ولا يشفعون في واحد «1» إلا شفعوا فيه، ويعطى من الجنة ما ~~أحب، وينزل من الجنة حيث أحب «2» » . # 58* وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«الغازي في سبيل الله، والحاج إلى بيت الله، والمعتمر-: وفد الله عز وجل، ~~سألوا فأعطاهم، ودعوا فأجابهم «3» » . # 59* وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: ~~الصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله تعالى «4» » . # 60* وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~لما أصيب إخوانكم يأخذ جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار ~~الجنة، وتأكل من ثمارها، وتاوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش. فلما # PageV01P164 # وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومبيتهم «1» قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا ~~أحياء في الجنة نرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب؟ # فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم. فأنزل الله عز وجل: ولا تحسبن الذين ~~قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون [3: 169] # إلى آخر الآية «2» . ### | ومما ورد في أسماء الشجاعة # قال أبو زيد: يقال: رجل «شجاع» «3» من قوم «شجعة» «4» . # ويقال: «شجاع» و «شجيع» بمعنى واحد. و «الشجاع» «5» : ضرب من الحيات. # وقال صاحب (المنضد «6» ) : «الشجع في الإبل: سرعة نقل القوائم، يقول ~~العرب: بعير شجع، وناقة شجعة» . # قال ms112 أبو بكر بن دريد: «رجل شجاع: أي جريء، والأشجع من الرجال بين ~~الشجاعة، وهو الذي كأن به جنونا» . # وقال صاحب (كتاب العين) : «الشجاع «7» يجمع: شجعان «8» ، والشجاع «9» ~~الحية الذكر» . # PageV01P165 # وقال اللحياني: ويقال للحية أيضا: «أشجع» . # و «الزميع» الشجاع الذي يزمع بالأمر ثم لا ينثني، وهم «الزمعاء» والمصدر ~~«الزماع» . # ويقال: «شجاع باسل» وهو: عبوس في غضب. و «استبسل فلان للموت» أي: وطن ~~نفسه عليه واستسلم للقتل، قال الله تعالى: أبسلوا [6: # 70] # أي: أسلموا بذنوبهم. وكل من خذل وأسلم فقد «أبسل» . # ثم رجل «بطل» وهو: الرجل الذي يبطل الأشياء» # والدماء، ولا يدرك عنده ثأر. # ثم رجل «بهمة» «2» وهو الذي لا يدرى من أين يؤتى لشدة بأسه وتيقظه. # ثم رجل «حلبس» «3» قال الكسائي: «هو الذي يلازم قرنه فلا يفارقه» . # وقال الهنائي: «الحلبس» و «الحبلبس» «4» هو: الحريص الملازم. # ورجل «أليس» قال الهنائي: «الأليس» الشجاع، وجمعه «ليس» «5» و «الأليس» : ~~الذي لا يبرح متهللا «6» . # PageV01P166 # ثم رجل «غشمشم» و «الغشمشم» : الذي يركب رأسه، ولا يثنيه شيء عما يريد. # وناقة «غشمشمة» : عزيزة النفس، و «الغشم» الظلم. # ورجل «أيهم» قال الليث: «الأيهم» «1» و «الأهيم» الذي لا ينحاش لشيء «2» ~~. # وقال الهنائي: «الأيهم» «3» البطيء الرجوع إلى الحق، الذي لا يقبل الحجة ~~إذا وقعت عليه، ولا يرى إلا رأيه. و «الأيهم» الجبل الطويل الذي لا نبات ~~«4» فيه. # ثم رجل «صمة» قال الهنائي: هو الرجل الشجاع المصمم. والجمع «صمم» «5» . # ثم رجل «بهمة» - وقد تقدم ذكره- «البهمة» جماعة الفرسان، والجمع «بهم» ~~«6» يقال: باب «مبهم» «7» وحلقة «مبهمة» لا يعرف بابها. # ثم رجل «ذمر» «8» من قوم «أذمار» و «ذمير» وهو: الشجاع المنكر. # ثم رجل «نهيك» قال الليث: هو الرجل الشجاع الجريء، و «النهيك» المبالغ في ~~كل شيء، وهو من الإبل: القوي. # ثم رجل «محرب» «9» وهو المقدم «10» على الحرب، العالم الخبير بها، المجرب ~~لها، الحسن التصرف بها. # PageV01P167 # ثم رجل «مرير» قال الثعالبي: إذا كان الرجل شديد «1» القلب رابط الجأش-: ~~فهو «مرير» . قال الهنائي «2» : «المرة» القوة. # ثم رجل «غلث» قال الأصمعي: هو الشديد القتال، اللزوم لمن بارزه يطلبه. # وقال الهنائي: «الغلث» ms113 «3» - بالغين المعجمة والثاء المعجمة بثلاث: - هو ~~الرجل الشديد القتال، اللزوم لمن طلب. # ويقال: «إنه لعلب شر» - بعين غير معجمة وباء معجمة من تحتها واحدة-: # إذا كان قويا على الشر والحرب. # ثم رجل «مخش» «4» قال أبو عمرو: هو الرجل الجريء على الليل. # و «المحش» «5» الذي كلما رق جانب من الحرب قواه، وكلما بردت الحرب ~~أوقدها، وكلما تخاذل الناس حرضهم وشجعهم. # وقال الهنائي: «حش «6» الإبل يحشها حشا» إذا ساقها سوقا شديدا. # ثم رجل «باسل» و «باسر» إذا كان فيه عبوس الشجاعة والغضب. # قال الهنائي: أي عبوس. # ثم رجل «مغامز» إذا كان شجاعا مقداما، يرمي بنفسه في غمار الحرب، ويتهجم ~~على اللقاء. # قيل «7» : أول من أوتي فضيلة الشجاعة والإقدام-: هود النبي صلى الله عليه ~~وسلم «8» . # PageV01P168 # وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن ~~نوح عليه السلام. # وقال بعض النسابين: إن هودا هو: عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ~~عليه السلام «1» . # أرسله الله سبحانه إلى عاد. وكانت مساكنهم الشحر، من أرض اليمن الى بلاد ~~حضر موت إلى عمان، يأمرهم أن يوحدوا الله، ويكفوا عن الظلم لا غير، فأبوا ~~عليه وكذبوه، وقالوا: من أشد منا قوة؟ [41: 15] # فكان هود عليه السلام يلبس لأمته «2» يقول: فكيدوني «3» جميعا ثم لا ~~تنظرون [11: 55] # ، فلا يقدمون عليه ولا ينابذونه «4» . فدعا عليهم، فأرسل الله تعالى ~~عليهم الريح العقيم، وهي التي لا تلقح الشجر «5» ، ولا ينمي عليها النبات. # قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: كان طول عاد مائة ذراع، وأقصرهم سبعين ~~ذراعا. # وقبر هود عليه السلام بتلك الناحية. # ولما نزل موسى بن عمران صلى الله عليه «6» ببني إسرائيل أرض كنعان، من ~~أرض الشأم، وكان بلعام «7» بن باعورا ببالعة، قرية من قرى البلقاء، وهو ~~الذي قال الله فيه آتيناه آياتنا فانسلخ منها [7: 175] # -: أتى # PageV01P169 # قوم بلعام إليه وقالوا: ادع عليهم، فقال: كيف أدعو على نبي الله؟! ولكن ~~زينوا أجمل نسائكم وابعثوهن إلى العسكر، فإن واقعوا إحداهن نزل عليهم ~~العذاب، ففعلوا، ms114 وبعثوا بالنساء إلى عسكر موسى عليه السلام، فمرت امرأة ~~منهن برجل من عظماء بني إسرائيل، فأخذ بيدها، ثم أقبل بها حتى وقف على ~~النبي موسى [عليه السلام] «1» ، فقال: أظنك تقول: هذه حرام عليك؟ # قال: أجل، هي حرام عليك، لا تقربها، قال: والله لا أطيعك في هذا، ثم دخل ~~قبته فوقع عليها، وأرسل الله تعالى الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن ~~العيزار بن هارون صاحب أمر موسى عليه السلام-: رجلا قد أعطي بسطة في الخلق ~~وقوة في البطش «2» ، وكان غائبا، فجاء والطاعون يحوس «3» في بني إسرائيل، ~~فأخذ حربته- وكانت كلها حديدا- ثم دخل عليهما القبة وهما مضطجعان فانتظمهما ~~بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أسندها إلى ذراعه، ~~واعتمد بمرفقه على خاصرته، وجعل يقول: # اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك، فرفع الله سبحانه عنهم الطاعون، فحسب من هلك ~~بالطاعون من بني إسرائيل من «4» بين ما أصاب ذلك الرجل من المرأة إلى أن ~~قتلهما فنحاص-: فوجد قد هلك منهم سبعون ألفا، والمقلل يقول: # عشرون ألفا [والله تعالى أعلم] «5» . # PageV01P170 ### | من اشتهر بالفتك في الجاهلية # عبيد بن نشبة بن مرة بن غيظ بن مرة بن سعد بن ذبيان. والحارث بن ظالم ~~المري. والبراض بن قيس الكناني. وتأبط شرا، وهو: ثابت بن جابر بن سفيان ~~الفهمي. وحنظلة بن قايد «1» : أحد بني عمرو بن أسد بن خزيمة. ### | ومن شهر «2» بالفتك في الاسلام # أبو حردبة. [و] مالك بن الريب المازني «3» . وعبيد الله بن الحر الجعفي. ~~وعقبة بن هبيرة الأسدي. وعبد الله بن سبرة الحرشي «4» . # وعبد الله بن خازم «5» السلمي. والقتال الكلابي «6» . وقران بن بشار ~~الفقعسي «7» . # وعبد الله بن حجاج الثعلبي «8» . وعبيد الله بن زياد بن ظبيان، أحد بني ~~تيم الله بن ثعلبة بن عكابة «9» . # PageV01P171 # 61* قال عمران بن الحصين رحمه الله «1» : «أخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بطرف عمامتي من ورائي، فقال: يا عمران، إن الله يحب الإنفاق ويبغض ~~الإقتار، فأنفق وأطعم ولا تصر صرا فيعسر عليك الطلب. واعلم أن الله يحب ~~النظر النافذ عند مجيء الشبهات، ms115 والعقل الكامل عند نزول الشهوات، ويحب ~~السماحة ولو على تمرات، ويحب الشجاعة ولو على قتل حية «2» » . # 50* وعن أبي بكر بن عبد الله بن قيس [رحمه الله] «3» قال: سمعت أبي- وهو ~~بحضرة العدو «4» - يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أبواب ~~الجنة تحت ظلال «5» السيوف» فقام إليه رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى، ~~أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟ قال: نعم قال: فرجع إلى ~~أصحابه قال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى ~~العدو، فضرب به حتى قتل رحمه الله «6» ، ولم يذكر اسمه. # وأما من كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحمة الله عليهم ~~أجمعين «7» من الشجعان- وكلهم كان مقداما في الحرب حريص «8» على الشهادة-: ~~ولأمير # PageV01P172 # المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه التقدمة في الإقدام، والصيت ~~الشائع في الشجاعة. # فإنه شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعة بدر، وهي أول وقعة كانت ~~في الإسلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة رجل وثلاثة عشر من ~~المهاجرين والأنصار ومن تبعهم، والمشركون تسع مائة رجل، فنصر الله سبحانه ~~[وتعالى] «1» رسوله صلى الله عليه [وسلم] «2» ، وقتل من المشركين سبعون ~~رجلا، وأسر سبعون رجلا، فكان من قتله منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~أربعة وعشرين «3» رجلا، سوى من شارك في قتله «4» . وقد ذكرت شيئا من حروبه ~~ووقعاته «5» في كتابي المترجم بكتاب (فضائل الخلفاء الراشدين) رضي الله ~~عنهم أجمعين، فغنيت عن إعادته هنا. # ومن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- بل من أهله- ابن عمته الزبير بن ~~العوام رضي الله عنه، المشهور بالإقدام والبأس. # روى المدائني عن مصعب بن عبد الله الزبيري قال: أجمع أهل الإسلام أنه لم ~~يكن في الناس راجل أشجع من علي بن أبي طالب «6» ، ولا فارس أشجع من الزبير ~~بن العوام رضي الله عنهما. # وروى أحمد بن يوسف بن إبراهيم: أن أمر إفريقية اضطرب بتنازع # PageV01P173 # أعيانها الرياسة فيها، فكتب عمرو بن العاص من ms116 مصر- وهو يومئذ عليها- إلى ~~عمر بن الخطاب «1» رضي الله [تعالى] «2» عنه: يخبره بذلك، وأنه قد عزم أن ~~يسير إليها جيشا، واستدعى من عمر [رضي الله عنه] «3» نجدة. فكتب إليه عمر ~~يستصوب رأيه، ويذكر له: أنه ينفذ إليه على إثر كتابه ألف فارس، فتشوف عمرو ~~إليهم، فوافاه الزبير بن العوام [رضي الله عنه] «4» وحده، ومعه كتاب عمر ~~رضي الله عنه: «قد أنفذت إليك الزبير بن العوام، وهو عندي يعدل ألف فارس إن ~~شاء الله» وسير عمرو الجيش إلى إفريقية. فلما انتهوا إلى مفرق «5» طريقين ~~خافوا أن يسلكوا في أحد الطريقين فتقع بهم مكيدة في الأخرى، فقال لهم ~~الزبير [رضي الله عنه] «6» : أفردوني في إحدى الطريقين «7» ، فإني ~~أكفيكموها. فسار وحده في أحد «8» الطريقين، وسلك الجيش في الطريق الأخرى، ~~واتفق أن كانت طريق الزبير قريبة جدا، فلم تزل الشمس حتى وافى حصن إفريقية، ~~فنزل عن دابته واحتش لها بقلا يشغلها به، وقام يصلي، وأشرف كفرة إفريقية من ~~حصنها، فرأوا رجلا واحدا من المسلمين حسن الطمأنينة، غير قلق في موضعه، ولا ~~مستوحش من محله، فقالوا لرجل من شجعانهم: اخرج إليه واكفنا مؤونته، فخرج ~~إليه، وركب الزبير [رضي الله عنه] «9» فرسه وجاوله فقتله، وخرج إليه ~~فارسان، فطعن أحدهما فقتله وهرب الآخر منه، وصار إلى أصحابه، فقال: لو ~~خرجتم # PageV01P174 # بأجمعكم إلى هذا الرجل لقتلكم، فريعوا منه ووجهوا إليه أسقفهم، فقالوا: # يا هذا، ما تلتمس؟ وهل جئتنا وحدك أو في جماعة؟ فقال: أنا واحد من جمع ~~كثير قد توجهوا معي إليكم، والذي ألتمسه أن تسلموا أو تؤدوا إلينا الجزية، ~~قال: فنحن نجيب إلى أحدهما، فماسحوه «1» وفتحوا له الباب، ووافى «2» الجيش ~~وقد فتح الزبير [رضي الله عنه] «3» إفريقية وحده «4» . # ومن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن عمرو بن الجموح رحمه ~~الله «5» ، شهد بدرا، قال: «سمعت القوم- يعني المشركين- وأبو جهل في مثل ~~الحرجة «6» يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه. فلما سمعتها جعلته من شأني، ~~فصمدت «7» نحوه، فلما أمكنني حملت عليه، فضربته ضربة أطنت قدمه من نصف ~~ساقه، فو ms117 الله ما شهتها- حين طاحت- إلا بالنواة تطيح «8» من تحت مرضخة «9» ~~النوى حين يضرب بها، قال: فضربني ابنه عكرمة على # PageV01P175 # عاتقي فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي «1» ، وأجهضني القتال «2» عنها، ~~فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم ~~تمطيت بها [عليها] «3» حتى طرحتها» . # قال ابن اسحاق: ثم عاش رحمه الله «4» بعد ذلك حتى كان زمن «5» عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه. # 62* ومن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو دجانة سماك بن خرشة بن ~~لوذان بن عبد ود بن يزيد بن ثعلبة «6» بن الخزرج، رضي الله عنه، شهد حروب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ~~قبل القتال: «من يأخذ هذا السيف بحقه؟» فقام إليه رجال فأمسكه عنهم، منهم ~~الزبير بن العوام رحمه الله «7» ، حتى قام أبو دجانة سماك بن خرشة [رضي ~~الله عنه] «8» ، فقال: ما حقه يا رسول الله؟ قال: «تضرب «9» به في العدو ~~حتى ينحني» قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه. فأعطاه إياه. وكان أبو دجانة ~~رجلا شجاعا يختال عند الحرب، وكان إذا أعلم بعصابة حمراء علم الناس أنه ~~سيقاتل. فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته ~~«10» تلك فعصب بها رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أبا ~~دجانة يتبختر-: «إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا # PageV01P176 # الموضع» قال الزبير بن العوام رحمه الله «1» : فوجدت في نفسي، حين سألت ~~رسول الله صلى الله عليه [وسلم] «2» السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، وقلت: # أنا ابن صفية عمته، ومن قريش، وقد قمت إليه فسألته «3» إياه قبله، فأعطاه ~~إياه وتركني! والله لأنظرن ما يصنع. فاتبعته، وأخرج عصابة فعصب بها رأسه، ~~فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت، وكذا كانت تقول إذا تعصب بها، ~~فخرج وهو يقول: # أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل # أن لا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول «4» # الكيول: آخر الصفوف، وقيل: وراء ms118 القوم. قال الزبير: فجعل لا يلقى «5» ~~أحدا إلا قتله، وكان في المشركين رجل «6» لا يدع جريحا إلا دفف «7» عليه، ~~فجعل كل واحد منهما يدنو «8» من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما، ~~فالتقيا، فاختلفا ضربتين: فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاها» # بدرقته، فعضت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله، ثم رأيته قد حمل السيف على ~~مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عزل بالسيف عنها، وقال: أكرمت سيف رسول الله # PageV01P177 # صلى الله عليه [وسلم] «1» أن أضرب به امرأة. فقال الزبير: فقلت: الله ~~ورسوله أعلم «2» . # ومن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: البراء بن مالك [رضي الله عنه] ~~«3» ، حضر القتال يوم مسيلمة الكذاب «4» وقد قتل أكثر أصحاب مسيلمة، والتجأ ~~منهم نحو من سبعة آلاف «5» إلى حديقة الموت- وإنما سميت «حديقة الموت» ~~لكثرة من قتل بها، وكان اسمها قبل ذلك «أباض «6» » - فامتنعوا فيها، فقال ~~البراء بن مالك رحمه الله «7» : احملوني على الجدار حتى تطرحوني عليهم، ~~فقالوا: لا نفعل يا براء «8» ، قال: والله لتفعلن «9» ، فحملوه على الجدار، ~~فرأى كثرتهم، فقال: أنزلوني، فأنزلوه، ثم قال: احملوني على الجدار، فحملوه، ~~فقال: أف لهذا جشعا! «10» ثم اقتحم عليهم الحديقة، فقاتلهم على الباب حتى ~~فتحه للمسلمين، ودخلوا عليهم فقتلوهم أجمعين، وكانوا في سبعة آلاف «11» ~~رجل، وقتل من بني حنيفة في الفضاء سبعة آلاف «12» وفي الطلب مثلها، وقتل من ~~المسلمين نحو من تسع مائة رجل «13» . رضي الله عنهم. # وعن اسمعيل بن عمر رضي الله عنه قال: لما فرض عمر رضوان الله عليه «14» # PageV01P178 # الدواوين جاء طلحة بن عبيد الله رحمه الله «1» بنفر من بني تميم يستفرض ~~لهم، وجاء رجل من الأنصار بغلام مصفر سقيم، فقال: من هذا الغلام؟ قال: هذا ~~ابن أخيك البراء بن النضر، فقال عمر [رضي الله عنه] «2» : مرحبا وأهلا، ~~وضمه إليه، وفرض له في أربعة آلاف «3» ، فقال طلحة: يا أمير المؤمنين، انظر ~~في أصحابي هؤلاء، قال: نعم، ففرض لهم في ستمائة ستمائة، فقال طلحة: # ما رأيت كاليوم شيئا أبعد من شيء! أي شيء «4» هذا؟! فقال عمر رحمه الله ~~عليه «5» : أنت ms119 يا طلحة تظن أنني منزل هؤلاء بمنزلة هذا؟! إني رأيت أبا هذا ~~جاء يوم أحد وأنا وأبو بكر قد تحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل، ~~فقال: يأبابكر، ويا عمر، مالي أراكما جالسين؟! إن كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قتل فإن الله حي لا يموت، ثم ولى بسيفه، فضرب عشرين ضربة، أعدها ~~في وجهه وصدره، ثم قتل رحمه الله «6» ، وهؤلاء قتل آباؤهم على تكذيب رسول ~~الله صلى الله عليه [وسلم] «7» وإطفاء نور الله تعالى، فمعاذ الله أن ~~أجعلهم بمنزلته. # وأمد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله [تعالى] «8» عليه سعد بن ~~أبي وقاص رحمه الله «9» في حرب القادسية-: بجيش عليه هاشم بن عتبة المرقال ~~«10» ، فوصلهم والعسكران متواقفان: المسلمون ورستم، فوقف [هاشم بن] «11» ~~عتبة مقابل موكب منهم، ثم أخذ سهما فوضعه في قوسه ورماهم، فوقع # PageV01P179 # سهمه في أذن فرسه فخلها «1» ، فضحك، وقال واسوأتاه! من رمية رجل كل من ~~ترى ينتظره!! أين ترون كان سهمي بالغا لو لم يصب أذن الفرس؟ قالوا: # العتيق- وهو نهر خلف ذلك الموكب- فنزل عن فرسه، ثم سار يضربهم بسيفه، حتى ~~أوصلهم العتيق، ثم رجع إلى موقفه «2» . # ووقفت الأعاجم كتيبة فيها فيل، فقال: عمرو بن معدي كرب رحمه الله: # أنا «3» حامل على الفيل ومن معه، فلا تدعوني أكثر من جزر جزور، فإن ~~تأخرتم عني فقدتم أبا ثور، وأين لكم «4» مثل أبي ثور؟! فقذف نفسه في وسطهم، ~~فاستلحموه «5» ، وشجروه بالرماح طويلا، ثم أفضى إلى السيف، ثم سقط عن فرسه، ~~فتعطفت عليه رجالهم، ونادى المسلمون: أبو ثور، الله الله، فإنه إن هلك لم ~~تجدوا منه عوضا! وحملوا عليهم فأفرجوهم عنه، وإذا هو قد طعن من كل ناحية، ~~وإذا هو جاث على ركبتيه قد أزبد، يضرب بسيفه يمينا وشمالا، وإذا سواعد ~~الرجال وأسوقهم حوله كأنها أكاريع «6» الغنم، فلما انفرج عنه الأعاجم أخذ ~~برجل فرس منهم، فحركه الفارس فلم يستطع براحا، فنزل عنه الفارس، وانهزم إلى ~~أصحابه، وركبه عمرو، فقال له رجل: فداك أبي وأمي يأباثور، كيف تجدك؟ قال: ms120 ~~أجدني صالحا، قال: فإذا إهابه قد خرق، فعصب بالعمائم، وعاد إلى القتال كأنه ~~لم يصنع شيئا «7» . # PageV01P180 # روي أن عمرو بن معدي كرب الزبيدي رحمه الله «1» قال: لو طفت بظعينة أحياء ~~العرب ما خفت عليها، ما لم ألق عبديها وحريها- يعني بالعبدين: عنترة بن ~~شداد والسليك بن السلكة، والحرين: دريد بن الصمة وربيعة بن مكدم «2» - قال: ~~وكلا قد لقيت، وأعطاني الله النصر عليه، قيل له: فما تقول في عامر بن ~~الطفيل؟ قال: أقول فيه ما قاله «3» : # إذا مات عمر وقلت للخيل: «أوطئي ... زبيدا، فقد أودى بنجدته عمرو # فأما وعمرو في زبيد فلا أرى ... لكم غزوهم، فارضوا بما حكم الدهر! # فليت زبيدا زيد فيها كضعفها ... وليت أبا ثور يجيش به البحر!!» # وكان لعمرو بن معدي كرب أخ أكبر منه، يقال له: عبد الله، وكانت له ~~التقدمة والرئاسة دون عمرو، وكان له أخت يقال لها: ريحانة «4» ، ولها يعني ~~عمرو بقوله في قصيدة له: # أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع # يقول في هذه القصيدة، وهو بيت حكمة: # إذا لم تستطع أمرا «5» فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع # PageV01P181 # فقتل عبد الله، وبذل قاتلوه الدية لعمرو، فجنح إلى ذلك، فقالت أخته تحرضه ~~على الطلب بدم أخيه «1» : # أرسل عبد الله إذ حان يومه ... إلى قومه: لا تعقلوا لهم دمي «2» # ولا نقبلوا منهم إفالا وأبكرا ... وأترك في بيت بصعدة مظلم «3» # فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم ... فمشوا بآذان النعام المصلم «4» # ولا تشربوا إلا فضول نسائكم ... إذا ارتملت أعقابهن من الدم «5» # ودع عنك عمرا إن عمرا مسالم ... وهل بطن عمر وغير شبر لمطعم؟! # فحرك هذا الشعر عمرا، وطلب بثأر أخيه، وتقدم في الحروب والشجاعة، حتى كان ~~منه ما كان. # والسليك بن السلكة «6» القائل: # قرب النحام مني يا غلام ... واطرح السرج عليه واللجام «7» # أعلم الفتيان: أني خائض ... غمرة الموت، فمن شاء أقام # PageV01P182 # وفي السليك تقول السلكة أمه «1» ، وقد قتل «2» : # طاف يبغي نجوة ... من هلاك فهلك «3» # ليت شعري ضلة! * أي شيء قتلك؟ # أمريض «4» لم تعد ... أم عدو ختلك؟ # كل شيء قاتل ... حين تلقى ms121 أجلك # والمنايا رصد ... للفتى حيث سلك # أي شيء حسن ... لفتى لم يك لك؟ # وعنترة بن شداد القائل من قصيدة «5» : # وسلي لكيما تخبري بفعالنا ... عند الوغى «6» ومواقف الأبطال # والخيل تعثر بالقنا في جاحم «7» ... تهفو به ويجلن كل مجال # وأنا المجرب في المواطن كلها ... من آل عبس منصبي وفعالي «8» # منهم أبي حقا فهم لي والد «9» ... والأم من حام فهم أخوالي # وأنا المنية حين تشتجر القنا ... والطعن مني سابق الآجال # ولرب قرن قد تركت مجدلا ... بلبانه كنواضح الجريال «10» # PageV01P183 # تنتابه طلس الذئاب مغادرا ... في قفرة متمزق السربال «1» # أوجرته لدن المهزة ذابلا ... مرنت عليه أشاجعي وخصالي «2» # قول عنترة: «مرنت عليه أشاجعي وخصالي» مثل قول قيس بن الخطيم: # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... ترى قائما «3» من دونها ما وراءها # وتحت هذا القول معنى لا يعرف حقيقته إلا من باشر الحرب، ولم يزل فيها ~~طاعنا ومطعونا «4» ، وقد يتهجم الإنسان على السرية والموكب فيطعن فيه ~~مخاطرا بنفسه، خائفا من الموت، فتسترخي يده على الرمح حتى يسبح الرمح في ~~كفه-: فلا يكون للطعنة كبير تأثير. فعنترة وقيس يشيران إلى أنهما ما ~~أصابهما ذلك، ولا استرخت يدهما من الروع. # وقال مؤلف الكتاب «5» : # إن يحسدوا في السلم من ... زلتي من العز المنيف # فبما أهين النفس في ... يوم الوغى يوم الصفوف # فلطالما أقدمت إقدا ... م الحتوف على الحتوف # بعزيمة أمضى على ... حد السيوف من السيوف # PageV01P184 # وفي ربيعة بن مكدم الفراسي يقول بعض العرب، وقد اجتاز بقبره، يعتذر إذ لم ~~ينحر عليه ناقته «1» : # لا يبعدن «2» ربيعة بن مكدم ... وسقى الغوادي قبره بذنوب # نفرت قلوصي من حجارة حرة ... بنيت على سمح اليدين وهوب # لا تنفري يا ناق منه فإنه ... شريب خمر مسعر لحروب # لولا السفار وطول خرق مهمه ... لتركتها تحبو على العرقوب «3» # وسيأتي شيء من أخباره. # وعامر بن الطفيل القائل «4» : # إني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المشهور في كل موكب # لما سودتني عامر عن كلالة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكبي # ودريد بن ms122 الصمة الجشمي القائل في أخيه عبد الله «5» : # تنادوا فقالوا: أردت الخيل فارسا ... فقلت: أعبد الله ذلكم الردي؟ # فجئت إليه والرماح تنوشه ... كوقع الصياصي في النسيج الممدد # PageV01P185 # فطاعنت عنه الخيل حتى تبددوا «1» ... وحتى علاني حالك اللون أسودي «2» # فما رمت حتى خرقتني رماحهم ... وغودرت أكبو في القنا المتقصد # فعال امرىء آسى «3» أخاه بنفسه ... ويعلم أن المرء غير مخلد # وهو القائل في إخوته وقد قتلوا «4» : # تقول: ألا تبكي أخاك؟ وقد أرى ... مكان البكا لكن بنيت على الصبر # فقلت: أعبد الله أبكي؟ أم الذي ... على الجدث «5» الأعلى «6» قتيل أبي ~~بكر # وعبد يغوث أم نديمي مالكا «7» ؟ ... وعز المصاب حثو قبر على قبر # أبى القتل إلا آل صمة إنهم ... أبوا غيره، والقدر يجري على قدر «8» # قال مصعب بن عبد الله الزبيري: قلت لأبي: ما بلغ من شجاعة هؤلاء الثلاثة، ~~حيث يقول عبد الله بن الزبير: يا له فتحا! لو كان له رجال مثل مصعب ومصعب ~~ومختار «9» ؟! قال: إنهم بيتوا ليلة مسلحة «10» للحجاج، فقتلوا مائة رجل ~~بأيديهم. # وقالت جمرة امرأة عمران بن حطان لعمران: ألم تزعم أنك لم تكذب في شعرك ~~قط؟ قال: نعم. قالت: فقولك: # وكذاك «11» مجزأة بن ثور ... كان أشجع من أسامه # PageV01P186 # هل رأيت رجلا أشجع من الأسد؟! قال: فهل رأيت أنت أسدا فتح مدينة وحده؟! ~~قالت: لا. قال: فمجزأة بن ثور فتح مدينة تستر «1» وحده. # قال عبد الله بن الزبير: لما اصطفنا «2» يوم الجمل خرج علينا صائح يصيح ~~من قبل علي رضوان الله عليه: يا معشر فتيان قريش، أحذركم الرجلين العابدين: ~~جندب بن زهير والأشتر مالك [رضي الله عنهما] «3» ، فلا تقوموا لأسنتهما، ~~أما جندب بن زهير فرجل ربعة يجر درعه حتى يعفو أثره، وأما الأشتر فلا نيابه ~~قعقعة في الحرب. # والأشتر مالك بن الحارث [رضي الله عنه] «4» القائل «5» : # بقيت وفري وانحرفت عن العلى ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس # إن لم أشن على ابن حرب «6» غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس # خيلا كأمثال السعالي شزبا «7» ... تغدو ببيض في الكريهة شوس «8» # حمي الحديد عليهم فكأنهم ... لمعات ms123 «9» برق أو شعاع شموس # وإنما سمي مالك بن الحارث [ «الأشتر» ] «10» بضربة أصابته في قتال # PageV01P187 # بني حنيفة حين ارتدوا. وذلك: أنه حين تواقف الفئتان دعا أبا مسيكة «1» ~~الإيادي، فخرج اليه، فقال له: ويحك يأبا مسيكة! بعد الإسلام والتوحيد ~~ارتددت «2» ورجعت إلى الكفر؟! فقال: يا مالك، إياك عني، إنهم يحرمون الخمر ~~ولا صبر عنها! قال: فهل لك في المبارزة؟ قال: نعم. فالتقيا، فتطاعنا ~~بالرماح، ثم رمياها وصارا إلى السيوف، فضربه أبو مسيكة فشق رأسه حتى شتر ~~عينه، فعاد معتنقا رقبة فرسه، فاجتمع حوله أصحابه يبكون، فقال لأحدهم: # أدخل «3» إصبعك في فمي، فعضها مالك، فالتوى الرجل من شدة العضة! فقال: لا ~~بأس على صاحبكم، إذا سلمت الأضراس سلم الراس، ثم قال: # احشوها سويقا ثم شدوها بعمامة، ثم قال: هاتوا فرسي! قالوا: إلى أين؟ قال ~~إلى أبي مسيكة! فركب، ودعا أبا مسيكة، فخرج اليهم مثل السهم، فتجاولا، ~~فضربه مالك فقطعه إلى السرج، وعاد، فبقي مغمى عليه عدة أيام [رضي الله عنه] ~~«4» . فهذه الضربة سمي «الأشتر» «5» . # وقال حضين «6» بن المنذر- صاحب راية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه ~~السلام-: ابتذال النفس في الحرب أبقى لها إذا تأخرت الآجال. # قال أبجر بن جابر «7» العجلي لبنيه: إن سركم طول البقاء، وحسن # PageV01P188 # الثناء، والنكاية في الأعداء-: فلا تمنحوا عدوكم أكتافكم، فإن أمثل القوم ~~بقية الصابر «1» . # وقيل لعباد بن الحصين الحبطي «2» : في أي جنة تحب أن تلقى عدوك؟ # قال: في أجل مستأخر. # وقال خالد بن الوليد رحمه الله: ما ليلة أقر لعيني من ليلة يهدى إلي فيها ~~عروس، اللهم إلا ليلة أغد وفيها لقتال العدو «3» . # عن المدائني قال: كانت قريش تقول: ما استوسق «4» أمر الجاهلية والإسلام ~~لأحد غير خالد بن الوليد، فإنه لم يهزم قط [رضي الله عنه] «5» . # وعن المدائني قال: كان سعيد بن الأوس بن أبي البختري من أجمل الناس ~~وأشجعهم «6» ، وكان يختال في مشيئته. فنظر إليه عبد الله بن الزبير رحمه ~~الله يوما وهو يتبختر بين الصفين، فقال: كنت أظن أن مشيته تخلق فإذا هي ~~سجية. # وقاتل ms124 يوم الحرة فأبلى وأحسن، وكانوا قد بنوا على المصاف جدارات لئلا «7» ~~يفر بعضهم من بعض، فقال رجل من أهل المدينة من موالي قريش: # بصرت به وهو راجع وقد انهزم الناس وهو يمشي على رسله، فقلت: بأبي # PageV01P189 # أنت وأمي، إني أخاف عليك الطلب، فجعل ينظر إلي ويتبسم، وأنا أكرر عليه ~~القول، ولا يزيدني عن النظر والتبسم شيئا!! فجعلت أعجب من ذلك؟ # فالتفت فإذا أنا بفارس، فصحت: بأبي وأمي، خلفك، فانكفأ إلى الفارس ~~فقنطره. فقلت: اركب- جعلت فداك- فرسه وانج، فإني أخاف عليك حثيث الطلب، ~~فجعل ينظر إلي ويتبسم. قال: فتعلقت ببعض الجدارات، وسعيت، فانتهيت إلى صور ~~من أصوار الحرة «1» ، فأقمت فيه إلى الليل. فلما ضربني البرد التمست «2» ~~وتحركت وقد غلبتني عيني فإذا أنا عريان! فعلمت أن تبسمه كان من عريي ~~وتحذيري. # قلت «3» : كان بيننا وبين الإسماعيلية قتال في قلعة «شيزر» في سنة سبع ~~وعشرين وخمس مائة، لعملة عملوها علينا، ملكوا بها حصن «شيزر» ، وجماعتنا في ~~ظاهر البلد ركاب، والشيخ العالم أبو عبد الله محمد بن يوسف بن المنيرة «4» ~~رحمه الله في دار والدي، يعلم إخوتي رحمهم الله، فلما وقع الصياح في الحصن ~~تراكضنا وصعدنا في الحبال، والشيخ أبو عبد الله قد مضى إلى داره # PageV01P190 # إلى الجامع، وكانت داره في الجامع، فوصل عمي «فخر الدين أبو كامل شافع بن ~~علي رحمه الله» إلى تحت الجامع، والشيخ أبو عبد الله مشرف عليه، فقال له ~~صاحب لعمي: يا شيخ أبا عبد الله «1» ، دلي «2» لنا حبلا، قال: ما عندي حبل، ~~قال: فدل عمامتك! فأبطأ عليه، فتجاوزه وطلع من مكان آخر. فقيل للشيخ أبي ~~عبد الله: كنت عريان وعلى رأسك عمامة؟! قال: لا، ما كان علي عمامة! ثم أفكر ~~فقال: بلى والله، قد قال لي وهب بن التنوخي وهو مع الأمير فخر الدين أبي ~~كامل شافع: دلي «3» لنا حبلا، قلت: ما عندي حبل، فقال: دل لنا عمامتك-: ولو ~~لم يكن قد رأى علي عمامة ما قال ذلك!! فكان رحمه الله عريان وعليه عمامة، ~~ولا يدري بالحال التي هو ms125 عليها، لرعبه وضعف قلبه!! عن مصعب الزبيري قال: ~~حدثني مصعب بن عثمان قال قال علي بن يزيد بن ركانة «4» : ما نفعتني قوتي قط ~~كما نفعتني مرة بأرض الروم: كنت غازيا، فمررت وأصحابي في يوم شديد الحر، ~~وإذا أنا بنهر جار على رضراض «5» لم أر مثل صفائه وشدة برده، فقلت لأصحابي: ~~تمهلوا في سيركم حتى أدخل في هذا النهر فاغتسل ثم ألحقكم. ومضى أصحابي، ~~ونزلت عن دابتي، ووضعت سلاحي، فلما دخلت النهر رفعت رأسي، إذا أنا بعلجين ~~على رأسي قد أخذا سلاحي ودابتي، وقالا: اخرج، فقلت: ها أناذا «6» لديكما، ~~وأريتهما أنني قد # PageV01P191 # خفت منهما، وثفارقت «1» لهما، ثم رفعت يدي إلى الواحد ويدي الأخرى إلى ~~الآخر، فلما أخذاني جذبتهما جذبة واحدة فألقيتهما في الماء، فما زلت أغط ~~هذا مرة وهذا مرة حتى قتلتهما. فخرجت ولبست سلاحي وركبت دابتي ولحقت ~~أصحابي. # قلت: جرى مثل هذا بعسقلان، لرجل من تباة «2» البلد، يقال له «ابن ~~الجلنار» كان مشغوفا بالصيد بالبواشق «3» ، وكان مشهورا بالقوة. فركب وخرج ~~من عسقلان وعلى يده باشق يتصيد به في شجر الجميز، فخرج عليه فارسان من ~~العرب، وقالا: انزل، فنزل عن فرسه، وقال لهما: لكما في هذا الطير حاجة؟ ~~قالا: لا. فشد الباشق على غصن شجرة، ثم اختلفا على مهاميز حلي في رجليه، ~~فقال لهما: أنتما اثنان، يأخذ كل واحد منكما فردة مهماز، ومد رجليه لهما، ~~فجلسا يقلعان المهاميز من رجليه، فمسك «4» رقبة ذا، ورقبة ذا، وضرب رأسيهما ~~بعضهما «5» ببعض، ولا يقدران على الخلاص من يده حتى قتلهما، وأخذ خيلهما ~~وسلاحهما وباشقه ودخل المدينة! وقد كان عندنا بشيزر رجل يقال له «محمد [بن] ~~«6» البشيبش «7» » كان يخدم جدي «سديد الملك أبو الحسن «8» علي بن نصر بن ~~منقذ «9» الكناني # PageV01P192 # رحمه الله» وكيلا على ضيعة ببلد «كفر طاب» «1» يقال لها «أرجة» «2» ~~أدركته أنا وهو شيخ كبير، وكان أيدا «3» شجاعا. قال: جئت يوما في الحر إلى ~~ركية أرجة لأشرب، فرأيت رجلا عليه معرقة «4» امرأة، وعلى كتفه كارة «5» ~~ثياب، فتداخلني الطمع فيه، فقلت: حط الكارة، فأظهر لي ms126 خوفا! وقال: هايا ~~مولاي! وحطها عن كتفه، فتقدمت إليها لأخذها، فمد يده، فقبض على ركبتي ~~ورفعتي من الأرض، ثم ضرب بي الأرض، وبرك علي، وأخرج من وسطه سكينا كشعلة ~~النار ليقتلني، فقلت: الصنيعة! فنهض عني وخلاني، وقال: لا تحتقر الرجال، ثم ~~فتح الكارة فأخرج منها قميصا دفعه إلي، فقلت له: بالله من أين اقبلت؟ قال ~~من المعرة، فتحت البارحة دكان الصبغ فأخذت كل ما «6» كان فيها، ثم أخذ ~~كارته ومشى. # قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد [رضي الله عنهما] «7» يوم صفين ~~لمعاوية: # ما رأيت أعجب منك يا أمير المؤمنين! إن كنت لتتقدم حتى أقول: أحب الموت، ~~ثم تستأخر حتى أقول: أراد الهرب!! قال: يا عبد الرحمن: إني والله ما أتقدم ~~لأقتل، ولا أتأخر لأهرب، ولكن أتقدم إذا كان التقدم غنما وأتأخر إذا كان ~~التأخر حزما. كما قال الكناني: # شجاعا «8» إذا ما أمكنتني فرصة ... فإن لم تكن لي فرصة فجبان # PageV01P193 # قلت: هذا كلام خبير بالحرب. وهو الذريعة إلى الظفر أو السلامة، إلا مع ~~الاضطرار. فإن المضطر لا يليق به إلا الإقدام، فان كان في الأجل فسحة فهو ~~ينجو مشكورا، وإن انتهت المدة فموت المقدم «1» أكرم من موت المولي. # قال الحجاج بن يوسف لوازع بن ذوالة الكلبي: كيف قتلت همام بن قبيصة ~~النمري «2» ؟ قال: مر بي والناس منهزمون، ولو شاء أن يذهب لذهب، فلما رآني ~~قصد لي، فضربته وضربني، وسقط، فحاول القيام فلم يقدر، فقال وهو في الموت: # تعست ابن «3» ذات النوف «4» أجهز على امرىء ... يرى الموت خيرا من فرار ~~وأكرما # ولا تتركني بالحشاشة «5» إنني ... صبور إذا ما النكس «6» مثلك أحجما # فدنوت منه، فقال: أجهز علي قبحك الله! فقد كنت أحب أن يلي هذا مني من هو ~~أربط جأشا منك! فاحتززت رأسه فأتيت به مروان بن الحكم. # وعن رجل من تميم، قال: جاء رجل من كلب يوم المرج «7» برأس ابن عمرو ~~العقيلي إلى مروان بن الحكم، فقال له مروان: من قتل هذا؟ قال: أنا. # قال: كذبت. قال: المكذب أكذب! أنا والله ms127 قتلته، مر وهو تعدو به فرسه وهو ~~يقول: # PageV01P194 # قد طاب ورد الموت- مروان- فرد ... لا تحسبن العيش أدنى للرشد «1» # لا خير في طول الحياة في كبد «2» # قال: فطعنته فسقط، فنزلت إليه وهو مثبت «3» ، وهو يقول: # بعدا وسحقا لامرئ عاش في ... ذل وفي كفيه عضب صقيل # وقال مؤلف الكتاب «4» : # سل بي كماة الوغى فى كل معترك ... يضيق بالنفس فيه صدر ذي الياس # ينبئووك بأني في مضايقها ... ثبت إذا الخوف هز الشاهق الراسي # أخوضها كشهاب القذف يصحبني ... عضب كبرق سرى أو ضوء مقباس # إذا ضربت به قرنا أنازله ... أو جاه «5» عن عائد يغشاه أو آسي # وقال أفلاطون: الشجاعة من أقوى فضائل العالم، لأنها تبرز ما حاوله من ~~القول أو الفعل. # والشجاعة تكون في الضعيف البدن، الخلو من العمل بشيء من السلاح، فيسمى ~~صاحبها شجاعا، ألا ترى أن سقراط كان يعد في الشجعان، وما بارز عدوا، ولا ~~حمل شيئا من السلاح! ولكنه قدمت إليه شربة السم وهو يتكلم في النفس مع ملأ ~~عنده، فما تغير حتى انقضى كلامه، ثم شربها فمات!. # وعن يوسف بن إبراهيم: أن أبا دلف القاسم بن عيسى رحمه الله كان يشكو ~~نقصان حاسية الشم والذوق، فسألته عن الوقت الذي بدأ به هذا؟ فقال: # PageV01P195 # وجدته في شبيبتي، وله خبر عجيب!: كانت والدتي ترخم اسمي استصغارا لمحلي، ~~فتقول: فعل «قاس» ، وابعثوا إلى «قاس» فيكرثني «1» ذلك، فإني لجالس في بعض ~~الليالي بين جواري وهن يغنين وقد ابتدأت الشرب «2» -: # إذ دخلت علي جارية لها مكينة عندها فقالت: إن سيدتي تقول «3» : أنا كنت ~~أعرف بك ممن يلومني فيك! أنسيغ النبيذ وقد قتل أخاك ابن عمك؟! وانصرفت. ~~فتسرعت إلى رمحي، وركبت فرسي وحدي، لا أنتظر غلاما، ولا أتلبث على صاحب. ~~فاستقبلني وهو يزئر «4» زئير الأسد، وفي يده عمود حديد، فلما رأيته حملت ~~عليه برمحي، فطعنته وأثبته، فسبح في طعنته، وما احتمل من ألم السباحة فيها ~~حتى ضربني بذلك العمود في رأسي، وكانت تحت عمامتي زردية، فوقتني حد ضربته، ~~ولو تمكن مني لأبارني بعموده. فنقص من ذلك الوقت ms128 حس شمي وذوقي، وخر لوجهه، ~~فاحترزت رأسه، ودخلت به إلى أمي وهي تصلي، فوضعته بين يديها، فلما فرغت من ~~صلاتها، قالت: # أحسن قاسم! ثم دعت بطيب فضمخته، وبعثت به إلى أمه، وقالت لرسولها: # قل لها: عزيز علي أن نتقاطع أرحامنا، ونتشاغل بسفك دمائنا عن دماء ~~أعدائنا! قد وجهت إليك بمن جرعني كأس الثكل «5» ، ولم يعلم أن قاتل ولدي ~~مقتول، فخذي بحظك من الفجيعة عليه، ووقدة الثكل فيه!! وقال يزيد بن سلمة ~~الوشاء «6» : سرنا في رفقة صغيرة كانت فيها قبة # PageV01P196 # مسترة حولها خدم وعجائز، فتوهمتها قبة جارية لبعض الطاهرية. وكان في ~~رفقتنا شاب كثير المزاح حلو النادرة، فقرب مني في المسايرة، فكان مما جرى ~~بيني وبينه أن سألته عن القبة: لمن هي من حرم الطاهرية؟ فقال لي: # فيها شاب مؤنث من أبنائهم غير متماسك. فجعلته بالي، فكنت ربما رأيته ~~يتطلع من فروج الأغشية، ثم رأيته بعد ذلك وقد رفع له بعض السجوف. # واتفق أن أفضينا في المسير إلى كرمان، فاعترض القافلة أسد في خلقة هائلة، ~~فتخوف أهل الرفقة منه، وقيل لهم: إنه لا يقلع عن الرفقة إلا بافتراس بعضهم، ~~فاجتمع من في الرفقة وماجوا، وارتفع لغطهم، وكنت قريبا من قبة المؤنث، ~~فسمعته يقول: يادادا! ما للناس؟ قالت: خير يا سيدي، وبرزت لنا عجوز في ~~عنقها سبحة، فقالت: يا هؤلاء، قد وجب حق صحبتنا عليكم، وإن علم هذا الفتى ~~بخبر الأسد ثكلناه، فاسكتوا، فقال لها المزاح: نحن في شغل بأنفسنا. # وأعاد المؤنث القول: يادادا! ما للناس؟ فصاح المزاح: الأسد قد وقف لنا ~~يريد أن يفترس منا واحدا. فخرج من القبة ومعه سيف مشهور ودرقة، ووثب إلى ~~الأرض، وأجال بصره حتى تأمل الأسد، ثم قصده ولم يواجهه، فما شك أحد منا أنه ~~يفترسه، فانفتل انفتالة وضرب الأسد فحل كتفه، وضربه أخرى ففرغ حشوته «1» ، ~~وهو يروغ روغانا لم يتمكن الأسد منه معه، ثم احتز رأسه وحمله في درقته ~~والناس ينظرون، ورجع فألقى ما في يده، وقال: # يادادا! عييت والله! فلم يبق منا رئيس حتى ms129 غمر يديه ورجليه. قال يزيد بن ~~مسلمة «2» : فقلت له: لم راوغته- يا سيدي- وأنت قادر على قتله بالمكافحة؟ # PageV01P197 # فقال: أردت أن يسلم وجهه من ضربتي وتكون ضرباتي ضربات من كر عليه وهو ~~منهزم! فكان المزاح بعد ذلك يقول: إذا كان التخنيث فليكن مثل تخنيث ~~الطاهري! وما زلنا به آمنين حتى دخلنا بغداد. # الشيء يذكر بالشيء «1» : كان عندنا بشيزر مخنث يحضر الأعراس والجنائز، ~~اسمه «سبيكة» إذا وقع القتال لبس درعا وأخذ سيفه وترسه، وقال: بطل التخنيث! ~~وخرج يضرب بالسيف. # ومن العار على السيوف أن يحملها ويضرب بها المخانيث «2» . # وروى أحمد بن أبي يعقوب قال: أحضر داود بن على بن عبد الله بن العباس ~~جماعة من بني أمية يضرب أعناقهم، وشرع السياف فيهم، فبرقت برقة، فهمس غلام ~~منهم بهذين البيتين: # تألق البرق نجديا فقلت له: ... يا أيها البرق إني عنك مشغول # يكفيك مني عدو ثائر حنق ... في كفه كحباب «3» الماء مصقول # فقال داوود بن علي: ما تقول؟ قال: بيتين قلتهما في هذه الساعة، وأنشده ~~إياهما. فقال: وما كان لك في وقوع السيف فيكم وزاع؟! ثم قال للسياف: # ما ينبغي أن تستبقي لنا عدوا من شجاعته أن يعمل الشعر الجيد والسيف على ~~ودجه «4» ، فضرب عنقه. # وأعجب من هذا ما جرى لهدبة بن خشرم العذري، وقد أخرج من # PageV01P198 # السجن إلى القتل، وحوله أهله وإخوانه يشجعونه ويصبرونه، فقال: لا تظنوا ~~أن الموت عندي صعب، ودليل سهولته علي أني إذا ضربت رقبتي مددت رجلي وقبضتها ~~ثلاث مرات! فلما ضربت رقبته فعل ذلك «1» !! ### | ### | حكاية # # «2» وشاهدت رجلا من أجنادنا من الأكراد ينعت بزهر الدولة بختيار ~~«القبرصي» «3» ، سمي بذلك لصغر «4» خلقته، وكان رحمه الله من خيار المسلمين ~~في الشجاعة والدين، وقد ظهر عندنا أسد، فحمل عليه، فاستقبله الأسد فحاص «5» ~~به الحصان فرماه، فجاءه الأسد، فرفع رجله لقمها الأسد، وبادرناه فقتلنا ~~الأسد، فقلنا له: يا زهر الدولة، ما معنى رفع رجلك إلى الأسد؟ قال رأيتها ~~أكسى «6» ما في، في الران والساق موزا والخف» # ، فقلت إن أمسك أضلاعي كسرها، وإن مسك رأسي ms130 فجشه «8» ، يشتغل برجلي إلى ~~أن يفرج الله! فعجبنا من حضور فكره في ذلك الوقت «9» . # PageV01P199 ### | حكاية # وعن أبي يعقوب قال: كنت قائما بين يدي الرشيد وقد قدم إليه جماعة من ~~الملحدين، فدعا بالسياف لقتلهم، فلما رآه شيخ منهم اضطرب وجزع، فقال له شاب ~~منهم: يا شيخ، ترتاع من سيف هذا وفي بدنك أربعة أسياف لا بد من أن «1» ~~يقتلك أحدها «2» ؟! وهي: الدم والبلغم والصفراء والسوداء؟! فتماسك الشيخ. ~~فأمر الرشيد بأن يقدم قتل الشاب، وقال: هذا الغلام فتنة من فتنهم. # قال «3» عامر بن الطفيل: # سل الخيل عني: هل علاها إذا عدت ... إلى الروع بالأبطال من فارس مثلي؟ ~~«4» # وهل كرها كري إذا هي أقبلت ... تواخط بالأبطال في الحلق الجدل؟ «5» # إذا حال منها عارض دون عارض ... كثيف وأبدت حد أنيابها العصل «6» # PageV01P200 # كشفت قناع الموت بيني وبينها ... وأشليتها حتى تقوم على رجل «1» # وأبسست إبساسا بها وامتريتها ... فدرت غزارا بالتليل وبالنبل «2» # وكان الذي يلقى الردى من لقيته ... وما أشبه الآجال من فارس قبلي # ألست بفيف الريح أول مقدم ... على رحبي موت مراجلها تغلي؟! «3» # هتكت بنصل السيف أقراب مسهر ... ولا شيء أسنى بالكرام من القتل «4» # قال الشيخ أبو العلاء «5» بن سليمان المعري: # من السعد في دنياك أن يهلك الفتى ... بهيجاء يغشى أهلها الطعن والضربا # فإن قبيحا بالمسود أن يرى «6» ... على فرشه يشكو إلى البقر «7» الكربا! # PageV01P201 # وقال علوي البصرة «1» : [نقلها ابن خلكان للأمير قرواش رحمه الله تعالى] ~~«2» # من كان يحمد أو يذم مورثا ... للمال من آبائه وجدوده # فأنا امرؤ لله أحمد وحده ... حمدا كفيلا لي بحسن مزيده # ولأبيض كالملح ما جردته ... إلا وبان الموت في تجريده # ولأسمر لدن الكعوب كأنما ... ماء المنية كامن في عوده # بهما حويت المال «3» إلا أنني ... سلطت جود يدي على تبديده # وقال مؤلف الكتاب: # سأنفق مالي في اكتساب مكارم ... أعيش بها بعد الممات مخلدا # وأسعى إلى الهيجاء لا أرهب الردى «4» ... ولا أتخشى عاملا ومهندا # بكل فتى يلقى المنية باسما ... كان له في الموت عيشا مجددا # PageV01P202 # خإن نلت ما أرجو فللمجد ثم لي ... وإن مت ms131 خلفت الثناء المؤبدا # وقال مؤلف الكتاب أيضا: # قلبي وصبري إلفان مذ خلقا ... تقاسما صادقين لا افترقا # أمشي الهوينا والخطب في طلبي ... يوضع طورا وتارة عنقا «1» # أحنو ضلوعي في كل حادثة ... على فؤاد لا يعرف القلقا # لا يزدهيه خوف الحمام ولا ... عهدته في ملمة خفقا # وقال مالك بن حريم الهمداني «2» لعمرو بن معدي [كرب] «3» : # يا عمرو لو أبصرتني ... لرفوتني في الخيل رفوا «4» # للقيت مني عربدا ... يقطو إلى الفرسان قطوا «5» # لما رأيت نساءنا ... يدخلن تحت البيت حبوا # وسمعت زجر الخيل في ... جو الظلام هبي وهبوا «6» # في فيلق ملمومة ... تعطو على النجدات عطوا «7» # PageV01P203 # أقبلت أفلي بالحسا ... م معا رؤوس القوم فلو «1» # والبيض تلمع بيننا ... تعصو بها الفرسان عصوا «2» # وقال عمرو بن معدي «3» : # أعددت للهيجاء سا ... بغة وعداء علندى «4» # نهدا وذا شطب يقد البيض والأبدان قدا» # لما رأيت نساءنا ... يفحصن بالمعزاء شدا «6» # وبدت لميس كأنها ... وجه النهار «7» إذا تبدى # نازلت كبشهم ولم ... أرمن نزال الكبش بدا # هم ينذرون دمي وأن ... ذر إن لقيت بأن أشدا «8» # قال قيس بن أبي حازم «9» : حضر عمرو بن معدي كرب- رحمه الله- الناس يوم ~~القادسية وهم يتقاتلون، فرماه رجل من العجم «10» بنشابة فوقعت في كتفه، ~~وكانت عليه درع حصينة، فلم تنفذ، وحمل عمرو على العلج فعانقه، وسقطا «11» ~~إلى الأرض فقتله عمرو وسلبه، [ورجع بسلبه] «12» وهو يقول: # أنا أبو ثور وسيفي ذو النون ... أضربهم ضرب غلام مجنون # يال زبيد «13» إنهم يموتون # PageV01P204 # وشهد عمرو بن معدي القادسية وهو ابن مائة وست سنين، وقيل: ابن مائة وعشر ~~سنين «1» . ولما قتل العلج عبر جسر «2» القادسية هو وقيس بن مكشوح «3» ~~ومالك بن الحارث الأشتر النخعي رحمهم الله، وكان عمرو آخرهم، وكانت فرسه ~~ضعيفه، فطلب غيرها، فأتي بفرس فأخذ بعكوة «4» ذنبه وجلد «5» به الأرض، ~~فأقعى الفرس، فرده، وأتى بآخر ففعل به مثل ذلك، فتحلحل ولم يقع، فقال: هذا ~~على كل حال أقوى من تلك. وقال لأصحابه: إني حامل وعابر الجسر، فإن أسرعتم ~~بمقدار جزر جزور وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي، وإن أبطأتم ~~وجدتموني قتيلا وقد ms132 قتلت وجزرت «6» ! ثم انغمس فحمل في القوم، فقال بعضهم: ~~يا بني زبيد، علام تدعون صاحبكم؟ فو الله ما أرى أن تدركوه حيا. فحملوا، ~~فانتهوا إليه وقد صرع عن فرسه، وهو آخذ برجل فرس رجل من العجم فأمسكها، وإن ~~الفارس ليضرب الفرس فما يقدر أن يتحرك من يده. فلما غشيه أصحابه رمى العجمي ~~بنفسه وخلى فرسه، فركبه عمرو، وقال: أنا أبو ثور! كدتم والله تفقدوني! ~~قالوا: فأين فرسك؟ قال: ضربته نشابة فشب فصرعني وعار «7» . # نقلت من خط النجيرمي «8» قال: كان الفند من الفرسان الشجعان القدماء، # PageV01P205 # وهو: شهل «1» بن شيبان «2» بن ربيعة بن زمان «3» ، وإنما سمي «الفند» ~~لأنه شبه بالقطعة من الجبل، وكان عظيما. وأمدت بنو حنيفة- يوم قضة «4» - ~~بكر بن وائل بالفند، وقالوا: قد أمددناكم بألف رجل، وكان شيخا كبيرا يومئذ، ~~فطعن مالك بن عوف بن الحارث بن زهير بن جشم وخلفه رديف له يقال له الثريار ~~«5» بن مازن بن جشم بن عوف بن وائل بن الأوس-: # فانتظمهما برمحه وقال «6» : # أيا طعنة ما شيخ ... كبير يفن بال «7» # كجيب الدفنس الورها ... ءريعت بعد إجفال «8» # تفتيت بها إذ ك ... ره الشكة أمثالي «9» # وشهد الفند الزماني حرب بكر وتغلب وقد قارب المائة سنة، فأبلى بلاء حسنا، ~~وكان يوم التحالق الذي يقول فيه طرفة بن العبد «10» : # PageV01P206 # سائلوا عنا الذي يعرفنا ... بقوانا «1» يوم تحلاق اللمم # يوم تبدي البيض عن أسوقها ... وتلف «2» الخيل أعراج النعم «3» # أنشد المبرد لبعضهم: # ألم تعلمي يا عصم كيف حفيظتي ... إذا الشر خاضت جانبيه المجادح «4» # أفر حذار الشر والشر تاركي ... وأطعن في أنيابه وهو كالح # وأنشد المبرد: # لعمرك ما دهري بزق وقينة ... وطرف وأثواب جياد ومطعم # ولكنما دهري رواق يحفه ... ثمانون ألفا من فصيح وأعجم # يقودون قب الخيل أرسانها القنا ... إذا غضبت جادت سماؤك بالدم # وقال الزبير بن عبد المطلب: # ويذهب «5» نخوة المختال عني ... رقيق الحد ضربته صموت # بكفي ماجد «6» لا عيب فيه ... إذا لقي الكريهة «7» يستميت # قال شبيل الفزاري: # قد علم المستأخرون في الوهل ... إذا السيوف عريت من الخلل «8» # أن الفرار لا يزيد ms133 في الأجل # PageV01P207 # وقال قيس بن الخطيم من قصيدة «1» : # إذا ما فررنا كان أسوأ فرارنا ... صدود الخدود وازورار المناكب # صدود الخدود والقنا متشاجر ... ولا تبرح «2» الأقدام عند التضارب # أجالدهم يوم الحديقة حاسرا ... كأن يدي بالسيف مخراق لاعب # قال الفضيل بن خديج «3» : شهدت من مصعب بن الزبير مشهدا، ورأيت منه شيئا ~~ما علمته لأحد: إني لمعه في الوقعة التي قتل فيها، وقد أسلمه من أسلمه، ~~وقتل وجوه من بقي معه-: وهو لا يكرثه ذلك، وسمعته ينشد: # ونحن أناس لا نرى القتل سبة ... على أحد يحمي الذمار ويمنع # بنو الحرب أرضعنا به، غير فحش، ... ولا نحن مما جرت الحرب نفزع # جلاد على ريب الحوادث لا ترى ... على هالك عين لنا الدهر تدمع # وأنشد مسلمة بن عبد الملك بعد قتل يزيد بن المهلب قول ثابت قطنة «4» : # يا ليت أسرتك الذين تغيبوا ... كانوا لنصرك- يا يزيد- شهودا «5» # فقال مسلمة: وأنا والله وددت ذلك: أنهم كانوا يومئذ شهودا فسقيتهم بكأسه. # PageV01P208 # ومثله قول الآخر: # فوا أسفي أن لا أكون شهدته ... فطاحت شمالي عنده ويميني # وكنت لقيت الموت أحمر دونه ... كما كان يلقى الدهر أغبردوني # قال أبو الحسن العسكري «1» : لحق أبو دلف «2» أكراد قطعوا الطريق في عمله ~~«3» ، وقد أردف منهم فارس «4» رفيقا له خلفه، فطعنهما جميعا فأنفذ فيهما ~~الرمح، فتحدث الناس: أنه أنفذ بطعنة واحدة فارسين. فلما قدم من وجهه «5» ~~دخل إليه بكر بن النطاح فأنشده «6» : # قالوا: وينظم فارسين بطعنة ... يوم اللقاء ولا يراه جليلا # لا تعجبوا لو أن طول قناته ... مبل «7» إذا نظم الفوارس ميلا # فأمر له أبو دلف بعشرة آلاف «8» درهم. # روي «9» : أن دريد بن الصمة خرج في فوارس من بني جشم، حتى إذا كان بواد ~~لبني كنانة، يقال له «الأخرم» «10» ، وهو يريد الغارة على بني كنانة-: رفع ~~له رجل من ناحية الوادي، معه ظعينة، فلما نظر إليه قال لفارس من أصحابه: صح ~~به أن خل الظعينة «11» وانج بنفسك- وهو لا يعرفه- # PageV01P209 # فانتهى إليه الرجل فصاح به وألح عليه، فلما أبى إلا الإلحاح عليه ألقى ~~زمام الناقة إلى الظعينة وقال: ms134 # سيري على رسلك سير الآمن ... سير رداح ذات جأش ساكن «1» # إن انثنائي دون قرني شائني ... فابلي بلائي واخبري وعايني # ثم حمل على الفارس فقتله، وعاد إلى زمام ظعينته نأخذه، فبعث دريد فارسا ~~آخر لينظر ما صنع صاحبه، فرآه صريعا، فصاح به، فتصامم عليه «2» ، فظن «3» ~~أنه لم يسمع، فغشيه، فألقى الزمام إلى الظعينة، ثم حمل على الفارس فصرعه، ~~وهو يقول: # خل سبيل الحرة المنيعة ... إنك لاق دونها ربيعه # في كفه خطية مطيعه «4» ... أولا، فخذها طعنة سريعه # فالطعن مني في الوغى شريعه # فلما أبطأ «5» على دريد بعث في أثرهما نارسا آخر «6» لينظر ما صنع ~~صاحباه، فانتهى إليهما [فرآهما] «7» صريعين، ونظر الفارس يقود ظعينته [ويجر ~~رمحه] «8» ، فقال له [الفارس] «9» : خل عن الظعينة، فألقى إليها الزمام، ~~وقال لها: اقصدي قصد البيوت، ثم أقبل عليه فقال: # ماذا تريد من شتيم عابس؟! «10» ... أما ترى «11» الفارس بعد الفارس؟! # أرداهما «12» عامل رمح يابس 1» # PageV01P210 # ثم طعنه فصرعه، وانكسر رمحه، فارتاب دريد وظن أنهم قد أخذوا الظعينة ~~وقتلوا الرجل «1» ، فلحق بهم، فوجد ربيعة لا رمح معه، وقد دنا من الحي، ~~ووجد القوم قد قتلوا. فقال له دريد: أيها الفارس، إني أضن «2» بمثلك على ~~القتل، وإن الخيل ثائرة بأصحابها، ولا أرى معك رمحا، [وأراك حديث السن] ~~فدونك [هذا] «3» الرمح، فإني راجع إلى أصحابي، ومثبطهم عنك. فأتى دريد ~~أصحابه فقال: إن فارس الظعينة قد حماها، وقتل فوارسنا «4» ، وانتزع رمحي، ~~ولا طمع لكم فيه، فانصرف القوم، فقال دريد: # ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... حامي الظعينة فارسا لم يقتل # أردى فوارس لم يكونوا نهزة «5» ... ثم استمر كأنه لم يفعل # متهللا «6» تبدو أسرة وجهه ... مثل الحسام جلته كف الصيقل «7» # يزجي ظعينته ويسحب رمحه ... متوجها يمناه نحو المنزل # وترى الفوارس من مخافة رمحه ... مثل البغاث خشين وقع الأجدل # يا ليت شعري من أبوه وأمه؟! * يا صاح من يك مثله لم يجهل وقال ربيعة بن ~~مكدم في ذلك: # إن كان ينفعك السؤال «8» فسائلي ... عني الظعينة يوم وادي الأخرم # PageV01P211 # إذهي لأول من أتاها نهبة «1» ... لولا طعان ربيعة ms135 بن مكدم # إذ قال لي أدنى الفوارس ميتة: ... خل الظعينة طائعا لم تندم «2» # فصرفت راحلة الظعينة نحوه ... عمدا ليعلم بعض ما لم يعلم # وهتكت بالرمح الطويل إهابه ... فهوى صريعا لليدين وللفم # ومنحت آخر بعده جياشة ... نجلاء فاغرة كشدق الأعلم «3» # ولقد شفعتهما بآخر ثالث ... وأبى الفرار لي الغداة تكرمي # ولم يلبث بنو كنانة- رهط ربيعة بن مكدم- أن أغاروا على بني جشم- رهط دريد ~~بن الصمة- فقتلوا منهم [وأسروا وغنموا] «4» وأسروا دريد بن الصمة، فأخفى ~~نفسه «5» ، فبينا هو عندهم محبوس إذ جاء نسوة يتهادين إليه، فصرخت امرأة ~~منهن، فقالت: هلكتم وأهلكتم! ماذا جر علينا قومنا؟! هذا والله الذي أعطى ~~ربيعة رمحه يوم الظعينة! ثم ألقت ثوبها عليه، وقالت: # يا آل فراس! أنا جارة له منكم، هذا صاحبنا يوم الوادي. فسألوه: من هو؟ # فقال: دريد بن الصمة، فمن صاحبي؟ قالت: ربيعة بن مكدم، قال: # فما فعل؟ قالت: قتلته بنو سليم، قال: فمن الظعينة التي كانت معه؟ قالت: # ريطة بنت جذل الطعان «6» ، وأنا هي، وأنا امرأته. فحبسه القوم، [وآمروا ~~أنفسهم] «7» وقالوا: لا ينبغي أن نكفر نعمة دريد [عندنا] «8» . وقال بعضهم: ~~والله لا يخرج من أيدينا إلا برضا المخارق الذي أسره. فانبعثت المرأة في ~~الليل فقالت: # PageV01P212 # سنجزي دريدا عن ربيعة نعمة ... وكل امريء «1» يجزى بما كان قدما # فإن كان خيرا كان خيرا جزاؤه ... وإن كان شرا كان شرا مذمما # سنجزيه نعمى «2» لم تكن بصغيرة ... بإعطائه الرمح السديد المقوما # فقد أدركت كفاه فينا جزاءه ... وأهل بأن يجزى الذي كان أنعما # فلا تكفروه حق نعماه فيكم ... ولا تركبوا تلك التي تملأ الفما # فلو كان حيا لم يضق بثوابه ... ذراعا غنيا كان أو كان معدما # ففكموا دريدا من إسار مخارق ... ولا تجعلوا البؤسى إلى الشر سلما # فأصبح القوم وقد أجمع ملؤهم، إلى أن سلموا دريدا إلى ريطة، فجهزته ~~وزودته، ولحق بقومه، ولم يزل كافا عن غزو بني فراس حتى هلك. # روي: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليه قال لعمرو بن معدي ~~كرب الزبيدي رحمه الله «3» : أخبرني عن أشجع ms136 من رأيت. قال: # والله- يا أمير المؤمنين- لأخبرنك عن أجبن الناس وعن أحيل الناس وعن أشجع ~~الناس. فقال له عمر رحمه الله: هات. فقال: # ارتبعت الضبابية- يعني فرسه- فخرجت كأحسن ما رأيت، وكانت شقاء مقاء طويلة ~~الأنقاء «4» ، فركبتها، ثم آليت لا لقيت أحدا إلا قتلته! فخرجت وهي تنقزبي ~~«5» ، فإذا أنا بفتى، فقلت: خذ حذرك فإني قاتلك! فقال: # PageV01P213 # ألا تنصفني يأباثور؟ أنا كما ترى أعزل [أميل] عوارة «1» ، أمهلني حتى آخذ ~~نبلي! قلت: وما غناؤها عنك «2» ؟ قال: أمتنع بها منك، قلت: # خذها، قال: لا، أو تعطيني من العهود ما يثلجني «3» أنك لا تروعني «4» أو ~~آخذها، فأثلجته، فقال: وإله قريش لا آخذها أبدا! فسلم- والله- مني وذهب. ~~فهذا أحيل الناس!! فمضيت حتى اشتمل علي الليل، فو الله إني لأسير في قمر ~~زاهر «5» إذا بفتى على فرس يقود ظعينة وهو يقول: # يا لبينا يا لبينا «6» ... ليته «7» يعدى علينا # ثم يبلى ما لدينا # ثم يخرج حنظلة من مخلاته فيرمي بها إلى السماء، فلا تبلغ الأرض حتى # PageV01P214 # ينتظمها بمشقص «1» من نبله! فقلت له: خذ حذرك- ثكلتك أمك- فإني قاتلك! ~~فمال عن فرسه فإذا هو في الأرض مضطجعا، فقلت: إن هذا إلا استخفاف «2» ، ~~فصحت به: ويلك ما اجهلك! فلم يتحلحل «3» ، فدنوت منه حتى شككت بالرمح إهابه ~~«4» ، فاذا به كأنه قد مات منذ سنة!! [فمضيت وتركته] ، فهذا أجبن الناس! ~~ومضيت فأصبحت بين دكادك «5» ورمال، فنظرت إلى أبيات فعدلت اليها، فاذا فيهن ~~جوار [ثلاثة] كأنهن نجوم الثريا، فبكين حين رأينني، فقلت: ما يبكيكن؟ قلن: ~~لما ابتلينا به منك، ومن ورائنا أخت لنا هي أجمل منا! فأشرفت من فدفد «6» ، ~~فاذا من لم أر قط أحسن منه ومن وجهه، فاذا بغلام يخصف نعله وعليه ذؤابة ~~يسحبها، فلما نظرني وثب إلى الفرس مبادرا، فسبقني إلى البيوت، فوجد النساء ~~قد ارتعن، فسمعته يقول: # مهلا نسياتي إذا لا ترتعن «7» ... إن يمنع اليوم نساء تمنعن «8» # أرخين أذيال المروط واربعن «9» # PageV01P215 # فلما دنوت منه قال: أتطردني أو أطردك؟ قلت: بل أطردك، وركضت في أثره، حتى ~~إذا مكنت السنان من كتفيه «1» أتكأت عليه «2» فاذا هو لبب ms137 «3» فرسه، ثم ~~استوى في سرجه، فقلت: أقلني! قال: اطرد، فطردته، حتى ظننت أن السنان في ما ~~ضغيه «4» فاعتمدت عليه فاذا هو قائم في الأرض والسنان ماض، واستوى على ~~فرسه، فقلت: أقلني! قال: قد أقلتك فاطرد، فطردته، حتى [إذا] أمكنت السنان ~~من متنه «5» اتكيت «6» عليه وأنا أظن أن قد فرغ منه جال في سرجه «7» حتى ~~نظرت الى يده «8» في الأرض، ومضى السنان زالجا، ثم استوى، وقال: أبعد ثلاث ~~تريد ماذا؟! اطردني ثكلتك أمك! فوليت وأنا مرعوب منه، فلما غشيني التفت ~~فاذا هو يطردني بالرمح بلا سنان، فكف عني واستنزلني، فنزلت ونزل، فجز ~~ناصيتي ثم قال: انطلق فإني أنفس «9» بك عن القتل! فكان ذلك عندي-[والله] يا ~~أمير المؤمنين- أشد من القتل، فذاك يا أمير المؤمنين أشجع من لقيت، وسألت ~~عنه؟ فقيل لي: ربيعة بن مكدم الفراسي من بني كنانة. # 63* روى أبو الفرج الأصبهاني «10» قال: أنشد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قول عنترة بن شداد: # PageV01P216 # ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما وصف لي أعرابي «1» قط فأحببت أن ~~أراه إلا عنترة» «2» . # وهذا البيت من قطعة شعر لعنترة، كان سببها- فيما رواه أبو عمر والشيباني ~~«3» -: أن بني عبس أغارت على بني تميم، وعليهم قيس بن زهير، فانهزمت بنو ~~عبس، وطلبتهم بنو تميم، ووقف لهم عنترة، ولحقتهم كتيبة «4» من الخيل، فحامى ~~عنترة عن بني عبس، فلم يصب منهم مدبر «5» ، فساء ذلك قيس بن زهير، وشق عليه ~~صنيع عنترة. فقال حين رجع: والله ما حمى الناس إلا ابن السوداء، فبلغ ذلك ~~عنترة، وكان قيس أكولا، فقال عنترة يعرض به ويجيبه عن ذكر أمه «6» : # بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل «7» # فأجبتها: إن المنية منهل ... لا بد أن أسقى بكأس المنهل # فاقني حياءك- لا أبالك- واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل «8» # إن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل # وأنا امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري، وأحمي سائري بالمنصل «9» # PageV01P217 # وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ... ألفيت ms138 خيرا من معم مخول «1» # والخيل تعلم والفوارس أنني ... فرقت جمعهم بطعنة فيصل «2» # إذ لا أدبار في المضيق فوارسي ... أولا أوكل بالرعيل الأول «3» # إن يلحقوا أكرر، وإن يستلحموا ... أشدد، وإن يلفوا بضنك أنزل # حين النزول يكون غاية مثلنا ... ويفر كل مضلل مستوهل # والخيل ساهمة الوجوه كأنما ... تسقى فوارسها نقيع الحنظل # ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل # وخرج زيد الخيل «4» يطلب نعما له في بني بدر، وأغار عامر بن الطفيل على ~~بني فزارة، فأخذ امرأة يقال لها «هند» واستاق نعما [لهم] ، فقالت فزارة ~~لزيد: ما كنا قط إليك «5» أحوج منا اليوم! فتبع عامر بن الطفيل، وعامر ~~يقول: ما ظنك يا هند بالقوم؟! قالت: ظني أنهم سيطلبونكم، وليسوا نياما عنك، ~~فحطأ عجزها «6» ثم قال: لا يقول استها شيئا!! فذهبت مثلا. وأدركه زيد، ~~فنظره عامر، فأنكره لعظمه وجماله، وغشيه زيد، فبرز له عامر، فقال: يا عامر، ~~خل سبيل الظعينة والنعم، فقال [عامر] : # من أنت؟ قال: فزاري [أنا] ، قال: ما أنت من القلح «7» أفواها! فقال # PageV01P218 # [زيد: خل] سبيلها، قال: لا والله أو تخبرني من أنت؟ قال: من بني أسد، ~~قال: لا والله، ما أنت من المتكورين على «1» ظهور الخيل! قال: خل سبيلها، ~~قال: # لا والله أو تخبرني من أنت «2» ؟ قال: أنا زيد الخيل، قال صدقت، فما تريد ~~من قتالي؟ فو الله لئن قتلتني ليطلبنك بنو عامر ولتذهبن فزارة بالذكر! ~~[فقال له زيد: خل عنها، قال تخلي عني وأدعك والظعينة والنعم؟ قال: فاستأسر! ~~قال: أفعل] ، فأسره زيد الخيل وجز ناصيته وأخذ رمحه ومن عليه ورد الابل ~~وهندا إلى بني فزارة ثم بني بدر، وقال زيد في ذلك: # إنا لنكثر في قيس وقائعنا ... وفي تميم وهذا الحي من أسد # وعامر بن طفيل قد نحوت «3» له ... صدر القناة بماضي الحد مطرد # لما تحسب أن الورد مدركه «4» ... وصارما وربيط الجأش ذالبد # نادى إلي بسلم بعد ما أخذت ... منه المنية بالحيزوم واللغد «5» # ولو تصبر لي حتى أخالطه ... أشعرته طعنة تكتن بالزبد «6» # فانطلق عامر بن الطفيل الى ms139 قومه مجزوزا، وأخبرهم الخبر، فغضبوا لذلك، # PageV01P219 # وقالوا: لا يرأسنا «1» أبدا، وتجهزوا لغز وظنيء «2» ، ورأسوا عليهم علقمة ~~بن علاثة، فخرجوا ومعهم الحطيئة وكعب بن زهير، فبعث عامر بن الطفيل الى زيد ~~الخيل دسيسا ينذره، فجمع زيد قومه ولقيهم «3» بالمضيق، فهزمهم، وأسر ~~الحطيئة وكعب بن زهير وقوما منهم، فحبسهم، فلما طال عليهم الأسر قالوا: # يا زيد «4» فادنا، قال: الأمر الى عامر بن الطفيل، فأبوا ذلك عليه، فوهب ~~الأسرى لعامر إلا الحطيئة وكعب بن زهير، فأما كعب بن زهير فأعطاه فرسه ~~الكميت وأطلقه، وأما الحطيئة فشكا إليه الحاجة فمن عليه وأطلقه، وقال زيد: # أقول لعبدي جرول إذ أسرته: ... أثبني ولا يغررك أنك شاعر # أنا الفارس الحامي الحقيقة والذي ... له المكرمات واللها والمآثر «5» # وقومي رؤوس الناس والرأس قائد ... إذا الحرب شنتها الأكف المساعر # ولست إذا ما الموت حوذر ورده ... وأترع حوضاه وحمج ناظر «6» # بوقافة يخشى الحتوف تهيبا ... يباعدني عنها من القب ضامر «7» # ولكنني أغشى الحتوف بصعدتي ... مجاهرة، إن الكريم مجاهر «8» # PageV01P220 # وأروي سناني من دماء عزيزة ... على أهلها إذ لا يرجى الأناصر «1» # وقال الحطيئة لزيد الخيل: # ألا أبلغا عني الثناء فإنه «2» ... سيأتي ثنائي زيدا بن مهلهل # فما نلتنا غدرا ولكن صحبتنا «3» ... غداة التقينا في المضيق بأخيل «4» # تفادى جياد الخيل من وقع رمحه «5» ... تفادي بغاث الطير من وقع أجدل «6» # وقال الحطيئة أيضا: # وقعت بعبس ثم أنعمت عنهم «7» ... ومن آل بدر قد أصبت الأخيرا «8» # فإن يشكروا فالشكر أدنى إلى التقى ... وإن يكفروا لا ألف- يا زيد- كافرا ~~«9» # [فرضي عنه زيد ومن عليه لما قال هذا فيه، وعد ذلك ثوابا من الحطيئة ~~وقبله] ، فلما رجع الحطيئة إلى قومه قام فيهم حامدا لزيد الخيل شاكرا ~~لنعمته، # PageV01P221 # [حتى أسرت طيء بني بدر] فطلبت فزارة وأفناء قيس إلى شعراء العرب أن يهجوا ~~زيد الخيل وبني لأم «1» ، فتحامتهم الشعراء وامتنعوا، «2» فصاروا إلى ~~الحطيئة، فسألوه في ذلك، ووعدوه جزيل العطاء، فأبى عليهم، وقال: قد حقن دمي ~~وأطلقني بغير فداء، فلست بكافر نعمته أبدا، وقال في ذلك: # كيف الهجاء ولا تنفك صالحة «3» ... من آل لأم «4» بظهر ms140 الغيب تأتينا # المنعمين أقام العز وسطهم ... بيض الوجوه وفي الهيجا مطاعينا # قال «5» : بينا مالك بن الريب ذات ليلة [في بعض هناته وهو] نائم في ~~البرية- وكان لا ينام إلا متوشحا بالسيف- إذا هو بشيء قد جثم عليه، لا يدري ~~ما هو؟! فانتفض مالك من تحته فسقط عنه، ثم انتحى له بالسيف فقده نصفين، ثم ~~نظر «6» اليه فاذا هو رجل أسود كان يغتل الناس في تلك الناحية. # قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: أتقتل أهل الشأم ~~بالغداة وتظهر بالعشي في إزار ورداء؟! فقال: أبالموت تخوفوني؟! فو الله ما ~~أبلي أسقطت على الموت أو سقط الموت علي. # وقال لابنه الحسن- عليهما السلام: لا تدعون أحدا الى المبارزة، فان دعيت ~~اليها فأجب، فان الداعي اليها باغ، والباغي مصروع. # PageV01P222 # وقيل للمهلب بن أبي صفرة رحمه الله: ما أعجب ما رأيت في حرب الأزارقة؟ ~~قال: فتى كان يخرج إلينا منهم في كل غداة فيقف ويقول: # وسائلة بالغيب عني ولو رات ... مقارعتي الأبطال طال نحيبها # إذا ما التقينا كنت أول فارس ... يجود بنفس أثقلتها ذنوبها # ثم يحمل فلا يقوم له شيء إلا أقعده، فاذا كان من الغد عاد لمثل ذلك! وعن ~~أبي حاتم الرازي قال: سمعت عبدة بن سليمان المروزي يقول: كنا في سرية مع ~~عبد الله بن المبارك [رضي الله عنه] في بلاد الروم، فصادفنا العدو، فلما ~~التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البراز فخرج اليه رجل فقتله، ثم ~~خرج آخر منهم فقتله، ثم آخر فقتله، ثم خرج اليه آخر فطارده فعطنه فقتله، ~~فازدحم اليه الناس، فاذا هو يلثم «1» وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته ~~فاذا» # هو عبد الله بن المبارك. فقال: وأنت يأبا عمرو «3» ممن يشنع علينا؟! ~~وأنشد الرياشي لبعض العرب: # وأشعرته طعنة ثرة «4» ... يظل على النحر منها صبيب # فإن قتلته فلم آله ... وإن ينج منها فجرح رغيب «5» # وإن يلقني بعدها يلقني ... عليه من الذل ثوب قشيب # وقال عمرو بن الإطنابة: «6» # أبت لي عفتي وأبى بلائي «7» ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح # PageV01P223 # وإقدامي على ms141 المكروه نفسي «1» ... وضربي هامة البطل المشيح «2» # وقولي كلما جشأت وجاشت «3» : ... مكانك تحمدي أو تستريحي # [وادفع عن مكارم صالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح] «4» # وقال قطري بن الفجاءة: «5» # قول لها- وقد طارت شعاعا «6» ... من الأبطال-: ويحكم لن تراعي # فإنك لو سألت حياة يوم ... سوى الأجل الذي لك لم تطاعي # فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع # وما ثوب البقاء بثوب عز ... فيطوى عن أخي الخنع اليراع «7» # سبيل الموت منهج كل حي ... وداعيه لأهل الأرض داعي # ومن لا يعتبط يسأم ويهرم ... ويفض به الزمان إلى انقطاع «8» # وقال قطري أيضا: # إلى كم تعاديني السيوف ولا أرى ... مضاربها تهدي «9» إلي حماميا # PageV01P224 # أقارع عن دار الخلود ولا أرى ... بقاء على حال لمن ليس باقيا # ولو قرب الموت القراع لقد أنى ... لموتي أن يدنو لطول قراعيا # أغادي جلاد المعلمين كأنني ... على العسل الماذي أصحت غاديا «1» # وأدعو الكماة للنزال إذا القنا «2» ... تحطم فيما بيننا من طعانيا # ولست أرى نفسا تموت إذا دنت ... من الموت حتى يبعث الله داعيا # إذا استلب الخوف الرجال قلوبهم ... حبسنا على الموت النفوس الغواليا # حذار الأحاديث التي «3» لوم غبها ... عقدن بأعناق الرجل المخازيا # وقال قطري أيضا «4» : # يا رب ظل عقاب قد وقيت بها «5» ... مهري من الشمس والأبطال تجتلد # ورب واد حمى أرعيت عقوته «6» ... خيلي اقتسارا وأطراف القنا قصد «7» # مشهر موقفي والحرب كاشفة ... عنها القناع وبحر الموت يطرد «8» # وقال مؤلف الكتاب: # تجهل في الإقدام رأيي معاشر «9» ... أراهم إذا فروا من الموت أجهلا # أيرجو الفتى عند انقضاء حياته*- وإن- فرعن ورد المنية مزحلا «10» # PageV01P225 # إذا أناهبت الموت في حرمة الوغى ... فلا وجدت نفسي من الموت موئلا # وإني إذا نازلت كبش كتيبة ... فلست أبالي أينا مات أولا # قلت وبالله التوفيق: قد أوردت في كتابي المترجم بكتاب (بالاعتبار) عجائب ~~ما باشرته وحضرته وشهدته من الحروب والمصافات والوقائع، منذ كنت ابن خمسة ~~عشر سنة إلى أن تجاوزت التسعين، وما نالني فيها من الجراح والمكاره، وأنا ~~القائل: # ألوم الردى كم خضته متعرضا ... له، وهو عني معرض متجنب؟! # وكم أخذت مني السيوف ms142 مآخذال ... حمام ولكن القضاء مغيب؟! # إلى أن تجاوزت الثمانين وانقضت ... بلهنية العيش الذي فيه يرغب «1» # فمكروه ما تخشى النفوس من الردى ... ألذ وأحلى من حياتي وأطيب # وذكرت ما شاهدته من إقدام الرجال، وعجائب تصرف الآجال، فغنيت بما أوردته ~~هناك عن الإطالة هاهنا، واقتصرت على ما أوردته. # PageV01P226 ### $ 5- باب الآداب # يشتمل هذا الباب على خمسة عشر فصلا، وهي: # فصل في الأدب- وفصل في كتمان السر- وفصل في أداء الأمانة- وفصل في ~~التواضع وترك الكبر- وفصل في حسن الجوار «1» - وفصل في حفظ اللسان- وفصل في ~~القناعة- وفصل في الصبر- وفصل في الحياء- وفصل في ترك الرياء- وفصل في ~~الإصلاح بين الناس- وفصل في التعنف عن السؤال- وفصل في التحذير من الظلم- ~~وفصل في الإحسان وفعل الخير- وفصل في مداراة الناس والصبر على الأذى ### | فصل في الأدب # قال الله عز وجل في سورة البقرة: وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على ~~الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين [31] # فمن لا شريعة له لا إيمان له ولا توحيد. والشريعة موجبة للأدب، فمن لا ~~أدب له لا شريعة له ولا إيمان ولا توحيد «2» . # وقال ابن عطاء «3» رحمه الله: الأدب الوقوف مع المستحسنات. فقيل: # وما معناه؟ قال: أن تعامل الله تعالى بالأدب سرا وإعلانا، فاذا كنت كذلك ~~كنت أديبا [وإن كنت أعجميا] . # PageV01P227 # وعن الجريري رحمه الله قال: منذ عشرين سنة ما مددت رجلي وقت جلوسي ~~للخلوة، فإن حسن الأدب مع الله تعالى أولى. # وروي عن ابن سيرين رحمه الله: أنه سئل: أي الآداب أقرب إلى الله؟ # فقال: معرفة ربوبيته، وعمل بطاعته، والحمد لله على السراء، والصبر على ~~الضراء. # وقال رجل من قيس لرجل من قريش: اطلب الأدب فإنه زيادة في العقل، ودليل ~~على المروءة، وصلة «1» في المجلس، ثم قال: # تعلم فليس المرء يخلق عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل # فإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا صمت عليه المحافل # ولا ترض من عيش بدون ولا يكن ... نصيبك إرث قدمته الأوائل # وكان يقال: من حسن الأدب أن لا تنازع من فوقك، ولا تقول مالا تعلم، ولا ~~تتعاطى مالا ms143 تنال، ولا يخالف لسانك ما في قلبك، ولا قولك فعلك، ولا تدع ~~الأمر «2» إذا أقبل وتطلبه إذا أدبر. # ويقال: من أدب صغيرا قرت عينه كبيرا، ومن أدب ابنه أرغم أنف عدوه. # وكان يقال: ثلاثة ليس معهن غربة: مجانبة الريب «3» ، وكف الأذى، وحسن ~~الأدب. # وقال عبد الملك بن مروان: ما الناس إلى شيء من الأدب أحوج منهم إلى إقامة ~~ألسنتهم التي بها يتعاودون الكلام، ويتعاطون البيان، ويتهادون # PageV01P228 # الحكمة، ويستخرجون غوامض العلم من مخابئها، ويجمعون ما تفرق منها، فإن ~~الكلام قاض يحكم بين الخصوم، وضياء يجلو الظلم، حاجة الناس إلى مواده ~~حاجتهم الى مواد الأغذية. # وذكرت امرأة عند هند بنت المهلب بجمال، فقالت هند: ما تحلين النساء «1» ~~بحلية أحسن من لب طاهر تحته أدب كامن. # وقال بزرجمهر: ما ورثت الآباء الأبناء شيئا أفضل من الأدب: إنها إذا ~~ورثتها الآداب كسبت بالآداب الأموال والجاه والإخوان والدين والدنيا ~~والآخرة، [و] إذا ورثتها الأموال تلفت الأموال وقعدت «2» عدما من الأموال ~~والآداب. # وكان يقال: من قعد به حسبه نهض به أدبه. # وقال أبو السمراء: قال لنا أبي: يا بني، تزينوا بزي الكتاب، فإن فيهم أدب ~~الملوك وتواضع السوقة. # وكان يقال: أربعة يسود بها العبد: العلم والأدب والفقه والأمانة. # وكان يقال: عز الشريف أدبه، وعز المؤمن استغناؤه عن الناس. # ويقال: من الأدب إذا دخلت مع الرجل منزله أن تدخل بعده، وإذا خرجت خرجت ~~قبله. # وقال المنذر بن الجارود لابن له يوصيه: اعمل النظر في الأدب ليلا، فإن ~~القلب بالنهار طائر، وهو بالليل ساكن، فكلما أوعيت فيه «3» شيئا عقله. # PageV01P229 # وكما يقال: الأدب خير ميراث، وحسن الخلق خير قرين، والتوفيق خير قائد، ~~والاجتهاد أربح بضاعة ولا مال أعود من العقل، ولا مصيبة أعظم من الجهل، ولا ~~ظهير أوثق من المشورة، ولا وحدة أوحش من العجب. # وقال عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده- وكان رجلا من بني زهرة-: # علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، واحملهم على الأخلاق الجميلة، وروهم ~~الشعر يشجعوا وينجدوا، وجالس بهم أشراف الناس وأهل العلم منهم، فإنهم أحسن ~~الناس ms144 رعة «1» وأحسنهم أدبا، وجنبهم السفلة والخدم، فإنهم أسوأ الناس رعة ~~وأسوؤهم أدبا، ومرهم فليستاكوا عرضا، وليمصوا الماء مصا ولا يعبوه عبا، ~~ووقرهم في العلانية، وذللهم في السر، واضربهم على الكذب، إن الكذب يدعو الى ~~الفجور، والفجور، والفجور يدعو الى النار، وجنبهم شتم أعراض الرجال، فان ~~الحر لا يجد من عرضه عوضا، وإذا ولو أمرا فامنعهم من ضرب الأبشار «2» ، ~~فإنه عار باق ووتر مطلوب «3» ، واحملهم على صلة الأرحام، واعلم أن الأدب ~~أولى بالغلام من النسب. # قيل للحسن البصري رحمه الله «4» : قد أكثر الناس في علم الآداب «5» ، فما ~~أنفعها عاجلا وأفضلها «6» آجلا؟. فقال التفقه في الدين، [فانه يصرف اليه ~~قلوب المتعلمين] ، والزهد في الدنيا، [فإنه يقربك من رب العالمين] ، ~~والمعرفة بما لله تعالى عليك [يحويها كمال الإيمان] . # PageV01P230 # وقال يحيى بن معاذ رحمه الله: من تأدب بأدب الله صار من أهل محبة الله. # وروي عن ابن المبارك رحمه الله أنه قال: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا ~~إلى الكثير «1» من العلم. # وعن أبي نصر الطوسي السراج رحمه الله قال: «2» [الأدب سند للفقراء، وزين ~~للأغنياء، و] الناس في الأدب «3» [متفاوتون، وهم] على ثلاث طبقات: # [أهل الدنيا، وأهل الدين، وأهل الخصوصية من أهل الدين، ف] أما أهل الدنيا ~~فان أكثر «4» آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسمار «5» الملوك ~~وأشعار العرب، [ومعرفة الصنائع] ، وأما أهل الدين فإن أكثر «6» آدابهم في ~~رياضة النفوس «7» وتأديب الجوارح [وطهارة الأسرار] وحفظ الحدود وترك ~~الشهوات [واجتناب الشبهات وتجريد الطاعات والمسارعة إلى الخيرات] ، وأما ~~أهل الخصوصية فإن أكثر «8» آدابهم في طهارة القلوب ومراعاة الأسرار والوفاء ~~بالعقود «9» [بعد العهود] وحفظ الوقت وقلة الالتفات إلى الخواطر [والعوارض ~~والبوادي والطوارق، واستواء السر مع الإعلان] وحسن الأدب في مواقف الطلب ~~وأوقات الحضور [والقربة والدنو والوصلة] ومقامات القرب «10» وقال عبد الله ~~بن المبارك رحمه الله: قد أكثر الناس في الأدب، ونحن نقول: هو معرفة النفس. # وقال الجنيد رحمه الله: إذا صحت المحبة سقطت شروط الأدب. # PageV01P231 # وأنشدوا: # في انقباض وحشمة فإذا ... لقيت أهل الوفاء والكرم # أرسلت نفسي ms145 على سحيتها ... وقلت ما قلت غير محتشم # وقال أبو عثمان رحمه الله: إذا صحت المحبة تأكدت على المحب ملازمة الأدب. # وقال الثوري رحمه الله: من لم يتأدب للوقت، فوقته مقت. # قال الله سبحانه وتعالى: وأيوب إذ نادى ربه: أني مسني الضر وأنت أرحم ~~الراحمين [21: 83] # لم يقل «ارحمني» لأنه حفظ أدب الخطاب. # وكذلك عيسى عليه السلام، إذ قال له الباري سبحانه وتعالى: يا عيسى ابن ~~مريم «1» ، أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال: # سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، إن كنت قلته فقد علمته [5: ~~116] # ولم يقل «لم أقل» رعاية للأدب. # وقال الحكماء: لا أدب إلا بعقل، ولا عقل إلا بأدب: هما كالنفس والبدن، ~~فالبدن بغير نفس جثة لا حراك بها، والنفس بغير بدن قوة لا ظهور لفعلها «2» ~~، فإذا اجتمعا وتركبا نهضا وفعلا. # وقالوا: ليس العاقل- وإن كان تاما- بمستغن عن الأدب والعلم، اللذين هما ~~زينته وجماله، لأن الله تعالى جعل لكثير من خلقه زينة، فزينة السماء ~~بكواكبها، والأرض بزهرتها، والقمر بنوره، والشمس بضيائها. والأدب # PageV01P232 # للعقول كالجلاء للسيوف، فإن السيوف إذا تعوهدت بالصقل عملت ونفعت، وإذا ~~لم تجل «1» صدئت وبطلت. # وقيل لبقراط: ما الفرق بين من له أدب ومن لا أدب له؟ قال: كالفرق بين ~~الحيوان الناطق والحيوان غير الناطق. # وقالوا: من كثر أدبه شرف وإن كان وضيعا، وساد وإن كان غريبا، وكثرت ~~الحاجة إليه وإن كان فقيرا. # وقالوا: الأدب اللازم خير من الحسب المضاف. # وقال الشاعر: # وما الحسب الموروث- لا دردره ... بمحتسب إلا بآخر مكتسب # إذا العود لم يثمر- وإن كان شعبة «2» ... من المثمرات- اعتده الناس في ~~الحطب # وللمجد قوم ساوروه بأنفس ... كرام ولم يعبوا بأم ولا بأب «3» # دخل كعب الأحبار على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو على فراش، وعن يمينه ~~ويساره وسادتان، فقال له عمر [رضي الله عنه] «4» : اجلس يأبا اسحق، وأشار ~~بيده الى الوسادة، فثناها كعب وجلس على البساط. فقال له عمر [رضي الله عنه] ~~«5» : ما يمنعك من أن تجلس على الوسادة؟ قال: فيما أوصى ms146 سليمان بن داوود ~~عليهما السلام: لا تغش «6» السلطان حتى يملك، ولا تنقطع عنه حتى ينساك، ~~وإذا دخلت عليه فاجعل بينك وبينه مجلس رجل أو رجلين، فعسى أن يأتي من # PageV01P233 # هو أولى منك بذلك المجلس. فاستلقى عمر رضي الله عنه وقال: ومن قوم موسى ~~أمة يهدون بالحق وبه يعدلون [7: 159] . # وقال الحكيم: الأدب يحرز الحظ، ويؤنس الوحشة، وينفي الفاقة، ويعرف ~~النكرة، ويثمر المكسبة، ويكمد «1» العدو ويكسب الصديق. # وقال بعض السلف: ناهيك من شرف الأدب أن أهله متبوعون والناس تحت راياتهم ~~«2» ، فيعطف ربك تعالى عليهم قلوبا لا تعطفها الأرحام، وتجتمع بهم كلمة لا ~~تأتلف بالغلبة، وتبذل دونهم مهج النفوس. # وقال بعض الفلاسفة: الأدب زيادة في العقول، ولقاحها وغذاؤها الذي لا ~~يحييها غيره ولا تنمي على شيء بعده. # وقال آخر: الأدب حياة القلوب، ولا مصيبة أعظم من الجهل. # وقال بعض الحكماء: أحسن الحلية الأدب، ولا حسب لمن لا مروءة له، ولا ~~مروءة لمن لا أدب له. ومن تأدب من غير أهل الحسب ألحقه الأدب بهم. # وقال آخر: يتشعب من الأدب التشرف وإن كان صاحبه دنيا، والعز وإن كان ~~صاحبه مهينا، والقرب وإن كان صاحبه قصيا، والغني وإن كان فقيرا، والنبل وإن ~~كان حقيرا، والمهابة وإن كان وضيعا، والسلامة وإن كان سفيها. # وسمع بعض الحكماء رجلا يقول: أنا غريب، فقال: الغريب من لا أدب له. # PageV01P234 ### | ومن منثور الآداب # قال جالينوس: كما أنه يعرض للبدن المرض والقيح- فالمرض مثل الصرع ~~والشوصة، «1» والقيح مثل الجرب وتساقط شعر الرأس وقرعه-: فكذلك بعرض للنفس ~~مرض وقيح، فمرضها كالغضب، وقيحها كالجهل. # وقال أرسطا طاليس: العلم دليل العقل، والعقل قائد الخير. # وقال: العالم يعرف الجاهل، لأنه قد كان جاهلا. والجاهل لا يعرف العالم، ~~لأنه لم يكن عالما. # وقال: من اتخذ الحكمة لجاما اتخذه الناس إماما. # ومر أرسطا طاليس برجل قد قطعت يده، فقال: أخذ ما ليس له، فأخذ ماله. # وقال: كفى بالتجارب تأدبا، وبتقلب الأيام عظة «2» . # وقيل لأرسطاطاليس: ما يزين المرء بين إخوانه أيها الحكيم؟ فقال: الأدب ~~يزين غنى الغني، ويشتر فقر ms147 الفقير. فقيل له: وما البلاغة؟ فقال: إقلال في ~~إنجاز، وصواب مع سرعة جواب. # وقال أرسطا طاليس: كما أنه ليس من المروءة أن تقتصر من الأموال والعقد ~~«3» على ما فيه الحاجة وتدعو إليه الضرورة-: بل أن تتخذ الأشياء الشريفة ~~التي للبهاء والتجمل-: فكذلك العلوم: ليس من المروءة أن تقتصر منها على ما ~~تحتاج لضرب من التفقه دون أن تكتسب تشريف السناء بها. # PageV01P235 # قال سقراط الحكيم: العقول مواهب، والآداب مكاسب. # وقال: العالم طبيب الدين، والمال داء الدين، فإذا رأيت الطبيب يجر الداء ~~إلى نفسه فكيف يداوي غيره؟! وقال: من لم يعرف الخير من الشر فألحقه ~~بالبهائم. # وقال: الدنيا غنيمة الأكياس وحسرة الحمقى «1» . # وقال: لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين: ناطق عالم، أو صموت واع. # وقال: إنما يعرف الخطأ بسوء «2» عاقبته، فلست تتقيه حتى تعرفه، ولا تعرفه ~~حتى تخطي، فلذلك كان بين الإنسان وبين الصواب خطأ كثير. # وقال: من يجرب يزدد علما، ومن يوقن يزدد يقينا، ومن يستيقن يعمل جاهدا، ~~ومن يحرص على العمل يزدد قوة، ومن يتردد يزدد شكا، ومن يكسل يزدد فترة. # وقال: الذنوب الفاضحة، تذهب بالحجج الواضحة. # وقال: لا يكون الحكيم حكيما «3» حتى يغلب جميع شهوات الجسد. # وقال بطليموس: العاقل من عقل لسانه إلا عن ذكر الله، والجاهل من جهل قدر ~~نفسه. # وقال: متواضع العلماء أكثرهم علما، كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ~~ماء. # وقال: لست تعرض المسيء لمقت الله بمثل الإحسان إليه مع الإساءة منه إليك. # PageV01P236 # وقال: من أحب البقاء فليعد للمصائب قلبا صبورا. # وقال: ما تزاحمت الظنون على أمر مستور إلا كشفته. # وقال: من لم يتعظ بالناس وعظ الله عز وجل به الناس. # وقالوا: كلما قربت أجلا فازدد عملا. # وقالوا: الحازم من لم يشعله البطر بالنعمة عن النظر في العاقبة، ولا الهم ~~بالحادثة عن الحيلة فيها. # وقال أفلاطون: للعادة على كل شيء سلطان. # وقال: إذا أقبلت الدنيا خدمت الشهوات العقول، وإذا أدبرت خدمت العقول ~~الشهوات. # وقال: لا تقصروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم. # وقال: ms148 ليس يكمل عقل الرجل حتى يكون صديق المتعاديين. # وقال: ما أدرى ما الهوى؟! غير أني أعلم أنه جنون إلهي لا محمود ولا ~~مذموم. # وقال أبنوس بن أبينوس «1» : موت الرؤساء أفضل [من] «2» رئاسة السفل. # وقال: إذا بخل الملوك بالمال كثير الإرجاف بهم. # وقال سولون الحكيم: لا يضبط الكثير من لا يضبط نفسه الواحدة. # وقال: الجزع أتعب من الصبر. # PageV01P237 # وقال: إذا ضاقت حالك فلا تستشيرن الإفلاس، فانه لا يشير عليك بحيرا وقال ~~بقراط: النفس المنفردة بطلب الرغائب وحدها تهلك. # وقال: من صحب السلطان فلا يجزع من قسوته، كما لا يجزع الغواص من ملوحة ~~البحر. # وقال: من أحب لنفسه الحياة أماتها. # وقال أرسطاطاليس: كما لا ينبت المطر الشديد الصخر كذا لا ينتفع البليد ~~بكثرة التعليم. # وقال: كفى بالتجارب تأدبا، وبتقلب الأيام عظة «1» . # وقال: الجاهل عدو لنفسه، فكيف يكون صديقا لغيره؟! ### | كتمان السر # «2» # قال الله عز وجل في سورة يوسف: إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد ~~عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين [4] قال: # يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا، إن الشيطان للإنسان عدو ~~مبين [5] . # 64* وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «استعينوا على الحاجات ~~بالكتمان، فكل ذي نعمة محسود «3» » . # PageV01P238 # وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه انه قال: سرك أسيرك، ~~فاذا تكلمت به صرت أسيره «1» . # وقال بعض الأدباء: من كتم سره كان الخيار إليه، ومن أفشى سره كان الخيار ~~عليه. # وقال بعض البلغاء: ما أسرك، ما كتمت سرك! وقال آخر: ما لم «2» تغيبه ~~الأضالع، فهو مكشوف ضائع «3» . # وقيل لعدي بن حاتم رحمه الله: أي شيء أوضع للرجال؟ قال: كثرة الكلام، ~~وإضاعة السر، والثقة بكل أحد «4» . # وقال المهلب بن أبي صفرة رحمه الله: لم أر صدور الرجال تضيق عن شيء ما ~~تضيق عن حمل سرهم. # وخرج عمر «5» بن الضبيعة الرقاشي مع ابن الأشعث، فقتل فيمن قتل، وأتي ~~الحجاج برأسه، فوضع بين يديه، فقال الحجاج: رب سر قد وضعت في هذا الرأس فلم ms149 ~~يخرج منه حتى وضع بين يدي. # وقال أنو شروان: من حصن سره فله بتحصينه خصلتان: الظفر بحاجته، والسلامة ~~من السطوات. وإظهار الرجل سر غيره أقبح من إظهار سر نفسه، لأنه يبوء بإحدى ~~وصمتين: إما بالخيانة إن كان «6» مؤتمنا، أو النميمة متبرعا «7» . # PageV01P239 # وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: القلوب أوعية السرائر، والشفاه ~~أقفالها، والألسن مفاتيحها، فليحفظ كل امرئ مفتاح سره «1» . # وقال الشاعر «2» : # ألم تر أن وشاة الرجا ... ل لا يتركون أديما صحيحا # فلا تفش سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا # وقال الآخر «3» : # إذا المرء أفشى سره بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق # إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أصيق # وقال صالح بن عبد القدوس «4» : # لا تذع سرا إلى طالبه ... منك إن الطالب السر مذيع # وقال آخر «5» : # وسرك ما كان عند امرئ ... وعند الثلاثة غير الخفي # وقال جميل بن معمر «6» : # أجود بمضنون التلاد وإنني ... بسرك عمن سالني لضنين # إذا جاوز الاثنين سر فإنه ... بنث وتكثير الوشاة قمين # PageV01P240 # وقال آخر: «1» # ولا تنطق بسرك كل سر ... إذا ما جاوز الإثنين فاشي # وروي: أن عبد الله بن طاهر تذاكر الناس في مجلسه حفظ السر فقال «2» : # وما السر في صدري كميت بقبره ... لأني رأيت الميت ينتظر النشرا # ولكنني أخفيه حتى كأنني ... بما كان منه لم أحط- ساعة- خبرا # وقال آخر: «3» # ولو قدرت على نسيان ما اشتملت ... مني الضلوع من الأسرار والخبر # لكنت أول من ينسى سرائره ... إذ كنت من نشرها يوما على خطر # وأحسن القائل: # لو أن امرأ أخفى الهوى عن ضميره ... لمت ولم يعلم بذاك ضمير # وإني سألقى الله- يا ليل- لم أبح ... بسرك، والمستخبرون كثير # قالت الحكماء: كتمان السر كرم في النفس، وسمو في الهمة، ودليل على ~~المروءة، وسبب للمحبة، ومبلغ إلى جليل الرتبة. # وقالوا: من كتم سره كان موضعا لودائع القلوب. # وقالوا: سرك من دمك، فانظر عند من تجعله «4» . # وقالوا: صدرك أوسع لسرك. # PageV01P241 # وقالوا: الصبر على كتمان السر أيسر من الندامة على إفشائه. # وقالوا: لا تفش سرك إلا عند ms150 من يضره نشره كما يضرك، وينفعه ستره كما ~~ينفعك. # وقالوا: كل سر تكتمه عدوك فلا تطلع عليه صديقك. # وقالوا: أصبر الناس من صبر على كتمان سره، فلم يبده «1» لصديقه خوفا من ~~أن يصير عدوا فيذيعه «2» . # وقال الشاعر: # كن من صديقك حاذرا فلربما ... خان الصديق فصار غير صديق # واحذر صديقك- لا عدوك- إنما ... حركات سرك عند كل صديق # وقال آخر «3» : # سأكتمه سري وأكتم سره ... ولا غرني أني عليه كريم # حليم فينسى «4» أو جهول يذيعه ... وما الناس إلا جاهل وحليم # وقال آخر «5» : # تبوح بسرك ضيقا به ... وتبغي لسرك من يكتم # وكتمانك السر ممن تخاف ... ومن لا تخوفه أحزم # إذا ضاع سرك من مخبر ... فأنت إذا لمته ألوم # PageV01P242 # وقال آخر: # إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها ... فسرك عند الناس أفشى وأضيع «1» # وقال آخر: # لا تفش سرك ما استطعت إلى امريء ... يفشي إليك سرائرا يستودع # فكما تراه بسر غيرك صانعا ... فكذا بسرك لا محالة يصنع # وقيل لعدي بن حاتم رحمه الله: أي الأشياء أوضع للرجال؟ قال: كثرة الكلام، ~~وإضاعة السر، والثقة بكل أحد» . # وعن علي بن هشام «3» قال: سمعت المأمون يقول: الملوك تحتمل كل شيء إلا ~~ثلاثة أشياء: القدح في الملك، وإفشاء السر، والتعرض للحرم. # أنشد الزبير لرجل من بني عبد شمس بن سعد «4» : # إذا ما ضاق صدرك من حديث ... فأفشته الرجال فمن تلوم؟ # إذا عاتبت من أفشى «5» حديثي ... وسري عنده فأنا الظلوم! # وإني يوم أسأم حمل سري*- وقد ضمنته صدري- سؤوم # وأطوي السر دون الناس، إني ... لما استودعت من سر كتوم # وقال آخر: # PageV01P243 # إن الكريم الذي تبقى مودته ... ويحفظ السر إن صافى «1» وإن صرما # ليس الكريم الذي إن زل صاحبه ... بث الذي كان من أسراره علما ### | فصل فى أداء الأمانة ### | مما ورد فى الكتاب العزيز # قال الله تعالى في سورة البقرة: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم، وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم، وإياي فارهبون [40] . # ومنها: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن ~~يوصل ويفسدون في الأرض، أولئك هم الخاسرون [27] . # ومن ms151 النساء «2» : ويقولون: طاعة، فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير ~~الذي تقول، والله يكتب ما يبيتون، فأعرض عنهم وتوكل على الله. وكفى بالله ~~وكيلا [81] . # ومن سورة آل عمران: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم ~~من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما. ذلك بأنهم قالوا: ~~ليس علينا في الأميين سبيل. ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون [75] بلى، ~~من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين [76] إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر ~~إليهم يوم # PageV01P244 # القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم [77] . # ومن سورة النساء: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم ~~بين الناس أن تحكموا بالعدل. إن الله نعما يعظكم به. # إن الله كان سميعا بصيرا [58] . # ومن سورة الأنفال: إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون [55] ~~الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون [56] فإما ~~تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون [57] # «1» . # ومن سورة التوبة: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله، ~~ثم أبلغه مأمنه. ذلك بأنهم قوم لا يعلمون [6] . # ومنها: وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا «2» أئمة ~~الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون [12] ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم ~~وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم «3» أول مرة. أتخشونهم؟! فالله أحق أن تخشوه ~~إن كنتم مؤمنين [13] . # ومن سورة الأنعام: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ ~~أشده. وأوفوا الكيل والميزان بالقسط. لا نكلف نفسا إلا وسعها. وإذا قلتم ~~فاعدلوا ولو كان ذا قربى. وبعهد الله أوفوا. # ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون [152] . # PageV01P245 # ومن سورة الرعد: الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق [20] والذين ~~يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب [21] . # ومنها: (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن ~~يوصل ms152 ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار [25] . ### | أحاديث # «1» . 65* عن عبد الله بن عمر رضوان الله عليهما: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يقول: «أسألك العفة والأمانة وحسن الخلق ورضى بالقدر «2» » . # 66* وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بينا النبي صلى الله عليه وسلم ~~يحدث القوم حديثا، فقام أعرابي فقال: يا رسول الله، ومتى الساعة؟ قال: فمضى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، قال: فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ~~ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذا قضى حديثه قال صلى الله عليه ~~وسلم: أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله. قال: إذا ضيعت ~~الأمانة فانتظر الساعة. قال: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير ~~أهله فانتظر الساعة «3» » . # PageV01P246 # وعن عبد الله بن عمرو «1» رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «إذا* 67 رأيت الناس قد مرجت عهودهم «2» ، وخفت أماناتهم، وصاروا ~~هكذا- وشبك بين أصابعه-: فالزم بيتك، وعليك بخاصة نفسك، وذر عنك أمر ~~العامة، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر «3» » . # وعن أبي هريرة رحمه الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أد ~~الأمانة إلى* 68 من ائتمنك، ولا تخن من خانك «4» » . # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث ~~من* 69 يكن فيه واحدة منهن فلا يعبأ «5» بشيء من عمله: من لم يكن له ورع ~~يحجزه عن معاصي الله، أو حلم يكف به السفيه، أو خلق يعيش به في الناس. ~~وثلاث من كان فيه واحدة منهن زوج من الحور العين: رجل ائتمن على أمانة خفية ~~شهية فأداها من مخافة الله عز وجل، ورجل عفا «6» عن قاتله، ورجل قرأ (قل هو ~~الله أحد) في دبر كل صلاة. وثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن أكن خصمه ~~أخصمه: رجل استأجر أجيرا # PageV01P247 # فظلمه ولم يوفه أجره، ورجل حلف بالله فغدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه «1» » ~~. # 70* وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال ms153 رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«أداء الحقوق وحفظ الأمانات ديني ودين النبيين من قبلي. وقد أعطيت ما لم ~~يعطه أحد من قبلي من الأمم: أن جعل الله تعالى قربانكم الاستغفار، وجعل ~~صلاتكم الخمس بالأذان والإقامة، ولم تصلها أمة قبلكم، فحافظوا على صلواتكم، ~~وأي عبد صلى الفريضة واستغفر الله عز وجل عشر مرات لم يقم من مقامه حتى ~~يغفر الله تعالى له ذنوبه، ولو كانت مثل رمل عالج وجبال تهامة لغفرها «2» » ~~. # 71* وعن ثوبان رحمه الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث ~~معلقات بالعرش: # الرحم تقول: اللهم إني بك فلا أقطع، والأمانة تقول: اللهم إني بك فلا ~~أخان، والنعمة تقول: اللهم إني بك فلا أكفر «3» » . # 72* وعن أبي الدرداء رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«خمس من جاء بهن [يوم القيامة] مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات ~~الخمس، على [وضوئهن و] ركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من # PageV01P248 # ما له طيب النفس بها- وكان يقول: وأيم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن- وصام ~~شهر رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا، وأدى الأمانة» . # قالوا: يأبا الدرداء، ما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، فإن الله ~~تعالى لم يأتمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها «1» . # وعن ميمون بن مهران «2» قال: ثلاثة تؤدى إلى البر والفاجر: الرحم، توصل، ~~برة كانت أو فاجرة، والأمانة، تؤدى إلى البر والفاجر، والعهد، يوفى «3» به ~~للبر والفاجر. # وقال السري بن المغلس «4» رحمه الله: أربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا ~~والآخرة: صدق الحديث، وحفظ الأمانة، وعفاف الطعمة، وحسن الخليقة. # وقال بعض الحكماء: من كان وفاؤه سجية، وطباعه كريمة، ورأى المكافأة ~~بالإحسان تقصيرا حتى يتفضل، ولم يقصر عن معروف يمكنه وإن لم يشكر، ويبذل ~~جهده لمن امتحن وده-: فذلك الكامل. # وقال الحكيم: أربع يسودن العبد: الأدب، والصدق، وأداء الأمانة، والمروءة. # PageV01P249 # وقال الآخر: من عرف بالوفاء حافظ عليه أهل مودته، وتاقت أنفس الكرام إلى ~~نصرته. # قال الشاعر: # وإذا امرؤ أدى إليك أمانة ... يعتد عندك ms154 أنه أخفاها «1» # فاحفظ أمانته ولا تعلم بها «2» ... فتكون أول واحد أفشاها # وقال آخر: # وإن أمانتي لا يحتويها ... خليل في زيال واجتماع # سأرعاها وإن هو غاب عنها ... لكل أمانة بالغيب راع # وقال العرجي: # وما حمل الإنسان مثل أمانة ... أشق عليه حين يحملها حملا # فإن أنت حملت الأمانة فاصطبر ... عليها فقد حملت من أمرها ثقلا # ولا تقبلن- فيمن رضيت- نميمة ... وقل للذي يأتيك يحملها: مهلا # وقال آخر: # سأرعى كل ما «3» استودعت جهدي ... وقد يرعى أمانته الأمين # وذو الخير المؤثل ذو وفاء ... كريم لا يمل ولا يخون # وقال آخر: # ثقي مني وتقنعك اليمين ... بأني لا أمل ولا أخون # PageV01P250 # وأني حافظ للعهد راع ... وفي العقد مؤتمن أمين # فلا تخشي خيانة ذي وفاء ... سيأتي الغدر لي كرم ودين # وقال حاتم الطائي: # فأقسمت لا أمشي إلى سر جارة ... يد الدهر مادام الحمام يغرد «1» # ولا أشتري مالا بغدر علمته ... ألا كل مال خالط الغدر أنكد ### | فصل فى فضل التواضع ### | مما ورد فى الكتاب العزيز # قال الله عز وجل في سورة آل عمران فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت ~~فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، ~~فإذا عزمت فتوكل على الله. إن الله يحب المتوكلين [159] . # ومن سورة الأعراف: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة: اسجدوا ~~لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين [11] قال: ما منعك ألا تسجد إذ ~~أمرتك؟ قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين [12] قال: فاهبط «2» ~~منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين [13] . # PageV01P251 ### | أحاديث # 73* عن طلحة بن عبيد الله «1» رضي الله عنه قال: «تمشى معنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بمكة وهو صائم، فأجهده الصوم، فحلبنا له ناقة في قعب ~~«2» وصببنا عليه عسلا، نكرم به رسول الله صلى الله عليه وسلم عند فطره، ~~فلما غربت الشمس ناولناه القعب، فلما ذاقه قال بيده: كأنه يقول: ما هذا؟ ~~قلنا: # لبن وعسل أردنا أن نكرمك به، أحسب «3» أنه قال: أكرمك الله بما- أو كما- ~~أكرمتني، ms155 أو دعوة هذا معناها، ثم قال صلى الله عليه وسلم: من اقتصد أغناه ~~الله، ومن بذر أفقره الله، ومن تواضع رفعه [الله] «4» ، ومن تجبر قصمه الله ~~«5» » . # 74* وعن الحسن رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ~~الله عز وجل أوحى إلي: أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد ~~«6» على أحد، وكونوا عباد الله إخوانا «7» » . # وعن الأسود بن يزيد رحمه الله عن عائشة رضوان الله عليها قالت: إنكم ~~لتغفلون عن أفضل العبادة: التواضع «8» . # PageV01P252 # قولها «تغفلون» أي: تتركون. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «طوبى «1» لمن تواضع من غير ~~منقصة، * 75 وذل في نفسه من غير مسكنة، وأنفق مالا جمعه من غير معصية، ورحم ~~أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة. طوبى لمن ذل في نفسه، وطاب ~~كسبه، وصلحت سريرته، وكرمت علانيته، وعزل عن الناس شره. طوبى لمن عمل ~~بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله «2» » . # وعن أنس بن مالك رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن ~~العفو لا يزيد* 76 العبد إلا عزا، فاعفوا يعزكم الله وإن التواضع لا يزيد ~~العبد إلا رفعة، فتواضعوا يرفعكم الله. وإن الصدقة لا تزيد المال إلا نماء، ~~فتصدقوا يرحمكم الله «3» » . # وعن عبد الله بن عمرو «4» رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «يحشر المتكبرون* 77 يوم القيامة أمثال الذر، في صور الناس، يعلوهم ~~كل شيء من الصغار، # PageV01P253 # يقادون إلى سجن في النار يقال له «بولس» «1» تعلوهم نار الأنيار، يسقون ~~من طينة الخبال: عصارة أهل النار «2» » . # 78* عن عبد الله بن حنظلة قال: مر عبد الله بن سلام في السوق وعلى رأسه ~~حزمة من حطب، فقال له ناس: ما يحملك على هذا وقد أغناك الله عنه؟ # قال: أردت أن أدفع به الكبر، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر «3» » . # 79* وعن عبد الله بن مسعود رضي ms156 الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ثلاث هن أصل كل خطيئة، فاتقوهن واحذروهن، وثلاث إذا ذكرن فأمسكوا: # إياكم والكبر، فإن إبليس إنما منعه الكبر أن يسجد لآدم عليه السلام. ~~وإياكم والحرص، فإن آدم إنما حمله الحرص على أن أكل من الشجرة. وإياكم ~~والحسد، فإن ابني «4» آدم إنما قتل أحدهما صاحبه حسدا. فهن أصل كل خطيئة، ~~فاتقوهن واحذروهن. والثلاث: # إذا ذكر القدر فأمسكوا. وإذا ذكر النجوم فأمسكوا. وإذا ذكر أصحابي ~~فأمسكوا «5» » . # PageV01P254 # وعن فتح بن شخرف «1» قال: رأيت علي بن أبي طالب رضوان الله عليه في ~~النوم، فسمعته يقول: التواضع ترفع «2» الفقير على الغني. وأحسن من ذلك ~~تواضع الغني للفقير. # وعن أبي الحسن المهلبي قال: قال ذو النون المصري رضي الله عنه: علامة ~~السعادة ثلاث: متى ما زيد في عمره نقص من حرصه، ومتى زيد في ماله زيد في ~~سخائه، ومتى زيد في قدره زيد في تواضعه. وعلامة الشقاء ثلاث: متى مازيد في ~~عمره زيد في حرصه، ومتى ما زيد في ماله زيد في يخله، ومتى ما زيد في قدره ~~زيد في تجبره وقهره وتكبره. # وعن يزيد بن ميسرة رحمه الله قال: قال عيسى ابن مريم صلى الله عليه «3» : # بحق أقول لكم: كما تواضعون كذلك ترفعون، وكما ترحمون كذلك ترحمون، وكما ~~تقضون حوائج الناس كذلك يقضي الله تعالى من حوائجكم. # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~استقبله* 80 الرجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع، ولا ~~يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو يصرفه، ولا يرى مقدما ركبتيه بين يدي ~~جليس له «4» » . # PageV01P255 # 81* وعن عقبة بن عامر الجهني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«ما من رجل يموت [حين يموت] وفي قلبه مثقال حبة من خردل من كبر تحل له «1» ~~الجنة أن يريح ريحها «2» ولا يراها. فقال رجل [من قريش] يقال له أبو ريحانة ~~«3» : [والله] يا رسول الله، إني لأحب الجمال [وأشتهيه] ms157 حتى إني لأحبه في ~~علاقة سوطي وفي شراك نعلي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ليس ذلك الكبر «4» ، إن الله [عز وجل] جميل يحب الجمال، ولكن الكبر من ~~سفه الحق وغمص الناس [بعينيه] «5» » . # «سفه الحق» : أنكره. «وغمص الناس» «6» : احتقرهم ولم يبال بهم وقالت ~~الحكماء: التواضع أحد «7» مصايد الشرف، والشرف مع التواضع. # والكبر يضع. وهو حمى من المبغضة «8» ، وحرز من المقت. # وقال الشاعر: # ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا ... فكم تحتها قوم هم منك أرفع # فإن كنت في عز وحرز ومنعة «9» ... فكم طاح من قوم هم منك أمنع # وكتب أرسطاطاليس إلى الاسكندر: إن الذي يتعجب منه الناس فيك: # الجزالة وكبر الهمة، والذي يحبونك عليه: التواضع ولين الجانب. فاجمع # PageV01P256 # الأمرين يجتمع لك محبة الناس لك وتعجبهم منك. # وقال أوميروس: لن تنل، وأحلم تنبل، ولا تكن معجبا فتمتهن. # وقالت الحكماء: ثلثة من أحسن «1» الأشياء: جود لغير ثواب، ونصب لغير ~~دنيا، وتواضع لغير ذلة. # وقال مصعب بن الزبير رضي الله عنهما: التواضع أصل «2» مصائد الشرف. # قال العربي: # قوم إذا نزل الغريب بأرضهم ... تركوه رب صواهل وقيان # وإذا دعوتهم ليوم كريهة ... سدوا شعاع الشمس بالخرصان «3» # متصعلكين على كثافة ملكهم ... متواضعين على عظيم الشان # لا ينكتون الأرض عند سؤالهم ... لتطلب العلات بالعيدان # بل يبسطون وجوههم فترى لها ... عند السؤال كأحسن الألوان # وقال آخر: # زاد معروفك عندي عظما ... أنه عندك مستور حقير # وتناساه «4» كأن لم تأته ... وهو عند الناس مشهور كبير # PageV01P257 ### | فصل فى حسن الجوار ### | مما ورد فى الكتاب العزيز # قال الله عز وجل: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وبالوالدين إحسانا ~~وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب ~~بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم. إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ~~[4: 36] ### | أحاديث # 82* عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بيدي فقال: # يأبا هريرة، اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى ~~الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وحب للناس ما ms158 تحب لنفسك تكن مسلما، وإياك ~~وكثرة الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب «1» » . # 83* وعن مجاهد: أن عبد الله بن عمرو «2» رضي الله عنهما أمر بشاة فذبحت، ~~فقال لقيمه «3» : هل أهديت لجارنا اليهودي شيئا؟ مرتين «4» فإني سمعت # PageV01P258 # رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما زال جبرئيل يوصيني بالجار، حتى ~~ظننت أنه سيورثه «1» » . # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~كان يؤمن* 84 بالله واليوم الآخر فليكرم جاره. قالوا: يا رسول الله، وما حق ~~الجار على الجار؟ قال: إن سألك فأعطه، وإن استعانك فأعنه، وإن استقرضك ~~فأقرضه، وإن دعاك فأجابه، وإن مرض فعده، وإن مات فشيعه، وإن أصابته مصيبة ~~فعزه، ولا تؤذه بقتار قدرك «2» إلا أن تعرف له منها، ولا ترفع عليه البناء ~~لتسد عليه الريح إلا بإذنه «3» » . # وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الجيران ~~ثلثة: جار* 85 له حق واحد- وهو أدنى الجيران حقا- وجار له حقان، وجار له ~~ثلثة حقوق- وهو أفضل الجيران حقا- فأما الذي له حق: فجار مشرك لا رحم له، ~~له حق الجوار. وأما الذي له حقان: فجار مسلم لا رحم له، له حق الإسلام وحق ~~الجوار. وأما الذي له ثلثة حقوق: فجار مسلم ذو رحم، له حق الإسلام وحق ~~الجوار وحق الرحم. وأدنى حق الجار # PageV01P259 # أن لا تؤذي جارك بقتار قدرك إلا أن تقدح له منها «1» » . # «تقدح» : تغرف، يقال للمغرفة: المقدحة. # 86* وعن أبي هريرة رضي الله [عنه] قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«إذا سأل جاره أن يضع خشبة في جداره فلا يمنعه «2» » . # 87* وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه- أو لجاره- ما يحب لنفسه ~~«3» » . # 88* وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: «أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بثلاث: # الصلاة في وقتها، وإن «4» أمر علي عبد حبشي مجدع الأطراف أن أسمع له ~~وأطيع. وقال: إذا طبخت ms159 لحما فأكثر «5» المرق ثم انظر إلى أهل بيت من جيرانك ~~فأصبهم منه بمعروف «6» » . # 89* وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى نبي الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: دلني على عمل إذا عملت به دخلت الجنة ولا تكثر علي؟ قال: # لا تغضب. قال: وأتاه آخر فقال: يا نبي الله، دلني على عمل إذا عملت # PageV01P260 # به دخلت الجنة؟ فقال: كن محسنا. فقال: وكيف أعلم أني محسن؟ # فقال: سل جيرانك، فإن قالوا: إنك محسن فإنك محسن، وإن قالوا: إنك مسيء ~~فأنت مسيء «1» » . # وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «والذي* 90 نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن ~~عبد حتى يأمن جاره بوائقه. قلنا: يا رسول الله، وما بوائقه؟ قال: غشه وظلمه ~~«2» » . # وعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«حرمة الجار* 91 على الجار كحرمة أمه «3» » . # وعن أبي شريح الكعبي «4» رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«من* 92 كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت. ومن كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فليكرم جاره. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ~~ضيفه، جائزته يوم وليلة «5» ، والضيافة ثلاثة # PageV01P261 # أيام، وما كان بعد ذلك فهو صدقة «1» » . # 93* وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن رجلا جاء إليه يشكو جاره، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: كف أذاك عنه واصبر على أذاه، وكفى ~~بالموت فراقا «2» » . # وعن الحسن البصري رضي الله عنه: ليس حسن الجوار كف الأذى عن الجار، ولكن ~~حسن الجوار الصبر على الأذى من الجار. # 94* وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «إن الجار ليتعلق بجاره يوم القيامة فيقول: يا رب، أوسعت على أخي هذا ~~وقترت علي، أمسي جائعا ويمسي هذا شبعان، فسله: لم أغلق بابه دوني وحرمني ما ~~قد وسعت عليه؟ «3» » . # 95* وعن ابن ms160 عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ليس بمؤمن الذي يبيت شبعان ويبيت جاره إلى جنبه جائعا «4» » . # 96* وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«تعوذوا بالله من ثلاث فواقر: تعوذوا بالله من مجاورة جار السوء، إن رأى ~~خيرا دفنه، # PageV01P262 # وإن رأى شرا أذاعه. وتعوذوا بالله من زوجة السوء، إن دخلت عليها لسنتك ~~«1» ، وإن غبت عنها خانتك. وتعوذوا بالله من إمام السوء، إن أحسنت لم يقبل ~~منك، وإن أسأت لم يغفر لك «2» » . # عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«ما تقولون* 97 في السرقة؟ قلنا: حرام حرمها الله تعالى. فقال: لأن يسرق ~~الرجل من عشرة أبيات أيسر من أن يسرق من بيت جاره. قال: فما تقولون في ~~الزنا؟ قلنا: حرام حرمه الله تعالى ورسوله. قال: لأن يزني الرجل بعشرة نسوة ~~أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره «3» » . # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ~~من ميت* 98 يموت فيشهد له رجلان من جيرانه الأذنين فيقولان: لا نعلم إلا ~~خيرا-: # إلا قال الله تعالى لملائكته: أشهدكم أني قد قبلت شهادتهما وغفرت له ما ~~لا يعلمان «4» » . # وقال بعض الحكماء: عجبا من المسيء الجوار، المؤذي لجاره، وهو مطلع # PageV01P263 # على أخباره، وعالم بأسراره، يجعله عدوا، إن علم خيرا أخفاه، وإن توهم شرا ~~أفشاه، فهو قذاة في عينه، لا يطرف عنها، وشجى في حلقه، ما يتسوغ معه، فليته ~~إذ لم يكرم مثواه، كف عنه أذاه، فإنما دار المرء دنياه. أو لم يسمع قول ~~الشاعر؟: # ونكرم جارنا حتى ترانا ... كأن لجارنا فضلا علينا # عن الوليد بن هشام قال: وفد زياد الأعجم على حبيب بن المهلب، وهو ~~بخراسان، فبينا هو وحبيب ذات عشية يشربان، إذ سمع زياد حمامة تغني على شجرة ~~كانت في دار حبيب بن المهلب، فقال: # تغني أنت في ذممي وجاري ... بأن لا يذعروك ولن تضاري «1» # إذا ms161 غنيتني وطربت يوما ... ذكرت أحبتي وذكرت داري # فإما يقتلوك طلبت ثأرا ... بقتلهم لأنك في جواري # فأخذ حبيب سهما فرماها فأنفذها. فقال زياد: يا حبيب، قتلت جاري، بيني ~~وبينك المهلب. فاختصما إلى المهلب، فقال المهلب: زياد لا يروع جاره، قد ~~لزمتك الدية، ألف دينار! فقال حبيب: إنما كنت ألعب، فقال المهلب: # أبو أمامة لا يروع جاره، ادفعها إليه!! فدفع إليه ألف دينار. فقال زياد: # فلله عينا من رأى كقضية ... قضى لي بها شيخ العراق المهلب # قضى ألف دينارا لجار أجرته ... من الطير حضان على البيض ينعب # رماه حبيب بن المهلب رمية ... فأنفذه بالسهم والشمس تغرب # PageV01P264 # فألزمه عقل القتيل ابن حرة ... فقال حبيب: «إنما كنت ألعب» # فقال: «زياد لا يروع جاره، ... بلى! جاره جاري ومل جار أقرب» «1» # قال: فبلغت القضية الحجاج، فقال: ما أخطأت العرب حيث جعلت المهلب رجلها. # وقال مسكين الدارمي: # ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي ينزل القدر «2» # ما ضر جارا لي أجاوره ... ألا يكون لبابه ستر # أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يجاري جارتي الخدر # وقال مروان بن أبي حفصة: # بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في بطن خفان أشبل # هم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل # لها ميم في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم في الجاهلية أول # وقال حاتم الطائي- وجاور في بني بدر زمن احتربت جديلة وسعد، وكان ذلك في ~~زمان الفساد-: # إن كنت لا ترضين عيشتنا ... هاتي فحلي في بني بدر «3» # جاورتهم زمن الفساد فنع ... م الحي في العوصاء واليسر «4» # PageV01P265 # فسقيت بالماء النمير ولم ... أترك ألاطم حمأة الجفر» # ودعيت في أولى الندي ولم ... ينظر إلي بأعين خزر # الخالطين نحيتهم بنضارهم ... وذوي الغنى منهم بذي الفقر «2» # وقال مسكين الدارمي وجاور في بني حمان: # إذا كنت في حمان في عقر دارهم ... فلست أبالي من أبر ومن فجر «3» # إذا بات جار القوم عند مضيعة ... فجار بني حمان بات مع القمر # تبيت رماح الخط حول بيوتهم ... كأن الوعول ثم بتن مع البقر # إذا فزعوا جاءوا بها غير عزل ms162 ... فلا أجل واق وكل دم هدر # وإن قتلوا طابوا وطابت قبورهم ... وإن ظفروا فالجد عادته الظفر # وقال حاتم الطائي: # وإني لأقري الضيف قبل سؤاله ... وأطعن قدما والأسنة ترعف «4» # وإني لأخزى أن ترى بي بطنة ... وجارات بيتي طاويات وعجف «5» # وقالت الخنساء في أخيها: # PageV01P266 # مثل الرديني لم تنفد شبيبته ... كأنه تحت طي البرد أسوار «1» # لم تره «2» جارة يمشي بساحتها ... لريبة حين يخلي بيته الجار # وقال رجل من بني عمرو بن حمزة الأسلمي: # إذا افتقرت نفسي رددت افتقارها ... عليها فلا يبدو لها أبدا عسر # وأغضي إذا ما أبرز الخدر جارتي ... لحاجتها حتى يواريها الخدر. # وقال الفرزدق: # إن الندى في بني ذبيان قد علموا ... والمجد في آل منظور بن سيار # الماطرين بأيديهم ندى ودما ... وكل غيث من الوسمي جرار # نزور جاراتهم وهنا هديتهم ... وما فتاهم لها وهنا بزوار # ترضى قريش بهم صهرا لأنفسهم ... وهم رضى لبني أخت وأصهار # وقال آخر: # إني حمدت بني شيبان إذ خمدت ... نيران قومي فشبت فيهم النار # ومن تكرمهم في المحل أنهم ... لا يعلم الجار فيهم أنه جار # حتى يكون عزيزا في نفوسهم ... أو أن يبين حميدا وهو مختار # وقال الحطيئة «3» : # لعمرك ما زيدت لبوني ولا قلت «4» ... مساكنها من نهشل إذ تولت # لها ما استحبت من مساكن نهشل ... وتسرح في حافاتها حيث حلت # PageV01P267 # ويمنعها من أن تضام فوارس ... كرام إذا الأخرى من الروع شلت # ولو بلغت فوق السماك قبيلة ... لزادت عليها نهشل وتعلت # وقال مربع بن وعوعة «1» الكلابي، وجاور كليب بن يربوع: # جزى الله خيرا- والجزاء بكفه-* كليب بن يربوع وزادهم حمدا # هم خلطونا بالنفوس وألجموا ... إلى نصر مولاهم مسومة جردا # على حين خلتنا سليم وعامر ... بجرداء زادتنا على جهدنا جهدا # وقال عبيد بن حصين الراعي، وجاور بني عدي بن جندب فأحمدهم: # إذا كنت مجتازا تميما لذمة ... فمسك بحبل من عدي بن جندب # هم كاهل الدهر الذي تتقي به ... ومنكبه المرجو أكرم منكب # إذا منعوا لم يرجع شيء وراءهم ... وإن ركبت حرب بهم كل مركب # وقال أيضا فيهم: # إذا انسلخ الشهر ms163 الحرام فودعي ... بلاد تميم وانصري أرض عامر «2» # وأثني على الحيين عمرو ومالك ... ثناء يوافيهم بنجد وغائر # كرام إذا تلقاهم عن جنابة ... أعفاء عن بيت الغريب المجاور «3» # وقال آخر «4» : # جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت # PageV01P268 # هم خلطونا بالنفوس وأرفؤا ... إلى حجرات أدفأت وأكنت «1» # أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي يلقون منا لملت «2» ### | فصل في الصمت وحفظ اللسان ### | مما ورد فى الكتاب العزيز # قال الله تبارك وتعالى في سورة النساء: لا خير في كثير من نجواهم إلا من ~~أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس. ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله ~~فسوف نؤتيه أجرا عظيما [114] . # ومنها: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم. وكان الله سميعا ~~عليما [148] . # ومن سورة ق: ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه ~~من حبل الوريد [16] إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد [17] ما ~~يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [18] . # ومنها: إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير [43] يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ~~ذلك حشر علينا يسير [44] نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار، فذكر ~~بالقرآن من يخاف وعيد [45] . # ومن سورة المجادلة: ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا ~~عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك ~~به الله، ويقولون في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول. # PageV01P269 # حسبهم جهنم يصلونها فبئس «1» المصير [8] يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم ~~فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وتناجوا بالبر والتقوى، واتقوا ~~الله الذي إليه تحشرون [9] إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس ~~بضارهم شيئا إلا بإذن الله. وعلى الله فليتوكل المؤمنون [10] . ### | أحاديث # 99* روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رحم الله امرءا قال فغنم، ~~أو سكت فسلم» . «2» # 100* وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: «يا معاذ، أنت ~~سالم ما سكت، فإذا تكلمت فعليك أولئك» «3» 101* وقال صلى الله عليه وسلم: ms164 ~~«لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام رجع إلى قلبه، فإن كان له ~~تكلم، وإن كان عليه سكت» . «4» # 102* وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه قال لعمه العباس رضوان الله ~~عليه: يعجبني جمالك. قال: وما جمال الرجل؟ قال: لسانه» . «5» # 103* وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أكثر الناس ذنوبا أكثرهم كلاما ~~فيما لا يعنيهم» . «6» # PageV01P270 # وقال أمير المؤمنين علي رضوان الله عليه: اللسان معيار العقل: أطيشه ~~الجهل، وأرجحه العقل. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ~~كان يؤمن* 104 بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، وليكرم ضيفه، وليقل خيرا أو ~~ليسكت» . «1» # وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من ~~حسن* 105 إسلام المرء تركه مالا يعنيه» . «2» # وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، ~~وبكى* 106 على خطيئته» «3» وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: «أنه قال: يا ~~رسول الله، ما كان* 107 في صحف إبرهيم عليه السلام؟ قال: كان فيها: ينبغي ~~للعاقل- ما لم يكن مغلوبا على عقله-: أن يكون «4» حافظا للسانه، عارفا ~~بزمانه، مقبلا على شانه، فإنه من حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ~~يعنيه» . «5» # وروي في حديث طويل عن أبي ذر الغفاري رحمه الله أنه قال- في حديث # PageV01P271 # طويل «1» -: واجعل كلامك كلمتين: كلمة نافعة في أمر دنياك، وكلمة باقية ~~في أمر آخرتك، والثالثة تضر ولا تنفع. # وروي عن [سيدنا عيسى] المسيح «2» على نبينا وعليه الصلاة والسلام أنه ~~قال: كل كلام ليس بذكر الله تعالى فهو لغو، وكل سكوت ليس بتفكر فهو غفلة، ~~وكل نظرة ليست بعثرة فهي لهو. فطوبى لمن كان تكلمه ذكرا، وسكوته افتكارا، ~~ونظره اعتبارا. # وعن لقمان أنه قال لابنه: يا بني، من يصحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يدخل ~~مدخل السوء يتهم «3» ، ومن لا يملك لسانه يندم. # 108* وعن عبد الله بن عمرو «4» رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «من صمت نجا» ms165 «5» . # 109* وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «من سره أن يسلم فليلزم الصمت» . «6» # 110* وعن عقبة بن عامر رحمه الله قال: «قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ # قال: املك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» . «7» # 111* وعن سفيان بن عبد الله الثقفي رحمه الله قال: «قلت: يا رسول الله، ~~حدثني بأمر أعتصم به. قال: قل: ربي الله، ثم استقم. قال: قلت: يا رسول ~~الله، # PageV01P272 # ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسانه، ثم قال: هذا» . «1» # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~يستكمل* 112 أحدكم حقيقة الإيمان حتى يخزن من لسانه» . «2» # وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم من الرجل المؤمن زهدا في الدنيا ~~وقلة* 113 منطق فاقتربوا منه، فإنه يلقى الحكمة» . «3» # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«إذا* 114 أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر للسان «4» ، تقول: اتق الله ~~فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا» . «5» # التكفير: الخضوع والانقياد هاهنا. # وعن شقيق رحمه الله: أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان على* 115 ~~الصفا يلبي ويقول: يا لساني قل خيرا تغنم، واصمت تسلم من قبل أن تندم. فقيل ~~له: يأبا عبد الرحمن، هذا شيء تقوله أو سمعته؟ قال: لا، بل سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه» . «6» # PageV01P273 # وعن صدقة بن عبد ربه رحمه الله قال: لما كبر آدم عليه السلام جعل بنو ~~بنيه يعبثون به، فيقول له آباؤهم: ألا تنهاهم؟! فيقول: يا بني، إني رأيت ما ~~لم تروا وسمعت ما لم تسمعوا، رأيت الجنة وسمعت كلام ربي تبارك وتعالى، وقال ~~لي حين أخرجني منها: إن حفظت لسانك أعدتك إليها. # 116* وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إن الله عند لسان «1» كل قائل، ms166 فليتق الله عبد ولينظر ما يقول» ~~. «2» # قال أبو حاتم رحمه الله: طلب رجلان العلم، فلما علما صمت أحدهما وتكلم ~~الآخر، فكتب المتكلم إلى الصامت: # وما شيء أردت به اكتسابا ... بأجمع في المعيشة من لسان # فكتب إليه الصامت: # وما شيء أردت به كمالا ... أحق بطول سجن من لسان # وقال سفيان بن عيينة رحمه الله «3» : # خل جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام «4» # مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام # إنما السالم من أل ... جم فاه بلجام # قالوا: أكثر ما تعرض الآفات للحيوان إنما تعرض لعدمها الكلام، وتعرض ~~للإنسان من قبل الكلام. # PageV01P274 # وقالوا: رب كلمة تقول: دعني، ورب كلمة سلبت نعمة. # وقال الشاعر: # واحذر لسانك لا تقول فتبتلى ... إن البلاء موكل بالمنطق # وقال إبرهيم بن هرمة «1» : # أرى الناس في أمر سحيل فلا تزل ... على حذر حتى ترى الأمر مبرما «2» # فإنك لا تستطيع رد الذي مضى ... إذا القول عن زلاته فارق الفما # فكائن ترى من وافر العرض صامتا ... وآخر أردى نفسه إن تكلما # وقال آخر: # إن كنت تبغي الذي أصبحت تظهره ... فاحفظ لسانك واخش القال والقيلا # ما بال عبد سهام الموت ترشقه ... يكون عن ربه بالناس مشغولا # كان بكر بن عبد الله المزني رحمه الله يطيل الصمت وينشد: # لسان الفتى سبع، عليه شذاته ... فإلا يزع من غربه فهو آكله «3» # وما الغي إلا منطق متترع ... سواء عليه حق أمر وباطله «4» # وقال آخر: # سامح الناس ودع عر ... ضك وقفا للسبيل # PageV01P275 # وأعر سمعك وقرا ... عند إكثار العذول # والزم الصمت إذا خف ... ت غيات الفضول «1» # فلزوم الصمت خير ... لك من قال وقيل # وقال أبو نواس «2» : # خل جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام # مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام # وقال أبو العتاهية، وتروى لابنه محمد: # قد أفلح الساكت الصموت ... كلام راعي الكلام قوت # ما كل نطق له جواب ... جواب ما تكره السكوت # وقال آخر: # إنطق مصيبا بخير لا تكن هذرا ... عيابة ناطقا بالفحش والريب «3» # وكن رزينا طويل الصمت ذا فكر ... فإن نطقت فلا تكثر من الخطب # ولا تجب ms167 سائلا من غير تروية ... وبالذي عنه لم تسأل فلا تجب «4» # وقال أبو العتاهية: «5» # PageV01P276 # لا خير في حشو الكلا ... م إذا اهتديت إلى عيونه # والصمت أجمل بالفتى ... من منطق في غير حينه # وقال أحيحة بن الجلاح: # والصمت أجمل بالفتى ... ما لم يكن عي يشينه # والقول ذو خطل إذا ... ما لم يكن لب يعينه # وقال آخر: # تعهد لسانك إن اللسان ... سريع إلى المرء في قتله # وهذا اللسان بريد الفؤاد ... يدل الرجال على عقله # وقال آخر: # استر العي ما استطعت بصمت ... إن في الصمت راحة للصموت # واجعل الصمت إن عييت جوابا ... رب قول جوابه في السكوت # وقال آخر: # متى تطبق على شفتيك تسلم ... وإن تفتحهما فقل الصوابا # فما أحد يطيل الصمت إلا ... سيأمن أن يذم وأن يعابا # فقل خيرا او اسكت عن كثير ... من القول المحل بك العقابا # وقال عبد الله بن معاوية بن جعفر رحمهم الله: # أيها المرء لا تقولن قولا ... لست تدري ماذا يعيبك منه «1» # والزم الصمت إن في الصمت حكما ... وإذا أنت قلت قولا فزنه # وإذا القوم ألغطوا في كلام ... ليس تعنى بشأنه فاله عنه # PageV01P277 # وقال آخر: # إن السكوت سلامة ولربما ... زرع الكلام عداوة وضرارا # فلئن ندمت على سكوتك مرة ... فلتندمن على الكلام مرارا ### | فصل في القناعة # قال الله عز وجل: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة ~~طيبة [16: 97] . # قال كثير من أهل التفسير: الحياة الطيبة في الدنيا القناعة. # وقالوا في معنى قوله عز وجل: ليرزقنهم الله رزقا حسنا [22: 58] # يعني القناعة. # وقيل في قوله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم [82: 13] . # هو القناعة في الدنيا وإن الفجار لفي جحيم [82: 14] # : هو الحرص في الدنيا. # وقيل في قوله عز وجل فك رقبة [90: 13] # : أي: فكها من ذل الطمع. # وقيل في قوله تبارك وتعالى: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت # : يعني البخل والطمع ويطهركم تطهيرا [33: 33] # : بالسخاء والإيثار. # وقيل في قوله عز وجل وهب لي «1» ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي [38: 35] # : أي مقاما في القناعة أتفرد به من أشكالي وأكون راضيا ms168 فيه بقضائك. # PageV01P278 # [وقال الشاعر] : «1» # فعش بالقوت يوما بعد يوم ... كمص الطفل فيقات الصروع «2» # ولا ترغب إلى أحد بحرص ... رفيع في الأمور ولا وضيع # فإن الحرص في الرغبات داء ... يحلى مقلتيك عن الهجوع «3» ### | فصل فى الحياء ### | مما ورد فى الكتاب العزيز # قال الله عز وجل في سورة القصص في قصة موسى عليه السلام: (ولما ورد ماء ~~مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، ووجد من دونهم «4» امرأتين تذودان، قال: ~~ما خطبكما؟ قالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير [28: 23] فسقى ~~لهما ثم تولى إلى الظل، فقال: # رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير [24] فجاءته إحداهما تمشي على استحياء) ~~. # قيل: إنما استحيت أنها كانت تدعوه إلى الضيافة، فاستحيت أن لا يجيب موسى ~~عليه السلام، فصفة المضيف الاستحياء، وذلك استحياء الكرم. # وقيل في بعض الأقوال في قوله عز وجل في قصة يوسف عليه السلام وامرأة ~~العزيز: ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه [12: 24] # : البرهان أنها ألقت ثوبا على وجه صنم في زاوية البيت، فقال يوسف عليه ~~السلام: # PageV01P279 # ماذا تفعلين؟ فقالت: أستحيي منه! فقال يوسف عليه السلام: أنا أولى أن ~~أستحيي من الله تبارك وتعالى. # وأورد الامام عبد الكريم بن هوازن رضي الله عنه في رسالته قال: في بعض ~~الكتب: يقول الله تعالى: «ما أنصفني عبدي، يدعوني فأستحيي أن أرده، ويعصيني ~~ولا يستحيي مني» . ### | أحاديث # 117* عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل ~~يعظ أخاه في الحياء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الحياء من الإيمان.» ~~«1» # 118* وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«الإيمان بضع وسبعون شعبة- أو بضع وستون شعبة- أفضلها لا إله إلا الله، ~~وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» . «2» # 119* وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «لا يأتي الحياء إلا بخير» . فقال بشير بن كعب: إنا لنجد في الحكمة ~~مكتوبا: إن من الحياء وقارا، ms169 وإن من الحياء حكمة. فقال عمران بن حصين رضي ~~الله عنه: # أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن صحفك؟! «3» 120* وعن ~~أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظ أصحابه، # PageV01P280 # فإذا ثلاثة نفر يمرون، فجاء أحدهم فجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ومشى الثاني قليلا وجلس، وأما الثالث فإنه مضى. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ألا أنبئكم عن هذه الثلاثة؟ أما هذا الذي جلس إلينا فتاب فتاب الله ~~عليه، وأما الذي مشى فجلس فإنه استحيا فاستحيا الله منه، وأما الذي مر على ~~وجهه فإنه استغنى فاستغنى الله عنه، والله غني حميد» . «1» # وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم* 121 يقول: «اللهم لا يدركني زمان ولا أدركه: لا يتبع فيه العليم، ولا ~~يستحيا فيه من الحليم، قوم قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب» . ~~«2» # عن زيد بن حارثة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحياء ~~شعبة من* 122 الإيمان، ولا إيمان لمن لا حياء له» . «3» # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«من لم* 123 يكن له حياء فلا دين له، ومن لم يكن له حياء في الدنيا لم يدخل ~~الجنة» . «4» # وعن أبي بكرة رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحياء ~~من* 124 الإيمان، والإيمان في الجنة. والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار» ~~. «5» # PageV01P281 # 125* عن سعيد بن زيد رحمه الله: «أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~أوصني، قال: # استحي من الله كما تستحيي رجلا صالحا من قومك» . «1» # 126* عن عقبة «2» عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن مما أدرك ~~الناس من كلام النبوة: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» . «3» # 127* وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «استحيوا من الله حق الحياء. قالوا: إنا نستحيي والحمد لله. ms170 ~~قال: ليس كذلك، ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، ~~والبطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، ~~ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء» . «4» # 128* وعن عطاء رحمه الله قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل ~~يغتسل، فقال: # يا أيها الناس، إن الله حيي «5» عليم، يستر ويحب الحياء، فإذا اغتسل ~~أحدكم فليتوار «6» عن أعين الناس» . «7» # 129* وعن ابن عمر رضي الله عنه: «أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فوجده يبكي. فقال: يا رسول الله، ما يبكيك؟ قال: أخبرني جبرئيل عليه # PageV01P282 # السلام: أن الله يستحيي من عبد يشيب في الإسلام أن يعذبه. أفلا يستحيي ~~الشيخ من الله أن يذنب وقد شاب في الإسلام؟!» . «1» # وعن محمد بن عبد الملك قال: سمعت ذا النون المصري رحمه الله يقول: # الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربك. # وقال ذو النون رحمه الله: الحب ينطق، والحياء يسكت، والخوف يقلق. # وقال أحمد بن أبي الحواري «2» : سمعت «3» أبا سليمان الداراني رحمه الله ~~يقول: # يقول الله تعالى: «عبدي، إنك ما استحييت مني أنسيت الناس عيوبك، وأنسيت ~~بقاع الأرض عيوبك، ومحيت «4» من أم الكتاب زلاتك، ولا أناقشك في الحساب يوم ~~القيامة» . # قيل: الحياء على وجوه: حياء الخيانة، كآدم عليه السلام، قيل له: # أفرارا منا؟ قال: لا، بل حياء منك. وحياء التقصير، كالملائكة، يقولون: # ما عبدناك حق عبادتك. وحياء الإجلال، كإسرافيل عليه السلام، تسربل بجناحه ~~حياء من الله تعالى. وحياء الكرم، كالنبي صلى الله عليه وسلم، استحيا «5» ~~من أمته أن يقول: اخرجوا، فقال الله سبحانه: ولا مستأنسين لحديث # PageV01P283 # [33: 53] ) . وحياء خشية، كعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه حين سأل ~~المقداد حتى سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكم المذي، لمكان فاطمة رضي ~~الله عنها منه. وحياء الاستحقار، كموسى عليه السلام، إذ قال: إنه لتعرض على ~~قلبي الحاجة فاستحيي أن أسألكها يا رب، فقال الله عز وجل: سلني حتى ملح ~~عجينك وعلف شاتك. ms171 وحياء الإنعام، وهو حياء الرب تبارك وتعالى، يدفع إلى ~~العبد كتابا مختوما بعد ما عبر على الصراط، فإذا فيه: «فعلت ما فعلت، ولقد ~~استحييت أن أظهر عليك، فاذهب فأني قد غفرت لك» . # قالت الحكماء. الحياء هرب النفس من الملامة. # وقالوا: خوف المستحي من تقصير يقع به عند من هو أفضل منه، وليس يوجد إلا ~~فيمن «1» كانت نفسه بصيرة بالجميل عن عيبه عنه «2» . # وقالوا: كفى بالحياء على الخير دليلا، وعن السلامة مخبرا، ومن الذم ~~مجيرا. # وقالوا: الحياء تمام الكرم، وموطن الرضى، وممهد الثناء، وموفر العقل، ~~ومعظم القدر، وداع إلى الرغبة. # قال الشاعر: # إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء «3» # يعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللحاء «4» # PageV01P284 # وما في أن يعيش المرء خير ... إذا ما الوجه فارقه الحياء # وقال أمية بن أبي الصلت يمدح ابن جدعان بالحياء «1» : # أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك؟ إن شيمتك الحياء # وعلمك بالأمور وأنت قرم ... لك الحسب المؤثل والثناء # وقالت ليلى الأخيلية تصف توبة بن الحمير: # فإن تكن القتلى بواء فإنكم «2» ... فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر # فتى كان أحيا من فتاة حيية «3» ... وأشجع من ليث بخفان خادر «4» # وقال الفضل بن عباس بن عتبة: # إنا أناس من سجيتنا ... صدق الحديث ووأينا حتم «5» # لبسوا الحياء فإن نظرت حسبتهم ... سقموا ولم يمسسهم سقم # وقال الشماخ: # أجامل أقواما حياء وقد أرى ... صدورهم تغلي علي مراضها # وقال آخر: «6» # حياءك فاحفظه عليك فإنما ... يدل على فضل الكريم حياؤه # إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ... ولا خير في وجه إذا قل ماؤه # PageV01P285 # وقال آخر: # ورب قبيحة ما حال بيني ... وبين ركوبها إلا الحياء # إذا رزق الفتى وحها وقاحا ... نقلب في الأمور كما يشاء # وقال محمد بن حازم: «1» # وإني ليثنيني عن الجهل والخنا ... وشتم ذوي القربى خلائق أربع: # حياء وإسلام وتقوى وأنني ... كريم، ومثلي قد يضر وينفع # وقال آخر: «2» # إياك أن تزدري الرجال فما ... تعلم ماذا بجنه الصدف # نفس الجواد الكريم باقية ... فيه وإن كان مسه عجف ms172 «3» # والحر حر وإن ألم به ال ... ضر وفيه الحياء والأنف «4» # وقال آخر: # كريم يغض الطرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دواني «5» # وكالسيف إن لا ينته لان متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان # وقال آخر: «6» # إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء # PageV01P286 # فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء # وقال آخر: # أعاذلتي قد جربت حسبي ... وتم العقل وانكشف الغطاء «1» # فما في أن يعيش المرء خير ... إذا ما المرء زايله الحياء # يعيش المرء مالستحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللحاء # وقال العرجي: # إذا حرم المرء الحياء فإنه ... بكل قبيح كان منه جدير # له قحة في كل شيء، وسره ... مباح، وخذناه خنا وغرور # يرى الشتم مدحا والدناءة رفعة ... وللسمع منه في العظات نفور «2» # ووجه الحياء ملبس جلد رقة ... بغيض إليه ما يشين كثير # له رغبة في أمره وتجرد ... حليم لدى جهل الجهول وقور «3» # فرج الفتى ما دام بحيا فإنه ... إلى خير حالات المنيب يصير ### | فصل فى الصبر ### | مما ورد فى الكتاب العزيز # قال الله عز وجل في سورة البقرة: واستعينوا بالصبر والصلاة، وإنها لكبيرة ~~إلا على الخاشعين [45] الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ~~[46] . # PageV01P287 # ومنها: يا أيها الذين «1» آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع ~~الصابرين [153] . # ومنها «2» : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرات. وبشر الصابرين [155] الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله ~~وإنا إليه راجعون [156] أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم ~~المهتدون [157] . # ومن سورة آل عمران: الذين يقولون: ربنا إننا «3» آمنا فاغفر لنا ذنوبنا ~~وقنا عذاب النار [16] الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين ~~بالأسحار [17] . # ومنها «4» : لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور [186] . # ومنها: يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون [200] . # ومن سورة الأنعام: ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى ~~أتاهم نصرنا. ولا مبدل لكلمات الله. ms173 ولقد جاءك من نبإ المرسلين [34] . # ومن سورة الأعراف: وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق # PageV01P288 # الأرض ومغاربها التي باركنا فيها، وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل ~~بما صبروا، ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون [137] . # ومن سورة هود: إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر ~~كبير [11] . # ومنها: وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل. إن الحسنات يذهبن ~~السيئات. ذلك ذكرى للذاكرين [114] واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ~~[115] . # ومن سورة النحل: والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في ~~الدنيا حسنة، ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون [41] الذين صبروا وعلى ~~ربهم يتوكلون [42] . # ومنها: ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك ~~من بعدها لغفور رحيم [110] . # ومن سورة الحج: فإلهكم «1» إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين [34] الذين ~~إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة «2» ~~ومما رزقناهم ينفقون [35] . # ومن سورة العنكبوت: والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين # PageV01P289 # [58] الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون [59] . # ومن سورة الروم «1» : ولئن جئتهم «2» بآية ليقولن الذين كفروا: # إن أنتم إلا مبطلون [58] كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون [59] ~~فاصبر إن وعد الله حق، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون «3» [60] . # ومن سورة تنزيل السجدة: ولقد آتينا موسى «4» الكتاب فلا تكن في مرية من ~~لقائه، وجعلناه هدى لبني إسرائيل [23] وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما ~~صبروا، وكانوا بآياتنا يوقنون [24] إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون [25] . # ومن سورة الصافات: فبشرناه بغلام حليم [101] فلما بلغ معه السعي قال: يا ~~بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟ قال: # يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين [102] . # ومن سورة ص: واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه: أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ~~[41] اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب [42] ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ~~رحمة منا وذكرى لأولي ms174 الألباب [43] وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث. إنا ~~وجدناه صابرا. # نعم العبد إنه أواب [44] . # ومن سورة حم المؤمن: ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب # «5» [53] هدى وذكرى لأولي الألباب [54] # PageV01P290 # فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار [55] ~~. # ومنها: فاصبر إن وعد الله حق. فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون [77] . # ومن سورة الأحقاف: فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل. # لهم. كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار. بلاغ. # فهل يهلك إلا القوم الفاسقون [35] . # ومن سورة ق: فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب [39] ومن الليل فسبحه وأدبار السجود [40] . # ومن سورة القلم: فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم ~~[48] لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم [49] فاجتباه ربه ~~فجعله من الصالحين [50] . # ومن سورة المدثر: وثيابك فطهر [4] والرجز فاهجر [5] ولا تمنن تستكثر [6] ~~ولربك فاصبر [7] . # ومن سورة الإنسان: فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا [11] ~~وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا [12] متكئين فيها على الأرائك، لا يرون فيها ~~شمسا ولا زمهريرا [13] . # ومن سورة البلد: فلا اقتحم العقبة [11] وما أدراك ما العقبة؟ # [12] فك رقبة [13] أو إطعام في يوم ذي مسغبة [14] يتيما ذا مقربة [15] # PageV01P291 # أو مسكينا ذا متربة [16] ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا ~~بالمرحمة [17] أولئك أصحاب الميمنة [18] . ### | أحاديث # 130* عن أبي هريرة رضي الله عنه: «قيل: يا رسول الله، هل من رجل يدخل ~~الجنة بغير حساب؟ قال: نعم، كل رحيم صبور «1» » . # 131* وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«لو كان الصبر رجلا كان كريما» . «2» # روي عن سليمان بن داود عليهما السلام أنه قال: إنا وجدنا خير عيشنا ~~الصبر. # وكان عيسى ابن مريم عليه السلام «3» يقول: يا معشر الحواريين، لا تدركون ~~ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون. ولا تبلغون ما تريدون إلا بترك ما ~~تشتهون. # 132* وعن عبد الله رضي الله ms175 عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«الصبر نصف الإيمان. واليقين الإيمان كله» . «4» # 133* وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «سئل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الإيمان؟ فقال: الصبر والسماح» . «5» # عن الحسن رضي الله عنه قيل له: ما الصبر والسماح؟ قال: السماح بفرائض ~~الله تعالى، والصبر عن محارم الله عز وجل. # PageV01P292 # وعن عبد العزيز رحمه الله قال: أوحى الله عز وجل إلى داود عليه السلام: # «يا داود، اصبر على المؤونة، تأتك المعونة» . # وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه أنه قال: يأيها ~~الناس، احفظوا عني خمسا: اثنتين واثنتين وواحدة: ألا لا يخافن أحد منكم إلا ~~ذنبه، ولا يرجون إلا ربه. ولا يستحي أحد منكم إذا لم يعلم أن يتعلم، ولا ~~يستحي أحد منكم إذا سئل وهو لا يعلم أن يقول: لا أعلم. واعلموا أن الصبر من ~~الأمور بمنزلة الرأس من الجسد، فاذا فارق الرأس الجسد فسد الجسد، وإذا فارق ~~الصبر الأمور فسدت الأمور. ثم قال: ألا أدلكم على الفقيه كل الفقيه؟ # قالوا: بلى، يا أمير المؤمنين. قال: من لم يوئس الناس من روح الله، ولم ~~يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمن الناس من مكر الله، ولم يزين للناس ~~المعاصي، ولا ينزل العارفين الموحدين الجنة، ولا ينزل العاصين الموحدين ~~النار، حتى يكون الرب عز وجل هو الذي يقضي بينهم. لا يأمنن خير هذه الأمة ~~من عذاب الله تعالى، والله عز وجل يقول: فلا «1» يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون [7: 99] # ولا ييأس شر هذه الأمة من روح الله تعالى، فالله سبحانه يقول: إنه لا ~~ييأس «2» من روح الله إلا القوم الكافرون [12: 87] . # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الصبر ستر من الكروب، وعون في* ~~134 الخطوب» «3» . # PageV01P293 # وقال بعض الحكماء: أعد للمكروه عدتين: الصبر على ما لا يدفع مثله إلا ~~بالصبر، والصبر عما لا يجدي الجزع فيه. # وقال الحكيم: الصبر يفني كل شيء. # وقال آخر: بالصبر على مواقع المكروه تدرك الحظوظ. # وقال ms176 عبيد بن الأبرص: # صبر النفس عند كل ملم ... إن في الصبر حيلة المحتال # لا تضيقن بالأمور فقد ... تكشف غماؤها بغير احتيال # ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له «1» فرجة كحل العقال # قلت وبالله التوفيق: قد أوردت في كتابي المترجم بكتاب (التأسي والتسلي) ~~من ذكر الصبر ما ورد فيه في الكتاب العزيز، وال ### | أحاديث # المرفوعة، وشيئا من أقوال الحكماء، ومن الأشعار والأخبار. فغنيت عن ~~الإطالة فيه في كتابي هذا، فأوردت فيه هذا الفصل مختصرا، وإن كان الصبر ~~الأدب الذي يبدأ به العاقل، وإليه يضطر الجاهل، وهو كمال في الدنيا، أجر في ~~الآخرة، حجاب عن الشمات، عون في النائبات، ولو لم يكن من فضله إلا أن الله ~~سبحانه أوصى به رسوله صلى الله عليه وسلم [وعلى آله وصحبه رضوان الله ~~أجمعين] . «2» ### | فصل في النهي عن الرياء ### | مما ورد فى الكتاب العزيز # قال الله عز وجل في سورة البقرة: يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم ~~بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر # PageV01P294 # فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا، لا يقدرون على شيء ~~مما كسبوا. والله لا يهدي القوم الكافرين [264] . # ومن سورة النساء: وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا [37] والذين «1» ينفقون ~~أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. ومن يكن الشيطان له ~~قرينا فساء قرينا [38] وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا ~~مما رزقهم الله. وكان الله بهم عليما [39] . # ومنها: إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم، وإذا قاموا إلى الصلاة ~~قاموا كسالى يراؤن الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا [142] مذبذبين بين ذلك، ~~لا إلى هؤلاء # «2» لا إلى هؤلاء «3» من يضلل الله فلن تجد له سبيلا [143] . # ومن سورة الأنفال: ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا «4» ورئاء ~~الناس ويصدون عن سبيل الله. والله بما يعملون محيط [47] . ### | أحاديث # «5» عن محمود بن لبيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«أخوف ما أخاف* 135 عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول ~~الله؟ ms177 قال: # الرياء، قال: يقول الله تعالى يوم يجازي العباد بأعمالهم-: اذهبوا إلى ~~الذين كنتم تراؤونهم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم خيرا؟!» . «6» # PageV01P295 # 136* وعن أبي هريرة رحمه الله قال: يقول الله تبارك وتعالى: «أنا أغنى ~~الشركاء «1» عن الشرك، فمن عمل عملا لغير وجهي فأنا منه بريء» «2» . # وعن مجاهد رحمه الله قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا رسول الله، إني أتصدق بالصدقة وألتمس بها وجه الله تعالى وأحب أن يقال ~~لي خيرا «3» . # فنزلت هذه الآية: فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا «4» [18: 110] . # 137* وروى أبو هريرة رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~«يخرج في آخر الزمان أقوام يختلفون «5» الدنيا بالدين، فيلبسون [للناس] ~~جلود الضأن من اللين، وألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول ~~الله تعالى: أبي يغترون؟ أم علي يجترئون؟ فبي حلفت لأبعثن على أولئك فتنة ~~تدع الحليم حيران» . «6» # 138* وعن حبيب عن أبي صالح «7» رحمه الله قال: «جاء رجل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أعمل العمل فأسره فيطلع عليه ~~فيعجبني، ألي فيه # PageV01P296 # أجر؟ قال: لك أجران: أحر السر وأجر العلانية» . # معناه: أنه يطلع عليه فيقتدى به، فله أجر العمل وأجر الاقتداء. # عن عقبة بن مسلم «1» : أن شفيا «2» الأصبحي حدثه قال: دخلت* 139 المدينة ~~فإذا أنا برجل قد اجتمع عليه الناس، فقلت: من هذا؟ قالوا: أبو هريرة، فدنوت ~~منه. فلما سكت وخلا قلت له: أنشدك الله تعالى، حدثني حديثا سمعته من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وحفظته وعلمته. فقال أبو هريرة: أفعل، لأحدثنك ~~بحديث حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معناه أحد غيري وغيره، ثم ~~نشغ أبو هريرة نشغة «3» - أي شهق شهقة- فخر مغشيا عليه، فمكث قليلا، ثم ~~أفاق فقال: لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نشغ ~~نشغة أخرى فمكث طويلا؛ ثم أفاق ومسح وجهه؛ وقال: لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ثم ms178 نشغ نشغة واشتد طويلا، ثم أفاق، وقال: حدثني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة ~~يقضي بين خلقه وكل أمة جاثية-: فأول من يدعى به رجل جمع القرآن ورجل قتل في ~~سبيل الله ورجل كثير المال. فيقول الله تعالى للقارىء: ماذا عملت فيما ~~علمت؟ # فيقول: كنت أقوم به آناء الليل والنهار. فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول ~~الملائكة: كذبت، [ويقول الله تعالى] : بل أردت أن يقال: فلان # PageV01P297 # قاريء، فقد قيل ذلك. ويقال لصاحب المال: ماذا عملت فيما آتيتك؟ # فيقول: كنت أصل الرحم وأتصدق به. فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول ~~الملائكة: كذبت، [ويقول الله تعالى] : بل أردت أن يقال: فلان جواد. # فقد قيل ذلك. ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول له: لماذا قاتلت «1» ؟ ~~فيقول: قاتلت في سبيلك حتى قتلت. فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: ~~كذبت، [ويقول الله تعالى] : بل أردت أن يقال: فلان جريء، فقد قيل ذلك. ثم ~~ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على ركبتي فقال: # يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة» . ~~«2» # 140* وعن عدي بن حاتم الطائي «3» رحمه الله عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «يؤمر بناس من الناس يوم القيامة إلى الجنة، حتى إذا دنوا ~~واستنشقوا رائحتا ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله تعالى لأهلها-: ~~نودوا: أن اصرفوهم لا تدخلوهم فيها. فيرجعون بحسرة وندامة ما رجع الأولون ~~والآخرون بمثلها. فيقولون: يا ربنا، لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما ~~أريتنا «4» من ثواب ما أعددت لأوليائك «5» ؟ فيقول الله تعالى: ذلك أردت ~~بكم، كنتم إذ خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم «6» # PageV01P298 # مخبتين، وتراؤون الناس بأعمالكم خلاف ما تطعوني بقلوبكم، هبتم الناس ولم ~~تهابوني، أجللتم الناس ولم تجلوني، وتزكيتم للناس ولم تزكوا لي، فاليوم ~~أذيقكم عذابي مع ما «1» حرمتم من ثوابي» «2» . # وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: للمرائي ~~ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، ms179 وينشط إذا كان مع الناس، ويزيد في العملى ~~إذا أثني عليه، وينقص إذا ذم. # وعن جبلة اليحصبي «3» قال: كنا في غزاة مع عبد الملك بن مروان، * 141 ~~فصحبنا رجل مسهر لا ينام بالليل إلا أقله، فمكثنا أياما لا نعرفه، ثم ~~عرفناه، فإذا هو رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان مما ~~حدثنا به: # «أن قائلا من المسلمين قال: يا رسول الله، فيم «4» النجاة غدا؟ قال: لا ~~تخادع الله. قال: وكيف يخادع الله تعالى؟ قال: أن تعمل ما أمرك الله تريد ~~به غير وجه الله تعالى، واتقوا الرياء، فإنه الشرك بالله، وإن المرائي ~~ينادي يوم القيامة على رؤوس الخلائق بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا ~~غادر، يا مخامر، «5» ضل عملك، وبطل أجرك، فلا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ~~ممن كنت تعمل له يا مخادع» . قال: قلت له: بالله الذي لا إله إلا هو، أنت ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: والله الذي لا إله إلا هو، ~~إني قد # PageV01P299 # سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يكون «1» قد أخطأت شيئا لم ~~أتعمده. ثم قرأ: # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم [4: 142] # . «2» # 142* وعن شداد بن أوس رضي الله عنه أنه قال: أخوف ما أتخوف عليكم- أيها ~~الناس- ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الشهوة الخفية ~~والشرك. # فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء رضي الله عنهما: ما هذا الشرك الذي ~~تخوفنا به يا شداد؟ فقال شداد: أرأيتكم لو رأيتم رجلا يصلي لرجل ويصوم له ~~أو يتصدق له: أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم والله، من صلى لرجل وصام له أو ~~تصدق له فقد أشرك. # فقال شداد: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صلى يرائي ~~فقد أشرك. ومن صام يرائي فقد أشرك» . # فقال عوف بن مالك رحمه الله: أفلا يعمد الله تعالى إلى ما ابتغى به وجهه ~~من ذلك العمل كله فيقبل منه ما خلص له ويدع ما أشرك ms180 به؟ فقال شداد عند ذلك: ~~إني «3» سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله تعالى يقول: أنا ~~خير قسيم، فمن أشرك بي شيئا فإن جسده وعمله وقليله وكثيره لشريكه الذي ~~أشرك، وأنا غني عنه «4» » . # 143* وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ~~كان يوم القيامة جاءت الملائكة بصحف مختمة، فيقول الله عز وجل: ألقوا هذا، ~~واقبلوا هذا. فتقول الملائكة: وعزتك، ما كتبنا إلا ما كان. فيقول # PageV01P300 # تبارك وتعالى: «إن هذا كان لغيري، ولا أقبل اليوم إلا ما كان لي» . «1» ### | فصل فى الاصلاح «2» بين الناس ### | مما ورد فى الكتاب العزيز # قال الله عز وجل في سورة النساء: وإن «3» خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما ~~من أهله وحكما من أهلها، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما. # إن الله كان عليما خبيرا [35] . # ومنها: وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن ~~يصلحا «4» بينهما صلحا «5» . والصلح خير. وأحضرت الأنفس الشح. وإن تحسنوا ~~وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا [128] ؛ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين ~~النساء ولو حرصتم، فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، وإن تصلحوا ~~وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما [129] . # ومن سورة الأنفال: يسئلونك عن الأنفال؟ قل: الأنفال لله والرسول، فاتقوا ~~الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين [1] . # ومن سورة الحجرات: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا، إن الله يحب المقسطين [9] إنما المؤمنون ~~إخوة، فأصلحوا بين أخويكم، واتقوا الله لعلكم ترحمون [10] . # PageV01P301 ### | أحاديث # 144* عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إذا مررت بأقوام قد نزغ «1» الشيطان بينهم فأمر بإصلاح يصلح الله لك ~~دينك، ويكتب أثرك في الصالحين» «2» . # 145* وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «ما عمل شيء أفضل من مشي إلى صلاة وصلح ذات ms181 البين صلحا جائزا بين ~~المسلمين» «3» . # 146* وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «يأبا أيوب، ألا أدلك على صدقة يرضى الله عز وجل موضعها؟ قلت: # بلى يا رسول الله. قال: تسعى في إصلاح ذات البين إذا تفاسدوا، وتقارب ~~بينهم إذا تباعدوا» «4» . # 147* وعن أبي أمامة رضي الله عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: «امش ميلا عد مريضا. وامش ميلين أصلح بين اثنين. وامش ثلاثة أميال زر ~~أخا في الله تعالى» «5» . # PageV01P302 # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~أصلح* 148 بين أثنين أصلح الله أمره، وأعطاه بكل كلمة تكلم بينهما عتق ~~رقبة، ورجع مغفورا له ما تقدم من ذنبه» «1» . # وعن أم كلثوم رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس ~~الكاذب* 149 من أصلح بين اثنين فقال خيرا أو نمى خيرا» «2» . # وعن أبي إدريس الخولاني أنه سمع أبا الدرداء رضي الله عنهما يقول: ألا ~~أخبركم بخير لكم من الصدقة والصيام؟: إصلاح ذات البين. وإياكم والبغضة، ~~فإنها الحالقة. # وعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«ألا أخبركم* 150 بحير لكم من كثير من الصلاة والضيافة؟ قالوا: بلى يا رسول ~~الله. قال: # إصلاح ذات البين» «3» . ### | فصل فى التعفف ### | مما ورد فى الكتاب العزيز # قال الله عز وجل في سورة البقرة: ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء. ~~وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله. # PageV01P303 # وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون [272] للفقراء الذين أحصروا ~~في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، ~~تعرفهم بسيماهم، لا يسئلون الناس إلحافا. وما تنفقوا من خير فإن الله به ~~عليم [273] . # ومن سورة النساء: وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم، ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا. # ومن كان غنيا ms182 فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف. فإذا دفعتم إليهم ~~أموالهم فأشهدوا عليهم. وكفى بالله حسيبا [6] . ### | أحاديث # 151* عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن الله يحب عبده [المؤمن] المتعفف الفقير أبا العيال» «1» . # 152* وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «أقبلت لأسأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فوجدته يقول: من يتصبر يصبره الله، ومن يستعفف يعفه الله، ~~ومن يستغن يغنه الله. قلت: فما أنا بسائلك اليوم» «2» . # 153* وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «لأن «3» يأخذ أحدكم حبلا فيذهب فيأتي يحزمة حطب على ظهره فيبيعها ~~فيكف بها وجهه: - خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه» «4» . # PageV01P304 # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«يأبا بكر، * 154 ما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها ~~قلة» «1» . # وعن إسماعيل الأنصاري عن أبيه عن جده رضي الله عنهم: «أن رجلا* 155 أتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أوصني وأوجز. فقال: عليك ~~باليأس مما في أيدي الناس، فإنه الغنى، وإياك والطمع، فإنه الفقر الحاضر، ~~وصل صلاتك وأنت مودع، وإياك وما يعتذر منه» «2» . # أورد الامام أبو الحسن يحيى بن نجاح رحمه الله في كتاب (سبل الخيرات) : # أن عثمان بن عفان رضوان الله عليه أرسل إلى أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ~~بصرة فيها نفقة على يد عبد له، وقال: إن قبلها فأنت حر. فأتاه بها، فلم ~~يقبلها. فقال: اقبلها- يرحمك الله- فإن فيها عتقي. فقال: إن كان فيها عتقك ~~ففيها رقي. وأبى أن يقبلها. # وروى أبو جعفر الطبري رضي الله عنه في حديث أبي ذر رضي الله عنه* 156- ~~واسم أبي ذر جندب بن جنادة- قال: «أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع ~~«3» : # PageV01P305 # أوصاني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي. وأوصاني بحب ~~المساكين، والدنو منهم. وأوصاني أن لا أسأل أحدا شيئا. ms183 - فكان يقع منه ~~السوط فينزل فيأخذه- وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت. # وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرا. وأوصاني أن أقول: لا حول ولا قوة إلا ~~بالله. وأوصاني أن لا أخاف في الله لومة لائم» «1» . # قال الشاعر: # لا تحسبن الموت موت البلى ... وإنما الموت سؤال الرجال # كلاهما موت، ولكن ذا ... أشد من ذاك لذل السؤال # وقال آخر: # قست السؤال فكان أعظم قيمة ... من كل عارفة أتت بسؤال # كن بالسؤال أعز عقد عزيمة ... ممن يضن عليك بالأموال # وقال محمود الوراق: # ليس يعتاض باذل الوجه في ال ... حاجة من بذل وجهه عوضا # كيف يعتاض من أتاك وقد ... صير للذل وجهه غرضا # وقال آخر: # ومنتظر سؤالك بالعطايا ... وأفضل من عطاياه السؤال # إذا لم ياتك المعروف عفوا ... فدعه ففي التنزه عنه مال # وكيف بلذ ذو أدب نوالا ... ومنه لوجهه فيه ابتذال # إذا كان النوال ببذل وجه ... وإلحاح فلا كان النوال # PageV01P306 # وقال آخر: # بخلت وليس البخل من سحية ... ولكن رأيت الفقر شر سبيل # لموت الفتى خير من الموت للفتى ... وللموت خير من سؤال بخيل # لعمرك ما شيء لوجهك قيمة ... فلا تلق مخلوقا بوجه ذليل # ولا تسألن من كان يسأل مرة ... فللفقر خير من سؤال سؤول # وقال آخر: # أقسم بالله لرضخ النوى ... وشرب ماء القلب المالحه # أعز للإنسان من حرصه ... ومن سؤال الأوجه الكالحه # فاستشعر الصبر تعش ذاغنى ... مغتبطا بالصفقة الرابحة # وقال آخر: # لا أستعين بإخواني على الزمن ... ولا أرى حسنا ما ليس بالحسن # لا أبتدي بسؤال باخلا أبذا ... لو شاء قبل سؤاليه لا كرمتي # ذل السؤال وبذل الوجه ما اجتمعا ... إلا أضرا بماء الوجه والبدن # وأي ذل لحر في مروءته ... أذل من غض عينيه على المنن # وقال آخر: # ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... نيلا، ولو نال الغنى بسؤال # وإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وحق كل نوال # وإذا افتقرت لبذل وجهك سائلا ... فابذله للمتكرم المفضال # إن الكريم إذا حباك بنيله ... أعطاكه سلسا بغير مطال # PageV01P307 # وقال آخر: «1» # وفتى خلا من ماله ... ومن المروءة غير خال ms184 # أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤال # وقال آخر: # ومسئلة اللئيم عليك عار ... وذل حين تسأله عناء «2» # وذو الحسب الكريم تراه سهلا ... طليق الوجه ليس له التواء # وقال آخر: # صن بعز اليأس عنهم أبدا ... ماء ديباجك عن بذل النوال # ليس شيء من نوال تبتغي ... قيمة للوجه من ذل السؤال ### | فصل في التحذير من الظلم ### | مما ورد فى الكتاب العزيز # قال الله عز وجل في سورة النساء: ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا ~~فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا [112] # «3» . # ومن سورة النساء: فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ~~وبصدهم عن سبيل الله كثيرا [160] وأخذهم الربوا «4» وقد نهوا عنه وأكلهم ~~أموال الناس بالباطل. وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما [161] . # ومن سورة المائدة: واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم # PageV01P308 # به إذ قلتم: سمعنا وأطعنا، واتقوا الله. إن الله عليم بذات الصدور [7] يا ~~أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ~~ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله. إن الله خبير بما تعملون ~~[8] . # ومن سورة يونس: هو الذي يسيركم في البر والبحر، حتى إذا كنتم في الفلك ~~وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج «1» من كل ~~مكان وظنوا أنهم أحيط بهم «2» دعوا الله مخلصين له الدين: لئن أنجيتنا من ~~هذه لنكونن من الشاكرين [22] فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق. # يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم، متاع الحياة الدنيا، ثم إلينا ~~مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون [23] . # ومنها: قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه ~~المجرمون؟ [50] أثم إذا ما وقع آمنتم به. آلآن وقد كنتم به تستعجلون؟! [51] ~~ثم قيل للذين ظلموا: ذوقوا عذاب الخلد، هل تجزون إلا بما كنتم «3» تكسبون؟ ~~[52] . # ومن سورة هود: ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا. أولئك يعرضون على ربهم ~~ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم. ألا لعنة الله على الظالمين ~~[18] . # PageV01P309 # ومنها: ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا ms185 معه برحمة منا وأخذت ~~الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين [94] كأن لم يغنوا فيها. ألا ~~بعدا لمدين كما بعدت ثمود [95] «1» . # ومنها: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من ~~أولياء ثم لا تنصرون [113] . # ومنها: فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في ~~الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم. واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا ~~مجرمين [116] . ### | أحاديث # 157* عن عبد الله بن عمرو «2» رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة. وإياكم والفحش، فإن ~~الله تعالى لا يحب الفحش ولا المتفحش «3» . وإياكم والشح، فإنما أهلك من ~~كان قبلكم «4» الشح: أمرهم بالكذب فكذبوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم ~~بالظلم فظلموا. قال: فقام رجل فقال: يا رسول الله، أي الإسلام أفضل؟ فقال: ~~أن يسلم المسلمون من لسانك ويدك. قال: # فأي الجهاد أفضل؟، قال: أن يهراق دمك ويعقر جوادك. قال: فأي الهجرة أفضل؟ ~~قال: تهجر ما كره ربك» . «5» # PageV01P310 # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دعوتان ليس بينهما وبين الله حجاب: ~~دعوة المظلوم، ودعوة المرء لأخيه بظهر العيب «1» . # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ~~كانت* 158 عنده مظلمة لأخيه في مال أو عرض فليأته فليتحلل منها، فإنه ليس ~~ثم دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من ~~سيئات صاحبه فطرحت عليه» «2» . # قلت: هذا فصل يتعين اتساع القول فيه لحاجة الناس إلى الكف عن الظلم، غير ~~أنني قد أوردت في كتابي المترجم بكتاب (ردع الظالم ورد المظالم) منه ما ~~غنيت به عن الإطالة في إيراده في كتابي هذا. ### | فصل فى الاحسان وفعل الخير ### | مما ورد فى الكتاب العزيز # قال الله تبارك وتعالى في سورة البقرة: وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا. إن الله يحب المحسنين [195] . # ومنها: نغفر لكم خطاياكم. وسنزيد المحسنين [58] # «3» . # ومن سورة آل عمران: ms186 الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس. والله يحب المحسنين [134] . # ومنها: فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة. والله يحب المحسنين ~~[148] . # PageV01P311 # ومن سورة المائدة: فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها «1» . وذلك جزاء المحسنين [85] . # ومنها: ليس على الذين، آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما ~~اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا. # والله يحب المحسنين [93] . # ومن سورة الأنعام: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا ~~يجزى إلا مثلها، وهم لا يظلمون [160] . # ومن سورة الأعراف: ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا. ~~إن رحمت الله قريب من المحسنين [56] . # ومنها «2» : وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا ~~حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم # خطاياكم «3» . # وسنزيد المحسنين [161] . # ومن سورة التوبة: ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل ~~الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به ~~عمل صالح. إن الله لا يضيع أجر المحسنين [120] . # ومن سورة هود: واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين [115] . # PageV01P312 # ومن سورة يوسف: إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين [90] . # ومن سورة القصص: ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما. # وكذلك نجزي المحسنين [14] . # ومنها: وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا ~~وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض. إن الله لا يحب ~~المفسدين [77] . # ومن سورة النجم: ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤا بما ~~عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى [31] . # ومن المرسلات: إن المتقين في ظلال وعيون [41] وفواكه مما يشتهون [42] ~~كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون [43] إنا كذلك نجزي المحسنين [44] . ### | أحاديث # عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم* 159 فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله عز وجل؟ وأي ~~الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ ms187 فقال صلى الله عليه وسلم: أحب الناس إلى الله ~~تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على قلب مسلم، ~~أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد «1» عنه جوعا. ولأن أمشي مع ~~أخ لي في حاجة # PageV01P313 # أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد- يعني مسجد المدينة- شهرا. # ومن كظم غيظه ستر الله عورته «1» . ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه ~~أمضاه-: ملأ الله قلبه يوم القيامة رضى. ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى ~~يقضيها له ثبت الله قدمه يوم تزول» # الأقدام» «3» . # 160* وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «من موجبات المغفرة إدخال السرور على أخيك المسلم: إشباع جوعته ~~وتنفيس كربته» «4» . # 161* وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلوات الله عليه ~~وسلامه: «لا يزال الله تعالى في حاجة العبد ما لم يزل في حاجة أخيه» «5» . # 162* وعن كثير بن عبد الله بن عمر «6» عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: # PageV01P314 # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن لله عبيدا استخصهم لنفسه ~~«1» لقضى «2» حوائج الناس، ثم آلى على نفسه أن لا يعذبهم، فإذا كان يوم ~~القيامة جلسوا على منابر من نور يحدثون الله تعالى والناس في الحساب «3» » ~~. # وعن عبد الله بن عمرو «4» رحمه الله قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: ~~«خلقان* 163 يحبهما الله عز وجل، وخلقان يبغضهما الله عز وجل: فأما اللذان ~~يحبهما فالشجاعة «5» والسماحة، وأما اللذان يبغضهما الله عز وجل فسوء الخلق ~~والبخل. وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله على قضاء «6» حوائج الناس» . # وعن أنس بن مالك رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ~~قصى* 164 لأخيه [المؤمن] حاجة كان بمنزلة من خدم الله تعالى عمره «7» » . # وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحسن ~~الصدقة* 165 # PageV01P315 # جاز على الصراط مدلا «1» . ومن قضى حاجة أرملة «2» خلفه الله تعالى في ms188 ~~تركته» . «3» # 166* وعن أبي هريرة رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نفس ~~عن أخيه المسلم كربة نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة» «4» . # 167* وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «ما من رجل طلب حاجة لأخيه المسلم فقضاها له وفرح بها قلبه إلا قال ~~الله عز وجل لبعض ملائكته: بشر عبدي هذا بالجنة. ثم يجعل لكل عضو من أعضائه ~~ومفصل «5» من مفاصله لسانا، يحمدون الله عز وجل ويمجدونه ثم يقدسونه تلك ~~الألسن كلها، ويكتب ذلك «6» في ملكوت السماوات» «7» . # 168* وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«إن لله قوما يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرهم فيها ما بذلوها، فإذا ~~منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم» «8» . # 169* وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن # PageV01P316 # أحب عباد الله إلى الله عز وجل من حبب إليه المعروف وحبب إليه فعاله «1» ~~» . # عن معاوية رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشفعوا إلي ~~تؤجروا» . * 170 # وإن الرجل ليسألني فأرده كي «2» تشفعوا إلي فتؤجروا «3» » . # وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: * 171 «من كان وصلة لأخيه «4» إلى سلطان في مبلغ بر أو مدفع ~~مكروه رفعه الله تعالى في الدرجات [العلى من الجنة] «5» » . # وقال حكيم بن حزام رحمه الله: ما أصبحت يوما وبابي طالب حاجة إلا علمت ~~أنها من منن الله عز وجل علي. ولا أصبحت وليس ببابي طالب حاجة إلا علمت ~~أنها من المصائب التي أسأل الله الأجر عليها. # وعن فيض بن اسحق قال: كنت عند الفضيل بن عياض رضي الله عنه إذ جاءه رجل ~~فسأله حاجة فألح بالسؤال عليه، فقلت له: لا تؤذ الشيخ. # فقال لي الفضيل: اسكت يا فيض، أما علمت أن حوائج الناس إليكم نعمة «6» من ~~الله عليكم، فاحذروا أن تملوا النعم فتتحول. ألا تحمد ربك أن جعلك ms189 موضعا ~~تسأل، ولم يجعلك موضعا تسأل؟! # PageV01P317 ### | فصل في الصبر على الأذى ومداراة الناس ### | مما ورد فى الكتاب العزيز # قال الله تبارك وتعالى في سورة آل عمران: لتبلون في أموالكم وأنفسكم ~~ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا، وإن ~~تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور [186] . # ومنها: فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى، ~~بعضكم من بعض، فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا ~~وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ثوابا ~~من عند الله. والله عنده حسن الثواب [195] . # ومن الأنعام: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون، فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون [33] ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما ~~كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا. ولا مبدل لكلمات الله. ولقد جاءك من نبإ ~~المرسلين [34] . # ومن سورة الأعراف: وقال الملأ من قوم فرعون: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في ~~الأرض ويذرك وآلهتك؟ قال: سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون ~~[127] قال موسى لقومه: استعينوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها من ~~يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين [128] قالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن ~~بعد ما جئتنا قال: # عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون [129] . # PageV01P318 # ومنها: وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي ~~باركنا فيها، وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا، ودمرنا ما ~~كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون [137] # «1» . # ومن سورة إبراهيم: قالت لهم رسلهم: إن نحن إلا بشر مثلكم، ولكن الله يمن ~~على من يشاء من عباده، وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله. وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون [11] وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا. ~~ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون [12] . # وعن مجاهد في قول الله تبارك وتعالى: وإذا مروا باللغو مروا كراما [25: ~~72] # قال: إذا أوذوا صفحوا. # ومن سورة آل عمران: فإن حاجوك فقل: أسلمت وجهي لله ومن ms190 اتبعن. وقل للذين ~~أوتوا الكتاب والأميين: أأسلمتم؟ فإن أسلموا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما ~~عليك البلاغ. والله بصير بالعباد [20] . # ومن سورة العنكبوت: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ~~ظلموا منهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ~~ونحن له مسلمون [46] # «2» . # ومن سورة الممتحنة: عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة، ~~والله قدير. والله غفور رحيم [7] . # PageV01P319 ### | أحاديث # 172* عن جابر بن عبد الله [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «مداراة الناس صدقة» . «1» # 173* وعن سعيد بن المسيب رحمه الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «رأس العقل بعد الإيمان مداراة الناس» «2» . # 174* وعن النزال بن سبرة يرفعه قال: «ثلاث من كن فيه كان بدنه في راحة: ~~علم يرد به جهل الجاهل، وعقل يداري به الناس، وورع يحجزه عن معاصي الله عز ~~وجل» «3» . # 175* وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم ولا ~~يصبر على أذاهم» . «4» # وعن عبد الوهاب بن الواسطي رحمه الله قال: جاء رجل إلى وهب بن منبه رحمه ~~الله فقال: إني قد حدثت نفسي أن لا أخالط الناس، فما ترى؟ قال: # لا تفعل، إنه لا بد للناس منك، ولا بد لك منهم، لهم إليك حوائج، ولك ~~إليهم حوائج، ولكن كن فيهم أصم سميعا، أعمى بصيرا، سكوتا نطوقا. # PageV01P320 # وقال حاتم الطائي: «1» # تحلم عن الأدنين واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما # *** # وعوراء قد أعرضت عنها فلم تضر ... وذي أود قومته فتقوما # وأغفر عوراء الكريم اصطناعه ... وأعرض عن ذات اللئيم تكرما «2» # وقال آخر: «3» # وإني على أشياء منك تريبني ... قديما لذو صفح على ذاك مجمل # إذا سؤتني يوما صفحت إلى غد ... ليعقب يوما «4» منك آخر مقبل # وقال آخر: # سأترك ما بيني وبينك واقفا ... على حاله «5» بين المودة والهجر # وأنتحل الصبر الجميل تجلدا ... وإن كنت محروما نصيبي من الأجر # وقال آخر: # إذا ما ms191 أخي يوما تولى بوده ... وأنكرت منه بعض ما كنت أعرف # عطفت عليه. بالمودة إنني ... على مدبر الإخوان بالود أعطف # وإغضاؤك العينين عن عيب صاحب ... لعمرك أبقى للوداد وأشرف «6» # PageV01P321 # وقال آخر: # وهجر عدو كاشح قد سمعته ... فكنت كمن أغضى بعين على قذى # تصاممت عنه واغتفرت مكانه ... فلم يتعلق بالجسم من قيله أذى # وقال آخر: # ألم تر أني إذا ما زوى ... صديقي مودته جانبا # وقد كنت أرعى له حقه ... وأطلب مرضاته دائبا # وإن قال هزلا تحملته ... وإن جد أنزلته لاعبا # صفحت وأعرضت حتى يؤ ... ب ما كان من حلمه عازبا # وحتى يعود لإحسانه ... ويسعى لمرضاتنا «1» طالبا # وألتمس العذر جهدي له ... وأجعل ظني به كاذبا # وقال آخر: # لقد أسمع القول الذي كاد كلما ... تذكرنيه النفس قلبي يصدع # فأبدي- لمن أبداه- مني بشاشة ... كأني مسرور بما منه أسمع # وما ذاك من عجب به غير أنني ... أرى أن ترك الشر للشر أقطع «2» # وقال آخر: «3» # وعوراء جاءت من أخ فرددتها ... مسالمة للمرء طالبة عذرا «4» # PageV01P322 # ولو أنه إذ قال قلت بمثلها ... ولم أعف عنها أورثت بيننا غمرا # وقال آخر: # وعوراء جاءت من أخ فنبذتها ... ورائي وعندي- لو أشاء- نكير # صبرت لها والصبر مني سجية ... وإني على ما نابني لصبور # وما أنا ممن يقسم الهم أمره ... ويسأل من يلقاه كيف يسير «1» # ولكنني كالدهر أشفي وأشتفي ... وأقضي ولا يقضي علي أمير # وقال سعيد بن حميد: # وكم من قائل قد قال: دعه ... فلم يك وده لك بالسليم # فقلت: إذا جزيت الغدر غدرا ... فما فضل الكريم على اللئيم!؟ # وأين الإلف يعطفني عليه ... وأين رعاية الحق القديم؟! «2» # وقال الزيادي: # لخليلي علي مني ثلاث ... واجبات أتيحها إخواني: # حفظه بالمغيب إن غاب عني ... ولقاء بالبشر إن لاقاني # ثم بذلي لما حوته يميني ... مسعدا في الخطوب أنى دعاني «3» # هذه حالة الصديق، فإن ... حال فعندي عوائد الإحسان # وقال سعيد بن حميد: # أشكو إلى الله جفاء امريء ... ما كان بالجافي ولا بالملول # كان وصولا دائما عهده ... خير الأخلاء الكريم الوصول # PageV01P323 # ثم ثناه الدهر عن رأيه ... فحال والدهر بقوم يحول # فإن يعد ms192 أشكر له وده ... وإن يطل هجرا فصبر جميل «1» # وقال حاتم الطائي: # وما من شيمتي شتم ابن عمي ... وما أنا مخلف من يرتجيني # وكلمة حاسد من غير جرم ... سمعت فقلت: مري فانفذيني # غبيت بها كأن قيلت لغيري ... ولم يعرق مخافتها جبيني «2» # وقال أبو الجارود: # وعوراء من عند امريء ذي قرابة ... تصاممت عنها أو طويت لها كشحي # وداويت منه الضغن حتى رددته ... دواء الشموس بالتذلل والمسح # وقال آخر: # لن يدرك المجد أقوام وإن كرموا ... حتى يذلوا- وإن عزوا- لأقوام «3» # ويشتموا فترى الألوان مسفرة ... لا صفح ذل ولكن صفح «4» أحلام # وقال عبيد بن غاضرة العنبري: # إنا وإن كنا أسنة قومنا ... وكان لنا فيهم مقام مقدم # لنصفح عن أشياء منهم تريبنا ... ونصدف عن ذي الجهل منهم ونحلم # ونمنح منهم معشرا يحسدوننا ... هني عطاء ليس فيه تندم # PageV01P324 # ونكلؤهم بالغيب منا حفيظة ... وأكبادنا وجدا عليهم تضرم # فليس بمحمود لدى الناس من جزى ... بسيء ما يأتي المسيء الملوم «1» # سأحمل عن قومي جميع كلومهم ... وأدفع عنهم كل غرم وأغرم ### | فصل في حفظ التجارب وغلبة العادة من أقوال الحكماء # قالت الحكماء: التجارب عقل ثان، ودليل هاد، وأدب للدهر. فافهم عن الأيام ~~أخبارها، فقد أوضحت لك آثارها، واتعظ بما وعظك منها، وتأمل ما ورد عليك من ~~أحوالها تأمل ذي فكرة منها؛ فإن الفكرة تدرأ عنك عمى الغفلة، وتكشف لك عن ~~مستخفيات الأمور. # وقالوا: الدهر أفصح المؤدبين؛ وكفاك من كل يوم خبر يورده عليك. وإنما ~~الأيام مراقي الأدب، ودرجات إلى العلم الأكبر، فمن فهم عنها أورث زيادة، ~~وسطع نور علمه، ولم يفتقر إلى غير نفسه، ولو صحب ذو الغفلة أيام الدنيا ~~بعجائب ما تصرفت به على القرون لم يزل جذعا في الغرة، ومتدلها فيما يحدث، ~~لأن الغفلة ظلمة راكدة، والمعرفة مصباح الخلقة. # وقد قيل: إذا رأيت ذا العمر الطويل والسن القديم يكثر التعجب مما يرى ~~ويسمع-: فذلك لقلة حفظه التجارب، ولسهوه عما مرت به عليه الليالي. # وقالوا: الفهم خزانة العقل؛ ونور يبصر به ما أمامه. وإنما نكص على عقبيه ~~من خانه فهمه، وخذله ms193 عقله، وضيع ما استودعته الأيام، فكأنه ابن يومه، # PageV01P325 # أو نتيج ساعته. وحسبك مؤدبا لخصالك، ومثقفا لعقلك-: ما رأيته من غيرك: من ~~حسن «1» تغبط به، أو قبيح تذم «2» عليه. # وقالوا: إن التجارب «3» عقل مستفاد، وأحر لكن يستعمل «4» حمل النفس على ~~العادة الفاضلة والأخلاق الكريمة، فقد رأينا كثيرا من الناس يعلم أن مذاهبه ~~رديئة، وطرائفه غير مرضية، ولا تخفى عنه الطريقة المحمودة-: # ويعسر عليه النزوع إليها، لتمكن العادة القديمة منهم، وإذا حملوا أنفسهم ~~على تلك الحالات المحمودة تصنعا أو حياء من الناس في الظاهر لم يعدموا أن ~~يرجعوا إلى المذاهب الأولى المتمكنة فيهم للعادة. # وقد قيل:: نفسك تقتضيك ما عودتها من خير أو شر. # وقيل: لسانك يقتضيك ما عودته. # وأنشد: # عود لسانك قول الخير تحظ به ... إن اللسان لما عودت معتاد # وقال الآخر «5» : # ومن تحلى بغير طبع ... يرد قسرا إلى الطبيعه # وقال آخر: # مت بداء الصمت خي ... ر لك من داء الكلام «6» # PageV01P326 # قال المتنبي: # ليت الحوادث باعتني الذي أخذت ... مني بحلمي الذي أعطت وتجريبي # فما الحداثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشعيب # وقال الوزير الكامل أبو القاسم بن المعري: # يا من غدا جبل «1» الجودي يحجبه ... ليس التذكر عن قلبي بمحجوب # علمتني الحزم لكن بعد مرجعه ... إن المصائب أثمان التجاريب # PageV01P327 ### | 6- # باب البلاغة # قلت وبالله التوفيق: كلام المخلوقين تتميز فيه البلاغة من العي، والفصاحة ~~من اللكن. وأما كلام الخالق تبارك وتعالى فعقول البلغاء تعجز عن تدبر ~~بلاغته، وتحار في اطراد فصاحته، فماذا يورد المورد منه؟! وبماذا يترجم ~~عنه؟! وقد تحدى الله سبحانه به خلقه أجمعين، فقال- وهو أصدق القائلين- في ~~سورة يونس: وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين ~~يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين [37] أم يقولون: افتراه؛ قل: ~~فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين [38] . # وقال تبارك وتعالى في سورة هود: فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به ~~صدرك أن يقولوا «1» : لولا أنزل عليه «2» كنز أو جاء ms194 معه ملك. إنما أنت ~~نذير. والله على كل شيء وكيل [12] أم يقولون: # افتراه، قل: فأتوا بعشر سور «3» مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون ~~الله إن كنتم صادقين [13] . # وقال تبارك وتعالى في سورة بني إسرائيل: قل: لئن اجتمعت الإنس والجن على ~~أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم «4» # PageV01P328 # لبعض ظهيرا [88] ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر ~~الناس إلا كفورا [89] . # وقال عز وجل في سورة الطور: أم يقولون: تقوله؟ بل لا يؤمنون [33] فليأتوا ~~بحديث مثله إن كانوا صادقين [34] # «1» . # وما يعجز الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله فماذا ينتزع منه وماذا ينتخب؟ ~~«2» . # وقد روي عن الأصمعي «3» رضي الله عنه قال: اجتزت ببعض أحياء العرب، فرأيت ~~صبية معها قربة فيها ماء وقد انحل وكاء فمها. فقالت: يا عم، أدرك فاها، ~~غلبني فوها، لا طاقة لي بفيها. فأعنتها، وقلت: يا جارية، ما أفصحك! فقالت ~~يا عم، وهل ترك القرآن لأحد فصاحة؟ وفيه آية فيها خبران وأمران ونهيان ~~وبشارتان! قلت: وما هي؟ قالت: قوله تبارك وتعالى: # وأوحينا إلى أم موسى: أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ~~ولا تحزني، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين [28: 7] # قال: # فرجعت بفائدة، وكأن تلك الآية ما مرت بمسامعى!! # PageV01P329 ### | ألفاظ من كلام النبي صلى الله عليه وسلم # كلام النبوة دون كلام الخالق، وفوق كلام المخلوقين، فيه جوامع الكلام، ~~ومعجزات البلاغة والفصاحة. # 176* فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «المرء مخبوء تحت لسانه» . «1» # 177* وقوله صلى الله عليه وسلم: «كفى بالصحة داء» «2» . # 178* وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يلسع المؤمن من جحر مرتين» «3» . # 179* وقوله صلى الله عليه وسلم: «الشديد من غلب نفسه» «4» . # 180* وقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس الخبر كالمعاينة» «5» . # 181* وقوله صلى الله عليه وسلم: «المجالس بالأمانة» «6» . # 182* وقوله صلى الله عليه وسلم: «الغنى غنى النفس» «7» . # PageV01P330 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «الأعمال بالنيات» «1» . * 183 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «سيد القوم خادمهم» «2» . * 184 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «حبك الشيء يعمي ms195 ويصم» «3» . * 185 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «المرء كثير بأخيه» «4» . * 186 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «هل يتوقع أحدكم إلا غنى مطغيا، أو فقرا ~~منسيا، * 187 أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا «5» ، أو الدجال، فهو شر غائب ~~ينتظر، أو الساعة، والساعة أدهى وأمر» «6» . # وقوله صلى الله عليه وسلم: «رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى مداراة ~~الناس» «7» . * 188 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «الحرب خدعة» «8» . * 189 # PageV01P331 # 190* وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطا أو ~~يلم» «1» . # 191* وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تجني على المرء إلا يده» «2» . # 192* وقوله صلى الله عليه وسلم: «البلاء موكل بالمنطق» «3» . # 193* وقوله صلى الله عليه وسلم: «الناس كأسنان المشط» «4» . # 194* وقوله صلى الله عليه وسلم: «أي داء أدوى من البخل» «5» . # PageV01P332 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «ترك الشر صدقة» «1» . * 195 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «الحياء خير كله» «2» . * 196 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع» «3» * 197 ~~وقوله صلى الله عليه وسلم: «أعجل الأشياء عقوبة البغي» «4» . * 198 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن من الشعر لحكما، وإن من البيان لسحرا» «5» ~~* 199 وقوله صلى الله عليه وسلم: «استعينوا على الحاجات بالكتمان» «6» . * ~~200 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «الندم توبة» «7» . * 201 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «المستشار مؤتمن» «8» . * 202 # وقوله صلى الله عليه وسلم: «الولد مبخلة مجبنة» «9» . * 203 # PageV01P333 # 204* وقوله صلى الله عليه وسلم: «لن يهلك امرؤ بعد مشورة» «1» . # 205* وقوله صلى الله عليه وسلم: «مالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو ~~لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت» «2» . # 206* وقوله صلى الله عليه وسلم: «الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم» «3» . # 207* وقوله صلى الله عليه وسلم: «الصدقة تطفيء غضب الرب عز وجل، وصنائع ~~المعروف تقي مصارع السوء، وصلة الرحم تزيد في العمر» «4» . # قلت: حصر البليغ من كلام النبوة، ممتنع معجز، لأنه كله بليغ فصيح «5» . # PageV01P334 ### | الفاظ من كلام الصحابة وغيرهم # وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: القاضي لا يصانع ولا ~~يضارع، ولا يتبع المطامع. # وقال رضوان الله ms196 عليه: حسب المؤمن دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله «1» . # وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: المعروف أفضل ~~الكنوز، وأحصن الحصون. ولا يزهدنك فيه كفر من كفرك، فقد يشكرك عليه من لم ~~يستمتع منه بشيء، وقد يشكر الشاكر ما يضيع الجحود. # وقال رضوان الله عليه: إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة ~~عليه. # PageV01P335 # وقوله رضوان الله عليه: القلوب قاسية عن حظها، لاهية عن رشدها، سالكة غير ~~مضمارها، كأن المعني سواها. # كتب أبو بكر الصديق رضوان الله عليه إلى عكرمة بن أبي جهل رحمه الله، وهو ~~عامله على عمان «1» : «إياك أن توعد في معصية بأكثر من عقوبتها: # فأنك إن فعلت أثمت، وإن تركت كذبت» . # وقال معاوية رحمه الله لعمرو بن العاص: من أبلغ الناس؟ قال: من قلل من ~~الإكثار، واقتصر على الايجاز. قال: فمن أصبر الناس؟ قال: من ترك دنياه في ~~إصلاح دينه. قال: فمن أشجع الناس؟ قال: من رد جهله بحلمه «2» . # قال العتابي: البلاغة سد الكلام بمعانيه وإن قصر، وحسن التأليف وإن طال. # وقف محمد بن الحنفية رضي الله عنه على قبر أخيه الحسن بن علي رضوان الله ~~عليهما حين دفن، فاغر ورقت عيناه، وقال: رحمك الله أبا محمد، فلئن عزت ~~حياتك لقد هدت وفاتك «3» ، ولنعم الروح روح تضمنه بدنك، ولنعم البدن بدن ~~تضمنه كفنك، وكيف لا يكون هذا وأنت سليل الهدى، # PageV01P336 # وحليف أهل التقوى، وخامس أصحاب الكساء «1» ، غذتك أكف الحق، وربيت في حجر ~~الإسلام «2» ، ورضعت ثدي الإيمان، فطبت حيا وميتا، وإن كانت أنفسنا غير ~~طيبة بفراقك، ولا شاكة في الخير لك «3» . # كتب إبراهيم بن المهدي إلى صديق له: «لو كانت التحفة لك على حسب ما يوجبه ~~حقك لأجحف بنا أدنى حق من حقوقك، ولكنها على قدر ما يخرج من حد الوجشة، ~~ويوجب الأنس «4» ، وقد بعثت إليك بكذا وكذا» . # ودخل أعرابي على هشام بن عبد الملك يشكو عاملا لهم، فقال: # يأمير المؤمنين، إنه والله ما أدركنا أحدا قعد مقعدك أعدل منك، وإن أهل ~~الشكر لعدلك، هم ms197 عيونك على مكارمك، يجب عليهم أن يرفعوا إليك كل مكرمة غبت ~~عنها، حفظا لغيبك، وتأدية لحقك وحق إمامتك، وفلان بن فلان رفعت خسيسته، ~~وأثبت ركنه، وأعليت ذكره، وأمرته بنشر محاسنك فطواها، وإظهار مكارمك ~~فأخفاها، وقد أخرب البلاد «5» ، وأظهر الفساد، وأجاع الأكباد، وأخرج الناس ~~من سعة العدل إلى ضيق الجور «6» ، حتى باعوا الطارف والتالد. قال: يأعرابي، ~~إن كان ما تقوله حقا عزلناه وجعلناه نكالا لمن سار بسيره «7» . # PageV01P337 # وتكلم عمرو بن سعيد «1» في بيعة يزيد بن معاوية فقال: إن يزيد غياث ~~تأملونه، وأجل تأمنونه، طويل الباع، رحب الذراع، واسع الصدر، كريم النجر، ~~قارح «2» سوبق فسبق، وموجد فمجد، وقورع فقرع، وخوصم فخصم، إن صرتم إلى حلمه ~~وسعكم، أو إلى ماله أغناكم، خلف من أمير المؤمنين، ولا خلف منه «3» . # لما هزم المهلب بن أبي صفرة عبد ربه الحروري «4» قال: هل من رجل حازم ~~أبعث به إلى الحجاج مع رؤوس هؤلاء القوم؟ فدل على بشير بن مالك الخرشي، ~~فوجهه إلى الحجاج. فلما دخل عليه قال له الحجاج: ما اسمك؟ # قال: بشير بن مالك. فقال الحجاج: بشارة وملك، كيف تركت المهلب؟ # قال: تركته- أصلح الله الأمير- قد أدرك ما طلب، وأمن ما خاف. # قال: الحمد لله على ذلك، فكيف تركت العدو؟ قال: كانت له الدولة ولنا ~~العاقبة. فقال الحجاج: العاقبة للمتقين. فكيف تركت الجند؟ قال: أرضاهم ~~الحق، وأغناهم النفل «5» ، وإنه مع ذلك ليسوسهم سياسة الملوك، ويقاتل عنهم ~~قتال الصعلوك. قال: فكيف أبناء المهلب؟ قال. أعباء البيات «6» حتى يأمنوه، ~~وأصحاب السرح حتى يروحوه. قال: فأيهم أفضل؟ قال: ذاك # PageV01P338 # إلى أبيهم. قال: وأنت فقل، فإني أراك عاقلا؟ قال: مهم كالحلقة «1» ~~المفرغة لا يدري أين طرفها. فقال الحجاج: أكنت أعددت ما سمعت؟ فقال: لا ~~يعلم الغيب إلا الله. فالتفت الحجاج إلى جلسائة فقال: هذا والله الكلام ~~الخالص، لا الكلام المصنوع. # قال صالح بن جناح: لسان الأحمق مطبق، فلا يحسن أن ينطق، ولا يقدر أن ~~يسكت. # وقال يحيى بن معاذ رحمه الله: طلب الخير شديد، وترك الشر أشد منه: # لأن ليس كل ms198 الخير يلزمك عمله، والشر كله يلزمك تركه. # روي: أن حامد بن العباس سأل علي بن عيسى الوزير في ديوان وزارته عن دواء ~~الخمار «2» وقد علق به؟ فأعرض عن كلامه، وقال: ما أنا وهذه المسألة! فخجل ~~حامد، ثم التفت إلى قاضي القضاة أبي عمر «3» فسأله عن ذلك؟ # فتنحنح القاضي لإصلاح صوته، ثم قال: قال الله تبارك وتعالى: وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [59: 7] # . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # PageV01P339 # 208* «استعينوا على كل صنعة بصالح أهلتها» «1» والأعشى هو المشهور بهذه ~~الصناعة في الجاهلية، وقد قال: # وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها # وقد تلاه أبو نواس، وهو القائل: # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء # فأسفر حينئذ «2» وجه حامد، وقال لعلي بن عيسى: يا بارد! ما ضرك أن تجيب ~~بما أجاب به قاضي القضاة، وقد استظهر في جواب «3» المسألة بقول الله تعالى، ~~ثم بقول الرسول صلى الله عليه وسلم ثانيا، وبين الفتيا وأدى المعنى، وتنصل ~~من العهدة؟! فكان خجل علي بن عيسى من حامد بن العباس بهذا الكلام أكثر من ~~خجل حامد منه لما ابتدأه بالمسألة. # من دعاء الفضيل بن عياض رضي الله عنه: اللهم إني أسألك الغنى في الدنيا، ~~وأعوذ بك من الرغبة فيها، وأسألك الزهد في الدنيا، وأعوذ بك من الفقر فيها. # كتب العتابي إلى صديق له: «قد عرضت قبلك حاجة، فإن نجحت بك فألفاني منها ~~حظي، والباقي حظك. وإن تعذرت فالخير مظنون بك، والعذر مقدم لك» . # روي: أن عبد الحميد لقي ابن المقفع، فقال له: بلغني عنك شيء أكرهه. فقال: ~~لا أبالي. قال: ولم؟ قال: لأنه إن كان باطلا لم تقبله، وإن كان حقا عفوت ~~عنه. # PageV01P340 # قال خالد بن صفوان «1» لأمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد- حين أتى ~~البصرة منهزما من أبي فديك الخارجي «2» -: الحمد لله الذي خار لنا عليك، ~~ولم يخر لك علينا، فقد كنت حريصا على الشهادة، لكن الله أبى ذلك «3» ، ~~ليزين بك مصرنا، ويؤنس وحشتنا، ويكشف بك ms199 غمتنا «4» . # قيل للأحنف بن قيس «5» : من السيد؟ قال: الذليل في عرضه، الأحمق في ماله، ~~المطرح لحقده، المعين لعشيرته. # قال أبو جعفر المنصور لأبي الهيذام عامر بن عمارة بن خريم الناعم المري ~~«6» : مالك لا تسألني حاجة؟ فقال: والله ما أخاف بخلك، ولا أستقصر عمرك. # وروي عن كاتب لطاهر بن حسين قال: ولى طاهر بعض النواحي رجلا، فقال لي: ~~اكتب عهده، واترك في أسفل القرطاس فضلا. ففعلت، فأخذ العهد وكتب في أسفله: # PageV01P341 # اعمل صوابا تنل بالحزم مأثرة «1» ... فلن يذم مع التقدير تدبير # فإن هلكت مصيبا أو ظفرت به ... فأنت عند أولي الألباب معذور # وإن هلكت على جهل وفزت به ... قالوا: جهول أعانته المقادير «2» # أنكد بدنيا ينال المخطئون بها ... حظ المصيبين والمغرور مغرور # دخل الخيار بن أوفى النهدي «3» - وكان كبير السن- إلى معاوية بن أبي ~~سفيان، فقال له: لقد غيرك الدهر؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين، ضعضع قناتي، ~~وشيب سوادي، وأفنى لداتي «4» ، وجرأ علي أعدائي، ولقد غنيت زمانا أزور ~~الكعاب، وأسئل الثياب، وأحسن الضراب، وآلف الأحباب، فنأى الشباب عني، ودنا ~~الموت مني. # وحذر رجل من الحكماء صديقا له صحبه آخر، فقال: يا فلان، احذر فلانا، فإنه ~~كثير المسألة، حسن البحث، لطيف الاستدراج، يحفظ أول كلامك على آخره، ويعتبر ~~ما أخرت بما قدمت، فلا تظهرن له المخافة، فيرى أنك قد تحرزت وتحفظت. واعلم ~~أن من يقظة الفطنة إظهار الغفلة مع شدة الحذر، فباته مباتة «5» الآمن، ~~وتحفظ منه تحفظ الخائف، فإن البحث يظهر الخفي، ويبدي المستتر الكامن. # PageV01P342 # قال اسحق: قلت لزهراء «1» : ما رأيت من نساء العرب أفصح منك ولا أبلغ، يا ~~زهراء، ما خبر أمير المؤمنين؟ قالت: جال بالناس جولة «2» وحط بهم حطة «3» ~~حركت الساكن، وأيقظت النائم، وأخافت الآمن، وأتت على نفس المريب. قلت: فما ~~خبر ابن أبي داود «4» ؟ قالت: قعقع له «5» بالشنان يمنة ويسرة، حتى لقد ~~أحيط به. قلت: فما خبر ابن عبد الملك؟ قالت: يسره أرضه بحج بطين بصهر إلى ~~هذه الذخائر فيفطن لها ثم يتمم عليها «6» . قلت: فما خبر الناس؟ قالت: ~~تنتقض أنفاشهم ms200 فإذا فرغوا هدؤا. # قلت لها: فأين منزلك؟ قالت: مالي منزل، إنما أشتمل بالليل إذا عسعس، ~~وأظهر في النهار إذا تنفس. ثم اتخذت منزلا. فقلت لها: كم بيننا وبين منزلك؟ ~~قالت: أما على كسلان وان فساعة، وأما على ذي حاجة فقريب. # كتب ابن السماك «7» إلى عمرو بن بانة «8» : «إن الدهر قد كلح «9» فجرح، ~~وجمح فطمح، وأفسد ما أصلح «10» ، فإن لم تعن عليه فضح» . # PageV01P343 # قال المدائني: دخل عمرو بن أمية الضمري «1» على النجاشي، فكلمه بكلام ~~كثير، فكان مما حفظ من كلامه: إنا وجدناك كأنك من الرقة علينا منا، وكأنا ~~في الثقة بك منك، لم نرجك لأمر قط إلا نلناه، ولم نخفك عليه إلا أمناه. # وعن العتبي قال: قال عثمان بن عتبة بن أبي سفيان: أرسلني أبي إلى عمي «2» ~~أخطب إليه ابنته، فأقعدني إلى جانبه، ثم قال: مرحبا بابن لم ألده، أقرب ~~قريب، خطب إلي أحب حبيب، ولا أستطيع له ردا، ولا أجد من تشفيعه «3» بدا، ~~وقد زوجتكما، وأنت أكرم علي منها، وهي ألوط بقلبي منك «4» ، فأكرمها يعذب ~~على لساني ذكرك، ولا تمتهنها فيضع عندي قدرك، وقد قربتك مع قربك، فلا تباعد ~~قلبي من قلبك. # قال أبو الحسن المدائني: وقع ميراث بين أبي سفيان وبين مروان، فتشاجرا ~~فيه وتضايقا «5» . فلما قاما أقبل عمرو بن عتبة «6» على ولده، فقال: # PageV01P344 # إن لقريش درجا تزل عنها أقدام الرجال، وأفعالا تخشع لها رقاب الأموال، ~~وألسنا تكل «1» عنها الشفار المشحوذة، وغايات تقصر «2» عنها الجياد ~~المنسوبة «3» ، ثم إن ناسا منهم تخلقوا بأخلاق العوام، فصار لهم رفق في ~~اللؤم «4» ، وخرق «5» في الحرص، لو أمكنهم قاسموا الطير أرزاقها، إن خافوا ~~مكروها تعجلوا له الفقر، وإن عجلت لهم نعمة «6» أخروا عليها الشكر، أولئك ~~أنضاء فكر العقل «7» ، وعجزة حملة الشكر. # كتب معاوية بن أبي سفيان إلى أخيه عتبة «8» ، وهو على مصر، في أقوام ~~يعاقبهم ولا يراجعه فيهم. فكتب إليه عتبة: «يا أمير المؤمنين، على أداء حقك ~~أستعين الله، وبه على جميع أمري أتوكل «9» ، وأنا مقيد بكتابك، وصائر إلى ~~أمرك، ومتخذه إماما إذا أم ms201 الحزم، فإذا خالفه فعندها لم تغب عما شهدت، ولم ~~يدخل عليك ضرر ما فعلت، ولقد علم الناس قبلي أن زنادني ذكية الشعل «10» لمن ~~عاداك، وأن جناي أحلى من العسل لمن والاك، فثق بذلك لهم # PageV01P345 # وعليهم، وإياك أستكفي لك من كفاني بك. # وقال عمرو بن العاص لابنه: يا بني إمام عادل خير من مطر وابل، وأسد حطوم ~~خير من سلطان ظلوم، وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم «1» . # قال المدائني: قدم محمد بن عبد الله بن عطارد الدارمي في سبعين راكبا على ~~الحجاج وافدا، فاستزارهم عمرو بن عتبة «2» ، فقال له محمد بن عبد الله: # يأباسفيان، ما بال العرب تطيل كلامها وتقصرونه معشر قريش؟ فقال: الجندل ~~يرمي بالجندل، إن كلامنا يقل لفظه ويكثر معناه، يشفي بأولاه ويحيي «3» ~~بأخراه، تحدر الزلال على الكبد الحرى، ولقد نقصنا كما نقص الناس، بعد أقوام ~~أدركتهم كأنهم خلقوا لتحسين ما قبحت الدنيا، سهلت لهم ألفاظهم كما سهلت لهم ~~أنفاسهم، ويبذلون أموالهم، ويصونون أعراضهم، فما يجد المادح لهم مزيدا، ولا ~~الطاعن فيهم مطعنا، لله در مادحهم حيث يقول: # وضع الدهر بينهم «4» شفرتيه ... فانثنى سالما وأضحوا شعوبا # شفرتا والله مالا «5» على من قبلهم «6» ، فأذهبت أبدانهم، وأبقت أخبارهم، ~~فصاروا حديثا حسنا، ثوابه في الآخرة أحسن، وحديثا سيئا عقابه في الآخرة ~~أسوأ، فكم موعوظ بمن قبله «7» موعوظ به من هو آت بعده. قال: # فظننا أنه إذا «8» أراد أن يطيل أطال. # وصف معاوية الوليد بن عتبة «9» فقال: إنه لبعيد الغور، ساكن الفور، # PageV01P346 # وإن العود لمن نجاره «1» والولد من آبائه، وإنه والله نبت أصل لا يخلف، ~~وسليل فحل لا يقرف «2» . # قال المدائني: أتى أعرابي أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم، ~~فقال له: هل رأيت الله حين عبدته؟ قال: ما كنت لأعبد شيئا لم أره. قال: ~~فكيف رأيته؟ قال: لم تره الأبصار مشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقائق ~~الإيمان، لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، معروف بالآيات، منعوت ~~بالعلامات، لا يجور في قضيته، هو الله الذي لا إله إلا هو. # فقال ms202 الأعرابي: الله أعلم حيث يجعل رسالاته «3» [6: 124] . # قال محمد بن سلام «4» : لما قتل مصعب بن الزبير رحمه الله بلغ أخاه عبد ~~الله [رضي الله عنه] «5» وهو بمكة، فصعد المنبر فقال: الحمد لله الذي له ~~الخلق والأمر، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل ~~من يشاء. ألا وإنه لم يذلل الله «6» من الحق معه، وإن كان فردا، ولم يعزز ~~الله من أولياء الشيطان وحزبه، وإن كان الأنام معه طرا. إنه # PageV01P347 # أتانا خبر من العراق أجزعنا وأفرحنا: قتل مصعب رحمة الله عليه، فأما الذي ~~أجزعنا من ذلك فإن «1» لفراق الحميم لذعة «2» يجدها حميمه «3» عند المصيبة، ~~ثم يرعوي من بعدها ذوو الرأي «4» إلى جميل الصبر وكريم العزاء، وأما الذي ~~أفرحنا فقد علمنا أن قتله له شهادة، وأن القتل له على ذلك خيرة. ألا إن أهل ~~العراق- أهل الغدر والنفاق- أسلموه وباعوه بأقل ما كانوا يأخذونه منه. أما ~~والله ما نموت حبجا «5» وما نموت إلا قصعا «6» بالرماح، وموتا تحت ظلال ~~السيوف، ليس كما تموت بنو مروان: ما قتل منهم أحد في الجاهلية ولا في ~~الإسلام. وإنما الدنيا عارية من الملك الذي لا يزول سلطانه ولا يبيد، فإن ~~تقبل الدنيا علي لا آخذها أخذ الأشر البطر، وإن تدبر عني لا أبك عليها بكاء ~~الخرف المهتر «7» . ثم نزل. # قال معاوية لعمرو بن العاص: من أبلغ الناس؟ قال: من ترك الفضول واقتصر ~~على الايجاز. قال: فمن أصبر الناس؟ قال: من ترك دنياه في إصلاح دينه. قال: ~~فمن أشجع الناس؟ قال: من رد جهله بحلمه «8» . # PageV01P348 # وقلل خالد بن صفوان: أحسن الكلام ما شرفت مبانيه، وظرفت معانيه، والتذه ~~سمع سامعيه. # كان العتابي «1» يقول: ليس البلاغة بالاكثار والإقلال، لكن «2» البلاغة ~~سد الكلام بمعانيه وإن قصر، وحسن التأليف وإن طال. # قيل للقاسم بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه: كيف كان مصعب؟ قال: # كان نفيسا رئيسا يبيسا. # حمل عمرو بن معدي كرب حمالة «3» ، فأتى مجاشع بن مسعود «4» فسأله فيها؛ ~~وقال: أسألك حملان «5» مثلي وسلاح مثلي. فأمر له بعشرين ms203 ألف درهم وفرس عتيق ~~جواد وسيف صارم وجارية نفيسة. فمر ببني حنظلة، فقالوا له: يأبا ثور، كيف ~~رأيت صاحبك؟ فقال: لله بنو مجاشع «6» ! ما أشد في الحرب لقاءها! وأجزل في ~~اللزبات «7» عطاءها! وأحسن في المكرمات # PageV01P349 # ثناءها «1» ! لقد قاتلتها فما فللتها «2» ، ومألتها فما أبخلتها «3» ، ~~وهاجيتها فما أفحمتها. # قدم وفد أهل «4» العراق على معاوية رحمه الله، فلما دخلوا عليه قال: ~~[مرحبا بكم] «5» يا أهل العراق، قدمتم أرض الله المقدسة، منها المنشر، ~~وإليها المحشر، قدمتم على خير أمير: يبر كبيركم، ويرحم صغيركم، ولو أن ~~الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماء عقلاء! فأشار الناس إلى صعصعة بن ~~صوحان «6» فقام فحمد الله «7» وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: ~~أما قولك- يا معاوية-: «إنا قدمنا الأرض المقدسة» فلعمري ما الأرض تقدس ~~الناس، ولا يقدس الناس إلا أعمالهم. وأما قولك: «إن منها المنشر وإليها ~~المحشر» فلعمري ما ينفع قربها كافرا، ولا يضر بعدها مؤمنا. وأما قولك: «لو ~~أن الناس كلهم ولد أبي سفيان لكانوا حلماء عقلاء» فقد ولدهم من هو خير # PageV01P350 # من أبي سفيان: آدم صلى الله عليه، فمنهم الحليم والسفيه، والجاهل ~~والعالم. # وقالت الحكماء: خير الكلام ما أغنى قليله عن كثيره. # وقالوا: خير الكلام ما لم تحتج بعده إلى كلام. # وقالوا: أبلغ الكلام ما سبق معناه لفظه. # وقالوا: البلاغة ما فهمته العامة، ورضيته الخاصة «1» . # وقيل لبعض الحكماء: ما أحسن الكلام؟ قال: ما استحسنه سامعه. # قيل: ثم ماذا؟ # قال: ثم ما حصلت منافعه. قيل: ثم ماذا؟ قال: ما لم تذم عواقبه. قيل: ثم ~~ماذا؟ قال: ثم لا ثم. # وقيل لبعضهم: من البليغ؟ قال: من أخذ معاني «2» كثيرة فأداها بألفاظ ~~قليلة، أو أخذ معاني «3» قليلة فولد منها ألفاظا كثيرة. # قلت: كأنه عنى بهذا القول قول عيد الله بن المعتز في صفة الآذريون «4» # وآذريون أتاك في طبقه ... كالمسك في نشره وفي عبقه # قد نفض العاشقون ما صنع ال ... هجر بألوانهم على ورقه # فالبيت كله أنه أصفر. # وقال بعض الأدباء: إن أمكنك أن تبلغ من بيان وصفك، ms204 وبلاغة # PageV01P351 # منطقك، واقتدارك على فصاحتك-: أن تفهم العامة معاني الخاصة، وتكسوها ~~الألفاظ المبسوطة التي لا تلطف عن الدهماء ولا تجل عن الأكفاء-: فأنت ~~البليغ الكامل. # وسئل أرسطاطاليس عن البلاغة؟ فقال: إقلال في إنجاز، وصواب مع سرعة جواب. ~~وسئل عن العي؟ فقال: كثرة القول المقصر عن بلوغ المعنى. # وتكلم ابن السماك يوما وجارية له تسمع، فلما دخل قال لها: كيف سمعت ~~كلامي؟ قال: ما أحسنه لولا أنك تكثر ترداده! قال: إنما أردده ليفهمه من لم ~~يفهمه. قالت «1» : إلى أن يفهمه من لم يفهمه قد مله من قد فهمه! «2» قحطت ~~البادية في أيام هشام بن عبد الملك، فقدمت العرب من أحياء القبائل، فجلس ~~هشام لرؤسائهم، فدخلوا عليه، وفيهم درواس بن حبيب «3» ، # PageV01P352 # وله أربع عشرة سنة «1» ، عليه شملتان وله ذؤابة. فأحجم القوم وهابوا ~~هشاما، ووقعت عين هشام على درواس فاستصغره، فقال لحاجبه: ما يشاء أحد أن ~~يصل إلي إلا وصل! حتى الصبيان؟! فعلم درواس أنه يريده، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، إن دخولي لم يخل بك شيئا، ولقد شرفني، وإن هؤلاء القوم قدموا ~~لأمر أحجموا دونه، وإن الكلام نشر، والسكوت طي، ولا يعرف الكلام إلا بنشره. # فقال له هشام: فانشر لا أبالك!! وأعجبه كلامه. فقال: أصابتنا سنون ثلاثة ~~«2» : فسنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة أنقت العظم، وفي أيديكم ~~فضول أموال: إن كانت لله ففرقوها على عباده المستحقين لها، [وإن كانت لهم ~~فعلام تحبسونها عنهم؟] «3» ، وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم، فإن الله ~~يجزي المتصدقين «4» ، ولا يضيع أجر المحسنين «5» ، واعلم، يا أمير ~~المؤمنين، أن الوالي من الرعية كالروح من الجسد، لا حياة للجسد إلا به «6» ~~. فقال هشام: ما ترك الغلام في واحدة من الثلاث عذرا. وأمر أن يقسم في ~~باديته مائة ألف درهم «7» ، وأمر لدرواس بمائة ألف درهم. فقال: يا أمير ~~المؤمنين، # PageV01P353 # ارددها إلى جائزة العرب، فإني أكره أن يعجز ما أمر لهم به أمير المؤمنين ~~عن كفايتهم. قال: فما لك من حاجة تذكرها لنفسك؟ قال: مالي من «1» حاجة دون ~~عامة المسلمين «2» !! قال أبو ms205 العتاهية: قدم علي أعرابي من هجر، فخاطبني ~~بأحسن مخاطبة، وكلمني بأفصح كلام، ثم قال: ما رأيت أحسن مما كما يقال عنك ~~إلا ما شهدته منك. ثم وعدته بأشياء قدم لها وتضمنت له القيام بها، فقال لي: ~~والله ما أستقل قليلك، لأنه أكثر من كثير غيرك، ولا أستكثر كثيرك، لأنه دون ~~همتك. # وقال خالد بن صفوان: لا تصنع المعروف إلى ثلاثة: الفاحش واللئيم والأحمق. # فأما الفاحش فيقول: إنما صنع هذا بي اتقاء «3» لفحشي، وأما الأحمق فلا ~~يعرف المعروف فيشكره، وأما اللئيم فكالأرض السبخة لا تثمر ولا تنمي. فإذا ~~«4» رأيت السري فدع المعروف «5» عنده واستحصد الشكر، وأنا لك الضامن. # 309* قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من الشعر لحكما، وإن من البيان ~~لسحرا» هذا كلام قاله صلى الله عليه وسلم لوفد بني تميم، لما سأل عمرو بن ~~الأهتم «6» عن قيس # PageV01P354 # بن عاصم «1» ؟ فمدحه عمرو، فقال قيس: والله يا رسول الله، لقد علم أني ~~خير مما وصف، ولكنه حسدني! فذمه عمرو بن الأهتم، وقال: يا رسول الله، لقد ~~صدقت في الأولى وما كذبت في الثانية! ولكني رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت ~~فقلت أسوأ ما عرفت! فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان ~~لسحرا» . # وأنا ذاكر شيئا من محاسن الشعر مختصرا. ### | من ذلك [محاسن الشعر] في الأدب # قال سويد بن أبي كاهل «2» : # PageV01P355 # إني إذا ما الأمر بين شكه ... وبدت بصائره لمن يتأمل «1» # أدع التي هي أرفق الحالات بي ... عند الحفيظة للتي هي أجمل # وقال أحيحة بن الجلاح: # استغن عن كل ذي قربى وذي رحم ... إن الغني من استغنى عن الناس # والبس عدوك في رفق وفي دعة ... لباس ذي إربة للناس لباس» # وقال خفاف بن مالك بن عبد يغوث المازني «3» : # PageV01P356 # نريح فضول الحلم وسط بيوتنا ... إذا الحلماء عنهم الحلم أغربوا «1» # ونرأب ما شئنا، وليس لما وهت ... جرائر أيدينا من الناس مرأب «2» # ونعفو، ولو شئنا أخذنا، ونكتفي ... بأدنى بغانا حين نبغي ونطلب # وندفع عنا الشر ما كان دفعه ... سناء، ونصلي ناره ms206 حين تلهب # ونركب ظهر الموت والموت يتقى ... إذا لم يكن إلا على الموت مركب # وإني- على ريب الزمان وصرفه-: ... لتغرر كفي بالندى حين تحلب «3» # وأكفي ابن عمي غيبه بشهادتي ... ويطعن دون الجار نصري ويضرب # ولا ألطم ابن العم إن كان إخوتي ... شهودا وإخوان ابن عمي غيب # وقال آخر: # إني لأعرض عن أشياء أسمعها ... حتى يظن أناس أن بي حمقا # أخشى مقال سفيه لا حياء له ... وأن يظن أناس أنه صدقا # وقال آخر: «4» # لا ادفع ابن العم يمشي على شفا ... وإن بلغتني من أذاه الجنادع «5» # ولكن أواسيه وأنسى ذنوبه ... لترجعه يوما إلي الرواجع # وحسبك من ذل وسوء صنيعة ... مناواة ذي القربى وإن قيل: قاطع # وقال آخر: # PageV01P357 # فلا يحزننك الشر قبل وقوعه ... ولا يفرحنك الخير والخير غائب «1» # فإنك لا تدري- وإن كنت حازما-* إلى أي أمر ما تؤول العواقب وقال الربيع ~~بن أبي الحقيق: «2» # إنا إذا مالت دواعي الهوى ... وأنصت السامع للقائل # واصطرع القوم بألبابهم ... بمنطق القاصد والمائل # لا نجعل الباطل حقا ولا ... نلط دون الحق بالباطل «3» # نخاف أن تسفه أحلامنا ... فنخمل الدهر مع الخامل # إن طلاب المرء ما قد خلا ... داء كمثل السقم الداخل # وقال النابغة الذبياني، واسمه زياد: «4» # لا خير في عزم بغير روية ... والشك وهن إن أردت سراحا # فاستبق ودك للصديق ولا تكن ... قتبا يعض بغارب ملحاحا «5» # صفنا يدخل «6» تحته أحلاسه ... شد البطان فما يريد براحا # والرفق يمن والأناة سعادة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا # واليأس مما فات يعقب راحة ... ولرب مطعمة تكون ذباحا «7» # PageV01P358 # وقال رجل من هذيل: # فبعض الأمر أصلحه ببعض ... فإن الغث يحمله السمين # ولا تعجل بظنك قبل خبر ... فعند الخبر تنقطع الظنون # ترى بين الرجال العين فضلا «1» ... وفيما أضمروا الفضل المبين # كلون الماء مشتبها وليست ... تخبر عن مذاقته العيون # وقال ضرار بن عتيبة العبشمي «2» : # أحب الشيء ثم أصد عنه ... مخافة أن يكون به مقال # أحاذر أن يقال لنا فنخزى ... ونعلم ما تسب به الرجال # وقال آخر: # ما ذاق روح الغنى من لا قنوع له ... ولن ترى قانعا ما ms207 عاش مفتقرا # العرف من يأته يعرف عواقبه ... ما ضاع عرف ولو أوليته حجرا # وقال حضرمي بن عامر الأسدي «3» : # لقد جعل الرك الضعيف يسيلني ... لديك ويشريك القليل فتغلق «4» # وقد جعلت تبدو العداوة بيننا ... حديثا وأسباب المودة تخلق «5» # PageV01P359 # لعلك يوما أن تود لو أنني ... قريب ودوني من ملا الأرض مخفق «1» # وتنظر في أسرار كفك هل ترى ... لنا خلفا مما تفيد وتنفق «2» # وقال أفنون، واسمه صريم بن معشر التغلبي «3» : # ولا خير فيما يكذب المرء نفسه «4» ... وتقواله للشيء: ياليت ذاليا! # لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا # وقال آخر: # مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر السائل # ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل # فلا تهج- إن كنت ذا إربة-* حرب أخي التجربة العاقل # إن أخا العقل إذا هجته ... هجت به ذا خبل خابل «5» # تبصر في عاجل شداته «6» ... عليك غب الضرر الآجل «7» # وقال آخر «8» : # صديقك حين تستغني كثير ... ومالك عند فقرك من صديق # PageV01P360 # فلا تغضب على أحد إذا ما ... طوى عنك الزيارة عند ضيق # وقال آخر: «1» # ما أقرب الأشياء حين يسوقها ... قدر وأبعدها إذا لم تقدر # فسل اللبيب تكن لبيبا مثله ... من يسع في علم بلب يمهر «2» # وتدبر الأمر الذي تعنى به ... لاخير في عمل بغير تدبر # ولقد يجد المرء وهو مقصر ... ويخيب جد المرء غير مقصر # أنشد أبو حاتم: «3» # إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق بما به الصدر الرحيب # وأو ظنت المكاره واطمأنت ... وأرست في مكامنها الخطوب # ولم تر لا نكشاف الضروجها ... ولا أغنى بحيلته الأريب # أتاك على قنوط منك غوث ... يمن به القريب المستجيب «4» # وكل الحادثات وإن تناهت ... فمقرون بها فرج قريب» # وقال حضرمي بن عامر الأسدي: «6» # PageV01P361 # ولقد طويتكم على بللاتكم ... وعرفت ما فيكم من الأذراب «1» # كيما أعدكم لا بعد منكم ... ولقد يجاء إلى ذوي الأحساب «2» # قرأت على حائط مسجد بديار بكر سنة خمس وستين وخمس مائة: # صن النفس وابذل كل شيء ملكته ... فإن ابتذال المال للعرض أصون # ولا تطلقن منك اللسان بسوءة ... ففي الناس سوءات ms208 وللناس ألسن # وعينك إن أبدت إليك معايبا ... لقوم فقل: يا عين للناس أعين # ونفسك إن هانت عليك فإنها ... على كل من تلقى أذل وأهون # وقال أبو فراس بن حمدان «3» : # ما كنت مذ كنت إلا طوع خلاني ... ليست مؤاخذة الخلان من شاني «4» # يجني الصديق فأستحلي جنايته ... حتى أدل على عفوي وإحساني «5» # ويتبع الذنب ذنبا حين يعرفني ... عمدا فاتبع غفرانا بغفران # يجني علي فأحنوا صافحا أبدا ... لا شيء أحسن من حان على جان # PageV01P362 ### | ومن محاسن المديح # «1» # قال امرؤ القيس بن حجر: # وتعرف فيه من أبيه شمائلا ... ومن خاله ومن يزيد ومن حجر # سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر «2» # وقال زهير بن أبي سلمى: # أبي لابن سلمى خلتان اصطفاهما: ... قتال إذا يلقى العدو ونائل # تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائل «3» # وقال أيضا «4» : # إذا جرفت مالي الجوارف مرة ... تضمن رسلا حاجتي ابن سنان # وحاجة غيري، إنه ذو موارد ... وذو مصدر من نائل وبيان # يسن لقومي من عطائي سنة ... فإن قومي اعتلوا علي كفاني «5» # وقال الحطيئة «6» : # أتت آل شماس بن لأي وإنما ... أتاهم بها الأحلام والحسب العد «7» # فإن الشقي من تعادي صدورهم ... وذو الجد من لانوا إليه ومن ودوا # يسوسون أحلاما بعيدا أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والحقد «8» # PageV01P363 # أقلوا عليهم- لا أبا لأبيكم-* من اللوم، أو سدوا المكان الذي سدوا # أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنى «1» ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا # وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها «2» ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا # وإن قال مولاهم على جل حادث ... من الأمر-: ردوا بعض أحلامكم، ردوا «3» # مغاوير أبطال مطاعيم في الدجى «4» ... بنى لهم آباؤهم وبنى الجد «5» # وقال خلف بن خليفة «6» : # عدلت إلى فخر العشيرة والهوى ... إليهم، وفي تعداد مجدهم شغل # إلى هضبة من آل شيبان أشرفت ... لها الذروة العلياء والكاهل العبل «7» # إلى النفر البيض الذين كأنهم «8» ... صفائح يوم الروع أخلصها الصقل # إلى معدن العز المؤيد والندى ... هناك هناك الفضل والخلق الجزل # أحب بقاء القوم للناس إنهم ms209 ... متى يظعنوا عن مصرهم ساعة يخلو «9» # عذاب على الأفواه ما لم يذقهم ... عدو، وبالأفواه أسماؤهم تحلو # PageV01P364 # عليهم وقار الحلم حتى كأنما ... وليدهم- من أجل هيبته- كهل # إذا استجهلوا لم يعزب الحلم عنهم ... وإن آثروا أن يجهلوا عظم الجهل # هم الجبل الأعلى إذا ما تناكرت ... ملوك الرجال أو تخاطرت البزل «1» # ألم تر أن القتل غال إذا رضوا ... وإن غضبوا في موطن رخص القتل # لنا منهم حصن حصين ومعقل ... إذا حرك الناس المخاوف والأزل «2» # لعمري لنعم الحي يدعو صريخهم ... إذا الجار والمأكول أرهقه الأكل # سعاة على أفناء بكر بن وائل ... وتبل أقاصي قومهم عندهم تبل «3» # إذا طلبوا ذحلا فلا الذحل فائت ... وإن ظلموا أكفاءهم بطل الذحل # مواعيدهم فعل إذا ما تكلموا ... بتلك التي إن سميت وجب الفعل «4» # بحور تلاقيها بحور غزيرة ... إذا زخرت قيس وإخوتها ذهل # وقال آخر: «5» # بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل «6» # بها ليل في الإسلام سادوا ولم يكن ... كأولهم في الجاهلية أول «7» # هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا # وهم يمنعون الجار حتى كأنما ... لجارهم بين السماكين منزل # وقال كعب بن جعيل:» # PageV01P365 # قوم إذا نزل الغريب بدارهم ... جعلوه رب صواهل وقيان # وإذا دعوتهم ليوم كريهة ... سدوا شعاع الشمس بالخرصان # لا ينكتون الأرض عند سؤالهم ... لتطلب العلات بالعيدان # بل يبسطون وجوههم فترى لها ... عند السؤال كأحسن الألوان # وقال الحطيئة: «1» # جاورت آل مقلد فحمدتهم ... إذ ليس كل أخي جوار يحمد «2» # أزمان من يرد الصنيعة يصطنع ... فينا ومن يرد الزهادة يزهد «3» # وقال طفيل الغنوي: «4» # جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت # أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي يلقون منا لملت # هم خلطونا بالنفوس وأرفؤا ... إلى حجرات أدفأت وأكنت # وقالوا: هلم الدار حتى تبينوا «5» ... وتنجلي الغماء عما تجلت «6» # ومن بعد ما كنا بسلمى وأهلها ... عبيدا وملتنا البلاد وملت «7» # وقال آخر: # نزلت على آل المهلب شاتيا ... بعيدا عن الأوطان في زمن المحل # وما زال بي إكرامهم وافتقادهم «8» ... وبرهم حتى حسبتهم ms210 أهلي # PageV01P366 # وقال آخر: # قوم إذا اقتحم العجاج حسبته «1» ... ليلا وخلت وجوههم أقمار # وإذا زناد الحرب أخمد نارها ... قدحوا بأطراف الأسنة نارا # لا يسئلون أخاهم لعظيمة ... عدل الزمان عليهم أو جارا # وقال آخر: «2» # لا يعدمنك المسلمون فإنهم ... في ظل ملكك أدركوا ما أملوا # حصنت بيضتهم وصنت حريمهم ... وحملت من أعبائهم ما استثقلوا # وقال آخر: «3» # نجوم سماء كلما غاب كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه # وأحسن الشيخ أبو عبد الله بن الخياط الدمشقي في ذكر الكواكب، في قصيدة ~~مدح بها جدي سديد الملك أبا الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني رحمه ~~الله، فقال فيها: # سأصحب آمالي إلى ابن مقلد ... بنجح وما ألوى الزمان بصاحب # فما اشتطت الآمال إلا أباحها ... سماح علي حكمها في المذاهب # إذا كنت يوما آملا أملا له ... فكن واهبا كل المنى كل طالب # وإن امرءا أفضى إليك رجاؤه ... ولم ترجه الآمال إحدى العجائب # من القوم لو أن الليالي تزينت ... بأحسابهم لم تحتفل بالكواكب # PageV01P367 # وذكر الشيخ أبو محمد بن سنان الخفاجي رحمه الله «1» النجوم في قصيدة له ~~يرثي بها جدي أبا المتوج رحمه الله، يقول فيها: # برغمي نزلت بدار تقي ... م رهن ثراها وأحجارها # وكنت بعلياء مطروقة ... يضيم النجوم سنا نارها # إذا نزلت بك فيها الركاب ... فقد أمنت شر أكوارها # ولو نزلت بك فيها العصاة ... طمت صحائف أوزارها # 210* وقد ورد من كلام النبوة في المدح ما يعجز عنه البلغاء قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم للأنصار رضي الله عنهم: «أما إنكم لتقلون عند الطمع، ~~وتكثرون عند الفزع» «2» . # 211* وقوله عليه السلام: «لو ولد أبو طالب الناس كلهم كانوا شجعانا» «3» ~~. ### | ومن بليغ التشبيه # قول امرىء القيس بن حجر: # «4» # وقلت لفتيان كرام: ألا انزلوا ... فعالوا علينا فضل ثوب مطنب «5» # PageV01P368 # وأوتاده مازية وعماده ... ردينية فيها أسنة قعضب «1» # وأطنابه أشطان خوص نجائب ... وصهوته من أتحمي مشرعب «2» # كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب «3» # نمش بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن ms211 قمنا عن شواء مهضب «4» # وقول امرئ القيس أيضا: «5» # كأني بفتخاء الجناحين لقوة ... صيود من العقبان طأطأت شملالي # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي # وقول عنترة بن شداد العبسي: «6» # وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشارب المترنم # هزجا يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم # وقول عنترة أيضا «7» : # يدعون: عنتر، والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم «8» # ما زلت أرميهم بغرة وجهه «9» ... ولبانه حتى تسربل بالدم # PageV01P369 # وقال الحطيئة واسمه جرول: «1» # كأن هوي الريح بين فروجها ... تجاوب أظآر على ربع ردي «2» # ترى بين لحييها إذا ما تزغمت ... لغاما كبيت العنكبوت الممدد «3» # ووصف أبو العلاء بن سليمان المعري التنوخي اللغام فقال: «4» # ولقد ذكرتك يا أمامة بعد ما ... نزل الدليل إلى التراب يسوفه «5» # والعيس تعلن بالحنين إليكم ... ولغامها كالبرس طار نديفه «6» ### | ومن بليغ ما وصف به مشي النساء # «7» قول امرىء القيس: «8» # وإذ هي تمشي كمشي النزيف ... يصرعه بالكثيب البهر «9» # برهرهة رخصة رودة ... كخرعوبة البانة المنفطر «10» # وقول الأعشى ميمون بن قيس: «11» # PageV01P370 # غراء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوجل # كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة: لا ريث ولا عجل «1» # وقول الآخر: # يمشين مشي قطا البطاح تأودا ... قب البطون رواجح الأطفال «2» # وكأن إذا أردن زيارة ... بزل الجمال دلجن بالأحمال «3» # وقول الآخر: # مالك لا تطرق أو تزور ... بيضاء بين حاجبيها نور # تمشي كما يطرد الغدير ### | ومن بليغ ما وصفوا به الخفر # قول امرىء القيس «4» : # قطيع الكلام فتور القيام ... تفتر عن ذي غروب خصر «5» # كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر «6» # يعل به برد أنيابها ... إذا غرد الطائر المستحر «7» # PageV01P371 # وقول الشنفرى «1» . # ويعجبني أن لا سقوط خمارها ... إذا ما مشت ولا بذات تلفت «2» # كأن لها في الأرض نسيا تقصه ... إذا ما مشت وإن تكلمك تبلت «3» # وقول عبد الله بن الدمينة «4» : # بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب «5» # ولم يعتذر عذر البريء ولم يزل ... به سكتة حتى يقال: مريب # وقول كثير بن عبد الرحمن في ms212 ذكر النار «6» : # PageV01P372 # لعزة نار ما تبوخ كأنها ... إذا ما رمقناها من البعد كوكب «1» # تعجب أصحابي لها ولضوئها ... وللمصطليها آخر الليل أعجب # ثم عكس هذا التشبيه فقال «2» : # وكيف سلوي عن هواها وكلما ... تألق نجم قلت: هاتيك نارها! ### | ومن بليغ ما قيل في الشيب # قول الشاعر: # يالليالي، قد فعلن بلمتي ... عجبا! ومن أفعالها يتعجب # كتبت بأبيض في سواد وإنما ... عهدي بأسود في بياض يكتب «3» # وقال الآخر «4» : # عرض المشيب بعارضي فأعرضوا ... وتقوضت خيم الشباب فقوضوا # فكأن في الليل البهيم تبسطوا ... خفرا وفي الصبح المنير تقبضوا # ولقد رأيت فهل سمعت بمثله ... بينا غراب البين فيه أبيض؟! # وقال الأفوه الأودي «5» : # PageV01P373 # إن تري رأسي فيه نزع ... وشواتي خلة فيها دوار «1» # أصبحت من بعد لون واحد ... وهي لونان وفي ذاك اعتبار «2» # وصروف الدهر في أطباقه ... خلفة فيها ارتفاع وانحدار «3» # [بينما الناس على عليائها ... إذ هو وافي هوة منها فغاروا] «4» # [ولياليه إلال للفتى ... دانيات تختليه وشفار] «5» # إنما نعمة قوم متعة ... وحياة المرء ثوب مستعار # [حتم الدهر علينا أنه ... ظلف ما نال منا وجبار] «6» # وقال الآخر: «7» # يا من لشيخ قد تخدد لحمه ... أبلى ثلاث عمائم ألوانا: «8» # PageV01P374 # سوداء حالكة وسحق مفوف ... وأجد لونا بعد ذاك هجانا «1» # [قصر الليالي خطوه فتدانى ... وحنون قائم ظهره فتحانى] «2» # والموت يأتي بعد ذلك كله ... وكأن ما قد كان لم يك كانا «3» # وقال والدي مجد الدين أبو سلامة مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ رحمه ~~الله: # إن الليالي أنذرت بفراق من ... أهوى ووالت رسلهن حثاثا # ألبسنني من كل لون صبغة ... قسمت حياتي بينها أثلاثا: # لونا غدافيا ولونا أشهبا ... أضحت حبال العيش منه رثاثا # وأتت بلون بعد ذلك ناصع ... عادت قواي لنقضه أنكاثا # إني لأحسد- بعد طول تلهف ... وتأسف- من يسكن الأجداثا # وعمرت فردا في الأنام فلا أرى ... إلا امرءا عن هفوتي بحاثا # وللشيخ أبي العلاء بن سليمان التقدم في هذا المعنى بقوله «4» : # واها لرأسك زال أدهمه ... عنه وأشهبه وأرقطه # وأعاده مثل اللجين مدى ... قد كان قبل به ينقطه # بل ليت شعري حين يرتحل ال ... جون ms213 المودع أين مسقطه؟! # PageV01P375 # وقال عبد الله بن المعتز رحمه الله «1» : # رقد الخلي لأنه خلو ... عمن يؤرق عينه الشجو # وإذا المشيب رمى بوهنته ... وهت القوى وتقارب الخطو «2» # وإذا استحال بأهله زمن ... كثر القذى وتكدر الصفو # سبحان من يعصى بأنعمه ... فيكون منه الستر والعفو # أنشدنا الهذيل وزير جوش بك أون به «3» صاحب الموصل بحصن شيزر سنة تسع ~~وخمس مائة في دار والدي رحمه الله لبعض شعراء خراسان: # أقول ونوار المشيب بعارضي ... قد افتر لي عن لون أسود سالخ: # أشيبا وحاجات النفوس كأنما ... يجيش بها في الصدر مرجل طابخ؟ # وما كل همي للمشيب وإن هوى ... بي المشيب عن طود من العز باذخ # ولكن لقول الناس: شيخ، وليس لي ... على نائبات الدهر صبر المشايخ # وقال أبو هلال الأسدي «4» : # نزل المشيب فحل غير مدافع ... وعفا المشيب من الشباب ديارا # وتجاورت خصل السواد ومثلها ... لمع البياض على القرون جوارا # PageV01P376 # وإذا هما اجتمعا هنالك حقبة ... ظعن السواد عن البياض فسارا # قلت: ما رأيت أن أخلي هذا الباب من شعر في ذكر الشيب، فذكرت هذه الأبيات ~~مختصرا، فإنني أفردت لذكر الشيب والكبر والشباب أيضا كتابا ترجمته بكتاب: ~~(الشيب والشباب) «1» اشتمل على كثير مما يتطلع إليه من هذا النوع، فغنيت به ~~عن الإطالة هاهنا. فمن وقف عليه «2» من الفضلاء عرف ما بينه وبين كتاب ~~(الشهاب «3» في ذكر الشيب والشباب) تأليف المرتضى رضي الله عنه، وعلم أن ~~الفضل للمقدم في البيان، لا في التقدم في الزمان ### | ومن بليغ الاعتذار # روي: أن المازني قال يوما لأصحابه: ما أحسن ما قيل في الاعتذار؟ # فأنشدوه ما حضرهم «4» ، فقال: أحسن ما قيل في الاعتذار قول النابغة ~~الذبياني: # سيري إليه فإما رحلة نفعت ... أو راحة القلب من هم وتعذيب # فإن عفوت فعفو غير مؤتنف ... وإن قتلت فوتر غير مطلوب «5» # نسب المازني هذين البيتين إلى النابغة، وقد وقفت على عدة نسخ من شعر ~~النابغة، فما رأيت هذين البيتين فيما دون من شعره «6» . # وقال النابغة يعتذر إلى النعمان «7» : # PageV01P377 # وعيد أبي قابوس في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس ms214 فالفوارع «1» # فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع # وأخبرت- خير الناس- أنك لمتني ... وتلك التي تستك منها المسامع «2» # أتوعد عبدا لم يخنك أمانة ... وتترك عبدا ظالما وهو ظالع؟! «3» # حملت علي ذنبه وتركته ... كذي العر يكوى غيره وهو راتع «4» # أتاك بقول لهله النسج كاذب ... ولم يأتك الحق الذي هو ساطع «5» # فإن كنت لا ذا الضغن عني مكذبا ... ولا حلفي على البراءة نافع «6» # ولا أنا مأمون بشيء أقوله ... وأنت بأمر لا محالة واقع # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # وأنت ربيع ينعش الناس سيبه ... وسيف أعيرته المنية قاطع «7» # أبى الله إلا عدله ووفاءه ... فلا النكر معروف ولا العرف ضائع # PageV01P378 # وقال أيضا يعتذر «1» : # فداء لامرىء سارت إليه ... بعذرة ربها عمي وخالي «2» # فإن كنت امرءا قد سؤت ظنا ... بعبدك والخطوب إلى تبال # فأرسل في بني ذبيان فاسأل ... ولا تعجل إلي عن السؤال # فلا عمر الذي أثني عليه ... وما رفع الحجيج إلى إلال «3» # لما أغفلت شكرك فانتصحني ... وكيف ومن عطائك جل مالي؟ # ولو كفي اليمين بغتك خونا ... لأفردت اليمين من الشمال # وقال [أيضا] يعتذر إلى النعمان «4» : # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب # لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب # ولكنني كنت امرءا لي جانب ... من الأرض فيه مستراد ومطلب «5» # ملوك وإخوان إذا ما أتيتهم ... أحكم في أموالهم وأقرب # كفعلك في قوم أراك اصطنعتهم ... فلم ترهم في مثل ذلك أذنبوا «6» # فلا تتركني بالوعيد كأنني ... لدى الناس مطلي به القار أجرب «7» # أتاني- أبيت اللعن- أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب # PageV01P379 # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب؟! # فإن أك مظلوما فعبد ظلمته ... وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب «1» # وقول علي بن الجهم: # إن الذين سعوا إليك بباطل ... أعداء نعمتك التي لا تجحد # شهدوا وغبنا عنهم فتحكموا ... فينا، وليس كغائب من يشهد # لو يجمع الخصماء عندك مجلس ... يوما لبان لك الطريق الأرشد # فالشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد «2» # قال مؤلف ms215 الكتاب من قصيدة يعتذر فيها: # هبني أتيت بجهل ما قذفت به ... فأين فضلك والحلم الذي عرفا؟ # ولا ومن يعلم الأسرار حلفة من ... يبر فيما أتى إن قال أو حلفا # ما حدثتني نفسي عند خلوتها ... بما تعنفني فيه إذا انكشفا # وقال أيضا في جواب عتاب «3» وصله من أخيه رحمه الله: # أبا حسن، وافى كتابك شاهرا ... صوارم عتب كل صفح لها حد # فقابلت بالعتبى مضيض عتابه ... ولم يتجهمه الحجاج ولا الرد «4» # وأعجبني عيي لديه ولم أزل ... إذا لم تكن خصمي لي الحجج اللد «5» # فياحبذا ذنب إلي نسبته ... وما خطأ مني أتاه ولا عمد # PageV01P380 # ولو كان ما بلغته فظننته ... لكفره حق الأخوة والود # فأهلا بعتب تستريح ببثه ... ويؤمنني أن يستمر بك الحقد # لقد راق في قلبي ولذ سماعه ... بسمعي، فزدني من حديثك يا سعد ### | ومن بليغ العتاب # قول المقنع الكندي «1» : # يعاتبني في الدين قومي، وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا «2» # أسد بها ما قد أخلوا وضيعوا ... ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا # فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا # ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس يسود القوم من يحمل الحقدا # لهم جل مالي إن نتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا # وإني لعبد الضيف مادام ثاويا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا # وقال الأسيدي «3» : # إني ليمنعني من ظلم ذي رحم ... لب أصيل وحلم غير ذي وصم # إن لان لنت وإن دبت عقاربه ... ملأت كفيه من صفح ومن كرم # وقال عطية بن العيسر بن محزر: «4» # PageV01P381 # ومولى كداء السوء لاخير عنده ... ولا شر إلا ما أصاب الأدانيا # عديم من الأخلاق إلا أدقها ... وألأمها يزجي إلي الدواهيا # ألا قد أرى والله أن لست فاعلا ... كفعلي ولا تبلي كمثل بلائيا # ولست بأن ناوأت قوما بناصري ... عليهم، ولا إن قل مالي مواسيا # وقال المبرد: # وإني للباس على المقت والأذى ... بني العم منهم كاشح وحسود # أذب وأرمي بالحصى من ورائهم ... وأبدأ بالحسنى لهم وأعود «1» # وقال ثابت قطنة: «2» # تعففت عن شتم العشيرة إنني ... وجدت ms216 أبي قد عف عن شتمهم قبلي # حليم إذا ما الحلم كان مروءة ... وأجهل أحيانا إذا التمسوا جهلي # وقال عمرو بن لبيد الرياحي: «3» # أبلغ إهابا كلها وأهيبها ... وشر صديق المرء من لا يعاتبه # إهاب وأهيب: ابنا رياح، وهما حيان. # فما تركت أحلامكم من صديقكم ... لكم من أخ إلا قد ازور جانبه # وقال أبو الشعر الضبي: # قل لمولاي الذي لا شره ... كف بالأمس ولا الود بذل: # إن للدهر خطوبا جمة ... ذات إبرام ونقض لو عقل # PageV01P382 # ليس مولاك الذي يأبى الندى ... وإذا ما هز للنصر خذل # إنما مولاك من ترمي به ... من ترامي حين يشتد الوهل # والذي إن خضت يوما غمرة ... خاضها إن ناكل عنك نكل # خذلوني أن ألمت عثرة ... واتقوني بمعاذير العلل «1» # وقال عبد الله بن المعتز «2» : # يا نازحا أحرجت من ذكره ... قد ذاق قلبي منك ما خافا «3» # فابخل بإخوانك واستبقهم ... لا تنفق الإخوان إسرافا # وقال عمران بن عصام العنزي «4» : # ولم أر مثل الحلم خير مغبة ... ولا مثل عقبى الطيش والجهل والظلم # جهلتم فلم نحلم وكنا وأنتم ... حقيقين أن نلقى العشيرة بالحلم «5» # فإذ لم يكن حلم وفالت عقولنا ... جميعا فما هذا التهدد بالهضم؟! # فكفوا وداووا ما مضى بحلومكم ... فذلك أدنى للتكرم والحزم # وقال أبو العباس الأعمى، وهو السائب بن فروخ مولى لبنى جذيمة «6» : # PageV01P383 # لحى الله مولى السوء لا أنت راغب ... إليه ولا رام به من تحاربه «1» # وما قرب مولى السوء إلا كبعده ... بل البعد خير من عدو تقاربه «2» # من الناس من يدعى صديقا ولو ترى ... خبية جنبيه لساءك غائبه «3» # يمن ولا يعطي ويزعم أنه ... كريم، ويأبى لؤمه وضرائبه # وإني وتأميلي جذيمة كالذي ... يؤمل ما لا يدرك الدهر طالبه «4» # يمنون ما يعطي العلاء بن طارق ... علي وما يشقى به من يحاربه # فأما إذا استغنيتم فعدوكم ... وأدعى إذا ما غص بالماء شاربه «5» # PageV01P384 # فإن يك قومي أهل شاء وجامل ... ومال كثير لا تعد مساربه # فما لي في أموال قومي حاجة ... ولا عزهم، ما عاجل الظل آيبه # وكنتم كغيث الرك من يرع دونه ... يقصر، ومن يطلب ms217 حيا فهو جادبه «1» # فما تركت أحلامكم من صديقكم ... لكم صاحب إلا قد ازور جانبه # وقال الشريف الرضي «2» : # ولي صاحب كالرمح زاغت كعوبه ... أبى بعد طول الغمز أن يتقوما «3» # تقبلت منه ظاهرا متبلجا ... وأصمر دوني باطنا متجهما «4» # فأبدى كنور الروض رفت فروعه ... وأضمر كالليل الخداري مظلما «5» # ولو أنني كشفته عن ضميره ... أقمت على ما بيننا اليوم مأتما «6» # حملتك حمل العين لج بها القذى ... فلا تنجلي يوما ولا تبلغ العمى «7» # فلا باسطا بالسوء إن ساءني يدا ... ولا فاغرا بالذم إن رابني فما «8» # هي الكف مض حملها بعد دائها ... وإن قطمت شانت ذراعا ومعصما «9» # PageV01P385 # لوالدي مجد الدين أبي سلامة مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ رحمه ~~الله أبيات من قصيدة تقارب هذا المعنى وهي «1» : # فيالي من ريب الزمان وصرفه ... ومالي من هم أفاعيه لن ترقى «2» # وإن أظهر الشكوى أجد غير راحم ... يسر شماتا بي وإن أحسن الملقى «3» # فيبدي نهارا مشرقا من وداده ... ويضمر من غل دجوجنه قلقا «4» # تجاهلت عما ساء من كل صاحب ... كأني جماد لا أحس بما ألقى # وقال نهشل بن حري «5» : # ومولى عصاني واستبد برأيه ... كما لم يطع بالبقتين قصير «6» # فلما رأى أن غب أمري وأمره ... وولت بأعجاز الأمور صدور «7» # ممنى أخيرا أن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأمور أمور # وقال الزبير بن عبد الله بن الزبير «8» : # ومولى كداء البطن أو فوق دائه ... يزيد موالي الصدق خيرا وينقص # PageV01P386 # تربصت أرجو أن يثوب ويرعوي ... إلى الحلم حتى استيأس المتربص «1» # وقال آخر، ويروى للزبرقان بن بدر «2» : # ولي ابن عم لا يزا ... ل يعيبني ويعين عائب # وأعينه في النائبا ... ت ولا يعين على النوائب # [تسري عقاربه إلي ولا تناوله عقارب «3» ] # لاه ابن عمك لا تخا ... ف المخزيات من العواقب «4» # دعني أعنك على الزما ... ن وأغن عنك بكل جانب # إني كسيفك في يمين ... ك لا ألين لمن تحارب # وقال آخر «5» : # عذرت السابقين إلى لسع ال ... عقارب غيركم عمرو بن كعب # ألم أبذل لكم ودي ونصحي ... وأصرف عنكم ذربي ولغبي «6» # وأجعل كل مضطهد ms218 أتاني ... يريد النصر بين حشى وخلب «7» # PageV01P387 # واحفظ ما شهدت إذا أضعتم ... وينسح عنكم الأقصين كلبي؟! # إذا قرم سما بغيا عليكم ... تنكب عن شديد الركن صلب # رآني معنقا أمشي إليه ... فولى يتقي غضبي وعضبي «1» # وقال كثير بن عبد الرحمن الحزاعي «2» : # أود لكم خيرا وتطرحونني ... أكعب بن عمرو لاختلاف الصنائع «3» # وكيف لكم صدري سلم وأنتم ... على حسك الشحناء حنو الأضالع «4» # أحاذر أن تلقوا ردى ومطيكم ... خواضع تبغيني حمام المصارغ «5» # على كل حال قد بلوتم خليقتي ... على الفقر مني والغنى المتتابع # وإني لمستأن ومنتظر بكم ... على هفوات فيكم وتتايع «6» # وبعض الموالي تتقى درءآته ... كما تتقى روس الأفاعي الأضالع «7» # PageV01P388 # قال أبو الحسن المدائني «1» : لما ادعى معاوية بن أبي سفيان رحمه الله ~~زياد بن عبيد، وقدم بذلك عمرو بن العاص المدينة-: جزعت بنو أمية من ذلك ~~جزعا شديدا، فقدموا الشأم بأجمعهم، ونزلوا في مكان واحد، ووجدوا مروان بن ~~الحكم قد كتب له معاوية بن أبي سفيان عهدا بولاية المدينة، فأتوه فقالوا ~~«2» له: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد ترى ما ركبنا «3» به معاوية من أمر ليس لنا ~~عليه صبر ولا قرار، ولا ينام على مثله الأحرار، ويعذر بعض الإعذار «4» -: ~~إدخاله من ليس منا، يريد أن يدخله على حرمنا ونسائنا، وإيثاره علينا من هو ~~دوننا، وقد أجمع رأينا على أن نعاتبه في ذلك، فإن قبل قبلنا، وإن أبى ~~اعتزلنا. فقال مروان: قد والله كلمته في ذلك ثلاث مرات، ليس فيها مرة إلا ~~وهو يظهر التعتب والتغضب، ويزعم أني في هذا الأمر أوحد. فقال سعيد بن ~~العاص: لا والله، ولكنك تحامي على عهدك، وتبقي على ولايتك. فقال مروان: ~~والله لصلاحكم في فساد عهدي أحب إلي من فسادكم في صلاح عهدي، فادخلوا على ~~الرجل فكلموه بملء أفواهكم، فإنه # PageV01P389 # حليم أديب أريب. فانطلق القوم بجماعتهم، وتخلف عنهم مروان. فذهبوا حتى ~~استأذنوا على معاوية، فلما أخبره الآذن بمكانهم قال له: احبسهم بين ~~البابين، وأرسل إلى قواد أهل الشأم ورؤسائهم، فجمعهم عنده، وأفام الرجال ~~بين يديه بالأعمدة والسيوف، ثم أذن لهم، فلما دخلوا ms219 عليه سلموا، فأحسن الرد ~~عليهم، ثم قال: قرب الله الديار، وأدنى المزار، ما لذي أقدمكم؟ أزيارة ~~فتحظى؟ # أم سخط فيرضى؟ أم حاجة فتقضى؟ قالوا: لكل جئنا يا أمير المؤمنين. قال: # تكلموا، فسكت القوم، ومثل عبد الرحمن بن الحكم- أخو مروان- بين يديه ~~فقال: يا أمير المؤمنين، أتتك عصبة من فصيلتك، وآخرون من أسرتك وعشيرتك، ~~كلهم عارف بفضلك، راع لحقك، ناشر لشكرك-: في أمر قبره خير من نشره، وإماتته ~~خير من ذكره، جئناك لأمر عجزت عن حمله الجنوب، وضاقت الصدور والقلوب، ~~وكرهنا أن لا نذكره لك فينبت في صدورنا، ولا يحصد لزمانه، ولا يصيره لإبانه ~~«1» ، وهي المصيبة الخطرة «2» ، واللأواء المبيرة «3» ، واعلم أنا لم نأتك ~~تجرما ولا تعيثا «4» ولا بطرا، فإن تأذن تكلمنا، وإن تأب سكتنا. قال: هات، ~~لله أنت! قال: يا أمير المؤمنين، إن أمية بن عبد شمس ولد عشرة ذكور: حربا ~~وأبا حرب، وسفيان وأبا سفيان والعاص وأبا العاص، والعيص وأبا العيص «5» ، ~~ولم يلد عبيد عبد ثقيف ولا # PageV01P390 # العاص بن وائل، وإنك قد جعلت عمروا وزيادا شعارك دون دثارك، ونفسك التي ~~بين جنبيك، ثم لم ترض لابن عبيد حتى نسبته إلى أبيك، عضيهة لأبيك «1» ، ~~وإزراء ببنيك، مع ما في ذلك من السخط لربك، والمخالفة لنبيك صلى الله عليه ~~وسلم، إذ قضى: أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، فقضيت الولد للعاهر وللفراش ~~الحجر، فرفعت أمرا كان حقيرا، وشهرت أمرا كان خاملا صغيرا، تريد أن تدخله ~~على حرمك ونسائك، ثم أنشأ يقول: # أترضى يا معاوية بن حرب ... بأن تعطي حراثمك العبيدا # كأني والذي أصبحت عبدا ... له بالقوم قد شكروا يزيدا # فإن ترجع فقد لقيت رشدا ... وإن تجمع فلم تطع الرشيد «2» # فأما عمرو بن العاص فقد الزمت نفسك الحاجة إليه، وألزم نفسه الغناء عنك، ~~وايم الله لنحن أنصح جيوبا وأوجب حقا وأمس رحما، وما من أمر يبلغه عمرو ~~فنعجز عنه لتقصير بنا ولا وهن منا، لكنك رفعت المرء فوق قدره، حتى طمح ~~بفخره، وزخر ببحره، فصار كأنه شيء وليس بشيء، وإن مثلنا ومثلك كما قال ~~الأول ms220 «3» : # من الناس من يصل الأبعدين ... ويشقى به الأقرب الأقرب # قال: ثم إن مروان أدركه تذمم «4» من تخلفه عن القوم، فلحق بهم عند انقضاء # PageV01P391 # كلام أخيه، فلما رآه معاوية قال: إيه يا مروان! عن رأيك صدر القوم حتى ~~أسمعوني ما سمعت؟ قال: يا أمير المؤمنين، إن لنا ولك مثلا. قال: هات خطط ~~كخطط أخيك. قال: يا أمير المؤمنين، إن عدي بن زيد العبادي لما حبسه النعمان ~~بن المنذر في السجن قال «1» : # أبا منذر جازيت بالود سخطة ... فماذا جزاء المبغض المتبغض «2» # فجازيته في ذا المثال كرامة ... ولست لشيء بعد بالمتعرض «3» # فإنا والله- يا أمير المؤمنين- غير عائدين لشيء من معاتبتك في هذا الأمر، ~~فإن تراجع قبلنا، وإن تأب أمسكنا، مع أنك لو قدرت تتكثر بالزنج على آل «4» ~~أبي العاص لفعلت، تكرها لجلد فيهم، وتبرما بمدتهم، وايم الله ما هذا جزاؤهم ~~منك، لقد أثروك وواسوك، فما جازيت ولا كافأت. فقام معاوية مغضبا «5» ، وقال ~~للحرس: شدوا أيديكم بالقوم. ثم دخل، وأجلسوا «6» طويلا حتى ساء ظنهم، ثم ~~خرج مقطبا بين عينيه، فجلس على سريره، وأقبل بوجهه، وتمثل بأبيات «7» : # PageV01P392 # لدي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصاء ... وما علم الإنسان إلا ليعلما # ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما «1» # وما كنت إلا مثل قاطع كفه ... بكف له أخرى فأصبح أجذما # يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدما «2» # فلما استقاد الكف بالكف لم يجد ... له دركا في أن تبينا فأحجما «3» # فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع لصمما «4» # ثم قال: هذا الذي حجزني عنكم، وايم الله، لقد قطعتم من زياد رحما قريبة ~~واشجة، وقلتم عليه البهتان بغير تثبت ولا بيان، ولقد وضع الله ما كان في ~~الجاهلية من سفك الدماء، والشرك برب السماء، فذلك أعظم مما كان فيه أبو ~~سفيان، وايم الله، ما الله راقبتم، ولا لي نظرتم، بل أدرككم الحسد في ~~القديم «5» لبني حرب، ولئن عدتم لشيء مما أرى، أو أتاني «6» عنكم من ورا ~~ورا-: لأنهلنكم صبرا، ولأعلنكم «7» علقما، حتى تعلموا- في طول ms221 حلمي- أن قد ~~منيتم بمن إن حز قطع، وإن همز أوجع، وإن هم فجع، ثم لا تقال «8» لكم ~~العثرات، ويستصعب عليكم مني ما كان وطيا «9» . # PageV01P393 # ويتوغر عليكم ما كان سهلا، فأما قولكم: إني أصبت السلطان بسببكم-: # فقد علمتم- يا آل العاص- أن عثمان قتل وأنا غائب وأنتم حضور، فما كان ~~فيكم من مد ذراعا، ولا اشال «1» باعا، أسلمتموه «2» للحتوف، وغمدتم بعده ~~السيوف، فما نصرتموه ولا منعتموه بأكثر من الكلام، وكان سبب ما ألب عليه ~~الناس «3» وأجلبوا ما كان من إيثاره إياكم بالفيء والقسم، وفي ذلك قطعت ~~أوداجه، وسفك دمه على أثباجه «4» ، واستحلت حرمته، ونكثت بيعته، فما شببتم ~~نارا، ولا طلبتم ثأرا، حتى كنت أنا المطالب بالثأر، والمثكل للأمهات، ولقد ~~منيت في الطلب بدمه بحرب امريء لا يغيض بحره، ولا يذل نحره، من إن قرعته لم ~~يفزع «5» ، وإن أطمعته لم يطمع: من لا تخور قناته، ولا تصدع صفاته «6» : من ~~لا يطعن في قرابته وفهمه وعلمه وسابقته ومبين بلائه «7» . وإني كالحية ~~الصماء لا يبل سليمها «8» ، ولا ينام كليمها، وإني للمرء إن همزت كسرت، وإن ~~كويت أنضجت، فمن شاء فليشاور، ومن شاء فليؤامر، مع أنهم لو عاينوا من يوم ~~الهرير «9» ما عاينت، أو ولوا # PageV01P394 # منه ما وليت، إذ شد علينا أبو حسن في كتائبه، وعن يمينه وشماله أهل ~~البصائر، وكرام العشائر، فهناك شخصت الأبصار، وارتفع الشرار وقارعت الأمهات ~~عن ثكلها، وذهلت عن حملها، واحمرت الحدق، واغبر الأفق، وألجم العرق، وسال ~~العلق، وثار القتام، وصبر الكرام، وحام اللئام، وحضر الفراق، وأزبدت ~~الأشداق، وقامت الحرب على ساق، وتضاربت الرجال بنصالها، بعد يأس من مآلها، ~~وتقصف من رماحها، فلا نسمع إلا التغمغم من الرجال، والتحمحم من الخيول» # ، ووقع السيوف كأنه دق غاسل خشبته على منصبته، فكان ذلك دأبنا يومنا حتى ~~رهقنا «2» الليل بغسقه، ثم انبلج الصبح بفلقه، فلم يبق من القتال إلا ~~الهرير والزئير «3» . فقال عمرو ابن العاص: أما والله لو شهدتم ذلك اليوم ~~لعلمتم أني أحسن بلاء، وأصبر في اللأواء «4» ، وإني وإياكم لكما قال الأول: # وأعرض عن أشياء ms222 لو شئت قلتها ... ولو قلتها لم أبق للصلح موضعا # فان كان أمير المؤمنين صيرني شعاره دون دثاره فقد أوليته ذلك من نفسي، ~~وقد عجمني وسبرني فوجدني وفيا شكورا، إذ لم تشكروه ولا أنتم معه، وقد طلبنا ~~بدم أمير المؤمنين- المقتول ظلما- إذا لم تطلبوه، وصبرنا لقراع الكتائب ~~وظبات القواضب «5» ، وأنا أسألك- يا أمير المؤمنين- أن تغفر # PageV01P395 # للقوم ما قالوا، وتتغمد لهم ما نالوا «1» ، فإنهم غير عائدين إلى أمر ~~تكرهه. # فقال معاوية: قد فعلت إن هم فعلوا. ثم نهض ونهض القوم، فلم يكن بينهم في ~~هذا الأمر معاودة. ### | ومن بليغ العتاب في الشعر # قول يزيد بن الحكم لأخيه عبد ربه بن الحكم «2» : # PageV01P396 # تكاشرني كرها كأنك ناصح ... وعينك تبدي أن صدرك لي دوي «1» # لسانك لي أري وغيبك علقم ... وشرك مبسوط وخيرك ملتوي «2» # تقارب من أطوي طوى الكشح دونه ... ومن دون من صافيته أنت منطوي # تصافح من لاقيت لي ذا عداوة ... صفاحا وغيي بين عينيك منزوي «3» # أراك إذا لم أهو أمرا هويته ... ولست لما أهوى من الأمر بالهوى # أراك اجتويت الخير مني وأجتوي ... أذاك، فكل يجتوي قرب مجتوي «4» # فليت كفافا كان خيرك كله ... وشرك عني ما ارتوى الماء مرتوي # [تود عدوا ثم تزعم أنني ... صديقك! ليس الفعل منك بمستوي] «5» # لعلك أن تنأى بأرضك نية ... وإلا فإني غير أرضك منتوي «6» # تبدل خليلا بي كشكلك شكله ... فإني خليلا صالحا بك مقتوي «7» # فلم يغوني ربي، فكيف اصطحابنا ... ورأسك في الأغوى من الغي منغوي؟ # عدوك يخشى صولتي إن لقيته ... وأنت عدوي، ليس ذك بمستوي # PageV01P397 # وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي «13» # نداك عن المولى ونصرك عاتم ... وأنت له بالظلم والغم مجذوي «14» # تود له لو ناله ناب حية ... ربيب صفاة بين لهبين منحوي «15» # إذا ما ابتنى المجد ابن عمك لم تعن ... وقلت: ألا يا ليت بنيانه خوي «16» # كأنك إن قيل: ابن عمك غانم ... شج أو عميد أو أخو مغلة لوي «17» # تملأت من غيظ علي فلم يزل ... بك الغيظ حتى كدت بالغيظ تنشوي # وما برحت نفس حسود حبستها ... تذيبك ms223 حتى قيل: هل أنت مكتوي؟ «18» # وقال النطاسيون: إنك مسعر ... سلالا، ألا بل أنت من حسد جوي «19» # جمعت وفحشا غيبة ونميمة! * ثلاث خلال لست عنها بمرعوي # PageV01P398 # [أفحشا وجبنا واختتاء عن الندى؟ ... كأنك أفعى كدية فر محجوي! «22» ] # ويدحو بك الداحي إلى كل سوءة ... فياشر من يدحو بأطيش مدحوي «23» # بدا منك غش طالما قد كتمته ... كما كتمت داء ابنها أم مدوي «24» # قيل: كانت امرأة خطبت على ابنها، فجاءت أم الجارية التي خطبتها لتنظر إلى ~~ابنها وتكلمه، فجاء الغلام إلى أمه، وفي البيت لبن عليه دواية، وهي: قشرة ~~رقيقة تعلو اللبن؛ فقال: يا أمه، أدوي؟! أي: ألعق تلك القشرة. فكرهت أمه أن ~~تسمع ذاك أم الجارية التي خطبتها فتستصغره، فقالت: اللجام معلق بباب البيت. ~~تريها أنه إنما طلب اللجام. فيقول الشاعر: كتمت أنت هذا الغش كما كتمت تلك ~~أمر ابنها «1» . # وقال معن بن أوس لأخيه حبيب «2» : # لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تغدو المنية أول «3» # PageV01P399 # كأنك تنفي منك داء إساءتي ... وسخطي، وما في ذاك ما يتعجل «1» # لحى الله من ساوى أخاه بعرسه ... وخدعه، حاشاك إن كنت تفعل «2» # وإتي على أشياء منك تريبني ... قديما لذ وصفح على ذاك مجمل «3» # وإني أخوك الدائم العهد لم أحل ... إن ابزاك خصم أو نبا بك منزل «4» # أحارب من حاربت من ذي قرابة ... وأحبس مالي إن غرمت فأعقل «5» # فإن سؤتني يوما صفحت إلى غد ... ليعقب يوما منك آخر مقبل «6» # ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك، فانظر أي كف تبدل # إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل # ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل «7» # وكنت إذا ما صاحب مل صحبتي ... وبدل سوءا بالذي كنت أفعل «8» # قلبت له ظهر المجن ولم أدم ... على العهد إلا ريث ما أتحول «9» # إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه أخر الدهر تقبل «10» # وفي الناس إن رثت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار القلى متحول «11» # PageV01P400 # وقال معن بن أوس أيضا «1» : # وذي رحم ms224 قلمت أظفار ضغنه ... بحلمي عنه وهو ليس له حلم # يحاول رغمي لا يحاول غيره ... وكالموت عندي أن يحل به الرغم «2» # إذا سمته وصل القرابة سامني ... قطيعتها، تلك السفاهة والإثم «3» # ويسعى إذا أبني ليهدم صالحي ... وليس الذي يبني كمن شأنه الهدم # فإن أعف عنه أغض عينا على القذى ... وليس له بالصفح عن ذنبه علم «4» # وإن أستقد منه أكن مثل رائش ... سهام عدو يستهاض بها العظم «5» # فدارأته بالحلم، والمرء قادر ... على سهمه ما دام في كفه السهم «6» # فما زلت في رفق به وتعطف ... عليه كما تحنو على الولد الأم «7» # PageV01P401 # وخفض له مني الجناح تألفا ... لتدنيه مني القرابة والرحم # وقولي إذا أخشى عليه ملمة: ... ألا اسلم فداك الخال ذو العقد والعم «1» # وصبري على أشياء منه تريبني ... وكظمي على غيظي، وقد ينفع الكظم # ودارأته حتى ارفأن نفاره ... فعدنا كأنا لم يكن بيننا صرم «2» # وأطفأت نار الحرب بيني وبينه ... فأصبح بعد الحرب وهو لنا سلم «3» # وقال قعنب بن أم صاحب من بني عبد الله بن غطفان: «4» # ما بال قوم صديق ثم ليس لهم ... عهد وليس لهم دين إذا ائتمنوا؟! «5» # إن يحلفوا لك تسمع قولهم وترى ... أجسام قوم فإنا بعدهم أفنوا «6» # PageV01P402 # إذا تواريت أدلوا في ألسنهم ... ولا يبالون لي بالله ما متنوا «1» # قوم بهم عرة تدمى جوانبها ... إذا أشاء بدالي منهم ضغن «2» # طروا على جرب أغفلته فهم ... ربد الجلود على السوءات قد عدنوا «3» # لا يرفعون إلى السلطان وجههم ... ولا العدو، فأما لي فقد طبنوا «4» # فطانة فطنوها لو تكون لهم ... مروءة أو تقى لله ما فطنوا # شبه العصافير أحلاما ومقدرة ... لو يوزنون بزف الريش ما وزنوا «5» # جهلا علينا وجبنا عن عدوهم ... لبئست الخلتان: الجهل والجبن «6» # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا «7» # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... مني، وما سمعوا من صالح دفنوا «8» # وقد رجوا أن أرى أعراضهم حرما ... ويستحلون عرضي، ما لهم؟ لعنوا! # إذا بطنت أرجي ودهم ظهروا ... وإن ظهرت لبقيا فيهم بطنوا «9» # PageV01P403 # وقد علمت- على أني أعايشهم-* لم يبرح الدهر فيما ms225 بيننا إحن «1» # كل يداجي على البغضاء صاحبه ... فلم أعالنهم إلا كما علنوا «2» # لا تطمئن إلي الدهر أنفسهم ... من العداوة والضغن الذي اضطغنوا # ولن يراجع قلبي ودهم أبدا ... زكنت منهم على مثل الذي زكنوا «3» # وقال أبو الأسود الدئلي «4» : # من مبلغ عني خليلي مالكا ... رسولا إليه حيث كان من الأرض: # فما لك مسهوما إذا ما لقيتني ... تقطع عني طرف عينك كالمغضي «5» # ومالي إذا ما أخلق الود بيننا ... أمر القوى منه وتعمل في النقض؟ «6» # ألم تر أني لا ألون سيمتي ... تلون غول الليل بالبلد المفضي؟ «7» # فسل بي، ولا تستحي مني، فإنه ... كذلك بعض الناس يسأل عن بعض # وقال أيضا: # أعود على المولى- وإن زل حلمه-* بحلمي، وكان العود أبقى وأحمد «8» # وكنت إذا المولى بدا لي غشه ... تجاوزت عنه وانتظرت به غدا # PageV01P404 # لتحكمه الأيام أو لترده ... علي، ولم أبسط لسانا ولا يدا «1» # وإني لذو حلم كثير، وإنني ... مرارا لأشفي داء من كان أصيدا «2» ### | ومن بليغ المراثي # كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه كثيرا ما ينشد هذا ~~الشعر: # ألا قد أرى والله أن لست منكم ... ولا أنتم مني، وإن كنتم أهلي # وأني ثوي قد أحم انطلاقه ... يحييه من حياه وهو على رحل «3» # ومنطلق منكم بغير صحابة ... وتابع إخواني الذين مضوا قبلي «4» # ألم أك قد صاحبت عمرا ومالكا ... وأدهم يغدو في فوارس أو رجل # وصاحبت شيبانا وصاحبت ضابيا ... وصاحبني الشم الطوال بنو شبل # أولئك إخواني مضوا لسبيلهم ... يكاد ينسيني تذكرهم عقلي # يقول أناس أخلياء: تناسهم ... وليس بناس مثلهم أبدا مثلي «5» # ألاك أخلائي إذا ما ذكرتهم ... بكيت بعين ماء عبرتها كحلي «6» # وكانوا إذا ما القر هبت رياحه ... وضم سواد الليل رحلا إلى رحل «7» # يدرون بالسيف الوريدين والنسا ... إذا لم يقم راعي أناس إلى رسل # إذا ما لقوا أقرانهم قتلوهم ... وإن قتلوا لم يقشعروا من القتل # PageV01P405 # وكم من أسير قد فككتم قيوده ... وسجل دم أهرقتموه على سجل «1» # وقال هذيلة بن سماعة بن أشول: «2» # وعاذلة باتت باليل تلومني ... فبت كأن الهم قرن أجاذبه «3» # ذكرت بني سهل ms226 وبيني وبينهم ... شراج الحمى أركانه ومناكبه «4» # أجدي لن ألقى زيادا ولا أرى ... قنانا يقود الخيل شعثا ذوائبه «5» # ولا مثل فتيان توالوا بمنع ... عجالى إذا ما الجوف أوضع راكبه «6» # رجالا لو أن الشم من جانبي قنا ... هوى مثلهم منها لزلت جوانبه «7» # وقال الحارث بن حلزة، وقيل إنها منحولة: «8» # أرقا بت ما ألذ رقادا ... تعتريني مبرحات الأمور # PageV01P406 # واردات وصادرات إلى أن ... حسر المدلهم ضوء البشير «1» # قذفتك الأيام بالحدث الأك ... بر منها وشاب كل صغير «2» # وتفانى بنو أبيك فأصبح ... ت عقيرا للدهر أو كالعقير # ليس من حادث الزمان إذا جا ... ر على أهل غبطة من مجير «3» # وقال يزيد بن ضبة ابن مقسم «4» : # لم ينس سلمى فؤادك السدك ... فكيف تصبو وأنت محتنك «5» # لو كان ما واحدا هواك لقد ... أقصرت، لكن هواك مشترك «6» # تقول سلمى- واستنكرت-: عجبا! * ما بال أشياء منك تنتهك؟! «7» # فقلت من ترحة ومن أسف: ... أبناء عوف ومالك هلكوا # خلوا فجاجا علي فانخرقت ... لم يستطع سدهن من تركوا # وقال أبو العيص بن حزام «8» : # PageV01P407 # وكم من صاحب قد ناء عني ... رميت بفقده وهو الحبيب «1» # فلم أبد الذي تحنو ضلوعي ... عليه، وإنني لأنا الكئيب # مخافة أن يراني مستكينا ... عدو أو يساء به قريب «2» # فيشمت كاشح ويظن أني ... جزوع عند نائبة تنوب # فبعدك مدت الأعداء طرفا ... إلي ورابني دهر مريب «3» # [وأنكرت الزمان وكل أهلي ... وهرتني لغيبتك الكليب] «4» # وكنت تقطع الأنظار دوني ... وإن وغرت من الغيظ القلوب «5» # [ويمنعني من الأعداء أني ... وإن رغموا- لمخشي مهيب] «6» # فلم أر مثل يومك كان يوما ... بدت فيه النجوم فما تغيب «7» # وليل ما أنام به طويل ... كأني للنجوم به رقيب # وما يك جائيا لا بد منه ... إليك فسوف تجلبه الجلوب «8» # وقال رقيع بن عبيد بن صيفي الأسدي، ويرثي أخاه صيفيا وابن أخيه معبدا «9» ~~: # لحى الله دهرا شره دون خيره ... وحدا بصيفي نأى بعد معبد «10» # PageV01P408 # بقية خلاني أتى الدهر دونهم ... فما جزعي؟ أم كيف عنهم تجلدي؟ «1» # فلو أنها إحدى يدي رزئتها ... ولكن يدي بانت على إثرها يدي # فلست بباك بعده إثر هالك ... قدي الآن من ms227 وجد على هالك قدي # وقال دعبل الخزاعي يرثي قومه: «2» # كانت خزاعة ملء الأرض ما اتسعت ... فقص مر الليالي من حواشيها # هذا أبو القسم الثاوي ببلقعة ... تسفي الرياح عليه من سوافيها «3» # هبت وقد علمت أن لا هبوب به ... وقد تكون حسيرا إذ يباريها # [أضحى قرى للمنايا إذ نزلن به ... وكان في سالف الأيام يقريها] «4» # وقال عبد الله بن المعتز «5» : # لله أقوام فقدتهم ... سكنوا بطون الأرض والحفرا # مرد الزمان علي بعدهم ... وعرفت طول الهم والسهرا «6» # وقال أبان بن النعمان بن بشير يرثي أخاه «7» : # PageV01P409 # وأنا ابن أمك يا يزيد فمن يكن ... يسلو فقلبي موجع محزون # وإذا رأيت منازلا خلفتها ... حسب المحدث أنني مجنون # قال الأصمعي: أرثى ما قالت العرب قول الشاعر «1» : # ومن عجب أن بت مستشعر الثرى ... وبت بما خولتني متمتعا «2» # ولو أنني أنصفتك الود لم أبت ... خلافك حتى ننطوي في الثرى معا # قلت: ما رأيت أن أخلي هذا الباب من ذكر شيء من المراثي، فذكرت هذه النبذة ~~منها، وقد أوردت في كتابي المترجم بكتاب (التأسي والتسلي من المراثي ~~والتعازي) ما غنيت به عن الإطالة هاهنا. ### | ومن بليغ مليح الغزل # قول الأقرع بن معاذ القشيري «3» : # سلام على من لا يمل كلامه ... وإن عاشرته النفس عصرا إلى عصر # فما الشمس وافت يوم دجن فأشرقت ... ولا البدر وافى أسعدا ليلة البدر # بأحسن منها، أو تزيد ملاحة ... على ذاك، أو راءى المحب؟ فما أدري! # وقول ابن الملوح «4» : # كأن على أنيابها الخمر شابها ... بماء الندى من آخر الليل عابق «5» # PageV01P410 # وما ذقته إلا بعيني تفرسا ... كما شيم من أعلى السحابة بارق «1» # يضم علي الليل أوصال حبكم ... كما ضم أزرار القميص البنائق «2» # وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا ... سوى أن يقولوا: إنني لك عاشق # أجل، صدق الواشون، أنت حبيبة ... إلي وإن لم تصف منك الخلائق «3» # وقال مضرس بن قرط بن حارث المزني «4» : # تكذبني بالود سعدى فليتها ... تحمل مني مثله فتذوق «5» # ولو تغلمين العلم أيقنت أنني ... لكم- والهدايا المشعرات- صديق «6» # أذود سواد العين عنك وماله ... إلى أحد إلا إليك طريق # أهم بصرم الحبل ms228 ثم يردني ... إليك من النفس الشعاع فريق «7» # وكادت بلاد الله- يا أم مالك- ... بما رحبت يوما علي تضيق «8» # تتوق إليك النفس ثم أردها ... حياء، ومثلي بالحياء حقيق # PageV01P411 # وقال أبو صخر الهذلي «1» : # أما والذي أبكى وأضحك والذي ... امات وأحيا والذي أمره الأمر «2» # لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعر» # عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر # فيا حبها زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر # وإني لتعروني لذكراك روعة ... كما انتفض العصفور بلله القطر «4» # وإني لآتيها أريد عتابها ... وأوعدها بالهجر ما برق الفجر «5» # فما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت لا عرف لدي ولا نكر # وأنسى الذي قد كنت فيه أتيتها ... كما قد تنسي لب شاربها الخمر «6» # ويمنعني من بعض إنكار ظلمها*- إذا ظلمت يوما وإن كان لي عذر-: # مخافة أني قد علمت لئن بدا ... لي الهجر منها ما على هجرها صبر # وأني لا أدري إذا النفس أشرفت ... على هجرها ما يصنعن بي الهجر «7» # PageV01P412 # وقال آخر: «1» # أمزمعة للبين ليلى ولم تمت؟ ... كأنك عما قد أظلك غافل! # ستعلم إن زالت بهم غربة النوى ... وزالوا بليلى أن لبك زائل # وأنك مسلوب التصبر والأسى ... إذا بعدت ممن تحب المنازل # وقال آخر: «2» # يقر بعيني ان أرى من بلادها ... ذرى عقدات الأجرع المتقاود «3» # وأن أرد الماء الذي وردت به ... سليمى، وقد مل السرى كل واحد «4» # وألصق أحشائي ببرد حياضه ... ولو كان مخلوطا بسم الأساود «5» # وقال أبو نباتة الكلابي «6» : # PageV01P413 # أريتك إن نجدا ألظ بأرضه ... وحرته العليا الغيوث الرواجس «1» # وعاد نبات الأرض رطبا كأنه*- إذا اطردت فيه الرياح- الطيالس؟ # أمطلع تلك البلاد فناظر ... إلى أهلها؟ أم أنت من ذاك آيس؟ # وقال أيضا: # بدالي وللتيمي قلة صامع ... على بعده مثل الحصان المجلل «2» # فقلت: أرى تلك البلاد التي بها ... أميمة، يا شوق الأسير المكبل! # وقال آخر: «3» # سقى بلدا أمست سليمى تحله ... من المزن ما تروي به وتسيم # وإن لم أكن من ساكنيه فإنه ... يحل به شخص علي كريم # وقال قيس بن الملوح «4» : # حججت ولم أحجج ms229 لذنب جنيته ... ولكن لتعدي لي على قاطع الحبل # دهبت بعقلي في هواها صغيرة ... وقد كبرت سني فرد بها عقلي # وإلا فساو الحب بيني وبينها ... فإنك يا مولاي تحكم بالعدل # وقال أيضا: «5» # دعوت إلهي دعوة ما جهرتها ... وربي بما تخفي الصدور بصير # PageV01P414 # لئن كنت تهدي برد أنيابها العلى ... لأفقر مني، إنني لفقير «1» # فما أكثر الأخبار: أن قد تزوجت ... فهل يأتيني بالطلاق بشير؟! # وقال ذو الرمة «2» : # أراني إذا هومت يامي زرتني ... فيا نعمتا لو أن رؤياي تصدق! «3» # لها جيد أم الخشف ريعت فأتلعت ... ووجه كقرن الشمس ريان مشرق # وعين كعين الرئم فيها ملاحة ... هي السحر أو أدهى التباسا وأعلق # وقال قيس بن الملوح: # ألا تلك ليلى قد ألم لمامها ... وكيف مع القوم الأعادي كلامها؟ # تعلل بليلى، إنما أنت هامة ... من الهام يدنو كل يوم حمامها «4» # وبادر بليلى أوبة الركب إنهم ... متى يرجعوا يحرم عليك لمامها # وقال نصيب «5» : # خليلي من كعب ألما- هديتما-* بزينب لا تفقد كما أبدا كعب # من اليوم زوراها، فإن ركابنا ... غداة غد عنها وعن أهلها نكب # وقال ذو الرمة «6» : # [خليلي عدا حاجتي من هواكما، ... ومن ذا يواسي النفس إلا خليلها؟] # PageV01P415 # ألما بمي قبل أن تطرح النوى ... بنا مطرحا أو قبل بين يزيلها # وإن لم يكن إلا تعلل ساعة ... قليلا فإني نافع لي قليلها # وقالت امرأة من العرب «1» : # أتربي من عليا هلال بن عامر ... أجدا البكا، إن التفرق باكر # فما مكثنا- دام الجميل عليكما-* بثهلان إلا أن تزم الأباعر «2» وقال آخر: # فلا تعجلا يا صاحبي، تحية ... لليلى، وليلى للقلوب قتول # فألمم على ليلى فإن تحية ... لها قبل نص الناعجات قليل «3» # فإنك لا تدري إذا العيس شمرت ... بنا: أتلاق أو عدى وشغول؟ «4» # وقال آخر: # وما بي إلا أن تجودي بنائل ... لغيري ويبقى لي عليك الذمائم «5» # فما بين تفريق النوى بين من ترى ... بذي الميث إلا أن تهب السمائم «6» # PageV01P416 # وقال جميل بن معمر «1» : # وإن صباباتي بكم لكثيرة-* بثين، وصبري عنكم لقليل # وإني وتردادي الزيارة نحوكم ... لبين يدي هجر- بثين، يطول # وقال آخر «2» : # تعز بصبر لا ms230 وجدك لا ترى ... بشام الحمى أخرى الليالي الغوابر «3» # كأن فؤادي من تذكره الحمى ... وأهل الحمى يهفو به ريش طائر # وقال ابن ميادة «4» : # يمنونني منك اللقاء، وإنني ... لأعلم ما ألقاك من دون قابل # وما أنس مل أشياء لا أنس قولها ... وأدمعها يذرين حشو المكاحل: # تمتع بذا اليوم القصير فإنه ... رهين بأيام الفراق الأطاول «5» # وقال آخر «6» : # خليلي من عليا هوازن لم أجد ... لنفسي من شحط النوى من يجيرها # PageV01P417 # غدا تمطر العينان من لوعة الهوى ... ويبدو من النفس الكتوم ضميرها # أيصبر عند البين قلبك أم له ... غدا طيرة لا بد أن سيطيرها؟ # وقال عمارة «1» : # أميمة ودعها فإن أميرها ... غداة غد بالبين جذلان معجب # إذا افترق الحيان وانصاعت النوى ... بهم واستراح الكاشح المترقب «2» # وقال آخر: # أقول لمقلتي لما التقينا ... وقد شرقت مآقيها بماء: # خذي لي اليوم من نظر بحظ ... فسوف توكلين بالبكاء «3» # قلت: لي بيتان في هذا المعنى، وهما: # يا عين في ساعة التوديع يشغلك ال ... بكاء عن لذة التوديع والنظر # خذي بحظك منهم قبل بينهم ... ففي غد تفرغي للدمع والسهر «4» # وقال آخر: # ألا يا لقومي للهوى المتزايد ... وطول اشتياق النازح المتباعد # ترحلت كي أحظى إذا أبت قادما ... فأوردني الترحال شر الموارد # كأني لديغ حار عن كنه دائه ... طبيب فداواه بسم الأساود! # فلم يقلع الداء القديم وزاده ... فيالك من داء طريف وتالد! # وقال آخر «5» : # ولم أر مثل العامرية قبلها ... ولا بعدها يوم التقينا مودعا # PageV01P418 # شكونا إليها قبضة الحب بالحشي ... وخشية شمل الحي أن يتصدعا # فما راجعتنا غير صمت وأنة ... تكاد لها الأحشاء أن تتقطعا # لقد خفت أن لا تقنع النفس دونها ... بشيء من الدنيا وإن كان مقنعا # وأعذل فيها النفس إذ حيل دونها ... وتأبى إليها النفس إلا تطلعا # وقال آخر: # فديتك يا زين البلاد إن العدى ... حموك فلم يوجد إليك سبيل # أراجعة عقلي علي فرائح ... مع الركب، أم ثاو لديك قتيل؟! # فلا تحملي وزري وأنت ضعيفة ... فحمل دمي يوم الحساب ثقيل # وقال آخر «1» : # يود بأن يضحي سقيما لعله ... إذا سمعت شكواه ليلى تراسله # ويهتز ms231 للمعروف في طلب العلى ... لتحمد يوما عند ليلى شمائله # وقال آخر: # صحيح يود السقم كيما تعوده ... وإن لم تعده عاد عنها رسولها # ليعلم: هل ترتاع عند شكاته ... كما قد يروع المشفقات خليلها # وقال ذو الرمة «2» : # ألا لا أرى مثل الهوى داء مسلم ... كريم، ولا مثل الهوى ليم صاحبه # PageV01P419 # متى يعصه تبرح معاصاته به ... وإن يتبع أسبابه فهو عائبه «1» # إذا نازعتك القول مية أو بدا ... لك الوجه منها أو نضا الدرع سالبه «2» # فيالك من خد أسيل ومنطق ... رخيم ومن خلق تعلل جادبه! «3» # وقال جميل: # بثينة ما فيها إذا ما تبصرت ... معاب، ولا فيها إذا نسبت أشب «4» # لها النظرة الأولى عليهم وبسطة ... وإن كرت الأعقاب كان لها العقب «5» ### $ 7- باب فى الحكمة ### | مما ورد فى الكتاب العزيز # قال الله تبارك وتعالى في سورة البقرة: يؤتي «6» الحكمة من يشاء، ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا. وما يذكر إلا أولوا الألباب [269] . # ومن سورة آل عمران: ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل [48] . # ومن سورة النساء «7» : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من # PageV01P420 # فضله؟ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما [54] . # ومنها: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم. وكان فضل ~~الله عليك عظيما [113] . # ومن سورة المائدة: إذ قال الله: يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى ~~والدتك، إذ أيدتك بروح القدس، تكلم الناس في المهد وكهلا، وإذ علمتك الكتاب ~~والحكمة والتوراة والإنجيل [110] . # ومن سورة النحل: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم ~~بالتي هي أحسن. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين [125] ~~. # ومن سورة بني إسرائيل: ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة. # ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا [39] . # ومن سورة الأحزاب: واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة. إن ~~الله كان لطيفا خبيرا [34] . # ومن سورة ص: وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب [20] . # ومن سورة الزخرف: ولما جاء عيسى بالبينات قال: قد جئتكم بالحكمة ولأبين ~~لكم بعض ms232 الذي تختلفون فيه، فاتقوا الله وأطيعون [63] . # ومن سورة اقتربت «1» : ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر [4] # PageV01P421 # حكمة بالغة فما تغن «1» النذر [5] . # ومن سورة الجمعة: هو الذي بعث في الأميين رسولا «2» منهم يتلوا عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم «3» الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ~~[2] . ### | أحاديث # 212* قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحكمة ضالة المؤمن، حيث وجدها ~~قيدها واتبع ضالة أخرى «4» » . # 213* وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم من الرجل المؤمن زهدا في ~~الدنيا وقلة منطق فاقتربوا منه، فإنه يلقي الحكمة» «5» . # وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى: ومن يؤت الحكمة فقد ~~أوتي خيرا كثيرا [2: 269] # -: قال: هي المعرفة بالقرآن «6» . # وقال مجاهد رحمه الله فى قول الله تعالى: ولقد آتينا لقمان الحكمة [31: ~~12] # -: الفقه والعقل والإصابة في القول «7» . # وقال الحكم بن أبان «8» : خير ما أوتي العبد في الدنيا الحكمة، وخير # PageV01P422 # ما أوتي العبد في الآخرة الجنة، وخير ما سئل الله تعالى في الدنيا ~~العافية. # وقال الشاعر: # وكيف تريد أن تدعى حكيما ... وأنت لكل ما تهوى ركوب «1» # وتضحك دائبا ظهرا لبطن ... وترتكب الذنوب ولا تتوب # وقال يحيى بن معاذ رحمه الله «2» : من أحب الجنة انقطع عن الشهوات، ومن ~~خاف النار انصرف عن السيئات، ومن لزم الحرص عدم الغنى، ومن طلب الفضول وقع ~~في البلاء. # قيل: وجد على حجر بأنطاكية «3» : # إن الزمان وإن ألا ... ن لأهله لمخاشن # تخطو به المتحركا ... ت كأنهن سواكن # وقال آخر: # لا تجزعن على ما فات مطلبه ... وإن جزعت فماذا ينفع الجزع؟! # إن السعادة يأس إن ظفرت به ... فدونك اليأس، إن الشقوة الطمع # وقال عمرو بن معدي كرب «4» : # إذا لم تستطع أمرا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع # PageV01P423 # وقريء على باب مقبرة: # رب قوم قد غنوا في نعمة ... برهة والدهر ريان غدق «1» # صمت الدهر زمانا عنهم ... ثم أبكاهم دما حين نطق «2» # وقال آخر: # وساخط عيش قد تبدل غيره ... وراض بعيش غيره يتبدل # وبالغ أمر كان قد حيل دونه ... ومختلج من دون ما كان يأمل # وقال آخر: «3» # نرجو ونخشى ms233 والقضا ... ء له التصعد والحدور «4» # وإلى الذي نرجوه أو ... نخشاه ما حدثت أمور # وقال لبيد «5» : # واكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل # وقال البعيث «6» : # فلا تكثرن في إثر شيء ندامة ... إذا نزعته من يديك النوازع # قيل: سمع كعب الأحبار رحمه الله رجلا ينشد قول الحطيئة: # PageV01P424 # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس «1» # فقال: والذي نفسي بيده، إن هذا مكتوب في التوراة. # وقال [تميم] ابن أبي [بن] مقبل «2» : # لا يحرز المرء أحجاء البلاد ولا ... تبنى له في السماوات السلاليم «3» # ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر ... تنبو الحوادث عنه وهو ملموم «4» # وقال الهذلي «5» : # والنفس طامعة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع «6» # قيل: جمع أبو بردة بن أبي موسى الأشعري الناس ليله لسمره «7» ، فلما ~~أخذوا مجالسهم قال: أخبروني بسابق الشعر والمصلي والثالث والرابع؟ قالوا: # ليخبرنا الأمير أعزه الله. قال سابق الشعر: قول المرقش: «8» # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغلو لا يعدم على الغي لائما # والمصلي: قول طرفة بن العبد «9» : # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # PageV01P425 # والثالث: قول النابغة الذبياني «1» : # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب؟! # والرابع: قول القطامي «2» # قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل «3» # وقال آخر: # أيها القلب لا ترعك الظنون ... فعسى ما تخافه لا يكون # وعسى ما استشد واستص ... عب الساعة من بعد ساعة سيهون # إن ربا كفاك بالأمس ما كا ... ن سيكفيك في غد ما يكون ### | أنصاف أبيات # «4» # وجرح اللسان كجرح اليد ... وكيف التظني بالإخاء المغيب # رضيت من الغنيمة بالإياب ... وبالإشقين ما وقع العقاب # أخنى عليه الذي أخنى على لبد ... كذي العر يكوى غيره وهو راتع # وليس وراء الله للمرء مذهب # PageV01P426 # ورب امرىء ساع لآخر قاعد ... وفي طول عيش المرء برح [و] تعذيب «1» # فكيف بمن يدمي وليس برام ... كصدع الزجاجة لا يلتئم # فقلت: اطمئني أنضر الروض عازبه «2» ... والحوض منتظر ورود الوارد # يدي عولت في النائبات على يدي ms234 ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع # لو لم يحرج الليث لم يخرج من الأجم ... وفي بعض القلوب عيون # وزلة الرأي تنسي زلة القدم ... إذا الشمس لم تعرف فلا طلع البدر # ومبلغ نفس عذرها مثل منجح ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض # من قر عينا بعيشه نفعه ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم # وقد تجمد العينان والقلب موجع ... وقد يعثر الساعي إذا كان مسرعا # PageV01P427 # قد يوثق المرء امرؤ وهو يحقره ... والقول تحقره وقد ينمي ### | فصل من كلام الحكماء في معان شتى # قال بعض الحكماء لابنه: يا نبي، إن سرعة ائتلاف قلوب الأبرار حين يلتقون ~~كائتلاف قطر المطر بماء الأنهار، وبعد قلوب الفجار من الائتلاف- وإن طال ~~تعاشرهم- كبعد البهائم من التعاطف وإن طال اعتلافها على آري واحد «1» . # وقال بعض الحكماء: ما يمر يوم إلا وتضحك ثلثة من ثلثة: الأجل من الأمل، ~~والتقدير من التدبير، والقسم من الحرص. # وروي: أن ذا الرياستين ركب ركبة لم يركب مثلها بخراسان، وبين يديه أربعة ~~آلاف سائف وألفا حامل قوس، فلما صار بقرب الماخور برز إليه رجل كأن الأرض ~~انشقت عنه، فقال: أيها الأمير، اسمع تنتفع وتنفع. # قال: قل، قال: الأجل آفة الأمل «2» ، والمعروف ذخيرة الأبرار، والبر ~~غنيمة الحازم، والتفريط مصيبة أخي القدرة. فدعا الفضل كاتبه وهب بن سعيد بن ~~سليمان بن الحسن «3» ، فقال: اكتب هذه الكلمات الأربع، وأعطه أربعة آلاف ~~درهم. # PageV01P428 # وقال الحكيم: رأس المداراة ترك المماراة. # من عرف الناس داراهم، ومن جهلهم ما راهم. # قيل لأفلاطون: ما بالكم معاشر الحكماء لا يحزنكم ما يحزنا «1» إذا ~~أصابكم، ولا يسركم ما يسرنا إذا نالكم؟ قال: لأن الأشياء «2» جميعا إما ~~تتركنا وإما نتركها، فلا وجه للتمسك بزائل. # [والأمير أسامة رحمه الله يقول «3» :] قلت: لي بيتان «4» في هذا المعنى ~~قبل أن أسمع هذا الكلام بعدة سنين، وهما: # يهون الخطب أن الدهر ذو غير ... وأن أيامه بين الورى دول # وأن ما سر أو ما ساء منتقل ... عنا، وإلا فإنا عنه ننتقل # وقال الحكيم: كفاك من عقلك ما أوضح لك سبيل ... غيك من ms235 رشدك. # وقال الحكيم: إذا أراد الله سبحانه أن ينزع عن عبد نعمة كان أول ما ينزع ~~عنه عقله. # وقال الحكيم: المخذول من كانت له إلى الناس حاجة. # وقال أبقراطيس الحكيم: ما أوجب عناد من عاند الحق «5» . # وقال أرسطاطاليس الحكيم لصديق له وقد رآه ظالما: هبنا نقدر على # PageV01P429 # محاباتك فى أن لا تقول «إنك ظالم» ، هل تقدر أنت على أن لا تعلم أنك ~~ظالم؟! وقليل الحق أجدى عليك من كثير الظلم. # وسمع يقول: ليس أنفع العلم ما علمته فقط، بل ما استعملته أيضا «1» . # وقال: كل قول حق واجب، وكل خلاف له باطل. # وقال: الشغل برد مالا رجوع له جهل. # وقال: ما أكثر ما نعاتب غيرنا على الظنون، ونترك عتاب أنفسنا على اليقين. # [وقال:] «2» ما أحرصنا على ستر أفعالنا الردية عن غيرنا وهي لنا منكشفة، ~~فغيرنا أفضل عندنا من أنفسنا. # [وقال:] «3» الصادق هو القائل في الأشياء ما هي عليه «4» . # [وقال:] «5» من استعمل الخوف من المكاره مع وقوع المحاب سلم. # [وقال:] «6» من صير الأمور الحادثة قبله موعظته نجا. # [وقال:] «7» ما أكثر ما يلحق الفساد للخاص بفساد العام وإن طالت مدته. # ما أقل البقاء مع فساد السياسة. # ما أشد فساد التعدي في المراتب. # [وقال:] «8» نعم المعين إظهار الغضب للدين. # [وقال:] «9» ما أدل الحلم على العلم. # [وقال:] «10» ليس ينبغي أن تعمل الإساءة ابتداء ولا مكافأة ولا على كل ~~حال. # PageV01P430 # [وقال:] «1» من لم يحتمل السفه صار سفيها ودخل في أمر قد كرهه من غيره. ~~أحق من حذر الأشرار «2» . # سئل: ما الباطل؟ فقال: هو الذي للحذر من الوقوع فيه يبحث كل باحث. # [وقال:] «3» أبلغ الأمور في دفع المكاره الحزم قبل الوقوع فيها سرى ~~استعمال الظن «4» . # [وقال:] «5» من وضع الدواء في غير موضعه ضيعه، ومن وضعه في موضعه نفعه. # [وقال:] «6» من لم يكن معه من مطالب الأشياء غير تمنيها فاتته. # [وقال:] «7» لا تتكل في أفعالك على الاستتار، فإنه ليس على كل حال يتستر. # مع إقامة العقوبات هدوء الرعية. # [وقال:] «8» ما أشد الحاجة إلى الحذر في أوقات الأمن. # [وقال:] ms236 «9» ما أشد مغبة الاحتقار للمعاداة. # ما أجهل من لا يبالي أن يراه الناس مسيئا. # وقال: ما أستر السكوت للجهل. # وقال: إذا بعثك الاقتدار على الظلم فاذكر قدرة الله عليك. # ويقال: أردى «10» ما في الكريم منع الخير، وأحسن ما في الشرير كف الشر. # PageV01P431 # [وقال:] «1» ما أهدم الامتنان في الصنائع. # أوجب الصيانات على الانسان صيانة نفسه. # [وقال:] «2» مع إقامة الحدود ترك الجنون. # [وقال:] «3» ليس بحكيم من اشتغل بعمل عما هو أهم منه. # [وقال:] «4» ما عجز الصدق عن إصلاحه فالكذب أعجز منه. # [وقال:] «5» ما أشد ما تظهر المشورة حد عقل الستشار. # [وقال:] «6» من فضيلة العقل أن كل إنسان يحب أن يرى بصورته، ومن رذيلة ~~الجهل أن ليس أحد يحب أن ينظر إليه بصورته أو بسماته. # وقال: علة وقوع الحزن فقد المقتنيات. # وقال: ما أبين فعل العدل في قوام العالم. # وقال: ما أقوى في تكثير الأعداء الاستطالة على الأكفاء. # نظر بعض الملوك إلى سقراط في بعض الأعياد وعليه كساء صوف خلق «7» ، فقال ~~له: يا سقراط، لو تزينت في مثل هذا اليوم؟! فقال: لا زينة أزين من العدل، ~~فإنه من أفضل قوى العقل. # وقال: القوة على الامتناع عن اتباع الشهوات أحد أشفية «8» أسقام النفس. # نظر فوتاغورس ملكا قد مات، فقال: ما أكثر من أمات هذا الرجل لأن لا يموت، ~~وقد مات. # وقال بعض الحكماء: ما أعجب من يطلب العفو ممن هو فوقه، ويمنعه من هو ~~دونه. # PageV01P432 # وقال: ما أدفع النظر في العواقب للمضار. # وقال أوجانس: أنا أغنى من الملك، لأني بقليل ما عندي أشد اكتفاء منه ~~بكثير ما عنده. # وقال سقراط: أما على الكلام فكثيرا ما ندمت، وأما على السكوت فلا. # وقال أو جانس: كفاك موبخا على الكذب علمك أنك كذاب. # وقال: لو سكت من لا يعلم لسقط الاختلاف «1» . # وقال: الدنيا تنال بالمال، والآخرة بالأعمال. # ورأى ذو جانس «2» ابنه وهو يسمع هجاء إنسان، فقال له: «3» يا بني، ليس ~~الكلام بالمكروه بأردى من استماع المكروه. # وقال أفلاطون: الجور أحوجنا إلى القضاة، والشره أحوجنا إلى الأطباء، ~~والغلبة ms237 أحوجتنا إلى الحراس. # وقال سقراط: كما نحتاج إلى أطباء الأبدان لأبداننا كذلك «4» نحتاج إلى ~~أطباء النفوس لأنفسنا، وأطباء الأديان لأدياننا، وهم الآخذون لنا بالناموس، ~~أعني الشريعة. # وقال سقراط: التهور ضد الجبن، والاعتدال بينهما فضيلة، وهي النجدة. # وقال: ما أصلح للرعية أن لا يكون المرتب لدفع المظالم عنهم ظالما. # PageV01P433 # وقال: ما أضر في السياسة تأخير أمر يوم لغد. # وقال لابنه: يا بني، عليك بالعدل، فإن في الزيادة والنقصان خروج عن ~~العدل. # وقال: المحبة الصحيحة: هي «1» التي لا يصلحها نفع ولا يفسدها منع. # وقال: ابتداء الصنيعة أحسن من المكافأة عليها. # [وقال:] «2» من قبل مديحا ليس فيه فقد أحب الكذب واستهدف للسخرية. # [وقال:] «3» الحرية: أن لا يملكك الجهل، ولا تفعل ما لا يوجبه العقل. # وقال: الحرية هي الخروج عن استعباد الشهوات المذمومة في العقل. # وقال: يا بني، عليك باصطناع المعروف، فمن يغرس كرما يشرب خمرا. # وقال: أول ما يعيش به الإنسان أدبه. # وقال ذيوجانس «4» : باستواء الحال بين الناس تسوء «5» حالهم. # ورأى ذيو جانس «6» رجلا شديد الإقبال على مصلحة ماله، شديد التواني عن ~~تأديب ولده، فقال له: يا هذا، عملك عمل من يخلف ولده على ماله، لا عمل من ~~يخلف ماله على ولده. # وقال: العمر القصير مع الفضيلة، خير من العمر الطويل مع الرذيلة. # وقال: ما أولى بنا القبول ممن عمل بالسنة وأمر بها. # وقال: ليس كل لذيذ نافع، ولكن كل نافع لذيذ «7» . # PageV01P434 # وقال لابنه: عليك باقتناء ما لا يمكنك استعارته ولا شراه «1» وقال: ما ~~أجلب المزح للسخر «2» . # وقال: ليس مع طاعة الله خوف، ولا مع عصيانه أمن. # وقال: ما أذهل المحسود عما فيه الحاسد. # [وقال:] «3» ليس بفاضل من عمل الفضائل وهو لا يعلم انها فضائل. # وقال [الحكيم] «4» أجانس «5» : التزين والتحسن عمارة الذهن، والحكمة جلاء ~~العقل، وتمييزه بالأدب، وقمع الشهوات بالعفاف، وكظم الغضب بالحلم، وقطع ~~الحرص بالقنوع، وإماتة الحسد بالزهد، وتدلل المرح بالسكون «6» ، ورياضة ~~النفس حتى تصير مطية قد ارتاضت فتنصرف حيث ما صرفها فارسها من طلب العليات ~~وهجر الدنيات. # [وقال:] «7» من حرص على ms238 الدنيا هتكته. # [وقال:] «8» من قنع لم يخضع، القنوع خير من الخضوع. # [وقال:] «9» بئس القرين الطمع. # [وقال:] «10» من ترك الحلم لم يأمن الذل. # من لم يحسن سياسة عبده ملكه. # [وقال:] «11» الحذق أجهد جهد. # [و] «12» قال أبو يوسف: خوف مالا دفع له من أخلاق من لا عقل له. # من حسن خلقه وجب حقه. # PageV01P435 # من عجل وجل. # صغر القدر يحمل على ادعاء الفخر. # من لم يكن فخره بفعله فلا فخر له. # ما أبين فضيلة الصدق في السياسة. # من صدق لسانه كثر أعوانه. # السرف معقب للفقر. # من غضب غلب، ومن حلم ظفر. # وقال بعض الفلاسفة: إن الشيء الذي يصلحني بفساد غلماني أحب إلي من الشيء ~~الذي يصلحهم بفسادي. # [وقال:] «1» ما أذهب الصمت والسكوت للغضب. # [وقال:] «2» لا قاهر أقهر للشيء من ضده، ولا شيء أضد «3» للغضب من الحلم. # [وقال:] «4» طلب الشرف يكسب حزنا «5» . # بئس المركب العجلة. # من لم يبال «6» باطلاع الناس على مساويه فهو أهل للاستخفاف. # PageV01P436 # وسئل: أيحسن بالشيخ التعلم؟ فقال: إن كان الجهل يقبح به فالتعلم يحسن به. # قال أرسطاطاليس: ليس بين الفضيلة والرذيلة مرتبة ثالثة، فمن تكن أقواله ~~دون أعماله فضائل فلا شك أنها رذائل «1» . # أوصى أبو الإسكندر للإسكندر بأرسطاطاليس، فقال له أرسطاطاليس: # أيها الملك، إن لم يكن لي عنده غير وصيتك فلا شيء لي عنده. # قال رجل من الفلاسفة لابنه وقد أراد سفرا: يا بني، اعط مع الاقبال، واعف ~~عند الاقتدار، وأصدق في الأخبار. # أوصى رجل من الفلاسفة ابنه فقال له: عليك بمضاددة «2» الجهال وتجنب ما ~~استحسنوه. # وقال «3» أفلاطون لبعض تلامذته: قل الحق لكل إنسان وفي كل مكان وإن قتلك، ~~فإن قتل الحق خير من حياة الباطل. # وقال سقراط: طول الأمل ينسي الأجل، واتباع الهوى يصد عن التقوى. # وسئل: ما الحزم؟ قال: العمل بما تؤمن عواقبه. # وقال ذيوجانس «4» : ليكن قولك ما لا يحتاج إلى الاعتذار، وفعلك # PageV01P437 # ما لا تبالي «1» عليه الانتشار. # وقال: الخرس خير من قول يحوجك إلى اعتذار أو شفيع. # وقال: العمل بالفضائل ملذة، والعمل بالرذائل مدلة. # وقال: لا إخاء لملول، ms239 ولا صداقة «2» لقبول. # وقال: أشد من التلف سوء الخلف. # وقال سقراط: أردى الكلام ما صرت به عبدا. # وقال أفلاطون: لا حيلة في الاقبال والادبار حتى ينتهيا. # وقال ذيوجانس: ترك الكلام- وإن كان في غاية الصواب- حيث لا ينبغي حكمة. # وقال بعض الحكماء: من الخذلان الدولة على السلطان «3» . # وقال سقراط في كتابه في (وضع النواميس) : ما أقبح فعل الشر بمن هو موكل ~~يمنع مثله. # وقال: السعيد هو من علم وعمل بما علم. # وقال أفلاطون لتلميذ له: لا يكن أحسن أفعالك قولك. # سئل سقراط: ما الإقدام؟ فقال: استعمال إفراط القوة الغضبية. فقيل له: # ما الحامل عليها؟ قال: ترك النفس النظر في العواقب والتهيب لها، فإن من ~~تهيب شيئا توقاه «4» . # قلت: سقراط بالحكمة أعلم منه بالحرب، فإن الرجل المقدام يعرض # PageV01P438 # له من طلب حسن الذكر والتقدم على النظراء والحنق على الأعداء ما ينسيه ~~النظر في العواقب، ويحدث نفسه بما يحملها عليه فترتاع حتى تعرض الرعدة من ~~الزمع «1» وتغير اللون «2» ، فاذا باشر الحرب وخاض غمرتها سكن جأشه وذهب ~~خوفه. # وقال ابن صفوان: لا ينبل من احتاج أحد من أهله إلى غيره وهو يمكنه سد ~~خلته. # وقال: إن من الحرص على إحياء الرعية استعمال القتل. # وقال أردشير» # : أخوف ما تكون العامة آمن ما تكون الوزراء. # وقال: الحاسد هالك. # وقال: الرأي أحد أعوان العقل، وركوب الهوى ضد الحزم، والحاجة تفتق ~~الحيلة. # السرف في الشهوات من أعظم الآفات. # لا قدر لمدة الأعمار مع مرور الليل والنهار. # استدم ما تحب بحسن الصحبة له يطول «4» مكثه عليك فعل الشر من قلة الحيلة. # العادل فائز، والمعتسف على سبيل الهلكة. # من زرع في أرض «5» مخصبة زكاريعه، ومن بذر الحكمة عند القابلين لها حسن ~~آثارها «6» . # PageV01P439 # من وقر قدره جل. # تجاوز القدر في التبذل يحمل المرء على التذلل. # من كل مفقود عوض إلا العقل. # وقال علي بن عبيدة: ليس من إخوان السلامة من ظفر بغير استقامة. # وقال: استدم النعمة بربها. # وقال: المسالم للناس عزيز الجانب. # من طلب إفساد كل ما «1» خالف الحق طلب ما لا ms240 نهاية له. # الإحسان عند الإمكان فرصة. # قيل لبعض الملوك: إن ذيوجانس يقول فيك قولا سمجا. فقال: لولا أنه أعلم ~~بالفضائل مني «2» لقتلته. فبعث إليه يسأله عما أنكره؟ فقال له: عقلك أعلم ~~به مني، فاسأله يصدقك، واستعمل طاعته. # قيل لارسطاطاليس «3» : إن فلانا يقول إنك إنما تمسك عنه خوفا منه! فقال: ~~أما خوفا منه فلا، ولكن خوفا أن أكون مثله! وسئل سقراط: من أقرب الناس من ~~الله؟ فقال «4» : أعلمهم بالحقائق وأعملهم بها. # وقال: إن العقل التام لا ينال بالقدرة الناقصة. # [وقال:] «5» من أحب أن يخطئه مراده فلا يرد «6» ما يشك في نيله. # [وقال:] «7» لا تغالب أمرا مقبلا فإنه يغلبك. # PageV01P440 # من حسن «1» أن يتصور بكل صورة محبوبة ظفر بمحبة الكل له. # عند انتشار الأحوال تبين مقادير الفاعلين. # من أنصف ألزم نفسه الحقوق الواجبة. # ليكن ادعاؤك للأمور أقل مما لك منها. # العامل بهواه المزدري له كالعامل بهوى أعدائه فيه. # كل واضع ناموس فيحتاج إلى ترغيب وترهيب والوفاء بالوعد والوعيد، وإلا لم ~~يتم شيء منه، ولا يوثق منه بوعد ولا وعيد. # الحق والعدل أفضل ما خضع له «2» . # ترك العقوبات لمن تجب عليه حامل «3» للعامة على فعل ما تجب عليه ~~العقوبات. # فضل الفعل على القول في اليقظة كفضل «4» القول في اليقظة على القول في ~~النوم. # سئل ذيوجانس: ما العشق؟ فقال: شغل قلب فارغ لا هم له «5» . # وقال: ليس ينبغي للرجل أن يشغل قلبه بما ذهب منه، ولكن يعنى بحفظ ما بقي ~~عليه. # وسئل: أي شيء لا نفع «6» في شركته؟ قال: الملك. # وقال مودون السوفسطائي: شيخوخة البدن منتهى النفس «7» . # وقال: أملك الناس جميعا لنفسه من استغنى عن الاعتذار عند سكون الغضب. # PageV01P441 # من تسخط حظه طال غيظه. # وسئل أيلول «1» الحكيم: ما الذنب الذي لا يخاف صاحبه؟ قال: ذنب صنع إلى ~~كريم. # قلت- وليس من المقصود إيراده-: سمعت أن ابن المقفع لقي بعض الأكابر، فقال ~~له: بلغني عنك ما كرهته. فقال ابن المقفع: لا أبالي! قال: # ولم؟ قال: لأنه إن كان حقا غفرته، وإن كان باطلا كذبته. وهذا من أحسن ms241 ~~جواب. # وصف أيلول «2» الحكيم الكلام فقال: مغرسه القلب، وزارعه الفكر، وباذره ~~الخواطر، ومسلكه اللسان، وجسمه الحركة، وروحه المعنى، وله أجزاء يقوم بها، ~~وأركان يعتمد عليها، وفصول تتصل بالبيان، وصوت يؤدي إلى الأفهام، وحامل من ~~الهواء إلى الأسماع. فإذا التحم المعنى بالأركان، وتألفت أجزاء اللفظ ~~بالقوى-: فهم استماع «3» ما نقل إليه الصوت. وإذا تأخر منه الجزء، وانخرم ~~انتظام اللفظ، وسقط الحرف «4» من الفصل-: شبه على الواعي، وفسدت به ~~المعاني. # ووصف الحرب فقال: جسمها الشجاعة، وقلبها التدبير، وعينها الحذر، وجناحاها ~~«5» الطاعة، ولسانها المكيدة، وقائدها الرفق، وسائقها الصبر، وأولى الناس ~~بها أبعدهم في الحيل، وأنفذهم في المخاطرة «6» ، فان همة من شارفها # PageV01P442 # نفسه، وهمة الناظر برأيه نفسه ونفس غيره. والحرب كالنار «1» ، إن أطفأتها ~~[من قرب] «2» آذتك وأحرقتك، وإن أطفأتها بالماء من بعد أمنتها وسلمت. # ولقي ذيوجانس رجلا أصلع سفيه معجب، فجعل يفتخر عليه ويسبه. فقال له ~~ذيوجانس: كما تتوهم أنك كذلك أكون أنا «3» ، وكما أنت بالحقيقة أعدائي ~~يكونون، ولكن طوبى لشعرك الذي فارق يافوخك العاجز الضعيف. ### | من نوادر فيثاغورس # حكي عنه أنه كان يقول: إن أكثر الآفات إنما تعرض للحيوانات لعدمها «4» ~~الكلام، وتعرض للانسان من قبل الكلام. # وكان يقول: من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق أن لا ينزل ~~به من «5» المكروه ما ينزل بغيره: العجلة، واللجاجة، والعجب، والتواني. ~~فثمرة العجلة الندامة، وثمرة اللجاجة الجنون، وثمرة العجب البغضاء، وثمرة ~~التواني الذلة. # ومر يوما بقروي «6» عليه ثياب فاخرة وهو يتكلم فيلحن في كلامه، فقال له: # [يا هذا،] «7» إما أن تتكلم كلاما يشبه لباسك، أو تلبس لباسا يشبه كلامك. ### | ومن نوادر سيخانس # «8» قال: من احترام المرء نفسه أن لا يقول إلا ما أحاط به علمه. # وقال: من سمعته يقول: إنه هو عالم فهو جاهل. # وقال: الصدق كله حسن، وأحسنه أن يقول العالم لما جهله: لا علم لي به. # PageV01P443 ### | ومن كلام سليمان بن داوود عليه السلام # قال: اللسان العجول قريب من الغضب. والقلب الفارغ موكل بالشهوات ~~والأماني. # الجاهل كل شيء ضد له. # القليل الحظ ms242 من الدنيا ساكن القلب. # جار قريب أنفع لك من أخ بعيد. # لا تفتخر بما فعلت في يومك، فإنك لا تدري ما ينتج الغد. # ليمدحكم الغريب لا لسانك. # لا يتأدب العبد بالكلام إذا وثق أنه لا يضرب. # سرح خيرك على الماء تجده فى غابر الأيام. ### | ومن قول برسين الحكيم # اعجل إلى الاستماع، وترسل في الجواب. # اجتنب الأشرار يجتنبوك. # أخرج ابنتك عن منزلك إلى رجل خائف لله تخرج عنك القالة وتأمن المعيرة» . # كل شيء يألف جنسه، والانسان يألف شكله. # من منع نفسه فإنما يجمع لغيره. # التمس الأنصار قبل الحرب، والطبيب قبل المرض. # PageV01P444 # لا تعطين سلاحك لغيرك فيحاربك به. # لا تجعل للماء مساغا إليك فيغمرك، ولا للمراة دالة عليك فتركبك «1» . # ثلاثة تعيبهن نفسي: الفقير المختال، والغني الكذاب، والشيخ الجهول. # وقال: بين الحجر والحجر يدخل الوتد «2» ، وبين الشرى والبيع يدخل الإثم. # إنفاقك المال في حقه خير من دفنك إياه تحت الجدران. # سوء العيش النقلة من منزل إلى منزل. # مع الغربة الذلة. # لا غنى يعدل صحة البدن، ولا سرور يعدل سعة الصدر. # الرزق الواسع لمن لا يتمتع «3» به بمنزلة طعام موضع على قبر. # المال للجاهل وبال عليه. # كد عبدك لئلا يتمرد عليك، فإن البطالة تنتج ضروبا من الشرور «4» . # من ملك لسانه نجا من العطب. # ما كتمته عدوك فلا تخبرن به صديقك. # طاعة المحبة أفضل من طاعة الهيبة. # وقال بعض الحكماء: البلاء رديف الرخاء، والأمن حليف الخوف، وبعد العسر ~~اليسر، وليس صفو إلا وله كدر «5» . # وقال بعض الحكماء: الفاقة خير من غني البخيل، والمجهول عند السلطان # PageV01P445 # الجائر خير من ذي الجاه المعروف عنده، والعقم خير من الولد الأحمق. # عض رجل سفيه رأس ذيوجانس، ثم انهزم، فعدا تلاميذه في طلبه فأعجزهم، ~~فانصرفوا مغضبين، فلما سكنوا قال لهم: ما دعاكم إلى طلب الهارب؟ # قالوا: لنقتص لك منه «1» ، قال: أرأيتم لو أن بغلا رمحني لكنتم «2» ~~رامحيه؟! قالوا: لا «3» ، قال: ولو أن كلبا عضني لكنتم عاضيه؟!! قالوا: لا، ~~قال: فهذا بمنزلتهما، فدعوا أخلاق البهائم والتشبه بفعلها، واعمروا الحكمة ~~بالوقار، وأطفئوا ms243 نار الغيظ بالكظم، واغلبوا الإساءة بالإحسان، واستبدلوا ~~بطلب الثأر العفو-: إن أردتم استكمال الحكمة بالقول والفعل. # وقال ثاليس «4» : الأشراف الأغنياء الأنفس. # وقال ذنون «5» المشاء: إن الجد لم يهب المال للأغنياء، بل أقرضهم إياها ~~«6» . # وقال أفلاطن الفيلسوف- وسئل: أي حين لا تفسد الفلسفة؟! قال-: # لا تترقب ما لم يأت ولا تأس على ما فات «7» . # وقال فيلس الأثيني «8» : كما أن البحر يكون هادثا إذا لم تموجه الرياح، # PageV01P446 # فإذا موجته الرياح اضطرب-: كذلك إذا كان الجد سعيدا فدهر الانسان ساكن ~~«1» ، فإذا شقي تموج دهره. # وقيل لسولن الحكيم: كيف تتخذ الأصدقاء؟ فقال: أن يكرموا إذا حضروا، ويحسن ~~ذكرهم إذا غابوا. # وقيل لقيمونانس الحكيم «2» : لم تبغض الناس كلهم؟ قال: أما الأشرار فبحق ~~أبغضهم، وأما الباقون فلأنهم لا يبغضون الأشرار. # وقالت تابوا الحكيمة «3» - وسئلت: أي الألوان أحسن عندك؟ # قالت: الحمرة، قيل لها: ولم؟ فقالت: لأنها توجد في وجوه المستحين. # وقال بعض الملوك- وسئل: ما رأيت من نجدة أصحابك؟ فقال: لم أرهم قط سائلين ~~عن عدد الأعداء، بل عن موضع الأعداء. # وقال الإسكندر لبعض أمراء جيوشه: احتل أن تحبب إلى العدو الهرب. # قال: أفعل، فقال له: كيف تفعل ذلك؟ قال: إذا حاربتهم صبرت، وإذا هربوا ~~أحجمت «4» . # وقال ذيوجانس- ورأى إنسانا يبكي لموته في الغربة-: أيها الفاني، لماذا ~~تبكي؟ في كل مكان الأرض التي كانت منزلك هي قبرك! ### | ألفاظ أفلاطون # قال: لا تصحبوا الأشرار، فإنهم يمنون عليكم بالسلامة منهم. # إعرف إدبار الدولة من تملك الأحداث عليها. # PageV01P447 # إذا أقبلت الدولة خدمت الشهوات العقول، وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات ~~«1» . # ما أعطى الاقبال أحدا شيئا إلا سلبه من حسن الاستعداد أكثر منه «2» وقال: ~~لا تحقرن صغيرا يحتمل الزيادة. # الأشرار يتتبعون مساوي الناس، ويتركون محاسنهم، كما يتتبع الذباب المواضع ~~الفاسدة من الجسد ويترك الصحيح منه. # وقال: إذا قوي «3» الوالي في عمله حركه ما ملكه على حسب ما في طبعه من ~~الخير والشر. # ليس تكمل حرية الرجل حتى يكون صديقا لمتعاديين. «4» # من شقوة الحدث أن تتم له فضيلة في رذيلة. # التام الحرية من احتمل جنايات المعروف. ms244 «5» # لا يحملك الحرص في أمورك على التمقت إلى الناس والإخافة لهم فتعطي من ~~نفسك أكثر ما تأخذ لها، وكل إجابة عن غير رضى فهي مذمومة العاقبة. # إذا خبث الزمان كسدت الفضائل وضرت، ونفقت الرذائل ونفعت، وكان خوف الموسر ~~أشد من خوف المعسر. # اطلب في الحياة العلم والمال تحز «6» الرئاسة على الناس، لأنهم بين خاص ~~وعام: فالخاصة تفضلك بما تحسن، والعامة تفضلك بما تملك. # PageV01P448 # وقال: موت الرؤساء أسهل من رئاسة السفل. # الوفاء من الرؤساء يجلب إليهم تعزيز الرعية بأنفسها وأموالها، وغدرهم ~~يقبض عنهم الرعايا وأموالها، وحسد الملوك يخفي بهجة الملك «1» . # لا يضبط الكثير من لم يضبط نفسه الواحدة. # إذا أحببت أن يدوم حبك لأحد فأحسن إليه. # ينبغي للملك أن يبتديء بتقويم نفسه قبل أن يشرع في تقويم رعاياه، وإلا ~~كان بمنزلة من رام استقامة ظل معوج من قبل تقويم عوده الذي هو ظل له. # من قام من الملوك بالعدل والحق ملك سرائر رعاياه «2» . # أنظر إلى المتنصح إليك: فإن دخل حيث مضار الناس فلا تقبل نصيحته وتحرز ~~منه، وإن دخل حيث العدل والصلاح فاقبلها واستشعره. # أعداء المرء في بعض الأوقات ربما كانوا أنفع من إخوانه، لأنهم يهدون إليه ~~عيوبه فيتجنبها «3» ، ويخاف شماتتهم فيضبط نعمته ويتحرز من زوالها بمقدار ~~جهده. # إذا بلغ المرء من الدنيا فوق مقداره تنكرت أخلاقه للناس. # لا تصحب الشرير، فإن طبعك يسرق من طبعه سرا وأنت لا تعلم. # موت الصالح راحة لنفسه، وموت الطالح راحة للناس. # ينبغي للعاقل أن يتذكر عند حلاوة الغذاء «4» مرارة الداء. # PageV01P449 # إذا قامت حجتك على الكريم أكرمك ووقرك، وإذا قامت على خسيس عاداك ~~واضطغنها عليك. # السيىء الحال من خاف العدل عليه. # ليكن خوفك من تدبيرك على عدوك أكثر من خوفك من تدبير عدوك عليك. # ليس ينبغي للملك أن يطلب المحبة من العامة، فإنها لا تحب إلا من يرحم، ~~ومن يرحم فليس يصلح عندها للملك «1» . # وقال الحكيم: أبين الغبن كدك فيما نفعه لغيرك «2» . # وقال: الذي لم يأت كالذي فات، كل زائل، والدنيا كحلم نائم. # وقال: لا ms245 تأنس بمن استوحش منه أهله بعد أنسهم به. # وقال: ليس تكاد الدنيا تسقي صفوا إلا اعترض في صفائها «3» قذى «4» باطن. # وقال: بقدر السمو في الرفعة تكون وجبة الوقعة» . # وقال: سرورك بقليل التحف مع فراغك له أحسن موقعا عندك من أضعافه مع ~~اشتغالك عنه، فكثرة أشغالك مذهلة عن وجود اللذات بكنهها، وليس بحكيم من ترك ~~التمييز. # وقال: الناس أشباه في الخلق، وإنما يتفاضلون في الرخاء والشدة. # قلت: لي بيتان في هذا المعنى، وهما: # PageV01P450 # الناس أشباه، فإن خطب عرى ... حط الدني وشاد قدر الأفضل # كالعود مشتبه، فإن حرقته ... كره الدخان وطاب عرف المندل # اللسان أسد في غابة، فإن أهيج افترس، وإن ترك خنس. # من غلب هواه عقله افتضح. # المنكر لما لا يعلم أعلم من المقر بما يعلم. # حفظ ما في يدك أيسر من طلب ما في أيدي الناس. # صديق كل امرىء عقله، وعدوه جهله. # كتب أفلاطن إلى سقراط قبل أن يتعلم منه: «إني أسألك عن ثلاثة أشياء، إن ~~أجبت عنها تتلمذت «1» لك» فكتب إليه: «سل «2» وبالله التوفيق» فكتب إليه: ~~«أي الناس أحق بالرحمة؟ ومتى تضيع أمور الناس؟ وبما تتلقى النعمة من الله ~~عز وجل؟» فكتب إليه: «أحق الناس بالرحمة ثلاثة: البر يكون في سلطان الفاجر، ~~فهو الدهر حزين لما يرى ويسمع. والعاقل في تدبير الجاهل، هو الدهر متعب ~~مغموم. والكريم يحتاج إلى اللئيم، فهو الدهر خاضع ذليل. وتضيع أمور الناس ~~إذا كان الرأي عند من لا يقبل منه. والسلاح عند من لا يستعمله. والمال عند ~~من لا ينفقه. وتتلقى «3» النعمة من الله تعالى بكثرة شكره، ولزوم طاعته، ~~واجتناب معصيته» . فأقبل إليه أفلاطن، وكان تلميذا له «4» إلى أن مات. # وقال الحكيم: يجب أن تجرب من قصدك بالحرسان والضيم، فإن # PageV01P451 # احتمل الحرمان وشكا الضيم ارتبطته وأحسنت إليه، وإن احتمل الضيم وشكا ~~الحرمان أقصيته. # [وقال:] «1» إن حسدك أحد من إخوانك على فضيلة ظهرت منك فسعى في مكروهك أو ~~تقول عليك ما لم تقل-: فلا تقابله بمثل ما قابلك به، فيعذر نفسه في ~~الإساءة، وتشرع له ms246 طريقا لما يحبه «2» فيك، ولكن اجتهد في التزيد من تلك ~~الفضيلة التي حسدك عليها، فإنك تسوؤه من غير أن توجه عليك حجة. # [وقال:] «3» ينبغي للعاقل أن يتخير الناس لمعروفه، كما يتخير الأراضي ~~الزكية لزرعه. # ينبغي أن نشفق على أولادنا من إشفاقنا عليهم «4» . # نهاية جور الجائر أن يقصد من لا يلابسه ولا ينتفع به، وعندها ترجى الراحة ~~منه. # إذا كشف رجل شديدة عن حر لم تزل نصب فكره وثابتة في خلده حتى يجزي عنها ~~بأحسن منها. # اصبر على سلطانك، فلست بأكبر شغله، ولا بك «5» قوام أمره. # الظفر شافع للمذنبين عند الكرماء. # [وقال:] «6» من مدحك بما ليس فيك من الجميل وهو راض عنك-: # ذمك بما ليس فيك من القبيح «7» وهو ساخط عليك. # PageV01P452 # المصغي إلى القول «1» شريك لقائله. # [وقال:] «2» إذا طابق الكلام نية المتكلم حرك نية السامع، وإن خالفها لم ~~يحسن موقعه ممن أريد به. # وقال: لا تعادوا الدول المقبلة وتشربوا قلوبكم استقلالها فتدبروا ~~بإقبالها. # يستدل على إدبار القادر من قصده المخلصين له بالسوء، واستهانته بمشورات ~~ذي الخبرة بأمره. # وقال: تبكيت الرجل بالذنب بعد العفو عنه إزراء بالصنيعة، وإنما يكون «3» ~~قبل هبة الجرم له. # من أطاع الشهوة خذلته عند الإصحار به «4» في دفع المكاره، وجعلته خادما ~~لمن كان ينبغي أن يتقدمه «5» . # [وقال:] «6» الناس ثلاثة: خير وشرير ومهين. فالخير هو الذي إذا أقصيته ~~قبض نفسه عنك، ولسانه من سوء الذكر لك، وذكر حسنا إن كان تقدم منك. والشرير ~~يقبض نفسه عنك، ويطلق لسانه في ذكر معايبك، وربما تعدى إلى الكذب عليك. ~~والمهين لا يقبض نفسه عنك، ولا يزال متضرعا لعفوك، ومودة هذا مقرونة ~~باستقامة حالك وصلاح أمورك، فإن انتقلا انتقل عنك بمودته. # [وقال:] «7» من خدم في حداثته الشهوة والغضب شق عليه في زمان الشيخوخة ما ~~يلحقه من ضعف بدنه عن خدمة اللذة ونفسه عن المخاصمة. # PageV01P453 # [قال:] «1» من ضرر الكذب أن صاحبه ينسى الصورة المحسوسة الحقيقية، وتثبت ~~عنده الصورة الوهمية الكاذبة، فيبني عليها أمره، فيكون غشه قد بدأ بنفسه. # [وقال:] «2» لا تعان «3» ما قوي فساده ms247 فيحيلك إلى الفساد قبل [أن] «4» ~~تحيله إلى الصلاح. # وقال الحكيم: إفهم كل ما «5» يصدر عنك عند غلبة الغضب، فإنك تستقبحه عند ~~انصرافه. # وقال: أحسن ما في الأنفة الترفع عن معايب الناس، وترك الخضوع لما زاد على ~~الكفاية «6» . # إذا تسمح في دولة بالتجوز في القضاة والأطباء فقد أدبرت وقرب انحلالها. # [قال:] «7» الأخيار يترفعون عن ذكر معايب الناس، ويتهمون المخبر بها، ~~ويؤثرون الفضائل ويتعصبون لأهلها، ويستصغرون فضائل الرؤساء، ويطالبون ~~أنفسهم بالمكافأة عليها وحسن الرعاية لها «8» . # أحسن ما في الأمانة المكافأة على الصنيعة. # إذا أردت أن تعرف طبقتك من الناس فانظر إلى من تحبه لغير علة. # وقال: السخيف مثل الجسم الرخو المتحلل: يسخن سريعا، ويبرد # PageV01P454 # سريعا. والحصيف «1» مثل الجسم الصلب الكثيف: يسخن بطيئا، ويبرد من سخونته ~~بأكثر من ذلك الزمان. # العلم صبغ النفس، وليس يشرق صبغ الشيء حتى ينظف من أنجاسه. # وقال: من إدبار الدول التمسك بالفروع وتضييع الأصول وتصنيف الآمال و ~~[اطرا] ح «2» الأعمال وإهمال العمارة ومطل المقاتلة والنكث في [العهود] «3» ~~. # إذا ثقل على الرئيس الوعظ، ولج في ترك الانقياد للناصح، وأكذب المحدث ~~بالممكن، وآثر التفويض، واحتقر المجد من الأعداء-: فاطلب الخلاص منه. # وقال: ينبغي للملك أن لا يطلب المحبة من أصحابه إلا بعد تمكن هيبته من ~~نفوسهم، فإنه يجدها بأيسر كلفة، فإما أن «4» قبل منه بالغلظة ويعذره بنقصه ~~فيما فرط منه ولا يعذر نفسه. # وقال: الدليل على ضعف الإنسان أنه ربما أتاه الحظ من حيث لم يحتسب، ~~والمكروه من حيث لم يرتقب. # وقال: إذا استشارك عدوك فجرده النصيحة «5» ، لأنه بالاستشارة قد خرج من ~~عداوتك الى حزب موالاتك. # PageV01P455 # وقال: العدل في الشيء صورة واحدة، والجور صور كثيرة، ولهذا سهل ارتكاب ~~الجور، وصعب تحري العدل، وهما يشبهان الإصابة في الرماية والخطأ فيها، فإن ~~الإصابة تحتاج إلى ارتياض وتعاهد، والخطأ لا يحتاج إلى شيء من ذلك. # وقال: الملك كالبحر تستمد منه الأنهار، فإن كان عذبا عذبت، وإن كان ملحا ~~ملحت. # وقال: ليس الملك من ملك العبيد والعامة، بل من ملك الأحرار وذوي الفضائل. ~~ولا ms248 الغني من جمع المال، ولكن من دبره وأحسن إمساكه وتصريفه. # من أخذ نفسه بالطمع الكاذب كذبته العطية الصادقة. # أفضل الملوك» # بالعدل ذكره، واستملى منه من أتى بعده. # [وقال الحكيم:] «2» البخيل يسخو من عرضه بمقدار ما يبخل به من ماله. # [وقال:] «3» الفرق بين الاقتصاد والبخل: أن الاقتصاد تمسك الانسان بما ~~يملكه، وخوفه «4» على حريته وجاهه من المسألة، فهو يضع الشيء في موضعه، ~~ويصبر عما لم تدع الضرورة إليه. والبخيل يصل صغير بره بعظيم شره. # [وقال:] «5» البخيل يقبل الاحسان ولا يثيب عليه، ويمنع اليسير لمن يستحق ~~الكثير، ويصبر لصغير ما يجب عليه على كثير من الذم له. # وقال الحكيم: رأي من ينصحك أمثل من رأيك لنفسك، لأنه خلو من هواك. # PageV01P456 # «1» من ملك من الملوك استوفى من رعاياه وشيعته أجرته، وهو التملك، وبقي ~~عليه لهما الخدمة، وهي إقامة سنن الدين، والعدل على الرعية، ومنع من قوي ~~فيها عن من ضعف منها. # وقال: ينبغي للعاقل أن يربي صداقة صديقه بجميل الفعل وحسن التعاهد، كما ~~يربي الطفل الذي ولد له، والشجرة التي يغرسها، فإن ثمرتها ونضارتها بحسن ~~الافتقاد والتعاهد. # لا تقبل الرئاسة على أهل مدينتك، فإنهم لا يستقيمون لك إلا بما تخرج به ~~من شرط الرئيس الفاضل. # وقال: ينبغي للملك أن لا يؤنس رعاياه بلين العريكة والرفق، ولكنه يؤنسهم ~~بالعدل. # فضل الملوك على قدر خدمتهم لشرائعهم، وإحيائهم سننها. ونقصهم على قدر ~~إغفالها وتحفظها «2» . وذلك: أن خدمة الشريعة تحركهم للعمل، وإلى أن يعطوا ~~من أنفسهم ما يجب عليها، كما يأخذون من خاصتهم وعامتهم ما يجب عليهم، ~~والمغفل لخدمة الشريعة من الملوك يأخذ من الخاصة والعامة ولا يعطيها، فهو ~~ناقص، إذ كان خارجا عن سلطان العدل. # من أطاع العدل شفى «3» ما في نفسه، وخلص على تجربته. # [وقال:] «4» خف الضعيف إذا كان تحت راية الإنصاف أكثر من # PageV01P457 # خوفك القوي إذا كان تحت راية الجور، فإن النصر يأتيه من حيث لا يشعر. # «1» وقال: الإفراطات في الدول مبادي الفساد. # وقال: المراتب تتفاضل في البقاء، فأرفعها مرتبة أقصرها مدة، وأهنؤها «2» ~~عشية ms249 أوبؤها «3» مغبة. # عند إدبار الدول يغفل أمر بيوت العبادات، ويتجوز في القضاء، ويتحامل ~~الناس: الأقوياء على الضعفاء، والأغنياء على الفقراء. # أكثر اضطراب الملك على الملك من أهل الشجاعة: فإنهم إذا تجاوز بهم ~~مواضعهم ووثقوا بقوتهم على غيرهم-: غلبوا كثيرا هم أولى «4» منهم بالتقدم، ~~واضطرب لذلك نظام المملكة، فينبغي للسائس الحازم أن يعطي ذوي القوى قساطها ~~من مملكته، ويحرسها عن التزيد والنقص، كما يحرس الطبيب أخلاط الجسد فيردها ~~إلى اعتدال الصحة. # وقال: ينبغي للملك أن يتحصن من جيوشه بالإنصاف، ومن شرار دولته بالإخافة. ~~وعلى الملك أن يعمل بخصال ثلاث: تأخير العقوبة في سلطان الغضب، وتعجيل ~~المكافأة للحسن، والعمل بالأناة فيما يحدث، فإن له في تأخير العقوبة إمكان ~~العفو. # قال: والنفس التي غلبت عليها الشهوات لا تؤثر حسن الذكر، لأنها لا ترى ~~الفضائل إلا فيما التذت به لذة حسنة «5» . # PageV01P458 # [وقال:] «1» يستدل على إقبال الملك وعلو زمانه من اختياره لوزرائه، ~~ومشاورته المشايخ ذوي التجارب والمعرفة. # الكريم من الملوك من لم يقتصر على مكافأة من أسدى إليه الجميل، حتى يكون ~~متكفلا بفضله ما وجب على الأحرار في زمانه لمن أحسن إليهم «2» . # إذا أنكرت من أحد شيئا فلا تطرحه، وأجل فكرك في جميع أخلاقه، فكل شخص ~~موهبة من الله- جل اسمه- لا يخلو منها. # [وقال:] «3» الحسود ظالم ضعفت يده عن انتزاع ما حسدك عليه، فلما قصرت عنك ~~بعث إليك تأسفه. # وقال: اللجاج عسر انطباع المعقولات في النفس، وذلك: إما لفرط حدة تكون في ~~الإنسان، وإما لغلظ، فلا ينقاد للرأي. # أقرب رأييك من الصواب أبعدهما مما هويت في الأكثر «4» . # وقال: الكريم الطبع من رفع نفسه عن سوء المجازاة، وتواضع في حسن المكافأة ~~على الجميل «5» . # [وقال:] «6» من تمام أمانة الرجل كتمانه للسر ودفعه التأول، وقبوله ~~الجميل على ظاهره. # وقال: لا توغل في عداوة من فسد ما بينك وبينه، واصرف أكثر وكدك إلى حسن ~~الاحتراس منه «7» . # PageV01P459 # [وقال حكيم:] «1» أحسن الناس من رفع نفسه فوق حقها عند التعدي، ووضعها عن ~~منزلتها «2» عند الرغبة إليه، واعتقاد المنن، وجميل المكافأة على السوالف ~~المحمودة ms250 «3» . # غلبة التنعم تعودك إيثار الراحة والمماطلة بالأمور، وتكره إليك ركوب ~~المشقة في مصلحة عواقب أمرك. وهو يشبه الحكيم الحسن المنظر السيئ العبارة ~~«4» . # [وقال:] «5» الأماني أحلام المستيقظ. وليس تروح عن قلوب المحرومين في ~~زمان إلا أعقبتهم حسرة في أضعافهم «6» . # ليس القناعة أن تترك كثير الرزق لقليل ما يتحصل لك منه، وهذا بالعجز أشبه ~~منه بالقناعة. وإنما القناعة إيثار القليل مع حرية النفس وترك ركوبها ~~الأخطار واحتمال الذلة. # [وقال:] «7» احذر مؤاخاة من يجعلك أكثر باله «8» ، ويؤثر أن لا يخفى عليه ~~شيء من أمرك، فانه يتعبك ويأسرك. ولكن صديقك بمنزلة الغضن من الشجرة: ينجذب ~~معك وفي يدك، فإذا خليته رجع إلى موضعه من الصلة وحسن المحافظة، ولم يناقشك ~~المودة ويجعل ذلك سببا إلى القطيعة. # غيره «9» الأصدقاء والغلمان أضر من غيرة النساء، لأنها مشوبة بفظاظة ~~وغلظة، فاحترس من دباباتها «10» ، وتنكب من غلبت عليه. # PageV01P460 # من أراد أن يشجي «1» صاحبه أو محاسده» # من غير حجة تلحقه فليتزيد في الفضيلة التي حسده عليها. # وقال: أول مغبة ظلم الظالم عند زوال قوته. وأول ما يفارق الانسان مما «3» ~~يملك ما أثله ظلمه له، فخف المظلوم، فإنه تحت راية الباري جل وعز، وزل معه ~~حيث زال، فلولا أنه يظلم لعوجل ظالمه «4» . # [وقال:] «5» الحرص على الدنيا رأس «6» كل خطيئة، والشح على ما فيها رأس ~~كل بلية. # وقال [الحكيم] «7» أبي باغوس «8» : الحرص يورث تعب الدنيا وشقاء الآخرة. # وقال سقراط: من أراد قلة الغم فليقل القنية، فهي ينبوع الأحزان «9» . # وحكي عن بعض المتقدمين من الملوك: أنه توفي له ولد حين أهل للمملكة، وكان ~~وحيد أبيه، فجزع عليه جزعا عظيما. فدخل عليه حكيم عصره فقال له: إن أنصفت ~~عقلك- أيها الملك- من نفسك فقد علمت أن التعزية كانت في نفس التهنئة به، ~~أما قيل لك: «طول الله عمره» ؟ # لعلمهم بقصره وإن طال! أما قيل لك: «جعله الله خلفا صالحا» ؟ والخلف # PageV01P461 # لا يكون إلا لتلف عن تالف. متى رأيت عيشا إلى دوام، وفرحا إلى تمام؟ # أي غنى لم يخف معه العدم، وبناء لم ينله الهدم؟ وأي فرحة ms251 لم تمزج بترحة؟ # متى رأيت مسرة لم تتبعها «1» مضرة؟ إن الدنيا نادت فأسمعت، وبينت فأوضحت، ~~لأن سرورها بشرورها، مزحت وغرت وخدعت «2» ، وأرضعت ففطمت. متى رأيت شيئا من ~~مليحها هذبته عن قبيحها؟ هل دخلت قصرا إلا كانت كنفه قبل غرفه؟ وبلدة إلا ~~تلقاك قبورها قبل دورها؟ متى رأيت ضاحكا لم يعد باكيا؟ وشاكرا لها لم يعد ~~شاكيا؟ أف لعقل حجبته الشهوات، وخدعته الشبهات. # [وقال الحكيم:] «3» العاقل من عقل لسانه، والجاهل من جهل قدره. # إذا تم العقل نقص الكلام. # [وقال الحكيم:] «4» العقل إذا فسد كالجوهر إذا انكسر. # للشيخ أبي العلاء المعري في هذا المعنى بيتان، وهما «5» : # خف يا كريم على عرض تعرضه ... لعائب، فلئيم لا يقاس بكا # إن الزجاجة لما حطمت سبكت ... وكم تحطم من در فماسبكا «6» # [وقال الحكيم:] «7» كل عيب مضادد «8» لخلاص النفس. # لا ينبغي لك أن تهوى حياة صالحة فقط، بل وموتا صالحا. # PageV01P462 # تذكر من أي شيء كنت، وإلى أين أنت صائر. # لا يعد من الأخيار من يؤذي أحدا بسبب الأمور الزائلة. # كن محبا للناس، ولا تسرع الغضب فتسلط عليك عادة الجهال. # لا تؤخره إنالة المحتاج إلى غد، فإنك لا تدري ما يعرض في غد. # أعن المبتلى إن لم يكن سوء عمله ابتلاه. # [قال:] «1» لا تحب الفتنة فتضطر إلى البعد «2» عن محبة الله تعالى. # [وقال الحكيم:] «3» إن تعبت في أعمال البر فإن التعب يزول [عنك] «4» ~~والبر يبقى لك. وإن تلذذت بالإثم «5» فإن اللذة تزول، والإثم باق عليك. # اذكر يوما يهتف بك فيه فلا تسمع، وينكسر فيه اللسان الحديد فلا ينطق «6» ~~. واذكر أنك ذاهب إلى مكان لا تعرف فيه صديقا ولا عدوا. # من نزل نفسه منزلة العاقل أنزله الناس منزلة الجاهل. # لا تكره سخط من يرضيه الباطل. # التقرب من الناس مجلبة لقرين السوء، فكن مع الناس بين المنقبض والمسترسل. # من أسرع كثر عثاره. والتؤدة تؤمن العثار. # رب مغبوط بمسرة هي داؤه، ومرحوم من سقم هو شفاؤه. # وقال الحكيم: ما بقاء عمر تنقصه الساعات، وسلامة بدن معرض للآفات؟! ~~والعجب ممن يكره الموت ms252 وهو سبيله! ولا أرى أحدا إلا وهو من الموت آبق، وهو ~~مدركه. # PageV01P463 # كل راض غني. # كتب سقرط إلى ملك زمانه وقد مات ولده: «أما بعد. فإن الله تعالى جعل ~~الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى، وجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا، ~~وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ- ما يأخذه- بما يعطي، ويبتلي- إذا ~~ابتلى- ليجزي. # وقال ابن الملك يوما لسقراط: إني لمغموم بك. قال: ولم؟ قال: لما أرى من ~~شدة فقرك. فقال له سقراط: لو علمت الفقر ما هو لشغلك غمك بنفسك عن غمك بي! ~~الغنى والفقر بعد العرض على الله تعالى. # وقال: اعلم أن حفظك سرك أولى من حفظ غيرك له. # وقال لبعض تلامذته: احذر الزمان فإنه أخبث عدو تحذر منه «1» . # [وقال:] «2» من تكلف ما لا يعنيه فاته ما يعنيه. # [وقال:] «3» ليس للرجل أن يشغل قلبه بما ذهب منه، لكن ينبغي أن يحفظ ما ~~بقي عليه «4» . # [وقال:] «5» زهدك في من «6» يرغب فيك قصر همة، ورغبتك فيمن «7» يزهد فيك ~~ذل نفس. # وقال رجل لأرسطاطاليس: بلغني أنك اغتبتني. فقال: ما بلغ قدرك عندي أن أدع ~~لك خلة من ثلاث. قال: وما الثلاث؟ قال: إما علم أعمل فكري فيه، وإما لذة ~~أعلل فيها نفسي «8» ، وإما إقبال على عمل صالح. # PageV01P464 # وقال أيضا: ليس طلبي للعلم طمعا في بلوغ قاصيه، والاستيلاء على غايته، ~~ولكن التماسا علما لا يسع جهله، ولا يحسن بالعاقل خلافه. # وقال: الجاهل عدو لنفسه، فكيف يكون صديقا لغيره «1» . # سئل الاسكندر: أي شيء نلته في ملكك أنت به أشد سرورا؟ قال: # قوتي على مكافأة من أحسن إلي بأكثر من إحسانه. # وقال: محادثتك من لا يعقل بمنزلة من يضع الموائد لأهل القبور. # ومر الاسكندر بمدينة ملكها من الملوك سبعة بادوا، فقال: هل بقي من نسل ~~الملوك الذين ملكوا هذه المدينة أحد؟ قالوا: نعم، واحد. قال: دلوني عليه. ~~قيل له: قد سكن المقابر. فدعا به، فأتاه. فقال له: ما دعاك إلى ملازمة ~~المقابر؟ قال: إني أردت أن أميز عظام عبيدهم من عظام ملوكهم، فوجدت الجميع ~~سواء! قال: ms253 فهل لك في «2» أن تتبعني فأحيي شرفك وشرف آبائك إن كانت لك همة؟ ~~قال: إن همتي لعظيمة. قال: وما هي؟ قال: حياة لا موت بعدها، وشباب لا هرم ~~بعده، وغنى لا فقر معه، وسرور بغير مكروه، وصحة من غير سقم!! قال: هذا ما ~~لا تجده عندي. قال: فإنني أطلبه ممن هو عنده. فقال الاسكندر: ما رأيت أحكم ~~من هذا. ثم خرج من عنده، فلم يزل في المقابر حتى مات. # وقال الحكيم: أمر الدنيا أقصر من أن تطالع فيه الأحقاد» . # وقال: لأن «4» أدع الحق جهلا به أحب إلي من أن أدعه زهدا فيه. # رأى أفلاطون رجلا يكثر الكلام ويقل الاستماع. فقال له: يا هذا، # PageV01P465 # أنصف أذنيك من لسانك، فإن الخالق جل ثناؤه إنما جعل لك أذنين ولسانا ~~واحدا، لتسمع ضعف ما تتكلم. # وقال لتلامذته: من شكركم على غير معروف أو بر فعاجلوه بهما، وإلا انعكس ~~الشكر فصار ذما. # وقال: من لم يراع الاخوان عند دولته خذلوه عند فاقته. # وقال: الملك السعيد من تمت رياسة آبائه به، والشقي من انقطعت عنده. # قيل: أراد أفلاطون سفرا، فقال لسقراط: أوصني أيها الحكيم. فقال «1» : كن ~~سيئ الظن بمن تعرف، وعلى حذر ممن لا تعرف، وإياك والوحدة، وكن كأحد أتباعك، ~~وإياك والضجر وسوء الخلق. وإذا نزلت منزلا فلا تمش حافيا، ولا تذق نبتة لا ~~تعرفها، ولا تغتنم مخاصرة الطرق «2» ، وعليك بجوادها وإن بعدت. # وكتب أفلاطون إلى روفسطائيس الملك: «قد أسمعك الداعي، وأعذر فيك الطالب، ~~وانتهت الأمور فيك إلى الرجاع «3» ، ولا أحد «4» أعظم رزية ممن ضيع اليقين ~~وأخطأ بالأمل» . # وقيل لأفلاطن: كيف تركت أهل بلدك؟ قال: بين مظلوم لا ينصف، وظالم لا ~~يقلع. # وقال لديقوميس «5» الملك: اجعل ما طلبت من الدنيا فلم «6» نظفر به ولم ~~تقدر عليه-: بمنزلة ما لم «7» يخطر ببالك. # PageV01P466 # وقال: ليس الفضيلة في حسن العيش، بل في تدبير حسن العيش. # وقال: البخل في موضعه أفضل من الجود في غير موضعه. # وسئل أفلاطن: أي شيء أهون عليكم معاشر الحكماء؟ فقال: لائمة الجاهل. # وقال: لقاء أهل ms254 الخير عمارة القلوب. # وقال: إذا قارفت «1» سبيئة فعجل نحوها بالتوبة. ولا تؤخر عمل اليوم لغد. # [خاتمة المؤلف] # قال مؤلف الكتاب غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين: ما للعلم غاية ~~يدركها الراغب، ولا نهاية يقف عندها الطالب. هو أكثر من أن يحصر، وأوسع من ~~أن يجمع. والأعمار [متلاشية] (2) منتقصة، وحوادث الزمان فيها معترضة. # ولولا أن النفس [إذا غولبت] (2) غلبت، وإذا زجرت لجت وأبت-: # لكان اشتغال [من بلغ] (2) من السنين إحدى وتسعين بأعمال البر والثواب أجد ~~[ى عليه (2) ] من الاشتغال بتأليف كتاب. بعد ما بالغ الزمان في [وعظه، ~~بتأثيره] (2) في قواه وسمعه وبصره، لا بلفظه. وأنذره تغير حاله [دنوار] «2» ~~تحاله. # فهو مقيم على وفاز «3» ، ميت في الحقيقة حي بالمجاز. مستكين لأسر رب ~~العالمين. # واثق بما وعد به ابن التسعين، على لسان رسوله الأمين «4» . صلى الله عليه ~~وعلى # PageV01P467 # آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه البررة المتقين، وأزواجه الطاهرات ~~أمهات المؤمنين، صلاة دائمة إلى يوم الدين. # [خاتمة المصحح] # وهذا آخر كتاب لباب الآداب [فرحم الله كر] (1) يما وقف عليه. وتصدق على ~~مؤلفه بدعوة صالحة [بهديها إليه] «1» يثيبه الله تعالى عنها، ويجزل حظه ~~منها. فهو سبحانه [من الدا] (2) عي قريب، يسمع ويجيب (3) . # [وكان الف] (2) راغ منه في صفر سنة تسع وسبعين وخمس مائة [والحمد لله و ~~«2» ] حده وصلواته على سيدنا محمد نبيه وصحبه وسلامه ناسخه الفقير إلى رحمة ~~ربه ... PageV01P468 ms255