######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008183 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: علاء الدين، أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي (المتوفى: 587هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 587 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: فقه حنفي #META# 022.BookVOLS :: 7 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008183 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8183 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8183 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1406هـ - 1986م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [خطبة الكتاب للمصنف] # (بسم الله الرحمن الرحيم) خطبة الكتاب للمصنف # الحمد لله العلي القادر القوي القاهر الرحيم الغافر الكريم الساتر ذي ~~السلطان الظاهر، والبرهان الباهر، خالق كل شيء، ومالك كل ميت، وحي، خلق ~~فأحسن، وصنع فأتقن، وقدر فغفر، وأبصر فستر، وكرم فعفا، وحكم فأخفى، عم ~~فضله، وإحسانه، وتم حجته، وبرهانه، وظهر أمره، وسلطانه فسبحانه ما أعظم ~~شأنه، والصلاة، والسلام على المبعوث بشيرا، ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه ~~وسراجا منيرا فأوضح الدلالة، وأزاح الجهالة، وفل السفه، وثل الشبه: محمد ~~سيد المرسلين، وإمام المتقين، وعلى آله الأبرار، وأصحابه المصطفين الأخيار. # (وبعد) فإنه لا علم بعد العلم بالله، وصفاته أشرف من علم الفقه، وهو ~~المسمى بعلم الحلال، والحرام، وعلم الشرائع، والأحكام، له بعث الرسل، وأنزل ~~الكتب إذ لا سبيل إلى معرفته بالعقل المحض دون معونة السمع، وقال الله ~~تعالى {يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر ~~إلا أولو الألباب} [البقرة: 269] وقيل: في بعض وجوه التأويل هو علم الفقه، ~~وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ما عبد الله بشيء ~~أفضل من فقه في دين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. # وروي أن رجلا قدم من الشام إلى عمر - رضي الله عنه - فقال: ما أقدمك قال: ~~قدمت لأتعلم التشهد فبكى عمر حتى ابتلت لحيته ثم قال: والله إني لأرجو من ~~الله أن لا يعذبك أبدا. # والأخبار، والآثار في الحض على هذا النوع من العلم أكثر من أن تحصى، وقد ~~كثر تصانيف مشايخنا في هذا الفن قديما، وحديثا، وكلهم أفادوا، وأجادوا غير ~~أنهم لم يصرفوا العناية إلى الترتيب في ذلك سوى أستاذي وارث السنة، ومورثها ~~الشيخ الإمام الزاهد علاء الدين رئيس أهل السنة محمد بن أحمد بن أبي أحمد ~~السمرقندي - رحمه الله تعالى - فاقتديت به فاهتديت إذ الغرض الأصلي، ~~والمقصود الكلي من التصنيف في كل فن من فنون العلم هو تيسير سبيل الوصول ~~إلى المطلوب على الطالبين، وتقريبه إلى أفهام المقتبسين، ولا يلتئم ms0001 هذا ~~المراد إلا بترتيب تقتضيه الصناعة، وتوجبه الحكمة، وهو التصفح عن أقسام ~~المسائل، وفصولها، وتخريجها على قواعدها، وأصولها ليكون أسرع فهما، وأسهل ~~ضبطا، وأيسر حفظا فتكثر الفائدة، وتتوفر العائدة فصرفت العناية إلى ذلك، ~~وجمعت في كتابي # PageV01P002 # هذا جملا من الفقه مرتبة بالترتيب الصناعي، والتأليف الحكمي الذي ترتضيه ~~أرباب الصنعة، وتخضع له أهل الحكمة مع إيراد الدلائل الجلية، والنكت القوية ~~بعبارات محكمة المباني مؤيدة المعاني، وسميته (الفقه على المذاهب الأربعة) ~~إذ هي صنعة بديعة، وترتيب عجيب، وترصيف غريب لتكون التسمية موافقة للمسمى، ~~والصورة مطابقة للمعنى وافق شن طبقه وافقه فاعتنقه فأستوفق الله تعالى ~~لإتمام هذا الكتاب الذي هو غاية المراد، والزاد للمرتاد، ومنتهى الطلب، ~~وعينه تشفي الجرب، والمأمول من فضله، وكرمه أن يجعله وارثا في الغابرين، ~~ولسان صدق في الآخرين، وذكرا في الدنيا، وذخرا في العقبى، وهو خير مأمول، ~~وأكرم مسئول. ### | [كتاب الطهارة] ### | [تفسير الطهارة] # (كتاب الطهارة) : # الكلام في هذا الكتاب في الأصل، في موضعين: أحدهما، في تفسير الطهارة، ~~والثاني، في بيان أنواعها (أما) تفسيرها: فالطهارة لغة، وشرعا هي النظافة، ~~والتطهير، والتنظيف، وهو إثبات النظافة في المحل، وأنها صفة تحدث ساعة ~~فساعة، وإنما يمتنع حدوثها بوجود ضدها، وهو القذر، فإذا زال القذر، وامتنع ~~حدوثه بإزالة العين القذرة، تحدث النظافة، فكان زوال القذر من باب زوال ~~المانع من حدوث الطهارة، لا أن يكون طهارة، وإنما سمي طهارة توسعا لحدوث ~~الطهارة عند زواله. ### | [فصل بيان أنواع الطهارة] # (فصل) : # وأما بيان أنواعها: فالطهارة في الأصل نوعان: طهارة عن الحدث، وتسمى ~~طهارة حكمية، وطهارة عن الخبث، وتسمى طهارة حقيقية أما الطهارة عن الحدث ~~فثلاثة أنواع: الوضوء، والغسل، والتيمم. ### | [بيان أركان الوضوء] # (أما) الوضوء: فالكلام في الوضوء في مواضع تفسيره، وفي بيان أركانه، وفي ~~بيان شرائط الأركان، وفي بيان سننه، وفي بيان آدابه، وفي بيان ما ينقضه. # أما الأول: فالوضوء اسم للغسل والمسح، لقوله تبارك، وتعالى {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ~~وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم ms0002 جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى ~~أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم ~~من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون} [المائدة: 6] ~~أمر بغسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس. # فلا بد من معرفة معنى الغسل والمسح فالغسل هو إسالة المائع على المحل، ~~والمسح هو الإصابة، حتى لو غسل أعضاء وضوئه، ولم يسل الماء، بأن استعمله ~~مثل الدهن، لم يجز في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه يجوز وعلى هذا قالوا: لو توضأ بالثلج، ولم يقطر منه ~~شيء لا يجوز، ولو قطر قطرتان، أو ثلاث، جاز لوجود الإسالة، وسئل الفقيه أبو ~~جعفر الهندواني عن التوضؤ بالثلج، فقال: ذلك مسح، وليس بغسل، فإن عالجه حتى ~~يسيل يجوز وعن خلف بن أيوب أنه قال: ينبغي للمتوضئ في الشتاء أن يبل أعضاءه ~~شبه الدهن، ثم يسيل الماء عليها؛ لأن الماء يتجافى عن الأعضاء في الشتاء. # مطلب غسل الوجه (وأما) أركان الوضوء فأربعة: (أحدها) : غسل الوجه مرة ~~واحدة، لقوله تعالى {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] ، والأمر المطلق لا ~~يقتضي التكرار، ولم يذكر في ظاهر الرواية حد الوجه، وذكر في غير رواية ~~الأصول أنه من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن، وإلى شحمتي الأذنين، وهذا تحديد ~~صحيح؛ لأنه تحديد الشيء بما ينبئ عنه اللفظ لغة؛ لأن الوجه اسم لما يواجه ~~الإنسان، أو ما يواجه إليه في العادة، والمواجهة تقع بهذا المحدود، فوجب ~~غسله قبل نبات الشعر، فإذا نبت الشعر يسقط غسل ما تحته عند عامة العلماء، ~~وقال أبو عبد الله البلخي: إنه لا يسقط غسله وقال الشافعي: إن كان الشعر ~~كثيفا يسقط، وإن كان خفيفا لا يسقط. # وجه قول أبي عبد الله أن ما تحت الشعر بقي داخلا تحت الحد بعد نبات ~~الشعر، فلا يسقط غسله وجه قول الشافعي أن السقوط لمكان الحرج،، والحرج في ~~الكثيف لا في الخفيف. # (ولنا) أن الواجب غسل الوجه، ولما نبت الشعر خرج ms0003 ما تحته من أن يكون ~~وجها، لأنه لا يواجه إليه، فلا يجب غسله، وخرج الجواب عما قاله أبو عبد ~~الله، وعما قاله الشافعي أيضا، لأن السقوط في الكثيف ليس لمكان الحرج، بل ~~لخروجه من أن يكون وجها لاستتاره بالشعر، وقد وجد ذلك في الخفيف، وعلى هذا ~~الخلاف غسل ما تحت الشارب والحاجبين. # وأما الشعر الذي يلاقي الخدين، وظاهر الذقن، فقد روى ابن شجاع عن الحسن ~~عن أبي حنيفة، وزفر، أنه إذا مسح من لحيته ثلثا، أو ربعا جاز، وإن مسح أقل ~~من ذلك لم يجز. # وقال أبو يوسف إن لم # PageV01P003 # يمسح شيئا منها جاز، وهذه الروايات مرجوع عنها،، والصحيح أنه يجب غسله؛ ~~لأن البشرة خرجت من أن تكون وجها، لعدم معنى المواجهة لاستتارها بالشعر، ~~فصار ظاهر الشعر الملاقي لها هو الوجه، لأن المواجهة تقع إليه، وإلى هذا ~~أشار أبو حنيفة فقال: وإنما مواضع الوضوء ما ظهر منها، والظاهر هو الشعر لا ~~البشرة، فيجب غسله، ولا يجب غسل ما استرسل من اللحية عندنا، وعند الشافعي ~~يجب (له) أن المسترسل تابع لما اتصل، والتبع حكمه حكم الأصل. # و (لنا) أنه إنما يواجه إلى المتصل عادة، لا إلى المسترسل، فلم يكن ~~المسترسل وجها، فلا يجب غسله، ويجب غسل البياض الذي بين العذار والأذن، في ~~قول أبي حنيفة، ومحمد. # وروي عن أبي يوسف أنه لا يجب لأبي يوسف أن ما تحت العذار لا يجب غسله مع ~~أنه أقرب إلى الوجه، فلأن لا يجب غسل البياض أولى، ولهما أن البياض داخل في ~~حد الوجه، ولم يستر بالشعر فبقي واجب الغسل كما كان، بخلاف العذار. # وإدخال الماء في داخل العينين ليس بواجب؛ لأن داخل العين ليس بوجه؛ لأنه ~~لا يواجه إليه؛ ولأن فيه حرجا، وقيل: إن من تكلف لذلك من الصحابة كف بصره، ~~كابن عباس، وابن عمر - رضي الله عنهم -. # مطلب غسل اليدين # (والثاني) غسل اليدين مرة واحدة لقوله تعالى {وأيديكم} [المائدة: 6] ~~ومطلق الأمر لا يقتضي التكرار. # والمرفقان يدخلان في الغسل عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر ms0004 لا يدخلان، ولو ~~قطعت يده من المرفق، يجب عليه غسل موضع القطع عندنا خلافا له. # وجه قوله أن الله تعالى جعل المرفق غاية، فلا يدخل تحت ما جعلت له ~~الغاية، كما لا يدخل الليل تحت الأمر بالصوم في قوله تعالى {ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] . # (ولنا) أن الأمر تعلق بغسل اليد، واليد اسم لهذه الجارحة من رءوس الأصابع ~~إلى الإبط، ولولا ذكر المرفق لوجب غسل اليد كلها، فكان ذكر المرفق لإسقاط ~~الحكم عما وراءه، لا لمد الحكم إليه، لدخوله تحت مطلق اسم اليد، فيكون عملا ~~باللفظ بالقدر الممكن، وبه تبين أن المرفق لا يصلح غاية لحكم ثبت في اليد، ~~لكونه بعض اليد، بخلاف الليل في باب الصوم، ألا ترى أنه لولا ذكر الليل لما ~~اقتضى الأمر إلا وجوب صوم ساعة، فكان ذكر الليل لمد الحكم إليه؛ على أن ~~الغايات منقسمة، منها ما لا يدخل تحت ما ضربت له الغاية، ومنها ما يدخل، ~~كمن قال: رأيت فلانا من رأسه إلى قدمه، وأكلت السمكة من رأسها إلى ذنبها، ~~دخل القدم، والذنب، فإن كانت هذه الغاية من القسم الأول لا يجب غسلهما، وإن ~~كانت من القسم الثاني يجب، فيحمل على الثاني احتياطا، على أنه إذا احتمل ~~دخول المرافق في الأمر بالغسل، واحتمل خروجها عنه صار مجملا مفتقرا إلى ~~البيان. # وقد روى جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان إذا بلغ المرفقين ~~في الوضوء أدار الماء عليهما» فكان فعله بيانا لمجمل الكتاب، والمجمل إذا ~~التحق به البيان يصير مفسرا من الأصل. # مطلب مسح الرأس (والثالث) : مسح الرأس مرة واحدة لقوله تعالى {وامسحوا ~~برءوسكم} [المائدة: 6] والأمر المطلق بالفعل لا يوجب التكرار،، واختلف في ~~المقدار المفروض مسحه، ذكره في الأصل، وقدره بثلاث أصابع اليد، وروى الحسن ~~عن أبي حنيفة أنه قدره بالربع، وهو قول زفر وذكر الكرخي والطحاوي عن ~~أصحابنا مقدار الناصية. # وقال مالك: لا يجوز حتى يمسح جميع الرأس، أو أكثره، وقال الشافعي: إذا ~~مسح ما يسمى مسحا يجوز، وإن كان ثلاث ms0005 شعرات. # وجه قول مالك أن الله تعالى ذكر الرأس، والرأس اسم للجملة، فيقتضي وجوب ~~مسح جميع الرأس، وحرف الباء لا يقتضي التبعيض لغة، بل هو حرف إلصاق، فيقتضي ~~إلصاق الفعل بالمفعول، وهو المسح بالرأس، والرأس اسم لكله، فيجب مسح كله، ~~إلا أنه إذا مسح الأكثر جاز لقيام الأكثر مقام الكل. # وجه قول الشافعي أن الأمر تعلق بالمسح بالرأس، والمسح بالشيء لا يقتضي ~~استيعابه في العرف، يقال: (مسحت يدي بالمنديل) ، وإن لم يمسح بكله، ويقال: ~~" كتبت بالقلم، وضربت بالسيف "، وإن لم يكتب بكل القلم، ولم يضرب بكل ~~السيف، فيتناول أدنى ما ينطلق عليه الاسم. # (ولنا) أن الأمر بالمسح يقتضي آلة، إذ المسح لا يكون إلا بآلة، وآلة ~~المسح هي أصابع اليد عادة، وثلاث أصابع اليد أكثر الأصابع، وللأكثر حكم ~~الكل، فصار كأنه نص على الثلاث وقال: " وامسحوا برءوسكم بثلاث أصابع أيديكم ~~". # وأما وجه التقدير بالناصية فلأن مسح جميع الرأس ليس بمراد من الآية ~~بالإجماع، ألا ترى أنه عند مالك أن مسح جميع الرأس إلا قليلا منه جائز، فلا ~~يمكن حمل الآية على جميع الرأس، ولا على بعض مطلق، وهو أدنى ما ينطلق عليه ~~الاسم كما قاله الشافعي، لأن ماسح # PageV01P004 # شعرة، أو ثلاث شعرات لا يسمى ماسحا في العرف، فلا بد من الحمل على مقدار ~~يسمى المسح عليه مسحا في المتعارف، وذلك غير معلوم. # وقد روى المغيرة بن شعبة عن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه بال، ~~وتوضأ، ومسح على ناصيته» فصار فعله - عليه الصلاة والسلام - بيانا لمجمل ~~الكتاب، إذ البيان يكون بالقول تارة، وبالفعل أخرى، كفعله في هيئة الصلاة، ~~وعدد ركعاتها، وفعله في مناسك الحج، وغير ذلك. # فكان المراد من المسح بالرأس مقدار الناصية ببيان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ووجه التقدير بالربع أنه قد ظهر اعتبار الربع في كثير من الأحكام، ~~كما في حلق ربع الرأس أنه يحل به المحرم، ولا يحل بدونه، ويجب الدم إذا ~~فعله في إحرامه، ولا يجب بدونه، وكما في انكشاف الربع من العورة في باب ms0006 ~~الصلاة أنه يمنع جواز الصلاة، وما دونه لا يمنع، كذا ههنا، ولو وضع ثلاث ~~أصابع وضعا، ولم يمدها جاز على قياس رواية الأصل، وهي التقدير بثلاث أصابع؛ ~~لأنه أتى بالقدر المفروض، وعلى قياس رواية الناصية: والربع لا يجوز لأنه ما ~~استوفى ذلك القدر. # ولو مسح بثلاث أصابع منصوبة غير موضوعة ولا ممدودة لم يجز؛ لأنه لم يأت ~~بالقدر المفروض، ولو مدها حتى بلغ القدر المفروض لم يجز عند أصحابنا ~~الثلاثة وعند زفر يجوز، وعلى هذا الخلاف إذا مسح بأصبع، أو بأصبعين، ومدهما ~~حتى بلغ مقدار الفرض. # وجه قول زفر إن الماء لا يصير مستعملا حالة المسح كما لا يصير مستعملا ~~حالة الغسل، فإذا مد فقد مسح بماء غير مستعمل، فجاز، والدليل عليه أن سنة ~~الاستيعاب تحصل بالمد، ولو كان مستعملا بالمد لما حصلت، لأنها لا تحصل ~~بالماء المستعمل. # (ولنا) أن الأصل أن يصير الماء مستعملا بأول ملاقاته العضو، لوجود زوال ~~الحدث، أو قصد القربة، إلا أن في باب الغسل لم يظهر حكم الاستعمال في تلك ~~الحالة للضرورة، وهي أنه لو أعطى له حكم الاستعمال لاحتاج إلى أن يأخذ لكل ~~جزء من العضو ماء جديدا، وفيه من الحرج ما لا يخفى، فلم يظهر حكم الاستعمال ~~لهذه الضرورة، ولا ضرورة في المسح؛ لأنه يمكنه أن يمسح دفعة واحدة، فلا ~~ضرورة إلى المد لإقامة الفرض، فظهر حكم الاستعمال فيه، وبه حاجة إلى إقامة ~~سنة الاستيعاب، فلم يظهر حكم الاستعمال فيه كما في الغسل. # ولو مسح بأصبع واحدة ثلاث مرات، وأعادها إلى الماء في كل مرة جاز، هكذا ~~روى ابن رستم عن محمد في النوادر؛ لأن المفروض هو المسح قدر ثلاث أصابع. # وقد وجد، وإن لم يكن بثلاث أصابع، ألا ترى أنه لو أصاب رأسه هذا القدر من ~~ماء المطر سقط عنه فرض المسح، وإن لم يوجد منه فعل المسح رأسا، ولو مسح ~~بأصبع واحدة ببطنها، وبظهرها، وبجانبها لم يذكر في ظاهر الرواية، واختلف ~~المشايخ فقال بعضهم: لا يجوز. # وقال بعضهم: يجوز، وهو الصحيح؛ ms0007 لأن ذلك في معنى المسح بثلاث أصابع، ~~وإيصال الماء إلى أصول الشعر ليس بفرض؛ لأن فيه حرجا فأقيم المسح على الشعر ~~مقام المسح على أصوله، ولو مسح على شعره وكان شعره طويلا فإن مسح على ما ~~تحت أذنه لم يجز، وإن مسح على ما فوقها جاز، لأن المسح على الشعر كالمسح ~~على ما تحته، وما تحت الأذن عنق، وما فوقه رأس. # ولا يجوز المسح على العمامة، والقلنسوة، لأنهما يمنعان إصابة الماء ~~الشعر، ولا يجوز مسح المرأة على خمارها، لما روي عن عائشة - رضي الله عنها ~~- أنها أدخلت يدها تحت الخمار، ومسحت برأسها وقالت: بهذا أمرني رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلا إذا كان الخمار رقيقا ينفذ الماء إلى شعرها، ~~فيجوز لوجود الإصابة. # ولو أصاب رأسه المطر مقدار المفروض أجزأه مسحه بيده أو لم يمسحه؛ لأن ~~الفعل ليس بمقصود في المسح، وإنما المقصود هو وصول الماء إلى ظاهر الشعر، ~~وقد وجد، والله الموفق. # مطلب غسل الرجلين # (والرابع) غسل الرجلين مرة واحدة، لقوله تعالى: {وأرجلكم إلى الكعبين} ~~[المائدة: 6] بنصب اللام من الأرجل معطوفا على قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] كأنه قال: فاغسلوا وجوهكم، وأيديكم إلى ~~المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا برءوسكم. # والأمر المطلق لا يقتضي التكرار، وقالت الرافضة الفرض هو المسح لا غير ~~وقال الحسن البصري بالتخيير بين المسح، والغسل وقال بعض المتأخرين بالجمع ~~بينهما وأصل هذا الاختلاف أن الآية قرئت بقراءتين، بالنصب، والخفض فمن قال ~~بالمسح أخذ بقراءة الخفض، فإنها تقتضي كون الأرجل ممسوحة لا مغسولة؛ لأنها ~~تكون معطوفة على الرأس، والمعطوف يشارك المعطوف عليه في الحكم، ثم وظيفة ~~الرأس المسح، فكذا وظيفة # PageV01P005 # الرجل، ومصداق هذه القراءة أنه اجتمع في الكلام عاملان، أحدهما: قوله: ~~{فاغسلوا} [المائدة: 6] # والثاني: حرف الجر، وهو الباء في قوله: {برءوسكم} [المائدة: 6] ، والباء ~~أقرب فكان الخفض أولى، ومن قال بالتخيير يقول: إن القراءتين قد ثبت كون كل ~~واحدة منهما قرآنا، وتعذر الجمع بين موجبيهما، وهو وجوب المسح، والغسل، إذ ~~لا قائل به في السلف، ms0008 فيخير المكلف، إن شاء عمل بقراءة النصب فغسل، وإن شاء ~~بقراءة الخفض فمسح، وأيهما فعل يكون إتيانا بالمفروض، كما في الأمر بأحد ~~الأشياء الثلاثة، ومن قال بالجمع يقول: القراءتان في آية واحدة بمنزلة ~~آيتين فيجب العمل بهما جميعا ما أمكن، وأمكن ههنا لعدم التنافي، إذ لا ~~تنافي بين الغسل، والمسح في محل واحد فيجب الجمع بينهما. # (ولنا) قراءة النصب، وأنها تقتضي كون، وظيفة الأرجل الغسل، لأنها تكون ~~معطوفة على المغسولات، وهي الوجه، واليدان، والمعطوف على المغسول يكون ~~مغسولا تحقيقا لمقتضى العطف، وحجة هذه القراءة وجوه:. # أحدها: ما قاله بعض مشايخنا أن قراءة النصب محكمة في الدلالة على كون ~~الأرجل معطوفة على المغسولات، وقراءة الخفض محتملة؛ لأنه يحتمل أنها معطوفة ~~على الرءوس حقيقة، ومحلها من الإعراب الخفض، ويحتمل أنها معطوفة على الوجه، ~~واليدين حقيقة، ومحلها من الإعراب النصب، إلا أن خفضها للمجاورة، وإعطاء ~~الإعراب بالمجاورة طريقة شائعة في اللغة بغير حائل، وبحائل، أما بغير ~~الحائل فكقولهم: جحر ضب خرب وماء شن بارد، والخرب نعت الجحر لا نعت الضب، ~~والبرودة نعت الماء لا نعت الشن، ثم خفض لمكان المجاورة. # وأما مع الحائل، فكما قال تعالى {يطوف عليهم ولدان مخلدون} [الواقعة: 17] ~~إلى قوله: {وحور عين} [الواقعة: 22] لأنهن لا يطاف بهن، وكما قال الفرزدق: # فهل أنت إن ماتت أتانك راكب ... إلى آل بسطام بن قيس فخاطب # فثبت أن قراءة الخفض محتملة، وقراءة النصب محكمة، فكان العمل بقراءة ~~النصب أولى إلا أن في هذا إشكالا، وهو أن هذا الكلام في حد التعارض لأن ~~قراءة النصب محتملة أيضا في الدلالة على كون الأرجل معطوفة على اليدين، ~~والرجلين، لأنه يحتمل أنها معطوفة على الرأس. # والمراد بها المسح حقيقة، لكنها نصبت على المعنى لا على اللفظ، لأن ~~الممسوح به مفعول به، فصار كأنه قال تعالى {وامسحوا برءوسكم} [المائدة: 6] ~~. # والإعراب قد يتبع اللفظ، وقد يتبع المعنى، كما قال الشاعر: # معاوية إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا # نصب الحديد عطفا على الجبال بالمعنى لا باللفظ، معناه فلسنا الجبال، ولا ms0009 ~~الحديد، فكانت كل واحدة من القراءتين محتملة في الدلالة من الوجه الذي ~~ذكرنا، فوقع التعارض فيطلب الترجيح من جانب آخر، وذلك من وجوه: أحدها: أن ~~الله تعالى مد الحكم في الأرجل إلى الكعبين، ووجوب المسح لا يمتد إليهما. # والثاني: أن الغسل يتضمن المسح، إذ الغسل إسالة، والمسح إصابة، وفي ~~الإسالة إصابة، وزيادة، فكان ما قلناه عملا بالقراءتين معا، فكان أولى. # والثالث: أنه قد روى جابر،، وأبو هريرة،، وعائشة، وعبد الله بن عمر، ~~وغيرهم، أن «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى قوما تلوح أعقابهم لم ~~يصبها الماء فقال: ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء» . # وروي «أنه توضأ مرة، وغسل رجليه وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا ~~به» ومعلوم أن قوله: «ويل للأعقاب من النار» وعيد لا يستحق إلا بترك ~~المفروض، وكذا نفي قبول صلاة من لا يغسل رجليه في وضوئه، فدل أن غسل ~~الرجلين من فرائض الوضوء. # وقد ثبت بالتواتر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - غسل رجليه في الوضوء» ~~، لا يجحده مسلم، فكان قوله، وفعله بيان المراد بالآية، فثبت بالدلائل ~~المتصلة، والمنفصلة أن الأرجل في الآية معطوفة على المغسول لا على الممسوح، ~~فكان وظيفتها الغسل لا المسح، على أنه إن وقع التعارض بين القراءتين فالحكم ~~في تعارض القراءتين كالحكم في تعارض الآيتين، وهو أنه إن أمكن العمل بهما ~~مطلقا يعمل، وإن لم يمكن للتنافي يعمل بهما بالقدر الممكن، وههنا لا يمكن ~~الجمع بين الغسل، والمسح في عضو واحد في حالة واحدة؛ لأنه لم يقل به أحد من ~~السلف، ولأنه يؤدي إلى تكرار المسح، لما ذكرنا أن الغسل يتضمن المسح، ~~والأمر المطلق لا يقتضي التكرار، فيعمل بهما في الحالتين، فتحمل قراءة ~~النصب على ما إذا كانت الرجلان باديتين، وتحمل قراءة الخفض على ما إذا ~~كانتا مستورتين بالخفين توفيقا بين القراءتين، وعملا بهما # PageV01P006 # بالقدر الممكن، وبه تبين أن القول بالتخيير باطل عند إمكان العمل بهما في ~~الجملة. # وعند عدم الإمكان أصلا، ورأسا لا يخير أيضا، بل يتوقف على ما ms0010 عرف في أصول ~~الفقه، ثم الكعبان يدخلان في الغسل عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا ~~يدخلان، والكلام في الكعبين على نحو الكلام في المرفقين، وقد ذكرناه. # ، والكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق بلا خلاف بين الأصحاب، ~~كذا ذكره القدوري لأن الكعب في اللغة اسم لما علا وارتفع، ومنه سميت الكعبة ~~كعبة، وأصله من كعب القناة، وهو أنبوبها سمي به لارتفاعه. # وتسمى الجارية الناهدة الثديين كاعبا لارتفاع ثدييها، وكذا في العرف يفهم ~~منه الناتئ، يقال ضرب كعب فلان، وفي الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال في تسوية الصفوف في الصلاة: «ألصقوا الكعاب بالكعاب» ولم ~~يتحقق معنى الإلصاق إلا في الناتئ، وما روى هشام عن محمد أنه المفصل الذي ~~عند معقد الشراك على ظهر القدم فغير صحيح، إنما قال محمد في مسألة المحرم ~~إذا لم يجد نعلين، أنه يقطع الخف أسفل الكعب، فقال: إن الكعب ههنا الذي في ~~مفصل القدم فنقل هشام ذلك إلى الطهارة، والله أعلم. # وهذا الذي ذكرنا من وجوب غسل الرجلين إذا كانتا باديتين لا عذر بهما، ~~فأما إذا كانتا مستورتين بالخف، أو كان بهما عذر من كسر، أو جرح، أو قرح، ~~فوظيفتهما المسح، فيقع الكلام في الأصل في موضعين: أحدهما: في المسح على ~~الخفين. # والثاني: في المسح على الجبائر. ### | [فصل المسح على الخفين] # (فصل) أما المسح على الخفين فالكلام فيه في مواضع: في بيان جوازه، وفي ~~بيان مدته، وفي بيان شرائط جوازه، وفي بيان مقداره، وفي بيان ما ينقضه، وفي ~~بيان حكمه إذا انتقض. # (أما) الأول: فالمسح على الخفين جائز عند عامة الفقهاء، وعامة الصحابة - ~~رضي الله عنهم - إلا شيئا قليلا روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه لا ~~يجوز، وهو قول الرافضة وقال مالك: يجوز للمسافر، ولا يجوز للمقيم، واحتج من ~~أنكر المسح بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو ms0011 على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو ~~لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ~~منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ~~لعلكم تشكرون} [المائدة: 6] فقراءة النصب تقتضي وجوب غسل الرجلين مطلقا عن ~~الأحوال؛ لأنه جعل الأرجل معطوفة على الوجه واليدين، وهي مغسولة، فكذا ~~الأرجل، وقراءة الخفض تقتضي وجوب المسح على الرجلين لا على الخفين. # وروي أنه سئل ابن عباس: هل مسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~الخفين؟ فقال: «والله ما مسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الخفين ~~بعد نزول المائدة» ، ولأن أمسح على ظهر عير في الفلاة أحب إلي من أن أمسح ~~على الخفين رواية قال: لأن أمسح على جلد حمار أحب إلي من أن أمسح على ~~الخفين. # (ولنا) ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يمسح ~~المقيم على الخفين يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها» ، وهذا حديث ~~مشهور رواه جماعة من الصحابة مثل عمر، وعلي،، وخزيمة بن ثابت، وأبي سعيد ~~الخدري، وصفوان بن عسال، وعوف بن مالك، وأبي عمارة، وابن عباس، وعائشة - ~~رضي الله عنهم - حتى قال أبو يوسف: خبر مسح الخفين يجوز نسخ القرآن بمثله. # وروي أنه قال: إنما يجوز نسخ القرآن بالسنة إذا وردت كورود المسح على ~~الخفين، وكذا الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعوا على جواز المسح قولا، ~~وفعلا، حتى روي عن الحسن البصري أنه قال: أدركت سبعين بدريا من الصحابة ~~كلهم كانوا يرون المسح على الخفين، ولهذا رآه أبو حنيفة من شرائط السنة ~~والجماعة، فقال فيها: أن تفضل الشيخين، وتحب الختنين، وأن ترى المسح على ~~الخفين، وأن لا تحرم نبيذ التمر؛ يعني: المثلث. # وروي عنه أنه قال: ما قلت: بالمسح حتى جاءني فيه مثل ضوء النهار فكان ~~الجحود ردا على كبار الصحابة، ونسبة إياهم إلى الخطأ، فكان بدعة، فلهذا قال ~~الكرخي: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين. # وروي عن أبي حنيفة - رضي ms0012 الله عنه - أنه قال: لولا أن المسح لا خلف فيه ~~ما مسحنا ودل قوله هذا على أن خلاف ابن عباس لا يكاد يصح؛ ولأن الأمة لم ~~تختلف على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسح، وإنما اختلفوا أنه مسح ~~قبل نزول المائدة، أو بعدها، ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أسوة حسنة، حتى قال الحسن البصري: حدثني سبعون رجلا من أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - «أنهم رأوه يمسح على الخفين» . # وروي عن عائشة، والبراء بن عازب - رضي الله عنهما - أن «النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # PageV01P007 # مسح بعد المائدة» . # وروي عن جرير بن عبد الله البجلي أنه توضأ، ومسح على الخفين فقيل: له في ~~ذلك، فقال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ، ومسح على الخفين ~~فقيل له: أكان ذلك بعد نزول المائدة؟ فقال: وهل أسلمت إلا بعد نزول ~~المائدة؟ وأما الآية فقد قرئت بقراءتين فنعمل بهما في حالين، فنقول ~~وظيفتهما الغسل إذا كانتا باديتين، والمسح إذا كانتا مستورتين بالخف، عملا ~~بالقراءتين بقدر الإمكان ويجوز أن يقال لمن مسح على خفه إنه مسح على رجله، ~~كما يجوز أن يقال: ضرب على رجله، وإن ضرب على خفه، والرواية عن ابن عباس لم ~~تصح لما روينا عن أبي حنيفة ولأن مداره على عكرمة. # وروي أنه لما بلغت روايته عطاء قال كذب عكرمة وروى عنه عطاء، والضحاك أنه ~~مسح على خفيه، فهذا يدل على أن خلاف ابن عباس لم يثبت. # وروي عن عطاء أنه قال: كان ابن عباس يخالف الناس في المسح على الخفين فلم ~~يمت حتى تابعهم. # وأما الكلام مع مالك، فوجه قوله أن المسح شرع ترفها، ودفعا للمشقة، فيختص ~~شرعيته بمكان المشقة، وهو السفر. # (ولنا) ما روينا من الحديث المشهور، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«يمسح المقيم على الخفين يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها» ، وما ~~ذكر من الاعتبار غير سديد، لأن المقيم يحتاج إلى الترفه، ودفع المشقة، إلا ~~إن حاجة المسافر إلى ذلك أشد، ms0013 فزيدت مدته لزيادة الترفيه، والله الموفق. ### | [بيان مدة المسح] # مطلب بيان مدة المسح # (وأما بيان مدة المسح) فقد اختلف العلماء في أن المسح على الخفين هل هو ~~مقدر بمدة؟ قال عامتهم: إنه مقدر بمدة في حق المقيم يوما وليلة، وفي حق ~~المسافر ثلاثة أيام، ولياليها. # وقال مالك إنه غير مقدر، وله أن يمسح كم شاء، والمسألة مختلفة بين ~~الصحابة - رضي الله عنهم - روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن ~~عمر، وسعد بن أبي وقاص، وجابر بن سمرة، وأبي موسى الأشعري، والمغيرة بن ~~شعبة - رضي الله عنهم - أنه مؤقت وعن أبي الدرداء، وزيد بن ثابت، وسعيد - ~~رضي الله عنهم - أنه غير مؤقت، واحتج مالك بما روي عن «النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه بلغ بالمسح سبعا» . # وروي أن عمر - رضي الله عنه - سأل عقبة بن عامر وقد قدم من الشام: متى ~~عهدك بالمسح؟ قال: سبعا فقال عمر: - رضي الله عنه - أصبت السنة (وبلغ ~~بالمسح سبعا) ، فهو غريب، فلا يترك به المشهور مع أن الرواية المتفق عليها ~~أنه بلغ بالمسح ثلاثا، ثم تأويله أنه احتاج إلى المسح سبعا في مدة المسح ~~وأما الحديث الآخر فقد روى جابر الجعفي عن عمر أنه قال: للمسافر ثلاثة ~~أيام، وللمقيم يوم، وليلة، وهو موافق للخبر المشهور، فكان الأخذ به أولى، ~~ثم يحتمل أن يكون المراد من قوله: " متى عهدك بلبس الخف؟ " ابتداء اللبس أي ~~متى عهدك بابتداء اللبس؟ ، وإن كان تخلل بين ذلك نزع الخف. # ثم اختلف في اعتبار مدة المسح أنه من أي وقت يعتبر؟ فقال عامة العلماء ~~يعتبر من وقت الحدث بعد اللبس، فيمسح من وقت الحدث إلى وقت الحدث وقال ~~بعضهم: يعتبر من وقت اللبس، فيمسح من وقت اللبس إلى وقت اللبس. # وقال بعضهم: يعتبر من وقت المسح، فيمسح من وقت المسح إلى وقت المسح حتى ~~لو توضأ بعد ما انفجر الصبح، ولبس خفيه، وصلى الفجر، ثم أحدث بعد طلوع ~~الشمس، ثم توضأ، ومسح على خفيه بعد زوال الشمس، فعلى قول ms0014 العامة يمسح إلى ~~ما بعد طلوع الشمس من اليوم الثاني إن كان مقيما، وإن كان مسافرا يمسح إلى ~~ما بعد طلوع الشمس من اليوم الرابع، وعلى قول من اعتبر وقت اللبس، يمسح إلى ~~ما بعد انفجار الصبح من اليوم الثاني إن كان مقيما، وإن كان مسافرا إلى ما ~~بعد انفجار الصبح من اليوم الرابع، وعلى قول من اعتبر وقت المسح يمسح إلى ~~ما بعد زوال الشمس من اليوم الثاني إن كان مقيما. # وإن كان مسافرا يمسح إلى ما بعد زوال الشمس من اليوم الرابع، والصحيح ~~اعتبار وقت الحدث بعد اللبس؛ لأن الخف جعل مانعا من سراية الحدث إلى القدم، ~~ومعنى المنع إنما يتحقق عند الحدث، فيعتبر ابتداء المدة من هذا الوقت؛ لأن ~~هذه المدة ضربت توسعة، وتيسيرا لتعذر نزع الخفين في كل زمان، والحاجة إلى ~~التوسعة عند الحدث؛ لأن الحاجة إلى النزع عنده، ولو توضأ، ولبس خفيه، وهو ~~مقيم ثم سافر، فإن سافر بعد استكمال مدة الإقامة، لا تتحول مدته إلى مدة ~~مسح السفر؛ لأن مدة الإقامة لما تمت سرى الحدث السابق إلى القدمين، فلو ~~جوزنا المسح صار الخف رافعا للحدث لا مانعا، وليس هذا عمل الخف في الشرع. # وإن سافر قبل أن يستكمل مدة الإقامة، فإن سافر قبل الحدث، أو بعد # PageV01P008 # الحدث، قبل المسح، تحولت مدته إلى مدة السفر من وقت الحدث بالإجماع، وإن ~~سافر بعد المسح فكذلك عندنا، وعند الشافعي لا يتحول، ولكنه يمسح تمام مدة ~~الإقامة، وينزع خفيه، ويغسل رجليه، ثم يبتدئ مدة السفر، واحتج بقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - «يمسح المقيم يوما، وليلة» ، ولم يفصل. # (ولنا) قوله - صلى الله عليه وسلم - «، والمسافر ثلاثة أيام، ولياليها» ، ~~وهذا مسافر، ولا حجة له في صدر الحديث لأنه يتناول المقيم وقد بطلت الإقامة ~~بالسفر، هذا إذا كان مقيما فسافر. # وأما إذا كان مسافرا فأقام فإن أقام بعد استكمال مدة السفر نزع خفيه، ~~وغسل رجليه، لما ذكرنا، وإن أقام قبل أن يستكمل مدة السفر فإن أقام بعد ~~تمام يوم، وليلة، أو ms0015 أكثر، فكذلك ينزع خفيه، ويغسل رجليه؛ لأنه لو مسح ~~لمسح، وهو مقيم أكثر من يوم، وليلة، وهذا لا يجوز، وإن أقام قبل تمام يوم، ~~وليلة أتم يوما، وليلة؛ لأن أكثر ما في الباب أنه مقيم فيتم مدة المقيم، ثم ~~ما ذكرنا من تقدير مدة المسح بيوم، وليلة في حق المقيم، وبثلاثة أيام، ~~ولياليها في حق المسافر، في حق الأصحاء. # فأما في حق أصحاب الأعذار، كصاحب الجرح السائل، والاستحاضة، ومن بمثل ~~حالهما فكذلك الجواب عند زفر وأما عند أصحابنا الثلاثة فيختلف الجواب، إلا ~~في حالة واحدة، وبيان ذلك أن صاحب العذر إذا توضأ، ولبس خفيه فهذا على ~~أربعة أوجه: أما إن كان الدم منقطعا وقت الوضوء، واللبس وأما إن كان سائلا ~~في الحالين جميعا وأما إن كان منقطعا وقت الوضوء، سائلا وقت اللبس. # وأما إن كان سائلا وقت الوضوء، منقطعا وقت اللبس، فإن كان منقطعا في ~~الحالين، فحكمه حكم الأصحاء؛ لأن السيلان وجد عقيب اللبس، فكان اللبس على ~~طهارة كاملة، فمنع الخف سراية الحدث إلى القدمين ما دامت المدة باقية. # وأما في الفصول الثلاثة، فإنه يمسح ما دام الوقت باقيا، فإذا خرج الوقت ~~نزع خفيه، وغسل رجليه، عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يستكمل مدة المسح ~~كالصحيح وجه قوله أن طهارة صاحب العذر طهارة معتبرة شرعا؛ لأن السيلان ملحق ~~بالعدم، ألا ترى أنه يجوز أداء الصلاة بها، فحصل اللبس على طهارة كاملة، ~~فألحقت بطهارة الأصحاء. # (ولنا) أن السيلان ملحق بالعدم في الوقت، بدليل أن طهارته تنتقض بالإجماع ~~إذا خرج الوقت، وإن لم يوجد الحدث، فإذا مضى الوقت صار محدثا من وقت ~~السيلان. # والسيلان كان سابقا على لبس الخف، ومقارنا له، فتبين أن اللبس حصل لا على ~~الطهارة، بخلاف الفصل الأول؛ لأن السيلان ثمة وجد عقيب اللبس، فكان اللبس ~~حاصلا عن طهارة كاملة. # (وأما شرائط جواز المسح) فأنواع: بعضها يرجع إلى الماسح، وبعضها يرجع إلى ~~الممسوح أما الذي يرجع إلى الماسح أنواع: أحدها: أن يكون لابس الخفين على ~~طهارة كاملة عند الحدث بعد ms0016 اللبس، ولا يشترط أن يكون على طهارة كاملة وقت ~~اللبس، ولا أن يكون على طهارة كاملة أصلا ورأسا، وهذا مذهب أصحابنا، وعند ~~الشافعي يشترط أن يكون على طهارة كاملة وقت اللبس، وبيان ذلك أن المحدث إذا ~~غسل رجليه أولا، ولبس خفيه، ثم أتم الوضوء قبل أن يحدث، ثم أحدث جاز له أن ~~يمسح على الخفين عندنا، لوجود الشرط، وهو لبس الخفين على طهارة كاملة وقت ~~الحدث بعد اللبس. # وعند الشافعي لا يجوز لعدم الطهارة وقت اللبس؛ لأن الترتيب عنده شرط، ~~فكان غسل الرجلين مقدما على الأعضاء الأخر ملحقا بالعدم، فلم توجد الطهارة ~~وقت اللبس. # وكذلك لو توضأ فرتب، لكنه غسل إحدى رجليه ولبس الخف، ثم غسل الأخرى ولبس ~~الخف، قيل: " لا يجوز عنده، وإن وجد الترتيب في هذه الصورة " لكنه لم يوجد ~~لبس الخفين على طهارة كاملة وقت لبسهما، حتى لو نزع الخف الأول ثم لبسه جاز ~~المسح، لحصول اللبس على طهارة كاملة. # (ولنا) أن المسح شرع لمكان الحاجة، والحاجة إلى المسح إنما تتحقق وقت ~~الحدث بعد اللبس، فأما عند الحدث قبل اللبس فلا حاجة؛ لأنه يمكنه الغسل، ~~وكذا لا حاجة بعد اللبس قبل الحدث، لأنه طاهر، فكان الشرط كمال الطهارة وقت ~~الحدث بعد اللبس وقد وجد. # ولو لبس خفيه وهو محدث، ثم توضأ، وخاض الماء حتى أصاب الماء رجليه في ~~داخل الخف، ثم أحدث جاز له المسح عندنا لوجود الشرط، وهو كمال الطهارة عند ~~الحدث بعد اللبس، ولا يجوز عنده لعدم الشرط، وهو كمال الطهارة عند اللبس، ~~ولو لبس خفيه وهو محدث، ثم أحدث قبل أن يتم الوضوء، ثم أتم لا يجوز المسح ~~بالإجماع، أما عندنا فلانعدام الطهارة وقت الحدث بعد اللبس، وأما عنده ~~فلانعدامها عند اللبس. # ولو أراد # PageV01P009 # الطاهر أن يبول، فلبس خفيه، ثم بال، جاز له المسح؛ لأنه على طهارة كاملة ~~وقت الحدث بعد اللبس، وسئل أبو حنيفة عن هذا فقال: " لا يفعله إلا فقيه ". # ولو لبس خفيه على طهارة التيمم، ثم وجد الماء، نزع خفيه؛ لأنه ms0017 صار محدثا ~~بالحدث السابق على التيمم، إذ رؤية الماء لا تعقل حدثا، لأنه امتنع ظهور ~~حكمه إلى وقت وجود الماء، فعند وجوده ظهر حكمه في القدمين، فلو جوزنا المسح ~~لجعلنا الخف رافعا للحدث، وهذا لا يجوز. # ولو لبس خفيه على طهارة نبيذ التمر ثم أحدث، فإن لم يجد ماء مطلقا توضأ ~~بنبيذ التمر، ومسح على خفيه؛ لأنه طهور مطلق حال عدم الماء عند أبي حنيفة. # وإن وجد ماء مطلقا، نزع خفيه، وتوضأ، وغسل قدميه؛ لأنه ليس بطهور عند ~~وجود الماء المطلق وكذلك لو توضأ بسؤر الحمار، وتيمم، ولبس خفيه، ثم أحدث. # ولو توضأ بسؤر الحمار، ولبس خفيه، ولم يتيمم، حتى أحدث جاز له أن يتوضأ ~~بسؤر الحمار، ويمسح على خفيه، ثم يتيمم، ويصلي لأن سؤر الحمار، إن كان ~~طهورا فالتيمم أفضل، وإن كان الطهور هو التراب، فالقدم لا حظ لها من ~~التيمم. # ولو توضأ، ومسح على جبائر قدميه، ولبس خفيه، ثم أحدث، أو كانت إحدى رجليه ~~صحيحة، فغسلها، ومسح على جبائر الأخرى، ولبس خفيه، ثم أحدث، فإن لم يكن برأ ~~الجرح مسح على الخفين؛ لأن المسح على الجبائر كالغسل لما تحتها، فحصل لبس ~~الخفين على طهارة كاملة، كما لو أدخلهما مغسولتين حقيقة في الخف وإن كان ~~برأ الجرح، نزع خفيه؛ لأنه صار محدثا بالحدث السابق، فظهر أن اللبس حصل لا ~~على طهارة، وعلى هذا الأصل مسائل في الزيادات. # ومنها: أن يكون الحدث خفيفا، فإن كان غليظا، وهو الجنابة، فلا يجوز فيها ~~المسح، لما روي عن صفوان بن عسال المرادي أنه قال: «كان يأمرنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام، ~~ولياليها، لا عن جنابة، لكن من غائط أو بول أو نوم» ،، ولأن الجواز في ~~الحدث الخفيف لدفع الحرج، لأنه يتكرر، ويغلب وجوده فيلحقه الحرج، والمشقة ~~في نزع الخف، والجنابة لا يغلب وجودها، فلا يلحقه الحرج في النزع. # الذي يرجع إلى الممسوح، فمنها أن يكون خفا يستر الكعبين؛ لأن الشرع ورد ~~بالمسح على ms0018 الخفين، وما يستر الكعبين ينطلق عليه اسم الخف، وكذا ما يستر ~~الكعبين من الجلد مما سوى الخف، كالمكعب الكبير، والميثم؛ لأنه في معنى ~~الخف. ### | [المسح على الجورب] # مطلب المسح على الجوارب # وأما المسح على الجوربين، فإن كانا مجلدين، أو منعلين، يجزيه بلا خلاف ~~عند أصحابنا وإن لم يكونا مجلدين، ولا منعلين، فإن كانا رقيقين يشفان ~~الماء، لا يجوز المسح عليهما بالإجماع، وإن كانا ثخينين لا يجوز عند أبي ~~حنيفة وعند أبي يوسف، ومحمد يجوز. # وروي عن أبي حنيفة أنه رجع إلى قولهما في آخر عمره، وذلك أنه مسح على ~~جوربيه في مرضه، ثم قال لعواده: " فعلت ما كنت أمنع الناس عنه " فاستدلوا ~~به على رجوعه، وعند الشافعي لا يجوز المسح على الجوارب، وإن كانت منعلة، ~~إلا إذا كانت مجلدة إلى الكعبين، احتج أبو يوسف، ومحمد بحديث المغيرة بن ~~شعبة، أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ، ومسح على الجوربين» ؛ ولأن ~~الجواز في الخف لدفع الحرج لما يلحقه من المشقة بالنزع، وهذا المعنى موجود ~~في الجورب، بخلاف اللفافة، والمكعب؛ لأنه لا مشقة في نزعهما، ولأبي حنيفة ~~أن جواز المسح على الخفين ثبت نصا، بخلاف القياس، فكل ما كان في معنى الخف ~~في إدمان المشي عليه، وإمكان قطع السفر به، يلحق به، وما لا، فلا ومعلوم أن ~~غير المجلد، والمنعل، من الجوارب لا يشارك الخف في هذا المعنى، فتعذر ~~الإلحاق، على أن شرع المسح إن ثبت للترفيه، لكن الحاجة إلى الترفيه، فيما ~~يغلب لبسه، ولبس الجوارب مما لا يغلب، فلا حاجة فيها إلى الترفيه، فبقي أصل ~~الواجب بالكتاب، وهو غسل الرجلين. # (وأما) الحديث فيحتمل أنهما كانا مجلدين، أو منعلين، وبه نقول: ولا عموم ~~له، لأنه حكاية حال، ألا يرى أنه لم يتناول الرقيق من الجوارب؟ وأما الخف ~~المتخذ من اللبد، فلم يذكره في ظاهر الرواية،، وقيل: " إنه على التفصيل، ~~والاختلاف الذي ذكرنا "، وقيل: " إن كان يطيق السفر جاز المسح عليه، وإلا ~~فلا " وهذا هو الأصح. # (وأما) المسح على الجرموقين من الجلد، فإن ms0019 لبسهما فوق الخفين جاز عندنا، ~~وعند الشافعي، لا يجوز وإن لبس الجرموق وحده، قيل: " إنه على هذا الخلاف "، ~~والصحيح أنه يجوز المسح عليه بالإجماع وجه قوله أن المسح على الخف بدل عن ~~الغسل؛ فلو جوزنا المسح على الجرموقين، لجعلنا للبدل بدلا، وهذا لا يجوز. # (ولنا) ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: رأيت «النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مسح على الجرموقين» # PageV01P010 # ولأن الجرموق يشارك الخف في إمكان قطع السفر به، فيشاركه في جواز المسح ~~عليه، ولهذا شاركه في حالة الانفراد، ولأن الجرموق فوق الخف، بمنزلة خف ذي ~~طاقين، وذا يجوز المسح عليه، فكذا هذا وقوله: " المسح عليه بدل عن المسح ~~على الخف " ممنوع، بل كل واحد منهما بدل عن الغسل، قائم مقامه، إلا إنه إذا ~~نزع الجرموق لا يجب غسل الرجلين، لوجود شيء آخر، وهو بدل عن الغسل، قائم ~~مقامه، وهو الخف. # ثم إنما يجوز المسح على الجرموقين عندنا، إذا لبسهما على الخفين قبل أن ~~يحدث، فإن أحدث ثم لبس الجرموقين، لا يجوز المسح عليهما، سواء مسح على ~~الخفين أو لا أما إذا مسح فلأن حكم المسح استقر على الخف، فلا يتحول إلى ~~غيره وأما إذا لم يمسح فلأن ابتداء مدة المسح من وقت الحدث وقد انعقد في ~~الخف فلا يتحول إلى الجرموق بعد ذلك؛ ولأن جواز المسح على الجرموق لمكان ~~الحاجة لتعذر النزع، وهنا لا حاجة، لأنه لا يتعذر عليه المسح على الخفين، ~~ثم لبس الجرموق، فلم يجز، ولهذا لم يجز المسح على الخفين إذا لبسهما على ~~الحدث، كذا هذا. # ولو مسح على الجرموقين ثم نزع أحدهما، مسح على الخف البادي، وأعاد المسح ~~على الجرموق الباقي في ظاهر الرواية وقال الحسن بن زياد، وزفر: " يمسح على ~~الخف البادي، ولا يعيد المسح على الجرموق الباقي ". # وروي عن أبي يوسف أنه ينزع الجرموق الباقي، ويمسح على الخفين أبو يوسف ~~اعتبر الجرموق بالخف، ولو نزع أحد الخفين، ينزع الآخر، ويغسل القدمين، كذا ~~هذا وجه قول الحسن، وزفر أنه يجوز الجمع ms0020 بين المسح على الجرموق، وبين المسح ~~على الخف ابتداء، بأن كان على أحد الخفين جرموق دون الآخر، فكذا بقاء، وإذا ~~بقي المسح على الجرموق الباقي، فلا معنى للإعادة وجه ظاهر الرواية أن ~~الرجلين في حكم الطهارة، بمنزلة عضو واحد، لا يحتمل التجزيء، فإذا انتقضت ~~الطهارة في إحداهما بنزع الجرموق، تنتقض في الأخرى ضرورة، كما إذا نزع أحد ~~الخفين، ولا يجوز المسح على القفازين،، وهما لباسا الكفين؛ لأنه شرع دفعا ~~للحرج، لتعذر النزع، ولا حرج في نزع القفازين. # (ومنها) أن لا يكون بالخف خرق كثير، فأما اليسير، فلا يمنع المسح، وهذا ~~قول أصحابنا الثلاثة وهو استحسان، والقياس أن يمنع قليله، وكثيره، وهو قول ~~زفر، والشافعي وقال مالك،، وسفيان الثوري، الخرق لا يمنع جواز المسح، قل أو ~~كثر، بعد أن كان ينطلق عليه اسم الخف. # وجه قولهما أن الشرع ورد بالمسح على الخفين، فما دام اسم الخف له باقيا، ~~يجوز المسح عليه. # وجه القياس أنه لما ظهر شيء من القدم، وإن قل وجب غسله لحلول الحدث به، ~~لعدم الاستتار بالخف، والرجل في حق الغسل غير متجزئة، فإذا وجب غسل بعضها، ~~وجب غسل كلها وجه الاستحسان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~أصحابه - رضي الله عنهم - بالمسح، مع علمه بأن خفافهم لا تخلو عن قليل ~~الخروق، فكان هذا منه بيانا أن القليل من الخروق لا يمنع المسح؛ ولأن المسح ~~أقيم مقام الغسل ترفها، فلو منع قليل الانكشاف، لم يحصل الترفيه لوجوده في ~~أغلب الخفاف، والحد الفاصل بين القليل، والكثير، هو قدر ثلاث أصابع، فإن ~~كان الخرق قدر ثلاث أصابع، منع، وإلا فلا. # ثم المعتبر أصابع اليد، وأصابع الرجل، ذكر محمد في الزيادات قدر ثلاث ~~أصابع من أصغر أصابع الرجل. # وروى الحسن عن أبي حنيفة ثلاث أصابع من أصابع اليد، وإنما قدر بالثلاث ~~لوجهين، أحدهما أن هذا القدر إذا انكشف، منع من قطع الأسفار. # والثاني أن الثلاث أصابع أكثر الأصابع، وللأكثر حكم الكل، ثم الخرق ~~المانع أن يكون منفتحا، بحيث يظهر ما ms0021 تحته من القدم مقدار ثلاث أصابع، أو ~~يكون منضما لكنه ينفرج عند المشي، فأما إذا كان منضما لا ينفرج عند المشي، ~~فإنه لا يمنع، وإن كان أكثر من ثلاث أصابع، كذا روى المعلى عن أبي يوسف عن ~~أبي حنيفة وإنما كان كذلك، لأنه إذا كان منفتحا، أو ينفتح عند المشي، لا ~~يمكن قطع السفر به، وإذا لم يمكن، يمنع وسواء كان الخرق في ظاهر الخف، أو ~~في باطنه، أو من ناحية العقب، بعد أن كان أسفل من الكعبين لما قلنا، ولو ~~بدا ثلاث من أنامله، اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يمنع. # وقال بعضهم: يمنع وهو الصحيح، ولو انكشفت الظهارة، وفي داخله بطانة من ~~جلد، ولم يظهر القدم، يجوز المسح عليه، هذا إذا كان الخرق في موضع واحد، ~~فإن كان في مواضع متفرقة، ينظر إن كان في خف واحد، يجمع بعضها إلى بعض، فإن ~~بلغ قدر ثلاث أصابع، يمنع، وإلا فلا وإن كان في خفين لا يجمع وقالوا في ~~النجاسة، إن كانت على الخفين أنه يجمع بعضها إلى بعض، فإذا زادت على قدر ~~الدرهم منعت جواز # PageV01P011 # الصلاة، والفرق أن الخرق إنما يمنع جواز المسح لظهور مقدار فرض المسح، ~~فإذا كان متفرقا، فلم يظهر مقدار فرض المسح من كل واحد منهما، والمانع من ~~جواز الصلاة في النجاسة هو كونه حاملا للنجاسة، ومعنى الحمل متحقق سواء كان ~~في خف واحد، أو في خفين. # (ومنها) أن يمسح على ظاهر الخف، حتى لو مسح على باطنه لا يجوز، وهو قول ~~عمر، وعلي، وأنس - رضي الله عنهم -، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وعنه أنه لو ~~اقتصر على الباطن لا يجوز، والمستحب عندنا الجمع بين الظاهر، والباطن في ~~المسح، إلا إذا كان على باطنه نجاسة. # وحكى إبراهيم بن جابر في كتاب الاختلاف الإجماع على أن الاقتصار على أسفل ~~الخف لا يجوز، وكذا لو مسح على العقب، أو على جانبي الخف، أو على الساق لا ~~يجوز، والأصل فيه ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: سمعت ms0022 «رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يأمر بالمسح على ظاهر الخفين» . # ، وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف ~~أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح ~~على ظاهر خفيه دون باطنهما، ولأن باطن الخف لا يخلو عن لوث عادة، فالمسح ~~عليه يكون تلويثا لليد، ولأن فيه بعض الحرج، وما شرع المسح إلا لدفع ~~الحرج،، ولا تشترط النية في المسح على الخفين كما لا تشترط في مسح الرأس. # والجامع أن كل واحد منهما ليس ببدل عن الغسل، بدليل أنه يجوز مع القدرة ~~على الغسل، بخلاف التيمم. # وكذا فعل المسح ليس بشرط لجوازه بدونه أيضا، بل الشرط إصابة الماء، حتى ~~لو خاض الماء، أو أصابه المطر، جاز عن المسح، ولو مر بحشيش مبتل، فأصاب ~~البلل ظاهر خفيه، إن كان بلل الماء أو المطر جاز، وإن كان بلل الطل قيل: لا ~~يجوز؛ لأن الطل ليس بماء. ### | [فصل مقدار المسح] # (فصل) : # وأما مقدار المسح، فالمقدار المفروض هو مقدار ثلاث أصابع طولا، وعرضا، ~~ممدودا، أو موضوعا، وعند الشافعي، المفروض هو أدنى ما ينطلق عليه اسم ~~المسح، كما قال في مسح الرأس، ولو مسح بأصبع أو أصبعين، ومدهما حتى بلغ ~~مقدار ثلاث أصابع، لا يجوز عندنا، خلافا لزفر كما في مسح الرأس، ولو مسح ~~بثلاث أصابع منصوبة غير موضوعة، ولا ممدودة، لا يجوز بلا خلاف بين أصحابنا، ~~ولو مسح بأصبع واحدة ثلاث مرات، وأعادها في كل مرة إلى الماء يجوز كما في ~~مسح الرأس، ثم الكرخي اعتبر التقدير فيه بأصابع الرجل. # فإنه ذكر في مختصره، إذا مسح مقدار ثلاث أصابع من أصابع الرجل أجزأه، ~~فاعتبر الممسوح؛ لأن المسح يقع عليه، وذكر ابن رستم عن محمد أنه لو وضع ~~ثلاثة أصابع وضعا أجزأه، وهذا يدل على أن التقدير فيه بأصابع اليد، وهو ~~الصحيح، لما روي في حديث علي - رضي الله عنه - أنه قال في آخره: لكني رأيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على ms0023 ظاهر خفيه خطوطا بالأصابع وهذا ~~خرج مخرج التفسير للمسح أنه الخطوط بالأصابع، والأصابع اسم جمع، وأقل الجمع ~~الصحيح ثلاثة، فكان هذا تقديرا للمسح بثلاث أصابع اليد، ولأن الفرض يتأدى ~~به بيقين، لأنه ظاهر محسوس، فأما أصابع الرجل فمستترة بالخف، فلا يعلم ~~مقدارها إلا بالحرز، والظن، فكان التقدير بأصابع اليد أولى. ### | [فصل بيان ما ينقض المسح] # مطلب نواقض المسح. # (فصل) : # وأما بيان ما ينقض المسح، وبيان حكمه إذا انتقض فالمسح ينتقض بأشياء ~~(منها) انقضاء مدة المسح، وهي يوم، وليلة في حق المقيم، وفي حق المسافر ~~ثلاثة أيام، ولياليها لأن الحكم الموقت إلى غاية ينتهي عند وجود الغاية، ~~فإذا انقضت المدة، يتوضأ، ويصلي إن كان محدثا، وإن لم يكن محدثا، يغسل ~~قدميه لا غير، ويصلي. # (ومنها) نزع الخفين، لأنه إذا نزعهما فقد سرى الحدث السابق إلى القدمين، ~~ثم إن كان محدثا، يتوضأ بكماله، ويصلي، وإن لم يكن محدثا يغسل قدميه لا ~~غير، ولا يستقبل الوضوء، وللشافعي قولان: في قول مثل قولنا. # وفي قول يستقبل الوضوء وجهه أن الحدث قد حل ببعض أعضائه، والحدث لا يتجزأ ~~فيتعدى إلى الباقي (ولنا) أن الحدث السابق هو الذي حل بقدميه وقد غسل بعده ~~سائر الأعضاء، وبقيت القدمان فقط، فلا يجب عليه إلا غسلهما، وهو مذهب عبد ~~الله بن عمر، وكذلك إذا نزع أحدهما أنه ينتقض مسحه في الخفين، وعليه نزع ~~الباقي، وغسلهما لا غير إن لم يكن محدثا، والوضوء بكماله إن كان محدثا وعن ~~إبراهيم النخعي فيه ثلاثة أقوال: في قول مثل قولنا، وفي قول: لا شيء عليه ~~إذ لا يعقل حدثا، وفي قول يستقبل الوضوء وجه هذا القول أن الحدث لا يتجزأ ~~فحلوله بالبعض كحلوله # PageV01P012 # بالكل. # وجه القول الآخر أن الطهارة إذا تمت لا تنتقض إلا بالحدث، ونزع الخف لا ~~يعقل حدثا (ولنا) أن المانع من سراية الحدث إلى القدم استتارها بالخف وقد ~~زال بالنزع فسرى الحدث السابق إلى القدمين جميعا لأنهما في حكم الطهارة ~~كعضو واحد فإذا وجب غسل إحداهما وجب الأخرى ولو أخرج ms0024 القدم إلى الساق انتقض ~~مسحه، لأن إخراج القدم إلى الساق إخراج لها من الخف، ولو أخرج بعض قدمه، أو ~~خرج بغير صنعه روى الحسن عن أبي حنيفة أنه إن أخرج أكثر العقب من الخف ~~انتقض مسحه، وإلا فلا. # وروي عن أبي يوسف أنه إن أخرج أكثر القدم من الخف انتقض، وإلا، فلا، وروي ~~عن محمد أنه إن بقي في الخف مقدار ما يجوز عليه المسح بقي المسح، وإلا ~~انتقض وقال بعض مشايخنا: إنه يستمشي فإن أمكنه المشي المعتاد بقي المسح، ~~وإلا فينتقض. # وهذا موافق لقول أبي يوسف، وهو اعتبار أكثر القدم؛ لأن المشي يتعذر بخروج ~~أكثر القدم، ولا بأس بالاعتماد عليه؛ لأن المقصد من لبس الخف هو المشي فإذا ~~تعذر المشي انعدم اللبس فيما قصد له؛؛ ولأن للأكثر حكم الكل. # مطلب المسح على الجبائر (وأما) المسح على الجبائر فالكلام فيه في مواضع ~~في بيان جوازه، وفي بيان شرائط جوازه. # وفي بيان صفة هذا المسح أنه واجب أم لا؟ ، وفي بيان ما ينقضه، وفي بيان ~~حكمه إذا انتقض، وفي بيان ما يفارق فيه المسح على الخفين المسح على الجبائر ~~(أما) الأول: فالمسح على الجبائر جائز،، والأصل في جوازه ما روي عن علي - ~~رضي الله عنه - أنه قال: كسر زندي يوم أحد فسقط اللواء من يدي فقال النبي: ~~- صلى الله عليه وسلم - «اجعلوها في يساره فإنه صاحب لوائي في الدنيا، ~~والآخرة فقلت: يا رسول الله ما أصنع بالجبائر؟ فقال: امسح عليها» شرع المسح ~~على الجبائر عند كسر الزند فيلحق به ما كان في معناه من الجرح، والقرح. # وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لما شج في وجهه يوم أحد داواه ~~بعظم بال، وعصب عليه، وكان يمسح على العصابة» ، ولنا في رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أسوة حسنة، ولأن الحاجة تدعو إلى المسح على الجبائر؛ لأن ~~في نزعها حرجا وضررا. ### | [شرط جواز المسح] # مطلب شرط جواز المسح (وأما) شرائط جوازه فهو أن يكون الغسل مما يضر ~~بالعضو المنكسر والجرح والقرح، ms0025 أو لا يضره الغسل لكنه يخاف الضرر من جهة ~~أخرى بنزع الجبائر فإن كان لا يضره، ولا يخاف لا يجوز، ولا يسقط الغسل؛ لأن ~~المسح لمكان العذر، ولا عذر ثم إذا مسح على الجبائر، والخرق التي فوق ~~الجراحة جاز لما قلنا فأما إذا مسح على الخرقة الزائدة عن رأس الجراحة ولم ~~يغسل ما تحتها فهل يجوز؟ لم يذكر هذا في ظاهر الرواية،، وذكر الحسن بن زياد ~~أنه ينظر إن كان حل الخرقة، وغسل ما تحتها من حوالي الجراحة مما يضر بالجرح ~~يجوز المسح على الخرقة الزائدة، ويقوم المسح عليها مقام غسل ما تحتها ~~كالمسح على الخرقة التي تلاصق الجراحة، وإن كان ذلك لا يضر بالجرح عليه أن ~~يحل، ويغسل حوالي الجراحة، ولا يجوز المسح عليها؛ لأن الجواز لمكان الضرورة ~~فيقدر بقدر الضرورة. # ومن شرط جواز المسح على الجبيرة أيضا أن يكون المسح على عين الجراحة مما ~~يضر بها، فإن كان لا يضر بها لا يجوز المسح إلا على نفس الجراحة، ولا يجوز ~~على الجبيرة، كذا ذكره الحسن بن زياد؛ لأن الجواز على الجبيرة للعذر، ولا ~~عذر. # ولو كانت الجراحة على رأسه، وبعضه صحيح، فإن كان الصحيح قدر ما يجوز عليه ~~المسح، وهو قدر ثلاث أصابع لا يجوز إلا أن يمسح عليه؛ لأن المفروض من مسح ~~الرأس هو هذا القدر، وهذا القدر من الرأس صحيح، فلا حاجة إلى المسح على ~~الجبائر، وعبارة مشايخ العراق في مثل هذا " إن ذهب عير فعير في الرباط " ~~وإن كان أقل من ذلك لم يمسح عليه؛ لأن وجوده، وعدمه بمنزلة واحدة، ويمسح ~~على الجبائر. # (وأما) بيان أن المسح على الجبائر هل هو واجب أم لا؟ فقد ذكر محمد في ~~كتاب الصلاة عن أبي حنيفة أنه إذا ترك المسح على الجبائر، وذلك يضره أجزأه ~~وقال أبو يوسف، ومحمد: إذا كان ذلك لا يضره لم يجز، فخرج جواب أبي حنيفة في ~~صورة، وخرج جوابهما في صورة أخرى، فلم يتبين الخلاف. # ولا خلاف في أنه إذا كان المسح على ms0026 الجبائر يضره أنه يسقط عنه المسح؛ لأن ~~الغسل يسقط بالعذر، فالمسح أولى وأما إذا كان لا يضره فقد حقق بعض مشايخنا ~~الاختلاف، فقال على قول أبي حنيفة: المسح على الجبائر مستحب، وليس بواجب، ~~وهكذا ذكر قول أبي حنيفة في اختلاف زفر، ويعقوب، وعندهما واجب، وحجتهما ما ~~روينا عن علي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أمر ~~عليا - رضي الله عنه - # PageV01P013 # بالمسح على الجبائر بقوله: امسح عليها» ، ومطلق الأمر للوجوب، ولأبي ~~حنيفة أن الفرضية لا تثبت إلا بدليل مقطوع به. # وحديث علي - رضي الله عنه - من أخبار الآحاد، فلا تثبت الفرضية به وقال ~~بعض مشايخنا: إذا كان المسح لا يضره يجب بلا خلاف ويمكن التوفيق بين حكاية ~~القولين، وهو أن من قال: " إن المسح على الجبائر ليس بواجب عند أبي حنيفة " ~~عنى به أنه ليس بفرض عنده لما ذكرنا أن المفروض اسم لما ثبت وجوبه بدليل ~~مقطوع به، ووجوب المسح على الجبائر ثبت بحديث علي - رضي الله عنه - وأنه من ~~الآحاد فيوجب العمل دون العلم. # ومن قال إن المسح على الجبائر واجب عندهما فإنما عنى به وجوب العمل لا ~~الفرضية، وعلى هذا لا يتحقق الخلاف لأنهما يقولان بفرضية المسح على الجبائر ~~لانعدام دليل الفرضية، بل بوجوبه من حيث العمل؛ لأن مطلق الأمر يحمل على ~~الوجوب في حق العمل، وإنما الفرضية تثبت بدليل زائد، وأبو حنيفة - رضي الله ~~عنه - يقول بوجوبه في حق العمل، والجواز، وعدم الجواز يكون مبنيا على ~~الوجوب، وعدم الوجوب في حق العمل، ولو ترك المسح على بعض الجبائر، ومسح على ~~البعض لم يذكر هذا في ظاهر الرواية. # وعن الحسن بن زياد أنه قال: إن مسح على الأكثر جاز، وإلا فلا، بخلاف مسح ~~الرأس، والمسح على الخفين أنه لا يشترط فيهما الأكثر لأن هناك ورد الشرع ~~بالتقدير، فلا تشترط الزيادة على المقدر، وههنا لا تقدير من الشرع بل ورد ~~بالمسح على الجبائر، فظاهره يقتضي الاستيعاب، إلا أن ذلك لا يخلو عن ضرب ~~حرج فأقيم الأكثر ms0027 مقام الجميع، والله أعلم. # مطلب نواقض المسح على الجبائر. # (وأما) بيان ما ينقض المسح على الجبائر،، وبيان حكمه إذا انتقض فسقوط ~~الجبائر عن برء ينقض المسح، وجملة الكلام فيه أن الجبائر إذا سقطت فإما أن ~~تسقط لا عن برء أو عن برء. # وكل ذلك لا يخلو من أن يكون في الصلاة أو خارج الصلاة، فإن سقطت لا عن ~~برء في الصلاة مضى عليها، ولا يستقبل، وإن كان خارج الصلاة يعيد الجبائر ~~إلى موضعها، ولا يجب عليه إعادة المسح، وكذلك إذا شدها بجبائر أخرى غير ~~الأولى، بخلاف المسح على الخفين إذا سقط الخف في حال الصلاة أنه يستقبل، ~~وإن سقط خارج الصلاة يجب عليه الغسل، والفرق أن هناك سقوط الغسل لمكان ~~الحرج كما في النزع، فإذا سقط فقد زال الحرج، وههنا السقوط بسبب العذر، ~~وأنه قائم فكان الغسل ساقطا، وإنما وجب المسح، والمسح قائم، وإنما زال ~~الممسوح، كما إذا مسح على رأسه، ثم حلق الشعر أنه لا يجب إعادة المسح، وإن ~~زال الممسوح كذلك ههنا. # وإن سقطت عن برء فإن كان خارج الصلاة، وهو محدث فإذا أراد أن يصلي توضأ، ~~وغسل موضع الجبائر إن كانت الجراحة على أعضاء الوضوء، وإن لم يكن محدثا غسل ~~موضع الجبائر لا غير، لأنه قدر على الأصل فبطل حكم البدل فيه، فوجب غسله لا ~~غير؛ لأن حكم الغسل، وهو الطهارة في سائر الأعضاء قائم لانعدام ما يرفعها، ~~وهو الحدث، فلا يجب غسلها، وإن كان في حال الصلاة يستقبل لقدرته على الأصل ~~قبل حصول المقصود بالبدل # ولو مسح على الجبائر وصلى أياما، ثم برأت جراحته لا يجب عليه إعادة ما ~~صلى بالمسح، وهذا قول أصحابنا وقال الشافعي: إن كان الجبر على الجرح، ~~والقرح يعيد قولا واحدا، وإن كان على الكسر فله فيه قولان وجه قوله أن هذا ~~عذر نادر، فلا يمنع وجوب القضاء عند زواله كالمحبوس في السجن إذا لم يجد ~~الماء ووجد ترابا نظيفا أنه يصلي بالتيمم، ثم يعيد إذا خرج من السجن كذلك ~~ههنا. # (ولنا) ms0028 ما روينا من حديث علي - رضي الله عنه - أن «النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمره بالمسح على الجبائر» ، ولم يأمره بإعادة الصلاة مع حاجته إلى ~~البيان. # (وأما) بيان ما يفارق فيه المسح على الجبائر المسح على الخفين (فمنها) : ~~أن المسح على الجبائر غير مؤقت بالأيام، بل هو مؤقت بالبرء، والمسح على ~~الخفين مؤقت بالأيام للمقيم يوم، وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام، ولياليها؛ ~~لأن التوقيت بالشرع، والشرع وقت هناك بقوله: " يمسح المقيم يوما، وليلة، ~~والمسافر ثلاثة أيام بلياليها " ولم يؤقت ههنا بل أطلق بقوله: " امسح عليها ~~". # (ومنها) : أنه لا تشترط الطهارة لوضع الجبائر، حتى لو وضعها، وهو محدث، ~~ثم توضأ جاز له أن يمسح عليها، وتشترط الطهارة للبس الخفين، حتى لو لبسهما، ~~وهو محدث، ثم توضأ لا يجوز له المسح على الخفين؛ لأن المسح على الجبائر ~~كالغسل لما تحتها، فإذا مسح عليها فكأنه غسل ما تحتها لقيامه مقام الغسل، ~~والخف جعل مانعا من نزول الحدث بالقدمين لا رافعا له # PageV01P014 # ولا يتحقق ذلك إلا وأن يكون لابس الخف على طهارة وقت الحدث بعد اللبس. # (ومنها) : أنه إذا سقطت الجبائر لا عن برء لا ينتقض المسح، وسقوط الخفين ~~أو سقوط أحدهما يوجب انتقاض المسح لما بينا ### | [فصل شرائط أركان الوضوء] # (فصل) : # وأما شرائط أركان الوضوء (فمنها) أن يكون الوضوء بالماء، حتى لا يجوز ~~التوضؤ بما سوى الماء من المائعات كالخل، والعصير، واللبن، ونحو ذلك لقوله ~~تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ~~إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} [المائدة: 6] ، والمراد ~~منه الغسل بالماء، لأنه تعالى قال في آخر الآية {وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة: 6] نقل الحكم إلى التراب عند عدم ~~الماء، فدل على أن المنقول منه هو الغسل بالماء، وكذا الغسل المطلق ينصرف ~~إلى الغسل المعتاد، وهو الغسل بالماء. # (ومنها) : أن يكون بالماء المطلق؛ لأن مطلق اسم ms0029 الماء ينصرف إلى الماء ~~المطلق، فلا يجوز التوضؤ بالماء المقيد، والماء المطلق هو الذي تتسارع ~~أفهام الناس إليه عند إطلاق اسم الماء، كماء الأنهار، والعيون، والآبار، ~~وماء السماء، وماء الغدران، والحياض، والبحار، فيجوز الوضوء بذلك كله سواء ~~كان في معدنه، أو في الأواني؛ لأن نقله من مكان إلى مكان لا يسلب إطلاق اسم ~~الماء عنه، وسواء كان عذبا أو ملحا؛ لأن الماء الملح يسمى ماء على الإطلاق ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما ~~غير لونه، أو طعمه أو ريحه» ، والطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره. # وقال الله تعالى {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: 48] وقال الله ~~تعالى {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} [الأنفال: 11] . # وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «سئل عن البحر فقال هو الطهور ~~ماؤه الحل ميتته» . # وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - «سئل عن المياه التي تكون في الفلوات، ~~وما ينوبها من الدواب، والسباع فقال: لها ما أخذت في بطونها، وما أبقت فهو ~~لنا شراب، وطهور» «، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ من آبار ~~المدينة» . # مطلب الماء المقيد (وأما) المقيد فهو ما لا تتسارع إليه الأفهام عند ~~إطلاق اسم الماء، وهو الماء الذي يستخرج من الأشياء بالعلاج كماء الأشجار، ~~والثمار، وماء الورد، ونحو ذلك،، ولا يجوز التوضؤ بشيء من ذلك، وكذلك الماء ~~المطلق إذا خالطه شيء من المائعات الطاهرة كاللبن، والخل، ونقيع الزبيب، ~~ونحو ذلك على وجه زال عنه اسم الماء بأن صار مغلوبا به، فهو بمعنى الماء ~~المقيد، ثم ينظر إن كان الذي خالطه مما يخالف لونه لون الماء كاللبن، وماء ~~العصفر، والزعفران، ونحو ذلك تعتبر الغلبة في اللون، وإن كان لا يخالف ~~الماء في اللون، ويخالفه في الطعم كعصير العنب الأبيض، وخله تعتبر الغلبة ~~في الطعم، وإن كان لا يخالفه فيهما تعتبر الغلبة في الأجزاء. # فإن استويا في الأجزاء؟ لم يذكر هذا في ظاهر الرواية، وقالوا: حكمه حكم ~~الماء المغلوب احتياطا هذا ms0030 إذا لم يكن الذي خالطه مما يقصد منه زيادة ~~نظافة، فإن كان مما يقصد منه ذلك، ويطبخ به أو يخالط به كماء الصابون، ~~والأشنان يجوز التوضؤ به، وإن تغير لون الماء، أو طعمه، أو ريحه؛ لأن اسم ~~الماء باق، وازداد معناه، وهو التطهير، وكذلك جرت السنة في غسل الميت ~~بالماء المغلي بالسدر، والحرض فيجوز الوضوء به إلا إذا صار غليظا كالسويق ~~المخلوط؛ لأنه حينئذ يزول عنه اسم الماء، ومعناه أيضا. # ولو تغير الماء المطلق بالطين أو بالتراب، أو بالجص، أو بالنورة أو بوقوع ~~الأوراق، أو الثمار فيه، أو بطول المكث يجوز التوضؤ به؛ لأنه لم يزل عنه ~~اسم الماء، وبقي معناه أيضا مع ما فيه من الضرورة الظاهرة لتعذر صون الماء ~~عن ذلك. # وقياس ما ذكرنا أنه لا يجوز الوضوء بنبيذ التمر لتغير طعم الماء، ~~وصيرورته مغلوبا بطعم التمر، فكان في معنى الماء المقيد، وبالقياس أخذ أبو ~~يوسف وقال لا يجوز التوضؤ به، إلا أن أبا حنيفة ترك القياس بالنص، وهو حديث ~~عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - فجوز التوضؤ به. # وذكر في الجامع الصغير أن المسافر إذا لم يجد الماء ووجد نبيذ التمر توضأ ~~به، ولم يتيمم، وذكر في كتاب الصلاة يتوضأ به، وإن تيمم معه أحب إلي وروى ~~الحسن عن أبي حنيفة أنه يجمع بينهما لا محالة، وهو قول محمد. # وروى نوح في الجامع المروزي عن أبي حنيفة أنه رجع عن ذلك وقال: لا يتوضأ ~~به، ولكنه يتيمم، وهو الذي استقر عليه قوله، كذا قال نوح وبه أخذ أبو يوسف، ~~ومالك، والشافعي، واحتج هؤلاء بقوله تعالى {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا} [المائدة: 6] نقل الحكم من الماء المطلق إلى التراب فمن نقله إلى ~~النبيذ، ثم من # PageV01P015 # النبيذ إلى التراب فقد خالف الكتاب، وهؤلاء طعنوا في حديث عبد الله بن ~~مسعود من وجوه: (أحدها) : أنهم قالوا: رواه أبو فزارة عن أبي زيد عن ابن ~~مسعود، وأبو فزارة هذا كان نباذا بالكوفة، وأبو زيد مجهول (ومنها) : أنه ~~قيل لعبد ms0031 الله بن مسعود: هل كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة ~~الجن؟ فقال: ليتني كنت. # وسئل تلميذه علقمة هل كان صاحبكم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة ~~الجن؟ فقال: وددنا أنه كان (ومنها) : أنه من أخبار الآحاد ورد على مخالفة ~~الكتاب، ومن شرط ثبوت خبر الواحد أن لا يخالف الكتاب، فإذا خالف لم يثبت أو ~~ثبت لكنه نسخ به، لأن ليلة الجن كانت بمكة، وهذه الآية نزلت بالمدينة. # وجه رواية الحسن، وهو قول محمد أنه قام ههنا دليلان أحدهما: أنه يقتضي ~~وجوب الوضوء بنبيذ التمر، وهو حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -، والآخر ~~يقتضي وجوب التيمم، وهو قوله تعالى {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} ~~[المائدة: 6] ، والعمل بالدليلين واجب إذا أمكن العمل بهما. # وههنا أمكن، إذ لا تنافي بين وجوب الوضوء، والتيمم فيجمع بينهما كما في ~~سؤر الحمار، ولأبي حنيفة ما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه ~~قال: «كنا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلوسا في بيت، فدخل ~~علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ليقم منكم من ليس في قلبه ~~مثقال ذرة من كبر فقمت، وفي رواية فلم يقم منا أحد، فأشار إلي بالقيام ~~فقمت، ودخلت البيت، فتزودت بإداوة من نبيذ فخرجت معه فخط لي خطا وقال: إن ~~خرجت من هذا لم ترني إلى يوم القيامة، فقمت قائما، حتى انفجر الصبح فإذا ~~أنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد عرق جبينه، كأنه حارب جنا، فقال ~~لي: يا ابن مسعود هل معك ماء أتوضأ به؟ فقلت لا إلا نبيذ تمر في إداوة فقال ~~ثمرة طيبة، وماء طهور فأخذ ذلك، وتوضأ به، وصلى الفجر» . # وكذا جماعة من الصحابة منهم علي، وابن مسعود، وابن عباس - رضي الله عنهم ~~- كانوا يجوزون التوضؤ بنبيذ التمر. # وروي عن علي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«نبيذ التمر وضوء من لم يجد الماء» . # وروى ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه ms0032 وسلم - أنه قال «توضئوا بنبيذ ~~التمر، ولا تتوضئوا باللبن» . # وروي عن أبي العالية الرياحي أنه قال: كنت في جماعة من أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في سفينة في البحر فحضرت الصلاة ففني ماؤهم، ومعهم ~~نبيذ التمر فتوضأ بعضهم بنبيذ التمر، وكره التوضؤ بماء البحر، وتوضأ بعضهم ~~بماء البحر، وكره التوضؤ بنبيذ التمر وهذا حكاية الإجماع فإن من كان يتوضأ ~~بماء البحر كان يعتقد جواز التوضؤ بماء البحر فلم يتوضأ بنبيذ التمر لكونه ~~واجدا للماء المطلق، ومن كان يتوضأ بالنبيذ كان لا يرى ماء البحر طهورا، أو ~~كان يقول هو ماء سخطة، ونقمة، كأنه لم يبلغه قوله «- صلى الله عليه وسلم - ~~في صفة البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته» . # فتوضأ بنبيذ التمر لكونه عادما للماء الطاهر، وبه تبين أن الحديث ورد ~~مورد الشهرة، والاستفاضة حيث عمل به الصحابة - رضي الله عنهم -، وتلقوه ~~بالقبول فصار موجبا علما استدلاليا كخبر المعراج، والقدر خيره، وشره من ~~الله، وأخبار الرؤية، والشفاعة، وغير ذلك مما كان الراوي في الأصل واحدا، ~~ثم اشتهر، وتلقته العلماء بالقبول، ومثله مما ينسخ به الكتاب مع أنه لا حجة ~~لهم في الكتاب؛ لأن عدم نبيذ التمر في الأسفار يسبق عدم الماء عادة؛ لأنه ~~أعسر وجودا، وأعز إصابة من الماء فكان تعليق جواز التيمم بعدم الماء تعليقا ~~بعدم النبيذ دلالة، فكأنه قال: " فلم تجدوا ماء ولا نبيذ تمر فتيمموا " إلا ~~أنه لم ينص عليه لثبوته عادة. # يؤيد هذا ما ذكرنا من فتاوى نجباء الصحابة - رضي الله عنهم - في زمان ~~انسد فيه باب الوحي مع أنهم كانوا أعرف الناس بالناسخ، والمنسوخ، فبطل دعوى ~~النسخ، وما ذكروا من الطعن في الراوي، أما أبو فزارة فقد ذكره مسلم في ~~الصحيح، فلا مطعن لأحد فيه، وأما أبو زيد فقد قال صاعد، وهو من زهاد ~~التابعين: وأما أبو زيد فهو مولى عمرو بن حريث فكان معروفا في نفسه، ~~وبمولاه فالجهل بعدالته لا يقدح في روايته على أنه قد روي هذا الحديث من ~~طرق أخر غير ms0033 هذا الطريق لا يتطرق إليها طعن. # وقولهم: إن ابن مسعود لم يكن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة ~~الجن دعوى باطلة لما روينا أنه تركه في الخط، وكذا روي كونه مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في خبر آخر أجمع الفقهاء على العمل به، وهو أنه طلب ~~منه أحجارا للاستنجاء فأتاه بحجرين وروثة، فألقى الروثة، وقال: إنها # PageV01P016 # رجس أو ركس والدليل عليه أنه روي أنه لما رأى أقواما من الزط بالعراق ~~قال: ما أشبه هؤلاء بالجن ليلة الجن. # وفي رواية أنه مر بقوم يلعبون بالكوفة فقال: ما رأيت أحدا أشبه بهؤلاء من ~~الجن الذين رأيتهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن، وما روي أنه ~~قال: ليتني كنت معه، وأن علقمة قال: وددنا أن يكون معه فمحمول على الحال ~~التي خاطب فيها الجن أي ليتني كنت معه وقت خطابه الجن، ووددنا أن يكون معه ~~وقت ما خاطب الجن. # واختلف المشايخ في جواز الاغتسال بنبيذ التمر على أصل أبي حنيفة فقال ~~بعضهم: لا يجوز؛ لأن الجواز عرف بالنص، وأنه ورد في الوضوء دون الاغتسال، ~~فيقتصر على مورد النص وقال بعضهم: يجوز لاستوائهما في المعنى، ثم لا بد من ~~معرفة تفسير نبيذ التمر الذي فيه الخلاف، وهو أن يلقى شيء من التمر في ~~الماء فتخرج حلاوته إلى الماء،، وهكذا ذكر ابن مسعود - رضي الله عنه - في ~~تفسير نبيذ التمر الذي توضأ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الجن ~~فقال: تميرات ألقيتها في الماء؛ لأن من عادة العرب أنها تطرح التمر في ~~الماء الملح ليحلو، فما دام حلوا رقيقا، أو قارصا يتوضأ به عند أبي حنيفة ~~وإن كان غليظا كالرب لا يجوز التوضؤ به بلا خلاف، وكذا إن كان رقيقا لكنه ~~غلا، واشتد وقذف بالزبد؛ لأنه صار مسكرا، والمسكر حرام، فلا يجوز التوضؤ ~~به؛ ولأن النبيذ الذي توضأ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان رقيقا ~~حلوا، فلا يلحق به الغليظ، والمر، هذا إذا كان نيئا، ms0034 فإن كان مطبوخا أدنى ~~طبخة فما دام حلوا أو قارصا فهو على الاختلاف، وإن غلا، واشتد وقذف بالزبد ~~ذكر القدوري في شرحه لمختصر الكرخي الاختلاف فيه بين الكرخي، وأبي طاهر ~~الدباس على قول الكرخي يجوز. # وعلى قول أبي طاهر لا يجوز وجه قول الكرخي أن اسم النبيذ كما يقع على ~~النيء منه يقع على المطبوخ فيدخل تحت النص؛ ولأن الماء المطلق إذا اختلط به ~~المائعات الطاهرة يجوز التوضؤ به بلا خلاف بين أصحابنا إذا كان الماء ~~غالبا، وههنا أجزاء الماء غالبة على أجزاء التمر فيجوز التوضؤ به. # وجه قول أبي طاهر أن الجواز عرف بالحديث، والحديث ورد في النيء فإنه روي ~~عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه سئل عن ذلك النبيذ فقال: تميرات ~~ألقيتها في الماء. # وأما قوله: " إن المائع الطاهر إذا اختلط بالماء لا يمنع التوضؤ به " ~~فنعم إذا لم يغلب على الماء أصلا فأما إذا غلب عليه بوجه من الوجوه فلا، ~~وههنا غلب عليه من حيث الطعم، واللون، وإن لم يغلب من حيث الأجزاء، فلا ~~يجوز التوضؤ به، وهذا أقرب القولين إلى الصواب. # وذكر القاضي الإسبيجابي في شرحه مختصر الطحاوي وجعله على الاختلاف في ~~شربه فقال على قول أبي حنيفة: يجوز التوضؤ به كما يجوز شربه وعند محمد لا ~~يجوز كما لا يجوز شربه، وأبو يوسف فرق بين الوضوء، والشرب فقال: يجوز شربه، ~~ولا يجوز الوضوء به لأنه لا يرى التوضؤ بالنيء الحلو منه، فبالمطبوخ المر ~~أولى # وأما نبيذ الزبيب، وسائر الأنبذة فلا يجوز التوضؤ بها عند عامة العلماء. # وقال الأوزاعي يجوز التوضؤ بالأنبذة كلها نيئا كان النبيذ أو مطبوخا، ~~حلوا كان أو مرا قياسا على نبيذ التمر. # (ولنا) أن الجواز في نبيذ التمر ثبت معدولا به عن القياس؛ لأن القياس ~~يأبى الجواز إلا بالماء المطلق، وهذا ليس بماء مطلق بدليل أنه لا يجوز ~~التوضؤ به مع القدرة على الماء المطلق، إلا أنا عرفنا الجواز بالنص والنص ~~ورد في نبيذ التمر خاصة فيبقى ما عداه ms0035 على أصل القياس. # (ومنها) : أن يكون الماء طاهرا، فلا يجوز التوضؤ بالماء النجس؛ لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - سمى الوضوء طهورا، وطهارة بقوله «لا صلاة إلا ~~بطهور» وقوله «لا صلاة إلا بطهارة» ، ويستحيل حصول الطهارة بالماء النجس، ~~والماء النجس ما خالطه النجاسة، وسنذكر بيان القدر الذي يخالط الماء من ~~النجاسة فينجسه في موضعه إن شاء الله. # (ومنها) : أن يكون طهورا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا يقبل ~~الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ثم يديه، ثم يمسح برأسه، ~~ثم يغسل رجليه» ، والطهور اسم للطاهر في ذاته المطهر لغيره. # فلا يجوز التوضؤ بالماء المستعمل؛ لأنه نجس عند بعض أصحابنا، وعند بعضهم ~~طاهر غير طهور على ما نذكر، ويجوز بالماء المكروه؛ لأنه ليس بنجس إلا أن ~~الأولى أن لا يتوضأ به إذا وجد غيره، ولا يجوز بسؤر الحمار وحده؛ لأنه ~~مشكوك في طهوريته عند الأكثرين، وعند بعضهم في طهارته، وسنفسره، ونستوفي ~~الكلام فيه إذا انتهينا إلى بيان حكم الأسآر عند بيان أنواع الأنجاس إن شاء ~~الله تعالى. # (وأما) النية فليست من الشرائط، وكذلك الترتيب فيجوز الوضوء # PageV01P017 # بدون النية ومراعاة الترتيب عندنا، وعند الشافعي من الشرائط لا يجوز ~~بدونهما، وكذلك إيمان المتوضئ ليس بشرط لصحة وضوئه عندنا فيجوز وضوء الكافر ~~عندنا، وعنده شرط، فلا يجوز وضوء الكافر، وكذلك الموالاة ليست بشرط عند ~~عامة المشايخ، وعند مالك شرط، وسنذكر هذه المسائل عند بيان سنن الوضوء؛ ~~لأنها من السنن عندنا لا من الفرائض، فكان إلحاقها بفصل السنن أولى. ### | [فصل سنن الوضوء] # (فصل) : # وأما سنن الوضوء فكثيرة بعضها قبل الوضوء، وبعضها في ابتدائه، وبعضها في ~~أثنائه، (أما) الذي هو قبل الوضوء (فمنها) : الاستنجاء بالأحجار، أو ما ~~يقوم مقامها،، وسمى الكرخي الاستنجاء استجمارا إذ هو طلب الجمرة، وهي الحجر ~~الصغير، والطحاوي سماه استطابة، وهي طلب الطيب، وهو الطهارة، والاستنجاء هو ~~طلب طهارة القبل، والدبر من النجو، وهو ما يخرج من البطن، أو ما يعلو، ~~ويرتفع من النجوة، وهي المكان المرتفع. # (والكلام في ms0036 الاستنجاء) في مواضع في بيان صفة الاستنجاء، وفي بيان ما ~~يستنجى به، وفي بيان ما يستنجى منه. # أما الأول: فالاستنجاء سنة عندنا، وعند الشافعي فرض، حتى لو ترك ~~الاستنجاء أصلا جازت صلاته عندنا، ولكن مع الكراهة، وعنده لا يجوز، والكلام ~~فيه راجع إلى أصل نذكره إن شاء الله تعالى، وهو أن قليل النجاسة الحقيقية ~~في الثوب والبدن عفو في حق جواز الصلاة عندنا، وعنده ليس بعفو، ثم ناقض في ~~الاستنجاء فقال: إذا استنجى بالأحجار، ولم يغسل موضع الاستنجاء جازت صلاته، ~~وإن تيقنا ببقاء شيء من النجاسة، إذ الحجر لا يستأصل النجاسة، وإنما يقللها ~~وهذا تناقض ظاهر، ثم ابتداء الدليل على أن الاستنجاء ليس بفرض ما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ~~ومن لا فلا حرج» ، والاستدلال به من وجهين: أحدهما أنه نفى الحرج في تركه، ~~ولو كان فرضا لكان في تركه حرج، والثاني: أنه قال: " من فعل فقد أحسن، ومن ~~لا فلا حرج " ومثل هذا لا يقال في المفروض، وإنما يقال في المندوب إليه، ~~والمستحب، إلا أنه إذا ترك الاستنجاء أصلا، وصلى يكره؛ لأن قليل النجاسة ~~جعل عفوا في حق جواز الصلاة دون الكراهة، وإذا استنجى زالت الكراهة لأن ~~الاستنجاء بالأحجار أقيم مقام الغسل بالماء شرعا للضرورة إذ الإنسان قد لا ~~يجد سترة، أو مكانا خاليا للغسل، وكشف العورة حرام فأقيم الاستنجاء مقام ~~الغسل فتزول به الكراهة كما تزول بالغسل وقد روي عن ابن مسعود - رضي الله ~~عنه - أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستنجي بالأحجار» ، ولا يظن به ~~أداء الصلاة مع الكراهة. # (وأما) بيان ما يستنجى به فالسنة هو الاستنجاء بالأشياء الطاهرة من ~~الأحجار والأمدار، والتراب، والخرق البوالي. # ويكره بالروث، وغيره من الأنجاس؛ لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ~~سأل عبد الله بن مسعود عن أحجار الاستنجاء أتاه بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين ~~ورمى بالروثة، وعلل بكونها نجسا، فقال: إنها رجس» أو ركس، أي: نجس. # ويكره بالعظم لما ms0037 روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن الاستنجاء ~~بالروث، والرمة وقال: من استنجى بروث، أو رمة فهو بريء مما أنزل على محمد» ~~. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تستنجوا بالعظم ولا ~~بالروث فإن العظم زاد إخوانكم الجن، والروث علف دوابهم» فإن فعل ذلك يعتد ~~به عندنا، فيكون مقيما سنة، ومرتكبا كراهة، ويجوز أن يكون لفعل واحد جهتان ~~مختلفتان، فيكون بجهة كذا، وبجهة كذا، وعند الشافعي لا يعتد به، حتى لا ~~تجوز صلاته إذا لم يستنج بالأحجار بعد ذلك. # وجه قوله: إن النص ورد بالأحجار فيراعى عين المنصوص عليه؛، ولأن الروث ~~نجس في نفسه، والنجس كيف يزيل النجاسة؟ (ولنا) أن النص معلول بمعنى الطهارة ~~وقد حصلت بهذه الأشياء كما تحصل بالأحجار، إلا أنه كره بالروث لما فيه من ~~استعمال النجس، وإفساد علف دواب الجن، وكره بالعظم لما فيه من إفساد زادهم ~~على ما نطق به الحديث، فكان النهي عن الاستنجاء به لمعنى في غيره لا في ~~عينه، فلا يمنع الاعتداد به وقوله: " الروث نجس في نفسه " مسلم، لكنه يابس ~~لا ينفصل منه شيء إلى البدن فيحصل باستعماله نوع طهارة بتقليل النجاسة. # ويكره الاستنجاء بخرقة الديباج ومطعوم الآدمي من الحنطة والشعير لما فيه ~~من إفساد المال من غير ضرورة، وكذا بعلف البهائم، وهو الحشيش؛ لأنه تنجيس ~~للطاهر من غير ضرورة. # PageV01P018 # والمعتبر في إقامة هذه السنة عندنا هو الإنقاء دون العدد، فإن حصل بحجر ~~واحد كفاه، وإن لم يحصل بالثلاث زاد عليه، وعند الشافعي العدد مع الإنقاء ~~شرط، حتى لو حصل الإنقاء بما دون الثلاث كمل الثلاث، ولو ترك لم يجزه. # واحتج الشافعي بما روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من ~~استجمر فليوتر» أمر بالإيتار، ومطلق الأمر للوجوب. # (ولنا) ما روينا من حديث «ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - سأله أحجار الاستنجاء فأتاه بحجرين وروثة فرمى الروثة» ، ~~ولم يسأله حجرا ثالثا، ولو كان العدد فيه شرطا لسأله إذ لا ms0038 يظن به ترك ~~الواجب؛ ولأن الغرض منه هو التطهير وقد حصل بالواحد، ولا يجوز تنجيس الطاهر ~~من غير ضرورة. # (وأما) الحديث فحجة عليه؛ لأن أقل الإيتار مرة واحدة، على أن الأمر ~~بالإيتار ليس لعينه بل لحصول الطهارة فإذا حصلت بما دون الثلاث فقد حصل ~~المقصود فينتهي حكم الأمر، وكذا استنجى بحجر واحد له ثلاثة أحرف؛ لأنه ~~بمنزلة ثلاثة أحجار في تحصيل معنى الطهارة. # ويستنجي بيساره لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأكل ~~بيمينه، ويستجمر بيساره، وعن عائشة - رضي الله عنها - أن «النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يأكل بيمينه، ويستنجي بيساره» ، ولأن اليسار للأقذار. # وهذا إذا كانت النجاسة التي على المخرج قدر الدرهم، أو أقل منه، فإن كانت ~~أكثر من قدر الدرهم لم يذكر في ظاهر الرواية، واختلف المشايخ فيه فقال ~~بعضهم: لا يزول إلا بالغسل وقال بعضهم يزول بالأحجار، وبه أخذ الفقيه أبو ~~الليث وهو الصحيح، لأن الشرع ورد بالاستنجاء بالأحجار مطلقا من غير فصل، ~~وهذا كله إذا لم يتعد النجس المخرج فإن تعداه ينظر إن كان المتعدي أكثر من ~~قدر الدرهم يجب غسله بالإجماع، وإن كان أقل من قدر الدرهم لا يجب غسله عند ~~أبي حنيفة، وأبي يوسف وعند محمد يجب. # وذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي أن النجاسة إذا تجاوزت مخرجها وجب ~~غسلها، ولم يذكر خلاف أصحابنا لمحمد أن الكثير من النجاسة ليس بعفو، وهذا ~~كثير، ولهما أن القدر الذي على المخرج قليل، وإنما يصير كثيرا بضم المتعدي ~~إليه، وهما نجاستان مختلفتان في الحكم، فلا يجتمعان ألا يرى أن إحداهما ~~تزول بالأحجار، والأخرى لا تزول إلا بالماء، وإذا اختلفتا في الحكم يعطى ~~لكل واحدة منهما حكم نفسها، وهي في نفسها قليلة فكانت عفوا. # (وأما) بيان ما يستنجى منه فالاستنجاء مسنون من كل نجس يخرج من السبيلين ~~له عين مرئية كالغائط، والبول، والمني، والودي، والمذي، والدم؛ لأن ~~الاستنجاء للتطهير بتقليل النجاسة، وإذا كان النجس الخارج من السبيلين عينا ~~مرئية تقع الحاجة إلى التطهير بالتقليل، ولا ms0039 استنجاء في الريح؛ لأنها ليست ~~بعين مرئية. # مطلب في السواك (ومنها) السواك لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» ، وفي رواية ~~عند كل وضوء؛، ولأنه مطهرة للفم على ما نطق به الحديث «السواك مطهرة للفم، ~~ومرضاة للرب» عز وجل. # وروي عنه أنه قال «ما زال جبريل يوصيني بالسواك، حتى خشيت أن يدردني» . # وروي أنه قال «طهروا مسالك القرآن بالسواك» ، وله أن يستاك بأي سواك كان ~~رطبا أو يابسا، مبلولا أو غير مبلول، صائما كان أو غير صائم، قبل الزوال أو ~~بعده؛ لأن نصوص السواك مطلقة. # وعند الشافعي يكره السواك بعد الزوال للصائم لما يذكر في كتاب الصوم. # (وأما) الذي هو في ابتداء الوضوء (فمنها) النية عندنا، وعند الشافعي هي ~~فريضة، والكلام في النية راجع إلى أصل، وهو أن معنى القربة، والعبادة غير ~~لازم في الوضوء عندنا، وعنده لازم، ولهذا صح من الكافر عندنا خلافا له، ~~واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «الوضوء شطر ~~الإيمان» ، والإيمان عبادة فكذا شطره، ولهذا كان التيمم عبادة، حتى لا يصح ~~بدون النية، وأنه خلف عن الوضوء، والخلف لا يخالف الأصل. # (ولنا) قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} ~~[المائدة: 6] أمر بالغسل، والمسح مطلقا عن شرط النية، ولا يجوز تقييد ~~المطلق إلا بدليل. # وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: 43] نهى ~~الجنب عن قربان الصلاة إذا لم يكن عابر سبيل إلى غاية الاغتسال مطلقا عن ~~شرط النية، فيقتضي انتهاء حكم النهي عند الاغتسال المطلق، وعنده لا ينتهي ~~إلا عند # PageV01P019 # اغتسال مقرون بالنية، وهذا خلاف الكتاب؛ ولأن الأمر بالوضوء لحصول ~~الطهارة لقوله تعالى في آخر آية الوضوء {ولكن يريد ليطهركم} [المائدة: 6] ، ~~وحصول الطهارة لا يقف على النية بل على استعمال ms0040 المطهر في محل قابل ~~للطهارة، والماء مطهر لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه، أو ريحه، أو لونه» . # وقال الله تعالى {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: 48] والطهور ~~اسم للطاهر، في نفسه المطهر لغيره، والمحل قابل على ما عرف، وبه تبين أن ~~الطهارة عمل الماء خلقة، وفعل اللسان فضل في الباب، حتى لو سال عليه المطر ~~أجزأه عن الوضوء، والغسل فلا يشترط لهما النية، إذ اشتراطها لاعتبار الفعل ~~الاختياري، وبه تبين أن اللازم للوضوء معنى الطهارة، ومعنى العبادة فيه من ~~الزوائد، فإن اتصلت به النية يقع عبادة، وإن لم تتصل به لا يقع عبادة لكنه ~~يقع، وسيلة إلى إقامة الصلاة لحصول الطهارة كالسعي إلى الجمعة. # (وأما) الحديث فتأويله أنه شطر الصلاة لإجماعنا على أنه ليس بشرط ~~الإيمان؛ لصحة الإيمان بدونه، ولا شطره لأن الإيمان هو التصديق، والوضوء ~~ليس من التصديق في شيء، فكان المراد منه أنه شطر الصلاة؛ لأن الإيمان يذكر ~~على إرادة الصلاة؛ لأن قبولها من لوازم الإيمان، قال الله تعالى {وما كان ~~الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143] ، أي صلاتكم إلى بيت المقدس. # وهكذا نقول في التيمم أنه ليس بعبادة أيضا إلا أنه إذا لم تتصل به النية ~~لا يجوز أداء الصلاة به، لا لأنه عبادة، بل لانعدام حصول الطهارة؛ لأنه ~~طهارة ضرورية جعلت طهارة عند مباشرة فعل لا صحة له بدون الطهارة فإذا عري ~~عن النية لم يقع طهارة، بخلاف الوضوء؛ لأنه طهارة حقيقية، فلا يقف على ~~النية. ### | [التسمية في الوضوء] # مطلب في التسمية في الوضوء # (النية ومنها) : التسمية وقال مالك إنها فرض إلا إذا كان ناسيا فتقام ~~التسمية بالقلب مقام التسمية باللسان دفعا للحرج، واحتج بما روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا وضوء لمن لم يسم» . # (ولنا) أن آية الوضوء مطلقة عن شرط التسمية فلا تقيد إلا بدليل صالح ~~للتقييد؛، ولأن المطلوب من المتوضئ هو الطهارة، وترك التسمية لا يقدح فيها؛ ms0041 ~~لأن الماء خلق طهورا في الأصل، فلا تقف طهوريته على صنع العبد. # والدليل عليه ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال «من توضأ، وذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع بدنه، ~~ومن توضأ، ولم يذكر اسم الله كان طهورا لما أصاب الماء من بدنه» ، والحديث ~~من جملة الآحاد، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد، ثم هو محمول على ~~نفي الكمال، وهو معنى السنة كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا صلاة ~~لجار المسجد إلا في المسجد» ، وبه نقول: " إنه سنة " لمواظبة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عليها عند افتتاح الوضوء، وذلك دليل السنية وقال - عليه ~~الصلاة والسلام - «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بذكر اسم الله فهو أبتر» ، ~~واختلف المشايخ في أن التسمية يؤتى بها قبل الاستنجاء أو بعده، قال بعضهم: ~~قبله لأنها سنة افتتاح الوضوء وقال بعضهم: بعده لأن حال الاستنجاء حال كشف ~~العورة، فلا يكون ذكر اسم الله تعالى في تلك الحالة من باب التعظيم. # مطلب في غسل اليدين # (ومنها) : غسل اليدين إلى الرسغين قبل إدخالهما في الإناء للمستيقظ من ~~منامه وقال قوم: إنه فرض، ثم اختلفوا فيما بينهم، منهم من قال: إنه فرض من ~~نوم الليل، والنهار، ومنهم من قال: إنه فرض من نوم الليل خاصة، واحتجوا بما ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إذا استيقظ أحدكم من منامه ~~فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده» ، ~~والنهي عن الغمس يدل على كون الغسل فرضا. # (ولنا) أن الغسل لو وجب لا يخلو إما أن يجب من الحدث، أو من النجس، ولا ~~سبيل إلى الأول؛ لأنه لا يجب الغسل من الحدث إلا مرة واحدة، فلو أوجبنا ~~عليه غسل العضو عند استيقاظه من منامه مرة، ومرة عند الوضوء، لأوجبنا عليه ~~الغسل عند الحدث مرتين، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأن النجس غير معلوم بل هو ~~موهوم وإليه أشار في الحديث ms0042 حيث قال. # «فإنه لا يدري أين باتت يده» ، وهذا إشارة إلى توهم النجاسة، واحتمالها ~~فيناسبه الندب إلى الغسل، واستحبابه لا الإيجاب؛ لأن الأصل هو الطهارة، فلا ~~تثبت النجاسة بالشك، والاحتمال، فكان الحديث محمولا على نهي التنزيه لا ~~التحريم، واختلف المشايخ في وقت غسل اليدين أنه قبل الاستنجاء بالماء أو ~~بعده؟ على ثلاثة أقوال: قال بعضهم قبله وقال بعضهم: بعده وقال بعضهم: قبله، ~~وبعده تكميلا للتطهير. # مطلب في الاستنجاء # PageV01P020 # (ومنها) : الاستنجاء بالماء لما روي عن جماعة من الصحابة منهم علي، ~~ومعاوية، وابن عمر، وحذيفة بن اليمان - رضي الله عنهم - أنهم كانوا يستنجون ~~بالماء بعد الاستنجاء بالأحجار، حتى قال ابن عمر فعلناه فوجدناه دواء، ~~وطهورا، وعن الحسن البصري أنه كان يأمر الناس بالاستنجاء بالأحجار، ويقول: ~~إن من كان قبلكم كان يبعر بعرا، وأنتم تثلطون ثلطا فأتبعوا الحجارة الماء، ~~وهو كان من الآداب في عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~توضأ، وغسل مقعده بالماء ثلاثا» ، ولما نزل قوله تعالى {فيه رجال يحبون أن ~~يتطهروا والله يحب المطهرين} [التوبة: 108] في أهل قبا سألهم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن شأنهم، فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء. # ثم صار بعد عصره من السنن بإجماع الصحابة كالتراويح، والسنة فيه أن يغسل ~~بيساره لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «اليمين للوجه، ~~واليسار للمقعد» ، ثم العدد في الاستنجاء بالماء ليس بلازم، وإنما المعتبر ~~هو الإنقاء، فإن لم يكفه الغسل ثلاثا يزيد عليه، وإن كان الرجل موسوسا فلا ~~ينبغي أن يزيد على السبع لأن قطع الوسوسة واجب، والسبع هو نهاية العدد الذي ~~ورد الشرع به في الغسل في الجملة كما في حديث ولوغ الكلب. # مطلب في كيفية الاستنجاء # (وأما) كيفية الاستنجاء فينبغي أن يرخي نفسه إرخاء تكميلا للتطهير، ~~وينبغي أن يبتدئ بأصبع، ثم بأصبعين ثم بثلاث أصابع؛ لأن الضرورة تندفع به، ~~ولا يجوز تنجيس الطاهر من غير ضرورة، وينبغي أن يستنجي ms0043 ببطون الأصابع لا ~~برءوسها كيلا يشبه إدخال الأصبع في العورة، وهذا في حق الرجل. # وأما المرأة فقال بعضهم: تفعل مثل ما يفعل الرجل وقال بعضهم ينبغي أن ~~تستنجي برءوس الأصابع؛ لأن تطهير الفرج الخارج في باب الحيض، والنفاس، ~~والجنابة واجب، وفي باب الوضوء سنة، ولا يحصل ذلك إلا برءوس الأصابع. # (وأما) الذي هو في أثناء الوضوء (فمنها) : المضمضة، والاستنشاق وقال ~~أصحاب الحديث منهم أحمد بن حنبل: وهما فرضان في الوضوء، والغسل جميعا وقال ~~الشافعي: سنتان فيهما جميعا فأصحاب الحديث احتجوا بمواظبته - صلى الله عليه ~~وسلم - عليهما في الوضوء، والشافعي يقول: الأمر بالغسل عن الجنابة يتعلق ~~بالظاهر دون الباطن، وداخل الأنف، والفم من البواطن فلا يجب غسله. # (ولنا) أن الواجب في باب الوضوء غسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، وداخل ~~الأنف، والفم ليس من جملتها أما ما سوى الوجه فظاهر، وكذا الوجه؛ لأنه اسم ~~لما يواجه إليه عادة، وداخل الأنف، والفم لا يواجه إليه بكل حال، فلا يجب ~~غسله، بخلاف باب الجنابة؛ لأن الواجب هناك تطهير البدن بقوله تعالى {وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] ، أي طهروا أبدانكم فيجب غسل ما يمكن غسله ~~من غير حرج ظاهرا كان أو باطنا، ومواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عليهما في الوضوء دليل السنية دون الفرضية، فإنه كان يواظب على سنن ~~العبادات. # (ومنها) : الترتيب في المضمضة والاستنشاق، وهو تقديم المضمضة على ~~الاستنشاق؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يواظب على التقديم ~~(ومنها) : إفراد كل واحد منهما بماء على حدة عندنا، وعند الشافعي السنة ~~الجمع بينهما بماء واحد بأن يأخذ الماء بكفه فيتمضمض ببعضه، ويستنشق ببعضه، ~~واحتج بما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «تمضمض، واستنشق بكف ~~واحد» . # (ولنا) أن الذين حكوا وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذوا لكل ~~واحد منهما ماء جديدا؛ ولأنهما عضوان منفردان فيفرد كل واحد منهما بماء على ~~حدة كسائر الأعضاء، وما رواه محتمل، يحتمل أنه تمضمض، واستنشق بكف واحد ~~بماء واحد، ويحتمل أنه فعل ذلك بماء على ms0044 حدة فلا يكون حجة مع الاحتمال، أو ~~يرد المحتمل إلى المحكم - وهو ما ذكرنا - توفيقا بين الدليلين. # (ومنها) : المضمضة والاستنشاق باليمين، وقال بعضهم: المضمضة باليمين، ~~والاستنشاق باليسار؛ لأن الفم مطهرة، والأنف مقذرة، واليمين للإطهار، ~~واليسار للأقذار. # (ولنا) ما روي عن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - أنه استنثر بيمينه، ~~فقال له معاوية: جهلت السنة، فقال الحسن - رضي الله عنه -: كيف أجهل، ~~والسنة خرجت من بيوتنا؟ أما علمت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«اليمين للوجه، واليسار للمقعد» . # (ومنها) : المبالغة في المضمضة والاستنشاق، إلا في حال الصوم فيرفق لما ~~روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للقيط بن صبرة «بالغ في المضمضة، ~~والاستنشاق إلا أن تكون صائما فارفق» ، ولأن المبالغة فيهما من باب التكميل ~~في التطهير، فكانت مسنونة إلا في حال الصوم لما فيها من تعريض الصوم ~~للفساد. ### | [الترتيب في الوضوء] # مطلب في الترتيب في الوضوء. # (ومنها) : الترتيب في الوضوء؛ # PageV01P021 # لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - واظب عليه، ومواظبته عليه دليل السنة، ~~وهذا عندنا، وعند الشافعي هو فرض، وجه قوله أن الأمر، وإن تعلق بالغسل، ~~والمسح في آية الوضوء بحرف الواو، وأنها للجمع المطلق لكن الجمع المطلق ~~يحتمل الترتيب، فيحمل على الترتيب بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~حيث غسل مرتبا فكان فعله بيانا لأحد المحتملين (ولنا) أن حرف الواو للجمع ~~المطلق. # والجمع بصفة الترتيب جمع مقيد، ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل، وفعل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يمكن أن يحمل على موافقة الكتاب، وهو أنه ~~إنما فعل ذلك لدخوله تحت الجمع المطلق، لكن من حيث إنه جمع بل من حيث إنه ~~مرتب، وعلى هذا الوجه يكون عملا بموافقة الكتاب، كمن أعتق رقبة مؤمنة في ~~كفارة اليمين أو الظهار أنه يجوز بالإجماع، وذا لا ينفي أن تكون الرقبة ~~المطلقة مرادة من النص؛ لأن جواز المؤمنة من حيث هي رقبة لا من حيث هي ~~مؤمنة، كذا ههنا. # ولأن الأمر بالوضوء للتطهير لما ذكرنا في المسائل المتقدمة، والتطهير لا ms0045 ~~يقف على الترتيب لما مر. ### | [الموالاة في الوضوء] # مطلب الموالاة في الوضوء. # (ومنها) : الموالاة، وهي أن لا يشتغل المتوضئ بين أفعال الوضوء بعمل ليس ~~منه؛، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا كان يفعل، وقيل في تفسير ~~الموالاة: أن لا يمكث في أثناء الوضوء مقدار ما يجف فيه العضو المغسول، فإن ~~مكث تنقطع الموالاة، وعند مالك هي فرض، وقيل: إنه أحد قولي الشافعي، ~~والكلام في الطرفين على نحو ما ذكرنا في الترتيب، فافهم. # مطلب التثليث في الغسل. # (ومنها) : التثليث في الغسل، وهو أن يغسل أعضاء الوضوء ثلاثا ثلاثا؛ لما ~~روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «توضأ مرة مرة وقال: هذا وضوء لا ~~يقبل الله الصلاة إلا به، وتوضأ مرتين مرتين وقال: هذا وضوء من يضاعف الله ~~له الأجر مرتين، وتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال: هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء من ~~قبلي فمن زاد على هذا، أو نقص فقد تعدى وظلم» ، وفي رواية «فمن زاد، أو نقص ~~فهو من المعتدين» واختلف في تأويله، قال بعضهم: زاد على مواضع الوضوء، ونقص ~~عن مواضعه. # وقال بعضهم: زاد على ثلاث مرات، ولم ينو ابتداء الوضوء، ونقص عن ~~الواحدة،، والصحيح أنه محمول على الاعتقاد دون نفس الفعل، معناه فمن زاد ~~على الثلاث، أو نقص عن الثلاث بأن لم ير الثلاث سنة؛ لأن من لم ير سنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - سنة فقد ابتدع فيلحقه الوعيد، حتى لو زاد على ~~الثلاث، أو نقص ورأى الثلاث سنة لا يلحقه هذا الوعيد؛ لأن الزيادة على ~~الثلاث من باب الوضوء على الوضوء إذا نوى به، وأنه نور على نور على لسان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكذا جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- الوضوء مرتين سببا لتضعيف الثواب، فكان المراد منه الاعتقاد لا نفس ~~الزيادة، والنقصان. # مطلب البداءة باليمين. # (ومنها) البداءة باليمين في اليدين والرجلين؛ لأن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يواظب على ذلك، وهي سنة في الوضوء، وفي غيره من الأعمال؛ ~~لما ms0046 روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب التيامن في كل شيء، حتى ~~التنعل، والترجل. # (ومنها) : البداءة فيه من رءوس الأصابع؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يفعل ذلك. # (ومنها) : تخليل الأصابع بعد إيصال الماء إلى ما بينها لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «خللوا أصابعكم قبل أن تخللها نار جهنم» ، وفي رواية ~~«خللوا أصابعكم لا تخللها نار جهنم» ، ولأن التخليل من باب إكمال الفريضة ~~فكان مسنونا، ولو كان في أصبعه خاتم فإن كان واسعا فلا حاجة إلى التحريك، ~~وإن كان ضيقا فلا بد من التحريك ليصل الماء إلى ما تحته. # مطلب الاستيعاب في مسح الرأس. # (ومنها) : الاستيعاب في مسح الرأس، وهو أن يمسح كله لما روى عبد الله بن ~~زيد أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح رأسه بيديه كلتيهما أقبل بهما، ~~وأدبر» ، وعند مالك فرض وقد مر الكلام فيه. # (ومنها) : البداءة بالمسح من مقدم الرأس، وقال الحسن البصري: السنة ~~البداءة من الهامة، فيضع يديه عليها فيمدهما إلى مقدم الرأس، ثم يعيدهما ~~إلى القفا. # وهكذا روى هشام عن محمد، والصحيح قول العامة، لما روي أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يبتدئ بالمسح من مقدم رأسه، ولأن السنة في المغسولات ~~البداءة بالغسل من أول العضو فكذا في الممسوحات. # (ومنها) : أن يمسح رأسه مرة واحدة،، والتثليث مكروه، وهذا عندنا وقال ~~الشافعي: السنة هي التثليث وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يمسح ثلاث مرات ~~بماء واحد، احتج الشافعي بما روي أن عثمان بن عفان، وعليا - رضي الله عنهما ~~- حكيا وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغسلا ثلاثا، ومسحا بالرأس ~~ثلاثا، ولأن هذا ركن أصلي في الوضوء فيسن فيه التثليث قياسا على الركن ~~الآخر، وهو الغسل، بخلاف المسح على الخفين؛ لأنه ليس # PageV01P022 # بركن أصلي بل ثبت رخصة، ومبنى الرخصة على الخفة. # (ولنا) ما روي عن معاذ - رضي الله عنه - أنه قال رأيت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - توضأ مرة مرة، ورأيته توضأ مرتين مرتين، ورأيته توضأ ~~ثلاثا ms0047 ثلاثا، وما رأيته مسح على رأسه إلا مرة واحدة، وكذا روي عن أنس بن ~~مالك - رضي الله عنه - أنه علم الناس وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ومسح مرة واحدة (وأما) حكاية عثمان، وعلي - رضي الله عنهما - فالمشهور ~~عنهما أنهما مسحا مرة واحدة، كذا ذكر أبو داود، في سننه أن الصحيح من حديث ~~عثمان - رضي الله عنه - أنه مسح رأسه، وأذنيه مرة واحدة، وكذا روى عبد خير ~~عن علي - رضي الله عنه - أنه توضأ في رحبة الكوفة بعد صلاة الفجر، ومسح ~~رأسه مرة واحدة، ثم قال: من سره أن ينظر إلى وضوء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فلينظر إلى وضوئي هذا. # ولو ثبت ما رواه الشافعي فهو محمول على أنه فعله بماء واحد، وذلك سنة ~~عندنا في رواية الحسن عن أبي حنيفة؛ ولأن التثليث بالمياه الجديدة تقريب ~~إلى الغسل فكان مخلا باسم المسح، واعتباره بالغسل فاسد من وجهين: أحدهما: ~~أن المسح بني على التخفيف، والتكرار من باب التغليظ، فلا يليق بالمسح، ~~بخلاف الغسل، والثاني: أن التكرار في الغسل مفيد لحصول زيادة نظافة، ووضاءة ~~لا تحصل بالمرة الواحدة، ولا يحصل ذلك بتكرار المسح، فبطل القياس. # مطلب مسح الأذنين (ومنها) : أن يمسح الأذنين ظاهرهما، وباطنهما بماء ~~الرأس، وقال الشافعي: السنة أن يأخذ لكل واحد منهما ماء جديدا وجه قوله ~~أنهما عضوان منفردان، وليسا من الرأس حقيقة، وحكما، أما الحقيقة فإن الرأس ~~منبت الشعر، ولا شعر عليهما. # وأما الحكم فلأن المسح عليهما لا ينوب عن مسح الرأس، ولو كانا في حكم ~~الرأس لناب المسح عليهما عن مسح الرأس كسائر أجزاء الرأس. # (ولنا) ما روي عن علي - رضي الله عنه - «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مسح أذنيه بماء مسح به رأسه» . # وروي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «الأذنان من الرأس» ، ومعلوم أنه ما أراد به بيان الخلقة، بل بيان ~~الحكم، إلا أنه لا ينوب المسح عليهما عن مسح الرأس لأن ms0048 وجوب مسح الرأس ثبت ~~بدليل مقطوع به. # وكون الأذنين من الرأس ثبت بخبر الواحد، وأنه يوجب العمل دون العلم، فلو ~~ناب المسح عليهما عن مسح الرأس لجعلناهما من الرأس قطعا، وهذا لا يجوز، ~~وصار هذا كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - الحطيم من البيت فالحديث يفيد ~~كون الحطيم من البيت، حتى يطاف به كما يطاف بالبيت، ثم لا يجوز أداء الصلاة ~~إليه؛ لأن وجوب الصلاة إلى الكعبة ثبت بدليل مقطوع به، وكون الحطيم من ~~البيت ثبت بخبر الواحد، والعمل بخبر الواحد إنما يجب إذا لم يتضمن إبطال ~~العمل بدليل مقطوع به، أما إذا تضمن فلا، كذلك ههنا. # (وأما) تخليل اللحية فعند أبي حنيفة، ومحمد من الآداب، وعند أبي يوسف ~~سنة، هكذا ذكر محمد في كتاب الآثار لأبي يوسف ما روي أن «رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - توضأ، وشبك أصابعه في لحيته كأنها أسنان المشط» ، ولهما ~~أن الذين حكوا وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما خللوا لحاهم، وما ~~رواه أبو يوسف فهو حكاية فعله - صلى الله عليه وسلم - ذلك اتفاقا لا بطريق ~~المواظبة، وهذا لا يدل على السنة. # مطلب مسح الرقبة (وأما) مسح الرقبة فقد اختلف المشايخ فيه، قال أبو بكر ~~الأعمش: إنه سنة وقال أبو بكر الإسكاف إنه أدب. ### | [فصل آداب الوضوء] # (فصل) : # وأما آداب الوضوء (فمنها) : أن لا يستعين المتوضئ على وضوئه بأحد؛ لما ~~روي عن أبي الجنوب أنه قال «رأيت عليا يستقي ماء لوضوئه فبادرت أستقي له، ~~فقال مه يا أبا الجنوب فإني رأيت عمر يستقي ماء لوضوئه فبادرت أستقي له، ~~فقال: مه يا أبا الحسن فإني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستقي ~~ماء لوضوئه فبادرت أستقي له، فقال: مه يا عمر إني لا أريد أن يعينني على ~~صلاتي أحد» . # (ومنها) : أن لا يسرف في الوضوء ولا يقتر، والأدب فيما بين الإسراف، ~~والتقتير، إذ الحق بين الغلو، والتقصير، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«خير الأمور أوسطها» . # (ومنها) : دلك أعضاء الوضوء خصوصا في ms0049 الشتاء؛ لأن الماء يتجافى عن ~~الأعضاء. # (ومنها) : أن يدعو عند كل فعل من أفعال الوضوء بالدعوات المأثورة ~~المعروفة، وأن يشرب فضل وضوئه قائما، إذا لم يكن صائما، ثم يستقبل القبلة، ~~ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ويملأ الآنية ~~عدة لوضوء آخر، ويصلي ركعتين؛ لأن كل ذلك مما ورد في الأخبار أنه فعله - ~~صلى الله عليه وسلم - # PageV01P023 # ولكن لم يواظب عليه، وهذا هو الفرق بين السنة، والأدب أن السنة ما، واظب ~~عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يتركه إلا مرة، أو مرتين لمعنى ~~من المعاني،، والأدب ما فعله مرة، أو مرتين، ولم يواظب عليه. ### | [فصل بيان ما ينقض الوضوء] # (فصل) : # وأما بيان ما ينقض الوضوء فالذي ينقضه الحدث. # والكلام في الحدث في الأصل في موضعين: أحدهما: في بيان ماهيته، والثاني: ~~في بيان حكمه، أما الأول فالحدث هو نوعان: حقيقي، وحكمي أما الحقيقي فقد ~~اختلف فيه، قال أصحابنا الثلاثة: هو خروج النجس من الآدمي الحي، سواء كان ~~من السبيلين الدبر والذكر أو فرج المرأة، أو من غير السبيلين الجرح، ~~والقرح، والأنف من الدم، والقيح، والرعاف، والقيء وسواء كان الخارج من ~~السبيلين معتادا كالبول، والغائط، والمني، والمذي، والودي، ودم الحيض، ~~والنفاس، أو غير معتاد كدم الاستحاضة،. # وقال زفر: ظهور النجس من الآدمي الحي وقال مالك في قول: هو خروج النجس ~~المعتاد من السبيل المعتاد، فلم يجعل دم الاستحاضة حدثا لكونه غير معتاد. # وقال الشافعي: هو خروج شيء من السبيلين فليس بحدث، وهو أحد قولي مالك. # وأما قول مالك فمخالف للسنة، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - «المستحاضة ~~تتوضأ لوقت كل صلاة» وقوله «للمستحاضة توضئي، وصلي، وإن قطر الدم على ~~الحصير قطرا» وقوله توضئي فإنه دم عرق انفجر، ولأن المعنى الذي يقتضي كون ~~الخروج من السبيلين حدثا لا يوجب الفصل بين المعتاد، وغير المعتاد لما ~~يذكر، فالفصل يكون تحكما على الدليل. # وأما الكلام مع الشافعي فهو احتج بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم ms0050 - أنه «قاء فغسل فمه، فقيل له: ألا تتوضأ وضوءك للصلاة؟ فقال: هكذا ~~الوضوء من القيء» . # وعن عمر - رضي الله عنه - أنه حين طعن كان يصلي، والدم يسيل منه، ولأن ~~خروج النجس من البدن زوال النجس عن البدن، وزوال النجس عن البدن كيف يوجب ~~تنجيس البدن مع أنه لا نجس على أعضاء الوضوء حقيقة، وهذا هو القياس في ~~السبيلين إلا أن الحكم هناك عرف بالنص غير معقول فيقتصر على مورد النص. # (ولنا) ما روي عن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - أنه قال: دخلت على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغرفت له غرفة، فأكلها، فجاء المؤذن ~~فقلت: الوضوء يا رسول الله، فقال - صلى الله عليه وسلم - إنما علينا الوضوء ~~مما يخرج ليس مما يدخل وعلق الحكم بكل ما يخرج أو بمطلق الخارج من غير ~~اعتبار المخرج، إلا أن خروج الطاهر ليس بمراد، فبقي خروج النجس مرادا. # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «من قاء، أو رعف في صلاته فلينصرف، وليتوضأ، وليبن على صلاته ما لم ~~يتكلم» ، والحديث حجة على الشافعي في فصلين في وجوب الوضوء بخروج النجس من ~~غير السبيلين، وفي جواز البناء عند سبق الحدث في الصلاة. # وروي أنه قال لفاطمة بنت حبيش «توضئي فإنه دم عرق انفجر» أمرها بالوضوء، ~~وعلل بانفجار دم العرق، لا بالمرور على المخرج، وعن تميم الداري عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الوضوء من كل دم سائل» ، والأخبار ~~في هذا الباب وردت مورد الاستفاضة، حتى روي عن عشرة من الصحابة أنهم قالوا ~~مثل مذهبنا، وهم عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر ~~وثوبان، وأبو الدرداء، وقيل في التاسع، والعاشر: إنهما زيد بن ثابت، وأبو ~~موسى الأشعري، وهؤلاء فقهاء الصحابة متبع لهم في فتواهم، فيجب تقليدهم، ~~وقيل: إنه مذهب العشرة المبشرين بالجنة، ولأن الخروج من السبيلين إنما كان ~~حدثا؛ لأنه يوجب تنجيس ظاهر البدن لضرورة تنجس موضع الإصابة، فتزول الطهارة ~~ضرورة، ms0051 إذ النجاسة، والطهارة ضدان، فلا يجتمعان في محل واحد في زمان واحد، ~~ومتى زالت الطهارة عن ظاهر البدن خرج من أن يكون أهلا للصلاة التي هي ~~مناجاة مع الله تعالى، فيجب تطهيره بالماء ليصير أهلا لها، وما رواه ~~الشافعي محتمل يحتمل أنه قاء أقل من ملء الفم. # وكذا اسم الوضوء يحتمل غسل الفم، فلا يكون حجة مع الاحتمال، أو محمله على ~~ما قلنا توفيقا بين الدلائل. # وأما حديث عمر فليس فيه أنه كان يصلي بعد الطعن من غير تجديد الوضوء، بل ~~يحتمل أنه توضأ بعد الطعن مع سيلان الدم، وصلى. # وبه نقول، كما في المستحاضة وقوله: " إن خروج النجس عن البدن زوال النجس ~~عن البدن " فكيف يوجب تنجسه؟ مسلم أنه يزول به شيء من نجاسة الباطن، لكن ~~يتنجس به الظاهر؛ لأن القدر الذي زال إليه أوجب زوال الطهارة عنه، والبدن ~~في حكم الطهارة، والنجاسة لا يتجزأ، والعزيمة هي غسل كل البدن، إلا أنه ~~أقيم غسل أعضاء الوضوء مقام غسل كل # PageV01P024 # البدن رخصة، وتيسيرا، ودفعا للحرج، وبه تبين أن الحكم في الأصل معقول ~~فيتعدى إلى الفرع. # وقوله لا نجاسة على أعضاء الوضوء حقيقة ممنوع بل عليها نجاسة حقيقية ~~معنوية، وإن كان الحس لا يدركها، وهي نجاسة الحدث على ما عرف في الخلافيات. # وإذا عرفنا ماهية الحدث نخرج عليه المسائل (فنقول) إذا ظهر شيء من البول ~~والغائط على رأس المخرج انتقضت الطهارة لوجود الحدث، وهو خروج النجس، وهو ~~انتقاله من الباطن إلى الظاهر؛ لأن رأس المخرج عضو ظاهر، وإنما انتقلت ~~النجاسة إليه من موضع آخر فإن موضع البول المثانة، وموضع الغائط موضع في ~~البطن يقال له قولون، وسواء كان الخارج قليلا، أو كثيرا سال عن رأس المخرج، ~~أو لم يسل لما قلنا، وكذا المني، والمذي، والودي، ودم الحيض، والنفاس، ودم ~~الاستحاضة لأنها كلها أنجاس لما يذكر في بيان أنواع الأنجاس وقد انتقلت من ~~الباطن إلى الظاهر فوجد خروج النجس من الآدمي الحي فيكون حدثا إلا أن بعضها ~~يوجب الغسل، وهو المني، ودم ms0052 الحيض، والنفاس، وبعضها يوجب الوضوء، وهو ~~المذي، والودي، ودم الاستحاضة لما يذكر إن شاء الله تعالى، وكذلك خروج ~~الولد، والدودة، والحصا، واللحم، وعود الحقنة بعد غيبوبتها؛ لأن هذه ~~الأشياء. # وإن كانت طاهرة في أنفسها لكنها لا تخلو عن قليل نجس يخرج معها، والقليل ~~من السبيلين خارج لما بينا، وكذا الريح الخارجة من الدبر، لأن الريح، وإن ~~كانت جسما طاهرا في نفسه لكنه لا يخلو عن قليل نجس يقوم به لانبعاثه من محل ~~الأنجاس، وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا وضوء إلا ~~من صوت أو ريح» . # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ ~~بين أليتيه فيقول أحدثت أحدثت فلا ينصرفن، حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا» . # (وأما) الريح الخارجة من قبل المرأة، أو ذكر الرجل فلم يذكر حكمها في ~~ظاهر الرواية. # وروي عن محمد أنه قال فيها الوضوء، وذكر الكرخي أنه لا وضوء فيها إلا أن ~~تكون المرأة مفضاة فيخرج منها ريح منتنة فيستحب لها الوضوء وجه رواية محمد ~~أن كل واحد منهما مسلك النجاسة كالدبر فكانت الريح الخارجة منهما كالخارجة ~~من الدبر فيكون حدثا وجه ما ذكره الكرخي أن الريح ليست بحدث في نفسها لأنها ~~طاهرة، وخروج الطاهر لا يوجب انتقاض الطهارة، وإنما انتقاض الطهارة بما ~~يخرج بخروجها من أجزاء النجس، وموضع الوطء من فرج المرأة ليس بمسلك البول ~~فالخارج منه من الريح لا يجاوره النجس، وإذا كانت مفضاة فقد صار مسلك ~~البول، ومسلك الوطء مسلكا واحدا فيحتمل أن الريح خرجت من مسلك البول فيستحب ~~لها الوضوء، ولا يجب؛ لأن الطهارة الثابتة بيقين لا يحكم بزوالها بالشك، ~~وقيل إن خروج الريح من الذكر لا يتصور، وإنما هو اختلاج يظنه الإنسان ريحا ~~هذا حكم السبيلين. # فأما حكم غير السبيلين من الجرح، والقرح فإن سال الدم والقيح والصديد عن ~~رأس الجرح، والقرح ينتقض الوضوء عندنا لوجود الحدث، وهو خروج النجس، وهو ~~انتقال النجس من الباطن إلى الظاهر، وعند الشافعي لا ينتقض ms0053 لانعدام الخروج ~~من السبيلين، وعند زفر ينتقض سواء سال، أو لم يسل بناء على ما ذكر فلو ظهر ~~الدم على رأس الجرح، ولم يسل لم يكن حدثا عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر ~~يكون حدثا سال أو لم يسل بناء على ما ذكرنا أن الحدث الحقيقي عنده هو ظهور ~~النجس من الآدمي الحي وقد ظهر وجه قوله إن ظهور النجس اعتبر حدثا في ~~السبيلين سال عن رأس المخرج أو لم يسل فكذا في غير السبيلين. # (ولنا) أن الظهور ما اعتبر حدثا في موضع ما، وإنما انتقضت الطهارة في ~~السبيلين إذا ظهر النجس على رأس المخرج لا بالظهور بل بالخروج، وهو ~~الانتقال من الباطن إلى الظاهر على ما بينا كذا ههنا، وهذا لأن الدم إذا لم ~~يسل كان في محله، لأن البدن محل الدم، والرطوبات إلا أنه كان مستترا ~~بالجلدة. # وانشقاقها يوجب زوال السترة لا زوال الدم عن محله، ولا حكم للنجس ما دام ~~في محله ألا ترى أنه تجوز الصلاة مع ما في البطن من الأنجاس فإذا سال عن ~~رأس الجرح فقد انتقل عن محله فيعطي له حكم النجاسة، وفي السبيلين وجد ~~الانتقال لما ذكرنا. # وعلى هذا خروج القيء ملء الفم أنه يكون حدثا، وإن كان أقل من ملء الفم لا ~~يكون حدثا، وعند زفر يكون حدثا قل، أو كثر، ووجه البناء على هذا الأصل أن ~~الفم له حكم الظاهر، عنده بدليل أن الصائم إذا تمضمض لا يفسد صومه فإذا، ~~وصل القيء إليه فقد # PageV01P025 # ظهر النجس من الآدمي الحي فيكون حدثا، وإنا نقول له مع الظاهر حكم الظاهر ~~كما ذكره زفر وله مع الباطن حكم الباطن بدليل أن الصائم إذا ابتلع ريقه لا ~~يفسد صومه، فلا يكون الخروج إلى الفم حدثا، لأنه انتقال من بعض الباطن إلى ~~بعض، وإنما الحدث هو الخروج من الفم؛ لأنه انتقال من الباطن إلى الظاهر، ~~والخروج لا يتحقق في القليل؛ لأنه يمكن رده، وإمساكه، فلا يخرج بقوة نفسه ~~بل بالإخراج، فلا يوجد السيلان، ويتحقق في الكثير، ms0054 لأنه لا يمكن رده، ~~وإمساكه فكان خارجا بقوة نفسه لا بالإخراج فيوجد السيلان. # ثم نتكلم في المسألة ابتداء فحجة زفر ما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال «القلس حدث» من غير فصل بين القليل، والكثير، ولأن الحدث ~~اسم لخروج النجس وقد وجد لأن القليل خارج نجس كالكثير فيستوي فيه القليل، ~~والكثير كالخارج من السبيلين. # (ولنا) ما روي عن علي - رضي الله عنه - موقوفا عليه، ومرفوعا إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «عد الأحداث جملة وقال فيها أود سعة تملأ ~~الفم» ، ولو كان القليل حدثا لعدة عند عد الأحداث كلها (وأما) الحديث ~~فالمراد منه القيء ملء الفم؛ لأن المطلق ينصرف إلى المتعارف، وهو القيء ملء ~~الفم، أو يحمل على هذا توفيقا بين الحديثين صيانة لهما عن التناقض وقوله ~~وجد خروج النجس في القليل قلنا إن سلمنا ذلك ففي قليل القيء ضرورة، لأن ~~الإنسان لا يخلو منه خصوصا حال الامتلاء، ومن صاحب السعال، ولو جعل حدثا ~~لوقع الناس في الحرج، والله تعالى ما جعل علينا في الدين من حرج، ولا ضرورة ~~في القليل من السبيلين، ولا فرق بين أن يكون القيء مرة صفراء أو سوداء، ~~وبين أن يكون طعاما أو ماء صافيا، لأن الحدث اسم لخروج النجس، والطعام، أو ~~الماء نجسا لاختلاطه بنجاسات المعدة، ولم يذكر في ظاهر الرواية تفسير ملء ~~الفم. # وقال أبو علي الدقاق هو أن يمنعه من الكلام، وعن الحسن بن زياد هو أن ~~يعجز عن إمساكه ورده، وعليه اعتمد الشيخ أبو منصور وهو الصحيح، لأن ما قدر ~~على إمساكه ورده فخروجه لا يكون بقوة نفسه بل بالإخراج، فلا يكون سائلا، ~~وما عجز عن إمساكه ورده فخروجه يكون بقوة نفسه فيكون سائلا، والحكم متعلق ~~بالسيلان، ولو قاء أقل من ملء الفم مرارا هل يجمع، ويعتبر حدثا لم يذكر في ~~ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه إن كان في مجلس واحد يجمع، وإلا، فلا، وروي عن محمد ~~أنه إن كان بسبب غثيان واحد يجمع، ms0055 وإلا، فلا وقال أبو علي الدقاق يجمع ~~كيفما كان وجه قول أبي يوسف أن المجلس جعل في الشرع جامعا لأشياء متفرقة ~~كما في باب البيع، وسجدة التلاوة، ونحو ذلك وقول محمد أظهر، لأن اعتبار ~~المجلس اعتبار المكان، واعتبار الغثيان اعتبار السبب، والوجود يضاف إلى ~~السبب لا إلى المكان. # ولو سال الدم إلى ما لان من الأنف أو إلى صماخ الأذن يكون حدثا لوجود ~~خروج النجس، وهو انتقال الدم من الباطن إلى الظاهر. # وروي عن محمد في رجل أقلف خرج البول أو المذي من ذكره، حتى صار في قلفته ~~فعليه الوضوء، وصار بمنزلة المرأة إذا خرج المذي، أو البول من فرجها، ولم ~~يظهر، ولو حشا الرجل إحليله بقطنة فابتل الجانب الداخل منها لم ينتقض وضوءه ~~لعدم الخروج، وإن تعدت البلة إلى الجانب الخارج ينظر إن كانت القطنة عالية ~~أو محاذية لرأس الإحليل ينتقض وضوءه لتحقق الخروج. # وإن كانت متسفلة لم ينتقض، لأن الخروج لم يتحقق، ولو حشت المرأة فرجها ~~بقطنة فإن وضعتها في الفرج الخارج فابتل الجانب الداخل من القطنة كان حدثا، ~~وإن لم ينفذ إلى الجانب الخارج لا يكون حدثا، لأن الفرج الخارج منها بمنزلة ~~الأليتين من الدبر فوجد الخروج، وإن وضعتها في الفرج الداخل فابتل الجانب ~~الداخل من القطنة لم يكن حدثا لعدم الخروج، وإن تعدت البلة إلى الجانب ~~الخارج فإن كانت القطنة عالية، أو محاذية لجانب الفرج كان حدثا لوجود ~~الخروج، وإن كانت متسفلة لم يكن حدثا لعدم الخروج، وهذا كله إذا لم تسقط ~~القطنة فإن سقطت القطنة فهو حدث، وحيض في المرأة سواء ابتل الجانب الخارج، ~~أو الداخل لوجود الخروج. # ولو كان في أنفه قرح فسال الدم عن رأس القرح يكون حدثا، وإن لم يخرج من ~~المنخر لوجود السيلان عن محله، ولو بزق فخرج معه الدم إن كانت الغلبة ~~للبزاق لا يكون حدثا، لأنه ما خرج بقوة نفسه. # وإن كانت الغلبة للدم يكون حدثا، لأن الغالب إذا كان هو البزاق لم يكن ~~خارجا بقوة نفسه فلم يكن ms0056 سائلا، وإن كان الغالب هو الدم كان خروجه بقوة ~~نفسه فكان سائلا، وإن كانا سواء # PageV01P026 # فالقياس أن لا يكون حدثا، وفي الاستحسان يكون حدثا وجه القياس أنهما إذا ~~استويا احتمل أن الدم خرج بقوة نفسه، واحتمل أنه خرج بقوة البزاق، فلا يجعل ~~حدثا بالشك، وللاستحسان وجهان أحدهما أنهما إذا استويا تعارضا فلا يمكن أن ~~يجعل أحدهما تبعا للآخر فيعطى كل واحد منهما حكم نفسه فيعتبر خارجا بنفسه ~~فيكون سائلا، والثاني أن الأخذ بالاحتياط عند الاشتباه واجب، وذلك فيما ~~قلنا. # ولو ظهر الدم على رأس الجرح فمسحه مرارا فإن كان بحال لو تركه لسال يكون ~~حدثا، وإلا، فلا، لأن الحكم متعلق بالسيلان، ولو ألقى عليه الرماد، أو ~~التراب فتشرب فيه، أو ربط عليه رباطا فابتل الرباط، ونفذ قالوا: يكون حدثا ~~لأنه سائل، وكذا لو كان الرباط ذا طاقين فنفذ إلى أحدهما لما قلنا. # ولو سقطت الدودة أو اللحم من الفرج لم يكن حدثا، ولو سقطت من السبيلين ~~يكون حدثا، والفرق أن الدودة الخارجة من السبيل نجسة في نفسها لتولدها من ~~الأنجاس وقد خرجت بنفسها، وخروج النجس بنفسه حدث بخلاف الخارجة من القرح ~~لأنها طاهرة نفسها لأنها تتولد من اللحم، واللحم طاهر، وإنما النجس ما ~~عليها من الرطوبات، وتلك الرطوبات خرجت بالدابة لا بنفسها فلم يوجد خروج ~~النجس، فلا يكون حدثا. # ولو خلل أسنانه فظهر الدم على رأس الخلال لا يكون حدثا، لأنه ما خرج ~~بنفسه، وكذا لو عض على شيء فظهر الدم على أسنانه لما قلنا، ولو سعط في أنفه ~~ووصل السعوط إلى رأسه، ثم رجع إلى الأنف أو إلى الأذن لا يكون حدثا لأن ~~الرأس ليس موضع الأنجاس، ولو عاد إلى الفم، ذكر الكرخي أنه لا يكون حدثا ~~لما قلنا وروى علي بن الجعد عن أبي يوسف أن حكمه حكم القيء، لأن ما وصل إلى ~~الرأس لا يخرج من الفم إلا بعد نزوله في الجوف. # ولو قاء بلغما لم يكن حدثا في قول أبي حنيفة، ومحمد وعند أبي يوسف يكون ms0057 ~~حدثا فمن مشايخنا من قال لا خلاف في المسألة، لأن جواب أبي يوسف في الصاعد ~~من المعدة، وهو حدث عند الكل وجوابهما في المنحدر من الرأس، وهو ليس بحدث ~~عند الكل، ومنهم من قال في المنحدر من الرأس اتفاق أنه ليس بحدث. # وفي الصاعد من المعدة اختلاف. # وجه قول أبي يوسف أنه نجس لاختلاطه بالأنجاس، لأن المعدة معدن الأنجاس ~~فيكون حدثا كما لو قاء طعاما أو ماء، ولهما أنه شيء صقيل لا يلتصق به شيء ~~من الأنجاس فكان طاهرا على أن الناس من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- اعتادوا أخذ البلغم بأطراف أرديتهم، وأكمامهم من غير نكير فكان إجماعا ~~منهم على طهارته، وذكر أبو منصور أنه لا خلاف في المسألة في الحقيقة، لأن ~~جواب أبي يوسف في الصاعد من المعدة، وأنه حدث بالإجماع، لأنه نجس وجوابهما ~~في الصاعد من حواشي الحلق، وأطراف الرئة، وأنه ليس بحدث بالإجماع، لأنه ~~ظاهر فينظر إن كان صافيا غير مخلوط بشيء من الطعام، وغيره تبين أنه لم يصعد ~~من المعدة، فلا يكون نجسا، فلا يكون حدثا، وإن كان مخلوطا بشيء من ذلك تبين ~~أنه صعد منها فكان نجسا فيكون حدثا، وهذا هو الأصح. # وأما إذا قاء دما فلم يذكر في ظاهر الرواية نصا، وذكر المعلى عن أبي ~~حنيفة، وأبي يوسف أنه يكون حدثا قليلا كان، أو كثيرا جامدا كان، أو مائعا. # وروي عن الحسن بن زياد عنهما أنه إن كان مائعا ينقض قل، أو كثر، وإن كان ~~جامدا لا ينقض ما لم يملأ الفم وروى ابن رستم عن محمد أنه لا يكون حدثا ما ~~لم يملأ الفم كيفما كان، وبعض مشايخنا صححوا رواية محمد، وحملوا رواية ~~الحسن، والمعلى في القليل من المائع على الرجوع. # وعليه اعتمد شيخنا، لأنه الموافق لأصول أصحابنا في اعتبار خروج النجس، ~~لأن الحدث اسم له، والقليل ليس بخارج لما مر، وإليه أشار في الجامع الصغير ~~من غير خلاف فإنه قال، وإذا قلس أقل من ملء الفم لم ينتقض الوضوء ms0058 من غير ~~فصل بين الدم، وغيره، وعامة مشايخنا حققوا الاختلاف، وصححوا قولهما، لأن ~~القياس في القليل من سائر أنواع القيء أن يكون حدثا لوجود الخروج حقيقة، ~~وهو الانتقال من الباطن إلى الظاهر، لأن الفم له حكم الظاهر على الإطلاق، ~~وإنما سقط اعتبار القليل لأجل الحرج لأنه يكثر وجوده. # ولا حرج في اعتبار القليل من الدم، لأنه لا يغلب وجوده بل يندر فبقي على ~~أصل القياس، والله أعلم هذا الذي ذكرنا حكم الأصحاء. # (وأما) أصحاب الأعذار كالمستحاضة، وصاحب الجرح السائل، والمبطون ومن به ~~سلس البول، ومن به رعاف دائم أو ريح، ونحو ذلك ممن لا يمضي عليه وقت # PageV01P027 # صلاة إلا، ويوجد ما ابتلي به من الحدث فيه فخروج النجس من هؤلاء لا يكون ~~حدثا في الحال ما دام وقت الصلاة قائما، حتى أن المستحاضة لو توضأت في أول ~~الوقت فلها أن تصلي ما شاءت من الفرائض، والنوافل ما لم يخرج الوقت، وإن ~~دام السيلان، وهذا عندنا وقال الشافعي إن كان العذر من أحد السبيلين ~~كالاستحاضة، وسلس البول، وخروج الريح يتوضأ لكل فرض، ويصلي ما شاء من ~~النوافل. # وقال مالك في أحد قوليه يتوضأ لكل صلاة، واحتجا بما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال «المستحاضة تتوضأ لكل صلاة» فمالك عمل بمطلق اسم ~~الصلاة، والشافعي قيده بالفرض لأنه الصلاة المعهودة، ولأن طهارة المستحاضة ~~طهارة ضرورية؛ لأنه قارنها ما ينافيها، أو طرأ عليها، والشيء لا يوجد، ولا ~~يبقى مع المنافي إلا أنه لم يظهر حكم المنافي لضرورة الحاجة إلى الأداء، ~~والضرورة إلى أداء فرض الوقت فإذا فرغ من الأداء ارتفعت الضرورة فظهر حكم ~~المنافي، والنوافل اتباع الفرائض لأنها شرعت لتكميل الفرائض جبرا للنقصان ~~المتمكن فيها فكانت ملحقة بأجزائها، والطهارة الواقعة لصلاة، واقعة لها ~~بجميع أجزائها بخلاف فرض آخر، لأنه ليس بتبع بل هو أصل بنفسه. # (ولنا) ما روى أبو حنيفة بإسناده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة» ، وهذا نص في الباب، ولأن العزيمة شغل ms0059 ~~جميع الوقت بالأداء شكرا للنعمة بالقدر الممكن وإحرازا للثواب على الكمال ~~إلا أنه جوز ترك شغل بعض الوقت بالأداء رخصة، وتيسيرا فضلا من الله ورحمة ~~تمكينا من استدراك الفائت بالقضاء، والقيام بمصالح القوام، وجعل ذلك شغلا ~~لجميع الوقت حكما فصار وقت الأداء شرعا بمنزلة وقت الأداء فعلا ثم قيام ~~الأداء مبق للطهارة فكذلك الوقت القائم مقامه، وما رواه الشافعي فهو حجة ~~عليه؛ لأن مطلق الصلاة ينصرف إلى الصلاة المعهودة، والمطلق ينصرف إلى ~~المعهود المتعارف كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - «الصلاة عماد الدين» # وما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - «صلى صلوات بوضوء واحد» ، ونحو ذلك، ~~والصلاة المعهودة هي الصلوات الخمس في اليوم، والليلة، فكأنه قال: ~~المستحاضة تتوضأ في اليوم، والليلة خمس مرات فلو أوجبنا عليها الوضوء لكل ~~صلاة، أو لكل فرض تقضي لزاد على الخمس بكثير، وهذا خلاف النص، ولأن الصلاة ~~تذكر على إرادة وقتها قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث التيمم ~~«أينما أدركتني الصلاة تيممت، وصليت» . # والمدرك هو الوقت دون الصلاة التي هي فعله وقال - صلى الله عليه وسلم - ~~إن للصلاة أولا وآخرا، أي: لوقت الصلاة، ويقال آتيك لصلاة الظهر، أي لوقتها ~~فجاز أن تذكر الصلاة، ويراد بها وقتها. # ولا يجوز أن يذكر الوقت، ويراد به الصلاة فيحمل المحتمل على المحكم ~~توفيقا بين الدليلين صيانة لهما عن التناقض، وإنما تبقى طهارة صاحب العذر ~~في الوقت إذا لم يحدث حدثا آخر أما إذا أحدث حدثا آخر، فلا تبقى، لأن ~~الضرورة في الدم السائل لا في غيره فكان هو في غيره كالصحيح قبل الوضوء، ~~وكذلك إذا توضأ للحدث أو لا، ثم سال الدم فعليه الوضوء، لأن ذلك الوضوء لم ~~يقع لعدم العذر فكان عدما في حقه. # وكذا إذا سال الدم من أحد منخريه فتوضأ، ثم سال من المنخر الآخر فعليه ~~الوضوء، لأن هذا حدث جديد لم يكن موجودا وقت الطهارة فلم تقع الطهارة له ~~فكان هو، والبول، والغائط سواء فأما إذا سال منهما جميعا فتوضأ، ثم انقطع ms0060 ~~أحدهما فهو على وضوء ما بقي الوقت لأن طهارته حصلت لهما جميعا. # والطهارة متى وقعت لعذر لا يضرها السيلان ما بقي الوقت فبقي هو صاحب عذر ~~بالمنخر الآخر، وعلى هذا حكم صاحب القروح إذا كان البعض سائلا ثم سال ~~الآخر، أو كان الكل سائلا فانقطع السيلان عن البعض. # ثم اختلف أصحابنا في طهارة المستحاضة أنها تنتقض عند خروج الوقت أم عند ~~دخوله أم أيهما كان قال أبو حنيفة، ومحمد تنتقض عند خروج الوقت لا غير وقال ~~زفر عند دخول الوقت لا غير. # وقال أبو يوسف عند أيهما كان، وثمرة هذا الاختلاف لا تظهر إلا في موضعين ~~أحدهما أن يوجد الخروج بلا دخول كما إذا توضأت في وقت الفجر، ثم طلعت الشمس ~~فإن طهارتها تنتقض عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد لوجود الخروج، وعند زفر ~~لا تنتقض لعدم الدخول، والثاني أن يوجد الدخول بلا خروج كما إذا توضأت قبل ~~الزوال، ثم زالت الشمس فإن # PageV01P028 # طهارتها لا تنتقض عند أبي حنيفة، ومحمد لعدم الخروج. # وعند أبي يوسف، وزفر تنتقض لوجود الدخول وجه قول زفر أن سقوط اعتبار ~~المنافي لمكان الضرورة، ولا ضرورة قبل دخول الوقت فلا يسقط، وبه يحتج أبو ~~يوسف في جانب الدخول، وفي جانب الخروج يقول كما لا ضرورة إلى إسقاط اعتبار ~~المنافي قبل الدخول لا ضرورة إليه بعد الخروج فيظهر حكم المنافي، ولأبي ~~حنيفة، ومحمد ما ذكرنا أن وقت الأداء شرعا أقيم مقام وقت الأداء فعلا لما ~~بينا من المعنى، ثم لا بد من تقديم وقت الطهارة على وقت الأداء حقيقة فكذا ~~لا بد من تقديمها على وقت الأداء شرعا، حتى يمكنه شغل جميع الوقت بالأداء، ~~وهذه الحالة انعدمت بخروج الوقت فظهر حكم الحدث، ومشايخنا أداروا الخلاف ~~على الدخول، والخروج فقالوا: تنتقض طهارتها بخروج الوقت، أو بدخوله لتيسير ~~الحفظ على المتعلمين لا لأن للخروج، أو الدخول تأثيرا في انتقاض الطهارة، ~~وإنما المدار على ما ذكرنا. # ولو توضأ صاحب العذر بعد طلوع الشمس لصلاة العيد أو لصلاة الضحى وصلى هل ms0061 ~~يجوز له أن يصلي الظهر بتلك الطهارة أما على قول أبي يوسف، وزفر فلا يشكل ~~أنه لا يجوز لوجود الدخول. # وأما على قول أبي حنيفة، ومحمد فقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: لا ~~يجوز، لأن هذه طهارة وقعت لصلاة مقصودة فتنتقض بخروج وقتها. # وقال بعضهم: يجوز لأن هذه الطهارة إنما صحت للظهر لحاجته إلى تقديم ~~الطهارة على وقت الظهر على ما مر فيصح بها أداء صلاة العيد، والضحى، والنفل ~~كما إذا توضأ للظهر قبل الوقت، ثم دخل الوقت أنه يجوز له أن يؤدي بها ~~الظهر، وصلاة أخرى في الوقت كذا هذا. # ولو توضأ لصلاة الظهر وصلى، ثم توضأ وضوءا آخر في وقت الظهر للعصر ودخل ~~وقت العصر هل يجوز له أن يصلي العصر بتلك الطهارة على قولهما اختلف المشايخ ~~فيه قال بعضهم: لا يجوز؛ لأن طهارته قد صحت لجميع وقت الظهر فتبقى ما بقي ~~الوقت، فلا تصح الطهارة الثانية مع قيام الأولى بل كانت تكرارا للأولى ~~فالتحقت الثانية بالعدم فتنتقض الأولى بخروج الوقت. # وقال بعضهم: يجوز؛ لأنه يحتاج إلى تقديم الطهارة على وقت العصر، حتى ~~يشتغل جميع الوقت بالأداء، والطهارة الواقعة لصلاة الظهر عدم في حق صلاة ~~العصر، وإنما تنتقض بخروج وقت الظهر طهارة الظهر لا طهارة العصر. # ولو توضأت مستحاضة ودمها سائل، أو سال بعد الوضوء قبل خروج الوقت ثم خرج ~~الوقت وهي في الصلاة فعليها أن تستقبل، لأن طهارتها تنتقض بخروج الوقت لما ~~بينا فإذا خرج الوقت قبل الخروج من الصلاة انتقضت طهارتها فتنتقض صلاتها، ~~ولا تبني لأنها صارت محدثة عند خروج الوقت من حين درور الدم كالمتيمم إذا ~~وجد الماء قبل الفراغ من الصلاة، ولو توضأت، والدم منقطع، وخرج الوقت، وهي ~~في خلال الصلاة قبل سيلان الدم، ثم سال الدم توضأت، وبنت، لأن هذا حدث ~~لاحق، وليس بسابق لأن الطهارة كانت صحيحة لانعدام ما ينافيها وقت حصولها ~~وقد حصل الحدث للحال مقتصرا غير موجب ارتفاع الطهارة من الأصل، ولو توضأت، ~~والدم سائل، ثم انقطع، ثم صلت، وهو ms0062 منقطع، حتى خرج الوقت، ودخل وقت صلاة ~~أخرى ثم سال الدم أعادت الصلاة الأولى. # لأن الدم لما انقطع، ولم يسل، حتى خرج الوقت لم تكن تلك الطهارة طهارة ~~عذر في حقها لانعدام العذر فتبين أنها صلت بلا طهارة، وأصل هذه المسائل في ~~الجامع الكبير. # هذا الذي ذكرناه حكم صاحب العذر، وأما حكم نجاسة ثوبه فنقول إذا أصاب ~~ثوبه من ذلك أكثر من قدر الدرهم يجب غسله إذا كان الغسل مفيدا بأن كان لا ~~يصيبه مرة بعد أخرى حتى لو لم يغسل، وصلى لا يجوز، وإن لم يكن مفيدا لا يجب ~~ما دام العذر قائما، وهو اختيار مشايخنا، وكان محمد بن مقاتل الرازي يقول ~~يجب غسله في وقت كل صلاة قياسا على الوضوء، والصحيح قول مشايخنا لأن حكم ~~الحدث عرفناه بالنص، ونجاسة الثوب ليس في معناه ألا ترى أن القليل منها ~~عفو، فلا يلحق به. # (وأما) الحدث الحكمي فنوعان أيضا أحدهما أن يوجد أمر يكون سببا لخروج ~~النجس الحقيقي غالبا فيقام السبب مقام المسبب احتياطا، والثاني أن لا يوجد ~~شيء من ذلك لكنه جعل حدثا شرعا تعبدا محضا أما الأول فأنواع منها المباشرة ~~الفاحشة وهو أن يباشر الرجل المرأة بشهوة، وينتشر لها، وليس بينهما ثوب، ~~ولم ير بللا فعند أبي حنيفة، وأبي يوسف يكون حدثا استحسانا والقياس أن لا ~~يكون حدثا، وهو قول محمد وهل # PageV01P029 # تشترط ملاقاة الفرجين، وهي مماستهما على قولهما لا يشترط ذلك في ظاهر ~~الرواية عنهما، وشرطه في النوادر، وذكر الكرخي ملاقاة الفرجين أيضا وجه ~~القياس أن السبب إنما يقام مقام المسبب في موضع لا يمكن الوقوف على المسبب ~~من غير حرج، والوقوف على المسبب ههنا ممكن بلا حرج، لأن الحال حال يقظة ~~فيمكن الوقوف على الحقيقة، فلا حاجة إلى إقامة السبب مقامها. # وجه الاستحسان ما روي أن «أبا اليسر بائع العسل سأل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال إني أصبت من امرأتي كل شيء إلا الجماع فقال - صلى الله ~~عليه وسلم - توضأ، وصل ركعتين» ، ولأن المباشرة ms0063 على الصفة التي ذكرنا لا ~~تخلو عن خروج المذي عادة إلا إنه يحتمل أنه جف لحرارة البدن فلم يقف عليه، ~~أو غفل عن نفسه لغلبة الشبق فكانت سببا مفضيا إلى الخروج، وإقامة السبب ~~مقام المسبب طريقة معهودة في الشريعة خصوصا في أمر يحتاط فيه كما يقام المس ~~مقام الوطء في حق ثبوت حرمة المصاهرة بل يقام نفس النكاح مقامه، ويقام نوم ~~المضطجع مقام الحدث، ونحو ذلك كذا ههنا. # ولو لمس امرأته بشهوة، أو غير شهوة فرجها أو سائر أعضائها من غير حائل ~~ولم ينشر لها لا ينتقض وضوءه عند عامة العلماء وقال مالك: إن كان المس ~~بشهوة يكون حدثا، وإن كان بغير شهوة بأن كانت صغيرة، أو كانت ذا رحم محرم ~~منه لا يكون حدثا، وهو أحد قولي الشافعي، وفي قول يكون حدثا كيفما كان ~~بشهوة أو بغير شهوة، وهل تنتقض طهارة الملموسة لا شك أنها لا تنتقض عندنا، ~~وللشافعي فيه قولان احتجا بقوله تعالى {أو لامستم النساء} [المائدة: 6] ~~والملامسة مفاعلة من اللمس، واللمس والمس واحد لغة قال الله تعالى {وأنا ~~لمسنا السماء} [الجن: 8] . # وحقيقة اللمس للمس باليد، وللجماع مجاز، أو هو حقيقة لهما جميعا لوجود ~~المس فيهما جميعا، وإنما اختلف آلة المس فكان الاسم حقيقة لهما لوجود معنى ~~الاسم فيهما. # وقد جعل الله تعالى اللمس حدثا حيث أوجب به إحدى الطهارتين، وهي التيمم ~~(ولنا) ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سئلت عن هذه الحادثة فقالت ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل بعض نسائه، ثم يخرج إلى ~~الصلاة، ولا يتوضأ» ، ولأن المس ليس بحدث بنفسه، ولا سبب لوجود الحدث غالبا ~~فأشبه مس الرجل الرجل، والمرأة المرأة، ولأن مس أحد الزوجين صاحبه مما يكثر ~~وجوده فلو جعل حدثا لوقع الناس في الحرج. # وأما الآية فقد نقل عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن المراد من اللمس ~~الجماع، وهو ترجمان القرآن. # وذكر ابن السكيت في إصلاح المنطق أن اللمس إذا قرن بالنساء يراد به الوطء ~~تقول العرب لمست ms0064 المرأة، أي: جامعتها على أن اللمس يحتمل الجماع إما حقيقة، ~~أو مجازا فيحمل عليه توفيقا بين الدلائل، ولو مس ذكره بباطن كفه من غير ~~حائل لا ينتقض وضوءه عندنا، وعند الشافعي ينتقض احتج بما روت بسرة بنت ~~صفوان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من مس ذكره فليتوضأ» . # (ولنا) ما روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت، ~~وعمران بن حصين، وحذيفة بن اليمان، وأبي الدرداء، وأبي هريرة - رضي الله ~~عنهم - أنهم لم يجعلوا مس الذكر حدثا، حتى قال علي - رضي الله عنه - لا ~~أبالي مسسته، أو أرنبة أنفي وقال بعضهم للراوي إن كان نجسا فاقطعه، ولأنه ~~ليس بحدث بنفسه، ولا سبب لوجود الحدث غالبا فأشبه مس الأنف، ولأن مس ~~الإنسان ذكره مما يغلب وجوده فلو جعل حدثا يؤدي إلى الحرج، وما رواه فقد ~~قيل أنه ليس بثابت لوجوه أحدها أنه مخالف لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم ~~-، وهو ما ذكرنا. # والثاني أنه روي أن هذه الحادثة وقعت في زمن مروان بن الحكم فشاور من بقي ~~من الصحابة فقالوا: لا ندع كتاب ربنا، ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندري ~~أصدقت أم كذبت، والثالث أنه خبر واحد فيما تعم به البلوى فلو ثبت لاشتهر، ~~ولو ثبت فهو محمول على غسل اليدين، لأن الصحابة كانوا يستنجون بالأحجار دون ~~الماء فإذا مسوه بأيديهم كانت تتلوث خصوصا في أيام الصيف فأمر بالغسل لهذا، ~~والله أعلم. # (ومنها) الإغماء والجنون والسكر الذي يستر العقل أما الإغماء فلأنه في ~~استرخاء المفاصل، واستطلاق الوكاء فوق النوم مضطجعا، وذلك حدث فهذا أولى. # وأما الجنون فلأن المبتلى به يحدث حدثا، ولا يشعر به فأقيم السبب مقام ~~المسبب، والسكر الذي يستر العقل في معنى الجنون في عدم التمييز وقد انضاف ~~إليه استرخاء المفاصل، ولا فرق في حق هؤلاء بين الاضطجاع، والقيام، لأن ما ~~ذكرنا من المعنى لا يوجب الفصل بين حال، وحال. # (ومنها) النوم مضطجعا في الصلاة أو في غيرها بلا # PageV01P030 # خلاف بين الفقهاء، وحكي عن ms0065 النظام أنه ليس بحدث، ولا عبرة بخلافه ~~لمخالفته الإجماع، وخروجه عن أهل الاجتهاد، والدليل عليه ما روي عن ابن ~~عباس - رضي الله عنه - أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - نام في صلاته حتى ~~غط، ونفخ، ثم قال: لا وضوء على من نام قائما، أو قاعدا، أو راكعا أو ساجدا ~~إنما الوضوء على من نام مضطجعا فإنه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله» نص على ~~الحكم، وعلل باسترخاء المفاصل، وكذا النوم متوركا بأن نام على أحد وركيه؛ ~~لأن مقعده يكون متجافيا عن الأرض فكان في معنى النوم مضطجعا في كونه سببا ~~لوجود الحدث بواسطة استرخاء المفاصل، وزوال مسكة اليقظة فأما النوم في غير ~~هاتين الحالتين فأما إن كان في الصلاة. # وأما إن كان في غيرها فإن كان في الصلاة لا يكون حدثا سواء غلبه النوم، ~~أو تعمد في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه قال سألت أبا حنيفة عن النوم في الصلاة فقال لا ~~ينقض الوضوء، ولا أدري أسألته عن العمد، أو الغلبة، وعندي أنه إن نام ~~متعمدا ينتقض وضوءه. # وعند الشافعي أن النوم حدث على كل حال إلا إذا كان قاعدا مستقرا على ~~الأرض فله فيه قولان احتج بما روي عن صفوان بن عسال المرادي أنه قال «كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام، ~~ولياليها إذا كنا سفرا إلا من جنابة لكن من نوم، أو بول، أو غائط» فقد جعل ~~النوم حدثا على الإطلاق. # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «العينان وكاء الاست فإذا نامت ~~العينان استطلق الوكاء» أشار إلى كون النوم حدثا حيث جعله علة استطلاق ~~الوكاء. # (ولنا) ما روينا عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث نفى ~~الوضوء في النوم في غير حال الاضطجاع، وأثبته فيها بعلة استرخاء المفاصل، ~~وزوال مسكة اليقظة، ولم يوجد في هذه الأحوال لأن الإمساك فيها باق ألا ترى ~~أنه لم يسقط، وفي المشهور من الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0066 - ~~أنه قال «إذا نام العبد في سجوده يباهي الله تعالى به ملائكته فيقول: ~~انظروا إلى عبدي روحه عندي وجسده في طاعتي» . # ولو كان النوم في الصلاة حدثا لما كان جسده في طاعة الله تعالى، ولا حجة ~~له فيما روي؛ لأن مطلق النوم ينصرف إلى النوم المتعارف، وهو نوم المضطجع، ~~وكذا استطلاق الوكاء يتحقق به لا بكل نوم وجه رواية أبي يوسف أن القياس في ~~النوم حالة القيام، والركوع، والسجود أن يكون حدثا لكونه سببا لوجود الحدث ~~إلا أنا تركنا القياس حالة الغلبة لضرورة التهجد نظر للمتهجدين، وذلك عند ~~الغلبة دون التعمد. # (ولنا) ما روينا من الحديثين من غير فصل، ولأن الاستمساك في هذه الأحوال ~~باق لما بينا، وإن كان خارج الصلاة فإن كان قاعدا مستقرا على الأرض غير ~~مستند إلى شيء لا يكون حدثا، لأنه ليس بسبب لوجود الحدث غالبا، وإن كان ~~قائما، أو على هيئة الركوع، والسجود غير مستند إلى شيء اختلف المشايخ فيه ~~والعامة على أنه لا يكون حدثا لما روينا من الحديث من غير فصل بين حالة ~~الصلاة، وغيرها، ولأن الاستمساك فيها باق على ما مر، والأقرب إلى الصواب في ~~النوم على هيئة السجود خارج الصلاة ما ذكره القمي أنه لا نص فيه، ولكن ينظر ~~فيه إن سجد على الوجه المسنون بأن كان رافعا بطنه عن فخذيه مجافيا عضديه عن ~~جنبيه لا يكون حدثا، وإن سجد لا على وجه السنة بأن ألصق بطنه بفخذيه، ~~واعتمد على ذراعيه على الأرض يكون حدثا، لأن في الوجه الأول الاستمساك باق، ~~والاستطلاق منعدم، وفي الوجه الثاني بخلافه إلا أنا تركنا هذا القياس في ~~حالة الصلاة بالنص، ولو نام مستندا إلى جدار، أو سارية، أو رجل، أو متكئا ~~على يديه ذكر الطحاوي أنه إن كان بحال لو أزيل السند لسقط يكون حدثا، وإلا، ~~فلا، وبه أخذ كثير من مشايخنا وروى خلف بن أيوب عن أبي يوسف أنه قال سألت ~~أبا حنيفة عمن استند إلى سارية، أو رجل فنام ولولا السارية والرجل لم ms0067 ~~يستمسك. # قال إذا كانت أليته مستوثقة من الأرض، فلا وضوء عليه، وبه أخذ عامة ~~مشايخنا، وهو الأصح لما روينا من الحديث، وذكرنا من المعنى، ولو نام قاعدا ~~مستقرا على الأرض فسقط، وانتبه فإن انتبه بعدما سقط على الأرض، وهو نائم ~~انتقض وضوءه بالإجماع لوجود النوم مضطجعا، وإن قل، وإن انتبه قبل أن يصل ~~جنبه إلى الأرض روي عن أبي حنيفة أنه لا ينتقض وضوءه لانعدام النوم مضطجعا. # وعن أبي يوسف أنه ينتقض وضوءه لزوال الاستمساك بالنوم حيث سقط، وعن محمد ~~أنه إن انتبه قبل أن يزايل مقعده الأرض لم ينتقض وضوءه، وإن زايل مقعده قبل # PageV01P031 # أن ينتبه انتقض وضوءه. ### | [القهقهة في الصلاة] # (وأما) الثاني فهو القهقهة في صلاة مطلقة، وهي الصلاة التي لها ركوع، ~~وسجود، فلا يكون حدثا خارج الصلاة، ولا في صلاة الجنازة، وسجدة التلاوة. # وهذا استحسان، والقياس أن لا تكون حدثا، وهو قول الشافعي، ولا خلاف في ~~التبسم أنه لا يكون حدثا احتج الشافعي بما روى جابر عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال «الضحك ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء» ، ولأنه لم يوجد ~~الحدث حقيقة، ولا ما هو سبب وجوده، والوضوء لا ينتقض إلا بأحد هذين، ولهذا ~~لم ينتقض بالقهقهة خارج الصلاة، وفي صلاة الجنازة، ولا ينقض بالتبسم. # (ولنا) ما روي في المشاهير عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «كان ~~يصلي فجاء أعرابي في عينيه سوء فوقع في بئر عليها خصفة فضحك بعض من خلفه ~~فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة قال من قهقه منكم فليعد ~~الوضوء، والصلاة، ومن تبسم، فلا شيء عليه» طعن أصحاب الشافعي في الحديث من ~~وجهين أحدهما أنه ليس في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بئر، ~~والثاني أنه لا يظن بالصحابة الضحك خصوصا خلف رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وهذا الطعن فاسد لأنا ما روينا الصلاة كانت في المسجد على أنه كانت ~~في المسجد حفيرة يجمع فيها ماء المطر، ومثلها يسمى بئرا. # وكذا ما روينا أن الخلفاء ms0068 الراشدين، أو العشرة المبشرين أو المهاجرين ~~الأولين، أو فقهاء الصحابة، وكبار الأنصار هم الذين ضحكوا بل كان الضاحك ~~بعض الأحداث، أو الأعراب، أو بعض المنافقين لغلبة الجهل عليهم، حتى روي أن ~~أعرابيا بال في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحديث جابر محمول ~~على ما دون القهقهة توفيقا بين الدلائل مع أنه قيل إن الضحك ما يسمع الرجل ~~نفسه، ولا يسمع جيرانه، والقهقهة ما يسمع جيرانه، والتبسم ما لا يسمع نفسه، ~~ولا جيرانه وقوله لم يوجد الحدث، ولا سبب وجوده مسلم لكن هذا حكم عرف بخلاف ~~القياس بالنص، والنص ورد بانتقاض الوضوء بالقهقهة في صلاة مستتمة الأركان ~~فبقي ما وراء ذلك على أصل القياس. # وروي عن جرير بن عبد الله البجلي أنه قال «ما رآني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلا تبسم، ولو في الصلاة» . # وروي «أنه - صلى الله عليه وسلم - تبسم في صلاته فلما فرغ سئل عن ذلك ~~فقال أتاني جبريل - عليه السلام -، وأخبرني أن الله تعالى يقول من صلى عليك ~~مرة صلى الله عليه عشرا» ، ولو قهقه الإمام والقوم جميعا فإن قهقه الأمام ~~أولا انتقض وضؤه دون القوم، لأن قهقهتهم لم تصادف تحريمة الصلاة لفساد ~~صلاتهم بفساد صلاة الإمام فجعلت قهقهتم خارج الصلاة، وإن قهقه القوم أولا، ~~ثم الإمام انتقض طهارة الكل؛ لأن قهقهتهم حصلت في الصلاة أما القوم، فلا ~~إشكال. # وأما الإمام فلأنه لا يصير خارجا من الصلاة بخروج القوم، وكذلك إن قهقهوا ~~معا لأن قهقهة الكل حصلت في تحريمة الصلاة. # وأما تغميض الميت وغسله وحمل الجنازة وأكل ما مسته النار والكلام الفاحش ~~فليس شيء من ذلك حدثا عند عامة العلماء وقال بعضهم: كل ذلك حدث ورووا في ~~ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من غمض ميتا فليتوضأ، ~~ومن غسل ميتا فليغتسل، ومن حمل جنازة فليتوضأ» ، وعن عائشة - رضي الله عنها ~~- أنها قالت للمتسابين إن بعض ما أنتما فيه لشر من الحدث فجددا الوضوء، وعن ~~أبي هريرة عن النبي - صلى الله ms0069 عليه وسلم - أنه قال: «توضئوا مما مسته ~~النار» ، ومنهم من أوجب من لحم الإبل خاصة. # وروي «توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم» (ولنا) ما روينا ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إنما علينا الوضوء مما يخرج ليس ~~مما يدخل» وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - الوضوء مما يخرج، يعني: الخارج ~~النجس، ولم يوجد، والمعنى في المسألة أن الحدث هو خروج النجس حقيقة، أو ما ~~هو سبب الخروج، ولم يوجد، وإليه أشار ابن عباس - رضي الله عنهما - حين بلغه ~~حديث حمل الجنازة فقال أنتوضأ من مس عيدان يابسة، ولأن هذه الأشياء مما ~~يغلب وجودها فلو جعل شيء من ذلك حدثا لوقع الناس في الحرج، وما رووا أخبار ~~آحاد وردت فيما تعم به البلوى، ويغلب وجوده، ولا يقبل خبر الواحد في مثله، ~~لأنه دليل عدم الثبوت إذ لو ثبت لاشتهر بخلاف خبر القهقهة فإنه من المشاهير ~~مع أنه ما ورد فيما لا تعم به البلوى، لأن القهقهة في الصلاة مما لا يغلب ~~وجوده، ولو ثبت ما رووا فالمراد من الوضوء بتغميض الميت غسل اليد لأن ذلك ~~الموضع لا يخلو عن قذارة عادة، وكذا بأكل ما مسته النار، ولهذا خص لحم ~~الإبل في رواية؛ لأن له # PageV01P032 # من اللزوجة ما ليس لغيره، وهكذا روي «أنه أكل طعاما فغسل يديه وقال هكذا ~~الوضوء مما مسته النار» ، والمراد من حديث الغسل فليغتسل إذا أصابته ~~الغسالات النجسة وقوله فليتوضأ في حمل الجنازة للمحدث ليتمكن من الصلاة ~~عليه، وعائشة - رضي الله عنها - إنما ندبت المتسابين إلى تجديد الوضوء ~~تكفيرا لذنب سبهما. # ومن توضأ، ثم جز شعره، أو قلم ظفره، أو قص شاربه، أو نتف إبطيه لم يجب ~~عليه إيصال الماء إلى ذلك الموضع عند عامة العلماء، وعند إبراهيم النخعي ~~يجب عليه في قلم الظفر وجز الشعر وقص الشارب وجه قوله أن ما حصل فيه ~~التطهير قد زال، وما ظهر لم يحصل فيه التطهير فأشبه نزع الخفين. # (ولنا) أن الوضوء قد تم؛ فلا ينتقض ms0070 إلا بالحدث، ولم يوجد وهذا؛ لأن الحدث ~~يحل ظاهر البدن. # وقد زال الحدث عن الظاهر إما بالغسل، أو بالمسح، وما بدا لم يحله الحدث ~~السابق، وبعد بدوه لم يوجد حدث آخر، فلا تعقل إزالته بخلاف المسح على ~~الخفين، لأن الوضوء هناك لم يتم، لأن تمامه بغسل القدمين، ولم يوجد إلا أن ~~الشرع أقام المسح على الخفين مقام غسل القدمين لضرورة تعذر النزع في كل ~~زمان فإذا نزع زالت الضرورة فوجب غسل القدمين تتميما للوضوء، وإنما أورد ~~نتف الإبط. # وإن لم يكن ما يظهر بالنتف محلا لحلول الحدث فيه بخلاف قلم الأظفار، لأنه ~~روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال من مسح إبطيه فليتوضأ، وتأويله فليغسل ~~يديه لتلوثهما بعرقه. # ولو مس كلبا، أو خنزيرا، أو وطئ نجاسة لا وضوء عليه لانعدام الحدث حقيقة، ~~وحكما إلا أنه إذا التزق بيده شيء من النجاسة يجب غسل ذلك الموضع، وإلا، ~~فلا. # ومن أيقن بالطهارة وشك في الحدث فهو على الطهارة، ومن أيقن بالحدث وشك في ~~الطهارة فهو على الحدث، لأن اليقين لا يبطل بالشك # وروي عن محمد أنه قال المتوضئ إذا تذكر أنه دخل الخلاء لقضاء الحاجة وشك ~~أنه خرج قبل أن يقضيها، أو بعد ما قضاها فعليه أن يتوضأ، لأن الظاهر أنه ما ~~خرج إلا بعد قضائها، وكذلك المحدث إذا علم أنه جلس للوضوء، ومعه الماء، وشك ~~في أنه توضأ، أو قام قبل أن يتوضأ، فلا وضوء عليه لأن الظاهر أنه لا يقوم ~~ما لم يتوضأ، ولو شك في بعض وضوئه، وهو أول ما شك غسل الموضع الذي شك فيه، ~~لأنه على يقين من الحدث في ذلك الموضع، وفي شك من غسله. # والمراد من قوله أول ما شك أن الشك في مثله لم يصر عادة له؛ لا أنه لم ~~يبتل به قط، وإن كان يعرض له ذلك كثيرا لم يلتفت إليه، لأن ذلك وسوسة، ~~والسبيل في الوسوسة قطعها؛ لأنه لو اشتغل بذلك لأدى إلى أن يتفرع لأداء ~~الصلاة، وهذا لا يجوز. # ولو ms0071 توضأ، ثم رأى البلل سائلا من ذكره أعاد الوضوء لوجود الحدث، وهو ~~سيلان البول، وإنما قال رآه سائلا لأن مجرد البلل يحتمل أن يكون من ماء ~~الطهارة فإن علم أنه بول ظهر فعليه الوضوء، وإن لم يكن سائلا، وإن كان ~~الشيطان يريه ذلك كثيرا، ولم يعلم أنه بول، أو ماء مضى على صلاته، ولا ~~يلتفت إلى ذلك؛ لأنه من باب الوسوسة فيجب قطعها وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين أليتيه فيقول أحدثت أحدثت، فلا ~~ينصرف، حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا» . # وينبغي أن ينضح فرجه، أو إزاره بالماء إذا توضأ قطعا لهذه الوسوسة، حتى ~~إذا أحس شيئا من ذلك أحاله إلى ذلك الماء وقد روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «أنه كان ينضح إزاره بالماء إذا توضأ» ، وفي بعض الروايات قال «نزل ~~علي جبريل صلوات الله عليه، وأمرني بذلك» . # مطلب مس المصحف (وأما) الثاني، وهو بيان حكم الحدث فللحدث أحكام، وهي أن ~~لا يجوز للمحدث أداء الصلاة لفقد شرط جوازها، وهو الوضوء قال - صلى الله ~~عليه وسلم - «لا صلاة إلا بوضوء» ، ولا مس المصحف من غير غلاف عندنا، وعند ~~الشافعي يباح له مس المصحف من غير غلاف وقاس المس على القراءة فقال: يجوز ~~له القراءة فيجوز له المس. # (ولنا) قوله تعالى {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] وقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «لا يمس القرآن إلا طاهر» ، ولأن تعظيم القرآن واجب، ~~وليس من التعظيم مس المصحف بيد حلها حدث، واعتبار المس بالقراءة غير سديد، ~~لأن حكم الحدث لم يظهر في الفم وظهر في اليد بدليل أنه افترض غسل اليد، ولم ~~يفترض غسل الفم في الحدث فبطل الاعتبار، ولا مس الدراهم التي عليها القرآن، ~~لأن حرمة المصحف كحرمة ما كتب منه فيستوي فيه الكتابة في المصحف، وعلى ~~الدراهم، ولا مس كتاب التفسير، لأنه يصير بمسه ماسا للقرآن. # وأما مس كتاب الفقه، فلا بأس به # PageV01P033 # والمستحب له أن لا يفعل، ولا يطوف بالبيت. # وإن طاف ms0072 جاز مع النقصان لأن الطواف بالبيت شبيه بالصلاة قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «الطواف بالبيت صلاة» ، ومعلوم أنه ليس بصلاة حقيقية ~~فلكونه طوافا حقيقة يحكم بالجواز، ولكونه شبيها بالصلاة يحكم بالكراهة. # ثم ذكر الغلاف، ولم يذكر تفسيره، واختلف المشايخ في تفسيره فقال بعضهم: ~~هو الجلد المتصل بالمصحف وقال بعضهم: هو الكم، والصحيح أنه الغلاف المنفصل ~~عن المصحف، وهو الذي يجعل فيه المصحف وقد يكون من الجلد وقد يكون من الثوب، ~~وهو الخريطة، لأن المتصل به تبع له فكان مسه مسا للقرآن، ولهذا لو لبيع ~~المصحف دخل المتصل به في البيع، والكم تبع للحامل فأما المنفصل فليس بتبع، ~~حتى لا يدخل في بيع المصحف من غير شرط. # وقال بعض مشايخنا: إنما يكره له مس الموضع المكتوب دون الحواشي، لأنه لم ~~يمس القرآن حقيقة، والصحيح أنه يكره مس كله، لأن الحواشي تابعة للمكتوب ~~فكان مسها مسا للمكتوب، ويباح له قراءة القرآن لما روي أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «كان لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة» . # ويباح له دخول المسجد، لأن وفود المشركين كانوا يأتون رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو في المسجد فيدخلون عليه، ولم يمنعهم من ذلك، ويجب ~~عليه الصوم، والصلاة حتى يجب قضاؤهما بالترك لأن الحدث لا ينافي أهلية أداء ~~الصوم، فلا ينافي أهلية وجوبه، ولا ينافي أهلية وجوب الصلاة أيضا، وإن كان ~~ينافي أهلية أدائها، لأنه يمكنه رفعه بالطهارة. ### | [فصل الغسل] # (فصل) : # وأما الغسل فالكلام فيه يقع في مواضع في تفسير الغسل، وفي بيان ركنه، وفي ~~بيان شرائط الركن، وفي بيان سنن الغسل، وفي بيان آدابه، وفي بيان مقدار ~~الماء الذي يغسل به، وفي بيان صفة الغسل المشروع. # (أما) تفسيره فالغسل في اللغة اسم للماء الذي يغتسل به لكن في عرف ~~الفقهاء يراد به غسل البدن، وقد مر تفسير الغسل فيما تقدم أنه الإسالة، حتى ~~لا يجوز بدونها. # (وأما) ركنه فهو إسالة الماء على جميع ما يمكن إسالته عليه من البدن من ~~غير ms0073 حرج مرة واحدة حتى لو بقيت لمعة لم يصبها الماء لم يجز الغسل، وإن كانت ~~يسيرة لقوله تعالى {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] ، أي: طهروا ~~أبدانكم، واسم البدن يقع على الظاهر، والباطن فيجب تطهير ما يمكن تطهيره ~~منه بلا حرج، ولهذا وجبت المضمضة، والاستنشاق في الغسل، لأن إيصال الماء ~~إلى داخل الفم، والأنف ممكن بلا حرج، وإنما لا يجبان في الوضوء لا، لأنه لا ~~يمكن إيصال الماء إليه بل، لأن الواجب هناك غسل الوجه، ولا تقع المواجهة ~~إلى ذلك رأسا، ويجب إيصال الماء إلى أثناء اللحية كما يجب إلى أصولها، وكذا ~~يجب على المرأة إيصال الماء إلى أثناء شعرها إذا كان منقوضا كذا ذكر الفقيه ~~أبو جعفر الهندواني لأنه يمكن إيصال الماء إلى ذلك من غير حرج. # وأما إذا كان شعرها ضفيرا فهل يجب عليها إيصال الماء إلى أثنائه اختلف ~~المشايخ فيه قال بعضهم: يجب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «تحت كل ~~شعرة جنابة ألا فبلوا الشعر، وأنقوا البشرة» . # وقال بعضهم: لا يجب، وهو اختيار الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل ~~البخاري وهو الأصح لما روي أن «أم سلمة - رضي الله عنها - سألت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني أشد ضفر رأسي أفأنقضه إذا اغتسلت فقال - ~~صلى الله عليه وسلم - أفيضي الماء على رأسك، وسائر جسدك، ويكفيك إذا بلغ ~~الماء أصول شعرك» ، ولأن ضفيرتها إذا كانت مشدودة فتكليفها نقضها يؤدي إلى ~~الحرج، ولا حرج حال كونها منقوضة، والحديث محمول على هذه الحالة. # ويجب إيصال الماء إلى داخل السرة لإمكان الإيصال إليها بلا حرج، وينبغي ~~أن يدخل أصبعه فيها للمبالغة، ويجب على المرأة غسل الفرج الخارج؛ لأنه يمكن ~~غسله بلا حرج. # وكذا الأقلف يجب عليه إيصال الماء إلى القلفة وقال بعضهم: لا يجب، وليس ~~بصحيح لإمكان إيصال الماء إليه من غير حرج. # (وأما) شروطه فما ذكرنا في الوضوء. # (وأما) سننه فهي أن يبدأ فيأخذ الإناء بشماله، ويكفيه على يمينه فيغسل ~~يديه إلى الرسغين ثلاثا، ثم يفرغ الماء ms0074 بيمينه على شماله فيغسل فرجه، حتى ~~ينقيه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثلاثا ثلاثا إلا أنه لا يغسل رجليه، حتى يفيض ~~الماء على رأسه، وسائر جسده ثلاثا ثم يتنحى فيغسل قدميه، والأصل فيه ما روي ~~عن ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: «وضعت غسلا لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ليغتسل من الجنابة فأخذ الإناء بشماله، وأكفأه ~~على يمينه فغسل يديه ثلاثا، ثم أنقى # PageV01P034 # فرجه بالماء، ثم مال بيده إلى الحائط فدلكها بالتراب ثم توضأ وضوءه ~~للصلاة غير غسل القدمين، ثم أفاض الماء على رأسه، وسائر جسده ثلاثا، ثم ~~تنحى فغسل قدميه» فالحديث مشتمل على بيان السنة، والفريضة جميعا. # وهل يمسح رأسه عند تقديم الوضوء على الغسل ذكر في ظاهر الرواية أنه يمسح ~~وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يمسح لأن تسييل الماء عليه بعد ذلك يبطل ~~معنى المسح فلم يكن فيه فائدة بخلاف سائر الأعضاء لأن التسييل من بعد لا ~~يبطل التسييل من قبل، والصحيح. # جواب ظاهر الرواية لأن السنة وردت بتقديم الوضوء على الإفاضة على جميع ~~البدن على ما روينا، والوضوء اسم للمسح، والغسل جميعا إلا أنه يؤخر غسل ~~القدمين لعدم الفائدة في تقديم غسلهما لأنهما يتلوثان بالغسالات من بعد، ~~حتى لو اغتسل على موضع لا يجتمع الغسالة تحت قدمه كالحجر، ونحوه لا يؤخر ~~لانعدام معنى التلوث، ولهذا قالوا في غسل الميت: إنه يغسل رجليه عند ~~التوضئة، ولا يؤخر غسلهما، لأن الغسالة لا تجتمع على التخت، ومن مشايخنا من ~~استدل بتأخير النبي - صلى الله عليه وسلم - غسل الرجلين عند تقديم الوضوء ~~على الإفاضة على أن الماء المستعمل نجس إذ لو لم يكن نجسا لم يكن للتحرج عن ~~الطاهر معنى فجعلوه حجة أبي حنيفة، وأبي يوسف على محمد وليس فيه كبير حجة، ~~لأن الإنسان كما يتحرج عن النجس يتحرج عن القذر خصوصا الأنبياء صلوات الله، ~~وسلامه عليهم، والماء المستعمل قد أزيل إليه قذر الحدث، حتى تعافه الطباع ~~السليمة، والله أعلم. # (وأما) آدابه فما ذكرنا في الوضوء. ms0075 # وأما بيان مقدار الماء الذي يغتسل به فقد ذكر في ظاهر الرواية وقال: أدنى ~~ما يكفي في الغسل من الماء صاع، وفي الوضوء مد لما روي عن جابر - رضي الله ~~عنه - أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع ~~فقيل له: إن لم يكفنا فغضب وقال: لقد كفى من هو خير منكم، وأكثر شعرا» ، ثم ~~إن محمدا - رحمه الله - ذكر الصاع في الغسل، والمد في الوضوء مطلقا عن ~~الأحوال، ولم يفسره قال بعض مشايخنا: هذا التقدير في الغسل إذا لم يجمع بين ~~الوضوء، والغسل فأما إذا جمع بينهما يحتاج إلى عشرة أرطال رطلان للوضوء، ~~وثمانية أرطال للغسل. # وقال عامة المشايخ إن الصاع كاف لهما وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: ~~في الوضوء إن كان المتوضئ متخففا، ولا يستنجي يكفيه رطل واحد لغسل الوجه، ~~واليدين، ومسح الرأس، وإن كان متخففا، ويستنجي يكفيه رطلان رطل للاستنجاء ~~ورطل للباقي، ثم هذا التقدير الذي ذكره محمد من الصاع، والمد في الغسل، ~~والوضوء ليس بتقدير لازم بحيث لا يجوز النقصان عنه أو الزيادة عليه بل هو ~~بيان مقدار أدنى الكفاية عادة حتى إن من أسبغ الوضوء، والغسل بدون ذلك ~~أجزأه. # وإن لم يكفه زاد عليه؛ لأن طباع الناس، وأحوالهم تختلف، والدليل عليه ما ~~روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان يتوضأ بثلثي مد» لكن ينبغي ~~أن يزيد عليه بقدر ما لا إسراف فيه لما روي أن «النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- مر على سعد بن أبي وقاص، وهو يتوضأ، ويصب صبا فاحشا فقال: إياك، والسرف ~~فقال: أوفي الوضوء سرف؟ قال: نعم، ولو كنت على ضفة نهر جار» ، وفي رواية «، ~~ولو كنت على شط بحر» . # (وأما) صفة الغسل فالغسل قد يكون فرضا وقد يكون واجبا وقد يكون سنة وقد ~~يكون مستحبا أما الغسل الواجب فهو غسل الموتى. # وأما السنة فهو غسل يوم الجمعة، ويوم عرفة، والعيدين، وعند الإحرام، ~~وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى، وههنا نذكر المستحب، والفرض. ms0076 # (أما) المستحب فهو غسل الكافر إذا أسلم لما روي أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «كان يأمر بالغسل من جاءه يريد الإسلام» ، وأدنى درجات الأمر ~~الندب، والاستحباب هذا إذا لم يعرف أنه جنب فأسلم فأما إذا علم كونه جنبا ~~فأسلم قبل الاغتسال اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: لا يلزمه الاغتسال أيضا ~~لأن الكفار غير مخاطبين بشرائع هي من القربات، والغسل يصير قربة بالنية، ~~فلا يلزمه وقال بعضهم: يلزمه؛ لأن الإسلام لا ينافي بقاء الجنابة بدليل أنه ~~لا ينافي بقاء الحدث، حتى يلزمه الوضوء بعد الإسلام كذا الجنابة، وعلى هذا ~~غسل الصبي، والمجنون عند البلوغ، والإفاقة. # (وأما) الغسل المفروض فثلاثة: الغسل من الجنابة، والحيض، والنفاس أما ~~الجنابة فلقوله تعالى {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] ، أي: اغتسلوا ~~وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: 43] ، # PageV01P035 # والكلام في الجنابة في موضعين أحدهما في بيان ما تثبت به الجنابة، ويصير ~~الشخص به جنبا، والثاني في بيان الأحكام المتعلقة بالجنابة. # (أما) الأول فالجنابة تثبت بأمور بعضها مجمع عليه، وبعضها مختلف فيه ~~(أما) المجمع عليه فنوعان أحدهما خروج المني عن شهوة دفقا من غير إيلاج بأي ~~سبب حصل الخروج كاللمس، والنظر، والاحتلام، حتى يجب الغسل بالإجماع لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - «الماء من الماء» ، أي: الاغتسال من المني، ثم إنما ~~وجب غسل جميع البدن بخروج المني، ولم يجب بخروج البول، والغائط، وإنما وجب ~~غسل الأعضاء المخصوصة لا غير لوجوه أحدها: أن قضاء الشهوة بإنزال المني ~~استمتاع بنعمة يظهر أثرها في جميع البدن، وهو اللذة فأمر بغسل جميع البدن ~~شكرا لهذه النعمة، وهذا لا يتقرر في البول، والغائط، والثاني أن الجنابة ~~تأخذ جميع البدن ظاهره، وباطنه؛ لأن الوطء الذي هو سببه لا يكون إلا ~~باستعمال لجميع ما في البدن من القوة، حتى يضعف الإنسان بالإكثار منه، ~~ويقوى بالامتناع فإذا أخذت الجنابة جميع البدن الظاهر، والباطن وجب غسل ~~جميع البدن الظاهر، والباطن ms0077 بقدر الإمكان، ولا كذلك الحدث فإنه لا يأخذ إلا ~~الظاهر من الأطراف، لأن سببه يكون بظواهر الأطراف من الأكل، والشرب، ولا ~~يكونان باستعمال جميع البدن فأوجب غسل ظواهر الأطراف لا جميع البدن، ~~والثالث أن غسل الكل، أو البعض وجب وسيلة إلى الصلاة التي هي خدمة الرب ~~سبحانه، وتعالى، والقيام بين يديه، وتعظيمه فيجب أن يكون المصلي على أطهر ~~الأحوال، وأنظفها ليكون أقرب إلى التعظيم، وأكمل في الخدمة، وكمال النظافة ~~يحصل بغسل جميع البدن، وهذا هو العزيمة في الحدث أيضا إلا أن ذلك مما يكثر ~~وجوده فاكتفى فيه بأيسر النظافة، وهي تنقية الأطراف التي تنكشف كثيرا، وتقع ~~عليها الأبصار أبدا، وأقيم ذلك مقام غسل كل البدن دفعا للحرج، وتيسيرا فضلا ~~من الله، ونعمة، ولا حرج في الجنابة لأنها لا تكثر فبقي الأمر فيها على ~~العزيمة، والمرأة كالرجل في الاحتلام لما روي عن «أم سليم أنها سألت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن المرأة ترى في منامها مثل ما يرى الرجل ~~فقال: - صلى الله عليه وسلم - إن كان منها مثل ما يكون من الرجل فلتغتسل» . # وروي أن «أم سليم كانت مجاورة لأم سلمة - رضي الله عنها - وكانت تدخل ~~عليها فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأم سليم عندها فقالت: يا ~~رسول الله المرأة إذا رأت أن زوجها يجامعها في المنام أتغتسل فقالت أم سلمة ~~لأم سليم تربت يداك يا أم سليم فضحكت النساء عند رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقالت أم سليم: إن الله لا يستحي من الحق، وإنا إن نسأل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عما يشكل علينا خير من أن نكون فيه على عمى فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: بل أنت يا أم سلمة تربت يداك يا أم سليم ~~عليها الغسل إذا وجدت الماء» . # وذكر ابن رستم في نوادره إذا احتلم الرجل ولم يخرج الماء من إحليله لا ~~غسل عليه والمرأة إذا احتلمت ولم يخرج الماء إلى ظاهر فرجها اغتسلت، لأن ~~لها فرجين، والخارج ms0078 منهما له حكم الظاهر، حتى يفترض إيصال الماء إليه في ~~الجنابة، والحيض فمن الجائز أن الماء إذا بلغ ذلك الموضع، ولم يخرج، حتى لو ~~كان الرجل أقلف فبلغ الماء قلفته وجب عليه الغسل، والثاني إيلاج الفرج في ~~الفرج في السبيل المعتاد سواء أنزل، أو لم ينزل لما روي أن الصحابة - رضي ~~الله عنهم - لما اختلفوا في وجوب الغسل بالتقاء الختانين بعد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وكان المهاجرون يوجبون الغسل، والأنصار لا، بعثوا أبا ~~موسى الأشعري إلى عائشة - رضي الله عنها - فقالت سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «إذا التقى الختانان، وغابت الحشفة وجب الغسل أنزل، أو ~~لم ينزل» فعلت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واغتسلنا فقد روت ~~قولا، وفعلا. # وروي عن علي - رضي الله عنها - أنه قال في الإكسال يوجب الحد أفلا يوجب ~~صاعا من ماء، ولأن إدخال الفرج في الفرج المعتاد من الإنسان سبب لنزول ~~المني عادة فيقام مقامه احتياطا، وكذا الإيلاج في السبيل الآخر حكمه حكم ~~الإيلاج في السبيل المعتاد في وجوب الغسل بدون الإنزال أما على أصل أبي ~~يوسف، ومحمد فظاهر، لأنه يوجب الحد أفلا يوجب صاعا من ماء. # وأما على أصل أبي حنيفة فإنما لم يوجب الحد احتياطا، والاحتياط في وجوب ~~الغسل، ولأن الإيلاج فيه سبب لنزول المني عادة مثل الإيلاج في السبيل ~~المعتاد، والسبب # PageV01P036 # يقوم مقام المسبب خصوصا في موضع الاحتياط، ولا غسل فيما دون الفرج بدون ~~الإنزال، وكذا الإيلاج في البهائم لا يوجب الغسل ما لم ينزل، وكذا ~~الاحتلام؛ لأن الفعل فيما دون الفرج، وفي البهيمة ليس نظير الفعل في فرج ~~الإنسان في السببية، وكذا الاحتلام فيعتبر في ذلك كله حقيقة الإنزال. # (وأما) المختلف فيه (فمنها) أن ينفصل المني لا عن شهوة ويخرج لا عن شهوة ~~بأن ضرب على ظهره ضربا قويا، أو حمل حملا ثقيلا، فلا غسل فيه عندنا، وعند ~~الشافعي فيه الغسل، واحتج بما روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «الماء من الماء» ms0079 أي: الاغتسال من المني من غير فصل. # (ولنا) ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «سئل عن المرأة ~~ترى في المنام يجامعها زوجها فقال - صلى الله عليه وسلم - أتجد لذة؟ فقيل: ~~نعم فقال: عليها الاغتسال إذا وجدت الماء» ، ولو لم يختلف الحكم بالشهوة، ~~وعدمها لم يكن للسؤال عن اللذة معنى؛ ولأن وجوب الاغتسال معلق بنزول المني، ~~وأنه في اللغة اسم للمنزل عن شهوة لما نذكر في تفسير المني. # وأما الحديث فالمراد من الماء الماء المتعارف، وهو المنزل عن شهوة ~~لانصراف مطلق الكلام إلى المتعارف (ومنها) أن ينفصل المني عن شهوة ويخرج لا ~~عن شهوة، وأنه يوجب الغسل في قول أبي حنيفة، ومحمد. # وعند أبي يوسف لا يوجب فالمعتبر عندهما الانفصال عن شهوة، وعنده المعتبر ~~هو الانفصال مع الخروج عن شهوة، وفائدته تظهر في موضعين أحدهما إذا احتلم ~~الرجل فانتبه وقبض على عورته، حتى سكنت شهوته، ثم خرج المني بلا شهوة، ~~والثاني إذا جامع فاغتسل قبل أن يبول، ثم خرج منه بقية المني وجه قول أبي ~~يوسف أن جانب الانفصال يوجب الغسل وجانب الخروج ينفيه، فلا يجب مع الشك، ~~ولهما أنه إذا احتمل الوجوب، والعدم فالقول بالوجوب أولى احتياطا. # (ومنها) أنه إذا استيقظ فوجد على فخذه أو على فراشه بللا على صورة المذي ~~ولم يتذكر الاحتلام فعليه الغسل، في قول أبي حنيفة، ومحمد وعند أبي يوسف لا ~~يجب، وأجمعوا أنه لو كان منيا أن عليه الغسل؛ لأن الظاهر أنه عن احتلام، ~~وأجمعوا أنه إن كان وديا لا غسل عليه لأنه بول غليظ. # وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه إذا وجد على فراشه منيا فهو على ~~الاختلاف، وكان يقيسه على ما ذكرنا من المسألتين وجه قول أبي يوسف أن المذي ~~يوجب الوضوء دون الاغتسال، ولهما ما روى إمام الهدى الشيخ أبو منصور ~~الماتريدي السمرقندي بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها - عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إذا رأى الرجل بعد ما ينتبه من نومه بلة، ~~ولم ms0080 يذكر احتلاما اغتسل، وإن رأى احتلاما، ولم ير بلة، فلا غسل عليه» ، ~~وهذا نص في الباب، ولأن المني قد يرق بمرور الزمان فيصير في صورة المذي وقد ~~يخرج ذائبا لفرط حرارة الرجل، أو ضعفه فكان الاحتياط في الإيجاب ثم المني ~~خاثر أبيض ينكسر منه الذكر. # وقال الشافعي في كتابه: إن له رائحة الطلع، والمذي رقيق يضرب إلى البياض ~~يخرج عند ملاعبة الرجل أهله، والودي رقيق يخرج بعد البول، وكذا روي عن ~~عائشة - رضي الله عنها - أنها فسرت هذه المياه بما ذكرنا ولا غسل في الودي ~~والمذي أما الودي فلأنه بقية البول، وأما المذي فلما روي عن علي - رضي الله ~~عنه - أنه قال: «كنت فحلا مذاء فاستحييت أن أسأل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لمكان ابنته تحتي فأمرت المقداد بن الأسود - رضي الله عنه - فسأله ~~فقال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - كل فحل يمذي، وفيه الوضوء» نص على ~~الوضوء، وأشار إلى نفي وجوب الاغتسال بعلة كثرة الوقوع بقوله كل فحل يمذي. # (وأما) الأحكام المتعلقة بالجنابة فما لا يباح للمحدث فعله من مس المصحف ~~بدون غلافه، ومس الدراهم التي عليها القرآن، ونحو ذلك لا يباح للجنب من ~~طريق الأولى لأن الجنابة أغلظ الحدثين، ولو كانت الصحيفة على الأرض فأراد ~~الجنب أن يكتب القرآن عليها روي عن أبي يوسف أنه لا بأس، لأنه ليس بحامل ~~للصحيفة، والكتابة توجد حرفا حرفا. # وهذا ليس بقرآن وقال محمد أحب إلي أن لا يكتب، لأن كتابة الحروف تجري ~~مجرى القراءة. # وروي عن أبي يوسف أنه لا يترك الكافر أن يمس المصحف لأن الكافر نجس فيجب ~~تنزيه المصحف عن مسه. # وقال محمد لا بأس به إذا اغتسل؛ لأن المانع هو الحدث وقد زال بالغسل، ~~وإنما بقي نجاسة اعتقاده، وذلك في قلبه لا في يده، ولا يباح للجنب قراءة ~~القرآن عند عامة العلماء وقال مالك يباح له ذلك وجه قوله إن الجنابة أحد ~~الحدثين فيعتبر بالحدث الآخر، وأنه لا يمنع من القراءة كذا # PageV01P037 # الجنابة. # (ولنا) ما روي ms0081 أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يحجزه شيء عن ~~قراءة القرآن إلا الجنابة» ، وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا تقرأ الحائض، ولا الجنب شيئا من ~~القرآن» ، وما ذكر من الاعتبار فاسد، لأن أحد الحدثين حل الفم، ولم يحل ~~الآخر، فلا يصح اعتبار أحدهما بالآخر، ويستوي في الكراهة الآية التامة، وما ~~دون الآية عند عامة المشايخ وقال الطحاوي: لا بأس بقراءة ما دون الآية، ~~والصحيح قول العامة لما روينا من الحديثين من غير فصل بين القليل، والكثير، ~~ولأن المنع من القراءة لتعظيم القرآن، ومحافظة على حرمته، وهذا لا يوجب ~~الفصل بين القليل، والكثير فيكره ذلك كله لكن إذا قصد التلاوة. # فأما إذا لم يقصد بأن قال: باسم الله لافتتاح الأعمال تبركا، أو قال: ~~الحمد لله للشكر لا بأس به لأنه من باب ذكر اسم الله تعالى، والجنب غير ~~ممنوع عن ذلك، وتكره قراءة القرآن في المغتسل والمخرج، لأن ذلك موضع ~~الأنجاس. # فيجب تنزيه القرآن عن ذلك، وأما في الحمام فتكره عند أبي حنيفة، وأبي ~~يوسف وعند محمد لا تكره بناء على أن الماء المستعمل نجس عندهما فأشبه ~~المخرج. # وعند محمد طاهر، فلا تكره ولا يباح للجنب دخول المسجد، وإن احتاج إلى ذلك ~~يتيمم، ويدخل سواء كان الدخول لقصد المكث أو للاجتياز عندنا وقال الشافعي: ~~يباح له الدخول بدون التيمم إذا كان مجتازا، واحتج بقوله تعالى {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا ~~إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: 43] قيل: المراد من الصلاة مكانها، ~~وهو المسجد كذا روي عن ابن مسعود، وعابر سبيل هو المار يقال: عبر، أي: مر ~~نهي الجنب عن دخول المسجد بدون الاغتسال. # واستثنى عابري السبيل، وحكم المستثنى يخالف حكم المستثنى منه فيباح له ~~الدخول بدون الاغتسال (ولنا) ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «سدوا الأبواب فإني لا أحلها لجنب، ولا لحائض» ، والهاء ms0082 كناية عن ~~المساجد نفى الحل من غير فصل بين المجتاز، وغيره. # وأما الآية فقد روي عن علي، وابن عباس - رضي الله عنهما - أن المراد هو ~~حقيقة الصلاة، وأن عابر السبيل هو المسافر الجنب الذي لا يجد الماء فيتيمم ~~فكان هذا إباحة الصلاة بالتيمم للجنب المسافر إذا لم يجد الماء، وبه نقول: ~~وهذا التأويل أولى لأن فيه بقاء اسم الصلاة على حالها فكان أولى، أو يقع ~~التعارض بين التأويلين، فلا تبقى الآية حجة له، ولا يطوف بالبيت، وإن طاف ~~جاز مع النقصان لما ذكرنا في المحدث إلا أن النقصان مع الجنابة أفحش لأنها ~~أغلظ، ويصح من الجنب أداء الصوم دون الصلاة، لأن الطهارة شرط جواز الصلاة ~~دون الصوم، ويجب عليه كلاهما، حتى يجب عليه قضاؤهما بالترك، لأن الجنابة لا ~~تمنع من وجوب الصوم بلا شك، ويصح أداؤه مع الجنابة، ولا يمنع من وجوب ~~الصلاة أيضا. # وإن كان لا يصح أداؤها مع قيام الجنابة، لأن في وسعه رفعها بالغسل قبل أن ~~يتوضأ، ولا بأس للجنب أن ينام ويعاود أهله لما روي عن عمر - رضي الله عنه - ~~أنه قال: يا رسول الله «أينام أحدنا، وهو جنب قال: نعم، ويتوضأ وضوءه ~~للصلاة» ، وله أن ينام قبل أن يتوضأ وضوءه للصلاة لما روي عن عائشة - رضي ~~الله عنها - أنها قالت «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينام، وهو جنب من ~~غير أن يمس ماء» ، ولأن الوضوء ليس بقربة بنفسه، وإنما هو لأداء الصلاة، ~~وليس في النوم ذلك، وإن أراد أن يأكل، أو يشرب فينبغي أن يتمضمض، ويغسل ~~يديه. # ثم يأكل، ويشرب، لأن الجنابة حلت الفم فلو شرب قبل أن يتمضمض صار الماء ~~مستعملا فيصير شاربا بالماء المستعمل، ويده لا تخلو عن نجاسة فينبغي أن ~~يغسلها، ثم يأكل وهل يجب على الزوج ثمن ماء الاغتسال اختلف المشايخ فيه قال ~~بعضهم: لا يجب سواء كانت المرأة غنية أو فقيرة غير أنها إن كانت فقيرة ~~يقال: للزوج إما أن تدعها حتى تنتقل إلى الماء، أو تنقل الماء إليها ms0083 وقال ~~بعضهم: يجب، وهو قول الفقيه أبي الليث - رحمه الله -، لأنه لا بد لها منه ~~فنزل منزلة الماء الذي للشرب، وذلك عليه كذا هذا. # (وأما) الحيض فلقوله تعالى {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] أي: ~~يغتسلن ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمستحاضة «دعي الصلاة أيام ~~أقرائك» أي: أيام حيضك ثم اغتسلي، وصلي، ولا نص في وجوب الغسل من النفاس، ~~وإنما عرف بإجماع الأمة، ثم إجماع الأمة يجوز أن يكون بناء على خبر من ~~الباب. # لكنهم تركوا نقله اكتفاء بالإجماع عن نقله لكون الإجماع أقوى، ويجوز أنهم ~~قاسوا على دم الحيض لكون كل واحد منهما دما خارجا من الرحم فبنوا الإجماع ~~على القياس إذ الإجماع # PageV01P038 # ينعقد عن الخبر، وعن القياس على ما عرف في أصول الفقه. ### | [فصل الحيض وأحكامه] # (فصل) : # ثم الكلام يقع في تفسير الحيض، والنفاس، والاستحاضة، وأحكامها (أما) ~~الحيض فهو في عرف الشرع اسم لدم خارج من الرحم لا يعقب الولادة مقدر بقدر ~~معلوم في وقت معلوم، فلا بد من معرفة لون الدم، وحاله، ومعرفة خروجه، ~~ومقداره، ووقته (أما) لونه فالسواد حيض بلا خلاف، وكذلك الحمرة عندنا وقال ~~الشافعي: دم الحيض هو الأسود فقط، واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال لفاطمة بنت حبيش حين كانت مستحاضة «إذا كان الحيض فإنه دم ~~أسود فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي، وصلي» . # (ولنا) قوله تعالى {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} [البقرة: 222] جعل ~~الحيض أذى، واسم الأذى لا يقتصر على الأسود. # وروي أن النساء كن يبعثن بالكرسف إلى عائشة - رضي الله عنها - فكانت ~~تقول: لا حتى ترين القصة البيضاء، أي: البياض الخالص كالجص. # فقد أخبرت أن ما سوى البياض حيض، والظاهر أنها إنما قالت ذلك سماعا من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه حكم لا يدرك بالاجتهاد، ولأن لون ~~الدم يختلف باختلاف الأغذية، فلا معنى للقصر على لون واحد، وما رواه غريب ~~فلا يصلح معارضا للمشهور مع ما أنه مخالف للكتاب على أنه يحتمل أن ms0084 النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - علم من طريق الوحي أيام حيضها بلون الدم فبنى الحكم ~~في حقها على اللون لا في حق غيرها وغير النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يعلم أيام الحيض بلون الدم، وأما الكدرة ففي آخر أيام الحيض بلا خلاف بين ~~أصحابنا، وكذا في أول الأيام عند أبي حنيفة، ومحمد. # وقال أبو يوسف: لا يكون حيضا، وجه قوله أن الحيض هو الدم الخارج من الرحم ~~لا من العرق، ودم الرحم يجتمع فيه في زمان الطهر ثم يخرج الصافي منه، ثم ~~الكدر، ودم العرق يخرج الكدر منه أولا، ثم الصافي فينظر إن خرج الصافي، ~~أولا علم أنه من الرحم فيكون حيضا، وإن خرج الكدر أولا علم أنه من العرق ~~فلا يكون حيضا. # (ولنا) ما ذكرنا من الكتاب، والسنة من غير فصل وقوله إن كدرة دم الرحم ~~تتبع صافيه ممنوع، وهذا أمر غير معلوم بل قد يتبع الصافي الكدر خصوصا فيما ~~كان الثقب من الأسفل. # وأما التربة فهي كالكدرة. # وأما الصفرة فقد اختلف المشايخ فيها فقد كان الشيخ أبو منصور يقول إذا ~~رأت في أول أيام الحيض ابتداء كان حيضا أما إذا رأت في آخر أيام الطهر، ~~واتصل به أيام الحيض لا يكون حيضا. # والعامة على أنها حيض كيفما كانت. # وأما الخضرة فقد قال بعضهم: هي مثل الكدرة فكانت على الخلاف وقال بعضهم: ~~الكدرة، والتربة، والصفرة، والخضرة إنما تكون حيضا على الإطلاق من غير ~~العجائز فأما في العجائز فينظر إن وجدتها على الكرسف، ومدة الوضع قريبة فهي ~~حيض، وإن كانت مدة الوضع طويلة لم يكن حيضا؛ لأن رحم العجوز يكون منتنا ~~فيتغير الماء لطول المكث، وما عرفت من الجواب في هذه الأبواب في الحيض فهو ~~الجواب فيها في النفاس لأنها أخت الحيض. # (وأما) خروجه فهو أن ينتقل من باطن الفرج إلى ظاهره إذ لا يثبت الحيض، ~~والنفاس، والاستحاضة إلا به في ظاهر الرواية. # وروي عن محمد في غير رواية الأصول أن في الاستحاضة كذلك فأما الحيض، ~~والنفاس فإنهما يثبتان ms0085 إذا أحست ببروز الدم، وإن لم يبرز وجه الفرق بين ~~الحيض، والنفاس، والاستحاضة على هذه الرواية أن لهما أعني: الحيض، والنفاس ~~وقتا معلوما فتحصل بهما المعرفة بالإحساس، ولا كذلك الاستحاضة؛ لأنه لا وقت ~~لها تعلم به، فلا بد من الخروج، والبروز ليعلم وجه ظاهر الرواية ما روي أن ~~امرأة قالت لعائشة - رضي الله عنها - أن فلانة تدعو بالمصباح ليلا فتنظر ~~إليها فقالت عائشة - رضي الله عنها - «كنا في عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لا نتكلف لذلك إلا بالمس» والمس لا يكون إلا بعد الخروج، ~~والبروز. # (وأما) مقداره فالكلام فيه في موضعين أحدهما في أصل التقدير أنه مقدر أم ~~لا، والثاني في بيان ما هو مقدر به أما الأول فقد قال عامة العلماء: إنه ~~مقدر وقال مالك: إنه غير مقدر، وليس لأقله حد، ولا لأكثره غاية، واحتج ~~بظاهر قوله تعالى {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} [البقرة: 222] جعل الحيض ~~أذى من غير تقدير، ولأن الحيض اسم الدم الخارج من الرحم، والقليل خارج من ~~الرحم كالكثير، ولهذا لم يقدر: دم النفاس، ولنا ما روى أبو أمامة الباهلي - ~~رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «أقل ما يكون ~~الحيض للجارية الثيب، والبكر جميعا # PageV01P039 # ثلاثة أيام وأكثر ما يكون من الحيض عشرة أيام، وما زاد على العشرة فهو ~~استحاضة» ، وهذا حديث مشهور. # وروي عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - منهم عبد الله بن مسعود، ~~وأنس بن مالك، وعمران بن حصين، وعثمان بن أبي العاص الثقفي - رضي الله عنهم ~~- أنهم قالوا: الحيض ثلاث أربع خمس ست ثمان تسع عشر، ولم يرو عن غيرهم ~~خلافه فيكون إجماعا، والتقدير الشرعي يمنع أن يكون لغير المقدر حكم المقدور ~~به تبين أن الخبر المشهور، والإجماع خرجا بيانا للمذكور في الكتاب، ~~والاعتبار بالنفاس غير سديد؛ لأن القليل هناك عرف خارجا من الرحم بقرينة ~~الولد، ولم يوجد ههنا. # (وأما) الثاني فذكر في ظاهر الرواية أن أقل الحيض ثلاثة أيام، ولياليها، ~~وحكي عن أبي يوسف ms0086 في النوادر يومان، وأكثر اليوم الثالث. # وروى الحسن عن أبي حنيفة ثلاثة أيام بليلتيهما المتخللتين وقال الشافعي: ~~يوم، وليلة في قول، وفي قول يوم بلا ليلة، واحتج بما احتج به مالك إلا أنه ~~قال: لا يمكن اعتبار القليل حيضا؛ لأن أقبال النساء لا تخلو عن قليل لوث ~~عادة فيقدر باليوم، أو باليوم، والليلة، لأنه أقل مقدار يمكن اعتباره، ~~وحجتنا ما ذكرنا مع مالك، وحجة ما روي عن أبي يوسف أن أكثر الشيء يقام مقام ~~كله، وهذا على الإطلاق غير سديد فإنه لو جاز إقامة يومين، وأكثر اليوم ~~الثالث مقام الثلاثة لجاز إقامة يومين مقام الثلاثة لوجود الأكثر. # وجه رواية الحسن أن دخول الليالي ضرورة دخول الأيام المذكورة في الحديث ~~لا مقصودا، والضرورة ترتفع بالليلتين المتخللتين. # والجواب أن دخول الليالي تحت اسم الأيام ليس من طريق الضرورة بل يدخل ~~مقصودا لأن الأيام إذا ذكرت بلفظ الجمع تتناول ما بإزائها من الليالي لغة ~~فكان دخولا مقصودا لا ضرورة. # (وأما) أكثر الحيض فعشرة أيام بلا خلاف بين أصحابنا وقال الشافعي: خمسة ~~عشرة، واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «تقعد إحداهن ~~شطر عمرها لا تصوم، ولا تصلي» ، ثم أحد الشطرين الذي تصلي فيه، وهو الطهر ~~خمسة عشر كذا الشطر الآخر، ولأن الشرع أقام الشهر مقام حيض، وطهر في حق ~~الآيسة، والصغيرة فهذا يقتضي انقسام الشهر على الحيض، والطهر، وهو أن يكون ~~نصفه طهرا، ونصفه حيضا، ولنا ما روينا من الحديث المشهور واجماع الصحابة، ~~وليس المراد من الشطر المذكور النصف لأنا نعلم قطعا أنها لا تقعد نصف عمرها ~~لا ترى أنها لا تقعد حال صغرها، وإياسها، وكذا زمان الطهر يزيد على زمان ~~الحيض عادة فكان المراد ما يقرب من النصف، وهو عشرة، وكذا ليس من ضرورة ~~انقسام الشهر على الطهر، والحيض أن تكون مناصفة إذ قد تكون القسمة مثالثة ~~فيكون ثلث الشهر للحيض، وثلثاه للطهر، وإذا عرفت مقدار الحيض. # لا بد من معرفة مقدار الطهر الصحيح الذي يقابل الحيض، وأقله ms0087 خمسة عشر ~~يوما عندنا إلا ما روي عن أبي حازم القاضي، وأبي عبد الله البلخي أنه تسعة ~~عشر يوما وقال الشافعي مثل قولنا وقال مالك: عشرة أيام وجه قول أبي حازم، ~~وأبي عبد الله أن الشهر يشتمل على الحيض، والطهر عادة وقد قام الدليل على ~~أن أكثر الحيض عشرة فيبقى من الشهر عشرون إلا أنا نقصنا يوما لأن الشهر قد ~~ينقص بيوم. # (ولنا) إجماع الصحابة على ما قلنا، ونوع من الاعتبار بأقل مدة الإقامة، ~~لأن لمدة الطهر شبها بمدة الإقامة ألا ترى أن المرأة بالطهر تعود إلى ما ~~سقط عنها بالحيض كما أن المسافر بالإقامة يعود إلى ما سقط عنه بالسفر، ثم ~~أقل مدة الإقامة خمسة عشر يوما كذا أقل الطهر. # وما قالاه غير سديد؛ لأن المرأة لا تحيض في الشهر عشرة لا محالة، ولو ~~حاضت عشرة لا تطهر عشرين لا محالة بل قد تحيض ثلاثة، وتطهر عشرين وقد تحيض ~~عشرة، وتطهر خمسة عشر. # وأما أكثر الطهر، فلا غاية له، حتى أن المرأة إذا طهرت سنين كثيرة فإنها ~~تعمل ما تعمل الطاهرات بلا خلاف بين الأئمة؛ لأن الطهارة في بنات آدم أصل، ~~والحيض عارض فإذا لم يظهر العارض يجب بناء الحكم على الأصل، وإن طال، ~~واختلف أصحابنا فيما وراء ذلك. # وهو أن أكثر الطهر الذي يصلح لنصب العادة عند الاستمرار كم هو قال أبو ~~عصمة سعد بن معاذ المروزي: وأبو حازم القاضي إن الطهر وإن طال يصلح لنصب ~~العادة، حتى إن المرأة إذا حاضت خمسة، وطهرت ستة ثم استمر بها الدم يبنى ~~الاستمرار عليه فتقعد خمسة، وتصلي ستة، وكذا لو رأت أكثر من ستة. # وقال محمد بن إبراهيم الميداني وجماعة من أهل بخارى: إن أكثر الطهر # PageV01P040 # الذي يصلح لنصب العادة أقل من ستة أشهر، وإذا كان ستة أشهر فصاعدا لا ~~يصلح لنصب العادة، وإذا لم يصلح له ترد أيامها إلى الشهر فتقعد ما كانت رأت ~~فيه من خمسة أو ستة، أو نحو ذلك، وتصلي بقية الشهر هكذا دأبها وقال محمد ms0088 بن ~~مقاتل الرازي، وأبو علي الدقاق أكثر الطهر الذي يصلح لنصب العادة سبعة، ~~وخمسون يوما، وإذا زاد عليه ترد أيامها إلى الشهر وقال بعضهم: أكثره شهر، ~~وإذا زاد عليه ترد إلى الشهر وقال بعضهم: سبعة، وعشرون يوما، ودلائل هذه ~~الأقاويل تذكر في كتاب الحيض. # (وأما) وقته فوقته حين تبلغ المرأة تسع سنين فصاعدا عليه أكثر المشايخ، ~~فلا يكون المرئي فيما دونه حيضا وإذا بلغت تسعا كان حيضا إلى أن تبلغ حد ~~الإياس على اختلاف المشايخ في حده، ولو بلغت ذلك وقد انقطع عنها الدم، ثم ~~رأت بعد ذلك لا يكون حيضا، وعند بعضهم يكون حيضا، وموضع معرفة ذلك كله كتاب ~~الحيض. # (وأما) النفاس فهو في عرف الشرع اسم للدم الخارج من الرحم عقيب الولادة، ~~وسمي نفاسا إما لتنفس الرحم بالولد أو بخروج النفس، وهو الولد أو الدم، ~~والكلام في لونه، وخروجه كالكلام في دم الحيض وقد ذكرناه. ### | [النفاس وأحكامه] # (وأما) الكلام في مقداره فأقله غير مقدر بلا خلاف حتى أنها إذا ولدت، ~~ونفست وقت صلاة لا تجب عليها تلك الصلاة، لأن النفاس دم الرحم وقد قام ~~الدليل على كون القليل منه خارجا من الرحم، وهو شهادة الولادة، ومثل هذه ~~الدلالة لم يوجد في باب الحيض فلم يعرف القليل منه أنه من الرحم فلم يكن ~~حيضا على أن قضية القياس أن لا يتقدر أقل الحيض أيضا كما قال مالك إلا أنا ~~عرفنا التقدير، ثم بالتوقيف، ولا توقيف ههنا، فلا يتقدر فإذا طهرت قبل ~~الأربعين اغتسلت، وصلت بناء على الظاهر لأن معاودة الدم موهوم، فلا يترك ~~المعلوم بالموهوم. # وما ذكر من الاختلاف بين أصحابنا في أقل النفاس فذاك في موضع آخر، وهو أن ~~المرأة إذا طلقت بعد ما ولدت، ثم جاءت وقالت: نفست ثم طهرت، ثلاثة أطهار ~~وثلاث حيض فبكم تصدق في النفاس فعند أبي حنيفة لا تصدق إذا ادعت في أقل من ~~خمسة عشر يوما، وعند أبي يوسف لا تصدق في أقل من أحد عشر يوما وعند محمد ~~تصدق فيما ادعت، ms0089 وإن كان قليلا على ما يذكر في كتاب الطلاق إن شاء الله ~~تعالى. # (وأما) أكثر النفاس فأربعون يوما عند أصحابنا، وعند مالك، والشافعي ستون ~~يوما، ولا دليل لهما سوى ما حكي عن الشعبي أنه كان يقول: ستون يوما، ولا ~~حجة في قول الشعبي. # (ولنا) ما روي عن عائشة، وأم سلمة، وابن عباس، وأبي هريرة - رضي الله ~~تعالى عنهم - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «أكثر النفاس أربعون ~~يوما» . ### | [الاستحاضة وأحكامها] # وأما الاستحاضة فهي ما انتقص عن أقل الحيض، وما زاد على أكثر الحيض، ~~والنفاس، ثم المستحاضة نوعان مبتدأة، وصاحبة عادة والمبتدأة نوعان مبتدأة ~~بالحيض، ومبتدأة بالحبل، وصاحبة العادة نوعان صاحبة العادة في الحيض، ~~وصاحبة العادة في النفاس. # (أما) المبتدأة بالحيض، وهي التي ابتدئت بالدم، واستمر بها فالعشرة من ~~أول الشهر حيض؛ لأن هذا دم في أيام الحيض، وأمكن جعله حيضا فيجعل حيضا، وما ~~زاد على العشرة يكون استحاضة، لأنه لا مزيد للحيض على العشرة، وهكذا في كل ~~شهر. # (وأما) صاحبة العادة في الحيض إذا كانت عادتها عشرة فزاد الدم عليها ~~فالزيادة استحاضة، وإن كانت عادتها خمسة فالزيادة عليها حيض معها إلى تمام ~~العشرة لما ذكرنا في المبتدأة بالحيض، وإن جاوز العشرة فعادتها حيض، وما ~~زاد عليها استحاضة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «المستحاضة تدع ~~الصلاة أيام أقرائها» أي: أيام حيضها، ولأن ما رأت في أيامها حيض بيقين، ~~وما زاد على العشرة استحاضة بيقين، وما بين ذلك متردد بين أن يلحق بما قبله ~~فيكون حيضا، فلا تصلي، وبين أن يلحق بما بعده فيكون استحاضة فتصلي، فلا ~~تترك الصلاة بالشك، وإن لم يكن لها عادة معروفة بأن كانت ترى شهرا ستا، ~~وشهرا سبعا فاستمر بها الدم فإنها تأخذ في حق الصلاة، والصوم، والرجعة ~~بالأقل، وفي حق انقضاء العدة، والغشيان بالأكثر فعليها إذا رأت ستة أيام في ~~الاستمرار أن تغتسل في اليوم السابع لتمام السادس، وتصلي فيه، وتصوم إن كان ~~دخل عليها شهر رمضان لأنه يحتمل أن يكون السابع حيضا. ms0090 # ويحتمل أن لا يكون فدار الصلاة، والصوم بين الجواز منها، والوجوب عليها ~~في الوقت فيجب، وتصوم رمضان احتياطا لأنها إن فعلت، وليس عليها أولى أن ~~تترك، وعليها ذلك، وكذلك تنقطع الرجعة، لأن ترك الرجعة مع # PageV01P041 # ثبوت حق الرجعة أولى من إثباتها من غير حق الرجعة. # وأما في انقضاء العدة، والغشيان فتأخذ بالأكثر لأنها إن تركت التزوج مع ~~جواز التزوج أولى من أن تتزوج بدون حق التزوج، وكذا ترك الغشيان مع الحل ~~أولى من الغشيان مع الحرمة فإذا جاء اليوم الثامن فعليها أن تغتسل ثانيا، ~~وتقضي اليوم الذي صامت في اليوم السابع، لأن الأداء كان واجبا، ووقع الشك ~~في السقوط إن لم تكن حائضا فيه صح صومها، ولا قضاء عليها، وإن كانت حائضا ~~فعليها القضاء، فلا يسقط القضاء بالشك، وليس عليها قضاء الصلوات لأنها إن ~~كانت طاهرة في هذا اليوم فقد صلت، وإن كانت حائضا فيه فلا صلاة عليها ~~للحال، ولا القضاء في الثاني. # ولو كانت عادتها خمسة فحاضت ستة، ثم حاضت حيضة أخرى سبعة، ثم حاضت حيضة ~~أخرى ستة فعادتها ستة بالإجماع حتى يبنى الاستمرار عليها أما عند أبي يوسف ~~فلأن العادة تنتقل بالمرة الواحدة، وإنما يبنى الاستمرار على المرة ~~الأخيرة، لأن العادة انتقلت إليها. # وأما عند أبي حنيفة، ومحمد أيضا فلأن العادة، وإن كانت لا تنتقل إلا ~~بالمرتين فقد رأت الستة مرتين فانتقلت عادتها إليها هذا معنى قول محمد كلما ~~عاودها الدم في يوم مرتين فحيضها ذلك، وذكر في الأصل إذا حاضت المرأة في ~~شهر مرتين فهي مستحاضة، والمراد بذلك أنه لا يجتمع في شهر واحد حيضتان، ~~وطهران لأن أقل الحيض ثلاثة، وأقل الطهر خمسة عشر يوما وقد ذكر في الأصل ~~سؤالا وقال أرأيت لو رأت في أول الشهر خمسة ثم طهرت خمسة عشر، ثم رأت الدم ~~خمسة أليس قد حاضت في شهرين مرتين، ثم أجاب فقال: إذا ضممت إليه طهرا آخر ~~كان أربعين يوما، والشهر لا يشتمل على ذلك، وحكي أن امرأة جاءت إلى علي - ~~رضي الله عنه ms0091 - وقالت: إني حضت في شهر ثلاث مرات فقال علي - رضي الله عنه - ~~لشريح ماذا تقول في ذلك فقال: إن أقامت على ذلك بينة من بطانتها ممن يرضى ~~بدينه، وأمانته قبل منها فقال علي - رضي الله عنه - قالون، وهي بالرومية ~~حسن، وإنما أراد شريح بذلك تحقيق النفي أنها لا تجد ذلك، وإن هذا لا يكون ~~كما قال الله تعالى {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} ~~[الأعراف: 40] أي: لا يدخلونها رأسا. # ودم الحامل ليس بحيض، وإن كان ممتدا عندنا وقال الشافعي: هو حيض في حق ~~ترك الصوم، والصلاة، وحرمة القربان لا في حق أقراء العدة، واحتج بما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال لفاطمة بنت حبيش أقبل قرؤك فدعي ~~الصلاة» من غير فصل بين حال، وحال، ولأن الحامل من ذوات الأقراء لأن المرأة ~~إما أن تكون صغيرة أو آيسة، أو من ذوات الأقراء، والحامل ليست بصغيرة، ولا ~~آيسة فكانت من ذوات الأقراء إلا أن حيضها لا يعتبر في حق أقراء العدة، لأن ~~المقصود من أقراء العدة فراغ الرحم، وحيضها لا يدل على ذلك. # (ولنا) قول عائشة - رضي الله عنها - الحامل لا تحيض، ومثل هذا لا يعرف ~~بالرأي فالظاهر أنها قالته سماعا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأن ~~الحيض اسم للدم الخارج من الرحم، ودم الحامل لا يخرج من الرحم لأن الله ~~تعالى أجرى العادة أن المرأة إذا حبلت ينسد فم الرحم، فلا يخرج منه شيء فلا ~~يكون حيضا (وأما) الحديث فنقول بموجبه لكن لم قلتم أن دم الحامل قرء، ~~والكلام فيه، والدليل على أنه ليس بقرء ما ذكرنا، وبه تبين أن الحديث لا ~~يتناول حالة الحبل. # (وأما) المبتدأة بالحبل، وهي التي حبلت من زوجها قبل أن تحيض إذا ولدت ~~فرأت الدم زيادة على أربعين يوما فهو استحاضة؛ لأن الأربعين للنفاس كالعشرة ~~للحيض ثم الزيادة على العشرة في الحيض استحاضة فكذا الزيادة على الأربعين ~~في النفاس. # (وأما) صاحبة العادة في النفاس إذا رأت زيادتها على ms0092 عادتها فإن كانت ~~عادتها أربعين فالزيادة استحاضة لما مر، وإن كانت دون الأربعين فما زاد ~~يكون نفاسا إلى الأربعين فإن زاد على الأربعين ترد إلى عادتها فتكون عادتها ~~نفاسا، وما زاد عليها يكون استحاضة، ثم يستوي الجواب فيما إذا كان ختم ~~عادتها بالدم، أو بالطهر عند أبي يوسف وعند محمد إن كان ختم عادتها بالدم ~~فكذلك. # وأما إذا كان بالطهر، فلا، لأن أبا يوسف يرى ختم الحيض، والنفاس بالطهر ~~إذا كان بعده دم، ومحمد لا يرى ذلك، وبيانه ما ذكر في الأصل إذا كانت ~~عادتها في النفاس ثلاثين يوما فانقطع دمها على رأس عشرين يوما، وطهرت عشرة ~~أيام تمام عادتها فصلت، وصامت ثم عاودها الدم، واستمر بها حتى جاوز ~~الأربعين ذكر أنها مستحاضة فيما زاد على الثلاثين، ولا يجزيها صومها في ~~العشرة التي صامت فيلزمها القضاء قال الحاكم الشهيد: هذا على مذهب أبي يوسف ~~يستقيم فأما على مذهب محمد ففيه نظر، لأن أبا يوسف # PageV01P042 # يرى ختم النفاس بالطهر إذا كان بعده دم فيمكن جعل الثلاثين نفاسا لها ~~عنده. # وإن كان ختمها بالطهر، ومحمد لا يرى ختم النفاس، والحيض بالطهر فنفاسها ~~في هذا الفصل عنده عشرون يوما فلا يلزمها قضاء ما صامت في العشرة الأيام ~~بعد العشرين، والله أعلم، وما تراه النفساء من الدم بين الولادتين فهو دم ~~صحيح في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف وعند محمد، وزفر فاسد بناء على أن المرأة ~~إذا ولدت، وفي بطنها ولد آخر فالنفاس من الولد الأول عند أبي حنيفة، وأبي ~~يوسف وعند محمد، وزفر من الولد الثاني، وانقضاء العدة بالولد الثاني ~~بالإجماع وجه قول محمد، وزفر أن النفاس يتعلق بوضع ما في البطن كانقضاء ~~العدة فيتعلق بالولد الأخير كانقضاء العدة، وهذا لأنها بعد حبلى، وكما لا ~~يتصور انقضاء عدة الحمل بدون وضع الحمل لا يتصور وجود النفاس من الحبلى، ~~لأن النفاس بمنزلة الحيض، ولأن النفاس مأخوذ من تنفس الرحم ولا يتحقق ذلك ~~على الكمال إلا بوضع الولد الثاني فكان الموجود قبل وضع الولد الثاني ms0093 نفاسا ~~من وجه دون وجه، فلا تسقط الصلاة عنها بالشك كما إذا ولدت ولدا واحدا وخرج ~~بعضه دون البعض، ولأبي حنيفة، وأبي يوسف أن النفاس إن كان دما يخرج عقيب ~~النفس فقد وجد بولادة الأول، وإن كان دما يخرج بعد تنفس الرحم فقد وجد أيضا ~~بخلاف انقضاء العدة، لأن ذلك يتعلق بفراغ الرحم ولم يوجد، والنفاس يتعلق ~~بتنفس الرحم، أو بخروج النفس وقد وجد أو يقول: بقاء الولد في البطن لا ~~ينافي النفاس لانفتاح فم الرحم فأما الحيض من الحبلى فممتنع لانسداد فم ~~الرحم، والحيض اسم لدم يخرج من الرحم فكان الخارج دم عرق لا دم رحم. # (وأما) قولهما وجد تنفس الرحم من وجه دون وجه فممنوع بل وجد على سبيل ~~الكمال لوجود خروج الولد بكماله بخلاف ما إذا خرج بعض الولد، لأن الخارج ~~منه إن كان أقله لم تصر نفساء حتى قالوا: يجب عليها أن تصلي، وتحفر لها ~~حفيرة، لأن النفاس يتعلق بالولادة ولم يوجد لأن الأقل يلحق بالعدم بمقابلة ~~الأكثر فأما إذا كان الخارج أكثره فالمسألة ممنوعة، أو هي على هذا الاختلاف ~~فأما فيما نحن فيه فقد وجدت الولادة على طريق الكمال فالدم الذي يعقبه يكون ~~نفاسا ضرورة والسقط إذا استبان بعض خلقه فهو مثل الولد التام يتعلق به ~~أحكام الولادة من انقضاء العدة، وصيرورة المرأة نفساء لحصول العلم بكونه ~~ولدا مخلوقا عن الذكر، والأنثى بخلاف ما إذا لم يكن استبان من خلقه شيء ~~لأنا لا ندري ذاك هو المخلوق من مائهما، أو دم جامد، أو شيء من الأخلاط ~~الردية استحال إلى صورة لحم، فلا يتعلق به شيء من أحكام الولادة. # (وأما) أحوال الدم فنقول: الدم قد يدر درورا متصلا وقد يدر مرة، وينقطع ~~أخرى، ويسمى الأول استمرارا متصلا، والثاني منفصلا (أما) الاستمرار المتصل ~~فحكمه ظاهر، وهو أن ينظر إن كانت المرأة مبتدأة فالعشرة من أول ما رأت حيض، ~~والعشرون بعد ذلك طهرها هكذا إلى أن يفرج الله عنها، وإن كانت صاحبة عادة ~~فعادتها في الحيض حيضها، وعادتها ms0094 في الطهر طهرها، وتكون مستحاضة في أيام ~~طهرها. # (وأما) الاستمرار المنفصل فهو أن ترى المرأة مرة دما ومرة طهرا هكذا ~~فنقول: لا خلاف في أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان خمسة عشر يوما ~~فصاعدا يكون فاصلا بين الدمين، ثم بعد ذلك إن أمكن أن يجعل أحد الدمين حيضا ~~يجعل ذلك حيضا، وإن أمكن جعل كل واحد منهما حيضا يجعل حيضا، وإن كان لا ~~يمكن أن يجعل أحدهما حيضا لا يجعل شيء من ذلك حيضا، وكذا لا خلاف بين ~~أصحابنا في أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من ثلاثة أيام لا يكون ~~فاصلا بين الدمين، وإن كان أكثر من الدمين، واختلفوا فيما بين ذلك، وعن أبي ~~حنيفة فيه أربع روايات روى أبو يوسف عنه أنه قال الطهر المتخلل بين الدمين ~~إذا كان أقل من خمسة عشر يوما يكون طهرا فاسدا ولا يكون فاصلا بين الدمين ~~بل يكون كله كدم متوال، ثم يقدر ما ينبغي أن يجعل حيضا يجعل حيضا، والباقي ~~يكون استحاضة وروى محمد عن أبي حنيفة أن الدم إذا كان في طرفي العشرة ~~فالطهر المتخلل بينهما لا يكون فاصلا، ويجعل كله كدم متوال، وإن لم يكن ~~الدم في طرفي العشرة كان الطهر فاصلا بين الدمين ثم بعد ذلك إن أمكن أن ~~يجعل أحد الدمين حيضا يجعل ذلك حيضا، وإن أمكن أن يجعل كل واحد منهما حيضا ~~يجعل أسرعهما حيضا، وهو أولهما، وإن لم يمكن جعل أحدهما حيضا لا يجعل شيء ~~من ذلك حيضا وروى عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة أن الدم إذا كان في ~~طرفي العشرة، وكان بحال لو جمعت الدماء المتفرقة تبلغ # PageV01P043 # حيضا لا يصير الطهر فاصلا بين الدمين. # ويكون كله حيضا، وإن كان بحال لو جمع لا يبلغ حيضا يصير فاصلا بين الدمين ~~ثم ينظر إن أمكن أن يجعل أحد الدمين حيضا يجعل ذلك حيضا، وإن أمكن أن يجعل ~~كل واحد منهما حيضا يجعل أسرعهما حيضا، وإن لم يمكن أن يجعل أحدهما حيضا ms0095 ~~ولا يجعل شيء من ذلك حيضا. # وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من ~~ثلاثة أيام لا يكون فاصلا بين الدمين، وكله بمنزلة المتوالي، وإذا كان ~~ثلاثة أيام كان فاصلا بينهما، ثم ينظر إن أمكن أن يجعل أحد الدمين حيضا ~~جعل، وإن أمكن أن يجعل كل واحد منهما حيضا يجعل أسرعهما، وإن لم يمكن أن ~~يجعل شيء من ذلك حيضا لا يجعل حيضا، واختار محمد لنفسه في كتاب الحيض مذهبا ~~فقال: الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من ثلاثة أيام لا يعتبر فاصلا، ~~وإن كان أكثر من الدمين، ويكون بمنزلة الدم المتوالي، وإذا كان ثلاثة أيام ~~فصاعدا فهو طهر كثير فيعتبر لكن ينظر بعد ذلك إن كان الطهر مثل الدمين، أو ~~أقل من الدمين في العشرة لا يكون فاصلا، وإن كان أكثر من الدمين يكون ~~فاصلا، ثم ينظر إن أمكن أن يجعل أحدهما حيضا جعل، وإن أمكن أن يجعل كل واحد ~~منهما حيضا يجعل أسرعهما حيضا، وإن لم يمكن أن يجعل أحدهما حيضا لا يجعل ~~شيء من ذلك حيضا، وتقرير هذه الأقوال، وتفسيرها يذكر في كتاب الحيض إن شاء ~~الله تعالى. # (وأما) حكم الحيض والنفاس فمنع جواز الصلاة، والصوم، وقراءة القرآن، ومس ~~المصحف إلا بغلاف، ودخول المسجد، والطواف بالبيت لما ذكرنا في الجنب إلا أن ~~الجنب يجوز له أداء الصوم مع الجنابة ولا يجوز للحائض، والنفساء لأن الحيض، ~~والنفاس أغلظ من الحدث، أو بأن النص غير معقول المعنى، وهو قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - «تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي» ، أو ثبت معلولا ~~بدفع الحرج؛ لأن درور الدم يضعفهن مع أنهن خلقن ضعيفات في الجبلة فلو كلفن ~~بالصوم لا يقدرن على القيام به إلا بحرج، وهذا لا يوجد في الجنابة، ولهذا ~~الجنب يقضي الصلاة، والصوم، وهن لا يقضين الصلاة، لأن الحيض يتكرر في كل ~~شهر ثلاثة أيام إلى العشرة فيجتمع عليها صلوات كثيرة فتحرج في قضائها ولا ~~حرج في قضاء صيام ms0096 ثلاثة أيام أو عشرة أيام في السنة، وكذا يحرم القربان في ~~حالتي الحيض، والنفاس ولا يحرم قربان المرأة التي أجنبت لقوله تعالى ~~{فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] ، ومثل ~~هذا لم يرد في الجنابة بل وردت الإباحة بقوله تعالى {فالآن باشروهن وابتغوا ~~ما كتب الله لكم} [البقرة: 187] أي: الولد فقد أباح المباشرة، وطلب الولد، ~~وذلك بالجماع مطلقا عن الأحوال. # (وأما) حكم الاستحاضة فالمستحاضة حكمها حكم الطاهرات غير أنها تتوضأ لوقت ~~كل صلاة على ما بينا. ### | [فصل في التيمم] # (فصل) : # وأما التيمم فالكلام في التيمم يقع في مواضع في بيان جوازه، وفي بيان ~~معناه لغة، وشرعا، وفي بيان ركنه، وفي بيان كيفيته، وفي بيان شرائط الركن، ~~وفي بيان ما يتيمم به، وفي بيان وقت التيمم، وفي بيان صفة التيمم، وفي بيان ~~ما يتيمم منه، وفي بيان ما ينقضه. # (أما) الأول، فلا خلاف في أن التيمم من الحدث جائز عرف جوازه بالكتاب، ~~والسنة، والإجماع أما الكتاب فقوله تعالى {وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء ~~أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} ~~[المائدة: 6] وقيل: إن الآية نزلت في غزوة ذات الرقاع نزل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - للتعريس فسقط من عائشة - رضي الله عنها - قلادة لأسماء - ~~رضي الله عنها - فلما ارتحلوا ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فبعث رجلين في طلبها فأقام ينتظرهما فعدم الناس الماء، وحضرت صلاة الفجر ~~فأغلظ أبو بكر - رضي الله عنه - على عائشة - رضي الله عنها - وقال لها: ~~حبست المسلمين فنزلت الآية فقال أسيد بن حضير يرحمك الله يا عائشة ما نزل ~~بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه فرجا. # وأما السنة فلما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «التيمم ~~وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء أو يحدث» وقال: - صلى الله ~~عليه وسلم - «جعلت لي الأرض مسجدا، وطهورا أينما أدركتني الصلاة تيممت، ~~وصليت» . # وروي عنه أنه قال ms0097 «التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء» ، وعليه إجماع ~~الأمة، واختلف الصحابة في جوازه من الجنابة فقال علي، وعبد الله بن عباس - ~~رضي الله عنهما - جائز وقال عمر - رضي الله عنه -، وعبد الله بن مسعود لا ~~يجوز وقال الضحاك رجع ابن مسعود عن هذا. # وحاصل # PageV01P044 # اختلافهم راجع إلى تأويل قوله تعالى في آية التيمم {أو لامستم النساء} ~~[المائدة: 6] ، أو لمستم فعلي، وابن عباس أولا ذلك بالجماع وقالا: كنى الله ~~تعالى عن الوطء بالمسيس، والغشيان، والمباشرة، والإفضاء، والرفث، وعمر، ~~وابن مسعود أولاه بالمس باليد فلم يكن الجنب داخلا في هذه الآية فبقي الغسل ~~واجبا عليه بقوله {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] ، وأصحابنا أخذوا ~~بقول علي، وابن عباس لموافقة الأحاديث المروية عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه «قال: للجنب من الجماع أن يتيمم إذا لم يجد الماء» ، وعن أبي ~~هريرة أن «رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال يا رسول الله: ~~إنا قوم نسكن الرمال ولا نجد الماء شهرا، أو شهرين، وفينا الجنب، والنفساء، ~~والحائض فكيف نصنع فقال: - صلى الله عليه وسلم - عليكم بالأرض، وفي رواية ~~عليكم بالصعيد» ، وكذا حديث عمار - رضي الله عنه - وغيره على ما نذكره ~~ويجوز التيمم من الحيض والنفاس لما روينا من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه ~~- ولأنهما بمنزلة الجنابة فكان ورود النص في الجنابة ورودا فيهما دلالة، ~~وللمسافر أن يجامع امرأته، وإن كان لا يجد الماء وقال مالك يكره وجه قوله ~~أن جواز التيمم للجنب اختلف فيه كبار الصحابة - رضي الله عنهم - فكان ~~الجماع اكتسابا لسبب وقوع الشك في جواز الصلاة فيكره. # (ولنا) ما روي عن أبي مالك الغفاري - رضي الله عنه - أنه قال: «قلت: ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - أأجامع امرأتي، وأنا لا أجد الماء فقال جامع ~~امرأتك، وإن كنت لا تجد الماء إلى عشر حجج فإن التراب كافيك» . # (وأما) بيان معناه فالتيمم في اللغة القصد يقال: تيمم، ويمم إذا قصد، ~~ومنه قول الشاعر # وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما ms0098 يليني # أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني # قوله: يممت أي: قصدت، وفي عرف الشرع عبارة عن استعمال الصعيد في عضوين ~~مخصوصين على قصد التطهير بشرائط مخصوصة نذكرها في مواضعها إن شاء الله ~~تعالى. ### | [فصل أركان التيمم] # (فصل) : # وأما ركنه فقد اختلف فيه قال أصحابنا: هو ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين ~~إلى المرفقين وهو أحد قولي الشافعي وفي قوله الآخر وهو قول مالك ضربة للوجه ~~وضربة لليدين إلى الرسغين وقال الزهري: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الآباط ~~وقال ابن أبي ليلى: ضربتان يمسح بكل واحدة منهما الوجه، والذراعين جميعا ~~وقال ابن سيرين: ثلاث ضربات ضربة للوجه وضربة للذراعين وضربة أخرى لهما ~~جميعا وقال بعض الناس: هو ضربة واحدة يستعملها في وجهه، ويديه، وحجتهم ظاهر ~~قوله تعالى {فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] ~~أمر بالتيمم، وفسره بمسح الوجه، واليدين بالصعيد مطلقا عن شرط الضربة، ~~والضربتين فيجري على إطلاقه، وبه يحتج الزهري فيقول: إن الله تعالى أمر ~~بمسح اليد، واليد اسم لهذه الجارحة من رءوس الأصابع إلى الآباط ولولا ذكر ~~المرافق غاية للأمر بالغسل في باب الوضوء لوجب غسل هذا المحدود، والغاية ~~ذكرت في الوضوء دون التيمم. # واحتج مالك، والشافعي بما روي «أن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - أجنب ~~فتمعك في التراب فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما علمت أنه ~~يكفيك الوجه، والكفان» . # (ولنا) الكتاب، والسنة أما الكتاب فقوله تعالى {فتيمموا صعيدا طيبا ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة: 6] والآية حجة على مالك، والشافعي، ~~لأن الله تعالى أمر بمسح اليد، فلا يجوز التقييد بالرسغ إلا بدليل وقد قام ~~دليل التقييد بالمرفق، وهو أن المرفق جعل غاية للأمر بالغسل، وهو الوضوء، ~~والتيمم بدل عن الوضوء، والبدل لا يخالف المبدل فذكر الغاية هناك يكون ذكرا ~~ههنا دلالة، وهو الجواب عن قول من يقول: إن التيمم ضربة واحدة لأن النص لم ~~يتعرض للتكرار لأن النص إن كان لم يتعرض للتكرار أصلا نصا فهو متعرض له ~~دلالة؛ لأن التيمم ms0099 خلف عن الوضوء ولا يجوز استعمال ماء واحد في عضوين في ~~الوضوء فلا يجوز استعمال تراب واحد في عضوين في التيمم، لأن الخلف لا يخالف ~~الأصل، وكذا هي حجة على ابن أبي ليلى، وابن سيرين، لأن الله تعالى أمر بمسح ~~الوجه، واليدين فيقتضي وجود فعل المسح على كل واحد منهما مرة واحدة، لأن ~~الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، وفيما قالاه تكرار فلا تجوز الزيادة على ~~الكتاب إلا بدليل صالح للزيادة (وأما) السنة فما # PageV01P045 # روي عن جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين» ، والحديث حجة ~~على الكل، وأما حديث عمار ففيه تعارض، لأنه روي في رواية أخرى أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال «يكفيك ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى ~~المرفقين» ، والمتعارض لا يصلح حجة. ### | [فصل في كيفية التيمم] # (فصل) : # وأما كيفية التيمم فذكر أبو يوسف في الأمالي قال: سألت أبا حنيفة عن ~~التيمم فقال: التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، فقلت ~~له: كيف هو؟ فضرب بيديه على الأرض فأقبل بهما، وأدبر، ثم نفضهما، ثم مسح ~~بهما وجهه، ثم أعاد كفيه على الصعيد ثانيا فأقبل بهما، وأدبر، ثم نفضهما، ~~ثم مسح بذلك ظاهر الذراعين، وباطنهما إلى المرفقين. # وقال بعض مشايخنا: ينبغي أن يمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده ~~اليمنى من رءوس الأصابع إلى المرفق، ثم يمسح بكفه اليسرى دون الأصابع باطن ~~يده اليمنى من المرفق إلى الرسغ، ثم يمر بباطن إبهامه اليسرى على ظاهر ~~إبهامه اليمنى، ثم يفعل باليد اليسرى كذلك وقال بعضهم: يمسح بالضربة ~~الثانية بباطن كفه اليسرى مع الأصابع ظاهر يده اليمنى إلى المرفق، ثم يمسح ~~به أيضا باطن يده اليمنى إلى أصل الإبهام، ثم يفعل بيده اليسرى كذلك ولا ~~يتكلف، والأول أقرب إلى الاحتياط لما فيه من الاحتراز عن استعمال التراب ~~المستعمل بالقدر الممكن؛ لأن التراب الذي على اليد يصير مستعملا بالمسح، ~~حتى لا يتأدى فرض الوجه، واليدين بمسحة واحدة ms0100 بضربة واحدة، ثم ذكر في ظاهر ~~الرواية أنه ينفضهما نفضة. # وروي عن أبي يوسف أنه ينفضهما نفضتين، وقيل: إن هذا لا يوجب اختلافا؛ لأن ~~المقصود من النفض تناثر التراب صيانة عن التلوث الذي يشبه المثلة، إذ ~~التعبد ورد بمسح كف مسه التراب على العضوين لا تلويثهما به، فلذلك ينفضهما، ~~وهذا الغرض قد يحصل بالنفض مرة وقد لا يحصل إلا بالنفض مرتين على قدر ما ~~يلتصق باليدين من التراب؛ فإن حصل المقصود بنفضة واحدة اكتفى بها، وإن لم ~~يحصل نفض نفضتين. # (وأما) استيعاب العضوين بالتيمم فهل هو من تمام الركن؟ لم يذكره في الأصل ~~نصا، لكنه ذكر ما يدل عليه، فإنه قال: إذا ترك ظاهر كفيه لم يجزه، ونص ~~الكرخي أنه إذا ترك شيئا من مواضع التيمم قليلا، أو كثيرا لا يجوز، وذكر ~~الحسن في المجرد عن أبي حنيفة أنه إذا يمم الأكثر جاز. # وجه رواية الحسن أن هذا مسح، فلا يجب فيه الاستيعاب كمسح الرأس ما ذكر في ~~الأصل أن الأمر بالمسح في باب التيمم تعلق باسم الوجه، واليد، وأنه يعم ~~الكل، ولأن التيمم بدل عن الوضوء، والاستيعاب في الأصل من تمام الركن، فكذا ~~في البدل، وعلى ظاهر الرواية يلزم تخليل الأصابع ونزع الخاتم، ولو ترك لم ~~يجز، وعلى رواية الحسن لا يلزم، ويجوز، ويمسح المرفقين مع الذراعين عند ~~أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر حتى أنه لو كان مقطوع اليدين من المرفق يمسح ~~موضع القطع عندنا خلافا له، والكلام فيه كالكلام في الوضوء وقد مر، والله ~~أعلم. ### | [فصل في شرائط ركن التيمم] # (فصل) : # وأما شرائط الركن فأنواع منها: أن لا يكون واجدا للماء قدر ما يكفي ~~الوضوء أو الغسل في الصلاة التي تفوت إلى خلف، وما هو من أجزاء الصلاة ~~لقوله تعالى {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة: 6] شرط عدم ~~وجدان الماء لجواز التيمم وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «التيمم وضوء ~~المسلم ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء، أو يحدث» جعله وضوء المسلم إلى ~~غاية وجود الماء، ms0101 أو الحدث؛، والممدود إلى غاية ينتهي عند وجود الغاية ولا ~~وجود للشيء مع وجود ما ينتهي وجوده عند وجوده وقال - صلى الله عليه وسلم - ~~«التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء أو يحدث» ، ولأنه بدل، ووجود الأصل ~~يمنع المصير إلى البدل، ثم عدم الماء نوعان: عدم من حيث الصورة، والمعنى، ~~وعدم من حيث المعنى لا من حيث الصورة. # (أما) العدم من حيث الصورة والمعنى فهو أن يكون الماء بعيدا، عنه ولم ~~يذكر حد البعد في ظاهر الرواية. # وروي عن محمد أنه قدره بالميل، وهو أن يكون ميلا فصاعدا، فإن كان أقل من ~~ميل لم يجز التيمم، والميل ثلث فرسخ وقال الحسن بن زياد: من تلقاء نفسه إن ~~كان الماء أمامه يعتبر ميلين، وإن كان يمنة، أو يسرة يعتبر ميلا واحدا ~~وبعضهم فصل بين المقيم، والمسافر، فقالوا: إن كان مقيما يعتبر قدر ميل ~~كيفما كان، وإن كان مسافرا، والماء على يمينه أو يساره فكذلك، وإن كان ~~أمامه يعتبر ميلين. # وروي عن # PageV01P046 # أبي يوسف أنه إن كان الماء بحيث لو ذهب إليه لا تنقطع عنه جلبة العير، ~~ويحس أصواتهم، أو أصوات الدواب فهو قريب، وإن كان يغيب عنه ذلك فهو بعيد ~~وقال بعضهم: إن كان بحيث يسمع أصوات أهل الماء فهو قريب، وإن كان لا يسمع ~~فهو بعيد، وكذا ذكر الكرخي وقال بعضهم: قدر فرسخ. # وقال بعضهم: مقدار ما لا يسمع الأذان وقال بعضهم: إذا خرج من المصر مقدار ~~ما لا يسمع لو نودي من أقصى المصر فهو بعيد، وأقرب الأقاويل اعتبار الميل؛ ~~لأن الجواز لدفع الحرج. # وإليه وقعت الإشارة في آية التيمم، وهو قوله تعالى على أثر الآية ما يريد ~~الله ليجعل عليكم في الدين من حرج ولكن يريد ليطهركم ولا حرج فيما دون ~~الميل فأما الميل فصاعدا، فلا يخلو عن حرج، وسواء خرج من المصر للسفر، أو ~~لأمر آخر. # وقال بعض الناس: " لا يتيمم إلا أن يكون قصد سفرا " وأنه ليس بسديد، لأن ~~ما له ثبت الجواز، وهو دفع الحرج ms0102 لا يفصل بين المسافر، وغيره، هذا إذا كان ~~علم ببعد الماء بيقين، أو بغلبة الرأي أو أكبر الظن، أو أخبره بذلك رجل ~~عدل. # وأما إذا علم أن الماء قريب منه إما قطعا أو ظاهرا، أو أخبره عدل بذلك لا ~~يجوز له التيمم؛ لأن شرط جواز التيمم لم يوجد، وهو عدم الماء، ولكن يجب ~~عليه الطلب. # هكذا روي عن محمد أنه قال إذا كان الماء على ميل فصاعدا لم يلزمه طلبه، ~~وإن كان أقل من ميل أتيت الماء، وإن طلعت الشمس. # هكذا روى الحسن عن أبي حنيفة ولا يبلغ بالطلب ميلا، وروي عن محمد أنه ~~يبلغ به ميلا، فإن طلب أقل من ذلك لم يجز التيمم، وإن خاف فوت الوقت،، وهو ~~رواية عن أبي حنيفة، والأصح أنه يطلب قدر ما لا يضر بنفسه، ورفقته ~~بالانتظار، وكذلك إذا كان بقرب من العمران يجب عليه الطلب، حتى لو تيمم ~~وصلى ثم ظهر الماء لم تجز صلاته لأن العمران لا يخلو عن الماء ظاهرا، ~~وغالبا، والظاهر ملحق بالمتيقن، وفي الأحكام ولو كان بحضرته رجل يسأله عن ~~قرب الماء فلم يسأله، حتى تيمم وصلى، ثم سأله فإن لم يخبره بقرب الماء ~~فصلاته ماضية، وإن أخبره بقرب الماء توضأ، وأعاد الصلاة؛ لأنه تبين أن ~~الماء بقرب منه ولو سأله لأخبره فلم يوجد الشرط، وهو عدم الماء، وإن سأله ~~في الابتداء فلم يخبره، حتى تيمم، وصلى ثم أخبره بقرب الماء لا يجب عليه ~~إعادة الصلاة؛ لأن المتعنت لا قول له، فإن لم يكن بحضرته أحد يخبره بقرب ~~الماء ولا غلب على ظنه أيضا قرب الماء لا يجب عليه الطلب عندنا وقال ~~الشافعي: يجب عليه أن يطلب عن يمين الطريق، ويساره قدر غلوة، حتى لو تيمم، ~~وصلى قبل الطلب، ثم ظهر أن الماء قريب منه فصلاته ماضية عندنا، وعنده لم ~~تجز، واحتج بقوله تعالى {فلم تجدوا ماء} [المائدة: 6] وهذا يقتضي سابقية ~~الطلب، فكان الطلب شرطا، وصار كما لو كان في العمران. # (ولنا) أن الشرط عدم الماء وقد تحقق ms0103 من حيث الظاهر، إذ المفازة مكان عدم ~~الماء غالبا بخلاف العمران. # وقوله: " الوجود يقتضي سابقية الطلب من الواجد " ممنوع، ألا ترى إلى قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «من وجد لقطة فليعرفها» ولا طلب من الملتقط؛ ~~ولأن الطلب لا يفيد إذا لم يكن على طمع من وجود الماء، والكلام فيه،، وربما ~~ينقطع عن أصحابه فيلحقه الضرر، فلا يجب عليه الطلب ولكن يستحب له ذلك إذا ~~كان على طمع من وجود الماء، فإن أبا يوسف قال في الأمالي: سألت أبا حنيفة ~~عن المسافر لا يجد الماء أيطلب عن يمين الطريق، ويساره؟ قال: إن طمع في ذلك ~~فليفعل ولا يبعد فيضر بأصحابه إن انتظروه أو بنفسه إن انقطع عنهم، ثم ما ~~ذكرنا من اعتبار البعد، والقرب مذهب أصحابنا الثلاثة فأما على مذهب زفر فلا ~~عبرة للبعد، والقرب في هذا الباب بل العبرة للوقت بقاء، وخروجا، فإن كان ~~يصل إلى الماء قبل خروج الوقت لا يجزيه التيمم، وإن كان الماء بعيدا، وإن ~~كان لا يصل إليه قبل خروج الوقت يجزئه التيمم، وإن كان الماء قريبا، ~~والمسألة نذكرها بعد شاء الله تعالى. # (وأما) العدم من حيث المعنى لا من حيث الصورة فهو أن يعجز عن استعمال ~~الماء لمانع مع قرب الماء منه، نحو ما إذا كان على رأس البئر ولم يجد آلة ~~الاستقاء فيباح له التيمم؛ لأنه إذا عجز عن استعمال الماء لم يكن واجدا له ~~من حيث المعنى، فيدخل تحت النص، وكذا إذا كان بينه وبين الماء عدو أو لصوص، ~~أو سبع، أو حية يخاف على نفسه الهلاك إذا أتاه؛ لأن إلقاء النفس في التهلكة ~~حرام فيتحقق العجز عن استعمال الماء، وكذا إذا كان معه ماء، وهو يخاف على ~~نفسه العطش لأنه مستحق الصرف إلى العطش، والمستحق كالمصروف فكان عادما ~~للماء معنى. # وسئل # PageV01P047 # نصر بن يحيى عن ماء موضوع في الفلاة في الجب، أو نحو ذلك أيكون للمسافر ~~أن يتيمم أو يتوضأ به؟ قال: يتيمم ولا يتوضأ به؛ لأنه لم يوضع للوضوء، ~~وإنما ms0104 وضع للشرب؛ إلا أن يكون كثيرا فيستدل بكثرته على أنه وضع للشرب، ~~والوضوء جميعا فيتوضأ به ولا يتيمم، وكذا إذا كان به جراحة، أو جدري أو مرض ~~يضره استعمال الماء فيخاف زيادة المرض باستعمال الماء يتيمم عندنا وقال ~~الشافعي: لا يجوز التيمم، حتى يخاف التلف وجه قوله أن العجز عن استعمال ~~الماء شرط جواز التيمم ولا يتحقق العجز إلا عند خوف الهلاك. # (ولنا) قوله تعالى {وإن كنتم مرضى أو على سفر} [المائدة: 6] إلى قوله ~~{فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة: 6] أباح التيمم للمريض مطلقا من غير فصل ~~بين مرض، ومرض، إلا أن المرض الذي لا يضر معه استعمال الماء ليس بمراد فبقي ~~المرض الذي يضر معه استعمال الماء مرادا بالنص. # وروي أن «واحدا من الصحابة - رضي الله عنهم - أجنب، وبه جدري فاستفتى ~~أصحابه فأفتوه بالاغتسال، فاغتسل، فمات، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: قتلوه قتلهم الله هلا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء ~~العي السؤال، كان يكفيه التيمم» ، وهذا نص؛ ولأن زيادة المرض سبب الموت، ~~وخوف الموت مبيح فكذا خوف سبب الموت؛ لأنه خوف الموت بواسطة. # والدليل عليه أنه أثر في إباحة الإفطار، وترك القيام بلا خلاف، فههنا ~~أولى؛ لأن القيام ركن في باب الصلاة، والوضوء شرط، فخوف زيادة المرض لما ~~أثر في إسقاط الركن فلأن يؤثر في إسقاط الشرط أولى ولو كان مريضا لا يضره ~~استعمال الماء لكنه عاجز عن الاستعمال بنفسه وليس له خادم ولا مال يستأجر ~~به أجيرا فيعينه على الوضوء أجزأه التيمم، سواء كان في المفازة؛ أو في ~~المصر، وهو ظاهر المذهب؛ لأن العجز متحقق، والقدرة موهومة فوجد شرط الجواز. # وروي عن محمد أنه إن كان في المصر لا يجزيه إلا أن يكون مقطوع اليد؛ لأن ~~الظاهر أنه يجد أحدا من قريب، أو بعيد يعينه، وكذا العجز لعارض على شرف ~~الزوال بخلاف مقطوع اليدين، ولو أجنب في ليلة باردة يخاف على نفسه الهلاك ~~لو اغتسل ولم يقدر على تسخين الماء ولا على أجرة الحمام في ms0105 المصر أجزأه ~~التيمم في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف، ومحمد: إن كان في المصر لا يجزئه. # وجه قولهما أن الظاهر في المصر وجود الماء المسخن، والدفء فكان العجز ~~نادرا فكان ملحقا بالعدم، ولأبي حنيفة ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «أنه بعث سرية، وأمر عليهم عمرو بن العاص - رضي الله عنه - وكان ذلك ~~في غزوة ذات السلاسل فلما رجعوا شكوا منه أشياء من جملتها أنهم قالوا: صلى ~~بنا، وهو جنب، فذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك له فقال: يا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أجنبت في ليلة باردة فخفت على نفسي الهلاك لو ~~اغتسلت فذكرت ما قال الله تعالى {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} ~~[النساء: 29] فتيممت، وصليت بهم، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: ألا ترون صاحبكم كيف نظر لنفسه ولكم» ولم يأمره بالإعادة ولم يستفسره ~~إنه كان في مفازة، أو مصر، ولأنه علل فعله بعلة عامة، وهي خوف الهلاك ورسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - استصوب ذلك منه، والحكم يتعمم بعموم العلة ~~وقولهما: " إن العجز في المصر نادر " فالجواب عنه أنه في حق الفقراء ~~الغرباء ليس بنادر، على أن الكلام فيما إذا تحقق العجز من كل وجه، حتى لو ~~قدر على الاغتسال بوجه من الوجوه لا يباح له التيمم ولو كان مع رفيقه ماء ~~فإن لم يعلم به لا يجب عليه الطلب عندنا، وعند الشافعي يجب على ما ذكرنا، ~~وإن علم به، ولكن لا ثمن له فكذلك عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف: عليه ~~السؤال. # وجه قوله أن الماء مبذول في العادة لقلة خطره فلم يعجز عن الاستعمال، ~~ولأبي حنيفة أن العجز متحقق، والقدرة موهومة؛ لأن الماء من أعز الأشياء في ~~السفر، فالظاهر عدم البذل، فإن سأله فلم يعطه أصلا أجزأه التيمم؛ لأن العجز ~~قد تقرر، وكذا إن كان يعطيه بالثمن ولا ثمن له لما قلنا، وإن كان له ثمن ~~ولكن لا يبيعه إلا بغبن فاحش يتيمم ولا ms0106 يلزمه الشراء عند عامة العلماء وقال ~~الحسن البصري: يلزمه الشراء ولو بجميع ماله؛ لأن هذه تجارة رابحة. # (ولنا) أنه عجز عن استعمال الماء إلا بإتلاف شيء من ماله لأن ما زاد على ~~ثمن المثل لا يقابله عوض، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه، قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» ، ولهذا أبيح له القتال دون ~~ماله كما أبيح له دون نفسه، ثم خوف فوات بعض النفس مبيح للتيمم فكذا فوات ~~بعض المال # PageV01P048 # بخلاف الغبن اليسير فإن تلك الزيادة غير معتبرة لما يذكر، ثم قدر الغبن ~~الفاحش في هذا الباب مقدر بتضعيف الثمن، وذكر في النوادر فقال: إن كان ~~الماء يشترى في ذلك الموضع بدرهم، وهو لا يبيعه إلا بدرهم، ونصف يلزمه ~~الشراء، وإن كان لا يبيع إلا بدرهمين لا يلزمه، وإن كان يبيعه بثمن المثل ~~في ذلك الموضع يلزمه الشراء؛ لأنه قدر على استعمال الماء بالقدرة على بدله ~~من غير إتلاف، فلا يجوز له التيمم، كمن قدر على ثمن الرقبة لا يجوز له ~~التكفير بالصوم، وإن كان لا يبيع إلا بغبن يسير فكذلك عند أصحابنا. # وقال الشافعي: لا يلزمه الشراء اعتبارا بالغبن الفاحش، وهذا الاعتبار غير ~~سديد؛ لأن ما لا يتغابن الناس فيه فهو زيادة متيقن بها، لأنها لا تدخل تحت ~~اختلاف المقومين فكانت معتبرة، وما يتغابن الناس فيه يدخل تحت اختلافهم ~~فعند بعضهم هو زيادة، وعند بعضهم ليس بزيادة، فلم تكن زيادة متحققة، فلا ~~تعتبر. # وذكر الكرخي في جامعه أن المصلي إذا رأى مع رفيقه ماء كثيرا ولا يدري ~~أيعطيه أم لا؟ أنه يمضي على صلاته؛ لأن الشروع قد صح، فلا ينقطع بالشك فإذا ~~فرغ من صلاته سأله، فإن أعطاه توضأ، واستقبل الصلاة، لأن البذل بعد الفراغ ~~دليل البذل قبله، وإن أبى فصلاته ماضية؛ لأن العجز قد تقرر، فإن أعطاه بعد ~~ذلك لم ينتقض ما مضى؛ لأن عدم الماء استحكم بالإباء، ويلزمه الوضوء لصلاة ~~أخرى؛ لأن حكم الإباء ارتفض بالبذل وقال محمد في رجلين مع أحدهما ms0107 إناء ~~يغترف به من البئر ووعد صاحبه أن يعطيه الإناء قال: ينتظر، وإن خرج الوقت؛ ~~لأن الظاهر هو الوفاء بالعهد فكان قادرا على استعمال الماء بالوعد، وكان ~~قادرا على استعمال الماء ظاهرا، فيمنع المصير إلى التيمم، وكذا إذا وعد ~~الكاسي العاري أن يعطيه الثوب إذا فرغ من صلاته لم تجزه الصلاة عريانا لما ~~قلنا، وعلى هذا الأصل يخرج مسافر تيمم، وفي رحله ماء لم يعلم به، حتى صلى، ~~ثم علم به أجزأه في قول أبي حنيفة، ومحمد ولا يلزمه الإعادة. # وقال أبو يوسف لم يجزه، ويلزمه الإعادة، وهو قول الشافعي، وأجمعوا على ~~أنه لو صلى في ثوب نجس ناسيا، أو توضأ بماء نجس ناسيا، ثم تذكره لا يجزئه، ~~وتلزمه الإعادة لأبي يوسف وجهان أحدهما أنه نسي ما لا ينسى عادة، لأن الماء ~~من أعز الأشياء في السفر لكونه سببا لصيانة نفسه عن الهلاك فكان القلب ~~متعلقا به فالتحق النسيان فيه بالعدم، والثاني أن الرحل موضع الماء عادة ~~غالبا لحاجة المسافر إليه فكان الطلب واجبا فإذا تيمم قبل الطلب لا يجزئه ~~كما في العمران ولهما أن العجز عن استعمال الماء قد تحقق بسبب الجهالة، ~~والنسيان، فيجوز التيمم كما لو حصل العجز بسبب البعد أو المرض أو عدم ~~الدلو، والرشا وقوله: " نسي ما لا ينسى عادة " ليس كذلك؛ لأن النسيان جبلة ~~في البشر خصوصا إذا مر به أمر يشغله عما وراءه، والسفر محل المشقات، ومكان ~~المخاوف، فنسيان الأشياء فيه غير نادر. # وأما قوله: " الرحل معدن الماء، ومكانه " فليس كذلك، فإن الغالب في الماء ~~الموضوع في الرحل هو النفاذ لقلته، فلا يكون بقاؤه غالبا فيتحقق العجز ~~ظاهرا، بخلاف العمران؛ لأنه لا يخلو عن الماء غالبا ولو صلى عريانا، أو مع ~~ثوب نجس، وفي رحله ثوب طاهر لم يعلم به، ثم علم قال بعض مشايخنا: يلزمه ~~الإعادة بالإجماع، وذكر الكرخي أنه على الاختلاف، وهو الأصح ولو كان عليه ~~كفارة اليمين وله رقبة قد نسيها، وصام قيل: إنه على الاختلاف، والصحيح أنه ~~لا يجوز بالإجماع؛ ms0108 لأن المعتبر ثمة ملك الرقبة، ألا ترى أنه لو عرض عليه ~~رقبة كان له أن لا يقبل، ويكفر بالصوم، وبالنسيان لا ينعدم الملك، وههنا ~~المعتبر هو القدرة على الاستعمال، وبالنسيان زالت القدرة، ألا ترى لو عرض ~~عليه الماء لا يجزئه التيمم؛ ولأن النسيان في هذا الباب في غاية الندرة ~~فكان ملحقا بالعدم، ولو وضع غيره في رحله ماء، وهو لا يعلم به فتيمم وصلى، ~~ثم علم لا رواية لهذا أيضا وقال بعض مشايخنا: إن لفظ الرواية في الجامع ~~الصغير يدل على أنه يجوز بالإجماع، فإنه قال في الرجل يكون في رحله ماء ~~فينسى، والنسيان يستدعي تقدم العلم، ثم مع ذلك جعل عذرا عندهما فبقي موضع ~~لا علم فيه أصلا ينبغي أن يجعل عذرا عند الكل. # ولفظ الرواية في كتاب الصلاة يدل على أنه على الاختلاف، فإنه قال: مسافر ~~تيمم ومعه ماء في رحله، وهو لا يعلم به، وهذا يتناول حالة النسيان، وغيرها. # ولو ظن أن ماءه قد فني فتيمم، وصلى ثم تبين له أنه قد بقي لا يجزئه ~~بالإجماع؛ لأن العلم لا يبطل بالظن فكان الطلب واجبا، بخلاف النسيان؛ لأنه ~~من أضداد العلم ولو كان على رأسه أو ظهره ماء، أو كان معلقا في عنقه فنسيه ~~فتيمم، ثم تذكر لا يجزئه بالإجماع؛ لأن # PageV01P049 # النسيان في مثل هذه الحالة نادر ولو كان الماء معلقا على الإكاف، فلا ~~يخلو إما إن كان راكبا أو سائقا فإن كان راكبا فإن كان الماء في مؤخر الرحل ~~فهو على الاختلاف، وإن كان في مقدم الرحل لا يجوز بالإجماع؛ لأن نسيانه ~~نادر، وإن كان سائقا فالجواب على العكس، وهو أنه إن كان في مؤخر الرحل لا ~~يجوز بالإجماع؛ لأنه يراه، ويبصره فكان النسيان نادرا، وإن كان في مقدم ~~الرحل فهو على الاختلاف. # المحبوس في المصر في مكان طاهر يتيمم، ويصلي، ثم يعيد إذا خرج وروى الحسن ~~عن أبي حنيفة أنه لا يصلي، وهو قول زفر # وروي عن أبي يوسف أنه لا يعيد الصلاة وجه رواية أبي ms0109 يوسف أنه عجز عن ~~استعمال الماء حقيقة بسبب الحبس، فأشبه العجز بسبب المرض، ونحوه، فصار ~~الماء عدما معنى في حقه، فصار مخاطبا بالصلاة بالتيمم، فالقدرة بعد ذلك لا ~~تبطل الصلاة المؤداة كما في سائر المواضع، وكما في المحبوس في السفر، وجه ~~رواية الحسن أنه ليس بعادم للماء حقيقة، وحكما أما، الحقيقة فظاهرة. # وأما الحكم فلأن الحبس إن كان بحق فهو قادر على إزالته بإيصال الحق إلى ~~المستحق، وإن كان بغير حق فالظلم لا يدوم، في دار الإسلام بل يرفع، فلا ~~يتحقق العجز، فلا يكون التراب طهورا في حقه، وجه ظاهر الرواية أن العجز ~~للحال قد تحقق إلا أنه يحتمل الارتفاع، فإنه قادر على رفعه إذا كان بحق، ~~وإن كان بغير حق فكذلك؛ لأن الظلم يدفع وله ولاية الدفع بالرفع إلى من له ~~الولاية فأمر بالصلاة احتياطا لتوجه الأمر بالصلاة بالتيمم؛ لأن احتمال ~~الجواز ثابت؛ لاحتمال أن هذا القدر من العجز يكفي لتوجيه الأمر بالصلاة ~~بالتيمم، وأمر بالقضاء في الثاني؛ لأن احتمال عدم الجواز ثابت؛ لاحتمال أن ~~المعتبر حقيقة القدرة دون العجز الحالي، فيؤمر بالقضاء عملا بالشبهين، ~~وأخذا بالثقة، والاحتياط، وصار كالمقيد أنه يصلي قاعدا، ثم يعيد إذا أطلق، ~~كذا هذا، بخلاف المحبوس في السفر؛ لأن ثمة تحقق العجز من كل وجه؛ لأنه ~~انضاف إلى المنع الحقيقي السفر، والغالب في السفر عدم الماء. # (وأما) المحبوس في مكان نجس لا يجد ماء ولا ترابا نظيفا فإنه لا يصلي عند ~~أبي حنيفة وقال أبو يوسف: يصلي بالإيماء ثم يعيد إذا خرج، وهو قول الشافعي ~~وقول محمد مضطرب، وذكر في عامة الروايات مع أبي حنيفة وفي نوادر أبي سليمان ~~مع أبي يوسف. # وجه قول أبي يوسف أنه إن عجز عن حقيقة الأداء فلم يعجز عن التشبه فيؤمر ~~بالتشبه كما في باب الصوم وقال بعض مشايخنا إنما يصلي بالإيماء على مذهبه ~~إذا كان المكان رطبا، أما إذا كان يابسا فإنه يصلي بركوع، وسجود، والصحيح ~~عنده أنه يومئ كيفما كان؛ لأنه لو سجد لصار مستعملا للنجاسة، ms0110 ولأبي حنيفة ~~أن الطهارة شرط أهلية أداء الصلاة، فإن الله تعالى جعل أهل مناجاته الطاهر ~~لا المحدث، والتشبه إنما يصح من الأهل. # ألا ترى أن الحائض لا يلزمها التشبه في باب الصوم، والصلاة لانعدام ~~الأهلية، بخلاف المسألة المتقدمة؛ لأن هناك حصلت الطهارة من وجه فكان أهلا ~~من وجه فيؤدي الصلاة ثم يقضيها احتياطا مسافر مر بمسجد فيه عين ماء، وهو ~~جنب ولا يجد غيره جاز له التيمم لدخول المسجد؛ لأن الجنابة مانعة من دخول ~~المسجد عندنا على كل حال سواء كان الدخول على قصد المكث أو الاجتياز على ما ~~ذكرنا فيما تقدم فكان عاجزا عن استعمال هذا الماء فكان هذا الماء ملحقا ~~بالعدم في حق جواز التيمم فلا يمنع جواز التيمم، ثم وجود الماء إنما يمنع ~~من جواز التيمم إذا كان القدر الموجود يكفي للوضوء إن كان محدثا،، ~~وللاغتسال إن كان جنبا، فإن كان لا يكفي لذلك فوجوده لا يمنع جواز التيمم ~~عندنا وقال الشافعي: يمنع قليله، وكثيره؛ حتى إن المحدث إذا وجد من الماء ~~قدر ما يغسل بعض أعضاء وضوئه جاز له أن يتيمم عندنا مع قيام ذلك الماء، ~~وعنده لا يجوز مع قيامه، وكذلك الجنب إذا وجد من الماء قدر ما يتوضأ به لا ~~غير أجزأه التيمم عندنا، وعنده لا يجزئه إلا بعد تقديم الوضوء حتى يصير ~~عادما للماء، واحتج بقوله تعالى في آية التيمم {فلم تجدوا ماء} [المائدة: ~~6] ذكر الماء نكرة في محل النفي فيقتضي الجواز عند عدم كل جزء من أجزاء ~~الماء؛، ولأن النجاسة الحكمية، وهي الحدث تعتبر بالنجاسة الحقيقية، ثم لو ~~كان معه من الماء ما يزيل به بعض النجاسة الحقيقية يؤمر بالإزالة كذا هنا. # (ولنا) إن المأمور به الغسل المبيح للصلاة، والغسل الذي لا يبيح الصلاة ~~وجوده، والعدم بمنزلة واحدة كما لو كان الماء نجسا؛ ولأن الغسل إذا لم يفد ~~الجواز كان الاشتغال به سفها مع أن فيه تضييع # PageV01P050 # الماء وأنه حرام فصار كمن وجد ما يطعم به خمسة مساكين فنكفر بالصوم أنه ~~يجوز ms0111 ولا يؤمر بإطعام الخمسة لعدم الفائدة فكذا هذا، بل أولى؛ لأن هناك لا ~~يؤدي إلى تضييع المال لحصول الثواب بالتصدق ومع ذلك لم يؤمر به لما قلنا ~~فههنا أولى، وبه تبين أن المراد من الماء المطلق في الآية هو المقيد، وهو ~~الماء المفيد لإباحة الصلاة عند الغسل به، كما يقيد بالماء الطاهر؛ ولأن ~~مطلق الماء ينصرف إلى المتعارف. # والمتعارف من الماء في باب الوضوء والغسل هو الماء الذي يكفي للوضوء ~~والغسل، فينصرف المطلق إليه، واعتباره بالنجاسة الحقيقية غير سديد؛ لأنهما ~~مختلفان في الأحكام، فإن قليل الحدث ككثيره في المنع من الجواز بخلاف ~~النجاسة الحقيقية، فيبطل الاعتبار، ولو تيمم الجنب ثم أحدث بعد ذلك ومعه من ~~الماء قدر ما يتوضأ به فإنه يتوضأ به ولا يتيمم؛ لأن التيمم الأول أخرجه من ~~الجنابة إلى أن يجد من الماء ما يكفيه للاغتسال، فهذا محدث وليس بجنب، ومعه ~~من الماء قدر ما يكفيه للوضوء، فيتوضأ به، فإن توضأ ولبس خفيه، ثم مر على ~~الماء فلم يغتسل، ثم حضرته الصلاة ومعه من الماء قدر ما يتوضأ به فإنه ~~يتوضأ به، ولكنه يتيمم؛ لأنه بمروره على الماء عاد جنبا كما كان فعادت ~~المسألة الأولى، ولا ينزع الخفين؛ لأن القدم ليست بمحل للتيمم، فإن تيمم، ~~ثم أحدث. # وقد حضرته صلاة أخرى وعنده من الماء قدر ما يتوضأ به توضأ به ولا يتيمم ~~لما مر، ونزع خفيه وغسل رجليه؛ لأنه بمروره بالماء عاد جنبا فسرى الحدث ~~السابق إلى القدمين، فلا يجوز له أن يمسح بعد ذلك، ولو كان ببعض أعضاء ~~الجنب جراحة، أو جدري فإن كان الغالب هو الصحيح غسل الصحيح وربط على السقيم ~~الجبائر، ومسح عليها، وإن كان الغالب هو السقيم تيمم؛ لأن العبرة للغالب، ~~ولا يغسل الصحيح عندنا خلافا للشافعي لما مر؛ ولأن الجمع بين الغسل والتيمم ~~ممتنع إلا في حال وقوع الشك في طهورية الماء، ولم يوجد، وعلى هذا لو كان ~~محدثا وببعض أعضاء وضوئه جراحة، أو جدري؛ لما قلنا، وإن استوى الصحيح ~~والسقيم لم ms0112 يذكر في ظاهر الرواية، وذكر في النوادر أنه يغسل الصحيح، ويربط ~~الجبائر على السقيم، ويمسح عليها، وليس في هذا جمع بين الغسل والمسح؛ لأن ~~المسح على الجبائر كالغسل لما تحتها، وهذا الشرط الذي ذكرنا لجواز التيمم، ~~وهو عدم الماء فيما وراء صلاة الجنازة وصلاة العيدين، فأما في هاتين ~~الصلاتين فليس بشرط، بل الشرط فيهما خوف الفوت لو اشتغل بالوضوء، حتى لو ~~حضرته الجنازة وخاف فوت الصلاة لو اشتغل بالوضوء تيمم وصلى، وهذا عند ~~أصحابنا. # وقال الشافعي: لا يتيمم استدلالا بصلاة الجمعة، وسائر الصلوات، وسجدة ~~التلاوة، (ولنا) ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: إذا فجأتك ~~جنازة تخشى فوتها وأنت على غير وضوء؛ فتيمم لها، وعن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - مثله؛ ولأن شرع التيمم في الأصل لخوف فوات الأداء، وقد وجد ههنا بل ~~أولى؛ لأن هناك تفوت فضيلة الأداء فقط، فأما الاستدراك بالقضاء فممكن، ~~وههنا تفوت صلاة الجنازة أصلا فكان أولى بالجواز، حتى ولو كان ولي الميت لا ~~يباح له التيمم، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة؛ لأن له ولاية الإعادة، فلا ~~يخاف الفوت، وحاصل الكلام فيه راجع إلى أن صلاة الجنازة لا تقضى عندنا، ~~وعنده تقضى على ما نذكر في موضعه - إن شاء الله تعالى - بخلاف الجمعة؛ لأن ~~فرض الوقت قائم، وهو الظهر وبخلاف سائر الصلوات، لأنها تفوت إلى خلف، وهو ~~القضاء، والفائت إلى خلف قائم معنى، وسجدة التلاوة لا يخاف فوتها رأسا؛ ~~لأنه ليس لأدائها وقت معين؛ لأنها وجبت مطلقة عن الوقت، وكذا إذا خاف فوت ~~صلاة العيدين يتيمم عندنا؛ لأنه لا يمكن استدراكها بالقضاء؛ لاختصاصها ~~بشرائط يتعذر تحصيلها لكل فرد. # هذا إذا خاف فوت الكل فإن كان يرجو أن يدرك البعض لا يتيمم؛ لأنه لا يخاف ~~الفوت؛ لأنه إذا أدرك البعض يمكنه أداء الباقي وحده، ولو شرع في صلاة العيد ~~متيمما، ثم سبقه الحدث جاز له أن يبني عليها بالتيمم بإجماع من أصحابنا؛ ~~لأنه لو ذهب وتوضأ لبطلت صلاته من الأصل لبطلان التيمم فلا ms0113 يمكنه البناء. # وأما إذا شرع فيها متوضئا، ثم سبقه الحدث فإن كان يخاف أنه لو اشتغل ~~بالوضوء زالت الشمس تيمم وبنى، وإن كان لا يخاف زوال الشمس فإن كان يرجو ~~أنه لو توضأ يدرك شيئا من الصلاة مع الإمام توضأ ولا يتيمم؛ لأنها لا تفوت ~~لأنه إذا أدرك البعض يتم الباقي وحده، وإن كان لا يرجو إدراك الإمام يباح ~~له التيمم عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد لا # PageV01P051 # يباح، وجه قولهما أنه لو ذهب وتوضأ لا تفوته الصلاة؛ لأنه يمكنه إتمام ~~البقية وحده؛ لأنه لاحق ولا عبرة بالتيمم عند عدم خوف الفوت أصلا، ولأبي ~~حنيفة أنه إن كان لا يخاف الفوت من هذا الوجه يخاف الفوت بسبب الفساد؛ ~~لازدحام الناس، فقلما يسلم عن عارض يفسد عليه صلاته، فكان في الانصراف ~~للوضوء تعريض صلاته للفساد، وهذا لا يجوز؛ فيتيمم والله أعلم. # (ومنها) النية والكلام في النية في موضعين: أحدهما - في بيان أنها شرط ~~جواز التيمم والثاني - في بيان كيفيتها أما الأول - فالنية شرط جواز التيمم ~~في قول أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر: " ليست بشرط " وجه قوله أن التيمم خلف والخلف، لا يخالف الأصل ~~في الشروط، ثم الوضوء يصح بدون النية كذا التيمم. # (ولنا) أن التيمم ليس بطهارة حقيقية وإنما جعل طهارة عند الحاجة، والحاجة ~~إنما تعرف بالنية بخلاف الوضوء؛ لأنه طهارة حقيقية فلا يشترط له الحاجة ~~ليصير طهارة فلا يشترط له النية، ولأن مأخذ الاسم دليل كونها شرطا لما ~~ذكرنا أنه ينبئ عن القصد، والنية هي القصد فلا يتحقق بدونها، فأما الوضوء ~~فإنه مأخوذ من الوضاءة وأنها تحصل بدون النية. # وأما كيفية النية في التيمم فقد ذكر القدوري أن الصحيح من المذهب أنه إذا ~~نوى الطهارة، أو نوى استباحة الصلاة أجزأه. # وذكر الجصاص أنه لا يجب في التيمم نية التطهير وإنما يجب نية التمييز، ~~وهو أن ينوي الحدث، أو الجنابة؛ لأن التيمم لهما يقع على صفة واحدة فلا بد ~~من التمييز بالنية كما في صلاة الفرض؛ أنه لا بد فيها من ms0114 نية الفرض لأن ~~الفرض والنفل يتأديان على هيئة واحدة والصحيح أن ذلك ليس بشرط، فإن ابن ~~سماعة روى عن محمد أن الجنب إذا تيمم يريد به الوضوء أجزأه عن الجنابة، ~~وهذا لما بينا أن افتقار التيمم إلى النية ليصير طهارة إذ هو ليس بتطهير ~~حقيقة وإنما جعل تطهيرا شرعا للحاجة، والحاجة تعرف بالنية، ونية الطهارة ~~تكفي دلالة على الحاجة وكذا نية الصلاة؛ لأنه لا جواز للصلاة بدون الطهارة ~~فكانت دليلا على الحاجة فلا حاجة إلى نية التمييز أنه للحدث أو للجنابة. # ولو تيمم ونوى مطلق الطهارة أو نوى استباحة الصلاة؛ فله أن يفعل كل ما لا ~~يجوز بدون الطهارة، كصلاة الجنازة وسجدة التلاوة ومس المصحف ونحوها؛ لأنه ~~لما أبيح له أداء الصلاة فلأن يباح له ما دونها أو ما هو جزء من أجزائها ~~أولى. # وكذا لو تيمم لصلاة الجنازة أو لسجدة التلاوة أو لقراءة القرآن بأن كان ~~جنبا جاز له أن يصلي به سائر الصلوات؛ لأن كل واحد من ذلك عبادة مقصودة ~~بنفسها وهو من جنس أجزاء الصلاة فكان نيتها عند التيمم كنية الصلاة، فأما ~~إذا تيمم لدخول المسجد أو لمس المصحف لا يجوز له أن يصلي به؛ لأن دخول ~~المسجد ومس المصحف ليس بعبادة مقصودة بنفسه، ولا هو؛ من جنس أجزاء الصلاة؛ ~~فيقع طهورا لما أوقعه له لا غير. # (ومنها) الإسلام فإنه شرط وقوعه صحيحا عند عامة العلماء، حتى لا يصح تيمم ~~الكافر، وإن أراد به الإسلام. # وروي عن أبي يوسف إذا تيمم ينوي الإسلام جاز، حتى لو أسلم لا يجوز له أن ~~يصلي بذلك التيمم عند العامة وعلى رواية أبي يوسف يجوز، وجه روايته أن ~~الكافر من أهل نية الإسلام، والإسلام رأس العبادة فيصح تيممه له بخلاف ما ~~إذا تيمم للصلاة؛ لأنه ليس من أهل الصلاة فكان تيممه للصلاة سفها فلا ~~يعتبر. # (ولنا) أن التيمم ليس بطهور حقيقة وإنما جعل طهورا للحاجة إلى فعل لا صحة ~~له بدون الطهارة، والإسلام يصح بدون الطهارة فلا حاجة إلى أن يجعل ms0115 طهورا في ~~حقه بخلاف الوضوء؛ لأنه يصح من الكافر عندنا؛ لأنه طهور حقيقة فلا تشترط له ~~الحاجة ليصير طهورا ولهذا لو تيمم مسلم بنية الصوم لم يصح. # وإن كان الصوم عبادة فكذا ههنا بل أولى؛ لأن هناك باشتغاله بالتيمم لم ~~يرتكب نهيا، وههنا ارتكب أعظم نهي؛ لأنه بقدر ما اشتغل صار باقيا على الكفر ~~مؤخرا للإسلام، وتأخير الإسلام من أعظم العصيان، ثم لما لم يصح ذاك فلأن لا ~~يصح هذا أولى مسلم تيمم، ثم ارتد عن الإسلام - والعياذ بالله - لم يبطل ~~تيممه، حتى لو رجع إلى الإسلام له أن يصلي بذلك التيمم، وعند زفر بطل ~~تيممه؛ حتى لا يجوز له أن يصلي بذلك التيمم بعد الإسلام فالإسلام عندنا شرط ~~وقوع التيمم صحيحا لا شرط بقائه على الصحة. # وعند زفر هو شرط بقائه على الصحة أيضا، فزفر يجمع بين حالة الابتداء ~~والبقاء بعلة جامعة بينهما، وهي ما ذكرنا أنه جعل طهورا مع أنه ليس بطهور ~~حقيقة لمكان الحاجة إلى ما لا صحة له بدون الطهارة من الصلاة # PageV01P052 # وغيرها، وذا لا يتصور من الكافر فلا يبقى طهارة في حقه، ولهذا لم تنعقد ~~طهارة مع الكفر فلا تبقى طهارة معه. # (ولنا) أن التيمم وقع طهارة صحيحة فلا يبطل بالردة؛ لأن أثر الردة في ~~إبطال العبادات، والتيمم ليس بعبادة عندنا لكنه طهور، والردة لا تبطل صفة ~~الطهورية كما لا تبطل صفة الوضوء، واحتمال الحاجة باق، لأنه مجبور على ~~الإسلام، والثابت بيقين يبقى لوهم الفائدة في أصول الشرع إلا أنه لم ينعقد ~~طهارة مع الكفر؛ لأن جعله طهارة للحاجة، والحاجة زائلة للحال بيقين، وغير ~~الثابت بيقين لا يثبت لوهم الفائدة مع ما أن رجاء الإسلام منه على موجب ~~ديانته واعتقاده منقطع، والجبر على الإسلام منعدم وهو الفرق بين الابتداء ~~والبقاء. # (ومنها) أن يكون التراب طاهرا فلا يجوز التيمم بالتراب النجس لقوله تعالى ~~{فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة: 6] ولا طيب مع النجاسة ولو تيمم بأرض قد ~~أصابتها نجاسة فجفت وذهب أثرها لم يجز في ظاهر الرواية وروى ms0116 ابن الكاس ~~النخعي عن أصحابنا أنه يجوز، وجه هذه الرواية أن النجاسة قد استحالت أرضا ~~بذهاب أثرها؛ ولهذا جازت الصلاة عليها؛ فيجوز التيمم بها أيضا (ولنا) أن ~~إحراق الشمس ونسف الأرض أثرها في تقليل النجاسة دون استئصالها. # والنجاسة وإن قلت تنافي وصف الطهارة فلم يكن إتيانا بالمأمور به فلم يجز، ~~فأما النجاسة القليلة فلا تمنع جواز الصلاة عند أصحابنا ولا يمتنع أن يعتبر ~~القليل من النجاسة في بعض الأشياء دون البعض، ألا ترى أن النجاسة القليلة ~~لو وقعت في الإناء تمنع جواز الوضوء به، ولو أصابت الثوب لا تمنع جواز ~~الصلاة، ولو تيمم جنب أو محدث من مكان، ثم تيمم غيره من ذلك المكان أجزأه؛ ~~لأن التراب المستعمل ما التزق بيد المتيمم الأول لا ما بقي على الأرض، فنزل ~~ذلك منزلة ماء فضل في الإناء بعد وضوء الأول أو اغتساله به، وذلك طهور في ~~حق الثاني كذا هذا. ### | [فصل بيان ما يتيمم به] # (فصل) : # وأما بيان ما يتيمم به فقد اختلف فيه، قال أبو حنيفة ومحمد: يجوز التيمم ~~بكل ما هو من جنس الأرض وعن أبي يوسف روايتان: في رواية بالتراب والرمل، ~~وفي رواية لا يجوز إلا بالتراب خاصة وهو قوله الآخر، ذكره القدوري وبه أخذ ~~الشافعي، والكلام فيه يرجع إلى أن الصعيد المذكور في الآية ما هو؟ فقال أبو ~~حنيفة ومحمد: هو وجه الأرض وقال أبو يوسف: هو التراب المنبت واحتج بقول ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - أنه فسر الصعيد بالتراب الخالص، وهو مقلد في هذا ~~الباب؛ ولأنه ذكر الصعيد الطيب، والصعيد الطيب هو الذي يصلح للنبات وذلك هو ~~التراب دون السبخة ونحوها، (ولهما) أن الصعيد مشتق من الصعود وهو العلو، ~~قال الأصمعي: فعيل بمعنى فاعل، وهو الصاعد. # وكذا قال ابن الأعرابي: إنه اسم لما تصاعد، حتى قيل للقبر صعيد لعلوه ~~وارتفاعه وهذا لا يوجب الاختصاص بالتراب بل يعم جميع أنواع الأرض، فكان ~~التخصيص ببعض الأنواع تقييدا لمطلق الكتاب، وذلك لا يجوز بخبر الواحد فكيف ~~بقول الصحابي، والدليل على ms0117 أن الصعيد لا يختص ببعض الأنواع ما روي عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال «عليكم بالأرض» من غير فصل، وقال «جعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا» واسم الأرض يتناول جميع أنواعها، ثم قال: «أينما ~~أدركتني الصلاة تيممت وصليت» . # وربما تدركه الصلاة في الرمل، وما لا يصلح للإنبات فلا بد وأن يكون بسبيل ~~من التيمم به والصلاة معه بظاهر الحديث، (وأما) قوله سماه طيبا فنعم لكن ~~الطيب يستعمل بمعنى الطاهر وهو الأليق ههنا؛ لأنه شرع مطهرا، والتطهير لا ~~يقع إلا بالطاهر مع أن معنى الطهارة صار مرادا بالإجماع، حتى لا يجوز ~~التيمم بالصعيد النجس فخرج غيره من أن يكون مرادا، المشترك لا عموم له، ثم ~~لا بد من معرفة جنس الأرض، فكل ما يحترق بالنار فيصير رمادا كالحطب والحشيش ~~ونحوهما، أو ما ينطبع ويلين كالحديد والصفر والنحاس والزجاج، وعين الذهب ~~والفضة ونحوها فليس من جنس الأرض، وما كان بخلاف ذلك فهو من جنسها، ثم ~~اختلف أبو حنيفة ومحمد فيما بينهما، فقال أبو حنيفة: يجوز التيمم بكل ما هو ~~من جنس الأرض، التزق بيده شيء أو لا. # وقال محمد: لا يجوز إلا إذا التزق بيده شيء من أجزائه، فالأصل عنده أنه ~~لا بد من استعمال جزء من الصعيد، ولا يكون ذلك إلا بأن يلتزق بيده شيء، ~~(وعند) أبي حنيفة هذا ليس بشرط، وإنما الشرط: مس وجه الأرض باليدين ~~وإمرارهما على العضوين. # وإذا عرف هذا فعلى قول أبي حنيفة يجوز التيمم بالجص والنورة # PageV01P053 # والزرنيخ والطين الأحمر والأسود والأبيض، والكحل والحجر الأملس والحائط ~~المطين والمجصص والملح الجبلي دون المائي والمرداسنج المعدني والآجر والخزف ~~المتخذ من طين خالص، والياقوت والفيروزج والزمرد والأرض الندية والطين ~~الرطب،. # (وعند) محمد إن التزق بيده شيء منها بأن كان عليها غبار أو كان مدقوقا ~~يجوز، وإلا فلا، وجه قول محمد أن المأمور به استعمال الصعيد، وذلك بأن ~~يلتزق بيده شيء منه، فأما ضرب اليد على ما له صلابة وملاسة من غير استعمال ~~جزء منه، فضرب من السفه، ولأبي حنيفة ms0118 أن المأمور به هو التيمم بالصعيد ~~مطلقا من غير شرط الالتزاق، ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل. # وقوله: " الاستعمال شرط " ممنوع؛ لأن ذلك يؤدي إلى التغيير الذي هو شبيه ~~المثلة، وعلامة أهل النار ولهذا أمر بنفض اليدين بل الشرط إمساس اليد ~~المضروبة على وجه الأرض على الوجه، واليدين تعبدا غير معقول المعنى لحكمة ~~استأثر الله تعالى بعلمها، ولا يجوز التيمم بالرماد بالإجماع؛ لأنه من ~~أجزاء الخشب، وكذا باللآلئ سواء كانت مدقوقة أو لا؛ لأنها ليست من أجزاء ~~الأرض بل هي متولدة من الحيوان. # ويجوز التيمم بالغبار بأن ضرب يده على ثوب أو لبد أو صفة سرج فارتفع ~~غبارا، وكان على الذهب أو الفضة أو على الحنطة أو الشعير أو نحوها غبار ~~فتيمم به أجزأه في قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يجزيه، وبعض ~~المشايخ قالوا إذا لم يقدر على الصعيد يجوز عنده والصحيح أنه لا يجوز في ~~الحالين. # وروي عنه أنه قال وليس عندي من الصعيد، وهذا وجه قوله: أن المأمور به ~~التيمم بالصعيد وهو اسم للتراب الخالص، والغبار ليس بتراب خالص بل هو تراب ~~من وجه دون وجه، فلا يجوز به التيمم، (ولهما) أنه جزء من أجزاء الأرض إلا ~~أنه لطيف فيجوز التيمم به، كما يجوز بالكثيف بل أولى. # وقد روي أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - كان بالجابية فمطروا فلم ~~يجدوا ماء يتوضئون به ولا صعيدا يتيممون به، فقال ابن عمر: لينفض كل واحد ~~منكم ثوبه أو صفة سرجه، وليتيمم وليصل، ولم ينكر عليه أحد فيكون إجماعا، ~~ولو كان المسافر في طين وردغة لا يجد ماء ولا صعيدا، وليس في ثوبه وسرجه ~~غبار لطخ ثوبه أو بعض جسده بالطين، فإذا جف تيمم به، ولا ينبغي أن يتيمم ~~بالطين ما لم يخف ذهاب الوقت؛ لأن فيه تلطيخ الوجه من غير ضرورة فيصير ~~بمعنى المثلة. # وإن كان لو تيمم به أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الطين من أجزاء ~~الأرض. # وما فيه من الماء مستهلك، وهو ms0119 يلتزق باليد فإن خاف ذهاب الوقت تيمم وصلى ~~عندهما، وعلى قياس قول أبي يوسف يصلي بغير تيمم بالإيماء، ثم يعيد إذا قدر ~~على الماء أو التراب كما لمحبوس في المخرج إذا لم يجد ماء ولا ترابا نظيفا ~~على ما ذكرنا. ### | [فصل في بيان ما يتيمم منه] # (فصل) : # وأما بيان ما يتيمم منه فهو الحدث والجنابة والحيض والنفاس. # وقد ذكرنا دلائل جواز التيمم من الحدث في صدر فصل التيمم، وذكرنا اختلاف ~~الصحابة - رضي الله عنهم - في جواز التيمم من الجنابة، وترجيح قول المجوزين ~~لمعاضدة الأحاديث إياه، والحيض والنفاس ملحقان بالجنابة؛ لأنهما في معناها ~~مع أنه ثبت جواز التيمم منهما لعموم بعض الأحاديث التي رويناها والله أعلم. ### | [فصل في بيان وقت التيمم] # (فصل) : # وأما بيان وقت التيمم فالكلام فيه في موضعين: أحدهما - في بيان أصل ~~الوقت، والثاني - في بيان الوقت المستحب، (أما) الأول - فالأوقات كلها وقت ~~للتيمم حتى يجوز التيمم بعد دخول وقت الصلاة وقبل دخوله، وهذا عند أصحابنا. # وقال الشافعي: لا يجوز إلا بعد دخول وقت الصلاة، والكلام فيه راجع إلى ~~أصل وهو أن التيمم بدل مطلق أم بدل ضروري؟ فعندنا بدل مطلق، وعنده بدل ~~ضروري، وسنذكر تفسير البدل المطلق والضروري ودليله في بيان صفة التيمم إن ~~شاء الله تعالى. # (وأما) الثاني - وهو بيان الوقت المستحب للتيمم، فقد قال أصحابنا: إن ~~المسافر إذا كان على طمع من وجود الماء في آخر الوقت يؤخر التيمم إلى آخر ~~الوقت، وإن لم يكن على طمع من وجود الماء في آخر الوقت لا يؤخر. # وهكذا روى المعلى عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إن كان على طمع من وجود ~~الماء في آخر الوقت، أخر إلى آخر الوقت مقدار ما لو لم يجد الماء يمكنه أن ~~يتيمم ويصلي في الوقت، وإن لم يكن على طمع لا يؤخر ويتيمم ويصلي في الوقت ~~المستحب، وذكر في الأصل أحب إلي أن يؤخر التيمم إلى آخر الوقت ولم يفصل بين ~~ما إذا # PageV01P054 # كان يرجو وجود الماء في آخره أو لا ms0120 يرجو. # وهذا لا يوجب اختلاف الرواية بل يجعل رواية المعلى تفسيرا لما أطلقه في ~~الأصل وهو قول جماعة من التابعين، مثل الزهري والحسن وابن سيرين - رضي الله ~~عنهم - فإنهم قالوا: يؤخر التيمم إلى آخر الوقت إذا كان يرجو وجود الماء. # وقال جماعة: لا يؤخر ما لم يستيقن بوجود الماء في آخر الوقت وبه أخذ ~~الشافعي. # وقال مالك: المستحب له أن يتيمم في وسط الوقت والصحيح قولنا؛ لما روي عن ~~علي - رضي الله عنه - أنه قال في مسافر أجنب يتلوم إلى آخر الوقت، ولم يرو ~~عن غيره من الصحابة خلافه فيكون إجماعا والمعنى فيه أن أداء الصلاة بطهارة ~~الماء أفضل؛ لأنها أصل والتيمم بدل؛ ولأنها طهارة حقيقة وحكما؛ والتيمم ~~طهارة حكما لا حقيقة؛ فإذا كان يرجو وجود الماء في آخر الوقت كان في ~~التأخير أداء الصلاة بأكمل الطهارتين فكان التأخير مستحبا، فأما إذا لم يرج ~~لا يستحب إذ لا فائدة في التأخير، ولو تيمم في أول الوقت وصلى فإن كان ~~عالما أن الماء قريب بأن كان بينه وبين الماء أقل من ميل لم تجز صلاته بلا ~~خلاف، لأنه واجد للماء، وإن كان ميلا فصاعدا جازت صلاته وإن كان يمكنه أن ~~يذهب ويتوضأ ويصلي في الوقت، وعند زفر لا يجوز لما يذكر وإن لم يكن عالما ~~بقرب الماء أو بعده تجوز صلاته، سواء كان يرجو وجود الماء في آخر الوقت أو ~~لا، سواء كان بعد الطلب أو قبله عندنا خلافا للشافعي؛ لما مر أن العدم ثابت ~~ظاهرا، واحتمال الوجود احتمال لا دليل عليه فلا يعارض الظاهر، ولو أخبر في ~~آخر الوقت أن الماء بقرب منه بأن كان بينه وبين الماء أقل من ميل لكنه يخاف ~~لو ذهب إليه وتوضأ تفوته الصلاة عن وقتها، لا يجوز له التيمم بل يجب عليه ~~أن يذهب ويتوضأ ويصلي خارج الوقت عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر يجزئه ~~التيمم، والأصل أن المعتبر عند أصحابنا الثلاثة القرب والبعد لا الوقت، ~~وعند زفر المعتبر هو الوقت لا قرب الماء وبعده. ms0121 # وجه قوله أن التيمم شرع للحاجة إلى أداء الصلاة في الوقت، فكان المنظور ~~إليه هو الوقت فيتيمم كي لا تفوته الصلاة عن الوقت كما في صلاة الجنازة ~~والعيدين. # (ولنا) أن هذه الصلاة لا تفوته أصلا بل إلى خلف وهو القضاء، والفائت إلى ~~خلف قائم معنى بخلاف صلاة الجنازة والعيدين؛ لأنها تفوت أصلا لما يذكر في ~~موضعه فجاز التيمم فيها لخوف الفوات والله أعلم. ### | [فصل في صفة التيمم] # (فصل) : # وأما صفة التيمم فهي أنه بدل بلا شك، لأن جوازه معلق بحال عدم الماء ~~لكنهم اختلفوا في كيفية البدلية من وجهين: أحدهما - الخلاف فيه مع غير ~~أصحابنا، والثاني مع أصحابنا، (أما) الأول فقد قال أصحابنا: إن التيمم بدل ~~مطلق وليس ببدل ضروري وعنوا به أن الحدث يرتفع بالتيمم إلى وقت وجود الماء ~~في حق الصلاة المؤداة، إلا أنه يباح له الصلاة مع قيام الحدث. # وقال الشافعي: التيمم بدل ضروري، وعنى به أنه يباح له الصلاة مع قيام ~~الحدث حقيقة للضرورة كطهارة المستحاضة وجه قوله: لتصحيح هذا الأصل أن ~~التيمم لا يزيل هذا الحدث، بدليل أنه لو رأى الماء تعود الجنابة والحدث، مع ~~أن رؤية الماء ليست بحدث، فعلم أن الحدث لم يرتفع لكن أبيح له أداء الصلاة ~~مع قيام الحدث للضرورة كما في المستحاضة. # (ولنا) ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «التيمم وضوء ~~المسلم، ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء أو يحدث» فقد سمى التيمم وضوءا ~~والوضوء مزيل للحدث وقال: - صلى الله عليه وسلم - «جعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا» ، والطهور اسم للمطهر، فدل على أن الحدث يزول بالتيمم إلا أن زواله ~~مؤقت إلى غاية وجود الماء، فإذا وجد الماء يعود الحدث السابق لكن في ~~المستقبل لا في الماضي، فلم يظهر في حق الصلاة المؤداة، وعلى هذا الأصل ~~يبنى التيمم قبل دخول الوقت أنه جائز عندنا. # وعند الشافعي لا يجوز؛ لأنه بدل مطلق عند عدم الماء فيجوز قبل دخول الوقت ~~وبعده، وعنده بدل ضروري فتتقدر بدليته بقدر ms0122 الضرورة، ولا ضرورة قبل دخول ~~الوقت، وعلى هذا يبنى أيضا أنه إذا تيمم في الوقت يجوز له أن يؤدي ما شاء ~~من الفرائض والنوافل ما لم يجد الماء أو يحدث عندنا، وعنده لا يجوز له أن ~~يؤدي به فرضا آخر غير ما تيمم لأجله، وله أن يصلي به النوافل لكونها تابعة ~~للفرائض، وثبوت الحكم في التبع لا يقف على وجود علة على حدة أو شرط على حدة ~~فيه، بل وجود ذلك في الأصل يكفي لثبوته في التبع كما هو مذهبه في طهارة ~~المستحاضة، وعلى هذا يبني أنه إذا تيمم للنفل # PageV01P055 # يجوز له أن يؤدي به النفل والفرض عندنا، وعنده لا يجوز له أداء الفرض؛ ~~لأن التبع لا يستتبع الأصل، وعلى هذا قال الزهري: إنه لا يجوز التيمم لصلاة ~~النافلة رأسا؛ لأنه طهارة ضرورية والضرورة في الفرائض لا في النوافل، ~~وعندنا يجوز؛ لأنه طهارة مطلقة حال عدم الماء؛ ولأنه كان لا يحتاج إلى ~~إسقاط الفرض عن نفسه به يحتاج إلى إحراز الثواب لنفسه، والحاجة إلى إحراز ~~الثواب حاجة معتبرة فيجوز أن يعتبر الطهارة لأجله؛ ولهذا اعتبرت طهارة ~~المستحاضة في حق النوافل بلا خلاف كذا ههنا، (وأما) الخلاف الذي مع أصحابنا ~~في كيفية البدلية فهو أنهم اختلفوا في أن التراب بدل عن الماء عند عدمه، ~~والبدلية بين التراب وبين الماء أو التيمم بدل عن الوضوء عند عدمه، ~~والبدلية بين التيمم وبين الوضوء، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن التراب بدل ~~عن الماء عند عدمه، والبدلية بين التراب والماء. # وقال محمد: التيمم بدل عن الوضوء عند عدمه، والبدلية بين التيمم وبين ~~الوضوء واحتج محمد لتصحيح أصله بالحديث، وهو قوله: - صلى الله عليه وسلم - ~~«التيمم وضوء المسلم» الحديث سمى التيمم وضوءا دون التراب، وهما احتجا ~~بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله: تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا ~~طيبا} [المائدة: 6] أقام الصعيد مقام الماء عند عدمه. # وأما السنة فما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «التراب ~~طهور المسلم» # وقال «جعلت لي الأرض مسجدا ms0123 وطهورا» ويتفرع عن هذا الاختلاف أن المتيمم ~~إذا أم المتوضئين جازت إمامته إياهم، وصلاتهم جائزة إذا لم يكن مع ~~المتوضئين ماء في قول، أبي حنيفة وأبي يوسف وإن كان معهم ماء لا تجوز ~~صلاتهم، وعند محمد لا يجوز اقتداؤهم به سواء كان معهم ماء أو لم يكن، وعند ~~زفر يجوز، كان معهم ماء أو لم يكن، وجه البناء على هذا الأصل أن عند محمد ~~لما كانت البدلية بين التيمم وبين الوضوء فالمقتدي إذا كان على وضوء لم يكن ~~تيمم الإمام طهارة في حقه، لوجود الأصل في حقه، فكان مقتديا بمن لا طهارة ~~له في حقه فلا يجوز اقتداؤه به، كالصحيح إذا اقتدى بصاحب الجرح السائل أنه ~~لا يجوز له، لأن طهارة الإمام ليست بطهارة في حق المقتدي، فلم تعتبر طهارته ~~في حقه فكان مقتديا بمن لا طهارة له في حقه، فلم يجز اقتداؤه به كذا هذا، ~~ولما كانت البدلية بين التراب وبين الماء عندهما فإذا لم يكن مع المقتدين ~~ماء كان التراب طهارة مطلقة في حال عدم الماء، فيجوز اقتداؤهم به فصار ~~كاقتداء الغاسل بالماسح بخلاف صاحب الجرح السائل؛ لأن طهارته ضرورية؛ لأن ~~الحدث يقارنها أو يطرأ عليها فلا تعتبر في حق الصحيح، وإذا كان معهم ماء ~~فقد فات الشرط في حق المقتدين فلا يبقى التراب طهورا في حقهم، فلم تبق ~~طهارة الإمام طهارة في حقهم فلا يصح اقتداؤهم به، وعلى هذا الأصل المتيمم ~~إذا أم المتوضئين ولم يكن معهم ماء، ثم رأى واحد منهم الماء ولم يعلم به ~~الإمام والآخرون، حتى فرغوا فصلاته فاسدة. # وقال زفر: لا تفسد وهو رواية عن أبي يوسف؛ لأنه متوضئ في نفسه، فرؤية ~~الماء لا تكون مفسدة في حقه، وإنما تفسد صلاته بفساد صلاة الإمام وهي ~~صحيحة،. # (ولنا) أن طهارة الإمام جعلت عدما في حقه لقدرته على الماء الذي هو أصل، ~~إذ لا يبقى الخلف مع وجود الأصل فصار معتقدا فساد صلاة الإمام، والمقتدي ~~إذا اعتقد فساد صلاة الإمام تفسد صلاته، كما لو اشتبهت ms0124 عليهم القبلة فتحرى ~~الإمام إلى جهة والمقتدي إلى جهة أخرى، وهو يعلم أن إمامه يصلي إلى جهة ~~أخرى لا يصح اقتداؤه به كذا هذا، ثم نتكلم في المسألة ابتداء: فحجة محمد ما ~~روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لا يؤم المتيمم المتوضئين، ولا ~~المقيد المطلقين وهذا نص في الباب، وحجتهما ما روينا من حديث عمرو بن العاص ~~- رضي الله عنه - حين أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سرية، وما ~~روي عن علي فهو مذهبه وقد خالفه ابن عباس - رضي الله عنه - والمسألة إذا ~~كانت مختلفة بين الصحابة - رضي الله عنهم - لا يكون قول البعض حجة على ~~البعض، على أن فيه أنه لا يؤم، وليس فيه أنه لو أم لا يجوز، وهذا كما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه» ~~ثم لو أم جاز كذا هذا. ### | [فصل في بيان ما ينقض التيمم] # (فصل) : # وأما بيان ما ينقض التيمم فالذي ينقضه نوعان: عام، وخاص أما العام فكل ما ~~ينقض الوضوء من الحدث الحقيقي والحكمي ينقض التيمم، وقد مر بيان ذلك كله في ~~موضعه. # وأما الخاص: وهو ما ينقض التيمم على الخصوص # PageV01P056 # فوجود الماء، وجملة الكلام فيه أن المتيمم إذا وجد الماء لا يخلو إما إن ~~وجده قبل الشروع في الصلاة، وإما إن وجده في الصلاة، وإما إن وجده بعد ~~الفراغ منها فإن وجده قبل الشروع في الصلاة انتقض تيممه عند عامة العلماء. # وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه لا ينتقض التيمم بوجود الماء أصلا، وجه ~~قوله أن الطهارة بعد صحتها لا تنقض إلا بالحدث، ووجود الماء ليس بحدث. # (ولنا) ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «التيمم وضوء ~~المسلم، ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء أو يحدث» جعل التيمم وضوء المسلم ~~إلى غاية وجود الماء، والممدود إلى غاية ينتهي عند وجود الغاية ولأن التيمم ~~خلف عن الوضوء ولا يجوز المصير إلى الخلف مع وجود ms0125 الأصل كما في سائر ~~الأخلاف مع أصولها. # وقوله: " وجود الماء ليس بحدث، " مسلم وعندنا أن المتيمم لا يصير محدثا ~~بوجود الماء، بل الحدث السابق يظهر حكمه عند وجود الماء، إلا أنه لم يظهر ~~حكم ذلك الحدث في حق الصلاة المؤداة. # ثم وجود الماء نوعان: وجوده من حيث الصورة والمعنى: وهو أن يكون مقدور ~~الاستعمال له، وأنه ينقض التيمم ووجوده من حيث الصورة دون المعنى: وهو أن ~~لا يقدر على استعماله وهذا لا ينقض التيمم، حتى لو مر المتيمم على الماء ~~الكثير وهو لا يعلم به، أو كان غافلا أو نائما لا يبطل تيممه، كذا روي عن ~~أبي يوسف. # وكذا لو مر على ماء في موضع لا يستطيع النزول إليه؛ لخوف عدو أو سبع لا ~~ينتقض تيممه، كذا ذكر محمد بن مقاتل الرازي وقال: هذا قياس قول أصحابنا؛ ~~لأنه غير واجد للماء فكان ملحقا بالعدم. # وكذا إذا أتى بئرا وليس معه دلو أو رشاء أو وجد ماء وهو يخاف على نفسه ~~العطش؛ لا ينتقض تيممه لما قلنا، وكذا لو وجد ماء موضوعا في الفلاة في جب ~~أو نحوه، على قياس ما حكي عن أبي نصر محمد بن محمد بن سلام؛ لأنه معد ~~للسقيا دون الوضوء إلا أن يكون كثيرا فيستدل بالكثرة على أنه معد للشرب ~~والوضوء جميعا؛ فينتقض تيممه، والأصل فيه أن كل ما منع وجوده التيمم نقض ~~وجوده التيمم وما لا فلا. # ثم وجود الماء إنما ينقض التيمم إذا كان القدر الموجود يكفي للوضوء أو ~~الاغتسال، فإن كان لا يكفي لا ينقض عندنا، وعند الشافعي قليله وكثيره ينقض ~~والخلاف في البقاء كالخلاف في الابتداء وقد مر ذكره في بيان الشرائط، وعلى ~~هذا يخرج ما ذكره محمد في الزيادات لو أن خمسة من المتيممين وجدوا من الماء ~~مقدار ما يتوضأ به أحدهم انتقض تيممهم جميعا؛ لأن كل واحد منهم قدر على ~~استعماله على سبيل البدل، فكان كل واحد منهم واجدا للماء صورة ومعنى فينتقض ~~تيممهم جميعا؛ ولأن كل واحد منهم قدر ms0126 على استعماله بيقين وليس البعض أولى ~~من البعض فينتقض تيممهم احتياطا ولو كان لرجل ماء فقال: أبحت لكم هذا الماء ~~يتوضأ به أيكم شاء، وهو قدر ما يكفي لوضوء أحدهم انتقض تيممهم جميعا لما ~~قلنا، ولو قال: هذا الماء لكم لا ينتقض تيممهم بإجماع بين أصحابنا أما على ~~أصل أبي حنيفة فلأن هبة المشاع فيما يحتمل القسمة لا تصح فلم يثبت الملك ~~رأسا. # وأما على أصلهما فالهبة وإن صحت وأفادت الملك لكن لا يصيب كل واحد منهم ~~ما يكفي لوضوئه، فكان ملحقا بالعدم، حتى أنهم لو أذنوا لواحد منهم بالوضوء ~~انتقض تيممه عندهما؛ لأنه قدر على ما يكفي للوضوء وعنده الهبة فاسدة فلا ~~يصح الإذن. # وعلى هذا الأصل مسائل في الزيادات: مسافر محدث على ثوبه نجاسة أكثر من ~~قدر الدرهم، ومعه ما يكفي لأحدهما غسل به الثوب وتيمم للحدث عند عامة ~~العلماء. # وروى الحسن عن أبي يوسف أنه يتوضأ به، وهو قول حماد، ووجهه أن الحدث أغلظ ~~النجاستين بدليل أن الصلاة مع الثوب النجس جائزة في الجملة للضرورة، ولا ~~جواز لها مع الحدث بحال. # (ولنا) أن الصرف إلى النجاسة يجعله مصليا بطهارتين حقيقية وحكمية فكان ~~أولى من الصلاة بطهارة واحدة، ويجب أن يغسل ثوبه من النجاسة، ثم يتيمم ولو ~~بدأ بالتيمم لا يجزيه وتلزمه الإعادة؛ لأنه قدر على ماء ولو توضأ به تجوز ~~به صلاته. # وإن وجد الماء في الصلاة فإن وجده قبل أن يقعد قدر التشهد الأخير انتقض ~~تيممه، وتوضأ به واستقبل الصلاة عندنا، وللشافعي ثلاثة أقوال: في قول مثل ~~قولنا، وفي قول يقرب الماء منه حتى يتوضأ ويبني وفي قول يمضي على صلاته، ~~وهو أظهر أقواله، ووجهه أن الشروع في الصلاة قد صح فلا يبطل برؤية الماء، ~~كما إذا رأى بعد الفراغ من الصلاة وهذا، لأن رؤية الماء ليس بحدث والموجود ~~ليس إلا الرؤية فلا تبطل # PageV01P057 # الصلاة، وإذا لم تبطل الصلاة فحرمة الصلاة تعجزه عن استعمال الماء فلا ~~يكون واجدا للماء معنى، كما إذا كان على رأس البئر ms0127 ولم يجد آلة الاستقاء. # (ولنا) أن طهارة التيمم انعقدت ممدودة إلى غاية وجود الماء بالحديث الذي ~~روينا فتنتهي عند وجود الماء، فلو أتمها لأتم بغير طهارة، وهذا لا يجوز وبه ~~تبين أنه لم تبق حرمة الصلاة. # وقوله: إن رؤية الماء ليست بحدث فلا تبطل الطهارة قلنا: بلى، وعندنا لا ~~تبطل بل تنتهي لكونها مؤقتة إلى غاية الرؤية؛ ولأن المتيمم لا يصير محدثا ~~برؤية الماء عندنا، بل بالحدث السابق على الشروع في الصلاة إلا أنه لم يظهر ~~أثره في حق الصلاة المؤداة للضرورة، ولا ضرورة في الصلاة التي لم تؤد فظهر ~~أثر الحدث السابق وصار كخروج الوقت في حق المستحاضة؛ ولأنه قدر على الأصل ~~قبل حصول المقصود بالبدل وذلك يبطل حكم البدل كالمعتدة بالأشهر إذا حاضت. # وإن وجده بعد ما قعد قدر التشهد الأخير، أو بعد ما سلم وعليه سجدتا السهو ~~وعاد إلى السجود فسدت صلاته عند أبي حنيفة ويلزمه الاستقبال، وعند أبي يوسف ~~ومحمد يبطل تيممه وصلاته تامة، وهذه من المسائل المعروفة بالاثنا عشرية ~~والأصل فيها أن ما كان من أفعال المصلي ما يفسد الصلاة لو وجد في أثنائها ~~لا يفسدها إن وجد في هذه الحالة بإجماع بين أصحابنا، مثل الكلام والحدث ~~العمد والقهقهة ونحو ذلك، وعند الشافعي تفسد بناء على أن الخروج من الصلاة ~~بالسلام ليس بفرض عندنا، وعنده فرض على ما يذكر. # وأما ما ليس من فعل المصلي بل هو معنى سماوي لكنه لو اعترض في أثناء ~~الصلاة يفسد الصلاة، فإذا وجد في هذه الحالة هل يفسدها؟ قال أبو حنيفة: ~~يفسدها. # وقال أبو يوسف ومحمد: لا يفسدها، وذلك كالمتيمم يجد ماء، والماسح على ~~الخفين إذا انقضى وقت مسحه، والعاري يجد ثوبا، والأمي يتعلم القرآن، وصاحب ~~الجرح السائل ينقطع عنه السيلان، وصاحب الترتيب إذا تذكر فائتة، ودخول وقت ~~العصر يوم الجمعة وهو في صلاة الجمعة، وسقوط الخف عن الماسح عليه إذا كان ~~واسعا بدون فعله، وطلوع الشمس في هذه الحالة لمصلي الفجر والمومئ إذا قدر ~~على القيام، والقارئ إذا ms0128 استخلف أميا، والمصلي بثوب فيه نجاسة أكثر من قدر ~~الدرهم ولم يجد ماء ليغسله فوجد في هذه الحالة. # وقاضي الفجر إذا زالت الشمس، والمصلي إذا سقط الجبائر عنه عن برء. # وقضية الترتيب ذكر كل واحدة من هذه المسائل في موضعها وإنما جمعناها ~~اتباعا للسلف وتيسيرا للحفظ على المتعلمين، ومن مشايخنا من قال: إن حاصل ~~الاختلاف يرجع إلى أن خروج المصلي من الصلاة بفعله فرض عند أبي حنيفة، ~~وعندهما ليس بفرض، ومنهم من تكلم في المسألة من وجه آخر وجه قولهما: أن ~~الصلاة قد انتهت بالقعود قدر التشهد لانتهاء أركانها «قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - حين علمه التشهد: إذا قلت ~~هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك» والصلاة بعد تمامها لا تحتمل الفساد، ولهذا ~~لا تفسد بالسلام والكلام والحدث العمد والقهقهة، ودل الحديث على أن الخروج ~~بفعله ليس بفرض؛ لأنه وصف الصلاة بالتمام، ولا تمام يتحقق مع بقاء ركن من ~~أركانها ولهذا قلنا: إن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة ~~ليست بفرض، وكذا إصابة لفظ السلام؛ لأن تمام الشيء وانتهاءه مع بقاء شيء ~~منه محال، إلا أنه لو قهقه في هذه الحالة تنتقض طهارته؛ لأن انتقاضها يعتمد ~~قيام التحريمة، وأنها قائمة، فأما فساد الصلاة فيستدعي بقاء التحريمة مع ~~بقاء الركن ولم يبق عليه ركن من أركان الصلاة لما بينا؛ ولأن الخروج من ~~الصلاة ضد الصلاة؛ لأنه تركها، وضد الشيء كيف يكون ركنا له؟ ولأن عند أبي ~~حنيفة يحصل الخروج بالحدث العمد والقهقهة والكلام، وهذه الأشياء حرام ~~ومعصية فكيف تكون فرضا؟ . # والوجه لتصحيح مذهب أبي حنيفة في عدة من هذه المسائل من غير البناء على ~~الأصل الذي ذكرنا أن فساد الصلاة ليس لوجود هذه العوارض، بل بوجودها يظهر ~~أنها كانت فاسدة، (وبيان) ذلك أن المتيمم إذا وجد الماء صار محدثا بالحدث ~~السابق في حق الصلاة التي لم تؤد؛ لأنه وجد منه الحدث ولم يوجد منه ما ~~يزيله حقيقة؛ لأن التراب ليس ms0129 بطهور حقيقة إلا أنه لم يظهر حكم الحدث في حق ~~الصلاة المؤداة للحرج كي لا تجتمع عليه الصلوات فيخرج في قضائها فسقط ~~اعتبار الحدث السابق دفعا للحرج، ولا حرج في الصلاة التي لم تؤد، وهذه ~~الصلاة غير مؤداة فإن تحريمة الصلاة باقية بلا خلاف وكذا الركن الأخير باق؛ ~~لأنه وإن طال فهو في حكم الركن كالقراءة إذا طالت فظهر # PageV01P058 # فيها حكم الحدث السابق فتبين أن الشروع فيها لم يصح، كما لو اعترض هذا ~~المعنى في وسط الصلاة، وعلى هذا يخرج انقضاء مدة المسح؛ لأنه إذا انقضى وقت ~~المسح صار محدثا بالحدث السابق؛ لأن الحدث قد وجد ولم يوجد ما يزيله عن ~~القدم حقيقة، لكن الشرع أسقط اعتبار الحدث فيما أدى من الصلاة دفعا للحرج ~~فالتحق المانع بالعدم في حق الصلاة المؤداة. # ولا حرج فيما لم يؤد فظهر حكم الحدث السابق فيه، وعلى هذا سقط خفه من غير ~~صنعه وكذا صاحب الجرح السائل، ومن هو بمثل حاله، وكذا المصلي إذا كان على ~~ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم، ولم يجد الماء ليغسله فوجد في هذه الحالة؛ ~~لأن هذه النجاسة إنما سقط اعتبارها لما قلنا من الجرح، ولا حرج في هذه ~~الصلاة، وكذا العاري إذا وجد ثوبا، والمومئ إذا قدر على القيام، والأمي إذا ~~تعلم القراءة؛ لأن الستر والقيام والقراءة فرض على القادر عليها، والسقوط ~~عن هؤلاء للعجز وقد زال فكان ينبغي أن يجب قضاء الكل كالمريض العاجز عن ~~الصوم والمغمى عليه يجب عليهما القضاء عند حدوث القدرة لكن سقط؛ لأجل الحرج ~~ولا حرج في حق هذه الصلاة، وكذا هي ليست نظير تلك الصلوات؛ لأنه لا قدرة ~~ثمة أصلا وههنا حصلت القدرة في جزء منها، وعلى هذا صاحب الترتيب إذا تذكر ~~فائتة؛ لأنه ظهر أنه أدى الوقتية قبل وقتها فكان ينبغي أن يجب قضاء الكل ~~إلا أنه سقط للحرج؛ لأن النسيان مما يكثر وجوده، ولا حرج في حق هذه الصلاة. # وعلى هذا المصلي إذا سقطت الجبائر عن يده عن برء؛ لأن الغسل ms0130 واجب على ~~القادر، وإن سقط عنه للعجز، فإذا زال العجز كان ينبغي أن يقضي ما مضى بعد ~~البرء إلا أنه سقط للحرج، وفيه هذه الصلاة لا حرج. # وأما قاضي الفجر إذا زالت الشمس فهو في هذه الحالة يخرج على وجه آخر، وهو ~~أن الواجب في ذمته كامل والمؤدى في هذا الوقت ناقص؛ لورود النهي عن الصلاة ~~في هذه الأوقات، والكامل لا يتأدى بالناقص فلا يقع قضاء ولكنه يقع تطوعا؛ ~~لأن التطوع فيه جائز فينقلب تطوعا وعلى هذا مصلي الفجر إذا طلعت الشمس؛ ~~لأنه وجب عليه الأداء كاملا، لأن الوقت الناقص قليل لا يتسع للأداء فلا يجب ~~ناقصا بل كاملا في غير الوقت الناقص، فإذا أتى به فيه صار ناقصا فلا يتأدى ~~به الكامل بخلاف صلاة العصر؛ لأن ثمة الوقت الناقص مما يتسع لأداء الصلاة ~~فيه فيجب ناقصا وقد أداه ناقصا فهو الفرق. # وأما دخول وقت العصر في صلاة الجمعة في هذه الحالة فيخرج على وجه آخر ~~وهو: أن الظهر هو الواجب الأصلي في كل يوم عرف وجوبه بالدلائل المطلقة، ~~وإنما تغير إلى الركعتين في يوم الجمعة بشرائط مخصوصة عرفناها بالنصوص ~~الخاصة غير معقولة المعنى، والوقت من شرائطه، فمتى لم يوجد في جميع الصلاة ~~لم يكن هذا نظير المخصوص عن الأصل فلم يجز. # فظهر أن الواجب هو الظهر فعليه أداء الظهر بخلاف الكلام والقهقهة والحدث ~~العمد؛ لأن ثمة الفساد لوجود هذه العوارض؛ لأنها نواقض الصلاة وقد صادفت ~~جزءا من أجزاء الصلاة فأوجب فساد ذلك الجزء، غير أن ذلك زيادة تستغني ~~الصلاة عنها، فكان وجودها والعدم بمنزلة، فاقتصر الفساد عليها بخلاف ما إذا ~~اعترضت في أثناء الصلاة؛ لأنها أوجبت فساد ذلك الجزء الأصلي، ولا وجود ~~للصلاة بدونه، فلا يمكنه البناء بعد ذلك. # وأما الحديث فنقول: النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم بتمام الصلاة ~~وبوجود هذه العوارض، تبين أنها ما كانت صلاة إذ لا وجود للصلاة مع الحدث ~~ومع فقد شرط من شرائطها. # وقد مر بيان ذلك وكذا الصلاة في الأوقات المكروهة مخصوصة ms0131 عن هذا النص ~~بالنهي عن الصلاة، فإنها لا تخلو عن النقصان وكذلك صلاة الجمعة مخصوصة عن ~~هذا النص بالدلائل المطلقة المقتضية لوجوب الظهر في كل يوم على ما مر، هذا ~~إذا وجد في الصلاة ماء مطلقا. # ، فإن وجد سؤر حمار مضى على صلاته، لأنه مشكوك فيه وشروعه في الصلاة قد ~~صح فلا يقطع بالشك، بل يمضي على صلاته فإذا فرغ منها توضأ به وأعاد؛ لأنه ~~إن كان مطهرا في نفسه ما جازت صلاته، وإن كان غير مطهر في نفسه جازت به ~~صلاته فوقع الشك في الجواز فيؤمر بالإعادة احتياطا. # وإن وجد نبيذ التمر انتقض تيممه عند أبي حنيفة، لأنه بمنزلة الماء المطلق ~~عند عدمه عنده، وعند أبي يوسف لا ينتقض؛ لأنه لا يراه طهورا أصلا، وعند ~~محمد يمضي على صلاته، ثم يعيدها كما في سؤر الحمار هذا كله إذا وجد الماء ~~في الصلاة،. # فأما إذا وجده بعد الفراغ من الصلاة فإن كان بعد خروج الوقت فليس عليه ~~إعادة ما صلى بالتيمم بلا خلاف وإن كان في # PageV01P059 # الوقت فكذلك عند عامة العلماء. # وقال مالك: يعيد وجه قوله: أن الوقت أقيم مقام الأداء شرعا كما في ~~المستحاضة فكان الوجود في الوقت كالوجود في أثناء الأداء حقيقة؛ ولأن ~~التيمم بدل فإذا قدر على الأصل بطل البدل كالشيخ الفاني إذا فدى أو أحج، ثم ~~قدر على الصوم والحج بنفسه،. # (ولنا) أن الله تعالى علق جواز التيمم بعدم الماء، فإذا صلى حالة العدم ~~فقد أدى الصلاة بطهارة معتبرة شرعا فيحكم بصحتها فلا معنى لوجوب الإعادة. # وروي أن «رجلين أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد تيمما من ~~جنابة وصليا وأدركا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة ولم يعد الآخر، ~~فقال - صلى الله عليه وسلم - للذي أعاد: أما أنت فقد أوتيت أجرك مرتين وقال ~~للآخر: أما أنت فقد أجزأتك صلاتك عنك» . # أي كفتك جزى وأجزأ مهموزا بمعنى الكفاية، وهذا ينفي وجوب الإعادة وما ذكر ~~من اعتبار الوجود بعد الفراغ من الصلاة بالوجود في الصلاة غير ms0132 سديد لأنه ~~مخالف للحقيقة من غير ضرورة، ألا ترى أن الحدث الحقيقي بعد الفراغ من ~~الصلاة لا يجعل كالموجود في خلال الصلاة كذا هذا. # وأما قوله: إنه قدر على الأصل فنعم، لكن بعد حصول المقصود بالبدل، ~~والقدرة على الأصل بعد حصول المقصود بالبدل لا تبطل حكم البدل، كالمعتدة ~~بالأشهر إذا حاضت بعد انقضاء العدة بالأشهر، بخلاف الشيخ الفاني إذا أحج ~~رجلا بماله وفدى عن صومه، ثم قدر بنفسه؛ لأن جواز الإحجاج والفدية معلق ~~باليأس عن الحج بنفسه والصوم بنفسه، فإذا قدر بنفسه ظهر أنه لا يأس، فأما ~~جواز التيمم فمعلق بالعجز عن استعمال الماء والعجز كان متحققا عند الصلاة، ~~وبوجود الماء بعد ذلك لا يظهر أنه لا عجز فهو الفرق. ### | [فصل في الطهارة الحقيقية] # (فصل) : # وأما الطهارة الحقيقية - وهي الطهارة عن النجس - فالكلام فيها في الأصل ~~في ثلاثة مواضع: أحدها - في بيان أنواع الأنجاس والثاني - في بيان المقدار ~~الذي يصير المحل به نجسا شرعا والثالث - في بيان ما يقع به تطهير النجس. # (وأما) أنواع الأنجاس فمنها ما ذكره الكرخي في مختصره: أن كل ما يخرج من ~~بدن الإنسان مما يجب بخروجه الوضوء أو الغسل فهو نجس، من البول والغائط ~~والودي والمذي والمني، ودم الحيض والنفاس والاستحاضة والدم السائل من الجرح ~~والصديد والقيء ملء الفم، لأن الواجب بخروج ذلك مسمى بالتطهير قال الله ~~تعالى في آخر آية الوضوء: {ولكن يريد ليطهركم} [المائدة: 6] وقال في الغسل ~~من الجنابة: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] وقال في الغسل من الحيض: ~~{ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] والطهارة لا تكون إلا عن نجاسة. # وقال تعالى {ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] ، والطباع السليمة ~~تستخبث هذه الأشياء، والتحريم - لا للاحترام - دليل النجاسة؛ ولأن معنى ~~النجاسة موجود في ذلك كله إذ النجس اسم للمستقذر، وكل ذلك مما تستقذره ~~الطباع السليمة لاستحالته إلى خبث ونتن رائحة، ولا خلاف في هذه الجملة إلا ~~في المني فإن الشافعي زعم أنه طاهر (واحتج) بما روي عن عائشة - رضي الله ~~عنها - أنها قالت: كنت أفرك ms0133 المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فركا وهو يصلي فيه، والواو واو الحال أي في حال صلاته، ولو كان نجسا لما صح ~~شروعه في الصلاة معه فينبغي أن يعيد، ولم ينقل إلينا الإعادة، وعن ابن عباس ~~- رضي الله عنه - أنه قال: المني كالمخاط فأمطه عنك ولو بالإذخر شبهه ~~بالمخاط، والمخاط ليس بنجس كذا المني، وبه تبين أن الأمر بإماطته لا ~~لنجاسته بل لقذارته؛ ولأنه أصل الآدمي المكرم فيستحيل أن يكون نجسا. # (ولنا) ما روي أن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - «كان يغسل ثوبه من ~~النخامة، فمر عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: ما تصنع يا ~~عمار؟ فأخبره بذلك، فقال: - صلى الله عليه وسلم - ما نخامتك ودموع عينيك ~~والماء الذي في ركوتك إلا سواء، إنما يغسل الثوب من خمس: بول، وغائط، وقيء، ~~ومني، ودم» أخبر أن الثوب يغسل من هذه الجملة لا محالة، وما يغسل الثوب منه ~~لا محالة يكون نجسا فدل أن المني نجس. # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال لها: «إذا رأيت المني في ثوبك فإن كان رطبا فاغسليه، وإن كان يابسا ~~فحتيه» ومطلق الأمر محمول على الوجوب ولا يجب إلا إذا كان نجسا؛ ولأن ~~الواجب بخروجه أغلظ الطهارتين وهي الاغتسال، والطهارة لا تكون إلا عن ~~نجاسة، وغلظ الطهارة يدل على غلظ النجاسة كدم الحيض والنفاس ولأنه يمر ~~بميزاب النجس فينجس # PageV01P060 # بمجاورته، وإن لم يكن نجسا بنفسه وكونه أصل الآدمي لا ينفي أن يكون نجسا ~~كالعلقة والمضغة، وما روي من الحديث يحتمل أنه كان قليلا ولا عموم له؛ لأنه ~~حكاية حال، أو نحمله على ما قلنا توفيقا بين الدلائل، وتشبيه ابن عباس - ~~رضي الله عنهما - إياه بالمخاط يحتمل أنه كان في الصورة لا في الحكم لتصوره ~~بصورة المخاط، والأمر بالإماطة بالإذخر لا ينفي الأمر بالإزالة بالماء، ~~فيحتمل أنه أمر بتقديم الإماطة كي لا تنتشر النجاسة في الثوب فيتعسر غسله. # (وأما) الدم الذي يكون على ms0134 رأس الجرح والقيء إذا كان أقل من ملء الفم، ~~فقد روي عن أبي يوسف أنه ليس بنجس وهو قياس ما ذكره الكرخي، لأنه لا يجب ~~بخروجه الوضوء، وعند محمد نجس، هو يقول: إنه جزء من الدم المسفوح، والدم ~~المسفوح نجس بجميع أجزائه، وأبو يوسف يقول: إنه ليس بمسفوح بنفسه، والنجس ~~هو الدم المسفوح لقوله تعالى {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس} [الأنعام: ~~145] والرجس: هو النجس، فظاهر الآية يقتضي أن لا محرم سواها فيقتضي أن لا ~~نجس سواها إذ لو كان لكان محرما، إذ النجس محرم، وهذا خلاف ظاهر الآية، ~~ووجه آخر من الاستدلال بظاهر الآية أنه نفى حرمة غير المذكور، وأثبت حرمة ~~المذكور، وعلل لتحريمه بأنه رجس - أي نجس - ولو كان غير المذكور نجسا لكان ~~محرما؛ لوجود علة التحريم، وهذا خلاف النص؛ لأنه يقتضي أن لا محرم سوى ~~المذكور فيه، ودم البق والبراغيث ليس بنجس عندنا، حتى لو وقع في الماء ~~القليل لا ينجسه، ولو أصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم لا يمنع جواز الصلاة. # وقال الشافعي: هو نجس لكنه معفو عنه في الثوب للضرورة، (واحتج) بقوله ~~تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم} [المائدة: 3] من غير فصل بين السائل ~~وغيره، والحرمة - لا للاحترام - دليل النجاسة. # (ولنا) قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} [الأنعام: 145] ~~الآية والاستدلال بها من الوجهين اللذين ذكرناهما، ولأن صيانة الثياب ~~والأواني عنها متعذرة فلو أعطي لها حكم النجاسة لوقع الناس في الحرج، وأنه ~~منفي شرعا بالنص، وبهذين الدليلين تبين أن المراد من المطلق المقيد وهو ~~الدم المسفوح ودم الأوزاغ نجس؛ لأنه سائل، وكذا الدماء السائلة من سائر ~~الحيوانات لما قلنا، بل أولى، لأنه لما كان نجسا من الآدمي المكرم فمن غيره ~~أولى. # (وأما) دم السمك فقد روي عن أبي يوسف أنه نجس وبه أخذ الشافعي اعتبارا ~~بسائر الدماء، وعند أبي حنيفة ومحمد طاهر لإجماع الأمة على إباحة ms0135 تناوله مع ~~دمه، ولو كان نجسا لما أبيح لأنه ليس بدم حقيقة بل هو ماء تلون بلون الدم؛ ~~لأن الدموي لا يعيش في الماء، والدم الذي يبقى في العروق واللحم بعد الذبح ~~طاهر؛ لأنه ليس بمسفوح ولهذا حل تناوله مع اللحم. # وروي عن أبي يوسف أنه معفو في الأكل غير معفو في الثياب لتعذر الاحتراز ~~عنه في الأكل وإمكانه في الثوب. # (ومنها) ما يخرج من أبدان سائر الحيوانات من البهائم من الأبوال والأرواث ~~على الاتفاق والاختلاف، (أما) الأبوال فلا خلاف في أن بول كل ما لا يؤكل ~~لحمه نجس، واختلف في بول ما يؤكل لحمه قال أبو حنيفة وأبو يوسف نجس. # وقال محمد طاهر حتى لو وقع في الماء القليل لا يفسده، ويتوضأ منه ما لم ~~يغلب عليه، (واحتج) بما روي عن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أباح ~~للعرنيين شرب أبوال إبل الصدقة وألبانها» مع قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~«إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم» وقوله: «ليس في الرجس شفاء» ~~فثبت أنه طاهر (ولهما) حديث عمار «إنما يغسل الثوب من خمس» وذكر من جملتها ~~البول مطلقا من غير فصل وما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» من غير فصل وقوله تعالى ~~{ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] ومعلوم أن الطباع السليمة تستخبثه، ~~وتحريم الشيء - لا لاحترامه وكرامته - تنجيس له شرعا؛ ولأن معنى النجاسة ~~فيه موجود وهو الاستقذار الطبيعي لاستحالته إلى فساد وهي الرائحة المنتنة، ~~فصار كروثة وكبول ما لا يؤكل لحمه. # وأما الحديث فقد ذكر قتادة أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بشرب ~~ألبانها دون أبوالها» فلا يصح التعلق به، على أنه يحتمل أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عرف بطريق الوحي شفاءهم فيه، والاستشفاء بالحرام جائز عند ~~التيقن لحصول الشفاء فيه، كتناول الميتة عند المخمصة، والخمر عند العطش، ~~وإساغة اللقمة وإنما لا يباح بما لا يستيقن حصول الشفاء به، ثم عند أبي ~~يوسف يباح ms0136 شربه للتداوي لحديث # PageV01P061 # العرنيين، وعند أبي حنيفة لا يباح؛ لأن الاستشفاء بالحرام الذي لا يتيقن ~~حصول الشفاء به حرام، وكذا بما لا يعقل فيه الشفاء ولا شفاء فيه عند ~~الأطباء، والحديث محمول على أنه - صلى الله عليه وسلم - عرف شفاء أولئك فيه ~~على الخصوص والله أعلم. # (وأما) الأرواث فكلها نجسة عند عامة العلماء، وقال زفر روث ما يؤكل لحمه ~~طاهر وهو قول مالك، (واحتج) بما روي أن الشبان من الصحابة في منازلهم وفي ~~السفر كانوا يترامون بالجلة وهي البعرة اليابسة، ولو كانت نجسة لما مسوها، ~~وعلل مالك بأنه وقود أهل المدينة يستعملونه استعمال الحطب. # (ولنا) ما روينا عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن «النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - طلب منه أحجار الاستنجاء، فأتي بحجرين وروثة فأخذ الحجرين ~~ورمى الروثة وقال: إنها ركس» # أي نجس؛ ولأن معنى النجاسة موجود فيها وهو الاستقذار في الطباع السليمة؛ ~~لاستحالتها إلى نتن وخبث رائحة مع إمكان التحرز عنه، فكانت نجسة. # (ومنها) خرء بعض الطيور من الدجاج والبط، وجملة الكلام فيه أن الطيور ~~نوعان: نوع لا يذرق في الهواء ونوع يذرق في الهواء. # (أما) ما لا يذرق في الهواء كالدجاج والبط فخرؤهما نجس؛ لوجود معنى ~~النجاسة فيه، وهو كونه مستقذرا لتغيره إلى نتن وفساد رائحة فأشبه العذرة، ~~وفي الإوز عن أبي حنيفة روايتان، روى أبو يوسف عنه أنه ليس بنجس، وروى ~~الحسن عنه أنه نجس، (وما) يذرق في الهواء نوعان أيضا: ما يؤكل لحمه، ~~كالحمام، والعصفور، والعقعق، ونحوها، وخرؤها طاهر، عندنا وعند الشافعي نجس ~~وجه قوله أن الطبع قد أحاله إلى فساد فوجد معنى النجاسة، فأشبه الروث ~~والعذرة. # (ولنا) إجماع الأمة فإنهم اعتادوا اقتناء الحمامات في المسجد الحرام ~~والمساجد الجامعة مع علمهم أنها تذرق فيها، ولو كان نجسا لما فعلوا ذلك مع ~~الأمر بتطهير المسجد، وهو قوله تعالى: {أن طهرا بيتي للطائفين} [البقرة: ~~125] # وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن حمامة ذرقت عليه فمسحه وصلى، وعن ~~ابن مسعود - رضي الله عنه - مثل ms0137 ذلك في العصفور، وبه تبين أن مجرد إحالة ~~الطبع لا يكفي للنجاسة ما لم يكن للمستحيل نتن وخبث رائحة تستخبثه الطباع ~~السليمة، وذلك منعدم ههنا على أنا إن سلمنا ذلك لكان التحرز عنه غير ممكن؛ ~~لأنها تذرق في الهواء فلا يمكن صيانة الثياب والأواني عنه، فسقط اعتباره ~~للضرورة كدم البق والبراغيث وحكى مالك في هذه المسألة الإجماع على الطهارة، ~~ومثله لا يكذب فلئن لم يثبت الإجماع من حيث القول يثبت من حيث الفعل وهو ما ~~بينا. # وما لا يؤكل لحمه كالصقر والبازي والحدأة وأشباه ذلك، خرؤها طاهر عند أبي ~~حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد نجس نجاسة غليظة وجه قوله أنه وجد معنى النجاسة ~~فيه؛ لإحالة الطبع إياه إلى خبث ونتن رائحة، فأشبه غير المأكول من البهائم، ~~ولا ضرورة إلى إسقاط اعتبار نجاسته لعدم المخالطة؛ لأنها تسكن المروج ~~والمفاوز بخلاف الحمام ونحوه، (ولهما) أن الضرورة متحققة لأنها تذرق في ~~الهواء فيتعذر صيانة الثياب والأواني عنها، وكذا المخالطة ثابتة بخلاف ~~الدجاج والبط؛ لأنهما لا يذرقان في الهواء فكانت الصيانة ممكنة، وخرء ~~الفأرة نجس؛ لاستحالته إلى خبث ونتن رائحة، واختلفوا في الثوب الذي أصابه ~~بولها حكي عن بعض مشايخ بلخ أنه قال: لو ابتليت به لغسلته فقيل له: من لم ~~يغسله وصلى فيه؟ فقال: لا آمره بالإعادة. # وبول الخفافيش وخرؤها ليس بنجس؛ لتعذر صيانة الثياب والأواني عنه؛ لأنها ~~تبول في الهواء وهي فأرة طيارة فلهذا تبول. # (ومنها) الميتة التي لها دم سائل، وجملة الكلام في الميتات أنها نوعان: ~~أحدهما - ما ليس له دم سائل والثاني ما له دم سائل. # (أما) الذي ليس له دم سائل: فالذباب والعقرب والزنبور والسرطان ونحوها، ~~وأنه ليس بنجس عندنا، وعند الشافعي نجس، إلا الذباب والزنبور فله فيهما ~~قولان، (واحتج) بقوله تعالى {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] والحرمة لا ~~للاحترام - دليل النجاسة. # (ولنا) ما روي عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «موت كل حيوان ليس له نفس سائلة في الماء لا ms0138 ~~يفسده» وهذا نص في الباب، وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، ثم انقلوه ~~فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» وهو يقدم الداء على الدواء، ولا شك ~~أن # PageV01P062 # الذباب مع ضعف بنيته إذا مقل في الطعام الحار يموت، فلو أوجب التنجيس ~~لكان الأمر بالمقل أمرا بإفساد المال وإضاعته، مع نهي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن إضاعة المال وأنه متناقض، وحاشا أن يتناقض كلامه، ولأنا لو ~~حكمنا بنجاستها لوقع الناس في الحرج؛ لأنه يتعذر صون الأواني عنها فأشبه ~~موت الدودة المتولدة عن الخل فيه، وبه تبين أن النص لم يتناول محل الضرورة ~~والحرج، مع ما أن السمك والجراد مخصوصان عن النص إذ هما ميتتان بنص النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - والمخصص انعدام الدم المسفوح، والدم المسفوح ههنا ~~منعدم. # (وأما) الذي له دم سائل فلا خلاف في الأجزاء التي فيها دم من اللحم ~~والشحم والجلد ونحوها أنها نجسة؛ لاحتباس الدم النجس فيها، وهو الدم ~~المسفوح. # (وأما) الأجزاء التي لا دم فيها فإن كانت صلبة كالقرن والعظم والسن ~~والحافر، والخف والظلف والشعر والصوف، والعصب والإنفحة الصلبة، فليست بنجسة ~~عند أصحابنا. # وقال الشافعي: الميتات كلها نجسة لظاهر قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة} ~~[المائدة: 3] والحرمة - لا للاحترام - دليل النجاسة، ولأصحابنا طريقان: ~~أحدهما - أن هذه الأشياء ليست بميتة؛ لأن الميتة من الحيوان في عرف الشرع ~~اسم لما زالت حياته لا بصنع أحد من العباد، أو بصنع غير مشروع ولا حياة في ~~هذه الأشياء فلا تكون ميتة، والثاني - أن نجاسة الميتات ليست لأعيانها بل ~~لما فيها من الدماء السائلة والرطوبات النجسة ولم توجد في هذه الأشياء، ~~وعلى هذا ما أبين من الحي من هذه الأجزاء وإن كان المبان جزءا فيه دم كاليد ~~والأذن والأنف ونحوها، فهو نجس بالإجماع، وإن لم يكن فيه دم كالشعر والصوف ~~والظفر ونحوها، فهو على الاختلاف. # وأما الإنفحة المائعة واللبن فطاهران عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ms0139 ومحمد ~~نجسان، (لهما) أن اللبن وإن كان طاهرا في نفسه لكنه صار نجسا لمجاورة ~~النجس، ولأبي حنيفة قوله تعالى {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} [النحل: 66] . # وصف اللبن مطلقا بالخلوص والسيوغ مع خروجه من بين فرث ودم، وذا آية ~~الطهارة وكذا الآية خرجت مخرج الامتنان والمنة في موضع النعمة تدل على ~~الطهارة، وبه تبين أنه لم يخالطه النجس، إذ لا خلوص مع النجاسة، ثم ما ~~ذكرنا من الحكم في أجزاء الميتة التي لا دم فيها من غير الآدمي والخنزير، ~~فأما حكمها فيهما: فأما الآدمي: فعن أصحابنا فيه روايتان: في رواية نجسة لا ~~يجوز بيعها والصلاة معها إذا كان أكثر من قدر الدرهم وزنا أو عرضا على حسب ~~ما يليق به، ولو وقع في الماء القليل يفسده وفي رواية طاهر وهي الصحيحة؛ ~~لأنه لا دم فيها، والنجس هو الدم؛ ولأنه يستحيل أن تكون طاهرة من الكلب ~~نجسة من الآدمي المكرم إلا أنه لا يجوز بيعها ويحرم الانتفاع بها احتراما ~~للآدمي، كما إذا طحن سن الآدمي مع الحنطة أو عظمه لا يباح تناول الخبز ~~المتخذ من دقيقها لا لكونه نجسا بل تعظيما له كي لا يصير متناولا من أجزاء ~~الآدمي كذا هذا. # (وأما) الخنزير: فقد روي عن أبي حنيفة أنه نجس العين، لأن الله تعالى ~~وصفه بكونه رجسا فيحرم استعمال شعره وسائر أجزائه، إلا أنه رخص في شعره ~~للخرازين للضرورة. # وروي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول أنه كره ذلك أيضا نصا ولا يجوز ~~بيعها في الروايات كلها، ولو وقع شعره في الماء القليل، روي عن أبي يوسف ~~أنه ينجس الماء، وعن محمد أنه لا ينجس ما لم يغلب على الماء كشعر غيره. # وروي عن أصحابنا في غير رواية الأصول أن هذه الأجزاء منه طاهرة؛ لانعدام ~~الدم فيها، والصحيح أنها نجسة؛ لأن نجاسة الخنزير ليست لما فيه من الدم ~~والرطوبة بل لعينه. # (وأما) الكلب فالكلام فيه بناء على أنه نجس ms0140 العين أم لا وقد اختلف ~~مشايخنا فيه فمن قال: إنه نجس العين فقد ألحقه بالخنازير، فكان حكمه حكم ~~الخنزير ومن قال: إنه ليس بنجس العين فقد جعله مثل سائر الحيوانات سوى ~~الخنزير وهذا هو الصحيح لما نذكر. # (ومنها) سؤر الكلب والخنزير عند عامة العلماء، وجملة الكلام في الأسآر ~~أنها أربعة أنواع: نوع طاهر متفق على طهارته من غير كراهة، ونوع مختلف في ~~طهارته ونجاسته، ونوع مكروه، ونوع مشكوك فيه. # (أما) السؤر الطاهر المتفق على طهارته فسؤر الآدمي بكل حال مسلما كان أو ~~مشركا، صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى، طاهرا أو نجسا حائضا أو جنبا، إلا في ~~حال شرب الخمر؛ لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أنه أتي بعس ~~من لبن فشرب بعضه وناول الباقي أعرابيا كان على # PageV01P063 # يمينه فشرب، ثم ناوله أبا بكر فشرب» . # وروي أن عائشة - رضي الله عنها - «شربت من إناء في حال حيضها فوضع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فمه على موضع فمها حبا لها فشرب» ؛ ولأن سؤره ~~متحلب من لحمه - ولحمه طاهر - فكان سؤره طاهرا إلا في حال شرب الخمر؛ ~~لنجاسة فمه، وقيل: هذا إذا شرب الماء من ساعته، فأما إذا شرب الماء بعد ~~ساعة معتبرة ابتلع بزاقه فيها ثلاث مرات، يكون طاهرا عند أبي حنيفة - خلافا ~~لهما - بناء على مسألتين: إحداهما - إزالة النجاسة الحقيقية عن الثوب ~~والبدن بما سوى الماء من المائعات الطاهرة والثانية - إزالة النجاسة ~~الحقيقية بالغسل في الأواني ثلاث مرات وأبو يوسف مع أبي حنيفة في المسألة ~~الأولى، ومع محمد في المسألة الثانية، لكن اتفق جوابهما في هذه المسألة ~~لأصلين مختلفين: أحدهما - أن الصب شرط عند أبي يوسف ولم يوجد. # والثاني - أن ما سوى الماء من المائعات ليس بطهور عند محمد وبعض أصحاب ~~الظواهر كرهوا سؤر المشرك لظاهر قوله تعالى {إنما المشركون نجس} [التوبة: ~~28] وعندنا هو محمول على نجاسة خبث الاعتقاد؛ بدليل ما روي عن «النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه أنزل وفد ثقيف في المسجد وكانوا مشركين» ms0141 ، ولو كان ~~عينهم نجسا لما فعل مع أمره بتطهير المسجد، وإخباره عن انزواء المسجد من ~~النخامة مع طهارتها وكذا سؤر ما يؤكل لحمه من الأنعام والطيور إلا الإبل ~~الجلالة والبقرة الجلالة والدجاجة المخلاة؛ لأن سؤره متولد من لحمه، ولحمه ~~طاهر. # وروي أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ بسؤر بعير أو شاة» ، إلا أنه ~~يكره سؤر الإبل الجلالة والبقرة الجلالة والدجاجة المخلاة؛ لاحتمال نجاسة ~~فمها ومنقارها؛ لأنها تأكل النجاسة، حتى لو كانت محبوسة لا يكره، (وصفة) ~~الدجاجة المحبوسة أن لا يصل منقارها إلى ما تحت قدميها فإن كان يصل فهي ~~مخلاة؛ لأن احتمال بحث النجاسة قائم. # وأما سؤر الفرس فعلى قول أبي يوسف ومحمد طاهر؛ لطهارة لحمه، وعن أبي ~~حنيفة روايتان: - كما في لحمه - في رواية الحسن نجس كلحمه، وفي ظاهر ~~الرواية طاهر كلحمه، وهي رواية أبي يوسف عنه وهو الصحيح؛ لأن كراهة لحمه لا ~~لنجاسته بل لتقليل إرهاب العدو، وآلة الكر والفر، وذلك منعدم في السؤر ~~والله أعلم. # (وأما) السؤر المختلف في طهارته ونجاسته فهو سؤر الخنزير والكلب وسائر ~~سباع الوحش، فإنه نجس عند عامة العلماء، وقال مالك: طاهر وقال الشافعي سؤر ~~السباع كلها طاهر سوى الكلب والخنزير. # (أما) الكلام مع مالك فهو يحج بظاهر قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في ~~الأرض جميعا} [البقرة: 29] أباح الانتفاع بالأشياء كلها، ولا يباح الانتفاع ~~إلا بالطاهر، إلا أنه حرم أكل بعض الحيوانات، وحرمة الأكل لا تدل على ~~النجاسة كالآدمي، وكذا الذباب والعقرب والزنبور ونحوها طاهرة ولا يباح ~~أكلها، إلا أنه يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب مع طهارته تعبدا، ولنا ما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم ~~فاغسلوه ثلاثا، وفي رواية خمسا، وفي رواية سبعا» والأمر بالغسل لم يكن ~~تعبدا، إذ لا قربة تحصل بغسل الأواني؛ ألا ترى أنه لو لم يقصد صب الماء فيه ~~في المستقبل لا يلزمه الغسل، فعلم أنه لنجاسته؛ ولأن سؤر هذه الحيوانات ~~متحلب من لحومها، ولحومها ms0142 نجسة ويمكن التحرز عن سؤرها وصيانة الأواني عنها؛ ~~فيكون نجسا ضرورة. # (وأما) الكلام مع الشافعي فهو يحتج بما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما ~~- «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل فقيل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ ~~فقال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها» وعن جابر بن عبد الله أن «النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - سئل عن المياه التي بين مكة والمدينة وما يردها من السباع ~~فقال - صلى الله عليه وسلم -: لها ما حملت في بطونها، وما بقي فهو لنا شراب ~~وطهور» وهذا نص. # (ولنا) ما روي عن عمر وعمرو بن العاص أنهما وردا حوضا فقال عمرو بن العاص ~~لصاحب الحوض: أترد السباع حوضكم؟ فقال عمر - رضي الله عنه -: يا صاحب الحوض ~~لا تخبرنا ولو لم يتنجس الماء القليل بشربها منه لم يكن للسؤال ولا للنهي ~~معنى؛ ولأن هذا حيوان غير مأكول اللحم ويمكن صون الأواني عنها، ويختلط ~~بشربها لعابها بالماء، ولعابها نجس؛ لتحلبه من لحمها وهو نجس، فكان سؤرها ~~نجسا كسؤر الكلب والخنزير بخلاف الهرة، لأن صيانة الأواني عنها غير ممكن ~~وتأويل الحديثين أنه كان قبل تحريم لحم السباع، أو السؤال وقع عن المياه ~~الكثيرة وبه نقول: إن مثلها لا ينجس. # (وأما) السؤر المكروه فهو سؤر سباع الطير، كالبازي والصقر والحدأة ونحوها # PageV01P064 # استحسانا، والقياس أن يكون نجسا اعتبارا بلحمها كسؤر سباع الوحش، وجه ~~الاستحسان أنها تشرب بمنقارها - وهو عظم جاف فلم يختلط لعابها بسؤرها بخلاف ~~سؤر سباع الوحش؛ ولأن صيانة الأواني عنها متعذرة؛ لأنها تنقض من الهواء ~~فتشرب بخلاف سباع الوحش، إلا أنه يكره؛ لأن الغالب أنها تتناول الجيف ~~والميتات فكان منقارها في معنى منقار الدجاجة المخلاة، (وكذا) سؤر سواكن ~~البيوت كالفأرة والحية والوزغة والعقرب ونحوها، (وكذا) سؤر الهرة في رواية ~~الجامع الصغير وذكر في كتاب الصلاة: أحب إلي أن يتوضأ بغيره ولم يذكر ~~الكراهة، وعن أبي يوسف والشافعي لا يكره، (واحتجا) بما روي «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يصغي لها الإناء فتشرب منه، ثم يشرب ويتوضأ به» ms0143 ولأبي ~~حنيفة ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الهرة سبع» وهذا بيان حكمها. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا، ~~ومن ولوغ الهرة مرة» والمعنى في كراهته من وجهين: أحدهما: ما ذكره الطحاوي ~~وهو أن الهرة نجسة لنجاسة لحمها، لكن سقطت نجاسة سؤرها؛ لضرورة الطواف ~~فبقيت الكراهة لإمكان التحرز في الجملة، والثاني: ما ذكره الكرخي وهو أنها ~~ليست بنجسة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى عنها النجاسة بقوله: ~~«الهرة ليست بنجسة» ولكن الكراهة لتوهم أخذها الفأرة فصار فمها كيد ~~المستيقظ من نومه، وما روي من الحديث يحتمل أنه كان قبل تحريم السباع، ثم ~~نسخ على مذهب الطحاوي، ويحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم من طريق ~~الوحي أن تلك الهرة لم يكن على فمها نجاسة - على مذهب الكرخي - أو يحمل ~~فعله - صلى الله عليه وسلم - على بيان الجواز، وعلى هذا تناول بقية طعام ~~أكلته وتركها لتلحس القدر إن ذلك محمول على تعليم الجواز ولو أكلت الفأرة، ~~ثم شربت الماء قال أبو حنيفة: إن شربته على الفور تنجس الماء وإن مكثت، ثم ~~شربت لا يتنجس وقال أبو يوسف ومحمد: يتنجس بناء على ما ذكرنا من الأصلين في ~~سؤر شارب الخمر والله أعلم. # (وأما) السؤر المشكوك فيه فهو سؤر الحمار والبغل في جواب ظاهر الرواية، ~~وروى الكرخي عن أصحابنا أن سؤرهما نجس. # وقال الشافعي: ظاهر وجه قوله أن عرقه طاهر؛ لما روي أن «النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يركب الحمار معروريا والحر حر الحجاز فقلما يسلم الثوب من ~~عرقه، وكان يصلي فيه» فإذا كان العرق طاهرا فالسؤر أولى وجه رواية الكرخي: ~~أن الأصل في سؤره النجاسة؛ لأن سؤره لا يخلو عن لعابه، ولعابه متحلب من ~~لحمه، ولحمه نجس، فلو سقط اعتبار نجاسته إنما يسقط لضرورة المخالطة، ~~والضرورة متعارضة؛ لأنه ليس في المخالطة كالهرة ولا في المجانبة كالكلب، ~~فوقع الشك في سقوط ms0144 حكم الأصل فلا يسقط بالشك وجه ظاهر الرواية أن الآثار ~~تعارضت في طهارة سؤره ونجاسته عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان ~~يقول: الحمار يعتلف القت والتبن فسؤره طاهر وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - ~~أنه كان يقول: إنه رجس وكذا تعارضت الأخبار في أكل لحمه ولبنه، روي في ~~بعضها النهي، وفي بعضها الإطلاق، وكذا اعتبار عرقه يوجب طهارة سؤره، ~~واعتبار لحمه ولبنه يوجب نجاسته، وكذا تحقق أصل الضرورة لدورانه في صحن ~~الدار وشربه في الإناء يوجب طهارته، وتقاعدها عن ضرورة الهرة باعتبار أنه ~~لا يعلو الغرف ولا يدخل - المضايق - يوجب نجاسته، والتوقف في الحكم عند ~~تعارض الأدلة واجب، فلذلك كان مشكوكا فيه فأوجبنا الجمع بين التيمم وبين ~~التوضؤ به احتياطا؛ لأن التوضؤ به لو جاز لا يضره التيمم، ولو لم يجز ~~التوضؤ به جازت صلاته بالتيمم، فلا يحصل الجواز بيقين إلا بالجمع بينهما، ~~وأيهما قدم جاز عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر لا يجوز، حتى يقدم الوضوء ~~على التيمم ليصير عادما للماء، والصحيح قول أصحابنا الثلاثة؛ لما ذكرنا أنه ~~إن كان طاهرا فقد توضأ به قدم أو أخر، وإن كان نجسا ففرضه التيمم وقد أتى ~~به فإن قيل: في هذا ترك الاحتياط من وجه آخر؛ لأن على تقدير كونه نجسا ~~تتنجس به أعضاؤه وثيابه، فالجواب: أن الحدث كان ثابتا بيقين فلا تحصل ~~الطهارة بالشك، والعضو والثوب كل واحد منهما كان طاهرا بيقين فلا يتنجس ~~بالشك. # وقال بعضهم: الشك في طهوريته، ثم من مشايخنا من جعل هذا الجواب في سؤر ~~الأتان، وقال في سؤر الفحل: إنه نجس، لأنه يشم البول فتتنجس شفتاه وهذا غير ~~سديد؛ لأنه # PageV01P065 # أمر موهوم لا يغلب وجوده فلا يؤثر في إزالة الثابت ومن مشايخنا من جعل ~~الأسآر خمسة أقسام، أربعة منها ما ذكرنا وجعل الخامس منها السؤر النجس ~~المتفق على نجاسته، وهو سؤر الخنزير وليس كذلك؛ لأن في الخنزير خلاف مالك ~~كما في الكلب فانحصرت القسمة على أربعة. # (ومنها) الخمر والسكر أما الخمر؛ فلأن الله تعالى ms0145 سماه رجسا في آية تحريم ~~الخمر فقال: {رجس من عمل الشيطان} [المائدة: 90] والرجس: هو النجس؛ ولأن كل ~~واحد منهما حرام والحرمة - لا للاحترام - دليل النجاسة. # (ومنها) غسالة النجاسة الحقيقية، وجملة الكلام أن غسالة النجاسة نوعان: ~~غسالة النجاسة الحقيقية، وغسالة النجاسة الحكمية وهي الحدث أما غسالة ~~النجاسة الحقيقية وهي ما إذا غسلت النجاسة الحقيقية ثلاث مرات فالمياه ~~الثلاث نجسة؛ لأن النجاسة انتقلت إليها إذ لا يخلو كل ماء عن نجاسة فأوجب ~~تنجيسها وحكم المياه الثلاث في حق المنع من جواز التوضؤ بها، والمنع من ~~جواز الصلاة بالثوب الذي أصابته سواء لا يختلف وأما في حق تطهير المحل الذي ~~أصابته فيختلف حكمها، حتى قال مشايخنا: إن الماء الأول إذا أصاب ثوبا لا ~~يطهر إلا بالعصر، والغسل مرتين بعد العصر، والماء الثاني يطهر بالغسل مرة ~~بعد العصر، والماء الثالث يطهر بالعصر لا غير؛ لأن حكم كل ماء حين كان في ~~الثوب الأول كان هكذا، فكذا في الثوب الذي أصابه، واعتبروا ذلك بالدلو ~~المنزوح من البئر النجسة إذا صب في بئر طاهرة أن الثانية تطهر بما تطهر به ~~الأولى كذا هذا، وهل يجوز الانتفاع بالغسالة فيما سوى الشرب والتطهير من بل ~~الطين وسقي الدواب ونحو ذلك؟ فإن كان قد تغير طعمها أو لونها أو ريحها لا ~~يجوز الانتفاع؛ لأنه لما تغير دل أن النجس غالب فالتحق بالبول، وإن لم ~~يتغير شيء من ذلك يجوز؛ لأنه لما لم يتغير دل أن النجس لم يغلب على الطاهر، ~~والانتفاع بما ليس بنجس العين مباح في الجملة، وعلى هذا إذا وقعت الفأرة في ~~السمن فماتت فيه أنه إن كان جامدا تلقى الفأرة وما حولها ويؤكل الباقي، وإن ~~كان ذائبا لا يؤكل ولكن يستصبح به ويدبغ به الجلد ويجوز بيعه، وينبغي ~~للبائع أن يبين عيبه فإن لم يبين وباعه ثم علم به المشتري فهو بالخيار إن ~~شاء رده وإن شاء رضي به وقال الشافعي - رحمه الله -: لا يجوز بيعه ولا ~~الانتفاع به. # (واحتج) بما روي عن أبي موسى الأشعري ms0146 - رضي الله عنه - أن «النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - سئل عن فأرة ماتت في سمن فقال: إن كان جامدا فألقوها وما ~~حولها، وكلوا الباقي، وإن كان ذائبا فأريقوه» ولو جاز الانتفاع به لما أمر ~~بإراقته ولأنه نجس فلا يجوز الانتفاع به ولا بيعه كالخمر،. # (ولنا) ما روى ابن عمر - رضي الله عنه - أن «النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- سئل عن فأرة ماتت في سمن فقال: تلقى الفأرة وما حولها ويؤكل الباقي، ~~فقيل: يا رسول الله أرأيت لو كان السمن ذائبا؟ فقال: لا تأكلوا ولكن ~~انتفعوا به» وهذا نص في الباب؛ ولأنها في الجامد لا تجاور إلا ما حولها وفي ~~الذائب تجاور الكل، فصار الكل نجسا، وأكل النجس لا يجوز فأما الانتفاع بما ~~ليس بنجس العين فمباح كالثوب النجس وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بإلقاء ما حولها في الجامد، وإراقة الذائب في حديث أبي موسى لبيان حرمة ~~الأكل؛ لأن معظم الانتفاع بالسمن هو الأكل والحد الفاصل بين الجامد ~~والذائب: أنه إن كان بحال لوقور ذلك الموضع لا يستوي من ساعته، فهو جامد، ~~وإن كان يستوي من ساعته فهو ذائب، وإذا دبغ به الجلد يؤمر بالغسل، ثم إن ~~كان ينعصر بالعصر يغسل ويعصر ثلاث مرات، وإن كان لا ينعصر لا يطهر عند محمد ~~أبدا، وعند أبي يوسف يغسل ثلاث مرات ويجفف في كل مرة، وعلى هذا مسائل ~~نذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. # (وأما) غسالة النجاسة الحكمية وهي الماء المستعمل فالكلام في الماء ~~المستعمل يقع في ثلاثة مواضع: أحدها - في صفته أنه طاهر أم نجس؟ والثاني - ~~في أنه في أي حال يصير مستعملا؟ والثالث - في أنه بأي سبب يصير مستعملا؟ ~~(أما) الأول فقد ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يجوز التوضؤ به ولم يذكر أنه ~~طاهر أم نجس؟ وروى محمد عن أبي حنيفة أنه طاهر غير طهور وبه أخذ الشافعي، ~~وهو أظهر أقوال الشافعي، وروى أبو يوسف والحسن بن زياد عنه أنه نجس، غير أن ~~الحسن روى عنه أنه نجس ms0147 نجاسة غليظة يقدر فيه بالدرهم وبه أخذ وأبو يوسف روي ~~عنه أنه نجس نجاسة خفيفة يقدر فيه بالكثير الفاحش وبه أخذ وقال زفر: إن كان ~~المستعمل متوضئا فالماء المستعمل طاهر وطهور، وإن كان محدثا فهو طاهر غير ~~طهور وهو أحد أقاويل الشافعي، وفي # PageV01P066 # قول له أنه طاهر وطهور بكل حال، وهو قول مالك، ثم مشايخ بلخ حققوا الخلاف ~~فقالوا: الماء المستعمل نجس عند أبي حنيفة وأبي يوسف. # وعند محمد طاهر غير طهور، ومشايخ العراق لم يحققوا الخلاف فقالوا: إنه ~~طاهر غير طهور عند أصحابنا، حتى روي عن القاضي أبي حازم العراقي أنه كان ~~يقول: إنا نرجو أن لا تثبت رواية نجاسة الماء المستعمل عن أبي حنيفة، وهو ~~اختيار المحققين من مشايخنا بما وراء النهر، وجه قول من قال: إنه طهور؛ وما ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الماء طهور لا ينجسه شيء ~~إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» ولم يوجد التغير بعد الاستعمال؛ ولأن هذا ~~ماء طاهر لاقى عضوا طاهرا فلا يصير نجسا كالماء الطاهر إذا غسل به ثوب ~~طاهر، والدليل على أنه لاقى محلا طاهرا أن أعضاء المحدث طاهرة حقيقة وحكما، ~~أما الحقيقة؛ فلانعدام النجاسة الحقيقية حسا ومشاهدة. # وأما الحكم؛ فلما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان يمر في ~~بعض سكك المدينة، فاستقبله حذيفة بن اليمان، فاراد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يصافحه فامتنع وقال: إني جنب يا رسول الله فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: إن المؤمن لا ينجس» . # وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - «قال لعائشة - رضي الله عنها -: ناوليني ~~الخمرة، فقالت: إني حائض، فقال: ليست حيضتك في يدك؛» ولهذا جاز صلاة حامل ~~المحدث والجنب، وحامل النجاسة لا تجوز صلاته، وكذلك عرقه طاهر وسؤره طاهر ~~وإذا كانت أعضاء المحدث طاهرة كان الماء الذي لاقاها طاهرا ضرورة لأن ~~الطاهر لا يتغير عما كان عليه إلا بانتقال شيء من النجاسة إليه، ولا نجاسة ~~في المحل على ما مر، فلا يتصور ms0148 الانتقال فبقي طاهرا، وبهذا يحتج محمد ~~لإثبات الطهارة إلا أنه لا يجوز التوضؤ به؛ لأنا تعبدنا باستعمال الماء عند ~~القيام إلى الصلاة شرعا غير معقول التطهير؛ لأن تطهير الطاهر محال، والشرع ~~ورد باستعمال الماء المطلق وهو الذي لا يقوم به خبث، ولا معنى يمنع جواز ~~الصلاة وقد قام بالماء المستعمل أحد هذين المعنيين، أما على قول محمد؛ ~~فلأنه أقيم به قربة إذا توضأ لأداء الصلاة؛ لأن الماء إنما يصير مستعملا ~~بقصد التقرب عنده وقد ثبت بالأحاديث أن الوضوء سبب لإزالة الآثام عن ~~المتوضئ للصلاة، فينتقل ذلك إلى الماء، فيتمكن فيه نوع خبث كالمال الذي ~~تصدق به؛ ولهذا سميت الصدقة غسالة الناس وأما على قول زفر؛ فلأنه قام به ~~معنى مانع من جواز الصلاة وهو الحدث؛ لأن الماء عنده إنما يصير مستعملا ~~بإزالة الحدث. # وقد انتقل الحدث من البدن إلى الماء، ثم الخبث والحدث وإن كانا من صفات ~~المحل، والصفات لا تحتمل الانتقال لكن ألحق ذلك بالعين النجسة القائمة ~~بالمحل حكما والأعيان الحقيقية قابلة للانتقال فكذا ما هو ملحق بها شرعا، ~~وإذا قام بهذا الماء أحد هذين المعنيين لا يكون في معنى الماء المطلق، ~~فيقتصر الحكم عليه على الأصل المعهود أن ما لا يعقل من الأحكام يقتصر على ~~المنصوص عليه ولا يتعدى إلى غيره إلا إذا كان في معناه من كل وجه، ولم يوجد ~~أوجه رواية النجاسة ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من جنابة» حرم الاغتسال في ~~الماء القليل؛ لإجماعنا على أن الاغتسال في الماء الكثير ليس بحرام، فلولا ~~أن القليل من الماء ينجس بالاغتسال بنجاسة الغسالة لم يكن للنهي معنى، لأن ~~إلقاء الطاهر في الطاهر ليس بحرام، أما تنجيس الطاهر فحرام فكان هذا نهيا ~~عن تنجيس الماء الطاهر بالاغتسال، وذا يقتضي التنجيس به، ولا يقال: إنه ~~يحتمل أنه نهي لما فيه من إخراج الماء من أن يكون مطهرا من غير ضرورة وذلك ~~حرام؛ لأنا نقول: ms0149 الماء القليل إنما يخرج عن كونه مطهرا باختلاط غير المطهر ~~به إذا كان الغير غالبا عليه، كماء الورد واللبن ونحو ذلك، فأما إذا كان ~~مغلوبا فلا. # وههنا الماء المستعمل ما يلاقي البدن، ولا شك أن ذلك أقل من غير المستعمل ~~فكيف يخرج به من أن يكون مطهرا؟ فأما ملاقاة النجس الطاهر فتوجب تنجيس ~~الطاهر؛ وإن لم يغلب على الطاهر لاختلاطه بالطاهر على وجه لا يمكن التمييز ~~بينهما فيحكم بنجاسة الكل، فثبت أن النهي لما قلنا ولا يقال: إنه يحتمل أنه ~~نهي؛ لأن أعضاء الجنب لا تخلو عن النجاسة الحقيقية، وذا يوجب تنجيس الماء ~~القليل؛ لأنا نقول: الحديث مطلق فيجب العمل بإطلاقه؛ ولأن النهي عن ~~الاغتسال ينصرف إلى الاغتسال المسنون؛ لأنه هو المتعارف فيما بين المسلمين، ~~والمسنون منه هو إزالة النجاسة الحقيقية عن البدن قبل الاغتسال، على أن ~~النهي عن إزالة النجاسة الحقيقية التي على البدن استفيد بالنهي عن البول ~~فيه # PageV01P067 # فوجب حمل النهي عن الاغتسال فيه - على ما ذكرنا - صيانة لكلام صاحب الشرع ~~عن الإعادة الخالية عن الإفادة؛ ولأن هذا مما تستخبثه الطباع السليمة فكان ~~محرما لقوله تعالى {ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] والحرمة - لا ~~للاحترام - دليل النجاسة؛ ولأن الأمة أجمعت على أن من كان في السفر ومعه ~~ماء يكفيه لوضوئه وهو بحال يخاف على نفسه العطش يباح له التيمم. # ولو بقي الماء طاهرا بعد الاستعمال لما أبيح؛ لأنه يمكنه أن يتوضأ ويأخذ ~~الغسالة في إناء نظيف ويمسكها للشرب، والمعنى في المسألة من وجهين: أحدهما: ~~في المحدث خاصة والثاني: يعم الفصلين أما الأول؛ فلأن الحدث هو خروج شيء ~~نجس من البدن وبه يتنجس بعض البدن حقيقة فيتنجس الباقي تقديرا؛ ولهذا أمرنا ~~بالغسل والوضوء؛ وسمي تطهيرا، وتطهير الطاهر لا يعقل، فدل تسميتها تطهيرا ~~على النجاسة تقديرا؛ ولهذا لا يجوز له أداء الصلاة التي هي من باب التعظيم، ~~ولولا النجاسة المانعة من التعظيم لجازت، فثبت أن على أعضاء المحدث نجاسة ~~تقديرية، فإذا توضأ انتقلت تلك النجاسة إلى الماء فيصير الماء نجسا تقديرا ~~وحكما، ms0150 والنجس قد يكون حقيقيا وقد يكون حكميا كالخمر والثاني - ما ذكرنا ~~أنه يزيل نجاسة الآثام وخبثها فنزل ذلك منزلة خبث الخمر إذا أصاب الماء ~~ينجسه كذا هذا، ثم إن أبا يوسف جعل نجاسته خفيفة؛ لعموم البلوى فيه؛ لتعذر ~~صيانة الثياب عنه ولكونه محل الاجتهاد فأوجب ذلك خفة في حكمه والحسن جعل ~~نجاسته غليظة؛ لأنها نجاسة حكمية؛ وأنها أغلظ من الحقيقة، ألا ترى أنه عفي ~~عن القليل من الحقيقية دون الحكمية بأن بقي على جسده لمعة يسيرة، وعلى هذا ~~الأصل ينبني أن التوضؤ في المسجد مكروه، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال ~~محمد: لا بأس به، إذا لم يكن عليه قذر، فمحمد مر على أصله أنه طاهر، وأبو ~~يوسف مر على أصله أنه نجس. # وأما عند أبي حنيفة فعلى رواية النجاسة لا يشكل. # وأما على رواية الطهارة؛ فلأنه مستقذر طبعا فيجب تنزيه المسجد عنه كما ~~يجب تنزيهه عن المخاط والبلغم، ولو اختلط الماء المستعمل بالماء القليل؟ ~~قال بعضهم: لا يجوز التوضؤ به وإن قل وهذا فاسد، أما عند محمد فلأنه طاهر ~~لم يغلب على الماء المطلق فلا يغيره عن صفة الطهورية كاللبن. # وأما عندهما فلأن القليل مما لا يمكن التحرز عنه يجعل عفوا؛ ولهذا قال ~~ابن عباس - رضي الله عنه - حين سئل عن القليل منه: لا بأس به وسئل الحسن ~~البصري عن القليل فقال: ومن يملك نشر الماء؟ وهو ما تطاير منه عند الوضوء ~~وانتشر أشار إلى تعذر التحرز عن القليل، فكان القليل عفوا، ولا تعذر في ~~الكثير فلا يكون عفوا، ثم الكثير عند محمد ما يغلب على الماء المطلق، ~~وعندهما أن يتبين مواقع القطرة في الإناء. # (وأما) بيان حال الاستعمال وتفسير الماء المستعمل فقال بعض مشايخنا: ~~الماء المستعمل: ما زايل البدن واستقر في مكان وذكر في الفتاوى: أن الماء ~~إذا زال عن البدن لا ينجس ما لم يستقر على الأرض أو في الإناء، وهذا مذهب ~~سفيان الثوري فأما عندنا فما دام على العضو الذي استعمله فيه لا يكون ~~مستعملا، وإذا ms0151 زايله صار مستعملا وإن لم يستقر على الأرض أو في الإناء، ~~فإنه ذكر في الأصل إذا مسح رأسه بماء أخذه من لحيته لم يجزه، وإن لم يستقر ~~على الأرض أو في الإناء، وذكر في باب المسح على الخفين أن من مسح على خفيه ~~وبقي في كفه بلل فمسح به رأسه لا يجزيه، وعلل بأن هذا ماء قد مسح به مرة ~~أشار إلى صيرورته مستعملا وإن لم يستقر على الأرض أو في الإناء، وقالوا ~~فيمن توضأ وبقي على رجله لمعة فغسلها ببلل أخذه من عضو آخر: لا يجوز، وإن ~~لم يوجد الاستقرار على المكان، فدل على أن المذهب ما قلنا. # (أما) سفيان فقد استدل بمسائل زعم أنها تدل على صحة ما ذهب إليه (منها) : ~~إذا توضأ أو اغتسل وبقي على يده لمعة فأخذ البلل منها في الوضوء أو من أي ~~عضو كان في الغسل وغسل اللمعة يجوز. # (ومنها) : إذا توضأ وبقي في كفه بلل فمسح به رأسه يجوز، وإن زايل العضو ~~الذي استعمله فيه لعدم الاستقرار في مكان. # (ومنها) : إذا مسح أعضاءه بالمنديل وابتل، حتى صار كثيرا فاحشا أو تقاطر ~~الماء على ثوب مقدار الكثير الفاحش جازت الصلاة معه ولو أعطي له حكم ~~الاستعمال عند المزايلة لما جازت. # (ولنا) أن القياس أن يصير الماء مستعملا بنفس الملاقاة؛ لما ذكرنا فيما ~~تقدم أنه وجد سبب صيرورته مستعملا وهو إزالة الحدث أو استعماله على وجه ~~القربة. # وقد حصل ذلك بمجرد الملاقاة فكان ينبغي أن يؤخذ لكل جزء من العضو جزء من ~~الماء، إلا أن في ذلك حرجا، فالشرع أسقط # PageV01P068 # اعتبار حالة الاستعمال في عضو واحد حقيقة أو في عضو واحد حكما، كما في ~~الجنابة ضرورة دفع الحرج، فإذا زايل العضو زالت الضرورة فيظهر حكم ~~الاستعمال بقضية القياس. # وقد خرج الجواب عن المسألة الأولى (وأما) المسألة الثانية: فقد ذكر ~~الحاكم الجليل أنها على التفصيل: إن لم يكن استعمله في شيء من أعضائه يجوز، ~~أما إذا كان استعمله لا يجوز، والصحيح أنه يجوز وإن استعمله ms0152 في المغسولات؛ ~~لأن فرض الغسل إنما تأدى بماء جرى على عضوه لا بالبلة الباقية، فلم تكن هذه ~~البلة مستعملة، بخلاف ما إذا استعمله في المسح على الخف، ثم مسح به رأسه ~~حيث لا يجوز؛ لأن فرض المسح يتأدى بالبلة وتفصيل الحاكم محمول على هذا، وما ~~مسح بالمنديل أو تقاطر على الثوب فهو مستعمل، إلا أنه لا يمنع جواز الصلاة؛ ~~لأن الماء المستعمل طاهر عند محمد وهو المختار، وعندهما وإن كان نجسا لكن ~~سقوط اعتبار نجاسته ههنا لمكان الضرورة. # (وأما) بيان سبب صيرورة الماء مستعملا، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف الماء ~~إنما يصير مستعملا بأحد أمرين: إما بإزالة الحدث، أو بإقامة القربة وعند ~~محمد لا يصير مستعملا إلا بإقامة القربة، وعند زفر والشافعي لا يصير ~~مستعملا إلا بإزالة الحدث وهذا الاختلاف لم ينقل عنهم نصا لكن مسائلهم تدل ~~عليه، والصحيح قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لما ذكرنا من زوال المانع من ~~الصلاة إلى الماء واستخباث الطبيعة إياه في الفصلين جميعا إذا عرفنا هذا، ~~فنقول: إذا توضأ بنية إقامة القربة نحو الصلاة المعهودة وصلاة الجنازة ~~ودخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن ونحوها، فإن كان محدثا صار الماء ~~مستعملا بلا خلاف؛ لوجود السببين وهو إزالة الحدث واقامة القربة جميعا، وإن ~~لم يكن محدثا يصير مستعملا عند أصحابنا الثلاثة؛ لوجود إقامة القربة لكون ~~الوضوء على الوضوء نورا على نور، وعند زفر والشافعي لا يصير مستعملا؛ ~~لانعدام إزالة الحدث. # ولو توضأ أو اغتسل للتبرد فإن كان محدثا صار الماء مستعملا عند أبي حنيفة ~~وأبي يوسف وزفر والشافعي؛ لوجود إزالة الحدث وعن محمد لا يصير مستعملا لعدم ~~إقامة القربة، وإن لم يكن محدثا لا يصير مستعملا بالاتفاق على اختلاف ~~الأصول، ولو توضأ بالماء المقيد كماء الورد ونحوه لا يصير مستعملا ~~بالإجماع؛ لأن التوضؤ به غير جائز، فلم يوجد إزالة الحدث ولا إقامة القربة، ~~وكذا إذا غسل الأشياء الطاهرة من النبات والثمار والأواني والأحجار ونحوها، ~~أو غسل يده من الطين والوسخ، وغسلت المرأة يدها من العجين أو ms0153 الحناء ونحو ~~ذلك، لا يصير مستعملا؛ لما قلنا، ولو غسل يده للطعام أو من الطعام لقصد ~~إقامة السنة صار الماء مستعملا؛ لأن إقامة السنة قربة لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «الوضوء قبل الطعام بركة، وبعده ينفي اللمم» ولو توضأ ~~ثلاثا ثلاثا، ثم زاد على ذلك فإن أراد بالزيادة ابتداء الوضوء صار الماء ~~مستعملا؛ لما قلنا، وإن أراد الزيادة على الوضوء الأول اختلف المشايخ فيه ~~فقال بعضهم: لا يصير مستعملا؛ لأن الزيادة على الثلاث من باب التعدي بالنص ~~وقال بعضهم: يصير مستعملا؛ لأن الزيادة في معنى الوضوء على الوضوء فكانت ~~قربة. # ولو أدخل جنب أو حائض أو محدث يده في الإناء قبل أن يغسلها وليس عليها ~~قذر، أو شرب الماء منه، فقياس أصل أبي حنيفة وأبي يوسف أن يفسد، وفي ~~الاستحسان لا يفسد وجه القياس: أن الحدث زال عن يده بإدخالها في الماء وكذا ~~عن شفته فصار مستعملا، وجه الاستحسان: ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - ~~أنها قالت: «كنت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - نغتسل من إناء ~~واحد» وربما كانت تتنازع فيه الأيدي وروينا أيضا عن عائشة - رضي الله عنها ~~- «أنها كانت تشرب من إناء وهي حائض، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يشرب من ذلك الإناء، وكان يتتبع مواضع فمها حبا لها» ؛ ولأن التحرز عن ~~إصابة الحدث والجنابة والحيض غير ممكن، وبالناس حاجة إلى الوضوء والاغتسال ~~والشرب، وكل واحد لا يملك الإناء ليغترف الماء من الإناء العظيم، ولا كل ~~أحد يملك أن يتخذ آنية على حدة للشرب فيحتاج إلى الاغتراف باليد والشرب من ~~كل آنية، فلو لم يسقط اعتبار نجاسة اليد والشفة؛ لوقع الناس في الحرج، حتى ~~لو أدخل رجله فيه يفسد الماء؛ لانعدام الحاجة إليه في الإناء؛ ولو أدخلها ~~في البئر لم يفسده؛ كذا ذكر أبو يوسف في الأمالي؛ لأنه يحتاج إلى ذلك في ~~البئر لطلب الدلو فجعل عفوا، ولو أدخل في الإناء أو البئر بعض جسده سوى ~~اليد والرجل أفسده؛ لأنه لا حاجة ms0154 إليه. # وعلى هذا الأصل تخرج مسألة البئر إذا انغمس الجنب فيها لطلب الدلو لا ~~بنية الاغتسال، وليس على # PageV01P069 # بدنه نجاسة حقيقية والجملة فيه أن الرجل المنغمس لا يخلو: إما أن يكون ~~طاهرا، أو لم يكن بأن كان على بدنه نجاسة حقيقية أو حكمية كالجنابة والحدث، ~~وكل وجه على وجهين إما أن ينغمس لطلب الدلو، أو للتبرد، أو للاغتسال، وفي ~~المسألة حكمان: حكم الماء الذي في البئر، وحكم الداخل فيها، فإن كان طاهرا ~~- وانغمس لطلب الدلو أو للتبرد - لا يصير مستعملا بالإجماع؛ لعدم إزالة ~~الحدث وإقامة القربة، وإن انغمس فيها للاغتسال صار الماء مستعملا عند ~~أصحابنا الثلاثة؛ لوجود إقامة القربة، وعند زفر والشافعي لا يصير مستعملا؛ ~~لانعدام إزالة الحدث، والرجل طاهر في الوجهين جميعا وإن لم يكن طاهرا، فإن ~~كان على بدنه نجاسة حقيقية وهو جنب أو لا فانغمس في ثلاثة آبار أو أكثر من ~~ذلك؛ لا يخرج من الأولى والثانية طاهرا بالإجماع، ويخرج من الثالثة طاهرا ~~عند أبي حنيفة ومحمد، والمياه الثلاثة نجسة لكن نجاستها على التفاوت على ما ~~ذكرنا. # وعند أبي يوسف المياه كلها نجسة، والرجل نجس سواء انغمس لطلب الدلو أو ~~التبرد أو الاغتسال، وعندهما إن انغمس لطلب الدلو أو التبرد فالمياه باقية ~~على حالها، وإن كان الانغماس للاغتسال فالماء الرابع فصاعدا مستعمل؛ لوجود ~~إقامة القربة، وإن كان على يده نجاسة حكمية فقط فإن أدخلها لطلب الدلو أو ~~التبرد يخرج من الأولى طاهرا، عند أبي حنيفة ومحمد هو الصحيح؛ لزوال ~~الجنابة بالانغماس مرة واحدة، وعند أبي يوسف هو نجس ولا يخرج طاهرا أبدا. # وأما حكم المياه: فالماء الأول مستعمل عند أبي حنيفة؛ لوجود إزالة الحدث، ~~والبواقي على حالها؛ لانعدام ما يوجب الاستعمال أصلا وعند أبي يوسف ومحمد ~~المياه كلها على حالها، أما عند محمد فظاهر؛ لأنه لم يوجد إقامة القربة ~~بشيء منها وأما أبو يوسف فقد ترك أصله عند الضرورة على ما يذكر، وروى بشر ~~عنه أن المياه كلها نجسة، وهو قياس مذهبه، والحاصل أن عند أبي حنيفة ms0155 ومحمد ~~يطهر النجس بوروده على الماء القليل، كما يطهر بورود الماء عليه بالصب سواء ~~كان حقيقيا أو حكميا على البدن أو على غيره، غير أن النجاسة الحقيقية لا ~~تزول إلا بالملاقاة ثلاث مرات والحكمية تزول بالمرة الواحدة. # وعند أبي يوسف لا يطهر النجس عن البدن بوروده على الماء القليل الراكد ~~قولا واحدا، وله في الثوب قولان، أما الكلام في النجاسة الحقيقية في ~~الطرفين فسيأتي في بيان ما يقع به التطهير، وأما النجاسة الحكمية فالكلام ~~فيها على نحو الكلام في الحقيقة، فأبو يوسف يقول: الأصل أن ملاقاة أول عضو ~~المحدث الماء يوجب صيرورته مستعملا، فكذا ملاقاة أول عضو الطاهر الماء على ~~قصد إقامة القربة، وإذا صار الماء مستعملا بأول الملاقاة لا تتحقق طهارة ~~بقية الأعضاء بالماء المستعمل فيجب العمل بهذا الأصل، إلا عند الضرورة ~~كالجنب والمحدث إذا أدخل يده في الإناء لاغتراف الماء لا يصير مستعملا، ولا ~~يزول الحدث إلى الماء لمكان الضرورة، وههنا ضرورة؛ لحاجة الناس إلى إخراج ~~الدلاء من الآبار فترك أصله لهذه الضرورة؛ ولأن هذا الماء لو صار مستعملا ~~إنما يصير مستعملا بإزالة الحدث، ولو أزال الحدث لتنجس، ولو تنجس لا يزيل ~~الحدث، وإذا لم يزل الحدث بقي طاهرا، وإذا بقي طاهرا يزيل الحدث فيقع الدور ~~فقطعنا الدور من الابتداء فقلنا: إنه لا يزيل الحدث عنه، فبقي هو بحاله، ~~والماء على حاله وأبو حنيفة ومحمد يقولان: إن النجاسة تزول بورود الماء ~~عليها، فكذا بورودها على الماء؛ لأن زوال النجاسة بواسطة الاتصال والملاقاة ~~بين الطاهر والنجس موجودة في الحالين، ولهذا ينجس الماء بعد الانفصال في ~~الحالين جميعا في النجاسة الحقيقية، إلا أن حالة الاتصال لا يعطى لها حكم ~~النجاسة، والاستعمال لضرورة إمكان التطهير، والضرورة متحققة في الصب، إذ كل ~~واحد لا يقدر عليه على كل حال فامتنع ظهور حكمه في هذه الحالة، ولا ضرورة ~~بعد الانفصال فيظهر حكمه، وعلى هذا إذا أدخل رأسه أو خفه أو جبيرته في ~~الإناء وهو محدث، قال أبو يوسف: يجزئه في المسح ولا يصير ms0156 الماء مستعملا ~~سواء نوى أو لم ينو؛ لوجود أحد سببي الاستعمال وإنما كان؛ لأن فرض المسح ~~يتأدى بإصابة البلة إذ هو اسم للإصابة دون الإسالة، فلم يزل شيء من الحدث ~~إلى الماء الباقي في الإناء، وإنما زال إلى البلة، وكذا إقامة القربة تحصل ~~بها فاقتصر حكم الاستعمال عليها. # وقال محمد: إن لم ينو المسح يجزئه ولا يصير الماء مستعملا؛ لأنه لم توجد ~~إقامة القربة فقد مسح بماء غير مستعمل فاجزأه، وإن نوى المسح اختلف المشايخ ~~على قوله قال بعضهم: # PageV01P070 # لا يجزئه ويصير الماء مستعملا؛ لأنه لما لاقى رأسه الماء على قصد إقامة ~~القربة صيره مستعملا، ولا يجوز المسح بالماء المستعمل، والصحيح أنه يجوز ~~ولا يصير الماء مستعملا بالملاقاة؛ لأن الماء إنما يأخذ حكم الاستعمال بعد ~~الانفصال فلم يكن مستعملا قبله فيجزئه المسح به جنب على يده قذر فأخذ الماء ~~بفمه وصبه عليه، روى المعلى عن أبي يوسف أنه لا يطهر؛ لأنه صار مستعملا ~~بإزالة الحدث عن الفم، والماء المستعمل لا يزيل النجاسة بالإجماع، وذكر ~~محمد في الآثار أنه يطهر؛ لأنه لم يقم به قربة فلم يصر مستعملا والله أعلم. ### | [فصل في بيان المقدار الذي يصير به المحل نجسا] # (فصل) : # وأما بيان المقدار الذي يصير به المحل نجسا شرعا: فالنجس لا يخلو إما أن ~~يقع في المائعات كالماء والخل ونحوهما، وإما أن يصيب الثوب والبدن ومكان ~~الصلاة، فإن وقع في الماء، فإن كان جاريا، فإن كان النجس غير مرئي كالبول ~~والخمر ونحوهما لا ينجس، ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، ويتوضأ منه من ~~أي موضع كان من الجانب الذي وقع فيه النجس أو من جانب آخر، كذا ذكره محمد ~~في كتاب الأشربة لو أن رجلا صب خابية من الخمر في الفرات، ورجل آخر - أسفل ~~منه - يتوضأ إن تغير لونه أو طعمه أو ريحه لا يجوز، وإن لم يتغير يجوز وعن ~~أبي حنيفة في الجاهل بال في الماء الجاري، ورجل أسفل منه يتوضأ به قال: لا ~~بأس به وهذا؛ لأن ms0157 الماء الجاري مما لا يخلص بعضه إلى بعض، فالماء الذي ~~يتوضأ به يحتمل أنه نجس، ويحتمل أنه طاهر، والماء طاهر في الأصل فلا نحكم ~~بنجاسته بالشك، وإن كانت النجاسة مرئية كالجيفة ونحوها، فإن كان جميع الماء ~~يجري على الجيفة لا يجوز التوضؤ من أسفل الجيفة؛ لأنه نجس بيقين، والنجس لا ~~يطهر بالجريان، وإن كان أكثره يجري على الجيفة فكذلك؛ لأن العبرة للغالب ~~وإن كان أقله يجري على الجيفة، والأكثر يجري على الطاهر يجوز التوضؤ به من ~~أسفل الجيفة؛ لأن المغلوب ملحق بالعدم في أحكام الشرع، وإن كان يجري عليها ~~النصف أو دون النصف فالقياس أن يجوز التوضؤ به؛ لأن الماء كان طاهرا بيقين ~~فلا يحكم بكونه نجسا بالشك، وفي الاستحسان لا يجوز احتياطا، وعلى هذا إذا ~~كان النجس عند الميزاب والماء يجري عليه فهو على التفصيل الذي ذكرنا، وإن ~~كانت الأنجاس متفرقة على السطح ولم تكن عند الميزاب، ذكر عيسى بن أبان أنه ~~لا يصير نجسا ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، وحكمه حكم الماء الجاري. # وقال محمد: إن كانت النجاسة في جانب من السطح أو جانبين منه لا ينجس ~~الماء، ويجوز التوضؤ به، وإن كانت في ثلاثة جوانب ينجس اعتبارا للغالب وعن ~~محمد في ماء المطر إذا مر بعذرات، ثم استنقع في موضع فخاض فيه إنسان، ثم ~~دخل المسجد فصلى لا بأس به، وهو محمول على ما إذا مر أكثره على الطاهر، ~~واختلف المشايخ في حد الجريان قال بعضهم: هو أن يجري بالتبن والورق. # وقال بعضهم: إن كان بحيث لو وضع رجل يده في الماء عرضا لم ينقطع جريانه ~~فهو جار وإلا فلا. # وروي عن أبي يوسف كان بحال لو اغترف إنسان الماء بكفيه لم ينحسر وجه ~~الأرض بالاغتراف فهو جار وإلا فلا، وقيل: ما يعده الناس جاريا فهو جار، وما ~~لا فلا؛ وهو أصح الأقاويل، وإن كان راكدا فقد اختلف فيه قال أصحاب الظواهر: ~~إن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه أصلا سواء كان جاريا أو ms0158 راكدا، وسواء ~~كان قليلا أو كثيرا، تغير لونه أو طعمه أو ريحه أو لم يتغير. # وقال عامة العلماء: إن كان الماء قليلا ينجس، وإن كان كثيرا لا ينجس، ~~لكنهم اختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير قال مالك: إن تغير لونه ~~أو طعمه أو ريحه فهو قليل، وإن لم يتغير فهو كثير وقال الشافعي: إذا بلغ ~~الماء قلتين فهو كثير، والقلتان عنده خمس قرب، كل قربة خمسون منا فيكون ~~جملته مائتين وخمسين منا وقال أصحابنا: إن كان بحال يخلص بعضه إلى بعض فهو ~~قليل، وإن كان لا يخلص فهو كثير. # فأما أصحاب الظواهر فاحتجوا بظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«الماء طهور لا ينجسه شيء» (واحتج) مالك بقوله - صلى الله عليه وسلم - «خلق ~~الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه» وهو تمام ~~الحديث، أو بنى العام على الخاص عملا بالدليلين (واحتج) الشافعي بقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل خبثا» أي يدفع الخبث ~~عن نفسه قال الشافعي: قال ابن جريج: أراد بالقلتين قلال هجر، كل قلة يسع ~~فيها قربتان وشيء، قال الشافعي: وهو شيء مجهول فقدرته بالنصف احتياطا. # (ولنا) ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إذا استيقظ ~~أحدكم من منامه فلا يغمسن # PageV01P071 # يده في الإناء، حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده» ولو كان ~~الماء لا ينجس بالغمس لم يكن للنهي والاحتياط؛ لوهم النجاسة معنى، وكذا ~~الأخبار مستفيضة بالأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب مع أنه لا يغير لونه ولا ~~طعمه ولا ريحه. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يبولن أحدكم في الماء ~~الدائم ولا يغتسلن فيه من جنابة» من غير فصل بين دائم ودائم وهذا نهي عن ~~تنجيس الماء؛ لأن البول والاغتسال فيما لا يتنجس لكثرته ليس بمنهي، فدل على ~~كون الماء الدائم مطلقا محتملا للنجاسة، إذ النهي عن تنجيس ما لا يحتمل ~~النجاسة ضرب من السفه، ms0159 وكذا الماء الذي يمكن الاغتسال فيه يكون أكثر من ~~قلتين، والبول والاغتسال فيه لا يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه. # وعن ابن عباس وابن الزبير - رضي الله عنهما - أنهما أمرا في زنجي وقع في ~~بئر زمزم بنزح ماء البئر كله، ولم يظهر أثره في الماء، وكان الماء أكثر من ~~قلتين، وذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهما - ولم ينكر عليهما أحد ~~فانعقد الإجماع من الصحابة على ما قلنا، وعرف بهذا الإجماع أن المراد بما ~~رواه مالك هو الماء الكثير الجاري، وبه تبين أن ما رواه الشافعي غير ثابت؛ ~~لكونه مخالفا لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، وخبر الواحد إذا ورد ~~مخالفا للإجماع يرد، يدل عليه أن علي بن المديني قال: لا يثبت هذا الحديث ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر أبو داود السجستاني وقال: لا يكاد ~~يصح لواحد من الفريقين حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تقدير ~~الماء؛ ولهذا رجع أصحابنا في التقدير إلى الدلائل الحسية دون الدلائل ~~السمعية، ثم اختلفوا في تفسير الخلوص فاتفقت الروايات عن أصحابنا أنه يعتبر ~~الخلوص بالتحريك، وهو أنه إن كان بحال لو حرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر ~~فهو مما يخلص. # وإن كان لا يتحرك فهو مما لا يخلص وإنما اختلفوا في جهة التحريك، فروى ~~أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه يعتبر التحريك بالاغتسال من غير عنف، وروى محمد ~~عنه أنه يعتبر التحريك بالوضوء - وفي رواية باليد - من غير اغتسال ولا ~~وضوء، واختلف المشايخ فالشيخ أبو حفص الكبير البخاري اعتبر الخلوص بالصبغ، ~~وأبو نصر محمد بن محمد بن سلام اعتبره بالتكدير، وأبو سليمان الجوزجاني ~~اعتبره بالمساحة فقال: إن كان عشرا في عشر فهو مما لا يخلص، وإن كان دونه ~~فهو مما يخلص وعبد الله بن المبارك اعتبره بالعشرة أولا، ثم بخمسة عشر، ~~وإليه ذهب أبو مطيع البلخي فقال: إن كان خمسة عشر في خمسة عشر أرجو أن ~~يجوز، وإن كان عشرين في عشرين لا أجد في قلبي شيئا. # وروي عن محمد أنه ms0160 قدره بمسجده فكان مسجده ثمانيا في ثمان، وبه أخذ محمد ~~بن سلمة، وقيل: كان مسجده عشرا في عشر، وقيل: مسح مسجده فوجد داخله ثمانيا ~~في ثمان، وخارجه عشرا في عشر وذكر الكرخي وقال: لا عبرة للتقدير في الباب، ~~وإنما المعتبر هو التحري، فإن كان أكبر رأيه أن النجاسة خلصت إلى هذا ~~الموضع الذي يتوضأ منه لا يجوز، وإن كان أكبر رأيه أنها لم تصل إليه يجوز؛ ~~لأن العمل بغالب الرأي، وأكبر الظن في الأحكام واجب، ألا يرى أن خبر الواحد ~~العدل يقبل في نجاسة الماء وطهارته، وإن كان لا يفيد برد اليقين. # وكذلك قال أصحابنا في الغدير العظيم الذي لو حرك طرف منه لا يتحرك الطرف ~~الآخر إذا وقعت فيه النجاسة: إنه إن كان في غالب الرأي أنها وصلت إلى ~~الموضع الذي يتوضأ منه لا يجوز، وإن كان فيه أنها لم تصل يجوز، وذكر في ~~كتاب الصلاة في الميزاب إذا سال على إنسان أنه إن كان غالب ظنه أنه نجس يجب ~~غسله وإلا فلا، وإن لم يستقر قلبه على شيء لا يجب غسله في الحكم، ولكن ~~المستحب أن يغسل وأما حوض الحمام الذي يخلص بعضه إلى بعض إذا وقعت فيه ~~النجاسة أو توضأ إنسان، روي عن أبي يوسف أنه إن كان الماء يجري من الميزاب ~~والناس يغترفون منه لا يصير نجسا، وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة؛ لأنه ~~بمنزلة الماء الجاري، ولو تنجس الحوض الصغير بوقوع النجاسة فيه، ثم بسط ~~ماؤه حتى صار لا يخلص بعضه إلى بعض فهو نجس؛ لأن المبسوط هو الماء النجس ~~وقيل في الحوض الكبير وقعت فيه النجاسة، ثم قل ماؤه، حتى صار يخلص بعضه إلى ~~بعض: إنه طاهر؛ لأن المجتمع هو الماء الطاهر، هكذا ذكره أبو بكر الإسكاف ~~واعتبر حالة الوقوع. # ولو وقع في هذا القليل نجاسة، ثم عاوده الماء، حتى امتلأ الحوض ولم يخرج ~~منه شيء قال أبو القاسم الصفار: لا يجوز التوضؤ به؛ لأنه كلما دخل الماء ~~فيه صار نجسا. # ولو أن حوضين ms0161 صغيرين يخرج الماء من # PageV01P072 # أحدهما ويدخل في الآخر فتوضأ منه إنسان في خلال ذلك جاز؛ لأنه ماء جار ~~حوض حكم بنجاسته، ثم نضب ماؤه وجف أسفله، حتى حكم بطهارته ثم دخل فيه الماء ~~ثانيا هل يعود نجسا؟ فيه روايتان عن أبي حنيفة، وكذا الأرض إذا أصابتها ~~النجاسة فجفت وذهب أثرها، ثم عاودها الماء، وكذا المني إذا أصاب الثوب فجف ~~وفرك، ثم أصابه بلل، وكذا جلد الميتة إذا دبغ دباغة حكمية بالتشميس ~~والترتيب، ثم أصابه الماء ففي هذه المسائل كلها روايتان عن أبي حنيفة. # وأما البئر إذا تنجست فغار ماؤها وجف أسفلها، ثم عاودها الماء فقال نصير ~~بن يحيى: هو طاهر وقال محمد بن سلمة هو نجس وكذا روي عن أبي يوسف، وجه قول ~~نصير أن تحت الأرض ماء جار فيختلط الغائر به، فلا يحكم بكون العائد نجسا ~~بالشك وجه قول محمد بن سلمة أن ما نبع يحتمل أنه ماء جديد، ويحتمل أنه ~~الماء النجس فلا يحكم بطهارته بالشك؛ وهذا القول أحوط، والأول أوسع، هذا ~~إذا كان الماء الراكد له طول وعرض، فإن كان له طول بلا عرض كالأنهار التي ~~فيها مياه راكدة لم يذكر في ظاهر الرواية، وعن أبي نصر محمد بن محمد بن ~~سلام أنه إن كان طول الماء مما لا يخلص بعضه إلى بعض يجوز التوضؤ به، وكان ~~يتوضأ في نهر بلخ ويحرك الماء بيده ويقول: لا فرق بين إجرائي إياه، وبين ~~جريانه بنفسه، فعلى قوله لو وقعت فيه نجاسة لا ينجس ما لم يتغير لونه أو ~~طعمه أو ريحه. # وعن أبي سليمان الجوزجاني أنه قال: لا يجوز التوضؤ فيه، وعلى قوله لو ~~وقعت فيه نجاسة أو بال فيه إنسان أو توضأ، إن كان في أحد الطرفين ينجس ~~مقدار عشرة أذرع، وإن كان في وسطه ينجس من كل جانب مقدار عشرة أذرع فما ذهب ~~إليه أبو نصر أقرب إلى الحكم؛ لأن اعتبار العرض يوجب التنجيس واعتبار الطول ~~لا يوجب، فلا ينجس بالشك، وما قاله أبو سليمان أقرب إلى ms0162 الاحتياط لأن ~~اعتبار الطول إن كان لا يوجب التنجيس فاعتبار العرض يوجب، فيحكم بالنجاسة ~~احتياطا وأما العمق فهل يشترط مع الطول والعرض؟ عن أبي سليمان الجوزجاني ~~أنه قال: إن أصحابنا اعتبروا البسط دون العمق، وعن الفقيه أبي جعفر ~~الهندواني إن كان بحال لو رفع إنسان الماء بكفيه انحسر أسفله، ثم اتصل لا ~~يتوضأ به، وإن كان بحال لا ينحسر أسفله لا بأس بالوضوء منه وقيل: مقدار ~~العمق أن يكون زيادة على عرض الدرهم الكبير المثقال، وقيل: أن يكون قدر ~~شبر، وقيل: قدر ذراع، ثم النجاسة إذا وقعت في الحوض الكبير كيف يتوضأ منه؟ ~~فنقول: النجاسة لا تخلو إما أن تكون مرئية، أو غير مرئية، فإن كانت مرئية ~~كالجيفة ونحوها، ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه ~~النجاسة، ولكن يتوضأ من الجانب الآخر، ومعناه أنه يترك من موضع النجاسة قدر ~~الحوض الصغير ثم يتوضأ، كذا فسره في الإملاء عن أبي حنيفة؛ لأنا تيقنا ~~بالنجاسة في ذلك الجانب وشككنا فيما وراءه، وعلى هذا قالوا فيمن استنجى في ~~موضع من حوض الحمام: لا يجزيه أن يتوضأ من ذلك الموضع قبل تحريك الماء. # وروي عن أبي يوسف أنه يجوز التوضؤ من أي جانب كان إلا إذا تغير لونه أو ~~طعمه أو ريحه؛ لأن حكمه حكم الماء الجاري. # ولو وقعت الجيفة في وسط الحوض - على قياس ظاهر الرواية - إن كان بين ~~الجيفة وبين كل جانب من الحوض مقدار ما لا يخلص بعضه إلى بعض، يجوز التوضؤ ~~فيه وإلا فلا؛ لما ذكرنا وإن كانت غير مرئية بأن بال فيه إنسان أو اغتسل ~~جنب اختلف فيه المشايخ قال مشايخ العراق: إن حكمه حكم المرئية، حتى لا ~~يتوضأ من ذلك الجانب، وإنما يتوضأ من الجانب الآخر لما ذكرنا في المرئية ~~بخلاف الماء الجاري؛ لأنه ينقل النجاسة من موضع إلى موضع، فلم يستيقن ~~بالنجاسة في موضع الوضوء ومشايخنا بما وراء النهر فصلوا بينهما، ففي غير ~~المرئية أنه يتوضأ من أي جانب كان، كما قالوا ms0163 جميعا في الماء الجاري، وهو ~~الأصح؛ لأن غير المرئية لا يستقر في مكان واحد بل ينتقل لكونه مائعا سيالا ~~بطبعه، فلم نستيقن بالنجاسة في الجانب الذي يتوضأ منه، فلا نحكم بنجاسته ~~بالشك على الأصل المعهود إن اليقين لا يزول بالشك - بخلاف المرئية - وهذا ~~إذا كان الماء في الحوض غير جامد، فإن كان جامدا وثقب في موضع منه، فإن كان ~~الماء غير متصل بالجمد يجوز التوضؤ منه بلا خلاف وإن كان متصلا به فإن كان ~~الثقب واسعا، بحيث لا يخلص بعضه إلى بعض فكذلك؛ لأنه بمنزلة الحوض الكبير، ~~وإن كان الثقب صغيرا اختلف المشايخ فيه قال نصير بن يحيى وأبو بكر الإسكاف # PageV01P073 # لا: خير فيه وسئل ابن المبارك فقال: لا بأس به. # وقال: أليس الماء يضطرب تحته؟ وهو قول الشيخ أبي حفص الكبير؛ وهذا أوسع ~~والأول أحوط وقالوا: إذا حرك موضع الثقب تحريكا بليغا يعلم عنده أن ما كان ~~راكدا ذهب عن هذا المكان، وهذا ماء جديد يجوز بلا خلاف. # ولو وقعت نجاسة في الماء القليل، فالماء القليل لا يخلو من أن يكون في ~~الأواني أو في البئر أو في الحوض الصغير، فإن كان في الأواني فهو نجس كيفما ~~كانت النجاسة متجسدة أو مائعة؛ لأنه لا ضرورة في الأواني لإمكان صونها عن ~~النجاسات، حتى لو وقعت بعرة أو بعرتان في المحلب عند الحلب، ثم رميت من ~~ساعتها لم ينجس اللبن، كذا روى عنه خلف بن أيوب، ونصير بن يحيى ومحمد بن ~~مقاتل الرازي، لمكان الضرورة، وإن كان في البئر فالواقع فيه لا يخلو من أن ~~يكون حيوانا أو غيره من النجاسات، فإن كان حيوانا فإما إن أخرج حيا، وإما ~~إن أخرج ميتا، فإن أخرج حيا فإن كان نجس العين كالخنزير ينجس جميع الماء ~~وفي الكلب اختلاف المشايخ في كونه نجس العين، فمن جعله نجس العين استدل بما ~~ذكر في العيون عن أبي يوسف أن الكلب إذا وقع في الماء، ثم خرج منه فانتفض، ~~فأصاب إنسانا منه أكثر من قدر الدرهم لا ms0164 تجوز صلاته. # وذكر في العيون أيضا أن كلبا لو أصابه المطر فانتفض، فأصاب إنسانا منه ~~أكثر من قدر الدرهم إن كان المطر الذي أصابه وصل إلى جلده؛ فعليه أن يغسل ~~الموضع الذي أصابه وإلا فلا، ونص محمد في الكتاب قال: وليس الميت بأنجس من ~~الكلب والخنزير، فدل أنه نجس العين وجه قول من قال: إنه ليس نجس العين أنه ~~يجوز بيعه ويضمن متلفه، ونجس العين ليس محلا للبيع، ولا مضمونا بالإتلاف ~~كالخنزير، دل عليه أنه يطهر جلده بالدباغ، ونجس العين لا يطهر جلده بالدباغ ~~كالخنزير، وكذا روى ابن المبارك عن أبي حنيفة في الكلب والسنور وقعا في ~~الماء القليل، ثم خرجا أنه يعجن بذلك؛ ولذلك قال مشايخنا فيمن صلى وفي كمه ~~جرو كلب: إنه تجوز صلاته وقيد الفقيه أبو جعفر الهندواني الجواز بكونه ~~مسدود الفم، فدل أنه ليس بنجس العين، وهذا أقرب القولين إلى الصواب، وإن لم ~~يكن نجس العين فإن كان آدميا ليس على بدنه نجاسة حقيقية ولا حكمية - وقد ~~استنجى - لا ينزح شيء في ظاهر الرواية وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه ينزح ~~عشرون دلوا، وهذه الرواية لا تصح؛ لأن الماء إنما يصير مستعملا بزوال الحدث ~~أو بقصد القربة ولم يوجد شيء من ذلك، وإن كان على بدنه نجاسة حقيقية أو لم ~~يكن مستنجيا ينزح جميع الماء؛ لاختلاط النجس بالماء، وإن كان على بدنه ~~نجاسة حكمية بأن كان محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء، فعلى قول من لا يجعل ~~هذا الماء مستعملا لا ينزح شيء؛ لأنه طهور، وكذا قول من جعله مستعملا وجعل ~~الماء المستعمل طاهرا؛ لأن غير المستعمل أكثر، فلا يخرج عن كونه طهورا ما ~~لم يكن المستعمل غالبا عليه، كما لو صب اللبن في البئر بالإجماع أو بالت ~~شاة فيها عند محمد وأما على قول من جعل هذا الماء مستعملا وجعل الماء ~~المستعمل نجسا، ينزح ماء البئر كله كما لو وقعت فيها قطرة من دم أو خمر ~~وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إن كان ms0165 محدثا ينزح أربعون، وإن كان جنبا ينزح ~~كله وهذه الرواية مشكلة؛ لأنه لا يخلو إما أن صار هذا الماء مستعملا أو لا، ~~فإن لم يصر مستعملا لا يجب نزح شيء؛ لأنه بقي طهورا كما كان، وإن صار ~~مستعملا فالماء المستعمل عند الحسن نجس نجاسة غليظة فينبغي أن يجب نزح جميع ~~الماء. # وروي عن أبي حنيفة أنه قال في الكافر إذا وقع في البئر: ينزح ماء البئر ~~كله؛ لأن بدنه لا يخلو من نجاسة حقيقية أو حكمية، حتى لو تيقنا بطهارته بأن ~~اغتسل، ثم وقع في البئر من ساعته لا ينزح منها شيء وأما سائر الحيوانات فإن ~~علم بيقين أن على بدنها نجاسة أو على مخرجها نجاسة تنجس الماء؛ لاختلاط ~~النجس به سواء وصل فمه إلى الماء أو لا، وإن لم يعلم ذلك اختلف المشايخ فيه ~~قال بعضهم: العبرة لإباحة الأكل وحرمته إن كان مأكول اللحم لا ينجس ولا ~~ينزح شيء، سواء وصل لعابه إلى الماء أو لا، وإن لم يكن مأكول اللحم ينجس، ~~سواء كان على بدنه أو مخرجه نجاسة أو لا. # وقال بعضهم: المعتبر هو السؤر، فإن كان لم يصل فمه إلى الماء لا ينزح ~~شيء، وإن وصل فإن كان سؤره طاهرا فالماء طاهر ولا ينزح منه شيء، وإن كان ~~نجسا فالماء نجس وينزح كله، وإن كان مكروها يستحب أن ينزح عشر دلاء، وإن ~~كان مشكوكا فيه فالماء # PageV01P074 # كذلك وينزح كله كذا ذكر في الفتاوى عن أبي يوسف وذكر ابن رستم في نوادره ~~أن المستحب في الفأرة نزح عشرين، وفي الهرة نزح أربعين؛ لأن ما كان أعظم ~~جثة كان أوسع فما وأكثر لعابا وذكر في فتاوى أهل بلخ: إذا وقعت وزغة في بئر ~~فأخرجت حية يستحب نزح أربع دلاء إلى خمس أو ست. # وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف في البقر والإبل أنه ينجس الماء؛ لأنها تبول ~~بين أفخاذها فلا تخلو عن البول غير أن عند أبي حنيفة ينزح عشرون دلوا؛ لأن ~~بول ما يؤكل لحمه نجس نجاسة خفيفة. ms0166 # وقد ازداد خفة بسبب البئر فينزح أدنى ما ينزح من البئر وذلك عشرون وعند ~~أبي يوسف ينزح ماء البئر كله؛ لاستواء النجاسة الخفيفة والغليظة في حكم ~~تنجيس الماء، هذا كله إذا خرج حيا فإن خرج ميتا، فإن كان منتفخا أو متفسخا ~~نزح ماء البئر كله وإن لم يكن منتفخا ولا متفسخا ذكر في ظاهر الرواية وجعله ~~ثلاث مراتب: في الفأرة ونحوها ينزح عشرون دلوا أو ثلاثون، وفي الدجاج ونحوه ~~أربعون أو خمسون، وفي الآدمي ونحوه ماء البئر كله وروى الحسن عن أبي حنيفة ~~وجعله خمس مراتب: في الحمامة ونحوها ينزح عشر دلاء، وفي الفأرة ونحوها ~~عشرون، وفي الحمام ونحوه ثلاثون، وفي الدجاج ونحوه أربعون، وفي الآدمي ~~ونحوه ماء البئر كله. # وقوله: في الكتاب ينزح في الفأرة عشرون أو ثلاثون، وفي الهرة أربعون أو ~~خمسون لم يرد به التخيير بل أراد به عشرين وجوبا وثلاثين استحبابا، وكذا في ~~الأربعين والخمسين، وقال بعضهم: إنما قال ذلك؛ لاختلاف الحيوانات في الصغر ~~والكبر، ففي الصغير منها ينزح الأقل وفي الكبير ينزح الأكثر، والأصل في ~~البئر أنه وجد فيها قياسان أحدهما: ما قاله بشر بن غياث المريسي أنه يطم ~~ويحفر في موضع آخر؛ لأن غاية ما يمكن أن ينزح جميع الماء لكن يبقى الطين ~~والحجارة نجسا، ولا يمكن كبه ليغسل، والثاني: ما نقل عن محمد أنه قال: ~~اجتمع رأيي ورأي أبي يوسف أن ماء البئر في حكم الماء الجاري؛ لأنه ينبع من ~~أسفله ويؤخذ من أعلاه، فلا ينجس بوقوع النجاسة فيه كحوض الحمام إذا كان يصب ~~الماء فيه من جانب ويغترف من جانب آخر، أنه لا ينجس بإدخال اليد النجسة ~~فيه، ثم قلنا: وما علينا لو أمرنا بنزح بعض الدلاء؟ ولا نخالف السلف إلا ~~أنا تركنا القياسين الظاهرين بالخبر والأثر وضرب من الفقه الخفي، أما الخبر ~~فما روى القاضي أبو جعفر الأسروشني بإسناده عن «النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال في الفأرة تموت في البئر: ينزح منها عشرون، وفي رواية ينزح ~~ثلاثون دلوا» وأما ms0167 الأثر فما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ينزح ~~عشرون وفي رواية ثلاثون، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه قال في ~~دجاجة ماتت في البئر: ينزح منها أربعون دلوا، وعن ابن عباس وابن الزبير - ~~رضي الله عنهما - أنهما أمرا بنزح جميع ماء زمزم حين مات فيها زنجي وكان ~~بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم -، ولم ينكر عليهما أحد فانعقد الإجماع ~~عليه وأما الفقه الخفي فهو أن في هذه الأشياء دما مسفوحا وقد تشرب في ~~أجزائها عند الموت فنجسها. # وقد جاورت هذه الأشياء الماء، والماء يتنجس أو يفسد بمجاورة النجس؛ لأن ~~الأصل أن ما جاور النجس نجس بالشرع، قال - صلى الله عليه وسلم -: «في ~~الفأرة تموت في السمن الجامد يقور ما حولها ويلقى، ويؤكل الباقي» فقد حكم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بنجاسة جار النجس وفي الفأرة ونحوها ما ~~يجاورها من الماء مقدار ما قدره أصحابنا، وهو عشرون دلوا أو ثلاثون؛ لصغر ~~جثتها، فحكم بنجاسة هذا القدر من الماء؛ لأن ما وراء هذا القدر لم يجاور ~~الفأرة، بل جاور ما جاور الفأرة، والشرع ورد بتنجيس جار النجس، لا بتنجيس ~~جار جار النجس، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم بطهارة ما ~~جاور السمن الذي جاور الفأرة، وحكم بنجاسة ما جاور الفأرة وهذا؛ لأن جار ~~جار النجس لو حكم بنجاسته؛ لحكم أيضا بنجاسة ما جاور جار جار النجس، ثم ~~هكذا إلى ما لا نهاية له، فيؤدي إلى أن قطرة من بول أو فأرة لو وقعت في بحر ~~عظيم أن يتنجس جميع مائه؛ لاتصال بين أجزائه، وذلك فاسد، وفي الدجاجة ~~والسنور وأشباه ذلك المجاورة أكثر؛ لزيادة ضخامة في جثتها فقدر بنجاسة ذلك ~~القدر، والآدمي وما كانت جثته مثل جثته كالشاة ونحوها يجاور جميع الماء في ~~العادة؛ لعظم جثته فيوجب تنجيس جميع الماء، وكذا إذا تفسخ شيء من هذه ~~الواقعات أو انتفخ؛ لأن عند ذلك تخرج البلة منها؛ لرخاوة فيها فتجاور جميع ~~أجزاء الماء، وقيل: ذلك لا يجاور ms0168 إلا قدر ما ذكرنا؛ لصلابة فيها؛ ولهذا قال ~~محمد: إذا وقع في # PageV01P075 # البئر ذنب فأرة ينزح جميع الماء؛ لأن موضع القطع لا ينفك عن بلة فيجاور ~~أجزاء الماء فيفسدها، هذا إذا كان الواقع واحدا فإن كان أكثر روي عن أبي ~~يوسف أنه قال في الفأرة ونحوها: ينزح عشرون إلى الأربع، فإذا بلغت خمسا ~~ينزح أربعون إلى التسع، فإذا بلغت عشرا ينزح ماء البئر كله. # وروي عن محمد أنه قال في الفأرتين: ينزح عشرون، وفي الثلاث أربعون، وإذا ~~كانت الفأرتان كهيئة الدجاج ينزح أربعون. # هذا إذا كان الواقع في البئر حيوانا فإن كان غيره من الأنجاس فلا يخلو ~~إما أن يكون مستجسدا أو غير مستجسد، فإن كان غير مستجسد كالبول والدم ~~والخمر ينزح ماء البئر كله؛ لأن النجاسة خلصت إلى جميع الماء وإن كان ~~مستجسدا، فإن كان رخوا متخلخل الأجزاء كالعذرة وخرء الدجاج ونحوهما ينزح ~~ماء البئر كله قليلا كان أو كثيرا رطبا كان أو يابسا؛ لأنه لرخاوته يتفتت ~~عند ملاقاة الماء فتختلط أجزاؤه بأجزاء الماء فيفسده، وإن كان صلبا نحو بعر ~~الإبل والغنم ذكر في الأصل أن القياس أن ينجس الماء قل الواقع فيه أو كثر، ~~وفي الاستحسان إن كان قليلا لا ينجس وإن كان كثيرا ينجس، ولم يفصل بين ~~الرطب واليابس، والصحيح والمنكسر، واختلف المشايخ قال بعضهم: إن كان رطبا ~~ينجس قليلا كان أو كثيرا، وإن كان يابسا فإن كان منكسرا ينجس قل أو كثر، ~~وإن لم يكن منكسرا لا ينجس ما لم يكن كثيرا، وتكلموا في الكثير قال بعضهم: ~~أن يغطي جميع وجه الماء. # وقال بعضهم: ربع وجه الماء، وقال بعضهم: الثلاث كثير؛ لأنه ذكر في الجامع ~~الصغير في بعرة أو بعرتين وقعتا في الماء لا يفسد الماء، ولم يذكر الثلاث ~~فدل على أن الثلاث كثير، وعن محمد بن سلمة: إن كان لا يسلم كل دلو عن بعرة ~~أو بعرتين فهو كثير. # وقال بعضهم: الكثير ما استكثره الناظر وهو الصحيح # وروي عن الحسن بن زياد أنه قال: إن ms0169 كان يابسا لا ينجس صحيحا كان أو ~~منكسرا، قليلا كان أو كثيرا، وإن كان رطبا وهو قليل لا يمنع للضرورة وعن ~~أبي يوسف في الروث اليابس إذا وقع في البئر، ثم أخرج من ساعته لا ينجس، ~~والأصل في هذا أن للمشايخ في القليل من البعر اليابس الصحيح طريقتين ~~إحداهما: أن لليابس صلابة، فلا يختلط شيء من أجزائه بأجزاء الماء، فهذا ~~يقتضي أن الرطب ينجس باختلاط رطوبته بأجزاء الماء، وكذلك ذكر في النوادر ~~والحاكم في الإشارات، وكذا اليابس المنكسر لما قلنا وكذا الروث، لأنه شيء ~~رخو يداخله الماء، لتخلخل أجزائه فتختلط أجزاؤه بأجزاء الماء، ويقتضي أيضا ~~أن الكثير من اليابس الصحيح لا ينجس، وكذلك قال الحسن بن زياد، والصحيح أن ~~الكثير ينجس؛ لأنها إذا كثرت تقع المماسة بينهما؛ فيصطك البعض بالبعض ~~فتتفتت أجزاؤها فتنجس. # والطريقة الثانية: أن آبار الفلوات لا حاجز لها على رءوسها، ويأتيها ~~الأنعام فتسقى فتبعر، فإذا يبست الأبعار عملت فيها الريح فألقتها في البئر، # فلو حكم بفساد المياه لضاق الأمر على سكان البوادي # ، وما ضاق أمره اتسع حكمه، فعلى هذه الطريقة: الكثير منه يفسد المياه؟ ~~لانعدام الضرورة في الكثير، وكذا الرطب؛ لأن الريح تعمل في اليابس دون ~~الرطب لثقله، وإليه أشار الشيخ أبو منصور الماتريدي وعن الشيخ أبي بكر محمد ~~بن الفضل أن الرطب واليابس سواء؛ لتحقق الضرورة في الجملة، فأما اليابس ~~المنكسر فلا يفسد إذا كان قليلا؛ لأن الضرورة في المنكسر أشد، والروث إن ~~كان في موضع يتقدر بهذه الضرورة فالجواب فيه كالجواب في البعر، هذا في آبار ~~الفلوات، (وأما) الآبار التي في المصر فاختلف فيها المشايخ، فمن اعتمد معنى ~~الصلابة والرخاوة لا يفرق؛ لأن ذلك المعنى لا يختلف ومن اعتبر الضرورة فرق ~~بينهما؛ لأن آبار الأمصار لها رءوس حاجزة فيقع الأمن عن الوقوع فيها، ولو ~~انفصلت بيضة من دجاجة فوقعت في البئر من ساعتها اختلف المشايخ، فيه قال ~~نصير بن يحيى: ينتفع بالماء ما لم يعلم أن عليها قذرا. # وقال بعضهم: إن كانت رطبة أفسدت، وإن ms0170 كانت يابسة فوقعت في الماء أو في ~~المرقة لا تفسدهما، وهي حلال اشتد قشرها أو لم يشتد، وعند الشافعي: إن اشتد ~~قشرها تحل وإلا فلا ولو، سقطت السخلة من أمها وهي مبتلة فهي نجسة، حتى لو ~~حملها الراعي فأصاب بللها الثوب أكثر من قدر الدرهم منع جواز الصلاة، ولو ~~وقعت في الماء في ذلك الوقت أفسدت الماء، وإذا يبست فقد طهرت، وذكر الفقيه ~~أبو جعفر أن هذا الجواب موافق قولهما، فأما في قياس قول أبي حنيفة فالبيضة ~~طاهرة، رطبة كانت أو يابسة، وكذا السخلة؛ لأنها كانت في مكانها ومعدنها كما ~~قال في # PageV01P076 # الإنفحة إذا خرجت بعد الموت أنها طاهرة، جامدة كانت أو مائعة، وعندهما، ~~إن كانت مائعة فنجسة، وإن كانت جامدة تطهر بالغسل، ولو وقع عظم الميتة في ~~البئر فإن كان عظم الخنزير أفسده كيفما كان. # وأما عظم غيره فإن كان عليه لحم أو دسم يفسد الماء؛ لأن النجاسة تشيع في ~~الماء، وإن لم يكن عليه شيء لم يفسد؛ لأن العظم طاهر بئر وجب منها نزح ~~عشرين دلوا، فنزح الدلو الأول وصب في بئر طاهرة، ينزح منها عشرون دلوا، ~~والأصل في هذا: أن البئر الثانية تطهر بما تطهر به الأولى حين كان الدلو ~~المصبوب فيها، ولو صب الدلو الثاني ينزح تسعة عشر دلوا، ولو صب الدلو ~~العاشر - في رواية أبي سليمان - ينزح عشرة دلاء، وفي رواية أبي حفص أحد عشر ~~دلوا، وهو الأصح، والتوفيق بين الروايتين أن المراد من الأولى سوى المصبوب، ~~ومن الثانية مع المصبوب، ولو صب الدلو الأخير ينزح دلوا واحدا؛ لأن طهارة ~~الأولى به، ولو أخرجت الفأرة وألقيت في بئر طاهرة، وصب فيها أيضا عشرون ~~دلوا من ماء الأولى تطرح الفأرة وينزع عشرون دلوا؛ لأن طهارة الأولى به، ~~فكذا الثانية. # بئران وجب من كل واحدة منهما نزح عشرين، فنزح عشرون من أحدهما، وصب في ~~الأخرى، ينزح عشرون، ولو وجب من إحداهما نزح عشرين ومن الأخرى، نزح أربعين، ~~فنزح ما وجب من إحداهما وصب في الأخرى، ينزح أربعون ms0171 والأصل فيه أن ينظر إلى ~~ما وجب من النزح منها، وإلى ما صب فيها، فإن كانا سواء تداخلا، وإن كان ~~أحدهما أكثر دخل القليل في الكثير، وعلى هذا ثلاثة آبار وجب من كل واحدة ~~نزح عشرين، فنزح الواجب من البئرين وصب في الثالثة، ينزح أربعون، فلو وجب ~~من إحداهما نزح عشرين ومن الأخرى نزح أربعين فصب الواجبان في بئر طاهرة ~~ينزح أربعون؛ لما قلنا من الأصل، ولو نزح دلو من الأربعين وصب في العشرين ~~ينزح أربعون؛ لأنه لو صب في بئر طاهرة نزح كذلك، فكذا هذا، وهذا كله قول ~~محمد وعن أبي يوسف روايتان: في رواية ينزح جميع الماء، وفي رواية ينزح ~~الواجب والمصبوب جميعا فقيل له: إن محمدا روى عنك الأكثر فأنكر فأرة وقعت ~~في جب ماء وماتت فيها يهراق كله، ولو صب ماؤه في بئر طاهرة فعند أبي يوسف ~~ينزح المصبوب وعشرون دلوا، وعند محمد ينظر إلى ماء الجب فإن كان عشرين دلوا ~~أو أكثر نزح ذلك القدر، وإن كان أقل من عشرين نزح عشرون؛ لأن الحاصل في ~~البئر نجاسة الفأرة. # فأرة ماتت في البئر وأخرجت، فجاءوا بدلو عظيم يسع عشرين دلوا بدلوهم، ~~فاستقوا منها دلوا واحدا أجزأهم وطهرت البئر؛ لأن الماء النجس قدر ما جاور ~~الفأرة، فلا فرق بين أن ينزح ذلك بدلو واحد، وبين أن ينزح بعشرين دلوا وكان ~~الحسن بن زياد يقول: لا يطهر إلا بنزح عشرين دلوا؛ لأن عند تكرار النزح ~~ينبع الماء من أسفله، ويؤخذ من أعلاه فيكون في حكم الماء الجاري، وهذا لا ~~يحصل بدلو واحد وإن كان عظيما، ولو صب الماء المستعمل في البئر ينزح كله ~~عند أبي يوسف؛ لأنه نجس عنده، وعند محمد ينزح عشرون دلوا، كذا ذكره القدوري ~~في شرح مختصر الكرخي وفيه نظر؛ لأن الماء المستعمل طاهر عند محمد، والطاهر ~~إذا اختلط بالطهور لا يغيره عن صفة الطهورية، إلا إذا غلب عليه كسائر ~~المائعات الطاهرة، ويحتمل أن يقال: إن طهارته غير مقطوع بها؛ لكونه محل ~~الاجتهاد بخلاف المائعات، ms0172 فينزح أدنى ما ورد الشرع به وذلك عشرون احتياطا، ~~ولو نزح ماء البئر وبقي الدلو الأخير فهذا على ثلاثة أوجه: إما أن لم ينفصل ~~عن وجه الماء، أو انفصل ونحي عن رأس البئر، أو انفصل ولم ينح عن رأس البئر. # فإن لم ينفصل عن وجه الماء لا يحكم بطهارة البئر، حتى لا يجوز التوضؤ ~~منه؛ لأن النجس لم يتميز من الطاهر، وإن انفصل عن وجه الماء ونحي عن رأس ~~البئر طهر؛ لأن النجس قد تميز من الطاهر، وأما إذا انفصل عن وجه الماء ولم ~~ينح عن رأس البئر والماء يتقاطر فيه لا يطهر عند أبي يوسف وعند محمد يطهر، ~~ولم يذكر في ظاهر الرواية قول أبي حنيفة، وذكر الحاكم قوله: مع قول أبي ~~يوسف وجه قول محمد أن النجس انفصل من الطاهر، فإن الدلو الأخير تعين ~~للنجاسة شرعا، بدليل أنه إذا نحي عن رأس البئر يبقى الماء طاهرا، والماء ~~يتقاطر فيها من الدلو سقط اعتبار نجاسته شرعا # دفعا للحرج # ، إذ لو أعطى للقطرات حكم النجاسة لم يطهر بئر أبدا، وبالناس حاجة إلى ~~الحكم بطهارة الآبار بعد وقوع النجاسات فيها وجه قولهما أنه لا يمكن الحكم ~~بطهارة البئر إلا بعد انفصال النجس عنها، وهو ماء الدلو الأخير، ولا يتحقق ~~الانفصال إلا بعد تنحية الدلو عن البئر؛ لأن ماءه متصل بماء البئر ولم # PageV01P077 # يوجد فلا يحكم بطهارة البئر؛ ولأنه لو جعل منفصلا لا يمكن القول بطهارة ~~البئر؛ لأن القطرات تقطر في البئر، فإذا كان منفصلا كان له حكم النجاسة ~~فتنجس البئر ثانيا؛ لأن ماء البئر قليل، والنجاسة - وإن قلت - متى لاقت ماء ~~قليلا تنجسه، فكان هذا تطهيرا للبئر أولا، ثم تنجيسا له ثانيا، وإنه اشتغال ~~بما لا يفيد، وسقوط اعتبار نجاسة القطرات لا يجوز إلا لضرورة، والضرورة ~~تندفع بأن يعطى لهذا الدلو حكم الانفصال بعد انعدام التقاطر بالتنحية عن ~~رأس البئر، فلا ضرورة إلى تنجيس البئر بعد الحكم بطهارتها. # لو توضأ من بئر، وصلى أياما، ثم وجد فيها فأرة، فإن علم وقت ms0173 وقوعها أعاد ~~الصلاة من ذلك الوقت؛ لأنه تبين أنه توضأ بماء نجس، وإن لم يعلم فالقياس أن ~~لا يعيد شيئا من الصلوات ما لم يستيقن بوقت وقوعها، وهو قول أبي يوسف ~~ومحمد، وفي الاستحسان إن كانت منتفخة أو متفسخة أعاد صلاة ثلاثة أيام ~~ولياليها، وإن كانت غير منتفخة ولا متفسخة لم يذكر في ظاهر الرواية، وروى ~~الحسن عن أبي حنيفة أنه يعيد صلاة يوم وليلة، ولو اطلع على نجاسة في ثوبه ~~أكثر من قدر الدرهم ولم يتيقن وقت إصابتها لا يعيد شيئا من الصلاة، كذا ذكر ~~الحاكم الشهيد، وهو رواية بشر المريسي عن أبي حنيفة. # وروي عن أبي حنيفة أنها إن كانت طرية يعيد صلاة يوم وليلة، وإن كانت ~~يابسة يعيد صلاة ثلاثة أيام بلياليها. # وروى ابن رستم في نوادره عن أبي حنيفة أنه إن كان دما لا يعيد، وإن كان ~~منيا يعيد من آخر ما احتلم؛ لأن دم غيره قد يصيبه، والظاهر أن الإصابة لم ~~تتقدم زمان وجوده، فأما مني غيره فلا يصيب ثوبه، فالظاهر أنه منيه فيعتبر ~~وجوده من وقت وجود سبب خروجه، حتى أن الثوب لو كان مما يلبسه هو وغيره ~~يستوي فيه حكم الدم والمني، ومشايخنا قالوا في البول: يعتبر من آخر ما بال، ~~وفي الدم من آخر ما رعف وفي المني من آخر ما احتلم أو جامع، وجه القياس في ~~المسألة أنه تيقن طهارة الماء فيما مضى، وشك في نجاسته؛ لأنه يحتمل أنها ~~وقعت في الماء وهي حية فماتت فيه، ويحتمل أنها وقعت ميتة بأن ماتت في مكان ~~آخر، ثم ألقاها بعض الطيور في البئر، على ما حكي عن أبي يوسف أنه قال: كان ~~قولي مثل قول أبي حنيفة، إلى أن كنت يوما جالسا في بستاني فرأيت حدأة في ~~منقارها جيفة فطرحتها في بئر، فرجعت عن قول أبي حنيفة الشك في نجاسة الماء ~~فيما مضى، فلا يحكم بنجاسته بالشك، وصار كما إذا رأى في ثوبه نجاسة ولا ~~يعلم وقت إصابتها أنه لا يعيد شيئا من ms0174 الصلوات، كذا هذا وجه الاستحسان أن ~~وقوع الفأرة في البئر سبب لموتها، والموت متى ظهر عقيب سبب صالح يحال به ~~عليه، كموت المجروح فإنه يحال به إلى الجرح، وإن كان يتوهم موته بسبب آخر. # وإذا حيل بالموت إلى الوقوع في الماء فأدنى ما يتفسخ فيه الميت ثلاثة ~~أيام؛ ولهذا يصلي على قبر ميت لم يصل عليه إلى ثلاثة أيام، وتوهم الوقوع ~~بعد الموت إحالة بالموت إلى سبب لم يظهر، وتعطيل للسبب الظاهر وهذا لا ~~يجوز، فبطل اعتبار الوهم، والتحق الموت في الماء بالمتحقق، إلا إذا قام ~~دليل المعاينة بالوقوع في الماء ميتا، فحينئذ يعرف بالمشاهدة أن الموت غير ~~حاصل بهذا السبب، ولا كلام فيه. # وأما إذا لم تكن منتفخة، فلأنا إذا أحلنا بالموت إلى الوقوع في الماء ولا ~~شك أن زمان الموت سابق على زمان الوجود، خصوصا في الآبار المظلمة العميقة ~~التي لا يعاين ما فيها، ولذا يعلم يقينا أن الواقع لا يخرج بأول دلو، فقدر ~~ذلك بيوم وليلة احتياطا؛ لأنه أدنى المقادير المعتبرة، (والفرق) بين البئر ~~والثوب على رواية الحاكم أن الثوب شيء ظاهر، فلو كان ما أصابه سابقا على ~~زمان الوجود لعلم به في ذلك الزمان، فكان عدم العلم قبل ذلك دليل عدم ~~الإصابة - بخلاف البئر على ما مر - وعلى هذا الخلاف إذا عجن بذلك الماء أنه ~~يؤكل خبزه عندهما. # وعند أبي حنيفة لا يؤكل، وإذا لم يؤكل ماذا يصنع به؟ قال مشايخنا: يطعم ~~للكلاب؛ لأن ما تنجس باختلاط النجاسة به - والنجاسة معلومة - لا يباح أكله، ~~ويباح الانتفاع به فيما وراء الأكل، كالدهن النجس أنه ينتفع به استصباحا ~~إذا كان الطاهر غالبا فكذا هذا وبئر الماء إذا كانت بقرب من البالوعة لا ~~يفسد الماء ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، وقدر أبو حفص المسافة بينهما ~~بسبعة أذرع وأبو سليمان بخمسة، وذا ليس بتقدير لازم؛ لتفاوت الأراضي في ~~الصلابة والرخاوة، ولكنه خرج على الأغلب؛ ولهذا قال محمد بعد هذا التقدير: ~~لو كان بينهما سبعة أذرع ولكن يوجد ms0175 طعمه أو ريحه لا يجوز التوضؤ به، فدل ~~على أن العبرة بالخلوص، وعدم الخلوص، وذلك يعرف بظهور ما ذكر من الآثار ~~وعدمه، ثم الحيوان إذا مات في المائع القليل فلا يخلو إما إن كان له # PageV01P078 # دم سائل أو لم يكن، ولا يخلو إما أن يكون بريا أو مائيا، ولا يخلو إما إن ~~مات في الماء أو في غير الماء، فإن لم يكن له دم سائل، كالذباب والزنبور ~~والعقرب والسمك والجراد ونحوها لا ينجس بالموت، ولا ينجس ما يموت فيه من ~~المائع، سواء كان ماء أو غيره من المائعات، كالخل واللبن والعصير وأشباه ~~ذلك، وسواء كان بريا أو مائيا كالعقرب المائي ونحوه، وسواء كان السمك طافيا ~~أو غير طاف. # وقال الشافعي: إن كان شيئا يتولد من المائع كدود الخل، أو ما يباح أكله ~~بعد الموت كالسمك والجراد لا ينجس قولا واحدا، وله في الذباب والزنبور ~~قولان، (ويحتج) بظاهر قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] ، ثم ~~خص منه السمك والجراد بالحديث، والذباب والزنبور بالضرورة. # (ولنا) ما ذكرنا أن نجاسة الميتة ليست لعين الموت، فإن الموت موجود في ~~السمك والجراد ولا يوجب التنجيس، ولكن لما فيها من الدم المسفوح، ولا دم في ~~هذه الأشياء، وإن كان له دم سائل فإن كان بريا ينجس بالموت وينجس المائع ~~الذي يموت فيه، سواء كان ماء أو غيره، وسواء مات في المائع أو في غيره، ثم ~~وقع فيه كسائر الحيوانات الدموية؛ لأن الدم السائل نجس فينجس ما يجاوره، ~~إلا الآدمي إذا كان مغسولا؛ لأنه طاهر، ألا يرى أنه تجوز الصلاة عليه وإن ~~كان مائيا كالضفدع المائي والسرطان ونحو ذلك، فإن مات في الماء لا ينجسه في ~~ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول أنه قال: لو أن حية من حيات الماء ~~ماتت في الماء، إن كانت بحال لو جرحت لم يسل منها الدم لا توجب التنجيس، ~~وإن كانت لو جرحت لسال منها الدم توجب التنجيس. # وجه ظاهر الرواية ما علل به محمد في كتاب ms0176 الصلاة فقال: لأن هذا مما يعيش ~~في الماء، ثم إن بعض المشايخ - وهم مشايخ بلخ - فهموا من تعليل محمد أنه لا ~~يمكن صيانة المياه عن موت هذه الحيوانات فيها؛ لأن معدنها الماء، # فلو أوجب موتها فيها التنجيس لوقع الناس في الحرج # ، وبعضهم - وهم مشايخ العراق - فهموا من تعليله أنها إذا كانت تعيش في ~~الماء لا يكون لها دم، إذ الدموي لا يعيش في الماء لمخالفة بين طبيعة الماء ~~وبين طبيعة الدم، فلم تتنجس في نفسها؛ لعدم الدم المسفوح، فلا توجب تنجيس ~~ما جاورها ضرورة، وما يرى في بعضها من صورة الدم فليس بدم حقيقة، ألا ترى ~~أن السمك يحل بغير ذكاة مع أن الذكاة شرعت لإراقة الدم المسفوح ولذا، إذا ~~شمس دمه يبيض، ومن طبع الدم أنه إذا شمس اسود، وإن مات في غير الماء فعلى ~~قياس العلة الأولى يوجب التنجيس؛ لأنه يمكن صيانة سائر المائعات عن موتها ~~فيها، وعلى قياس العلة الثانية لا يوجب التنجيس لانعدام الدم المسفوح فيها. # وروي عن نصير بن يحيى أنه قال: سألت أبا مطيع البلخي، وأبا معاذ عن ~~الضفدع يموت في العصير فقالا: يصب وسألت أبا عبد الله البلخي ومحمد بن ~~مقاتل الرازي فقالا: لا يصب وعن أبي نصر محمد بن محمد بن سلام أنه كان ~~يقول: يفسد وذكر الكرخي عن أصحابنا أن كل ما لا يفسد الماء لا يفسد غير ~~الماء، وهكذا روى هشام عنهم، وهذا أشبه بالفقه، والله أعلم. # ويستوي الجواب بين المتفسخ وغيره في طهارة الماء ونجاسته، إلا أنه يكره ~~شرب المائع الذي تفسخ فيه؛ لأنه لا يخلو عن أجزاء ما يحرم أكله، ثم الحد ~~الفاصل بين المائي والبري أن المائي: هو الذي لا يعيش إلا في الماء، ~~والبري: هو الذي لا يعيش إلا في البر وأما الذي يعيش فيهما جميعا كالبط ~~والإوز ونحو ذلك، فلا خلاف أنه إذا مات في غير الماء يوجب التنجيس؛ لأن له ~~دما سائلا والشرع لم يسقط اعتباره، حتى لا يباح أكله بدون الذكاة بخلاف ~~السمك، ms0177 وإن مات في الماء روى الحسن عن أبي حنيفة أنه يفسد هذا الذي ذكرنا ~~حكم وقوع النجاسة في المائع. # فأما إذا أصاب الثوب أو البدن أو مكان الصلاة، أما حكم الثوب والبدن ~~فنقول: وبالله التوفيق النجاسة لا تخلو إما إن كانت غليظة، أو خفيفة قليلة، ~~أو كثيرة، أما النجاسة القليلة فإنها لا تمنع جواز الصلاة، سواء كانت خفيفة ~~أو غليظة استحسانا، والقياس أن تمنع، وهو قول زفر والشافعي، إلا إذا كانت ~~لا تأخذها العين، أو ما لا يمكن الاحتراز عنه وجه القياس أن الطهارة عن ~~النجاسة الحقيقة شرط جواز الصلاة، كما أن الطهارة عن النجاسة الحكمية - وهي ~~الحدث - شرط، ثم هذا الشرط ينعدم بالقليل من الحدث بأن بقي على جسده لمعة، ~~فكذا بالقليل من النجاسة الحقيقية. # (ولنا) ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه سئل عن القليل من النجاسة في ~~الثوب فقال: إذا كان مثل ظفري هذا لا يمنع جواز الصلاة؛ ولأن القليل من ~~النجاسة مما لا يمكن الاحتراز عنه، فإن # PageV01P079 # الذباب يقعن على النجاسة، ثم يقعن على ثياب المصلي ولا بد وأن يكون على ~~أجنحتهن وأرجلهن نجاسة قليلة، فلو لم يجعل عفوا لوقع الناس في الحرج، ومثل ~~هذه البلوى في الحدث منعدمة؛ ولأنا أجمعنا على جواز الصلاة بدون الاستنجاء ~~بالماء، ومعلوم أن الاستنجاء بالأحجار لا يستأصل النجاسة، حتى لو جلس في ~~الماء القليل أفسده، فهو دليل ظاهر على أن القليل من النجاسة عفو؛ ولهذا ~~قدرنا بالدرهم على سبيل الكناية عن موضع خروج الحدث، كذا قاله إبراهيم ~~النخعي: إنهم استقبحوا ذكر المقاعد في مجالسهم، فكنوا عنه بالدرهم تحسينا ~~للعبارة وأخذا بصالح الأدب وأما النجاسة الكثيرة فتمنع جواز الصلاة، ~~واختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير من النجاسة قال إبراهيم ~~النخعي: إذا بلغ مقدار الدرهم فهو كثير وقال الشعبي: لا يمنع، حتى يكون ~~أكثر من قدر الدرهم الكبير. # وهو قول عامة العلماء، وهو الصحيح؛ لما روينا عن عمر - رضي الله عنه - ~~أنه عد مقدار ظفر من النجاسة قليلا، حيث لم ms0178 يجعله مانعا من جواز الصلاة، ~~وظفره كان قريبا من كفنا فعلم أن قدر الدرهم عفو؛ ولأن أثر النجاسة في موضع ~~الاستنجاء عفو، وذلك يبلغ قدر الدرهم خصوصا في حق المبطون، ولأن في ديننا ~~سعة، وما قلناه أوسع فكان أليق بالحنيفية السمحة، ثم لم يذكر في ظاهر ~~الرواية صريحا أن المراد من الدرهم الكبير، من حيث العرض والمساحة، أو من ~~حيث الوزن وذكر في النوادر: الدرهم الكبير: ما يكون عرض الكف وهذا موافق ~~لما روينا من حديث عمر - رضي الله عنه - لأن ظفره كان كعرض كف أحدنا، وذكر ~~الكرخي مقدار مساحة الدرهم الكبير، وذكر في كتاب الصلاة الدرهم الكبير ~~المثقال فهذا يشير إلى الوزن. # وقال الفقيه أبو جعفر الهندواني: لما اختلفت عبارات محمد في هذا فنوفق ~~ونقول: أراد بذكر العرض تقدير المائع، كالبول والخمر ونحوهما، وبذكر الوزن ~~تقدير المستجسد كالعذرة ونحوها، فإن كانت أكثر من مثقال ذهب وزنا تمنع؛ ~~وإلا فلا، وهو المختار عند مشايخنا بما وراء النهر وأما حد الكثير من ~~النجاسة الخفيفة فهو الكثير الفاحش في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه قال: سألت أبا حنيفة عن الكثير الفاحش فكره أن يحد ~~له حدا، وقال: الكثير الفاحش ما يستفحشه الناس ويستكثرونه وروى الحسن عنه ~~أنه قال: شبر في شبر، وهو المروي عن أبي يوسف أيضا. # وروي عنه ذراع في ذراع، وروي أكثر من نصف الثوب، وروي نصف الثوب، ثم في ~~رواية نصف كل الثوب، وفي رواية نصف طرف منه، أما التقدير بأكثر من النصف؛ ~~فلأن الكثرة والقلة من الأسماء الإضافية لا يكون الشيء قليلا، إلا أن يكون ~~بمقابلته كثير، وكذا لا يكون كثيرا إلا وأن يكون بمقابلته قليل، والنصف ليس ~~بكثير؛ لأنه ليس في مقابلته قليل؛ فكان الكثير أكثر من النصف؛ لأن بمقابلته ~~ما هو أقل منه وأما التقدير، بالنصف فلأن العفو هو القليل، والنصف ليس ~~بقليل، إذ ليس بمقابلته ما هو أقل منه. # وأما التقدير بالشبر فلأن أكثر الضرورة تقع لباطن الخفاف. # وباطن الخفين شبر في شبر. ms0179 # وأما التقدير بالذراع فلأن الضرورة في ظاهر الخفين وباطنهما، وذلك ذراع ~~في ذراع، وذكر الحاكم في مختصره عن أبي حنيفة ومحمد: الربع، وهو الأصح؛ لأن ~~للربع حكم الكل في أحكام الشرع في موضع الاحتياط، ولا عبرة بالكثرة والقلة ~~حقيقة، ألا ترى أن الدرهم جعل حدا فاصلا بين القليل والكثير شرعا مع انعدام ~~ما ذكر، إلا أنه لا يمكن التقدير بالدرهم في بعض النجاسات؛ لانحطاط رتبتها ~~عن المنصوص عليها، فقدر بما هو كثير في الشرع في موضع الاحتياط وهو الربع، ~~واختلف المشايخ في تفسير الربع قيل: ربع جميع الثوب؛ لأنهما قدراه بربع ~~الثوب، والثوب اسم للكل وقيل: ربع كل عضو وطرف أصابته النجاسة من اليد، ~~والرجل والذيل، والكم والدخريص؛ لأن كل قطعة منها قبل الخياطة كان ثوبا على ~~حدة، فكذا بعد الخياطة وهو الأصح، ثم لم يذكر في ظاهر الرواية تفسير ~~النجاسة الغليظة والخفيفة. # وذكر الكرخي أن النجاسة الغليظة عند أبي حنيفة: ما ورد نص على نجاسته، ~~ولم يرد نص على طهارته، معارضا له وإن اختلف العلماء فيه والخفيفة ما تعارض ~~نصان في طهارته ونجاسته، وعند أبي يوسف ومحمد الغليظة: ما وقع الاتفاق على ~~نجاسته، والخفيفة: ما اختلف العلماء في نجاسته وطهارته، (إذا) عرف هذا ~~الأصل فالأرواث كلها نجسة نجاسة غليظة عند أبي حنيفة؛ لأنه ورد نص يدل على ~~نجاستها، وهو ما روينا عن «ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - طلب منه ليلة الجن أحجار الاستنجاء # PageV01P080 # فأتي بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين ورمى بالروثة، وقال: إنها رجس أو ركس - ~~أي نجس» - وليس له نص معارض، وإنما قال بعض العلماء بطهارتها بالرأي ~~والاجتهاد والاجتهاد لا يعارض النص، فكانت نجاستها غليظة. # وعلى قولهما نجاستها خفيفة؛ لأن العلماء اختلفوا فيها، وبول ما لا يؤكل ~~لحمه نجس نجاسة غليظة بالإجماع على اختلاف الأصلين، (أما) عنده فلانعدام نص ~~معارض لنص النجاسة، (وأما) عندهما فلوقوع الاتفاق على نجاسته وبول ما يؤكل ~~لحمه نجس نجاسة خفيفة بالاتفاق، أما عنده فلتعارض النصين، وهما حديث ~~العرنيين ms0180 مع حديث عمار وغيره في البول مطلقا. # وأما عندهما فلاختلاف العلماء فيه، (وأما) العذرات وخرء الدجاج والبط، ~~فنجاستها غليظة بالإجماع على اختلاف الأصلين، هذا على وجه البناء على الأصل ~~الذي ذكره الكرخي، (وأما) الكلام في الأرواث على طريقة الابتداء، فوجه ~~قولهما أن في الأرواث ضرورة، وعموم البلية لكثرتها في الطرقات، فتتعذر ~~صيانة الخفاف والنعال عنها - وما عمت بليته خفت قضيته - بخلاف خرء الدجاج ~~والعذرة؛ لأن ذلك قلما يكون في الطرق، فلا تعم البلوى بإصابته، وبخلاف بول ~~ما يؤكل لحمه؛ لأن ذلك تنشفه الأرض ويجف بها فلا تكثر إصابته الخفاف ~~والنعال. # وروي عن محمد في الروث أنه لا يمنع جواز الصلاة وإن كان كثيرا فاحشا، ~~وقيل: إن هذا آخر أقاويله حين كان بالري، وكان الخليفة بها فرأى الطرق ~~والخانات مملوءة من الأرواث، وللناس فيها بلوى عظيمة فعلى هذا القياس قال ~~بعض مشايخنا بما وراء النهر: إن طين بخارى إذا أصاب الثوب لا يمنع جواز ~~الصلاة، وإن كان كثيرا فاحشا؛ لبلوى الناس فيه لكثرة العذرات في الطرق؛ ~~وأبو حنيفة احتج بقوله تعالى: {من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} ~~[النحل: 66] جمع بين الفرث والدم لكونهما نجسين، ثم بين الأعجوبة للخلق في ~~إخراج ما هو نهاية في الطهارة - وهو اللبن - من بين شيئين نجسين، مع كون ~~الكل مائعا في نفسه؛ ليعرف به كمال قدرته، والحكيم إنما يذكر ما هو النهاية ~~في النجاسة؛ ليكون إخراجه ما هو النهاية في الطهارة، من بين ما هو النهاية ~~في النجاسة نهاية في الأعجوبة، وآية لكمال القدرة؛ ولأنها مستخبثة طبعا، ~~ولا ضرورة في إسقاط اعتبار نجاستها؛ لأنها وإن كثرت في الطرقات فالعيون ~~تدركها فيمكن صيانة الخفاف والنعال، كما في بول ما لا يؤكل لحمه، والأرض ~~وإن كانت تنشف الأبوال فالهواء يجفف الأرواث، فلا تلتزق بالمكاعب والخفاف، ~~على أنا اعتبرنا معنى الضرورة بالعفو عن القليل منها - وهو الدرهم فما دونه ~~- فلا ضرورة في الترقية بالتقدير بالكثير الفاحش والله أعلم. # ولو أن ثوبا أصابته النجاسة - وهي كثيرة - فجفت، وذهب ms0181 أثرها، وخفي ~~مكانها؛ غسل جميع الثوب وكذا لو أصابت أحد الكمين ولا يدري أيهما هو؛ ~~غسلهما جميعا، وكذا إذا راثت البقرة أو بالت في الكديس ولا يدرى مكانه؛ غسل ~~الكل احتياطا، وقيل: إذا غسل موضعا من الثوب - كالدخريص ونحوه - وأحد ~~الكمين وبعضا من الكديس يحكم بطهارة الباقي، وهذا غير سديد؛ لأن موضع ~~النجاسة غير معلوم، وليس البعض أولى من البعض، ولو كان الثوب طاهرا فشك في ~~نجاسته جاز له أن يصلي فيه؛ لأن الشك لا يرفع اليقين، وكذا إذا كان عنده ~~ماء طاهر فشك في وقوع النجاسة فيه، ولا بأس بلبس ثياب أهل الذمة والصلاة ~~فيها، إلا الإزار والسراويل فإنه تكره الصلاة فيهما وتجوز، (أما) الجواز؛ ~~فلأن الأصل في الثياب هو الطهارة، فلا تثبت النجاسة بالشك؛ ولأن التوارث ~~جار فيما بين المسلمين بالصلاة في الثياب المغنومة من الكفرة قبل الغسل. # وأما الكراهة في الإزار والسراويل فلقربهما من موضع الحدث - وعسى لا ~~يستنزهون من البول - فصار شبيه يد المستيقظ ومنقار الدجاجة المخلاة، وذكر ~~في بعض المواضع في الكراهة خلافا، على قول أبي حنيفة ومحمد يكره، وعلى قول ~~أبي يوسف لا يكره. # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «سئل عن الشراب في أواني ~~المجوس فقال: إن لم تجدوا منها بدا فاغسلوها، ثم اشربوا فيها» وإنما أمر ~~بالغسل؛ لأن ذبائحهم ميتة، وأوانيهم قلما تخلو عن دسومة منها قال بعض ~~مشايخنا: وكذلك الجواب في ثياب الفسقة من المسلمين؛ لأن الظاهر أنهم لا ~~يتوقون إصابة الخمر ثيابهم في حال الشرب. # وقالوا في الديباج الذي ينسجه أهل فارس: إنه لا تجوز الصلاة فيه؛ لأنهم ~~يستعملون فيه البول عند النسج، يزعمون أنه يزيد في بريقه، ثم لا يغسلونه؛ ~~لأن الغسل يفسده فإن صح أنهم يفعلون ذلك فلا شك أنه لا تجوز # PageV01P081 # الصلاة معه. # (وأما) حكم مكان الصلاة فالمصلي لا يخلو إما إن كان يصلي على الأرض، أو ~~على غيرها من البساط ونحوه، ولا يخلو إما إن كانت النجاسة في مكان الصلاة ~~أو في غيره ms0182 بقرب منه، ولا يخلو إما إن كانت قليلة أو كثيرة، فإن كان يصلي ~~على الأرض، والنجاسة بقرب من مكان الصلاة جازت صلاته قليلة كانت أو كثيرة؛ ~~لأن شرط الجواز طهارة مكان الصلاة. # وقد وجد، لكن المستحب أن يبعد عن موضع النجاسة تعظيما لأمر الصلاة، وإن ~~كانت النجاسة في مكان الصلاة، فإن كانت قليلة تجوز على أي موضع كانت؛ لأن ~~قليل النجاسة عفو في حق جواز الصلاة عندنا على ما مر، وإن كانت كثيرة فإن ~~كانت في موضع اليدين والركبتين تجوز عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر ~~والشافعي لا تجوز وجه قولهما أنه أدى ركنا من أركان الصلاة مع النجاسة فلا ~~يجوز، كما لو كانت النجاسة على الثوب، أو البدن، أو في موضع القيام. # (ولنا) أن وضع اليدين والركبتين ليس بركن، ولهذا لو أمكنه السجود بدون ~~الوضع يجزئه فيجعل كأنه لم يضع أصلا، ولو ترك الوضع جازت صلاته، فههنا ~~أولى، وهكذا نقول فيما إذا كانت النجاسة على موضع القيام: إن ذلك ملحق ~~بالعدم، غير أن القيام ركن من أركان الصلاة، فلا يثبت الجواز بدونه بخلاف ~~الثوب؛ لأن لابس الثوب صار حاملا للنجاسة مستعملا لها؛ لأنها تتحرك بتحركه ~~وتمشي بمشيه لكونها تبعا للثوب، أما ههنا بخلافه، وإن كانت النجاسة في موضع ~~القدمين، فإن قام عليها وافتتح الصلاة لم تجز؛ لأن القيام ركن، فلا يصح ~~بدون الطهارة، كما لو افتتحها مع الثوب النجس، أو البدن النجس، وإن قام على ~~مكان طاهر وافتتح الصلاة، ثم تحول إلى موضع النجاسة. # وقام عليها أو قعد، فإن مكث قليلا لا تفسد صلاته، وإن أطال القيام فسدت؛ ~~لأن القيام من أفعال الصلاة مقصودا؛ لأنه ركن، فلا يصح بدون الطهارة، فيخرج ~~من أن يكون فعل الصلاة لعدم الطهارة، وما ليس من أفعال الصلاة إذا دخل في ~~الصلاة إن كان قليلا يكون عفوا وإلا فلا، بخلاف ما إذا كانت النجاسة على ~~موضع اليدين والركبتين حيث لا تفسد صلاته، وإن أطال الوضع؛ لأن الوضع ليس ~~من أفعال الصلاة مقصودا بل من توابعها، ms0183 فلا يخرج من أن يكون فعل الصلاة ~~تبعا لعدم الطهارة؛ لوجود الطهارة في الأصل، وإن كانت النجاسة في موضع ~~السجود لم يجز في قول أبي يوسف ومحمد، وعن أبي حنيفة روايتان روى عنه محمد ~~أنه لا يجوز، وهو الظاهر من مذهبه، وروى أبو يوسف عنه أنه يجوز وجه قولهما ~~أن الفرض هو السجود على الجبهة. # وقدر الجبهة أكثر من قدر الدرهم فلا يكون عفوا وجه رواية أبي يوسف عن أبي ~~حنيفة أن فرض السجود يتأدى بمقدار أرنبة الأنف عنده، وذلك أقل من قدر ~~الدرهم فيجوز، والصحيح رواية محمد؛ لأن الفرض وإن كان يتأدى بمقدار الأرنبة ~~عنده، ولكن إذا وضع الجبهة مع الأرنبة يقع الكل فرضا، كما إذا طول القراءة ~~زيادة على ما يتعلق به جواز الصلاة، ومقدار الجبهة والأنف يزيد على قدر ~~الدرهم فلا يكون عفوا، ثم قوله: إذا سجد على موضع نجس لم تجز أي صلاته، كذا ~~ذكر في ظاهر الرواية وهو قول زفر # وروي عن أبي يوسف أنه لم يجز سجوده، فأما الصلاة فلا تفسد، حتى لو أعاد ~~السجود على موضع طاهر جازت صلاته ووجهه أن السجود على موضع نجس ملحق ~~بالعدم؛ لانعدام شرط الجواز وهو الطهارة، فصار كأنه لم يسجد عليه، وسجد على ~~مكان طاهر وجه ظاهر الرواية أن السجدة أو ركنا آخر لما لم يجز على موضع ~~نجس؛ صار فعلا كثيرا ليس من أفعال الصلاة، وذا يوجب فساد الصلاة، ولو كانت ~~النجاسة في موضع إحدى القدمين على قياس رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة يجوز؛ ~~لأن أدنى القيام هو القيام بإحدى القدمين - وإحداهما طاهرة - فيتأدى به ~~الفرض فكان وضع الأخرى فضلا بمنزلة وضع اليدين والركبتين، وعلى قياس رواية ~~محمد عنه لا يجوز، وهو الصحيح؛ لأنه إذا وضعهما جميعا يتأدى الفرض بهما، ~~كما في القراءة على ما مر، والله تعالى أعلم هذا إذا كان يصلي على الأرض، ~~فأما إذا كان يصلي على بساط فإن كانت النجاسة في مكان الصلاة - وهي كثيرة - ~~فحكمه حكم الأرض على ما مر، ms0184 وإن كانت على طرف من أطرافه اختلف المشايخ فيه ~~قال بعضهم: إن كان البساط كبيرا بحيث لو رفع طرف منه لا يتحرك الطرف الآخر ~~يجوز، وإلا فلا. # كما إذا تعمم بثوب، وأحد طرفيه ملقى على الأرض، وهو نجس أنه إن كان بحال ~~لا يتحرك بتحركه جاز # PageV01P082 # وإن كان يتحرك بحركته لا يجوز، والصحيح أنه يجوز صغيرا كان أو كبيرا ~~بخلاف العمامة، (والفرق) أن الطرف النجس من العمامة إذا كان يتحرك بتحركه، ~~صار حاملا للنجاسة مستعملا لها، وهذا لا يتحقق في البساط، ألا ترى أنه لو ~~وضع يديه أو ركبتيه على الموضع النجس منه يجوز؟ ، ولو صار حاملا لما جاز، ~~ولو صلى على ثوب مبطن ظهارته طاهرة، وبطانته نجسة، روي عن محمد أنه يجوز، ~~وكذا ذكر في نوادر الصلاة. # وروي عن أبي يوسف أنه لا يجوز، ومن المشايخ من وفق بين الروايتين فقال: ~~جواب محمد فيما إذا كان مخيطا غير مضرب فيكون بمنزلة ثوبين، والأعلى منهما ~~طاهر، وجواب أبي يوسف فيما إذا كان مخيطا مضربا فيكون بمنزلة ثوب واحد ~~ظاهره طاهر، وباطنه نجس ومنهم من حقق فيه الاختلاف فقال: على قول محمد يجوز ~~كيفما كان، وعلى قول أبي يوسف لا يجوز كيفما كان. # وعلى هذا إذا صلى على حجر الرحا، أو على باب، أو بساط غليظ، أو على مكعب ~~ظاهره طاهر، وباطنه نجس يجوز عند محمد، وبه كان يفتي الشيخ أبو بكر ~~الإسكاف، وعند أبي يوسف لا يجوز، وبه كان يفتي الشيخ أبو حفص الكبير، فأبو ~~يوسف نظر إلى اتحاد المحل فقال: المحل محل واحد فاستوى ظاهره وباطنه، ~~كالثوب الصفيق، ومحمد اعتبر الوجه الذي يصلى عليه فقال: إنه صلى في موضع ~~طاهر، وليس هو حاملا للنجاسة فتجوز، كما إذا صلى على ثوب تحته ثوب نجس ~~بخلاف الثوب الصفيق؛ لأن الثوب وإن كان صفيقا فالظاهر نفاذ الرطوبات إلى ~~الوجه الآخر، إلا أنه ربما لا تدركه العين لتسارع الجفاف إليه، ولو أن ~~بساطا غليظا، أو ثوبا مبطنا مضربا وعلى كلا وجهيه نجاسة أقل ms0185 من قدر الدرهم ~~في موضعين مختلفين، لكنهما لو جمعا يزيد على قدر الدرهم، على قياس رواية ~~أبي يوسف يجمع، ولا تجوز صلاته؛ لأنه ثوب واحد، ونجاسة واحدة، وعلى قياس ~~رواية محمد لا يجمع، وتجوز صلاته؛ لأن النجاسة في الوجه الذي يصلي فيه أقل ~~من قدر الدرهم، ولو كان ثوبا صفيقا والمسألة بحالها لا يجوز بالإجماع؛ لما ~~ذكرنا أن الظاهر هو النفاذ إلى الجانب الآخر، وإن كان لا يدركه الحس، ~~فاجتمع في وجه واحد نجاستان لو جمعتا يزيد على قدر الدرهم فيمنع الجواز، ~~ولو أن ثوبا، أو بساطا أصابته النجاسة ونفذت إلى الوجه الآخر، وإذا جمعا ~~يزيد على قدر الدرهم لا يجمع بالإجماع، أما على قياس رواية أبي يوسف فلأنه ~~ثوب واحد ونجاسة واحدة. # وأما على قياس رواية محمد فلأن النجاسة في الوجه الذي يصلى عليه أقل من ~~قدر الدرهم، وكذا إذا كان الثوب مبطنا مضربا والمسألة بحالها لا يجمع ~~بالإجماع لما قلنا. ### | [فصل بيان ما يقع به التطهير] # (فصل) : # وأما بيان ما يقع به التطهير فالكلام في هذا الفصل يقع في ثلاثة مواضع: ~~أحدها - في بيان ما يقع به التطهير والثاني - في بيان طريق التطهير بالغسل، ~~والثالث - في بيان شرائط التطهير. # (أما) الأول فما يحصل به التطهير أنواع: منها الماء المطلق، ولا خلاف في ~~أنه يحصل به الطهارة الحقيقية والحكمية جميعا؛ لأن الله تعالى سمى الماء ~~طهورا بقوله {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: 48] وكذا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بقوله «الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه، أو ~~طعمه، أو ريحه» والطهور: هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وكذا جعل الله ~~تعالى الوضوء والاغتسال بالماء طهورا بقوله في آخر آية الوضوء: {ولكن يريد ~~ليطهركم} [المائدة: 6] . # وقوله {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] ويستوي العذب والملح لإطلاق ~~النصوص. # وأما ما سوى الماء من المائعات الطاهرة فلا خلاف في أنه لا تحصل بها ~~الطهارة الحكمية، وهي زوال الحدث، وهل تحصل بها الطهارة الحقيقية وهي زوال ~~النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن؟ ms0186 اختلف فيه فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ~~تحصل وقال محمد وزفر والشافعي: لا تحصل. # وروي عن أبي يوسف أنه فرق بين الثوب والبدن، فقال في الثوب: تحصل وفي ~~البدن لا تحصل إلا بالماء وجه قولهم أن طهورية الماء عرفت شرعا بخلاف ~~القياس؛ لأنه بأول ملاقاته النجس صار نجسا، والتطهير بالنجس لا يتحقق كما ~~إذا غسل بماء نجس، أو بالخمر، إلا أن الشرع أسقط اعتبار نجاسة الماء حالة ~~الاستعمال، وبقاؤه طهورا على خلاف القياس فلا يلحق به غيره؛ ولهذا لم يلحق ~~به في إزالة الحدث، (ولهما) أن الواجب هو التطهير، وهذه المائعات تشارك ~~الماء في التطهير؛ لأن الماء إنما كان مطهرا لكونه مائعا رقيقا يداخل أثناء ~~الثوب، فيجاور أجزاء النجاسة، فيرققها إن كانت كثيفة، فيستخرجها # PageV01P083 # بواسطة العصر، وهذه المائعات في المداخلة، والمجاورة، والترقيق، مثل ~~الماء فكانت مثله في إفادة الطهارة بل أولى، فإن الخل يعمل في إزالة بعض ~~ألوان لا تزول بالماء، فكان في معنى التطهير أبلغ، (وأما) قولهم: إن الماء ~~بأول ملاقاة النجس صار نجسا ممنوع، والماء قط لا يصير نجسا، وإنما يجاور ~~النجس فكان طاهرا في ذاته فصلح مطهرا، ولو تصور تنجس الماء فذلك بعد ~~مزايلته المحل النجس؛ لأن الشرع أمرنا بالتطهير، ولو تنجس بأول الملاقاة ~~لما تصور التطهير، فيقع التكليف بالتطهير عبثا، تعالى الله عن ذلك، فهكذا ~~نقول في الحدث، إلا أن الشرع ورد بالتطهير بالماء هناك تعبدا غير معقول ~~المعنى، فيقتصر على مورد التعبد، وهذا إذا كان مائعا ينعصر بالعصر، فإن كان ~~لا ينعصر، مثل العسل والسمن والدهن ونحوها، لا تحصل به الطهارة أصلا؛ ~~لانعدام المعاني التي يقف عليها زوال النجاسة على ما بينا. # (ومنها) : الفرك، والحت بعد الجفاف في بعض الأنجاس في بعض المحال، ~~(وبيان) هذه الجملة: إذا أصاب المني الثوب وجف وفرك طهر استحسانا، والقياس ~~أن لا يطهر إلا بالغسل، وإن كان رطبا لا يطهر إلا بالغسل، والأصل فيه ما ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعائشة - رضي الله عنها -: ~~«إذا رأيت ms0187 المني في ثوبك إن كان رطبا فاغسليه، وإن كان يابسا فافركيه» ؛ ~~ولأنه شيء غليظ لزج لا يتشرب في الثوب إلا رطوبته، ثم تنجذب تلك الرطوبة ~~بعد الجفاف فلا يبقى إلا عينه، وأنها تزول بالفرك بخلاف الرطب؛ لأن العين ~~وإن زالت بالحت فأجزاؤها المتشربة في الثوب قائمة، فبقيت النجاسة، وإن أصاب ~~البدن، فإن كان رطبا لا يطهر إلا بالغسل؛ لما بينا؛ وإن جف فهل يطهر بالحت؟ ~~روى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يطهر، وذكر الكرخي أنه يطهر وجه رواية الحسن ~~أن القياس أن لا يطهر في الثوب إلا بالغسل، وإنما عرفناه بالحديث، وأنه ورد ~~في الثوب بالفرك فبقي البدن مع أنه لا يحتمل الفرك على أصل القياس وجه قول ~~الكرخي أن النص الوارد في الثوب يكون واردا في البدن من طريق الأولى؛ لأن ~~البدن أقل تشربا من الثوب، والحت في البدن يعمل عمل الفرك في الثوب في ~~إزالة العين. # (وأما) سائر النجاسات إذا أصابت الثوب أو البدن ونحوهما فإنها لا تزول ~~إلا بالغسل، سواء كانت رطبة أو يابسة، وسواء كانت سائلة أو لها جرم ولو ~~أصاب ثوبه خمر، فألقى عليها الملح، ومضى عليه من المدة مقدار ما يتخلل ~~فيها، لم يحكم بطهارته، حتى يغسله. # ولو أصابه عصير، فمضى عليه من المدة مقدار ما يتخمر العصير فيها، لا يحكم ~~بنجاسته، وإن أصاب الخف أو النعل ونحوهما، فإن كانت رطبة لا تزول إلا ~~بالغسل كيفما كانت. # وروي عن أبي يوسف أنه يطهر بالمسح على التراب كيفما كانت مستجسدة أو ~~مائعة، وإن كانت يابسة فإن لم يكن لها جرم كثيف كالبول والخمر والماء النجس ~~لا يطهر إلا بالغسل، وإن كان لها جرم كثيف فإن كان منيا فإنه يطهر بالحت ~~بالإجماع، وإن كان غيره كالعذرة والدم الغليظ والروث يطهر بالحت عند أبي ~~حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد لا يطهر إلا بالغسل، وهو أحد قولي الشافعي، وما ~~قالاه استحسان، وما قاله قياس وجه القياس أن غير الماء لا أثر له في ~~الإزالة، وكذا القياس في ms0188 الماء؛ لما بينا فيما تقدم، إلا أنه يجعل طهورا ~~للضرورة، والضرورة ترتفع بالماء، فلا ضرورة في غيره، ولهذا لم يؤثر في ~~إزالة الرطب واليابس والسائل وفي الثوب، وهذا هو القياس في المني، إلا أنا ~~عرفناه بالنص. # وجه الاستحسان ما روي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن «النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لما خلع نعليه في الصلاة، خلع الناس نعالهم، فلما فرغ ~~من الصلاة قال: ما بالكم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: خلعت نعليك فخلعنا نعالنا ~~فقال: أتاني جبريل وأخبرني أن بهما أذى، ثم قال: إذا أتى أحدكم المسجد ~~فليقلب نعليه، فإن كان بهما أذى فليمسحهما بالأرض، فإن الأرض لهما طهور» ، ~~وهذا نص والفقه من وجهين: أحدهما: أن المحل إذا كان فيه صلابة نحو الخف ~~والنعل، لا تتخلل أجزاء النجاسة فيه لصلابته، وإنما تتشرب منه بعض ~~الرطوبات، فإذا أخذ المستجسد في الجفاف جذبت تلك الرطوبات إلى نفسه شيئا ~~فشيئا، فكلما ازداد يبسا ازداد جذبا، إلى أن يتم الجفاف، فعند ذلك لا يبقى ~~منها شيء، أو يبقى شيء يسير، فإذا جف الخف، أو مسحه على الأرض تزول العين ~~بالكلية، بخلاف حالة الرطوبة؛ لأن العين وإن زالت فالرطوبات باقية، لأنه ~~خروجها بالجذب بسبب اليبس، ولم يوجد وبخلاف السائل؛ لأنه لم يوجد الجاذب - ~~وهو العين المستجسدة - فبقيت الرطوبة المتشربة فيه، فلا يطهر بدون الغسل، ~~وبخلاف # PageV01P084 # الثوب فإن أجزاء النجاسة تتخلل في الثوب كما تتخلل رطوباتها لتخلخل أجزاء ~~الثوب، فبالجفاف انجذبت الرطوبات إلى نفسها، فتبقى أجزاؤها فيه فلا تزول ~~بإزالة الجرم الظاهر على سبيل الكمال، وصار كالمني إذا أصاب الثوب أنه يطهر ~~بالفرك عند الجفاف؛ لأن المني شيء لزج لا يداخل أجزاء الثوب. # وإنما تتخلل رطوباته فقط، ثم يجذبها المستجسد عند الجفاف فيطهر فكذلك ~~هذا، والثاني - أن إصابة هذه الأنجاس الخفاف والنعال مما يكثر، فيحكم ~~بطهارتها بالمسح دفعا للحرج بخلاف الثوب، والحرج في الأرواث لا غير، وإنما ~~سوى في رواية عن أبي يوسف بين الكل لإطلاق ما روينا من الحديث، وكذا معنى ~~الحرج لا يفصل ms0189 بين الرطب واليابس، ولو أصابه الماء بعد الحت والمسح يعود ~~نجسا، هو الصحيح من الرواية؛ لأن شيئا من النجاسة قائم؛ لأن المحل إذا تشرب ~~فيه النجس، وأنه لا يحتمل العصر، لا يطهر عند محمد أبدا، وعند أبي يوسف ~~ينقع في الماء ثلاث مرات، ويجفف في كل مرة، إلا أن معظم النجاسة قد زال، ~~فجعل القليل عفوا في حق جواز الصلاة للضرورة، لا أن يطهر المحل حقيقة، فإذا ~~وصل إليه الماء فهذا ماء قليل جاوره قليل نجاسة فينجسه، وأطلق الكرخي أنه ~~إذا حت طهر، وتأويله في حق جواز الصلاة، ولو أصابت النجاسة شيئا صلبا ~~صقيلا، كالسيف والمرآة ونحوهما يطهر بالحت، رطبة كانت أو يابسة؛ لأنه لا ~~يتخلل في أجزائه شيء من النجاسة، وظاهره يطهر بالمسح والحث وقيل: إن كانت ~~رطبة لا تزول إلا بالغسل، ولو أصابت النجاسة الأرض فجفت وذهب أثرها تجوز ~~الصلاة عليها عندنا، وعند زفر لا تجوز، وبه أخذ الشافعي، ولو تيمم بهذا ~~التراب لا يجوز في ظاهر الرواية، وقد ذكرنا الفرق فيما تقدم. # (ولنا) طريقان: أحدهما - أن الأرض لم تطهر حقيقة لكن زال معظم النجاسة ~~عنها، وبقي شيء قليل فيجعل عفوا للضرورة، فعلى هذا إذا أصابها الماء تعود ~~نجسة لما بينا. # والثاني - أن الأرض طهرت حقيقة؛ لأن من طبع الأرض أنها تحيل الأشياء، ~~وتغيرها إلى طبعها، فصارت ترابا بمرور الزمان، ولم يبق نجس أصلا، فعلى هذا ~~إن أصابها لا تعود نجسة، وقيل: إن الطريق الأول لأبي يوسف، والثاني لمحمد، ~~بناء على أن النجاسة إذا تغيرت بمضي الزمان وتبدلت أوصافها، تصير شيئا آخر ~~عند محمد، فيكون طاهرا، وعند أبي يوسف لا يصير شيئا آخر فيكون نجسا، وعلى ~~هذا الأصل مسائل بينهما. # (منها) : الكلب إذا وقع في الملاحة، والجمد، والعذرة إذا أحرقت بالنار ~~وصارت رمادا، وطين البالوعة إذا جف وذهب أثره والنجاسة إذا دفنت في الأرض ~~وذهب أثرها بمرور الزمان وجه قول أبي يوسف أن أجزاء النجاسة قائمة، فلا ~~تثبت الطهارة مع بقاء العين النجسة، والقياس في الخمر إذا تخلل ms0190 أن لا يطهر، ~~لكن عرفناه نصا بخلاف القياس، بخلاف جلد الميتة فإن عين الجلد طاهرة، وإنما ~~النجس ما عليه من الرطوبات، وأنها تزول بالدباغ وجه قول محمد أن النجاسة ~~لما استحالت، وتبدلت أوصافها ومعانيها خرجت عن كونها نجاسة؛ لأنها اسم لذات ~~موصوفة، فتنعدم بانعدام الوصف، وصارت كالخمر إذا تخللت. # (ومنها) الدباغ للجلود النجسة، فالدباغ تطهير للجلود كلها إلا جلد ~~الإنسان والخنزير، كذا ذكر الكرخي، وقال مالك: إن جلد الميتة لا يطهر ~~بالدباغ، لكن يجوز استعماله في الجامد، لا في المائع، بأن يجعل جرابا ~~للحبوب دون الزق للماء والسمن والدبس، وقال عامة أصحاب الحديث: لا يطهر ~~بالدباغ إلا جلد ما يؤكل لحمه وقال الشافعي كما قلنا إلا في جلد الكلب؛ ~~لأنه نجس العين عنده كالخنزير وكذا روي عن الحسن بن زياد واحتجوا بما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا ~~عصب» واسم الإهاب يعم الكل إلا فيما قام الدليل على تخصيصه، (ولنا) ما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» # كالخمر تخلل فتحل وروي أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بفناء قوم ~~فاستسقاهم فقال: هل عندكم ماء؟ فقالت امرأة: لا يا رسول الله إلا في قربة ~~لي ميتة فقال - صلى الله عليه وسلم - ألست دبغتيها؟ فقالت: نعم فقال: ~~دباغها طهورها» ؛ ولأن نجاسة الميتات لما فيها من الرطوبات والدماء السائلة ~~وأنها تزول بالدباغ فتطهر كالثوب النجس إذا غسل؛ ولأن العادة جارية فيما ~~بين المسلمين بلبس جلد الثعلب، والفنك، والسمور ونحوها، في الصلاة وغيرها ~~من غير نكير، فدل على الطهارة، ولا حجة لهم في الحديث؛ لأن الإهاب في ~~اللغة: اسم لجلد لم يدبغ، كذا قاله الأصمعي، والله أعلم، ثم قول الكرخي: ~~إلا جلد الإنسان # PageV01P085 # والخنزير، جواب ظاهر قول أصحابنا. # وروي عن أبي يوسف أن الجلود كلها تطهر بالدباغ لعموم الحديث، والصحيح أن ~~جلد الخنزير لا يطهر بالدباغ؛ لأن نجاسته ليست لما فيه من الدم والرطوبة بل ~~هو ms0191 نجس العين، فكان وجود الدباغ - في حقه - والعدم بمنزلة واحدة، وقيل: إن ~~جلده لا يحتمل الدباغ؛ لأن له جلودا مترادفة، بعضها فوق بعض كما للآدمي. # وأما جلد الإنسان فإن كان يحتمل الدباغ وتندفع رطوبته بالدبغ ينبغي أن ~~يطهر؛ لأنه ليس بنجس العين لكن لا يجوز الانتفاع به احتراما له وأما جلد ~~الفيل فذكر في العيون عن محمد أنه لا يطهر بالدباغ. # وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يطهر؛ لأنه ليس بنجس العين، ثم الدباغ ~~على ضربين: حقيقي، وحكمي، فالحقيقي: هو أن يدبغ بشيء له قيمة كالقرظ والعفص ~~والسبخة ونحوها، والحكمي: أن يدبغ بالتشميس والتتريب والإلقاء في الريح، ~~والنوعان مستويان في سائر الأحكام إلا في حكم واحد، وهو أنه لو أصابه الماء ~~بعد الدباغ الحقيقي لا يعود نجسا، وبعد الدباغ الحكمي فيه روايتان. # وقال الشافعي: لا يطهر الجلد إلا بالدباغ الحقيقي، وأنه غير سديد؛ لأن ~~الحكمي في إزالة الرطوبات، والعصمة عن النتن، والفساد بمضي الزمان، مثل ~~الحقيقي، فلا معنى للفصل بينهما، والله أعلم. # (ومنها) الذكاة في تطهير الذبيح، وجملة الكلام فيها أن الحيوان إن كان ~~مأكول اللحم فذبح طهر بجميع أجزائه إلا الدم المسفوح، وإن لم يكن مأكول ~~اللحم فما هو طاهر من الميتة، من الأجزاء التي لا دم فيها، كالشعر وأمثاله، ~~يطهر منه بالذكاة عندنا. # وأما الأجزاء التي فيها الدم كاللحم والشحم والجلد فهل تطهر بالذكاة، ~~اتفق أصحابنا على أن جلده يطهر بالذكاة وقال الشافعي: لا يطهر وجه قوله أن ~~الذكاة لم تفد حلا فلا تفيد طهرا وهذا؛ لأن أثر الذكاة يظهر فيما وضع له ~~أصلا، - وهو حل تناول اللحم - وفي غيره تبعا فإذا لم يظهر أثرها في الأصل ~~كيف يظهر في التبع؛ فصار كما لو ذبحه مجوسي. # (ولنا) ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «دباغ الأديم ~~ذكاته» ألحق الذكاة بالدباغ، ثم الجلد يطهر بالدباغ كذا بالذكاة؛ لأن ~~الذكاة تشارك الدباغ في إزالة الدماء السائلة، والرطوبات النجسة، فتشاركه ~~في إفادة الطهارة، وما ذكر من معنى ms0192 التبعية فغير سديد؛ لأن طهارة الجلد حكم ~~مقصود في الجلد، كما أن تناول اللحم حكم مقصود في اللحم، وفعل المجوسي ليس ~~بذكاة؛ لعدم أهلية الذكاة، فلا يفيد الطهارة فتعين تطهيره بالدباغ، ~~واختلفوا في طهارة اللحم والشحم، ذكر الكرخي فقال: كل حيوان يطهر بالدباغ؛ ~~يطهر جلده بالذكاة، فهذا يدل على أنه يطهر لحمه وشحمه وسائر أجزائه؛ لأن ~~الحيوان اسم لجملة الأجزاء. # وقال بعض مشايخنا ومشايخ بلخ: إن كل حيوان يطهر جلده بالدباغ يطهر جلده ~~بالذكاة، فأما اللحم والشحم ونحوهما فلا يطهر، والأول أقرب إلى الصواب؛ لما ~~مر أن النجاسة لمكان الدم المسفوح، وقد زال بالذكاة. # (ومنها) نزح ما وجب من الدلاء، أو نزح جميع الماء بعد استخراج الواقع في ~~البئر من الآدمي، أو غيره من الحيوان في تطهير البئر عرفنا ذلك بالخبر ~~وإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على ما ذكرنا فيما تقدم، ثم إذا وجب نزح ~~جميع الماء من البئر فينبغي أن تسد جميع منابع الماء إن أمكن، ثم ينزح ما ~~فيها من الماء النجس، وإن لم يمكن سد منابعه لغلبة الماء - روي عن أبي ~~حنيفة في غير رواية الأصول أنه ينزح مائة دلو. # وروي مائتا دلو، وعن محمد أنه ينزح مائتا دلو، أو ثلاثمائة دلو، وعن أبي ~~يوسف روايتان: في رواية: يحفر بجنبها حفيرة مقدار عرض الماء، وطوله وعمقه، ~~ثم ينزح ماؤها ويصب في الحفيرة، حتى تمتلئ فإذا امتلأت حكم بطهارة البئر، ~~وفي رواية: يرسل فيها قصبة، ويجعل لمبلغ الماء علامة، ثم ينزح منها عشرة ~~دلاء مثلا، ثم ينظر كم انتقص فينزح بقدر ذلك والأوفق في الباب ما روي عن ~~أبي نصر محمد بن محمد بن سلام أنه يؤتى برجلين لهما بصارة في أمر الماء ~~فينزح بقولهما؛ لأن ما يعرف بالاجتهاد يرجع فيه إلى أهل الاجتهاد في ذلك ~~الباب، ثم اختلف في الدلو الذي ينزح به الماء النجس قال بعضهم: المعتبر في ~~كل بئر دلوها، صغيرا كان أو كبيرا. # وروي عن أبي حنيفة أنه يعتبر دلو يسع قدر صاع، وقيل: ms0193 المعتبر هو المتوسط ~~بين الصغير والكبير. # وأما حكم طهارة الدلو والرشاء فقد روي عن أبي يوسف أنه سئل عن الدلو الذي ~~ينزح به الماء النجس من البئر أيغسل أم لا؟ قال: لا بل يطهره ما طهر البئر ~~وكذا روي عن الحسن بن زياد أنه قال إذا طهرت البئر يطهر الدلو والرشاء، كما ~~يطهر طين البئر وحمأته؛ لأن نجاستهما بنجاسة البئر، وطهارتهما يكون بطهارة ~~البئر # PageV01P086 # أيضا، كالخمر إذا تخلل في دن، أنه يحكم بطهارة الدن. # (ومنها) : تطهير الحوض الصغير إذا تنجس، واختلف المشايخ فيه فقال أبو بكر ~~الأعمش: لا يطهر حتى يدخل الماء فيه، ويخرج منه مثل ما كان فيه ثلاث مرات ~~فيصير ذلك بمنزلة غسله ثلاثا. # وقال الفقيه أبو جعفر الهندواني: إذا دخل فيه الماء الطاهر، وخرج بعضه، ~~يحكم بطهارته بعد أن لا تستبين فيه النجاسة؛ لأنه صار ماء جاريا، ولم ~~يستيقن ببقاء النجس فيه، وبه أخذ الفقيه أبو الليث، وقيل: إذا خرج منه ~~مقدار الماء النجس يطهر، كالبئر إذا تنجست، أنه يحكم بطهارتها بنزح ما فيها ~~من الماء وعلى هذا حوض الحمام أو الأواني إذا تنجس. ### | [فصل طريق التطهير بالغسل] # (فصل) : # وأما طريق التطهير بالغسل فلا خلاف في أن النجس يطهر بالغسل في الماء ~~الجاري، وكذا يطهر بالغسل بصب الماء عليه، واختلف في أنه هل يطهر بالغسل في ~~الأواني، بأن غسل الثوب النجس أو البدن النجس في ثلاث إجانات؟ قال أبو ~~حنيفة ومحمد: يطهر، حتى يخرج من الإجانة الثالثة طاهرا. # وقال أبو يوسف: لا يطهر البدن وإن غسل في إجانات كثيرة ما لم يصب عليه ~~الماء، وفي الثوب عنه روايتان وجه قول أبي يوسف أن القياس يأبى حصول ~~الطهارة بالغسل بالماء أصلا، لأن الماء متى لاقى النجاسة تنجس، سواء ورد ~~الماء على النجاسة، أو وردت النجاسة على الماء، والتطهير بالنجس لا يتحقق، ~~إلا أنا حكمنا بالطهارة؛ لحاجة الناس تطهير الثياب والأعضاء النجسة، ~~والحاجة تندفع بالحكم بالطهارة عند ورود الماء على النجاسة، فبقي ما وراء ~~ذلك على أصل القياس، فعلى ms0194 هذا لا يفرق بين البدن والثوب، ووجه الفرق له على ~~الرواية الأخرى: أن في الثوب ضرورة، إذ كل من تنجس ثوبه لا يجد من يصب ~~الماء عليه، ولا يمكنه الصب عليه بنفسه وغسله، فترك القياس فيه لهذه ~~الضرورة دفعا للحرج؛ ولهذا جرى العرف بغسل الثياب في الأواني، ولا ضرورة في ~~العضو؛ لأنه يمكنه غسله بصب الماء عليه، فبقي على ما يقتضيه القياس وجه ~~قولهما أن القياس متروك في الفصلين لتحقق الضرورة في المحلين، إذ ليس كل من ~~أصابت النجاسة بعض بدنه يجد ماء جاريا، أو من يصب عليه الماء وقد لا يتمكن ~~من الصب بنفسه. # وقد تصيب النجاسة موضعا يتعذر الصب عليه، فإن من دمي فمه أو أنفه لو صب ~~عليه الماء لوصل الماء النجس إلى جوفه، أو يعلو إلى دماغه، وفيه حرج بين، ~~فتركنا القياس لعموم الضرورة مع أن ما ذكره من القياس غير صحيح؛ لما ذكرنا ~~فيما تقدم أن الماء لا ينجس أصلا، ما دام على المحل النجس على ما مر بيانه، ~~وعلى هذا الخلاف إذا كان على يده نجاسة فأدخلها في جب من الماء، ثم في ~~الثاني والثالث هكذا لو كان في الخوابي خل نجس - والمسألة بحالها عند أبي ~~حنيفة - يخرج من الثالثة طاهرا خلافا لهما، بناء على أصل آخر وهو أن ~~المائعات الطاهرة تزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن عند أبي حنيفة، ~~والصب ليس بشرط، وعند محمد لا تزيل أصلا، وعند أبي يوسف تزيل لكن بشرط ~~الصب، ولم يوجد فاتفق جوابهما بناء على أصلين مختلفين. ### | [فصل في شرائط التطهير بالماء] # (فصل) : # وأما شرائط التطهير بالماء فمنها العدد في نجاسة غير مرئية عندنا، ~~والجملة في ذلك أن النجاسة نوعان: حقيقية، وحكمية، ولا خلاف في أن النجاسة ~~الحكمية - وهي الحدث والجناية - تزول بالغسل مرة واحدة، ولا يشترط فيها ~~العدد. # وأما النجاسة الحقيقية فإن كانت غير مرئية، كالبول ونحوه، ذكر في ظاهر ~~الرواية أنه لا تطهر إلا بالغسل ثلاثا، وعند الشافعي تطهر بالغسل مرة واحدة ~~اعتبارا بالحدث، إلا في ms0195 ولوغ الكلب في الإناء، فإنه لا يطهر إلا بالغسل ~~سبعا إحداهن بالتراب بالحديث، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه ~~قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب» . # (ولنا) ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يغسل الإناء من ~~ولوغ الكلب ثلاثا» فقد أمر بالغسل ثلاثا، وإن كان ذلك غير مرئي وما رواه ~~الشافعي فذلك عندما كان في ابتداء الإسلام؛ لقلع عادة الناس في الإلف ~~بالكلاب، كما أمر بكسر الدنان ونهى عن الشرب في ظروف الخمر حين حرمت الخمر، ~~فلما تركوا العادة أزال ذلك كما في الخمر، دل عليه ما روي في بعض الروايات: ~~«فليغسله سبعا أولاهن بالتراب، أو أخراهن بالتراب» وفي بعضها: «وعفروا ~~الثامنة بالتراب» وذلك غير واجب بالإجماع. # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا استيقظ أحدكم من منامه ~~فلا يغمسن يده في الإناء، حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده» ~~أمر بالغسل ثلاثا عند # PageV01P087 # توهم النجاسة، فعند تحققها أولى؛ ولأن الظاهر أن النجاسة لا تزول بالمرة ~~الواحدة، ألا ترى أن النجاسة المرئية فقط لا تزول بالمرة الواحدة، فكذا غير ~~المرئية، ولا فرق سوى أن ذلك يرى بالحس، وهذا يعلم بالعقل، والاعتبار ~~بالحدث غير سديد؛ لأنه ثمة لا نجاسة رأسا، وإنما عرفنا وجوب الغسل نصا غير ~~معقول المعنى، والنص ورد بالاكتفاء بمرة واحدة، فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «توضأ مرة مرة وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» ، ثم ~~التقدير بالثلاث عندنا ليس بلازم، بل هو مفوض إلى غالب رأيه، وأكبر ظنه، ~~وإنما ورد النص بالتقدير بالثلاث بناء على غالب العادات، فإن الغالب أنها ~~تزول بالثلاث؛ ولأن الثلاث هو الحد الفاصل لإبلاء العذر، كما في قصة العبد ~~الصالح مع موسى حيث قال له موسى في المرة الثالثة: {قد بلغت من لدني عذرا} ~~[الكهف: 76] وإن كانت النجاسة مرئية كالدم ونحوه، فطهارتها زوال عينها، ولا ~~عبرة فيه بالعدد؛ لأن النجاسة في العين فإن زالت العين زالت ms0196 النجاسة، وإن ~~بقيت بقيت، ولو زالت العين وبقي الأثر، فإن كان مما يزول أثره لا يحكم ~~بطهارته، ما لم يزل الأثر؛ لأن الأثر لون عينه، لا لون الثوب، فبقاؤه يدل ~~على بقاء عينه وإن كانت النجاسة مما لا يزول أثره، لا يضر بقاء أثره عندنا، ~~وعند الشافعي لا يحكم بطهارته ما دام الأثر باقيا وينبغي أن يقطع بالمقراض؛ ~~لأن بقاء الأثر دليل بقاء العين. # (ولنا) ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للمستحاضة: ~~«حتيه، ثم اقرضيه، ثم اغسليه بالماء، ولا يضرك أثره» وهذا نص؛ ولأن الله ~~تعالى لما لم يكلفنا غسل النجاسة إلا بالماء، مع علمه أنه ليس في طبع الماء ~~قلع الآثار دل على أن بقاء الأثر فيما لا يزول أثره ليس بمانع زوال ~~النجاسة. # وقوله: بقاء الأثر دليل بقاء العين مسلم، لكن الشرع أسقط اعتبار ذلك ~~بقوله - عليه الصلاة والسلام -: «ولا يضرك بقاء أثره» ، ولما ذكرنا أنه لم ~~يأمرنا إلا بالغسل بالماء، ولم يكلفنا تعلم الحيل في قلع الآثار؛ ولأن ذلك ~~في حد القلة، والقليل من النجاسة عفو عندنا؛ ولأن إصابة النجاسة التي لها ~~أثر باق كالدم الأسود العبيط مما يكثر في الثياب خصوصا في حق النسوان، فلو ~~أمرنا بقطع الثياب؛ لوقع الناس في الحرج، وأنه مدفوع وكذا يؤدي إلى إتلاف ~~الأموال، والشرع نهانا عن ذلك، فكيف يأمرنا به؟ . # (ومنها) العصر فيما يحتمل العصر، وما يقوم مقامه فيما لا يحتمله والجملة ~~فيه أن المحل الذي تنجس إما إن كان شيئا لا يتشرب فيه أجزاء النجس أصلا، أو ~~كان شيئا يتشرب فيه شيء يسير، أو كان شيئا يتشرب فيه شيء كثير، فإن كان مما ~~لا يتشرب فيه شيء أصلا، كالأواني المتخذة من الحجر والصفر، والنحاس والخزف ~~العتيق، ونحو ذلك فطهارته بزوال عين النجاسة، أو العدد على ما مر، وإن كان ~~مما يتشرب فيه شيء قليل، كالبدن والخف والنعل فكذلك؛ لأن الماء يستخرج ذلك ~~القليل فيحكم بطهارته، وإن كان مما يتشرب فيه كثير، فإن كان مما يمكن ms0197 عصره ~~كالثياب، فإن كانت النجاسة مرئية فطهارته بالغسل والعصر إلى أن تزول العين، ~~وإن كانت غير مرئية فطهارته بالغسل ثلاثا، والعصر في كل مرة؛ لأن الماء لا ~~يستخرج الكثير إلا بواسطة العصر، ولا يتم الغسل بدونه. # وروي عن محمد أنه يكتفي بالعصر في المرة الأخيرة، ويستوي الجواب عندنا ~~بين بول الصبي والصبية. # وقال الشافعي: بول الصبي يطهر بالنضح من غير عصر، (واحتج) بما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ينضح بول الصبي، ويغسل بول ~~الجارية» . # (ولنا) ما روينا من حديث عمار من غير فصل بين بول وبول، وما رواه غريب ~~فلا يقبل، خصوصا إذا خالف المشهور، وإن كان مما لا يمكن عصره، كالحصير ~~المتخذ من البوري ونحوه، أي ما لا ينعصر بالعصر إن علم أنه لم يتشرب فيه، ~~بل أصاب ظاهره يطهر بإزالة العين، أو بالغسل ثلاث مرات من غير عصر، فأما ~~إذا علم أنه تشرب فيه فقد قال أبو يوسف: ينقع في الماء ثلاث مرات، ويجفف في ~~كل مرة فيحكم بطهارته. # وقال محمد: لا يطهر أبدا، وعلى هذا الخلاف: الخزف الجديد إذا تشرب فيه ~~النجس، والجلد إذا دبغ بالدهن النجس، والحنطة إذا تشرب فيها النجس وانتفخت ~~أنها لا تطهر أبدا عند محمد، وعند أبي يوسف تنقع في الماء ثلاث مرات، وتجفف ~~في كل مرة وكذا السكين إذا موه بماء نجس، واللحم إذا طبخ بماء نجس فعند أبي ~~يوسف: يموه السكين، ويطبخ اللحم بالطاهر ثلاث مرات، ويجفف في كل مرة، وعند ~~محمد: لا يطهر أبدا وجه قول محمد أن النجاسة إذا دخلت في الباطن يتعذر ~~استخراجها إلا بالعصر، والعصر متعذر وأبو يوسف يقول: إن تعذر العصر ~~فالتجفيف ممكن، فيقام التجفيف مقام العصر # PageV01P088 # دفعا للحرج وما قاله محمد أقيس، وما قاله أبو يوسف أوسع، ولو أن الأرض ~~أصابتها نجاسة رطبة، فإن كانت الأرض رخوة يصب عليها الماء، حتى يتسفل فيها ~~فإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة، وتسفلت المياه يحكم بطهارتها، ولا ~~يعتبر فيها العدد، وإنما هو ms0198 على اجتهاده، وما في غالب ظنه أنها طهرت، ويقوم ~~التسفل في الأرض مقام العصر فيما يحتمل العصر، وعلى قياس ظاهر الرواية يصب ~~الماء عليها ثلاث مرات، ويتسفل في كل مرة، وإن كانت الأرض صلبة فإن كانت ~~صعودا يحفر في أسفلها حفيرة، ويصب الماء عليها ثلاث مرات، ويزال عنها إلى ~~الحفيرة، ثم تكبر الحفيرة، وإن كانت مستوية بحيث لا يزول الماء عنها لا ~~تغسل، لعدم الفائدة في الغسل. # وقال الشافعي: إذا كوثرت بالماء طهرت، وهذا فاسد؛ لأن الماء النجس باق ~~حقيقة، ولكن ينبغي أن تقلب فيجعل أعلاها أسفلها، وأسفلها أعلاها ليصير ~~التراب الطاهر وجه الأرض، هكذا روي أن «أعرابيا بال في المسجد، فأمر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحفر موضع» بوله، فدل أن الطريق ما قلنا، ~~والله أعلم. ### | [كتاب الصلاة] # يحتاج لمعرفة مسائل كتاب الصلاة إلى معرفة (أنواع الصلاة) ، وما يشتمل ~~عليه كل نوع من الكيفيات، والأركان، والشرائط والواجبات، والسنن، وما يستحب ~~فعله فيه وما يكره، وما يفسده، ومعرفة حكمه إذا فسد أو فات عن وقته فنقول ~~وبالله التوفيق: الصلاة في الأصل أربعة أنواع: فرض، وواجب، وسنة، ونافلة ~~والفرض نوعان: فرض عين، وفرض كفاية وفرض العين نوعان: أحدهما: الصلوات ~~المعهودة في كل يوم وليلة، والثاني: صلاة الجمعة أما الصلوات المعهودة في ~~كل يوم وليلة فالكلام فيها يقع في مواضع. # في بيان أصل فرضيتها، وفي بيان عددها، وفي بيان عدد ركعاتها، وفي بيان ~~أركانها، وفي بيان شرائط الأركان، وفي بيان واجباتها، وفي بيان سننها، وفي ~~بيان ما يستحب فعله وما يكره فيها، وفي بيان ما يفسدها، وفي بيان حكمها؛ ~~إذا فسدت؛ أو فاتت عن أوقاتها؛ أو فات شيء من صلاة من هذه الصلوات عن ~~الجماعة؛ أو عن محله الأصلي، ونذكره في آخر الصلاة أما فرضيتها فثابتة ~~بالكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول. # (أما) الكتاب فقوله: تعالى في غير موضع من القرآن: {أقيموا الصلاة} ~~[الأنعام: 72] وقوله: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: ~~103] أي فرضا مؤقتا. # وقوله تعالى: و {حافظوا على الصلوات ms0199 والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] ، ~~ومطلق اسم الصلاة ينصرف إلى الصلوات المعهودة وهي التي تؤدى في كل يوم ~~وليلة. # وقوله تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} [هود: 114] الآية ~~يجمع الصلوات الخمس لأن صلاة الفجر تؤدى في أحد طرفي النهار، وصلاة الظهر ~~والعصر يؤديان في الطرف الآخر إذ النهار قسمان: غداة وعشي، والغداة: اسم ~~لأول النهار إلى وقت الزوال وما بعده العشي، حتى أن من حلف لا يأكل العشي ~~فأكل بعد الزوال يحنث؛ فدخل في طرفي النهار ثلاث صلوات، ودخل في قوله ~~{وزلفا من الليل} [هود: 114] المغرب، والعشاء لأنهما يؤديان في زلف من ~~الليل وهي ساعاته. # وقوله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر} [الإسراء: ~~78] وقيل: دلوك الشمس: زوالها، وغسق الليل: أول ظلمته فيدخل فيه صلاة الظهر ~~والعصر. # وقوله: وقرآن الفجر: أي وأقم قرآن الفجر، وهو صلاة الفجر فثبتت فرضية ~~ثلاث صلوات بهذه الآية، وفرضية صلاتي المغرب والعشاء ثبتت بدليل آخر. # وقيل دلوك الشمس غروبها فيدخل فيه صلاة المغرب والعشاء، وتدخل صلاة الفجر ~~في قوله: وقرآن الفجر، وفرضية صلاة الظهر والعصر ثبتت بدليل آخر وقوله ~~تعالى {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} [الروم: 17] {وله الحمد في ~~السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون} [الروم: 18] . # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: حين تمسون: المغرب والعشاء، ~~وحين تصبحون: الفجر، وعشيا: العصر، وحين تظهرون: الظهر ذكر التسبيح وأراد ~~به الصلاة أي صلوا لله إما لأن التسبيح من لوازم الصلاة، أو لأنه تنزيه، ~~والصلاة من أولها إلى آخرها تنزيه الرب - عز وجل - لما فيها من إظهار ~~الحاجات إليه وإظهار العجز والضعف. # وفيه وصف له بالجلال، والعظمة، والرفعة، والتعالي عن الحاجة قال الشيخ ~~أبو منصور الماتريدي السمرقندي: إنهم فهموا من هذه الآية فرضية الصلوات ~~الخمس. # ولو كانت # PageV01P089 # أفهامهم مثل أفهام أهل زماننا لما فهموا منها سوى التسبيح المذكور. # وقوله تعالى {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل ~~فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى} [طه: 130] قيل في تأويل قوله فسبح، أي ms0200 فصل ~~قبل طلوع الشمس: هو صلاة الصبح، وقبل غروبها هو: صلاة الظهر والعصر، ومن ~~آناء الليل: صلاة المغرب والعشاء، وقوله: وأطراف النهار على التكرار ~~والإعادة تأكيدا كما في قوله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} ~~[البقرة: 238] ذكر الصلاة الوسطى على التأكيد لدخولها تحت اسم الصلوات، كذا ~~ههنا. # وقوله تعالى {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها ~~بالغدو والآصال} [النور: 36] قيل الذكر والتسبيح ههنا هما الصلاة، وقيل: ~~الذكر: سائر الأذكار، والتسبيح: الصلاة. # وقوله: بالغدو: صلاة الغداة، والآصال: صلاة الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء، وقيل: الآصال هو: صلاة العصر، ويحتمل العصر والظهر لأنهما يؤديان ~~في الأصيل، وهو العشي، وفرضية المغرب والعشاء عرفت بدليل آخر (وأما) السنة ~~فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال عام حجة الوداع: ~~«اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وحجوا بيت ربكم، وأدوا زكاة ~~أموالكم طيبة بها أنفسكم، تدخلوا جنة ربكم» . # وروي عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال «إن الله تعالى فرض على عباده المؤمنين في كل يوم وليلة خمس ~~صلوات» وعن عبادة أيضا أنه - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: «خمس صلوات كتبهن الله تعالى على العباد فمن أتى ~~بهن ولم يضيع من حقهن شيئا استخفافا بحقهن؛ فإن له عند الله عهدا أن يدخله ~~الجنة، ومن لم يأت بهن؛ فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه؛ وإن شاء أدخله ~~الجنة» ، وعليه إجماع الأمة؛ فإن الأمة أجمعت على فرضية هذه الصلوات. # وأما المعقول: فمن وجوه: أحدها: أن هذه الصلوات إنما وجبت شكرا للنعم ~~منها: نعمة الخلقة؛ حيث فضل الجوهر الإنسي بالتصوير على أحسن صورة، وأحسن ~~تقويم كما قال تعالى {وصوركم فأحسن صوركم} [غافر: 64] وقال {لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم} [التين: 4] حتى لا ترى أحدا يتمنى أن يكون على غير ~~هذا التقويم، والصورة التي أنشئ عليها ومنها: نعمة سلامة الجوارح عن الآفات ~~إذ بها ms0201 يقدر على إقامة مصالحه، أعطاه الله ذلك كله إنعاما محضا من غير أن ~~يسبق منه ما يوجب استحقاق شيء من ذلك، فأمر باستعمال هذه النعمة في خدمة ~~المنعم شكرا لما أنعم، إذ شكر النعمة: استعمالها في خدمة المنعم ثم الصلاة ~~تجمع استعمال جميع الجوارح الظاهرة من القيام، والركوع، والسجود، والقعود ~~ووضع اليد مواضعها وحفظ العين، وكذا الجوارح الباطنة من شغل القلب بالنية، ~~وإشعاره بالخوف، والرجاء، وإحضار الذهن، والعقل بالتعظيم، والتبجيل؛ ليكون ~~عمل كل عضو شكرا لما أنعم عليه في ذلك ومنها: نعمة المفاصل اللينة، ~~والجوارح المنقادة التي بها يقدر على استعمالها في الأحوال المختلفة؛ من ~~القيام، والقعود، والركوع والسجود والصلاة تشتمل على هذه الأحوال فأمرنا ~~باستعمال هذه النعم الخاصة في هذه الأحوال في خدمة المنعم؛ شكرا لهذه ~~النعمة، وشكر النعمة فرض عقلا وشرعا ومنها: أن الصلاة - وكل عبادة - خدمة ~~الرب جل جلاله، وخدمة المولى على العبد لا تكون إلا فرضا، إذ التبرع من ~~العبد على مولاه محال، والعزيمة هي شغل جميع الأوقات بالعبادات بقدر ~~الإمكان، وانتفاء الحرج إلا أن الله تعالى بفضله وكرمه جعل لعبده أن يترك ~~الخدمة في بعض الأوقات رخصة حتى لو شرع لم يكن له الترك؛ لأنه إذا شرع فقد ~~اختار العزيمة، وترك الرخصة؛ فيعود حكم العزيمة، يحقق ما ذكرنا: أن العبد ~~لا بد له من إظهار سمة العبودية؛ ليخالف به من استعصى مولاه، وأظهر الترفع ~~عن العبادة، وفي الصلاة إظهار سمة العبودية؛ لما فيها من القيام بين يدي ~~المولى جل جلاله، وتحنية الظهر له، وتعفير الوجه بالأرض، والجثو على ~~الركبتين، والثناء عليه، والمدح له. # ومنها: أنها مانعة للمصلي عن ارتكاب المعاصي؛ لأنه إذا أقام بين يدي ربه ~~خاشعا متذللا مستشعرا هيبة الرب جل جلاله خائفا تقصيره في عبادته كل يوم ~~خمس مرات عصمه ذلك عن اقتحام المعاصي والامتناع عن المعصية فرض وذلك قوله ~~تعالى {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات} ~~[هود: 114] وقوله تعالى {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} ms0202 ~~[العنكبوت: 45] ومنها: أنها جعلت مكفرة للذنوب والخطايا والزلات والتقصير، ~~إذ العبد في أوقات # PageV01P090 # ليله ونهاره لا يخلو عن ذنب، أو خطأ، أو زلة، أو تقصير في العبادة، ~~والقيام بشكر النعمة، وإن جل قدره وخطره عند الله تعالى؛ إذ قد سبق إليه من ~~الله تعالى من النعم، والإحسان ما لو أخذ بشكر ذلك لم يقدر على أداء شكر ~~واحدة منها، فضلا عن أن يؤدي شكر الكل؛ فيحتاج إلى تكفير ذلك، إذ هو فرض ~~ففرضت الصلوات الخمس تكفيرا لذلك. ### | [فصل عدد فروض الصلاة] # (فصل) : # وأما عددها فالخمس، ثبت ذلك بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، (أما) الكتاب ~~فما تلونا من الآيات التي فيها فرضية خمس صلوات وقوله تعالى {حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى} [البقرة: 238] إشارة إلى ذلك، لأنه ذكر الصلوات ~~بلفظ الجمع، وعطف الصلاة الوسطى عليها، والمعطوف غير المعطوف عليه في الأصل ~~فهذا يقتضي جمعا يكون له وسطى. # والوسطى غير ذلك الجمع، وأقل جمع يكون له وسطى، والوسطى غير ذلك الجمع هو ~~الخمس لأن الأربع والست لا وسطى لهما، وكذا هو شفع إذ الوسط ما له حاشيتان ~~متساويتان ولا يوجد ذلك في الشفع، والثلاث له وسطى لكن الوسطى ليس غير ~~الجمع إذ الاثنان ليسا بجمع صحيح، والسبعة وكل وتر بعدها له وسطى لكنه ليس ~~بأقل الجمع؛ لأن الخمسة أقل من ذلك وأما السنة: فما روينا من الأحاديث. # وروي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما علم الأعرابي الصلوات ~~الخمس فقال: هل علي شيء غير هذا؟ فقال - عليه الصلاة والسلام - لا إلا أن ~~تطوع» والأمة أجمعت على هذا من غير خلاف بينهم؛ ولهذا قال عامة الفقهاء: إن ~~الوتر سنة لما أن كتاب الله، والسنن المتواترة والمشهورة ما أوجبت زيادة ~~على خمس صلوات فالقول بفرضية الزيادة عليها بأخبار الآحاد يكون قولا بفرضية ~~صلاة سادسة، وأنه خلاف الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة ولا يلزم هذا أبا ~~حنيفة لأنه لا يقول بفرضية الوتر وإنما يقول بوجوبه (والفرق) بين الواجب ~~والفرض كما بين السماء والأرض على ما عرف في ms0203 موضعه والله أعلم. ### | [فصل عدد ركعات هذه الصلوات] # (فصل) : # وأما عدد ركعات هذه الصلوات فالمصلي لا يخلو إما أن يكون مقيما وإما أن ~~يكون مسافرا فإن كان مقيما فعدد ركعاتها سبعة عشر: ركعتان، وأربع، وأربع ~~وثلاث، وأربع، عرفنا ذلك بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله: «صلوا ~~كما رأيتموني أصلي» ، وهذا لأنه ليس في كتاب الله عدد ركعات هذه الصلوات ~~فكانت نصوص الكتاب العزيز مجملة في حق المقدار. # ثم زال الإجمال ببيان النبي - صلى الله عليه وسلم - قولا وفعلا كما في ~~نصوص الزكاة والعشر والحج وغير ذلك وإن كان مسافرا فعدد ركعاتها في حقه ~~إحدى عشرة عندنا: ركعتان، وركعتان، وركعتان، وثلاث وركعتان، وعند الشافعي ~~سبعة عشر كما في حق المقيم. ### | [فصل في صلاة المسافر] # (فصل) : # والكلام في صلاة المسافر يقع في ثلاث مواضع: أحدها: في بيان المقدار ~~المفروض من الصلاة في حق المسافر والثاني: في بيان ما يصير المقيم به ~~مسافرا والثالث: في بيان ما يصير به المسافر مقيما، ويبطل به السفر ويعود ~~إلى حكم الإقامة. # (أما) الأول: فقد قال أصحابنا: إن فرض المسافر من ذوات الأربع ركعتان لا ~~غير وقال الشافعي: أربع كفرض المقيم إلا أن للمسافر أن يقصر رخصة، من ~~مشايخنا من لقب المسألة بأن القصر عندنا عزيمة، والإكمال رخصة وهذا التلقيب ~~على أصلنا خطأ؛ لأن الركعتين من ذوات الأربع في حق المسافر ليستا قصرا ~~حقيقة عندنا بل هما تمام فرض المسافر، والإكمال ليس رخصة في حقه بل هو ~~إساءة ومخالفة للسنة، هكذا روي عن أبي حنيفة أنه قال: من أتم الصلاة في ~~السفر فقد أساء وخالف السنة، وهذا لأن الرخصة اسم لما تغير عن الحكم الأصلي ~~لعارض إلى تخفيف ويسر لما عرف في أصول الفقه، ولم يوجد معنى التغيير في حق ~~المسافر رأسا إذ الصلاة في الأصل فرضت ركعتين في حق المقيم والمسافر جميعا ~~لما يذكر ثم زيدت ركعتان في حق المقيم وأقرت الركعتان على حالهما في حق ~~المسافر كما كانتا في الأصل فانعدم معنى التغيير أصلا ms0204 في حقه. # وفي حق المقيم وجد التغيير لكن إلى الغلظ والشدة لا إلى السهولة واليسر، ~~والرخصة تنبئ عن ذلك فلم يكن ذلك رخصة في حقه حقيقة، ولو سمي فإنما سمي ~~مجازا لوجود بعض معاني الحقيقة وهو التغيير. # (احتج) الشافعي بقوله تعالى {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة} [النساء: 101] ، ولفظ لا جناح تستعمل # PageV01P091 # في المباحات والمرخصات دون الفرائض والعزائم. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إن الله تعالى تصدق عليكم ~~بشطر الصلاة ألا فاقبلوا صدقته» والمتصدق عليه يكون مختارا في قبول الصدقة ~~كما في التصدق من العباد ولأن القصر ثبت نظرا للمسافر تخفيفا عليه في السفر ~~الذي هو محل المشقات المتضاعفة، والتخفيف في التخيير فإن شاء مال إلى ~~القصر، وإن شاء مال إلى الإكمال كما في الإفطار في شهر رمضان. # (ولنا) ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: «صلاة المسافر ركعتان ~~وصلاة الجمعة ركعتان تام غير قصر على لسان نبيكم محمد - صلى الله عليه وسلم ~~-» . # وروي تمام غير قصر، وروى الفقيه الجليل أبو أحمد العياضي السمرقندي وأبو ~~الحسن الكرخي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - هكذا. # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: فرضت الصلاة في الأصل ركعتين ~~إلا المغرب فإنها وتر النهار ثم زيدت في الحضر وأقرت في السفر على ما كانت ~~وروي عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - أنه قال: «ما سافر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلا وصلى ركعتين إلا المغرب» . # ولو كان القصر رخصة والإكمال هو العزيمة لما ترك العزيمة إلا أحيانا، إذ ~~العزيمة أفضل وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يختار من الأعمال ~~إلا أفضلها وكان لا يترك الأفضل إلا مرة أو مرتين تعليما للرخصة في حق ~~الأمة فأما ترك الأفضل أبدا وفيه تضييع الفضيلة عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في جميع عمره فمما لا يحتمل، والدليل عليه أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- قصر بمكة وقال لأهل مكة: «أتموا يا ms0205 أهل مكة فإنا قوم سفر» فلو جاز الأربع ~~لما اقتصر على الركعتين لوجهين: أحدهما: أنه كان يغتنم زيادة العمل في ~~الحرم لما للعبادة فيه من تضاعف الأجر والثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كان إماما وخلفه المقيمون من أهل مكة فكان ينبغي أن يتم أربعا كي لا يحتاج ~~أولئك القوم إلى التفرد ولينالوا فضيلة الائتمام به في جميع الصلاة، وحيث ~~لم يفعل دل ذلك على صحة ما قلنا. # وروي أن عثمان - رضي الله عنه - أتم الصلاة بمنى فأنكر عليه أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قال لهم إني تأهلت بمكة وقد سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من تأهل بقوم فهو منهم» فدل إنكار ~~الصحابة - رضي الله عنهم - واعتذار عثمان - رضي الله عنه - أن الفرض ما ~~قلنا إذ لو كان الأربع عزيمة لما أنكرت الصحابة عليه ولما اعتذر هو إذ لا ~~يلام على العزائم ولا يعتذر عنها فكان ذلك إجماعا من الصحابة - رضي الله ~~عنهم - على ما قلنا. # وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه سئل عن الصلاة في السفر فقال: ~~ركعتان ركعتان من خالف السنة كفر أي: خالف السنة اعتقادا لا فعلا وروي عن ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رجلين سألاه وكان أحدهما يتم الصلاة في ~~السفر والآخر يقصر عن حالهما فقال للذي قصر: أنت أكملت وقال للآخر: أنت ~~قصرت. # ولا حجة له في الآية لأن المذكور فيها أصل القصر لا صفته وكيفيته، والقصر ~~قد يكون عن الركعات وقد يكون عن القيام إلى القعود وقد يكون عن الركوع ~~والسجود إلى الإيماء لخوف العدو لا بترك شطر الصلاة، وذلك مباح مرخص عندنا ~~فلا يكون حجة مع الاحتمال مع أن في الآية ما يدل على أن المراد منه ليس هو ~~القصر عن الركعات " وهو ترك شطر الصلاة "؛ لأنه علق القصر بشرط الخوف وهو ~~خوف فتنة الكفار بقوله {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} [النساء: 101] ~~والقصر عن الركعات لا يتعلق بشرط الخوف بل يجوز من غير ms0206 خوف والحديث دليلنا؛ ~~لأنه أمر بالقبول فلا يبقى له خيار الرد شرعا إذ الأمر للوجوب وقوله: " ~~المتصدق عليه يكون مختارا في القبول " قلنا: معنى قوله تصدق عليكم أي: حكم ~~عليكم على أن التصدق من الله تعالى فيما لا يحتمل التمليك يكون عبارة عن ~~الإسقاط كالعفو من الله تعالى، وما ذكر من المعنى غير سديد؛ لأن هذا ليس ~~ترفيها بقصر شطر الصلاة، بل لم يشرع في السفر إلا هذا القدر لما ذكرنا من ~~الدلائل، ولقول ابن عباس - رضي الله عنهما - " لا تقولوا قصرا فإن الذي ~~فرضها في الحضر أربعا هو الذي فرضها في السفر ركعتين " وليس إلى العباد ~~إبطال قدر العبادات الموظفة عليهم بالزيادة والنقصان، ألا ترى أن من أراد ~~أن يتم المغرب أربعا أو الفجر ثلاثا أو أربعا لا يقدر على ذلك؟ كذا هذا ولا ~~قصر في الفجر والمغرب؛ لأن القصر بسقوط شطر الصلاة، وبعد سقوط الشطر منهما ~~لا يبقى نصف مشروع بخلاف ذوات الأربع، وكذا لا قصر في السنن والتطوعات؛ لأن ~~القصر بالتوقيف، ولا توقيف # PageV01P092 # ثمة، ومن الناس من قال بترك السنن في السفر. # وروي عن بعض الصحابة أنه قال: " لو أتيت بالسنن في السفر لأتممت الفريضة ~~" وذلك عندنا محمول على حالة الخوف على وجه لا يمكنه المكث لأداء السنن ~~وعلى هذا الأصل يبنى أن المسافر لو اختار الأربع لا يقع الكل فرضا، بل ~~المفروض ركعتان لا غير، والشطر الثاني يقع تطوعا عندنا، وعنده يقع الكل ~~فرضا حتى لو لم يقعد على رأس الركعتين قدر التشهد فسدت صلاته عندنا؛ لأنها ~~القعدة الأخيرة في حقه وهي فرض، وعنده لا تفسد؛ لأنها القعدة الأولى عنده ~~وهي ليست بفرض في المكتوبات بلا خلاف، وعلى هذا الأصل يبنى اقتداء المقيم ~~بالمسافر أنه يجوز في الوقت وفي خارج الوقت وفي ذوات الأربع، واقتداء ~~المسافر بالمقيم يجوز في الوقت ولا يجوز في خارج الوقت عندنا؛ لأن فرض ~~المسافر قد تقرر ركعتين على وجه لا يحتمل التغيير بالاقتداء بالمقيم، فكانت ~~القعدة الأولى فرضا في حقه، فيكون ms0207 هذا اقتداء المفترض بالمتنفل في حق ~~القعدة وهذا لا يجوز على أصل أصحابنا، وهذا المعنى لا يوجد في الوقت ولا في ~~اقتداء المقيم بالمسافر، ولو ترك القراءة في الأوليين أو في واحدة منهما ~~تفسد صلاته؛ لأن القراءة في الركعتين في صلاة ذات ركعتين فرض. # وقد فات على وجه لا يحتمل التدارك بالقضاء فتفسد صلاته، وعند الشافعي ~~أيضا تفسد؛ لأن العزيمة وإن كانت هي الأربع عنده لكن القراءة في الركعات ~~كلها فرض عنده، ولو اقتدى المسافر بالمقيم في الظهر ثم أفسدها على نفسه في ~~الوقت أو بعد ما خرج الوقت فإن عليه أن يصلي ركعتين عندنا، وعنده يصلي ~~أربعا ولا يجوز له القصر؛ لأن العزيمة في حق المسافر هي ركعتان عندنا وإنما ~~صار فرضه أربعا بحكم التبعية للمقيم بالاقتداء به وقد بطلت التبعية ببطلان ~~الاقتداء، فيعود حكم الأصل لما كانت العزيمة هي الأربع وإنما أبيح القصر ~~رخصة فإذا اقتدى بالمقيم فقد اختار العزيمة فتأكد عليه وجوب الأربع فلا ~~تجوز له الرخصة بعد ذلك ويستوي في المقدار المفروض على المسافر من الصلاة ~~سفر الطاعة من الحج والجهاد، وطلب العلم، وسفر المباح كسفر التجارة ونحوه، ~~وسفر المعصية كقطع الطريق، والبغي وهذا عندنا. # وقال الشافعي: لا تثبت رخصة القصر في سفر المعصية. # (وجه) قوله: أن رخصة القصر تثبت تخفيفا أو نظرا على المسافر، والجاني لا ~~يستحق النظر والتخفيف. # (ولنا) أن ما ذكرنا من الدلائل لا يوجب الفصل بين مسافر ومسافر فوجب ~~العمل بعمومها وإطلاقها، ويستوي فيما ذكرنا من أعداد الركعات في حق المقيم ~~والمسافر صلاة الأمن والخوف، فالخوف لا يؤثر في نقصان العدد مقيما كان ~~الخائف أو مسافرا وهو قول عامة الصحابة - رضي الله عنهم - وإنما يؤثر في ~~سقوط اعتبار بعض ما ينافي الصلاة في الأصل من المشي ونحو ذلك على ما نذكره ~~في صلاة الخوف - إن شاء الله تعالى -. ### | [فصل بيان ما يصير به المقيم مسافرا] # (فصل) : # وأما بيان ما يصير به المقيم مسافرا: فالذي يصير المقيم به مسافرا نية ~~مدة السفر والخروج ms0208 من عمران المصر فلا بد من اعتبار ثلاثة أشياء: أحدها: ~~مدة السفر وأقلها غير مقدر عند أصحاب الظواهر، وعند عامة العلماء مقدر، ~~واختلفوا في التقدير قال أصحابنا: مسير ثلاثة أيام سير الإبل ومشي الأقدام ~~وهو المذكور في ظاهر الروايات. # وروي عن أبي يوسف يومان وأكثر الثالث، وكذا روى الحسن عن أبي حنيفة وابن ~~سماعة عن محمد ومن مشايخنا من قدره بخمسة عشر فرسخا وجعل لكل يوم خمس ~~فراسخ، ومنهم من قدره بثلاث مراحل. # وقال مالك: أربعة برد كل بريد اثنا عشر ميلا، واختلفت أقوال الشافعي فيه، ~~قيل: ستة وأربعون ميلا وهو قريب من قول بعض مشايخنا؛ لأن العادة أن القافلة ~~لا تقطع في يوم أكثر من خمسة فراسخ، وقيل: يوم وليلة. # وهو قول الزهري والأوزاعي، وأثبت أقواله أنه مقدر بيومين، أما أصحاب ~~الظواهر فاحتجوا بظاهر قوله تعالى {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة} [النساء: 101] علق القصر بمطلق الضرب في الأرض فالتقدير ~~تقييد لمطلق الكتاب ولا يجوز إلا بدليل. # (ولنا) ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يمسح ~~المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها» جعل لكل مسافر أن يمسح ~~ثلاثة أيام ولياليها ولن يتصور أن يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها ومدة ~~السفر أقل من هذه المدة. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم ~~الآخر أن تسافر # PageV01P093 # ثلاثة أيام إلا مع محرم أو زوج» فلو لم تكن المدة مقدرة بالثلاث لم يكن ~~لتخصيص الثلاث معنى، والحديثان في حد الاستفاضة والاشتهار فيجوز نسخ الكتاب ~~بهما إن كان تقييد المطلق نسخا مع ما أنه لا حجة لهم في الآية؛ لأن الضرب ~~في الأرض في اللغة: عبارة عن السير فيها مسافرا، يقال ضرب في الأرض أي: سار ~~فيها مسافرا، فكان الضرب في الأرض عبارة عن سير يصير الإنسان به مسافرا لا ~~مطلق السير، والكلام في أنه هل يصير مسافرا بسير مطلق من غير اعتبار المدة؟ ~~وكذا مطلق الضرب في الأرض ms0209 يقع على سير يسمى سفرا، والنزاع في تقديره شرعا ~~والآية ساكتة عن ذلك وقد ورد الحديث بالتقدير فوجب العمل به " والله الموفق ~~" (واحتج) مالك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يا أهل ~~مكة لا تقصروا الصلاة فيما دون مكة إلى عسفان» وذلك أربعة برد وهو غريب فلا ~~يقبل خصوصا في معارضة المشهور. # (وجه) قول الشافعي أن الرخصة إنما تثبت لضرب مشقة يختص بها المسافرون وهي ~~مشقة الحمل، والسير، والنزول؛ لأن المسافر يحتاج إلى حمل رحله من غير أهله، ~~وحطه في غير أهله والسير، وهذه المشقات تجتمع في يومين؛ لأنه في اليوم ~~الأول يحط الرحل في غير أهله، وفي اليوم الثاني يحمله من غير أهله، والسير ~~موجود في اليومين بخلاف اليوم الواحد؛ لأنه لا يوجد فيه إلا مشقة السير؛ ~~لأنه يحمل الرحل من وطنه ويحطه في موضع الإقامة فيقدر بيومين لهذا. # (ولنا) ما روينا من الحديثين؛ ولأن وجوب الإكمال كان ثابتا بدليل مقطوع ~~به فلا يجوز رفعه إلا بمثله، وما دون الثلاث مختلف فيه، والثلاث مجمع عليه ~~فلا يجوز رفعه بما دون الثلاث وما ذكر من المعنى يبطل بمن سافر يوما على ~~قصد الرجوع إلى وطنه فإنه يلحقه مشقة الحمل والحط والسير على ما ذكر، ومع ~~هذا لا يقصر عنده، وبه تبين أن الاعتبار لاجتماع المشقات في يوم واحد وذلك ~~بثلاثة أيام؛ لأنه يلحقه في اليوم الثاني مشقة حمل الرحل من غير أهله ~~والسير وحطه في غير أهله وإنما قدرنا بسير الإبل ومشي الأقدام؛ لأنه الوسط؛ ~~لأن أبطأ السير سير العجلة، والأسرع سير الفرس والبريد، فكان أوسط أنواع ~~السير سير الإبل ومشي الأقدام. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «خير الأمور أوساطها» ولأن الأقل ~~والأكثر يتجاذبان فيستقر الأمر على الوسط وعلى هذا يخرج ما روي عن أبي ~~حنيفة فيمن سار في الماء يوما وذلك في البر ثلاثة أيام أنه يقصر الصلاة؛ ~~لأنه لا عبرة للإسراع، وكذا لو سار في البر إلى موضع في يوم أو يومين ms0210 وأنه ~~بسير الإبل والمشي المعتاد ثلاثة أيام يقصر اعتبارا للسير المعتاد، وعلى ~~هذا إذا سافر في الجبال والعقبات أنه يعتبر مسيرة ثلاثة أيام فيها لا في ~~السهل، فالحاصل أن التقدير بمسيرة ثلاثة أيام أو بالمراحل في السهل والجبل ~~والبر والبحر ثم يعتبر في كل ذلك السير المعتاد فيه وذلك معلوم عند الناس ~~فيرجع إليهم عند الاشتباه، والتقدير بالفراسخ غير سديد؛ لأن ذلك يختلف ~~باختلاف الطريق. # وقال أبو حنيفة: إذا خرج إلى مصر في ثلاثة أيام وأمكنه أن يصل إليه من ~~طريق آخر في يوم واحد قصر وقال الشافعي: إن كان لغرض صحيح قصر، وإن كان من ~~غير غرض صحيح لم يقصر ويكون كالعاصي في سفره، والصحيح قولنا؛ لأن الحكم ~~معلق بالسفر فكان المعتبر مسيرة ثلاثة أيام على قصد السفر وقد وجد والثاني: ~~نية مدة السفر لأن السير قد يكون سفرا وقد لا يكون؛ لأن الإنسان قد يخرج من ~~مصره إلى موضع لإصلاح الضيعة ثم تبدو له حاجة أخرى إلى المجاوزة عنه إلى ~~موضع آخر ليس بينهما مدة سفر ثم وثم إلى أن يقطع مسافة بعيدة أكثر من مدة ~~السفر لا لقصد السفر فلا بد من النية للتمييز، والمعتبر في النية هو نية ~~الأصل دون التابع حتى يصير العبد مسافرا بنية مولاه، والزوجة بنية الزوج، ~~وكل من لزمه طاعة غيره كالسلطان وأمير الجيش؛ لأن حكم التبع حكم الأصل. # وأما الغريم مع صاحب الدين: فإن كان مليا فالنية إليه؛ لأنه يمكنه قضاء ~~الدين والخروج من يده، وإن كان مفلسا فالنية إلى الطالب؛ لأنه لا يمكنه ~~الخروج من يده فكان تابعا له والثالث: الخروج من عمران المصر فلا يصير ~~مسافرا بمجرد نية السفر ما لم يخرج من عمران المصر وأصله ما روي عن علي - ~~رضي الله عنه - أنه لما خرج من البصرة يريد الكوفة صلى الظهر أربعا ثم نظر ~~إلى خص أمامه وقال: لو جاوزنا الخص صلينا ركعتين ولأن النية إنما تعتبر إذا ~~كانت مقارنة للفعل؛ لأن مجرد العزم عفو، وفعل السفر لا ms0211 يتحقق إلا بعد ~~الخروج من المصر فما لم يخرج لا يتحقق قران النية بالفعل فلا يصير # PageV01P094 # مسافرا. # وهذا بخلاف المسافر إذا نوى الإقامة في موضع صالح للإقامة حيث يصير مقيما ~~للحال؛ لأن نية الإقامة هناك قارنت الفعل " وهو ترك السفر "؛ لأن ترك الفعل ~~فعل فكانت معتبرة، وههنا بخلافه وسواء خرج في أول الوقت أو في وسطه أو في ~~آخره حتى لو بقي من الوقت مقدار ما يسع لأداء ركعتين فإنه يقصر في ظاهر قول ~~أصحابنا. # وقال محمد بن شجاع البلخي وإبراهيم النخعي: إنما يقصر إذا خرج قبل ~~الزوال، فأما إذا خرج بعد الزوال فإنه يكمل الظهر، وإنما يقصر العصر وقال ~~الشافعي: إذا مضى من الوقت مقدار ما يمكنه أداء أربع ركعات فيه يجب عليه ~~الإكمال، ولا يجوز له القصر وإن مضى دون ذلك، اختلف أصحابه فيه، وإن بقي من ~~الوقت مقدار ما يسع لركعة واحدة لا غير أو للتحريمة فقط يصلي ركعتين عندنا، ~~وعند زفر يصلي أربعا. # (أما) الكلام في المسألة الأولى فبناء على أن الصلاة تجب في أول الوقت أو ~~في آخره فعندهم تجب في أول الوقت فكلما دخل الوقت أو مضى منه مقدار ما يسع ~~لأداء الأربع وجب عليه أداء أربع ركعات فلا يسقط شطرها بسبب السفر بعد ذلك، ~~كما إذا صارت دينا في الذمة بمضي الوقت ثم سافر لا يسقط الشطر كذا ههنا، ~~وعند المحققين من أصحابنا لا تجب في أول الوقت على التعيين وإنما تجب في ~~جزء من الوقت غير معين، وإنما التعيين إلى المصلي من حيث الفعل حتى أنه إذا ~~شرع في أول الوقت يجب في ذلك الوقت، وكذا إذا شرع في وسطه أو آخره، ومتى لم ~~يعين بالفعل حتى بقي من الوقت مقدار ما يصلي فيه أربعا وهو مقيم يجب عليه ~~تعيين ذلك الوقت للأداء فعلا حتى يأثم بترك التعيين، وإن كان لا يتعين ~~للأداء بنفسه شرعا حتى لو صلى فيه التطوع جاز، وإذا كان كذلك لم يكن أداء ~~الأربع واجبا قبل الشروع فإذا ms0212 نوى السفر وخرج من العمران حتى صار مسافرا ~~تجب عليه صلاة المسافرين، ثم إن كان الوقت فاضلا على الأداء يجب عليه أداء ~~ركعتين في جزء من الوقت غير معين ويتعين ذلك بفعله، وإن لم يتعين بالفعل ~~إلى آخر الوقت يتعين آخر الوقت لوجوب تعيينه للأداء فعلا، وكذا إذا لم يكن ~~الوقت فاضلا على الأداء ولكنه يسع للركعتين يتعين للوجوب ويبنى على هذا ~~الأصل: الطاهرة إذا حاضت في آخر الوقت أو نفست والعاقل إذا جن أو أغمي عليه ~~والمسلم إذا ارتد - والعياذ بالله وقد بقي من الوقت ما يسع الفرض لا يلزمهم ~~الفرض عند أصحابنا؛ لأن الوجوب يتعين في آخر الوقت عندنا إذا لم يوجد ~~الأداء قبله فيستدعي الأهلية فيه لاستحالة الإيجاب على غير الأهل ولم يوجد، ~~وعندهم يلزمهم الفرض؛ لأن الوجوب عندهم بأول الوقت، والأهلية ثابتة في ~~أوله، ودلائل هذا الأصل تعرف في أصول الفقه، ولو صلى الصبي الفرض في أول ~~الوقت ثم بلغ تلزمه الإعادة عندنا خلافا للشافعي، وكذا إذا أحرم بالحج ثم ~~بلغ قبل الوقوف بعرفة لا يجزيه عن حجة الإسلام عندنا خلافا له. # (وجه) قوله أن عدم الوجوب عليه كان نظرا له، والنظر هنا للوجوب كي لا ~~تلزمه الإعادة فأشبه الوصية حيث صحت منه نظرا له وهو الثواب ولا ضرر فيه؛ ~~لأن ملكه يزول بالميراث إن لم يزل بالوصية. # (ولنا) أن في نفس الوجوب ضررا فلا يثبت مع الصبي كما لو لم يبلغ فيه ~~وإنما انقلب نفعا لحالة اتفقت " وهي البلوغ فيه " وأنه نادر فبقي عدم ~~الوجوب؛ لأنه نفع في الأصل المسلم إذا صلى ثم ارتد عن الإسلام - والعياذ ~~بالله - ثم أسلم في الوقت فعليه إعادة الصلاة عندنا وعند الشافعي لا إعادة ~~عليه وعلى هذا الحج، واحتج بقوله تعالى {حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ~~ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة} [البقرة: 217] علق حبط العمل بالموت على الردة دون نفس الردة؛ لأن ~~الردة حصلت بعد الفراغ من القربة فلا ms0213 يبطلها كما لو تيمم ثم ارتد عن ~~الإسلام ثم أسلم. # (ولنا) قوله تعالى {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} [المائدة: 5] وقوله ~~تعالى {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} [الأنعام: 88] علق حبط العمل ~~بنفس الإشراك بعد الإيمان. # وأما الآية فنقول: من علق حكما بشرطين وعلقه بشرط فالحكم يتعلق بكل واحد ~~من التعليقين وينزل عند أيهما وجد كمن قال لعبده: أنت حر إذا جاء يوم ~~الخميس ثم قال له: أنت حر إذا جاء يوم الجمعة لا يبطل واحد منهما بل إذا ~~جاء يوم الخميس عتق ولو كان باعه فجاء يوم الخميس ولم يكن في ملكه ثم ~~اشتراه فجاء يوم الجمعة وهو في ملكه عتق بالتعليق الآخر. # وأما التيمم: فهو ليس بعبادة وإنما هو طهارة وأثر الردة في إبطال ~~العبادات، إلا أنه لا ينعقد مع الكفر لعدم الحاجة، والحاجة ههنا متحققة ~~والردة لا تبطلها لكونه مجبورا على الإسلام فبقيت # PageV01P095 # الحاجة على ما ذكرنا في فصل التيمم (وأما) الكلام في المسألة الثانية ~~فبناء على أصل مختلف بين أصحابنا وهو مقدار ما يتعلق به الوجوب في آخر ~~الوقت، قال الكرخي وأكثر المحققين من أصحابنا: إن الوجوب يتعلق بآخر الوقت ~~بمقدار التحريمة وقال زفر: لا يجب إلا إذا بقي من الوقت مقدار ما يؤدى فيه ~~الفرض وهو اختيار القدوري وبني على هذا الأصل: الحائض إذا طهرت في آخر ~~الوقت وبلغ الصبي وأسلم الكافر وأفاق المجنون والمغمى عليه وأقام المسافر ~~أو سافر المقيم وهي مسألة الكتاب فعلى قول زفر ومن تابعه من أصحابنا: لا ~~يجب الفرض ولا يتغير إلا إذا بقي من الوقت مقدار ما يمكن فيه الأداء، وعلى ~~القول المختار يجب الفرض ويتغير الأداء وإن بقي مقدار ما يسع للتحريمة فقط. # (وجه) قول زفر أن وجوب الأداء يقتضي تصور الأداء، وأداء كل الفرض في هذا ~~القدر لا يتصور فاستحال وجوب الأداء. # (ولنا) أن آخر الوقت يجب تعيينه على المكلف للأداء فعلا على ما مر، فإن ~~بقي مقدار ما يسع لكل الصلاة يجب تعيينه لكل الصلاة ms0214 فعلا بالأداء، وإن بقي ~~مقدار ما يسع للبعض وجب تعيينه لذلك البعض؛ لأن تعيين كل الوقت لكل العبادة ~~تعيين كل أجزائه لكل أجزائها ضرورة، وفي تعيين جزء من الوقت لجزء من الصلاة ~~فائدة وهي أن الصلاة لا تتجزأ فإذا وجب البعض فيه وجب الكل فيما يتعقبه من ~~الوقت إن كان لا يتعقبه وقت مكروه، وإن تعقبه يجب الكل ليؤدى في وقت آخر، ~~وإذا لم يبق من الوقت إلا قدر ما يسع التحريمة وجب تحصيل التحريمة ثم تجب ~~بقية الصلاة لضرورة وجوب التحريمة فيؤديها في الوقت المتصل به فيما وراء ~~الفجر، وفي الفجر يؤديها في وقت آخر؛ لأن الوجوب على التدريج الذي ذكرنا قد ~~تقرر وقد عجز عن الأداء فيقضي، وهذا بخلاف الكافر إذا أسلم بعد طلوع الفجر ~~من يوم رمضان حيث لا يلزمه صوم ذلك اليوم؛ لأن هناك الوقت معيار للصوم فكل ~~جزء منه على الإطلاق لا يصلح للجزء الأول من العبادة بل الجزء الأول من ~~الوقت متعين للجزء الأول من العبادة ثم الثاني منه للثاني منها والثالث ~~للثالث وهكذا فلا يتصور وجوب الجزء الأول من العبادة في الجزء الثاني أو ~~الخامس من الوقت ولا الجزء الخامس من العبادة من الجزء السادس من الوقت ~~فإذا فات الجزء الأول من الوقت وهو ليس بأهل فلم يجب الجزء الأول من ~~العبادة لاستحالة الوجوب على غير الأهل فبعد ذلك وإن أسلم في الجزء الثاني ~~أو العاشر لا يتصور وجوب الجزء الأول من الصوم في ذلك الجزء من الوقت؛ لأنه ~~ليس بمحل لوجوبه فيه. # ولأن وجوب كل جزء من الصوم في جزء من الوقت وهو محل أدائه والجزء الثاني ~~من اليوم لا يتصور أن يكون محلا للجزء الأول من العبادة فلا يتصور وجوب ~~الجزء الأول فلا يتصور وجوب الجزء الآخر؛ لأن الصوم لا يتجزأ وجوبا ولا ~~أداء بخلاف الصلاة؛ لأن هناك كل جزء مطلق من الوقت يصلح أن يجب فيه الجزء ~~الأول من الصلاة، إذ التحريمة منها في ذلك الوقت؛ لأن الوقت ليس بمعيار ms0215 ~~للصلاة فهو الفرق - والله الموفق - ثم ما ذكرنا من تعلق الوجوب بمقدار ~~التحريمة في حق الحائض إذا كانت أيامها عشرا فأما إذا كانت أيامها دون ~~العشرة فإنما تجب عليها الصلاة إذا طهرت وعليها من الوقت مقدار ما تغتسل ~~فيه، فإن كان عليها من الوقت ما لا تستطيع أن تغتسل فيه أو لا تستطيع أن ~~تتحرم للصلاة فليس عليها تلك الصلاة حتى لا يجب عليها القضاء، والفرق أن ~~أيامها إذا كانت أقل من عشرة لا يحكم بخروجها من الحيض بمجرد انقطاع الدم ~~ما لم تغتسل، أو يمضي عليها وقت صلاة تصير تلك الصلاة دينا عليها، وإذا ~~كانت أيامها عشرة بمجرد الانقطاع يحكم بخروجها عن الحيض فإذا أدركت جزءا من ~~الوقت يلزمها قضاء تلك الصلاة سواء تمكنت من الاغتسال أو لم تتمكن بمنزلة ~~كافر أسلم وهو جنب أو صبي بلغ بالاحتلام في آخر الوقت فعليه قضاء تلك ~~الصلاة سواء تمكن من الاغتسال في الوقت أو لم يتمكن، وهذا لأن الحيض هو ~~خروج الدم في وقت معتاد فإذا انقطع الدم كان ينبغي أن يحكم بزواله؛ لأن ~~الأصل أن ما انعدم حقيقة انعدم حكما إلا أنا لا نحكم بخروجها من الحيض ما ~~لم تغتسل إذا كانت أيامها أقل من عشرة لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -. # قال الشعبي حدثني بضعة عشر نفرا من الصحابة أن الزوج أحق برجعتها ما لم ~~تغتسل وكان المعنى في ذلك أن نفس الانقطاع ليس بدليل على الطهارة؛ لأن ذلك ~~كثيرا ما يتخلل في زمان الحيض فشرطت زيادة # PageV01P096 # شيء له أثر في التطهير وهو الاغتسال أو وجوب الصلاة عليها؛ لأنه من أحكام ~~الطهر بخلاف ما إذا كانت أيامها عشرا؛ لأن هناك الإجماع ومثل هذا الدليل ~~المعقول منعدمان ولأن الدليل قد قام لنا أن الحيض لا يزيد على العشرة وهذه ~~المسألة تستقصى في كتاب الحيض وهل يباح للزوج قرانها قبل الاغتسال؟ إذا ~~كانت أيامها عشرا؟ عند أصحابنا الثلاثة يباح، وعند زفر لا يباح ما لم ~~تغتسل، وإذا كانت أيامها دون العشرة لا ms0216 يباح للزوج قربانها قبل الاغتسال ~~بالإجماع، وإذا مضى عليها وقت صلاة فللزوج أن يقربها عندنا وإن لم تغتسل ~~خلافا لزفر على ما يعرف في كتاب الحيض - إن شاء الله تعالى -. ### | [فصل بيان ما يصير المسافر به مقيما] # (فصل) : # وأما بيان ما يصير المسافر به مقيما: فالمسافر يصير مقيما بوجود الإقامة، ~~والإقامة تثبت بأربعة أشياء: أحدها: صريح نية الإقامة وهو أن ينوي الإقامة ~~خمسة عشر يوما في مكان واحد صالح للإقامة فلا بد من أربعة أشياء: نية ~~الإقامة ونية مدة الإقامة، واتحاد المكان، وصلاحيته للإقامة. # (أما) نية الإقامة: فأمر لا بد منه عندنا حتى لو دخل مصرا ومكث فيه شهرا ~~أو أكثر لانتظار القافلة أو لحاجة أخرى يقول: أخرج اليوم أو غدا ولم ينو ~~الإقامة لا يصير مقيما، وللشافعي فيه قولان: في قول: إذا أقام أكثر مما ~~أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتبوك كان مقيما وإن لم ينو ~~الإقامة. # ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقام بتبوك تسعة عشر يوما أو عشرين ~~يوما، وفي قول: إذا أقام أربعة أيام كان مقيما ولا يباح له القصر (احتج) ~~لقوله الأول أن الإقامة متى وجدت حقيقة ينبغي أن تكمل الصلاة قلت الإقامة ~~أو كثرت؛ لأنها ضد السفر، والشيء يبطل بما يضاده إلا «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أقام بتبوك تسعة عشر يوما وقصر الصلاة» فتركنا هذا القدر بالنص ~~فنأخذ بالقياس فيما وراءه. # ووجه قوله الآخر على النحو الذي ذكرنا أن القياس أن يبطل السفر بقليل ~~الإقامة؛ لأن الإقامة قرار والسفر انتقال، والشيء ينعدم بما يضاده فينعدم ~~حكمه ضرورة، إلا أن قليل الإقامة لا يمكن اعتباره؛ لأن المسافر لا يخلو عن ~~ذلك عادة فسقط اعتبار القليل لمكان الضرورة، ولا ضرورة في الكثير، والأربعة ~~في حد الكثرة؛ لأن أدنى درجات الكثير أن يكون جمعا، والثلاثة وإن كانت جمعا ~~لكنها أقل الجمع فكانت في حد القلة من وجه، فلم تثبت الكثرة المطلقة فإذا ~~صارت أربعة صارت في حد الكثرة على الإطلاق لزوال معنى القلة ms0217 من جميع ~~الوجوه. # (ولنا) إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإنه روي عن سعد بن أبي وقاص - ~~رضي الله عنه - أنه أقام بقرية من قرى نيسابور شهرين وكان يقصر الصلاة، وعن ~~ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه أقام بأذربيجان شهرا وكان يصلي ركعتين، وعن ~~علقمة أنه أقام بخوارزم سنتين وكان يقصر. # وروي عن عمران بن حصين - رضي الله عنهما - أنه قال: «شهدت مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عام فتح مكة، فأقام بمكة ثمان عشرة ليلة لا يصلي إلا ~~الركعتين ثم قال لأهل مكة صلوا أربعا فإنا قوم سفر» والقياس بمقابلة النص، ~~والإجماع باطل (وأما) مدة الإقامة: فأقلها خمسة عشر يوما عندنا. # وقال مالك والشافعي: أقلها أربعة أيام، وحجتهما ما ذكرنا، وروي أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «رخص للمهاجرين المقام بمكة بعد قضاء النسك ثلاثة ~~أيام» فهذه إشارة إلى أن الزيادة على الثلاث توجب حكم الإقامة. # (ولنا) ما روي عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - أنهما قالا: إذا ~~دخلت بلدة وأنت مسافر وفي عزمك أن تقيم بها خمسة عشر يوما فأكمل الصلاة وإن ~~كنت لا تدري متى تظعن فأقصر وهذا باب لا يوصل إليه بالاجتهاد؛ لأنه من جملة ~~المقادير، ولا يظن بهما التكلم جزافا، فالظاهر أنهما قالاه سماعا من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # وروى عبد الله بن عباس وجابر وأنس - رضي الله عنهم - أن «رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مع أصحابه دخلوا مكة صبيحة الرابع من ذي الحجة ومكثوا ذلك ~~اليوم، واليوم الخامس واليوم السادس واليوم السابع فلما كان صبيحة اليوم ~~الثامن وهو يوم التروية خرجوا إلى منى، وكان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يصلي بأصحابه ركعتين وقد وطنوا أنفسهم على إقامة أربعة أيام» دل أن ~~التقدير بالأربعة غير صحيح وما روي من الحديث فليس فيه ما يشير إلى تقدير ~~أدنى مدة الإقامة بالأربعة؛ لأنه يحتمل أنه علم أن حاجتهم ترتفع في تلك ~~المدة فرخص بالمقام ثلاثا لهذا لا لتقدير # PageV01P097 # الإقامة. # (وأما) اتحاد ms0218 المكان: فالشرط نية مدة الإقامة في مكان واحد؛ لأن الإقامة ~~قرار والانتقال يضاده ولا بد من الانتقال في مكانين وإذا عرف هذا فنقول: ~~إذا نوى المسافر الإقامة خمسة عشر يوما في موضعين فإن كان مصرا واحدا أو ~~قرية واحدة صار مقيما؛ لأنهما متحدان حكما، ألا يرى أنه لو خرج إليه مسافرا ~~لم يقصر فقد وجد الشرط وهو نية كمال مدة الإقامة في مكان واحد فصار مقيما ~~وإن كانا مصرين نحو مكة ومنى أو الكوفة والحيرة أو قريتين، أو أحدهما مصر ~~والآخر قرية لا يصير مقيما؛ لأنهما مكانان متباينان حقيقة وحكما، ألا ترى ~~أنه لو خرج إليه المسافر يقصر فلم يوجد الشرط " وهو نية الإقامة في موضع ~~واحد خمسة عشر يوما " فلغت نيته، فإن نوى المسافر أن يقيم بالليالي في أحد ~~الموضعين ويخرج بالنهار إلى الموضع الآخر فإن دخل أولا الموضع الذي نوى ~~المقام فيه بالنهار لا يصير مقيما، وإن دخل الموضع الذي نوى الإقامة فيه ~~بالليالي يصير مقيما، ثم بالخروج إلى الموضع الآخر لا يصير مسافرا؛ لأن ~~موضع إقامة الرحل حيث يبيت فيه، ألا ترى أنه إذا قيل للسوقي أين تسكن؟ يقول ~~في محلة كذا وهو بالنهار يكون بالسوق، وذكر في كتاب المناسك أن الحاج إذا ~~دخل مكة في أيام العشر ونوى الإقامة خمسة عشر يوما أو دخل قبل أيام العشر ~~لكن بقي إلى يوم التروية أقل من خمسة عشر يوما ونوى الإقامة لا يصح؛ لأنه ~~لا بد له من الخروج إلى عرفات فلا تتحقق نية إقامته خمسة عشر يوما فلا يصح، ~~وقيل: كان سبب تفقه عيسى بن أبان هذه المسألة وذلك أنه كان مشغولا بطلب ~~الحديث، قال: فدخلت مكة في أول العشر من ذي الحجة مع صاحب لي، وعزمت على ~~الإقامة شهرا فجعلت أتم الصلاة فلقيني بعض أصحاب أبي حنيفة فقال: أخطأت ~~فإنك تخرج إلى منى وعرفات فلما رجعت من منى بدا لصاحبي أن يخرج وعزمت على ~~أن أصاحبه وجعلت أقصر الصلاة فقال لي صاحب أبي حنيفة: أخطأت فإنك ms0219 مقيم بمكة ~~فما لم تخرج منها لا تصير مسافرا فقلت: أخطأت في مسألة في موضعين فدخلت ~~مجلس محمد واشتغلت بالفقه وإنما أوردنا هذه الحكاية ليعلم مبلغ علم الفقه ~~فيصير مبعثة للطلبة على طلبه. # (وأما) المكان الصالح للإقامة: فهو موضع اللبث والقرار في العادة نحو ~~الأمصار والقرى، وأما المفازة والجزيرة والسفينة فليست موضع الإقامة، حتى ~~لو نوى الإقامة في هذه المواضع خمسة عشر يوما لا يصير مقيما كذا روي عن أبي ~~حنيفة. # وروي عن أبي يوسف في الأعراب والأكراد والتركمان إذا نزلوا بخيامهم في ~~موضع ونووا الإقامة خمسة عشر يوما صاروا مقيمين، فعلى هذا إذا نوى المسافر ~~الإقامة فيه خمسة عشر يوما يصير مقيما كما في القرية، وروي عنه أيضا أنهم ~~لم يصيروا مقيمين فعلى هذا إذا نوى المسافر الإقامة فيه لا يصح. # " ذكر الروايتين عن أبي يوسف في العيون " فصار الحاصل أن عند أبي حنيفة ~~لا يصير مقيما في المفازة، وإن كان ثمة قوم وطنوا ذلك المكان بالخيام ~~والفساطيط، وعن أبي يوسف روايتان، وعلى هذا الإمام إذا دخل دار الحرب مع ~~الجند ومعهم أخبية وفساطيط فنووا الإقامة خمسة عشر يوما في المفازة، ~~والصحيح قول أبي حنيفة؛ لأن موضع الإقامة موضع القرار، والمفازة ليست موضع ~~القرار في الأصل، فكانت النية لغوا. # ولو حاصر المسلمون مدينة من مدائن أهل الحرب ووطنوا أنفسهم على إقامة خمس ~~عشر يوما لم تصح نية الإقامة، ويقصرون، وكذا إذا نزلوا المدينة وحاصروا ~~أهلها في الحصن. # وقال أبو يوسف: إن كانوا في الأخبية والفساطيط خارج البلدة فكذلك، وإن ~~كانوا في الأبنية صحت نيتهم وقال زفر في الفصلين جميعا: إن كانت الشوكة ~~والغلبة للمسلمين صحت نيتهم، وإن كانت للعدو لم تصح (وجه) قول زفر أن ~~الشوكة إذا كانت للمسلمين يقع الأمن لهم من إزعاج العدو إياهم فيمكنهم ~~القرار ظاهرا، فنية الإقامة صادفت محلها فصحت وأبو يوسف يقول: إلا بنية ~~موضع الإقامة فتصح نية الإقامة فيها بخلاف الصحراء. # (ولنا) ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رجلا سأله ms0220 وقال: إنا ~~نطيل الثواء في أرض الحرب فقال: صل ركعتين حتى ترجع إلى أهلك؛ ولأن نية ~~الإقامة نية القرار وإنما تصح في محل صالح للقرار، ودار الحرب ليست موضع ~~قرار المسلمين المحاربين لجواز أن يزعجهم العدو ساعة فساعة لقوة تظهر لهم؛ ~~لأن القتال سجال أو تنفذ لهم في المسلمين حيلة؛ لأن الحرب خدعة فلم تصادف ~~النية محلها فلغت؛ ولأن غرضهم من المكث هنالك: فتح الحصن دون التوطن، وتوهم ~~انفتاح الحصن في كل ساعة قائم فلا # PageV01P098 # تتحقق نيتهم إقامة خمسة عشر يوما فقد خرج الجواب عما قالا، وعلى هذا ~~الخلاف إذا حارب أهل العدل البغاة في دار الإسلام في غير مصر أو حاصروهم ~~ونووا الإقامة خمسة عشر يوما، واختلف المتأخرون في الأعراب والأكراد ~~والتركمان الذين يسكنون في بيوت الشعر والصوف، قال بعضهم: لا يكونون مقيمين ~~أبدا وإن نووا الإقامة مدة الإقامة؛ لأن المفازة ليست موضع الإقامة والأصح ~~أنهم مقيمون؛ لأن عادتهم الإقامة في المفاوز دون الأمصار والقرى، فكانت ~~المفاوز لهم كالأمصار والقرى لأهلها ولأن الإقامة للرجل أصل والسفر عارض ~~وهم لا ينوون السفر بل ينتقلون من ماء إلى ماء ومن مرعى إلى مرعى حتى لو ~~ارتحلوا عن أماكنهم وقصدوا موضعا آخر بينهما مدة سفر صاروا مسافرين في ~~الطريق. # ثم المسافر كما يصير مقيما بصريح نية الإقامة في مكان واحد صالح للإقامة ~~خمسة عشر يوما خارج الصلاة يصير مقيما به في الصلاة حتى يتغير فرضه في ~~الحالين جميعا، سواء نوى الإقامة في أول الصلاة أو في وسطها أو في آخرها ~~بعد أن كان شيء من الوقت باقيا وإن قل، وسواء كان المصلي منفردا أو مقتديا ~~مسبوقا أو مدركا إلا إذا أحدث المدرك أو نام خلف الإمام فتوضأ أو انتبه بعد ~~ما فرغ الإمام من الصلاة ونوى الإقامة فإنه لا يتغير فرضه عند أصحابنا ~~الثلاثة خلافا لزفر وإنما كان كذلك؛ لأن نية الإقامة نية الاستقرار، ~~والصلاة لا تنافي نية الاستقرار فتصح نية الإقامة فيها فإذا كان الوقت ~~باقيا والفرض لم يؤد بعد كان ms0221 محتملا للتغيير فيتغير بوجود المغير " وهو نية ~~الإقامة "، وإذا خرج الوقت أو أدي الفرض لم يبق محتملا للتغيير فلا يعمل ~~المغير فيه، والمدرك الذي نام خلف الإمام أو أحدث وذهب للوضوء كأنه خلف ~~الإمام، ألا ترى أنه لا يقرأ ولا يسجد للسهو؟ فإذا فرغ الإمام فقد استحكم ~~الفرض ولم يبق محتملا للتغيير في حقه فكذا في حق اللاحق بخلاف المسبوق، ~~وإذا عرف هذا فنقول إذا صلى المسافر ركعة ثم نوى الإقامة في الوقت تغير ~~فرضه لما ذكرنا أن الفرض في الوقت قابل للتغيير. # وكذا لو نوى الإقامة بعد ما صلى ركعة ثم خرج الوقت لما قلنا، ولو خرج ~~الوقت وهو في الصلاة ثم نوى الإقامة لا يتغير فرضه؛ لأن فرض السفر قد تقرر ~~عليه بخروج الوقت فلا يحتمل التغيير بعد ذلك، ولو صلى الظهر ركعتين وقعد ~~قدر التشهد ولم يسلم ثم نوى الإقامة تغير فرضه لما ذكرنا، وإن نوى الإقامة ~~بعدما قعد قدر التشهد وقام إلى الثالثة فإن لم يقيد الركعة بالسجدة تغير ~~فرضه؛ لأنه لم يخرج عن المكتوبة بعد إلا أنه يعيد القيام والركوع؛ لأن ذلك ~~نفل فلا ينوب عن الفرض، وهو بالخيار في الشفع الأخير إن شاء قرأ وإن شاء ~~سبح وإن شاء سكت، في ظاهر الرواية على ما ذكرنا فيما تقدم وإن قيد الثالثة ~~بالسجدة ثم نوى الإقامة لا يتغير فرضه؛ لأن الفرض قد استحكم بخروجه منه فلا ~~يحتمل التغيير ولكنه يضيف إليها ركعة أخرى لتكون الركعتان له تطوعا؛ لأن ~~التقرب إلى الله تعالى بالبتراء غير جائز، ولو أفسد تلك الركعة ففرضه تام ~~وليس عليه قضاء الشفع الثاني عند علمائنا الثلاثة خلافا لزفر بناء على ~~مسألة المظنون، هذا إذا قعد على رأس الركعتين قدر التشهد، فأما إذا لم يقعد ~~ونوى الإقامة وقام إلى الثالثة تغير فرضه لما قلنا، ثم ينظر إن لم يقم صلبه ~~عاد إلى القعدة وإن أقام صلبه لا يعود، كالمقيم إذا أقام من الثالثة إلى ~~الرابعة، وهو في القراءة في الشفع الأخير بالخيار. # وكذا ms0222 إذا قام إلى الثالثة ولم يقيدها بالسجدة حتى نوى الإقامة تغير فرضه ~~وعليه إعادة القيام والركوع لما مر، فإن قيد الثالثة بالسجدة ثم نوى ~~الإقامة لا تعمل نيته في حق هذه الصلاة؛ لأن فرضيتها قد فسدت بالإجماع؛ ~~لأنه لما قيد الثالثة بالسجدة تم شروعه في النفل؛ لأن الشروع إما أن يكون ~~بتكبيرة الافتتاح أو بتمام فعل النفل، وتمام فعل الصلاة بتقييد الركعة ~~بالسجدة، ولهذا لا تسمى صلاة بدونه، وإذا صار شارعا في النفل صار خارجا عن ~~الفرض ضرورة لكن بقيت التحريمة عند أبي حنيفة وأبي يوسف فيضيف إليها ركعة ~~أخرى ليكون الأرجح له تطوعا؛ لأن التنفل بالثلاث غير مشروع وعند محمد ~~ارتفعت التحريمة بفساد الفرضية فلا يتصور انقلابه تطوعا مسافر صلى الظهر ~~ركعتين وترك القراءة في الركعتين أو في واحدة منهما وقعد قدر التشهد ثم نوى ~~الإقامة قبل أن يسلم أو قام إلى الثالثة ثم نوى الإقامة قبل أن يقيدها ~~بالسجدة تحول فرضه أربعا عند أبي حنيفة وأبي يوسف ويقرأ في الأخيرتين قضاء ~~عن الأوليين، وتفسد صلاته عند محمد، ولو قيد الثالثة بالسجدة ثم نوى ~~الإقامة تفسد # PageV01P099 # صلاته بالإجماع، لكن يضيف إليها ركعة أخرى ليكون الركعتان له تطوعا على ~~قولهما خلافا لمحمد على ما مر. # (وجه) قول محمد أن ظهر المسافر كفجر المقيم، ثم الفجر في حق المقيم يفسد ~~بترك القراءة فيهما أو في إحداهما على وجه لا يمكنه إصلاحه إلا بالاستقبال، ~~فكذا الظهر في حق المسافر إذ لا تأثير لنية الإقامة في رفع صفة الفساد ~~(وجه) قولهما أن المفسد لم يتقرر؛ لأن المفسد خلو الصلاة عن القراءة في ~~ركعتين منها ولا يتحقق ذلك بترك القراءة في الأوليين؛ لأن صلاة المسافر ~~بغرض أن يلحقها مدة نية الإقامة بخلاف الفجر في حق المقيم؛ لأن ثمة تقرر ~~المفسد إذ ليس لها هذه العرضية، وكذا إذا قيد الثالثة بالسجدة ولو قرأ في ~~الركعتين جميعا وقعد قدر التشهد وسلم وعليه سهو فنوى الإقامة لم ينقلب فرضه ~~أربعا وسقط عنه السهو عند أبي حنيفة وأبي ms0223 يوسف، وعند محمد وزفر تغير فرضه ~~أربعا ويسجد للسهو في آخر الصلاة، ذكر الاختلاف في نوادر أبي سليمان. # ولو سجد سجدة واحدة لسهوه أو سجدهما ثم نوى الإقامة تغير فرضه أربعا ~~بالإجماع، ويعيد السجدتين في آخر الصلاة، وكذا إذا نوى الإقامة قبل السلام ~~الأول، وهذا الاختلاف راجع إلى أصل وهو: أن من عليه سجود السهو إذا سلم ~~يخرج من الصلاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف خروجا موقوفا، إن عاد إلى سجدتي ~~السهو وصح عوده إليهما تبين أنه كان لم يخرج، وإن لم يعد تبين أنه كان خرج ~~حتى لو ضحك بعدما سلم قبل أن يعود إلى سجدتي السهو لا تنتقض طهارته عندهما، ~~وعند محمد وزفر سلامه لا يخرجه عن حرمة الصلاة أصلا حتى لو ضحك قهقهة بعد ~~السلام قبل الاشتغال بسجدتي السهو تنتقض طهارته (وجه) قول محمد وزفر أن ~~الشرع أبطل عمل سلام من عليه سجدتا السهو؛ لأن سجدتي السهو يؤتى بهما في ~~تحريمة الصلاة؛ لأنهما شرعتا لجبر النقصان وإنما ينجبران لو حصلتا في ~~تحريمة الصلاة، ولهذا يسقطان إذا وجد بعد القعود قدر التشهد ما ينافي ~~التحريمة ولا يمكن تحصيلهما في تحريمة الصلاة إلا بعد بطلان عمل هذا السلام ~~فصار وجوده وعدمه في هذه الحالة بمنزلة واحدة، ولو انعدم حقيقة كانت ~~التحريمة باقية، فكذا إذا التحق بالعدم، ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن السلام ~~جعل محللا في الشرع قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وتحليلها التسليم، ~~والتحليل ما يحصل به التحلل ولأنه خطاب للقوم فكان من كلام الناس، وأنه ~~مناف للصلاة غير أن الشرع أبطل عمله في هذه الحالة لحاجة المصلي إلى جبر ~~النقصان، ولا ينجبر إلا عند وجود الجابر في التحريمة ليلحق الجابر بسبب ~~بقاء التحريمة بمحل النقصان فينجبر النقصان فبقينا التحريمة مع وجود ~~المنافي لها لهذه الضرورة فإن اشتغل بسجدتي السهو وصح اشتغاله بهما تحققت ~~الضرورة إلى إبقاء التحريمة فبقيت، وإن لم يشتغل لم تتحقق الضرورة، فعمل ~~السلام في الإخراج عن الصلاة وإبطال التحريمة. # وإذا عرف هذا الأصل فنقول: ms0224 وجدت نية الإقامة ههنا والتحريمة باقية عند ~~محمد وزفر فتغير فرضه كما لو نوى الإقامة قبل السلام أو بعد ما عاد إلى ~~سجدتي السهو وعند أبي حنيفة وأبي يوسف وجدت نية الإقامة ههنا والتحريمة ~~منقطعة؛ لأن بقاءها مع وجود المنافي لضرورة العود إلى سجدتي السهو، والعود ~~إلى سجدتي السهو ههنا لا يصح؛ لأنه لو صح لتبين أن التحريمة كانت باقية ~~فتبين أن فرضه صار أربعا وهذا وسط الصلاة، والاشتغال بسجدتي السهو في وسط ~~الصلاة غير صحيح؛ لأن محلهما آخر الصلاة فلا فائدة في التوقف ههنا، فلا ~~يتوقف، بخلاف ما إذا اقتدى به إنسان في هذه الحالة؛ لأن الاقتداء موقوف، إن ~~اشتغل بالسجدتين تبين أنه كان صحيحا، وإن لم يشتغل تبين أنه وقع باطلا؛ لأن ~~القول بالتوقف هناك مفيد؛ لأن العود إلى سجدتي السهو صحيح فسقط اعتبار ~~المنافي للضرورة وههنا بخلافه، بخلاف ما إذا سجد سجدة واحدة للسهو ثم نوى ~~الإقامة أو سجد السجدتين جميعا حيث يصح، وإن كان يؤدي إلى أن سجدتي السهو ~~لا يعتد بهما لحصولهما في وسط الصلاة؛ لأن هناك صح اشتغاله بسجدتي السهو ~~فتبين أن التحريمة كانت باقية فوجدت نية الإقامة، والتحريمة باقية فتغير ~~فرضه أربعا، وإذا تغير أربعا تبين أن السجدة حصلت في وسط الصلاة فيبطل ~~اعتبارها ولكن لا يظهر أنها ما كانت معتبرة معتدا بها حين حصلت بل بطل ~~اعتبارها بعد ذلك وقت حصول نية الإقامة مقتصرا على الحال. # فأما فيما نحن فيه فبخلافه، وفرق بين ما انعقد صحيحا ثم انفسخ بمعنى يوجب ~~انفساخه وبين ما لم ينعقد من الأصل؛ لأن في الأول ثبت الحكم عند انعقاده # PageV01P100 # وانتفى بعد انفساخه، وفي الثاني لم يثبت الحكم أصلا نظيره من اشترى دارا ~~فوجد بها عيبا فردها بقضاء القاضي حتى انفسخ البيع لا تبطل شفعة الشفيع ~~الذي كان ثبت بالبيع، ولو ظهر أن بدل الدار كان حرا ظهر أن حق الشفيع لم ~~يكن ثابتا؛ لأنه ظهر أن البيع ما كان منعقدا، وفي باب الفسخ لا يظهر، فكذا ~~ههنا ms0225 ويعيد السجدتين في آخر الصلاة عندنا خلافا لزفر، والصحيح قولنا؛ لأنه ~~شرع لجبر النقصان وأنه لا يصلح جابرا قبل السلام ففي وسط الصلاة أولى، ~~فيعاد لتحقيق ما شرع له وبخلاف ما إذا نوى الإقامة قبل السلام الأول حيث ~~تصح نية الإقامة؛ لأن التحريمة باقية بيقين ومن مشايخنا من قال: لا توقف في ~~الخروج عن التحريمة بسلام السهو عندهما بل يخرج جزما من غير توقف، وإنما ~~التوقف في عود التحريمة ثانيا إن عاد إلى سجدتي السهو يعود وإلا فلا، وهذا ~~أسهل لتخريج المسائل، وما ذكرنا أن التوقف في بقاء التحريمة وبطلانها أصح؛ ~~لأن التحريمة تحريمة واحدة فإذا بطلت لا تعود إلا بالإعادة ولم توجد - ~~والله أعلم -. # (والثاني) وجود الإقامة بطريق التبعية: وهو أن يصير الأصل مقيما فيصير ~~التبع أيضا مقيما بإقامة الأصل، كالعبد يصير مقيما بإقامة مولاه، والمرأة ~~بإقامة زوجها، والجيش بإقامة الأمير ونحو ذلك؛ لأن الحكم في التبع ثبت بعلة ~~الأصل ولا تراعى له علة على حدة لما فيه من جعل التبع أصلا وأنه قلب ~~الحقيقة (وأما) الغريم مع صاحب الدين: فهو على التفصيل الذي ذكرنا في السفر ~~أنه إن كان المديون مليا فالمعتبر نيته ولا يصير تبعا لصاحب الدين؛ لأنه ~~يمكنه تخليص نفسه بقضاء الدين، وإن كان مفلسا فالمعتبر نية صاحب الدين؛ لأن ~~له حق ملازمته فلا يمكنه أن يفارق صاحب الدين، فكانت نيته لغوا لعدم ~~الفائدة، ثم في هذه الفصول إنما يصير التبع مقيما بإقامة الأصل وتنقلب ~~صلاته أربعا إذا علم التبع بنية إقامة الأصل، فأما إذا لم يعلم فلا، حتى لو ~~صلى التبع صلاة المسافرين قبل العلم بنية إقامة الأصل فإن صلاته جائزة، ولا ~~يجب عليه إعادتها. # وقال بعض أصحابنا: إن عليه الإعادة وإنه غير سديد؛ لأن في اللزوم بدون ~~العلم به ضررا في حقه وحرجا، ولهذا لم يصح عزل الوكيل بدون العلم به كذا ~~هذا، وعلى هذا يبنى أيضا اقتداء المسافر بالمقيم في الوقت أنه يصح، وينقلب ~~فرضه أربعا عند عامة العلماء. # وقال بعض الناس لا ms0226 ينقلب وقال مالك: إن أدرك مع الإمام ركعة فصاعدا ينقلب ~~فرضه أربعا وإن أدرك ما دون الركعة لا ينقلب بأن اقتدى به في السجدة ~~الأخيرة أو بعد ما رفع رأسه منها، والصحيح: قول العامة؛ لأنه لما اقتدى به ~~صار تبعا له؛ لأن متابعته واجبة عليه. # قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا ~~عليه» والأداء " أعني الصلاة في الوقت " مما يحتمل التغيير إلى الكمال إذا ~~وجد دليل التغيير، ألا ترى أنه تتغير نية الإقامة في الوقت؟ وقد وجد ههنا ~~دليل التغيير " وهو التبعية "، فيتغير فرضه أربعا فصار صلاة المقتدي مثل ~~صلاة الإمام فصح اقتداؤه به بخلاف ما إذا اقتدى به خارج الوقت حيث لا يصح؛ ~~لأن الصلاة خارج الوقت من باب القضاء وأنه خلف عن الأداء، والأداء لم يتغير ~~لعدم دليل التغيير فلا يتغير القضاء، ألا ترى أنه لا يتغير بنية الإقامة ~~بعد خروج الوقت وإذا لم يتغير فرضه بالاقتداء بقيت صلاته ركعتين، والقعدة ~~فرض في حقه نفل في حق الإمام فلو صح الاقتداء كان هذا اقتداء المفترض ~~بالمتنفل في حق القعدة، وكما لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل في جميع ~~الصلاة لا يجوز في ركن منها، وما ذكره مالك غير سديد؛ لأن الصلاة مما لا ~~يتجزأ فوجود المغير في جزئها كوجوده في كلها، ولو أن مقيما صلى ركعتين ~~بقراءة فلما قام إلى الثالثة جاء مسافر واقتدى به بعد خروج الوقت لا يصح ~~لما بينا أن فرض المسافر تقرر ركعتين بخروج الوقت، والقراءة فرض عليه في ~~الركعتين نفل في حق المقيم في الأخيرتين فيكون اقتداء المفترض بالمتنفل في ~~حق القراءة فإن صلاهما بغير قراءة والمسألة بحالها ففيه روايتان (وأما) ~~اقتداء المقيم بالمسافر فيصح في الوقت وخارج الوقت؛ لأن صلاة المسافر في ~~الحالتين واحدة، والقعدة فرض في حقه نفل في حق المقتدي، واقتداء المتنفل ~~بالمفترض جائز في كل صلاة فكذا في بعضها فهو الفرق، ثم إذا سلم الإمام على ~~رأس الركعتين لا يسلم المقيم؛ لأنه قد بقي عليه ms0227 شرط الصلاة فلو سلم لفسدت ~~صلاته، ولكنه يقوم ويتمها أربعا لقوله - صلى الله عليه وسلم - أتموا يا أهل ~~مكة فإنا قوم سفر وينبغي للإمام المسافر إذا سلم أن يقول للمقيمين # PageV01P101 # خلفه " أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر " اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ولا قراءة على المقتدي في بقية صلاته إذا كان مدركا أي: لا يجب عليه؛ ~~لأنه شفع أخير في حقه، ومن مشايخنا من قال: ذكر في الأصل ما يدل على وجوب ~~القراءة فإنه قال: إذا سها يلزمه سجود السهو. # والاستدلال به إلى العكس أولى؛ لأنه ألحقه بالمنفرد في حق السهو فكذا في ~~حق القراءة، ولا قراءة على المنفرد في الشفع الأخير، ثم المقيمون بعد تسليم ~~الإمام يصلون وحدانا، ولو اقتدى بعضهم ببعض فصلاة الإمام منهم تامة وصلاة ~~المقتدين فاسدة؛ لأنهم اقتدوا في موضع يجب عليهم الانفراد، ولو قام المقيم ~~إلى إتمام صلاته ثم نوى الإمام الإقامة قبل التسليم ينظر إن لم يقيد هذا ~~المقيم ركعته بالسجدة رفض ذلك وتابع إمامه حتى لو لم يرفض وسجد فسدت صلاته؛ ~~لأن صلاته صارت أربعا تبعا لإمامه؛ لأنه ما لم يقيد الركعة بالسجدة لا يخرج ~~عن صلاة الإمام ولا يعتد بذلك القيام والركوع؛ لأنه وجد على وجه النفل فلا ~~ينوب عن الفرض، ولو قيد ركعته بالسجدة ثم نوى الإمام الإقامة أتم صلاته ولا ~~يتابع الإمام حتى لو رفض ذلك وتابع الإمام فسدت صلاته؛ لأنه اقتدى في موضع ~~يجب عليه الانفراد - والله أعلم -. # وعلى هذا إذا اقتدى المسافر بالمقيم في الوقت ثم خرج الوقت قبل الفراغ من ~~الصلاة لا تفسد صلاته ولا يبطل اقتداؤه به، وإن كان لا يصح اقتداء المسافر ~~بالمقيم في خارج الوقت ابتداء؛ لأنه لما صح اقتداؤه به وصار تبعا له صار ~~حكمه حكم المقيمين، وإنما يتأكد وجوب الركعتين بخروج الوقت في حق المسافر ~~وهذا قد صار مقيما، وصلاة المقيم لا تصير ركعتين بخروج الوقت كما إذا صار ~~مقيما بصريح نية الإقامة، ولو نام خلف الإمام حتى خرج الوقت ثم انتبه ms0228 أتمها ~~أربعا؛ لأن المدرك يصلي ما نام عنه كأنه خلف الإمام وقد انقلب فرضه أربعا ~~بحكم التبعية، والتبعية باقية بعد خروج الوقت؛ لأنه بقي مقتديا به على ما ~~مر ولو تكلم بعد خروج الوقت أو قبل خروجه يصلي ركعتين عندنا خلافا للشافعي ~~على ما مر، ولو أن مسافرا أم قوما مقيمين ومسافرين في الوقت فأحدث واستخلف ~~رجلا من المقيمين صح استخلافه؛ لأنه قادر على إتمام صلاة الإمام. # ولا تنقلب صلاة المسافرين أربعا عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر ينقلب ~~فرضهم أربعا. # (وجه) قوله أنهم صاروا مقتدين بالمقيم حتى تعلق صلاتهم بصلاته صحة ~~وفسادا، والمسافر إذا اقتدى بالمقيم ينقلب فرضه أربعا كما لو اقتدى به ~~ابتداء؛ ولأن فرضهم لو لم ينقلب أربعا لما جاز اقتداؤهم به؛ لأن القعدة ~~الأولى في حق الإمام نفل وفي حق المسافرين فرض فيصير اقتداء المفترض ~~بالمتنفل في حق القعدة ولهذا لا يجوز اقتداء المسافر بالمقيم خارج الوقت. # (ولنا) أن المقيم إنما صار إماما بطريق الخلافة ضرورة أن الإمام عجز عن ~~الإتمام بنفسه فيصير قائما مقامه في مقدار صلاة الإمام، إذ الخلف يعمل عمل ~~الأصل كأنه هو فكانوا مقتدين بالمسافر معنى فلذلك لا تنقلب صلاتهم أربعا ~~وصارت القعدة الأولى عليه فرضا؛ لأنه قائم مقام المسافر مؤد صلاته، وعلى ~~هذا لو قدم مسافر فنوى المقدم الإقامة لا ينقلب فرض المسافرين لما قلنا، ~~وإذا صح استخلافه ينبغي أن يتم صلاة الإمام وهي ركعتان ويقعد قدر التشهد ~~ولا يسلم بنفسه؛ لأنه مقيم بقي عليه شطر الصلاة فتفسد صلاته بالسلام، ولكنه ~~يستخلف رجلا من المسافرين حتى يسلم بهم ثم يقوم هو وبقية المقيمين ويصلون ~~بقية صلاتهم وحدانا؛ لأنهم بمنزلة اللاحقين. # ولو اقتدى بعضهم ببعض فصلاة الإمام منهم تامة؛ لأنه منفرد على كل حال، ~~وصلاة المقتدين فاسدة؛ لأنهم تركوا ما هو فرض عليهم وهو الانفراد في هذه ~~الحالة، ولو أن مسافرا صلى بمسافرين ركعة في الوقت ثم نوى الإقامة يصلي بهم ~~أربعا؛ لأن الإمام ههنا أصل وقد تغيرت صلاته بوجود المغير " وهو نية ms0229 ~~الإقامة " فتتغير صلاة القوم بحكم التبعية بخلاف الفصل الأول فإنه خلف عن ~~الإمام الأول مؤد صلاته لما بينا، ولو أن مسافرا أم قوما مسافرين ومقيمين ~~فلما صلى ركعتين فقبل أن يسلم تكلم واحد من المسافرين خلفه أو قام فذهب ثم ~~نوى الإمام الإقامة فإنه يتحول فرضه وفرض المسافرين الذين لم يتكلموا أربعا ~~لوجود المغير في محله، وصلاة من تكلم تامة لأنه تكلم في وقت لو تكلم فيه ~~إمامه لا تفسد صلاته فكذا صلاة المقتدي إذا كان بمثل حاله، ولو تكلم بعد ما ~~نوى الإمام الإقامة فسدت صلاته؛ لأنه انقلبت صلاته أربعا تبعا للإمام فحصل ~~كلامه في وسط الصلاة فوجب فسادها # PageV01P102 # ولكن يجب عليه صلاة المسافرين ركعتان عندنا؛ لأنه صار مقيما تبعا. # وقد زالت التبعية بفساد الصلاة فعاد حكم المسافرين في حقه. # (وأما) الثالث: فهو الدخول في الوطن، فالمسافر إذا دخل مصره صار مقيما، ~~سواء دخلها للإقامة أو للاجتياز أو لقضاء حاجة، والخروج بعد ذلك؛ لما روي ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج مسافرا إلى الغزوات ثم يعود ~~إلى المدينة ولا يجدد نية الإقامة» . # ولأن مصره متعين للإقامة فلا حاجة إلى التعيين بالنية، وإذا قرب من مصره ~~فحضرت الصلاة فهو مسافر ما لم يدخل، لما روي أن عليا - رضي الله عنه - حين ~~قدم الكوفة من البصرة صلى صلاة السفر وهو ينظر إلى أبيات الكوفة. # وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال للمسافر: صل ركعتين ما لم ~~تدخل منزلك؛ ولأن هذا موضع لو خرج إليه على قصد السفر يصير مسافرا فلأن ~~يبقى مسافرا بعد وصوله إليه أولى، وذكر في العيون أن الصبي والكافر إذا ~~خرجا إلى السفر فبقي إلى مقصدهما أقل من مدة السفر فأسلم الكافر وبلغ الصبي ~~- فإن الصبي يصلي أربعا والكافر الذي أسلم يصلي ركعتين، والفرق أن قصد ~~السفر صحيح من الكافر إلا أنه لا يصلي لكفره فإذا أسلم زال المانع، فأما ~~الصبي: فقصده السفر لم يصح، وحين أدرك لم يبق إلى مقصده مدة السفر ms0230 فلا يصير ~~مسافرا ابتداء. # وذكر في نوادر الصلاة أن من قدم من السفر فلما انتهى قريبا من مصره قبل ~~أن ينتهي إلى بيوت مصره افتتح الصلاة ثم أحدث في صلاته فلم يجد الماء فدخل ~~المصر ليتوضأ - إن كان إماما أو منفردا فحين انتهى إلى بيوت مصره صار ~~مقيما، وإن كان مقتديا وهو مدرك فإن لم يفرغ الإمام من صلاته يصلي ركعتين ~~بعد ما صار مقيما؛ لأنه كان خلف الإمام، واللاحق إذا نوى الإقامة قبل فراغ ~~الإمام يصير مقيما، فكذا إذا دخل مصره، وإن كان فرغ الإمام من صلاته حين ~~انتهى إلى بيوت مصره لا تصح نية إقامته، ويصلي ركعتين عند أصحابنا الثلاثة، ~~وعند زفر تصير صلاته أربعا بالدخول إلى مصره، وكذا بنيته الإقامة في هذه ~~الحالة. # (وجه) قوله أن المغير موجود والوقت باق، فكان المحل قابلا للتغيير، ~~أربعا؛ ولأن هذا إن اعتبر بمن خلف الإمام يتغير فرضه وإن اعتبر بالمسبوق ~~يتغير. # (ولنا) أن اللاحق ليس بمنفرد، ألا ترى أنه لا قراءة عليه ولا سجود سهو؟ ~~ولكنه قاض مثل ما انعقد له تحريمة الإمام؛ لأنه التزم أداء هذه الصلاة مع ~~الإمام، وبفراغ الإمام فات الأداء معه فيلزمه القضاء، والقضاء لا يحتمل ~~التغيير؛ لأن القضاء خلف فيعتبر بحال الأصل وهو صلاة الإمام، وقد خرج الأصل ~~عن احتمال التغيير وصار مقيما على وظيفة المسافرين، ولو تغير الخلف لانقلب ~~أصلا وهذا لا يجوز، بخلاف من خلف الإمام؛ لأنه لم يفته الأداء مع الإمام ~~فلم يصر قضاء فيتغير فرضه، وبخلاف المسبوق؛ لأنه مؤد ما سبق به؛ لأنه لم ~~يلتزم أداءه مع الإمام، والوقت باق فتغير ثم إنما يتغير فرض المسافر ~~بصيرورته مقيما بدخوله مصره إذا دخله في الوقت، فأما إذا دخله بعد خروج ~~الوقت فلا يتغير؛ لأنه تقرر عليه فرض السفر بخروج الوقت فلا يتغير بالدخول ~~في المصر، ألا ترى أنه لا يتغير بصريح نية الإقامة، وبالإقامة بطريق ~~التبعية؟ - والله أعلم -. # مطلب في أن الأوطان ثلاثة (ثم) الأوطان ثلاثة: وطن أصلي: وهو وطن الإنسان ~~في ms0231 بلدته أو بلدة أخرى اتخذها دارا وتوطن بها مع أهله وولده، وليس من قصده ~~الارتحال عنها بل التعيش بها. # (ووطن) الإقامة: وهو أن يقصد الإنسان أن يمكث في موضع صالح للإقامة خمسة ~~عشر يوما أو أكثر. # (ووطن) السكنى: وهو أن يقصد الإنسان المقام في غير بلدته أقل من خمسة عشر ~~يوما والفقيه الجليل أبو أحمد العياضي قسم الوطن إلى قسمين وسمى أحدهما وطن ~~قرار، والآخر مستعارا، فالوطن الأصلي ينتقض بمثله لا غير وهو: أن يتوطن ~~الإنسان في بلدة أخرى وينقل الأهل إليها من بلدته فيخرج الأول من أن يكون ~~وطنا أصليا، حتى لو دخل فيه مسافرا لا تصير صلاته أربعا، وأصله أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين من أصحابه - رضي الله عنهم - كانوا ~~من أهل مكة وكان لهم بها أوطان أصلية، ثم لما هاجروا وتوطنوا بالمدينة ~~وجعلوها دارا لأنفسهم انتقض وطنهم الأصلي بمكة، حتى كانوا إذا أتوا مكة ~~يصلون صلاة المسافرين، حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين صلى بهم: ~~«أتموا يا أهل مكة صلاتكم فإنا قوم سفر» ؛ ولأن الشيء جاز أن ينسخ بمثله، ~~ثم الوطن الأصلي يجوز أن يكون واحدا أو أكثر من ذلك بأن كان له أهل ودار في ~~بلدتين أو أكثر ولم يكن من نية # PageV01P103 # أهله الخروج منها، وإن كان هو ينتقل من أهل إلى أهل في السنة، حتى أنه لو ~~خرج مسافرا من بلدة فيها أهله ودخل في أي بلدة من البلاد التي فيها أهله ~~فيصير مقيما من غير نية الإقامة، ولا ينتقض الوطن الأصلي بوطن الإقامة ولا ~~بوطن السكنى؛ لأنهما دونه، والشيء لا ينسخ بما هو دونه، وكذا لا ينتقض بنية ~~السفر والخروج من وطنه حتى يصير مقيما بالعود إليه من غير نية الإقامة، لما ~~ذكرنا «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج من المدينة مسافرا وكان ~~وطنه بها باقيا حتى يعود مقيما فيها من غير تجديد النية» . # (ووطن) الإقامة ينتقض بالوطن الأصلي؛ لأنه فوقه، وبوطن الإقامة أيضا؛ ~~لأنه مثله، والشيء ms0232 يجوز أن ينسخ بمثله، وينتقض بالسفر أيضا؛ لأن توطنه في ~~هذا المقام ليس للقرار ولكن لحاجة، فإذا سافر منه يستدل به على قضاء حاجته ~~فصار معرضا عن التوطن به، فصار ناقضا له دلالة، ولا ينتقض وطن الإقامة بوطن ~~السكنى؛ لأنه دونه فلا ينسخه. # (ووطن) السكنى ينتقض بالوطن الأصلي، وبوطن الإقامة؛ لأنهما فوقه، وبوطن ~~السكنى؛ لأنه مثله، وبالسفر لما بينا، ثم ما ذكرنا من تفسير وطن الإقامة ~~جواب ظاهر الرواية وذكر الكرخي في جامعه عن محمد روايتين: في رواية: إنما ~~يصير الوطن وطن إقامة بشرطين: أحدهما أن يتقدمه سفر والثاني: أن يكون بين ~~وطنه الأصلي وبين هذا الموضع الذي توطن فيه بنية الإقامة مسيرة ثلاثة أيام ~~فصاعدا. # فأما بدون هذين الشرطين لا يصير وطن إقامة، وإن نوى الإقامة خمسة عشر ~~يوما في مكان صالح للإقامة، حتى إن الرجل المقيم إذا خرج من مصره إلى قرية ~~من قراها لا لقصد السفر، ونوى أن يتوطن بها خمسة عشر يوما لا تصير تلك ~~القرية وطن إقامة له وإن كان بينهما مسيرة سفر لانعدام تقدم السفر، وكذا ~~إذا قصد مسيرة سفر وخرج حتى وصل إلى قرية بينها وبين وطنه الأصلي مسيرة ما ~~دون السفر، ونوى أن يقيم بها خمسة عشر يوما لا يصير مقيما، ولا تصير تلك ~~القرية وطن إقامة له وفي رواية ابن سماعة عنه: يصير مقيما من غير هذين ~~الشرطين كما هو ظاهر الرواية، وإذا عرف هذا الأصل يخرج بعض المسائل عليه ~~حتى يسهل تخريج الباقي خراساني قدم الكوفة ونوى المقام بها شهرا، ثم خرج ~~منها إلى الحيرة ونوى المقام بها خمسة عشر يوما، ثم خرج من الحيرة يريد ~~العود إلى خراسان ومر بالكوفة - فإنه يصلي ركعتين؛ لأن وطنه بالكوفة كان ~~وطن إقامة، وقد انتقض بوطنه بالحيرة؛ لأنه وطن إقامة أيضا. # وقد بينا أن وطن الإقامة ينتقض بمثله، وكذا وطنه بالحيرة انتقض بالسفر؛ ~~لأنه وطن إقامة، فكما خرج من الحيرة على قصد خراسان صار مسافرا، ولا وطن له ~~في موضع فيصلي ركعتين حتى ms0233 يدخل بلدته بخراسان وإن لم يكن نوى المقام ~~بالحيرة خمسة عشر يوما أتم الصلاة بالكوفة؛ لأن وطنه بالكوفة لم يبطل ~~بالخروج إلى الحيرة؛ لأنه ليس بوطن مثله ولا سفر فيبقى وطنه بالكوفة كما ~~كان. # ولو أن خراسانيا قدم الكوفة ونوى المقام بها خمسة عشر يوما، ثم ارتحل ~~منها يريد مكة، فقبل أن يسير ثلاثة أيام ذكر حاجة له بالكوفة فعاد - فإنه ~~يقصر؛ لأن وطنه بالكوفة قد بطل بالسفر كما يبطل بوطن مثله. # ولو أن كوفيا خرج إلى القادسية، ثم خرج منها إلى الحيرة، ثم عاد من ~~الحيرة يريد الشام فمر بالقادسية قصر؛ لأن وطنه بالقادسية والحيرة سواء، ~~فيبطل الأول بالثاني، ولو بدا له أن يرجع إلى القادسية قبل أن يصل إلى ~~الحيرة، ثم يرتحل إلى الشام صلى بالقادسية أربعا؛ لأن وطنه بالقادسية لا ~~يبطل إلا بمثله ولم يوجد، وعلى هذا الأصل مسائل في الزيادات (وأما) الرابع ~~فهو العزم على العود للوطن: وهو أن الرجل إذا خرج من مصره بنية السفر ثم ~~عزم على الرجوع إلى وطنه، وليس بين هذا الموضع الذي بلغ وبين مصره مسيرة ~~سفر يصير مقيما حين عزم عليه؛ لأن العزم على العود إلى مصره قصد ترك السفر ~~بمنزلة نية الإقامة فصح، وإن كان بينه وبين مصره مدة سفر لا يصير مقيما؛ ~~لأنه بالعزم على العود قصد ترك السفر إلى جهة. # وقصد السفر إلى جهة، فلم يكمل العزم على العود إلى السفر لوقوع التعارض، ~~فبقي مسافرا كما كان. # وذكر في نوادر الصلاة أن من خرج من مصره مسافرا فحضرت الصلاة فافتتحها، ~~ثم أحدث فلم يجد الماء هنالك فنوى أن يدخل مصره وهو قريب فحين نوى ذلك صار ~~مقيما من ساعته دخل مصره أو لم يدخل، لما ذكرنا أنه قصد الدخول في المصر ~~بنية ترك السفر فحصلت النية مقارنة للفعل فصحت، فإذا دخله صلى أربعا؛ لأن ~~تلك صلاة # PageV01P104 # المقيمين، فإن علم قبل أن يدخل المصر أن الماء أمامه فمشى إليه فتوضأ - ~~صلى أربعا أيضا؛ لأن بالنية صار مقيما، فبالمشي ms0234 بعد ذلك في الصلاة أمامه لا ~~يصير مسافرا في حق تلك الصلاة وإن حصلت النية مقارنة لفعل السفر حقيقة؛ ~~لأنه لو جعل مسافرا لفسدت صلاته؛ لأن السفر عمل، فحرمة الصلاة منعته عن ~~مباشرة العمل شرعا، بخلاف الإقامة؛ لأنها ترك السفر، وحرمة الصلاة لا تمنعه ~~عن ذلك، فلو تكلم حين علم بالماء أمامه، أو أحدث متعمدا حتى فسدت صلاته، ثم ~~وجد الماء في مكانه يتوضأ ويصلي أربعا؛ لأنه صار مقيما، ولو مشى أمامه ثم ~~وجد الماء يصلي ركعتين؛ لأنه صار مسافرا ثانيا بالمشي إلى الماء بنية السفر ~~خارج الصلاة، فيصلي صلاة المسافرين، بخلاف المشي في الصلاة؛ لأن حرمة ~~الصلاة أخرجته من أن يكون سفرا - والله أعلم -. ### | [فصل أركان الصلاة] # (فصل) : # وأما أركانها فستة: منها القيام، والأصل أن كل متركب من معان متغايرة ~~ينطلق اسم المركب عليها عند اجتماعها كان كل معنى منها ركنا للمركب كأركان ~~البيت في المحسوسات، والإيجاب والقبول في باب البيع في المشروعات وكل ما ~~يتغير الشيء به، ولا ينطلق عليه اسم ذلك الشيء - كان شرطا، كالشهود في باب ~~النكاح فهذا تعريف الركن والشرط بالتحديد. # وأما تعريفهما بالعلامة في هذا الباب: فهو أن كل ما يدوم من ابتداء ~~الصلاة إلى انتهائها كان شرطا، وما ينقضي ثم يوجد غيره فهو ركن، وقد وجد حد ~~الركن وعلامته في القيام؛ لأنه إذا وجد مع المعاني الأخر من القراءة ~~والركوع والسجود ينطلق عليها اسم الصلاة، وكذا لا يدوم من أول الصلاة إلى ~~آخرها، بل ينقضي ثم يوجد غيره فكان ركنا. # وقال الله تعالى: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] ، والمراد منه: ~~القيام في الصلاة (ومنها) الركوع، (ومنها) السجود، لوجود حد الركن وعلامته ~~في كل واحد منهما. # وقال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] ، ~~والقدر المفروض من الركوع أصل الانحناء والميل، ومن السجود أصل الوضع، فأما ~~الطمأنينة عليهما فليست بفرض في قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف فرض، ~~وبه أخذ الشافعي، ولقب المسألة أن تعديل الأركان ليس بفرض عندهما، وعنده ~~فرض، ونذكر ms0235 المسألة عند ذكر واجبات الصلاة وذكر سننها - إن شاء الله تعالى ~~واختلف في محل إقامة فرض السجود، قال أصحابنا الثلاثة: هو بعض الوجه. # وقال زفر والشافعي: السجود فرض على الأعضاء السبعة: الوجه واليدين ~~والركبتين والقدمين، واحتجا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعظم» وفي رواية «على سبعة آراب: الوجه ~~واليدين والركبتين والقدمين» . # (ولنا) أن الأمر تعلق بالسجود مطلقا من غير تعيين عضو، ثم انعقد الإجماع ~~على تعيين بعض الوجه فلا يجوز تعيين غيره، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر ~~الواحد؛ فنحمله على بيان السنة عملا بالدليلين. # ثم اختلف أصحابنا الثلاثة في ذلك البعض، قال أبو حنيفة: هو الجبهة أو ~~الأنف غير عين، حتى لو وضع أحدهما في حالة الاختيار يجزيه، غير أنه لو وضع ~~الجبهة وحدها جاز من غير كراهة، ولو وضع الأنف وحده يجوز مع الكراهة وعند ~~أبي يوسف ومحمد: هو الجبهة على التعيين، حتى لو ترك السجود عليها حال ~~الاختيار لا يجزيه، وأجمعوا على أنه لو وضع الأنف وحده في حال العذر يجزيه، ~~ولا خلاف في أن المستحب هو الجمع بينهما حالة الاختيار. # احتجا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مكن جبهتك ~~وأنفك من الأرض» ، أمر بوضعهما جميعا، إلا أنه إذا وضع الجبهة وحدها وقع ~~معتدا به؛ لأن الجبهة هي الأصل في الباب، والأنف تابع، ولا عبرة لفوات ~~التابع عند وجود الأصل؛ ولأنه أتى بالأكثر وللأكثر حكم الكل ولأبي حنيفة أن ~~المأمور به هو السجود مطلقا عن التعيين ثم قام الدليل على تعيين بعض الوجه ~~بإجماع بيننا؛ لإجماعنا على أن ما سوى الوجه وما سوى هذين العضوين من الوجه ~~غير مراد، والأنف بعض الوجه كالجبهة ولا إجماع على تعيين الجبهة فلا يجوز ~~تعيينها، وتقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد؛ لأنه لا يصلح ناسخا للكتاب ~~فنحمله على بيان السنة احترازا عن الرد - والله أعلم -. # هذا إذا كان قادرا على ذلك، فأما إذا كان عاجزا عنه: فإن كان ms0236 عجزه عنه ~~بسبب المرض بأن كان مريضا لا يقدر على القيام والركوع والسجود - يسقط عنه؛ ~~لأن العاجز عن الفعل لا يكلف به، وكذا إذا خاف زيادة العلة من ذلك؛ لأنه ~~يتضرر به وفيه أيضا حرج، فإذا عجز عن القيام يصلي قاعدا بركوع وسجود، فإن ~~عجز # PageV01P105 # عن الركوع والسجود يصلي قاعدا بالإيماء، ويجعل السجود أخفض من الركوع، ~~فإن عجز عن القعود يستلقي ويومئ إيماء؛ لأن السقوط لمكان العذر فيتقدر بقدر ~~العذر، والأصل فيه قوله تعالى {فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم} ~~[النساء: 103] قيل: المراد من الذكر المأمور به في الآية هو الصلاة أي: ~~صلوا، ونزلت الآية في رخصة صلاة المريض أنه يصلي قائما إن استطاع، وإلا ~~فقاعدا، وإلا فمضطجعا، كذا روي عن ابن مسعود وابن عمر وجابر - رضي الله ~~عنهم -. # وروي عن عمران بن حصين - رضي الله عنه - أنه قال: مرضت فعادني رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع ~~فعلى جنبك تومئ إيماء» ، وإنما جعل السجود أخفض من الركوع في الإيماء؛ لأن ~~الإيماء أقيم مقام الركوع والسجود وأحدهما أخفض من الآخر، كذا الإيماء بهما ~~وعن علي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في صلاة ~~المريض: «إن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه» . # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من لم يقدر على السجود ~~فليجعل سجوده ركوعا وركوعه إيماء» والركوع أخفض من الإيماء، ثم ما ذكرنا من ~~الصلاة مستلقيا جواب المشهور من الروايات. # وروي أنه إن عجز عن القعود يصلي على شقه الأيمن ووجهه إلى القبلة، وهو ~~مذهب إبراهيم النخعي وبه أخذ الشافعي. # (وجه) هذا القول قوله تعالى: {وعلى جنوبكم} [النساء: 103] . # وقوله - صلى الله عليه وسلم - لعمران بن حصين: «فعلى جنبك تومئ إيماء» ؛ ~~ولأن استقبال القبلة شرط جواز الصلاة وذلك يحصل بما قلنا، ولهذا يوضع في ~~اللحد هكذا ليكون مستقبلا للقبلة. # فأما المستلقي يكون مستقبل السماء وإنما يستقبل القبلة رجلاه فقط. # (ولنا) ms0237 ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه «قال في المريض: إن لم يستطع قاعدا فعلى القفا يومئ إيماء، فإن ~~لم يستطع فالله أولى بقبول العذر» ، ولأن التوجه إلى القبلة بالقدر الممكن ~~فرض وذلك في الاستلقاء؛ لأن الإيماء هو تحريك الرأس، فإذا صلى مستلقيا يقع ~~إيماؤه إلى القبلة، وإذا صلى على الجنب يقع منحرفا عنها، ولا يجوز الانحراف ~~عن القبلة من غير ضرورة، وبه تبين أن الأخذ بحديث ابن عمر أولى. # وقيل: إن المرض الذي كان بعمران كان باسورا، فكان لا يستطيع أن يستلقي ~~على قفاه، والمراد من الآية الاضطجاع، يقال: فلان وضع جنبه إذا نام وإن كان ~~مستلقيا، وهو الجواب عن التعلق بالحديث، على أن الآية والحديث دليلنا؛ لأن ~~كل مستلق فهو مستلق على الجنب؛ لأن الظهر متركب من الضلوع فكان له النصف من ~~الجنبين جميعا، وعلى ما يقوله الشافعي يكون على جنب واحد، فكان ما قلناه ~~أقرب إلى معنى الآية والحديث فكان أولى. # وهذا بخلاف الوضع في اللحد؛ لأنه ليس على الميت في اللحد فعل يوجب توجيهه ~~إلى القبلة ليوضع مستلقيا، فكان استقبال القبلة في الوضع على الجنب فوضع ~~كذلك. # ولو قدر على القعود، لكن نزع الماء من عينيه فأمر أن يستلقي أياما على ~~ظهره ونهي عن القعود والسجود - أجزأه أن يستلقي ويصلي بالإيماء وقال مالك ~~لا يجزئه، (واحتج) بحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن طبيبا قال له ~~بعدما كف بصره: لو صبرت أياما مستلقيا صحت عيناك، فشاور عائشة وجماعة من ~~الصحابة - رضي الله عنهم - فلم يرخصوا له في ذلك وقالوا له: أرأيت لو مت في ~~هذه الأيام كيف تصنع بصلاتك. # (ولنا) أن حرمة الأعضاء كحرمة النفس، ولو خاف على نفسه من عدو أو سبع لو ~~قعد جاز له أن يصلي بالاستلقاء، فكذا إذا خاف على عينيه، وتأويل حديث ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - أنه لم يظهر لهم صدق ذلك الطبيب فيما يدعي، ثم إذا ~~صلى المريض قاعدا بركوع وسجود ms0238 أو بإيماء كيف يقعد؟ أما في حال التشهد: فإنه ~~يجلس كما يجلس للتشهد بالإجماع. # وأما في حال القراءة وفي حال الركوع: روي عن أبي حنيفة أنه يقعد كيف شاء ~~من غير كراهة إن شاء محتبيا، وإن شاء متربعا، وإن شاء على ركبتيه كما في ~~التشهد. # وروي عن أبي يوسف أنه إذا افتتح تربع، فإذا أراد أن يركع فرش رجله اليسرى ~~وجلس عليها. # وروي عنه أنه يتربع على حاله، وإنما ينقض ذلك إذا أراد السجدة وقال زفر ~~يفترش رجله اليسرى في جميع صلاته والصحيح ما روي عن أبي حنيفة؛ لأن عذر ~~المرض أسقط عنه الأركان فلأن يسقط عنه الهيئات أولى وإن كان قادرا على ~~القيام دون الركوع والسجود يصلي قاعدا بالإيماء، وإن صلى قائما # PageV01P106 # بالإيماء أجزأه ولا يستحب له ذلك وقال زفر والشافعي: لا يجزئه إلا أن ~~يصلي قائما، (واحتجا) بما روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~لعمران بن حصين - رضي الله عنه -: «فإن لم تستطع فقاعدا» ، علق الجواز ~~قاعدا بشرط العجز عن القيام، ولا عجز؛ ولأن القيام ركن فلا يجوز تركه مع ~~القدرة عليه كما لو كان قادرا على القيام والركوع والسجود، والإيماء حالة ~~القيام مشروع في الجملة بأن كان الرجل في طين وردغة راجلا، أو في حالة ~~الخوف من العدو وهو راجل، فإنه يصلي قائما بالإيماء، كذا ههنا. # (ولنا) أن الغالب أن من عجز عن الركوع والسجود كان عن القيام أعجز؛ لأن ~~الانتقال من القعود إلى القيام أشق من الانتقال من القيام إلى الركوع، ~~والغالب ملحق بالمتيقن في الأحكام، فصار كأنه عجز عن الأمرين، إلا أنه متى ~~صلى قائما جاز؛ لأنه تكلف فعلا ليس عليه، فصار كما لو تكلف الركوع جاز وإن ~~لم يكن عليه كذا ههنا؛ ولأن السجود أصل وسائر الأركان كالتابع له، ولهذا ~~كان السجود معتبرا بدون القيام كما في سجدة التلاوة، وليس القيام معتبرا ~~بدون السجود بل لم يشرع بدونه، فإذا سقط الأصل سقط التابع ضرورة، ولهذا سقط ~~الركوع عمن سقط عنه السجود، ms0239 وإن كان قادرا على الركوع، وكان الركوع بمنزلة ~~التابع له، فكذا القيام بل أولى؛ لأن الركوع أشد تعظيما وإظهارا لذل ~~العبودية من القيام، ثم لما جعل تابعا له وسقط بسقوطه فالقيام أولى، إلا ~~أنه لو تكلف وصلى قائما يجوز لما ذكرنا، ولكن لا يستحب؛ لأن القيام بدون ~~السجود غير مشروع، بخلاف ما إذا كان قادرا على القيام والركوع والسجود؛ ~~لأنه لم يسقط عنه الأصل فكذا التابع. # وأما الحديث فنحن نقول بموجبه: إن العجز شرط لكنه موجود ههنا نظرا إلى ~~الغالب، لما ذكرنا أن الغالب هو العجز في هذه الحالة، والقدرة في غاية ~~الندرة، والنادر ملحق بالعدم، ثم المريض إنما يفارق الصحيح فيما يعجز عنه، ~~فأما فيما يقدر عليه فهو كالصحيح؛ لأن المفارقة للعذر، فتتقدر بقدر العذر، ~~حتى لو صلى قبل وقتها أو بغير وضوء أو بغير قراءة عمدا أو خطأ وهو يقدر ~~عليهما لم يجزه، وإن عجز عنها أومأ بغير قراءة؛ لأن القراءة ركن فتسقط ~~بالعجز كالقيام، ألا ترى أنها سقطت في حق الأمي؟ وكذا إذا صلى لغير القبلة ~~متعمدا لذلك لم يجزه، وإن كان ذلك خطأ منه أجزأه، بأن اشتبهت عليه القبلة ~~وليس بحضرته من يسأله عنها فتحرى وصلى ثم تبين أنه أخطأ، كما في حق الصحيح، ~~وإن كان وجه المريض إلى غير القبلة وهو لا يجد من يحول وجهه إلى القبلة ولا ~~يقدر على ذلك بنفسه يصلي كذلك؛ لأنه ليس في وسعه إلا ذلك، وهل يعيدها إذا ~~برئ؟ روي عن محمد بن مقاتل الرازي أنه يعيدها وأما في ظاهر الجواب فلا ~~إعادة عليه؛ لأن العجز عن تحصيل الشرائط لا يكون فوق العجز عن تحصيل ~~الأركان، وثمة لا تجب الإعادة فههنا أولى ولو كان بجبهته جرح لا يستطيع ~~السجود على الجبهة لم يجزه الإيماء، وعليه السجود على الأنف؛ لأن الأنف ~~مسجد كالجبهة خصوصا عند الضرورة على ما مر، وهو قادر على السجود عليه فلا ~~يجزئه الإيماء. # ولو عجز عن الإيماء وهو تحريك الرأس فلا شيء عليه عندنا. # وقال زفر: ms0240 يومئ بالحاجبين أولا، فإن عجز فبالعينين، فإن عجز فبقلبه وقال ~~الحسن بن زياد: يومئ بعينيه وبحاجبيه ولا يومئ بقلبه. # (وجه) قول زفر أن الصلاة فرض دائم لا يسقط إلا بالعجز، فما عجز عنه يسقط ~~وما قدر عليه يلزمه بقدره، فإذا قدر بالحاجبين كان الإيماء بهما أولى؛ ~~لأنهما أقرب إلى الرأس، فإن عجز الآن يومئ بعينيه؛ لأنهما من الأعضاء ~~الظاهرة، وجميع البدن ذو حظ من هذه العبادة كذا العينان، فإن عجز فبالقلب؛ ~~لأنه في الجملة ذو حظ من هذه العبادة وهو النية، ألا ترى أن النية شرط ~~صحتها؟ فعند العجز تنتقل إليه. # (وجه) قول الحسن أن أركان الصلاة تؤدى بالأعضاء الظاهرة، فأما الباطنة ~~فليس بذي حظ من أركانها بل هو ذو حظ من الشرط وهو النية، وهي قائمة أيضا ~~عند الإيماء فلا يؤدى به الأركان والشرط جميعا. # (ولنا) ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال في المريض إن لم يستطع قاعدا فعلى القفا يومئ إيماء، فإن لم ~~يستطع فالله أولى بقبول العذر أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه معذور ~~عند الله - تعالى - في هذه الحالة، فلو كان عليه الإيماء بما ذكرتم لما كان ~~معذورا، ولأن الإيماء ليس بصلاة حقيقة ولهذا لا يجوز التنفل به في حالة ~~الاختيار، ولو كان صلاة لجاز كما لو تنفل قاعدا إلا أنه أقيم مقام الصلاة ~~بالشرع، والشرع ورد بالإيماء بالرأس فلا يقام غيره مقامه، ثم إذا سقطت عنه ~~الصلاة بحكم # PageV01P107 # العجز فإن مات من ذلك المرض لقي الله تعالى ولا شيء عليه؛ لأنه لم يدرك ~~وقت القضاء. # وأما إذا برئ أو صح فإن كان المتروك صلاة يوم وليلة أو أقل فعليه القضاء ~~بالإجماع، وإن كان أكثر من ذلك فقال بعض مشايخنا: يلزمه القضاء أيضا؛ لأن ~~ذلك لا يعجزه عن فهم الخطاب فوجبت عليه الصلاة فيؤاخذ بقضائها، بخلاف ~~الإغماء؛ لأنه يعجزه عن فهم الخطاب فيمنع الوجوب عليه، والصحيح أنه لا ~~يلزمه القضاء؛ لأن الفوائت دخلت في حد التكرار، ms0241 وقد فاتت لا بتضييعه القدرة ~~بقصده، فلو وجب عليه قضاؤها لوقع في الحرج، وبه تبين أن الحال لا يختلف بين ~~العلم أو الجهل؛ لأن معنى الحرج لا يختلف، ولهذا سقطت عن الحائض وإن لم يكن ~~الحيض يعجزها عن فهم الخطاب، وعلى هذا إذا أغمي عليه يوما وليلة أو أقل ثم ~~أفاق قضى ما فاته، وإن كان أكثر من يوم وليلة لا قضاء عليه عندنا استحسانا ~~وقال بشر: الإغماء ليس بمسقط حتى يلزمه القضاء، وإن طالت مدة الإغماء وقال ~~الشافعي: الإغماء يسقط إذا استوعب وقت صلاة كاملا وتذكر هذه المسائل في ~~موضع آخر عند بيان ما يقضى من الصلاة التي فاتت عن وقتها وما لا يقضى منها ~~- إن شاء الله تعالى -. # ولو شرع في الصلاة قاعدا وهو مريض ثم صح وقدر على القيام فإن كان شروعه ~~بركوع وسجود بني في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - استحسانا، وعند محمد يستقبل ~~قياسا، بناء على أن عند محمد القائم لا يقتدي بالقاعد فكذا لا يبني أول ~~صلاته على آخرها في حق نفسه، وعندهما يجوز الاقتداء فيجوز البناء، والمسألة ~~تأتي في موضعها وإن كان شروعه بالإيماء يستقبل عند علمائنا الثلاثة، وعند ~~زفر يبني؛ لأن من أصله أنه يجوز اقتداء الراكع الساجد بالمومئ، فيجوز ~~البناء، وعندنا لا يجوز الاقتداء فلا يجوز البناء على ما يذكر. # (وأما) الصحيح إذا شرع في الصلاة ثم عرض له مرض بنى على صلاته على حسب ~~إمكانه قاعدا أو مستلقيا في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي حنيفة أنه إذا صار إلى الإيماء يستقبل؛ لأنهما فرضان مختلفان ~~فعلا فلا يجوز أداؤهما بتحريمة واحدة كالظهر مع العصر، والصحيح ظاهر ~~الرواية؛ لأن بناء آخر الصلاة على أول الصلاة بمنزلة بناء صلاة المقتدي على ~~صلاة الإمام، وثمة يجوز اقتداء المومئ بالصحيح لما يذكر فيجوز البناء ههنا؛ ~~ولأنه لو بنى لصار مؤديا بعض الصلاة كاملا وبعضها ناقصا، ولو استقبل لأدى ~~الكل ناقصا، ولا شك أن الأول أولى. # ولو رفع إلى وجه المريض وسادة أو شيء فسجد عليه ms0242 من غير أن يومئ لم يجز؛ ~~لأن الفرض في حقه الإيماء ولم يوجد، ويكره أن يفعل هذا لما روي أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - دخل على مريض يعوده فوجده يصلي كذلك فقال: إن قدرت أن ~~تسجد على الأرض فاسجد وإلا فأوم برأسك. # وروي أن عبد الله بن مسعود دخل على أخيه يعوده فوجده يصلي ويرفع إليه عود ~~فيسجد عليه، فنزع ذلك من يد من كان في يده وقال: هذا شيء عرض لكم الشيطان، ~~أوم لسجودك. # وروي أن ابن عمر رأى ذلك من مريض فقال: أتتخذون مع الله آلهة أخرى؟ ، فإن ~~فعل ذلك ينظر: إن كان يخفض رأسه للركوع شيئا ثم للسجود ثم يلزق بجبينه يجوز ~~لوجود الإيماء لا للسجود على ذلك الشيء، فإن كانت الوسادة موضوعة على الأرض ~~وكان يسجد عليها - جازت صلاته لما روي أن أم سلمة كانت تسجد على مرفقة ~~موضوعة بين يديها لرمد بها، ولم يمنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وكذلك الصحيح إذا كان على الراحلة وهو خارج المصر وبه عذر مانع من النزول ~~عن الدابة، من خوف العدو أو السبع، أو كان في طين أو ردغة يصلي الفرض على ~~الدابة قاعدا بالإيماء من غير ركوع وسجود؛ لأن عند اعتراض هذه الأعذار عجز ~~عن تحصيل هذه الأركان من القيام والركوع والسجود، فصار كما لو عجز بسبب ~~المرض، ويومئ إيماء، لما روي في حديث جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يومئ على راحلته ويجعل السجود أخفض من الركوع» ~~لما ذكرنا، ولا تجوز الصلاة على الدابة بجماعة سواء تقدمهم الإمام أو ~~توسطهم في ظاهر الرواية. # وروي عن محمد أنه قال: أستحسن أن يجوز اقتداؤهم بالإمام إذا كانت دوابهم ~~بالقرب من دابة الإمام على وجه لا يكون بينهم وبين الإمام فرجة إلا بقدر ~~الصف بالقياس على الصلاة على الأرض، والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأن اتحاد ~~المكان من شرائط صحة الاقتداء ليثبت اتحاد الصلاتين تقديرا بواسطة اتحاد ~~المكان، وهذا ممكن على الأرض؛ لأن ms0243 المسجد جعل كمكان واحد شرعا، وكذا في ~~الصحراء تجعل الفرج التي بين # PageV01P108 # الصفوف مكان الصلاة؛ لأنها تشغل بالركوع والسجود أيضا فصار المكان متحدا، ~~ولا يمكن على الدابة لأنهم يصلون عليها بالإيماء من غير ركوع وسجود، فلم ~~تكن الفرج التي بين الصفوف والدواب مكان الصلاة فلا يثبت اتحاد المكان ~~تقديرا، ففات شرط صحة الاقتداء فلم يصح، ولكن تجوز صلاة الإمام لأنه منفرد ~~حتى لو كانا على دابة واحدة في محمل واحد أو في شقي محمل واحد، كل واحد ~~منهما في شق على حدة، فاقتدى أحدهما بالآخر جاز لاتحاد المكان وتجوز الصلاة ~~على أي دابة كانت، سواء كانت مأكولة اللحم أو غير مأكولة اللحم، لما روي أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على حماره وبعيره. # ولو كان على سرجه قذر جازت صلاته، كذا ذكر في الأصل، وعن أبي حفص البخاري ~~ومحمد بن مقاتل الرازي أنه إذا كانت النجاسة في موضع الجلوس أو في موضع ~~الركابين أكثر من قدر الدرهم لا تجوز اعتبارا بالصلاة على الأرض وأولا ~~العذر المذكور في الأصل بالعرف، وعند عامة مشايخنا تجوز - كما ذكرنا في ~~الأصل - لتعليل محمد، وهو قوله: والدابة أشد من ذلك، وهو يحتمل معنيين: ~~أحدهما أن ما في بطنها من النجاسات أكثر من هذا، ثم إذا لم يمنع الجواز ~~فهذا أولى والثاني - أنه لما سقط اعتبار الأركان الأصلية بالصلاة عليها من ~~القيام والركوع والسجود - مع أن الأركان أقوى من الشرائط - فلأن يسقط شرط ~~طهارة المكان أولى؛ ولأن طهارة المكان إنما تشترط لأداء الأركان عليه وهو ~~لا يؤدي على موضع سرجه وركابيه ههنا ركنا ليشترط طهارتها؛ إنما الذي يوجد ~~منه الإيماء، وهو إشارة في الهواء فلا يشترط له طهارة موضع السرج ~~والركابين، وتجوز الصلاة على الدابة لخوف العدو كيفما كانت الدابة واقفة أو ~~سائرة؛ لأنه يحتاج إلى السير، فأما لعذر الطين والردغة فلا يجوز إذا كانت ~~الدابة سائرة؛ لأن السير مناف للصلاة في الأصل فلا يسقط اعتباره إلا ~~لضرورة، ولم توجد ولو استطاع النزول ولم ms0244 يقدر على القعود للطين والردغة ~~ينزل ويومئ قائما على الأرض، وإن قدر على القعود ولم يقدر على السجود ينزل ~~ويصلي قاعدا بالإيماء؛ لأن السقوط بقدر الضرورة والله الموفق. # وعلى هذا يخرج الصلاة في السفينة إذا صلى فيها قاعدا بركوع وسجود أن يجوز ~~إذا كان عاجزا عن القيام والسفينة جارية، ولو قام يدور رأسه، وجملة الكلام ~~في الصلاة في السفينة أن السفينة لا تخلو أما إن كانت واقفة أو سائرة، فإن ~~كانت واقفة في الماء أو كانت مستقرة على الأرض جازت الصلاة فيها وإن أمكنه ~~الخروج منها؛ لأنها إذا استقرت كان حكمها حكم الأرض، ولا تجوز إلا قائما ~~بركوع وسجود متوجها إلى القبلة؛ لأنه قادر على تحصيل الأركان والشرائط. # وإن كانت مربوطة غير مستقرة على الأرض فإن أمكنه الخروج منها لا تجوز ~~الصلاة فيها قاعدا؛ لأنها إذا لم تكن مستقرة على الأرض فهي بمنزلة الدابة، ~~ولا يجوز أداء الفرض على الدابة مع إمكان النزول كذا هذا وإن كانت سائرة ~~فإن أمكنه الخروج إلى الشط يستحب له الخروج إليه؛ لأنه يخاف دوران الرأس في ~~السفينة فيحتاج إلى القعود، وهو آمن عن الدوران في الشط، فإن لم يخرج وصلى ~~فيها قائما بركوع وسجود أجزأه لما روي عن ابن سيرين أنه قال: صلى بنا أنس - ~~رضي الله عنه - في السفينة قعودا، ولو شئنا لخرجنا إلى الحد؛ ولأن السفينة ~~بمنزلة الأرض؛ لأن سيرها غير مضاف إليه فلا يكون منافيا للصلاة، بخلاف ~~الدابة فإن سيرها مضاف إليه، وإذا دارت السفينة وهو يصلي يتوجه إلى القبلة ~~حيث دارت؛ لأنه قادر على تحصيل هذا الشرط من غير تعذر، فيجب عليه تحصيله، ~~بخلاف الدابة فإن هناك لا إمكان وأما إذا صلى فيها قاعدا بركوع وسجود فإن ~~كان عاجزا عن القيام - بأن كان يعلم أنه يدور رأسه لو قام - وعن الخروج إلى ~~الشط - أيضا - يجزئه بالاتفاق؛ لأن أركان الصلاة تسقط بعذر العجز، وإن كان ~~قادرا على القعود بركوع وسجود فصلى بالإيماء لا يجزئه بالاتفاق؛ لأنه لا ~~عذر وأما إذا كان ms0245 قادرا على القيام أو على الخروج إلى الشط فصلى قاعدا ~~بركوع وسجود أجزأه في قول أبي حنيفة - وقد أساء -، وعند أبي يوسف ومحمد لا ~~يجزئه. # (واحتجا) بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإن لم تستطع فقاعدا» ، ~~وهذا مستطيع للقيام، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعث جعفر بن ~~أبي طالب - رضي الله عنه - إلى الحبشة أمره أن يصلي في السفينة قائما إلا ~~أن يخاف الغرق، ولأن القيام ركن في الصلاة فلا يسقط إلا بعذر ولم يوجد. # (ولأبي) حنيفة ما روينا من حديث أنس - رضي الله عنه - وذكر الحسن بن زياد ~~في كتابه بإسناده عن سويد بن غفلة أنه قال: سألت أبا بكر وعمر - رضي الله ~~عنهما - عن الصلاة في # PageV01P109 # السفينة فقالا: إن كانت جارية يصلي قاعدا، وإن كانت راسية يصلي قائما من ~~غير فصل بين ما إذا قدر على القيام أو لا؛ ولأن سير السفينة سبب لدوران ~~الرأس غالبا، والسبب يقوم مقام المسبب إذا كان في الوقوف على المسبب حرج، ~~أو كان المسبب بحال يكون عدمه مع وجود السبب في غاية الندرة، فألحقوا ~~النادر بالعدم، ولهذا أقام أبو حنيفة المباشرة الفاحشة مقام خروج المذي، ~~لما أن عدم الخروج عند ذلك نادر ولا عبرة بالنادر، وههنا عدم دوران الرأس ~~في غاية الندرة فسقط اعتباره وصار كالراكب على الدابة وهي تسير أنه يسقط ~~القيام لتعذر القيام عليها غالبا، كذا هذا، والحديث محمول على الندب دون ~~الوجوب، فإن صلوا في السفينة بجماعة جازت صلاتهم، ولو اقتدى به رجل في ~~سفينة أخرى فإن كانت السفينتان مقرونتين - جاز لأنهما بالاقتران صارتا كشيء ~~واحد، ولو كانا في سفينة واحدة جاز كذا هذا، وإن كانتا منفصلتين لم يجز لأن ~~تخلل ما بينهما بمنزلة النهر وذلك يمنع صحة الاقتداء، وإن كان الإمام في ~~سفينة والمقتدون على الحد والسفينة واقفة فإن كان بينه وبينهم طريق أو ~~مقدار نهر عظيم - لم يصح اقتداؤهم به لأن الطريق ومثل هذا النهر يمنعان صحة ~~الاقتداء لما بينا في موضعه، ومن وقف ms0246 على سطح السفينة يقتدي بالإمام في ~~السفينة صح اقتداؤه إلا أن يكون أمام الإمام؛ لأن السفينة كالبيت، واقتداء ~~الواقف على السطح بمن هو في البيت صحيح إذا لم يكن أمام الإمام، ولا يخفى ~~عليه حاله كذا ههنا. # (ومنها) - القراءة عند عامة العلماء لوجود حد الركن وعلامته وهما ما ~~بينا، وقال الله - تعالى -: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] ، ~~والمراد منه في حال الصلاة، والكلام في القراءة في الأصل يقع في ثلاث ~~مواضع: أحدها - في بيان فرضية أصل القراءة والثاني - في بيان محل القراءة ~~المفروضة والثالث - في بيان قدر القراءة. # (وأما) الأول فالقراءة فرض في الصلاة عند عامة العلماء، وعند أبي بكر ~~الأصم وسفيان بن عيينة ليست بفرض بناء على أن الصلاة عندهما اسم للأفعال لا ~~للأذكار، حتى قالا: يصح الشروع في الصلاة من غير تكبير، (وجه) قولهما أن ~~قوله تعالى: {أقيموا الصلاة} [الأنعام: 72] مجمل بينه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بفعله، ثم قال «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، والمرئي هو الأفعال ~~دون الأقوال؛ فكانت الصلاة اسما للأفعال، ولهذا تسقط عن العاجز عن الأفعال ~~وإن كان قادرا على الأذكار، ولو كان على القلب لا يسقط وهو الأخرس. # (ولنا) قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] ، ومطلق ~~الأمر للوجوب، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة إلا بقراءة» . # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» فالرؤية ~~أضيفت إلى ذاته لا إلى الصلاة، فلا يقتضي كون الصلاة مرئية، وفي كون ~~الأعراض مرئية اختلاف بين أهل الكلام مع اتفاقهم على أنها جائزة الرؤية. # والمذهب عند أهل الحق أن كل موجود جائز الرؤية، يعرف ذلك في مسائل ~~الكلام، على أنا نجمع بين الدلائل فنثبت فرضية الأقوال بما ذكرنا، وفرضية ~~الأفعال بهذا الحديث، وسقوط الصلاة عن العاجز عن الأفعال لكون الأفعال أكثر ~~من الأقوال، فمن عجز عنها فقد عجز عن الأكثر، وللأكثر حكم الكل، وكذا ~~القراءة فرض في الصلوات كلها عند عامة العلماء وعامة الصحابة. # - رضي الله عنهم - وعن ابن عباس - رضي ms0247 الله عنه - أنه قال: لا قراءة في ~~الظهر والعصر لظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة النهار عجماء أي ~~ليس فيها قراءة، إذ الأعجم اسم لمن لا ينطق. # (ولنا) ما تلونا من الكتاب وروينا من السنة، وفي الباب نص خاص وهو ما روي ~~عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - وأبي قتادة الأنصاريين أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الظهر والعصر في الركعتين ~~الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب لا غير وما روي ~~عن ابن عباس - رضي الله عنه - فقد صح رجوعه عنه، فإنه روي أن رجلا سأله ~~وقال: أقرأ خلف إمامي؟ فقال: أما في صلاة الظهر والعصر فنعم وأما الحديث ~~فقد قال الحسن البصري: معناه لا تسمع فيها قراءة ونحن نقول به، وهذا إذا ~~كان إماما أو منفردا، فأما المقتدي فلا قراءة عليه عندنا، وعند الشافعي ~~يقرأ بفاتحة الكتاب في كل صلاة يخافت فيها بالقراءة قولا واحدا، وله في ~~الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة قولان، (واحتج) بما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صلاة إلا بقراءة» ، ولا شك أن لكل واحد صلاة ~~على حدة؛ ولأن القراءة ركن في الصلاة فلا تسقط بالاقتداء كسائر الأركان # PageV01P110 # ولنا) قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} ~~[الأعراف: 204] أمر بالاستماع والإنصات، والاستماع وإن لم يكن ممكنا عند ~~المخافتة بالقراءة فالإنصات ممكن فيجب بظاهر النص، وعن أبي بن كعب - رضي ~~الله عنه - أنه لما نزلت هذه الآية تركوا القراءة خلف الإمام، وإمامهم كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالظاهر أنه كان بأمره وقال - صلى الله ~~عليه وسلم - في حديث مشهور: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، ~~فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» الحديث أمر بالسكوت عند قراءة الإمام. # وأما الحديث فعندنا «لا صلاة بدون قراءة» أصلا، وصلاة المقتدي ليست بصلاة ~~بدون قراءة أصلا، بل هي صلاة بقراءة وهي قراءة الإمام على أن قراءة الإمام ~~قراءة للمقتدي، ms0248 قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «من كان له إمام فقراءة ~~الإمام له قراءة» ، ثم المفروض هو أصل القراءة عندنا من غير تعيين، فأما ~~قراءة الفاتحة والسورة عينا في الأوليين فليست بفريضة ولكنها واجبة على ما ~~يذكر في بيان واجبات الصلاة (وأما) بيان محل القراءة المفروضة فمحلها ~~الركعتان الأوليان عينا في الصلاة الرباعية هو الصحيح من مذهب أصحابنا. # وقال بعضهم: ركعتان منها غير عين وإليه ذهب القدوري وأشار في الأصل إلى ~~القول الأول، فإنه قال: إذا ترك القراءة في الأوليين يقضيها في الأخريين، ~~فقد جعل القراءة في الأخريين قضاء عن الأوليين فدل أن محلها الأوليان عينا. # وقال الحسن البصري: المفروض هو القراءة في ركعة واحدة، وقال مالك: في ~~ثلاث ركعات. # وقال الشافعي: في كل ركعة احتج الحسن بقوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من ~~القرآن} [المزمل: 20] والأمر بالفعل لا يقتضي التكرار # فإذا قرأ في ركعة واحدة فقد امتثل أمر الشرع. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة إلا بقراءة» ، أثبت الصلاة ~~بقراءة وقد وجدت القراءة في ركعة فثبتت الصلاة ضرورة، وبهذا يحتج الشافعي ~~إلا أنه يقول: اسم الصلاة ينطلق على كل ركعة فلا تجوز كل ركعة إلا بقراءة ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا صلاة إلا بقراءة» ؛ ولأن القراءة في كل ~~ركعة فرض في النفل ففي الفرض أولى؛ لأنه أقوى؛ ولأن القراءة ركن من أركان ~~الصلاة، ثم سائر الأركان من القيام والركوع والسجود فرض في كل ركعة فكذا ~~القراءة، وبهذا يحتج مالك إلا أنه يقول: القراءة في الأكثر أقيمت مقام ~~القراءة في الكل تيسيرا. # (ولنا) إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، فإن عمر - رضي الله عنه - ترك ~~القراءة في المغرب في إحدى الأوليين فقضاها في الركعة الأخيرة وجهر وعثمان ~~- رضي الله عنه - ترك القراءة في الأوليين من صلاة العشاء فقضاها في ~~الأخريين وجهر، وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهما - كانا يقولان: المصلي ~~بالخيار في الأخريين، إن شاء قرأ وإن شاء سكت وإن شاء سبح، وسأل رجل عائشة ~~- رضي الله عنها - عن ms0249 قراءة الفاتحة في الأخريين فقالت: ليكن على وجه ~~الثناء ولم يرو عن غيرهم خلاف ذلك، فيكون ذلك إجماعا؛ ولأن القراءة في ~~الأخريين ذكر يخافت بها على كل حال فلا تكون فرضا، كثناء الافتتاح، وهذا ~~لأن مبنى الأركان على الشهرة والظهور، ولو كانت القراءة في الأخريين فرضا ~~لما خالفت الأخريان الأوليين في الصفة كسائر الأركان وأما الآية فنحن ما ~~عرفنا فرضية القراءة في الركعة الثانية بهذه الآية بإجماع الصحابة - رضي ~~الله عنهم - على ما ذكرناه، والثاني أنا ما عرفنا فرضيتها بنص الأمر بل ~~بدلالة النص؛ لأن الركعة الثانية تكرار للأولى، والتكرار في الأفعال إعادة ~~مثل الأول، فيقتضي إعادة القراءة، بخلاف الشفع الثاني؛ لأنه ليس بتكرار ~~الشفع الأول بل هو زيادة عليه، قالت عائشة - رضي الله عنها -: الصلاة في ~~الأصل ركعتان، زيدت في الحضر وأقرت في السفر، والزيادة على الشيء لا يقتضي ~~أن يكون مثله، ولهذا اختلف الشفعان في وصف القراءة من حيث الجهر والإخفاء، ~~وفي قدرها وهو قراءة السورة، فلم يصح الاستدلال، على أن في الكتاب والسنة ~~بيان فرضية القراءة وليس فيهما بيان قدر القراءة المفروضة. # وقد خرج فعل الصحابة - رضي الله عنهم - على مقدار فيجعل بيانا لمجمل ~~الكتاب والسنة بخلاف التطوع؛ لأن كل شفع من التطوع صلاة على حدة، حتى أن ~~فساد الشفع الثاني لا يوجب فساد الشفع الأول بخلاف الفرض - والله أعلم - ~~وأما في الأخريين فالأفضل أن يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب، ولو سبح في كل ركعة ~~ثلاث تسبيحات مكان فاتحة الكتاب أو سكت - أجزأته صلاته، ولا يكون مسيئا إن ~~كان عامدا، ولا سهو عليه إن كان ساهيا، كذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه ~~مخير بين # PageV01P111 # قراءة الفاتحة والتسبيح والسكوت، وهذا جواب ظاهر الرواية، وهو قول أبي ~~يوسف ومحمد الحسن عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول أنه إن ترك الفاتحة ~~عامدا كان مسيئا، وإن كان ساهيا فعليه سجدتا السهو، والصحيح جواب ظاهر ~~الرواية لما روينا عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهما - أنهما كانا ~~يقولان: إن المصلي ms0250 بالخيار في الأخريين، إن شاء قرأ وإن شاء سكت وإن شاء ~~سبح وهذا باب لا يدرك بالقياس فالمروي عنهما كالمروي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # (وأما) بيان قدر القراءة فالكلام فيه يقع في ثلاثة مواضع: أحدها - في ~~بيان القدر المفروض الذي يتعلق به أصل الجواز والثاني - في بيان القدر الذي ~~يخرج به عن حد الكراهة والثالث - في بيان القدر المستحب (أما) الكلام فيما ~~يستحب من القراءة وفيما يكره فنذكره في موضعه، وههنا نذكر القدر الذي يتعلق ~~به أصل الجواز، وعن أبي حنيفة فيه ثلاث روايات: في ظاهر الرواية قدر أدنى ~~المفروض بالآية التامة، طويلة كانت أو قصيرة، كقوله تعالى: {مدهامتان} ~~[الرحمن: 64] . # وقوله {ثم نظر} [المدثر: 21] ، وقوله {ثم عبس وبسر} [المدثر: 22] رواية ~~الفرض غير مقدر بل هو على أدنى ما يتناوله الاسم، سواء كانت آية أو ما ~~دونها بعد أن قرأها على قصد القراءة. # وفي رواية قدر الفرض بآية طويلة كآية الكرسي، وآية الدين، أو ثلاث آيات ~~قصار، وبه أخذ أبو يوسف ومحمد، وأصله قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من ~~القرآن} [المزمل: 20] فهما يعتبران العرف، ويقولان: مطلق الكلام ينصرف إلى ~~المتعارف، وأدنى ما يسمى المرء به قارئا في العرف أن يقرأ آية طويلة أو ~~ثلاث آيات قصار وأبو حنيفة يحتج بالآية من وجهين: أحدهما - أنه أمر بمطلق ~~القراءة، وقراءة آية قصيرة قراءة والثاني - أنه أمر بقراءة ما تيسر من ~~القرآن وعسى لا يتيسر إلا هذا القدر. # وما قاله أبو حنيفة أقيس؛ لأن القراءة مأخوذة من القرآن أي الجمع، سمي ~~بذلك لأنه يجمع السور فيضم بعضها إلى بعض، ويقال قرأت الشيء قرآنا أي ~~جمعته، فكل شيء جمعته فقد قرأته. # وقد حصل معنى الجمع بهذا القدر لاجتماع حروف الكلمة عند التكلم، وكذا ~~العرف ثابت، فإن الآية التامة أدنى ما ينطلق عليه اسم القرآن في العرف. # فأما ما دون الآية فقد يقرأ لا على سبيل القرآن فيقال: بسم الله، أو ~~الحمد لله، أو سبحان الله، فلذلك قدرنا بالآية التامة على أنه لا عبرة ms0251 ~~لتسميته قارئا في العرف؛ لأن هذا أمر بينه وبين الله - تعالى - فلا يعتبر ~~فيه عرف الناس وقد قرر القدوري الرواية الأخرى وهي أن المفروض غير مقدر. # وقال: المفروض مطلق القراءة من غير تقدير، ولهذا يحرم ما دون الآية على ~~الجنب والحائض، إلا أنه قد يقرأ لا على قصد القرآن وذا لا يمنع الجواز، فإن ~~الآية التامة قد تقرأ لا على قصد القرآن في الجملة، ألا ترى أن التسمية قد ~~تذكر لافتتاح الأعمال لا لقصد القرآن، وهي آية تامة؟ وكلامنا فيما إذا قرأ ~~على قصد القرآن فيجب أن يتعلق به الجواز ولا يعتبر فيه العرف لما بينا، ثم ~~الجواز كما يثبت بالقراءة بالعربية يثبت بالقراءة بالفارسية عند أبي حنيفة ~~سواء كان يحسن العربية أو لا يحسن، وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان يحسن لا ~~يجوز، وإن كان لا يحسن يجوز، وقال الشافعي: لا يجوز أحسن أو لم يحسن، وإذا ~~لم يحسن العربية يسبح ويهلل عنده ولا يقرأ بالفارسية، وأصله قوله قوله ~~تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] ، أمر بقراءة القرآن في ~~الصلاة، فهم قالوا: إن القرآن هو المنزل بلغة العرب، قال الله تعالى: {إنا ~~أنزلناه قرآنا عربيا} [يوسف: 2] ، فلا يكون الفارسي قرآنا فلا يخرج به عن ~~عهدة الأمر، ولأن القرآن معجز، والإعجاز من حيث اللفظ يزول بزوال النظم ~~العربي فلا يكون الفارسي قرآنا لانعدام الإعجاز، ولهذا لم تحرم قراءته على ~~الجنب والحائض، إلا أنه إذا لم يحسن العربية فقد عجز عن مراعاة لفظه فيجب ~~عليه مراعاة معناه ليكون التكليف بحسب الإمكان، وعند الشافعي هذا ليس بقرآن ~~فلا يؤمر بقراءته، وأبو حنيفة يقول: إن الواجب في الصلاة قراءة القرآن من ~~حيث هو لفظ دال على كلام الله - تعالى - الذي هو صفة قائمة به لما يتضمن من ~~العبر والمواعظ والترغيب والترهيب والثناء والتعظيم، لا من حيث هو لفظ ~~عربي، ومعنى الدلالة عليه لا يختلف بين لفظ ولفظ، قال الله تعالى: {وإنه ~~لفي زبر الأولين} [الشعراء: 196] . # وقال: {إن هذا لفي الصحف الأولى} [الأعلى: ms0252 18] {صحف إبراهيم وموسى} ~~[الأعلى: 19] ، ومعلوم أنه ما كان في كتبهم بهذا اللفظ بل بهذا المعنى. # (وأما) قولهم: إن القرآن هو المنزل بلغة العرب - (فالجواب) عنه من وجهين: ~~أحدهما: أن كون العربية قرآنا لا ينفي # PageV01P112 # أن يكون غيرها قرآنا، وليس في الآية نفيه، وهذا لأن العربية سميت قرآنا ~~لكونها دليلا على ما هو القرآن، وهي الصفة التي هي حقيقة الكلام، ولهذا ~~قلنا: إن القرآن غير مخلوق على إرادة تلك الصفة دون العبارات العربية، ~~ومعنى الدلالة يوجد في الفارسية فجاز تسميتها قرآنا، دل عليه قوله - تعالى ~~-: {ولو جعلناه قرآنا أعجميا} [فصلت: 44] أخبر أنه لو عبر عنه بلسان العجم ~~كان قرآنا والثاني: إن كان لا يسمى غير العربية قرآنا لكن قراءة العربية ما ~~وجبت لأنها تسمى قرآنا بل لكونها دليلا على ما هو القرآن الذي هو صفة قائمة ~~بالله، بدليل أنه لو قرأ عربية لا يتأدى بها كلام الله تفسد صلاته، فضلا من ~~أن تكون قرآنا واجبا، ومعنى الدلالة لا يختلف فلا يختلف الحكم المتعلق به، ~~والدليل على أن عندهما تفترض القراءة بالفارسية على غير القادر على ~~العربية، وعذرهما غير مستقيم؛ لأن الوجوب متعلق بالقرآن وإنه قرآن عندهما ~~باعتبار اللفظ دون المعنى، فإذا زال اللفظ لم يكن المعنى قرآنا فلا معنى ~~للإيجاب، ومع ذلك وجب، فدل أن الصحيح ما ذهب إليه أبو حنيفة؛ ولأن غير ~~العربية إذا لم يكن قرآنا لم يكن من كلام الله - تعالى - فصار من كلام ~~الناس وهو يفسد الصلاة، والقول بتعلق الوجوب بما هو مفسد غير سديد. # (وأما) قولهم: إن الإعجاز من حيث اللفظ لا يحصل بالفارسية - فنعم لكن ~~قراءة ما هو معجز النظم عنده ليس بشرط؛ لأن التكليف ورد بمطلق القراءة لا ~~بقراءة ما هو معجز، ولهذا جوز قراءة آية قصيرة وإن لم تكن هي معجزة ما لم ~~تبلغ ثلاث آيات، وفصل الجنب والحائض ممنوع. # ولو قرأ شيئا من التوراة أو الإنجيل أو الزبور في الصلاة إن تيقن أنه غير ~~محرف يجوز عند أبي حنيفة لما قلنا، وإن ms0253 لم يتيقن لا يجوز؛ لأن الله - تعالى ~~- أخبر عن تحريفهم بقوله: {يحرفون الكلم عن مواضعه} [النساء: 46] ، فيحتمل ~~أن المقروء محرف فيكون من كلام الناس، فلا يحكم بالجواز بالشك والاحتمال، ~~وعلى هذا الخلاف إذا تشهد أو خطب يوم الجمعة بالفارسية. # ولو أمن بالفارسية، أو سمى عند الذبح بالفارسية، أو لبى عند الإحرام ~~بالفارسية، أو بأي لسان كان يجوز بالإجماع ولو أذن بالفارسية قيل: إنه على ~~هذا الخلاف، وقيل: لا يجوز بالاتفاق؛ لأنه لا يقع به الإعلام، حتى لو وقع ~~به الإعلام يجوز والله أعلم. # (ومنها) القعدة الأخيرة مقدار التشهد عند عامة العلماء وقال مالك: إنها ~~سنة. # (وجه) قوله أن اسم الصلاة لا يتوقف عليها، ألا ترى أن من حلف لا يصلي ~~فقام وقرأ وركع وسجد يحنث وإن لم يقعد؟ . # (ولنا) ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للأعرابي ~~الذي علمه الصلاة: «إذا رفعت رأسك من آخر السجدة وقعدت قدر التشهد فقد تمت ~~صلاتك» ، علق تمام الصلاة بالقعدة الأخيرة وأراد به تمام الفرائض إذ لم يتم ~~أصل العبادة بعد فدل أنه لا تمام قبلها إذ المعلق بالشرط عدم قبل وجود ~~الشرط. # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام إلى الخامسة فسبح به فرجع، ولو ~~لم يكن فرضا لما رجع كما في القعدة الأولى، ولأن حد الركن موجود فيها وهو ~~ما ذكرنا، وإنما لم يتوقف عليها اسم الصلاة لأنها ليست من الأركان الأصلية ~~التي تتركب منها الصلاة على ما ذكرنا في الكتاب، لا لأنها ليست من فرائض ~~الصلاة، ثم القدر المفروض من القعدة الأخيرة هو قدر التشهد، حتى لو انصرف ~~قبل أن يجلس هذا القدر فسدت صلاته، لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ~~رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا رفع ~~الإمام رأسه من السجدة الأخيرة وقعد قدر التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته» ، ~~علق تمام الصلاة بالقعدة قدر التشهد فدل أنه مقدر به والله أعلم. # (ومنها) الانتقال من ركن ms0254 إلى ركن؛ لأنه وسيلة إلى الركن فكان في معنى ~~الركن فهذه الستة أركان الصلاة، إلا أن الأربعة الأول من الأركان الأصلية ~~دون الباقيتين. # وقال بعضهم: القعدة من الأركان الأصلية أيضا، وإليه مال عصام بن يوسف، ~~ووجهه أنها فرض تنعدم الصلاة بانعدامها كسائر الأركان، والصحيح أنها ليست ~~بركن أصلي؛ لأن اسم الصلاة ينطلق على المتركب من الأركان الأربعة بدون ~~القعود، ولهذا يتوجه النهي عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها ووقت ~~الزوال، ولهذا لو حلف لا يصلي فقيد الركعة بالسجدة يحنث وإن لم توجد ~~القعدة، ولو أتى بما دون الركعة لا يحنث، ولأن القعدة بنفسها غير صالحة ~~للخدمة؛ لأنها من باب الاستراحة بخلاف سائر الأركان فتمكن الخلل في كونها ~~ركنا أصليا، فلم تكن هي من الأركان الأصلية للصلاة وإن كانت من فروضها حتى ~~لا تجوز الصلاة # PageV01P113 # بدونها، ويشترط لها ما يشترط لسائر الأركان فأما التحريمة فليست بركن عند ~~المحققين من أصحابنا بل هي شرط، وعند الشافعي ركن، وهو قول بعض مشايخنا ~~وإليه مال عصام بن يوسف، وعلى هذا الخلاف الإحرام في باب الحج أنه شرط ~~عندنا، وعنده ركن، وثمرة الخلاف أن عندنا يجوز بناء النفل على الفرض بأن ~~يحرم للفرض ويفرغ منه ويشرع في النفل قبل التسليم من غير تحريمة جديدة، ~~وعنده لا يجوز ووجه البناء على هذا الأصل أن التحريمة لما كانت شرطا جاز أن ~~يتأدى النفل بتحريمة الفرض كما يتأدى بطهارة وقعت للفرض وعنده لما كانت ~~ركنا وقد انقضى الفرض بأركانه فتنقضي التحريمة أيضا. # (وجه) قول الشافعي أن حد الركن موجود فيها وهو ما ذكرنا، وكذا وجدت علامة ~~الأركان فيها؛ لأنها لا تدوم بل تنقضي، والدليل عليه أنه يشترط لصحتها ما ~~يشترط لسائر الأركان بخلاف الشروط. # (ولنا) قوله تعالى: {وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 15] عطف الصلاة على ~~الذكر الذي هو التحريمة بحرف التعقيب، والاستدلال بالآية من وجهين: أحدهما ~~- أن مقتضى العطف بحرف التعقيب أن توجد الصلاة عقيب ذكر اسم الله - تعالى ~~-، ولو كانت التحريمة ركنا لكانت الصلاة موجودة عند ms0255 الذكر لاستحالة انعدام ~~الشيء في حال وجود ركنه، وهذا خلاف النص والثاني - أن العطف يقتضي المغايرة ~~بين المعطوف والمعطوف عليه، ولو كانت التحريمة ركنا لا يتحقق المغايرة؛ ~~لأنها تكون بعض الصلاة، وبعض الشيء ليس غيره إن لم يكن عينه، وكذا الموجود ~~فيها حد الشرط لا حد الركن، فإنه يعتبر الصلاة بها، ولا ينطلق اسم الصلاة ~~عليها مع سائر الشرائط فكانت شرطا، وكذا علامة الشروط فيها موجودة، فإنها ~~باقية ببقاء حكمها وهو وجوب الانزجار عن محظورات الصلاة، على أن العلامة ~~إذا خالفت الحد لا يبطل به الحد، بل يظهر أن العلامة كاذبة وأما قوله يشترط ~~لها ما يشترط لسائر الأركان فممنوع أنه يشترط ذلك لها بل، للقيام المتصل ~~بها، والقيام ركن، حتى أن الإحرام بالحج لما لم يكن متصلا بالركن جوزنا ~~تقديمه على الوقت. ### | [فصل شرائط أركان الصلاة] # (فصل) : # وأما شرائط الأركان فجملة الكلام في الشرائط أنها نوعان: نوع يعم المنفرد ~~والمقتدي جميعا، وهو شرائط أركان الصلاة ونوع يخص المقتدي، وهو شرائط جواز ~~الاقتداء بالإمام في صلاته. # (أما) شرائط أركان الصلاة: (فمنها) الطهارة بنوعيها من الحقيقية ~~والحكمية، والطهارة الحقيقية هي طهارة الثوب والبدن ومكان الصلاة عن ~~النجاسة الحقيقية، والطهارة الحكمية هي طهارة أعضاء الوضوء عن الحدث، ~~وطهارة جميع الأعضاء الظاهرة عن الجنابة. # (أما) طهارة الثوب وطهارة البدن عن النجاسة الحقيقية فلقوله تعالى: ~~{وثيابك فطهر} [المدثر: 4] ، وإذا وجب تطهير الثوب فتطهير البدن أولى. # (وأما) الطهارة عن الحدث والجنابة فلقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] إلى قوله: {ليطهركم} ~~[الأنفال: 11] . # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة إلا بطهور» ، وقوله - عليه ~~الصلاة والسلام -: «لا صلاة إلا بطهارة» وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«مفتاح الصلاة الطهور» . # وقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] ، وقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «تحت كل شعرة جنابة ألا فبلوا الشعر وأنقوا البشرة» ، ~~والإنقاء هو التطهير، فدلت النصوص على أن الطهارة الحقيقية عن الثوب ~~والبدن، والحكمية شرط جواز الصلاة، والمعقول كذا يقتضي من ms0256 وجوه: أحدها - أن ~~الصلاة خدمة الرب وتعظيمه - جل جلاله - وعم نواله -، وخدمة الرب وتعظيمه ~~بكل الممكن فرض، ومعلوم أن القيام بين يدي الله - تعالى - ببدن طاهر وثوب ~~طاهر على مكان طاهر يكون أبلغ في التعظيم وأكمل في الخدمة من القيام ببدن ~~نجس وثوب نجس وعلى مكان نجس، كما في خدمة المملوك في الشاهد، وكذلك الحدث ~~والجنابة، وإن لم تكن نجاسة مرئية فهي نجاسة معنوية توجب استقذار ما حل به ~~ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أراد أن يصافح حذيفة بن ~~اليمان - رضي الله عنه - امتنع وقال: إني جنب يا رسول الله، فكان قيامه ~~مخلا بالتعظيم؟ على أنه إن لم يكن على أعضاء الوضوء نجاسة رأسا فإنها لا ~~تخلو عن الدرن والوسخ؛ لأنها أعضاء بادية عادة فيتصل بها الدرن والوسخ، ~~فيجب غسلها تطهيرا لها من الوسخ، والدرن فتتحقق الزينة والنظافة، فيكون ~~أقرب إلى التعظيم وأكمل في الخدمة، فمن أراد أن يقوم بين يدي الملوك للخدمة ~~في الشاهد أنه يتكلف للتنظيف والتزيين، ويلبس أحسن ثيابه تعظيما للملك. # ولهذا كان الأفضل للرجل أن يصلي في أحسن ثيابه وأنظفها التي أعدها لزيارة ~~العظماء، # PageV01P114 # ولمحافل الناس، وكانت الصلاة متعمما أفضل من الصلاة مكشوف الرأس، لما أن ~~ذلك أبلغ في الاحترام والثاني - أنه أمر بغسل هذه الأعضاء الظاهرة من الحدث ~~والجنابة تذكيرا لتطهير الباطن من الغش والحسد والكبر وسوء الظن بالمسلمين ~~ونحو ذلك من أسباب المآثم، فأمر لا لإزالة الحدث تطهيرا؛ لأن قيام الحدث لا ~~ينافي العبادة والخدمة في الجملة ألا ترى أنه يجوز أداء الصوم والزكاة مع ~~قيام الحدث والجنابة؟ وأقرب من ذلك الإيمان بالله - تعالى - الذي هو رأس ~~العبادات، وهذا لأن الحدث ليس بمعصية ولا سبب مأثم، وما ذكرنا من المعاني ~~التي في باطنه أسباب المآثم، فأمر بغسل هذه الأعضاء الظاهرة دلالة وتنبيها ~~على تطهير الباطن من هذه الأمور، وتطهير النفس عنها واجب بالسمع والعقل ~~والثالث - أنه وجب غسل هذه الأعضاء شكرا لنعمة وراء النعمة التي وجبت لها ~~الصلاة، وهي ms0257 أن هذه الأعضاء وسائل إلى استيفاء نعم عظيمة، بل بها تنال جل ~~نعم الله - تعالى - فاليد بها يتناول ويقبض ما يحتاج إليه، والرجل يمشي بها ~~إلى مقاصده، والوجه والرأس محل الحواس ومجمعها التي بها يعرف عظم نعم الله ~~- تعالى - من العين والأنف والفم والأذن، التي بها البصر والشم والذوق ~~والسمع، التي بها يكون التلذذ والتشهي والوصول إلى جميع النعم، فأمر بغسل ~~هذه الأعضاء شكرا لما يتوسل بها إلى هذه النعم والرابع - أمر بغسل هذه ~~الأعضاء تكفيرا لما ارتكب بهذه الأعضاء من الإجرام، إذ بها يرتكب جل المآثم ~~من أخذ الحرام، والمشي إلى الحرام، والنظر إلى الحرام، وأكل الحرام، وسماع ~~الحرام من اللغو والكذب، فأمر بغسلها تكفيرا لهذه الذنوب. # وقد وردت الأخبار بكون الوضوء تكفيرا للمآثم فكانت مؤيدة لما قلنا. # (وأما) طهارة مكان الصلاة فلقوله تعالى: {أن طهرا بيتي للطائفين ~~والعاكفين والركع السجود} [البقرة: 125] . # وقال في موضع: {والقائمين والركع السجود} [الحج: 26] ، ولما ذكرنا أن ~~الصلاة خدمة الرب - تعالى - وتعظيمه، وخدمة المعبود المستحق للعبادة ~~وتعظيمه بكل الممكن فرض، وأداء الصلاة على مكان طاهر أقرب إلى التعظيم، ~~فكان طهارة مكان الصلاة شرطا، وقد روي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه «نهى عن الصلاة في المزبلة، والمجزرة، ومعاطن الإبل، ~~وقوارع الطريق، والحمام، والمقبرة، وفوق ظهر بيت الله - تعالى -» أما معنى ~~النهي عن الصلاة في المزبلة والمجزرة فلكونهما موضع النجاسة. # وأما معاطن الإبل فقد قيل إن معنى النهي فيها أنها لا تخلو عن النجاسات ~~عادة، لكن هذا يشكل بما روي من الحديث «صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في ~~معاطن الإبل» مع أن المعاطن والمرابض في معنى النجاسة سواء، وقيل: معنى ~~النهي أن الإبل ربما تبول على المصلي فيبتلى بما يفسد صلاته، وهذا لا يتوهم ~~في الغنم وأما قوارع الطرق فقيل إنها لا تخلو عن الأرواث والأبوال عادة، ~~فعلى هذا لا فرق بين الطريق الواسع والضيق، وقيل: معنى النهي فيها أنه ~~يستضر به المارة، وعلى هذا إذا كان الطريق واسعا لا ms0258 يكره، وحكى ابن سماعة ~~أن محمدا كان يصلي على الطريق في البادية وأما الحمام فمعنى النهي فيه أنه ~~مصب الغسالات والنجاسات عادة، فعلى هذا لو صلى في موضع الحمامي لا يكره، ~~وقيل: معنى النهي فيه أن الحمام بيت الشيطان، فعلى هذا تكره الصلاة في كل ~~موضع منه، سواء غسل ذلك الموضع أو لم يغسل وأما المقبرة فقيل: إنما نهي عن ~~ذلك لما فيه من التشبيه باليهود، كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلا تتخذوا قبري ~~بعدي مسجدا» . # وروي أن عمر - رضي الله عنه - رأى رجلا يصلي بالليل إلى قبر فناداه: ~~القبر القبر، فظن الرجل أنه يقول: القمر القمر، فجعل ينظر إلى السماء، فما ~~زال به حتى تنبه فعلى هذا تجوز الصلاة وتكره، وقيل معنى النهي أن المقابر ~~لا تخلو عن النجاسات؛ لأن الجهال يستترون بما شرف من القبور فيبولون ~~ويتغوطون خلفه، فعلى هذا لا تجوز الصلاة لو كان في موضع يفعلون ذلك لانعدام ~~طهارة المكان وأما فوق بيت الله - تعالى - فمعنى النهي عندنا أن الإنسان ~~منهي عن الصعود على سطح الكعبة لما فيه من ترك التعظيم، ولا يمنع جواز ~~الصلاة عليه وعند الشافعي هذا النهي للإفساد، حتى لو صلى على سطح الكعبة ~~وليس بين يديه سترة لا تجوز صلاته عنده وسنذكر الكلام فيما بعد # ولو صلى في بيت فيه تماثيل فهذا على وجهين: أما إن كانت التماثيل مقطوعة ~~الرءوس أو لم تكن مقطوعة الرءوس، فإن كانت مقطوعة الرءوس فلا بأس بالصلاة ~~فيه؛ لأنها بالقطع خرجت من أن تكون تماثيل # PageV01P115 # والتحقت بالنقوش، والدليل عليه ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- «أهدي إليه ترس فيه تمثال طير فأصبحوا وقد محي وجهه» . # وروي أن جبريل - عليه السلام - استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأذن له فقال كيف أدخل وفي البيت قرام فيه تماثيل خيول ورجال؟ فإما أن تقطع ~~رءوسها أو تتخذ وسائد فتوطأ وإن لم تكن مقطوعة الرءوس ms0259 فتكره الصلاة فيه، ~~سواء كانت في جهة القبلة أو في السقف أو عن يمين القبلة أو عن يسارها، فأشد ~~ذلك كراهة أن تكون في جهة القبلة؛ لأنه تشبه بعبدة الأوثان، ولو كانت في ~~مؤخر القبلة، أو تحت القدم لا يكره لعدم التشبه في الصلاة بعبدة الأوثان، ~~وكذا يكره الدخول إلى بيت فيه صور على سقفه أو حيطانه أو على الستور والأزر ~~والوسائد العظام؛ لأن جبريل - عليه السلام - قال: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ~~أو صورة، ولا خير في بيت لا تدخله الملائكة، وكذا نفس التعليق لتلك الستور ~~والأزر على الجدار، ووضع الوسائد العظام عليه مكروه لما في هذا الصنيع من ~~التشبيه بعباد الصور لما فيه من تعظيمها. # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «دخل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في بيتي وأنا مستترة بستر فيه تماثيل، فتغير لون وجه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - حتى عرفت الكراهة في وجهه، فأخذه مني وهتكه بيده ~~فجعلناه نمرقة أو نمرقتين» وإن كانت الصور على البسط والوسائد الصغار وهي ~~تداس بالأرجل لا تكره لما فيه من إهانتها، والدليل عليها حديث جبريل - صلى ~~الله عليه وسلم - وعائشة - رضي الله عنها -. # ولو صلى على هذا البساط فإن كانت الصورة في موضع سجوده يكره لما فيه من ~~التشبه بعبادة الصور والأصنام، وكذا إذا كانت أمامه في موضع؛ لأن معنى ~~التعظيم يحصل بتقريب الوجه من الصورة، فأما إذا كانت في موضع قدميه فلا بأس ~~به لما فيه من الإهانة دون التعظيم، هذا إذا كانت الصورة كبيرة، فأما إذا ~~كانت صغيرة لا تبدو للناظر من بعيد فلا بأس به؛ لأن من يعبد الصنم لا يعبد ~~الصغير منها جدا، وقد روي أنه كان على خاتم أبي موسى ذبابتان. # وروي أنه لما وجد خاتم دانيال على عهد عمر - رضي الله عنه - كان على فصه ~~أسدان بينهما رجل يلحسانه، ويحتمل أن يكون ذلك في ابتداء حاله، أو لأن ~~التمثال في شريعة من قبلنا كان حلالا، قال الله ms0260 - تعالى - في قصة سليمان: ~~{يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل} [سبأ: 13] ، ثم ما ذكرنا من الكراهة ~~في صورة الحيوان. # فأما صورة ما لا حياة له كالشجر ونحو ذلك فلا يوجب الكراهة؛ لأن عبدة ~~الصور لا يعبدون تمثال ما ليس بذي روح، فلا يحصل التشبه بهم، وكذا النهي ~~إنما جاء عن تصوير ذي الروح لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: من ~~صور تمثال ذي الروح كلف يوم القيامة أن ينفخ فيه الروح، وليس بنافخ فأما لا ~~نهي عن تصوير ما لا روح له لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه نهى ~~مصورا عن التصوير؛ فقال: كيف أصنع وهو كسبي؟ فقال: إن لم يكن بد فعليك ~~بتمثال الأشجار ويكره أن تكون قبلة المسجد إلى حمام أو قبر أو مخرج؛ لأن ~~جهة القبلة يجب تعظيمها، والمساجد كذلك قال الله تعالى: {في بيوت أذن الله ~~أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال} [النور: 36] {رجال ~~لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون ~~يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار} [النور: 37] ، ومعنى التعظيم لا يحصل إذا ~~كانت قبلة المسجد إلى هذه المواضع؛ لأنها لا تخلو عن الأقذار، وروى أبو ~~يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: هذا في مساجد الجماعات، فأما مسجد الرجل في ~~بيته فلا بأس بأن يكون قبلته إلى هذه المواضع؛ لأنه ليس له حرمة المساجد، ~~حتى يجوز بيعه، وكذا للناس فيه بلوى بخلاف مسجد الجماعة. # ولو صلى في مثل هذا المسجد جازت صلاته عند عامة العلماء، وعلى قول بشر بن ~~غياث المريسي: لا تجوز، وعلى هذا، المصلي في أرض مغصوبة أو صلى وعليه ثوب ~~مغصوب لا تجوز عنده. # (وجه) قوله أن العبادة لا تتأدى بما هو منهي عنه. # (ولنا) أن النهي ليس لمعنى في الصلاة فلا يمنع جواز الصلاة، وهذا إذا لم ~~يكن بين المسجد وبين هذه المواضع حائل من بيت أو جدار أو نحو ذلك، فإن كان ~~بينهما حائل لا ms0261 يكره؛ لأن معنى التعظيم حاصل، فالتحرز عنه غير ممكن (ومنها) ~~ستر العورة لقوله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا} ~~[الأعراف: 31] ، قيل في التأويل: الزينة: ما يواري العورة، والمسجد: ~~الصلاة، فقد أمر بمواراة العورة في الصلاة. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة للحائض إلا بخمار» ، كنى ~~بالحائض عن البالغة؛ لأن الحيض دليل البلوغ، فذكر الحيض وأراد به البلوغ ~~لملازمة بينهما، وعليه إجماع الأمة؛ ولأن ستر العورة حال القيام بين يدي ~~الله - تعالى - من باب التعظيم، وأنه فرض عقلا وشرعا، # PageV01P116 # وإذا كان الستر فرضا كان الانكشاف مانعا جواز الصلاة ضرورة، والكلام في ~~بيان ما يكون عورة وما لا يكون موضعه كتاب الاستحسان، وإنما الحاجة ههنا ~~إلى بيان المقدار الذي يمنع جواز الصلاة فنقول: قليل الانكشاف لا يمنع ~~الجواز لما فيه من الضرورة؛ لأن الثياب لا تخلو عن قليل خرق عادة والكثير ~~يمنع لعدم الضرورة، واختلف في الحد الفاصل بين القليل والكثير فقدر أبو ~~حنيفة ومحمد الكثير بالربع فقالا: الربع وما فوقه من العضو كثير وما دون ~~الربع قليل وأبو يوسف جعل الأكثر من النصف كثيرا، وما دون النصف قليلا، ~~واختلفت الرواية عنه في النصف، فجعله في حكم القليل في الجامع الصغير، وفي ~~حكم الكثير في الأصل. # (وجه) قول أبي يوسف أن القليل والكثير من المتقابلات، فإنما تظهر ~~بالمقابلة، فما كان مقابله أقل منه فهو كثير، وما كان مقابله أكثر منه فهو ~~قليل. # (ولهما) أن الشرع أقام الربع مقام الكل في كثير من المواضع، كما في حلق ~~الرأس في حق المحرم، ومسح ربع الرأس كذا ههنا، إذ الموضع موضع الاحتياط. # وأما قوله إن القليل والكثير من أسماء المقابلة فإنما يعرف ذلك بمقابله ~~فنقول: الشرع قد جعل الربع كثيرا في نفسه من غير مقابلة في بعض المواضع على ~~ما بينا، فلزم الأخذ به في موضع الاحتياط، ثم كثير الانكشاف يستوي فيه ~~العضو الواحد والأعضاء المتفرقة، حتى لو انكشف من أعضاء متفرقة ما لو جمع ~~لكان كثيرا يمنع جواز ms0262 الصلاة، ويستوي فيه العورة الغليظة وهي القبل والدبر، ~~والخفيفة كالفخذ ونحوه، ومن الناس من قدر العورة الغليظة بالدرهم تغليظا ~~لأمرها، وهذا غير سديد لأن العورة الغليظة كلها لا تزيد على الدرهم ~~فتقديرها بالدرهم يكون تخفيفا لأمرها لا تغليظا له، فتنعكس القضية، وذكر ~~محمد في الزيادات ما يدل على أن حكم الغليظة والخفيفة واحد، فإنه قال في ~~امرأة صلت فانكشف شيء من شعرها، وشيء من ظهرها، وشيء من فرجها، وشيء من ~~فخذها: أنه إن كان بحال لو جمع بلغ الربع منع أداء الصلاة، وإن لم يبلغ لا ~~يمنع، فقد جمع بين العورة الغليظة والخفيفة واعتبر فيها الربع، فثبت أن ~~حكمها لا يختلف، وأن الخلاف فيهما واحد وهذا في حالة القدرة فأما في حالة ~~العجز فالانكشاف لا يمنع جواز الصلاة، بأن حضرته الصلاة وهو عريان لا يجد ~~ثوبا للضرورة، ولو كان معه ثوب نجس فلا يخلو إما أن كان الربع منه طاهرا، ~~وإما أن كان كله نجسا فإن كان ربعه طاهرا لم يجزه أن يصلي عريانا، بل يجب ~~عليه أن يصلي في ذلك الثوب؛ لأن الربع فما فوقه في حكم الكمال، كما في مسح ~~الرأس وحلق المحرم ربع الرأس، وكما يقال: رأيت فلانا وإن عاينه من إحدى ~~جهاته الأربع، فجعل كأن الثوب كله طاهر وإن كان كله نجسا أو الطاهر منه أقل ~~من الربع - فهو بالخيار في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، إن شاء صلى عريانا، ~~وإن شاء مع الثوب، لكن الصلاة في الثوب أفضل وقال محمد: لا تجزئه إلا مع ~~الثوب. # (وجه) قوله أن ترك استعمال النجاسة فرض، وستر العورة فرض، إلا أن ستر ~~العورة أهمهما وآكدهما؛ لأنه فرض في الأحوال أجمع، وفرضية ترك استعمال ~~النجاسة مقصورة على حالة الصلاة، فيصار إلى الأهم، فتستر العورة، ولا تجوز ~~الصلاة بدونه، ويتحمل استعمال النجاسة؛ ولأنه لو صلى عريانا كان تاركا ~~فرائض منها ستر العورة والقيام والركوع والسجود، ولو صلى في الثوب النجس ~~كان تاركا فرضا واحدا وهو ترك استعمال النجاسة فقط، فكان هذا ms0263 الجانب أهون. # وقد قالت عائشة - رضي الله عنها -: «ما خير رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بين شيئين إلا اختار أهونهما» ، فمن ابتلي ببليتين فعليه أن يختار ~~أهونهما. # (ولهما) أن الجانبين في الفرضية في حق الصلاة على السواء، ألا ترى أنه ~~كما لا تجوز الصلاة حالة الاختيار عريانا لا تجوز مع الثوب المملوء نجاسة، ~~ولا يمكن إقامة أحد الفرضين في هذه الحالة إلا بترك الآخر؟ فسقطت فرضيتهما ~~في حق الصلاة، فيخير فيجزئه كيفما فعل، إلا أن الصلاة في الثوب أفضل لما ~~ذكر محمد (ومنها) استقبال القبلة لقوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 144] . # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع ~~الطهور مواضعه، ويستقبل القبلة، ويقول: الله أكبر» ، وعليه إجماع الأمة، ~~والأصل أن استقبال القبلة للصلاة شرط زائد لا يعقل معناه، بدليل أنه لا يجب ~~الاستقبال فيما هو رأس العبادات وهو الإيمان، وكذا في عامة العبادات من ~~الزكاة والصوم والحج، وإنما عرف شرطا في باب الصلاة شرعا فيجب اعتباره بقدر ~~ما ورد الشرع به، # PageV01P117 # وفيما وراءه يرد إلى أصل القياس، ثم جملة الكلام في هذا الشرط أن المصلي ~~لا يخلو إما إن كان قادرا على الاستقبال أو كان عاجزا عنه فإن كان قادرا ~~يجب عليه التوجه إلى القبلة إن كان في حال مشاهدة الكعبة فإلى عينها، أي: ~~أي جهة كانت من جهات الكعبة، حتى لو كان منحرفا عنها غير متوجه إلى شيء ~~منها لم يجز، لقوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا ~~وجوهكم شطره} [البقرة: 144] ، وفي وسعه تولية الوجه إلى عينها فيجب ذلك، ~~وإن كان نائيا عن الكعبة غائبا عنها يجب عليه التوجه إلى جهتها، وهي ~~المحاريب المنصوبة بالإمارات الدالة عليها لا إلى عينها، وتعتبر الجهة دون ~~العين. # كذا ذكر الكرخي والرازي، وهو قول عامة مشايخنا بما وراء النهر وقال ~~بعضهم: المفروض إصابة عين الكعبة بالاجتهاد والتحري، وهو قول أبي عبد الله ~~البصري حتى ms0264 قالوا: " إن نية الكعبة شرط " وجه قول هؤلاء قوله تعالى: {فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 144] ، ~~من غير فصل بين حال المشاهدة والغيبة؛ ولأن لزوم الاستقبال لحرمة البقعة، ~~وهذا المعنى في العين لا في الجهة؛ ولأن قبلته لو كانت الجهة لكان ينبغي له ~~إذا اجتهد فأخطأ الجهة يلزمه الإعادة لظهور خطئه في اجتهاده بيقين، ومع ذلك ~~لا تلزمه الإعادة بلا خلاف بين أصحابنا، فدل أن قبلته في هذه الحالة عين ~~الكعبة بالاجتهاد والتحري. # (وجه) قول الأولين أن المفروض هو المقدور عليه، وإصابة العين غير مقدور ~~عليها فلا تكون مفروضة؛ ولأن قبلته لو كانت عين الكعبة في هذه الحالة ~~بالتحري والاجتهاد لترددت صلاته بين الجواز والفساد؛ لأنه إن أصاب عين ~~الكعبة بتحريه جازت صلاته، وإن لم يصب عين الكعبة لا تجوز صلاته؛ لأنه ظهر ~~خطؤه بيقين، إلا أن يجعل كل مجتهد مصيبا وإنه خلاف المذهب الحق. # وقد عرف بطلانه في أصول الفقه، أما إذا جعلت قبلته الجهة وهي المحاريب ~~المنصوبة لا يتصور ظهور الخطأ، فنزلت الجهة في هذه الحالة منزلة عين الكعبة ~~في حال المشاهدة، ولله - تعالى - أن يجعل أي جهة شاء قبلة لعباده على ~~اختلاف الأحوال، وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: {سيقول السفهاء من ~~الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم} [البقرة: 142] ؛ ولأنهم جعلوا عين الكعبة قبلة في ~~هذه الحالة بالتحري، وأنه مبني على تجرد شهادة القلب من غير أمارة، والجهة ~~صارت قبلة باجتهادهم المبني على الأمارات الدالة عليها من النجوم والشمس ~~والقمر وغير ذلك، فكان فوق الاجتهاد بالتحري، ولهذا إن من دخل بلدة وعاين ~~المحاريب المنصوبة فيها يجب عليه التوجه إليها، ولا يجوز له التحري، وكذا ~~إذا دخل مسجدا لا محراب له وبحضرته أهل المسجد - لا يجوز له التحري، بل يجب ~~عليه السؤال من أهل المسجد؛ لأن لهم علما بالجهة المبنية على الأمارات فكان ~~فوق الثابت بالتحري، وكذا لو كان في ms0265 المفازة، والسماء مصحية، وله علم ~~بالاستدلال بالنجوم على القبلة - لا يجوز له التحري؛ لأن ذلك فوق التحري. # وبه تبين أن نية الكعبة ليست بشرط، بل الأفضل أن لا ينوي الكعبة لاحتمال ~~أن لا تحاذي هذه الجهة الكعبة فلا تجوز صلاته ولا حجة لهم في الآية لأنها ~~تناولت حالة القدرة، والقدرة حال مشاهدة الكعبة لا حال البعد عنها، وهو ~~الجواب عن قولهم: إن الاستقبال لحرمة البقعة، أن ذلك حال القدرة على ~~الاستقبال إليها دون حال العجز عنه وأما إذا كان عاجزا فلا يخلو إما أن كان ~~عاجزا بسبب عذر من الأعذار مع العلم بالقبلة. # وأما إن كان عجزه بسبب الاشتباه، فإن كان عاجزا لعذر مع العلم بالقبلة ~~فله أن يصلي إلى أي جهة كانت ويسقط عنه الاستقبال، نحو أن يخاف على نفسه من ~~العدو في صلاة الخوف، أو كان بحال لو استقبل القبلة يثب عليه العدو، أو ~~قطاع الطريق، أو السبع، أو كان على لوح من السفينة في البحر لو وجهه إلى ~~القبلة يغرق غالبا، أو كان مريضا لا يمكنه أن يتحول بنفسه إلى القبلة وليس ~~بحضرته من يحوله إليها، ونحو ذلك؛ لأن هذا شرط زائد فيسقط عند العجز وإن ~~كان عاجزا بسبب الاشتباه، وهو أن يكون في المفازة في ليلة مظلمة، أو لا علم ~~له بالأمارات الدالة على القبلة، فإن كان بحضرته من يسأله عنها لا يجوز له ~~التحري لما قلنا، بل يجب عليه السؤال، فإن لم يسأل وتحرى وصلى فإن أصاب ~~جاز، وإلا فلا. # فإن لم يكن بحضرته أحد جاز له التحري؛ لأن التكليف بحسب الوسع والإمكان، ~~وليس في وسعه إلا التحري فتجوز له الصلاة بالتحري لقوله تعالى: {فأينما ~~تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] . # وروي أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحروا عند الاشتباه # PageV01P118 # وصلوا ولم ينكر عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فدل على الجواز فإذا ~~صلى إلى جهة من الجهات فلا يخلو إما أن صلى إلى الجهة بالتحري أو بدون ~~التحري فإن صلى بدون التحري ms0266 فلا يخلو من أوجه: أما إن كان لم يخطر بباله ~~شيء ولم يشك في جهة القبلة، أو خطر بباله وشك في جهة القبلة وصلى من غير ~~تحر، أو تحرى ووقع تحريه على جهة فصلى إلى جهة أخرى لم يقع عليها التحري ~~أما إذا لم يخطر بباله شيء ولم يشك وصلى إلى جهة من الجهات فالأصل هو ~~الجواز؛ لأن مطلق الجهة قبلة بشرط عدم دليل يوصله إلى جهة الكعبة من السؤال ~~أو التحري، ولم يوجد؛ لأن التحري لا يجب عليه إذا لم يكن شاكا، فإذا مضى ~~على هذه الحالة ولم يخطر بباله شيء صارت الجهة التي صلى إليها قبلة له ~~ظاهرا، فإن ظهر أنها جهة الكعبة تقرر الجواز، فأما إذا ظهر خطؤه بيقين بأن ~~انجلى الظلام وتبين أنه صلى إلى غير جهة الكعبة، أو تحرى ووقع تحريه على ~~غير الجهة التي صلى إليها إن كان بعد الفراغ من الصلاة يعيد، وإن كان في ~~الصلاة يستقبل؛ لأن ما جعل حجة بشرط عدم الأقوى يبطل عند وجوده، كالاجتهاد ~~إذا ظهر نص بخلافه. # وأما إذا شك ولم يتحر وصلى إلى جهة من الجهات فالأصل هو الفساد، فإذا ظهر ~~أن الصواب في غير الجهة التي صلى إليها إما بيقين أو بالتحري تقرر الفساد، ~~وإن ظهر أن الجهة التي صلى إليها قبلة إن كان بعد الفراغ من الصلاة أجزأه ~~ولا يعيد؛ لأنه إذا شك في جهة الكعبة وبنى صلاته على الشك احتمل أن تكون ~~الجهة التي صلى إليها قبلة واحتمل أن لا تكون، فإن ظهر أنها لم تكن قبلة ~~يظهر أنه صلى إلى غير القبلة، وإن ظهر أنها كانت قبلة يظهر أنه صلى إلى ~~القبلة فلا يحكم بالجواز في الابتداء بالشك والاحتمال، بل يحكم بالفساد ~~بناء على الأصل وهو العدم بحكم استصحاب الحال، فإذا تبين أنه صلى إلى ~~القبلة بطل الحكم باستصحاب الحال وثبت الجواز من الأصل. # وأما إذا ظهر في وسط الصلاة روي عن أبي يوسف أنه يبني على صلاته لما ~~قلنا، وفي ظاهر الرواية ms0267 يستقبل؛ لأن شروعه في الصلاة بناء على الشك، ومتى ~~ظهرت القبلة إما بالتحري أو بالسؤال من غيره صارت حالته هذه أقوى من الحالة ~~الأولى، ولو ظهرت في الابتداء لا تجوز صلاته إلا إلى هذه الجهة، فكذا إذا ~~ظهرت في وسط الصلاة وصار كالمومئ إذا قدر على القيام في وسط الصلاة أنه ~~يستقبل لما ذكرنا، كذا هذا. # وأما إذا تحرى ووقع تحريه إلى جهة فصلى إلى جهة أخرى من غير تحر فإن أخطأ ~~لا تجزيه بالإجماع، وإن أصاب فكذلك في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه يجوز، (ووجهه) أن المقصود من التحري هو الإصابة وقد ~~حصل هذا المقصود فيحكم بالجواز، كما إذا تحرى في الأواني فتوضأ بغير ما وقع ~~عليه التحري ثم تبين أنه أصاب يجزيه، كذا هذا. # (وجه) ظاهر الرواية أن القبلة حالة الاشتباه هي الجهة التي مال إليها ~~المتحري، فإذا ترك الإقبال إليها فقد أعرض عما هو قبلته مع القدرة عليه فلا ~~يجوز، كمن ترك التوجه إلى المحاريب المنصوبة مع القدرة عليه، بخلاف ~~الأواني؛ لأن الشرط هو التوضؤ بالماء الطاهر حقيقة وقد وجد فأما إذا صلى ~~إلى جهة من الجهات بالتحري ثم ظهر خطؤه فإن كان قبل الفراغ من الصلاة ~~استدار إلى القبلة، وأتم الصلاة، لما روي أن أهل قباء لما بلغهم نسخ القبلة ~~إلى بيت المقدس استداروا كهيئتهم وأتموا صلاتهم، ولم يأمرهم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بالإعادة؛ ولأن الصلاة المؤداة إلى جهة التحري مؤداة ~~إلى القبلة؛ لأنها هي القبلة حال الاشتباه، فلا معنى لوجوب الاستقبال؛ ولأن ~~تبدل الرأي في معنى انتساخ النص، وذا لا يوجب بطلان العمل بالمنسوخ في زمان ~~ما قبل النسخ، كذا هذا وإن كان بعد الفراغ من الصلاة فإن ظهر أنه صلى يمنة ~~أو يسرة يجزيه ولا يلزمه الإعادة بلا خلاف، وإن ظهر أنه صلى مستدبر الكعبة ~~يجزيه عندنا، وعند الشافعي لا يجزيه، وعلى هذا إذا اشتبهت القبلة على قوم ~~فتحروا وصلوا بجماعة جازت صلاة الكل عندنا إلا صلاة من تقدم على ms0268 إمامه أو ~~علم بمخالفته إياه. # (وجه) قول الشافعي أنه صلى إلى القبلة بالاجتهاد. # وقد ظهر خطؤه بيقين فيبطل، كما إذا تحرى وصلى في ثوب على ظن أنه طاهر ثم ~~تبين أنه نجس أنه لا يجزيه وتلزمه الإعادة، كذا ههنا. # (ولنا) أن قبلته حال الاشتباه هي الجهة التي تحرى إليها. # وقد صلى إليها فتجزيه كما إذا صلى إلى المحاريب المنصوبة، والدليل على أن ~~قبلته هي جهة التحري النص والمعقول أما النص فقوله تعالى: {فأينما تولوا ~~فثم وجه الله} [البقرة: 115] ، قيل في بعض وجوه التأويل: ثمة قبلة # PageV01P119 # الله، وقيل: ثمة رضاء الله، وقيل: ثمة وجه الله الذي وجهكم إليه إذ لم ~~يجئ منكم التقصير في طلب القبلة، وأضاف التوجه إلى نفسه؛ لأنهم وقعوا في ~~ذلك بفعل الله - تعالى - بغير تقصير كان منهم في الطلب ونظيره قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لمن أكل ناسيا لصومه تم على صومك فإنما أطعمك الله ~~وسقاك، وإن وجد الأكل من الصائم حقيقة لكن لما لم يكن قاصدا فيه أضاف فعله ~~إلى الله تعالى وصيره معذورا كأنه لم يأكل، كذلك ههنا إذا كان توجهه إلى ~~هذه الجهة من غير قصد منه حيث أتى بجميع ما في وسعه وإمكانه، أضاف الرب ~~سبحانه وتعالى ذلك إلى ذاته وجعله معذورا كأنه توجه إلى القبلة (وأما) ~~المعقول فما ذكرنا أنه لا سبيل له إلى إصابة عين الكعبة ولا إلى إصابة ~~جهتها في هذه الحالة لعدم الدلائل الموصلة إليها، والكلام فيه، والتكليف ~~بالصلاة متوجه، وتكليف ما لا يحتمله الوسع ممتنع، وليس في وسعه إلا الصلاة ~~إلى جهة التحري فتعينت هذه قبلة له شرعا في هذه الحالة، فنزلت هذه الجهة ~~حالة العجز منزلة عين الكعبة، والمحراب حالة القدرة، وإنما عرف التحري شرطا ~~نصا بخلاف القياس لا لإصابة القبلة، وبه تبين أنه ما أخطأ قبلته؛ لأن قبلته ~~جهة التحري وقد صلى إليها، بخلاف مسألة الثوب؛ لأن الشرط هناك هو الصلاة ~~بالثوب الطاهر حقيقة لكنه أمر بإصابته بالتحري، فإذا لم يصب انعدم الشرط ~~فلم يجز، ms0269 أما ههنا فالشرط استقبال القبلة، وقبلته هذه في هذه الحالة. # وقد استقبلها، فهو الفرق والله أعلم ويخرج على ما ذكرنا الصلاة بمكة خارج ~~الكعبة أنه إن كان في حال مشاهدة الكعبة لا تجوز صلاته إلا إلى عين الكعبة؛ ~~لأن قبلته حالة المشاهدة عين الكعبة بالنص، ويجوز إلى أن الجهات من الكعبة ~~شاء بعد أن كان مستقبلا لجزء منها لوجود تولية الوجه شطر الكعبة، فإن صلى ~~منحرفا عن الكعبة غير مواجه لشيء منها لم يجز؛ لأنه ترك التوجه إلى قبلته ~~مع القدرة عليه، وشرائط الصلاة لا تسقط من غير عذر. # (ثم) إن صلوا بجماعة لا يخلو إما أن صلوا متحلقين حول الكعبة صفا بعد صف، ~~وإما أن صلوا إلى جهة واحدة منها مصطفين فإن صلوا إلى جهة واحدة جازت ~~صلاتهم إذا كان كل واحد منهم مستقبلا جزءا من الكعبة، ولا يجوز لهم أن ~~يصطفوا زيادة على حائط الكعبة، ولو فعلوا ذلك لا تجوز صلاة من جاوز الحائط؛ ~~لأن الواجب حالة المشاهدة استقبال عينها وإن صلوا حول الكعبة متحلقين جاز؛ ~~لأن الصلاة بمكة تؤدى هكذا من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~يومنا هذا، والأفضل للإمام أن يقف في مقام إبراهيم - صلوات الله عليه -، ثم ~~صلاة الكل جائزة سواء كانوا أقرب إلى الكعبة من الإمام أو أبعد، إلا صلاة ~~من كان أقرب إلى الكعبة من الإمام في الجهة التي يصلي الإمام إليها بأن كان ~~متقدما على الإمام بحذائه فيكون ظهره إلى وجه الإمام، أو كان على يمين ~~الإمام أو يساره متقدما عليه من تلك الجهة، ويكون ظهره إلى الصف الذي مع ~~الإمام ووجهه إلى الكعبة؛ لأنه إذا كان متقدما على إمامه لا يكون تابعا له ~~فلا يصح اقتداؤه به، بخلاف ما إذا كان أقرب إلى الكعبة من الإمام من غير ~~الجهة التي يصلي إليها الإمام؛ لأنه في حكم المقابل للإمام، والمقابل لغيره ~~يصلح أن يكون تابعا له بخلاف المتقدم عليه وعلى هذا إذا قامت امرأة بجنب ~~الإمام في الجهة التي ms0270 يصلي إليها الإمام ونوى الإمام إمامتها فسدت صلاة ~~الإمام لوجود المحاذاة في صلاة مطلقة مشتركة، وفسدت صلاة القوم بفساد صلاة ~~الإمام، ولو قامت في الصف في غير جهة الإمام لا تفسد صلاة الإمام؛ لأنها في ~~الحكم كأنها خلف الإمام، وفسدت صلاة من على يمينها ويسارها ومن كان خلفها ~~على ما يذكر في موضعه ولو كانت الكعبة منهدمة فتحلق الناس حول أرض الكعبة ~~وصلوا هكذا، أو صلى منفردا متوجها إلى جزء منها - جاز وقال الشافعي: لا ~~يجوز إلا إذا كان بين يديه سترة. # (وجه) قوله أن الواجب استقبال البيت والبيت اسم للبقعة والبناء جميعا إلا ~~إذا كان بين يديه سترة؛ لأنها من توابع البيت فيكون مستقبلا لجزء من البيت ~~معنى. # (ولنا) إجماع الأمة، فإن الناس كانوا يصلون إلى البقعة حين رفع البناء في ~~عهد ابن الزبير حين بنى البيت على قواعد الخليل صلوات الله عليه، وفي عهد ~~الحجاج حين أعاده إلى ما كان عليه في الجاهلية، وكانت صلاتهم مقضية ~~بالجواز، وبه تبين أن الكعبة اسم للبقعة سواء كان ثمة بناء أو لم يكن، وقد ~~وجد التوجه إليها، إلا أنه يكره ترك اتخاذ السترة لما فيه من استقبال ~~الصورة # PageV01P120 # وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك في الصلاة. # وروي أنه لما رفع البناء في عهد ابن الزبير أمر ابن عباس بتعليق الأنطاع ~~في تلك البقعة ليكون ذلك بمنزلة السترة لهم، وعلى هذا إذا صلى على ظهر ~~الكعبة جازت صلاته عندنا وإن لم يكن بين يديه سترة وعند الشافعي لا تجزيه ~~بدون السترة، والصحيح قولنا لما ذكرنا أن الكعبة اسم للعرصة، ولأن البناء ~~لا حرمة له لنفسه، بدليل أنه لو نفل إلى عرصة أخرى وصلى إليها لا يجوز، بل ~~كانت حرمته لاتصاله بالعرصة المحترمة، والدليل عليه أنه من صلى على جبل أبي ~~قبيس جازت صلاته بالإجماع، ومعلوم أنه لا يصلي إلى البناء بل إلى الهواء، ~~دل أن العبرة للعرصة والهواء دون البناء، هذا إذا صلوا خارج الكعبة فأما ~~إذا صلوا ms0271 في جوف الكعبة فالصلاة في جوف الكعبة جائزة عند عامة العلماء، ~~نافلة كانت أو مكتوبة. # وقال مالك: لا يجوز أداء المكتوبة في جوف الكعبة. # (وجه) قوله أن المصلي في جوف الكعبة إن كان مستقبلا جهة كان مستدبرا جهة ~~أخرى، والصلاة مع استدبار القبلة لا تجوز فأخذنا بالاحتياط في المكتوبات، ~~فأما في التطوعات فالأمر فيها أوسع وصار كالطواف في جوف الكعبة. # (ولنا) أن الواجب استقبال جزء من الكعبة غير عين، وإنما يتعين الجزء قبلة ~~له بالشروع في الصلاة والتوجه إليه، ومتى صارت قبلة فاستدبارها في الصلاة ~~من غير ضرورة يكون مفسدا فأما الأجزاء التي لم يتوجه إليها لم تصر قبلة في ~~حقه، فاستدبارها لا يكون مفسدا، وعلى هذا ينبغي أن من صلى في جوف الكعبة ~~ركعة إلى جهة وركعة إلى جهة أخرى لا تجوز صلاته؛ لأنه صار مستدبرا عن الجهة ~~التي صارت قبلة في حقه بيقين من غير ضرورة، والانحراف من غير ضرورة مفسد ~~للصلاة، بخلاف النائي عن الكعبة إذا صلى بالتحري إلى الجهات الأربع بأن صلى ~~ركعة إلى جهة ثم تحول رأيه إلى جهة أخرى فصلى ركعة إليها هكذا جاز؛ لأن ~~هناك لم يوجد الانحراف عن القبلة بيقين؛ لأن الجهة التي تحرى إليها ما صارت ~~قبلة له بيقين بل بطريق الاجتهاد، فحين تحول رأيه إلى جهة أخرى صارت قبلته ~~هذه الجهة في المستقبل، ولم يبطل ما أدى بالاجتهاد الأول؛ لأن ما أمضى ~~بالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله، فصار مصليا في الأحوال كلها إلى القبلة ~~فلم يوجد الانحراف عن القبلة بيقين، فهو الفرق ثم لا يخلو إما أن صلوا في ~~جوف الكعبة متحلقين أو مصطفين خلف الإمام فإن صلوا بجماعة متحلقين جازت ~~صلاة الإمام وصلاة من وجهه إلى ظهر الإمام، أو إلى يمين الإمام، أو إلى ~~يساره، أو ظهره إلى ظهر الإمام، وكذا صلاة من وجهه إلى وجه الإمام إلا أنه ~~يكره لما فيه من استقبال الصورة الصورة، فينبغي أن يجعل بينه وبين الإمام ~~سترة. # وأما صلاة من كان متقدما على ms0272 الإمام وظهره إلى وجه الإمام، وصلاة من كان ~~مستقبلا جهة الإمام وهو أقرب إلى الحائط من الإمام فلا تجوز لما بينا، وهذا ~~بخلاف جماعة تحروا في ليلة مظلمة واقتدوا بالإمام حيث لا تجوز صلاة من علم ~~أنه مخالف للإمام في جهته؛ لأن هناك اعتقد الخطأ في صلاة إمامه لأن عنده أن ~~إمامه غير مستقبل للقبلة فلم يصح اقتداؤه به. # وأما ههنا فما اعتقد الخطأ في صلاة إمامه؛ لأن كل جانب من جوانب الكعبة ~~قبلة بيقين فصح اقتداؤه به، فهو الفرق وإن صلوا مصطفين خلف الإمام إلى جهة ~~الإمام فلا شك أن صلاتهم جائزة، وكذا إذا كان وجه بعضهم إلى ظهر الإمام ~~وظهر بعضهم إلى ظهره لوجود استقبال القبلة والمتابعة؛ لأنهم خلف الإمام لا ~~أمامه، ولهذا قلنا إن الإمام إذا نوى إمامة النساء فقامت امرأة بحذائه ~~مقابلة له لا تفسد صلاة الإمام لأنها في الحكم كأنها خلف الإمام، وتفسد ~~صلاة من كان عن يمينها ويسارها وخلفها في الجهة التي هي فيها، واختلفت ~~الرواية في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هل صلى في الكعبة حين دخلها ~~روى أسامة بن زيد أنه لم يصل فيها، وروى ابن عمر أنه صلى فيها ركعتين بين ~~الساريتين المتقدمتين (ومنها) الوقت لأن الوقت كما هو سبب لوجوب الصلاة فهو ~~شرط لأدائها، قال الله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} ~~[النساء: 103] ، أي فرضا مؤقتا حتى لا يجوز أداء الفرض قبل وقته إلا صلاة ~~العصر يوم عرفة على ما يذكر، والكلام فيه يقع في ثلاثة مواضع: في بيان أصل ~~أوقات الصلوات المفروضة وفي بيان حدودها بأوائلها وأواخرها وفي بيان ~~الأوقات المستحبة منها، وفي بيان الوقت المكروه لبعض الصلوات المفروضة. # (أما) الأول فأصل أوقاتها عرف بالكتاب وهو قوله تعالى: {فسبحان الله حين ~~تمسون وحين تصبحون} [الروم: 17] {وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين ~~تظهرون} [الروم: 18] # وقوله تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} [هود: 114] # PageV01P121 # ، وقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن ms0273 ~~قرآن الفجر كان مشهودا} [الإسراء: 78] . # وقوله تعالى: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل ~~فسبح وأطراف النهار} [طه: 130] ، فهذه الآيات تشتمل على بيان فرضية هذه ~~الصلوات، وبيان أصل أوقاتها لما بينا فيما تقدم والله أعلم (وأما) بيان ~~حدودها بأوائلها وأواخرها فإنما عرف بالأخبار أما الفجر فأول وقت صلاة ~~الفجر حين يطلع الفجر الثاني، وآخره حين تطلع الشمس، لما روي عن أبي هريرة ~~- رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن للصلاة ~~أولا وآخرا، وإن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وآخره حين تطلع الشمس» ، ~~والتقييد بالفجر الثاني لأن الفجر الأول هو البياض المستطيل يبدو في ناحية ~~من السماء - وهو المسمى ذنب السرحان عند العرب - ثم ينكتم، ولهذا يسمى فجرا ~~كاذبا؛ لأنه يبدو نوره ثم يخلف ويعقبه الظلام، وهذا الفجر لا يحرم به ~~الطعام والشراب على الصائمين، ولا يخرج به وقت العشاء، ولا يدخل به وقت ~~صلاة الفجر، والفجر الثاني وهو المستطير المعترض في الأفق لا يزال يزداد ~~نوره حتى تطلع الشمس، ويسمى هذا فجرا صادقا؛ لأنه إذا بدأ نوره ينتشر في ~~الأفق ولا يخلف، وهذا الفجر يحرم به الطعام والشراب على الصائم، ويخرج به ~~وقت العشاء، ويدخل به وقت الفجر، وهكذا روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الفجر فجران، فجر مستطيل يحل به ~~الطعام، وتحرم فيه الصلاة، وفجر مستطير يحرم به الطعام وتحل فيه الصلاة» ، ~~وبه تبين أن المراد من الفجر المذكور في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ~~هو الفجر الثاني لا الأول. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يغرنكم أذان بلال ولا ~~الفجر المستطيل لكن الفجر المستطير في الأفق» . # وروي «لا يغرنكم الفجر المستطيل ولكن كلوا واشربوا حتى يطلع الفجر ~~المستطير» أي المنتشر في الأفق. # وقال الفجر هكذا ومد يده عرضا لا هكذا ومد يده طولا؛ ولأن المستطيل ليل ~~في الحقيقة لتعقب الظلام إياه. # وروي عن عبد ms0274 الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «وقت الفجر ما لم تطلع الشمس» . # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أدرك ركعة من الفجر قبل أن ~~تطلع الشمس فقد أدركها» ، فدل الحديثان أيضا على أن آخر وقت الفجر حين تطلع ~~الشمس. # (وأما) أول وقت الظهر فحين تزول الشمس بلا خلاف، لما روي عن أبي هريرة - ~~رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أول وقت الظهر ~~حين تزول الشمس» . # وأما آخره فلم يذكر في ظاهر الرواية نصا، واختلفت الرواية عن أبي حنيفة، ~~روى محمد عنه إذا صار ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال، والمذكور في الأصل ~~ولا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل قامتين ولم يتعرض لآخر وقت الظهر، وروى ~~الحسن عن أبي حنيفة أن آخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال، ~~وهو قول أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن والشافعي، وروى أسد بن عمرو وعنه إذا ~~صار ظل كل شيء مثله سوى فيء الزوال خرج وقت الظهر، ولا يدخل وقت العصر ما ~~لم يصر ظل كل شيء مثليه، فعلى هذه الرواية يكون بين وقت الظهر والعصر وقت ~~مهمل كما بين الفجر والظهر، والصحيح رواية محمد عنه، فإنه روي في خبر أبي ~~هريرة، وآخر وقت الظهر حين يدخل وقت العصر وهذا ينفي الوقت المهمل، ثم لا ~~بد من معرفة زوال الشمس، روي عن محمد أنه قال: حد الزوال أن يقوم الرجل ~~مستقبل القبلة فإذا مالت الشمس عن يساره فهو الزوال، وأصح ما قيل في معرفة ~~الزوال قول محمد بن شجاع البلخي: أنه يغرز عودا مستويا في أرض مستوية، ~~ويجعل على مبلغ الظل منه علامة فما دام الظل ينتقص من الخط فهو قبل الزوال، ~~فإذا وقف لا يزداد ولا ينتقص فهو ساعة الزوال، وإذا أخذ الظل في الزيادة ~~فالشمس قد زالت. # وإذا أردت معرفة فيء الزوال فخط على رأس موضع الزيادة خطا فيكون من رأس ~~الخط ms0275 إلى العود فيء الزوال فإذا صار ظل العود مثليه من رأس الخط لا من ~~العود خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر عند أبي حنيفة. # وإذا صار ظل العود مثليه من رأس الخط خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر ~~عندهم. # (وجه) قولهم حديث إمامة جبريل - عليه السلام - فإنه روي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال «أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى بي الظهر ~~في اليوم الأول حين زالت الشمس، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ~~وصلى بي المغرب حين غربت الشمس، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي ~~الفجر حين طلع الفجر الثاني، وصلى بي الظهر # PageV01P122 # في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى بي العصر في اليوم الثاني ~~حين صار ظل كل شيء مثليه، وصلى بي المغرب في اليوم الثاني في الوقت الذي ~~صلى بي اليوم الأول، وصلى بي العشاء في اليوم الثاني حين مضى ثلث الليل، ~~وصلى بي الفجر في اليوم الثاني حين أسفر النهار، ثم قال: الوقت ما بين ~~الوقتين» ، فالاستدلال بالحديث من وجهين: أحدهما - أنه صلى العصر في اليوم ~~الأول حين صار ظل كل شيء مثله فدل أن أول وقت العصر هذا فكان هو آخر وقت ~~الظهر ضرورة والثاني - أن الإمامة في اليوم الثاني كانت لبيان آخر الوقت، ~~ولم يؤخر الظهر في اليوم الثاني إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه فدل أن آخر ~~وقت الظهر ما ذكرنا ولأبي حنيفة ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: إن «مثلكم ومثل من قبلكم من الأمم مثل رجل استأجر أجيرا فقال: من ~~يعمل لي من الفجر إلى الظهر بقيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال من يعمل لي من ~~الظهر إلى العصر بقيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى ~~المغرب بقيراطين؟ فعملتم أنتم فكنتم أقل عملا وأكثر أجرا» . # فدل الحديث على أن مدة العصر أقصر من مدة الظهر، وإنما يكون أقصر أن لو ~~كان الأمر ms0276 على ما قاله أبو حنيفة، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «أبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من فيح جهنم» ، والإبراد يحصل ~~بصيرورة ظل كل شيء مثليه، فإن الحر لا يفتر خصوصا في بلادهم، على أن عند ~~تعارض الأدلة لا يمكن إثبات وقت العصر؛ لأن موضع التعارض موضع الشك، وغير ~~الثابت لا يثبت بالشك، فإن قيل: لا يبقى وقت الظهر بالشك أيضا فالجواب أنه ~~كذلك يقول أبو حنيفة في رواية أسد بن عمرو أخذا بالمتيقن فيهما، والثاني أن ~~ما ثبت لا يبطل بالشك، وغير الثابت لا يثبت بالشك، وخبر إمامة جبريل - عليه ~~السلام - منسوخ في المتنازع فيه، فإن المروي أنه صلى الظهر في اليوم الثاني ~~في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول، والإجماع منعقد على تغاير ~~وقتي الظهر والعصر، فكان الحديث منسوخا في الفرع، ولا يقال: معنى ما ورد ~~أنه صلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله أي بعد ما صار، ومعنى ~~ما ورد أنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه أي قرب من ~~ذلك فلا يكون منسوخا؛ لأنا نقول: هذا نسبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى الغفلة وعدم التمييز بين الوقتين، أو إلى التساهل في أمر تبليغ ~~الشرائع، والتسوية بين أمرين مختلفين، وترك ذلك مبهما من غير بيان منه أو ~~دليل يمكن الوصول به إلى الافتراق بين الأمرين، ومثله لا يظن بالنبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # (وأما) أول وقت العصر فعلى الاختلاف الذي ذكرنا في آخر وقت الظهر، حتى ~~روي عن أبي يوسف أنه قال: خالفت أبا حنيفة في وقت العصر فقلت: أوله إذا دار ~~الظل على قامة اعتمادا على الآثار التي جاءت، وآخره حين تغرب الشمس عندنا، ~~وعند الشافعي قولان في قول: إذا صار ظل كل شيء مثليه يخرج وقت العصر ولا ~~يدخل وقت المغرب حتى تغرب الشمس فيكون بينهما وقت مهمل، وفي قول إذا صار ظل ~~كل شيء مثليه يخرج وقته المستحب ويبقى ms0277 أصل الوقت إلى غروب الشمس، والصحيح ~~قولنا لما روي في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في وقت العصر، وآخرها ~~حين تغرب الشمس. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أدرك ركعة من العصر ~~قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها» وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من فاته العصر حتى غربت الشمس فكأنما وتر ~~أهله وماله» . # (وأما) أول وقت المغرب فحين تغرب الشمس بلا خلاف، وفي خبر أبي هريرة - ~~رضي الله عنه - وأول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وكذا حديث جبريل - عليه ~~السلام - صلى المغرب بعد غروب الشمس في اليومين جميعا، والصلاة في اليوم ~~الأول كانت بيانا لأول الوقت. # وأما آخره فقد اختلفوا فيه، قال أصحابنا: حين يغيب الشفق. # وقال الشافعي: وقتها ما يتطهر الإنسان ويؤذن ويقيم ويصلي ثلاث ركعات، حتى ~~لو صلاها بعد ذلك كان قضاء لا أداء عنده لحديث إمامة جبريل - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه صلى المغرب في المرتين في وقت واحد. # (ولنا) أن في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: وأول وقت المغرب حين تغرب ~~الشمس، وآخره حين يغيب الشفق، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «وقت المغرب ما لم يغب الشفق» ، وإنما لم ~~يؤخره جبريل عن أول الغروب لأن التأخير عن أول الغروب مكروه إلا لعذر، وأنه ~~جاء ليعلمه المباح من الأوقات ألا ترى أنه لم يؤخر العصر إلى الغروب # PageV01P123 # مع بقاء الوقت إليه؟ وكذا لم يؤخر العشاء إلى ما بعد ثلث الليل وإن كان ~~بعده وقت العشاء بالإجماع. # (وأما) أول وقت العشاء فحين يغيب الشفق بلا خلاف بين أصحابنا، لما روي في ~~خبر أبي هريرة - رضي الله عنه - وأول وقت العشاء حين يغيب الشفق واختلفوا ~~في تفسير الشفق، فعند أبي حنيفة هو البياض، وهو مذهب أبي بكر وعمر ومعاذ ~~وعائشة - رضي الله عنهم -، وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي هو الحمرة، وهو ~~قول عبد الله بن ms0278 عباس وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - وهو رواية أسد بن ~~عمرو عن أبي حنيفة. # (وجه) قولهم ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا تزال ~~أمتي بخير ما عجلوا المغرب وأخروا العشاء وكان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يصلي العشاء بعد مضي ثلث الليل» ، فلو كان الشفق هو البياض لما كان ~~مؤخرا لها، بل كان مصليا في أول الوقت؛ لأن البياض يبقى إلى ثلث الليل ~~خصوصا في الصيف ولأبي حنيفة النص والاستدلال. # (أما) النص فقوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل} ~~[الإسراء: 78] ، جعل الغسق غاية لوقت المغرب، ولا غسق ما بقي النور ~~المعترض. # وروي عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أنه قال: آخر وقت المغرب ما لم ~~يسقط نور الشفق وبياضه، والمعترض نوره وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ~~وإن آخر وقت المغرب حين يسود الأفق، وإنما يسود بإخفائها بالظلام. # (وأما) الاستدلال فمن وجهين: لغوي، وفقهي، أما اللغوي فهو أن الشفق اسم ~~لما رق، يقال: ثوب شفيق أي رقيق، إما من رقة النسج وإما لحدوث رقة فيه من ~~طول اللبس، ومنه الشفقة وهي رقة القلب من الخوف أو المحبة، ورقة نور الشمس ~~باقية ما بقي البياض. # وقيل الشفق اسم لرديء الشيء وباقيه، والبياض باقي آثار الشمس وأما الفقهي ~~فهو أن صلاتين تؤديان في أثر الشمس وهما المغرب مع الفجر، وصلاتين تؤديان ~~في وضح النهار وهما الظهر والعصر، فيجب أن يؤدي صلاتين في غسق الليل بحيث ~~لم يبق أثر من آثار الشمس وهما العشاء والوتر، وبعد غيبوبة البياض لا يبقى ~~أثر للشمس، ولا حجة لهم في الحديث؛ لأن البياض يغيب قبل مضي ثلث الليل ~~غالبا وأما آخر وقت العشاء فحين يطلع الفجر الصادق عندنا، وعند الشافعي ~~قولان: في قول حين يمضي ثلث الليل؛ لأن جبريل - عليه السلام - صلى في المرة ~~الثانية بعد مضي ثلث الليل، وكان ذلك بيانا لآخر الوقت، وفي قول يؤخر إلى ~~آخر نصف الليل بعذر السفر؛ لأن النبي ms0279 - صلى الله عليه وسلم - أخر ليلة إلى ~~النصف ثم قال: هو لنا بعذر السفر (ولنا) ما روى أبو هريرة وأول وقت العشاء ~~حين يغيب الشفق، وآخره حين يطلع الفجر. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يدخل وقت صلاة حتى ~~يخرج وقت أخرى» وقت عدم دخول وقت الصلاة إلى غاية خروج وقت صلاة أخرى، فلو ~~لم يثبت الدخول عند الخروج لم يتوقف؛ ولأن الوتر من توابع العشاء ويؤدى في ~~وقتها، وأفضل وقتها السحر دل أن السحر آخر وقت العشاء؛ ولأن أثر السفر في ~~قصر الصلاة لا في زيادة الوقت، وإمامة جبريل - عليه السلام - كان تعليما ~~لآخر الوقت المستحب، ونحن نقول: إن ذلك ثلث الليل. # (وأما) بيان الأوقات المستحبة فالسماء لا تخلو إما أن كانت مصحية أو ~~مغيمة فإن كانت مصحية ففي الفجر المستحب آخر الوقت، والأسفار بصلاة الفجر ~~أفضل من التغليس بها في السفر والحضر والصيف والشتاء في حق جميع الناس، إلا ~~في حق الحاج بمزدلفة فإن التغليس بها أفضل في حقه وقال الطحاوي: إن كان من ~~عزمه تطويل القراءة فالأفضل أن يبدأ بالتغليس بها ويختم بالإسفار، وإن لم ~~يكن من عزمه تطويل القراءة فالإسفار أفضل من التغليس وقال الشافعي: التغليس ~~بها أفضل في حق الكل وجملة المذهب عنده أن أداء الفرض لأول الوقت أفضل وحده ~~ما دام في النصف الأول من الوقت، (واحتج) بقوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة ~~من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} [آل عمران: 133] ، ~~والتعجيل من باب المسارعة إلى الخير، وذم الله - تعالى - أقواما على الكسل ~~فقال: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} [النساء: 142] ، والتأخير من ~~الكسل. # وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن أفضل الأعمال فقال: ~~الصلاة لأول وقتها. # وقال - صلى الله عليه وسلم -:: «أول الوقت رضوان الله، وآخر الوقت عفو ~~الله» أي ينال بأداء الصلاة في أول الوقت رضوان الله، وينال بأدائها في ~~آخره عفو الله - تعالى - واستيجاب الرضوان خير من استيجاب العفو؛ لأن ~~الرضوان أكبر الثواب ms0280 لقوله تعالى: {ورضوان من الله أكبر} [التوبة: 72] ، ~~وينال بالطاعات، والعفو ينال بشرط سابقية الجناية. # وروي في الفجر خاصة عن عائشة - رضي الله عنها - أن النساء كن # PageV01P124 # يصلين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ينصرفن وما يعرفن من شدة ~~الغلس. # (ولنا) قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «أسفروا بالفجر فإنه أعظم ~~للأجر» رواه رافع بن خديج وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: ما صلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة قبل ميقاتها إلا صلاتين: صلاة العصر ~~بعرفة وصلاة الفجر بمزدلفة فإنه قد غلس بها فسمي التغليس بالفجر صلاة قبل ~~الميقات، فعلم أن العادة كانت في الفجر الإسفار وعن إبراهيم النخعي أنه ~~قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على شيء كاجتماعهم ~~على تأخير العصر والتنوير بالفجر؛ ولأن في التغليس تقليل الجماعة لكونه وقت ~~نوم وغفلة، وفي الإسفار تكثيرها فكان أفضل، ولهذا يستحب الإبراد بالظهر في ~~الصيف لاشتغال الناس بالقيلولة؛ ولأن في حضور الجماعة في هذا الوقت ضرب حرج ~~خصوصا في حق الضعفاء. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صل بالقوم صلاة أضعفهم» ؛ ولأن ~~المكث في مكان صلاة الفجر إلى طلوع الشمس مندوب إليه، قال - صلى الله عليه ~~وسلم -:: «من صلى الفجر ومكث حتى تطلع الشمس فكأنما أعتق أربع رقاب من ولد ~~إسماعيل» # وقلما يتمكن من إحراز هذه الفضيلة عند التغليس؛ لأنه قلما يمكث فيها لطول ~~المدة، ويتمكن من إحرازها عند الإسفار فكان أولى، وما ذكر من الدلائل ~~الجميلة فنقول بها في بعض الصلوات في بعض الأوقات على ما نذكر، لكن قامت ~~الدلائل في بعضها على أن التأخير أفضل لمصلحة وجدت في التأخير، ولهذا قال ~~الشافعي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل لئلا يقع في السمر بعد العشاء، ثم ~~الأمر بالمسارعة ينصرف إلى مسارعة ورد الشرع بها، ألا ترى أن الأداء قبل ~~الوقت لا يجوز وإن كان فيه مسارعة لما لم يرد الشرع بها؟ وقيل في الحديث: ~~إن العفو عبارة عن الفضل، قال الله ms0281 - تعالى -: {ويسألونك ماذا ينفقون قل ~~العفو} [البقرة: 219] أي الفضل، فكان معنى الحديث على هذا - والله أعلم - ~~أن من أدى الصلاة في أول الأوقات فقد نال رضوان الله، وأمن من سخطه وعذابه؛ ~~لامتثاله أمره وأدائه ما أوجب عليه، ومن أدى في آخر الوقت فقد نال فضل ~~الله، ونيل فضل الله لا يكون بدون الرضوان فكانت هذه الدرجة أفضل من تلك ~~وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - فالصحيح من الروايات إسفار رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بصلاة الفجر لما روينا من حديث ابن مسعود - رضي الله ~~عنه - فإن ثبت التغليس في وقت فلعذر الخروج إلى سفر، أو كان ذلك في ~~الابتداء حين كن النساء يحضرن الجماعات ثم أمرن بالقرار في البيوت، انتسخ ~~ذلك - والله أعلم - وأما في الظهر فالمستحب هو آخر الوقت في الصيف وأوله في ~~الشتاء، وقال الشافعي: إن كان يصلي وحده يعجل في كل وقت، وإن كان يصلي ~~بالجماعة يؤخر يسيرا لما ذكرنا. # وروي عن خباب بن الأرت أنه قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا، فدل أن السنة في التعجيل. # (ولنا) ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «أبردوا بالظهر ~~فإن شدة الحر من فيح جهنم» ؛ ولأن التعجيل في الصيف لا يخلو عن أحد أمرين: ~~إما تقليل الجماعة لاشتغال الناس بالقيلولة، وإما الإضرار بهم لتأذيهم ~~بالحر. # وقد انعدم هذان المعنيان في الشتاء فيعتبر فيه معنى المسارعة إلى الخير، ~~وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لمعاذ - رضي الله عنه - حين ~~وجهه إلى اليمن: «إذا كان الصيف فأبرد بالظهر فإن الناس يقيلون فأمهلهم حتى ~~يدركوا، وإذا كان الشتاء فصل الظهر حين تزول الشمس فإن الليالي طوال» ~~وتأويل حديث خباب أنهم طلبوا ترك الجماعة أصلا فلم يشكهم لهذا، على أن معنى ~~قوله فلم يشكنا أي يدعنا في الشكاية بل أزال شكوانا بأن أبرد بها والله ~~أعلم (وأما) العصر فالمستحب فيها هو التأخير ما دامت الشمس بيضاء ms0282 نقية لم ~~يدخلها تغيير في الشتاء والصيف جميعا، وعند الشافعي التعجيل أفضل لما ~~ذكرنا. # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتي» ، وعن أنس بن مالك - رضي ~~الله عنه - «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر فيذهب الذاهب ~~إلى العوالي وينحر الجزور ويطبخ القدور ويأكل قبل غروب الشمس» . # (ولنا) ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلي العصر والشمس بيضاء نقية» ، وهذا منه بيان تأخيره للعصر، ~~وقيل: سميت العصر لأنها تعصر أي تؤخر؛ ولأن في التأخير تكثير النوافل؛ لأن ~~النافلة بعدها مكروهة فكان التأخير أفضل، ولهذا # PageV01P125 # كان التعجيل في المغرب أفضل؛ لأن النافلة قبلها مكروهة؛ ولأن المكث بعد ~~العصر إلى غروب الشمس مندوب إليه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~صلى العصر ثم مكث في المسجد إلى غروب الشمس فكأنما أعتق ثمانيا من ولد ~~إسماعيل» ، وإنما يتمكن من إحراز هذه الفضيلة بالتأخير لا بالتعجيل لأنه ~~قلما يمكث. # وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - فقد كانت حيطان حجرتها قصيرة فتبقى ~~الشمس طالعة فيها إلى أن تتغير، وأما حديث أنس فقد كان ذلك في وقت الصيف ~~ومثله يتأتى للمستعجل إذا كان ذلك في وقت مخصوص لعذر والله أعلم. # (وأما) المغرب فالمستحب فيها التعجيل في الشتاء والصيف جميعا، وتأخيرها ~~إلى اشتباك النجوم مكروه، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا المغرب وأخروا العشاء» ؛ ولأن التعجيل ~~سبب لتكثير الجماعة والتأخير سبب لتقليلها؛ لأن الناس يشتغلون بالتعشي ~~والاستراحة فكان التعجيل أفضل، وكذا هو من باب المسارعة إلى الخير فكان ~~أولى (وأما) العشاء المستحب فيها التأخير إلى ثلث الليل في الشتاء، ويجوز ~~التأخير إلى نصف الليل، ويكره التأخير عن النصف وأما في الصيف فالتعجيل ~~أفضل، وعند الشافعي المستحب تعجيلها بعد غيبوبة الشفق لما ذكر، وعن النعمان ~~بن بشير أن النبي - صلى الله ms0283 عليه وسلم - كان يصلي العشاء حين يسقط القمر ~~في الليلة الثالثة وذلك عند غيبوبة الشفق يكون ولنا ما روي أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «أخر العشاء إلى ثلث الليل ثم خرج فوجد أصحابه في المسجد ~~ينتظرونه فقال: أما إنه لا ينتظر هذه الصلاة في هذا الوقت أحد غيركم ولولا ~~سقم السقيم وضعف الضعيف لأخرت العشاء إلى هذا الوقت» . # وفي حديث آخر قال: «لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى ثلث الليل» . # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: " أن صل ~~العشاء حين يذهب ثلث الليل، فإن أبيت فإلى نصف الليل، فإن نمت فلا نامت ~~عيناك " وفي رواية فلا تكن من الغافلين، ولأن التأخير عن النصف الأخير ~~تعريض لها للفوات، فإن لم ينم إلى نصف الليل ثم نام فغلبه النوم فلا يستيقظ ~~في المعتاد إلى ما بعد انفجار الصبح، وتعريض الصلاة للفوات مكروه، ولأنه لو ~~عجل في الشتاء ربما يقع في السمر بعد العشاء؛ لأن الناس لا ينامون إلى ثلث ~~الليل لطول الليالي فيشتغلون بالسمر عادة، وأنه منهي عنه، ولأن يكون اختتام ~~صحيفته بالطاعة أولى من أن يكون بالمعصية، والتعجيل في الصيف لا يؤدي إلى ~~هذا القبيح لأنهم ينامون لقصر الليالي فتعتبر فيه المسارعة إلى الخير، ~~والحديث محمول على زمان الصيف أو على حال العذر. # وكان عيسى بن أبان يقول: الأولى تعجيلها للآثار، ولكن لا يكره التأخير ~~مطلقا، ألا ترى أن العذر لمرض ولسفر يؤخر المغرب للجمع بينها وبين العشاء ~~فعلا، ولو كان المذهب كراهة التأخير مطلقا لما أبيح ذلك بعذر المرض والسفر، ~~كما لا يباح تأخير العصر إلى تغير الشمس، هذا إذا كانت السماء مصحية، فإن ~~كانت متغيمة فالمستحب في الفجر والظهر والمغرب هو التأخير، وفي العصر ~~والعشاء التعجيل، وإن شئت أن تحفظ هذا فكل صلاة في أول اسمها (عين) تعجل، ~~وما ليس في أول اسمها (عين) تؤخر، أما التأخير في الفجر فلما ذكرنا؛ ولأنه ~~لو غلس بها فربما تقع قبل انفجار الصبح، ms0284 وكذا لو عجل الظهر فربما يقع قبل ~~الزوال، ولو عجل المغرب عسى يقع قبل الغروب، ولا يقال لو أخر ربما يقع في ~~وقت مكروه؛ لأن الترجيح عند التعارض للتأخير ليخرج عن عهدة الفرض بيقين ~~وأما تعجيل العصر عن وقتها المعتاد فلئلا يقع في وقت مكروه وهو وقت تغير ~~الشمس وليس فيه وهم الوقوع قبل الوقت؛ لأن الظهر قد أخر في هذا اليوم، ~~وتعجل العشاء كي لا تقع بعد انتصاف الليل، وليس في التعجيل توهم الوقوع قبل ~~الوقت؛ لأن المغرب قد أخر في هذا اليوم والله أعلم وروى الحسن عن أبي حنيفة ~~أن التأخير في الصلوات كلها أفضل في جميع الأوقات والأحوال، وهو اختيار ~~الفقيه الجليل أبي أحمد العياضي وعلل وقال: إن في التأخير ترددا بين وجهي ~~الجواز إما القضاء وإما الأداء، وفي التعجيل تردد بين وجهي الجواز والفساد ~~فكان التأخير أولى والله الموفق. # وعلى هذا الأصل قال أصحابنا: إنه لا يجوز الجمع بين فرضين في وقت أحدهما ~~إلا بعرفة والمزدلفة فيجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة، وبين ~~المغرب والعشاء في وقت العشاء بمزدلفة، اتفق عليه رواة نسك رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه فعله، ولا يجوز الجمع بعذر السفر والمطر. # وقال الشافعي: يجمع بين الظهر والعصر في وقت العصر وبين المغرب والعشاء # PageV01P126 # في وقت العشاء بعذر السفر والمطر، (واحتج) بما روى ابن عباس وابن عمر - ~~رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بعرفة بين ~~الظهر والعصر، وبمزدلفة بين المغرب والعشاء، ولأنه يحتاج إلى ذلك في السفر ~~كي لا ينقطع به السير، وفي المطر كي تكثر الجماعة، إذ لو رجعوا إلى منازلهم ~~لا يمكنهم الرجوع فيجوز الجمع بهذا كما يجوز الجمع بعرفة بين الظهر والعصر، ~~وبمزدلفة بين المغرب والعشاء. # (ولنا) أن تأخير الصلاة عن وقتها من الكبائر فلا يباح بعذر السفر والمطر ~~كسائر الكبائر، والدليل على أنه من الكبائر ما روي عن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0285 - قال: «من جمع بين صلاتين في ~~وقت واحد فقد أتى بابا من الكبائر» ، وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ~~الجمع بين الصلاتين من الكبائر، ولأن هذه الصلوات عرفت مؤقتة بأوقاتها ~~بالدلائل المقطوع بها من الكتاب والسنة المتواترة والإجماع، فلا يجوز ~~تغييرها عن أوقاتها بضرب من الاستدلال أو بخبر الواحد، مع أن الاستدلال ~~فاسد؛ لأن السفر والمطر لا أثر لهما في إباحة تفويت الصلاة عن وقتها، ألا ~~ترى أنه لا يجوز الجمع بين الفجر والظهر مع ما ذكرتم من العذر؟ والجمع ~~بعرفة ما كان لتعذر الجمع بين الوقوف والصلاة؛ لأن الصلاة لا تضاد الوقوف ~~بعرفة، بل ثبت غير معقول المعنى بدليل الإجماع والتواتر عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فصلح معارضا للدليل المقطوع به، وكذا الجمع بمزدلفة غير ~~معلول بالسير، ألا ترى أنه لا يفيد إباحة الجمع بين الفجر والظهر، وما روي ~~من الحديث في خبر الآحاد فلا يقبل في معارضة الدليل المقطوع به، مع أنه ~~غريب ورد في حادثة تعم بها البلوى، ومثله غير مقبول عندنا ثم هو مؤول ~~وتأويله أنه جمع بينهما فعلا لا وقتا، بأن أخر الأولى منهما إلى آخر الوقت ~~ثم أدى الأخرى في أول الوقت ولا واسطة بين الوقتين فوقعتا مجتمعتين فعلا، ~~كذا فعل ابن عمر - رضي الله عنهما - في سفر وقال: هكذا كان يفعل بنا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - دل عليه ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما ~~- أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع من غير مطر ولا سفر» وذلك لا يجوز ~~إلا فعلا، وعن علي - رضي الله عنه - أنه جمع بينهما فعلا ثم قال: هكذا فعل ~~بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهكذا روي عن أنس بن مالك أنه جمع ~~بينهما فعلا ثم قال: هكذا فعل بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وأما الوقت المكروه لبعض الصلوات المفروضة فهو وقت تغير الشمس للمغيب ~~لأداء صلاة العصر، يكره أداؤها عنده للنهي عن عموم الصلوات في الأوقات ~~الثلاثة: منها ms0286 - إذا تضيفت الشمس للمغيب على ما يذكر. # وقد ورد وعيد خاص في أداء صلاة العصر في هذا الوقت، وهو ما روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يجلس أحدكم حتى إذا كانت الشمس بين ~~قرني شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا تلك صلاة المنافقين ~~قالها ثلاثا» ، لكن يجوز أداؤها مع الكراهة حتى يسقط الفرض عن ذمته، ولا ~~يتصور أداء الفرض وقت الاستواء قبل الزوال؛ لأنه لا فرض قبله، وكذا لا ~~يتصور أداء الفجر مع طلوع الشمس عندنا، حتى لو طلعت الشمس وهو في خلال ~~الصلاة تفسد صلاته عندنا، وعند الشافعي لا تفسد ويقول: إن النهي عن النوافل ~~لا عن الفرائض بدليل أن عصر يومه جائز بالإجماع. # (ونحن) نقول النهي عام بصيغته ومعناه أيضا لما يذكر في قضاء الفرائض في ~~هذه الأوقات، وروي عن أبي يوسف أن الفجر لا تفسد بطلوع الشمس لكنه يصبر حتى ~~ترتفع الشمس فيتم صلاته؛ لأنا لو قلنا كذلك لكان مؤديا بعض الصلاة في ~~الوقت، ولو أفسدنا لوقع الكل خارج الوقت، ولا شك أن الأول أولى والله أعلم. # (والفرق) بينه وبين مؤدي العصر إذا غربت عليه الشمس وهو في خلال الصلاة ~~قد ذكرناه فيما تقدم. # (ومنها) - النية وإنها شرط صحة الشروع في الصلاة؛ لأن الصلاة عبادة، ~~والعبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى، قال الله تعالى: {وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5] ، والإخلاص لا يحصل بدون النية. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا عمل لمن لا نية له» . # وقال: «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى» ، والكلام في النية في ثلاث ~~مواضع: أحدها - في تفسير النية، والثاني - في كيفية النية، والثالث - في ~~وقت النية. # (أما) الأول فالنية هي الإرادة، فنية الصلاة هي إرادة الصلاة لله تعالى ~~على الخلوص، والإرادة عمل القلب. # (وأما) كيفية النية فالمصلي لا يخلو إما أن يكون منفردا، وإما أن يكون ~~إماما، وإما أن يكون مقتديا. # فإن كان منفردا إن كان # PageV01P127 # يصلي التطوع تكفيه نية ms0287 الصلاة؛ لأنه ليس لصلاة التطوع صفة زائدة على أصل ~~الصلاة ليحتاج إلى أن ينويها، فكان شرط النية فيها لتصير لله تعالى، وأنها ~~تصير لله تعالى بنية مطلق الصلاة، ولهذا يتأدى صوم النفل خارج رمضان بمطلق ~~النية. # وإن كان يصلي الفرض لا يكفيه نية مطلق الصلاة؛ لأن الفرضية صفة زائدة على ~~أصل الصلاة فلا بد وأن ينويها فينوي فرض الوقت أو ظهر الوقت أو نحو ذلك، ~~ولا تكفيه نية مطلق الفرض؛ لأن غيرها من الصلوات المفروضة مشروعة في الوقت ~~فلا بد من التعيين. # وقال بعضهم: تكفيه نية الظهر والعصر؛ لأن ظهر الوقت هو المشروع الأصلي ~~فيه، وغيره عارض، فعند الإطلاق ينصرف إلى ما هو الأصل، كمطلق اسم الدرهم ~~أنه ينصرف إلى نقد البلد، والأول أحوط وحكي عن الشافعي أنه يحتاج مع نية ~~ظهر الوقت إلى نية الفرض، وهذا بعيد؛ لأنه إذا نوى الظهر فقد نوى الفرض، إذ ~~الظهر لا يكون إلا فرضا، وكذا ينبغي أن ينوي صلاة الجمعة، وصلاة العيدين، ~~وصلاة الجنازة، وصلاة الوتر؛ لأن التعيين يحصل بهذا وإن كان إماما فكذلك ~~الجواب؛ لأنه منفرد فينوي ما ينوي المنفرد، وهل يحتاج إلى نية الإمامة؟ أما ~~نية إمامة الرجال فلا يحتاج إليها ويصح اقتداؤهم به بدون نية إمامتهم. # وأما نية إمامة النساء فشرط لصحة اقتدائهن به عند أصحابنا الثلاثة، وعند ~~زفر ليس بشرط، حتى لو لم ينو لم يصح اقتداؤهن به عندنا، خلافا لزفر، قاس ~~إمامة النساء بإمامة الرجال، وهناك النية ليست بشرط كذا هذا، وهذا القياس ~~غير سديد؛ لأن المعنى يوجب الفرق بينهما وهو أنه لو صح اقتداء المرأة ~~بالرجل فربما تحاذيه فتفسد صلاته فيلحقه الضرر من غير اختياره، فشرط نية ~~اقتدائها به حتى لا يلزمه الضرر من غير التزامه ورضاه، وهذا المعنى منعدم ~~في جانب الرجال، ولأنه مأمور بأداء الصلاة فلا بد من أن يكون متمكنا من ~~صيانتها عن النواقض، ولو صح اقتداؤها به من غير نية لم يتمكن من الصيانة؛ ~~لأن المرأة تأتي فتقتدي به ثم تحاذيه فتفسد صلاته. ms0288 # وأما في الجمعة والعيدين فأكثر مشايخنا قالوا: إن نية إمامتهن شرط فيهما، ~~ومنهم من قال: ليست بشرط؛ لأنها لو شرطت للحقها الضرر لأنها لا تقدر على ~~أداء الجمعة والعيدين وحدها، ولا تجد إماما آخر تقتدي به، والظاهر أنها لا ~~تتمكن من الوقوف بجنب الإمام في هاتين الصلاتين لازدحام الناس فصح اقتداؤها ~~لدفع الضرر عنها بخلاف سائر الصلوات وإن كان مقتديا فإنه يحتاج إلى ما ~~يحتاج إليه المنفرد، ويحتاج لزيادة نية الاقتداء بالإمام؛ لأنه ربما يلحقه ~~الضرر بالاقتداء فتفسد صلاته بفساد صلاة الإمام، فشرط نية الاقتداء حتى ~~يكون لزوم الضرر مضافا إلى التزامه، ثم تفسير نية الاقتداء بالإمام هو أن ~~ينوي فرض الوقت والاقتداء بالإمام فيه، أو ينوي الشروع في صلاة الإمام، أو ~~ينوي الاقتداء بالإمام في صلاته، ولو نوى الاقتداء بالإمام ولم يعين صلاة ~~الإمام ولا نوى فرض الوقت هل يجزيه عن الفرض؟ اختلف المشايخ فيه، قال ~~بعضهم: لا يجزيه؛ لأن اقتداءه به يصح في الفرض والنفل جميعا فلا بد من ~~التعيين، مع أن النفل أدناهما، فعند الإطلاق ينصرف إلى الأدنى ما لم يعين ~~الأعلى. # وقال بعضهم: يجزيه؛ لأن الاقتداء عبارة عن المتابعة والشركة فيقتضي ~~المساواة، ولا مساواة إلا إذا كانت صلاته مثل صلاة الإمام، فعند الإطلاق ~~ينصرف إلى الفرض، إلا إذا نوى الاقتداء به في النفل. # ولو نوى صلاة الإمام ولم ينو الاقتداء به لم يصح الاقتداء به؛ لأنه نوى ~~أن يصلي مثل صلاة الإمام وذلك قد يكون بطريق الانفراد. # وقد يكون بطريق التبعية للإمام فلا تتعين جهة التبعية بدون النية. # من مشايخنا من قال: إذا انتظر تكبير الإمام ثم كبر بعده كفاه عن نية ~~الاقتداء؛ لأن انتظاره تكبيرة الإمام قصد منه الاقتداء به، وهو تفسير ~~النية، وهذا غير سديد؛ لأن الانتظار متردد قد يكون لقصد الاقتداء. # وقد يكون بحكم العادة فلا يصير مقتديا بالشك والاحتمال. # ولو اقتدى بإمام ينوي صلاته، ولم يدر أنها الظهر أو الجمعة - أجزأه أيهما ~~كان؛ لأنه بنى صلاته على صلاة الإمام وذلك معلوم عند ms0289 الإمام، والعلم في حق ~~الأصل يغني عن العلم في حق التبع، والأصل فيه ما روي أن عليا وأبا موسى ~~الأشعري - رضي الله عنهما - قدما من اليمن على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بمكة فقال - صلى الله عليه وسلم -: بم أهللتما؟ فقالا: بإهلال ~~كإهلال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجوز ذلك لهما. # وإن لم يكن معلوما وقت الإهلال فإن لم ينو صلاة الإمام ولكنه نوى الظهر ~~والاقتداء فإذا هي جمعة - فصلاته فاسدة؛ لأنه نوى غير صلاة الإمام، وتغاير ~~الفرضين يمنع # PageV01P128 # صحة الاقتداء على ما نذكر. # ولو نوى صلاة الإمام والجمعة فإذا هي الظهر جازت صلاته؛ لأنه لما نوى ~~صلاة الإمام فقد تحقق البناء فلا يعتبر ما زاد عليه بعد ذلك، كمن نوى ~~الاقتداء بهذا الإمام وعنده أنه زيد فإذا هو عمرو كان اقتداؤه صحيحا، بخلاف ~~ما إذا نوى الاقتداء بزيد والإمام عمرو ثم المقتدي إذا وجد الإمام في حال ~~القيام يكبر للافتتاح قائما، ثم يتابعه في القيام ويأتي بالثناء وإن وجده ~~في الركوع يكبر للافتتاح قائما، ثم يكبر أخرى مع الانحطاط للركوع، ويتابعه ~~في الركوع، ويأتي بتسبيحات الركوع وإن وجده في القومة التي بين الركوع ~~والسجود، أو في القعدة التي بين السجدتين يتابعه في ذلك ويسكت، ولا خلاف في ~~أن المسبوق يتابع الإمام في مقدار التشهد إلى قوله: " وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله " وهل يتابعه في الزيادة عليه ذكر القدوري أنه لا يتابعه عليه؛ لأن ~~الدعاء مؤخر إلى القعدة الأخيرة وهذه قعدة أولى في حقه، وروى إبراهيم بن ~~رستم عن محمد أنه قال: يدعو بالدعوات التي في القرآن، وروى هشام عن محمد ~~أنه يدعو بالدعوات التي في القرآن ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقال بعضهم: يسكت وعن هشام من ذات نفسه ومحمد بن شجاع البلخي أنه يكرر ~~التشهد إلى أن يسلم الإمام؛ لأن هذه قعدة أولى في حقه، والزيادة على التشهد ~~في القعدة الأولى غير مسنونة، ولا معنى للسكوت في الصلاة إلا الاستماع ~~فينبغي أن يكرر التشهد ms0290 مرة بعد أخرى. # (وأما) بيان وقت النية فقد ذكر الطحاوي أنه يكبر تكبيرة الافتتاح مخالطا ~~لنيته إياها، أي مقارنا أشار إلى أن وقت النية وقت التكبير، وهو عندنا ~~محمول على الندب والاستحباب دون الحتم والإيجاب، فإن تقديم النية على ~~التحريمة جائز عندنا إذا لم يوجد بينهما عمل يقطع أحدهما عن الآخر، والقران ~~ليس بشرط، وعند الشافعي القران شرط (وجه) قوله أن الحاجة إلى النية لتحقيق ~~معنى الإخلاص، وذلك عند الشروع لا قبله، فكانت النية قبل التكبير هدرا، ~~وهذا هو القياس في باب الصوم، إلا أنه سقط القران هناك لمكان الحرج؛ لأن ~~وقت الشروع في الصوم وقت غفلة ونوم، ولا حرج في باب الصلاة فوجب اعتباره. # (ولنا) قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات» مطلقا عن ~~شرط القران، وقوله: «لكل امرئ ما نوى» مطلقا أيضا، وعنده لو تقدمت النية لا ~~يكون له ما نوى، وهذا خلاف النص؛ ولأن شرط القران لا يخلو عن الحرج فلا ~~يشترط كما في باب الصوم، فإذا قدم النية ولم يشتغل بعمل يقطع نيته يجزئه، ~~كذا روي عن أبي يوسف ومحمد، فإن محمدا ذكر في كتاب المناسك أن من خرج من ~~بيته يريد الحج فأحرم ولم تحضره نية الحج عند الإحرام يجزئه، وذكر في كتاب ~~التحري أن من أخرج زكاة ماله يريد أن يتصدق به على الفقراء فدفع ولم تحضره ~~نية عند الدفع أجزأه، وذكر محمد بن شجاع البلخي في نوادره عن محمد في رجل ~~توضأ يريد الصلاة فلم يشتغل بعمل آخر وشرع في الصلاة - جازت صلاته وإن ~~عريته النية وقت الشروع. # وروي عن أبي يوسف فيمن خرج من منزله يريد الفرض في الجماعة فلما انتهى ~~إلى الإمام كبر ولم تحضره النية في تلك الساعة - أنه يجوز. # قال الكرخي: ولا أعلم أحدا من أصحابنا خالف أبا يوسف في ذلك، وذلك لأنه ~~لما عزم على تحقيق ما نوى فهو على عزمه ونيته إلى أن يوجد القاطع ولم يوجد ~~وبه تبين أن معنى الإخلاص يحصل بنية متقدمة؛ لأنها ms0291 موجودة وقت الشروع ~~تقديرا على ما مر، وعن محمد بن سلمة أنه إذا كان بحال لو سئل عند الشروع: ~~أي صلاة تصلي؟ يمكنه الجواب على البديهة من غير تأمل يجزئه وإلا فلا وإن ~~نوى بعد التكبير لا يجوز، إلا ما روى الكرخي أنه إذا نوى وقت الثناء يجوز؛ ~~لأن الثناء من توابع التكبير، وهذا فاسد؛ لأن سقوط القران لمكان الحرج، ~~والحرج يندفع بتقديم النية فلا ضرورة إلى التأخير. # ولو نوى بعد قوله: " الله " قبل قوله: " أكبر " - لا يجوز؛ لأن الشروع ~~يصح بقوله: " الله " لما يذكر، فكأنه نوى بعد التكبير وأما نية الكعبة فقد ~~روى الحسن عن أبي حنيفة أنها شرط؛ لأن التوجه إلى الكعبة هو الواجب في ~~الأصل. # وقد عجز عنه بالبعد فينويها بقلبه، والصحيح أنه ليس بشرط؛ لأن قبلته حالة ~~البعد جهة الكعبة وهي المحاريب لا عين الكعبة لما بينا فيما تقدم، فلا حاجة ~~إلى النية. # وقال بعضهم: إن أتى به فحسن، وإن تركه لا يضره وإن نوى مقام إبراهيم - ~~عليه الصلاة والسلام - أو المسجد الحرام ولم ينو الكعبة - لا يجوز؛ لأنه ~~ليس من الكعبة، وعن الفقيه الجليل أبي أحمد العياضي أنه سئل عمن نوى مقام ~~إبراهيم - عليه السلام - فقال: إن # PageV01P129 # كان هذا الرجل لم يأت مكة أجزأه؛ لأن عنده أن البيت والمقام واحد، وإن ~~كان قد أتى مكة لا يجوز؛ لأنه عرف أن المقام غير البيت. # (ومنها) - التحريمة وهي تكبيرة الافتتاح وإنها شرط صحة الشروع في الصلاة ~~عند عامة العلماء. # وقال ابن علية وأبو بكر الأصم: أنها ليست بشرط ويصح الشروع في الصلاة ~~بمجرد النية من غير تكبير، فزعما أن الصلاة أفعال وليست بأذكار حتى أنكر ~~افتراض القراءة في الصلاة على ما ذكرنا فيما تقدم. # (ولنا) قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى ~~يضع الطهور مواضعه، ويستقبل القبلة، ويقول: الله أكبر» ، نفى قبول الصلاة ~~بدون التكبير، فدل على كونه شرطا، لكن إنما يؤخذ هذا الشرط على القادر عن ~~العاجز، فلذلك جازت صلاة الأخرس؛ ms0292 ولأن الأفعال أكثر من الأذكار فالقادر على ~~الأفعال يكون قادرا على الأكثر، وللأكثر حكم الكل، فكأنه قدر على الأذكار ~~تقديرا، ثم لا بد من بيان صفة الذكر الذي يصير به شارعا في الصلاة # وقد اختلف فيه فقال أبو حنيفة ومحمد: يصح الشروع في الصلاة بكل ذكر هو ~~ثناء خالص لله - تعالى - يراد به تعظيمه لا غير، مثل أن يقول: الله أكبر، ~~الله الأكبر، الله الكبير، الله أجل، الله أعظم، أو يقول: الحمد لله أو ~~سبحان الله أو لا إله إلا الله، وكذلك كل اسم ذكر مع الصفة نحو أن يقول: ~~الرحمن أعظم، الرحيم أجل، سواء كان يحسن التكبير أو لا يحسن، وهو قول ~~إبراهيم النخعي. # وقال أبو يوسف: لا يصير شارعا إلا بألفاظ مشتقة من التكبير، وهي ثلاثة: ~~الله أكبر، الله الأكبر، الله الكبير. # إلا إذا كان لا يحسن التكبير، أو لا يعلم أن الشروع بالتكبير. # وقال الشافعي: لا يصير شارعا إلا بلفظين: الله أكبر، الله الأكبر وقال ~~مالك: لا يصير شارعا إلا بلفظ واحد، وهو الله أكبر، واحتج بما روينا من ~~الحديث وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع ~~الطهور مواضعه، ويستقبل القبلة، ويقول: الله أكبر» ، نفى القبول بدون هذه ~~اللفظة فيجب مراعاة عين ما ورد به النص دون التعليل، إذ التعليل للتعدية لا ~~لإبطال حكم النص كما في الأذان، ولهذا لا يقام السجود على الخد والذقن مقام ~~السجود على الجبهة وبهذا يحتج الشافعي إلا أنه يقول: في الأكبر أتى ~~بالمشروع وزيادة شيء، فلم تكن الزيادة مانعة، كما إذا قال: الله أكبر ~~كبيرا، فأما العدول عما ورد الشرع به فغير جائز وأبو يوسف يحتج بقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: وتحريمها التكبير، والتكبير حاصل بهذه الألفاظ ~~الثلاثة، فإن أكبر هو الكبير، قال الله تعالى: {وهو أهون عليه} [الروم: 27] ~~أي هين عليه عند بعضهم، إذ ليس شيء أهون على الله من شيء، بل الأشياء كلها ~~بالنسبة إلى دخولها تحت قدرته كشيء واحد، والتكبير مشتق ms0293 من الكبرياء، ~~والكبرياء تنبئ عن العظمة والقدم، يقال: هذا أكبر القوم أي أعظمهم منزلة ~~وأشرفهم قدرا، ويقال: هو أكبر من فلان أي أقدم منه فلا يمكن إقامة غيره من ~~الألفاظ مقامه لانعدام المساواة في المعنى، إلا أنا حكمنا بالجواز إذا لم ~~يحسن، أو لا يعلم أن الصلاة تفتتح بالتكبير للضرورة وأبو حنيفة ومحمد احتجا ~~بقوله تعالى: {وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 15] ، والمراد منه ذكر اسم الرب ~~لافتتاح الصلاة لأنه عقب الصلاة الذكر بحرف يوجب التعقيب بلا فصل، والذكر ~~الذي تتعقبه الصلاة بلا فصل هو تكبيرة الافتتاح، فقد شرع الدخول في الصلاة ~~بمطلق الذكر فلا يجوز التقييد باللفظ المشتق من الكبرياء بأخبار الآحاد، ~~وبه تبين أن الحكم تعلق بتلك الألفاظ من حيث هي مطلق الذكر لا من حيث هي ~~ذكر بلفظ خاص، وأن الحديث معلول به لأنا إذا عللناه بما ذكر بقي معمولا به ~~من حيث اشتراط مطلق الذكر، ولو لم نعلل احتجنا إلى رده أصلا لمخالفته ~~الكتاب، فإذا ترك التعليل هو المؤدي إلى إبطال حكم النص دون التعليل، على ~~أن التكبير يذكر ويراد به التعظيم، قال تعالى: {وكبره تكبيرا} [الإسراء: ~~111] ، أي عظمه تعظيما. # وقال تعالى: {فلما رأينه أكبرنه} [يوسف: 31] ، أي عظمنه، وقال تعالى: ~~{وربك فكبر} [المدثر: 3] أي فعظم، فكان الحديث واردا بالتعظيم، وبأي اسم ~~ذكر فقد عظم الله - تعالى -، وكذا من سبح الله - تعالى - فقد عظمه ونزهه ~~عما لا يليق به من صفات النقص وسمات الحدث، فصار واصفا له بالعظمة والقدم، ~~وكذا إذا هلل؛ لأنه إذا وصفه بالتفرد والألوهية فقد وصفه بالعظمة والقدم ~~لاستحالة ثبوت الإلهية دونهما، وإنما لم يقم السجود على الخد مقام السجود ~~على الجبهة للتفاوت في التعظيم كما في الشاهد، بخلاف الأذان؛ لأن المقصود ~~منه هو الإعلام، وأنه لا يحصل إلا بهذه الكلمات المشهورة المتعارفة فيما ~~بين الناس، حتى لو حصل الإعلام بغير هذه # PageV01P130 # الألفاظ يجوز، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة، وكذا روى أبو يوسف في ~~الأمالي، والحاكم في المنتقى، والدليل على أن قوله: الله أكبر، ms0294 أو الرحمن ~~أكبر سواء قوله تعالى: {أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء} ~~[الإسراء: 110] ، ولهذا يجوز الذبح باسم الرحمن، أو باسم الرحيم، فكذا هذا، ~~والذي يحقق مذهبهما ما روي عن عبد الرحمن السلمي أن الأنبياء - صلوات الله ~~عليهم - كانوا يفتتحون الصلاة بلا إله إلا الله، ولنا بهم أسوة هذا إذا ذكر ~~الاسم والصفة، فأما إذا ذكر الاسم لا غير بأن قال: " الله " لا يصير شارعا ~~عند محمد، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يصير شارعا، وكذا روى بشر عن أبي ~~يوسف عن أبي حنيفة لمحمد أن النص ورد بالاسم والصفة فلا يجوز الاكتفاء ~~بمجرد الاسم ولأبي حنيفة أن النص معلول بمعنى التعظيم، وأنه يحصل بالاسم ~~المجرد، والدليل عليه أنه يصير شارعا بقوله: " لا إله إلا الله "، والشروع ~~إنما يحصل بقوله: " الله " لا بالنفي، ولو قال: " اللهم اغفر لي " لا يصير ~~شارعا بالإجماع؛ لأنه لم يخلص تعظيما لله - تعالى - بل هو للمسألة والدعاء ~~دون خالص الثناء والتعظيم. # ولو قال: " اللهم " اختلف المشايخ فيه لاختلاف أهل اللغة في معناه، قال ~~بعضهم: يصير شارعا؛ لأن الميم في قوله اللهم بدل عن النداء، كأنه قال: " يا ~~الله ". # وقال بعضهم: لا يصير شارعا؛ لأن الميم في قوله: " اللهم " بمعنى السؤال، ~~معناه اللهم آمنا بخير، أي أردنا به فيكون دعاء لا ثناء خالصا كقوله: اللهم ~~اغفر لي ولو افتتح الصلاة بالفارسية بأن قال: خداي بزر كنر أو خداي بزرك - ~~يصير شارعا عند أبي حنيفة، وعندهما لا يصير شارعا إلا إذا كان لا يحسن ~~العربية. # ولو ذبح وسمى بالفارسية يجوز بالإجماع، فأبو يوسف مر على أصله في مراعاة ~~المنصوص عليه، والمنصوص عليه لفظة التكبير بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«وتحريمها التكبير» ، وهي لا تحصل بالفارسية، وفي باب الذبح المنصوص عليه ~~هو مطلق الذكر بقوله: {فاذكروا اسم الله عليها صواف} [الحج: 36] وذا يحصل ~~بالفارسية، ومحمد فرق فجوز النقل إلى لفظ آخر من العربية، ولم يجوز النقل ~~إلى الفارسية فقال: العربية لبلاغتها ووجازتها تدل على معان لا تدل ms0295 عليها ~~الفارسية، فتحتمل الخلل في المعنى عند النقل منها إلى الفارسية، وكذا ~~للعربية من الفضيلة ما ليس لسائر الألسنة، ولهذا كان الدعاء بالعربية أقرب ~~إلى الإجابة، ولذلك خص الله - تعالى - أهل كرامته في الجنة بالتكلم بهذه ~~اللغة؛ فلا يقع غيرها من الألسنة موقع كلام العرب، إلا أنه إذا لم يحسن جاز ~~لمكان العذر وأبو حنيفة اعتمد كتاب الله - تعالى - في اعتبار مطلق الذكر، ~~واعتبر معنى التعظيم، وكل ذلك حاصل بالفارسية ثم شرط صحة التكبير أن يوجد ~~في حالة القيام في حق القادر على القيام، سواء كان إماما أو منفردا أو ~~مقتديا، حتى لو كبر قاعدا ثم قام لا يصير شارعا، ولو وجد الإمام في الركوع ~~أو السجود أو القعود ينبغي أن يكبر قائما ثم يتبعه في الركن الذي هو فيه، ~~ولو كبر للافتتاح في الركن الذي هو فيه لا يصير شارعا لعدم التكبير قائما ~~مع القدرة عليه. # (ومنها) - تقدم قضاء الفائتة التي يتذكرها إذا كانت الفوائت قليلة، وفي ~~الوقت سعة، هو شرط جواز أداء الوقتية، فهذا عندنا، وعند الشافعي ليس بشرط، ~~ولقب المسألة أن الترتيب بين القضاء والأداء شرط جواز الأداء عندنا، وإنما ~~يسقط بمسقط، وعنده ليس بشرط أصلا، ويجوز أداء الوقتية قبل قضاء الفائتة ~~فيقع الكلام فيه في الأصل في موضعين: أحدهما - في اشتراط هذا النوع من ~~الترتيب، والثاني - في بيان ما يسقطه. # (أما) الأول فجملة الكلام فيه أن الترتيب في الصلاة على أربعة أقسام: ~~أحدها - الترتيب في أداء هذه الصلوات الخمس، والثاني - الترتيب في قضاء ~~الفائتة وأداء الوقتية، والثالث - الترتيب في الفوائت، والرابع - الترتيب ~~في أفعال الصلاة. # (أما) الأول فلا خلاف في أن الترتيب في أداء الصلوات المكتوبات في ~~أوقاتها شرط جواز أدائها، حتى لا يجوز أداء الظهر في وقت الفجر، ولا أداء ~~العصر في وقت الظهر؛ لأن كل واحدة من هذه الصلوات لا تجب قبل دخول وقتها، ~~وأداء الواجب قبل وجوبه محال، واختلف فيما سوى ذلك. # (أما) الترتيب بين قضاء الفائتة وأداء الوقتية فقد قال أصحابنا: إنه ms0296 شرط. # وقال الشافعي: ليس بشرط. # (وجه) قوله أن هذا الوقت صار للوقتية بالكتاب والسنة المتواترة وإجماع ~~الأمة، فيجب أداؤها في وقتها كما في حال ضيق الوقت وكثرة الفوائت والنسيان. # (ولنا) قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها» وفي بعض الروايات: «لا وقت لها إلا ذلك، ~~فقد جعل وقت التذكر وقت الفائتة» ، فكان أداء الوقتية قبل قضاء الفائتة ~~أداء قبل وقتها فلا يجوز # PageV01P131 # وروي عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من نسي صلاة ~~فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام وليجعلها تطوعا، ثم ليقض ما ~~تذكر ثم ليعد ما كان صلاه مع الإمام» ، وهذا عين مذهبنا أنه تفسد الفرضية ~~للصلاة إذا تذكر الفائتة فيها، ويلزمه الإعادة، بخلاف حال ضيق الوقت وكثرة ~~الفوائت والنسيان؛ لأنا إنما عرفنا كون هذا الوقت وقتا للوقتية بنص الكتاب ~~والسنة المتواترة والإجماع، وعرفنا كونه وقتا للفائتة بخبر الواحد، والعمل ~~بخبر الواحد إنما يجب على وجه لا يؤدي إلى إبطال العمل بالدليل المقطوع به، ~~والاشتغال بالفائتة عند ضيق الوقت إبطال العمل به؛ لأنه تفويت للوقتية عن ~~الوقت، وكذا عند كثرة الفوائت؛ لأن الفوائت إذا كثرت تستغرق الوقت فتفوت ~~الوقتية عن وقتها؛ ولأن الشرع إنما جعل الوقت وقتا للفائتة لتدارك ما فات ~~فلا يصير وقتا لها على وجه يؤدي إلى تفويت صلاة أخرى وهي الوقتية؛ ولأن جعل ~~الشرع وقت التذكر وقتا للفائتة على الإطلاق ينصرف إلى وقت ليس بمشغول؛ لأن ~~المشغول لا يشغل، كما انصرف إلى وقت لا تكره الصلاة فيه. # (وأما) النسيان فلأن خبر الواحد جعل وقت التذكر وقتا للفائتة، ولا تذكر ~~ههنا فلم يصر الوقت وقتا للفائتة فبقي وقتا للوقتية فأما ههنا فقد وجد ~~التذكر فكان الوقت للفائتة بخبر الواحد، وليس في هذا إبطال العمل بالدليل ~~المقطوع به، بل هو جمع بين الدلائل، إذ لا يفوته شيء من الصلوات عن وقتها، ~~وليس فيه أيضا شغل ما هو مشغول، وهذا ms0297 لأنه لو أخر الوقتية وقضى الفائتة ~~تبين أن وقت الوقتية ما اتصل به الأداء، وأن ما قبل ذلك لم يكن وقتا لها بل ~~كان وقتا للفائتة بخبر الواحد، فلا يؤدي إلى إبطال العمل بالدليل المقطوع ~~به. # فأما عند ضيق الوقت - وإن لم يتصل به أداء الوقتية - لا يتبين أنه ما كان ~~وقتا له حتى تصير الصلاة فائتة وتبقى دينا عليه، وعلى هذا الخلاف الترتيب ~~في الفوائت أنه كما يجب مراعاة الترتيب بين الوقتية والفائتة - عندنا - يجب ~~مراعاته بين الفوائت إذا كانت الفوائت في حد القلة - عندنا أيضا -؛ لأن قلة ~~الفوائت لم تمنع وجوب الترتيب في الأداء فكذا في القضاء، والأصل فيه ما روي ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما شغل عن أربع صلوات يوم الخندق قضاهن ~~بعد هوي من الليل على الترتيب ثم قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، ويبنى ~~على هذا إذا ترك الظهر والعصر من يومين مختلفين، ولا يدري أيتهما أولى - ~~فإنه يتحرى؛ لأنه اشتبه عليه أمر لا سبيل إلى الوصول إليه بيقين وهو ~~الترتيب فيصار إلى التحري؛ لأنه عند انعدام الأدلة قام مقام الدليل الشرعي، ~~كما إذا اشتبهت عليه القبلة فإن مال قلبه إلى شيء عمل به؛ لأنه جعل كالثابت ~~بالدليل، وإن لم يستقر قلبه على شيء وأراد الأخذ بالثقة يصليهما ثم يعيد ما ~~صلى أولا أيتهما كانت، إلا أن البداءة بالظهر أولى؛ لأنها أسبق وجوبا في ~~الأصل، فيصلي الظهر ثم العصر ثم الظهر؛ لأن الظهر لو كانت هي التي فاتت ~~أولا فقد وقعت موقعها وجازت وكانت الظهر التي أداها بعد العصر ثانية نافلة ~~له، ولو كانت العصر هي المتروكة أولا كانت الظهر التي أداها قبل العصر ~~نافلة له، فإذا أدى العصر بعدها فقد وقعت موقعها وجازت، ثم إذا أدى الظهر ~~بعدها وقعت موقعها وجازت فيعمل كذلك ليخرج عما عليه بيقين، وهذا قول أبي ~~حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا نأمره إلا بالتحري، كذا ذكره أبو الليث ولم ~~يذكر أنه إذا استقر قلبه على شيء كيف يصنع ms0298 عندهما، وذكر الشيخ الإمام صدر ~~الدين أبو المعين أنه يصلي كل صلاة مرة واحدة، وقيل: لا خلاف في هذه ~~المسألة على التحقيق؛ لأنه ذكر الاستحباب على قول أبي حنيفة، وهما ما بينا ~~الاستحباب، وذكر عدم وجوب الإعادة على قولهما وأبو حنيفة ما أوجب الإعادة. # (وجه) قولهما: أن الواجب في موضع الشك والاشتباه هو التحري والعمل به لا ~~الأخذ باليقين، ألا ترى أن من شك في جهة القبلة يعمل بالتحري ولا يأخذ ~~باليقين بأن يصلي صلاة واحدة أربع مرات إلى أربع جهات؟ وكذا من شك في صلاة ~~واحدة فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا يتحرى ولا يبني على اليقين وهو الأقل ~~كذا هذا؛ ولأنه لو صلى إحدى الصلاتين مرتين فإنما يصلي مراعاة للترتيب، ~~والترتيب في هذه الحالة ساقط؛ لأنه حين بدأ بإحداهما لم يعلم يقينا أن عليه ~~صلاة أخرى قبل هذه لتصير هذه مؤداة قبل وقتها فسقط عنه الترتيب. # ولأبي حنيفة أنه مهما أمكن الأخذ باليقين كان أولى إلا إذا تضمن فسادا ~~كما في مسألة القبلة، فإن الأخذ بالثقة ثمة يؤدي إلى الفساد # PageV01P132 # حيث يقع ثلاث من الصلوات إلى غير القبلة بيقين، ولا تجوز الصلاة إلى غير ~~القبلة بيقين من غير ضرورة، فيتعذر العمل باليقين دفعا للفساد وههنا لا ~~فساد؛ لأن أكثر ما في الباب أنه يصلي إحدى الصلاتين مرتين فتكون إحداهما ~~تطوعا، وكذا في المسألة الثانية إنما لا يبنى على الأقل لاحتمال الفساد ~~لجواز أنه قد صلى أربعا فيصير بالقيام إلى الأخرى تاركا للقعدة الأخيرة وهي ~~فرض فتفسد صلاته، ولو أمر بالقعدة أولا ثم بالركعة لحصلت في الثالثة وأنه ~~غير مشروع، وههنا يصير آتيا بالواجب وهو الترتيب من غير أن يتضمن فسادا، ~~فكان الأخذ بالاحتياط أولى، وصار هذا كما إذا فاتته واحدة من الصلوات الخمس ~~ولا يدري أيتها هي أنه يؤمر بإعادة صلاة يوم وليلة احتياطا كذا ههنا. # (وأما) قولهما حين بدأ بإحداهما لا يعلم يقينا أن عليه أخرى قبل هذه فكان ~~الترتيب عنه ساقطا فنقول: حين صلى هذه يعلم ms0299 يقينا أن عليه أخرى لكنه لا ~~يعلم أنها سابقة على هذه أو متأخرة عنها، فإن كانت سابقة عليها لم تجز ~~المؤداة لعدم مراعاة الترتيب، وإن كانت المؤداة سابقة جازت، فوقع الشك في ~~الجواز فصارت المؤداة أول مرة دائرة بين الجواز والفساد فلا يسقط عنه ~~الواجب بيقين عند وقوع الشك في الجواز فيؤمر بالإعادة والله أعلم. # ولو شك في ثلاث صلوات الظهر من يوم، والعصر من يوم، والمغرب من يوم - ذكر ~~القدوري أن المتأخرين اختلفوا في هذا، منهم من قال: إنه يسقط الترتيب؛ لأن ~~ما بين الفوائت يزيد - على هذا - ست صلوات، فصارت الفوائت في حد الكثرة فلا ~~يجب اعتبار الترتيب في قضائها، فيصلي أية صلاة شاء، وهذا غير سديد؛ لأن ~~موضع هذه المسائل في حالة النسيان على ما يذكر، والترتيب عند النسيان ساقط ~~فكانت المؤديات بعد الفائتة في أنفسها جائزة لسقوط الترتيب، فبقيت الفوائت ~~في أنفسها في حد القلة فوجب اعتبار الترتيب فيها، فينبغي أن يصلي في هذه ~~الصورة سبع صلوات: يصلي الظهر أولا، ثم العصر، ثم الظهر، ثم المغرب، ثم ~~الظهر، ثم العصر، ثم الظهر، مراعاة للترتيب بيقين، والأصل في ذلك أن يعتبر ~~الفائتتين إذا انفردتا فيعيدهما على الوجه الذي بينا، ثم يأتي بالثالثة، ثم ~~يأتي بعد الثالثة ما كان يفعله في الصلاتين، وعلى هذا إذا كانت الفوائت ~~أربعا بأن ترك العشاء من يوم آخر فإنه يصلي سبع صلوات كما ذكرنا في المغرب، ~~ثم يصلي العشاء، ثم يصلي بعدها سبع صلوات مثل ما كان يصلي قبل الرابعة. # فإن قيل: في الاحتياط ههنا حرج عظيم، فإنه إذا فاتته خمس صلوات: الظهر ~~والعصر والمغرب والعشاء والفجر من أيام مختلفة لا يدري أي ذلك أول يحتاج ~~إلى أن يؤدي إحدى وثلاثين صلاة وفيه من الحرج ما لا يخفى، فالجواب أن بعض ~~مشايخنا قالوا: إن ما قالاه هو الحكم المراد؛ لأنه لا يمكن إيجاب القضاء مع ~~الاحتمال، إلا أن ما قاله أبو حنيفة احتياط لا حتم، ومنهم من قال: لا بل ~~الاختلاف بينهم ms0300 في حكم المراد، وإعادة الأولى واجبة عند أبي حنيفة؛ لأن ~~الترتيب في القضاء واجب فإذا لم يعلم به حقيقة وله طريق في الجملة يجب ~~المصير إليه، وهذا وإن كان فيه نوع مشقة لكنه مما لا يغلب وجوده فلا يؤدي ~~إلى الحرج، ثم ما ذكرنا من الجواب في حالة النسيان بأن صلى أياما ولم يخطر ~~بباله أنه ترك شيئا منها، ثم تذكر الفوائت ولم يتذكر الترتيب فأما إذا كان ~~ذاكرا للفوائت حتى صلى أياما مع تذكرها ثم نسي سقط الترتيب ههنا؛ لأن ~~الفوائت صارت في حد الكثرة؛ لأن المؤديات بعد الفوائت عندهما فاسدة إلى ~~الست وإذا فسدت كثرت الفوائت فسقط الترتيب، فله أن يصلي أية صلاة شاء من ~~غير الحاجة إلى التحري وأما على قياس قول أبي حنيفة لا يسقط الترتيب؛ لأن ~~المؤديات عنده تنقلب إلى الجواز إذا بلغت مع الفائتة ستا، وإذا انقلبت إلى ~~الجواز بقيت الفوائت في حد القلة فوجب اعتبار الترتيب فيها، فالحاصل أنه ~~يجب النظر إلى الفوائت فما دامت في حد القلة وجب مراعاة الترتيب فيها، وإذا ~~كثرت سقط الترتيب فيها؛ لأن كثرة الفوائت تسقط الترتيب في الأداء فلأن يسقط ~~في القضاء أولى، هذا إذا شك في صلاتين فأكثر، فأما إذا شك في صلاة واحدة ~~فاتته ولا يدري أية صلاة هي - يجب عليه التحري لما قلنا، فإن لم يستقر قلبه ~~على شيء يصلي خمس صلوات ليخرج عما عليه بيقين. # وقال محمد بن مقاتل الرازي: إنه يصلي ركعتين ينوي بهما الفجر، ويصلي ثلاث ~~ركعات أخر بتحريمة على حدة ينوي بها المغرب، ثم يصلي أربعا ينوي بها ما ~~فاتته، فإن كانت الفائتة ظهرا أو عصرا أو عشاء انصرفت هذه إليها وقال سفيان ~~الثوري: يصلي أربعا ينوي بها ما # PageV01P133 # عليه لكن بثلاث قعدات فيقعد، على رأس الركعتين والثلاث والأربع وهو قول ~~بشر، حتى لو كانت المتروكة فجرا لجازت لقعوده على رأس الركعتين والثاني ~~يكون تطوعا، ولو كانت المغرب لجازت لقعوده على ثلاث، ولو كانت من ذوات ~~الأربع كانت كلها فرضا ms0301 وخرج عن العهدة بيقين، إلا أن ما قلناه أحوط؛ لأن من ~~الجائز أن يكون عليه صلاة أخرى كان تركها في وقت آخر، ولو نوى ما عليه ~~ينصرف إلى تلك الصلاة أو يقع التعارض فلا ينصرف إلى هذه التي يصلي، فيعيد ~~صلاة يوم وليلة ليخرج عن عهدة ما عليه بيقين، وعلى هذا لو ترك سجدة من صلب ~~صلاة مكتوبة ولم يدر أية صلاة هي - يؤمر بإعادة خمس صلوات لأنها من أركان ~~الصلاة، فصار الشك فيها كالشك في الصلاة. # (وأما) بيان ما يسقط به الترتيب فالترتيب بين قضاء الفائتة وأداء الوقتية ~~يسقط بأحد خصال ثلاث: أحدها - ضيق الوقت بأن يذكر في آخر الوقت بحيث لو ~~اشتغل بالفائتة يخرج الوقت قبل أداء الوقتية، سقط عنه الترتيب في هذه ~~الحالة، لما ذكرنا أن في مراعاة الترتيب فيها إبطال العمل بالدليل المقطوع ~~به بدليل فيه شبهة، وهذا لا يجوز، ولو تذكر صلاة الظهر في آخر وقت العصر ~~بعد ما تغيرت الشمس فإنه يصلي العصر ولا يجزئه قضاء الظهر، لما ذكرنا فيما ~~تقدم أن قضاء الصلاة في هذا الوقت قضاء الكامل بالناقص، بخلاف عصر يومه. # وأما إذا تذكرها قبل تغير الشمس لكنه بحال لو اشتغل بقضائها لدخل عليه ~~وقت مكروه - لم يذكر في ظاهر الرواية، واختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا ~~يجوز له أن يؤدي العصر قبل أن يراعي الترتيب فيقضي الظهر ثم يصلي العصر؛ ~~لأنه لا يخاف خروج الوقت، فلم يتضيق الوقت فبقي وجوب الترتيب. # وقال بعضهم: لا. # بل يسقط الترتيب فيصلي العصر قبل الظهر ثم يصلي الظهر بعد غروب الشمس، ~~وذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني وقال: هذا عندي على الاختلاف الذي في صلاة ~~الجمعة، وهو أن من تذكر في صلاة الجمعة أنه لم يصل الفجر ولو اشتغل بالفجر ~~يخاف فوت الجمعة، ولا يخاف فوت الوقت: على قول أبي حنيفة وأبي يوسف يصلي ~~الفجر ثم الظهر، فلم يجعلا فوت الجمعة عذرا في سقوط الترتيب، وعلى قول محمد ~~يصلي الجمعة ثم الفجر، فجعل فوت الجمعة عذرا ms0302 في سقوط الترتيب، فكذا في هذه ~~المسألة، على قولهما يجب أن لا يجوز العصر وعليه الظهر فيصلي الظهر ثم ~~العصر وعلى قول محمد يمضي على صلاته. # ولو افتتح العصر في أول الوقت وهو ذاكر أن عليه الظهر وأطال القيام ~~والقراءة حتى دخل عليه وقت مكروه لا تجوز صلاته؛ لأن شروعه في العصر مع ترك ~~الظهر لم يصح، فيقطع ثم يفتتحها ثانيا ثم يصلي الظهر بعد الغروب. # ولو افتتحها وهو لا يعلم أن عليه الظهر فأطال القيام والقراءة حتى دخل ~~وقت مكروه ثم تذكر يمضي على صلاته؛ لأن المسقط للترتيب قد وجد عند افتتاح ~~الصلاة واختتامها، وهو النسيان وضيق الوقت ولو افتتح العصر في حال ضيق ~~الوقت وهو ذاكر للظهر فلما صلى منها ركعة أو ركعتين غربت الشمس - القياس أن ~~يفسد العصر؛ لأن العذر قد زال وهو ضيق الوقت فعاد الترتيب، وفي الاستحسان ~~يمضي فيها ثم يقضي الظهر ثم يصلي المغرب ذكره في نوادر الصلاة. # (والثاني) - النسيان لما ذكرنا أن خبر الواحد جعل وقت التذكر وقتا ~~للفائتة، ولا تذكر ههنا، فوجب العمل بالدليل المقطوع به. # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «صلى المغرب يوما ثم قال: رآني أحد ~~منكم صليت العصر؟ فقالوا: لا فصلى العصر ولم يعد المغرب» ، ولو وجب الترتيب ~~لأعاد، وعلى هذا لو صلى الظهر على غير وضوء وصلى العصر بوضوء وهو ذاكر لما ~~صنع فأعاد الظهر ولم يعد العصر، وصلى المغرب وهو يظن أن العصر تجزئه أعاد ~~العصر ولم يعد المغرب؛ لأن أداء الظهر على غير وضوء والامتناع عنه بمنزلة ~~فوات شرط أهلية الصلاة، فحين صلى العصر صلى وهو يعلم أن الظهر غير جائزة. # ولو لم يعلم وكان يظن أنها جائزة لم يكن هذا الظن معتبرا؛ لأنه نشأ عن ~~جهل، والظن إنما يعتبر إذا نشأ عن دليل أو شبهة دليل، ولم يوجد فكان هذا ~~جهلا محضا، فقد صلى العصر وهو عالم أن عليه الظهر فكان مصليا العصر في وقت ~~الظهر فلم يجز، ولو صلى المغرب قبل إعادتهما ms0303 جميعا لا يجوز؛ لأنه صلى ~~المغرب وهو يعلم أن عليه الظهر فصار المغرب في، وقت الظهر فلم يجز فأما لو ~~كان أعاد الظهر ولم يعد العصر فظن جوازها ثم صلى المغرب - فإنه يؤمر بإعادة ~~العصر ولا يؤمر بإعادة المغرب؛ لأن ظنه أن عصره جائز ظن معتبر؛ لأنه نشأ عن ~~شبهة دليل، ولهذا خفي على الشافعي فحين # PageV01P134 # صلى المغرب صلاها وعنده أن لا عصر عليه؛ لأنه أداها بجميع أركانها ~~وشرائطها المختصة بها، إنما خفي عليه بناء على شبهة دليل، ومن صلى المغرب ~~وعنده أن لا عصر عليه - حكم بجواز المغرب كما لو كان ناسيا للعصر، بل هذا ~~فوق النسيان؛ لأن ظن الناسي لم ينشأ عن شبهة دليل بل عن غفلة طبيعية، وهذا ~~الظن نشأ عن شبهة دليل فكان هذا فوق ذلك، ثم هناك حكم بجواز المغرب فههنا ~~أولى، ثم العلم بالفائتة كما هو شرط لوجوب الترتيب فالعلم بوجوبها حال ~~الفوات شرط لوجوب قضائها، حتى أن الحربي إذا أسلم في دار الحرب ومكث فيها ~~سنة ولم يعلم أن عليه الصلاة فلم يصل ثم علم - لا يجب عليه قضاؤها في قول ~~أصحابنا الثلاثة وقال زفر: عليه قضاؤها. # ولو كان هذا ذميا أسلم في دار الإسلام فعليه قضاؤها استحسانا، والقياس أن ~~لا قضاء عليه، وهو قول الحسن # (وجه) قول زفر: أنه بالإسلام التزم أحكامه، ووجوب الصلاة من أحكام ~~الإسلام فيلزمه، ولا يسقط بالجهل، كما لو كان هذا في دار الإسلام. # (ولنا) أن الذي أسلم في دار الحرب منع عنه العلم لانعدام سبب العلم في ~~حقه، ولا وجوب على من منع عنه العلم كما لا وجوب على من منع عنه القدرة ~~بمنع سببها، بخلاف الذي أسلم في دار الإسلام؛ لأنه ضيع العلم حيث لم يسأل ~~المسلمين عن شرائع الدين مع تمكنه من السؤال، والوجوب متحقق في حق من ضيع ~~العلم كما يتحقق في حق من ضيع القدرة، ولم يوجد التضييع ههنا إذ لا يوجد في ~~الحرب من يسأله عن شرائع الإسلام، حتى لو وجد ولم ms0304 يسأله يجب عليه، ويؤاخذ ~~بالقضاء إذا علم بعد ذلك؛ لأنه ضيع العلم وما منع منه كالذي أسلم في دار ~~الإسلام. # وقد خرج الجواب عما قاله زفر أنه التزم أحكام الإسلام؛ لأنا نقول: نعم ~~لكن حكما له سبيل الوصول إليه ولم يوجد، فإن بلغه في دار الحرب رجل واحد ~~فعليه القضاء فيما يترك بعد ذلك في قول أبي يوسف ومحمد، وهو إحدى الروايتين ~~عن أبي حنيفة، وفي رواية الحسن عنه لا يلزمه ما لم يخبره رجلان أو رجل ~~وامرأتان. # (وجه) هذه الرواية أن هذا خبر ملزم، ومن أصله اشتراط العدد في الخبر ~~الملزم، كما في الحجر على المأذون، وعزل الوكيل، والإخبار بجناية العبد. # (وجه) الرواية الأخرى وهي الأصح أن كل واحد مأمور من صاحب الشرع ~~بالتبليغ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا فليبلغ الشاهد الغائب» ~~وقال - صلى الله عليه وسلم -: «نضر الله امرءا سمع منا مقالة فوعاها كما ~~سمعها ثم أداها إلى من لم يسمعها» ، فهذا المبلغ نظير الرسول من المولي ~~والموكل، وخبر الرسول هناك ملزم فههنا كذلك والله أعلم. # (والثالث) - كثرة الفوائت، وقال بشر المريسي: الترتيب لا يسقط بكثرة ~~الفوائت حتى إن من ترك صلاة واحدة فصلى في جميع عمره وهو ذاكر للفائتة ~~فصلاة عمره على الفساد ما لم يقض الفائتة. # (وجه) قوله أن الدليل الموجب للترتيب لا يوجب الفصل بين قليل الفائت ~~وكثيره؛ ولأن كثرة الفوائت تكون عن كثرة تفريطه فلا يستحق به التخفيف. # (ولنا) أن الفوائت إذا كثرت لو وجب مراعاة الترتيب معها لفاتت الوقتية عن ~~الوقت، وهذا لا يجوز، لما ذكرنا أن فيه إبطال ما ثبت بالدليل المقطوع به ~~بخبر الواحد، ثم اختلف في حد أدنى الفوائت الكثيرة: في ظاهر الرواية أن ~~تصير الفوائت ستا، فإذا خرج وقت السادسة سقط الترتيب حتى يجوز أداء السابعة ~~قبلها. # وروى ابن سماعة عن محمد هو أن تصير الفوائت خمسا، فإذا دخل وقت السادسة ~~سقط الترتيب حتى يجوز أداء السادسة وعن زفر أنه يلزمه مراعاة الترتيب في ~~صلاة شهر، ولم ms0305 يرو عنه أكثر من شهر، فكأنه جعل حد الكثرة أن يزيد على شهر. # (وجه) ما روي عن محمد أن الكثير في كل باب كل جنسه، كالجنون إذا استغرق ~~الشهر في باب الصوم، والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأن الفوائت لا تدخل في حد ~~التكرار بدخول وقت السادسة، وإنما تدخل بخروج وقت السادسة؛ لأن كل واحدة ~~منها تصير مكررة، فعلى هذا لو ترك صلاة ثم صلى بعدها خمس صلوات وهو ذاكر ~~للفائتة فإنه يقضيهن؛ لأنهن في حد القلة بعد، ومراعاة الترتيب واجبة عند ~~قلة الفوائت؛ لأنه يمكن جعل الوقت وقتا لهن على وجه لا يؤدي إلى إخراجه من ~~أن يكون وقتا للوقتية، فصار مؤديا كل صلاة منها في وقت المتروكة. # والمتروكة قبل المؤداة، فصار مؤديا المؤداة قبل وقتها - فلم يجز، وعلى ~~قياس ما روي عن محمد يقضي المتروكة وأربعا بعدها؛ لأن السادسة جائزة، ولو ~~لم يقضها حتى صلى السابعة فالسابعة جائزة بالإجماع؛ لأن وقت السابعة وهي ~~المؤداة السادسة لم يجعل وقتا للفوائت # PageV01P135 # لأنه لو جعل وقتا لهن لخرج من أن يكون وقتا للوقتية لاستيعاب تلك الفوائت ~~هذا الوقت وفيه إبطال العمل بالدليل المقطوع به بخبر الواحد على ما بينا، ~~فبقي وقتا للوقتية، فإذا أداها حكم بجوازها لحصولها في وقتها، بخلاف ما إذا ~~كانت المؤديات بعد المتروكة خمسا؛ لأن هناك أمكن أن يجعل الوقت وقتا ~~للفائتة على وجه لا يخرج من أن يكون وقتا للوقتية فيجعل عملا بالدليلين، ثم ~~إذا صلى السابعة تعود المؤديات الخمس إلى الجواز في قول أبي حنيفة وعليه ~~قضاء الفائتة وحدها استحسانا، وعلى قولهما عليه قضاء الفائتة وخمس صلوات ~~بعدها، وهو القياس، وعلى هذا إذا ترك خمس صلوات ثم صلى السادسة وهو ذاكر ~~للفوائت فالسادسة موقوفة عند أبي حنيفة، حتى لو صلى السابعة تنقلب السادسة ~~إلى الجواز عنده، وعليه قضاء الخمس وعندهما لا تنقلب وعليه قضاء الست. # وكذلك لو ترك صلاة ثم صلى شهرا وهو ذاكر للفائتة فعليه قضاؤها لا غير عند ~~أبي حنيفة، وعندهما عليه قضاء الفائتة وخمس ms0306 بعدها، إلا على قياس ما روي عن ~~محمد أن عليه قضاء الفائتة وأربع بعدها، وعلى قول زفر يعيد الفائتة وجميع ~~ما صلى بعدها من صلاة الشهر، وهذه المسألة التي يقال لها: " واحدة تصحح ~~خمسا وواحدة تفسد خمسا "؛ لأنه إن صلى السادسة قبل القضاء صح الخمس عند أبي ~~حنيفة، وإن قضى المتروكة قبل أن يصلي السادسة فسدت الخمس. # (وجه) قولهما أن كل مؤداة إلى الخمس حصلت في وقت المتروكة؛ لأنه يمكن جعل ~~ذلك الوقت وقتا للمتروكة لكون المتروكة في حد القلة، ووقت المتروكة قبل وقت ~~هذه المؤداة، فحصلت المؤداة قبل وقتها ففسدت، فلا معنى بعد ذلك للحكم ~~بجوازها ولا للحكم بتوقفها للحال. # (وأما) وجه قول أبي حنيفة فقد اختلف فيه عبارات المشايخ، قال مشايخ بلخ: ~~إنا وجدنا صلاة بعد المتروكة جائزة وهي السادسة. # وقد أداها على نقص التركيب وترك التأليف، فكذا يحكم بجواز ما قبلها وإن ~~أداها على ترك التأليف ونقص التركيب، وهذه نكتة واهية؛ لأنه جمع بين ~~السادسة وبين ما قبلها في الجواز من غير جامع بينهما، بل مع قيام المعنى ~~المفرق، لما ذكرنا أن وقت السادسة ليس بوقت للمتروكة على ما قررنا، ووقت كل ~~صلاة مؤداة قبل السادسة وقت للمتروكة، فكان أداء السادسة أداء في وقتها ~~فجازت، وأداء كل مؤداة أداء قبل وقتها فلم تجز. # (وقال) مشايخ العراق: إن الكثرة علة سقوط الترتيب، فإذا أدى السادسة فقد ~~ثبتت الكثرة وهي صفة للكل لا محالة، فاستندت إلى أول المؤديات فنستند ~~لحكمها فيثبت الجواز للكل، وهذه نكتة ضعيفة أيضا؛ لأن الكثرة وإن صارت صفة ~~للكل لكنها تثبت للحال إلا أن يتبين أن أول المؤديات كما أديت تثبت لها صفة ~~الكثرة قبل وجود ما يتعقبها لاستحالة كثرة الوجود بما هو في حيز العدم بعد، ~~ولو اتصفت هي بالكثرة، ولا تتصف الذات بها وحدها لاستحالة كون الواحد كثيرا ~~بما يتعقبها من المؤديات، وتلك معدومة فيؤدي إلى اتصاف المعدوم بالكثرة وهو ~~محال، فدل أن صفة الكثرة تثبت للكل مقتصرا على وجود الأخيرة منها، كما ms0307 إذا ~~خلق الله - تعالى - جوهرا واحدا لم يتصف بكونه مجتمعا، فلو خلق منضما إليه ~~جوهر آخر لا يطلق اسم المجتمع على كل واحد منهما مقتصرا على الحال لما بينا ~~فكذا هذا، على أنا إن سلمنا هذه الدعوى الممتنعة على طريق المساهلة فلا حجة ~~لهم فيها أيضا؛ لأن المؤداة الأولى وإن اتصفت بالكثرة من وقت وجودها لكن لا ~~ينبغي أن يحكم بجوازها وسقوط الترتيب؛ لأن سقوط الترتيب كان متعلقا لمعنى ~~وهو استيعاب الفوائت وقت الصلاة، وتفويت الوقتية عن وقتها عند وجوب مراعاة ~~الترتيب فلم تجب المراعاة لئلا يؤدي إلى إبطال ما ثبت بالدليل المقطوع به ~~بما ثبت بخبر الواحد، وهذا المعنى منعدم في المؤديات الخمس، وإن اتصفت ~~بالكثرة، ولأن هذا يؤدي إلى الدور، فإن الجواز وسقوط الترتيب بسبب صفة كثرة ~~الفوائت، ومتى حكم بالجواز لم تبق كثرة الفوائت فيجيء الترتيب، ومتى جاء ~~الترتيب جاء الفساد، فلا يمكن القول بالجواز، فثبت أن الوجهين غير صحيحين. # والوجه الصحيح لتصحيح مذهب أبي حنيفة ما ذكره الشيخ الإمام أبو المعين ~~وهو أن أداء السادسة من المؤديات حصل في وقت هو وقتها بالدلائل أجمع وليس ~~بوقت للفائتة بوجه من الوجوه، لما ذكرنا أن في جعل هذا الوقت وقتا للفائتة ~~إبطال العمل بالدليل المقطوع به فسقط العمل بخبر الواحد أصلا، وانتهى ما هو ~~وقت الفائتة، فإذا قضيت الفائتة بعد # PageV01P136 # أداء السادسة من المؤديات التحقت بمحلها الأصلي وهو وقتها الأصلي؛ لأنها ~~لا بد لها من محل فالتحاقها بمحلها أولى لوجهين: أحدهما - أنه لا مزاحم لها ~~في ذلك الوقت؛ لأنه وقت متعين له، وله في هذا الوقت مزاحم؛ لأنه وقت خمس ~~صلوات، وليس البعض في القضاء في هذا الوقت أولى من البعض، فالتحاقها بوقت ~~لا مزاحم لها فيه أولى. # (والثاني) - أن ذلك وقته بالدليل المقطوع به، وهذا وقت غيره بالدليل ~~المقطوع به، وإنما يجعل وقتا له بخبر الواحد فيرجح ذلك على هذا فالتحقت ~~بمحلها الأصلي حكما، والثابت حكما كالثابت حقيقة، وإذا التحقت بمحلها ~~الأصلي تبين أن الخمس المؤديات أديت ms0308 في أوقاتها فحكم بجوازها، بخلاف ما إذا ~~قضيت المتروكة قبل أداء السادسة؛ لأنها قضيت في وقت هو وقتها من حيث ~~الظاهر؛ لأن خبر الواحد أوجب كونه وقتا لها، فإذا قضيت فيما هو وقتها ظاهرا ~~تتقرر فيه ولا تلتحق بمحلها الأصلي فلم يتبين أن المؤديات الخمس أديت بعد ~~الفائتة، بل تبين أنها أديت قبل الفائتة لاستقرار الفائتة بمحل قضائها وعدم ~~التحاقها بمحلها الأصلي، فحكم بفساد المؤديات، وبخلاف حال النسيان وضيق ~~الوقت إذا أدى الوقتية ثم قضى الفائتة، حيث لا تجب إعادة الوقتية، ولو ~~التحقت الفائتة بمحلها الأصلي لوجب إعادة الوقتية؛ لأنه تبين أنها حصلت قبل ~~وقت الفائتة؛ لأن هناك المؤدى حصل في وقت هو وقت لها من جميع الوجوه على ما ~~مر، فأداء الفائتة بعد ذلك لا يخرج هذا الوقت من أن يكون وقتا للمؤداة، ~~فتقررت المؤداة في محلها من جميع الوجوه، والتحقت الفائتة في حق المؤداة ~~بصلاة وقتها بعد وقت المؤداة فلم يؤثر ذلك في إفساد المؤداة، وهذا بخلاف ما ~~إذا قام المصلي وقرأ وسجد ثم ركع حيث لم يلتحق الركوع بمحله وهو قبل السجود ~~حتى كان لا يجب إعادة السجود، ومع ذلك لم يلتحق حتى يجب إعادة السجود؛ لأن ~~الشيء إنما يجعل حاصلا في محله أن لو وجد شيء آخر في محله بعده ووقع ذلك ~~الشيء معتبرا في نفسه، فإذا حصل هذا التحق بمحله، وهناك السجود وقع قبل ~~أوانه فما وقع معتبرا، فلغا، فبعد ذلك كان الركوع حاصلا في محله، فلا بد من ~~تحصيل السجدة بعد ذلك في محلها، والله الموفق. # (وقالوا) فيمن ترك صلوات كثيرة مجانة ثم ندم على ما صنع واشتغل بأداء ~~الصلوات في مواقيتها قبل أن يقضي شيئا من الفوائت، فترك صلاة ثم صلى أخرى ~~وهو ذاكر لهذه الفائتة الحديثة - أنه لا يجوز، ويجعل الفوائت الكثيرة ~~القديمة كأنها لم تكن، ويجب عليه مراعاة الترتيب، والقياس أن يجوز؛ لأن ~~الترتيب قد سقط عنه لكثرة الفوائت، وتضم هذه المتروكة إلى ما مضى، إلا أن ~~المشايخ استحسنوا فقالوا: إنه ms0309 لا يجوز احتياطا زجرا للسفهاء عن التهاون ~~بأمر الصلاة، ولئلا تصير المقضية وسيلة إلى التخفيف، ثم كثرة الفوائت كما ~~تسقط الترتيب في الأداء تسقطه في القضاء؛ لأنها لما عملت في إسقاط الترتيب ~~في غيرها فلأن تعمل في نفسها أولى، حتى لو قضى فوائت الفجر كلها، ثم الظهر ~~كلها، ثم العصر كلها هكذا - جاز وروى ابن سماعة عن محمد فيمن ترك صلاة يوم ~~وليلة وصلى من الغد مع كل صلاة صلاة قال: الفوائت كلها جائزة سواء قدمها أو ~~أخرها. # وأما الوقتية فإن قدمها لم يجز شيء منها؛ لأنه متى صلى واحدة منها صارت ~~الفوائت ستا، لكنه متى قضى فائتة بعدها عادت خمسا ثم، وثم فلا تعود إلى ~~الجواز، وإن أخرها لم يجز شيء منها إلا العشاء الأخيرة؛ لأنه كلما قضى ~~فائتة عادت الفوائت أربعا وفسدت الوقتية، إلا العشاء؛ لأنه صلاها وعنده أن ~~جميع ما عليه قد قضاه فأشبه الناسي. # (وأما) الترتيب في أفعال الصلاة فإنه ليس بشرط عند أصحابنا الثلاثة، وعند ~~زفر شرط، وبيان ذلك في مسائل: إذا أدرك أول صلاة الإمام ثم نام خلفه أو ~~سبقه الحدث فسبقه الإمام ببعض الصلاة، ثم انتبه من نومه أو عاد من وضوئه - ~~فعليه أن يقضي ما سبقه الإمام به ثم يتابع إمامه لما يذكر، ولو تابع إمامه ~~أولا ثم قضى ما فاته بعد تسليم الإمام جاز عندنا، وعند زفر لا يجوز، وكذلك ~~إذا زحمه الناس في صلاة الجمعة والعيدين فلم يقدر على أداء الركعة الأولى ~~مع الإمام بعد الاقتداء به، وبقي قائما، وأمكنه أداء الركعة الثانية مع ~~الإمام قبل أن يؤدي الأولى، ثم قضى الأولى بعد تسليم الإمام أجزأه عندنا، ~~وعند زفر لا يجزئه، وكذلك لو تذكر سجدة في الركوع وقضاها، أو سجدة في ~~السجدة وقضاها - فالأفضل أن يعيد الركوع أو السجود الذي هو فيهما. # ولو اعتد بهما ولم يعد أجزأه عندنا، وعند زفر لا يجوز له أن يعتد بهما ~~وعليه إعادتهما. # (وجه) قول زفر أن المأتي به في هذه المواضع وقع في ms0310 غير محله # PageV01P137 # فلا يقع معتدا به، كما إذا قدم السجود على الركوع وجب عليه إعادة السجود ~~لما قلنا، كذا هذا. # (ولنا) قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم ~~فاقضوا» ، والاستدلال به من وجهين: أحدهما - أنه أمر بمتابعة الإمام فيما ~~أدرك بحرف الفاء المقتضي للتعقيب بلا فصل، ثم أمر بقضاء الفائتة، والأمر ~~دليل الجواز، ولهذا يبدأ المسبوق بما أدرك الإمام فيه لا بما سبقه، وإن كان ~~ذلك أول صلاته وقد أخره، والثاني - أنه جمع بينهما في الأمر بحرف الواو، ~~وأنه للجمع المطلق، فأيهما فعل يقع مأمورا به فكان معتدا به، إلا أن ~~المسبوق صار مخصوصا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «سن لكم معاذ سنة ~~حسنة فاستنوا بها» ، والحديث حجة في المسألتين الأوليين بظاهره، وبضرورته ~~في المسألة الثالثة؛ لأن الركوع والسجود من أجزاء الصلاة، فإسقاط الترتيب ~~في نفس الصلاة إسقاط فيما هو من أجزائها ضرورة، إلا أنه لا يعتد بالسجود ~~قبل الركوع؛ لأن السجود لتقييد الركعة بالسجدة، وذلك لا يتحقق قبل الركوع ~~على ما يذكر في سجود السهو - إن شاء الله تعالى - هذا الذي ذكرنا بيان ~~شرائط أركان الصلاة وهي الشرائط العامة التي تعم المنفرد والمقتدي جميعا، ~~(فأما) الذي يخص المقتدي وهو شرائط جواز الاقتداء بالإمام في صلاته فالكلام ~~فيه في موضعين: أحدهما - في بيان ركن الاقتداء، والثاني في بيان شرائط ~~الركن. # (وأما) ركنه فهو نية الاقتداء بالإمام وقد ذكر تفسيرها فيما تقدم. # (وأما) شرائط الركن فأنواع: منها - الشركة في الصلاتين واتحادهما سببا ~~وفعلا ووصفا؛ لأن الاقتداء بناء التحريمة على التحريمة، فالمقتدي عقد ~~تحريمته لما انعقدت له تحريمة الإمام، فكلما انعقدت له تحريمة الإمام جاز ~~البناء من المقتدي، وما لا فلا، وذلك لا يتحقق إلا بالشركة في الصلاتين، ~~واتحادهما من الوجوه الذي وصفنا، وعلى هذا الأصل يخرج مسائل: المقتدي إذا ~~سبق الإمام بالافتتاح لم يصح اقتداؤه؛ لأن معنى الاقتداء وهو البناء لا ~~يتصور ههنا؛ لأن البناء على العدم محال. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما جعل ms0311 الإمام ليؤتم به فلا ~~تختلفوا عليه» ، وما لم يكبر الإمام لا يتحقق الائتمام به، وكذا إذا كبر ~~قبله فقد اختلف عليه، ولو جدد التكبير بعد تكبير الإمام بنية الدخول في ~~صلاته أجزأه؛ لأنه صار قاطعا لما كان فيه شارعا في صلاة الإمام، كمن كان في ~~النفل فكبر ونوى الفرض يصير خارجا من النفل داخلا في الفرض، وكمن باع بألف ~~ثم ألفين كان فسخا للأول وعقدا آخر كذا هذا، ولو لم يجدد حتى لم يصح ~~اقتداؤه هل يصير شارعا في صلاة نفسه؟ أشار في كتاب الصلاة إلى أنه يصير ~~شارعا؛ لأنه علل فيما إذا جدد التكبير ونوى الدخول في صلاة الإمام فقال: ~~التكبير الثاني قطع لما كان فيه، وأشار في نوادر أبي سليمان إلى أنه لا ~~يصير شارعا في نفسه، فإنه ذكر أنه لو قهقه لا تنتقض طهارته، ثم من مشايخنا ~~من حمل اختلاف الجواب على اختلاف موضوع المسألة فقال: موضوع المسألة في ~~النوادر أنه إذا كبر ظنا منه أن الإمام كبر فيصير مقتديا بمن ليس في ~~الصلاة، كالمقتدي بالمحدث والجنب، وموضوع المسألة في كتاب الصلاة أنه كبر ~~على علم منه أن الإمام لم يكبر فيصير شارعا في صلاة نفسه، ومنهم من حقق ~~الاختلاف بين الروايتين. # (وجه) رواية النوادر أنه نوى الاقتداء بمن ليس في الصلاة فلا يصير شارعا ~~في صلاة نفسه، كما لو اقتدى بمشرك أو جنب أو بمحدث، وهذا لأن صلاة المنفرد ~~غير صلاة المقتدي، بدليل أن المنفرد لو استأنف التكبير ناويا الشروع في ~~صلاة الإمام صار شارعا مستأنفا، واستقبال ما هو فيه لا يتصور، دل أن هذه ~~الصلاة غير تلك الصلاة، فلا يصير شارعا في إحداهما بنية الأخرى. # (وجه) ما ذكر في كتاب الصلاة أنه نوى شيئين: الدخول في الصلاة، والاقتداء ~~بالإمام فبطلت إحدى نيتيه وهي نية الاقتداء؛ لأنها لم تصادف محلها فتصح ~~الأخرى وهي نية الصلاة، وصار كالشارع في الفرض على ظن أنه عليه وليس عليه، ~~بخلاف ما إذا اقتدى بالمشرك والمحدث والجنب؛ لأنهم ليسوا من أهل ms0312 الاقتداء ~~بهم فصار بالاقتداء بهم ملغيا صلاته. # وأما هذا فمن أهل الاقتداء به، والصلاة خلفه معتبرة فلم يصر بالاقتداء به ~~ملغيا صلاته والله أعلم هذا إذا كبر المقتدي وعلم أنه كبر قبل الإمام، فأما ~~إذا كبر ولم يعلم أنه كبر قبل الإمام أو بعده، ذكر هذه المسألة في ~~الهارونيات وجعلها على ثلاثة أوجه: إن كان أكبر رأيه أنه كبر قبل الإمام لا ~~يصير شارعا في صلاة الإمام، وإن كان أكبر رأيه أنه كبر بعد الإمام يصير ~~شارعا في صلاته؛ لأن غالب الرأي حجة عند عدم اليقين بخلافه، وإن لم يقع ~~رأيه # PageV01P138 # على شيء فالأصل فيه هو الجواز ما لم يظهر أنه كبر قبل الإمام بيقين، ~~ويحمل على الصواب احتياطا ما لم يستيقن بالخطأ، كما قلنا في باب الصلاة عند ~~الاشتباه في جهة القبلة ولم يخطر بباله شيء ولم يشك أن الجهة التي صلى ~~إليها قبلة أم لا: إنه يقضي بجوازها ما لم يظهر خطؤه بيقين، وكذا في باب ~~الزكاة، كذلك ههنا. # ولو كبر المقتدي مع الإمام إلا أن الإمام طول قوله حتى فرغ المقتدي من ~~قوله: " الله أكبر " قبل أن يفرغ الإمام من قوله: " الله " لم يصر شارعا في ~~صلاة الإمام، كذا روى ابن سماعة في نوادره، ويجب أن تكون هذه المسألة ~~بالاتفاق، أما على قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فلأنه يصح الشروع في ~~الصلاة بقوله: " الله " وحده، فإذا فرغ المقتدي من ذلك قبل فراغ الإمام صار ~~شارعا في صلاة نفسه فلا يصير شارعا في صلاة الإمام. # وأما على قول أبي يوسف ومحمد فلأن الشروع لا يصح إلا بذكر الاسم والنعت، ~~فلا بد من المشاركة في ذكرهما، فإذا سبق الإمام بالاسم حصلت المشاركة في ~~ذكر النعت لا غير، وهو غير كاف لصحة الشروع في الصلاة، وعلى هذا لا يجوز ~~اقتداء اللابس بالعاري؛ لأن تحريمة الإمام ما انعقدت بها الصلاة مع الستر ~~فلا يقبل البناء لاستحالة البناء على العدم، ولأن ستر العورة شرط لا صحة ~~للصلاة بدونها في الأصل، إلا ms0313 أنه سقط اعتبار هذا الشرط في حق العاري لضرورة ~~العدم، ولا ضرورة في حق المقتدي، فلا يظهر سقوط الشرط في حقه فلم تكن صلاة ~~في حقه فلم يتحقق معنى الاقتداء وهو البناء؛ لأن البناء على العدم مستحيل. # ولا يصح اقتداء الصحيح بصاحب العذر الدائم؛ لأن تحريمة الإمام ما انعقدت ~~للصلاة مع انقطاع الدم فلا يجوز البناء، ولأن الناقض للطهارة موجود، لكن لم ~~يظهر في حق صاحب العذر للعذر، ولا عذر في حق المقتدي. # فلا يجوز اقتداء القارئ بالأمي، والمتكلم بالأخرس؛ لأن تحريمة الإمام ما ~~انعقدت للصلاة بقراءة فلا يجوز البناء من المقتدي، ولأن القراءة ركن لكنه ~~سقط عن الأمي والأخرس للعذر، ولا عذر في حق المقتدي. # وكذا لا يجوز اقتداء الأمي بالأخرس لما ذكرنا أن الاقتداء بناء التحريمة ~~على تحريمة الإمام ولا تحريمة من الإمام أصلا فاستحال البناء، إلا أن الشرع ~~جوز صلاته بلا تحريمة للضرورة، ولأن التحريمة من شرائط الصلاة لا تصح ~~الصلاة بدونها في الأصل، وإنما سقطت عن الأخرس للعذر ولا عذر في حق الأمي ~~لأنه قادر على التحريمة، فنزل الأمي الذي يقدر على التحريمة من الأخرس ~~منزلة القارئ من الأمي، حتى أنه لو لم يقدر على التحريمة جاز اقتداؤه ~~بالأخرس لاستوائهما في الدرجة. # ولا يجوز اقتداء من يركع ويسجد بالمومئ عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر ~~يجوز. # (وجه) قوله أن فرض الركوع والسجود سقط إلى خلف وهو الإيماء، وأداء الفرض ~~بالخلف كأدائه بالأصل، وصار كاقتداء الغاسل بالماسح والمتوضئ بالمتيمم. # (ولنا) أن تحريمة الإمام انعقدت للصلاة بالركوع والسجود، والإيماء - وإن ~~كان يحصل فيه بعض الركوع والسجود لما أنهما للانحناء والتطأطؤ، وقد وجد أصل ~~الانحناء والتطأطؤ في الإيماء فليس فيه كمال الركوع والسجود - تنعقد ~~تحريمته لتحصيل وصف الكمال، فلم يمكن بناء كمال الركوع والسجود على تلك ~~التحريمة، ولأنه لا صحة للصلاة بدون الركوع والسجود في الأصل؛ لأنه فرض، ~~وإنما سقط عن المومئ للضرورة، ولا ضرورة في حق المقتدي، فلم يكن ما أتى به ~~المومئ صلاة شرعا في حقه، فلا يتصور ms0314 البناء وقد خرج الجواب عن قوله أنه خلف ~~لأنا نقول: ليس كذلك، بل هو تحصيل بعض الركوع والسجود، إلا أنه اكتفى ~~بتحصيل بعض الفرض في حالة العذر لا أن يكون خلفا، بخلاف المسح مع الغسل، ~~والتيمم مع الوضوء؛ لأن ذلك خلف فأمكن أن يقام مقام الأصل، ولا يجوز اقتداء ~~من يومئ قاعدا أو قائما بمن يومئ مضطجعا؛ لأن تحريمة الإمام ما انعقدت ~~للقيام أو القعود فلا يجوز البناء، ثم صلاة الإمام صحيحة في هذه الفصول ~~كلها إلا في فصل واحد وهو أن الأمي إذا أم القارئ أو القارئ والأميين فصلاة ~~الكل فاسدة عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد صلاة الإمام الأمي ومن لا ~~يقرأ تامة. # (وجه) قولهما أن الإمام صاحب عذر اقتدى به من هو بمثل حاله ومن لا عذر له ~~- فتجوز صلاته وصلاة من هو بمثل حاله، كالعاري إذا أم العراة واللابسين، ~~وصاحب الجرح السائل يؤم الأصحاء وأصحاب الجراح، والمومئ إذا أم المومئين ~~والراكعين والساجدين أنه تصح صلاة الإمام ومن بمثل حاله، كذا ههنا ولأبي ~~حنيفة طريقتان # PageV01P139 # في المسألة: إحداهما - ما ذكره القمي وهو أنهم لما جاءوا مجتمعين لأداء ~~هذه الصلاة بالجماعة - فالأمي قادر على أن يجعل صلاته بقراءة، بأن يقدم ~~القارئ فيقتدي به فتكون قراءته قراءة له، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» فإذا لم يفعل فقد ترك أداء الصلاة ~~بقراءة مع القدرة عليها ففسدت، بخلاف سائر الأعذار؛ لأن لبس الإمام يكون ~~لبسا للمقتدي، وكذا ركوع الإمام وسجوده، ولا ينوب عن المقتدي، ووضوء الإمام ~~لا يكون وضوء للمقتدي فلم يكن قادرا على إزالة العذر بتقديم من لا عذر له، ~~ولا يلزم على هذه الطريقة ما إذا كان الأمي يصلي وحده وهناك قارئ يصلي تلك ~~الصلاة، حيث تجوز صلاة الأمي وإن كان قادرا على أن يجعل صلاته بقراءة بأن ~~يقتدي بالقارئ؛ لأن هذه المسألة ممنوعة، وذكر أبو حازم القاضي أن على قياس ~~قول أبي حنيفة لا تجوز صلاة الأمي، هو قول ms0315 مالك، ولئن سلمنا فلأن هناك لم ~~يقدر على أن يجعل صلاته بقراءة إذا لم يظهر من القارئ رغبة في أداء الصلاة ~~بجماعة حيث اختار الانفراد، بخلاف ما نحن فيه. # (والطريقة) الثانية - ما ذكره غسان وهو أن التحريمة انعقدت موجبة ~~للقراءة، فإذا صلوا بغير قراءة فسدت صلاتهم كالقارئين، وإنما قلنا: إن ~~التحريمة انعقدت موجبة للقراءة؛ لأنه وقعت المشاركة في التحريمة؛ لأنها غير ~~مفتقرة إلى القراءة فانعقدت موجبة للقراءة لاشتراكها بين القارئين وغيرهم، ~~ثم عند أوان القراءة تفسد لانعدام القراءة، بخلاف سائر الأعذار؛ لأن هناك ~~التحريمة لم تنعقد مشتركة؛ لأن تحريمة اللابس لم تنعقد إذا اقتدى بالعاري ~~لافتقارها إلى ستر العورة، وإلى ارتفاع سائر الأعذار، فلم تنعقد مشتركة، ~~بخلاف ما نحن فيه فإنها غير مفتقرة إلى القراءة فانعقدت تحريمة القارئ ~~مشتركة فانعقدت موجبة للقراءة، ولا يلزم على هذه الطريقة ما ذكرنا من ~~المسألة؛ لأن هناك تحريمة الأمي لم تنعقد موجبة للقراءة لانعدام الاشتراك ~~بينه وبين القارئ فيها، أما ههنا فبخلافه، ولا يلزم ما إذا اقتدى القارئ ~~بالأمي بنية التطوع، حيث لا يلزم القضاء، ولو صح شروع في الابتداء للزمه ~~القضاء؛ لأنه صار شارعا في صلاة لا قراءة فيها، والشروع كالنذر، ولو نذر ~~صلاة بغير قراءة لا يلزمه شيء إلا في رواية عن أبي يوسف، فكذلك إذا شرع ~~فيها. # ولا يجوز الاقتداء بالكافر، ولا اقتداء الرجل بالمرأة؛ لأن الكافر ليس من ~~أهل الصلاة، والمرأة ليست من أهل إمامة الرجال فكانت صلاتها عدما في حق ~~الرجل، فانعدم معنى الاقتداء وهو البناء. # ولا يجوز اقتداء الرجل بالخنثى المشكل لجواز أن يكون امرأة. # ويجوز اقتداء المرأة بالمرأة لاستواء حالهما، إلا أن صلاتهن فرادى أفضل؛ ~~لأن جماعتهن منسوخة. # ويجوز اقتداء المرأة بالرجل إذا نوى الرجل إمامتها، وعند زفر نية الإمامة ~~ليست بشرط على ما مر، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنها إذا وقفت خلف الإمام ~~جاز اقتداؤها به وإن لم ينو إمامتها، ثم إذا وقفت إلى جنبه فسدت صلاتها ~~خاصة لا صلاة الرجل، وإن كان نوى إمامتها ms0316 فسدت صلاة الرجل وهذا قول أبي ~~حنيفة الأول، ووجهه أنها إذا وقفت خلفه كان قصدها أداء الصلاة لا إفساد ~~صلاة الرجل، فلا تشترط نية الإمامة، وإذا قامت إلى جنبه فقد قصدت إفساد ~~صلاته فيرد قصدها بإفساد صلاتها، إلا أن يكون الرجل قد نوى إمامتها فحينئذ ~~تفسد صلاته؛ لأنه ملتزم لهذا الضرر. # وكذا يجوز اقتداؤها بالخنثى المشكل؛ لأنه إن كان رجلا فاقتداء المرأة ~~بالرجل صحيح، وإن كان امرأة فاقتداء المرأة بالمرأة جائز أيضا، لكن ينبغي ~~للخنثى أن يتقدم ولا يقوم في وسط الصف لاحتمال أن يكون رجلا فتفسد صلاته ~~بالمحاذاة، وكذا تشترط نية إمامة النساء لصحة اقتدائهن به لاحتمال أنه رجل. # ولا يجوز اقتداء الخنثى المشكل بالخنثى المشكل لاحتمال أن يكون الإمام ~~امرأة، والمقتدي رجلا، فيكون اقتداء الرجل بالمرأة على بعض الوجوه فلا يجوز ~~احتياطا. # (وأما) الاقتداء بالمحدث أو الجنب فإن كان عالما بذلك لا يصح بالإجماع، ~~وإن لم يعلم به ثم علم فكذلك عندنا. # وقال الشافعي: القياس أن لا يصح كما في الكافر، لكني تركت القياس بالأثر، ~~وهو ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أيما رجل صلى بقوم ~~ثم تذكر جنابة أعاد ولم يعيدوا» . # (ولنا) ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأصحابه ثم تذكر ~~جنابة فأعاد وأمر أصحابه بالإعادة. # وقال: «أيما رجل صلى بقوم ثم تذكر جنابة أعاد وأعادوا» ، وقد روي نحو هذا ~~عن عمر وعلي - رضي الله عنهما - حتى ذكر أبو يوسف في الأمالي أن عليا - رضي ~~الله عنه - صلى بأصحابه يوما ثم # PageV01P140 # علم أنه كان جنبا فأمر مؤذنه أن ينادي: ألا إن أمير المؤمنين كان جنبا ~~فأعيدوا صلاتكم، ولأن معنى الاقتداء وهو البناء ههنا لا يتحقق لانعدام تصور ~~التحريمة مع قيام الحدث والجنابة، وما رواه محمول على بدو الأمر قبل تعلق ~~صلاة القوم بصلاة الإمام، على ما روي أن المسبوق كان إذا شرع في صلاة ~~الإمام قضى ما فاته أولا ثم يتابع الإمام، حتى تابع عبد الله بن مسعود أو ~~معاذ ms0317 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قضى ما فاته فصار شريعة بتقرير ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ويجوز اقتداء العاري باللابس؛ لأن تحريمة الإمام انعقدت لما يبني عليه ~~المقتدي؛ لأن الإمام يأتي بما يأتي به المقتدي وزيادة فيقبل البناء، وكذا ~~اقتداء العاري بالعاري لاستواء حالهما فتتحقق المشاركة في التحريمة، ثم ~~العراة يصلون قعودا بإيماء، وقال بشر: يصلون قياما بركوع وسجود، وهو قول ~~الشافعي. # (وجه) قولهما أنهم عجزوا عن تحصيل شرط الصلاة وهو ستر العورة. # وقدروا على تحصيل أركانها، فعليهم الإتيان بما قدروا عليه، وسقط عنهم ما ~~عجزوا عنه، ولأنهم لو صلوا قعودا تركوا أركانا كثيرة وهي: القيام والركوع ~~والسجود، وإن صلوا قياما تركوا فرضا واحدا وهو ستر العورة، فكان أولى، ~~والدليل عليه حديث عمران بن حصين - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال له «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى ~~الجنب» ، فهذا يستطيع أن يصلي قائما فعليه الصلاة قائما. # (ولنا) ما روي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: إن أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ركبوا البحر فانكسرت بهم السفينة، فخرجوا من ~~البحر عراة، فصلوا قعودا بإيماء. # وروي عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما - أنهما قالا: " العاري يصلي ~~قاعدا بالإيماء " والمعنى فيه أن للصلاة قاعدا ترجيحا من وجهين: أحدهما - ~~أنه لو صلى قاعدا فقد ترك فرض ستر العورة الغليظة وما ترك فرضا آخر أصلا؛ ~~لأنه أدى فرض الركوع والسجود ببعضهما وهو الإيماء، وأدى فرض القيام ببدله ~~وهو القعود، فكان فيه مراعاة الفرضين جميعا، وفيما قلتم إسقاط أحدهما أصلا ~~وهو ستر العورة، فكان ما قلناه أولى، والثاني - أن ستر العورة أهم من أداء ~~الأركان لوجهين: أحدهما - أن ستر العورة فرض في الصلاة وغيرها، والأركان ~~فرائض الصلاة لا غيرها، والثاني - أن سقوط هذه الأركان إلى الإيماء جائز في ~~النوافل من غير ضرورة كالمتنفل على الدابة، وستر العورة لا تسقط فرضيته قط ~~من غير ضرورة فكان أهم، فكان ms0318 مراعاته أولى، فلهذا جعلنا الصلاة قاعدا ~~بالإيماء أولى، غير أنه إن صلى قائما بركوع وسجود أجزأه؛ لأنه وإن ترك فرضا ~~آخر فقد كمل الأركان الثلاثة وهي: القيام والركوع والسجود، وبه حاجة إلى ~~تكميل هذه الأركان، فصار تاركا لفرض ستر العورة الغليظة أصلا لغرض صحيح، ~~فجوزنا له ذلك لوجود أصل الحاجة، وحصول الغرض، وجعلنا القعود بالإيماء أولى ~~لكون ذلك الفرض أهم، ولمراعاة الفرضين جميعا من وجه. # وقد خرج الجواب عما ذكروا من المعنى وتعلقهم بحديث عمران بن حصين غير ~~مستقيم؛ لأنه غير مستطيع حكما، حيث افترض عليه ستر العورة الغليظة، ثم لو ~~كانوا جماعة ينبغي لهم أن يصلوا فرادى؛ لأنهم لو صلوا بجماعة: فإن قام ~~الإمام وسطهم احترازا عن ملاحظة سوأة الغير فقد ترك سنة التقدم على ~~الجماعة، والجماعة أمر مسنون، فإذا كان لا يتوصل إليه إلا بارتكاب بدعة، ~~وترك سنة أخرى - لا يندب إلى تحصيلها، بل يكره تحصيلها وإن تقدمهم الإمام ~~وأمر القوم بغض أبصارهم كما ذهب إليه الحسن البصري لا يسلمون عن الوقوع في ~~المنكر أيضا، فإنه قلما يمكنهم غض البصر على وجه لا يقع على عورة الإمام، ~~مع أن غض البصر في الصلاة مكروه أيضا، نص عليه القدوري لما يذكر أنه مأمور ~~أن ينظر في كل حالة إلى موضع مخصوص ليكون البصر ذا حظ من أداء هذه العبادات ~~كسائر الأعضاء والأطراف، وفي غض البصر فوات ذلك، فدل أنه لا يتوصل إلى ~~تحصيل الجماعة إلا بارتكاب أمر مكروه فتسقط الجماعة عنهم، فلو صلوا مع هذه ~~الجماعة فالأولى لإمامهم أن يقوم وسطهم لئلا يقع بصرهم على عورته، فإن ~~تقدمهم جاز أيضا، وحالهم في هذا الموضع كحال النساء في الصلاة، إلا أن ~~الأولى أن يصلين وحدهن، وإن صلين بجماعة قامت إمامتهن وسطهن، وإن تقدمتهن ~~جاز، فكذلك حال العراة. # ويجوز اقتداء صاحب العذر بالصحيح وبمن هو بمثل حاله، وكذا اقتداء الأمي ~~بالقارئ وبالأمي لما مر، ويجوز اقتداء المومئ بالراكع الساجد وبالمومئ لما ~~مر، ويستوي الجواب، # PageV01P141 # بينما إذا كان المقتدي قاعدا يومئ بالإمام ms0319 القاعد المومئ، وبينما إذا كان ~~قائما والإمام قاعد، ولأن هذا القيام ليس بركن، ألا ترى أن الأولى تركه؟ ~~فكان وجوده وعدمه بمنزلة. # ويجوز اقتداء الغاسل بالماسح على الخف لأن المسح على الخف بدل عن الغسل، ~~وبدل الشيء يقوم مقامه عند العجز عنه أو تعذر تحصيله، فقام المسح مقام ~~الغسل في حق تطهير الرجلين لتعذر غسلهما عند كل حدث خصوصا في حق المسافر ~~على ما مر، فانعقدت تحريمة الإمام للصلاة مع غسل الرجلين لانعقادها لما هو ~~بدل عن الغسل، فصح بناء تحريمة المقتدي على تلك التحريمة، ولأن طهارة القدم ~~حصلت بالغسل السابق، والخف مانع سراية الحدث إلى القدم، فكان هذا اقتداء ~~الغاسل بالغاسل فصح، وكذا يجوز اقتداء الغاسل بالماسح على الجبائر لما مر ~~أنه بدل عن المسح قائم مقامه، فيمكن تحقيق معنى الاقتداء فيه. # ويجوز اقتداء المتوضئ بالمتيمم عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد لا ~~يجوز، وقد مر الكلام فيه في كتاب الطهارة. # ويجوز اقتداء القائم الذي يركع ويسجد بالقاعد الذي يركع ويسجد استحسانا، ~~وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، والقياس أن لا يجوز وهو قول محمد، وعلى هذا ~~الاختلاف اقتداء القائم المومئ بالقاعد المومئ. # (وجه) القياس ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يؤمن ~~أحد بعدي جالسا» أي لقائم، لإجماعنا على أنه لو أم لجالس جاز، ولأن المقتدي ~~أعلى حالا من الإمام فلا يجوز اقتداؤه به كاقتداء الراكع الساجد بالمومئ، ~~واقتداء القارئ بالأمي. # (وفقهه) ما بينا أن المقتدي يبني تحريمته على تحريمة الإمام، وتحريمة ~~الإمام ما انعقدت للقيام بل انعقدت للقعود فلا يمكن بناء القيام عليها، كما ~~لا يمكن بناء القراءة على تحريمة الأمي، وبناء الركوع والسجود على تحريمة ~~المومئ. # (وجه) الاستحسان ما روي أن «آخر صلاة صلاها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في ثوب واحد متوشحا به قاعدا وأصحابه خلفه قيام يقتدون به، فإنه لما ~~ضعف في مرضه قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت عائشة لحفصة - رضي الله ~~عنهما -: قولي له إن ms0320 أبا بكر رجل أسيف إذا وقف في مكانك لا يملك نفسه فلو ~~أمرت غيره فقالت حفصة ذلك فقال - صلى الله عليه وسلم -: أنتن صويحبات يوسف، ~~مروا أبا بكر يصلي بالناس فلما افتتح أبو بكر - رضي الله عنه - الصلاة وجد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفسه خفة فخرج وهو يهادى بين علي ~~والعباس، ورجلاه يخطان الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر - رضي الله ~~عنه - حسه تأخر، فتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلس يصلي، وأبو ~~بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، يعني أن أبا بكر - رضي الله ~~عنه - كان يسمع تكبير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيكبر، والناس ~~يكبرون بتكبير أبي بكر» ، فقد ثبت الجواز على وجه لا يتوهم ورود النسخ ~~عليه، ولو توهم ورود النسخ يثبت الجواز ما لم يثبت النسخ، فإذا لم يتوهم ~~ورود النسخ أولى، ولأن القعود غير القيام، وإذا أقيم شيء مقام غيره جعل ~~بدلا عنه، كالمسح على الخف مع غسل الرجلين، وإنما قلنا: إنهما متغايران ~~بدليل الحكم والحقيقة. # (أما) الحقيقة فلأن القيام اسم لمعنيين متفقين في محلين مختلفين، وهما ~~الانتصابان في النصف الأعلى والنصف الأسفل، فلو تبدل الانتصاب في النصف ~~الأعلى بما يضاده وهو الانحناء سمي ركوعا لوجود الانحناء؛ لأنه في اللغة ~~عبارة عن الانحناء من غير اعتبار النصف الأسفل؛ لأن ذلك وقع وفاقا، فأما هو ~~في اللغة فاسم لشيء واحد فحسب وهو الانحناء، ولو تبدل الانتصاب في النصف ~~الأسفل بما يضاده وهو انضمام الرجلين وإلصاق الألية بالأرض يسمى قعودا، ~~فكان القعود اسما لمعنيين مختلفين في محلين مختلفين، وهما الانتصاب في ~~النصف الأعلى والانضمام والاستقرار على الأرض في النصف الأسفل، فكان القعود ~~مضادا للقيام في أحد معنييه، وكذا الركوع، والركوع مع القعود يضاد كل واحد ~~منهما للآخر بمعنى واحد وهو صفة النصف الأعلى، واسم المعنيين يفوت بالكلية ~~بوجود مضاد أحد معنييه كالبلوغ واليتم، فيفوت القيام بوجود القعود أو ~~الركوع بالكلية، ولهذا لو قال قائل: ما قمت بل قعدت، ms0321 وما أدركت القيام بل ~~أدركت الركوع - لم يعد مناقضا في كلامه. # وأما الحكم فلأن ما صار القيام لأجله طاعة يفوت عند الجلوس بالكلية؛ لأن ~~القيام إنما صار طاعة لانتصاب نصفه الأعلى، بل لانتصاب رجليه، لما يلحق ~~رجليه من المشقة، وهو بالكلية يفوت عند الجلوس، فثبت حقيقة # PageV01P142 # وحكما أن القيام يفوت عند الجلوس فصار الجلوس بدلا عنه، والبدل عند العجز ~~عن الأصل أو تعذر تحصيله يقوم مقام الأصل، ولهذا جوزنا اقتداء الغاسل ~~بالماسح لقيام المسح مقام الغسل في حق تطهير الرجلين عند تعذر الغسل لكونه ~~بدلا عنه، فكان القعود من الإمام بمنزلة القيام ولو كان قادرا عليه، فجعلت ~~تحريمة الإمام في حق الإمام منعقدة للقيام لانعقادها لما هو بدل القيام، ~~فصح بناء قيام المقتدي على تلك التحريمة، بخلاف اقتداء القارئ بالأمي؛ لأن ~~هناك لم يوجد ما هو بدل القراءة بل سقطت أصلا، فلم تنعقد تحريمة الإمام ~~للقراءة، فلا يجوز بناء القراءة عليه أما ههنا لم يسقط القيام أصلا بل أقيم ~~بدله مقامه، ألا ترى أنه لو اضطجع وهو قادر على القعود لا يجوز؟ ولو كان ~~القيام يسقط أصلا من غير بدل - وذا ليس وقت وجوب القعود بنفسه - كان ينبغي ~~أنه لو صلى مضطجعا يجوز، وحيث لم يجز دل أنه إنما لا يجوز لسقوط القيام إلى ~~بدله، وجعل بدله كأنه عين القيام، وبخلاف اقتداء الراكع الساجد بالمومئ، ~~لما مر أن الإيماء ليس عين الركوع والسجود، بل هو تحصيل بعض الركوع ~~والسجود، إلا أنه ليس فيه كمال الركوع والسجود فلم تنعقد تحريمة الإمام ~~للفائت، وهو الكمال فلم يمكن بناء كمال الركوع والسجود على تلك التحريمة. # وقد خرج الجواب عما ذكر من المعنى، وما روي من الحديث كان في الابتداء، ~~فإنه روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سقط عن فرس فجحش جنبه فلم يخرج ~~أياما، ودخل عليه أصحابه فوجدوه يصلي قاعدا فافتتحوا الصلاة خلفه قياما، ~~فلما رآهم على ذلك قال: " استنان بفارس والروم "؟ وأمرهم بالقعود، ثم نهاهم ~~عن ذلك فقال: «لا يؤمن أحد ms0322 بعدي جالسا» ، ألا ترى أنه تكلم في الصلاة فقال: ~~استنان بفارس والروم، وأمرهم بالقعود؟ فدل أن ذلك كان في الابتداء حين كان ~~التكلم في الصلاة مباحا، وما روينا آخر صلاة صلاها، فانتسخ قوله السابق ~~بفعله المتأخر، وعلى هذا يخرج اقتداء المفترض بالمتنفل أنه لا يجوز عندنا ~~خلافا للشافعي، ويجوز اقتداء المتنفل بالمفترض عند عامة العلماء خلافا ~~لمالك (احتج) الشافعي بما روى عبد الله أن معاذا كان يصلي مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - العشاء ثم يرجع فيصليها بقومه في بني سلمة، ومعاذ كان ~~متنفلا وكان يصلي خلفه المفترضون، ولأن كل واحد منهم يصلي صلاة نفسه لا ~~صلاة صاحبه لاستحالة أن يفعل العبد فعل غيره، فيجوز فعل كل واحد منهما، ~~سواء وافق فعل إمامه أو خالفه، ولهذا جاز اقتداء المتنفل بالمفترض # (ولنا) ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالناس صلاة الخوف ~~وجعل الناس طائفتين، وصلى بكل طائفة شطر الصلاة لينال كل فريق فضيلة الصلاة ~~خلفه، ولو جاز اقتداء المفترض بالمتنفل لأتم الصلاة بالطائفة الأولى ثم نوى ~~النفل وصلى بالطائفة الثانية؛ لينال كل طائفة فضيلة الصلاة خلفه من غير ~~الحاجة إلى المشي وأفعال كثيرة ليست من الصلاة، ولأن تحريمة الإمام ما ~~انعقدت لصلاة الفرض، والفرضية وإن لم تكن صفة زائدة على ذات الفعل فليست ~~راجعة إلى الذات أيضا، بل هي من الأوصاف الإضافية على ما عرف في موضعه، فلم ~~يصح البناء من المقتدي، بخلاف اقتداء المتنفل بالمفترض؛ لأن النفلية ليست ~~من باب الصفة بل هي عدم، إذ النفل عبارة عن أصل لا وصف له فكانت تحريمة ~~الإمام منعقدة لما يبني عليه المقتدي وزيادة فصح البناء وقد خرج الجواب عن ~~معناه، فإن كل واحد منهما يصلي صلاة نفسه؛ لأنا نقول: نعم، لكن إحداهما ~~بناء على الأخرى، وتعذر تحقيق معنى البناء، وما روي من الحديث فليس فيه أن ~~معاذا كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الفرض، فيحتمل أنه كان ~~ينوي النفل ثم يصلي بقومه الفرض، ولهذا قال له - صلى ms0323 الله عليه وسلم - لما ~~بلغه طول قراءته: «إما أن تخفف بهم، وإلا فاجعل صلاتك معنا» ، على أنه ~~يحتمل أنه كان في الابتداء حين كان تكرار الفرض مشروعا، وينبني على هذا ~~الخلاف. # اقتداء البالغين بالصبيان في الفرائض أنه لا يجوز عندنا؛ لأن الفعل من ~~الصبي لا يقع فرضا فكان اقتداء المفترض بالمتنفل، وعند الشافعي يصح. # (واحتج) بما روي أن عمر بن سلمة كان يصلي بالناس وهو ابن تسع سنين، ولا ~~يحمل على صلاة التراويح؛ لأنها لم تكن على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بجماعة، فدل أنه كان في الفرائض، والجواب أن ذلك كان في ابتداء ~~الإسلام حين لم تكن صلاة المقتدي متعلقة بصلاة الإمام على ما ذكرنا، ثم ~~نسخ. # وأما في التطوعات فقد روي عن محمد بن مقاتل الرازي أنه أجاز ذلك في ~~التراويح، والأصح أن # PageV01P143 # ذلك لا يجوز عندنا، لا في الفريضة ولا في التطوع؛ لأن تحريمة الصبي ~~انعقدت لنفل غير مضمون عليه بالإفساد، ونفل المقتدي البالغ مضمون عليه ~~بالإفساد فلا يصح البناء، وينبغي للرجل أن يؤدب ولده على الطهارة والصلاة ~~إذا عقلهما، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مروا صبيانكم بالصلاة إذا ~~بلغوا سبعا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا» ، ولا يفترض عليه إلا بعد ~~البلوغ، ونذكر حد البلوغ في موضع آخر إن شاء الله تعالى. # ولو احتلم الصبي ليلا ثم تنبه قبل طلوع الفجر - قضى صلاة العشاء بلا ~~خلاف؛ لأنه حكم ببلوغه بالاحتلام. # وقد انتبه والوقت قائم فيلزمه أن يؤديها، وإن لم ينتبه حتى طلع الفجر ~~اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم: ليس عليه قضاء صلاة العشاء؛ لأنه وإن بلغ ~~بالاحتلام لكنه نائم فلا يتناوله الخطاب، ولأنه يحتمل أنه احتلم بعد طلوع ~~الفجر ويحتمل قبله، فلا تلزمه الصلاة بالشك وقال بعضهم: عليه صلاة العشاء؛ ~~لأن النوم لا يمنع الوجوب؛ ولأنه إذا احتمل أنه احتلم قبل طلوع الفجر ~~واحتمل بعده فالقول بالوجوب أحوط، وعلى هذا لا يجوز اقتداء مصلي الظهر ~~بمصلي العصر، ولا اقتداء من يصلي ظهرا بمن يصلي ms0324 ظهر يوم غير ذلك اليوم ~~عندنا لاختلاف سبب وجوب الصلاتين وصفتهما، وذلك يمنع صحة الاقتداء، لما مر. # وروي عن أفلح بن كثير أنه قال: دخلت المدينة ولم أكن صليت الظهر، فوجدت ~~الناس في الصلاة فظننت أنهم في الظهر، فدخلت معهم ونويت الظهر، فلما فرغوا ~~علمت أنهم كانوا في العصر، فقمت وصليت الظهر ثم صليت العصر، ثم خرجت فوجدت ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوافرين فأخبرتهم بما فعلت، ~~فاستصوبوا ذلك وأمروا به، فانعقد الإجماع من الصحابة - رضي الله عنهم - على ~~ما قلنا، وعلى هذا لا يجوز اقتداء الناذر بالناذر: بأن نذر رجلان كل واحد ~~منهما أن يصلي ركعتين فاقتدى أحدهما بالآخر فيما نذر،. # وكذا إذا شرع رجلان كل واحد منهما في صلاة التطوع وحده، ثم أفسدها على ~~نفسه حتى وجب عليه القضاء، فاقتدى أحدهما بصاحبه لا يصح؛ لأن سبب وجوب ~~الصلاتين مختلف، وهو نذر كل واحد منهما وشروعه، فاختلف الواجبان وتغايرا، ~~وذلك يمنع صحة الاقتداء لما بينا، بخلاف اقتداء الحالف بالحالف حيث يصح؛ ~~لأن الواجب هناك تحقيق البر لا نفس الصلاة فبقيت كل واحدة من الصلاتين في ~~حق نفسها نفلا، فكان اقتداء المتنفل بالمتنفل فصح وكذا لو اشتركا في صلاة ~~التطوع بأن اقتدى أحدهما بصاحبه فيها، ثم أفسداها حتى وجب القضاء عليهما، ~~فاقتدى أحدهما بصاحبه في القضاء جاز لأنها صلاة واحدة مشتركة بينهما، فكان ~~سبب الوجوب واحدا معنى فصح الاقتداء، ثم إذا لم يصح الاقتداء عند اختلاف ~~الفرضين فصلاة الإمام جائزة كيفما كان؛ لأن صلاته غير متعلقة بصلاة ~~المقتدي. # وأما صلاة المقتدي إذا فسدت عن الفرضية هل يصير شارعا في التطوع؟ ذكر في ~~باب الحدث في الرجل إذا كان يصلي الظهر - وقد نوى إمامة النساء - فجاءت ~~امرأة واقتدت به فرضا آخر - لم يصح اقتداؤها به - ولا يصير شارعا في ~~التطوع، حتى لو حاذت الإمام لم تفسد عليه صلاته، فمن مشايخنا من قال: في ~~المسألة روايتان، ومنهم من قال: ما ذكر في باب الأذان قول أبي حنيفة وأبي ~~يوسف، وما ms0325 ذكر في باب الحدث قول محمد، وجعلوه فرعية مسألة، وهي أن المصلي ~~إذا لم يفرغ من الفجر حتى طلعت الشمس بقي في التطوع عندهما، إلا أنه يمكث ~~حتى ترتفع الشمس ثم يضم إليها ما يتمها فيكون تطوعا، وعنده يصير خارجا من ~~الصلاة بطلوع الشمس وكذا إذا كان في الظهر فتذكر أنه نسي الفجر - ينقلب ~~ظهره تطوعا عندهما، وعند محمد يصير خارجا من الصلاة. # (وجه) قول محمد أنه نوى فرضا عليه ولم يظهر أنه ليس عليه فرض فلا يلغو ~~نية الفرض، فمن حيث إنه لم يلغ نية الفرض لم يصر شارعا في النفل، ومن حيث ~~إنه يخالف فرضه فرض الإمام لم يصح الاقتداء، فلم يصر شارعا في الصلاة أصلا، ~~بخلاف ما إذا لم يكن عليه الفرض؛ لأن نية الفرض لغت أصلا كأنه لم ينو. # (وجه) قولهما أنه بنى أصل الصلاة ووصفها على صلاة الإمام، وبناء الأصل صح ~~وبناء الوصف لم يصح، فلغا بناء الوصف وبقي بناء الأصل، وبطلان بناء الوصف ~~لا يوجب بطلان بناء الأصل لاستغناء الأصل عن هذا الوصف، فيصير هذا اقتداء ~~المتنفل بالمفترض، وأنه جائز. # وذكر في النوادر عن محمد # PageV01P144 # في رجلين يصليان صلاة واحدة معا، وينوي كل واحد منهما أن يؤم صاحبه فيها ~~أن صلاتهما جائزة؛ لأن صحة صلاة الإمام غير متعلقة بصلاة غيره فصار كل واحد ~~منهما كالمنفرد في حق نفسه. # ولو اقتدى كل واحد منهما بصاحبه فيها فصلاتهما فاسدة؛ لأن صلاة المقتدي ~~متعلقة بصلاة الإمام ولا إمام ههنا. # (ومنها) - أن لا يكون المقتدي عند الاقتداء متقدما على إمامه عندنا. # وقال مالك: هذا ليس بشرط ويجزئه إذا أمكنه متابعة الإمام. # (وجه) قوله أن الاقتداء يوجب المتابعة في الصلاة، والمكان ليس من الصلاة ~~فلا يجب المتابعة فيه، ألا ترى أن الإمام يصلي عند الكعبة في مقام إبراهيم ~~- عليه الصلاة والسلام - والقوم صف حول البيت؟ ولا شك أن أكثرهم قبل ~~الإمام. # (ولنا) قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس مع الإمام من تقدمه» ؛ ~~ولأنه إذا تقدم الإمام يشتبه عليه ms0326 حاله، أو يحتاج إلى النظر وراءه في كل ~~وقت ليتابعه، فلا يمكنه المتابعة؛ ولأن المكان من لوازمه، ألا ترى أنه إذا ~~كان بينه وبين الإمام نهر أو طريق لم يصح الاقتداء لانعدام التبعية في ~~المكان؟ كذا هذا، بخلاف الصلاة في الكعبة؛ لأن وجهه إذا كان إلى الإمام لم ~~تنقطع التبعية، ولا يسمى قبله بل هما متقابلان، كما إذا حاذى إمامه، وإنما ~~تتحقق القبلية إذا كان ظهره إلى الإمام ولم يوجد، وكذا لا يشتبه عليه حال ~~الإمام والمأموم. # (ومنها) - اتحاد مكان الإمام والمأموم، ولأن الاقتداء يقتضي التبعية في ~~الصلاة، والمكان من لوازم الصلاة فيقتضي التبعية في المكان ضرورة، وعند ~~اختلاف المكان تنعدم التبعية في المكان فتنعدم التبعية في الصلاة لانعدام ~~لازمها؛ ولأن اختلاف المكان يوجب خفاء حال الإمام على المقتدي فتتعذر عليه ~~المتابعة التي هي معنى الاقتداء، حتى أنه لو كان بينهما طريق عام يمر فيه ~~الناس أو نهر عظيم لا يصح الاقتداء؛ لأن ذلك يوجب اختلاف المكانين عرفا مع ~~اختلافهما حقيقة فيمنع صحة الاقتداء، وأصله ما روي عن عمر - رضي الله عنه - ~~موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:: «من ~~كان بينه وبين الإمام نهر أو طريق أو صف من النساء فلا صلاة له» ، ومقدار ~~الطريق العام ذكر في الفتاوى أنه سئل أبو نصر محمد بن محمد بن سلام عن ~~مقدار الطريق الذي يمنع صحة الاقتداء فقال: مقدار ما تمر فيه العجلة وتمر ~~فيه الأوقار، وسئل أبو القاسم الصفار عنه فقال: مقدار ما يمر فيه الجمل. # وأما النهر العظيم فما لا يمكن العبور عليه إلا بعلاج كالقنطرة ونحوها، ~~وذكر الإمام السرخسي أن المراد من الطريق ما تمر فيه العجلة وما وراء ذلك ~~طريقة لا طريق، والمراد بالنهر ما تجري فيه السفن، وما دون ذلك بمنزلة ~~الجدول لا يمنع صحة الاقتداء، فإن كانت الصفوف متصلة على الطريق جاز ~~الاقتداء؛ لأن اتصال الصفوف أخرجه من أن يكون ممر الناس فلم يبق طريقا بل ~~صار مصلى في حق ms0327 هذه الصلاة، وكذلك إن كان على النهر جسر وعليه صف متصل لما ~~قلنا، ولو كان بينهما حائط، ذكر في الأصل أنه يجزئه، وروى الحسن عن أبي ~~حنيفة أنه يجزئه، وهذا في الحاصل على وجهين: إن كان الحائط قصيرا ذليلا ~~بحيث يتمكن كل أحد من الركوب عليه كحائط المقصورة - لا يمنع الاقتداء؛ لأن ~~ذلك لا يمنع التبعية في المكان، ولا يوجب خفاء حال الإمام. # ولو كان بين الصفين حائط: إن كان طويلا وعريضا ليس فيه ثقب - يمنع ~~الاقتداء، وإن كان فيه ثقب لا يمنع مشاهدة حال الإمام - لا يمنع بالإجماع، ~~وإن كان كبيرا: فإن كان عليه باب مفتوح أو خوخة فكذلك، وإن لم يكن عليه شيء ~~من ذلك فعليه روايتان. # (وجه) الرواية الأولى التي قال لا يصح - أنه يشتبه عليه حال إمامه فلا ~~يمكنه المتابعة. # (وجه) الرواية الأخرى الوجود، وهو ما ظهر من عمل الناس في الصلاة بمكة، ~~فإن الإمام يقف في مقام إبراهيم - صلوات الله عليه وسلامه - وبعض الناس ~~يقفون وراء الكعبة من الجانب الآخر، فبينهم وبين الإمام حائط الكعبة ولم ~~يمنعهم أحد من ذلك، فدل على الجواز، ولو كان بينهما صف من النساء يمنع صحة ~~الاقتداء لما روينا من الحديث؛ ولأن الصف من النساء بمنزلة الحائط الكبير ~~الذي ليس فيه فرجة، وذا يمنع صحة الاقتداء كذا هذا. # ولو اقتدى بالإمام في أقصى المسجد والإمام في المحراب جاز؛ لأن المسجد ~~على تباعد أطرافه جعل في الحكم كمكان واحد ولو وقف على سطح المسجد واقتدى ~~بالإمام: فإن كان وقوفه خلف الإمام أو بحذائه أجزأه، لما روي عن أبي هريرة ~~- رضي الله عنه - أنه وقف على سطح واقتدى بالإمام وهو في جوفه؛ ولأن سطح ~~المسجد تبع # PageV01P145 # للمسجد، وحكم التبع حكم الأصل فكأنه في جوف المسجد، وهذا إذا كان لا ~~يشتبه عليه حال إمامه، فإن كان يشتبه لا يجوز وإن كان وقوفه متقدما على ~~الإمام لا يجزئه لانعدام معنى التبعية، كما لو كان في جوف المسجد وكذلك لو ~~كان على سطح بجنب المسجد، ms0328 متصل به، ليس بينهما طريق، فاقتدى به - صح ~~اقتداؤه عندنا، وقال الشافعي لا يصح؛ لأنه ترك مكان الصلاة بالجماعة من غير ~~ضرورة. # (ولنا) أن السطح إذا كان متصلا بسطح المسجد كان تبعا لسطح المسجد، وتبع ~~سطح المسجد في حكم المسجد، فكان اقتداؤه وهو عليه كاقتدائه وهو في جوف ~~المسجد إذا كان لا يشتبه عليه حال الإمام. # ولو اقتدى خارج المسجد بإمام في المسجد: إن كانت الصفوف متصلة جاز، وإلا ~~فلا؛ لأن ذلك الموضع بحكم اتصال الصفوف يلتحق بالمسجد هذا إذا كان الإمام ~~يصلي في المسجد، فأما إذا كان يصلي في الصحراء: فإن كانت الفرجة التي بين ~~الإمام والقوم قدر الصفين فصاعدا - لا يجوز اقتداؤهم به؛ لأن ذلك بمنزلة ~~الطريق العام أو النهر العظيم فيوجب اختلاف المكان وذكر في الفتاوى أنه سئل ~~أبو نصر عن إمام يصلي في فلاة من الأرض كم مقدار ما بينهما حتى يمنع صحة ~~الاقتداء؟ قال إذا كان مقدار ما لا يمكن أن يصطف فيه جازت صلاتهم، فقيل له: ~~لو صلى في مصلى العيد؟ قال: حكمه حكم المسجد. # ولو كان الإمام يصلي على دكان والقوم أسفل منه أو على القلب - جاز ويكره. # (أما) الجواز فلأن ذلك لا يقطع التبعية ولا يوجب خفاء حال الإمام، (وأما) ~~الكراهة فلشبهة اختلاف المكان، ولما يذكر في بيان ما يكره للمصلي أن يفعله ~~في صلاته - إن شاء الله تعالى - وانفراد المقتدي خلف الإمام عن الصف لا ~~يمنع صحة الاقتداء عند عامة العلماء. # وقال أصحاب الحديث منهم أحمد بن حنبل: يمنع، (واحتجوا) بما روي عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» ، وعن وابصة أن ~~«النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يصلي في حجرة من الأرض فقال: أعد ~~صلاتك فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف» . # (ولنا) ما روي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: «أقامني النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - واليتيم وراءه وأقام أمي أم سليم وراءنا» جوز ~~اقتداءها به عن انفرادها خلف الصفوف، ms0329 ودل الحديث على أن محاذاة المرأة ~~مفسدة صلاة الرجل؛ لأنه أقامها خلفهما مع نهيه عن الانفراد خلف الصف، فعلم ~~أنه إنما فعل صيانة لصلاتهما. # وروي أن «أبا بكرة - رضي الله عنه - دخل المسجد ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - راكع فكبر وركع ودب حتى التحق بالصفوف، فلما فرغ النبي من ~~صلاته قال: زادك الله حرصا ولا تعد أو قال: لا تعد» جوز اقتداءه به خلف ~~الصف، والدليل عليه أنه لو تبين أن من بجنبه كان محدثا تجوز صلاته ~~بالإجماع، وإن كان هو منفردا خلف الصف حقيقة، والحديث محمول على نفي ~~الكمال، والأمر بالإعادة شاذ، ولو ثبت فيحتمل أنه كان بينه وبين الإمام ما ~~يمنع الاقتداء، وفي الحديث ما يدل عليه، فإنه قال: في حجرة من الأرض، أي ~~ناحية، لكن الأولى عندنا أن يلتحق بالصف الأول إن وجد فرجة ثم يكبر، ويكره ~~له الانفراد من غير ضرورة، ووجه الكراهة نذكره في بيان ما يكره فعله في ~~الصلاة. # ولو انفرد ثم مشى ليلحق بالصف ذكر في الفتاوى عن محمد بن سلمة أنه إن مشى ~~في صلاته مقدار صف واحد لا تفسد، وإن مشى أكثر من ذلك فسدت، وكذلك المسبوق ~~إذا قام إلى قضاء ما سبق به فتقدم حتى لا يمر الناس بين يديه أنه إن مشى ~~قدر صف لا تفسد صلاته، وإن كان أكثر من ذلك فسدت، وهو اختيار الفقيه أبي ~~الليث سواء كان في المسجد أو في الصحراء ومشى مقدار صف ووقف لا تفسد صلاته، ~~وقدر بعض أصحابنا بموضع سجوده، وبعضهم بمقدار الصفين، إن زاد على ذلك فسدت ~~صلاته. ### | [فصل واجبات الصلاة] # (فصل) : # وأما واجباتها فأنواع بعضها قبل الصلاة، وبعضها في الصلاة، وبعضها عند ~~الخروج من الصلاة، وبعضها في حرمة الصلاة بعد الخروج منها. # (أما) الذي قبل الصلاة فاثنان: أحدهما - الأذان والإقامة. # والكلام في الأذان يقع في مواضع: في بيان وجوبه في الجملة، وفي بيان ~~كيفيته، وفي بيان سببه، وفي بيان محل وجوبه، وفي بيان وقته، وفي بيان ما ~~يجب على ms0330 السامعين عند سماعه. # (وأما) الأول فقد ذكر محمد ما يدل على الوجوب فإنه قال: إن أهل بلدة لو ~~اجتمعوا على ترك الأذان لقاتلتهم عليه، ولو تركه واحد ضربته وحبسته، وإنما ~~يقاتل ويضرب # PageV01P146 # ويحبس على ترك الواجب، وعامة مشايخنا قالوا: إنهما سنتان مؤكدتان، لما ~~روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال في قوم صلوا الظهر أو العصر في المصر ~~بجماعة بغير أذان ولا إقامة: فقد أخطئوا السنة وخالفوا وأثموا، والقولان لا ~~يتنافيان لأن السنة المؤكدة والواجب سواء خصوصا السنة التي هي من شعائر ~~الإسلام، فلا يسع تركها، ومن تركها فقد أساء؛ لأن ترك السنة المتواترة يوجب ~~الإساءة، وإن لم تكن من شعائر الإسلام فهذا أولى ألا ترى أن أبا حنيفة سماه ~~سنة، ثم فسره بالواجب حيث قال: أخطئوا السنة وخالفوا وأثموا؟ والإثم إنما ~~يلزم بترك الواجب. # ودليل الوجوب حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري - رضي الله عنه - ~~وهو الأصل في باب الأذان - فإنه روى «أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كأن تفوتهم الصلاة مع الجماعة لاشتباه الوقت عليهم وأرادوا أن ~~ينصبوا لذلك علامة، قال بعضهم: نضرب بالناقوس فكرهوا ذلك لمكان النصارى ~~وقال بعضهم: نضرب بالشبور فكرهوا ذلك لمكان اليهود، وقال بعضهم: نوقد نارا ~~عظيمة فكرهوا ذلك لمكان المجوس، فتفرقوا من غير رأي اجتمعوا عليه، فدخل عبد ~~الله بن زيد منزله فقدمت امرأته العشاء فقال: ما أنا بآكل وأصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يهمهم أمر الصلاة، إلى أن قال: كنت بين النائم ~~واليقظان إذ رأيت نازلا نزل من السماء وعليه بردان أخضران وبيده ناقوس، ~~فقلت له: أتبيع مني هذا الناقوس؟ فقال: ما تصنع به؟ فقلت: أذهب به إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ليضرب به لوقت الصلاة فقال: ألا أدلك إلى ما ~~هو خير منه؟ فقلت: نعم فوقف على حذم حائط مستقبل القبلة وقال: الله أكبر - ~~الأذان المعروف - إلى آخره، قال: ثم مكث هنيهة ثم قال مثل ذلك، إلا أنه زاد ~~في آخره ms0331 قد قامت الصلاة مرتين، قال: فلما أصبحت ذكرت ذلك لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: إنه لرؤيا حق، فألقها إلى بلال فإنه أندى وأمد صوتا ~~منك، ومره ينادي به، فلما سمع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أذان بلال ~~خرج من المنزل يجر ذيل ردائه فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لقد طاف ~~بي الليلة مثل ما طاف بعبد الله إلا أنه سبقني به، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: الحمد لله وإنه لأثبت» . # فقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله أن يلقي الأذان إلى ~~بلال ويأمره ينادي به، ومطلق الأمر لوجوب العمل. # وروي عن محمد بن الحنفية أنه أنكر ذلك، ولا معنى للإنكار، فإنه روي عن ~~معاذ وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: إن ~~أصل الأذان رؤيا عبد الله بن زيد الأنصاري - رضي الله عنه - وهذا لأن أصل ~~الأذان وإن كان رؤيا عبد الله لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما شهد ~~بحقيقة رؤياه ثبتت حقيقتها، ولما أمره بأن يأمر بلالا ينادي به ثبت وجوبه ~~لما بينا؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - واظب عليه في عمره في الصلوات ~~المكتوبات، ومواظبته دليل الوجوب مهما قام عليه دليل عدم الفرضية، وقد قام ~~ههنا. ### | [فصل بيان كيفية الأذان] # (فصل) : # وأما بيان كيفية الأذان فهو على الكيفية المعروفة المتواترة من غير زيادة ~~ولا نقصان عند عامة العلماء، وزاد بعضهم، ونقص البعض، فقال مالك: يختم ~~الأذان بقوله: " الله أكبر "، اعتبارا للانتهاء بالابتداء. # (ولنا) حديث عبد الله بن زيد، وفيه الختم (بلا إله إلا الله) وأصل الأذان ~~ثبت بحديثه، فكذا قدره، وما يروون فيه من الحديث فهو غريب فلا يقبل خصوصا ~~فيما تعم به البلوى، والاعتماد في مثله على المشهور وهو ما روينا. # وقال مالك: يكبر في الابتداء مرتين - وهو رواية عن أبي يوسف - اعتبارا ~~بكلمة الشهادتين حيث يؤتى بها مرتين. # (ولنا) حديث عبد الله بن زيد، وفيه التكبير أربع مرات ms0332 بصوتين، وروي عن ~~أبي محذورة مؤذن مكة أنه قال: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الأذان تسعة عشر كلمة، والإقامة سبعة عشر كلمة، وإنما يكون كذلك إذا كان ~~التكبير فيه مرتين. # وأما الاعتبار بالشهادتين فنقول: كل تكبيرتين بصوت واحد عندنا، فكأنهما ~~كلمة واحدة فيأتي بهما مرتين كما يأتي بالشهادتين وقال الشافعي: فيه ترجيع ~~وهو أن يبتدئ المؤذن بالشهادتين فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، ~~أشهد أن محمدا رسول الله مرتين، يخفض بهما صوته، ثم يرجع إليهما ويرفع بهما ~~صوته. # (واحتج) بحديث أبي محذورة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: ارجع ~~فمد بهما صوتك. # (ولنا) حديث عبد الله بن زيد وليس فيه # PageV01P147 # ترجيع، وكذا لم يكن في آذان بلال وابن أم مكتوم ترجيع. # (وأما) حديث «أبي محذورة فقد كان في ابتداء الإسلام، فإنه روى أنه لما ~~أذن وكان حديث العهد بالإسلام قال: الله أكبر الله أكبر أربع مرات بصوتين ~~ومد صوته، فلما بلغ إلى الشهادتين خفض بهما صوته، بعضهم قالوا: إنما فعل ~~ذلك مخافة الكفار، وبعضهم قالوا: إنه كان جهوري الصوت، وكان في الجاهلية ~~يجهر بسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما بلغ إلى الشهادتين استحيا ~~فخفض بهما صوته، فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعرك أذنه وقال: ~~ارجع وقل أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، ومد بهما ~~صوتك غيظا للكفار» . # (وأما) الإقامة فمثنى مثنى عند عامة العلماء كالأذان، وعند مالك والشافعي ~~فرادى فرادى إلا قوله: " قد قامت الصلاة " فإنه يقولها مرتين عند الشافعي، ~~(واحتجا) بما روى أنس بن مالك أن بلالا - رضي الله عنه - أمر أن يشفع ~~الأذان ويوتر الإقامة، والظاهر أن الآمر كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # (ولنا) حديث عبد الله بن زيد أن النازل من السماء أتى بالأذان ومكث هنيهة ~~ثم قال مثل ذلك إلا أنه زاد في آخره مرتين (قد قامت الصلاة) ، وروينا في ~~حديث أبي محذورة " والإقامة سبع عشرة كلمة "، وإنما تكون ms0333 كذلك إذا كانت ~~مثنى. # وقال إبراهيم النخعي: كان الناس يشفعون الإقامة حتى خرج هؤلاء يعني بني ~~أمية فأفردوا الإقامة ومثله لا يكذب، وأشار إلى كون الإفراد بدعة، والحديث ~~محمول على الشفع والإيتار في حق الصوت والنفس دون حقيقة الكلمة، بدليل ما ~~ذكرنا والله أعلم. # (وأما) التثويب فالكلام فيه في ثلاثة مواضع: أحدها - في تفسير التثويب في ~~الشرع، والثاني - في المحل الذي شرع فيه، والثالث - في وقته (أما) الأول - ~~فقد ذكره محمد - رحمه الله تعالى - في كتاب الصلاة، قلت: أرأيت كيف التثويب ~~في صلاة الفجر؟ قال: كان التثويب الأول بعد الأذان " الصلاة خير من النوم " ~~فأحدث الناس هذا التثويب وهو حسن، فسر التثويب، وبين وقته، ولم يفسر ~~التثويب المحدث، ولم يبين وقته، وفسر ذلك في الجامع الصغير وبين وقته فقال: ~~التثويب الذي يصنعه الناس بين الأذان والإقامة في صلاة الفجر " حي على ~~الصلاة حي على الفلاح " مرتين - حسن، وإنما سماه محدثا لأنه أحدث في زمن ~~التابعين، ووصفه بالحسن لأنهم استحسنوه. # وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله ~~حسن، وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح» . # (وأما) محل التثويب فمحل الأول هو صلاة الفجر عند عامة العلماء، وقال بعض ~~الناس بالتثويب في صلاة العشاء أيضا، وهو أحد قولي الشافعي - رحمه الله ~~تعالى - في القديم، وأنكر التثويب في الجديد رأسا. # (وجه) قوله الأول أن هذا وقت نوم وغفلة كوقت الفجر فيحتاج إلى زيادة ~~إعلام كما في وقت الفجر. # (وجه) قوله الآخر أن أبا محذورة علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الأذان تسع عشرة كلمة وليس فيها التثويب، وكذا ليس في حديث عبد الله بن زيد ~~ذكر التثويب. # (ولنا) ما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال - رضي الله عنه - قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا بلال ثوب في الفجر ولا تثوب في ~~غيرها» ، فبطل به المذهبان جميعا، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه ~~أن «بلالا أتى النبي - صلى ms0334 الله عليه وسلم - يؤذنه بالصلاة فوجده راقدا ~~فقال: الصلاة خير من النوم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما أحسن هذا ~~اجعله في أذانك» ، وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: كان التثويب ~~على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " الصلاة خير من النوم " وتعليم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا محذورة، وتعليم الملك كان تعليم أصل ~~الأذان لا ما يذكر فيه من زيادة الإعلام، وما ذكروا من الاعتبار غير سديد؛ ~~لأن وقت الفجر وقت نوم وغفلة بخلاف غيره من الأوقات، مع أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى عن النوم قبل العشاء، وعن السمر بعدها، فالظاهر هو التيقظ. # (وأما) التثويب المحدث فمحله صلاة الفجر أيضا، ووقته ما بين الأذان ~~والإقامة، وتفسيره أن يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح على ما بين في ~~الجامع الصغير، غير أن مشايخنا قالوا: لا بأس بالتثويب المحدث في سائر ~~الصلوات لفرط غلبة الغفلة على الناس في زماننا، وشدة ركونهم إلى الدنيا، ~~وتهاونهم بأمور الدين، فصار سائر الصلوات في زماننا مثل الفجر في زمانهم، ~~فكان زيادة الإعلام من باب التعاون على البر والتقوى، فكان مستحسنا، ولهذا ~~قال أبو يوسف: لا أرى بأسا أن يقول المؤذن: " السلام عليك # PageV01P148 # أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة ~~يرحمك الله "؛ لاختصاصهم بزيادة شغل بسبب النظر في أمور الرعية، فاحتاجوا ~~إلى زيادة إعلام نظرا لهم، ثم التثويب في كل بلدة على ما يتعارفونه: إما ~~بالتنحنح، أو بقوله: الصلاة الصلاة، أو قامت قامت، أو بايك نماز بايك كما ~~يفعل أهل بخارى؛ لأنه الإعلام، والإعلام إنما يحصل بما يتعارفونه. # (وأما) وقته فقد بينا وقت التثويب القديم والمحدث جميعا والله الموفق. ### | [فصل بيان سنن الأذان] # (فصل) : # وأما بيان سنن الأذان فسنن الأذان في الصلاة نوعان: نوع يرجع إلى نفس ~~الأذان، ونوع يرجع إلى صفات المؤذن. # (أما) الذي يرجع إلى نفس الأذان فأنواع: منها - أن يجهر بالأذان فيرفع به ~~صوته؛ لأن المقصود وهو الإعلام يحصل به ms0335 ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لعبد الله بن زيد علمه بلالا فإنه أندى وأمد صوتا منك؟ ولهذا ~~كان الأفضل أن يؤذن في موضع يكون أسمع للجيران كالمئذنة ونحوها، ولا ينبغي ~~أن يجهد نفسه؛ لأنه يخاف حدوث بعض العلل كالفتق وأشباه ذلك، دل عليه ما روي ~~أن عمر - رضي الله عنه - قال لأبي محذورة أو لمؤذن بيت المقدس حين رآه يجهد ~~نفسه في الأذان: أما تخشى أن ينق طع مريطاؤك وهو ما بين السرة إلى العانة، ~~وكذا يجهر بالإقامة لكن دون الجهر بالأذان؛ لأن المطلوب من الإعلام بها دون ~~المقصود من الأذان. # (ومنها) أن يفصل بين كلمتي الأذان بسكتة، ولا يفصل بين كلمتي الإقامة بل ~~يجعلها كلاما واحدا؛ لأن الإعلام المطلوب من الأول لا يحصل إلا بالفصل، ~~والمطلوب من الإقامة يحصل بدونه. # (ومنها) - أن يترسل في الأذان ويحدر في الإقامة لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لبلال - رضي الله عنه -: «إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر» ~~وفي رواية: «فاحذم» وفي رواية: «فاحذف» ولأن الأذان لإعلام الغائبين بهجوم ~~الوقت، وذا في الترسل أبلغ، والإقامة لإعلام الحاضرين بالشروع في الصلاة، ~~وإنه يحصل بالحدر، ولو ترسل فيهما أو حدر أجزأه لحصول أصل المقصود وهو: ~~الإعلام. # (ومنها) أن يرتب بين كلمات الأذان والإقامة، حتى لو قدم البعض على البعض ~~ترك المقدم ثم يرتب ويؤلف ويعيد المقدم؛ لأنه لم يصادف محله فلغا، وكذلك ~~إذا ثوب بين الأذان والإقامة في الفجر فظن أنه في الإقامة فأتمها، ثم تذكر ~~قبل الشروع في الصلاة - فالأفضل أن يأتي بالإقامة من أولها إلى آخرها ~~مراعاة للترتيب، ودليل كون الترتيب أن النازل من السماء رتب، وكذا المروي ~~عن مؤذني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهما رتبا؛ ولأن الترتيب في ~~الصلاة فرض، والأذان شبيه بها فكان الترتيب فيه سنة (ومنها) أن يوالي بين ~~كلمات الأذان والإقامة؛ لأن النازل من السماء والى وعليه عمل مؤذني رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أنه لو أذن فظن أنه الإقامة، ثم ms0336 علم بعد ~~ما فرغ - فالأفضل أن يعيد الأذان، ويستقبل الإقامة مراعاة للموالاة وكذا ~~إذا أخذ في الإقامة وظن أنه في الأذان، ثم علم - فالأفضل أن يبتدئ الإقامة ~~لما قلنا، وعلى هذا إذا غشي عليه في الأذان والإقامة ساعة، أو مات، أو ارتد ~~عن الإسلام ثم أسلم، أو أحدث فذهب وتوضأ، ثم جاء - فالأفضل هو الاستقبال ~~لما قلنا، والأولى له إذا أحدث في أذانه أو إقامته أن يتمها ثم يذهب ويتوضأ ~~ويصلي؛ لأن ابتداء الأذان والإقامة مع الحدث جائز، فالبناء أولى. # ولو أذن ثم ارتد عن الإسلام فإن شاءوا أعادوا؛ لأنه عبادته محضة، والردة ~~محبطة للعبادات، فيصير ملحقا بالعدم وإن شاءوا اعتدوا به لحصول المقصود وهو ~~الإعلام وكذا يكره للمؤذن أن يتكلم في أذانه أو إقامته، لما فيه من ترك سنة ~~الموالاة؛ ولأنه ذكر معظم كالخطبة فلا يسع ترك حرمته ويكره له رد السلام في ~~الأذان لما قلنا، وعن سفيان الثوري أنه لا بأس بذلك؛ لأنه فرض، ولكنا نقول: ~~إنه يحتمل التأخير إلى الفراغ من الأذان. # (ومنها) أن يأتي بالأذان والإقامة مستقبل القبلة؛ لأن النازل من السماء ~~هكذا فعل، وعليه إجماع الأمة، ولو ترك الاستقبال يجزيه لحصول المقصود وهو ~~الإعلام، لكنه يكره لتركه السنة المتواترة، إلا أنه إذا انتهى إلى الصلاة ~~والفلاح حول وجهه يمينا وشمالا، كذا فعل النازل من السماء، ولأن هذا خطاب ~~للقوم فيقبل بوجهه إليهم إعلاما لهم، كالسلام في الصلاة، وقدماه مكانهما ~~ليبقى مستقبل القبلة بالقدر الممكن كما في السلام والصلاة، ويحول وجهه مع ~~بقاء البدن مستقبل القبلة كذا ههنا وإن كان في الصومعة: فإن كانت ضيقة لزم ~~مكانه، لانعدام الحاجة إلى الاستدارة وإن كانت واسعة فاستدار فيها ليخرج ~~رأسه من نواحيها فحسن؛ لأن الصومعة إذا كانت متسعة فالإعلام لا يحصل # PageV01P149 # بدون الاستدارة. # (ومنها) أن يكون التكبير جزما، وهو قوله: الله أكبر لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: الأذان جزم. # (ومنها) ترك التلحين في الأذان، لما روي أن رجلا جاء إلى ابن عمر - رضي ~~الله عنهما - فقال: إني أحبك ms0337 في الله تعالى فقال ابن عمر: إني أبغضك في ~~الله تعالى فقال: لم قال: لأنه بلغني أنك تغني في أذانك، يعني التلحين، أما ~~التفخيم فلا بأس به؛ لأنه إحدى اللغتين. # (ومنها) الفصل - فيما سوى المغرب - بين الأذان والإقامة؛ لأن الإعلام ~~المطلوب من كل واحد منهما لا يحصل إلا بالفصل، والفصل - فيما سوى المغرب - ~~بالصلاة أو بالجلوس مسنون، والوصل مكروه، وأصله ما روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال لبلال: «إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر» ، وفي ~~رواية فاحذف، وفي رواية «فاحذم، وليكن بين أذانك وإقامتك مقدار ما يفرغ ~~الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته، ولا تقوموا ~~في الصف حتى تروني» ؛ ولأن الأذان لاستحضار الغائبين فلا بد من الإمهال ~~ليحضروا، ثم لم يذكر في ظاهر الرواية مقدار الفصل، وروى الحسن عن أبي حنيفة ~~في الفجر قدر ما يقرأ عشرين آية، وفي الظهر قدر ما يصلي أربع ركعات يقرأ في ~~كل ركعة نحوا من عشر آيات، وفي العصر مقدار ما يصلي ركعتين يقرأ في كل ركعة ~~نحوا من عشر آيات، وفي المغرب يقوم مقدار ما يقرأ ثلاث آيات، وفي العشاء ~~كما في الظهر وهذا ليس بتقدير لازم، فينبغي أن يفعل مقدار ما يحضر القوم مع ~~مراعاة الوقت المستحب وأما المغرب فلا يفصل فيها بالصلاة عندنا، وقال ~~الشافعي: يفصل بركعتين خفيفتين اعتبارا بسائر الصلوات. # (ولنا) ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «بين كل أذانين ~~صلاة لمن شاء إلا المغرب» ، وهذا نص، ولأن مبنى المغرب على التعجيل لما روى ~~أبو أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «لن تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم» ، ~~والفصل بالصلاة تأخير لها، فلا يفصل بالصلاة، وهل يفصل بالجلوس؟ قال أبو ~~حنيفة: لا يفصل. # وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى -: يفصل بجلسة خفيفة كالجلسة ~~التي بين الخطبتين (وجه) قولهما أن الفصل مسنون، ولا يمكن بالصلاة، ms0338 فيفصل ~~بالجلسة لإقامة السنة ولأبي حنيفة أن الفصل بالجلسة تأخير للمغرب، وأنه ~~مكروه، ولهذا لم يفصل بالصلاة فبغيرها أولى، ولأن الوصل مكروه، وتأخير ~~المغرب أيضا مكروه، والتحرز عن الكراهتين يحصل بسكتة خفيفة، وبالهيئة من ~~الترسل والحذف، والجلسة لا تخلو عن أحدهما، وهي كراهة التأخير فكانت مكروهة ~~(وأما) الذي يرجع إلى صفات المؤذن فأنواع أيضا: (منها) - أن يكون رجلا، ~~فيكره أذان المرأة باتفاق الروايات؛ لأنها إن رفعت صوتها فقد ارتكبت معصية، ~~وإن خفضت فقد تركت سنة الجهر؛ ولأن أذان النساء لم يكن في السلف فكان من ~~المحدثات وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل محدثة بدعة» ، ولو ~~أذنت للقوم أجزأهم حتى لا تعاد لحصول المقصود وهو: الإعلام. # وروي عن أبي حنيفة أنه يستحب الإعادة وكذا أذان الصبي العاقل، وإن كان ~~جائزا حتى لا يعاد ذكره في ظاهر الرواية لحصول المقصود وهو: الإعلام، لكن ~~أذان البالغ أفضل؛ لأنه في مراعاة الحرمة أبلغ وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة ~~أنه قال: أكره أن يؤذن من لم يحتلم؛ لأن الناس لا يعتدون بأذانه، وأما أذان ~~الصبي الذي لا يعقل فلا يجزئ ويعاد؛ لأن ما يصدر لا عن عقل لا يعتد به كصوت ~~الطيور. # (ومنها) : أن يكون عاقلا، فيكره أذان المجنون والسكران الذي لا يعقل؛ لأن ~~الأذان ذكر معظم وتأذينهما ترك لتعظيمه، وهل يعاد؟ ذكر في ظاهر الرواية: ~~أحب إلي أن يعاد؛ لأن عامة كلام المجنون والسكران هذيان، فربما يشتبه على ~~الناس فلا يقع به الإعلام. # (ومنها) - أن يكون تقيا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الإمام ~~ضامن، والمؤذن مؤتمن» ، والأمانة لا يؤديها إلا التقي. # (ومنها) : أن يكون عالما بالسنة لقوله - صلى الله عليه وسلم -:: «يؤمكم ~~أقرؤكم، ويؤذن لكم خياركم» ، وخيار الناس العلماء؛ ولأن مراعاة سنن الأذان ~~لا يتأتى إلا من العالم بها، ولهذا إن أذان العبد والأعرابي وولد الزنا، ~~وإن كان جائزا لحصول المقصود وهو الإعلام، لكن غيرهم أفضل؛ لأن العبد لا ~~يتفرغ لمراعاة الأوقات لاشتغاله بخدمة المولى، ولأن الغالب عليه الجهل، ~~وكذا ms0339 الأعرابي وولد الزنا الغالب عليهما الجهل. # (ومنها) - أن يكون عالما بأوقات الصلاة، حتى كان البصير أفضل من الضرير؛ ~~لأن الضرير لا علم له بدخول الوقت والإعلام بدخول الوقت ممن لا علم له ~~بالدخول - متعذر # PageV01P150 # لكن مع هذا لو أذن يجوز لحصول الإعلام بصوته، وإمكان الوقوف على المواقيت ~~من قبل غيره في الجملة وابن أم مكتوم كان مؤذن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وكان أعمى. # (ومنها) : أن يكون مواظبا على الأذان؛ لأن حصول الإعلام لأهل المسجد بصوت ~~المواظب أبلغ من حصوله بصوت من لا عهد لهم بصوته، فكان أفضل وإن أذن السوقي ~~لمسجد المحلة في صلاة الليل، وغيره في صلاة النهار - يجوز؛ لأن السوقي يحرج ~~في الرجوع إلى المحلة في وقت كل صلاة لحاجته إلى الكسب. # (ومنها) أن يجعل أصبعيه في أذنيه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لبلال: «إذا أذنت فاجعل أصبعيك في أذنيك، فإنه أندى لصوتك وأمد بين الحكم ~~ونبه على الحكمة» وهي المبالغة في تحصيل المقصود، وإن لم يفعل أجزأه لحصول ~~أصل الإعلام بدونه، وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الأحسن أن يجعل أصبعيه في ~~أذنيه في الأذان والإقامة، وإن جعل يديه على أذنيه فحسن، وروى أبو يوسف عن ~~أبي حنيفة أنه إن جعل إحدى يديه على أذنه فحسن. # (ومنها) أن يكون المؤذن على الطهارة؛ لأنه ذكر معظم فإتيانه مع الطهارة ~~أقرب إلى التعظيم، وإن كان على غير طهارة بأن كان محدثا يجوز، ولا يكره حتى ~~يعاد في ظاهر الرواية، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يعاد، ووجهه أن للأذان ~~شبها بالصلاة، ولهذا يستقبل به القبلة كما في الصلاة، ثم الصلاة لا تجوز مع ~~الحدث، فما هو شبيه بها يكره معه وجه ظاهر الرواية ما روي أن بلالا ربما ~~أذن وهو على غير وضوء، ولأن الحدث لا يمنع من قراءة القرآن فأولى أن لا ~~يمنع من الأذان وإن أقام وهو محدث، ذكر في الأصل وسوى بين الأذان والإقامة ~~فقال: ويجوز الأذان والإقامة على غير وضوء، وروى أبو ms0340 يوسف عن أبي حنيفة أنه ~~قال: أكره إقامة المحدث. # (والفرق) أن السنة وصل الإقامة بالشروع في الصلاة، فكان الفصل مكروها ~~بخلاف الأذان، ولا تعاد؛ لأن تكرارها ليس بمشروع بخلاف الأذان. # وأما الأذان مع الجنابة فيكره في ظاهر الرواية حتى يعاد، وعن أبي يوسف ~~أنه لا يعاد لحصول المقصود - وهو الإعلام -، والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ ~~لأن أثر الجنابة ظهر في الفم فيمنع من الذكر المعظم كما يمنع من قراءة ~~القرآن بخلاف الحدث، وكذا الإقامة مع الجنابة تكره لكنها لا تعاد لما مر. # (ومنها) أن يؤذن قائما إذا أذن للجماعة، ويكره قاعدا؛ لأن النازل من ~~السماء أذن قائما حيث وقف على حذم حائط، وكذا الناس توارثوا ذلك فعلا، فكان ~~تاركه مسيئا لمخالفته النازل من السماء وإجماع الخلق؛ ولأن تمام الإعلام ~~بالقيام ويجزئه لحصول أصل المقصود، وإن أذن لنفسه قاعدا فلا بأس به؛ لأن ~~المقصود مراعاة سنة الصلاة لا الإعلام، وأما المسافر فلا بأس أن يؤذن ~~راكبا، لما روي أن بلالا - رضي الله عنه - ربما أذن في السفر راكبا، ولأن ~~له أن يترك الأذان أصلا في السفر فكان له أن يأتي به راكبا بطريق الأولى، ~~وينزل للإقامة لما روي أن بلالا أذن وهو راكب، ثم نزل وأقام على الأرض؛ ~~ولأنه لو لم ينزل لوقع الفصل بين الإقامة والشروع في الصلاة بالنزول، وإنه ~~مكروه وأما في الحضر فيكره الأذان راكبا في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه ~~قال: لا بأس به ثم المؤذن يختم الإقامة على مكانه، أو يتمها ماشيا، اختلف ~~المشايخ فيه، قال بعضهم: يختمها على مكانه سواء كان المؤذن إماما أو غيره، ~~وكذا روي عن أبي يوسف. # وقال بعضهم: يتمها ماشيا، وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه إذا بلغ ~~قوله: (قد قامت الصلاة) فهو بالخيار إن شاء مشى، وإن شاء وقف، إماما كان، ~~أو غيره، وبه أخذ الشافعي والفقيه أبو الليث، وما روي عن أبي يوسف - رحمه ~~الله - أصح # (ومنها) - أن يؤذن في مسجد واحد، ويكره أن يؤذن في مسجدين، ويصلي في ms0341 ~~أحدهما؛ لأنه إذا صلى في المسجد الأول يكون متنفلا بالأذان في المسجد ~~الثاني، والتنفل بالأذان غير مشروع؛ ولأن الأذان يختص بالمكتوبات، وهو في ~~المسجد الثاني يصلي النافلة فلا ينبغي أن يدعو الناس إلى المكتوبة وهو لا ~~يساعدهم فيها. # (ومنها) - أن من أذن فهو الذي يقيم، وإن أقام غيره: فإن كان يتأذى بذلك ~~يكره؛ لأن اكتساب أذى المسلم مكروه، وإن كان لا يتأذى به لا يكره وقال ~~الشافعي: يكره تأذى به أو لم يتأذ (احتج) بما روي عن أخي صداء أنه قال: ~~«بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالا إلى حاجة له فأمرني أن أؤذن ~~فأذنت، فجاء بلال وأراد أن يقيم، فنهاه عن ذلك وقال: إن أخا صداء هو الذي ~~أذن ومن أذن فهو الذي يقيم» . # (ولنا) ما روي أن عبد الله بن زيد «لما قص الرؤيا على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال له: لقنها بلالا، فأذن بلال ثم أمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - # PageV01P151 # عبد الله بن زيد فأقام» . # وروي أن ابن أم مكتوم كان يؤذن وبلال يقيم، وربما أذن بلال وأقام ابن أم ~~مكتوم، وتأويل ما رواه أن ذلك كان يشق عليه؛ لأنه روي أنه كان حديث عهد ~~بالإسلام، وكان يحب الأذان والإقامة (ومنها) - أن يؤذن محتسبا، ولا يأخذ ~~على الأذان والإقامة أجرا، ولا يحل له أخذ الأجرة على ذلك؛ لأنه استئجار ~~على الطاعة، وذا لا يجوز؛ لأن الإنسان في تحصيل الطاعة عامل لنفسه، فلا ~~يجوز له أخذ الأجرة عليه، وعند الشافعي يحل له أن يأخذ على ذلك أجرا، وهي ~~من مسائل كتاب الإجارات، وفي الباب حديث خاص وهو ما روي عن عثمان بن أبي ~~العاص - رضي الله عنه - أنه قال: آخر ما عهد إلي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن أصلي بالقوم صلاة أضعفهم، وأن أتخذ مؤذنا لا يأخذ عليه أجرا، وإن ~~علم القوم حاجته فأعطوه شيئا من غير شرط فهو حسن؛ لأنه من باب البر والصدقة ~~والمجازاة على إحسانه بمكانهم، وكل ذلك حسن ms0342 والله أعلم. ### | [فصل بيان محل وجوب الأذان] # (فصل) : # وأما بيان محل وجوب الأذان فالمحل الذي يجب فيه الأذان ويؤذن له الصلوات ~~المكتوبة التي تؤدى بجماعة مستحبة في حال الإقامة، فلا أذان ولا إقامة في ~~صلاة الجنازة؛ لأنها ليست بصلاة على الحقيقة لوجود بعض ما يتركب منه الصلاة ~~وهو القيام، إذ لا قراءة فيها ولا ركوع ولا سجود ولا قعود، فلم تكن صلاة ~~على الحقيقة، ولا أذان ولا إقامة في النوافل؛ لأن الأذان للإعلام بدخول وقت ~~الصلاة، والمكتوبات هي المختصة بأوقات معينة دون النوافل؛ ولأن النوافل ~~تابعة للفرائض فجعل أذان الأصل أذانا للتبع تقديرا، ولا أذان، ولا إقامة في ~~السنن لما قلنا، ولا أذان، ولا إقامة في الوتر؛ لأنه سنة عندهما فكان تبعا ~~للعشاء، فكان تبعا لها في الأذان كسائر السنن. # وعند أبي حنيفة واجب، والواجب غير المكتوبة والأذان من خواص المكتوبات، ~~ولا أذان ولا إقامة في صلاة العيدين، وصلاة الكسوف والخسوف والاستسقاء؛ ~~لأنها ليست بمكتوبة، ولا أذان ولا إقامة في جماعة النسوان والصبيان ~~والعبيد؛ لأن هذه الجماعة غير مستحبة. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس على النساء أذان ~~ولا إقامة» ؛ ولأنه ليس عليهن الجماعة فلا يكون عليهن الأذان والإقامة، ~~والجمعة فيها أذان وإقامة؛ لأنها مكتوبة تؤدى بجماعة مستحبة؛ ولأن فرض ~~الوقت هو الظهر عند بعض أصحابنا، والجمعة قائمة مقامه، وعند بعضهم: الفرض ~~هو الجمعة ابتداء وهي آكد من الظهر، حتى وجب ترك الظهر لأجلها، ثم إنهما ~~وجبا لإقامة الظهر، فالجمعة أحق، ثم الأذان المعتبر يوم الجمعة هو ما يؤتى ~~به إذا صعد الإمام المنبر، وتجب الإجابة والاستماع له دون الذي يؤتى به على ~~المنارة، وهذا قول عامة العلماء، وكان الحسن بن زياد يقول: المعتبر هو ~~الأذان على المنارة؛ لأن الإعلام يقع به، والصحيح قول العامة لما روي عن ~~السائب بن زيد أنه قال: «كان الأذان يوم الجمعة على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وعلى عهد أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - أذانا واحدا ms0343 ~~حين يجلس الإمام على المنبر، فلما كانت خلافة عثمان - رضي الله عنه - وكثر ~~الناس أمر عثمان - رضي الله عنه - بالأذان الثاني على الزوراء» وهي ~~المنارة، وقيل: اسم موضع بالمدينة، وصلاة العصر بعرفة تؤدى مع الظهر في وقت ~~الظهر بأذان واحد، ولا يراعى للعصر أذان على حدة، لأنها شرعت في وقت الظهر ~~في هذا اليوم فكان أذان الظهر وإقامته عنهما جميعا، وكذلك صلاة المغرب مع ~~العشاء بمزدلفة يكتفى فيهما بأذان واحد لما ذكرنا، إلا أن في الجمع الأول ~~يكتفى بأذان واحد لكن بإقامتين، وفي الثاني يكتفى بأذان واحد وإقامة واحدة ~~عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر بأذان واحد وإقامتين كما في الجمع الأول، ~~وعند الشافعي بأذانين وإقامة واحدة لما يذكر في كتاب المناسك - إن شاء الله ~~تعالى -. # ولو صلى الرجل في بيته وحده، ذكر في الأصل إذا صلى الرجل في بيته واكتفى ~~بأذان الناس وإقامتهم أجزأه، وإن أقام فهو حسن؛ لأنه إن عجز عن تحقق ~~الجماعة بنفسه فلم يعجز عن التشبه، فيندب إلى أن يؤدي الصلاة على هيئة ~~الصلاة بالجماعة، ولهذا كان الأفضل أن يجهر بالقراءة في صلوات الجهر، وإن ~~ترك ذلك واكتفى بأذان الناس وإقامتهم أجزأه، لما روي أن عبد الله بن مسعود ~~صلى بعلقمة والأسود بغير أذان ولا إقامة وقال: يكفينا أذان الحي وإقامتهم،. # أشار إلى أن أذان الحي وإقامتهم وقع لكل واحد من أهل الحي ألا ترى أن على ~~كل واحد منهم أن يحضر مسجد الحي، وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي ~~حنيفة في قوم صلوا في # PageV01P152 # المصر في منزل أو في مسجد منزل، فأخبروا بأذان الناس وإقامتهم - أجزأهم. # وقد أساءوا بتركهما، فقد فرق بين الجماعة والواحد؛ لأن أذان الحي يكون ~~أذانا للأفراد ولا يكون أذانا للجماعة، هذا في المقيمين وأما المسافرون ~~فالأفضل لهم أن يؤذنوا ويقيموا، ويصلوا جماعة؛ لأن الأذان والإقامة من ~~لوازم الجماعة المستحبة، والسفر لم يسقط الجماعة فلا يسقط ما هو من ~~لوازمها، فإن صلوا بجماعة وأقاموا وتركوا الأذان - أجزأهم ولا يكره، ويكره ms0344 ~~لهم ترك الإقامة بخلاف أهل المصر إذا تركوا الأذان وأقاموا أنه يكره لهم ~~ذلك؛ لأن السفر سبب الرخصة. # وقد أثر في سقوط شطر فجاز أن يؤثر في سقوط أحد الأذانين، إلا أن الإقامة ~~آكد ثبوتا فيسقط شطر الأذان دون الإقامة، وأصله ما روي عن علي - رضي الله ~~عنه - أنه قال: المسافر بالخيار إن شاء أذن، وأقام، وإن شاء أقام ولم يؤذن، ~~ولم يوجد في حق أهل المصر سبب الرخصة، ولأن الأذان للإعلام بهجوم وقت ~~الصلاة ليحضروا، والقوم في السفر حاضرون فلم يكره تركه لحصول المقصود ~~بدونه، بخلاف الحضر؛ لأن الناس لتفرقهم واشتغالهم بأنواع الحرف والمكاسب لا ~~يعرفون بهجوم الوقت، فيكره ترك الإعلام - في حقهم - بالأذان، بخلاف الإقامة ~~فإنها للإعلام بالشروع في الصلاة، وذا لا يختلف في حق المقيمين والمسافرين ~~وأما المسافر إذا كان وحده فإن ترك الأذان فلا بأس به، وإن ترك الإقامة ~~يكره، والمقيم إذا كان يصلي في بيته وحده فترك الأذان والإقامة لا يكره ~~(والفرق) أن أذان أهل المحلة يقع أذانا لكل واحد من أهل المحلة، فكأنه وجد ~~الأذان منه في حق نفسه تقديرا، فأما في السفر فلم يوجد الأذان والإقامة ~~للمسافر من غيره، غير أنه سقط الأذان في حقه رخصة وتيسيرا فلا بد من ~~الإقامة، ولو صلى في مسجد بأذان وإقامة هل يكره أن يؤذن ويقام فيه ثانيا؟ ~~فهذا لا يخلو من أحد وجهين: إما أن كان مسجدا له أهل معلوم، أو لم يكن: فإن ~~كان له أهل معلوم: فإن صلى فيه غير أهله بأذان وإقامة لا يكره لأهله أن ~~يعيدوا الأذان والإقامة، وإن صلى فيه أهله بأذان وإقامة، أو بعض أهله يكره ~~لغير أهله وللباقين من أهله أن يعيدوا الأذان والإقامة، وعند الشافعي لا ~~يكره وإن كان مسجدا ليس له أهل معلوم بأن كان على شوارع الطريق - لا يكره ~~تكرار الأذان والإقامة فيه، وهذه المسألة بناء على مسألة أخرى وهي أن تكرار ~~الجماعة في مسجد واحد هل يكره؟ فهو على ما ذكرنا من التفصيل والاختلاف. # وروي ms0345 عن أبي يوسف أنه إنما يكره إذا كانت الجماعة الثانية كثيرة، فأما ~~إذا كانوا ثلاثة، أو أربعة فقاموا في زاوية من زوايا المسجد وصلوا بجماعة ~~لا يكره. # وروي عن محمد أنه إنما يكره إذا كانت الثانية على سبيل التداعي ~~والاجتماع، فأما إذا لم يكن فلا يكره. # (احتج) الشافعي بما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «صلى بجماعة ~~في المسجد، فلما فرغ من صلاته دخل رجل وأراد أن يصلي وحده فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: من يتصدق على هذا الرجل فقال أبو بكر - رضي الله عنه ~~-: أنا يا رسول الله، فقام وصلى معه» وهذا أمر بتكرار الجماعة، وما كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليأمر بالمكروه؛ ولأن قضاء حق المسجد ~~واجب كما يجب قضاء حق الجماعة، حتى أن الناس لو صلوا بجماعة في البيوت ~~وعطلوا المساجد أثموا وخوصموا يوم القيامة بتركهم قضاء حق المسجد، ولو صلوا ~~فرادى في المساجد أثموا بتركهم الجماعة، والقوم الآخرون ما قضوا حق المسجد ~~فيجب عليهم قضاء حقه بإقامة الجماعة فيه، ولا يكره، والدليل عليه أنه لا ~~يكره في مساجد قوارع الطرق، كذا هذا. # (ولنا) ما روى عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه - رضي الله عنهما - أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من بيته ليصلح بين الأنصار لتشاجر بينهم ~~فرجع وقد صلى في المسجد بجماعة فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~منزل بعض أهله فجمع أهله فصلى بهم جماعة، ولو لم يكره تكرار الجماعة في ~~المسجد لما تركها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع علمه بفضل الجماعة ~~في المسجد. # وروي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كانوا إذا فاتتهم الجماعة صلوا في المسجد فرادى؛ ولأن التكرار ~~يؤدي إلى تقليل الجماعة؛ لأن الناس إذا علموا أنهم تفوتهم الجماعة ~~فيستعجلون فتكثر الجماعة، وإذا علموا أنها لا تفوتهم يتأخرون فتقل الجماعة، ~~وتقليل الجماعة مكروه، بخلاف المساجد التي على قوارع الطرق؛ ms0346 لأنها ليست لها ~~أهل معروفون، فأداء الجماعة فيها مرة بعد أخرى لا يؤدي إلى تقليل الجماعات، ~~وبخلاف ما إذا صلى فيه غير أهله؛ لأنه لا يؤدي إلى تقليل الجماعة؛ لأن أهل # PageV01P153 # المسجد ينتظرون أذان المؤذن المعروف فيحضرون حينئذ؛ ولأن حق المسجد لم ~~يقض بعد؛ لأن قضاء حقه على أهله ألا ترى أن المرمة ونصب الإمام والمؤذن ~~عليهم فكان عليهم قضاؤه؟ ولا عبرة بتقليل الجماعة الأولين؛ لأن ذلك مضاف ~~إليهم حيث لم ينتظروا حضور أهل المسجد بخلاف أهل المسجد؛ لأن انتظارهم ليس ~~بواجب عليهم ولا حجة له في الحديث؛ لأنه أمر واحدا وذا لا يكره، وإنما ~~المكروه ما كان على سبيل التداعي والاجتماع، بل هو حجة عليه؛ لأنه لم يأمر ~~أكثر من الواحد مع حاجتهم إلى إحراز الثواب، وما ذكر من المعنى غير سديد؛ ~~لأن قضاء حق المسجد على وجه يؤدي إلى تقليل الجماعة مكروه، ويستوي في وجوب ~~مراعاة الأذان والإقامة الأداء والقضاء، وجملة الكلام فيه أنه لا يخلو: إما ~~أن كانت الفائتة من الصلوات الخمس. # وأما إن كانت صلاة الجمعة فإن كانت من الصلوات الخمس فإن فاته صلاة واحدة ~~قضاها بأذان وإقامة، وكذا إذا فاتت الجماعة صلاة واحدة قضوها بالجماعة ~~بأذان وإقامة، وللشافعي قولان: في قول: يصلي بغير أذان وإقامة، وفي قول: ~~يصلي بالإقامة لا غير. # (احتج) بما روي، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما شغل عن أربع ~~صلوات يوم الأحزاب قضاهن بغير أذان ولا إقامة. # وروي في قصة ليلة التعريس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ارتحل من ذلك ~~الوادي، فلما ارتفعت الشمس أمر بلالا فأقام وصلوا ولم يأمره بالأذان، ولأن ~~الأذان للإعلام بدخول الوقت ولا حاجة ههنا إلى الإعلام به. # (ولنا) ما روى أبو قتادة الأنصاري - رضي الله عنه - في حديث ليلة التعريس ~~فقال: «كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة، أو سرية فلما كان في ~~آخر السحر عرسنا فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس، فجعل الرجل منا يثب ~~دهشا وفزعا، فاستيقظ رسول الله ms0347 - صلى الله عليه وسلم - فقال: ارتحلوا من ~~هذا الوادي فإنه وادي شيطان، فارتحلنا ونزلنا بواد آخر، فلما ارتفعت الشمس ~~وقضى القوم حوائجهم أمر بلالا بأن يؤذن فأذن وصلينا ركعتين ثم أقام فصلينا ~~صلاة الفجر» ، وهكذا روى عمران بن حصين هذه القصة، وروى أصحاب الإملاء عن ~~أبي يوسف بإسناده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه حين شغلهم ~~الكفار يوم الأحزاب عن أربع صلوات قضاهن فأمر بلالا أن يؤذن ويقيم لكل ~~واحدة منهن، حتى قالوا: أذن وأقام وصلى الظهر، ثم أذن وأقام وصلى العصر، ثم ~~أذن وأقام وصلى المغرب، ثم أذن وأقام وصلى العشاء، ولأن القضاء على حسب ~~الأداء. # وقد فاتتهم الصلاة بأذان وإقامة فتقضى كذلك، ولا تعلق له بحديث التعريس ~~والأحزاب؛ لأن الصحيح أنه أذن هناك وأقام على ما روينا. # وأما إذا فاتته صلوات فإن أذن لكل واحدة وأقام فحسن، وإن أذن وأقام ~~للأولى واقتصر على الإقامة للبواقي فهو جائز. # وقد اختلفت الروايات في قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلوات ~~التي فاتته يوم الخندق: في بعضها أنه أمر بلالا فأذن وأقام لكل صلاة على ما ~~روينا، وفي بعضها أنه أذن وأقام للأولى، ثم أقام لكل صلاة بعدها، وفي بعضها ~~أنه اقتصر على الإقامة لكل صلاة، ولا شك أن الأخذ برواية الزيادة أولى، ~~خصوصا في باب العبادات وإن فاتته صلاة الجمعة صلى الظهر بغير أذان ولا ~~إقامة؛ لأن الأذان والإقامة للصلاة التي تؤدى بجماعة مستحبة، وأداء الظهر ~~بجماعة يوم الجمعة مكروه في المصر، كذا روي عن علي - رضي الله عنه -. ### | [فصل بيان وقت الأذان والإقامة] # (فصل) : # وأما بيان وقت الأذان والإقامة فوقتهما ما هو وقت الصلوات المكتوبات، حتى ~~لو أذن قبل دخول الوقت لا يجزئه ويعيده إذا دخل الوقت في الصلوات كلها في ~~قول أبي حنيفة ومحمد. # وقد قال أبو يوسف: أخيرا لا بأس بأن يؤذن للفجر في النصف الأخير من ~~الليل، وهو قول الشافعي. # (واحتجا) بما روى سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه - رضي الله ms0348 عنه - أن ~~بلالا كان يؤذن بليل، وفي رواية قال: «لا يغرنكم أذان بلال عن السحور فإنه ~~يؤذن بليل» ؛ ولأن وقت الفجر مشتبه، وفي مراعاته بعض الحرج بخلاف سائر ~~الصلوات. # ولأبي حنيفة ومحمد ما روى شداد مولى عياض بن عامر أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال لبلال «لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا» ، ومد يده عرضا؛ ~~ولأن الأذان شرع للإعلام بدخول الوقت، والإعلام بالدخول قبل الدخول كذب، ~~وكذا هو من باب الخيانة في الأمانة، والمؤذن مؤتمن على لسان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، ولهذا لم يجز في سائر الصلوات؛ ولأن الأذان قبل ~~الفجر # PageV01P154 # يؤدي إلى الضرر بالناس؛ لأن ذلك وقت نومهم خصوصا في حق من تهجد في النصف ~~الأول من الليل، فربما يلتبس الأمر عليهم، وذلك مكروه. # وروي أن الحسن البصري كان إذا سمع من يؤذن قبل طلوع الفجر قال: علوج فراغ ~~لا يصلون إلا في الوقت، لو أدركهم عمر لأدبهم، وبلال - رضي الله عنه - ما ~~كان يؤذن بليل لصلاة الفجر بل لمعان أخر، لما روي عن ابن مسعود - رضي الله ~~عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا يمنعنكم من السحور أذان ~~بلال فإنه يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرد قائمكم ويتسحر صائمكم، فعليكم بأذان ~~ابن أم مكتوم» . # وقد كانت الصحابة - رضي الله عنهم - فرقتين: فرقة يتهجدون في النصف الأول ~~من الليل، وفرقة في النصف الأخير، وكان الفاصل أذان بلال، والدليل على أن ~~أذان بلال كان لهذه المعاني لا لصلاة الفجر أن ابن أم مكتوم كان يعيده ~~ثانيا بعد طلوع الفجر، وما ذكر من المعنى غير سديد؛ لأن الفجر الصادق ~~المستطير في الأفق مستبين لا اشتباه فيه. ### | [فصل بيان ما يجب على السامعين عند الأذان] # (فصل) : # وأما بيان ما يجب على السامعين عند الأذان فالواجب عليهم الإجابة، لما ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أربع من الجفاء: من بال ~~قائما، ومن مسح جبهته قبل الفراغ من الصلاة، ومن سمع الأذان ولم يجب، ومن ms0349 ~~سمع ذكري ولم يصل علي» ، والإجابة: أن يقول مثل ما قال المؤذن، لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «من قال مثل ما يقول المؤذن غفر الله ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر» ، فيقول مثل ما قاله إلا في قوله: " حي على الصلاة حي على ~~الفلاح " فإنه يقول مكانه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ لأن ~~إعادة ذلك تشبه المحاكاة والاستهزاء، وكذا إذا قال المؤذن: " الصلاة خير من ~~النوم " لا يعيده السامع لما قلنا ولكنه يقول: صدقت وبررت، أو ما يؤجر ~~عليه. # ولا ينبغي أن يتكلم السامع في حال الأذان والإقامة، ولا يشتغل بقراءة ~~القرآن، ولا بشيء من الأعمال سوى الإجابة، ولو كان في القراءة ينبغي أن ~~يقطع ويشتغل بالاستماع والإجابة، كذا قالوا في الفتاوى والله أعلم. # (والثاني) : الجماعة، والكلام فيها في مواضع: في بيان وجوبها، وفي بيان ~~من تجب عليه، وفي بيان من تنعقد به، وفي بيان ما يفعله فائت الجماعة، وفي ~~بيان من يصلح للإمامة في الجملة، وفي بيان من يصلح لها على التفصيل، وفي ~~بيان من هو أحق وأولى بالإمامة، وفي بيان مقام الإمام والمأموم، وفي بيان ~~ما يستحب للإمام أن يفعله بعد الفراغ من الصلاة. # (أما) الأول: فقد قال عامة مشايخنا: إنها واجبة، وذكر الكرخي أنها سنة، ~~(واحتج) بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صلاة الجماعة ~~تفضل على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، وفي رواية بخمس وعشرين درجة» ، جعل ~~الجماعة لإحراز الفضيلة وذا آية السنن. # (وجه) قول العامة: الكتاب والسنة وتوارث الأمة، أما الكتاب: فقوله تعالى: ~~{واركعوا مع الراكعين} [البقرة: 43] ، أمر الله - تعالى - بالركوع مع ~~الراكعين وذلك يكون في حال المشاركة في الركوع، فكان أمرا بإقامة الصلاة ~~بالجماعة، ومطلق الأمر لوجوب العمل. # (وأما) السنة فما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لقد ~~هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس فأنصرف إلى أقوام تخلفوا عن الصلاة فأحرق ~~عليهم بيوتهم» ، ومثل هذا الوعيد لا يلحق إلا بترك الواجب. # (وأما) توارث الأمة ms0350 فلأن الأمة من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى يومنا هذا واظبت عليها وعلى النكير على تاركها، والمواظبة على هذا ~~الوجه دليل الوجوب، وليس هذا اختلافا في الحقيقة بل من حيث العبارة؛ لأن ~~السنة المؤكدة، والواجب سواء، خصوصا ما كان من شعائر الإسلام ألا ترى أن ~~الكرخي سماها سنة ثم فسرها بالواجب فقال: الجماعة سنة لا يرخص لأحد التأخر ~~عنها إلا لعذر؟ وهو تفسير الواجب عند العامة. ### | [فصل بيان من تجب عليه الجماعة] # (فصل) : # وأما بيان من تجب عليه الجماعة: فالجماعة إنما تجب على الرجال، العاقلين، ~~الأحرار، القادرين عليها من غير حرج فلا تجب على النساء، والصبيان، ~~والمجانين، والعبيد، والمقعد، ومقطوع اليد، والرجل من خلاف، والشيخ الكبير ~~الذي لا يقدر على المشي، والمريض (أما) النساء فلأن خروجهن إلى الجماعات ~~فتنة. # (وأما) الصبيان والمجانين فلعدم أهلية وجوب الصلاة في حقهم وأما العبيد ~~فلرفع الضرر عن مواليهم بتعطيل منافعهم المستحقة وأما المقعد ومقطوع اليد ~~والرجل من خلاف، والشيخ الكبير فلأنهم لا يقدرون على المشي، والمريض لا ~~يقدر # PageV01P155 # عليه إلا بحرج. # (وأما) الأعمى فأجمعوا على أنه إذا لم يجد قائدا لا تجب عليه، وإن وجد ~~قائدا فكذلك عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد تجب والمسألة مع حججها ~~تأتي في كتاب الحج - إن شاء الله تعالى -. ### | [فصل بيان من تنعقد به الجماعة] # (فصل) : # وأما بيان من تنعقد به الجماعة فأقل من تنعقد به الجماعة اثنان، وهو أن ~~يكون مع الإمام واحد، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الاثنان فما ~~فوقهما جماعة» ؛ ولأن الجماعة مأخوذة من معنى الاجتماع، وأقل ما يتحقق به ~~الاجتماع اثنان، وسواء كان ذلك الواحد رجلا، أو امرأة، أو صبيا يعقل؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى الاثنين مطلقا جماعة، ولحصول معنى ~~الاجتماع بانضمام كل واحد من هؤلاء إلى الإمام وأما المجنون والصبي الذي لا ~~يعقل فلا عبرة بهما؛ لأنهما ليسا من أهل الصلاة فكانا ملحقين بالعدم. ### | [فصل بيان ما يفعل بعد فوات الجماعة] # (فصل) : # وأما بيان ما ms0351 يفعله بعد فوات الجماعة فلا خلاف في أنه إذا فاتته الجماعة ~~لا يجب عليه الطلب في مسجد آخر، لكنه كيف يصنع؟ ذكر في الأصل أنه إذا فاتته ~~الجماعة في مسجد حيه فإن أتى مسجدا آخر يرجو إدراك الجماعة فيه - فحسن، وإن ~~صلى في مسجد حيه فحسن، لحديث الحسن قال: كانوا إذا فاتتهم الجماعة فمنهم من ~~يصلي في مسجد حيه، ومنهم من يتبع الجماعة، أراد به الصحابة - رضي الله عنهم ~~-؛ ولأن في كل جانب مراعاة حرمة وترك أخرى، ففي أحد الجانبين مراعاة حرمة ~~مسجده وترك الجماعة، وفي الجانب الآخر مراعاة فضيلة الجماعة وترك حق مسجده، ~~فإذا تعذر الجمع بينهما مال إلى أيهما شاء. # وذكر القدوري أنه إذا فاتته الجماعة جمع بأهله في منزله، وإن صلى وحده ~~جاز، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه خرج من المدينة إلى صلح ~~بين حيين من أحياء العرب، فانصرف منه وقد فرغ الناس من الصلاة، فمال إلى ~~بيته وجمع بأهله في منزله» ، وفي هذا الحديث دليل على سقوط الطلب، إذ لو ~~وجب لكان أولى الناس به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر الشيخ ~~الإمام السرخسي أن الأولى في زماننا أنه إذا لم يدخل مسجده أن يتبع ~~الجماعة، وإن دخل مسجده صلى فيه. ### | [فصل بيان من يصلح للإمامة في الجملة] # (فصل) : # وأما بيان من يصلح للإمامة في الجملة فهو كل عاقل مسلم، حتى تجوز إمامة ~~العبد، والأعرابي، والأعمى، وولد الزنا والفاسق، وهذا قول العامة، وقال ~~مالك: لا تجوز الصلاة خلف الفاسق و (وجه) قوله أن الإمامة من باب الأمانة، ~~والفاسق خائن، ولهذا لا شهادة له لكون الشهادة من باب الأمانة. # (ولنا) ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صلوا خلف من ~~قال لا إله إلا الله» ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - «صلوا خلف كل بر ~~وفاجر» ، والحديث - والله أعلم - وإن ورد في الجمع والأعياد لتعلقهما ~~بالأمراء - وأكثرهم فساق - لكنه بظاهره حجة فيما نحن فيه، إذ العبرة لعموم ~~اللفظ لا لخصوص ms0352 السبب، وكذا الصحابة - رضي الله عنهم - كابن عمر وغيره ~~والتابعون اقتدوا بالحجاج في صلاة الجمعة وغيرها مع أنه كان أفسق أهل ~~زمانه، حتى كان عمر بن عبد العزيز يقول: لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بأبي ~~محمد لغلبناهم، وأبو محمد كنية الحجاج. # وروي عن أبي سعيد مولى بني أسيد أنه قال: عرست فدعوت رهطا من أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم أبو ذر وحذيفة وأبو سعيد الخدري فحضرت ~~الصلاة فقدموني فصليت بهم وأنا يومئذ عبد وفي رواية قال: فتقدم أبو ذر ~~ليصلي بهم فقيل له: أتتقدم وأنت في بيت غيرك؟ فقدموني فصليت بهم وأنا يومئذ ~~عبد. # وهذا حديث معروف أورده محمد في كتاب المأذون، وروي أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - استخلف ابن أم مكتوم على الصلاة بالمدينة حين خرج إلى بعض ~~الغزوات وكان أعمى؛ ولأن جواز الصلاة متعلق بأداء الأركان وهؤلاء قادرون ~~عليها، إلا أن غيرهم أولى؛ لأن مبنى الإمامة على الفضيلة، ولهذا كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يؤم غيره ولا يؤمه غيره، وكذا كل واحد من ~~الخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم - في عصره؛ ولأن الناس لا يرغبون في ~~الصلاة خلف هؤلاء فتؤدي إمامتهم إلى تقليل الجماعة، وذلك مكروه؛ ولأن مبنى ~~أداء الصلاة على العلم، والغالب على العبد والأعرابي وولد الزنا الجهل. # أما العبد فلأنه لا يتفرغ عن خدمة مولاه ليتعلم العلم، وقال الشافعي: إذا ~~ساوى العبد غيره في العلم والورع كان هو وغيره سواء، ولا تكون الصلاة خلف ~~غيره أحب إلي، (واحتج) بحديث أبي سعيد مولى بني أسيد وذا يدل على الجواز ~~ولا كلام فيه، وتقليل الجماعة وانتقاص # PageV01P156 # فضيلته عن فضيلة الأحرار يوجبان الكراهة. # وكذا الغالب على الأعرابي الجهل، قال الله تعالى: {الأعراب أشد كفرا ~~ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله} [التوبة: 97] ، ~~والأعرابي هو البدوي، وإنه اسم ذم، والعربي اسم مدح. # وكذا ولد الزنا الغالب من حاله الجهل لفقده من يؤدبه ويعلمه معالم ~~الشريعة؛ ولأن الإمامة أمانة عظيمة فلا ms0353 يتحملها الفاسق؛ لأنه لا يؤدي ~~الأمانة على وجهها والأعمى يوجهه غيره إلى القبلة فيصير في أمر القبلة ~~مقتديا بغيره، وربما يميل في خلال الصلاة عن القبلة، ألا ترى إلى ما روي عن ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يمتنع عن الإمامة بعد ما كف بصره ~~ويقول: كيف أؤمكم وأنتم تعدلونني؟ ولأنه لا يمكنه التوقي عن النجاسات فكان ~~البصير أولى، إلا إذا كان في الفضل لا يوازيه في مسجده غيره فحينئذ يكون ~~أولى، ولهذا استخلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن أم مكتوم - رضي الله ~~عنه - وإمامة صاحب الهوى والبدعة مكروهة، نص عليه أبو يوسف في الأمالي ~~فقال: أكره أن يكون الإمام صاحب هوى وبدعة؛ لأن الناس لا يرغبون في الصلاة ~~خلفه، وهل تجوز الصلاة خلفه؟ # قال بعض مشايخنا: إن الصلاة خلف المبتدع لا تجوز، وذكر في المنتقى رواية ~~عن أبي حنيفة أنه كان لا يرى الصلاة خلف المبتدع، والصحيح أنه إن كان هوى ~~يكفره لا تجوز، وإن كان لا يكفره تجوز مع الكراهة، وكذا المرأة تصلح ~~للإمامة في الجملة، حتى لو أمت النساء جاز، وينبغي أن تقوم وسطهن لما روي ~~عن عائشة - رضي الله عنها - أنها أمت نسوة في صلاة العصر وقامت وسطهن وأمت ~~أم سلمة نساء وقامت وسطهن؛ ولأن مبنى حالهن على الستر وهذا أستر لها، إلا ~~أن جماعتهن مكروهة عندنا، وعند الشافعي مستحبة كجماعة الرجال، ويروى في ذلك ~~أحاديث لكن تلك كانت في ابتداء الإسلام ثم نسخت بعد ذلك. # ولا يباح للشواب منهن الخروج إلى الجماعات، بدليل ما روي عن عمر - رضي ~~الله عنه - أنه نهى الشواب عن الخروج؛ ولأن خروجهن إلى الجماعة سبب الفتنة، ~~والفتنة حرام، وما أدى إلى الحرام فهو حرام. # وأما العجائز فهل يباح لهن الخروج إلى الجماعات فنذكر الكلام فيه في موضع ~~آخر الصبي العاقل يصلح إماما في الجملة بأن يؤم الصبيان في التراويح، وفي ~~إمامته البالغين فيها اختلاف المشايخ على ما مر فأما المجنون والصبي الذي ~~لا يعقل فليس من أهل الإمامة ms0354 أصلا؛ لأنهما ليسا من أهل الصلاة. ### | [فصل بيان من يصلح للإمامة على التفصيل] # (فصل) : # وأما بيان من يصلح للإمامة على التفصيل فكل من صح اقتداء الغير به في ~~صلاة يصلح إماما له فيها، ومن لا فلا، وقد مر بيان شرائط صحة الاقتداء ~~والله الموفق. ### | [فصل بيان من هو أحق بالإمامة وأولى بها] # (فصل) : # وأما بيان من هو أحق بالإمامة وأولى بها فالحر أولى بالإمامة من العبد، ~~والتقي أولى من الفاسق، والبصير أولى من الأعمى، وولد الرشدة أولى من ولد ~~الزنا، وغير الأعرابي من هؤلاء أولى من الأعرابي لما قلنا، ثم أفضل هؤلاء ~~أعلمهم بالسنة وأفضلهم ورعا وأقرؤهم لكتاب الله - تعالى - وأكبرهم سنا، ولا ~~شك أن هذه الخصال إذا اجتمعت في إنسان كان هو أولى، لما بينا أن بناء أمر ~~الإمامة على الفضيلة والكمال، والمستجمع فيه هذه الخصال من أكمل الناس، أما ~~العلم والورع وقراءة القرآن فظاهر. # وأما كبر السن فلأن من امتد عمره في الإسلام كان أكثر طاعة ومداومة على ~~الإسلام، فأما إذا تفرقت في أشخاص فأعلمهم بالسنة أولى إذا كان يحسن من ~~القراءة ما تجوز به الصلاة، وذكر في كتاب الصلاة وقدم الأقرأ فقال: ويؤم ~~القوم أقرؤهم لكتاب الله - تعالى - وأعلمهم بالسنة وأفضلهم ورعا وأكبرهم ~~سنا، والأصل فيه ما روي عن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا ~~سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا سواء فأكبرهم ~~سنا، فإن كانوا سواء فأحسنهم خلقا، فإن كانوا سواء فأصبحهم وجها» ، ثم من ~~المشايخ من أجرى الحديث على ظاهره وقدم الأقرأ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بدأ به، والأصح أن الأعلم بالسنة إذا كان يحسن من القراءة ما تجوز ~~به الصلاة فهو أولى، كذا ذكر في آثار أبي حنيفة لافتقار الصلاة بعد هذا ~~القدر من القراءة إلى العلم ليتمكن به من تدارك ما عسى أن يعرض في الصلاة ~~من العوارض، وافتقار القراءة أيضا إلى ms0355 العلم بالخطأ المفسد للصلاة فيها، ~~فلذلك كان الأعلم أفضل حتى قالوا: إن الأعلم إذا كان ممن يجتنب الفواحش ~~الظاهرة # PageV01P157 # والأقرأ أورع منه - فالأعلم أولى، إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قدم الأقرأ في الحديث؛ لأن الأقرأ في ذلك الزمان كان أعلم لتلقيهم القرآن ~~بمعانيه وأحكامه، فأما في زماننا فقد يكون الرجل ماهرا في القرآن ولا حظ له ~~من العلم، فكان الأعلم أولى، فإن استووا في العلم فأورعهم؛ لأن الحاجة بعد ~~العلم والقراءة بقدر ما يتعلق به الجواز إلى الورع أشد، قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «من صلى خلف عالم تقي فكأنما صلى خلف نبي» ، وإنما قدم ~~أقدمهم هجرة في الحديث؛ لأن الهجرة كانت فريضة يومئذ ثم نسخت بقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا هجرة بعد الفتح» ، فيقدم الأورع لتحصل به الهجرة عن ~~المعاصي، فإن استووا في الورع فأقرؤهم لكتاب الله - تعالى - لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أهل القرآن أهل الله وخاصته» ، فإن استووا في ~~القراءة فأكبرهم سنا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الكبر الكبر» فإن، ~~كانوا فيه سواء فأحسنهم خلقا؛ لأن حسن الخلق من باب الفضيلة، ومبنى الإمامة ~~على الفضيلة، فإن كانوا فيه سواء فأحسنهم وجها؛ لأن رغبة الناس في الصلاة ~~خلفه أكثر، وبعضهم قالوا: معنى قوله - في الحديث - أحسنهم وجها أي أكثرهم ~~خبرة بالأمور، يقال: وجه هذا الأمر كذا، وقال بعضهم: أي: أكثرهم صلاة ~~بالليل، كما جاء في الحديث «من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» ، ولا ~~حاجة إلى هذا التكلف؛ لأن الحمل على ظاهره ممكن لما بينا أن ذلك من أحد ~~دواعي الاقتداء، فكانت إمامته سببا لتكثير الجماعة فكان هو أولى. # ويكره للرجل أن يؤم الرجل في بيته إلا بإذنه، لما روينا من حديث أبي سعيد ~~مولى بني أسيد، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤم الرجل الرجل ~~في سلطانه، ولا يجلس على تكرمة أخيه إلا بإذنه، فإنه أعلم بعورات بيته» ، ~~وفي رواية في بيته؛ ولأن في التقدم عليه ازدراء به بين عشائره وأقاربه، ms0356 وذا ~~لا يليق بمكارم الأخلاق. # ولو أذن له لا بأس به؛ لأن الكراهة كانت لحقه، وذكر محمد في غير رواية ~~الأصول أن الضيف إذا كان ذا سلطان جاز له أن يؤم بدون الإذن؛ لأن الإذن ~~لمثل هذا الضيف ثابت دلالة، وإنه كالإذن نصا وأما إذا كان الضيف سلطانا فحق ~~الإمامة له حيثما يكون، وليس للغير أن يتقدم عليه إلا بإذنه والله أعلم. ### | [فصل بيان مقام الإمام والمأموم] # (فصل) : # وأما بيان مقام الإمام والمأموم فنقول: إذا كان سوى الإمام ثلاثة يتقدمهم ~~الإمام لفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمل الأمة بذلك. # وروي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: «إن جدتي مليكة دعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إلى طعام فقال - صلى الله عليه وسلم -: قوموا ~~لأصلي بكم، فأقامني واليتيم من ورائه، وأمي أم سليم من ورائنا» ؛ ولأن ~~الإمام ينبغي أن يكون بحال يمتاز بها عن غيره ولا يشتبه على الداخل ليمكنه ~~الاقتداء به، ولا يتحقق ذلك إلا بالتقدم. # ولو قام في وسطهم أو في ميمنة الصف أو في ميسرته جاز وقد أساء، أما ~~الجواز فلأن الجواز يتعلق بالأركان وقد وجدت. # وأما الإساءة فتركه السنة المتواترة، وجعل نفسه بحال لا يمكن الداخل ~~الاقتداء به، وفيه تعريض اقتدائه للفساد، ولذلك إذا كان سواه اثنان ~~يتقدمهما في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه يتوسطهما لما روي عن «عبد الله بن مسعود - رضي الله ~~عنه - أنه صلى بعلقمة والأسود وقام وسطهما، وقال هكذا صنع بنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -» . # (ولنا) ما روينا «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأنس واليتيم ~~وأقامهما خلفه» ، وهو مذهب علي وابن عمر - رضي الله عنهما - وأما حديث ابن ~~مسعود فهذه الزيادة وهي قوله: صنع بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ~~ترو في عامة الروايات فلم يثبت وبقي مجرد الفعل، وهو محمول على ضيق المكان، ~~كذا قال إبراهيم النخعي، وهو كان أعلم الناس بأحوال عبد الله ومذهبه. # ولو ثبتت الزيادة ms0357 فهي أيضا محمولة على هذه الحالة أي: هكذا صنع بنا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عند ضيق المكان، على أن الأحاديث إن تعارضت ~~وجب المصير إلى المعقول الذي لأجله يتقدم الإمام، وهو ما ذكرنا أنه يتقدم ~~لئلا يشتبه حاله، وهذا المعنى موجود فيما نحن فيه، غير أن ههنا لو قام ~~الإمام وسطهما لا يكره لورود الأثر وكون التأويل من باب الاجتهاد. # وإن كان مع الإمام رجل واحد أو صبي يعقل الصلاة يقف عن يمين الإمام لما ~~روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال «بت عند خالتي ميمونة لأراقب ~~صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانتبه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقال: نامت العيون وغارت النجوم وبقي الحي القيوم، ثم قرأ آخر آل ~~عمران {إن في خلق السماوات والأرض} [آل عمران: 190] الآيات، ثم قام إلى شن # PageV01P158 # معلق في الهواء فتوضأ وافتتح الصلاة، فتوضأت ووقفت عن يساره، فأخذ بأذني ~~- وفي رواية بذؤابتي - وأدارني خلفه حتى أقامني عن يمينه، فعدت إلى مكاني ~~فأعادني ثانيا وثالثا، فلما فرغ قال: ما منعك يا غلام أن تثبت في الموضع ~~الذي أوقفتك فيه؟ فقلت: أنت رسول الله ولا ينبغي لأحد أن يساويك في الموقف ~~فقال - صلى الله عليه وسلم -: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، فإعادة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه إلى الجانب الأيمن» دليل على أن ~~المختار هو الوقوف على يمين الإمام إذا كان معه رجل واحد، وكذا روي «عن ~~حذيفة - رضي الله عنه - أنه قام عن يسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فحوله وأقامه عن يمينه» ، ثم إذا وقف عن يمينه لا يتأخر عن الإمام في ظاهر ~~الرواية، وعن محمد أنه ينبغي أن تكون أصابعه عند عقب الإمام، وهو الذي وقع ~~عند العوام. # ولو كان المقتدي أطول من الإمام وكان سجوده قدام الإمام لم يضره؛ لأن ~~العبرة لموضع الوقوف لا لموضع السجود، كما لو وقف في الصف ووقع سجوده أمام ~~الإمام لطوله ولو وقف عن يساره جاز؛ ms0358 لأن الجواز متعلق بالأركان، ألا ترى أن ~~ابن عباس وحذيفة - رضي الله عنهما - وقفا في الابتداء عن يسار رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ثم جوز اقتداءهما به؟ ولكنه يكره؛ لأنه ترك المقام ~~المختار له، ولهذا حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن عباس وحذيفة ~~وقف خلفه جاز لما مر، وهل يكره؟ لم يذكر محمد الكراهة نصا، واختلف المشايخ ~~فيه: قال بعضهم: لا يكره؛ لأن الواقف خلفه أحد الجانبين منه على يمينه فلا ~~يتم إعراضه عن السنة، بخلاف الواقف على يساره. # وقال بعضهم: يكره؛ لأنه يصير في معنى المنفرد خلف الصف وقد قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة لمنبذ خلف الصفوف» ، وأدنى درجات النهي هو ~~الكراهة، وإنما نشأ هذا الاختلاف عن إشارة محمد فإنه قال: وإن صلى خلفه ~~جازت صلاته، وكذلك إن وقف عن يسار الإمام وهو مسيء - فمنهم من صرف جواب ~~الإساءة إلى آخر الفعلين ذكرا، ومنهم من صرفه إليهما جميعا، وهو الصحيح؛ ~~لأنه عطف أحدهما على الآخر بقوله: " وكذلك "، ثم أثبت الإساءة فينصرف ~~إليهما. # وإذا كان مع الإمام امرأة أقامها خلفه؛ لأن محاذاتها مفسدة، وكذلك لو كان ~~معه خنثى مشكل لاحتمال أنه امرأة ولو كان معه رجل وامرأة، أو رجل وخنثى، ~~أقام الرجل عن يمينه والمرأة أو الخنثى خلفه. # ولو كان معه رجلان وامرأة أو خنثى أقام الرجلين خلفه والمرأة والخنثى ~~خلفهما ولو اجتمع الرجال والنساء والصبيان والخناثى والصبيات المراهقات ~~فأرادوا أن يصطفوا للجماعة - يقوم الرجال صفا مما يلي الإمام، ثم الصبيان ~~بعدهم، ثم الخناثى، ثم الإناث، ثم الصبيات المراهقات. # وكذلك الترتيب في الجنائز إذا اجتمعت وفيها جنازة الرجل والصبي والخنثى ~~والأنثى والصبية المراهقة، وكذلك القتلى إذا جمعت في حفيرة واحدة عند ~~الحاجة على ما يذكر ذلك في موضعه - إن شاء الله تعالى - (وأفضل) مكان ~~المأموم إذا كان رجلا حيث يكون أقرب إلى الإمام، لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها» ، وإذا تساوت المواضع ~~في القرب إلى الإمام فعن يمينه ms0359 أولى؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يحب التيامن في الأمور، وإذا قاموا في الصفوف تراصوا وسووا بين مناكبهم ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - «تراصوا وألصقوا المناكب بالمناكب» . ### | [فصل بيان ما يستحب للإمام أن يفعله عقيب الفراغ من الصلاة] # (فصل) : # وأما بيان ما يستحب للإمام أن يفعله عقيب الفراغ من الصلاة فنقول: إذا ~~فرغ الإمام من الصلاة فلا يخلو إما أن كانت صلاة لا تصلى بعدها سنة: أو ~~كانت صلاة تصلى بعدها سنة: فإن كانت صلاة لا تصلى بعدها سنة كالفجر والعصر ~~فإن شاء الإمام قام وإن شاء قعد في مكانه يشتغل بالدعاء؛ لأنه لا تطوع بعد ~~هاتين الصلاتين فلا بأس بالقعود، إلا أنه يكره المكث على هيئته مستقبل ~~القبلة لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان إذا فرغ من الصلاة لا يمكث في مكانه إلا مقدار أن يقول: اللهم أنت ~~السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» . # وروي أن جلوس الإمام في مصلاه بعد الفراغ مستقبل القبلة - بدعة؛ ولأن ~~مكثه يوهم الداخل أنه في الصلاة فيقتدي به فيفسد اقتداؤه، فكان المكث ~~تعريضا لفساد اقتداء غيره به فلا يمكث، ولكنه يستقبل القوم بوجهه إن شاء، ~~إن لم يكن بحذائه أحد يصلي، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~«إذا فرغ من صلاة # PageV01P159 # الفجر استقبل بوجهه أصحابه وقال: هل رأى أحدكم رؤيا؟» كأنه كان يطلب رؤيا ~~فيها بشرى بفتح مكة. # فإن كان بحذائه أحد يصلي لا يستقبل القوم بوجهه؛ لأن استقبال الصورة ~~الصورة في الصلاة مكروه، لما روي أن عمر - رضي الله عنه - رأى رجلا يصلي ~~إلى وجه غيره فعلاهما بالدرة وقال للمصلي: أتستقبل الصورة، وللآخر أتستقبل ~~المصلي بوجهك، وإن شاء انحرف؛ لأن بالانحراف يزول الاشتباه كما يزول ~~بالاستقبال، ثم اختلف المشايخ في كيفية الانحراف، قال بعضهم: ينحرف إلى ~~يمين القبلة تبركا بالتيامن، وقال بعضهم: ينحرف إلى اليسار ليكون يساره إلى ~~اليمين، وقال بعضهم: هو مخير إن شاء انحرف يمنة ms0360 وإن شاء يسرة وهو الصحيح؛ ~~لأن ما هو المقصود من الانحراف وهو زوال الاشتباه يحصل بالأمرين جميعا. # (وإن) كانت صلاة بعدها سنة يكره له المكث قاعدا، وكراهة القعود مروية عن ~~الصحابة - رضي الله عنهم - روي عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - أنهما ~~كانا إذا فرغا من الصلاة قاما كأنهما على الرضف؛ ولأن المكث يوجب اشتباه ~~الأمر على الداخل فلا يمكث ولكن يقوم ويتنحى عن ذلك المكان ثم ينتقل، لما ~~روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «أيعجز أحدكم إذا فرغ من صلاته أن يتقدم أو يتأخر» ، وعن ابن عمر - ~~رضي الله عنه - أنه كره للإمام أن يتنفل في المكان الذي أم فيه؛ ولأن ذلك ~~يؤدي إلى اشتباه الأمر على الداخل فينبغي أن يتنحى إزالة للاشتباه، أو ~~استكثارا من شهوده على ما روي أن مكان المصلي يشهد له يوم القيامة. # (وأما) المأمومون فبعض مشايخنا قالوا: لا حرج عليهم في ترك الانتقال ~~لانعدام الاشتباه على الداخل عند معاينة فراغ مكان الإمام عنه. # وروي عن محمد أنه قال: يستحب للقوم أيضا أن ينقضوا الصفوف ويتفرقوا ليزول ~~الاشتباه على الداخل المعاين الكل في الصلاة البعيد عن الإمام، ولما روينا ~~من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. # (وأما) الذي هو في الصلاة فنوعان: نوع هو أصلي، ونوع هو عارض ثبت وجوبه ~~بسبب عارض. ### | [فصل الواجبات الأصلية في الصلاة] # (فصل) : # أما الواجبات الأصلية في الصلاة فستة: منها قراءة الفاتحة والسورة في ~~صلاة ذات ركعتين، وفي الأوليين من ذوات الأربع والثلاث، حتى لو تركهما أو ~~أحدهما: فإن كان عامدا كان مسيئا، وإن كان ساهيا يلزمه سجود السهو، وهذا ~~عندنا. # وقال الشافعي: قراءة الفاتحة على التعيين فرض، حتى لو تركها أو حرفا منها ~~في ركعة لا تجوز صلاته وقال مالك: قراءتهما على التعيين فرض. # (احتجا) بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صلاة لمن ~~لم يقرأ فاتحة الكتاب» . # وروي «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة ms0361 معها» ، أو قال: وشيء معها؛ ولأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - واظب على قراءتهما في كل صلاة فيدل على ~~الفرضية. # (ولنا) قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20] ، أمر ~~بمطلق القراءة من غير تعيين، فتعيين الفاتحة فرضا أو تعيينهما نسخ الإطلاق، ~~ونسخ الكتاب بالخبر المتواتر لا يجوز عند الشافعي، فكيف يجوز بخبر الواحد؟ ~~فقبلنا الحديث في حق الوجوب عملا حتى تكره ترك قراءتهما دون الفرضية عملا ~~بهما بالقدر الممكن، كي لا يضطر إلى رده لوجوب رده عند معارضة الكتاب، ~~ومواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعل لا يدل على فرضيته، فإنه كان ~~يواظب على الواجبات والله أعلم. # (ومنها) الجهر بالقراءة فيما يجهر وهو الفجر والمغرب والعشاء في ~~الأوليين، والمخافتة فيما يخافت وهو الظهر والعصر إذا كان إماما. # والجملة فيه أنه لا يخلو إما أن يكون إماما أو منفردا، فإن كان إماما يجب ~~عليه مراعاة الجهر فيما يجهر، وكذا في كل صلاة من شرطها الجماعة كالجمعة ~~والعيدين والترويحات، ويجب عليه المخافتة فيما يخافت، وإنما كان كذلك لأن ~~القراءة ركن يتحمله الإمام عن القوم فعلا، فيجهر ليتأمل القوم ويتفكروا في ~~ذلك، فتحصل ثمرة القراءة وفائدتها للقوم، فتصير قراءة الإمام قراءة لهم ~~تقديرا، كأنهم قرءوا. # وثمرة الجهر تفوت في صلاة النهار؛ لأن الناس في الأغلب يحضرون الجماعات ~~في خلال الكسب والتصرف والانتشار في الأرض، فكانت قلوبهم متعلقة بذلك، ~~فيشغلهم ذلك عن حقيقة التأمل فلا يكون الجهر مفيدا بل يقع تسبيبا إلى الإثم ~~بترك التأمل، وهذا لا يجوز، بخلاف صلاة الليل؛ لأن الحضور إليها لا يكون في ~~خلال الشغل، وبخلاف الجمعة والعيدين؛ لأنه يؤدى في الأحايين مرة على هيئة ~~مخصوصة من الجمع العظيم وحضور السلطان وغير ذلك فيكون ذلك مبعثة على إحضار ~~القلب والتأمل؛ ولأن القراءة من أركان الصلاة # PageV01P160 # والأركان في الفرائض تؤدى على سبيل الشهرة دون الإخفاء، ولهذا «كان النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - يجهر في الصلوات كلها في الابتداء» إلى أن قصد ~~الكفار أن لا يسمعوا القرآن وكادوا يلغون فيه ms0362 فخافت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بالقراءة في الظهر والعصر؛ لأنهم كانوا مستعدين للأذى في هذين ~~الوقتين، ولهذا كان يجهر في الجمعة والعيدين؛ لأنه أقامهما بالمدينة وما ~~كان للكفار بالمدينة قوة الأذى، ثم وإن زال هذا العذر بقيت هذه السنة ~~كالرمل في الطواف ونحوه؛ ولأنه واظب على المخافتة فيهما في عمره فكانت ~~واجبة؛ ولأنه وصف صلاة النهار بالعجماء وهي التي لا تبين، ولا يتحقق هذا ~~الوصف لها إلا بترك الجهر فيها، وكذا واظب على الجهر فيما يجهر والمخافتة ~~فيما يخافت وذلك دليل الوجوب، وعلى هذا عمل الأمة ويخفي القراءة فيما سوى ~~الأوليين؛ لأن الجهر صفة القراءة المفروضة، والقراءة ليست بفرض في الأخريين ~~لما بينا فيما تقدم، وإذا ثبت هذا فنقول: إذا جهر الإمام فيما يخافت أو ~~خافت فيما يجهر فإن كان عامدا يكون مسيئا، وإن كان ساهيا فعليه سجود السهو؛ ~~لأنه وجب عليه إسماع القوم فيما يجهر، وإخفاء القراءة عنهم فيما يخافت، ~~وترك الواجب عمدا يوجب الإساءة، وسهوا يوجب سجود السهو وإن كان منفردا فإن ~~كانت صلاة يخافت فيها بالقراءة خافت لا محالة، وهو رواية الأصل، وذكر أبو ~~يوسف في الإملاء إن زاد على ما يسمع أذنيه فقد أساء. # وذكر عصام بن أبي يوسف في مختصره وأثبت له خيار الجهر والمخافتة، ~~استدلالا بعدم وجوب السهو عليه إذا جهر، والصحيح رواية الأصل لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «صلاة النهار عجماء من غير فصل» ؛ ولأن الإمام مع حاجته ~~إلى إسماع غيره يخافت فالمنفرد أولى ولو جهر فيها بالقراءة فإن كان عامدا ~~يكون مسيئا، كذا ذكر الكرخي في صلاته وإن كان ساهيا لا سهو عليه نص عليه في ~~باب السهو بخلاف الإمام. # (والفرق) أن سجود السهو يجب لجبر النقصان، والنقصان في صلاة الإمام أكثر؛ ~~لأن إساءته أبلغ؛ لأنه فعل شيئين نهي عنهما: أحدهما - أنه رفع صوته في غير ~~موضع الرفع، والثاني - أنه أسمع من أمر بالإخفاء عنه، والمنفرد رفع صوته ~~فقط فكان النقصان في صلاته أقل، وما وجب لجبر الأعلى لا يجب لجبر ms0363 الأدنى ~~وإن كانت صلاة يجهر فيها بالقراءة فهو بالخيار، إن شاء جهر وإن شاء خافت، ~~وذكر الكرخي إن شاء جهر بقدر ما يسمع أذنيه ولا يزيد على ذلك، وذكر في عامة ~~الروايات مفسرا أنه بين خيارات ثلاث: إن شاء جهر وأسمع غيره، وإن شاء جهر ~~وأسمع نفسه، وإن شاء أسر القراءة، أما كون له أن يجهر فلأن المنفرد إمام في ~~نفسه، وللإمام أن يجهر. # وله أن يخافت بخلاف الإمام؛ لأن الإمام يحتاج إلى الجهر لإسماع غيره ~~والمنفرد يحتاج إلى إسماع نفسه لا غير، وذلك يحصل بالمخافتة، وذكر في رواية ~~أبي حفص الكبير أن الجهر أفضل؛ لأن فيه تشبيها بالجماعة، والمنفرد إن عجز ~~عن تحقيق الصلاة بجماعة لم يعجز عن التشبه، ولهذا إذا أذن وأقام كان أفضل ~~هذا في الفرائض وأما في التطوعات فإن كان في النهار يخافت، وإن كان في ~~الليل فهو بالخيار إن شاء خافت وإن شاء جهر، والجهر أفضل؛ لأن النوافل ~~أتباع الفرائض، والحكم في الفرائض كذلك، حتى لو كان بجماعة كما في التراويح ~~يجب الجهر ولا يتخير في الفرائض، وقد روي «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه كان إذا صلى بالليل سمعت قراءته من وراء الحجاب» . # وروي أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بأبي بكر - رضي الله عنه - وهو ~~يتهجد بالليل ويخفي القراءة، ومر بعمر وهو يتهجد ويجهر بالقراءة، ومر ببلال ~~وهو يتهجد وينتقل من سورة إلى سورة، فلما أصبحوا غدوا إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فسأل كل واحد منهم عن حاله، فقال أبو بكر - رضي الله عنه ~~-: كنت أسمع من أناجي. وقال عمر - رضي الله عنه -: كنت أوقظ الوسنان وأطرد ~~الشيطان، وقال بلال - رضي الله عنه -: كنت أنتقل من بستان إلى بستان فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا أبا بكر ارفع من صوتك قليلا، ويا عمر ~~اخفض من صوتك قليلا، ويا بلال إذا فتحت سورة فأتمها» ، ثم المنفرد إذا خافت ~~وأسمع أذنيه يجوز بلا خلاف لوجود القراءة بيقين، إذ السماع بدون ms0364 القراءة لا ~~يتصور، أما إذا صحح الحروف بلسانه وأداها على وجهها ولم يسمع أذنيه ولكن ~~وقع له العلم بتحريك اللسان وخروج الحروف من مخارجها - فهل تجوز صلاته؟ ~~اختلف فيه، ذكر الكرخي أنه يجوز، وهو قول أبي بكر البلخي المعروف بالأعمش، ~~وعن الشيخ أبي القاسم الصفار والفقيه أبي جعفر الهندواني # PageV01P161 # والشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري أنه لا يجوز ما لم يسمع ~~نفسه، وعن بشر بن غياث المريسي أنه قال: إن كان بحال لو أدنى رجل صماخ ~~أذنيه إلى فيه سمع كفى، وإلا فلا، ومنهم من ذكر في المسألة خلافا بين أبي ~~يوسف ومحمد، فقال على قول أبي يوسف: يجوز، وعلى قول محمد: لا يجوز، وجه قول ~~الكرخي أن القراءة فعل اللسان وذلك بتحصيل الحروف ونظمها على وجه مخصوص وقد ~~وجد، فأما إسماعه نفسه فلا عبرة به؛ لأن السماع فعل الأذنين دون اللسان، ~~ألا ترى أن القراءة نجدها تتحقق من الأصم وإن كان لا يسمع نفسه؟ وجه قول ~~الفريق الثاني أن مطلق الأمر بالقراءة ينصرف إلى المتعارف، وقدر ما لا يسمع ~~هو لو كان سميعا لم يعرف قراءة. # وجه قول بشر أن الكلام في العرف اسم لحروف منظومة دالة على ما في ضمير ~~المتكلم، وذلك لا يكون إلا بصوت مسموع. # وما قاله الكرخي أقيس وأصح، وذكر في كتاب الصلاة إشارة إليه، فإنه قال: ~~إن شاء قرأ وإن شاء جهر وأسمع نفسه. # ولو لم يحمل قوله: قرأ في نفسه على إقامة الحروف لأدى إلى التكرار ~~والإعادة الخالية عن الإفادة، ولا عبرة بالعرف في الباب؛ لأن هذا أمر بينه ~~وبين ربه فلا يعتبر فيه عرف الناس، وعلى هذا الخلاف كل حكم تعلق بالنطق من ~~البيع والنكاح والطلاق والعتاق والإيلاء واليمين والاستثناء وغيرها والله ~~أعلم. # (ومنها) - الطمأنينة والقرار في الركوع والسجود، وهذا قول أبي حنيفة ~~ومحمد، وقال أبو يوسف: الطمأنينة مقدار تسبيحة واحدة فرض وبه أخذ الشافعي ~~حتى لو ترك الطمأنينة جازت صلاته عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف ~~والشافعي لا ms0365 تجوز، ولم يذكر هذا الخلاف في ظاهر الرواية وإنما ذكره المعلى ~~في نوادره، وعلى هذا الخلاف إذا ترك القومة التي بعد الركوع والقعدة التي ~~بين السجدتين. # وروى الحسن عن أبي حنيفة فيمن لم يقم صلبه في الركوع إن كان إلى القيام ~~أقرب منه إلى تمام الركوع لم يجزه، وإن كان إلى تمام الركوع أقرب منه إلى ~~القيام أجزأه، إقامة للأكثر مقام الكل، ولقب المسألة أن تعديل الأركان ليس ~~بفرض عند أبي حنيفة، ومحمد، وعند أبي يوسف والشافعي فرض. # (احتجا) بحديث «الأعرابي الذي دخل المسجد وأخف الصلاة فقال له النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: قم فصل فإنك لم تصل هكذا ثلاث مرات، فقال: يا رسول ~~الله لم أستطع غير ذلك فعلمني فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا ~~أردت الصلاة فتطهر كما أمرك الله - تعالى -، واستقبل القبلة وقل: الله أكبر ~~واقرأ ما معك من القرآن، ثم اركع حتى يطمئن كل عضو منك، ثم ارفع رأسك حتى ~~تستقم قائما» ، فالاستدلال بالحديث من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه أمره ~~بالإعادة، والإعادة لا تجب إلا عند فساد الصلاة، وفسادها بفوات الركن، ~~والثاني: أنه نفى كون المؤدى صلاة بقوله: فإنك لم تصل، والثالث: أنه أمره ~~بالطمأنينة، ومطلق الأمر للفرضية. # وأبو حنيفة ومحمد احتجا لنفي الفرضية بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~اركعوا واسجدوا} [الحج: 77] وأمر بمطلق الركوع والسجود، والركوع في اللغة: ~~هو الانحناء والميل، يقال: ركعت النخلة إذا مالت إلى الأرض، والسجود هو: ~~التطأطؤ والخفض، يقال: سجدت النخلة إذا تطأطأت، وسجدت الناقة إذا وضعت ~~جرانها على الأرض وخفضت رأسها للرعي، فإذا أتى بأصل الانحناء والوضع فقد ~~امتثل لإتيانه بما ينطلق عليه الاسم، فأما الطمأنينة فدوام على أصل الفعل، ~~والأمر بالفعل لا يقتضي الدوام. # وأما حديث الأعرابي فهو من الآحاد فلا يصلح ناسخا للكتاب ولكن يصلح ~~مكملا، فيحمل أمره بالاعتدال على الوجوب، ونفيه الصلاة على نفي الكمال، ~~وتمكن النقصان الفاحش الذي يوجب عدمها من وجه، وأمره بالإعادة على الوجوب ~~جبرا للنقصان، أو على الزجر عن المعاودة ms0366 إلى مثله كالأمر بكسر دنان الخمر ~~عند نزول تحريمها تكميلا للغرض، على أن الحديث حجة عليهما، فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مكن الأعرابي من المضي في الصلاة في جميع المرات ولم ~~يأمره بالقطع، فلو لم تكن تلك الصلاة جائزة لكان الاشتغال بها عبثا، إذ ~~الصلاة لا يمضى في فاسدها فينبغي أن لا يمكنه منه. # ثم الطمأنينة في الركوع واجبة عند أبي حنيفة ومحمد، كذا ذكره الكرخي حتى ~~لو تركها ساهيا يلزمه سجود السهو، وذكر أبو عبد الله الجرجاني أنها سنة، ~~حتى لا يجب سجود السهو بتركها ساهيا، وكذا القومة التي بين الركوع والسجود ~~والقعدة التي بين السجدتين، والصحيح ما ذكره الكرخي؛ لأن الطمأنينة من باب ~~إكمال الركن، وإكمال الركن واجب كإكمال القراءة بالفاتحة، ألا ترى أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - # PageV01P162 # ألحق صلاة الأعرابي بالعدم؟ والصلاة إنما يقضى عليها بالعدم إما ~~لانعدامها أصلا بترك الركن، أو بانتقاصها بترك الواجب، فتصير عدما من وجه ~~فأما ترك السنة فلا يلتحق بالعدم؛ لأنه لا يوجب نقصانا فاحشا، ولهذا يكره ~~تركها أشد الكراهة، حتى روي عن أبي حنيفة أنه قال: أخشى أن لا تجوز صلاته. # (ومنها) القعدة الأولى للفصل بين الشفعين، حتى لو تركها عامدا كان مسيئا ~~ولو تركها ساهيا يلزمه سجود السهو؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - واظب ~~عليها في جميع عمره، وذا يدل على الوجوب إذا قام دليل عدم الفرضية، وقد قام ~~ههنا؛ لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قام إلى الثالثة فسبح ~~به فلم يرجع ولو كانت فرضا لرجع، وأكثر مشايخنا يطلقون اسم السنة عليها إما ~~لأن وجوبها عرف بالسنة فعلا، أو لأن السنة المؤكدة في معنى الواجب؛ ولأن ~~الركعتين أدنى ما يجوز من الصلاة فوجبت القعدة فاصلة بينهما وبين ما يليهما ~~والله أعلم. # (ومنها) التشهد في القعدة الأخيرة، وعند الشافعي فرض، وجه قوله أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - واظب عليه في جميع عمره، وهذا دليل الفرضية. # وروي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله ms0367 عنه - أنه قال: «كنا نقول قبل أن ~~يفرض التشهد: السلام على الله السلام على جبريل وميكائيل، فالتفت إلينا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: قولوا: التحيات لله» ، أمرنا ~~بالتشهد بقوله: " قولوا "، ونص على فرضيته بقوله قبل أن يفرض التشهد. # (ولنا) قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي إذا رفعت رأسك من آخر ~~سجدة وقعدت قدر التشهد فقد تمت صلاتك أثبت تمام الصلاة عند مجرد القعدة. # ولو كان التشهد فرضا لما ثبت التمام بدونه، دل أنه ليس بفرض لكنه واجب ~~بمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومواظبته دليل الوجوب فيما قام دليل ~~على عدم فرضيته، وقد قام ههنا وهو ما ذكرنا فكان واجبا لا فرضا والله أعلم ~~والأمر في الحديث يدل على الوجوب دون الفرضية؛ لأنه خبر واحد وأنه يصلح ~~للوجوب لا للفرضية، وقوله: قبل أن يفرض: أي قبل أن يقدر على هذا التقدير ~~المعروف، إذ الفرض في اللغة: التقدير. # (ومنها) - مراعاة الترتيب فيما شرع مكررا من الأفعال في الصلاة وهو ~~السجدة، لمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على مراعاة الترتيب فيه، ~~وقيام الدليل على عدم فرضيته على ما ذكرنا، حتى لو ترك السجدة الثانية من ~~الركعة الأولى ثم تذكرها في آخر صلاته سجد المتروكة وسجد للسهو بترك ~~الترتيب؛ لأنه ترك الواجب الأصلي ساهيا فوجب سجود السهو والله الموفق ~~(وأما) الذي ثبت وجوبه في الصلاة بعارض فنوعان أيضا: أحدهما: سجود السهو، ~~والآخر سجود التلاوة. # (أما) سجود السهو فالكلام فيه في مواضع: في بيان وجوبه، وفي بيان سبب ~~الوجوب، وفي بيان أن المتروك من الأفعال والأذكار ساهيا هل يقضى أم لا؟ وفي ~~بيان محل السجود، وفي بيان قدر سلام السهو وصفته، وفي بيان عمله أنه يبطل ~~التحريمة أم لا، وفي بيان من يجب عليه سجود السهو ومن لا يجب عليه. # (أما) الأول فقد ذكر الكرخي أن سجود السهو واجب، وكذا نص محمد في الأصل ~~فقال: إذا سها الإمام وجب على المؤتم أن يسجد وقال بعض أصحابنا: إنه سنة، ~~وجه قولهم: إن ms0368 العود إلى سجدتي السهو لا يرفع التشهد، حتى لو تكلم بعدما ~~سجد للسهو قبل أن يقعد لا تفسد صلاته. # ولو كان واجبا لرفع كسجدة التلاوة؛ ولأنه مشروع في صلاة التطوع كما هو ~~مشروع في صلاة الفرض، والفائت من التطوع كيف يجبر بالواجب. # والصحيح أنه واجب لما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من شك في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى ~~أم أربعا فليتحر أقربه إلى الصواب، وليبن عليه، وليسجد للسهو بعد السلام» ، ~~ومطلق الأمر لوجوب العمل. # وعن ثوبان - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «لكل سهو سجدتان بعد السلام» ، فيجب تحصيلهما تصديقا للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في خبره، وكذا النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة - رضي ~~الله عنهم - واظبوا عليه، والمواظبة دليل الوجوب؛ ولأنه شرع جبرا لنقصان ~~العبادة فكان واجبا كدماء الجبر في باب الحج، وهذا لأن أداء العبادة بصفة ~~الكمال واجب، ولا تحصل صفة الكمال إلا بجبر النقصان فكان واجبا ضرورة، إذ ~~لا حصول للواجب إلا به، إلا أن العود إلى سجود السهو لا يرفع التشهد لا لأن ~~السجود ليس بواجب بل لمعنى آخر، وهو أن السجود وقع في محله؛ لأن محله بعد ~~القعدة، فالعود إليه لا يكون رافعا للقعدة # PageV01P163 # الواقعة في محلها، فأما سجدة التلاوة فمحلها قبل القعدة، فالعود إليها ~~يرفع القعدة كالعود إلى السجدة الصلبية فهو الفرق. # (أما) قولهم: إن له مدخلا في صلاة التطوع فنقول: أصل الصلاة وإن كانت ~~تطوعا لكن لها أركان لا تقوم بدونها، وواجبات تنتقص بفواتها وتغييرها عن ~~محلها، فيحتاج إلى الجابر، مع أن النفل يصير واجبا عندنا بالشروع ويلتحق ~~بالواجبات الأصلية في حق الأحكام على ما يبين في مواضعه إن شاء الله تعالى. ### | [فصل بيان سبب وجوب سجود السهو] # (فصل) : # وأما بيان سبب الوجوب فسبب وجوبه ترك الواجب الأصلي في الصلاة، أو تغييره ~~أو تغيير فرض منها عن محله الأصلي ساهيا؛ لأن كل ذلك ms0369 يوجب نقصانا في الصلاة ~~فيجب جبره بالسجود، ويخرج على هذا الأصل مسائل، وجملة الكلام فيه أن الذي ~~وقع السهو عنه لا يخلو أما إن كان من الأفعال، وأما إن كان من الأذكار، إذ ~~الصلاة أفعال وأذكار، فإن كان من الأفعال بأن قعد في موضع القيام أو قام في ~~موضع القعود سجد للسهو لوجود تغيير الفرض، وهو تأخير القيام عن وقته، أو ~~تقديمه على وقته مع ترك الواجب، وهو القعدة الأولى. # وقد روي عن المغيرة بن شعبة أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - قام من ~~الثانية إلى الثالثة ساهيا فسبحوا به فلم يقعد، فسبحوا به فلم يعد وسجد ~~للسهو» وكذا إذا ركع في موضع السجود أو سجد في موضع الركوع أو ركع ركوعين ~~أو سجد ثلاث سجدات لوجود تغيير الفرض عن محله أو تأخير الواجب، وكذا إذا ~~ترك سجدة من ركعة فتذكرها في آخر الصلاة سجدها وسجد للسهو؛ لأنه أخرها عن ~~محلها الأصلي، وكذا إذا قام إلى الخامسة قبل أن يقعد قدر التشهد أو بعد ما ~~قعد وعاد سجد للسهو لوجود تأخير الفرض عن وقته الأصلي وهو القعدة الأخيرة، ~~أو تأخير الواجب وهو السلام. # ولو زاد على قراءة التشهد في القعدة الأولى وصلى على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ذكر في أمالي الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن عليه سجود السهو، ~~وعندهما لا يجب. # (لهما) أنه لو وجب عليه سجود السهو لوجب جبر النقصان؛ لأنه شرع له ولا ~~يعقل تمكن النقصان في الصلاة بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأبو حنيفة يقول: لا يجب عليه بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بل ~~بتأخير الفرض وهو القيام، إلا أن التأخير حصل بالصلاة فيجب عليه من حيث إنه ~~تأخير لا من حيث إنه صلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ولو تلا سجدة فنسي أن يسجد ثم تذكرها في آخر الصلاة فعليه أن يسجدها ~~ويسجد للسهو؛ لأنه أخر الواجب عن وقته ولو سلم مصلي الظهر على رأس الركعتين ~~على ظن ms0370 أنه قد أتمها، ثم علم أنه صلى ركعتين، وهو على مكانه - يتمها ويسجد ~~للسهو أما الإتمام فلأنه سلام سهو فلا يخرجه عن الصلاة. # وأما وجوب السجدة فلتأخير الفرض وهو القيام إلى الشفع الثاني، بخلاف ما ~~إذا سلم على رأس الركعتين على ظن أنه مسافر أو مصلي الجمعة، ثم علم أنه ~~تفسد صلاته؛ لأن هذا الظن نادر فكان سلامه سلام عمد، وأنه قاطع للصلاة. # ولو ترك تعديل الأركان، والقومة التي بين الركوع والسجود، أو القعدة التي ~~بين السجدتين ساهيا اختلف المشايخ فيه: على قول أبي حنيفة ومحمد بناء على ~~أن تعديل الأركان عندهما واجب أو سنة وقد بينا ذلك فيما تقدم. # وعلى هذا إذا شك في شيء من صلاته فتفكر في ذلك حتى استيقن، وهو على ~~وجهين: إما إن شك في شيء من هذه الصلاة التي هو فيها فتفكر في ذلك، وإما إن ~~شك في صلاة قبل هذه الصلاة فتفكر في ذلك وهو في هذه، وكل وجه على وجهين: ~~أما إن طال تفكره بأن كان مقدار ما يمكنه أن يؤدي فيه ركنا من أركان الصلاة ~~كالركوع والسجود، أو لم يطل فإن لم يطل تفكره فلا سهو عليه، سواء كان تفكره ~~في غير هذه الصلاة أو في هذه الصلاة؛ لأنه إذا لم يطل لم يوجد سبب الوجوب ~~الأصلي وهو ترك الواجب أو تغيير فرض أو واجب عن وقته الأصلي، ولأن الفكر ~~القليل مما لا يمكن الاحتراز عنه فكان عفوا دفعا للحرج. # وإن طال تفكره فإن كان تفكره في غير هذه الصلاة فلا سهو عليه، وإن كان في ~~هذه الصلاة فكذلك في القياس، وفي الاستحسان عليه السهو. # (وجه) القياس أن الموجب للسهو يمكن النقصان في الصلاة ولم يوجد؛ لأن ~~الكلام فيما إذا تذكر أنه أداها، فبقي مجرد الفكر وأنه لا يوجب السهو ~~كالفكر القليل. # وكما لو شك في صلاة أخرى وهو في هذه الصلاة، ثم تذكر أنه أداها لا سهو ~~عليه وإن طال فكره كذا هذا. # وجه الاستحسان أن الفكر الطويل في هذه ms0371 الصلاة # PageV01P164 # مما يؤخر الأركان عن أوقاتها فيوجب تمكن النقصان في الصلاة، فلا بد من ~~جبره بسجدتي السهو، بخلاف الفكر القصير، وبخلاف ما إذا شك في صلاة أخرى وهو ~~في هذه الصلاة؛ لأن الموجب للسهو في هذه الصلاة سهو هذه الصلاة لا سهو صلاة ~~أخرى. # ولو شك في سجود السهو يتحرى ولا يسجد لهذا السهو؛ لأن تكرار سجود السهو ~~في صلاة واحدة غير مشروع على ما نذكر، ولأنه لو سجد لا يسلم عن السهو فيه ~~ثانيا وثالثا فيؤدي إلى ما لا يتناهى. # (وحكي) أن محمد بن الحسن قال للكسائي وكان الكسائي ابن خالته: لم لا ~~تشتغل بالفقه مع هذا الخاطر؟ فقال: من أحكم علما فذاك يهديه إلى سائر ~~العلوم فقال محمد: أنا ألقي عليك شيئا من مسائل الفقه فخرج جوابه من النحو ~~فقال: هات قال: فما تقول فيمن سها في سجود السهو؟ فتفكر ساعة ثم قال: لا ~~سهو عليه فقال من أي باب من النحو خرجت هذا الجواب؟ فقال: من باب أنه لا ~~يصغر المصغر فتحير من فطنته. # ولو شرع في الظهر ثم توهم أنه في العصر، فصلى على ذلك الوهم ركعة أو ~~ركعتين، ثم تذكر أنه في الظهر - فلا سهو عليه؛ لأن تعيين النية شرط افتتاح ~~الصلاة لا شرط بقائها كأصل النية، فلم يوجد تغيير فرض ولا ترك واجب، فإن ~~تفكر في ذلك تفكرا شغله عن ركن فعليه سجود السهو استحسانا على ما مر. # ولو افتتح الصلاة فقرأ، ثم شك في تكبيرة الافتتاح فأعاد التكبير ~~والقراءة، ثم علم أنه كان كبر - فعليه سجود السهو؛ لأنه بزيادة التكبير ~~والقراءة أخر ركنا وهو الركوع، ثم لا فرق بين ما إذا شك في خلال صلاته ~~فتفكر حتى استيقن، وبين ما إذا شك في آخر صلاته بعد ما قعد قدر التشهد ~~الأخير ثم استيقن في حق وجوب السجدة؛ لأنه أخر الواجب وهو السلام. # ولو شك بعد ما سلم تسليمة واحدة ثم استيقن لا سهو عليه؛ لأنه بالتسليمة ~~الأولى خرج عن الصلاة وانعدمت الصلاة فلا ms0372 يتصور تنقيصها بتفويت واجب منها، ~~فاستحال إيجاب الجابر. # وكذا لا فرق بينه وبين ما إذا سبقه الحدث في الصلاة فعاد إلى الوضوء، ثم ~~شك قبل أن يعود إلى الصلاة فتفكر ثم استيقن حتى يجب عليه سجود السهو في ~~الحالين جميعا إذا طال تفكره؛ لأنه في حرمة الصلاة وإن كان غير مؤد لها. # والله أعلم هذا الذي ذكرنا حكم الشك في الصلاة فيما يرجع إلى سجود السهو. # وأما حكم الشك في الصلاة فيما يرجع إلى البناء والاستقبال فنقول: إذا سها ~~في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فإن كان ذلك أول ما سها استقبل ~~الصلاة - ومعنى قوله: ما سها أن السهو لم يصر عادة له لا أنه لم يسه في ~~عمره قط - وعند الشافعي يبني على الأقل، (احتج) بما روى أبو سعيد الخدري - ~~رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا شك أحدكم في ~~صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا؟ - فليلغ الشك وليبن على الأقل» ، أمر ~~بالبناء على الأقل من غير فصل؛ ولأن فيما قلنا أخذا باليقين من غير إبطال ~~العمل فكان أولى. # (ولنا) ما روى عبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «إذا شك أحدكم في صلاته أنه كم صلى؟ فليستقبل الصلاة» أمر بالاستقبال، ~~وكذا روي عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص ~~- رضي الله عنهم - أنهم قالوا هكذا. # وروي عنهم بألفاظ مختلفة؛ ولأنه لو استقبل أدى الفرض بيقين كاملا، ولو ~~بنى على الأقل ما أداه كاملا؛ لأنه ربما يؤدي زيادة على المفروض، وإدخال ~~الزيادة في الصلاة نقصان فيها، وربما يؤدي إلى إفساد الصلاة بأن كان أدى ~~أربعا وظن أنه أدى ثلاثا فبنى على الأقل وأضاف إليها أخرى قبل أن يقعد، وبه ~~تبين أن الاستقبال ليس إبطالا للصلاة؛ لأن الإفساد ليؤدي أكمل لا يعد ~~إفسادا، والإكمال لا يحصل إلا بالاستقبال على ما مر، والحديث محمول على ما ~~إذا وقع ذلك له ms0373 مرارا ولم يقع تحريه على شيء، بدليل ما روينا هذا إذا كان ~~ذلك أول ما سها، فإن كان يعرض له ذلك كثيرا تحرى وبنى على ما وقع عليه ~~التحري في ظاهر الروايات، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يبني على الأقل، وهو ~~قول الشافعي لما روينا في المسألة الأولى من غير فصل، ولأن المصير إلى ~~التحري للضرورة ولا ضرورة ههنا؛ لأنه يمكنه إدراك اليقين بدونه بأن يبني ~~على الأقل فلا حاجة إلى التحري. # (ولنا) ما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم ~~أربعا؟ - فليتحر أقربه إلى الصواب، وليبن عليه» ولأنه تعذر عليه الوصول إلى ~~ما اشتبه عليه بدليل من الدلائل، والتحري عند انعدام الأدلة مشروع كما في ~~أمر القبلة، ولا وجه للاستقبال؛ لأنه عسى أن يقع ثانيا وكذا الثالث والرابع ~~إلى ما لا يتناهى، ولا وجه للبناء على الأقل؛ # PageV01P165 # لأن ذلك لا يوصله إلى ما عليه لما مر في المسألة المتقدمة، وما رواه ~~الشافعي محمول على ما إذا تحرى ولم يقع تحريه على شيء، وعندنا إذا تحرى ولم ~~يقع تحريه على شيء يبني على الأقل، وكيفية البناء على الأقل أنه إذا وقع ~~الشك في الركعة والركعتين يجعلها ركعة واحدة، وإن وقع الشك في الركعتين أو ~~الثلاث جعلها ركعتين، وإن وقع في الثلاث والأربع جعلها ثلاثا وأتم صلاته ~~على ذلك، وعليه أن يتشهد لا محالة في كل موضع يتوهم أنه آخر الصلاة؛ لأن ~~القعدة الأخيرة فرض، والاشتغال بالنفل قبل إكمال الفرض مفسد له فلذلك يقعد. # وأما الشك في أركان الحج ذكر الجصاص أن ذلك إن كان يكثر يتحرى أيضا كما ~~في باب الصلاة، وفي ظاهر الرواية يؤخذ باليقين. # (والفرق) أن الزيادة في باب الحج وتكرار الركن لا يفسد الحج، فأمكن الأخذ ~~باليقين فأما الزيادة في باب الصلاة إذا كانت ركعة فإنها تفسد الصلاة إذا ~~وجدت قبل القعدة الأخيرة، فكان العمل بالتحري ms0374 أحوط من البناء على الأقل. # وأما الأذكار فالأذكار التي يتعلق سجود السهو بها أربعة: القراءة، ~~والقنوت، والتشهد، وتكبيرات العيدين. # (أما) القراءة فإذا ترك القراءة في الأوليين قرأ في الأخريين وسجد للسهو؛ ~~لأن القراءة في الأوليين على التعيين غير واجبة عند بعض مشايخنا، وإنما ~~الفرض في ركعتين منها غير عين، وترك الواجب ساهيا يوجب السهو، وعند بعضهم ~~هي فرض في الأوليين عينا وتكون القراءة في الأخريين عند تركها في الأوليين ~~قضاء، فإذا تركها في الأوليين أو في إحداهما فقد غير الفرض عن محل أدائه ~~سهوا فيلزمه سجود السهو. # ولو سها عن الفاتحة فيهما أو في إحداهما، أو عن السورة فيهما أو في ~~إحداهما - فعليه السهو؛ لأن قراءة الفاتحة على التعيين في الأوليين واجبة ~~عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله تعالى - فرض على ما بينا فيما تقدم، وكذا ~~قراءة السورة على التعيين، أو قراءة مقدار سورة قصيرة وهي ثلاث آيات واجبة، ~~فيتعلق السجود بالسهو عنهما. # ولو غير صفة القراءة سهوا بأن جهر فيما يخافت أو خافت فيما يجهر - فهذا ~~على وجهين: أما إن كان إماما أو منفردا فإن كان إماما سجد للسهو عندنا، ~~وعند الشافعي لا سهو عليه، وجه قوله أن الجهر والمخافتة من هيئة الركن، وهو ~~القراءة فيكون سنة كهيئة كل ركن، نحو الأخذ بالركب وهيئة القعدة. # (ولنا) أن الجهر فيما يجهر والمخافتة فيما يخافت واجبة على الإمام لما ~~بينا فيما تقدم، ثم اختلفت الروايات عن أصحابنا في مقدار ما يتعلق به سجود ~~السهو من الجهر والمخافتة، ذكر في نوادر أبي سليمان وفصل بين الجهر ~~والمخافتة في المقدار فقال: إن جهر فيما يخافت فعليه السهو قل ذلك أو كثر، ~~وإن خافت فيما يجهر فإن كان في أكثر الفاتحة، أو في ثلاث آيات من غير ~~الفاتحة - فعليه السهو، وإلا فلا، وروى ابن سماعة عن محمد التسوية بين ~~الفصلين أنه إن تمكن التغيير في ثلاث آيات أو أكثر فعليه سجود السهو، وإلا ~~فلا وروى الحسن عن أبي حنيفة إن تمكن التغيير في آية واحدة ms0375 فعليه السجود، ~~وروي عن أبي يوسف أنه إذا جهر بحرف يسجد. # (وجه) رواية أبي سليمان أن المخافتة فيما يخافت ألزم من الجهر فيما يجهر، ~~ألا ترى أن المنفرد يتخير بين الجهر والمخافتة؟ ولا خيار له فيما يخافت ~~فإذا جهر فيما يخافت فقد تمكن النقصان في الصلاة بنفس الجهر فيجب جبره ~~بالسجود فأما بنفس المخافتة فيما يجهر فلا يتمكن النقصان ما لم يكن مقدار ~~ثلاث آيات أو أكثر. # (وجه) رواية ابن سماعة ما روي عن أبي قتادة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يسمعنا الآية والآيتين أحيانا في الظهر والعصر، وهذا جهر فيما ~~يخافت، فإذا ثبت فيه ثبت في المخافتة فيما يجهر؛ لأنهما يستويان، ثم لما ~~ورد الحديث مقدرا بآية أو آيتين ولم يرد بأزيد من ذلك كانت الزيادة تركا ~~للواجب فيوجب السهو. # (وجه) رواية الحسن بناء على أن فرض القراءة عند أبي حنيفة يتأدى بآية ~~واحدة وإن كانت قصيرة، فإذا غير صفة القراءة في هذا القدر تعلق به السهو، ~~وعندهما لا يتأدى فرض القراءة إلا بآية طويلة أو ثلاث آيات قصار، فما لم ~~يتمكن التغيير في هذا المقدار لا يجب السهو، هذا إذا كان إماما فأما إذا ~~كان منفردا فلا سهو عليه، أما إذا خافت فيما يجهر فلا شك فيه؛ لأنه مخير ~~بين الجهر والمخافتة، لما ذكرنا فيما تقدم أن الجهر على الإمام إنما وجب ~~تحصيلا لثمرة القراءة في حق المقتدي، وهذا المعنى لا يوجد في حق المنفرد ~~فلم يجب الجهر فلا يتمكن النقص في الصلاة بتركه، وكذا إذا جهر فيما يخافت؛ ~~لأن المخافتة في الأصل إنما وجبت صيانة للقراءة عن المغالبة واللغو فيها؛ # PageV01P166 # لأن صيانة القراءة عن ذلك واجبة وذلك في الصلاة المؤداة على طريق ~~الاشتهار وهي الصلاة بجماعة فأما صلاة المنفرد فما كان يوجد فيها المغالبة ~~فلم تكن الصيانة بالمخافتة واجبة، فلم يترك الواجب فلا يلزمه سجود السهو. # ولو أراد أن يقرأ سورة فأخطأ وقرأ غيرها لا سهو عليه لانعدام سبب الوجوب، ~~وهو تغيير فرض أو واجب ms0376 أو تركه إذ لا توقيت في القراءة. # وروي عن محمد أنه قال فيمن قرأ الحمد مرتين في الأوليين فعليه السهو؛ ~~لأنه أخر السورة بتكرار الفاتحة. # ولو قرأ الحمد ثم السورة ثم الحمد - لا سهو عليه، وصار كأنه قرأ سورة ~~طويلة. # ولو تشهد مرتين لا سهو عليه، ولو قرأ القرآن في ركوعه أو في سجوده أو في ~~قيامه لا سهو عليه؛ لأنه ثناء وهذه الأركان مواضع الثناء. # (وأما) القنوت فتركه سهوا يوجب سجود السهو؛ لأنه واجب لما نذكر في موضعه ~~- إن شاء الله تعالى -. # وكذلك تكبيرات العيدين إذا تركها أو نقص منها؛ لأنها واجبة، وكذا إذا زاد ~~عليها أو أتى بها في غير موضعها؛ لأنه يحصل تغيير فرض أو واجب. # وكذلك قراءة التشهد إذا سها عنها في القعدة الأخيرة ثم تذكرها قبل السلام ~~أو بعد ما سلم ساهيا - قرأها وسلم وسجد للسهو، لأنها واجبة. # وأما في القعدة الأولى فكذلك استحسانا، والقياس في هذا وقنوت الوتر ~~وتكبيرات العيدين سواء، ولا سهو عليه؛ لأن هذه الأذكار سنة، ولا يتمكن ~~بتركها كبير نقصان في الصلاة، فلا يوجب السهو كما إذا ترك الثناء والتعوذ. # (وجه) الاستحسان أن هذه الأذكار واجبة، أما وجوب القنوت وتكبيرات العيدين ~~فلما يذكر في موضعه. # وأما وجوب التشهد في القعدة الأولى فلمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- على قراءته، ومواظبة الصحابة - رضي الله عنهم -. # وأما سائر الأذكار من الثناء والتعوذ وتكبيرات الركوع والسجود ~~وتسبيحاتهما فلا سهو فيها عند عامة العلماء، وقال مالك: إذا سها عن ثلاث ~~تكبيرات فعليه السهو قياسا على تكبيرات العيدين، وهذا القياس عندنا غير ~~سديد؛ لأن تكبيرات العيد واجبة - لما يذكر - فجاز أن يتعلق بها السهو، ~~بخلاف تكبيرات الركوع والسجود فإنها من السنن، ونقصان السنة لا يجبر بسجود ~~السهو؛ لأن سجود السهو واجب ولا يجب جبر الشيء بما هو فوق الفائت، بخلاف ~~الواجب؛ لأن الشيء ينجبر بمثله ولهذا لا يتعلق السهو بترك الواجب عمدا؛ لأن ~~النقص المتمكن بترك الواجب عمدا فوق النقص المتمكن بتركه سهوا، والشرع لما ~~جعل ms0377 السجود جابرا لما فات سهوا كان مثلا للفائت سهوا، وإذا كان مثلا للفائت ~~سهوا كان دون ما فات عمدا، والشيء لا ينجبر بما هو دونه، ولهذا لا ينجبر به ~~النقص المتمكن بفوات الفرض. # ولو سلم عن يساره قبل سلامه عن يمينه فلا سهو عليه؛ لأن الترتيب في ~~السلام من باب السنن فلا يتعلق به سجود السهو. # ولو نسي التكبير في أيام التشريق لا سهو عليه؛ لأنه لم يترك واجبا من ~~واجبات الصلاة. # ولو سها في صلاته مرارا لا يجب عليه إلا سجدتان، وعند بعضهم يلزمه لكل ~~سهو سجدتان لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لكل سهو سجدتان بعد السلام» ~~ولأن كل سهو أوجب نقصانا فيستدعي جابرا. # (ولنا) ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «سجدتان تجزيان ~~لكل زيادة ونقصان» وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك القعدة الأولى ~~وسجد لها سجدتين، وكأن سها عن القعدة وعن التشهد حيث تركهما، وعن القيام ~~حيث أتى به في غير محله، ثم لم يزد على سجدتين فعلم أن السجدتين كافيتان، ~~ولأن سجود السهو إنما أخر عن محل النقصان إلى آخر الصلاة لئلا يحتاج إلى ~~تكراره لو وقع السهو بعد ذلك، وإلا لم يكن للتأخير معنى، والحديث محمول على ~~جنس السهو الموجود في صلاة واحدة لا أنه عين السهو بدليل ما ذكرنا. ### | [فصل بيان المتروك ساهيا هل يقضى أم لا] # (فصل) : # وأما بيان المتروك ساهيا هل يقضى أم لا؟ نقول - وبالله التوفيق -: إن ~~المتروك الذي يتعلق به سجود السهو من الفرائض والواجبات لا يخلو إما أن كان ~~من الأفعال أو من الأذكار، ومن أي القسمين كان وجب أن يقضي إن أمكن التدارك ~~بالقضاء وإن لم يمكن فإن كان المتروك فرضا تفسد الصلاة، وإن كان واجبا لا ~~تفسد، ولكن تنتقص وتدخل في حد الكراهة، وبيان هذه الجملة: أما الأفعال فإذا ~~ترك سجدة صلبية من ركعة ثم تذكرها آخر الصلاة - قضاها وتمت صلاته عندنا، ~~وقال الشافعي: يقضيها ويقضي ما بعدها، (وجه) قوله أن ما ms0378 صلى بعد المتروك ~~حصل قبل # PageV01P167 # أوانه فلا يعتد به؛ لأن هذه عبادة شرعت مرتبة فلا تعتبر بدون الترتيب، ~~كما لو قدم السجود على الركوع أنه لا يعتد بالسجود لما قلنا كذا هذا. # (ولنا) أن الركعة الثانية صادفت محلها؛ لأن محلها بعد الركعة الأولى، وقد ~~وجدت الركعة الأولى؛ لأن الركعة تتقيد بسجدة واحدة، وإنما الثانية تكرار، ~~ألا ترى أنه ينطلق عليها اسم الصلاة؟ حتى لو حلف لا يصلي فقيد الركعة ~~بالسجدة يحنث، فكان أداء الركعة الثانية معتبرا معتدا به، فلا يلزمه إلا ~~قضاء المتروك، بخلاف ما إذا قدم السجود على الركوع؛ لأن السجود ما صادف ~~محله؛ لأن محله بعد الركوع لتقييد الركعة، والركعة بدون الركوع لا تتحقق ~~فلم يقع معتدا به فهو الفرق. # وعلى هذا الخلاف إذا تذكر سجدتين من ركعتين في آخر الصلاة - قضاهما وتمت ~~صلاته عندنا، ويبدأ بالأولى منهما ثم بالثانية؛ لأن القضاء على حسب الأداء، ~~ثم الثانية مرتبة على الأولى في الأداء فكذا في القضاء. # ولو كانت إحداهما سجدة تلاوة تركها من الركعة الأولى، والأخرى صلبية ~~تركها من الثانية - يراعي الترتيب أيضا فيبدأ بالتلاوة عند عامة العلماء، ~~وقال زفر: يبدأ بالثانية؛ لأنها أقوى. # (ولنا) أن القضاء معتبر بالأداء، وقد تقدم وجوب التلاوة أداء فيجب ~~تقديمها في القضاء، ولو تذكر سجدة صلبية وهو راكع أو ساجد لخر لها من ركوعه ~~ورفع رأسه من سجوده فسجدها، والأفضل أن يعود إلى حرمة هذه الأركان فيعيدها ~~ليكون على الهيئة المسنونة وهي الترتيب، وإن لم يعد أجزأه عند أصحابنا ~~الثلاثة. # وعند زفر لا يجزئه؛ لأن الترتيب في أفعال الصلاة فرض عنده فالتحقت هذه ~~السجدة بمحلها فبطل ما أدى من القيام والقراءة والركوع لترك الترتيب، ~~وعندنا الترتيب في أفعال صلاة واحدة ليس بفرض، ولهذا يبدأ المسبوق بما أدرك ~~الإمام فيه دون ما سبقه، ولئن كان فرضا فقد سقط بعذر النسيان، فوقع الركوع ~~والسجود معتبرا لمصادفته محله، وعن أبي يوسف - رحمه الله - أن عليه إعادة ~~الركوع إذا خر لها من الركوع، بناء على أصله أن ms0379 القومة التي بين الركوع ~~والسجود فرض، بخلاف ما إذا سبقه الحدث في ركوعه أو سجوده أنه يتوضأ ويعيد ~~بعد ما أحدث فيه لا محالة؛ لأن الجزء الذي لا قاه الحدث من الركن قد فسد ~~فكان ينبغي أن يفسد كل الصلاة؛ لأنها لا تتجزأ، إلا أنا تركنا هذا القياس ~~بالنص والإجماع في حق جواز البناء، فيعمل به في حق الركن الذي أحدث فيه. # ولو لم يسجدها حتى سلم فلا يخلو إما أن سلم وهو ذاكر لها، أو ساه عنها. # فإن سلم وهو ذاكر لها فسدت صلاته، وإن كان ساهيا لا تفسد، والأصل أن ~~السلام العمد يوجب الخروج عن الصلاة إلا سلام من عليه السهو، وسلام السهو ~~لا يوجب الخروج عن الصلاة؛ لأن السلام محلل في الشرع، قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «وتحليلها التسليم» ولأنه كلام، والكلام مضاد للصلاة، إلا أن ~~الشرع منعه عن العمل حالة السهو ضرورة دفع الحرج؛ لأن الإنسان قلما يسلم عن ~~النسيان، وفي حق من عليه سهو ضرورة تمكنه من سجود السهو، ولا ضرورة في غير ~~حالة السهو في حق من لا سهو عليه فوجب اعتباره محللا منافيا للصلاة إذا ~~عرفنا هذا فنقول: إذا سلم وهو ذاكر أن عليه سجدة صلبية فسدت صلاته وعليه ~~الإعادة؛ لأن سلام العمد قاطع للصلاة، وقد بقي عليه ركن من أركانها، ولا ~~وجود للشيء بدون ركنه وإن كان ساهيا لا تفسد؛ لأنه ملحق بالعدم؛ ضرورة دفع ~~الحرج على ما مر، ثم إن سلم وهو في مكانه - لم يصرف وجهه عن القبلة، ولم ~~يتكلم - يعد إلى قضاء ما عليه. # ولو اقتدى به رجل صح اقتداؤه، وإذا عاد إلى السجدة يتابعه المقتدي فيها ~~ولكن لا يعتد بهذه السجدة؛ لأنه لم يدرك الركوع، ويتابعه في التشهد دون ~~التسليم، وبعد التسليم يتابعه في سجود السهو، فإذا سلم الإمام ساهيا لا ~~يتابعه ولكنه يقوم إلى قضاء ما سبق به، وإن لم يعد الإمام إلى قضاء السجدة ~~فسدت صلاته؛ لأنه بقي عليه ركن من أركان الصلاة وفسدت صلاة ms0380 المقتدي بفساد ~~صلاة الإمام بعد صحة الاقتداء به، وفائدة صحة اقتدائه به أنه لو كان اقتدى ~~به بنية التطوع في صلاة الظهر أو العصر أو العشاء فعليه قضاء أربع ركعات إن ~~كان الإمام مقيما، وإن كان مسافرا فعليه قضاء ركعتين. # وأما إذا صرف وجهه عن القبلة فإن كان في المسجد، ولم يتكلم فكذلك الجواب ~~استحسانا، والقياس أن لا يعود، وهو رواية محمد. # وجه القياس أن صرف الوجه عن القبلة مفسد للصلاة بمنزلة الكلام فكان مانعا ~~من البناء. # (وجه) الاستحسان أن المسجد كله في حكم مكان واحد؛ لأنه مكان الصلاة ألا ~~يرى أنه صح اقتداء من هو في # PageV01P168 # المسجد بالإمام وإن كان بينهما فرجة، واختلاف المكان يمنع صحة الاقتداء ~~فكان بقاؤه فيه كبقائه في مكان صلاته، وصرف الوجه عن القبلة مفسد في غير ~~حالة العذر والضرورة، فأما في حال العذر والضرورة فلا بخلاف الكلام؛ لأنه ~~مضاد للصلاة فيستوي فيه الحالان، وإن كان خرج من المسجد ثم تذكر لا يعد ~~وتفسد صلاته؛ لأن الخروج من مكان الصلاة مانع من البناء وقد بقي عليه ركن ~~من أركان الصلاة فيلزمه الاستقبال. # وأما إذا كان في الصحراء فإن تذكر قبل أن يجاوز الصفوف من خلفه أو من قبل ~~اليمين أو اليسار عاد إلى قضاء ما عليه، وإلا فلا؛ لأن ذلك الموضع بحكم ~~اتصال الصفوف التحق بالمسجد، ولهذا صح الاقتداء. # وإن مشى أمامه، لم يذكر في الكتاب، وقيل: إن مشى قدر الصفوف التي خلفه ~~عاد وبنى وإلا فلا، وهو مروي عن أبي يوسف اعتبارا لأحد الجانبين بالآخر، ~~وقيل: إذا جاوز موضع سجوده لا يعود، وهو الأصح؛ لأن ذلك القدر في حكم خروجه ~~من المسجد فكان مانعا من البناء، وهذا إذا لم يكن بين يديه سترة فإن كان ~~يعود ما لم يجاوزها؛ لأن داخل السترة في حكم المسجد والله أعلم هذا إذا سلم ~~وعليه سجدة صلبية فإن سلم وعليه سجدة تلاوة، أو قراءة التشهد الأخير - فإن ~~سلم وهو ذاكر لها سقطت عنه؛ لأن سلامه سلام عمد فيخرجه ms0381 عن الصلاة، حتى لو ~~اقتدى به رجل لا يصح اقتداؤه. # ولو ضحك قهقهة لا تنتقض طهارته، ولو كان مسافرا فنوى الإقامة لا ينقلب ~~فرضه أربعا، ولا تفسد صلاته؛ لأنه لم يبق عليه ركن من أركان الصلاة لكنها ~~تنتقص لترك الواجب، وإن كان ساهيا عنها لا تسقط؛ لأن سلام السهو لا يخرج عن ~~الصلاة، حتى يصح الاقتداء به وينتقض وضوءه بالقهقهة، ويتحول فرضه بنية ~~الإقامة لو كان مسافرا أربعا، ثم الأمر في العود إلى قضاء السجدة وقراءة ~~التشهد على التفصيل الذي ذكرنا في الصلبية، غير أن ههنا لو تذكر بعد ما خرج ~~عن المسجد أو جاوز الصفوف - سقط عنه ولا تفسد صلاته؛ لأن الجواز متعلق ~~بالأركان وقد وجدت، إلا أنها تنتقص لما بينا، ثم العود إلى هذه المتروكات ~~وهي السجدة الصلبية وسجدة التلاوة وقراءة التشهد يرفع التشهد، حتى لو تكلم ~~أو قهقه أو أحدث متعمدا فسدت صلاته، بخلاف العود إلى سجدتي السهو وقد مر ~~الفرق. # ولو سلم وعليه سجدة صلبية وسجدتا سهو فإن سلم وهو ذاكر لهما أو للصلبية ~~خاصة فسدت صلاته؛ لأنه سلام عمد وقد بقي عليه ركن من أركان الصلاة، وإن كان ~~ساهيا عنها وذاكرا للسهو خاصة لا تفسد صلاته، أما إذا كان ساهيا عنهما فلا ~~شك فيه، وكذا إذا كان ذاكرا للسهو؛ لأنه سلام من عليه السهو، وعليه أن يعود ~~فيسجد أولا للصلبية ويتشهد؛ لأن تشهده انتقض بالعود إليها، ثم يسلم، ثم ~~يسجد سجدتي السهو. # ولو سلم وعليه سجدة التلاوة والسهو فإن كان ذاكرا لهما أو للتلاوة خاصة ~~سقطتا عنه؛ لأنه سلام عمد فيخرجه عن الصلاة، ولكن لا تفسد صلاته لما مر، ~~وإن كان ساهيا عنهما أو ذاكرا لسجدتي السهو خاصة لا يسقطان عنه؛ لأنه سلام ~~سهو أو سلام من عليه السهو، وعليه أن يسجد التلاوة أولا ثم يتشهد - لما مر ~~- ثم يسلم ويسجد سجدتي السهو. # ولو سلم وعليه سجدة صلبية وسجدة التلاوة فإن كان ساهيا عنهما يعود ~~فيقضهما الأول فالأول وإن كان ذاكرا لهما أو للصلبية خاصة ms0382 فسدت صلاته؛ لأنه ~~سلام عمد، وإن كان ذاكرا للتلاوة خاصة فكذلك في ظاهر الرواية وعلى هذا إذا ~~كان عليه مع الصلبية والتلاوة سجدتا السهو إن كان ساهيا عن الكل أو ذاكرا ~~للسهو خاصة لا تفسد صلاته؛ لأنه سلام سهو فيعود فيقضي الأول فالأول إن كانت ~~الصلبية أولا بدأ بها، وإن كانت التلاوة أولا بدأ بها عنده، خلافا لزفر على ~~ما مر ثم يتشهد بعدهما ويسلم ثم يسجد سجدتي السهو، وإن كان ذاكرا للصلبية ~~خاصة فسدت صلاته؛ لأنه سلام عمد، وإن كان ذاكرا للتلاوة ساهيا عن الصلبية ~~فكذلك في ظاهر الرواية، وروى أصحاب الإمام عن أبي يوسف أنه لا تفسد صلاته ~~في الفصلين، (ووجهه) أن سلامه في حق الركن سلام سهو وذا لا يوجب فساد ~~الصلاة، وبعض الطاعنين على محمد في هذه المسألة قرروا هذا الوجه فقالوا: إن ~~هذا سلام سهو في حق الركن، وسلام عمد في حق الواجب، وسلام السهو لا يخرجه ~~وسلام العمد يخرجه فوقع الشك، والتحريمة صحيحة فلا تبطل بالشك، بخلاف ما ~~إذا كان ذاكرا للصلبية غير ذاكر للتلاوة؛ لأن هناك ترجح جانب الركن على ~~جانب الواجب، وفيما قاله محمد ترجيح جانب # PageV01P169 # الواجب وهذا لا يجوز؛ إلا أن هذا الطعن فاسد؛ لأن جانب العمد يخرج وجانب ~~الشك مسكوت عنه لا يخرج ولا يمنع غيره عن الإخراج، فلا يقع التعارض بين ~~الواجب والركن. # وإنما يقع التعارض أن لو كان أحدهما مخرجا والآخر مبقيا، وههنا جانب ~~الواجب يوجب الخروج، وجانب الركن لا يوجب ولكن لا يمنع غيره عن الإخراج، ~~فأنى يقع التعارض؟ على أن كل سلام ينبغي أن يكون مخرجا؛ لأنه جعل محللا ~~شرعا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: وتحليلها التسليم، ولأنه من باب ~~الكلام على ما مر إلا أنه منع من الإخراج حالة السهو دفعا للحرج لكثرة ~~السهو وغلبة النسيان، ولا يكره سلام من علم أن عليه الواجب؛ لأن الظاهر من ~~حال المسلم أنه لا يترك الواجب فبقي مخرجا على أصل الوضع، ولأنا لو لم نحكم ~~بفساد صلاته ms0383 حتى لو أتى بالصلبية - يلزمنا القول بأنه يأتي بسجدة التلاوة ~~أيضا لبقاء التحريمة، ولا سبيل إليه؛ لأنه سلم وهو ذاكر للتلاوة فكان سلام ~~عمد في حقه، وقراءة التشهد الأخير في هذا الحكم كسجدة التلاوة؛ لأنها ~~واجبة. # ولو سلم وعليه سجود السهو والتكبير والتلبية بأن كان محرما وهو في أيام ~~التشريق لا يسقط عنه شيء من ذلك، سواء كان ساهيا عن الكل أو ذاكرا للكل؛ ~~لأن موضع هذه الأشياء بعد السلام، فإذا أراد أن يؤدي بدأ بالسهو ثم ~~بالتكبير ثم بالتلبية؛ لأن سجود السهو يختص بتحريمة الصلاة، والتكبير يؤتى ~~به في حرمة الصلاة لا في تحريمتها، والتلبية لا تختص بحرمة الصلاة. # ولو بدأ بالتلبية سقط عنه السهو والتكبير، وكذا إذا لبى بعد السهو قبل ~~التكبير سقط عنه التكبير؛ لأن سجود السهو يختص بتحريمة الصلاة، والتكبير ~~يختص بحرمتها، وقد بطل ذلك كله بالتلبية؛ لأنها كلام لكونها جوابا لخطاب ~~إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - قال الله تعالى: {وأذن في الناس بالحج} ~~[الحج: 27] . # ولو بدأ بالتكبير لا يسقط عنه السهو؛ لأنه كلام قربة فلا يوجب القطع، ~~وعليه إعادة التكبير بعد السلام؛ لأنه لم يقع موقعه، ولا تفسد صلاته في ~~الأحوال كلها لاستجماع شرائطها وأركانها. # ولو سلم وعليه سجدة صلبية وسجدة التلاوة والسهو والتكبير والتلبية بأن ~~كان محرما في أيام التشريق، فإن كان ذاكرا للصلبية والتلاوة أو للصلبية دون ~~التلاوة فسدت صلاته، وكذا إذا كان ذاكرا للتلاوة دون الصلبية على ظاهر ~~الرواية لما مر، وإن كان ساهيا عنها لا يخرج عن الصلاة، وعليه أن يسجد لكل ~~واحدة منها: الأول فالأول منهما، ثم يتشهد بعدهما ويسلم، ثم يسجد سجدتي ~~السهو ثم يتشهد ثم يكبر، ثم يلبي لما مر. ولو بدأ بالتلبية قبل هذه الأشياء ~~فسدت صلاته. # ولو بدأ بالتكبير لا تفسد - لما مر - وعليه إعادة التكبير بعد السلام؛ ~~لأن محله خارج الصلاة في حرمتها، فإذا كبر في الصلاة لم يقع موقعه فلذلك ~~تلزمه الإعادة. # (وأما) إذا كان المتروك ركوعا فلا يتصور فيه القضاء، وكذا إذا ترك سجدتين ms0384 ~~من ركعة، وبيان ذلك إذا افتتح الصلاة فقرأ وسجد قبل أن يركع ثم قام إلى ~~الثانية فقرأ وركع وسجد فهذا قد صلى ركعة واحدة، فلا يكون هذا الركوع قضاء ~~عن الأول؛ لأنه إذا لم يركع لا يعتد بذلك السجود لعدم مصادفته محله؛ لأن ~~محله بعد الركوع فالتحق السجود بالعدم، فكأنه لم يسجد فكان أداء هذا الركوع ~~في محله، فإذا أتى بالسجود بعده صار مؤديا ركعة تامة. # وكذا إذا افتتح الصلاة فقرأ وركع ولم يسجد ثم رفع رأسه فقرأ ولم يركع ثم ~~سجد - فهذا قد صلى ركعة واحدة، ولا يكون هذا السجود قضاء عن الأول؛ لأن ~~ركوعه وقع معتبرا لمصادفته محله؛ لأن محله بعد القراءة، وقد وجدت إلا أنه ~~توقف على أن تتقيد بالسجدة، فإذا قام وقرأ لم يقع قيامه ولا قراءته معتدا ~~به؛ لأنه لم يقع في محله فلغا، فإذا سجد صادف السجود محله لوقوعه بعد ركوع ~~معتبر فتقيد ركوعه به، فقد وجد انضمام السجدتين إلى الركوع فصار مصليا ~~ركعة، وكذا إذا قرأ أو ركع، ثم رفع رأسه وقرأ وركع وسجد، فإنما صلى ركعة ~~واحدة؛ لأنه تقدمه ركوعان ووجد السجود فيلحق بأحدهما ويلغو الآخر، غير أن ~~في باب الحدث جعل المعتبر الركوع الأول، وفي باب السهو من نوادر أبي سليمان ~~جعل المعتبر الركوع الثاني، حتى أن من أدرك الركوع الثاني لا يصير مدركا ~~للركعة على رواية باب الحدث، وعلى رواية هذا الباب يصير مدركا للركعة،، ~~والصحيح رواية باب الحدث؛ لأن ركوعه الأول صادف محله لحصوله بعد القراءة، ~~فوقع الثاني مكررا فلا يعتد به، فإذا سجد يتقيد به الركوع الأول فصار مصليا ~~ركعة. # وكذلك إذا قرأ # PageV01P170 # ولم يركع وسجد ثم قام فقرأ وركع ولم يسجد ثم قام فقرأ ولم يركع وسجد ~~فإنما صلى ركعة واحدة؛ لأن سجوده الأول لم يصادف محله لحصوله قبل الركوع ~~فلم يقع معتدا به، فإذا قرأ وركع توقف هذا الركوع على أن يتقيد بسجوده ~~بعده، فإذا سجد بعد القراءة تقيد ذلك الركوع به فصار مصليا ركعة. # وكذلك ms0385 إن ركع في الأولى ولم يسجد، ثم ركع في الثانية ولم يسجد، وسجد في ~~الثالثة ولم يركع - فلا شك أنه صلى ركعة واحدة لما مر غير أن هذا السجود ~~يلتحق بالركوع الأول أم بالثاني؟ فعنه روايتان على ما مر، وعليه سجود السهو ~~في هذه المواضع لإدخاله الزيادة في الصلاة؛ لأن إدخال الزيادة في الصلاة ~~نقص فيها، ولا تفسد صلاته إلا في رواية عن محمد فإنه يقول: زيادة السجدة ~~الواحدة كزيادة الركعة، بناء على أصله أن السجدة الواحدة قربة وهي سجود ~~الشكر، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف السجدة الواحدة ليست بقربة إلا سجدة ~~التلاوة، ثم إدخال الركوع الزائد أو السجود الزائد لا يوجب فساد الفرض؛ ~~لأنه من أفعال الصلاة، والصلاة لا تفسد بوجود أفعالها بل بوجود ما يضادها، ~~بخلاف ما إذا زاد ركعة كاملة؛ لأنها فعل صلاة كامل، فانعقد نفلا فصار ~~منتقلا إليه فلا يبقى في الفرض ضرورة لمكان فساد فرض بهذا الطريق لا بطريق ~~المضادة، بخلاف زيادة ما دون الركعة؛ لأنها ليست بفعل كامل ليصير منتقلا ~~إليه، وهذا لأن فساد الصلاة بأحد أمرين: إما بوجود ما يضادها، أو بالانتقال ~~إلى غيرها، وقد انعدم الأمران جميعا والله أعلم. # ولو ترك القعدة الأخيرة من ذوات الأربع وقام إلى الخامسة - فإن لم يقيدها ~~بالسجدة يعود إلى القعدة؛ لأنه لما لم يقيد الخامسة بالسجدة لم يكن ركعة ~~فلم يكن فعل صلاة كاملا، وما لم يكمل بعد فهو غير ثابت على الاستقرار فكان ~~قابلا للرفع، ويكون رفعه في الحقيقة دفعا ومنعا عن الثبوت، فيدفع ليتمكن من ~~الخروج عن الفرض وهو القعدة الأخيرة وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قام إلى الخامسة فسبح به فعاد، وإن قيد الخامسة بالسجدة لا يعود ~~وفسد فرضه عندنا، وعند الشافعي لا يفسد فرضه ويعود بناء على أن الركعة ~~الواحدة عنده بمحل النقص، وبه حاجة إلى النقص لبقاء فرض عليه وهو الخروج ~~بلفظ السلام، وأنا نقول: وجد فعل كامل من أفعال الصلاة، وقد انعقد نفلا ~~فصار به خارجا ms0386 عن الفرض؛ لأن من ضرورة حصوله في النفل خروجه عن الفرض ~~لتغايرهما فيستحيل كونه فيهما وقد حصل في النفل فصار خارجا عن الفرض ضرورة. # ولو ترك القعدة الأولى من ذوات الأربع وقام إلى الثالثة فإن استتم قائما ~~لا يعود لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قام من الثانية إلى ~~الثالثة ولم يقعد فسبحوا به فلم يعد ولكن سبح بهم فقاموا، وما روي أنهم ~~سبحوا به فعاد محمول على ما إذا لم يستتم قائما وكان إلى القعود أقرب ~~توفيقا بين الحديثين، ولأن القيام فريضة والقعدة الأولى واجبة فلا يترك ~~الفرض لمكان الواجب، وإنما عرفنا جواز الانتقال من القيام إلى سجدة التلاوة ~~بالأثر لحاجة المصلي إلى الاقتداء بمن أطاع الله - تعالى -، وإظهار مخالفة ~~من عصاه، واستنكف عن سجدته وأما إذا لم يستتم قائما فإن كان إلى القيام ~~أقرب فكذلك الجواب لوجود حد القيام وهو انتصاب النصف الأعلى والنصف الأسفل ~~جميعا، وما بقي من الانحناء فقليل غير معتبر، وإن كان إلى القعود أقرب يقعد ~~لانعدام القيام الذي هو فرض. # ولم يذكر محمد أنه هل يسجد سجدتي السهو أم لا؟ وقد اختلف المشايخ فيه، ~~كان الشيخ أبو بكر محمد بن الفضل البخاري يقول: لا يسجد سجدتي السهو؛ لأنه ~~إذا كان إلى القعود أقرب كان كأنه لم يقم، ولهذا يجب عليه أن يقعد، وقال ~~غيره من مشايخنا: إنه يسجد؛ لأنه بقدر ما اشتغل بالقيام أخر واجبا وجب وصله ~~بما قبله من الركن فلزمه سجود السهو. # (وأما) الأذكار فنقول: إذا ترك القراءة في الأوليين قضاها في الأخريين، ~~وذكر القدوري من أصحابنا أن هذا عندي أداء وليس بقضاء؛ لأن الفرض هو ~~القراءة في ركعتين غير عين، فإذا قرأ في الأخريين كان مؤديا لا قاضيا، وقال ~~غيره من أصحابنا: إنه يكون قاضيا ومسائل الأصل تدل عليه، فإنه قال في ~~المسافر إذا اقتدى بالمقيم في الشفع الثاني بعد خروج الوقت أنه لا يجوز وإن ~~لم يكن قرأ الإمام في الشفع الأول. # ولو كانت القراءة في الأوليين ms0387 أداء لجاز؛ لأنه يكون اقتداء المفترض ~~بالمفترض في حق القراءة، ولكن لما كانت القراءة في الأخريين قضاء عن ~~الأوليين التحقت بالأوليين فحلت الأخريان عن القراءة المفروضة، فيصير في حق ~~القراءة اقتداء المفترض بالمتنفل، # PageV01P171 # وإنه فاسد. # وذكر في باب السهو: من الأصل أن الإمام إذا كان لم يقرأ في الأوليين ~~فاقتدى به إنسان في الأخريين، وقرأ الإمام فيهما، ثم قام المسبوق إلى قضاء ~~ما فاته فعليه القراءة - وإن ترك ذلك لم تجزه صلاته. # ولو كان فرض القراءة ركعتين غير عين لكان الإمام مؤديا فرض القراءة في ~~الأخريين وقد أدركهما المسبوق فحصل فرض القراءة عينا بقراءة الإمام، فينبغي ~~أن لا يجب عليه القراءة، ومع هذا وجب فعلم أن الأوليين محل أداء فرض ~~القراءة عينا، والقراءة في الأخريين قضاء عن الأوليين، فإذا قرأ الإمام في ~~الأخريين فقد قضى ما فاته من القراءة في الأوليين، والفائت إذا قضي يلتحق ~~بمحله فحلت الأخريان عن القراءة المفروضة، فقد فات على المسبوق القراءة فلا ~~بد من تحصيلها؛ لأن الصلاة بلا قراءة غير جائزة، وكذا لو كان قرأ الإمام في ~~الأوليين؛ لأن القراءة في الأخريين وإن وجدت لم تكن فرضا لافتراضها في ~~ركعتين فحسب، فقد فات الفرض على المسبوق فيجب عليه تحصيلها فيما يقضي. # ولو تركها في الأوليين في صلاة الفجر أو المغرب فسدت صلاته، ولا يتصور ~~القضاء ههنا. # ولو ترك الفاتحة في الركعة الأولى وبدأ بغيرها، فلما قرأ بعض السورة تذكر ~~- يعود فيقرأ بفاتحة الكتاب ثم السورة؛ لأن الفاتحة سميت فاتحة لافتتاح ~~القراءة بها في الصلاة، فإذا تذكر في محلها كان عليه مراعاة الترتيب، كما ~~لو سها عن تكبيرات العيد حتى اشتغل بالقراءة ثم تذكر أنه لم يكبر - يعود ~~إلى التكبيرات ويقرأ بعدها كذا، هذا. # ولو ترك الفاتحة في الأوليين وقرأ السورة لم يقضها في الأخريين في ظاهر ~~الرواية، وعن الحسن بن زياد أنه يقضي الفاتحة في الأخريين؛ لأن الفاتحة ~~أوجب من السورة، ثم السورة تقضى فلأن تقضى الفاتحة أولى. # (ولنا) أن الأخريين محل الفاتحة أداء فلا ms0388 تكونا محلا لها قضاء بخلاف ~~السورة، ولأنه لو قضاها في الأخريين يؤدي إلى تكرار الفاتحة في ركعة واحدة، ~~وأنه غير مشروع. # ولو قرأ الفاتحة في الأوليين ولم يقرأ السورة قضاها في الأخريين وعن أبي ~~يوسف أنه لا يقضيها كما لا يقضي الفاتحة؛ لأنها سنة فاتت عن موضعها، ~~والصحيح ظاهر الرواية لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه ترك القراءة في ~~ركعة من صلاة المغرب فقضاها في الركعة الثالثة وجهر. # وروي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه ترك السورة في الأوليين فقضاها في ~~الأخريين وجهر؛ لأن الأخريين ليستا محلا للسورة أداء فجاز أن يكون محلا لها ~~قضاء، ثم قال في الكتاب: وجهر ولم يذكر أنه جهر بهما أو بالسورة خاصة، ~~وفسره البلخي فقال: أتى بالسورة خاصة؛ لأن القضاء بصفة الأداء، ويجهر ~~بالسورة أداء فكذا قضاء، فأما الفاتحة فهي في محلها، ومن سننها الإخفاء ~~فيخفي بها. # وعن أبي يوسف أنه يخافت بهما؛ لأنه يفتتح القراءة بالفاتحة، والسورة تبنى ~~عليها، ثم السنة في الفاتحة: المخافتة، فكذا فيما يبنى عليها، والأصح أنه ~~يجهر بهما؛ لأن الجمع بين الجهر والمخافتة في ركعة واحدة غير مشروع، وقد ~~وجب عليه الجهر بالسورة فيجهر بالفاتحة أيضا، وهذا كله إذا تذكر بعد ما قيد ~~الركعة بالسجدة، فإن تذكر قراءة الفاتحة أو السورة في الركوع أو بعدما رفع ~~رأسه منه يعود إلى القراءة، وينتقض ركوعه، بخلاف القنوت، والفرق بينهما ~~نذكره في صلاة الوتر. # ولو ترك تكبيرات العيد فتذكر في الركوع قضاها في الركوع، بخلاف القنوت ~~إذا تذكر في الركوع حيث يسقط، ونذكر الفرق هناك أيضا. # ولو ترك قراءة التشهد في القعدة الأخيرة وقام ثم تذكر - يعود ويتشهد إذا ~~لم يقيد الركعة بالسجدة؛ لأنه لو كان قرأ التشهد ثم تذكر يعود ليكون خروجه ~~من الصلاة على الوجه المسنون فههنا أولى. # وكذا إذا لم يقم وتذكرها قبل السلام أو بعد ما سلم ساهيا، ولو سلم وهو ~~ذاكر لها سقطت عنه وسقط سجدتا السهو لما مر. # ولو ترك قراءة التشهد في القعدة ms0389 الأولى وقام إلى الثالثة ثم تذكر فإن ~~استتم قائما لا يعود؛ لأن القيام فرض وليس من الحكمة ترك الفرض لتحصيل ~~الواجب، وإن لم يستتم قائما فإن كان إلى القيام أقرب لا يعود وتسقط، وإن ~~كان إلى القعود أقرب يعود لما ذكرنا في القعدة الأخيرة والله أعلم. ### | [فصل بيان محل السجود للسهو] # (فصل) : # وأما بيان محل السجود للسهو فمحله المسنون بعد السلام عندنا، سواء كان ~~السهو بإدخال زيادة في الصلاة أو نقصان فيها، وعند الشافعي قبل السلام بعد ~~التشهد فيهما جميعا، وقال مالك: إن كان يسجد للنقصان فقبل السلام، وإن كان ~~يسجد للزيادة فبعد السلام. # (احتج) الشافعي بما روى عبد الله ابن بحينة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - # PageV01P172 # سجد للسهو قبل السلام، وما روي أنه سجد للسهو بعد السلام فمحمول على ~~التشهد كما حملتم السلام على التشهد في قوله - صلى الله عليه وسلم -: وفي ~~كل ركعتين فسلم أي فتشهد، ويرجح ما روينا بمعاضدة المعنى إياه من وجهين: ~~أحدهما أن السجدة إنما يؤتى بها جبرا للنقصان المتمكن في الصلاة، والجابر ~~يجب تحصيله في موضع النقص لا في غير موضعه، والإتيان بالسجدة بعد السلام ~~تحصيل الجابر لا في محل النقصان، والإتيان بها قبل السلام تحصيل الجابر في ~~محل النقصان فكان أولى. # والثاني: أن جبر النقصان إنما يتحقق حال قيام الأصل، وبالسلام القاطع ~~لتحريمة الصلاة يفوت الأصل فلا يتصور جبر النقصان بالسجود بعده. # (واحتج) مالك بما روى المغيرة بن شعبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قام في مثنى من صلاته فسجد سجدتي السهو قبل السلام، وكان سهوا في نقصان، ~~وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى الظهر خمسا فسجد سجدتي السهو بعد السلام، وكان سهوا في الزيادة؛ ولأن ~~السهو إذا كان نقصانا فالحاجة إلى الجابر، فيؤتى به في محل النقصان على ما ~~قاله الشافعي، فأما إذا كان زيادة فتحصيل السجدة قبل السلام يوجب زيادة ~~أخرى في الصلاة، ولا يوجب رفع شيء، فيؤخر إلى ما ms0390 بعد السلام. # ولنا حديث ثوبان - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «لكل سهو سجدتان بعد السلام» من غير فصل بين الزيادة والنقصان. # وروي عن عمران بن الحصين والمغيرة بن شعبة وسعد بن أبي وقاص - رضي الله ~~عنهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد للسهو بعد السلام، وكذا روى ~~ابن مسعود وعائشة وأبو هريرة - رضي الله عنهم -، وروينا عن ابن مسعود عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من شك في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى ~~أم أربعا فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب، وليبن عليه، وليسجد سجدتين بعد ~~السلام» ؛ ولأن سجود السهو أخر عن محل النقصان بالإجماع، وإنما كان لمعنى، ~~ذلك المعنى يقتضي التأخير عن السلام، وهو أنه لو أداه هناك ثم سها مرة ~~ثانية وثالثة ورابعة يحتاج إلى أدائه في كل محل، وتكرار سجود السهو في صلاة ~~واحدة غير مشروع، فأخر إلى وقت السلام احترازا عن التكرار، فينبغي أن يؤخر ~~أيضا عن السلام حتى أنه لو سها عن السهو لا يلزمه أخرى فيؤدي إلى التكرار؛ ~~ولأن إدخال الزيادة في الصلاة يوجب نقصانا فيها، فلو أتى بالسجود قبل ~~السلام يؤدي إلى أن يصير الجابر للنقصان موجبا زيادة نقص وذا غير صواب. # (وأما) الجواب عن تعلقهم بالأحاديث فهو أن رواية الفعل متعارضة فبقي لنا ~~رواية القول من غير تعارض، أو ترجح ما ذكرنا لمعاضدة ما ذكرنا من المعنى ~~إياه، أو يوفق فيحمل ما روينا على أنه سجد بعد السلام الأول ولا محمل له ~~سواء فكان محكما، وما رواه محتمل يحتمل أنه سجد قبل السلام الأول، ويحتمل ~~أنه سجد قبل السلام الثاني، فكان متشابها فيصرف إلى موافقة المحكم، وهو أنه ~~سجد قبل السلام الأخير لا قبل السلام الأول ردا للمحتمل إلى المحكم وما ذكر ~~مالك من الفصل بين الزيادة والنقصان غير سديد؛ لأنه سواء نقص أو زاد، كل ~~ذلك كان نقصانا؛ ولأنه لو سها مرتين إحداهما بالزيادة والأخرى بالنقصان ~~ماذا يفعل؟ وتكرار سجدتي السهو غير ms0391 مشروع. # وقد روي أن أبا يوسف ألزم مالكا بين يدي الخليفة بهذا الفصل فقال: أرأيت ~~لو زاد ونقص كيف يصنع؟ فتحير مالك، وقد خرج الجواب عن أحد معنى الشافعي أن ~~الجابر يحصل في محل الجبر لما مر أنه لا يؤتى به في محل الجبر بالإجماع، بل ~~يؤخر عنه لمعنى يوجب التأخير عن السلام. # وأما قوله: إن الجبر لا يتحقق إلا حال قيام أصل الصلاة فنعم، لكن لم قلتم ~~أن سلام من عليه السهو قاطع لتحريمة الصلاة؟ وقد اختلف مشايخنا في ذلك، ~~فعند محمد وزفر لا يقطع التحريمة أصلا فيتحقق معنى الجبر، وعند أبي حنيفة ~~وأبي يوسف لا يقطعها على تقدير العود إلى السجود أو يقطعها ثم يعود بالعود ~~إلى السجود فيتحقق معنى الجبر، وإذا عرف أن محله المسنون بعد السلام فإذا ~~فرغ من التشهد الثاني يسلم ثم يكبر ويعود إلى سجود السهو، ثم يرفع رأسه ~~مكبرا، ثم يتشهد ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويأتي بالدعوات، ~~وهو اختيار الكرخي واختيار عامة مشايخنا بما وراء النهر، وذكر الطحاوي أنه ~~يأتي بالدعاء قبل السلام وبعده وهو اختيار بعض مشايخنا، والأول أصح؛ لأن ~~الدعاء إنما شرع بعد الفراغ من الأفعال والأذكار الموضوعة في الصلاة، ومن ~~عليه السهو قد بقي عليه بعد التشهد الأول من الأفعال والأذكار وهو سجود ~~السهو، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يتحقق الفراغ، # PageV01P173 # فلذلك كان التأخير إلى التشهد الثاني أحق، ولكن ينبغي أن لا يأتي بدعوات ~~تشبه كلام الناس لئلا تفسد صلاته، هذا الذي ذكرنا بيان محله المسنون. # وأما محل جوازه فنقول: جواز السجود لا يختص بما بعد السلام، حتى لو سجد ~~قبل السلام يجوز ولا يعيد؛ لأنه أداء بعد الفراغ من أركان الصلاة إلا أنه ~~ترك سنته وهو الأداء بعد السلام، وترك السنة لا يوجب سجود السهو، ولأن ~~الأداء بعد السلام سنة ولو أمرناه بالإعادة كان تكرارا، وأنه بدعة، وترك ~~السنة أولى من فعل البدعة والله تعالى أعلم. ### | [فصل قدر سلام السهو وصفته] # (فصل) : # وأما ms0392 قدر سلام السهو وصفته فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: تسليمة ~~واحدة تلقاء وجهه، وهو اختيار الشيخ الزاهد فخر الإسلام علي بن محمد ~~البزدوي وقال: لو سلم تسليمتين تبطل التحريمة؛ لأن التسليمة الثانية لمعنى ~~التحية، ومعنى التحية ساقط عن سلام السهو، فكان الاشتغال بالتسليمة الثانية ~~عبثا لخلوه عن الفائدة المطلوبة منه، فكان قاطعا للتحريمة، وعامتهم على أنه ~~يسلم تسليمتين عن يمينه وعن يساره لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لكل ~~سهو سجدتان بعد السلام» ذكر السلام بالألف واللام فينصرف إلى الحبس أو إلى ~~المعهود وهما التسليمتان. ### | [فصل عمل سلام السهو هل يبطل التحريمة أم لا] # (فصل) : # وأما عمل سلام السهو أنه هل يبطل التحريمة أم لا؟ فقد اختلف فيه، قال ~~محمد وزفر: لا يقطع التحريمة أصلا، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف الأمر موقوف: ~~إن عاد إلى سجدتي السهو وصح عوده إليهما تبين أنه لم يقطع، وإن لم يعد تبين ~~أنه قطع، حتى لو ضحك بعد ما سلم قبل أن يعود إلى سجدتي السهو لا تنتقض ~~طهارته عندهما. # وعند محمد وزفر تنتقض، ومن مشايخنا من قال: لا توقف في انقطاع التحريمة ~~بسلام السهو عند أبي حنيفة وأبي يوسف بل تنقطع من غير توقف، وإنما التوقف ~~عندهما في عود التحريمة ثانيا، إن عاد إلى سجدتي تعد وإلا فلا، وهذا أسهل ~~لتخريج المسائل، والأول وهو التوقف في بقاء التحريمة، وبطلانها أصح؛ لأن ~~التحريمة تحريمة واحدة فإذا بطلت لا تعود إلا بإعادة، ولم توجد. # (وجه) قول محمد وزفر أن الشرع أبطل عمل سلام من عليه سجدتا السهو؛ لأن ~~سجدتي السهو يؤتى بهما في تحريم الصلاة؛ لأنهما شرعتا لجبران النقصان، ~~وإنما ينجبر إن حصلتا في تحريمة الصلاة، ولهذا يسقطان إذا وجد بعد القعود ~~قدر التشهد ما ينافي التحريمة، ولا يمكن تحصيلهما في تحريمة الصلاة إلا بعد ~~بطلان عمل هذا السلام، فصار وجوده وعدمه في هذه الحالة بمنزلة، ولو انعدم ~~حقيقة كانت التحريمة باقية، فكذا إذا التحق بالعدم. # ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن السلام جعل محللا ms0393 في الشرع، قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: وتحليلها، التسليم، والتحليل ما يحصل به التحلل، ولأنه ~~خطاب للقوم فكان من كلام الناس، وإنه مناف للصلاة، غير أن الشرع أبطل عمله ~~في هذه الحالة لحاجة المصلي إلى جبر النقصان، ولا ينجبر إلا عند وجود ~~الجابر في التحريمة ليلتحق الجابر بسبب بقاء التحريمة لمحل النقصان فيجبر ~~النقصان، فنفينا التحريمة مع وجود المنافي لها لهذه الضرورة، فإن اشتغل ~~بسجدتي السهو وصح اشتغاله بهما تحققت الضرورة إلى بقاء التحريمة فبقيت، وإن ~~لم يشتغل لم تتحقق الضرورة فيعمل السلام في الإخراج عن الصلاة، وإبطال ~~التحريمة عمله. # ويبنى على هذا الأصل ثلاث مسائل: إحداها: إذا قهقه قبل العود إلى السجود ~~بعد السلام تمت صلاته وسقط عنه السهو بالإجماع، ولا تنتقض طهارته عند أبي ~~حنيفة وأبي يوسف، وهو قول زفر بناء على أصله في القهقهة: أنها في كل موضع ~~لا توجب فساد الصلاة لا توجب انتقاض الطهارة، كما إذا قعد قدر التشهد ~~الأخير قبل السلام، وعند محمد تنتقض طهارته. # والثانية إذا سلم وعليه سجدتا السهو، فجاء رجل فاقتدى به قبل أن يعود إلى ~~السجود - فاقتداؤه موقوف عند أبي حنيفة وأبي يوسف، فإن عاد إلى السجود صح ~~وإلا فلا، وعند محمد وزفر صح اقتداؤه به عاد أو لم يعد، وقال بشر: لا يصح ~~اقتداؤه به عاد أو لم يعد، فكأنه جعل السلام قاطعا للتحريمة جزما. # والثالثة: المسافر إذا سلم على رأس الركعتين في ذوات الأربع وعليه سهو ~~فنوى الإقامة قبل أن يعود إليه - لا ينقلب فرضه أربعا ويسقط عنه السهو عند ~~أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر ينقلب فرضه أربعا وعليه سجدتا السهو ~~لكنه يؤخرهما إلى آخر الصلاة، وأجمعوا على أنه لو عاد إلى سجود السهو ثم ~~اقتدى به - رجل يصح اقتداؤه به، إلا عند بشر. # وكذلك لو قهقه في هذه الحالة تنتقض طهارته إلا عند زفر. # وكذلك لو نوى الإقامة في هذه # PageV01P174 # الحالة ينقلب فرضه أربعا ويؤخر سجود السهو إلى آخر الصلاة، سواء نوى ~~الإقامة بعد ms0394 ما سجد سجدة واحدة أو سجدتين، ثم لا يفترق الحال في سجود السهو ~~سيما إذا سلم وهو ذاكر له، أو ساه عنه ومن نيته أن يسجد له أو لا يسجد حتى ~~لا يسقط عنه في الأحوال كلها؛ لأن محله بعد السلام إلا إذا فعل فعلا يمنعه ~~من البناء بأن تكلم أو قهقه أو أحدث متعمدا أو خرج عن المسجد أو صرف وجهه ~~عن القبلة وهو ذاكر له؛ لأنه فات محله وهو تحريمة الصلاة، فيسقط ضرورة فوات ~~محله، وكذا إذا طلعت الشمس بعد السلام في صلاة الفجر أو احمرت في صلاة ~~العصر سقط عنه السهو؛ لأن السجدة جبر للنقص المتمكن فيجري مجرى القضاء، وقد ~~وجبت كاملة فلا يقضى الناقص. ### | [فصل بيان من يجب عليه سجود السهو ومن لا يجب عليه سجود السهو] # (فصل) : # وأما بيان من يجب عليه سجود السهو ومن لا يجب عليه فسجود السهو، يجب على ~~الإمام وعلى المنفرد مقصودا لتحقق سبب الوجوب منهما وهو السهو، فأما ~~المقتدي إذا سها في صلاته فلا سهو عليه؛ لأنه لا يمكنه السجود؛ لأنه إن سجد ~~قبل السلام كان مخالفا للإمام، وإن أخره إلى ما بعد سلام الإمام يخرج من ~~الصلاة بسلام الإمام؛ لأنه سلام عمد ممن لا سهو عليه، فكان سهوه فيما يرجع ~~إلى السجود ملحقا بالعدم لتعذر السجود عليه، فسقط السجود عنه أصلا، وكذلك ~~اللاحق وهو المدرك لأول صلاة الإمام إذا فاته بعضها بعد الشروع بسبب النوم ~~أو الحدث السابق، بأن نام خلف الإمام ثم انتبه وقد سبقه الإمام بركعة أو ~~فرغ من صلاته، أو سبقه الحدث فذهب وتوضأ وقد سبقه الإمام بشيء من صلاته أو ~~فرغ عنها - فاشتغل بقضاء ما سبق به فسها فيه - لا سهو عليه؛ لأنه في حكم ~~المصلي خلف الإمام، ألا ترى أنه لا قراءة عليه. # وأما المسبوق إذا سها فيما يقضي وجب عليه السهو؛ لأنه فيما يقضي بمنزلة ~~المنفرد، ألا ترى أنه يفترض عليه القراءة؟ . # وأما المقيم إذا اقتدى بالمسافر ثم قام إلى إتمام صلاته وسها ms0395 هل يلزمه ~~سجود السهو؟ ذكر في الأصل وقال: إنه يتابع الإمام في سجود السهو وإذا سها ~~فيما يتم فعليه سجود السهو أيضا، وذكر الكرخي في مختصره أنه كاللاحق لا ~~يتابع الإمام في سجود السهو وإذا سها فيما يتم لا يلزمه سجود السهو؛ لأنه ~~مدرك لأول الصلاة فكان في حكم المقتدي فيما يؤديه بتلك التحريمة كاللاحق، ~~ولهذا لا يقرأ كاللاحق، والصحيح ما ذكر في الأصل؛ لأنه ما اقتدى بإمامه إلا ~~بقدر صلاة الإمام، فإذا انقضت صلاة الإمام صار منفردا فيما وراء ذلك، وإنما ~~لا يقرأ فيما يتم؛ لأن القراءة فرض في الأوليين، وقد قرأ الإمام فيهما ~~فكانت قراءة له، وسهو الإمام يوجب السجود عليه وعلى المقتدي؛ لأن متابعة ~~الإمام واجبة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تابع إمامك على أي حال ~~وجدته» ولأن المقتدي تابع للإمام، والحكم في التبع ثبت بوجود السبب في ~~الأصل فكان سهو الإمام سببا لوجوب السهو عليه وعلى المقتدي، ولهذا لو سقط ~~عن الإمام بسبب من الأسباب بأن تكلم أو أحدث متعمدا أو خرج من المسجد يسقط ~~عن المقتدي، وكذلك اللاحق يسجد لسهو الإمام إذا سها في حال نوم اللاحق، أو ~~ذهابه إلى الوضوء؛ لأنه في حكم المصلي خلفه، ولكن لا يتابع الإمام في سجود ~~السهو إذا انتبه في حال اشتغال الإمام بسجود السهو، أو جاء إليه من الوضوء ~~في هذه الحالة، بل يبدأ بقضاء ما فاته ثم يسجد في آخر صلاته، بخلاف المسبوق ~~أو المقيم خلف المسافر حيث تابع الإمام في سجود السهو ثم يشتغل بالإتمام. # (والفرق) أن اللاحق التزم متابعة الإمام فيما اقتدى به على نحو ما فصل ~~الإمام، وأنه اقتدى به في حق جميع الصلاة فيتابعه في جميعها على نحو ما ~~يؤدي الإمام، والإمام أدى الأول فالأول وسجد لسهوه في آخر صلاته فكذا هو، ~~فأما المسبوق فقد التزم بالاقتداء به متابعته بقدر ما هو صلاة الإمام وقد ~~أدرك هذا القدر فيتابعه فيه ثم ينفرد، وكذا المقيم المقتدي بالمسافر. # ولو سجد اللاحق مع الإمام للسهو ms0396 تابعه فيه لم يجزه؛ لأنه سجد قبل أوانه ~~في حقه فلم يقع معتدا به، فعليه أن يعيد إذا فرغ من قضاء ما عليه، ولكن لا ~~تفسد صلاته؛ لأنه ما زاد إلا سجدتين بخلاف المسبوق إذا تابع الإمام في سجود ~~السهو ثم تبين أنه لم يكن على الإمام سهو - حيث تفسد صلاة المسبوق إذا تابع ~~الإمام وما زاد إلا سجدتين؛ لأن من الفقهاء من قال: لا تفسد صلاة المسبوق ~~على ما نذكره، ثم الفرق أن فساد الصلاة هناك ليس لزيادة السجدتين بل ~~للاقتداء في موضع كان عليه الانفراد في ذلك الموضع، ولم يوجد ههنا؛ لأن ~~اللاحق مقتد في جميع ما يؤدي، فلهذا لم تفسد صلاته، وكذلك المسبوق يسجد # PageV01P175 # لسهو الإمام سواء كان سهوه بعد الاقتداء به أو قبله بأن كان مسبوقا بركعة ~~وقد سها الإمام فيها وعن إبراهيم النخعي أنه لا يسجد لسهوه أصلا؛ لأن محل ~~السهو بعد السلام وأنه لا يتابعه في السلام، فلا يتصور المتابعة في السهو. # (ولنا) أن سجود السهو يؤدى في تحريمة الصلاة فكانت الصلاة باقية، وإذا ~~بقيت الصلاة بقيت التبعية فيتابعه فيما يؤدي من الأفعال، بخلاف التكبير، ~~والتلبية حتى لا يلبي المسبوق، ولا يكبر مع الإمام في أيام التشريق؛ لأن ~~التكبير والتلبية لا يؤديان في تحريمة الصلاة، ألا ترى أنه لو ضحك قهقهة في ~~تلك الحالة لا تنتقض طهارته. # ولو اقتدى به إنسان لا يصح؟ بخلاف سجدتي السهو فإنهما يؤديان في تحريمة ~~الصلاة بخلاف انتقاض الطهارة بالقهقهة، وصح الاقتداء به في تلك الحالة. # (فإن) قيل: ينبغي أن لا يسجد المسبوق مع الإمام؛ لأنه ربما يسهو فيما ~~يقضي فيلزمه السجود أيضا فيؤدي إلى التكرار، وإنه غير مشروع؛ ولأنه لو ~~تابعه في السجود يقع سجوده في وسط الصلاة وذا غير صواب - (فالجواب) أن ~~التكرار في صلاة واحدة غير مشروع، وهما صلاتان حكما وإن كانت التحريمة ~~واحدة؛ لأن المسبوق فيما يقضي كالمنفرد، ونظيره المقيم إذا اقتدى بالمسافر ~~فسها الإمام يتابعه المقيم في السهو، وإن كان المقتدي ربما يسهو في ms0397 إتمام ~~صلاته، وعلى تقدير السهو يسجد في أصح الروايتين على ما مر، لكن لما كان ~~منفردا في ذلك كانا صلاتين حكما وإن كانت التحريمة واحدة كذا ههنا، ثم ~~المسبوق إنما يتابع الإمام في السهو دون السلام، بل ينتظر الإمام حتى يسلم ~~فيسجد فيتابعه في سجود السهو لا في سلامه. # وإن سلم فإن كان عامدا تفسد صلاته، وإن كان ساهيا لا تفسد، ولا سهو عليه؛ ~~لأنه مقتد، وسهو المقتدي باطل، فإذا سجد الإمام للسهو يتابعه في السجود ~~ويتابعه في التشهد، ولا يسلم إذا سلم الإمام؛ لأن هذا السلام للخروج عن ~~الصلاة وقد بقي عليه أركان الصلاة فإذا سلم مع الإمام فإن كان ذاكرا لما ~~عليه من القضاء فسدت صلاته؛ لأنه سلام عمد، وإن لم يكن ذاكرا له لا تفسد؛ ~~لأنه سلام سهو فلم يخرجه عن الصلاة. # وهل يلزمه سجود السهو لأجل سلامه؟ ينظر إن سلم قبل تسليم الإمام أو سلما ~~معا لا يلزمه؛ لأن سهوه سهو المقتدي، وسهو المقتدي متعطل، وإن سلم بعد ~~تسليم الإمام لزمه؛ لأن سهوه سهو المنفرد فيقضي ما فاته ثم يسجد للسهو في ~~آخر صلاته. # ولو سها الإمام في صلاة الخوف سجد للسهو وتابعه فيهما الطائفة الثانية. # وأما الطائفة الأولى فإنما يسجدون بعد الفراغ من الإتمام؛ لأن الطائفة ~~الثانية بمنزلة المسبوقين، إذ لم يدركوا مع الإمام أول الصلاة، والطائفة ~~الأولى بمنزلة اللاحقين لإدراكهم أول صلاة الإمام. # ولو قام المسبوق إلى قضاء ما سبق به ولم يتابع الإمام في السهو - سجد في ~~آخر صلاته استحسانا، والقياس أن يسقط؛ لأنه منفرد فيما يقضى، وصلاة المنفرد ~~غير صلاة المقتدي فصار كمن لزمته السجدة في صلاة فلم يسجد حتى خرج منها ~~ودخل في صلاة أخرى، لا يسجد في الثانية بل يسقط كذا هذا. # وجه الاستحسان: أن التحريمة متحدة، فإن المسبوق يبني ما يقضى على تلك ~~التحريمة، فجعل الكل كأنها صلاة واحدة لاتحاد التحريمة، وإذا كان الكل صلاة ~~واحدة وقد تمكن فيها النقصان بسهو الإمام، ولم يجبر ذلك بالسجدتين فوجب ~~جبره، وقد ms0398 خرج الجواب عن وجه القياس أنه منفرد في القضاء؛ لأنا نقول: نعم ~~في الأفعال، أما هو مقتد في التحريمة، ألا ترى أنه لا يصح اقتداء غيره؟ ~~فجعل كأنه خلف الإمام في حق التحريمة. # ولو سها فيما يقضي ولم يسجد لسهو الإمام كفاه سجدتان لسهوه ولما عليه من ~~قبل الإمام؛ لأن تكرار السهو في صلاة واحدة غير مشروع ولو سجد لسهو الإمام ~~ثم سها فيما يقضي فعليه السهو لما مر أن ذلك إذا سهوان في صلاتين حكما، فلم ~~يكن تكرارا. # ولو أدرك الإمام بعد ما سلم للسهو فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه: أما إن ~~أدركه قبل السجود، أو في حال السجود، أو بعد ما فرغ من السجود فإن أدركه ~~قبل السجود أو في حال السجود يتابعه في السجود؛ لأنه بالاقتداء التزم ~~متابعة الإمام فيما أدرك من صلاته، وسجود السهو من أفعال صلاة الإمام ~~فيتابعه فيه، وليس عليه قضاء السجدة الأولى إذا أدركه في الثانية؛ لأن ~~المسبوق لم يوجد منه السهو. # وإنما يجب عليه السجود لسهو الإمام لتمكن النقص في تحريمة الإمام، وحين ~~دخل في صلاة الإمام كان النقصان بقدر ما يرتفع بسجدة واحدة، وهو قد أتى ~~بسجدة واحدة فانجبر النقص فلا يجب عليه شيء آخر، بخلاف ما إذا اقتدى به قبل ~~أن يسجد شيئا، ثم لم يتابع إمامه وقام وأتم صلاته حيث يسجد السجدتين ~~استحسانا؛ لأن # PageV01P176 # هناك اقتدى بالإمام وتحريمته ناقصة نقصانا لا ينجبر إلا بسجدتين، وبقي ~~النقصان لانعدام الجابر فيأتي به في آخر الصلاة لاتحاد التحريمة على ما مر. # وإن أدركه بعد ما فرغ من السجود صح اقتداؤه به، وليس عليه السهو بعد ~~فراغه من صلاة نفسه لما ذكرنا أن وجوب السجود على المسبوق بسبب سهو الإمام ~~لتمكن النقص في تحريمة الإمام، وحين دخل في صلاة الإمام كان النقص انجبر ~~بالسجدتين، ولا يعقل وجود الجابر من غير نقص والله أعلم. # ومن سلم وعليه سهو فسبقه الحدث فهذا لا يخلو: إما إن كان منفردا أو إماما ~~فإن كان منفردا توضأ ms0399 وسجد؛ لأن الحدث السابق لا يقطع التحريمة ولا يمنع ~~بناء بعض الصلاة على البعض؛ فلأن لا يمنع بناء سجدتي السهو أولى وإن كان ~~إماما استخلف؛ لأنه عجز عن سجدتي السهو، فيقدم الخليفة ليسجد كما لو بقي ~~عليه ركن أو التسليم، ثم لا ينبغي أن يقدم المسبوق ولا للمسبوق أن يتقدم؛ ~~لأن غيره أقدر على إتمام صلاة الإمام، بل يقدم رجلا أدرك أول صلاة الإمام ~~فيسلم بهم ويسجد سجدتي السهو، ولكن مع هذا لو قدمه أو تقدم جاز؛ لأنه قادر ~~على إتمام الصلاة في الجملة، ولا يأتي بسجدتي السهو؛ لأن أوان السجود بعد ~~التسليم وهو عاجز عن التسليم؛ لأن عليه البناء، فلو سلم لفسدت صلاته؛ لأنه ~~سلام عمد وعليه ركن، وحينئذ يتعذر عليه البناء فيتأخر ويقيم مدركا ليسلم ~~بهم. # ويسجد سجدتي السهو، ويسجد هو معهم كما لو كان الإمام هو الذي يسجد لسهوه، ~~ثم يقوم إلى قضاء ما سبق به وحده، وإن لم يسجد مع خليفته سجد في آخر صلاته ~~استحسانا على ما ذكرنا في حق الإمام الأول، فإن لم يجد الإمام المسبوق ~~مدركا، وكان الكل مسبوقين، قاموا وقضوا ما سبقوا به فرادى؛ لأن تحريمة ~~المسبوق انعقدت للأداء على الانفراد، ثم إذا فرغوا لا يسجدون في القياس، ~~وفي الاستحسان يسجدون، وقد بينا وجه القياس والاستحسان. # ولو قام المسبوق إلى قضاء ما سبق به بعد ما سلم الإمام، ثم تذكر الإمام ~~أن عليه سجود السهو فسجدهما - يعود إلى صلاة الإمام ولا يقتدي ولا يعتد بما ~~قرأ وركع. # (والجملة) في المسبوق إذا قام إلى قضاء ما عليه فقضاه أنه لا يخلو ما قام ~~إليه وقضاه: إما أن يكون قبل أن يقعد الإمام قدر التشهد، أو بعدما قعد قدر ~~التشهد فإن كان ما قام إليه وقضاه قبل أن يقعد الإمام قدر التشهد لم يجزه؛ ~~لأن الإمام ما بقي عليه فرض لم ينفرد المسبوق به عنه؛ لأنه التزم متابعته ~~فيما بقي عليه من الصلاة، وهو قد بقي عليه فرض وهو القعدة، فلم ينفرد فبقي ~~مقتديا، ms0400 وقراءة المقتدي خلف الإمام لا تعتبر قراءة من صلاته وإنما تعتبر من ~~قيامه، وقراءته ما كان بعد ذلك، فإن كان مسبوقا بركعة أو ركعتين فوجد بعد ~~ما قعد الإمام قدر التشهد قيام وقراءة قدر ما تجوز به الصلاة - جازت صلاته؛ ~~لأنه لما قعد الإمام قدر التشهد فقد انفرد لانقطاع التبعية بانقضاء أركان ~~صلاة الإمام، فقد أتى بما فرض عليه من القيام والقراءة في أوانه فكان معتدا ~~به، وإن لم يوجد مقدار ذلك أو وجد القيام دون القراءة - لا تجوز صلاته ~~لانعدام ما فرض عليه في أوانه. # وإن كان مسبوقا بثلاث ركعات فإن لم يركع حتى فرغ الإمام من التشهد، ثم ~~ركع وقرأ في الركعتين بعد هذه الركعة - جازت صلاته؛ لأن القيام فرض في كل ~~ركعة، وفرض القراءة في الركعتين، ولا يعتد بقيامه ما لم يفرغ الإمام من ~~التشهد، فإذا فرغ الإمام من التشهد قبل أن يركع هو فقد وجد القيام وإن قل ~~في هذه الركعة، ووجدت القراءة في الركعتين بعد هذه الركعة، فقد أتى بما فرض ~~عليه - فتجوز صلاته. # وإن كان ركع قبل فراغ الإمام من التشهد أنجز صلاته؛ لأنه لم يوجد قيام ~~معتد به في هذه الركعة؛ لأن ذلك هو القيام بعد تشهد الإمام، ولم يوجد فلهذا ~~فسدت صلاته. # وأما إذا قام المسبوق إلى قضاء ما عليه بعد فراغ الإمام من التشهد قبل ~~السلام فقضاه - أجزأه وهو مسيء أما الجواز فلأن قيامه حصل بعد فراغ الإمام ~~من أركان الصلاة. # وأما الإساءة فلتركه انتظار سلام الإمام؛ لأن أوان قيامه للقضاء بعد خروج ~~الإمام من الصلاة، فينبغي أن يؤخر القيام عن السلام. # ولو قام بعدما سلم ثم تذكر الإمام سجدتي السهو فخر لهما فهذا على وجهين: ~~أما إن كان المسبوق قيد ركعته بالسجدة أو لم يقيد فإن لم يقيد ركعته ~~بالسجدة رفض ذلك ويسجد مع الإمام؛ لأن ما أتى به ليس بفعل كامل، وكان ~~محتملا للرفض، ويكون تركه قبل التمام منعا له عن الثبوت حقيقة، فجعل كأن لم ~~يوجد، فيعود ويتابع ms0401 إمامه؛ لأن متابعة الإمام في الواجبات واجبة، وبطل ما ~~أتى به من القيام والقراءة والركوع لما بينا فإن لم يعد إلى متابعة الإمام ~~ومضى على قضائه جازت صلاته؛ لأن عود # PageV01P177 # الإمام إلى سجود السهو لا يرفع التشهد، والباقي على الإمام سجود السهو ~~وهو واجب، والمتابعة في الواجب واجبة، فترك الواجب لا يوجب فساد الصلاة، ~~ألا ترى لو تركه الإمام لا تفسد صلاته؟ فكذا المسبوق، ويسجد سجدتي السهو ~~بعد الفراغ من قضائه استحسانا. # وإن كان المسبوق قيد ركعته بالسجدة لا يعود إلى متابعة الإمام؛ لأن ~~الانفراد قد تم وليس على الإمام ركن ولو عاد فسدت صلاته؛ لأنه اقتدى بغيره ~~بعد وجود الانفراد ووجوبه فتفسد صلاته. # ولو ذكر الإمام سجدة تلاوة فسجدها فإن كان المسبوق لم يقيد ركعته بالسجدة ~~فعليه أن يعود إلى متابعة الإمام - لما مر - فيسجد معه للتلاوة ويسجد للسهو ~~ثم يسلم الإمام ويقوم المسبوق إلى قضاء ما عليه، ولا يعتد بما أتى به من ~~قبل لما مر، ولو لم يعد فسدت صلاته؛ لأن عود الإمام إلى سجدة التلاوة يرفض ~~القعدة في حق الإمام، وهو بعد لم يصر منفردا؛ لأن ما أتى به دون فعل صلاة ~~فترتفض القعدة في حقه أيضا، فإذا ارتفضت في حقه لا يجوز له الانفراد؛ لأن ~~هذا أوان وجوب المتابعة، والانفراد في هذه الحالة مفسد للصلاة. # وإن كان قد قيد ركعته بالسجدة فإن عاد إلى متابعة الإمام فسدت صلاته، ~~رواية واحدة، وإن لم يعد ومضى عليها ففيه روايتان: ذكر في الأصل أن صلاته ~~فاسدة، وذكر في نوادر أبي سليمان أنه لا تفسد صلاته، (وجه) رواية الأصل أن ~~العود إلى سجدة التلاوة يرفض القعدة فتبين أن المسبوق انفرد قبل أن يقعد ~~الإمام، والانفراد في موضع يجب فيه الاقتداء مفسد للصلاة. # (وجه) نوادر أبي سليمان أن ارتفاض القعدة في حق الإمام لا يظهر في حق ~~المسبوق؛ لأن ذلك بالعود إلى التلاوة، والعود حصل بعدما تم انفراده عن ~~الإمام، وخرج عن متابعته فلا يتعدى حكمه إليه، ألا ترى أن ms0402 جميع الصلاة لو ~~ارتفضت بعد انقطاع المتابعة لا يظهر في حق المؤتم، بأن ارتد الإمام بعد ~~الفراغ من الصلاة - والعياذ بالله - بطلت صلاته ولا تبطل صلاة القوم، ففي ~~حق القعدة أولى، ولذا لو صلى الظهر بقوم يوم الجمعة ثم راح إلى الجمعة ~~فأدركها - ارتفض ظهره، ولم يظهر الرفض في حق القوم، بخلاف ما إذا لم يقيد ~~ركعته بالسجدة؛ لأن هناك الانفراد لم يتم على ما قررنا (ونظير) هذه ~~المسألة: مقيم اقتدى بمسافر وقام إلى إتمام صلاته بعدما تشهد الإمام قبل أن ~~يسلم، ثم نوى الإمام الإقامة حتى تحول فرضه أربعا - فإن لم يقيد ركعته ~~بالسجدة فعليه أن يعود إلى متابعة الإمام، وإن لم يعد فسدت صلاته، وإن كان ~~قيد ركعته بالسجدة فإن عاد فسدت صلاته، وإن لم يعد ومضى عليها وأتم صلاته ~~لا تفسد. # ولو ذكر الإمام أن عليه سجدة صلبية فإن كان المسبوق لم يقيد ركعته ~~بالسجدة لا شك أنه يجب عليه العود ولو لم يعد فسدت صلاته لما مر في سجدة ~~التلاوة، وإن قيد ركعته بالسجدة فصلاته فاسدة عاد إلى المتابعة أو لم يعد ~~في الروايات كلها؛ لأنه انتقل عن صلاة الإمام، وعلى الإمام ركنان: السجدة، ~~والقعدة، وهو عاجز عن متابعته بعد إكمال الركعة، ولو انتقل وعليه ركن واحد ~~وعجز عن متابعته تفسد صلاته فههنا أولى. # (رجل) صلى الظهر خمسا ثم تذكر فهذا لا يخلو أما إن قعد في الرابعة قدر ~~التشهد أو لم يقعد، وكل وجه على وجهين: إما أن قيد الخامسة بالسجدة أو لم ~~يقيد فإن قعد في الرابعة قدر التشهد وقام إلى الخامسة فإن لم يقيدها ~~بالسجدة حتى تذكر - يعود إلى القعدة ويتمها ويسلم لما مر. # وإن قيدها بالسجدة لا يعود عندنا خلافا للشافعي على ما مر ثم عندنا إذا ~~كان ذلك في الظهر أو في العشاء فالأولى أن يضيف إليها ركعة أخرى ليصيرا له ~~نفلا، إذ التنفل بعدهما جائز، وما دون الركعتين لا يكون صلاة تامة، كما قال ~~ابن مسعود: والله ما أجزأت ركعة ms0403 قط. # وإن كان في العصر لا يضيف إليها ركعة أخرى بل يقطع؛ لأن التنفل بعد العصر ~~غير مشروع، وروى هشام عن محمد أنه يضيف إليها أخرى أيضا؛ لأن التنفل بعد ~~العصر إنما يكره إذا شرع فيه قصدا، فأما إذا وقع فيه بغير قصده فلا يكره، ~~وإن لم يضف إليها ركعة أخرى في الظهر بل قطعها لا قضاء عليه عندنا، وعند ~~زفر يقضي ركعتين. # وهي مسألة الشروع في الصلاة المظنونة والصوم المظنون؛ لأن الشروع ههنا في ~~الخامسة على ظن أنها عليه، وإن أضاف إليها أخرى في الظهر هل تجزئ هاتان ~~الركعتان عن السنة التي بعد الظهر؟ قال بعضهم: يجزيان؛ لأن السنة بعد الظهر ~~ليست إلا ركعتين يؤديان نفلا وقد وجد، والصحيح أنهما لا يجزيان عنها؛ لأن ~~السنة أن يتنفل بركعتين بتحريمة على حدة لا بناء على تحريمة غيرها، فلم ~~يوجد هيئة السنة فلا تنوب عنها، وبه كان يفتي الشيخ أبو عبد الله الجراجري ~~ثم إذا أضاف إليها ركعة # PageV01P178 # أخرى فعليه السهو استحسانا، والقياس أن لا سهو عليه؛ لأن السهو تمكن في ~~الفرض وقد أدى بعدها صلاة أخرى. # (وجه) الاستحسان أنه إنما بنى النفل على تلك التحريمة وقد تمكن فيها ~~النقص بالسهو فيجبر بالسجدتين على ما ذكرنا في المسبوق. # (ثم) اختلف أصحابنا أن هاتين السجدتين للنقص المتمكن في الفرض أو للنقص ~~المتمكن في النفل، فعند أبي يوسف للنقص المتمكن في النفل لدخوله فيه لا على ~~وجه السنة، وعند محمد للنقص الذي تمكن في الفرض فالحاصل أن عند أبي يوسف ~~انقطعت تحريمة الفرض بالانتقال إلى النفل، فلا وجه إلى جبر نقصان الفرض بعد ~~الخروج منه وانقطاع تحريمته، وعند محمد التحريمة باقية؛ لأنها اشتملت على ~~أصل الصلاة ووصفها، وبالانتقال إلى النفل انقطع الوصف لا غير فبقيت ~~التحريمة، ألا ترى أن بناء النفل على تحريمة الفرض جائز في حق الاقتداء حتى ~~جاز اقتداء المتنفل بالمفترض؟ فكذا بناء فعل نفسه على تحريمة فرضه يكون ~~جائزا، والأصل في البناء هو البناء في إحرام واحد. # وفائدة هذا الخلاف ms0404 أنه لو جاء إنسان واقتدى به في هاتين الركعتين يصلي ~~ركعتين عند أبي يوسف ولو أفسده يلزمه قضاء ركعتين، وإن كان الإمام لو أفسده ~~لا قضاء عليه عند أصحابنا الثلاثة، ومن هذا صحح مشايخ بلخ اقتداء البالغين ~~بالصبيان في التطوعات فقالوا: يجوز أن تكون الصلاة مضمونة في حق المقتدي ~~وإن لم تكن مضمونة في حق الإمام، استدلالا بهذه المسألة، ومشايخنا بما وراء ~~النهر لم يجوزوا ذلك، وعند محمد يصلي ستا ولو أفسدها لا يجب عليه القضاء ~~كما لا يجب على الإمام، وذكر الشيخ أبو منصور الماتريدي أن الأصح أن تجعل ~~السجدتان جبرا للنقص المتمكن في الإحرام، وهو إحرام واحد، فينجبر بهما ~~النقص المتمكن في الفرض والنفل جميعا، وإليه ذهب الشيخ أبو بكر بن أبي ~~سعيد، هذا الذي ذكرنا إذا قعد في الرابعة قدر التشهد فأما إذا لم يقعد وقام ~~إلى الخامسة فإن لم يقيدها بالسجدة يعود لما مر، وإن قيد فسد فرضه، وعند ~~الشافعي لا يفسد، ويعود إلى القعدة ويخرج عن الفرض بلفظ السلام بعد ذلك، ~~وصلاته تامة بناء على أصله الذي ذكرنا أن الركعة الكاملة في احتمال النقص ~~وما دونها سواء، فكان كما لو تذكر قبل أن يقيد الخامسة بسجدة وروي أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر خمسا ولم ينقل أنه كان قعد في الرابعة ~~ولا أنه أعاد صلاته. # (ولنا) ما ذكرنا أنه وجد فعل كامل من أفعال الصلاة، وقد انعقد نفلا فصار ~~خارجا من الفرض ضرورة حصوله في النفل لاستحالة كونه فيهما، وقد بقي عليه ~~فرض وهو القعدة الأخيرة، والخروج عن الصلاة مع بقاء فرض من فرائضها يوجب ~~فساد الصلاة. # وأما الحديث فتأويله أنه كان قعد في الرابعة، ألا ترى أن الراوي قال: صلى ~~الظهر والظهر اسم لجميع أركانها، ومنها القعدة وهذا هو الظاهر أنه قام إلى ~~الخامسة على تقدير أن هذه القعدة الأولى؛ لأن هذا أقرب إلى الصواب فيحمل ~~فعله عليه. والله أعلم # ثم الفساد عند أبي يوسف بوضع رأسه بالسجدة، وعند محمد برفع رأسه ms0405 عنها، ~~حتى لو سبقه الحدث في هذه الحالة لا تفسد صلاته عند محمد، وعليه أن ينصرف، ~~ويتوضأ، ويعود، ويتشهد، ويسلم، ويسجد سجدتي السهو؛ لأن السجدة لا تصح مع ~~الحدث فكأنه لم يسجد، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف فسدت صلاته بنفس الوضع فلا ~~يعود، ثم الذي يفسد عند أبي حنيفة وأبي يوسف الفرضية لا أصل الصلاة، حتى ~~كان الأولى أن يضيف إليها ركعة أخرى فتصير الست له نفلا، ثم يسلم ثم يستقبل ~~الظهر. # وعند محمد يفسد أصل الصلاة بناء على أن أصل الفرضية متى بطلت بطلت ~~التحريمة عنده، وعندهما لا تبطل، وهذا الخلاف غير منصوص عليه وإنما استخرج ~~من مسألة ذكرها في الأصل في باب الجمعة، وهو أن مصلي الجمعة إذا خرج وقتها ~~وهو وقت الظهر قبل إتمام الجمعة ثم قهقه - تنتقض طهارته عندهما، وعنده لا ~~تنتقض، وهذا يدل على أنه بقي نفلا عندهما خلافا له، وكذا ترك القعدة في كل ~~شفع من التطوع عنده مفسد، وعندهما غير مفسد، وهذه مسألة عظيمة لها شعب ~~كثيرة أعرضنا عن ذكر تفاصيلها وجملها ومعاني الفصول وعللها حالة إلى الجامع ~~الصغير، وإنما أفردنا هذه المسألة بالذكر وإن كان بعض فروعها دخل في بعض ما ~~ذكرنا من الأقسام، لما أن لها فروعا أخر لا تناسب مسائل الفصل، وكرهنا قطع ~~الفرع عن الأصل، فرأينا الصواب في إيرادها بفروعها في آخر الفصل تتميما ~~للفائدة والله الموفق. ### | [فصل سجدة التلاوة] # (فصل) : # وأما سجدة التلاوة فالكلام فيها يقع في مواضع: في بيان وجوبها، وفي بيان ~~كيفية الوجوب، وفي بيان سبب # PageV01P179 # الوجوب، وفي بيان من تجب عليه ومن لا تجب ويتضمن بيان شرائط الوجوب، وفي ~~بيان شرائط جوازها، وفي بيان محل أدائها، وفي بيان كيفية أدائها، وفي بيان ~~سببها، وفي بيان مواضعها من القرآن. # أما الأول فقد قال أصحابنا: إنها واجبة، وقال الشافعي: إنها مستحبة وليست ~~بواجبة واحتج بحديث الأعرابي حين علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الشرائع، فقال: هل علي غيرهن؟ قال: لا إلا أن تطوع فلو كانت سجدة ms0406 التلاوة ~~واجبة لما احتمل ترك البيان بعد السؤال، وعن عمر - رضي الله عنه - أنه تلا ~~آية السجدة على المنبر وسجد ثم تلاها في الجمعة الثانية فتشوف الناس للسجود ~~فقال: أما إنها لم تكتب علينا إلا أن نشاء. # (ولنا) ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «إذا تلا ابن آدم آية السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول: ~~أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار» ، ~~والأصل أن الحكيم متى حكى عن غير الحكيم أمرا ولم يعقبه بالنكير يدل ذلك ~~على أنه صواب فكان في الحديث دليل على كون ابن آدم مأمورا بالسجود ومطلق ~~الأمر للوجوب ولأن الله تعالى ذم أقواما بترك السجود فقال: {وإذا قرئ عليهم ~~القرآن لا يسجدون} [الانشقاق: 21] وإنما يستحق الذم بترك الواجب ولأن مواضع ~~السجود في القرآن منقسمة منها ما هو أمر بالسجود وإلزام للوجوب كما في آخر ~~سورة القلم، ومنها ما هو إخبار عن استكبار الكفرة عن السجود فيجب علينا ~~مخالفتهم بتحصيله، ومنها ما هو إخبار عن خشوع المطيعين فيجب علينا متابعتهم ~~لقوله تعالى {فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] وعن عثمان، وعلي، وعبد الله بن ~~مسعود، وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: ~~السجدة على من تلاها، وعلى من سمعها، وعلى من جلس لها على اختلاف ألفاظهم ~~وعلى كلمة إيجاب. # وأما حديث الأعرابي ففيه بيان الواجب ابتداء لا ما يجب بسبب يوجد من ~~العبد ألا ترى أنه لم يذكر المنذور وهو واجب وأما قول عمر - رضي الله عنه - ~~فنقول بموجبه: إنها لم تكتب علينا بل أوجبت، وفرق بين الفرض والواجب على ما ~~عرف في موضعه. ### | [فصل بيان كيفية وجوب سجدة التلاوة] # (فصل) : # وأما بيان كيفية وجوبها فأما خارج الصلاة فإنها تجب على سبيل التراخي دون ~~الفور عند عامة أهل الأصول؛ لأن دلائل الوجوب مطلقة عن تعيين الوقت فتجب في ~~جزء من الوقت غير عين ويتعين ذلك بتعيينه فعلا، وإنما يتضيق ms0407 عليه الوجوب في ~~آخر عمره كما في سائر الواجبات الموسعة. # (وأما) في الصلاة فإنها تجب على سبيل التضييق لقيام دليل التضييق وهو ~~أنها وجبت بما هو من أفعال الصلاة وهو القراءة فالتحقت بأفعال الصلاة وصارت ~~جزءا من أجزائها ولهذا يجب أداؤها في الصلاة ولا يوجب حصولها في الصلاة ~~نقصانا فيها، وتحصيل ما ليس من الصلاة في الصلاة إن لم يوجب فسادها يوجب ~~نقصانا، وإذا التحقت بأفعال الصلاة وجب أداؤها مضيقا كسائر أفعال الصلاة ~~بخلاف خارج الصلاة؛ لأن هناك لا دليل على التضييق ولهذا قلنا إذا تلا آية ~~السجدة فلم يسجد ولم يركع حتى طالت القراءة ثم ركع ونوى السجود لم يجزه. # وكذا إذا نواها في السجدة الصلبية؛ لأنها صارت دينا والدين يقضى بما له ~~لا بما عليه والركوع والسجود عليه فلا يتأدى به الدين على ما نذكر ولهذا ~~قلنا: إنه لا يجوز التيمم للتلاوة في المصر؛ لأن عدم الماء في المصر لا ~~يتحقق عادة والجواز بالتيمم مع وجود الماء لن يكون إلا لخوف الفوت أصلا كما ~~في صلاة الجنازة والعيد ولا خوف ههنا لانعدام وقت معين لها خارج الصلاة فلم ~~يتحقق التيمم طهارة والطهارة شرط لأدائها بالإجماع. ### | [فصل في سبب وجوب السجدة] # (فصل) : # وأما سبب وجوب السجدة فسبب وجوبها أحد شيئين: التلاوة، أو السماع كل واحد ~~منهما على حاله موجب فيجب على التالي الأصم والسامع الذي لم يتل. # أما التلاوة فلا يشكل وكذا السماع لما بينا أن الله تعالى ألحق اللائمة ~~بالكفار لتركهم السجود إذا قرئ عليهم القرآن بقوله تعالى {فما لهم لا ~~يؤمنون} [الانشقاق: 20] {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} [الانشقاق: 21] ~~، وقال تعالى {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا} [السجدة: ~~15] الآية، من غير فصل في الآيتين بين التالي والسامع، وروينا عن كبار ~~الصحابة - رضي الله عنهم - السجدة على من سمعها ولأن حجة الله تعالى تلزمه ~~بالسماع كما تلزمه بالتلاوة فيجب أن يخضع لحجة الله تعالى بالسماع كما يخضع ~~بالقراءة. # ويستوي الجواب في حق التالي # PageV01P180 # بين ما ms0408 إذا تلا السجدة بالعربية أو بالفارسية في قول أبي حنيفة - رحمه ~~الله تعالى - حتى قال أبو حنيفة: يلزمه السجود في الحالين. # وأما في حق السامع فإن سمعها ممن يقرأ بالعربية فقالوا: يلزمه بالإجماع ~~فهم أو لم يفهم؛ لأن السبب قد وجد فيثبت حكمه ولا يقف على العلم اعتبارا ~~بسائر الأسباب، وإن سمعها ممن يقرأ بالفارسية فكذلك عند أبي حنيفة بناء على ~~أصله أن القراءة بالفارسية جائزة، وقال أبو يوسف في الأمالي: إن كان السامع ~~يعلم أنه يقرأ القرآن فعليه السجدة وإلا فلا وهذا ليس بسديد؛ لأنه إن جعل ~~الفارسية قرآنا ينبغي أن يجب سواء فهم أو لم يفهم كما لو سمعها ممن يقرأ ~~بالعربية، وإن لم يجعله قرآنا ينبغي أن لا يجب وإن فهم. # اجتمع سببا الوجوب وهما: التلاوة، والسماع بأن تلا السجدة ثم سمعها، أو ~~سمعها ثم تلاها أو تكرر أحدهما فنقول: الأصل أن السجدة لا يتكرر وجوبها إلا ~~بأحد أمور ثلاثة: إما اختلاف المجلس، أو التلاوة، أو السماع حتى أن من تلا ~~آية واحدة مرارا في مجلس واحد تكفيه سجدة واحدة، والأصل فيه ما روي أن ~~جبريل - عليه السلام - كان ينزل بالوحي فيقرأ آية السجدة على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسمع ويتلقن ~~ثم يقرأ على أصحابه وكان لا يسجد إلا مرة واحدة وروي عن أبي عبد الرحمن ~~السلمي معلم الحسن والحسين - رضي الله عنهم - أنه كان يعلم الآية مرارا ~~وكان لا يزيد على سجدة واحدة والظاهر أن عليا - رضي الله عنه - كان عالما ~~بذلك ولم ينكر عليه. # وروي عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أنه كان يكرر آية السجدة حين ~~كان يعلم الصبيان وكان لا يسجد إلا مرة واحدة ولأن المجلس الواحد جامع ~~للكلمات المتفرقة كما في الإيجاب والقبول ولأن في إيجاب السجدة في كل مرة ~~إيقاع في الحرج لكون المعلمين مبتلين بتكرار الآية لتعليم الصبيان والحرج ~~منفي بنص الكتاب ولأن السجدة متعلقة بالتلاوة والمرة الأولى هي الحاصلة ms0409 ~~للتلاوة فأما التكرار فلم يكن لحق التلاوة بل للتحفظ أو للتدبر والتأمل في ~~ذلك، وكل ذلك من عمل القلب ولا تعلق لوجوب السجدة به فجعل الإجراء على ~~اللسان الذي هو من ضرورة ما هو فعل القلب أو وسيلة إليه من أفعاله فالتحق ~~بما هو فعل القلب وذلك ليس بسبب، كذا علل الشيخ أبو منصور. # (وأما) الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن ذكره أو سمع ذكره في ~~مجلس واحد مرارا فلم يذكر في الكتب وذهب المتقدمون من أصحابنا إلى أنه ~~يكفيه مرة واحدة قياسا على السجدة وقال بعض المتأخرين يصلى عليه في كل مرة ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تجفوني بعد موتي فقيل له: وكيف نجفوك يا ~~رسول الله؟ فقال: أن أذكر في موضع فلا يصلى علي» وبه تبين أنه حق رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وحقوق العباد لا تتداخل، وعلى هذا اختلفوا في تشميت ~~العاطس إن من عطس وحمد الله تعالى في مجلس واحد مرارا فقال بعضهم: ينبغي ~~للسامع أن يشمت في كل مرة؛ لأنه حق العاطس والأصح أنه إذا زاد على الثلاث ~~لا يشمته لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال للعاطس في مجلسه بعد ~~الثلاث: قم فانتثر فإنك مزكوم. # (ثم) لا فرق ههنا بين ما إذا تلا مرارا ثم سجد وبين ما إذا تلا وسجد ثم ~~تلا بعد ذلك مرارا في مجلس واحد حتى لا يلزمه سجدة أخرى فرق بين هذا وبين ~~ما إذا زنى مرارا أنه لا يحد إلا مرة واحدة ولو زنى مرة ثم حد ثم زنى مرة ~~أخرى يحد ثانيا وكذا ثالثا ورابعا، والفرق أن هناك تكرر السبب لمساواة كل ~~فعل الأول في المأثم، والقبح وفساد الفراش، وكل معنى صار به الأول سببا إلا ~~أنه لما أقيم عليه الحد جعل ذلك حكما لكل سبب فجعل بكماله حكما لهذا وحكما ~~لذاك وجعل كأن كل سبب ليس معه غيره في حق نفسه لحصول ما شرع له الحد وهو ~~الزجر عن المعاودة ms0410 في المستقبل، فإذا وجد الزنا بعد ذلك انعقد سببا كالذي ~~تقدم فلا بد من وجود حكمه بخلاف ما نحن فيه؛ لأن ههنا السبب هو التلاوة ~~والمرة الأولى هي الحاصلة بحق التلاوة على ما مر فلم يتكرر السبب وهذا ~~المعنى لا يتبدل بتخلل السجدة بينهما وعدم التخلل لحصول الثانية بحق التأمل ~~والتحفظ في الحالين. # وكذا السامع لتلك التلاوات المتكررة لا يلزمه إلا بالمرة الأولى؛ لأن ما ~~وراءها في حقه جعل غير سبب بل تبعا للتأمل والحفظ؛ لأنه في حقه يفيد ~~المعنيين جميعا أعني الإعانة على الحفظ والتدبر بخلاف ما إذا سمع إنسان آخر ~~المرة الثانية أو الثالثة أو الرابعة وذلك في حقه أول ما سمع حيث تلزمه ~~السجدة؛ لأن ذلك في حقه سماع التلاوة؛ لأن كل مرة تلاوة حقيقة إلا أن ~~الحقيقة جعلت ساقطة # PageV01P181 # في حق من تكررت في حقه ففي حق من لم تتكرر بقيت على حقيقتها. # وبخلاف ما إذا قرأ آية واحدة في مجالس مختلفة؛ لأن هناك النصوص منعدمة ~~والجامع وهو المجلس غير ثابت والحرج منفي ومعنى التفكر والتدبر زائل؛ لأنها ~~في المجلس الآخر حصلت بحق التلاوة لينال ثوابها في ذلك المجلس، وبخلاف ما ~~إذا قرأ آيات متفرقة في مجلس واحد لزوال هذه المعاني أيضا. # أما النصوص فلا تشكل وكذا المعنى الجامع؛ لأن المجلس لا يجعل الكلمات ~~المختلفة الجنس بمنزلة كلمة واحدة كمن أقر لإنسان بألف درهم والآخر بمائة ~~دينار ولعبده بالعتق في مجلس واحد لا يجعل المجلس الكل إقرارا واحدا، وكذا ~~الحرج منتف، وكذا التلاوة الثانية لا تكون للتدبر في الأولى والله أعلم. # ولو تلاها في مكان وذهب عنه ثم انصرف إليه فأعادها فعليه أخرى؛ لأنها عند ~~اختلاف المجلس حصلت بحق التلاوة فتجدد السبب، وعن محمد أن هذا إذا بعد عن ~~ذلك المكان فإن كان قريبا منه لم يلزمه أخرى ويصير كأنه تلاها في مكانه؛ ~~لحديث أبي موسى الأشعري أنه كان يعلم الناس بالبصرة وكان يزحف إلى هذا تارة ~~وإلى هذا تارة أخرى فيعلمهم آية السجدة ولا يسجد ms0411 إلا مرة واحدة. # ولو تلاها في موضع ومعه رجل يسمعها ثم ذهب التالي عنه ثم انصرف إليه ~~فأعادها والسامع على مكانه سجد التالي لكل مرة لتجدد السبب في حقه وهو ~~التلاوة عند اختلاف المجلس. # وأما السامع فليس عليه إلا سجدة واحدة؛ لأن السبب في حقه سماع التلاوة ~~والثانية ما حصلت بحق التلاوة في حقه لاتحاد المجلس. # وكذلك إذا كان التالي على مكانه ذلك والسامع يذهب ويجيء ويسمع تلك الآية ~~سجد السامع لكل مرة سجدة وليس على التالي إلا سجدة واحدة لتجدد السبب في حق ~~السامع دون التالي على ما مر. # ولو تلاها في مسجد جماعة أو في المسجد الجامع في زاوية ثم تلاها في زاوية ~~أخرى لا يجب عليه إلا سجدة واحدة؛ لأن المسجد كله جعل بمنزلة مكان واحد في ~~حق الصلاة ففي حق السجدة أولى، وكذا حكم السماع، وكذلك البيت والمحمل ~~والسفينة في حكم التلاوة والسماع سواء كانت السفينة واقفة، أو جارية بخلاف ~~الدابة على ما نذكر. # ولو تلاها وهو يمشي لزمه لكل مرة سجدة لتبدل المكان، وكذلك لو كان يسبح ~~في نهر عظيم أو بحر لما ذكرنا فإن كان يسبح في حوض أو غدير له حد معلوم قيل ~~يكفيه سجدة واحدة ولو تلاها على غصن ثم انتقل إلى غصن آخر اختلف المشايخ ~~فيه وكذا التلاوة عند الكرس، وقالوا في تسدية الثوب إنه يتكرر الوجوب. # ولو قرأ آية السجدة مرارا وهو يسير على الدابة إن كان خارج الصلاة سجد ~~لكل مرة سجدة على حدة بخلاف ما إذا قرأها في السفينة وهي تجري حيث تكفيه ~~واحدة. # (والفرق) أن قوائم الدابة جعلت كرجليه حكما لنفوذ تصرفه عليها في السير ~~والوقوف فكان تبدل مكانها كتبدل مكانه فحصلت القراءة في مجالس مختلفة ~~فتعلقت بكل تلاوة سجدة بخلاف السفينة فإنها لم تجعل بمنزلة رجلي الراكب ~~لخروجها عن قبول تصرفه في السير والوقوف ولهذا أضيف سيرها إليها دون راكبها ~~قال الله تعالى {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} [يونس: 22] وقال {وهي ~~تجري بهم في ms0412 موج كالجبال} [هود: 42] فلم يجعل تبدل مكانها تبدل مكانه بل ~~مكانه ما استقر هو فيه من السفينة من حيث الحقيقة والحكم وذلك لم يتبدل ~~فكانت التلاوة متكررة في مكان واحد فلم يجب لها إلا سجدة واحدة كما في ~~البيت وعلى هذا حكم السماع بأن سمعها من غيره مرتين وهو يسير على الدابة ~~لتبدل مكان السامع، هذا إذا كان خارج الصلاة فأما إذا كان في الصلاة بأن ~~تلاها وهو يسير على الدابة ويصلي عليها إن كان ذلك في ركعة واحدة لا يلزمه ~~إلا سجدة واحدة بالإجماع؛ لأن الشرع حيث جوز صلاته عليها مع حكمه ببطلان ~~الصلاة في الأماكن المختلفة دل على أنه أسقط اعتبار اختلاف الأمكنة أو جعل ~~مكانه في هذه الحالة ظهر الدابة لا ما هو مكان قوائمها وهذا أولى من إسقاط ~~اعتبار الأماكن المختلفة؛ لأنه ليس بتغيير للحقيقة أو هو أقل تغييرا لها ~~وذلك تغيير للحقيقة من جميع الوجوه والظهر متحد فلا يلزمه إلا سجدة واحدة ~~وصار راكب الدابة في هذه الحالة كراكب السفينة يحققه أن الشرع جوز صلاته ~~ولو جعل مكانه أمكنة قوائم الدابة لصار هو ماشيا بمشيها، والصلاة ماشيا لا ~~تجوز. # (وأما) إذا كرر التلاوة في ركعتين فالقياس أن يكفيه سجدة واحدة وهو قول ~~أبي يوسف الأخير، وفي الاستحسان يلزمه لكل تلاوة سجدة وهو قول أبي يوسف ~~الأول وهو قول محمد وهذه من المسائل الثلاث التي رجع فيها أبو يوسف # PageV01P182 # عن الاستحسان إلى القياس إحداها هذه المسألة، والثانية أن الرهن بمهر ~~المثل لا يكون رهنا بالمتعة قياسا وهو قول أبي يوسف الأخير، وفي الاستحسان ~~يكون رهنا وهو قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد، والثانية أن العبد إذا جنى ~~جناية فيما دون النفس فاختار المولى الفداء ثم مات المجني عليه القياس أن ~~يخير المولى ثانيا وهو قول أبي يوسف الأخير وفي الاستحسان لا يخير وهو قول ~~أبي يوسف الأول وهو قول محمد لا يخير وعلى هذا الخلاف إذا صلى على الأرض ~~وقرأ آية السجدة في ركعتين ولا ms0413 خلاف فيما إذا قرأها في ركعة واحدة. # وجه الاستحسان وهو قول محمد أن المكان ههنا وإن اتحد حقيقة وحكما لكن مع ~~هذا لا يمكن أن يجعل الثانية تكرارا؛ لأن لكل ركعة قراءة مستحقة فلو جعلنا ~~الثانية تكرارا للأولى والتحقت القراءة بالركعة الأولى لخلت الثانية عن ~~القراءة ولفسدت وحيث لم تفسد دل أنها لم تجعل مكررة بخلاف ما إذا كرر ~~التلاوة في ركعة واحدة؛ لأن هناك أمكن جعل التلاوة المتكررة متحدة حكما. # وجه القياس أن المكان متحد حقيقة وحكما فيوجب كون الثانية تكرارا للأولى ~~كما في سائر المواضع، وما ذكره محمد لا يستقيم؛ لأن القراءة لها حكمان جواز ~~الصلاة، ووجوب سجدة التلاوة ونحن إنما نجعل القراءة الثانية ملتحقة بالأولى ~~في حق وجوب السجدة لا في غيره من الأحكام. # ولو افتتح الصلاة على الدابة بالإيماء فقرأ آية السجدة في الركعة الأولى ~~فسجد بالإيماء ثم أعادها في الركعة الثانية فعلى قول أبي يوسف الأخير لا ~~يشكل أنه لا يلزمه أخرى. # واختلف المشايخ على قوله الأول وهو قول محمد قال بعضهم: يلزمه أخرى، وقال ~~بعضهم: يكفيه سجدة واحدة ثم تبدل المجلس قد يكون حقيقة وقد يكون حكما بأن ~~تلا آية السجدة ثم أكل أو نام مضطجعا، أو أرضعت صبيا، أو أخذ في بيع أو ~~شراء أو نكاح أو عمل يعرف أنه قطع لما كان قبل ذلك ثم أعادها فعليه سجدة ~~أخرى؛ لأن المجلس يتبدل بهذه الأعمال. # ألا ترى أن القوم يجلسون لدرس العلم فيكون مجلسهم مجلس الدرس، ثم يشتغلون ~~بالنكاح فيصير مجلسهم مجلس النكاح، ثم بالبيع فيصير مجلسهم مجلس البيع، ثم ~~بالأكل فيصير مجلسهم مجلس الأكل، ثم بالقتال فيصير مجلسهم مجلس القتال فصار ~~تبدل المجلس بهذه الأعمال كتبدله بالذهاب والرجوع لما مر. # ولو نام قاعدا أو أكل لقمة أو شرب شربة أو تكلم بكلمة أو عمل عملا يسيرا ~~ثم أعادها فليس عليه أخرى؛ لأن بهذا القدر لا يتبدل المجلس والقياس فيهما ~~سواء أنه لا يلزمه أخرى لاتحاد المكان حقيقة إلا أنا استحسنا إذا طال ms0414 العمل ~~اعتبارا بالمخيرة إذا عملت عملا كثيرا خرج الأمر عن يدها وكان قطعا للمجلس ~~بخلاف ما إذا أكل لقمة أو شرب شربة. # ولو قرأ آية السجدة فأطال القراءة بعدها أو أطال الجلوس ثم أعادها ليس ~~عليه سجدة أخرى؛ لأن مجلسه لم يتبدل بقراءة القرآن وطول الجلوس، وكذا لو ~~اشتغل بالتسبيح أو بالتهليل ثم أعادها لا يلزمه أخرى وإن قرأها وهو جالس ثم ~~قام فقرأها وهو قائم إلا أنه في مكانه ذلك يكفيه سجدة واحدة؛ لأن المجلس لم ~~يتبدل حقيقة وحكما. # أما الحقيقة فلأنه لم يبرح مكانه. # وأما الحكم فلأن الموجود قيام وهو عمل قليل كأكل لقمة، أو شرب شربة ~~وبمثله لا يتبدل المجلس، وهذا بخلاف ما إذا خير امرأته فقامت من مجلسها حيث ~~خرج الأمر من يدها كما لو انتقلت إلى مجلس آخر؛ لأن خروج الأمر من يدها ~~موجب الاعتراض عن قبول التمليك إذ التخيير تمليك على ما يعرف في كتاب ~~الطلاق ومن ملك شيئا فأعرض عنه يبطل ذلك التمليك وهذا لأن القيام دليل ~~الإعراض؛ لأن اختيارها نفسها أو زوجها أمر تحتاج فيه إلى الرأي والتدبير ~~لتنظر أي ذلك أعود لها وأنفع، والقعود أجمع للذهن وأشد إحضارا للرأي ~~فالقيام من هذه الحالة إلى ما يوجب تفرق الذهن وفوات الرأي دليل الإعراض ~~أما ههنا فالحكم يختلف باتحاد المجلس وتعدده لا بالإعراض وعدمه والمجلس لم ~~يتبدل فلم يعد متعددا متفرقا. # وكذلك لو قرأها وهو قائم فقعد ثم أعادها يكفيه سجدة واحدة لما قلنا. # ولو قرأها في مكان ثم قام وركب الدابة على مكانه ثم أعادها قبل أن يسير ~~فعليه سجدة واحدة على الأرض، ولو سارت الدابة ثم تلا بعدها فعليه سجدتان، ~~وكذلك إذا قرأها راكبا ثم نزل قبل السير فأعادها يكفيه سجدة واحدة استحسانا ~~وفي القياس فعليه سجدتان لتبدل مكانه بالنزول أو الركوب. # وجه الاستحسان أن النزول أو الركوب عمل قليل فلا يوجب تبدل المجلس وإن ~~كان سار ثم نزل فعليه سجدتان؛ لأن سير الدابة بمنزلة مشيه فيتبدل به المجلس ~~وكذلك لو ms0415 قرأها ثم قام في مكانه ذلك وركب ثم نزل # PageV01P183 # قبل السير فأعادها لا تجب عليه إلا سجدة واحدة لما قلنا. # ولو قرأها راكبا ثم نزل ثم ركب فأعادها وهو على مكانه فعليه سجدة واحدة ~~لما بينا والأصل أن النزول والركوب ليسا بمكانين # ولو قرأ آية السجدة خارج الصلاة ولم يسجد لها ثم افتتح الصلاة وتلاها في ~~عين ذلك المكان صارت إحدى السجدتين تابعة للأخرى فتستتبع التي وجدت في ~~الصلاة التي وجدت قبلها ويسقط اعتبار تلك التلاوة وتجعل كأنه لم يتل إلا في ~~الصلاة حتى أنه لو سجد للمتلوة في الصلاة خرج عن عهدة الوجوب وإذا لم يسجد ~~لم يبق عليه شيء إلا المأثم وهذا على رواية الجامع الكبير، وكتاب الصلاة من ~~الأصل ونوادر الصلاة التي رواها الشيخ أبو حفص الكبير # ولنا على رواية الصلاة التي رواها أبو سليمان لا تستتبع إحداهما الأخرى ~~بل كل واحدة منهما تستقل بنفسها ولا يسقط اعتبار تلك التلاوة الأولى وبقيت ~~السجدة واجبة عليه سواء سجد للمتلوة في الصلاة أو لم يسجد. # وأما إذا تلاها وسجد لها ثم افتتح الصلاة وأعادها في ذلك المكان يسجد ~~للمتلوة في الصلاة باتفاق الروايتين، أما على رواية النوادر فلعدم ~~الاستتباع وثبوت الاستقلال، وأما على رواية الجامع والمبسوط فلكون الموجودة ~~خارج الصلاة تابعة للموجودة في الصلاة والتابع لا يستتبع المتبوع فلا تصير ~~السجدة لتلك التلاوة مانعة من لزوم السجدة بهذه التلاوة. # وجه رواية نوادر أبي سليمان أن الآية تليت في مجلسين مختلفين حكما؛ لأن ~~الأولى وجدت في مجلس التلاوة والثانية في مجلس الصلاة والمجلس يتبدل بتبدل ~~الأفعال فيه لما ذكرنا أنه قد يكون مجلس عقد ثم يصير مجلس مذاكرة ثم يصير ~~مجلس أكل واعتبر هذا التبدل في حق الإيجاب والقبول في باب العقود وكل ما ~~يتعلق باتحاد المجلس فكذا هذا؛ لأن التعدد الحكمي ملحق بالتعدد الحقيقي في ~~المواضع أجمع فيتعلق بكل تلاوة وحكم ولا تستتبع إحداهما الأخرى ولأن ~~الثانية تفوت لالتحاقها بأجزاء الصلاة لتعلقها بما هو ركن من الصلاة فلم ~~يمكن ms0416 أن تجعل تابعة للأولى فالأولى أيضا تفوت بالسبق فلا تصير تابعة لما ~~بعدها إذ الشيء لا يتبع ما بعده ولا يستتبع ما قبله. # وجه رواية الجامع والمبسوط أن المجلس متحد حقيقة وحكما أما الحقيقة ~~فظاهرة، وأما الحكم فلأنه وإن صار مجلس صلاة ولكن في الصلاة تلاوة مفروضة ~~فكان مجلس الصلاة مجلس التلاوة ضرورة فلم يوجد التبدل لا حقيقة ولا حكما ~~فلا بد من إثبات صفة الاتحاد من حيث الحكم للتلاوتين المتعددتين حقيقة ~~لوجود الموجب لصفة الاتحاد وهو المجلس المتحد، وكذا المتعدد من أسباب ~~السجدة قابل للاتحاد حكما كالسماع والتلاوة فإن كل واحد منهما على الانفراد ~~سبب، ثم من قرأ وسمع من نفسه لا يلزمه إلا سجدة واحدة فالتحق السببان بسبب ~~واحد فدل أن المتعدد من أسباب السجدة قابل للاتحاد حكما فصار متحدا حكما ~~وزمان وجود الواحد واحد فجعل كأن التلاوتين وجدتا في زمان واحد ولا وجه أن ~~يجعل كأنهما وجدتا خارج الصلاة ولأن الموجودة في الصلاتين متقررة في محلها ~~بدليل جواز الصلاة ولو جعل كأنهما وجدتا خارج الصلاة في حق وجوب السجدة دون ~~جواز الصلاة لبقي التعدد من وجه مع وجود دليل الاتحاد، ومهما أمكن العمل ~~بالدليلين من جميع الوجوه كان أولى من العمل بالدليل من وجه دون وجه ولا ~~يمكن أن تجعل الموجودة في الصلاة في حكم التفكر لتعلق جواز الصلاة بها وهو ~~من أحكام القراءة دون التفكر ولا مانع من أن تجعل الأولى كأنها وجدت في ~~الصلاة فصار كما لو تليتا في الصلاة في ركعة واحدة ولو كان كذلك لا يتعلق ~~بذلك إلا سجدة واحدة وهي من جملة الصلاة كذا هذا. # وعلى هذا إذا سمع من غيره آية السجدة ثم شرع في الصلاة في ذلك المكان ~~وتلا تلك الآية بعينها في الصلاة فهذا والذي تلا بنفسه ثم شرع في الصلاة ~~مكانه ثم أعادها سواء وقد مر الكلام فيه. # ولو قرأها في الصلاة أولا ثم سلم فأعادها قبل أن يبرح مكانه ذكر في كتاب ~~الصلاة أنه يلزمه أخرى، وذكر ms0417 في النوادر أنه لا يلزمه. # وجه رواية النوادر أن الموجودة في الصلاة تفوت بالسبق، وحرمة الصلاة ~~جميعا فيستتبع الأدنى درجة المتأخرة وقتا وبهذه المسألة تبين أن التعليل ~~لرواية النوادر في المسألة الأولى باختلاف المجلس حكما ليس بصحيح. # وجه رواية كتاب الصلاة أن المتلوة في الصلاة لا وجود لها بعد الصلاة لا ~~حقيقة ولا حكما أما الحقيقة فلا يشكل وكذا الحكم فإن بعد انقطاع التحريمة ~~لا بقاء لما هو من أجزاء الصلاة أصلا والموجود هو الذي يستتبع دون المعدوم ~~بخلاف ما إذا كانت الأولى متلوة خارج الصلاة فإن # PageV01P184 # تلك باقية بعد التلاوة من حيث الحكم لبقاء حكمها وهو وجوب السجدة فإذا ~~تلاها في الصلاة وجدت والأولى موجودة فاستتبع الأقوى الأضعف الأوهى. # وذكر الإمام السرخسي أنه إنما اختلف الجواب لاختلاف الموضع فوضع المسألة ~~في النوادر فيما إذا أعادها بعد ما سلم قبل أن يتكلم وبالسلام لم ينقطع فور ~~الصلاة فكأنه أعادها في الصلاة ووضعها في كتاب الصلاة فيما إذا أعادها بعد ~~ما سلم وتكلم وبالكلام ينقطع فور الصلاة ألا ترى أنه لو تذكر سجدة تلاوة ~~بعد السلام يأتي بها وبعد الكلام لا يأتي بها؟ فيكون هذا في معنى تبدل ~~المجلس وإن لم يسجدها في الصلاة حتى سجدها الآن قال في الأصل: أجزأه عنهما، ~~وهو محمول على ما إذا أعادها بعد السلام قبل الكلام؛ لأنه لم يخرج عن حرمة ~~الصلاة فكأنه كررها في الصلاة وسجد، أما لا يستقيم هذا الجواب فيما إذا ~~أعادها بعد الكلام؛ لأن الصلاتية قد سقطت عنه بالكلام. # تلاها في صلاته ثم سمعها من أجنبي أجزأته سجدة واحدة وروى ابن سماعة عن ~~محمد أنه لا تجزيه؛ لأن السماعية ليست بصلاتية والتي أداها صلاتية فلا تنوب ~~عما ليست بصلاتية. # وجه ظاهر الرواية أن التلاوة الأولى من أفعال صلاته والثانية لا فحصلت ~~الثانية تكرارا للأولى من حيث الأصل والأولى باقية فجعل وصف الأولى للثانية ~~فصارت من الصلاة فيكتفي بسجدة واحدة، وقالوا على رواية النوادر أيضا: تكون ~~تكرارا؛ لأن الثانية ليست بمستحقة بنفسها ms0418 في محلها فتلتحق بالأولى بخلاف ~~تلك المسألة؛ لأن الثانية ركن من أركان الصلاة فكانت مستحقة بنفسها في ~~محلها فلا يمكن أن تجعل ملحقة بالأولى. # ولو سمعها أولا من أجنبي وهو في الصلاة ثم تلاها بنفسه ففيه روايتان على ~~ما نذكر. # ولو تلاها في الصلاة ثم سجد ثم أحدث فذهب وتوضأ ثم عاد إلى مكانه وبنى ~~على صلاته ثم قرأ ذلك الأجنبي تلك الآية فعلى هذا للمصلي أن يسجدها إذا فرغ ~~من صلاته؛ لأنه تحول عن مكانه فسمع الثانية بعدما تبدل المجلس وفرق بين هذا ~~وبين إذا قرأ آية سجدة ثم سبقه الحدث فذهب وتوضأ ثم جاء وقرأ مرة أخرى لا ~~يلزمه سجدة أخرى وإن قرأ الثانية بعدما تبدل المكان، والفرق أن في هذه ~~المسألة الأولى المكان قد تبدل حقيقة وحكما أما الحقيقة فلا يشكل. # وأما الحكم فلأن التحريمة لا تجعل الأماكن المتفرقة كمكان واحد في حق ما ~~ليس من أفعال الصلاة، وسماع السجدة ليس من أفعال الصلاة فلم يتحد المكان ~~حقيقة وحكما فيلزمه بكل مرة سجدة على حدة بخلاف تلك المسألة فإن هناك ~~القراءة من أفعال الصلاة والتحريمة تجعل الأماكن المتفرقة مكانا واحدا ~~حكما؛ لأن الصلاة الواحدة لا تجوز في الأمكنة المختلفة فجعلت الأمكنة كمكان ~~واحد في حق أفعال الصلاة لضرورة الجواز والقراءة من أفعال الصلاة فصار ~~المكان في حقها متحدا، فأما السماع فليس من أفعال الصلاة فتبقى الأمكنة في ~~حقه متفرقة لعدم ضرورة توجب الاتحاد، والحقائق لا يسقط اعتبارها حكما إلا ~~لضرورة. # ولو سمعها رجل من إمام ثم دخل في صلاته فإن كان الإمام لم يسجدها سجدها ~~مع الإمام وإن كان سجدها الإمام سقطت عنه حتى لا يجب عليه قضاؤها خارج ~~الصلاة؛ لأنه لما اقتدى بالإمام صارت قراءة الإمام قراءة له وجعل من حيث ~~التقدير كأن الإمام قرأها ثانيا فصارت تلك السجدة من أفعال الصلاة ولو قرأ ~~ثانيا لا يجب عليه مرة أخرى؛ لأن الأولى صارت من أفعال الصلاة فكذا ههنا ~~وإذا صارت من أفعال صلاته لا تؤدى خارج ms0419 الصلاة لما مر. # وذكر في زيادات الزيادات أنه يسجد لما سمع قبل الاقتداء بعد ما فرغ من ~~صلاته، وذكر في نوادر الصلاة لأبي سليمان أنه لو تلا ما سمع خارج الصلاة في ~~صلاة نفسه في غير ذلك المكان وسجد لها لا يسقط عنه ما لزمه خارج الصلاة ~~وهذا موافق لما ذكره في زيادات الزيادات فصار في المسألة روايتان. # وجه تلك الرواية أن الثانية ليست بتكرار للأولى لأن التكرار إعادة الشيء ~~بصفته وههنا الأولى لم تكن واجبة ولا فعلا من أفعال الصلاة والثانية واجبة ~~وهي فعل من أفعال الصلاة فاختلف الوصف فلم تكن إعادة بخلاف ما إذا كانتا في ~~الصلاة أو كانتا جميعا خارج الصلاة حيث كان تكرارا لاتحاد الوصف ألا ترى أن ~~من باع بألف ثم باع بمائة دينار ما كان تكرارا بل كان فسخا للأول ولو باع ~~في الثانية بألف كان تكرارا وإذا لم يكن تكرارا جعل كأنه قرأ آيتين ~~مختلفتين في مكان أو آية في مكانين فيتعلق بكل واحدة منهما حكم على حدة دل ~~عليه أنه لو كان # PageV01P185 # قرأ الأولى وسجد، ثم شرع في الصلاة في غير ذلك المكان وأعادها يلزمه أخرى ~~في الروايات أجمع لما بينا أنه ليس بإعادة ولو كان إعادة لما لزمه أخرى. # وجه ظاهر الرواية أن الثانية إعادة للأولى من حيث الأصل؛ لأنها عين تلك ~~الآية وليست بإعادة من حيث الوصف؛ لأن وصف كونها ركنا من أركان الصلاة لم ~~يكن في الأولى ووجد في الثانية والأولى باقية حكما لبقاء حكمها وهو وجوب ~~السجدة فإذا كانت باقية، والثانية من حيث الأصل تكرار للأولى فجعلت من حيث ~~الأصل كأنها عين الأولى فبقيت الصفة الثانية للتلاوة والثانية للأولى ~~لصيرورة الثانية عين الأولى فتصير صفتها صفة تلك فصارت هي أيضا موصوفة ~~بكونها صلاتية فلا تؤدى خارج الصلاة لما مر بخلاف ما إذا كان سجد للأولى؛ ~~لأنها لم تبق حكما بل انقضت بنفسها وحكمها فلم يجعل وصف الثانية وصفا ~~للأولى فبقيت الثانية إعادة من حيث الأصل ابتداء من حيث ms0420 الوصف فتجب سجدة ~~أخرى من حيث الوصف ولا تجب من حيث الأصل فلم يعتبر جانب الأصل وإن كان هو ~~المتبوع لما أن الاحتياط في باب العبادات اعتبار جانب الوجوب فيرجح جانب ~~الوصف فوجبت سجدة أخرى على أن اعتبار جانب الوصف موجب واعتبار جانب الأصل ~~ليس بمانع لكنه ليس بموجب فلم يقع التعارض والله أعلم. # ولو قرأ الإمام سجدة في ركعة وسجدها ثم أحدث في الركعة الثانية فقدم رجلا ~~جاء ساعتئذ فقرأ تلك السجدة فعليه أن يسجدها لوجود سبب الوجوب في حقه وهو ~~ابتداء التلاوة ولم يوجد منه أداء قبل هذا وعلى القوم أن يسجدوها معه؛ ~~لأنهم التزموا متابعته. ### | [فصل بيان من تجب عليه سجدة التلاوة] # (فصل) : # وأما بيان من تجب عليه فكل من كان أهلا لوجوب الصلاة عليه إما أداء أو ~~قضاء فهو من أهل وجوب السجدة عليه ومن لا فلا؛ لأن السجدة جزء من أجزاء ~~الصلاة فيشترط لوجوبها أهلية وجوب الصلاة من الإسلام، والعقل، والبلوغ، ~~والطهارة من الحيض والنفاس حتى لا تجب على الكافر والصبي والمجنون والحائض ~~والنفساء قرءوا أو سمعوا؛ لأن هؤلاء ليسوا من أهل وجوب الصلاة عليهم وتجب ~~على المحدث والجنب؛ لأنهما من أهل وجوب الصلاة عليهما، وكذا تجب على السامع ~~بتلاوة هؤلاء إلا المجنون؛ لأن التلاوة منهم صحيحة كتلاوة المؤمن والبالغ ~~وغير الحائض والمتطهر؛ لأن تعلق السجدة بقليل القراءة وهو ما دون آية فلم ~~يتعلق به النهي فينظر إلى أهلية التالي وأهليته بالتمييز وقد وجد فوجد سماع ~~تلاوة صحيحة فتجب السجدة بخلاف السماع من الببغاء والصدى فإن ذلك ليس ~~بتلاوة وكذا إذا سمع من المجنون؛ لأن ذلك ليس بتلاوة صحيحة لعدم أهليته ~~لانعدام التمييز. ### | [فصل شرائط جواز السجدة] # (فصل) : # وأما شرائط الجواز فكل ما هو شرط جواز الصلاة من طهارة الحدث وهي الوضوء ~~والغسل، وطهارة النجس وهي طهارة البدن والثوب، ومكان السجود والقيام ~~والقعود فهو. # شرط جواز السجدة؛ لأنها جزء من أجزاء الصلاة فكانت معتبرة بسجدات الصلاة ~~ولهذا لا يجوز أداؤها بالتيمم إلا أن لا يجد ms0421 ثمة ماء أو يكون مريضا؛ لأن ~~شرط صيرورة التيمم طهارة حال وجود الماء خشية الفوت ولم يوجد؛ لأن وجوبها ~~على التراخي على ما بينا فيما تقدم وكذا لا يجوز أداؤها إلا إلى القبلة حال ~~الاختيار إذا تلاها على الأرض ولا يجزيه الإيماء كما في سجدات الصلاة فإن ~~اشتبهت عليه القبلة فتحرى وسجد إلى جهة فأخطأ القبلة أجزأه؛ لأن الصلاة ~~بالتحري إلى غير جهة القبلة جائزة فالسجدة أولى. # ولو تلاها على الراحلة وهو مسافر أو تلاها على الأرض وهو مريض لا يستطيع ~~السجود أجزأه الإيماء والقياس أن لا يجزئه الإيماء على الراحلة وهو قول ~~بشر؛ لأنها واجبة فلا يجوز أداؤها على الراحلة من غير عذر كالنذر فإن ~~الراكب إذا نذر أن يصلي ركعتين لم يجز أن يؤديهما على الدابة من غير عذر ~~كذا هذا. # (ولنا) أن التلاوة أمر دائم بمنزلة التطوع فكان في اشتراط النزول حرج ~~بخلاف الفرض والنذر، وما وجب من السجدة في الأرض لا يجوز على الدابة وما ~~وجب على الدابة يجوز على الأرض؛ لأن ما وجب على الأرض وجب تاما فلا يسقط ~~بالإيماء الذي هو بعض السجود فأما ما وجب على الدابة وجب بالإيماء لما روي ~~عن علي - رضي الله عنه - أنه تلا سجدة وهو راكب فأومأ بها إيماء. # وروي عن ابن عمر أنه سئل عمن سمع سجدة وهو راكب قال فليوم # PageV01P186 # إيماء، وإذا وجب الإيماء فإذا نزل وأداها على الأرض فقد أداها تامة فكانت ~~أولى بالجواز كما في الصلاة على ما مر. # ولو تلاها على الدابة فنزل ثم ركب فأداها بالإيماء جاز إلا على قول زفر ~~هو يقول: لما نزل وجب أداؤها على الأرض فصار كما لو تلاها على الأرض. # (ولنا) أنه لو أداها قبل نزوله بالإيماء جاز فكذلك بعد ما نزل وركب؛ لأنه ~~يؤديها بالإيماء في الوجهين جميعا وقد وجبت بهذه الصفة وصار كما لو افتتح ~~الصلاة في وقت مكروه فأفسدها ثم قضاها في وقت آخر مكروه وأجزأه؛ لأنه أداها ~~على الوصف الذي وجبت، كذا هذا ms0422 وكذا يشترط لها ستر العورة لما قلنا ويشترط ~~النية؛ لأنها عبادة فلا تصح بدون النية وكذا الوقت حتى لو تلاها أو سمعها ~~في وقت غير مكروه فأداها في وقت مكروه لا تجزئه؛ لأنها وجبت كاملة فلا ~~تتأدى بالناقص كالصلاة. # ولو تلاها في وقت مكروه وسجدها فيه أجزأه؛ لأنه أداها كما وجبت وإن لم ~~يسجدها في ذلك الوقت وسجدها في وقت آخر مكروه جاز أيضا؛ لأنه أداها كما ~~وجبت؛ لأنها وجبت ناقصة وأداها ناقصة كما في الصلاة إلا أنه لا يشترط لها ~~التحريمة عندنا؛ لأنها لتوحيد الأفعال المختلفة ولم توجد وكذلك كل ما يفسد ~~الصلاة عندنا من الحدث والعمل والكلام والقهقهة فهو مفسد لها وعليه إعادتها ~~كما لو وجدت في سجدة الصلاة. # وقيل هذا على قول محمد؛ لأن العبرة عنده لتمام الركن وهو الرفع ولم يحصل ~~بعد فأما عند أبي يوسف فقد حصل الوضع قبل هذه العوارض والعبرة عنده للوضع ~~فينبغي أن لا تفسدها إلا أنه لا وضوء عليه في القهقهة فيها لما ذكرنا في ~~كتاب الطهارة، وكذا محاذاة المرأة الرجل فيها لا تفسد عليه السجدة وإن نوى ~~إمامتها؛ لانعدام الشركة إذ هي مبنية على التحريمة ولا تحريمة لهذه السجدة ~~ولأن المحاذاة إنما عرفناها مفسدة بأمر الشرع بتأخيرها والأمر ورد في صلاة ~~مطلقة وهذه ليست بصلاة مطلقة فلم تكن المحاذاة فيها مفسدة كما في صلاة ~~الجنازة. ### | [فصل في بيان محل أداء سجدة التلاوة] # (فصل) : # وأما بيان محل أدائها فما تلا خارج الصلاة لا يؤديها في الصلاة وكذا ما ~~تلا في الصلاة لا يؤديها خارج الصلاة وإنما كان كذلك؛ لأن ما وجب خارج ~~الصلاة فليس بفعل من أفعال الصلاة؛ لأنه ما وجب حكما لفعل من أفعال الصلاة ~~لخروج التلاوة خارج الصلاة عن أفعال الصلاة فإذا أداها في الصلاة فقد أدخل ~~في الصلاة ما ليس منها فهي وإن لم تفسد لعدم المضادة تنتقص لإدخاله فيها ما ~~ليس منها؛ لأن الزائد الداخل فيها لا بد أن يقطع نظمها ويمنع وصل فعل بفعل ~~وذا ترك ms0423 الواجب فصار المؤدى منهيا عنه وهو وجب خارج الصلاة على وجه الكمال ~~فلا يسقط بأدائه على وجه يكون منهيا عنه. # وأما ما تلا في الصلاة فقد صار فعلا من أفعال الصلاة لكونه حكما لما هو ~~من أركان الصلاة وهو القراءة؛ ولهذا يجب أداؤه في الصلاة فلا يوجب نقصا ~~فيها وأداء ما هو من أفعال الصلاة لن يتصور بدون التحريمة فلا يجوز الأداء ~~خارج الصلاة، ولا في صلاة أخرى؛ لأنه ليس من أفعال هذه الصلاة لأنه ليس ~~بحكم لقراءة هذه الصلاة فلا يتصور أداؤه فسقط إذا عرف هذا الأصل فنقول: إذا ~~قرأ الرجل آية السجدة في الصلاة وهو إمام أو منفرد فلم يسجدها حتى سلم وخرج ~~من الصلاة سقطت عنه لما قلنا. # وكذلك لو سمعها في صلاته ممن ليس معه في الصلاة لم يسجدها في الصلاة لما ~~قلنا، وإن سجدها فيها كان مسيئا لما ذكرنا ولا تسقط عنه السجدة لكن لا تفسد ~~صلاته في ظاهر الرواية. # وروي عن محمد أنها تفسد؛ لأن هذه السجدة معتبرة في نفسها؛ لأنها وجبت ~~بسبب مقصود فكان إدخالها في الصلاة رفضا لها. # (ولنا) أن هذه زيادة من جنس ما هو مشروع في الصلاة وهو دون الركعة فلا ~~تفسد الصلاة كما لو سجد سجدة زائدة في الصلاة تطوعا. # وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا قرأ المقتدي آية السجدة خلف الإمام فسمعها ~~الإمام والقوم فنقول: أجمعوا على أنه لا يجب على المقتدي أن يسجدها في ~~الصلاة وكذا على الإمام والقوم؛ لأنه لو سجد بنفسه إذا خافت فقد انفرد عن ~~إمامه فصار مختلفا عليه. # ولو سجدوا؛ لسماع تلاوته إذا جهر به لانقلب التبع متبوعا؛ لأن التالي ~~يكون بمنزلة الإمام للسامعين، وفي حق بقية المقتدين تصير صلاتهم بإمامين من ~~غير أن يكون أحدهما قائما مقام الآخر وكل ذلك لا يجوز. # وأما بعد الفراغ فلا يسجدون أيضا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: ~~يسجدون ولو سمعوا ممن ليس في صلاتهم لا يسجدون في الصلاة ويسجدون بعد ~~الفراغ # PageV01P187 # بالإجماع ولو ms0424 سمع من المقتدي من ليس في صلاته يسجد كذا ذكر في نوادر ~~الصلاة عقيب قول محمد. # وجه قول محمد أن السبب قد تحقق وهو التلاوة الصحيحة في حق المؤتم وسماعها ~~في حق الإمام والقوم ولهذا يجب على من سمع منه وهو ليس في صلاتهم إلا أنه ~~لا يمكنهم الأداء في الصلاة؛ لأن تلاوته ليست من أعمال الصلاة؛ لأن قراءة ~~المقتدي غير محسوبة من الصلاة فيجب عليهم الأداء خارج الصلاة كما إذا سمعوا ~~ممن ليس في صلاتهم ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن الوجوب يعتمد القدرة على ~~الأداء وهم يعجزون عن أدائها؛ لأنه لا وجه إلى الأداء في الصلاة لما مر ولا ~~وجه إلى الأداء بعد الفراغ من الصلاة؛ لأن هذه السجدة من أفعال هذه الصلاة؛ ~~لأنها وجبت بسبب التلاوة. # وتلاوة المقتدي محسوبة من صلاته؛ لأن الصلاة مفتقرة إلى القراءة إلا أن ~~الإمام يتحمل عنه هذه القراءة، فإذا أدى بنفسه ما يتحمل عنه غيره وقع ~~موقعه، فكانت القراءة محسوبة من هذه الصلاة فصار ما هو في حكم هذه القراءة ~~من أفعال الصلاة فصارت السجدة من أفعال هذه الصلاة. # وإذا صارت في حق التالي من أفعال هذه الصلاة صارت في حق الكل من أفعال ~~هذه الصلاة؛ لأن مبنى الصلاة على أنها جعلت من أناس مختلفين عند اتحاد ~~التحريمة في حق القراءة كالموجودة من شخص واحد لحصول ثمرات القراءة بالسماع ~~ولهذا جعلت القراءة الموجودة من الإمام كالقراءة الموجودة من الكل بخلاف ~~غيرها من الأركان وقياس هذه النكتة يقتضي أن الإمام لو لم يقرأ كانت هذه ~~القراءة قراءة للكل في حق جواز الصلاة إلا أن ذلك لم يمكن لئلا ينقلب التبع ~~متبوعا والمتبوع تبعا فبقيت في حق كونها من الصلاة مشتركة في حق الكل فصارت ~~السجدة من أفعال الصلاة في حق الكل، وإذا صارت من أفعال الصلاة لا يتصور ~~أداؤها بلا تحريمة الصلاة فلا تؤدى بعد الصلاة، ومن سلك هذه الطريقة يقول ~~تجب على من سمع هذه التلاوة من المقتدي ممن لا يشاركه في الصلاة؛ ms0425 لأنها ~~ليست في حقه من أفعال الصلاة وبخلاف ما إذا سمع المصلي ممن ليس معه في ~~الصلاة حيث يسجد خارج الصلاة؛ لأن السجدة وجبت عليه وليست من أفعال الصلاة؛ ~~لأن تلك التلاوة ليست من أفعال الصلاة؛ لعدم الشركة بينه وبين التالي في ~~الصلاة، والوجوب عليه بسبب سماعه والسماع ليس من أفعال الصلاة وإذا لم يكن ~~من أفعال الصلاة أمكن أداؤها خارج الصلاة فيؤدى. # ومن أصحابنا من قال: إن هذه القراءة منهي عنها فلا يتعلق بها حكم يؤمر ~~به، بخلاف قراءة الصبي والكافر حيث يوجب السجدة على من سمعها؛ لأنهما ليسا ~~بمنهيين وبخلاف الجنب والحائض؛ لأنهما لم ينهيا عما يتعلق به وجوب السجدة؛ ~~لأن ذلك القدر دون الآية وهما ليسا بمنهيين عن تلاوة ما دون الآية، أما ~~المقتدي فهو منهي عن قراءة كلمة واحدة فكان منهيا عن قدر ما يتعلق به وجوب ~~السجدة فلم يجب، أو نقول إن المقتدي محجور عليه في حق القراءة بدليل نفاذ ~~تصرف الإمام عليه، وتصرف المحجور لا ينعقد في حق الحكم ومن سلك هاتين ~~الطريقتين يقول: لا تجب السجدة على السامع الذي لا يشاركهم في الصلاة أيضا ~~ولهذا اختلف المشايخ في هذه المسألة لاختلاف الطرق. ### | [فصل في كيفية أداء سجدة التلاوة] # (فصل) : # وأما كيفية أدائها فإن كان تلا خارج الصلاة يؤديها على نعت سجدات الصلاة ~~وإن كان تلا في الصلاة فالأفضل أن يؤديها على هيئة السجدات أيضا كذا روي عن ~~أبي حنيفة؛ لأنه إذا سجد، ثم قام، وقرأ، وركع حصلت له قربتان. # ولو ركع تحصل له قربة واحدة، ولأنه لو سجد لأدى الواجب بصورته ومعناه، ~~ولو ركع لأداه بمعناه لا بصورته ولا شك أن الأول أفضل ثم إذا سجد وقام يكره ~~له أن يركع كما رفع رأسه سواء كانت آية السجدة في وسط الصورة أو عند ختمها ~~أو بقي بعدها إلى الختم قدر آيتين أو ثلاث آيات؛ لأنه يصير بانيا للركوع ~~على السجود فينبغي أن يقرأ، ثم يركع فينظر إن كانت آية السجدة في وسط ~~السورة ms0426 فينبغي أن يختم السورة ثم يركع، وإن كانت عند ختم السورة فينبغي أن ~~يقرأ آيات من سورة أخرى ثم يركع وإن كان بقي منها إلى الختم قدر آيتين أو ~~ثلاث آيات كما في سورة " بني إسرائيل "، وسورة " إذا السماء انشقت " ينبغي ~~أن يقرأ بقية السورة، ثم يركع إن شاء، وإن شاء وصل إليها سورة أخرى فهو ~~أفضل؛ لأن الباقي من خاتمة السورة دون ثلاث آيات فكان الأولى أن يقرأ ثلاث ~~آيات كي لا يكون باقيا للركوع على السجود، فلو لم يفعل ذلك ولكنه ركع كما ~~رفع رأسه من السجدة # PageV01P188 # أجزأه؛ لحصول القراءة قبل السجدة. # ولو لم يأت بها على هيئة السجدة ولكنه ركع بها ذكر في الأصل أن القياس أن ~~الركوع والسجود سواء، وفي الاستحسان ينبغي أن يسجد قال: وبالقياس نأخذ، ~~وإنما أخذ أصحابنا بالقياس؛ لأن التفاوت ما بين القياس والاستحسان أن ما ~~ظهر من المعاني فهو قياس وما خفي منها فهو استحسان ولا يرجح الخفي لخفائه ~~ولا الظاهر لظهوره فيرجع في طلب الرجحان إلى ما اقترن بهما من المعاني، ~~فمتى قوي الخفي أخذوا به ومتى قوي الظاهر أخذوا به، وههنا قوي دليل القياس ~~على ما نذكر فأخذوا به ثم إن مشايخنا اختلفوا في محل القياس والاستحسان ~~لاختلافهم فيما يقوم مقام سجدة التلاوة فقال عامة مشايخنا: إن الركوع هو ~~القائم مقام سجدة التلاوة، ومحل القياس والاستحسان هذا أن القياس أن يقوم ~~الركوع مقامهما، وفي الاستحسان لا يقوم. # وقال بعضهم: محل القياس والاستحسان خارج الصلاة بأن تلاها في غير الصلاة ~~وركع في القياس يجزئه وفي الاستحسان لا يجزئه وهذا ليس بسديد بل لا يجزئه ~~ذلك قياسا واستحسانا؛ لأن الركوع خارج الصلاة لم يجعل قربة فلا ينوب مناب ~~القربة. # وذكر الشيخ صدر الدين أبو المعين وقال: رأيت في فتاوى أهل بلخ بخط الشيخ ~~أبي عبد الله الحديدي عن محمد بن سلمة أنه قال: السجدة الصلبية هي التي ~~تقوم مقام سجدة التلاوة لا الركوع، فكان القياس على قوله أن تقوم الصلبية ~~مقام التلاوة ms0427 وفي الاستحسان لا تقوم. # وجه قوله أن التحقيق لكون الجواز ثابتا بالقياس، وعدم الجواز في ~~الاستحسان لن يتصور إلا على هذا فإن القياس أن يجوز؛ لأن الواجب السجدة وقد ~~وجدت، وسقوط ما وجب من السجدة بالسجدة أمر ظاهر فكان قياسا. # وفي الاستحسان لا يجوز؛ لأن السجدة قائمة مقام نفسها فلا تقوم مقام غيرها ~~كصوم يوم من رمضان لا يقع عن نفسه وعن قضاء يوم آخر عليه فكذا هذا. # ولا شك أن دليل القياس أظهر ودليل الاستحسان أأخفى؛ لأن التسوية بين ~~الشيئين من نوع واحد وإقامة أحدهما مقام الآخر أمر ظاهر والتفرقة بينهما ~~لمعنى من المعاني أمر خفي؛ لأن التسوية باعتبار الذات والتفرقة باعتبار ~~المعاني، والعلم بذات ما يعاين أظهر من العلم بوصفه لحصول العلم بالذات ~~بالحس وبالمعنى بالعقل عقيب التأمل ولا شك أن ذلك أظهر، فثبت أن التسمية ~~لكون الجواز ثابتا بالقياس وعدم الجواز بالاستحسان ممكن من هذا الوجه فأما ~~لو كان الكلام في قيام الركوع مقام السجود فالقياس يأبى الجواز وفي ~~الاستحسان يجوز؛ لأن الركوع مع السجود مختلفان ذاتا فلو ثبت بينهما مساواة ~~لثبت من حيث المعنى فكان عدم جواز إقامة أحدهما مقام صاحبه من توابع الذات ~~والعلم به ظاهر، وجواز القيام من توابع المعنى والعلم به خفي فإذا كانت ~~قضية القياس أن لا يجوز وقضية الاستحسان أن يجوز وجواب الكتاب على القلب من ~~هذا فدل أن الصحيح ما ذكرنا. # وعامة مشايخنا يقولون: لا بل الركوع هو القائم مقام سجدة التلاوة، كذا ~~ذكر محمد في الكتاب فإنه قال في الكتاب قلت: فإن أراد أن يركع بالسجدة ~~بعينها هل يجزئه ذلك؟ قال: أما في القياس فالركعة في ذلك والسجدة سواء؛ لأن ~~كل ذلك صلاة ألا ترى إلى قوله تعالى {وخر راكعا} [ص: 24] وتفسيرها خر ~~ساجدا، فالركعة والسجدة سواء في القياس. # وأما في الاستحسان ينبغي له أن يسجد وبالقياس نأخذ وهذا كله لفظ محمد ~~فثبت أن محل القياس والاستحسان ما بينا وما قاله محمد بن سلمة خلاف الرواية ~~وذكر أبو يوسف ms0428 في الأمالي وإذا قرأ آية السجدة في الصلاة فإن شاء ركع لها ~~وإن شاء سجد لها يعني إن شاء أقام ركوع الصلاة مقامها وإن شاء سجد لها ذكر ~~هذا التفسير أبو يوسف في الإملاء عن أبي حنيفة. # وجه القياس على ما ذكره أن معنى التعظيم فيهما ظاهر فكانا في حق حصول ~~التعظيم بهما جنسا واحدا والحاجة إلى تعظيم الله تعالى إما اقتداء بمن عظم ~~الله تعالى وإما مخالفة لمن استكبر عن تعظيم الله تعالى فكان الظاهر هو ~~الجواز. # وجه الاستحسان أن الواجب هو التعظيم بجهة مخصوصة وهي السجود بدليل أنه لو ~~لم يركع على الفور حتى طالت القراءة ثم نوى بالركوع أن يقع عن السجدة لا ~~يجوز. # وكذا خارج الصلاة لو تلا آية السجدة وركع ولم يسجد لا يخرج عن الواجب كذا ~~ههنا ثم أخذوا بالقياس لقوة دليله؛ وذلك لما روي عن عبد الله بن مسعود - ~~رضي الله عنه - وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنهما # PageV01P189 # كانا أجازا أن يركع عن السجود في الصلاة ولم يرو عن غيرهما خلاف ذلك فكان ~~ذلك بمنزلة الإجماع. # والمعنى ما بينا أن الواجب هو التعظيم لله تعالى عند قراءة آية السجدة ~~وقد وجد التعظيم وهذا؛ لأن الخضوع لله والتعظيم له بالركوع ليسا بأدون من ~~الخضوع والتعظيم له بالسجود، ولا حاجة هنا إلى السجود لعينه بل الحاجة إلى ~~تعظيم الله تعالى مخالفة لمن استكبر عن تعظيمه أو اقتداء بمن خضع له وأذعن ~~لربوبيته واعترف على نفسه بالعبودية وقد حصلت هذه المعاني بالركوع حسب ~~حصولها بالسجود. # وهذا المعنى يقتضي أنه لو ركع خارج الصلاة مكان السجود أن يكون جائزا غير ~~أنه لم يجز لا لمكان أن الركوع أدون من السجود ولكن؛ لأن الركوع لم يجعل ~~عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى إذ انفرد عن تحريمة الصلاة، والسجود جعل ~~عبادة بدون تحريمة الصلاة ثبت ذلك شرعا غير معقول المعنى، فإذا لم توجد ~~تحريمة الصلاة لم يكن الركوع مما يتقرب به إلى الله تعالى فلا يتأدى به ms0429 ~~التعظيم والخضوع لله اللذان وجبا بالتلاوة، بخلاف السجدة وبخلاف ما إذا ركع ~~مكان السجدة الصلبية؛ لأن الواجب هناك عين السجدة مقصودة بنفسها فلا يقوم ~~غيرها من حيث الصورة مقامها، وبيان هذا أن الصلاة عبادة اشتملت على أفعال ~~مختلفة شكرا لما أنعم الله عليه من التقلب في الأحوال المختلفة بهذه ~~الأعضاء اللينة والمفاصل السليمة. # وبالركوع لا يحصل شكر حالة السجود فيتعلق ذلك بعين السجود لا بما يوازيه ~~في كونه تعظيما لله تعالى أما ههنا فبخلافه وبخلاف ما إذا لم يركع عقيب ~~التلاوة ولم يسجد حتى طالت القراءة ثم ركع ونوى الركوع عن السجدة حيث لم ~~يجز؛ لأنها تجب في الصلاة مضيقا؛ لأنها لوجوبها بما هو من أفعال الصلاة ~~التحقت بأفعال الصلاة ولهذا يجب أداؤها في الصلاة ولا يوجب حصولها فيها ~~نقصانا ما فيها، وتحصيل ما ليس من الصلاة فيها إن لم يوجب فسادها يوجب ~~نقصا، ولهذا لا تؤدى بعد الفراغ من الصلاة لو ترك أداءها في الصلاة؛ لأنها ~~صارت جزءا من أجزاء الصلاة لما بينا فلا يتصور أداؤها لا بتحريمة الصلاة ~~كسائر أفعال الصلاة ومبنى أفعال الصلاة أن يؤدى كل فعل منها في محله ~~المخصوص فكذا هذه وإذا لم تؤد في محلها حتى فات صار دينا، والدين يقضى بما ~~له لا بما عليه، والركوع والسجود عليه فلا يتأدى به الدين بخلاف ما إذا لم ~~يصر دينا بعد؛ لأن الحاجة هناك إلى التعظيم والخضوع وقد وجد فيكتفى بذلك ~~كداخل المسجد إذا اشتغل بالفرض ناب ذلك مناب تحية المسجد لحصول تعظيم ~~المسجد، والمعتكف في رمضان إذا صام عن رمضان وكان أوجب اعتكاف شهر رمضان ~~على نفسه كان ذلك كافيا عن صوم هو شرط الاعتكاف، وبمثله لو أوجب على نفسه ~~اعتكاف شعبان فلم يعتكف حتى دخل رمضان فاعتكف لا ينوب ذلك عما وجب عليه من ~~الصوم الذي هو شرط صحة الاعتكاف؛ لأن ذلك صار دينا عليه حقا لله تعالى بمضي ~~الوقت، والدين يؤدى بما هو له لمن هو عليه لا بما عليه فكذا هذا. ms0430 # وهذا بخلاف ما إذا نذر أن يصلي ركعتين يوم الجمعة فلم يصل حتى مضى يوم ~~الجمعة ثم أداها بوضوء حصل بقصد التبرد حيث يجوز، ولا يقال: أن الوضوء الذي ~~هو شرط صحة هذه العبادة وجب عليه بوجوب العبادة ثم بالفوات عن الوقت المعين ~~صار دينا عليه، والدين يؤدى بما له لا بما عليه أو فاتته فريضة عن وقتها ~~فأداها بوضوء حصل للتبرد أو للتعليم جاز؛ لأن هناك الوضوء شرط الأهلية وليس ~~هو مما يتقرب به إلى الله تعالى فلم يصر بفواته عن محله حقا لله تعالى بل ~~بقي في نفسه غير عبادة فيجب تحصيله لضرورة حصول الأهلية لأداء ما عليه وقد ~~حصل بأي طريق كان فأما السجدة والصوم فكل واحد منهما مما يتقرب به إلى الله ~~تعالى فإذا فاتا عن المحل ووجبا صارا حقين لله تعالى، فلا يجوز أداؤهما بما ~~عليه. # وهذا بخلاف ما إذا فاتت السجدة عن محلها في الصلاة وصارت بمحل القضاء ~~فركع ينوي به قضاء السجدة الفائتة أنه لم يجز وإن حصل الركوع في تحريمة ~~الصلاة وهو فيها مما يتقرب به إلى الله تعالى ويحصل بذلك التعظيم لله تعالى ~~والواجب عليه هذا القدر وذلك؛ لأن الركوع لم يعرف قربة في الشريعة في غير ~~محله المخصوص فما أمكننا جعله قربة فلم يحصل به التعظيم بخلاف السجدة فإنها ~~عرفت قربة في غير محلها الذي تكون فيه ولهذا ينجبر بها النقص المتمكن في ~~الصلاة بطريق السهو ولا ينجبر # PageV01P190 # بالركوع ثم إذا ركع قبل أن يطول القراءة هل تشترط النية لقيام الركوع ~~مقام سجدة التلاوة؟ فقياس ما ذكرنا من النكتة يوجب أن لا يحتاج إلى النية؛ ~~لأن الحاجة إلى تحصيل الخضوع والتعظيم في هذه الحالة وقد وجدا نوى أو لم ~~ينو كالمعتكف في رمضان إذا لم ينو بصيامه عن الاعتكاف والذي دخل المسجد إذا ~~اشتغل بالفرض غير ناو أن يقوم مقام تحية المسجد. # ومن مشايخنا من قال: يحتاج ههنا إلى النية، ويدعي أن محمدا أشار إليه ~~فإنه قال: إذا تذكر سجدة ms0431 تلاوة في الركوع يخر ساجدا فيسجد كما تذكر، ثم ~~يقوم فيعود إلى الركوع ولم يفصل بين أن يكون الركوع الذي تذكر فيه التلاوة ~~كان عقيب التلاوة بلا فصل أو تخلل بينهما فاصل ولو كان الركوع مما ينوب عن ~~السجدة من غير نية لكان لا يأمره بأن يسجد للتلاوة بل قام نفس الركوع مقام ~~التلاوة ولكنا نقول ليس في هذه المسألة كثير إشارة؛ لأن المسألة موضوعة ~~فيما إذا تخلل بين التلاوة والركوع ما يوجب صيرورة السجدة دينا؛ لأنه قال: ~~تذكر سجدة والتذكر إنما يكون بعد النسيان والنسيان لسجدة التلاوة عند عدم ~~تخلل شيء بين التلاوة والركوع ممتنع أو نادر غاية الندرة بحيث لا ينبني ~~عليه حكم ثم يحتاج هذا القائل إلى الفرق بين هذا وبين المعتكف في رمضان حيث ~~لا يحتاج إلى أن ينوي كون صومه شرطا للاعتكاف لحصول ما هو المقصود وكذا ~~الذي دخل المسجد وأدى الفرض كما دخل فاشتغل بالفرق بينهما فقال: الواجب ~~الأصلي ههنا هو السجود إلا أن الركوع أقيم مقامه من حيث المعنى وبينهما من ~~حيث الصورة فرق فلموافقة المعنى تتأدى السجدة بالركوع إذا نوى ولمخالفة ~~الصورة لا تتأدى إذا لم ينو بخلاف صوم الشهر، فإن بينه وبين صوم الاعتكاف ~~موافقة من جميع الوجوه، وكذا في الصلاة ولكن هذا غير سديد؛ لأن المخالفة من ~~حيث الصورة إن كان لها عبرة فلا يتأدى الواجب به وإن نوى فإن من نوى إقامة ~~غير ما وجب عليه مقام ما وجب لا يقوم إذا كان بينهما تفاوت، وإن لم يكن لها ~~عبرة فلا يحتاج إلى النية كما في الصوم والصلاة. # وعذر الصوم ليس بمستقيم؛ لأن بين الصومين مخالفة من حيث سبب الوجوب فكانا ~~جنسين مختلفين ولهذا قال هذا القائل: إنه لو لم ينو بالركوع أن يكون قائما ~~مقام سجدة التلاوة ولم يقم يحتاج في السجدة الصلبية إلى أن ينوي أيضا؛ لأن ~~بينهما مخالفة لاختلاف سببي وجوبهما فدل أنه ليس بمستقيم. # وذكر القاضي الإمام الإسبيجابي في شرحه مختصر الطحاوي أنه إذا أراد ms0432 أن ~~يركع يحتاج إلى النية، ولو لم يوجد منه النية عند الركوع لا يجزئه. # ولو نوى في الركوع اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يجوز، وقال بعضهم: لا ~~يجوز ولو نوى بعدما رفع رأسه من الركوع لا يجوز بالإجماع هذا الذي ذكرنا في ~~قيام الركوع مقام السجود فيما إذا لم تطل القراءة بين آية السجدة وبين ~~الركوع فأما إذا طال فقد فاتت السجدة وصارت دينا فلا يقوم الركوع مقامها، ~~وأكثر مشايخنا لم يقدروا في ذلك تقديرا فكان الظاهر أنهم فوضوا ذلك إلى رأي ~~المجتهد كما فعلوا في كثير من المواضع وبعض مشايخنا قالوا: إن قرأ آية أو ~~آيتين لم تطل القراءة، وإن قرأ ثلاث آيات طالت وصارت السجدة بمحل القضاء ثم ~~إنه ناقض فإنه قال: لو لم ينو بالركوع أن يقوم مقام التلاوة ونوى بالسجدة ~~الصلبية قام. # ولا شك أن مدة أداء الركوع ورفع الرأس من الركوع والانحطاط إلى السجود ~~يكون مثل مدة قراءة ثلاث آيات، وكذا إن كانت تلك قراءة معتبرة فالركوع ركن ~~معتبر، والأوجه أن يفوض ذلك إلى رأي المجتهد، أو يعتبر ما يعد طويلا على أن ~~جعل ثلاث آيات قاطعة للفور، وإدخالها في حد الطول خلاف الرواية فإن محمدا ~~ذكر في كتاب الصلاة قلت: أرأيت الرجل يقرأ السجدة وهو في الصلاة والسجدة في ~~آخر السورة إلا آيات بقيت من السورة بعد آية السجدة قال: هو بالخيار إن شاء ~~ركع بها، وإن شاء سجد بها قلت: فإن أراد أن يركع بها ختم السورة ثم ركع بها ~~قال: نعم قلت: فإن أراد أن يسجد بها عند الفراغ من السجدة ثم يقوم فيتلو ما ~~بعدها من السورة وهو آيتان أو ثلاث ثم يركع قال: نعم إن شاء وإن شاء وصل ~~إليها سورة أخرى. # وهذا نص على أن ثلاث آيات ليست بقاطعة للفور ولا بمدخلة للسجدة في حيز ~~القضاء. ### | [فصل في بيان وقت أداء سجدة التلاوة] # (فصل) : # وأما بيان وقت أدائها فما وجب أداؤها خارج الصلاة فوقتها جميع العمر؛ لأن ~~وجوبها على ms0433 التراخي على ما مر. # وأما ما وجب أداؤها في الصلاة فوقتها فور الصلاة؛ لما مر أن وجوبها في ~~الصلاة على الفور وهو أن # PageV01P191 # لا تطول المدة بين التلاوة وبين السجدة، فأما إذا طالت فقد دخلت في حيز ~~القضاء وصار آثما بالتفويت عن الوقت، ثم الأمر في مقدار الطول على ما ذكرنا ~~من اختلاف المشايخ. ### | [فصل في سنن السجود] # (فصل) : # وأما سنن السجود فمنها، أن يكبر عند السجود وعند رفع الرأس من السجود، ~~وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يكبر عند الانحطاط وهي رواية عن أبي يوسف؛ ~~لأن التكبير للانتقال من الركن ولم يوجد ذلك عند الانحطاط ووجد عند الرفع ~~والصحيح ظاهر الرواية لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال للتالي: إذا ~~قرأت سجدة فكبر واسجد وإذا رفعت رأسك فكبر، ولو ترك التحريمة يجوز عندنا، ~~وقال الشافعي: لا يجوز؛ لأن هذا ركن من أركان الصلاة فلا يتأدى بدون ~~التحريمة كالقيام في صلاة الجنازة ألا ترى أنه يشترط له جميع شرائط الصلاة ~~من ستر العورة، واستقبال القبلة؟ ويفسدها الكلام عند محمد، وحرمة ما وراءها ~~من الأفعال أن يكون بدون التحريمة. # (ولنا) أن الأمر تعلق بمطلق السجود فلو أوجبنا شيئا آخر لزدنا على النص ~~ولأن السجود وجب تعظيما لله تعالى وخضوعا له، وترك التحريمة ليس بمناف ~~للتعظيم. # وأما انكشاف العورة، واستدبار القبلة، والتكلم بما هو من كلام الناس ~~فينافي التعظيم والخشوع. # وحرمة الكلام ممنوعة بل لا يعتد بالسجود مع الكلام لانعدام ما هو ~~المقصود؛ ولأن السجود فعل واحد والتحريمة تجعل الأفعال المختلفة عبادة ~~واحدة وههنا الفعل واحد فلا حاجة إلى التحريمة بخلاف صلاة الجنازة؛ لأن ~~هناك كل تكبيرة بمنزلة ركعة على ما يعرف هناك إن شاء الله تعالى. # ومنها أن يقول في هذه السجدة من التسبيح ما يقول في سجدة الصلاة فيقول: ~~سبحان ربي الأعلى ثلاثا، وذلك أدناه. # وبعض المتأخرين استحبوا أن يقول: فيها سبحان ربنا إن كان وعد ربنا ~~لمفعولا؛ لقوله تعالى {يخرون للأذقان سجدا} [الإسراء: 107] {ويقولون سبحان ~~ربنا} ms0434 [الإسراء: 108] الآية، واستحبوا أيضا أن يقوم فيسجد؛ لأن الخرور سقوط ~~من القيام، والقرآن ورد به. وإن لم يفعل لم يضره. # ومنها أن الرجل إذا قرأ آية السجدة ومعه قوم فسمعوها فالسنة أن يسجدوا ~~معه لا يسبقونه بالوضع ولا بالرفع؛ لأن التالي إمام السامعين؛ لما روي عن ~~عمر - رضي الله عنه - أنه قال للتالي: كنت إمامنا لو سجدت لسجدنا معك وإن ~~فعلوا أجزأهم؛ لأنه لا مشاركة بينه وبينهم في الحقيقة ألا ترى أنه لو فسدت ~~سجدته بسبب لا يتعدى إليهم ولا تشهد في هذه السجدة وكذا لا تسليم فيها؛ لأن ~~التسليم تحليل ولا تحريمة لها عندنا فلا يعقل التحليل، وعلى قياس مذهب ~~الشافعي يسلم للخروج عن التحريمة ويكره للرجل ترك آية السجدة من سورة ~~يقرؤها؛ لأنه قطع لنظم القرآن وتغيير لتأليفه واتباع النظم والتأليف مأمور ~~به قال الله تعالى {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18] أي تأليفه فكان ~~التغيير مكروها، ولأنه في صورة الفرار عن وجوب العبادة والإعراض عن تحصيلها ~~بالفعل وذلك مكروه وكذا فيه صورة هجر آية السجدة وليس شيء من القرآن ~~مهجورا، ولو قرأ آية السجدة من بين السورة لم يضره ذلك؛ لأنها من القرآن ~~وقراءة ما هو من القرآن طاعة كقراءة سورة من بين السور والمستحب أن يقرأ ~~معها آيات لتكون أدل على مراد الآية وليحصل بحق القراءة لا بحق إيجاب ~~السجدة إذ القراءة للسجود ليست بمستحبة فيقرأ معها آيات ليكون قصده إلى ~~التلاوة لا إلى إلزام السجود. # ولو قرأ آية السجدة وعنده ناس فإن كانوا متوضئين متهيئين للسجدة قرأها ~~فإن كانوا غير متهيئين ينبغي أن يخفض قراءتها؛ لأنه لو جهر بها لصار موجبا ~~عليهم شيئا بما يتكاسلون عن أدائه فيقعون في المعصية ويكره للإمام أن يتلو ~~آية السجدة في صلاة يخافت فيها بالقراءة، وعند الشافعي لا يكره، واحتج بما ~~روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: «سجد بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في إحدى صلاتي العشاء إما الظهر وإما العصر حتى ظننا أنه قرأ الم السجدة» ms0435 ~~ولو كان مكروها لما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -. # (ولنا) إن هذا لا ينفك عن أمر مكروه؛ لأنه إذا تلا ولم يسجد فقد ترك ~~الواجب، وإن سجد فقد لبس على القوم؛ لأنهم يظنون أنه سها عن الركوع واشتغل ~~بالسجدة الصلبية فيسبحون ولا يتابعونه وذا مكروه، وما لا ينفك عن مكروه كان ~~مكروها. # وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - محمول على بيان الجواز فلم يكن مكروها ~~وإن تلاها مع ذلك سجد بها لتقر والسبب في حقه وهو التلاوة وسجد القوم معه ~~لوجوب المتابعة عليهم ألا ترى أنه سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وسجد القوم معه؟ # PageV01P192 # ولو تلاها الإمام على المنبر يوم الجمعة سجدها وسجد معه من سمعها؛ لما ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه تلا سجدة على المنبر فنزل وسجد ~~وسجد الناس معه» ، وفيه دليل على أن السامع يتبع التالي في السجدة. ### | [فصل بيان مواضع السجدة في القرآن] # (فصل) : # وأما بيان مواضع السجدة في القرآن فنقول: إنها في أربعة عشر موضعا من ~~القرآن، أربع في النصف الأول في آخر الأعراف، وفي الرعد، وفي النحل، وفي ~~بني إسرائيل، وعشر في النصف الآخر في مريم، وفي الحج في الأولى، وفي ~~الفرقان، وفي النمل، وفي الم تنزيل السجدة، وفي (ص) وفي حم السجدة، وفي ~~النجم، وفي إذا السماء انشقت، وفي اقرأ. # وقد اختلف العلماء في ثلاثة مواضع منها: أحدها، أن في سورة الحج عندنا ~~سجدة واحدة وعند الشافعي سجدتان إحداهما في قوله تعالى {اركعوا واسجدوا} ~~[الحج: 77] ، واحتج بما روي عن عقبة بن عامر الجهني أنه قال: سئل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - «أفي سورة الحج سجدتان؟ قال: نعم، أو قال: فضلت ~~الحج بسجدتين من لم يسجدهما لم يقرأها» . # وهكذا روي عن عمر وعلي وابن عمر وأبي الدرداء - رضي الله عنهم - أنهم ~~قالوا: فضلت سورة الحج بسجدتين. # ولنا ما روي عن أبي - رضي الله عنه - أنه «عد السجدات التي سمعها من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وعد في ms0436 الحج سجدة واحدة» ، وقال عبد الله بن ~~عباس، وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم -: سجدة التلاوة في الحج هي الأولى ~~والثانية سجدة الصلاة، وهو تأويل الحديث وهذا؛ لأن السجدة متى قرنت بالركوع ~~كانت عبارة عن سجدة الصلاة كما في قوله تعالى {واسجدي واركعي} [آل عمران: ~~43] ، والثاني أن في سورة (ص) عندنا سجدة التلاوة وعند الشافعي سجدة الشكر. # وفائدة الخلاف أنه لو تلاها في الصلاة سجد عندنا، وعنده لا يسجدها واحتج ~~بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قرأ آية السجدة في ص وسجدها ~~ثم قال: سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرا» . # وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: «قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~على المنبر سورة ص فنزل وسجد وسجد الناس معه، فلما كان في الجمعة الثانية ~~قرأها فتشوف الناس للسجود فنزل وسجد وسجد الناس معه وقال: لم أرد أن أسجدها ~~فإنها توبة نبي من الأنبياء وإنما سجدت؛ لأني رأيتكم تشوفتم للسجود» . # (ولنا) حديث عثمان - رضي الله عنه - أنه قرأ في الصلاة سورة (ص) وسجد ~~الناس معه وكان ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - ولم ينكر عليه أحد، ~~ولو لم تكن واجبة لما جاز إدخالها في الصلاة. # وروي أن «رجلا من الصحابة قال: يا رسول الله رأيت كما يرى النائم كأني ~~أكتب سورة ص فلما انتهيت إلى موضع السجدة سجدت الدواة والقلم، فقال رسول ~~الله: - صلى الله عليه وسلم - نحن أحق بها من الدواة والقلم فأمر حتى تليت ~~في مجلسه وسجدها مع أصحابه» . # وما تعلق به الشافعي فهو دليلنا فإنا نقول نحن نسجد ذلك شكرا لما أنعم ~~الله على داود بالغفران والوعد بالزلفى وحسن المآب، ولهذا لا يسجد عندنا ~~عقيب قوله " وأناب " بل عقيب قوله " مآب "، وهذه نعمة عظيمة في حقنا فإنه ~~يطمعنا في إقالة عثراتنا وغفران خطايانا وزلاتنا فكانت سجدة تلاوة؛ لأن ~~سجدة التلاوة ما كان سببها التلاوة، وسبب وجوب هذه السجدة تلاوة هذه الآية ~~التي فيها الإخبار عن هذه النعم على داود ms0437 - عليه الصلاة والسلام - وأطماعنا ~~في نيل مثله. # وكذا سجدة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجمعة الأولى وترك الخطبة ~~لأجلها يدل على أنها سجدة تلاوة، وتركه في الجمعة الثانية لا يدل على أنها ~~ليست بسجدة تلاوة بل كان يريد التأخير. # وهي عندنا لا تجب على الفور فكان يريد أن لا يسجدها على الفور، والثالث ~~أن في المفصل عندنا ثلاث سجدات، وعند مالك لا سجدة في المفصل واحتج بما روي ~~عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «لم يسجد ~~في المفصل بعدما هاجر إلى المدينة» . # (ولنا) ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «أقرأني رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - خمس عشرة سجدة، ثلاث منها في المفصل» ، وعن علي - ~~رضي الله عنه - أنه قال: عزائم السجود في القرآن أربعة: الم تنزيل السجدة، ~~وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك، وعن ابن مسعود قال: رأيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - «قرأ سورة النجم بمكة فسجد وسجد معه المسلمون ~~والمشركون إلا شيخا وضع كفا من تراب على جبهته وقال هذا يكفيني فلقيته قتل ~~كافرا» . # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ ~~إذا السماء انشقت فسجد وسجد معه أصحابه» ؛ ولأنه أمر بالسجود في سورة ~~النجم، واقرأ باسم ربك والأمر للوجوب وحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - # PageV01P193 # محمول على أنه كان لا يسجدها عقيب التلاوة كما كان يسجد من قبل نحمله على ~~هذا بدليل ما روينا، ثم في سورة حم السجدة، عندنا السجدة عند قوله {وهم لا ~~يسأمون} [فصلت: 38] وهو مذهب عبد الله بن عباس ووائل بن حجر، وعند الشافعي ~~عند قوله {إن كنتم إياه تعبدون} [فصلت: 37] وهو مذهب علي - رضي الله عنه - ~~واحتج بما روي عن ابن مسعود وابن عمر - رضي الله عنهما - هكذا، ولأن الأمر ~~بالسجود ههنا فكان السجود عنده. # (ولنا) أن السجود مرة بالأمر، ومرة بذكر استكبار الكفار فيجب علينا ~~مخالفتهم، ومرة عند ذكر خشوع المطيعين فيجب ms0438 علينا متابعتهم وهذه المعاني ~~تتم عند قوله {وهم لا يسأمون} [فصلت: 38] فكان السجود عنده أولى ولأن فيما ~~ذهب إليه أصحابنا أخذا بالاحتياط عند اختلاف مذاهب الصحابة - رضي الله عنهم ~~- فإن السجدة لو وجبت عند قوله {تعبدون} [فصلت: 37] فالتأخير إلى قوله {لا ~~يسأمون} [فصلت: 38] لا يضر ويخرج عن الواجب. # ولو وجبت عند قوله {لا يسأمون} [فصلت: 38] لكانت السجدة المؤداة قبله ~~حاصلة قبل وجوبها ووجود سبب وجوبها فيوجب نقصانا في الصلاة ولم يؤد الثانية ~~فيصير المصلي تاركا ما هو واجب في الصلاة، فيصير النقص متمكنا في الصلاة من ~~وجهين ولا نقص فيما قلنا ألبتة وهذا هو أمارة التبحر في الفقه والله ~~الموفق. ### | [فصل لفظ الخروج من الصلاة] # (فصل) : # وأما الذي هو عند الخروج من الصلاة فلفظ السلام عندنا، وعند مالك ~~والشافعي فرض والكلام في التسليم يقع في مواضع في بيان صفته أنه فرض أم لا، ~~وفي بيان قدره، وفي بيان كيفيته، وفي بيان سننه، وفي بيان حكمه. # أما صفته فإصابة لفظة السلام ليست بفرض عندنا ولكنها واجبة، ومن المشايخ ~~من أطلق اسم السنة عليها وأنها لا تنافي الوجوب لما عرف، وعند مالك ~~والشافعي فرض حتى لو تركها عامدا كان مسيئا. # ولو تركها ساهيا يلزمه سجود لسهو عندنا، وعندهما لو تركها تفسد صلاته، ~~احتجا بقوله - صلى الله عليه وسلم - وتحليلها التسليم، خص التسليم بكونه ~~محللا فدل أن التحليل بالتسليم على التعيين فلا يتحلل بدونه؛ ولأن الصلاة ~~عبادة لها تحليل وتحريم فيكون التحليل فيها ركنا قياسا على الطواف في الحج. # (ولنا) ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال لابن مسعود حين ~~علمه التشهد إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد قضيت ما عليك إن شئت أن تقوم فقم ~~وإن شئت أن تقعد فاقعد» والاستدلال به من وجهين: أحدهما، أنه جعله قاضيا ما ~~عليه عند هذا الفعل أو القول وما للعموم فيما لا يعلم فيقضي أن يكون قاضيا ~~جميع ما عليه. # ولو كان التسليم فرضا لم يكن قاضيا جميع ما عليه بدونه؛ ms0439 لأن التسليم يبقى ~~عليه، والثاني أنه خيره بين القيام والقعود من غير شرط لفظ التسليم ولو كان ~~فرضا ما خيره؛ ولأن ركن الصلاة ما تتأدى به الصلاة، والسلام خروج عن الصلاة ~~وترك لها؛ لأنه كلام وخطاب لغيره فكان منافيا للصلاة فكيف يكون ركنا لها؟ . # وأما الحديث فليس فيه نفي التحليل بغير التسليم إلا أنه خص التسليم لكونه ~~واجبا، والاعتبار بالطواف غير سديد؛ لأن الطواف ليس بمحلل إنما المحلل هو ~~الحلق إلا أنه توقف بالإحلال على الطواف فإذا طاف حل بالحلق لا بالطواف، ~~والحلق ليس بركن فنزل السلام في باب الصلاة منزلة الحلق في باب الحج وينبني ~~على هذا أن السلام ليس من الصلاة عندنا، وعند الشافعي التسليمة الأولى من ~~الصلاة والصحيح قولنا؛ لما بينا. # (وأما) الكلام في قدره فهو أنه يسلم تسليمتين، إحداهما عن يمينه والأخرى ~~عن يساره عند عامة العلماء، وقال بعضهم: يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، وهو ~~قول مالك، وقيل: هو قول الشافعي، وقال بعضهم: يسلم تسليمة واحدة عن يمينه، ~~وقال مالك في قول: يسلم المقتدي تسليمتين ثم يسلم تسليمة ثالثة ينوي بها رد ~~السلام على الإمام، واحتجوا بما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أن «النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - كان يسلم تسليمة تلقاء وجهه» . # وروي عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«كان يسلم تسليمة عن يمينه» ولأن التسليم شرع للتحليل وأنه يقع بالواحدة ~~فلا معنى للثانية. # (ولنا) ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «صليت خلف رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وخلف أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وكانوا يسلمون ~~تسليمتين عن أيمانهم وعن شمائلهم» . # وروي عن علي أنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم ~~تسليمتين أولهما أرفعهما» ، ولأن إحدى التسليمتين للخروج عن الصلاة ~~والثانية للتسوية بين القوم في التحية. # وأما الأحاديث فالأخذ بما روينا أولى لأن عليا وابن مسعود كانا من كبار ~~الصحابة وكانا يقومان بقربه - صلى الله عليه وسلم - كما قال: ms0440 «ليليني منكم ~~أولوا الأحلام والنهى» فكانا أعرف بحال # PageV01P194 # النبي - صلى الله عليه وسلم - «وعائشة - رضي الله عنها - كانت تقوم في ~~حيز صفوف النساء وهو آخر الصفوف، وسهل بن سعد كان من الصغار وكان في أخريات ~~الصفوف وكانا يسمعان التسليمة الأولى لرفعه - صلى الله عليه وسلم - بها ~~صوته ولا يسمعان الثانية لخفضه بها صوته» ، وقولهم التحليل يحصل بالأولى ~~فكذلك ولكن الثانية ليست للتحليل بل للتسوية بين القوم في التسليم عليهم ~~والتحية، وبه تبين أنه لا حاجة إلى التسليمة الثالثة؛ لأنه لا يحصل بها ~~التحليل ولا التسوية بين القوم، والتحية ورد السلام على الإمام يحصل ~~بالتسليمتين، إليه أشار أبو حنيفة حين سأله أبو يوسف هل يرد على الإمام ~~السلام من خلفه فيقول وعليك؟ قال: لا. # وتسليمهم رد عليه ولأن التسليمة الثالثة لو كانت ثابتة لفعلها رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ولعلمها الأمة فعلا كما فعلوا التسليمتين. # (وأما) كيفية التسليم فهو أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله. # وهذا قول عامة العلماء، وقال مالك يقول: السلام عليكم ولا يزيد عليه ~~والصحيح قول العامة لما روي عن ابن مسعود وعمار وعتبة وغيرهم عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول هكذا. # (وأما) سنن التسليم فنذكرها في باب سنن هذه الصلوات. # (وأما) حكمه فهو الخروج من الصلاة، ثم الخروج يتعلق بإحدى التسليمتين عند ~~عامة العلماء. # وروي عن محمد أنه قال: التسليمة الأولى للخروج والتحية، والتسليمة ~~الثانية للتحية خاصة، وقال بعضهم: لا يخرج ما لم يوجد التسليمتين جميعا وهو ~~خلاف إجماع السلف، ولأن التسليم تكليم القوم؛ لأنه خطاب لهم فكان منافيا ~~للصلاة ألا ترى أنه لو وجد في وسط الصلاة يخرجه عن الصلاة؟ . ### | [فصل حكم التكبير في أيام التشريق] # (فصل) : # وأما الذي هو في حرمة الصلاة بعد الخروج منها، فالتكبير في أيام التشريق ~~فيه يقع في مواضع، في تفسيره، وفي وجوبه، وفي وقته، وفي محل أدائه، وفيمن ~~يجب عليه، وفي أنه هل يقضى بعد الفوات في الصلاة التي دخلت في حد القضاء؟ . # (أما) الأول فقد ms0441 اختلفت الروايات عن الصحابة - رضي الله عنهم - في تفسير ~~التكبير، روي الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ~~ولله الحمد وهو قول علي وابن مسعود - رضي الله عنهما -، وكان ابن عمر يقول: ~~الله أكبر الله أكبر الله أكبر وأجل، الله أكبر ولله الحمد، وبه أخذ ~~الشافعي. # وكان ابن عباس يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الحي القيوم ~~يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وإنما أخذنا بقول علي وابن مسعود - رضي ~~الله عنهما -؛ لأنه المشهور والمتوارث من الأمة؛ ولأنه أجمع لاشتماله على ~~التكبير والتهليل والتحميد فكان أولى. ### | [فصل بيان وجوب تكبير التشريق] # (فصل) : # (وأما) بيان وجوبه فالصحيح أنه واجب، وقد سماه الكرخي سنة ثم فسره ~~بالواجب فقال: تكبير التشريق سنة ماضية نقلها أهل العلم وأجمعوا على العمل ~~بها، وإطلاق اسم السنة على الواجب جائز؛ لأن السنة عبارة عن الطريقة ~~المرضية أو السيرة الحسنة، وكل واجب هذه صفته، ودليل الوجوب قوله تعالى ~~{واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: 203] ، وقوله {وأذن في الناس ~~بالحج} [الحج: 27] إلى قوله {في أيام معلومات} [الحج: 28] قيل: الأيام ~~المعدودات أيام التشريق، والمعلومات أيام العشر، وقيل: كلاهما أيام ~~التشريق، وقيل: المعلومات يوم النحر ويومان بعده، والمعدودات أيام التشريق؛ ~~لأنه أمر في الأيام المعدودات بالذكر مطلقا، وذكر في الأيام المعلومات ~~الذكر على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وهي الذبائح وأيام الذبائح يوم النحر ~~ويومان بعده ومطلق الأمر للوجوب. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما من أيام أحب إلى الله ~~تعالى العمل فيهن من هذه الأيام فأكثروا فيها من التكبير والتهليل ~~والتسبيح» . ### | [فصل وقت تكبير التشريق] # (فصل) : # وأما وقت التكبير فقد اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - في ابتداء وقت ~~التكبير وانتهائه، اتفق شيوخ الصحابة نحو عمر وعلي وعبد الله بن مسعود ~~وعائشة - رضي الله عنهم - على البداية بصلاة الفجر من يوم عرفة وبه أخذ ~~علماؤنا في ظاهر الرواية، واختلفوا في الختم قال ابن مسعود: يختم عند العصر ~~من ms0442 يوم النحر يكبر ثم يقطع وذلك ثمان صلوات وبه أخذ أبو حنيفة - رحمه الله ~~-، وقال علي يختم عند العصر من آخر أيام التشريق فيكبر لثلاث وعشرين صلاة، ~~وهو إحدى الروايتين عن عمر - رضي الله عنه - وبه أخذ أبو يوسف ومحمد، وفي ~~رواية عن عمر - رضي الله عنه - يختم عند الظهر من آخر أيام التشريق. # وأما الشبان من الصحابة منهم ابن عباس وابن عمر فقد اتفقوا على البداية ~~بالظهر من يوم النحر. # وروي عن أبي يوسف أنه أخذ به غير أنهما اختلفا في الختم فقال ابن عباس: ~~يختم عند # PageV01P195 # الظهر من آخر أيام التشريق، وقال ابن عمر: يختم عند الفجر من آخر أيام ~~التشريق، وبه أخذ الشافعي. # (أما) الكلام في البداية فوجه رواية أبي يوسف قول الله تعالى {فإذا قضيتم ~~مناسككم فاذكروا الله} [البقرة: 200] أمر بالذكر عقيب قضاء المناسك، وقضاء ~~المناسك إنما يقع في وقت الضحوة من يوم النحر فاقتضى وجوب التكبير في ~~الصلاة التي تليه وهي الظهر. # وجه ظاهر الرواية قوله تعالى {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} [الحج: ~~28] وهي أيام العشر فكان ينبغي أن يكون التكبير في جميعها واجبا إلا أن ما ~~قبل يوم عرفة خص بإجماع الصحابة ولا إجماع في يوم عرفة والأضحى فوجب ~~التكبير فيهما عملا بعموم النص؛ ولأن التكبير لتعظيم الوقت الذي شرع فيه ~~المناسك، وأوله يوم عرفة إذ فيه يقام معظم أركان الحج وهو الوقوف، ولهذا ~~قال مكحول: يبدأ بالتكبير من صلاة الظهر من يوم عرفة؛ لأن وقت الوقوف بعد ~~الزوال ولا حجة له في الآية؛ لأنها ساكتة عن الذكر قبل قضاء المناسك فلا ~~يصح التعلق بها. # (وأما) الكلام في الختم فالشافعي مر على أصله من الأخذ بقول الأحداث من ~~الصحابة - رضي الله عنهم - لوقوفهم على ما استقر من الشرائع دون ما نسخ ~~خصوصا في موضع الاحتياط لكون رفع الصوت بالتكبير بدعة إلا في موضع ثبت ~~بالشرع، وأبو يوسف ومحمد احتجا بقوله تعالى {واذكروا الله في أيام معدودات} ~~[البقرة: 203] وهي أيام التشريق فكان التكبير فيها ms0443 واجبا؛ ولأن التكبير شرع ~~لتعظيم أمر المناسك، وأمر المناسك إنما ينتهي بالرمي فيمتد بالتكبير إلى ~~آخر وقت الرمي؛ ولأن الأخذ بالأكثر من باب الاحتياط؛ لأن الصحابة اختلفوا ~~في هذا، ولأن يأتي بما ليس عليه أولى من أن يترك ما عليه بخلاف تكبيرات ~~العيد حيث لم نأخذ هناك بالأكثر؛ لأن الأخذ بالاحتياط عند تعارض الأدلة ~~وهناك ترجح قول ابن مسعود لما نذكر في موضعه والأخذ بالراجح أولى، وههنا لا ~~رجحان بل استوت مذاهب الصحابة - رضي الله عنهم - في الثبوت وفي الرواية عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فيجب الأخذ بالاحتياط ولأبي حنيفة أن رفع ~~الصوت بالتكبير بدعة في الأصل؛ لأنه ذكر والسنة في الأذكار المخافتة؛ لقوله ~~تعالى {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} [الأعراف: 55] ولقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «خير الدعاء الخفي» ولذا هو أقرب إلى التضرع والأدب وأبعد عن الرياء ~~فلا يترك هذا الأصل إلا عند قيام الدليل المخصص جاء المخصص للتكبير من يوم ~~عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، وهو قوله تعالى {ويذكروا اسم الله في ~~أيام معلومات} [الحج: 28] وهي عشر ذي الحجة. # والعمل بالكتاب واجب إلا فيما خص بالإجماع وانعقد الإجماع فيما قبل يوم ~~عرفة أنه ليس بمراد ولا إجماع في يوم عرفة ويوم النحر فوجب العمل بظاهر ~~الكتاب عند وقوع الشك في الخصوص. # وأما فيما وراء العصر من يوم النحر فلا تخصيص لاختلاف الصحابة وتردد ~~التكبير بين السنة والبدعة فوقع الشك في دليل التخصيص فلا يترك العمل بدليل ~~عموم قوله تعالى {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} [الأعراف: 55] . # وبه تبين أن الاحتياط في الترك لا في الإتيان؛ لأن ترك السنة أولى من ~~إتيان البدعة. # وأما قولهم إن أمر المناسك إنما ينتهي بالرمي فنقول ركن الحج، الوقوف ~~بعرفة، وطواف الزيارة، وإنما يحصلان في هذين اليومين فأما الرمي فمن توابع ~~الحج فيعتبر في التكبير وقت الركن لا وقت التوابع. # وأما الآية فقد اختلف أهل التأويل فيها قال بعضهم: المراد من الآية الذكر ~~على الأضاحي، وقال بعضهم: المراد منها الذكر عند رمي ms0444 الجمار دليله قوله ~~تعالى {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: ~~203] والتعجل والتأخير إنما يقعان في رمي الجمار لا في التكبير. ### | [فصل محل أداء تكبير التشريق] # (فصل) : # وأما محل أدائه، فدبر الصلاة، وإثرها، وفورها من غير أن يتخلل ما يقطع ~~حرمة الصلاة حتى لو قهقه أو أحدث متعمدا أو تكلم عامدا أو ساهيا أو خرج من ~~المسجد أو جاوز الصفوف في الصحراء لا يكبر؛ لأن التكبير من خصائص الصلاة ~~حيث لا يؤتى به إلا عقيب الصلاة فيراعى لإتيانه حرمة الصلاة، وهذه العوارض ~~تقطع حرمة الصلاة فيقطع التكبير. # ولو صرف وجهه عن القبلة ولم يخرج من المسجد ولم يجاوز الصفوف أو سبقه ~~الحدث يكبر؛ لأن حرمة الصلاة باقية لبقاء التحريمة ألا ترى أنه يبنى؟ ~~والأصل أن كل ما يقطع البناء يقطع التكبير وما لا فلا، وإذا سبقه الحدث فإن ~~شاء ذهب فتوضأ ورجع فكبر وإن شاء كبر من غير تطهير؛ لأنه لا يؤدي في تحريمة ~~الصلاة فلا تشترط له الطهارة قال الشيخ الإمام السرخسي - رحمه الله تعالى ~~-: والأصح عندي أنه يكبر ولا يخرج من المسجد # PageV01P196 # للطهارة؛ لأن التكبير لما لم يفتقر إلى الطهارة كان خروجه مع عدم الحاجة ~~قاطعا لفور الصلاة فلا يمكنه التكبير بعد ذلك فيكبر للحال جزما. # ولو نسي الإمام التكبير فللقوم أن يكبروا وقد ابتلي به أبو يوسف - رحمه ~~الله تعالى - ذكر في الجامع الصغير قال أبو يعقوب: صليت بهم المغرب فقمت ~~وسهوت أن كبر فكبر أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - وفرق بين هذا وبين سجدتي ~~السهو إذا سلم الإمام وعليه سهو فلم يسجد لسهوه ليس للقوم أن يسجدوا حتى لو ~~قام وخرج من المسجد أو تكلم سقط عنه وعنهم، والفرق أن سجود السهو جزء من ~~أجزاء الصلاة؛ لأنه قائم مقام الجزء الفائت من الصلاة، والجابر يكون بمحل ~~النقص ولهذا يؤدي في تحريمة الصلاة بالإجماع، إما؛ لأنه لم يخرج أو؛ لأنه ~~عاد وشيء من الصلاة لا يؤدى بعد انقطاع التحريمة ولا تحريمة ms0445 بعد قيام ~~الإمام فلا يتأتى به المقتدي فأما التكبير فليس من أجزاء الصلاة فيشترط له ~~التحريمة ويوجب المتابعة؛ لأنه يؤتى به بعد التحلل فلا يجب فيه متابعة ~~الإمام غير أنه إن أتى به الإمام يتبعه في ذلك؛ لأنه يؤتى به عقيب الصلاة ~~متصلا بها فيندب إلى اتباع من كان متبوعا في الصلاة، فإذا لم يأت به الإمام ~~أتى به القوم لانعدام المتابعة بانقطاع التحريمة كالسامع مع التالي أي: إن ~~سجد التالي يسجد معه السامع، وإن لم يسجد التالي يأتي به السامع كذا ههنا، ~~ولهذا لا يتبع المقتدي رأي إمامه حتى إن الإمام لو رأى رأي ابن مسعود، ~~والمقتدي يرى رأي علي فصلى صلاة بعد يوم النحر فلم يكبر الإمام اتباعا ~~لرأيه يكبر المقتدي اتباعا لرأي نفسه؛ لأنه ليس بتابع له لانقطاع التحريمة ~~التي بها صار تابعا له فكذا هذا. # وعلى هذا إذا كان محرما وقد سها في صلاته سجد ثم كبر ثم لبى؛ لأن سجود ~~السهو يؤتى به في تحريمة الصلاة لما ذكرنا، ولهذا يسلم بعده. # ولو اقتدى به إنسان في سجود السهو صح اقتداؤه فأما التكبير والتلبية فكل ~~واحد منهما يؤتى به بعد الفراغ من الصلاة ولهذا لا يسلم بعده، ولا يصح ~~اقتداء المقتدي به اتباعا لرأي نفسه؛ لأنه ليس بتابع له لانقطاع التحريمة ~~التي بها صار تابعا له فكذلك هذا، وعلى هذا إذا كان محرما وقد سها به في ~~حال التكبير والتلبية فيقدم السجدة ثم يأتي بالتكبير ثم بالتلبية؛ لأن ~~التكبير وإن كان يؤتى به خارج الصلاة فهو من خصائص الصلاة فلا يؤتى به إلا ~~عقيب الصلاة، والتلبية ليست من خصائص الصلاة بل يؤتى بها عند اختلاف ~~الأحوال كلما هبط واديا أو علا شرفا أو لقي ركبا. # وما كان من خصائص الشيء يجعل كأنه منه فيجعل التكبير كأنه من الصلاة وما ~~لم يفرغ من الصلاة لم يوجد اختلاف الحال فكذا ما لم يفرغ من التكبير يجعل ~~كأنه لم يتبدل الحال فلا يأتي بالتلبية. # ولو سها وبدأ بالتكبير قبل ms0446 السجدة لا يوجب ذلك قطع صلاته وعليه سجدتا ~~السهو؛ لأن التكبير ليس من كلام الناس ولو لبى أولا فقد انقطعت صلاته وسقطت ~~عنه سجدتا السهو والتكبير؛ لأن التلبية تشبه كلام الناس؛ لأنها في الوضع ~~جواب لكلام الناس، وغيرها من كلام الناس يقطع الصلاة فكذا هي، وتسقط سجدة ~~السهو؛ لأنها لم تشرع إلا في التحريمة ولا تحريمة، ويسقط التكبير أيضا؛ ~~لأنه غير مشروع إلا متصلا بالصلاة وقد زال الاتصال وعلى هذا المسبوق لا ~~يكبر مع الإمام؛ لما بينا أن التكبير مشروع بعد الفراغ من الصلاة والمسبوق ~~بعد في خلال الصلاة فلا يأتي به. ### | [فصل بيان من يجب عليه تكبير التشريق] # (فصل) : # وأما بيان من يجب عليه فقد قال أبو حنيفة: إنه لا يجب إلا على الرجال ~~العاقلين المقيمين الأحرار من أهل الأمصار والمصلين المكتوبة بجماعة ~~مستحبة، فلا يجب على النسوان والصبيان والمجانين والمسافرين وأهل القرى ومن ~~يصلي التطوع والفرض، وقال أبو يوسف ومحمد: يجب على كل من يؤدي مكتوبة في ~~هذه الأيام على أي وصف كان في أي مكان كان وهو قول إبراهيم النخعي، وقال ~~الشافعي في أحد قوليه: يجب على كل مصل فرضا كانت الصلاة أو نفلا؛ لأن ~~النوافل أتباع الفرائض فما شرع في حق الفرائض يكون مشروعا في حقها بطريق ~~التبعية. # (ولنا) ما روي عن علي وابن مسعود أنهما كانا لا يكبران عقيب التطوعات ولم ~~يرو عن غيرهما خلاف ذلك فحل محل الإجماع؛ ولأن الجهر بالتكبير بدعة إلا في ~~موضع ثبت بالنص وما ورد النص إلا عقيب المكتوبات ولأن الجماعة شرط عند أبي ~~حنيفة لما نذكر، والنوافل لا تؤدى بجماعة وكذا لا يكبر عقيب الوتر عندنا. # أما عند أبي يوسف ومحمد فلأنه نفل، وأما عند أبي حنيفة فلأنه لا يؤدى ~~بجماعة في هذه الأيام، ولأنه وإن كان واجبا فليس بمكتوب والجهر # PageV01P197 # بالتكبير بدعة إلا في مورد النص والإجماع ولا نص ولا إجماع إلا في ~~المكتوبات. # وكذا لا يكبر عقيب صلاة العيد عندنا لما قلنا ويكبر عقيب الجمعة؛ لأنها ~~فريضة ms0447 كالظهر. # وأما الكلام مع أصحابنا فهما احتجا بقوله تعالى {ويذكروا اسم الله في ~~أيام معلومات} [الحج: 28] ، وقوله {واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: ~~203] من غير تقييد مكان أو جنس أو حال؛ ولأنه من توابع الصلاة بدليل أن ما ~~يوجب قطع الصلاة من الكلام ونحوه يوجب قطع التكبير فكل من صلى المكتوبة ~~ينبغي أن يكبر. # ولأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا ~~جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع» وقول علي - رضي الله عنه - لا جمعة ولا ~~تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع. # والمراد من التشريق هو رفع الصوت بالتكبير هكذا قال النضر بن شميل وكان ~~من أرباب اللغة فيجب تصديقه، ولأن التصديق في اللغة هو الإظهار، والشروق هو ~~الظهور يقال: شرقت الشمس إذا طلعت وظهرت سمي موضع طلوعها وظهورها مشرقا ~~لهذا، والتكبير نفسه إظهار لكبرياء الله وهو إظهار ما هو من شعار الإسلام ~~فكان تشريقا، ولا يجوز حمله على صلاة العيد؛ لأن ذلك مستفاد بقوله: ولا فطر ~~ولا أضحى في حديث علي - رضي الله عنه - ولا على إلقاء لحوم الأضاحي ~~بالمشرقة؛ لأن ذلك لا يختص بمكان دون مكان فتعين التكبير مرادا بالتشريق ~~ولأن رفع الصوت بالتكبير من شعائر الإسلام، وإعلام الدين وما هذا سبيله لا ~~يشرع إلا في موضع يشتهر فيه ويشيع وليس ذلك إلا في المصر الجامع ولهذا يختص ~~به الجمع والأعياد وهذا المعنى يقتضي أن لا يأتي به المنفرد والنسوان؛ لأن ~~معنى الاشتهار يختص بالجماعة دون الأفراد ولهذا لا يصلي المنفرد صلاة ~~الجمعة والعيد، وأمر النسوان مبني على الستر دون الإشهار. # وأما الآية الثانية فقد ذكرنا اختلاف أهل التأويل فيها. # وأما الأولى فنحملها على خصوص المكان والجنس والحال عملا بالدليلين بقدر ~~الإمكان وما ذكروا من معنى التبعية مسلم عند وجود شرط المصر والجماعة ~~وغيرهما من الشرائط، فأما عند عدمها فلا نسلم التبيعة. # ولو اقتدى المسافر بالمقيم وجب عليه التكبير؛ لأنه صار تابعا لإمامه ألا ~~ترى أنه تغير فرضه أربعا فيكبر ms0448 بحكم التبعية، وكذا النساء إذا اقتدين برجل ~~وجب عليهن على سبيل المتابعة فإن صلين بجماعة وحدهن فلا تكبير عليهن لما ~~قلنا. # وأما المسافرون إذا صلوا في المصر بجماعة ففيه روايتان روى الحسن عن أبي ~~حنيفة أن عليهم التكبير والأصح أن لا تكبير عليهم؛ لأن السفر مغير للفرض ~~مسقط للتكبير ثم في تغير الفرض لا فرق بين أن يصلوا في المصر أو خارج المصر ~~فكذا في سقوط التكبير، ولأن المصر الجامع شرط والمسافر ليس من أهل المصر ~~فالتحق المصر في حقه بالعدم. ### | [فصل بيان حكم التكبير أيام التشريق] # (فصل) : # وأما بيان حكم التكبير فيما دخل من الصلوات في حد القضاء فنقول: لا يخلو ~~إما إن فاتته الصلاة في غير أيام التشريق فقضاها في أيام التشريق، أو فاتته ~~في هذه الأيام فقضاها في غير هذه الأيام، أو فاتته في هذه الأيام فقضاها في ~~هذه الأيام من هذه السنة فإن فاتته في غير أيام التشريق فقضاها في أيام ~~التشريق لا يكبر عقيبها؛ لأن القضاء على حسب الأداء وقد فاتته بلا تكبير ~~فيقضيها كذلك، وإن فاتته في هذه الأيام فقضاها في غير هذه الأيام لا يكبر ~~عقيبها أيضا وإن كان القضاء على حسب الأداء وقد فاتته مع التكبير؛ لأن رفع ~~الصوت بالتكبير بدعة في الأصل إلا حيث ورد الشرع والشرع ما ورد به في وقت ~~القضاء فبقي بدعة. # فإن فاتته في هذه الأيام وقضاها في العام القابل في هذه الأيام لا يكبر ~~أيضا وروي عن أبي يوسف أنه يكبر والصحيح ظاهر الرواية لما بينا أن رفع ~~الصوت بالتكبير بدعة إلا في مورد الشرع والشرع ورد بجعل هذا الوقت وقتا ~~لرفع الصوت بالتكبير عقيب صلاة هي من صلوات هذه الأيام ولم يرد الشرع بجعله ~~وقتا لغير ذلك فبقي بدعة كأضحية فاتت عن وقتها أنه لا يمكن التقرب بإراقة ~~دمها في العام القابل وإن عاد الوقت، وكذا رمي الجمار لما ذكرنا فكذا هذا ~~وإن فاتته في هذه الأيام وقضاها في هذه الأيام من هذه السنة يكبر؛ ms0449 لأن ~~التكبير سنة الصلاة الفائتة وقد قدر على القضاء لكون الوقت وقتا لتكبيرات ~~الصلوات المشروعات فيها. ### | [فصل في سنن حكم التكبير أيام التشريق] # (فصل) : # وأما سننها فكثيرة، بعضها صلاة بنفسه، وبعضها من لواحق الصلاة. # أما الذي هو الصلاة بنفسه فالسنن # PageV01P198 # المعهودة التي يؤدي بعضها قبل المكتوبة وبعضها بعد المكتوبة ولها فصل ~~منفرد نذكرها فيه بعلائقها. # وأما الذي هو من لواحق الصلاة فثلاثة أنواع: نوع يؤتى به عند الشروع في ~~الصلاة، ونوع يؤتى به بعد الشروع في الصلاة، ونوع يؤتى به عند الخروج من ~~الصلاة. # أما الذي يؤتى به عند الشروع في الصلاة فسنن الافتتاح وهي أنواع، منها أن ~~تكون النية مقارنة للتكبير؛ لأن اشتراط النية لإخلاص العمل لله تعالى، ~~وقران النية أقرب إلى تحقيق معنى الإخلاص فكان أفضل وهذا عندنا، وعند ~~الشافعي فرض والمسألة قد مرت. # (ومنها) أن يتكلم بلسانه ما نواه بقلبه ولم يذكره في كتاب الصلاة نصا ~~ولكنه أشار إليه في كتاب الحج فقال: وإذا أردت أن تحرم بالحج إن شاء الله ~~فقل اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني، فكذا في باب الصلاة ينبغي أن ~~يقول: اللهم إني أريد صلاة كذا فيسرها لي وتقبلها مني؛ لأن هذا سؤال ~~التوفيق من الله تعالى للأداء والقبول بعده فيكون مسنونا. # (ومنها) حذف التكبير لما روي عن إبراهيم النخعي موقوفا عليه ومرفوعا إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «الأذان جزم، والإقامة جزم، ~~والتكبير جزم» ولأن إدخال المد في ابتداء اسم الله تعالى يكون للاستفهام ~~والاستفهام يكون للشك والشك في كبرياء الله تعالى كفر، وقوله أكبر لا مد ~~فيه؛ لأنه على وزن أفعل، وأفعل لا يحتمل المد لغة، ومنها رفع اليدين عند ~~تكبيرة الافتتاح والكلام فيه يقع في مواضع في أصل الرفع، وفي وقته، وفي ~~كيفيته، وفي محله. # أما أصل الرفع فلما روي عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما - موقوفا ~~عليهما ومرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ترفع ~~الأيدي إلا في ms0450 سبعة مواطن» وذكر من جملتها تكبيرة الافتتاح، وعن أبي حميد ~~الساعدي - رضي الله عنه - أنه كان في عشرة رهط من أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال لهم: ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؟ فقالوا: هات، فقال: رأيته إذا كبر عند فاتحة الصلاة رفع يديه وعلى ~~هذا إجماع السلف. # وأما وقته فوقت التكبير مقارنا له؛ لأنه سنة. # التكبير شرع لإعلام الأصم الشروع في الصلاة ولا يحصل هذا المقصود إلا ~~بالقران. # وأما كيفيته فلم يذكر في ظاهر الرواية، وذكر الطحاوي أنه يرفع يديه ناشرا ~~أصابعه مستقبلا بهما القبلة، فمنهم من قال: أراد بالنشر تفريج الأصابع، ~~وليس كذلك بل أراد أن يرفعهما مفتوحتين لا مضمومتين حين تكون الأصابع نحو ~~القبلة، وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه لا يفرج كل التفريج ولا يضم كل ~~الضم بل يتركهما على ما عليه الأصابع في العادة بين الضم والتفريج. # وأما محله فقد ذكر في ظاهر الرواية أنه يرفع يديه حذاء أذنيه وفسره الحسن ~~بن زياد في المجرد فقال: قال: أبو حنيفة يرفع حتى يحاذي بإبهاميه شحمة ~~أذنيه وكذلك في كل موضع ترفع فيه الأيدي عند التكبير، وقال الشافعي: يرفع ~~حذو منكبيه، وقال مالك: حذاء رأسه احتج الشافعي بما روي أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان «إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه حذو منكبيه» . # (ولنا) ما روى أبو يوسف في الأمالي بإسناده عن البراء بن عازب أنه قال: ~~«كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه ~~حذاء أذنيه» ولأن هذا الرفع شرع لإعلام الأصم الشروع في الصلاة ولهذا لم ~~يرفع في تكبيرة هي علم للانتقال عندنا؛ لأن الأصم يرى الانتقال فلا حاجة ~~إلى رفع اليدين وهذا المقصود إنما يحصل إذا رفع يديه إلى أذنيه. # وأما الحديث فالتوفيق عند تعارض الأخبار واجب فما روي محمول على حالة ~~العذر حين كانت عليهم الأكسية والبرانس في زمن الشتاء فكان يتعذر عليهم ~~الرفع إلى الأذنين يدل عليه ما روى وائل ms0451 بن حجر أنه قال: قدمت المدينة ~~فوجدتهم يرفعون أيديهم إلى الآذان ثم قدمت عليهم من القابل وعليهم الأكسية ~~والبرانس من شدة البرد فوجدتهم يرفعون أيديهم إلى المناكب، أو نقول: المراد ~~بما روينا رءوس الأصابع، وبما روي الأكف والأرساغ عملا بالدلائل بقدر ~~الإمكان. # وهذا حكم الرجل فأما المرأة فلم يذكر حكمها في ظاهر الرواية. # وروى الحسن عن أبي حنيفة أنها ترفع يديها حذاء أذنيها كالرجل سواء؛ لأن ~~كفيها ليسا بعورة، وروى محمد بن مقاتل الرازي عن أصحابنا أنها ترفع يديها ~~حذو منكبيها لأن ذلك أستر لها وبناء أمرهن على الستر ألا ترى أن الرجل ~~يعتدل في سجوده ويبسط ظهره في ركوعه والمرأة تفعل كأستر ما يكون لها؟ . # أن الإمام يجهر بالتكبير ويخفي به المنفرد والمقتدي؛ لأن الأصل في ~~الأذكار هو الإخفاء وإنما الجهر في حق الإمام # PageV01P199 # لحاجته إلى الإعلام فإن الأعمى لا يعلم بالشروع إلا بسماع التكبير من ~~الإمام ولا حاجة إليه في حق المنفرد والمقتدي ومنها أن يكبر المقتدي مقارنا ~~لتكبير الإمام فهو أفضل باتفاق الروايات عن أبي حنيفة، وفي التسليم عنه ~~روايتان في رواية يسلم مقارنا لتسليم الإمام كالتكبير وفي رواية يسلم بعد ~~تسليم الإمام بخلاف التكبير، وقال أبو يوسف: السنة أن يكبر بعد فراغ الإمام ~~من التكبير وإن كبر مقارنا لتكبيره فعن أبي يوسف فيه روايتان في رواية يجوز ~~وفي رواية لا يجوز، وعن محمد يجوز ويكون مسيئا وجه قولهما أن المقتدي تبع ~~للإمام ومعنى التبعية لا تتحقق في القران ولأبي حنيفة أن الاقتداء مشاركة ~~وحقيقة المشاركة المقارنة إذ بها تتحقق المشاركة في جميع أجزاء العباد، ~~وبهذا فارق التسليم على إحدى الروايتين؛ لأنه إذا سلم بعده فقد وجدت ~~المشاركة في جميع الصلاة؛ لأنه يخرج عنها بسلام الإمام. # أن المؤذن إذا قال قد قامت الصلاة كبر الإمام في قول أبي حنيفة ومحمد، ~~وقال أبو يوسف والشافعي: لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، والجملة فيه ~~أن المؤذن إذا قال: حي على الفلاح فإن كان الإمام معهم في المسجد يستحب ms0452 ~~للقوم أن يقوموا في الصف، وعند زفر والحسن بن زياد يقومون عند قوله: قد ~~قامت الصلاة في المرة الأولى، ويكبرون عند الثانية لأن المنبئ عن القيام ~~قوله: قد قامت الصلاة لا قوله حي على الفلاح. # ولنا أن قوله: حي على الفلاح دعاء إلى ما به فلاحهم وأمر بالمسارعة إليه ~~فلا بد من الإجابة إلى ذلك ولن تحصل الإجابة إلا بالفعل وهو القيام إليها، ~~فكان ينبغي أن يقوموا عند قوله: حي على الصلاة لما ذكرنا غير أنا نمنعهم عن ~~القيام كي لا يلغو قوله: حي على الفلاح؛ لأن من وجدت منه المبادرة إلى شيء ~~فدعاؤه إليه بعد تحصيله إياه يلغو من الكلام. # أما قوله إن المنبئ عن القيام قوله قد قامت الصلاة فنقول: قوله قد قامت ~~الصلاة ينبئ عن قيام الصلاة لا عن القيام إليها، وقيامها وجودها وذلك ~~بالتحريمة ليتصل بها جزء من أجزائها تصديقا له على ما نذكر، ثم إذا قاموا ~~إلى الصلاة إذا قال: المؤذن قد قامت الصلاة كبروا على الاختلاف الذي ذكرنا. # وجه قول أبي يوسف والشافعي أن في إجابة المؤذن فضيلة، وفي إدراك تكبيرة ~~الافتتاح فضيلة فلا بد من الفراغ إحرازا للفضيلتين من الجانبين؛ ولأن فيما ~~قلنا تكون جميع صلاتهم بالإقامة وفيما قالوا بخلافه ولأبي حنيفة ومحمد ما ~~روي عن سويد بن غفلة أن عمر كان إذا انتهى المؤذن إلى قوله: قد قامت الصلاة ~~كبر. # وروي عن بلال - رضي الله عنه - أنه قال: «يا رسول الله إن كنت تسبقني ~~بالتكبير فلا تسبقني بالتأمين» ولو كبر بعد الفراغ من الإقامة لما سبقه ~~بالتكبير فضلا عن التأمين فلم يكن للسؤال معنى؛ ولأن المؤذن مؤتمن الشرع ~~فيجب تصديقه وذلك فيما قلناه لما ذكرنا أن قيام الصلاة وجودها فلا بد من ~~تحصيل التحريمة المقترنة بركن من أركان الصلاة ليوجد جزء من أجزائها فيصير ~~المخبر عن قيامها صادقا في مقالته؛ لأن المخبر عن المتركب من أجزاء لا بقاء ~~لها لن يكون إلا عن وجود جزء منها وإن كان الجزء وحده مما لا ms0453 ينطلق عليه ~~اسم المتركب كمن يقول: فلان يصلي في الحال يكون صادقا، وإن كان لا يوجد في ~~حالة الإخبار إلا جزء منها؛ لاستحالة اجتماع أجزائها في الوجود في حالة ~~واحدة. # وبه تبين أن ما ذكروا من المعنيين لا يعتبر بمقابلة فعل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وفعل عمر - رضي الله عنه - ثم نقول في تصديق المؤذن فضيلة ~~كما أن إجابته فضلة بل فضيلة التصديق فوق فضيلة الإجابة مع أن فيما قالوه ~~فوات فضيلة الإجابة أصلا إذ لا جواب لقوله: قد قامت الصلاة من حيث القول، ~~وليس فيما قلنا تفويت فضيلة الإجابة أصلا بل حصلت الإجابة بالفعل وهو إقامة ~~الصلاة فكان ما قلنا سببا لاستدراك الفضيلتين فكان أحق وبه تبين أن لا بأس ~~بأداء بعض الصلاة بعد أكثر الإقامة، وأداء أكثرها بعد جميع الإقامة إذا كان ~~سببا لاستدراك الفضيلتين، وبعض مشايخنا اختاروا في الفعل مذهب أبي يوسف ~~لتعذر إحضار النية عليهم في حال رفع المؤذن صوته بالإقامة، هذا إذا كان ~~الإمام في المسجد فإن كان خارج المسجد لا يقومون ما لم يحضر لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «لا تقوموا في الصف حتى تروني خرجت» . # وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه دخل المسجد فرأى الناس قياما ينتظرونه ~~فقال ما لي أراكم سامدين أي: واقفين متحيرين ولأن القيام لأجل الصلاة ولا ~~يمكن أداؤها بدون الإمام فلم يكن القيام مفيدا، ثم إن دخل الإمام من قدام ~~الصفوف # PageV01P200 # فكما رأوه قاموا؛ لأنه كلما دخل المسجد قام مقام الإمامة وإن دخل من وراء ~~الصفوف فالصحيح أنه كلما جاوز صفا قام ذلك الصف؛ لأنه صار بحال لو اقتدوا ~~به جاز فصار في حقهم كأنه أخذه مكانه. # وأما الذي يؤتى به بعد الفراغ من الافتتاح فنقول: إذا فرغ من تكبيرة ~~الافتتاح يضع يمينه على شماله والكلام فيه في أربعة مواضع، أحدها في أصل ~~الوضع، والثاني في وقت الوضع، والثالث في محل الوضع، والرابع في كيفية ~~الوضع. # أما الأول قال عامة العلماء: إن السنة هي وضع ms0454 اليمين على الشمال، وقال ~~مالك: السنة هي الإرسال. # وجه قوله أن الإرسال أشق على البدن، والوضع للاستراحة دل عليه ما روي عن ~~إبراهيم النخعي أنه قال: إنهم كانوا يفعلون ذلك مخافة اجتماع الدم في رءوس ~~الأصابع؛ لأنهم كانوا يطيلون الصلاة وأفضل الأعمال أحمزها على لسان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، ولنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «ثلاث من سنن المرسلين، تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، وأخذ الشمال ~~باليمين في الصلاة» . # وفي رواية وضع اليمين على الشمال تحت السرة في الصلاة وأما وقت الوضع ~~فكلما فرغ من التكبير في ظاهر الرواية وروي عن محمد في النوادر أنه يرسلهما ~~حالة الثناء فإذا فرغ منه يضع بناء على أن الوضع سنة القيام الذي له قرار ~~في ظاهر المذهب وعن محمد سنة القراءة وأجمعوا على أنه لا يسن الوضع في ~~القيام المتخلل بين الركوع والسجود؛ لأنه لا قرار له ولا قراءة فيه، ~~والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إنا معشر ~~الأنبياء أمرنا أن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة» من غير فصل بين حال ~~وحال فهو على العموم إلا ما خص بدليل، ولأن القيام من أركان الصلاة والصلاة ~~خدمة الرب تعالى وتعظيم له والوضع في التعظيم أبلغ من الإرسال كما في ~~الشاهد فكان أولى. # وأما القيام المتخلل بين الركوع والسجود في صلاة الجمعة والعيدين فقال: ~~بعض مشايخنا الوضع أولى؛ لأن له ضرب قرار. # وقال بعضهم: الإرسال أولى؛ لأنه كما يضع يحتاج إلى الرفع فلا يكون مفيدا. # وأما في حال القنوت فذكر في الأصل إذا أراد أن يقنت كبر ورفع يديه حذاء ~~أذنيه ناشرا أصابعه ثم يكفهما قال أبو بكر الإسكاف: معناه يضع يمينه على ~~شماله، وكذلك روي عن أبي حنيفة ومحمد أنه يضعهما كما يضع يمينه على يساره ~~في الصلاة، وذكر الكرخي والطحاوي أنه يرسلهما في حالة القنوت وكذا روي عن ~~أبي يوسف واختلفوا في تفسير الإرسال، قال بعضهم: لا يضع يمينه على شماله، ~~ومنهم من ms0455 قال: لا بل يضع ومعنى الإرسال أن لا يبسطهما، كما روي عن أبي يوسف ~~أنه يبسط يديه بسطا في حالة القنوت وهو الصحيح؛ لعموم الحديث الذي روينا؛ ~~ولأن هذا قيام في الصلاة له قرار فكان الوضع فيه أقرب إلى التعظيم فكان ~~أولى. # وأما في صلاة الجنازة فالصحيح أيضا أن يضع لما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه «صلى على جنازة ووضع يمينه على شماله تحت السرة» ولأن ~~الوضع أقرب إلى التعظيم في قيام له قرار فكان الوضع أولى. # وأما محل الوضع فما تحت السرة في حق الرجل والصدر في حق المرأة، وقال ~~الشافعي: محله الصدر في حقهما جميعا واحتج بقوله تعالى {فصل لربك وانحر} ~~[الكوثر: 2] قوله وانحر أي ضع اليمين على الشمال في النحر وهو الصدر، وكذا ~~روي عن علي في تفسير الآية ولنا ما روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «ثلاث من سنن المرسلين من جملتها وضع اليمين على الشمال تحت السرة ~~في الصلاة» . # وأما الآية فمعناه أي صل صلاة العيد وانحر الجزور وهو الصحيح من التأويل؛ ~~لأنه حينئذ يكون عطف الشيء على غيره كما هو مقتضى العطف في الأصل ووضع اليد ~~من أفعال الصلاة وأبعاضها ولا مغايرة بين البعض وبين الكل، أو يحتمل ما ~~قلنا فلا يكون حجة مع الاحتمال على أنه روي عن علي وأبي هريرة - رضي الله ~~عنهما - أنهما قالا: السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة فلم يكن تفسير ~~الآية عنه. # وأما كيفية الوضع فلم يذكر في ظاهر الرواية واختلف فيها قال: بعضهم يضع ~~كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى، وقال بعضهم: يضع على ذراعه اليسرى، وقال ~~بعضهم: يضع على المفصل. # وذكر في النوادر اختلافا بين أبي يوسف ومحمد فقال: على قول أبي يوسف يقبض ~~بيده اليمنى على رسغ يده اليسرى، وعند محمد يضع كذلك، وعن الفقيه أبي جعفر ~~الهندواني أنه قال: قول أبي يوسف أحب إلي؛ لأن في القبض وضعا وزيادة وهو ~~اختيار مشايخنا بما وراء النهر فيأخذ المصلي ms0456 رسغ يده اليسرى بوسط كفه ~~اليمنى ويحلق إبهامه وخنصره وبنصره ويضع الوسطى والمسبحة على # PageV01P201 # معصمه ليصير جامعا بين الأخذ والوضع وهذا؛ لأن الأخبار اختلفت، ذكر في ~~بعضها الوضع وفي بعضها الأخذ فكان الجمع بينهما عملا بالدلائل أجمع فكان ~~أولى، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ~~سواء كان إماما أو مقتديا أو منفردا هكذا ذكر في ظاهر الرواية وزاد عليه في ~~كتاب الحج، وجل ثناؤك، وليس ذلك في المشاهير ولا يقرأ: {إني وجهت وجهي} ~~[الأنعام: 79] لا قبل التكبير ولا بعده وفي قول أبي حنيفة ومحمد وهو قول ~~أبي يوسف الأول، ثم رجع وقال في الإملاء: يقول مع التسبيح {إني وجهت وجهي ~~للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين} [الأنعام: 79] {قل إن ~~صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} [الأنعام: 162] {لا شريك له ~~وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} [الأنعام: 163] ولا يقول وأنا أول المسلمين؛ ~~لأنه كذب وهل تفسد صلاته إذا قال ذلك؟ قال بعضهم: تفسد؛ لأنه أدخل الكذب في ~~الصلاة، وقال بعضهم: لا تفسد؛ لأنه من القرآن، ثم عن أبي يوسف روايتان، في ~~رواية يقدم التسبيح عليه. # وفي رواية وهو بالخيار إن شاء قدم وإن شاء أخر وهو أحد قولي الشافعي، وفي ~~قول يفتتح بقوله: وجهت وجهي لا بالتسبيح واحتجا بحديث ابن عمر أن النبي كان ~~إذا افتتح الصلاة قال: وجهت وجهي إلخ، وقال سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره، ~~والشافعي زاد عليه ما رواه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله ~~«اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي ~~مغفرة من عندك وتب علي إنك أنت التواب الرحيم» . # وفي بعض الروايات «اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي، وأنا عبدك ~~وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي ~~ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق إنه لا يهدي ~~لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها ms0457 إنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت، أنا بك ~~ولك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك» وجه ظاهر الرواية قوله تعالى ~~{واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم} [الطور: 48] ذكر ~~الجصاص عن الضحاك عن عمر - رضي الله عنه - أنه قول المصلي عند الافتتاح ~~سبحانك اللهم وبحمدك. # وروى هذا الذكر عمر وعلي وعبد الله بن مسعود عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه كان يقول عند الافتتاح ولا تجوز الزيادة على الكتاب والخبر ~~المشهور بالآحاد، ثم تأويل ذلك كله أنه كان يقول ذلك في التطوعات، والأمر ~~فيها أوسع فأما في الفرائض فلا يزاد على ما اشتهر فيه الأثر أو كان في ~~الابتداء ثم نسخ بالآية أو تأيد ما روينا بمعاضدة الآية، ثم لم يرو عن ~~أصحابنا المتقدمين أنه يأتي به قبل التكبير، وقال بعض مشايخنا المتأخرين: ~~إنه لا بأس به قبل التكبير لإحضار النية ولهذا لقنوه العوام. # ثم يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم في نفسه إذا كان منفردا أو إماما، ~~والكلام في التعوذ في مواضع في بيان صفته، وفي بيان وقته، وفي بيان من يسن ~~في حقه، وفي بيان كيفيته. # أما الأول فالتعوذ سنة في الصلاة عند عامة العلماء وعند مالك ليس بسنة ~~والصحيح قول العامة لقوله تعالى {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم} [النحل: 98] من غير فصل بين حال الصلاة وغيرها. # وروي أن «أبا الدرداء قام ليصلي فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~تعوذ بالله من الشيطان الرجيم ومن شياطين الإنس والجن» ، وكذا الناقلون ~~صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نقلوا تعوذه بعد الثناء قبل ~~القراءة. # وأما وقت التعوذ فما بعد الفراغ من التسبيح قبل القراءة عند عامة ~~العلماء. # وقال أصحاب الظواهر: وقته ما بعد القراءة لظاهر قوله تعالى {فإذا قرأت ~~القرآن} [النحل: 98] الآية، أمر بالاستعاذة بعد قراءة القرآن؛ لأن الفاء ~~للتعقيب، ولنا أن الذين نقلوا صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نقلوا ~~تعوذه بعد الثناء قبل القراءة ولأن التعوذ شرع صيانة للقراءة ms0458 عن وساوس ~~الشيطان، ومعنى الصيانة إنما يحتاج إليه قبل القراءة لا بعدها والإرادة ~~مضمرة في الآية معناه فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله كذا قال أهل ~~التفسير كما في قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة: 6] أي إذا ~~أردتم القيام إليها. # وأما من يسن في حقه التعوذ فهو الإمام والمنفرد دون المقتدي في قول أبي ~~حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف هو سنة في حقه أيضا ذكر الاختلاف في السير ~~الكبير وحاصل الخلاف راجع إلى أن التعوذ تبع للثناء أو تبع للقراءة فعلى ~~قولهما تبع للقراءة؛ لأنه شرع لافتتاح القراءة صيانة لها عن وساوس الشيطان ~~فكان كالشرط لها، وشرط الشيء تبع له وعلى قوله تبع للثناء؛ لأنه شرع بعد ~~الثناء وهو من جنسه وتبع الشيء كاسمه ما يتبعه. # ويتفرع على هذا الأصل ثلاث مسائل، إحداها أنه لا تعوذ على المقتدي عندهما # PageV01P202 # لأنه لا قراءة عليه، وعنده يتعوذ؛ لأنه يأتي بالثناء فيأتي بما هو تبع ~~له، والثانية المسبوق إذا شرع في صلاة الإمام وسبح لا يتعوذ في الحال وإنما ~~يتعوذ إذا قام إلى قضاء ما سبق به عندهما؛ لأن ذلك وقت القراءة وعنده يتعوذ ~~بعد الفراغ من التسبيح؛ لأنه تبع له، والثالثة الإمام في صلاة العيد يأتي ~~بالتعوذ بعد التكبيرات عندهما إذا كان يرى رأي ابن عباس أو رأي ابن مسعود؛ ~~لأن ذلك وقت القراءة، وعنده يأتي به بعد التسبيح قبل التكبيرات لكونه تبعا ~~له. # وأما كيفية التعوذ فالمستحب له أن يقول أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ~~أو أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن أولى الألفاظ ما وافق كتاب الله وقد ~~ورد هذان اللفظان في كتاب الله تعالى ولا ينبغي أن يزيد عليه إن الله هو ~~السميع العليم؛ لأن هذه الزيادة من باب الثناء وما بعد التعوذ محل القراءة ~~لا محل الثناء وينبغي أن لا يجهر بالتعوذ؛ لأن الجهر بالتعوذ لم ينقل عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن علي وابن مسعود - رضي الله عنهما - أنهما ~~قالا: أربع يخفيهن الإمام وذكر منها ms0459 التعوذ، ولأن الأصل في الأذكار هو ~~الإخفاء لقوله تعالى {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة} [الأعراف: 205] فلا ~~يترك إلا لضرورة ثم يخفي بسم الله الرحمن الرحيم، وقال الشافعي يجهر به. # والكلام في التسمية في مواضع، أحدها أنها من القرآن أم لا، والثاني أنها ~~من الفاتحة أم لا، والثالث أنها من رأس السورة أم لا، وينبني على كل فصل ما ~~يتعلق به من الأحكام. # أما الأول فالصحيح من مذهب أصحابنا أنها من القرآن؛ لأن الأمة أجمعت على ~~أن ما كان بين الدفتين مكتوبا بقلم الوحي فهو من القرآن والتسمية كذلك، ~~وكذا روى المعلى عن محمد فقال: قلت لمحمد: التسمية آية من القرآن أم لا؟ ~~فقال: ما بين الدفتين كله قرآن، فقلت: فما بالك لا تجهر بها فلم يجبني. # وكذا روى الجصاص عن محمد أنه قال: التسمية آية من القرآن أنزلت للفصل بين ~~السورة للبداءة بها تبركا وليست بآية من كل واحدة منها، وإليه أشار في كتاب ~~الصلاة فإنه قال: ثم يفتتح القراءة ويخفي بسم الله الرحمن الرحيم، وينبني ~~على هذا أن فرض القراءة في الصلاة يتأدى بها عند أبي حنيفة إذا قرأها على ~~قصد القراءة دون الثناء عند بعض مشايخنا؛ لأنها آية من القرآن. # وكذا روي عن عبد الله بن المبارك أن من ترك بسم الله الرحمن الرحيم في ~~القرآن فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية، وقال بعضهم: لا يتأدى؛ لأن في كونها ~~آية تامة احتمال فإنه روي عن الأوزاعي أنه قال: ما أنزل الله في القرآن بسم ~~الله الرحمن الرحيم إلا في سورة النمل، وإنها في النمل وحدها ليست بآية ~~تامة وإنما الآية قوله {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} ~~[النمل: 30] فوقع الشك في كونها آية تامة فلا تجوز الصلاة بالشك وكذا يحرم ~~على الجنب والحائض والنفساء قراءتها على قصد القرآن. # أما على قياس رواية الكرخي فظاهر؛ لأن ما دون الآية يحرم عليهم، وكذا على ~~رواية الطحاوي لاحتمال أنها آية تامة فتحرم قراءتها عليهم احتياطا. # وأما الثاني والثالث ms0460 فعند أصحابنا ليست من الفاتحة ولا من رأس كل سورة، ~~وقال الشافعي: إنها من الفاتحة قولا واحدا، وله في كونها من رأس كل سورة ~~قولان، وقال الكرخي: لا أعرف في هذه المسألة بعينها عند متقدمي أصحابنا في ~~الاختلاف نصا لكن أمرهم بالإخفاء دليل على أنها ليست من الفاتحة؛ لامتناع ~~أن يجهر ببعض السورة دون البعض احتج الشافعي بما روى أبو هريرة عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول: «الحمد لله رب العالمين سبع آيات ~~إحداهن بسم الله الرحمن الرحيم» فقد عد التسمية آية من الفاتحة دل أنها من ~~الفاتحة؛ ولأنها كتبت في المصاحف على رأس الفاتحة وكل سورة بقلم الوحي ~~فكانت من الفاتحة ومن كل سورة، ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - خبرا ~~عن الله تعالى أنه قال: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال ~~العبد: الحمد لله رب العالمين يقول الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن ~~الرحيم قال الله تعالى: مجدني عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين قال الله ~~تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال الله تعالى: ~~هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل» وجه الاستدلال به من وجهين، ~~أحدهما أنه بدأ بقوله الحمد لله رب العالمين لا بقوله بسم الله الرحمن ~~الرحيم، ولو كانت من الفاتحة لكانت البداءة بها لا بالحمد. # والثاني أنه نص على المناصفة ولو كانت التسمية من الفاتحة لم تتحقق ~~المناصفة بل يكون ما لله أكثر؛ لأنه يكون في النصف الأول أربع آيات ونصف؛ ~~ولأن كون الآية من سورة كذا ومن موضع كذا لا يثبت إلا بالدليل المتواتر من ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P203 # وقد ثبت بالتواتر أنها مكتوبة في المصاحف ولا تواتر على كونها من السورة ~~ولهذا اختلف أهل العلم فيه فعدها قراء أهل الكوفة من الفاتحة ولم يعدها ~~قراء أهل البصرة منها، وذا دليل عدم التواتر ووقوع الشك والشبهة في ذلك فلا ~~يثبت كونها من السورة مع الشك؛ ولأن كون التسمية من كل ms0461 سورة مما اختص به ~~الشافعي لا يوافقه في ذلك أحد من سلف الأمة وكفى به دليلا على بطلان ~~المذهب، والدليل عليه ما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى غفر له ~~تبارك الذي بيده الملك» وقد اتفق القراء وغيرهم على أنها ثلاثون آية سوى ~~بسم الله الرحمن الرحيم. # ولو كانت هي منها لكانت إحدى وثلاثين آية وهو خلاف قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وكذا انعقد الإجماع من الفقهاء والقراء أن سورة الكوثر ثلاث ~~آيات وسورة الإخلاص أربع آيات ولو كانت التسمية منها لكانت سورة الكوثر ~~أربع آيات وسورة الإخلاص خمس آيات وهو خلاف الإجماع. # وأما ما روي من الحديث ففيه اضطراب فإن بعضهم شك في ذكر أبي هريرة في ~~الإسناد ولأن مداره على عبد الحميد بن جعفر عن نوح بن أبي بلال عن سعيد ~~المقبري عن أبي هريرة ولم يرفعه، وذكر أبو بكر الحنفي وقال: لقيت نوحا ~~فحدثني به عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ولم يرفعه، والاختلاف في السند ~~والوقف والرفع يوجب ضعفا فيه؛ ولأنه في حد الآحاد وخبر الواحد لا يوجب ~~العلم وكون التسمية من الفاتحة لا تثبت إلا بالنقل الموجب للعلم مع أنه ~~عارضه ما هو أقوى منه وأثبت وأشهر وهو حديث القسمة فلا يقبل في معارضته. # أما قوله إنها كتبت في المصاحف بقلم الوحي على رأس السور فنعم لكن هذا ~~يدل على كونها من القرآن لا على كونها من السور لجواز أنها كتبت للفصل بين ~~السور لا لأنها منها فلا يثبت كونها من السور بالاحتمال، وينبني على هذا ~~أنه لا يجهر بالتسمية في الصلاة عندنا؛ لأنه لا نص في الجهر بها وليست من ~~الفاتحة حتى يجهر بها ضرورة الجهر بالفاتحة، وعنده يجهر بها في الصلوات ~~التي يجهر فيها بالقراءة كما يجهر بالفاتحة لكونها من الفاتحة ولأن التسمية ~~متى ترددت بين أن تكون من الفاتحة وبين أن لا تكون تردد الجهر ms0462 بين السنة ~~والبدعة؛ لأنها إذا لم تكن منها التحقت بالأذكار، والجهر بالأذكار بدعة ~~والفعل إذا تردد بين السنة والبدعة تغلب جهة البدعة؛ لأن الامتناع عن ~~البدعة فرض ولا فرضية في تحصيل السنة أو الواجب فكان الإخفاء بها أولى، ~~والدليل عليه ما روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد ~~الله بن الفضل وعبد الله بن عباس وأنس وغيرهم - رضي الله عنهم - أنهم كانوا ~~يخفون التسمية وكثير منهم قال: الجهر بالتسمية إعرابية والمنسوب إليهم باطل ~~لغلبة الجهل عليهم بالشرائع. # وروي عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: «صليت خلف رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وخلف أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - وكانوا لا يجهرون ~~بالتسمية» ، ثم عندنا إن لم يجهر بالتسمية لكن يأتي بها الإمام لافتتاح ~~القراءة بها تبركا كما يأتي بالتعوذ في الركعة الأولى باتفاق الروايات، وهل ~~يأتي بها في أول الفاتحة في الركعات الأخر؟ عن أبي حنيفة روايتان، روى ~~الحسن عنه أنه لا يأتي بها إلا في الركعة الأولى؛ لأنها ليست من الفاتحة ~~عندنا وإنما يفتتح القراءة بها تبركا وذلك مختص بالركعة الأولى كالتعوذ، ~~وروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه يأتي بها في كل ركعة وهو قول أبي ~~يوسف ومحمد؛ لأن التسمية إن لم تجعل من الفاتحة قطعا بخبر الواحد لكن خبر ~~الواحد يوجب العمل فصارت من الفاتحة عملا فمتى لزمه قراءة الفاتحة يلزمه ~~قراءة التسمية احتياطا. # وأما عند رأس كل سورة في الصلاة فلا يأتي بالتسمية عند أبي حنيفة وأبي ~~يوسف، وقال محمد يأتي بها احتياطا كما في أول الفاتحة، والصحيح قولهما؛ لأن ~~احتمال كونها من السورة منقطع بإجماع السلف على ما مر وفي أنها ليست من ~~الفاتحة لا إجماع فبقي الاحتمال فوجب العمل به في حق القراءة احتياطا، ولكن ~~لا يعتبر هذا الاحتمال في حق الجهر؛ لأن المخافتة أصل في الأذكار والجهر ~~بها بدعة في الأصل فإذا احتمل أنها ذكر في هذه الحالة واحتمل أنها من ~~الفاتحة كانت المخافتة ms0463 أبعد عن البدعة فكانت أحق. # وروي عن محمد أنه إذا كان يخفي بالقراءة يأتي بالتسمية بين الفاتحة ~~والسورة؛ لأنه أقرب إلى متابعة المصحف وإذا كان يجهر بها لا يأتي؛ لأنه لو ~~فعل لأخفى بها فيكون # PageV01P204 # سكتة له في وسط القراءة وذلك غير مشروع ثم يقرأ بفاتحة الكتاب والسورة ~~وقد بينا أصل فرضية القراءة وقدرها ومحل القراءة المفروضة في بيان أركان ~~الصلاة. # وههنا نذكر المقدار الذي يخرج به عن حد الكراهة، والمقدار المستحب من ~~القراءة. # أما الأول فالقدر الذي يخرج به عن حد الكراهة هو أن يقرأ الفاتحة وسورة ~~قصيرة قدر ثلاث آيات، أو ثلاث آيات من أي سورة كانت، حتى لو قرأ الفاتحة ~~وحدها أو قرأ معها آية أو آيتين يكره لما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة معها» وأقصر السور ثلاث ~~آيات ولم يرد به نفي الجواز بل نفي الكمال، وأداء المفروض على وجه النقصان ~~مكروه. # وأما القدر المستحب من القراءة فقد اختلفت الروايات فيه عن أبي حنيفة ذكر ~~في الأصل ويقرأ الإمام في الفجر في الركعتين جميعا بأربعين آية مع فاتحة ~~الكتاب أي سواها، وذكر في الجامع الصغير بأربعين خمسين ستين سوى فاتحة ~~الكتاب، وروى الحسن في المجرد عن أبي حنيفة ما بين ستين إلى مائة وإنما ~~اختلفت الروايات لاختلاف الأخبار. # روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ في صلاة الفجر سورة ~~(ق) حتى أخذ بعض النسوان منه في صلاة الفجر منهن أم هشام بنت الحارث بن ~~النعمان وعن مورق العجلي قال: تلقنت سورة (ق) واقترب، من في رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - من كثرة قراءته لهما في صلاة الفجر، وعن أبي هريرة أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «قرأ في صلاة الفجر والمرسلات وعم يتساءلون» ~~، وفي رواية {إذا الشمس كورت} [التكوير: 1] و {إذا السماء انفطرت} ~~[الانفطار: 1] . # وروى ابن مسعود وابن عباس وأبو هريرة - رضي الله عنهم - أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان «يقرأ ms0464 في الركعة الأولى من الفجر ب {الم - تنزيل} ~~[السجدة: 1 - 2] السجدة، وفي الأخرى بهل أتى على الإنسان» ، وعن أبي برزة ~~الأسلمي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان «يقرأ في صلاة الفجر ما ~~بين ستين آية إلى مائة» كذا ذكر وكيع. # وروي أن أبا بكر قرأ في الفجر سورة البقرة فلما فرغ قال له عمر: كادت ~~الشمس تطلع يا خليفة رسول الله فقال - رضي الله عنه -: لو طلعت لم تجدنا ~~غافلين. # وروي أن عمر - رضي الله عنه - قرأ سورة يوسف فلما انتهى إلى قوله {إنما ~~أشكو بثي وحزني إلى الله} [يوسف: 86] خنقته العبرة فركع، ووفق بعض هم بين ~~الروايات فقال: المساجد ثلاث مسجد له قوم زهاد وعباد يرغبون في العبادة، ~~ومسجد له قوم كسالى غير راغبين في العبادة، ومسجد له قوم أوساط فينبغي ~~للإمام أن يعمل بأكثر الروايات قراءة في الأول وبأدناها قراءة في الثاني ~~وبأوسطها قراءة في الثالث عملا بالروايات كلها بقدر الإمكان، ويجوز أن يكون ~~اختلاف الروايات محمولا على هذا، ويقرأ في الظهر بنحو من ذلك أو دونه. # وذكره في الأصل لما روي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه قال: ~~حررنا قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الظهر في الركعتين ~~بثلاثين آية، وعن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أنه قال: «صلى بنا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر وقرأ {والسماء والطارق} [الطارق: 1] ~~{والشمس وضحاها} [الشمس: 1] ، وفي العصر يقرأ بعشرين آية مع فاتحة الكتاب ~~أي سواها» ذكره في الأصل؛ لما روي عن أبي هريرة وجابر بن سمرة أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان «يقرأ في العصر بسورة {سبح اسم ربك الأعلى} ~~[الأعلى: 1] و {هل أتاك حديث الغاشية} [الغاشية: 1] . وفي العشاء مثل ذلك» ~~في رواية الأصل؛ لقول «النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ حين كان يقرأ ~~البقرة في صلاة العشاء أين أنت من الشمس وضحاها {والليل إذا يغشى} [الليل: ~~1] » ؛ ولأنها تؤخر إلى ثلث الليل فلو طول القراءة لتشوش أمر الصلاة ms0465 على ~~القوم لغلبة النوم إياهم، وفي المغرب بسورة قصيرة خمس آيات أو ست آيات مع ~~فاتحة الكتاب أي سواها ذكره في الأصل؛ لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه ~~كتب إلى أبي موسى الأشعري أن اقرأ في الفجر والظهر بطوال المفصل وفي العصر ~~والعشاء بأوساط المفصل وفي المغرب بقصار المفصل. # ولأنا أمرنا بتعجيل المغرب وفي تطويل القراءة تأخيرها، وذكر في الجامع ~~الصغير ويقرأ في الظهر في الأوليين مثل ركعتي الفجر والعصر والعشاء سواء ~~والمغرب دون ذلك، وروى الحسن في المجرد عن أبي حنيفة أنه يقرأ في الظهر ~~بعبس أو إذا الشمس كورت في الأولى، وفي الثانية بلا أقسم أو والشمس وضحاها، ~~وفي العصر يقرأ في الأولى والضحى أو والعاديات، وفي الثانية بألهاكم أو ~~{ويل لكل همزة} [الهمزة: 1] . # وفي المغرب في الأولى مثل ما في العصر، وفي العشاء في الأوليين مثل ما في ~~الظهر فقد جعلها في الأصل كالعصر وفي المجرد كالظهر، وذكر الكرخي # PageV01P205 # وقال: وقدر القراءة في الفجر للمقيم قدر ثلاثين آية إلى ستين آية سوى ~~الفاتحة في الركعة الأولى، وفي الثانية ما بين عشرين إلى ثلاثين، وفي الظهر ~~في الركعتين جميعا سوى فاتحة الكتاب مثل القراءة في الركعة الأولى من ~~الفجر، وفي العصر والعشاء يقرأ في كل ركعة قدر عشرين آية سوى فاتحة الكتاب، ~~وفي المغرب في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة من قصار المفصل. # قال: وهذه الرواية أحب الروايات التي رواها المعلى عن أبي يوسف عن أبي ~~حنيفة، ويحتمل أن يكون اختلاف مقادير القراءة في الصلوات لاختلاف أحوال ~~الناس فوقت الفجر وقت نوم وغفلة فتطول فيه القراءة كي لا تفوتهم الجماعة، ~~وكذا وقت الظهر في الصيف؛ لأنهم يقيلون، ووقت العصر وقت رجوع الناس إلى ~~منازلهم فينقص عما في الظهر والفجر، وكذا وقت العشاء وقت عزمهم على النوم ~~فكان مثل وقت العصر، ووقت المغرب وقت عزمهم على الأكل فقصر فيها القراءة ~~لقلة صبرهم عن الأكل خصوصا للصائمين وهذا كله ليس بتقدير لازم بل يختلف ~~باختلاف الوقت والزمان وحال ms0466 الإمام والقوم. # فيه أنه ينبغي للإمام أن يقرأ مقدار ما يخف على القوم ولا يثقل عليهم بعد ~~أن يكون على التمام؛ لما روي عن عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه قال «آخر ما ~~عهد إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أصلي بالقوم صلاة أضعفهم» . # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من أم قوما فليصل بهم صلاة ~~أضعفهم فإن فيهم الصغير والكبير وذا الحاجة» . # وروي «أن قوم معاذ لما شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تطويل ~~القراءة دعاه فقال: أفتان أنت يا معاذ؟ قالها ثلاثا، أين أنت من {والسماء ~~والطارق} [الطارق: 1] {والشمس وضحاها} [الشمس: 1] ؟ قال الراوي فما رأيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موعظة أشد منه في تلك الموعظة» ، وعن ~~أنس - رضي الله عنه - أنه قال: «ما صليت خلف أحد أتم وأخف مما صليت خلف ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . # وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - «قرأ بالمعوذتين في صلاة الفجر يوما ~~فلما فرغ قالوا: أوجزت، فقال - صلى الله عليه وسلم -: سمعت بكاء صبي فخشيت ~~على أمه أن تفتتن» دل على أن الإمام ينبغي له أن يراعي حال قومه؛ ولأن ~~مراعاة حال القوم سبب لتكثير الجماعة فكان ذلك مندوبا إليه هذا الذي ذكرنا ~~في المقيم فأما المسافر فينبغي أن يقرأ مقدار ما يخف عليه وعلى القوم بأن ~~يقرأ الفاتحة وسورة من قصار المفصل لما روي عن عقبة بن عامر الجهني أنه ~~قال: «صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر صلاة الفجر فقرأ ~~بفاتحة الكتاب والمعوذتين» ولأن السفر مكان المشقة فلو قرأ فيه مثل ما يقرأ ~~في الحضر لوقعوا في الحرج وانقطع بهم السير وهذا لا يجوز، ولهذا أثر في قصر ~~الصلاة فلأن يؤثر في قصر القراءة أولى. # ويستحب للإمام أن يفضل الركعة الأولى في القراءة على الثانية في الفجر ~~بالإجماع. # وأما في سائر الصلوات فيسوي بينهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: ~~يفضل في الصلوات كلها، وكذا هذا ms0467 الاختلاف في الجمعة والعيدين واحتج محمد ~~بما روى أبو قتادة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان ~~يطيل الركعة الأولى على غيرها في الصلوات كلها» ولأن التفضيل تسبيب إلى ~~إدراك الجماعة فيفضل كما في صلاة الفجر، ولهما ما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه «كان يقرأ في الجمعة سورة الجمعة في الركعة الأولى وفي ~~الثانية سورة المنافقين وهما في الآي مستويتان، وكان يقرأ في الأولى سورة ~~الأعلى وفي الثانية الغاشية وهما مستويتان» ، ولأنهما مستويتان في استحقاق ~~القراءة فلا تفضل إحداهما على الأخرى إلا لداع وقد وجد الداعي في الفجر وهو ~~الحاجة إلى الإعانة على إدراك الجماعة لكون الوقت وقت نوم وغفلة فكان ~~التفضيل من باب النظر ولا داعي له في سائر الصلوات لكون الوقت وقت يقظة ~~فالتخلف عن الجماعة يكون تقصيرا والمقصر لا يستحق النظر، وأما الحديث فنقول ~~كان يطيل الركعة الأولى بالثناء في أول الصلاة لا بالقراءة. # أن يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة تامة كذا ورد في الحديث. # ولو قرأ سورة واحدة في الركعتين قال بعض المشايخ: يكره؛ لأنه خلاف ما جاء ~~به الأثر وقال عامتهم: لا يكره وكذا روى عيسى بن أبان عن أصحابنا أنه لا ~~يكره، وروى في ذلك حديثا بإسناده عن ابن مسعود أنه «قرأ في الفجر سورة بني ~~إسرائيل إلى قوله {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} [الإسراء: 110] في ~~الركعة الأولى ثم قام إلى الثانية وختم السورة» ولو جمع بين السورتين في ~~ركعة # PageV01P206 # لا يكره؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أوتر بسبع سور من ~~المفصل» والأفضل أن لا يجمع ولو قرأ من وسط السورة أو آخرها لا بأس به كذا ~~روى الفقيه أبو جعفر الهندواني - رحمه الله تعالى - لكن المستحب ما ذكرنا. # فإذا فرغ من الفاتحة يقول آمين إماما كان أو مقتديا أو منفردا وهذا قول ~~عامة العلماء. # وقال بعض الناس: لا يؤتى بالتأمين أصلا، وقال مالك: يأتي به المقتدي دون ~~الإمام والمنفرد والصحيح قول ms0468 العامة لما روي عن أبي هريرة عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال «إذا أمن الإمام فأمنوا فإن الملائكة تؤمن فمن ~~وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» حثنا على ~~التأمين من غير فصل. # ثم السنة فيه المخافتة عندنا، وعند الشافعي الجهر في صلاة الجهر واحتج ~~بما روينا من الحديث، ووجه التعلق به أنه - صلى الله عليه وسلم - علق تأمين ~~القوم بتأمين الإمام ولو لم يكن مسموعا لم يكن معلوما فلا معنى للتعلق، وعن ~~وائل بن حجر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «آمين ومد بها صوته» . # (ولنا) ما روي عن وائل بن حجر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أخفى ~~التأمين» وهو قول علي وابن مسعود، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين فإن الإمام يقولها» . # ولو كان مسموعا لما احتيج إلى قوله فإن الإمام يقولها ولأنه من باب ~~الدعاء؛ لأن معناه اللهم أجب أو ليكن كذلك قال الله تعالى {قد أجيبت ~~دعوتكما} [يونس: 89] وموسى كان يدعو وهارون كان يؤمن، والسنة في الدعاء ~~الإخفاء، وحديث وائل طعن فيه النخعي وقال: أشهد وائل؟ وغاب عبد الله على ~~أنه يحتمل أنه - صلى الله عليه وسلم - جهر مرة للتعليم ولا حجة في الحديث ~~الآخر؛ لأن مكانه معلوم، وهو ما بعد الفراغ من الفاتحة فكان التعليق صحيحا. # وإذا فرغ من القراءة ينحط للركوع ويكبر مع الانحطاط ولا يرفع يديه. # أما التكبير عند الانتقال من القيام إلى الركوع فسنة عند عامة العلماء، ~~وقال بعضهم: لا يكبر حال ما ركع وإنما يكبر حال ما يرفع رأسه من الركوع، ~~والصحيح قول العامة لما روي عن علي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وغيرهم أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يكبر عند كل خفض ورفع» . # وروي أنه كان يكبر وهو يهوي والواو للحال ولأن الذكر سنة في كل ركن ليكون ~~معظما لله تعالى فيما هو من أركان الصلاة بالذكر كما هو معظم ms0469 له بالفعل ~~فيزداد معنى التعظيم والانتقال من ركن إلى ركن بمعنى الركن لكونه وسيلة ~~إليه فكان الذكر فيه مسنونا. # وأما رفع اليدين عند التكبير فليس بسنة في الفرائض عندنا إلا في تكبيرة ~~الافتتاح، وقال الشافعي: يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع، ~~وقال بعضهم: يرفع يديه عند كل تكبيرة، وأجمعوا على أنه يرفع الأيدي في ~~تكبير القنوت وتكبيرات العيدين احتج الشافعي بما روي عن جماعة من الصحابة ~~مثل علي وابن عمر ووائل بن حجر وأبي هريرة - رضي الله عنهم - أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «كان يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع» ~~. # (ولنا) ما روى أبو حنيفة بإسناده عن عبد الله بن مسعود أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «كان يرفع يديه عند تكبيرة الافتتاح ثم لا يعود بعد ذلك» ~~، وعن علقمة أنه قال: صليت خلف عبد الله بن مسعود فلم يرفع يديه عند الركوع ~~وعند رفع الرأس من الركوع فقلت له: لم لا ترفع يديك؟ فقال: صليت خلف رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وخلف أبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا في ~~التكبيرة التي تفتتح بها الصلاة. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال إن العشرة الذين شهد لهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة ما كانوا يرفعون أيديهم إلا ~~لافتتاح الصلاة وخلاف هؤلاء الصحابة قبيح. # وفي المشاهير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ترفع الأيدي إلا ~~في سبع مواطن عند افتتاح الصلاة، وفي العيدين، والقنوت في الوتر، وعند ~~استلام الحجر، وعلى الصفا والمروة، وبعرفات وبجمع وعند المقامين عند ~~الجمرتين» . # وروي «أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى بعض أصحابه يرفعون أيديهم عند ~~الركوع وعند رفع الرأس من الركوع فقال: ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها ~~أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة» ، وفي رواية «قاروا في الصلاة» ولأن هذه ~~تكبيرة يؤتى بها في حالة الانتقال فلا يسن رفع اليدين عندها كتكبيرة ~~السجود، وتأثيره أن المقصود من رفع اليدين إعلام ms0470 الأصم الذي خلفه وإنما ~~يحتاج إلى الإعلام بالرفع في التكبيرات التي يؤتى بها في حالة الاستواء ~~كتكبيرات الزوائد في العيدين وتكبيرات القنوت، فأما فيما يؤتى به في حالة ~~الانتقال فلا حاجة إليه؛ لأن الأصم يرى # PageV01P207 # الانتقال فلا حاجة إلى رفع اليدين وما رواه منسوخ فإنه روي أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يرفع ثم ترك ذلك بدليل ما روى ابن مسعود - رضي الله ~~عنه - أنه قال رفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفعنا وترك فتركنا دل ~~عليه أن مدار حديث الرفع على علي وابن عمر وعاصم بن كليب. # قال: صليت خلف علي سنتين فكان لا يرفع يديه إلا في تكبيرة الافتتاح، ~~ومجاهد قال صليت خلف عبد الله بن عمر سنتين فكان لا يرفع يديه إلا في ~~تكبيرة الافتتاح فدل عملهما على خلاف ما رويا على معرفتهما انتساخ ذلك على ~~أن ترك الرفع عند تعارض الأخبار أولى؛ لأنه لو ثبت الرفع لا تربو درجته على ~~السنة ولو لم يثبت كان بدعة وترك البدعة أولى من إتيان السنة؛ ولأن ترك ~~الرفع مع ثبوته لا يوجب فساد الصلاة والتحصيل مع عدم الثبوت يوجب فساد ~~الصلاة؛ لأنه اشتغال بعمل ليس من أعمال الصلاة باليدين جميعا وهو تفسير ~~العمل الكثير وقد بينا المقدار المفروض من الركوع في موضعه. # وأما سنن الركوع - فمنها أن يبسط ظهره لما روي عن أبي هريرة وعائشة - رضي ~~الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان إذا ركع بسط ظهره حتى ~~لو وضع على ظهره قدح من ماء لاستقر» -، ومنها أن لا ينكس رأسه ولا يرفعه ~~أي: يسوي رأسه بعجزه؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان إذا ~~ركع لم يرفع رأسه ولم ينكسه» . # وروي أنه «نهى أن يدبح المصلي تدبيح الحمار» وهو أن يطأطئ رأسه إذا شم ~~البول أو أراد أن يتمرغ؛ ولأن بسط الظهر سنة، وإنه لا يحصل مع الرفع ~~والتنكيس، ومنها أن يضع يديه على ركبتيه وهو قول عامة الصحابة وقال ابن ~~مسعود: السنة ms0471 هي التطبيق وهو أن يجمع بين كفيه ويرسلهما بين فخذيه، والصحيح ~~قول العامة لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأنس - رضي ~~الله عنه -: «إذا ركعت فضع كفيك على ركبتيك وفرج بين أصابعك» وفي رواية ~~وفرق بين أصابعك. # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ثنيت لكم الركب فخذوا بالركب، ~~والتطبيق منسوخ لما روي أن سعيد بن العاص رأى ابنه يطبق في الصلاة فنهاه عن ~~ذلك فقال: رأيت ابن مسعود يطبق في الصلاة، فقال: رحم ابن مسعود كنا نطبق في ~~الابتداء ثم نهينا عنه فيحتمل أن ابن مسعود كان يفعله؛ لأن النسخ لم يبلغه. # ومنها أنه يفرق بين أصابعه لما روينا ولأن السنة هي الوضع مع الأخذ لحديث ~~عمر - رضي الله عنه - والتفريق أمكن من الأخذ، ومنها أن يقول في ركوعه: ~~سبحان ربي العظيم ثلاثا، وهذا قول العامة، وقال مالك في قول من ترك التسبيح ~~في الركوع: تبطل صلاته وفي رواية عنه أنه قال: لا نجد في الركوع دعاء ~~مؤقتا. # وروي عن أبي مطيع البلخي أنه قال: من نقص من الثلاث في تسبيحات الركوع ~~والسجود لم تجزه صلاته، وهذا فاسد؛ لأن الأمر تعلق بفعل الركوع والسجود ~~مطلقا عن شرط التسبيح فلا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد فقلنا بالجواز مع ~~كون التسبيح سنة عملا بالدليلين بقدر الإمكان ودليل كونه سنة ما روي عن ~~عقبة بن عامر أنه قال: «لما نزل قوله تعالى {فسبح باسم ربك العظيم} ~~[الواقعة: 74] قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اجعلوها في ركوعكم، ولما ~~نزل قوله تعالى {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] قال: اجعلوها في سجودكم» ~~ثم السنة فيه أن يقول ثلاثا وذلك أدناه، وقال الشافعي: يقول مرة واحدة؛ لأن ~~الأمر بالفعل لا يقتضي التكرار فيصير ممتثلا بتحصيله مرة واحدة، ولنا ما ~~روي عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا صلى أحدكم ~~فليقل في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثا، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى ~~ثلاثا، وذلك أدناه» والأمر بالفعل ms0472 يحتمل التكرار فيحمل عليه عند قيام ~~الدليل. # وروي عن محمد أنه إذا سبح مرة واحدة يكره؛ لأن الحديث جعل الثلاث أدنى ~~التمام فما دونه يكون ناقصا فيكره ولو زاد على الثلاث فهو أفضل؛ لأن قوله ~~وذلك أدناه دليل استحباب الزيادة، وهذا إذا كان منفردا فإن كان مقتديا يسبح ~~إلى أن يرفع الإمام رأسه. # وأما إذا كان إماما فينبغي أن يسبح ثلاثا ولا يطول على القوم لما روينا ~~من الأحاديث ولأن التطويل سبب التنفير وذلك مكروه، وقال بعضهم يقولها أربعا ~~حتى يتمكن القوم من أن يقولوها ثلاثا، وعن سفيان الثوري أنه يقولها خمسا، ~~وقال الشافعي: يزيد في الركوع على التسبيحة الواحدة اللهم لك ركعت ولك خشعت ~~ولك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت ويقول في السجود سجد وجهي للذي خلقه وشق ~~سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين كذا روي عن علي - رضي الله عنه - وهو ~~عندنا محمول # PageV01P208 # على النوافل ثم الإمام إذا كان في الركوع فسمع خفق النعل ممن دخل المسجد ~~هل ينتظره أم لا؟ قال أبو يوسف سألت أبا حنيفة وابن أبي ليلى عن ذلك ~~فكرهاه، وقال أبو حنيفة: أخشى عليه أمرا عظيما يعني الشرك، وروى هشام عن ~~محمد أنه كره ذلك، وعن أبي مطيع أنه كان لا يرى بأسا، وقال الشافعي: لا بأس ~~به مقدار تسبيحة أو تسبيحتين، وقال بعضهم: يطول التسبيحات ولا يزيد على ~~العدد، وقال أبو القاسم الصفار: إن كان الرجل غنيا لا يجوز له الانتظار وإن ~~كان فقيرا يجوز، وقال الفقيه أبو الليث: إن كان الإمام قد عرف الجائي فإنه ~~لا ينتظره؛ لأنه يشبه الميل وإن لم يعرفه فلا بأس به؛ لأن في ذلك إعانة على ~~الطاعة. # وإذا اطمأن راكعا رفع رأسه وقال: سمع الله لمن حمده ولم يرفع يديه فيحتاج ~~فيه إلى بيان المفروض والمسنون. # أما المفروض فقد ذكرناه وهو الانتقال من الركوع إلى السجود لما بينا أنه ~~وسيلة إلى الركن، فأما رفع الرأس وعوده إلى القيام فهو تعديل الانتقال وإنه ~~ليس بفرض عند أبي حنيفة ms0473 ومحمد بل هو واجب أو سنة عندهما وعند أبي يوسف ~~والشافعي فرض على ما مر. # وأما سنن هذا الانتقال فمنها أن يأتي بالذكر؛ لأن الانتقال فرض فكان ~~الذكر فيه مسنونا واختلفوا في ماهية الذكر، والجملة فيه أن المصلي لا يخلو ~~إما أن كان إماما أو مقتديا أو منفردا، فإن كان إماما يقول سمع الله لمن ~~حمده ولا يقول ربنا لك الحمد في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد ~~والشافعي: يجمع بين التسميع والتحميد. # وروي عن أبي حنيفة مثل قولهما، احتجوا بما روي عن عائشة - رضي الله عنها ~~- أنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا رفع رأسه من ~~الركوع قال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد» وغالب أحواله كان هو الإمام، ~~وكذا روى أبو هريرة - رضي الله عنه -؛ ولأن الإمام منفرد في حق نفسه ~~والمنفرد يجمع بين هذين الذكرين فكذا الإمام، ولأن التسميع تحريض على ~~التحميد فلا ينبغي أن يأمر غيره بالبر وينسى نفسه كي لا يدخل تحت قوله ~~تعالى {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب} [البقرة: ~~44] واحتج أبو حنيفة بما روى أبو موسى الأشعري وأبو هريرة - رضي الله عنهما ~~- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنما جعل الإمام إماما ليؤتم ~~به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال ولا ~~الضالين فقولوا آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ~~ربنا لك الحمد» قسم التحميد والتسميع بين الإمام والقوم فجعل التحميد لهم ~~والتسميع له، وفي الجمع بين الذكرين من أحد الجانبين إبطال هذه القسمة وهذا ~~لا يجوز، وكان ينبغي أن لا يجوز للإمام التأمين أيضا بقضية هذا الحديث، ~~وإنما عرفنا ذلك لما روينا من الحديث، ولأن إتيان التحميد من الإمام يؤدي ~~إلى جعل التابع متبوعا والمتبوع تابعا وهذا لا يجوز، بيان ذلك أن الذكر ~~يقارن الانتقال فإذا قال الإمام مقارنا للانتقال سمع الله لمن حمده يقول ~~المقتدي مقارنا له: ربنا لك الحمد، فلو قال الإمام ms0474 بعد ذلك لوقع قوله بعد ~~قول المقتدي فينقلب المتبوع تابعا والتابع متبوعا، ومراعاة التبعية في جميع ~~أجزاء الصلاة واجبة بقدر الإمكان، وحديث عائشة - رضي الله عنها - محمول على ~~حالة الانفراد في صلاة الليل، وقولهم: الإمام منفرد في حق نفسه مسلم لكن ~~المنفرد لا يجمع بين الذكرين على إحدى الروايتين عن أبي حنيفة ولأن ما ~~ذكرنا من معنى التبعية لا يتحقق في المنفرد فبطل الاستدلال. # وأما قولهم: إنه يأمر غيره بالبر فينبغي أن لا ينسى نفسه فنقول: إذا أتى ~~بالتسميع فقد صار دالا على التحميد والدال على الخير كفاعله فلم يكن ناسيا ~~نفسه، هذا إذا كان إماما فإن كان مقتديا يأتي بالتحميد لا غير عندنا، وعند ~~الشافعي يجمع بينهما استدلالا بالمنفرد؛ لأن الاقتداء لا أثر له في إسقاط ~~الأذكار بالإجماع وإن اختلفا في القراءة. # (ولنا) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم التسميع والتحميد بين الإمام ~~والمقتدي وفي الجمع بينهما من الجانبين إبطال القسمة وهذا لا يجوز، ولأن ~~التسميع دعاء إلى التحميد وحق من دعي إلى شيء الإجابة إلى ما دعي إليه ~~لإعادة قول الداعي، وإن كان منفردا فإنه يأتي بالتسميع في ظاهر الرواية، ~~وكذا يأتي بالتحميد عندهم وعن أبي حنيفة روايتان روى المعلى عن أبي يوسف عن ~~أبي حنيفة أنه يأتي بالتسميع دون التحميد وإليه ذهب الشيخ الإمام أبو ~~القاسم الصفار والشيخ أبو بكر الأعمش، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجمع ~~بينهما، وذكر في بعض النوادر عنه أنه يأتي بالتحميد لا غير، وفي الجامع ~~الصغير ما يدل عليه فإن أبا يوسف قال: سألت أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - ~~عن الرجل يرفع رأسه من # PageV01P209 # الركوع في الفريضة أيقول اللهم اغفر لي؟ قال: يقول ربنا لك الحمد ويسكت ~~وما أراد به الإمام؛ لأنه لا يأتي بالتحميد عنده فكان المراد منه المنفرد. # وجه هذه الرواية أن التسميع ترغيب في التحميد وليس معه من يرغبه، ~~والإنسان لا يرغب نفسه فكانت حاجته إلى التحميد لا غير. # وجه رواية المعلى أن التحميد يقع في حالة ms0475 القومة وهي مسنونة وسنة الذكر ~~تختص بالفرائض والواجبات كالتشهد في القعدة الأولى ولهذا لم يشرع في ~~القعدتين السجدتين. # وجه رواية الحسن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بينهما في حديث ~~عائشة - رضي الله عنها - ولا محمل له سوى حالة الانفراد لما مر ولهذا كان ~~عمل الأمة على هذا وما كان الله ليجمع أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على ~~ضلالة، واختلفت الأخبار في لفظ التحميد في بعضها ربنا ولك الحمد وفي بعضها ~~ربنا لك الحمد والأشهر هو الأول. # وإذا اطمأن قائما ينحط للسجود؛ لأنه فرغ من الركوع وأتى به على وجه ~~التمام فيلزمه الانتقال إلى ركن آخر وهو السجود إذ الانتقال من ركن إلى ركن ~~فرض؛ لأنه وسيلة إلى الركن لما مر، ومن سنن الانتقال أن يكبر مع الانحطاط ~~ولا يرفع يديه؛ لما تقدم، ومنها أن يضع ركبتيه على الأرض ثم يديه وهذا ~~عندنا، وقال مالك والشافعي: يضع يديه أولا واحتجا بما روي أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «نهى عن بروك الجمل في الصلاة» وهو أن يضع ركبتيه أولا، ~~ولنا عين هذا الحديث؛ لأن الجمل يضع يديه أولا وروي عن عمر وابن مسعود - ~~رضي الله عنهما - مثل قولنا، وهذا إذا كان الرجل حافيا يمكنه ذلك فإن كان ~~ذا خف لا يمكنه وضع الركبتين قبل اليدين فإنه يضع يديه أولا ويقدم اليمنى ~~على اليسرى، ومنها أن يضع جبهته ثم أنفه، وقال بعضهم: أنفه ثم جبهته. # والكلام في فرضية أصل السجود والقدر المفروض منه ومحل إقامة الفرض قد مر ~~في موضعه. # وههنا نذكر سنن السجود، منها أن يسجد على الأعضاء السبعة لما روينا فيما ~~تقدم، ومنها أن يجمع في السجود بين الجبهة والأنف فيضعهما، وعند الشافعي ~~فرض؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يقبل الله صلاة من لم يمس أنفه ~~الأرض كما يمس جبهته» ، وهو عندنا محمول على التهديد ونفي الكمال لما مر، ~~ومنها أن يسجد على الجبهة والأنف من غير حائل من العمامة والقلنسوة. # ولو سجد على كور ms0476 العمامة ووجد صلابة الأرض جاز عندنا كذا ذكر محمد في ~~الآثار، وقال الشافعي: لا يجوز، والصحيح قولنا؛ لما روي أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «كان يسجد على كور عمامته» ؛ ولأنه لو سجد على عمامته وهي ~~منفصلة عنه ووجد صلابة الأرض يجوز فكذا إذا كانت متصلة به ولو سجد به على ~~حشيش أو قطن إن تسفل جبينه فيه حتى وجد حجم الأرض أجزأه، وإلا فلا، وكذا ~~إذا صلى على طنفسة محشوة جاز إذا كان متلبدا، وكذا إذا صلى على الثلج إذا ~~كان موضع سجوده متلبدا يجوز وإلا فلا. # ولو زحمه الناس فلم يجد موضعا للسجود فسجد على ظهر رجل أجزأه لقول عمر ~~اسجد على ظهر أخيك فإنه مسجد لك. # وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إن سجد على ظهر شريكه في الصلاة يجوز، وإلا ~~فلا؛ لأن الجواز للضرورة وذلك عند المشاركة في الصلاة، ومنها أن يضع يديه ~~في السجود حذاء أذنيه لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان إذا ~~سجد وضع يديه حذاء أذنيه» ، ومنها أن يوجه أصابعه نحو القبلة لما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا سجد العبد سجد كل عضو منه ~~فليوجه من أعضائه إلى القبلة ما استطاع» ، ومنها أن يعتمد على راحتيه ~~«لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمر إذا سجدت فاعتمد على ~~راحتيك» ، ومنها أن يبدي ضبعيه لقوله - صلى الله عليه وسلم - لابن عمر ~~«وأبد ضبعيك» أي أظهر الضبع وهو وسط العضد بلحمه، وروى جابر - رضي الله عنه ~~- «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه حتى ~~يرى بياض إبطيه» ، ومنها أن يعتدل في سجوده ولا يفترش ذراعيه لما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اعتدلوا في السجود ولا يفترش أحدكم ~~ذراعيه افتراش الكلب» ، وقال مالك: يفترش في النفل دون الفرض وهو فاسد لما ~~روينا من الحديث من غير فصل وهذا في حق الرجل فأما المرأة فينبغي أن تفترش ~~ذراعيها ms0477 وتنخفض ولا تنتصب كانتصاب الرجل وتلزق بطنها بفخذيها لأن ذلك أستر ~~لها، ومنها أن يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا وذلك أدناه؛ لما ~~ذكرنا ثم يرفع رأسه ويكبر حتى يطمئن قاعدا والرفع فرض؛ لأن السجدة الثانية ~~فرض فلا بد من الرفع للانتقال إليها والطمأنينة في القعدة بين السجدتين ~~للاعتدال وليست بفرض في قول # PageV01P210 # أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ولكنها سنة أو واجبة، وعند أبي يوسف ~~والشافعي رحمهما الله تعالى فرض على ما مر. # وأما مقدار الرفع بين السجدتين فقد روى الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله ~~تعالى - فيمن رفع رأسه من السجدة مقدار ما تمر الريح بينه وبين الأرض أنه ~~تجوز صلاته، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه إذا رفع رأسه مقدار ما يسمى به ~~رافعا جاز، وكذا قال محمد بن سلمة: إنه إذا رفع رأسه مقدار ما يشكل على ~~الناظر أنه رفع رأسه جاز وهو الصحيح؛ لأنه وجد الفصل بين الركنين والانتقال ~~وهذا هو المفروض فأما الاعتدال فمن باب السنة أو الواجب على ما مر والسنة ~~فيه أن يكبر مع الرفع لما مر ثم ينحط للسجدة الثانية مكبرا ويقول ويفعل ~~فيها مثل ما فعل في الأولى ثم ينهض على صدور قدميه ولا يقعد يعني إذا قام ~~من الأولى إلى الثانية ومن الثالثة إلى الرابعة، وقال الشافعي: يجلس جلسة ~~خفيفة ثم يقوم واحتج بما روى مالك بن الحويرث أن «النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان إذا رفع رأسه من السجدة الثانية استوى قاعدا واعتمد بيديه على ~~الأرض حالة القيام» ولنا ما روى أبو هريرة أن «النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان إذا قام من السجدة الثانية ينهض على صدور قدميه» . # وروي عن عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن ~~الزبير - رضي الله عنهم - أن هم كانوا ينهضون على صدور أقدامهم، وما رواه ~~الشافعي محمول على حالة الضعف حتى كان يقول لأصحابه لا تبادروني بالركوع ~~والسجود فإني قد بدنت أي كبرت وأسننت ms0478 فاختار أيسر الأمرين، ويعتمد بيديه ~~على ركبتيه لا على الأرض ويرفع يديه قبل ركبتيه وعند الشافعي يعتمد بيديه ~~على الأرض ويرفع ركبتيه قبل يديه؛ لما روينا من حديث مالك بن الحويرث ولنا ~~ما روي عن علي أنه قال: من السنة في الصلاة المكتوبة أن لا يعتمد بيديه على ~~الأرض إلا أن يكون شيخا كبيرا وبه تبين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إنما فعل ذلك في حالة العذر، ثم يفعل ذلك في الركعة الثانية مثل ما فعل في ~~الأولى ويقعد على رأس الركعتين. # وقد بينا فيما تقدم صفة القعدة الأولى وأنها واجبة شرعت للفصل بين ~~الشفعين، وههنا نذكر كيفية القعدة وذكر القعدة. # أما كيفيتها فالسنة أن يفترش رجله اليسرى في القعدتين جميعا ويقعد عليها ~~وينصب اليمنى نصبا وقال الشافعي: السنة في القعدة الأولى كذلك فأما في ~~الثانية فإنه يتورك، وقال مالك: يتورك فيهما جميعا، وتفسير التورك أن يضع ~~أليتيه على الأرض ويخرج رجليه إلى الجانب الأيمن ويجلس على وركه الأيسر ~~احتج الشافعي بما روي عن أبي حميد الساعدي أنه قال فيما وصف صلاة رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: كان «إذا جلس في الأولى فرش رجله اليسرى وقعد ~~عليها ونصب اليمنى نصبا وإذا جلس في الثانية أماط رجليه وأخرجهما من تحت ~~وركه اليمنى» ، ولنا ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أن «النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان إذا قعد فرش رجله اليسرى وقعد عليها ونصب اليمنى ~~نصبا» ، وروى أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى عن ~~التورك في الصلاة» ، وحديث أبي حميد محمول على حال الكبر والضعف، وهذا في ~~حق الرجل فأما المرأة فإنها تقعد كأستر ما يكون لها فتجلس متوركة؛ لأن ~~مراعاة فرض الستر أولى من مراعاة سنة القعدة، ويوجه أصابع رجله اليمنى نحو ~~القبلة لما مر وينبغي أن يضع يده اليمنى على فخذه الأيمن واليسرى على فخذه ~~الأيسر في حالة القعدة كذا روي عن محمد في النوادر، وذكر الطحاوي أنه يضع ~~يديه على ms0479 ركبتيه والأول أفضل؛ لما روي أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان إذا قعد وضع مرفقه اليمنى على فخذه الأيمن وكذا اليسرى على فخذه ~~الأيسر» ؛ ولأن في هذا توجيه أصابعه إلى القبلة، وفيما قاله الطحاوي ~~توجيهها إلى الأرض. # وأما ذكر القعدة فالتشهد والكلام في التشهد في مواضع، في بيان كيفية ~~التشهد، وفي بيان قدر التشهد، وفي بيان أنه واجب أو سنة، وفي بيان سنة ~~التشهد. # أما الأول فقد اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - في كيفيته وأصحابنا أخذوا ~~بتشهد عبد الله بن مسعود وهو أن يقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، والشافعي ~~أخذ بتشهد عبد الله بن عباس وهو أن يقول: التحيات المباركات الصلوات ~~الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد ~~الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ومالك أخذ ~~بتشهد عمر - رضي الله عنه - وهو أن يقول # PageV01P211 # التحيات الناميات الزاكيات المباركات الطيبات لله والباقي كتشهد ابن ~~مسعود - رضي الله عنه - ومن الناس من اختار تشهد أبي موسى الأشعري وهو أن ~~يقول التحيات لله الطيبات والصلوات لله والباقي كتشهد ابن مسعود. # وفي هذا حكاية فإنه روي أن أعرابيا دخل على أبي حنيفة فقال: أبواو أم ~~بواوين؟ فقال: بواوين، فقال الأعرابي: بارك الله فيك كما بارك في لا ولا، ~~ثم ولى فتحير أصحابه فسألوه عن سؤاله فقال: إن هذا سألني عن التشهد أبواوين ~~كتشهد ابن مسعود أم بواو كتشهد أبي موسى الأشعري؟ فقلت: بواوين، قال: بارك ~~الله فيك كما بارك في شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، وإنما أوردت ~~هذه الحكاية ليعلم كمال فطنة أبي حنيفة ونفاذ بصيرته حيث كان يقف على ~~المراد بحرف تغمده الله برحمته، احتج الشافعي بأن ابن عباس كان من شبان ~~الصحابة وإنما كان يختار ما استقر عليه الأمر فأما ابن مسعود ms0480 فهو من الشيوخ ~~ينقل ما كان في الابتداء كما نقل عنه التطبيق وغيره؛ ولأن هذا موافق لكتاب ~~الله؛ لأن فيه وصف التحية بالبركة على ما قال الله تعالى {تحية من عند الله ~~مباركة طيبة} [النور: 61] وفيه ذكر السلام منكرا كما في قوله تعالى {سلام ~~على نوح في العالمين} [الصافات: 79] {سلام على إبراهيم} [الصافات: 109] ~~{سلام على موسى وهارون} [الصافات: 120] {سلام قولا من رب رحيم} [يس: 58] ~~فكان الأخذ به أولى. # واحتج مالك بأن عمر - رضي الله عنه - علم الناس التشهد بهذه الصفة على ~~منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولنا ما روي عن عبد الله بن مسعود ~~أنه قال: «أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي وعلمني التشهد كما ~~كان يعلمني السورة من القرآن وقال: قل التحيات لله والصلوات والطيبات إلى ~~آخرها، وقال: إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك» وأخذ اليد عند ~~التعليم لتأكيد التعليم وتقريره عند المتعلم، وكذا أمر به بقوله: قل وكذا ~~علق تمام الصلاة بهذا التشهد فمن لم يأت به لا توصف صلاته بالتمام؛ ولأن ~~هذا التشهد هو المستفيض في الأمة الشائع في الصحابة فإنه روي عن أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنه - أنه علم الناس التشهد على منبر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - هكذا ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فكان إجماعا، وكذا روى ~~ابن عمر عن الصديق - رضي الله عنهما - أنه كان يعلم الناس التشهد كما يعلم ~~الصبيان في الكتاب، وذكر مثل تشهد ابن مسعود، وكذا روي عن معاوية أنه علم ~~الناس التشهد على المنبر على نحو ما نقله ابن مسعود، وكذا المروي عن «علي - ~~رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه التشهد» وذكر تشهد ~~ابن مسعود وكذا المروي عن عائشة - رضي الله عنها - وقالت هكذا تشهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ولأن تشهد ابن مسعود أبلغ في الثناء؛ لأن ~~الواو توجب عطف بعض الكلمات على البعض فكان كل لفظ ثناء على حدة وفيما ذكره ~~ابن عباس ms0481 إخراج الكلام مخرج الصفة فيكون الكل كلاما واحدا كما في اليمين ~~فإن قوله والله والرحمن والرحيم ثلاثة أيمان، وقوله والله الرحمن الرحيم ~~يمين واحد وكذا السلام في التشهد مذكور بالألف واللام، وفي ذلك التشهد ~~مذكور على طريق التنكير ولا شك أن اللام أبلغ؛ لأن اللام لاستغراق الجنس مع ~~أن هذا موافق لكتاب الله أيضا قال الله تعالى {والسلام على من اتبع الهدى} ~~[طه: 47] {والسلام علي يوم ولدت} [مريم: 33] وما ذكر الشافعي من الترجيح ~~غير سديد؛ لأنه يؤدي إلى تقديم رواية الأحداث على رواية المهاجرين، واحد لا ~~يقول به وما ذكره مالك ضعيف فإن أبا بكر - رضي الله عنه - علم الناس التشهد ~~على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما هو تشهد ابن مسعود فكان ~~الأخذ به أولى. # وأما مقدار التشهد فمن قوله التحيات لله إلى قوله وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله، ويكره أن يزيد في التشهد حرفا أو يبتدئ بحرف قبله؛ لما روي عن ابن ~~مسعود أنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذ علينا التشهد ~~بالواو والألف» فهذا نص على أنه لا يجوز الزيادة عليه، وما نقل في أول ~~التشهد باسم الله وبالله أو باسم الله خير الأسماء وفي آخره أرسله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون فشاذ لم يشتهر فلا يقبل ~~في معارضة المشهور وكذا لا يزيد على هذا المقدار من الصلوات والدعوات في ~~القعدة الأولى عندنا، وعند مالك والشافعي يزيد عليهم اللهم صل على محمد ~~واحتجا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «وفي كل ركعتين فتشهد وسلم على ~~المرسلين وعلى من تبعهم من عباد الله الصالحين» ، ولنا ما روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه «كان لا يزيد في الركعتين الأوليين على التشهد» ~~وروي أنه كان يسرع النهوض في الشفع الأول ولا يزيد على التشهد ولأن الزيادة ~~على التشهد # PageV01P212 # مخالفة للإجماع فإن الطحاوي قال: من زاد على هذا فقد خالف الإجماع وهو ~~كان أعلم الناس بمذهب السلف وكفى بمخالفة ms0482 الإجماع فسادا في المذهب؛ ولأن ~~هذا دعاء ومحل الدعاء آخر الصلاة، والمراد من الحديث سلام التشهد أو نحمله ~~على التطوعات؛ لأن كل شفع من التطوع صلاة على حدة ولو زاد على التشهد قوله ~~اللهم صل على محمد ساهيا لا يلزمه سجود السهو عند أبي يوسف ومحمد، وذكر في ~~أمالي الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يلزمه، والمسألة قد مرت. # وأما في القعدة الأخيرة فيدعو بعد التشهد ويسأل حاجته لقوله تعالى {فإذا ~~فرغت فانصب} [الشرح: 7] جاء في التفسير أن المراد منه الدعاء في آخر الصلاة ~~فانصب للدعاء، وقال - صلى الله عليه وسلم - لابن مسعود: «إذا قلت هذا أو ~~فعلت هذا فقد تمت صلاتك، ثم اختر من الدعوات ما شئت» ولكن ينبغي أن يدعو ~~بما لا يشبه كلام الناس حتى يكون خروجه من الصلاة على وجه السنة وهو إصابة ~~لفظة السلام، وفسره أصحابنا فقالوا: ما يشبه كلام الناس هو ما لا يستحيل ~~سؤاله من غيره تعالى كقوله أعطني كذا أو زوجني امرأة، وما لا يشبه كلام ~~الناس هو ما يستحيل سؤاله من غيره كقوله: اللهم اغفر لي ونحو ذلك، ثم لم ~~يذكر في الأصل أنه يقدم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وذكر الطحاوي في مختصره أنه بعد التشهد يصلي على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ثم يدعو بحاجته ويستغفر لنفسه ولوالديه إن كانا مؤمنين وللمؤمنين ~~والمؤمنات وهذا هو الصحيح أن يقدم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~على الدعاء ليكون أقرب إلى الإجابة؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بالحمد والثناء على الله ثم بالصلاة علي ~~ثم بالدعاء والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -» ما هو المعروف ~~المتداول على ألسنة الأمة، ولا يكره أن يقول فيها: وارحم محمدا عند عامة ~~المشايخ، وبعضهم كرهوا ذلك وزعموا أنه يوهم التقصير منه في الطاعة ولهذا لا ~~يقال عند ذكره: - رحمه الله - والصحيح أنه لا يكره؛ لأن أحدا وإن جل قدره ~~من العباد ms0483 لا يستغني عن رحمة الله تعالى وقد روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «لا يدخل الجنة أحد بعمله إلا برحمة الله قيل: ولا أنت يا ~~رسول الله؟ فقال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» دل عليه أنه جاز ~~قوله: اللهم صل على محمد والصلاة من الله رحمة ثم الصلاة على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في الصلاة ليست بفرض عندنا بل هي سنة مستحبة، وعند ~~الشافعي فرض لا تجوز الصلاة بدونها وهي اللهم صل على محمد، وله في فرضية ~~الصلاة في الأولى قولان واحتج بقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه} ~~[الأحزاب: 56] ومطلق الأمر للفرضية، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة ~~لمن لم يصل علي في صلاته» ولنا ما روينا من حديث ابن مسعود وعبد الله بن ~~عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم ~~بتمام الصلاة عند القعود قدر التشهد من غير شرط الصلاة على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ولا حجة في الآية؛ لأن المراد منها الندب بدليل ما روينا ~~وروي عن عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما - أنهما قالا: الصلاة على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - سنة في الصلاة على أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار ~~بل يقتضي الفعل مرة واحدة، وقد قال الكرخي من أصحابنا: إن الصلاة على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فرض العمر كالحج، وليس في الآية تعيين حالة الصلاة ~~والحديث محمول على نفي الكمال لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا صلاة لجار ~~المسجد إلا في المسجد» وبه نقول. # وأما الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في غير حالة الصلاة فقد ~~كان الكرخي يقول: إنها فريضة على كل بالغ عاقل في العمر مرة واحدة وقال ~~الطحاوي: كلما ذكره أو سمع اسمه تجب. # وجه قول الكرخي ما ذكرنا أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار فإذا امتثل ~~مرة في الصلاة أو في غيرها سقط الفرض عنه كما يسقط فرض الحج بالحج مرة ~~واحدة. # وجه ms0484 ما ذكره الطحاوي أن سبب وجوب الصلاة هو الذكر أو السماع، والحكم ~~يتكرر بتكرر السبب كما يتكرر وجوب الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات بتكرر ~~أسبابها. # وأما بيان أنه واجب أو سنة، فأما التشهد في القعدة الأولى فواجب استحسانا ~~وقال القاضي أبو جعفر الأسروشني: إنه سنة وهذا أقرب إلى القياس؛ لأن ذكر ~~التشهد أدنى رتبة من القعدة ألا ترى أن القعدة الأخيرة لما كانت فرضا كانت ~~القراءة فيها واجبة؟ فالقعدة الأولى لما كانت واجبة يجب أن تكون القراءة ~~فيها سنة ليظهر انحطاط رتبته والصحيح أنه واجب فإن محمدا أوجب سجود السهو ~~بتركه ساهيا وأنه لا يجب إلا # PageV01P213 # بترك الواجب على ما ذكرنا فيما تقدم وكذا في القعدة الأخيرة عندنا حتى لو ~~تركه عمدا لا تفسد صلاته ولكن يكون مسيئا، ولو تركه سهوا يلزمه سجود السهو ~~وعند الشافعي فرض حتى لا تجوز الصلاة بدونه وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم. # وأما سنة التشهد فهي الإخفاء لما روي عن ابن مسعود أنه قال: أربع يخفيهن ~~الإمام وعد منها التشهد؛ ولأنه من باب الثناء، والأصل في الأثنية والأدعية ~~هو الإخفاء وهل يشير بالمسبحة إذا انتهى إلى قوله: أشهد أن لا إله إلا ~~الله؟ قال: بعض مشايخنا لا يشير؛ لأن فيه ترك سنة اليد وهي الوضع، وقال ~~بعضهم: يشير فإن محمدا قال في كتاب المسبحة حدثنا عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه كان يشير بأصبعه فيفعل مثل ما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ويصنع ما صنعه وهو قول أبي حنيفة، وقولنا ثم كيف يشير؟ قال أهل المدينة: ~~يعقد ثلاثة وخمسين ويشير بالمسبحة، وذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني أنه ~~يعقد الخنصر والبنصر ويحلق الوسطى مع الإبهام ويشير بالسبابة، وقال: إن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا كان يفعل والله أعلم. # وأما الذي يؤتى به عند الخروج من الصلاة وهو التسليم فالكلام في صفة ~~التسليم وقدره وكيفيته وحكمه قد ذكرناه فيما تقدم وههنا نذكر سنن التسليم، ~~فمنها أن يبدأ بالتسليم عن اليمين؛ لما روينا من الأحاديث؛ ms0485 ولأن لليمين ~~فضلا على الشمال فكانت البداية بها أولى. # ولو سلم أولا عن يساره أو سلم تلقاء وجهه، روى الحسن عن أبي حنيفة أنه ~~إذا سلم عن يساره يسلم عن يمينه ولا يعيد التسليم عن يساره، ولو سلم تلقاء ~~وجهه سلم بعد ذلك عن يساره، ومنها أن يبالغ في تحويل الوجه في التسليمتين ~~ويسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن وعن يساره حتى يرى بياض خده ~~الأيسر؛ لما روي عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان ~~يحول وجهه في التسليمة الأولى حتى يرى بياض خده الأيمن أو قال خده الأيسر» ~~ولا يكون ذلك إلا عند شدة الالتفات. # ومنها أن يجهر بالتسليم إن كان إماما؛ لأن التسليم للخروج من الصلاة فلا ~~بد من الإعلام، ومنها أن يسلم مقارنا لتسليم الإمام إن كان مقتديا في رواية ~~عن أبي حنيفة كما في التكبير، وفي رواية يسلم بعد تسليمه وهو قول أبي يوسف ~~ومحمد كما قالا في التكبير وقد مر الفرق لأبي حنيفة على إحدى الروايتين، ~~ومنها أن ينوي من يخاطبه بالتسليم؛ لأن خطاب من لا ينوي خطابه لغو وسفه ثم ~~لا يخلو إما إن كان إماما أو منفردا أو مقتديا فإن كان إماما ينوي ~~بالتسليمة الأولى من على يمينه من الحفظة والرجال والنساء وبالتسليمة ~~الثانية من على يساره منهم، كذا ذكر في الأصل وأخر ذكر الحفظة في الجامع ~~الصغير، فمن مشايخنا من ظن أن في المسألة روايتين في رواية كتاب الصلاة ~~يقدم الحفظة في النية؛ لأن السلام خطاب فيبدأ بالنية الأقرب فالأقرب وهم ~~الحفظة ثم الرجال ثم النساء، وفي رواية الجامع الصغير يقدم البشر في النية ~~استدلالا بالسلام في التشهد وهو قوله السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين، قدم ذكر البشر على الملائكة إذ المراد بالصالحين الملائكة فكذا ~~في السلام في آخر الصلاة، ومنهم من قال: إن أبا حنيفة كان يرى تفضيل ~~الملائكة على البشر ثم رجع فرأى تفضيل البشر على الملائكة وهذا كله غير ~~سديد؛ لأن الكلام ms0486 كله معطوف بعضه على بعض بحرف الواو وأنه لا يوجب الترتيب؛ ~~ولأن النية من عمل القلب وهي تنتظم الكل جملة بلا ترتيب ألا ترى أن من يسلم ~~على جماعة لا يمكنه أن يرتب في النية فيقدم الرجال على الصبيان؟ ثم اختلف ~~المشايخ في كيفية نية الحفظة قال بعضهم: ينوي الكرام الكاتبين واحدا عن ~~يمينه وواحدا عن يساره، والصحيح أنه ينوي الحفظة عن يمينه وعن يساره ولا ~~ينوي عددا؛ لأن ذلك لا يعرف بطريق الإحاطة وكذا اختلفوا في كيفية نية ~~الرجال والنساء قال بعضهم: ينوي من كان معه في الصلاة من المؤمنين ~~والمؤمنات لا غير، وكان الحاكم الشهيد يقول: ينوي جميع رجال العالم ونسائهم ~~من المؤمنين والمؤمنات، والأول أصح؛ لأن التسليم خطاب وخطاب الغائب ممن لا ~~يبقى خطابه وليس بخير من خطاب من يبقى خطابه غير صحيح، وإن كان منفردا فعلى ~~قول الأولين ينوي الحفظة لا غير وعلى قول الحاكم ينوي الحفظة وجميع البشر ~~من أهل الإيمان. # وأما المقتدي فينوي ما ينوي الإمام، وينوي أيضا إن كان على يمين الإمام ~~ينويه في يساره وإن كان على يساره ينويه في يمينه وإن كان بحذائه فعند أبي ~~يوسف ينويه في يمينه، وهكذا ذكر في بعض نسخ الجامع الصغير؛ لأن لليمين فضلا ~~على # PageV01P214 # اليسار، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه ينويه في الجانبين جميعا، وهكذا ذكر ~~في بعض نسخ الجامع الصغير وهو قول محمد؛ لأن يمين الإمام عن يمين المقتدي ~~ويساره عن يساره فكان له حظ في الجانبين فينويه في التسليمتين والله أعلم. ### | [فصل بيان ما يستحب في الصلاة وما يكره] # (فصل) : # وأما بيان ما يستحب فيها وما يكره. # فالأصل فيه أنه ينبغي للمصلي أن يخشع في صلاته؛ لأن الله تعالى مدح ~~الخاشعين في الصلاة، ويكون منتهى بصره إلى موضع سجوده؛ لما روي أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «كان يصلي خاشعا شاخصا بصره إلى السماء فلما ~~نزل قوله تعالى {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون: 1] {الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون} [المؤمنون: 2] رمى ببصره نحو ms0487 مسجده» أي موضع سجوده؛ ولأن هذا أقرب ~~إلى التعظيم ثم أطلق محمد - رحمه الله تعالى - قوله ويكون منتهى بصره إلى ~~موضع سجوده وفسره الطحاوي في مختصره فقال: يرمي ببصره إلى موضع سجوده في ~~حالة القيام وفي حالة الركوع إلى رءوس أصابع رجليه وفي حالة السجود إلى ~~أرنبة أنفه وفي حالة القعدة إلى حجره؛ لأن هذا كله تعظيم وخشوع. # وروي في بعض الأخبار أن الله تعالى حين أمر الملائكة بالصلاة أمرهم كذلك، ~~وزاد بعضهم عند التسليمة الأولى على كتفه الأيمن، وعند التسليمة الثانية ~~على كتفه الأيسر ولا يرفع رأسه ولا يطأطئه؛ لأن فيه ترك سنة العين وهي ~~النظر إلى المسجد فيخل بمعنى الخشوع وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه «نهى أن يدبح الرجل تدبيح الحمار» أي يطأطئ رأسه ولا يتشاغل بشيء غير ~~صلاته من عبث بثيابه أو بلحيته؛ لأن فيه ترك الخشوع؛ لما روي «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: أما هذا لو خشع ~~قلبه لخشعت جوارحه» . # ولا يفرقع أصابعه؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال ~~لعلي - رضي الله عنه -: إني أحب لك ما أحب لنفسي لا تفرقع أصابعك وأنت ~~تصلي» ؛ ولأن فيه ترك الخشوع، ولا يشبك بين أصابعه لما فيه من ترك سنة ~~الوضع، ولا يجعل يديه على خاصرته؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه «نهى عن الاختصار في الصلاة» وقيل: إنه استراحة أهل النار، وقيل: إن ~~الشيطان لما أهبط أهبط مختصرا والتشبه بالكفرة وبإبليس مكروه خارج الصلاة ~~ففي الصلاة أولى، وعن عائشة أنه عمل اليهود وقد نهينا عن التشبه بأهل ~~الكتاب؛ ولأن فيه ترك سنة اليد وهي الوضع. # ولا يقلب الحصى إلا أن يسويه مرة واحدة لسجوده؛ لما روي عن أبي ذر أنه ~~قال: «سألت خليلي عن كل شيء حتى سألته عن تسوية الحصى في الصلاة فقال: يا ~~أبا ذر مرة أو ذر» . # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لأن ms0488 يمسك أحدكم عن الحصى ~~خير له من مائة ناقة سود الحدقة» إلا أنه رخص مرة واحدة إذا كان الحصى لا ~~يمكنه من السجود لحاجته إلى السجود المسنون وهو وضع الجبهة والأنف وتركه ~~أولى؛ لما روينا ولأنه أقرب إلى الخشوع. # ولا يلتفت يمنة ولا يسرة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لو علم ~~المصلي من يناجي ما التفت» ، «وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~الالتفات في الصلاة فقال تلك خلسة يختلسها الشيطان من صلاة أحدكم» وحد ~~الالتفات المكروه أن يحول وجهه عن القبلة. # وأما النظر بمؤخر العين يمنة أو يسرة من غير تحويل الوجه فليس بمكروه؛ ~~لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلاحظ أصحابه بمؤخر عينيه» ~~ولأن هذا مما لا يمكن التحرز عنه. # ولا يقعي لما روي عن «أبي ذر» أنه قال: «نهاني خليلي عن ثلاث، أن أنقر ~~نقر الديك، وأن أقعى إقعاء الكلب، وأن أفترش افتراش الثعلب» واختلفوا في ~~تفسير الإقعاء قال الكرخي: هو نصب القدمين والجلوس على العقبين وهو عقب ~~الشيطان الذي نهي عنه في الحديث، وقال الطحاوي: هو الجلوس على الأليتين ~~ونصب الركبتين ووضع الفخذين على البطن وهذا أشبه بإقعاء الكلب؛ ولأن في ذلك ~~ترك الجلسة المسنونة فكان مكروها، ولا يفترش ذراعيه؛ لما روينا، ولا يتربع ~~من غير عذر؛ لما روي أن عبد الله بن عمر رأى ابنه يتربع في صلاته فنهاه عن ~~ذلك فقال: رأيتك تفعله يا أبت، فقال: إن رجلي لا تحملاني ولأن الجلوس على ~~الركبتين أقرب إلى الخشوع فكان أولى، ولا يكره في حالة العذر؛ لأن مواضع ~~الضرورة مستثناة من قواعد الشرع. # ولا يتمطى ولا يتثاءب في الصلاة؛ لأنه استراحة في الصلاة فتكره كالاتكاء ~~على شيء ولأنه مخل بمعنى الخشوع فإذا عرض له شيء من ذلك كظم ما استطاع فإن ~~غلب عليه التثاؤب جعل يده على فيه؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع فإن لم يستطع فليضع # PageV01P215 # يده على فيه» ms0489 ، ويكره أن يغطي فاه في الصلاة؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن ذلك؛ ولأن في التغطية منعا من القراءة والأذكار المشروعة؛ ~~ولأنه لو غطى بيده فقد ترك سنة اليد، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«كفوا أيديكم في الصلاة» # ولو غطاه بثوب فقد تشبه بالمجوس؛ لأنهم يتلثمون في عبادتهم النار والنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «نهى عن التلثم في الصلاة» إلا إذا كانت التغطية ~~لدفع التثاؤب فلا بأس به لما مر. # ويكره أن يكف ثوبه؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأن لا أكف ثوبا ولا أكفت شعرا» ؛ ولأن فيه ~~ترك سنة وضع اليد. # ويكره أن يصلي عاقصا شعره؛ لما روي عن رفاعة بن رافع أنه رأى «الحسن بن ~~علي - رضي الله عنهما - يصلي عاقصا شعره فحل العقدة فنظر إليه الحسن مغضبا ~~فقال: يا ابن بنت رسول الله أقبل على صلاتك ولا تغضب فإني سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك وقال ذاك كفل الشيطان» ، وفي رواية مقعد ~~الشيطان من صلاة العبد، والعقص أن يشد الشعر ضفيرة حول رأسه كما تفعله ~~النساء أو يجمع شعره فيعقده في مؤخر رأسه. # ويكره أن يصلي معتجرا؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى ~~عن الاعتجار» ، واختلف في تفسير الاعتجار قيل: هو أن يشد حوالي رأسه ~~بالمنديل ويتركها منه وهو تشبه بأهل الكتاب، وقيل: هو أن يلف شعره على رأسه ~~بمنديل فيصير كالعاقص شعره والعقص مكروه؛ لما ذكرنا، وعن محمد - رحمه الله ~~- أنه قال: لا يكون الاعتجار إلا مع تنقب وهو أن يلف بعض العمامة على رأسه ~~ويجعل طرفا منها على وجهه كمعتجر النساء إما لأجل الحر والبرد أو للتكبر. # ويكره أن يغمض عينيه في الصلاة؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه نهى عن تغميض العين في الصلاة؛ ولأن السنة أن يرمي ببصره إلى موضع ~~سجوده وفي التغميض ترك هذه السنة؛ ولأن كل ms0490 عضو وطرف ذو حظ من هذه العبادة ~~فكذا العين، ولا يروح في الصلاة لما فيه من ترك سنة وضع اليد وترك الخشوع. # ويكره أن يبزق على حيطان المسجد أو بين يديه على الحصى أو يتمخط لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي ~~الجلدة في النار» ولأن ذلك سبب لتنفير الناس عن الصلاة في المسجد؛ ولأن ~~النخامة والمخاط مما يستقذر طبعا وإذا عرض له ذلك ينبغي أن يأخذه بطرف ثوبه ~~وإن ألقاه في المسجد فعليه أن يرفعه ولو دفنه في المسجد تحت الحصير يرخص له ~~ذلك والأفضل أن لا يفعل؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «رخص في ~~دفن النخامة في المسجد» ؛ ولأنه طاهر في نفسه إلا أنه مستقذر طبعا فإذا دفن ~~لا يستقذر ولا يؤدي إلى التنفير والرفع أولى تنزيها للمسجد عما ينزوي منه. # ويكره عد الآي والتسبيح في الصلاة عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد: لا ~~بأس بذلك في الفرض والتطوع. # وروي عن أبي حنيفة أنه كره في الفرض ورخص في التطوع، وذكر في الجامع ~~الصغير قول محمد مع أبي حنيفة. # وجه قولهما أن العد محتاج إليه لمراعاة السنة وفي قدر القراءة وعدد ~~التسبيح خصوصا في صلاة التسبيح التي توارثتها الأمة ولأبي حنيفة أن في العد ~~باليد تركا لسنة اليد وذلك مكروه؛ ولأنه ليس من أعمال الصلاة فالقليل منه ~~إن لم يفسد الصلاة فلا أقل من أن يوجب الكراهة ولا حاجة إلى العد باليد في ~~الصلاة فإنه يمكنه أن يعد خارج الصلاة مقدار ما يقرأ في الصلاة ويعين ثم ~~يقرأ بعد ذلك المقدار المعين أو يعد بقلبه. # ويكره أن يكون الإمام على دكان والقوم أسفل منه، والجملة فيه أنه لا يخلو ~~إما أن كان الإمام على الدكان والقوم أسفل منه أو كان القوم على الدكان ~~والإمام أسفل منهم، ولا يخلو إما أن كان الإمام وحده أو كان بعض القوم معه، ~~وكل ذلك لا يخلو إما أن كان في حالة الاختيار ms0491 أو في حالة العذر، أما في ~~حالة الاختيار فإن كان الإمام وحده على الدكان والقوم أسفل منه يكره سواء ~~كان المكان قدر قامة الرجل أو دون ذلك في ظاهر الرواية وروى الطحاوي أنه لا ~~يكره ما لم يجاوز القامة؛ لأن في الأرض هبوطا وصعودا وقليل الارتفاع عفو ~~والكثير ليس بعفو فجعلنا الحد الفاصل ما يجاوز القامة. # وروي عن أبي يوسف أنه إذا كان دون القامة لا يكره، والصحيح جواب ظاهر ~~الرواية لما روي أن حذيفة بن اليمان قام بالمدائن ليصلي بالناس على دكان ~~فجذبه سلمان الفارسي ثم قال: ما الذي أصابك؟ أطال العهد أم نسيت؟ أما سمعت ~~رسول ول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يقوم الإمام على مكان أنشز ~~مما عليه أصحابه؟» وفي رواية أما علمت أن أصحابك يكرهون ذلك؟ فقال # PageV01P216 # تذكرت حين جذبتني، ولا شك أن المكان الذي يمكن الجذب عنه ما دون القامة، ~~وكذا الدكان المذكور يقع على المتعارف وهو ما دون القامة؛ ولأن كثير ~~المخالفة بين الإمام والقوم يمنع الصحة فقليلها يورث الكراهة؛ ولأن هذا ~~صنيع أهل الكتاب، وإن كان الإمام أسفل من القوم يكره في ظاهر الرواية، وروى ~~الطحاوي عن أصحابنا أنه لا يكره ووجهه أن الموجب للكراهة التشبه بأهل ~~الكتاب في صنيعهم ولا تشبه ههنا؛ لأن مكان إمامهم لا يكون أسفل من مكان ~~القوم وجواب ظاهر الرواية أقرب إلى الصواب؛ لأن كراهة كون المكان أرفع كان ~~معلولا بعلتين التشبه بأهل الكتاب ووجود بعض المفسد وهو اختلاف المكان ~~وههنا وجدت إحدى العلتين وهي وجود بعض المخالفة هذا إذا كان الإمام وحده ~~فإن كان بعض القوم معه اختلف المشايخ فيه فمن اعتبر معنى التشبه قال: لا ~~يكره وهو قياس رواية الطحاوي؛ لزوال معنى التشبه؛ لأن أهل الكتاب لا ~~يشاركون الإمام في المكان، ومن اعتبر وجود بعض المفسد قال: يكره وهو قياس ~~ظاهر الرواية؛ لوجود بعض المخالفة. # وأما في حالة العذر كما في الجمع والأعياد لا يكره كيفما كان لعدم إمكان ~~المراعاة. # ويكره للمار أن يمر ms0492 بين يدي المصلي؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«لو علم المار بين يدي المصلي ما عليه من الوزر لكان أن يقف أربعين خيرا له ~~من أن يمر بين يديه» ، ولم يوقت يوما أو شهرا أو سنة ولم يذكر في الكتاب ~~قدر المرور، واختلف المشايخ فيه قال بعضهم: قدر موضع السجود، وقال بعضهم: ~~مقدار الصفين، وقال بعضهم: قدر ما يقع بصره على المار لو صلى بخشوع، وفيما ~~وراء ذلك لا يكره وهو الأصح، وينبغي للمصلي أن يدرأ المار أي يدفعه حتى لا ~~يمر حتى لا يشغله عن صلاته؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لا يقطع الصلاة مرور شيء فادرءوا ما استطعتم» . # ولو مر لا تقطع الصلاة سواء كان المار رجلا أو امرأة؛ لما نذكر في موضعه ~~إلا أنه ينبغي أن يدفع بالتسبيح أو بالإشارة أو الأخذ بطرف ثوبه من غير مشي ~~ومعالجة شديدة حتى لا تفسد صلاته، ومن الناس من قال: إن لم يقف بإشارته جاز ~~دفعه بالقتال؛ لحديث «أبي سعيد الخدري أنه كان يصلي فأراد ابن مروان أن يمر ~~بين يديه فأشار إليه فلم يقف فلما حاذاه ضربه في صدره ضربة أقعده على استه ~~فجاء إلى أبيه يشكو أبا سعيد فقال: لم ضربت ابني؟ فقال: ما ضربت ابنك إنما ~~ضربت شيطانا، فقال: لم تسمي ابني شيطانا، فقال: لأني سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: إذا صلى أحدكم فأراد مار أن يمر بين يديه فليدفعه ~~فإن أبى فليقاتله فإنه شيطان» ، ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن ~~في الصلاة لشغلا» يعني أعمال الصلاة، والقتال ليس من أعمال الصلاة فلا يجوز ~~الاشتغال به، وحديث أبي سعيد كان في وقت كان العمل في الصلاة مباحا، ومن ~~المشايخ من قال: إن الدرء رخصة والأفضل أن لا يدرأ؛ لأنه ليس من أعمال ~~الصلاة. # وكذا روى إمام الهدى الشيخ أبو منصور عن أبي حنيفة أن الأفضل أن يترك ~~الدرء، والأمر بالدرء في الحديث لبيان ms0493 الرخصة كالأمر بقتل الأسودين هذا إذا ~~لم يكن بينهما حائل كالأسطوانة ونحوها، فأما إن كان بينهما حائل فلا بأس ~~بالمرور فيما وراء الحائل والمستحب لمن يصلي في الصحراء أن ينصب بين يديه ~~عودا أو يضع شيئا أدناه طول ذراع كي لا يحتاج إلى الدرء؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «إذا صلى أحدكم في الصحراء فليتخذ بين يديه سترة» . # وروي أن «العنزة كانت تحمل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتركز في ~~الصحراء بين يديه فيصلي إليها حتى قال: عون بن جحيفة عن أبيه رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بالبطحاء في قبة حمراء من أدم فأخرج بلال ~~العنزة وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى إليها والناس يمرون من ~~ورائها» وإنما قدر أدناه بذراع طولا دون اعتبار العرض، وقيل: ينبغي أن يكون ~~في غلظ أصبع؛ لقول ابن مسعود يجزئ من السترة السهم؛ ولأن الغرض منه المنع ~~من المرور، وما دون ذلك لا يبدو للناظر من بعيد فلا يمتنع ويدنو من السترة؛ ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من صلى إلى سترة فليدن منها» فإن لم يجد ~~سترة هل يخط بين يديه خطا؟ حكى أبو عصمة عن محمد أنه قال: لا يخط بين يديه ~~فإن الخط وتركه سواء؛ لأنه لا يبدو للناظر من بعيد فلا يمتنع فلا يحصل ~~المقصود، ومن الناس من قال: يخط بين يديه خطا إما طولا شبه ظل السترة أو ~~عرضا شبه المحراب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إذا صلى أحدكم في الصحراء ~~فليتخذ بين يديه سترة فإن لم # PageV01P217 # يجد فليخط بين يديه خطا» ولكن الحديث غريب ورد فيما تعم به البلوى فلا ~~نأخذ به. # ولا بأس بقتل العقرب أو الحية في الصلاة؛ لأنه يشغل القلب وذلك أعظم من ~~قتله، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «اقتلوا الأسودين ولو كنتم في ~~الصلاة وهما الحية والعقرب» وهذا ترخيص واباحة وإن كانت صيغته صيغة الأمر؛ ~~لأن قتلهما ليس من أعمال الصلاة حتى لو عالج معالجة كثيرة في ms0494 قتلهما تفسد ~~صلاته على ما نذكر. # ، ويكره للمأموم أن يسبق الإمام بالركوع والسجود؛ لما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تبادروني بالركوع والسجود فإني قد بدنت» # ولو سبقه ينظر إن لم يشاركه الإمام في الركن الذي سبقه أصلا لا يجزئه ذلك ~~حتى إنه لو لم يعد الركن وسلم تفسد صلاته؛ لأن الاقتداء عبارة عن المشاركة ~~والمتابعة ولم توجد في الركن وإن شاركه الإمام في ذلك الركن أجزأه عندنا ~~خلافا لزفر. # وجه قوله أن الابتداء وقع باطلا والباقي بناء عليه فأخذ حكمه ولنا أن ~~القدر الذي وقعت فيه المشاركة ركوع تام فيكتفى به، وانعدام المشاركة فيما ~~قبله لا يضر؛ لأنه ملحق بالعدم، ويكره أن يرفع رأسه من الركوع والسجود قبل ~~الإمام؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا ~~تختلفوا عليه» . # ويكره أن يقرأ في غير حال القيام؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن ~~القراءة في الركوع والسجود وقال: أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود ~~فأكثروا فيه من الدعاء فإنه قمن أن يستجاب لكم» . # ويكره النفخ في الصلاة؛ لأنه ليس من أعمال الصلاة ولا ضرورة فيه بخلاف ~~التنفس فإن فيه ضرورة، وهل تفسد الصلاة بالنفخ؟ فإن لم يكن مسموعا لا تفسد ~~وإن كان مسموعا تفسد في قول أبي حنيفة ومحمد، ونذكر المسألة في بيان ما ~~يفسد الصلاة. # ويكره لمن أتى الإمام وهو راكع أن يركع دون الصف وإن خاف الفوت؛ لما روي ~~عن أبي بكرة أنه «دخل المسجد فوجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الركوع ~~فكبر كما دخل المسجد ودب راكعا حتى التحق بالصفوف فلما فرغ النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال له زادك الله حرصا ولا تعد» ؛ لأنه لا يخلو عن إحدى ~~الكراهتين إما أن يتصل بالصفوف فيحتاج إلى المشي في الصلاة وإنه فعل مناف ~~للصلاة في الأصل حتى قال بعض المشايخ: إن مشى خطوة خطوة لا تفسد صلاته وإن ~~مشى خطوتين خطوتين تفسد، وعند بعضهم لا تفسد كيفما كان؛ ms0495 لأن المسجد في حكم ~~مكان واحد لكن لا أقل من الكراهة، وإما أن يتم الصلاة في الموضع الذي ركع ~~فيه فيكون مصليا خلف الصفوف وحده وإنه مكروه؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام ~~- «لا صلاة لمنتبذ خلف الصفوف» وأدنى أحوال النفي هو نفي الكمال، ثم الصلاة ~~منفردا خلف الصف إنما تكره إذا وجد فرجة في الصف فأما إذا لم يجد فلا تكره؛ ~~لأن الحال حال العذر وإنها مستثناة ألا ترى أنها لو كانت امرأة يجب عليها ~~أن تقوم خلف الصف؟ لأن محاذاتها الرجل مفسدة صلاة الرجل فوجب الانفراد ~~للضرورة، وينبغي إذا لم يجد فرجة أن ينتظر من يدخل المسجد ليصطف معه خلف ~~الصف فإن لم يجد أحدا وخاف فوت الركعة جذب من الصف إلى نفسه من يعرف منه ~~علما وحسن الخلق لكي لا يغضب عليه فإن لم يجد يقف حينئذ خلف الصف بحذاء ~~الإمام، قال محمد: ويؤمر من أدرك القوم ركوعا أن يأتي وعليه السكينة ~~والوقار ولا يعجل في الصلاة حتى يصل إلى الصف فما أدرك مع الإمام صلى ~~بالسكينة والوقار وما فاته قضى، وأصله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون ولا تأتوها وأنتم تسعون، عليكم ~~بالسكينة والوقار ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» . # ويكره لمصلي المكتوبة أن يعتمد على شيء إلا من عذر؛ لأن الاعتماد يخل ~~بالقيام وترك القيام في الفريضة لا يجوز إلا من عذر فكان الإخلال به مكروها ~~إلا من عذر. # ولو فعل جازت صلاته لوجود أصل القيام وهل يكره ذلك لمصلي التطوع؟ لم ~~يذكره في الأصل واختلف المشايخ فيه قال بعضهم: لا بأس به؛ لأن ترك القيام ~~في التطوع جائز من غير عذر فالإخلال به أولى، وقال بعضهم: يكره؛ لما روي أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «رأى حبلا ممدودا في المسجد فقال: لمن ~~هذا؟ فقيل: لفلانة تصلي بالليل فإذا أعيت اتكأت فقال - صلى الله عليه وسلم ~~- لتصلي فلانة بالليل فإذا أعيت فلتنم» ؛ ولأن في الاعتماد بعض التنعم ~~والتحبر ولا ينبغي ms0496 للمصلي أن يفعل شيئا من ذلك من غير عذر. # ويكره السدل في الصلاة، واختلف في تفسيره ذكر الكرخي أن سدل الثوب هو أن ~~يجعل ثوبه على رأسه أو على # PageV01P218 # كتفيه ويرسل أطرافه من جوانبه إذا لم يكن عليه سراويل. # وروي عن الأسود وإبراهيم النخعي أنهما قالا: السدل يكره سواء كان عليه ~~قميص أو لم يكن وروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه يكره السدل على ~~القميص وعلى الإزار وقال: لأنه صنع أهل الكتاب، فإن كان السدل بدون ~~السراويل فكراهته لاحتمال كشف العورة عند الركوع والسجود وإن كان مع الإزار ~~فكراهته لأجل التشبه بأهل الكتاب وقال مالك: لا بأس به كيفما كان وقال ~~الشافعي إن كان من الخيلاء يكره وإلا فلا، والصحيح مذهبنا؛ لما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى عن السدل من غير فصل» . # ويكره لبسة الصماء واختلف في تفسيرها ذكر الكرخي هو أن يجمع طرفي ثوبه ~~ويخرجهما تحت إحدى يديه على إحدى كتفيه إذا لم يكن عليه سراويل وإنما كره؛ ~~لأنه لا يؤمن انكشاف العورة، ومحمد - رحمه الله - فصل بين الاضطباع ولبسة ~~الصماء فقال: إنما تكون لبسة الصماء إذا لم يكن عليه إزار فإن كان عليه ~~إزار فهو اضطباع؛ لأنه يدخل طرفي ثوبه تحت إحدى ضبعيه وهو مكروه؛ لأنه لبس ~~أهل الكبر، وذكر بعض أهل اللغة أن لبسة الصماء أن يلف الثوب على جميع بدنه ~~من العنق إلى الركبتين وأنه مكروه؛ لأن فيه ترك سنة اليد، ولا بأس أن يصلي ~~في ثوب واحد متوشحا به أو في قميص واحد، والجملة فيه أن اللبس في الصلاة ~~ثلاثة أنواع: لبس مستحب، ولبس جائز من غير كراهة، ولبس مكروه. # أما المستحب فهو أن يصلي في ثلاثة أثواب قميص وإزار ورداء وعمامة كذا ذكر ~~الفقيه أبو جعفر الهندواني في غريب الرواية عن أصحابنا، وقال محمد: إن ~~المستحب للرجل أن يصلي في ثوبين إزار ورداء؛ لأن به يحصل ستر العورة ~~والزينة جميعا. # وأما اللبس الجائز بلا كراهة فهو أن ms0497 يصلي في ثوب واحد متوشحا به أو قميص ~~واحد؛ لأنه حصل به ستر العورة وأصل الزينة إلا أنه لم تتم الزينة، وأصله ما ~~روي عن علي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «سئل عن الصلاة في ثوب ~~واحد فقال: أو كلكم يجد ثوبين؟» أشار إلى الجواز ونبه على الحكمة وهي أن كل ~~واحد لا يجد ثوبين، وهذا كله إذا كان الثوب صفيقا لا يصف ما تحته فإن كان ~~رقيقا يصف ما تحته لا يجوز؛ لأن عورته مكشوفة من حيث المعنى، قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «لعن الله الكاسيات العاريات» ثم لم يذكر في ظاهر ~~الرواية أن القميص الواحد إذا كان محلول الجيب والزر هل تجوز الصلاة فيه ~~ذكر ابن شجاع فيمن صلى محلول الإزار وليس عليه إزار أنه إن كان بحيث لو نظر ~~رأى عورة نفسه من زيقه لم تجز صلاته وإن كان بحيث لو نظر لم ير عورته جازت. # وروي عن محمد - رحمه الله - في غير رواية الأصول إن كان بحال لو نظر إليه ~~غيره يقع بصره على عورته من غير تكلف فسدت صلاته وإن كان بحال لو نظر إليه ~~غيره لا يقع بصره على عورته إلا بتكلف فصلاته تامة فكأنه شرط ستر العورة في ~~حق غيره لا في حق نفسه، وعن داود الطائي أنه قال: إن كان الرجل خفيف اللحية ~~لم يجز؛ لأنه يقع بصره على عورته إذا نظر من غير تكلف فيكون مكشوف العورة ~~في حق نفسه وستر العورة عن نفسه وعن غيره شرط الجواز، وإن كان كث اللحية ~~جاز؛ لأنه لا يقع بصره على عورته إلا بتكلف فلا يكون مكشوف العورة. # وأما اللبس المكروه فهو أن يصلي في إزار واحد وسراويل واحد؛ لما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى أن يصلي الرجل في ثوب واحد ليس على ~~عاتقه منه شيء» ولأن ستر العورة إن حصل فلم تحصل الزينة، وقد قال الله ~~تعالى {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: ms0498 31] . # وروي أن رجلا سأل عبد الله بن عمر عن الصلاة في ثوب واحد فقال: أرأيت لو ~~أرسلتك في حاجة أكنت منطلقا في ثوب واحد؟ فقال: لا، فقال: الله أحق أن ~~تتزين له، وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الصلاة في إزار واحد فعل أهل الجفاء ~~وفي ثوب متوشحا به أبعد من الجفاء وفي إزار ورداء من أخلاق الكرام. # هذا الذي ذكرنا في حق الرجل فأما المرأة فالمستحب لها ثلاثة أثواب في ~~الروايات كلها درع وإزار وخمار فإن صلت في ثوب واحد متوشحة به يجزئها إذا ~~سترت به رأسها وسائر جسدها سوى الوجه والكفين وإن كان شيء مما سوى الوجه ~~والكفين منها مكشوفا فإن كان قليلا جاز وإن كان كثيرا لا يجوز وسنذكر الحد ~~الفاصل بينهما إن شاء الله تعالى، وهذا في حق الحرة فأما الأمة إذا صلت ~~مكشوفة الرأس يجوز؛ لأن رأسها ليس بعورة. # ولا بأس بأن يمسح جبهته من التراب بعد ما فرغ من صلاته قبل أن يسلم بلا ~~خلاف؛ لأنه لو قطع الصلاة في هذه الحالة لا يكره فلأن # PageV01P219 # لا يكره إدخال فعل قليل أولى # وأما قبل الفراغ من الأركان فقد ذكر في رواية أبي سليمان فقال: قلت فإن ~~مسح جبهته قبل أن يفرغ؟ قال: لا، أكرهه، من مشايخنا من فهم من هذه اللفظة ~~نفي الكراهة وجعل كلمة لا داخلة في قوله أكره، وكذا ذكر في آثار أبي حنيفة ~~وفي اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ووجهه ما روي عن ابن عباس أن «النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يمسح العرق عن جبينه في الصلاة» وإنما كان يفعل ~~ذلك؛ لأنه كان يؤذيه فكذا هذا، ومنهم من قال: كلمة " لا " مقطوعة عن قوله ~~أكره فكأنه قال: هل يمسح؟ فقال: لا نفيا له، ثم ابتدأ الكلام وقال: أكره له ~~ذلك، وهو رواية هشام في نوادره عن محمد أنه يكره فعلى هذا يحتاج إلى الفرق ~~بين المسح قبل الفراغ من الأركان وبين المسح بعد الفراغ منها قبل السلام ~~والفرق أن المسح ms0499 قبل الفراغ لا يفيد؛ لأنه يحتاج إلى أن يسجد ثانيا فيلتزق ~~التراب بجبهته ثانيا والمسح بعد الفراغ من الأركان مفيد ولأن هذا فعل ليس ~~من أفعال الصلاة فيكره تحصيله في وقت لا يباح فيه الخروج عن الصلاة كسائر ~~الأفعال بخلاف المسح بعد الفراغ من الأركان، وقد روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «أربع من الجفاء وعد منها مسح الجبهة في الصلاة» ~~ومنهم من وفق فقال: جواب محمد فيما إذا كان تركه لا يؤذيه وجواب أبي حنيفة ~~مثله في هذه الحالة، والحديث محمول على هذه الحالة أو على المسح باليدين، ~~وجواب أبي حنيفة فيما إذا كان ترك المسح يؤذيه ويشغل قلبه عن أداء الصلاة ~~ومحمد يساعده في هذه الحالة ولهذا «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسح ~~العرق عن جبينه» ؛ لأن الترك كان يؤذيه ويشغل قلبه وقد بينا ما يستحب ~~للإمام أن يفعله بعد الفراغ من الصلاة وما يكره له في فصل الإمامة والله ~~أعلم. ### | [فصل بيان ما يفسد الصلاة] # (فصل) : # وأما بيان ما يفسد الصلاة. # فالمفسد لها أنواع، منها الحدث العمد قبل تمام أركانها بلا خلاف حتى ~~يمتنع عليه البناء، واختلف في الحدث السابق وهو الذي سبقه من غير قصد وهو ~~ما يخرج من بدنه من بول أو غائط أو ريح أو رعاف أو دم سائل من جرح أو دمل ~~به بغير صنعه قال أصحابنا: لا يفسد الصلاة فيجوز البناء استحسانا، وقال ~~الشافعي: يفسدها فلا يجوز البناء قياسا، والكلام في البناء في مواضع، في ~~بيان أصل البناء أنه جائز أم لا؟ ، وفي بيان شرائط جوازه لو كان جائزا، وفي ~~بيان محل البناء وكيفيته. # أما الأول القياس أن لا يجوز البناء وفي الاستحسان جائز وجه القياس أن ~~التحريمة لا تبقى مع الحدث كما لا تنعقد معه لفوات أهلية أداء الصلاة في ~~الحالين بفوات الطهارة فيهما إذ الشيء كما لا ينعقد من غير أهليته لا يبقى ~~مع عدم الأهلية فلا تبقى التحريمة؛ لأنها شرعت لأداء أفعال الصلاة ولهذا لا ms0500 ~~تبقى مع الحدث العمد؛ ولأن صرف الوجه عن القبلة والمشي في الصلاة مناف لها ~~وبقاء الشيء مع ما ينافيه محال. # وجه الاستحسان النص وإجماع الصحابة، أما النص فما روي عن عائشة عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من قاء أو رعف في صلاته انصرف وتوضأ وبنى ~~على صلاته ما لم يتكلم» وكذا روى ابن عباس وأبو هريرة - رضي الله عنهما - ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وأما إجماع الصحابة فإن الخلفاء الراشدين والعبادلة الثلاثة وأنس بن مالك ~~وسلمان الفارسي - رضي الله عنهم - قالوا مثل مذهبنا. # وروي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - سبقه الحدث في الصلاة فتوضأ ~~وبنى، وعمر - رضي الله عنه - سبقه الحدث وتوضأ وبنى على صلاته، وعلي - رضي ~~الله عنه - كان يصلي خلف عثمان فرعف فانصرف وتوضأ وبنى على صلاته فثبت ~~البناء من الصحابة - رضي الله عنهم - قولا وفعلا والقياس يترك بالنص ~~والإجماع. ### | [فصل شرائط جواز البناء في الصلاة] # (فصل) : # وأما شرائط جواز البناء. # فمنها الحدث السابق فلا يجوز البناء في الحدث العمد؛ لأن جواز البناء ثبت ~~معدولا به عن القياس بالنص والإجماع، وكل ما كان في معنى المنصوص والمجمع ~~عليه يلحق به وإلا فلا، والحدث العمد ليس في معنى الحدث السابق؛ لوجهين: ~~أحدهما أن الحدث السابق مما يبتلى به الإنسان فلو جعل مانعا من البناء لأدى ~~إلى الحرج ولا حرج في الحدث العمد؛ لأنه لا يكثر وجوده، والثاني الإنسان ~~يحتاج إلى البناء في الجمع والأعياد لإحراز الفضيلة المتعلقة بهما وكذا ~~يحتاج إلى إحراز فضيلة الصلاة خلف أفضل القوم خصوصا من كان بحضرة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فلو لم يجز البناء وربما فرغ الإمام من الصلاة قبل ~~فراغه من الوضوء لفات عليه فضيلة الجمعة والعيدين وفضيلة الصلاة خلف الأفضل ~~على وجه لا يمكنه # PageV01P220 # التلاقي فالشرع نظر له بجواز البناء صيانة لهذه الفضيلة عليه من الفوت ~~وهو مستحق للنظر لحصول الحدث من غير قصده واختياره بخلاف الحدث العمد؛ لأن ~~متعمد الحدث في الصلاة جان فلا ms0501 يستحق النظر، وعلى هذا يخرج ما إذا كان به ~~دمل فعصره حتى سال، أو كان في موضع ركبته فانتفخ من اعتماده على ركبته في ~~سجوده لا يجوز له البناء؛ لأن هذا بمنزلة الحدث العمد، وكذا إذا تكلم في ~~الصلاة عامدا أو ناسيا أو عمل فيها ما ليس من أعمال الصلاة وهو كثير لا ~~يجوز له البناء؛ لأن كل ذلك نادر في الصلاة فلم يكن في معنى المنصوص ~~والمجمع عليه، وكذا إذا جن في الصلاة أو أغمي عليه ثم أفاق لا يبني وإن كان ~~ذلك في معنى الحدث السابق؛ لأنه لا صنع له فيهما؛ لأن اعتراضهما في الصلاة ~~نادر فلم يكونا في معنى ما ورد فيه النص والإجماع، وكذا لو انتضح البول على ~~بدن المصلي أو ثوبه أكثر من قدر الدرهم من موضع فانفتل فغسله لا يبني على ~~صلاته في ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول أنه يبني. # وجه هذه الرواية أن النجاسة وصلت إلى بدنه من غير قصد فكان معنى الحدث ~~السابق ولأن هذا بعض ما ورد فيه الخبر؛ لأنه لو رعف فأصاب بدنه أو ثوبه ~~نجاسة فإنه يتوضأ ويغسل تلك النجاسة وههنا لا يحتاج إلى غسل النجاسة لا ~~غير، فلما جاز البناء هناك فلأن يجوز هنا أولى # وجه ظاهر الرواية أن هذا النوع مما لا يغلب وجوده فلم يكن في معنى مورد ~~النص والإجماع؛ ولأن له بدا من غسل النجاسة عن الثوب في الجملة بأن يكون ~~عليه ثوبان فيلقي ما تنجس من ساعته ويصلي في الآخر بخلاف الوضوء فإنه أمر ~~لا بد منه. # ولو انتضح البول على ثوب المصلي فإن كان أكثر من قدر الدرهم من موضع فإن ~~كان عليه ثوبان ألقى النجس من ساعته ومضى على صلاته استحسانا، والقياس أن ~~يستقبل لوجود شيء من الصلاة مع النجاسة لكنا نقول: إن هذا مما لا يمكن ~~التحرز عنه فيجعل عفوا وإن أدى ركنا أو مكث بقدر ما يتمكن من أداء ركن ~~يستقبل قياسا واستحسانا، وإن لم ms0502 يكن عليه إلا ثوب واحد فانصرف وغسله لا ~~يبني في ظاهر الرواية. # ولو أصابته بندقة فشجته أو رماه إنسان بحجر فشجه أو مس رجل قرحه فأدماه ~~أو عصره فانفلت منه ريح أو حدث آخر لا يجوز له البناء في قول أبي حنيفة ~~ومحمد، وقال أبو يوسف: يبني واحتج بما روي أن عمر - رضي الله عنه - لما طعن ~~في المحراب استخلف عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -. # ولو فسدت صلاته لفسدت صلاة القوم ولم يستخلف؛ لأن هذا حدث حصل بغير صنعه ~~فكان كالحدث السماوي، ولأن الشاج لم يوجد منه إلا فتح باب الدم فبعد ذلك ~~خروج الدم بنفسه لا بتسييل أحد فأشبه الرعاف. # وجه قولهما أن هذا الحدث حصل بصنع العباد بخلاف الحدث السماوي، وكذا هذا ~~النوع من الحدث في الصلاة مما يندر وقوعه؛ لأن الرامي منهي عن الرمي فلا ~~يقصده غالبا والإصابة خطأ نادر؛ لأنه يتحرز خوفا من الضمان فلم يكن في معنى ~~مورد النص والإجماع فيعمل فيه بالقياس المحض ألا ترى أن من عجز عن القيام ~~بسبب المرض جاز له أداء الصلاة قاعدا؟ ولو عجز عن القيام بفعل البشر بأن ~~قيده إنسان لم يجز لغلبة الأول وندرة الثاني كذا هذا. # وأما قوله إن هذا فتح باب الدم فنقول: نعم ولكن من فتح باب المائع حتى ~~سال المائع جعل ذلك مضافا إلى الفاتح؛ لانعدام اختيار السائل في سيلانه ~~ولهذا يجب ضمان الدهن على شاق الزق إذا سال الدهن والله أعلم. # ولو سقط المدر من السقف من غير مشي أحد على السطح على المصلي أو سقط ~~الثمر من الشجر على المصلي أو أصابه حشيش المسجد فأدماه اختلف المشايخ فيه، ~~منهم من جوز له البناء بالإجماع لانقطاع ذلك عن فعل العباد، ومنهم من جعل ~~المسألة على الخلاف لوقوع ذلك في حد القلة. # وأما حديث عمر - رضي الله عنه - فقد قيل كان الاستخلاف قبل افتتاح الصلاة ~~فاستخلفه ليفتتح الصلاة ألا ترى أنه روي أنه - رضي الله عنه - لما طعن قال ~~آه قتلني ms0503 الكلب من يصلي بالناس، ثم قال: تقدم يا عبد الرحمن ومعلوم أن هذا ~~كلام يمنع البناء على الصلاة، ومنها حقيقة الحدث لا وهم الحدث ولا ما جعل ~~حدثا حكما حتى لو علم أنه لم يسبقه الحدث لكنه خاف أن يبتدره فانصرف قبل أن ~~يسبقه الحدث ثم سبقه لا يجوز له البناء في ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف ~~أنه يجوز. # وجه قوله أنه عجز عن المضي فصار كما لو سبقه الحدث ثم انصرف. # وجه ظاهر الرواية أنه صرف وجهه عن القبلة من غير عذر فلم يكن في معنى ~~مورد النص والإجماع فبقي على أصل القياس. # وكذا إذا جن في الصلاة أو أغمي عليه أو نام مضطجعا # PageV01P221 # لا يجوز له البناء؛ لأن هذه العوارض يندر وقوعها في الصلاة فلم تكن في ~~معنى مورد النص والإجماع. # وكذا المتيمم إذا وجد الماء في خلال الصلاة، وصاحب الجرح السائل إذا جرح ~~وقت صلاته، والماسح على الخف إذا انقضت مدة مسحه ونحو ذلك لا يجوز له ~~البناء؛ لأن في هذه المواضع يظهر أن الشروع في الصلاة لم يصح على ما ذكرنا ~~ولأنه ليس في معنى الحدث السابق في كثرة الوقوع فتعذر الإلحاق، وكذا لو ~~اعترضت هذه الأشياء بعد ما قعد قدر التشهد الأخير يوجب فساد الصلاة ويمنع ~~البناء عند أبي حنيفة خلافا لهما على ما ذكرنا في المسائل الاثني عشرية، ~~ومنها الحدث الصغير حتى لا يجوز البناء في الحدث الكبير وهو الجنابة بأن ~~نام في الصلاة فاحتلم أو نظر إلى امرأة بشهوة أو تفكر فأنزل؛ لما قلنا؛ ~~ولأن الوضوء عمل يسير والاغتسال عمل كثير فتعذر الإلحاق في موضع العفو؛ ~~ولأن الاغتسال لا يمكن إلا بكشف العورة وذلك من قواطع الصلاة وهذا استحسان، ~~والقياس يجوز يريد به القياس على الاستحسان الأول، ومنها أن لا يفعل بعد ~~الحدث فعلا منافيا للصلاة لو لم يكن أحدث إلا ما لا بد للبناء منه أو كان ~~من ضرورات ما لا بد منه أو من توابعه وتتماته، وبيان ذلك إذا سبقه ms0504 الحدث ثم ~~تكلم أو أحدث متعمدا أو ضحك متعمدا أو قهقه أو أكل أو شرب أو نحو ذلك لا ~~يجوز له البناء؛ لأن هذه الأفعال منافية للصلاة في الأصل لما نذكر فلا يسقط ~~اعتبار المنافي إلا لضرورة ولا ضرورة؛ لأن البناء منها بدا، وكذا إذا جن أو ~~أغمي عليه أو أجنب؛ لأنه لا يكثر وقوعه فكان للبناء منه بد، وكذا لو أدى ~~ركنا من أركان الصلاة مع الحدث أو مكث بقدر ما يتمكن فيه من أداء ركن؛ لأنه ~~عمل كثير وليس من أعمال الصلاة وله منه بد. # وكذا لو استقى من البئر وهو لا يحتاج إليه ولو مشى إلى الوضوء فاغترف ~~الماء من الإناء أو استقى من البئر وهو محتاج إليه فتوضأ جاز له البناء؛ ~~لأن الوضوء أمر لا بد للبناء منه والمشي والاغتراف والاستقاء عند الحاجة من ~~ضرورات الوضوء ولو استنجى فإن كان مكشوف العورة بطل البناء؛ لأن كشف العورة ~~مناف للصلاة وللبناء منه بد في الجملة، فإن استنجى تحت ثيابه بحيث لا تنكشف ~~عورته جاز له البناء؛ لأن الاستنجاء على هذا الوجه من سنن الوضوء فكان من ~~تتماته. # ولو توضأ ثلاثا ثلاثا ذكر في ظاهر الرواية ما يدل على الجواز فإنه قال ~~إذا سبقه الحدث يتوضأ ويبني من غير فصل وحكي عن أبي القاسم الصفار أنه لا ~~يجوز ووجهه أن الفرض يسقط بالغسل مرة واحدة فكانت الزيادة إدخال عمل لا ~~حاجة إليه في الصلاة فيوجب فساد الصلاة. # وجه ظاهر الرواية أن الزيادة من باب إكمال الوضوء وبه حاجة إلى إقامة ~~الصلاة على وصف الكمال وذلك بتحصيل الوضوء على وجه الكمال فتتحمل الزيادة ~~كما يتحمل الأصل وهذا جواب أبي بكر الأعمش فإن عنده المرة الأولى هي الفرض ~~والثانية والثالثة نفل، فأما عند أبي بكر الإسكاف فالثلاثة كلها فرض؛ لأن ~~الثانية والثالثة لما التحقتا بالأولى صار الكل وضوءا واحدا فيصير الكل ~~فرضا كالقيام إذا طال والقراءة أو الركوع أو السجود، وعلى هذا إذا استوعب ~~المسح وتمضمض واستنشق وأتى بسائر سنن ms0505 الوضوء جاز له البناء؛ لأن ذلك من باب ~~إكمال الوضوء فكان من توابعه فيتحمل كما يتحمل الأصل، ولو افتتح الصلاة ~~بالوضوء ثم سبقه الحدث فلم يجد ماء تيمم وبنى؛ لأن ابتداء الصلاة بالتيمم ~~عند فقد الماء جائز فالبناء أولى فإن تيمم ثم وجد الماء فإن وجده بعد ما ~~عاد إلى مقامه استقبل الصلاة وإن وجده في الطريق قبل أن يقوم مقامه فالقياس ~~أن يستقبل، وقيل القياس قول محمد وفي الاستحسان يتوضأ ويبني. # وجه القياس أنه متيمم وجد الماء في صلاته فتفسد صلاته كما إذا عاد إلى ~~مكانه ثم وجد الماء وهذا؛ لأن قدر ما مشى متيمما حصل فعلا غير محتاج إليه ~~فلا يعفى. # وجه الاستحسان أنه لم يؤد شيئا من الصلاة مع الحدث ولم يدخل فعلا في ~~الصلاة هو مضاد لها فلا يفسدها، وما مشى كل ذلك كان محتاجا إليه لتحصيل ~~التطهير فلا يوجب فساد الصلاة بخلاف ما إذا عاد إلى مكانه ثم وجد؛ لأنه إذا ~~عاد إلى مكانه وجد أداء جزء من أجزاء الصلاة وإن قل مع التيمم فظهر بوجود ~~الماء أنه كان محدثا من وقت الحدث السابق، وإن التيمم ما كان طهارته فتبين ~~أنه أدى شيئا من الصلاة مع الحدث فتفسد صلاته، ثم ما ذكرنا من جواز البناء ~~لا يختلف سيما إذا كان الحدث في وسط الصلاة أو في آخرها حتى لو سبقه الحدث ~~بعد ما قعد قدر التشهد الأخير يتوضأ ويبني عندنا؛ لأنه يحتاج إلى الخروج ~~بلفظة السلام التي هي واجبة أو سنة عندنا فلا بد له من الطهارة، وكذا لا ~~يختلف # PageV01P222 # الجواب في جواز البناء سيما إذا صرف وجهه عن القبلة على علم بالحدث أو ~~على ظن به بعد أن كان في المسجد في ظاهر الرواية حتى إنه لو صرف وجهه عن ~~القبلة على ظن أنه أحدث ثم علم أنه لم يحدث وهو في المسجد رجع وبنى فإن علم ~~بعد الخروج من المسجد لا يبني. # وروي عن محمد أنه لا يبني في الوجهين جميعا، ووجهه أنه ms0506 صرف وجهه عن ~~القبلة من غير عذر فتفسد صلاته كما إذا علم خارج المسجد وكما إذا انصرف على ~~ظن أنه على غير وضوء أو على ظن أنه على ثوبه نجاسة أو كان متيمما فرأى ~~سرابا فظنه ماء فانصرف فإنه لا يبني سواء كان في المسجد أو خارج المسجد. # وجه ظاهر الرواية أن حكم المكان لم يتبدل ما دام في المسجد والانصراف لم ~~يكن على قصد الخروج من الصلاة وعزم الرفض بل لإصلاح صلاته ألا ترى أنه لو ~~تحقق ما توهم توضأ وبنى على صلاته فسقط حكم هذا الانصراف فكأنه لم ينصرف ~~بخلاف ما إذا خرج من المسجد ثم علم؛ لأن حكم المكان قد تبدل وبخلاف تلك ~~الصلاة؛ لأن هناك الانصراف ليس لإصلاح صلاته بل لقصد الخروج عن الصلاة وعزم ~~الرفض ألا ترى أنه لو تحقق ما توهم لا يمكنه البناء فأشبه الكلام والحدث ~~العمد والقهقهة، وعلى هذا إذا سلم على رأس الركعتين في ذوات الأربع ساهيا ~~على ظن أنه أتم الصلاة ثم تذكر فحكمه وحكم الذي ظن أنه أحدث سواء على ~~التفصيل والاختلاف الذي ذكرنا، وذكر في العيون أنه إذا صلى العشاء فظن بعد ~~ركعتين أنها ترويحة فسلم أو صلى الظهر وهو يظن أنه يصلي الجمعة أو يظن أنه ~~مسافر فسلم على رأس الركعتين أنه يستقبل العشاء والظهر، وقد مر الفرق هذا ~~إذا كان يصلي في المسجد فأما إذا كان يصلي في الصحراء فإن كان يصلي بجماعة ~~يعطى لما انتهى إليه الصفوف حكم المسجد إن مشى يمنة أو يسرة أو خلفا، وإن ~~مشى أمامه وليس بين يديه بناء ولا سترة فقد ذكرنا اختلاف المشايخ والصحيح ~~هو التقدير بموضع السجود، وإن كان بين يديه بناء أو سترة فإنه يبني ما لم ~~يجاوزه؛ لأن السترة تجعل لما دونها حكم المسجد حتى لا يباح المرور داخل ~~السترة ويباح خارجها، وإن كان يصلي وحده فمسجده قدر موضع سجوده من الجوانب ~~الأربع إلا إذا مشى أمامه وبين يديه سترة فيعطى لداخل السترة حكم المسجد، ~~لمن ms0507 سبقه الحدث أن يتكلم ويتوضأ ويستقبل القبلة ليخرج عن عهدة الفرض بيقين. ### | [فصل الكلام في محل البناء وكيفيته في الصلاة] # (فصل) : # الكلام في محل البناء وكيفيته. # فنقول وبالله التوفيق، المصلي لا يخلو إما إن كان منفردا أو مقتديا أو ~~إماما فإن كان منفردا فانصرف وتوضأ فهو بالخيار إن شاء أتم صلاته في الموضع ~~الذي توضأ فيه وإن شاء عاد إلى الموضع الذي افتتح الصلاة فيه؛ لأنه إذا أتم ~~الصلاة حيث هو فقد سلمت صلاته عن المشي لكنه صلى صلاة واحدة في مكانين، وإن ~~عاد إلى مصلاه فقد أدى جميع الصلاة في مكان واحد لكن مع زيادة مشي فاستوى ~~الوجهان فيخير، وقال بعض مشايخنا: يصلي في الموضع الذي توضأ من غير خيار. # ولو أتى المسجد تفسد صلاته؛ لأنه تحمل زيادة مشي من غير حاجة وعامة ~~مشايخنا قالوا: لا تفسد صلاته؛ لأن المشي إلى الماء والعود إلى مكان الصلاة ~~ألحق بالعدم شرعا في الجملة، وإن كان مقتديا فانصرف وتوضأ فإن لم يفرغ ~~إمامه من الصلاة فعليه أن يعود؛ لأنه في حكم المقتدي بعد. # ولو لم يعد وأتم بقية صلاته في بيته لا يجزيه؛ لأنه إن صلى مقتديا بإمامه ~~لا يصح؛ لانعدام شرط الاقتداء وهو اتحاد البقعة إلا إذا كان بيته قريبا من ~~المسجد بحيث يصح الاقتداء وإن صلى منفردا في بيته فسدت صلاته؛ لأن الانفراد ~~في حال وجوب الاقتداء يفسد صلاته؛ لأن بين الصلاتين تغيرا وقد ترك ما كان ~~عليه وهو الصلاة مقتديا وما أدى وهو الصلاة منفردا لم يوجد له ابتداء ~~تحريمة وهو بعض الصلاة؛ لأنه صار منتقلا عما كان هو فيه إلى هذا فيبطل ذلك. # وما حصل فيه بعض الصلاة فلا يخرج عن كل الصلاة بأداء هذا القدر، ثم إذا ~~عاد ينبغي أن يشتغل أولا بقضاء ما سبق به في حال تشاغله بالوضوء؛ لأنه لاحق ~~فكأنه خلف الإمام فيقوم مقدار قيام الإمام من غير قراءة ومقدار ركوعه ~~وسجوده ولا يضره إن زاد أو نقص. # ولو تابع إمامه أولا ثم اشتغل ms0508 بقضاء ما سبق به بعد تسليم الإمام جازت ~~صلاته عند علمائنا الثلاثة خلافا لزفر بناء على أن الترتيب في أفعال الصلاة ~~الواحدة ليس بشرط عندنا وعنده شرط، وإن كان قد فرغ إمامه من الصلاة يخير ~~لما ذكرنا في المنفرد توضأ وقد فرغ # PageV01P223 # الإمام من صلاته ولم يقعد في الثانية لا يقعد هذا المقتدي في الثانية. # وروي عن زفر أنه يقعد، ذكر المسألة في النوادر. # وجه قول زفر أن القعدة الأولى واجبة في الصلاة ولا يجوز ترك الواجب إلا ~~لأمر فوقه كما إذا كان خلف الإمام فترك الإمام القعدة وقام بتركها المقتدي ~~موافقة للإمام فيما هو أعلى منه وهو القيام لكونه فرضا ولم يوجد هذا المعنى ~~في اللاحق؛ لأن موافقة الإمام بعد فراغه لا تتحقق فيجب عليه الإتيان ~~بالقعدة، ولنا أن اللاحق خلف الإمام تقديرا حتى يسجد لسهو الإمام ولا يسجد ~~لسهو نفسه ولا يقرأ في القضاء كأنه خلف الإمام. # ولو كان خلفه حقيقة يترك القعدة متابعة للإمام فكذا إذا كان خلفه تقديرا، ~~وإن كان إماما يستخلف ثم يتوضأ ويبني على صلاته والأمر في موضع البناء ~~وكيفيته على نحو ما ذكرنا في المقتدي؛ لأنه بالاستخلاف تحولت الإمامة إلى ~~الثاني وصار هو كواحد من المقتدين به. ### | [فصل الكلام في الاستخلاف في الصلاة] # (فصل) : # ثم الكلام في الاستخلاف. # في مواضع: أحدها في جواز الاستخلاف في الجملة، والثاني في شرائط جوازه، ~~والثالث في بيان حكم الاستخلاف. # أما الأول فقد اختلف العلماء فيه قال علماؤنا: يجوز، وقال الشافعي: لا ~~يجوز ويصلي القوم وحدانا بلا إمام. # وجه قوله أنه لا ولاية للإمام إذ هو في نفسه بمنزلة المنفرد فلا يملك ~~النقل إلى غيره وكذا القوم لا يملكون النقل وإنما تثبت الإمامة لا بتفويض ~~منهم بل باقتدائهم به ولم يوجد الاقتداء بالثاني؛ لأن الاقتداء بالتكبيرة ~~وهي منعدمة في حق الثاني بخلاف الإمامة الكبرى؛ لأنها عبارة عن ولايات تثبت ~~له شرعا بالتفويض والبيعة كما يثبت للوكيل والقاضي فيقبل التمليك والعزل ~~لنا ما روي عن أبي هريرة عن النبي ms0509 - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا ~~صلى أحدكم فقاء أو رعف في صلاته فليضع يده على فمه وليقدم من لم يسبق بشيء ~~من صلاته ولينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم» . # وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لما أمر أبا بكر - رضي الله ~~عنه - أن يصلي بالناس وجد في نفسه خفة فخرج يهادى بين اثنين وقد افتتح أبو ~~بكر الصلاة فلما سمع حس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تأخر وتقدم النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وافتتح القراءة من الموضع الذي انتهى إليه أبو بكر» ~~وإنما تأخر؛ لأنه عجز عن المضي لكون المضي من باب التقدم على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وقال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين ~~يدي الله ورسوله} [الحجرات: 1] فصار هذا أصلا في حق كل إمام عجز عن الإتمام ~~أن يتأخر ويستخلف غيره، وعن عمر - رضي الله عنه - أنه سبقه الحدث فتأخر ~~وقدم رجلا، وعن عثمان - رضي الله عنه - مثله؛ ولأن بهم حاجة إلى تمام ~~صلاتهم بالإمام وقد التزم الإمام ذلك فإذا عجز عن الوفاء بما التزم بنفسه ~~يستعين بمن يقدر عليه نظرا لهم كي لا تبطل عليهم الصلاة بالمنازعة. # وأما قوله: إن الإمام لا ولاية له فليس كذلك بل له ولاية المتبوعية في ~~هذه الصلاة وأن لا تصح صلاتهم إلا بناء على صلاته وأن يقرأ فتصير قراءته ~~قراءة لهم فإذا عجز عن الإمامة بنفسه ملك النقل إلى غيره فأشبه الإمامة ~~الكبرى على أن هذا من باب الخلافة لا من باب التفويض والتمليك فإن الثاني ~~يخلف الأول في بقية صلاته كالوارث يخلف الميت فيما بقي من أمواله والخلافة ~~لا تفتقر إلى الولاية والأمر بل شرطها العجز، وإنما التقديم من الإمام ~~للتعيين كي لا تبطل بالمنازعة حتى إنه لو لم يبق خلفه إلا رجل واحد يصير ~~إماما وإن لم يعينه ولا فوض إليه، وكذا التقديم من القوم للتعيين دون ~~التفويض فصار كالإمامة الكبرى فإن البيعة للتعيين لا للتمليك. # ألا ms0510 ترى أن الإمام يملك أمورا لا تملكها الرعية وهي إقامة الحدود فكذا ~~هذا فإن لم يستخلف الإمام واستخلف القوم رجلا جاز ما دام الإمام في المسجد؛ ~~لأن الإمام لو استخلف كان سعيه للقوم نظرا لهم كي لا تبطل عليهم الصلاة ~~فإذا فعلوا بأنفسهم جاز كما في الإمامة الكبرى لو لم يستخلف الإمام غيره ~~ومات واجتمع أهل الرأي والمشورة ونصبوا من يصلح للإمامة جاز؛ لأن الأول لو ~~فعل فعل لهم فجاز لهم أن يفعلوا لأنفسهم لحاجتهم إلى ذلك كذا هذا، ولو تقدم ~~واحد من القوم من غير استخلاف الإمام وتقديم القوم والإمام في المسجد جاز ~~أيضا؛ لأن به حاجة إلى صيانة صلاته ولا طريق لها عند امتناع الإمام عن ~~الاستخلاف والقوم عن التقديم إلا ذلك ولأن القوم لما ائتموا به فقد رضوا ~~بقيامه مقام الأول فجعل كأنهم قدموه، ولو قدم الإمام أو القوم رجلين فإن ~~وصل أحدهما # PageV01P224 # إلى موضع الإمامة قبل الآخر تعين هو للإمامة. # وجازت صلاته وصلاة من اقتدى به وفسدت صلاة الثاني وصلاة من اقتدى به؛ لأن ~~الأول لما تقدم بتقديم من له ولاية لتقديم قام مقام الأول وصار إماما للكل ~~كالأول فصار الإمام الثاني ومن اقتدى به منفردين عمن صار إماما لهم ففسدت ~~صلاتهم لما مر من الفقه، وإن وصلا معا فإن اقتدى القوم بأحدهما تعين هو ~~للإمامة وإن اقتدوا بهما جميعا بعضهم بهذا وبعضهم بذاك فإن استوت الطائفتان ~~فسدت صلاتهم جميعا؛ لأن الأمر لا يخلو إما أن يقال: لم يصح استخلاف كل واحد ~~من الفريقين لمكان التعارض فبطلت إمامتهما وفسدت صلاة الكل لخروج الإمام ~~الأول عن المسجد من غير خليفة للقوم ولأدائهم الصلاة منفردين في حال وجوب ~~الاقتداء، وإما أن يقال: صح تقديم كل واحد منهما لعدم ترجيح الفريقين الآخر ~~عليه فجعل في حق كل فريق كأن ليس معهم غيرهم فحينئذ يصير إمام كل طائفة ~~إماما للكل كإمام أكثر الطائفتين عند التفاوت وعدم الاستواء فحينئذ يجب على ~~إمام كل طائفة ومن تابعه الاقتداء بالآخر فإن لم يقتدوا ms0511 جعلوا منفردين أو ~~أن وجوب الاقتداء وإن اقتدوا أدوا صلاة واحدة في حالة واحدة بإمامين وذلك ~~مما لم يرد به الشرع فلم يجز. # ولو كانت الطائفتان على التفاوت فإن اقتدى جماعة القوم بأحد الإمامين إلا ~~رجل أو رجلان اقتديا بالثاني فصلاة من اقتدى به الجماعة صحيحة وصلاة الآخر ~~ومن اقتدى به فاسدة؛ لأنهما لما وصلا معا وقد تعذر أن يكونا إمامين فلا بد ~~من الترجيح وأمكن الترجيح بالكثرة نصا واعتبارا، أما النص فقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «يد الله مع الجماعة» ، وقوله «من شذ شذ في النار» ، ~~وقوله «كدر الجماعة خير من صفو الفرقة» . # وأما الاعتبار فهو الاستدلال بالإمامة الكبرى حتى قال عمر - رضي الله عنه ~~- في الشورى: إن اتفقوا على شيء وخالفهم واحد فاقتلوه، وإن اقتدى بكل إمام ~~جماعة لكن أحد الفريقين أكثر عددا من الآخر اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: ~~تفسد صلاة الفريقين جميعا وإليه مال الإمام السرخسي فقال: إن كل واحد منهما ~~جمع تام يتم به نصاب الجمعة فيكون الأقل مساويا للأكثر حكما كالمدعيين يقيم ~~أحدهما شاهدين والآخر أربعة، وقال بعضهم: جازت صلاة الأكثرين وتعين الفساد ~~في الآخرين كما في الواحد والمثنى، وعليه اعتمد الشيخ صدر الدين أبو المعين ~~واستدل بوضع محمد فإن محمدا قال: إذا قدم القوم أو الإمام رجلين فأم كل ~~واحد منهما طائفة جازت صلاة أكثر الطائفتين فهذا يدل على أن كل طائفة لو ~~كانت جماعة ترجح أيضا بالكثرة؛ لأن اسم الطائفة في اللغة يقع على الواحد ~~والاثنين والثلاثة وما زاد على ذلك، قال الله تعالى {وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا} [الحجرات: 9] ولا شك أن كل فريق لو كان أكثر من الثلاث ~~لدخل تحت هذه الآية وقال تعالى {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى ~~طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} [آل عمران: 154] ولا شك أن كل فريق ~~كان جماعة كثيرة وكذا ذكر محمد في السير الكبير أن أمير عسكر في دار الحرب ~~قال: من جاء منكم بشيء فله طائفة منه ms0512 فجاء رجل برءوس فإن الإمام ينفل له من ~~ذلك على قدر ما يرى حتى إنه لو أعطي نصف ما أتى به أو أكثر بأن كانت الرءوس ~~عشرة فرأى الإمام أن يعطي تسعة من ذلك لهذا الرجل كان له ذلك فتبين أن اسم ~~الطائفة يقع على الجماعة فيرجح بالكثرة لما مر والله تعالى أعلم. # هذا إذا كان خلف الإمام الذي سبقه الحدث اثنان أو أكثر فأما إذا كان خلفه ~~رجل واحد صار إماما نوى الإمامة أو لم ينو، قام في مكان الإمام أو لم يقم، ~~قدمه الإمام أو لم يقدمه؛ لأن عدم تعيين واحد من القوم للإمامة ما لم يقدمه ~~أو يتقدم حتى بقيت الإمامة للأول كان بحكم التعارض وعدم ترجيح البعض على ~~البعض، وههنا لا تعارض فتعين هو لحاجته إلى إبقاء صلاته على الصحة وصلاحيته ~~للإمامة حتى إن الإمام الأول لو أفسد صلاته على نفسه لا تفسد صلاة هذا ~~الثاني، والثاني لو أفسد صلاته على نفسه فسدت صلاة الأول؛ لأن الأول صار في ~~حكم المقتدي بالثاني وفساد صلاة المقتدي لا تؤثر في فساد صلاة الإمام، ~~ولفساد صلاة الإمام أثر في فساد صلاة المقتدي ودخل في صلاة الثاني؛ لأن ~~الإمامة تحولت إليه على ما ذكرنا، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا أحدث ~~الإمام ولم يكن معه إلا رجل واحد فوجد الماء في المسجد فتوضأ قال: يتم ~~صلاته مقتديا بالثاني؛ لأنه متعين للإمامة فبنفس انصرافه تتحول الإمامة ~~إليه، وإن كان معه جماعة فتوضأ في المسجد عاد إلى مكان الإمامة # PageV01P225 # وصلى بهم؛ لأن الإمامة لا تتحول منه إلى غيره في هذه الحالة إلا ~~بالاستخلاف ولم يوجد، فإن جاء رجل واقتدى بهذا الثاني ثم أحدث الثاني صار ~~الثالث إماما لتعينه لذلك فإن أحدث الثالث وخرج قبل رجوعهما أو رجوع أحدهما ~~فسدت صلاة الأول والثاني؛ لأن الثالث لما صار إماما صار الأول والثاني ~~مقتديين به فإذا خرج هو لم تفسد صلاته على الرواية الصحيحة؛ لأنه في حق ~~نفسه منفرد وفسدت صلاة الأول والثاني؛ لأن ms0513 إمامهما خرج عن المسجد فتحقق ~~تباين المكان ففسد الاقتداء لفوت شرطه وهو اتحاد البقعة، وإن كان تباين ~~المكان موجودا حال بقائه في المسجد؛ لأن ذلك سقط اعتباره شرعا لحاجة ~~المقتدي إلى صيانة صلاته على ما نذكر، وههنا لا حاجة لكون ذلك في حد الندرة ~~ولو رجع أحدهما فدخل المسجد ثم خرج الثالث جازت صلاتهم؛ لأن الراجع صار ~~إماما لهم لتعينه. # ولو رجع الأول والثاني فإن قدم أحدهما صار هو الإمام وإن لم يقدم حتى خرج ~~الثالث من المسجد فسدت صلاتهما؛ لأن أحدهما لم يصر إماما للتعارض وعدم ~~الترجيح فبقي الثالث إماما فإذا خرج من المسجد شرط صحة الاقتداء وهو اتحاد ~~البقعة ففسدت صلاتهما. ### | [فصل شرائط جواز الاستخلاف] # (فصل) : # وأما شرائط جواز الاستخلاف. # فمنها أن كل ما هو شرط جواز البناء فهو شرط جواز الاستخلاف حتى لا يجوز ~~مع الحدث العمد والكلام والقهقهة وسائر نواقض الصلاة كما لا يجوز البناء مع ~~هذه الأشياء؛ لأن الاستخلاف يكون للقائم ولا قيام للصلاة مع هذه الأشياء بل ~~تفسد ولو حصر الإمام عن القراءة فاستخلف غيره جاز في قول أبي حنيفة وأبي ~~يوسف وعند محمد لا يجوز وتفسد صلاتهم. # وجه قولهما أن جواز الاستخلاف حكم ثبت على خلاف القياس بالنص وأنه ورد في ~~الحديث السابق الذي هو غالب الوقوع، والحصر في القراءة ليس نظيره فالنص ~~الوارد ثمة لا يكون واردا هنا وصار كالإغماء والجنون والاحتلام في الصلاة ~~أنه يمنع الاستخلاف، كذا هذا ولأبي حنيفة أنا جوزنا الاستخلاف ههنا بالنص ~~الخاص لا بالاستدلال بالحديث وهو حديث أبي بكر - رضي الله عنه - أنه «كان ~~يصلي بالناس بجماعة بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي ~~مات فيه فوجد - صلى الله عليه وسلم - خفة فحضر المسجد فلما أحس الصديق ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حضر في القراءة فتأخر وتقدم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأتم الصلاة» ، ولو لم يكن جائزا لما فعل ذلك رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وما جاز له يكون جائزا لأمته ms0514 هو الأصل لكونه قدوة. # ومنها أن يكون الاستخلاف قبل خروج الإمام من المسجد حتى إنه لو خرج عن ~~المسجد قبل أن يقدم هو أو يقدم القوم إنسانا أو يتقدم أحد بنفسه فصلاة ~~القوم فاسدة؛ لأنه اختلف مكان الإمام والقوم فبطل الاقتداء لفوت شرطه وهو ~~اتحاد المكان وهذا لأن غيره إذا لم يتقدم بقي هو إماما في نفسه كما كان؛ ~~لأنه إنما يخرج عن الإمامة لقيام غيره مقامه وانتقال الإمامة إليه ولم يوجد ~~والمكان قد اختلف حقيقة وحكما، أما الحقيقة فلا تشكل. # وأما الحكم فلأن من كان خارج المسجد إذا اقتدى بمن يصلي في المسجد وليست ~~الصفوف متصلة لا يجوز بخلاف ما إذا كان بعد في المسجد؛ لأن المسجد كله ~~بمنزلة بقعة واحدة حكما ولهذا حكم بجواز الاقتداء في المسجد وإن لم تتصل ~~الصفوف كذلك فسدت صلاتهم بخلاف المقتدي إذا سبقه الحدث وخرج من المسجد حيث ~~لم تفسد صلاته وإن فات شرط صحة الاقتداء وهو اتحاد المكان فإن هناك ضرورة؛ ~~لأن صيانة صلاته لن تحصل إلا بهذا الطريق بخلاف ما إذا كان الإمام هو الذي ~~سبقه الحدث فإن صيانة صلاة القوم تمكنه بأن يستخلف الإمام أو يقدم القوم ~~رجلا أو يتقدم واحد منهم فإذا لم يفعلوا فقد فرضوا وما سعوا في صيانة ~~صلاتهم فتفسد عليهم. # وأما المقتدي فليس شيء منها في وسعه فبقيت صلاته صحيحة ليتمكن من ~~الإتمام. # وأما حال صلاة الإمام فلم يذكر في الأصل وذكر الطحاوي أن صلاته تفسد ~~أيضا؛ لأن ترك استخلافه لما أثر في فساد صلاة القوم فلأن يؤثر في فساد ~~صلاته أولى، وذكر أبو عصمة أن صلاته لا تفسد وهو الصحيح؛ لأنه بمنزلة ~~المنفرد في حق نفسه، والمنفرد الذي سبقه الحدث فذهب ليتوضأ بقيت صلاته ~~صحيحة كذا هذا. # ولو كان خارج المسجد صفوف متصلة فخرج الإمام من المسجد ولم يجاوز الصفوف ~~فسدت صلاة القوم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد لا تفسد حتى لو ~~استخلف # PageV01P226 # الإمام رجلا من الصفوف الخارجة لا يصح عندهما وعنده ms0515 يصح. # وجه قول محمد أن مواضع الصفوف لها حكم المسجد ألا ترى أنه لو صلى في ~~الصحراء جاز استخلافه ما لم يجاوز الصفوف؟ فجعل الكل كمكان واحد ولهما أن ~~البقعة مختلفة حقيقة وحكما في الأصل إلا أنه أعطى لها حكم الاتحاد إذا كانت ~~الصفوف متصلة بالمسجد في حق الخارج عن المسجد خاصة لضرورة الحاجة إلى ~~الأداء فلا يظهر الاتحاد في حق غيره ألا ترى أن الإمام لو كبر يوم الجمعة ~~وحده في المسجد وكبر القوم بتكبيره خارج المسجد لم تنعقد الجمعة؟ وإذا ظهر ~~حكم اختلاف البقعة في حق المستخلف لم يصح الاستخلاف هذا إذا كان يصلي في ~~المسجد فإن كان يصلي في الصحراء فمجاوزة الصفوف بمنزلة الخروج من المسجد إن ~~مشى على يمينه أو على يساره أو خلفه فإن مشى أمامه وليس بين يديه سترة فإن ~~جاوز مقدار الصفوف التي خلفه أعطي له حكم الخروج عند بعضهم، وهكذا روي عن ~~أبي يوسف وعند بعضهم إذا جاوز موضع سجوده وإن كان بين يديه سترة يعطى لداخل ~~السترة حكم المسجد لما مر. # ومنها أن يكون المقدم صالحا للخلافة حتى لو استخلف محدثا أو جنبا فسدت ~~صلاته وصلاة القوم كذا ذكر في كتاب الصلاة في باب الحدث؛ لأن المحدث لا ~~يصلح خليفة فكان اشتغاله باستخلاف من لا يصلح خليفة له عملا كثيرا ليس من ~~أعمال الصلاة فكان إعراضا عن الصلاة فتفسد صلاته وتفسد صلاة القوم بفساد ~~صلاته؛ ولأن الإمام لما استخلفه فقد اقتدى به ومتى صار هو مقتديا به صار ~~القوم أيضا مقتدين به والاقتداء بالمحدث والجنب لا يصح فتفسد صلاة الإمام ~~والقوم جميعا وهذا عندنا؛ لأن حدث الإمام إذا تبين للقوم بعد الفراغ من ~~الصلاة فصلاتهم فاسدة عندنا فكذا في حال الاستخلاف وعند الشافعي إذا اقتدوا ~~به مع العلم بكونه محدثا لا يصح الاقتداء وإذا لم يعلموا به ثم علموا بعد ~~الفراغ فصلاتهم تامة فكذا في حال الاستخلاف وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم، ~~وذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي ما يدل على ms0516 أن استخلاف المحدث صحيح حتى ~~لا تفسد صلاته فإنه قال: إذا قدم الإمام رجلا والمقدم على غير وضوء فلم يقم ~~مقامه ينوي أن يؤم الناس حتى قدم غيره صح الاستخلاف ولو لم يكن أهلا ~~للخلافة؛ لما صح استخلافه غيره ولفسدت صلاة الإمام باستخلافه من لا يصلح ~~للخلافة فتفسد صلاة القوم وحينئذ لا يصح استخلاف المقدم غيره ووجهه أن ~~المقدم من أهل الإمامة في الجملة وإنما التعذر لمكان الحدث فصار أمره ~~بمنزلة أمر الإمام، والأول أصح؛ لما ذكرنا، وكذلك لو قدم صبيا فسدت صلاته ~~وصلاة القوم؛ لأن الصبي لا يصلح خليفة للإمام في الفرض كما لا يصلح أصيلا ~~في الإمامة في الفرائض، وهذا على أصلنا أيضا فإنه يجوز اقتداء البالغ ~~بالصبي في المكتوبة عندنا خلافا للشافعي بناء على أن اقتداء المفترض ~~بالمتنفل لا يصح عندنا وعنده يصح، وقد مرت المسألة. # وكذلك إن قدم الإمام المحدث امرأة فسدت صلاتهم جميعا من الرجال والنساء ~~والإمام والمقدم، وقال زفر صلاة المقدم والنساء جائزة وإنما تفسد صلاة ~~الرجال، وجه قوله أن المرأة تصلح لإمامة النساء في الجملة وإنما لا تصلح ~~لإمامة الرجال كما في الابتداء، ولنا أن المرأة لا تصلح لإمامة الرجال قال ~~- صلى الله عليه وسلم - «أخروهن من حيث أخرهن الله» فصار باستخلافه إياها ~~معرضا عن الصلاة فتفسد صلاته وتفسد صلاة القوم بفساد صلاته؛ لأن الإمامة لم ~~تتحول منه إلى غيره. # وكذلك لو قدم الأمي أو العاري أو المومي وقال زفر: إن الإمام إذا قرأ في ~~الأوليين فاستخلف أميا في الأخريين لا تفسد صلاتهم؛ لاستواء حال القارئ ~~والأمي في الأخريين لتأدي فرض القراءة في الأوليين، والصحيح أنه تفسد ~~صلاتهم؛ لأن استخلاف من لا يصلح إماما له عمل كثير منه ليس من أعمال الصلاة ~~فتفسد صلاته وصلاتهم بفساد صلاته، وكذلك إن استخلفه بعد ما قعد قدر التشهد ~~عند أبي حنيفة وهي من المسائل الاثني عشرية، وبعض مشايخنا قالوا: لا تفسد ~~بالإجماع؛ لوجود الصنع منه ههنا وهو الاستخلاف، إلا أن بناء مذهب أبي حنيفة ~~في هذه ms0517 المسائل على هذا الأصل غير سديد على ما ذكرنا في كتاب الطهارة في ~~فصل التيمم، والأصل في باب الاستخلاف أن كل من يصح اقتداء الإمام به يصلح ~~خليفة له وإلا فلا ولو كان الإمام متيمما فأحدث فقدم متوضئا جاز؛ لأن ~~اقتداء المتيمم بالمتوضئ صحيح بلا خلاف. # ولو قدمه ثم وجد الإمام الأول الماء فسدت صلاته وحده؛ لأن الإمامة تحولت ~~منه إلى الثاني وصار هو كواحد من القوم ففساد صلاته # PageV01P227 # لا يتعدى إلى صلاة غيره، وإن كان الإمام الأول متوضئا والخليفة متيمما ~~فوجد الخليفة الماء فسدت صلاته وصلاة الأول والقوم جميعا؛ لأن الإمامة ~~تحولت إليه وصار الأول كواحد من المقتدين به، وفساد صلاة الإمام يتعدى إلى ~~صلاة القوم. # ولو قدم مسبوقا جاز والأولى للإمام المحدث أن يستخلف مدركا لا مسبوقا؛ ~~لأنه أقدر على إتمام الصلاة وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «من قلد ~~إنسانا عملا وفي رعيته من هو أولى منه فقد خان الله ورسوله وجماعة ~~المؤمنين» ومع هذا لو قدم المسبوق جاز ولكن ينبغي له أن لا يتقدم؛ لأنه ~~عاجز عن القيام بجميع ما بقي من الأفعال. # ولو تقدم مع هذا جاز؛ لأنه أهل للإمامة وهو قادر على أداء الأركان وهو ~~المقصود من الصلاة فإذا صح استخلافه يتم الصلاة من الموضع الذي وصل إليه ~~الإمام؛ لأنه قائم مقامه فإذا انتهى إلى السلام يستخلف هذا الثاني رجلا ~~أدرك أول الصلاة ليسلم بهم؛ لأنه عاجز عن السلام لبقاء ما سبق به عليه فصار ~~بسبب العجز عن إتمام الصلاة كالذي سبقه الحدث فثبتت له ولاية استخلاف غيره ~~فيقدم مدركا ليسلم ثم يقوم هو إلى قضاء ما سبق به، والإمام الأول صار ~~مقتديا بالثاني؛ لأن الثاني صار إماما فيخرج الأول من الإمامة ضرورة أن ~~الصلاة الواحدة لا يكون لها إمامان وإذا لم يبق إماما وقد بقي هو في الصلاة ~~التي كانت مشتركة بينهم صار مقتديا ضرورة فإن توضأ الأول وصلى في بيته ما ~~بقي من صلاته فإن كان قبل فراغ الإمام الثاني من بقية ms0518 صلاة الأول فسدت ~~صلاته وإن كان بعد فراغه فصلاته تامة لما مر. # ولو قعد الإمام الثاني في الرابعة قدر التشهد ثم قهقه انتقض وضوءه ~~وصلاته، وكذلك إذا أحدث متعمدا أو تكلم أو خرج من المسجد فسدت صلاته؛ لأن ~~الجزء الذي لاقته القهقهة من صلاته قد فسد وقد بقي عليه أركان ومن باشر ~~المفسد قل أداء جميع الأركان تفسد صلاته وصلاة المقتدين الذين ليسوا ~~بمسبوقين تامة؛ لأن جزءا من صلاتهم وإن فسد بفساد صلاة الإمام لكن لم يبق ~~عليهم شيء من الأفعال وصلاتهم بدون هذا الجزء جائزة فحكم بجوازها. # وأما المسبوقون فصلاتهم فاسدة؛ لأن هذا الجزء من صلاتهم قد فسد وعليهم ~~أركان لم تؤد بعد كما في حق الإمام الثاني، فأما الإمام الأول فإن كان قد ~~فرغ من صلاته خلف الإمام الثاني مع القوم فصلاته تامة كغيره من المدركين، ~~وإن كان في بيته لم يدخل مع الإمام الثاني في الصلاة ففيه روايتان، ذكر في ~~رواية أبي سليمان أن صلاته فاسدة وذكر في رواية أبي حفص أنه لا تفسد صلاته. # وجه رواية أبي سليمان أن قهقهة الإمام كقهقهة المقتدي في إفساد الصلاة ~~ألا ترى أن صلاة المسبوقين فاسدة ولو قهقه المقتدي نفسه في هذه الحالة ~~لفسدت صلاته لبقاء الأركان عليه فكذا هذا وجه رواية أبي حفص أن صلاة الإمام ~~والمسبوقين إنما تفسد؛ لأن الجزء الذي لاقته القهقهة وأفسدته من وسط صلاتهم ~~فإذا فسد الجزء فسدت الصلاة فأما هذا الجزء في حق صلاة الإمام الأول وهو ~~مدرك أول الصلاة فمن آخر صلاته؛ لأنه يأتي بما تركه أولا ثم يأتي بما يدرك ~~مع الإمام وإلا فيأتي به وحده فلا يكون فساد هذا الجزء موجبا فساد صلاته ~~كما لو كان أتى وصلى ما تركه وأدرك الإمام وصلى بقية الصلاة وقعد مع الإمام ~~ثم قهقه الإمام الثاني لا تفسد صلاة الإمام الأول كذا هذا، ولو كان الذين ~~خلف الإمام المحدث كلهم مسبوقين ينظر إن بقي على الإمام شيء من الصلاة فإنه ~~يستخلف واحدا منهم؛ لأن المسبوق ms0519 يصلح خليفة لما بينا فيتم صلاة الإمام ثم ~~يقوم إلى قضاء ما سبق به من غير تسليم لبقاء بعض أركان الصلاة عليه، وكذا ~~القوم يقومون من غير تسليم ويصلون وحدانا وإن لم يبق على الإمام شيء من ~~صلاته قاموا من غير أن يسلموا وأتموا صلاتهم وحدانا لوجوب الانفراد عليهم ~~في هذه الحالة. # ولو صلى الإمام ركعة ثم أحدث فاستخلف رجلا نام عن هذه الركعة وقد أدرك ~~أولها أو كان ذهب ليتوضأ جاز لكن لا ينبغي للإمام أن يقدمه ولا لذلك الرجل ~~أن يتقدم وإن قدم ينبغي أن يتأخر ويقدم هو غيره؛ لأن غيره أقدر على إتمام ~~صلاة الإمام فإنه يحتاج إلى البداية بما فاته فإن لم يفعل وتقدم جاز؛ لأنه ~~قادر على الإتمام في الجملة وإذا تقدم ينبغي أن يشير إليهم بأن ينتظروه ~~ليصلي ما فاته وقت نومه أو ذهابه للتوضؤ ثم يصلي بهم بقية الصلاة؛ لأنه ~~مدرك فينبغي أن يصلي الأول فالأول فإن لم يفعل هكذا ولكنه أتم صلاة الإمام ~~ثم قدم مدركا وسلم بهم ثم قام فقضى ما فاته أجزأه عندنا، وقال زفر لا ~~يجزيه. # وجه قوله أنه مأمور بالبداية بالركعة الأولى فإذا لم يفعل فقد ترك ~~الترتيب # PageV01P228 # المأمور به فتفسد صلاته كالمسبوق إذا بدأ بقضاء ما فاته قبل أن يتابع ~~الإمام فيما أدرك معه، ولنا أنه أتى بجميع أركان الصلاة إلا أنه ترك ~~الترتيب في أفعالها والترتيب في أفعال الصلاة واجب وليس بفرض؛ لأن الترتيب ~~لو ثبت افتراضه لكانت فيه زيادة على الأركان والفرائض وذا جار مجرى النسخ ~~ولا يثبت نسخ ما ثبت بدليل مقطوع به إلا بدليل مثله ولا دليل لمن جعل ~~الترتيب فرضا يساوي دليل افتراض سائر الأركان، والدليل عليه أنه لو ترك ~~سجدة من الركعة الأولى إلى آخر صلاته لم تفسد صلاته ولو كان الترتيب في ~~أفعال صلاة واحدة فرضا لفسدت، وكذا المسبوق إذا أدرك الإمام في السجود ~~يتابعه فيه فدل أن مراعاة الترتيب في صلاة واحدة ليست بفرض فتركها لا يوجب ~~فساد الصلاة ms0520 بخلاف المسبوق؛ لأن الفساد هناك ليس لترك الترتيب بل للعمل ~~بالمنسوخ أو للانفراد عند وجوب الاقتداء ولم يوجد ههنا، وكذلك لو صلى بهم ~~ركعة ثم ذكر ركعته الثانية فالأفضل أن يومئ إليهم لينتظروه حتى يقضي تلك ~~الركعة ثم يصلي بهم بقية صلاته كما في الابتداء لما مر، وإن لم يفعل وتأخر ~~حين تذكر ذلك وقدم رجلا منهم ليصلي بهم فهو أفضل أيضا كما في الابتداء لما ~~مر فإن لم يفعل وأتم صلاة الإمام وهو ذاكر لركعته ثم تأخر وقدم من يسلم بهم ~~جاز أيضا لما ذكرنا. # ولو كان الإمام المحدث مسافرا وخلفه مقيمون ومسافرون فقدم مقيما جاز ~~والأفضل أن لا يقدم مقيما ولو قدمه فالمستحب له أن لا يتقدم؛ لأن غيره أقدر ~~على إتمام صلاة الإمام فإنه لا يقدر على التسليم بعد القعود على رأس ~~الركعتين غير أنه إن تقدم مع هذا جاز؛ لأنه قادر على إتمام أركان صلاة ~~الإمام بالكلية وإنما يعجز عن الخروج وهو ليس بركن فإذا أتم صلاة الإمام ~~وقعد قدر التشهد تأخر هو وقدم مسافرا؛ لأنه غير عاجز عن الخروج فيستخلف ~~مسافرا حتى يسلم فإذا سلم قام هو وبقية المقيمين وأتموا صلاتهم وحدانا كما ~~لو لم يكن الأول أحدث على ما ذكرنا قبل هذا. # ولو مضى الإمام الثاني في صلاته مع القوم حتى أتمها يعني صلاة الإقامة ~~فإن كان قعد في الثانية قدر التشهد فصلاته وصلاة المسافرين تامة، أما صلاة ~~الإمام فلأنه لما قعد قدر التشهد فقد تم ما التزم بالاقتداء؛ لأن تحريمته ~~انعقدت على أن يؤدي ركعتين مع الإمام وركعتين على سبيل الانفراد وقد فعل؛ ~~لأنه منفرد في حق نفسه لا تتعلق صلاته بصلاة غيره. # وأما المسافرون فلأنهم انتقلوا إلى النفل بعد إكمال الفرض وذا لا يمنع ~~جواز الصلاة وأما صلاة المقيمين ففاسدة؛ لأنهم لما قعدوا قدر التشهد فقد ~~انقضت مدة اقتدائهم؛ لأنهم التزموا بالاقتداء به أن يصلوا الأوليين مقتدين ~~به والأخريين على سبيل الانفراد فإذا اقتدوا فيهما فقد اقتدوا في حال وجوب ~~الانفراد وبينهما ms0521 مغايرة على ما ذكرنا فبالاقتداء خرجوا عما كانوا دخلوا ~~فيه وهو الفرض ففسدت صلاتهم المفروضة وما دخلوا فيه دخلوا بدون التحريمة ~~ولا شروع بدون التحريمة وإن لم يقعد قدر التشهد فسدت صلاته وصلاة القوم ~~كلها؛ لأن القعدة صارت فرضا في حق الإمام الثاني لكونه خليفة الأول فإذا ~~ترك القعدة فقد ترك ما هو فرض ففسدت صلاته وصلاة المسافرين لتركهم القعدة ~~المفروضة أيضا ولفساد صلاة الإمام وفسدت صلاة المقيمين بفساد صلاة إمامهم ~~بتركه القعدة المفروضة. # ولو أن مسافرا أم قوما مسافرين ومقيمين فصلى بهم ركعة وسجدة ثم أحدث فقدم ~~رجلا دخل في صلاته ساعتئذ وهو مسافر جاز لما مر، ولا ينبغي له أن يقدمه ولا ~~لهذا الرجل أن يتقدم لما مر أيضا أن غير المسبوق أقدر على إتمام صلاة ~~الإمام ولو قدمه مع هذا جاز لما بينا. # وينبغي أن يأتي بالسجدة الثانية ويتم صلاة الإمام فإن سها عن الثانية ~~وصلى ركعة وسجد ثم أحدث فقدم رجلا جاء ساعتئذ سجد الأولى والثانية والإمام ~~الأول يتبعه في السجدة الأولى ولا يتبعه في الثانية إلا أن يدركه بعد ما ~~يقضي، والإمام الثاني لا يتبعه في الأولى ويتبعه في الثانية، وإذا قعد قدر ~~التشهد قدم من أدرك أول الصلاة ليسلم ثم يقوم هو فيقضي ركعتين إن كان ~~مسافرا، وإن كانوا أدركوا أول الصلاة اتبعه كل إمام في السجدة الأولى ~~ويتبعه الإمام ومن بعده في السجدة الثانية، والأصل في هذا أن المدرك لا ~~يتابع الإمام بل يأتي بالأول، والمسبوق يتابع إمامه فيما أدرك ثم بعد فراغه ~~يقوم إلى قضاء ما سبق به، وأصل آخر أن الإمام الثاني والثالث يقومان مقام ~~الأول ويتمان صلاته، إذا عرف هذا الأصل فنقول: الإمام الأول لما سبقه الحدث ~~وقدم هذا الثاني ينبغي له أن يأتي بالسجدة الثانية ويتم صلاة الإمام الأول؛ ~~لأنه قائم مقامه والأول # PageV01P229 # لو لم يسبقه الحدث لسجد هذه السجدة كذا الثاني، فلو أنه سها عن هذه ~~السجدة وصلى الركعة الثانية، فلما سجد سجدة سبقه الحدث فقدم رجلا جاء ms0522 ~~ساعتئذ، وتقدم هذا الثالث ينبغي لهذا الإمام الثالث أن يسجد السجدتين أولا ~~لأن هذا الثالث قائم مقام الأول والأول كان يأتي بالأول فالأول فكذا هذا، ~~وإذا سجد الثالث السجدة الأولى وكان جاء الإمام الأول والثاني فإن الأول ~~يتابعه في السجدة الأولى؛ لأنه صار مقتديا به وانتهت صلاته إلى هذه السجدة ~~فيأتي بها وكذا القوم يتابعونه فيها؛ لأنهم قد صلوا تلك الركعة أيضا وإنما ~~بقي عليهم منها تلك السجدة. # وأما الإمام الثاني فلا يتابعه في السجدة الأولى في ظاهر الرواية وذكر في ~~نوادر الصلاة لأبي سليمان أنه يتابعه فيها، ووجهه أن الثالث قائم مقام ~~الأول ولو كان الأول يأتي بهذه السجدة كان يتابعه الثاني بأن أدرك الإمام ~~في السجدة وإن كانت السجدة غير محسوبة من صلاته بل يتبعه الإمام فكذا إذا ~~سجدها الإمام الثالث ويأتي بها الثاني بطريق المتابعة. # وجه ظاهر الرواية أن السجدة الأولى غير محسوبة من صلاة الإمام الثالث فلا ~~يجب على الثاني متابعته فيها بل هي في حقه بمنزلة سجدة زائدة، والإمام إذا ~~كان يأتي بسجدة زائدة لا يتابعه المقتدي فيها بخلاف ما لو أدرك الإمام ~~الأول في السجدة حيث يتابعه فيها؛ لأنها محسوبة من صلاة الإمام فيجب عليه ~~متابعته. # وأما في السجدة الثانية فلا يتابعه الإمام الأول؛ لأنه مدرك يأتي بالأول ~~فالأول إلا إذا كان صلى الركعة الثانية وسجد سجدة وانتهى إلى هذه وتابعه ~~الإمام الثاني فيها لأنه مدرك هذه الركعة وانتهت هي إلى هذه السجدة فيتابعه ~~فيها، وإن لم تكن محسوبة للإمام الثالث؛ لأنها محسوبة للإمام الثاني، وكذا ~~القوم يتابعونه فيها؛ لأنهم قد صلوا هذه الركعة أيضا وانتهت إلى هذه ~~السجدة، ثم إذا سجد الإمام الثالث السجدتين وقعد قدر التشهد يقدم مدركا ~~ليسلم بهم لعجزه عن ذلك بنفسه، ويسجد الإمام الرابع للسهو ليجبر بها النقص ~~المتمكن في هذه الصلاة بتأخير السجدة الأولى عن محلها الأصلي ويسجدون معه ~~ثم يقوم الثالث فيقضي ركعتين بقراءة ثم يقوم الثاني فيقضي الركعة التي سبق ~~بها بقراءة ويتم المقيمون صلاتهم. # وأما ms0523 إذا كانوا كلهم مدركين والمسألة بحالها فإن الإمام الأول يتابع ~~الإمام الثالث في السجدة الأولى؛ لأن صلاة الإمام الأول انتهت إلى هذه ~~السجدة فيتابعه فيها لا محالة، فكذا الإمام الثاني؛ لأنه أدرك الركعة ~~الأولى وهذه السجدة منها وقد فاتته فقلنا بأنه يأتي بها. # وأما في السجدة الثانية فلا يتابعه الأول؛ لأنه مدرك فيقضي الأول فالأول ~~وهو ما أتى بهذه الركعة الثانية فينبغي له أن يأتي بها أولا ثم يأتي بهذه ~~السجدة في آخر الركعة الثانية إذا انتهى إليها ويتابعه الإمام الثاني؛ لأن ~~صلاته انتهت إلى هذه السجدة فإنه صلى الركعة الثانية وترك هذه السجدة فيأتي ~~بها والله أعلم. # هذا إذا كان الإمام مسافرا فأما إذا كان مقيما والصلاة من ذوات الأربع ~~فصلى الأئمة الأربعة كل واحد منهم ركعة وسجدة ثم أحدث الرابع وقدم خامسا ~~فإن كانت الأئمة الأربعة مسبوقين بأن كان كل واحد بعد الأول جاء ساعتئذ ~~فأحدث الرابع وقدم رجلا جاء ساعتئذ وتوضأ الأئمة وجاءوا ينبغي أن يسجد ~~الإمام الخامس السجدات الأربع فيسجد الأولى فيتابعه فيها القوم والإمام ~~الأول؛ لأن صلاتهم انتهت إليها ولا يتابعه فيها الإمام الثاني والثالث ~~والرابع في ظاهر الرواية؛ لأنها غير محسوبة من صلاة الإمام الخامس فلا تجب ~~عليهم متابعته فيها، وفي رواية النوادر يسجدونها معه بطريق المتابعة على ما ~~ذكرنا ثم يسجد الثانية ويتابعه فيها القوم والإمام الثاني؛ لأنه صلى تلك ~~الركعة وانتهت إلى هذه ولا يتابعه فيها الإمام الأول؛ لأنه يصلي الأول ~~فالأول وهو ما صلى تلك الركعة بعد حتى لو كان صلاها وانتهى إلى السجدة ~~الثانية ثم سجد الإمام يتابعه، وكذا لا يتابعه الثالث والرابع في ظاهر ~~الرواية إلا على رواية النوادر على ما ذكرنا، ثم يسجد الثالثة ويتابعه فيها ~~القوم والإمام الثالث فقط، ثم يسجد الرابعة ويتابعه فيها القوم والإمام ~~الرابع فقط، والحاصل أن كل إمام يتابعه في سجدة ركعته التي صلاها؛ لأنه ~~انتهى إليها ولا يتابعه في سجدة الركعة التي هي بعد الركعة التي أدركها؛ ~~لأنه في حق تلك الركعة ms0524 مدرك فيقضي الأول فالأول إلا إذا انتهت صلاته إليها، ~~وهل يتابعه في سجدة الركعة التي فاتته؟ فعلى ظاهر الرواية لا وعلى رواية ~~النوادر نعم ثم يتشهد ويتأخر فيقدم سادسا ليسلم بهم لعجزه عن التسليم ويسجد ~~سجدتي السهو لما مر، ثم يقوم الخامس فيصلي # PageV01P230 # أربع ركعات؛ لأنه مسبوق فيها يقرأ في الأوليين وفي الأخريين هو بالخيار ~~على ما عرف. # وأما الإمام الأول فيقضي ثلاث ركعات بغير قراءة؛ لأنه مدرك والإمام ~~الثاني يقضي ركعتين بغير قراءة أيضا لأنه لا حق فيهما ثم يقضي ركعة بقراءة ~~لأنه مسبوق فيها والإمام الثالث يقضي الرابعة أولا بغير قراءة؛ لأنه لا حق ~~فيها ثم يقضي ركعتين بقراءة؛ لأنه مسبوق فيهما، والإمام الرابع يقضي ثلاث ~~ركعات يقرأ في ركعتين منها وفي الثالثة هو بالخيار؛ لأنه مسبوق فيها، هذا ~~إذا كانت الأئمة الأربعة مسبوقين، فأما إذا كانوا مدركين فصلى كل واحد منهم ~~ركعة وسجدة ثم أحدث الرابع وقدم خامسا وجاء الأئمة الأربعة فإنه ينبغي ~~للخامس أن يبدأ بالسجدة الأولى ويتابعه فيها الأئمة والقوم؛ لأنهم صلوا هذه ~~الركعة وانتهت إلى هذه السجدة، ثم يسجد الثانية ويتابعه فيها الثاني ~~والثالث والرابع والقوم لهذا المعنى، ولا يتابعه الأول؛ لأنه يصلي الأول ~~فالأول وهو ما أدى تلك الركعة بعد إلا إذا كان عجز فصلى الركعة الثانية ~~وأدرك الإمام في السجدة الثانية فحينئذ يتابعه فيها، ثم يسجد الثالثة ~~ويتابعه فيها الثالث والرابع لما بينا ولا يتابعه الأول والثاني؛ لأنهما لم ~~يصليا الركعة الثالثة بعد، ثم يسجد الرابعة ويتابعه فيها الرابع؛ لأنهم ~~صلوا هذه الركعة وانتهت إلى هذه السجدة ولا يتابعه الأول والثاني والثالث؛ ~~لأنهم ما صلوا هذه الركعة بعد، ثم يقوم الإمام الأول فيقضي ثلاث ركعات ~~والإمام الثاني ركعتين والإمام الثالث الركعة الرابعة بغير قراءة لأنهم ~~مدركون أول الصلاة، ثم يسلم الخامس ويسجد للسهو والقوم معه لما مر وكل إمام ~~فرغ من إتمام صلاته وأدركه تابعه في سجود السهو ومن لم يدركه أخر سجود ~~السهو إلى آخر الصلاة على ما ذكرنا قبل هذا، ms0525 والصحيح أنه يفسد صلاتهم؛ لأن ~~استخلاف من لا يصلح أما ما له عمل كثير منه ليس من أعمال الصلاة فتفسد ~~صلاته وصلاتهم بفساد صلاته، وكذلك عند أبي حنيفة وهي من المسائل الاثني ~~عشرية، وبعض مشايخنا قالوا: لا تفسد بالإجماع لوجود الصنع من هذا وهو ~~الاستخلاف إلا أن بناء مذهب أبي حنيفة في هذه المسائل على هذا الأصل غير ~~سديد لما ذكرنا في كتاب الطهارة في فصل التيمم، والأصل في باب الاستخلاف أن ~~كل من صح اقتداء الإمام به يصلح خليفة له وإلا فلا. # ولو كان الإمام متيمما وأحدث وقدم متوضئا جاز لأن اقتداء المتيمم ~~بالمتوضئ صحيح بلا خلاف. # ولو قدمه ثم وجد الإمام الأول الماء فسدت صلاته وحده؛ لأن الإمامة تحولت ~~منه إلى الثاني وصار هو كواحد من القوم ففساد صلاته لا يتعدى إلى غيره، وإن ~~كان الإمام الأول متوضئا والخليفة متيمم فوجد الخليفة الماء فسدت صلاته ~~وصلاة الأول وصلاة القوم جميعا؛ لأن الإمامة تحولت إليه وصار الأول كواحد ~~من المقتدين به وفساد صلاة الإمام يتعدى إلى صلاة القوم. # ولو قدم مسبوقا جاز والأولى للإمام المحدث أن يستخلف مدركا لا مسبوقا؛ ~~لأنه أقدر على إتمام الصلاة، وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: «من قلد ~~إنسانا عملا وفي رعيته من هو أولى منه فقد خان الله ورسوله وجماعة ~~المؤمنين» ومع هذا لو قدم المسبوق جاز ولكن ينبغي أن لا يتقدم؛ لأنه عاجز ~~عن القيام بجميع ما بقي من الأعمال ولو تقدم مع هذا جاز؛ لأنه أهل للإمامة ~~وهو قادر على أداء الأركان وهي المقصودة من الصلاة، فإذا صح استخلافه يتم ~~الصلاة من الموضع الذي وصل إليه الإمام؛ لأنه قائم مقامه فإذا انتهى إلى ~~السلام يستخلف هذا الثاني رجلا أدرك أول الصلاة ليسلم بهم؛ لأنه عاجز عن ~~السلام لبقاء ما سبق به عليه فصار بسبب العجز عن إتمام الصلاة كالذي سبقه ~~الحدث فيثبت له ولاية استخلاف غيره فيقدم مدركا ليسلم، ويقوم هو لقضائه ما ~~سبق به والإمام الأول صار مقتديا بالإمام الثاني؛ لأن ms0526 الثاني صار إماما ~~فيخرج الأول من الإمامة ضرورة أن الصلاة الواحدة لا يكون لها إمامان، وإذا ~~لم يبق إماما وقد بقي هو في الصلاة التي كانت مشتركة بينهم صار مقتديا ~~ضرورة، فإن توضأ الأول وصلى في بيته ما بقي من صلاته فإن كان قبل فراغ ~~الإمام الثاني من صلاة الأول فسدت صلاته وإن كان بعد فراغه فصلاته تامة على ~~ما مر. # ولو قعد الثاني في الرابعة قدر التشهد ثم قهقه انتقض وضوءه وصلاته، وكذلك ~~إذا أحدث متعمدا أو تكلم أو خرج من المسجد فسدت صلاته لأن الجزء الذي لاقته ~~القهقهة من صلاته قد فسد وقد بقي عليه أركان، ومن باشر المفسد قبل أداء ~~جميع الأركان يفسد صلاته، وصلاة المقتدين الذين ليسوا بمسبوقين تامة؛ لأن ~~جزءا من صلاتهم وإن فسد بفساد # PageV01P231 # صلاة الإمام لكن لم يبق عليهم شيء من الأفعال فصلاتهم بدون هذا الجزء ~~جائزة فحكم بجوازها، فأما المسبوقون فصلاتهم فاسدة؛ لأن هذا الجزء من ~~صلاتهم قد فسد وعليهم أركان لم تؤد بعد كمال حق الإمام الثاني، فأما الإمام ~~الأول فإن كان قد فرغ من صلاته خلف الإمام الثاني فصلاته تامة كغيره من ~~المدركين، وإن كان في بيته ولم يدخل مع الإمام الثاني في الصلاة ففيه ~~روايتان، ذكر في رواية أبي سليمان أن صلاته فاسدة وذكر في رواية أبي حفص أن ~~صلاته لا تفسد. # وجه رواية أبي سليمان أن قهقهة الإمام كقهقهة المقتدي في إفساد الصلاة ~~ألا يرى أن صلاة المسبوقين فاسدة ولو قهقه المقتدي نفسه في هذه الحالة ~~لفسدت صلاته لبقاء الأركان عليه فكذا هذا. # وجه رواية أبي حفص أن صلاة الإمام والمسبوق إنما تفسد؛ لأن الجزء الذي ~~لابسته القهقهة أفسدته من وسط صلاتهم فإذا فسد الجزء فسدت الصلاة، فأما هذا ~~الجزء في حق صلاة الإمام الأول وهو مدرك لأول الصلاة فمن آخر صلاته؛ لأنه ~~يأتي بما يدركه أولا ثم يأتي بما يدرك مع الإمام وإلا فيأتي به وحده فلا ~~يكون فساد هذا الجزء موجبا فساد صلاته كما لو كان ms0527 أتى وصلى ما تركه وأدرك ~~الإمام وصلى بقية الصلاة وقعد مع الإمام ثم قهقه الإمام الثاني لا تفسد ~~صلاة الإمام الأول كذا هذا. # ولو كان من خلف المحدث كلهم مسبوقين ينظر إن بقي على الإمام شيء من ~~الصلاة فإنه يستخلف واحدا منهم؛ لأن المسبوق يصلح خليفة لما بينا فيتم صلاة ~~الإمام ثم يقوم إلى قضاء ما سبق به من غير تسليم لبقاء بعض أركان الصلاة ~~عليه وكذا القوم يقومون من غير تسليم ويصلون وحدانا وإن لم يبق على الإمام ~~شيء من صلاته قاموا من غير أن يسلموا وأتموا صلاتهم وحدانا لوجوب الانفراد ~~عليهم في هذه الحالة. # ولو صلى الإمام ركعة ثم أحدث فاستخلف رجلا نام من هذه الركعة وقد أدرك ~~أولها أو كان ذهب ليتوضأ جاز لكن لا ينبغي للإمام أن يقدمه ولا لذلك الرجل ~~أن يتقدم وإن قدم ينبغي أن يتأخر ويقدم هو غيره؛ لأن غيره أقدر على إتمام ~~صلاة الإمام وإنه يحتاج إلى البداية بما فاته فإن لم يفعل وتقدم جاز؛ لأنه ~~قادر على الإتمام في الجملة، وإذا تقدم ينبغي أن يشير إليهم لينتظروه إلى ~~أن يصلي ما فاته وقت نومه أو ذهابه للتوضؤ ثم يصلي بهم بقية الصلاة؛ لأنه ~~مدرك فينبغي أن يصلي الأول فالأول، وإن لم يفعل هكذا ولكنه أتم صلاة الإمام ~~ثم قدم مدركا فسلم بهم ثم قام فيقضي ما فاته أجزأه عندنا خلافا لزفر. # وجه قوله أنه مأمور بالبداية بالركعة الأولى فإذا لم يفعل فقد ترك ~~الترتيب المأمور به فتفسد صلاته كالمسبوق إذا بدأ بقضاء ما فاته قبل أن ~~يتابع الإمام فيما أدركه معه. # (ولنا) أنه أتى بجميع أركان الصلاة إلا أنه ترك الترتيب في أفعالها، ~~والترتيب في أفعال الصلاة واجب وليس بفرض؛ لأن الترتيب لو ثبتت فرضيته لكان ~~فيه زيادة على الأركان والفرائض، وذا جار مجرى النسخ ولا يثبت نسخ ما ثبت ~~بدليل مقطوع به إلا بدليل مثله، ولا دليل لمن جعل الترتيب فرضا ليساوي دليل ~~افتراض سائر الأركان، والدليل عليه أنه لو ms0528 ترك سجدة من الركعة الأولى إلى ~~آخر صلاته لم تسقط صلاته ولو كان الترتيب في أفعال صلاة واحدة فرضا لفسدت، ~~وكذا المسبوق إذا أدرك الإمام في السجود يتابعه فيه فدل أن مراعاة الترتيب ~~في صلاة واحدة ليست بفرض فتركها لا يوجب فساد الصلاة. ### | [فصل بيان حكم الاستخلاف] # (فصل) : # وأما بيان حكم الاستخلاف. # فحكمه صيرورة الثاني إماما وخروج الأول عن الإمامة وصيرورته في حكم ~~المقتدي بالثاني، ثم إنما يصير الثاني إماما ويخرج الأول عن الإمامة بأحد ~~أمرين: إما بقيام الثاني مقام الأول ينوي صلاته، أو بخروج الأول عن المسجد ~~حتى لو استخلف رجلا وهو في المسجد بعد ولم يقم الخليفة مقامه فهو على ~~إمامته حتى لو جاء رجل فاقتدى به صح اقتداؤه. # ولو أفسد الأول صلاته فسدت صلاتهم جميعا؛ لأن الأول كان إماما وإنما يخرج ~~عن الإمامة بانتقالها إلى غيره ضرورة أن الصلاة الواحدة لا يجتمع عليها ~~إمامان أو بخروجه عن المسجد لفوت شرط صحة الاقتداء وهو اتحاد البقعة، فإذا ~~لم يتقدم غيره ولم يخرج من المسجد لم ينتقل والبقعة متحدة فبقي إماما في ~~نفسه كما كان وقولنا ينوي صلاة الإمام حتى لو استخلف رجلا جاء ساعتئذ قبل ~~أن يقتدي به فتقدم وكبر، فإن نوى الاقتداء بالإمام وأن يصلي بصلاته صح ~~استخلافه وجازت صلاتهم، وقال بشر: لا يصح الاستخلاف بناء على أن الاقتداء ~~بالإمام المحدث عنده غير صحيح ابتداء؛ لأن بقاء الاقتداء به بعد الحدث أمر ~~عرف # PageV01P232 # بالنص بخلاف القياس، والابتداء ليس في معنى البقاء ألا ترى أن حدث الإمام ~~يمنع الشروع في الصلاة ابتداء ولا يمنع البقاء فيها؟ فيمنع الاقتداء به ~~أيضا ابتداء، ولنا أنه لما كبر ونوى الدخول في صلاة الأول والأول بعد في ~~المسجد وحرمة صلاته باقية صح الاقتداء وبقي الإمام الأول بعد صحة الاقتداء ~~على الاستخلاف أي صار الثاني بعد اقتدائه به خليفة الأول بالاستخلاف السابق ~~فصار مستخلفا من كان مقتديا به فيجوز، وإن كان مسبوقا لما مر وإن كان كبر ~~ونوى أن يصلي بهم صلاة مستقلة ms0529 لم يصر مقتديا بالإمام الأول فتبين أن الإمام ~~استخلف من ليس بمقتد به فلم يصح الاستخلاف وهذا؛ لأن الاستخلاف أمر جوز ~~شرعا بخلاف القياس فيراعى عين ما ورد فيه النص والنص ورد في استخلاف من هو ~~مقتد به فبقي غير ذلك على أصل القياس وصلاة هذا الثاني صحيحة لأنه افتتحها ~~منفردا بها وصلاة المنفرد جائزة وصلاة القوم فاسدة؛ لأنه لما لم يصح ~~استخلاف الثاني بقي الأول إماما لهم وقد خرج من المسجد فتفسد صلاتهم ولأنهم ~~لما صلوا خلف الإمام الثاني صلوا خلف من ليس بإمام لهم وتركوا الصلاة خلف ~~من هو إمامهم وكلا الأمرين مفسد للصلاة؛ ولأنهم كانوا مقتدين بالأول فلا ~~يمكنهم إتمامها مقتدين بالثاني؛ لأن الصلاة الواحدة لا تؤدى بإمامين بخلاف ~~خليفة الإمام الأول؛ لأنه قام مقام الأول فكأنه هو بعينه فكان الإمام واحدا ~~معنى وإن كان مثنى صورة، وههنا الثاني ليس بخليفة للأول؛ لأنه لم يقتد به ~~قط فكان هذا أداء صلاة واحدة خلف إمامين صورة ومعنى وهذا لا يجوز. # وأما صلاة الإمام الأول فلم يتعرض لها في الكتاب، واختلف مشايخنا فيها ~~قال بعضهم: تفسد؛ لأنه لما استخلفه اقتدى به والاقتداء بمن ليس معه في ~~الصلاة يوجب فساد الصلاة وقال بعضهم: لا تفسد؛ لأنه خرج من المسجد من غير ~~استخلاف والأول أصح. # وقد ذكر في العيون لو أن إماما أحدث وقدم رجلا من آخر الصفوف ثم خرج من ~~المسجد فإن نوى الثاني أن يكون إماما من ساعته جازت صلاتهم وصار الأول ~~كواحد من القوم وإن نوى أن يكون إماما إذا قام مقام الأول فسدت صلاتهم إذا ~~خرج الأول قبل أن يصل الثاني إلى مقامه ولو قام الثاني مقام الأول قبل ~~خروجه من المسجد جازت صلاتهم والله الموفق. # ومنها أي من مفسدات الصلاة الكلام عمدا أو سهوا، وقال الشافعي: كلام ~~الناسي لا يفسد الصلاة إذا كان قليلا وله في الكثير قولان واحتج بما روي عن ~~أبي هريرة أنه قال: «صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي ms0530 ~~العشي إما الظهر وإما العصر فسلم على رأس الركعتين فخرج سرعان القوم فقام ~~رجل يقال له ذو اليدين فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: - ~~صلى الله عليه وسلم - كل ذلك لم يكن، فقال: والذي بعثك بالحق لقد كان بعض ~~ذلك، ثم أقبل على القوم وفيهم أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - فقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: أحق ما يقول ذو اليدين؟ فقالا: نعم صدق ذو اليدين صليت ~~ركعتين فقام وصلى الباقي وسجد سجدتي السهو بعد السلام» فالنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - تكلم ناسيا فإن عنده أنه كان أتم الصلاة وذو اليدين تكلم ناسيا ~~فإنه زعم أن الصلاة قد قصرت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستقبل ~~الصلاة ولم يأمر ذا اليدين ولا أبا بكر ولا عمر بالاستقبال وروي عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا ~~عليه» ولأن كلام الناسي بمنزلة سلام الناسي وذلك لا يوجب فساد الصلاة وإن ~~كان كلاما؛ لأنه خطاب الآدميين ولهذا يخرج عمده من الصلاة وكذا هذا، ولنا ~~ما روينا من حديث البناء وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - «وليبن على صلاته ~~ما لم يتكلم» جوز البناء إلى غاية التكلم فيقضي انتهاء الجواز بالتكلم. # وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: «خرجنا إلى الحبشة وبعضنا ~~يسلم على بعض في صلاته فلما قدمت رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الصلاة فسلمت عليه فلم يرد علي فأخذني ما قدم وما حدث فلما سلم قال: يا ابن ~~أم عبد إن الله تعالى يحدث من أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا نتكلم في ~~الصلاة» . # وروي عن معاوية بن الحكم السلمي أنه قال: «صليت خلف رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فعطس بعض القوم فقلت يرحمك الله فرماني بعض القوم بأبصارهم ~~فقلت واثكل أماه ما لي أراكم تنظرون إلي شزرا فضربوا أيديهم على أفخاذهم ~~فعلمت أنهم يسكتونني فلما فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - دعاني ms0531 فوالله ~~ما رأيت معلما أحسن تعليما منه ما نهرني ولا زجرني ولكن قال: إن صلاتنا هذه ~~لا يصلح فيها شيء من كلام الناس # PageV01P233 # إنما هي التسبيح والتهليل وقراءة القرآن» ، وما لا يصلح في الصلاة ~~فمباشرته مفسدة للصلاة كالأكل والشرب ونحو ذلك، ولهذا لو كثر كان مفسدا ولو ~~كان النسيان فيها عذرا لاستوى قليله وكثيره كالأكل في باب الصوم، وحديث ذي ~~اليدين محمول على الحالة التي كان يباح فيها التكلم في الصلاة وهي ابتداء ~~الإسلام بدليل أن ذا اليدين وأبا بكر وعمر - رضي الله عنهم - تكلموا في ~~الصلاة عامدين ولم يأمرهم بالاستقبال مع أن الكلام العمد مفسد للصلاة ~~بالإجماع، والرفع المذكور في الحديث محمول على رفع الإثم والعقاب ونحن نقول ~~به والاعتبار بسلام الناسي غير سديد فإن الصلاة تبقى مع سلام العمد في ~~الجملة وهو قوله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، والنسيان دون ~~العمد فجاز أن تبقى مع النسيان في كل الأحوال، وفقهه أن السلام بنفسه غير ~~مضاد للصلاة لما فيه من معنى الدعاء إلا أنه إذا قصد به الخروج في أوان ~~الخروج جعل سببا للخروج شرعا، فإذا كان ناسيا وبقي عليه شيء من الصلاة لم ~~يكن السلام موجودا في أوانه فلم يجعل سببا للخروج بخلاف الكلام فإنه مضاد ~~للصلاة؛ ولأن النسيان في أعداد الركعات يغلب وجوده فلو حكمنا بخروجه عن ~~الصلاة يؤدي إلى الحرج فأما الكلام فلا يغلب وجوده ناسيا فلو جعلناه قاطعا ~~لا يؤدي إلى الحرج فبطل الاعتبار والله أعلم. # والنفخ المسموع مفسد للصلاة عند أبي حنيفة ومحمد، وجملة الكلام فيه أن ~~النفخ على ضربين مسموع وغير مسموع، وغير المسموع منه لا يفسد الصلاة ~~بالإجماع؛ لأنه ليس بكلام معهود وهو الصوت المنظوم المسموع ولا عمل كثير، ~~إلا أنه يكره لما مر أن إدخال ما ليس من أعمال الصلاة في الصلاة من غير ~~ضرورة مكروه وإن كان قليلا، فأما المسموع منه فإنه يفسد الصلاة في قول أبي ~~حنيفة ومحمد سواء أراد به التأفيف أو لم يرد، وكان أبو يوسف ms0532 يقول أولا: إن ~~أراد به التأفيف بأن قال: أف أو تف على وجه الكراهة للشيء، وتبعيده يفسد، ~~وإن لم يرد به التأفيف لا يفسد، ثم رجع وقال: لا يفسد أراد به التأفيف أو ~~لم يرد. # وجه قوله الأول أنه إذا أراد به التأفيف كان من كلام الناس لدلالته على ~~الضمير فيفسد وإذا لم يرد به التأفيف لم يكن من كلام الناس لعدم دلالته على ~~الضمير فلا يفسد كالتنحنح. # وجه قوله الأخير أنه ليس من كلام الناس في الوضع فلا يصير من كلامهم ~~بالقصد والإرادة ولأن أحد الحرفين ههنا من الزوائد التي يجمعها قولك اليوم ~~تنساه والحرف الزائد ملحق بالعدم بقي حرف واحد، وأنه ليس بكلام حتى لو كانت ~~ثلاثة أحرف أصلية أو زائدة أو كانا حرفين أصليين يوجب فساد الصلاة ولأبي ~~حنيفة ومحمد أن الكلام في العرف اسم للحروف المنظومة المسموعة وأدنى ما ~~يحصل به انتظام الحروف حرفان، وقد وجد في التأفيف وليس من شرط كون الحروف ~~المنظومة كلاما في العرف أن تكون مفهومة المعنى فإن الكلام العربي نوعان، ~~مهمل ومستعمل ولهذا لو تكلم بالمهملات فسدت صلاته مع ما أن التأفيف مفهوم ~~المعنى؛ لأنه وضع في اللغة للتبعيد على طريق الاستخفاف حتى حرم استعمال هذا ~~اللفظ في حق الأبوين احتراما لهما لقوله تعالى {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: ~~23] وهذا النص من أقوى الحجج لهما أن الله تعالى سمى التأفيف قولا فدل أنه ~~كلام، والدليل على أن النفخ كلام ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «لغلام يقال له رباح حين مر به وهو ينفخ التراب من موضع سجوده في ~~صلاته: لا تنفخ فإن النفخ كلام» ، وفي رواية أما علمت أن من نفخ في صلاته ~~فقد تكلم؟ وهذا نص في الباب. # وأما التنحنح عن عذر فإنه لا يفسد الصلاة بلا خلاف وأما من غير عذر فقد ~~اختلف المشايخ فيه على قولهما قال بعضهم: يفسد لوجود الحرفين من حروف ~~الهاء، وقال بعضهم إن تنحنح لتحسين الصوت لا يفسد؛ لأن ms0533 ذلك سعي في أداء ~~الركن وهو القراءة على وصف الكمال، وروى إمام الهدى الشيخ أبو منصور ~~الماتريدي السمرقندي عن الشيخ أبي بكر الجوزجاني صاحب أبي سليمان الجوزجاني ~~أنه قال: إذا قال أخ فسدت صلاته؛ لأن له هجاء ويسمع فهو كالنفخ المسموع وبه ~~تبين أن ما ذكره أبو يوسف من المعنى غير سديد لما ذكرنا أن الله تعالى سماه ~~قولا، ولما ذكرنا أن الحروف المنظومة المسموعة كافية للفساد وإن لم يكن لها ~~معنى مفهوما كما لو تكلم بمهمل كثرت حروفه. # وأما قوله أن أحد الحرفين من الحروف الزوائد فنعم هو من جنس الحروف ~~الزوائد لكنه من هذه الكلمة ليس هو بزائد وإلحاق ما هو من جنس الحروف ~~الزوائد من كلمة ليس هو فيها زائدا بالزوائد محال، وكذا قوله بامتناع # PageV01P234 # التغير بالقصد والإرادة غير صحيح بدليل أن من قال: لا يبعث الله من يموت ~~وأراد به قراءة القرآن يثاب عليه ولو أراد به الإنكار للبعث يكفر فدل أن ما ~~ليس من كلام الناس في الوضع يجوز أن يصير من كلامهم بالقصد والإرادة. # ولو أن في صلاته أو بكى وارتفع بكاؤه فإن كان ذلك من ذكر الجنة أو النار ~~لا تفسد الصلاة وإن كان من وجع أو مصيبة يفسدها؛ لأن الأنين أو البكاء من ~~ذكر الجنة والنار يكون لخوف عذاب الله وأليم عقابه ورجاء ثوابه فيكون عبادة ~~خالصة ولهذا مدح الله تعالى خليله - عليه الصلاة والسلام - بالتأوه فقال ~~{إن إبراهيم لأواه حليم} [التوبة: 114] وقال في موضع آخر {إن إبراهيم لحليم ~~أواه منيب} [هود: 75] ؛ لأنه كان كثير التأوه في الصلاة «وكان لجوف رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أزير كأزيز المرجل في الصلاة» ، وإذا كان كذلك ~~فالصوت المنبعث عن مثل الأنين لا يكون من كلام الناس فلا يكون مفسدا؛ ولأن ~~التأوه والبكاء من ذكر الجنة والنار يكون بمنزلة التصريح بمسألة الجنة ~~والتعوذ من النار وذلك غير مفسد كذا هذا، وإذا كان ذلك من وجع أو مصيبة كان ~~من كلام الناس وكلام الناس مفسد. # وروي ms0534 عن أبي يوسف أنه قال: إذا قال آه لا تفسد صلاته وإن كان من وجع أو ~~مصيبة، وإذا قال: أوه تفسد صلاته؛ لأن الأول ليس من قبيل الكلام بل هو شبيه ~~بالتنحنح والتنفس، والثاني من قبيل الكلام والجواب ما ذكرنا. # ولو عطس رجل فقال له رجل في الصلاة: يرحمك الله فسدت صلاته؛ لأن تشميت ~~العاطس من كلام الناس؛ لما روينا من حديث معاوية بن الحكم السلمي؛ ولأنه ~~خطاب للعاطس بمنزلة قوله: أطال الله بقاءك، وكلام الناس مفسد بالنص وإن ~~أخبر بخبر يسره فقال: الحمد لله أو أخبر بما يتعجب منه فقال: سبحان الله ~~فإن لم يرد جواب المخبر لم تقطع صلاته، وإن أراد به جوابه قطع عند أبي ~~حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف لا يقطع وإن أراد به الجواب. # وجه قوله أن الفساد لو فسدت إنما تفسد بالصيغة أو بالنية لا وجه للأول؛ ~~لأن الصيغة صيغة الأذكار ولا وجه للثاني؛ لأن مجرد النية غير مفسد، ولهما ~~أن هذا اللفظ لما استعمل في محل الجواب وفهم منه ذلك صار من هذا الوجه من ~~كلام الناس وإن لم يصر من حيث الصيغة، ومثل هذا جائز كمن قال لرجل اسمه ~~يحيى وبين يديه كتاب موضوع: يا يحيى خذ الكتاب بقوة وأراد به الخطاب بذلك ~~لا قراءة القرآن أنه يعد متكلما لا قارئا، وكذا إذا قيل للمصلي بأي موضع ~~مررت فقال: بئر معطلة وقصر مشيد، وأراد به جواب الخطاب لما ذكرنا كذا هذا، ~~وكذلك إذا أخبر بخبر يسوءه فاسترجع لذلك فإن لم يرد به جوابه لم يقطع صلاته ~~وإن أراد به الجواب قطع؛ لأن معنى الجواب في استرجاعه أعينوني فإني مصاب ~~ولم يذكر خلاف أبي يوسف في مسألة الاسترجاع في الأصل، والأصح أنه على ~~الاختلاف ومن سلم فرق بينهما فقال: الاسترجاع إظهار المصيبة وما شرعت ~~الصلاة لأجله فأما التحميد فإظهار الشكر والصلاة شرعت لأجله، ولو مر المصلي ~~بآية فيها ذكر الجنة فوقف عندها وسأل الله الجنة، أو بآية فيها ذكر النار ~~فوقف عندها وتعوذ ms0535 بالله من النار فإن كان في صلاة التطوع فهو حسن إذا كان ~~وحده؛ لما روي عن حذيفة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قرأ البقرة ~~وآل عمران في صلاة الليل فما مر بآية فيها ذكر الجنة إلا وقف وسأل الله ~~تعالى، وما مر بآية فيها ذكر النار إلا وقف وتعوذ، وما مر بآية فيها مثل ~~إلا وقف وتفكر» . # وأما الإمام في الفرائض فيكره له ذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يفعله في المكتوبات وكذا الأئمة بعده إلى يومنا هذا فكان من المحدثات؛ ~~ولأنه يثقل على القوم وذلك مكروه، ولكن لا تفسد صلاته؛ لأنه يزيد في خشوعه ~~والخشوع زينة الصلاة، وكذا المأموم يستمع وينصت لقوله تعالى {وإذا قرئ ~~القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف: 204] . # ولو استأذن على المصلي إنسان فسبح وأراد به إعلامه أنه في الصلاة لم يقطع ~~صلاته؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال «كان لي من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - مدخلان في كل يوم بأيهما شئت دخلت فكنت إذا أتيت ~~الباب فإن لم يكن في الصلاة فتح الباب فدخلت وإن كان في الصلاة رفع صوته ~~بالقراءة فانصرفت» ولأن المصلي يحتاج إليه لصيانة صلاته؛ لأنه لو لم يفعل ~~ربما يلح المستأذن حتى يبتلى هو بالغلط في القراءة فكان القصد به صيانة ~~صلاته فلم تفسد، وكذا إذا عرض للإمام شيء فسبح المأموم ولا بأس به؛ لأن ~~القصد به إصلاح الصلاة فسقط حكم الكلام عنه للحاجة إلى الإصلاح، ولا يسبح ~~الإمام إذا قام إلى الأخريين؛ لأنه لا يجوز له # PageV01P235 # الرجوع إذا كان إلى القيام أقرب فلم يكن التسبيح مفيدا. # ولو فتح على المصلي إنسان فهذا على وجهين: إما أن كان الفاتح هو المقتدي ~~به أو غيره فإن كان غيره فسدت صلاة المصلي سواء كان الفاتح خارج الصلاة أو ~~في صلاة أخرى غير صلاة المصلي وفسدت صلاة الفاتح أيضا إن كان هو في الصلاة؛ ~~لأن ذلك تعليم وتعلم فإن القارئ إذا استفتح غيره فكأنه ms0536 يقول: ماذا بعد ما ~~قرأت فذكرني، والفاتح بالفتح كأنه يقول: بعد ما قرأت كذا فخذ مني. # ولو صرح به لا يشكل في فساد الصلاة فكذا هذا، وكذا المصلي إذا فتح على ~~غير المصلي فسدت صلاته لوجود التعليم في الصلاة ولأن فتحه بعد استفتاحه ~~جواب وهو من كلام الناس فيوجب فساد الصلاة وإن كان مرة واحدة، هذا إذا فتح ~~على المصلي عن استفتاح فأما إذا فتح عليه من غير استفتاح لا تفسد صلاته ~~بمرة واحدة وإنما تفسد عند التكرار؛ لأنه عمل ليس من أعمال الصلاة وليس ~~بخطاب لأحد فقليله يورث الكراهة وكثيره يوجب الفساد، وإن كان الفاتح هو ~~المقتدي به فالقياس هو فساد الصلاة إلا أنا استحسنا الجواز؛ لما روي أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قرأ سورة المؤمنون فترك حرفا فلما فرغ ~~قال: ألم يكن فيكم أبي؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: هلا فتحت علي، فقال: ~~ظننت أنها نسخت فقال: - صلى الله عليه وسلم - لو نسخت لأنبأتكم» ، وعن علي ~~- رضي الله عنه - أنه قال: إذا استطعمك الإمام فأطعمه. # وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قرأ الفاتحة في صلاة المغرب فلم ~~يتذكر سورة فقال نافع: إذا زلزلت فقرأها ولأن المقتدي مضطر إلى ذلك لصيانة ~~صلاته عن الفساد عند ترك الإمام المجاوزة إلى آية أخرى أو الانتقال إلى ~~الركوع حتى إنه لو فتح على الإمام بعد ما انتقل إلى آية أخرى فقد قيل: إنه ~~إن أخذه الإمام فسدت صلاة الإمام والقوم وإن لم يأخذه فسدت صلاة الفاتح ~~خاصة لعدم الحاجة إلى الصيانة، ولا ينبغي للمقتدي أن يعجل بالفتح ولا ~~للإمام أن يحوجهم إلى ذلك بل يركع أو يتجاوز إلى آية أو سورة أخرى فإن لم ~~يفعل الإمام ذلك وخاف المقتدي أن يجري على لسانه ما يفسد الصلاة فحينئذ ~~يفتح عليه لقول علي إذا استطعمك الإمام فأطعمه وهو مليم أي مستحق الملامة؛ ~~لأنه أحوج المقتدي واضطره إلى ذلك، وقد قال بعض مشايخنا: ينبغي للمقتدي أن ~~ينوي بالفتح على إمامه التلاوة، ms0537 وهو غير سديد؛ لأن قراءة المقتدي خلف ~~الإمام منهي عنها عندنا، والفتح على الإمام غير منهي عنه فلا يجوز ترك ما ~~رخص له فيه بنية ما هو منهي عنه وإنما يستقيم هذا إذا كان الفتح على غير ~~إمامه فعند ذلك ينبغي له أن ينوي التلاوة دون التعليم ولا يضره ذلك. # ولو قرأ المصلي من المصحف فصلاته فاسدة عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ~~ومحمد تامة ويكره وقال الشافعي: لا يكره واحتجوا بما روي أن مولى لعائشة - ~~رضي الله عنها - يقال له ذكوان كان يؤم الناس في رمضان وكان يقرأ من المصحف ~~ولأن النظر في المصحف عبادة والقراءة عبادة وانضمام العبادة إلى العبادة لا ~~يوجب الفساد إلا أنه يكره عندهما؛ لأنه تشبه بأهل الكتاب، والشافعي يقول ما ~~نهينا عن التشبه بهم في كل شيء فإنا نأكل ما يأكلون ولأبي حنيفة طريقتان: ~~إحداهما أن ما يوجد منه من حمل المصحف وتقليب الأوراق والنظر فيه أعمال ~~كثيرة ليست من أعمال الصلاة ولا حاجة إلى تحملها في الصلاة فتفسد الصلاة، ~~وقياس هذه الطريقة أنه لو كان المصحف موضوعا بين يديه ويقرأ منه من غير حمل ~~وتقليب الأوراق أو قرأ ما هو مكتوب على المحراب من القرآن لا تفسد صلاته ~~لعدم المفسد وهو العمل الكثير، والطريقة الثانية أن هذا يلقن من المصحف ~~فيكون تعلما منه ألا ترى أن من يأخذ من المصحف يسمى متعلما فصار كما لو ~~تعلم من معلم وذا يفسد الصلاة وكذا هذا، وهذه الطريقة لا توجب الفصل بين ما ~~إذا كان حاملا للمصحف مقلبا للأوراق وبين ما إذا كان موضوعا بين يديه ولا ~~يقلب الأوراق، وأما حديث ذكوان فيحتمل أن عائشة ومن كان من أهل الفتوى من ~~الصحابة لم يعلموا بذلك وهذا هو الظاهر بدليل أن هذا الصنيع مكروه بلا خلاف ~~ولو علموا بذلك لما مكنوه من عمل المكروه في جميع شهر رمضان من غير حاجة، ~~ويحتمل أن يكون قول الراوي كان يؤم الناس في رمضان وكان يقرأ من المصحف ~~إخبارا عن ms0538 حالتين مختلفتين أي كان يؤم الناس في رمضان وكان يقرأ من المصحف ~~في غير حالة الصلاة إشعارا منه أنه لم يكن يقرأ القرآن ظاهره فكان يؤم ببعض ~~سور القرآن دون أن يختم أو كان يستظهر كل يوم ورد كل ليلة ليعلم أن قراءة ~~جميع القرآن في قيام رمضان ليست بفرض. # ولو دعا في صلاته # PageV01P236 # فسأل الله تعالى شيئا فإن دعا بما في القرآن لا تفسد صلاته لأنه ليس من ~~كلام الناس، وكذا لو دعا بما يشبه ما في القرآن وهو كل دعاء يستحيل سؤاله ~~من الناس لما قلنا. # ولو دعا بما لا يمتنع سؤاله من الناس تفسد صلاته عندنا نحو قوله: اللهم ~~أعطني درهما، وزوجني فلانة، وألبسني ثوبا، وأشباه ذلك، وقال الشافعي: إذا ~~دعا في صلاة بما يباح له أن يدعو به خارج الصلاة لا تفسد صلاته، واحتج ~~بقوله تعالى {واسألوا الله من فضله} [النساء: 32] وقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - «سلوا الله حوائجكم حتى الشسع لنعالكم والملح لقدوركم» ، وعن علي - ~~رضي الله عنه - أنه كان يقنت في صلاة الفجر يدعو على من ناوأه أي عاداه، ~~ولنا أن ما يجوز أن يخاطب به العبد فهو من كلام الناس وضعا ولم يخلص دعاء، ~~وقد جرى الخطاب فيما بين العباد بما ذكرنا ألا ترى أن بعضهم يسأل بعضا ذلك ~~فيقول أعطني درهما أو زوجني امرأة؟ وكلام الناس مفسد ولهذا عد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - تشميت العاطس كلاما مفسدا للصلاة في ذلك الحديث لما خاطب ~~الآدمي به وقصد قضاء حقه وإن كان دعاء صيغة وهذا صيغته من كلام الناس وإن ~~خاطب الله تعالى فكان مفسدا بصيغته والكتاب والسنة محمولان على دعاء لا ~~يشبه كلام الناس أو على خارج الصلاة. # وأما حديث علي - رضي الله عنه - فلم يسوغوا له ذلك الاجتهاد حتى كتب إليه ~~أبو موسى الأشعري أما بعد فإذا أتاك كتابي هذا فأعد صلاتك، وذكر في الأصل ~~أرأيت لو أنشد شعرا أما كان مفسدا لصلاته، ومن الشعر ما هو ذكر الله تعالى ~~كما ms0539 قال الشاعر # ألا كل شيء ما خلا الله باطل. # ولا ينبغي للرجل أن يسلم على المصلي ولا للمصلي أن يرد سلامه بإشارة ولا ~~غير ذلك أما السلام فلأنه يشغل قلب المصلي عن صلاته فيصير مانعا له عن ~~الخير وإنه مذموم. # وأما رد السلام بالقول والإشارة فلأن رد السلام من جملة كلام الناس لما ~~روينا من حديث عبد الله بن مسعود، وفيه أنه لا يجوز الرد بالإشارة؛ لأن عبد ~~الله قال فسلمت عليه فلم يرد علي فيتناول جميع أنواع الرد ولأن في الإشارة ~~ترك سنة اليد وهي الكف لقوله - صلى الله عليه وسلم - «كفوا أيديكم في ~~الصلاة» غير أنه إذا رد بالقول فسدت صلاته؛ لأنه كلام ولو رد بالإشارة لا ~~تفسد؛ لأن ترك السنة لا يفسد الصلاة ولكن يوجب الكراهة. # (ومنها) السلام متعمدا وهو سلام الخروج من الصلاة؛ لأنه إذا قصد به ~~الخروج من الصلاة صار من كلام الناس؛ لأنه خاطبهم به وكلام الناس مفسد. # (ومنها) القهقهة عامدا كان أو ناسيا؛ لأن القهقهة في الصلاة أفحش من ~~الكلام ألا ترى أنها تنتقض الوضوء والكلام لا ينقض ثم لما جعل الكلام قاطعا ~~للصلاة ولم يفصل فيه بين العمد والسهو فالقهقهة أولى. # ومنها الخروج عن المسجد من غير عذر؛ لأن استقبال القبلة حال الاختيار شرط ~~جواز الصلاة هذا كله من الحدث العمد والكلام والسلام والقهقهة والخروج من ~~المسجد إذا فعل شيئا من ذلك قبل أن يقعد قدر التشهد الأخير فأما إذا قعد ~~قدر التشهد ثم فعل شيئا من ذلك فقد أجمع أصحابنا على أنه لو تكلم أو خرج من ~~المسجد لا تفسد صلاته سواء كان منفردا أو إماما خلفه لاحقون أو مسبوقون ~~وسواء أدرك اللاحقون الإمام في صلاته وصلوا معه أو لم يدركوا، وكذلك لو ~~قهقه أو أحدث متعمدا وهو منفرد وإن كان إماما خلفه لاحقون ومسبوقون فصلاة ~~الإمام تامة بلا خلاف بين أصحابنا وصلاة المسبوقين فاسدة في قول أبي حنيفة، ~~وقال أبو يوسف ومحمد تامة. # وجه قولهما أن القهقهة والحدث لم يفسدا ms0540 صلاة الإمام فلا يفسدان صلاة ~~المقتدي وإن كان مسبوقا؛ لأن صلاة المقتدي لو فسدت إنما تفسد بإفساد الإمام ~~صلاته لا بإفساد المقتدي لانعدام المفسد من المقتدي فلما لم تفسد صلاة ~~الإمام مع وجود المفسد من جهته فلأن لا تفسد صلاة المقتدي أولى، وصار كما ~~لو تكلم أو خرج من المسجد، ولأبي حنيفة الفرق بين الحدث العمد والقهقهة ~~وبين الكلام والخروج من المسجد، والفرق أن حدث الإمام إفساد للجزء الذي ~~لاقاه من صلاته فيفسد ذلك الجزء من صلاته ويفسد من صلاة المسبوق إلا أن ~~الإمام لم يبق عليه فرض فيقتصر الفساد في حقه على الجزء وقد بقي للمسبوق ~~فروض فتمنعه من البناء، فأما الكلام فقطع للصلاة ومضاد لها كما ذكرنا فيمنع ~~من الوجود ولا تفسد وشرح هذا الكلام أن القهقهة والحدث العمد ليسا بمضادين ~~للصلاة بل هما مضادان للطهارة والطهارة شرط أهلية الصلاة فصار الحدث مضادا ~~للأهلية بواسطة مضادته شرطها، والشيء لا ينعدم بما لا يضاده فلم تنعدم ~~الصلاة # PageV01P237 # بوجود الحدث؛ لأنه لا مضادة بينهما، وإنما تنعدم الأهلية فيوجد جزء من ~~الصلاة لانعدام ما يضاده ويفسد هذا الجزء لحصوله ممن ليس بأهل ولا صحة ~~للفعل الصادر من غير الأهل وإذا فسد هذا الجزء من صلاة الإمام فسدت صلاة ~~المقتدي؛ لأن صلاته مبنية على صلاة الإمام فتتعلق بها صحة وفسادا؛ لأن ~~الجزء لما فسد من صلاة الإمام فسدت التحريمة المقارنة لهذا الفعل الفاسد؛ ~~لأنها شرعت لأجل الأفعال فتتصف بما تتصف الأفعال صحة وفسادا فإذا فسدت هي ~~فسدت تحريمة المقتدي فتفسد صلاته إلا أن صلاة الإمام ومن تابعه من المدركين ~~اتصفت بالتمام بدون الجزء الفاسد. # فأما المسبوق فقد فسد جزء من صلاته وفسدت التحريمة المقارنة لذلك الجزء ~~فبعد ذلك لا يعود إلا بالتحريمة ولم يوجد فلم يتصور حصول ما بقي من الأركان ~~في حق المسبوق فتفسد صلاته بخلاف الكلام فإنه ليس بمضاد لأهلية أداء الصلاة ~~بل هو مضاد للصلاة نفسها، ووجود الضد لا يفسد الضد الآخر بل يمنعه من ~~الوجود فإن أفعال الصلاة ms0541 كانت توجد على التجدد والتكرار فإذا انعدم فعل ~~يعقبه غيره من جنسه فإذا تعقبه ما هو مضاد للصلاة لا يتصور حصول جزء منها ~~مقارنا للضد بل يبقى على العدم على ما هو الأصل عندنا في المتضادات وانتهت ~~أفعال الصلاة فلم تتجدد التحريمة؛ لأن تجددها كان لتجدد الأفعال وقد انتهت ~~فانتهت هي أيضا وما فسدت، وبانتهاء تحريمة الإمام لا تنتهي تحريمة المسبوق ~~كما لو سلم فإن تحريمة الإمام منتهية وتحريمة المسبوق غير منتهية؛ لما ~~ذكرنا فلم تفسد صلاة المسبوقين بخلاف ما نحن فيه. # وأما اللاحقون فإنه ينظر إن أدركوا الإمام في صلاته وصلوا معه فصلاتهم ~~تامة وإن لم يدركوا ففيه روايتان في رواية أبي سليمان تفسد، وفي رواية أبي ~~حفص لا تفسد هذا إذا كان العارض في هذه الحالة فعلى المصلي فإذا لم يكن ~~فعله كالمتيمم إذا وجد ماء بعدما قعد قدر التشهد الأخير أو بعد ما سلم ~~وعليه سجود السهو وعاد إلى السجود فسدت صلاته عند أبي حنيفة ويلزمه ~~الاستقبال، وعند أبي يوسف ومحمد صلاته تامة وهذه من المسائل الاثني عشرية ~~وقد ذكرناها وذكرنا الحجج في كتاب الطهارة في فصل التيمم أمي صلى بعض صلاته ~~ثم تعلم سورة فقرأها فيما بقي من صلاته فصلاته فاسدة، مثل الأخرس يزول خرسه ~~في خلال الصلاة، وكذلك لو كان قارئا في الابتداء فصلى بعض صلاته بقراءة ثم ~~نسي القراءة فصار أميا فسدت صلاته وهذا قول أبي حنيفة، وقال زفر: لا تفسد ~~في الوجهين جميعا، وقال أبو يوسف ومحمد: تفسد في الأول ولا تفسد في الثاني ~~استحسانا. # وجه قول زفر أن فرض القراءة في الركعتين فقط ألا ترى أن القارئ لو ترك ~~القراءة في الأوليين وقرأ في الأخريين أجزأه فإذا كان قارئا في الابتداء ~~فقد أدى فرض القراءة في الأوليين فعجزه عنها بعد ذلك لا يضره كما لو ترك مع ~~القدرة، وإذا تعلم وقرأ في الأخريين فقد أدى فرض القراءة فلا يضره عجزه ~~عنها في الابتداء كما لا يضره لو تركها. # وجه قولهما أنه لو ms0542 استقبل الصلاة في الأول لحصل الأداء على الوجه الأكمل ~~فأمر بالاستقبال. # ولو استقبلها في الثاني لأدى كل الصلاة بغير قراءة فكان البناء أولى ~~ليكون مؤديا البعض بقراءة، ولأبي حنيفة أن القراءة ركن فلا يسقط إلا بشرط ~~العجز عنها في كل الصلاة فإذا قدر على القراءة في بعضها فات الشرط فظهر أن ~~المؤدى لم يقع صلاة؛ ولأن تحريمة الأمي لم تنعقد للقراءة بل انعقدت لأفعال ~~صلاته لا غير، فإذا قدر صارت القراءة من أركان صلاته فلا يصح أداؤها بلا ~~تحريمة كأداء سائر الأركان والصلاة لا توجد بدون أركانها ففسدت ولأن الأساس ~~الضعيف لا يحتمل بناء القوي عليه والصلاة بقراءة أقوى فلا يجوز بناؤها على ~~الضعيف كالعاري إذا وجد الثوب في خلال صلاته والمتيمم إذا وجد الماء، وإذا ~~كان قارئا في الابتداء فقد عقد تحريمته لأداء كل الصلاة بقراءة وقد عجز عن ~~الوفاء بما التزم فيلزمه الاستقبال. # ولو اقتدى الأمي بقارئ بعد ما صلى ركعة فلما فرغ الإمام قام الأمي لإتمام ~~الصلاة فصلاته فاسدة في القياس، وقيل: هو قول أبي حنيفة، وفي الاستحسان ~~يجوز وهو قولهما. # وجه القياس أنه بالاقتداء بالقارئ التزم أداء هذه الصلاة بقراءة وقد عجز ~~عن ذلك حين قام للقضاء؛ لأنه منفرد فيما يقضي فلا تكون قراءة الإمام قراءة ~~له فتفسد صلاته. # وجه الاستحسان أنه إنما التزم القراءة ضمنا للاقتداء وهو مقتد فيما بقي ~~على الإمام لا فيما سبقه به ولأنه لو بنى كان مؤديا بعض الصلاة بقراءة ولو ~~استقبل كان مؤديا جميعها بغير قراءة ولا شك أن الأول أولى. # (ومنها) انكشاف العورة في خلال الصلاة # PageV01P238 # إذا كان كثيرا؛ لأن استتارها من شرائط الجواز فكان انكشافها في الصلاة ~~مفسدا إلا أنه سقط اعتبار هذا الشرط في القليل عندنا خلافا للشافعي للضرورة ~~كما في قليل النجاسة؛ لعدم إمكان التحرز عنه على ما بيناه فيما تقدم وكذلك ~~الحرة إذا سقط قناعها في خلال الصلاة فرفعته وغطت رأسها بعمل قليل قبل أن ~~تؤدي ركنا من أركان الصلاة أو قبل أن تمكث ذلك ms0543 القدر لا تفسد صلاتها؛ لأن ~~المرأة قد تبتلى بذلك فلا يمكنها التحرز عنه، فأما إذا بقيت كذلك حتى أدت ~~ركنا أو مكثت ذلك القدر أو غطت من ساعتها لكن بعمل كثير فسدت صلاتها ~~لانعدام الضرورة، وكذلك الأمة إذا أعتقت في خلال صلاتها وهي مكشوفة الرأس ~~فأخذت قناعها فهو على ما ذكرنا في الحرة وكذلك المدبرة والمكاتبة وأم ~~الولد؛ لأن رءوس هؤلاء ليست بعورة على ما يعرف في كتاب الاستحسان فإذا ~~أعتقن أخذن القناع للحال؛ لأن خطاب الستر توجه للحال إلا إن تبين أن عليها ~~الستر من الابتداء؛ لأن رأسها إنما صار عورة بالتحرير وهو مقصور على الحال ~~فكذا صيرورة الرأس عورة بخلاف العاري إذا وجد كسوة في خلال الصلاة حيث تفسد ~~صلاته؛ لأن عورته ما صارت عورة للحال بل كانت عند الشروع في الصلاة إلا أن ~~الستر كان قد سقط لعذر العدم فإذا زال تبين أن الوجوب كان ثابتا من ذلك ~~الوقت وعلى هذا إذا كان الرجل يصلي في إزار واحد فسقط عنه في خلال الصلاة ~~وهذا كله مذهب علمائنا الثلاثة وهو جواب الاستحسان والقياس أن تفسد صلاته ~~في جميع ذلك وهو قول زفر والشافعي؛ لأن ستر العورة فرض بالنص والاستتار ~~يفوت بالانكشاف وإن قل إلا أنا استحسنا الجواز وجعلنا ما لا يمكن التحرز ~~عنه عفوا دفعا للحرج، وكذلك إذا حضرته الصلاة وهو عريان لا يجد ثوبا جازت ~~صلاته لمكان الضرورة. # ولو كان معه ثوب نجس فقد ذكرنا تفصيل الجواب فيه أنه إن كان ربع منه ~~طاهرا لا يجوز له أن يصلي عريانا ولكن يجب عليه أن يصلي في ذلك الثوب بلا ~~خلاف وإن كان كله نجسا فقد ذكرنا الاختلاف فيه بين أبي حنيفة وأبي يوسف ~~وبين محمد في كيفية الصلاة فيما تقدم. # ومنها محاذاة المرأة الرجل في صلاة مطلقة يشتركان فيها فسدت صلاته عندنا ~~استحسانا والقياس أن لا تكون المحاذاة مفسدة صلاة الرجل وبه أخذ الشافعي، ~~حتى لو قامت امرأة خلف الإمام ونوت صلاته وقد نوى الإمام إمامة النساء ms0544 ثم ~~حاذته فسدت صلاته عندنا، وعنده لا تفسد. # وجه القياس أن الفساد لا يخلو إما أن يكون لخساستها أو لاشتغال قلب الرجل ~~بها والوقوع في الشهوة، لا وجه للأول؛ لأن المرأة لا تكون أخس من الكلب ~~والخنزير ومحاذاتهما غير مفسدة؛ ولأن هذا المعنى يوجد في المحاذاة في صلاة ~~لا يشتركان فيها والمحاذاة فيها غير مفسدة بالإجماع ولا سبيل إلى الثاني ~~لهذا أيضا، ولأن المرأة تشارك الرجل في هذا المعنى فينبغي أن تفسد صلاتها ~~أيضا ولا تفسد بالإجماع، والدليل عليه أن المحاذاة في صلاة الجنازة وسجدة ~~التلاوة غير مفسدة فكذا في سائر الصلوات. # وجه الاستحسان ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أخروهن ~~من حيث أخرهن الله» عقيب قوله «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير ~~صفوف النساء آخرها وشرها أولها» والاستدلال بهذا الحديث من وجهين: أحدهما ~~أنه لما أمر بالتأخير صار التأخير فرضا من فرائض الصلاة فيصير بتركه ~~التأخير تاركا فرضا من فرائضها فتفسد، والثاني أن الأمر بالتأخير أمر ~~بالتقدم عليها ضرورة فإذا لم تؤخر ولم يتقدم فقد قام مقاما ليس بمقام له ~~فتفسد كما إذا تقدم على الإمام، والحديث ورد في صلاة مطلقة مشتركة فبقي ~~غيرها على أصل القياس وإنما لا تفسد صلاتها؛ لأن خطاب التأخير يتناول الرجل ~~ويمكنه تأخيرها من غير أن تتأخر هي بنفسها ويتقدم عليها فلم يكن التأخير ~~فرضا عليها فتركه لا يكون مفسدا، ويستوي الجواب بين محاذاة البالغة وبين ~~محاذاة المراهقة التي تعقل الصلاة في حق فساد صلاة الرجل استحسانا، والقياس ~~أن لا تفسد محاذاة غير البالغة؛ لأن صلاتها تخلق واعتياد لا حقيقة صلاة. # وجه الاستحسان أنها مأمورة بالصلاة مضروبة عليها كما نطق به الحديث فجعلت ~~المشاركة في أصل الصلاة والمشاركة في أصل الصلاة تكفي للفساد إذا وجدت ~~المحاذاة، وإذا عرف أن المحاذاة مفسدة فنقول: إذا قامت في الصف امرأة فسدت ~~صلاة رجل عن يمينها ورجل عن يسارها ورجل خلفها بحذائها؛ لأن الواحدة تحاذي ~~هؤلاء الثلاثة ولا تفسد صلاة غيرهم؛ لأن هؤلاء ms0545 # PageV01P239 # صاروا حائلين بينها وبين غيرهم بمنزلة أسطوانة أو كارة من الثياب فلم ~~تتحقق المحاذاة ولو كانتا اثنتين أو ثلاثا فالمروي عن محمد أن المرأتين ~~تفسدان صلاة أربعة نفر من على يمينهما ومن على يسارهما ومن خلفهما ~~بحذائهما، والثلاث منهن يفسدن صلاة من على يمينهن ومن على يسارهن وثلاثة ~~خلفهن إلى آخر الصفوف، وعن أبي يوسف روايتان في رواية قال: الثنتان يفسدان ~~صلاة أربعة نفر من على يمينهما ومن على يسارهما واثنان من خلفهما بحذائهما، ~~والثلاث يفسدن صلاة خمسة نفر من كان على يمينهن ومن كان على شمالهن وثلاثة ~~خلفهن بحذائهن، وفي رواية اثنتان تفسدان صلاة رجلين عن يمينهما ويسارهما ~~وصلاة رجلين رجلين إلى آخر الصفوف والثلاث يفسدن صلاة رجل عن يمينهن ورجل ~~عن يسارهن وصلاة ثلاثة ثلاثة إلى آخر الصفوف، ولا خلاف في أنهن إذا كن صفا ~~تاما فسدت صلاة الصفوف التي خلفهن وإن كانوا عشرين صفا. # وجه الرواية الأولى لأبي يوسف أن فساد الصلاة ليس لمكان الحيلولة؛ لأن ~~الحيلولة إنما تقع بالصف التام من النساء بالحديث، ولم توجد وإنما يثبت ~~الفساد بالمحاذاة ولم توجد المحاذاة إلا بهذا القدر. # وجه الرواية الثانية له أن للمثنى حكم الثلاث بدليل أن الإمام يتقدم ~~الاثنين ويصطفان خلفه كالثلاثة ثم حكم الثلاثة هذا فكذا حكم الاثنين. # وجه المروي عن محمد أن المرأتين لا تحاذيان إلا أربعة نفر فلا تفسدان ~~صلاة غيرهم وفي الصف التام، القياس هكذا أن تفسد صلاة صف واحد خلفهن لا غير ~~لانعدام محاذاتهن لمن وراء هذا الصف الواحد إلا أنا استحسنا فحكمنا بفساد ~~صلاة الصفوف أجمع لحديث عمر موقوفا ومرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «من كان بينه وبين الإمام نهر أو طريق أو صف من النساء فلا ~~صلاة له» جعل صف النساء حائلا كالنهر والطريق ففي حق الصف الذي يليهن من ~~خلفهن وجد ترك التأخير منهم والحيلولة بينهم وبين الإمام بهن وفي حق الصفوف ~~الأخر وجدت الحيلولة لا غير وكل واحد من المعنيين بانفراده علة كاملة ms0546 ~~للفساد ثم الثنتان ليستا بجمع حقيقة فلا يلحقان بالصف من النساء التي هي ~~اسم جمع فانعدمت الحيلولة فيتعلق الفساد بالمحاذاة لا غير والمحاذاة لم ~~توجد إلا بهذا القدر فأما الثلاث منهن فجمع حقيقة فألحقن بصف كامل في حق من ~~صرن حائلات بينه وبين الإمام ففسدت صلاة ثلاثة ثلاثة إلى آخر الصفوف وفسدت ~~صلاة واحد عن يمينهن وواحد عن يسارهن؛ لأن هناك الفساد بالمحاذاة لا ~~بالحيلولة ولم توجد المحاذاة إلا بهذا القدر والله أعلم. # ولو وقفت بحذاء الإمام فأتمت به وقد نوى الإمام إمامتها فسدت صلاة الإمام ~~والقوم كلهم أما صلاة الإمام فلوجود المحاذاة في الصلاة مطلقة مشتركة. # وأما صلاة القوم فلفساد صلاة الإمام، وكان محمد بن مقاتل الرازي يقول: لا ~~يصح اقتداؤها؛ لأن المحاذاة قارنت شروعها في الصلاة. # ولو طرأت كانت مفسدة فإذا اقترنت منعت من صحة اقتدائها به وهذا غير سديد؛ ~~لأن المحاذاة إنما تؤثر في فساد صلاة مشتركة ولا تقع الشركة إلا بعد شروعها ~~في صلاة الإمام فلم يكن المفسد مقارنا للشروع فلا يمنع من الشروع، وإن كانت ~~بحذاء الإمام ولم تأتم به لم تفسد صلاة الإمام؛ لانعدام المشاركة، وكذا إذا ~~قامت أمام الإمام فأتمت به؛ لأن اقتداءها لم يصح فلم تقع المشاركة، وكذا ~~إذا قامت إلى جنبه ونوت فرضا آخر بأن كان الإمام في الظهر ونوت هي العصر ~~فأتمت به ثم حاذته لم تفسد على الإمام صلاته وهذا على رواية باب الحدث؛ ~~لأنها لم تصر شارعة في الصلاة أصلا فلم تتحقق المشاركة، فأما على رواية باب ~~الآذان تفسد صلاة الإمام؛ لأنها صارت شارعة في أصل الصلاة فوجدت المحاذاة ~~في صلاة مشتركة ففسدت صلاته وفسدت صلاتها بفساد صلاة الإمام وعليها قضاء ~~التطوع لحصول الفساد بعد صحة شروعها كما إذا كان الإمام في الظهر وقد نوى ~~إمامتها فأتمت به تنوي التطوع ثم قامت بجنبه تفسد صلاته وصلاتها وعليها ~~قضاء التطوع فكذا هذا وقد مرت المسألة من قبل، وبعض مشايخنا قالوا: الجواب ~~ما ذكر في باب الآذان، وتأويل ما ذكر ms0547 في باب الحدث أن الرجل لم ينو إمامتها ~~في صلاة العصر فتجعل هي في الاقتداء به بنية العصر بمنزلة ما لم ينو ~~إمامتها أصلا فلهذا لا تصير شارعة في صلاته تطوعا. # ولو قام رجل وامرأة يقضيان ما سبقهما الإمام لم تفسد صلاته. # ولو كانا أدركا أول الصلاة وكانا ناما أو أحدثا فسدت صلاته؛ لأن ~~المسبوقين فيما يقضيان كل واحد منهما في حكم المنفرد ألا ترى أن القراءة ~~فرض على المسبوق، ولو سها يلزمه سجود السهو فلم # PageV01P240 # يشتركا في صلاة فلا تكون المحاذاة مفسدة صلاته، فأما المدركان فهما ~~كأنهما خلف الإمام بعد بدليل سقوط القراءة عنهما وانعدام وجوب سجدتي السهو ~~عند وجود السهو كأنهما خلف الإمام حقيقة فوقعت المشاركة فوجدت المحاذاة في ~~صلاة مشتركة فتوجب فساد صلاته. # ومرور المرأة والحمار والكلب بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة عند عامة ~~العلماء وقال أصحاب الظواهر: يقطع، واحتجوا بما روى أبو ذر عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «يقطع الصلاة مرور المرأة والحمار والكلب» وفي ~~بعض الروايات، «والكلب الأسود فقيل لأبي ذر: وما بال الأسود من غيره؟ فقال ~~أشكل علي ما أشكل عليكم فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك ~~فقال: الكلب الأسود شيطان» ، ولنا ما روي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله ~~عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقطع الصلاة مرور شيء ~~وادرءوا ما استطعتم» . # وأما الحديث الذي رووا فقد ردته عائشة - رضي الله عنها - فإنها قالت ~~لعروة: «يا عروة ما يقول أهل العراق؟ قال: يقولون يقطع الصلاة مرور المرأة ~~والحمار والكلب، فقالت: يا أهل العراق والنفاق والشقاق بئسما قرنتمونا ~~بالكلاب والحمر كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالليل وأنا ~~نائمة بين يديه معترضة كاعتراض الجنازة» ، وقد ورد في المرأة نص خاص وكذا ~~في الحمار والكلب روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «كان يصلي ~~في بيت أم سلمة فأراد ابنها عمر أن يمر بين يديه فأشار عليه أن قف فوقف ثم ms0548 ~~أرادت زينب بنتها أن تمر بين يديه فأشار إليها أن قفي فلم تقف فلما فرغ ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صلاته قال: إنهن أغلب» . # وروي عن «ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: زرت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - مع أخي الفضل على حمار في بادية فنزلنا فوجدنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يصلي فصلينا معه والحمار يرتع بين يديه» ، وفي بعض ~~الروايات والكلب والحمار يمران بين يديه. # ولو دفع المار بالتسبيح أو بالإشارة أو أخذ طرف ثوبه من غير مشي ولا علاج ~~لا تفسد صلاته لقوله - صلى الله عليه وسلم - «فادرءوا ما استطعتم» ، وقوله ~~«إذا نابت أحدكم نائبة في الصلاة فليسبح فإن التسبيح للرجال والتصفيق ~~للنساء» ، وذكر في كتاب الصلاة إذا مرت الجارية بين يدي المصلي فقال: سبحان ~~الله وأومأ بيده ليصرفها لم تقطع صلاته وأحب إلي أن لا يفعل، منهم من قال ~~معناه أي لا يجمع بين التسبيح والإشارة باليد؛ لأن بإحداها كفاية، ومنهم من ~~قال: أي لا يفعل شيئا من ذلك، وتأويل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~كان في وقت كان العمل في الصلاة مباحا. # ومنها الموت في الصلاة والجنون والإغماء فيها أما الموت فظاهر؛ لأنه معجز ~~عن المضي فيها. # وأما الجنون والإغماء فلأنهما ينقضان الطهارة ويمنعان البناء؛ لما بينا ~~فيما تقدم أن اعتراضهما في الصلاة نادر فلا يلحقان بمورد النص والإجماع في ~~جواز البناء وهو الحدث السابق وسواء كان منفردا أو مقتديا أو إماما حتى ~~يستقبل القوم صلاتهم عندنا، وعند الشافعي يقوم القوم فيصلون وحدانا كما إذا ~~أحدث الإمام. # ومنها العمل الكثير الذي ليس من أعمال الصلاة في الصلاة من غير ضرورة ~~فأما القليل فغير مفسد، واختلف في الحد الفاصل بين القليل والكثير قال ~~بعضهم: الكثير ما يحتاج فيه إلى استعمال اليدين والقليل ما لا يحتاج فيه ~~إلى ذلك حتى قالوا: إذا زر قميصه في الصلاة فسدت صلاته، وإذا حل إزاره لا ~~تفسد، وقال بعضهم: كل عمل لو نظر الناظر ms0549 إليه من بعيد لا يشك أنه في غير ~~الصلاة فهو كثير، وكل عمل لو نظر إليه ناظر ربما يشبه عليه أنه في الصلاة ~~فهو قليل وهو الأصح، وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا قاتل في صلاته في غير حالة ~~الخوف أنه تفسد صلاته؛ لأنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة لما بينا، وكذا ~~إذا أخذ قوسا ورمى بها فسدت صلاته؛ لأن أخذ القوس وتثقيف السهم عليه ومده ~~حتى يرمي عمل كثير ألا ترى أنه يحتاج فيه إلى استعمال اليدين، وكذا الناظر ~~إليه من بعيد لا يشك أنه في غير الصلاة، وبعض أهل الأدب عابوا على محمد في ~~هذا اللفظ وهو قوله ورمى بها فقالوا: الرمي بالقوس إلقاؤها من يده وإنما ~~يقال في الرمي بالسهم رمى عنها لا رمى بها، والجواب عن هذا أن غرض محمد ~~تعليم العامة وقد وجد هذا اللفظ معروفا في لسانهم فاستعمله ليكون أقرب إلى ~~فهمهم فلذلك ذكره، وكذا لو ادهن أو سرح رأسه أو حملت امرأة صبيها وأرضعته ~~لوجود حد العمل الكثير على العبارتين، فأما حمل الصبي بدون الإرضاع فلا ~~يوجب فساد الصلاة لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يصلي في ~~بيته وقد حمل أمامة بنت أبي العاص # PageV01P241 # على عاتقه فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها» ثم هذا الصنيع لم يكره منه ~~- صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه كان محتاجا إلى ذلك لعدم من يحفظها أو لبيانه ~~الشرع بالفعل إن هذا غير موجب فساد الصلاة، ومثل هذا في زماننا أيضا لا ~~يكره لواحد منا لو فعل ذلك عند الحاجة أما بدون الحاجة فمكروه. # ولو صلى وفي فيه شيء يمسكه إن كان لا يمنعه من القراءة ولكن يخل بها ~~كدرهم أو دينار أو لؤلؤة لا تفسد صلاته؛ لأنه لا يفوت شيء من الركن ولكن ~~يكره؛ لأنه يوجب الإخلال بالركن حتى لو كان لا يخل به لا يكره وإن كان ~~يمنعه من القراءة فسدت صلاته؛ لأنه يفوت الركن، وإن كان في فيه سكرة لا ~~تجوز ms0550 صلاته؛ لأنه أكل، وكذلك إن كان في كفه متاع يمسكه جازت صلاته غير أنه ~~إن كان يمنعه عن الأخذ بالركب في الركوع أو الاعتماد على الراحتين عند ~~السجود يكره لمنعه عن تحصيل السنة وإلا فلا. # ولو رمى طائرا بحجر لا تفسد صلاته؛ لأنه عمل قليل ويكره؛ لأنه ليس من ~~أعمال الصلاة. # ولو أكل أو شرب في الصلاة فسدت صلاته لوجود العمل الكثير وسواء كان عامدا ~~أو ساهيا فرق بين الصلاة والصوم حيث كان الأكل والشرب في الصوم ناسيا غير ~~مفسد إياه، والفرق أن القياس أن لا يفصل في باب الصوم بين العمد والسهو ~~أيضا لوجود ضد الصوم في الحالين وهو ترك الكف إلا أنا عرفنا ذلك بالنص، ~~والصلاة ليست في معناه؛ لأن الصائم كثيرا ما يبتلى به في حالة الصوم فلو ~~حكمنا بالفساد يؤدي إلى الحرج بخلاف الصلاة؛ لأن الأكل والشرب في الصلاة ~~ساهيا نادر غاية الندرة فلم يكن في معنى مورد النص فيعمل فيها بالقياس ~~المحض وهو أنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة ألا ترى أنه لو نظر الناظر ~~إليه لا يشك أنه في غير الصلاة؟ ولو مضغ العلك في الصلاة فسدت صلاته كذا ~~ذكره محمد؛ لأن الناظر إليه من بعد لا يشك أنه في غير الصلاة وبهذا تبين أن ~~الصحيح من التحديد هو العبارة الثانية حيث حكمنا بفساد الصلاة من غير ~~الحاجة إلى استعمال اليد رأسا فضلا عن استعمال اليدين. # ولو بقي بين أسنانه شيء فابتلعه إن كان دون الحمصة لم يضره؛ لأن ذلك ~~القدر في حكم التبع لريقه لقلته ولأنه لا يمكن التحرز عنه؛ لأنه يبقى بين ~~الأسنان عادة فلو جعل مفسدا لوقع الناس في الحرج ولهذا لا يفسد الصوم به، ~~وإن كان قدر الحمصة فصاعدا فسدت صلاته. # ولو قلس أقل من ملء فيه ثم رجع فدخل جوفه وهو لا يملكه لا تفسد صلاته؛ ~~لأن ذلك بمنزلة ريقه ولهذا لا ينقض وضوءه، وكذا المتهجد بالليل قد يبتلى به ~~خصوصا في ليالي رمضان عند امتلاء الطعام عند ms0551 الفطر فلو جعل مفسدا لأدى إلى ~~الحرج. # وقتل الحية والعقرب في الصلاة لا يفسدها لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «اقتلوا الأسودين ولو كنتم في الصلاة» . # وروي أن عقربا لدغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة فوضع عليه ~~نعله وغمزه حتى قتله فلما فرغ من صلاته قال: «لعن الله العقرب لا تبالي ~~نبيا ولا غيره أو قال مصليا ولا غيره» وبه تبين أنه لا يكره أيضا؛ لأنه - ~~صلى الله عليه وسلم - ما كان ليفعل المكروه خصوصا في الصلاة ولأنه يحتاج ~~إليه لدفع الأذى فكان موضع الضرورة، هذا إذا أمكنه قتل الحية بضربة واحدة ~~كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العقرب. # وأما إذا احتاج إلى معالجة وضربات فسدت صلاته كما إذا قاتل في صلاته؛ ~~لأنه عمل كثير ليس من أعمال الصلاة، وذكر شيخ الإسلام السرخسي أن الأظهر ~~أنه لا تفسد صلاته؛ لأن هذا عمل رخص فيه للمصلي فأشبه المشي بعد الحدث ~~والاستقاء من البئر والتوضؤ، هذا الذي ذكرنا من العمل الكثير الذي ليس من ~~أعمال الصلاة إذا عملها المصلي في الصلاة من غير ضرورة فأما في حالة ~~الضرورة فإنه لا يفسد الصلاة كما في حالة الخوف والله أعلم. ### | [فصل الكلام في صلاة الخوف] # (فصل) : # والكلام في صلاة الخوف. # في مواضع، في بيان شرعيتها بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي ~~بيان قدرها، وفي بيان كيفيتها، وفي بيان شرائط جوازها. # أما الأول فصلاة الخوف مشروعة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~قول أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف الأول، وقال الحسن بن زياد لا تجوز ~~وهو قول أبي يوسف الآخر، واحتجا بقوله تعالى {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة فلتقم طائفة منهم معك} [النساء: 102] الآية جوز صلاة الخوف بشرط كون ~~الرسول فيهم فإذا خرج من الدنيا انعدمت الشرطية ولأن الجواز حال حياته ثبت ~~مع المنافي لما فيها من أعمال كثيرة ليست من الصلاة وهي الذهاب والمجيء ولا ~~بقاء للشيء مع ما ينافيه إلا ms0552 أن الشرع أسقط اعتبار المنافي # PageV01P242 # حال حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - لحاجة الناس إلى استدراك فضيلة ~~الصلاة خلفه وهذا المعنى منعدم في زماننا فوجب اعتبار المنافي فيصلي كل ~~طائفة بإمام على حدة، ولأبي حنيفة ومحمد إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - ~~على جوازها فإنه روي عن علي - رضي الله عنه - أنه صلى صلاة الخوف وروي عن ~~أبي موسى الأشعري أنه صلى صلاة الخوف بأصبهان، وسعيد بن العاص كان يحارب ~~المجوس بطبرستان ومعه جماعة من الصحابة منهم الحسن وحذيفة وعبد الله بن ~~عمرو بن العاص - رضي الله عنهم - فقال: أيكم شهد صلاة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال حذيفة: أنا، فقام وصلى بهم صلاة الخوف على نحو ما يقوله ~~فانعقد إجماع الصحابة على الجواز وبه تبين أن ما ذكرا من المعنى غير سديد ~~لخروجه عن معارضة الإجماع مع أن ذلك ترك الواجب وهو ترك المشي في الصلاة ~~لإحراز الفضيلة وذا لا يجوز على أن الحاجة إلى استدراك الفضيلة قائمة؛ لأن ~~كل طائفة يحتاجون إلى الصلاة خلف أفضلهم وإلى إحراز فضيلة تكثير الجماعة؛ ~~ولأن الأصل في الشرع أن يكون عاما في الأوقات كلها إلا إذا قام دليل ~~التخصيص، وإحراز الفضيلة لا يصلح مخصصا؛ لما بينا. # وأما الآية فليس فيها أنه إذا لم يكن الرسول فيهم لا تجوز فكان تعليقا ~~بالسكوت وأنه غير صحيح. ### | [فصل مقدارها صلاة الخوف] # (فصل) : # وأما مقدارها. # فيصلي الإمام بهم ركعتين إن كانوا مسافرين أو كانت الصلاة من ذوات ركعتين ~~كالفجر، وإن كانوا مقيمين والصلاة من ذوات الأربع أو الثلاث صلى بهم أربعا ~~أو ثلاثا، ولا ينتقض عدد الركعات بسبب الخوف عندنا وهو قول عامة الصحابة، ~~وكان ابن عباس يقول صلاة المقيم أربع ركعات وصلاة المسافر ركعتان وصلاة ~~الخوف ركعة واحدة وبه أخذ بعض العلماء، واحتج بما روي أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «صلى صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع بكل طائفة ركعة فكانت له ~~ركعتان ولكل طائفة ركعة» ، ولنا ما روى ابن مسعود وغيره من الصحابة ms0553 - رضي ~~الله عنهم - صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نحو ما قلنا، وهكذا ~~فعل الصحابة بعده فيكون إجماعا منهم، وما نقل عن ابن عباس فتأويله أنها ~~ركعة مع الإمام وعندنا يصلي الإمام بكل طائفة ركعة واحدة إذا كانوا مسافرين ~~وهو تأويل الحديث. ### | [فصل كيفية صلاة الخوف] # (فصل) : # وأما كيفيتها. # فقد اختلف العلماء فيها اختلافا فاحشا لاختلاف الأخبار في الباب قال ~~علماؤنا يجعل الإمام الناس طائفتين طائفة بإزاء العدو ويفتتح الصلاة بطائفة ~~فيصلي بهم ركعة إن كان مسافرا أو كانت الصلاة صلاة الفجر وركعتين إن كان ~~مقيما والصلاة من ذوات الأربع وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تأتي الطائفة ~~الثانية فيصلي بهم بقية الصلاة فينصرفون إلى وجه العدو، ثم تأتي الطائفة ~~الأولى فيقضون بقية صلاتهم بغير قراءة وينصرفون إلى وجه العدو، ثم تجيء ~~الطائفة الثانية فيقضون بقية صلاتهم بقراءة، وقال مالك يجعل الناس طائفتين ~~طائفة بإزاء العدو ويفتتح الصلاة بطائفة فيصلي بهم ركعة، ثم يقوم الإمام ~~ويمكث قائما فتتم هذه الطائفة صلاتهم ويسلمون وينصرفون إلى وجه العدو، ثم ~~تأتي الطائفة الثانية فيصلي بهم الركعة الثانية ويسلم الإمام ولا يسلمون بل ~~يقومون فيتمون صلاتهم، وهو قول الشافعي إلا أنه يقول: لا يسلم الإمام حتى ~~تتم الطائفة الثانية صلاتهم، ثم يسلم الإمام ويسلمون معه، وروى أبو هريرة - ~~رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «لما صلى بالطائفة الأولى ~~ركعة انتظرهم حتى أتموا صلاتهم وذهبوا إلى العدو وجاءت الطائفة الأخرى ~~فبدءوا بالركعة الأولى والنبي - صلى الله عليه وسلم - ينتظرهم ثم صلى بهم ~~الركعة الثانية» ولم يأخذ به أحد من العلماء. # وروي شاذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «صلى بكل طائفة ركعتين فكانت ~~له أربع ركعات ولكل طائفة ركعتين» . # احتج الشافعي بما روى سهل بن أبي خيثمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى صلاة الخوف على نحو ما قلنا، ولنا ما روى ابن مسعود وابن عمر - رضي ~~الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها على نحو ما قلنا ms0554 ~~وروينا عن حذيفة أنه أقام صلاة الخوف بطبرستان بجماعة من الصحابة على نحو ~~ما قلنا ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعا وبه تبين أن الأخذ بما روينا عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى؛ ولأن الرواية عن هؤلاء لم تتعارض، ~~والرواية عن سهل بن أبي خيثمة متعارضة فإن بعضهم روي عنه مثل # PageV01P243 # مذهبنا فكان الأخذ بروايتهم أولى مع أن فيما رواه الشافعي ما يدل على ~~كونه منسوخا؛ لأن فيه أن الطائفة الثانية يقضون ما سبقوا به قبل فراغ ~~الإمام ثم يسلمون معه، وهذا كان في الابتداء أن المسبوق يبدأ بقضاء ما فاته ~~ثم يتابع الإمام ثم نسخ، ولهذا لم يأخذ أحد من العلماء برواية أبي هريرة، ~~وما روي في الشاذ غير مقبول؛ لأن في حق الطائفة الثانية يكون اقتداء ~~المفترض بالمتنفل وذا لا يصح عندنا إلا أن يكون مؤولا وتأويله أنه كان ~~مقيما فصلى بكل طائفة ركعتين وقضت كل طائفة ركعتين وهو المذهب، وعندنا أنه ~~يصلي بكل طائفة شطر الصلاة هذا إذا لم يكن العدو بإزاء القبلة فإن كان ~~العدو بإزاء القبلة فالأفضل عندنا أن يجعل الناس طائفتين فيصلي بكل طائفة ~~شطر الصلاة على النحو الذي ذكرنا، وإن صلى بهم جملة جاز وهو أن يجعل الناس ~~صفين ويفتتح الصلاة بهم جميعا فإذا ركع الإمام ركع الكل معه وإذا رفع رأسه ~~من الركوع رفعوا جميعا وإذا سجد الإمام سجد معه الصف الأول والصف الثاني ~~قيام يحرسونهم، فإذا رفعوا رءوسهم سجد الصف الثاني والصف الأول قعود ~~يحرسونهم، فإذا رفعوا رءوسهم سجد الإمام السجدة الثانية وسجد معه الصف ~~الأول والصف الثاني قعود يحرسونهم، فإذا رفعوا رءوسهم تأخر الصف الأول ~~وتقدم الصف الثاني فيصلي بهم الركعة الثانية بهذه الصفة أيضا، فإذا قعد ~~وسلم سلموا معه. # وعند الشافعي وابن أبي ليلى لا تجوز إلا بهذه الصفة واحتجا بما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى صلاة الخوف هكذا بعسفان عند استقبال ~~العدو القبلة ولأنه ليس في هذه الصلاة بهذه الصفة ذهابا ومجيئا ms0555 واستدبار ~~القبلة وأنها أفعال منافية للصلاة في الأصل فيجب اعتبارها ما أمكن ونحن ~~نقول كل ذلك جائز والأفضل أن يصلي على نحو ما يصلي أن لو كان العدو مستدبر ~~القبلة؛ لأنه موافق لظاهر الآية قال الله تعالى {فلتقم طائفة منهم معك} ~~[النساء: 102] وقال {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك} [النساء: 102] ~~أمر بجعل الناس طائفتين ولأن الحراسة بهذا الوجه أبلغ؛ لأن الطائفة الثانية ~~لم يكونوا يشاركونهم في الصلاة في الركعة الأولى فكانوا أقدر على الحراسة؛ ~~ولأن فيما قالا يخالف كل صف إمامهم في سجدة، ومخالفة الإمام منهية لا تجوز ~~بحال من الأحوال بخلاف المشي واستدبار القبلة فإن ذلك جائز بحال، فإن من ~~سبقه الحدث يستدبر القبلة ويمشي عندنا، وعند الشافعي المتطوع على الدابة ~~يصلي أينما توجهت الدابة، ثم لا شك أن الطائفة الأولى لا يقرءون في الركعة ~~الثانية؛ لأنهم أدركوا أول الصلاة وعجزوا عن الإتمام لمعنى من المعاني فصار ~~كالنائم ومن سبقه الحدث فذهب وتوضأ وجاء، ولا شك أيضا أن الطائفة الثانية ~~يقرءون؛ لأنهم مسبوقون فيقضون بقراءة هذا الذي ذكرنا في ذوات الأربع أو ~~ذوات ركعتين. # وأما في المغرب فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية الركعة الثالثة، ~~وقال سفيان الثوري: يصلي بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين، وقال ~~الشافعي: هو بالخيار. # وجه قول سفيان إن فرض القراءة في الركعتين الأوليين فينبغي أن يكون لكل ~~طائفة في ذلك حظا وذلك فيما قلنا، والشافعي يقول: مراعاة التنصيف غير ممكن ~~فإن شاء صلى بهؤلاء ركعتين وإن شاء صلى بأولئك، ولنا أن التنصيف واجب وقد ~~تعذر ههنا وكان تفويت التنصيف على الطائفة الثانية أولى؛ لأنه لا تفويت ~~قصدا بل حكما لإيفاء حق الطائفة الأولى؛ لأنه يجب على الإمام أن يصلي بهم ~~ركعة ونصفا لتتحقق المعادلة في القسمة فشرع في الركعة الثانية قضاء لحقهم ~~إلا أنها لا تتجزأ فيجب عليه إتمامها، فأما لو صلى بالطائفة الأولى ركعة ~~وبالثانية ركعتين فقد فوت التنصيف على الطائفة الأولى قصدا لا حكما لإيفاء ~~حقهم؛ لأنه لم يشتغل بعد بإيفاء حق الثانية، ms0556 ومعلوم أن تفويت الحق حكما دون ~~تفويته قصدا؛ لذلك كان الأمر على ما وصفنا والله أعلم. # ثم الطائفة الأولى تقضي الركعة الثانية بغير قراءة؛ لأنهم لاحقون ~~والطائفة الثانية يصلون الركعتين الأوليين بغير قراءة ويقعدون بينهما ~~وبعدهما كما يفعل المسبوق بركعتين في المغرب. ### | [فصل شرائط جواز صلاة الخوف] # (فصل) : # وأما شرائط الجواز. # فمنها أن لا يقاتل في الصلاة فإن قاتل في صلاته فسدت صلاته عندنا، وقال ~~مالك: لا تفسد وهو قول الشافعي في القديم واحتجا بقوله تعالى {وليأخذوا ~~أسلحتهم} [النساء: 102] أباح لهم أخذ السلاح فيباح القتال ولأن أخذ السلاح ~~لا يكون إلا للقتال به ولأنه سقط اعتبار المشي في الصلاة فيسقط اعتبار ~~القتال، ولنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شغل عن أربع صلوات يوم ~~الخندق فقضاهن بعد هوي من الليل وقال: «شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ # PageV01P244 # الله قبورهم وبطونهم نارا» فلو جازت الصلاة مع القتال لما أخرها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ولأن إدخال عمل كثير ليس من أعمال الصلاة في ~~الصلاة مفسد في الأصل فلا يترك هذا الأصل إلا في مورد النص والنص ورد في ~~المشي لا في القتال مع أن مورد النص بقاء الصلاة مع المشي لا الأداء ~~والأداء فوق البقاء فأنى يصح الاستدلال بخلاف أخذ السلاح؛ لأنه عمل قليل ~~ولأن النص ورد بالجواز معه. # ومنها أن ينصرف ماشيا ولا يركب عند انصرافه إلى وجه العدو ولو ركب فسدت ~~صلاته عندنا سواء كان انصرافه من القبلة إلى العدو أو من العدو إلى القبلة ~~لأن الركوب عمل كثير وهو مما لا يحتاج إليه بخلاف المشي فإنه أمر لا بد منه ~~حتى يصطفوا بإزاء العدو، وكذا أخذ السلاح أمر لا بد منه لإرهاب العدو ~~والاستعداد للدفع ولأنهم لو غفلوا عن أسلحتهم يميلون عليهم على ما نطق به ~~الكتاب والأصل أن الإتيان بعمل كثير ليس من أعمال الصلاة فيها لأجل الضرورة ~~فيختص بمحل الضرورة، ولو كان الخوف أشد ولا يمكنهم النزول عن دوابهم صلوا ~~ركبانا بالإيماء؛ لقوله تعالى {فإن خفتم ms0557 فرجالا أو ركبانا} [البقرة: 239] ~~ثم إن قدروا على استقبال القبلة يلزمهم الاستقبال وإلا فلا بخلاف التطوع ~~إذا صلاها على الدابة حيث لا يلزمه الاستقبال وإن قدر عليه؛ لأن حالة الفرض ~~أضيق ألا ترى أنه يجوز الإيماء في التطوع مع القدرة على النزول ولا يجوز ~~ذلك في الفرض، ويصلون وحدانا ولا يصلون جماعة ركبانا في ظاهر الرواية، وقد ~~روي عن محمد أنه جوز لهم في الخوف أن يصلوا ركبانا بجماعة وقال أستحسن ذلك ~~لينالوا فضيلة الصلاة بالجماعة وقد جوزنا لهم ما هو أعظم من ذلك وهو الذهاب ~~والمجيء لإحراز فضيلة الجماعة. # وجه ظاهر الرواية أن بينهم وبين الإمام طريقا فيمنع ذلك صحة الاقتداء على ~~ما بينا فيما تقدم إلا أن يكون الرجل مع الإمام على دابة واحدة فيصح ~~اقتداؤه به لعدم المانع، والاعتبار بالمشي غير سديد؛ لأن ذلك أمر لا بد منه ~~فسقط اعتباره للضرورة ولا ضرورة ههنا ولو صلى راكبا والدابة سائرة فإن كان ~~مطلوبا فلا بأس به؛ لأن السير فعل الدابة في الحقيقة وإنما يضاف إليه من ~~حيث المعنى لتسييره فإذا جاء العذر انقطعت الإضافة إليه بخلاف ما إذا صلى ~~ماشيا أو سابحا حيث لا يجوز؛ لأن ذلك فعله حقيقة فلا يتحمل إلا إذا كان في ~~معنى مورد النص وليس ذلك في معناه على ما مر وإن كان الراكب طالبا فلا ~~يجوز؛ لأنه لا خوف في حقه فيمكنه النزول وكذلك الراجل إذا لم يقدر على ~~الركوع والسجود يومئ إيماء لمكان العذر كالمريض. # ومنها أن يكون في حال معاينة العدو حتى لو صلوا صلاة الخوف ولم يعاينوا ~~العدو جاز للإمام ولم يجز للقوم إذا صلوا بصفة الذهاب والمجيء وكذا لو رأوا ~~سوادا ظنوه عدوا فإذا هو إبل لا يجوز عندنا، وعند الشافعي تجوز صلاة الكل. # وجه قوله أن صلاة الخوف شرعت عند الخوف وقد صلوا عند الخوف فتجزئهم، ولنا ~~أن شرط الجواز الخوف من العدو وقال الله تعالى {إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا} [النساء: 101] ولم يوجد الشرط إلا أن ms0558 صلاة الإمام مقضية بالجواز؛ ~~لانعدام الذهاب والمجيء منه بخلاف القوم فلا يتحمل ذلك إلا لضرورة الخوف من ~~العدو ولم تتحقق، ثم الخوف من سبع يعاينوه كالخوف من العدو؛ ولأن الجواز ~~بحكم العذر وقد تحقق والله أعلم. ### | [فصل حكم صلوات الخوف إذا فسدت أو فاتت عن أوقاتها] # (فصل) : # وأما حكم هذه الصلوات إذا فسدت أو فاتت عن أوقاتها أو فات شيء من هذه ~~الصلوات عن الجماعة أو عن محله الأصلي، ثم تذكره في آخر تلك الصلاة. # أما إذا فسدت يجب إعادتها ما دام الوقت باقيا؛ لأنها إذا فسدت التحقت ~~بالعدم فبقي وجوب الأداء في الذمة فيجب تفريقها عنه بالأداء. # وأما إذا فاتت صلاة منها عن وقتها بأن نام عنها أو نسيها ثم تذكرها بعد ~~خروج الوقت أو اشتغل عنها حتى خرج الوقت يجب عليه قضاؤها، والكلام في ~~القضاء. # يقع في مواضع: في بيان أصل وجوب القضاء بعد خروج الوقت، وفي بيان شرائط ~~الوجوب، وفي بيان شرائط الجواز، وفي بيان كيفية القضاء. # أما الأول فالدليل عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «من نام عن ~~صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها أو استيقظ فإن ذلك وقتها» وفي بعض ~~الروايات لا وقت لها إلا ذلك، وقوله - صلى الله عليه وسلم - «ما أدركتم ~~فصلوا وما فاتكم فاقضوا» ولأن الأصل في العبادات المؤقتة إذا فاتت عن وقتها ~~أنها تقضى إذا استجمع شرائط وجوب القضاء وأمكن قضاؤها؛ لأن وجوبها في الوقت ~~لمعان هي قائمة بعد خروج الوقت وهي خدمة الرب تعالى # PageV01P245 # وتعظيمه وقضاء حق العبودية وشكر النعمة وتكفير الزلل والخطايا التي تجري ~~على يد العبد بين الوقتين وأمكن قضاؤها؛ لأن من جنسها مشروع خارج الوقت من ~~حيث الأصل حقا له فيقضي به ما عليه والله أعلم. # وأما شرائط الوجوب فمنها أهلية الوجوب إذ الإيجاب على غير الأهل تكليف ما ~~ليس في الوسع، ومنها فوات الصلاة عن وقتها؛ لأن قضاء الفائت ولا فائت محال، ~~ومنها أن يكون من جنسها مشروعا له في وقت القضاء إذا القضاء صرف ms0559 ما له إلى ~~ما عليه؛ لأن ما عليه يقع عن نفسه فلا يقع عن غيره، ومنها أن لا يكون في ~~القضاء حرج إذ الحرج مدفوع شرعا، فأما وجوب الأداء في الوقت فليس من شرائط ~~الوجوب هو الصحيح؛ لأن القضاء يجب استدراكا للمصلحة الفائتة في الوقت وهو ~~الثواب وفوات هذه المصلحة لا يقف على الوجوب فلا يكون وجوب الأداء شرطا ~~لوجوب القضاء على ما عرف في الخلافيات، وإذا عرف هذا فنقول: لا قضاء على ~~الصبي والمجنون في زمان الصبا والجنون؛ لعدم أهلية الوجوب ولا على الكافر؛ ~~لأنه ليس من أهل وجوب العبادة إذ الكفار غير مخاطبين بشرائع هي عبادات ~~عندنا فلا يجب عليهم بعد البلوغ والإفاقة والإسلام أيضا؛ لأن في الإيجاب ~~عليهم حرجا؛ لأن مدة الصبا مديدة والجنون إذا استحكم وهو الطويل منه قلما ~~يزول والإسلام من الكافر المقلد لآبائه وأجداده نادر فكان في الإيجاب عليهم ~~حرج. # وأما المغمى عليه فإن أغمي عليه يوما وليلة أو أقل يجب عليه القضاء ~~لانعدام الحرج وإن زاد على يوم وليلة لا قضاء عليه؛ لأنه يحرج في القضاء ~~لدخول العبادة في حد التكرار، وكذا المريض العاجز عن الإيماء إذا فاتته ~~صلوات ثم برأ فإن كان أقل من يوم وليلة أو يوما وليلة قضاه، وإن كان أكثر ~~لا قضاء عليه لما قلنا في المغمى عليه ومن المشايخ من قال في المريض: إنه ~~يقضي وإن امتد وطال؛ لأن المرض لا يعجزه عن فهم الخطاب بخلاف الإغماء ~~والصحيح أنه لا فرق بينهما لأن سقوط القضاء عن المغمى عليه ليس؛ لعدم فهم ~~الخطاب بدليل أنه لا قضاء على الحائض والنفساء وإن كانتا تفهمان الخطاب بل ~~لمكان الحرج وقد وجد في المريض وروي عن محمد أن الجنون القصير بمنزلة ~~الإغماء ودلت هذه المسائل على أن سابقية وجوب الأداء ليست بشرط لوجوب ~~القضاء وعلى هذا تخرج الصلوات الفائتة في أيام التشريق إذا قضاها في غير ~~أيام التشريق أنه يقضيها بلا تكبير؛ لأن في وقت القضاء صلاة مشروعة من جنس ~~الفائتة وليس ms0560 فيه تكبير مشروع من جنسه وهو الذي يجهر به. # وأما شرائط جواز القضاء فجميع ما ذكرنا أنه شرط جواز الأداء فهو شرط جواز ~~القضاء إلا الوقت فإنه ليس للقضاء وقت معين بل جميع الأوقات وقت له إلا ~~ثلاثة وقت طلوع الشمس ووقت الزوال ووقت الغروب فإنه لا يجوز القضاء في هذه ~~الأوقات لما مر أن من شأن القضاء أن يكون مثل الفائت والصلاة في هذه ~~الأوقات تقع ناقصة والواجب في ذمته كامل فلا ينوب الناقص عنه، وهذا عندنا. # وأما عند الشافعي فقضاء الفرائض في هذه الأوقات جائز كما قال بجواز أداء ~~الفجر مع طلوع الشمس وكما يجوز أداء عصر يومه عند مغيب الشمس بلا خلاف ~~واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من نام عن صلاة ~~أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» فإن ذلك وقتها لا وقت لها غيره من غير فصل بين ~~وقت ووقت، والدليل عليه أنه يجوز عصر يومه أداء فكذا قضاء، ولنا عموم النهي ~~عن الصلاة في هذه الأوقات بصيغته وبمعناه على ما نذكر في صلاة التطوع إن ~~شاء الله تعالى، وما رواه عام في الأوقات كلها، وما نرويه خاص في الأوقات ~~الثلاثة فيخصصها عن عموم الأوقات مع ما أن عند التعارض الرجحان للحرمة على ~~الحل احتياطا لأمر العبادة بخلاف عصر يومه فإن الاستثناء بعصر يومه ثبت في ~~الروايات كلها فجوزناها، ولأنا لو لم نجوز لأمرنا بالتفويت، وتفويت الصلاة ~~عن وقتها كبيرة وهي معصية من جميع الوجوه ولو جوزنا الأداء كان الأداء طاعة ~~من وجه من حيث تحصيل أصل الصلاة وإن كان معصية من حيث التشبيه بعبدة الشمس ~~ولا شك أن هذا أولى؛ ولأن الصلاة يتضيق وجوبها بآخر الوقت ألا ترى أن كافرا ~~لو أسلم في هذا الوقت أو صبيا احتلم تلزمه هذه الصلاة والصلاة منهي عنها في ~~هذا الوقت وفي عصر يومه يتضيق الوجوب في هذا الوقت وقد وجبت عليه ناقصة ~~وأداها كما وجبت بخلاف الفجر إذا طلعت فيها الشمس؛ لأن الوجوب يتضيق ms0561 بآخر ~~وقتها ولا نهي في آخر وقت الفجر وإنما النهي يتوجه بعد خروج وقتها فقد وجبت ~~عليه # PageV01P246 # الصلاة كاملة فلا تتأدى بالناقصة فهو الفرق والله أعلم. # وأما بيان كيفية قضاء هذه الصلوات فالأصل أن كل صلاة ثبت وجوبها في الوقت ~~وفاتت عن وقتها أنه يعتبر في كيفية قضائها وقت الوجوب وتقضى على الصفة التي ~~فاتت عن وقتها؛ لأن قضاءها بعد سابقية الوجوب، والفوت يكون تسليم مثل ~~الواجب الفائت فلا بد وأن يكون على صفة الفائت لتكون مثله إلا لعذر وضرورة؛ ~~لأن أصل الأداء يسقط بعذر فلأن يسقط وصفه لعذر أولى؛ ولأن كل صلاة فاتت عن ~~وقتها من غير تقدير وجوب الأداء لعذر مانع من الوجوب ثم زال العذر يعتبر في ~~قضائها الحال وهي حال القضاء لا وقت الوجوب؛ لأن الوجوب لم يثبت فيقضى على ~~الصفة التي هو عليها للحال؛ لأن الفائت ليس بأصل بل أقيم مقام صفة الأصل ~~خلفا عنه للضرورة وقد قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل فيراعى صفة ~~الأصل لا صفة الفائت كمن فاتته صلوات بالتيمم أنه يقضيها بطهارة الماء إذا ~~كان قادرا على الماء وعلى هذا يخرج المسافر إذا كان عليه فوائت في الإقامة ~~أنه يقضيها أربعا؛ لأنها وجبت في الوقت كذلك وفاتته كذلك فيراعى وقت الوجوب ~~لا وقت القضاء وكذا المقيم إذا كان عليه فوائت السفر يقضيها ركعتين؛ لأنها ~~فاتته بعد وجوبها كذلك فأما المريض إذا قضى فوائت الصحة قضاها على حسب ما ~~يقدر عليه لعجزه عن القضاء على حسب الفوات، وأصل الأداء يسقط عنه بالعجز ~~فلأن يسقط وصفه أولى، والصحيح أنه إذا كان عليه فوائت المرض يقضيها على ~~اعتبار حال الصحة لا على اعتبار حال الفوات حتى لو قضاها كما فاتته لا يجوز ~~فإن فاتته الصلاة بالإيماء فقضاها في حال الصحة بالإيماء لم تجز؛ لأن ~~الإيماء ليس بصلاة حقيقة لانعدام أركان الصلاة فيه وإنما أقيم مقام الصلاة ~~خلفا عنها لضرورة العجز على تقدير الأداء بالإيماء فإذا لم يؤد بالإيماء لم ~~يقم مقامها فبقي الأصل ms0562 واجبا عليه فيؤديه كما وجب والله أعلم. # وأما إذا فات شيء من هذه الصلوات عن الجماعة وأدرك الباقي كالمسبوق وهو ~~الذي لم يدرك أول الصلاة مع الإمام أو اللاحق وهو الذي أدرك أول الصلاة مع ~~الإمام ثم نام خلفه أو سبقه الحدث حتى صلى الإمام بعض صلاته ثم انتبه أو ~~رجع من الوضوء فكيف يقضي ما سبق به؟ أما المسبوق فإنه يجب عليه أن يتابع ~~الإمام فيما أدرك ولا يتابعه في التسليم فإذا سلم الإمام يقوم هو إلى قضاء ~~ما سبق به؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم ~~فاقضوا» ولو بدأ بما سبق به تفسد صلاته؛ لأنه انفرد في موضع وجب عليه ~~الاقتداء لوجوب متابعة الإمام فيما أدرك بالنص والانفراد عند وجوب الاقتداء ~~مفسد للصلاة ولأن ذلك حديث منسوخ بحديث معاذ - رضي الله عنه - حيث قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «سن لكم سنة حسنة فاستنوا بها» أمر بالاستنان ~~بسنته فيقتضي وجوب متابعة الإمام فيما أدرك عقيب الإدراك بلا فصل فصار ~~ناسخا لما كان قبله. # وأما اللاحق فإنه يأتي بما سبقه الإمام ثم يتابعه؛ لأنه في الحكم كأنه ~~خلف الإمام لالتزامه متابعة الإمام في جميع صلاته وإتمامه الصلاة مع الإمام ~~فصار كأنه خلف الإمام ولهذا لا قراءة عليه لا سهو عليه كما لو كان خلف ~~الإمام حقيقة بخلاف المسبوق فإنه منفرد؛ لأنه ما التزم متابعة الإمام إلا ~~في قدر ما أدرك ألا ترى أنه يقرأ ويسجد لسهوه بخلاف اللاحق ولو لم يشتغل ~~بما سبقه الإمام ولكنه تابع الإمام في بقية صلاته لا تفسد صلاته عند ~~أصحابنا الثلاثة، وعند زفر تفسد بناء على أن الترتيب في أفعال الصلاة ~~الواحدة ليس بشرط عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر، والمسألة قد مرت ثم ما ~~أدركه المسبوق مع الإمام هل هو أول صلاته أو آخر صلاته، وكذا ما يقضيه ~~اختلف فيهما قال أبو حنيفة وأبو يوسف: ما أدركه مع الإمام آخر صلاته حكما ~~وإن كان أول صلاته حقيقة وما يقضيه ms0563 أول صلاته حكما وإن كان آخر صلاته ~~حقيقة، وقال بشر بن غياث المريسي وأبو طاهر الدباس أن ما يصلي مع الإمام ~~أول صلاته حكما كما هو أول صلاته حقيقة وما يقضى آخر صلاته حكما كما هو آخر ~~صلاته حقيقة وهو قول الشافعي وهو اختيار القاضي الإمام صدر الإسلام البزدوي ~~- رحمه الله - والمسألة مختلفة بين الصحابة روي عن علي وابن عمر مثل قول ~~أبي حنيفة وأبي يوسف وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - مثل قولهم، وذكر الشيخ ~~الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري وقال: وجدت في غير رواية الأصول عن ~~محمد أنه قال: ما أدرك المسبوق مع الإمام أول صلاته حقيقة وحكما، وما يقضي ~~آخر صلاته حقيقة وحكما كما قال أولئك إلا في حق ما يتحمل # PageV01P247 # الإمام عنه وهو القراءة فإنه يعتبر آخر صلاته وفائدة الخلاف تظهر في حق ~~القنوت والاستفتاح فعلى قول أولئك يأتي بالاستفتاح عقيب تكبيرة الافتتاح لا ~~فيما يقضي؛ لأن ذلك أول صلاته حقيقة وحكما وكذا عند محمد؛ لأن هذا مما لا ~~يتحمل عنه الإمام فكانت الركعة المدركة مع الإمام أول صلاته في حق ~~الاستفتاح فيأتي به هناك. # وأما القنوت فيأتي به ثانيا في آخر ما يقضي في قولهم؛ لأنه آخر صلاته وما ~~أتى به مع الإمام أتى بطريق التبعية وإن كان في غير محله فلا بد وأن يأتي ~~بعد ذلك في محله وعلى قول محمد ينبغي أن يأتي به ثانيا في آخر ما يقضي كما ~~هو قول أولئك لأن الإمام لا يتحمل القنوت عن القوم ومع ذلك روي عنه أنه لا ~~يأتي به ثانيا؛ لأن في القنوت عنه روايتان في رواية يتحمله الإمام لشبهه ~~بالقراءة وعلى هذه الرواية لا يشكل أنه لا يأتي به ثانيا؛ لأنه جعل المدرك ~~مع الإمام آخر صلاته في حق القراءة وفي رواية عنه لا يتحمل الإمام القنوت ~~ومع هذا قال لا يأتي به المسبوق ثانيا؛ لأنه أتى به مرة مع الإمام ولو أتى ~~به في غير محله فلا يأتي به ثانيا؛ ms0564 لأنه يؤدي إلى تكرار القنوت وهو غير ~~مشروع في صلاة واحدة بخلاف التشهد حيث يأتي به إذا قضى ركعة وإن كان أتى به ~~مع الإمام في غير محله؛ لأنه وإن أدى إلى التكرار لكن التكرار في التشهد ~~مشروع في صلاة واحدة. # وأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف لا يأتي بالاستفتاح فيما أدرك مع ~~الإمام بل فيما يقضي؛ لأن أول صلاته حكما هذا، وهو ما يقضي لا ذاك ولا يأتي ~~بالقنوت فيما يقضي؛ لأنه أتى به مع الإمام في محله؛ لأن ذاك آخر صلاته حكما ~~وما يقضي أول صلاته ومحل القنوت آخر الصلاة لا أولها فتظهر فائدة الاختلاف ~~بين أصحابنا في الاستفتاح لا في القنوت، وهكذا ذكر القدوري عن محمد بن شجاع ~~البلخي أن فائدة الاختلاف بين أصحابنا تظهر في حق الاستفتاح احتج المخالفون ~~لأصحابنا بما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما ~~أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» أطلق لفظ الإتمام على أداء ما سبق به ~~وإتمام الشيء يكون بآخره فدل أن الذي يقضي آخر صلاته والدليل عليه وجوب ~~القعدة على من سبق بركعتين من المغرب إذا قضى ركعة # ولو كان ما يقضي أول صلاته لما وجبت القعدة الواحدة؛ لأنها تجب على رأس ~~الركعتين لا عقيب ركعة واحدة، وكذا إذا قضى الركعة الثانية تفترض عليه ~~القعدة والقعدة لا تفترض عقيب الركعتين، وكذا لو كان ما أدرك مع الإمام آخر ~~صلاته كان ما قعد مع الإمام في محله فيكون فرضا له كما للإمام فلا يفترض ~~ثانيا فيما يقضي كما لا يأتي بالقنوت عندكم ثانيا لحصول ما أدرك مع الإمام ~~في محله، ولا يلزمنا إذا سبق بركعتين من المغرب حيث يقضيهما مع قراءة ~~الفاتحة والسورة جميعا ولو كان ما يقضي آخر صلاته حقيقة وحكما لكان لا تجب ~~عليه القراءة في الثانية من الركعتين اللتين يقضيهما؛ لأنها ثالثة ولا تجب ~~القراءة في الثالثة؛ لأنا نقول: إن الإمام وإن كان لم يقرأ في الثالثة فلا ~~بد للمسبوق من القراءة ms0565 فيها قضاء عن الأولى، كما في حق الإمام إذا لم يقرأ ~~في الأولى يقضي في الثالثة وإن كان قرأ فقراءته التي وجدت في ثالثته ليست ~~بفريضة وقراءة الإمام إنما تنوب عن قراءة المقتدي التي هي فرض على المقتدي ~~إذا كانت فرضا في حق الإمام والقراءة في الثالثة ليست بفرض في حق الإمام ~~فلا تنوب عن المقتدي فيجب عليه القراءة في الثالثة لهذا لا لأنها أول ~~صلاته. # وجه قول محمد أن المؤدى مع الإمام أول الصلاة حقيقة وما يقضى آخرها حقيقة ~~وكل حقيقة يجب تقريرها إلا إذا قام الدليل على التغيير، وما أدرك في حق ~~الإمام آخر صلاته فتصير آخر صلاة المقتدي بحكم التبعية إلا أن التبعية تظهر ~~في حق ما يتحمل الإمام عن المقتدي لا في حق ما لا يتحمل فلا يظهر فيه حكم ~~التبعية فانعدم الدليل المعتبر فبقيت الحقيقة على وجوب اعتبارها وتقريرها. # وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف ما روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» والقضاء اسم لما يؤدى ~~من الفائت والفائت أول الصلاة فكان ما يؤديه المسبوق قضاء لما فاته وهو أول ~~الصلاة، والمعنى في المسألة أن المدرك لما كان آخر صلاة الإمام يجب أن يكون ~~آخر صلاة المقتدي إذ لو كان أول صلاته لفات الاتفاق بين الفرضين وإنه مانع ~~صحة الاقتداء؛ لأن المقتدي تابع للإمام فيقضي الاتفاق أن يكون للتابع ما ~~للمتبوع وإلا فاتت التبعية، والدليل على انعدام الاتفاق بين أول الصلاة ~~وآخرها أنهما يختلفان في حكم القراءة فإن القراءة لا توجد في الأوليين # PageV01P248 # إلا فرضا وتوجد في الأخريين غير فرض وكذا تجب في الأوليين قراءة الفاتحة ~~والسورة لا تجب في الأخريين، وكذا الشفع الأول مشروع على الأصالة والشفع ~~الثاني مشروع زيادة على الأول فإن الصلاة فرضت في الأصل ركعتين فأقرت في ~~السفر وزيدت في الحضر على ما روي في الخبر فينبغي أن لا يصح الاقتداء ومع ~~هذا صح فدل على ثبوت الموافقة وذلك في ms0566 حق الإمام آخر الصلاة فكذا في حق ~~المقتدي ولا حجة لهم في الحديث؛ لأن تمام الشيء لا يكون بآخره لا محالة فإن ~~حد التمام ما إذا حررناه لم يحتج معه إلى غيره وذا لا يختص بأول ولا بآخر ~~فإن من كتب آخر الكتاب أولا ثم كتب أوله يصير متمما بالأول لا بالآخر وكذا ~~قراءة الكتاب بأن قرأ أولا نصفه الأخير ثم الأول. # وأما وجوب القعدة بعد قضاء الأوليين من الركعتين اللتين سبق بهما فنقول ~~القياس أن يقضي الركعتين ثم يقعد إلا أنا استحسنا وتركنا القياس بالأثر وهو ~~ما روي أن جندبا ومسروقا ابتليا بهذا فصلى جندب ركعتين ثم قعد وصلى مسروق ~~ركعة ثم قعد ثم صلى ركعة أخرى فسألا ابن مسعود عن ذلك فقال كلاكما أصاب ولو ~~كنت أنا لصنعت كما صنع مسروق، وإنما حكم بتصويبهما لما أن ذلك من باب الحسن ~~والأحسن كما في قوله تعالى في قصة داود وسليمان - عليهما الصلاة والسلام - ~~{ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: 79] فلا يؤدي إلى ~~تصويب كل مجتهد ويحمل على التصويب في نفس الاجتهاد لا فيما أدى إليه ~~اجتهاده على ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: كل مجتهد مصيب والحق عند الله ~~واحد والأول أصح ثم العذر عنه أن المدرك مع الإمام أول صلاته حقيقة وفعلا ~~لكنا جعلنا آخر صلاته حكما للتبعية وبعد انقطاع تحريمة الإمام زالت التبعية ~~فصارت الحقيقة معتبرة فكانت هذه الركعة ثانية هذا المسبوق، والقعدة بعد ~~الركعة الثانية في المغرب واجبة إن لم تكن فرضا فينبغي أن يقعد وكذا القعدة ~~بعد قضاء الركعتين افترضت؛ لأنها من حيث الحقيقة وجدت عقيب الركعة الأخيرة ~~وصارت الحقيقة واجبة الاعتبار، وقولهم إنها وقعت في محلها فلا يؤتى بها ~~ثانيا قلنا هي وإن وقعت في آخر الصلاة في حق المقتدي كما وقعت في حق الإمام ~~غير أنها ما وقعت فرضا في حق المسبوق؛ لأن فرضيتها ما كانت لوقوعها في آخر ~~الصلاة بل لحصول التحلل بها حتى أن المتطوع إذا قام إلى الثالثة ms0567 انقلبت ~~قعدته واجبة عندنا ولم تبق فرضا لانعدام التحلل فكذا هذه القعدة عندنا جعلت ~~فعلا في حق المسبوق وبعد الفراغ مما سبق جاء أوان التحلل فافترضت القعدة. # وأما حكم القراءة في هذه المسألة فنقول: إذا أدرك مع الإمام ركعة من ~~المغرب ثم قام إلى القضاء يقضي ركعتين ويقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب ~~وسورة. # ولو ترك القراءة في إحداهما فسدت صلاته، أما عندهما فلأنه يقضي أول ~~صلاته، وكذا عند محمد في حق القراءة، والقراءة في الأوليين فرض فتركها يوجب ~~فساد الصلاة وأما على قول المخالفين فلعلة أخرى على ما ذكرنا، وكذا إذا ~~أدرك مع الإمام ركعتين منها قضى ركعة بقراءة ولو أدرك مع الإمام ركعة في ~~ذوات الأربع فقام إلى القضاء قضى ركعة يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وسورة ~~ويتشهد ثم يقوم فيقضي ركعة أخرى يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وسورة. # ولو ترك القراءة في إحداهما تفسد صلاته لما قلنا وفي الثالثة هو بالخيار، ~~والقراءة أفضل لما عرف، ولو أدرك ركعتين منها قضى ركعتين يقرأ فيهما بفاتحة ~~الكتاب وسورة، ولو ترك القراءة في إحداهما فسدت صلاته لما ذكرنا ويستوي ~~الجواب بين ما إذا قرأ إمامه في الأوليين وبين ما إذا ترك القراءة فيهما، ~~وقرأ في الأخريين قضاء عن الأوليين وأدركه المسبوق فيهما لما ذكرنا فيما ~~تقدم أن قراءة الإمام في الأخريين تلتحق بالأوليين فتخلو الأخريان عن ~~القراءة فكأنه لم يقرأ فيهما. # وأما إذا فات شيء عن محله ثم تذكره في آخر الصلاة بأن ترك شيئا من سجدات ~~صلاته ساهيا ثم تذكره بعد ما قعد قدر التشهد قضاه سواء كان المتروك سجدة ~~واحدة أو أكثر وسواء علم أنه من أية ركعة تركه أو لم يعلم لكن الكلام في ~~كيفية القضاء وما يتعلق به وهي المسائل المعروفة بالسجدات. ### | [فصل الكلام في مسائل السجدات يدور على أصول] # (فصل) : # والكلام في مسائل السجدات يدور على أصول، منها أن السجدة الأخيرة إذا ~~فاتت عن محلها وقضيت التحقت بمحلها على ما هو الأصل في القضاء ومنها أن ~~الصلاة ms0568 إذا ترددت بين الجواز والفساد فالحكم بالفساد أولى وإن كان للجواز ~~وجوه وللفساد وجه واحد؛ لأن الوجوب كان ثابتا بيقين فلا يسقط بالشك ولأن ~~الاحتياط فيما # PageV01P249 # قلنا؛ لأن إعادة ما ليس عليه أولى من ترك ما عليه. # ومنها أن السجدة المؤداة في وقتها لا تحتاج إلى النية والتي صارت بمحل ~~القضاء لا بد لها من النية؛ لأنها إذا أديت في محلها تناولتها نية أصل ~~الصلاة فإنها جعلت متناولة كل فعل في محله المتعين له شرعا، فأما ما وجد في ~~غير محله فلم تتناوله النية الحاصلة لأصل الصلاة. # ومنها أن الفعل متى دار بين السنة والبدعة كان ترك البدعة واجبا وتحصيل ~~الواجب أولى من تحصيل السنة ومتى دار بين البدعة والفريضة كان التحصيل ~~أولى؛ لأن ترك البدعة واجب والفرض أهم من الواجب ولأن ترك الفرض يفسد ~~الصلاة وتحصيل البدعة لا يفسدها فكان تحصيل الفرض أولى. # ومنها أن المتروك متى دار بين سجدة وركعة يأتي بالسجدة ثم يتشهد ثم يأتي ~~بالركعة ثم يتشهد ثم يسلم ويأتي بسجدتي السهو وإنما يبدأ بالسجدة؛ لأن ~~المتروك إن كان سجدة فقد تمت صلاته فيتشهد وإن كان المتروك ركعة لا يضره ~~تحصيل زيادة السجدة وإنما لا يبدأ بالركعة؛ لأن المتروك لو كان هو الركعة ~~جازت صلاته. # ولو كان هو السجدة فإذا أتى بالركعة فقد زاد ركعة كاملة في خلال صلاته ~~قبل تمام الصلاة فانعقدت الركعة تطوعا فصار منتقلا من الفرض إلى النفل قبل ~~تمام الفرض فيفسد فرضه وإذا سجد قعد؛ لأن المتروك لو كان سجدة تمت صلاته ~~وافترضت القعدة ولو صلى ركعة قبل التشهد تفسد صلاته؛ لأنه يصير منتقلا من ~~الفرض إلى النفل قبل تمام الفرض. # ولو كان المتروك هو الركعة لا يضره تحصيل السجدة والقعدة وقد دارت بين ~~الفرض والبدعة فكان التحصيل أولى ومنها أن زيادة ما دون الركعة قبل إكمال ~~الفريضة لا يوجب فساد الفريضة بأن زاد ركوعا أو سجودا أو قياما أو قعودا ~~إلا على رواية عن محمد أن زيادة السجدة الواحدة مفسدة فزيادة ms0569 الركعة ~~الكاملة قبل إكمال الفريضة يفسدها وذلك بأن يقيد الركعة بالسجدة لما مر من ~~الفقه. # ومنها أن الترتيب في أفعال الصلاة الواحدة لا يكون ركنا وتركه لا يفسد ~~الصلاة عمدا كان أو سهوا عند أصحابنا الثلاثة لما ذكرنا فيما تقدم. # ومنها أن القعدة الأولى في ذوات الأربع أو الثلاث من المكتوبات ليست ~~بفريضة والقعدة الأخيرة فريضة لما مر أيضا. # ومنها أن سلام السهو لا يفسد الصلاة وأن سجدتي السهو تجب بتأخير ركن عن ~~محله وتؤدى بعد السلام عندنا وقد مر هذا أيضا. # ومنها أن ينظر في تخريج المسائل إلى المؤديات من السجدات وإلى المتروكات ~~فتخرج على الأقل؛ لأنه أسهل وعند استوائهما يخير لاستواء الأمرين والله ~~أعلم. # وإذا عرفت الأصول فنقول وبالله التوفيق: إذا ترك سجدة من هذه الصلوات ~~فالمتروك منه إما أن كان صلاة الفجر وإما أن كان صلاة الظهر والعصر والعشاء ~~وإما أن كان صلاة المغرب، والمصلي لا يخلو إما أن يكون زاد على ركعات هذه ~~الصلوات أو لم يزد فإن كان المتروك منه صلاة الغداة ولم يزد على ركعتيها ~~فترك منها سجدة ثم تذكرها قبل أن يسلم أو بعدما سلم قبل أن يتكلم سجدها ~~سواء علم أنه تركها من الركعة الأولى أو من الثانية أو لم يعلم؛ لأنها فاتت ~~عن محلها ولم تفسد الصلاة بفواتها فلا بد من قضائها؛ لأنها ركن ولو لم يقض ~~حتى خرج عن الصلاة فسدت صلاته كالقراءة في الأوليين إذا فاتت عنهما تقضى في ~~الأخريين؛ لأنها ركن ولو لم تقض حتى خرج عن الصلاة فسدت صلاته فلا بد من ~~القضاء، وإن فاتت عن محلها الأصلي لوجود المحل لقيام التحريمة كذا هذا، ~~وينوي القضاء عند تحصيل هذه السجدة؛ لأنها إن كانت من الركعة الأولى تحتاج ~~إلى النية لدخولها تحت القضاء وإن كانت من الركعة الثانية لا تحتاج؛ لأن ~~نية أصل الصلاة تناولته فعند الاشتباه يأتي بالنية احتياطا وقيل ينوي ما ~~عليه من السجدة في هذه الصلاة وكذلك كل سجدة متروكة يسجدها في هذا الكتاب ~~ويتشهد ms0570 عقيب السجدة؛ لأن العود إلى السجدة الصلبية يرفع التشهد؛ لأنه تبين ~~أنه وقع في غير محله فلا بد من التشهد. # ولو تركه لا تجوز صلاته؛ لأن القعدة الأخيرة فرض فيتشهد ويسلم ثم يسجد ~~للسهو ثم يتشهد ثم يسلم لما مر وإن ترك منها سجدتين فإن علم أنه تركهما من ~~ركعتين أو من الركعة الثانية فإنه يسجدهما ويتشهد ويسلم ثم يسجد للسهو ~~ويتشهد ويسلم لأنه إذا تركهما من ركعتين فقد تقيد كل ركعة بسجدة وتوقف ~~تمامها على سجدة فيسجد سجدتين على وجه القضاء فيتم صلاته وإذا تركهما من ~~الركعة الثانية فيتمها بسجدتين على وجه الأداء لوجودهما في محلهما وإن علم ~~أنه تركهما من الركعة الأولى صلى ركعة # PageV01P250 # واحدة؛ لأنه لما ركع ولم يسجد حتى رفع رأسه وقرأ وركع وسجد سجدتين صار ~~مصليا ركعة واحدة لأن الركوع وقع مكررا فلا بد وأن يلغو أحدهما؛ لأن ما وجد ~~من السجدتين عقيب الركعة الثانية يلتحقان بأحد الركوعين لكنهما يلتحقان ~~بالأول أو بالآخر ينظر في ذلك إن كان الركوع قبل القراءة يلتحقان بالركوع ~~الثاني ويلغو الأول؛ لأنه وقع قبل أوانه إذ أوانه بعد القراءة ولم توجد فلا ~~يعتد به والركوع الثاني وقع في أوانه فكان معتبرا حتى أن من أدرك الركوع ~~الثاني كان مدركا للركعة كلها. # ولو أدرك الأول لا يكون مدركا للركعة وإن كان الركوع الأول بعد القراءة، ~~والثاني كذلك فكذلك الجواب في رواية باب السهو، وفي رواية باب الحدث ~~المعتبر هو الأول، ويضم السجدتان للسهو ويلغو الثاني، ومن أدرك الركوع ~~الثاني دون الأول لم يكن مدركا لتلك الركعة وإن لم يعلم سجد سجدتين ثم صلى ~~ركعة كاملة؛ لأنه إن كان ترك إحدى السجدتين من الأولى والأخرى من الثانية ~~فإن صلاته تتم بسجدتين؛ لأن كل ركعة تقيدت بالسجدة فيلتحق بكل ركعة سجدة ~~فتتم صلاته وتكون السجدتان على وجه القضاء لفواتهما عن محلهما وإن كان ~~تركهما من الركعة الأخيرة فليس عليه إلا السجدتان أيضا؛ لأنه إذا سجد ~~سجدتين فقد حصلت السجدتان على وجه الأداء لحصولهما ms0571 بعدهما عقيب هذه الركعة ~~فيحكم بجواز الصلاة ولا ركعة عليه في هذين الوجهين، وإن كان تركهما من ~~الركعة الأولى صلى ركعة ثم ما وجد من السجدتين عقيب الركعة الثانية يلتحقان ~~بالركوع الأول إن كان الركوع بعد القراءة على رواية باب الحدث وحصل القيام ~~والركوع مكررا فلم يكن بهما عبرة فتحصل له ركعة واحدة فالواجب عليه قضاء ~~ركعة وعلى رواية باب السهو تنصرف السجدتان إلى الركوع الثاني لقربهما منه ~~فعلا على ما مر ويرتفض الركوع الأول والقيام قبله ويلغوان، فعلى الروايتين ~~جميعا في هذه الحالة تلزمه ركعة ففي حالتين يجب سجدتان وفي حالة ركعة فيجمع ~~بين الكل ويبدأ بالسجدتين لا محالة؛ لأن المتروك إن كان سجدتين تتم صلاته ~~بهما وبالتشهد بعدهما فالركعة بعد تمام الفرض لا تضر، وإن كان المتروك ركعة ~~فزيادة السجدتين وقعدة لا تضر أيضا. # ولو بدأ بالركعة قبل السجدتين تفسد صلاته؛ لأن المتروك إن كان ركعة فقد ~~تمت صلاته بهما وإن كان سجدتان فزيادة الركعة قبل إكمال الفرض تفسد الصلاة ~~لما مر ويقعد بين السجدتين لما ذكرنا أن ذلك آخر صلاته على بعض الوجوه ~~وينبغي أن ينوي بالسجدتين القضاء. # وإن كان ذلك مترددا أخذ بالاحتياط. # ولو ترك ثلاث سجدات فإن وقع تحريه على شيء يعمل به وإن لم يقع تحريه على ~~شيء يسجد سجدة ويصلي ركعة؛ لأن المؤدى أقل فيعتبر ذلك فنقول لا يتقيد بسجدة ~~واحدة إلا ركعة واحدة فعليه سجدة واحدة تكميلا لتلك الركعة ولا يتشهد ههنا؛ ~~لأن بتحصيل ركعة لا يتوهم تمام الصلاة ليتشهد بل عليه أن يصلي ركعة أخرى ثم ~~يتشهد ويسلم ويسجد للسهو إلا أنه ينبغي أن ينوي بالسجدة قضاء المتروكة ~~لجواز أنه إنما أتى بسجدة بعد الركوع الأول فإذا لم ينو بهذه السجدة القضاء ~~تتقيد بها الركعة الثانية فإذا قام بعدها وصلى ركعة كان متنفلا بها قبل ~~إكمال الفريضة فتفسد صلاته وإذا نوى بها القضاء التحقت بمحلها وانتقض ~~الركوع المؤدى بعدها؛ لأن ما دون الركعة يحتمل النقض فلهذا ينوي بها ~~القضاء، ولم يذكر ms0572 محمد - رحمه الله - أنه لو ترك أربع سجدات ماذا يفعل، ~~وقيل إنه يسجد سجدتين ثم يقوم فيصلي ركعة من غير تشهد بين السجدتين ~~والركعة؛ لأنه في الحقيقة قام وركع مرتين فيسجد سجدتين ليلتحق بأحد ~~الركوعين على اختلاف الروايتين ويلغو الركوع الآخر وقيامه ويحصل له ركعة، ~~وبعد ذلك إن صلى ركعة تمت صلاته والله تعالى أعلم. # وإن ترك من الظهر أو من العصر أو من العشاء سجدة فيسجد سجدة ويتشهد على ~~ما ذكرنا في الفجر. # ولو ترك سجدتين يسجد سجدتين ويصلي ركعة وعليه سجدتا السهو؛ لأنه إن ~~تركهما من ركعتين أيتهما كانتا فعليه سجدتان، وكذا لو تركهما من الركعة ~~الأخيرة ولو تركهما من إحدى الثلاث الأول فعليه ركعة؛ لأن قياما وركوعا ~~ارتفضا على اختلاف الروايتين فإذا كان يجب في حال ركعة وفي حال سجدتان يجمع ~~بين الكل احتياطا، وإذا سجد سجدتين يقعد لجواز أنه آخر صلاته والقعدة ~~الأخيرة فرض وينوي بالسجدتين ما عليه لجواز أن تركهما من ثنتين قبل الأخيرة ~~أو من ركعة قبلها ويبدأ بالسجدتين احتياطا لما بينا. # ولو ترك ثلاث سجدات يسجد ثلاث سجدات # PageV01P251 # ويصلي ركعة؛ لأن من الجائز أنه ترك ثلاث سجدات من الثلاث الأول فيقيد كل ~~ركعة بسجدة فعليه ثلاث سجدات، ومن الجائز أنه ترك سجدة من إحدى الثلاث ~~الأول وسجدتين من الرابعة فيتم الرابعة بسجدتين ويلتحق سجدة بمحلها ومن ~~الجائز أنه ترك سجدتين من ركعة من الثلاث الأول وسجدة من ركعة فيلغو قيام ~~وركوع على اختلاف الروايتين فعليه سجدة لتنضم إلى تلك الركعة التي سجد فيها ~~سجدة وركعة فعليه ثلاث سجدات في حالتين وركعة في حال فيجمع بين الكل ويقدم ~~السجدات على الركعة لما بينا وينوي بالسجدات الثلاث ما عليه لما مر ويجلس ~~بين السجدات والركعة لما مر فإن ترك أربع سجدات يسجد أربع سجدات ويصلي ~~ركعتين؛ لأنه لو ترك أربع سجدات من أربع ركعات فعليه أربع سجدات. # ولو ترك سجدتين من ركعتين من الثلاث الأول وسجدتين من الرابعة فعليه أربع ~~سجدات. # ولو ترك الأربع كلها ms0573 من الركعتين من الثلاث الأول وسجد سجدتين في ركعة ~~منها وسجدتين في الرابعة فقد لغا قيامان وركوعان فكان الواجب عليه ركعتان، ~~ولو ترك سجدتين من ركعة من إحدى الثلاث الأول وسجدتين من ركعتين من الثلاث ~~فعليه ركعة وسجدتان فيجمع بين الكل احتياطا فيسجد أربع سجدات ويصلي ركعتين ~~ويقدم السجدات على الركعتين؛ لأن تقديمها لا يضر، وتقديم الركعتين يفسد ~~الفرض على بعض الوجوه لما بينا، والصلاة إذا فسدت من وجه يحكم بفسادها ~~احتياطا لما مر وينوي في ثلاث سجدات ما عليه؛ لأن ثنتين فيها قضاء لا محالة ~~والرابعة ليست بقضاء لا محالة؛ لأنها إما أن كانت زائدة أو من الرابعة فلا ~~ينوي فيها والثالثة محتملة يحتمل أنها من الرابعة ويحتمل أنها من إحدى ~~الثلاث الأول فينوي احتياطا وإذا سجد أربع سجدات يتشهد لاحتمال أن ذلك آخر ~~صلاته والقعدة الأخيرة فريضة، ثم يقوم فيصلي ركعة ثم يتشهد؛ لأن من الجائز ~~أن عليه ركعة وسجدتين فيكون ما بعد الركعة آخر صلاته فلا بد من القعدة ~~فيقعد، ثم يقوم ويصلي ركعة أخرى ويقعد ويسلم، ثم يسجد سجدتي السهو ويقعد ~~ويسلم، وإن ترك خمس سجدات يسجد ثلاث سجدات ويصلي ركعتين، وههنا يعتبر ~~المؤدى؛ لأنه أقل فهذا رجل سجد ثلاث سجدات فإن سجدها في ثلاث ركعات تقيدت ~~ثلاث ركعات فعليه ثلاث سجدات وركعة. # ولو سجد سجدتين في ركعة وسجدة في ركعة فعليه سجدة وركعتان ففي حال عليه ~~ثلاث سجدات وركعة وفي حال ركعتان وسجدة فيجمع بين الكل احتياطا فيسجد ثلاث ~~سجدات ويصلي ركعتين ويقدم السجدات على الركعتين لما بينا، وإذا سجد ثلاث ~~سجدات فهل يقعد قبل أن يصلي الركعتين؟ عند عامة المشايخ لا يقعد؛ لأنه لو ~~كان سجد ثلاث سجدات في ثلاث ركعات فإذا سجد ثلاث سجدات فقد التحقت بكل ركعة ~~سجدة فتمت له الثلاث، والقعدة على رأس الثالثة بدعة. # ولو كان سجد سجدتين في ركعة وسجدة في ركعة فإذا سجد ثلاث سجدات فقد تمت ~~له ركعتان وسجدتان إلا أن السجدتين لغتا، والقعدة على رأس الركعتين ms0574 عند بعض ~~مشايخنا سنة فدارت القعدة بين السنة والبدعة فكان ترك البدعة أولى، وعند ~~بعض مشايخنا وإن كانت واجبة لكن ترك البدعة فرض وهو أهم من الواجب فكان ترك ~~البدعة أولى، وعند بعض مشايخنا أنه يقعد بعد السجدات الثلاث؛ لأن القعدة ~~لما دارت بين الواجب وترك البدعة كان تحصيل الواجب مستحبا فقالوا: يقعد ~~ههنا قعدة مستحبة لا مستحقة؛ لأن الواجب ملحق بالفرض في حق العمل ثم بعد ~~ذلك يصلي ركعة ويقعد؛ لأن هذه رابعته من وجه بأن كان أدى السجدات الثلاث في ~~ثلاث ركعات فإذا سجد ثلاث سجدات تمت له ثلاث ركعات وإذا صلى ركعة فهذه ~~رابعته، والقعدة بعدها فرض وهي ثالثته من وجه بأن أدى السجدتين من ركعة ~~وسجدة من ركعة، فإذا سجد ثلاث سجدات التحقت سجدة بالركعة التي سجد فيها ~~سجدة وتمت له ركعتان فكانت هذه ثالثته، والقعدة بعدها بدعة فدارت بين الفرض ~~والبدعة فيغلب الفرض؛ لأن ترك البدعة وإن كان فرضا واستويا من هذا الوجه ~~لكن ترجحت جهة الفرض لما في ترك الفرض من ضرر وجوب القضاء، ثم بعد التشهد ~~يقوم فيصلي ركعة أخرى، ثم يتشهد ويسلم ويسجد سجدتي السهو، ثم يتشهد، ثم ~~يسلم. # ولو ترك ست سجدات يسجد سجدتين ويصلي ثلاث ركعات؛ لأنه ما سجد إلا سجدتين ~~فإن سجدهما في ركعة فعليه ثلاث ركعات وإن سجدهما في ركعتين # PageV01P252 # فعليه سجدتان لتتم الركعتان وركعتان أخراوان، فيجمع بين الكل احتياطا ~~ويقدم السجدتين؛ لما قلنا، وبعد السجدتين هل يسجد أم لا؟ على ما ذكرنا من ~~اختلاف المشايخ؛ لأن القعدة دائرة بين أنها بعد ركعة أم بعد ركعتين؛ لأنه ~~إن كان سجد السجدتين في ركعة كانت القعدة بعد ركعة، وإن كان سجدهما في ~~ركعتين كانت القعدة بين الركعتين وبعد ركعة بدعة، وبعدهما عند بعضهم سنة ~~وعند بعضهم واجبة، وكذا هذا الاختلاف فيما إذا صلى بعد السجدتين ركعة واحدة ~~لكون الركعة دائرة بين كونها ثانية وبين كونها ثالثة؛ لأنه إن كان سجد ~~السجدتين في ركعة كانت هذه الركعة ثانية، وإن كان ms0575 سجدهما في ركعتين كانت ~~هذه الركعة ثالثة، وإذا صلى ركعة أخرى يجلس بالاتفاق لكونها دائرة بين ~~كونها رابعة وبين كونها ثالثة فافهم. # ولو ترك سبع سجدات يسجد سجدة ويصلي ثلاث ركعات؛ لأنه ما سجد إلا سجدة ~~واحدة فلم تتقيد إلا ركعة فعليه سجدة لتتم هذه الركعة وثلاث ركعات لتتم ~~الأربع. # ولو ترك ثمان سجدات يسجد سجدتين ويصلي ثلاث ركعات؛ لأنه أتى بأربع ركعات ~~فإذا أتى بسجدتين يلتحقان بركوع واحد ويرتفض الباقي على اختلاف الروايتين ~~فيصير مصليا ركعة فيكون عليه ثلاث ركعات لتتم الأربع. # ولو ترك من المغرب سجدة سجدها لا غير لما مر وإن ترك سجدتين يسجد سجدتين ~~ويصلي ركعة لما بينا ويقعد بعد السجدتين لجواز أن فرضه تم بأن تركها من ~~ركعتين والركعة تكون تطوعا فلا بد من القعود، وإن ترك ثلاث سجدات يسجد ثلاث ~~سجدات ويصلي ركعة؛ لأنه إن ترك ثلاث سجدات من ثلاث ركعات فإذا سجدها فقد ~~تمت صلاته فيتشهد، وإن ترك سجدة من إحدى الأوليين وسجدتين من الثالثة فعليه ~~ثلاث سجدات، وإن ترك سجدتين من إحدى الأوليين فعليه سجدة وركعة فيجمع بين ~~الكل. # ولو ترك أربع سجدات يسجد سجدتين ويصلي ركعتين والعبرة في هذا للمؤداة؛ ~~لأنها أقل فهذا رجل سجد سجدتين فإن سجدهما في ركعة فقد صلى ركعة فيصلي ~~ركعتين أخراوين، وإن سجدهما في ركعتين فقد تقيد بكل سجدة ركعة فعليه سجدتان ~~ليتما ثم يصلي ركعة، ففي حال عليه ركعتان وفي حال سجدتان وركعة فيجمع بين ~~الكل احتياطا ويسجد سجدتين ويصلي ركعتين. # وبعد السجدتين الجلسة مختلف فيها وأكثرهم على أنه لا يقعد على ما مر وبين ~~الركعتين يجلس لا محالة لجواز أنها ثالثة، وإن ترك خمس سجدات يسجد سجدة ~~ويصلي ركعتين لكن ينبغي أن ينوي بهذه السجدة عن الركعة التي قيدها بالسجدة؛ ~~لأنه لو لم ينو وقد كان قيد الركعة الأولى بالسجدة لالتحقت هذه السجدة ~~بالركوع الثاني أو الثالث على اختلاف الروايتين فيتقيد له ركعتان يتوقفان ~~على سجدتين، فإذا صلى ركعتين قبل أدائها بين السجدتين اللتين ms0576 تتم بهما ~~الركعتان المقيدتان فسدت فرضية صلاته، فإذا نوى بهذه السجدة عن الركعة التي ~~تقيدت بتلك السجدة تمت به فبعد ذلك يصلي ركعتين ويقعد بين الركعتين؛ لأن ~~هذه ثانيته بيقين فلم يكن في القعدة شبهة البدعة. # ولو ترك ست سجدات يسجد سجدتين ويصلي ركعتين؛ لأنه أتى بثلاث ركعات فيسجد ~~سجدتين لتلتحقا بركوع منها على اختلاف الروايتين فتتم له ركعة، ثم يصلي ~~ركعة ويقعد لعدم شبهة البدعة ثم أخرى ويقعد فرضا هذا إذا كان لم يزد على ~~عدد ركعات صلاته فأما إذا زاد بأن صلى الغداة ثلاث ركعات فإن ترك منها سجدة ~~فسدت صلاته وكذلك إذا ترك سجدتين وثلاثا، وإن ترك أربعا لم تفسد. # والأصل في هذه المسائل أن الصلاة متى دارت بين الجواز والفساد نحكم ~~بفسادها احتياطا، وإن من انتقل من الفرض إلى النفل وقيد النفل بالسجدة قبل ~~إتمام الفرض بأن بقي عليه القعدة الأخيرة أو بقي عليه سجدة فسدت صلاته لما ~~مر أن من ضرورة دخوله في النفل خروجه عن الفرض وقد بقي عليه ركن فيفسد فرضه ~~كما لو اشتغل بعمل آخر قبل تمام الفرض، وأصل آخر أنه إذا زاد على ركعات ~~الفرض ركعة يضم الركعة الزائدة إلى الركعات الأصلية وينظر إلى عددها ثم ~~ينظر إلى سجدات عددها فتكون سجدات الفجر بالمزيد ستا؛ لأنها مع الركعة ~~الزائدة ثلاث ركعات ولكل ركعة سجدتان وسجدات الظهر بالمزيد عشرا وسجدات ~~المغرب بالمزيد ثمانيا، ثم ينظر إن كان المتروك أقل من النصف أو النصف يحكم ~~بفساد صلاته؛ لأن من الجائز أنه أتى في كل ركعة بسجدة فتتقيد ركعات الفرض ~~كلها، ثم انتقل منها إلى الركعة الزائدة # PageV01P253 # وهي تطوع قبل أداء تلك السجدات فتفسد صلاته، وإن كان المتروك أكثر من ~~النصف يعلم يقينا أن المفروض مع الزائد لم يتقيد الكل فإن الفجر مع الزائد ~~لم يتقيد بسجدتين بل لو تقيد تقيد ركعتان لا غير؛ لأن ثلاث ركعات لا يتصور ~~أن تتقيد بسجدتين فلم يوجد الانتقال إلى النفل بعد، وكذا خمس ركعات في ~~الظهر لا ms0577 يتصور أن تتقيد بأربع سجدات، ولا المغرب مع الزيادة بثلاث سجدات ~~فلا يتحقق الانتقال إلى النفل، ثم في كل موضع لم تفسد فتكون المؤديات أقل ~~لا محالة، فينظر إلى المؤديات في ذلك الفرض ثم يتمم الفرض على ما بينا وإذا ~~عرفت هذه الأصول فنقول: إذا صلى الغداة ثلاث ركعات وترك منها سجدة فسدت ~~صلاته؛ لأنه إن تركها من الأولى أو من الثانية فسدت؛ لأنه لما قيد الثالثة ~~بسجدة فقد انعقدت نفلا فصار خارجا من الفرض ضرورة دخوله في النفل فخرج من ~~الفرض وقد بقي عليه منه سجدة ففسد فرضه، كما لو صلى الفجر ركعتين وترك منها ~~سجدة فلم يسجدها حتى قام وذهب، وإن تركها من الثالثة لا تفسد فدارت بين ~~الجواز والفساد فنحكم بالفساد، فإن ترك سجدتين إن ترك سجدة من الأولى وسجدة ~~من الثانية فسدت صلاته لتقيد كل واحدة من ركعتي الفرض بسجدة، ثم دخل في ~~النفل قبل الفراغ من الفرض، وكذا إن ترك سجدة من إحدى الأوليين وسجدة من ~~الثالثة؛ لأن ترك سجدة من الأوليين يكفي لفساد الفرض لما قلنا، وإن تركهما ~~من الثالثة لا يفسد فرضه؛ لأنه قد صلى ركعتين كل ركعة بسجدتين، فإذا في ~~حالين تفسد وفي حال تجوز. # ولو كانت تجوز في حالين وتفسد في حال للزم الفساد فههنا أولى، وذكر محمد ~~في الأصل في هذه المسألة قولين، أما أحدهما فتفسد صلاته، والقول الآخر لا ~~تفسد صلاته وإن أراد بالقولين الوجهين اللذين يحتمل أحدهما الجواز والآخر ~~الفساد على ما بينا فنحكم بالفساد، ومن المشايخ من حقق القولين فقال في ~~قول: تفسد لما قلنا، وفي قول: لا تفسد؛ لأنه يحمل على أن السجدتين ~~المتروكتين من الثالثة تحريا للجواز، وهذا غير سديد؛ لأنه لو كان كذلك لوجب ~~أن يكون فيما إذا ترك سجدة واحدة قولان في قول لا تفسد؛ لأنه يحمل على أنه ~~تركها من الثالثة تحريا للجواز، وكذلك لو ترك ثلاث سجدات تفسد لما قلنا. # ولو ترك أربع سجدات لا تفسد؛ لأن المتروك أكثر من النصف ms0578 فهذا الرجل ما ~~سجد إلا سجدتين سواء سجدهما في ركعتين أو في ركعة واحدة فلم يصر بذلك خارجا ~~من الفرض إلى النفل؛ لأن الزائد على الركعتين أقل من ركعة فلم يصر منتقلا ~~إلى النفل بعد فلا يفسد فرضه وعليه أن يسجد سجدتين ويتشهد ولا يسلم ثم يقوم ~~ويصلي ركعة كاملة؛ لأنه قد أتى بسجدتين، فإن كان أتى بهما في ركعتين فعليه ~~سجدتان لا غير، وإن كان أتى بهما في ركعة واحدة فعليه ركعة كاملة فيجمع بين ~~الكل احتياطا ويسجد سجدتين أولا ويتشهد ثم يقوم ويصلي ركعة لما ذكرنا فيما ~~تقدم، وصار هذا كما لو صلى الغداة ركعتين وترك منها سجدتين وجوابه ما ذكرنا ~~كذا هذا وكذلك لو ترك خمس سجدات لا تفسد؛ لأن هذا الرجل ما صلى إلا ركعة ~~واحدة فيسجد سجدة أخرى لتتم الركعة ثم يصلي ركعة أخرى كما إذا صلى الغداة ~~ركعتين وترك منها ثلاث سجدات والجواب فيه ما ذكرنا فكذا هذا وكذلك لو ترك ~~ست سجدات؛ لأنه لم يسجد شيئا وإنما ركع ثلاث ركوعات فيأتي بسجدتين حتى يصير ~~له ركعة كاملة ثم يصلي ركعة أخرى، كما إذا صلى الفجر ركعتين وترك منها أربع ~~سجدات، وعلى هذا إذا صلى الظهر أو العصر أو العشاء خمسا وترك منها سجدة ثم ~~قام وذهب. # ولو ترك منها سجدتين فكذلك الجواب إن تركها من الأربع الأول، وكذلك إن ~~ترك ثلاثا أو أربعا أو خمسا لاحتمال أنه ترك من كل ركعة سجدة فترك ثلاثا من ~~ثلاث وأربعا من الأربع وخمسا من خمس وذلك جهة الفساد. # ولو ترك ست سجدات لا تفسد؛ لأن المتروك ههنا أكثر؛ لأنه ما سجد إلا أربع ~~سجدات فيسجد أربع سجدات أخر ثم يقوم ويصلي ركعتين ويكون كما إذا صلى أربع ~~ركعات وترك منها أربع سجدات، والجواب والمعنى فيه ما ذكرنا هنالك كذا ههنا ~~وكذلك إن ترك منها سبعا أو ثمانيا أو تسعا أو عشرا فالجواب فيه كالجواب ~~فيما إذا صلى أربعا وترك ثلاث سجدات أو سجدتين أو سجدة أو ms0579 لم يسجد رأسا لا ~~يختلف الجواب ولا المعنى وقد مر ذلك كله وكذلك لو صلى المغرب أربع ركعات ~~وترك منها سجدة أو سجدتين أو ثلاثا أو أربعا فسدت صلاته لما ذكرنا في الظهر ~~والعصر والعشاء إذا صلاها خمسا وترك منها خمس سجدات أو أقل، وإن ترك منها # PageV01P254 # خمس سجدات أو ستا أو سبعا لا تفسد وينظر إلى المؤدى ويكون حكمه حكم ما ~~إذا صلى المغرب ثلاثا وترك منها ثلاث سجدات أو أربعا أو خمسا وهناك ينظر ~~إلى المؤدى من السجدات فيضم إلى كل سجدة أداها سجدة ثم يتم صلاته على نحو ~~ما ذكرنا هناك وكذا ههنا. # ولو كبر رجل خلف الإمام ثم نام فصلى إمامه أربع ركعات وترك من كل ركعة ~~سجدة ثم أحدث فقدم النائم بعد ما انتبه فإنه يشير إليهم حتى لا يتبعوه ~~فيصلي ركعة وسجدة، ثم يسجد فيتبعه القوم في السجدة الثانية، وكذا يصلي ~~الثانية والثالثة والرابعة والإمام مسيء بتقديمه النائم ينبغي له أن يقدم ~~من أدرك أول صلاته، وكذا لو لم ينم ولكنه أحدث فتوضأ ثم جاء فقدمه فهذا ~~حكمه مسافرا كان أو مقيما لا ينبغي للإمام أن يقدمه ولا له أن يتقدم؛ لأنه ~~لا يقدر على إتمام الصلاة على الوجه؛ لأنه إن اشتغل بقضاء السجدات كما وجب ~~على الإمام الأول لصار مرتكبا أمرا مكروها؛ لأنه مدرك والمدرك يأتي بالأول ~~فالأول وإن ابتدأ الأول فالأول فقد ألجأ القوم إلى زيادة مكث في الصلاة ~~فإنه يحتاج إلى أن يشير لئلا يتبعوه في كل ركعة مع سجدة، فإذا سجد السجدة ~~الثانية يتابعونه؛ لأنهم صلوا الركعات فليس لهم أن يصلوا ثانيا فلما كان ~~تقدمه يؤدي إلى أحد أمرين مكروهين لا ينبغي للإمام أن يقدمه ولا أن يتقدم ~~هو. # ولو تقدم مع هذا واشتغل بالمتروكات أولا وتابعه القوم جاز لكونه خليفة ~~الإمام الأول، ثم وإن كانت هذه السجدات لا تحتسب من صلاته لا يصير اقتداء ~~المفترض بالمتنفل؛ لأن هذا لا يعد منه نفلا بل هو في أداء هذه الأفعال قائم ms0580 ~~مقام الأول وجعل كأنه يؤدي الفرض نظير ما ذكرنا فيما تقدم أن إماما لو رفع ~~رأسه من الركوع فسبقه الحدث فقدم رجلا جاء ساعتئذ فتقدم أنه يتم صلاة ~~الإمام فيسجد سجدتين ثم يقوم إلى الركعة الثانية، وإن كانت السجدتان غير ~~محسوبتين في حقه فإن الواجب عليه أن يقضي الركعة التي سبق بها بسجدتيها ومع ~~ذلك جازت إمامته؛ لأن السجدتين فرضان على الإمام الأول وهو قائم مقامه ولو ~~بدأ بالأول فالأول يصلي ركعة ويشير إلى القوم لئلا يتبعوه؛ لأنهم صلوا هذه ~~الركعة بسجدة فإذا سجد السجدة الثانية تابعه القوم؛ لأنهم لم يسجدوا هذه ~~السجدة هكذا في الركعات كلها. # وإذا فعل هكذا جازت صلاته وصلاة القوم عند بعض مشايخنا، وعند بعضهم تفسد ~~صلاة الكل، وإنما وقع الاختلاف بينهم؛ لأن محمدا قال في الكتاب بعد ما حكى ~~جواب أبي حنيفة أنه يصلي الأول فالأول والقوم لا يتابعونه في كل ركعة فإذا ~~انتهى إلى السجدة تابعوه، حكى محمد - رضي الله عنه - هذا ثم قال: قلت أما ~~تفسد عليه؟ قال: فلماذا؟ قلت: إن الإمام مرة يصير إماما للقوم وغير إمام ~~مرة وهذا قبيح ولو كان هذا ركعة استحسنت في ركعة ذكر محمد سؤاله هذا ولم ~~يذكر جواب أبي حنيفة، فمن مشايخنا من جعل حكاية هذا السؤال مع ترك الجواب ~~إخبارا عن الرجوع، وقال: تفسد صلاته واعتمد على ما احتج به محمد وتقريره أن ~~الاستخلاف ينبغي أن لا يجوز؛ لأن المؤتم يصير إماما وبين كونه مؤتما تابعا ~~وبين كونه إماما متبوعا منافاة، والصلاة في نفسها لا تتجزأ حكما، فمن كان ~~في بعض تابعا لا يجوز أن يصير متبوعا في شيء منها؛ لأن صيرورته تابعا في ~~شيء بمنزلة صيرورته تابعا في الكل لضرورة عدم التجزيء، وكذا صيرورته متبوعا ~~في بعض يصير بمنزلة صيرورته متبوعا في الكل لعدم التجزيء، فإذا كان في ~~بعضها حسا تابعا وفي بعضها متبوعا كأنه في الكل تابع وفي الكل متبوع حكما؛ ~~لعدم التجزيء حكما، وذا لا يجوز إلا أنا جوزنا الاستخلاف بالنص فيتقدر ms0581 ~~الجواز بقدر ما ورد فيه النص، والنص ما ورد فيما يصير إماما مرارا ثم يصير ~~مؤتما وهذا في كل ركعة يؤديها مؤتما، فإذا انتهى إلى السجدة المتروكة من كل ~~ركعة يصير إماما فبقي على أصل ما يقتضيه الدلائل. # وقول محمد: استحسنت هذا في ركعة واحدة، أراد بذلك أن الإمام لو ترك سجدة ~~لا غير من ركعة فاستخلف هذا النائم وابتدأ الأول فالأول والقوم يتربصون ~~بلوغه تلك السجدة فإذا سجدها سجدوا معه ثم بعده يصير مؤتما ففي هذا القياس ~~أن تفسد؛ لأنه يصير إماما مرة ومؤتما مرتين إلا أنا استحسنا وقلنا إنه ~~يجوز؛ لأن مثل هذا في الجملة جائز فإن الإمام إذا سبقه الحدث فقدم مسبوقا ~~يجوز وقبل الاستخلاف كان مؤتما وبعد الاستخلاف إلى تمام صلاة الإمام كان ~~إماما ثم إذا تأخر وقدم غيره حتى سلم وقام المسبوق إلى قضاء ما سبق عاد ~~مؤتما من وجه بدليل أنه لو اقتدى به غيره لم يجز، أما في مسألتنا فيصير ~~مؤتما وإماما مرارا إلا أن أكثر مشايخنا جوزوا وقالوا: لا تفسد صلاته ولا ~~يجعل هذا رجوعا من # PageV01P255 # أبي حنيفة مع عدم النص على الرجوع ويحتمل أنه أجاب أبو حنيفة ومحمد لم ~~يذكر الجواب ووجه ذلك أن جواز الاستخلاف إن ثبت نصا لكونه معقول المعنى وهو ~~الحاجة إلى إصلاح الصلاة على ما بينا فيما تقدم والحاجة ههنا متحققة فيجوز ~~وقوله إن بين كون الشخص الواحد تابعا ومتبوعا منافاة قلنا: في شيء واحد ~~مسلم أما في شيئين فلا والصلاة أفعال متغايرة حقيقة فجاز أن يكون الشخص ~~الواحد تابعا في بعضها ومتبوعا في بعض، وبه تبين أن الصلاة متجزئة حقيقة؛ ~~لأنها أفعال متغايرة إلا في حق الجواز والفساد وهذا؛ لأن البعض موجود حقيقة ~~فارتفاعه يكون بخلاف الحقيقة فلا يثبت إلا بالشرع، وفي حق الجواز والفساد ~~قام الدليل بخلاف الحقيقة فغيرها فلم تبق متبعضة متجزئة في حقهما، فأما في ~~حق التبعية والمتبوعية في غير أوان الحاجة انعقد الإجماع وفي أوان الحاجة ~~لا إجماع، والحقائق تتبدل بقدر الدليل ms0582 الموجب للتغير والتبدل ولا دليل في ~~هذه الحالة بل ورد الشرع بتقرير هذه الحقيقة حيث جوز الاستخلاف فعلم أن ~~الاستخلاف عند الحاجة جائز، وكون الإنسان مرة تابعا ومرة متبوعا غير مانع، ~~وينظر إلى الحاجة لا إلى ورود الشرع في كل حالة من أحوال الحاجة ألا ترى أن ~~في الركعة الواحدة التي استحسن محمد لم يرد الشرع الخاص؟ وما استدل به من ~~مسألة المسبوق لم يرد الشرع الخاص فيه، وإنما جاز لما ذكرنا من اعتبار ~~الحقيقة في موضع لم يرد الشرع بتغييرها، ومن جعل ورود الشرع بالجواز لذي ~~الحاجة ورودا في كل محل تحققت الحاجة. # ألا ترى أن الشرع لم يرد بصلاة واحدة بالأئمة الخمسة ومع ذلك جاز عند ~~الحاجة، وكذا الواحد إذا ائتم فسبق الإمام الحدث تعين هذا الواحد للإمامة ~~فإذا جاء الأول صار مقتديا به، ثم لو سبق الثاني حدث تعين الأول للإمامة، ~~ثم إذا جاء هذا الثاني وسبق الأول حدث تعين هذا الثاني للإمامة هكذا مرارا، ~~لكن لما تحققت الحاجة جوز وجعل النص الوارد في الاستخلاف واردا في كل محل ~~تحققت الحاجة فيه فكذا هذا والله أعلم. ### | [فصل صلاة الجمعة] # (فصل) : # وأما صلاة الجمعة فالكلام فيها يقع في مواضع: في بيان فرضيتها، وفي بيان ~~كيفية الفريضة، وفي بيان شرائطها، وفي بيان قدرها، وفي بيان ما يفسدها، وفي ~~بيان حكمها إذا فسدت أو خرج وقتها، وفي بيان ما يستحب في يوم الجمعة وما ~~يكره فيه. # أما الأول فالجمعة فرض لا يسع تركها ويكفر جاحدها والدليل على فرضية ~~الجمعة الكتاب والسنة وإجماع الأمة، أما الكتاب فقوله تعالى {يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] قيل ~~ذكر الله هو صلاة الجمعة، وقيل هو الخطبة وكل ذلك حجة؛ لأن السعي إلى ~~الخطبة إنما يجب لأجل الصلاة بدليل أن من سقطت عنه الصلاة لا يجب عليه ~~السعي إلى الخطبة فكان فرض السعي إلى الخطبة فرضا للصلاة، ولأن ذكر الله ~~يتناول الصلاة ويتناول الخطبة من حيث ms0583 إن كل واحد منهما ذكر الله تعالى. # وأما السنة فالحديث المشهور وهو ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «إن الله تعالى فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في ~~شهري هذا، في سنتي هذه فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي استخفافا بها ~~وجحودا عليها وتهاونا بحقها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله شمله ولا ~~بارك له في أمره، ألا لا صلاة له، ألا لا زكاة له، ألا لا حج له، ألا لا ~~صوم له إلا أن يتوب فمن تاب تاب الله عليه» . # وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه» ، ومثل هذا الوعيد لا ~~يلحق إلا بترك الفرض وعليه إجماع الأمة. ### | [فصل كيفية فرضية صلاة الجمعة] # (فصل) : # وأما كيفية فرضيتها. # فقد اختلف فيها قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن فرض الوقت هو الظهر في حق ~~المعذور وغير المعذور لكن غير المعذور وهو الصحيح المقيم الحر مأمور ~~بإسقاطه بأداء الجمعة حتما، والمعذور مأمور بإسقاطه على سبيل الرخصة حتى لو ~~أدى الجمعة يسقط عنه الظهر وتقع الجمعة فرضا، وإن ترك الترخص يعود الأمر ~~إلى العزيمة ويكون الفرض هو الظهر لا غير، وعن محمد قولان في قول قال: فرض ~~الوقت هو الجمعة ولكن له أن يسقطه بالظهر رخصة، وفي قول قال: الفرض أحدهما ~~غير عين ويتعين ذلك بتعيينه فعلا فأيهما فعل تبين أنه هو الفرض، وقال زفر ~~وقت الفرض هو الجمعة والظهر بدل عنها وهذا كله قول أصحابنا، وقال الشافعي: ~~الجمعة ظهر قاصر، وعندنا هي صلاة مبتدأة غير صلاة الظهر، وفائدة الاختلاف ~~تظهر في بناء الظهر على تحريمة الجمعة بأن خرج # PageV01P256 # وقت الظهر وهو في صلاة الجمعة فعند أصحابنا يستقبل الظهر، وعنده يتمها ~~ظهرا. # أما الكلام مع الشافعي فإنه احتج بما روي عن عمر وعائشة - رضي الله عنهما ~~- أنهما قالا: إنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة ولأن الوقت ms0584 سبب لوجوب الظهر ~~والوقت متى جعل سببا لوجوب صلاة كان سببا لوجوبها في كل يوم كسائر أوقات ~~الصلاة، ثم إذا وجد سبب القصر تقصر كما تقصر بعذر السفر وههنا وجد سبب ~~القصر وهو الخطبة ومشقة قطع المسافة إلى الجامع، ولنا أن الجمعة مع الظهر ~~صلاتان متغايرتان؛ لأنهما مختلفتان شروطا لما نذكر اختصاص الجمعة بشروط ~~ليست للظهر والفرص الواحد لا تختلف شروطه بالقصر فكانا غيرين فلا يصح بناء ~~أحدهما على الآخر كبناء العصر على الظهر بعد خروج وقت الظهر. # وأما حديث عمر وعائشة - رضي الله عنهما - ففيه بيان علة القصر، أما ليس ~~فيه أن المقصور ظهر؟ وما ذكره من المعنى غير سديد؛ لأن الوقت قد يخلو عن ~~فرضه أداء لعذر من الأعذار كوقت العصر عن العصر يوم عرفة بعرفة، ووقت ~~المغرب عن المغرب ليلة المزدلفة فكذا ههنا جاز أن يخلو وقت الظهر عن الظهر ~~أداء إن كان لا يخلو عنه وجوبا لكنه يسقط عنه بأداء الجمعة على ما نذكر. # وأما الخلاف بين أصحابنا - رحمهم الله - فبناء على الخلاف في كيفية العمل ~~بالأحاديث المشهورة المتعارضة من حيث الظاهر فإنه روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «وأول وقت الظهر حين تزول الشمس» ونحو ذلك من ~~الأحاديث من غير فصل بين الجمعة وغيره، وقد وردت الأحاديث المشهورة في ~~فرضية صلاة الجمعة في هذا الوقت بعينه على ما ذكرنا والجمع بينهما فعلا غير ~~مشروع بلا خلاف بين الأئمة فمحمد - رحمه الله - على أحد قوليه عمل بطريق ~~التناسخ فجعل الآخر وهو حديث الجمعة ناسخا للأول على ما هو الأصل عند معرفة ~~التاريخ إلا أنه رخص له أن يسقط الجمعة بالظهر، وعلى القول الآخر قال: إنه ~~قام دليل فرضية كل واحدة من الصلاتين ولا سبيل إلى القول بفرضيتهما على ~~الجمع، ولهذا لو فعل إحداهما أيتهما كانت سقط الفرض عنه فكان الفرض إحداهما ~~غير عين وإنما يتعين بفعله، وأبو حنيفة وأبو يوسف عملا بالأحاديث بطريق ~~التوفيق إذ العمل بالحديثين أولى من نسخ أحدهما، فقالا ms0585 إن: فرض الوقت هو ~~الظهر لكن أمر بإسقاط الظهر بالجمعة ليكون عملا بالدليلين بقدر الإمكان ~~ولهذا يجب قضاء الظهر بعد فوت الجمعة وخروج الوقت والقضاء خلف عن الأداء دل ~~أن الظهر هو الأصل إذ الأربع لا تصلح أن تكون خلفا عن ركعتين وزفر يقول: ~~لما انتسخ الظهر بالجمعة دل أن الجمعة أصل، ولما وجب القضاء بعد خروج الوقت ~~بأداء الظهر دل أنه بدل عن الجمعة إذا عرف هذا الأصل تخرج عليه المسائل ~~فنقول: من يصلي الظهر يوم الجمعة وهو غير معذور قبل صلاة الجمعة ولم يحضر ~~الجمعة بعد ذلك ولم يؤدها يقع فرضا عند علمائنا الثلاثة حتى لا تلزمه ~~الإعادة خلافا لزفر، أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف فلأنه أدى فرض الوقت؛ لأن ~~فرض الوقت هو الظهر عندهما ولكنه أمر بإسقاطه بأداء الجمعة فإذا لم يؤد ~~الجمعة بقي الفرض ذلك فإذا أداه فقد أدى فرض الوقت فلا يلزمه الإعادة. # وأما عند محمد فعلى أحد قوليه، الفرض أحدهما غير عين ويتعين بفعله، فإذا ~~صلى الظهر تعين فرضا من الأصل، وعلى قوله الآخر فرض الوقت وإن كان هو ~~الجمعة وهي العزيمة لكن له أن يسقطها بالظهر رخصة وقد ترخص بالظهر وفي قول ~~زفر لما كان الظهر بدلا عن الجمعة، وإنما يجوز البدل عند العجز عن الأصل ~~كما في التراب مع الماء وههنا هو قادر على الأصل فلا يجزيه البدل فتلزمه ~~الإعادة، وعلى هذا يخرج المعذور كالمريض والمسافر إذا صلى الظهر في بيته ~~وحده أنه يقع فرضا في قول أصحابنا جميعا على اختلاف طرقهم. # أما عند أبي حنيفة وأبي يوسف فلأن فرض الوقت هو الظهر إلا أن غير المعذور ~~مأمور بإسقاطه بالجمعة على طريق الحتم، والمعذور مأمور بإسقاطه بالجمعة ~~بطريق الرخصة ولم يترخص فبقيت العزيمة وهي الظهر وقد أداها فتقع فرضا. # وأما عند محمد فلأن الجمعة فرض عليه على طريق العزيمة لكن مع رخصة الترك ~~وقد ترخص بتركها بالظهر. # وأما على قول زفر فلأن المفروض عليه الظهر بدلا عن الجمعة بعذر المرض ~~والسفر ms0586 وعلى هذا يخرج المعذور إذا صلى الظهر في بيته ثم شهد الجمعة وصلاها ~~مع الإمام أنه يرتفض ظهره ويصير تطوعا، وفرضه الجمعة في قول أصحابنا ~~الثلاثة؛ لأن القادر مأمور بإسقاط الظهر بالجمعة # PageV01P257 # وقد قدر فإذا أدى انعقدت جمعته فرضا ولا تنعقد فرضا إلا بعد ارتفاض ~~الظهر؛ لأن اجتماع فرضي الوقت لا يتصور فيرتفض ظهره ضرورة انعقاد الجمعة ~~فرضا، وعند زفر لا يرتفض ظهره؛ لأن الظهر عنده خلف عن الجمعة فكان شرطه ~~العجز عن الأصل وقد تحقق عند الأداء فصح الخلف فالقدرة على الأصل بعد ذلك ~~لا تبطله. # وأما غير المعذور إذا صلى الظهر في بيته ثم خرج إلى الجمعة فهذا على ~~أربعة أوجه: أحدها إذا خرج من بيته وكان الإمام قد فرغ من الجمعة حين خرج ~~لا يرتفض ظهره بالإجماع، والثاني إذا حضر الجامع وشرع في الجمعة وأتمها مع ~~الإمام يرتفض ظهره عند علمائنا الثلاثة لما ذكرنا. # وأما عند زفر فلا يقع ظهره فرضا أصلا؛ لأنه خلف فيشترط له العجز عن الأصل ~~ولم يوجد، والثالث إذا شرع في الجمعة ثم تكلم قبل إتمام الجمعة مع الإمام ~~يرتفض ظهره في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد لا يرتفض، كذا ذكر ~~الحسن بن زياد الاختلاف في كتاب صلاته، والرابع إذا حضر الجامع وقد كان فرغ ~~الإمام من الجمعة وحين خرج من البيت كان لم يفرغ فهو على هذا الاختلاف، ~~وحاصل الاختلاف أن عند أبي حنيفة بأداء بعض الجمعة يرتفض ظهره، وكذا بوجود ~~ما هو من خصائص الجمعة وهو السعي، وعندهما لا يرتفض. # وجه قولهما في المسألتين أن ارتفاض الظهر لضرورة صيرورة الجمعة فرضا؛ لأن ~~اجتماع فرضي الوقت لا يتحقق ولم يوجد فلم يرتفض الظهر وهذا؛ لأن الحكم ~~ببطلان ما صح وفرغ منه من حيث الظاهر لا يكون إلا عن ضرورة ولا ضرورة قبل ~~تمام الجمعة ووقوعها فرضا، ولأبي حنيفة أن ما أدى من البعض انعقد فرضا ولم ~~ينعقد الفعل من الجمعة مع بقاء الظهر فرضا فكان من ضرورة انعقاد هذا ms0587 الجزء ~~من الجمعة فرضا ارتفاض الظهر، وكذا السعي إلى الجمعة من خصائص الجمعة فكان ~~ملحقا بها ولن ينعقد فرضا مع بقاء الظهر فرضا، وكان من ضرورة وقوعه فرضا ~~ارتفاض الظهر، به علل هذا الشيخ أبو منصور الماتريدي. # وعلى هذا إذا شرع الرجل في صلاة الجمعة ثم تذكر أن عليه الفجر فهذا على ~~ثلاثة أوجه: إن كان بحال لو اشتغل بالفجر لا تفوته الجمعة فعليه أن يقطع ~~الجمعة ويبدأ بالفجر ثم بالجمعة مراعاة للترتيب فإنه واجب عندنا، وإن كان ~~بحال لو اشتغل بالفجر تفوته الجمعة والظهر عن الوقت يمضي فيها ولا يقطع ~~بالإجماع؛ لأن الترتيب ساقط عنه لضيق الوقت، وإن كان بحال لو اشتغل بالفجر ~~تفوته الجمعة ولكن لا يفوته الظهر فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف يصلي الفجر ~~ثم يصلي الظهر ولا تجزئه الجمعة، وعلى قول محمد يمضي في الجمعة ولا يقطع؛ ~~لأن عنده فرض الوقت هو الجمعة وهو يخاف فوتها لو اشتغل بالفجر فيسقط عنه ~~الترتيب، كما لو تذكر العشاء في صلاة الفجر وهو يخالف طلوع الشمس لو اشتغل ~~بالعشاء، وعندهما فرض الوقت هو الظهر وأنه لا يفوت بالاشتغال بالفائتة فلا ~~يسقط الترتيب والله أعلم. ### | [فصل بيان شرائط الجمعة] # (فصل) : # وأما بيان شرائط الجمعة. # فللجمعة شرائط، بعضها يرجع إلى المصلي، وبعضها يرجع إلى غيره. # أما الذي يرجع إلى المصلي فستة: العقل، والبلوغ، والحرية والذكورة، ~~والإقامة، وصحة البدن فلا تجب الجمعة على المجانين والصبيان والعبيد إلا ~~بإذن مواليهم، والمسافرين والزمنى، والمرضى. # أما العقل والبلوغ فلأن صلاة الجمعة اختصت بشرائط لم تشترط في سائر ~~الصلوات ثم لما كانا شرطا لوجوب سائر الصلوات فلأن يكونا شرطا لوجوب هذه ~~الصلاة أولى. # وأما الحرية فلأن منافع العبد مملوكة لمولاه إلا فيما استثني وهو أداء ~~الصلوات الخمس على طريق الانفراد دون الجماعة لما في الحضور إلى الجماعة ~~وانتظار الإمام والقوم من تعطيل كثير من المنافع على المولى، ولهذا لا يجب ~~عليه الحج والجهاد وهذا المعنى موجود في السعي إلى الجمعة وانتظار الإمام ~~والقوم فسقطت عنه ms0588 الجمعة. # وأما الإقامة فلأن المسافر يحتاج إلى دخول المصر وانتظار الإمام والقوم ~~فيتخلف عن القافلة فيلحقه الحرج. # وأما المريض فلأنه عاجز عن الحضور أو يلحقه الحرج في الحضور. # وأما المرأة فلأنها مشغولة بخدمة الزوج ممنوعة عن الخروج إلى محافل ~~الرجال لكون الخروج سببا للفتنة؛ ولهذا لا جماعة عليهن ولا جمعة عليهن ~~أيضا، والدليل على أنه لا جمعة على هؤلاء ما روي عن جابر عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه ~~الجمعة إلا # PageV01P258 # مسافرا أو مملوكا أو صبيا أو امرأة أو مريضا فمن استغنى عنها بلهو أو ~~تجارة استغنى الله عنه والله غني حميد» . # وأما الأعمى فهل تجب عليه أجمعوا على أنه إذا لم يجد قائدا لا تجب عليه ~~كما لا تجب على الزمن وإن وجد من يحمله. # وأما إذا وجد قائدا إما بطريق التبرع أو كان له مال يمكنه أن يستأجر ~~قائدا فكذلك في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد يجب وهو على ~~الاختلاف في الحج إذا كان له زاد وراحلة وأمكنه أن يستأجر قائدا أو وعد له ~~إنسان أن يقوده إلى مكة ذاهبا وجائيا لا يجب عليه الحج عند أبي حنيفة ~~وعندهما يجب، والمسألة نذكرها في كتاب الحج إن شاء الله تعالى ثم هؤلاء ~~الذين لا جمعة عليهم إذا حضروا الجامع وأدوا الجمعة فمن لم يكن من أهل ~~الوجوب كالصبي والمجنون فصلاة الصبي تكون تطوعا ولا صلاة للمجنون رأسا، ومن ~~هو من أهل الوجوب كالمريض والمسافر والعبد والمرأة وغيرهم تجزيهم ويسقط ~~عنهم الظهر؛ لأن امتناع الوجوب عليهم لما ذكرنا من الأعذار وقد زالت وصار ~~الإذن من المولى موجودا دلالة، وقد روي عن الحسن البصري أنه قال: «كن ~~النساء يجمعن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقال لهن لا تخرجن إلا ~~تفلات غير متطيبات» ، وفرق بين هذا وبين الحج في العبد فإنه لو أدى الحج مع ~~مولاه لا يحكم بجوازه حتى يؤاخذ بحجة الإسلام بعد الحرية، والفرق أن ms0589 المنع ~~من الجمعة كان نظرا للمولى والنظر ههنا في الحكم بالجواز؛ لأنا لو لم نجوز ~~وقد تعطلت منافعه على المولى لوجب عليه الظهر فتتعطل عليه منافعه ثانيا ~~فينقلب النظر ضررا وذا ليس بحكمة فتبين في الآخرة أن النظر في الحكم ~~بالجواز فصار مأذونا دلالة كالعبد المحجور عليه إذا أجر نفسه أنه لا يجوز. # ولو سلم نفسه للعمل يجوز ويجب كمال الأجرة لما ذكرنا، كذا هذا بخلاف الحج ~~فإن هناك لا يتبين أن النظر للمولى في الحكم بالجواز؛ لأنه لا يؤاخذ للحال ~~بشيء آخر إذا لم نحكم بجوازه بل يخاطب بحجة الإسلام بعد الحرية فلا يتعطل ~~على المولى منافعه فهو الفرق. # وأما الشرائط التي ترجع إلى غير المصلي فخمسة في ظاهر الروايات، المصر ~~الجامع، والسلطان، والخطبة، والجماعة، والوقت. # أما المصر الجامع فشرط وجوب الجمعة وشرط صحة أدائها عند أصحابنا حتى لا ~~تجب الجمعة إلا على أهل المصر ومن كان ساكنا في توابعه وكذا لا يصح أداء ~~الجمعة إلا في المصر وتوابعه فلا تجب على أهل القرى التي ليست من توابع ~~المصر ولا يصح أداء الجمعة فيها وقال الشافعي المصر ليس بشرط للوجوب ولا ~~لصحة الأداء فكل قرية يسكنها أربعون رجلا من الأحرار المقيمين لا يظعنون ~~عنها شتاء ولا صيفا تجب عليهم الجمعة ويقام بها الجمعة واحتج بما روي عن ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال أول جمعة في الإسلام بعد الجمعة ~~بالمدينة لجمعة جمعت بجواثى وهي قرية من قرى عبد القيس بالبحرين. # وروي عن أبي هريرة أنه كتب إلى عمر يسأله عن الجمعة بجؤاثى فكتب إليه أن ~~أجمع بها وحيث ما كنت؛ ولأن جواز الصلاة مما لا يختص بمكان دون مكان كسائر ~~الصلوات، ولنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا جمعة ~~ولا تشريق إلا في مصر جامع» ، وعن علي - رضي الله تعالى عنه - «لا جمعة ولا ~~تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في مصر جامع» ، وكذا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «كان يقيم الجمعة بالمدينة» ms0590 ، وما روي الإقامة حولها، وكذا الصحابة ~~- رضي الله تعالى عنهم - فتحوا البلاد وما نصبوا المنابر إلا في الأمصار ~~فكان ذلك إجماعا منهم على أن المصر شرط؛ ولأن الظهر فريضة فلا يترك إلا بنص ~~قاطع والنص ورد بتركها إلا الجمعة في الأمصار ولهذا لا تؤدى الجمعة في ~~البراري؛ ولأن الجمعة من أعظم الشعائر فتختص بمكان إظهار الشعائر وهو ~~المصر. # وأما الحديث فقد قيل: إن جؤاثى مصر بالبحرين، واسم القرية ينطلق على ~~البلدة العظيمة؛ لأنها اسم لما اجتمع فيها من البيوت قال تعالى {واسأل ~~القرية التي كنا فيها} [يوسف: 82] وهي مصر وقال {وكأين من قرية هي أشد قوة ~~من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم} [محمد: 13] وهي مكة، وما ذكر من المعنى غير ~~سديد؛ لأنه يبطل بالبراري ثم لا بد من معرفة حد المصر الجامع ومعرفة ما هو ~~من توابعه. # أما المصر الجامع فقد اختلفت الأقاويل في تحديده ذكر الكرخي أن المصر ~~الجامع ما أقيمت فيه الحدود ونفذت فيه الأحكام، وعن أبي يوسف روايات ذكر في ~~الإملاء كل مصر فيه منبر وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود فهو مصر جامع تجب ~~على أهله الجمعة، وفي رواية قال: إذا اجتمع في قرية من لا يسعهم مسجد واحد ~~بنى لهم الإمام جامعا ونصب لهم من يصلي # PageV01P259 # بهم الجمعة، وفي رواية لو كان في القرية عشرة آلاف أو أكثر أمرتهم بإقامة ~~الجمعة فيها، وقال بعض أصحابنا: المصر الجامع ما يتعيش فيه كل محترف بحرفته ~~من سنة إلى سنة من غير أن يحتاج إلى الانتقال إلى حرفة أخرى، وعن أبي عبد ~~الله البلخي أنه قال: أحسن ما قيل فيه إذا كانوا بحال لو اجتمعوا في أكبر ~~مساجدهم لم يسعهم ذلك حتى احتاجوا إلى بناء مسجد الجمعة فهذا مصر تقام فيه ~~الجمعة، وقال سفيان الثوري: المصر الجامع ما يعده الناس مصرا عند ذكر ~~الأمصار المطلقة، وسئل أبو القاسم الصفار عن حد المصر الذي تجوز فيه الجمعة ~~فقال: أن تكون لهم منعة لو جاءهم عدو قدروا على دفعه فحينئذ جاز أن ms0591 يمصر ~~وتمصره أن ينصب فيه حاكم عدل يجري فيه حكما من الأحكام، وهو أن يتقدم إليه ~~خصمان فيحكم بينهما. # وروي عن أبي حنيفة أنه بلدة كبيرة فيها سكك وأسواق ولها رساتيق وفيها وال ~~يقدر على إنصاف المظلوم من الظالم بحشمه وعلمه أو علم غيره والناس يرجعون ~~إليه في الحوادث وهو الأصح. # وأما تفسير توابع المصر فقد اختلفوا فيها روي عن أبي يوسف أن المعتبر فيه ~~سماع النداء إن كان موضعا يسمع فيه النداء من المصر فهو من توابع المصر ~~وإلا فلا، وقال الشافعي إذا كان في القرية أقل من أربعين فعليهم دخول المصر ~~إذا سمعوا النداء وروى ابن سماعة عن أبي يوسف كل قرية متصلة بربض المصر فهي ~~من توابعه وإن لم تكن متصلة بالربض فليست من توابع المصر، وقال بعضهم: ما ~~كان خارجا عن عمران المصر فليس من توابعه، وقال بعضهم: المعتبر فيه قدر ميل ~~وهو ثلاثة فراسخ، وقال بعضهم: إن كان قدر ميل أو ميلين فهو من توابع المصر ~~وإلا فلا، وبعضهم قدره بستة أميال، ومالك قدره بثلاثة أميال، وعن أبي يوسف ~~أنها تجب في ثلاثة فراسخ، وعن الحسن البصري أنها تجب في أربعة فراسخ، وقال ~~بعضهم: إن أمكنه أن يحضر الجمعة ويبيت بأهله من غير تكلف تجب عليه الجمعة ~~وإلا فلا وهذا حسن، ويتصل بهذا إقامة الجمعة في أيام الموسم بمنى. # قال أبو حنيفة وأبو يوسف: تجوز إقامة الجمعة بها إذا كان المصلي بهم ~~الجمعة هو الخليفة، أو أمير العراق، أو أمير الحجاز، أو أمير مكة سواء ~~كانوا مقيمين أو مسافرين، أو رجلا مأذونا من جهتهم، ولو كان المصلي بهم ~~الجمعة أمير الموسم وهو الذي أمر بتسوية أمور الحجاج لا غير لا يجوز سواء ~~كان مقيما أو مسافرا؛ لأنه غير مأمور بإقامة الجمعة إلا إذا كان مأذونا من ~~جهة أمير العراق أو أمير مكة، وقيل: إن كان مقيما يجوز وإن كان مسافرا لا ~~يجوز، والصحيح هو الأول، وقال محمد لا تجوز الجمعة بمنى وأجمعوا على أنه لا ms0592 ~~تجوز الجمعة بعرفات وإن أقامها أمير العراق أو الخليفة نفسه، وقال بعض ~~مشايخنا: الخلاف بين أصحابنا في هذا بناء على أن منى من توابع مكة عندهما، ~~وعند محمد ليس من توابعها وهذا غير سديد؛ لأن بينهما أربعة فراسخ وهذا قول ~~بعض الناس في تقدير التوابع فأما عندنا فبخلافه على ما مر والصحيح أن ~~الخلاف فيه بناء على أن المصر الجامع شرط عندنا إلا أن محمدا يقول إن منى ~~ليس بمصر جامع بل هو قرية فلا تجوز الجمعة بها كما لا تجوز بعرفات وهما ~~يقولان إنها تتمصر في أيام الموسم؛ لأن لها بناء وينقل إليها الأسواق ~~ويحضرها وال يقيم الحدود وينفذ الأحكام فالتحق بسائر الأمصار بخلاف عرفات ~~فإنها مفازة فلا تتمصر باجتماع الناس وحضرة السلطان. # وهل تجوز صلاة الجمعة خارج المصر منقطعا عن العمران أم لا؟ ذكر في ~~الفتاوى رواية عن أبي يوسف أن الإمام إذا خرج يوم الجمعة مقدار ميل أو ~~ميلين فحضرته الصلاة فصلى جاز، وقال بعضهم: لا تجوز الجمعة خارج المصر ~~منقطعا عن العمران، وقال بعضهم على قول أبي حنيفة وأبي يوسف يجوز، وعلى قول ~~محمد لا يجوز، كما اختلفوا في الجمعة بمنى. # وأما إقامة الجمعة في مصر واحد في موضعين فقد ذكر الكرخي أنه لا بأس بأن ~~يجمعوا في موضعين أو ثلاثة عند محمد هكذا ذكر وعن أبي يوسف روايتان في ~~رواية قال: لا يجوز إلا إذا كان بين موضعي الإقامة نهر عظيم كدجلة أو نحوها ~~فيصير بمنزلة مصرين، وقيل: إنما تجوز على قوله إذا كان لا جسر على النهر ~~فأما إذا كان عليه جسر فلا؛ لأن له حكم مصر واحد وكان يأمر بقطع الجسر يوم ~~الجمعة حتى ينقطع الفصل، وفي رواية قال: يجوز في موضعين إذا كان المصر ~~عظيما ولم يجز في الثلاث وإن كان بينهما نهر صغير لا يجوز فإن أدوها في ~~موضعين فالجمعة لمن سبق منهما وعلى الآخرين أن يعيدوا # PageV01P260 # الظهر، وإن أدوها معا أو كان لا يدري كيف كان لا تجوز صلاتهم وروى ms0593 محمد ~~عن أبي حنيفة أنه يجوز الجمع في موضعين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك، وذكر محمد ~~في نوادر الصلاة، وقال: لو أن أميرا أمر إنسانا أن يصلي بالناس الجمعة في ~~المسجد الجامع وانطلق هو إلى حاجة له ثم دخل المصر في بعض المساجد وصلى ~~الجمعة قال: تجزئ أهل المصر الجامع ولا تجزئه إلا أن يكون أعلم الناس بذلك ~~فيجوز وهذا كجمعة في موضعين، وقال أيضا: لو خرج الإمام يوم الجمعة ~~للاستسقاء يدعو وخرج معه ناس كثير وخلف إنسانا يصلي بهم في المسجد الجامع ~~فلما حضرت الصلاة صلى بهم الجمعة في الجبانة وهي على قدر غلوة من مصره وصلى ~~خليفته في المصر في المسجد الجامع قال: تجزئهما جميعا فهذا يدل على أن ~~الجمعة تجوز في موضعين في ظاهر الرواية وعليه الاعتماد أنه تجوز في موضعين، ~~ولا تجوز في أكثر من ذلك فإنه روي عن علي - رضي الله عنه - أنه كان يخرج ~~إلى الجبانة في العيد ويستخلف في المصر من يصلي بضعفة الناس وذلك بمحضر من ~~الصحابة - رضي الله عنهم - ولما جاز هذا في صلاة العيد فكذا في صلاة ~~الجمعة؛ لأنهما في اختصاصهما بالمصر سيان ولأن الحرج يندفع عند كثرة الزحام ~~بموضعين غالبا فلا يجوز أكثر من ذلك، وما روي عن محمد من الإطلاق في ثلاثة ~~مواضع محمول على موضع الحاجة والضرورة. # وأما السلطان فشرط أداء الجمعة عندنا حتى لا يجوز إقامتها بدون حضرته أو ~~حضرة نائبه، وقال الشافعي السلطان ليس بشرط؛ لأن هذه صلاة مكتوبة فلا يشترط ~~لإقامتها السلطان كسائر الصلوات، ولنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرط ~~الإمام لإلحاق الوعيد بتارك الجمعة بقوله في ذلك الحديث «وله إمام عادل أو ~~جائر» . # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أربع إلى الولاة وعد من ~~جملتها الجمعة» ؛ ولأنه لو لم يشترط السلطان لأدى إلى الفتنة؛ لأن هذه صلاة ~~تؤدى بجمع عظيم والتقدم على جميع أهل المصر يعد من باب الشرف وأسباب العلو ~~والرفعة فيتسارع إلى ذلك كل من ms0594 جبل على علو الهمة والميل إلى الرئاسة فيقع ~~بينهم التجاذب والتنازع وذلك يؤدي إلى التقاتل والتقالي ففوض ذلك إلى ~~الوالي ليقوم به أو ينصب من رآه أهلا له فيمتنع غيره من الناس عن المنازعة ~~لما يرى من طاعة الوالي أو خوفا من عقوبته؛ ولأنه لو لم يفوض إلى السلطان ~~لا يخلو إما أن تؤدي كل طائفة حضرت الجامع فيؤدي إلى تفويت فائدة الجمعة ~~وهي اجتماع الناس لإحراز الفضيلة على الكمال، وإما أن لا تؤدى إلا مرة ~~واحدة فكانت الجمعة للأولين وتفوت عن الباقين فاقتضت الحكمة أن تكون ~~إقامتها متوجهة إلى السلطان ليقيمها بنفسه أو بنائبه عند حضور عامة أهل ~~البلدة مع مراعاة الوقت المستحب والله أعلم، هذا إذا كان السلطان أو نائبه ~~حاضرا. # فأما إذا لم يكن إماما بسبب الفتنة أو بسبب الموت ولم يحضر وال آخر بعد ~~حتى حضرت الجمعة ذكر الكرخي أنه لا بأس أن يجمع الناس على رجل حتى يصلي بهم ~~الجمعة، وهكذا روي عن محمد ذكره في العيون؛ لما روي عن عثمان - رضي الله ~~عنه - أنه لما حوصر قدم الناس عليا - رضي الله عنه - فصلى بهم الجمعة. # وروي في العيون عن أبي حنيفة في والي مصر مات ولم يبلغ الخليفة موته حتى ~~حضرت الجمعة فإن صلى بهم خليفة الميت أو صاحب الشرط أو القاضي أجزأهم، وإن ~~قدم العامة رجلا لم يجز؛ لأن هؤلاء قائمون مقام الأول في الصلاة حال حياته ~~فكذا بعد وفاته ما لم يفوض الخليفة الولاية إلى غيره. # وذكر في نوادر الصلاة أن السلطان إذا كان يخطب فجاء سلطان آخر إن أمره أن ~~يتم الخطبة يجوز ويكون ذلك القدر خطبة ويجوز له أن يصلي بهم الجمعة؛ لأنه ~~خطب بأمره فصار نائبا عنه وإن لم يأمره بالإتمام ولكنه سكت حتى أتم الأول ~~خطبته فأراد الثاني أن يصلي بتلك الخطبة لا تجوز الجمعة، وله أن يصلي ~~الظهر؛ لأن سكوته محتمل يحتمل أن يكون أمرا ويحتمل أن لا يكون أمرا فلا ~~يعتبر مع الاحتمال، وكذلك إذا حضر ms0595 الثاني وقد فرغ الأول من خطبته فصلى ~~الثاني بتلك الخطبة لا يجوز؛ لأنها خطبة إمام معزول ولم توجد الخطبة من ~~الثاني والخطبة شرط هذا كله إذا علم الأول بحضور الثاني وإن لم يعلم فخطب ~~وصلى والثاني ساكت يجوز؛ لأنه يصير معزولا إلا بالعلم كالوكيل إلا إذا كتب ~~إليه كتاب العزل أو أرسل إليه رسولا فصار معزولا. # وأما العبد إذا كان سلطانا فجمع بالناس أو أمر غيره جاز، وكذا إذا كان ~~حرا مسافرا وهذا قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر شرط صحة الجمعة هو الإمام ~~الذي هو حر مقيم # PageV01P261 # حتى إذا كان عبدا أو مسافرا لا تصح منه إقامة الجمعة وجه قول زفر أنه لا ~~جمعة على العبد والمسافر، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أربعة لا ~~جمعة عليهم المسافر والمريض والعبد والمرأة» فلو جمع بالناس كان متطوعا في ~~أداء الجمعة، واقتداء المفترض بالمتنفل لا يجوز ولنا ما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه: «صلى الجمعة بالناس عام فتح مكة وكان مسافرا حتى قال ~~لهم في صلاة الظهر بعد ما صلى ركعتين وسلم: أتموا صلاتكم يا أهل مكة فإنا ~~قوم سفر» ، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أطيعوا السلطان ولو ~~أمر عليكم عبد حبشي أجدع» ولو لم يصلح إماما لم تفترض طاعته؛ ولأنهما من ~~أهل الوجوب إلا أنه رخص لهما التخلف عنها والاشتغال بتسوية أسباب السفر ~~وخدمة المولى نظرا فإذا حضر الجامع لم يسلك طريقة الترخص واختار العزيمة ~~فيعود حكم العزيمة ويلتحق بالأحرار المقيمين كالمسافر إذا صام رمضان فيصح ~~الاقتداء به، وبه تبين أن هذا اقتداء المفترض بالمفترض فيصح. # وأما المرأة والصبي العاقل فلا يصح منهما إقامة الجمعة؛ لأنهما لا يصلحان ~~للإمامة في سائر الصلوات ففي الجمعة أولى إلا أن المرأة إذا كانت سلطانا ~~فأمرت رجلا صالحا للإمامة حتى صلى بهم الجمعة جاز؛ لأن المرأة تصلح سلطانا ~~أو قاضيا في الجملة فتصح إمامتها. ### | [حكم الخطبة] # وأما الخطبة فالكلام في الخطبة في مواضع، في بيان كونها شرطا لجواز ~~الجمعة، ms0596 وفي بيان وقت الخطبة، وفي بيان كيفية الخطبة ومقدارها، وفي بيان ما ~~هو المسنون في الخطبة، وفي بيان محظورات الخطبة. # أما الأول فالدليل على كونها شرطا قوله تعالى {فاسعوا إلى ذكر الله} ~~[الجمعة: 9] والخطبة ذكر الله فتدخل في الأمر بالسعي لها من حيث هي ذكر ~~الله أو المراد من الذكر الخطبة وقد أمر بالسعي إلى الخطبة فدل على وجوبها ~~وكونها شرطا لانعقاد الجمعة، وعن عمر وعائشة - رضي الله عنهما - أنهما ~~قالا: إنما قصرت الصلاة لأجل الخطبة أخبرا أن شطر الصلاة سقط لأجل الخطبة ~~وشطر الصلاة كان فرضا فلا يسقط إلا لتحصيل ما هو فرض ولأن ترك الظهر ~~بالجمعة عرف بالنص والنص ورد بهذه الهيئة وهي وجوب الخطبة، ثم هي وإن كانت ~~قائمة مقام ركعتين شرط وليست بركن؛ لأن صلاة الجمعة لا تقام بالخطبة فلم ~~تكن من أركانها. # وأما وقت الخطبة فوقت الجمعة وهو وقت الظهر لكن قبل صلاة الجمعة لما ~~ذكرنا أنها شرط الجمعة وشرط الشيء يكون سابقا عليه وهكذا فعلها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ووقت الخطبة بعرفة قبل الصلاة أيضا لكنها سنت لتعليم ~~المناسك. # وأما الخطبة في العيدين فوقتها بعد الصلاة وهي سنة لما نذكر إن شاء الله ~~تعالى. # وأما كيفية الخطبة ومقدارها فقد قال أبو حنيفة: إن الشرط أن يذكر الله ~~تعالى على قصد الخطبة، كذا نقل عنه في الأمالي مفسرا قل الذكر أم كثر حتى ~~لو سبح أو هلل أو حمد الله تعالى على قصد الخطبة أجزأه، وقال أبو يوسف ~~ومحمد: الشرط أن يأتي بكلام يسمى خطبة في العرف، وقال الشافعي: الشرط أن ~~يأتي بخطبتين بينهما جلسة؛ لأن الله تعالى قال {فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع} [الجمعة: 9] وهذا ذكر مجمل ففسره النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بفعله، وتبين أن الله تعالى أمر بخطبتين ولهما أن المشروط هو الخطبة ~~والخطبة في المتعارف اسم لما يشتمل على تحميد الله والثناء عليه والصلاة ~~على رسوله - صلى الله عليه وسلم - والدعاء للمسلمين والوعظ والتذكير لهم ~~فينصرف المطلق إلى ms0597 المتعارف، ولأبي حنيفة طريقان: أحدهما أن الواجب هو مطلق ~~ذكر الله لقوله {فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] وذكر الله تعالى معلوم ~~لا جهالة فيه فلم يكن محملا؛ لأنه تطاوع العمل من غير بيان يقترن به ~~فتقييده بذكر يسمى خطبة أو بذكر طويل لا يجوز إلا بدليل، والثاني أن يقيد ~~ذكر الله تعالى بما يسمى خطبة لكن اسم الخطبة في حقيقة اللغة يقع على ما ~~قلنا فإنه روي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه لما استخلف خطب في أول جمعة ~~فلما قال الحمد لله ارتج عليه فقال: أنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام ~~قوال وإن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المكان مقالا وستأتيكم الخطب من بعد ~~وأستغفر الله لي ولكم ونزل وصلى بهم الجمعة، وكان ذلك بمحضر من المهاجرين ~~والأنصار وصلوا خلفه وما أنكروا عليه صنيعه مع أنهم كانوا موصوفين بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر فكان هذا إجماعا من الصحابة - رضي الله عنهم - ~~على أن الشرط هو مطلق ذكر الله تعالى ومطلق ذكر الله تعالى مما ينطلق عليه ~~اسم الخطبة لغة وإن كان لا ينطلق عليه عرفا، وتبين بهذا أن الواجب هو الذكر ~~لغة وعرفا وقد وجد أو ذكر هو خطبة لغة وإن لم يسم خطبة في العرف وقد أتي به ~~وهذا؛ لأن العرف إنما يعتبر في # PageV01P262 # معاملات الناس فيكون دلالة على غرضهم. # وأما في أمر بين العبد وبين ربه فيعتبر فيه حقيقة اللفظ لغة وقد وجد، على ~~أن هذا القدر من الكلام يسمى خطبة في المتعارف. # ألا ترى إلى ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «للذي قال ~~من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن عصاهما فقد غوى: بئس الخطيب أنت» سماه ~~خطيبا بهذا القدر من الكلام. # وأما سنن الخطبة فمنها أن يخطب خطبتين على ما روي عن الحسن بن زياد عن ~~أبي حنيفة أنه قال: ينبغي أن يخطب خطبة خفيفة يفتتح فيها بحمد الله تعالى ~~ويثني عليه ويتشهد ويصلي على النبي - صلى الله ms0598 عليه وسلم - ويعظ ويذكر ~~ويقرأ سورة ثم يجلس جلسة خفيفة، ثم يقوم فيخطب خطبة أخرى يحمد الله تعالى ~~ويثني عليه ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو للمؤمنين ~~والمؤمنات ويكون قدر الخطبة قدر سورة من طوال المفصل لما روي عن جابر بن ~~سمرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان يخطب خطبتين قائما يجلس ~~فيما بينهما جلسة خفيفة ويتلو آيات من القرآن» ، وكان الشيخ الإمام أبو بكر ~~محمد بن الفضل البخاري يستحب أن يقرأ الخطيب في خطبته {يوم تجد كل نفس ما ~~عملت من خير محضرا} [آل عمران: 30] ، ثم القعدة بين الخطبتين سنة عندنا ~~وكذا القراءة في الخطبة، وعند الشافعي شرط والصحيح مذهبنا؛ لأن الله تعالى ~~أمر بالذكر مطلقا عن قيد القعدة والقراءة فلا تجعل شرطا بخبر الواحد؛ لأنه ~~يصير ناسخا لحكم الكتاب وأنه لا يصلح ناسخا له ولكن يصلح مكملا له، فقلنا ~~إن قدر ما ثبت بالكتاب يكون فرضا وما ثبت بخبر الواحد يكون سنة عملا بهما ~~بقدر الإمكان، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يخطب خطبة واحدة ~~فلما ثقل أي أسن جعلها خطبتين وقعد بينهما فهذا دليل على أن القعدة ~~للاستراحة لا أنه شرط لازم، ومنها الطهارة في حالة الخطبة فهي سنة عندنا ~~وليست بشرط حتى إن الإمام إذا خطب وهو جنب أو محدث فإنه يعتبر شرطا لجواز ~~الجمعة، وعند أبي يوسف لا يجوز وهو قول الشافعي؛ لأن الخطبة بمنزلة شطر ~~الصلاة لما ذكرنا من الأثر ولهذا لا تجوز في غير وقت الصلاة فيشترط لها ~~الطهارة كما تشترط للصلاة، ولنا أنه ليس في ظاهر الرواية شرط الطهارة؛ ~~ولأنها من باب الذكر والمحدث والجنب لا يمنعان من ذكر الله تعالى، ~~والاعتبار بالصلاة غير سديد. # ألا ترى أنها تؤدى مستدبر القبلة ولا يفسدها الكلام بخلاف الصلاة، ثم لم ~~يذكر إعادة الخطبة ههنا، وذكر في أذان الجنب أنه يعاد، والفرق أن الأذان إن ~~تحلى بحلية الصلاة، وهي استقبال القبلة بخلاف الخطبة فكان الخلل المتمكن في ~~الأذان أشد، ms0599 وكثير النقص مستحق الرفع دون قليله، كما يجبر نقص ترك الواجب ~~بسجدتي السهو دون ترك السنن، ويحتمل أن تكون الإعادة مستحبة في الموضعين ~~كذا ذكر في نوادر أبي يوسف أنه يعيدها وإن لم يعدها جاز؛ لأنه ليس من شرطها ~~استقبال القبلة هكذا ذكر أشار إلى أنها ليست نظير الصلاة فلا تشترط لها ~~الطهارة إلا أنها سنة؛ لأن السنة هي الوصل بين الخطبة والصلاة ولا يتمكن من ~~إقامة هذه السنة إلا بالطهارة، ومنها أن يخطب قائما فالقيام سنة وليس بشرط ~~حتى لو خطب قاعدا يجوز عندنا لظاهر النص، وكذا روي عن عثمان أنه كان يخطب ~~قاعدا حين كبر وأسن ولم ينكر عليه أحد من الصحابة إلا أنه مسنون في حال ~~الاختيار؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب قائما. # وروي أن «رجلا سأل ابن مسعود - رضي الله عنه - أكان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يخطب قائما أو قاعدا فقال: ألست تقرأ قوله تعالى {وتركوك ~~قائما} [الجمعة: 11] » ، ومنها أن يستقبل القوم بوجهه ويستدبر القبلة؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا كان يخطب، وكذا السنة في حق القوم أن ~~يستقبلوه بوجوههم؛ لأن الإسماع والاستماع واجب للخطبة وذا لا يتكامل إلا ~~بالمقابلة. # وروي عن أبي حنيفة أنه كان لا يستقبل الإمام بوجهه حتى يفرغ المؤذن من ~~الأذان فإذا أخذ الإمام في الخطبة انحرف بوجهه إليه، ومنها أن لا يطول ~~الخطبة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بتقصير الخطب، وعن عمر - رضي ~~الله عنه - أنه قال: طولوا الصلاة وقصروا الخطبة، وقال: ابن مسعود طول ~~الصلاة وقصر الخطبة من فقه الرجل أي أن هذا مما يستدل به على فقه الرجل. # وأما محظورات الخطبة فمنها أنه يكره الكلام حالة الخطبة، وكذا قراءة ~~القرآن، وكذا الصلاة،. # وقال الشافعي: إذا دخل الجامع والإمام في الخطبة ينبغي أن يصلي ركعتين ~~خفيفتين تحية المسجد احتج الشافعي بما روي عن جابر بن عبد الله - رضي الله ~~عنه - أنه قال: «دخل سليك الغطفاني يوم الجمعة والنبي - صلى الله عليه ms0600 وسلم ~~- يخطب فقال له # PageV01P263 # أصليت؟ قال: لا، قال: فصل ركعتين» فقد أمره بتحية المسجد حالة الخطبة ~~ولنا قوله تعالى {فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: 204] والصلاة تفوت ~~الاستماع والإنصات فلا يجوز ترك الفرض لإقامة السنة والحديث منسوخ كان ذلك ~~قبل وجود الاستماع ونزول قوله تعالى {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} ~~[الأعراف: 204] دل عليه ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «أمر سليكا أن يركع ركعتين ثم نهى الناس أن يصلوا ~~والإمام يخطب» فصار منسوخا أو كان سليك مخصوصا بذلك والله أعلم وكذا كل ما ~~شغل عن سماع الخطبة من التسبيح والتهليل والكتابة ونحوها بل يجب عليه أن ~~يستمع ويسكت وأصله قوله تعالى {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} ~~[الأعراف: 204] قيل نزلت الآية في شأن الخطبة أمر بالاستماع والإنصات ومطلق ~~الأمر للوجوب. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من قال لصاحبه والإمام ~~يخطب أنصت فقد لغا ومن لغا فلا صلاة له» ثم ما ذكرنا من وجوب الاستماع ~~والسكوت في حق القريب من الخطيب فأما البعيد منه إذا لم يسمع الخطبة كيف ~~يصنع اختلف المشايخ فيه قال محمد بن سلمة البلخي: الإنصات له أولى من قراءة ~~القرآن، وهكذا روى المعلى عن أبي يوسف وهو اختيار الشيخ الإمام أبي بكر ~~محمد بن الفضل البخاري، ووجهه ما روي عن عمر وعثمان أنهما قالا: إن أجر ~~المنصت الذي لا يسمع مثل أجر المنصت السامع؛ ولأنه في حال قربه من الإمام ~~كان مأمورا بشيئين الاستماع والإنصات، وبالبعد إن عجز عن الاستماع لم يعجز ~~عن الإنصات فيجب عليه، وعن نصير بن يحيى أنه أجاز له قراءة القرآن سرا، ~~وكان الحكم بن زهير من أصحابنا ينظر في كتب الفقه، ووجهه أن الاستماع ~~والإنصات إنما وجب عند القرب ليشتركوا في ثمرات الخطبة بالتأمل والتفكر ~~فيها، وهذا لا يتحقق من البعيد عن الإمام فليحرز لنفسه ثواب قراءة القرآن ~~ودراسة كتب العلم ولأن الإنصات لم يكن مقصودا بل ليتوصل به إلى الاستماع ms0601 ~~فإذا سقط عنه فرض الاستماع سقط عنه الإنصات أيضا والله أعلم ويكره تشميت ~~العاطس ورد السلام عندنا، وعند الشافعي لا يكره وهو رواية عن أبي يوسف؛ لأن ~~رد السلام فرض، ولنا أنه ترك الاستماع المفروض والإنصات، وتشميت العاطس ليس ~~بفرض فلا يجوز ترك الفرض لأجله، وكذا رد السلام في هذه الحالة ليس بفرض؛ ~~لأنه يرتكب بسلامه مأثما فلا يجب الرد عليه كما في حالة الصلاة ولأن السلام ~~في حالة الخطبة لم يقع تحية فلا يستحق الرد؛ ولأن رد السلام مما يمكن ~~تحصيله في كل حالة، أما سماع الخطبة لا يتصور إلا في هذه الحالة فكان ~~إقامته أحق، ونظيره ما قال أصحابنا: إن الطواف تطوعا بمكة في حق الآفاقي ~~أفضل من صلاة التطوع، والصلاة في حق المكي أفضل من الطواف لما قلنا وعلى ~~هذا قال أبو حنيفة: إن سماع الخطبة أفضل من الصلاة على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فينبغي أن يستمع ولا يصلي عليه عند سماع اسمه في الخطبة لما أن ~~إحراز فضيلة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يمكن في كل وقت ~~وإحراز ثواب سماع الخطبة يختص بهذه الحالة فكان السماع أفضل. # وروي عن أبي يوسف أنه ينبغي أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~نفسه عند سماع اسمه لأن ذلك مما لا يشغله عن سماع الخطبة فكان إحراز ~~الفضيلتين أحق. # وأما العاطس فهل يحمد الله تعالى فالصحيح أنه يقول ذلك في نفسه؛ لأن ذلك ~~مما لا يشغله عن سماع الخطبة وكذا السلام حالة الخطبة مكروه لما قلنا هذا ~~الذي ذكرنا في حالة الخطبة، فأما عند الأذان الأخير حين خرج الإمام إلى ~~الخطبة وبعد الفراغ من الخطبة حين أخذ المؤذن في الإقامة إلى أن يفرغ هل ~~يكره ما يكره في حال الخطبة؟ على قول أبي حنيفة يكره، وعلى قولهما لا يكره ~~الكلام وتكره الصلاة واحتجا بما روي في الحديث خروج الإمام يقطع الصلاة ~~وكلامه يقطع الكلام جعل القاطع للكلام هو الخطبة فلا يكره قبل وجودها، ms0602 ولأن ~~النهي عن الكلام لوجوب استماع الخطبة، وإنما يجب حالة الخطبة بخلاف الصلاة؛ ~~لأنها تمتد غالبا فيفوت الاستماع وتكبيرة الافتتاح ولأبي حنيفة ما روي عن ~~ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهما - موقوفا عليهما ومرفوعا إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام» ~~. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا كان يوم الجمعة وقفت ~~الملائكة على أبواب المساجد يكتبون الناس الأول فالأول فإذا خرج الإمام ~~طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر» فقد # PageV01P264 # أخبر عن طي الصحف عند خروج الإمام وإنما يطوون الصحف إذا طوى الناس ~~الكلام؛ لأنهم إذا تكلموا يكتبونه عليهم لقوله تعالى {ما يلفظ من قول إلا ~~لديه رقيب عتيد} [ق: 18] ولأنه إذا خرج للخطبة كان مستعدا لها والمستعد ~~للشيء كالشارع فيه ولهذا ألحق الاستعداد بالشروع في كراهة الصلاة فكذا في ~~كراهة الكلام. # وأما الحديث فليس فيه أن غير الكلام يقطع الكلام فكان تمسكا بالسكوت وأنه ~~لا يصح ويكره للخطيب أن يتكلم في حالة الخطبة # ولو فعل لا تفسد الخطبة؛ لأنها ليست بصلاة فلا يفسدها كلام الناس لكنه ~~يكره؛ لأنها شرعت منظومة كالآذان والكلام يقطع النظم إلا إذا كان الكلام ~~أمرا بالمعروف فلا يكره؛ لما روي عن عمر أنه كان يخطب يوم الجمعة فدخل عليه ~~عثمان فقال له أية ساعة هذه؟ فقال: ما زدت حين سمعت النداء يا أمير ~~المؤمنين على أن توضأت فقال: والوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أمر بالاغتسال وهذا؛ لأن الأمر بالمعروف يلتحق بالخطبة؛ ~~لأن الخطبة فيها وعظ فلم يبق مكروها. # ولو أحدث الإمام بعد الخطبة قبل الشروع في الصلاة فقدم رجلا يصلي بالناس ~~إن كان ممن شهد الخطبة أو شيئا منها جاز، وإن لم يشهد شيئا من الخطبة لم ~~يجز ويصلي بهم الظهر أما إذا شهد الخطبة فلأن الثاني قام مقام الأول والأول ~~يقيم الجمعة فكذا الثاني وكذا إذا شهد شيئا منها؛ لأن ذلك القدر لو وجد ~~وحده وقع ms0603 معتدا به فكذا إذا وجد مع غيره، ويستوي الجواب بين ما إذا كان ~~الإمام مأذونا في الاستخلاف أو لم يكن بخلاف القاضي فإنه لا يملك الاستخلاف ~~إذا لم يكن مأذونا فيه، والفرق أن الجمعة مؤقتة تفوت بتأخيرها عند العذر ~~إذا لم يستخلف فالأمر بإقامتها مع علم الوالي أنه قد يعرض له عارض يمنعه من ~~الإقامة يكون إذنا بالاستخلاف دلالة بخلاف القاضي؛ لأن القضاء غير مؤقت لا ~~يفوت بتأخيره عند العذر فانعدم الإذن نصا ودلالة فهو الفرق. # وأما إذا لم يشهد الخطبة فلأنه منشئ للجمعة وليس بيان تحريمته على تحريمة ~~الإمام والخطبة شرط إنشاء الجمعة ولم توجد، ولو شرع الإمام في الصلاة ثم ~~أحدث فقدم رجلا جاء ساعتئذ أي لم يشهد الخطبة جاز وصلى بهم الجمعة؛ لأن ~~تحريمة الأول انعقدت للجمعة لوجود شرطها وهو الخطبة، والثاني بنى تحريمته ~~على تحريمة الإمام، والخطبة شرط انعقاد الجمعة في حق من ينشئ التحريمة في ~~الجمعة لا في حق من يبني تحريمته على تحريمة غيره بدليل أن المقتدي بالإمام ~~تصح جمعته وإن لم يدرك الخطبة لهذا المعنى فكذا هذا. # ، ولو تكلم الخليفة بعد ما شرع الإمام في الصلاة فإنه يستقبل بهم الجمعة ~~إن كان ممن شهد الخطبة وإن كان لم يشهد الخطبة فالقياس أن يصلي بهم الظهر ~~وفي الاستحسان يصلي بهم الجمعة. # وجه القياس ظاهر؛ لأنه ينشئ التحريمة في الجمعة، والخطبة شرط انعقاد ~~الجمعة في حق المنشئ لتحريمة الجمعة. # وجه الاستحسان أنه لما قام مقام الأول التحق به حكما ولو تكلم الأول ~~استقبل بهم الجمعة فكذا الثاني. # وذكر الحاكم في المختصر أن الإمام إذا أحدث وقدم رجلا لم يشهد الخطبة ~~فأحدث قبل الشروع لم يجز. # ولو قدم هذا الرجل محدثا آخر قد شهد الخطبة لم يجز؛ لأنه ليس من أهل ~~إقامة الجمعة بنفسه فلا يجوز منه الاستخلاف، وبمثله لو قدم جنبا قد شهد ~~الخطبة فقدم هذا الجنب رجلا طاهرا قد شهد الخطبة جاز؛ لأن الجنب الذي شهد ~~الخطبة من أهل الإقامة بواسطة الاغتسال فيصح منه ms0604 الاستخلاف. # ولو كان المقدم صبيا أو معتوها أو امرأة أو كافرا فقدم غيره ممن شهد ~~الخطبة لم يجز تقديمه بخلاف الجنب، والفرق أن الجنب أهل لأداء الجمعة؛ لأنه ~~قادر على اكتساب أهلية الأداء بإزالة الجنابة والحدث عن نفسه فكان هذا ~~استخلافا لمن له قدرة القيام بما استخلف عليه فصح كما في سائر المواضع التي ~~يستخلف فيها، فإذا قدم هو غيره صح؛ لأنه استخلفه بعد ما صار خليفة فكان له ~~ولاية الاستخلاف بخلاف الصبي والمعتوه والمرأة فإن الصبي والمعتوه ليسا من ~~أهل أداء الجمعة والمرأة ليست من أهل إمامة الرجال ولا قدرة لهم على اكتساب ~~شرط الأهلية فلم يصح استخلافهم إذ الاستخلاف شرع إبقاء للصلاة على الصحة، ~~واستخلاف من لا قدرة له على اكتساب الأهلية غير مفيد فلم يصح، وإذا لم يصح ~~استخلافهم كيف يصح منهم استخلاف ذلك الغير فإذا تقدم ذلك الغير فكأنه تقدم ~~بنفسه لالتحاق تقدمهم بالعدم شرعا. # ولو تقدم بنفسه في هذه الصلاة لا يجوز بخلاف سائر الصلوات حيث لا يحتاج ~~فيها إلى التقديم، والفرق أن إقامة الجمعة متعلقة بالإمام # PageV01P265 # والمتقدم ليس بمأمور من جهة السلطان أو نائبه فلم يجز تقدمه، فأما سائر ~~الصلوات فإقامتها غير متعلقة بالإمام، وبخلاف ما إذا استخلف الكافر مسلما ~~فأدى الجمعة لا يجوز وإن كان الكافر قادرا على اكتساب الأهلية بالإسلام؛ ~~لأن هذا من أمور الدين وهو يعتمد ولاية السلطنة ولا يجوز أن يثبت للكافر ~~ولاية السلطنة على المسلمين فلم يصح استخلافه بخلاف المحدث والجنب والله ~~أعلم. # قدم مسافرا أو عبدا أو مكاتبا وصلى بهم الجمعة جاز عندنا خلافا لزفر؛ لأن ~~هؤلاء من أهل إقامة الجمعة على ما بينا هذا إذا قدم الإمام أحدا فإن لم ~~يقدم وتقدم صاحب الشرط أو القاضي جاز؛ لأن هذا من أمور العامة وقد قلدهما ~~الإمام ما هو من أمور العامة فنزلا منزلة الإمام، ولأن الحاجة إلى الإمام ~~لدفع التنازع في التقدم وذا يحصل بتقدمهما لوجود دليل اختصاصهما من بين ~~سائر الناس وهو كون كل واحد منهما نائبا ms0605 للسلطان وعاملا من عماله، وكذا لو ~~قدم أحدهما رجلا قد شهد الخطبة جاز؛ لأنه ثبت لكل واحد منهما ولاية التقدم ~~على ما مر فتثبت ولاية التقديم؛ لأن كل من يملك إقامة الصلاة يملك إقامة ~~غيره مقامه. # وأما الجماعة فالكلام في الجماعة في مواضع، في بيان كونها شرطا للجمعة، ~~وفي بيان كيفية هذا الشرط، وفي بيان مقداره، وفي بيان صفة القوم الذين ~~تنعقد بهم الجمعة. # أما الأول فالدليل على أنها شرط أن هذه الصلاة تسمى جمعة فلا بد من لزوم ~~معنى الجمعة فيه اعتبارا للمعنى الذي أخذ اللفظ منه من حيث اللغة كما في ~~الصرف والسلم والرهن ونحو ذلك؛ ولأن ترك الظهر ثبت بهذه الشريطة على ما مر ~~ولهذا لم يؤد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجمعة إلا بجماعة وعليه ~~إجماع العلماء. # وأما بيان كيفية هذا الشرط فنقول: لا خلاف في أن الجماعة شرط لانعقاد ~~الجمعة حتى لا تنعقد الجمعة بدونها حتى إن الإمام إذا فرغ من الخطبة ثم نفر ~~الناس عنه إلا واحدا يصلي بهم في الظهر دون الجمعة، وكذا لو نفروا قبل أن ~~يخطب الإمام فخطب الإمام وحده ثم حضروا فصلى بهم الجمعة لا يجوز؛ لأن ~~الجماعة كما هي شرط انعقاد الجمعة حال الشروع في الصلاة فهي شرط حال سماع ~~الخطبة؛ لأن الخطبة بمنزلة شفع من الصلاة، قالت عائشة - رضي الله عنها - ~~إنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة فتشترط الجماعة حال سماعها كما تشترط حال ~~الشروع في الصلاة، واختلفوا في أنها هل هي شرط بقائها منعقدة إلى آخر ~~الصلاة؟ قال أصحابنا الثلاثة: إنها ليست بشرط، وقال زفر: إنها شرط للانعقاد ~~والبقاء جميعا فيشترط دوامها من أول الصلاة إلى آخرها كالطهارة وستر العورة ~~واستقبال القبلة ونحوها، حتى إنهم لو نفروا بعد ما قيد الركعة بالسجدة له ~~أن يتم الجمعة عندنا، وعند زفر إذا نفروا قبل أن يقعد الإمام قدر التشهد ~~فسدت الجمعة وعليه أن يستقبل الظهر. # وجه قوله أن الجماعة شرط لهذه الصلاة فكانت شرط الانعقاد والبقاء كسائر ~~الشروط من ms0606 الوقت وستر العورة واستقبال القبلة وهذا؛ لأن الأصل فيما جعل ~~شرطا للعبادة أن يكون شرطا لجميع أجزائها لتساوي أجزاء العبادة إلا إذا كان ~~شرطا لا يمكن قرانه لجميع الأجزاء لتعذر ذلك أو لما فيه من الحرج كالنية ~~فتجعل شرطا لانعقادها وهنا لا حرج في اشتراط دوام الجماعة إلى آخر الصلاة ~~في حق الإمام؛ لأن فوات هذا الشرط قبل تمام الصلاة في غاية الندرة فكان شرط ~~الأداء كما هو شرط الانعقاد، ولهذا شرط أبو حنيفة دوام هذا الشرط ركعة ~~كاملة وذا لا يشترط في شرط الانعقاد بخلاف المقتدي؛ لأن استدامة هذا الشرط ~~في حق المقتدي يوقعه في الحرج؛ لأنه كثيرا ما يسبق بركعة أو ركعتين فجعل في ~~حقه شرط الانعقاد لا غير وجه قول أصحابنا الثلاثة أن المعنى يقتضي أن لا ~~تكون الجماعة شرطا أصلا لا شرط الانعقاد ولا شرط البقاء؛ لأن الأصل أن يكون ~~شرط العبادة شيئا يدخل تحت قدرة المكلف تحصيله ليكون التكليف بقدر الوسع ~~إلا إذا كان شرطا هو كائن لا محالة كالوقت؛ لأنه إذا لم يكن كائنا لا محالة ~~لم يكن للمكلف بد من تحصيله ليتمكن من الأداء، ولا ولاية لكل مكلف على غيره ~~فلم يكن قادرا على تحصيل شرط الجماعة فكان ينبغي أن لا تكون الجماعة شرطا ~~أصلا إلا أنا جعلناها شرطا بالشرع فتجعل شرطا بقدر ما يحصل قبول حكم الشرع ~~وذلك يحصل بجعله شرط الانعقاد فلا حاجة إلى جعله شرط البقاء وصار كالنية بل ~~أولى؛ لأن في وسع المكلف تحصيل النية لكن لما كان في استدامتها حرج جعل شرط ~~الانعقاد دون البقاء دفعا للحرج فالشرط الذي لا يدخل تحت ولاية العباد أصلا ~~أولى أن لا يجعل شرطا لبقاء # PageV01P266 # فجعل شرط الانعقاد ولهذا كان من شرائط الانعقاد دون البقاء في حق المقتدي ~~بالإجماع فكذا في حق الإمام ثم اختلف أصحابنا الثلاثة فيما بينهم فقال أبو ~~حنيفة: إن الجماعة في حق الإمام شرط انعقاد الأداء لا شرط انعقاد التحريمة، ~~وقال أبو يوسف ومحمد: إنها شرط انعقاد التحريمة ms0607 حتى إنهم لو نفروا بعد ~~التحريمة قبل تقييد الركعة بسجدة فسدت الجمعة ويستقبل الظهر عنده كما قال ~~زفر وعندهما يتم الجمعة. # وجه قولهما أن الجماعة شرط انعقاد التحريمة في حق المقتدي فكذا في حق ~~الإمام والجامع أن تحريمة الجمعة إذا صحت صح بناء الجمعة عليها ولهذا لو ~~أدركه إنسان في التشهد صلى الجمعة ركعتين عنده وهو قول أبي يوسف إلا أن ~~محمدا ترك القياس هناك بالنص لما يذكر، ولأبي حنيفة أن الجماعة في حق ~~الإمام لو جعلت شرط انعقاد التحريمة لأدى إلى الحرج؛ لأن تحريمته حينئذ لا ~~تنعقد بدون مشاركة الجماعة إياه فيها، وذا لا يحصل إلا وأن تقع تكبيراتهم ~~مقارنة لتكبيرة الإمام، وأنه مما يتعذر مراعاته، وبالإجماع ليس بشرط فإنهم ~~لو كانوا حضورا وكبر الإمام ثم كبروا صح تكبيره وصار شارعا في الصلاة وصحت ~~مشاركتهم إياه فلم تجعل شرط انعقاد التحريمة لعدم الإمكان فجعلت شرط انعقاد ~~الأداء بخلاف القوم فإنه أمكن أن تجعل في حقهم شرط انعقاد التحريمة؛ لأنه ~~تحصل مشاركتهم إياه في التحريمة لا محالة وإن سبقهم الإمام بالتكبير، وإن ~~ثبت أن الجماعة في حق الإمام شرط انعقاد الأداء لا شرط انعقاد التحريمة، ~~فانعقاد الأداء بتقييد الركعة بسجدة؛ لأن الأداء فعل والحاجة إلى كون الفعل ~~أداء للصلاة، وفعل الصلاة هو القيام والقراءة والركوع والسجود، ولهذا لو ~~حلف لا يصلي فما لم يقيد الركعة بالسجدة لا يحنث، فإذا لم يقيد الركعة ~~بالسجدة لم يوجد الأداء فلم تنعقد فشرط دوام مشاركة الجماعة الإمام إلى ~~الفراغ عن الأداء. # ولو افتتح الجمعة وخلفه قوم ونفروا منه وبقي الإمام وحده فسدت صلاته ~~ويستقبل الظهر؛ لأن الجماعة شرط انعقاد الجمعة ولم توجد، ولو جاء قوم آخرون ~~فوقفوا خلفه ثم نفر الأولون فإن الإمام يمضي على صلاته لوجود الشرط هذا ~~الذي ذكرنا اشتراط المشاركة في حق الإمام. # وأما المشاركة في حق المقتدي فنقول لا خلاف في أنه لا تشترط المشاركة في ~~جميع الصلاة، ثم اختلفوا بعد ذلك فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المشاركة في ~~التحريمة ms0608 كافية، وعن محمد روايتان في رواية لا بد من المشاركة في ركعة ~~واحدة وفي رواية المشاركة في ركن منها كافية وهو قول زفر حتى أن المسبوق ~~إذا أدرك الإمام في الجمعة إن أدركه في الركعة الأولى أو الثانية أو كان في ~~ركوعها يصير مدركا للجمعة بلا خلاف. # وأما إذا أدركه في سجود الركعة الثانية أو في التشهد كان مدركا للجمعة ~~عند أبي حنيفة وأبي يوسف لوجود المشاركة في التحريمة، وعند محمد لا يصير ~~مدركا في رواية لعدم المشاركة في ركعة، وفي رواية يصير مدركا لوجود ~~المشاركة في بعض أركان الصلاة، وهو قول زفر. # وأما إذا أدركه بعدما قعد قدر التشهد قبل السلام أو بعد ما سلم وعليه ~~سجدة السهو وعاد إليهما فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يكون مدركا للجمعة لوقوع ~~المشاركة في التحريمة، وعند زفر لا يكون مدركا لعدم المشاركة في شيء من ~~أركان الصلاة ويصلي أربعا ولا تكون الأربع عند محمد ظهرا محضا، حتى قال: ~~يقرأ في الأربع كلها، وعنه في افتراض القعدة الأولى روايتان في رواية ~~الطحاوي عنه فرض، وفي رواية المعلى عنه ليست بفرض فكأن محمدا - رحمه الله - ~~سلك طريقة الاحتياط لتعارض الأدلة عليه فأوجب ما يخرجه عن الفرض بيقين، ~~جمعة كان الفرض أو ظهرا، وقيل على قول الشافعي الأربع ظهر محض حتى لو ترك ~~القعدة الأولى لا يوجب فساد الصلاة، واحتجوا في المسألة بما روي عن الزهري ~~بإسناده عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أدرك ~~ركعة من الجمعة فقد أدركها وليضف إليها أخرى وإن أدركهم جلوسا صلى أربعا» ~~وفي بعض الروايات صلى الظهر أربعا، وهذا نص في الباب؛ ولأن إقامة الجمعة ~~مقام الظهر عرف بنص الشرع بشرائط الجمعة، منها الجمعة والسلطان ولم توجد في ~~حق المقتدي فكان ينبغي أن يقضي كل مسبوق أربع ركعات إلا أن مدرك الركعة ~~يقضي ركعة بالنص ولا نص في المتنازع فيه، ثم مع هذه الأدلة يسلك محمد - ~~رحمه الله تعالى - مسلك الاحتياط لتعارض الأدلة. # واحتج ms0609 أبو حنيفة وأبو يوسف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا» أمر المسبوق بقضاء ما فاته وإنما ~~فاتته صلاة الإمام وهي ركعتان والحديث في حد الشهرة وروى أبو الدرداء عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أدرك الإمام في التشهد يوم ~~الجمعة فقد # PageV01P267 # أدرك الجمعة» ولأن سبب اللزوم هو التحريمة وقد شارك الإمام في التحريمة ~~وبنى تحريمته على تحريمة الإمام فيلزمه ما لزم الإمام كما في سائر الصلوات، ~~وتعلقهم بحديث الزهري غير صحيح فإن الثقات من أصحاب الزهري كمعمر والأوزاعي ~~ومالك رووا أنه قال: من أدرك ركعة من صلاة فقد أدركها، فأما ذكر الجمعة ~~فهذه الزيادة أو من أدركهم جلوسا صلى أربعا رواه ضعفاء أصحابه هكذا قال ~~الحاكم الشهيد ولئن ثبتت الزيادة فتأويلها وإن أدركهم جلوسا قد سلموا عملا ~~بالدليلين بقدر الإمكان وما ذكروا من المعنى يبطل بما إذا أدرك ركعة، ~~وقولهم هناك يقضي ركعة بالنص قلنا وههنا أيضا يقضي ركعتين بالنص الذي ~~روينا، وما ذكروا من الاحتياط غير سديد؛ لأن الأربع إن كانت ظهرا فلا يمكن ~~بناؤها على تحريمة عقدها للجمعة. # ألا يرى أنه لو أدركه في التشهد ونوى الظهر لم يصح اقتداؤه به وإن كانت ~~جمعة فالجمعة كيف تكون أربع ركعات على أنه لا احتياط إلا عند ظهور فساد ~~أدلة الخصوم وصحة دليلنا والله تعالى أعلم. ### | [مقدار الجماعة في صلاة الجمعة] # وأما الكلام في مقدار الجماعة فقد قال أبو حنيفة ومحمد: أدناه ثلاثة سوى ~~الإمام، وقال أبو يوسف: اثنان سوى الإمام، وقال الشافعي: لا تنعقد الجمعة ~~إلا بأربعين سوى الإمام. # أما الكلام مع الشافعي فهو يحتج بما روي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ~~أنه قال: كنت قائد أبي حين كف بصره فكان إذا سمع النداء يوم الجمعة استغفر ~~الله لأبي أمامة أسعد بن زرارة فقلت لأسألنه عن استغفاره لأبي أمامة فبينما ~~أنا أقوده في جمعة إذ سمع النداء فاستغفر الله لأبي أمامة فقلت: يل: إن ms0610 أول ~~من جمع بنا بالمدينة أسعد، فقلت: وكم كنتم يومئذ؟ فقال: كنا أربعين رجلا ~~ولأن ترك الظهر إلى الجمعة يكون بالنص ولم ينقل أنه - عليه الصلاة والسلام ~~- أقام الجمعة بثلاثة. # (ولنا) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يخطب فقدم عير تحمل الطعام ~~فانفضوا إليها وتركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائما وليس معه إلا ~~اثنا عشر رجلا منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - أجمعين وقد ~~أقام الجمعة بهم» . # وروي أن مصعب بن عمير قد أقام الجمعة بالمدينة مع اثني عشر رجلا؛ ولأن ~~الثلاثة تساوي ما وراءها في كونها جمعا فلا معنى لاشتراط جمع الأربعين ~~بخلاف الاثنين فإنه ليس بالجمع، ولا حجة له في حديث أسعد بن زرارة؛ لأن ~~الإقامة بالأربعين وقع اتفاقا. # ألا يرى أنه روي أن أسعد أقامها بسبعة عشر رجلا ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «أقامها باثني عشر رجلا حين انفضوا إلى التجارة وتركوه قائما» ~~. # وأما الكلام مع أصحابنا فوجه قول أبي يوسف إن شرط أداء الجمعة بجماعة وقد ~~وجد؛ لأنهما مع الإمام ثلاثة وهي جمع مطلق ولهذا يتقدمهما الإمام ويصطفان ~~خلفه ولهما أن الجمع المطلق شرط انعقاد الجمعة في حق كل واحد منهم، وشرط ~~جواز صلاة كل واحد منهم ينبغي أن يكون سواه فيحصل هذا الشرط ثم يصلي، ولا ~~يحصل هذا الشرط إلا إذا كان سوى الإمام ثلاثة إذ لو كان مع الإمام ثلاثة لا ~~يوجد في حق كل واحد منهم إلا اثنان والمثنى ليس بجمع مطلق، وهذا بخلاف سائر ~~الصلوات؛ لأن الجماعة هناك ليست بشرط للجواز حتى يجب على كل واحد تحصيل هذا ~~الشرط غير أنهما يصطفان خلف الإمام؛ لأن المقتدي تابع لإمامه فكان ينبغي أن ~~يقوم خلفه لإظهار معنى التبعية غير أنه إن كان واحدا لا يقوم خلفه لئلا ~~يصير منتبذا خلف الصفوف فيصير مرتكبا للنهي، فإذا صار اثنين زال هذا المعنى ~~فقاما خلفه والله تعالى أعلم. # وأما صفة القوم الذين تنعقد بهم الجمعة فعندنا أن كل من يصلح ms0611 إماما ~~للرجال في الصلوات المكتوبات تنعقد بهم الجمعة فيشترط صفة الذكورة والعقل ~~والبلوغ لا غير، ولا تشترط الحرية والإقامة حتى تنعقد الجمعة بقوم عبيد أو ~~مسافرين ولا تنعقد بالصبيان والمجانين والنساء على الانفراد، وقال الشافعي: ~~يشترط الحرية والإقامة في صفة القوم فلا تنعقد بالعبيد والمسافرين. # وجه قوله أنه لا جمعة عليهم فلا تنعقد بهم كالنسوان والصبيان. # (ولنا) أن درجة الإمام أعلى ثم صفة الحرية والإقامة ليست بشرط في الإمام ~~لما مر فلأن لا تشترط في القوم أولى، وإنما لا تجب الجمعة على العبيد ~~والمسافرين إذا لم يحضروا فأما إذا حضروا تجب؛ لأن المانع من الوجوب قد زال ~~بخلاف الصبيان والنسوان على ما ذكرنا فيما تقدم والله تعالى أعلم. ### | [وقت صلاة الجمعة] # وأما الوقت فمن شرائط الجمعة وهو وقت الظهر حتى لا يجوز تقديمها على زوال ~~الشمس لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لما بعث مصعب بن عمير # PageV01P268 # إلى المدينة قال له: «إذا مالت الشمس فصل بالناس الجمعة» وروي أنه «كتب ~~إلى أسعد بن زرارة إذا زالت الشمس من اليوم الذي تتجهز فيه اليهود لسبتها ~~فازدلف إلى الله تعالى بركعتين» وما روي أن ابن مسعود أقام الجمعة ضحى يعني ~~بالقرب منه ومراد الراوي أنه ما أخرها بعد الزوال فإن لم يؤدها حتى دخل وقت ~~العصر تسقط الجمعة؛ لأنها لا تقضى لما نذكر، وقال مالك: تجوز إقامة الجمعة ~~في وقت العصر وهو فاسد؛ لأنها أقيمت مقام الظهر بالنص فيصير وقت الظهر وقتا ~~للجمعة، وما أقيمت مقام غير الظهر من الصلوات فلم تكن مشروعة في غير وقته ~~والله أعلم هذا الذي ذكرنا من الشرائط مذكورة في ظاهر الرواية. # وذكر في النوادر شرطا آخر لم يذكره في ظاهر الرواية وهو أداء الجمعة ~~بطريق الاشتهار حتى إن أميرا لو جمع جيشه في الحصن وأغلق الأبواب وصلى بهم ~~الجمعة لا تجزئهم كذا ذكر في النوادر، فإنه قال: السلطان إذا صلى في فهندرة ~~والقوم مع أمراء السلطان في المسجد الجامع قال: إن فتح باب ms0612 داره وأذن ~~للعامة بالدخول في فهندرة جاز وتكون الصلاة في موضعين ولو لم يأذن للعامة ~~وصلى مع جيشه لا تجوز صلاة السلطان وتجوز صلاة العامة وإنما كان هذا شرطا؛ ~~لأن الله تعالى شرع النداء لصلاة الجمعة بقوله {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] والنداء ~~للاشتهار ولذا يسمى جمعة لاجتماع الجماعات فيها فاقتضى أن تكون الجماعات ~~كلها مأذونين بالحضور إذنا عاما تحقيقا لمعنى الاسم والله أعلم. ### | [فصل بيان مقدار صلاة الجمعة] # (فصل) : # وأما بيان مقدارها فمقدارها ركعتان عرفنا ذلك بفعل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - من بعده وعليه إجماع الأمة وينبغي ~~للإمام أن يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة مقدار ما يقرأ في صلاة ~~الظهر وقد ذكرناه. # ولو قرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة الجمعة وفي الثانية بفاتحة ~~الكتاب وسورة المنافقين تبركا بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحسن ~~فإنه روي أنه كان يقرأهما في صلاة الجمعة. # وروي أنه «قرأ في صلاة العيدين والجمعة سبح اسم ربك الأعلى والغاشية» فإن ~~تبرك بفعله - صلى الله عليه وسلم - وقرأ هذه السورة في أكثر الأوقات فنعم ~~ما فعل ولكن لا يواظب على قراءتها بل يقرأ غيرها في بعض الأوقات حتى لا ~~يؤدي إلى هجر بعض القرآن ولئلا تظنه العامة حتما، ويجهر بالقراءة فيها ~~لورود الأثر فيها بالجهر وهو ما روي عن ابن عباس أنه قال سمعت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «يقرأ في صلاة الجمعة في الركعة الأولى سورة الجمعة وفي ~~الثانية سورة المنافقين» ولو لم يجهر لما سمع وكذا الأمة توارثت ذلك، ولأن ~~الناس يوم الجمعة فرغوا قلوبهم عن الاهتمام لأمور التجارة لعظم ذلك الجمع ~~فيتأملون قراءة الإمام فتحصل لهم ثمرات القراءة فيجهر بها كما في صلاة ~~الليل. ### | [فصل بيان ما يفسد صلاة الجمعة] # (فصل) : # وأما بيان ما يفسدها. # وبيان حكمها إذا فسدت أو فاتت عن وقتها فنقول: إنه يفسد الجمعة ما يفسد ~~سائر الصلوات وقد ms0613 بينا ذلك في موضعه، والذي يفسدها على الخصوص أشياء، منها ~~خروج وقت الظهر في خلال الصلاة عند عامة المشايخ، وعند مالك لا يفسدها بناء ~~على أن الجمعة فرض مؤقت بوقت الظهر عند العامة حتى لا يجوز أداؤها في وقت ~~العصر، وعنده يجوز وقد مر الكلام فيه، وكذا خروج الوقت بعد ما قعد قدر ~~التشهد عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لا تفسد وهي ~~من المسائل الاثني عشرية وقد مرت، ومنها فوت الجماعة الجمعة قبل أن يقيد ~~الإمام الركعة بالسجدة بأن نفر الناس عنه، عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى ~~-، وعندهما لا تفسد. # وأما فوتها بعد تقييد الركعة بالسجدة فلا تفسد عند أصحابنا الثلاثة، وعند ~~زفر تفسد، وقد ذكرنا هذه المسائل. # وأما حكم فسادها فإن فسدت بخروج الوقت أو بفوت الجماعة يستقبل الظهر وإن ~~فسدت بما تفسد به عامة الصلوات من الحدث العمد والكلام وغير ذلك يستقبل ~~الجمعة عند وجود شرائطها. # وأما إذا فاتت عن وقتها وهو وقت الظهر سقطت عند عامة العلماء؛ لأن صلاة ~~الجمعة لا تقضى؛ لأن القضاء على حسب الأداء، والأداء فات بشرائط مخصوصة ~~يتعذر تحصيلها على كل فرد فتسقط بخلاف سائر المكتوبات إذا فاتت عن أوقاتها ~~والله أعلم. ### | [فصل بيان ما يستحب في يوم الجمعة وما يكره فيه] # (فصل) : # وأما بيان ما يستحب في يوم الجمعة وما يكره فيه. # فالمستحب في يوم الجمعة لمن يحضر الجمعة أن يدهن ويمس طيبا، ويلبس أحسن ~~ثيابه إن كان عنده ذلك، ويغتسل؛ لأن الجمعة من أعظم شعائر الإسلام فيستحب ~~أن # PageV01P269 # يكون المقيم لها على أحسن وصف، وقال مالك: غسل يوم الجمعة فريضة، واحتج ~~بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «غسل يوم الجمعة واجب ~~على كل محتلم» أو قال: «حق على كل محتلم» ؛ ولنا ما روى أبو هريرة - رضي ~~الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من توضأ يوم الجمعة ~~فبها ونعمت ومن اغتسل فهو أفضل» ، وما روي من الحديث فتأويله ms0614 مروي عن ابن ~~عباس وعائشة أنهما قالا: كان الناس عمال أنفسهم وكانوا يلبسون الصوف ~~ويعرقون فيه والمسجد قريب السمك فكان يتأذى بعضهم برائحة بعض فأمروا ~~بالاغتسال لهذا، ثم انتسخ هذا حين لبسوا غير الصوف وتركوا العمل بأيديهم ثم ~~غسل يوم الجمعة لصلاة الجمعة أم ليوم الجمعة؟ قال الحسن بن زياد: ليوم ~~الجمعة إظهارا لفضيلته، قال النبي: - صلى الله عليه وسلم - «سيد الأيام يوم ~~الجمعة» ، وقال أبو يوسف: لصلاة الجمعة؛ لأنها مؤداة بشرائط ليست لغيرها ~~فلها من الفضيلة ما ليس لغيرها، وفائدة الاختلاف أن من اغتسل يوم الجمعة ~~قبل صلاة الجمعة ثم أحدث فتوضأ وصلى به الجمعة فعند أبي يوسف لا يصير مدركا ~~لفضيلة الغسل، وعند الحسن يصير مدركا لها، وكذا إذا توضأ وصلى به الجمعة ثم ~~اغتسل فهو على هذا الاختلاف فأما إذا اغتسل يوم الجمعة وصلى به الجمعة فإنه ~~ينال فضيلة الغسل بالإجماع على اختلاف الأصلين لوجود الاغتسال والصلاة به ~~والله أعلم. # وأما ما يكره في يوم الجمعة فنقول تكره صلاة الظهر يوم الجمعة بجماعة في ~~المصر في سجن وغير سجن هكذا روي عن علي - رضي الله عنه -، وهكذا جرى ~~التوارث بإغلاق أبواب المساجد في وقت الظهر يوم الجمعة في الأمصار فدل ذلك ~~على كراهة الجماعة فيها في حق الكل؛ ولأنا لو أطلقنا للمعذور إقامة الظهر ~~بالجماعة في المصر فربما يقتدي به غير المعذور فيؤدي إلى تقليل جمع الجمعة، ~~وهذا لا يجوز؛ ولأن ساكن المصر مأمور بشيئين في هذا الوقت بترك الجماعات ~~وشهود الجمعة، والمعذور قدر على أحدهما وهو ترك الجماعات فيؤمر بالترك. # وأما أهل القرى فإنهم يصلون الظهر بجماعة بأذان وإقامة؛ لأنه ليس عليهم ~~شهود الجمعة ولأن في إقامة الجماعة فيها تقليل جمع الجمعة فكان هذا اليوم ~~في حقهم كسائر الأيام، وكذا يكره البيع والشراء يوم الجمعة إذا صعد الإمام ~~المنبر وأذن المؤذنون بين يديه لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} [الجمعة: 9] والأمر ~~بترك البيع يكون ms0615 نهيا عن مباشرته وأدنى درجات النهي الكراهة. # ولو باع يجوز؛ لأن الأمر بترك البيع ليس لعين البيع بل لترك استماع ~~الخطبة. ### | [فصل في أنواع الصلاة الواجبة ومنها صلاة الوتر] # (فصل) . # وأما فرض الكفاية فصلاة الجنازة. # ونذكرها في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى. # (فصل) . # وأما الصلاة الواجبة فنوعان: صلاة الوتر، وصلاة العيدين. # (أما صلاة الوتر) فالكلام في الوتر يقع في مواضع، في بيان صفة الوتر أنه ~~واجب أم سنة، وفي بيان من يجب عليه، وفي بيان مقداره، وفي بيان وقته، وفي ~~بيان صفة القراءة التي فيه ومقدارها، وفي بيان ما يفسده، وفي بيان حكمه إذا ~~فسد أو فات عن وقته، وفي بيان القنوت. # أما الأول فعند أبي حنيفة فيه ثلاث روايات، روى حماد بن زيد عنه أنه فرض، ~~وروى يوسف بن خالد السمتي أنه واجب، وروى نوح بن أبي مريم المروزي في ~~الجامع عنه أنه سنة وبه أخذ أبو يوسف ومحمد والشافعي - رحمهم الله - ~~وقالوا: إنه سنة مؤكدة آكد من سائر السنن المؤقتة، واحتجوا بما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم ~~الوتر والضحى والأضحى» وفي رواية «ثلاث كتبت علي وهي لكم سنة الوتر والضحى ~~والأضحى» ، وعن عبادة بن الصامت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إن الله كتب عليكم في كل يوم وليلة خمس صلوات» ، وقال - صلى الله عليه ~~وسلم - في خطبة الوداع: «صلوا خمسكم» وكذا المروي في حديث «معاذ أنه لما ~~بعثه إلى اليمن قال له: أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم ~~وليلة» ولو كان الوتر واجبا لصار المفروض ست صلوات في كل يوم وليلة ولأن ~~زيادة الوتر على الخمس المكتوبات نسخ لها؛ لأن الخمس قبل الزيادة كانت كل ~~وظيفة اليوم والليلة، وبعد الزيادة تصير بعض الوظيفة فينسخ وصف الكلية بها، ~~ولا يجوز نسخ الكتاب والمشاهير من الأحاديث بالآحاد ولأن علامات السنن فيها ~~ظاهرة فإنها تؤدى تبعا للعشاء، والفرض ما لا يكون تابعا لفرض ms0616 آخر، وليس لها ~~وقت ولا أذان ولا إقامة ولا جماعة، ولفرائض الصلوات أوقات وأذان وإقامة ~~جماعة ولذا يقرأ في الثلاث # PageV01P270 # كلها، وهذا من أمارات السنن ولأبي حنيفة ما روى خارجة بن حذافة عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله تعالى زادكم صلاة ألا وهي الوتر ~~فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» والاستدلال به من وجهين: أحدهما أنه ~~أمر بها ومطلق الأمر للوجوب، والثاني أنه سماها زيادة والزيادة على الشيء ~~لا تتصور إلا من جنسه فأما إذا كان غيره فإنه يكون قرانا لا زيادة ولأن ~~الزيادة إنما تتصور على المقدر وهو الفرض، فأما النفل فليس بمقدر فلا تتحقق ~~الزيادة عليه، ولا يقال: إنها زيادة على الفرض لكن في الفعل لا في الوجوب؛ ~~لأنهم كانوا يفعلونها قبل ذلك ألا ترى أنه قال: ألا وهي الوتر؟ ذكرها معرفة ~~بحرف التعريف، ومثل هذا التعريف لا يحصل إلا بالعهد ولذا لم يستفسروها. # ولو لم يكن فعلها معهودا لاستفسروا فدل أن ذلك في الوجوب لا في الفعل، ~~ولا يقال: إنها زيادة على السنن؛ لأنها كانت تؤدى قبل ذلك بطريق السنة. # وروي عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أوتروا يا أهل ~~القرآن فمن لم يوتر فليس منا» ومطلق الأمر للوجوب، وكذا التوعد على الترك ~~دليل الوجوب، وروى أبو بكر أحمد بن علي الرازي بإسناده عن أبي سليمان ابن ~~أبي بردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الوتر حق واجب فمن لم ~~يوتر فليس منا» وهذا نص في الباب، وعن الحسن البصري أنه قال: أجمع المسلمون ~~على أن الوتر حق واجب، وكذا حكى الطحاوي فيه إجماع السلف ومثلهما لا يكذب؛ ~~ولأنه إذا فات عن وقته يقضى عندهما وهو أحد قولي الشافعي، ووجوب القضاء عن ~~الفوات لا عن عذر يدل على وجوب الأداء؛ ولذا لا يؤدى على الراحلة بالإجماع ~~عند القدرة على النزول، وبعينه ورد الحديث وذا من أمارات الوجوب والفرضية ~~ولأنها مقدرة بالثلاث والتنفل بالثلاث ليس بمشروع. # وأما ms0617 الأحاديث أما الأول ففيه نفي الفرضية دون الوجوب؛ لأن الكتابة عبارة ~~عن الفرضية ونحن به نقول: إنها ليست بفرض ولكنها واجبة وهي آخر أقوال أبي ~~حنيفة، والرواية الأخرى محمولة على ما قبل الوجوب ولا حجة لهم في الأحاديث ~~الأخر؛ لأنها تدل على فرضية الخمس، والوتر عندنا ليست بفرض بل هي واجبة، ~~وفي هذا حكاية وهو ما روي أن يوسف بن خالد السمتي سأل أبا حنيفة عن الوتر ~~فقال: هي واجبة، فقال يوسف: كفرت يا أبا حنيفة وكان ذلك قبل أن يتلمذ عليه ~~كأنه فهم من قول أبي حنيفة أنه يقول إنها فريضة فزعم أنه زاد على الفرائض ~~الخمس فقال أبو حنيفة ليوسف أيهولني إكفارك إياي وأنا أعرف الفرق بين ~~الواجب والفرض كفرق ما بين السماء والأرض، ثم بين له الفرق بينهما فاعتذر ~~إليه وجلس عنده للتعلم بعد أن كان من أعيان فقهاء البصرة، وإذا لم يكن فرضا ~~لم تصر الفرائض الخمس ستا بزيادة الوتر عليها وبه تبين أن زيادة الوتر على ~~الخمس ليست نسخا لها؛ لأنها بقيت بعد الزيادة كل وظيفة اليوم والليلة فرضا. # أما قولهم: إنه لا وقت لها فليس كذلك بل لها وقت وهو وقت العشاء إلا أن ~~تقديم العشاء عليها شرط عند التذكر، وذا لا يدل على التبعية كتقديم كل فرض ~~على ما يعقبه من الفرائض، ولهذا اختص بوقت استحسانا فإن تأخيرها إلى آخر ~~الليل مستحب وتأخير العشاء إلى آخر الليل يكره أشد الكراهة، وذا أمارة ~~الأصالة إذ لو كانت تابعة للعشاء لتبعته في الكراهة والاستحباب جميعا. # وأما الجماعة والأذان والإقامة فلأنها من شعائر الإسلام فتختص بالفرائض ~~المطلقة ولهذا لا مدخل لها في صلاة النساء وصلاة العيدين والكسوف. # وأما القراءة في الركعات كلها فلضرب احتياط عند تباعد الأدلة عن إدخالها ~~تحت الفرائض المطلقة على ما نذكر. ### | [فصل بيان من تجب عليه صلاة الوتر] # (فصل) : # وأما بيان من تجب عليه. # فوجوبه لا يختص بالبعض دون البعض كالجمعة وصلاة العيدين بل يعم الناس ~~أجمع من الحر والعبد والذكر والأنثى ms0618 بعد أن كان أهلا للوجوب؛ لأن ما ذكرنا ~~من دلائل الوجوب لا يوجب الفصل. ### | [فصل الكلام في مقدار صلاة الوتر] # (فصل) : # وأما الكلام في مقداره. # فقد اختلف العلماء فيه قال أصحابنا: الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة في ~~الأوقات كلها، وقال الشافعي هو بالخيار إن شاء أوتر بركعة أو ثلاث أو خمس ~~أو سبع أو تسع أو أحد عشر في الأوقات كلها، وقال الزهري: في شهر رمضان ثلاث ~~ركعات وفي غيره ركعة احتج الشافعي بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «من شاء أوتر بركعة ومن شاء أوتر بثلاث أو بخمس» ، ولنا ما روي عن ~~ابن مسعود وابن عباس وعائشة - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: «كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث ركعات» ، وعن الحسن قال أجمع # PageV01P271 # المسلمون على أن الوتر ثلاث لا سلام إلا في آخرهن، ومثله لا يكذب؛ ولأن ~~الوتر نفل عنده والنوافل اتباع الفرائض فيجب أن يكون لها نظيرا من الأصول ~~والركعة الواحدة غير معهودة فرضا وحديث التخيير محمول على ما قبل استقرار ~~أمر الوتر بدليل ما روينا. ### | [فصل بيان وقت الوتر] # (فصل) : # وأما بيان وقته. # فالكلام فيه في موضعين: أحدهما في بيان أصل الوقت، وفي بيان الوقت ~~المستحب. # أما أصل الوقت فوقت العشاء عند أبي حنيفة إلا أنه شرع مرتبا عليه حتى لا ~~يجوز أداؤه قبل صلاة العشاء مع أنه وقته لعدم شرطه وهو الترتيب إلا إذا كان ~~ناسيا كوقت أداء الوقتية وهو وقت الفائتة لكنه شرع مرتبا عليه، وعند أبي ~~يوسف ومحمد والشافعي وقته بعد أداء صلاة العشاء وهذا بناء على ما ذكرنا أن ~~الوتر واجب عند أبي حنيفة وعندهم، سنة ويبنى على هذا الأصل مسألتان: ~~إحداهما أن من صلى العشاء على غير وضوء وهو لا يعلم ثم توضأ فأوتر ثم تذكر ~~أعاد صلاة العشاء بالاتفاق ولا يعيد الوتر في قول أبي حنيفة، وعندهما يعيد ~~ووجه البناء على هذا الأصل أنه لما كان واجبا عند أبي حنيفة كان أصلا بنفسه ~~في ms0619 حق الوقت لا تبعا للعشاء فكما غاب الشفق دخل وقته كما دخل وقت العشاء ~~إلا أن وقته بعد فعل العشاء إلا أن تقديم أحدهما على الآخر واجب حالة ~~التذكر فعند النسيان يسقط كما في العصر والظهر التي لم يؤدها حتى دخل وقت ~~العصر يجب ترتيب العصر على الظهر عند التذكر، ثم يجوز تقديم العصر على ~~الظهر عند النسيان كذا هذا، والدليل على أن وقته ما ذكرنا لا ما بعد فعل ~~العشاء أنه لو لم يصل العشاء حتى طلع الفجر لزمه قضاء الوتر كما يلزمه قضاء ~~العشاء ولو كان وقتها ذلك لما وجب قضاؤها إذا لم يتحقق وقتها لاستحالة تحقق ~~ما بعد فعل العشاء بدون فعل العشاء، هذا هو تخريج قول أبي حنيفة على هذا ~~الأصل. # وأما تخريج قولهما أنه لما كان سنة كان وقته ما بعد وقت العشاء لكونه ~~تبعا للعشاء كوقت ركعتي الفجر ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~ذلك الحديث: «زادكم صلاة وجعلها لكم ما بين العشاء إلى طلوع الفجر» ووجود ~~ما بين شيئين سابقا على وجودهما محال، والجواب أن إطلاق الفعل بعد العشاء ~~لا ينفي الإطلاق قبله، وعلى هذا الاختلاف إذا صلى الوتر على ظن أنه صلى ~~العشاء ثم تبين أنه لم يصل العشاء يصلي العشاء بالإجماع ولا يعيد الوتر ~~عنده، وعندهما يعيد، والمسألة الثانية مسألة الجامع الصغير وهو أن من صلى ~~الفجر وهو ذاكر أنه لم يوتر وفي الوقت سعة لا يجوز عنده؛ لأن الواجب ملحق ~~بالفرض في العمل فيجب مراعاة الترتيب بينه وبين الفرض وعندهما يجوز؛ لأن ~~مراعاة الترتيب بين السنة والمكتوبة غير واجبة. # ولو ترك الوتر عند وقته حتى طلع الفجر يجب عليه القضاء عند أصحابنا خلافا ~~للشافعي، أما عند أبي حنيفة فلا يشكل؛ لأنه واجب فكان مضمونا بالقضاء ~~كالفرض، وعدم وجوب القضاء عند الشافعي لا يشكل أيضا؛ لأنه سنة عندهما، وكذا ~~القياس عندهما أن لا يقضي، وهكذا روي عنهما في غير رواية الأصول لكنهما ~~استحسنا في القضاء بالأثر وهو قول النبي ms0620 - صلى الله عليه وسلم - «من نام عن ~~وتر أو نسيه فليصله إذا ذكره» فإن ذلك وقته، ولم يفصل بين ما إذا تذكر في ~~الوقت أو بعده؛ ولأنه محل الاجتهاد فأوجب القضاء احتياطا. # وأما الوقت المستحب للوتر فهو آخر الليل لما روي عن عائشة - رضي الله ~~عنها - أنها سئلت عن وتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت «تارة كان ~~يوتر في أول الليل وتارة في وسط الليل وتارة في آخر الليل ثم صار وتره في ~~آخر عمره في آخر الليل» ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «صلاة الليل ~~مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بركعة» وهذا إذا كان لا يخاف فوته فإن كان يخاف ~~فوته يجب أن لا ينام إلا عن وتر «، وأبو بكر - رضي الله عنه - كان يوتر في ~~أول الليل، وعمر كان يوتر في آخر الليل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لأبي بكر: أخذت بالثقة وقال لعمر: أخذت بفضل القوة» . ### | [فصل صفة القراءة في صلاة الوتر] # (فصل) : # وأما صفة القراءة فيه. # فالقراءة فيه فرض في الركعات كلها أما عندهم فلا يشكل؛ لأنه نفل، وعند ~~أبي حنيفة وإن كان واجبا لكن الواجب ما يحتمل أنه فرض ويحتمل أنه نفل لكن ~~يرجح جهة الفرضية فيه بدليل فيه شبهة فيجعل واجبا مع احتمال النفلية فإن ~~كان فرضا يكتفى بالقراءة في ركعتين منه كما في المغرب، وإن كان نفلا يشترط ~~في الركعات كلها كما في النوافل فكان الاحتياط في وجوبها في الكل لم يذكر ~~الكرخي في مختصره قدر # PageV01P272 # القراءة في الوتر وذكر محمد في الأصل وقال: وما قرأ في الوتر فهو حسن، ~~وبلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «قرأ في الوتر في الركعة ~~الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفي ~~الثالثة بقل هو الله أحد» ، ولا ينبغي أن يوقت شيئا من القرآن في الوتر لما ~~مر، ولو قرأ في الركعة الأولى {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] ، وفي ~~الثانية {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] ، وفي ms0621 الثالثة {قل هو الله ~~أحد} [الإخلاص: 1] اتباعا للنبي - صلى الله عليه وسلم - كان حسنا لكن لا ~~يواظب عليه كي لا يظنه الجهال حتما، ثم إذا فرغ من القراءة في الركعة ~~الثانية كبر ورفع يديه حذاء أذنيه ثم أرسلهما ثم يقنت. # أما التكبير فلما روي عن علي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه «كان إذا أراد أن يقنت كبر وقنت» . # وأما رفع اليدين فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا ترفع اليدين إلا ~~في سبعة مواطن» وذكر من جملتها القنوت. # وأما الإرسال فقد ذكرنا تفسيره فيما تقدم والله الموفق. ### | [فصل في القنوت] # (فصل) : # وأما القنوت فالكلام فيه في مواضع: في صفة القنوت، ومحل أدائه، ومقداره ~~ودعائه، وحكمه إذا فات عن محله. # أما الأول فالقنوت واجب عند أبي حنيفة وعندهما سنة، والكلام فيه كالكلام ~~في أصل الوتر. # وأما محل أدائه فالوتر في جميع السنة قبل الركوع عندنا، وقد خالفنا ~~الشافعي في المواضع الثلاثة فقال: يقنت في صلاة الفجر في الركعة الثانية ~~بعد الركوع ولا يقنت في الوتر إلا في النصف الأخير من رمضان بعد الركوع، ~~واحتج في المسألة الأولى بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~«يقنت في صلاة الفجر وكان يدعو على قبائل» ، ولنا ما روى ابن مسعود وجماعة ~~من الصحابة - رضي الله عنهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قنت في ~~صلاة الفجر شهرا كان يدعو في قنوته على رعل وذكوان ويقول اللهم اشدد وطأتك ~~على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ثم تركه فكان منسوخا» دل عليه أنه ~~روي أنه - صلى الله عليه وسلم - «كان يقنت في صلاة المغرب كما في صلاة ~~الفجر» وذلك منسوخ بالإجماع، وقال أبو عثمان النهدي صليت خلف أبي بكر وخلف ~~عمر كذلك فلم أر أحدا منهما يقنت في صلاة الفجر واحتج في المسألة الثانية ~~بما روي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما أمر أبي بن كعب بالإمامة في ~~ليالي رمضان أمره بالقنوت في النصف الأخير منه، ms0622 ولنا ما روي عن عمر وعلي ~~وابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: «راعينا صلاة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بالليل يقنت قبل الركوع» ولم يذكروا وقتا في ~~السنة، وتأويل ما رواه الشافعي أنه طول القيام بالقراءة، وطول القيام يسمى ~~قنوتا؛ لأنه أراد به القنوت في الوتر وإنما حملناه على هذا؛ لأن إمامة أبي ~~بن كعب كانت بمحضر من الصحابة ولا يخفى عليهم حاله، وقد روينا عنهم بخلافه، ~~واستدل في المسألة الثالثة بصلاة الفجر، ثم قد صح في الحديث عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «أنه كان يقنت في صلاة الفجر بعد الركوع» فقاس عليه ~~القنوت في الوتر، ولنا ما روينا عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - ~~«قنوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الوتر قبل الركوع» ، واستدلاله ~~بصلاة الفجر غير سديد؛ لأنه استدلال بالمنسوخ على ما مر. # وأما مقدار القنوت فقد ذكر الكرخي أن مقدار القيام في القنوت مقدار سورة ~~{إذا السماء انشقت} [الانشقاق: 1] ، وكذا ذكر في الأصل؛ لما روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه «كان يقرأ في القنوت اللهم إنا نستعينك، اللهم ~~اهدنا فيمن هديت، وكلاهما على مقدار هذه السورة» . # وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - «كان لا يطول في دعاء القنوت» . # وأما دعاء القنوت فليس في القنوت دعاء موقت كذا ذكر الكرخي في كتاب ~~الصلاة؛ لأنه روي عن الصحابة أدعية مختلفة في حال القنوت؛ ولأن الموقت من ~~الدعاء يجري على لسان الداعي من غير احتياجه إلى إحضار قلبه وصدق الرغبة ~~منه إلى الله تعالى فيبعد عن الإجابة؛ ولأنه لا توقيت في القراءة لشيء من ~~الصلوات ففي دعاء القنوت أولى، وقد روي عن محمد أنه قال: التوقيت في الدعاء ~~يذهب رقة القلب، وقال بعض مشايخنا: المراد من قوله ليس في القنوت دعاء موقت ~~ما سوى قوله اللهم إنا نستعينك؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - اتفقوا على ~~هذا في القنوت فالأولى أن يقرأه. # ولو قرأ غيره جاز ولو قرأ معه غيره كان ms0623 حسنا، والأولى أن يقرأ بعده ما ~~علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحسن بن علي - رضي الله عنهما - في ~~قنوته «اللهم اهدنا فيمن هديت» إلى آخره، وقال بعضهم: الأفضل في الوتر أن ~~يكون فيه دعاء موقت؛ لأن الإمام ربما # PageV01P273 # يكون جاهلا فيأتي بدعاء يشبه كلام الناس فيفسد الصلاة، وما روي عن محمد ~~أن التوقيت في الدعاء يذهب رقة القلب محمول على أدعية المناسك دون الصلاة ~~لما ذكرنا. # وأما صفة دعاء القنوت من الجهر والمخافتة فقد ذكر القاضي في شرحه مختصر ~~الطحاوي أنه إن كان منفردا فهو بالخيار إن شاء جهر وأسمع غيره وإن شاء جهر ~~وأسمع نفسه وإن شاء أسر كما في القراءة وإن كان إماما يجهر بالقنوت لكن دون ~~الجهر بالقراءة في الصلاة والقوم يتابعونه هكذا إلى قوله إن عذابك بالكفار ~~ملحق، وإذا دعا الإمام بعد ذلك هل يتابعه القوم؟ ذكر في الفتاوى اختلافا ~~بين أبي يوسف ومحمد، في قول أبي يوسف يتابعونه ويقرءون وفي قول محمد لا ~~يقرءون ولكن يؤمنون، وقال بعضهم إن شاء القوم سكتوا. # وأما الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في القنوت فقد قال: أبو ~~القاسم الصفار لا يفعل؛ لأن هذا ليس موضعها، وقال الفقيه أبو الليث: يأتي ~~بها؛ لأن القنوت دعاء فالأفضل أن يكون فيه الصلاة على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ذكره في الفتاوى هذا كله مذكور في شرح القاضي مختصر الطحاوي، ~~واختار مشايخنا بما وراء النهر الإخفاء في دعاء القنوت في حق الإمام والقوم ~~جميعا لقوله تعالى {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} [الأعراف: 55] ، وقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «خير الدعاء الخفي» . # وأما حكم القنوت إذا فات عن محله فنقول: إذا نسي القنوت حتى ركع ثم تذكر ~~بعد ما رفع رأسه من الركوع لا يعود ويسقط عنه القنوت وإن كان في الركوع ~~فكذلك في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول أنه يعود إلى القنوت؛ لأنه له شبها ~~بالقراءة فيعود كما لو ترك الفاتحة أو السورة. # ولو تذكر ms0624 في الركوع أو بعد ما رفع رأسه منه أنه ترك الفاتحة أو السورة ~~يعود وينتقض ركوعه كذا ههنا ووجه الفرق على ظاهر الرواية أن الركوع يتكامل ~~بقراءة الفاتحة والسورة؛ لأن الركوع لا يعتبر بدون القراءة أصلا فيتكامل ~~بتكامل القراءة، وقراءة الفاتحة والسورة على التعيين واجبة فينتقض الركوع ~~بتركها فكان نقض الركوع للأداء على الوجه الأكمل والأحسن فكان مشروعا فأما ~~القنوت فليس مما يتكامل به الركوع. # ألا ترى أنه لا قنوت في سائر الصلوات؟ والركوع معتبر بدونه فلم يكن النقض ~~للتكميل لكماله في نفسه. # ولو نقض كان النقض لأداء القنوت الواجب ولا يجوز نقض الفرض لتحصيل الواجب ~~فهو الفرق، ولا يقنت في الركوع أيضا بخلاف تكبيرات العيد إذا تذكرها في حال ~~الركوع حيث يكبر فيه، والفرق أن تكبيرات العيد لم تختص بالقيام المحض. # ألا ترى أن تكبيرة الركوع يؤتى بها في حال الانحطاط؟ وهي محسوبة من ~~تكبيرات العيد بإجماع الصحابة، فإذا جاز أداء واحدة منها في غير محض القيام ~~من غير عذر جاز أداء الباقي مع قيام العذر بطريق الأولى، فأما القنوت فلم ~~يشرع إلا في محض القيام غير معقول المعنى فلا يتعدى إلى الركوع الذي هو ~~قيام من وجه. # ولو أنه عاد إلى القيام وقنت ينبغي أن لا ينتقض ركوعه على قياس ظاهر ~~الرواية بخلاف ما إذا عاد إلى قراءة الفاتحة أو السورة حيث ينتقض ركوعه، ~~والفرق أن محل القراءة قائم ما لم يقيد الركعة بالسجدة. # ألا ترى أنه يعود فإذا عاد وقرأ الفاتحة أو السورة وقع الكل فرضا؟ فيجب ~~مراعاة الترتيب بين الفرائض ولا يتحقق ذلك إلا بنقض الركوع بخلاف القنوت؛ ~~لأن محله قد فات. # ألا ترى أنه لا يعود؟ فإذا عاد فقد قصد نقض الفرض لتحصيل واجب فات عليه ~~فلا يملك ذلك. # ولو عاد إلى قراءة الفاتحة أو السورة فقرأها وركع مرة أخرى فأدركه رجل في ~~الركوع الثاني كان مدركا للركعة. # ولو كان أتم قراءته وركع فظن أنه لم يقرأ فرفع رأسه منه يعود فيقرأ ويعيد ~~القنوت والركوع، ms0625 وهذا ظاهر؛ لأن الركوع ههنا حصل قبل القراءة فلم يعتبر ~~أصلا ولو حصل قبل قراءة الفاتحة أو السورة يعود ويعيد الركوع فههنا أولى. ### | [فصل بيان ما يفسد الوتر وبيان حكمه إذا فسد] # (فصل) : # وأما بيان ما يفسده، وبيان حكمه إذا فسد أو فات عن وقته. # أما ما يفسده وحكمه إذا فسد فما ذكرنا في الصلوات المكتوبات، وإذا فات عن ~~وقته يقضي على اختلاف الأقاويل على ما بينا والله تعالى أعلم. ### | [فصل صلاة العيدين] # (فصل) : # (وأما صلاة العيدين) فالكلام فيها يقع في مواضع: في بيان أنها واجبة أم ~~سنة، وفي بيان شرائط وجوبها وجوازها، وفي بيان وقت أدائها، وفي بيان قدرها ~~وكيفية أدائها، وفي بيان ما يفسدها، وفي بيان حكمها إذا فسدت أو فاتت عن ~~وقتها، وفي بيان ما يستحب في يوم العيد. # أما الأول فقد نص الكرخي على الوجوب فقال # PageV01P274 # وتجب صلاة العيدين على أهل الأمصار كما تجب الجمعة وهكذا روى الحسن عن ~~أبي حنيفة أنه تجب صلاة العيد على من تجب عليه صلاة الجمعة، وذكر في الأصل ~~ما يدل على الوجوب فإنه قال: لا يصلى التطوع بالجماعة ما خلا قيام رمضان ~~وكسوف الشمس، وصلاة العيد تؤدى بجماعة فلو كانت سنة ولم تكن واجبة ~~لاستثناها كما استثنى التراويح وصلاة الكسوف وسماه سنة في الجامع الصغير ~~فإنه قال في العيدين اجتمعا في يوم واحد فالأول سنة وهذا اختلاف من حيث ~~العبارة فتأويل ما ذكره في الجامع الصغير أنها واجبة بالسنة أم هي سنة ~~مؤكدة وأنها في معنى الواجب على أن إطلاق اسم السنة لا ينفي الوجوب بعد ~~قيام الدليل على وجوبها، وذكر أبو موسى الضرير في مختصره أنها فرض كفاية ~~والصحيح أنها واجبة، وهذا قول أصحابنا، وقال الشافعي: إنها سنة وليست ~~بواجبة. # وجه قوله أنها بدل صلاة الضحى وتلك سنة فكذا هذه؛ لأن البدل لا يخالف ~~الأصل، ولنا قوله تعالى {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2] قيل في التفسير صل ~~صلاة العيد وانحر الجزور، ومطلق الأمر للوجوب، وقوله تعالى {ولتكبروا الله ~~على ما ms0626 هداكم} [البقرة: 185] قيل المراد منه صلاة العيد؛ ولأنها من شعائر ~~الإسلام فلو كانت سنة فربما اجتمع الناس على تركها فيفوت ما هو من شعائر ~~الإسلام فكانت واجبة صيانة لما هو من شعائر الإسلام عن الفوت. ### | [فصل شرائط وجوب وجواز صلاة العيدين] # (فصل) : # وأما شرائط وجوبها وجوازها فكل ما هو شرط وجوب الجمعة وجوازها فهو شرط ~~وجوب صلاة العيدين وجوازها من الإمام والمصر والجماعة والوقت إلا الخطبة ~~فإنها سنة بعد الصلاة. # ولو تركها جازت صلاة العيد. # أما الإمام فشرط عندنا لما ذكرنا في صلاة الجمعة وكذا المصر لما روينا عن ~~علي - رضي الله عنه - أنه قال: لا جمعة ولا تشريق ولا فطر ولا أضحى إلا في ~~مصر جامع ولم يرد بذلك نفس الفطر ونفس الأضحى ونفس التشريق؛ لأن ذلك مما ~~يوجد في كل موضع بل المراد من لفظ الفطر والأضحى صلاة العيدين؛ ولأنها ما ~~ثبتت بالتوارث من الصدر الأول إلا في الأمصار، ويجوز أداؤها في موضعين؛ لما ~~ذكرنا في الجمعة، والجماعة شرط؛ لأنها ما أديت إلا بجماعة والوقت شرط فإنها ~~لا تؤدى إلا في وقت مخصوص به جرى التوارث، وكذا الذكورة، والعقل، والبلوغ، ~~والحرية، وصحة البدن، والإقامة من شرائط وجوبها كما هي من شرائط وجوب ~~الجمعة حتى لا تجب على النسوان والصبيان والمجانين والعبيد بدون إذن ~~مواليهم والزمنى والمرضى والمسافرين، كما لا تجب عليهم لما ذكرنا في صلاة ~~الجمعة ولأن هذه الأعذار لما أثرت في إسقاط الفرض فلأن تؤثر في إسقاط ~~الواجب أولى، وللمولى أن يمنع عبده عن حضور العيدين كما له منعه عن حضور ~~الجمعة لما ذكرنا هناك. # وأما النسوة فهل يرخص لهن أن يخرجن في العيدين؟ أجمعوا على أنه لا يرخص ~~للشواب منهن الخروج في الجمعة والعيدين وشيء من الصلاة؛ لقوله تعالى {وقرن ~~في بيوتكن} [الأحزاب: 33] والأمر بالقرار نهي عن الانتقال ولأن خروجهن سبب ~~الفتنة بلا شك، والفتنة حرام، وما أدى إلى الحرام فهو حرام. # وأما العجائز فلا خلاف في أنه يرخص لهن الخروج في الفجر والمغرب والعشاء ~~والعيدين، ms0627 واختلفوا في الظهر والعصر والجمعة قال أبو حنيفة: لا يرخص لهن في ~~ذلك وقال أبو يوسف ومحمد يرخص لهن في ذلك. # وجه قولهما أن المنع لخوف الفتنة بسبب خروجهن، وذا لا يتحقق في العجائز ~~ولهذا أباح أبو حنيفة خروجهن في غيرهما من الصلوات، ولأبي حنيفة أن وقت ~~الظهر والعصر وقت انتشار الفساق في المحال والطرقات فربما يقع من صدقت ~~رغبته في النساء في الفتنة بسببهن أو يقعن هن في الفتنة لبقاء رغبتهن في ~~الرجال وإن كبرن، فأما في الفجر والمغرب والعشاء فالهواء مظلم والظلمة تحول ~~بينهن وبين نظر الرجال، وكذا الفساق لا يكونون في الطرقات في هذه الأوقات ~~فلا يؤدي إلى الوقوع في الفتنة، وفي الأعياد وإن كان تكثر الفساق تكثر ~~الصلحاء أيضا فتمنع هيبة الصلحاء أو العلماء إياهما عن الوقوع في المأثم، ~~والجمعة في المصر فربما تصدم أو تصدم لكثرة الزحام وفي ذلك فتنة. # وأما صلاة العيد فإنها تؤدى في الجبانة فيمكنها أن تعتزل ناحية عن الرجال ~~كي لا تصدم فرخص لهن الخروج والله أعلم ثم هذا الخلاف في الرخصة والإباحة ~~فأما لا خلاف في أن الأفضل أن لا يخرجن في صلاة لما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «صلاة المرأة في دارها أفضل من صلاتها في ~~مسجدها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في دارها، وصلاتها في مخدعها أفضل ~~من صلاتها في # PageV01P275 # بيتها» ثم إذا رخص في صلاة العيد هل يصلين؟ روى الحسن عن أبي حنيفة ~~يصلين؛ لأن المقصود بالخروج هو الصلاة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن إذا خرجن تفلات أي غير متطيبات» ، ~~وروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة لا يصلين العيد مع الإمام؛ لأن ~~خروجهن لتكثير سواد المسلمين لحديث أم عطية - رضي الله عنها - «كن النساء ~~يخرجن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ذوات الخدور والحيض» ومعلوم ~~أن الحائض لا تصلي فعلم أن خروجهن كان لتكثير سواد المسلمين فكذلك في ~~زماننا. # وأما ms0628 العبد إذا حضر مع مولاه العيدين والجمعة ليحفظ دابته هل له أن يصلي ~~بغير رضاه؟ اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: ليس له ذلك إلا إذا كان لا يخل ~~بحق مولاه في إمساك دابته. # وأما الخطبة فليست بشرط؛ لأنها تؤدى بعد الصلاة وشرط الشيء يكون سابقا ~~عليه أو مقارنا له، والدليل على أنها تؤدى بعد الصلاة ما روي عن ابن عمر ~~أنه قال: «صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلف أبي بكر وعمر - ~~رضي الله عنهما - وكانوا يبدءون بالصلاة قبل الخطبة» وكذا روي عن ابن عباس ~~- رضي الله عنهما - أنه قال: «صليت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فبدءوا بالصلاة قبل الخطبة ولم يؤذنوا ولم ~~يقيموا» ولأنها وجبت لتعليم ما يجب إقامته يوم العيد والوعظ والتكبير فكان ~~التأخير أولى ليكون الامتثال أقرب إلى زمان التعليم، والدليل على أنها بعد ~~صلاة العيد ما روي أن «مروان لما خطب العيد قبل الصلاة قام رجل فقال أخرجت ~~المنبر يا مروان ولم يخرجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخطبت قبل ~~الصلاة وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب بعد الصلاة فقال مروان ~~ذاك شيء قد ترك، فقال أبو سعيد الخدري أما هذا فقد قضى ما عليه سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم ~~يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» أي أقل شرائع ~~الإيمان وإنما أحدث بنو أمية الخطبة قبل الصلاة؛ لأنهم كانوا يتكلمون في ~~خطبتهم بما لا يحل وكان الناس لا يجلسون بعد الصلاة لسماعها فأحدثوها قبل ~~الصلاة ليسمعها الناس، فإن خطب أولا ثم صلى أجزأهم؛ لأنه لو ترك الخطبة ~~أصلا أجزأهم فهذا أولى. # وكيفية الخطبة في العيدين كهي في الجمعة فيخطب خطبتين يجلس بينهما جلسة ~~خفيفة ويقرأ فيها سورة من القرآن ويستمع لها القوم وينصتوا لأنه يعلمهم ~~الشرائع ويعظهم وإنما ينفعهم ذلك إذا استمعوا، وليس في العيدين أذان ولا ~~إقامة؛ لما روينا ms0629 من حديث ابن عباس. # وروي عن جابر بن سمرة أنه قال: «صليت العيد مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة» وهكذا جرى التوارث من لدن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا ولأنهما شرعا علما على ~~المكتوبة وهذه ليست بمكتوبة. ### | [فصل بيان وقت أداء صلاة العيدين] # (فصل) : # وأما بيان وقت أدائها فقد ذكر الكرخي وقت صلاة العيد: من حين تبيض الشمس ~~إلى أن تزول لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي العيد ~~والشمس على قدر رمح، أو رمحين وروي أن قوما شهدوا برؤية الهلال في آخر يوم ~~من رمضان فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخروج إلى المصلى من ~~الغد. # ولو جاز الأداء بعد الزوال لم يكن للتأخير معنى؛ ولأنه المتوارث في الأمة ~~فيجب اتباعهم، فإن تركها في اليوم الأول في عيد الفطر بغير عذر حتى زالت ~~الشمس سقطت أصلا سواء تركها لعذر أو لغير عذر. # وأما في عيد الأضحى فإن تركها في اليوم الأول لعذر أو لغير عذر صلى في ~~اليوم الثاني، فإن لم يفعل ففي اليوم الثالث، سواء كان لعذر أو لغير عذر ~~غير أن التأخير إذا كان لغير عذر تلحقه الإساءة وإن كان لعذر لا تلحقه ~~الإساءة وهذا؛ لأن القياس أن لا تؤدى إلا في يوم عيد؛ لأنها عرفت بالعيد ~~فيقال صلاة لعيد، إلا أنا جوزنا الأداء في اليوم الثاني في عيد الفطر بالنص ~~الذي روينا والنص الذي ورد في حالة العذر فبقي ما رواه على أصل القياس ~~وإنما جوزنا الأداء في اليوم الثاني والثالث في عيد الأضحى استدلالا ~~بالأضحية فإنها جائزة في اليوم الثاني والثالث فكذا صلاة العيد؛ لأنها ~~معروفة بوقت الأضحية فتتقيد بأيامها وأيام النحر ثلاثة، وأيام التشريق ~~ثلاثة، ويمضي ذلك كله في أربعة أيام فاليوم العاشر من ذي الحجة للنحر خاصة، ~~واليوم الثالث عشر للتشريق خاصة، واليومان فيما بينهما للنحر والتشريق ~~جميعا. # PageV01P276 ### | [فصل بيان قدر صلاة العيدين وكيفية أدائها] ms0630 # فصل) : # وأما بيان قدر صلاة العيدين، وكيفية أدائها فنقول: يصلي الإمام ركعتين: ~~فيكبر تكبيرة الافتتاح، ثم يستفتح فيقول: سبحانك اللهم وبحمدك إلى آخره عند ~~عامة العلماء، وعند ابن أبي ليلى يأتي بالثناء بعد التكبيرات وهذا غير ~~سديد؛ لأن الاستفتاح كاسمه وضع لافتتاح الصلاة فكان محله ابتداء الصلاة، ثم ~~يتعوذ عند أبي يوسف، ثم يكبر ثلاثا، وعند محمد يؤخر التعوذ عن التكبيرات ~~بناء على أن التعوذ سنة الافتتاح، أو سنة القراءة على ما ذكرنا، ثم يقرأ ثم ~~يكبر تكبيرة الركوع فإذا قام إلى الثانية يقرأ أولا، ثم يكبر ثلاثا، ويركع ~~بالرابعة فحاصل الجواب أن عندنا يكبر في صلاة العيدين تسع تكبيرات: ستة من ~~الزوائد وثلاثة أصليات: تكبيرة الافتتاح، وتكبيرتا الركوع ويوالي بين ~~القراءتين فيقرأ في الركعة الأولى بعد التكبيرات وفي الثانية قبل ~~التكبيرات. # وروي عن أبي يوسف أنه يكبر ثنتي عشرة تكبيرة: سبعا في الأولى وخمسا في ~~الثانية؛ فتكون الزوائد تسعا: خمس في الأولى وأربع في الثانية، وثلاث ~~أصليات، ويبدأ بالتكبيرات في كل واحدة من الركعتين، وقال الشافعي: يكبر ~~اثنتي عشرة تكبيرة: سبعا في الأولى وخمسا في الثانية سوى الأصليات، وهو قول ~~مالك ويبدأ بالتكبيرات قبل القراءة في الركعتين جميعا، والمسألة مختلفة بين ~~الصحابة، روي عن عمر وعبد الله بن مسعود وأبي مسعود الأنصاري وأبي موسى ~~الأشعري وحذيفة بن اليمان - رضي الله عنهم - أنهم قالوا مثل قول أصحابنا. # وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه فرق بين الفطر والأضحى فقال: في الفطر ~~يكبر إحدى عشرة تكبيرة: ثلاث أصليات وثمان زوائد في كل ركعة أربعة، وفي ~~الأضحى يكبر خمس تكبيرات: ثلاث أصليات وتكبيرتان زائدتان، وعنده يقدم ~~القراءة على التكبيرات في الركعتين جميعا، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ~~ثلاث روايات روي عنه كقول ابن مسعود وأنه شاذ، والمشهور عنه روايتان ~~إحداهما أنه يكبر في العيدين ثلاثة عشرة تكبيرة: ثلاث أصليات وعشرة زوائد، ~~في كل ركعة خمس تكبيرات، والثانية أنه يكبر اثني عشرة تكبيرة كما قال أبو ~~يوسف، ومن مذهبه أنه لا يقدم ms0631 القراءة على التكبيرات في الركعتين جميعا؛ ~~والمختار في المذهب عندنا مذهب ابن مسعود لاجتماع الصحابة عليه فإنه روي أن ~~الوليد بن عقبة أتاهم فقال غدا العيد فكيف تأمروني أن أفعل فقالوا لابن ~~مسعود علمه فعلمه هذه الصفة ووافقوه على ذلك. # وقيل: إنه مختار أبي بكر الصديق، ولأن رفع الصوت بالتكبيرات بدعة في ~~الأصل فبقدر ما ثبت بالإجماع لم تبق بدعة بيقين، وما دخل تحت الاختلاف كان ~~توهم البدعة، وإنما الأخذ بالأقل أولى وأحوط، إلا أن برواية ابن عباس ظهر ~~العمل بأكثر بلادنا؛ لأن الخلافة في بني العباس فيأمرون عمالهم بالعمل ~~بمذهب جدهم، وبيان هذه الفصول في الجامع الكبير ولم يبين في الأصل. # مقدار الفصل بين التكبيرات وقد روي عن أبي حنيفة أنه يسكت بين كل ~~تكبيرتين قدر ثلاث تسبيحات ويرفع يديه عند تكبيرات الزوائد وحكى أبو عصمة ~~عن أبي يوسف أنه لا يرفع يديه في شيء منها لما روي عن ابن مسعود أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «كان لا يرفع يديه في الصلاة إلا في تكبيرة الافتتاح» ~~. # ولأنها سنة فتلتحق بجنسها وهو تكبيرتا الركوع، ولنا ما روينا من الحديث ~~المشهور «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن وذكر من جملتها تكبيرات العيد» ؛ ~~ولأن المقصود وهو إعلام الأصم لا يحصل إلا بالرفع فيرفع كتكبيرة الافتتاح ~~وتكبيرات القنوت بخلاف تكبيرتي الركوع؛ لأنه يؤتى بهما في حال الانتقال ~~فيحصل المقصود بالرؤية، فلا حاجة إلى رفع اليد للإعلام، وحديث ابن مسعود ~~محمول على الصلاة المعهودة المكتوبة. # ويقرأ في الركعتين أي سورة شاء، وقد روي عن «رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه كان يقرأ في صلاة العيد {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] و {هل ~~أتاك حديث الغاشية} [الغاشية: 1] » فإن تبرك بالاقتداء برسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في قراءة هاتين السورتين في أغلب الأحوال فحسن، لكن يكره ~~أن يتحد بهما حتما لا يقرأ فيها غيرهما؛ لما ذكرنا في الجمعة، وبجهر ~~القراءة كذا ورد النقل المستفيض عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجهر ~~به، ms0632 وبه جرى التوارث من الصدر الأول إلى يومنا هذا. # ثم المقتدي يتابع الإمام في التكبيرات على رأيه، وإن كبر أكثر من تسع ما ~~لم يكبر تكبيرا لم يقل به أحد من الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لأنه تبع ~~لإمامه فيجب عليه متابعته وترك رأيه برأي الإمام لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «إنما جعل الإمام ليؤتم به # PageV01P277 # فلا تختلفوا» وقوله - صلى الله عليه وسلم - «تابع إمامك على أي حال ~~وجدته» ما لم يظهر خطؤه بيقين كان اتباعه واجبا ولا يظهر ذلك في المجتهدات، ~~فأما إذا خرج عن أقاويل الصحابة فقد ظهر خطؤه بيقين فلا يجب اتباعه إذ لا ~~متابعة في الخطإ ولهذا لو اقتدى بمن يرفع يديه عند الركوع ورفع الرأس منه، ~~أو بمن يقنت في الفجر، أو بمن يرى خمس تكبيرات في صلاة الجنازة لا يتابعه ~~لظهور خطئه بيقين؛ لأن ذلك كله منسوخ، ثم إلى كم يتابعه؟ اختلف مشايخنا فيه ~~قال عامتهم: إنه يتابعه إلى ثلاث عشرة تكبيرة، ثم يسكت بعد ذلك، وقال بعضهم ~~يتابعه إلى ستة عشرة تكبيرة؛ لأن فعله إلى هذا الموضع محتمل للتأويل فلعل ~~هذا القائل ذهب إلى ابن عباس أراد بقوله ثلاث عشرة تكبيرة الزوائد، فإذا ~~ضممت إليها تكبيرة الافتتاح وتكبيرتي الركوع صارت ست عشرة تكبيرة لكن هذا ~~إذا كان يقرب من الإمام يسمع التكبيرات منه، فأما إذا كان يبعد منه يسمع من ~~المكبرين يأتي بجميع ما يسمع وإن خرج عن أقاويل الصحابة لجواز أن الغلط من ~~المكبرين، فلو ترك شيئا منها ربما كان المتروك ما أتى به الإمام، والمأتي ~~به ما أخطأ فيه المكبرون فيتابعهم ليتأدى ما يأتيه الإمام بيقين ولهذا قيل ~~إذا كان المقتدي يبعد من الإمام يسمع من المكبرين ينبغي أن ينوي بكل تكبيرة ~~الافتتاح لجواز أن ما سمع قبل هذه كان غلطا من المنادي، وإنما كبر الإمام ~~للافتتاح الآن. # ولو شرع الإمام في صلاة العيد فجاء رجل واقتدى به فإن كان قبل التكبيرات ~~الزوائد يتابع الإمام على مذهبه، ويترك رأيه؛ لما قلنا، ms0633 وإن أدركه بعد ما ~~كبر الإمام الزوائد وشرع في القراءة فإنه يكبر تكبيرة الافتتاح ويأتي ~~بالزوائد برأي نفسه لا برأي الإمام؛ لأنه مسبوق وإن أدرك الإمام في الركوع ~~فإن لم يخف فوت الركوع مع الإمام يكبر للافتتاح قائما ويأتي بالزوائد، ثم ~~يتابع الإمام في الركوع، وإن كان الاشتغال بقضاء ما سبق به المصلي قبل ~~الفراغ بما أدركه منسوخا؛ لأن النسخ إنما يثبت فيما يتمكن من قضائه بعد ~~فراغ الإمام، فأما ما لا يتمكن من قضائه بعد فراغ الإمام فلم يثبت فيه ~~النسخ؛ ولأنه لو تابع الإمام لا يخلو إما أن يأتي بهذه التكبيرات، أو لا ~~يأتي بها، فإن كان لا يأتي بها فهذا تفويت الواجب، وإن كان يأتي بها فقد ~~أدى الواجب فيما هو محل له من وجه دون وجه فكان فيه تفويته عن محله من وجه، ~~ولا شك أن أداء الواجب فيما هو محل له من وجه أولى من تفويته رأسا، وإن خاف ~~إن كبر يرفع الإمام رأسه من الركوع كبر للافتتاح وكبر للركوع وركع؛ لأنه لو ~~لم يركع يفوته الركوع فتفوته الركعة بفوته، وتبين أن التكبيرات أيضا فاتته ~~فيصير بتحصيل التكبيرات مفوتا لها ولغيرها من أركان الركعة وهذا لا يجوز، ~~ثم إذا ركع يكبر تكبيرات العيد في الركوع عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو ~~يوسف: لا يكبر؛ لأنه فات عن محلها وهو القيام فيسقط كالقنوت، ولهما أن ~~للركوع حكم القيام ألا ترى أن مدركه يكون مدركا للركعة فكان محلها قائما ~~فيأتي بها ولا يرفع يديه، بخلاف القنوت؛ لأنه بمعنى القراءة فكان محله ~~القيام المحض، وقد فات ثم إن أمكنه الجمع بين التكبيرات والتسبيحات جمع ~~بينهما، وإن لم يمكنه الجمع بينهما بالتكبيرات دون التسبيحات؛ لأن ~~التكبيرات واجبة والتسبيحات سنة، والاشتغال بالواجب أولى، فإن رفع الإمام ~~رأسه من الركوع قبل أن يتمها رفع رأسه؛ لأن متابعة الإمام واجبة وسقط عنه ~~ما بقي من التكبيرات؛ لأنه فات محلها. # ولو ركع الإمام بعد فراغه من القراءة في الركعة الأولى فتذكر أنه لم ms0634 يكبر ~~فإنه يعود ويكبر، وقد انتقض ركوعه ولا يعيد القراءة فرق بين الإمام ~~والمقتدي حيث أمر الإمام بالعود إلى القيام ولم يأمره بأداء التكبيرات في ~~حالة الركوع، وفي المسألة المتقدمة أمر المقتدي بالتكبيرات في حالة الركوع، ~~والفرق أن محل التكبيرات في الأصل القيام المحض، وإنما ألحقنا حالة الركوع ~~بالقيام في حق المقتدي ضرورة وجوب المتابعة، وهذه الضرورة لم تتحقق في حق ~~الإمام فبقي محلها القيام المحض فأمر بالعود إليه، ثم من ضرورة العود إلى ~~القيام ارتفاض الركوع كما لو تذكر الفاتحة في الركوع أنه يعود ويقرأ ويرتفض ~~ركوعه كذا ههنا ولا يعيد القراءة؛ لأنها تمت بالفراغ عنها، والركن بعد ~~تمامه والانتقال عنه غير قابل للنقض والإبطال فبقيت على ما تمت، هذا إذا ~~تذكر بعد الفراغ من القراءة، فأما إن تذكر قبل الفراغ عنها بأن قرأ الفاتحة ~~دون السورة ترك القراءة ويأتي بالتكبيرات؛ لأنه اشتغل بالقراءة قبل أوانها ~~فيتركها ويأتي بما هو الأهم ليكون المحل محلا له ثم يعيد القراءة # PageV01P278 # لأن الركن متى ترك قبل تمامه ينتقض من الأصل؛ لأنه لا يتجزأ في نفسه، وما ~~لا يتجزأ في الحكم فوجوده معتبر بوجود الجزء الذي به تمامه في الحكم، ~~ونظيره من تذكر سجدة في الركوع خر لها ويعيد الركوع؛ لما مر والله أعلم هذا ~~إذا أدرك الإمام في الركعة الأولى فإن أدركه في الركعة الثانية كبر ~~للافتتاح، وتابع إمامه في الركعة الثانية يتبع فيها رأي إمامه؛ لما قلنا ~~فإذا فرغ الإمام من صلاته يقوم إلى قضاء ما سبق به، ثم إن كان رأيه يخالف ~~رأي الإمام يتبع رأي نفسه؛ لأنه منفرد فيما يقضي، بخلاف اللاحق؛ لأنه في ~~الحكم كأنه خلف الإمام، وإن كان رأيه موافقا لرأي إمامه بأن كان إمامه يرى ~~رأي ابن مسعود وهو كذلك بدأ بالقراءة، ثم بالتكبيرات كذا ذكر في الأصل ~~والجامع والزيادات وفي نوادر أبي سليمان في أحد الموضعين، وقال في الموضع ~~الآخر يبدأ بالتكبير ثم بالقراءة ومن مشايخنا من قال ما ذكر في الأصل قول ~~محمد؛ لأن ms0635 عنده ما يقضي المسبوق آخر صلاته، وعندنا في الركعة الثانية يقرأ ~~ثم يكبر وما ذكر في النوادر قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن عندهما ما يقضيه ~~المسبوق أول صلاته، وعندنا في الركعة الأولى يكبر، ثم يقرأ ومنهم من قال: ~~لا خلاف في المسألة بين أصحابنا، بل فيها اختلاف الروايتين وجه رواية ~~والنوادر ما ذكرنا أن ما يقضيه المسبوق أول صلاته؛ لأنه يقضي ما فاته ~~فيقضيه كما فاته، وقد فاته على وجه يقدم التكبير فيه على القراءة فيقضيه ~~كذلك، ووجه رواية الأصل: أن المقضي وإن كان أول صلاته حقيقة ولكنه الركعة ~~الثانية صورة وفيما أدرك مع الإمام قرأ، ثم كبر؛ لأنها ثانية الإمام فلو ~~قدم ههنا ما يقضي أدى ذلك إلى الموالاة بين التكبيرتين، ولم يقل به أحد من ~~الصحابة فلا يفعل كذلك احترازا عن مخالفة الإجماع بصورة هذا الفعل. # ولو بدأ بالقراءة لكان فيه تقديم القراءة في الركعتين، لكن هذا مذهب علي ~~- رضي الله عنه - ولا شك أن العمل بما قاله أحد من الصحابة أولى من العمل ~~بما لم يقل به أحد إذ هو باطل بيقين. ### | [فصل بيان ما يفسد صلاة العيدين وبيان حكمها إذا فسدت] # (فصل) : # وأما بيان ما يفسدها، وبيان حكمها إذا فسدت، أو فاتت عن وقتها، فكل ما ~~يفسد سائر الصلوات وما يفسد الجمعة يفسد صلاة العيدين من خروج الوقت في ~~خلال الصلاة، أو بعدما قعد قدر التشهد، وفوت الجماعة على التفصيل والاختلاف ~~الذي ذكرنا في الجمعة، غير أنها إن فسدت بما يفسد به سائر الصلوات من الحدث ~~العمد وغير ذلك يستقبل الصلاة على شرائطها، وإن فسدت بخروج الوقت أو فاتت ~~عن وقتها مع الإمام سقطت، ولا يقضيها عندنا، وقال الشافعي يصليها وحده كما ~~يصلي الإمام يكبر فيها تكبيرات العيد، والصحيح قولنا؛ لأن الصلاة بهذه ~~الصفة ما عرفت قربة إلا بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كالجمعة، ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما فعلها إلا بالجماعة كالجمعة، فلا ~~يجوز أداؤها إلا بتلك الصفة؛ ولأنها مختصة ms0636 بشرائط يتعذر تحصيلها في القضاء، ~~فلا تقضى كالجمعة ولكنه يصلي أربعا مثل صلاة الضحى إن شاء؛ لأنها إذا فاتت ~~لا يمكن تداركها بالقضاء لفقد الشرائط، فلو صلى مثل صلاة الضحى لينال ~~الثواب كان حسنا لكن لا يجب لعدم دليل الوجوب، وقد روي عن ابن مسعود أنه ~~قال من فاتته صلاة العيد صلى أربعا. ### | [فصل بيان ما يستحب في يوم العيد] # (فصل) : # وأما بيان ما يستحب في يوم العيد فيستحب فيه أشياء منها ما قال أبو يوسف: ~~إنه يستحب أن يستاك، ويغتسل، ويطعم شيئا، ويلبس أحسن ثيابه، ويمس طيبا، ~~ويخرج فطرته قبل أن يخرج، أما الاغتسال والاستياك ومس الطيب ولبس أحسن ~~الثياب - جديدا كان أو غسيلا -؛ فلما ذكرنا في الجمعة. # وأما إخراجه الفطرة قبل الخروج إلى المصلى في عيد الفطر؛ فلما روي أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يخرج قبل أن يخرج إلى المصلى» ؛ ولأنه ~~مسارعة إلى أداء الواجب فكان مندوبا إليه. # وأما الذوق فيه فلكون اليوم يوم فطر. # وأما في عيد الأضحى فإن شاء ذاق وإن شاء لم يذق، والأدب أنه لا يذوق شيئا ~~إلى وقت الفراغ من الصلاة حتى يكون تناوله من القرابين ومنها أن يغدو إلى ~~المصلى جاهرا بالتكبير في عيد الأضحى، فإذا انتهى إلى المصلى ترك؛ لما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «كان يكبر في الطريق» . # وأما في عيد الفطر فلا يجهر بالتكبير عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد ~~يجهر، وذكر الطحاوي أنه يجهر في العيدين جميعا، واحتجوا بقوله تعالى ~~{ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم} [البقرة: 185] وليس بعد إكمال ~~العدة إلا # PageV01P279 # هذا التكبير، ولأبي حنيفة ما روي عن ابن عباس أنه حمله قائده يوم الفطر ~~فسمع الناس يكبرون فقال لقائده: أكبر الإمام؟ قال: لا قال: أفجن الناس؟ ولو ~~كان الجهر بالتكبير سنة لم يكن لهذا الإنكار معنى؛ ولأن الأصل في الأذكار ~~هو الإخفاء إلا فيما ورد التخصيص فيه، وقد ورد في عيد الأضحى فبقي الأمر في ~~عيد الفطر على الأصل. ms0637 # وأما الآية فقد قيل: إن المراد منه صلاة العيد على أن الآية تتعرض لأصل ~~التكبير، وكلامنا في وصف التكبير من الجهر والإخفاء، والآية ساكتة عن ذلك، ~~(ومنها) أن يتطوع بعد صلاة العيد أي بعد الفراغ من الخطبة؛ لما روي عن علي ~~- رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من صلى ~~بعد العيد أربع ركعات كتب الله له بكل نبت نبت، وبكل ورقة حسنة» . # وأما قبل صلاة العيد فلا يتطوع في المصلى ولا في بيته عند أكثر أصحابنا؛ ~~لما نذكر في بيان الأوقات التي يكره فيها التطوع إن شاء الله تعالى، ~~(ومنها) أنه يستحب للإمام إذا خرج إلى الجبانة لصلاة العيد أن يخلف رجلا ~~يصلي بأصحاب العلل في المصر صلاة العيد؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه - ~~أنه لما قدم الكوفة استخلف أبا موسى الأشعري ليصلي بالضعفة صلاة العيد في ~~المسجد، وخرج إلى الجبانة مع خمسين شيخا يمشي ويمشون؛ ولأن في هذا إعانة ~~للضعفة على إحراز الثواب فكان حسنا، وإن لم يفعل لا بأس بذلك؛ لأنه لم ينقل ~~ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن الخلفاء الراشدين سوى علي ~~- رضي الله عنه -؛ ولأنه لا صلاة على الضعفة، ولكن لو خلف كان أفضل؛ لما ~~بينا ولا يخرج المنبر في العيدين؛ لما روينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يفعل ذلك، وقد صح أنه «كان يخطب في العيدين على ناقته» ، وبه جرى ~~التوارث من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا؛ ولهذا ~~اتخذوا في المصلى منبرا على حدة من اللبن والطين، واتباع ما اشتهر العمل به ~~في الناس واجب. ### | [فصل صلاة الكسوف والخسوف] # (فصل) : # وأما صلاة الكسوف، والخسوف، أما صلاة الكسوف فالكلام في صلاة الكسوف في ~~مواضع: في بيان أنها واجبة أم سنة، وفي بيان قدرها وكيفيتها، وفي بيان ~~موضعها، وفي بيان وقتها. # أما الأول فقد ذكر محمد - رحمه الله تعالى - في الأصل ما يدل على عدم ~~الوجوب، فإنه قال: ms0638 ولا تصلى نافلة في جماعة إلا قيام رمضان وصلاة الكسوف، ~~فاستثنى صلاة الكسوف من الصلوات النافلة، والمستثنى من جنس المستثنى منه؛ ~~فيدل على كونها نافلة، وكذا روى الحسن بن زياد ما يدل عليه، فإنه روى عن ~~أبي حنيفة أنه قال في كسوف الشمس: إن شاءوا صلوا ركعتين، وإن شاءوا صلوا ~~أربعا، وإن شاءوا أكثر من ذلك، والتخيير يكون في النوافل لا في الواجبات، ~~وقال بعض مشايخنا: إنها واجبة؛ لما روي عن ابن مسعود أنه قال: «كسفت الشمس ~~على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم مات ابنه إبراهيم فقال ~~الناس: إنما انكسفت لموت إبراهيم فسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: ألا إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا ينكسفان لموت أحد ~~ولا لحياته فإذا رأيتم من هذا شيئا فاحمدوا الله وكبروه وسبحوه وصلوا حتى ~~تنجلي» وفي رواية أبي مسعود الأنصاري «فإذا رأيتموها فقوموا وصلوا» ومطلق ~~الأمر للوجوب وعن أبي موسى الأشعري أنه قال «انكسفت الشمس في زمن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقام فزعا فخشي أن تكون الساعة حتى أتى المسجد فقام ~~فصلى فأطال القيام والركوع والسجود وقال: إن هذه الآيات ترسل لا تكون لموت ~~أحد ولا لحياته، ولكن الله تعالى يرسلها ليخوف بها عباده فإذا رأيتم منها ~~شيئا فارغبوا إلى ذكر الله تعالى واستغفروه» ، وفي بعض الروايات «فافزعوا ~~إلى الله تعالى بالصلاة» وتسمية محمد - رحمه الله - إياها نافلة لا ينفي ~~الوجوب؛ لأن النافلة عبارة عن الزيادة، وكل واجب زيادة على الفرائض الموظفة ~~ألا ترى أنه قربها بقيام رمضان وهو التراويح، وأنها سنة مؤكدة، وهي في معنى ~~الواجب، ورواية الحسن لا تنفي الوجوب؛ لأن التخيير قد يجري بين الواجبات ~~كما في قوله تعالى {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو ~~كسوتهم أو تحرير رقبة} [المائدة: 89] . ### | [فصل قدر وكيفية صلاة الكسوف] # (فصل) : # وأما الكلام في قدرها وكيفيتها فيصلي ركعتين، كل ركعة بركوع وسجدتين ~~كسائر الصلوات، وهذا عندنا وعند الشافعي ركعتان، كل ركعة ms0639 بركوعين وقومتين ~~وسجدتين يقرأ ثم يركع ثم يرفع رأسه ثم يقرأ ثم يركع، واحتج بما روي عن ابن ~~عباس وعائشة - رضي الله عنهما - أنهما قالا: «كسفت الشمس على عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - # PageV01P280 # فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع رأسه ~~فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع ~~الأول» وهذا نص في الباب. # (ولنا) ما روى محمد بإسناده عن أبي بكرة أنه قال: «كسفت الشمس على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يجر ثوبه حتى دخل المسجد فصلى ركعتين فأطالهما حتى تجلت الشمس وذلك حين مات ~~ولده إبراهيم، ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى، وإنهما ~~لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم من هذه الأفزاع شيئا فافزعوا ~~إلى الصلاة والدعاء؛ لينكشف ما بكم» ومطلق اسم الصلاة ينصرف إلى الصلاة ~~المعهودة. # وفي رواية عن أبي بكرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «صلى ركعتين ~~نحو صلاة أحدكم» ، وروى الجصاص عن علي والنعمان بن بشير وعبد الله بن عمر ~~وسمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة - رضي الله عنهم - أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «صلى في الكسوف ركعتين كهيئة صلاتنا» ، والجواب عن تعلقه بحديث ~~ابن عباس وعائشة - رضي الله عنهما - أن روايتهما قد تعارضت روي كما قلتم. # وروي أنه صلى أربع ركعات في أربع سجدات، والمتعارض لا يصلح معارضا، أو ~~نقول تعاضد ما روينا بالاعتبار بسائر الصلوات؛ فكان العمل به، أولى أو نحمل ~~ما رويتم على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركع فأطال الركوع كثيرا ~~زيادة على قدر ركوع سائر الصلوات؛ لما روي أنه عرض عليه الجنة والنار في ~~تلك الصلاة فرفع أهل الصف الأول رءوسهم ظنا منهم أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- رفع رأسه من الركوع فرفع من خلفهم رءوسهم فلما رأى أهل الصف الأول رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم ms0640 - راكعا ركعوا وركع من خلفهم، فلما رفع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه من الركوع رفع القوم رءوسهم فمن كان خلف ~~الصف الأول ظنوا أنه ركع ركوعين فرووا على حسب ما وقع عندهم، وعلم الصف ~~الأول حقيقة الأمر فنقلوا على حسب ما علموه، ومثل هذا الاشتباه قد يقع لمن ~~كان في آخر الصفوف، وعائشة - رضي الله عنها - كانت واقفة في خير صفوف ~~النساء وابن عباس في صف الصبيان في ذلك الوقت فنقلا كما وقع عندهما، فيحمل ~~على هذا توفيقا بين الروايتين، كذا وفق محمد - رحمه الله - في صلاة الأثر، ~~وذكر الشيخ أبو منصور أن اختلاف الروايات خرج مخرج التناسخ لا مخرج ~~التخيير؛ لاختلاف الأئمة في ذلك. # ولو كان على التخيير لما اختلفوا ثم فيظهر أنه قد ظهر انتساخ زيادات كانت ~~في الابتداء في الصلوات، واستقرت الصلاة على الصلاة المعهودة اليوم عندنا، ~~فكان صرف النسخ إلى ما ظهر انتساخه أولى من صرفه إلى ما لم يظهر أنه نسخه ~~غيره، وروى الشيخ أبو منصور عن أبي عبد الله البلخي أنه قال: إن الزيادة ~~ثبتت في صلاة الكسوف لا للكسوف، بل لأحوال اعترضت، حتى روي أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - تقدم في الركوع حتى كان كمن يأخذ شيئا ثم تأخر كمن ينفر عن شيء ~~فيجوز أن تكون الزيادة منه باعتراض تلك الأحوال، فمن لا يعرفها لا يسعه ~~التكلم فيها، ويحتمل أن يكون فعل ذلك؛ لأنه سنة فلما أشكل الأمر لم يعدل عن ~~المعتمد عليه إلا بيقين. # هذه الصلاة تقام بالجماعة؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقامها ~~بالجماعة، ولا يقيمها إلا الإمام الذي يصلي بالناس الجمعة والعيدين، فأما ~~أن يقيمها كل قوم في مسجدهم فلا. # وروي عن أبي حنيفة أنه قال: إن كان لكل مسجد إمام يصلي بجماعة؛ لأن هذه ~~الصلاة غير متعلقة بالمصر، فلا تكون متعلقة بالسلطان كغيرها من الصلوات ~~والصحيح ظاهر الرواية لأن أداء هذه الصلاة بالجماعة عرف بإقامة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فلا يقيمها إلا من ms0641 هو قائم مقامه، ولا نسلم عدم ~~تعلقها بالمصر؛ لأن مشايخنا قالوا: إنها متعلقة بالمصر فكانت متعلقة ~~بالسلطان، فإن لم يقمها الإمام حينئذ صلى الناس فرادى: إن شاءوا ركعتين، ~~وإن شاءوا أربعا والأربع أفضل، ثم إن شاءوا طولوا القراءة، وإن شاءوا قصروا ~~واشتغلوا بالدعاء حتى تنجلي الشمس؛ لأن عليهم الاشتغال بالتضرع إلى أن ~~تنجلي الشمس وذلك بالدعاء تارة، وبالقراءة أخرى، وقد صح في الحديث أن «قيام ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الركعة الأولى كان بقدر سورة البقرة، ~~وفي الركعة الثانية بقدر سورة آل عمران» فالأفضل تطويل القراءة فيها. # ولا يجهر بالقراءة في صلاة الجماعة في كسوف الشمس عند أبي حنيفة، وعند ~~أبي يوسف يجهر بها، وقول محمد مضطرب، ذكر في عامة الروايات قوله مع قول أبي ~~حنيفة، وجه قول من خالف # PageV01P281 # أبا حنيفة ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «صلى صلاة الكسوف وجهر فيها بالقراءة» ؛ لأنها صلاة تقام بجمع ~~عظيم فيجهر بالقراءة فيها كالجمعة والعيدين ولأبي حنيفة حديث سمرة بن جندب ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قام قياما طويلا لم يسمع له صوت» ~~وروى عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «صليت مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صلاة الكسوف وكنت إلى جنبه فلم أسمع منه حرفا» ، وقال - ~~صلى الله عليه وسلم - «صلاة النهار عجماء» أي ليس فيها قراءة مسموعة؛ ولأن ~~القوم لا يقدرون على التأمل في القراءة لتصير ثمرة القراءة مشتركة؛ لاشتغال ~~قلوبهم بهذا الفزع، كما لا يقدرون على التأمل في سائر الأيام في صلوات ~~النهار؛ لاشتغال قلوبهم بالمكاسب، وحديث عائشة تعارض بحديث ابن عباس فبقي ~~لنا الاعتبار الذي ذكرنا مع ظواهر الأحاديث الأخر، ونحمل ذلك على أنه جهر ~~ببعضها اتفاقا، كما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسمع الآية ~~والآيتين في صلاة الظهر أحيانا والله أعلم. # وليس في هذه الصلاة أذان ولا إقامة؛ لأنهما من خواص المكتوبات، ولا خطبة ~~فيها عندنا، وقال الشافعي ms0642 يخطب خطبتين لحديث عائشة - رضي الله عنها - أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «صلى في كسوف الشمس ثم خطب فحمد الله ~~وأثنى عليه» ، ولنا أن الخطبة لم تنقل على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ومعنى قولها خطب أي دعا، أو؛ لأنه احتاج إلى الخطبة ردا لقول الناس: ~~إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم لا للصلاة، والله أعلم. # (وأما) خسوف القمر فالصلاة فيها حسنة لما روينا عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال «إذا رأيتم من هذه الأفزاع شيئا فافزعوا إلى الصلاة» وهي لا ~~تصلى بجماعة عندنا، وعند الشافعي تصلى بجماعة، واحتج بما روي عن ابن عباس - ~~رضي الله عنهما - أنه «صلى بالناس في خسوف القمر، وقال: صليت كما رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -» ، ولنا أن الصلاة بجماعة في خسوف القمر لم ~~تنقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أن خسوفه كان أكثر من كسوف الشمس؛ ~~ولأن الأصل أن غير المكتوبة لا تؤدى بجماعة قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة» إلا إذا ثبت بالدليل كما في ~~العيدين، وقيام رمضان، وكسوف الشمس؛ ولأن الاجتماع بالليل متعذر، أو سبب ~~الوقوع في الفتنة، وحديث ابن عباس غير مأخوذ به؛ لكونه خبر آحاد في محل ~~الشهرة. # وكذا تستحب الصلاة في كل فزع: كالريح الشديدة، والزلزلة، والظلمة، والمطر ~~الدائم؛ لكونها من الأفزاع، والأهوال، وقد روي عن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - أنه صلى لزلزلة بالبصرة. # وأما موضع الصلاة: أما في خسوف القمر فيصلون في منازلهم؛ لأن السنة فيها ~~أن يصلوا وحدانا على ما بينا. # وأما في كسوف الشمس فقد ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه يصلى في ~~الموضع الذي يصلى فيه العيد، أو المسجد الجامع؛ ولأنها من شعائر الإسلام ~~فتؤدى في المكان المعد؛ لإظهار الشعائر. # ولو اجتمعوا في موضع آخر وصلوا بجماعة أجزأهم، والأول أفضل؛ لما مر. # وأما وقتها فهو الوقت الذي يستحب فيه أداء سائر الصلوات دون الأوقات ~~المكروهة؛ ولأن هذه ms0643 الصلاة إن كانت نافلة فالنوافل في هذه الأوقات مكروهة ~~وإن كانت لها أسباب عندنا كركعتي التحية، وركعتي الطواف؛ لما نذكر في ~~موضعه، وإن كانت واجبة فأداء الواجبات في هذه الأوقات مكروهة كسجدة التلاوة ~~وغيرها والله الموفق. ### | [فصل صلاة الاستسقاء] # (فصل: وأما صلاة الاستسقاء) . # فظاهر الرواية عن أبي حنيفة أنه قال: " لا صلاة في الاستسقاء، وإنما فيه ~~الدعاء " وأراد بقوله لا صلاة في الاستسقاء الصلاة بجماعة أي لا صلاة فيه ~~بجماعة بدليل ما روي عن أبي يوسف أنه قال: " سألت أبا حنيفة عن الاستسقاء ~~هل فيه صلاة أو دعاء موقت أو خطبة؟ فقال: أما الصلاة بجماعة فلا، ولكن ~~الدعاء والاستغفار، وإن صلوا وحدانا فلا بأس به "، وهذا مذهب أبي حنيفة، ~~وقال محمد: " يصلي الإمام أو نائبه في الاستسقاء ركعتين بجماعة كما في ~~الجمعة " ولم يذكر في ظاهر الرواية قول أبي يوسف، وذكر في بعض المواضع قوله ~~مع قول أبي حنيفة، وذكر الطحاوي قوله مع قول محمد وهو الأصح واحتجا بحديث ~~ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بجماعة في الاستسقاء ~~ركعتين» والمروي في حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - صلى فيه ركعتين كصلاة العيد» ، ولأبي حنيفة قوله تعالى {فقلت ~~استغفروا ربكم إنه كان غفارا} [نوح: 10] . # والمراد منه الاستغفار، في الاستسقاء بدليل قوله {يرسل السماء عليكم ~~مدرارا} [نوح: 11] # PageV01P282 # أمر بالاستغفار في الاستسقاء فمن زاد عليه الصلاة فلا بد من دليل وكذا لم ~~ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الروايات المشهورة أنه صلى في ~~الاستسقاء فإنه روي أنه - صلى الله عليه وسلم - «صلى الجمعة فقام رجل فقال: ~~يا رسول الله أجدبت الأرض وهلكت المواشي فاسق لنا الغيث فرفع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يديه إلى السماء ودعا، فما ضم يديه حتى مطرت السماء ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لله در أبي طالب لو كان في الأحياء ~~لقرت عيناه فقال علي - رضي الله عنه -: تعني يا رسول الله قوله # وأبيض ms0644 يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل # فقال - صلى الله عليه وسلم -: أجل وفي بعض الروايات قام ذلك الأعرابي ~~وأنشد فقال # أتيناك والعذراء يدمى لبانها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل # وقال في آخره # وليس لنا إلا إليك فرارنا ... وليس فرار الناس إلا إلى الرسل # فبكى النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى اخضلت لحيته الشريفة ثم صعد ~~المنبر فحمد الله وأثنى عليه ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم اسقنا غيثا ~~مغيثا عذبا طيبا نافعا غير ضار عاجلا غير آجل فما رد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يده إلى صدره حتى مطرت السماء وجاء أهل البلد يصيحون الغرق ~~الغرق يا رسول الله فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه ~~فقال: اللهم حوالينا ولا علينا فانجابت السحابة حتى أحدقت بالمدينة ~~كالإكليل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لله در أبي طالب لو كان حيا ~~لقرت عيناه من ينشدنا قوله؟ فقام علي - رضي الله عنه - وأنشد البيت المتقدم ~~أولا» وما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى وعن عمر - رضي الله عنه - ~~أنه خرج إلى الاستسقاء ولم يصل بجماعة بل صعد المنبر واستغفر الله وما زاد ~~عليه فقالوا ما استسقيت يا أمير المؤمنين؟ فقال لقد استسقيت بمجاديح السماء ~~التي بها يستنزل الغيث وتلا قوله تعالى {استغفروا ربكم إنه كان غفارا} ~~[نوح: 10] {يرسل السماء عليكم مدرارا} [نوح: 11] . # وروي أنه خرج بالعباس فأجلسه على المنبر ووقف بجنبه يدعو ويقول: اللهم ~~إنا نتوسل إليك بعم نبيك ودعا بدعاء طويل فما نزل عن المنبر حتى سقوا، وعن ~~علي أنه استسقى ولم يصل، وما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى بجماعة ~~حديث شاذ ورد في محل الشهرة؛ لأن الاستسقاء يكون بملأ من الناس، ومثل هذا ~~الحديث يرجح كذبه على صدقه، أو وهمه على ضبطه فلا يكون مقبولا مع أن هذا ~~مما تعم به البلوى في ديارهم، وما تعم به البلوى، ويحتاج الخاص والعام إلى ~~معرفته لا يقبل فيه الشاذ والله أعلم. # ثم عندهما ms0645 يقرأ في الصلاة ما شاء جهرا كما في صلاة العيدين لكن الأفضل أن ~~يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يقرؤهما في صلاة العيد ولا يكبر فيها في المشهور من ~~الرواية عنهما. # وروي عن محمد أنه يكبر، وليس في الاستسقاء أذان ولا إقامة، أما عند أبي ~~حنيفة فلا يشكل؛ لأنه ليس فيه صلاة الجماعة، وإن شاءوا صلوا فرادى، وذلك في ~~معنى الدعاء وعندهما إن كان فيه صلاة بالجماعة، ولكنها ليست بمكتوبة، ~~والأذان والإقامة من خواص المكتوبات كصلاة العيد، ثم بعد الفراغ من الصلاة ~~يخطب عندهما، وعند أبي حنيفة لا يخطب، ولكن لو صلوا وحدانا يشتغلون بالدعاء ~~بعد الصلاة؛ لأن الخطبة من توابع الصلاة بجماعة، والجماعة غير مسنونة في ~~هذه الصلاة عنده، وعندهما سنة فكذا الخطبة، ثم عند محمد يخطب خطبتين يفصل ~~بينهما بالجلسة كما في صلاة العيد، وعن أبي يوسف أنه يخطب خطبة واحدة؛ لأن ~~المقصود منها الدعاء فلا يقطعها بالجلسة، ولا يخرج المنبر في الاستسقاء، ~~ولا يصعده لو كان في موضع الدعاء منبر؛ لأنه خلاف السنة، وقد عاب الناس على ~~مروان بن الحكم عند إخراجه المنبر في العيدين ونسبوه إلى خلاف السنة على ما ~~بينا، ولكن يخطب على الأرض معتمدا على قوس أو سيف وإن توكأ على عصا فحسن؛ ~~لأن خطبته تطول فيستعين بالاعتماد على عصا، ويخطب مقبلا بوجهه إلى الناس ~~وهم مقبلون عليه؛ لأن الإسماع والاستماع إنما يتم عند المقابلة، ويستمعون ~~الخطبة وينصتون؛ لأن الإمام يعظهم فيها فلا بد من الإنصات والاستماع، وإذا ~~فرغ من الخطبة جعل ظهره إلى الناس ووجهه إلى القبلة ويشتغل بدعاء ~~الاستسقاء، والناس قعود مستقبلون بوجوههم إلى القبلة في الخطبة والدعاء؛ ~~لأن الدعاء مستقبل # PageV01P283 # القبلة أقرب إلى الإجابة فيدعو الله ويستغفر للمؤمنين، ويجددون التوبة ~~ويستسقون. # وهل يقلب الإمام رداءه لا يقلب في قول أبي حنيفة، وعندهما يقلب إذا مضى ~~صدر من خطبته فاحتجا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قلب رداءه» ~~ولأبي حنيفة ms0646 ما روي «أنه - عليه السلام - استسقى يوم الجمعة ولم يقلب ~~الرداء» ؛ ولأن هذا دعاء فلا معنى لتغيير الثوب فيه كما في سائر الأدعية، ~~وما روي أنه قلب الرداء محتمل، يحتمل أنه تغير عليه فأصلحه فظن الراوي أنه ~~قلب، أو يحتمل أنه عرف من طريق الوحي أن الحال ينقلب من الجدب إلى الخصب ~~متى قلب الرداء بطريق التفاؤل ففعل، وهذا لا يوجد في حق غيره، وكيفية تقليب ~~الرداء عندهما أنه كان مربعا جعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه، وإن كان مدورا ~~جعل الجانب الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن. # وأما القوم فلا يقلبون أرديتهم عند عامة العلماء، وعند مالك يقلبون أيضا، ~~واحتج بما روي عن عبد الله بن يزيد «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حول ~~رداءه وحول الناس أرديتهم» وهما يقولان: إن تحويل الرداء في حق الإمام أمر ~~ثبت بخلاف القياس بالنص على ما ذكرنا فنقتصر على مورد النص، وما روي من ~~الحديث شاذ على أنه يحتمل أنه - صلى الله عليه وسلم - عرف ذلك فلم ينكر ~~عليهم؛ فيكون تقريرا، ويحتمل أنه لم يعرف؛ لأنه كان مستقبل القبلة مستدبرا ~~لهم فلا يكون حجة مع الاحتمال. # ثم إن شاء رفع يديه نحو السماء عند الدعاء، وإن شاء أشار بأصبعه كذا روي ~~عن أبي يوسف؛ لأن رفع اليدين عند الدعاء سنة؛ لما روي «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يدعو بعرفات باسطا يديه كالمستطعم المسكين» . # المستحب أن يخرج الإمام، والناس إلى الاستسقاء ثلاثة أيام متتابعة؛ لأن ~~المقصود من الدعاء الإجابة، والثلاثة مدة ضربت لإبلاء الأعذار وإن أمر ~~الأمام الناس بالخروج ولم يخرج بنفسه خرجوا؛ لما روي «أن قوما شكوا إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القحط فأمرهم أن يجثوا على الركب» ولم ~~يخرج بنفسه، وإذا خرجوا اشتغلوا بالدعاء ولم يصلوا بجماعة إلا إذا أمر ~~الإمام إنسانا أن يصلي بهم جماعة؛ لأن هذا دعاء فلا يشترط له حضور الإمام، ~~وإن خرجوا بغير إذنه جاز؛ لأنه دعاء فلا يشترط له إذن الإمام. # ولا يمكن ms0647 أهل الذمة من الخروج إلى الاستسقاء عند عامة العلماء. # وقال مالك إن خرجوا لم يمنعوا، والصحيح قول العامة؛ لأن المسلمين بخروجهم ~~إلى الاستسقاء ينظرون نزول الرحمة عليهم، والكفار منازل اللعنة والسخطة فلا ~~يمكنون من الخروج والله أعلم. ### | [فصل الصلاة المسنونة] # (فصل) : # وأما الصلاة المسنونة فهي السنن المعهودة للصلوات المكتوبة، والكلام فيها ~~يقع في مواضع: في بيان مواقيت هذه السنن، ومقاديرها جملة وتفصيلا، وفي بيان ~~صفة القراءة فيها، وفي بيان ما يكره فيها، وفي بيان أنها إذا فاتت عن وقتها ~~هل تقضى أم لا؟ أما الأول فوقت جملتها وقت المكتوبات؛ لأنها توابع ~~للمكتوبات فكانت تابعة لها في الوقت، ومقدار جملتها اثنتا عشرة ركعة: ~~ركعتان وأربع، وركعتان وركعتان، وركعتان في ظاهر الرواية. # وأما مقدار كل واحدة منها، ووقتها على التفصيل: فركعتان قبل الفجر، وأربع ~~قبل الظهر لا يسلم إلا في آخرهن، وركعتان بعده، وركعتان بعد المغرب، ~~وركعتان بعد العشاء كذا ذكر محمد في الأصل، وذكر في العصر والعشاء إن تطوع ~~بأربع قبله فحسن، وذكر الكرخي هكذا إلا أنه قال في العصر: وأربع قبل العصر، ~~وفي العشاء وأربع بعد العشاء، وروى الحسن عن أبي حنيفة وركعتان قبل العصر، ~~والعمل فيما روينا على المذكور في الأصل. # والأصل في السنن ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال «من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة ~~بنى الله له بيتا في الجنة: ركعتين قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، وركعتين ~~بعدها، وركعتين بعد العشاء» ، وقد واظب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عليها ولم يترك شيئا منها إلا مرة أو مرتين لعذر وهذا تفسير السنة، وأقوى ~~السنن ركعتا الفجر لورود الشرع بالترغيب فيهما ما لم يرد في غيرهما فإنه ~~روي عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~«ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» وعن ابن عباس في تأويل قوله تعالى ~~{وإدبار النجوم} [الطور: 49] أنه ركعتا الفجر وروي عن النبي - صلى الله ms0648 ~~عليه وسلم - أنه قال «صلوهما فإن فيهما لرغائب» . # وروي عنه أنه قال: «صلوهما ولو طردتكم الخيل» وروى جماعة من الصحابة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «كان يصلي بعد الزوال في كل يوم أربع ~~ركعات» منهم أبو أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - # PageV01P284 # وروى عنه أيضا قولا على ما نذكر وعن عبيدة السلماني أنه قال ما اجتمع ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على شيء كاجتماعهم على محافظة ~~الأربع قبل الظهر وتحريم نكاح الأخت في عدة الأخت ثم في هذه الأربع بتسليمة ~~واحدة عندنا، وعند الشافعي بتسليمتين واحتج بحديث ابن عمر - رضي الله عنه - ~~أنه ذكر اثنتي عشرة ركعة كما ذكرت عائشة إلا أنه زاد وأربعا قبل الظهر ~~بتسليمتين، ولنا حديث أبي أيوب الأنصاري أنه قال: «كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلي بعد الزوال أربع ركعات فقلت: ما هذه الصلاة التي تداوم ~~عليها يا رسول الله؟ فقال: هذه ساعة تفتح فيها أبواب السماء فأحب أن يصعد ~~لي فيها عمل صالح فقلت: أفي كلهن قراءة؟ قال: نعم فقلت: بتسليمة أم ~~بتسليمتين؟ فقال بتسليمة واحدة» ، وهذا نص في الباب، والتسليم في حديث ابن ~~عمر عبارة عن التشهد؛ لما فيه من السلام كما فيه من الشهادة على ما مر، ~~وإنما ذكر في الأصل في التطوع بالأربع قبل العصر حسن؛ لأن كون الأربع من ~~السنن الراتبة غير ثابت؛ لأنها لم تذكر في حديث عائشة، ولم يرو أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يواظب على ذلك؛ ولذا اختلفت الروايات في فصله إياها. # وروي في بعضها أنه صلى أربعا، وفي بعضها ركعتين فإن صلى أربعا كان حسنا ~~لحديث أم حبيبة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«من صلى أربع ركعات قبل العصر كانت له جنة من النار» وذكر في الأصل وإن ~~تطوع بعد المغرب بست ركعات كتب من الأوابين وتلا قوله تعالى {فإنه كان ~~للأوابين غفورا} [الإسراء: 25] ، وإنما قال في الأصل: إن التطوع بالأربع ~~قبل العشاء حسن؛ لأن التطوع ms0649 بها لم يثبت أنه من السنن الراتبة، ولو فعل ذلك ~~فحسن؛ لأن العشاء نظير الظهر في أنه يجوز التطوع قبلها وبعدها، ووجه رواية ~~الكرخي في الأربع بعد العشاء ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - موقوفا ~~عليه ومرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من صلى بعد ~~العشاء أربع ركعات كن له كمثلهن من ليلة القدر» وروي عن عائشة أنها «سئلت ~~عن قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليالي رمضان فقالت: كان قيامه ~~في رمضان وغيره سواء، كان يصلي بعد العشاء أربعا لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ~~ثم أربعا لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم كان يوتر بثلاث» . # وأما السنة قبل الجمعة وبعدها فقد ذكر في الأصل: وأربع قبل الجمعة، وأربع ~~بعدها، وكذا ذكر الكرخي، وذكر الطحاوي عن أبي يوسف أنه قال يصلي بعدها ستا ~~وقيل: هو مذهب علي - رضي الله عنه - وما ذكرنا أنه كان يصلي أربعا مذهب ابن ~~مسعود، وذكر محمد في كتاب الصوم أن المعتكف يمكث في المسجد الجامع مقدار ما ~~يصلي أربع ركعات، أو ست ركعات أما الأربع قبل الجمعة؛ فلما روي عن ابن عمر ~~- رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتطوع قبل الجمعة ~~بأربع ركعات» ؛ ولأن الجمعة نظير الظهر، ثم التطوع قبل الظهر أربع ركعات ~~كذا قبلها. # وأما بعد الجمعة فوجه قول أبي يوسف إن فيما قلنا جمعا بين قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وبين فعله فإنه روي «أنه أمر بالأربع بعد الجمعة» ~~وروي أنه «صلى ركعتين بعد الجمعة» ، فجمعنا بين قوله وفعله قال أبو يوسف: ~~ينبغي أن يصلي أربعا، ثم ركعتين كذا روي عن علي - رضي الله عنه - كي لا ~~يصير متطوعا بعد صلاة الفرض بمثلها، وجه ظاهر الرواية ما روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من كان مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا» وما ~~روي من فعله - صلى الله عليه وسلم - فليس فيه ما يدل على المواظبة، ونحن لا ~~نمنع ms0650 من يصلي بعدها كم شاء، غير أنا نقول: السنة بعدها أربع ركعات لا غير؛ ~~لما روينا. ### | [فصل صفة القراءة في سنن الصلاة] # (فصل) : # وأما صفة القراءة فيها فالقراءة في السنن في الركعات كلها فرض؛ لأن السنة ~~تطوع وكل شفع من التطوع صلاة على حدة؛ لما نذكر في صلاة التطوع فكان كل شفع ~~منها بمنزلة الشفع الأول من الفرائض، وقد روينا في حديث أبي أيوب أنه «سأل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأربع قبل الظهر أفي كلهن قراءة؟ ~~قال: نعم» والله أعلم. ### | [فصل بيان ما يكره من سنن الصلاة] # (فصل) : # وأما بيان ما يكره منها فيكره للإمام أن يصلي شيئا من السنن في المكان ~~الذي صلى فيه المكتوبة؛ لما ذكرنا فيما تقدم، وقد روينا عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال «أيعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم أو يتأخر» ولا ~~يكره ذلك للمأموم؛ لأن الكراهة في حق الإمام للاشتباه وهذا لا يوجد في حق ~~المأموم، لكن يستحب له أن يتنحى أيضا حتى تنكسر الصفوف ويزول الاشتباه على ~~الداخل من كل وجه على ما مر. # ويكره أن # PageV01P285 # يصلي شيئا منها والناس في الصلاة، أو أخذ المؤذن في الإقامة إلا ركعتي ~~الفجر فإنه يصليهما خارج المسجد، وإن فاتته ركعة من الفجر، فإن خاف أن ~~تفوته الفجر تركهما وجملة الكلام فيه أن الداخل إذا دخل المسجد للصلاة لا ~~يخلو إما أن كان يصلي المكتوبة، وإما أن كان لم يصل، وإما أن كان لم يصلها ~~فلا يخلو إما أن دخل المسجد وقد أخذ المؤذن في الإقامة، أو دخل المسجد وشرع ~~في الصلاة ثم أخذ المؤذن في الإقامة فإن دخل وقد كان المؤذن أخذ في الإقامة ~~يكره له التطوع في المسجد سواء كان ركعتي الفجر، أو غيرهما من التطوعات؛ ~~لأنه يتهم بأنه لا يرى صلاة الجماعة، وقد قال النبي: - صلى الله عليه وسلم ~~- «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم» . # وأما خارج المسجد فكذلك في سائر التطوعات. # وأما في ركعتي ms0651 الفجر فالأمر فيه على التفصيل الذي ذكرنا؛ لأن إدراك فضيلة ~~الافتتاح أولى من الاشتغال بالنفل، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«تكبيرة الافتتاح خير من الدنيا وما فيها» وليست هذه المرتبة لسائر ~~النوافل، وفي الاشتغال باستدراكها فوات النوافل، وفي الاشتغال باستدراك ~~النوافل فوتها وهي أعظم ثوابا فكان إحراز فضيلتها أولى، بخلاف ركعتي الفجر ~~فإن الترغيب فيهما قد وجد حسبما وجد في تكبيرة الافتتاح قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» فقد استويا في الدرجة ~~واختلف تخريج مشايخنا في ذلك منهم من قال: موضوع المسألة أن الرجل إذا ~~انتهى إلى الإمام وقد سبقه بالتكبير وشرع في قراءة السورة فيأتي بركعتي ~~الفجر لينال هذه الفضيلة عند فوت تلك الفضيلة؛ لأن إدراك تكبيرة الافتتاح ~~غير موهوم، فإذا عجز عن إحراز إحدى الفضيلتين يحرز الأخرى، فإذا كان الإمام ~~لم يأت بتكبيرة الافتتاح بعد يشتغل بإحرازها؛ لأنها عند التعارض تأيدت ~~بالانضمام إلى فضيلة الجماعة، فكان إحرازها أولى، غير أن موضوع المسألة على ~~خلاف هذا فإن محمدا وضع المسألة فيما إذا أخذ المؤذن في الإقامة ومع ذلك ~~قال: إنه يشتغل بالتطوع إذا كان يرجو إدراك ركعة واحدة، وإن استويا في ~~الدرجة على ما مر، والوجه فيه أنه لو اشتغل بإحراز فضيلة تكبيرة الافتتاح ~~لفاتته فضيلة ركعتي الفجر أصلا. # ولو اشتغل بركعتي الفجر لما فاتته فضيلة تكبيرة الافتتاح من جميع الوجوه؛ ~~لأنها باقية من كل وجه ما دامت الصلاة باقية؛ لأن تكبيرة الافتتاح هي ~~التحريمة، وهي تبقى ما دامت الأركان باقية فكانت تكبيرة الافتتاح باقية ~~ببقاء التحريمة من وجه، فصار مدركا من وجه وصار مدركا أيضا فضيلة الجماعة، ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «من أدرك ركعة من الفجر فقد أدركها» ؛ ~~ولأنه أدرك أكثر الصلاة؛ لأن الفائت ركعة لا غير، والمستدرك ركعة وقعدة، ~~وللأكثر حكم الكل فكان الاشتغال بركعتي الفجر أولى بخلاف ما إذا كان يخاف ~~فوت الركعتين جميعا؛ لأنهما إذا فاتتا لم يبق شيء من الأركان الأصلية. # ولو بقي شيء قليل ms0652 لا عبرة له بمقابلة ما فات؛ لأنه أقل، والفائت أكثر ~~وللأكثر حكم الكل فعجز عن إحرازهما فيختار تكبيرة الافتتاح لما انضم إلى ~~إحرازها فضيلة الجماعة في الفرض، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول «تفضل ~~الصلاة بجماعة على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة وفي رواية بسبع وعشرين درجة» ~~فكان هذا أولى والله أعلم. # أما إذا دخل المسجد وشرع في الصلاة ثم أخذ المؤذن في الإقامة فهذا أيضا ~~على وجهين إما إن شرع في التطوع وإما إن شرع في الفرض، فإن شرع في التطوع ~~ثم أقيمت الصلاة أتم الشفع الذي هو فيه، ولا يزيد عليه أما إتمام الشفع، ~~فلأن صونه عن البطلان واجب، وقد أمكنه ذلك ولا يزيد عليه؛ لأنه لا يلزمه ~~بالشروع في التطوع زيادة على الشفع فكانت الزيادة عليه كابتداء تطوع آخر. # وقد ذكرنا أن ابتداء التطوع في المسجد بعد الإقامة مكروه. # وأما إذا شرع في الفرض ثم أقيمت الصلاة فإن كان في صلاة الفجر يقطعها ما ~~لم يقيد الثانية بالسجدة؛ لأن القطع وإن كان نقصا صورة فليس بنقص معنى لأنه ~~للأداء على وجه الأكمل، والهدم ليبني أكمل يعد إصلاحا لا هدما، ألا ترى أن ~~من هدم مسجدا ليبني أحسن من الأول لا يأثم، وإذا قيد الثانية بالسجدة لم ~~يقطع؛ لأنه أتى بالأكثر وللأكثر حكم الكل، والفرض بعد إتمامه لا يحتمل ~~الانتقاض، ولا يدخل في صلاة الإمام؛ لأن التنفل بعد صلاة الفجر مكروه وإن ~~كان في صلاة الظهر فإن كان صلى ركعة ضم إليها أخرى، لأنه يمكنه صون المؤدى ~~واستدراك فضيلة الجماعة؛ لأن «صلاة الرجل بالجماعة تزيد على صلاة الفذ بخمس ~~وعشرين درجة» # PageV01P286 # على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن صلى ركعتين تشهد وسلم لما ~~قلنا، وكذا إذا قام إلى الثالثة قبل أن يقيدها بالسجدة يعود إلى التشهد ~~ويسلم، ولا يسلم على حاله قائما؛ لأن ما أتى به من القعدة كانت سنة، وقعدة ~~الختم فرض فعليه أن يعود إلى القعدة ثم يسلم ليكون متنفلا بركعتين، فإن كان ~~قيد ms0653 الثالثة بالسجدة أتمها؛ لأنه أدى الأكثر فلا يمكنه القطع، ويدخل مع ~~الإمام فيجعلها تطوعا لما روي «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~صلى في مسجد الخيف فرأى رجلين خلف الصف فقال علي بهما فجيء بهما ترتعد ~~فرائصهما فقال ما لكما لم تصليا معنا فقالا: كنا صلينا في رحالنا فقال: - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما إمام قوم فصليا معه ~~واجعلا ذلك سبحة» أي: نافلة وكان ذلك في الظهر كذا روي عن أبي يوسف في ~~الإملاء ولو كان في الركعة الأولى ولم يقيدها بالسجدة لم يذكر في الكتاب، ~~والصحيح أنه يقطعها ليدخل مع الإمام فيحرز ثواب تكبيرة الافتتاح؛ لأن ما ~~دون الركعة ليس له حكم الصلاة، ألا ترى أنه يعود من الركعة الثالثة ما لم ~~يقيدها بالسجدة، وكذا الجواب في العصر والعشاء إلا أنه لا يدخل في العصر مع ~~الإمام؛ لأن التنفل بعده مكروه، ويخرج من المسجد؛ لأن المخالفة في الخروج ~~أقل منها في المكث. # وأما في المغرب فإن صلى ركعة قطعها؛ لأنه لو ضم إليها أخرى لأدى الأكثر ~~فلا يمكنه القطع. # ولو قطع كان به متنفلا بركعتين قبل المغرب، وهو منهي عنه وإن قيد الثالثة ~~بالسجدة مضى فيها لما قلنا، ولا يدخل مع الإمام؛ لأنه لا يخلو إما أن يقتصر ~~على الثلاث كما يفعله الإمام، والتنفل بالثلاث غير مشروع، وإما أن يصلي ~~أربعا فيصير مخالفا لإمامه، وعن أبي يوسف أنه يدخل مع الإمام فإذا فرغ ~~الإمام يصلي ركعة أخرى لتصير شفعا له، وقال بشر المريسي: يسلم مع الإمام؛ ~~لأن هذا التغيير بحكم الاقتداء وذلك جائز كالمسبوق يدرك الإمام في القعدة ~~أنه يقعد معه وابتداء الصلاة لا يكون بالقعدة ثم جاز هذا التغيير بحكم ~~الاقتداء، كذا هذا فإن دخل مع الإمام صلى أربعا كما قال أبو يوسف؛ لأن ~~بالقيام إلى الركعة الثانية صار ملتزما للركعتين لخروج الركعة الواحدة عن ~~جواز التنفل بها، قال ابن مسعود: والله ما أجزأت ركعة قط فلذلك يتم أربعا ~~لو دخل ms0654 مع الإمام، هذا إذا كان لم يصل المكتوبة، فإن كان قد صلاها ثم دخل ~~المسجد فإن كان صلاة لا يكره التطوع بعدها شرع في صلاة الإمام وإلا فلا. ### | [فصل السنة إذا فاتت عن وقتها هل تقضى أم لا] # (فصل) : # وأما بيان أن السنة إذا فاتت عن وقتها هل تقضى أم لا؟ فنقول وبالله ~~التوفيق: لا خلاف بين أصحابنا في سائر السنن سوى ركعتي الفجر أنها إذا فاتت ~~عن وقتها لا تقضى سواء فاتت وحدها، أو مع الفريضة، وقال الشافعي في قول: ~~تقضى قياسا على الوتر، ولنا ما روت أم سلمة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- دخل حجرتي بعد العصر فصلى ركعتين فقلت: يا رسول الله ما هاتان الركعتان ~~اللتان لم تكن تصليهما من قبل؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~ركعتان كنت أصليهما بعد الظهر» وفي رواية «ركعتا الظهر شغلني عنهما الوفد ~~فكرهت أن أصليهما بحضرة الناس فيروني، فقلت: أفأقضيهما إذا فاتتا؟ فقال: ~~لا» وهذا نص على أن القضاء غير واجب على الأمة، وإنما هو شيء اختص به النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ولا شركة لنا في خصائصه وقياس هذا الحديث أن لا يجب ~~قضاء ركعتي الفجر أصلا، إلا أنا استحسنا القضاء إذا فاتتا مع الفرض لحديث ~~ليلة التعريس، ولأن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبارة عن طريقته ~~وذلك بالفعل في وقت خاص على هيئة مخصوصة على ما فعله النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فالفعل في وقت آخر لا يكون سلوك طريقته، فلا يكون سنة بل يكون تطوعا ~~مطلقا. # وأما ركعتا الفجر إذا فاتتا مع الفرض فقد فعلهما النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مع الفرض ليلة التعريس فنحن نفعل ذلك لنكون على طريقته، وهذا بخلاف ~~الوتر؛ لأنه واجب عند أبي حنيفة على ما ذكرنا، والواجب ملحق بالفرض في حق ~~العمل، وعندهما وإن كان سنة مؤكدة لكنهما عرفا وجوب القضاء بالنص الذي ~~روينا فيما تقدم. # أما سنة الفجر فإن فاتت مع الفرض تقضى مع الفرض استحسانا لحديث ms0655 ليلة ~~التعريس فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - «لما نام في ذلك الوادي ثم ~~استيقظ بحر الشمس فارتحل منه ثم نزل وأمر بلالا فأذن فصلى ركعتي الفجر، ثم ~~أمره فأقام فصلى صلاة الفجر» . # وأما إذا فاتت وحدها لا تقضى عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، وقال محمد: تقضى ~~إذا ارتفعت الشمس قبل الزوال، واحتج بحديث ليلة التعريس أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - «قضاهما بعد # PageV01P287 # طلوع الشمس قبل الزوال» فصار ذلك وقت قضائهما، ولهما أن السنن شرعت توابع ~~للفرائض فلو قضيت في وقت لا أداء فيه للفرائض لصارت السنن أصلا، وبطلت ~~التبعية فلم تبق سنن مؤكدة؛ لأنها كانت سنة بوصف التبعية، وليلة التعريس ~~فاتتا مع الفرض فقضيتا تبعا للفرض، ولا كلام فيه إنما الخلاف فيما إذا ~~فاتتا وحدهما، ولا وجه إلى قضائهما وحدهما لما بينا، ولهذا لا يقضى غيرهما ~~من السنن ولا هما يقضيان بعد الزوال. # وأما الذي هو سنن الصحابة فصلاة التراويح في ليالي رمضان، والكلام في ~~صلاة التراويح في مواضع: في بيان، وقتها، وفي بيان صفتها، وفي بيان قدرها، ~~وفي سننها، وفي بيان أنها إذا فاتت عن وقتها هل تقضى أم لا؟ . # أما صفتها فهي سنة كذا روى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: القيام في شهر ~~رمضان سنة لا ينبغي تركها، وكذا روي عن محمد أنه قال: التراويح سنة إلا ~~أنها ليست بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن سنة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ما واظب عليه ولم يتركه إلا مرة أو مرتين لمعنى من ~~المعاني، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما واظب عليها بل أقامها في ~~بعض الليالي، روي «أنه صلاها لليلتين بجماعة ثم ترك وقال: أخشى أن تكتب ~~عليكم» لكن الصحابة واظبوا عليها فكانت سنة الصحابة. ### | [فصل في قدر صلاة التراويح] # (فصل) : # وأما قدرها فعشرون ركعة في عشر تسليمات، في خمس ترويحات كل تسليمتين ~~ترويحة وهذا قول عامة العلماء. # وقال مالك في قول: ستة وثلاثون ركعة، وفي قول ستة وعشرون ركعة، والصحيح ~~قول ms0656 العامة لما روي أن عمر - رضي الله عنه - جمع أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في شهر رمضان على أبي بن كعب فصلى بهم في كل ليلة عشرين ~~ركعة، ولم ينكر أحد عليه فيكون إجماعا منهم على ذلك. # وأما وقتها فقد اختلف مشايخنا فيه قال بعضهم: وقتها ما بين العشاء ~~والوتر، فلا تجوز قبل العشاء ولا بعد الوتر، وقال عامتهم: وقتها ما بعد ~~العشاء إلى طلوع الفجر فلا تجوز قبل العشاء؛ لأنها تبع للعشاء فلا تجوز ~~قبلها كسنة العشاء، وذكر الناطفي في إمام صلى بقوم صلاة العشاء على غير ~~وضوء ناسيا، ثم صلى بهم إمام آخر التراويح متوضئا، ثم علم أن الأول كان على ~~غير وضوء؟ أن عليهم أن يعيدوا العشاء والتراويح جميعا: أما العشاء فلا شك ~~فيها. # وأما التراويح؛ فلأنها تصلى إلى طلوع الفجر؛ لأن ذلك وقتها. # وهل يكره تأخيرها إلى نصف الليل؟ قال بعضهم: يكره؛ لأنها تبع للعشاء، ~~ويكره تأخير العشاء إلى نصف الليل فكذا تأخيرها، والصحيح أنه لا يكره؛ ~~لأنها قيام الليل، وقيام الليل في آخر الليل أفضل. ### | [فصل في سنن صلاة التراويح] # (فصل) : # وأما سننها فمنها الجماعة والمسجد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدر ~~ما صلى من التراويح صلى بجماعة في المسجد، فكذا الصحابة - رضي الله عنهم - ~~صلوها بجماعة في المسجد فكان أداؤها بالجماعة في المسجد سنة، ثم اختلف ~~المشايخ في كيفية سنة الجماعة، والمسجد، أنها سنة عين أم سنة كفاية؟ قال ~~بعضهم: إنها سنة على سبيل الكفاية إذا قام بها بعض أهل المسجد في المسجد ~~بجماعة سقط عن الباقين. # ولو ترك أهل المسجد كلهم إقامتها في المسجد بجماعة فقد أساءوا وأثموا، ~~ومن صلاها في بيته وحده، أو بجماعة لا يكون له ثواب سنة التراويح لتركه ~~ثواب سنة الجماعة والمسجد. # ومنها نية التراويح أو نية قيام رمضان، أو نية سنة الوقت. # ولو نوى الصلاة مطلقا، أو نوى التطوع، قال بعض المشايخ: لا يجوز؛ لأنها ~~سنة والسنة لا تتأدى بنية مطلق الصلاة، أو نية التطوع ms0657 واستدلوا بما روى ~~الحسن عن أبي حنيفة أن ركعتي الفجر لا تتأدى إلا بنية السنة، وقال عامة ~~مشايخنا: إن التراويح وسائر السنن تتأدى بمطلق النية؛ ولأنها وإن كانت سنة ~~لا تخرج عن كونها نافلة، والنوافل تتأدى بمطلق النية إلا أن الاحتياط أن ~~ينوي التراويح، أو سنة الوقت، أو قيام رمضان احترازا عن موضع الخلاف. # ولو اقتدى من يصلي التراويح بمن يصلي المكتوبة، أو النافلة قيل: يصح ~~اقتداؤه ويكون مؤديا التراويح، وقيل: لا يصح اقتداؤه به وهو الصحيح؛ لأنه ~~مكروه لكونه مخالفا لعمل السلف. # ولو اقتدى من يصلي التسليمة الأولى بمن يصلي التسليمة الثانية قيل: لا ~~يجوز اقتداؤه، وقيل: يجوز وهو الصحيح؛ لأن الصلاة متحدة فكان نية الأولى ~~والثانية لغوا، ولهذا صح اقتداء مصلي الركعتين بمصلي الأربع قبله فكذا هذا. # ومنها أن الإمام بعد تكبيرة الافتتاح يأتي بالثناء والتعوذ والتسمية في ~~الركعة الأولى، والمقتدي أيضا يأتي بالثناء، وفي التعوذ خلاف معروف بناء ~~على أن التعوذ تبع الثناء، أو تبع القراءة على ما ذكرنا # PageV01P288 # في موضعه ولا يزيد الإمام على قدر التشهد إن علم أنه يثقل على القوم، وإن ~~علم أنه لا يثقل على القوم يزيد عليه ويأتي بالدعوات المشهورة. # ومنها أن يقرأ في كل ركعة عشر آيات كذا روى الحسن عن أبي حنيفة، وقيل: ~~يقرأ فيها كما يقرأ في أخف المكتوبات وهي المغرب، وقيل: يقرأ كما يقرأ في ~~العشاء؛ لأنها تبع للعشاء، وقيل: يقرأ في كل ركعة من عشرين إلى ثلاثين؛ ~~لأنه روي أن عمر - رضي الله عنه - دعا بثلاثة من الأئمة فاستقرأهم وأمر ~~أولهم أن يقرأ في كل ركعة بثلاثين آية، وأمر الثاني أن يقرأ في كل ركعة ~~خمسة وعشرين آية، وأمر الثالث أن يقرأ في كل ركعة عشرين آية، وما قاله أبو ~~حنيفة سنة إذ السنة أن يختم القرآن مرة في التراويح وذلك فيما قاله أبو ~~حنيفة، وما أمر به عمر فهو من باب الفضيلة وهو أن يختم القرآن مرتين أو ~~ثلاثا وهذا في زمانهم. # وأما في زماننا فالأفضل ms0658 أن يقرأ الإمام على حسب حال القوم من الرغبة ~~والكسل فيقرأ قدر ما لا يوجب تنفير القوم عن الجماعة؛ لأن تكثير الجماعة ~~أفضل من تطويل القراءة، والأفضل تعديل القراءة في الترويحات كلها، وإن لم ~~يعدل فلا بأس به، وكذا الأفضل تعديل القراءة في الركعتين في التسليمة ~~الواحدة عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، وعند محمد يطول الأولى على الثانية كما ~~في الفرائض. # ومنها أن يصلي كل ركعتين بتسليمة على حدة. # ولو صلى ترويحة بتسليمة واحدة وقعد في الثانية قدر التشهد، لا شك أنه ~~يجوز على أصل أصحابنا أن صلوات كثيرة تتأدى بتحريمة واحدة بناء على أن ~~التحريمة شرط وليست بركن عندنا خلافا للشافعي، لكن اختلف المشايخ أنه هل ~~يجوز عن تسليمتين أو لا يجوز إلا عن تسليمة واحدة؟ قال بعضهم: لا يجوز إلا ~~عن تسليمة واحدة؛ لأنه خالف السنة المتوارثة بترك التسليمة، والتحريمة، ~~والثناء، والتعوذ والتسمية فلا يجوز إلا عن تسليمة واحدة، وقال عامتهم: إنه ~~يجوز عن تسليمتين وهو الصحيح، وعلى هذا لو صلى التراويح كلها بتسليمة واحدة ~~وقعد في كل ركعتين. # أن الصحيح أنه يجوز عن الكل؛ لأنه قد أتى بجميع أركان الصلاة وشرائطها؛ ~~لأن تجديد التحريمة لكل ركعتين ليس بشرط عندنا هذا إذا قعد على رأس ~~الركعتين قدر التشهد، فأما إذا لم يقعد فسدت صلاته عند محمد، وعند أبي ~~حنيفة، وأبي يوسف يجوز، وأصل المسألة يصلي التطوع أربع ركعات إذا لم يقعد ~~في الثانية قدر التشهد وقام وأتم صلاته أنه يجوز استحسانا عندهما، ولا يجوز ~~عند محمد قياسا، ثم إذا جاز عندهما فهل يجوز عن تسليمتين أو لا يجوز إلا عن ~~تسليمة واحدة الأصح أنه لا يجوز إلا عن تسليمة واحدة؛ لأن السنة أن يكون ~~الشفع الأول كاملا، وكماله بالقعدة ولم توجد والكامل لا يتأدى بالناقص. # ولو صلى ثلاث ركعات بتسليمة واحدة ولم يقعد في الثانية قال بعضهم: لا ~~يجزئه أصلا بناء على أن من تنفل بثلاث ركعات، ولم يقعد إلا في آخرها جاز ~~عند بعضهم؛ لأنه لو كان ms0659 فرضا وهو المغرب جاز، فكذا النفل، ولا يجوز عند ~~بعضهم؛ لأن القعدة على رأس الثالثة في النوافل غير مشروعة بخلاف المغرب ~~فصار كأنه لم يقعد فيها، ولو لم يقعد فيها لم تجز النافلة فكذا في ~~التراويح، ثم إن كان ساهيا في الثالثة لا يلزمه قضاء شيء؛ لأنه شرع في صلاة ~~مظنونة؛ ولأنه لا يوجب القضاء عند أصحابنا الثلاثة، وإن كان عمدا فعلى قول ~~من قال بالجواز يلزمه ركعتان؛ لأن الركعة الثانية قد صحت لبقاء التحريمة، ~~وإن لم يكملها يضم ركعة أخرى إليها فيلزمه القضاء، وعلى قول من قال بعدم ~~الجواز يلزمه ركعتان عند أبي يوسف، وعند أبي حنيفة لا يلزمه شيء؛ لأن ~~التحريمة قد فسدت بترك القعدة في الركعة الثانية فشرع في الثالثة بلا ~~تحريمة، وأنه لا يوجب القضاء عند أبي حنيفة، وعلى هذا لو صلى عشر تسليمات ~~كل تسليمة بثلاث ركعات بقعدة واحدة. # ولو صلى التراويح كلها بتسليمة واحدة ولم يقعد إلا في آخرها قال بعضهم: ~~يجزئه عن التراويح كلها، وقال بعضهم: لا يجزئه إلا عن تسليمة واحدة، وهو ~~الصحيح؛ لأنه أخل بكل شفع بترك القعدة. # ومنها أن يصلي كل ترويحة إمام واحد، وعليه عمل أهل الحرمين، وعمل السلف ~~ولا يصلي الترويحة الواحدة إمامان؛ لأنه خلاف عمل السلف، ويكون تبديل ~~الإمام بمنزلة الانتظار بين الترويحتين، وأنه غير مستحب. # ولا يصلي إمام واحد التراويح في مسجدين في كل مسجد على الكمال ولا له فعل ~~ولا يحتسب التالي من التراويح، وعلى القوم أن يعيدوا؛ لأن صلاة إمامهم ~~نافلة، وصلاتهم سنة والسنة أقوى فلم يصح الاقتداء؛ لأن السنة لا تتكرر في ~~وقت واحد، وما صلى في المسجد الأول محسوب، وليس على القوم أن يعيدوا ولا # PageV01P289 # بأس لغير الإمام أن يصلي التراويح في مسجدين؛ لأنه اقتداء المتطوع بمن ~~يصلي السنة، وأنه جائز كما لو صلى المكتوبة ثم أدرك الجماعة ودخل فيها ~~والله أعلم. # إذا صلوا التراويح ثم أرادوا أن يصلوها ثانيا يصلون فرادى لا بجماعة؛ لأن ~~الثانية تطوع مطلق، والتطوع المطلق بجماعة مكروه. ms0660 # ويجوز التراويح قاعدا من غير عذر لأنه تطوع إلا أنه لا يستحب؛ لأنه خلاف ~~السنة المتوارثة وروى الحسن عن أبي حنيفة أن من صلى ركعتي الفجر قاعدا من ~~غير عذر لا يجوز، وكذا لو صلاها على الدابة من غير عذر وهو يقدر على النزول ~~لاختصاص هذه السنة بزيادة توكيد وترغيب بتحصيلها، وترهيب وتحذير على تركها ~~فالتحقت بالواجبات كالوتر. # ومنها أن الإمام كلما صلى ترويحة قعد بين الترويحتين قدر ترويحة يسبح، ~~ويهلل ويكبر، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو وينتظر أيضا ~~بعد الخامسة قدر ترويحة؛ لأنه متوارث من السلف # وأما الاستراحة بعد خمس تسليمات فهل يستحب؟ قال بعضهم: نعم، وقال بعضهم: ~~لا يستحب وهو الصحيح؛ لأنه خلاف عمل السلف والله الموفق. ### | [فصل صلاة التراويح إذا فاتت عن وقتها هل تقضى أم لا] # (فصل) : # وأما بيان أدائها إذا فاتت عن وقتها هل تقضى أم لا؟ فقد قيل: إنها تقضى ~~والصحيح أنها لا تقضى؛ لأنها ليست بآكد من سنة المغرب والعشاء، وتلك لا ~~تقضى فكذلك هذه. ### | [فصل صلاة التطوع] # (فصل) : # وأما صلاة التطوع فالكلام فيها يقع في مواضع: في بيان أن التطوع هل يلزم ~~بالشروع، وفي بيان مقدار ما يلزم منه بالشروع، وفي بيان أفضل التطوع، وفي ~~بيان ما يكره من التطوع، وفي بيان ما يفارق التطوع الفرض فيه. # أما الأول فقد قال أصحابنا: إذا شرع في التطوع يلزمه المضي فيه، وإذا ~~أفسده يلزمه القضاء، وقال الشافعي: لا يلزمه المضي في التطوع ولا القضاء ~~بالإفساد وجه قوله: أن التطوع تبرع وأنه ينافي الوجوب، وإذا لم يجب المضي ~~فيه لا يجب القضاء بالإفساد؛ لأن القضاء تسليم مثل الواجب، ولنا أن المؤدى ~~عبادة، وإبطال العبادة حرام لقوله تعالى {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] ~~فيجب صيانتها عن الإبطال، وذا بلزوم المضي فيها، وإذا أفسدها فقد أفسد ~~عبادة واجبة الأداء فيلزمه القضاء جبرا للفائت كما في المنذور والمفروض، ~~وقد خرج الجواب كما ذكره أنه تبرع؛ لأنا نقول: نعم قبل الشروع. # وأما بعد الشروع فقد صار واجبا ms0661 لغيره وهو صيانة المؤدى عن البطلان ولو ~~افتتح الصلاة مع الإمام وهو ينوي التطوع والإمام في الظهر ثم قطعها فعليه ~~قضاؤها لما قلنا، فإن دخل معه فيها ينوي التطوع فهذا على ثلاثة أوجه: إما ~~أن ينوي قضاء الأولى، أو لم يكن له نية أصلا، أو نوى صلاة أخرى ففي الوجهين ~~الأولين يسقط عنه، وتنوب هذه عن قضاء ما لزمه بالإفساد عندنا، وعند زفر لا ~~يسقط وجه قوله: إن ما لزمه بالإفساد صار دينا في ذمته كالصلاة المنذورة فلا ~~يتأدى خلف إمام يصلي صلاة أخرى، ولنا أنه لو أتمها حين شرع فيها لا يلزمه ~~شيء آخر، فكذا إذا أتمها بالشروع الثاني؛ لأنه ما التزم بالشروع إلا أداء ~~هذه الصلاة مع الإمام، وقد أداها وإن نوى تطوعا آخر ذكر في الأصل أنه ينوب ~~عما لزمه بالإفساد، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، وذكر في زيادات الزيادات ~~أنه لا ينوب وهو قول محمد ووجهه أنه لما نوى صلاة أخرى فقد أعرض عما كان ~~دينا عليه بالإفساد، فلا ينوب هذا المؤدى عنه بخلاف الأول وجه قولهما: أنه ~~ما التزم في المرتين إلا أداء هذه الصلاة مع الإمام، وقد أداها والله أعلم. # ثم الشروع في التطوع في الوقت المكروه وغيره سواء في كونه سببا للزوم في ~~قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: الشروع في التطوع في الأوقات المكروهة غير ~~ملزم حتى لو قطعها لا شيء عليه عنده، وعندنا الأفضل أن يقطع وإن أتم فقد ~~أساء، ولا قضاء عليه؛ لأنه أداها كما وجبت، وإن قطعها فعليه القضاء. # وأما الشروع في الصوم في الوقت المكروه فغير ملزم عند أبي حنيفة، وزفر ~~وعندهما ملزم فهما سويا بين الصوم والصلاة، وجعلا الشروع فيهما ملزما ~~كالنذر لكون المؤدى عبادة وزفر سوى بينهما بعلة ارتكاب المنهي وجعل الشروع ~~فيهما غير ملزم، وأبو حنيفة فرق والفرق له من وجوه: أحدها: أنه لا بد له من ~~تقديم مقدمة، وهي أن ما تركب من أجزاء متفقة ينطلق اسم الكل فيه على البعض ~~كالماء، فإن ماء ms0662 البحر يسمى ماء، وقطرة منه تسمى ماء، وكذا الخل والزيت، ~~وكل مائع، وما تركب من أجزاء مختلفة لا يكون للبعض منه اسم الكل ~~كالسكنجبين، لا يسمى الخل وحده ولا السكر وحده سكنجيبا، وكذا الأنف وحده لا ~~يسمى وجها، ولا الخد # PageV01P290 # وحده ولا العظم وحده يسمى آدميا، ثم الصوم يتركب من أجزاء متفقة فيكون ~~لكل جزء اسم الصوم، والصلاة تتركب من أجزاء مختلفة، وهي: القيام، والقراءة، ~~والركوع، والسجود فلا يكون للبعض اسم الكل. # ومن هذا قال أصحابنا: إن من حلف لا يصوم، ثم شرع في الصوم فكما شرع يحنث ~~ولو حلف لا يصلي فما لم يقيد الركعة بالسجدة لا يحنث، وإذا تقرر هذا الأصل ~~فنقول: إنه نهي عن الصوم فكما شرع باشر الفعل المنهي، ونهى عن الصلاة فما ~~لم يقيد الركعة بالسجدة لم يباشر منها فيما انعقد انعقد قربة خالصة غير ~~منهي عنها، فبعد هذا يقول بعض مشايخنا: إن الشروع سبب الوجوب وهو في الصوم ~~منهي ففسد في نفسه فلم يصر سبب الوجوب، وفي الصلاة ليس بمنهي فصار سببا ~~للوجوب وإذا تحقق هذا فنقول: وجوب المضي في التطوع لصيانة ما انعقد قربة، ~~وفي باب الصوم ما انعقد انعقد معصية من وجه والمضي أيضا معصية والمضي لو ~~وجب وجب لصيانة ما انعقد وما انعقد عبادة وهو منهي عنه وتقرير العبادة ~~وصيانتها واجب، وتقرير المعصية وصيانتها معصية، فالصيانة واجبة من وجه، ~~محظورة من وجه فلم تجب الصيانة عند الشك، وترجحت جهة الحظر على ما هو ~~الأصل، والصيانة لا تحصل إلا بما هو عبادة وبما هو معصية وإيجاب العبادة ~~ممكن، وإيجاب المعصية غير ممكن فلم يجب المضي عند التعارض، بل يرجح جانب ~~الحظر فأما في باب الصلاة فما انعقد انعقد عبادة خالصة لا حظر فيها فوجب ~~تقريرها وصيانتها، ثم صيانتها وإن كانت بالمضي وبالمضي يقع في المحظور ولكن ~~لو مضى تقررت العبادة، وتقريرها واجب، وما يأتي به عبادة ومحظور أيضا فكان ~~محصلا للعبادة من وجهين ومرتكبا للنهي من وجه فترجحت جهة العبادة. # ولو امتنع ms0663 عن المضي امتنع عن تحصيل ما هو منهي، ولكن امتنع أيضا عن تحصيل ~~ما هو عبادة وأبطل العبادة المتقررة، وإبطالها محظور محض فكان المضي ~~للصيانة أولى من الامتناع فيلزمه المضي فإذا أفسده يلزمه القضاء، ومنهم من ~~فرق بينهما فقال: إن النهي عن الصلاة في هذه الأوقات ثبت بدليل فيه شبهة ~~العدم، وهو خبر الواحد. # وقد اختلف العلماء في صحته ووروده فكان في ثبوته شك وشبهة، وما كان هذا ~~سبيله كان قبوله بطريق الاحتياط، والاحتياط في حق إيجاب القضاء على من أفسد ~~بالشروع أن يجعل كأنه ما ورد بخلاف النهي عن الصوم؛ لأنه ثبت بالحديث ~~المشهور وتلقته أئمة الفتوى بالقبول، فكان النهي ثابتا من جميع الوجوه فلم ~~يصح الشروع فلم يجب القضاء بالإفساد، والفقيه الجليل أبو أحمد العياضي ~~السمرقندي ذكر هذه الفروق، وأشار إلى فرق آخر وهو أن الصوم وجوبه ~~بالمباشرة، وهو فعل من الصوم المنهي عنه، فأما الصلاة فوجوبها بالتحريمة ~~وهي قول، وليست من الصلاة فكانت بمنزلة النذر والله أعلم غير أنه لو أفسدها ~~مع هذا وقضى في وقت آخر كان أحسن؛ لأن الإفساد ليؤدي أكمل لا يعد إفسادا ~~وههنا كذلك؛ لأنه يؤدى خاليا عن اقتران النهي به، ولكن لو صلى مع هذا جاز؛ ~~لأنه ما لزمه إلا هذه الصلاة، وقد أساء حيث أدى مقرونا بالنهي. # ولو افتتح التطوع وقت طلوع الشمس فقطعها ثم قضاها وقت تغير الشمس أجزأه؛ ~~لأنها وجبت ناقصة وأداها كما وجبت فيجوز كما لو أتمها في ذلك الوقت، ثم ~~الشروع إنما يكون سبب الوجوب إذا صح، فأما إذا لم يصح فلا، حتى لو شرع في ~~التطوع على غير وضوء، أو في ثوب نجس لا يلزمه القضاء، وكذا القارئ إذا شرع ~~في صلاة الأمي بنية التطوع، أو في صلاة امرأة، أو جنب، أو محدث ثم أفسدها ~~على نفسه لا قضاء عليه؛ لأن شروعه في الصلاة لم يصح حيث اقتدى بمن لا يصلح ~~إماما له، وكذا الشروع في الصلاة المظنونة غير موجب حتى لو شرع في الصلاة ~~على ms0664 ظن أنها عليه، ثم تبين أنها ليست عليه لا يلزمه المضي. # ولو أفسد لا يلزمه القضاء عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر، وفي باب الحج ~~يلزمه التطوع بالشروع معلوما كان، أو مظنونا والفرق يذكر في كتاب الصوم إن ~~شاء لله تعالى. ### | [فصل في بيان مقدار ما يلزم منه بالشروع في صلاة التطوع] # (فصل) : # وأما بيان مقدار ما يلزم منه بالشروع فنقول لا يلزمه بالافتتاح أكثر من ~~ركعتين، وإن نوى أكثر من ذلك في ظاهر الروايات عن أصحابنا إلا بعارض ~~الاقتداء. # وروي عن أبي يوسف ثلاث روايات روى بشر بن الوليد عنه أنه قال فيمن افتتح ~~التطوع ينوي أربع ركعات ثم أفسدها: قضى أربعا ثم رجع وقال: يقضي ركعتين ~~وروى بشر بن أبي الأزهر عنه أنه قال فيمن افتتح النافلة ينوي عددا: يلزمه ~~بالافتتاح ذلك العدد وإن كان مائة ركعة وروى غسان # PageV01P291 # عنه أنه قال: إن نوى أربع ركعات لزمه وإن نوى أكثر من ذلك لم يلزمه، ولا ~~خلاف في أنه يلزمه بالنذر ما تناوله، وإن كثر وجه رواية ابن أبي الأزهر عنه ~~أن الشروع في كونه سببا للزوم كالنذر ثم يلزمه بالنذر جميع ما تناوله وكذا ~~بالشروع، وجه رواية غسان عنه أن ما وجب بإيجاب الله تعالى بناء على مباشرة ~~سبب الوجوب من العبد دون ما وجب بإيجاب الله تعالى ابتداء وذا لا يزيد على ~~الأربع فهذا أولى، وجه ظاهر الرواية أن الوجوب بسبب الشروع ما ثبت وضعا بل ~~ضرورة صيانة المؤدي عن البطلان، ومعنى الصيانة يحصل بتمام الركعتين فلا ~~تلزم الزيادة من غير ضرورة بخلاف النذر؛ لأنه سبب الوجوب بصيغته وضعا ~~فيتقدر الوجوب بقدر ما تناوله السبب. # وأما قوله: إن الشروع سبب الوجوب كالنذر فنقول نعم لكنه سبب لوجوب ما وجد ~~الشروع فيه، ولم يوجد الشروع في الشفع الثاني فلا يجب، ولأنه ما وضع سببا ~~للوجوب بل الوجوب لما ذكرنا من الضرورة ولا ضرورة في حق الشفع الثاني، ~~بخلاف النذر فإنه التزم صريحا فيلزمه بقدر ما التزم. # وكذا الجواب في ms0665 السنن الراتبة أنه لا يجب بالشروع فيها إلا ركعتين حتى لو ~~قطعها قضى ركعتين في ظاهر الرواية عن أصحابنا؛ لأنه نفل، وعلى رواية أبي ~~يوسف قضى أربعا في كل موضع يقضي في التطوع أربعا ومن المتأخرين من مشايخنا ~~اختار قول أبي يوسف فيما يؤدي من الأربع منها بتسليمة واحدة وهو الأربع قبل ~~الظهر، وقال: لو قطعها يقضي أربعا. # ولو أخبر بالبيع فانتقل إلى الشفع الثاني لا تبطل شفعته، ويمنع صحة ~~الخلوة وهو الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري وإذا عرف هذا الأصل ~~فنقول: من وجب عليه ركعتان بالشروع ففرغ منهما وقعد على رأس الركعتين وقام ~~إلى الثالثة على قصد الأداء يلزمه إتمام ركعتين أخراوين وبينهما على ~~التحريمة الأولى؛ لأن قدر المؤدى صار عبادة فيجب عليه إتمام الركعتين صيانة ~~له عن البطلان، والقيام إلى الثالثة على قصد الأداء بناء، منه الشفع الثاني ~~على التحريمة الأولى وأمكن البناء عليها، لأن التحريمة شرط الصلاة عندنا، ~~والشرط الواحد يكفي لأفعال كثيرة كالطهارة الواحدة أنها تكفي لصلوات كثيرة، ~~ويلزمه في هاتين الركعتين القراءة كما في الأوليين؛ ولأن كل شفع من التطوع ~~صلاة على حدة، ولهذا قالوا: إن المتنفل إذا قام إلى الثالث لقصد الأداء ~~ينبغي أن يستفتح فيقول: سبحانك اللهم وبحمدك إلخ كما يستفتح في الابتداء؛ ~~لأن هذا بناء الافتتاح، وفي كل ركعتين من النفل صلاة على حدة لكن بناء على ~~التحريمة الأولى فيأتي بالثناء المسنون فيه. # ولو صلى ركعتين تطوعا فسها فيهما فسجد لسهوه بعد السلام ثم أراد أن يبني ~~عليهما ركعتين أخراوين ليس له ذلك؛ لأنه لو فعل ذلك لوقع سجوده للسهو في ~~وسط الصلاة، وأنه غير مشروع بخلاف المسافر إذا صلى الظهر ركعتين وسها فيهما ~~فسجد للسهو ثم نوى الإقامة حيث يصح، ويقوم لإتمام صلاته وإن كان يقع سهوه ~~في وسط الصلاة، والفرق أن السلام محلل في الشرع، إلا أن الشرع منعه عن ~~العمل في هذه الحالة، أو حكم بعود التحريمة ضرورة تحصيل السجود؛ لأن سجود ~~السهو لا يؤتى به ms0666 إلا في تحريمة الصلاة، والضرورة في حق تلك الصلاة، وفيما ~~يرجع إلى إكمالها فظهر بقاء التحريمة، أو عودها في حقها لا في حق صلاة ~~أخرى، ولا ضرورة في صلاة التطوع؛ لأن كل شفع صلاة على حدة فيعمل التسليم ~~عمله في التحليل، وكان القياس في المتنفل بالأربع إذا ترك القعدة الأولى أن ~~تفسد صلاته، وهو قول محمد؛ لأن كل شفع لما كان صلاة على حدة كانت القعدة ~~عقيبه فرضا كالقعدة الأخيرة في ذوات الأربع من الفرائض، إلا أن في ~~الاستحسان لا تفسد وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف؛ لأنه لما قام إلى الثالثة ~~قبل القعدة فقد جعلها صلاة واحدة شبيهة بالفرض، واعتبار النفل بالفرض مشروع ~~في الجملة؛ لأنه تبع للفرض فصارت القعدة الأولى فاصلة بين الشفعين والخاتمة ~~هي الفريضة فأما الفاصلة فواجبة وهذا بخلاف ما إذا ترك القراءة في الأوليين ~~في التطوع، وقام إلى الأخريين وقرأ فيهما حيث يفسد الشفع الأول بالإجماع، ~~ولم نجعل هذه الصلاة صلاة واحدة في حق القراءة بمنزلة ذوات الأربع؛ لأن ~~القعدة إنما صارت فرضا لغيرها وهو الخروج فإذا قام إلى الثالثة وصارت ~~الصلاة من ذوات الأربع لم يأت أوان الخروج فلم تبق القعدة فرضا، فأما ~~القراءة فهي ركن بنفسها فإذا تركها في الشفع الأول فسد فلم يصح بناء الشفع ~~الثاني عليه، وعلى هذا قالوا: إذا صلى التطوع ثلاث ركعات بقعدة # PageV01P292 # واحدة ينبغي أن يجوز اعتبارا للتطوع بالفرض وهو صلاة المغرب إذا صلاها ~~بقعدة واحدة، والأصح أنه لا يجوز؛ لأن ما اتصل به القعدة وهي الركعة ~~الأخيرة فسدت؛ لأن التنفل بالركعة الواحدة غير مشروع فيفسد ما قبلها. # ولو تطوع بست ركعات بقعدة واحدة اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: يجوز؛ ~~لأنها لما جازت بتحريمة واحدة وتسليمة واحدة فيجوز بقعدة واحدة أيضا، ~~والأصح أنه لا يجوز؛ لأنا إنما استحسنا جواز الأربع بقعدة واحدة اعتبارا ~~بالفريضة، وليس في الفرائض ست ركعات يجوز أداؤها بقعدة واحدة، فيعود الأمر ~~فيه إلى أصل القياس والله أعلم. # ثم إنما يجب بإفساد التطوع قضاء الشفع ms0667 الذي اتصل به المفسد دون الشفع ~~الذي مضى على الصحة حتى لو صلى أربعا فتكلم في الثالثة أو الرابعة قضى ~~الشفع الثاني دون الأول؛ لأن كل شفع صلاة على حدة ففساد الثاني لا يوجب ~~فساد الأول بخلاف الفرض؛ لأنه كله صلاة واحدة، ففساد البعض يوجب فساد الكل. # ولو اقتدى المتطوع بمصلي الظهر في أول الصلاة ثم قطعها، أو اقتدى به في ~~القعدة الأخيرة فعليه قضاء أربع ركعات؛ لأنه بالاقتداء التزم صلاة الإمام ~~وهي أربع ركعات. # ومن نوى أن يصلي الظهر ستا لم يلزمه ركعتان؛ لأن الشروع لم يوجد في ~~الركعتين، وإنما وجد في الظهر وهي أربع ولم يوجد في حق الركعتين إلا مجرد ~~النية ومجرد النية لا يلزم شيئا. # ، وكذا المسافر إذا نوى أن يصلي الظهر أربعا فصلى ركعتين فصلاته تامة؛ ~~لأن الظهر في حق المسافر ركعتان فكانت نية الزيادة لغوا. # هذا إذا أفسد التطوع بشيء من أضداد الصلاة في الوضع من الحدث العمد ~~والكلام والقهقهة وعمل كثير ليس من أعمال الصلاة، فأما إذا أفسده بترك ~~القراءة بأن صلى التطوع أربعا، ولم يقرأ فيهن شيئا فعليه قضاء ركعتين في ~~قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف عليه قضاء الأربع وهي من المسائل ~~المعروفة بثمان مسائل، والأصل فيها أن الشفع الأول متى فسد بترك القراءة ~~تبقى التحريمة عند أبي يوسف فيصح الشروع في الشفع الثاني، وعند محمد متى ~~فسد الشفع الأول لا تبقى التحريمة، فلا يصح الشروع في الشفع الثاني، وعند ~~أبي حنيفة إن فسد الشفع الأول بترك القراءة فيهما بطلت التحريمة، فلا يصح ~~الشروع في الشفع الثاني، وإن فسد بترك القراءة في إحداهما بقيت التحريمة ~~فيصح الشروع في الشفع الثاني. # وجه قول محمد: أن القراءة فرض في كل شفع من النفل في الركعتين جميعا فكما ~~يفسد الشفع بترك القراءة فيهما، يفسد بترك القراءة في إحداهما لفوات ما هو ~~ركن، كما لو ترك الركوع أو السجود أنه لا يفترق الحال بين الترك في ~~الركعتين أو في إحداهما، كذا هذا وصار ترك ms0668 القراءة في الإفساد، والحدث ~~العمد والكلام سواء فإذا فسدت الأفعال لم تبق التحريمة؛ لأنها تبقى لتوحيد ~~الأفعال المختلفة فإذا فسدت الأفعال لا تبقى هي فلم يصح الشروع في الشفع ~~الثاني لعدم التحريمة فلا يتصور الفساد ولأبي يوسف أن الأفعال وإن بطلت ~~بترك القراءة ركنا ولكن بقيت التحريمة؛ لأنها ما عقدت لهذا الشفع خاصة بل ~~له الشفع الثاني ألا ترى أنه لو قرأ يصح بناء الشفع الثاني عليه فإذا لم ~~تبطل التحريمة صح الشروع في الشفع الثاني، ثم يفسد هو أيضا بترك القراءة ~~فيه، ولأبي حنيفة أنه لا بقاء للتحريمة مع بطلان الأفعال كما إذا ترك ركنا ~~آخرا، وتكلم أو أحدث عمدا؛ لأنها للجمع بين الأفعال المختلفة لتجعلها كلها ~~عبادة واحدة فتبطل ببطلان الأفعال كما قال محمد غير أنه إذا ترك القراءة في ~~الشفع الأول في الركعتين جميعا علم فساد الشفع بيقين لترك الركن بيقين، ~~فأما إذا قرأ في إحدى الأوليين لم يعلم يقينا بفساد هذا الشفع؛ لأن الحسن ~~البصري كان يقول: بجواز الصلاة بوجود القراءة في ركعة واحدة، وقوله وإن كان ~~فاسدا لكن إنما عرفنا فساده بدليل اجتهادي غير موجب علم اليقين، بل يجوز أن ~~يكون الصحيح قوله غير أنا عرفنا صحة ما ذهبنا إليه وفساد ما ذهب إليه بغالب ~~الرأي فلم نحكم ببطلان التحريمة الثانية بيقين بالشك، ولأن الشفع الأول متى ~~دار بين الجواز والفساد كان الاحتياط في الحكم بفساده ليجب عليه القضاء، ~~وببقاء التحريمة ليصح الشروع في الشفع الثاني ليجب عليه القضاء بوجود مفسد ~~في هذا الشفع أيضا إذا عرفت هذا الأصل، فنقول إذا ترك القراءة في الأربع ~~كلها يلزمه قضاء ركعتين في قول أبي حنيفة، ومحمد وزفر؛ لأن التحريمة قد ~~بطلت بفساد الشفع الأول بيقين فلم يصح الشروع في الشفع الثاني، فلا يلزمه ~~القضاء بالإفساد لعدم الإفساد، وعند أبي يوسف عليه قضاء الأربع؛ لأن ~~التحريمة بقيت وإن فسد الشفع # PageV01P293 # الأول، فيصح الشروع في الشفع الثاني ثم يفسد بترك القراءة أيضا، فيجب ~~قضاء الشفعين جميعا. # ولو ترك القراءة ms0669 في إحدى الأوليين وإحدى الأخريين، أو قرأ في إحدى ~~الأوليين فحسب عند محمد يلزمه قضاء الشفع الأول لا غير؛ لأن الشفع الأول ~~فسد بترك القراءة في إحدى الركعتين من هذا الشفع فبطلت التحريمة فلم يصح ~~الشروع في الشفع الثاني، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف يلزمه قضاء الأربع أما ~~عند أبي يوسف فلعدم بطلان التحريمة بفساد الصلاة، وعند أبي حنيفة لكون ~~الفساد غير ثابت بدليل مقطوع به فبقيت التحريمة فصح الشروع في الشفع ~~الثاني، ثم فسد الشفع الثاني بترك القراءة في الركعتين أو في إحداهما. # ولو ترك القراءة في الأوليين وقرأ في الأخريين يلزمه قضاء ركعتين وهو ~~الشفع الأول بالإجماع؛ لأنه فسد بترك القراءة في الركعتين فيلزمه قضاؤه؛ ~~فأما الشفع الثاني فعند أبي يوسف صلاة كاملة؛ لأن الشروع فيه قد صح لبقاء ~~التحريمة، وقد وجدت القراءة في الركعتين جميعا فصح، وعند أبي حنيفة ومحمد ~~وزفر لما بطلت التحريمة لم يصح الشروع في الشفع الثاني فلم تكن صلاة فلا ~~يجب إلا قضاء الشفع الأول، والأخريان لا يكونان قضاء عن الأوليين بالإجماع ~~أما عند أبي حنيفة ومحمد وزفر؛ فلأن الشفع الثاني ليس بصلاة لانعدام ~~التحريمة، وعند أبي يوسف وإن كان صلاة لكنه بناه على تلك التحريمة، وأنها ~~انعقدت للأداء، والتحريمة الواحدة لا يتسع فيها الأداء والقضاء. # ولو قرأ في إحدى الأوليين لا غير عند محمد يلزمه قضاء ركعتين، وعند أبي ~~حنيفة وأبي يوسف، قضاء الأربع، وذكر في بعض نسخ الجامع الصغير قول أبي ~~حنيفة مع محمد، والصحيح ما ذكرنا من الدلائل. # ولو قرأ في إحدى الأخريين لا غير عند أبي يوسف يلزمه قضاء الأربع، وعند ~~أبي حنيفة ومحمد وزفر يلزمه قضاء الشفع الأول لا غير. # ولو قرأ في الأوليين لا غير يلزمه قضاء الشفع الأخير عند الكل وكذا، لو ~~ترك القراءة في إحدى الأخريين وهذا كله إذا قعد بين الشفعين قدر التشهد ~~فأما إذا لم يقعد تفسد صلاته عند محمد بترك القعدة ولا تتأتى هذه التفريعات ~~عنده. # ولو كان خلفه رجل اقتدى به ms0670 فحكمه حكم إمامه يقضي ما يقضي إمامه؛ لأن صلاة ~~المقتدي متعلقة بصلاة الإمام صحة وفسادا. # ولو تكلم المقتدي ومضى الإمام في صلاته حتى صلى أربع ركعات وقرأ في ~~الأربع كلها، وقعد بين الشفعين فإن تكلم قبل أن يقعد الإمام قدر التشهد ~~فعليه قضاء الأوليين فقط؛ لأنه لم يلتزم الشفع الأخير؛ لأن الالتزام ~~بالشروع ولم يشرع فيه وإنما وجد منه الشروع في الشفع الأول فقط فيلزمه ~~قضاؤه بالإفساد لا غير، وإن تكلم بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يقوم إلى ~~الثالثة لا شيء عليه؛ لأنه أدى ما التزم بوصف الصحة. # وأما إذا قام إلى الثالثة ثم تكلم المقتدي لم يذكر هذه المسألة في الأصل ~~وذكر عصام بن يوسف في مختصره أن عليه قضاء أربع ركعات، قال الشيخ الإمام ~~الزاهد صدر الدين أبو المعين: ينبغي أن يكون هذا الجواب على قول أبي حنيفة ~~وأبي يوسف؛ لأنهما يجعلان هذا كله صلاة واحدة بدليل أنهما لم يحكما بفسادها ~~بترك القعدة الأولى. # وأما عند محمد فقد بقي كل شفع صلاة على حدة حتى حكم بافتراض القعدة ~~الأولى فكان هذا المقتدي مفسدا للشفع الأخير لا غير فيلزمه قضاؤه لا غير. ### | [فصل بيان أفضل التطوع] # (فصل) : # وأما بيان أفضل التطوع فأما في النهار فأربع أربع في قول أصحابنا، وقال ~~الشافعي: مثنى مثنى بالليل والنهار جميعا واحتج بما روى عمارة بن رويبة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «كان يفتتح صلاة الضحى بركعتين» ، ومعلوم ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يختار من الأعمال أفضلها؛ ولأن في التطوع ~~بالمثنى زيادة تكبير وتسليم فكان أفضل، ولهذا قال في الأربع قبل الظهر إنها ~~بتسليمتين، ولنا ما روى ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه ~~كان يواظب في صلاة الضحى على أربع ركعات» والأخذ برواية ابن مسعود أولى من ~~الأخذ برواية عمارة بن رويبة؛ لأنه يروي المواظبة وعمارة لا يرويها، ولا شك ~~أن الأخذ بالمفسر أولى؛ ولأن الأربع أدوم وأشق على البدن. # «، وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0671 - عن أفضل الأعمال فقال: أحمزها ~~أي: أشقها على البدن» . # وأما في الليل فأربع أربع في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد مثنى ~~مثنى وهو قول الشافعي احتجا بما روى ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال «صلاة الليل مثنى مثنى وبين كل ركعتين فسلم» ~~أمر بالتسليم على رأس الركعتين # PageV01P294 # وما أراد به الإيجاب؛ لأنه غير واجب فتعين الاستحباب مرادا به؛ ولأن عمل ~~الأمة في التراويح فظهر مثنى مثنى من لدن عمر - رضي الله عنه - إلى يومنا ~~هذا فدل أن ذلك أفضل، ولأبي حنيفة ما روينا عن عائشة - رضي الله عنها - ~~أنها «سئلت عن قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليالي رمضان ~~فقالت: كان قيامه في رمضان وغيره سواء؛ لأنه كان يصلي بعد العشاء أربع ~~ركعات لا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم أربعا لا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم كان ~~يوتر بثلاث» ، وفي بعض الروايات أنها سئلت عن ذلك فقالت وأيكم يطيق ذلك، ثم ~~ذكرت الحديث وكلمة كان عبارة عن العادة، والمواظبة وما كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يواظب إلا على أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى، وفيه ~~دلالة على أنه ما كان يسلم على رأس الركعتين إذ لو كان كذلك لم يكن لذكر ~~الأربع فائدة؛ ولأن الوصل بين الشفعين بمنزلة التتابع في باب الصوم، ألا ~~ترى أنه لو نذر أن يصلي أربعا بتسليمة فصلى بتسليمتين لا يخرج عن العهدة ~~كذا ذكر محمد في الزيادات كما في صفة التتابع في باب الصوم، ثم الصوم ~~متتابعا أفضل فكذا الصلاة، والمعنى فيه ما ذكرنا أنه أشق على البدن فكان ~~أفضل ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم - فسلم أي: فتشهد؛ لأن التحيات تسمى ~~تشهدا لما فيها من الشهادة وهي قوله: " أشهد أن لا إله إلا الله " وكذا ~~تسمى تسليما لما فيها من التسليم بقوله: " السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين " وحمله على هذا أولى؛ لأنه أمر بالتسليم ومطلق الأمر للوجوب، ~~والتسليم ليس بواجب ms0672 ألا ترى أنه لو صلى أربعا جاز، أما التشهد فواجب فكان ~~الحمل عليه أولى، فأما التراويح فإنما تؤدى مثنى مثنى؛ لأنها تؤدى بجماعة ~~فتؤدى على وجه السهولة واليسر لما فيهم من المريض وذي الحاجة ولا كلام فيه، ~~وإنما الكلام فيما إذا كان وحده. ### | [فصل بيان ما يكره من التطوع] # (فصل) : # وأما بيان ما يكره من التطوع، فالمكروه منه نوعان: نوع يرجع إلى القدر، ~~ونوع يرجع إلى الوقت. # أما الذي يرجع إلى القدر فأما في النهار فتكره الزيادة على الأربع ~~بتسليمة واحدة، وفي الليل لا تكره وله أن يصلي ستا وثمانيا، ذكره في الأصل ~~وذكر في الجامع الصغير في صلاة الليل إن شئت فصل بتكبيرة ركعتين، وإن شئت ~~أربعا، وإن شئت ستا ولم يزد عليه، والأصل في ذلك أن النوافل شرعت تبعا ~~للفرائض والتبع لا يخالف الأصل فلو زيدت على الأربع في النهار لخالفت ~~الفرائض، وهذا هو القياس في الليل إلا أن الزيادة على الأربع إلى الثمان، ~~أو إلى الست عرفناه بالنص، وهو ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~كان يصلي بالليل خمس ركعات سبع ركعات تسع ركعات إحدى عشرة ركعة ثلاث عشرة ~~ركعة، والثلاث من كل واحد من هذه الأعداد الوتر، وركعتان من ثلاثة عشر سنة ~~الفجر فيبقى ركعتان وأربع وست وثمان فيجوز إلى هذا القدر بتسليمة واحدة من ~~غير كراهة. # واختلف المشايخ في الزيادة على الثمان بتسليمة واحدة، قال بعضهم: يكره؛ ~~لأن الزيادة على هذا لم ترو عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال ~~بعضهم؛ لا يكره وإليه ذهب الشيخ الإمام الزاهد السرخسي - رحمه الله - قال: ~~لأن فيه وصل العبادة بالعبادة فلا يكره وهذا يشكل بالزيادة على الأربع في ~~النهار، والصحيح أنه يكره لما ذكرنا، وعليه عامة المشايخ. # ولو زاد على الأربع في النهار أو على الثمان في الليل يلزمه لوجود سبب ~~اللزوم وهو الشروع. # ثم اختلف في أن الأفضل في التطوع طول القيام في الأربع والمثنى على حسب ~~ما اختلف فيه أم كثرة الصلاة؟ ms0673 قال أصحابنا طول القيام أفضل، وقال: الشافعي ~~كثرة الصلاة أفضل، ولقب المسألة أن طول القنوت أفضل أم كثرة السجود؟ ~~والصحيح قولنا لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «سئل عن ~~أفضل الصلاة فقال: طول القنوت» أي: القيام وعن ابن عمر أنه قال في قوله ~~تعالى {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] : إن القنوت طول القيام وقرأ قوله ~~تعالى {أمن هو قانت آناء الليل} [الزمر: 9] وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا ~~لم يكن له ورد فطول القيام أفضل. # وأما إذا كان له ورد من القرآن يقرؤه فكثرة السجود أفضل؛ لأن القيام لا ~~يختلف ويضم إليه زيادة الركوع والسجود والله أعلم. # وأما الذي يرجع إلى الوقت فيكره التطوع في الأوقات المكروهة وهي اثنا عشر ~~بعضها يكره التطوع فيها لمعنى في الوقت، وبعضها يكره التطوع فيها لمعنى في ~~غير الوقت. # أما الذي يكره التطوع فيها لمعنى يرجع إلى الوقت فثلاثة أوقات: أحدها ما ~~بعد طلوع الشمس إلى أن ترتفع وتبيض، والثاني عند استواء الشمس إلى أن تزول، ~~والثالث عند تغير الشمس وهو احمرارها، واصفرارها إلى أن تغرب. # ففي هذه # PageV01P295 # الأوقات الثلاثة يكره كل تطوع في جميع الأزمان يوم الجمعة وغيره، وفي ~~جميع الأماكن بمكة وغيرها، وسواء كان تطوعا مبتدأ لا سبب له، أو تطوعا له ~~سبب كركعتي الطواف وركعتي تحية المسجد ونحوهما. # وروي عن أبي يوسف أنه لا بأس بالتطوع وقت الزوال يوم الجمعة، وقال: ~~الشافعي لا بأس بالتطوع في هذه الأوقات بمكة، احتج أبو يوسف بما روي أن ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - «نهى عن الصلاة وقت الزوال إلا يوم الجمعة» ~~، واحتج الشافعي - رحمه الله تعالى - بما روي أن النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - نهى عن الصلاة في هذه الأوقات إلا بمكة، ولنا ما روي عن عقبة بن ~~عامر الجهني أنه قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ينهانا أن نصلي فيها، وأن نقبر فيها موتانا إذا طلعت الشمس حتى ترتفع، وإذا ~~تضيقت للمغيب، وعند الزوال» وروي عن ابن ms0674 عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «نهى عن الصلاة وقت الطلوع والغروب، وقال: لأن الشمس تطلع وتغرب بين قرني ~~شيطان» وروى الصنابحي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن الصلاة عند ~~طلوع الشمس، وقال: إنها تطلع بين قرني شيطان يزينها في عين من يعبدها حتى ~~يسجد لها فإذا ارتفعت فارقها، فإذا كانت عند قائم الظهيرة قارنها، فإذا ~~مالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها فلا تصلوا في هذه ~~الأوقات» فالنبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة في هذه الأوقات من ~~غير فصل فهو على العموم والإطلاق، ونبه على معنى النهي، وهو طلوع الشمس بين ~~قرني الشيطان وذلك؛ لأن عبدة الشمس يعبدون الشمس، ويسجدون لها عند الطلوع ~~تحية لها، وعند الزوال لاستتمام علوها، وعند الغروب وداعا لها فيجيء ~~الشيطان فيجعل الشمس بين قرنيه ليقع سجودهم نحو الشمس له، فنهى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن الصلاة في هذه الأوقات لئلا يقع التشبيه بعبدة الشمس، ~~وهذا المعنى يعم المصلين أجمع فقد عم النهي بصيغته ومعناه فلا معنى ~~للتخصيص، وما روي من النهي إلا بمكة شاذ لا يقبل في معارضة المشهور، وكذا ~~رواية استثناء يوم الجمعة غريبة فلا يجوز تخصيص المشهور بها. # وأما الأوقات التي يكره فيها التطوع لمعنى في غير الوقت فمنها: ما بعد ~~طلوع الفجر إلى صلاة الفجر، وما بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وما بعد ~~صلاة العصر إلى مغيب الشمس، فلا خلاف في أن قضاء الفرائض والواجبات في هذه ~~الأوقات جائز من غير كراهة، ولا خلاف في أن أداء التطوع المبتدإ مكروه ~~فيها. # وأما التطوع الذي له سبب كركعتي الطواف، وركعتي تحية المسجد فمكروه عندنا ~~وعند الشافعي لا يكره، واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليحيه بركعتين من غير فصل» وروي عن عائشة «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بعد العصر» وعن عمر - رضي الله عنه - ~~«أنه صلى الصبح فسمع صوت حدث ممن خلفه ms0675 فقال: عزمت على من أحدث أن يتوضأ ~~ويعيد صلاته فلم يقم فقال جرير بن عبد الله البجلي: يا أمير المؤمنين أرأيت ~~لو توضأنا جميعا وأعدنا الصلاة فاستحسن ذلك عمر - رضي الله عنه - وقال له: ~~كنت سيدا في الجاهلية فقيها في الإسلام فقاموا وأعادوا الوضوء والصلاة» ، ~~ولا شك أن تلك الصلاة ممن لم يحدث كانت نافلة والدليل عليه أنه لا يكره ~~الفرائض في هذه الأوقات كذا النوافل. # (ولنا) ما روي عن ابن عباس أنه قال: شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي ~~عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى ~~تشرق الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس» فهو على العموم إلا ~~ما خص بدليل، وكذا روي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال ذلك. # وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه طاف بعد طلوع الفجر سبعة أشواط ~~ولم يصل حتى خرج إلى ذي طوى وصلى ثمة بعد ما طلعت الشمس، وقال ركعتان مكان ~~ركعتين ولو كان أداء ركعتي الطواف بعد طلوع الشمس جائزا من غير كراهة لما ~~أخر؛ لأن أداء الصلاة بمكة أفضل خصوصا ركعتا الطواف. # وأما حديث عائشة فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مخصوصا بذلك دل ~~عليه ما روي أنه قيل لأبي سعيد الخدري إن عائشة تروي أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - صلى بعد العصر فقال: إنه فعل ما أمر ون حن نفعل ما أمرنا أشار ~~إلى أنه مخصوصا بذلك ولا شركة في موضع الخصوص ألا ترى إلى ما روي عن أم ~~سلمة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين بعد العصر فسألته عن ذلك ~~فقال: شغلني وفد عن ركعتي الظهر فقضيتهما فقالت ونحن نفعل كذلك فقال لا» ~~أشار إلى الخصوصية، لأنه كتبت عليه # PageV01P296 # السنن الراتبة، ومذهبنا مذهب عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، ~~وعائشة، وأبي سعيد الخدري - رضي الله عنهم -، وما روي عن عمر فغريب لا يقبل ms0676 ~~على أن عمر إنما فعل ذلك لإخراج المحدث عن عهدة الفرض، ولا بأس بمباشرة ~~المكر لمثله، والاعتبار بالفرائض غير سديد؛ لأن الكراهة في هذه الأوقات ~~ليست لمعنى في الوقت بل لمعنى في غيره، وهو إخراج ما بقي من الوقت عن كونه ~~تبعا لفرض الوقت لشغله بعبادة مقصودة، ومعنى الاستتباع لا يمكن تحقيقه في ~~حق الفرض فبطل الاعتبار. # وكذا أداء الواجب الذي وجب بصنع العبد من النذر وقضاء التطوع الذي أفسده ~~في هذه الأوقات مكروه في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه لا يكره؛ لأنه ~~واجب فصار كسجدة التلاوة وصلاة الجنازة، وجه ظاهر الرواية أن المنذور عينه ~~ليس بواجب بل هو نفل في نفسه، وكذا عين الصلاة لا تجب بالشروع، وإنما ~~الواجب صيانة المؤداة عن البطلان فبقيت الصلاة نفلا في نفسها فتكره في هذه ~~الأوقات. # (ومنها) ما بعد الغروب يكره فيه النفل وغيره؛ لأن فيه تأخير المغرب وأنه ~~مكروه. # ومنها ما بعد شروع الإمام في الصلاة وقبل شروعه بعد ما أخذ المؤذن في ~~الإقامة يكره التطوع في ذلك الوقت قضاء لحق الجماعة، كما تكره السنة إلا في ~~سنة الفجر على التفصيل الذي ذكرنا في السنن. # ومنها وقت الخطبة يوم الجمعة يكره فيه الصلاة؛ لأنها سبب لترك استماع ~~الخطبة، وعند الشافعي يصلي ركعتين خفيفتين تحية المسجد، والمسألة قد مرت في ~~صلاة الجمعة، ومنها ما بعد خروج الإمام للخطبة يوم الجمعة قبل أن يشتغل ~~بها، وما بعد فراغه منها قبل أن يشرع في الصلاة يكره التطوع فيه والكلام، ~~وجميع ما يكره في حالة الخطبة عند أبي حنيفة وعندهما لا يكره الكلام وتكره ~~الصلاة، وقد مر الكلام فيها في صلاة الجمعة. # (ومنها) ما قبل صلاة العيد يكره التطوع فيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يتطوع قبل العيدين مع شدة حرصه على الصلاة وعن علي - رضي الله ~~عنه - أنه خرج إلى صلاة العيد فوجد الناس يصلون فقال: إنه لم يكن قبل العيد ~~صلاة فقيل له: ألا تنهاهم فقال: لا فإني أخشى أن أدخل ms0677 تحت قوله {أرأيت الذي ~~ينهى} [العلق: 9] {عبدا إذا صلى} [العلق: 10] وعن عبد الله بن مسعود وحذيفة ~~أنهما كانا ينهيان الناس عن الصلاة قبل العيد؛ ولأن المبادرة إلى صلاة ~~العيد مسنونة، وفي الاشتغال بالتطوع تأخير. # ولو اشتغل بأداء التطوع في بيته يقع في وقت طلوع الشمس، وكلاهما مكروهان، ~~وقال محمد بن مقاتل الرازي من أصحابنا: إنما يكره ذلك في المصلى كي لا ~~يشتبه على الناس أنهم يصلون العيد قبل صلاة العيد، فأما في بيته فلا بأس ~~بأن يتطوع بعد طلوع الشمس، وعامة أصحابنا على أنه لا يتطوع قبل صلاة العيد ~~لا في المصلى ولا في بيته، فأول الصلاة في هذا اليوم صلاة العيد والله ~~أعلم. ### | [فصل بيان ما يفارق التطوع الفرض فيه] # (فصل) : # وأما بيان ما يفارق التطوع الفرض فيه فنقول: إنه يفارقه في أشياء: منها ~~أنه يجوز التطوع قاعدا مع القدرة على القيام، ولا يجوز ذلك في الفرض؛ لأن ~~التطوع خير دائم فلو ألزمناه القيام يتعذر عليه إدامة هذا الخير، فأما ~~الفرض فإنه يختص ببعض الأوقات، فلا يكون في إلزامه مع القدرة عليه حرج، ~~والأصل في جواز النفل قاعدا مع القدرة على القيام ما روي عن عائشة - رضي ~~الله عنها - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي قاعدا فإذا ~~أراد أن يركع قام فقرأ آيات، ثم ركع وسجد ثم عاد إلى القعود» . # وكذا لو افتتح الفرض قائما ثم أراد أن يقعد ليس له ذلك بالإجماع. # ولو افتتح التطوع قائما ثم أراد أن يقعد من غير عذر فله ذلك عند أبي ~~حنيفة استحسانا، وعند أبي يوسف ومحمد لا يجوز وهو القياس؛ لأن الشروع ملزم ~~كالنذر. # ولو نذر أن يصلي ركعتين قائما لا يجوز له القعود من غير عذر، فكذا إذا ~~شرع قائما ولأبي حنيفة أنه متبرع وهو مخير بين القيام والقعود في الابتداء، ~~فكذا بعد الشروع لكونه متبرعا أيضا. # وأما قولهما: إن الشروع ملزم فنقول: إن الشروع ليس بملزم وضعا، وإنما ~~يلزم لضرورة صيانة ما انعقد عبادة عن البطلان، ms0678 وما انعقد يتعلق بقاؤه عبادة ~~بوجود أصل ما بقي من الصلاة لا بوجود وصف ما بقي، فإن التطوع قاعدا جائز في ~~الجملة فلم يلزم تحصيل وصف القيام فيما بقي؛ لأن لزوم ما بقي لأجل الضرورة ~~ولا ضرورة في حق وصف القيام، ولهذا لا يلزمه أكثر من ركعتين لاستغناء ~~المؤدى عن الزيادة بخلاف النذر فإنه موضوع للإيجاب شرعا فإذا أوجب مع الوصف ~~وجب كذلك حتى لو أطلق النذر، لا رواية فيه فقيل: إنه على هذا الخلاف الذي ~~ذكرنا في # PageV01P297 # الشروع، وقيل: لا يلزمه بصفة القيام؛ لأن التطوع لم يتناول القيام فلا ~~يلزمه إلا بالتنصيص عليه كالتتابع في باب الصوم، وقيل: يلزمه قائما؛ لأن ~~النذر وضع للإيجاب فيعتبر ما أوجبه على نفسه بما أوجبه الله عليه مطلقا، ~~وهناك يلزمه بصفة القيام إلا من عذر كذا هذا. # وأما الشروع فليس بموضوع للوجوب وإنما جعل موجبا بطريق الضرورة، والضرورة ~~في حق الأصل دون الوصف على ما مر. # افتتح التطوع قاعدا فأدى بعضها قاعدا وبعضها قائما أجزأه لما روي عن ~~عائشة - رضي الله عنها - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفتتح ~~التطوع قاعدا فيقرأ ورده حتى إذا بقي عشر آيات، أو نحوها قام فأتم قراءته ~~ثم ركع وسجد وهكذا كان يفعل في الركعة الثانية، فقد انتقل من القعود إلى ~~القيام، ومن القيام إلى القعود» فدل أن ذلك جائز في صلاة التطوع. # أنه يجوز التنفل على الدابة مع القدرة على النزول، وأداء الفرض على ~~الدابة مع القدرة على النزول لا يجوز لما ذكرنا فيما تقدم. # ومنها أن القراءة في التطوع في الركعات كلها فرض، والمفروض من القراءة في ~~ذوات الأربع من المكتوبات في ركعتين منها فقط حتى لو ترك القراءة في الشفع ~~الأول من الفرض لا يفسد الشفع الثاني بل يقضيها في الشفع الثاني، أو يؤديها ~~بخلاف التطوع لما ذكرنا أن كل شفع من التطوع صلاة على حدة، وقد روي عن عمر ~~وابن مسعود وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - موقوفا عليهم، ومرفوعا إلى رسول ms0679 ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يصلى بعد صلاة مثلها» قال محمد: ~~تأويله لا يصلى بعد صلاة مثلها من التطوع على هيئة الفريضة في القراءة أي: ~~ركعتان بقراءة وركعتان بغير قراءة أي: لا يصلي بعد أربع الفريضة أربعا من ~~التطوع يقرأ في ركعتين ولا يقرأ في ركعتين، والنهي عن الفعل أمر بضده، فكان ~~هذا أمر بالقراءة في الركعات كلها في التطوع، ولا يحمل على المماثلة في ~~أعداد الركعات؛ لأن ذلك غير منهي بالإجماع كالفجر بعد الركعتين، والظهر بعد ~~الأربع في حق المقيم، والركعتين بعد الظهر في حق المسافر، وتأويل أبي يوسف ~~أي: لا تعاد الفرائض الفوائت؛ لأنه في بداية الإسلام كانت الفرائض تقضى ثم ~~تعاد من الغد لوقتها فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك. # ومصداق هذا التأويل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«من نام عن صلاة، أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، أو استيقظ من الغد لوقتها» ، ~~ثم نسخ هذا الحديث بقوله «لا يصلى بعد صلاة مثلها» ويمكن حمل الحديث على ~~النهي عن قضاء الفرض بعد أدائه مخافة دخول فساد فيه بحكم الوسوسة وتكون ~~فائدة الحديث على هذا التأويل وجوب دفع الوسوسة، والنهي عن اتباعها، ويجوز ~~أن يحمل الحديث على النهي عن تكرار الجماعة في مسجد واحد، وعلى هذا التأويل ~~يكون الحديث حجة لنا على الشافعي في تلك المسألة والله أعلم. # ومنها أن القعدة على رأس الركعتين في ذوات الأربع في الفرائض ليست بفرض ~~بلا خلاف حتى لا يفسد بتركها، وفي التطوع اختلاف على ما مر. # ولو قام إلى الثالثة قبل أن يقعد ساهيا في الفرض، فإن استتم قائما لم ~~يعد، وإن لم يستتم قائما عاد وقعد وسجد سجدتي السهو. # وأما في التطوع فقد ذكر محمد أنه إذا نوى أن يتطوع أربع ركعات وقام ولم ~~يستتم قائما أنه يعود، ولم يذكر أنه إذا استتم قائما هل يعود أم لا؟ قال ~~بعض مشايخنا: لا يعود استحسانا؛ لأنه لما نوى الأربع التحق بالظهر، ms0680 وبعضهم ~~قال: يعود؛ لأن كل شفع صلاة على حدة، والأول أوجه. # ولو كان نوى أن يتطوع بركعتين فقام من الثانية إلى الثالثة قبل أن يقعد ~~فيعود ههنا بلا خلاف بين مشايخنا؛ لأن كل شفع بمنزلة صلاة الفجر. # ومنها أن الجماعة في التطوع ليست بسنة إلا في قيام رمضان، وفي الفرض ~~واجبة أو سنة مؤكدة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «صلاة المرء في بيته ~~أفضل من صلاته في مسجده إلا المكتوبة» وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «كان يصلي ركعتي الفجر في بيته، ثم يخرج إلى المسجد» ولأن الجماعة من ~~شعائر الإسلام وذلك مختص بالفرائض أو الواجبات دون التطوعات، وإنما عرفنا ~~الجماعة سنة في التراويح بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع ~~الصحابة - رضي الله عنهم -، فإنه روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى التراويح في المسجد ليلتين، وصلى الناس بصلاته» وعمر - رضي الله عنه - ~~في خلافته استشار الصحابة أن يجمع الناس على قارئ واحد فلم يخالفوه فجمعهم ~~على أبي بن كعب. # ومنها أن التطوع غير موقت بوقت خاص، ولا مقدر بمقدار مخصوص فيجوز في أي ~~وقت كان على أي مقدار كان إلا أنه يكره # PageV01P298 # في بعض الأوقات، وعلى بعض المقادير على ما مر والفرض مقدر بمقدار خاص ~~موقت بأوقات مخصوصة، فلا تجوز الزيادة على قدره، وتخصيص جوازه ببعض الأوقات ~~دون بعض على ما مر في موضعه. # ومنها أن التطوع يتأدى بمطلق النية، والفرض لا يتأدى إلا بتعيين النية، ~~وقد ذكرنا الفرق في موضعه،. # ومنها أن مراعاة الترتيب يختص بالفرائض دون التطوعات حتى لو شرع في ~~التطوع ثم تذكر فائتة مكتوبة لم يفسد تطوعه. # ولو كان في الفرض تفسد الفريضة؛ لأن المفسد للفرض كونه مؤديا للفرض قبل ~~وقته، وليس للتطوع وقت مخصوص بخلاف الفرض؛ ولأنه لو تذكر فائتة عليه في ~~صلاة الفرض ينقلب فرضه تطوعا ولا يبطل أصلا، فإذا تذكر في التطوع لأن يبقى ~~تطوعا ولا يبطل كان أولى والله أعلم. ### | [فصل صلاة الجنازة] # (فصل) : # وأما ms0681 صلاة الجنازة فالكلام في الجنائز يقع في الأصل في ستة مواضع: أحدها ~~في غسل الميت، والثاني في تكفينه، والثالث في حمل جنازته، والرابع في ~~الصلاة عليه، والخامس في دفنه، والسادس في الشهيد وقبل أن نشتغل ببيان ذلك ~~نبدأ بما يستحب أن يفعل بالمريض المحتضر وما يفعل بعد موته إلى أن يغسل ~~فنقول: إذا احتضر الإنسان فالمستحب أن يوجه إلى القبلة على شقه الأيمن، كما ~~يوجه في القبر؛ لأنه قرب موته فيضجع كما يضجع الميت في اللحد، ويلقن كلمة ~~الشهادة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» ~~والمراد من الميت المحتضر؛ لأنه قرب موته فسمي ميتا لقربه من الموت، قال ~~الله تعالى {إنك ميت وإنهم ميتون} [الزمر: 30] . # وإذا قضى نحبه تغمض عيناه، ويشد لحياه؛ لأنه لو ترك كذلك لصار كريه ~~المنظر في نظر الناس كالمثلة، وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«أنه دخل على أبي سلمة، وقد شق بصره فغمضه» ولا بأس بإعلام الناس بموته من ~~أقربائه وأصدقائه وجيرانه ليؤدوا حقه بالصلاة عليه، والدعاء والتشييع، وقد ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال في المسكينة التي كانت في ~~ناحية المدينة إذا ماتت فآذنوني» ؛ ولأن في الإعلام تحريضا على الطاعة وحثا ~~على الاستعداد لها فيكون من باب الإعانة على البر والتقوى، والتسبب إلى ~~الخير والدلالة عليه، وقد قال الله تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى} ~~[المائدة: 2] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «الدال على الخير كفاعله» ~~إلا أنه يكره النداء في الأسواق والمحال؛ لأن ذلك يشبه عزاء أهل الجاهلية. # ويستحب أن يسرع في جهازه لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «عجلوا بموتاكم فإن يك خيرا قدمتموه إليه، وإن يك شرا فبعدا لأهل ~~النار» ندب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى التعجيل ونبه على المعنى ~~فيبدأ بغسله. ### | [فصل الغسل] # (فصل) : # والكلام في الغسل يقع في مواضع: في بيان أنه واجب، وفي بيان كيفية وجوبه، ~~وفي بيان كيفية الغسل، وفي ms0682 بيان شرائط وجوبه، وفي بيان من يغسل ومن لا ~~يغسل. # أما الأول فالدليل على وجوبه النص، والإجماع، والمعقول أما النص فما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «للمسلم على المسلم ست حقوق» وذكر ~~من جملتها أن يغسله بعد موته وعلى: كلمة إيجاب. # وروي أنه لما توفي آدم - صلوات الله عليه - غسلته الملائكة ثم قالت لولده ~~هذه سنة موتاكم، والسنة المطلقة في معنى الواجب، وكذا الناس توارثوا ذلك من ~~لدن آدم - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا فكان تاركه مسيئا لتركه ~~السنة المتوارثة، والإجماع منعقد على وجوبه. # وأما المعقول فقد اختلفت فيه عبارات مشايخنا، ذكر محمد بن شجاع البلخي أن ~~الآدمي لا يتنجس بالموت بتشرب الدم المسفوح في أجزائه كرامة له؛ لأنه لو ~~تنجس لما حكم بطهارته بالغسل كسائر الحيوانات التي حكم بنجاستها بالموت، ~~والآدمي يطهر بالغسل، حتى روي عن محمد أن الميت لو وقع في البئر قبل الغسل ~~يوجب تنجيس البئر. # ولو وقع بعد الغسل لا يوجب تنجسه فعلم أنه لم يتنجس بالموت ولكن وجب غسله ~~للحدث؛ لأن الموت لا يخلو عن سابقة حدث لوجود استرخاء المفاصل، وزوال ~~العقل، والبدن في حق التطهير لا يتجزأ فوجب غسله كله، إلا أنا اكتفينا بغسل ~~هذه الأعضاء الظاهرة حالة الحياة دفعا للحرج لغلبة وجود الحدث في كل وقت، ~~حتى إن خروج المني عن شهوة لما كان لا يكثر وجوده لم يكتف فيه إلا بالغسل ~~ولا حرج بعد الموت فوجب غسل الكل. # وعامة مشايخنا قالوا: إن بالموت يتنجس الميت لما فيه من الدم المسفوح كما ~~يتنجس سائر الحيوانات التي لها دم سائل بالموت، ولهذا لو وقع في البئر يوجب ~~تنجسه إلا أنه إذا غسل يحكم بطهارته كرامة له فكانت الكرامة عندهم في # PageV01P299 # الحكم بالطهارة عند وجود السبب المطهر في الجملة، وهو الغسل لا في المنع ~~من حلول النجاسة، وعند البلخي الكرامة في امتناع حلول النجاسة وحكمها، وقول ~~العامة أظهر؛ لأن فيه عملا بالدليلين: إثبات النجاسة عند وجود سبب النجاسة، ~~والحكم ms0683 بالطهارة عند وجود ما له أثر في التطهير في الجملة. # ولا شك أن هذا في الجملة أقرب إلى القياس من منع ثبوت الحكم أصلا مع وجود ~~السبب. ### | [فصل بيان كيفية وجوب غسل الميت] # (فصل) : # وأما بيان كيفية وجوبه فهو واجب على سبيل الكفاية إذا قام به البعض سقط ~~عن الباقين لحصول المقصود بالبعض كسائر الواجبات على سبيل الكفاية، وكذا ~~الواجب هو الغسل مرة واحدة، والتكرار سنة وليس بواجب حتى لو اكتفى بغسلة ~~واحدة، أو غمسة واحدة في ماء جار جاز؛ لأن الغسل إن وجب لإزالة الحدث - كما ~~ذهب إليه البعض - فقد حصل بالمرة الواحدة كما في غسل الجنابة، وإن وجب ~~لإزالة النجاسة المتشربة فيه كرامة له - على ما ذهب إليه العامة - فالحكم ~~بالزوال بالغسل مرة واحدة أقرب إلى معنى الكرامة ولو أصابه المطر لا يجزئ ~~عن الغسل؛ لأن الواجب فعل الغسل ولم يوجد، ولو غرق في الماء فأخرج إن كان ~~المخرج حركه كما يحرك الشيء في الماء بقصد التطهير سقط الغسل وإلا فلا لما ~~قلنا والله أعلم. ### | [فصل بيان كيفية الغسل للميت] # (فصل) : # وأما بيان كيفية الغسل فنقول: يجرد الميت إذا أريد غسله عندنا، وقال ~~الشافعي - رحمه الله تعالى - لا يجرد بل يغسل وعليه ثوبه استدلالا بغسل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث غسل في قميصه، ولنا أن المقصود من الغسل ~~هو التطهير ومعنى التطهير لا يحصل بالغسل وعليه الثوب لتنجس الثوب ~~بالغسالات التي تنجست بما عليه من النجاسات الحقيقية، وتعذر عصره أو حصوله ~~بالتجريد أبلغ فكان أولى. # وأما غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - في قميصه فقد كان مخصوصا بذلك ~~لعظم حرمته، فإنه روي أنهم لما قصدوا أن ينزعوا قميصه قيض الله السنة عليهم ~~فما فيهم أحد إلا ضرب ذقنه على صدره، حتى نودوا من ناحية البيت لا تجردوا ~~نبيكم. # وروي غسلوا نبيكم وعليه قميصه فدل أنه كان مخصوصا بذلك، ولا شركة لنا في ~~خصائصه، ولأن المقصود من التجريد هو التطهير، وأنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كان طاهرا حتى ms0684 قال علي - رضي الله عنه - حين تولى غسله: طبت حيا وميتا. # ويوضع على التخت؛ لأنه لا يمكن الغسل إلا بالوضع عليه؛ لأنه لو غسل على ~~الأرض لتلطخ، ثم لم يذكر في ظاهر الرواية كيفية وضع التخت أنه يوضع إلى ~~القبلة طولا أو عرضا، فمن أصحابنا من اختار الوضع طولا كما يفعل في مرضه ~~إذا أراد الصلاة بالإيماء، ومنهم من اختار الوضع عرضا كما يوضع في قبره، ~~والأصح أنه يوضع كما تيسر؛ لأن ذلك يختلف باختلاف المواضع. # ، وتستر عورته بخرقة؛ لأن حرمة النظر إلى العورة باقية بعد الموت قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنظروا إلى فخذ حي ولا ميت» ولهذا لا ~~يباح للأجنبي غسل الأجنبية دل عليه ما روي عن عائشة أنها قالت كسر عظم ~~الميت ككسره وهو حي ليعلم أن الآدمي محترم حيا وميتا وحرمة النظر إلى ~~العورة من باب الاحترام. # وقد روى الحسن عن أبي حنيفة أنه يؤزر بإزار سابغ كما يفعله في حياته إذا ~~أراد الاغتسال والصحيح ظاهر الرواية؛ لأنه يشق عليهم غسل ما تحت الإزار، ثم ~~الخرقة ينبغي أن تكون ساترة ما بين السرة إلى الركبة؛ لأن كل ذلك عورة وبه ~~أمر في الأصل حيث قال: وتطرح على عورته خرقة هكذا ذكر عن أبو عبد الله ~~البلخي نصا في نوادره، ثم تغسل عورته تحت الخرقة بعد أن يلف على يده خرقة ~~كذا ذكر البلخي؛ لأن حرمة مس عورة الغير فوق حرمة النظر، فتحريم النظر يدل ~~على تحريم المس بطريق الأولى. # ولم يذكر في ظاهر الرواية أنه هل يستنجى أم لا؟ وذكر في صلاة الأثر أن ~~عند أبي حنيفة يستنجى، وعلى قول أبي يوسف ومحمد لا يستنجى هما يقولان قلما ~~يخلو موضع الاستنجاء عن النجاسة الحقيقية فلا بد من إزالتها، وأبو يوسف ~~ومحمد يقولان: إن المسكة تسترخي بالموت فلو استنجى ربما يزداد الاسترخاء ~~فتخرج زيادة نجاسة، فكان السبيل فيه هو الترك، والاكتفاء بوصول الماء إليه، ~~ولهذا - والله أعلم - لم يذكره في ظاهر الرواية فلعل محمدا رجع ms0685 وعرف أيضا ~~رجوع أبي حنيفة حيث لم يتعرض لذلك في ظاهر الرواية. # ثم يوضأ وضوءه للصلاة لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«للاتي غسلن ابنته ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها» ؛ ولأن هذا سنة ~~الاغتسال في حالة الحياة فكذا # PageV01P300 # بعد الممات؛ لأن الغسل في الموضعين لأجل الصلاة إلا أنه لا يمضمض الميت، ~~ولا يستنشق؛ لأن إدارة الماء في فم الميت غير ممكن، ثم يتعذر إخراجه من ~~الفم إلا بالكب، وذا مثله مع أنه لا يؤمن أن يسيل منه شيء لو فعل ذلك به، ~~وكذا الماء لا يدخل الخياشيم إلا بالجذب بالنفس، وذا غير متصور من الميت. # ولو كلف الغاسل ذلك لوقع في الحرج، وكذا لا يؤخر غسل رجليه عند التوضئة ~~بخلاف حالة الحياة؛ لأن هناك الغسالة تجتمع عند رجليه، ولا تجتمع الغسالة ~~على التخت فلم يكن التأخير مفيدا، وكذا لا يمسح رأسه، ويمسح في حالة الحياة ~~في ظاهر الرواية؛ لأن المسح هناك سن تعبدا لا تطهيرا، وههنا لو سن لسن ~~تطهيرا لا تعبدا، والتطهير لا يحصل بالمسح. # ثم يغسل رأسه ولحيته بالخطمي؛ لأن ذلك أبلغ في التنظيف فإن لم يكن ~~فبالصابون وما أشبهه، فإن لم يكن فيكفيه الماء القراح ولا يسرح لما روي عن ~~عائشة أنها رأت قوما يسرحون ميتا فقالت: علام تنصون ميتكم؟ ، أي: تسرحون ~~شعره، وهذا قول روي عنها، ولم يرو عن غيرها خلاف ذلك فحل محل الإجماع؛ ~~ولأنه لو سرح ربما يتناثر شعره، والسنة أن يدفن الميت بجميع أجزائه، ولهذا ~~لا تقص أظفاره وشاربه ولحيته، ولا يختن ولا ينتف إبطه ولا تحلق عانته؛؛ ~~ولأن ذلك يفعل لحق الزينة والميت ليس بمحل الزينة، ولهذا لا يزال عنه شيء ~~مما ذكرنا وإن كان فيه حصول زينة، وهذا عندنا وعند الشافعي يسرح ويزال عنه ~~شعر العانة والإبط إذا كانا طويلين، وشعر الرأس يزال إن كان يتزين بإزالة ~~الشعر، ولا يحلق في حق من كان لا يحلق في حال الحياة، وكان يتزين بالشعر ~~واحتج الشافعي بما روي عن ms0686 النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اصنعوا ~~بموتاكم ما تصنعون بعرائسكم» ثم هذه الأشياء تصنع بالعروس فكذا بالميت. # (ولنا) ما روينا عن عائشة وذكرنا من المعقول، وبه تبين أن ما رواه ينصرف ~~إلى زينة ليس فيها إزالة شيء من أجزاء الميت كالطيب، والتنظيف من الدرن ~~ونحو ذلك، بدليل ما روينا. # ثم يضجعه على شقه الأيسر لتحصل البداية بجانبه الأيمن إذ السنة هي ~~البداية بالميامن على ما مر، فيغسله بالماء القراح حتى ينقيه ويرى أن الماء ~~قد خلص إلى ما يلي التخت منه، ثم قد كان أمر الغاسل قبل ذلك أن يغلي الماء ~~بالسدر فإن لم يكن سدر فحرض، فإن لم يكن واحد منهما فالماء القراح، ثم ~~يضجعه على شقه الأيمن فيغسله بماء السدر، أو الحرض، أو الماء القراح حتى ~~يرى أن الماء قد وصل إلى ما يلي التخت منه ثم يقعده ويسنده إلى صدره أو يده ~~فيمسح بطنه مسحا رفيقا، حتى إن بقي شيء عند المخرج يسيل منه هكذا ذكر في ~~ظاهر الرواية. # وروي عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول أنه يقعده ويمسح بطنه أولا، ثم ~~يغسله بعد ذلك، ووجهه أنه قد يكون في بطنه شيء فيمسح حتى لو سال منه شيء ~~يغسله بعد ذلك ثلاث مرات فيطهر، ووجه ظاهر الرواية أن الميت قد يكون في ~~بطنه نجاسة منعقدة لا تخرج بالمسح قبل الغسل، وتخرج بعد ما غسل مرتين بماء ~~حار فكان المسح بعد المرتين أولى، والأصل في المسح ما روي «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لما تولى غسله علي، والعباس، والفضل بن العباس، وصالح ~~مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلي أسند رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى نفسه ومسح بطنه مسحا رفيقا فلم يخرج منه شيء فقال علي - ~~رضي الله عنه -: طبت حيا وميتا» وروي أنه لما مسح بطنه فاح ريح المسك في ~~البيت، ثم إذا مسح بطنه فإن سال منه شيء يمسحه كي لا يتلوث الكفن، ويغسل ~~ذلك الموضع تطهيرا له عن ms0687 النجاسة الحقيقية، ولم يذكر في ظاهر الرواية سوى ~~المسح ولا يعيد الغسل ولا الوضوء عندنا، وقال الشافعي: يعيد الوضوء ~~استدلالا بحالة الحياة. # (ولنا) أن الموت أشد من خروج النجاسة ثم هو لم يمنع حصول الطهارة، فلأن ~~لا يرفعها الخارج مع أن المنع أسهل أولى. # ثم يضجعه على شقه الأيمن فيغسله بالماء القراح حتى ينقيه ليتم عدد الغسل ~~ثلاثا لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال للائي غسلن ابنته: ~~اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا» ؛ ولأن الثلاث هو العدد المسنون في الغسل ~~حالة الحياة فكذا بعد الموت، فالحاصل أنه يغسل في المرة الأولى بالماء ~~القراح ليبتل الدرن والنجاسة، ثم في المرة الثانية بماء السدر، أو ما يجري ~~مجراه في التنظيف؛ لأن ذلك أبلغ في التطهير وإزالة الدرن، ثم في المرة ~~الثالثة بالماء القراح وشيء من الكافور، وقال الشافعي: في المرة الأولى لا ~~يغسل بالماء الحار؛ لأنه يزيده استرخاء فينبغي أن يغسله بالماء البارد، ~~وهذا غير سديد؛ لأنه إنما يغسله ليسترخي فيزول عنه ما عليه من الدرن ~~والنجاسة، ثم ينشفه في ثوب كي لا تبتل أكفانه كما يفعل في حالة الحياة بعد ~~الغسل. # PageV01P301 # وحكم المرأة في الغسل حكم الرجل، وكذا الصبي في الغسل كالبالغ؛ لأن غسل ~~الميت للصلاة عليه، والصبي والمرأة يصلى عليهما إلا أن الصبي إذا كان لا ~~يعقل الصلاة لا يوضأ عند غسله؛ لأن حالة الموت معتبرة بحالة الحياة، وفي ~~حالة الحياة لا يعتبر وضوء من لا يعقل، فكذا بعد الموت وكذا المحرم وغير ~~المحرم سواء؛ لأن الإحرام ينقطع بالموت في حق أحكام الدنيا والله أعلم. ### | [فصل شرائط وجوب الغسل] # (فصل) : # وأما شرائط وجوبه فمنها أن يكون ميتا مات بعد الولادة حتى لو ولد ميتا لم ~~يغسل كذا روي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا استهل المولود سمي وغسل وصلي عليه ~~وورث وورث عنه، وإذا لم يستهل لم يسم ولم يغسل ولم يرث. # وعن محمد أيضا أنه لا يغسل ولا يسمى ولا يصلى عليه، وهكذا ذكر الكرخي ms0688 ~~وروي عن أبي يوسف أنه يغسل ويسمى ولا يصلى عليه، وكذا ذكر الطحاوي وقال ~~محمد: في السقط الذي استبان خلقه: أنه يغسل ويكفن ويحنط ولا يصلى عليه، ~~فاتفقت الروايات على أنه لا يصلى على من ولد ميتا، والخلاف في الغسل. # وجه ما اختاره الطحاوي أن المولود ميتا نفس مؤمنة فيغسل وإن كان لا يصلى ~~عليه كالبغاة وقطاع الطريق، وجه ما ذكره الكرخي ما روي عن أبي هريرة - رضي ~~الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا استهل المولود ~~غسل وصلي عليه وورث، وإن لم يستهل لم يغسل ولم يصل عليه ولم يرث» ولأن وجوب ~~الغسل بالشرع وأنه ورد باسم الميت، ومطلق اسم الميت في العرف لا يقع على من ~~ولد ميتا ولهذا لا يصلى عليه، وقال الشافعي إن أسقط قبل أربعة أشهر لا ~~يغسل، ولا يصلى عليه قولا واحدا، وإن كان لأربعة أشهر من وقت العلوق، وقد ~~استبان خلقه فله فيه قولان، والصحيح قولنا لما ذكرنا، وهذا إذا لم يستهل ~~فأما إذا استهل بأن حصل منه ما يدل على حياته من بكاء أو تحريك عضو، أو ~~طرف، أو غير ذلك فإنه يغسل بالإجماع لما روينا؛ ولأن الاستهلال دلالة ~~الحياة فكان موته بعد ولادته حيا فيغسل. # ولو شهدت القابلة، أو الأم على الاستهلال تقبل في حق الغسل والصلاة عليه؛ ~~لأن خبر الواحد في باب الديانات مقبول إذا كان عدلا. # وأما في حق الميراث فلا يقبل قول الأم بالإجماع؛ لكونها متهمة لجرها ~~المغنم إلى نفسها، وكذا شهادة القابلة عند أبي حنيفة، وقالا: تقبل إذا كانت ~~عدلة على ما يعرف في موضعه. # وعلى هذا يخرج ما إذا وجد طرف من أطراف الإنسان كيد أو رجل أنه لا يغسل؛ ~~لأن الشرع ورد بغسل الميت، والميت اسم لكله ولو وجد الأكثر منه غسل؛ لأن ~~للأكثر حكم الكل، وإن وجد الأقل منه، أو النصف لم يغسل كذا ذكر القدوري في ~~شرحه مختصر الكرخي؛ لأن هذا القدر ليس بميت حقيقة وحكما، ولأن الغسل للصلاة ms0689 ~~وما لم يزد على النصف لا يصلى عليه، فلا يغسل أيضا، وذكر القاضي في شرحه ~~مختصر الطحاوي أنه إذا وجد النصف ومعه الرأس يغسل، وإن لم يكن معه الرأس لا ~~يغسل فكأنه جعله مع الرأس في حكم الأكثر؛ لكونه معظم البدن. # ولو وجد نصفه مشقوقا لا يغسل لما قلنا، ولأنه لو غسل الأقل أو النصف يصلى ~~عليه؛ لأن الغسل لأجل الصلاة. # ولو صلي عليه لا يؤمن أن يوجد الباقي فيصلى عليه فيؤدي إلى تكرار الصلاة ~~على ميت واحد، وذلك مكروه عندنا، أو يكون صاحب الطرف حيا فيصلى على بعضه، ~~وهو حي وذلك فاسد، وهذا كله مذهبنا، وقال الشافعي: إن وجد عضو يغسل ويصلى ~~عليه واحتج بما روي أن طائرا ألقى يدا بمكة زمن وقعة الجمل فغسلها أهل مكة ~~وصلوا عليها، وقيل: إنها يد طلحة، أو يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد - رضي ~~الله عنهم - وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه صلى على عظام بالشام وعن أبي ~~عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - أنه صلى على رءوس؛ ولأن صلاة الجنازة ~~شرعت لحرمة الآدمي، وكذا الغسل وكل جزء منه محترم. # ولنا ما روي عن ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهما - أنهما قالا: " لا ~~يصلى على عضو " وهذا يدل على أنه لا يغسل؛ لأن الغسل لأجل الصلاة، ولما ~~ذكرنا من المعاني أيضا. # وأما حديث أهل مكة فلا حجة فيه؛ لأن الراوي لم يرو أن الذي صلى عليه من ~~هو حتى ننظر أهو حجة أم لا، أو نحمل الصلاة على الدعاء، وكذا حديث عمر وأبي ~~عبيدة - رضي الله عنهما - ألا ترى أن العظام لا يصلى عليها بالإجماع. # ومنها أن يكون الميت مسلما حتى لا يجب غسل الكافر؛ لأن الغسل وجب كرامة ~~وتعظيما للميت، والكافر ليس من أهل استحقاق الكرامة والتعظيم، لكن إذا كان ~~ذا رحم محرم # PageV01P302 # من المسلم لا بأس بأن يغسله ويكفنه ويتبع جنازته ويدفنه؛ لأن الابن ما ~~نهي عن البر بمكان أبيه الكافر، بل أمر بمصاحبتهما بالمعروف بقوله تعالى ms0690 ~~{وصاحبهما في الدنيا معروفا} [لقمان: 15] ومن البر القيام بغسله، ودفنه ~~وتكفينه، والأصل فيه ما روي «عن علي - رضي الله عنه - لما مات أبوه أبو ~~طالب جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إن عمك ~~الضال قد توفي فقال: اذهب وغسله وكفنه وواره ولا تحدثن حدثا حتى تلقاني ~~قال: ففعلت ذلك وأتيته فأخبرته فدعا لي بدعوات ما أحب أن يكون لي بها حمر ~~النعم» وقال سعيد بن جبير: سأل رجل عبد الله بن عباس - رضي الله تعالى ~~عنهما - فقال: إن امرأتي ماتت نصرانية فقال: اغسل ها وكفنها وادفنها، وعن ~~الحارث بن أبي ربيعة أن أمه ماتت نصرانية فتبع جنازتها في نفر من الصحابة - ~~رضي الله تعالى عنهم - ثم إنما يقوم ذو الرحم بذلك إذا لم يكن هناك من يقوم ~~به من أهل دينه، فإن كان خلى المسلم بينه وبينهم ليصنعوا به ما يصنعون ~~بموتاهم. # وإن مات مسلم وله أب كافر هل يمكن من القيام بتغسيله وتجهيزه؟ لم يذكر في ~~الكتاب، وينبغي أن لا يمكن من ذلك، بل يغسله المسلمون؛ لأن اليهودي لما آمن ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند موته ما قام رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حتى مات «فقال - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: تولوا أخاكم» ~~ولم يخل بينه وبين والده اليهودي؛ ولأن غسل الميت شرع كرامة له، وليس من ~~الكرامة أن يتولى الكافر غسله. # ومنها أن يكون عادلا حتى لا يغسل الباغي إذا قتل، ولا يصلى عليه كذا روى ~~المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وعند الشافعي ~~يغسل ويصلى عليه وسنذكر المسألة، وذكر الفقيه أبو الحسن الرستغفني صاحب ~~الشيخ أبي منصور الماتريدي - رحمهما الله تعالى - أنه يغسل ولا يصلى عليه، ~~وفرق بينهما بأن الغسل حقه، والصلاة حق الله تعالى فما كان من حقه يؤتى به، ~~وما كان من حق الله تعالى لا يؤتى به إهانة، ولهذا يغسل الكافر ولا يصلى ~~عليه. # ولو اجتمع الموتى المسلمون والكفار ms0691 ينظر إن كان بالمسلمين علامة يمكن ~~الفصل بها يفصل، وعلامة المسلمين أربعة أشياء: الختان والخضاب، ولبس السواد ~~وحلق العانة، وإن لم يكن بهم علامة ينظر إن كان المسلمون أكثر غسلوا وكفنوا ~~ودفنوا في مقابر المسلمين وصلي عليهم وينوي بالدعاء المسلمين، وإن كان ~~الكفار أكثر يغسلوا ولا يصلى عليهم، كذا ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي؛ ~~لأن الحكم للغالب، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه إن كانت الغلبة ~~لموتى الكفار لا يصلى عليهم، لكن يغسلون ويكفنون ويدفنون في مقابر ~~المشركين، ووجهه أن غسل المسلم واجب وغسل الكافر جائز في الجملة فيؤتى ~~بالجائز في الجملة لتحصيل الواجب. # وأما إذا كانوا على السواء فلا يشكل أنهم يغسلون لما ذكرنا أن فيه تحصيل ~~الواجب مع الإتيان بالجائز في الجملة وهذا أولى من ترك الواجب رأسا، وهل ~~يصلى عليهم؟ قال بعضهم: لا يصلى عليهم؛ لأن ترك الصلاة على المسلم أولى من ~~الصلاة على الكافر؛ لأن الصلاة على الكافر غير مشروعة أصلا. # قال الله تعالى {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم ~~كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} [التوبة: 84] وترك الصلاة على ~~المسلم مشروعة في الجملة كالبغاة وقطاع الطريق فكان الترك أهون، وقال ~~بعضهم: يصلى عليهم وينوي بالصلاة والدعاء المسلمين؛ لأنهم إن عجزوا عن ~~تعيين العمل للمسلمين لم يعجزوا عن تمييز القصد في الدعاء لهم. # وأما الدفن فلا رواية فيه في المبسوط، وذكر الحاكم الجليل في مختصره أنهم ~~يدفنون في مقابر المشركين، واختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يدفنون في مقابر ~~المسلمين وقال بعضهم: في مقابر المشركين، وقال بعضهم: تتخذ لهم مقبرة على ~~حدة وتسوى قبورهم، ولا تسنم وهو قول الفقيه أبي جعفر الهندواني وهو أحوط. # وأصل الاختلاف في كتابية تحت مسلم حبلت ثم ماتت وفي بطنها ولد مسلم لا ~~يصلى عليها بالإجماع؛ لأن الصلاة على الكافرة غير مشروعة، وما في بطنها لا ~~يستحق الصلاة عليه ولكنها تغسل وتكفن، واختلف الصحابة في الدفن قال بعضهم: ~~تدفن في مقابر المسلمين ترجيحا لجانب ms0692 الولد، وقال بعضهم: في مقابر ~~المشركين؛ لأن الولد في حكم جزء منها ما دام في البطن، وقال واثلة بن ~~الأسقع: يتخذ لها مقبرة على حدة، وهذا أحوط. # ولو وجد ميت أو قتيل في دار الإسلام فإن كان عليه سيما المسلمين يغسل ~~ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، وهذا ظاهر، وإن لم يكن معه سيما ~~المسلمين ففيه روايتان، والصحيح أنه يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر ~~المسلمين لحصول غلبة الظن بكونه مسلما بدلالة # PageV01P303 # المكان، وهي دار الإسلام، ولو وجد في دار الحرب فإن كان معه سيما ~~المسلمين يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين بالإجماع، وإن لم يكن ~~معه سيما المسلمين ففيه روايتان، والصحيح أنه لا يغسل ولا يصلى عليه ولا ~~يدفن في مقابر المسلمين، والحاصل أنه لا يشترط الجمع بين السيما ودليل ~~المكان، بل يعمل بالسيما وحده بالإجماع، وهل يعمل بدليل المكان وحده؟ فيه ~~روايتان، والصحيح أنه يعمل به لحصول غلبة الظن عنده. # ومنها أن لا يكون ساعيا في الأرض بالفساد فلا يغسل البغاة وقطاع الطريق ~~والمكاثرون والخناقون إذا قتلوا؛ لأن المسلم يغسل كرامة له، وهؤلاء لا ~~يستحقون الكرامة بل الإهانة، وعن الفقيه أبي الحسن الرستغفني صاحب أبي ~~منصور الماتريدي أن الباغي لا يغسل، ولا يصلى عليه؛ لأن الغسل حقه فيؤتى ~~به، والصلاة حق الله تعالى فلا يصلى عليه إهانة له كالكافر أنه يغسل ولا ~~يصلى عليه، كذا ذكره في العيون، وعن محمد أن من قتل مظلوما لا يغسل ويصلى ~~عليه، ومن قتل ظالما يغسل ولا يصلى عليه والباغي قتل ظالما فيغسل ولا يصلى ~~عليه. # ومنها وجود الماء؛ لأن وجود الفعل مقيد بالوسع ولا وسع مع عدم الماء فسقط ~~الغسل، ولكن ييمم بالصعيد لأن التيمم صلح بدلا عن الغسل في حال الحياة فكذا ~~بعد الموت، غير أن الجنس ييمم الجنس بيده؛ لأنه يباح له مس مواضع التيمم ~~منه من غير شهوة، كما في حالة الحياة فكذا بعد الموت. # وأما غير الجنس فإن كانا ذوي رحم محرم فكذلك لما قلنا، وإن ms0693 كانا أجنبيين ~~فإن لم يكونا زوجين ييممه بخرقة تستر يده؛ لأن حرمة المس بينهما ثابتة، كما ~~في حالة الحياة إلا إذا كان أحدهما مما لا يشتهى كالصغير، أو الصغيرة ~~فييممه من غير خرقة، وإن كانا زوجين، فالمرأة تيمم زوجها بلا خرقة؛ لأنها ~~تغسله بلا خرقة فالتيمم أولى إذا لم تبن منه في حال حياته بالإجماع، ولا ~~حدث بعد وفاته ما يوجب البينونة عند علمائنا الثلاثة خلافا لزفر بناء على ~~ما نذكر؛ لأنها تغسله بلا خرقة فالتيمم أولى. # وأما الزوج فلا ييمم زوجته بلا خرقة عندنا خلافا للشافعي على ما نذكر. # ومنها أن لا يكون الميت شهيدا؛ لأن الغسل ساقط عن الشهيد بالنص على ما ~~نذكر في فصله إن شاء الله تعالى. ### | [فصل بيان الكلام فيمن يغسل] # (فصل) : # وأما بيان الكلام فيمن يغسل فنقول: الجنس يغسل الجنس، فيغسل الذكر الذكر، ~~والأنثى الأنثى؛ لأن حل المس من غير شهوة ثابت للجنس حالة الحياة فكذا بعد ~~الموت، وسواء كان الغاسل جنبا أو حائضا؛ لأن المقصود وهو التطهير حاصل ~~فيجوز. # وروي عن أبي يوسف أنه كره للحائض الغسل؛ لأنها لو اغتسلت بنفسها لم تعتد ~~به فكذا إذا غسلت، ولا يغسل الجنس خلاف الجنس؛ لأن حرمة المس عند اختلاف ~~الجنس ثابتة حالة الحياة فكذا بعد الموت، والمجبوب والخصي في ذلك مثل ~~الفحل، كما في حالة الحياة؛ لأن كل ذلك منهي إلا المرأة لزوجها إذا لم تثبت ~~البينونة بينهما في حالة حياته، ولا حدث بعد وفاته ما يوجب البينونة، أو ~~الصغير والصغيرة، فبيان ذلك في الرجل والمرأة. # أما الرجل فنقول: إذا مات رجل في سفر فإن كان معه رجال يغسله الرجل، وإن ~~كان معه نساء لا رجل فيهن، فإن كان فيهن امرأته غسلته وكفنته وصلين عليه ~~وتدفنه، أما المرأة فتغسل زوجها لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها ~~قالت: لو استقبلنا من الأمر ما استدبرنا لما غسل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا نساؤه ومعنى ذلك أنها لم تكن عالمة وقت وفاة رسول الله ms0694 - صلى ~~الله عليه وسلم - بإباحة غسل المرأة لزوجها، ثم علمت بعد ذلك. # وروي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - أوصى إلى امرأته أسماء بنت عميس ~~أن تغسله بعد وفاته، وهكذا فعل أبو موسى الأشعري؛ ولأن إباحة الغسل مستفادة ~~بالنكاح فتبقى ما بقي النكاح، والنكاح بعد الموت باق إلى وقت انقطاع العدة، ~~بخلاف ما إذا ماتت المرأة حيث لا يغسلها الزوج؛ لأن هناك انتهى ملك النكاح ~~لانعدام المحل، فصار الزوج أجنبيا فلا يحل له غسلها واعتبر بملك اليمين حيث ~~لا ينتفي عن المحل بموت المالك، ويبطل بموت المحل فكذا هذا، وهذا إذا لم ~~تثبت البينونة بينهما في حال حياة الزوج، فأما إذا ثبتت بأن طلقها ثلاثا، ~~أو بائنا ثم مات وهي في العدة لا يباح لها غسله؛ لأن ملك النكاح ارتفع ~~بالإبانة وكذا إذا قبلت ابن زوجها، ثم مات وهي في العدة؛ لأن الحرمة ثبتت ~~بالتقبيل على سبيل التأبيد فبطل ملك النكاح ضرورة. # وكذا لو ارتدت عن الإسلام - والعياذ بالله ثم - أسلمت بعد موته؛ لأن ~~الردة توجب زوال ملك النكاح. # ولو طلقها # PageV01P304 # طلاقا رجعيا ثم مات وهي في العدة لها أن تغسله؛ لأن الطلاق الرجعي لا ~~يزيل ملك النكاح. # وأما إذا حدث بعد وفاة الزوج ما يوجب البينونة لا يباح لها أن تغسله ~~عندنا وعند زفر يباح بأن ارتدت المرأة بعد موته ثم أسلمت، وجه قول زفر: أن ~~الردة بعد الموت لا ترفع النكاح؛ لأنه ارتفع بالموت فبقي حل الغسل، كما كان ~~بخلاف الردة في حالة الحياة، ولنا أن زوال النكاح موقوف على انقضاء العدة ~~فكان النكاح قائما فيرتفع بالردة، وإن لم يبق مطلقا فقد بقي في حق حل المس ~~والنظر، وكما ترفع الردة مطلق الحل ترفع ما بقي منه وهو حل المس والنظر ~~وعلى هذا الخلاف إذا طاوعت ابن زوجها، أو قبلته بعد موته، أو وطئت بشبهة ~~بعد موته فوجب عليها العدة، ليس لها أن تغسله عندنا خلافا لزفر. # ولو مات الزوج وهي معتدة من وطء شبهة ليس لها ms0695 أن تغسله وكذا إذا انقضت ~~عدتها من ذلك الغير عندنا، خلافا لأبي يوسف؛ لأنه لم يثبت لها حل الغسل عند ~~الموت فلا يثبت بعده، وكذلك إذا دخل الزوج بأخت امرأته بشبهة ووجبت عليها ~~العدة ثم مات فانقضت عدتها بعد موته فهو على هذا الخلاف، وكذلك المجوسي إذا ~~أسلم ثم مات ثم أسلمت امرأته المجوسية لم تغسله عندنا، خلافا لأبي يوسف كذا ~~ذكره الشيخ الإمام السرخسي الخلاف في هذه المسائل الثلاث، وذكر القاضي في ~~شرحه مختصر الطحاوي أن للمرأة أن تغسله في هذه المواضع عندنا، وعند زفر ليس ~~لها أن تغسله. # ولو لم يكن فيهن امرأته ولكن معهن رجل كافر علمنه غسل الميت ويخلين ~~بينهما حتى يغسله ويكفنه، ثم يصلين عليه ويدفنه؛ لأن نظر الجنس إلى الجنس ~~أخف وإن لم يكن بينهما موافقة في الدين، فإن لم يكن معهن رجل لا مسلم ولا ~~كافر، فإن كان معهن صبية صغيرة لم تبلغ حد الشهوة وأطاقت الغسل علمنها ~~الغسل، ويخلين بينه وبينها حتى تغسله وتكفنه؛ لأن حكم العورة غير ثابت في ~~حقها وإن لم يكن معهن ذلك فإنهن لا يغسلنه، سواء كن ذوات رحم محرم منه أو ~~لا؛ لأن المحرم في حكم النظر إلى العورة والأجنبية سواء، فكما لا تغسله ~~الأجنبية فكذا ذوات محارمه، ولكن ييممنه غير أن الميممة إذا كانت ذات رحم ~~محرم منه تيممه بغير خرقة، وإن لم تكن ذات رحم محرم منه تيممه بخرقة تلفها ~~على كفها؛ لأنه لم يكن لها أن تمسه في حياته فكذا بعد وفاته، وكذا لو كان ~~فيهن أم ولده لم تغسله في قول أبي حنيفة الآخر، وفي قوله الأول وهو قول زفر ~~والشافعي لها أن تغسله؛ لأنها معتدة فأشبهت المنكوحة، ولنا أن الملك لا ~~يبقى فيها ببقاء العدة؛ لأن الملك فيها كان ملك يمين وهو يعتق بموت السيد، ~~والحرية تنافي ملك اليمين فلا يبقى بخلاف المنكوحة، فإن حريتها لا تنافي ~~ملك النكاح، كما في حال حياة الزوج، وكذا لو كان فيهن أمته، أو مدبرته، أما ms0696 ~~الأمة؛ فلأنها زالت عن ملكه بالموت إلى الورثة، ولا يباح لأمة الغير عورته ~~غير أنها لو يممته تيممه بغير خرقة؛ لأنه يباح للجارية مس موضع التيمم ~~بخلاف أم الولد فإنها تعتق وتلتحق بسائر الحرائر الأجنبيات. # وأما المدبرة؛ فلأنها تعتق ولا يجب عليها العدة، ثم أم الولد لا تغسله ~~فلأن لا تغسله هذه أولى، وقال الشافعي الأمة تغسل مولاها؛ لأنه يحتاج إلى ~~من يغسله فبقي الملك له فيها حكما، وهذا غير سديد؛ لأن حاجته تندفع بالجنس ~~أو بالتيمم. # وأما المرأة فنقول: إذا ماتت امرأة في سفر فإن كان معها نساء غسلنها وليس ~~لزوجها أن يغسلها عندنا خلافا للشافعي، واحتج بحديث عائشة «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وهي تقول: وارأساه فقال: وأنا وارأساه لا ~~عليك أنك إذا مت غسلتك وكفنتك وصليت عليك» وما جاز لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يجوز لأمته، هو الأصل إلا ما قام عليه الدليل وروي أن عليا غسل ~~فاطمة بعد موتها، ولأن النكاح جعل قائما حكما لحاجة الميت إلى الغسل، كما ~~إذا مات الزوج، ولنا ما روي عن ابن عباس «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - سئل عن امرأة تموت بين رجال فقال: تيمم بالصعيد» ولم يفصل بين أن ~~يكون فيهم زوجها، أو لا يكون؛ ولأن النكاح ارتفع بموتها فلا يبقى حل المس ~~والنظر، كما لو طلقها قبل الدخول، ودلالة الوصف أنها صارت محرمة على ~~التأبيد، والحرمة على التأبيد تنافي النكاح ابتداء وبقاء، ولهذا جاز للزوج ~~أن يتزوج بأختها وأربع سواها. # وإذا زال النكاح صارت أجنبية فبطل حل المس والنظر، بخلاف ما إذا مات ~~الزوج؛ لأن هناك ملك النكاح قائم؛ لأن الزوج مالك، والمرأة مملوكة والملك ~~لا يزول عن المحل بموت المالك، ويزول بموت المحل، كما في ملك اليمين فهو ~~الفرق، وحديث عائشة محمول على الغسل تسببا فمعنى قوله: «غسلتك» قمت بأسباب ~~غسلك، كما يقال بنى الأمير دارا حملناه على # PageV01P305 # هذا صيانة لمنصب النبوة عما يورث شبهة نفرة الطباع عنه، وتوفيقا بين ms0697 ~~الدلائل على أنه يحتمل أنه كان مخصوصا بأنه لا ينقطع نكاحه بعد الموت ~~لقوله: - صلى الله عليه وسلم - «كل سبب ونسب ينقطع بالموت إلا سببي ونسبي» ~~. # وأما حديث علي - رضي الله عنه - فقد روي أن فاطمة - رضي الله عنها - ~~غسلتها أم أيمن. # ولو ثبت أن عليا غسلها فقد أنكر عليه ابن مسعود حتى قال علي: أما علمت ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن فاطمة زوجتك في الدنيا ~~والآخرة» فدعواه الخصوصية دليل على أنه كان معروفا بينهم أن الرجل لا يغسل ~~زوجته وإن لم يكن هناك نساء مسلمات ومعهم امرأة كافرة علموها الغسل ويخلون ~~بينهما حتى تغسلها وتكفنها، ثم يصلي عليها الرجال ويدفنوها لما ذكرنا وإن ~~لم يكن معهم نساء لا مسلمة ولا كافرة، فإن كان معهم صبي لم يبلغ حد الشهوة ~~وأطاق الغسل علموه الغسل فيغسلها ويكفنها لما بينا، وإن لم يكن معهم ذلك ~~فإنها لا تغسل، ولكنها تيمم لما ذكرنا غير أن الميمم لها إن كان محرما لها ~~ييممها بغير خرقة، وإن لم يكن محرما لها فمع الخرقة يلفها على كفه لما مر ~~ويعرض بوجهه عن ذراعيها؛ لأن في حالة الحياة ما كان للأجنبي أن ينظر إلى ~~ذراعيها فكذا بعد الموت، ولا بأس أن ينظر إلى وجهها، كما في حالة الحياة. # ولو مات الصبي الذي لا يشتهى لا بأس أن تغسله النساء، وكذلك الصبية التي ~~لا تشتهى إذا ماتت لا بأس أن يغسلها الرجال؛ لأن حكم العورة غير ثابت في حق ~~الصغير والصغيرة، ثم إذا غسل الميت يكفن. ### | [فصل بيان وجوب التكفين] # (فصل) : # والكلام في تكفينه في مواضع:. # في بيان وجوب التكفين، وفي بيان كيفية وجوبه، وفي بيان كمية الكفن، وفي ~~بيان صفته، وفي بيان كيفية التكفين، وفي بيان من يجب عليه الكفن. # أما الأول فالدليل على وجه النص، والإجماع، والمعقول، أما النص فما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «البسوا هذه الثياب البيض فإنها ~~خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم» وظاهر الأمر لوجوب ms0698 العمل وروي أن الملائكة ~~لما غسلت آدم - صلوات الله عليه - كفنوه ودفنوه ثم قالت لولده: هذه سنة ~~موتاكم، والسنة المطلقة في معنى الواجب، والإجماع منعقد على وجوبه؛ ولهذا ~~توارثه الناس من لدن وفاة آدم - صلوات الله وسلامه عليه - إلى يومنا هذا، ~~وذا دليل الوجوب. # وأما المعقول فهو أن غسل الميت إنما وجب كرامة له، وتعظيما، ومعنى ~~والكرامة التعظيم إنما يتم بالتكفين فكان واجبا. ### | [فصل كيفية وجوب التكفين] # (فصل) : # وأما كيفية وجوبه فوجوبه على سبيل الكفاية قضاء لحق الميت، حتى إذا قام ~~به البعض يسقط عن الباقين؛ لأن حقه صار مقضيا، كما في الغسل. # وأما الكلام في كمية الكفن. # فنقول: أكثر ما يكفن فيه الرجل ثلاثة أثواب: إزار، ورداء، وقميص وهذا ~~عندنا، وقال الشافعي: لا يسن القميص في الكفن، وإنما الكفن ثلاث لفائف، ~~واحتج بما روي عن عائشة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن في ثلاثة ~~أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة» ولنا ما روي عن «عبد الله بن ~~مغفل - رضي الله عنه - أنه قال: كفنوني في قميصي فإن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كفن في قميصه الذي توفي فيه» ، وهكذا روي عن ابن عباس «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن في ثلاثة أثواب: أحدها القميص الذي توفي ~~فيه» والأخذ برواية ابن عباس أولى من الأخذ بحديث عائشة؛ لأن ابن عباس حضر ~~تكفين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودفنه وعائشة ما حضرت ذلك على أن ~~معنى قولها: ليس فيه قميص أي: لم يتخذ قميصا جديدا. # وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: " كفن المرأة خمسة أثواب، وكفن ~~الرجل ثلاثة، " ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين "؛ ولأن حال ما بعد ~~الموت يعتبر بحال حياته، والرجل في حال حياته يخرج في ثلاثة أثواب عادة: ~~قميص، وسراويل، وعمامة، فالإزار بعد الموت قائم مقام السراويل في حال ~~الحياة؛ لأنه في حال حياته إنما كان يلبس السراويل لئلا تنكشف عورته عند ~~المشي، وذلك غير محتاج إليه بعد موته ms0699 فأقيم الإزار مقامه، ولذا لم يذكر ~~العمامة في الكفن، وقد كرهه بعض مشايخنا؛ لأنه لو فعل ذلك لصار الكفن شفعا، ~~والسنة فيه أن يكون وترا، واستحسنه بعض مشايخنا لحديث ابن عمر أنه كان يعمم ~~الميت ويجعل ذنب العمامة على وجهه، بخلاف حال الحياة فإنه يرسل ذنب العمامة ~~من قبل القفا؛ لأن ذلك لمعنى الزينة، وقد انقطع ذلك بالموت، والدليل على أن ~~السنة في حق الرجل ثلاثة أثواب ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«أنه كفن في برد وحلة» والحلة اسم للزوج من الثياب، والبرد اسم للفرد منها ~~وأدنى ما يكفن فيه في حالة الاختيار # PageV01P306 # ثوبان: إزار ورداء لقول الصديق: كفنوني في ثوبي هذين؛ ولأن أدنى ما يلبسه ~~الرجل في حال حياته ثوبان، ألا ترى أنه يجوز له أن يخرج فيهما ويصلي فيهما ~~من غير كراهة، فكذا يجوز أن يكفن فيهما أيضا. # ويكره أن يكفن في ثوب واحد؛ لأن في حالة الحياة تجوز صلاته في ثوب واحد ~~مع الكراهة، فكذا بعد الموت يكره أن يكفن فيه إلا عند الضرورة بأن كان لا ~~يوجد غيره لما روي أن «مصعب بن عمير لما استشهد كفن في نمرة فكان إذا غطي ~~بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطي بها رجلاه بدا رأسه فأمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يغطى بها رأسه ويجعل على رجليه شيء من الإذخر» . # وكذا روي «أن حمزة - رضي الله عنه - لما استشهد كفن في ثوب واحد لم يوجد ~~له غيره» فدل على الجواز عند الضرورة. # والغلام المراهق كالرجل يكفن فيما يكفن فيه الرجل؛ لأن المراهق في حال ~~حياته يخرج فيما يخرج فيه البالغ عادة فكذا يكفن فيما يكفن فيه، وإن كان ~~صبيا لم يراهق فإن كفن في خرقتين: إزار، ورداء فحسن، وإن كفن في إزار واحد ~~جاز؛ لأن في حال حياته كان يجوز الاقتصار على ثوب واحد في حقه فكذا بعد ~~الموت. # وأما المرأة فأكثر ما تكفن فيه خمسة أثواب: درع، وخمار، وإزار، ولفافة، ~~وخرقة هو السنة في ms0700 كفن المرأة لما روي عن أم عطية «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ناول اللواتي غسلن ابنته في كفنها ثوبا ثوبا حتى ناولهن خمسة ~~أثواب آخرهن خرقة تربط بها ثدييها» ولما روينا عن علي - رضي الله عنه -؛ ~~ولأن المرأة في حال حياتها تخرج في خمسة أثواب عادة: درع، وخمار، وإزار، ~~وملاءة، ونقاب، فكذلك بعد الموت تكفن في خمسة أثواب، ثم الخرقة تربط فوق ~~الأكفان عند الصدر فوق الثديين، والبطن كي لا ينتشر عليها الكفن إذا حملت ~~على السرير، والصحيح قولنا لما روينا في حديث أم عطية أنها قالت: آخرهن ~~خرقة تربط بها ثدييها. # ، وأدنى ما تكفن فيه المرأة ثلاثة أثواب: إزار، ورداء، وخمار؛ لأن معنى ~~الستر في حالة الحياة يحصل بثلاثة أثواب حتى يجوز لها أن تصلي فيها وتخرج ~~فكذلك بعد الموت ويكره أن تكفن المرأة في ثوبين، وأما الصغيرة فلا بأس بأن ~~تكفن في ثوبين. # والجارية المراهقة بمنزلة البالغة في الكفن لما ذكرنا. # والسقط يلف في خرقة؛ لأنه ليس له حرمة كاملة؛ ولأن الشرع إنما ورد بتكفين ~~الميت، واسم الميت لا ينطلق عليه، كما لا ينطلق على بعض الميت. # وكذا من ولد ميتا، أو وجد طرف من أطراف الإنسان، أو نصفه مشقوقا طولا أو ~~نصفه مقطوعا عرضا لكن ليس معه الرأس لما قلنا، فإن كان معه الرأس ذكر ~~القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه يكفن وعلى قياس ما ذكره القدوري في شرحه ~~مختصر الكرخي في الغسل يلف في خرقة لما ذكرنا في فصل الغسل، وإن وجد أكثره ~~يكفن؛ لأن للأكثر حكم الكل. # وكذا الكافر إذا مات وله ذو رحم محرم مسلم يغسله ويكفنه لكن في خرقة؛ لأن ~~التكفين على وجه السنة من باب الكرامة للميت. # ولا يكفن الشهيد كفنا جديدا غير ثيابه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«زملوهم بثيابهم وكلومهم» . ### | [فصل في صفة الكفن] # (فصل) : # وأما صفة الكفن فالأفضل أن يكون التكفين بالثياب البيض لما روي عن جابر ~~بن عبد الله الأنصاري عن رسول الله - صلى الله عليه ms0701 وسلم - أنه قال: «أحب ~~الثياب إلى الله تعالى البيض فليلبسها أحياؤكم وكفنوا فيها موتاكم» وفي ~~رواية قال: «البسوا هذه الثياب البيض فإنها خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم» ~~، وقال النبي: - صلى الله عليه وسلم - «حسنوا أكفان الموتى فإنهم يتزاورون ~~فيما بينهم ويتفاخرون بحسن أكفانهم» ، وقال: - صلى الله عليه وسلم - «إذا ~~ولي أحدكم أخاه ميتا فليحسن كفنه» والبرود والكتان والقصب كل ذلك حسن، ~~والخلق إذا غسل والجديد سواء لما روي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال: ~~اغسلوا ثوبي هذين وكفنوني فيهما فإنهما للمهل والصديد، وإن الحي أحوج إلى ~~الجديد من الميت، والحاصل أن ما يجوز لكل جنس أن يلبسه في حياته يجوز أن ~~يكفن فيه بعد موته حتى يكره أن يكفن الرجل في الحرير والمعصفر والمزعفر، ~~ولا يكره للنساء ذلك اعتبارا باللباس في حال الحياة. ### | [فصل كيفية التكفين] # (فصل) : # وأما كيفية التكفين فينبغي أن تجمر الأكفان أولا وترا أي: مرة، أو ثلاثا، ~~أو خمسا ولا يزيد عليه لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «إذا أجمرتم الميت فأجمروه وترا» ؛ ولأن الثوب الجديد أو الغسيل مما ~~يطيب ويجمر في حالة الحياة، فكذا بعد الممات، والوتر مندوب إليه في ذلك ~~لقوله: - صلى الله عليه وسلم - «إن الله تعالى وتر يحب # PageV01P307 # الوتر» ثم تبسط اللفافة وهي الرداء طولا، ثم يبسط الإزار عليها طولا ثم ~~يلبسه القميص إن كان له قميص وإن لم يكن سرواله؛ لأن اللبس بعد الوفاة ~~معتبر بحال الحياة إلا أن في حياته كان يلبس السراويل حتى لا تنكشف عورته ~~عند المشي، ولا حاجة إلى ذلك بعد موته فأقيم الإزار مقام السراويل، إلا أن ~~الإزار في حال حياته تحت القميص وبعد الموت فوق القميص من المنكب إلى ~~القدم؛ لأن الإزار تحت القميص حالة الحياة ليتيسر عليه المشي وبعد الموت لا ~~يحتاج إلى المشي، ثم يوضع الحنوط في رأسه ولحيته. # لما روي أن آدم - صلوات الله وسلامه عليه - لما توفي غسلته الملائكة ~~وحنطوه ويوضع الكافور على مساجده يعني ms0702 جبهته وأنفه ويديه وركبتيه وقدميه ~~لما روي عن ابن مسعود أنه قال: وتتبع مساجده بالطيب يعني بالكافور؛ ولأن ~~تعظيم الميت واجب ومن تعظيمه أن يطيب لئلا تجيء منه رائحة منتنة وليصان عن ~~سرعة الفساد، وأولى المواضع بالتعظيم مواضع السجود، وكذا الرأس واللحية هما ~~من أشرف الأعضاء؛ لأن الرأس موضع الدماغ، ومجمع الحواس، واللحية من الوجه، ~~والوجه من أشرف الأعضاء، وعن زفر أنه قال: يذر الكافور على عينيه وأنفه ~~وفمه؛ لأن المقصود أن يتباعد الدود من الموضع الذي يذر عليه الكافور فخص ~~هذه المحال من بدنه لهذا، وإن لم يجد ذلك لم يضره ولا بأس بسائر الطيب غير ~~الزعفران والورس في حق الرجل لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~«نهى الرجال عن المزعفر» ولم يذكر في الأصل أنه هل تحشى محارقه؟ وقالوا: إن ~~خشي خروج شيء يلوث الأكفان فلا بأس بذلك في أنفه وفمه، وقد جوز الشافعي في ~~دبره أيضا، واستقبح ذلك مشايخنا وإن لم يخش جاز الترك؛ لانعدام الحاجة ~~إليه، ثم يعطف الإزار عليه من قبل شقه الأيسر وإن كان الإزار طويلا حتى ~~يعطف على رأسه وسائر جسده فهو أولى، ثم يعطف من قبل شقه الأيمن كذلك فيكون ~~الأيمن فوق الأيسر، ثم تعطف اللفافة، وهي الرداء كذلك؛ لأن المنتقب في حالة ~~الحياة هكذا يفعل إذا تحزم بدأ بعطف شقه الأيسر على الأيمن ثم يعطف الأيمن ~~على الأيسر فكذا يفعل به بعد الممات، فإن خيف أن تنتشر أكفانه تعقد، ولكن ~~إذا وضع في قبره تحل العقد لزوال ما لأجله عقد والله أعلم. # وأما المرأة فيبسط لها اللفافة والإزار واللفافة فوق الخمار والخرقة تربط ~~فوق الأكفان عند الصدر فوق الثديين والبطن كي لا ينتشر الكفن باضطراب ~~ثدييها عند الحمل على السرير، وعرض الخرقة ما بين الثدي والسرة هكذا ذكر ~~محمد في غير رواية الأصول ويسدل شعرها ما بين ثدييها من الجانبين جميعا تحت ~~الخمار، ولا يسدل شعرها خلف ظهرها، وعند الشافعي يسدل خلف ظهرها واحتج ~~بحديث أم عطية أنها ms0703 قالت: «لما توفيت رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ضفرنا شعرها ثلاثة فروق في ناصيتها وقرنيها وألقيناها خلفها» فدل أن ~~السنة هكذا، ولنا أن إلقاءها إلى ظهرها من باب الزينة، وهذه ليست بحال زينة ~~ولا حجة في حديث أم عطية؛ لأن ذلك كان فعل أم عطية، وليس في الحديث أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - علم ذلك. # ثم المحرم يكفن، كما يكفن الحلال عندنا أي: يغطى رأسه ووجهه ويطيب، وقال ~~الشافعي: لا يخمر رأسه ولا يقرب منه طيب واحتج بما روى ابن عباس «أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - سئل عن محرم وقصت به ناقته واندق عنقه فقال: اغسلوه ~~بماء وسدر وكفنوه في ثوبه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» ~~وفي رواية قال: «ولا تقربوا منه طيبا» ولنا ما روي عن عطاء عن ابن عباس عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال في المحرم يموت: خمروهم ولا تشبهوهم ~~باليهود» وروي عن علي أنه قال في المحرم: إذا مات انقطع إحرامه ولأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة: ~~ولد صالح يدعو له، وصدقة جارية وعلم علمه الناس ينتفعون به» والإحرام ليس ~~من هذه الثلاثة وما روي معارض بما روينا في المحرم فبقي لنا الحديث المطلق ~~الذي روينا أن هذا العمل منقطع على أن ذلك الحديث محمول على محرم خاص جعله ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مخصوصا به بدليل ما روينا. ### | [فصل بيان من يجب عليه الكفن] # (فصل) : # وأما بيان من يجب عليه الكفن فنقول: كفن الميت في ماله إن كان له مال، ~~ويكفن من جميع ماله قبل الدين والوصية والميراث؛ لأن هذا من أصول حوائج ~~الميت فصار كنفقته في حال حياته، وإن لم يكن له مال فكفنه على من تجب عليه ~~نفقته، كما تلزمه كسوته في حال حياته إلا المرأة فإنه لا يجب كفنها على ~~زوجها عند محمد؛ لأن الزوجية # PageV01P308 # انقطعت بالموت فصار كالأجنبي وعن أبي يوسف ms0704 يجب عليه كفنها، كما تجب عليه ~~كسوتها في حال حياتها، ولا يجب على المرأة كفن زوجها بالإجماع، كما لا يجب ~~عليها كسوته في حال الحياة، وإن لم يكن له مال ولا من ينفق عليه فكفنه في ~~بيت المال كنفقته في حال حياته؛ لأنه أعد لحوائج المسلمين. # وعلى هذا إذا نبش الميت وهو طري لم يتفسخ بعد كفن ثانيا من جميع المال؛ ~~لأن حاجته إلى الكفن في المرة الثانية كحاجته إليه في المرة الأولى، فإن ~~قسم المال فهو على الوارث دون الغرماء وأصحاب الوصايا؛ لأن بالقسم انقطع حق ~~الميت عنه فصار كأنه مات ولا مال له فيكفنه وارثه إن كان له مال، وإن لم ~~يكن له مال ولا من تفترض عليه نفقته فكفنه في بيت المال بمنزلة نفقته في ~~حال حياته. # وإن نبش بعدما تفسخ وأخذ كفنه كفن في ثوب واحد؛ لأنه إذا تفسخ خرج عن حكم ~~الآدميين ألا ترى أنه لا يصلى عليه فصار كالسقط والله أعلم ثم إذا كفن ~~الميت يحمل على الجنازة. ### | [فصل بيان عدد من يحمل الجنازة وكيفية حملها] # (فصل) : # والكلام في حمله على الجنازة في مواضع في بيان كمية من يحمل الجنازة، ~~وكيفية حملها وتشييعها ووضعها وما يتصل بذلك مما يسن وما يكره أما بيان ~~كمية من يحمل الجنازة وكيفية حملها فالسنة في حمل الجنازة أن يحملها أربعة ~~نفر من جوانبها الأربع عندنا، وقال الشافعي: السنة حملها بين العمودين وهو ~~أن يحملها رجلان يتقدم أحدهما فيضع جانبي الجنازة على كتفيه ويتأخر الآخر ~~فيفعل مثل ذلك، وهذا النوع من الحمل مكروه، وكذا ذكره الحسن بن زياد في ~~المجرد. # واحتج الشافعي بما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حمل جنازة سعد ~~بن معاذ بين العمودين» ولنا ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «السنة ~~أن تحمل الجنازة من جوانبها الأربع» وروي أن ابن عمر - رضي الله عنهما - ~~كان يدور على الجنازة من جوانبها الأربع؛ ولأن عمل الناس اشتهر بهذه الصفة ~~وهو آمن من سقوط الجنازة ms0705 وأيسر على الحاملين المتداولين بينهم، وأبعد من ~~تشبيه حمل الجنازة بحمل الأثقال، وقد أمرنا بذلك؛ ولهذا يكره حملها على ~~الظهر أو على الدابة. # وأما الحديث فتأويله أنه كان لضيق المكان أو لعوز الحاملين ومن أراد ~~إكمال السنة في حمل الجنازة ينبغي له أن يحملها من الجوانب الأربع لما ~~روينا عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يدور على الجنازة على جوانبها ~~الأربع فيضع مقدم الجنازة على يمينه، ثم مؤخرها على يمينه ثم مقدمها على ~~يساره، ثم مؤخرها على يساره، كما بين في الجامع الصغير وهذا؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «كان يحب التيامن في كل شيء» وإذا حمل هكذا حصلت ~~البداية بيمين الحامل ويمين الميت، وإنما بدأنا بالأيمن المقدم دون المؤخر؛ ~~لأن المقدم أول الجنازة، والبداية بالشيء إنما تكون من أوله ثم يضع مؤخرها ~~الأيمن على يمينه؛ لأنه لو وضع مقدمها الأيسر على يساره لاحتاج إلى المشي ~~أمامها، والمشي خلفها أفضل؛ ولأنه لو فعل ذلك أو وضع مؤخرها الأيسر على ~~يساره لقدم الأيسر على الأيمن، ثم يضع مقدمها الأيسر على يساره؛ لأنه لو ~~فعل كذلك يقع الفراغ خلف الجنازة فيمشي خلفها، وهو أفضل، كذلك كان الحمل، ~~ولكمال السنة، كما وصفنا من الترتيب وينبغي أن يحمل من كل جانب عشر خطوات ~~لما روي في الحديث «من حمل جنازة أربعين خطوة كفرت أربعين كبيرة» وأما ~~جنازة الصبي فالأفضل أن يحملها الرجال ويكره أن توضع جنازته على دابة؛ لأن ~~الصبي مكرم محترم كالبالغ، ولهذا يصلى عليه، كما يصلى على البالغ، ومعنى ~~الكرامة والاحترام في الحمل على الأيدي، فأما الحمل على الدابة فإهانة له؛ ~~لأنه يشبه حمل الأمتعة، وإهانة المحترم مكروه، ولا بأس بأن يحمله راكب على ~~دابته وهو أن يكون الحامل له راكبا؛ لأن معنى الكرامة حاصل، وعن أبي حنيفة ~~في الرضيع والفطيم لا بأس بأن يحمله في طبق يتداولونه والله أعلم والإسراع ~~بالجنازة أفضل من الإبطاء لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «عجلوا بموتاكم فإن يك ms0706 خيرا قدمتموه إليه وإن يك شرا ألقيتموه عن ~~رقابكم» وفي رواية «فبعدا لأهل النار» لكن ينبغي أن يكون الإسراع دون الخبب ~~لما روي عن «ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: سألنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن المشي بالجنازة فقال: ما دون الخبب» ؛ ولأن الخبب يؤدي ~~إلى الإضرار بمشيعي الجنازة، ويقدم الرأس في حال حمل الجنازة؛ لأنه من أشرف ~~الأعضاء فكان تقديمه أولى ولأن معنى الكرامة في التقديم. # وأما كيفية التشييع فالمشي خلف الجنازة أفضل عندنا، وقال الشافعي: " ~~المشي أمامها أفضل " واحتج بما روى الزهري عن سالم عن عبد الله بن عمر «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر # PageV01P309 # كانوا يمشون أمام الجنازة» وهذا حكاية عادة وكانت عادتهم اختيار الأفضل؛ ~~ولأنهم شفعاء الميت، والشفيع أبدا يتقدم؛ لأنه أحوط للصلاة لما فيه من ~~التحرز عن احتمال الفوت. # ولنا ما روي عن ابن مسعود موقوفا عليه، ومرفوعا إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «الجنازة متبوعة وليست بتابعة ليس معها من تقدمها» ~~وروي عنه أنه - عليه السلام - «كان يمشي خلف جنازة سعد بن معاذ» وروى معمر ~~عن طاوس عن أبيه قال: «ما مشى رسول الله حتى مات إلا خلف الجنازة» وعن ابن ~~مسعود فضل المشي خلف الجنازة على المشي أمامها كفضل المكتوبة على النافلة؛ ~~ولأن المشي خلفها أقرب إلى الاتعاظ؛ لأنه يعاين الجنازة فيتعظ فكان أفضل، ~~والمروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبيان الجواز وتسهيل الأمر على ~~الناس عند الازدحام، وهو تأويل فعل أبي بكر وعمر، والدليل عليه ما روي عن ~~عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: بينا أنا أمشي مع علي خلف الجنازة وأبو ~~بكر وعمر يمشيان أمامها فقلت: لعلي ما بال أبي بكر وعمر يمشيان أمام ~~الجنازة فقال: إنهما يعلمان أن المشي خلفها أفضل من المشي أمامها إلا أنهما ~~يسه لان على الناس ومعناه أن الناس يتحرزون عن المشي أمامها تعظيما لها، ~~فلو اختار المشي خلف الجنازة لضاق الطريق على مشيعيها. # وأما ms0707 قوله: " إن الناس شفعاء الميت " فينبغي أن يتقدموا فيشكل هذا بحالة ~~الصلاة، فإن حالة الصلاة حالة الشفاعة ومع ذلك لا يتقدمون الميت بل الميت ~~قدامهم، وقوله: " هذا أحوط للصلاة " قلنا: عندنا إنما يكون المشي خلفها ~~أفضل إذا كان بقرب منها بحيث يشاهدها، وفي مثل هذا لا تفوت الصلاة. # ولو مشى قدامها كان واسعا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر ~~وعمر - رضي الله عنهما - فعلوا ذلك في الجملة على ما ذكرنا غير أنه يكره أن ~~يتقدم الكل عليها؛ لأن فيه إبطال متبوعية الجنازة من كل وجه. # ولا بأس بالركوب إلى صلاة الجنازة والمشي أفضل؛ لأنه أقرب إلى الخشوع، ~~وأليق بالشفاعة ويكره للراكب أن يتقدم الجنازة؛ لأن ذلك لا يخلو عن الضرر ~~بالناس. # ، ولا تتبع الجنازة بنار إلى قبره يعني: الإجمار في قبره لما روي «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج في جنازة فرأى امرأة في يدها مجمر فصاح ~~عليها وطردها حتى توارث بالأكام» وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه ~~قال لا تحملوا معي مجمرا؛ ولأنها آلة العذاب فلا تتبع معه تفاؤلا، قال ~~إبراهيم النخعي: أكره أن يكون آخر زاده من الدنيا نارا؛ ولأن هذا فعل أهل ~~الكتاب فيكره التشبه بهم. # ولا ينبغي أن يرجع من يتبع الجنازة حتى يصلي؛ لأن الاتباع كان للصلاة ~~عليها فلا يرجع قبل حصول المقصود. # ولا ينبغي للنساء أن يخرجن في الجنازة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نهاهن عن ذلك، وقال: «انصرفن مأزورات غير مأجورات» . # ولا ينبغي لأحد أن يقوم للجنازة إذا أتي بها بين يديه إلا أن يريد ~~اتباعها. # ويكره النوح والصياح في الجنازة ومنزل الميت لما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه «نهى عن الصوتين الأحمقين: صوت النائحة، والمغنية» . # فأما البكاء فلا بأس به لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه ~~بكى على ابنه إبراهيم وقال: العين تدمع والقلب يخشع ولا نقول ما يسخط الرب ~~وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون» . # وإذا كان مع الجنازة نائحة ms0708 أو صائحة زجرت فإن لم تنزجر فلا بأس بأن يتبع ~~الجنازة معها ويمتنع لأجلها؛ لأن اتباع الجنازة سنة فلا يترك ببدعة من ~~غيره. # ويطيل الصمت إذا اتبع الجنازة ويكره رفع الصوت بالذكر لما روي عن قيس بن ~~عبادة أنه قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكرهون رفع ~~الصوت عند ثلاثة: عند القتال، وعند الجنازة، والذكر؛ ولأنه تشبه بأهل ~~الكتاب فكان مكروها. # ، ويكره لمتبعي الجنازة أن يقعدوا قبل وضع الجنازة؛ لأنهم أتباع الجنازة، ~~والتبع لا يقعد قبل قعود الأصل؛ ولأنهم إنما حضروا تعظيما للميت، وليس من ~~التعظيم الجلوس قبل الوضع، فأما بعد الوضع فلا بأس بذلك لما روي عن عبادة ~~بن الصامت - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان لا يجلس ~~حتى يوضع الميت في اللحد» «وكان قائما مع أصحابه على رأس قبر فقال يهودي: ~~هكذا نفعل بموتانا فجلس - صلى الله عليه وسلم - وقال لأصحابه: خالفوهم» . # وأما كيفية الوضع فنقول: إنها توضع عرضا للقبلة هكذا توارثه الناس - ~~والله أعلم - ثم إذا وضعت الجنازة يصلى عليها. ### | [فصل بيان فريضة صلاة الجنازة وكيفية فرضيتها] # (فصل) : # والكلام في صلاة الجنازة في مواضع في بيان أنها فريضة، وفي بيان كيفية ~~فرضيتها، وفي بيان من يصلى عليه، وفي بيان كيفية الصلاة، وفي بيان ما تصح ~~به الصلاة وما يفسدها وما يكره، وفي بيان من له ولاية الصلاة. # أما # PageV01P310 # الأول: فالدليل على فرضيتها ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «صلوا على كل بر وفاجر» وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«للمسلم على المسلم ست حقوق» وذكر من جملتها أنه «يصلى على جنازته» وكلمة ~~على للإيجاب وكذا مواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله ~~عنهم - والأمة من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا ~~عليها، دليل الفرضية والإجماع منعقد على فرضيتها أيضا إلا أنها فرض كفاية ~~إذا قام به البعض يسقط عن الباقين؛ لأن ما هو الفرض، وهو قضاء حق الميت ms0709 ~~يحصل بالبعض، ولا يمكن إيجابها على كل واحد من آحاد الناس فصار بمنزلة ~~الجهاد، لكن لا يسع الاجتماع على تركها كالجهاد. # وأما بيان من يصلى عليه فكل مسلم مات بعد الولادة يصلى عليه صغيرا كان، ~~أو كبيرا، ذكرا كان، أو أنثى، حرا كان، أو عبدا إلا البغاة وقطاع الطريق، ~~ومن بمثل حالهم لقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - «صلوا على كل بر وفاجر» ~~وقوله: «للمسلم على المسلم ست حقوق» وذكر من جملتها أن يصلى على جنازته من ~~غير فصل إلا ما خص بدليل، والبغاة ومن بمثل حالهم مخصوصون لما ذكرنا. # ولا يصلى على من وجد ميتا، وقد ذكرناه في باب الغسل. # وإن مات في حال ولادته، فإن كان خرج أكثره صلي عليه وإن كان أقله لم يصل ~~عليه اعتبارا للأغلب، وإن كان خرج نصفه لم يذكر في الكتاب، ويجب أن يكون ~~هذا على قياس ما ذكرنا من الصلاة على نصف الميت. # ولا يصلى على بعض الإنسان حتى يوجد الأكثر منه عندنا؛ لأنا لو صلينا على ~~هذا البعض يلزمنا الصلاة على الباقي إذا وجدناه فيؤدي إلى التكرار، وأنه ~~ليس بمشروع عندنا بخلاف الأكثر؛ لأنه إذا صلي عليه لم يصل على الباقي إذا ~~وجد، وقد ذكرناه في باب الغسل، وذكرنا اختلاف رواية الكرخي والطحاوي في ~~النصف المقطوع. # ولا يصلى على ميت إلا مرة واحدة لا جماعة ولا وحدانا عندنا، إلا أن يكون ~~الذين صلوا عليها أجانب بغير أمر الأولياء، ثم حضر الولي فحينئذ له أن ~~يعيدها، وقال الشافعي: " يجوز لمن لم يصل أن يصلي " واحتج بما روي أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «صلى على النجاشي» ولا شك أنه كان صلى عليه وروي ~~«أنه - صلى الله عليه وسلم - مر بقبر جديد فسأل عنه فقيل: قبر فلانة فقال: ~~هلا آذنتموني بالصلاة عليها فقيل: إنها دفنت ليلا فخشينا عليك هوام الأرض ~~فقال - صلى الله عليه وسلم -: إذا مات إنسان فآذنوني فإن صلاتي عليه رحمة، ~~وقام وجعل القبر بينه وبين القبلة وصلى عليه» . # وكذا الصحابة ms0710 - رضي الله عنهم - صلوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~جماعة بعد جماعة؛ ولأنها دعاء، ولا بأس بتكرار الدعاء؛ ولأن حق الميت وإن ~~قضي فلكل مسلم في الصلاة حق؛ ولأنه يثاب بذلك، وعسى أن يغفر له ببركة هذا ~~الميت كرامة له، ولم يقض هذا الحق في حق كل شخص فكان له أن يقضي حقه. # (ولنا) ما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على جنازة فلما فرغ ~~جاء عمر ومعه قوم فأراد أن يصلي ثانيا، فقال له النبي: - صلى الله عليه ~~وسلم - الصلاة على الجنازة لا تعاد، ولكن ادع للميت واستغفر له» وهذا نص في ~~الباب وروي أن ابن عباس وابن عمر - رضي الله تعالى عنهم - فاتتهما صلاة على ~~جنازة فلما حضرا ما زادا على الاستغفار له وروي عن عبد الله بن سلام أنه ~~فاتته الصلاة على جنازة عمر - رضي الله عنه - فلما حضر قال: إن سبقتموني ~~بالصلاة عليه فلا تسبقوني بالدعاء له، والدليل عليه أن الأمة توارثت ترك ~~الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى الخلفاء الراشدين ~~والصحابة - رضي الله عنهم -. # ولو جاز لما ترك مسلم الصلاة عليهم خصوصا على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ لأنه في قبره كما وضع فإن لحوم الأنبياء حرام على الأرض، به ورد ~~الأثر، وتركهم ذلك إجماعا منهم دليل على عدم جواز التكرار؛ ولأن الفرض قد ~~سقط بالفعل مرة واحدة؛ لكونها فرض كفاية، ولهذا إن من لم يصل لو ترك الصلاة ~~ثانيا لا يأثم وإذا سقط الفرض، فلو صلى ثانيا كان نفلا. # والتنفل بصلاة الجنازة غير مشروع بدليل أن من صلى مرة لا يصلي ثانيا، ~~وهذا بخلاف ما إذا تقدم غير الولي فصلى إن للولي أن يصلي عليه؛ لأنه إذا لم ~~يجز الأول تبين أن الأول لم يقع فرضا؛ لأن حق التقدم كان له، فإذا تقدم ~~غيره بغير إذنه كان له أن يستوفي حقه في التقدم فيقع الأول فرضا، فهو ~~الفرق، والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أعاد؛ لأن ولاية ms0711 الصلاة كانت ~~له، فإن كان أولى الأولياء قال الله تعالى {النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم} [الأحزاب: 6] وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يصلي ~~على موتاكم غيري ما دمت بين أظهركم» فلم يسقط بأداء غيره، وهذا هو تأويل ~~فعل الصحابة - رضي الله عنهم - فإن # PageV01P311 # الولاية كانت لأبي بكر؛ لأنه هو الخليفة إلا أنه كان مشغولا بتسوية ~~الأمور وتسكين الفتنة فكانوا يصلون عليه قبل حضوره، فلما فرغ صلى عليه ثم ~~لم يصل بعده عليه والله أعلم. # وأما حديث النجاشي فيحتمل أنه دعاء؛ لأن الصلاة تذكر ويراد بها الدعاء، ~~ويحتمل أنه خصه بذلك. # وأما قوله: إن لكل واحد من الناس حقا في الصلاة عليه قلنا: نعم لكن لا ~~وجه لاستدراك ذلك لسقوط الفرض، وعدم جواز التنفل بها، وهو الجواب عن قوله: ~~" إنها دعاء واستغفار "؛ لأن التنفل بالدعاء والاستغفار مشروع، وبالصلاة ~~على الجنازة غير مشروع. # وعلى هذا قال أصحابنا: لا يصلى على ميت غائب، وقال الشافعي: يصلى عليه ~~استدلالا بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي وهو غائب، ولا ~~حجة له فيه لما بينا على أنه روي أن الأرض طويت له، ولا يوجد مثل ذلك في حق ~~غيره، ثم ما ذكره غير سديد؛ لأن الميت إن كان في جانب المشرق فإن استقبل ~~القبلة في الصلاة عليه كان الميت خلفه، وإن استقبل الميت كان مصليا لغير ~~القبلة وكل ذلك لا يجوز. # ولا يصلى على صبي وهو على الدابة وعلى أيدي الرجال حتى يوضع؛ لأن الميت ~~بمنزلة الإمام لهم، فلا يجوز أن يكون محمولا وهم على الأرض. # ولا يصلى على البغاة وقطاع الطريق عندنا، وقال الشافعي: يصلى عليهم؛ ~~لأنهم مسلمون قال الله تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} [الحجرات: ~~9] الآية فدخلوا تحت قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «صلوا على كل بر ~~وفاجر» . # (ولنا) ما روي عن علي أنه لم يغسل أهل نهروان ولم يصل عليهم فقيل له: ~~أكفار هم؟ فقال: لا ولكن هم إخواننا بغوا علينا أشار إلى ترك الغسل والصلاة ms0712 ~~عليهم إهانة لهم ليكون زجرا لغيرهم، وكان ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله ~~عنهم -، ولم ينكر عليه أحد فيكون إجماعا وهو نظير المصلوب ترك على خشبته ~~إهانة وزجرا لغيره كذا هذا، وإذا ثبت الحكم في البغاة ثبت في قطاع الطريق؛ ~~لأنهم في معناهم إذ هم يسعون في الأرض بالفساد كالبغاة فكانوا في استحقاق ~~الإهانة مثلهم، وبه تبين أن البغاة ومن بمثلهم مخصوصون عن الحديث بإجماع ~~الصحابة - رضي الله عنهم -، وكذلك الذي يقتل بالخنق كذا روي عن أبي حنيفة ~~وقال أبو يوسف: وكذلك من يقتل على متاع يأخذه والمكاثرون في المصر بالسلاح؛ ~~لأنهم يسعون في الأرض بالفساد فيلحقون بالبغاة والله أعلم. ### | [فصل بيان كيفية الصلاة على الجنازة] # (فصل) : # وأما بيان كيفية الصلاة على الجنازة فينبغي أن يقوم الإمام عند الصلاة ~~بحذاء الصدر من الرجل والمرأة، وروى الحسن في كتاب صلاته عن أبي حنيفة أنه ~~قال في الرجل: " يقوم بحذاء وسطه ومن المرأة بحذاء صدرها " وهو قول ابن أبي ~~ليلى، وجه رواية الحسن: أن في القيام بحذاء الوسط تسوية بين الجانبين في ~~الحظ من الصلاة، إلا أن في المرأة يقوم بحذاء صدرها ليكون أبعد عن عورتها ~~الغليظة، وجه ظاهر الرواية أن الصدر هو وسط البدن؛ لأن الرجلين والرأس من ~~جملة الأطراف فيبقى البدن من العجيزة إلى الرقبة فكان وسط البدن هو الصدر، ~~والقيام بحذاء الوسط أولى ليستوي الجانبان في الحظ من الصلاة؛ ولأن القلب ~~معدن العلم والحكمة، فالوقوف بحياله أولى. # ولا نص عن الشافعي في كيفية القيام، وأصحابه يقولون: يقوم بحذاء رأس ~~الرجل وبحذاء عجز المرأة، ويكون هذا مذهب الشافعي لما روي عن أنس «أنه صلى ~~على امرأة فوقف عند عجيزتها وصلى على رجل فقام عند رأسه فقيل له: أكان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي كذلك؟ قال: نعم» قالوا: ومذهب الشافعي لا ~~يخالف السنة، فيكون هذا مذهبه وإن لم يرو عنه. # ولكنا نقول: هذا معارض بما روى سمرة بن جندب أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «صلى على أم ms0713 قلابة ماتت في نفاسها فقام وسطها» وهذا موافق ~~لمذهبنا لما ذكرنا أنه يقوم بحذاء صدر كل واحد منهما؛ لأن الصدر وسط البدن، ~~أو نؤول فنقول: يحتمل أنه وقف بحذاء الوسط إلا أنه مال في أحد الموضعين إلى ~~الرأس، وفي الآخر إلى العجز فظن الراوي أنه فرق بين الأمرين. # ثم يكبر أربع تكبيرات وكان ابن أبي ليلى يقول: خمس تكبيرات وهو رواية عن ~~أبي يوسف، وقد اختلفت الروايات في فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فروي عنه الخمس والسبع والتسع، وأكثر من ذلك إلا أن آخر فعله كان أربع ~~تكبيرات لما روي عن عمر أنه جمع الصحابة - رضي الله عنهم - حين اختلفوا في ~~عدد التكبيرات وقال لهم: إنكم اختلفتم فمن يأتي بعدكم يكون أشد اختلافا ~~فانظروا آخر صلاة صلا ها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جنازة فخذوا ~~بذلك فوجده صلى على امرأة كبر عليها أربعا فاتفقوا على ذلك فكان هذا دليلا ~~على كون التكبيرات # PageV01P312 # في صلاة الجنازة أربعا؛ لأنهم أجمعوا عليها حتى قال عبد الله بن مسعود ~~حين سئل عن تكبيرات الجنازة: كل ذلك قد كان، ولكني رأيت الناس أجمعوا على ~~أربع تكبيرات، والإجماع حجة وكذا رووا عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - كذا ~~كان يفعل ثم أخبروا أن آخر صلاة صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كانت بأربع تكبيرات، وهذا خرج مخرج التناسخ حيث لم تحمل الأمة الأفعال ~~المختلفة على التخيير فدل أن ما تقدم نسخ بهذه التي صلاها آخر صلاته؛ ولأن ~~كل تكبيرة قائمة مقام ركعة وليس في المكتوبات زيادة على أربع ركعات. # إلا أن ابن أبي ليلى يقول: التكبيرة الأولى للافتتاح فينبغي أن يكون ~~بعدها أربع تكبيرات، كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، والرافضة زعمت أن عليا كان ~~يكبر على أهل بيته خمس تكبيرات، وعلى سائر الناس أربعا، وهذا افتراء منهم ~~عليه فإنه روي عنه أنه كبر على فاطمة أربعا. # وروي أنه صلى على فاطمة أبو بكر وكبر أربعا، وعمر صلى على أبي بكر الصديق ms0714 ~~وكبر أربعا، فإذا كبر الأولى أثنى على الله تعالى وهو أن يقول سبحانك اللهم ~~وبحمدك إلى آخره. # وذكر الطحاوي أنه لا استفتاح فيه ولكن النقل والعادة أنهم يستفتحون بعد ~~تكبيرة الافتتاح، كما يستفتحون في سائر الصلوات، وإذا كبر الثانية يأتي ~~بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي الصلاة المعروفة وهي أن ~~يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد إلى قوله إنك حميد مجيد، وإذا كبر ~~الثالثة يستغفرون للميت ويشفعون وهذا؛ لأن صلاة الجنازة دعاء للميت والسنة ~~في الدعاء أن يقدم الحمد، ثم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ~~الدعاء بعد ذلك ليكون أرجى أن يستجاب، والدعاء أن يقول اللهم اغفر لحينا ~~وميتنا إن كان يحسنه، وإن لم يحسنه يذكر ما يدعو به في التشهد اللهم اغفر ~~للمؤمنين والمؤمنات إلى آخر هذا إذا كان بالغا، فأما إذا كان صبيا فإنه ~~يقول: اللهم اجعله لنا فرطا وذخرا وشفعه فينا كذا روي عن أبي حنيفة وهو ~~المروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يكبر التكبيرة الرابعة ويسلم ~~تسليمتين؛ لأنه جاء أوان التحلل، وذلك بالسلام وهل يرفع صوته بالتسليم لم ~~يتعرض له في ظاهر الرواية، وذكر الحسن بن زياد أنه لا يرفع صوته بالتسليم ~~في صلاة الجنازة؛ لأن رفع الصوت مشروع للإعلام، ولا حاجة إلى الإعلام ~~بالتسليم في صلاة الجنازة؛ لأنه مشروع عقب التكبيرة الرابعة بلا فصل، ولكن ~~العمل في زماننا هذا يخالف ما يقوله الحسن، وليس في ظاهر المذهب بعد ~~التكبيرة الرابعة دعاء سوى السلام، وقد اختار بعض مشايخنا ما يختم به سائر ~~الصلوات: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة إلخ. # فإن كبر الإمام خمسا لم يتابعه المقتدي في الخامسة، وعند زفر يتابعه وجه ~~قوله: أن هذا مجتهد فيه فيتابع المقتدي إمامه، كما في تكبيرات العيد ولنا ~~أن هذا عمل بالمنسوخ؛ لأن ما زاد على أربع تكبيرات ثبت انتساخه بما روينا ~~فظهر خطؤه بيقين فيه فلا يتابعه في الخطأ، بخلاف تكبيرات العيدين؛ لأنه لم ~~يظهر ms0715 خطؤه بيقين حتى لو ظهر لا يتابعه على ما ذكرنا في صلاة العيدين. # ثم اختلفت الروايات عن أبي حنيفة أن المقتدي ماذا يفعل إذا لم يتابعه في ~~التكبيرة الزائدة في رواية؟ قال ينتظر الإمام حتى يتابعه في التسليم؛ لأن ~~البقاء في حرمة الصلاة ليس بخطأ إنما الخطأ متابعته في التكبيرة فينتظره ~~ولا يتابع، وفي رواية قال: يسلم ولا ينتظر؛ لأن البقاء في التحريمة بعد ~~التكبيرة الرابعة خطأ؛ لأن التحليل عقيبها هو المشروع بلا فصل فلا يتابعه ~~في البقاء، كما لا يتابعه في التكبيرة الزائدة. # ولا يقرأ في الصلاة على الجنازة بشيء من القرآن، وقال الشافعي: يفترض ~~قراءة الفاتحة فيها، وذلك عقيب التكبيرة الأولى بعد الثناء، وعندنا لو قرأ ~~الفاتحة على سبيل الدعاء والثناء لم يكره، واحتج الشافعي بقول النبي: - صلى ~~الله عليه وسلم - «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» ، وقوله: «لا صلاة إلا ~~بقراءة» وهذه صلاة بدليل شرط الطهارة واستقبال القبلة فيها، وعن جابر «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر على ميت أربعا وقرأ فاتحة الكتاب بعد ~~التكبيرة الأولى وعن» ابن عباس - رضي الله عنهما - «أنه صلى على جنازة فقرأ ~~فيها بفاتحة الكتاب، وجهر بها وقال: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة» ، ولنا ما ~~روي عن ابن مسعود «أنه سئل عن صلاة الجنازة هل يقرأ فيها؟ فقال: لم يوقت ~~لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولا ولا قراءة» ، وفي رواية دعاء ~~ولا قراءة كبر ما كبر الإمام واختر من أطيب الكلام ما شئت، وفي رواية واختر ~~من الدعاء أطيبه وروي عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عمر أنهما قالا: ليس فيها ~~قراءة شيء من القرآن # PageV01P313 # ولأنها شرعت للدعاء، ومقدمة الدعاء الحمد والثناء والصلاة على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لا القراءة، وقوله عليه السلام «لا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب» ولا صلاة إلا بقراءة لا يتناول صلاة الجنازة؛ لأنها ليست بصلاة ~~حقيقة إنما هي دعاء واستغفار للميت، ألا ترى أنه ليس فيها الأركان التي ~~تتركب منها الصلاة من الركوع والسجود إلا ms0716 أنها تسمى صلاة لما فيها من ~~الدعاء، واشتراط الطهارة، واستقبال القبلة فيها لا يدل على كونها صلاة ~~حقيقية كسجدة التلاوة؛ ولأنها ليست بصلاة مطلقة فلا يتناولها مطلق الاسم ~~وحديث ابن عباس معارض بحديث ابن عمر وابن عوف، وتأويل حديث جابر أنه كان ~~قرأ على سبيل الثناء لا على سبيل قراءة القرآن، وذلك ليس بمكروه عندنا. # ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى وكثير من أئمة بلخ اختاروا رفع ~~اليد في كل تكبيرة من صلاة الجنازة، وكان نصير بن يحيى يرفع تارة ولا يرفع ~~تارة، وجه قول من اختار الرفع: أن هذه تكبيرات يؤتى بها في قيام مستوي ~~فيرفع اليد عندها كتكبيرات العيد وتكبير القنوت، والجامع الحاجة إلى إعلام ~~من خلفه من الأصم، وجه ظاهر الرواية قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا ~~ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن وليس فيها صلاة الجنازة» وعن علي وابن عمر - ~~رضي الله عنهما - أنهما قالا: لا ترفع الأيدي فيها إلا عند تكبيرة ~~الافتتاح؛ لأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، ثم لا ترفع الأيدي في سائر ~~الصلوات إلا عند تكبيرة الافتتاح عندنا فكذا في صلاة الجنازة. # ولا يجهر بما يقرأ عقيب كل تكبيرة لأنه ذكر، والسنة فيه المخافتة. # صلين النساء جماعة على جنازة قامت الإمامة وسطهن، كما في الصلاة المفروضة ~~المعهودة. # ولو كبر الإمام تكبيرة، أو تكبيرتين، أو ثلاث تكبيرات، ثم جاء رجل لا ~~يكبر، ولكنه ينتظر حتى يكبر الإمام فيكبر معه، ثم إذا سلم الإمام قضى ما ~~عليه قبل أن ترفع الجنازة، وهذا في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف ~~يكبر واحدة حين يحضر، ثم إن كان الإمام كبر واحدة لم يقض شيئا، وإن كان كبر ~~ثنتين قضى واحدة ولا يقضي تكبيرة الافتتاح هو يقول: إنه مسبوق فلا بد من أن ~~يأتي بتكبيرة الائتمام حين انتهى إلى الإمام، كما في سائر الصلوات، وكما لو ~~كان حاضرا مع الإمام ووقع تكبير الافتتاح سابقا عليه أنه يأتي بالتكبير ولا ~~ينتظر أن يكبر الإمام الثانية بالإجماع ms0717 كذا هذا، ولهما ما روي عن ابن عباس ~~أنه قال في الذي انتهى إلى الإمام وهو في صلاة الجنازة، وقد سبقه الإمام ~~بتكبيرة: أنه لا يشتغل بقضاء ما سبقه الإمام بل يتابعه وهذا قول روي عنه، ~~ولم يرو عن غيره خلافه فحل محل الإجماع؛ ولأن كل تكبيرة من هذه الصلاة ~~قائمة مقام ركعة، بدليل أنه لو ترك تكبيرة منها تفسد صلاته. # كما لو ترك ركعة من ذوات الأربع، والمسبوق بركعة يتابع الإمام في الحالة ~~التي أدركها، ولا يشتغل بقضاء ما فاته أولا؛ لأن ذاك أمر منسوخ، كذا ههنا، ~~وهذا بخلاف ما إذا كان حاضرا؛ لأن من كان خلف الإمام فهو في حكم المدرك ~~لتكبيرة الافتتاح، ألا ترى أن في تكبيرة الافتتاح يكبرون بعد الإمام، ويقع ~~ذلك أداء لا قضاء فيأتي بها حين حضرته النية بخلاف المسبوق فإنه غير مدرك ~~للتكبيرة الأولى، وهي قائمة مقام ركعة، فلا يشتغل بقضائها قبل سلام الإمام ~~كسائر التكبيرات، ثم عندهما يقضي ما فاته؛ لأن المسبوق يقضي الفائت لا ~~محالة ولكن قبل أن ترفع الجنازة؛ لأن صلاة الجنازة بدون الجنازة لا تتصور. # وعند أبي يوسف إن كان الإمام كبر واحدة لم يقض شيئا، وإن كبر ثنتين قضى ~~واحدة لما ذكرنا. # ولو جاء بعدما كبر الإمام الرابعة قبل السلام لم يدخل معه، وقد فاتته ~~الصلاة عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يكبر واحدة وإذا سلم الإمام قضى ~~ثلاث تكبيرات، كما لو كان حاضرا خلف الإمام ولم يكبر شيئا حتى كبر الإمام ~~الرابعة، الصحيح قولهما: لأنه لا وجه إلى أن يكبر وحده لما قلنا: الإمام لا ~~يكبر بعد هذا لتتابعه، والأصل في الباب عندهما أن المقتدي يدخل بتكبيرة ~~الإمام فإذا فرغ الإمام من الرابعة تعذر عليه الدخول، وعند أبي يوسف يدخل ~~إذا بقيت التحريمة، وذكر عصام بن يوسف أن عند محمد ههنا يكبر أيضا بخلاف ما ~~إذا جاء وقد كبر الإمام ثلاث تكبيرات حيث لا يكبر بل ينتظر الإمام حتى يكبر ~~الرابعة عند محمد؛ لأن الاشتغال بقضاء ms0718 ما سبق قبل فراغ الإمام إن كان لا ~~يجوز لكن جوزنا ههنا لمكان الضرورة؛ لأنه لو انتظر الإمام ههنا فاتته ~~الصلاة بخلاف تلك الصورة، والله تعالى أعلم. # PageV01P314 ### | [فصل بيان ما تصح به صلاة الجنازة] # فصل) : # وأما بيان ما تصح به، وما تفسد، وما يكره. # أما ما تصح به فكل ما يعتبر شرطا لصحة سائر الصلوات من الطهارة الحقيقية، ~~والحكمية، واستقبال القبلة، وستر العورة، والنية يعتبر شرطا لصحتها حتى ~~أنهم لو صلوا على جنازة والإمام غير طاهر فعليهم إعادتها؛ لأن صلاة الإمام ~~غير جائزة لعدم الطهارة فكذا صلاتهم؛ لأنها بناء على صلاته. # ولو كان الإمام على الطهارة والقوم على غير طهارة جازت صلاة الإمام ولم ~~يكن عليهم إعادتها؛ لأن حق الميت تأدى بصلاة الإمام، ودلت المسألة على أن ~~الجماعة ليست بشرط في هذه الصلاة. # ولو أخطئوا بالرأس فوضعوه في موضع الرجلين وصلوا عليها جازت الصلاة؛ ~~لاستجماع شرائط الجواز، وإنما الحاصل بغير صفة الوضع، وذا لا يمنع الجواز ~~إلا أنهم إن تعمدوا ذلك فقد أساءوا لتغييرهم السنة المتوارثة. # ولو تحروا على جنازة فأخطئوا القبلة جازت صلاتهم؛ لأن المكتوبة تجوز فهذه ~~أولى، وإن تعمدوا خلافها لم تجز، كما في اعتبار شرط القبلة؛ لأنه لا يسقط ~~حالة الاختيار، كما في سائر الصلوات. # ولو صلى راكبا أو قاعدا من غير عذر لم تجزهم استحسانا، والقياس أن تجزئهم ~~كسجدة التلاوة؛ ولأن المقصود منها الدعاء للميت وهو لا يختلف والأركان فيها ~~التكبيرات ويمكن تحصيلها في حالة الركوب، كما يمكن تحصيلها في حالة القيام، ~~وجه الاستحسان: أن الشرع ما ورد بها إلا في حالة القيام فيراعى فيها ما ورد ~~به النص؛ ولهذا لا يجوز إثبات الخلل في شرائطها، فكذا في الركن، بل أولى؛ ~~لأن الركن أهم من الشرط؛ ولأن الأداء قعودا أو ركبانا يؤدي إلى الاستخفاف ~~بالميت، وهذه الصلاة شرعت لتعظيم الميت؛ ولهذا تسقط في حق من تجب إهانته ~~كالباغي، والكافر، وقاطع الطريق فلا يجوز أداء ما شرع للتعظيم على وجه يؤدي ~~إلى الاستخفاف؛ لأنه يؤدي إلى أن ms0719 يعود على موضوعه بالنقص وذلك باطل. # ولو كان ولي الميت مريضا فصلى قاعدا وصلى الناس خلفه قياما أجزأهم في قول ~~أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يجزئ الإمام، ولا يجزئ المأموم بناء على ~~اقتداء القائم بالقاعد، وقد مر ذلك. # ولو ذكروا بعد الصلاة على الميت أنهم لم يغسلوه فهذا على وجهين: إما أن ~~ذكروا قبل الدفن، أو بعده: فإن كان قبل الدفن غسلوه وأعادوا الصلاة عليه؛ ~~لأن طهارة الميت شرط لجواز الصلاة عليه، كما أن طهارة الإمام شرط؛ لأنه ~~بمنزلة الإمام فتعتبر طهارته، فإذا فقدت لم يعتد بالصلاة فيغسل ويصلى عليه، ~~وإن ذكروا بعد الدفن لم ينبشوا عنه؛ لأن النبش حرام حقا لله تعالى، فيسقط ~~الغسل ولا تعاد الصلاة عليه؛ لأن طهارة الميت شرط جواز الصلاة عليه لما ~~بينا. # وروي عن محمد أنه يخرج ما لم يهيلوا عليه التراب؛ لأن ذلك ليس بنبش، فإن ~~أهالوا التراب لم يخرج، وتعاد الصلاة عليه؛ لأن تلك الصلاة لم تعتبر لتركهم ~~الطهارة مع الإمكان، والآن فات الإمكان فسقطت الطهارة فيصلى عليه. # ولو دفن بعد الغسل قبل الصلاة عليه صلي عليه في القبر ما لم يعلم أنه ~~تفرق وفي الأمالي عن أبي يوسف أنه قال: يصلى عليه إلى ثلاثة أيام هكذا ذكر ~~ابن رستم عن محمد، أما قبل مضي ثلاثة أيام فلما روينا أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - صلى على قبر تلك المرأة فلما جازت الصلاة على القبر بعد ما صلي ~~على الميت مرة فلأن تجوز في موضع لم يصل عليه أصلا أولى. # وأما بعد الثلاثة أيام لا يصلى؛ لأن الصلاة مشروعة على البدن وبعد مضي ~~الثلاث ينشق ويتفرق فلا يبقى البدن وهذا؛ لأن في المدة القليلة لا يتفرق ~~وفي الكثيرة يتفرق، فجعلت الثلاث في حد الكثرة؛ لأنها جمع والجمع ثبت ~~بالكثرة؛ ولأن العبرة للمعتاد والغالب في العادة أن بمضي الثلاث يتفسخ ~~ويتفرق أعضاؤه، والصحيح أن هذا ليس بتقدير لازم؛ لأنه يختلف باختلاف ~~الأوقات في الحر والبرد، وباختلاف حال الميت في السمن والهزال، وباختلاف ms0720 ~~الأمكنة فيحكم فيه غالب الرأي وأكبر الظن، فإن قيل: روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «أنه صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين» فالجواب أن معناه ~~- والله أعلم - أنه دعا لهم قال الله تعالى: {وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} ~~[التوبة: 103] ، والصلاة في الآية بمعنى الدعاء، وقيل: إنهم لم تتفرق ~~أعضاؤهم فإن معاوية لما أراد أن يحولهم وجدهم، كما دفنوا فتركهم. # الصلاة على الجماعة مرة واحدة فإذا اجتمعت الجنائز فالإمام بالخيار إن ~~شاء صلى عليهم دفعة واحدة، وإن شاء صلى على كل جنازة على حدة؛ لما روي أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «صلى يوم أحد على كل عشرة من الشهداء صلاة ~~واحدة» ؛ ولأن ما هو المقصود وهو الدعاء والشفاعة للموتى يحصل بصلاة واحدة، ~~فإن أراد أن يصلي على كل واحدة على حدة، فالأولى أن يقدم الأفضل فالأفضل، ~~فإن لم يفعل فلا بأس به. # ثم كيف توضع الجنائز إذا اجتمعت؟ فنقول لا يخلو إما # PageV01P315 # أن كانت من جنس واحد، أو اختلف الجنس فإن كان الجنس متحدا فإن شاءوا ~~جعلوها صفا واحدا، كما يصطفون في حال حياتهم عند الصلاة، وإن شاءوا وضعوا ~~واحدا بعد واحد مما يلي القبلة؛ ليقوم الإمام بحذاء الكل، هذا جواب ظاهر ~~الرواية. # وروي عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول أن الثاني أولى من الأول؛ لأن ~~السنة هي قيام الإمام بحذاء الميت، وهو يحصل في الثاني دون الأول، وإذا ~~وضعوا واحدا بعد واحد ينبغي أن يكون أفضلهم مما يلي الإمام كذا روي عن أبي ~~حنيفة أنه يوضع أفضلهما مما يلي الإمام وأسنهما وقال أبو يوسف: " والأحسن ~~عندي أن يكون أهل الفضل مما يلي الإمام لقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - ~~«ليليني منكم أولو الأحلام والنهى» . # ثم إن وضع رأس كل واحد منهم بحذاء رأس صاحبه فحسن، وإن وضع شبه الدرج، ~~كما قال ابن أبي ليلى: وهو أن يكون رأس الثاني عند منكب الأول فحسن، كذا ~~روي عن أبي حنيفة أنه إن وضع هكذا فحسن أيضا؛ لأن ms0721 النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وصاحبيه دفنوا على هذه الصفة فيحسن الوضع للصلاة على هذا الترتيب ~~أيضا. # وأما إذا اختلف الجنس بأن كانوا رجالا ونساء توضع الرجال مما يلي الإمام، ~~والنساء خلف الرجال مما يلي القبلة؛ لأنهم هكذا يصطفون خلف الإمام في حال ~~الحياة، ثم إن الرجال يكونون أقرب إلى الإمام من النساء فكذا بعد الموت. # ومن العلماء من قال: توضع النساء مما يلي الإمام، والرجال خلفهن؛ لأن في ~~الصلاة بالجماعة في حال الحياة صف النساء خلف صف الرجال إلى القبلة فكذا في ~~وضع الجنائز. # ولو اجتمع جنازة رجل وصبي وخنثى وامرأة وصبية وضع الرجل مما يلي الإمام، ~~والصبي وراءه، ثم الخنثى، ثم المرأة، ثم الصبية والأصل فيه قول النبي: - ~~صلى الله عليه وسلم - «ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ~~ثم الذين يلونهم» ؛ ولأنهم هكذا يقومون في الصف خلف الإمام حالة الحياة ~~فيوضعون كذلك بعد الموت. # ولو كبر الإمام على جنازة ثم أتي بجنازة أخرى فوضعت معها مضى على الأولى ~~ويستأنف الصلاة على الأخرى؛ لأن التحريمة انعقدت للصلاة على الأولى فيتمها، ~~فإن كبر الثانية ينويهما فهي للأولى؛ لأنه لم يقصد الخروج عن الأولى فبقي ~~فيها ولم يقع للثانية، وإن كبر ينوي الثانية وحدها فهي للثانية؛ لأنه خرج ~~عن الأولى بالتكبيرة مع النية، كما إذا كان في الظهر فكبر ينوي العصر صار ~~منتقلا من الظهر فكذا هذا، بخلاف ما إذا نواهما جميعا؛ لأنه ما رفض الأولى ~~فبقي فيها فلا يصير شارعا في الثانية، ثم إذا صار شارعا في الثانية فإذا ~~فرغ منها أعاد الصلاة على الأولى أي: يستقبل والله أعلم. ### | [فصل بيان ما تفسد به صلاة الجنازة] # (فصل) : # وأما بيان ما تفسد به صلاة الجنازة فنقول: إنها تفسد بما تفسد به سائر ~~الصلوات وهو ما ذكرنا من الحدث العمد، والكلام، والقهقهة، وغيرها من نواقض ~~الصلاة إلا المحاذاة فإنها غير مفسدة في هذه الصلاة؛ لأن فساد الصلاة ~~بالمحاذاة عرف بالنص، والنص ورد في الصلاة المطلقة فلا يلحق بها غيرها، ~~ولهذا ms0722 لم يلحق بها سجدة التلاوة حتى لم تكن المحاذاة فيها مفسدة. # وكذا القهقهة في هذه الصلاة لا تنقض الطهارة؛ لأنا عرفنا القهقهة حدثا ~~بالنص الوارد في صلاة مطلقة فلا يجعل واردا، في غيرها فرق بين هاتين ~~المسألتين وبين البناء: فإنه لو سبقه الحدث في صلاة الجنازة يبني، وإن عرف ~~البناء بالنص وأنه وارد في صلاة مطلقة، والفرق أن القهقهة جعلت حدثا لقبحها ~~في الصلاة، وقبحها يزداد بزيادة حرمة الصلاة ولا شك أن حرمة الصلاة المطلقة ~~فوق حرمة صلاة الجنازة فكان قبحها في تلك الصلاة فوق قبحها في هذه فجعلها ~~حدثا هناك لا يدل على جعلها حدثا ههنا، وكذا المحاذاة جعلت مفسدة في تلك ~~الصلاة تعظيما لها وليست هذه مثل تلك في معنى التعظيم، بخلاف البناء؛ لأن ~~الجواز وتحمل المشي في أعلى العبادتين يوجب التحمل والجواز في أدناهما ~~دلالة، ولأنا لو لم نجوز البناء ههنا تفوته الصلاة أصلا؛ لأن الناس يفرغون ~~من الصلاة قبل رجوعه من التوضؤ ولا يمكنه الاستدراك بالإعادة لما مر. # ولو لم نجوز البناء هناك لفاتته الصلاة أصلا فلما جاز البناء هناك فلأن ~~يجوز ههنا أولى. ### | [فصل بيان ما يكره في صلاة الجنازة] # (فصل) : # وأما بيان ما يكره فيها فنقول: تكره الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس ~~وغروبها، ونصف النهار لما روينا من حديث عقبة بن عامر أنه قال: «ثلاث ساعات ~~نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نصلي فيها وأن نقبر فيها ~~موتانا» والمراد من قوله: " أن نقبر فيها موتانا " الصلاة على الجنازة دون ~~الدفن إذ لا بأس بالدفن في هذه # PageV01P316 # الأوقات فإن صلوا في أحد هذه الأوقات لم يكن عليهم إعادتها؛ لأن صلاة ~~الجنازة لا يتعين لأدائها وقت ففي أي وقت صليت وقعت أداء لا قضاء، ومعنى ~~الكراهة في هذه الأوقات يمنع جواز القضاء فيها دون الأداء، كما إذا أدى عصر ~~يومه عند تغير الشمس على ما ذكرنا فيما تقدم، ولا تكره الصلاة على الجنازة ~~بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر قبل تغير الشمس؛ لأن ms0723 الكراهة في هذه ~~الأوقات ليست لمعنى في الوقت فلا يظهر في حق الفرائض لما بينا فيما تقدم. # ولو أرادوا أن يصلوا على جنازة وقد غربت الشمس فالأفضل أن يبدءوا بصلاة ~~المغرب ثم يصلون على الجنازة؛ لأن المغرب آكد من صلاة الجنازة فكان تقديمه ~~أولى؛ ولأن في تقديم الجنازة تأخير المغرب وأنه مكروه. ### | [فصل بيان من له ولاية الصلاة على الميت] # (فصل) : # وأما بيان من له ولاية الصلاة على الميت فذكر في الأصل أن إمام الحي أحق ~~بالصلاة على الميت وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الإمام الأعظم أحق بالصلاة ~~إن حضر، فإن لم يحضر فأمير المصر، وإن لم يحضر فإمام الحي، فإن لم يحضر ~~فالأقرب من ذوي قراباته، وهذا هو حاصل المذهب عندنا، والتوفيق بين ~~الروايتين ممكن؛ لأن السلطان إذا حضر فهو أولى؛ لأنه إمام الأئمة فإن لم ~~يحضر فالقاضي؛ لأنه نائبه فإن لم يحضر فإمام الحي؛ لأنه رضي بإمامته في حال ~~حياته، فيدل على الرضا به بعد مماته؛ ولهذا لو عين الميت أحدا في حال حياته ~~فهو أولى من القريب لرضاه به إلا أنه بدأ في كتاب الصلاة بإمام الحي؛ لأن ~~السلطان قلما يحضر الجنائز، ثم الأقرب فالأقرب من عصبته وذوي قراباته؛ لأن ~~ولاية القيام بمصالح الميت له. # وهذا كله قول أبي حنيفة ومحمد فأما على قول أبي يوسف، وهو قول الشافعي ~~القريب أولى من السلطان، لأبي يوسف والشافعي أن هذا أمر مبني على الولاية، ~~والقريب في مثل هذا مقدم على السلطان، كما في النكاح وغيره من التصرفات؛ ~~ولأن هذه الصلاة شرعت للدعاء والشفاعة للميت، ودعاء القريب أرجى؛ لأنه ~~يبالغ في إخلاص الدعاء، وإحضار القلب بسبب زيادة شفقته، وتوجد منه زيادة ~~رقة وتضرع فكان أقرب إلى الإجابة، ولأبي حنيفة ومحمد ما روي «أن الحسن بن ~~علي لما مات قدم الحسين بن علي سعيد بن العاص ليصلي عليه - وكان واليا ~~بالمدينة - وقال: لولا السنة ما قدمتك، وفي رواية قال: لولا أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن التقدم لما ms0724 قدمتك» ؛ ولأن هذا من الأمور العامة ~~فيكون متعلقا بالسلطان كإقامة الجمعة والعيدين بخلاف النكاح فإنه من الأمور ~~الخاصة، وضرره ونفعه يتصل بالولي لا بالسلطان، فكان إثبات الولاية للقريب ~~أنفع للمولى عليه، وتلك ولاية نظر ثبتت حقا للمولى عليه قبل الولي بخلاف ما ~~نحن فيه. # أما قوله: " إن دعاء القريب، وشفاعته أرجى " فنقول: بتقدم الغير لا يفوت ~~دعاء القريب وشفاعته مع أن دعاء الإمام أقرب إلى الإجابة على ما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثلاث لا يحجب دعاؤهم وذكر فيهم ~~الإمام» ، ثم تقدم إمام الحي ليس بواجب ولكنه أفضل لما ذكر أنه رضيه في حال ~~حياته. # وأما تقديم السلطان فواجب لأن تعظيمه مأمور به؛ ولأن ترك تقديمه لا يخلو ~~عن فساد التجاذب والتنازع على ما ذكرنا في صلاة الجمعة والعيدين. # ولو كان للميت وليان في درجة واحدة فأكبرهما سنا أولى؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أمر بتقديم الأسن في الصلاة، ولهما أن يقدما غيرهما ولو ~~قدم كل واحد منهما رجلا على حدة، فالذي قدمه الأكبر أولى، وليس لأحدهما أن ~~يقدم إنسانا إلا بإذن الآخر؛ لأن الولاية ثابتة لهما إلا أنا قدمنا الأسن ~~لسنه، فإذا أراد أن يستخلف غيره كان الآخر أولى فإن تشاجر الوليان فتقدم ~~أجنبي بغير إذنهما فصلى ينظر إن صلى الأولياء معه جازت الصلاة ولا تعاد، ~~وإن لم يصلوا معه فلهم إعادة الصلاة، وإن كان أحدهما أقرب من الآخر ~~فالولاية إليه وله أن يقدم من شاء؛ لأن الأبعد محجوب به فصار بمنزلة ~~الأجنبي. # ولو كان الأقرب غائبا بمكان تفوت الصلاة بحضوره بطلت ولايته وتحولت ~~الولاية إلى الأبعد. # ولو قدم الغائب غيره بكتاب كان للأبعد أن يمنعه وله أن يتقدم بنفسه، أو ~~يقدم من شاء؛ لأن ولاية الأقرب قد سقطت لما أن في التوقيف على حضوره ضرر ~~بالميت، والولاية تسقط مع ضرر المولى عليه فتنقل إلى الأبعد، والمريض في ~~المصر بمنزلة الصحيح يقدم من شاء، وليس للأبعد منعه ولأن ولايته قائمة، ألا ~~ترى أن ms0725 له أن يتقدم مع مرضه فكان له حق التقديم، ولا حق للنساء والصغار ~~والمجانين في التقديم؛ لانعدام ولاية التقدم. # ولو ماتت امرأة ولها زوج وابن بالغ عاقل فالولاية للابن دون الزوج لما ~~روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه ماتت له امرأة # PageV01P317 # فقال لأوليائها: كنا أحق بها حين كانت حية، فأما إذا ماتت فأنتم أحق بها؛ ~~ولأن الزوجية تنقطع بالموت، والقرابة لا تنقطع لكن يكره للابن أن يتقدم ~~أباه، وينبغي أن يقدمه مراعاة لحرمة الأبوة. # قال أبو يوسف: وله في حكم الولاية أن يقدم غيره؛ لأن الولاية له وإنما ~~منع من التقدم حتى لا يستخف بأبيه، فلم تسقط ولايته في التقديم، وإن كان ~~لها ابن من زوج آخر فلا بأس بأن يتقدم على هذا الزوج؛ لأنه هو الولي، ~~وتعظيم زوج أمه غير واجب عليه، وسائر القرابات أولى من الزوج وكذا مولى ~~العتاقة وابن المولى ومولى الموالاة لما ذكرنا أن السبب قد انقطع فيما ~~بينهما فإن تركت أبا وزوجا وابنا من هذا الزوج فلا ولاية للزوج لما بينا. # وأما الأب والابن فقد ذكر في كتاب الصلاة أن الأب أحق من غيره، وقيل: هو ~~قول محمد. # وأما عند أبي يوسف فالابن أحق إلا أنه يقدم الأب تعظيما له، وعند محمد ~~الولاية للأب، وقيل: هو قولهم جميعا في صلاة الجنازة؛ لأن للأب فضيلة على ~~الابن وزيادة سن، والفضيلة تعتبر ترجيحا في استحقاق الإمامة، كما في سائر ~~الصلوات بخلاف سائر الولايات، ومولى الموالاة أحق من الأجنبي؛ لأنه التحق ~~بالقريب بعقد الموالاة. # ولو مات الابن وله أب وأب الأب فالولاية لأبيه، ولكنه يقدم أباه الذي هو ~~جد الميت تعظيما له. # وكذلك المكاتب إذا مات ابنه أو عبده ومولاه حاضرا فالولاية للمكاتب لكنه ~~يقدم مولاه احتراما له، ثم إذا صلي على الميت يدفن. ### | [فصل بيان وجوب الدفن] # (فصل) : # والكلام في الدفن في مواضع:. # في بيان وجوبه، وكيفية وجوبه، وفي بيان سنة الحفر والدفن وما يتصل بهما. # أما الأول فالدليل على وجوبه: توارث الناس من لدن آدم ms0726 - صلوات الله عليه ~~- إلى يومنا هذا مع النكير على تاركه، وذا دليل الوجوب إلا أن وجوبه على ~~سبيل الكفاية حتى إذا قام به البعض سقط عن الباقين؛ لحصول المقصود. ### | [فصل سنة الحفر لدفن الميت] # (فصل) : # وأما سنة الحفر فالسنة فيه اللحد عندنا، وعند الشافعي الشق، واحتج أن ~~توارث أهل المدينة الشق دون اللحد، وتوارثهم حجة، ولنا قول النبي: - صلى ~~الله عليه وسلم - «اللحد لنا والشق لغيرنا» وفي رواية «اللحد لنا والشق ~~لأهل الكتاب» وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما توفي اختلف الناس ~~أن يشق له، أو يلحد، وكان أبو طلحة الأنصاري لحادا، وأبو عبيدة بن الجراح ~~شاقا فبعثوا رجلا إلى أبي عبيدة ورجلا إلى أبي طلحة فقال العباس بن عبد ~~المطلب: اللهم خر لنبيك أحب الأمرين إليك فوجد أبا طلحة من كان بعث إليه، ~~ولم يجد أبا عبيدة من بعث إليه، والعباس - رضي الله عنه - كان مستجاب ~~الدعوة، وأهل المدينة إنما توارثوا الشق؛ لضعف أراضيهم بالبقيع ولهذا اختار ~~أهل بخارى الشق دون اللحد؛ لتعذر اللحد لرخاوة أراضيهم. # وصفة اللحد أن يحفر القبر، ثم يحفر في جانب القبلة منه حفيرة فيوضع فيه ~~الميت وصفة الشق أن يحفر حفيرة في وسط القبر، فيوضع فيه الميت ويجعل على ~~اللحد اللبن والقصب لما روي أنه وضع على قبر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - طن من قصب. # وروي «أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى فرجة في قبر فأخذ مدورة وناولها ~~الحفار وقال سد: بها تلك الفرجة فإن الله تعالى يحب من كل صانع أن يحكم ~~صنعته» والمدرة قطعة من اللبن وروي عن سعيد بن العاص أنه قال اجعلوا على ~~قبري اللبن والقصب، كما جعل على قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبر ~~أبي بكر وقبر عمر؛ ولأن اللبن والقصب لا بد منهما ليمنعا ما يهال من التراب ~~على القبر من الوصول إلى الميت. # ويكره الآجر ودفوف الخشب لما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا ~~يستحبون اللبن والقصب على القبور، وكانوا ms0727 يكرهون الآجر. # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى أن تشبه القبور بالعمران، ~~والآجر والخشب للعمران» ، ولأن الآجر مما يستعمل للزينة ولا حاجة إليها ~~للميت، ولأنه مما مسته النار فيكره أن يجعل على الميت تفاؤلا، كما يكره أن ~~يتبع قبره بنار تفاؤلا، وكان الشيخ أبو بكر محمد بن الفضل البخاري يقول: لا ~~بأس بالآجر في ديارنا لرخاوة الأراضي، وكان أيضا يجوز دفوف الخشب واتخاذ ~~التابوت للميت حتى قال: لو اتخذوا تابوتا من حديد لم أر به بأسا في هذه ~~الديار. ### | [فصل في سنة الدفن] # (فصل) : # وأما سنة الدفن فالسنة عندنا أن يدخل الميت من قبل القبلة، وهو أن توضع ~~الجنازة في جانب القبلة من القبر، ويحمل منه الميت فيوضع في اللحد وقال ~~الشافعي:. # السنة أن يسل إلى قبره وصورة السل أن توضع الجنازة على يمين القبلة وتجعل ~~رجلا الميت إلى القبر طولا، ثم تؤخذ رجله، وتدخل رجلاه في القبر ويذهب # PageV01P318 # به إلى أن تصير رجلاه إلى موضعهما، ويدخل رأسه القبر احتج بما روي عن ابن ~~عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أدخل في القبر سلا وقال الشافعي في ~~كتابه: وهذا أمر مشهور يستغنى فيه عن رواية الحديث، فإنه نقلته العامة عن ~~العامة بلا خلاف بينهم ولنا ما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أخذ أبا دجانة من قبل القبلة» وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أدخل في القبر من قبل القبلة فصار هذا معارضا لما ~~رواه الشافعي، على أنا نقول: إنه - صلى الله عليه وسلم - إنما أدخل إلى ~~القبر سلا لأجل الضرورة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات في حجرة ~~عائشة من قبل الحائط وكانت السنة في دفن الأنبياء - عليهم السلام - في ~~الموضع الذي قبضوا فيه فكان قبره لزيق الحائط، واللحد تحت الحائط فتعذر ~~إدخاله من قبل القبلة فسل إلى قبره سلا لهذه الضرورة. # وعن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما - أنهما قالا: يدخل الميت قبره ~~من ms0728 قبل القبلة؛ ولأن جانب القبلة معظم فكان إدخاله من هذا الجانب أولى، ~~وقول الشافعي: هذا أمر مشهور، قلنا: روي عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم ~~النخعي أنه قال: حدثني من رأى أهل المدينة في الزمن الأول أنهم كانوا ~~يدخلون الميت من قبل القبلة، ثم أحدثوا السل لضعف أراضيهم بالبقيع فإنها ~~كانت أرضا سبخة والله أعلم. # ولا يضر وتر دخل قبره أم شفع عندنا، وقال الشافعي: السنة هي الوتر ~~اعتبارا بعدد الكفن والغسل والإجمار، ولنا ما روي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لما دفن أدخله العباس والفضل بن العباس وعلي وصهيب وقيل في الرابع: ~~إنه المغيرة بن شعبة وقيل: إنه أبو رافع فدل أن الشفع سنة؛ ولأن الدخول في ~~القبر للحاجة إلى الوضع فيقدر بقدر الحاجة، والوتر والشفع فيه سواء؛ ولأنه ~~مثل حمل الميت ويحمله على الجنازة أربعة عندنا، وعنده اثنان وإن كان شفعا ~~فكذا ههنا، وما ذكر من الاعتبار غير سديد لانتقاضه بحمل الجنازة ومخالفته ~~فعل الصحابة مع أنه لا يظن بهم ترك السنة، خصوصا في دفن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # ويكره أن يدخل الكافر قبر أحد من قرابته من المؤمنين؛ لأن الموضع الذي ~~فيه الكافر تنزل فيه السخطة واللعنة فينزه قبر المسلم عن ذلك، وإنما يدخل ~~قبره المسلمون ليضعوه على سنة المسلمين، ويقولوا عند وضعه: باسم الله وعلى ~~ملة رسول الله، وإذا وضع في اللحد قال واضعه: باسم الله وعلى ملة رسول ~~الله، وذكر الحسن في المجرد عن أبي حنيفة أنه يقول: " باسم الله وفي سبيل ~~الله وعلى ملة رسول الله " لما روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - ~~أنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أدخل ميتا قبره أو ~~وضعه في اللحد قال: باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله» وهكذا روي عن علي ~~أنه كان إذا دفن ميتا أو نام قال: باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ~~وكان يقول: النوم وفاة قال الشيخ أبو منصور الماتريدي: معنى هذا ms0729 باسم الله ~~دفناه وعلى ملة رسول الله دفناه. # وليس هذا بدعاء للميت؛ لأنه إذا مات على ملة رسول الله لم يجز أن تبدل ~~عليه الحالة، وإن مات على غير ذلك لم يبدل إلى ملة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: ولكن المؤمنين شهداء الله في الأرض، فيشهدون بوفاته على ~~الملة وعلى هذا جرت السنة، ويوضع على شقه الأيمن متوجها إلى القبلة لما روي ~~عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: «شهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~جنازة رجل فقال يا: علي استقبل به استقبالا وقولوا جميعا باسم الله، وعلى ~~ملة رسول الله، وضعوه لجنبه ولا تكبوه لوجهه ولا تلقوه لظهره» . # وتحل عقد أكفانه إذا وضع في القبر؛ لأنها عقدت لئلا تنتشر أكفانه، وقد ~~زال هذا المعنى بالوضع. # ولو وضع لغير القبلة فإن كان قبل إهالة التراب عليه، وقد سرحوا اللبن ~~أزالوا ذلك؛ لأنه ليس بنبش، وإن أهيل عليه التراب ترك ذلك؛ لأن النبش حرام. # ، ولا يدفن الرجلان أو أكثر في قبر واحد هكذا جرت السنة من لدن آدم إلى ~~يومنا هذا، فإن احتاجوا إلى ذلك قدموا أفضلهما وجعلوا بينهما حاجزا من ~~الصعيد لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه أمر بدفن قتلى أحد ~~وكان يدفن في القبر رجلان، أو ثلاثة، وقال: قدموا أكثرهم قرآنا» وإن كان ~~رجل وامرأة قدم الرجل مما يلي القبلة، والمرأة خلفه اعتبارا بحال الحياة. # ولو اجتمع رجل وامرأة، أو صبي وخنثى وصبية دفن الرجل مما يلي القبلة، ثم ~~الصبي خلفه، ثم الخنثى، ثم الأنثى، ثم الصبية؛ لأنهم هكذا يصطفون خلف ~~الإمام حالة الحياة، وهكذا توضع جنائزهم عند الصلاة عليها فكذا في القبر، ~~ويسجى قبر المرأة بثوب لما روي أن فاطمة - رضي الله عنها - سجي # PageV01P319 # قبرها بثوب ونعش على جنازتها؛ لأن مبنى حالها على الستر، فلو لم يسج ربما ~~انكشفت عورة المرأة فيقع بصر الرجال عليها، ولهذا يوضع النعش على جنازتها ~~دون جنازة الرجل. # وذو الرحم المحرم أولى بإدخال المرأة القبر من غيره؛ ms0730 لأنه يجوز له مسها ~~حالة الحياة فكذا بعد الموت، وكذا ذو الرحم المحرم منها أولى من الأجنبي ~~ولو لم يكن فيهم ذو رحم فلا بأس للأجانب وضعها في قبرها، ولا يحتاج إلى ~~إتيان النساء للوضع. # وأما قبر الرجل فلا يسجى عندنا، وعند الشافعي يسجى احتج بما روي «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أقبر سعد بن معاذ ومعه أسامة بن زيد فسجى ~~قبره» ولنا ما روي عن علي أنه مر بميت يدفن، وقد سجي قبره فنزع ذلك عنه ~~وقال: إنه رجل وفي رواية قال لا تشبهوه بالنساء. # وأما حديث سعد بن معاذ فيحتمل أنه إنما سجي؛ لأن الكفن لا يعمه فستر ~~القبر حتى لا يبدو منه شيء، ويحتمل أنه كان لضرورة أخرى من دفع مطر أو حر ~~عن الداخلين في القبر، وعندنا لا بأس بذلك في حالة الضرورة. # ويسنم القبر ولا يربع، وقال الشافعي: يربع ويسطح لما روى المزني بإسناده ~~«عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لما توفي ابنه إبراهيم جعل قبره ~~مسطحا» ، ولنا ما روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: أخبرني من رأى قبر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقبر أبي بكر وعمر أنها مسنمة وروي أن عبد ~~الله بن عباس - رضي الله عنهما - لما مات بالطائف صلى عليه محمد بن ~~الحنفية، وكبر عليه أربعا، وجعل له لحدا وأدخله القبر من قبل القبلة، وجعل ~~قبره مسنما وضرب عليه فسطاطا؛ ولأن التربيع من صنيع أهل الكتاب، والتشبيه ~~بهم فيما منه بد مكروه، وما روي من الحديث محمول على أنه سطح قبره أولا، ثم ~~جعل التسنيم في وسطه حملناه على هذا بدليل ما روينا، ومقدار التسنيم أن ~~يكون مرتفعا من الأرض قدر شبر، أو أكثر قليلا. # ويكره تجصيص القبر وتطيينه وكره أبو حنيفة البناء على القبر وأن يعلم ~~بعلامة، وكره أبو يوسف الكتابة عليه ذكره الكرخي لما روي عن جابر بن عبد ~~الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تجصصوا القبور ولا ~~تبنوا عليها ولا ms0731 تقعدوا ولا تكتبوا عليها» ؛ ولأن ذلك من باب الزينة ولا ~~حاجة بالميت إليها؛ ولأنه تضييع المال بلا فائدة فكان مكروها. # ويكره أن يزاد على تراب القبر الذي خرج منه؛ لأن الزيادة عليه بمنزلة ~~البناء. # بأس برش الماء على القبر؛ لأنه تسوية له وروي عن أبي يوسف أنه كره الرش؛ ~~لأنه يشبه التطيين، وكره أبو حنيفة أن يوطأ على قبر، أو يجلس عليه، أو ينام ~~عليه أو تقضى عليه حاجة من بول أو غائط لما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «أنه نهى عن الجلوس على القبور» . # ويكره أن يصلى على القبر لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه ~~نهى أن يصلى على القبر» قال: أبو حنيفة: ولا ينبغي أن يصلى على ميت بين ~~القبور، وكان علي وابن عباس يكرهان ذلك، وإن صلوا أجزأهم لما روي أنهم صلوا ~~على عائشة، وأم سلمة بين مقابر البقيع، والإمام أبو هريرة وفيهم ابن عمر - ~~رضي الله عنهم -. # بأس بزيارة القبور والدعاء للأموات إن كانوا مؤمنين من غير وطء القبور ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا ~~فزوروها فإنها تذكركم الآخرة» ، ولعمل الأمة من لدن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى يومنا هذا. ### | [فصل أحكام الشهيد] # (فصل) : # وأما الشهيد فالكلام فيه في موضعين:. # أحدهما في بيان من يكون شهيدا في الحكم، ومن لا يكون، والثاني في بيان ~~حكم الشهادة في الدنيا. # أما الأول: فبني على شرائط الشهادة وهي أنواع: منها أن يكون مقتولا حتى ~~لو مات حتف أنفه، أو تردى من موضع، أو احترق بالنار، أو مات تحت هدم أو غرق ~~لا يكون شهيدا لأنه ليس بمقتول فلم يكن في معنى شهداء أحد، وبأي شيء قتل في ~~المعركة من سلاح أو غيره، فهو سواء في حكم الشهادة؛ لأن شهداء أحد ما قتل ~~كلهم بسلاح، بل منهم من قتل بغير سلاح، وأما في المصر فيختلف الحكم فيه على ~~ما نذكر. # ومنها أن يكون مظلوما حتى لو ms0732 قتل بحق في قصاص أو رجم لا يكون شهيدا؛ لأن ~~شهداء أحد قتلوا مظلومين وروي «أنه لما رجم ماعز جاء عمه إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: قتل ماعز، كما تقتل الكلاب فماذا تأمرني أن أصنع به ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تقل هذا فقد تاب توبة لو قسمت توبته ~~على أهل الأرض لوسعتهم اذهب فاغسله، وكفنه، وصل عليه» . # وكذلك من مات من حد أو تعزير أو عدا على قوم ظلما فقتلوه لا يكون شهيدا؛ ~~لأنه ظلم نفسه، وكذا لو # PageV01P320 # قتله سبع لانعدام تحقق الظلم. # ومنها أن لا يخلف عن نفسه بدلا هو مال حتى لو كان مقتولا خطأ، أو شبه عمد ~~بأن قتله في المصر نهارا بعصا صغيرة، أو سوط، أو وكزه باليد، أو لكزه ~~بالرجل لا يكون شهيدا؛ لأن الواجب في هذه المواضع هو المال دون القصاص، وذا ~~دليل خفة الجناية، فلم يكن في معنى شهداء أحد؛ ولأن غير السلاح مما يلبث ~~فكان بحال لو استغاث لحقه الغوث فإذا لم يستغث جعل كأنه أعان على قتل نفسه ~~بخلاف ما إذا قتل في المفازة بغير السلاح؛ لأن ذلك يوجب القتل بحكم قطع ~~الطريق لا المال؛ ولأنه لو استغاث لا يلحقه الغوث فلم يصر بترك الاستغاثة ~~معينا على قتل نفسه، وكذلك إذا قتله بعصا كبيرة، أو بمدقة القصارين، أو ~~بحجر كبير، أو بخشبة عظيمة، أو خنقه، أو غرقه في الماء، أو ألقاه من شاهق ~~الجبل عند أبي حنيفة؛ لأن هذا كله شبه عمد عنده، فكان الواجب فيه الدية دون ~~القصاص، وعند أبي يوسف، ومحمد الواجب هو القصاص فكان المقتول شهيدا. # ولو نزل عليه اللصوص ليلا في المصر فقتل بسلاح، أو غيره، أو قتله قطاع ~~الطريق خارج المصر بسلاح، أو غيره فهو شهيد؛ لأن القتيل لم يخلف في هذه ~~المواضع بدلا هو مال. # ولو قتل في المصر نهارا بسلاح ظلما بأن قتل بحديدة، أو ما يشبه الحديدة ~~كالنحاس، والصفر، وما أشبه ذلك، أو ما يعمل عمل الحديد من ms0733 جرح، أو قطع، أو ~~طعن بأن قتله بزجاجة، أو بليطة قصب، أو طعنه برمح لا زج له، أو رماه بنشابة ~~لا نصل لها، أو أحرقه بالنار، وفي الجملة كل قتل يتعلق به وجوب القصاص ~~فالقتيل شهيد، وقال الشافعي: " لا يكون شهيدا "، واحتج بما روي أن عمر، ~~وعليا غسلا، ولأن هذا قتيل أخلف بدلا، وهو المال، أو القصاص فما هو في معنى ~~شهداء أحد كالقتل خطأ، أو شبه عمد، ولنا أن وجوب هذا البدل دليل انعدام ~~الشبهة، وتحقق الظلم من جميع الوجوه، إذ لا يجب القصاص مع الشبهة فصار في ~~معنى شهداء أحد بخلاف ما إذا أخلف بدلا هو مال؛ لأن ذلك أمارة خفة الجناية؛ ~~لأن المال لا يجب إلا عند تحقق الشبهة في القتل فلم يكن في معنى شهداء أحد؛ ~~ولأن الدية بدل عن المقتول فإذا، وصل إليه البدل صار المبدل كالباقي من، ~~وجه لبقاء بدله فأوجب خللا في الشهادة، فأما القصاص فليس ببدل عن المحل بل ~~هو جزاء الفعل على طريق المساواة فلا يسقط به حكم الشهادة، وإنما غسل عمر، ~~وعلي - رضي الله عنهما -؛ لأنهما ارتثا، والارتثاث يمنع الشهادة على ما ~~نذكر. # ولو وجد قتيل في محلة، أو موضع يجب فيه القسامة، والدية لم يكن شهيدا لما ~~قلنا. # ولو وجب القصاص ثم انقلب مالا بالصلح لا تبطل شهادته؛ لأنه لم يتبين أنه ~~أخلف بدلا هو مال. # وكذا الأب إذا قتل ابنه عمدا كان شهيدا؛ لأنه أخلف القصاص ثم انقلب مالا، ~~وفائدة الوجوب شهادة المقتول. # ومنها أن يكون مرتثا في شهادته وهو أن لا يخلق شهادته مأخوذ من الثوب ~~الرث، وهو الخلق، والأصل فيه ما روي أن عمر لما طعن حمل إلى بيته فعاش ~~يومين ثم مات فغسل، وكان شهيدا وكذا علي حمل حيا بعد ما طعن ثم مات فغسل، ~~وكان شهيدا، وعثمان أجهز عليه في مصرعه، ولم يرتث فلم يغسل «، وسعد بن معاذ ~~ارتث فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: بادروا إلى غسل صاحبكم سعد كي لا ~~تسبقنا الملائكة ms0734 بغسله، كما سبقتنا بغسل حنظلة» . # ولأن شهداء أحد ماتوا على مصارعهم، ولم يرتثوا، حتى روي أن الكأس كان ~~يدار عليهم فلم يشربوا خوفا من نقصان الشهادة، فإذا ارتث لم يكن في معنى ~~شهداء أحد، وهذا؛ لأنه لما ارتث، ونقل من مكانه يزيده النقل ضعفا، ويوجب ~~حدوث آلام لم تحدث لولا النقل، والموت يحصل عقيب ترادف الآلام فيصير النقل ~~مشاركا للجراحة في إثارة الموت. # ولو تم الموت بالنقل لسقط الغسل. # ولو تم بإيلام سوى الجرح لا يسقط فلا يسقط بالشك؛ ولأن القتل لم يتمحض ~~بالجرح بل حصل به وبغيره، وهو النقل، والجرح محظور، والنقل مباح فلم يمت ~~بسبب تمحض حراما فلم يصر في معنى شهداء أحد، ثم المرتث من خرج عن صفة ~~القتلى، وصار إلى حال الدنيا بأن جرى عليه شيء من أحكامها، أو وصل إليه شيء ~~من منافعها. # وإذا عرف هذا فنقول من حمل من المعركة حيا ثم مات في بيته، أو على أيدي ~~الرجال فهو مرتث، وكذلك إذا أكل، أو شرب، أو باع أو ابتاع، أو تكلم بكلام ~~طويل، أو قام من مكانه ذلك، أو تحول من مكانه إلى مكان آخر، وبقي على مكانه ~~ذلك حيا يوما كاملا، أو ليلة كاملة، وهو يعقل فهو مرتث. # وروي عن أبي يوسف إذا بقي وقت صلاة كامل حتى صارت الصلاة دينا في ذمته، ~~وهو يعقل فهو مرتث، وإن بقي مكانه لا يعقل فليس بمرتث، وقال محمد: " إن بقي ~~يوما فهو مرتث ". # ولو أوصى # PageV01P321 # كان ارتثاثا عند أبي يوسف خلافا لمحمد، وقيل: لا خلاف بينهما في الحقيقة ~~فجواب أبي يوسف خرج فيما إذا أوصى بشيء من أمور الدنيا، وذلك يوجب الارتثاث ~~بالإجماع؛ لأن الوصية بأمور الدنيا من أحكام الدنيا، ومصالحها فينقض ذلك ~~معنى الشهادة، وجواب محمد محمول على ما إذا أوصى بشيء من أمور الآخرة، وذلك ~~لا يوجب الارتثاث بالإجماع كوصية سعد بن الربيع، وهو ما روي أنه «لما أصيب ~~المسلمون يوم أحد، ووضعت الحرب أوزارها قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0735 ~~-: هل من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع؟ فنظر عبد الله بن عبد الرحمن من ~~بني النجار - رضي الله تعالى عنهم - فوجده جريحا في القتلى، وبه رمق فقال ~~له: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن أنظر، في الأحياء أنت أم ~~في الأموات؟ فقال: أنا في الأموات فأبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عني السلام، وقل له: إن سعد بن الربيع يقول: جزاك الله عنا خير ما يجزى نبي ~~عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم: إن سعدا يقول: لا عذر لكم عند ~~الله تعالى أن يخلص إلى نبيكم، وفيكم عين تطرف قال: ثم لم أبرح حتى مات فلم ~~يغسل، وصلي عليه» ، وذكر في الزيادات أنه إن، أوصى بمثل وصية سعد بن معاذ ~~فليس بارتثاث، والصلاة ارتثاث؛ لأنها من أحكام الدنيا، ولو جر برجله من بين ~~الصفين حتى تطؤه الخيول فمات لم يكن مرتثا؛ لأنه ما نال شيئا من راحة ~~الدنيا، بخلاف ما إذا مرض في خيمته، أو في بيته؛ لأنه قد نال الراحة بسبب ~~ما مرض فصار مرتثا، ثم المرتث وإن لم يكن شهيدا في حكم الدنيا فهو شهيد في ~~حق الثواب حتى إنه ينال ثواب الشهداء كالغريق، والحريق، والمبطون، والغريب ~~إنهم شهداء بشهادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم بالشهادة، وإن لم ~~يظهر حكم شهادتهم في الدنيا. # كون المقتول مسلما فإن كان كافرا كالذمي إذا خرج مع المسلمين للقتال فقتل ~~يغسل؛ لأن سقوط الغسل عن المسلم إنما ثبت كرامة له، والكافر لا يستحق ~~الكرامة. # ومنها كون المقتول مكلفا، هو شرط صحة الشهادة في قول أبي حنيفة فلا يكون ~~الصبي، والمجنون شهيدين عنده، وعند أبي يوسف، ومحمد ليس بشرط، ويلحقهما حكم ~~الشهادة، وجه قولهما: أنه مقتول ظلما ولم يخلف بدلا هو مال فكان شهيدا ~~كالبالغ العاقل، ولأن القتل ظلما لما، أوجب تطهير من ليس بطاهر لارتكابه ~~المعاصي والذنوب فلأن يوجب تطهير من هو طاهر، أولى، ولأبي حنيفة أن النص، ~~ورد بسقوط الغسل في حقهم ms0736 كرامة لهم فلا يجعل، واردا فيمن لا يساويهم في ~~استحقاق الكرامة. # وما ذكروا من معنى الطهارة غير سديد؛ لأن سقوط الغسل غير مبني على ~~الطهارة بدليل أن الأنبياء - صلوات الله عليهم - غسلوا، ورسولنا - سيد ~~البشر - صلى الله عليه وسلم - غسل، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ~~أطهر خلق الله تعالى فلا، وجه لتعليق ذلك بالتطهير مع أنه لا ذنب للصبي ~~يطهره السيف فكان القتل في حقه، والموت حتف أنفه سواء، ومنها الطهارة عن ~~الجنابة شرط في قول أبي حنيفة، وعندهما ليس بشرط حتى لو قتل جنبا لم يكن ~~شهيدا عنده خلافا لهما، وجه قولهما أن القتل على طريق الشهادة أقيم مقام ~~الغسل كالذكاة أقيمت مقام غسل العروق بدليل أنه يرفع الحدث، ولأبي حنيفة ما ~~روي «أن حنظلة استشهد جنبا فغسلته الملائكة حتى قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: إن صاحبكم لتغسله الملائكة فاسألوا أهله ما باله فسئلت صاحبته ~~فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهيعة فقال - صلى الله عليه وسلم -: لذلك ~~غسلته الملائكة» أشار إلى أن الجنابة علة الغسل، والمعنى فيه أن الشهادة ~~عرفت مانعة من حلول نجاسة الموت لا رافعة لنجاسته كانت كالذكاة فإنها تمنع ~~من حلول نجاسة الموت فيما كان حلالا إما لا ترفع حرمة كانت ثابتة وهذا؛ ~~لأنها عرفت مانعة بخلاف القياس فلا تكون رافعة؛ لأن المنع أدون من الرفع ~~فأما الحدث فإنما ترفعه ضرورة المنع؛ لأن الموت لا يخلو عن الحدث إذ لا بد ~~من زوال العقل سابقا على الموت فيثبت الحدث لا محالة، والشهادة مانعة من ~~نجاسة الموت فلو لم يرتفع الحدث بالشهادة لاحتيج إلى غسل أعضاء الطهارة فلم ~~يظهر أثر منع الشهادة حلول النجاسة فقلنا: إن الشهادة ترفع ذلك الحدث لهذه ~~الضرورة، ولا ضرورة في الجنابة؛ لأنها لا توجد لا محالة لينعدم أثر الشهادة ~~بل توجد في الندرة فلم يرفع. # وأما الحائض، والنفساء إذا استشهدتا فإن كان ذلك بعد انقطاع الدم، ~~وطهارتهما قبل الاغتسال، فالكلام فيهما وفي الجنب سواء، وإن كان قبل انقطاع ~~الدم فعن ms0737 أبي حنيفة فيه روايتان: في رواية يغسلان كالجنب # PageV01P322 # لوجود شرط الاغتسال، وهو الحيض، والنفاس، وفي رواية لا يغسلان؛ لأنه لم ~~يكن، وجب بعد قبل الموت قبل انقطاع الدم فلو، وجب وجب بالموت، والاغتسال ~~الذي يجب بالموت يسقط بالشهادة، ولا تشترط الذكورة لصحة الشهادة بالإجماع؛ ~~لأن النساء مخاطبات يخاصمن يوم القيامة من قتلهن فيبقى عليهن أثر الشهادة ~~ليكون شاهدا لهن كالرجال، والله أعلم. # وإذا عرف شرائط الشهادة فنقول: إذا قتل الرجل في المعركة، أو غيرها وهو ~~يقاتل أهل الحرب، أو قتل مدافعا عن نفسه، أو ماله، أو أهله، أو واحد من ~~المسلمين، أو أهل الذمة فهو شهيد سواء قتل بسلاح، أو غيره؛ لاستجماع شرائط ~~الشهادة في حقه فالتحق بشهداء أحد، وكذلك إذا صار مقتولا من جهة قطاع ~~الطريق؛ لأنه قتل ظلما لم يخلف بدلا هو مال دل عليه قوله: - عليه الصلاة ~~والسلام - «من قتل دون ماله فهو شهيد» ، وهذا قتل دون ماله فيكون شهيدا ~~بشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذا إذا قتل في محاربة أهل البغي ~~وعند الشافعي يغسل في أحد قوليه؛ لأن على أحد قوليه يجب القصاص على الباغي ~~فهذا قتيل أخلف بدلا، وهو القصاص، وهذا يمنع الشهادة عنده على ما مر. # ولنا ما روي عن عمار أنه لما استشهد بصفين تحت راية علي - رضي الله عنه - ~~فقال: لا تغسلوا عني دما، ولا تنزعوا عني ثوبا فإني ألتقي ومعاوية بالجادة، ~~وكان قتيل أهل البغي على ما قال النبي: - صلى الله عليه وسلم - «تقتلك ~~الفئة الباغية» . # وروي أن زيد بن صوحان لما استشهد يوم الجمل فقال: لا تغسلوا عني دما، ولا ~~تنزعوا عني ثوبا فإني رجل محاج أحاج يوم القيامة من قتلني، وعن علي - رضي ~~الله عنه - أنه كان لا يغسل من قتل من أصحابه؛ ولأنه في معنى شهداء أحد؛ ~~لأنه قتل قتلا تمحض ظلما، ولم يخلف بدلا هو مال، ووجوب القصاص في قتل ~~الباغي ممنوع، وعليه إجماع الصحابة أن كل دم أريق بتأويل القرآن فهو باطل ~~وقتيل غير الباغي ms0738 وإن وجب عليه القصاص لكن ذلك أمارة تغلظ الجناية على ما ~~مر فلا يوجب قدحا في الشهادة، بخلاف وجوب الدية. # ولو وجد في المعركة فإن لم يكن به أثر القتل من جراحة، أو خنق، أو ضرب، ~~أو خروج الدم لم يكن شهيدا؛ لأن المقتول إنما يفارق الميت حتف أنفه بالأثر ~~فإذا لم يكن به أثر فالظاهر أنه لم يكن بفعل مضاف إلى العدو، بل لما التقى ~~الصفان انخلع قناع قلبه من شدة الفزع، وقد يبتلى الجبان بهذا فإن كان به ~~أثر القتل كان شهيدا؛ لأن الظاهر أن موته كان بذلك السبب، وإنه كان من ~~العدو، والأصل أن الحكم متى ظهر عقيب سبب يحال عليه وإن كان الدم يخرج من ~~محارقه ينظر إن كان موضعا يخرج الدم منه من غير آفة في الباطن كالأنف، ~~والذكر، والدبر لم يكن شهيدا؛ لأن المرء قد يبتلى بالرعاف، وقد يبول دما ~~لشدة الفزع، وقد يخرج الدم من الدبر من غير جرح في الباطن فوقع الشك في ~~سقوط الغسل فلا يسقط بالشك. # وإن كان الدم يخرج من أذنه، أو عينه كان شهيدا؛ لأن الدم لا يخرج من هذين ~~الموضعين عادة إلا لآفة في الباطن، فالظاهر أنه ضرب على رأسه حتى خرج الدم ~~من أذنه، أو عينه وإن كان الدم يخرج من فمه، فإن كان ينزل من رأسه لم يكن ~~شهيدا؛ لأن ما ينزل من الرأس فنزوله من جانب الفم، أو من جانب الأنف سواء، ~~وإن كان يعلو من جوفه كان شهيدا؛ لأن الدم لا يصعد من الجوف إلا لجرح في ~~الباطن، وإنما نميز بينهما بلون الدم، والله أعلم. # ولو وجد في عسكر المسلمين فإن كانوا لقوا العدو فهو شهيد، وليس فيه ~~قسامة، ولا دية؛ لأنه قتيل العدو وظاهرا، كما لو وجد قتيلا في المعركة، وإن ~~كانوا لم يلقوا العدو، لم يكن شهيدا؛ لأنه ليس قتيل العدو ألا ترى أن فيه ~~القسامة، والدية. # ولو وطئته دابة العدو، وهم راكبوها، أو سائقوها، أو قائدوها فمات، أو نفر ~~العدو ms0739 دابته، أو نخسها فألقته فمات، أو رماه العدو بالنار فاحترق، أو كان ~~المسلمون في سفينة فرماهم العدو بالنار فاحترقوا، أو تعدى هذا الحريق إلى ~~سفينة أخرى فيها مسلمون فاحترقوا، أو سيلوا عليهم الماء حتى غرقوا، أو ~~ألقوهم في الخندق، أو من السور بالطعن بالرمح، والدفع حتى ماتوا، أو ألقوا ~~عليهم الجدار كانوا شهداء؛ لأن موتهم حصل بفعل مضاف إلى العدو فيلحقهم حكم ~~الشهادة. # ولو نفرت دابة مسلم من دابة العدو، أو من سوادهم من غير تنفير منهم ~~فألقته فمات، أو انهزم المسلمون فألقوا أنفسهم في الخندق، أو من السور حتى ~~ماتوا لم يكونوا شهداء؛ لأن موتهم غير مضاف إلى فعل العدو، وكذلك إذا حمل ~~على العدو فسقط عن فرسه، أو كان المسلمون ينقبون عليهم الحائط فسقط عليهم ~~فماتوا لم يكونوا شهداء عند محمد خلافا لأبي يوسف، وأصل محمد في الزيادات ~~في # PageV01P323 # هذه المسائل أصلا فقال: إذا صار مقتولا بفعل ينسب إلى العدو كان شهيدا، ~~وإلا فلا، والأصل عند أبي يوسف أنه إذا صار مقتولا بعمل الحراب، والقتال ~~كان شهيدا، وإلا فلا سواء كان منسوبا إلى العدو، أو لا، والأصل عند الحسن ~~بن زياد أنه إذا صار مقتولا بمباشرة العدو، بحيث لو وجد ذلك القتل فيما بين ~~المسلمين في دار الإسلام لا يخلو عن وجوب قصاص، أو كفارة كان شهيدا، وإذا ~~صار مقتولا بالتسبب لم يكن شهيدا، وجنس هذه المسائل في الزيادات. ### | [فصل حكم الشهادة في الدنيا] # (فصل) : # وأما حكم الشهادة في الدنيا فنقول: إن الشهيد كسائر الموتى في أحكام ~~الدنيا، وإنما يخالفهم في حكمين: أحدهما أنه لا يغسل عند عامة العلماء. # وقال الحسن البصري: يغسل؛ لأن الغسل كرامة لبني آدم، والشهيد يستحق ~~الكرامة حسبما يستحقه غيره بل أشد فكان الغسل في حقه أوجب، ولهذا يغسل ~~المرتث، ومن قتل بحق فكذا الشهيد؛ ولأن غسل الميت، وجب تطهيرا له ألا ترى ~~أنه إنما تجوز الصلاة بعد غسله لا قبله، والشهيد يصلى عليه فيغسل أيضا ~~تطهيرا له، وإنما لم تغسل شهداء أحد تخفيفا ms0740 على الأحياء لكون أكثر الناس ~~كان مجروحا لما أن ذلك اليوم كان يوم بلاء، وتمحيص فلم يقدروا على غسلهم. # (ولنا) ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال: في شهداء أحد: ~~زملوهم بكلومهم، ودمائهم فإنهم يبعثون يوم القيامة، وأوداجهم تشخب دما ~~اللون لون الدم، والريح ريح المسك» وفي بعض الروايات «زملوهم بدمائهم، ولا ~~تغسلوهم فإنه ما من جريح يجرح في سبيل الله إلا، وهو يأتي يوم القيامة، ~~وأوداجه تشخب دما اللون لون الدم، والريح ريح المسك» . # وهذه الرواية أعم فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بالغسل، وبين ~~المعنى، وهو أنهم يبعثون يوم القيامة، وأوداجهم تشخب دما فلا يزال عنهم ~~الدم بالغسل ليكون شاهدا لهم يوم القيامة، وبه تبين أن ترك غسل الشهيد من ~~باب الكرامة له، وأن الشهادة جعلت مانعة عن حلول نجاسة الموت، كما في شهداء ~~أحد وما ذكر من تعذر الغسل غير سديد لما بينا أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر بأن يزملوهم بدمائهم، وبين المعنى، ولأن الجراحات التي أصابتهم ~~لما لم تكن مانعة لهم من الحفر، والدفن، كيف صارت مانعة من الغسل؟ وهو أيسر ~~من الحفر والدفن؛ ولأن ترك الغسل لو كان للتعذر لأمر أن ييمموا، كما لو ~~تعذر غسل الميت في زماننا لعدم الماء، والدليل عليه أنه كما لم تغسل شهداء ~~أحد لم تغسل شهداء بدر، والخندق، وخيبر وما ذكر من التعذر لم يكن يومئذ، ~~ولذا لم يغسل عثمان وعمار وكان بالمسلمين قوة فدل أنهم فهموا من ترك الغسل ~~على قتلى أحد غير ما فهم الحسن. # والثاني أنه يكفن في ثيابه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «زملوهم ~~بدمائهم، وقد روي في ثيابهم» وروينا عن عمار، وزيد بن صوحان أنهما قالا: لا ~~تنزعوا عني ثوبا الحديث غير أنه ينزع عنه الجلد، والسلاح، والفرو، والحشو، ~~والخف، والمنطقة، والقلنسوة، وعند الشافعي لا ينزع عنه شيء مما ذكرنا ~~لقوله: - عليه الصلاة والسلام - «زملوهم بثيابهم» . # ولنا ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال تنزع ms0741 عنه العمامة، والخفين، ~~والقلنسوة وهذا؛ لأن ما يترك يترك ليكون كفنا، والكفن ما يلبس للستر، وهذه ~~الأشياء تلبس إما للتجمل، والزينة، أو لدفع البرد، أو لدفع معرة السلاح، ~~ولا حاجة للميت إلى شيء من ذلك فلم يكن شيء من ذلك كفنا، وبه تبين أن ~~المراد من قوله: - صلى الله عليه وسلم - «زملوهم بثيابهم» الثياب التي يكفن ~~بها، وتلبس للستر؛ ولأن هذا عادة أهل الجاهلية فإنهم كانوا يدفنون أبطالهم ~~بما عليهم من الأسلحة، وقد نهينا عن التشبه بهم، ويزيدون في أكفانهم ما ~~شاءوا، وينقصون ما شاءوا لما روي «أن حمزة - رضي الله عنه - كان عليه نمرة ~~لو غطي رأسه بها بدت رجلاه ولو غطيت بها رجلاه بدا رأسه فأمر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يغطى بها رأسه، ويوضع على رجليه شيء من الإذخر» . # وذاك زيادة في الكفن؛ ولأن الزيادة على ما عليه حتى يبلغ عدد السنة من ~~باب الكمال فكان لهم ذلك، والنقصان من باب دفع الضرر عن الورثة لجواز أن ~~يكون عليه من الثياب ما يضر تركه بالورثة فأما فيما سوى ذلك فهو كغيره من ~~الموتى وقال الشافعي: إنه لا يصلى عليه، كما لا يغسل واحتج بما روي عن جابر ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما صلى على أحد من شهداء أحد» ؛ ولأن ~~الصلاة على الميت شفاعة له، ودعاء لتمحيص ذنوبه، والشهيد قد تطهر بصفة ~~الشهادة عن دنس الذنوب على ما قال النبي: - صلى الله عليه وسلم - «السيف ~~محاء للذنوب» فاستغني عن ذلك، كما استغني عن الغسل؛ ولأن الله تعالى وصف # PageV01P324 # الشهداء بأنهم أحياء في كتابه، والصلاة على الميت لا على الحي، ولنا ما ~~روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على شهداء أحد صلاة الجنازة» حتى ~~روي «أنه صلى على حمزة سبعين صلاة» وبعضهم أولوا ذلك بأنه كان يؤتى بواحد، ~~واحد فيصلي عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحمزة - رضي الله عنه - ~~بين يديه فظن الراوي أنه كان يصلي على حمزة في كل مرة ms0742 فروى أنه صلى عليه ~~سبعين صلاة، ويحتمل أنه كان ذلك على حسب الرواية، وكان مخصوصا بتلك ~~الكرامة، وما روي عن جابر - رضي الله عنه - فغير صحيح، وقيل: إنه كان يومئذ ~~مشغولا فإنه قتل أبوه، وأخوه، وخاله فرجع إلى المدينة ليدبر كيف يحملهم إلى ~~المدينة فلم يكن حاضرا حين صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهم فلهذا ~~روى ما روى، ومن شاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - قد روي أنه صلى عليهم ~~ثم سمع جابر منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تدفن القتلى في ~~مصارعهم فرجع فدفنهم فيها؛ ولأن الصلاة على الميت لإظهار كرامته، ولهذا ~~اختص بها المسلمون دون الكفرة، والشهيد، أولى بالكرامة، وما ذكر من حصول ~~الطهارة بالشهادة، فالعبد وإن جل قدره لا يستغني عن الدعاء ألا ترى أنهم ~~صلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا شك أن درجته كانت فوق درجة ~~الشهداء وإنما وصفهم بالحياة في حق أحكام الآخرة ألا ترى إلى قوله تعالى ~~{بل أحياء عند ربهم يرزقون} [آل عمران: 169] ، فأما في حق أحكام الدنيا ~~فالشهيد ميت يقسم ماله، وتنكح امرأته بعد انقضاء العدة، ووجوب الصلاة عليه ~~من أحكام الدنيا فكان ميتا فيه فيصلى عليه والله أعلم بالصواب وإليه المرجع ~~والمآب. # PageV01P325 ### | [كتاب الزكاة] # الكلام في هذا الكتاب في الأصل في موضعين في بيان أنواع الزكاة وفي بيان ~~حكم كل نوع منها، أما الأول: فالزكاة في الأصل نوعان فرض، وواجب فالفرض ~~زكاة المال والواجب زكاة الرأس، وهي صدقة الفطر وزكاة المال نوعان:. # زكاة الذهب والفضة وأموال التجارة والسوائم، وزكاة الزروع والثمار وهي ~~العشر أو نصف العشر أما الأول فالكلام فيها يقع في مواضع في. # بيان فرضيتها، وفي بيان كيفية الفرضية وفي بيان سبب الفرضية، وفي بيان ~~ركنها، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان ما يسقطها بعد وجوبها. # أما الأول فالدليل على فرضيتها الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول ~~الكتاب فقوله تعالى {وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] ، وقوله عز وجل {خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] وقوله عز ms0743 وجل {والذين في ~~أموالهم حق معلوم} [المعارج: 24] {للسائل والمحروم} [المعارج: 25] والحق ~~المعلوم هو الزكاة، وقوله {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله} [التوبة: 34] الآية فكل مال لم تؤد زكاته فهو كنز لما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كل مال أديت الزكاة عنه فليس بكنز ~~وإن كان تحت سبع أرضين وكل مال لم تؤد الزكاة عنه فهو كنز وإن كان على وجه ~~الأرض» فقد ألحق الوعيد الشديد بمن كنز الذهب والفضة ولم ينفقها في سبيل ~~الله ولا يكون ذلك إلا بترك الفرض وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~أنفقوا من طيبات ما كسبتم} [البقرة: 267] وأداء الزكاة إنفاق في سبيل الله، ~~وقوله تعالى {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} [البقرة: 195] وقوله تعالى ~~{وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2] وإيتاء الزكاة من باب الإحسان ~~والإعانة على البر والتقوى. # وأما السنة فما ورد في المشاهير عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» ~~. # وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال عام حجة الوداع: «اعبدوا ربكم، ~~وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وحجوا بيت ربكم، وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها ~~أنفسكم تدخلوا جنة ربكم» . # وروي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما من صاحب ~~ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا جعلت له يوم القيامة صفائح ثم أحمي عليها في ~~نار جهنم فيكوى بها جنبه، وجبهته، وظهره في يوم كان مقداره # PageV02P002 # خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى ~~النار وما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة تطؤه ~~بأظلافها وتنطحه بقرونها، ثم ذكر فيه ما ذكر في الأول قالوا: يا رسول الله، ~~فصاحب الخيل؟ قال: الخيل ثلاث: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر، فأما من ~~ربطها عدة في ms0744 سبيل الله فإنه لو طول لها في مرج خصب أو في روضة كتب الله له ~~عدد ما أكلت حسنات وعدد أرواثها حسنات، وإن مرت بنهر عجاج لا يريد منه ~~السقي فشربت كتب الله له عدد ما شربت حسنات ومن ارتبطها عزا وفخرا على ~~المسلمين كانت له وزرا يوم القيامة، ومن ارتبطها تغنيا وتعففا ثم لم ينس حق ~~الله تعالى في رقابها وظهورها كانت له سترا من النار يوم القيامة» # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما من صاحب غنم لا يؤدي ~~زكاتها إلا بطح لها يوم القيامة بقاع قرقر تطؤها بأظلافها وتنطحه بقرونها» ~~. # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في مانعي زكاة الغنم والإبل ~~والبقر والفرس: «لألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه شاة تيعر يقول: ~~يا محمد، يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله شيئا ألا قد بلغت، ولألفين ~~أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى عاتقه بعير له رغاء فيقول: يا محمد، يا محمد ~~فأقول: لا أملك لك من الله شيئا ألا قد بلغت، ولألفين أحدكم يأتي يوم ~~القيامة وعلى عاتقه بقرة لها خوار فيقول: يا محمد، يا محمد فأقول: لا أملك ~~لك من الله شيئا ألا قد بلغت، ولألفين أحدكم يوم القيامة وعلى عاتقه فرس له ~~حمحمة فيقول: يا محمد، يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله شيئا ألا قد ~~بلغت» ، والأحاديث في الباب كثيرة. # وأما الإجماع فلأن الأمة أجمعت على فرضيتها، وأما المعقول فمن وجوه أحدها ~~أن أداء الزكاة من باب إعانة الضعيف وإغاثة اللهيف وإقدار العاجز وتقويته ~~على أداء ما افترض الله عز وجل عليه من التوحيد والعبادات والوسيلة إلى ~~أداء المفروض مفروض والثاني أن الزكاة تطهر نفس المؤدي عن أنجاس الذنوب. # وتزكي أخلاقه بتخلق الجود والكرم وترك الشح والضن إذ الأنفس مجبولة على ~~الضن بالمال فتتعود السماحة، وترتاض لأداء الأمانات وإيصال الحقوق إلى ~~مستحقيها وقد تضمن ذلك كله قوله تعالى {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها} [التوبة: 103] والثالث: ms0745 أن الله تعالى قد أنعم على الأغنياء وفضلهم ~~بصنوف النعمة والأموال الفاضلة عن الحوائج الأصلية وخصهم بها فيتنعمون ~~ويستمتعون بلذيذ العيش. # وشكر النعمة فرض عقلا وشرعا وأداء الزكاة إلى الفقير من باب شكر النعمة ~~فكان فرضا. ### | [فصل كيفية فرضية الزكاة] # (فصل) : # وأما كيفية فرضيتها فقد اختلف فيها ذكر الكرخي أنها على الفور، وذكر في ~~المنتقى ما يدل عليه فإنه قال: " إذا لم يؤد الزكاة حتى مضى حولان فقد أساء ~~وأثم ولم يحل له ما صنع وعليه زكاة حول واحد " وعن محمد أن من لم يؤد ~~الزكاة لم تقبل شهادته. # وروي عنه أن التأخير لا يجوز وهذا نص على الفور وهو ظاهر مذهب الشافعي ~~وذكر الجصاص أنها على التراخي واستدل بمن عليه الزكاة إذا هلك نصابه بعد ~~تمام الحول والتمكن من الأداء أنه لا يضمن، ولو كانت واجبة على الفور لضمن ~~كمن أخر صوم شهر رمضان عن وقته أنه يجب عليه القضاء. # وذكر أبو عبد الله الثلجي عن أصحابنا أنها تجب وجوبا موسعا، وقال عامة ~~مشايخنا: إنها على سبيل التراخي ومعنى التراخي عندهم أنها تجب مطلقا عن ~~الوقت غير عين ففي أي وقت أدى يكون مؤديا للواجب ويتعين ذلك الوقت للوجوب ~~وإذا لم يؤد إلى آخر عمره يتضيق عليه الوجوب بأن بقي من الوقت قدر ما يمكنه ~~الأداء فيه وغلب على ظنه أنه لو لم يؤد فيه يموت فيفوت فعند ذلك يتضيق عليه ~~الوجوب حتى أنه لو لم يؤد فيه حتى مات يأثم وأصل المسألة أن الأمر المطلق ~~عن الوقت هل يقتضي وجوب الفعل على الفور أم على التراخي كالأمر بقضاء صوم ~~رمضان والأمر بالكفارات، والنذور المطلقة، وسجدة التلاوة ونحوها فهو على ~~الاختلاف الذي ذكرنا وقال إمام الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي: ~~" إنه يجب تحصيل الفعل على الفور " وهو الفعل في أول أوقات الإمكان ولكن ~~عملا لا اعتقادا على طريق التعيين بل مع الاعتقاد المبهم أن ما أراد الله ~~به من الفور والتراخي فهو حق وهذه من مسائل أصول الفقه. ms0746 # ويجوز أن تبنى مسألة هلاك النصاب على هذا الأصل؛ لأن الوجوب لما كان على ~~التراخي عندنا لم يكن بتأخيره الأداء عن أول أوقات الإمكان مفرطا فلا يضمن، ~~وعنده لما كان الوجوب على الفور صار مفرطا لتأخيره فيضمن. # ويجوز # PageV02P003 # أن تبنى على أصل آخر نذكره في بيان صفة الواجب إن شاء الله تعالى. ### | [فصل سبب فرضية الزكاة] # (فصل) : # وأما سبب فرضيتها فالمال؛ لأنها وجبت شكرا لنعمة المال، ولذا تضاف إلى ~~المال فيقال: زكاة المال والإضافة في مثل هذا يراد بها السببية كما يقال: ~~صلاة الظهر وصوم الشهر وحج البيت ونحو ذلك. ### | [فصل شرائط فرضية الزكاة] ### | [الشرائط التي ترجع على من عليه المال] # (فصل) : # وأما شرائط الفرضية فأنواع بعضها يرجع إلى من عليه وبعضها يرجع إلى ~~المال. # أما الذي يرجع إلى من عليه فأنواع أيضا منها إسلامه حتى لا تجب على ~~الكافر في حق أحكام الآخرة عندنا؛ لأنها عبادة والكفار غير مخاطبين بشرائع ~~هي عبادات هو الصحيح من مذهب أصحابنا خلافا للشافعي وهي من مسائل أصول ~~الفقه. # وأما في حق أحكام الدنيا فلا خلاف في أنها لا تجب على الكافر الأصلي حتى ~~لا يخاطب بالأداء بعد الإسلام كالصوم والصلاة. # وأما المرتد فكذلك عندنا حتى إذا مضى عليه الحول وهو مرتد فلا زكاة عليه ~~حتى لا يجب عليه أداؤها إذا أسلم، وعند الشافعي تجب عليه في حال الردة ~~ويخاطب بأدائها بعد الإسلام وعلى هذا الخلاف الصلاة. # وجه قوله: أنه أهل للوجوب لقدرته على الأداء بواسطة الطهارة فكان ينبغي ~~أن يخاطب الكافر الأصلي بالأداء بعد الإسلام إلا أنه سقط عنه الأداء رحمة ~~عليه وتخفيفا له. # والمرتد لا يستحق التخفيف؛ لأنه رجع بعد ما عرف محاسن الإسلام فكان كفره ~~أغلظ فلا يلحق به. # (ولنا) قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الإسلام يجب ما قبله» ؛ ولأن ~~الزكاة عبادة والكافر ليس من أهل العبادة لعدم شرط الأهلية وهو الإسلام فلا ~~يكون من أهل وجوبها كالكافر الأصلي، وقوله: أنه قادر على الأداء بتقديم ~~شرطه وهو الإيمان فاسد؛ لأن ms0747 الإيمان أصل والعبادات توابع له بدليل أنه لا ~~يتحقق الفعل عبادة بدونه، والإيمان عبادة بنفسه. # وهذه آية التبعية، ولهذا لا يجوز أن يرتفع الإيمان عن الخلائق بحال من ~~الأحوال في الدنيا والآخرة مع ارتفاع غيره من العبادات فكان هو عبادة بنفسه ~~وغيره عبادة به فكان تبعا له فالقول بوجوب الزكاة وغيرها من العبادات بناء ~~على تقديم الإيمان جعل التبع متبوعا والمتبوع تابعا وهذا قلب الحقيقة، ~~وتغيير الشريعة بخلاف الصلاة مع الطهارة؛ لأن الصلاة أصل والطهارة تابعة ~~لها فكان إيجاب الأصل إيجابا للتبع وهو الفرق. # ومنها العلم بكونها فريضة عند أصحابنا الثلاثة ولسنا نعني به حقيقة العلم ~~بل السبب الموصل إليه وعند زفر ليس بشرط حتى أن الحربي لو أسلم في دار ~~الحرب ولم يهاجر إلينا ومكث هناك سنين وله سوائم ولا علم له بالشرائع لا ~~يجب عليه زكاتها حتى لا يخاطب بأدائها إذا خرج إلى دار الإسلام عندنا خلافا ~~لزفر. # وقد ذكرنا المسألة في كتاب الصلاة وهل تجب عليه إذا بلغه رجل واحد في دار ~~الحرب أو يحتاج فيه إلى العدد؟ وقد ذكرنا الاختلاف فيه في كتاب الصلاة. # ومنها البلوغ عندنا فلا تجب على الصبي وهو قول علي وابن عباس فإنهما ~~قالا: " لا تجب الزكاة على الصبي حتى تجب عليه الصلاة " وعند الشافعي ليس ~~بشرط وتجب الزكاة في مال الصبي، ويؤديها الولي وهو قول ابن عمر وعائشة وكان ~~ابن مسعود يقول: يحصي الولي أعوام اليتيم فإذا بلغ أخبره وهذا إشارة إلى ~~أنه تجب الزكاة لكن ليس للولي ولاية الأداء. # وهو قول ابن أبي ليلى حتى قال: " لو أداها الولي من ماله ضمن " ومن ~~أصحابنا من بنى المسألة على أصل وهو أن الزكاة عبادة عندنا، والصبي ليس من ~~أهل وجوب العبادة فلا تجب عليه كما لا يجب عليه الصوم والصلاة، وعند ~~الشافعي حق العبد والصبي من أهل وجوب حقوق العباد كضمان المتلفات، وأروش ~~الجنايات، ونفقة الأقارب والزوجات، والخراج، والعشر وصدقة الفطر، ولإن كانت ~~عبادة فهي عبادة مالية تجرى فيها النيابة حتى ms0748 تتأدى بأداء الوكيل، والولي ~~نائب الصبي فيها فيقوم مقامه في إقامة هذا الواجب بخلاف العبادات البدنية؛ ~~لأنها لا تجري فيها النيابة ومنهم من تكلم فيها ابتداء. # أما الكلام فيها على وجه البناء فوجه قوله: النص، ودلالة الإجماع، ~~والحقيقة أما النص فقوله تعالى {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة: 60] وقوله ~~عز وجل {والذين في أموالهم حق معلوم} [المعارج: 24] {للسائل والمحروم} ~~[المعارج: 25] والإضافة بحرف اللام تقتضي الاختصاص بجهة الملك إذا كان ~~المضاف إليه من أهل الملك وأما دلالة الإجماع فلأنا أجمعنا على أن من عليه ~~الزكاة إذا وهب جميع النصاب من الفقير ولم تحضره النية تسقط عنه الزكاة، ~~والعبادة لا تتأدى بدون النية ولذا يجرى فيها الجبر والاستحلاف من الساعي # PageV02P004 # وإنما يجريان في حقوق العباد وكذا يصح توكيل الذمي بأداء الزكاة والذمي ~~ليس من أهل العبادة. # وأما الحقيقة فإن الزكاة تمليك المال من الفقير، والمنتفع بها هو الفقير ~~فكانت حق الفقير والصبا لا يمنع حقوق العباد على ما بينا. # ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بني الإسلام على خمس شهادة أن ~~لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا» وما بني عليه الإسلام يكون عبادة والعبادات التي تحتمل ~~السقوط تقدر في الجملة، فلا تجب على الصبيان كالصوم والصلاة. # وأما الآية فالمراد من الصدقة المذكورة فيها محل الصدقة، وهو المال لا ~~نفس الصدقة؛ لأنها اسم للفعل وهو إخراج المال إلى الله تعالى وذلك حق الله ~~تعالى لا حق الفقير، وكذلك الحق المذكور في الآية الأخرى المراد منه المال، ~~وذا ليس بزكاة بل هو محل الزكاة وسقوط الزكاة بهبة النصاب من الفقير لوجود ~~النية دلالة والجبر على الأداء ليؤدي من عليه بنفسه لا ينافي العبادة حتى ~~لو مد يده وأخذه من غير أداء من عليه لا تسقط عنه الزكاة عندنا وجريان ~~الاستخلاف لثبوت ولاية المطالبة للساعي ليؤدي من عليه باختياره وهذا لا ~~يقتضي كون الزكاة حق العبد وإنما جازت بأداء الوكيل؛ لأن المؤدي في الحقيقة ~~هو الموكل، ms0749 والخراج ليس بعبادة بل هو مؤنة الأرض وصدقة الفطر ممنوعة على ~~قول محمد. # وأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف فلأنها مؤنة من وجه قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «أدوا عمن تمونون» فتجب بوصف المؤنة لا بوصف العبادة وهو ~~الجواب عن العشر. # وأما الكلام في المسألة على وجه الابتداء فالشافعي احتج بما روي عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ابتغوا في أموال اليتامى خيرا كي لا ~~تأكلها الصدقة» ولو لم تجب الزكاة في مال اليتيم ما كانت الصدقة تأكلها. # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ولي يتيما فليؤد زكاة ~~ماله» . # وروي «من ولي يتيما فليزك ماله» ، ولعمومات الزكاة من غير فصل بين ~~البالغين والصبيان ولأن سبب وجوب الزكاة ملك النصاب وقد وجد فتجب الزكاة ~~فيه كالبالغ. # (ولنا) أنه لا سبيل إلى الإيجاب على الصبي؛ لأنه مرفوع القلم بالحديث ~~ولأن إيجاب الزكاة إيجاب الفعل وإيجاب الفعل على العاجز عن الفعل تكليف ما ~~ليس في الوسع ولا سبيل إلى الإيجاب على الولي ليؤدي من مال الصبي؛ لأن ~~الولي منهي عن قربان مال اليتيم إلا على وجه الأحسن بنص الكتاب وأداء ~~الزكاة من ماله قربان ماله لا على وجه الأحسن لما ذكرنا في الخلافيات ~~والحديثان غريبان أو من الآحاد فلا يعارضان الكتاب مع ما أن اسم الصدقة ~~يطلق على النفقة. # قال - صلى الله عليه وسلم -: «نفقة الرجل على نفسه صدقة وعلى عياله صدقة» ~~وفي الحديث ما يدل عليه؛ لأنه أضاف الأكل إلى جميع المال، والنفقة هي التي ~~تأكل الجميع لا الزكاة أو تحمل الصدقة والزكاة على صدقة الفطر؛ لأنها تسمى ~~زكاة وأما قوله: «من ولي يتيما فليزك ماله» أي: ليتصرف في ماله كي ينمو ~~ماله إذ التزكية هي التنمية توفيقا بين الدلائل، وعمومات الزكاة لا تتناول ~~الصبيان أو هي مخصوصة فتخص المتنازع فيه بما ذكرنا والله أعلم. # (ومنها) العقل عندنا فلا تجب الزكاة في مال المجنون جنونا أصليا وجملة ~~الكلام فيه أن الجنون نوعان أصلي وطارئ. # أما ms0750 الأصلي وهو أن يبلغ مجنونا فلا خلاف بين أصحابنا أنه يمنع انعقاد ~~الحول على النصاب حتى لا يجب عليه أداء زكاة ما مضى من الأحوال بعد الإفاقة ~~وإنما يعتبر ابتداء الحول من وقت الإفاقة؛ لأنه الآن صار أهلا لأن ينعقد ~~الحول على ماله كالصبي إذا بلغ أنه لا يجب عليه أداء زكاة ما مضى من زمان ~~الصبا، وإنما يعتبر ابتداء الحول على ماله من وقت البلوغ عندنا كذا هذا ~~ولهذا منع وجوب الصلاة والصوم كذا الزكاة. # وأما الجنون الطارئ فإن دام سنة كاملة فهو في حكم الأصلي ألا ترى أنه في ~~حق الصوم كذلك كذا في حق الزكاة؛ لأن السنة في الزكاة كالشهر في الصوم، ~~والجنون المستوعب للشهر يمنع وجوب الصوم فالمستوعب للسنة يمنع وجوب الزكاة ~~ولهذا يمنع وجوب الصلاة والحج فكذا الزكاة وإن كان في بعض السنة ثم أفاق ~~روي عن محمد في النوادر أنه إن أفاق في شيء من السنة وإن كان ساعة من الحول ~~من أوله أو وسطه أو آخره تجب زكاة ذلك الحول وهو رواية ابن سماعة عن أبي ~~يوسف أيضا وروى هشام عنه أنه قال: إن أفاق أكثر السنة وجبت وإلا فلا. # وجه هذه الرواية أنه إذا كان أكثر السنة مفيقا فكأنه كان مفيقا في جميع ~~السنة؛ لأن للأكثر حكم الكل في كثير من الأحكام خصوصا فيما يحتاط فيه. # وجه الرواية الأخرى وهو قول محمد هو اعتبار # PageV02P005 # الزكاة بالصوم وهو اعتبار صحيح؛ لأن السنة للزكاة كالشهر للصوم ثم ~~الإفاقة في جزء من الشهر يكفي لوجوب صوم الشهر كذا الإفاقة في جزء من السنة ~~تكفي لانعقاد الحول على المال. # وأما الذي يجن ويفيق فهو كالصحيح وهو بمنزلة النائم والمغمى عليه. # ومنها الحرية؛ لأن الملك من شرائط الوجوب لما نذكر، والمملوك لا ملك له ~~حتى لا تجب الزكاة على العبد وإن كان مأذونا له في التجارة؛ لأنه إن لم يكن ~~عليه دين فكسبه لمولاه وعلى المولى زكاته، وإن كان عليه دين محيط بكسبه ~~فالمولى لا يملك كسب ms0751 عبده المأذون المديون عند أبي حنيفة فلا زكاة فيه على ~~أحد، وعند أبي يوسف ومحمد إن كان يملكه لكنه مشغول بالدين والمال المشغول ~~بالدين لا يكون مال الزكاة وكذا المدبر وأم الولد لما قلنا وكذا لا زكاة ~~على المكاتب في كسبه؛ لأنه ليس ملكه حقيقة لقيام الرق فيه بشهادة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» والعبد اسم للمرقوق ~~والرق ينافي الملك. # وأما المستسعى فحكمه حكم المكاتب في قول أبي حنيفة، وعندهما هو حر مديون ~~فينظر إن كان فضل عن سعايته ما يبلغ نصابا تجب الزكاة عليه وإلا فلا. # ومنها أن لا يكون عليه دين مطالب به من جهة العباد عندنا فإن كان فإنه ~~يمنع وجوب الزكاة بقدره حالا كان أو مؤجلا، وعند الشافعي هذا ليس بشرط، ~~والدين لا يمنع وجوب الزكاة كيفما كان احتج الشافعي بعمومات الزكاة من غير ~~فصل، ولأن سبب وجوب الزكاة ملك النصاب، وشرطه أن يكون معدا للتجارة، أو ~~للإسامة وقد وجد. # أما الملك فظاهر؛ لأن المديون مالك لماله؛ لأن دين الحر الصحيح يجب في ~~ذمته ولا يتعلق بماله ولهذا يملك التصرف فيه كيف شاء. # وأما الإعداد للتجارة أو الإسامة؛ فلأن الدين لا ينافي ذلك، والدليل عليه ~~أنه لا يمنع وجوب العشر. # (ولنا) ما روي عن عثمان أنه خطب في شهر رمضان وقال في خطبته: ألا إن شهر ~~زكاتكم قد حضر فمن كان له مال وعليه دين فليحسب ماله بما عليه ثم ليزك بقية ~~ماله، وكان بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم فكان ذلك إجماعا منهم ~~على أنه لا تجب الزكاة في القدر المشغول بالدين، وبه تبين أن مال المديون ~~خارج عن عمومات الزكاة؛ ولأنه محتاج إلى هذا المال حاجة أصلية؛ لأن قضاء ~~الدين من الحوائج الأصلية. # والمال المحتاج إليه حاجة أصلية لا يكون مال الزكاة؛ لأنه لا يتحقق به ~~الغنى «، ولا صدقة إلا عن ظهر غنى» على لسان رسول الله، - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد خرج الجواب عن قوله ms0752 أنه وجد سبب الوجوب وشرطه؛ لأن صفة الغنى مع ~~ذلك شرط، ولا يتحقق مع الدين مع ما أن ملكه في النصاب ناقص بدليل أن لصاحب ~~الدين إذا ظفر بجنس حقه أن يأخذه من غير قضاء ولا إرضاء، وعند الشافعي له ~~ذلك في الجنس وخلاف الجنس وذا آية عدم الملك كما في الوديعة والمغصوب، فلأن ~~يكون دليل نقصان الملك أولى. # وأما العشر فقد روى ابن المبارك عن أبي حنيفة أن الدين يمنع وجوب العشر ~~فيمنع على هذه الرواية. # وأما على ظاهر الرواية فلأن العشر مؤنة الأرض النامية كالخراج فلا يعتبر ~~فيه غنى المالك، ولهذا لا يعتبر فيه أصل الملك عندنا حتى يجب في الأراضي ~~الموقوفة وأرض المكاتب بخلاف الزكاة فإنه لا بد فيها من غنى المالك، والغنى ~~لا يجامع الدين، وعلى هذا يخرج مهر المرأة فإنه يمنع وجوب الزكاة عندنا ~~معجلا كان أو مؤجلا؛ لأنها إذا طالبته يؤاخذ به، وقال بعض مشايخنا: إن ~~المؤجل لا يمنع؛ لأنه غير مطالب به عادة، فأما المعجل فيطالب به عادة ~~فيمنع، وقال بعضهم: إن كان الزوج على عزم من قضائه يمنع، وإن لم يكن على ~~عزم القضاء لا يمنع؛ لأنه لا يعده دينا وإنما يؤاخذ المرء بما عنده في ~~الأحكام. # وذكر الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري في الإجارة الطويلة ~~التي تعارفها أهل بخارى أن الزكاة في الأجرة المعجلة تجب على الآجر؛ لأنه ~~ملكه قبل الفسخ، وإن كان يلحقه دين بعد الحول بالفسخ. # وقال بعض مشايخنا: إنه يجب على المستأجر أيضا؛ لأنه يعد ذلك مالا موضوعا ~~عند الآجر، وقالوا في البيع الذي اعتاده أهل سمرقند وهو بيع الوفاء: إن ~~الزكاة على البائع في ثمنه إن بقي حولا؛ لأنه ملكه، وبعض مشايخنا قالوا: ~~يجب أن يلزم المشتري أيضا؛ لأنه يعده مالا موضوعا عند البائع فيؤاخذ بما ~~عنده، وقالوا فيمن ضمن الدرك فاستحق المبيع: إنه إن كان في الحول يمنع لأن ~~المانع قارن الموجب فيمنع الوجوب فأما إذا استحق بعد الحول لا يسقط الزكاة؛ ~~لأنه ms0753 دين حادث؛ لأن الوجوب مقتصر على حالة الاستحقاق، وإن كان الضمان سببا ~~حتى # PageV02P006 # اعتبر من جميع المال، وإذا اقتصر وجوب الدين لم يمنع وجوب الزكاة قبله. # وأما نفقة الزوجات فما لم يصر دينا إما بفرض القاضي أو بالتراضي لا يمنع؛ ~~لأنها تجب شيئا فشيئا فتسقط إذا لم يوجد قضاء القاضي أو التراضي، وتمنع إذا ~~فرضت بقضاء القاضي أو بالتراضي لصيرورته دينا، وكذا نفقة المحارم تمنع إذا ~~فرضها القاضي في مدة قصيرة نحو ما دون الشهر فتصير دينا، فأما إذا كانت ~~المدة طويلة فلا تصير دينا بل تسقط؛ لأنها صلة محضة بخلاف نفقة الزوجات إلا ~~أن القاضي يضطر إلى الفرض في الجملة في نفقة المحارم أيضا، لكن الضرورة ~~ترتفع بأدنى المدة. # وقال بعض مشايخنا: إن نفقة المحارم تصير دينا أيضا بالتراضي في المدة ~~اليسيرة، وقالوا: دين الخراج يمنع وجوب الزكاة؛ لأنه مطالب به وكذا إذا صار ~~العشر دينا في ذمته بأن أتلف الطعام العشري صاحبه، فأما وجوب العشر فلا ~~يمنع؛ لأنه متعلق بالطعام يبقى ببقائه ويهلك بهلاكه. # والطعام ليس مال التجارة حتى يصير مستحقا بالدين. # وأما الزكاة الواجبة في النصاب أو دين الزكاة بأن أتلف مال الزكاة حتى ~~انتقل من العين إلى الذمة فكل ذلك يمنع وجوب الزكاة في قول أبي حنيفة ومحمد ~~سواء كان في الأموال الظاهرة أو الباطنة. # وقال زفر: " لا يمنع كلاهما "، وقال أبو يوسف: " وجوب الزكاة في النصاب ~~يمنع فأما دين الزكاة فلا يمنع " هكذا ذكر الكرخي قول زفر ولم يفصل بين ~~الأموال الظاهرة والباطنة، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن هذا مذهبه ~~في الأموال الباطنة من الذهب والفضة وأموال التجارة، ووجه هذا القول ظاهر؛ ~~لأن الأموال الباطنة لا يطالب الإمام بزكاتها فلم يكن لزكاتها مطالب من جهة ~~العباد سواء كانت في العين أو في الذمة فلا يمنع وجوب الزكاة كديون الله ~~تعالى من الكفارات والنذور وغيرها بخلاف الأموال الظاهرة؛ لأن الإمام يطالب ~~بزكاتها وأما وجه قوله الآخر فهو أن الزكاة قربة فلا يمنع وجوب الزكاة ms0754 كدين ~~النذور والكفارات، ولأبي يوسف الفرق بين وجوب الزكاة وبين دينها هو أن دين ~~الزكاة في الذمة لا يتعلق بالنصاب فلا يمنع الوجوب كدين الكفارات والنذور. # وأما وجوب الزكاة فمتعلق بالنصاب إذ الواجب جزء من النصاب، واستحقاق جزء ~~من النصاب يوجب النصاب إذ المستحق كالمصروف. # وحكي أنه قيل لأبي يوسف: ما حجتك على زفر؟ فقال: ما حجتي على من يوجب في ~~مائتي درهم أربعمائة درهم؟ والأمر على ما قاله أبو يوسف؛ لأنه إذا كان له ~~مائتا درهم فلم يؤد زكاتها سنين كثيرة يؤدي إلى إيجاب الزكاة في المال أكثر ~~منه بأضعافه وإنه قبيح، ولأبي حنيفة ومحمد أن كل ذلك دين مطالب به من جهة ~~العباد أما زكاة السوائم فلأنها يطالب بها من جهة السلطان عينا كان أو ~~دينا، ولهذا يستحلف إذا أنكر الحول أو أنكر كونه للتجارة أو ما أشبه ذلك، ~~فصار بمنزلة ديون العباد. # وأما زكاة التجارة فمطالب بها أيضا تقديرا؛ لأن حق الأخذ للسلطان وكان ~~يأخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر إلى زمن عثمان فلما ~~كثرت الأموال في زمانه وعلم أن في تتبعها زيادة ضرر بأربابها رأى المصلحة ~~في أن يفوض الأداء إلى أربابها بإجماع الصحابة فصار أرباب الأموال كالوكلاء ~~عن الإمام ألا ترى أنه قال: من كان عليه دين فليؤده وليترك ما بقي من ماله؟ ~~فهذا توكيل لأرباب الأموال بإخراج الزكاة فلا يبطل حق الإمام عن الأخذ؛ ~~ولهذا قال أصحابنا: إن الإمام إذا علم من أهل بلدة أنهم يتركون أداء الزكاة ~~من الأموال الباطنة فإنه يطالبهم بها، لكن إذا أراد الإمام أن يأخذها بنفسه ~~من غير تهمة الترك من أربابها ليس له ذلك لما فيه من مخالفة إجماع الصحابة ~~- رضي الله عنهم -. # وبيان ذلك أنه إذا كان لرجل مائتا درهم أو عشرين مثقال ذهب فلم يؤد زكاته ~~سنتين يزكي السنة الأولى، وليس عليه للسنة الثانية شيء عند أصحابنا ~~الثلاثة. # وعند زفر يؤدي زكاة سنتين، وكذا هذا في مال التجارة، وكذا في السوائم إذا ms0755 ~~كان له خمس من الإبل السائمة مضى عليها سنتان ولم يؤد زكاتها أنه يؤدي زكاة ~~السنة الأولى وذلك شاة ولا شيء عليه للسنة الثانية. # ولو كانت عشرا وحال عليها حولان يجب للسنة الأولى شاتان وللثانية شاة. # ولو كانت الإبل خمسا وعشرين يجب للسنة الأولى بنت مخاض وللسنة الثانية ~~أربع شياه. # ولو كان له ثلاثون من البقر السوائم يجب للسنة الأولى تبيع أو تبيعة ولا ~~شيء للسنة الثانية وإن كانت أربعين يجب للسنة الأولى مسنة وللثانية تبيع أو ~~تبيعة. # وإن كان له أربعون من الغنم عليه للسنة الأولى شاة ولا شيء للسنة ~~الثانية. # وإن كانت مائة وإحدى وعشرين # PageV02P007 # عليه للسنة الأولى شاتان وللسنة الثانية شاة. # ولو لحقه دين مطالب به من جهة العباد في خلال الحول هل ينقطع حكم الحول؟ ~~قال أبو يوسف: لا ينقطع حتى إذا سقط بالقضاء أو بالإبراء قبل تمام الحول ~~تلزمه الزكاة إذا تم الحول. # وقال زفر ينقطع الحول بلحوق الدين، والمسألة مبنية على نقصان النصاب في ~~خلال الحول لأن بالدين ينعدم كون المال فاضلا عن الحاجة الأصلية فتنعدم صفة ~~الغنى في المالك فكان نظير نقصان النصاب في أثناء الحول، وعندنا نقصان ~~النصاب في خلال الحول لا يقطع الحول، وعند زفر يقطع على ما نذكر فهذا مثله. # وأما الديون التي لا مطالب لها من جهة العبادات كالنذور، والكفارات، ~~وصدقة الفطر، ووجوب الحج، ونحوها لا يمنع وجوب الزكاة؛ لأن أثرها في حق ~~أحكام الآخرة، وهو الثواب بالأداء والإثم بالترك فأما لا أثر له في أحكام ~~الدنيا، ألا ترى أنه لا يجبر ولا يحبس؟ فلا يظهر في حق حكم من أحكام الدنيا ~~فكانت ملحقة بالعدم في حق أحكام الدنيا، ثم إذا كان على الرجل دين وله مال ~~الزكاة وغيره من عبيد الخدمة، وثياب البذلة، ودور السكنى فإن الدين يصرف ~~إلى مال الزكاة عندنا سواء كان من جنس الدين أو لا ولا يصرف إلى غير مال ~~الزكاة، وإن كان من جنس الدين، وقال زفر: " يصرف الدين إلى الجنس وإن لم ms0756 ~~يكن مال الزكاة حتى أنه لو تزوج امرأة على خادم بغير عينه وله مائتا درهم ~~وخادم فدين المهر يصرف إلى المائتين دون الخادم عندنا وعنده يصرف إلى ~~الخادم. # وجه قول زفر أن قضاء الدين من الجنس أيسر فكان الصرف إليه أولى، ولنا أن ~~عين مال الزكاة مستحق كسائر الحوائج، ومال الزكاة فاضل عنها فكان الصرف ~~إليه أيسر وأنظر بأرباب الأموال؛ ولهذا لا يصرف إلى ثياب بدنه وقوته وقوت ~~عياله، وإن كان من جنس الدين لما قلنا وذكر محمد في الأصل " أرأيت لو تصدق ~~عليه؟ لم يكن موضعا للصدقة " ومعنى هذا الكلام أن مال الزكاة مشغول بحاجة ~~الدين فكان ملحقا بالعدم، وملك الدار والخادم لا يحرم عليه أخذ الصدقة فكان ~~فقيرا، ولا زكاة على الفقير ولو كان في يده من أموال الزكاة أنواع مختلفة ~~من الدراهم والدنانير وأموال التجارة والسوائم فإنه يصرف الدين إلى الدراهم ~~والدنانير وأموال التجارة دون السوائم؛ لأن زكاة هذه الجملة يؤديها أرباب ~~الأموال، وزكاة السوائم يأخذها الإمام. # وربما يقصرون في الصرف إلى الفقراء ضنا بما لهم فكان صرف الدين إلى ~~الأموال الباطنة ليأخذ السلطان زكاة السوائم نظرا للفقراء. # وهذا أيضا عندنا. # وعلى قول زفر يصرف الدين إلى الجنس وإن كان من السوائم حتى إن من تزوج ~~امرأة على خمس من الإبل السائمة بغير أعيانها وله أموال التجارة وإبل سائمة ~~فإن عنده يصرف المهر إلى الإبل وعندنا يصرف إلى مال التجارة لما مر. # وذكر الشيخ الإمام السرخسي أن هذا إذا حضر المصدق فإن لم يحضر فالخيار ~~لصاحب المال إن شاء صرف الدين إلى السائمة وأدى الزكاة من الدراهم، وإن شاء ~~صرف الدين إلى الدراهم وأدى الزكاة من السائمة؛ لأن في حق صاحب المال هما ~~سواء لا يختلف وإنما الاختلاف في حق المصدق فإن له ولاية أخذ الزكاة من ~~السائمة دون الدراهم؛ فلهذا إذا حضر صرف الدين إلى الدراهم وأخذ الزكاة من ~~السائمة فأما إذا لم يكن له مال الزكاة سوى السوائم فإن الدين يصرف إليها ~~ولا يصرف إلى ms0757 أموال البذلة لما ذكرنا ثم ينظر إن كان له أنواع مختلفة من ~~السوائم فإن الدين يصرف إلى أقلها زكاة حتى يجب الأكثر نظرا للفقراء بأن ~~كان له خمس من الإبل وثلاثون من البقر وأربعون شاة فإن الدين يصرف إلى ~~الإبل أو الغنم دون البقر حتى يجب التبيع؛ لأنه أكثر قيمة من الشاة، وهذا ~~إذا صرف الدين إلى الإبل والغنم بحيث لا يفضل شيء منه فأما إذا استغرق ~~أحدهما وفضل منه شيء وإن صرف إلى البقر لا يفضل منه شيء فإنه يصرف إلى ~~البقر؛ لأنه إذا فضل شيء منه يصرف إلى الغنم فانتقص النصاب بسبب الدين ~~فامتنع وجوب شاتين. # ولو صرف إلى البقر وامتنع وجوب التبيع تجب الشاتان؛ لأنه لو صرف الدين ~~إلى الغنم يبقى نصاب الإبل السائمة كاملا والتبيع أقل قيمة من شاتين، ولو ~~لم يكن له إلا الإبل والغنم ذكر في الجامع أن لصاحب المال أن يصرف الدين ~~إلى أيهما شاء؛ لاستوائهما في قدر الواجب وهو الشاة. # وذكر في نوادر الزكاة أن للمصدق أن يأخذ الزكاة من الإبل دون الغنم؛ لأن ~~الشاة الواجبة في الإبل ليست من نفس النصاب فلا ينتقص النصاب بأخذها. # ولو صرف الدين إلى الإبل يأخذ الشاة من الأربعين فينتقص النصاب فكان هذا ~~أنفع للفقراء. # ولو كان له خمس وعشرون من الإبل وثلاثون بقرا # PageV02P008 # وأربعون شاة فإن كان الدين لا يفضل عن الغنم يصرف إلى الشاة؛ لأنه أقل ~~زكاة، فإن فضل منه ينظر إن كان بنت مخاض وسط أقل قيمة من الشاة، وتبيع وسط ~~يصرف إلى الإبل، وإن كان أكثر قيمة منها يصرف إلى الغنم والبقر؛ لأن هذا ~~أنفع للفقراء فالمدار على هذا الحرف فأما إذا لم يكن له مال للزكاة فإنه ~~يصرف الدين إلى عروض البذلة والمهنة أولا، ثم إلى العقار؛ لأن الملك مما ~~يستحدث في العروض ساعة فساعة فأما العقار فمما لا يستحدث فيه الملك غالبا ~~فكان فيه مراعاة النظر لهما جميعا والله أعلم. ### | [فصل الشرائط التي ترجع إلى المال] # (فصل) : # وأما الشرائط التي ms0758 ترجع إلى المال فمنها: الملك فلا تجب الزكاة في سوائم ~~الوقف والخيل المسبلة لعدم الملك وهذا؛ لأن في الزكاة تمليكا والتمليك في ~~غير الملك لا يتصور. # ولا تجب الزكاة في المال الذي استولى عليه العدو وأحرزوه بدراهم عندنا؛ ~~لأنهم ملكوها بالإحراز عندنا فزال ملك المسلم عنها، وعند الشافعي تجب؛ لأن ~~ملك المسلم بعد الاستيلاء والإحراز بالدار قائم وإن زالت يده عنه، والزكاة ~~وظيفة الملك عنده. # ومنها الملك المطلق وهو أن يكون مملوكا له رقبة ويدا وهذا قول أصحابنا ~~الثلاثة، وقال زفر: " اليد ليست بشرط " وهو قول الشافعي فلا تجب الزكاة في ~~المال الضمار عندنا خلافا لهما. # وتفسير مال الضمار هو كل مال غير مقدور الانتفاع به مع قيام أصل الملك ~~كالعبد الآبق والضال، والمال المفقود، والمال الساقط في البحر، والمال الذي ~~أخذه السلطان مصادرة، والدين المجحود إذا لم يكن للمالك بينة وحال الحول ثم ~~صار له بينة بأن أقر عند الناس، والمال المدفون في الصحراء إذا خفي على ~~المالك مكانه فإن كان مدفونا في البيت تجب فيه الزكاة بالإجماع. # وفي المدفون في الكرم والدار الكبيرة اختلاف المشايخ احتجاجا بعمومات ~~الزكاة من غير فصل؛ ولأن وجوب الزكاة يعتمد الملك دون اليد بدليل ابن ~~السبيل فإنه تجب الزكاة في ماله وإن كانت يده فائتة لقيام ملكه. # وتجب الزكاة في الدين مع عدم القبض، وتجب في المدفون في البيت فثبت أن ~~الزكاة وظيفة الملك والملك موجود فتجب الزكاة فيه إلا أنه لا يخاطب بالأداء ~~للحال لعجزه عن الأداء لبعد يده عنه وهذا لا ينفي الوجوب كما في ابن ~~السبيل. # ولنا ما روي عن علي - رضي الله عنه - موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا زكاة في مال الضمار» وهو المال الذي ~~لا ينتفع به مع قيام الملك مأخوذ من البعير الضامر الذي لا ينتفع به لشدة ~~هزاله مع كونه حيا، وهذه الأموال غير منتفع بها في حق المالك؛ لعدم وصول ~~يده إليها فكانت ضمارا؛ ولأن المال إذا ms0759 لم يكن مقدور الانتفاع به في حق ~~المالك لا يكون المالك به غنيا ولا زكاة على غير الغنى بالحديث الذي روينا، ~~ومال ابن السبيل مقدور الانتفاع به في حقه بيد نائبه وكذا المدفون في ~~البيت؛ لأنه يمكنه الوصول إليه بالنبش بخلاف المفازة؛ لأن نبش كل الصحراء ~~غير مقدور له، وكذا الدين المقر به إذا كان المقر مليا فهو ممكن الوصول ~~إليه. # وأما الدين المجحود فإن لم يكن له بينة فهو على الاختلاف وإن كان له بينة ~~اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: تجب الزكاة فيه؛ لأنه يتمكن الوصول إليه ~~بالبينة فإذا لم يقم البينة فقد ضيع القدرة فلم يعذر، وقال بعضهم: لا تجب؛ ~~لأن الشاهد قد يفسق إلا إذا كان القاضي عالما بالدين؛ لأنه يقضى بعلمه فكان ~~مقدور الانتفاع به، وإن كان المديون يقر في السر ويجحد في العلانية فلا ~~زكاة فيه كذا روي عن أبي يوسف؛ لأنه لا ينتفع بإقراره في السر فكان بمنزلة ~~الجاحد سرا وعلانية. # وإن كان المديون مقرا بالدين لكنه مفلس فإن لم يكن مقضيا عليه بالإفلاس ~~تجب الزكاة فيه في قولهم جميعا وقال الحسن بن زياد: لا زكاة فيه؛ لأن الدين ~~على المعسر غير منتفع به فكان ضمارا والصحيح قولهم: لأن المفلس قادر على ~~الكسب والاستقراض مع أن الإفلاس محتمل الزوال ساعة فساعة إذ المال غاد ~~ورائح، وإن كان مقضيا عليه بالإفلاس فكذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال ~~محمد: لا زكاة فيه فمحمد مر على أصله؛ لأن التفليس عنده يتحقق، وأنه يوجب ~~زيادة عجز؛ لأنه يسد عليه باب التصرف؛ لأن الناس لا يعاملونه بخلاف الذي لم ~~يقض عليه بالإفلاس وأبو حنيفة مر على أصله؛ لأن الإفلاس عنده لا يتحقق في ~~حال الحياة والقضاء به باطل، وأبو يوسف، وإن كان يرى التفليس لكن المفلس ~~قادر في الجملة بواسطة الاكتساب فصار الدين مقدور الانتفاع في الجملة فكان ~~أثر التفليس في تأخير المطالبة إلى وقت اليسار فكان كالدين المؤجل فتجب ~~الزكاة فيه. # ولو دفع إلى إنسان وديعة ms0760 ثم نسي # PageV02P009 # المودع فإن كان المدفوع إليه من معارفه فعليه الزكاة لما مضى إذا تذكر؛ ~~لأن نسيان المعروف نادر فكان طريق الوصول قائما؛ وإن كان ممن لا يعرفه فلا ~~زكاة عليه فيما مضى لتعذر الوصول إليه ولا زكاة في دين الكتابة والدية على ~~العاقلة؛ لأن دين الكتابة ليس بدين حقيقة؛ لأنه لا يجب للمولى على عبده دين ~~فلهذا لم تصح الكفالة به. # والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم إذا هو ملك المولى من وجه وملك المكاتب من ~~وجه؛ لأن المكاتب في اكتسابه كالحر فلم يكن بدل الكتابة ملك المولى مطلقا ~~بل كان ناقصا، وكذا الدية على العاقلة ملك ولي القتيل فيها متزلزل بدليل ~~أنه لو مات واحد من العاقلة سقط ما عليه فلم يكن ملكا مطلقا، ووجوب الزكاة ~~وظيفة الملك المطلق وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة في الدين الذي وجب للإنسان ~~لا بدلا عن شيء رأسا كالميراث بالدين والوصية بالدين، أو وجب بدلا عما ليس ~~بمال أصلا كالمهر للمرأة على الزوج، وبدل الخلع للزوج على المرأة، والصلح ~~عن دم العمد أنه لا تجب الزكاة فيه. # وجملة الكلام في الديون أنها على ثلاث مراتب في قول أبي حنيفة: دين قوي، ~~ودين ضعيف، ودين وسط كذا قال عامة مشايخنا أما القوي فهو الذي وجب بدلا عن ~~مال التجارة كثمن عرض التجارة من ثياب التجارة، وعبيد التجارة، أو غلة مال ~~التجارة ولا خلاف في وجوب الزكاة فيه إلا أنه لا يخاطب بأداء شيء من زكاة ~~ما مضى ما لم يقبض أربعين درهما، فكلما قبض أربعين درهما أدى درهما واحدا. # وعند أبي يوسف ومحمد كلما قبض شيئا يؤدي زكاته قل المقبوض أو كثر. # وأما الدين الضعيف فهو الذي وجب له بدلا عن شيء سواء وجب له بغير صنعه ~~كالميراث، أو بصنعه كما لوصية، أو وجب بدلا عما ليس بمال كالمهر، وبدل ~~الخلع، والصلح عن القصاص، وبدل الكتابة ولا زكاة فيه ما لم يقبض كله ويحول ~~عليه الحول بعد القبض. # وأما الدين الوسط فما ms0761 وجب له بدلا عن مال ليس للتجارة كثمن عبد الخدمة، ~~وثمن ثياب البذلة والمهنة وفيه روايتان عنه، ذكر في الأصل أنه تجب فيه ~~الزكاة قبل القبض لكن لا يخاطب بالأداء ما لم يقبض مائتي درهم فإذا قبض ~~مائتي درهم زكى لما مضى، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا ~~زكاة فيه حتى يقبض المائتين ويحول عليه الحول من وقت القبض وهو أصح ~~الروايتين عنه، وقال أبو يوسف ومحمد: الديون كلها سواء، وكلها قوية تجب ~~الزكاة فيها قبل القبض إلا الدية على العاقلة ومال الكتابة فإنه لا تجب ~~الزكاة فيها أصلا ما لم تقبض ويحول عليها الحول. # وجه قولهما أن ما سوى بدل الكتابة والدية على العاقلة ملك صاحب الدين ~~ملكا مطلقا رقبة ويدا؛ لتمكنه من القبض بقبض بدله وهو العين فتجب فيه ~~الزكاة كسائر الأعيان المملوكة ملكا مطلقا إلا أنه لا يخاطب بالأداء للحال؛ ~~لأنه ليس في يده حقيقة فإذا حصل في يده يخاطب بأداء الزكاة قدر المقبوض كما ~~هو مذهبهم في العين فيما زاد على النصاب بخلاف الدية وبدل الكتابة؛ لأن ذلك ~~ليس بملك مطلق بل هو ملك ناقص على ما بينا والله أعلم ولأبي حنيفة وجهان ~~أحدهما: أن الدين ليس بمال بل هو فعل واجب وهو فعل تمليك المال وتسليمه إلى ~~صاحب الدين، والزكاة إنما تجب في المال فإذا لم يكن مالا لا تجب فيه الزكاة ~~ودليل كون الدين فعلا من وجوه ذكرناها في الكفالة بالدين عن ميت مفلس في ~~الخلافيات كان ينبغي أن لا تجب الزكاة في دين ما لم يقبض ويحول عليه الحول ~~إلا أن ما وجب له بدلا عن مال التجارة أعطي له حكم المال؛ لأن بدل الشيء ~~قائم مقامه كأنه هو فصار كأن المبدل قائم في يده وأنه مال التجارة وقد حال ~~عليه الحول في يده، والثاني إن كان الدين مالا مملوكا أيضا لكنه مال لا ~~يحتمل القبض؛ لأنه ليس بمال حقيقة بل هو مال حكمي في الذمة وما في ms0762 الذمة لا ~~يمكن قبضه فلم يكن مالا مملوكا رقبة، ويدا فلا تجب الزكاة فيه كمال الضمار ~~فقياس هذا أن لا تجب الزكاة في الديون كلها لنقصان الملك بفوات اليد إلا أن ~~الدين الذي هو بدل مال التجارة التحق بالعين في احتمال القبض لكونه بدل مال ~~التجارة قابل للقبض، والبدل يقام مقام المبدل والمبدل عين قائمة قابلة ~~للقبض فكذا ما يقوم مقامه. # وهذا المعنى لا يوجد فيما ليس ببدل رأسا ولا فيما هو بدل عما ليس بمال، ~~وكذا في بدل مال ليس للتجارة على الرواية الصحيحة أنه لا تجب فيه الزكاة ما ~~لم يقبض قدر النصاب ويحول عليه الحول بعد القبض؛ لأن الثمن بدل مال ليس ~~للتجارة فيقوم مقام المبدل. # ولو كان المبدل قائما في يده حقيقة لا تجب الزكاة فيه فكذا في بدله بخلاف ~~بدل مال التجارة. # وأما الكلام في إخراج زكاة قدر المقبوض من الدين الذي تجب فيه # PageV02P010 # الزكاة على نحو الكلام في المال العين إذا كان زائدا على قدر النصاب وحال ~~عليه الحول فعند أبي حنيفة لا شيء في الزيادة هناك ما لم يكن أربعين درهما ~~فههنا أيضا لا يخرج شيئا من زكاة المقبوض ما لم يبلغ المقبوض أربعين درهما ~~فيخرج من كل أربعين درهما يقبضها درهما وعندهما يخرج قدر ما قبض قل المقبوض ~~أو كثر كما في المال العين إذا كان زائدا على النصاب. # وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. # وذكر الكرخي أن هذا إذا لم يكن له مال سوى الدين، فأما إذا كان له مال ~~سوى الدين فما قبض منه فهو بمنزلة المستفاد فيضم إلى ما عنده والله أعلم. # (ومنها) كون المال ناميا؛ لأن معنى الزكاة وهو النماء لا يحصل إلا من ~~المال النامي ولسنا نعني به حقيقة النماء؛ لأن ذلك غير معتبر وإنما نعني به ~~كون المال معدا للاستنماء بالتجارة أو بالإسامة؛ لأن الإسامة سبب لحصول ~~الدر والنسل والسمن، والتجارة سبب لحصول الربح فيقام السبب مقام المسبب، ~~وتعلق الحكم به كالسفر مع المشقة والنكاح ms0763 مع الوطء والنوم مع الحدث، ونحو ~~ذلك، وإن شئت قلت: ومنها كون المال فاضلا عن الحاجة الأصلية؛ لأن به يتحقق ~~الغنى ومعنى النعمة وهو التنعم وبه يحصل الأداء عن طيب النفس إذ المال ~~المحتاج إليه حاجة أصلية لا يكون صاحبه غنيا عنه ولا يكون نعمة إذ التنعم ~~لا يحصل بالقدر المحتاج إليه حاجة أصلية؛ لأنه من ضرورات حاجة البقاء وقوام ~~البدن فكان شكره شكر نعمة البدن. # ولا يحصل الأداء عن طيب نفس فلا يقع الأداء بالجهة المأمور بها؛ لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم» فلا تقع زكاة ~~إذ حقيقة الحاجة أمر باطن لا يوقف عليه فلا يعرف الفضل عن الحاجة فيقام ~~دليل الفضل عن الحاجة مقامه وهو الإعداد للإسامة والتجارة وهذا قول عامة ~~العلماء، وقال مالك: هذا ليس بشرط لوجوب الزكاة، وتجب الزكاة في كل مال ~~سواء كان ناميا فاضلا عن الحاجة الأصلية أو لا كثياب البذلة والمهنة، ~~والعلوفة، والحمولة، والعمولة من المواشي، وعبيد الخدمة والمسكن، والمراكب، ~~وكسوة الأهل وطعامهم، وما يتجمل به من آنية أو لؤلؤ أو فرش ومتاع لم ينو به ~~التجارة، ونحو ذلك. # واحتج بعمومات الزكاة من غير فصل بين مال ومال نحو قوله تعالى: {خذ من ~~أموالهم صدقة} [التوبة: 103] وقوله عز وجل: {والذين في أموالهم حق معلوم} ~~[المعارج: 24] {للسائل والمحروم} [المعارج: 25] وقوله تعالى {وآتوا الزكاة} ~~[البقرة: 43] وغير ذلك؛ ولأنها وجبت شكرا لنعمة المال ومعنى النعمة في هذه ~~الأموال أتم وأقرب؛ لأنها متعلق البقاء فكانت أدعى إلى الشكر، ولنا أن معنى ~~النماء والفضل عن الحاجة الأصلية لا بد منه لوجوب الزكاة لما ذكرنا من ~~الدلائل ولا يتحقق ذلك في هذه الأموال وبه تبين أن المراد من العمومات ~~الأموال النامية الفاضلة عن الحوائج الأصلية، وقد خرج الجواب عن قوله: أنها ~~نعمة لما ذكرنا أن معنى النعمة فيها يرجع إلى البدن؛ لأنها تدفع الحاجة ~~الضرورية وهي حاجة دفع الهلاك عن البدن، فكانت تابعة لنعمة البدن فكان ~~شكرها شكر نعمة البدن وهي العبادات البدنية من ms0764 الصلاة والصوم وغير ذلك، ~~وقوله تعالى {وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] دليلنا؛ لأن الزكاة عبارة عن ~~النماء وذلك من المال النامي على التفسير الذي ذكرناه وهو أن يكون معدا ~~للاستنماء وذلك بالإعداد للإسامة في المواشي والتجارة في أموال التجارة، ~~إلا أن الإعداد للتجارة في الأثمان المطلقة من الذهب والفضة ثابت بأصل ~~الخلقة؛ لأنها لا تصلح للانتفاع بأعيانها في دفع الحوائج الأصلية فلا حاجة ~~إلى الإعداد من العبد للتجارة بالنية، إذ النية للتعيين وهي متعينة للتجارة ~~بأصل الخلقة فلا حاجة إلى التعيين بالنية فتجب الزكاة فيها، نوى التجارة أو ~~لم ينو أصلا أو نوى النفقة. # وأما فيما سوى الأثمان من العروض فإنما يكون الإعداد فيها للتجارة ~~بالنية؛ لأنها كما تصلح للتجارة تصلح للانتفاع بأعيانها بل المقصود الأصلي ~~منها ذلك فلا بد من التعيين للتجارة وذلك بالنية. # وكذا في المواشي لا بد فيها من نية الإسامة؛ لأنها لا تصلح للدر والنسل ~~تصلح للحمل والركوب واللحم، فلا بد من النية ثم نية التجارة والإسامة لا ~~تعتبر ما لم تتصل بفعل التجارة والإسامة؛ لأن مجرد النية لا عبرة به في ~~الأحكام لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله عفا عن أمتى ما تحدثت ~~به أنفسهم ما لم يتكلموا به أو يفعلوا» ثم نية التجارة قد تكون صريحا وقد ~~تكون دلالة أما الصريح فهو أن ينوي عند عقد التجارة أن يكون المملوك به ~~للتجارة بأن اشترى سلعة ونوى أن تكون للتجارة عند الشراء فتصير للتجارة ~~سواء كان الثمن الذي اشتراها به من الأثمان المطلقة أو من عروض التجارة أو ~~مال البذلة والمهنة أو أجر داره بعرض بنية # PageV02P011 # التجارة فيصير ذلك مال التجارة لوجود صريح نية التجارة مقارنا لعقد ~~التجارة أما الشراء فلا شك أنه تجارة. # وكذلك الإجارة؛ لأنها معاوضة المال بالمال وهو نفس التجارة؛ ولهذا ملك ~~المأذون بالتجارة الإجارة. # والنية المقارنة للفعل معتبرة. # ولو اشترى عينا من الأعيان ونوى أن تكون للبذلة والمهنة دون التجارة لا ~~تكون للتجارة سواء كان الثمن من مال التجارة أو من ms0765 غير مال التجارة؛ لأن ~~الشراء بمال التجارة إن كان دلالة التجارة فقد وجد صريح نية الابتذال ولا ~~تعتبر الدلالة مع الصريح بخلافها. # ولو ملك عروضا بغير عقد أصلا بأن ورثها ونوى التجارة لم تكن للتجارة؛ لأن ~~النية تجردت عن العمل أصلا فضلا عن عمل التجارة؛ لأن الموروث يدخل في ملكه ~~من غير صنعه. # ولو ملكها بعقد ليس مبادلة أصلا كالهبة والوصية والصدقة أو بعقد هو ~~مبادلة مال بغير مال كالمهر، وبدل الخلع، والصلح عن دم العمد، وبدل العتق ~~ونوى التجارة يكون للتجارة عند أبي يوسف، وعند محمد لا يكون للتجارة، كذا ~~ذكر الكرخي، وذكر القاضي الشهيد الاختلاف على القلب فقال في قول أبي حنيفة ~~وأبي يوسف: لا يكون للتجارة، وفي قول محمد: يكون للتجارة. # وجه قول من قال: إنه لا يكون للتجارة أن النية لم تقارن عملا هو تجارة ~~وهي مبادلة المال بالمال فكان الحاصل مجرد النية فلا تعتبر. # ووجه القول الآخر أن التجارة عقد اكتساب المال وما لا يدخل في ملكه إلا ~~بقبوله فهو حاصل بكسبه فكانت نيته مقارنة لفعله فأشبه قرانها بالشراء ~~والإجارة. # والقول الأول أصح؛ لأن التجارة كسب المال ببدل ما هو مال، والقبول اكتساب ~~المال بغير بدل أصلا فلم تكن من باب التجارة فلم تكن النية مقارنة عمل ~~التجارة. # ولو استقرض عروضا ونوى أن تكون للتجارة اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: ~~يصير للتجارة؛ لأن القرض ينقلب معاوضة المال بالمال في العاقبة، وإليه أشار ~~في الجامع أن من كان له مائتا درهم لا مال له غيرها فاستقرض قبل حولان ~~الحول بيوم من رجل خمسة أقفزة لغير التجارة ولم تستهلك الأقفزة حتى حال ~~الحول لا زكاة عليه في المائتين ويصرف الدين إلى مال الزكاة دون الجنس الذي ~~ليس بمال الزكاة فقوله: استقرض لغير التجارة دليل أنه لو استقرض للتجارة ~~يصير للتجارة وقال بعضهم: لا يصير للتجارة وإن نوى؛ لأن القرض إعارة وهو ~~تبرع لا تجارة فلم توجد نية التجارة مقارنة للتجارة فلا تعتبر. # ولو اشترى عروضا للبذلة والمهنة ms0766 ثم نوى أن تكون للتجارة بعد ذلك لا تصير ~~للتجارة ما لم يبعها فيكون بدلها للتجارة، فرق بين هذا وبين ما إذا كان له ~~مال التجارة فنوى أن يكون للبذلة حيث يخرج من أن يكون للتجارة وإن لم ~~يستعمله؛ لأن النية لا تعتبر ما لم تتصل بالفعل وهو ليس بفاعل فعل التجارة ~~فقد عزبت النية عن فعل التجارة فلا تعتبر للحال بخلاف ما إذا نوى الابتذال؛ ~~لأنه نوى ترك التجارة وهو تارك لها في الحال فاقترنت النية بعمل هو ترك ~~التجارة فاعتبرت. # ونظير الفصلين السفر مع الإقامة وهو أن المقيم إذا نوى السفر لا يصير ~~مسافرا ما لم يخرج عن عمران المصر، والمسافر إذا نوى الإقامة في مكان صالح ~~للإقامة يصير مقيما للحال. # ونظيرهما من غير هذا الجنس الكافر إذا نوى أن يسلم بعد شهر لا يصير مسلما ~~للحال، والمسلم إذا قصد أن يكفر بعد سنين والعياذ بالله فهو كافر للحال. # ولو أنه اشترى بهذه العروض التي اشتراها للابتذال بعد ذلك عروضا أخر تصير ~~بدلها للتجارة بتلك النية السابقة. # وكذلك في الفصول التي ذكرنا أنه نوى للتجارة في الوصية والقرض ومبادلة ~~مال بما ليس بمال إذا اشترى بتلك العروض عروضا أخر صارت للتجارة؛ لأن النية ~~قد وجدت حقيقة إلا أنها لم تعمل للحال؛ لأنها لم تصادف عمل التجارة فإذا ~~وجدت التجارة بعد ذلك عملت النية السابقة عملها فيصير المال للتجارة لوجود ~~نية التجارة مع التجارة. # وأما الدلالة فهي أن يشتري عينا من الأعيان بعرض التجارة، أو يؤاجر داره ~~التي للتجارة بعرض من العروض فيصير للتجارة وإن لم ينو التجارة صريحا؛ لأنه ~~لما اشترى بمال التجارة فالظاهر أنه نوى به التجارة. # وأما الشراء بغير مال التجارة فلا يشكل. # وأما إجارة الدار فلأن بدل منافع عين معدة للتجارة كبدل عين معدة للتجارة ~~في أنه للتجارة كذا ذكر في كتاب الزكاة من الأصل. # وذكر في الجامع ما يدل على أنه لا يكون للتجارة إلا بالنية صريحا فإنه ~~قال: وإن كانت الأجرة جارية تساوي ms0767 ألف درهم. # وكانت عند المستأجر للتجارة فأجر المؤجر داره بها وهو يريد التجارة شرط ~~النية عند الإجارة لتصير الجارية للتجارة ولم يذكر أن الدار للتجارة أو ~~لغير التجارة فهذا يدل على أن النية شرط ليصير بدل منافع الدار # PageV02P012 # المستأجرة للتجارة وإن كانت الدار معدة للتجارة فكان في المسألة روايتان ~~ومشايخ بلخ كانوا يصححون رواية الجامع ويقولون: إن العين وإن كانت للتجارة ~~لكن قد يقصد ببدل منافعها المنفعة فيؤاجر الدابة لينفق عليها والدار ~~للعمارة فلا تصير للتجارة مع التردد إلا بالنية وأما إذا اشترى عروضا ~~بالدراهم أو بالدنانير أو بما يكال أو يوزن موصوفا في الذمة فإنها لا تكون ~~للتجارة ما لم ينو التجارة عند الشراء وإن كانت الدراهم والدنانير أثمانا ~~والموصوف في الذمة من المكيل والموزون أثمان عند الناس؛ ولأنها كما جعلت ~~ثمنا لمال التجارة جعلت ثمنا لشراء ما يحتاج إليه للابتذال والقوت فلا ~~يتعين الشراء به للتجارة مع الاحتمال وعلى هذا لو اشترى المضارب بمال ~~المضاربة عبيدا ثم اشترى لهم كسوة وطعاما للنفقة كان الكل للتجارة. # وتجب الزكاة في الكل؛ لأن نفقة عبيد المضاربة من مال المضاربة فمطلق ~~تصرفه ينصرف إلى ما يملك دون ما لا يملك حتى لا يصير خائنا وعاصيا عملا ~~بدينه وعقله، وإن نص على النفقة، وبمثله المالك إذا اشترى عبيدا للتجارة ثم ~~اشترى لهم ثيابا للكسوة وطعاما للنفقة فإنه لا يكون للتجارة؛ لأن المالك ~~كما يملك الشراء للتجارة يملك الشراء للنفقة والبذلة وله أن ينفق من مال ~~التجارة وغير مال التجارة فلا يتعين للتجارة إلا بدليل زائد. # وأما الأجراء الذين يعملون للناس نحو الصباغين والقصارين والدباغين إذا ~~اشتروا الصبغ والصابون والدهن ونحو ذلك مما يحتاج إليه في عملهم ونووا عند ~~الشراء أن ذلك للاستعمال في عملهم هل يصير ذلك مال التجارة؟ روى بشر بن ~~الوليد عن أبي يوسف أن الصباغ إذا اشترى العصفر والزعفران ليصبغ ثياب الناس ~~فعليه فيه الزكاة، والحاصل أن هذا على وجهين: إن كان شيئا يبقى أثره في ~~المعمول فيه كالصبغ والزعفران ms0768 والشحم الذي يدبغ به الجلد فإنه يكون مال ~~التجارة؛ لأن الأجر يكون مقابلة ذلك الأثر وذلك الأثر مال قائم فإنه من ~~أجزاء الصبغ والشحم لكنه لطيف فيكون هذا تجارة، وإن كان شيئا لا يبقى أثره ~~في المعمول فيه مثل الصابون والأشنان والقلي والكبريت فلا يكون مال ~~التجارة؛ لأن عينها تتلف ولم ينتقل أثرها إلى الثوب المغسول حتى يكون له ~~حصة من العوض بل البياض أصلي للثوب يظهر عند زوال الدرن فما يأخذ من العوض ~~يكون بدل عمله لا بدل هذه الآلات فلم يكن مال التجارة. # وأما آلات الصناع وظروف أمتعة التجارة لا تكون مال التجارة؛ لأنها لا ~~تباع مع الأمتعة عادة وقالوا في نخاس الدواب إذا اشترى المقاود والجلال ~~والبراذع أنه إن كان يباع مع الدواب عادة يكون للتجارة؛ لأنها معدة لها وإن ~~كان لا يباع معها ولكن تمسك وتحفظ بها الدواب فهي من آلات الصناع فلا يكون ~~مال التجارة، إذا لم ينو التجارة عند شرائها وقال أصحابنا في عبد التجارة ~~قتله عبد خطأ فدفع به أن الثاني للتجارة؛ لأنه عوض مال التجارة. # وكذا إذا فدى بالدية من العروض والحيوان. # وأما إذا قتله عمدا فصالح المولى من الدية على العبد القاتل أو على شيء ~~من العروض لا يكون مال التجارة؛ لأنه عوض القصاص لا عوض العبد المقتول، ~~والقصاص ليس بمال والله أعلم. # ومنها الحول في بعض الأموال دون بعض، وجملة الكلام في هذا الشرط يقع في ~~موضعين أحدهما: في بيان ما يشترط له الحول من الأموال وما لا يشترط، ~~والثاني في بيان ما يقطع حكم الحول وما لا يقطع. # أما الأول فنقول: لا خلاف في أن أصل النصاب وهو النصاب الموجود في أول ~~الحول يشترط له الحول لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا زكاة في مال ~~حتى يحول عليه الحول» ؛ ولأن كون المال ناميا شرط وجوب الزكاة لما ذكرنا، ~~والنماء لا يحصل إلا بالاستنماء ولا بد لذلك من مدة، وأقل مدة يستنمى المال ~~فيها بالتجارة والإسامة عادة الحول فأما ms0769 المستفاد في خلال الحول فهل يشترط ~~له حول على حدة أو يضم إلى الأصل فيزكى بحول الأصل؟ جملة الكلام في ~~المستفاد أنه لا يخلو إما أن كان مستفادا في الحول وإما أن كان مستفادا بعد ~~الحول، والمستفاد في الحول لا يخلو إما أن كان من جنس الأصل، وإما أن كان ~~من خلاف جنسه. # فإن كان من خلاف جنسه كالإبل مع البقر والبقر مع الغنم فإنه لا يضم إلى ~~نصاب الأصل بل يستأنف له الحول بلا خلاف وإن كان من جنسه فأما إن كان ~~متفرعا من الأصل أو حاصلا بسببه كالولد والربح، وأما لم يكن متفرعا من ~~الأصل ولا حاصلا بسببه كالمشترى والموروث والموهوب والموصى به فإن كان ~~متفرعا من الأصل أو حاصلا بسببه يضم إلى الأصل ويزكى بحول الأصل بالإجماع. # وإن لم يكن متفرعا من الأصل # PageV02P013 # ولا حاصلا بسببه فإنه يضم إلى الأصل عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - ~~لا يضم. # احتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه ~~الحول» والمستفاد مال لم يحل عليه الحول فلا زكاة فيه ولأن الزكاة وظيفة ~~الملك والمستفاد أصل في الملك؛ لأنه أصل في سبب الملك؛ لأنه ملك بسبب على ~~حدة فيكون أصلا في شرط الحول كالمستفاد بخلاف الجنس بخلاف الولد والربح؛ ~~لأن ذلك تبع للأصل في الملك؛ لكونه تبعا له في سبب الملك فيكون تبعا في ~~الحول. # ولنا أن عمومات الزكاة تقتضي الوجوب مطلقا عن شرط الحول إلا ما خص بدليل؛ ~~ولأن المستفاد من جنس الأصل تبع له؛ لأنه زيادة عليه، إذ الأصل يزداد به ~~ويتكثر والزيادة تبع للمزيد عليه والتبع لا يفرد بالشرط كما لا يفرد بالسبب ~~لئلا ينقلب التبع أصلا فتجب الزكاة فيها بحول الأصل كالأولاد والأرباح ~~بخلاف المستفاد بخلاف الجنس؛ لأنه ليس بتابع بل هو أصل بنفسه. # ألا ترى أن الأصل لا يزداد به ولا يتكثر؟ وقوله: أنه أصل في الملك؛ لأنه ~~أصل في سبب الملك مسلم، لكن كونه أصلا من هذا الوجه لا ينفي ms0770 أن يكون تبعا ~~من الوجه الذي بينا وهو أن الأصل يزداد به ويتكثر، فكان أصلا من وجه وتبعا ~~من وجه، فتترجح جهة التبعية في حق الحول احتياطا لوجوب الزكاة. # وأما الحديث فعام خص منه بعضه وهو الولد والربح فيخص المتنازع فيه بما ~~ذكرنا ثم إنما يضم المستفاد عندنا إلى أصل المال إذا كان الأصل نصابا فأما ~~إذا كان أقل من النصاب فإنه لا يضم إليه، وإن كان يتكامل به النصاب وينعقد ~~الحول عليهما حال وجود المستفاد؛ لأنه إذا كان أقل من النصاب لم ينعقد ~~الحول على الأصل فكيف ينعقد على المستفاد من طريق التبعية؟ وأما المستفاد ~~بعد الحول فلا يضم إلى الأصل في حق الحول الماضي بلا خلاف وإنما يضم إليه ~~في حق الحول الذي استفيد فيه؛ لأن النصاب بعد مضي الحول عليه يجعل متجددا ~~حكما كأنه انعدم الأول وحدث آخر؛ لأن شرط الوجوب وهو النماء يتجدد بتجدد ~~الحول فيصير النصاب كالمتجدد، والموجود في الحول الأول يصير كالعدم، ~~والمستفاد إنما يجعل تبعا للأصل الموجود لا للمعدوم هذا الذي ذكرنا إذا لم ~~يكن المستفاد ثمن الإبل المزكاة، فأما إذا كان فإنه لا يضم إلى ما عنده من ~~النصاب من جنسه ولا يزكى بحول الأصل بل يشترط له حول على حدة في قول أبي ~~حنيفة وعندهما يضم، وصورة المسألة إذا كان لرجل خمس من الإبل السائمة ~~ومائتا درهم فتم حول السائمة فزكاها، ثم باعها بدراهم ولم يتم حول الدراهم ~~فإنه يستأنف للثمن حولا عنده ولا يضم إلى الدراهم، وعندهما يضم ولو زكاها ~~ثم جعلها علوفة ثم باعها ثم تم الحول على الدراهم فإن ثمنها يضم إلى ~~الدراهم فيزكى الكل بحول الدراهم. # ولو كان له عبد للخدمة فأدى صدقة فطره، أو كان له طعام فأدى عشره، أو كان ~~له أرض فأدى خراجها ثم باعها يضم ثمنها إلى أصل النصاب. # وجه قولهما ما ذكرنا في المسألة الأولى وهو ظاهر نصوص الزكاة مطلقة عن ~~شرط الحول واعتبار معنى التبعية، والدليل عليه ثمن الإبل المعلوفة، وعبد ms0771 ~~الخدمة، والطعام المعشور، والأرض التي أدى خراجها ولأبي حنيفة عموم قوله: - ~~صلى الله عليه وسلم - «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» من غير فصل بين ~~مال ومال، إلا أن المستفاد الذي ليس بثمن الإبل السائمة صار مخصوصا بدليل ~~فبقي الثمن على أصل العموم وصار مخصوصا عن عمومات الزكاة بالحديث المشهور ~~وهو قوله: - صلى الله عليه وسلم - «لا ثنى في الصدقة» أي: لا تؤخذ الصدقة ~~مرتين إلا أن الأخذ حال اختلاف المالك، والحول والمال صورة ومعنى صار ~~مخصوصا، وههنا لم يوجد اختلاف المالك والحول ولا شك فيه. # وكذا المال لم يختلف من حيث المعنى لأن الثمن بدل الإبل السائمة وبدل ~~الشيء يقوم مقامه كأنه هو فكانت السائمة قائمة معنى وما ذكرا من معنى ~~التبعية قياس في مقابلة النص فيكون باطلا على أن اعتبار التبعية إن كان ~~يوجب الضم فاعتبار البناء يحرم الضم، والقول بالحرمة أولى احتياطا. # وأما إذا زكاها ثم جعلها علوفة ثم باعها بدراهم فقد قال بعض مشايخنا أن ~~على قول أبي حنيفة لا يضم، والصحيح أنه يضم بالإجماع، ووجه التحريم أنه لما ~~جعلها علوفة فقد خرجت من أن تكون مال الزكاة لفوات وصف النماء فصار كأنها ~~هلكت وحدث عين أخرى فلم يكن الثمن بدل الإبل السائمة فلا يؤدي إلى البناء. # وكذا في المسائل الأخر الثمن ليس بدل مال الزكاة وهو المال النامي الفاضل ~~عن الحاجة الأصلية، فلا يكون الضم بناء ولو كان عنده نصابان أحدهما ثمن ~~الإبل المزكاة والآخر # PageV02P014 # غير ثمن الإبل من الدراهم والدنانير، وأحدهما أقرب حولا من الآخر فاستفاد ~~دراهم بالإرث أو الهبة أو الوصية، فإن المستفاد يضم إلى أقربها حولا أيهما ~~كان، ولو لم يوهب له ولا ورث شيئا ولا أوصى له بشيء ولكنه تصرف في النصاب ~~الأول بعد ما أدى زكاته وربح فيه ربحا ولم يحل حول ثمن الإبل المزكاة، فإن ~~الربح يضم إلى النصاب الذي ربح فيه لا إلى ثمن الإبل وإن كان ذلك أبعد ~~حولا، وإنما كان كذلك؛ لأن في الفصل ms0772 الأول استويا في جهة التبعية فيرجح ~~أقرب النصابين حولا يضم المستفاد إليه نظرا للفقراء. # وفي الفصل الثاني ما استويا في جهة التبعية بل أحدهما أقوى في الاستتباع؛ ~~لأن المستفاد تبع لأحدهما حقيقة؛ لكونه متفرعا منه فتعتبر حقيقة التبعية ~~فلا يقطع حكم التبع عن الأصل. # وأما الثاني وهو بيان ما يقطع حكم الحول وما لا يقطع فهلاك النصاب في ~~خلال الحول يقطع حكم الحول حتى لو استفاد في ذلك الحول نصابا يستأنف له ~~الحول. # لقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - «لا زكاة في مال حتى يحول عليه ~~الحول» ، والهالك ما حال عليه الحول. # وكذا المستفاد بخلاف ما إذا هلك بعض النصاب ثم استفاد ما يكمل به؛ لأن ما ~~بقي من النصاب ما حال عليه الحول فلم ينقطع حكم الحول. # ولو استبدل مال التجارة بمال التجارة وهي العروض قبل تمام الحول لا يبطل ~~حكم الحول سواء استبدل بجنسها أو بخلاف جنسها بلا خلاف؛ لأن وجوب الزكاة في ~~أموال التجارة يتعلق بمعنى المال وهو المالية والقيمة فكان الحول منعقدا ~~على المعنى وأنه قائم لم يفت بالاستبدال. # وكذلك الدراهم والدنانير إذا باعها بجنسها أو بخلاف جنسها بأن باع ~~الدراهم بالدراهم أو الدنانير بالدنانير أو الدنانير بالدراهم أو الدراهم ~~بالدنانير وقال الشافعي: ينقطع حكم الحول فعلى قياس قوله: لا تجب الزكاة في ~~مال الصيارفة لوجود الاستبدال منهم ساعة فساعة. # وجه قوله أنهما عينان مختلفان حقيقة فلا تقوم إحداهما مقام الأخرى فينقطع ~~الحول المنعقد على إحداهما كما إذا باع السائمة بالسائمة بجنسها أو بخلاف ~~جنسها. # ولنا أن الوجوب في الدراهم أو الدنانير متعلق بالمعنى أيضا لا بالعين، ~~والمعنى قائم بعد الاستبدال فلا يبطل حكم الحول كما في العروض بخلاف ما إذا ~~استبدل السائمة بالسائمة؛ لأن الحكم هناك متعلق بالعين وقد تبدلت العين ~~فبطل الحول المنعقد على الأول فيستأنف للثاني حولا. # ولو استبدل السائمة بالسائمة فإن استبدلها بخلاف جنسها بأن باع الإبل ~~بالبقر أو البقر بالغنم ينقطع حكم الحول بالإجماع، وإن استبدلها بجنسها بأن ~~باع الإبل بالإبل ms0773 أو البقر بالبقر أو الغنم بالغنم، فكذلك في قول أصحابنا ~~الثلاثة، وقال زفر: لا ينقطع وجه قوله أن الجنس واحد فكان المعنى متحدا فلا ~~ينقطع الحول كما إذا باع الدراهم بالدراهم ولنا أن الوجوب في السوائم يتعلق ~~بالعين لا بالمعنى ألا ترى أن من كان له خمس من الإبل عجاف هزال لا تساوي ~~مائتي درهم تجب فيها الزكاة؟ فدل أن الوجوب فيها تعلق بالعين والعين قد ~~اختلفت فيختلف له الحول. # وكذا لو باع السائمة بالدراهم أو بالدنانير أو بعروض ينوي بها التجارة ~~أنه يبطل حكم الحول الأول بالاتفاق؛ لأن متعلق الوجوب في المالين قد اختلف ~~إذ المتعلق في أحدهما العين، وفي الآخر المعنى. # ولو احتال بشيء من ذلك فرارا من وجوب الزكاة عليه هل يكره له ذلك؟ قال ~~محمد: يكره. # وقال أبو يوسف: لا يكره. # وهو على الاختلاف في الحيلة لمنع وجوب الشفعة، ولا خلاف في الحيلة لإسقاط ~~الزكاة بعد وجوبها مكروهة كالحيلة لإسقاط الشفعة بعد وجوبها. # ومنها النصاب وجملة الكلام في النصاب في مواضع في بيان أنه شرط وجوب ~~الزكاة، وفي بيان كيفية اعتبار هذا الشرط وفي بيان مقدار النصاب، وفي بيان ~~صفته، وفي بيان مقدار الواجب في النصاب، وفي بيان صفته. # أما الأول فكمال النصاب شرط وجوب الزكاة فلا تجب الزكاة فيما دون النصاب؛ ~~لأنها لا تجب إلا على الغني والغنى لا يحصل إلا بالمال الفاضل عن الحاجة ~~الأصلية وما دون النصاب لا يفضل عن الحاجة الأصلية فلا يصير الشخص غنيا به؛ ~~ولأنها وجبت شكر النعمة المال. # وما دون النصاب لا يكون نعمة موجبة للشكر للمال بل يكون شكره شكرا لنعمة ~~البدن لكونه من توابع نعمة البدن على ما ذكرنا، ولكن هذا الشرط يعتبر في ~~أول الحول وفي آخره لا في خلاله حتى لو انتقص النصاب في أثناء الحول ثم كمل ~~في آخره تجب الزكاة سواء كان من السوائم أو من الذهب والفضة أو مال ~~التجارة، وهذا قول أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر: كمال النصاب من أول الحول إلى ms0774 آخره شرط وجوب الزكاة. # وهو قول # PageV02P015 # الشافعي إلا في مال التجارة فإنه يعتبر كمال النصاب في آخر الحول ولا ~~يعتبر في أول الحول ووسطه، حتى أنه إذا كان قيمة مال التجارة في أول الحول ~~مائة درهم فصارت قيمته في آخر الحول مائتين تجب الزكاة عنده. # وجه قول زفر أن حولان الحول على النصاب شرط وجوب الزكاة فيه ولا نصاب في ~~وسط الحول فلا يتصور حولان الحول عليه؛ ولهذا لو هلك النصاب في خلال الحول ~~ينقطع حكم الحول. # وكذا لو كان النصاب سائمة فجعلها علوفة في وسط الحول بطل الحول، وبهذا ~~يحتج الشافعي أيضا إلا أنه يقول: تركت هذا القياس في مال التجارة للضرورة ~~وهي أن نصاب التجارة يكمل بالقيمة والقيمة تزداد وتنتقص في كل ساعة لتغير ~~السعر لكثرة رغبة الناس وقلتها وعزة السلعة وكثرتها، فيشق عليه تقويم ماله ~~في كل يوم، فاعتبر الكمال عند وجوب الزكاة وهو آخر الحول لهذه الضرورة. # وهذه الضرورة لا توجد في السائمة؛ لأن نصابها لا يكمل باعتبار القيمة بل ~~باعتبار العين. # ولنا أن كمال النصاب شرط وجوب الزكاة فيعتبر وجوده في أول الحول وآخره لا ~~غير؛ لأن أول الحول وقت انعقاد السبب وآخره وقت ثبوت الحكم فأما وسط الحول ~~فليس بوقت انعقاد السبب ولا وقت ثبوت الحكم فلا معنى لاعتبار كمال النصاب ~~فيه إلا أنه لا بد من بقاء شيء من النصاب الذي انعقد عليه الحول ليضم ~~المستفاد إليه، فإذا هلك كله لم يتصور الضم فيستأنف له الحول بخلاف ما إذا ~~جعل السائمة علوفة في خلال الحول؛ لأنه لما جعلها علوفة فقد أخرجها من أن ~~تكون مال الزكاة فصار كما لو هلكت. # وما ذكر الشافعي من اعتبار المشقة يصلح لإسقاط اعتبار كمال النصاب في ~~خلال الحول لا في أوله؛ لأنه لا يشق عليه تقويم ماله عند ابتداء الحول ~~ليعرف به انعقاد الحول كما، لا يشق عليه ذلك في آخر الحول ليعرف به وجوب ~~الزكاة في ماله والله أعلم. ### | [فصل الأثمان المطلقة وهي الذهب والفضة] # أما ms0775 مقدار النصاب وصفته، ومقدار الواجب في النصاب وصفته فلا سبيل إلى ~~معرفتها إلا بعد معرفة أموال الزكاة؛ لأن هذه الجملة تختلف باختلاف أموال ~~الزكاة فنقول وبالله التوفيق: أموال الزكاة أنواع ثلاثة أحدها: الأثمان ~~المطلقة وهي الذهب والفضة، والثاني: أموال التجارة وهي العروض المعدة ~~للتجارة، والثالث: السوائم فنبين مقدار النصاب من كل واحد وصفته ومقدار ~~الواجب في كل واحد وصفته، ومن له المطالبة بأداء الواجب في السوائم ~~والأموال الظاهرة. # (فصل) : # أما الأثمان المطلقة وهي الذهب والفضة أما قدر النصاب فيهما فالأمر لا ~~يخلو إما أن يكون له فضة مفردة أو ذهب مفرد أو اجتمع له الصنفان جميعا، فإن ~~كان له فضة مفردة فلا زكاة فيها حتى تبلغ مائتي درهم وزنا وزن سبعة فإذا ~~بلغت ففيها خمسة دراهم لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ~~كتب كتاب الصدقات لعمرو بن حزم ذكر فيه الفضة ليس فيها صدقة حتى تبلغ مائتي ~~درهم فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم. # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن «ليس ~~فيما دون مائتين من الورق شيء، وفي مائتين خمسة» وإنما اعتبرنا الوزن في ~~الدراهم دون العدد؛ لأن الدراهم اسم للموزون؛ لأنه عبارة عن قدر من الموزون ~~مشتمل على جملة موزونة من الدوانيق والحبات حتى لو كان وزنها دون المائتين، ~~وعددها مائتان، أو قيمتها لجودتها وصياغتها تساوي مائتين فلا زكاة فيها، ~~وإنما اعتبرنا وزن سبعة وهو أن يكون العشرة منها وزن سبعة مثاقيل، ~~والمائتان مما يوزن مائة وأربعون مثقالا؛ لأنه الوزن المجمع عليه للدراهم ~~المضروبة في الإسلام. # وذلك أن الدراهم في الجاهلية كان بعضها ثقيلا مثقالا وبعضها خفيفا طيريا ~~فلما عزموا على ضرب الدراهم في الإسلام جمعوا الدرهم الثقيل والدرهم الخفيف ~~فجعلوهما درهمين فكانا درهمين بوزن سبعة فاجتمعت الأمة على العمل على ذلك ~~ولو نقص النصاب عن المائتين نقصانا يسيرا يدخل بين الوزنين. # قال أصحابنا: لا تجب الزكاة فيه؛ لأنه وقع الشك في كمال النصاب فلا نحكم ~~بكماله مع ms0776 الشك والله أعلم ولو كانت الفضة مشتركة بين اثنين فإن كان يبلغ ~~نصيب كل واحد منهما مقدار النصاب تجب الزكاة وإلا فلا. # ويعتبر في حال الشركة ما يعتبر في حال الانفراد وهذا عندنا. # وعند الشافعي تجب ونذكر المسألة في السوائم إن شاء الله تعالى. ### | [فصل صفة نصاب الزكاة في الفضة] # (فصل) : # وأما صفة هذا النصاب فنقول: لا يعتبر في هذا النصاب صفة زائدة على كونه ~~فضة فتجب الزكاة فيها سواء # PageV02P016 # كانت دراهم مضروبة، أو نقرة، أو تبرا، أو حليا مصوغا، أو حلية سيف، أو ~~منطقة أو لجام أو سرج أو الكواكب في المصاحف والأواني، وغيرها إذا كانت ~~تخلص عند الإذابة إذا بلغت مائتي درهم، وسواء كان يمسكها للتجارة، أو ~~للنفقة، أو للتجمل، أو لم ينو شيئا. # وهذا عندنا، وهو قول الشافعي أيضا إلا في حلي النساء إذا كان معدا للبس ~~مباح أو للعارية للثواب فله فيه قولان: في قول لا شيء فيه وهو مروي عن ابن ~~عمر وعائشة - رضي الله عنهما - واحتج بما روي في الحديث «لا زكاة في الحلي» ~~، وعن ابن عمر أنه قال: زكاة الحلي إعارته، ولأنه مال مبتذل في وجه مباح ~~فلا يكون نصاب الزكاة كثياب البذلة والمهنة بخلاف حلي الرجال فإنه مبتذل في ~~وجه محظور، وهذا؛ لأن الابتذال إذا كان مباحا كان معتبرا شرعا وإذا كان ~~محظورا كان ساقط الاعتبار شرعا، فكان ملحقا بالعدم. # نظيره ذهاب العقل بشرب الدواء مع ذهابه بسبب السكر أنه اعتبر الأول وسقط ~~اعتبار الثاني كذا هذا. # ولنا قوله تعالى {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ~~فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 34] ألحق الوعيد الشديد بكنز الذهب والفضة ~~وترك إنفاقهما في سبيل الله من غير فصل بين الحلي وغيره. # وكل مال لم تؤد زكاته فهو كنز بالحديث الذي روينا فكان تارك أداء الزكاة ~~منه كانزا فيدخل تحت الوعيد ولا يلحق الوعيد إلا بترك الواجب. # وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها ~~أنفسكم» من غير فصل بين مال ms0777 ومال؛ ولأن الحلي مال فاضل عن الحاجة الأصلية ~~إذ الإعداد للتجمل والتزين دليل الفضل عن الحاجة الأصلية فكان نعمة لحصول ~~التنعم به فيلزمه شكرها بإخراج جزء منها للفقراء. # وأما الحديث فقد قال بعض صيارفة الحديث: أنه لم يصح لأحد شيء في باب ~~الحلي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمروي عن ابن عمر معارض ~~بالمروي عنه أيضا أنه زكى حلي بناته ونسائه على أن المسألة مختلفة بين ~~الصحابة فلا يكون قول البعض حجة على البعض، مع ما أن تسمية إعارة الحلي ~~زكاة لا تنفي وجوب الزكاة المعهودة إذا قام دليل الوجوب. # وقد بينا ذلك هذا إذا كانت الدراهم فضة خالصة، فأما إذا كانت مغشوشة فإن ~~كان الغالب هو الفضة فكذلك؛ لأن الغش فيها مغمور مستهلك كذا روى الحسن عن ~~أبي حنيفة أن الزكاة تجب في الدراهم الجياد والزيوف والنبهرجة والمكحلة ~~والمزيفة. # قال: لأن الغالب فيها كلها الفضة وما تغلب فضته على غشه يتناوله اسم ~~الدراهم مطلقا. # والشرع أوجب باسم الدراهم وإن كان الغالب هو الغش والفضة فيها مغلوبة، ~~فإن كانت أثمانا رائجة أو كان يمسكها للتجارة يعتبر قيمتها فإن بلغت قيمتها ~~مائتي درهم من أدنى الدراهم التي تجب فيها الزكاة وهي التي الغالب عليها ~~الفضة تجب فيها الزكاة وإلا فلا. # وإن لم تكن أثمانا رائجة ولا معدة للتجارة فلا زكاة فيها إلا أن يكون ما ~~فيها من الفضة يبلغ مائتي درهم بأن كانت كبيرة؛ لأن الصفر لا تجب فيه ~~الزكاة إلا بنية التجارة، والفضة لا يشترط فيها نية التجارة فإذا أعدها ~~للتجارة اعتبر القيمة كمعروض التجارة وإذا لم تكن للتجارة ولا ثمنا رائجة ~~اعتبرنا ما فيها من الفضة. # وكذا روى الحسن عن أبي حنيفة فيمن كانت عنده فلوس أو دراهم رصاص أو نحاس ~~أو مموهة بحيث لا يخلص فيها الفضة أنها إن كانت للتجارة يعتبر قيمتها، فإن ~~بلغت مائتي درهم من الدراهم التي تغلب فيها الفضة ففيها الزكاة، وإن لم تكن ~~للتجارة فلا زكاة فيها لما ذكرنا أن الصفر ms0778 ونحوه لا تجب فيه الزكاة ما لم ~~تكن للتجارة. # وعلى هذا كان جواب المتقدمين من مشايخنا بما وراء النهر في الدراهم ~~المسماة بالغطارفة التي كانت في الزمن المتقدم في ديارنا أنها إن كانت ~~أثمانا رائجة يعتبر قيمتها بأدنى ما ينطلق عليه اسم الدراهم وهي التي تغلب ~~عليها الفضة، وإن لم تكن أثمانا رائجة فإن كانت سلعا للتجارة تعتبر قيمتها ~~أيضا، وإن لم تكن للتجارة ففيها الزكاة بقدر ما فيها من الفضة إن بلغت ~~نصابا، أو بالضم إلى ما عنده من مال التجارة. # وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري يفتى بوجوب الزكاة في ~~كل مائتين فيها ربع عشرها وهو خمسة منها عددا. # وكان يقول: " هو من أعز النقود فينا بمنزلة الفضة فيهم ونحن أعرف بنقودنا ~~" وهو اختيار الإمام الحلواني والسرخسي، وقول السلف أصح لما ذكرنا من ~~الفقه. # ولو زاد على نصاب الفضة شيء فلا شيء في الزيادة حتى تبلغ أربعين فيجب ~~فيها درهم في قول أبي حنيفة: وعلى هذا أبدا في كل أربعين درهم. # وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي # PageV02P017 # تجب الزكاة في الزيادة بحساب ذلك قلت أو كثرت حتى لو كانت الزيادة درهما ~~يجب فيه جزء من الأربعين جزءا من درهم. # والمسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله عنهم - روي عن عمر - رضي الله ~~عنه - مثل قول أبي حنيفة. # وروي عن علي وابن عمر - رضي الله عنهما - مثل قولهم ولا خلاف في السوائم ~~أنه لا شيء في الزوائد منها على النصاب حتى تبلغ نصابا احتجوا بما روي عن ~~علي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «وما زاد ~~على المائتين فبحساب ذلك» وهذا نص في الباب، ولأن شرط النصاب ثبت معدولا به ~~عن القياس؛ لأن الزكاة عرف وجوبها شكرا لنعمة المال. # ومعنى النعمة يوجد في القليل والكثير، وإنما عرفنا اشتراطه بالنص، وأنه ~~ورد في أصل النصاب فبقي الأمر في الزيادة على أصل القياس إلا أن الزيادة في ~~السوائم لا تعتبر ما لم تبلغ نصابا دفعا ms0779 لضرر الشركة إذ الشركة في الأعيان ~~عيب، وهذا المعنى لم يوجد ههنا ولأبي حنيفة ما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال في كتاب عمرو بن حزم: «فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة ~~دراهم وفي كل أربعين درهم، وليس فيما دون الأربعين صدقة» . # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لمعاذ حين وجهه إلى اليمن: ~~«لا تأخذ من الكسور شيئا فإذا كان الورق مائتي درهم فخذ منها خمسة دراهم، ~~ولا تأخذ مما زاد شيئا حتى يبلغ أربعين درهما فتأخذ منها درهما» ولأن الأصل ~~أن يكون بعد كل نصاب عفو نظرا لأرباب الأموال كما في السوائم، ولأن في ~~اعتبار الكسور حرجا وأنه مدفوع. # وحديث علي - رضي الله عنه - لم يرفعه أحد من الثقات بل شكوا في قوله: " ~~وما زاد على المائتين فبحساب ذلك " أن ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أو قول علي فإن كان قول النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون حجة، وإن كان ~~قول علي - رضي الله عنه - لا يكون حجة؛ لأن المسألة مختلفة بين الصحابة - ~~رضي الله عنهم - فلا يحتج بقول البعض على البعض. # وبه تبين أنه لا يصلح معارضا لما روينا، وما ذكروا من شكر النعمة فالجواب ~~عنه ما ذكرنا فيما تقدم؛ لأن معنى النعمة هو التنعم، وأنه لا يحصل بما دون ~~النصاب ثم يبطل بالسوائم مع أنه قياس في مقابلة النص، وأنه باطل والله ~~أعلم. ### | [فصل مقدار الواجب في زكاة الفضة] # (فصل) : # وأما مقدار الواجب فيها فربع العشر وهو خمسة من مائتين؛ للأحاديث التي ~~روينا إذ المقادير لا تعرف إلا توقيفا وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«هاتوا ربع عشور أموالكم» وخمسة من مائتين ربع عشرها وأما صدقة الواجب ~~فنذكرها إن شاء الله تعالى. ### | [فصل كان له ذهب مفرد] # (فصل) : # هذا إذا كان له فضة مفردة، فأما إذا كان له ذهب مفرد فلا شيء فيه حتى ~~يبلغ عشرين مثقالا فإذا بلغ عشرين مثقالا ففيه نصف مثقال؛ لما روي في حديث ~~عمرو بن ms0780 حزم «والذهب ما لم يبلغ قيمته مائتي درهم فلا صدقة فيه فإذا بلغ ~~قيمته مائتي درهم ففيه ربع العشر» وكان الدينار على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مقوما بعشرة دراهم. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعلي: «ليس عليك في الذهب ~~زكاة ما لم يبلغ عشرين مثقالا فإذا بلغ عشرين مثقالا ففيه نصف مثقال» وسواء ~~كان الذهب لواحد أو كان مشتركا بين اثنين أنه لا شيء على أحدهما ما لم يبلغ ~~نصيب كل واحد منهما نصابا عندنا، خلافا للشافعي. # والمسألة تأتي في نصاب السوائم إن شاء الله تعالى. ### | [فصل صفة نصاب الذهب] # (فصل) : # وأما صفة نصاب الذهب فنقول: لا يعتبر في نصاب الذهب أيضا صفة زائدة على ~~كونه ذهبا فتجب الزكاة في المضروب والتبر والمصوغ والحلي إلا على أحد قولي ~~الشافعي في الحلي الذي يحل استعماله والصحيح قولنا؛ لأن قوله تعالى {والذين ~~يكنزون الذهب والفضة} [التوبة: 34] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~كتاب عمرو بن حزم وحديث علي يقتضي الوجوب في مطلق الذهب. # وكذا حكم الدنانير التي الغالب عليها الذهب كالمحمودية والصورية ونحوهما. # وحكم الذهب الخالص سواء لما ذكرنا. # وأما الهروية والمروية وما لم يكن الغالب عليها الذهب فتعتبر قيمتها إن ~~كانت أثمانا رائجة أو للتجارة، وإلا فيعتبر قدر ما فيها من الذهب والفضة ~~وزنا؛ لأن كل واحد يخلص بالإذابة ولو زاد على نصاب الذهب شيء فلا شيء في ~~الزيادة في قول أبي حنيفة حتى تبلغ أربعة مثاقيل فيجب فيها قيراطان، وعند ~~أبي يوسف ومحمد والشافعي يجب في الزيادة وإن قلت بحساب ذلك، والمسألة قد ~~مرت والله أعلم. ### | [فصل مقدار الواجب في زكاة الذهب] # (فصل) : # وأما مقدار الواجب فيه فربع العشر بحديث عمرو بن حزم وحديث علي - رضي ~~الله عنهما - # PageV02P018 # لأن نصف مثقال من عشرين مثقالا ربع عشره. # وأما صفة الواجب فنذكرها إن شاء الله تعالى هذا إذا كان له فضة مفردة أو ~~ذهب مفرد. # فأما إذا كان له الصنفان جميعا فإن لم يكن ms0781 كل واحد منهما نصابا بأن كان ~~له عشرة مثاقيل ومائة درهم فإنه يضم أحدهما إلى الآخر في حق تكميل النصاب ~~عندنا. # وعند الشافعي لا يضم أحدهما إلى الآخر بل يعتبر كمال النصاب من كل واحد ~~منهما على حدة. # وجه قوله: أنهما جنسان مختلفان فلا يضم أحدهما للآخر في تكميل النصاب ~~كالسوائم عند اختلاف الجنس، وإنما قلنا: أنهما عينان مختلفان لاختلافهما ~~صورة ومعنى. # أما الصورة فظاهر. # وأما المعنى فلأنه يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا وصار كالإبل مع الغنم ~~بخلاف مال التجارة؛ لأن هناك يكمل النصاب من قيمتها والقيمة واحدة وهي ~~دراهم أو دنانير فكان مال الزكاة جنسا واحدا وهو الذهب أو الفضة فأما ~~الزكاة في الذهب والفضة فإنما تجب لعينها دون القيمة؛ ولهذا لا يكمل به ~~القيمة حالة الانفراد، وإنما يكمل بالوزن كثرت القيامة أو قلت بأن كانت ~~رديئة. # (ولنا) ما روي عن بكير بن عبد الله بن الأشج أنه قال: مضت السنة من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضم الذهب إلى الفضة والفضة إلى الذهب في ~~إخراج الزكاة. # ولأنهما مالان متحدان في المعنى الذي تعلق به وجوب الزكاة فيهما وهو ~~الإعداد للتجارة بأصل الخلقة والثمنية فكانا في حكم الزكاة كجنس واحد. # ولهذا اتفق الواجب فيهما وهو ربع العشر على كل حال وإنما يتفق الواجب عند ~~اتحاد المال. # وأما عند الاختلاف فيختلف الواجب وإذا اتحد المالان معنى فلا يعتبر ~~اختلاف الصورة كعروض التجارة ولهذا يكمل نصاب كل واحد منهما بعروض التجارة ~~ولا يعتبر اختلاف الصورة، كما إذا كان له أقل من عشرين مثقالا وأقل من ~~مائتي درهم وله عروض للتجارة ونقد البلد في الدراهم والدنانير سواء فإن شاء ~~كمل به نصاب الذهب وإن شاء كمل به نصاب الفضة وصار كالسود مع البيض بخلاف ~~السوائم؛ لأن الحكم هناك متعلق بالصورة والمعنى وهما مختلفان صورة ومعنى ~~فتعذر تكميل نصاب أحدهما بالآخر، ثم إذا وجبت الزكاة عند ضم أحدهما بالآخر ~~اختلفت الرواية فيما يؤدى روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه يؤدى ms0782 من مائة درهم ~~درهمان ونصف، ومن عشرة مثاقيل ذهب ربع مثقال وهو إحدى الروايتين عن أبي ~~يوسف؛ لأن هذا أقرب إلى المعادلة والنظر من الجانبين. # وروي عن أبي يوسف رواية أخرى أنه يقوم أحدهما بالآخر ثم يؤدي الزكاة من ~~نوع واحد وهو أقرب إلى موافقة نصوص الزكاة، ثم اختلف أصحابنا في كيفية الضم ~~فقال أبو حنيفة: يضم أحدهما إلى الآخر باعتبار القيمة، وقال أبو يوسف ~~ومحمد: يضم باعتبار الأجزاء وهو رواية عن أبي حنيفة أيضا ذكره في نوادر ~~هشام. # وإنما تظهر ثمرة الاختلاف فيما إذا كانت قيمة أحدهما لجودته وصياغته أكثر ~~من وزنه بأن كان له مائة درهم وخمسة مثاقيل قيمتها مائة درهم فعند أبي ~~حنيفة يقوم الدنانير بخلاف جنسها دراهم وتضم إلى الدراهم فيكمل نصاب ~~الدراهم من حيث القيمة فتجب الزكاة. # وعندهما تضم باعتبار الأجزاء فلا يكمل النصاب؛ لأن له نصف نصاب الفضة ~~وربع نصاب الذهب فيكون ثلاثة أرباع النصاب فلا يجب شيء. # وعلى هذا لو كان له مائة درهم وعشرة مثاقيل ذهب قيمتها مائة وأربعون ~~درهما تضم باعتبار القيمة عند أبي حنيفة فتبلغ مائتين وأربعين درهما فتجب ~~فيها ستة دراهم، وعندهما تضم باعتبار الأجزاء فيكون نصف نصاب الذهب ونصف ~~نصاب الفضة فيكون نصابا تاما فيجب في نصف كل واحد منهما ربع عشره أما إذا ~~كان وزنهما وقيمتهما سواء بأن كان له مائة درهم وعشرة مثاقيل ذهب تساوي ~~مائة أو مائة وخمسون درهما وخمسة مثاقيل ذهب أو خمسة عشر مثقالا وخمسون ~~درهما فههنا لا تظهر ثمرة الاختلاف بل يضم أحدهما إلى الآخر بالإجماع على ~~اختلاف الأصلين عنده باعتبار التقويم. # وعندهما باعتبار الأجزاء وأجمعوا على أنه إذا كان له مائة درهم وخمسة ~~مثاقيل ذهب قيمتها خمسون درهما لا تجب الزكاة فيهما؛ لأن النصاب لم يكمل ~~بالضم لا باعتبار القيمة ولا باعتبار الأجزاء وأجمعوا على أنه لا تعتبر ~~القيمة في الذهب والفضة عند الانفراد في حق تكميل النصاب، حتى أنه إذا كان ~~له إبريق فضة وزنه مائة درهم وقيمته لصناعة مائتان ms0783 لا تجب فيه الزكاة ~~باعتبار القيمة. # وكذلك إذا كان له آنية ذهب وزنها عشرة وقيمتها لصناعتها مائتا درهم لا ~~تجب فيها الزكاة # PageV02P019 # باعتبار القيمة. # وجه قولهما أن القيمة في الذهب والفضة ساقطة الاعتبار شرعا؛ لأن سائر ~~الأشياء تقوم بهما وإنما المعتبر فيهما الوزن ألا ترى أن من ملك إبريق فضة ~~وزنه مائة وخمسون درهما وقيمته مائتا درهم لا تجب الزكاة؟ . # وكذلك إذا ملك آنية ذهب وزنها عشرة مثاقيل وقيمتها مائتا درهم لا تجب ~~الزكاة. # ولو كانت القيمة فيها معتبرة لوجبت ولأبي حنيفة أنهما عينان وجب ضم ~~أحدهما إلى الآخر لإيجاب الزكاة فكان الضم باعتبار القيمة كعروض التجارة، ~~وهذا؛ لأن كمال النصاب لا يتحقق إلا عند اتحاد الجنس ولا اتحاد إلا باعتبار ~~صفة المالية دون العين فإن الأموال أجناس بأعيانها جنس واحد باعتبار صفة ~~المالية فيها، وهذا بخلاف الإبريق والآنية؛ لأن هناك ما وجب ضمه إلى شيء ~~آخر حتى تعتبر فيه القيمة وهذا؛ لأن القيمة في الذهب والفضة إنما تظهر شرعا ~~عند مقابلة أحدهما بالآخر فإن الجودة والصنعة لا قيمة لها إذا قوبلت ~~بجنسها. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «جيدها ورديئها سواء» فأما عند مقابلة ~~أحدهما بالآخر فتظهر للجودة قيمة ألا ترى أنه متى وقعت الحاجة إلى تقويم ~~الذهب والفضة في حقوق العباد تقوم بخلاف جنسها؟ فإن اغتصب قلبا فهشمه ~~واختار المالك تضمينه ضمنه قيمته من خلاف جنسه فكذلك في حقوق الله تعالى، ~~ولأن في التكميل باعتبار التقويم ضرب احتياط في باب العبادة ونظرا للفقراء ~~فكان أولى، ثم عند أبي حنيفة يعتبر في التقويم منفعة الفقراء كما هو أصله ~~حتى روي عنه أنه قال: إذا كان لرجل مائة وخمسة وتسعون درهما ودينار يساوي ~~خمسة دراهم إنه تجب الزكاة، وذلك بأن يقوم الفضة بالذهب كل خمسة منها ~~بدينار وهذا الذي ذكرنا كله من وجوب الضم إذا لم يكن كل واحد منهما نصابا ~~بأن كان أقل من النصاب فأما إذا كان كل واحد منهما نصابا تاما ولم يكن ~~زائدا عليه لا يجب ms0784 الضم بل ينبغي أن يؤدي من كل واحد منهما زكاته. # ولو ضم أحدهما إلى الآخر حتى يؤدى كله من الفضة أو من الذهب فلا بأس به ~~عندنا ولكن يجب أن يكون التقويم بما هو أنفع للفقراء رواجا وإلا فيؤدى من ~~كل واحد منهما ربع عشره. # وإن كان على كل واحد من النصابين زيادة فعند أبي يوسف ومحمد لا يجب ضم ~~إحدى الزيادتين إلى الأخرى؛ لأنهما يوجبان الزكاة في الكسور بحساب ذلك. # وأما عند أبي حنيفة فينظر إن بلغت الزيادة أربع مثاقيل وأربعين درهما ~~فكذلك. # وإن كان أقل من أربعة مثاقيل وأقل من أربعين درهما يجب ضم إحدى الزيادتين ~~إلى الأخرى ليتم أربعين درهما أو أربعة مثاقيل؛ لأن الزكاة لا تجب في ~~الكسور عنده والله أعلم. ### | [فصل أموال التجارة] # (فصل) : # وأما أموال التجارة فتقدير النصاب فيها بقيمتها من الدنانير والدراهم فلا ~~شيء فيها ما لم تبلغ قيمتها مائتي درهم أو عشرين مثقالا من ذهب فتجب فيها ~~الزكاة، وهذا قول عامة العلماء، وقال أصحاب الظواهر: ولا زكاة فيها أصلا، ~~وقال مالك: إذا نضت زكاها لحول واحد. # وجه قول أصحاب الظواهر أن وجوب الزكاة إنما عرف بالنص والنص ورد بوجوبها ~~في الدراهم والدنانير والسوائم فلو وجبت في غيرها لوجبت بالقياس عليها ~~والقياس ليس بحجة خصوصا في باب المقادير. # (ولنا) ما روي عن سمرة بن جندب أنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يأمرنا بإخراج الزكاة من الرقيق الذي كنا نعده للبيع» . # وروي عن أبي ذر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «في البر صدقة» ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «هاتوا ربع عشر ~~أموالكم» فإن قيل: الحديث ورد في نصاب الدراهم؛ لأنه قال في آخره: " من كل ~~أربعين درهما درهم ". # فالجواب أن أول الحديث عام وخصوص آخره يوجب سلب عموم أوله أو نحمل قوله ~~من كل أربعين درهم على القيمة أي: من كل أربعين درهما من قيمتها درهم. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «وأدوا زكاة أموالكم» من ms0785 غير فصل بين مال ~~ومال إلا ما خص بدليل، ولأن مال التجارة مال نام فاضل عن الحاجة الأصلية ~~فيكون مال الزكاة كالسوائم. # وقد خرج الجواب عن قولهم: إن وجوب الزكاة عرف بالنص؛ لأنا قد روينا النص ~~في الباب على أن أصل الوجوب عرف بالعقل وهو شكر لنعمة المال وشكر نعمة ~~القدرة بإعانة العاجز إلا أن مقدار الواجب عرف بالسمع. # وما ذكر مالك غير سديد؛ لأنه وجد سبب وجوب الزكاة وشرطه في كل حول فلا ~~معنى لتخصيص الحول الأول بالوجوب فيه كالسوائم والدراهم والدنانير، وسواء ~~كان مال التجارة عروضا أو عقارا أو شيئا مما يكال # PageV02P020 # أو يوزن؛ لأن الوجوب في أموال التجارة تعلق بالمعنى وهو المالية والقيمة، ~~وهذه الأموال كلها في هذا المعنى جنس واحد. # وكذا يضم بعض أموال التجارة إلى البعض في تكميل النصاب لما قلنا. # وإذا كان تقدير النصاب من أموال التجارة بقيمتها من الذهب والفضة وهو أن ~~تبلغ قيمتها مقدار نصاب من الذهب والفضة فلا بد من التقويم حتى يعرف مقدار ~~النصاب ثم بماذا تقوم؟ ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي أنه يقوم بأوفى ~~القيمتين من الدراهم والدنانير حتى إنها إذا بلغت بالتقويم بالدراهم نصابا ~~ولم تبلغ بالدنانير قومت بما تبلغ به النصاب. # وكذا روي عن أبي حنيفة في الأمالي أنه يقومها بأنفع النقدين للفقراء. # وعن أبي يوسف أنه يقومها بما اشتراها به فإن اشتراها بالدراهم قومها ~~بالدراهم وإن اشتراها بالدنانير قومها بالدنانير وإن اشتراها بغيرهما من ~~العروض أو لم يكن اشتراها بأن كان وهب له فقبله ينوي به التجارة قومها ~~بالنقد الغالب في ذلك الموضع. # وعند محمد يقومها بالنقد الغالب على كل حال وذكر في كتاب الزكاة أنه ~~يقومها يوم حال الحول إن شاء بالدراهم وإن شاء بالدنانير. # وجه قول محمد أن التقويم في حق الله تعالى يعتبر بالتقويم في حق العباد ~~ثم إذا وقعت الحاجة إلى تقويم شيء من حقوق العباد كالمغصوب والمستهلك يقوم ~~بالنقد الغالب في البلدة كذا هذا. # وجه قول أبي يوسف أن المشترى ms0786 بدل وحكم البدل يعتبر بأصله فإذا كان مشترى ~~بأحد النقدين فتقويمه بما هو أصله أولى. # وجه رواية كتاب الزكاة أن وجوب الزكاة في عروض التجارة باعتبار ماليتها ~~دون أعيانها، والتقويم لمعرفة مقدار المالية والنقدان في ذلك سيان فكان ~~الخيار إلى صاحب المال يقومه بأيهما شاء. # ألا ترى أن في السوائم عند الكثرة وهي ما إذا بلغت مائتين الخيار إلى ~~صاحب المال إن شاء أدى أربع حقاق وإن شاء خمس بنات لبون؟ فكذا هذا. # وجه قول أبي حنيفة أن الدراهم والدنانير وإن كانا في الثمنية والتقويم ~~بهما سواء، لكنا رجحنا أحدهما بمرجح وهو النظر للفقراء، والأخذ بالاحتياط ~~أولى ألا ترى أنه لو كان بالتقويم بأحدهما يتم النصاب وبالآخر لا فإنه يقوم ~~بما يتم به النصاب نظرا للفقراء واحتياطا؟ كذا هذا. # ومشايخنا حملوا رواية كتاب الزكاة على ما إذا كان لا يتفاوت النفع في حق ~~الفقراء بالتقويم بأيهما كان جمعا بين الروايتين. # وكيفما كان ينبغي أن يقوم بأدنى ما ينطلق عليه اسم الدراهم أو الدنانير ~~وهي التي يكون الغالب فيها الذهب والفضة، وعلى هذا إذا كان مع عروض التجارة ~~ذهب وفضة فإنه يضمها إلى العروض ويقومه جملة؛ لأن معنى التجارة يشمل الكل ~~لكن عند أبي حنيفة يضم باعتبار القيمة إن شاء قوم العروض وضمها إلى الذهب ~~والفضة، وإن شاء قوم الذهب والفضة وضم قيمتهما إلى قيمة أعيان التجارة. # وعندهما يضم باعتبار الأجزاء فتقوم العروض فيضم قيمتها إلى ما عنده من ~~الذهب والفضة فإن بلغت الجملة نصابا تجب الزكاة وإلا فلا. # ولا يقوم الذهب والفضة عندهما أصلا في باب الزكاة على ما مر. ### | [فصل صفة نصاب التجارة] # (فصل) : # وأما صفة هذا النصاب فهي أن يكون معدا للتجارة وهو أن يمسكها للتجارة ~~وذلك بنية التجارة مقارنة لعمل التجارة لما ذكرنا فيما تقدم بخلاف الذهب ~~والفضة فإنه لا يحتاج فيهما إلى نية التجارة؛ لأنها معدة للتجارة بأصل ~~الخلقة فلا حاجة إلى إعداد العبد ويوجد الإعداد منه دلالة على ما مر. ### | [فصل مقدار الواجب من نصاب ms0787 التجارة] # (فصل) : # وأما مقدار الواجب من هذا النصاب فما هو مقدار الواجب من نصاب الذهب ~~والفضة وهو ربع العشر؛ لأن نصاب مال التجارة مقدر بقيمته من الذهب والفضة ~~فكان الواجب فيه ما هو الواجب في الذهب والفضة وهو ربع العشر، ولقول النبي: ~~- صلى الله عليه وسلم - «هاتوا ربع عشور أموالكم» من غير فصل. ### | [فصل صفة الواجب في أموال التجارة] # (فصل) : # وأما صفة الواجب في أموال التجارة فالواجب فيها ربع عشر العين وهو النصاب ~~في قول أصحابنا، وقال بعض مشايخنا: هذا قول أبي يوسف ومحمد # وأما على قول أبي حنيفة فالواجب فيها أحد شيئين. # أما العين أو القيمة فالمالك بالخيار عند حولان الحول إن شاء أخرج ربع ~~عشر العين وإن شاء أخرج ربع عشر القيمة، وبنوا على بعض مسائل الجامع فيمن ~~كانت له مائتا قفيز حنطة للتجارة قيمتها مائتا درهم فحال عليها الحول فلم ~~يؤد زكاتها حتى تغير سعرها إلى النقصان حتى صارت قيمتها مائة درهم أو إلى ~~الزيادة حتى صارت قيمتها أربعمائة درهم، إن على قول أبي حنيفة: وإن أدى من ~~عينها يؤدي خمسة أقفزة في الزيادة والنقصان جميعا؛ لأنه تبين أنه الواجب من ~~الأصل # PageV02P021 # فإن أدى القيمة يؤدي خمسة دراهم في الزيادة والنقصان جميعا؛ لأنه تبين ~~أنها هي الواجبة يوم الحول. # وعند أبي يوسف ومحمد إن أدى من عينها يؤدي خمسة أقفزة في الزيادة ~~والنقصان جميعا، كما قال أبو حنيفة: وإن أدى من القيمة يؤدي في النقصان ~~درهمين ونصفا وفي الزيادة عشرة دراهم؛ لأن الواجب الأصلي عندهما هو ربع عشر ~~العين وإنما له ولاية النقل إلى القيمة يوم الأداء فيعتبر قيمتها يوم ~~الأداء، والصحيح أن هذا مذهب جميع أصحابنا؛ لأن المذهب عندهم أنه إذا هلك ~~النصاب بعد الحول تسقط الزكاة سواء كان من السوائم أو من أموال التجارة. # ولو كان الواجب أحدهما غير عين عند أبي حنيفة لتعينت القيمة عند هلاك ~~العين على ما هو الأصل في التخيير بين شيئين إذا هلك أحدهما أنه يتعين ~~الآخر. # وكذا لو وهب ms0788 النصاب من الفقير ولم تحضره النية أصلا سقطت عنه الزكاة، ولو ~~لم يكن الواجب في النصاب عينا لما سقطت كما إذا وهب منه غير النصاب. # وكذا إذا باع نصاب الزكاة من السوائم والساعي حاضر إن شاء أخذ من المشتري ~~وإن شاء أخذ من البائع، ولولا أن الواجب ربع عشر العين لما ملك الأخذ من ~~غير المشتري، فدل أن مذهب جميع أصحابنا هذا وهو أن الواجب ربع عشر العين ~~إلا عند أبي حنيفة الواجب عند الحول ربع عشر العين من حيث إنه مال لا من ~~حيث إنه عين، وعندهما الواجب ربع عشر العين من حيث الصورة والمعنى جميعا ~~لكن لمن عليه حق النقل من العين إلى القيمة وقت الأداء ومسائل الجامع مبنية ~~على هذا الأصل على ما نذكر، وقال الشافعي: الواجب من قدر الزكاة بعد الحول ~~في الذمة لا في النصاب، وعلى هذا ينبني ما إذا هلك مال الزكاة بعد الحول ~~وبعد التمكن من الأداء أنه تسقط عنه الزكاة عندنا، وعنده لا تسقط وإذا هلك ~~قبل التمكن من الأداء لا تجب عندنا وللشافعي قولان: في قول لا تجب أصلا، ~~وفي قول تجب ثم تسقط لا إلى ضمان ولا خلاف في أن صدقة الفطر لا تسقط بهلاك ~~النصاب، وعلى هذا الخلاف العشر والخراج. # وجه قول الشافعي أن هذا حق وجب في ذمته وتقرر بالتمكن من الأداء فلا يسقط ~~بهلاك النصاب كما في ديون العباد وصدقة الفطر، وكما في الحج فإنه إذا كان ~~موسرا وقت خروج القافلة من بلده ثم هلك ماله لا يسقط الحج عنه وإنما قلنا: ~~إنه وجب في ذمته؛ لأن الشرع أضاف الإيجاب إلى مال لا بعينه. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «في مائتي درهم خمسة دراهم، وفي ~~أربعين شاة شاة» أوجب خمسة وشاة لا بعينها. # والواجب إذا لم يكن عينا كان في الذمة كما في صدقة الفطر ونحوها، ولأن ~~غاية الأمر أن قدر الزكاة أمانة في يده لكنه مطالب شرعا بالأداء بعد التمكن ~~منه ومن منع الحق عن ms0789 المستحق بعد طلبه يضمن كما في سائر الأمانات والخلاف ~~ثابت فيما إذا طلبه الفقير أو طالبه الساعي بالأداء فلم يؤد حتى هلك ~~النصاب. # ولنا أن المالك إما أن يؤاخذ بأصل الواجب أو بضمانه لا وجه للأول؛ لأن ~~محله النصاب والحق لا يبقى بعد فوات محله كالعبد الجاني، أو المديون إذا ~~هلك، والشقص الذي فيه الشفعة إذا صار بحرا. # والدليل على أن محل أصل الواجب هو النصاب قوله تعالى {خذ من أموالهم ~~صدقة} [التوبة: 103] ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خذ من الذهب ~~الذهب، ومن الفضة الفضة، ومن الإبل الإبل» الحديث. # وكلمة من تبعيض فيقتضي أن يكون الواجب بعض النصاب. # وقوله: - صلى الله عليه وسلم - «في مائتي درهم خمسة دراهم، وفي أربعين ~~شاة شاة» جعل الواجب مظروفا في النصاب؛ لأن في للظرف، ولأن الزكاة عرف ~~وجوبها على طريق اليسر وطيبة النفس بأدائها ولهذا اختص وجوبها بالمال ~~النامي الفاضل عن الحاجة الأصلية وشرط لها الحول وكمال النصاب. # ومعنى اليسر في كون الواجب في النصاب يبقى ببقائه ويهلك بهلاكه، ولا سبيل ~~إلى الثاني؛ لأن وجوب الضمان يستدعي تفويت ملك أو يد كما في سائر الضمانات، ~~وهو بالتأخير عن أول أوقات الإمكان لم يفوت على الفقير ملكا ولا يدا فلا ~~يضمن بخلاف صدقة الفطر والحج؛ لأن محل الواجب هناك ذمته لا ماله وذمته ~~باقية بعد هلاك المال. # وأما قوله: إنه منع حق الفقير بعد طلبه فنقول: إن هذا الفقير ما تعين ~~مستحقا لهذا الحق فإن له أن يصرفه إلى فقير آخر، وإن طالبه الساعي فامتنع ~~من الأداء حتى هلك المال قال أهل العراق من أصحابنا: إنه يضمن؛ لأن الساعي ~~متعين للأخذ فيلزمه الأداء عند طلبه فيصير بالامتناع مفوتا فيضمن. # ومشايخنا بما وراء النهر قالوا: إنه لا يضمن. # وهو الأصح فإنه ذكر في كتاب الزكاة إذا حبس السائمة بعد ما وجبت الزكاة ~~فيها حتى # PageV02P022 # تويت لم يضمنها ومعلوم أنه لم يرد بهذا الحبس أن يمنعها العلف والماء؛ ~~لأن ذلك استهلاك لها ولو استهلكها يصير ضامنا ms0790 لزكاتها وإنما أراد به حبسها ~~بعد طلب الساعي لها. # والوجه فيه أنه ما فوت بهذا الحبس ملكا ولا يدا على أحد فلا يصير ضامنا، ~~وله رأي في اختيار محل الأداء إن شاء من السائمة وإن شاء من غيرها فإنما ~~حبس السائمة ليؤدي من محل آخر فلا يصير ضامنا، هذا إذا هلك كل النصاب فإن ~~هلك بعضه دون بعض فعليه في الباقي حصته من الزكاة إذا لم يكن في المال فضل ~~على النصاب بلا خلاف؛ لأن البعض معتبر بالكل، ثم إذا هلك الكل سقط جميع ~~الزكاة فإذا هلك البعض يجب أن يسقط بقدر هذا إذا لم يكن في المال عفو، فأما ~~إذا اجتمع فيه النصاب والعفو ثم هلك البعض فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف: ~~يصرف الهلاك إلى العفو أولا كأنه لم يكن في ملكه إلا النصاب. # وعند محمد وزفر يصرف الهلاك إلى الكل شائعا حتى إذا كان له تسعة من الإبل ~~فحال عليها الحول ثم هلك منها أربعة فعليه في الباقي شاة كاملة في قول أبي ~~حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر عليه في الباقي خمسة أتساع شاة. # والأصل عند أبي حنيفة وأبي يوسف أن الوجوب يتعلق بالنصاب دون العفو، وعند ~~محمد وزفر رحمهما الله يتعلق بهما جميعا واحتجا بقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «في خمس من الإبل شاة إلى تسع» أخبر أن الوجوب يتعلق بالكل، ولأن ~~سبب الوجوب هو المال النامي، والعفو مال نام. # ومع هذا لا تجب بسببه زيادة على أن الوجوب في الكل نظيره إذا قضى القاضي ~~بحق بشهادة ثلاثة نفر كان قضاؤه بشهادة الكل، وإن كان لا حاجة إلى القضاء ~~إلى الثالث، وإذا ثبت أن الوجوب في الكل فما هلك يهلك بزكاته وما بقي يبقى ~~بزكاته كالمال المشترك. # واحتج أبو حنيفة وأبو يوسف بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ~~عمرو بن حزم «في خمس من الإبل السائمة شاة وليس في الزيادة شيء حتى تكون ~~عشرا» وقال في حديثه أيضا: «في خمس وعشرين من ms0791 الإبل بنت مخاض وليس في ~~الزيادة شيء إلى خمس وثلاثين» وهذا نص على أن الواجب في النصاب دون الوقص ~~ولأن الوقص والعفو تبع للنصاب؛ لأن النصاب باسمه وحكمه يستغني عن الوقص ~~والوقص باسمه وحكمه لا يستغني عن النصاب. # والمال إذا اشتمل على أصل وتبع فإذا هلك منه شيء يصرف الهلاك إلى التبع ~~دون الأصل كمال المضاربة إذا كان فيه ربح فهلك شيء منه يصرف الهلاك إلى ~~الربح دون رأس المال كذا هذا. # وعلى هذا إذا حال الحول على ثمانين شاة ثم هلك أربعون منها وبقي أربعون ~~فعليه في الأربعين الباقية شاة كاملة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما ~~الله؛ لأن الهلاك يصرف إلى العفو أولا عندهما فجعل كأن الغنم أربعون من ~~الابتداء. # وفي قول محمد وزفر: عليه في الباقي نصف شاة؛ لأن الواجب في الكل عندهما ~~وقد هلك النصف فيسقط الواجب بقدره، ولو هلك منها عشرون وبقي ستون فعليه في ~~الباقي شاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر ثلاثة أرباع شاة لما ~~قلنا وعلى هذا مسائل في الجامع، ثم اختلف أصحابنا فيما بينهم فعند أبي ~~حنيفة الواجب في الدراهم والدنانير وأموال التجارة جزء من النصاب من حيث ~~المعنى لا من حيث الصورة، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله الواجب هو الجزء ~~منه صورة ومعنى لكن يجوز إقامة غيره مقامه من حيث المعنى ويبطل اعتبار ~~الصورة بإذن صاحب الحق وهو الله تعالى. # وأما في زكاة السوائم فقد اختلف مشايخنا على قول أبي حنيفة قال بعضهم: ~~الواجب هناك أيضا جزء من النصاب من حيث المعنى وذكر المنصوص عليه من خلاف ~~جنس النصاب للتقدير، وقال بعضهم: الواجب هو المنصوص عليه لا جزء من النصاب ~~لكن من حيث المعنى، وعندهما الواجب هو المنصوص عليه صورة ومعنى، لكن يجوز ~~إقامة غيره مقامه من حيث المعنى دون الصورة على ما ذكرنا وينبني على هذا ~~الأصل مسائل الجامع إذا كان لرجل مائتا قفيز حنطة للتجارة تساوي مائتي درهم ~~ولا مال له غير ذلك وحال ms0792 عليها الحول فإن أدى من عينها يؤدي خمسة أقفزة بلا ~~خلاف؛ لأنها هي ربع عشر النصاب وهو الواجب على ما مر، ولو أراد أن يؤدي ~~القيمة جاز عندنا خلافا للشافعي، لكن عند أبي حنيفة في الزيادة والنقصان ~~جميعا يؤدي قيمتها يوم الحول وهي خمسة دراهم، وعندهما في الفصلين جميعا ~~يؤدي قيمتها يوم الأداء في النقصان درهمين ونصفا وفي الزيادة عشرة هما ~~يقولان الواجب جزء من النصاب وغير # PageV02P023 # المنصوص عليه حق لله تعالى غير أن الشرع أثبت له ولاية أداء القيمة إما ~~تيسيرا عليه وإما نقلا للحق. # والتيسير له في الأداء دون الواجب. # وكذا الحاجة إلى نقل حق الله تعالى إلى مطلق المال وقت الأداء إلى الفقير ~~فبقي الواجب إلى وقت الأداء في الذمة عين المنصوص عليه وجزء النصاب، ثم عند ~~الأداء ينقل ذلك إلى القيمة فتعتبر القيمة يوم النقل كما في ولد المغرور ~~أنه يضمن المغرور قيمته للمالك يوم التضمين؛ لأن الولد في حقه، وإن علق حر ~~الأصل ففي حق المستحق جعل مملوكا له لحصوله عن مملوكته وإنما ينقل عنه حقه ~~إلى القيمة يوم الخصومة فكذا ههنا وأبو حنيفة يقول: الواجب هو الجزء من ~~النصاب، غير أن وجوبه من حيث إنه مطلق المال لا من حيث إنه جزء من النصاب ~~بدليل أنه يجوز أداء الشاة عن خمس من الإبل وإن لم يكن جزءا منها، والتعلق ~~بكونه جزء للتيسير لا للتحقيق؛ لأن الأداء منه أيسر في الأغلب حتى أن ~~الأداء من غير الجزء لو كان أيسر مال إليه وعند ميله إليه يتبين أنه هو ~~الواجب؛ لأنه هو مطلق المال وهذا هو الواجب على طريق الاستحقاق. # وكذا المنصوص عليه معلول بمطلق المال، والتعلق به للتيسير بدليل جواز ~~أداء الواحد من الخمس، والناقة الكوماء عن بنت مخاض فكان الواجب عند الحول ~~ربع العشر من حيث إنه مال، والمنصوص عليه من حيث إنه مال فوجب اعتبار قيمته ~~يوم الوجوب ولا يعتبر التغير بسبب نقصان السعر؛ لأنه لا عبرة به لإسقاط ~~الزكاة الواجبة احتياطا لحق ms0793 الفقراء. # وأما في السوائم اختلف المشايخ على قول أبي حنيفة قال بعضهم: يعتبر ~~قيمتها يوم الوجوب كما في مال التجارة؛ لأن الواجب جزء من النصاب من حيث ~~إنه مال في جميع أموال الزكاة، وقال بعضهم يوم الأداء كما قالا؛ لأن الواجب ~~ثمة هو المنصوص عليه صورة ومعنى ولكن يجوز إقامة غيره مقامه والله أعلم. # وكذلك الجواب في مال الزكاة إذا كان جارية تساوي مائتين في جميع ما ذكرنا ~~من تغير السعر إلى زيادة أو نقصان وللمسألة فروع تعرف في كتاب الزكاة من ~~الجامع هذا إذا هلك النصاب بعد الحول. # فأما إذا تصرف فيه المالك فهل يجوز تصرفه؟ عندنا يجوز وعند الشافعي لا، ~~وهذا بناء على أصلنا أن التصرف في مال الزكاة بعد وجوبها جائز عندنا حتى لو ~~باع نصاب الزكاة جاز البيع في الكل عندنا. # وأما عند الشافعي فلا يجوز في قدر الزكاة قولا واحدا. # وله في الزيادة على قدر الزكاة قولان. # وجه قوله أن الواجب جزء من النصاب لما ذكرنا من الدلائل فلا يخلو إما أن ~~يكون وجوبه حقا للعبد كما يقول أو حقا لله تعالى كما يقولون وكل ذلك يمنع ~~من التصرف فيه، ولنا أن الزكاة اسم للفعل وهو إخراج المال إلى الله وقبل ~~الإخراج لا حق في المال حتى يمنع نفاذ البيع فيه فينفذ كالعبد إذا جنى ~~جناية فباعه المولى فينفذ بيعه؛ لأن الواجب فيه هو فعل الدفع فكان المحل ~~خاليا عن الحق قبل الفعل فنفذ البيع فيه كذا هذا. # وإذا جاز التصرف في النصاب بعد وجوب الزكاة فيه عندنا فإذا تصرف المالك ~~فيه ينظر إن كان استبدالا بمثله لا يضمن الزكاة وينتقل الواجب إليه يبقى ~~ببقائه ويسقط بهلاكه، وإن كان استهلاكا يضمن الزكاة ويصير دينا في ذمته. # بيان ذلك إذا حال الحول على مال التجارة ووجبت فيه الزكاة فأخرجه المالك ~~عن ملكه بالدراهم والدنانير أو بعرض التجارة فباعه بمثل قيمته لا يضمن ~~الزكاة؛ لأنه ما أتلف الواجب بل نقله من محل إلى محل مثله إذ المعتبر ms0794 في ~~مال التجارة هو المعنى وهو المالية لا الصورة فكان الأول قائما معنى فيبقى ~~الواجب ببقائه ويسقط بهلاكه. # وكذا لو باعه وحابى بما يتغابن الناس في مثله؛ لأن ذلك مما لا يمكن ~~التحرز عنه فجعل عفوا ولهذا جعل عفوا في بيع الأب والوصي وإن حابى بما لا ~~يتغابن الناس في مثله يضمن قدر زكاة المحاباة ويكون دينا في ذمته وزكاة ما ~~بقي يتحول إلى العين يبقى ببقائها ويسقط بهلاكها. # ولو أخرج مال الزكاة عن ملكه بغير عوض أصلا بالهبة والصدقة من غير الفقير ~~والوصية، أو بعوض ليس بمال بأن تزوج عليه امرأة، أو صالح به من دم العمد، ~~أو اختلعت به المرأة يضمن الزكاة في ذلك كله؛ لأن إخراج المال بغير عوض ~~إتلاف له. # وكذا بعوض ليس بمال. # وكذا لو أخرجه بعوض هو مال لكنه ليس بمال الزكاة بأن باعه بعبد الخدمة أو ~~ثياب البذلة سواء بقي العوض في يده أو هلك؛ لأنه أبطل المعنى الذي صار ~~المال به مال الزكاة فكان استهلاكه في حق الزكاة. # وكذا لو استأجر به عينا من الأعيان؛ لأن المنافع، وإن كانت مالا في نفسها ~~لكنها ليست بمال الزكاة؛ لأنه لا بقاء لها وكذا لو صرف مال الزكاة إلى ~~حوائجه بالأكل والشرب واللبس لوجود حقيقة الاستهلاك # PageV02P024 # وكذا إذا باع مال التجارة بالسوائم على أن يتركها سائمة يضمن الزكاة؛ لأن ~~زكاة مال التجارة خلاف زكاة السائمة فيكون استهلاكا. # ولو كان مال الزكاة سائمة فباعها بخلاف جنسها من الحيوان والعروض ~~والأثمان أو بجنسها يضمن ويصير قدر الزكاة دينا في ذمته لا يسقط بهلاك ذلك ~~العوض؛ لما ذكرنا أن وجوب الزكاة في السوائم يتعلق بالصورة والمعنى فبيعها ~~يكون استهلاكا لها لا استبدالا، ولو كان مال الزكاة دراهم أو دنانير ~~فأقرضها بعد الحول فثوى المال عنده ذكر في العيون عن محمد أنه لا زكاة ~~عليه؛ لأنه لم يوجد منه الإتلاف. # وكذا لو كان مال الزكاة ثوبا فأعاره فهلك لما قلنا وقالوا في عبد التجارة ~~إذا قتله عبد خطأ فدفع ms0795 به أن الثاني للتجارة؛ لأنه عوض عن الأول قائم مقامه ~~كأنه هو، ولو قتله عمدا وصالحه المولى من الدم على عبد أو غيره لم يكن ~~للتجارة؛ لأن الثاني ليس بعوض عن الأول بل هو عوض عن القصاص والقصاص ليس ~~بمال. # وقالوا فيمن اشترى عصيرا للتجارة فصار خمرا ثم صار خلا: إنه للتجارة؛ لأن ~~العارض هو التخمر وأثر التخمر في زوال صفة التقوم ولا غير، وقد عادت الصفة ~~بالتخلل فصار مالا متقوما كما كان وكذلك قالوا في الشاة إذا ماتت فدبغ ~~جلدها أن جلدها يكون للتجارة لما قلنا. # ولو باع السائمة بعد وجوب الزكاة فيها فإن كان المصدق حاضرا ينظر إليها ~~فهو بالخيار إن شاء أخذ قيمة الواجب من البائع وتم البيع في الكل، وإن شاء ~~أخذ الواجب من العين المشتراة، ويبطل البيع في القدر المأخوذ. # وإن لم يكن حاضرا وقت البيع فحضر بعد البيع والتفرق عن المجلس فإنه لا ~~يأخذ من المشتري ولكنه يأخذ قيمة الواجب من البائع. # وإنما كان كذلك؛ لأن بيع السائمة بعد وجوب الزكاة فيها استهلاك لها لما ~~بينا إلا أن معنى الاستهلاك بإزالة الملك قبل الافتراق عن المجلس ثبت ~~بالاجتهاد إذ المسألة اجتهادية مختلفة بين الصحابة - رضي الله عنهم - ~~فللساعي أن يأخذ بأي القولين أفضى اجتهاده إليه فإن أفضى اجتهاده إلى زوال ~~الملك بنفس البيع أخذ قيمة الواجب منه لحصول الاستهلاك وتم البيع في الكل ~~إذ لم يستحق شيء من المبيع. # وإن أفضى اجتهاده إلى عدم الزوال أخذ الواجب من غير المشتري كما قبل ~~البيع ويبطل البيع في القدر المأخوذ كأنه استحق هذا القدر من المبيع فأما ~~بعد الافتراق فقد تأكد زوال الملك لخروجه عن محل الاجتهاد فتأكد الاستهلاك ~~فصار الواجب دينا في ذمته فهو الفرق. # وهل يشترط نقل الماشية من موضعها مع افتراق العاقدين بأنفسهما؟ لم يشترط ~~ذلك في ظاهر الرواية وشرطه الكرخي وقال إن حضر المصدق قبل النقل فله ~~الخيار. # وكذا روى ابن سماعة عن محمد ولو باع طعاما وجب فيه العشر فالمصدق بالخيار ms0796 ~~إن شاء أخذ من البائع وإن شاء أخذ من المشتري سواء حضر قبل الافتراق أو ~~بعده بخلاف الزكاة. # ووجه الفرق أن تعلق العشر بالعين آكد من تعلق الزكاة بها ألا ترى أن ~~العشر لا يعتبر فيه المالك بخلاف الزكاة؟ ولو مات من عليه العشر قبل أدائه ~~من غير وصية يؤخذ من تركته بخلاف الزكاة والله أعلم. # وهذا الذي ذكرنا أن الواجب أداء جزء من النصاب من حيث المعنى أو من حيث ~~الصورة. # والمعنى مذهب أصحابنا - رحمهم الله - فأما عند الشافعي فالواجب أداء عين ~~المنصوص عليه، ويبنى عليه أن دفع القيم والأبدال في باب الزكاة، والعشر، ~~والخراج، وصدقة الفطر، والنذور، والكفارات جائز عندنا، وعنده لا يجوز إلا ~~أداء المنصوص عليه. # واحتج بقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - «في الخمس من الإبل السائمة ~~شاة» ، وقوله: «في أربعين شاة شاة» . # وكل ذلك بيان لمجمل كتاب الله تعالى {وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] إذ ليس ~~فيه بيان الزكاة فبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - والتحق البيان بمجمل ~~الكتاب فصار كأن الله تعالى قال " وآتوا الزكاة من كل أربعين شاة شاة وفي ~~خمس من الإبل شاة " فصارت الشاة واجبة للأداء بالنص. # ولا يجوز الاشتغال بالتعليل؛ لأنه يبطل حكم النص، ولهذا لا يجوز إقامة ~~السجود على الخد والذقن مقام السجود على الجبهة والأنف، والتعليل فيه بمعنى ~~الخضوع لما ذكرنا كذا هذا، وصار كالهدايا والضحايا. # وجواز أداء البعير عن خمس من الإبل عندي باعتبار النص وهو قوله: - صلى ~~الله عليه وسلم - «خذ من الإبل الإبل» إلا أن عند قلة الإبل أوجب من خلاف ~~الجنس تيسيرا على أرباب الأموال فإذا سمحت نفسه بأداء بعير من الخمس فقد ~~ترك هذا التيسير فجاز بالنص لا بالتعليل. # ولنا في المسألة طريقان أحدهما طريق أبي حنيفة والثاني طريق أبي يوسف ~~ومحمد أما طريق أبي حنيفة فهو أن الواجب أداء جزء من النصاب من حيث المعنى ~~وهو المالية # PageV02P025 # وأداء القيمة مثل أداء الجزء من النصاب من حيث إنه مال. # وبيان كون الواجب أداء جزء من ms0797 النصاب ما ذكرنا في مسألة التفريط. # والدليل على أن الجزء من النصاب واجب من حيث إنه مال أن تعلق الواجب ~~بالجزء من النصاب للتيسير ليبقى الواجب ببقائه ويسقط بهلاكه. # ومعنى التيسير إنما يتحقق أن لو تعين الجزء من النصاب للوجوب من حيث هو ~~مال، إذ لو تعلق الوجوب بغير الجزء لبقيت الشركة في النصاب للفقراء وفيه من ~~العسر والمشقة ما لا يخفى خصوصا إذا كان النصاب من نفائس الأموال نحو ~~الجواري الحسان والأفراس الفارهة للتجارة ونحوها ولا كذلك إذا كان التعلق ~~به من حيث هو مال؛ لأنه حينئذ كان الاختيار إلى رب المال فإن رأى الجزء ~~إليه أيسر أدى الجزء، وإن رأى أداء غيره أيسر مال إليه فيحصل معنى اليسر، ~~وبه تبين أن ذكر الشاة في الحديث لتقدير المالية لا لتعلق الحكم به وقد روي ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أنه رأى في إبل الصدقة ناقة كوماء ~~فغضب على المصدق وقال: ألم أنهكم عن أخذ كرائم أموال الناس؟ فقال: أخذتها ~~ببعيرين من إبل الصدقة» وفي رواية «ارتجعتها فسكت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -» . # وأخذ البعير ببعيرين يكون باعتبار القيمة فدل على صحة مذهبنا. # وأما طريق أبي يوسف ومحمد فهو أن الواجب عين ما ورد به النص وهو أداء ربع ~~العشر في مال التجارة وأداء المنصوص عليه في السوائم صورة ومعنى غير معقول ~~المعنى بل هو تعبد محض حتى أنه سبحانه وتعالى لو أمرنا بإتلافه حقا له أو ~~سبيه لفعلنا ولم نعدل عن المنصوص عليه إلى غيره غير أن الله تعالى لما أمر ~~بصرفه إلى عباده المحتاجين كفاية لهم وكفايتهم متعلقة بمطلق المال صار وجوب ~~الصرف إليهم معقول المعنى وهو الكفاية التي تحصل بمطلق المال فصار معلولا ~~بمطلق المال، وكان أمره عز وجل أرباب الأموال بالصرف إلى الفقير إعلاما له ~~أنه أذن لهم بنقل حقه الثابت في المنصوص عليه إلى مطلق المال، كمن له على ~~رجل حنطة ولرجل آخر على صاحب الدين دراهم فأمر من له الحنطة من ms0798 عليه الحنطة ~~بأن يقضي دين الدراهم من الذي له عليه وهو الحنطة كان ذلك إذنا منه إياه ~~بنقل حقه إلى الدراهم بأن يستبدل الحنطة بالدراهم وجعل المأمور بالأداء ~~كأنه أدى عين الحق إلى من له الحق ثم استبدل ذلك وصرف إلى الآخر ما أمر ~~بالصرف إليه فصار ما وصل إلى الفقير معلولا بمطلق المال سواء كان المنصوص ~~عليه أو غيره جزءا من النصاب أو غيره. # وأداء القيمة أداء مال مطلق مقدر بقيمة المنصوص عليه بنية الزكاة فيجزئه، ~~كما لو أدى واحدا من خمس من الإبل بخلاف السجود على الخد والذقن؛ لأن معنى ~~القربة فاتت أصلا، ولهذا لا ينتقل به ولا يصار إليه عند العجز وما ليس ~~بقربة لا يقوم مقام القربة وبخلاف الهدايا والضحايا؛ لأن الواجب فيها إراقة ~~الدم حتى لو هلك بعد الذبح قبل التصدق لا يلزمه شيء. # وإراقة الدم ليس بمال فلا يقوم المال مقامه والله أعلم. ### | [زكاة السوائم] # وأما السوائم من الإبل والبقر والغنم أما نصاب الإبل فليس فيما دون خمس ~~من الإبل زكاة، وفي الخمس شاة، وفي العشر شاتان، وفي خمسة عشر ثلاث شياه، ~~وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وفي ست وثلاثين بنت لبون، ~~وفي ست وأربعين حقة، وفي إحدى وستين جذعة، وهي أقصى سن لها مدخل في الزكاة. # والأصل فيه ما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب كتابا إلى ~~أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فكتبه أبو بكر لأنس وكان فيه وفي أربع ~~وعشرين فما دونها الغنم في كل خمس ذود شاة فإذا كانت خمسا وعشرين إلى خمس ~~وثلاثين ففيها بنت مخاض، فإذا كانت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت ~~لبون، فإذا كانت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة، فإذا كانت إحدى وستين إلى ~~خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا كانت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، ~~فإذا كانت إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين ففيها حقتان» . # ولا خلاف في هذه الجملة إلا ما روي عن علي - رضي ms0799 الله عنه - أنه قال: " ~~في خمس وعشرين خمس شياه، وفي ست وعشرين بنت مخاض " وهذه الرواية لا تكاد ~~تثبت عن علي - رضي الله عنه -؛ لأنها مخالفة للأحاديث المشهورة منها ما ~~روينا من كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كتبه لأبي بكر الصديق ~~- رضي الله عنه -، ومنها كتابه الذي كتبه لعمرو بن حزم وغير ذلك من ~~الأحاديث المشهورة، ولأنها مخالفة لأصول الزكوات في السوائم؛ لأن فيها من ~~موالاة بين واجبين لا وقص بينهما والأصل فيها أن يكون بين الفريضتين وقص # PageV02P026 # وهذا دليل عدم الثبوت. # قد حكي عن سفيان الثوري أنه قال: كان علي - رضي الله عنه - أفقه من أن ~~يقول مثل هذا إنما هو غلط وقع من رجال علي - رضي الله عنه - أراد بذلك أن ~~الراوي يجوز أن يكون سمعه يقول في ست وعشرين بنت مخاض، وفي خمس وعشرين خمس ~~من الغنم قيمة بنت مخاض فجمع بينهما. # واختلف العلماء في الزيادة على مائة وعشرين فقال أصحابنا: إذا زادت الإبل ~~على هذا العدد تستأنف الفريضة ويدار الحساب على الخمسينان في النصاب وعلى ~~الحقاق في الواجب، لكن بشرط عود ما قبله من الواجبات والأوقاص بقدر ما يدخل ~~فيه. # وبيان ذلك إذا زادت الإبل على مائة وعشرين فلا شيء في الزيادة حتى تبلغ ~~خمسا فيكون فيها شاة وحقتان، وفي العشر شاتان وحقتان، وفي خمسة عشر ثلاث ~~شياه وحقتان، وفي عشرين أربع شياه وحقتان، وفي خمس وعشرين بنت مخاض وحقتان ~~إلى مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق في كل خمسين حقة، ثم يستأنف الفريضة فلا ~~شيء في الزيادة حتى تبلغ خمسا فيكون فيها شاة وثلاث حقاق، وفي العشر شاتان ~~وثلاث حقاق، وفي خمس عشرة ثلاث شياه وثلاث حقاق، وفي عشرين أربع شياه وثلاث ~~حقاق. # فإذا بلغت مائة وخمسا وسبعين ففيها بنت مخاض وثلاث حقاق فإذا بلغت مائة ~~وستة وثمانين ففيها بنت لبون وثلاث حقاق إلى مائة وستة وتسعين ففيها أربع ~~حقاق إلى مائتين، فإن شاء أدى منها أربع حقاق من كل خمسين حقة، وإن ms0800 شاء أدى ~~خمس بنات لبون من كل أربعين بنت لبون ثم يستأنف الفريضة أبدا في كل خمسين ~~كما استؤنفت من مائة وخمسين إلى مائتين فيدخل فيها بنت مخاض وبنت لبون وحقة ~~مع الشياه. # هذا قول أصحابنا. # وقال مالك: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة لا تجب في الزيادة شيء ~~إلى تسعة بل يجعل تسعة عفوا حتى تبلغ مائة وثلاثين. # وكذا إذا بلغت مائة وثلاثين فلا شيء في الزيادة إلى تسعة وثلاثين ويجعل ~~كل تسعة عفوا وتجب في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة فيدار النصاب ~~على الخمسينات والأربعينات، والواجب على الحقاق وبنات لبون فيجب في مائة ~~وثلاثين حقة وبنتا لبون؛ لأنها مرة خمسون ومرتين أربعون، وفي مائة وأربعين ~~حقتان وبنت لبون، وفي مائة وخمسين ثلاث حقاق، وفي مائة وستين أربع بنات ~~لبون، وفي مائة وسبعين حقة وثلاث بنات لبون، وفي مائة وثمانين حقتان وبنتا ~~لبون، وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون إلى مائتين فإن شاء أدى من ~~المائتين أربع حقاق، وإن شاء خمس بنات لبون. # وقال الشافعي مثل قول مالك: إنه يدار الحساب على الخمسينات والأربعينات ~~في النصب، وعلى الحقاق وبنات اللبون في الواجب. # وإنما خالفه في فصل واحد وهو أنه قال: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين ~~واحدة ففيها ثلاث بنات لبون احتجا بما روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله ~~عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب كتاب الصدقات وقرنه بقراب ~~سيفه ولم يخرجه إلى عماله حتى قبض، ثم عمل به أبو بكر وعمر حتى قبضا وكان ~~فيه «إذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين ~~حقة» غير أن مالكا قال: لفظ الزيادة إنما تتناول زيادة يمكن اعتبار المنصوص ~~عليه فيها وذلك لا يكون فيما دون العشرة والشافعي قال: إن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - علق هذا الحكم بنفس الزيادة وذلك يحصل بزيادة الواحدة فعندهما ~~يوجب في كل أربعين بنت لبون. # وهذه الواحدة لتعيين الواجب ms0801 بها فلا يكون لها حظ من الواجب، ثم أعدل ~~الأسنان بنت لبون والحقة، فإن أدناها بنت مخاض وأعلاها الجذعة فالأعدل هو ~~المتوسط. # ولنا ما روي عن قيس بن سعد أنه قال: قلت لأبي بكر بن عمرو بن حزم أخرج ~~إلي كتاب الصدقات الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم ~~فأخرج كتابا في ورقة وفيه «فإذا زادت الإبل على مائة وعشرين استؤنفت ~~الفريضة فما كان أقل من خمس وعشرين ففيها الغنم في كل خمس ذود شاة» . # وروي هذا المذهب عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهما -، وهذا باب لا يعرف ~~بالاجتهاد فيدل على سماعهما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى روي ~~عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ما عندنا شيء نقرأه إلا كتاب الله عز وجل ~~وهذه الصحيفة فيها أسنان الإبل أخذتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لا يجوز أن نخا لفها وروي أنه أنفذها إلى عثمان فقال له: مر سعاتك فليعملوا ~~بها، فقال: لا حاجة لنا فيها معنا مثلها، وما هو خير منها فقد وافق عليا - ~~رضي الله عنهما -. # ولأن وجوب الحقتين في مائة وعشرين # PageV02P027 # ثابت باتفاق الأخبار وإجماع الأمة فلا يجوز إسقاطه إلا بمثله. # وبعد مائة وعشرين اختلفت الآثار فلا يجوز إسقاط ذلك الواجب عند اختلاف ~~الآثار بل يعمل بحديث عمرو بن حزم ويحمل حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - ~~على الزيادة الكثيرة حتى تبلغ مائتين وبه نقول: إن في كل أربعين بنت لبون ~~وفي كل خمسين حقة. # وأما قوله: إن الواجب في كل مال من جنسه فنعم إذا احتمل ذلك فلم قلتم: إن ~~الزيادة تحتمل الواجب من الجنس فإن الزيادة لا يمكن إلحاقها بالمائة ~~والعشرين لبقاء الحقتين فيها كما كانت، ومع بقاء الحقتين فيها على حالهما ~~لا يمكن البناء فلا تكون الزيادة مع بقاء الحقتين بعد محتملة للإيجاب من ~~جنسه، فلهذا صرنا إلى إيجاب القيمة فيها كما في الابتداء حتى أنه لما كان ~~أمكن البناء مع بقاء الحقتين بعد ms0802 مائة وخمسة وأربعين بنينا فنقلنا من بنات ~~المخاض إلى الحقة إذا بلغت مائة وخمسين فلأنها ثلاث مرات خمسين فيوجب من كل ~~خمسين حقة والله أعلم. ### | [فصل نصاب البقر] # (فصل) : # وأما نصاب البقر فليس في أقل من ثلاثين بقرا زكاة، وفي كل ثلاثين منها ~~تبيع أو تبيعة ولا شيء في الزيادة إلى تسع وثلاثين فإذا بلغت أربعين ففيها ~~مسنة وهذا مما لا خلاف فيه بين الأمة، والأصل فيه ما روي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «في كل ثلاثين من ~~البقر تبيع أو تبيعة وفي كل أربعين مسنة» . # فأما إذا زادت على الأربعين فقد اختلفت الرواية فيه ذكر في كتاب الزكاة ~~وما زاد على الأربعين ففي الزيادة بحساب ذلك ولم يفسر هذا الكلام، وذكر في ~~كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى إذا كان له إحدى وأربعين بقرة قال أبو ~~حنيفة: عليه مسنة وربع عشر مسنة، أو ثلث عشر تبيع. # وهذا يدل على أنه لا نصاب عنده في الزيادة على الأربعين، وأنه تجب فيه ~~الزكاة قل أو كثر بحساب ذلك. # وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يجب في الزيادة شيء حتى تبلغ خمسين فإذا ~~بلغت خمسين ففيها مسنة وربع مسنة أو ثلث تبيع. # وروى أسد بن عمرو عن أبي حنيفة أنه قال: ليس في الزيادة شيء حتى تكون ~~ستين فإذا كانت ستين ففيها تبيعان أو تبيعتان. # وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي، فإذا زاد على الستين يدار الحساب على ~~الثلاثينات والأربعينات في النصب وعلى الأتبعة والمسنات في الواجب، ويجعل ~~تسعة بينهما عفوا بلا خلاف فيجب في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين ~~مسنة فإذا كانت سبعين ففيها مسنة وتبيع، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ~~ثلاثة أتبعة، وفي مائة مسنة وتبيعان، وفي مائة وعشرة مسنتان وتبيع، وفي ~~مائة وعشرين ثلاث مسنات وأربعة أتبعة فإنها ثلاث مرات أربعين وأربع مرات ~~ثلاثين. # وعلى هذا الاعتبار يدار الحساب. # وجه رواية الأصل أن إثبات الوقص ms0803 والنصاب بالرأي لا سبيل إليه وإنما طريق ~~معرفته النص ولا نص فيما بين الأربعين إلى الستين فلا سبيل إلى إخلاء مال ~~الزكاة عن الزكاة، فأوجبنا فيما زاد على الأربعين بحساب ما سبق. # وجه رواية الحسن أن الأوقاص في البقر تسع تسع بدليل ما قبل الأربعين وما ~~بعد الستين، فكذلك فيما بين ذلك؛ لأنه ملحق بما قبله أو بما بعده فتجعل ~~التسعة عفوا فإذا بلغت خمسين ففيها مسنة وربع مسنة أو ثلث تبيع؛ لأن ~~الزيادة عشرة وهي ثلث وثلاثين وربع أربعين. # وجه رواية أسد بن عمرو وهي أعدل الروايات ما روي في حديث معاذ - رضي الله ~~عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: «لا تأخذ من أوقاص ~~البقر شيئا» وفسر معاذ الوقص بما بين الأربعين إلى الستين حتى قيل له: ما ~~تقول فيما بين الأربعين إلى الستين؟ فقال: تلك الأوقاص لا شيء فيها ولأن ~~مبنى زكاة السائمة على أنه لا يجب فيها الأشقاص دفعا للضرر عن أرباب ~~الأموال؛ ولهذا وجب في الإبل عند قلة العدد من خلاف الجنس تحرزا عن إيجاب ~~الشقص، فكذلك في زكاة البقر لا يجوز إيجاب الشقص والله أعلم. ### | [فصل نصاب الغنم] # (فصل) : # وأما نصاب الغنم فليس في أقل من أربعين من الغنم زكاة، فإذا كانت أربعين ~~ففيها شاة إلى مائة وعشرين، فإذا كانت مائة وإحدى وعشرين ففيها شاتان إلى ~~مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى أربعمائة، فإذا كانت أربعمائة ~~ففيها أربع شياه ثم في كل مائة شاة، وهذا قول عامة العلماء. # وقال الحسن بن حي إذا زادت على ثلاثمائة واحدة ففيها أربع شياه وفي ~~أربعمائة خمس شياه والصحيح قول العامة؛ لما روي في # PageV02P028 # حديث أنس أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - كتب له كتاب الصدقات الذي ~~كتبه له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه «وفي أربعين من الغنم شاة، ~~وفي مائة وواحدة وعشرين شاتان، وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه إلى أربعمائة ~~ففيها أربع شياه» . # وطريق معرفة النصب التوقيف دون الرأي ms0804 والاجتهاد والله أعلم هذا الذي ~~ذكرنا إذا كانت السوائم لواحد، فأما إذا كانت مشتركة بين اثنين فقد اختلف ~~فيه. # قال أصحابنا: إنه يعتبر في حال الشركة ما يعتبر في حال الانفراد وهو كمال ~~النصاب في حق كل واحد منهما فإن كان نصيب كل واحد منهما يبلغ نصابا تجب ~~الزكاة وإلا فلا. # وقال الشافعي: إذا كانت أسباب الإسامة متحدة وهو أن يكون الراعي والمرعى ~~والماء والمراح والكلب واحدا، والشريكان من أهل وجوب الزكاة عليهما يجعل ~~مالهما كمال واحد، وتجب عليهما الزكاة وإن كان كل واحد منهما لو انفرد لا ~~تجب عليه. # واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا يجمع بين ~~متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان بين خليطين فإنهما يتراجعان ~~بالسوية» فقد اعتبر النبي - صلى الله عليه وسلم - الجمع والتفريق حيث نهى ~~عن جمع المتفرق وتفريق المجتمع، وفي اعتبار حال الجمع بحال الانفراد في ~~اشتراط النصاب في حق كل واحد من الشريكين إبطال معنى الجمع وتفريق المجتمع. # (ولنا) ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس في سائمة ~~المرء المسلم إذا كانت أقل من أربعين صدقة» نفى وجوب الزكاة في أقل من ~~أربعين مطلقا عن حال الشركة والانفراد، فدل أن كمال النصاب في حق كل واحد ~~منهما شرط الوجوب. # وأما الحديث فقوله: - صلى الله عليه وسلم - " لا يجمع بين متفرق " ~~ودليلنا أن المراد منه التفرق في الملك لا في المكان؛ لإجماعنا على أن ~~النصاب الواحد إذا كان في مكانين تجب الزكاة فيه فكان المراد منه التفرق في ~~الملك، ومعناه إذا كان الملك متفرقا لا يجمع فيجعل كأنه لواحد لأجل الصدقة ~~كخمس من الإبل بين اثنين أو ثلاثين من البقر أو أربعين من الغنم حال عليهما ~~الحول وأراد المصدق أن يأخذ منها الصدقة ويجمع بين الملكين ويجعلهما كملك ~~واحد ليس له ذلك. # وكثمانين من الغنم بين اثنين حال عليهما الحول أنه يجب فيها شاتان على كل ~~واحد منهما شاة. # ولو أرادا ms0805 أن يجمعا بين الملكين فيجعلاهما ملكا واحدا خشية الصدقة فيعطيا ~~المصدق شاة واحدة ليس لهما ذلك لتفرق ملكيهما فلا يملكان الجمع لأجل ~~الزكاة. # وقوله " ولا يفرق بين مجتمع " أي في الملك كرجل له ثمانون من الغنم في ~~مرعتين مختلفتين أنه يجب عليه شاة واحدة. # ولو أراد المصدق أن يفرق المجتمع فيجعلها كأنها لرجلين فيأخذ منها شاتين ~~ليس له ذلك؛ لأن الملك مجتمع فلا يملك تفريقه. # وكذا لو كان له أربعون من الغنم في مرعتين مختلفتين تجب عليه الزكاة؛ لأن ~~الملك مجتمع فلا يجعل كالمتفرقين في الملك خشية الصدقة، أو يحتمل ما قلنا ~~فيحمل عليه عملا بالدليلين بقدر الإمكان. # وبيان هذه الجملة إذا كان خمس من الإبل بين اثنين حال عليهما الحول لا ~~زكاة فيها على أحدهما عندنا؛ لأن نصابه ناقص وعنده يجب عليهما شاة. # ولو كانت الإبل عشرا فعلى كل واحد منهما شاة بلا خلاف لكمال نصاب كل واحد ~~منهما. # وكذا لو كانت خمسة عشر عندنا وعنده ثلاث شياه، ولو كانت عشرين فعلى كل ~~واحد منهما شاتان؛ لأن نصاب كل واحد منهما كامل، ولو كانت خمسا وعشرين ~~فكذلك عندنا وعنده يجب عليهما بنت مخاض، ولو كان النصاب ثلاثين من البقر ~~فلا زكاة فيه عندنا وعنده يجب فيها تبيع عليهما، ولو كانت ستين ففيها ~~تبيعان على كل واحد منهما تبيع بلا خلاف. # وكذلك أربعون من الغنم بين اثنين لا شيء عليهما عندنا وعنده شاة واحدة ~~عليهما، ولو كانت ثمانين فعلى كل واحد منهما شاة عندنا وعنده عليهما شاة ~~واحدة، ولو كان بينه وبين رجل شاة وبينه وبين رجل آخر تمام ثمانين وذلك ~~تسعة وسبعون شاة ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي أن على قول أبي يوسف ~~عليه الزكاة، وعلى قول زفر لا زكاة عليه. # وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن على قول أبي حنيفة ومحمد وزفر لا ~~زكاة عليه بخلاف ما إذا كان الثمانون بينه وبين رجل واحد، وفي قول أبي ~~يوسف: عليه الزكاة كما إذا كان الثمانون بينه وبين ms0806 رجل واحد. # وجه قول من قال بالوجوب أن الزكاة تجب عند كمال النصاب، وفي ملكه نصاب ~~كامل فتجب فيه الزكاة كما لو كانت مشتركة بينه وبين رجل واحد. # وجه قول من قال لا يجب أنه لو قسم لا يصيبه نصاب كامل؛ لأنه لا يملك من ~~شاة # PageV02P029 # واحدة إلا نصفها فلا يكمل النصاب فلا تجب الزكاة. # وكذلك ستون من البقر أو عشر من الإبل إذا كانت مشتركة على الوجه الذي ~~وصفنا فهو على ما ذكرنا من الاختلاف، وكل جواب عرفته في السوائم المشتركة ~~فهو الجواب في الذهب والفضة وأموال التجارة وقد ذكرنا فيما تقدم وذكر ~~الطحاوي، وكذلك الزروع وهذا محمول على مذهب أبي يوسف ومحمد؛ لأن النصاب ~~عندهما شرط لوجوب العشر وذلك خمسة أوسق فأما على مذهب أبي حنيفة لا يستقيم؛ ~~لأن النصاب ليس بشرط لوجوب العشر بل يجب في القليل والكثير، ثم إذا حضر ~~المصدق بعد تمام الحول على المال المشترك بينهما فإنه يأخذ الصدقة منه إذا ~~وجد فيه واجبا على الاختلاف ولا ينتظر القسمة؛ لأن اشتراكهما على علمهما ~~يوجب الزكاة في المال المشترك. # وإن المصدق لا يتميز له المال فيكون إذن من كل واحد منهما بأخذ الزكاة من ~~ماله دلالة، ثم إذا أخذ ينظر إن كان المأخوذ حصة كل واحد منهما لا غير بأن ~~كان المال بينهما على السوية فلا تراجع بينهما؛ لأن ذلك القدر كان واجبا ~~على كل واحد منهما بالسوية، وإن كانت الشركة بينهما على التفاوت فأخذ من ~~أحدهما زيادة لأجل صاحبه فإنه يرجع على صاحبه بذلك القدر. # وبيان ذلك إذا كان ثمانون من الغنم بين رجلين فأخذ المصدق منها شاتين فلا ~~تراجع ههنا؛ لأن الواجب على كل واحد منهما بالسوية وهو شاة فلم يأخذ من كل ~~واحد منهما إلا قدر الواجب عليه فليس له أن يرجع بشيء ولو كانت الثمانون ~~بينهما أثلاثا يجب فيها شاة واحدة على صاحب الثلثين لكمال نصابه وزيادة ولا ~~شيء على صاحب الثلث لنقصان نصابه فإذا حضر المصدق وأخذ من عرضها شاة ms0807 واحدة ~~يرجع صاحب الثلث على صاحب الثلثين بثلث قيمة الشاة؛ لأن كل شاة بينهما ~~أثلاثا فكانت الشاة المأخوذة بينهما أثلاثا فقد أخذ المصدق من نصيب صاحب ~~الثلث ثلث شاة لأجل صاحب الثلثين فكان له أن يرجع بقيمة الثلث. # وكذلك إذا كان مائة وعشرون من الغنم بين رجلين لأحدهما ثلثاها وللآخر ~~ثلثها ووجب على كل واحد منهما شاة فجاء المصدق وأخذ من عرضها شاتين كان ~~لصاحب الثلثين أن يرجع على صاحب الثلث بقيمة ثلث شاة؛ لأن كل شاة بينهما ~~أثلاثا ثلثاها لصاحب الثمانين. # والثلث لصاحب الأربعين فكانت الشاتان المأخوذتان بينهما أثلاثا لصاحب ~~الثلثين شاة وثلث شاة ولصاحب الثلث ثلثا شاة والواجب عليه شاة كاملة فأخذ ~~المصدق من نصيب صاحب الثلثين شاة وثلث شاة ومن نصيب صاحب الثلث ثلثي شاة ~~فقد صار آخذا من نصيب صاحب الثلثين ثلث شاة لأجل زكاة صاحب الثلث، فيرجع ~~صاحب الثلثين على صاحب الثلث بقيمة ثلث شاة وهذا والله أعلم معنى قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - «وما كان بين الخليطين فإنهما يتراجعان بالسوية» . ### | [فصل صفة نصاب السائمة] # (فصل) : # وأما صفة نصاب السائمة فله صفات منها أن يكون معدا للإسامة وهو أن يسيمها ~~للدر والنسل لما ذكرنا أن مال الزكاة هو المال النامي وهو المعد للاستنماء، ~~والنماء في الحيوان بالإسامة إذ بها يحصل النسل فيزداد المال فإن أسيمت ~~للحمل أو الركوب أو اللحم فلا زكاة فيها ولو أسيمت للبيع والتجارة ففيها ~~زكاة مال التجارة لا زكاة السائمة، ثم السائمة هي الراعية التي تكتفي ~~بالرعي عن العلف ويمونها ذلك ولا تحتاج إلى أن تعلف، فإن كانت تسام في بعض ~~السنة وتعلف وتمان في البعض يعتبر فيه الغالب؛ لأن للأكثر حكم الكل. # ألا ترى أن أهل اللغة لا يمنعون من إطلاق اسم السائمة على ما تعلف زمانا ~~قليلا من السنة؟ ولأن وجوب الزكاة فيها لحصول معنى النماء وقلة المؤنة؛ لأن ~~عند ذلك يتيسر الأداء فيحصل الأداء عن طيب نفس وهذا المعنى يحصل إذا أسيمت ~~في أكثر السنة. # ومنها أن يكون ms0808 الجنس فيه واحدا من الإبل والبقر والغنم سواء اتفق النوع ~~والصفة أو اختلفا، فتجب الزكاة عند كمال النصاب من كل جنس من السوائم، ~~وسواء كانت كلها ذكورا أو إناثا أو مختلطة، وسواء كانت من نوع واحد أو ~~أنواع مختلفة كالعراب والبخاتى في الإبل، والجواميس في البقر، والضأن ~~والمعز في الغنم؛ لأن الشرع ورد بنصابها باسم الإبل والبقر والغنم فاسم ~~الجنس يتناول جميع الأنواع بأي صفة كانت كاسم الحيوان وغير ذلك. # وسواء كان متولدا من الأهلي أو من أهلي ووحشي بعد أن كان الأم أهليا ~~كالمتولد من الشاة والظبي إذا كان أمه شاة والمتولد من البقر الأهلي ~~والوحشي إذا كان أمه أهلية فتجب فيه الزكاة ويكمل به النصاب عندنا وعند ~~الشافعي # PageV02P030 # لا زكاة فيه. # وجه قوله أن الشرع ورد باسم الشاة بقوله: «في أربعين شاة شاة» ، وهذا وإن ~~كان شاة بالنسبة إلى الأم فليس بشاة بالنسبة إلى الفحل فلا يكون شاة على ~~الإطلاق فلا يتناوله النص. # (ولنا) أن جانب الأم راجح بدليل أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية، ~~ولما نذكر في كتاب العتاق إن شاء الله تعالى # ومنها السن وهو أن تكون كلها مسان أو بعضها فإن كان كلها صغارا فصلانا أو ~~حملانا أو عجاجيل فلا زكاة فيها وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. # وكان أبو حنيفة يقول أولا: يجب فيها ما يجب في الكبار وبه أخذ زفر ومالك ~~ثم رجع وقال: يجب فيها واحدة منها وبه أخذ أبو يوسف والشافعي، ثم رجع وقال: ~~لا يجب فيها شيء واستقر عليه وبه أخذ محمد. # واختلفت الرواية عن أبي يوسف في زكاة الفصلان، في رواية قال: لا زكاة ~~فيها حتى تبلغ عددا لو كانت كبارا تجب فيها واحدة منها وهو خمسة وعشرون، ~~وفي رواية قال: في الخمس خمس فصيل، وفي العشر خمس فصيل، وفي خمسة عشر ثلاثة ~~أخماس فصيل، وفي عشرين أربعة أخماس فصيل، وفي خمس وعشرين واحدة منها، وفي ~~رواية قال: في الخمس ينظر إلى قيمة شاة وسط وإلى قيمة خمس فصيل ms0809 فيجب ~~أقلهما، وفي العشر ينظر إلى قيمة شاتين وإلى قيمة خمسي فصيل فيجب أقلهما، ~~وفي خمسة عشر ينظر إلى قيمة ثلاث شياه وإلى قيمة ثلاثة أخماس فصيل فيجب ~~أقلهما، وفي عشرين ينظر إلى قيمة أربعة شياه وإلى قيمة أربعة أخماس فصيل ~~فيجب أقلهما، وفي خمس وعشرين يجب واحدة منها، وعلى رواياته كلها قال: لا ~~تجب في الزيادة على خمس وعشرين شيء حتى تبلغ العدد الذي لو كانت كبارا يجب ~~فيها اثنان وهو ستة وسبعون، ثم لا يجب فيها شيء حتى تبلغ العدد الذي لو ~~كانت كبارا يجب فيها ثلاثة وهو خمسة وأربعون. # واحتج زفر بعموم قول النبي: - صلى الله عليه وسلم - «في خمس وعشرين من ~~الإبل بنت مخاض» ، وقوله: «في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة» من غير فصل ~~بين الكبار والصغار. # وبه تبين أن المراد من الواجب في قوله: «في خمس من الإبل شاة» ، وفي قوله ~~«في أربعين شاة شاة» هو الكبيرة لا الصغيرة ولأبي يوسف أنه لا بد من ~~الإيجاب في الصغار لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «في خمس من الإبل ~~شاة، وفي أربعين شاة شاة» لكن لا سبيل إلى إيجاب المسنة لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - للسعاة: «إياكم وكرائم أموال الناس» ، وقوله: «لا تأخذوا ~~من حزرات الأموال ولكن خذوا من حواشيها» وأخذ الكبار من الصغار أخذ من ~~كرائم الأموال وحزراتها وإنه منهي؛ ولأن مبنى الزكاة على النظر من الجانبين ~~جانب الملاك وجانب الفقراء ألا ترى أن الواجب هو الوسط؟ وما كان ذلك الأمر ~~إلا مراعاته الجانبين، وفي إيجاب المسنة إضرار بالملاك؛ لأن قيمتها قد تزيد ~~على قيمة النصاب وفيه إجحاف بأرباب الأموال وفي نفي الوجوب رأسا إضرار ~~بالفقراء فكان العدل في إيجاب واحدة، منها وقد روي عن أبي بكر الصديق - رضي ~~الله عنه - أنه قال: لو منعوني عناقا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لقاتلتهم، والعناق هي الأنثى الصغيرة من أولاد المعز، فدل ~~أن أخذ الصغار زكاة كان أمرا ظاهرا في ms0810 زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ولأبي حنيفة ومحمد أن تنصيب النصاب بالرأي ممتنع، وإنما يعرف بالنص، ~~والنص إنما ورد باسم الإبل والبقر والغنم، وهذه الأسامي لا تتناول الفصلان ~~والحملان والعجاجيل فلم يثبت كونها نصابا وعن أبي بن كعب أنه قال وكان مصدق ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: في عهدي أن لا آخذ من راضع اللبن شيئا. # وأما قول الصديق: - رضي الله عنه - " لو منعوني عناقا " فقد روي عنه أنه ~~قال: لو منعوني عقالا وهو صدقة عام أو الحبل الذي يعقل به الصدقة. # فتعارضت الرواية فيه فلم يكن حجة، ولئن ثبت فهو كلام تمثيل لا تحقيق أي: ~~لو وجبت هذه ومنعوها لقاتلتهم. # وأما صورة هذه المسألة فقد تكلم المشايخ فيها؛ لأنها مشكلة إذ الزكاة لا ~~تجب قبل تمام الحول وبعد تمامه لا يبقى اسم الفصيل والحمل والعجول بل تصير ~~مسنة. # قال بعضهم: الخلاف في أن الحول هل ينعقد عليها وهي صغارا؟ ويعتبر انعقاد ~~الحول عليها إذا كبرت وزالت صفة الصغر عنها. # وقال بعضهم: الخلاف فيما إذا كان له نصاب من النوق فمضى عليها ستة أشهر ~~أو أكثر فولدت أولادا ثم ماتت الأمهات وتم الحول على الأولاد وهي صغار هل ~~تجب الزكاة في الأولاد أم لا؟ وعلى هذا الاختلاف إذا كان له مسنات فاستفاد ~~في خلال الحول صغارا ثم هلكت المسنات وبقي المستفاد أنه هل تجب الزكاة في ~~المستفاد؟ فهو على ما ذكرنا، وإلى هذا أشار محمد - رحمه الله تعالى - في ~~الكتاب فيمن كان له أربعون حملا وواحدة مسنة # PageV02P031 # فهلكت المسنة وتم الحول على الحملان أنه لا يجب شيء عند أبي حنيفة ومحمد، ~~وعند أبي يوسف تجب واحدة منها، وعند زفر تجب مسنة، هذا إذا كان الكل صغارا ~~فأما إذا اجتمعت الصغار والكبار وكان واحد منهما كبيرا فإن الصغار تعد ويجب ~~فيها ما يجب في الكبار وهو المسنة بلا خلاف؛ لما روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «وتعد صغارها وكبارها» . # وروي أن الناس شكوا إلى ms0811 عمر عامله وقالوا: إنه يعد علينا السخلة ولا ~~يأخذها منا، فقال عمر: أليس يترك لكم الربى والماخض والأكيلة وفحل الغنم؟ ~~ثم قال: عدها ولو راح بها الراعي على كفه ولا تأخذها منهم، ولأنها إذا كانت ~~مختلطة بالكبار أو كان فيها كبير دخلت تحت اسم الإبل والبقر والغنم فتدخل ~~تحت عموم النصوص فيجب فيها ما يجب في الكبار، ولأنه إذا كان فيها مسنة كانت ~~تبعا للمسنة فيعتبر الأصل دون التبع، فإن كان واحد منها مسنة فهلكت المسنة ~~بعد الحول سقطت الزكاة عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف تجب في الصغار ~~وزكاتها بقدرها حتى لو كانت حملانا يجب عليه تسعة وثلاثون جزءا من أربعين ~~جزءا من الحمل؛ لأن عندهما وجوب الزكاة في الصغار لأجل الكبار تبعا لها ~~فكانت أصلا في الزكاة فهلاكها كهلاك الجميع، وعنده الصغار أصل في النصاب. # والواجب واحد منها، وإنما الفصل على الحمل الواحد باعتبار المسنة فهلاكها ~~يسقط الفصل لا أصل الواجب. # ولو هلكت الحملان وبقيت المسنة يؤخذ قسطها من الزكاة وذلك جزءا من أربعين ~~جزءا من المسنة؛ لأن المسنة كانت سبب زكاة نفسها وزكاة تسعة وثلاثين سواها؛ ~~لأن كل الفريضة كانت فيها لكن أعطى الصغار حكم الكبار تبعا لها فصارت ~~الصغار كأنها كبار فإذا هلكت الحملان هلكت بقسطها من الفريضة وبقيت المسنة ~~بقسطها من الفريضة، وهو ما ذكرنا، ثم الأصل حال اختلاط الصغار بالكبار أنه ~~تجب الزكاة في الصغار تبعا للكبار إذا كان العدد الواجب في الكبار موجودا ~~في الصغار في قولهم جميعا فإذا لم يكن عدد الواجب في الكبار كله موجودا في ~~الصغار فإنها تجب بقدر الموجود على أصل أبي حنيفة ومحمد بيان ذلك إذا كان ~~له مسنتان ومائة وتسعة عشر حملا يجب فيها مسنتان بلا خلاف؛ لأن عدد الواجب ~~موجود فيه. # وإن كان له مسنة واحدة ومائة وعشرون حملا أخذت تلك المسنة لا غير في قول ~~أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف تؤخذ المسنة وحمل وكذلك ستون من العجاجيل ~~فيها تبيع عند أبي حنيفة ومحمد ms0812 يؤخذ التبيع لا غير، وعند أبي يوسف يؤخذ ~~التبيع وعجول وكذلك ستة وسبعون من الفصلان فيها بنت لبون أنها تؤخذ فحسب في ~~قولهما، وعند أبي يوسف تؤخذ بنت لبون وفصيل؛ لأن الوجوب لا يتعلق بالصغار ~~أصلا عندهما وعنده يتعلق بها والله أعلم. ### | [فصل مقدار الواجب في السوائم] # (فصل) : # وأما مقدار الواجب في السوائم فقد ذكرنا في بيان مقدار نصاب السوائم من ~~الإبل والبقر والغنم وهو الأسنان المعروفة من بنت المخاض وبنت اللبون، ~~والحقة والجذعة، والتبيع، والمسنة، والشاة ولا بد من معرفة معاني هذه ~~الأسماء فبنت المخاض هي التي تمت لها سنة ودخلت في الثانية سميت بذلك؛ لأن ~~أمها صارت حاملا بولد آخر بعدها، والماخض اسم للحامل من النوق وبنت اللبون ~~هي التي تمت لها سنتان ودخلت في الثالثة سميت بذلك؛ لأن أمها حملت بعدها ~~وولدت فصارت ذات لبن واللبون هي ذات اللبن. # والحقة هي التي تمت لها ثلاث سنين وطعنت في الرابعة سميت بذلك إما ~~لاستحقاقها الحمل والركوب أو لاستحقاقها الضراب. # والجذعة هي التي تمت لها أربع سنين وطعنت في الخامسة ولا اشتقاق لاسمها، ~~والذكور منها ابن مخاض وابن لبون وحق وجذع ووراء هذه أسنان من الإبل من ~~الثني والسديس والبازل لكن لا مدخل لها في باب الزكاة فلا معنى لذكر ~~معانيها في كتب الفقه والتبيع الذي تم له حول ودخل في الثاني والأنثى منه ~~التبيعة. # والمسنة التي تمت لها سنتان وطعنت في الثالثة والذكر منه المسن. # وأما الشاة فذكر في الأصل عن أبي حنيفة أنه لا يجوز إلا الثني فصاعدا ~~والثني من الشاة هي التي دخلت في السنة الثانية، وروى الحسن عن أبي حنيفة ~~أنه يجوز الجذع من الضأن والثني من المعز وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي ~~وما ذكره الطحاوي يقتضي أن يجوز أخذ الجذع من الضأن والثني من المعز؛ لأنه ~~قال: ولا يؤخذ في الصدقة إلا ما يجوز في الأضحية والجذع من الضأن يجوز في ~~الأضحية. # وقول الطحاوي يؤيد رواية الحسن، والجذع # PageV02P032 # من الغنم الذي أتى عليه ms0813 ستة أشهر وقيل الذي أتى عليه أكثر السنة ولا خلاف ~~في أنه لا يجوز من المعز إلا الثني. # وجه رواية الحسن ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنما ~~حقنا في الجذعة والثنية؛» ولأن الجذع يجوز في الأضاحي فلأن يجوز في الزكاة ~~أولى؛ لأن الأضحية أكثر شروطا من الزكاة فالجواز هناك يدل على الجواز ههنا ~~من طريق الأولى. # وجه ظاهر الرواية ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لا يجزئ في ~~الزكاة إلا الثني من المعز فصاعدا ولم يرو عن غيره من الصحابة خلافه فيكون ~~إجماعا من الصحابة مع أن هذا ما باب لا يدرك بالاجتهاد، فالظاهر أنه قال ~~ذلك سماعا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم. ### | [فصل صفة الواجب في السوائم] # (فصل) : # وأما صفة الواجب في السوائم فالواجب فيها صفات لا بد من معرفتها منها ~~الأنوثة في الواجب في الإبل من جنسها من بنت المخاض وبنت اللبون والحقة ~~والجذعة ولا يجوز الذكور منها وهو ابن المخاض وابن اللبون والحق والجذع إلا ~~بطريق القيمة؛ لأن الواجب فيها إنما عرف بالنص والنص ورد فيها بالإناث فلا ~~يجوز الذكور إلا بالتقويم؛ لأن دفع القيم في باب الزكاة جائز عندنا. # وأما في البقر فيجوز فيها الذكر والأنثى لورود النص بذلك وهو قول النبي: ~~- صلى الله عليه وسلم - «وفي ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة» . # وكذا في الإبل فيما دون خمس وعشرين؛ لأن النص ورد باسم الشاة وإنها تقع ~~على الذكر والأنثى. # وكذا في الغنم عندنا يجوز في زكاتها الذكر والأنثى، وقال الشافعي: لا ~~يجوز الذكر إلا إذا كانت كلها ذكورا. # وهذا فاسد؛ لأن الشرع ورد فيها باسم الشاة. # قال النبي: - صلى الله عليه وسلم - «في أربعين شاة شاة» واسم الشاة يقع ~~على الذكر والأنثى في اللغة، ومنها أن يكون وسطا فليس للساعي أن يأخذ الجيد ~~ولا الرديء إلا من طريق التقويم برضا صاحب المال؛ لما روي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال ms0814 للسعاة: «إياكم وحزرات أموال الناس وخذوا من ~~أوساطها» . # وروي أنه قال للساعي: «إياك وكرائم أموال الناس، وخذ من حواشيها، واتق ~~دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» وفي الخبر المعروف «أنه رأى ~~في إبل الصدقة ناقة كوماء فغضب على الساعي وقال: ألم أنهكم عن أخذ كرائم ~~أموال الناس؟ حتى قال الساعي: أخذتها ببعيرين يا رسول الله» . # ولأن مبنى الزكاة على مراعاة الجانبين وذلك في أخذ الوسط لما في أخذ ~~الخيار من الإضرار بأرباب الأموال وفي أخذ الأرذال من الإضرار بالفقراء ~~فكان نظر الجانبين في أخذ الوسط والوسط هو أن يكون أدون من الأرفع، وأرفع ~~من الأدون كذا فسره محمد في المنتقى. # ولا يؤخذ في الصدقة الربى بضم الراء، ولا الماخض، ولا الأكيلة، ولا فحل ~~الغنم قال محمد: الربى التي تربي ولدها، والأكيلة التي تسمن للأكل، والماخض ~~التي في بطنها ولد، ومن الناس من طعن في تفسير محمد الربى والأكيلة وزعم أن ~~الربى المرباة والأكيلة المأكولة وطعنه مردود عليه، وكان من حقه تقليد محمد ~~إذ هو كما كان إماما في الشريعة كان إماما في اللغة واجب التقليد فيها ~~كتقليد نقلة اللغة كأبي عبيد، والأصمعي، والخليل، والكسائي، والفراء وغيرهم ~~وقد قلده أبو عبيد القاسم بن سلام مع جلالة قدره واحتج بقوله، وسأل أبو ~~العباس ثعلب عن الغزالة فقال: هي عين الشمس، ثم قال: أما ترى أن محمد بن ~~الحسن قال لغلامه يوما: انظر هل دلكت الغزالة يعني الشمس؟ ، وكان ثعلب ~~يقول: محمد بن الحسن عندنا من أقران سيبويه، وكان قوله حجة في اللغة فكان ~~على الطاعن تقليده فيها، كيف؟ وقد ذكر صاحب الديوان ومجمل اللغة ما يوافق ~~قوله في الربى قال صاحب الديوان: الربى التي وضعت حديثا أي: هي قريبة العهد ~~بالولادة، وقال صاحب المجمل: الربى الشاة التي تحبس في البيت للبن فهي ~~مربية لا مرباة. # والأكيلة وإن فسرت في بعض كتب اللغة بما قاله الطاعن لكن تفسير محمد أولى ~~وأوفق للأصول؛ لأن الأصل أن المفعول إذا ذكر بلفظ فعيل يستوي ms0815 فيه الذكر ~~والأنثى ولا يدخل فيه هاء التأنيث يقال: امرأة قتيل وجريح من غير هاء ~~التأنيث فلو كانت الأكيلة المأكولة لما أدخل فيها الهاء على اعتبار الأصل، ~~ولما أدخل الهاء دل أنها ليست باسم المأكولة بل لما أعد للأكل كالأضحية ~~أنها اسم لما أعد للتضحية والله أعلم. # وسواء كان النصاب من نوع واحد أو من نوعين كالضأن والمعز والبقر ~~والجواميس والعراب والبخت أن المصدق يأخذ منها واحدة وسطا على التفسير الذي ~~ذكرناه وقال الشافعي في أحد قوليه: يأخذ من الغالب وقال في القول الآخر: ~~إنه يجمع بين قيمة شاة من الضأن وشاة من المعز وينظر في # PageV02P033 # نصف القيمتين فيأخذ شاة بقيمة ذلك من أي النوعين كانت وهو غير سديد لما ~~روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى عن أخذ كرائم أموال الناس ~~وحزراتها» وأمر بأخذ أوساطها من غير فصل بين ما إذا كان النصاب من نوع واحد ~~أو نوعين. # ولو كان له خمس من الإبل كلها بنات مخاض أو كلها بنات لبون أو حقاق أو ~~جذاع ففيها شاة وسط؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «في خمس من الإبل شاة» ~~وإن كانت عجافا فإن كان فيها بنت مخاض وسط أو أعلى سنا منها ففيها أيضا شاة ~~وسط. # وكذلك إن كانت خمسا وعشرين ففيها بنت مخاض وسط أنه يجب فيها بنت مخاض ~~وتؤخذ تلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - «في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض» ~~وإن كانت جيدة لا يأخذ المصدق الجيدة ولكن يأخذ قيمة بنت مخاض وسط، وإن أخذ ~~الجيدة يرد الفضل، وإن كانت كلها عجافا ليس فيها بنت مخاض ولا ما يساوي ~~قيمتها قيمة بنت مخاض بل قيمتها دون قيمة بنت مخاض أوساط ففيها شاة بقدرها. # وطريق معرفة ذلك أن تجعل بنت مخاض وسطا حكما في الباب فينظر إلى قيمتها ~~وإلى قيمة أفضلها من النصاب إن كانت قيمة بنت مخاض وسط مثلا مائة درهم، ~~وقيمة أفضلها خمسين تجب شاة قيمتها قيمة نصف شاة. # وكذلك لو كان التفاوت ms0816 أكثر من النصف أو أقل فكذلك يجب على قدره وهي من ~~مسائل الزيادات تعرف هناك ثم إذا وجب الوسط في النصاب فلم يوجد الوسط ووجد ~~سن أفضل منه أو دونه قال محمد في الأصل: إن المصدق بالخيار إن شاء أخذ قيمة ~~الواجب وإن شاء أخذ الأدون وأخذ تمام قيمة الواجب من الدراهم، وقيل ينبغي ~~أن يكون الخيار لصاحب السائمة إن شاء دفع القيمة وإن شاء دفع الأفضل واسترد ~~الفضل من الدراهم وإن شاء دفع الأدون ودفع الفضل من الدراهم؛ لأن دفع ~~القيمة في باب الزكاة جائز عندنا والخيار في ذلك لصاحب المال دون المصدق، ~~وإنما يكون الخيار للمصدق في فصل واحد وهو ما إذا أراد صاحب المال أن يدفع ~~بعض العين لأجل الواجب فالمصدق بالخيار بين أنه لا يأخذ وبين أنه يأخذ بأن ~~كان الواجب بنت لبون فأراد صاحب المال أن يدفع بعض الحقة بطريق القيمة، أو ~~كان الواجب حقة فأراد أن يدفع بعض الجذعة بطريق القيمة فالمصدق بالخيار إن ~~شاء قبل وإن شاء لم يقبل لما فيه من تشقيص العين والشقص في الأعيان عيب، ~~فكان له أن لا يقبل فأما فيما سوى ذلك فلا خيار له وليس له أن يمتنع من ~~القبول والله أعلم. ### | [فصل حكم الخيل] # (فصل) : # وأما حكم الخيل فجملة الكلام فيه أن الخيل لا تخلو إما أن تكون علوفة أو ~~سائمة، فإن كانت علوفة بأن كانت تعلف للركوب، أو للحمل، أو للجهاد في سبيل ~~الله فلا زكاة فيها؛ لأنها مشغولة بالحاجة ومال الزكاة هو المال النامي ~~الفاضل عن الحاجة لما بينا فيما تقدم وإن كانت تعلف للتجارة ففيها الزكاة ~~بالإجماع لكونها مالا ناميا فاضلا عن الحاجة؛ لأن الإعداد للتجارة دليل ~~النماء والفضل عن الحاجة، وإن كانت سائمة فإن كانت تسام للركوب والحمل أو ~~للجهاد والغزو فلا زكاة فيها لما بينا، وإن كانت تسام للتجارة ففيها الزكاة ~~بلا خلاف وإن كانت تسام للدر والنسل فإن كانت مختلطة ذكورا وإناثا فقد قال ~~أبو حنيفة: تجب الزكاة فيها قولا ms0817 واحدا وصاحبها بالخيار إن شاء أدى من كل ~~فرس دينارا، وإن شاء قومها وأدى من كل مائتي درهم خمسة دراهم. # وإن كانت إناثا منفردة ففيها روايتان عنه ذكرهما الطحاوي وإن كانت ذكورا ~~منفردة ففيها روايتان عنه أيضا ذكرهما الطحاوي في الآثار، وقال أبو يوسف ~~ومحمد: لا زكاة فيها كيفما كانت، وبه أخذ الشافعي احتجوا بما روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق إلا ~~أن في الرقيق صدقة الفطر» . # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس على المسلم في عبده ولا ~~في فرسه صدقة» ، وكل ذلك نص في الباب، ولأن زكاة السائمة لا بد لها من نصاب ~~مقدر كالإبل والبقر والغنم، والشرع لم يرد بتقدير النصاب في السائمة منها ~~فلا يجب فيها زكاة السائمة كالحمير. # ولأبي حنيفة ما روي عن جابر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «في كل فرس سائمة دينار، وليس في الرابطة شيء» . # وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - في ~~صدقة الخيل أن خير أربابها فإن شاءوا أدوا من كل فرس دينارا وإلا قومها وخذ ~~من كل مائتي درهم خمسة دراهم. # وروي # PageV02P034 # عن السائب بن يزيد - رضي الله عنه - أن عمر - رضي الله عنه - لما بعث ~~العلاء بن الحضرمي إلى البحرين أمره أن يأخذ من كل فرس شاتين أو عشرة ~~دراهم، ولأنها مال نام فاضل عن الحاجة الأصلية فتجب فيها الزكاة كما لو ~~كانت للتجارة. # وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق ~~" فالمراد منها الخيل المعدة للركوب والغزو لا للإسامة بدليل أنه فرق بين ~~الخيل وبين الرقيق والمراد منها عبيد الخدمة ألا ترى أنه أوجب فيها صدقة ~~الفطر؟ وصدقة الفطر إنما تجب في عبيد الخدمة أو يحتمل ما ذكرنا فيحمل عليه ~~عملا بالدليلين بقدر الإمكان وهو الجواب عن تعلقهم بالحديث الآخر. # وأما إذا كان الكل إناثا أو ذكورا فوجه رواية ms0818 الوجوب الاعتبار بسائر ~~السوائم من الإبل والبقر والغنم أنه تجب الزكاة فيها وإن كان كلها إناثا أو ~~ذكورا كذا ههنا والصحيح أنه لا زكاة فيها لما ذكرنا أن مال الزكاة هو المال ~~النامي ولا نماء فيها بالدر والنسل ولا لزيادة اللحم؛ لأن لحمها غير مأكول ~~عنده بخلاف الإبل والبقر والغنم؛ لأن لحمها مأكول فكان زيادة اللحم فيها ~~بالسمن بمنزلة الزيادة بالدر والنسل والله أعلم. # وأما البغال والحمير فلا شيء فيها وإن كانت سائمة؛ لأن المقصود منها ~~الحمل والركوب عادة لا الدر والنسل لكنها قد تسام في غير وقت الحاجة لدفع ~~مؤنة العلف. # وإن كانت للتجارة تجب الزكاة فيها. ### | [فصل بيان من له المطالبة بأداء الواجب في السوائم والأموال الظاهرة] # (فصل) : # وأما بيان من له المطالبة بأداء الواجب في السوائم والأموال الظاهرة ~~فالكلام فيه يقع في مواضع في بيان من له ولاية الأخذ، وفي بيان شرائط ثبوت ~~ولاية الآخذ، وفي بيان القدر المأخوذ أما الأول فمال الزكاة نوعان ظاهر وهو ~~المواشي والمال الذي يمر به التاجر على العاشر، وباطن وهو الذهب والفضة ~~وأموال التجارة في مواضعها أما الظاهر فللإمام ونوابه وهم المصدقون من ~~السعاة والعشار ولاية الأخذ، والساعي هو الذي يسعى في القبائل ليأخذ صدقة ~~المواشي في أماكنها، والعاشر هو الذي يأخذ الصدقة من التاجر الذي يمر عليه، ~~والمصدق اسم جنس والدليل على أن للإمام ولاية الأخذ في المواشي والأموال ~~الظاهرة الكتاب والسنة والإجماع وإشارة الكتاب. # أما الكتاب فقوله تعالى {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] والآية نزلت ~~في الزكاة، عليه عامة أهل التأويل، أمر الله عز وجل نبيه بأخذ الزكاة فدل ~~أن للإمام المطالبة بذلك والأخذ. # قال الله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها} ~~[التوبة: 60] فقد بين الله تعالى ذلك بيانا شافيا حيث جعل للعاملين عليها ~~حقا، فلو لم يكن للإمام أن يطالب أرباب الأموال بصدقات الأنعام في أماكنها ~~وكان أداؤها إلى أرباب الأموال لم يكن لذكر العاملين وجه. # وأما السنة «فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث ms0819 المصدقين إلى ~~أحياء العرب والبلدان والآفاق لأخذ الصدقات من الأنعام والمواشي في ~~أماكنها» وعلى ذلك فعل الأئمة من بعده من الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر ~~وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - حتى قال الصديق - رضي الله عنه - لما امتنعت ~~العرب عن أداء الزكاة: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لحاربتهم عليه وظهر العمال بذلك من بعدهم إلى يومنا ~~هذا. # وكذا المال الباطن إذا مر به التاجر على العاشر كان له أن يأخذ في ~~الجملة؛ لأنه لما سافر به وأخرجه من العمران صار ظاهرا والتحق بالسوائم، ~~وهذا؛ لأن الإمام إنما كان له المطالبة بزكاة المواشي في أماكنها لمكان ~~الحماية؛ لأن المواشي في البراري لا تصير محفوظة إلا بحفظ السلطان وحمايته، ~~وهذا المعنى موجود في مال يمر به التاجر على العاشر، فكان كالسوائم، وعليه ~~إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإن عمر - رضي الله عنه - نصب العشار وقال ~~لهم: خذوا من المسلم ربع العشر، ومن الذمي نصف العشر، ومن الحربي العشر ~~وكان ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - ولم ينقل أنه أنكر عليه واحد ~~منهم فكان إجماعا. # وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عماله بذلك وقال: أخبرني بهذا من ~~سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وأما المال الباطن الذي يكون في المصر فقد قال عامة مشايخنا: إن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - طالب بزكاته، وأبو بكر وعمر طالبا، وعثمان ~~طالب زمانا ولما كثرت أموال الناس ورأى أن في تتبعها حرجا على الأمة وفي ~~تفتيشها ضررا بأرباب الأموال فوض الأداء إلى أربابها. # وذكر إمام الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي السمرقندي - رحمه الله - ~~وقال: لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث في مطالبة # PageV02P035 # المسلمين بزكاة الورق وأموال التجارة ولكن الناس كانوا يعطون ذلك، ومنهم ~~من كان يحمل إلى الأئمة فيقبلون منه ذلك، ولا يسألون أحدا عن مبلغ ماله ولا ~~يطالبونه بذلك إلا ما كان من توجيه عمر - رضي الله عنه ms0820 - العشار إلى ~~الأطراف، وكان ذلك منه عندنا والله أعلم عمن بعد داره وشق عليه أن يحمل ~~صدقته إليه، وقد جعل في كل طرف من الأطراف عاشر التجار أهل الحرب والذمة ~~وأمر أن يأخذوا من تجار المسلمين ما يدفعونه إليه. # وكان ذلك من عمر تخفيفا على المسلمين إلا أن على الإمام مطالبة أرباب ~~الأموال العين وأموال التجارة بأداء الزكاة إليهم سوى المواشي والأنعام وأن ~~مطالبة ذلك إلى الأئمة إلا أن يأتي أحدهم إلى الإمام بشيء من ذلك فيقبله ~~ولا يتعدى عما جرت به العادة والسنة إلى غيره. # وأما سلاطين زماننا الذين إذا أخذوا الصدقات والعشور والخراج لا يضعونها ~~مواضعها فهل تسقط هذه الحقوق عن أربابها؟ اختلف المشايخ فيه ذكر الفقيه أبو ~~جعفر الهندواني أنه يسقط ذلك كله وإن كانوا لا يضعونها في أهلها؛ لأن حق ~~الأخذ لهم فيسقط عنا بأخذهم، ثم إنهم إن لم يضعوها مواضعها فالوبال عليهم. # وقال الشيخ أبو بكر بن سعيد: إن الخراج يسقط ولا أسقط الصدقات؛ لأن ~~الخراج يصرف إلى المقاتلة وهم يصرفون إلى المقاتلة ويقاتلون العدو ألا ترى ~~أنه لو ظهر العدو فإنهم يقاتلون ويذبون عن حريم المسلمين؟ فأما الزكوات ~~والصدقات فإنهم لا يضعونها في أهلها. # وقال أبو بكر الإسكاف: إن جميع ذلك يسقط ويعطي ثانيا؛ لأنهم لا يضعونها ~~مواضعها. # ولو نوى صاحب المال وقت الدفع أنه يدفع إليهم ذلك عن زكاة ماله قيل: ~~يجوز؛ لأنهم فقراء في الحقيقة ألا ترى أنهم لو أدوا ما عليهم من التبعات ~~والمظالم صاروا فقراء؟ . # وروي عن أبي مطيع البلخي أنه قال: تجوز الصدقة لعلي بن عيسى بن هامان ~~وكان والي خراسان وإنما قال ذلك لما ذكرنا. # وحكي أن أميرا ببلخ سأل واحدا من الفقهاء عن كفارة يمين لزمته فأمره ~~بالصيام فبكى الأمير وعرف أنه يقول: لو أديت ما عليك من التبعات والمظلمة ~~لم يبق لك شيء، وقيل: إن السلطان لو أخذ مالا من رجل بغير حق مصادرة فنوى ~~صاحب المال وقت الدفع أن يكون ذلك عن زكاة ماله وعشر ms0821 أرضه يجوز ذلك والله ~~أعلم. ### | [فصل شرط ولاية الآخذ مال الزكاة] # (فصل) : # وأما شرط ولاية الآخذ فأنواع: منها وجود الحماية من الإمام حتى لو ظهر ~~أهل البغي على مدينة من مدائن أهل العدل أو قرية من قراهم وغلبوا عليها ~~فأخذوا صدقات سوائمهم وعشور أراضيهم وخراجها ثم ظهر عليهم عليهم العدل لا ~~يأخذ منهم ثانيا: لأن حق الأخذ للإمام لأجل الحفظ والحماية، ولم يوجد إلا ~~أنهم يفتون فيما بينهم وبين ربهم أن يؤدوا الزكاة والعشور ثانيا، وسكت محمد ~~عن ذكر الخراج، واختلف مشايخنا قال بعضهم: عليهم أن يعيدوا الخراج كالزكاة ~~والعشور، وقال بعضهم: ليس عليهم الإعادة؛ لأن الخراج يصرف إلى المقاتلة ~~وأهل البغي يقاتلون العدو ويذبون عن حريم الإسلام. # ومنها وجوب الزكاة؛ لأن المأخوذ زكاة والزكاة في عرف الشرع اسم للواجب ~~فلا بد من تقديم الوجوب فتراعى له شرائط الوجوب وهي ما ذكرنا من الملك ~~المطلق، وكمال النصاب وكونه معدا للنماء، وحولان الحول، وعدم الدين المطالب ~~به من جهة العباد، وأهلية الوجوب، ونحو ذلك. # ومنها ظهور المال وحضور المالك حتى لو حضر المالك ولم يظهر ماله لا يطالب ~~بزكاته؛ لأنه إذا لم يظهر ماله لا يدخل تحت حماية السلطان وكذا إذا ظهر ~~المال ولم يحضر المالك ولا المأذون من جهة المالك كالمستبضع ونحوه لا يطالب ~~بزكاته. # وبيان هذه الجملة إذا جاء الساعي إلى صاحب المواشي في أماكنها يريد أخذ ~~الصدقة فقال ليست هي مالي أو قال: لم يحل عليها الحول أو قال: علي دين يحيط ~~بقيمتها فالقول قوله؛ لأنه ينكر وجوب الزكاة، ويستحلف؛ لأنه تعلق به حق ~~العبد وهو مطالبة الساعي فيكون القول قوله مع يمينه. # ولو قال: أديت إلى مصدق آخر فإن لم يكن في تلك السنة مصدق آخر لا يصدق؛ ~~لظهور كذبه بيقين. # وإن كان في تلك السنة مصدق آخر يصدق مع اليمين سواء أتى بخط وبراءة أو لم ~~يأت به في ظاهر الرواية. # وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يصدق ما لم يأت بالبراءة. # وجه هذه الرواية ms0822 أن خبره يحتمل الصدق والكذب فلا بد من مرجح والبراءة ~~أمارة رجحان الصدق. # وجه ظاهر الرواية أن الرجحان ثابت بدون البراءة؛ لأنه أمين إذ له أن يدفع ~~إلى المصدق فقد أخبر عن الدفع إلى من جعل له الدفع إليه فكان كالمودع إذا ~~قال دفعت # PageV02P036 # الوديعة إلى المودع، والبراءة ليست بعلامة صادقة؛ لأن الخط يشبه الخط ~~وعلى هذا إذا أتى بالبراءة على خلاف اسم ذلك المصدق أنه يقبل قوله مع يمينه ~~على جواب ظاهر الرواية؛ لأن البراءة ليست بشرط فكان الإتيان بها والعدم ~~بمنزلة واحدة، وعلى رواية الحسن لا يقبل؛ لأن البراءة شرط فلا تقبل بدونها. # ولو قال: أديت زكاتها إلى الفقراء لا يصدق وتؤخذ منه عندنا، وعند الشافعي ~~لا تؤخذ. # وجه قوله أن المصدق لا يأخذ الصدقة لنفسه بل ليوصلها إلى مستحقيها وهو ~~الفقير وقد أوصل بنفسه، ولنا أن حق الأخذ للسلطان فهو بقوله: أديت بنفسي ~~أراد إبطال حق السلطان فلا يملك ذلك، وكذلك العشر على هذا الخلاف، وكذا ~~الجواب فيمن مر على العاشر بالسوائم أو بالدراهم أو الدنانير أو بأموال ~~التجارة في جميع ما وصفنا إلا في قوله: أديت زكاتها بنفسي إلى الفقراء فيما ~~سوى السوائم أنه يقبل قوله ولا يؤخذ ثانيا؛ لأن أداء زكاة الأموال الباطنة ~~مفوض إلى أربابها إذا كانوا يتجرون بها في المصر فلم يتضمن الدفع بنفسه ~~إبطال حق أحد. # ولو مر على العاشر بمائة درهم وأخبر العاشر أن له مائة أخرى قد حال عليها ~~الحول لم يأخذ منه زكاة هذه المائة التي مر بها؛ لأن حق الأخذ لمكان ~~الحماية وما دون النصاب قليل لا يحتاج إلى الحماية والقدر الذي في بيته لم ~~يدخل تحت الحماية فلا يؤخذ من أحدهما شيء. # ولو مر عليه بالعروض فقال: هذه ليست للتجارة، أو قال: هذه بضاعة، أو قال: ~~أنا أجير فيها فالقول قوله مع اليمين؛ لأنه أمين ولم يوجد ظاهر يكذبه. # وجميع ما ذكرنا أنه يصدق فيه المسلم يصدق فيه الذمي لقول النبي: - صلى ~~الله عليه وسلم - «إذا قبلوا ms0823 عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ~~ما على المسلمين» ولأن الذمي لا يفارق المسلم في هذا الباب إلا في قدر ~~المأخوذ وهو أنه يؤخذ منه ضعف ما يؤخذ من المسلم كما في التغلبي؛ لأنه يؤخذ ~~منه بسبب الحماية وباسم الصدقة وإن لم تكن صدقة حقيقية. # ولا يصدق الحربي في شيء من ذلك ويؤخذ منه العشر إلا في جوار يقول: هن ~~أمهات أولادي، أو في غلمان يقول: هم أولادي؛ لأن الأخذ منه لمكان الحماية ~~والعصمة لما في يده وقد وجدت فلا يمنع شيء من ذلك من الأخذ وإنما قبل قوله ~~في الاستيلاد والنسب؛ لأن الاستيلاد والنسب كما يثبت في دار الإسلام يثبت ~~في دار الحرب. # وعلل محمد - رحمه الله - فقال: الحربي لا يخلو إما أن يكون صادقا وإما أن ~~يكون كاذبا، فإن كان صادقا فقد صدق وإن كان كاذبا فقد صارت بإقراره في ~~الحال أم ولد له ولا عشر في أم الولد. # ولو قال: هم مدبرون لا يلتفت إلى قوله؛ لأن التدبير لا يصح في دار الحرب ~~ولو مر على عاشر بمال وقال: هو عندي بضاعة، أو قال: أنا أجير فيه فالقول ~~قوله ولا يعشره ولو قال: هو عندي مضاربة فالقول قوله أيضا وهل يعشره؟ كان ~~أبو حنيفة أولا يقول: يعشره، ثم رجع وقال: لا يعشره، وهو قول أبي يوسف ~~ومحمد. # ولو مر العبد المأذون بمال من كسبه وتجارته وليس عليه دين واستجمع شرائط ~~وجوب الزكاة فيه فإن كان معه مولاه عشره بالإجماع، وإن لم يكن معه مولاه ~~فكذلك يعشره في قول أبي حنيفة وفي قولهما لا يعشره، وقال أبو يوسف: لا أعلم ~~أنه رجع في العبد أم لا، وقيل: إن الصحيح أن رجوعه في المضارب رجوع في ~~العبد المأذون. # وجه قوله الأول في المضارب أن المضارب بمنزلة المالك؛ لأنه يملك التصرف ~~في المال، ولهذا يجوز بيعه من رب المال. # وجه قوله الأخير وهو قولهما أن الملك شرط الوجوب ولا ملك له فيه ورب ~~المال لم يأمره بأداء الزكاة؛ ms0824 لأنه لم يأذن له بعقد المضاربة إلا بالتصرف ~~في المال وقد خرج الجواب عن قوله: إنه بمنزلة المالك؛ لأنا نقول نعم لكن في ~~ولاية التصرف في المال لا في أداء الزكاة كالمستبضع، والعبد المأذون في ~~معنى المضارب في هذا المعنى. # ولأنه لم يؤمر إلا بالتصرف فكان الصحيح هو الرجوع. # ولا يؤخذ من المسلم إذا مر على العاشر في السنة إلا مرة واحدة؛ لأن ~~المأخوذ منه زكاة والزكاة لا تجب في السنة إلا مرة واحدة. # وكذلك الذمي؛ لأنه بقبول عقد الذمة صار له ما للمسلمين وعليه ما على ~~المسلمين؛ ولأن العاشر يأخذ منه باسم الصدقة وإن لم تكن صدقة حقيقة ~~كالتغلبي فلا يؤخذ منه في الحول إلا مرة واحدة، وكذلك الحربي إلا إذا عشره ~~فرجع إلى دار الحرب ثم خرج أنه يعشره ثانيا وإن خرج من يومه ذلك؛ لأن الأخذ ~~من أهل الحرب لمكان حماية ما في أيديهم من ألأموال، وما دام هو في دار ~~الإسلام فالحماية متحدة ما دام الحول باقيا فيتحد حق الأخذ. # وعند دخوله دار الحرب ورجوعه إلى دار الإسلام تتجدد الحماية فيتجدد حق ~~الأخذ وإذا مر الحربي على العاشر فلم يعلم حتى عاد إلى دار الحرب ثم رجع ~~ثانيا # PageV02P037 # فعلم به لم يعشره لما مضى؛ لأن ما مضى سقط لانقطاع حق الولاية عند دخوله ~~دار الحرب ولو اجتاز المسلم والحربي ولم يعلم بهما العاشر ثم علم بهما في ~~الحول الثاني أخذ منهما؛ لأن الوجوب قد ثبت ولم يوجد ما يسقطه. # ولو مر على العاشر بالخضراوات وبما لا يبقى حولا كالفاكهة ونحوها لا ~~يعشره في قول أبي حنيفة. # وإن كانت قيمته مائتي درهم وقال أبو يوسف ومحمد يعشره. # وجه قولهما أن هذا مال التجارة والمعتبر في مال التجارة معناه وهو ماليته ~~وقيمته لا عينه، فإذا بلغت قيمته نصابا تجب فيه الزكاة؛ ولهذا وجبت الزكاة ~~فيه إذا كان يتجر فيه في المصر ولأبي حنيفة ما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «ليس في الخضراوات صدقة» ms0825 والصدقة إذا أطلقت يراد بها ~~الزكاة إلا أن ما يتجر بها في المصر صار مخصوصا بدليل أو يحمل على أنه ليس ~~فيها صدقة تؤخذ أي ليس للإمام أن يأخذها بل صاحبها يؤديها بنفسه؛ ولأن ~~الحول شرط وجوب الزكاة، وأنها لا تبقى حولا والعاشر إنما يأخذ منها بطريق ~~الزكاة؛ ولأن ولاية الأخذ بسبب الحماية، وهذه الأشياء لا تفتقر إلى ~~الحماية؛ لأن أحدا لا يقصدها؛ ولأنها تهلك في يد العاشر في المفازة فلا ~~يكون أخذها مفيدا. # وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه تجب الزكاة على صاحبها بالإجماع ~~وإنما الخلاف في أنه هل للعاشر حق الأخذ؟ وذكر الكرخي أنه لا شيء فيه في ~~قول أبي حنيفة وهذا الإطلاق يدل على أن الوجوب مختلف فيه والله أعلم. # ولا يعشر مال الصبي والمجنون؛ لأنهما ليسا من أهل وجوب الزكاة عليهما ~~عندهما. # ولو مر صبي وامرأة من بني تغلب على العاشر فليس على الصبي شيء وعلى ~~المرأة ما على الرجل؛ لأن المأخوذ من بني تغلب يسلك به مسلك الصدقات لا ~~يفارقها إلا في التضعيف. # والصدقة لا تؤخذ من الصبي وتؤخذ من المرأة. # ولو مر على عاشر الخراج في أرض غلبوا عليها فعشره، ثم مر على عاشر أهل ~~العدل يعشره ثانيا؛ لأنه بالمرور على عاشرهم ضيع حق سلطان أهل العدل وحق ~~فقراء أهل العدل بعد دخوله تحت حماية سلطان أهل العدل فيضمن. # ولو مر ذمي على العاشر بخمر للتجارة أو خنازير يأخذ عشر ثمن الخمر ولا ~~يعشر الخنازير في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه يعشرهما وهو قول زفر وعند الشافعي لا يعشرهما. # وجه قول الشافعي أن الخمر والخنزير ليسا بمال أصلا والعشر إنما يؤخذ من ~~المال. # وجه قول زفر أنهما مالان متقومان في حق أهل الذمة فالخمر عندهم كالخل ~~عندنا والخنزير عندهم كالشاة عندنا ولهذا كانا مضمونين على المسلم ~~بالإتلاف. # وجه ظاهر الرواية وهو الفرق بين الخمر والخنزير من وجهين أحدهما أن الخمر ~~من ذوات الأمثال، والقيمة فيما له مثل من جنسه لا يقوم ms0826 مقامه فلا يكون أخذ ~~قيمة الخمر كأخذ عين الخمر والخنزير من ذوات القيم لا من ذوات الأمثال ~~والقيمة فيما لا مثل له يقوم مقامه فكان أخذ قيمته كأخذ عينه وذا لا يجوز ~~للمسلم. # والثاني أن الأخذ حق للعاشر بسبب الحماية وللمسلم ولاية حماية الخمر في ~~الجملة ألا ترى أنه إذا ورث الخمر فله ولاية حمايتها عن غيره بالغصب؟ ولو ~~غصبها غاصب له أن يخاصمه ويستردها منه للتخليل فله ولاية حماية خمر غيره ~~عند وجود سبب ثبوت الولاية وهو ولاية السلطنة. # وليس للمسلم ولاية حماية الخنزير رأسا حتى لو أسلم وله خنازير ليس له أن ~~يحميها بل يسيبها فلا يكون له ولاية حماية خنزير غيره. ### | [فصل القدر المأخوذ مما يمر به التاجر على العاشر] # (فصل) : # وأما القدر المأخوذ مما يمر به التاجر على العاشر فالمار لا يخلو إما إن ~~كان مسلما أو ذميا أو حربيا فإن كان مسلما يأخذ منه في أموال التجارة ربع ~~العشر؛ لأن المأخوذ منه زكاة فيؤخذ على قدر الواجب من الزكاة في أموال ~~التجارة وهو ربع العشر ويوضع موضع الزكاة ويسقط عن ماله زكاة تلك السنة، ~~وإن كان ذميا يؤخذ منه نصف العشر ويؤخذ على شرائط الزكاة لكن يوضع موضع ~~الجزية والخراج ولا تسقط عنه جزية رأسه في تلك السنة غير نصارى بني تغلب؛ ~~لأن عمر - رضي الله عنه - صالحهم من الجزية على الصدقة المضاعفة فإذا أخذ ~~العاشر منهم ذلك سقطت الجزية عنهم، وإن كان حربيا يأخذ منه ما يأخذونه من ~~المسلمين فإن علم أنهم يأخذون منا ربع العشر أخذ منهم ذلك القدر وإن كان ~~نصفا فنصف وإن كان عشرا فعشر؛ لأن ذلك أدعى لهم إلى المخالطة بدار الإسلام ~~فيروا محاسن الإسلام فيدعوهم ذلك إلى الإسلام فإن كان لا يعلم ذلك يأخذ منه ~~العشر، وأصله ما روينا عن عمر - رضي الله عنه - أنه كتب إلى العشار في ~~الأطراف أن خذوا من المسلم ربع العشر ومن الذمي نصف العشر ومن الحربي # PageV02P038 # العشر وكان ذلك بمحضر من الصحابة - رضي ms0827 الله عنهم - ولم يخالفه أحد منهم ~~فيكون إجماعا منهم على ذلك. # وروي أنه قال: خذوا منهم ما يأخذون من تجارنا فقيل له: إن لم نعلم ما ~~يأخذون من تجارنا؟ فقال: خذوا منهم العشر وما يؤخذ منهم فهو في معنى الجزية ~~والمؤنة توضع مواضع الجزية وتصرف إلى مصارفها. ### | [فصل ركن الزكاة] # (فصل) : # وأما ركن الزكاة فركن الزكاة هو إخراج جزء من النصاب إلى الله تعالى، ~~وتسليم ذلك إليه يقطع المالك يده عنه بتمليكه من الفقير وتسليمه إليه أو ~~إلى يد من هو نائب عنه وهو المصدق والملك للفقير يثبت من الله تعالى وصاحب ~~المال نائب عن الله تعالى في التمليك والتسليم إلى الفقير والدليل على ذلك ~~قوله تعالى: {ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} ~~[التوبة: 104] ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الصدقة تقع في يد ~~الرحمن قبل أن تقع في كف الفقير» وقد أمر الله تعالى الملاك بإيتاء الزكاة ~~لقوله عزو جل: {وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] والإيتاء هو التمليك؛ ولذا سمى ~~الله تعالى الزكاة صدقة بقوله عز وجل {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة: 60] ~~والتصدق تمليك فيصير المالك مخرجا قدر الزكاة إلى الله تعالى بمقتضى ~~التمليك سابقا عليه؛ ولأن الزكاة عبادة على أصلنا والعبادة إخلاص العمل ~~بكليته لله تعالى وذلك فيما قلنا: إن عند التسليم إلى الفقير تنقطع نسبة ~~قدر الزكاة عنه بالكلية وتصير خالصة لله تعالى ويكون معنى القربة في ~~الإخراج إلى الله تعالى بإبطال ملكه عنه لا في التمليك من الفقير بل ~~التمليك من الله تعالى في الحقيقة وصاحب المال نائب عن الله تعالى غير أن ~~عند أبي حنيفة الركن هو إخراج جزء من النصاب من حيث المعنى دون الصورة ~~وعندهما صورة ومعنى لكن يجوز إقامة الغير مقامه من حيث المعنى. # ويبطل اعتبار الصورة بإذن صاحب الحق وهو الله تعالى على ما بينا فيما ~~تقدم، وبينا اختلاف المشايخ في السوائم على قول أبي حنيفة وعلى هذا يخرج ~~صرف الزكاة إلى وجوه البر من بناء المساجد، والرباطات والسقايات، ms0828 وإصلاح ~~القناطر، وتكفين الموتى ودفنهم أنه لا يجوز؛ لأنه لم يوجد التمليك أصلا. # وكذلك إذا اشترى بالزكاة طعاما فأطعم الفقراء غداء وعشاء ولم يدفع عين ~~الطعام إليهم لا يجوز لعدم التمليك. # وكذا لو قضى دين ميت فقير بنية الزكاة؛ لأنه لم يوجد التمليك من الفقير ~~لعدم قبضه، ولو قضى دين حي فقير إن قضى بغير أمره لم يجز؛ لأنه لم يوجد ~~التمليك من الفقير لعدم قبضه وإن كان بأمره يجوز عن الزكاة لوجود التمليك ~~من الفقير؛ لأنه لما أمره به صار وكيلا عنه في القبض فصار كأن الفقير قبض ~~الصدقة بنفسه وملكه من الغريم. # ولو أعتق عبده بنية الزكاة لا يجوز لانعدام التمليك إذ الإعتاق ليس ~~بتمليك بل هو إسقاط الملك. # وكذا لو اشترى بقدر الزكاة عبدا فأعتقه لا يجوز عن الزكاة عند عامة ~~العلماء وقال مالك: يجوز وبه تأول قوله تعالى {وفي الرقاب} [التوبة: 60] ~~وهو أن يشتري بالزكاة عبدا فيعتقه، ولنا أن الواجب هو التمليك، والإعتاق ~~إزالة الملك فلم يأت بالواجب والمراد من قوله تعالى {وفي الرقاب} [التوبة: ~~60] إعانة المكاتبين بالزكاة لما نذكره ولو دفع زكاته إلى الإمام أو إلى ~~عامل الصدقة يجوز؛ لأنه نائب عن الفقير في القبض فكان قبضه كقبض الفقير. # وكذا لو دفع زكاة ماله إلى صبي فقير أو مجنون فقير وقبض له وليه أبوه أو ~~جده أو وصيهما جاز؛ لأن الولي يملك قبض الصدقة عنه. # وكذا لو قبض عنه بعض أقاربه وليس ثمة أقرب منه وهو في عياله يجوز، وكذا ~~الأجنبي الذي هو في عياله؛ لأنه في معنى الولي في قبض الصدقة لكونه نفعا ~~محضا ألا ترى أنه يملك قبض الهبة له؟ ، وكذا الملتقط إذا قبض الصدقة عن ~~اللقيط؛ لأنه يملك القبض له فقد وجد تمليك الصدقة من الفقير، وذكر في ~~العيون عن أبي يوسف أن من عال يتيما فجعل يكسوه ويطعمه وينوي به عن زكاة ~~ماله يجوز وقال محمد: ما كان من كسوة يجوز وفي الطعام لا يجوز إلا ما دفع ~~إليه، وقيل: لا ms0829 خلاف بينهما في الحقيقة؛ لأن مراد أبي يوسف ليس هو الإطعام ~~على طريق الإباحة بل على وجه التمليك، ثم إن كان اليتيم عاقلا يدفع إليه ~~وإن لم يكن عاقلا يقبض عنه بطريق النيابة ثم يكسوه ويطعمه؛ لأن قبض الولي ~~كقبضه لو كان عاقلا ولا يجوز قبض الأجنبي للفقير البالغ العاقل إلا ~~بتوكيله؛ لأنه لا ولاية له عليه فلا بد من أمره كما في قبض الهبة. # وعلى هذا أيضا يخرج الدفع إلى عبده ومدبره وأم ولده أنه لا يجوز لعدم ~~التمليك إذ هم لا يملكون شيئا فكان الدفع إليهم دفعا إلى نفسه، ولا يدفع ~~إلى مكاتبه؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم ولأن كسبه متردد # PageV02P039 # بين أن يكون له أو لمولاه لجواز أن يعجز نفسه ولا يدفع إلى والده وإن علا ~~ولا إلى ولده وإن سفل؛ لأنه ينتفع بملكه فكان الدفع إليه دفعا إلى نفسه من ~~وجه فلا يقع تمليكا مطلقا؛ لهذا لا تقبل شهادة أحدهما لصاحبه ولا يدفع أحد ~~الزوجين زكاته إلى الآخر وقال أبو يوسف ومحمد تدفع الزوجة زكاتها إلى زوجها ~~احتجا بما روي «أن امرأة عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - سألت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصدقة على زوجها عبد الله فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: لك أجران أجر الصدقة وأجر الصلة» ولأبي حنيفة أن أحد ~~الزوجين ينتفع بمال صاحبه كما ينتفع بمال نفسه عرفا وعادة فلا يتكامل معنى ~~التمليك، ولهذا لم يجز للزوج أن يدفع إلى زوجته كذا الزوجة وتخرج هذه ~~المسائل على أصل آخر سنذكره والله أعلم. ### | [فصل شرائط ركن الزكاة] ### | [الذي يرجع إلى المؤدي] # وأما شرائط الركن فأنواع بعضها يرجع إلى المؤدي وبعضها يرجع إلى المؤدى ~~وبعضها يرجع إلى المؤدى إليه أما. # الذي يرجع إلى المؤدي فنية الزكاة والكلام في النية في موضعين في بيان أن ~~النية شرط جواز أداء الزكاة وفي بيان وقت نية الأداء، أما الأول فالدليل ~~عليه قوله: - صلى الله عليه وسلم - «لا عمل لمن لا نية ms0830 له» وقوله «إنما ~~الأعمال بالنيات» ؛ ولأن الزكاة عبادة مقصودة فلا تتأدى بدون النية كالصوم ~~والصلاة. # ولو تصدق بجميع ماله على فقير ولم ينو الزكاة أجزأه عن الزكاة استحسانا ~~والقياس أن لا يجوز. # وجه القياس ما ذكرنا أن الزكاة عبادة مقصودة فلا بد لها من النية. # وجه الاستحسان أن النية وجدت دلالة؛ لأن الظاهر أن من عليه الزكاة لا ~~يتصدق بجميع ماله ويغفل عن نية الزكاة فكانت النية موجودة دلالة، وعلى هذا ~~إذا وهب جميع النصاب من الفقير أو نوى تطوعا. # وروي عن أبي يوسف أنه إن نوى أن يتصدق بجميع ماله فتصدق شيئا فشيئا أجزأه ~~عن الزكاة لما قلنا وإن لم ينو أن يتصدق بجميع ماله فجعل يتصدق حتى أتى ~~عليه ضمن الزكاة؛ لأن الزكاة بقيت واجبة عليه بعدما تصدق ببعض المال فلا ~~تسقط بالتصدق بالباقي. # ولو تصدق ببعض ماله من غير نية الزكاة حتى لم يجزئه عن زكاة الكل فهل ~~يجزئه عن زكاة القدر الذي تصدق به؟ قال أبو يوسف: لا يجزئه وعليه أن يزكي ~~الجميع، وقال: محمد يجزئه عن زكاة ما تصدق به ويزكي ما بقي حتى أنه لو أدى ~~خمسة من مائتين لا ينوي الزكاة أو نوى تطوعا لا تسقط عنه زكاة الخمسة في ~~قول أبي يوسف وعليه زكاة الكل، وعند محمد تسقط عنه زكاة الخمسة وهو ثمن ~~درهم ولا يسقط عنه زكاة الباقي. # وكذا لو أدى مائة لا ينوي الزكاة ونوى تطوعا لا تسقط زكاة المائة وعليه ~~أن يزكي الكل عند أبي يوسف، وعند محمد يسقط عنه زكاة ما تصدق وهو درهمان ~~ونصف ولا يسقط عنه زكاة الباقي كذا ذكر القدوري الخلاف في شرحه مختصر ~~الكرخي وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه يسقط عنه زكاة القدر المؤدى ~~ولم يذكر الخلاف. # وجه قول محمد اعتبار البعض بالكل وهو أنه لو تصدق بالكل لجاز عن زكاة ~~الكل فإذا تصدق بالبعض يجوز عن زكاته؛ لأن الواجب شائع في جميع النصاب ~~ولأبي يوسف أن سقوط الزكاة بغير نية لزوال ms0831 ملكه على وجه القربة عن المال ~~الذي فيه الزكاة ولم يوجد ذلك في التصدق بالبعض ولو تصدق بخمسة ينوي ~~بجميعها الزكاة والتطوع كانت من الزكاة في قول أبي يوسف. # وقال محمد: هي من التطوع. # وجه قول محمد أن النيتين تعارضتا فلم يصح التعيين للتعارض فالتحق بالعدم ~~فبقي التصدق بنية مطلقة فيقع عن التطوع؛ لأنه أدنى والأدنى متيقن به. # وجه قول أبي يوسف أن عند تعارض الجهتين يعمل بالأقوى وهو الفرض كما في ~~تعارض الدليلين أنه يعمل بأقواهما، ولأن التعيين يعتبر في الزكاة لا في ~~التطوع؛ لأن التطوع لا يحتاج إلى التعيين ألا ترى أن إطلاق الصدقة يقع عليه ~~فلغا تعيينه وبقيت الزكاة متعينة؟ فيقع عن الزكاة. # والمعتبر في الدفع نية الآمر حتى لو دفع خمسة إلى رجل وأمره أن يدفعها ~~إلى الفقير عن زكاة ماله فدفع ولم تحضره النية عند الدفع جاز؛ لأن النية ~~إنما تعتبر من المؤدي والمؤدي هو الآمر في الحقيقة وإنما المأمور نائب عنه ~~في الأداء ولهذا لو وكل ذميا بأداء الزكاة جاز؛ لأن المؤدي في الحقيقة هو ~~المسلم، وذكر في الفتاوى عن الحسن بن زياد في رجل أعطى رجلا دراهم ليتصدق ~~بها تطوعا ثم نوى الآمر أن يكون ذلك من زكاة ماله ثم تصدق المأمور جاز عن ~~زكاة مال الآمر. # وكذا # PageV02P040 # لو قال: تصدق بها عن كفارة يميني ثم نوى الآمر عن زكاة ماله جاز؛ لما ~~ذكرنا أن الآمر هو المؤدي من حيث المعنى وإنما المأمور نائب عنه ولو قال: ~~إن دخلت هذه الدار فلله علي أن أتصدق بهذه المائة درهم، ثم نوى وقت الدخول ~~عن زكاة ماله لا تكون زكاة؛ لأن عند الدخول وجب عليه التصدق بالنذر المتقدم ~~أو اليمين المتقدمة وذلك لا يحتمل الرجوع فيه بخلاف الأول ولو تصدق عن غيره ~~بغير أمره فإن تصدق بمال نفسه جازت الصدقة عن نفسه ولا تجوز عن غيره وإن ~~أجازه ورضي به أما عدم الجواز عن غيره فلعدم التمليك منه إذ لا ملك له في ~~المؤدى ولا ms0832 يملكه بالإجازة فلا تقع الصدقة عنه وتقع عن المتصدق؛ لأن التصدق ~~وجد نفاذا عليه، وإن تصدق بمال المتصدق عنه وقف على إجازته فإن أجاز والمال ~~قائم جاز عن الزكاة وإن كان المال هالكا جاز عن التطوع ولم يجز عن الزكاة؛ ~~لأنه لما تصدق عنه بغير أمره وهلك المال صار بدله دينا في ذمته فلو جاز ذلك ~~عن الزكاة كان أداء الدين عن الغير وأنه لا يجوز والله أعلم. # وأما وقت النية فقد ذكر الطحاوي ولا تجزئ الزكاة عمن أخرجها إلا بنية ~~مخالطة لإخراجه إياها كما قال في باب الصلاة وهذا إشارة إلى أنها لا تجزئ ~~إلا بنية مقارنة للأداء وعن محمد بن سلمة أنه قال: إن كان وقت التصدق بحال ~~لو سئل عن ماذا يتصدق؟ أمكنه الجواب من غير فكرة فإن ذلك يكون نية منه ~~وتجزئه كما قال في نية الصلاة والصحيح أن النية تعتبر في أحد الوقتين إما ~~عند الدفع وإما عند التمييز هكذا روى هشام عن محمد في رجل نوى أن ما يتصدق ~~به إلى آخر السنة فهو عن زكاة ماله فجعل يتصدق إلى آخر السنة ولا تحضره ~~النية قال: لا تجزئه وإن ميز زكاة ماله فصرها في كمه وقال: هذه من الزكاة ~~فجعل يتصدق ولا تحضره النية قال: أرجو أن تجزئه عن الزكاة؛ لأن في الأول لم ~~توجد النية في الوقتين وفي الثاني وجد في أحدهما وهو وقت التمييز وإنما لم ~~تشترط في وقت الدفع عينا؛ لأن دفع الزكاة قد يقع دفعة واحدة وقد يقع ~~متفرقا، وفي اشتراط النية عند كل دفع مع تفريق الدفع حرج والحرج مدفوع ~~والله أعلم. ### | [فصل الذي يرجع إلى المؤدي] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المؤدي فمنها أن يكون مالا متقوما على الإطلاق سواء ~~كان منصوصا عليه أو لا من جنس المال الذي وجبت فيه الزكاة أو من غير جنسه. # والأصل أن كل مال يجوز التصدق به تطوعا يجوز أداء الزكاة منه وما لا فلا ~~وهذا عندنا، وعند الشافعي لا يجوز الأداء ms0833 المنصوص عليه وقد مضت المسألة غير ~~أن المؤدى يعتبر فيه القدر والصفة في بعض الأموال وفي بعضها القدر دون ~~الصفة وفي بعضها الصفة دون القدر وفي بعض هذه الجملة اتفاق وفي بعضها ~~اختلاف. # وجملة الكلام فيه أن مال الزكاة لا يخلو إما أن يكون عينا وإما أن يكون ~~دينا، والعين لا يخلو إما أن تكون مما لا يجري فيه الربا كالحيوان والعروض ~~وإما أن يكون مما يجري فيه الربا كالمكيل والموزون. # فإن كان مما لا يجري فيه الربا فإن كان من السوائم فإن أدى المنصوص عليه ~~من الشاة وبنت المخاض ونحو ذلك يراعى فيه صفة الواجب وهو أن يكون وسطا فلا ~~يجوز الرديء إلا على طريق التقويم فبقدر قيمته وعليه التكميل؛ لأنه لم يؤد ~~الواجب ولو أدى الجيد جاز؛ لأنه أدى الواجب وزيادة. # وإن أدى القيمة أدى قيمة الوسط فإن أدى قيمة الرديء لم يجز إلا بقدر ~~قيمته وعليه التكميل. # ولو أدى شاة واحدة سمينة عن شاتين وسطين تعدل قيمتها قيمة شاتين وسطين ~~جاز؛ لأن الحيوان ليس من أموال الربا والجودة في غير أموال الربا متقومة ~~ألا ترى أنه يجوز بيع شاة بشاتين؟ فبقدر الوسط يقع عن نفسه وبقدر قيمة ~~الجودة يقع عن شاة أخرى وإن كان من عروض التجارة فإن أدى من النصاب ربع ~~عشره يجوز كيفما كان النصاب؛ لأنه أدى الواجب بكماله وإن أدى من غير النصاب ~~فإن كان من جنسه يراعى فيه صفة الواجب من الجيد والوسط والرديء ولو أدى ~~الرديء مكان الجيد والوسط لا يجوز إلا على طريق التقويم بقدره وعليه ~~التكميل؛ لأن العروض ليست من أموال الربا حتى يجوز بيع ثوب بثوبين فكانت ~~الجودة فيها متقومة؛ ولهذا لو أدى ثوبا جيدا عن ثوبين رديئين يجوز، وإن كان ~~من خلاف جنسه يراعى فيه قيمة الواجب حتى لو أدى أنقص منه لا يجوز إلا بقدره ~~وإن كان مال الزكاة مما يجري فيه الربا من الكيلي والوزني فإن أدى ربع عشر ~~النصاب يجوز كيفما كان؛ لأنه أدى ما ms0834 وجب عليه وإن أدى من غير النصاب فلا ~~يخلو إما أن كان من جنس النصاب وإما أن كان من خلاف جنسه فإن كان المؤدى من ~~خلاف جنسه بأن أدى الذهب عن الفضة أو # PageV02P041 # الحنطة عن الشعير يراعى قيمة الواجب بالإجماع حتى لو أدى أنقص منها لا ~~يسقط عنه كل الواجب بل يجب عليه التكميل؛ لأن الجودة في أموال الربا متقومة ~~عند مقابلتها بخلاف جنسها وإن كان المؤدى من جنس النصاب فقد اختلف فيه على ~~ثلاثة أقوال قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن المعتبر هو القدر لا القيمة، وقال ~~زفر: المعتبر هو القيمة لا القدر، وقال محمد: المعتبر ما هو أنفع للفقراء ~~فإن كان اعتبار القدر أنفع فالمعتبر هو القدر كما قال أبو حنيفة وأبو يوسف ~~وإن كان اعتبار القيمة أنفع فالمعتبر هو القيمة كما قال زفر. # وبيان هذا في مسائل، إذا كان له مائتان قفيز حنطة جيدة للتجارة قيمتها ~~مائتا درهم فحال عليها الحول فلم يؤد منها وأدى خمسة أقفزة رديئة يجوز أن ~~تسقط عنه الزكاة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ويعتبر القدر لا قيمة الجودة ~~وعند محمد وزفر عليه أن يؤدي الفضل إلى تمام قيمة الواجب اعتبارا في حق ~~الفقراء للقيمة عند زفر واعتبارا للأنفع عند محمد والصحيح اعتبار أبي حنيفة ~~وأبي يوسف؛ لأن الجودة في الأموال الربوية لا قيمة لها عند مقابلتها ~~بجنسها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «جيدها ورديئها سواء» إلا أن ~~محمدا يقول: إن الجودة متقومة حقيقة وإنما سقط اعتبار تقومها شرعا لجريان ~~الربا، والربا اسم لمال يستحق بالبيع ولم يوجد والجواب أن المسقط لاعتبار ~~الجودة وهو النص مطلق فيقتضي سقوط تقومها مطلقا إلا فيما قيد بدليل، ولو ~~كان النصاب حنطة رديئة للتجارة قيمتها مائتا درهم فأدى أربعة أقفزة جيدة عن ~~خمسة أقفزة رديئة لا يجوز إلا عن أربعة أقفزة منها، وعليه أن يؤدي قفيزا ~~آخر عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد اعتبارا للقدر دون القيمة عندهما ~~واعتبارا للأنفع للفقراء عند محمد، وعند زفر ms0835 لا يجب عليه شيء آخر اعتبارا ~~للقيمة عنده، وعلى هذا إذا كان له مائتا درهم جيدة حال عليها الحول فأدى ~~خمسة زيوفا جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لوجود القدر ولا يجوز عند محمد ~~وزفر لعدم القيمة والأنفع، ولو أدى أربعة دراهم جيدة عن خمسة رديئة لا يجوز ~~إلا عن أربعة دراهم وعليه درهم آخر عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. # وأما عند أبي حنيفة وأبي يوسف فلاعتبار القدر والقدر ناقص. # وأما عند محمد فلاعتبار الأنفع للفقراء والقدر ههنا أنفع لهم، وعلى أصل ~~زفر يجوز لاعتبار القيمة ولو كان له قلب فضة أو إناء مصنوع من فضة جيدة ~~وزنه مائتا درهم وقيمته لجودته وصياغته ثلاثمائة فإن أدى من النصاب أدى ربع ~~عشره، وإن أدى من الجنس من غير النصاب يؤدي خمسة دراهم زكاة المائتين عند ~~أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد وزفر يؤدي زكاة ثلاثمائة درهم بناء على ~~الأصل الذي ذكرنا، وإن أدى من غير جنسة يؤدي زكاة ثلاثمائة وذلك سبعة دراهم ~~ونصف بالإجماع؛ لأن قيمة الجودة تظهر عند المقابلة بخلاف الجنس، ولو أدى ~~عنها خمسة زيوفا قيمتها أربعة دراهم جيدة جاز وسقطت عنه الزكاة عند أبي ~~حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر عليه أن يؤدي الفضل إلى تمام قيمة الواجب ~~وعلى هذا النذر إذا أوجب على نفسه صدقة قفيز حنطة جيدة فأدى قفيزا رديئا ~~يخرج عن النذر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر عليه أداء الفضل ~~ولو أوجب على نفسه صدقة قفيز حنطة رديئة فتصدق بنصف قفيز حنطة جيدة تبلغ ~~قيمته قيمة قفيز حنطة رديئة لا يجوز إلا على النصف وعليه أن يتصدق بنصف آخر ~~في قول أصحابنا الثلاثة، وفي قول زفر لا شيء عليه غيره وهذا والزكاة سواء ~~والأصل ما ذكرنا. # ولو أوجب على نفسه صدقة بشاتين فتصدق مكانهما بشاة واحدة تبلغ قيمتها ~~قيمة شاتين جاز ويخرج عن النذر كما في الزكاة وهذا بخلاف ما إذا أوجب على ~~نفسه أن يهدي شاتين فأهدى مكانهما شاة ms0836 تبلغ قيمتها قيمة شاتين إنه لا يجوز ~~إلا عن واحدة منهما وعليه شاة أخرى؛ لأن القربة هناك في نفس الإراقة لا في ~~التمليك، وإراقة دم واحد لا يقوم مقام إراقة دمين. # وكذا لو أوجب على نفسه عتق رقبتين فأعتق رقبة تبلغ قيمتها قيمة رقبتين لم ~~يجز؛ لأن الرقبة ثمة ليس في التمليك بل في إزالة الرق، وإزالة رق واحد لا ~~يقوم مقام إزالة رقين ولهذا لم يجز إعتاق رقبة واحدة وإن كانت سمينة إلا عن ~~كفارة واحدة والله أعلم. # وإن كان مال الزكاة دينا فجملة الكلام فيه أداء العين عن العين جائز بأن ~~كان له مائتا درهم عين فحال عليها الحول فأدى خمسة منها؛ لأنه أداء الكامل ~~عن الكامل فقد أدى ما وجب عليه فيخرج عن الواجب. # وكذا إذا أدى العين عن الدين بأن كان له مائتا درهم دين فحال عليها الحول ~~ووجبت فيها الزكاة # PageV02P042 # فأدى خمسة عينا عن الدين؛ لأنه أداء الكامل عن الناقص؛ لأن العين مال ~~بنفسه ومالية الدين لاعتبار تعينه في العاقبة. # وكذا العين قابل للتمليك من جميع الناس والدين لا يقبل التمليك لغير من ~~عليه الدين، وأداء الدين عن العين لا يجوز بأن كان له على فقير خمسة دراهم ~~وله مائتا درهم عين حال عليها الحول فتصدق بالخمسة على الفقير ناويا عن ~~زكاة المائتين؛ لأنه أداء الناقص عن الكامل فلا يخرج عما عليه، والحيلة في ~~الجواز أن يتصدق عليه بخمسة دراهم عين ينوي عن زكاة المائتين ثم يأخذها منه ~~قضاء عن دينه فيجوز ويحل له ذلك. # وأما أداء الدين عن الدين فإن كان عن دين يصير عينا لا يجوز بأن كان له ~~على فقير خمسة دراهم دين وله على رجل آخر مائتا درهم فحال عليها الحول ~~فتصدق بهذه الخمسة على من عليه ناويا عن زكاة المائتين؛ لأن المائتين تصير ~~عينا بالاستيفاء فتبين في الآخرة أن هذا أداء الدين عن العين وأنه لا يجوز ~~لما بينا. # وإن كان عن دين لا يصير عينا يجوز بأن كان له ms0837 على فقير مائتا درهم دين ~~فحال عليها الحول فوهب منه المائتين ينوي عن الزكاة؛ لأن هذا دين لا ينقلب ~~عينا فلا يظهر في الآخرة أن هذا أداء الدين عن العين فلا يظهر أنه أداء ~~الناقص عن الكامل فيجوز هذا إذا كان من عليه الدين فقيرا فوهب المائتين له ~~أو تصدق بها عليه فأما إذا كان غنيا فوهب أو تصدق فلا شك أنه سقط عنه الدين ~~لكن هل يجوز وتسقط عنه الزكاة أم لا يجوز وتكون زكاتها دينا عليه؟ ذكر في ~~الجامع أنه لا يجوز ويكون قدر الزكاة مضمونا عليه وذكر في نوادر الزكاة أنه ~~يجوز وجه رواية الجامع ظاهر؛ لأنه دفع الزكاة إلى الغني مع العلم بحاله أو ~~من غير تحر وهذا لا يجوز بالإجماع # وجه رواية النوادر أن الجواز ليس على معنى سقوط الواجب بل على امتناع ~~الوجوب؛ لأن الوجوب باعتبار ماليته وماليته باعتبار صيرورته عينا في ~~العاقبة فإذا لم يصر تبين أنه لم يكن مالا والزكاة لا تجب فيما ليس بمال ~~والله أعلم. ### | [فصل الذي يرجع إلى المؤدى إليه] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المؤدى إليه فأنواع: منها أن يكون فقيرا فلا يجوز صرف ~~الزكاة إلى الغني إلا أن يكون عاملا عليها لقوله تعالى {إنما الصدقات ~~للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين ~~وفي سبيل الله وابن السبيل} [التوبة: 60] جعل الله تعالى الصدقات للأصناف ~~المذكورين بحرف اللام وأنه للاختصاص فيقتضي اختصاصهم باستحقاقها فلو جاز ~~صرفها إلى غيرهم لبطل الاختصاص وهذا لا يجوز والآية خرجت لبيان مواضع ~~الصدقات ومصارفها ومستحقيها وهم وإن اختلفت أساميهم فسبب الاستحقاق في الكل ~~واحد وهو الحاجة إلا العاملين عليها فإنهم مع غناهم يستحقون العمالة؛ لأن ~~السبب في حقهم العمالة لما نذكر ثم لا بد من بيان معاني هذه الأسماء. # أما الفقراء والمساكين فلا خلاف في أن كل واحد منهما جنس على حدة وهو ~~الصحيح لما نذكر، واختلف أهل التأويل واللغة في معنى الفقير والمسكين وفي ~~أن أيهما أشد حاجة وأسوأ حالا قال ms0838 الحسن: الفقير الذي لا يسأل والمسكين ~~الذي يسأل وهكذا ذكره الزهري. # وكذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة وهو المروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما ~~- وهذا يدل على أن المسكين أحوج وقال قتادة: الفقير الذي به زمانة وله حاجة ~~والمسكين المحتاج الذي لا زمانة به، وهذا يدل على أن الفقير أحوج وقيل: ~~الفقير الذي يملك شيئا يقوته والمسكين الذي لا شيء له سمي مسكينا لما ~~أسكنته حاجته عن التحرك فلا يقدر يبرح عن مكانه، وهذا أشبه الأقاويل. # قال الله تعالى: {أو مسكينا ذا متربة} [البلد: 16] قيل في التفسير: أي ~~استتر بالتراب وحفر الأرض إلى عانته وقال الشاعر: # أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد # سماه فقيرا مع أن له حلوبة هي وفق العيال والأصل أن الفقير والمسكين كل ~~واحد منهما اسم ينبئ عن الحاجة إلا أن حاجة المسكين أشد وعلى هذا يخرج قول ~~من يقول: الفقير الذي لا يسأل والمسكين الذي يسأل؛ لأن من شأن الفقير ~~المسلم أنه يتحمل ما كانت له حيلة ويتعفف ولا يخرج فيسأل وله حيلة فسؤاله ~~يدل على شدة حاله. # وما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «ليس المسكين الطواف الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان ~~والتمرة والتمرتان قيل: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد ما ~~يغنيه ولا يفطن به فيتصدق عليه # PageV02P043 # ولا يقوم فيسأل الناس» فهو محمول على أن الذي يسأل وإن كان عندكم مسكينا ~~فإن الذي لا يسأل ولا يفطن به أشد مسكنة من هذا وعلى هذا يحمل ما روي عن ~~عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ليس المسكين الذي لا مال له ولكن المسكين ~~الذي لا مكسب له أي: الذي لا مال له وإن كان مسكينا فالذي لا مال له ولا ~~مكسب له أشد مسكنة منه وكأنه قال: الذي لا مال له ولا مكسب فهو فقير، ~~والمسكين الذي لا مال له ولا مكسب. # وما قاله بعض ms0839 مشايخنا: أن الفقراء والمساكين جنس واحد في الزكاة بلا خلاف ~~بين أصحابنا بدليل جواز صرفها إلى جنس واحد وإنما الخلاف بعد في كونهما ~~جنسا واحدا أو جنسين في الوصايا اختلاف بين أصحابنا غير سديد بل لا خلاف ~~بين أصحابنا في أنهما جنسان مختلفان فيهما جميعا لما ذكرنا والدليل عليه أن ~~الله تعالى عطف البعض على البعض، والعطف دليل المغايرة في الأصل وإنما جاز ~~صرف الزكاة إلى صنف واحد لمعنى آخر وذلك المعنى لا يوجد في الوصية وهو دفع ~~الحاجة وذا يحصل بالصرف إلى صنف واحد والوصية ما شرعت لدفع حاجة الموصى له ~~فإنها تجوز للفقير والغني، وقد يكون للموصي أغراض كثيرة لا يوقف عليها فلا ~~يمكن تعليل نص كلامه فتجري على ظاهر لفظه من غير اعتبار المعنى بخلاف ~~الزكاة فإنا عقلنا المعنى فيها وهو دفع الحاجة وإزالة المسكنة وجميع ~~الأصناف في هذا المعنى جنس واحد لذلك افترقا لا لما قالوه والله أعلم. # وأما العاملون عليها فهم الذين نصبهم الإمام لجباية الصدقات. # واختلف فيما يعطون قال أصحابنا: يعطيهم الإمام كفايتهم منها، وقال ~~الشافعي: يعطيهم الثمن. # وجه قوله أن الله تعالى قسم الصدقات على الأصناف الثمانية منهم العاملون ~~عليها فكان لهم منها الثمن، ولنا أن ما يستحقه العامل إنما يستحقه بطريق ~~العمالة لا بطريق الزكاة بدليل أنه يعطى وإن كان غنيا بالإجماع، ولو كان ~~ذلك صدقة لما حلت للغني، وبدليل أنه لو حمل زكاته بنفسه إلى الإمام لا ~~يستحق العامل منها شيئا ولهذا قال أصحابنا: إن حق العامل فيما في يده من ~~الصدقات حتى لو هلك ما في يده سقط حقه كنفقة المضارب أنها تكون في مال ~~المضاربة حتى لو هلك مال المضاربة سقطت نفقته كذا هذا دل أنه إنما يستحق ~~بعمله لكن على سبيل الكفاية له ولأعوانه لا على سبيل الأجرة؛ لأن الأجرة ~~مجهولة أما عندنا فظاهر؛ لأن قدر الكفاية له ولأعوانه غير معلوم. # وكذا عنده؛ لأن قدر ما يجتمع من الصدقات بجبايته مجهول فكان ثمنه مجهولا ~~لا محالة، وجهالة أحد ms0840 البدلين يمنع جواز الإجارة فجهالة البدلين جميعا ~~أولى، فدل أن الاستحقاق ليس على سبيل الأجرة بل على طريق الكفاية له ~~ولأعوانه لاشتغاله بالعمل لأصحاب المواشي فكانت كفايته في مالهم. # وأما قوله: إن الله تعالى قسم الصدقات على الأصناف المذكورين في الآية ~~فممنوع أنه قسم بل بين فيها مواضع الصدقات ومصارفها لما نذكر، ولو كان ~~العامل هاشميا لا يحل له عندنا، وعند الشافعي يحل واحتج بما روي «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بعث عليا - رضي الله عنه - إلى اليمن مصدقا ~~وفرض له» ولو لم يحل للهاشمي لما فرض له، ولأن العمالة أجرة العمل بدليل ~~أنها تحل للغني فيستوي فيها الهاشمي وغيره. # ولنا ما روي «أن نوفل بن الحارث بعث ابنيه إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ليستعملهما على الصدقة فقال - صلى الله عليه وسلم -: لا تحل لكم ~~الصدقة ولا غسالة الناس» ؛ ولأن المال المجبى صدقة ولما حصل في يد الإمام ~~حصلت الصدقة مؤداة حتى لو هلك المال في يده تسقط الزكاة عن صاحبها وإذا ~~حصلت صدقة والصدقة مطهرة لصاحبها فتمكن الخبث في المال فلا يباح للهاشمي ~~لشرفه صيانة له عن تناول الخبث تعظيما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أو نقول للعمالة شبهة الصدقة وإنها من أوساخ الناس فيجب صيانة الهاشمي عن ~~ذلك كرامة له وتعظيما للرسول - صلى الله عليه وسلم - وهذا المعنى لا يوجد ~~في الغني وقد فرغ نفسه لهذا العمل فيحتاج إلى الكفاية والغنى لا يمنع من ~~تناولها عند الحاجة كابن السبيل أنه يباح له وإن كان غنيا ملكا فكذا هذا، ~~وقوله إن الذي يعطي للعامل أجرة عمله ممنوع وقد بينا فساده. # وأما حديث علي - رضي الله عنه - فلا حجة فيه؛ لأن فيه أنه فرض له وليس ~~فيه بيان المفروض أنه من الصدقات أو من غيرها فيحتمل أنه فرض له من بيت ~~المال؛ لأنه كان قاضيا والله أعلم. # وأما المؤلفة قلوبهم فقد قيل: إنهم كانوا قوما من رؤساء قريش وصناديد ~~العرب مثل أبي سفيان بن حرب ms0841 وصفوان بن أمية والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ~~الفزاري والعباس بن مرادس السلمي ومالك بن عوف النصري # PageV02P044 # وحكيم بن حزام وغيرهم ولهم شوكة وقوة وأتباع كثيرة بعضهم أسلم حقيقة ~~وبعضهم أسلم ظاهرا لا حقيقة. # وكان من المنافقين وبعضهم كان من المسالمين فكان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يعطيهم من الصدقات تطييبا لقلوب المسلمين منهم وتقريرا لهم على ~~الإسلام وتحريضا لأتباعهم على اتباعهم وتأليفا لمن لم يحسن إسلامه، وقد حسن ~~إسلام عامتهم إلا من شاء الله تعالى لحسن معاملة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - معهم وجميل سيرته حتى روي عن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وإنه لأبغض الناس إلي فما زال يعطيني حتى إنه لأحب ~~الخلق إلي. # واختلف في سهامهم بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال عامة ~~العلماء إنه انتسخ سهمهم وذهب ولم يعطوا شيئا بعد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا يعطى الآن لمثل حالهم وهو أحد قولي الشافعي وقال بعضهم وهو أحد ~~قول الشافعي - رضي الله عنه - إن حقهم بقي وقد أعطي من بقي من أولئك الذين ~~أخذوا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - والآن يعطى لمن حدث إسلامه من ~~الكفرة تطييبا لقلبه وتقريرا له على الإسلام، وتعطي الرؤساء من أهل الحرب ~~إذا كانت لهم غلبة يخاف على المسلمين من شرهم؛ لأن المعنى الذي له كان يعطي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أولئك موجود في هؤلاء والصحيح قول العامة ~~لإجماع الصحابة على ذلك فإن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - ما أعطيا ~~المؤلفة قلوبهم شيئا من الصدقات ولم ينكر عليهما أحد من الصحابة - رضي الله ~~عنهم - فإنه روي أنه لما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءوا إلى ~~أبي بكر واستبدلوا الخط منه لسهامهم فبدل لهم الخط، ثم جاءوا إلى عمر - رضي ~~الله عنه - وأخبروه بذلك فأخذ الخط من أيديهم ومزقه وقال إن رسول الله: - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يعطيكم ليؤلفكم على الإسلام فأما اليوم ms0842 فقد أعز ~~الله دينه فإن ثبتم على الإسلام وإلا فليس بيننا وبينكم إلا السيف فانصرفوا ~~إلى أبي بكر فأخبروه بما صنع عمر - رضي الله عنهما - وقالوا: أنت الخليفة ~~أم هو؟ فقال: إن شاء الله هو ولم ينكر أبو بكر قوله وفعله وبلغ ذلك الصحابة ~~فلم ينكروا فيكون إجماعا منهم على ذلك؛ ولأنه ثبت باتفاق الأمة أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إنما كان يعطيهم ليتألفهم على الإسلام ولهذا سماهم ~~الله المؤلفة قلوبهم والإسلام يومئذ في ضعف وأهله في قلة وأولئك كثير ذو ~~قوة وعدد واليوم بحمد الله عز الإسلام وكثر أهله واشتدت دعائمه ورسخ بنيانه ~~وصار أهل الشرك أذلاء، والحكم متى ثبت معقولا بمعنى خاص ينتهي بذهاب ذلك ~~المعنى. # ونظيره ما كان عاهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرا من المشركين ~~لحاجته إلى معاهدتهم ومداراتهم لقلة أهل الإسلام وضعفهم فلما أعز الله ~~الإسلام وكثر أهله أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد إلى أهل ~~العهود عهودهم وأن يحارب المشركين جميعا بقوله عز وجل {براءة من الله ~~ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} [التوبة: 1] إلى قوله: {فإذا انسلخ ~~الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] . # وأما قوله تعالى: {وفي الرقاب} [التوبة: 60] فقد قال بعض أهل التأويل: ~~معناه وفي عتق الرقاب ويجوز إعتاق الرقبة بنية الزكاة وهو قول مالك، وقال ~~عامة أهل التأويل: الرقاب المكاتبون قوله تعالى {وفي الرقاب} [التوبة: 60] ~~أي: وفي فك الرقاب وهو أن يعطى المكاتب شيئا من الصدقة يستعين به على ~~كتابته؛ لما روي «أن رجلا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال ~~علمني عملا يدخلني الجنة فقال - صلى الله عليه وسلم -: أعتق النسمة وفك ~~الرقبة، فقال الرجل: أوليسا سواء؟ قال: لا عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك ~~الرقبة أن تعين في عتقها» وإنما جاز دفع الزكاة إلى المكاتب ليؤدي بدل ~~كتابته فيعتق. # ولا يجوز ابتداء الإعتاق بنية الزكاة لوجهين: أحدهما ما ذكرنا أن الواجب ~~إيتاء الزكاة والإيتاء هو التمليك والدفع إلى المكاتب تمليك ms0843 فأما الإعتاق ~~فليس بتمليك، والثاني ما أشار إليه سعيد بن جبير فقال: لا يعتق من الزكاة ~~مخافة جر الولاء ومعنى هذا الكلام أن الإعتاق يوجب الولاء للمعتق فكان حقه ~~فيه باقيا ولم ينقطع من كل وجه فلا يتحقق الإخلاص فلا يكون عبادة والزكاة ~~عبادة فلا تتأدى بما ليس بعبادة فأما الذي يدفع إلى المكاتب فينقطع عنه حق ~~المؤدي من كل وجه ولا يرجع إليه بذلك نفع فيتحقق الإخلاص. # وأما قوله تعالى: {والغارمين} [التوبة: 60] قيل: الغارم الذي عليه الدين ~~أكثر من المال الذي في يده أو مثله أو أقل منه لكن ما وراءه ليس بنصاب. # وأما قوله تعالى: {وفي سبيل الله} [التوبة: 60] عبارة عن جميع القرب ~~فيدخل فيه كل من سعى في طاعة الله وسبيل الخيرات إذا كان محتاجا وقال # PageV02P045 # أبو يوسف المراد منه فقراء الغزاة؛ لأن سبيل الله إذا أطلق في عرف الشرع ~~يراد به ذلك، وقال محمد: المراد منه الحاج المنقطع لما روي «أن رجلا جعل ~~بعيرا له في سبيل الله فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحمل عليه ~~الحاج» ، وقال الشافعي: يجوز دفع الزكاة إلى الغازي وإن كان غنيا. # وأما عندنا فلا يجوز إلا عند اعتبار حدوث الحاجة، واحتج بما روي عن أبي ~~سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله أو ابن السبيل أو رجل له جار مسكين ~~تصدق عليه فأعطاها له» ، وعن عطاء بن يسار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «لا تحل الصدقة إلا لخمس العامل عليها، ورجل اشتراها، وغارم، وغاز ~~في سبيل الله، وفقير تصدق عليه فأهداها إلى غني» نفى حل الصدقة للأغنياء ~~واستثنى الغازي منهم والاستثناء من النفي إثبات فيقتضي حل الصدقة للغازي ~~الغني ولنا قول النبي: - صلى الله عليه وسلم - «لا تحل الصدقة لغني» وقوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في ~~فقرائكم» جعل الناس قسمين قسما يؤخذ منهم وقسما يصرف ms0844 إليهم فلو جاز صرف ~~الصدقة إلى الغني لبطلت القسمة وهذا لا يجوز. # وأما استثناء الغازي فمحمول على حال حدوث الحاجة وسماه غنيا على اعتبار ~~ما كان قبل حدوث الحاجة وهو أن يكون غنيا ثم تحدث له الحاجة بأن كان له دار ~~يسكنها ومتاع يمتهنه وثياب يلبسها وله مع ذلك فضل مائتي درهم حتى لا تحل له ~~الصدقة ثم يعزم على الخروج في سفر غزو فيحتاج إلى آلات سفره وسلاح يستعمله ~~في غزوه ومركب يغزو عليه وخادم يستعين بخدمته على ما لم يكن محتاجا إليه في ~~حال إقامته فيجوز أن يعطى من الصدقات ما يستعين به في حاجته التي تحدث له ~~في سفره وهو في مقامه غني بما يملكه؛ لأنه غير محتاج في حال إقامته فيحتاج ~~في حال سفره فيحمل قوله: «لا تحل الصدقة لغني إلا لغاز في سبيل الله» على ~~من كان غنيا في حال مقامه فيعطى بعض ما يحتاج إليه لسفره لما أحدث السفر له ~~من الحاجة إلا أنه يعطى حين يعطى وهو غني وكذا تسمية الغارم غنيا في الحديث ~~على اعتبار ما كان قبل حلول الغرم به وقد حدثت له الحاجة بسبب الغرم وهذا؛ ~~لأن الغني اسم لمن يستغنى عما يملكه وإنما كان كذلك قبل حدوث الحاجة فأما ~~بعده فلا. # وأما قوله تعالى {وابن السبيل} [التوبة: 60] فهو الغريب المنقطع عن ماله ~~وإن كان غنيا في وطنه؛ لأنه فقير في الحال وقد روينا عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله وابن ~~السبيل» الحديث، ولو صرف إلى واحد من هؤلاء الأصناف يجوز عند أصحابنا، وعند ~~الشافعي لا يجوز إلا أن يصرف إلى ثلاثة من كل صنف واحتج بقوله تعالى {إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] إلى آخر الأصناف أخبر الله تعالى ~~أن الصدقات للأصناف المذكورين في الآية على الشركة فيجب إيصال كل صدقة إلى ~~كل صنف إلا أن الاستيعاب غير ممكن فيصرف إلى ثلاثة من كل صنف إذ الثلاثة ~~أدنى الجمع ms0845 الصحيح ولنا السنة المشهورة وإجماع الصحابة وعمل الأئمة إلى ~~يومنا هذا والاستدلال أما السنة فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ ~~حين بعثه إلى اليمن «فإن أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم صدقة ~~تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم» ولم يذكر الأصناف الأخر، وعن أبي سعيد ~~الخدري - رضي الله عنه - أنه قال: «بعث علي - رضي الله عنه - وهو باليمن ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مذهبة في ترابها فقسمها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بين الأقرع بن حابس وبين زيد الخيل وبين عيينة بن حصن وعلقمة ~~بن علاثة فغضبت قريش والأنصار وقالوا: تعطي صناديد أهل نجد؟ فقال النبي: - ~~صلى الله عليه وسلم - إنما أتألفهم» ولو كان كل صدقة مقسومة على الثمانية ~~بطريق الاستحقاق لما دفع النبي - صلى الله عليه وسلم - المذهبة إلى المؤلفة ~~قلوبهم دون غيرهم. # وأما إجماع الصحابة فإنه روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان إذا جمع ~~صدقات المواشي من البقر والغنم نظر منها ما كان منيحة اللبن فيعطيها لأهل ~~بيت واحد على قدر ما يكفيهم، وكان يعطي العشرة للبيت الواحد ثم يقول عطية ~~تكفي خير من عطية لا تكفي أو كلام نحو هذا. # وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه أتى بصدقة فبعثها إلى أهل بيت واحد وعن ~~حذيفة - رضي الله عنه - أنه قال: هؤلاء أهلها ففي أي صنف وضعتها أجزأك، ~~وكذا روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال كذلك. # وأما عمل الأئمة فإنه لم يذكر عن أحد من الأئمة أنه تكلف طلب هؤلاء ~~الأصناف فقسمها بينهم مع ما أنه لو تكلف الإمام أن يظفر بهؤلاء الثمانية ما ~~قدر على # PageV02P046 # ذلك، وكذلك لم يذكر عن أحد من أرباب الأموال أنه فرق صدقة واحدة على ~~هؤلاء. # ولو كان الواجب هو القسمة على السوية بينهم لا يحتمل أن يقسموها كذلك ~~ويضيعوا حقوقهم. # وأما الاستدلال فهو أن الله تعالى أمر بصرف الصدقات إلى هؤلاء بأسامي ~~منبئة عن الحاجة فعلم أنه إنما أمر بالصرف إليهم لدفع ms0846 حاجتهم والحاجة في ~~الكل واحدة وإن اختلفت الأسامي. # وأما الآية ففيها بيان مواضع الصدقات ومصارفها ومستحقيها؛ لأن اللام ~~للاختصاص وهو أنهم المختصون بهذا الحق دون غيرهم لا للتسوية لغة إنما ~~الصيغة للشركة والتسوية لغة حرف بين ألا ترى أنه إذا قيل: الخلافة لبني ~~العباس والسدانة لبني عبد الدار والسقاية لبني هاشم يراد به أنهم المختصون ~~بذلك؟ لا حق فيها لغيرهم؛ لأنها بينهم بالحصص بالسوية. # ولو قيل الخلافة بين بني العباس والسدانة بين بني عبد الدار والسقاية بين ~~بني هاشم كان خطأ؛ ولهذا قال أصحابنا فيمن قال: مالي لفلان وللموتى أنه كله ~~لفلان، ولو قال: مالي بين فلان وبين الموتى كان لفلان نصفه، ولو كان الأمر ~~على ما قاله الشافعي أن الصدقة تقسم بين الأصناف الثمانية على السوية لقال: ~~إنما الصدقات بين الفقراء الآية، فإن قيل أليس أن من قال: ثلث مالي لفلان ~~وفلان أنه يقسم بينهما بالسوية كما إذا قال: ثلث مالي بين فلان وفلان، ~~والجواب أن الاشتراك هناك ليس موجب الصيغة إذ الصيغة لا توجب الاشتراك ~~والتسوية بينهما بل موجب الصيغة ما قلنا، إلا أن في باب الوصية لما جعل ~~الثلث حقا لهما دون غيرهما وهو شيء معلوم لا يزيد بعد الموت ولا يتوهم له ~~عدد وليس أحدهما بأولى من الآخر فقسم بينهما على السواء نظرا لهما جميعا ~~فأما الصدقات فليست بأموال متعينة لا تحتمل الزيادة والمدد حتى يحرم البعض ~~بصرفها إلى البعض بل يردف بعضها بعضا، وإذا فني مال يجيء مال آخر وإذا مضت ~~سنة تجيء سنة أخرى بمال جديد ولا انقطاع للصدقات إلى يوم القيامة، فإذا صرف ~~الإمام صدقة يأخذها من قوم إلى صنف منهم لم يثبت الحرمان للباقين بل يحمل ~~إليه صدقة أخرى فيصرف إلى فريق آخر فلا ضرورة إلى الشركة والتسوية في كل ~~مال يحمل إلى الإمام من الصدقات والله أعلم. # وكما لا يجوز صرف الزكاة إلى الغني لا يجوز صرف جميع الصدقات المفروضة ~~والواجبة إليه كالعشور والكفارات والنذور وصدقة الفطر لعموم قوله تعالى ~~{إنما ms0847 الصدقات للفقراء} [التوبة: 60] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«لا تحل الصدقة لغني» ولأن الصدقة مال تمكن فيه الخبث لكونه غسالة الناس ~~لحصول الطهارة لهم به من الذنوب، ولا يجوز الانتفاع بالخبيث إلا عند الحاجة ~~والحاجة للفقير لا للغني. # وأما صدقة التطوع فيجوز صرفها إلى الغني؛ لأنها تجري مجرى الهبة، ولا ~~يجوز الصرف إلى عبد الغني ومدبره وأم ولده؛ لأن الملك في المدفوع نفع ~~لمولاه وهو غني فكان دفعا إلى الغني، هذا إذا كان العبد محجورا أو كان ~~مأذونا لكنه لم يكن عليه دين مستغرق لرقبته؛ لأن كسبه ملك المولى فالدفع ~~يقع إلى المولى وهو غني فلا يجوز ذلك. # وإن كان عليه دين مستغرق لكنه غير ظاهر في حق المولى؛ لأنه يتأخر إلى ما ~~بعد العتاق فكان كسبه ملك المولى وهو غني. # وأما إذا كان ظاهرا في حق المولى كدين الاستهلاك ودين التجارة فينبغي أن ~~يجوز على قول أبي حنيفة؛ لأن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون دينا ~~مستغرقا ظاهرا في حقه وعندهما لا يجوز؛ لأنه يملك كسبه عندهما. # ويجوز الدفع إلى مكاتب الغني؛ لأن كسب المالك المكاتب ملكه من حيث الظاهر ~~وإنما يملكه المولى بالعجز ولم يوجد. # وأما ولد الغني فإن كان صغيرا لم يجز الدفع إليه وإن كان فقيرا لا مال ~~له؛ لأن الولد الصغير يعد غنيا بغنى أبيه وإن كان كبيرا فقيرا يجوز؛ لأنه ~~لا يعد غنيا بمال أبيه فكان كالأجنبي ولو دفع إلى امرأة فقيرة وزوجها غني ~~جاز في قول أبي حنيفة ومحمد وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف. # وروي عنه أنها لا تعطي إذا قضي لها بالنفقة. # وجه هذه الرواية أن نفقة المرأة تجب على زوجها فتصير غنية بغنى الزوج ~~كالولد الصغير، وإنما شرط القضاء لها بالنفقة؛ لأن النفقة لا تصير دينا ~~بدون القضاء. # وجه ظاهر الرواية أن المرأة الفقيرة لا تعد غنية بغنى زوجها؛ لأنها لا ~~تستحق على زوجها إلا مقدار النفقة فلا تعد بذلك القدر غنية. # وكذا يجوز الدفع إلى فقير له ms0848 ابن غني وإن كان يجب عليه نفقته لما قلنا: ~~إن تقدر النفقة لا يصير غنيا فيجوز الدفع إليه. # وأما صدقة الوقف فيجوز صرفها إلى الأغنياء إن سماهم الواقف في الوقف ذكره ~~الكرخي في مختصره وإن لم يسمهم لا يجوز؛ لأنها صدقة واجبة. # ثم لا بد من معرفة حد الغنى فنقول الغنى أنواع # PageV02P047 # ثلاثة: غنى تجب به الزكاة، وغنى يحرم به أخذ الصدقة وقبولها ولا تجب به ~~الزكاة، وغنى يحرم به السؤال ولا يحرم به الأخذ أما الغنى الذي تجب به ~~الزكاة فهو أن يملك نصابا من المال النامي الفاضل عن الحاجة الأصلية. # وأما الغنى الذي يحرم به أخذ الصدقة وقبولها فهو الذي تجب به صدقة الفطر ~~والأضحية وهو أن يملك من الأموال التي لا تجب فيها الزكاة ما يفضل عن حاجته ~~وتبلغ قيمة الفاضل مائتي درهم من الثياب والفرش والدور والحوانيت والدواب ~~والخدم زيادة على ما يحتاج إليه كل ذلك للابتذال والاستعمال لا للتجارة ~~والإسامة، فإذا فضل من ذلك ما يبلغ قيمته مائتي درهم وجب عليه صدقة الفطر ~~والأضحية وحرم عليه أخذ الصدقة، ثم قدر الحاجة ما ذكره الكرخي في مختصره ~~فقال لا بأس بأن يعطى من الزكاة من له مسكن وما يتأثث به في منزله وخادم ~~وفرس وسلاح وثياب البدن وكتب العلم إن كان من أهله فإن كان له فضل عن ذلك ~~ما يبلغ قيمته مائتي درهم حرم عليه أخذ الصدقة لما روي عن الحسن البصري أنه ~~قال كانوا يعطون الزكاة لمن يملك عشرة آلاف درهم من الفرس والسلاح والخدم ~~والدار. # وقوله: كانوا، كناية عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا؛ ~~لأن هذه الأشياء من الحوائج اللازمة التي لا بد للإنسان منها فكان وجودها ~~وعدمها سواء. # وذكر في الفتاوى فيمن له حوانيت ودور الغلة لكن غلتها لا تكفيه ولعياله ~~أنه فقير ويحل له أخذ الصدقة عند محمد وزفر، وعند أبي يوسف لا يحل وعلى هذا ~~إذا كان له أرض وكرم لكن غلته لا تكفيه ولعياله، ولو كان ms0849 عنده طعام للقوت ~~يساوي مائتي درهم فإن كان كفاية شهر تحل له الصدقة وإن كان كفاية سنة، قال ~~بعضهم: لا تحل، وقال بعضهم: تحل؛ لأن ذلك مستحق الصرف إلى الكفاية والمستحق ~~ملحق بالعدم. # وقد روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ادخر لنسائه قوت سنة» . # ولو كان له كسوة شتاء وهو لا يحتاج إليها في الصيف يحل له أخذ الصدقة ذكر ~~هذه الجملة في الفتاوى، وهذا قول أصحابنا وقال مالك: من ملك خمسين درهما لا ~~يحل له أخذ الصدقة ولا يباح أن يعطى، واحتج بما روي عن علي وعبد الله بن ~~مسعود وسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: لا تحل الصدقة لمن ~~له خمسون درهما أو عوضها من الذهب وهذا نص في الباب. # ولنا حديث معاذ حيث قال له النبي: - صلى الله عليه وسلم - «خذها من ~~أغنيائهم وردها في فقرائهم» قسم الناس قسمين: الأغنياء، والفقراء فجعل ~~الأغنياء يؤخذ منهم والفقراء يرد فيهم فكل من لم تؤخذ منه يكون مردودا فيه، ~~وما رواه مالك محمول على حرمة السؤال معناه لا يحل سؤال الصدقة لمن له ~~خمسون درهما أو عوضهما من الذهب أو يحمل ذلك على كراهة الأخذ؛ لأن من له ~~سداد من العيش فالتعفف أولى؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «من استغنى ~~أغناه الله ومن استعف أعفه الله» وقال الشافعي يجوز دفع الزكاة إلى رجل له ~~مال كثير ولا كسب له وهو يخاف الحاجة ويجوز له الأخذ وهذا فاسد؛ لأن هذا ~~دفع الزكاة إلى الغني ولا سبيل إليه لما بينا وخوف حدوث الحاجة في الثاني ~~لا يجعله فقيرا في الحال ألا تر أنه لا يعتبر ذلك في سقوط الوجوب حتى تجب ~~عليه الزكاة فكذا في جواز الأخذ ولو كان الفقير قويا مكتسبا يحل له أخذ ~~الصدقة عندنا وعند الشافعي لا يحل واحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» وفي بعض الروايات «ولا لقوي ~~مكتسب» ، ولنا ما روي عن ms0850 سلمان الفارسي أنه قال: «حمل إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صدقة فقال لأصحابه: كلوا ولم يأكل» ومعلوم أنه لا يتوهم ~~أن أصحابه - رضي الله عنهم - كانوا كلهم زمنى بل كان بعضهم قويا مكتسبا وما ~~رواه الشافعي محمول على حرمة الطلب والسؤال فإن ذلك للزجر عن المسألة ~~والحمل على الكسب، والدليل عليه ما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: للرجلين اللذين سألاه إن شئتما أعطيتكما منه ولا حق فيها لغني ولا ~~لقوي مكتسب» ولو كان حراما لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعطيهما ~~الحرام، ولكن قال ذلك للزجر عن السؤال والحمل على الكسب كذا هذا. # ويكره لمن عليه الزكاة أن يعطي فقيرا مائتي درهم أو أكثر ولو أعطى جاز ~~وسقط عنه الزكاة في قول أصحابنا الثلاثة، وعند زفر لا يجوز ولا يسقط. # وجه قوله أن هذا نصاب كامل فيصير غنيا بهذا المال ولا يجوز الصرف إلى ~~الغني ولنا أنه إنما يصير غنيا بعد ثبوت الملك له فأما قبله فقد كان فقيرا ~~فالصدقة لاقت كف الفقير فجازت وهذا؛ لأن الغنى يثبت بالملك، والقبض شرط ~~ثبوت الملك فيقبض ثم يملك المقبوض ثم يصير غنيا ألا ترى أنه يكره؛ لأن ~~المنتفع به # PageV02P048 # يصير هو الغني وذكر في الجامع الصغير وإن يغني به إنسانا أحب إلي. # ولم يرد به الإغناء المطلق؛ لأن ذلك مكروه لما بينا وإنما أراد به المقيد ~~وهو أنه يغنيه يوما أو أياما عن المسألة؛ لأن الصدقة وضعت لمثل هذا الإغناء ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في صدقة الفطر «أغنوهم عن المسألة في مثل ~~هذا اليوم» هذا إذا أعطي مائتي درهم وليس عليه دين ولا له عيال فإن كان ~~عليه دين فلا بأس بأن يتصدق عليه قدر دينه وزيادة ما دون المائتين وكذا إذا ~~كان له عيال يحتاج إلى نفقتهم وكسوتهم. # وأما الغنى الذي يحرم به السؤال فهو أن يكون له سداد عيش بأن كان له قوت ~~يومه لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه ms0851 وسلم - أنه قال «من سأل الناس ~~عن ظهر غنى فإنما يستكثر من جمر جهنم قيل: يا رسول الله، وما ظهر الغنى؟ ~~قال: أن يعلم أن عنده ما يغديهم أو ما يعشيهم» فإن لم يكن له قوت يومه ولا ~~ما يستر به عورته يحل له أن يسأل؛ لأن الحال حال الضرورة وقد قال الله ~~تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] ، وترك السؤال في ~~هذا الحال إلقاء النفس في التهلكة وإنه حرام فكان له أن يسأل بل يجب عليه ~~ذلك. # ومنها أن يكون مسلما فلا يجوز صرف الزكاة إلى الكافر بلا خلاف لحديث معاذ ~~- رضي الله عنه - «خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم» أمر بوضع الزكاة في ~~فقراء من يؤخذ من أغنيائهم وهم المسلمون فلا يجوز وضعها في غيرهم. # وأما سوى الزكاة من صدقة الفطر والكفارات والنذور فلا شك في أن صرفها إلى ~~فقراء المسلمين أفضل؛ لأن الصرف إليهم يقع إعانة لهم على الطاعة وهل يجوز ~~صرفها إلى أهل الذمة قال أبو حنيفة ومحمد: يجوز، وقال أبو يوسف: لا يجوز ~~وهو قول زفر والشافعي. # وجه قولهم الاعتبار بالزكاة وبالصرف إلى الحربي ولهما قوله تعالى {إن ~~تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم ~~من سيئاتكم} [البقرة: 271] من غير فصل بين فقير وفقير وعموم هذا النص يقتضي ~~جواز صرف الزكاة إليهم إلا أنه خص منه الزكاة لحديث معاذ - رضي الله عنه - ~~وقوله تعالى في الكفارات {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم} [المائدة: 89] من غير فصل بين مسكين ومسكين إلا أنه خص منه الحربي ~~بدليل ولأن صرف الصدقة إلى أهل الذمة من باب إيصال البر إليهم وما نهينا عن ~~ذلك قال الله تعالى {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم ~~يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} ~~[الممتحنة: 8] وظاهر هذا النص يقتضي جواز صرف الزكاة إليهم؛ لأن أداء ~~الزكاة بر بهم إلا أن البر بطريق الزكاة غير مراد ms0852 عرفنا ذلك بحديث معاذ - ~~رضي الله عنه - وإنما لا يجوز صرفها إلى الحربي؛ لأن في ذلك إعانة لهم على ~~قتالنا وهذا لا يجوز وهذا المعنى لم يوجد في الذمي. # (ومنها) أن لا يكون من بني هاشم لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «يا معشر بني هاشم إن الله كره لكم غسالة الناس وعوضكم ~~منها بخمس الخمس من الغنيمة» . # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الصدقة محرمة على بني ~~هاشم» وروي «أنه رأى في الطريق تمرة فقال: لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة ~~لأكلتها ثم قال: إن الله حرم عليكم يا بني هاشم غسالة أيدي الناس» والمعنى ~~ما أشار إليه أنها من غسالة الناس فيتمكن فيها الخبث فصان الله تعالى بني ~~هاشم عن ذلك تشريفا لهم وإكراما وتعظيما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. # ومنها أن لا يكون من مواليهم لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه ~~قال: «استعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرقم بن أبي أرقم الزهري ~~على الصدقات فاستتبع أبا رافع فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله ~~فقال: يا أبا رافع إن الصدقة حرام على محمد وآل محمد وإن موالي القوم من ~~أنفسهم» أي: في حرمة الصدقة لإجماعنا على أن مولى القوم ليس منهم في جميع ~~الأحكام ألا ترى أنه ليس بكفء لهم؟ . # وكذا مولى المسلم إذا كان كافرا تؤخذ منه الجزية ومولى التغلبي تؤخذ منه ~~الجزية ولا تؤخذ منه الصدقة المضاعفة فدل أن المراد منه حرمة الصدقة خاصة ~~وبنو هاشم الذين تحرم عليهم الصدقات آل العباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل ~~عقيل، وولد الحارث بن عبد المطلب كذا ذكره الكرخي. # ومنها أن لا تكون منافع الأملاك متصلة بين المؤدي وبين المؤدى إليه؛ لأن ~~ذلك يمنع وقوع الأداء تمليكا من الفقير من كل وجه بل يكون صرفا إلى نفسه من ~~وجه وعلى هذا يخرج الدفع إلى الوالدين وإن علوا والمولودين وإن سفلوا؛ لأن ~~أحدهما ينتفع ms0853 بمال الآخر ولا يجوز أن يدفع الرجل الزكاة إلى زوجته ~~بالإجماع، وفي دفع المرأة إلى زوجها اختلاف بين # PageV02P049 # أبي حنيفة وصاحبيه ذكرناه فيما تقدم. # وأما صدقة التطوع فيجوز دفعها إلى هؤلاء والدفع إليهم أولى؛ لأن فيه ~~أجرين أجر الصدقة وأجر الصلة وكونه دفعا إلى نفسه من وجه لا يمنع صدقة ~~التطوع. # قال النبي: - صلى الله عليه وسلم - «نفقة الرجل على نفسه صدقة وعلى عياله ~~صدقة وكل معروف صدقة» ويجوز دفع الزكاة إلى من سوى الوالدين والمولودين من ~~الأقارب ومن الإخوة والأخوات وغيرهم؛ لانقطاع منافع الأملاك بينهم ولهذا ~~تقبل شهادة البعض على البعض والله أعلم هذا الذي ذكرناه إذا دفع الصدقة إلى ~~إنسان على علم منه بحاله أنه محل الصدقة. # فأما إذا لم يعلم بحاله ودفع إليه فهذا على ثلاثة أوجه في وجه هو على ~~الجواز حتى يظهر خطؤه، وفي وجه على الفساد حتى يظهر صوابه وفي وجه فيه ~~تفصيل على الوفاق والخلاف أما الذي هو على الجواز حتى يظهر خطؤه فهو أن ~~يدفع زكاة ماله إلى رجل ولم يخطر بباله وقت الدفع ولم يشك في أمره فدفع ~~إليه فهذا على الجواز إلا إذا ظهر بعد الدفع أنه ليس محل الصدقة فحينئذ لا ~~يجوز؛ لأن الظاهر أنه صرف الصدقة إلى محلها حيث نوى الزكاة عند الدفع ~~والظاهر لا يبطل إلا باليقين فإذا ظهر بيقين أنه ليس بمحل الصدقة ظهر أنه ~~لم يجز وتجب عليه الإعادة وليس له أن يسترد ما دفع إليه ويقع تطوعا حتى أنه ~~لو خطر بباله بعد ذلك وشك فيه ولم يظهر له شيء لا تلزمه الإعادة؛ لأن ~~الظاهر لا يبطل بالشك. # وأما الذي هو على الفساد حتى يظهر جوازه فهو أنه خطر بباله وشك في أمره ~~لكنه لم يتحر ولا طلب الدليل أو تحرى بقلبه لكنه لم يطلب الدليل فهو على ~~الفساد إلا إذا ظهر أنه محل بيقين أو بغالب الرأي فحينئذ يجوز؛ لأنه لما شك ~~وجب عليه التحري والصرف إلى من وقع عليه تحريه، فإذا ترك ms0854 لم يوجد الصرف إلى ~~من أمر بالصرف إليه فيكون فاسدا إلا إذا ظهر أنه محل فيجوز. # وأما الوجه الذي فيه تفصيل على الوفاق والخلاف فهو إن خطر بباله وشك في ~~أمره وتحرى ووقع تحريه على أنه محل الصدقة فدفع إليه جاز بالإجماع # وكذا إن لم يتحر ولكن سأل عن حاله فدفع أورآه في صف الفقراء أو على زي ~~الفقراء فدفع فإن ظهر أنه كان محلا جاز بالإجماع، وكذا إذا لم يظهر حاله ~~عنده، وأما إذا ظهر أنه لم يكن محلا بأن ظهر أنه غني أو هاشمي أو مولى ~~لهاشمي كافر أو والد أو مولود أو زوجة يجوز وتسقط عنه الزكاة في قول أبي ~~حنيفة ومحمد ولا تلزمه الإعادة، وعند أبي يوسف لا يجوز وتلزمه الإعادة وبه ~~أخذ الشافعي # وروى محمد بن شجاع عن أبي حنيفة في الوالد والولد والزوجة أنه لا يجوز ~~كما قال أبو يوسف # ولو ظهر أنه عبده أو مدبره أو أم ولده أو مكاتبه لم يجز وعليه الإعادة في ~~قولهم جميعا، ولو ظهر أنه مستسعاه لم يجز عند أبي حنيفة؛ لأنه بمنزلة ~~المكاتب عنده، وعندهما يجوز؛ لأنه حر عليه دين. # وجه قول أبي يوسف أن هذا مجتهد ظهر خطؤه بيقين فبطل اجتهاده وكما لو تحرى ~~في ثياب أو أواني وظهر خطؤه فيها وكما لو صرف ثم ظهر أنه عبده أو مدبره أو ~~أم ولده أو مكاتبه ولهما أنه صرف الصدقة إلى من أمر بالصرف إليه فيخرج عن ~~العهدة كما إذا صرف ولم يظهر حاله بخلافه، ودلالة ذلك أنه مأمور بالصرف إلى ~~من هو محل عنده وفي ظنه واجتهاده لا على الحقيقة إذ لا علم له بحقيقة الغنى ~~والفقر لعدم إمكان الوقوف على حقيقتهما وقد صرف إلى من أدى اجتهاده أنه محل ~~فقد أتى بالمأمور به فيخرج عن العهدة بخلاف الثياب والأواني؛ لأن العلم ~~بالثوب الطاهر والماء الطاهر ممكن فلم يأت بالمأمور به فلم يجز وبخلاف ما ~~إذا ظهر أنه عبده؛ لأن الوقوف على ذلك بأمارات تدل عليه ms0855 ممكن على أن معنى ~~صرف الصدقة وهو التمليك هناك لا يتصور لاستحالة تمليك الشيء من نفسه. # وقوله: ظهر خطؤه بيقين ممنوع وإنما يكون كذلك أن لو قلنا أنه صار محل ~~الصدقة باجتهاده فلا نقول كذلك بل المحل المأمور بالصرف إليه شرعا حالة ~~الاشتباه وهو من وقع عليه التحري وعلى هذا لا يظهر خطؤه ولهما في الصرف إلى ~~ابنه وهو لا يعلم به الحديث المشهور وهو ما روي «أن يزيد بن معن دفع صدقته ~~إلى رجل وأمره بأن يأتي المسجد ليلا فيتصدق بها فدفعها إلى ابنه معن فلما ~~أصبح رآها في يده فقال له: لم أردك بها فاختصما إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: يا معن لك ما أخذت ويا يزيد لك ما نويت» والله أعلم. ### | [فصل حولان الحول هل هو من شرائط أداء الزكاة] # (فصل) : # وأما حولان الحول فليس من شرائط جواز أداء الزكاة عند عامة العلماء، وعند ~~مالك من شرائط الجواز فيجوز تعجيل الزكاة عند عامة العلماء خلافا لمالك ~~والكلام في التعجيل في مواضع في بيان أصل الجواز وفي بيان # PageV02P050 # شرائطه وفي بيان حكم المعجل إذا لم يقع زكاة. # أما الأول فهو على الاختلاف الذي ذكرنا وجه قول مالك أن أداء الزكاة أداء ~~الواجب، وأداء الواجب ولا وجوب لا يتحقق، ولا وجوب قبل الحول؛ لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» ، ولنا ما روي ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استسلف من العباس زكاة سنتين» وأدنى ~~درجات فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الجواز. # وأما قوله إن أداء الزكاة أداء الواجب ولا وجوب قبل حولان الحول فالجواب ~~عنه من وجهين أحدهما ممنوع أنه لا وجوب قبل حولان الحول بل الوجوب ثابت ~~قبله لوجود سبب الوجوب وهو ملك نصاب كامل نام أو فاضل عن الحاجة الأصلية ~~لحصول الغنى به ولوجوب شكر نعمة المال على ما بينا فيما تقدم. # ثم من المشايخ من قال بالوجوب توسعا وتأخير الأداء إلى مدة الحول ms0856 ترفيها ~~وتيسيرا على أرباب الأموال كالدين المؤجل فإذا عجل فلم يترفه فيسقط الواجب ~~كما في الدين المؤجل فمنهم من قال بالوجوب لكن لا على سبيل التأكيد وإنما ~~يتأكد الوجوب بآخر الحول ومنهم من قال بالوجوب في أول الحول لكن بطريق ~~الاستناد وهو أن يجب أولا في آخر الحول ثم يستند الوجوب إلى أوله لاستناد ~~سببه وهو كون النصاب حوليا فيكون التعجيل أداء بعد الوجوب لكن بالطريق الذي ~~قلنا فيقع زكاة الثاني إن سلمنا أنه لا وجوب قبل الحول لكن سبب الوجوب ~~موجود وهو ملك النصاب ويجوز أداء العبادة قبل الوجوب بعد وجود سبب الوجوب ~~كأداء الكفارة بعد الجرح قبل الموت، وسواء عجل عن نصاب واحد، أو اثنين، أو ~~أكثر من ذلك مما يستفيده في السنة عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا يجوز ~~إلا عند النصاب الموجود حتى لو كان له مائتا درهم فعجل زكاة الألف وذلك ~~خمسة وعشرون ثم استفاد مالا، أو ربح في ذلك المال حتى صار ألف درهم فتم ~~الحول وعنده ألفا درهم جاز عن الكل عندنا، وعند زفر لا يجوز إلا عن ~~المائتين. # وجه قوله إن التعجيل عما سوى المائتين تعجيل قبل وجود السبب فلا يجوز كما ~~لو عجل قبل ملك المائتين، ولنا أن ملك النصاب موجود في أول الحول والمستفاد ~~على ملك النصاب في الحول كالموجود من ابتداء الحول بدليل وجوب الزكاة فيه ~~عند حولان الحول فلو لم يجعل كالموجود في أول الحول لما وجبت الزكاة فيه؛ ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» وإذا ~~كان كذلك جعلت الألف كأنها كانت موجودة في ابتداء الحول ليصير مؤديا بعد ~~وجود الألف تقديرا فجاز والله أعلم. ### | [فصل شرائط جواز النصاب] # (فصل) : # وأما شرائط الجواز فثلاثة: أحدهما كمال النصاب في أول الحول، والثاني ~~كماله في آخر الحول والثالث أن لا ينقطع النصاب فيما بين ذلك حتى لو عجل ~~وله في أول الحول أقل من النصاب ثم كمل في آخره فتم الحول والنصاب كامل ms0857 لم ~~يكن المعجل زكاة بل كان تطوعا. # وكذا لو عجل والنصاب كامل ثم هلك نصفه مثلا فتم الحول والنصاب غير كامل ~~لم يجز التعجيل وإنما كان كذلك؛ لأن المعتبر كمال النصاب في طرفي الحول؛ ~~ولأن سبب الوجوب هو النصاب فأحد الطرفين حال انعقاد السبب والطرف الآخر حال ~~الوجوب، أو حال تأكد الوجوب بالسبب وما بين ذلك ليس بحال الانعقاد ولا حال ~~الوجوب إذ تأكد الوجوب بالسبب فلا معنى لاشتراط النصاب عنده ولأن في اعتبار ~~كمال النصاب فيما بين ذلك حرجا؛ لأن التجار يحتاجون إلى النظر في ذلك كل ~~يوم وكل ساعة وفيه من الحرج ما لا يخفى ولا حرج في مراعاة الكمال في أول ~~الحول وآخره وكذلك جرت عادة التجار بتعرف رءوس أموالهم في أول الحول وآخره ~~ولا يلتفتون إلى ذلك في أثناء الحول إلا أنه لا بد من بقاء شيء من النصاب ~~وإن قل في أثناء الحول ليضم المستفاد إليه ولأنه إذا هلك النصاب الأول كله ~~فقد انقطع حكم الحول فلا يمكن إبقاء المعجل زكاة فيقع تطوعا. # ولو كان له نصاب في أول الحول فعجل زكاته وانتقص النصاب ولم يستفد شيئا ~~حتى حال الحول والنصاب ناقص لم يجز التعجيل ويقع المؤدى تطوعا ولا يعتبر ~~المعجل في تمام النصاب عندنا، وعند الشافعي يكمل النصاب بما عجل ويقع زكاة، ~~وصورته إذا عجل خمسة عن مائتين ولم يستفد شيئا حتى حال الحول وعنده مائة ~~وخمسة وتسعون، أو عجل شاة من أربعين فحال عليها الحول وعنده تسعة وثلاثون ~~لم يجز التعجيل عندنا وعنده جائز. # وجه قوله أن المعجل وقع زكاة عن كل النصاب فيعتبر في إتمام النصاب ولنا ~~أن المؤدى مال أزال ملكه عنه بنية الزكاة فلا يكمل به النصاب كما لو # PageV02P051 # هلك في يد الإمام. # ولو استفاد خمسة في آخر الحول جاز التعجيل لوجود كمال النصاب في طرفي ~~الحول ولو كان له مائتا درهم فعجل زكاتها خمسة فانتقص النصاب ثم استفاد ما ~~يكمل به النصاب بعد الحول في أول الحول الثاني وتم ms0858 الحول الثاني والنصاب ~~كامل فعليه الزكاة للحول الثاني وما عجل يكون تطوعا؛ لأنه عجل للحول الأول ~~ولم تجب عليه الزكاة للحول الأول لنقصان النصاب في آخر الحول ولو كان له ~~مائتا درهم فعجل خمسة منها ثم تم الحول والنصاب ناقص ودخل الحول الثاني وهو ~~ناقص ثم تم الحول الثاني وهو كامل لا تجزي الخمسة عن السنة الأولى ولا عن ~~السنة الثانية؛ لأن في السنة الأولى كان النصاب ناقصا في آخرها وفي السنة ~~الثانية كان النصاب ناقصا في أولها فلم تجب الزكاة في السنتين فلا يقع ~~المؤدى زكاة عنهما. # ولو كان له مائتي درهم فحال الحول وأدى خمسة منها حتى انتقص منها خمسة ثم ~~إنه عجل عن السنة الثانية خمسة حتى انتقص منها خمسة أخرى فصار المال مائة ~~وتسعين فتم الحول الثاني وقد استفاد عشرة حتى حال الحول على المائتين ذكر ~~في الجامع أن الخمسة التي عجل للحول الثاني جائزة طعن عيسى بن أبان وقال ~~ينبغي أن لا تجزئه هذه الخمسة عن السنة الثانية؛ لأن الحول الأول لما تم ~~وجبت الزكاة وصارت خمسة من المائتين واجبة ووجوب الزكاة يمنع وجوب الزكاة ~~فانعقد الحول الثاني والنصاب ناقص فكان تعجيل الخمسة عن السنة الثانية ~~تعجيلا حال نقصان النصاب فلم يجز والجواب أن الزكاة تجب بعد تمام السنة ~~الأولى وتمام السنة الأولى يتعقبه الجزء الأول من السنة الثانية والوجوب ~~ثبت مقارنا لذلك الجزء، والنصاب كان كاملا في ذلك الوقت ثم انتقص بعد ذلك ~~وهو حال وجود الجزء الثاني من السنة الثانية فكان ذلك نقصان النصاب في ~~أثناء الحول ولا عبرة به عند وجود الكمال في طرفيه وقد وجد ههنا فجاز ~~التعجيل لوجود حال كمال النصاب. ### | [فصل حكم المعجل إذا لم يقع زكاة] # (فصل) : # وأما حكم المعجل إذا لم يقع زكاة أنه إن وصل إلى يد الفقير يكون تطوعا ~~سواء وصل إلى يده من يد رب المال، أو من يد الإمام، أو نائبه وهو الساعي؛ ~~لأنه حصل أصل القربة وإنما التوقف في صفة الفرضية، وصدقة ms0859 التطوع لا يحتمل ~~الرجوع فيها بعد وصولها إلى يد الفقير وإن كان المعجل في يد الإمام قائما ~~له أن يسترده؛ لأنه لما لم يصل إلى يد الفقير لم يتم الصرف؛ لأن يد المصدق ~~في الصدقة المعجلة يد المالك من وجه لأنه مخير في دفع المعجل إليه وإن كان ~~يد الفقير من وجه من حيث إنه يقبض له فلم يتم الصرف فلم تقع صدقة أصلا. # وإن هلك في يده لا يضمن عندنا وقال الشافعي: إن استسلف الإمام بغير مسألة ~~رب المال ولا أهل السهمان يضمن وهذا فاسد؛ لأن الضمان إنما يجب على الإنسان ~~بفعله وفعله الأخذ وأنه مأذون فيه فلا يصلح سببا لوجوب الضمان، والهلاك ليس ~~من صنعه بل هو محض صنع الله تعالى أعني مصنوعه. # ولو دفع الإمام المعجل إلى فقير فأيسر الفقير قبل تمام الحول أو مات أو ~~ارتد جاز عن الزكاة عندنا وقال الشافعي يسترده الإمام إلا أن يكون يساره من ~~ذلك المال. # وجه قوله أن كون المعجل زكاة إنما يثبت عند تمام الحول وهو ليس محل الصرف ~~في ذلك الوقت فلا يقع زكاة إلا إذا كان يساره من ذلك المال؛ لأنه حينئذ ~~يكون أصلا فلا يقطع التبع عن أصله ولنا أن الصدقة لاقت كف الفقير فوقعت ~~موقعها فلا تتغير بالغنى الحادث بعد ذلك كما إذا دفعها إلى الفقير بعد ~~حولان الحول ثم أيسر. # ولو عجل زكاة ماله ثم هلك المال لم يرجع على الفقير عندنا وقال الشافعي ~~يرجع عليه إذا كان قال له إنها معجلة وهذا غير سديد؛ لأن الصدقة وقعت في ~~محل الصدقة وهو الفقير بنية الزكاة فلا يحتمل الرجوع كما إذا لم يقل إنها ~~معجلة ولو كان له دراهم أو دنانير أو عروض للتجارة فعجل زكاة جنس منها ثم ~~هلك بعض المال جاز المعجل عن الباقي؛ لأن الكل في حكم مال واحد بدليل أنه ~~يضم البعض إلى البعض في تكميل النصاب فكانت نية التعيين في التعجيل لغوا ~~كما لو كان له ألف درهم فعجل زكاة ms0860 المائتين ثم هلك بعض المال. # وهذا بخلاف السوائم المختلفة بأن كان له خمس من الإبل وأربعون من الغنم ~~فعجل شاة عن خمس من الإبل ثم هلكت الإبل أن المعجل لا يجوز عن زكاة الغنم؛ ~~لأنهما مالان مختلفان صورة ومعنى فكان نية التعيين صحيحة فالتعجيل عن ~~أحدهما لا يقع عن الآخر والله أعلم. ### | [فصل بيان ما يسقط وجوب النصاب] # (فصل) : # وأما بيان ما يسقطها بعد وجوبها فالمسقط لها بعد الوجوب أحد الأشياء ~~الثلاثة: منها هلاك # PageV02P052 # النصاب بعد الحول قبل التمكن من الأداء وبعده عندنا، وعند الشافعي لا ~~يسقط بالهلاك بعد التمكن والمسألة قد مضت. # ومنها الردة عندنا وقال الشافعي: الردة لا تسقط الزكاة الواجبة حتى لو ~~أسلم لا يجب عليه الأداء عندنا وعنده يجب. # وجه قوله أن المرتد قادر على أداء ما وجب عليه لكن بتقديم شرطه وهو ~~الإسلام فإذا أسلم وجب عليه الأداء كالمحدث والجنب أنهما قادران على أداء ~~الصلاة لكن بواسطة الطهارة فإذا وجدت الطهارة يجب عليها الأداء كذا هذا، ~~ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الإسلام يجب ما قبله» ولأن المرتد ~~ليس من أهل أداء العبادة فلا يكون من أهل وجوبها فتسقط عنه بالردة وما ذكر ~~أنه قادر على الأداء بتقديم شرطه وهو الإسلام كلام فاسد لما فيه من جعل ~~الأصل تبعا لتبعه وجعل التبع أصلا لمتبوعه على ما بينا فيما تقدم. # ومنها موت من عليه الزكاة من غير وصية عندنا، وعند الشافعي لا تسقط وجملة ~~الكلام فيه أن من عليه الزكاة إذا مات قبل أدائها فلا يخلو إما أن كان، ~~أوصى بالأداء وإما أن كان لم يوص فإن كان لم يوص تسقط عنه في أحكام الدنيا ~~حتى لا تؤخذ من تركته ولا يؤمر الوصي أو الوارث بالأداء من تركته عندنا، ~~وعنده تؤخذ من تركته، وعلى هذا الخلاف إذا مات من عليه صدقة الفطر، أو ~~النذر، أو الكفارات، أو الصوم، أو الصلاة، أو النفقات، أو الخراج، أو ~~الجزية؛ لأنه لا يستوفى من تركته عندنا، وعنده يستوفى من ms0861 تركته. # وإن مات من عليه العشر فإن كان الخارج قائما فلا يسقط بالموت في ظاهر ~~الرواية، وروى عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة أنه يسقط ولو كان استهلك ~~الخارج حتى صار دينا في ذمته فهو على هذا الاختلاف وإن كان، أوصى بالأداء ~~لا يسقط ويؤدى من ثلث ماله عندنا وعند الشافعي من جميع ماله والكلام فيه ~~بناء على أصلين: أحدهما ما ذكرنا فيما تقدم وهو أن الزكاة عبادة عندنا ~~والعبادة لا تتأدى إلا باختيار من عليه إما بمباشرته بنفسه، أو بأمره، أو ~~إنابته غيره فيقوم النائب مقامه فيصير مؤديا بيد النائب، وإذا، أوصى فقد ~~أناب وإذا لم يوص فلم ينب، فلو جعل الوارث نائبا عنه شرعا من غير إنابته ~~لكان ذلك إنابة جبرية والجبر ينافي العبادة إذ العبادة فعل يأتيه العبد ~~باختياره ولهذا قلنا إنه ليس للإمام أن يأخذ الزكاة من صاحب المال من غير ~~إذنه جبرا، ولو أخذ لا تسقط عنه الزكاة، والثاني أن الزكاة وجبت بطريق ~~الصلة ألا ترى أنه لا يقابلها عوض مالي، والصلات تسقط بالموت قبل التسليم ~~والعشر مؤنة الأرض وكما ثبت ثبت مشتركا لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا ~~أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] أضاف ~~المخرج إلى الكل الأغنياء والفقراء جميعا فإذا ثبت مشتركا فلا يسقط بموته ~~وعنده الزكاة حق العبد وهو الفقير فأشبه سائر الديون وإنها لا تسقط بموت من ~~عليه كذا هذا. # ولو مات من عليه الزكاة في خلال الحول ينقطع حكم الحول عندنا وعند ~~الشافعي لا ينقطع بل يبني الوارث عليه فإذا تم الحول أدى الزكاة، والكلام ~~فيه أيضا مبني على ما ذكرنا وهو أن الزكاة عبادة عندنا فيعتبر فيه جانب ~~المؤدي وهو المالك وقد زال ملكه بموته فينقطع حوله، وعنده ليست بعبادة بل ~~هي مؤنة الملك فيعتبر قيام نفس الملك وأنه قائم إذ الوارث يخلف المورث في ~~عين ما كان للمورث والله تعالى أعلم. ### | [فصل زكاة الزروع والثمار] # (فصل) : # وأما زكاة الزروع والثمار وهو ms0862 العشر فالكلام في هذا النوع أيضا يقع في ~~مواضع في. # بيان فرضيته وفي بيان كيفية الفرضية، وفي بيان سبب الفرضية، وفي بيان ~~شرائط الفرضية، وفي بيان القدر المفروض، وفي بيان صفته، وفي بيان من له ~~ولاية الأخذ، وفي بيان وقت الفرض، وفي بيان ركنه، وفي بيان شرائط الركن، ~~وفي بيان ما يسقطه، وفي بيان ما يوضع في بيت المال من الأموال، وفي بيان ~~مصارفها أما الأول فالدليل على فرضيته الكتاب والسنة والإجماع والمعقول أما ~~الكتاب فقوله تعالى {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] قال عامة أهل ~~التأويل: إن الحق المذكور هو العشر، أو نصف العشر فإن قيل: إن الله تعالى ~~أمر بإيتاء الحق يوم الحصاد ومعلوم أن زكاة الحبوب لا تخرج يوم الحصاد بل ~~بعد التنقية والكيل ليظهر مقدارها فيخرج عشرها فدل أن المراد به غير العشر ~~فالجواب أن المراد منه والله أعلم وآتوا حقه الذي وجب فيه يوم حصاده بعد ~~التنقية فكان اليوم ظرفا للحق لا للإيتاء. # على أن عند أبي حنيفة يجب العشر في الخضراوات وإنما يخرج الحق منها يوم ~~الحصاد وهو القطع ولا ينتظر شيء آخر فثبت أن الآية في العشر إلا أن مقدار # PageV02P053 # هذا الحق غير مبين في الآية فكانت الآية مجملة في حق المقدار ثم صارت ~~مفسرة ببيان النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله «ما سقته السماء ففيه ~~العشر وما سقي بغرب، أو دالية ففيه نصف العشر» كقوله تعالى {وآتوا الزكاة} ~~[البقرة: 43] أنها مجملة في حق المقدار فبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بقوله «في مائتي درهم خمسة دراهم» فصار مفسرا كذا هذا. # وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا ~~لكم من الأرض} [البقرة: 267] وفي الآية دلالة على أن للفقراء حقا في المخرج ~~من الأرض حيث أضاف المخرج إلى الكل فدل على أن للفقراء في ذلك حقا كما أن ~~للأغنياء فيدل على كون العشر حق الفقراء ثم عرف مقدار الحق بالسنة. # وأما السنة فما روينا وهو قوله - صلى الله عليه ms0863 وسلم - «ما سقته السماء ~~ففيه العشر وما سقي بغرب، أو دالية ففيه نصف العشر» . # وأما الإجماع فلأن الأمة أجمعت على فرضية العشر. # وأما المعقول فعلى نحو ما ذكرنا في النوع الأول؛ لأن إخراج العشر إلى ~~الفقير من باب شكر النعمة وإقدار العاجز وتقويته على القيام بالفرائض ومن ~~باب تطهير النفس عن الذنوب وتزكيتها، وكل ذلك لازم عقلا وشرعا والله أعلم. ### | [فصل كيفية فرضية زكاة الزروع والثمار] # (فصل) : # وأما الكلام في كيفية فرضية هذا النوع فعلى نحو الكلام في كيفية فرضية ~~النوع الأول وقد مضى الكلام فيه. ### | [فصل سبب فرضيته زكاة الزروع والثمار] # (فصل) : # وأما سبب فرضيته فالأرض النامية بالخارج حقيقة، وسبب وجوب الخراج للأرض ~~النامية بالخارج حقيقة، أو تقديرا حتى لو أصاب الخارج آفة فهلك لا يجب فيه ~~العشر في الأرض العشرية ولا الخراج في الأرض الخراجية لفوات النماء حقيقة ~~وتقديرا. # ولو كانت الأرض عشرية فتمكن من زراعتها فلم تزرع لا يجب العشر لعدم ~~الخارج حقيقة ولو كانت أرض خراجية يجب الخراج لوجود الخارج تقديرا ولو كانت ~~أرض الخراج نزة، أو غلب عليها الماء بحيث لا يستطاع فيها الزراعة، أو سبخة، ~~أو لا يصل إليها الماء فلا خراج فيه لانعدام الخارج فيه حقيقة وتقديرا، ~~وعلى هذا يخرج تعجيل العشر وإنه على ثلاثة، أوجه: في وجه يجوز بلا خلاف، ~~وفي وجه لا يجوز بلا خلاف، وفي وجه فيه خلاف أما الذي يجوز بلا خلاف فهو أن ~~يعجل بعد الزراعة وبعد النبات؛ لأنه تعجيل بعد وجود سبب الوجوب وهو الأرض ~~النامية بالخارج حقيقة ألا ترى أنه لو فصله هكذا يجب العشر؟ وأما الذي لا ~~يجوز بلا خلاف فهو أن يعجل قبل الزراعة؛ لأنه عجل قبل الوجوب وقبل وجود سبب ~~الوجوب لانعدام الأرض النامية بالخارج حقيقة لانعدام الخارج حقيقة وأما ~~الذي فيه خلاف فهو أن يعجل بعد الزراعة قبل النبات، قال أبو يوسف: يجوز ~~وقال محمد: لا يجوز. # وجه قول محمد إن سبب الوجوب لم يوجد لانعدام الأرض النامية بالخارج لا ~~الخارج فكان ms0864 تعجيلا قبل وجود السبب فلم يجز كما لو عجل قبل الزراعة وجه قول ~~أبي يوسف إن سبب الخروج موجود وهو الزراعة فكان تعجيلا بعد وجود السبب ~~فيجوز. # وأما تعجيل عشر الثمار فإن عجل بعد طلوعها جاز بالإجماع وإن عجل قبل ~~الطلوع ذكر الكرخي أنه على الاختلاف الذي ذكرنا في الزرع وذكر القاضي في ~~شرحه مختصر الطحاوي أنه لا يجوز في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه يجوز وجعل الأشجار للثمار بمنزلة الساق للحبوب ~~وهناك يجوز التعجيل كذا ههنا ووجه الفرق لأبي حنيفة ومحمد أن الشجر ليس ~~بمحل لوجوب العشر؛ لأنه حطب ألا ترى أنه لو قطعه لا يجب العشر؟ فأما ساق ~~الزرع فمحل بدليل أنه لو قطع الساق قبل أن ينعقد الحب يجب العشر. # ويجوز تعجيل الخراج والجزية؛ لأن سبب وجوب الخراج الأرض النامية بالخارج ~~تقديرا بالتمكن من الزراعة لا تحقيقا وقد وجد التمكن وسبب وجوب الجزية كونه ~~ذميا وقد وجد والله أعلم. ### | [فصل شرائط فرضية زكاة الزروع] ### | [الشرائط الأهلية] # (فصل) : # وأما شرائط الفرضية فبعضها شرط الأهلية وبعضها شرط المحلية أما. # شرط الأهلية فنوعان:. # أحدهما الإسلام وأنه شرط ابتداء هذا الحق فلا يبتدأ بهذا الحق إلا على ~~مسلم بلا خلاف؛ لأن فيه معنى العبادة والكافر ليس من أهل وجوبها ابتداء فلا ~~يبتدأ به عليه. # وكذا لا يجوز أن يتحول إليه في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يجوز ~~حتى إن الذمي لو اشترى أرض عشر من مسلم فعليه الخراج عنده، وعند أبي يوسف ~~عليه عشران # PageV02P054 # وعند محمد عليه عشر واحد. # وجه قول محمد أن الأصل أن كل أرض ابتدأت بضرب حق عليها أن لا يتبدل الحق ~~بتبدل المالك كالخراج، والجامع بينهما أن كل واحد منهما مؤنة الأرض لا تعلق ~~له بالمالك حتى يجب في أرض غير مملوكة فلا يختلف باختلاف المالك، وأبو يوسف ~~يقول: لما وجب العشر على الكافر كما قاله محمد فالواجب على الكافر باسم ~~العشر يكون مضاعفا كالواجب على التغلبي ويوضع موضع الخراج. # ولأبي حنيفة أن ms0865 العشر فيه معنى العبادة والكافر ليس من أهل وجوب العبادة ~~فلا يجب عليه العشر كما لا تجب عليه الزكاة المعهودة ولهذا لا تجب عليه ~~ابتداء كذا في حالة البقاء وإذا تعذر إيجاب العشر عليه فلا سبيل إلى أن ~~ينتفع الذمي بأرضه في دار الإسلام من غير حق يضرب عليها فضربنا عليها ~~الخراج فالخراج الذي فيه معنى الصغار كما لو جعل داره بستانا واختلفت ~~الرواية عن أبي حنيفة في وقت صيرورتها خراجية ذكر في السير الكبير أنه كما ~~اشترى صارت خراجية وفي رواية أخرى لا تصير خراجية ما لم يوضع عليها الخراج ~~وإنما يؤخذ الخراج إذا مضت من وقت الشراء مدة يمكنه أن يزرع فيها سواء زرع، ~~أو لم يزرع كذا ذكر في العيون في رجل باع أرض الخراج من رجل وقد بقي من ~~السنة مقدار ما يقدر المشتري على زرعها فخراجها على المشتري، وإن لم يكن ~~بقي ذلك القدر فخراجها على البائع. # واختلفت الرواية عن محمد في موضع هذا العشر ذكر في السير الكبير أنه يوضع ~~موضع الصدقة؛ لأن قدر الواجب لما لم يتغير عنده لا تتغير صفته أيضا. # وروي عنه أنه يوضع موضع الخراج؛ لأن مال الصدقة لا يؤخذ فيه لكونه مالا ~~مأخوذا من الكافر فيوضع موضع الخراج. # ولو اشترى مسلم من ذمي أرضا خراجية فعليه الخراج ولا تنقلب عشرية؛ لأن ~~الأصل أن مؤنة الأرض لا تتغير بتبدل المالك إلا لضرورة وفي حق الذمي إذا ~~اشترى من مسلم أرض عشر ضرورة؛ لأن الكافر ليس من أهل وجوب العشر فأما ~~المسلم فمن أهل وجوب الخراج في الجملة فلا ضرورة إلى التغيير بتبدل المالك. # ولو باع المسلم من ذمي أرضا عشرية فأخذها مسلم بالشفعة ففيها العشر؛ لأن ~~الصفقة تحولت إلى الشفيع كأنه باعها منه فكان انتقالا من مسلم إلى مسلم. # وكذلك لو كان البيع فاسدا فاستردها البائع منه لفساد البيع عادت إلى ~~العشر؛ لأن البيع الفاسد إذا فسخ يرتفع من الأصل ويصير كأن لم يكن فيرتفع ~~بأحكامه ولو وجد المشتري بها ms0866 عيبا فعلى رواية السير الكبير ليس له أن يردها ~~بالعيب؛ لأنها صارت خراجية بنفس الشراء فحدث فيها عيب زائد في يده وهو وضع ~~الخراج عليها فمنع الرد بالعيب لكنه يرجع بحصة العيب. # وعلى الرواية الأخرى له أن يردها ما لم يوضع عليها الخراج لعدم حدوث ~~العيب فإن ردها برضا البائع لا تعود عشرية بل هي خراجية على حالها عند أبي ~~حنيفة؛ لأن الرد برضا البائع بمنزلة بيع جديد، والأرض إذا صارت خراجية لا ~~تنقلب عشرية بتبدل المالك. # ولو اشترى التغلبي أرضا عشرية فعليه عشران في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ~~وعند محمد عليه عشر واحد أما محمد فقد مر على أصله أن كل مؤنة ضربت على أرض ~~أنها لا تتغير بتغير حال المالك، وفقهه ما ذكرنا وهما يقولان الأصل ما ذكره ~~محمد لكن يجوز أن تتغير إذا وجد المغير وقد وجد ههنا وهو قضية عمر - رضي ~~الله عنه - فإنه صالح بني تغلب على أن يؤخذ منهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين ~~بمحضر من الصحابة فإن أسلم التغلبي، أو باعها من مسلم لم يتغير العشران عند ~~أبي حنيفة، وعند أبي يوسف يتغير إلى عشر واحد. # وجه قوله إن العشرين كانا لكونه نصرانيا تغلبيا إذ التضعيف يختص بهم وقد ~~بطل بالإسلام فيبطل التضعيف، ولأبي حنيفة أن العشرين كانا خراجا على ~~التغلبي والخراج لا يتغير بإسلام المالك لما ذكرنا أن المسلم من أهل وجوب ~~الخراج في الجملة ولا يتفرع التغير على أصل محمد؛ لأنه كان عليه عشر واحد ~~قبل الإسلام والبيع من المسلم فيجب عشر واحد كما كان، وهكذا ذكر الكرخي في ~~مختصره أن عند محمد يجب عشر واحد، وذكر الطحاوي في التغلبي يشتري أرض العشر ~~من مسلم أنه يؤخذ منه عشران في قولهم والصحيح ما ذكره الكرخي لما ذكرنا من ~~أصل محمد - رحمه الله - ولو اشترى التغلبي أرض عشر فباعها من ذمي فعليه ~~عشران لما ذكرنا أن التضعيف على التغلبي بطريق الخراج والخراج لا يتغير ~~بتبدل المالك وروى الحسن عن أبي حنيفة ms0867 أن عليه الخراج؛ لأن التضعيف يختص ~~بالتغلبي والله أعلم. # والثاني العلم بكونه مفروضا # PageV02P055 # ونعني به سبب العلم في قول أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر، والمسألة ذكرت في ~~كتاب الصلاة. # وأما العقل والبلوغ فليسا من شرائط أهلية وجوب العشر حتى يجب العشر في ~~أرض الصبي والمجنون لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «ما سقته ~~السماء ففيه العشر وما سقي بغرب، أو دالية ففيه نصف العشر» ؛ ولأن العشر ~~مؤنة الأرض كالخراج ولهذا لا يجتمعان عندنا ولهذا يجوز للإمام أن يمد يده ~~إليه فيأخذه جبرا ويسقط عن صاحب الأرض كما لو أدى بنفسه إلا أنه إذا أدى ~~بنفسه يقع عبادة فينال ثواب العبادة. # وإذا أخذها الإمام كرها لا يكون له ثواب فعل العبادة وإنما يكون ثواب ~~ذهاب ماله في وجه الله تعالى بمنزلة ثواب المصائب كرها بخلاف الزكاة فإن ~~الإمام لا يملك الأخذ جبرا وإن أخذ لا تسقط الزكاة عن صاحب المال؛ ولهذا لو ~~مات من عليه العشر والطعام قائم يؤخذ منه بخلاف الزكاة فإنها تسقط بموت من ~~هي عليه. # وكذا ملك الأرض ليس بشرط لوجوب العشر وإنما الشرط ملك الخارج فيجب في ~~الأراضي التي لا مالك لها وهي الأراضي الموقوفة لعموم قوله تعالى {يا أيها ~~الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: ~~267] وقوله عز وجل {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] وقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغرب، أو دالية ففيه ~~نصف العشر» ؛ ولأن العشر يجب في الخارج لا في الأرض فكان ملك الأرض وعدمه ~~بمنزلة واحدة. # ويجب في أرض المأذون والمكاتب لما قلنا ولو آجر أرضه العشرية فعشر الخارج ~~على المؤاجر عنده وعندهما على المستأجر. # وجه قولهما ظاهر لما ذكرنا أن العشر يجب في الخارج والخارج ملك المستأجر ~~فكان العشر عليه كالمستعير ولأبي حنيفة أن الخارج للمؤاجر معنى؛ لأن بدله ~~وهو الأجرة له فصار كأنه زرع بنفسه، وفيه إشكال؛ لأن الأجر قابل للمنفعة لا ~~الخارج، والعشر يجب في الخارج ms0868 عندهما والخارج يسلم للمستأجر من غير عوض ~~فيجب فيه العشر. # والجواب أن الخارج في إجارة الأرض إن كان عينا حقيقية فله حكم المنفعة ~~فيقابله الأجر فكان الخارج للآجر معنى فكان العشر عليه فإن هلك الخارج فإن ~~كان قبل الحصاد فلا عشر على المؤاجر ويجب الأجر على المستأجر؛ لأن الأجر ~~يجب بالتمكن من الانتفاع وقد تمكن منه وإن هلك بعد الحصاد لا يسقط عن ~~المؤاجر عشر الخارج؛ لأن العشر كان يجب عليه دينا في ذمته ولا يجب في ~~الخارج عنده حتى يسقط بهلاكه فلا يسقط عنه العشر بهلاكه ولا يسقط الأجر عن ~~المستأجر أيضا وعند أبي يوسف ومحمد العشر في الخارج فيكون على من حصل له ~~الخارج ولو هلك بعد الحصاد، أو قبله هلك بما فيه من العشر. # ولو أعارها من مسلم فزرعها فالعشر على المستعير عند أصحابنا الثلاثة، ~~وعند زفر على المعير وهكذا روى عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة ولا خلاف ~~في أن الخراج على المعير. # وجه قول زفر أن الإعارة تمليك المنفعة بغير عوض فكان هبة المنفعة فأشبه ~~هبة الزرع، ولنا أن المنفعة حصلت للمستعير صورة ومعنى إذ لم يحصل للمعير في ~~مقابلتها عوض فكان العشر على المستعير. # ولو أعارها من كافر فكذلك الجواب عندهما؛ لأن العشر عندهما في الخارج على ~~كل حال. # وعن أبي حنيفة فيه روايتان في رواية العشر في الخارج، وفي رواية على رب ~~المال ولو دفعها مزارعة فإما على مذهبهما فالمزارعة جائزة والعشر يجب في ~~الخارج والخارج بينهما فيجب العشر عليهما. # وأما على مذهب أبي حنيفة فالمزارعة فاسدة ولو كان يجيزها كان يجب على ~~مذهبه جميع العشر على رب الأرض إلا أن في حصته جميع العشر يجب في عينه وفي ~~حصة المزارع يكون دينا في ذمته. # ولو غصب غاصب أرضا عشرية فزرعها فإن لم تنقصها الزراعة فالعشر على الغاصب ~~في الخارج لا على رب الأرض؛ لأنه لم تسلم له منفعة كما في العارية وإن ~~نقصتها الزراعة فعلى الغاصب نقصان الأرض كأنه آجرها منه ms0869 وعشر الخارج على رب ~~الأرض عند أبي حنيفة وعندهما في الخارج. # ولو كانت الأرض خراجية في الوجوه كلها فخراجها على رب الأرض بالإجماع إلا ~~في الغصب إذا لم تنقصها الزراعة فخراجها على الغاصب وإن نقصتها فعلى رب ~~الأرض كأنه آجرها منه وقال محمد: انظر إلى نقصان الأرض وإلى الخراج فإن كان ~~ضمان النقصان أكثر من الخراج فالخراج على رب الأرض يأخذ من الغاصب النقصان ~~فيؤدي الخراج منه وإن كان ضمان النقصان أقل من الخراج على الغاصب وسقط عنه ~~ضمان النقصان. # ولو باع الأرض العشرية وفيها زرع # PageV02P056 # قد أدرك مع زرعها أو باع الزرع خاصة فعشره على البائع دون المشتري؛ لأنه ~~باعه بعد وجوب العشر وتقرره بالإدراك. # ولو باعها والزرع بقل فإن قصله المشتري للحال فعشره على البائع أيضا ~~لتقرر الوجوب في البقل بالقصل. # وإن تركه حتى أدرك فعشره على المشتري في قول أبي حنيفة ومحمد لتحول ~~الوجوب من الساق إلى الحب. # وروي عن أبي يوسف أنه قال: عشر قدر البقل على البائع وعشر الزيادة على ~~المشتري. # وكذلك حكم الثمار على هذا التفصيل. # وكذا عدم الدين ليس بشرط لوجوب العشر؛ لأن الدين لا يمنع وجوب العشر في ~~ظاهر الرواية بخلاف الزكاة المعهودة وقد مضى الفرق فيما تقدم. ### | [فصل الشرائط المحلية] # (فصل) : # وأما شرائط المحلية فأنواع منها أن تكون الأرض عشرية فإن كانت خراجية يجب ~~فيها الخراج ولا يجب في الخارج منها العشر فالعشر مع الخراج لا يجتمعان في ~~أرض واحدة عندنا. # وقال الشافعي: يجتمعان فيجب في الخارج من أرض الخراج العشر حتى قال بوجوب ~~العشر في الخارج من أرض السواد. # وجه قوله أنهما حقان مختلفان ذاتا ومحلا وسببا فلا يتدافعان أما ~~اختلافهما ذاتا فلا شك فيه. # وأما المحل فلأن الخراج يجب في الذمة والعشر يجب في الخارج. # وأما السبب فلأن سبب وجوب الخراج الأرض النامية وسبب وجوب العشر الخارج ~~حتى لا يجب بدونه والخراج يجب بدون الخارج وإذا ثبت اختلافهما ذاتا ومحلا ~~وسببا فوجوب أحدهما لا يمنع وجوب الآخر، ولنا ما ms0870 روي عن ابن مسعود عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم» ؛ ولأن ~~أحدا من أئمة العدل وولاة الجور لم يأخذ من أرض السواد عشرا إلى يومنا هذا ~~فالقول بوجوب العشر فيها يخالف الإجماع فيكون باطلا؛ ولأن سبب وجوبهما واحد ~~وهو الأرض النامية فلا يجتمعان في أرض واحدة كما لا يجتمع زكاتان في مال ~~واحد وهي زكاة السائمة والتجارة. # والدليل على أن سبب وجوبهما الأرض النامية أنهما يضافان إلى الأرض، يقال: ~~خراج الأرض وعشر الأرض، والإضافة تدل على السببية فثبت أن سبب الوجوب فيهما ~~هو الأرض النامية إلا أنه إذا لم يزرعها وعطلها يجب الخراج؛ لأن انعدام ~~النماء كان لتقصير من قبله فيجعل موجودا تقديرا حتى لو كان الفوات لا ~~بتقصيره بأن هلك لا يجب وإنما لا يجب العشر بدون الخارج حقيقة؛ لأنه متعين ~~ببعض الخارج فلا يمكن إيجابه بدون الخارج وعلى هذا قال أصحابنا فيمن اشترى ~~أرض عشر للتجارة أو اشترى أرض خراج للتجارة أن فيها العشر، أو الخراج ولا ~~تجب زكاة التجارة مع أحدهما هو الرواية المشهورة عنهم. # وروي عن محمد أنه يجب العشر والزكاة، أو الخراج والزكاة. # وجه هذه الرواية أن زكاة التجارة تجب في الأرض والعشر يجب في الزرع ~~وأنهما مالان مختلفان فلم يجتمع الحقان في مال واحد. # وجه ظاهر الرواية أن سبب الوجوب في الكل واحد وهو الأرض ألا ترى أنه يضاف ~~الكل إليها؟ يقال: عشر الأرض وخراج الأرض وزكاة الأرض وكل واحد من ذلك حق ~~الله تعالى، وحقوق الله تعالى المتعلقة بالأموال النامية لا يجب فيها حقان ~~منها بسبب مال واحد كزكاة السائمة مع التجارة. # وإذا ثبت أنه لا سبيل إلى اجتماع العشر والزكاة واجتماع الخراج والزكاة ~~فإيجاب العشر، أو الخراج أولى؛ لأنهما أعم وجوبا ألا ترى أنهما لا يسقطان ~~بعذر الصبا والجنون، والزكاة تسقط به فكان إيجابهما أولى. # وإذا عرف أن كون الأرض عشرية من شرائط وجوب العشر لا بد من بيان الأرض ~~العشرية. # وجملة الكلام ms0871 فيه أن الأراضي نوعان: عشرية وخراجية، أما العشرية فمنها ~~أرض العرب كلها قال محمد - رحمه الله -: وأرض العرب من العذيب إلى مكة وعدن ~~أبين إلى أقصى حجر باليمن بمهرة وذكر الكرخي هي أرض الحجاز وتهامة واليمن ~~ومكة والطائف والبرية وإنما كانت هذه أرض عشر؛ لأن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - والخلفاء الراشدين بعده لم يأخذوا من أرض العرب خراجا فدل أنها ~~عشرية إذ الأرض لا تخلو عن إحدى المؤنتين؛ ولأن الخراج يشبه الفيء فلا يثبت ~~في أرض العرب كما لم يثبت في رقابهم والله أعلم. # ومنها الأرض التي أسلم عليها أهلها طوعا ومنها الأرض التي فتحت عنوة ~~وقهرا وقسمت بين الغانمين المسلمين؛ لأن الأراضي لا تخلو عن مؤنة إما العشر ~~وإما الخراج، والابتداء بالعشر في أرض المسلم أولى؛ لأن في العشر معنى ~~العبادة وفي الخراج معنى الصغار ومنها دار المسلم إذا اتخذها بستانا لما ~~قلنا وهذا إذا كان يسقي بماء العشر # PageV02P057 # فإن كان يسقي بماء الخراج فهو خراجي. # وأما ما أحياه المسلم من الأرض الميتة بإذن الإمام فقال أبو يوسف: إن ~~كانت من حيز أرض العشر فهي عشرية وإن كانت من حيز أرض الخراج فهي خراجية ~~وقال محمد: إن أحياها بماء السماء، أو ببئر استنبطها، أو بماء الأنهار ~~العظام التي لا تملك مثل دجلة والفرات فهي أرض عشر، وإن شق لها نهرا من ~~أنهار الأعاجم مثل نهر الملك ونهر يزدجرد فهي أرض خراج. # وجه قول محمد إن الخراج لا يبتدأ بأرض المسلم لما فيه من معنى الصغار ~~كالفيء إلا إذا التزمه فإذا استنبط عينا، أو حفر بئرا، أو أحياها بماء ~~الأنهار العظام فلم يلتزم الخراج فلا يوضع عليه وإذا أحياها بماء الأنهار ~~المملوكة فقد التزم الخراج؛ لأن حكم الفيء يتعلق بهذه الأنهار فصار كأنه ~~اشترى أرض الخراج ولأبي يوسف أن حيز الشيء في حكم ذلك الشيء؛ لأنه من ~~توابعه كحريم الدار من توابع الدار حتى يجوز الانتفاع به، ولهذا لا يجوز ~~إحياء ما في حيز القرية لكونه من توابع ms0872 القرية فكان حقا لأهل القرية. # وقياس قول أبي يوسف أن تكون البصرة خراجية؛ لأنها من حيز أرض الخراج وإن ~~أحياها المسلمون إلا أنه ترك القياس بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - حيث ~~وضعوا عليه العشر. # وأما الخراجية فمنها الأراضي التي فتحت عنوة وقهرا فمن الإمام عليهم ~~وتركها في يد أربابها فإنه يضع على جماعتهم الجزية إذا لم يسلموا وعلى ~~أراضيهم الخراج أسلموا، أو لم يسلموا، وأرض السواد كلها أرض خراج واحد ~~السواد من العذيب إلى عقبة حلوان ومن العلث إلى عبادان؛ لأن عمر - رضي الله ~~عنه - لما فتح تلك البلاد ضرب عليها الخراج بمحضر من الصحابة - رضي الله ~~عنهم - فأنفذ عليها حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف فمسحاها ووضعا عليه ~~الخراج؛ ولأن الحاجة إلى ابتداء الإيجاب على الكافر، والابتداء بالخراج ~~الذي فيه معنى الصغار على الكافر أولى من العشر الذي فيه معنى العبادة ~~والكافر ليس بأهل لها وكان القياس أن تكون مكة خراجية؛ لأنها فتحت عنوة ~~وقهرا وتركت على أهلها ولم تقسم لكنا تركنا القياس بفعل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حيث لم يضع عليها الخراج فصارت مكة مخصوصة بذلك تعظيما للحرم. # وكذا إذا من عليهم وصالحهم من جماجمهم وأراضيهم على وظيفة معلومة من ~~الدراهم، أو الدنانير، أو نحو ذلك فهي خراجية لما روي «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صالح نصارى بني نجران من جزية رءوسهم وخراج أراضيهم على ~~ألفي حلة» وفي رواية «على ألفي ومائتي حلة» تؤخذ منهم في وقتين لكل سنة ~~نصفها في رجب ونصفها في المحرم. # وكذا إذا أجلاهم ونقل إليها قوما آخرين من أهل الذمة؛ لأنهم قاموا مقام ~~الأولين. # ومنها أرض نصارى بني تغلب؛ لأن عمر - رضي الله عنه - صالحهم على أن يأخذ ~~من أراضيهم العشر مضاعفا وذلك خراج في الحقيقة حتى لا يتغير بتغيير حال ~~المالك كالخراجي ومنها الأرض الميتة التي أحياها المسلم وهي تسقى بماء ~~الخراج وماء الخراج هو ماء الأنهار الصغار التي حفرتها الأعاجم مثل نهر ~~الملك ونهر يزدجرد وغير ذلك مما ms0873 يدخل تحت الأيدي، وماء العيون والقنوات ~~المستنبطة من مال بيت المال وماء العشر هو ماء السماء والآبار والعيون ~~والأنهار العظام التي لا تدخل تحت الأيدي كسيحون وجيحون ودجلة والفرات ~~ونحوها إذ لا سبيل إلى إثبات اليد عليها وإدخالها تحت الحماية وروي عن أبي ~~يوسف أن مياه هذه الأنهار خراجية لإمكان إثبات اليد عليها وإدخالها تحت ~~الحماية في الجملة بشد السفن بعضها على بعض حتى تصير شبه القنطرة. # ومنها أرض الموات التي أحياها ذمي وأرض الغنيمة التي رضخها الإمام لذمي ~~كان يقاتل مع المسلمين، ودار الذمي التي اتخذها بستانا، أو كرما لما ذكرنا ~~أن عند الحاجة إلى ابتداء ضرب المؤنة على أرض الكافر الخراج أولى لما بينا. # ومنها أي من شرائط المحلية وجود الخارج حتى أن الأرض لو لم تخرج شيئا لم ~~يجب العشر؛ لأن الواجب جزء من الخارج وإيجاب جزء من الخارج ولا خارج محال ~~ومنها أن يكون الخارج من الأرض مما يقصد بزراعته نماء الأرض وتستغل الأرض ~~به عادة فلا عشر في الحطب والحشيش والقصب الفارسي؛ لأن هذه الأشياء لا ~~تستنمى بها الأرض ولا تستغل بها عادة؛ لأن الأرض لا تنمو بها بل تفسد فلم ~~تكن نماء الأرض حتى قالوا في الأرض: إذا اتخذها مقصبة وفي شجره الخلاف، ~~التي تقطع في كل ثلاث سنين، أو أربع سنين أنه يجب فيها العشر؛ لأن ذلك غلة ~~وافرة ويجب في قصب السكر وقصب الذريرة؛ لأنه يطلب بهما نماء الأرض فوجد شرط ~~الوجوب فيجب فأما كون # PageV02P058 # الخارج مما له ثمرة باقية فليس بشرط لوجوب العشر بل يجب سواء كان الخارج ~~له ثمرة باقية، أو ليس له ثمرة باقية وهي الخضراوات كالبقول والرطاب ~~والخيار والقثاء والبصل والثوم ونحوها في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ~~ومحمد لا يجب إلا في الحبوب وما له ثمرة باقية واحتجا بما روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس في الخضراوات صدقة» . # وهذا نص ولأبي حنيفة قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ms0874 ~~كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] وأحق ما تتناوله هذه الآية ~~الخضراوات؛ لأنها هي المخرجة من الأرض حقيقة. # وأما الحبوب فإنها غير مخرجة من الأرض حقيقة بل من المخرج من الأرض، ولا ~~يقال المراد من قوله تعالى {ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] أي من ~~الأصل الذي أخرجنا لكم كما في قوله تعالى {قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوآتكم} [الأعراف: 26] أي أنزلنا الأصل الذي يكون منه اللباس وهو الماء لا ~~عين اللباس إذ اللباس كما هو غير منزل من السماء، وكقوله تعالى {خلقكم من ~~تراب} [الروم: 20] أي خلق أصلكم وهو آدم - عليه السلام - كذا هذا؛ لأنا ~~نقول الحقيقة ما قلنا والأصل اعتبار الحقيقة ولا يجوز العدول عنها إلا ~~بدليل قام دليل العدول هناك فيجب العمل بالحقيقة فيما وراءه ولأن فيما قاله ~~أبو حنيفة عملا بحقيقة الإضافة؛ لأن الإخراج من الأرض والإنبات محض صنع ~~الله تعالى لا صنع للعبد فيه. # ألا ترى إلى قوله تعالى {ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون} ~~[الواقعة: 62] {أفرأيتم ما تحرثون} [الواقعة: 63] {أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون} [الواقعة: 64] ؟ فأما بعد الإخراج والإنبات فللعبد فيه صنع من ~~السقي والحفظ ونحو ذلك فكان الحمل على النبات عملا بحقيقة الإضافة أولى من ~~الحمل على الحبوب وقوله تعالى {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ~~والحصاد القطع وأحق ما يحمل الحق عليه الخضراوات؛ لأنها هي التي يجب إيتاء ~~الحق منها يوم القطع. # وأما الحبوب فيتأخر الإيتاء فيها إلى وقت التنقية وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغرب، أو دالية ففيه نصف ~~العشر» من غير فصل بين الحبوب والخضراوات؛ ولأن سبب الوجوب هو الأرض ~~النامية بالخارج والنماء بالخضر أبلغ؛ لأن ريعها، أوفر. # وأما الحديث فغريب فلا يجوز تخصيص الكتاب والخبر المشهور بمثله، أو يحمل ~~على الزكاة، أو يحمل قوله " ليس في الخضراوات صدقة " على أنه ليس فيها صدقة ~~تؤخذ بل أربابها هم الذين يؤدونها بأنفسهم فكان هذا نفي ولاية الأخذ للإمام ~~وبه نقول والله أعلم. # وكذا ms0875 النصاب ليس بشرط لوجوب العشر فيجب العشر في كثير الخارج وقليله ولا ~~يشترط فيه النصاب عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد لا يجب فيما دون ~~خمسة، أوسق إذا كان مما يدخل تحت الكيل كالحنطة والشعير والذرة والأرز ~~ونحوها، والوسق ستون صاعا بصاع النبي - صلى الله عليه وسلم - والصاع ثمانية ~~أرطال جملتها نصف من وهو أربعة أمنان فيكون جملته ألفا ومائتي من، وقال أبو ~~يوسف: الصاع خمسة أرطال وثلث رطل واحتجا في المسألة بما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال:: «ليس فيما دون خمسة، أوسق صدقة» ولأبي حنيفة ~~عموم قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] وقوله عز وجل {وآتوا حقه يوم حصاده} ~~[الأنعام: 141] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «ما سقته السماء ففيه ~~العشر وما سقي بغرب، أو دالية ففيه نصف العشر» من غير فصل بين القليل ~~والكثير؛ لأن سبب الوجوب وهي الأرض النامية بالخارج لا يوجب التفصيل بين ~~القليل والكثير. # وأما الحديث فالجواب عن التعلق به من وجهين أحدهما أنه من الآحاد فلا ~~يقبل في معارضة الكتاب والخبر المشهور فإن قيل ما تلوتم من الكتاب ورويتم ~~من السنة يقتضيان الوجوب من غير التعرض لمقدار الموجب منه وما روينا يقتضي ~~المقدار فكان بيانا لمقدار ما يجب فيه العشر، والبيان بخبر الواحد جائز ~~كبيان المجمل والمتشابه فالجواب أنه لا يمكن حمله على البيان؛ لأن ما ~~تمسكنا به عام يتناول ما يدخل تحت الوسق وما لا يدخل وما رويتم من خبر ~~المقدار خاص فيما يدخل تحت الوسق فلا يصلح بيانا للقدر الذي يجب فيه العشر؛ ~~لأن من شأن البيان أن يكون شاملا لجميع ما يقتضي البيان وهذا ليس كذلك على ~~ما بينا فعلم أنه لم يرد مورد البيان. # والثاني أن المراد من الصدقة الزكاة؛ لأن مطلق اسم الصدقة لا ينصرف إلا ~~إلى الزكاة المعهودة ونحن به نقول أن ما دون خمسة، أوسق من طعام، أو تمر ~~للتجارة لا ms0876 يجب فيه الزكاة ما لم يبلغ قيمتها مائتي درهم، أو يحتمل الزكاة ~~فيحمل عليها عملا بالدلائل بقدر الإمكان، ثم نذكر فروع مذهب أبي يوسف ومحمد ~~في فصلي الخلاف وما فيه # PageV02P059 # من الخلاف بينهما في ذلك والوفاق فنقول عندهما يجب العشر في العنب؛ لأن ~~المجفف منه يبقى من سنة إلى سنة وهو الزبيب فيخرص العنب جافا، فإن بلغ ~~مقدار ما يجيء من الزبيب خمسة، أوسق يجب في عنبه العشر، أو نصف العشر وإلا ~~فلا شيء فيه. # وروي عن محمد أن العنب إذا كان رقيقا يصلح للماء ولا يجيء منه الزبيب فلا ~~شيء فيه وإن كثر؛ لأن الوجوب فيه باعتبار حال الجفاف. # وكذا قال أبو يوسف في سائر الثمار إذا كان يجيء منها ما يبقى من سنة إلى ~~سنة بالتجفيف أنه يخرص ذلك جافا فإن بلغ نصابا وجب وإلا فلا كالتين والإجاص ~~والكمثرى والخوخ ونحو ذلك؛ لأنها إذا جففت تبقى من سنة إلى سنة فكانت ~~كالزبيب وقال محمد: لا عشر في التين والإجاص والكمثرى والخوخ والتفاح ~~والمشمش والنبق والتوت والموز والخروب؛ لأنها إن كان ينتفع بها بعضها ~~بالتجفيف وبعضها بالتشقيق والتجفيف فالانتفاع بها بهذا الطريق ليس بغالب ~~ولا يفعل ذلك عادة ويجب العشر في الجوز واللوز والفستق؛ لأنها تبقى من ~~السنة إلى السنة ويغلب الانتفاع بالجاف منها فأشبهت الزبيب. # وروي عن محمد أن في البصل العشر؛ لأنه يبقى من سنة إلى السنة ويدخل في ~~الكيل ولا عشر في الآس والورد والوسمة؛ لأنها من الرياحين ولا يعم الانتفاع ~~بها. # وأما الحناء فقال أبو يوسف: فيه العشر وقال محمد: لا عشر فيه؛ لأنه من ~~الرياحين فأشبه الآس والورد، ولأبي يوسف أنه يدخل تحت الكيل وينتفع به ~~منفعة عامة بخلاف الآس والعصفر والكتان إذا بلغ القرطم والحب خمسة، أوسق ~~وجب فيه العشر؛ لأن المقصود من زراعتها الحب، والحب يدخل تحت الوسق فيعتبر ~~فيه الأوسق فإذا بلغ ذلك يجب العشر، ويجب في العصفر والكتان أيضا على طريق ~~التبع وقالا في بزر القنب إذا بلغ خمسة أوسق ms0877 ففيه العشر؛ لأنه يبقى ويقصد ~~بالزراعة، والانتفاع به عام ولا شيء في القنب؛ لأنه لحاء الشجر فأشبه لحاء ~~سائر الأشجار ولا عشر فيه فكذا فيه. # وقالا في حب الصنوبر إذا بلغ الأوسق ففيه العشر؛ لأنه يقبل الادخار ولا ~~شيء في خشبه كما لا شيء في خشب سائر الشجر، ويجب في الكرويا والكزبرة ~~والكمون والخردل لما قلنا ولا يجب في السعتر والشونيز والحلبة؛ لأنها من ~~جملة الأدوية فلا يعم الانتفاع بها، وقصب السكر إذا كان مما يتخذ منه السكر ~~فإذا بلغ ما يخرج منه خمسة أفراق وجب فيه العشر كذا قال محمد: لأنه يبقى ~~وينتفع به انتفاعا عاما، ولا شيء في البلوط؛ لأنه لا يعم المنفعة به، ولا ~~عشر في بزر البطيخ والقثاء والخيار والرطبة وكل بزر لا يصلح للزراعة بلا ~~خلاف بينهما؛ لأنه لا يقصد بزراعتها نفسها بل ما يتولد منها وذا لا عشر فيه ~~عندهما. # ومما يتفرع على أصلهما ما إذا أخرجت الأرض أجناسا مختلفة كالحنطة والشعير ~~والعدس كل صنف منها لا يبلغ النصاب وهو خمسة أوسق أنه يعطى كل صنف حكم ~~نفسه، أو يضم البعض إلى البعض في تكميل النصاب وهو خمسة أوسق روى محمد عن ~~أبي يوسف أنه لا يضم البعض إلى البعض بل يعتبر كل جنس بانفراده ولم يرو عنه ~~ما إذا أخرجت نوعين من جنس وروى الحسن بن زياد وابن أبي مالك عنه أن كل ~~نوعين لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا كالحنطة البيضاء والحمراء، ونحو ~~ذلك يضم أحدهما إلى الآخر سواء خرجا من أرض واحدة، أو أراض مختلفة ويكمل به ~~النصاب، وإن كانا مما يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا كالحنطة والشعير لا ~~يضم، وإن خرجا من أرض واحدة وتعين كل صنف منها بانفراده ما لم يبلغ خمسة ~~أوسق لا شيء فيه وهو قول محمد وروى ابن سماعة عنه أن الغلتين إن كانتا ~~تدركان في وقت واحد تضم إحداهما إلى الأخرى وإن اختلفت أجناسهما، وإن كانتا ~~لا تدركان في وقت واحد لا تضم وجه رواية ms0878 اعتبار الإدراك أن الحق يجب في ~~المنفعة وإن كانتا تدركان في مكان واحد كانت منفعتهما واحدة فلا يعتبر فيه ~~اختلاف جنس الخارج كعروض التجارة في باب الزكاة. # وإذا كان إدراكهما في، أوقات مختلفة فقد اختلفت منفعتهما فكانا كالأجناس ~~المختلفة. # وجه رواية اعتبار التفاضل وهو قول محمد أنه لا عبرة لاختلاف النوع فيما ~~لا يجوز فيه التفاضل إذا كان الجنس متحدا كالدراهم السود والبيض في باب ~~الزكاة يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب وإن كان النوع مختلفا. # فأما فيما لا يجري فيه التفاضل فاختلاف الجنس معتبر في المنع من الضم ~~كالإبل مع البقر في باب الزكاة وهو رواية محمد عن أبي يوسف. # وقال أبو يوسف: يوسف إذا كان لرجل أراضي مختلفة في رساتيق مختلفة والعامل ~~واحد ضم الخارج من بعضها إلى بعض # PageV02P060 # وكمل الأوسق به، وإن اختلف العامل لم يكن لأحد العاملين مطالبة حتى يبلغ ~~ما خرج من الأرض التي في عمله خمسة أوسق، وقال محمد: إذا اتفق المالك ضم ~~الخارج بعضه إلى بعض وإن اختلفت الأرضون والعمال وهذا لا يحقق الخلاف؛ لأن ~~كل واحد منهما أجاب في غير ما أجاب به الآخر؛ لأن جواب أبي يوسف في سقوط ~~المطالبة عن المالك ولم يتعرض لوجوب الحق على المالك فيما بينه وبين الله ~~تعالى وهو فيما بينه وبين الله تعالى مخاطب بالأداء لاجتماع النصاب في ملكه ~~وإنه سقطت المطالبة عنه وجواب محمد في وجوب الحق ولم يتعرض لمطالبة العامل ~~فلم يتحقق الخلاف بينهما ومما يتفرع على قولهما الأرض المشتركة إذا أخرجت ~~خمسة أوسق أنه لا عشر فيها حتى تبلغ حصة كل واحد منهما خمسة أوسق. # وروى الحسن عن أبي يوسف أن فيها العشر. # وجه هذه الرواية أن المالك ليس بشرط لوجوب العشر بدليل أنه يجب في الأرض ~~الموقوفة وأرض المكاتب وأرض المأذون وإنما الشرط كمال النصاب وهو خمسة أوسق ~~وقد وجد والصحيح هو الأول؛ لأن النصاب عندهما شرط الوجوب فيعتبر كماله في ~~حق كل واحد منهما كما في مال الزكاة على ms0879 ما بينا هذا الذي ذكرنا من اعتبار ~~الأوسق عندهما فيما يدخل تحت الكيل وأما ما لا يدخل تحت الكيل كالقطن ~~والزعفران فقد اختلفا فيما بينهما. # قال أبو يوسف: يعتبر فيه القيمة وهو أن يبلغ قيمة الخارج قيمة خمسة أوسق ~~من أدنى ما يدخل تحت الوسق من الحبوب، وقال محمد: يعتبر خمسة أمثال أعلى ما ~~يقدر به ذلك الشيء فالقطن يعتبر بالأحمال فإذا بلغ خمسة أحمال يجب وإلا فلا ~~ويعتبر كل حمل ثلثمائة من فتكون جملته ألفا وخمسمائة من، والزعفران يعتبر ~~بالأمنان فإذا بلغ خمسة أمنان يجب وإلا فلا، وكذلك في السكر يعتبر خمسة ~~أمنان. # وجه قول محمد أن التقدير بالوسق في الموسوقات لكون الوسق أقصى ما يقدر به ~~في بابه وأقصى ما يقدر به في غير الموسوق ما ذكرنا فوجب التقدير به ولأبي ~~يوسف أن الأصل هو اعتبار الوسق؛ لأن النص ورد به غير أنه إن أمكن اعتباره ~~صورة ومعنى يعتبر وإن لم يمكن يجب اعتباره معنى وهو قيمة الموسوق. # وأما العسل فقد ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي عن أبي يوسف أنه اعتبر ~~فيه قيمة خمسة أوسق فإن بلغ ذلك يجب فيه العشر وإلا فلا بناء على أصله من ~~اعتبار قيمة الأوسق فيما لا يدخل تحت الكيل، وما روي عنه أنه يعتبر فيه ~~خمسة أوسق فإنما أراد به قدر خمسة أوسق؛ لأن العسل لا يكال. # وروي عنه أنه قدر ذلك بعشرة أرطال وروي أنه اعتبر خمس قرب كل قربة خمسون ~~منا فيكون جملته مائتين وخمسون منا، ومحمد اعتبر فيه خمسة أفراق كل فرق ستة ~~وثلاثون رطلا فيكون ثمانية عشر منا فتكون جملته تسعين منا بناء على أصله من ~~اعتبار خمسة أمثال أعلى ما يقدر به كل شيء. # وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن أبا يوسف اعتبر في نصاب العسل عشرة ~~أرطال، ومحمد اعتبر خمسة أفراق في رواية وخمس قرب في رواية وخمسة أمنان في ~~رواية، ثم وجوب العشر في العسل مذهب أصحابنا - رحمهم الله - وقال الشافعي: ~~لا عشر ms0880 فيه وزعم أن ما روي في وجوب العشر في العسل لم يثبت. # وجه قوله أن سبب الوجوب وهو الأرض النامية بالخارج لم يوجد؛ لأنه ليس من ~~نماء الأرض بل هو متولد من حيوان فلم تكن الأرض نامية بها، ونحن نقول إن لم ~~يثبت عندك وجوب العشر في العسل فقد ثبت عندنا ألا ترى إلى ما روي «أن أبا ~~سيارة جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن لي نحلا، فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: أد عشرها فقال أبو سيارة احمها لي يا رسول الله ~~فحماها له؟» وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن بطنا من فهر كانوا يؤدون ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نخل لهم العشر من كل عشر قرب قربة ~~وكان يحمى لهم واديين فلما كان عمر - رضي الله عنه - استعمل على ما هناك ~~سفيان بن عبد الله الثقفي فأبوا أن يؤدوا إليه شيئا وقالوا: إنما كان شيئا ~~نؤديه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكتب ذلك سفيان إلى عمر - رضي ~~الله عنه - فكتب إليه عمر - رضي الله عنه - إنما النخل ذباب غيث يسوقه الله ~~تعالى رزقا إلى من يشاء فإن أدوا إليك ما كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فاحم له واديهم وإلا فخل بين الناس وبينها فأدوا إليه» ، ~~وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى ~~أهل اليمن أن يؤخذ من العسل العشر» ، وعن عمر - رضي الله عنه - أنه كان ~~يأخذ عن العسل العشر من كل عشر قرب قربة وكذا روي عن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - أنه كان # PageV02P061 # يفعل ذلك حين كان واليا بالبصرة # وأما قوله ليس من نماء الأرض فنقول هو ملحق بنمائها لاعتبار الناس إعداد ~~الأرض لها ولأنه يتولد من أنوار الشجر فكان كالثمر ثم إنما يجب العشر في ~~العسل إذا كان في أرض العشر فأما إذا كان في أرض الخراج فلا شيء فيه لما ~~ذكرنا أن ms0881 وجوب العشر فيه لكونه بمنزلة الثمر لتولده من أزهار الشجر ولا شيء ~~في ثمار أرض الخراج ولأن أرض الخراج يجب فيها الخراج فلو وجب العشر في ~~العسل لاجتمع العشر والخراج في أرض واحدة ولا يجتمعان عندنا، ويجب العشر في ~~قليله وكثيره في قول أبي حنيفة؛ لأنه ملحق بالنماء ويجري مجرى الثمار، ~~والنصاب ليس بشرط في ذلك عنده، وعندهما شرط وقد ذكرنا اختلاف الرواية عنهما ~~في ذلك وما يوجد في الجبال من العسل والفواكه فقد روى محمد عن أبي حنيفة أن ~~فيه العشر، وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف أنه لا شيء فيه. # وجه قول أبي يوسف أن هذا مباح غير مملوك فلا يجب فيه العشر كالحطب ~~والحشيش ولأبي حنيفة عمومات العشر إلا أن ملك الخارج شرط ولما أخذه فقد ~~ملكه فصار كما لو كان في أرضه. # والحول ليس بشرط لوجوب العشر حتى لو أخرجت الأرض في السنة مرارا يجب ~~العشر في كل مرة؛ لأن نصوص العشر مطلقة عن شرط الحول ولأن العشر في الخارج ~~حقيقة فيتكرر الوجوب بتكرر الخارج. # وكذلك خراج المقاسمة؛ لأنه في الخارج فأما خراج الوظيفة فلا يجب في السنة ~~إلا مرة واحدة؛ لأن ذلك ليس في الخارج بل في الذمة عرف ذلك بتوظيف عمر - ~~رضي الله عنه - وما وظف في السنة إلا مرة واحدة. ### | [فصل بيان مقدار الواجب من العشر] # (فصل) : # وأما بيان مقدار الواجب فالكلام في هذا الفصل في موضعين: أحدهما في بيان ~~قدر الواجب من العشر، والثاني في بيان قدر الواجب من الخراج أما الأول فما ~~سقي بماء السماء، أو سقي سيحا ففيه عشر كامل، وما سقي بغرب، أو دالية، أو ~~سانية ففيه نصف العشر، والأصل فيه ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال «ما سقته السماء ففيه العشر وما سقي بغرب، أو دالية، أو ~~سانية ففيه نصف العشر» ، وعن أنس - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال «فيما سقته السماء، أو العين، أو كان بعلا ms0882 العشر، وما ~~سقي بالرشاء ففيه نصف العشر» ولأن العشر وجب مؤنة الأرض فيختلف الواجب بقلة ~~المؤنة وكثرتها ولو سقي الزرع في بعض السنة سيحا وفي بعضها بآلة يعتبر في ~~ذلك الغالب؛ لأن للأكثر حكم الكل كما في السوم في باب الزكاة على ما مر ولا ~~يحتسب لصاحب الأرض ما أنفق على الغلة من سقي، أو عمارة، أو أجر الحافظ، أو ~~أجر العمال، أو نفقة البقر؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «ما سقته السماء ~~ففيه العشر وما سقي بغرب، أو دالية، أو سانية ففيه نصف العشر» ، أوجب العشر ~~ونصف العشر مطلقا عن احتساب هذه المؤن ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أوجب الحق على التفاوت لتفاوت المؤن ولو رفعت المؤن لارتفع التفاوت. ### | [بيان المقدار الواجب من الخراج] # وأما الثاني وهو بيان قدر الواجب من الخراج فالخراج نوعان خراج وظيفة ~~وخراج مقاسمة أما خراج الوظيفة فما وظفه عمر - رضي الله عنه - ففي كل جريب ~~أرض بيضاء تصلح للزراعة قفيز مما يزرع فيها ودرهم القفيز صاع والدرهم وزن ~~سبعة، والجريب أرض طولها ستون ذراعا وعرضها ستون ذراعا بذراع كسرى يزيد على ~~ذراع العامة بقصبة وفي جريب الرطبة خمسة دراهم وفي جريب الكرم عشرة دراهم ~~هكذا وظفه عمر بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد ومثله يكون إجماعا. # وأما جريب الأرض التي فيها أشجار مثمرة بحيث لا يمكن زراعتها لم يذكر في ~~ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا كانت النخيل ملتفة جعلت عليها الخراج بقدر ~~ما تطيق ولا أزيد على جريب الكرم عشرة دراهم وفي جريب الأرض التي يتخذ فيها ~~الزعفران قدر ما تطيق فينظر إلى غلتها فإن كانت تبلغ غلة الأرض المزروعة ~~يؤخذ منها قدر خراج الأرض المزروعة وإن كانت تبلغ غلة الرطبة يؤخذ منها قدر ~~خراج أرض الرطبة هكذا؛ لأن مبنى الخراج على الطاقة ألا ترى أن حذيفة بن ~~اليمان وعثمان بن حنيف - رضي الله عنهما - لما مسحا سواد العراق بأمر عمر - ~~رضي الله عنه - ووضعا على كل جريب ms0883 يصلح للزراعة قفيزا ودرهما، وعلى كل جريب ~~يصلح للرطبة خمسة دراهم، وعلى كل جريب يصلح للكرم عشرة دراهم فقال لهما ~~عمر: - رضي الله عنه - لعلكما حملتما ما لا تطيق فقالا: بل حملنا ما تطيق ~~ولو زدنا لأطاقت؟ فدل الحديث على أن مبنى # PageV02P062 # الخراج على الطاقة فيقدر بها فيما وراء الأشياء الثلاثة المذكورة في ~~الخبر فيوضع على أرض الزعفران والبستان في أرض الخراج بقدر ما تطيق وقالوا: ~~نهاية الطاقة قدر نصف الخارج لا يزاد عليه، وقالوا فيمن له أرض زعفران فزرع ~~مكانه الحبوب من غير عذر: إنه يؤخذ منه خراج الزعفران؛ لأنه قصر حيث لم ~~يزرع الزعفران مع القدرة عليه فصار كأنه عطل الأرض فلم يزرع فيها شيئا ولو ~~فعل ذلك يؤخذ منه خراج الزعفران كذا هذا. # وكذا إذا قطع كرمه من غير عذر وزرع فيه الحبوب أنه يؤخذ منه خراج الكرم ~~لما قلنا، وإن أخرجت أرض الخراج قدر الخراج لا غير يؤخذ نصف الخراج وإن ~~أخرجت مثلي الخراج فصاعدا يؤخذ جميع الخراج الموظف عليها، وإن كانت لا تطيق ~~قدر خراجها الموضوع عليها ينقض ويؤخذ منها قدر ما تطيق بلا خلاف. # واختلف فيما إذا كانت تطيق أكثر من الموضوع أنه هل تزاد أم لا؟ قال أبو ~~يوسف: لا تزاد، وقال محمد: تزاد. # وجه قول محمد أن مبنى الخراج على الطاقة على ما بينا فتجوز الزيادة على ~~القدر الموظف إذا كانت تطيقه ولأبي يوسف أن معنى الطاقة إنما يعتبر فيها ~~وراء المنصوص والمجمع عليه، والقدر الموضوع من الخراج الموظف منصوص ومجمع ~~عليه على ما بينا فلا تجوز الزيادة عليه بالقياس. # وأما خراج المقاسمة فهو أن يفتح الإمام بلدة فيمن على أهلها ويجعل على ~~أراضيهم خراج مقاسمة وهو أن يؤخذ منهم نصف الخارج، أو ثلثه، أو ربعه وإنه ~~جائز لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هكذا فعل لما فتح خيبر ~~ويكون حكم هذا الخراج حكم العشر ويكون ذلك في الخارج كالعشر إلا أنه يوضع ~~موضع الخراج؛ لأنه خراج في الحقيقة ms0884 والله أعلم. ### | [فصل صفة الواجب] # (فصل) : # وأما صفة الواجب فالواجب جزء من الخارج؛ لأنه عشر الخارج، أو نصف عشره ~~وذلك جزؤه إلا أنه واجب من حيث إنه مال لا من حيث إنه جزء عندنا حتى يجوز ~~أداء قيمته عندنا وعند الشافعي الواجب عين الجزء ولا يجوز غيره وهي مسألة ~~دفع القيم وقد مرت فيما تقدم. ### | [فصل وقت الوجوب] # (فصل) : # وأما وقت الوجوب فوقت الوجوب وقت خروج الزرع وظهور الثمر عند أبي حنيفة، ~~وعند أبي يوسف وقت الإدراك، وعند محمد وقت التنقية والجذاذ فإنه قال: إذا ~~كان الثمر قد حصد في الحظيرة وذري البر وكان خمسة أوسق ثم ذهب بعضه كان في ~~الذي بقي منه العشر فهذا يدل على أن وقت الوجوب عنده هو وقت التصفية في ~~الزرع ووقت الجذاذ في الثمر، هو يقول: تلك الحال هي حال تناهي عظم الحب ~~والثمر واستحكامها فكانت هي حال الوجوب، وأبو يوسف يحتج بقوله تعالى {وآتوا ~~حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ويوم حصاده هو يوم إدراكه فكان هو وقت ~~الوجوب. # ولأبي حنيفة قوله تعالى {أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من ~~الأرض} [البقرة: 267] أمر الله تعالى بالإنفاق مما أخرجه من الأرض فدل أن ~~الوجوب متعلق بالخروج ولأنه كما خرج حصل مشتركا كالمال المشترك لقوله تعالى ~~{ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] جعل الخارج للكل فيدخل فيه ~~الأغنياء والفقراء وإذا عرفت وقت الوجوب على اختلافهم فيه ففائدة هذا ~~الاختلاف على قول أبي حنيفة لا تظهر إلا في الاستهلاك فما كان منه بعد ~~الوجوب يضمن عشره وما كان قبل الوجوب لا يضمن. # وأما عند أبي يوسف ومحمد فتظهر ثمرة الاختلاف في الاستهلاك وفي الهلاك ~~أيضا في حق تكميل النصاب بالهالك فما هلك بعد الوجوب يعتبر الهالك مع ~~الباقي في تكميل النصاب وما هلك قبل الوجوب لا يعتبر. # وبيان هذه الجملة إذا أتلف إنسان الزرع أو الثمر قبل الإدراك حتى ضمن أخذ ~~صاحب المال من المتلف ضمان المتلف وأدى عشره، وإن أتلف البعض دون البعض أدى ms0885 ~~قدر عشر المتلف من ضمانه وما بقي فعشره في الخارج، وإن أتلفه صاحبه، أو ~~أكله يضمن عشره ويكون دينا في ذمته، وإن أتلف البعض دون البعض قدر عشر ما ~~أتلف ويكون دينا في ذمته وعشر الباقي يكون في الخارج، وهذا على أصل أبي ~~حنيفة؛ لأن الإتلاف حصل بعد الوجوب لثبوت الوجوب بالخروج والظهور فكان الحق ~~مضمونا عليه كما لو أتلف مال الزكاة بعد حولان الحول. # وأما على قولهما فلا يضمن عشر المتلف؛ لأن الإتلاف حصل قبل وقت وجوب الحق ~~ولو هلك بنفسه فلا عشر في الهالك بلا خلاف سواء هلك كله، أو بعضه؛ لأن ~~العشر لا يضمن # PageV02P063 # بالهلاك سواء كان قبل الوجوب، أو بعده ويكون عشر الباقي فيه قل، أو كثر ~~في قول أبي حنيفة؛ لأن النصاب عنده ليس بشرط. # وكذلك عندهما إن كان الباقي نصابا وهو خمسة أوسق وإن لم يكن نصابا لا ~~يعتبر قدر الهالك في تكميل النصاب في الباقي عندهما بل إن بلغ الباقي بنفسه ~~نصابا يكون فيه العشر وإلا فلا هذا إذا هلك قبل الإدراك، أو استهلك فأما ~~بعد الإدراك والتنقية والجذاذ، أو بعد الإدراك قبل التنقية والجذاذ، فإن ~~هلك سقط الواجب بلا خلاف بين أصحابنا كالزكاة تسقط إذا هلك النصاب، وعند ~~الشافعي لا تسقط، وقد ذكرنا المسألة وإن هلك بعضه سقط الواجب بقدره وبقي ~~عشر الباقي فيه، قليلا كان، أو كثيرا عند أبي حنيفة؛ لأن النصاب ليس بشرط ~~عنده، وعندهما يكمل نصاب الباقي بالهالك، ويحتسب به في تمام الخمسة الأوسق. # وروي عن أبي يوسف أنه لا يعتبر الهالك في تمام الأوسق بل يعتبر التمام في ~~الباقي، فإن كان في نفسه نصابا يكون فيه العشر وإلا فلا، وإن استهلك: فإن ~~استهلكه المالك ضمن عشره ويكون دينا في ذمته، وإن استهلك بعضه فقدر عشر ~~المستهلك يكون دينا في ذمته، وعشر الباقي في الخارج، وإن استهلكه غير ~~المالك أخذ الضمان منه وأدى عشره؛ لأنه هلك إلى خلف وهو الضمان فكان قائما ~~معنى وإن استهلك بعضه أخذ ضمانه وأدى ms0886 عشر القدر المستهلك وعشر الباقي منه ~~لما قلنا، وإن أكل صاحب المال من الثمر، أو أطعم غيره يضمن عشره ويكون دينا ~~في ذمته، وعشر ما بقي يكون فيه. # وهذا على قول أبي حنيفة - رحمه الله - وروي عن أبي يوسف أن ما أكل، أو ~~أطعم بالمعروف لا يضمن عشره لكن يعتد به في تكميل النصاب وهو الأوسق فإذا ~~بلغ الكل نصابا أدى عشر ما بقي، احتج أبو يوسف بما روي عن سهل بن أبي خيثمة ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا خرصتم فجذوا ودعوا الثلث ~~فإن لم تدعوا الثلث فالربع» . # وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بعث أبا خيثمة خارصا فجاء رجل ~~فقال: يا رسول الله، إن أبا خيثمة زاد علي، فقال له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: إن ابن عمك يزعم أنك قد زدت عليه، فقال: يا رسول الله، لقد ~~تركت له قدر عرية أهله وما يطعم المساكين وما يصيب الريح، فقال - صلى الله ~~عليه وسلم - فقد زادك ابن عمك وأنصفك» وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«خففوا في الخرص فإن في المال العرية والوصية» والمراد من العرية الصدقة ~~أمر بالتخفيف في الخرص وبين المعنى وهو أن في المال عرية ووصية فلو ضمن عشر ~~ما تصدق، أو أكل هو وأهله لم يتحقق التخفيف ولأنه لو ضمن ذلك لامتنع من ~~الأكل خوفا من العشر وفيه حرج إلا أنه يعتد بذلك في تكميل النصاب؛ لأن نفي ~~وجوب الضمان عنه تخفيفا عليه نظرا له وفي عدم الاعتداد به في تمام الأوسق ~~ضرر به وبالفقراء وهذا لا يجوز ولأبي حنيفة النصوص المقتضية لوجوب العشر في ~~كل خارج من غير فصل بين المأكول والباقي. # فإن قيل أليس الله تعالى قال {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] # PageV02P064 # أمر بإيتاء الحق يوم الحصاد فلا يجب الحق فيما أخذ منه قبل الحصاد يدل ~~عليه قرينة الآية وهي قوله تعالى {كلوا من ثمره إذا أثمر} [الأنعام: 141] ~~وهذا يدل على أن قدر المأكول أفضل ms0887 إذ لو لم يكن أفضل لم يكن لقوله {كلوا من ~~ثمره إذا أثمر} [الأنعام: 141] فائدة؛ لأن كل أحد يعلم أن الثمرة تؤكل ولا ~~تصلح لغير الأكل فالجواب أن الآية لازمة له؛ لأن الحصاد هو القطع فيقتضي أن ~~كل ما قطع وأخذ منه شيء لزمه إخراج عشره من غير فصل بين ما إذا كان المقطوع ~~مأكولا أوباقيا على أنا نقول بموجب الآية أنه يجب إيتاء حقه يوم حصاده لكن ~~ما حقه يوم حصاده أداء العشر عن الباقي فحسب أم عن الباقي والمأكول؟ والآية ~~لا تتعرض لشيء من ذلك فكان تمسكا بالمسكوت وإنه لا يصح وأما قوله لا بد وأن ~~يكون لقوله تعالى {كلوا من ثمره إذا أثمر} [الأنعام: 141] فائدة، فنقول ~~يحتمل أن يكون له فائدة سوى ما قلتم وهو إباحة الانتفاع ردا لاعتقاد الكفرة ~~تحريم الانتفاع بهذه الأشياء بجعلها للأصنام فرد ذلك عليهم بقوله عز وجل ~~{كلوا من ثمره إذا أثمر} [الأنعام: 141] أي انتفعوا بها ولا تضيعوها بالصرف ~~إلى الأصنام ولذلك قال {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأنعام: 141] . # وأما الأحاديث فقد قيل أنها وردت قبل حديث العشر ونصف العشر فصارت منسوخة ~~به والله أعلم. ### | [فصل بيان ركن إخراج العشر وشرائط الركن] # (فصل) : # وأما بيان ركن هذا النوع وشرائط الركن، أما ركنه فهو التمليك؛ لقوله ~~تعالى {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] والإيتاء هو التمليك لقوله ~~تعالى {وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] فلا تتأدى بطعام الإباحة وبما ليس ~~بتمليك رأسا من بناء المساجد ونحو ذلك مما ذكرنا في النوع الأول وبما ليس ~~بتمليك من كل وجه وقد مر بيان ذلك كله. # وأما شرائط الركن فإننا ذكرناها في النوع الأول مما يرجع بعضها إلى ~~المؤدي وبعضها إلى المؤدى وبعضها إلى المؤدى إليه فلا معنى للإعادة والله ~~تعالى أعلم. ### | [فصل بيان ما يسقط بعد الوجوب] # (فصل) : # وأما بيان ما يسقط بعد الوجوب فمنها هلاك الخارج من غير صنعه؛ لأن الواجب ~~في الخارج فإذا هلك يهلك بما فيه كهلاك نصاب الزكاة بعد الحول وهذا عندنا، ~~وعند الشافعي ms0888 لا يسقط وهو على الاختلاف في الزكاة وقد مرت المسألة، وإن هلك ~~البعض يسقط الواجب بقدره ويؤدى عشر الباقي قل الباقي، أو كثر في قول أبي ~~حنيفة، وعندهما يعتبر قدر الهالك مع الباقي في تكميل قدر النصاب إن بلغ ~~نصابا يؤدى وإلا فلا، وفي رواية عن أبي يوسف يعتبر كمال النصاب في الباقي ~~بنفسه من غير ضم قدر الهالك إليه على ما مر وإن استهلك، فإن استهلكه غير ~~المالك أخذ الضمان منه وأدى عشره وإن استهلك بعضه أدى عشر القدر المستهلك ~~من الضمان وإن استهلكه المالك، أو استهلك البعض بأن أكله ضمن عشر الهالك ~~وصار دينا في ذمته في قول أبي حنيفة خلافا لأبي يوسف وقد ذكرنا المسألة. # ومنها الردة عندنا؛ لأن في العشر معنى العبادة والكافر ليس من أهل ~~العبادة، وعند الشافعي لا يسقط كالزكاة ومنها موت المالك من غير وصية إذا ~~كان استهلك الخارج عندنا خلافا للشافعي كما في الزكاة وإن كان الخارج قائما ~~بعينه يؤدى العشر منه في ظاهر الرواية، وفي رواية عن أبي يوسف يسقط بخلاف ~~الزكاة وقد مضى الفرق فيما تقدم والله تعالى أعلم. ### | [فصل حكم المستخرج من الأرض] # (فصل) : # هذا الذي ذكرنا حكم الخارج من الأرض وأما حكم المستخرج من الأرض فالكلام ~~فيه في موضعين: أحدهما في. # بيان ما فيه الخمس من المستخرج من الأرض وما لا خمس فيه، والثاني في بيان ~~من يجوز صرف الخمس إليه ومن له ولاية أخذ الخمس. # أما الأول فالمستخرج من الأرض نوعان: أحدهما يسمى كنزا وهو المال الذي ~~دفنه بنو آدم في الأرض، والثاني يسمى معدنا وهو المال الذي خلقه الله تعالى ~~في الأرض يوم خلق الأرض، والركاز اسم يقع على كل واحد منهما إلا أن حقيقته ~~للمعدن واستعماله للكنز مجازا. # أما الكنز فلا يخلو إما أن وجد في دار الإسلام، أو دار الحرب، وكل ذلك لا ~~يخلو إما أن يكون في أرض مملوكة، أو في أرض غير مملوكة، ولا يخلو إما أن ~~يكون به علامة الإسلام كالمصحف ms0889 والدراهم المكتوب عليها لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله، أو غير ذلك من علامات الإسلام، أو علامات الجاهلية من ~~الدراهم المنقوش عليها الصنم، أو الصليب ونحو ذلك، أو لا علامة به أصلا فإن ~~وجد في دار الإسلام في أرض غير مملوكة كالجبال والمفاوز وغيرها فإن كان به ~~علامة الإسلام فهو بمنزلة اللقطة يصنع به ما يصنع باللقطة يعرف ذلك في كتاب ~~اللقطة؛ لأنه إذا كان به علامة الإسلام كان مال المسلمين ومال المسلمين لا ~~يغنم إلا أنه مال لا يعرف مالكه فيكون بمنزلة اللقطة، وإن كان به علامة ~~الجاهلية ففيه الخمس وأربعة أخماسه للواجد بلا خلاف كالمعدن على ما بين، ~~وإن لم يكن به علامة الإسلام ولا علامة الجاهلية فقد قيل إن في زماننا يكون ~~حكمه حكم اللقطة أيضا ولا يكون له حكم الغنيمة؛ لأن عهد الإسلام قد طال ~~فالظاهر أنه لا يكون من مال الكفرة بل من مال المسلمين لم يعرف مالكه فيعطى ~~له حكم اللقطة، وقيل حكمه حكم الغنيمة؛ لأن الكنوز غالبا بوضع الكفرة وإن ~~كان به علامة الجاهلية يجب فيه الخمس؛ لما روي أنه «سئل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن الكنز فقال: فيه وفي الركاز الخمس» ، ولأنه في معنى ~~الغنيمة؛ لأنه استولى عليه على طريق القهر وهو على حكم ملك الكفرة فكان ~~غنيمة فيجب فيه الخمس وأربعة أخماسه للواجد؛ لأنه أخذه بقوة نفسه وسواء كان ~~الواجد حرا، أو عبدا مسلما، أو ذميا كبيرا، أو صغيرا؛ لأن ما روينا من ~~الحديث لا يفصل بين واجد وواجد ولأن هذا المال بمنزلة الغنيمة. # ألا ترى أنه وجب فيه الخمس؟ والعبد والصبي والذي من أهل الغنيمة إلا إذا ~~كان ذلك بإذن الإمام وقاطعه على شيء فله أن يفي بشرطه لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «المسلمون عند شروطهم» ولأنه إذا قاطعه على شيء # PageV02P065 # فقد جعل المشروط أجرة لعمله فيستحقه بهذا الطريق، وإن وجد في أرض مملوكة ~~يجب فيه الخمس بلا خلاف لما روينا من الحديث ولأنه مال الكفرة ms0890 استولى عليه ~~على طريق القهر فيخمس. # واختلف في الأربعة الأخماس قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: هي لصاحب ~~الخطة إن كان حيا وإن كان ميتا فلورثته إن عرفوا، وإن كان لا يعرف صاحب ~~الخطة ولا ورثته تكون لأقصى مالك للأرض، أو لورثته، وقال أبو يوسف: أربعة ~~أخماسه للواجد. # وجه قوله إن هذا غنيمة ما وصلت إليها يد الغانمين وإنما وصلت إليه يد ~~الواجد لا غير فيكون غنيمة يوجب الخمس، واختصاصه بإثبات اليد عليه يوجب ~~اختصاصه به وهو تفسير الملك كما لو وجده في أرض غير مملوكة، ولهما أن صاحب ~~الخطة ملك الأرض بما فيها؛ لأنه إنما ملكها بتمليك الإمام والإمام إنما ملك ~~الأرض بما وجد منه ومن سائر الغانمين من الاستيلاء والاستيلاء كما ورد على ~~ظاهر الأرض ورد على ما فيها فملك ما فيها وبالبيع لا يزول ما فيها لأن ~~البيع يوجب زوال ما ورد عليه البيع، والبيع ورد على ظاهر الأرض لا على ما ~~فيها وإذا لم يكن ما فيها تبعا لها فبقي على ملك صاحب الخطة وكان أربعة ~~أخماسه له وصار هذا كمن اصطاد سمكة كانت ابتلعت لؤلؤة، أو اصطاد طائرا كان ~~قد ابتلع جوهرة أنه يملك الكل، ولو باع السمكة، أو الطائر لا تزول اللؤلؤة ~~والجوهرة عن ملكه لورود العقد على السمكة والطير دون اللؤلؤة والجوهرة كذا ~~هذا فإن قيل: كيف يملك صاحب الخطة ما في الأرض بتمليك الإمام إياه الأرض؟ ~~والإمام لو فعل ذلك لكان جورا في القسمة والإمام لا يملك الجور في القسمة ~~فثبت أن الإمام ما ملكه إلا الأرض فبقي الكنز غير مملوك لصاحب الخطة ~~فالجواب عنه من وجهين: أحدهما أن الإمام ما ملكه إلا رقبة الأرض على ما ~~ذكرتم لكنه لما ملك الأرض بتمليك الإمام فقد تفرد بالاستيلاء على ما في ~~الأرض وقد خرج الجواب عن وجوب الخمس؛ لأنه ما ملك ما في الأرض بتمليك ~~الإمام حتى يسقط الخمس وإنما ملكه بتفرده بالاستيلاء عليه فيجب عليه الخمس ~~كما لو وجده في أرض غير ms0891 مملوكة، والثاني أن مراعاة المساواة في هذه الجهة ~~في القسمة مما يتعذر فيسقط اعتبارها دفعا للحرج هذا إذا وجد الكنز في دار ~~الإسلام. # فأما إذا وجده في دار الحرب فإن وجده في أرض ليست بمملوكة لأحد فهو ~~للواجد ولا خمس فيه؛ لأنه مال أخذه لا على طريق القهر والغلبة لانعدام غلبة ~~أهل الإسلام على ذلك الموضع فلم يكن غنيمة فلا خمس فيه ويكون الكل له؛ لأنه ~~مباح استولى عليه بنفسه فيملكه كالحطب والحشيش، وسواء دخل بأمان، أو بغير ~~أمان؛ لأن حكم الأمان يظهر في المملوك لا في المباح وإن وجده في أرض مملوكة ~~لبعضهم، فإن كان دخل بأمان رده إلى صاحب الأرض؛ لأنه إذا دخل بأمان لا يحل ~~له أن يأخذ شيئا من أموالهم بغير رضاهم لما في ذلك من الغدر والخيانة في ~~الأمانة فإن لم يرده إلى صاحب الأرض يصير ملكا له لكن لا يطيب له لتمكن خبث ~~الخيانة فيه فسبيله التصدق به، فلو باعه يجوز بيعه لقيام الملك لكن لا يطيب ~~للمشتري بخلاف بيع المشترى شراء فاسدا والفرق بينهما يذكر في كتاب البيوع ~~إن شاء الله تعالى وإن كان دخل بغير أمان حل له ولا خمس فيه. # أما الحل فلأن له أن يأخذ ما ظفر به من أموالهم من غير رضاهم. # وأما عدم وجوب الخمس فلأنه غير مأخوذ على سبيل القهر والغلبة فلم يكن ~~غنيمة فلا يجب فيه الخمس حتى لو دخل جماعة ممتنعون في دار الحرب فظفروا ~~بشيء من كنوزهم يجب فيه الخمس ولكونه غنيمة لحصول الأخذ على طريق القهر ~~والغلبة وإن وجده في أرض مملوكة لأحد، أو في دار نفسه ففيه الخمس بلا خلاف ~~بخلاف المعدن عند أبي حنيفة؛ لأن الكنز ليس من أجزاء الأرض ولهذا لم تكن ~~أربعة أخماسه لمالك الرقبة بالإجماع فلو وجد فيه المؤنة وهو الخمس لم يصر ~~الجزء مخالفا للكل بخلاف المعدن على ما نذكر. # وأما أربعة أخماسه فقد اختلف أصحابنا في ذلك عند أبي حنيفة ومحمد هي ~~للمختط له، وعند أبي ms0892 يوسف للواجد؛ لأنه مباح سبقت يده إليه، ولهما أن هذا ~~مال مباح سبقت إليه يد الخصوص وهي يد المختط يصير ملكا له كالمعدن إلا أن ~~المعدن انتقل بالبيع إلى المشتري؛ لأنه من أجزاء الأرض والكنز لم ينتقل ~~إليه؛ لأنه ليس من أجزاء المبيع والتمليك فإن استولى عليه بالاستيلاء فيبقى ~~على ملكه كمن اصطاد سمكة في بطنها درة ملك السمكة والدرة لثبوت اليد عليهما ~~فلو باع السمكة بعد ذلك لم تدخل الدرة في البيع كذا ههنا والمختط له من # PageV02P066 # خصه الإمام بتمليك البقعة منه فإن لم يعرف المختط له يصرف إلى أقصى مالك ~~له يعرف في الإسلام وكذا ذكر الشيخ الإمام الزاهد السرخسي - رحمه الله - ~~هذا إذا وجد الكنز في دار الإسلام. # وأما المعدن فالخارج منه في الأصل نوعان: مستجسد ومائع، والمستجسد منه ~~نوعان أيضا: نوع يذوب بالإذابة وينطبع بالحلية كالذهب والفضة والحديد ~~والرصاص والنحاس ونحو ذلك، ونوع لا يذوب بالإذابة كالياقوت والبلور والعقيق ~~والزمرد والفيروزج والكحل والمغرة والزرنيخ والجص والنورة ونحوها، والمائع ~~نوع آخر كالنفط والقار ونحو ذلك وكل ذلك لا يخلو إما أن وجده في دار ~~الإسلام، أو في دار الحرب في أرض مملوكة، أو غير مملوكة فإن وجد في دار ~~الإسلام في أرض غير مملوكة فالموجود مما يذوب بالإذابة وينطبع بالحلية يجب ~~فيه الخمس سواء كان ذلك من الذهب، والفضة، أو غيرهما مما يذوب بالإذابة ~~وسواء كان قليلا، أو كثيرا فأربعة أخماسه للواجد كائنا من كان إلا الحربي ~~المستأمن فإنه يسترد منه الكل إلا إذا قاطعه الإمام فإن له أن يفي بشرطه ~~وهذا قول أصحابنا - رحمهم الله - وقال الشافعي: في معادن الذهب، والفضة ربع ~~العشر كما في الزكاة حتى شرط فيه النصاب فلم يوجب فيما دون المائتين، وشرط ~~بعض أصحابه الحول أيضا. # وأما غير الذهب، والفضة فلا خمس فيه. # وأما عندنا فالواجب خمس الغنيمة في الكل لا يشترط في شيء منه شرائط ~~الزكاة ويجوز دفعه إلى الوالدين، والمولودين الفقراء كما في الغنائم. # ويجوز للواجد أن يصرف إلى نفسه ms0893 إذا كان محتاجا ولا تغنيه الأربعة الأخماس ~~احتج الشافعي بما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «بلال بن الحارث ~~المعادن القليلة وكان يأخذ منها ربع العشر» ولأنها من نماء الأرض وريعها ~~فكان ينبغي أن يجب فيها العشر إلا أنه اكتفى بربع العشر لكثرة المؤنة في ~~استخراجها ولنا ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «وفي ~~الركاز الخمس» وهو اسم للمعدن حقيقة وإنما يطلق على الكنز مجازا لدلائل: ~~أحدها أنه مأخوذ من الركز وهو الإثبات وما في المعدن هو المثبت في الأرض لا ~~الكنز؛ لأنه وضع مجاورا للأرض، والثاني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- سئل عما يوجد من الكنز العادي، فقال: فيه «وفي الركاز الخمس» عطف الركاز ~~على الكنز، والشيء لا يعطف على نفسه هو الأصل فدل أن المراد منه المعدن، ~~والثالث ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال «المعدن جبار، ~~والقليب جبار، وفي الركاز الخمس قيل: وما الركاز يا رسول الله؟ فقال: هو ~~المال الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم خلق السموات، والأرض» فدل على أنه ~~اسم للمعدن حقيقة فقد، أوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - الخمس في المعدن ~~من غير فصل بين الذهب، والفضة وغيرهما فدل أن الواجب هو الخمس في الكل؛ ~~ولأن المعادن كانت في أيدي الكفرة وقد زالت أيديهم ولم تثبت يد المسلمين ~~على هذه المواضع؛ لأنهم لم يقصدوا الاستيلاء على الجبال، والمفاوز فبقي ما ~~تحتها على حكم ملك الكفرة وقد استولى عليه على طريق القهر بقوة نفسه فيجب ~~فيه الخمس ويكون أربعة أخماسه له كما في الكنز ولا حجة له في حديث بلال بن ~~الحارث؛ لأنه يحتمل أنه إنما لم يأخذ منه ما زاد على ربع العشر لما علم من ~~حاجته وذلك جائز عندنا على ما نذكره فيحمل عليه عملا بالدليلين. # وأما ما لا يذوب بالإذابة فلا خمس فيه ويكون كله للواجد؛ لأن الزرنيخ، ~~والجص، والنورة ونحوها من أجزاء الأرض فكان كالتراب، والياقوت، والفصوص ms0894 من ~~جنس الأحجار إلا أنها أحجار مضيئة ولا خمس في الحجر. # وأما المائع كالقير، والنفط فلا شيء فيه ويكون للواجد؛ لأنه ماء وأنه مما ~~لا يقصد بالاستيلاء فلم يكن في يد الكفار حتى يكون من الغنائم فلا يجب فيه ~~الخمس. # وأما الزئبق ففيه الخمس في قول أبي حنيفة الآخر وكان يقول أولا: لا خمس ~~فيه وهو قول أبي يوسف الأول ثم رجع وقال: فيه الخمس فإن أبا يوسف قال سألت ~~أبا حنيفة عن الزئبق فقال: لا خمس فيه فلم أزل به حتى قال: فيه الخمس وكنت ~~أظن أنه مثل الرصاص، والحديد ثم بلغني بعد ذلك أنه ليس كذلك وهو بمنزلة ~~القير، والنفط. # وجه قول أبي حنيفة الأول أنه شيء لا ينطبع بنفسه فأشبه الماء. # وجه قوله الآخر وهو قول محمد إنه ينطبع مع غيره إن كان لا ينطبع بنفسه ~~فأشبه الفضة؛ لأنها لا تنطبع بنفسها لكن لما كانت تنطبع مع شيء آخر يخالطها ~~من نحاس، أو آنك وجب فيها الخمس كذا هذا إذا وجد المعدن في دار الإسلام في ~~أرض غير مملوكة فأما إذا وجده في أرض مملوكة، أو دار، أو منزل، أو حانوت ~~فلا خلاف في أن الأربعة # PageV02P067 # الأخماس لصاحب الملك وحده، أو غيره؛ لأن المعدن من توابع الأرض؛ لأنه من ~~أجزائها خلق فيها ومنها. # ألا ترى أنه يدخل في البيع من غير تسمية؟ فإذا ملكها المختط له بتمليك ~~الإمام ملكها بجميع أجزائها فتنتقل عنه إلى غيره بالبيع بتوابعها أيضا ~~بخلاف الكنز على ما مر واختلف في وجوب الخمس قال أبو حنيفة لا خمس فيه في ~~الدار وفي الأرض عنه روايتان ذكر في كتاب الزكاة أنه لا خمس فيه وذكر في ~~الصرف أنه يجب فيه الخمس وكذا ذكر في الجامع الصغير وقال أبو يوسف ومحمد: ~~يجب فيه الخمس في الأرض، والدار جميعا إذا كان الموجود مما يذوب بالإذابة ~~واحتجا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «وفي الركاز الخمس» من غير فصل، ~~والركاز اسم للمعدن حقيقة لما ذكرنا ولأن الإمام ms0895 ملك الأرض من ملكه متعلقا ~~بهذا الخمس؛ لأنه حق الفقراء فلا يملك إبطال حقهم. # وجه قول أبي حنيفة إن المعدن جزء من أجزاء الأرض فيملك بملك الأرض، ~~والإمام ملكه مطلقا عن الحق فيملكه المختط له كذلك وللإمام هذه الولاية. # ألا ترى أنه لو جعل الكل للغانمين الأربعة الأخماس مع الخمس إذا علم أن ~~حاجتهم لا تندفع بالأربعة الأخماس جاز؟ وإذا ملكه المختط له مطلقا عن حق ~~متعلق به فينتقل إلى غيره كذلك. # وجه الفرق بين الدار، والأرض على الرواية الأخرى أن تمليك الإمام الدار ~~جعل مطلقا عن الحقوق. # ألا ترى أنه لا يجب فيها العشر ولا الخراج؟ بخلاف الأرض فإن تمليكها وجد ~~متعلقا بها العشر، أو الخراج فجاز أن يجب الخمس، والحديث محمول على ما إذا ~~وجده في أرض غير مملوكة توفيقا بين الدليلين، هذا إذا وجده في دار الإسلام ~~فأما إذا وجده في دار الحرب فإن وجده في أرض غير مملوكة فهو له ولا خمس فيه ~~لما مر، وإن وجده في ملك بعضهم فإن دخل بأمان رد على صاحب الملك لما بينا، ~~وإن دخل بغير أمان فهو له ولا خمس فيه كما في الكنز على ما بينا هذا الذي ~~ذكرنا في حكم المستخرج من الأرض. # فأما المستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر وكل حلية تستخرج من ~~البحر فلا شيء فيه في قول أبي حنيفة ومحمد وهو للواجد، وعند أبي يوسف فيه ~~الخمس واحتج بما روي أن عامل عمر - رضي الله عنه - كتب إليه في لؤلؤة وجدت، ~~ما فيها قال: فيها الخمس وروي عنه أيضا أنه أخذ الخمس من العنبر ولأن العشر ~~يجب في المستخرج من المعدن فكذا في المستخرج من البحر؛ لأن المعنى بجمعهما ~~وهو كون ذلك مالا منتزعا من أيدي الكفار بالقهر إذ الدنيا كلها برها وبحرها ~~كانت تحت أيديهم انتزعناها من أيديهم فكان ذلك غنيمة فيجب فيه الخمس كسائر ~~الغنائم، ولهما ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه سئل عن العنبر ~~فقال: هو شيء دسره ms0896 البحر لا خمس فيه، ولأن يد الكفرة لم تثبت على باطن ~~البحار التي يستخرج منها اللؤلؤ، والعنبر فلم يكن المستخرج منها مأخوذا من ~~أيدي الكفرة على سبيل القهر فلا يكون غنيمة فلا يكون فيه الخمس وعلى هذا ~~قال أصحابنا: إنه إن استخرج من البحر ذهبا أو فضة فلا شيء فيه لما قلنا. # وقيل في العنبر: إنه مائع نبع فأشبه القير، وقيل: إنه روث فأشبه سائر ~~الأرواث، وما روي عن عمر في اللؤلؤ، والعنبر محمول على لؤلؤ وعنبر وجد في ~~خزائن ملوك الكفرة فكان مالا مغنوما فأوجب فيه الخمس. # وأما الثاني وهو بيان من يجوز صرف الخمس إليه، ومن له ولاية الأخذ، وبيان ~~مصارف الخمس موضعه كتاب السير ويجوز صرفه إلى الوالدين، والمولودين إذا ~~كانوا فقراء بخلاف الزكاة، والعشر ويجوز أن يصرفه إلى نفسه إذا كان محتاجا ~~لا تغنيه الأربعة الأخماس بأن كان دون المائتين فأما إذا بلغ مائتين لا ~~يجوز له تناول الخمس، وما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه ترك الخمس ~~للواجد محمول على ما إذا كان محتاجا. # ولو تصدق بالخمس بنفسه على الفقراء ولم يدفعها إلى السلطان جاز ولا يؤخذ ~~منه ثانيا بخلاف زكاة السوائم، والعشر والله أعلم. ### | [فصل أما بيان ما يوضع في بيت المال من الأموال وبيان مصارفها] # (فصل) : # وأما ما يوضع في بيت المال من الأموال فأربعة أنواع: أحدها زكاة السوائم، ~~والعشور وما أخذه العشار من تجار المسلمين إذا مروا عليهم، والثاني خمس ~~الغنائم، والمعادن، والركاز، والثالث خراج الأراضي وجزية الرءوس وما صولح ~~عليه بنو نجران من الحلل وبنو تغلب من الصدقة المضاعفة وما أخذه العشار من ~~تجار أهل الذمة والمستأمنين من أهل الحرب، والرابع ما أخذ من تركة الميت ~~الذي مات ولم يترك وارثا أصلا، أو ترك زوجا، أو زوجة. # وأما مصارف هذه الأنواع، فأما مصرف النوع الأول # PageV02P068 # فقد ذكرناه. # وأما النوع الثاني وهو خمس الغنائم والمعادن والركاز فنذكر مصرفه في كتاب ~~السير، وأما مصرف النوع الثالث من الخراج وأخواته فعمارة الدين، وإصلاح ms0897 ~~مصالح المسلمين وهو رزق الولاة، والقضاة وأهل الفتوى من العلماء، ~~والمقاتلة، ورصد الطرق، وعمارة المساجد، والرباطات، والقناطر، والجسور، وسد ~~الثغور، وإصلاح الأنهار التي لا ملك لأحد فيها. # وأما النوع الرابع فيصرف إلى دواء الفقراء، والمرضى وعلاجهم، وإلى أكفان ~~الموتى الذين لا مال لهم، وإلى نفقة اللقيط وعقل جنايته، وإلى نفقة من هو ~~عاجز عن الكسب وليس له من تجب عليه نفقته ونحو ذلك وعلى الإمام صرف هذه ~~الحقوق إلى مستحقيها والله أعلم. ### | [فصل الزكاة الواجبة] # (فصل) : # وأما الزكاة الواجبة وهي زكاة الرأس فهي صدقة الفطر، والكلام فيها يقع في ~~مواضع في. # بيان وجوبها، وفي بيان كيفية الوجوب، وفي بيان من تجب عليه، وفي بيان من ~~تجب عنه، وفي بيان جنس الواجب وقدره وصفته، وفي بيان وقت الوجوب، وفي بيان ~~وقت الأداء، وفي بيان ركنها، وفي بيان شرائط الركن، وهي شرائط جواز الأداء ~~وفي بيان مكان الأداء وفي بيان ما يسقطها بعد الوجوب. # أما الأول فالدليل على وجوبها ما روي عن ثعلبة بن صعير العذري أنه قال ~~خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: في خطبته «أدوا عن كل حر ~~وعبد صغير وكبير نصف صاع من بر، أو صاعا من تمر، أو صاعا من شعير» أمر ~~بالأداء ومطلق الأمر للوجوب وإنما سمينا هذا النوع واجبا لا فرضا؛ لأن ~~الفرض اسم لما ثبت لزومه بدليل مقطوع به، ولزوم هذا النوع من الزكاة لم ~~يثبت بدليل مقطوع به بل بدليل فيه شبهة العدم وهو خبر الواحد وما روي في ~~الباب عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أنه قال «فرض رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صدقة الفطر على الذكر، والأنثى، والحر، والعبد صاعا من ~~تمر، أو صاعا من شعير» فالمراد من قوله فرض أي قدر أداء الفطر، والفرض في ~~اللغة التقدير قال الله تعالى {فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] أي قدرتم، ~~ويقال: فرض القاضي النفقة بمعنى قدرها فكان في الحديث تقدير الواجب ~~بالمذكور لا الإيجاب قطعا والله تعالى أعلم. ### | [فصل كيفية ms0898 وجوب صدقة الفطر] # (فصل) : # وأما كيفية وجوبها فقد اختلف أصحابنا فيه، قال بعضهم: إنما يجب وجوبا ~~مضيقا في يوم الفطر عينا، وقال بعضهم: يجب وجوبا موسعا في العمر كالزكاة، ~~والنذور، والكفارات ونحوها وهذا هو الصحيح؛ لأن الآمر بأدائها مطلق عن ~~الوقت فلا يتضيق الوجوب إلا في آخر العمر كالأمر بالزكاة وسائر الأوامر ~~المطلقة عن الوقت. ### | [فصل شرائط وجوب صدقة الفطر] # (فصل) : # وأما بيان من تجب عليه فيتضمن بيان شرائط الوجوب وإنها أنواع: منها ~~الإسلام فلا تجب على الكافر؛ لأنه لا سبيل إلى الإيجاب في حالة الكفر؛ لأن ~~فيها معنى العبادة حتى لا تتأدى بدون النية، والكافر ليس من أهل العبادة ~~ولا تجب بدون الإسلام بالإجماع، وإيجاب فعل لا يقدر المكلف على أدائه في ~~الحال، وفي الثاني تكليف ما ليس في الوسع لهذا قلنا: إن الكفار ليسوا ~~مخاطبين بشرائع هي عبادات. # ومنها الحرية عندنا فلا تجب على العبد وقال الشافعي الحرية ليست من شرائط ~~الوجوب وتجب الفطرة على العبد ويتحملها المولى عنه واحتج بما روي عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أدوا عن كل حر وعبد» ، والأداء عنه ينبئ ~~عن التحمل عنه وأنه يقتضي الوجوب عليه. # ولنا أن الوجوب هو وجوب الأداء ولا سبيل إلى إيجاب الأداء على العبد؛ لأن ~~العبد لا يكلف بأدائها في الحال ولا بعد العتق، وإيجاب فعل لا سبيل إلى ~~أدائه رأسا ممتنع بخلاف الصبي الغني إذا لم يخرج وليه على أصل أبي حنيفة ~~وأبي يوسف أنه يلزمه الأداء؛ لأنه يقدر على أدائه بعد البلوغ. # وأما الحديث فلم قلتم إن الأداء عنه يقتضي الوجوب عليه؟ وسنذكر معناه. # ومنها الغنى فلا يجب الأداء إلا على الغني وهذا عندنا، وقال الشافعي: لا ~~يشترط لوجوبها الغنى وتجب على الفقير الذي له زيادة على قوت يومه وقوت ~~عياله. # وجه قوله أن وجوبها ثبت مطهرة للصائم ومعنى المطهرة لا يختلف بالغنى، ~~والفقر، ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا صدقة إلا عن ظهر غنى» . # وقد بينا حد الغنى الذي ms0899 يجب به صدقة الفطر في زكاة المال، ثم الغنى شرط ~~الوجوب لا شرط بقاء الواجب حتى لو افتقر بعد يوم الفطر لا يسقط الواجب؛ لأن ~~هذا الحق يجب في الذمة لا في المال فلا يشترط لبقائه بقاء المال بخلاف ~~الزكاة وأما العقل، والبلوغ فليسا من شرائط الوجوب في قول أبي حنيفة وأبي ~~يوسف حتى تجب صدقة الفطر على الصبي، والمجنون إذا كان # PageV02P069 # لهما مال ويخرجها الولي من مالهما وقال محمد وزفر: لا فطرة عليهما حتى لو ~~أدى الأب أو الوصي من مالهما لا يضمنان عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد ~~وزفر يضمنان. # وجه قولهما إنها عبادة، والعبادات لا تجب على الصبيان، والمجانين كالصوم، ~~والصلاة، والزكاة ولأبي حنيفة وأبي يوسف أنها ليست بعبادة محضة بل فيها ~~معنى المؤنة فأشبهت العشر، وكذلك وجود الصوم في شهر رمضان ليس بشرط لوجوب ~~الفطرة حتى أن من أفطر لكبر، أو مرض، أو سفر يلزمه صدقة الفطر؛ لأن الأمر ~~بأدائها مطلق عن هذا الشرط ولأنها تجب على من لا يوجد منه الصوم وهو ~~الصغير. ### | [فصل بيان من تجب عليه صدقة الفطر] # (فصل) : # وأما بيان من تجب عليه فيشتمل على بيان سبب وجوب الفطرة على الإنسان عن ~~غيره، وبيان شرط الوجوب أما شرطه فهو أن يكون من عليه الواجب عن غيره من ~~أهل الوجوب على نفسه. # وأما السبب فرأس يلزمه مؤنته ويلي عليه ولاية كاملة لأن الرأس الذي يمونه ~~ويلي عليه ولاية كاملة تكون في معنى رأسه في الذب، والنصرة فكما يجب عليه ~~زكاة رأسه يجب عليه زكاة ما هو في معنى رأسه فيجب عليه أن يخرج صدقة الفطر ~~عن مماليكه الذين هم لغير التجارة لوجود السبب وهو لزوم المؤنة وكمال ~~الولاية مع وجود شرطه وهو ما ذكرنا. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أدوا عن كل حر وعبد» وسواء كانوا مسلمين، ~~أو كفارا عندنا، وقال الشافعي لا تؤدى إلا عن مسلم. # وجه قوله إن الوجوب على العبد وإنما المولى يتحمل عنه؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه ms0900 وسلم - أمرنا بالأداء عن العبد، والأداء عنه ينبئ عن التحمل فثبت ~~أن الوجوب على العبد فلا بد من أهلية الوجوب في حقه، والكافر ليس من أهل ~~الوجوب فلم يجب عليه ولا يتحمل عنه المولى؛ لأن التحمل بعد الوجوب، فأما ~~المسلم فمن أهل الوجوب فتجب عليه الزكاة إلا أنه ليس من أهل الأداء لعدم ~~الملك فيتحمل عنه المولى، ولنا أنه وجد سبب وجوب الأداء عنه وشرطه وهو ما ~~ذكرنا فيجب الأداء عنه، وقوله: " الوجوب على العبد وإنما المولى يتحمل عنه ~~أداء الواجب فاسد؛ لأن الوجوب على العبد يستدعي أهلية الوجوب في حقه وهو ~~ليس من أهل الوجوب؛ لأن الوجوب هو وجوب الأداء، والأداء بالملك ولا ملك له ~~فلا وجوب عليه فلا يتصور التحمل، وقوله المأمور به هو الأداء عنه بالنص ~~مسلم لكن لم قلتم إن الأداء عنه يقتضي أن يكون بطريق التحمل بل هو أمر ~~بالأداء بسببه وهو رأسه الذي يمونه ويلي عليه ولاية كاملة فكان في الحديث ~~بيان سببية وجوب الأداء عمن يؤدي عنه لا الأداء بطريق التحمل فتعتبر أهلية ~~وجوب الأداء في حق المولى وقد وجدت روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أدوا صدقة الفطر عن كل حر وعبد ~~صغير، أو كبير يهودي، أو نصراني، أو مجوسي نصف صاع من بر، أو صاعا من تمر، ~~أو شعير» وهذا نص في الباب، ويخرج عن مدبريه وأمهات، أولاده لعموم قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - «أدوا عن كل حر وعبد» وهؤلاء عبيد لقيام الرق، والملك ~~فيهم. # ألا ترى أن له أن يستخدمهم ويستمتع بالمدبرة وأم الولد؟ ولا يجوز ذلك في ~~غير الملك، ولا يجب عليه أن يخرج عن مكاتبه ولا عن رقيق مكاتبه؛ لأنه لا ~~يلزمه نفقتهم وفي ولايته عليهم قصور ولا يجب على المكاتب أن يخرج فطرته عن ~~نفسه ولا عن رقيقه عند عامة العلماء وقال مالك: يجب عليه؛ لأن المكاتب ~~مالك؛ لأنه يملك اكتسابه فكان في اكتسابه كالحر فتجب عليه كما ms0901 تجب على الحر ~~ولنا أنه لا ملك له حقيقة؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم على لسان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - والعبد مملوك فلا يكون مالكا ضرورة. # وأما معتق البعض فهو بمنزلة المكاتب عند أبي حنيفة وعندهما هو حر عليه ~~دين وإن كان غنيا بأن كان له مال فضلا عن دينه مائتي درهم فصاعدا فإنه يخرج ~~صدقة الفطر عن نفسه وعن رقيقه وإلا فلا. # ويخرج عن عبده المؤاجر، الوديعة، والعارية، وعبده المديون المستغرق ~~بالدين، وعبده الذي في رقبته جناية لعموم النص ولوجود سبب الوجوب وشرطه وهو ~~ما ذكرنا ويخرج عن عبد الرهن لما ذكرنا وهذا إذا كان للراهن وفاء فإن لم ~~يكن له وفاء فلا صدقة عليه عنه؛ لأنه فقير بخلاف عبده المديون دينا ~~مستغرقا؛ لأن الصدقة تجب على المولى ولا دين على المولى. # وأما عبد عبده المأذون فإن كان على المولى دين فلا يخرج في قول أبي ~~حنيفة؛ لأن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون وعندهما يخرج؛ لأنه ~~يملكه وإن لم يكن عليه دين فلا يخرج بلا خلاف بين أصحابنا؛ لأنه عبد ~~التجارة ولا فطرة في عبد التجارة عندنا، ولا يخرج عن عبده الآبق ولا عن ~~المغصوب # PageV02P070 # المجحود ولا عن عبده المأسور؛ لأنه خارج عن يده وتصرفه فأشبه المكاتب قال ~~أبو يوسف: ليس في رقيق الأخماس ورقيق القوام الذين يقومون على مرافق العوام ~~مثل زمزم وما أشبهها، ورقيق الفيء صدقة الفطر لعدم الولاية لأحد عليهم إذ ~~هم ليس لهم مالك معين وكذلك السبي ورقيق الغنيمة، والأسرى قبل القسمة على ~~أصله لما قلنا. # وأما العبد الموصى برقبته لإنسان وبخدمته لآخر فصدقة فطره على صاحب ~~الرقبة لقوله - صلى الله عليه وسلم - «أدوا عن كل حر وعبد» ، والعبد اسم ~~للذات المملوكة وأنه لصاحب الرقبة، وحق صاحب الخدمة متعلق بالمنافع فكان ~~كالمستعير، والمستأجر ولا يخرج عن عبيد التجارة عندنا، وعند الشافعي يخرج. # وجه قوله إن وجوب الزكاة لا ينافي وجوب صدقة الفطر؛ لأن سبب وجوب كل واحد ~~منهما مختلف ولنا ms0902 أن الجمع بين زكاة المال وبين زكاة الرأس يكون ثنى في ~~الصدقة وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا ثنى في الصدقة» ، والعبد ~~المشترك بينه وبين غيره ليس على أحدهما صدقة فطره عندنا، وقال الشافعي: تجب ~~الفطرة عليهما بناء على أصله الذي ذكرنا أن الوجوب على العبد وإنما المولى ~~يتحمل عنه بالملك فيتقدر بقدر الملك. # وأما عندنا فالوجوب على المولى بسبب الوجوب وهو رأس يلزمه مؤنته ويلي ~~عليه ولاية كاملة وليس لكل واحد منهما ولاية كاملة. # ألا ترى أنه لا يملك كل واحد منهما تزويجه فلم يوجد السبب؟ وإن كان عدد ~~من العبيد بين رجلين فلا فطرة عليهما في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال ~~محمد: إن كان بحال لو قسموا أصاب كل واحد منهما عبد كامل تجب على كل واحد ~~منهما صدقة فطره بناء على أن الرقيق لا يقسم قسمة جمع عند أبي حنيفة فلا ~~يملك كل واحد منهما عبدا كاملا، وعند محمد يقسم الرقيق قسمة جمع فيملك كل ~~واحد منهما عبدا تاما من حيث المعنى كأنه انفرد به فيجب على كل واحد منهما ~~كالزكاة في السوائم المشتركة، وأبو يوسف وافق أبا حنيفة في هذا وإن كان يرى ~~قسمة الرقيق لنقصان الولاية إذ ليس لكل واحد منهما ولاية كاملة وكمال ~~الولاية بعض أوصاف السبب، ولو كان بين رجلين جارية فجاءت بولد فادعياه معا ~~حتى ثبت نسب الولد منهما وصارت الجارية أم ولدهما فلا فطرة على واحد منهما ~~عن الجارية بلا خلاف بين أصحابنا؛ لأنها جارية مشتركة بينهما، وأما الولد ~~فقال أبو يوسف: يجب على كل واحد منهما صدقة فطره تامة، وقال محمد: تجب ~~عليهما صدقة واحدة. # وجه قوله إن الذي وجب عليه واحد، والشخص الواحد لا تجب عنه إلا فطرة ~~واحدة كسائر الأشخاص، ولأبي يوسف أن الولد ابن تام في حق واحد منهما بدليل ~~أنه يرث من كل واحد منهما ميراث ابن كامل فيجب على كل واحد منهما عنه صدقة ~~تامة. # ولو اشترى عبدا بشرط الخيار للبائع أو للمشتري ms0903 أو لهما جميعا أو شرط ~~أحدهما الخيار لغيره فمر يوم الفطر في مدة الخيار فصدقة الفطر موقوفة إن تم ~~البيع بمضي مدة الخيار، أو بالإجازة فعلى المشتري؛ لأنه ملكه من وقت البيع ~~وإن فسخ فعلى البائع؛ لأنه تبين أن المبيع لم يزل عن ملكه وعند زفر إن كان ~~الخيار للبائع، أو لهما جميعا، أو شرط البائع الخيار لغيره فصدقة الفطر على ~~البائع تم البيع، أو انفسخ، وإن كان الخيار للمشتري فعلى المشتري تم البيع، ~~أو انفسخ، ولو اشتراه بعقد ثان فمر يوم الفطر قبل القبض فصدقة فطره على ~~المشتري إن قبضه؛ لأن الملك ثبت للمشتري بنفس الشراء وقد تقرر بالقبض وإن ~~مات قبل القبض فلا يجب على واحد منهما أما جانب البائع فظاهر؛ لأن العبد قد ~~خرج عن ملكه بالبيع. # ووقت الوجوب هو وقت طلوع الفجر من يوم الفطر كان الملك للمشتري. # وأما جانب المشتري فلأن ملكه قد انفسخ قبل تمامه وجعل كأنه لم يكن من ~~الأصل. # ولو رده المشتري على البائع بخيار رؤية، أو عيب إن رده قبل القبض فعلى ~~البائع؛ لأن الرد قبل القبض فسخ من الأصل وإن رده بعد القبض فعلى المشتري؛ ~~لأنه بمنزلة بيع جديد وإن اشتراه شراء فاسدا فمر يوم الفطر فإن كان مر وهو ~~عند البائع فعلى البائع؛ لأن البيع الفاسد لا يفيد الملك للمشتري قبل القبض ~~فمر عليه يوم الفطر وهو على ملك البائع فكان صدقة فطره عليه. # وإن كان في يد المشتري وقت طلوع الفجر فصدقة فطره موقوفة لاحتمال الرد ~~فإن رده فعلى البائع؛ لأن الرد في العقد الفاسد فسخ من الأصل وإن تصرف فيه ~~المشتري حتى وجبت عليه قيمته فعلى المشتري؛ لأنه تقرر ملكه عليه. # ويخرج عن، أولاده الصغار وإذا كانوا فقراء لقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~«أدوا عن كل صغير وكبير» ولأن نفقتهم واجبة على الأب # PageV02P071 # وولاية الأب عليهم تامة، وهل يخرج الجد عن ابن ابنه الفقير الصغير حال ~~عدم الأب أو حال كونه فقيرا؟ ذكر محمد في الأصل أنه ms0904 لا يخرج، وروى الحسن عن ~~أبي حنيفة أنه يخرج. # وجه رواية الحسن أن الجد عند عدم الأب قائم مقام الأب فكانت ولايته حال ~~عدم الأب كولاية الأب. # وجه رواية الأصل أن ولاية الجد ليست بولاية تامة مطلقة بل هي قاصرة. # ألا ترى أنها لا تثبت إلا بشرط عدم الأب؟ فأشبهت ولاية الوصي، والوصي لا ~~يجب عليه الإخراج فكذا الجد. # وأما الكبار العقلاء فلا يخرج عنهم عندنا وإن كانوا في عياله بأن كانوا ~~فقراء زمنى، وقال الشافعي: عليه فطرتهم واحتج بما روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «أدوا عن كل حر وعبد صغير، أو كبير ممن تمونون» ~~فإذا كانوا في عياله يمونهم فعليه فطرتهم. # ولنا أن أحد شطري السبب وهو الولاية منعدم، والحديث محمول على جواز ~~الأداء عنهم لا على الوجوب. # ولا يلزمه أن يخرج عن أبويه وإن كانا في عياله لعدم الولاية عليهما، ولا ~~يخرج عن الحمل لانعدام كمال الولاية ولأنه لا يعلم حياته ولا يلزم الزوج ~~صدقة فطر زوجته عندنا، وقال الشافعي: يلزمه؛ لأنها تجب مؤنة الزوج وولايته ~~فوجد سبب الوجوب. # (ولنا) أن شرط تمام السبب كمال الولاية وولاية الزوج عليها ليست بكاملة ~~فلم يتم السبب وليس في شيء من الحيوان سوى الرقيق صدقة الفطر إما؛ لأن ~~وجوبها عرف بالتوقيف وأنه لم يرد فيما سوى الرقيق من الحيوانات، أو؛ لأنها ~~وجبت طهرة للصائم عن الرفث ومعنى الطهرة لا يتقرر في سائر الحيوانات فلا ~~تجب عنها والله أعلم. ### | [فصل بيان جنس الواجب وقدره وصفة في صدقة الفطر] # (فصل) : # وأما بيان جنس الواجب وقدره وصفته أما جنسه وقدره فهو نصف صاع من حنطة، ~~أو صاع من شعير، أو صاع من تمر وهذا عندنا. # وقال الشافعي: من الحنطة صاع. # واحتج بما روي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه قال: كنت أؤدي ~~على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعا من بر، ولنا ما روينا من ~~حديث ثعلبة بن صغير العذري أنه قال خطبنا رسول الله ms0905 - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: «أدوا عن كل حر وعبد نصف صاع من بر، أو صاعا من تمر، أو صاعا من ~~شعير» وذكر إمام الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي أن عشرة من الصحابة - رضي ~~الله عنهم - منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - رووا عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في صدقة الفطر نصف صاع من بر واحتج بروايتهم. # وأما حديث أبي سعيد فليس فيه دليل الوجوب بل هو حكاية عن فعله فيدل على ~~الجواز وبه نقول فيكون الواجب نصف صاع وما زاد يكون تطوعا على أن المروي من ~~لفظ أبي سعيد - رضي الله عنه - أنه قال: «كنت أخرج على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صاعا من طعام، صاعا من تمر، صاعا من شعير» وليس فيه ذكر ~~البر فيجعل قوله صاعا من تمر صاعا من شعير تفسيرا لقوله «صاعا من طعام» ، ~~ودقيق الحنطة وسويقها كالحنطة، ودقيق الشعير وسويقه كالشعير عندنا، وعند ~~الشافعي لا يجزئ بناء على أصله من اعتبار المنصوص عليه، وعندنا المنصوص ~~عليه معلول بكونه مالا متقوما على الإطلاق لما نذكر وذكر المنصوص عليه ~~للتيسير؛ لأنهم كانوا يتبايعون بذلك على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على أن الدقيق منصوص عليه لما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «أدوا قبل الخروج زكاة الفطر فإن على ~~كل مسلم مدا من قمح، أو دقيق» . # وروي عن أبي يوسف أنه قال: الدقيق أحب إلي من الحنطة، والدراهم أحب إلي ~~من الدقيق، والحنطة؛ لأن ذلك أقرب إلى دفع حاجة الفقير واختلفت الرواية عن ~~أبي حنيفة في الزبيب ذكر في الجامع الصغير نصف صاع وروى الحسن وأسد بن عمرو ~~عن أبي حنيفة صاعا من زبيب. # وهو قول أبي يوسف ومحمد # وجه هذه الرواية ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال كنا نخرج زكاة الفطر ~~على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعا من تمر، أو صاعا من ms0906 زبيب ~~وكان طعامنا الشعير ولأن الزبيب لا يكون مثل الحنطة في التغذي بل يكون أنقص ~~منها كالشعير، والتمر فكان التقدير فيه بالصاع كما في الشعير، والتمر. # وجه رواية الجامع أن قيمة الزبيب تزيد على قيمة الحنطة في العادة ثم ~~اكتفي من الحنطة بنصف صاع فمن الزبيب أولى. # ويمكن التوفيق بين القولين بأن يجعل الواجب فيه بطريق القيمة فكانت قيمته ~~في عصر أبي حنيفة مثل قيمة الحنطة وفي عصرهما كانت قيمته مثل قيمة الشعير، ~~والتمر وعلى هذا أيضا يحمل اختلاف الروايتين عن أبي حنيفة. # وأما الأقط # PageV02P072 # فتعتبر فيه القيمة لا يجزئ إلا باعتبار القيمة، وقال مالك: يجوز أن يخرج ~~صاعا من أقط وهذا غير سديد؛ لأنه غير منصوص عليه من وجه يوثق به وجواز ما ~~ليس بمنصوص عليه لا يكون إلا باعتبار القيمة كسائر الأعيان التي لم يقع ~~التنصيص عليها من النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال الشافعي: لا أحب أن ~~يخرج الأقط فإن أخرج صاعا من أقط لم يتبين لي أن عليه الإعادة، والصاع ~~ثمانية أرطال بالعراقي عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف خمسة أرطال وثلث ~~رطل بالعراقي وهو قول الشافعي. # وجه قوله إن صاع المدينة خمسة أرطال وثلث رطل ونقلوا ذلك عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - خلفا عن سلف ولهما ما روي عن أنس - رضي الله عنه - ~~أنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ بالمد، والمد رطلان ~~ويغتسل بالصاع، والصاع ثمانية أرطال» وهذا نص ولأن هذا صاع عمر - رضي الله ~~عنه -. # ونقل أهل المدينة لم يصح؛ لأن مالكا من فقهائهم يقول: صاع المدينة ثبت ~~بتحري عبد الملك بن مروان فلم يصح النقل وقد ثبت أن صاع عمر - رضي الله عنه ~~- ثمانية أرطال فالعمل بصاع عمر أولى من العمل بصاع عبد الملك، ثم المعتبر ~~أن يكون ثمانية أرطال وزنا وكيلا وروى الحسن عن أبي حنيفة وزنا وروي عن ~~محمد كيلا حتى لو وزن وأدى جاز عند أبي حنيفة وعند محمد لا يجوز قال ~~الطحاوي: ms0907 الصاع ثمانية أرطال فيما يستوي كيله ووزنه وهو العدس، والماش، ~~والزبيب، وإذا كان الصاع يسع ثمانية أرطال من العدس، والماش فهو الصاع الذي ~~يكال به الشعير، والتمر. # وجه ما ذكره الطحاوي أن من الأشياء بما لا يختلف كيله ووزنه كالعدس، ~~والماش وما سواهما يختلف منها ما يكون وزنه أكثر من كيله كالشعير ومنها ما ~~يكون كيله أكثر من وزنه كالملح فيجب تقدير المكاييل بما لا يختلف وزنه ~~وكيله كالعدس، والماش فإذا كان المكيال يسع ثمانية أرطال من ذلك فهو الصاع ~~الذي يكال به الشعير، والتمر. # وجه قول محمد إن النص ورد باسم الصاع وأنه مكيال لا يختلف وزن ما يدخل ~~فيه خفة وثقلا فوجب اعتبار الكيل المنصوص عليه. # وجه قول أبي حنيفة إن الناس إذا اختلفوا في صاع يقدرونه بالوزن فدل أن ~~المعتبر هو الوزن وأما صفة الواجب فهو أن وجوب المنصوص عليه من حيث إنه مال ~~متقوم على الإطلاق لا من حيث إنه عين فيجوز أن يعطي عن جميع ذلك القيمة ~~دراهم، أو دنانير، أو فلوسا، أو عروضا، أو ما شاء وهذا عندنا. # وقال الشافعي: لا يجوز إخراج القيمة وهو على الاختلاف في الزكاة. # وجه قوله إن النص ورد بوجوب أشياء مخصوصة، وفي تجويز القيمة يعتبر حكم ~~النص وهذا لا يجوز ولنا أن الواجب في الحقيقة إغناء الفقير لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - «أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم» ، والإغناء يحصل ~~بالقيمة بل أتم وأوفر؛ لأنها أقرب إلى دفع الحاجة وبه تبين أن النص معلول ~~بالإغناء وأنه ليس في تجويز القيمة يعتبر حكم النص في الحقيقة. # والله الموفق. # ولا يجوز أداء المنصوص عليه بعضه عن بعض باعتبار القيمة سواء كان الذي ~~أدى عنه من جنسه، أو من خلاف جنسه بعد أن كان منصوصا عليه، فكما لا يجوز ~~إخراج الحنطة عن الحنطة باعتبار القيمة بأن أدى نصف صاع من حنطة جيدة عن ~~صاع من حنطة وسط لا يجوز إخراج غير الحنطة عن الحنطة باعتبار القيمة بأن ~~أدى نصف صاع ms0908 من تمر تبلغ قيمته قيمة نصف صاع من الحنطة عن الحنطة بل يقع عن ~~نفسه وعليه تكميل الباقي وإنما كان كذلك؛ لأن القيمة لا تعتبر في المنصوص ~~عليه وإنما تعتبر في غيره وهذا يؤيد قول من يقول من أهل الأصول إن الحكم في ~~المنصوص عليه يثبت بعين النص لا بمعنى النص وإنما يعتبر المعنى لإثبات ~~الحكم في غير المنصوص عليه وهو مذهب مشايخ العراق وأما التخريج على قول من ~~يقول إن الحكم في المنصوص عليه يثبت بالمعنى أيضا وهو قول مشايخنا بسمرقند ~~وأما في الجنس فظاهر؛ لأن بعض الجنس المنصوص عليه إنما يقوم مقام كله ~~باعتبار القيمة وهي الجودة، والجودة في أموال الربا لا قيمة لها شرعا عند ~~مقابلتها بجنسها لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «جيدها ورديئها سواء» ~~أسقط اعتبار الجودة،، والساقط شرعا ملحق بالساقط حقيقة. # وأما في خلاف الجنس فوجه التخريج أن الواجب في ذمته في صدقة الفطر عند ~~هجوم وقت الوجوب أحد شيئين إما عين المنصوص عليه وإما القيمة ومن عليه ~~بالخيار إن شاء أخرج العين وإن شاء أخرج القيمة ولأيهما اختار تبين أنه هو ~~الواجب من الأصل فإذا أدى بعض عين المنصوص عليه تعين واجبا # PageV02P073 # من الأصل فيلزمه تكميله وهذا التخريج في صدقة الفطر صحيح؛ لأن الواجب ~~ههنا في الذمة. # ألا ترى أنه لا يسقط بهلاك النصاب بخلاف الزكاة فإن الواجب هناك في ~~النصاب؛ لأنه ربع العشر وهو جزء من النصاب حتى يسقط بهلاك النصاب لفوات محل ~~الوجوب. ### | [فصل وقت وجوب صدقة الفطر] # (فصل) : # وأما وقت وجوب صدقة الفطر فقد اختلف فيه، قال أصحابنا: هو وقت طلوع الفجر ~~الثاني من يوم الفطر، وقال الشافعي: هو وقت غروب الشمس من آخر يوم من رمضان ~~حتى لو ملك عبدا، أو ولد له ولد، أو كان كافرا فأسلم، أو كان فقيرا فاستغنى ~~إن كان ذلك قبل طلوع الشمس تجب عليه الفطرة، وإن كان بعده لا تجب عليه وكذا ~~من مات قبل طلوع الفجر لم تجب فطرته وإن مات بعده ms0909 وجبت، وعند الشافعي إن ~~كان ذلك قبل غروب الشمس تجب عليه وإن كان بعده لا تجب وكذا إن مات قبله لم ~~تجب وإن مات بعده وجبت. # وجه قوله إن سبب وجوب هذه الصدقة هو الفطر؛ لأنها تضاف إليه، والإضافة ~~تدل على السببية كإضافة الصلوات إلى، أوقاتها وإضافة الصوم إلى الشهر ونحو ~~ذلك، وكما غربت الشمس من آخر يوم من رمضان جاء وقت الفطر فوجبت الصدقة، ~~ولنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صومكم يوم تصومون ~~وفطركم يوم تفطرون» . # أي وقت فطركم يوم تفطرون خص وقت الفطر بيوم الفطر حيث أضافه إلى اليوم، ~~والإضافة للاختصاص فيقتضي اختصاص الوقت بالفطر يظهر باليوم وإلا فالليالي ~~كلها في حق الفطر سواء فلا يظهر الاختصاص وبه تبين أن المراد من قوله صدقة ~~الفطر أي صدقة يوم الفطر فكانت الصدقة مضافة إلى يوم الفطر فكان سببا ~~لوجوبها. # ولو عجل الصدقة على يوم الفطر لم يذكر في ظاهر الرواية وروى الحسن عن أبي ~~حنيفة أنه يجوز التعجيل سنة وسنتين وعن خلف بن أيوب أنه يجوز تعجيلها إذا ~~دخل رمضان ولا يجوز قبله، وذكر الكرخي في مختصره أنه يجوز التعجيل بيوم، أو ~~يومين. # وقال الحسن بن زياد: لا يجوز تعجيلها أصلا. # وجه قوله إن وقت وجوب هذا الحق هو يوم الفطر فكان التعجيل أداء الواجب ~~قبل وجوبه وإنه ممتنع كتعجيل الأضحية قبل يوم النحر. # وجه قول خلف هذه فطرة عن الصوم فلا يجوز تقديمها على وقت الصوم، وما ذكره ~~الكرخي من اليوم، أو اليومين فقد قيل إنه ما أراد به الشرط فإن أراد به ~~الشرط فوجهه أن وجوبها لإغناء الفقير في يوم الفطر وهذا المقصود يحصل ~~بالتعجيل بيوم، أو يومين؛ لأن الظاهر أن المتعجل يبقى إلى يوم الفطر فيحصل ~~الإغناء يوم الفطر وما زاد على ذلك لا يبقى فلا يحصل المقصود، والصحيح أنه ~~يجوز التعجيل مطلقا وذكر السنة، والسنتين، في رواية الحسن ليس على التقدير ~~بل هو بيان لاستكثار المدة أي يجوز وإن كثرت ms0910 المدة كما في قوله تعالى {إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] ووجهه أن الوجوب إن ~~لم يثبت فقد وجد سبب الوجوب وهو رأس يمونه ويلي عليه، والتعجيل بعد وجود ~~السبب جائز كتعجيل الزكاة، والعشور وكفارة القتل والله أعلم. ### | [فصل وقت أداء صدقة الفطر] # (فصل) : # وأما وقت أدائها فجميع العمر عند عامة أصحابنا ولا تسقط بالتأخير عن يوم ~~الفطر، وقال الحسن بن زياد: وقت أدائها يوم الفطر من أوله إلى آخره وإذا لم ~~يؤدها حتى مضى اليوم سقطت. # وجه قول الحسن إن هذا حق معروف بيوم الفطر فيختص أداؤه به كالأضحية. # وجه قول العامة إن الأمر بأدائها مطلق عن الوقت فيجب في مطلق الوقت غير ~~عين وإنما يتعين بتعيينه فعلا، أو بآخر العمر كالأمر بالزكاة، والعشر، ~~والكفارات وغير ذلك وفي أي وقت أدى كان مؤديا لا قاضيا كما في سائر ~~الواجبات الموسعة، غير أن المستحب أن يخرج قبل الخروج إلى المصلى؛ لأن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كذا كان يفعل ولقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~«أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم» فإذا أخرج قبل الخروج إلى المصلى ~~استغنى المسكين عن السؤال في يومه ذلك فيصلي فارغ القلب مطمئن النفس. ### | [فصل ركن صدقة الفطر] # (فصل) : # وأما ركنها فالتمليك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «أدوا عن كل حر ~~وعبد» الحديث، والأداء هو التمليك فلا يتأدى بطعام الإباحة وبما ليس بتمليك ~~أصلا ولا بما ليس بتمليك مطلق، والمسائل المبنية عليه ذكرناها في زكاة ~~المال وشرائط الركن أيضا ما ذكرنا هناك غير أن إسلام المؤدى إليه ههنا ليس ~~بشرط لجواز الأداء عند أبي حنيفة ومحمد فيجوز دفعها إلى أهل الذمة، وعند ~~أبي يوسف، والشافعي شرط ولا يجوز الدفع إليهم ولا يجوز الدفع إلى الحربي # PageV02P074 # المستأمن بالإجماع، والمسألة ذكرناها في زكاة المال ويجوز أن يعطى ما يجب ~~في صدقة الفطر عن إنسان واحد جماعة مساكين ويعطى ما يجب عن جماعة مسكينا ~~واحدا؛ لأن الواجب زكاة فجاز جمعها وتفريقها كزكاة ms0911 المال ولا يبعث الإمام ~~عليها ساعيا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث ولنا فيه قدوة. ### | [فصل مكان أداء صدقة الفطر] # (فصل) : # وأما مكان الأداء وهو الموضع الذي يستحب فيه إخراج الفطرة روي عن محمد ~~أنه يؤدي زكاة المال حيث المال ويؤدي صدقة الفطر عن نفسه وعبيده حيث هو وهو ~~قول أبي يوسف الأول ثم رجع وقال يؤدي صدقة الفطر عن نفسه حيث هو وعن عبيده ~~حيث هم حكى الحاكم رجوعه وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي قول أبي حنيفة ~~مع قول أبي يوسف وأما زكاة المال فحيث المال في الروايات كلها ويكره ~~إخراجها إلى أهل غير ذلك الموضع إلا رواية عن أبي حنيفة أنه لا بأس أن ~~يخرجها إلى قرابته من أهل الحاجة ويبعثها إليهم. # وجه قول أبي يوسف أن صدقة الفطر أحد نوعي الزكاة ثم زكاة المال تؤدى حيث ~~المال فكذا زكاة الرأس ووجه الفرق لمحمد واضح وهو أن صدقة الفطر تتعلق بذمة ~~المؤدي لا بماله بدليل أنه لو هلك ماله لا تسقط الصدقة. # وأما زكاة المال فإنها تتعلق بالمال. # ألا ترى أنه لو هلك النصاب تسقط؟ فإذا تعلقت الصدقة بذمة المؤدي اعتبر ~~مكان المؤدي ولما تعلقت الزكاة بالمال اعتبر مكان المال. # وروي عن أبي يوسف في الصدقة أنه يؤدى عن العبد الحي حيث هو وعن الميت حيث ~~المولى؛ لأن الوجوب في العبد الحي عنه فيعتبر مكانه وفي الميت لا فيعتبر ~~مكان المولى. ### | [فصل بيان ما يسقط صدقة الفطر بعد الوجوب] # (فصل) : # وأما بيان ما يسقطها بعد الوجوب فما يسقط زكاة المال يسقطها إلا هلاك ~~المال فإنها لا تسقط به بخلاف زكاة المال، والفرق أن صدقة الفطر تتعلق ~~بالذمة وذمته قائمة بعد هلاك المال فكان الواجب قائما، والزكاة تتعلق ~~بالمال فتسقط بهلاكه والله أعلم. ### | [كتاب الصوم] ### | [فصل أنواع الصيام] # (كتاب الصوم) . # الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان أنواع الصيام، وصفة كل نوع، ~~وفي بيان شرائطها، وفي بيان أركانها، ويتضمن بيان ما يفسدها وفي بيان ms0912 حكمها ~~إذا فسدت، وفي بيان حكم الصوم المؤقت إذا فات عن وقته، وفي بيان ما يسن وما ~~يستحب للصائم وما يكره له أن يفعله، أما الأول: فالصوم في القسمة الأولى ~~وينقسم إلى: لغوي، وشرعي، أما اللغوي: فهو الإمساك المطلق، وهو الإمساك عن ~~أي شيء كان فيسمى الممسك عن الكلام وهو الصامت صائما، قال الله تعالى {إني ~~نذرت للرحمن صوما} [مريم: 26] أي صمتا ويسمى الفرس الممسك عن العلف صائما ~~قال الشاعر: # خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما # أي: ممسكة عن العلف، وغير ممسكة. # وأما الشرعي: فهو الإمساك عن أشياء مخصوصة وهي: الأكل، والشرب، والجماع، ~~بشرائط مخصوصة نذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى ثم الشرعي ينقسم إلى: ~~فرض، وواجب، وتطوع، والفرض ينقسم إلى: عين، ودين، فالعين: ما له وقت معين، ~~إما بتعيين الله تعالى كصوم رمضان، وصوم التطوع خارج رمضان، لأن خارج رمضان ~~متعين للنفل شرعا، وإما بتعيين العبد كالصوم المنذور به في وقت بعينه، ~~والدليل على فرضية صوم شهر رمضان: الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول، أما ~~الكتاب: فقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على ~~الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183] وقوله {كتب عليكم} [البقرة: ~~183] أي: فرض، وقوله تعالى {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] وأما ~~السنة: فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «بني الإسلام على خمس: شهادة أن ~~لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم ~~رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» وقوله - صلى الله عليه وسلم - عام ~~حجة الوداع: «أيها الناس اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وحجوا بيت ~~ربكم وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم تدخلوا جنة ربكم» وأما الإجماع: ~~فإن الأمة أجمعت على فرضية شهر رمضان، لا يجحدها إلا كافر. # وأما المعقول فمن وجوه أحدها: أن الصوم وسيلة إلى شكر النعمة إذ هو كف ~~النفس عن الأكل، والشرب، والجماع، وإنها # PageV02P075 # من أجل النعم وأعلاها، والامتناع عنها زمانا معتبرا يعرف قدرها، إذ النعم ~~مجهولة ms0913 فإذا فقدت عرفت، فيحمله ذلك على قضاء حقها بالشكر، وشكر النعم فرض ~~عقلا، وشرعا، وإليه أشار الرب تعالى في قوله في آية الصيام {لعلكم تشكرون} ~~[البقرة: 52] ، والثاني: أنه وسيلة إلى التقوى لأنه إذا انقادت نفسه ~~للامتناع عن الحلال طمعا في مرضات الله تعالى، وخوفا من أليم عقابه فأولى ~~أن تنقاد للامتناع عن الحرام، فكان الصوم سببا للاتقاء عن محارم الله ~~تعالى، وإنه فرض وإليه وقعت الإشارة بقوله تعالى في آخر آية الصوم {لعلكم ~~تتقون} [البقرة: 183] ، والثالث: أن في الصوم قهر الطبع، وكسر الشهوة، لأن ~~النفس إذا شبعت تمنت الشهوات، وإذا جاعت امتنعت عما تهوى، ولذا قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من خشي منكم الباءة فليصم فإن الصوم له وجاء» فكان ~~الصوم ذريعة إلى الامتناع عن المعاصي وإنه فرض. # وأما صوم الدين: فما ليس له وقت معين، كصوم قضاء رمضان، وصوم كفارة ~~القتل، والظهار، واليمين، والإفطار، وصوم المتعة، وصوم فدية الحلق، وصوم ~~جزاء الصيد، وصوم النذر المطلق عن الوقت، وصوم اليمين بأن قال والله لأصومن ~~شهرا، ثم بعض هذه الصيامات المفروضة من العين، والدين متتابع وبعضها غير ~~متتابع، بل صاحبها فيه بالخيار إن شاء تابع، وإن شاء فرق، أما المتتابع: ~~فصوم رمضان، وصوم كفارة القتل، والظهار، والإفطار، وصوم كفارة اليمين ~~عندنا، أما صوم كفارة القتل، والظهار: فلأن التتابع منصوص عليه، قال الله ~~تعالى في كفارة القتل: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله} ~~[النساء: 92] وقال عز وجل في كفارة الظهار: {فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 4] . # وأما صوم كفارة اليمين: فقد قرأ ابن مسعود - رضي الله عنه - (فمن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام متتابعات) . # وعند الشافعي: التتابع فيه ليس بشرط، وموضع المسألة كتاب الكفارات، وقال ~~- صلى الله عليه وسلم - في كفارة الإفطار بالجماع في حديث الأعرابي: صم ~~شهرين متتابعين. # وأما صوم شهر رمضان: فلأن الله تعالى أمر بصوم الشهر بقوله عز وجل {فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] ، والشهر متتابع لتتابع أيامه، فيكون ms0914 ~~صومه متتابعا ضرورة، وكذلك الصوم المنذور به في وقت بعينه، بأن قال لله علي ~~أن أصوم شهر رجب، يكون متتابعا لما ذكرنا في صوم شهر رمضان. # وأما غير المتتابع: فصوم قضاء رمضان، وصوم المتعة، وصوم كفارة الحلق، ~~وصوم جزاء الصيد، وصوم النذر المطلق، وصوم اليمين، لأن الصوم في هذه ~~المواضع ذكر مطلقا عن صفة التتابع، قال الله تعالى في قضاء رمضان: {فمن كان ~~منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] أي: فأفطر فليصم ~~عدة من أيام أخر، وقال عز وجل في صوم المتعة: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ~~فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم} ~~[البقرة: 196] وقال عز وجل في كفارة الحلق: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} ~~[البقرة: 196] وقال سبحانه وتعالى في جزاء الصيد: {أو عدل ذلك صياما ليذوق ~~وبال أمره} [المائدة: 95] ذكر الله تعالى الصيام في هذه الأبواب مطلقا عن ~~شرط التتابع. # وكذا الناذر، والحالف في النذر المطلق، واليمين المطلقة، ذكر الصوم مطلقا ~~عن شرط التتابع، وقال بعضهم في صوم قضاء رمضان: إنه يشترط فيه التتابع، لا ~~يجوز إلا متتابعا، واحتجوا بقراءة أبي بن كعب - رضي الله عنه - أنه قرأ ~~الآية " فعدة من أيام أخر متتابعات " فيزاد على القراءة المعروفة وصف ~~التتابع بقراءته كما زيد وصف التتابع على القراءة المعروفة في صوم كفارة ~~اليمين بقراءة عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ولأن القضاء يكون على ~~حسب الأداء، والأداء وجب متتابعا فكذا القضاء. # (ولنا) ما روي عن جماعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~نحو علي، وعبد الله بن عباس، وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة، وعائشة وغيرهم - ~~رضي الله عنهم - أنهم قالوا: إن شاء تابع وإن شاء فرق غير أن عليا - رضي ~~الله عنه - قال: إنه يتابع لكنه إن فرق جاز وهذا منه إشارة إلى أن التتابع ~~أفضل ولو كان التتابع شرطا لما احتمل الخفاء على هؤلاء الصحابة ولما احتمل ~~مخالفتهم إياه في ms0915 ذلك لو عرفوه. # وبهذا الإجماع تبين أن قراءة أبي بن كعب لو ثبتت فهي على الندب، ~~والاستحباب دون الاشتراط، إذ لو كانت ثابتة وصارت كالمتلو وكان المراد بها ~~الاشتراط لما احتمل الخلاف من هؤلاء - رضي الله عنهم -، بخلاف ذكر التتابع ~~في صوم كفارة اليمين، في حرف ابن مسعود - رضي الله عنه - لأنه لم يخالفه ~~أحد من الصحابة في ذلك، فصار كالمتلو في حق العمل به. # وأما قوله: إن القضاء يجب على حسب الأداء، والأداء وجب متتابعا، فنقول: ~~التتابع في الأداء ما وجب # PageV02P076 # لمكان الصوم، ليقال: أينما كان الصوم كان التتابع شرطا، وإنما وجب لأجل ~~الوقت لأنه وجب عليهم صوم شهر معين ولا يتمكن من أداء الصوم في الشهر كله ~~إلا بصفة التتابع، فكان لزوم التتابع لضرورة تحصيل الصوم في هذا الوقت. # وهذا هو الأصل: أن كل صوم يؤمر فيه بالتتابع لأجل الفعل وهو الصوم ويكون ~~التتابع شرطا فيه حيث دار الفعل، وكل صوم يؤمر فيه بالتتابع لأجل الوقت ~~ففوت ذلك الوقت يسقط التتابع وإن بقي الفعل واجب القضاء، فإن من قال: لله ~~علي صوم شعبان يلزمه أن يصوم شعبان متتابعا، لكنه إن فات شيء منه يقضي إن ~~شاء متتابعا، وإن شاء متفرقا، لأن التتابع ههنا لمكان الوقت، فيسقط بسقوطه، ~~وبمثله لو قال: لله علي أن أصوم شهرا متتابعا، يلزمه أن يصوم متتابعا، لا ~~يخرج عن نذره إلا به، ولو أفطر يوما في وسط الشهر يلزمه الاستقبال لأن ~~التتابع ذكر للصوم فكان الشرط هو وصل الصوم بعينه فلا يسقط عنه أبدا، وعلى ~~هذا صوم كفارة القتل، والظهار، واليمين، لأنه لما وجب لعين الصوم لا يسقط ~~أبدا إلا بالأداء متتابعا، والفقه في ذلك ظاهر، وهو أنه إذا وجب التتابع ~~لأجل نفس الصوم فما لم يؤده على وصفه لا يخرج عن عهدة الواجب وإذا وجب ~~لضرورة قضاء حق الوقت، أو شرط التتابع لوجب الاستقبال، فيقع جميع الصوم في ~~غير ذلك الوقت الذي أمر بمراعاة حقه بالصوم فيه، ولو لم يجب لوقع عامة ~~الصوم ms0916 فيه، وبعضه في غيره، فكان أقرب إلى قضاء حق الوقت، والدليل على أن ~~التتابع في صوم شهر رمضان لما قلنا من قضاء حق الوقت: أنه لو أفطر في بعضه ~~لا يلزمه الاستقبال ولو كان التتابع شرطا للصوم لوجب كما في الصوم المنذور ~~به بصفة التتابع، وكما في صوم كفارة الظهار، واليمين، والقتل، وكذا لو أفطر ~~أياما من شهر رمضان بسبب المرض ثم برئ في الشهر وصام الباقي لا يجب عليه ~~وصل الباقي بشهر رمضان حتى إذا مضى يوم الفطر يجب عليه أن يصوم عن القضاء ~~متصلا بيوم الفطر، كما في صوم كفارة القتل، والإفطار، إذا أفطرت المرأة ~~بسبب الحيض الذي لا يتصور خلو شهر عنه، إنها كما طهرت يجب عليها أن تصل، ~~وتتابع، حتى لو تركت يجب عليها الاستقبال، وههنا ليس كذلك بل يثبت له ~~الخيار بين أن يصوم شوالا متصلا وبين أن يصوم شهرا آخر. # فدل أن التتابع لم يكن واجبا لأجل الصوم بل لأجل الوقت، فيسقط بفوات ~~الوقت والله أعلم وأما الصوم الواجب: فصوم التطوع بعد الشروع فيه، وصوم ~~قضائه عند الإفساد، وصوم الاعتكاف عندنا، أما مسألة وجوب الصوم بالشروع ~~ووجوب القضاء بالإفساد: فقد مضت في كتاب الصلاة. # وأما وجوب صوم الاعتكاف: فنذكره في الاعتكاف، وأما التطوع: فهو صوم النفل ~~خارج رمضان قبل الشروع، فهذه جملة أقسام الصيام والله أعلم. ### | [فصل شرائط أنواع الصيام] # (فصل) : # وأما شرائطها فنوعان: نوع يعم الصيامات كلها: وهو شرط جواز الأداء، ونوع ~~يخص البعض دون البعض: وهو شرط الوجوب، أما الشرائط العامة فبعضها يرجع إلى ~~الصائم وهو شرط أهلية الأداء، وبعضها يرجع إلى وقت الصوم: وهو شرط المحلية، ~~أما الذي يرجع إلى وقت الصوم فنوعان: نوع يرجع إلى أصل الوقت، ونوع يرجع ~~إلى وصفه من الخصوص، والعموم، أما الذي يرجع إلى أصل الوقت: فهو بياض ~~النهار وذلك من حين يطلع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، فلا يجوز الصوم في ~~الليل لأن الله تعالى أباح الجماع، والأكل، والشرب في الليالي إلى طلوع ~~الفجر، ثم ms0917 أمر بالصوم إلى الليل بقوله تعالى {أحل لكم ليلة الصيام الرفث ~~إلى نسائكم} [البقرة: 187] إلى قوله: {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله ~~لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} ~~[البقرة: 187] أي: حتى يتبين لكم بياض النهار من سواد الليل. # هكذا روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الخيط الأبيض، ~~والأسود هما: بياض النهار، وظلمة الليل» ثم أتموا الصيام إلى الليل فكان ~~هذا تعيينا: لليالي الفطر، والنهار للصوم، فكان محل الصوم هو اليوم لا ~~الليل، ولأن الحكمة التي لها شرع الصوم وهو ما ذكرنا: من التقوى، وتعريف ~~قدر النعم، الحامل على شكرها لا يحصل بالصوم في الليل لان ذلك لا يحصل إلا ~~بفعل شاق على البدن مخالف للعادة وهوى النفس ولا يتحقق ذلك بالإمساك في ~~حالة النوم فلا يكون الليل محلا للصوم. # وأما الذي يرجع إلى وصفه من الخصوص، والعموم فنقول وبالله التوفيق: أما ~~صوم التطوع: فالأيام كلها محل له عندنا، وهو رواية محمد عن أبي حنيفة، ~~ويجوز # PageV02P077 # صوم التطوع خارج رمضان في الأيام كلها لقول النبي: - صلى الله عليه وسلم ~~- «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» وقوله: «من صام من ~~كل شهر ثلاثة أيام: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، فكأنما صام ~~السنة كلها» فقد جعل السنة كلها محلا للصوم على العموم. # وقوله «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله» جعل الدهر ~~كله محلا للصوم عن غير فصل، وقوله: «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، ~~وإن شاء لم يصم» ولأن المعاني التي لها كان الصوم حسنا وعبادة وهي ما ذكرنا ~~موجودة في سائر الأيام فكانت الأيام كلها محلا للصوم، إلا أنه يكره الصوم ~~في بعضها، ويستحب في البعض. # أما الصيام في الأيام المكروهة فمنها: صوم يومي العيد، وأيام التشريق. # وعند الشافعي: لا يجوز الصوم في هذه الأيام وهو رواية أبي يوسف وعبد الله ~~بن المبارك عن أبي حنيفة، واحتج بالنهي ms0918 الوارد عن الصوم فيها وهو ما روى ~~أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «ألا لا تصوموا في هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وبعال» . # والنهي للتحريم ولأنه عين هذه الأيام لأضداد الصوم فلا تبقى محلا للصوم، ~~والجواب أن ما ذكرنا من النصوص، والمعقول يقتضي جواز الصوم في هذه الأيام، ~~فيحمل النهي على الكراهة، ويحمل التعيين على الندب، والاستحباب، توفيقا بين ~~الدلائل بقدر الإمكان، وعندنا يكره الصوم في هذه الأيام، والمستحب هو ~~الإفطار. # ومنها إتباع رمضان بست من شوال كذا قال أبو يوسف: كانوا يكرهون أن يتبعوا ~~رمضان صوما خوفا أن يلحق ذلك بالفرضية، وكذا روي عن مالك أنه قال: أكره أن ~~يتبع رمضان بست من شوال، وما رأيت أحدا من أهل الفقه، والعلم يصومها ولم ~~يبلغنا عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق ~~أهل الجفاء برمضان ما ليس منه، والإتباع المكروه هو: أن يصوم يوم الفطر، ~~ويصوم بعده خمسة أيام. # فأما إذا أفطر يوم العيد ثم صام بعده ستة أيام: فليس بمكروه بل هو مستحب ~~وسنة. # ومنها صوم يوم الشك بنية رمضان، أو بنية مترددة، أما بنية رمضان فلقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا يصام اليوم الذي يشك فيه من رمضان إلا ~~تطوعا» وعن عمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - أنهم كانوا ينهون عن صوم ~~اليوم الذي يشك فيه من رمضان ولأنه يريد أن يزيد في رمضان. # وقد روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: لأن أفطر يوما من رمضان ~~ثم أقضيه أحب إلي أن أزيد فيه ما ليس منه وأما النية المترددة: بأن نوى أن ~~يكون صومه عن رمضان إن كان اليوم من رمضان، وإن لم يكن يكون تطوعا فلأن ~~النية المترددة لا تكون نية حقيقة لأن النية تعيين للعمل، والتردد يمنع ~~التعيين. # وأما صوم يوم الشك بنية التطوع: فلا يكره عندنا ويكره عند الشافعي، واحتج ~~بما روي عن النبي - صلى الله ms0919 عليه وسلم - أنه قال: «من صام يوم الشك فقد ~~عصى أبا القاسم» ولنا ما روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«لا يصام اليوم الذي يشك فيه من رمضان إلا تطوعا» ، استثنى التطوع، ~~والمستثنى يخالف حكمه حكم المستثنى منه. # وأما الحديث: فالمراد منه صوم يوم الشك عن رمضان لأن المروي أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «نهى عن صوم يوم الشك عن رمضان وقال: من صام يوم الشك ~~فقد عصى أبا القاسم» أي: صام عن رمضان واختلف المشايخ في أن الأفضل أن يصوم ~~فيه تطوعا، أو يفطر، أو ينتظر قال بعضهم: الأفضل أن يصوم لما روي عن عائشة ~~وعلي - رضي الله عنهما - أنهما كانا يصومان يوم الشك بنية التطوع ويقولان ~~لأن نصوم يوما من شعبان أحب إلينا من أن نفطر يوما من رمضان، فقد صاما ~~ونبها على المعنى، وهو أنه يحتمل أن يكون هذا اليوم من رمضان ويحتمل أن ~~يكون من شعبان، فلو صام لدار الصوم بين أن يكون من رمضان، وبين أن يكون من ~~شعبان، ولو أفطر لدار الفطر بين أن يكون في رمضان وبين أن يكون في شعبان، ~~فكان الاحتياط في الصوم، وقال بعضهم: الإفطار أفضل، وبه كان يفتي محمد بن ~~سلمة وكان يضع كوزا له بين يديه يوم الشك، فإذا جاءه مستفت عن صوم يوم الشك ~~أفتاه بالإفطار وشرب من الكوز بين يدي المستفتي، وإنما كان يفعل كذلك لأنه ~~لو أفتى بالصوم لاعتاده الناس فيخاف أن يلحق بالفريضة، وقال بعضهم: يصام ~~سرا ولا يفتى به العوام لئلا يظنه الجهال زيادة على صوم رمضان. # هكذا روي عن أبي يوسف أنه استفتي عن صوم يوم الشك فأفتى بالفطر ثم قال ~~للمستفتي: تعال فلما دنا منه أخبره سرا فقال: إني صائم. # وقال بعضهم ينتظر فلا يصوم ولا يفطر فإن تبين # PageV02P078 # قبل الزوال، أنه من رمضان عزم على الصوم، وإن لم يتبين أفطر لما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أصبحوا يوم الشك مفطرين ~~متلومين ms0920 أي: غير آكلين ولا عازمين على الصوم، إلا إذا كان صائما قبل ذلك» ~~فوصل يوم الشك به. # ومنها أن يستقبل الشهر بيوم، أو يومين بأن تعمد ذلك، فإن وافق ذلك صوما ~~كان يصومه قبل ذلك فلا بأس به لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «لا تتقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه ~~أحدكم» . # ولأن استقبال الشهر بيوم، أو بيومين يوهم الزيادة على الشهر ولا كذلك إذا ~~وافق صوما كان يصومه قبل ذلك لأنه لم يستقبل الشهر وليس فيه وهم الزيادة. # وقد روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصل شعبان برمضان» . # ومنها صوم الوصال، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ~~صام من صام الدهر» # وروي أنه «نهى عن صوم الوصال» فسر أبو يوسف ومحمد رحمهما الله الوصال ~~بصوم يومين لا يفطر بينهما، لأن الفطر بينهما يحصل بوجود زمان الفطر، وهو ~~الليل، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر ~~النهار من ههنا فقد أفطر الصائم أكل، أو لم يأكل» وقيل في تفسير الوصال: أن ~~يصوم كل يوم من السنة دون ليلته، ومعنى الكراهة فيه: أن ذلك يضعفه عن أداء ~~الفرائض، والواجبات ويقعده عن الكسب الذي لا بد منه، ولهذا روي أنه «لما ~~نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال وقيل له: إنك تواصل يا ~~رسول الله، قال: إني لست كأحدكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» أشار ~~إلى المخصص وهو اختصاصه بفضل قوة النبوة، وقال بعض الفقهاء: من صام سائر ~~الأيام وأفطر يوم الفطر، والأضحى وأيام التشريق لا يدخل تحت نهي صوم ~~الوصال، ورد عليه أبو يوسف فقال: ليس هذا عندي، كما قال والله أعلم هذا قد ~~صام الدهر كأنه أشار إلى أن النهي عن صوم الدهر ليس لمكان صوم هذه الأيام ~~بل لما يضعفه عن الفرائض، والواجبات ويقعده عن الكسب ويؤدي إلى التبتل ~~المنهي عنه والله أعلم. ms0921 # وأما صوم يوم عرفة: ففي حق غير الحاج مستحب، لكثرة الأحاديث الواردة ~~بالندب إلى صومه، ولأن له فضيلة على غيره من الأيام، وكذلك في حق الحاج إن ~~كان لا يضعفه عن الوقوف، والدعاء لما فيه من الجمع بين القربتين وإن كان ~~يضعفه عن ذلك يكره لأن فضيلة صوم هذا اليوم مما يمكن استدراكها في غير هذه ~~السنة، ويستدرك عادة، فأما فضيلة الوقوف، والدعاء فيه لا يستدرك في حق عامة ~~الناس عادة إلا في العمر مرة واحدة، فكان إحرازها أولى # وكره بعضهم صوم يوم الجمعة بانفراده، وكذا يوم الاثنين، والخميس، وقال ~~عامتهم: إنه مستحب لأن هذه الأيام من الأيام الفاضلة فكان تعظيمها بالصوم ~~مستحبا، ويكره صوم يوم السبت بانفراده، لأنه تشبه باليهود، وكذا صوم يوم ~~النيروز، والمهرجان، لأنه تشبه بالمجوس، وكذا صوم الصمت وهو أن يمسك عن ~~الطعام، والكلام جميعا، لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك» ~~ولأنه تشبه بالمجوس، وكره بعضهم صوم يوم عاشوراء وحده لمكان التشبه ~~باليهود، ولم يكرهه عامتهم، لأنه من الأيام الفاضلة، فيستحب استدراك ~~فضيلتها بالصوم. # وأما صوم يوم وإفطار يوم: فهو مستحب، وهو صوم سيدنا داود - عليه الصلاة ~~والسلام - كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولأنه أشق على البدن، إذ الطبع ألوف، ~~وقال: - صلى الله عليه وسلم - «خير الأعمال أحمزها» أي: أشقها على البدن، ~~وكذا صوم الأيام البيض لكثرة الأحاديث فيه، منها ما روينا عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «من صام ثلاثة أيام من كل شهر الثالث عشر، ~~والرابع عشر، والخامس عشر فكأنما صام السنة كلها» . # " وأما صوم الدين: فالأيام كلها محل له ويجوز في جميع الأيام إلا ستة ~~أيام يومي الفطر، والأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشك " أما ما سوى صوم يوم ~~الشك فلورد النهي عنه، والنهي وإن كان عن غيره، أو لغيره فلا شك أن ذلك ~~الغير يوجد بوجود الصوم في هذه الأيام، فأوجب ذلك نقصانا فيه، والواجب في ~~ذمته صوم كامل فلا يتأدى بالناقص، وبهذا تبين بطلان أحد قولي الشافعي ms0922 في ~~صوم المتعة، إنه يجوز في هذه الأيام لأن النهي عن الصوم في هذه الأيام عام ~~يتناول الصيامات كلها، فيوجب ذلك نقصانا فيه، والواجب في ذمته كامل فلا ~~ينوب الناقص عنه. # وأما يوم الشك فلأنه يحتمل أن يكون من رمضان ويحتمل أن يكون من شعبان فإن ~~كان من شعبان يكون قضاء، وإن كان من رمضان لا يكون قضاء، فلا يكون قضاء مع ~~الشك وهل يصح النذر بصوم يومي # PageV02P079 # العيد وأيام التشريق؟ روى محمد عن أبي حنيفة: أنه يصح نذره لكن الأفضل أن ~~يفطر فيها ويصوم في أيام أخر، ولو صام في هذه الأيام يكون مسيئا، لكنه يخرج ~~عنه النذر لأنه، أوجب ناقصا وأداه ناقصا، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه ~~لا يصح نذره ولا يلزمه شيء، وهكذا روى ابن المبارك عن أبي حنيفة، وهو قول ~~زفر، والشافعي، والمسألة مبنية على جواز صوم هذه الأيام وعدم جوازه، وقد ~~مرت فيما تقدم، ولو شرع في صوم هذه الأيام ثم أفسده لا يلزمه القضاء في قول ~~أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يلزمه. # وجه قولهما: إن الشروع في التطوع سبب الوجوب كالنذر فإذا وجب المضي فيه ~~وجب القضاء بالإفساد، كما لو شرع في التطوع في سائر الأيام ثم أفسده، ولأبي ~~حنيفة: أن الشروع ليس سبب الوجوب وضعا، وإنما الوجوب يثبت ضرورة صيانة ~~للمؤدى عن البطلان، والمؤدى ههنا لا يجب صيانته لمكان النهي، فلا يجب المضي ~~فيه، فلا يضمن بالإفساد، ولو شرع في الصلاة في أوقات مكروهة فأفسدها ففيه ~~روايتان عن أبي حنيفة في رواية: لا قضاء عليه كما في الصوم وفي رواية: عليه ~~القضاء بخلاف الصوم، وقد ذكرنا وجوه الفرق في كتاب الصلاة،. # وأما صوم رمضان: فوقته شهر رمضان لا يجوز في غيره، فيقع الكلام فيه في ~~موضعين أحدهما: في بيان وقت صوم رمضان، والثاني في بيان ما يعرف به وقته، ~~أما الأول: فوقت صوم رمضان شهر رمضان، لقوله تعالى {فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه} [البقرة: 185] أي: فليصم في الشهر، وقول النبي ms0923 - صلى الله عليه ~~وسلم - «وصوموا شهركم» أي: في شهركم لأن الشهر لا يصام وإنما يصام فيه. # وأما الثاني: وهو بيان ما يعرف به وقته، فإن كانت السماء مصحية يعرف ~~برؤية الهلال، وإن كانت متغيمة يعرف بإكمال شعبان ثلاثين يوما، لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم ~~فأكملوا شعبان ثلاثين يوما ثم صوموا» . # وكذلك إن غم على الناس هلال شوال أكملوا عدة رمضان ثلاثين يوما، لأن ~~الأصل بقاء الشهر وكماله، فلا يترك هذا الأصل إلا بيقين على الأصل المعهود، ~~أن ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين مثله، فإن كانت السماء مصحية ورأى الناس ~~الهلال صاموا وإن شهد واحد برؤية الهلال لا تقبل شهادته ما لم تشهد جماعة ~~يقع العلم للقاضي بشهادتهم، في ظاهر الرواية ولم يقدر في ذلك تقديرا وروي ~~عن أبي يوسف أنه قدر عدد الجماعة بعدد القسامة خمسين رجلا، وعن خلف بن أيوب ~~أنه قال: خمسمائة، ببلخ قليل وقال بعضهم: ينبغي أن يكون من كل مسجد جماعة ~~واحد، أو اثنان، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى: أنه يقبل فيه ~~شهادة الواحد العدل وهو أحد قولي الشافعي - رحمه الله تعالى -، وقال في قول ~~آخر: تقبل فيه شهادة اثنين. # وجه رواية الحسن - رحمه الله تعالى - أن هذا من باب الإخبار لا من باب ~~الشهادة، بدليل أنه تقبل شهادة الواحد إذا كان بالسماء علة ولو كان شهادة ~~لما قبل، لأن العدد شرط في الشهادات وإذا كان إخبارا لا شهادة فالعدد ليس ~~بشرط في الإخبار عن الديانات وإنما تشترط العدالة فقط، كما في رواية ~~الإخبار عن طهارة الماء ونجاسته ونحو ذلك، وجه ظاهر الرواية أن خبر الواحد ~~العدل إنما يقبل فيما لا يكذبه الظاهر وههنا الظاهر يكذبه لأن تفرده ~~بالرؤية مع مساواة جماعة لا يحصون إياه في الأسباب الموصلة إلى الرؤية ~~وارتفاع الموانع دليل كذبه، أو غلطه في الرؤية، وليس كذلك إذا كان بالسماء ~~علة، لأن ذلك يمنع التساوي في الرؤية لجواز أن قطعة ms0924 من الغيم انشقت فظهر ~~الهلال فرآه واحد ثم استتر بالغيم من ساعته قبل أن يراه غيره، وسواء كان ~~هذا الرجل من المصر، أو من خارج المصر، وشهد برؤية الهلال أنه لا تقبل ~~شهادته في ظاهر الرواية. # وذكر الطحاوي أنه تقبل، وجه رواية الطحاوي أن المطالع تختلف بالمصر وخارج ~~المصر في الظهور، والخفاء لصفاء الهواء خارج المصر فتختلف الرؤية، وجه ظاهر ~~الرواية أن المطالع لا تختلف إلا عند المسافة البعيدة الفاحشة، وعلى هذا ~~الرجل الذي أخبر أن يصوم لأن عنده أن هذا اليوم من رمضان، والإنسان يؤاخذ ~~بما عنده فإن شهد فرد الإمام شهادته ثم أفطر يقضي لأنه أفسد صوم رمضان في ~~زعمه فيعامل بما عنده، وهل تلزمه الكفارة؟ قال أصحابنا: لا تلزمه، وقال ~~الشافعي: تلزمه إذا أفطر بالجماع، وإن أفطر قبل أن يرد الإمام شهادته فلا ~~رواية عن أصحابنا في وجوب الكفارة، واختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: تجب، ~~وقال بعضهم: لا تجب، وجه قول الشافعي: إنه أفطر في يوم علم أنه من رمضان ~~لوجود دليل العلم في حقه وهو الرؤية وعدم علم غيره لا يقدح في علمه # PageV02P080 # فيؤاخذ بعلمه، فيوجب عليه الكفارة، ولهذا، أوجب عليه الصوم. # (ولنا) أنه أفطر في يوم هو من شعبان، وإفطار يوم هو من شعبان لا يوجب ~~الكفارة، وإنما قلنا ذلك لأن كونه من رمضان إنما يعرف بالرؤية إذا كانت ~~السماء مصحية ولم تثبت رؤيته لما ذكرنا: أن تفرده بالرؤية مع مساواة عامة ~~الناس إياه في التفقد مع سلامة الآلات دليل عدم الرؤية، وإذا لم تثبت ~~الرؤية لم يثبت كون اليوم من رمضان، فيبقى من شعبان، والكفارة لا تجب ~~بالإفطار في يوم هو من شعبان بالإجماع، وأما وجوب الصوم عليه فممنوع، فإن ~~المحققين من مشايخنا قالوا: لا رواية في وجوب الصوم عليه وإنما الرواية أنه ~~يصوم وهو محمول على الندب احتياطا، وقال الحسن البصري: إنه لا يصوم إلا مع ~~الإمام، ولو صام هذا الرجل وأكمل ثلاثين يوما ولم ير هلال شوال فإنه لا ~~يفطر إلا مع ms0925 الإمام، وإن زاد صومه على ثلاثين لأنا إنما أمرناه بالصوم ~~احتياطا،، والاحتياط ههنا أن لا يفطر لاحتمال أن ما رآه لم يكن هلالا بل ~~كان خيالا فلا يفطر مع الشك، ولأنه لو أفطر للحقه التهمة لمخالفته الجماعة، ~~فالاحتياط أن لا يفطر وإن كانت السماء متغيمة تقبل شهادة الواحد بلا خلاف ~~بين أصحابنا، سواء كان حرا، أو عبدا، رجلا، أو امرأة، غير محدود في قذف، أو ~~محدودا تائبا، بعد أن كان مسلما عاقلا بالغا عدلا. # وقال الشافعي في أحد قوليه: لا تقبل إلا شهادة رجلين عدلين اعتبارا بسائر ~~الشهادات. # (ولنا) ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - «أن رجلا جاء إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال أبصرت الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله؟ ، قال: نعم، قال: قم يا بلال فأذن في الناس فليصوموا ~~غدا» ، فقد قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهادة الواحد على هلال ~~رمضان ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة، ولأن هذا ليس ~~بشهادة بل هو إخبار، بدليل أن حكمه يلزم الشاهد وهو الصوم وحكم الشهادة لا ~~يلزم الشاهد، والإنسان لا يتهم في إيجاب شيء على نفسه، فدل أنه ليس بشهادة ~~بل هو إخبار، والعدد ليس بشرط في الإخبار، إلا أنه إخبار في باب الدين ~~فيشترط فيه الإسلام، والعقل، والبلوغ، والعدالة كما في رواية الإخبار وذكر ~~الطحاوي في مختصره: أنه يقبل قول الواحد عدلا كان، أو غير عدل، وهذا خلاف ~~ظاهر الرواية، إلا أنه يريد به العدالة الحقيقية، فيستقيم لأن الإخبار لا ~~تشترط فيه العدالة الحقيقية بل يكتفى فيه بالعدالة الظاهرة، والعبد، ~~والمرأة من أهل الإخبار ألا ترى أنه صحت روايتهما؟ . # وكذا المحدود في القذف فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبلوا ~~إخبار أبي بكرة وكان محدودا في قذف، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أن شهادته ~~برؤية الهلال لا تقبل،، والصحيح أنها تقبل، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، ~~لما ذكرنا أن ms0926 هذا خبر وليس بشهادة، وخبره مقبول، وتقبل شهادة واحد عدل على ~~شهادة واحد عدل في هلال رمضان بخلاف الشهادة على الشهادة في سائر الأحكام، ~~أنها لا تقبل ما لم يشهد على شهادة رجل واحد رجلان، أو رجل وامرأتان لما ~~ذكرنا أن هذا من باب الإخبار لا من باب الشهادة، ويجوز إخبار رجل عدل عن ~~رجل عدل كما في رواية الأخبار، ولو رد الإمام شهادة الواحد لتهمة الفسق ~~فإنه يصوم ذلك اليوم لأن عنده أن ذلك اليوم من رمضان فيؤاخذ بما عنده، ولو ~~أفطر بالجماع هل تلزمه الكفارة؟ فهو على الاختلاف الذي ذكرنا وأما هلال ~~شوال فإن كانت السماء مصحية فلا يقبل فيه إلا شهادة جماعة يحصل العلم ~~للقاضي بخبرهم كما في هلال رمضان، كذا ذكر محمد في نوادر الصوم. # وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يقبل فيه شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين سواء ~~كان بالسماء علة، أو لم يكن، كما روي عن أبي حنيفة في هلال رمضان أنه تقبل ~~فيه شهادة الواحد العدل سواء كان في السماء علة، أو لم يكن، وإن كان ~~بالسماء علة فلا تقبل فيه إلا شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين مسلمين، حرين، ~~عاقلين، بالغين، غير محدودين، في قذف كما في الشهادة في الحقوق، والأموال، ~~لما روي عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما - أنهما قالا: «إن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أجاز شهادة رجل واحد على رؤية هلال رمضان، ~~وكان لا يجيز الإفطار إلا بشهادة رجلين» ولأن هذا من باب الشهادة. # ألا ترى أنه لا يلزم الشاهد شيء بهذه الشهادة بل له فيها نفع وهو إسقاط ~~الصوم عن نفسه، فكان متهما، فيشترط فيه العدد نفيا للتهمة بخلاف هلال رمضان ~~هناك لا تهمة إذ الإنسان لا يتهم في الإضرار بنفسه بالتزام الصوم، فإن غم ~~على الناس هلال شوال فإن صاموا رمضان بشهادة شاهدين أفطروا # PageV02P081 # بتمام العدة ثلاثين يوما بلا خلاف، لأن قولهما في الفطر يقبل وإن صاموا ~~بشهادة شاهد واحد، فروى الحسن عن أبي حنيفة ms0927 أنهم لا يفطرون على شهادته ~~برؤية هلال رمضان عند كمال العدد، وإن وجب عليهم الصوم بشهادته فثبتت ~~الرمضانية بشهادته في حق الصوم، لا في حق الفطر، لأنه لا شهادة له في الشرع ~~على الفطر. # ألا ترى أنه لو شهد وحده مقصودا لا تقبل، بخلاف ما إذا صاموا بشهادة ~~شاهدين لأن لهما شهادة على الصوم، والفطر جميعا. # ألا ترى لو شهدا برؤية الهلال تقبل شهادتهما لأن وجوب الصوم عليهم ~~بشهادته من طريق الاحتياط،، والاحتياط ههنا في أن لا يفطروا بخلاف ما إذا ~~صاموا بشهادة شاهدين، لأن الوجوب هناك ثبت بدليل مطلق، فيظهر في الصوم، ~~والفطر جميعا. # وروى ابن سماعة عن محمد: أنهم يفطرون عند تمام العدد، فأورد ابن سماعة ~~على محمد إشكالا فقال: إذا قبلت شهادة الواحد في الصوم تفطر على شهادته ~~ومتى أفطرت عند كمال العدد على شهادته فقد أفطرت بقول الواحد، وهذا لا يجوز ~~لاحتمال أن هذا اليوم من رمضان؟ فأجاب محمد - رحمه الله - فقال: لا أتهم ~~المسلم أن يتعجل يوما مكان يوم، ومعناه أن الظاهر أنه إن كان صادقا في ~~شهادته فالصوم وقع في أول الشهر فيختم بكمال العدد، وقيل فيه بجواب آخر، ~~وهو أن جواز الفطر عند كمال العدد لم يثبت بشهادته مقصودا بل بمقتضى ~~الشهادة. # وقد يثبت بمقتضى الشيء ما لا يثبت به مقصودا كالميراث بحكم النسب الثابت ~~أنه يظهر بشهادة القابلة بالولادة وإن كان لا يظهر بشهادتها مقصودا، ~~والاستشهاد على مذهبهما لا على مذهب أبي حنيفة لأن شهادة القابلة بالولادة ~~لا تقبل في حق الميراث عنده. # (وأما) هلال ذي الحجة فإن كانت السماء مصحية فلا يقبل فيه إلا ما يقبل في ~~هلال رمضان، وهلال شوال وهو ما ذكرنا وإن كان بالسماء علة فقد قال أصحابنا: ~~إنه يقبل فيه شهادة الواحد، وذكر الكرخي أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين، ~~أو رجل وامرأتين كما في هلال شوال لأنه يتعلق بهذه الشهادة حكم شرعي وهو ~~وجوب الأضحية على الناس فيشترط فيه العدد، والصحيح: هو الأول لأن هذا ms0928 ليس ~~من باب الشهادة بل من باب الإخبار. # ألا ترى أن الأضحية تجب على الشاهد ثم تتعدى إلى غيره فكان من باب الخبر ~~ولا يشترط فيه العدد. # ولو رأوا يوم الشك الهلال بعد الزوال أو قبله فهو لليلة المستقبلة في قول ~~أبي حنيفة ومحمد ولا يكون ذلك اليوم من رمضان، وقال أبو يوسف: إن كان بعد ~~الزوال فكذلك وإن كان قبل الزوال فهو لليلة الماضية ويكون ذلك اليوم من ~~رمضان، والمسألة مختلفة بين الصحابة. # وروي عن عمر وابن مسعود وابن عمر وأنس مثل قولهما. # وروي عن عمر - رضي الله عنه - رواية أخرى مثل قوله وهو قول علي وعائشة - ~~رضي الله عنهما -. # وعلى هذا الخلاف هلال شوال إذا رأوه يوم الشك وهو يوم الثلاثين من رمضان ~~قبل الزوال أو بعده فهو لليلة المستقبلة عندهما، ويكون اليوم من رمضان، ~~وعنده إن رأوه قبل الزوال يكون لليلة الماضية ويكون اليوم يوم الفطر، ~~والأصل عندهما أنه لا يعتبر في رؤية الهلال قبل الزوال ولا بعده وإنما ~~العبرة لرؤيته قبل غروب الشمس، وعنده يعتبر وجه قول أبي يوسف إن الهلال لا ~~يرى قبل الزوال عادة، إلا أن يكون لليلتين، وهذا يوجب كون اليوم من رمضان ~~في هلال رمضان، وكونه يوم الفطر في هلال شوال، ولهما قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» أمر بالصوم، والفطر بعد الرؤية، ~~وفيما قاله أبو يوسف يتقدم وجوب الصوم، والفطر على الرؤية وهذا خلاف النص، ~~ولو أن أهل مصر لم يروا الهلال فأكملوا شعبان ثلاثين يوما ثم صاموا وفيهم ~~رجل صام يوم الشك بنية رمضان ثم رأوا هلال شوال عشية التاسع، والعشرين من ~~رمضان فصام أهل المصر تسعة وعشرين يوما وصام ذلك الرجل ثلاثين يوما فأهل ~~المصر قد أصابوا وأحسنوا وأساء ذلك الرجل وأخطأ لأنه خالف السنة إذ السنة ~~أن يصام رمضان لرؤية الهلال إذا كانت السماء مصحية، أو بعد شعبان ثلاثين ~~يوما كما نطق به الحديث. # وقد عمل أهل المصر بذلك وخالف الرجل فقد أصاب أهل ms0929 المصر وأخطأ الرجل ولا ~~قضاء على أهل المصر لأن الشهر قد يكون ثلاثين يوما وقد يكون تسعة وعشرين ~~يوما، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الشهر هكذا وهكذا وأشار إلى جميع ~~أصابع يديه ثم قال: الشهر هكذا وهكذا ثلاثا وحبس إبهامه في المرة الثالثة» ~~فثبت أن الشهر قد يكون ثلاثين وقد يكون تسعة وعشرين وقد روي عن أنس - رضي ~~الله تعالى عنه - أنه قال: «صمنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P082 # تسعة وعشرين يوما أكثر مما صمنا ثلاثين يوما» ولو صام أهل بلد ثلاثين ~~يوما وصام أهل بلد آخر تسعة وعشرين يوما فإن كان صوم أهل ذلك البلد برؤية ~~الهلال وثبت ذلك عند قاضيهم، أو عدوا شعبان ثلاثين يوما ثم صاموا رمضان ~~فعلى أهل البلد الآخر قضاء يوم لأنهم أفطروا يوما من رمضان لثبوت الرمضانية ~~برؤية أهل ذلك البلد، وعدم رؤية أهل البلد لا يقدح في رؤية أولئك، إذ العدم ~~لا يعارض الوجود، وإن كان صوم أهل ذلك البلد بغير رؤية هلال رمضان أو لم ~~تثبت الرؤية عند قاضيهم ولا عدوا شعبان ثلاثين يوما فقد أساءوا حيث تقدموا ~~رمضان بصوم يوم. # وليس على أهل البلد الآخر قضاؤه لما ذكرنا أن الشهر قد يكون ثلاثين وقد ~~يكون تسعة وعشرين، هذا إذا كانت المسافة بين البلدين قريبة لا تختلف فيها ~~المطالع، فأما إذا كانت بعيدة فلا يلزم أحد البلدين حكم الآخر لأن مطالع ~~البلاد عند المسافة الفاحشة تختلف فيعتبر في أهل كل بلد مطالع بلدهم دون ~~البلد الآخر. # وحكي عن أبي عبد الله بن أبي موسى الضرير أنه استفتي في أهل إسكندرية أن ~~الشمس تغرب بها ومن على منارتها يرى الشمس بعد ذلك بزمان كثير. # فقال: يحل لأهل البلد الفطر ولا يحل لمن على رأس المنارة إذا كان يرى ~~غروب الشمس لأن مغرب الشمس يختلف كما يختلف مطلعها فيعتبر في أهل كل موضع ~~مغربه ولو صام أهل مصر تسعة وعشرين وأفطروا للرؤية وفيهم مريض لم يصم فإن ~~علم ما صام ms0930 أهل مصره فعليه قضاء تسعة وعشرين يوما لأن القضاء على قدر ~~الفائت، والفائت هذا القدر فعليه قضاء هذا القدر وإن لم يعلم هذا الرجل ما ~~صنع أهل مصره، صام ثلاثين يوما لأن الأصل في الشهر ثلاثون يوما، والنقصان ~~عارض فإذا لم يعلم عمل بالأصل، وقالوا فيمن أفطر شهرا لعذر ثلاثين يوما ثم ~~قضى شهرا بالهلال فكان تسعة وعشرين يوما، إن عليه قضاء يوم آخر لأن المعتبر ~~عدد الأيام التي أفطر فيها دون الهلال لأن القضاء على قدر الفائت، والفائت ~~ثلاثون يوما فيقضي يوما آخر تكملة الثلاثين. # وأما الذي يرجع إلى الصائم فمنها: الإسلام فإنه شرط جواز الأداء بلا ~~خلاف، وفي كونه شرط الوجوب خلاف سنذكره في موضعه، ومنها الطهارة عن الحيض، ~~والنفاس فإنها شرط صحة الأداء بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - وفي كونها ~~شرط الوجوب خلاف نذكره في موضعه، فأما البلوغ: فليس من شرائط صحة الأداء ~~فيصح أداء الصوم من الصبي العاقل ويثاب عليه لكنه من شرائط الوجوب لما ~~نذكره. # وكذا العقل، والإفاقة ليسا من شرائط صحة الأداء حتى لو نوى الصوم من ~~الليل ثم جن في النهار أو أغمي عليه يصح صومه في ذلك اليوم ولا يصح صومه في ~~اليوم الثاني، لا لعدم أهلية الأداء بل لعدم النية لأن النية من المجنون، ~~والمغمى عليه لا تتصور، وفي كونهما من شرائط الوجوب كلام نذكره في موضعه، ~~ومنها النية، والكلام في هذا الشرط يقع في ثلاث مواضع أحدها: في بيان أصله، ~~والثاني: في بيان كيفيته، والثالث: في بيان وقته. # أما الأول: فأصل النية شرط جواز الصيامات كلها في قول أصحابنا الثلاثة، ~~وقال زفر: صوم رمضان في حق المقيم جائز بدون النية، واحتج بقوله تعالى {فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] أمر بصوم الشهر مطلقا عن شرط النية، ~~والصوم هو الإمساك. # وقد أتى به فيخرج عن العهدة، ولأن النية إنما تشترط للتعيين، والحاجة إلى ~~التعيين عند المزاحمة، ولا مزاحمة لأن الوقت لا يحتمل إلا صوما واحدا في حق ~~المقيم وهو صوم رمضان ms0931 فلا حاجة إلى التعيين بالنية، ولنا قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «لا عمل لمن لا نية له» وقوله «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ~~ما نوى» ولأن صوم رمضان عبادة، والعبادة اسم لفعل يأتيه العبد باختياره ~~خالصا لله تعالى بأمره، والاختيار، والإخلاص لا يتحققان بدون النية. # وأما الآية: فمطلق اسم الصوم ينصرف إلى الصوم الشرعي، والإمساك لا يصير ~~شرعا بدون النية، لما بينا، وأما قوله: إن النية شرط للتعيين وزمان رمضان ~~متعين لصوم رمضان فلا حاجة إلى النية، فنقول لا حاجة إلى النية لتعيين ~~الوصف، لكن تقع الحاجة إلى النية لتعيين الأصل، بيانه أن أصل الإمساك متردد ~~بين أن يكون عادة، أو حمية، وبين أن يكون لله تعالى، بل الأصل أن يكون فعل ~~كل فاعل لنفسه ما لم يجعله لغيره فلا بد من النية ليصير لله تعالى، ثم إذا ~~صار أصل الإمساك لله تعالى في هذا الوقت بأصل النية، والوقت متعين لفرضه ~~يقع عن الفرض من غير الحاجة إلى تعيين الوصف. # وأما الثاني في كيفية النية: فإن كان الصوم عينا وهو صوم # PageV02P083 # رمضان، وصوم النفل خارج رمضان، والمنذور به في وقت بعينه يجوز بنية مطلقة ~~عندنا. # وقال الشافعي: صوم النفل يجوز بنية مطلقة، فأما الصوم الواجب: فلا يجوز ~~إلا بنية معينة. # وجه قوله إن هذا صوم مفروض فلا يتأدى إلا بنية الفرض كصوم القضاء، ~~والكفارات، والنذور المطلقة، وهذا لأن الفرضية صفة زائدة على أصل الصوم ~~يتعلق بها زيادة الثواب، فلا بد من زيادة النية وهي نية الفرض ولنا قوله ~~تعالى {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] . # وهذا قد شهد الشهر وصامه فيخرج عن العهدة، ولأن النية لو شرطت إنما تشترط ~~إما ليصير الإمساك لله تعالى، وإما للتمييز بين نوع ونوع، ولا وجه للأول ~~لأن مطلق النية كان لصيرورة الإمساك لله تعالى، لأنه يكفي لقطع التردد ~~ولقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - «ولكل امرئ ما نوى» وقد نوى أن يكون ~~إمساكه لله تعالى، فلو لم يقع لله تعالى لا يكون له ما ms0932 نوى، وهذا خلاف النص ~~ولا وجه للثاني لأن مشروع الوقت واحد لا يتنوع فلا حاجة إلى التمييز بتعيين ~~النية بخلاف صوم القضاء، والنذر، والكفارة، لأن مشروع الوقت وهو خارج رمضان ~~متنوع فوقعت الحاجة إلى التعيين بالنية فهو الفرق، وقوله: هذا صوم مفروض ~~مسلم ولكن لم لا تتأدى نية الفرض بدون نية الفرض، وقوله: " الفرضية صفة ~~للصوم زائدة عليه فتفتقر إلى نية زائدة " ممنوع أنها صفة زائدة على الصوم ~~لأن الصوم صفة، والصفة لا تحتمل صفة زائدة عليها قائمة بها بل هو وصف إضافي ~~فيسمى الصوم مفروضا وفريضة لدخوله تحت فرض الله تعالى لا لفرضية قامت به، ~~وإذا لم يكن صفة قائمة بالصوم لا يشترط له نية الفرض وزيادة الثواب لفضيلة ~~الوقت لا لزيادة صفة العمل والله أعلم ولو صام رمضان بنية النفل أو صام ~~المنذور بعينه بنية النفل يقع صومه عن رمضان وعن المنذور عندنا، وعند ~~الشافعي: لا يقع وكذا لو صام رمضان بنية واجب آخر من القضاء، والكفارات، ~~والنذور يقع عن رمضان عندنا وعنده لا يقع هو يقول: لما نوى النفل فقد أعرض ~~عن الفرض، والمعرض عن فعل لا يكون آتيا به، ونحن نقول: إنه نوى الأصل، ~~والوصف، والوقت قابل للأصل غير قابل للوصف فبطلت نية الوصف وبقيت نية ~~الأصل، وإنها كافية لصيرورة الإمساك لله تعالى على ما بينا في المسألة ~~الأولى ولو نوى في النذر المعين واجبا آخر يقع عما نوى بالإجماع بخلاف صوم ~~رمضان، وجه الفرق أن كل واحد من الوقتين وإن تعين لصومه إلا أن أحدهما وهو ~~شهر رمضان معين بتعيين من له الولاية على الإطلاق وهو الله تعالى فثبت ~~التعيين على الإطلاق فيظهر في حق فسخ سائر الصيامات، والآخر تعين بتعيين من ~~له ولاية قاصرة وهو العبد فيظهر تعيينه فيما عينه له وهو صوم التطوع دون ~~الواجبات التي هي حق الله تعالى في هذه الأوقات، فبقيت الأوقات محلا لها ~~فإذا نواها صح هذا الذي ذكرنا في حق المقيم، فأما المسافر: فإن صام رمضان ~~بمطلق النية ms0933 فكذلك يقع صومه عن رمضان بلا خلاف بين أصحابنا، وإن صام بنية ~~واجب آخر يقع عما نوى في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يقع عن رمضان ~~وإن صام بنية التطوع فعندهما يقع عن رمضان، وعن أبي حنيفة فيه روايتان، روى ~~أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه يقع عن التطوع. # وروى الحسن عنه: أنه يقع عن رمضان، قال القدوري: الرواية الأولى هي ~~الأصح، وجه قولهما أن الصوم واجب على المسافر وهو العزيمة، والإفطار له ~~رخصة فإذا اختار العزيمة وترك الرخصة صار هو، والمقيم سواء فيقع صومه عن ~~رمضان كالمقيم ولأبي حنيفة أن الصوم وإن وجب عليه لكن رخص له في الإفطار ~~نظرا له، فلأن يرخص له إسقاط ما في ذمته، والنظر له فيه أكثر أولى. # وأما إذا نوى التطوع فوجه رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة أن الصوم غير واجب ~~على المسافر في رمضان بدليل أنه يباح له الفطر فأشبه خارج رمضان ولو نوى ~~التطوع خارج رمضان يقع عن التطوع كله كذا في رمضان، وجه رواية الحسن عنه أن ~~صوم التطوع لا يفتقر إلى تعيين نية المتطوع بل نية الصوم فيه كافية فتلغو ~~نية التعيين ويبقى أصل النية فيصير صائما في رمضان بنية مطلقة فيقع عن ~~رمضان. # وأما قوله: إن الصوم غير واجب على المسافر في رمضان فممنوع بل هو واجب ~~إلا أنه يترخص فيه، فإذا لم يترخص ولم ينو واجبا آخر بقي صوم رمضان واجبا ~~عليه فيقع صومه عنه. # وأما المريض الذي رخص له في الإفطار: فإن صام بنية مطلقة يقع صومه عن ~~رمضان بلا خلاف، وإن صام بنية التطوع فعامة مشايخنا قالوا: إنه يقع صومه عن ~~رمضان لأنه لما قدر على الصوم صار كالصحيح # PageV02P084 # ، والكرخي سوى بين المريض، والمسافر، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه ~~يقع عن التطوع ويشترط لكل يوم من رمضان نية على حدة عند عامة العلماء وقال ~~مالك: يجوز صوم الشهر بنية واحدة، وجه قوله: إن الواجب صوم الشهر لقوله ~~تعالى {فمن شهد ms0934 منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] ، والشهر اسم لزمان واحد ~~فكان الصوم من أوله إلى آخره عبادة واحدة كالصلاة، والحج، فيتأدى بنية ~~واحدة ولنا أن صوم كل يوم عبادة على حدة غير متعلقة باليوم الآخر بدليل أن ~~ما يفسد أحدهما لا يفسد الآخر، فيشترط لكل يوم منه نية على حدة. # وقوله الشهر اسم لزمان واحد ممنوع بل هو اسم لأزمنة مختلفة بعضها محل ~~للصوم وبعضها ليس بوقت له وهو الليالي، فقد تخلل بين كل يومين ما ليس بوقت ~~لهما فصار صوم كل يومين عبادتين مختلفتين كصلاتين ونحو ذلك، وإن كان الصوم ~~دينا وهو صوم القضاء، والكفارات، والنذور المطلقة لا يجوز إلا بتعيين النية ~~حتى لو صام بنية مطلق الصوم لا يقع عما عليه لأن زمان خارج رمضان متعين ~~للنفل شرعا عند بعض مشايخنا، والمطلق ينصرف إلى ما تعين له الوقت، وعند ~~بعضهم هو وقت للصيامات كلها على الإبهام فلا بد من تعيين الوقت للبعض ~~بالنية لتتعين له، لكنه عند الإطلاق ينصرف إلى التطوع لأنه أدنى، والأدنى ~~متيقن به فيقع الإمساك عنه ولو نوى بصومه قضاء رمضان، والتطوع كان عن ~~القضاء في قول أبي يوسف، وقال محمد: يكون عن التطوع، وجه قوله إنه عين ~~الوقت لجهتين مختلفتين متنافيتين فسقطتا للتعارض وبقي أصل النية وهو نية ~~الصوم فيكون عن التطوع، ولأبي يوسف أن نية التعيين في التطوع لغو فلغت وبقي ~~أصل النية فصار كأنه نوى قضاء رمضان، والصوم ولو كان كذلك يقع عن القضاء ~~كذا هذا فإن نوى قضاء رمضان وكفارة الظهار قال أبو يوسف: يكون عن القضاء ~~استحسانا،، والقياس أن يكون عن التطوع، وهو قول محمد، وجه القياس على نحو ~~ما ذكرنا في المسألة الأولى أن جهتي التعيين تعارضتا للتنافي فسقطتا بحكم ~~التعارض فبقي نية مطلق الصوم فيكون تطوعا، وجه الاستحسان أن الترجيح لتعيين ~~جهة القضاء، لأنه خلف عن صوم رمضان وخلف الشيء يقوم مقامه كأنه هو، وصوم ~~رمضان أقوى الصيامات حتى تندفع به نية سائر الصيامات، ولأنه بدل صوم وجب ~~بإيجاب الله ms0935 تعالى ابتداء، وصوم كفارة الظهار وجب بسبب وجد من جهة العبد، ~~فكان القضاء أقوى فلا يزاحمه الأضعف. # وروى ابن سماعة عن محمد فيمن نذر صوم يوم بعينه فصامه ينوي النذر وكفارة ~~اليمين: فهو عن النذر لتعارض النيتين فتساقطا وبقي نية الصوم مطلقا فيقع عن ~~النذر المعين والله أعلم. # وأما الثالث وهو وقت النية: فالأفضل في الصيامات كلها أن ينوي وقت طلوع ~~الفجر إن أمكنه ذلك، أو من الليل، لأن النية عند طلوع الفجر تقارن أول جزء ~~من العبادة حقيقة ومن الليل تقارنه تقديرا، وإن نوى بعد طلوع الفجر فإن كان ~~الصوم دينا لا يجوز بالإجماع، وإن كان عينا وهو صوم رمضان وصوم التطوع خارج ~~رمضان، والمنذور المعين يجوز، وقال زفر: إن كان مسافرا لا يجوز صومه عن ~~رمضان بنية من النهار، وقال الشافعي: لا يجوز بنية من النهار إلا التطوع، ~~وقال مالك: لا يجوز التطوع أيضا، ولا يجوز صوم التطوع بنية من النهار بعد ~~الزوال عندنا وللشافعي فيه قولان أما الكلام مع مالك فوجه قوله إن التطوع ~~تبع للفرض ثم لا يجوز صوم الفرض بنية من النهار، فكذا التطوع، ولنا ما روي ~~عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يصبح لا ينوي الصوم ثم يبدو له فيصوم» . # وعن عائشة - رضي الله عنها - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يدخل على أهله فيقول: هل عندكم من غداء؟ فإن قالوا: لا، قال: فإني صائم» ~~وصوم التطوع بنية من النهار قبل الزوال مروي عن علي وابن مسعود وابن عباس ~~وأبي طلحة. # وأما الكلام فيما بعد الزوال: فبناء على أن صوم النفل عندنا غير متجزئ ~~كصوم الفرض، وعند الشافعي في أحد قوليه متجزئ حتى قال: يصير صائما من حين ~~نوى لكن بشرط الإمساك في أول النهار، وحجته ما روينا عن ابن عباس وعائشة - ~~رضي الله عنهما - مطلقا من غير فصل بين ما قبل الزوال وبعده. # وأما عندنا فالصوم لا يتجزأ فرضا كان، أو نفلا ms0936 ويصير صائما من أول النهار ~~لكن بالنية الموجودة وقت الركن وهو الإمساك وقت الغداء المتعارف لما نذكر، ~~فإذا نوى بعد الزوال فقد خلا بعض الركن عن الشرط، فلا يصير صائما شرعا، ~~والحديثان محمولان على ما قبل الزوال بدليل ما ذكرنا. # وأما الكلام مع # PageV02P085 # الشافعي في صوم رمضان فهو يحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «لا صيام لمن لم يعزم الصوم من الليل» ، ولأن الإمساك من أول ~~النهار إلى آخره ركن فلا بد له من النية ليصير لله تعالى. # وقد انعدمت في أول النهار فلم يقع الإمساك في أول النهار لله تعالى لفقد ~~شرطه، فكذا الباقي لأن صوم الفرض لا يتجزأ ولهذا لا يجوز صوم القضاء، ~~والكفارات، والنذور المطلقة بنية من النهار. # وكذا صوم رمضان ولنا قوله تعالى {أحل لكم ليلة الصيام الرفث} [البقرة: ~~187] إلى قوله {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] أباح للمؤمنين ~~الأكل، والشرب، والجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر، وأمر بالصيام عنها ~~بعد طلوع الفجر متأخرا عنه لأن كلمة " ثم " للتعقيب مع التراخي فكان هذا ~~أمرا بالصوم متراخيا عن أول النهار، والأمر بالصوم أمر بالنية إذ لا صحة ~~للصوم شرعا بدون النية، فكان أمرا بالصوم بنية متأخرة عن أول النهار وقد ~~أتى به فقد أتى بالمأمور به فيخرج عن العهدة، وفيه دلالة أن الإمساك في أول ~~النهار يقع صوما وجدت فيه النية، أو لم توجد لأن إتمام الشيء يقتضي سابقية ~~وجود بعض منه ولأنه صام رمضان في وقت متعين شرعا لصوم رمضان لوجود ركن ~~الصوم مع شرائطه التي ترجع إلى الأهلية، والمحلية، ولا كلام في سائر ~~الشرائط وإنما الكلام في النية ووقتها وقت وجود الركن، وهو الإمساك وقت ~~الغداء المتعارف، والإمساك في أول النهار شرط وليس بركن لأن ركن العبادة ما ~~يكون شاقا على البدن مخالفا للعادة وهوى النفس وذلك هو الإمساك وقت الغداء ~~المتعارف، فأما الإمساك في أول النهار: فمعتاد فلا يكون ركنا بل يكون شرطا ~~لأنه وسيلة إلى تحقيق معنى ms0937 الركن إلا أنه لا يعرف كونه وسيلة للحال لجواز ~~أن لا ينوي وقت الركن فإذا نوى ظهر كونه وسيلة من حين وجوده، والنية تشترط ~~لصيرورة الإمساك الذي هو ركن عبادة لا لما يصير عبادة بطريق الوسيلة على ما ~~قررنا في الخلافيات، وأما الحديث: فهو من الآحاد فلا يصلح ناسخا للكتاب ~~لكنه يصلح مكملا له فيحمل على نفي الكمال كقوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا ~~في المسجد» ليكون عملا بالدليلين بقدر الإمكان. # وأما صيام القضاء، والنذور، والكفارات: فما صامها في وقت متعين لها شرعا ~~لأن خارج رمضان متعين للنفل موضوع له شرعا إلا أن يعينه لغيره، فإذا لم ينو ~~من الليل صوما آخر بقي الوقت متعينا للتطوع شرعا، فلا يملك تغييره، فأما ~~ههنا فالوقت متعين لصوم رمضان وقد صامه لوجود ركن الصوم وشرائطه على ما ~~بينا، وأما الكلام مع زفر في المسافر إذا صام رمضان بنية من النهار فوجه ~~قوله: أن الصوم غير واجب على المسافر في رمضان حتما. # ألا ترى أن له أن يفطر، والوقت غير متعين لصوم رمضان في حقه، فإن له أن ~~يصوم عن واجب آخر فأشبه صوم القضاء خارج رمضان وذا لا يتأدى بنية من النهار ~~كذا هذا. # ولنا أن الصوم واجب على المسافر في رمضان وهو العزيمة في حقه إلا أن له ~~أن يترخص بالإفطار، وله أن يصوم عن واجب آخر عند أبي حنيفة بطريق الرخصة، ~~والتيسير أيضا لما فيه من إسقاط الفرض عن ذمته على ما بينا فيما تقدم، فإذا ~~لم يفطر ولم ينو واجبا آخر بقي صوم رمضان واجبا عليه، وقد صامه فيخرج عن ~~العهدة كالمقيم سواء. # ويتصل بهذين الفصلين وهما بيان كيفية النية ووقت النية مسألة الأسير في ~~يد العدو إذا اشتبه عليه شهر رمضان فتحرى وصام شهرا عن رمضان، وجملة الكلام ~~فيه: أنه إذا صام شهرا عن رمضان لا يخلو إما أن وافق شهر رمضان، أو لم ~~يوافق بأن تقدم، أو تأخر فإن وافق جاز وهذا لا يشكل لأنه أدى ما عليه، ms0938 وإن ~~تقدم لم يجز لأنه أدى الواجب قبل وجوبه وقبل وجود سبب وجوبه، وإن تأخر فإن ~~وافق شوال يجوز لكن يراعى فيه موافقة الشهرين في عدد الأيام وتعيين النية ~~ووجودها من الليل. # وأما موافقة العدد فلأن صوم شهر آخر بعده يكون قضاء، والقضاء يكون على ~~قدر الفائت، والشهر قد يكون ثلاثين يوما وقد يكون تسعة وعشرين يوما، وأما ~~تعيين النية ووجودها من الليل فلأن صوم القضاء لا يجوز بمطلق النية ولا ~~بنية من النهار لما ذكرنا فيما تقدم. # وهل تشترط نية القضاء؟ ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي: أنه لا يشترط، ~~وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي: أنه يشترط، والصحيح ما ذكره القدوري ~~لأنه نوى ما عليه من صوم رمضان وعليه القضاء، فكان ذلك منه تعيين نية ~~القضاء وبيان هذه الجملة أنه إذا وافق صومه شهر شوال ينظر إن كان رمضان ~~كاملا وشوال كاملا قضى يوما واحدا لأجل يوم الفطر لأن صوم القضاء لا يجوز ~~فيه وإن كان رمضان كاملا # PageV02P086 # وشوال ناقصا قضى يومين يوما لأجل يوم الفطر ويوما لأجل النقصان لأن ~~القضاء يكون على قدر الفائت وإن كان رمضان ناقصا وشوال كاملا لا شيء عليه، ~~لأنه أكمل عدد الفائت، وإن وافق صومه هلال ذي الحجة فإن كان رمضان كاملا ~~وذو الحجة كاملا قضى أربعة أيام يوما لأجل يوم النحر وثلاثة أيام لأجل أيام ~~التشريق، لأن القضاء لا يجوز في هذه الأيام وإن كان رمضان كاملا وذو الحجة ~~ناقصا قضى خمسة أيام يوما للنقصان وأربعة أيام ليوم النحر وأيام التشريق ~~وإن كان رمضان ناقصا وذو الحجة كاملا قضى ثلاثة أيام لأن الفائت ليس إلا ~~هذا القدر وإن وافق صومه شهرا آخر سوى هذين الشهرين فإن كان الشهران ~~كاملين، أو ناقصين، أو كان رمضان ناقصا، والشهر الآخر كاملا فلا شيء عليه، ~~وإن كان رمضان كاملا، والشهر الآخر ناقصا قضى يوما واحدا لأن الفائت يوم ~~واحد، ولو صام بالتحري سنين كثيرة ثم تبين أنه صام في كل سنة قبل شهر رمضان ~~فهل ms0939 يجوز صومه في السنة الثانية عن الأولى وفي الثالثة عن الثانية وفي ~~الرابعة عن الثالثة هكذا قال بعضهم: يجوز لأنه في كل سنة من الثانية، ~~والثالثة، والرابعة صام صوم رمضان الذي عليه وليس عليه إلا القضاء فيقع ~~قضاء عن الأول. # وقال بعضهم: لا يجوز وعليه قضاء الرمضانات لأنه صام في كل سنة عن رمضان ~~قبل دخول رمضان، وفصل الفقيه أبو جعفر الهندواني - رحمه الله - في ذلك ~~تفصيلا فقال: إن صام في السنة الثانية عن الواجب عليه إلا أنه ظن أنه من ~~رمضان يجوز. # وكذا في الثالثة، والرابعة لأنه صام عن الواجب عليه، والواجب عليه قضاء ~~صوم رمضان الأول دون الثاني ولا يكون عليه إلا قضاء رمضان الأخير خاصة لأنه ~~ما قضاه فعليه قضاؤه، وإن صام في السنة الثانية عن الثالثة وفي السنة ~~الثالثة عن الرابعة لم يجز وعليه قضاء الرمضانات كلها، أما عدم الجواز عن ~~الرمضان الأول فلأنه ما نوى عنه، وتعيين النية في القضاء شرط ولا يجوز عن ~~الثاني لأنه صام قبله متقدما عليه. # وكذا الثالث، والرابع، وضرب له مثلا: وهو رجل اقتدى بالإمام على ظن أنه ~~زيد فإذا هو عمرو صح اقتداؤه به، ولو اقتدى بزيد فإذا هو عمرو لم يصح ~~اقتداؤه به لأنه في الأول نوى الاقتداء بالإمام إلا أنه ظن أن الإمام زيد ~~فأخطأ في ظنه، فهذا لا يقدح في صحة اقتدائه بالإمام، وفي الثاني نوى ~~الاقتداء بزيد فإذا لم يكن زيدا تبين أنه ما اقتدى بأحد كذلك ههنا إذا نوى ~~في صوم كل سنة عن الواجب عليه تعلقت نيته بالواجب عليه لا بالأول، والثاني ~~إلا أنه ظن أنه الثاني فأخطأ في ظنه فيقع عن الواجب عليه لا عما ظن والله ~~أعلم # وأما الشرائط التي تخص بعض الصيامات دون بعض وهي: شرائط الوجوب فمنها: ~~الإسلام فلا يجب الصوم على الكافر في حق أحكام الدنيا بلا خلاف حتى لا ~~يخاطب بالقضاء بعد الإسلام. # وأما في حق أحكام الآخرة: فكذلك عندنا وعند الشافعي يجب، ولقب المسألة أن ~~الكفار ms0940 غير مخاطبين بشرائع هي عبادات عندنا خلافا له وهي تعرف في أصول ~~الفقه، وعلى هذا يخرج الكافر إذا أسلم في بعض شهر رمضان أنه لا يلزمه قضاء ~~ما مضى لأن الواجب لم يثبت فيما مضى فلم يتصور قضاء الواجب، وهذا التخريج ~~على قول من يشترط لوجوب القضاء سابقة وجوب الأداء من مشايخنا. # وأما على قول من لا يشترط ذلك منهم فإنما لا يلزمه قضاء ما مضى لمكان ~~الحرج إذ لو لزمه ذلك للزمه قضاء جميع ما مضى من الرمضانات في حال الكفر ~~لأن البعض ليس بأولى من البعض، وفيه من الحرج ما لا يخفى. # وكذا إذا أسلم في يوم من رمضان قبل الزوال لا يلزمه صوم ذلك اليوم حتى لا ~~يلزمه قضاؤه. # وقال مالك: يلزمه وإنه غير سديد لأنه لم يكن من أهل الوجوب في أول اليوم، ~~أو لما في وجوب القضاء من الحرج على ما بينا. # ومنها البلوغ: فلا يجب صوم رمضان على الصبي وإن كان عاقلا حتى لا يلزمه ~~القضاء بعد البلوغ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «رفع القلم عن ثلاث: ~~عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» ولأن ~~الصبي لضعف بنيته وقصور عقله واشتغاله باللهو، واللعب يشق عليه تفهم الخطاب ~~وأداء الصوم فأسقط الشرع عنه العبادات نظرا له فإذا لم يجب عليه الصوم في ~~حال الصبا لا يلزمه القضاء لما بينا أنه لا يلزمه لمكان الحرج لأن مدة ~~الصبا مديدة فكان في إيجاب القضاء عليه بعد البلوغ حرج. # وكذا إذا بلغ في يوم من رمضان قبل الزوال لا يجزئه صوم ذلك اليوم وإن نوى ~~وليس عليه قضاؤه إذ لم يجب عليه في أول اليوم لعدم أهلية الوجوب فيه، ~~والصوم لا يتجزأ وجوبا وجوازا ولما فيه من الحرج # PageV02P087 # على ما ذكرنا. # وروي عن أبي يوسف في الصبي يبلغ قبل الزوال، أو أسلم الكافر أن عليهما ~~القضاء، ووجهه أنهما أدركا وقت النية فصارا كأنهما أدركا من الليل، والصحيح ~~جواب ظاهر الرواية لما ذكرنا ms0941 أن الصوم لا يتجزأ وجوبا فإذا لم يجب عليهما ~~البعض لم يجب الباقي، أو لما في إيجاب القضاء من الحرج. # وأما العقل فهل هو من شرائط الوجوب وكذا الإفاقة، واليقظة؟ قال عامة ~~مشايخنا: إنها ليست من شرائط الوجوب، ويجب صوم رمضان على المجنون والمغمى ~~عليه والنائم لكن أصل الوجوب لا وجوب الأداء بناء على أن عندهم الوجوب ~~نوعان: أحدهما أصل الوجوب وهو اشتغال الذمة بالواجب وأنه ثبت بالأسباب لا ~~بالخطاب، ولا تشترط القدرة لثبوته بل ثبت جبرا من الله تعالى شاء العبد، أو ~~أبى، والثاني: وجوب الأداء وهو إسقاط ما في الذمة وتفريغها من الواجب، وأنه ~~ثبت بالخطاب وتشترط له القدرة على فهم الخطاب وعلى أداء ما تناوله الخطاب، ~~لأن الخطاب لا يتوجه إلى العاجز عن فهم الخطاب ولا إلى العاجز عن فعل ما ~~تناوله الخطاب، والمجنون لعدم عقله، أو لاستتاره، والمغمى عليه، والنائم ~~لعجزهما عن استعمال عقلهما عاجزون عن فهم الخطاب وعن أداء ما تناوله ~~الخطاب، فلا يثبت وجوب الأداء في حقهم ويثبت أصل الوجوب في حقهم، لأنه لا ~~يعتمد القدرة بل يثبت جبرا. # وتقرير هذا الأصل معروف في أصول الفقه، وفي الخلافيات، وقال أهل التحقيق ~~من مشايخنا بما وراء النهر: إن الوجوب في الحقيقة نوع واحد وهو وجوب الأداء ~~فكل من كان من أهل الأداء كان من أهل الوجوب ومن لا فلا وهو اختيار أستاذي ~~الشيخ الأجل الزاهد علاء الدين رئيس أهل السنة محمد بن أحمد السمرقندي - ~~رضي الله عنه - لأن الوجوب المعقول هو وجوب الفعل كوجوب الصوم، والصلاة ~~وسائر العبادات، فمن لم يكن من أهل أداء الفعل الواجب وهو القادر على فهم ~~الخطاب، والقادر على فعل ما يتناوله الخطاب لا يكون من أهل الوجوب ضرورة، ~~والمجنون، والمغمى عليه، والنائم عاجزون عن فعل الخطاب بالصوم وعن أدائه إذ ~~الصوم الشرعي هو الإمساك لله تعالى ولن يكون ذلك بدون النية، وهؤلاء ليسوا ~~من أهل النية، فلم يكونوا من أهل الأداء فلم يكونوا من أهل الوجوب، والذي ~~دعا الأولين إلى ms0942 القول بالوجوب في حق هؤلاء ما انعقد الإجماع عليه من وجوب ~~القضاء على المغمى عليه، والنائم بعد الإفاقة، والانتباه بعد مضي بعض ~~الشهر، أو كله، وما قد صح من مذهب أصحابنا - رحمهم الله - في المجنون إذا ~~أفاق في بعض شهر رمضان أنه يجب عليه قضاء ما مضى من الشهر، فقالوا: إن وجوب ~~القضاء يستدعي فوات الواجب المؤقت عن وقته مع القدرة عليه وانتفاء الحرج، ~~فلا بد من الوجوب في الوقت ثم فواته حتى يمكن إيجاب القضاء فاضطرهم ذلك إلى ~~إثبات الوجوب في حال الجنون، والإغماء، والنوم، وقال الآخرون: إن وجوب ~~القضاء لا يستدعي سابقية الوجوب لا محالة، وإنما يستدعي فوت العبادة عن ~~وقتها، والقدرة على القضاء من غير حرج، ولذلك اختلفت طرقهم في المسألة، ~~وهذا الذي ذكرنا في المجنون إذا أفاق في بعض شهر رمضان أنه يلزمه قضاء ما ~~مضى جواب الاستحسان، والقياس أن لا يلزمه وهو قول زفر، والشافعي. # وأما المجنون جنونا مستوعبا بأن جن قبل دخول شهر رمضان وأفاق بعد مضيه ~~فلا قضاء عليه عند عامة العلماء، وعند مالك يقضي، وجه القياس أن القضاء هو ~~تسليم مثل الواجب ولا وجوب على المجنون لأن الوجوب بالخطاب ولا خطاب عليه ~~لانعدام القدرتين، ولهذا لم يجب القضاء في الجنون المستوعب شهرا، وجه قول ~~أصحابنا. # أما من قال بالوجوب في حال الجنون يقول: فاته الواجب عن وقته وقدر على ~~قضائه من غير حرج فيلزمه قضاؤه قياسا على النائم، والمغمى عليه ودليل ~~الوجوب لهم وجود سبب الوجوب وهو الشهر إذ الصوم يضاف إليه مطلقا، يقال صوم ~~الشهر، والإضافة دليل السببية، وهو قادر على القضاء من غير حرج. # وفي إيجاب القضاء عند الاستيعاب حرج. # وأما من أبى القول بالوجوب في حال الجنون يقول: هذا شخص فاته صوم شهر ~~رمضان وقدر على قضائه من غير حرج فيلزمه قضاؤه قياسا على النائم، والمغمى ~~عليه، ومعنى قولنا فاته صوم شهر رمضان أي: لم يصم شهر رمضان، وقولنا من غير ~~حرج فلأنه لا حرج في قضاء نصف الشهر، ms0943 وتأثيرها من وجهين أحدهما: أن الصوم ~~عبادة، والأصل في العبادات وجوبها على الدوام بشرط الإمكان وانتفاء الحرج ~~لما ذكرنا في # PageV02P088 # الخلافيات إلا أن الشرع عين شهر رمضان من السنة في حق القادر على الصوم ~~فبقي الوقت المطلق في حق العاجز عنه وقتا له، والثاني: أنه لما فاته صوم ~~شهر رمضان فقد فاته الثواب المتعلق به فيحتاج إلى استدراكه بالصوم في عدة ~~من أيام أخر ليقوم الصوم فيها مقام الفائت فينجبر الفوات بالقدر الممكن، ~~فإذا قدر على قضائه من غير حرج أمكن القول بالوجوب عليه فيجب كما في المغمى ~~عليه، والنائم بخلاف الجنون المستوعب فإن هناك في إيجاب القضاء حرجا لأن ~~الجنون المستوعب قلما يزول بخلاف الإغماء، والنوم إذا استوعب لأن استيعابه ~~نادر، والنادر ملحق بالعدم بخلاف الجنون فإن استيعابه ليس بنادر، ويستوي ~~الجواب في وجوب قضاء ما مضى عند أصحابنا في الجنون العارض ما إذا أفاق في ~~وسط الشهر، أو في أوله حتى لو جن قبل الشهر ثم أفاق في آخر يوم منه يلزمه ~~قضاء جميع الشهر، ولو جن في أول يوم من رمضان فلم يفق إلا بعد مضي الشهر ~~يلزمه قضاء كل الشهر إلا قضاء اليوم الذي جن فيه إن كان نوى الصوم في الليل ~~وإن كان لم ينو قضى جميع الشهر، ولو جن في طرفي الشهر وأفاق في وسطه فعليه ~~قضاء الطرفين. # وأما المجنون الأصلي وهو الذي بلغ مجنونا ثم أفاق في بعض الشهر فقد روي ~~عن محمد أنه فرق بينهما فقال: لا يقضي ما مضى من الشهر. # وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه سوى بينهما، وقال: يقضي ما ~~مضى من الشهر، وهكذا روى هشام عن أبي يوسف في صبي له عشر سنين جن فلم يزل ~~مجنونا حتى أتى عليه ثلاثون سنة، أو أكثر ثم صح في آخر يوم من شهر رمضان، ~~فالقياس أنه لا يجب عليه قضاء ما مضى لكن استحسن أن يقضي ما مضى في هذا ~~الشهر، وجه قول محمد أن زمان الإفاقة في ms0944 حيز زمان ابتداء التكليف فأشبه ~~الصغير إذا بلغ في بعض الشهر بخلاف الجنون العارض فإن هناك زمان التكليف ~~سبق الجنون إلا أنه عجز عن الأداء بعارض فأشبه المريض العاجز عن أداء الصوم ~~إذا صح. # وجه رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف ما ذكرنا من الطريقين في الجنون العارض ~~ولو أفاق المجنون جنونا عارضا في نهار رمضان قبل الزوال فنوى الصوم أجزأه ~~عن رمضان، والجنون الأصلي على الاختلاف الذي ذكرنا، ويجوز في الإغماء، ~~والنوم بلا خلاف بين أصحابنا. # وعلى هذا الطهارة من الحيض، والنفاس إنها شرط الوجوب عند أهل التحقيق من ~~مشايخنا إذ الصوم الشرعي لا يتحقق من الحائض، والنفساء فتعذر القول بوجوب ~~الصوم عليهما في وقت الحيض والنفاس إلا أنه يجب عليهما قضاء الصوم لفوات ~~صوم رمضان عليهما ولقدرتهما على القضاء في عدة من أيام أخر من غير حرج، ~~وليس عليهما قضاء الصلوات لما فيه من الحرج لأن وجوبها يتكرر في كل يوم خمس ~~مرات، ولا يلزم الحائض في السنة إلا قضاء عشرة أيام ولا حرج في ذلك، وعلى ~~قول عامة المشايخ ليس بشرط، وأصل الوجوب ثابت في حالة الحيض، والنفاس، ~~وإنما تشترط الطهارة لأهلية الأداء، والأصل فيه ما روي «أن امرأة سألت ~~عائشة - رضي الله عنها - فقالت: لم تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة؟ ~~فقالت عائشة - رضي الله عنها - للسائلة: أحرورية أنت؟ هكذا كن النساء يفعلن ~~على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» . # أشارت إلى أن ذلك ثبت تعبدا محضا. # والظاهر أن فتواها بلغت الصحابة ولم ينقل أنه أنكر عليها منكر فيكون ~~إجماعا من الصحابة - رضي الله عنهم -، ولو طهرتا بعد طلوع الفجر قبل الزوال ~~لا يجزيهما صوم ذلك اليوم لا عن فرض ولا عن نفل، لعدم وجوب الصوم عليهما، ~~ووجوده في أول اليوم فلا يجب ولا يوجد في الباقي لعدم التجزي، وعليهما ~~قضاؤه مع الأيام الأخر لما ذكرنا، وإن طهرتا قبل طلوع الفجر ينظر إن كان ~~الحيض عشرة أيام، والنفاس أربعين يوما فعليهما قضاء صلاة العشاء، ويجزيهما ms0945 ~~صومهما من الغد عن رمضان إذا نوتا قبل طلوع الفجر لخروجهما عن الحيض، ~~والنفاس بمجرد انقطاع الدم، فتقع الحاجة إلى النية لا غير، وإن كان الحيض ~~دون العشرة، والنفاس دون الأربعين فإن بقي من الليل مقدار ما يسع للاغتسال ~~ومقدار ما يسع النية بعد الاغتسال فكذلك، وإن بقي من الليل دون ذلك لا ~~يلزمهما قضاء صلاة العشاء ولا يجزيهما صومهما من الغد، وعليهما قضاء ذلك ~~اليوم كما لو طهرتا بعد طلوع الفجر لأن مدة الاغتسال فيما دون العشرة، ~~والأربعين من الحيض بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -. # ولو أسلم الكافر قبل طلوع الفجر بمقدار ما يمكنه النية فعليه صوم الغد ~~وإلا فلا، # PageV02P089 # وكذلك الصبي إذا بلغ، وكذلك المجنون جنونا أصليا على قول محمد لأنه ~~بمنزلة الصبا عنده. ### | [فصل أركان الصيام] # (فصل) : # وأما ركنه: فالإمساك عن الأكل، والشرب، والجماع لأن الله تعالى أباح ~~الأكل، والشرب، والجماع في ليالي رمضان لقوله تعالى {أحل لكم ليلة الصيام ~~الرفث} [البقرة: 187] إلى قوله {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم ~~وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} ~~[البقرة: 187] أي: حتى يتبين لكم ضوء النهار من ظلمة الليل من الفجر، ثم ~~أمر بالإمساك عن هذه الأشياء في النهار بقوله عز وجل {ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل} [البقرة: 187] فدل أن ركن الصوم ما قلنا فلا يوجد الصوم بدونه. # وعلى هذا الأصل ينبني بيان ما يفسد الصوم وينقضه لأن انتقاض الشيء عند ~~فوات ركنه أمر ضروري، وذلك بالأكل، والشرب، والجماع سواء كان صورة ومعنى، ~~أو صورة لا معنى، أو معنى لا صورة وسواء كان بغير عذر، أو بعذر وسواء كان ~~عمدا، أو خطأ طوعا، أو كرها بعد أن كان ذاكرا لصومه لا ناسيا ولا في معنى ~~الناسي،، والقياس أن يفسد، وإن كان ناسيا وهو قول مالك لوجود ضد الركن حتى ~~قال أبو حنيفة: لولا قول الناس لقلت يقضي أي: لولا قول الناس إن أبا حنيفة ~~خالف الأمر لقلت: يقضي لكنا تركنا القياس بالنص وهو ms0946 ما روي عن أبي هريرة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم ~~صومه فإن الله عز وجل أطعمه وسقاه» حكم ببقاء صومه وعلل بانقطاع نسبة فعله ~~عنه بإضافته إلى الله تعالى لوقوعه من غير قصده. # وروي عن أبي حنيفة أنه قال: لا قضاء على الناسي للأثر المروي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - والقياس أن يقضي ذلك ولكن اتباع الأثر أولى إذا كان ~~صحيحا، وحديث صححه أبو حنيفة لا يبقى لأحد فيه مطعن. # وكذا انتقده أبو يوسف حيث قال: وليس حديثا شاذا نجترئ على رده، وكان من ~~صيارفة الحديث. # وروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة - رضي الله عنهم - مثل مذهبنا ولأن ~~النسيان في باب الصوم مما يغلب وجوده ولا يمكن دفعه إلا بحرج فجعل عذرا ~~دفعا للحرج. # وعن عطاء، والثوري أنهما فرقا بين الأكل، والشرب وبين الجماع ناسيا، ~~فقالا: يفسد صومه في الجماع ولا يفسد في الأكل، والشرب لأن القياس يقتضي ~~الفساد في الكل لفوات ركن الصوم في الكل، إلا أنا تركنا القياس بالخبر، ~~وأنه ورد في الأكل، والشرب فبقي الجماع على أصل القياس، وإنا نقول: نعم ~~الحديث ورد في الأكل، والشرب لكنه معلول بمعنى يوجد في الكل، وهو أنه فعل ~~مضاف إلى الله تعالى على طريق التمحيص بقوله " فإنما أطعمه الله وسقاه " ~~قطع إضافته عن العبد لوقوعه فيه من غير قصده واختياره، وهذا المعنى يوجد في ~~الكل،، والعلة إذا كانت منصوصا عليها كان الحكم منصوصا عليه ويتعمم الحكم ~~بمعموم العلة # وكذا معنى الحرج يوجد في الكل. # ولو أكل فقيل له: إنك صائم وهو لا يتذكر أنه صائم ثم علم بعد ذلك فعليه ~~القضاء في قول أبي يوسف، وعند زفر، والحسن بن زياد لا قضاء عليه. # وجه قولهما أنه لما تذكر أنه كان صائما تبين أنه أكل ناسيا فلم يفسد ~~صومه، ولأبي يوسف أنه أكل متعمدا لأن عنده أنه ليس بصائم فيبطل صومه. # ولو دخل الذباب حلقه لم يفطره لأنه ms0947 لا يمكنه الاحتراز عنه فأشبه الناسي ~~ولو أخذه فأكله فطره لأنه تعمد أكله وإن لم يكن مأكولا كما لو أكل التراب. # ولو دخل الغبار أو الدخان أو الرائحة في حلقة لم يفطره، لما قلنا. # وكذا لو ابتلع البلل الذي بقي بعد المضمضة في فمه مع البزاق أو ابتلع ~~البزاق الذي اجتمع في فمه لما ذكرنا، ولو بقي بين أسنانه شيء فابتلعه ذكر ~~في الجامع الصغير أنه لا يفسد صومه، وإن أدخله حلقه متعمدا، روي عن أبي ~~يوسف أنه إن تعمد عليه القضاء ولا كفارة عليه ووفق ابن أبي مالك فقال: إن ~~كان مقدار الحمصة، أو أكثر يفسد صومه وعليه القضاء ولا كفارة كما قال أبو ~~يوسف - رحمه الله تعالى -، وقول أبي يوسف محمول عليه، وإن كان دون الحمصة ~~لا يفسد صومه، كما لو ذكر في الجامع الصغير، والمذكور فيه محمول عليه وهو ~~الأصح ووجهه أن ما دون الحمصة يسير يبقى بين الأسنان عادة، فلا يمكن التحرز ~~عنه بمنزلة الريق، فيشبه الناسي ولا كذلك قدر الحمصة فإن بقاءه بين الأسنان ~~غير معتاد فيمكن الاحتراز عنه فلا يلحق بالناسي. # وقال زفر: عليه القضاء، والكفارة، وجه قوله إنه أكل ما هو مأكول في نفسه ~~إلا أنه متغير فأشبه اللحم المنتن ولنا أنه أكل ما لا يؤكل عادة إذ لا يقصد ~~به الغذاء ولا الدواء. # فإن تثاءب فرفع رأسه إلى السماء فوقع في حلقه قطرة مطر أو ماء صب في ~~ميزاب فطره # PageV02P090 # لأن الاحتراز عنه ممكن. # وقد وصل الماء إلى جوفه. # ولو أكره على الأكل أو الشرب فأكل أو شرب بنفسه مكرها وهو ذاكر لصومه فسد ~~صومه بلا خلاف عندنا، وعند زفر، والشافعي: لا يفسد، وجه قولهما إن هذا أعذر ~~من الناسي لأن الناسي وجد منه الفعل حقيقة وإنما انقطعت نسبته عنه شرعا ~~بالنص، وهذا لم يوجد منه الفعل أصلا، فكان أعذر من الناسي، ثم لم يفسد صوم ~~الناسي فهذا أولى. # ولنا أن معنى الركن قد فات لوصول المغذي إلى جوفه بسبب لا يغلب ms0948 وجوده، ~~ويمكن التحرز عنه في الجملة فلا يبقى الصوم، كما لو أكل، أو شرب بنفسه ~~مكرها وهذا لأن المقصود من الصوم معناه وهو كونه وسيلة إلى الشكر، والتقوى ~~وقهر الطبع الباعث على الفساد على ما بينا، ولا يحصل شيء من ذلك إذا وصل ~~الغذاء إلى جوفه. # وكذا النائمة الصائمة جامعها زوجها ولم تنتبه أو المجنونة جامعها زوجها ~~فسد صومها عندنا خلافا لزفر،، والكلام فيه على نحو ما ذكرنا. # ولو تمضمض أو استنشق فسبق الماء حلقه ودخل جوفه فإن لم يكن ذاكرا لصومه ~~لا يفسد صومه لأنه لو شرب لم يفسد، فهذا أولى وإن كان ذاكرا فسد صومه ~~عندنا. # وقال ابن أبي ليلى: إن كان وضوءه للصلاة المكتوبة لم يفسد وإن كان للتطوع ~~فسد، وقال الشافعي: لا يفسد أيهما كان، وقال بعضهم: إن تمضمض ثلاث مرات ~~فسبق الماء حلقه لم يفسد، وإن زاد على الثلاث فسد، وجه قول ابن أبي ليلى أن ~~الوضوء للصلاة المكتوبة فرض، فكأن المضمضة، والاستنشاق من ضرورات إكمال ~~الفرض، فكان الخطأ فيهما عذرا بخلاف صلاة التطوع، وجه قول من فرق بين ~~الثلاث وما زاد عليه أن السنة فيهما، والثلاث فكان الخطأ فيهما من ضرورات ~~إقامة السنة فكان عفوا. # وأما الزيادة على الثلاث فمن باب الاعتداء على ما قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «فمن زاد، أو نقص فقد تعدى وظلم» فلم يعذر فيه، والكلام مع ~~الشافعي على نحو ما ذكرنا في الإكراه يؤيد ما ذكرنا أن الماء لا يسبق الحلق ~~في المضمضة، والاستنشاق عادة إلا عند المبالغة فيهما، والمبالغة مكروهة في ~~حق الصائم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للقيط بن صبرة: «بالغ في ~~المضمضة، والاستنشاق إلا أن تكون صائما» فكان في المبالغة متعديا فلم يعذر ~~بخلاف الناسي. # ولو احتلم في نهار رمضان فأنزل لم يفطره، لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «ثلاث لا يفطرن الصائم: القيء، والحجامة، والاحتلام» ولأنه لا صنع ~~له فيه فيكون كالناسي. # ولو نظر إلى امرأة وتفكر فأنزل لم يفطره، وقال مالك: إن ms0949 تتابع نظره فطره ~~لأن التتابع في النظر كالمباشرة. # ولنا أنه لم يوجد الجماع لا صورة ولا معنى لعدم الاستمتاع بالنساء فأشبه ~~الاحتلام بخلاف المباشرة. # ولو كان يأكل أو يشرب ناسيا ثم تذكر فألقى اللقمة أو قطع الماء، أو كان ~~يتسحر فطلع الفجر وهو يشرب الماء فقطعه، أو يأكل فألقى اللقمة فصومه تام ~~لعدم الأكل، والشرب بعد التذكر، والطلوع. # ولو كان يجامع امرأته في النهار ناسيا لصومه فتذكر فنزع من ساعته، أو كان ~~يجامع في الليل فطلع الفجر وهو مخالط فنزع من ساعته فصومه تام. # وقال زفر: فسد صومه وعليه القضاء، وجه قوله إن جزءا من الجماع حصل بعد ~~طلوع الفجر، والتذكر، وإنه يكفي لفساد الصوم لوجود المضادة له، وإن قل ولنا ~~أن الموجود منه بعد الطلوع، والتذكر هو النزع، والنزع ترك الجماع وترك ~~الشيء لا يكون محصلا له بل يكون اشتغالا بضده، فلم يوجد منه الجماع بعد ~~الطلوع، والتذكر رأسا، فلا يفسد صومه، ولهذا لم يفسد في الأكل، والشرب كذا ~~في الجماع، وهذا إذا نزع بعد ما تذكر، أو بعد ما طلع الفجر، فأما إذا لم ~~ينزع وبقي فعليه القضاء ولا كفارة عليه في ظاهر الرواية # وروي عن أبي يوسف أنه فرق بين الطلوع، والتذكر فقال: في الطلوع عليه ~~الكفارة، وفي التذكر لا كفارة عليه. # وقال الشافعي: عليه القضاء، والكفارة فيهما جميعا. # وجه قوله إنه وجد الجماع في نهار رمضان متعمدا لوجوده بعد طلوع الفجر، ~~والتذكر فيوجب القضاء، والكفارة، وجه رواية أبي يوسف وهو الفرق بين الطلوع، ~~والتذكر أن في الطلوع ابتداء الجماع كان عمدا، والجماع جماع واحد بابتدائه ~~وانتهائه، والجماع العمد يوجب الكفارة. # وأما في التذكر: فابتداء الجماع كان ناسيا وجماع الناسي لا يوجب فساد ~~الصوم فضلا عن وجوب الكفارة، وجه ظاهر الرواية أن الكفارة إنما تجب بإفساد ~~الصوم وإفساد الصوم يكون بعد وجوده، وبقاؤه في الجماع يمنع وجود الصوم فإذا ~~امتنع وجوده استحال الإفساد فلا تجب الكفارة، ووجوب القضاء لانعدام صومه ~~اليوم لا لإفساده بعد وجوده، ولأن هذا ms0950 جماع لم يتعلق بابتدائه وجوب الكفارة ~~فلا يتعلق بالبقاء عليه لأن الكل فعل واحد # PageV02P091 # وله شبهة الاتحاد وهذه الكفارة لا تجب مع الشبهة لما نذكره. # ولو أصبح جنبا في رمضان فصومه تام عند عامة الصحابة مثل علي وابن مسعود ~~وزيد بن ثابت وأبي الدرداء وأبي ذر وابن عباس وابن عمر ومعاذ بن جبل - رضي ~~الله تعالى عنهم -. # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه لا صوم له واحتج بما روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أصبح جنبا فلا صوم له» قاله محمد ورب ~~الكعبة قاله راوي الحديث وأكده بالقسم، ولعامة الصحابة قوله تعالى {أحل لكم ~~ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} [البقرة: 187] إلى قوله {فالآن باشروهن ~~وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187] أحل الله عز وجل الجماع في ليالي ~~رمضان إلى طلوع الفجر، وإذا كان الجماع في آخر الليل يبقي الرجل جنبا بعد ~~طلوع الفجر لا محالة فدل أن الجنابة لا تضر الصوم. # وأما حديث أبي هريرة فقد ردته عائشة وأم سلمة فقالت عائشة: «كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يصبح جنبا من غير احتلام ثم يتم صومه ذلك من ~~رمضان» وقالت أم سلمة: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبح جنبا من ~~قراف» أي: جماع مع أنه خبر واحد ورد مخالفا للكتاب. # ولو نوى الصائم الفطر ولم يحدث شيئا آخر سوى النية فصومه تام، وقال ~~الشافعي: بطل صومه. # وجه قوله إن الصوم لا بد له من النية وقد نقض نية الصوم بنية ضده وهو ~~الإفطار فبطل صومه لبطلان شرطه، ولنا أن مجرد النية لا عبرة به في أحكام ~~الشرع ما لم يتصل به الفعل لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله ~~تعالى عفا عن أمتي ما تحدثت به أنفسهم ما لم يتكلموا، أو يفعلوا» ونية ~~الإفطار لم يتصل بها الفعل وبه تبين أنه ما نقض نية الصوم بنية الفطر لأن ~~نية ms0951 الصوم نية اتصل بها الفعل فلا تبطل بنية لم يتصل بها الفعل، على أن ~~النية شرط انعقاد الصوم لا شرط بقائه منعقدا ألا ترى أنه يبقى مع النوم، ~~والنسيان، والغفلة؟ . # ولو ذرعه القيء لم يفطره سواء كان أقل من ملء الفم، أو كان ملء الفم، ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث لا يفطرن الصائم: القيء، ~~والحجامة، والاحتلام» وقوله: «من قاء فلا قضاء عليه» ولأن ذرع القيء مما لا ~~يمكن التحرز عنه بل يأتيه على وجه لا يمكنه دفعه فأشبه الناسي ولأن الأصل ~~أن لا يفسد الصوم بالقيء سواء ذرعه، أو تقيأ لأن فساد الصوم متعلق بالدخول ~~شرعا، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الفطر مما يدخل، والوضوء مما ~~يخرج» علق كل جنس الفطر بكل ما يدخل، ولو حصل لا بالدخول لم يكن كل جنس ~~الفطر معلقا بكل ما يدخل لأن الفطر الذي يحصل بما يخرج لا يكون ذلك الفطر ~~حاصلا بما يدخل، وهذا خلاف النص، إلا أنا عرفنا الفساد بالاستقاء بنص آخر ~~وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ومن استقاء فعليه القضاء» فبقي ~~الحكم في الذرع على الأصل، ولأنه لا صنع له في الذرع وهو سبق القيء بل يحصل ~~بغير قصده واختياره، والإنسان لا يؤاخذ بما لا صنع له فيه، فلهذا لا يؤاخذ ~~الناسي بفساد الصوم، فكذا هذا لأن هذا في معناه بل أولى لأنه لا صنع له فيه ~~أصلا بخلاف الناسي على ما مر، فإن عاد إلى جوفه فإن كان أقل من ملء الفم لا ~~يفسد بلا خلاف، وإن كان ملء الفم فذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن في ~~قول أبي يوسف يفسد، وفي قول محمد لا يفسد، وذكر القدوري في شرحه مختصر ~~الكرخي الاختلاف على العكس فقال في قول أبي يوسف: لا يفسد وفي قول محمد ~~يفسد، وجه قول من قال يفسد أنه وجد المفسد وهو الدخول في الجوف لأن القيء ~~ملء الفم له حكم الخروج بدليل انتقاض الطهارة، والطهارة لا تنتقض إلا بخروج ~~النجاسة ms0952 فإذا عاد فقد وجد الدخول فيدخل تحت قول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «، والفطر مما يدخل» . # وجه قول من قال لا يفسد أن العود ليس صنعه بل هو صنع الله تعالى على طريق ~~التمحض يعني به مصنوعه لا صنع للعبد فيه رأسا، فأشبه ذرع القيء، وإنه غير ~~مفسد كذا عود القيء فإن أعاده فإن كان ملء الفم فسد صومه بالاتفاق لوجود ~~الإدخال متعمدا لما ذكرنا أن للقيء ملء الفم حكم الخروج حتى يوجب انتقاض ~~الطهارة، فإذا أعاده فقد أدخله في الجوف عن قصد، فيوجب فساد الصوم وإن كان ~~أقل من ملء الفم ففي قول أبي يوسف لا يفسد وفي قول محمد يفسد، وجه قول محمد ~~أنه وجد الدخول إلى الجوف بصنعه فيفسد ولأبي يوسف أن الدخول إنما يكون بعد ~~الخروج، وقليل القيء ليس له حكم الخروج بدليل عدم انتقاض الطهارة به فلم ~~يوجد الدخول فلا يفسد، هذا الذي ذكرنا كله إذا ذرعه القيء فأما إذا استقاء ~~فإن كان ملء الفم يفسد صومه بلا خلاف لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P092 # «ومن استقاء فعليه القضاء» وإن كان أقل من ملء الفم لا يفسد في قول أبي ~~يوسف، وعند محمد يفسد واحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «ومن استقاء ~~فعليه القضاء مطلقا» من غير فصل بين القليل، والكثير. # وجه قول أبي يوسف ما ذكرنا أن الأصل أن لا يفسد الصوم إلا بالدخول بالنص ~~الذي روينا، ولم يوجد ههنا فلا يفسد، والحديث محمول على الكثير توفيقا بين ~~الدليلين بقدر الإمكان، ثم كثير المستقاء لا يتفرع عليه العود، والإعادة ~~لأن الصوم قد فسد بالاستقاء وكذا قليله في قول محمد لأن عنده فسد الصوم ~~بنفس الاستقاء، وإن كان قليلا، وأما على قول أبي يوسف فإن عاد لا يفسد، وإن ~~أعاده ففيه عن أبي يوسف روايتان في رواية: يفسد، وفي رواية: لا يفسد. # وما وصل إلى الجوف أو إلى الدماغ عن المخارق الأصلية كالأنف والأذن ~~والدبر بأن استعط أو احتقن أو أقطر في أذنه فوصل ms0953 إلى الجوف أو إلى الدماغ ~~فسد صومه، أما إذا وصل إلى الجوف فلا شك فيه لوجود الأكل من حيث الصورة. # وكذا إذا وصل إلى الدماغ لأنه له منفذ إلى الجوف فكان بمنزلة زاوية من ~~زوايا الجوف. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال للقيط بن صبرة: بالغ ~~في المضمضة، والاستنشاق إلا أن تكون صائما» ومعلوم أن استثناءه حالة الصوم ~~للاحتراز عن فساد الصوم وإلا لم يكن للاستثناء معنى، ولو وصل إلى الرأس ثم ~~خرج لا يفسد بأن استعط بالليل ثم خرج بالنهار لأنه لما خرج علم أنه لم يصل ~~إلى الجوف، أو لم يستقر فيه. # وأما ما وصل إلى الجوف أو إلى الدماغ عن غير المخارق الأصلية بأن داوى ~~الجائفة، والآمة، فإن داواها بدواء يابس لا يفسد لأنه لم يصل إلى الجوف ولا ~~إلى الدماغ ولو علم أنه وصل يفسد في قول أبي حنيفة، وإن داواها بدواء رطب ~~يفسد عند أبي حنيفة وعندهما لا يفسد هما اعتبرا المخارق الأصلية لأن الوصول ~~إلى الجوف من المخارق الأصلية متيقن به ومن غيرها مشكوك فيه، فلا نحكم ~~بالفساد مع الشك ولأبي حنيفة إن الدواء إذا كان رطبا فالظاهر هو الوصول ~~لوجود المنفذ إلى الجوف فيبنى الحكم على الظاهر. # وأما الإقطار في الإحليل فلا يفسد في قول أبي حنيفة، وعندهما يفسد، قيل: ~~إن الاختلاف بينهم بناء على أمر خفي وهو كيفية خروج البول من الإحليل ~~فعندهما أن خروجه منه لأن له منفذا فإذا قطر فيه يصل إلى الجوف كالإقطار في ~~الأذن، وعند أبي حنيفة أن خروج البول منه من طريق الترشح كترشح الماء من ~~الخزف الجديد فلا يصل بالإقطار فيه إلى الجوف، والظاهر أن البول يخرج منه ~~خروج الشيء من منفذه كما قالا وروى الحسن عن أبي حنيفة مثل قولهما، وعلى ~~هذه الرواية اعتمد أستاذي - رحمه الله - وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي ~~وقول محمد مع أبي حنيفة. # وأما الإقطار في قبل المرأة فقد قال مشايخنا: إنه يفسد صومها بالإجماع، ~~لأن ms0954 لمثانتها منفذا فيصل إلى الجوف كالإقطار في الأذن. # ولو طعن برمح فوصل إلى جوفه أو إلى دماغه فإن أخرجه مع النصل لم يفسد وإن ~~بقي النصل فيه يفسد. # وكذا قالوا فيمن ابتلع لحما مربوطا على خيط ثم انتزعه من ساعته؟ إنه لا ~~يفسد وإن تركه فسد وكذا روي عن محمد في الصائم إذا أدخل خشبة في المقعدة؟ ~~إنه لا يفسد صومه إلا إذا غاب طرف الخشبة وهذا يدل على أن استقرار الداخل ~~في الجوف شرط فساد الصوم، ولو أدخل أصبعه في دبره قال بعضهم: يفسد صومه، ~~وقال بعضهم: لا يفسد، وهو قول الفقيه أبي الليث لأن الأصبع ليست بآلة ~~الجماع فصارت كالخشب. # ولو اكتحل الصائم لم يفسد وإن وجد طعمه في حلقه عند عامة العلماء. # وقال ابن أبي ليلى يفسد، وجه قوله إنه لما وجد طعمه في حلقه فقد وصل إلى ~~جوفه. # (ولنا) ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «خرج علينا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في رمضان وعيناه مملوءتان كحلا كحلتهما أم سلمة» ولأنه لا ~~منفذ من العين إلى الجوف ولا إلى الدماغ وما وجد من طعمه فذاك أثره لا ~~عينه، وأنه لا يفسد كالغبار، والدخان. # وكذا لو دهن رأسه أو أعضاءه فتشرب فيه أنه لا يضره لأنه وصل إليه الأثر ~~لا العين. # ولو أكل حصاة أو نواة أو خشبا أو حشيشا أو نحو ذلك مما لا يؤكل عادة ولا ~~يحصل به قوام البدن يفسد صومه لوجود الأكل صورة. # ولو جامع امرأته فيما دون الفرج فأنزل أو باشرها أو قبلها أو لمسها بشهوة ~~فأنزل يفسد صومه، وعليه القضاء ولا كفارة عليه. # وكذا إذا فعل ذلك فأنزلت المرأة لوجود الجماع من حيث المعنى وهو قضاء ~~الشهوة بفعله وهو المس بخلاف النظر فإنه ليس بجماع أصلا لأنه ليس بقضاء ~~للشهوة بل هو سبب لحصول الشهوة على ما نطق به الحديث «إياكم، والنظرة فإنها ~~تزرع في القلب # PageV02P093 # الشهوة» . # ولو عالج ذكره فأمنى اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا ms0955 يفسد، وقال بعضهم: ~~يفسد وهو قول محمد بن سلمة، والفقيه أبي الليث لوجود قضاء الشهوة بفعله ~~فكان جماعا من حيث المعنى. # وعن محمد فيمن أولج ذكره في امرأته قبل الصبح ثم خشي الصبح فانتزع منها ~~فأمنى بعد الصبح أنه لا يفسد صومه وهو بمنزلة الاحتلام. # ولو جامع بهيمة فأنزل فسد صومه وعليه القضاء ولا كفارة عليه لأنه وإن وجد ~~الجماع صورة ومعنى وهو قضاء الشهوة لكن على سبيل القصور لسعة المحل، ولو ~~جامعها ولم ينزل لا يفسد. # ولو حاضت المرأة ونفست بعد طلوع الفجر فسد صومها لأن الحيض، والنفاس ~~منافيان للصوم لمنافاتهما أهلية الصوم شرعا بخلاف القياس بإجماع الصحابة - ~~رضي الله عنهم - على ما بينا فيما تقدم بخلاف ما إذا جن إنسان بعد طلوع ~~الفجر، أو أغمي عليه. # وقد كان نوى من الليل إن صومه ذلك اليوم جائز لما ذكرنا أن الجنون، ~~والإغماء لا ينافيان أهلية الأداء وإنما ينافيان النية بخلاف الحيض، ~~والنفاس والله أعلم. ### | [فصل حكم فساد الصوم] # (فصل) : # وأما حكم فساد الصوم: ففساد الصوم يتعلق به أحكام بعضها يعم الصيامات ~~كلها، وبعضها يخص البعض دون البعض، أما الذي يعم الكل: فالإثم إذا أفسد ~~بغير عذر لأنه أبطل عمله من غير عذر وإبطال العمل من غير عذر حرام، لقوله ~~تعالى {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] وقال الشافعي: كذلك إلا في صوم ~~التطوع بناء على أن الشروع في التطوع موجب للإتمام عندنا، وعنده ليس ~~بموجب،، والمسألة ذكرناها في كتاب الصلاة، وإن كان بعذر لا يأثم وإذا اختلف ~~الحكم بالعذر فلا بد من معرفة. # الأعذار المسقطة للإثم، والمؤاخذة فنبينها بتوفيق الله تعالى فنقول: هي ~~المرض، والسفر، والإكراه، والحبل، والرضاع، والجوع، والعطش، وكبر السن، لكن ~~بعضها مرخص، وبعضها مبيح مطلق لا موجب، كما فيه خوف زيادة ضرر دون خوف ~~الهلاك، فهو مرخص وما فيه خوف الهلاك فهو مبيح مطلق بل موجب فنذكر جملة ذلك ~~فنقول: أما المرض فالمرخص منه هو الذي يخاف أن يزداد بالصوم وإليه وقعت ~~الإشارة في الجامع الصغير. # فإنه قال ms0956 في رجل خاف إن لم يفطر أن تزداد عيناه وجعا، أو حماه شدة أفطر، ~~وذكر الكرخي في مختصره: أن المرض الذي يبيح الإفطار هو ما يخاف منه الموت، ~~أو زيادة العلة كائنا ما كانت العلة. # وروي عن أبي حنيفة أنه إن كان بحال يباح له أداء صلاة الفرض قاعدا فلا ~~بأس بأن يفطر، والمبيح المطلق بل الموجب هو الذي يخاف منه الهلاك لأن فيه ~~إلقاء النفس إلى التهلكة لا لإقامة حق الله تعالى وهو الوجوب، والوجوب لا ~~يبقى في هذه الحالة، وإنه حرام فكان الإفطار مباحا بل واجبا وأما السفر ~~فالمرخص منه هو مطلق السفر المقدر، والأصل فيهما قوله تعالى {فمن كان منكم ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] أي: فمن كان منكم مريضا، ~~أو على سفر فأفطر بعذر المرض، والسفر فعدة من أيام أخر، دل أن المرض، ~~والسفر سببا الرخصة ثم السفر، والمرض وإن أطلق ذكرهما في الآية فالمراد ~~منهما المقيد لأن مطلق السفر ليس بسبب الرخصة لأن حقيقة السفر هو الخروج عن ~~الوطن، أو الظهور، وذا يحصل بالخروج إلى الضيعة ولا تتعلق به الرخصة فعلم ~~أن المرخص سفر مقدر بتقدير معلوم وهو الخروج عن الوطن على قصد مسيرة ثلاثة ~~أيام فصاعدا عندنا، وعند الشافعي يوم وليلة، وقد مضى الكلام في تقديره في ~~كتاب الصلاة، وكذا مطلق المرض ليس بسبب للرخصة لأن الرخصة بسبب المرض، ~~والسفر لمعنى المشقة بالصوم تيسيرا لهما وتخفيفا عليهما على ما قال الله ~~تعالى {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] ومن الأمراض ~~ما ينفعه الصوم ويخفه ويكون الصوم على المريض أسهل من الأكل، بل الأكل يضره ~~ويشتد عليه، ومن التعبد الترخص بما يسهل على المريض تحصيله، والتضييق بما ~~يشتد عليه، وفي الآية دلالة وجوب القضاء على من أفطر بغير عذر لأنه لما وجب ~~القضاء على المريض، والمسافر مع أنهما أفطرا بسبب العذر المبيح للإفطار ~~فلأن يجب على غير ذي العذر أولى، وسواء كان السفر سفر طاعة، أو مباحا، أو ms0957 ~~معصية عندنا، وعند الشافعي سفر المعصية لا يفيد الرخصة،، والمسألة مضت في ~~كتاب الصلاة والله أعلم وسواء سافر قبل دخول شهر رمضان، أو بعده أن له أن ~~يترخص فيفطر عند عامة الصحابة، وعن علي وابن عباس - رضي الله عنهما - أنه ~~إذا أهل في المصر ثم سافر لا يجوز له أن يفطر، وجه قولهما أنه لما استهل في ~~الحضر # PageV02P094 # لزمه صوم الإقامة، وهو صوم الشهر حتما فهو بالسفر يريد إسقاطه عن نفسه ~~فلا يملك ذلك كاليوم الذي سافر فيه، إنه لا يجوز له أن يفطر فيه لما بينا، ~~كذا هذا ولعامة الصحابة - رضي الله عنهم - قوله تعالى {فمن كان منكم مريضا ~~أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] جعل الله مطلق السفر سبب ~~الرخصة، ولأن السفر إنما كان سبب الرخصة لمكان المشقة وإنها توجد في ~~الحالين فتثبت الرخصة في الحالين جميعا. # وأما وجه قولهما إن بالإهلال في الحضر لزمه صوم الإقامة، فنقول: نعم إذا ~~أقام، أما إذا سافر يلزمه صوم السفر، وهو أن يكون فيه رخصة الإفطار لقوله ~~تعالى {فمن كان منكم مريضا أو على سفر} [البقرة: 184] فكان ما قلناه عملا ~~بالآيتين. # فكان أولى بخلاف اليوم الذي سافر فيه لأنه كان مقيما في أول اليوم فدخل ~~تحت خطاب المقيمين في ذلك اليوم فلزمه إتمامه حتما. # فأما اليوم الثاني، والثالث فهو مسافر فلا يدخل تحت خطاب المقيمين، ولأن ~~من المشايخ من قال: إن الجزء الأول من كل يوم سبب لوجوب صوم ذلك اليوم، وهو ~~كان مقيما في أول الجزء فكان الجزء الأول سببا لوجوب صوم الإقامة. # وأما في اليوم الثاني، والثالث فهو مسافر فيه فكان الجزء الأول في حقه ~~سببا لوجوب صوم السفر فيثبت الوجوب مع رخصة الإفطار ولو لم يترخص المسافر ~~وصام رمضان جاز صومه وليس عليه القضاء في عدة أيام أخر، وقال بعض الناس: لا ~~يجوز صومه في رمضان ولا يعتد به ويلزمه القضاء، وحكى القدوري فيه اختلافا ~~بين الصحابة فقال: يجوز صومه في قول أصحابنا وهو قول علي ms0958 وابن عباس وعائشة ~~وعثمان بن أبي العاص الثقفي - رضي الله عنهم - وعند عمر وابن عمر وأبي ~~هريرة - رضي الله عنهم - لا يجوز، وحجة هذا القول ظاهر قوله تعالى {فمن كان ~~منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] أمر المسافر بالصوم ~~في أيام أخر مطلقا، سواء صام في رمضان، أو لم يصم إذ الإفطار غير مذكور في ~~الآية، فكان هذا من الله تعالى جعل وقت الصوم في حق المسافر أياما أخر وإذا ~~صام في رمضان فقد صام قبل وقته فلا يعتد به في منع لزوم القضاء. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من صام في السفر فقد عصى ~~أبا القاسم» ، والمعصية مضادة للعبادة. # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الصائم في السفر كالمفطر في ~~الحضر» فقد حقق له حكم الإفطار (ولنا) ما روي «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - صام في السفر وروي أنه أفطر» كذا روي عن الصحابة أنهم صاموا في ~~السفر وروي أنهم أفطروا حتى روي أن عليا - رضي الله عنه - أهل هلال رمضان ~~وهو يسير إلى نهروان فأصبح صائما، ولأن الله تعالى جعل المرض، والسفر من ~~الأعذار المرخصة للإفطار تيسيرا وتخفيفا على أربابها وتوسيعا عليهم، قال ~~الله تعالى {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] # فلو تحتم عليهم الصوم في غير السفر ولا يجوز في السفر لكان فيه تعسير ~~وتضييق عليهم، وهذا يضاد موضوع الرخصة وينافي معنى التيسير فيؤدي إلى ~~التناقض في وضع الشرع، تعالى الله عن ذلك، ولأن السفر لما كان سبب الرخصة ~~فلو وجب القضاء مع وجود الأداء لصار ما هو سبب الرخصة سبب زيادة فرض لم يكن ~~في حق غير صاحب العذر وهو القضاء مع وجود الأداء فيتناقض، ولأن جواز الصوم ~~للمسافر في رمضان مجمع عليه فإن التابعين أجمعوا عليه بعد وقوع الاختلاف ~~فيه بين الصحابة - رضي الله عنهم -، والخلاف في العصر الأول لا يمنع انعقاد ~~الإجماع في العصر الثاني، بل الإجماع المتأخر يرفع ms0959 الخلاف المتقدم عندنا ~~على ما عرف في أصول الفقه وبه تبين أن الإفطار مضمر في الآية، وعليه إجماع ~~أهل التفسير وتقديرها: فمن كان منكم مريضا، أو على سفر فأفطر فعدة من أيام ~~أخر. # وعلى ذلك يجري ذكر الرخص على أنه ذكر الحظر في القرآن؛ قال الله تعالى ~~{حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} [المائدة: 3] إلى قوله تعالى {فمن ~~اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} [البقرة: 173] أي: من اضطر فأكل لأنه ~~لا إثم يلحقه بنفس الاضطرار وقال تعالى {وأتموا الحج والعمرة لله فإن ~~أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] أي: فإن أحصرتم فأحللتم فما ~~استيسر من الهدي لأنه معلوم أنه على النسك من الحج ما لم يوجد الإحلال وقال ~~الله تعالى {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو ~~به أذى من رأسه ففدية من صيام} [البقرة: 196] أي: فمن كان منكم مريضا، أو ~~به أذى من رأسه فحلق ودفع الأذى عن رأسه ففدية من صيام، ونظائره كثيرة في ~~القرآن، والحديثان محمولان على ما إذا كان الصوم يجهده ويضعفه فإذا لم يفطر ~~في السفر في هذه الحالة صار كالذي أفطر في الحضر لأنه يجب عليه الإفطار في ~~هذه الحالة لما في الصوم # PageV02P095 # في هذه الحالة من إلقاء النفس إلى التهلكة، وأنه حرام، ثم الصوم في السفر ~~أفضل من الإفطار عندنا، إذا لم يجهده الصوم ولم يضعفه. # وقال الشافعي: الإفطار أفضل بناء على أن الصوم في السفر عندنا عزيمة، ~~والإفطار رخصة وعند الشافعي على العكس من ذلك، وذكر القدوري في المسألة ~~اختلاف الصحابة فقال: روي عن حذيفة وعائشة وعروة بن الزبير مثل مذهبنا وروي ~~عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مثل مذهبه واحتج بما روينا من الحديثين في ~~المسألة الأولى، ولنا قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ~~كما كتب على الذين من قبلكم} [البقرة: 183] إلى قوله تعالى {ولتكملوا ~~العدة} [البقرة: 185] ، والاستدلال بالآية من وجوه أحدها: أنه أخبر أن ~~الصيام مكتوب على المؤمنين عاما أي: ms0960 مفروض إذ الكتابة هي الفرض لغة، ~~والثاني: أنه أمر بالقضاء عند الإفطار بقوله عز وجل {فمن كان منكم مريضا أو ~~على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] ، والأمر بالقضاء عند الإفطار ~~دليل الفرضية من وجهين أحدهما: أن القضاء لا يجب في الآداب وإنما يجب في ~~الفرائض، والثاني: أن القضاء بدل عن الأداء فيدل على وجوب الأصل، والثالث: ~~أن الله تعالى من علينا بإباحة الإفطار بعذر المرض والسفر بقوله تعالى ~~{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] أي: يريد الإذن ~~لكم بالإفطار للعذر ولو لم يكن الصوم فرضا لم يكن للامتنان بإباحة الفطر ~~معنى لأن الفطر مباح في صوم النفل بالامتناع عنه، والرابع: أنه قال ~~{ولتكملوا العدة} [البقرة: 185] شرط إكمال العدة في القضاء وهو دليل لزوم ~~حفظ المتروك لئلا يدخل التقصير في القضاء، وإنما يكون ذلك في الفرائض. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من كانت له حمولة تأوي ~~إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه» أمر المسافر بصوم رمضان إذا لم يجهده الصوم ~~فثبت بهذه الدلائل أن صوم رمضان فرض على المسافر إلا أنه رخص له الإفطار ~~وأثر الرخصة في سقوط المأثم لا في سقوط الوجوب، فكان وجوب الصوم عليه هو ~~الحكم الأصلي وهو معنى العزيمة. # وروي عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«المسافر إن أفطر فرخصة وإن يصم فهو أفضل» وهذا نص في الباب لا يحتمل ~~التأويل وما ذكرنا من الدلائل في هذه المسألة حجة في المسألة الأولى لأنها ~~تدل على وجوب الصوم على المسافر في رمضان، وما لا يعتد به لا يجب، والجواب ~~عن تعلقه بالحديثين ما ذكرناه في المسألة الأولى أنهما يحملان على حال خوف ~~التلف على نفسه لو صام عملا بالدلائل أجمع بقدر الإمكان وهذا الذي ذكرنا من ~~وجوب الصوم على المسافر في رمضان قول عامة مشايخنا وعند بعضهم لا وجوب على ~~المسافر في رمضان، والإفطار مباح مطلق لأنه ثبت رخصة وتيسيرا عليه. # ومعنى الرخصة ms0961 وهو التيسير، والسهولة في الإباحة المطلقة أكمل لما فيه من ~~سقوط الحظر، والمؤاخذة جميعا، إلا أنه إذا ترك الترخص واشتغل بالعزيمة يعود ~~حكم العزيمة، لكن مع هذا؛ الصوم في حقه أفضل من الإفطار لما روينا من حديث ~~أنس - رضي الله عنه - وأما المبيح المطلق من السفر فما فيه خوف الهلاك بسبب ~~الصوم، والإفطار في مثله واجب فضلا عن الإباحة لما ذكرنا في المرض. # وأما الإكراه على إفطار صوم شهر رمضان بالقتل في حق الصحيح المقيم فمرخص، ~~والصوم أفضل حتى لو امتنع من الإفطار حتى قتل يثاب عليه لأن الوجوب ثابت ~~حالة الإكراه، وأثر الرخصة في الإكراه في سقوط المأثم بالترك لا في سقوط ~~الوجوب بل بقي الوجوب ثابتا، والترك حراما وإذا كان الصوم واجبا حالة ~~الإكراه، والإفطار حراما كان حق الله تعالى قائما، فهو بالامتناع بذل نفسه ~~لإقامة حق الله تعالى طلبا لمرضاته فكان مجاهدا في دينه فيثاب عليه. # وأما في حق المريض، والمسافر فالإكراه مبيح مطلق في حقهما بل موجب، ~~والأفضل هو الإفطار بل يجب عليه ذلك ولا يسعه أن لا يفطر حتى لو امتنع من ~~ذلك فقتل يأثم، ووجه الفرق: أن في الصحيح المقيم الوجوب كان ثابتا قبل ~~الإكراه من غير رخصة الترك أصلا فإذا جاء بالإكراه وأنه من أسباب الرخصة ~~فكان أثره في إثبات رخصة الترك لا في إسقاط الوجوب فكان الوجوب قائما فكان ~~حق الله تعالى قائما فكان بالامتناع باذلا نفسه لإقامة حق الله تعالى فكان ~~أفضل كما في الإكراه على إجراء كلمة الكفر، والإكراه على إتلاف مال الغير ~~فأما في المريض، والمسافر فالوجوب مع رخصة الترك كان ثابتا قبل الإكراه فلا ~~بد وأن يكون للإكراه أثر آخر لم يكن ثابتا قبله، وليس ذلك إلا إسقاط الوجوب ~~رأسا وإثبات الإباحة المطلقة فنزل منزلة الإكراه على أكل الميتة وهناك يباح ~~له # PageV02P096 # الأكل بل يجب عليه كذا هنا والله أعلم. # وأما حبل المرأة وإرضاعها: إذا خافتا الضرر بولدهما فمرخص لقوله تعالى ~~{فمن كان منكم مريضا أو على سفر ms0962 فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] . # وقد بينا أنه ليس المراد عين المرض، فإن المريض الذي لا يضره الصوم ليس ~~له أن يفطر فكان ذكر المرض كناية عن أمر يضر الصوم معه. # وقد وجد ههنا فيدخلان تحت رخصة الإفطار. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يفطر المريض، والحبلى ~~إذا خافت أن تضع ولدها، والمرضع إذا خافت الفساد على ولدها» . # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله وضع عن ~~المسافر شطر الصلاة وعن الحبلى، والمرضع الصيام» وعليهما القضاء ولا فدية ~~عليهما عندنا. # وقال الشافعي: عليهما القضاء، والفدية لكل يوم مد من حنطة، والمسألة ~~مختلفة بين الصحابة، والتابعين فروي عن علي من الصحابة، والحسن من التابعين ~~أنهما يقضيان ولا يفديان وبه أخذ أصحابنا. # وروي عن ابن عمر من الصحابة ومجاهد من التابعين إنهما يقضيان ويفديان وبه ~~أخذ الشافعي احتج بقوله تعالى {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} ~~[البقرة: 184] ، والحامل، والمرضع يطيقان الصوم فدخلتا تحت الآية فتجب ~~عليهما الفدية، ولنا قوله تعالى {فمن كان منكم مريضا} [البقرة: 184] الآية، ~~أوجب على المريض القضاء فمن ضم إليه الفدية فقد زاد على النص فلا يجوز إلا ~~بدليل، ولأنه لما لم يوجب غيره دل أنه كل حكم لحادثة لأن تأخير البيان عن ~~وقت الحاجة لا يجوز # وقد ذكرنا أن المراد من المرض المذكور ليس صورة المرض بل معناه. # وقد وجد في الحامل، والمرضع إذا خافتا على ولدهما فيدخلان تحت الآية، ~~فكان تقدير قوله تعالى {فمن كان منكم مريضا} [البقرة: 184] فمن كان منكم به ~~معنى يضره الصوم أو على سفر فعدة من أيام أخر، وأما قوله تعالى {وعلى الذين ~~يطيقونه} [البقرة: 184] فقد قيل في بعض وجوه التأويل إن لا مضمرة في الآية ~~معناه " وعلى الذين لا يطيقونه، وإنه جائز في اللغة، قال الله تعالى: {يبين ~~الله لكم أن تضلوا} [النساء: 176] أي: لا تضلوا في بعض القراءات وعلى الذين ~~يطوقونه ولا يطيقونه على أنه لا حجة له في الآية لأن فيها ms0963 شرع الفداء مع ~~الصوم على سبيل التخيير دون الجمع بقوله تعالى {وأن تصوموا خير لكم} ~~[البقرة: 184] وقد نسخ ذلك بوجوب صوم شهر رمضان حتما بقوله تعالى {فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185] وعنده يجب الصوم، والفداء جميعا دل أنه ~~لا حجة له فيها ولأن الفدية لو وجبت إنما تجب جبرا للفائت، ومعنى الجبر ~~يحصل بالقضاء، ولهذا لم تجب على المريض، والمسافر. # وأما الجوع والعطش الشديد الذي يخاف منه الهلاك: فمبيح مطلق بمنزلة المرض ~~الذي يخاف منه الهلاك بسبب الصوم، لما ذكرنا وكذا كبر السن حتى يباح للشيخ ~~الفاني أن يفطر في شهر رمضان لأنه عاجز عن الصوم وعليه الفدية عند عامة ~~العلماء. # وقال مالك: لا فدية عليه، وجه قوله أن الله تعالى، أوجب الفدية على ~~المطيق للصوم بقوله تعالى {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} [البقرة: ~~184] وهو لا يطيق الصوم فلا تلزمه الفدية، وما قاله مالك خلاف إجماع السلف، ~~فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوجبوا الفدية على الشيخ ~~الفاني، فكان ذلك إجماعا منهم على أن المراد من الآية الشيخ الفاني إما على ~~إضمار حرف لا في الآية على ما بينا، وإما على إضمار كانوا أي: وعلى الذين ~~كانوا يطيقونه " أي: الصوم ثم عجزوا عنه فدية طعام مسكين والله أعلم ولأن ~~الصوم لما فاته مست الحاجة إلى الجابر وتعذر جبره بالصوم فيجبر بالفدية، ~~وتجعل الفدية مثلا للصوم شرعا في هذه الحالة للضرورة كالقيمة في ضمان ~~المتلفات، ومقدار الفدية مقدار صدقة الفطر، وهو أن يطعم عن كل يوم مسكينا ~~مقدار ما يطعم في صدقة الفطر. # وقد ذكرنا ذلك في صدقة الفطر وذكرنا الاختلاف فيه. # ثم هذه الأعذار كما ترخص، أو تبيح الفطر في شهر رمضان ترخص، أو تبيح في ~~المنذور في وقت بعينه، حتى لو جاء وقت الصوم وهو مريض مرضا لا يستطيع معه ~~الصوم، أو يستطيع مع ضرر أفطر وقضى. # وأما الذي يخص البعض دون البعض. # فأما صوم رمضان فيتعلق بفساده حكمان أحدهما: وجوب القضاء، والثاني: وجوب ~~الكفارة، ms0964 أما وجوب القضاء: فإنه يثبت بمطلق الإفساد سواء كان صورة ومعنى، ~~أو صورة لا معنى، أو معنى لا صورة، وسواء كان عمدا، أو خطأ، وسواء كان ~~بعذر، أو بغير عذر، لأن القضاء يجب جبرا للفائت فيستدعي فوات الصوم لا غير، ~~والفوات يحصل بمطلق الإفساد فتقع الحاجة إلى الجبر بالقضاء، ليقوم مقام ~~الفائت فينجبر الفوات معنى. # وأما وجوب الكفارة فيتعلق بإفساد مخصوص وهو الإفطار الكامل بوجود الأكل ~~أو الشرب أو الجماع صورة ومعنى متعمدا من غير عذر # PageV02P097 # مبيح ولا مرخص ولا شبهة الإباحة، ونعني بصورة الأكل، والشرب ومعناهما: ~~إيصال ما يقصد به التغذي أو التداوي إلى جوفه من الفم لأن به يحصل قضاء ~~شهوة البطن على سبيل الكمال. # ونعني بصورة الجماع ومعناه: إيلاج الفرج في القبل لأن كمال قضاء شهوة ~~الفرج لا يحصل إلا به، ولا خلاف في وجوب الكفارة على الرجل بالجماع، والأصل ~~فيه حديث الأعرابي وهو ما روي: «أن أعرابيا جاء إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وقال: يا رسول الله، هلكت، وأهلكت، فقال: ماذا صنعت؟ قال: ~~واقعت امرأتي في نهار رمضان متعمدا وأنا صائم فقال: أعتق رقبة وفي بعض ~~الروايات قال له: من غير عذر ولا سفر؟ قال: نعم، فقال: أعتق رقبة» . # وأما المرأة فكذلك يجب عليها عندنا إذا كانت مطاوعة، وللشافعي قولان في ~~قول: لا يجب عليها أصلا، وفي قول: يجب عليها ويتحملها الرجل. # وجه قوله الأول إن وجوب الكفارة عرف نصا بخلاف القياس لما نذكر، والنص ~~ورد في الرجل دون المرأة. # وكذا ورد بالوجوب بالوطء وأنه لا يتصور من المرأة فإنها موطوءة وليست ~~بواطئة فبقي الحكم فيها على أصل القياس، ووجه قوله الثاني أن الكفارة إنما ~~وجبت عليها بسبب فعل الرجل، فوجب عليه التحمل كثمن ماء الاغتسال، ولنا أن ~~النص وإن ورد في الرجل لكنه معلول بمعنى يوجد فيهما، وهو إفساد صوم رمضان ~~بإفطار كامل حرام محض متعمدا فتجب الكفارة عليها بدلالة النص وبه تبين أنه ~~لا سبيل إلى التحمل لأن الكفارة إنما وجبت عليها ms0965 بفعلها وهو إفساد الصوم، ~~ويجب مع الكفارة القضاء عند عامة العلماء. # وقال الأوزاعي: إن كفر بالصوم فلا قضاء عليه، وزعم أن الصومين يتداخلان ~~وهذا غير سديد لأن صوم الشهرين يجب تكفيرا زجرا عن جناية الإفساد، أو رفعا ~~لذنب الإفساد، وصوم القضاء يجب جبرا للفائت، فكل واحد منهما شرع لغير ما ~~شرع له الآخر، فلا يسقط صوم القضاء بصوم شهرين، كما لا يسقط بالإعتاق. # وقد روي عن أبي هريرة أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الذي واقع ~~امرأته أن يصوم يوما» . # ولو جامع في الموضع المكروه فعليه الكفارة في قول أبي يوسف ومحمد، لأنه ~~يجب به الحد فلأن تجب به الكفارة أولى. # وعن أبي حنيفة روايتان: روى الحسن عنه أنه لا كفارة عليه، وروى أبو يوسف ~~عنه إذا توارت الحشفة وجب الغسل أنزل، أو لم ينزل، وعليه القضاء، والكفارة، ~~وجه رواية الحسن أنه لا يتعلق به وجوب الحد، فلا يتعلق به وجوب الكفارة،، ~~والجامع أن كل واحد منهما شرع للزجر، والحاجة إلى الزجر فيما يغلب وجوده ~~وهذا يندر، ولأن المحل مكروه فأشبه وطء الميتة. # وجه رواية أبي يوسف: أن وجوب الكفارة يعتمد إفساد الصوم بإفطار كامل وقد ~~وجد لوجود الجماع صورة ومعنى. # ولو أكل أو شرب ما يصلح به البدن، أما على وجه التغذي أو التداوي متعمدا ~~فعليه القضاء، والكفارة عندنا. # وقال الشافعي: لا كفارة عليه. # وجه قوله إن وجوب الكفارة ثبت معدولا به عن القياس لأن وجوبها لرفع ~~الذنب، والتوبة كافية لرفع الذنب، ولأن الكفارة من باب المقادير، والقياس ~~لا يهتدي إلى تعيين المقادير، وإنما عرف وجوبها بالنص، والنص ورد في ~~الجماع، والأكل، والشرب ليسا في معناه لأن الجماع أشد حرمة منهما حتى يتعلق ~~به وجوب الحد دونهما، فالنص الوارد في الجماع لا يكون واردا في الأكل، ~~والشرب فيقتصر على مورد النص. # ولنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أفطر في رمضان ~~متعمدا فعليه ما على المظاهر» ، وعلى المظاهر الكفارة بنص الكتاب، فكذا على ms0966 ~~المفطر متعمدا. # ولنا أيضا الاستدلال بالمواقعة،، والقياس عليها، أما الاستدلال بها فهو ~~أن الكفارة في المواقعة وجبت لكونها إفسادا لصوم رمضان من غير عذر ولا سفر ~~على ما نطق به الحديث، والأكل، والشرب إفساد لصوم رمضان متعمدا من غير عذر ~~ولا سفر فكان إيجاب الكفارة هناك إيجابا ههنا دلالة، والدليل على أن الوجوب ~~في المواقعة لما ذكرنا وجهان أحدهما: مجمل، والآخر: مفسر، أما المجمل: ~~فالاستدلال بحديث الأعرابي، ووجهه ما ذكرناه في الخلافيات. # وأما المفسر: فلأن إفساد صوم رمضان ذنب ورفع الذنب واجب عقلا وشرعا لكونه ~~قبيحا، والكفارة تصلح رافعة له لأنها حسنة. # وقد جاء الشرع بكون الحسنات من التوبة، والإيمان، والأعمال الصالحات ~~رافعة للسيئات، إلا أن الذنوب مختلفة المقادير. # وكذا الروافع لها لا يعلم مقاديرها إلا الشارع للأحكام وهو الله تعالى ~~فمتى ورد # PageV02P098 # الشرع في ذنب خاص بإيجاب رافع خاص ووجد مثل ذلك الذنب في موضع آخر كان ~~ذلك إيجابا لذلك الرافع فيه، ويكون الحكم فيه ثابتا بالنص لا بالتعليل، ~~والقياس والله أعلم وجه القياس على المواقعة فهو أن الكفارة هناك وجبت ~~للزجر عن إفساد صوم رمضان صيانة له في الوقت الشريف، لأنها تصلح زاجرة، ~~والحاجة مست إلى الزاجر. # أما الصلاحية فلأن من تأمل أنه لو أفطر يوما من رمضان لزمه إعتاق رقبة، ~~فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا لامتنع ~~منه. # وأما الحاجة إلى الزجر فلوجود الداعي الطبيعي إلى الأكل، والشرب، ~~والجماع، وهو شهوة الأكل، والشرب، والجماع، وهذا في الأكل، والشرب أكثر لأن ~~الجوع، والعطش يقلل الشهوة، فكانت الحاجة إلى الزجر عن الأكل، والشرب أكثر، ~~فكان شرع الزاجر هناك شرعا ههنا من طريق الأولى، وعلى هذه الطريقة يمنع عدم ~~جواز إيجاب الكفارة بالقياس لأن الدلائل المقتضية لكون القياس حجة لا تفصل ~~بين الكفارة وغيرها. # ولو أكل ما لا يتغذى به ولا يتداوى: كالحصاة، والنواة، والتراب، وغيرها ~~فعليه القضاء ولا كفارة عليه عند عامة العلماء. # وقال مالك: عليه الكفارة لأنه وجد الإفطار من غير عذر، ms0967 ولنا أن هذا إفطار ~~صورة لا معنى لأن معنى الصوم وهو: الكف عن الأكل، والشرب الذي هو وسيلة إلى ~~العواقب الحميدة قائم، وإنما الفائت صورة الصوم إلا أنا ألحقنا الصورة ~~بالحقيقة وحكمنا بفساد الصوم احتياطا، ولو بلع جوزة صحيحة يابسة، أو لوزة ~~يابسة فعليه القضاء ولا كفارة عليه لوجود الأكل صورة لا معنى، لأنه لا ~~يعتاد أكله على هذا الوجه فأشبه أكل الحصا. # ولو مضغ الجوزة أو اللوزة اليابسة حتى يصل المضغ إلى جوفها حتى ابتلعه ~~فعليه القضاء والكفارة، كذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف لأنه أكل لبها إلا ~~أنه ضم إليها ما لا يؤكل عادة، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي: أنه لو ~~أكل لوزة صغيرة فعليه القضاء، والكفارة. # وقوله في اللوزة محمول على اللوزة الرطبة لأنها مأكولة كلها كالخوخة، ولو ~~أكل جوزة رطبة فعليه القضاء ولا كفارة عليه لأنه لا يؤكل عادة ولا يحصل به ~~التغذي، والتداوي. # ولو أكل عجينا أو دقيقا فعليه القضاء ولا كفارة عليه، لأنه لا يقصد بهما ~~التغذي ولا التداوي، فلا يفوت معنى الصوم، وذكر في الفتاوى رواية عن محمد ~~أنه فرق بين الدقيق، والعجين فقال: في الدقيق القضاء، والكفارة وفي العجين ~~القضاء دون الكفارة. # ولو قضم حنطة فعليه القضاء والكفارة، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة لأن هذا ~~مما يقصد بالأكل. # ولو ابتلع إهليلجة، روى ابن رستم عن محمد أن عليه القضاء ولا كفارة لأنه ~~لا يتداوى بها على هذه الصفة. # وروى هشام عنه أن عليه الكفارة قال الكرخي: وهذا أقيس عندي، لأنه يتداوى ~~بها على هذه الصفة، وهكذا روى ابن سماعة عن محمد. # وكذا ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن عليه الكفارة. # ولو أكل طينا فعليه القضاء ولا كفارة لما قلنا، إلا أن يكون أرمنيا، ~~فعليه القضاء، والكفارة. # وكذا روى ابن رستم عن محمد قال محمد: لأنه بمنزلة الغاريقون أي: يتداوى ~~به، قال ابن رستم: فقلت له هذا الطين الذي يقلى يأكله الناس؟ قال لا أدري ~~ما هذا فكأنه لم ms0968 يعلم أنه يتداوى به، أو لا. # ولو أكل ورق الشجر فإن كان مما يؤكل عادة فعليه القضاء والكفارة، وإن كان ~~مما لا يؤكل فعليه القضاء ولا كفارة عليه. # ولو أكل مسكا أو غالية أو زعفران فعليه القضاء والكفارة، لأن هذا يؤكل ~~ويتداوى به. # وروي عن محمد فيمن تناول سمسمة؟ قال: فطرته. # ولم يذكر أن عليه الكفارة، أو لا، واختلف المشايخ فيه، قال محمد بن مقاتل ~~الرازي: عليه القضاء، والكفارة. # وقال أبو القاسم الصفار: عليه القضاء ولا كفارة عليه. # وقد ذكرنا أن السمسمة لو كانت بين أسنانه فابتلعها أنه لا يفسد لأنه لا ~~يمكن التحرز عنه. # وروي عن أبي يوسف فيمن امتص سكرة بفيه في رمضان متعمدا حتى دخل الماء ~~حلقه عليه القضاء، والكفارة لأن السكر هكذا يؤكل. # ولو مص إهليلجة فدخل الماء حلقه؟ قال: لا يفسد صومه ذكره في الفتاوى. # ولو خرج من بين أسنانه دم فدخل حلقه أو ابتلعه فإن كانت الغلبة للدم فسد ~~صومه وعليه القضاء ولا كفارة عليه، وإن كانت الغلبة للبزاق فلا شيء عليه، ~~وإن كانا سواء فالقياس أن لا يفسد، وفي الاستحسان يفسد احتياطا، ولو أخرج ~~البزاق من فيه ثم ابتلعه فعليه القضاء ولا كفارة عليه. # وكذا إذا ابتلع بزاق غيره لأن هذا مما يعاف منه حتى لو ابتلع لعاب حبيبه، ~~أو صديقه ذكر الشيخ الإمام الزاهد شمس الأئمة الحلواني أن عليه القضاء، ~~والكفارة لأن الحبيب لا يعاف ريق حبيبه، أو صديقه. # ولو أكل # PageV02P099 # لحما قديدا فعليه القضاء والكفارة لأنه يؤكل في الجملة. # ولو أكل شحما قديدا؟ اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا كفارة عليه لأنه ~~لا يؤكل. # وقال الفقيه أبو الليث: إن عليه القضاء، والكفارة كما في اللحم، لأنه ~~يؤكل في الجملة كاللحم القديد. # ولو أكل ميتة فإن كانت قد أنتنت ودودت فعليه القضاء ولا كفارة عليه، وإن ~~كانت غير ذلك فعليه القضاء، والكفارة. # ولو أولج ولم ينزل فعليه القضاء والكفارة لوجود الجماع صورة ومعنى، إذ ~~الجماع: هو الإيلاج، فأما الإنزال: ففراغ من الجماع ms0969 فلا يعتبر ولو أنزل ~~فيما دون الفرج فعليه القضاء ولا كفارة عليه لقصور في الجماع لوجوده معنى ~~لا صورة، وكذلك إذا وطئ بهيمة فأنزل لقصور في قضاء الشهوة لسعة المحل ونبوة ~~الطمع. # ولو أخذ لقمة من الخبز ليأكلها وهو ناس فلما مضغها تذكر أنه صائم ~~فابتلعها وهو ذاكر ذكر في عيون المسائل أن في هذه المسألة أربعة أقوال ~~للمتأخرين قال بعضهم: لا كفارة عليه. # وقال بعضهم: عليه الكفارة. # وقال بعضهم: إن ابتلعها قبل أن يخرجها فلا كفارة عليه فإن أخرجها من فيه ~~ثم أعادها فابتلعها فعليه الكفارة. # وقال بعضهم: إن ابتلعها قبل أن يخرجها فعليه الكفارة وإن أخرجها من فيه ~~ثم أعادها فلا كفارة عليه قال الفقيه أبو الليث: هذا القول أصح لأنه لما ~~أخرجها صار بحال يعاف منها وما دامت في فيه فإنه يتلذذ بها. # ولو تسحر على ظن أن الفجر لم يطلع فإذا هو طالع أو أفطر على ظن أن الشمس ~~قد غربت فإذا هي لم تغرب فعليه القضاء ولا كفارة لأنه لم يفطر متعمدا بل ~~خاطئا ألا ترى أنه لا إثم عليه. # ولو أصبح صائما في سفره ثم أفطر متعمدا فلا كفارة عليه لأن السبب المبيح ~~من حيث الصورة قائم وهو السفر فأورث شبهة وهذه الكفارة لا تجب مع الشبهة ~~والأصل فيه أن الشبهة إذا استندت إلى صورة دليل فإن لم يكن دليلا في ~~الحقيقة بل من حيث الظاهر اعتبرت في منع وجوب الكفارة وإلا فلا. # وقد وجدت ههنا، وهي صورة السفر لأنه مرخص أو مبيح في الجملة. # ولو أكل أو شرب أو جامع ناسيا أو ذرعه القيء فظن أن ذلك يفطر فأكل بعد ~~ذلك متعمدا، فعليه القضاء ولا كفارة عليه، لأن الشبهة ههنا استندت إلى ما ~~هو دليل في الظاهر لوجود المضاد للصوم في الظاهر وهو الأكل والشرب والجماع ~~حتى قال مالك بفساد الصوم بالأكل ناسيا، وقال أبو حنيفة: لولا قول الناس ~~لقلت له يقضي. # وكذا القيء لأنه لا يخلو عن عود بعضه من الفم إلى ms0970 الجوف، فكانت الشبهة في ~~موضع الاشتباه فاعتبرت، قال محمد: إلا أن يكون بلغه، أي: بلغه الخبر أن أكل ~~الناسي والقيء لا يفطران، فتجب الكفارة لأنه ظن في غير موضع الاشتباه فلا ~~يعتبر، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا كفارة عليه سواء بلغه الخبر وعلم أن ~~صومه لم يفسد أو لم يبلغه ولم يعلم. # فإن احتجم فظن أن ذلك يفطره فأكل بعد ذلك متعمدا، إن استفتى فقيها فأفتاه ~~بأنه قد أفطر فلا كفارة عليه لأن العامي يلزمه تقليد العالم فكانت الشبهة ~~مستندة إلى صورة دليل، وإن بلغه خبر الحجامة وهو المروي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «أفطر الحاجم والمحجوم» ؟ روى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا ~~كفارة عليه لأن ظاهر الحديث واجب العمل به في الأصل فأورث شبهة. # وروي عن أبي يوسف أنه تجب عليه الكفارة لأن الواجب على العامي الاستفتاء ~~من المفتي لا العمل بظواهر الأحاديث، لأن الحديث قد يكون منسوخا وقد يكون ~~ظاهره متروكا، فلا يصير ذلك شبهة، وإن لم يستفت فقيها ولا بلغه الخبر فعليه ~~القضاء والكفارة لأن الحجامة لا تنافي ركن الصوم في الظاهر وهو الإمساك عن ~~الأكل والشرب والجماع، فلم تكن هذه الشبهة مستندة إلى دليل أصلا. # ولو لمس امرأة بشهوة أو قبلها أو ضاجعها ولم ينزل فظن أن ذلك يفطره فأكل ~~بعد ذلك متعمدا فعليه الكفارة لأن ذلك لا ينافي ركن الصوم في الظاهر، فكان ~~ظنه في غير موضعه فكان ملحقا بالعدم إلا إذا تأول حديثا أو استفتى فقيها ~~فأفطر على ذلك فلا كفارة عليه، وإن أخطأ الفقيه ولم يثبت الحديث لأن ظاهر ~~الحديث والفتوى يصير شبهة. # ولو اغتاب إنسانا فظن أن ذلك يفطره ثم أكل بعد ذلك متعمدا فعليه الكفارة، ~~وإن استفتى فقيها أو تأول حديثا لأنه لا يعتد بفتوى الفقيه ولا بتأويله ~~الحديث ههنا لأن ذلك مما لا يشتبه على من له سمة من الفقه وهو لا يخفى على ~~أحد أنه ليس المراد من المروي «الغيبة تفطر الصائم» حقيقة الإفطار ms0971 فلم يصر ~~ذلك شبهة. # وكذا لو دهن شاربه فظن أن ذلك يفطر فأكل بعد ذلك متعمدا فعليه الكفارة ~~وإن استفتى فقيها أو تأول حديثا لما قلنا والله أعلم. # ولو أفطر وهو مقيم فوجبت عليه الكفارة ثم سافر في يومه ذلك # PageV02P100 # لم تسقط عنه الكفارة، ولو مرض في يومه ذلك مرضا يرخص الإفطار أو يبيحه ~~تسقط عنه الكفارة، ووجه الفرق أن في المرض معنى يوجب تغيير الطبيعة عن ~~الصحة إلى الفساد، وذلك المعنى يحدث في الباطن ثم يظهر أثره في الظاهر، ~~فلما مرض في ذلك اليوم علم أنه كان موجودا وقت الإفطار لكنه لم يظهر أثره ~~في الظاهر فكان المرخص أو المبيح موجودا وقت الإفطار، فمنع انعقاد الإفطار ~~موجبا للكفارة، أو وجود أصله أورث شبهة في الوجوب وهذه الكفارة لا تجب مع ~~الشبهة، وهذا المعنى لا يتحقق في السفر لأنه اسم للخروج والانتقال من مكان ~~إلى مكان، وإنه يوجد مقصورا على حال وجوده فلم يكن المرخص أو المبيح موجودا ~~وقت الإفطار فلا يؤثر في وجوبها، وكذلك إذا أفطرت المرأة ثم حاضت في ذلك ~~اليوم أو نفست سقطت عنها الكفارة لأن الحيض دم مجتمع في الرحم يخرج شيئا ~~فشيئا فكان موجودا وقت الإفطار لكنه لم يبرز فمنع وجوب الكفارة. # ولو سافر في ذلك اليوم مكرها لا تسقط عنه الكفارة عند أبي يوسف، وعند زفر ~~تسقط، والصحيح قول أبي يوسف لما ذكرنا أن المرخص أو المبيح وجد مقصورا على ~~الحال فلا يؤثر في الماضي. # ولو جرح نفسه فمرض مرضا شديدا مرخصا للإفطار أو مبيحا؟ اختلف المشايخ فيه ~~قال بعضهم: يسقط. # وقال بعضهم: لا يسقط. # وهو الصحيح لأن المرض هنا حدث من الجرح وإنها وجدت مقصورة على الحال فكان ~~المرض مقصورا على حال حدوثه فلا يؤثر في الزمان الماضي والله أعلم. # ومن أصبح في رمضان لا ينوي الصوم فأكل أو شرب أو جامع عليه قضاء ذلك ~~اليوم ولا كفارة عليه عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر عليه الكفارة بناء على ~~أن صوم رمضان يتأدى بدون ms0972 النية عنده فوجد إفساد صوم رمضان بشرائطه، وعندنا ~~لا يتأدى فلم يوجد الصوم فاستحال الإفساد. # وروي عن أبي يوسف إن أكل قبل الزوال فعليه القضاء والكفارة وإن أكل بعد ~~الزوال فلا كفارة عليه، كذا ذكر القدوري الخلاف بين أبي حنيفة ومحمد وبين ~~أبي يوسف في شرحه مختصر الكرخي، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي الخلاف ~~بين أبي حنيفة وبين صاحبيه. # وجه قول من فصل بين ما قبل الزوال أو بعده: أن الإمساك قبل الزوال كان ~~بفرض أن يصير صوما قبل الأكل والشرب والجماع لجواز أن ينوي فإذا أكل فقد ~~أبطل الفرضية وأخرجه من أن يصير صوما فكان إفسادا للصوم معنى بخلاف ما بعد ~~الزوال لأن الأكل بعد الزوال لم يقع إبطالا للفرضية لبطلانها قبل الأكل، ~~وروى الحسن عن أبي حنيفة فيمن أصبح لا ينوي صوما ثم نوى قبل الزوال ثم جامع ~~في بقية يومه؟ فلا كفارة عليه. # وروي عن أبي يوسف أن عليه الكفارة، وجه قوله أن صوم رمضان يتأدى بنية من ~~النهار قبل الزوال عند أصحابنا فكانت النية من النهار والليل سواء، وجه ~~ظاهر الرواية أنه لو جامع في أول النهار لا كفارة عليه، فكذا إذا جامع في ~~آخره لأن اليوم في كونه محلا للصوم ولا يتجزأ أو يوجب ذلك شبهة في آخر ~~اليوم وهذه الكفارة لا تجب مع الشبهة، وذكر في المنتقى فيمن أصبح ينوي ~~الفطر ثم عزم على الصوم ثم أكل متعمدا أنه لا كفارة عليه عند أبي حنيفة، ~~وعند أبي يوسف عليه الكفارة، والكلام من الجانبين على نحو ما ذكرنا. # ولو جامع في رمضان متعمدا مرارا بأن جامع في يوم ثم جامع في اليوم الثاني ~~ثم في الثالث ولم يكفر فعليه لجميع ذلك كله كفارة واحدة عندنا، وعند ~~الشافعي عليه لكل يوم كفارة، ولو جامع في يوم ثم كفر ثم جامع في يوم آخر ~~فعليه كفارة أخرى في ظاهر الرواية، وروى زفر عن أبي حنيفة أنه ليس عليه ~~كفارة أخرى، ولو جامع في رمضانين ولم يكفر ms0973 للأول فعليه لكل جماع كفارة في ~~ظاهر الرواية. # وذكر محمد في الكيسانيات أن عليه كفارة واحدة وكذا حكى الطحاوي عن أبي ~~حنيفة، وجه قول الشافعي أنه تكرر سبب وجوب الكفارة وهو الجماع عنده، وإفساد ~~الصوم عندنا، والحكم يتكرر بتكرر سببه وهو الأصل إلا في موضع فيه ضرورة كما ~~في العقوبات البدنية وهي الحدود لما في التكرر من خوف الهلاك ولم يوجد ههنا ~~فيتكرر الوجوب ولهذا تكرر في سائر الكفارات وهي كفارة القتل، واليمين، ~~والظهار. # ولنا حديث «الأعرابي أنه لما قال: واقعت امرأتي أمره رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بإعتاق رقبة واحدة بقوله أعتق رقبة» وإن كان قوله واقعت ~~يحتمل المرة والتكرار ولم يستفسر فدل أن الحكم لا يختلف بالمرة والتكرار ~~ولأن معنى الزجر لازم في هذه الكفارة أعني كفارة الإفطار بدليل اختصاص ~~وجوبها بالعمد المخصوص في الجناية الخالصة الخالية عن # PageV02P101 # الشبهة بخلاف سائر الكفارات، والزجر يحصل بكفارة واحدة بخلاف ما إذا جامع ~~فكفر ثم جامع لأنه لما جامع بعد ما كفر علم أن الزجر لم يحصل بالأول. # ولو أفطر في يوم فأعتق ثم أفطر في اليوم الثاني فأعتق ثم أفطر في اليوم ~~الثالث فأعتق ثم استحقت الرقبة الأولى فلا شيء عليه لأن الثانية تجزئ عن ~~الأولى. # وكذا لو استحقت الثانية لأن الثالثة تجزئ عن الثانية ولو استحقت الثالثة ~~فعليه إعتاق رقبة واحدة لأن ما تقدم لا يجزئ عما تأخر، ولو استحقت الثانية ~~أيضا فعليه إعتاق رقبة واحدة لليوم الثاني والثالث، ولو استحقت الأولى أيضا ~~فعليه كفارة واحدة، لأن الإعتاق بالاستحقاق يلتحق بالعدم، وجعل كأنه لم يكن ~~وقد أفطر في ثلاثة أيام ولم يكفر لشيء منها فتكفيه كفارة واحدة، ولو استحقت ~~الأولى والثالثة دون الثانية أعتق رقبة واحدة لليوم الثالث، لأن الثانية ~~أجزأت عن الأولى، والأصل في هذا الجنس أن الإعتاق الثاني يجزئ عما قبله، ~~ولا يجزئ عما بعده. # وأما صيام غير رمضان فلا يتعلق بإفساد شيء منه وجوب الكفارة، لأن وجوب ~~الكفارة بإفساد صوم رمضان عرف بالتوقيف، وأنه صوم ms0974 شريف في وقت شريف لا ~~يوازيهما غيرهما من الصيام والأوقات في الشرف والحرمة، فلا يلحق به في وجوب ~~الكفارة. # وأما وجوب القضاء فأما الصيام المفروض: فإن كان الصوم متتابعا كصوم ~~الكفارة والمنذور متتابعا فعليه الاستقبال لفوات الشرائط وهو التتابع، ولو ~~لم يكن متتابعا كصوم قضاء رمضان والنذر المطلق عن الوقت والنذر في وقت ~~بعينه فحكمه أن لا يعتد به عما عليه ويلحق بالعدم، وعليه ما كان قبل ذلك في ~~قضاء رمضان والنذر المطلق وفي المنذور في وقت بعينه، عليه قضاء ما فسد. # وأما صوم التطوع: فعليه قضاؤه عندنا خلافا للشافعي # وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «أصبحت أنا وحفصة صائمتين ~~متطوعتين فأهدي إلينا حيس فأكلنا منه فسألت حفصة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: اقضيا يوما مكانه» والكلام في وجوب القضاء مبني على الكلام في ~~وجوب المضي، وقد ذكرناه في كتاب الصلاة. # واختلف أصحابنا في الصوم المظنون إذا أفسده بأن شرع في صوم أو صلاة على ~~ظن أنه عليه ثم تبين أنه ليس عليه فأفطر متعمدا؟ قال أصحابنا الثلاثة: لا ~~قضاء عليه لكن الأفضل أن يمضي فيه. # وقال زفر: عليه القضاء. # وحكى الطحاوي عن أبي حنيفة فيمن شرع في صلاة يظن أنها عليه مثل قول زفر ~~وعلى هذا الخلاف إذا شرع في صوم الكفارة ثم أيسر في خلاله فأفطر متعمدا. # وجه قول زفر أنه لما تبين أنه ليس عليه تبين أنه شرع في النفل ولهذا ندب ~~إلى المضي فيه، والشروع في النفل ملزم على أصل أصحابنا، فيلزمه المضي فيه ~~ويلزمه القضاء إذا أفسد، كما لو شرع في النفل ابتداء ولهذا كان الشروع في ~~الحج المظنون ملزما كذا الصوم ولنا أنه شرع مسقطا لا موجبا فلا يجب عليه ~~المضي، ودليل ذلك أنه قصد بالشروع إسقاط ما في ذمته فإذا تبين أنه ليس في ~~ذمته شيء من ذلك لم يصح قصدا، والشروع في العبادة لا يصح من غير قصد إلا ~~أنه استحب له أن يمضي فيه لشروعه في ms0975 العبادة في زعمه وتشبهه بالشارع في ~~العبادة فيثاب عليه كما يثاب المتشبه بالصائمين بإمساك بقية يومه إذا أفطر ~~بعذر، والاشتباه مما يكثر وجوده في باب الصوم، فلو أوجبنا عليه القضاء لوقع ~~في الحرج بخلاف الحج، فإن وقوع الشك والاشتباه في باب الحج نادر غاية ~~الندرة، فكان ملحقا بالعدم فلا يكون في إيجاب القضاء عليه حرج والله أعلم. ### | [فصل حكم الصوم المؤقت إذا فات عن وقته] # (فصل) : # وأما حكم الصوم المؤقت إذا فات عن وقته فالصوم المؤقت نوعان: صوم رمضان ~~والمنذور في وقت بعينه. # أما صوم رمضان فيتعلق بفواته أحكام ثلاثة: وجوب إمساك بقية اليوم تشبها ~~بالصائمين في حال ووجوب القضاء في حال ووجوب الفداء في حال. # أما وجوب الإمساك تشبها بالصائمين فكل من كان له عذر في صوم رمضان في أول ~~النهار مانع من الوجوب أو مبيح للفطر ثم زال عذره وصار بحال لو كان عليه في ~~أول النهار لوجب عليه الصوم ولا يباح له الفطر كالصبي إذا بلغ في بعض ~~النهار وأسلم الكافر وأفاق المجنون وطهرت الحائض وقدم المسافر مع قيام ~~الأهلية يجب عليه إمساك بقية اليوم. # وكذا من وجب عليه الصوم في أول النهار لوجود سبب الوجوب والأهلية ثم تعذر ~~عليه المضي فيه بأن أفطر متعمدا أو أصبح يوم الشك مفطرا ثم تبين أنه من ~~رمضان أو تسحر على # PageV02P102 # ظن أن الفجر لم يطلع ثم تبين له أنه طلع فإنه يجب عليه الإمساك في بقية ~~اليوم تشبها بالصائمين. # وهذا عندنا، وأما عند الشافعي فكل من وجب عليه الصوم في أول النهار ثم ~~تعذر عليه المضي مع قيام الأهلية يجب عليه إمساك بقية اليوم تشبها ومن لا ~~فلا، فعلى قوله لا يجب الإمساك على الصبي إذا بلغ في بعض النهار، والكافر ~~إذا أسلم، والمجنون إذا أفاق، والحائض إذا طهرت، والمسافر إذا قدم مصره، ~~لأنه لم يجب عليهم الصوم في أول النهار، وجه قوله أن الإمساك تشبها يجب ~~خلفا عن الصوم، والصوم لم يجب فلم يجب الإمساك خلفا ولهذا لو ms0976 قال: لله علي ~~أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان فقدم بعد ما أكل الناذر فيه أنه لا يجب ~~الإمساك كذا ههنا ولنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال في ~~يوم عاشوراء: إلا من أكل فلا يأكلن بقية يومه» وصوم عاشوراء كان فرضا ~~يومئذ، ولأن زمان رمضان وقت شريف فيجب تعظيم هذا الوقت بالقدر الممكن، فإذا ~~عجز عن تعظيمه بتحقيق الصوم فيه يجب تعظيمه بالتشبه بالصائمين قضاء لحقه ~~بالقدر الممكن إذا كان أهلا للتشبه ونفيا لتعريض نفسه للتهمة، وفي حق هذا ~~المعنى الوجوب في أول النهار وعدم الوجوب سواء. # وقوله التشبه وجب خلفا عن الصوم ممنوع بل يجب قضاء لحرمة الوقت بقدر ~~الإمكان لا خلفا، بخلاف مسألة النذر لأن الوقت لا يستحق التعظيم حتى يجب ~~قضاء حقه بإمساك بقية اليوم، وههنا بخلافه. # وأما وجوب القضاء فالكلام في قضاء صوم رمضان يقع في مواضع في بيان أصل ~~وجوب القضاء، وفي بيان شرائط وجوب القضاء، وفي بيان وقت وجوبه، وكيفية ~~الوجوب، وفي بيان شرائط جوازه، أما أصل الوجوب فلقوله تعالى {فمن كان منكم ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] فأفطر فعدة من أيام أخر، ~~ولأن الأصل في العبادة المؤقتة إذا فاتت عن وقتها أن تقضى لما ذكرنا في ~~كتاب الصلاة، وسواء فاته صوم رمضان بعذر أو بغير عذر لأنه لما وجب على ~~المعذور فلأن يجب على المقصر أولى، ولأن المعنى يجمعهما وهو الحاجة إلى جبر ~~الفائت بل حاجة غير المعذور أشد. # وأما بيان شرائط وجوبه فمنها القدرة على القضاء حتى لو فاته صوم رمضان ~~بعذر المرض أو السفر ولم يزل مريضا أو مسافرا حتى مات لقي الله ولا قضاء ~~عليه، لأنه مات قبل وجوب القضاء عليه، لكنه إن أوصى بأن يطعم عنه صحت وصيته ~~وإن لم يجب عليه، ويطعم عنه من ثلث ماله لأن صحة الوصية لا تتوقف على ~~الوجوب كما لو أوصى بثلث ماله للفقراء أنه يصح، وإن لم يجب عليه شيء كذا ~~هذا ms0977 فإن برئ المريض أو قدم المسافر وأدرك من الوقت بقدر ما فاته يلزمه قضاء ~~جميع ما أدرك، لأنه قدر على القضاء لزوال العذر، فإن لم يصم حتى أدركه ~~الموت فعليه أن يوصي بالفدية وهي أن يطعم عنه لكل يوم مسكينا لأن القضاء قد ~~وجب عليه ثم عجز عنه بعد وجوبه بتقصير منه فيتحول الوجوب إلى بدله وهو ~~الفدية. # والأصل فيه ما روى أبو مالك الأشجعي «أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن رجل أدركه رمضان وهو شديد المرض لا يطيق الصوم فمات هل يقضى ~~عنه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن مات قبل أن يطيق الصيام ~~فلا يقضى عنه، وإن مات وهو مريض وقد أطاق الصيام في مرضه ذلك فليقض عنه» . # والمراد منه القضاء بالفدية لا بالصوم لما روي عن ابن عمر - رضي الله ~~تعالى عنه - موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «لا يصومن أحد عن أحد ولا يصلين أحد عن أحد» ولأن ما لا يحتمل النيابة ~~حالة الحياة لا يحتمل بعد الموت كالصلاة. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مفسرا أنه قال: «من مات وعليه قضاء ~~رمضان أطعم عنه وليه» وهو محمول على ما إذا أوصى أو على الندب إلى غير ذلك ~~وإذا أوصى بذلك يعتبر من الثلث وإن لم يوص فتبرع به الورثة جاز وإن لم ~~يتبرعوا لم يلزمهم، وتسقط في حق أحكام الدنيا عندنا. # وعند الشافعي يلزمهم من جميع المال سواء أوصى به أو لم يوص. # والاختلاف فيه كالاختلاف في الزكاة، والصحيح قولنا لأن الصوم عبادة ~~والفدية بدل عنها، والأصل لا يتأدى بطريق النيابة فكذا البدل والبدل لا ~~يخالف الأصل والأصل فيه أنه لا يجوز أداء العبادة عن غيره بغير أمره، لأنه ~~يكون جبرا والجبر ينافي معنى العبادة على ما بينا في كتاب الزكاة هذا إذا ~~أدرك من الوقت بقدر ما فاته فمات قبل أن يقضي، فأما إذا أدرك بقدر ما يقضي ~~فيه البعض دون ms0978 البعض بأن صح المريض أياما ثم مات ذكر في الأصل أنه يلزمه ~~القضاء بقدر ما صح، ولم يذكر الخلاف حتى لو مات # PageV02P103 # لا يجب عليه أن يوصي بالإطعام لجميع الشهر بل لذلك القدر الذي لم يصمه ~~وإن صامه فلا وصية عليه رأسا. # وذكر الطحاوي هذه المسألة على الاختلاف فقال في قول أبي حنيفة: يلزمه ~~قضاء الجميع إذا صح يوما واحدا حتى يلزمه الوصية بالإطعام لجميع الشهر إن ~~لم يصم ذلك اليوم، وإن صامه لم يلزمه شيء بالإجماع، وعند محمد يلزمه بقدر ~~ما أدرك وما ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي أن ما ذكره محمد في الأصل ~~قول جميع أصحابنا، وما أثبته الطحاوي من الاختلاف في المسألة غلط، وإنما ~~ذلك في مسألة النذر، وهي أن المريض إذا قال: لله علي أن أصوم شهرا. # فإن مات قبل أن يصح لا يلزمه شيء، وإن صح يوما واحدا يلزمه أن يوصي ~~بالإطعام لجميع الشهر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد لا يلزمه إلا ~~مقدار ما يصح على ما ذكره القدوري. # وإن كان مسألة القضاء على الاتفاق على ما ذكره القدوري فوجه هذا القول ~~ظاهر لأن القدرة على الفعل شرط وجوب الفعل إذ لو لم يكن لكان الإيجاب تكليف ~~ما لا يحتمله الوسع، وأنه محال عقلا وموضوع شرعا ولم يقدر إلا على صوم بعض ~~الأيام فلا يلزمه إلا ذلك القدر، فإن صام ذلك القدر فقد أتى بما عليه فلا ~~يلزمه شيء آخر، وإن لم يصم فقد قصر فيما وجب عليه فيلزمه أن يوصي بالفدية ~~لذلك القدر لا غير إذ لم يجب عليه من الصوم إلا ذلك القدر، وإن كانت ~~المسألتان على الاختلاف على ما ذكره الطحاوي فوجه قول محمد في المسألتين ما ~~ذكرنا وهو لا يحتاج إلى الفرق بينهما، لأن قوله فيهما واحد وهو أنه لا ~~يلزمه من صوم القضاء والصوم المنذور به إلا قدر أيام الصحة حتى لا يلزمه ~~الوصية بالإطعام فيهما إلا لذلك القدر. # وأما وجه قولهما فهو أن قدر ما ms0979 يقدر عليه من الصوم يصلح له الأيام كلها ~~على طريق البدل، لأن كل يوم صالح للصوم فيجعل كأنه قدر على الكل فإذا لم ~~يصم لزمته الوصية بالفدية للكل، وإذا صام فيما قدر وصار قدر ما صام مستحقا ~~للوقت فلم يبق صالحا لوقت آخر فلم يكن القول بوجوب الكل على البدل فلا ~~يلزمه الوصية بالفدية للكل، ومنها أن لا يكون في القضاء حرج لأن الحرج منفي ~~بنص الكتاب. # وأما وجوب الأداء في الوقت فهل هو شرط وجوب القضاء خارج الوقت؟ فقد ذكرنا ~~اختلاف المشايخ في ذلك وخرجنا ما يتصل به من المسائل على القولين ما فيه ~~اتفاق، وما فيه اختلاف. # وأما وقت وجوبه فوقت أدائه. # وقد ذكرناه وهو سائر الأيام خارج رمضان سوى الأيام الستة لقوله تعالى ~~{فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] أمر ~~بالقضاء مطلقا عن وقت معين فلا يجوز تقييده ببعض الأوقات إلا بدليل. # والكلام في كيفية وجوب القضاء أنه على الفور أو على التراخي كالكلام في ~~كيفية الوجوب في الأمر المطلق عن الوقت أصلا، كالأمر بالكفارات والنذور ~~المطلقة ونحوها، وذلك على التراخي عند عامة مشايخنا، ومعنى التراخي عندهم ~~أنه يجب في مطلق الوقت غير عين، وخيار التعيين إلى المكلف ففي أي وقت شرع ~~فيه تعين ذلك الوقت للوجوب، وإن لم يشرع يتضيق الوجوب عليه في آخر عمره في ~~زمان يتمكن فيه من الأداء قبل موته. # وحكى الكرخي عن أصحابنا أنه على الفور، والصحيح هو الأول، وعند عامة ~~أصحاب الحديث الأمر المطلق يقتضي الوجوب على الفور على ما عرف في أصول ~~الفقه وفي الحج اختلاف بين أصحابنا نذكره في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. # وحكى القدوري عن الكرخي أنه كان يقول في قضاء رمضان: إنه مؤقت بما بين ~~رمضانين. # وهذا غير سديد بل المذهب عند أصحابنا أن وجوب القضاء لا يتوقت لما ذكرنا ~~أن الأمر بالقضاء مطلق عن تعيين بعض الأوقات دون بعض، فيجري على إطلاقه. # ولهذا قال أصحابنا: إنه لا يكره ms0980 لمن عليه قضاء رمضان أن يتطوع، ولو كان ~~الوجوب على الفور لكره له التطوع قبل القضاء لأنه يكون تأخيرا للواجب عن ~~وقته المضيق، وإنه مكروه، وعلى هذا قال أصحابنا: إنه إذا أخر قضاء رمضان ~~حتى دخل رمضان آخر فلا فدية عليه. # وقال الشافعي: عليه الفدية كأنه قال بالوجوب على الفور مع رخصة التأخير ~~إلى رمضان آخر، وهذا غير سديد لما ذكرنا أنه لا دلالة في الأمر على تعيين ~~الوقت، فالتعيين يكون تحكما على الدليل والقول بالفدية باطل لأنها لا تجب ~~خلفا عن الصوم عند العجز عن تحصيله عجزا لا ترجى معه القدرة عادة كما في حق ~~الشيخ الفاني، ولم يوجد العجز لأنه قادر على القضاء فلا معنى لإيجاب ~~الفدية. # وأما شرائط جواز القضاء فما هو شرط جواز أداء صوم رمضان فهو شرط جواز ~~قضائه إلا الوقت وتعيين النية من الليل، فإنه يجوز القضاء # PageV02P104 # في جميع الأوقات إلا الأوقات المستثناة، ولا يجوز إلا بنية معينة من ~~الليل بخلاف الأداء، ووجه الفرق ما ذكرنا والله الموفق. # وأما وجوب الفداء: فشرطه العجز عن القضاء عجزا لا ترجى معه القدرة في ~~جميع عمره فلا يجب إلا على الشيخ الفاني، ولا فداء على المريض والمسافر ولا ~~على الحامل والمرضع وكل من يفطر لعذر ترجى معه القدرة لفقد شرطه وهو العجز ~~المستدام، وهذا لأن الفداء خلف عن القضاء، والقدرة على الأصل تمنع المصير ~~إلى الخلف كما في سائر الأخلاف مع أصولها، ولهذا قلنا: إن الشيخ الفاني إذا ~~فدى ثم قدر على الصوم بطل الفداء. # وأما الصوم المنذور في وقت بعينه: فهو كصوم رمضان في وجوب القضاء إذا فات ~~عن وقته وقدر على القضاء، وإن فات بعضه يلزمه قضاء ما فاته لا غير، ولا ~~يلزمه الاستقبال كصوم رمضان بخلاف ما إذا أوجب على نفسه صوم شهر متتابعا ~~فأفطر يوما أنه يلزمه الاستقبال، والفرق بينهما قد تقدم، ولو مات قبل ممر ~~الوقت فلا قضاء عليه لأن الإيجاب مضاف إلى زمان متعين فإذا مات قبله لم يجب ~~عليه، فلا ms0981 يلزمه شيء، كما لو مات قبل دخول رمضان وكذلك إذا أدرك الوقت وهو ~~مريض ثم مات قبل أن يبرأ فلا قضاء عليه فإن برئ قبل الموت فعليه القضاء كما ~~في صوم رمضان، ولو نذر وهو صحيح وصام بعض الشهر وهو صحيح ثم مرض فمات قبل ~~تمام الشهر يلزمه أن يوصي بالفدية لما بقي من الشهر، ولو نذر وهو مريض ثم ~~مات قبل أن يصح لا يلزمه شيء بلا خلاف، ولو صح يوما يلزمه أن يوصي بالفدية ~~لجميع الشهر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد بقدر ما صح. # وقد ذكرنا المسألة والله أعلم. ### | [فصل بيان ما يسن وما يستحب للصائم وما يكره له أن يفعله] # (فصل) : # وأما بيان ما يسن وما يستحب للصائم وما يكره له أن يفعله فنقول: يسن ~~للصائم السحور لما روي عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «إن فصلا بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة ~~السحور» ولأنه يستعان به على صيام النهار، وإليه أشار النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في الندب إلى السحور فقال: «استعينوا بقائلة النهار على قيام ~~الليل وبأكل السحور على صيام النهار» والسنة فيها هو التأخير لأن معنى ~~الاستعانة فيه أبلغ. # وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثلاث من سنن ~~المرسلين: تأخير السحور، وتعجيل الإفطار، ووضع اليمين على الشمال تحت السرة ~~في الصلاة» وفي رواية قال: «ثلاث من أخلاق المرسلين» . # ولو شك في طلوع الفجر فالمستحب له أن لا يأكل هكذا روى أبو يوسف عن أبي ~~حنيفة أنه قال: إذا شك في الفجر فأحب إلي أن يدع الأكل لأنه يحتمل أن الفجر ~~قد طلع فيكون الأكل إفسادا للصوم فيتحرز عنه. # والأصل فيه ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لوابصة بن ~~معبد: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما ~~لا يريبك» ولو أكل وهو شاك لا يحكم عليه بوجوب القضاء عليه ms0982 لأن فساد الصوم ~~مشكوك فيه لوقوع الشك في طلوع الفجر مع أن الأصل هو بقاء الليل فلا يثبت ~~النهار بالشك. # وهل يكره الأكل مع الشك؟ روى هشام عن أبي يوسف أنه يكره. # وروى ابن سماعة عن محمد أنه لا يكره والصحيح قول أبي يوسف، وهكذا روى ~~الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا شك فلا يأكل وإن أكل فقد أساء لما روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ألا إن لكل ملك حمى ألا وإن حمى ~~الله محارمه فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» . # والذي يأكل مع الشك في طلوع الفجر يحوم حول الحمى فيوشك أن يقع فيه فكان ~~بالأكل معرضا صومه للفساد فيكره له ذلك. # وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه لو ظهر على أمارة الطلوع من ضرب ~~الدبداب والأذان يكره، وإلا فلا، ولا تعويل على ذلك لأنه مما يتقدم ويتأخر ~~هذا إذا تسحر وهو شاك في طلوع الفجر، فأما إذا تسحر وأكبر رأيه أن الفجر ~~طالع فذكر في الأصل وقال: إن الأحب إلينا أن يقضي، وروى الحسن عن أبي حنيفة ~~أنه يقضي، وذكر القدوري أن الصحيح أنه لا قضاء عليه، وجه رواية الأصل أنه ~~على يقين من الليل فلا يبطل إلا بيقين مثله. # وجه رواية الحسن أن غالب الرأي دليل واجب العمل به بل هو في حق وجوب ~~العمل في الأحكام بمنزلة اليقين. # وعلى رواية الحسن اعتمد شيخنا - رحمه الله -. # ويسن تعجيل الإفطار إذا غربت الشمس هكذا روي عن أبي حنيفة أنه قال: ~~وتعجيل الإفطار إذا غربت الشمس أحب إلينا لما روينا من الحديث وهو قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث من سنن المرسلين» وذكر من جملتها تعجيل ~~الإفطار. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P105 # أنه قال: «لا تزال أمتي بخير ما لم ينتظروا للإفطار طلوع النجوم» ولتأخير ~~يؤدي إليه، ولو شك في غروب الشمس لا ينبغي له أن يفطر لجواز أن الشمس لم ~~تغرب فكان الإفطار إفسادا للصوم، ولو أفطر وهو شاك ms0983 في غروب الشمس ولم يتبين ~~الحال بعد ذلك أنها غربت أم لا لم يذكره في الأصل ولا القدوري في شرحه ~~مختصر الكرخي، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي: أنه يلزمه القضاء، فرق ~~بينه وبين التسحر. # ووجه الفرق أن هناك الليل أصل فلا يثبت النهار بالشك فلا يبطل المتيقن به ~~بالمشكوك فيه، وههنا النهار أصل فلا يثبت الليل بالشك، فكان الإفطار حاصلا ~~فيما له حكم النهار، فيجب قضاؤه، ويجوز أن يكون ما ذكره القاضي جواب ~~الاستحسان احتياطا. # فأما في الحكم المار وهو القياس أن لا يحكم بوجوب القضاء لأن وجوب القضاء ~~حكم حادث لا يثبت إلا بسبب حادث وهو إفساد الصوم وفي وجوده شك وعلى هذا ~~يحمل اختلاف الروايتين في مسألة التسحر بأن تسحر وأكبر رأيه أن الفجر طالع ~~ولو أفطر وأكبر رأيه أن الشمس قد غربت فلا قضاء عليه لما ذكرنا أن غالب ~~الرأي حجة موجبة للعمل به، وأنه في الأحكام بمنزلة اليقين، وإن كان غالب ~~رأيه أنها لم تغرب فلا شك في وجوب القضاء عليه لأنه انضاف إلى غلبة الظن ~~حكم الأصل وهو بقاء النهار فوقع إفطاره في النهار فيلزمه القضاء، واختلف ~~المشايخ في وجوب الكفارة قال بعضهم: تجب لما ذكرنا أن غالب الرأي نزل منزلة ~~اليقين في وجوب العمل، كيف وقد انضم إليه شهادة الأصل وهو بقاء النهار، ~~وقال بعضهم: لا تجب وهو الصحيح لأن احتمال الغروب قائم فكانت الشبهة ثابتة ~~وهذه الكفارة لا تجب مع الشبهة والله أعلم. # ولا بأس أن يكتحل الصائم بالإثمد وغيره، ولو فعل لا يفطره، وإن وجد طعمه ~~في حلقه عند عامة العلماء لما روينا «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~اكتحل وهو صائم» ولما ذكرنا أنه ليس للعين منفذ إلى الجوف، وإن وجد في حلقه ~~فهو أثره لا عينه، ولا بأس أن يدهن لما قلنا، وكره أبو حنيفة أن يمضغ ~~الصائم العلك لأنه لا يؤمن أن ينفصل شيء منه فيدخل حلقه، فكان المضغ تعريضا ~~لصومه للفساد فيكره ولو فعل لا يفسد ms0984 صومه لأنه لا يعلم وصول شيء منه إلى ~~الجوف، وقيل هذا إذا كان معجونا، فأما إذا لم يكن يفطره لأنه يتفتت فيصل ~~شيء منه إلى جوفه ظاهرا أو غالبا، ويكره للمرأة أن تمضغ لصبيتها طعاما وهي ~~صائمة لأنه لا يؤمن أن يصل شيء منه إلى جوفها إلا إذا كان لا بد لها من ذلك ~~فلا يكره للضرورة، ويكره للصائم أن يذوق العسل أو السمن أو الزيت ونحو ذلك ~~بلسانه ليعرف أنه جيد أو رديء، وإن لم يدخل حلقه ذلك وكذا يكره للمرأة أن ~~تذوق المرقة لتعرف طعمها لأنه يخاف وصول شيء منه إلى الحلق فتفطر. # ولا بأس للصائم أن يستاك سواء كان السواك يابسا أو رطبا مبلولا أو غير ~~مبلول، وقال أبو يوسف: إذا كان مبلولا يكره. # وقال الشافعي: يكره السواك في آخر النهار كيفما كان. # واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لخلوف فم ~~الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» والاستياك يزيل الخلوف فيكره، وجه قول ~~أبي يوسف أن الاستياك بالمبلول من السواك إدخال الماء في الفم من غير حاجة ~~فيكره، ولنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خير خلال ~~الصائم السواك» والحديث حجة على أبي يوسف والشافعي لأنه وصف الاستياك ~~بالخيرية مطلقا من غير فصل بين المبلول وغير المبلول، وبين أن يكون في أول ~~النهار وآخره، لأن المقصود منه تطهير الفم، فيستوي فيه المبلول وغيره أول ~~النهار وآخره، كالمضمضة وأما الحديث: فالمراد منه تفخيم شأن الصائم ~~والترغيب في الصوم والتنبيه على كونه محبوبا لله تعالى ومرضيه، ونحن به ~~نقول أو يحمل على أنهم كانوا يتحرجون عن الكلام مع الصائم لتغير فمه بالصوم ~~فمنعهم عن ذلك ودعاهم إلى الكلام. # ولا بأس للصائم أن يقبل ويباشر إذا أمن على نفسه ما سوى ذلك. # أما القبلة فلما روي أن عمر - رضي الله عنه - «سأل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن القبلة للصائم فقال: أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان ~~يضرك؟ ms0985 قال: لا، قال: فصم إذا» . # وفي رواية أخرى «عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: هششت إلى أهلي ثم أتيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: إني عملت اليوم عملا عظيما إني ~~قبلت وأنا صائم فقال: أرأيت لو تمضمضت بماء أكان يضرك؟ قلت: لا، قال: فصم ~~إذا» . # وعن عائشة أنها قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبل # PageV02P106 # وهو صائم» . # وروي «أن شابا وشيخا سألا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن القبلة ~~للصائم، فنهى الشاب ورخص للشيخ وقال: الشيخ أملك لإربه وأنا أملككم لإربي» ~~وفي رواية «الشيخ يملك نفسه» وأما المباشرة فلما روي عن عائشة - رضي الله ~~عنها - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يباشر وهو صائم وكان ~~أملككم لإربه» وروي عن أبي حنيفة أنه كره المباشرة ووجه هذه الرواية أن عند ~~المباشرة لا يؤمن على ما سوى ذلك ظاهرا وغالبا بخلاف القبلة وفي حديث عائشة ~~- رضي الله عنها - إشارة إلى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~مخصوصا بذلك حيث قالت وكان أملككم لإربه. # قال أبو يوسف: ويكره للصائم أن يتمضمض لغير الوضوء لأنه يحتمل أن يسبق ~~الماء إلى حلقه ولا ضرورة فيه. # وإن كان للوضوء لا يكره لأنه محتاج إليه لإقامة السنة. # وأما الاستنشاق والاغتسال وصب الماء على الرأس والتلفف بالثوب المبلول ~~فقد قال أبو حنيفة: أنه يكره، وقال أبو يوسف: لا يكره، واحتج بما روي «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صب على رأسه ماء من شدة الحر وهو صائم» ~~وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يبل الثوب ويتلفف به وهو صائم ~~ولأنه ليس فيه إلا دفع أذى الحر فلا يكره، كما لو استظل، ولأبي حنيفة أن ~~فيه إظهار الضجر من العبادة والامتناع عن تحمل مشقتها، وفعل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - محمول على حال مخصوصة وهي حال خوف الإفطار من شدة ~~الحر. # وكذا فعل ابن عمر - رضي الله عنه - محمول مثل هذه الحالة ولا كلام فيه. ms0986 # ولا تكره الحجامة للصائم لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم» وعن أنس - رضي الله عنه - «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم محرم» . # ولو احتجم لا يفطره عند عامة العلماء، وعند أصحاب الحديث يفطره، واحتجوا ~~بما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على معقل بن يسار وهو ~~يحتجم في رمضان فقال: أفطر الحاجم والمحجوم» ولنا ما روي عن ابن عباس وأنس ~~- رضي الله عنهما - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم» ~~ولو كان الاحتجام يفطر لما فعله. # وروينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثلاث لا يفطرن ~~الصائم: القيء، والحجامة، والاحتلام» وأما ما روي من الحديث فقد قيل: إنه ~~كان ذلك في الابتداء ثم رخص بعد ذلك. # والثاني: أنه ليس في الحديث إثبات الفطر بالحجامة فيحتمل أنه كان منهما ~~ما يوجب الفطر وهو ذهاب ثواب الصوم كما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر برجل يحجم رجلا وهما يغتابان فقال: ~~«أفطر الحاجم والمحجوم» # أي: بسبب الغيبة منهما على ما روي «الغيبة تفطر الصائم» ولأن الحجامة ~~ليست إلا إخراج شيء من الدم والفطر مما يدخل والوضوء مما يخرج كذا قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # وليس للمرأة التي لها زوج أن تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها، لما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم ~~الآخر أن تصوم صوم تطوع إلا بإذن زوجها» ولأن له حق الاستمتاع بها ولا ~~يمكنه ذلك في حال الصوم، وله أن يمنعها إن كان يضره، لما ذكرنا أنه لا ~~يمكنه استيفاء حقه مع الصوم فكان له منعها. # فإن كان صيامها لا يضره بأن كان صائما أو مريضا لا يقدر على الجماع فليس ~~له أن يمنعها، لأن المنع كان لاستيفاء حقه فإذا لم يقدر على الاستمتاع فلا ms0987 ~~معنى للمنع وليس لعبد ولا أمة ولا مدبر ولا مدبرة وأم ولد أن تصوم بغير إذن ~~المولى؛ لأن منافعه مملوكة للمولى إلا في القدر المستثنى وهو الفرائض فلا ~~يملك صرفها إلى التطوع، وسواء كان ذلك يضر المولى أو لا يضره، بخلاف المرأة ~~لأن المنع ههنا لمكان الملك فلا يقف على الضرر. # وللزوج أن يفطر المرأة إذا صامت بغير إذنه، وكذا للمولى، وتقضي المرأة ~~إذا أذن لها زوجها أو بانت منه، ويقضي العبد إذا أذن له المولى أو أعتق لأن ~~الشروع في التطوع قد صح منها إلا أنهما منعا في المضي فيه لحق الزوج ~~والمولى، فإذا أفطرا لزمهما القضاء. # وأما الأجير الذي استأجره الرجل ليخدمه فلا يصوم تطوعا إلا بإذنه، لأن ~~صومه يضر المستأجر أما لو كان لا يضره فله أن يصوم بغير إذنه لأن حقه في ~~منافعه بقدر ما تتأدى به الخدمة، والخدمة حاصلة له من غير خلل، بخلاف العبد ~~فإن له أن يمنعه وإن كان لا يضره صومه لأن المانع هناك ملك الرأس وأنه يظهر ~~في حق جميع المنافع سوى القدر المستثنى، وههنا المانع ملك بعض المنافع وهو ~~قدر ما تتأدى به الخدمة، وذلك القدر حاصل من غير خلل فلا يملك منعه. # وأما بنت الرجل وأمه وأخته فلها أن تتطوع بغير # PageV02P107 # إذنه لأنه لا حق له في منافعها، فلا يملك منعها كما لا يملك منع ~~الأجنبية. # ولو أراد المسافر دخول مصره أو مصرا آخر ينوي فيه الإقامة يكره له أن ~~يفطر في ذلك اليوم، وإن كان مسافرا في أوله لأنه اجتمع المحرم للفطر وهو ~~الإقامة والمرخص والمبيح وهو السفر في يوم واحد فكان الترجيح للمحرم ~~احتياطا فإن كان أكبر رأيه أن لا يتفق دخوله المصر حتى تغيب الشمس فلا بأس ~~بالفطر فيه ولا بأس بقضاء رمضان في عشر ذي الحجة وهو مذهب عمر وعامة ~~الصحابة - رضي الله عنهم - إلا شيئا حكي عن علي أنه قال: يكره فيها لما روي ~~«عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن قضاء ms0988 رمضان في العشر» الصحيح ~~قول العامة لقوله تعالى {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ~~[البقرة: 184] مطلقا من غير فصل ولأنها وقت يستحب فيها الصوم فكان القضاء ~~فيها أولى من القضاء في غيرها، وما روي من الحديث غريب في حد الأحاديث، فلا ~~يجوز تقييد مطلق الكتاب وتخصيصه بمثله أو نحمله على الندب في حق من اعتاد ~~التنفل بالصوم في هذه الأيام، فالأفضل في حقه أن يقضي في غيرها لئلا تفوته ~~فضيلة صوم هذه الأيام ويقضي صوم رمضان في وقت آخر والله أعلم بالصواب. ### | [كتاب الاعتكاف] ### | [فصل صفة الاعتكاف] # (كتاب الاعتكاف) : # الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان صفة الاعتكاف وفي بيان شرائط ~~صحته وفي بيان ركنه ويتضمن بيان محظورات الاعتكاف وما يفسده وما لا يفسده ~~وفي بيان حكمه إذا فسد وفي بيان حكمه إذا فات عن وقته المعين له أما الأول ~~فالاعتكاف في الأصل سنة وإنما يصير واجبا بأحد أمرين، أحدهما: قول وهو ~~النذر المطلق، بأن يقول: لله علي أن أعتكف يوما أو شهرا أو نحو ذلك، أو ~~علقه بشرط، بأن يقول: إن شفى الله مريضي، أو إن قدم فلان فلله علي أن أعتكف ~~شهرا أو نحو ذلك. # والثاني فعل، وهو الشروع؛ لأن الشروع في التطوع ملزم عندنا كالنذر، ~~والدليل على أنه في الأصل سنة، مواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه ~~روي عن عائشة وأبي هريرة - رضي الله عنهما - أنهما قالا: «كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله ~~تعالى» وعن الزهري أنه قال: عجبا للناس تركوا الاعتكاف وقد «كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يفعل الشيء ويتركه ولم يترك الاعتكاف منذ دخل ~~المدينة إلى أن مات» . # ومواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه دليل كونه سنة في الأصل ولأن ~~الاعتكاف تقرب إلى الله تعالى بمجاورة بيته والإعراض عن الدنيا والإقبال ~~على خدمته لطلب الرحمة وطمع المغفرة حتى قال عطاء الخراساني مثل المعتكف ~~مثل ms0989 الذي ألقى نفسه بين يدي الله تعالى يقول: لا أبرح حتى يغفر لي؛ ولأنه ~~عبادة لما فيه من إظهار العبودية لله تعالى بملازمة الأماكن المنسوبة إليه. # والعزيمة في العبادات القيام بها بقدر الإمكان وانتفاء الحرج، وإنما رخص ~~تركها في بعض الأوقات فكان الاشتغال بالاعتكاف اشتغالا بالعزيمة حتى لو نذر ~~به يلتحق بالعزائم الموظفة التي لا رخصة في تركها والله أعلم. ### | [فصل شرائط صحة الاعتكاف] # (فصل) : # وأما شرائط صحته فنوعان: نوع يرجع إلى المعتكف، ونوع يرجع إلى المعتكف ~~فيه. # أما ما يرجع إلى المعتكف فمنها: الإسلام والعقل والطهارة عن الجنابة ~~والحيض والنفاس، وإنها شرط الجواز في نوعي الاعتكاف الواجب والتطوع جميعا؛ ~~لأن الكافر ليس من أهل العبادة. # وكذا المجنون؛ لأن العبادة لا تؤدى إلا بالنية وهو ليس من أهل النية. # والجنب والحائض والنفساء ممنوعون عن المسجد وهذه العبادة لا تؤدى إلا في ~~المسجد وأما البلوغ فليس بشرط لصحة الاعتكاف فيصح من الصبي العاقل؛ لأنه من ~~أهل العبادة، كما يصح منه صوم التطوع. # ولا تشترط الذكورة والحرية فيصح من المرأة والعبد بإذن المولى والزوج، إن ~~كان لها زوج؛ لأنهما من أهل العبادة، وإنما المانع حق الزوج والمولى، فإذا ~~وجد الإذن فقد زال المانع ولو نذر المملوك اعتكافا فللمولى أن يمنعه عنه، ~~فإذا أعتق قضاه، وكذلك المرأة إذا نذرت فلزوجها أن يمنعها فإذا بانت قضت؛ ~~لأن للزوج ملك المنفعة فيها، وللولي ملك الذات والمنفعة في المملوك، وفي ~~الاعتكاف تأخير # PageV02P108 # حقهما في استيفاء المنفعة فكان لهما المنع ما داما في ملك الزوج والمولى ~~فإذا بانت المرأة وأعتق المملوك؛ لزمهما قضاؤه، ولأن النذر منهما قد صح ~~لوجوده من الأهل لكنهما منعا لحق المولى والزوج، فإذا سقط حقهما بالعتق ~~والبينونة فقد زال المانع فيلزمهما القضاء وأما المكاتب فليس للولي أن ~~يمنعه من الاعتكاف الواجب والتطوع؛ لأن المولى لا يملك منافع مكاتبه؛ فكان ~~كالحر في حق منافعه. # وإذا أذن الرجل لزوجته بالاعتكاف؛ لم يكن له أن يرجع عنه؛ لأنه لما أذن ~~لها بالاعتكاف فقد ملكها منافع الاستمتاع ms0990 بها في زمان الاعتكاف، وهي من أهل ~~الملك، فلا يملك الرجوع عن ذلك والنهي عنه بخلاف المملوك إذا أذن له مولاه ~~بالاعتكاف أنه يملك الرجوع عنه؛ لأن هناك ما ملكه المولى منافعه؛ لأنه ليس ~~من أهل الملك وإنما أعاره منافعه، وللمعير أن يرجع في العارية متى شاء، إلا ~~أنه يكره له الرجوع؛ لأنه خلف في الوعد وغرور فيكره له ذلك. # ومنها: النية لأن العبادة لا تصح بدون النية. # ومنها: الصوم فإنه شرط لصحة الاعتكاف الواجب بلا خلاف بين أصحابنا، وعند ~~الشافعي ليس بشرط، ويصح الاعتكاف بدون الصوم والمسألة مختلفة بين الصحابة - ~~رضي الله عنهم - وروي عن ابن عباس وعائشة وإحدى الروايتين عن علي - رضي ~~الله عنهم - مثل مذهبنا. # وروي عن علي وعبد الله بن مسعود مثل مذهبه. # وجه قوله أن الاعتكاف ليس إلا اللبث والإقامة، وذا لا يفتقر إلى الصوم، ~~ولأن الصوم عبادة مقصودة بنفسه فلا يصلح شرطا لغيره؛ لأن شرط الشيء تبع له ~~وفيه جعل المتبوع تبعا وأنه قلب الحقيقة ولهذا لم يشترط لاعتكاف التطوع. # وكذا يصح الشروع في الاعتكاف الواجب بدونه بأن قال لله علي أن أعتكف شهر ~~رجب فكما رأى الهلال يجب عليه الدخول في الاعتكاف ولا صوم في ذلك الوقت. # ولو كان شرطا؛ لما جاز بدونه فضلا عن الوجوب إذ الشروع في العبادة بدون ~~شرطها لا يصح والدليل عليه أنه لو قال لله علي أن أعتكف شهر رمضان فصام ~~رمضان واعتكف خرج عن عهدة النذر وإن لم يجب عليه الصوم بالاعتكاف. # ولنا ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «لا اعتكاف إلا بصوم» ولأن الصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب ~~والجماع ثم أحد ركني الصوم وهو الإمساك عن الجماع شرط صحة الاعتكاف، فكذا ~~الركن الآخر وهو الإمساك عن الأكل والشرب لاستواء كل واحد منهما في كونه ~~ركنا للصوم. # فإذا كان أحد الركنين شرطا كان الآخر كذلك، ولأن معنى هذه العبادة وهو ما ~~ذكرنا من الإعراض عن الدنيا والإقبال ms0991 على الآخرة بملازمة بيت الله تعالى لا ~~يتحقق بدون ترك قضاء الشهوتين إلا بقدر الضرورة وهي ضرورة القوام وذلك ~~بالأكل والشرب في الليالي، ولا ضرورة في الجماع. # وقوله الاعتكاف ليس إلا اللبث والمقام مسلم لكن هذا لا يمنع أن يكون ~~الإمساك عن الأكل والشرب شرطا لصحته، كما لم يمنع أن يكون الإمساك عن الأكل ~~والشرب والجماع شرطا لصحته، والنية وكذا كون الصوم عبادة مقصودة بنفسه لا ~~ينافي أن يكون شرطا لغيره. # ألا ترى أن قراءة القرآن عبادة مقصودة بنفسه ثم جعل شرطا لجواز الصلاة ~~حالة الاختيار كذا ههنا وأما اعتكاف التطوع فقد روى الحسن عن أبي حنيفة أنه ~~لا يصح بدون الصوم ومن مشايخنا من اعتمد على هذه الرواية وأما على ظاهر ~~الرواية فلأن في الاعتكاف التطوع عن أصحابنا روايتين: في رواية مقدر بيوم، ~~وفي رواية غير مقدر أصلا، وهو رواية الأصل. # فإذا لم يكن مقدرا والصوم عبادة مقدرة بيوم؛ فلا يصلح شرطا لما ليس ~~بمقدر، بخلاف الاعتكاف الواجب فإنه مقدر بيوم لا يجوز الخروج عنه قبل ~~تمامه؛ فجاز أن يكون الصوم شرطا لصحته. # وأما إذا قال: لله علي أن أعتكف شهر رجب؛ فإنما أوجب عليه الدخول في ~~الاعتكاف في الليل؛ لأن الليالي دخلت في الاعتكاف المضاف إلى الشهر لضرورة ~~اسم الشهر إذ هو اسم للأيام، والليالي دخلت تبعا لا أصلا ومقصودا؛ فلا ~~يشترط لها ما يشترط للأصل، كما إذا قال: لله علي أن أعتكف ثلاثة أيام؛ أنه ~~يدخل فيه الليالي ويكون أول دخوله فيه من الليل؛ لما قلنا، كذا هذا. # وأما النذر باعتكاف شهر رمضان فإنما يصح لوجود شرطه وهو الصوم في زمان ~~الاعتكاف. # وإن لم يكن لزومه بالتزام الاعتكاف لأن ذلك أفضل وأما اعتكاف التطوع ~~فالصوم ليس بشرط لجوازه في ظاهر الرواية وإنما الشرط أحد ركني الصوم عينا ~~وهو الإمساك عن الجماع لقوله تعالى {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} ~~[البقرة: 187] # PageV02P109 # فأما الإمساك عن الأكل والشرب فليس بشرط وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه شرط ~~واختلاف الرواية فيه ms0992 مبني على اختلاف الرواية في اعتكاف التطوع أنه مقدر ~~بيوم أو غير مقدر ذكر محمد في الأصل أنه غير مقدر ويستوي فيه القليل ~~والكثير ولو ساعة. # وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه مقدر بيوم، فلما لم يكن مقدرا على رواية ~~الأصل؛ لم يكن الصوم شرطا له؛ لأن الصوم مقدر بيوم إذ صوم بعض اليوم ليس ~~بمشروع فلا يصلح شرطا لما ليس مقدرا. # ولما كان مقدرا بيوم على رواية الحسن فالصوم يصلح أن يكون شرطا له ~~والكلام فيه يأتي في موضعه. # وعلى هذا يخرج ما إذا قال: لله علي أن أعتكف يوما أنه يصح نذره وعليه أن ~~يعتكف يوما واحدا بصوم والتعيين إليه فإذا أراد أن يؤدي يدخل المسجد قبل ~~طلوع الفجر فيطلع الفجر وهو فيه فيعتكف يومه ذلك ويخرج منه بعد غروب الشمس؛ ~~لأن اليوم اسم لبياض النهار، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فيجب أن ~~يدخل المسجد قبل طلوع الفجر حتى يقع اعتكافه في جميع اليوم وإنما كان ~~التعيين إليه؛ لأنه لم يعين اليوم في النذر. # ولو قال: لله علي أن أعتكف ليلة؛ لم يصح ولم يلزمه شيء عندنا؛ لأن الصوم ~~شرط صحة الاعتكاف، فالليل ليس بمحل للصوم ولم يوجد منه ما يوجب دخوله في ~~الاعتكاف تبعا؛ فالنذر لم يصادف محله. # وعند الشافعي يصح؛ لأن الصوم عنده ليس بشرط لصحة الاعتكاف. # وروي عن أبي يوسف أنه إن نوى ليلة بيومها؛ لزمه ذلك ولم يذكر محمد هذا ~~التفصيل في الأصل. # فإما أن يوفق بين الروايتين فيحمل المذكور في الأصل على ما إذا لم تكن له ~~نية، وإما أن يكون في المسألة روايتان. # وجه ما روي عن أبي يوسف: اعتبار الفرد بالجمع وهو أن ذكر الليالي بلفظ ~~الجمع يكون ذكرا للأيام كذا ذكر الليلة الواحدة يكون ذكرا ليوم واحد. # والجواب أن هذا إثبات اللغة بالقياس ولا سبيل إليه؛ فلو قال: لله علي أن ~~أعتكف ليلا ونهارا؛ لزمه أن يعتكف ليلا ونهارا وإن لم يكن الليل محلا ~~للصوم؛ لأن الليل يدخل ms0993 فيه تبعا ولا يشترط للتبع ما يشترط للأصل ولو نذر ~~اعتكاف يوم قد أكل فيه؛ لم يصح ولم يلزمه شيء؛ لأن الاعتكاف الواجب لا يصح ~~بدون الصوم ولا يصح الصوم في يوم قد أكل فيه، وإذا لم يصح الصوم؛ لم يصح ~~الاعتكاف. # ولو قال: لله علي أن أعتكف يومين ولا نية له؛ يلزمه اعتكاف يومين ~~بليلتيهما وتعيين ذلك إليه فإذا أراد أن يؤدي؛ يدخل المسجد قبل غروب الشمس ~~فيمكث تلك الليلة ويومها، ثم الليلة الثانية ويومها إلى أن تغرب الشمس ثم ~~يخرج من المسجد وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف الليلة الأولى لا ~~تدخل في نذره وإنما تدخل الليلة المتخللة بين اليومين. # فعلى قوله يدخل قبل طلوع الفجر وروي عن ابن سماعة أن المستحب له أن يدخل ~~قبل غروب الشمس، ولو دخل قبل طلوع الفجر جاز وجه قوله أن اليوم في الحقيقة ~~اسم لبياض النهار إلا أن الليلة المتخللة تدخل لضرورة حصول التتابع والدوام ~~ولا ضرورة في دخول الليلة الأولى، بخلاف ما إذا ذكر الأيام بلفظ الجمع حيث ~~يدخل ما بإزائها من الليالي؛ لأن الدخول هناك للعرف والعادة كقول الرجل: ~~كنا عند فلان ثلاثة أيام ويريد به ثلاثة أيام وما بإزائها من الليالي، ومثل ~~هذا العرف لم يوجد في التثنية ولهما أن هذا العرف أيضا ثابت في التثنية كما ~~في الجمع؛ يقول الرجل: كنا عند فلان يومين ويريد به يومين وما بإزائهما من ~~الليالي. # ويلزمه اعتكاف يومين متتابعين لكن تعيين اليومين إليه؛ لأنه لم يعين في ~~النذر، ولو نوى يومين خاصة دون ليلتيهما؛ صحت نيته ويلزمه اعتكاف يومين ~~بغير ليلة؛ لأنه نوى حقيقة كلامه وهو بالخيار: إن شاء تابع وإن شاء فرق؛ ~~لأنه ليس في لفظه ما يدل على التتابع واليومان متفرقان لتخلل الليلة ~~بينهما؛ فصار الاعتكاف ههنا كالصوم فيدخل في كل يوم المسجد قبل طلوع الفجر ~~ويخرج منه بعد غروب الشمس وكذا لو قال: لله علي أن أعتكف ثلاثة أيام أو ~~أكثر من ذلك ولا نية له؛ ms0994 أنه يلزمه الأيام مع لياليهن وتعيينها إليه، لكن ~~يلزمه مراعاة صفة التتابع. # وإن نوى الأيام دون الليالي صحت نيته؛ لما قلنا ويلزمه اعتكاف ثلاثة أيام ~~بغير ليلة وله خيار التفريق؛ لأن القربة تعلقت بالأيام. # والأيام متفرقة؛ فلا يلزمه التتابع إلا بالشرط كما في الصوم ويدخل كل يوم ~~قبل طلوع الفجر إلى غروب الشمس ثم يخرج. # ولو قال: لله علي أن أعتكف ليلتين ولا نية له؛ يلزمه اعتكاف ليلتين مع ~~يوميهما، وكذلك لو قال: ثلاث ليال أو أكثر من ذلك من الليالي ويلزمه ~~متتابعا لكن التعيين إليه لما قلنا ويدخل المسجد قبل # PageV02P110 # غروب الشمس. # ولو نوى الليل دون النهار؛ صحت نيته؛ لأنه نوى حقيقة كلامه ولا يلزمه ~~شيء؛ لأن الليل ليس وقتا للصوم. # والأصل في هذا أن الأيام إذا ذكرت بلفظ الجمع يدخل ما بإزائها من ~~الليالي. # وكذا الليالي إذا ذكرت بلفظ الجمع يدخل ما بإزائها من الأيام؛ لقوله ~~تعالى في قصة زكريا - عليه السلام - {ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] ~~وقال عز وجل في موضع آخر {ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] والقصة قصة واحدة، ~~فلما عبر في موضع باسم الأيام وفي موضع باسم الليالي؛ دل أن المراد من كل ~~واحد منهما: هو وما بإزاء صاحبه، حتى أن في الموضع الذي لم تكن الأيام فيه ~~على عدد الليالي أفرد كل واحد منهما بالذكر قال الله تعالى {سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما} [الحاقة: 7] وللآيتين حكم الجماعة ههنا لجريان العرف ~~فيه كما في اسم الجمع على ما بينا ولو قال: لله علي أن أعتكف ثلاثين يوما ~~ولا نية له؛ فهو على الأيام والليالي متتابعا لكن التعيين إليه. # ولو قال: نويت النهار دون الليل؛ صحت نيته؛ لأنه عنى به حقيقة كلامه دون ~~ما نقل عنه بالعرف والعرف أيضا باستعمال هذه الحقيقة باق فتصح نيته. # ثم هو بالخيار: إن شاء تابع، وإن شاء فرق؛ لأن اللفظ مطلق عن قيد التتابع ~~وكذا ذات الأيام لا تقتضي التتابع لتخلل ما ليس بمحل للاعتكاف بين كل ~~يومين. # ولو قال: ms0995 عنيت الليالي دون النهار؛ لم يعمل بنيته ولزمه الليل والنهار؛ ~~لأنه لما نص على الأيام، فإذا قال: نويت بها الليالي دون الأيام؛ فقد نوى ~~ما لا يحتمله كلامه؛ فلا يقبل قوله. # ولو قال: لله علي أن أعتكف ثلاثين ليلة وقال: عنيت به الليالي دون النهار ~~لا يلزمه شيء؛ لأنه عنى به حقيقة كلامه والليالي في اللغة: اسم للزمان الذي ~~كانت الشمس فيه غائبة إلا أنها عند الإطلاق تتناول ما بإزائها من الأيام ~~بالعرف فإذا عنى به حقيقة كلامه والعرف أيضا باستعمال هذه الحقيقة باق؛ صحت ~~نيته لمصادفتها محلها. # ولو قال: لله علي أن أعتكف شهرا يلزمه اعتكاف شهر، أي شهر كان، متتابعا ~~في النهار والليالي جميعا، سواء ذكر التتابع أو لا. # وتعيين ذلك الشهر إليه، فيدخل المسجد قبل غروب الشمس فتغرب الشمس وهو فيه ~~فيعتكف ثلاثين ليلة وثلاثين يوما ثم يخرج بعد استكمالها بعد غروب الشمس، ~~بخلاف ما إذا قال: لله علي أن أصوم شهرا ولم يعين، ولم يذكر التتابع ولا ~~نواه؛ أنه لا يلزمه التتابع بل هو بالخيار: إن شاء تابع، وإن شاء فرق. # وهذا الذي ذكرنا من لزوم التتابع في هذه المسائل مذهب أصحابنا الثلاثة، ~~وقال زفر: لا يلزمه التتابع في شيء من ذلك إلا بذكر التتابع أو بالنية، وهو ~~بالخيار: إن شاء تابع وإن شاء فرق. # وجه قوله أن اللفظ مطلق عن قيد التتابع ولم ينو التتابع أيضا فيجرى على ~~إطلاقه كما في الصوم. # ولنا: الفرق بينهما ووجه الفرق أن الاعتكاف عبادة دائمة ومبناها على ~~الاتصال؛ لأنه لبث وإقامة، والليالي قابلة للبث؛ فلا بد من التتابع. # وإن كان اللفظ مطلقا عن قيد التتابع لكن في لفظه ما يقتضيه وفي ذاته ما ~~يوجبه بخلاف ما إذا نذر أن يصوم شهرا ولزمه أن يصوم شهرا غير معين؛ أنه إذا ~~عين شهرا؛ له أن يفرق؛ لأنه أوجب مطلقا عن قيد التتابع وليس مبنى حصوله على ~~التتابع بل على التفريق؛ لأن بين كل عبادتين منه وقتا لا يصلح لها وهو ~~الليل؛ ms0996 فلم يوجد فيه قيد التتابع ولا اقتضاء لفظه وتعيينه؛ فبقي له الخيار ~~ولهذا لم يلزم التتابع فيما لم يتقيد بالتتابع من الصيام المذكور في الكتاب ~~كذا هذا. # ولو نوى في قوله: لله علي أن أعتكف شهرا النهار دون الليل؛ لم تصح نيته ~~ويلزمه الاعتكاف شهرا بالأيام والليالي جميعا؛ لأن الشهر اسم لزمان مقدر ~~بثلاثين يوما وليلة مركب من شيئين مختلفين كل واحد منهما أصل في نفسه ~~كالبلق، فإذا أراد أحدهما؛ فقد أراد بالاسم ما لم يوضع له ولا احتمله فبطل، ~~كمن ذكر البلق وعنى به البياض دون السواد فلم تصادف النية محلها فلغت. # وهذا بخلاف اسم الخاتم فإنه اسم للحلقة بطريق الأصالة، والفص كالتابع ~~لها؛ لأنه مركب فيها زينة لها؛ فكان كالوصف لها فجاز أن يذكر الخاتم ويراد ~~به الحلقة. # فأما ههنا فكل واحد من الزمانين أصل فلم ينطلق الاسم على أحدهما بخلاف ما ~~إذا قال: لله علي أن أصوم شهرا حيث انصرف إلى النهار دون الليالي؛ لأن هناك ~~أيضا لا نقول: إن اسم الشهر تناول النهار دون الليالي؛ لما ذكرنا من ~~الاستحالة، بل تناول النهار والليالي جميعا؛ فكان مضيفا النذر بالصوم إلى ~~الليالي والنهار جميعا معا غير أن الليالي ليست محلا لإضافة النذر بالصوم ~~إليها فلم تصادف النية محلها فلغا ذكر الليالي والنهار محل لذلك؛ فصحت ~~الإضافة إليها على الأصل المعهود أن التصرف المصادف لمحله يصح، والمصادف ~~لغير محله يلغو، فأما في الاعتكاف فكل واحد منهما محل، ولو قال: لله # PageV02P111 # علي أن أعتكف شهرا النهار دون الليل؛ يلزمه كما التزم. # وهو اعتكاف شهر بالأيام دون الليالي؛ لأنه لما قال: النهار دون الليل؛ ~~فقد لغا ذكر الشهر بنص كلامه، كمن قال: رأيت فرسا أبلق للبياض منه دون ~~السواد؛ وكان هو بالخيار: إن شاء تابع وإن شاء فرق؛ لأنه تلفظ بالنهار. # والأصل فيه أن كل اعتكاف وجب في الأيام دون الليالي؛ فصاحبه فيه بالخيار: ~~إن شاء تابع وإن شاء فرق. # وكل اعتكاف وجب في الأيام والليالي جميعا: يلزمه اعتكاف شهر يصومه ms0997 ~~متتابعا. # ولو أوجب على نفسه اعتكاف شهر بعينه بأن قال: لله علي أن أعتكف رجب؛ ~~يلزمه أن يعتكف فيه يصومه متتابعا، وإن أفطر يوما أو يومين؛ فعليه قضاء ذلك ~~ولا يلزمه قضاء ما صح اعتكافه فيه كما إذا أوجب على نفسه صوم رجب على ما ~~ذكرنا في كتاب الصوم. # فإن لم يعتكف في رجب حتى مضى؛ يلزمه اعتكاف شهر يصومه متتابعا؛ لأنه لما ~~مضى رجب من غير اعتكاف؛ صار في ذمته اعتكاف شهر بغير عينه فيلزمه مراعاة ~~صفة التتابع فيه كما إذا أوجب على نفسه اعتكاف شهر بغير عينه ابتداء بأن ~~قال: لله علي أن أعتكف شهرا. # ولو أوجب اعتكاف شهر بعينه فاعتكف شهرا قبله عن نذره بأن قال: لله علي أن ~~أعتكف رجبا فاعتكف شهر ربيع الآخر؛ أجزأه عن نذره عند أبي يوسف وعند محمد ~~رحمهما الله تعالى لا يجزئه. # وهو على الاختلاف في النذر بالصوم في شهر معين فصام قبله ونذكر المسألة ~~في كتاب النذر إن شاء الله تعالى. # ولو قال: لله علي أن أعتكف شهر رمضان؛ يصح نذره ويلزمه أن يعتكف في شهر ~~رمضان كله؛ لوجود الالتزام بالنذر فإن صام واعتكف فيه؛ خرج عن عهدة النذر ~~لوجود شرط صحة الاعتكاف وهو الصوم وإن لم يكن لزومه بالتزامه الاعتكاف؛ لأن ~~ذلك ليس بشرط، إنما الشرط وجوده معه كمن لزمه أداء الظهر، وهو محدث؛ يلزمه ~~الطهارة، ولو دخل وقت الظهر وهو على الطهارة يصح أداء الظهر بها؛ لأن الشرط ~~هو الطهارة وقد وجدت كذا هذا. # ولو صام رمضان كله ولم يعتكف؛ يلزمه قضاء الاعتكاف بصوم آخر في شهر آخر ~~متتابعا، كذا ذكر محمد في الجامع وروي عن أبي يوسف أنه لا يلزمه الاعتكاف، ~~بل يسقط نذره وجه قوله: أن نذره انعقد غير موجب للصوم. # وقد تعذر إبقاؤه كما انعقد فتسقط لعدم الفائدة في البقاء وجه قول محمد - ~~رحمه الله تعالى - أن النذر بالاعتكاف في رمضان قد صح ووجب عليه الاعتكاف ~~فيه، فإذا لم يؤد؛ بقي واجبا عليه. # كما إذا ms0998 نذر بالاعتكاف في شهر آخر بعينه فلم يؤده حتى مضى الشهر وإذا بقي ~~واجبا عليه ولا يبقى واجبا عليه إلا بوجوب شرط صحة أدائه وهو الصوم فيبقى ~~واجبا عليه بشرطه وهو الصوم وأما قوله: إن نذره ما انعقد موجبا للصوم في ~~رمضان؛ فنعم لكن جاز أن يبقى موجبا للصوم في غير رمضان وهذا لأن وجوب الصوم ~~لضرورة التمكن من الأداء ولا يتمكن من الأداء في غيره إلا بالصوم؛ فيجب ~~عليه الصوم ويلزمه متتابعا؛ لأنه لزمه الاعتكاف في شهر بعينه وقد فاته ~~فيقضيه متتابعا كما إذا أوجب اعتكاف رجب فلم يعتكف فيه؛ أنه يقضيه في شهر ~~آخر متتابعا، كذا هذا. # ولو لم يصم رمضان ولم يعتكف فيه؛ فعليه اعتكاف شهر متتابعا بصوم، وقضاء ~~رمضان فإن قضى صوم الشهر متتابعا وقرن به الاعتكاف؛ جاز ويسقط عنه قضاء ~~رمضان وخرج عن عهدة النذر؛ لأن الصوم الذي وجب فيه الاعتكاف باق فيقضيهما ~~جميعا يصوم شهرا متتابعا وهذا لأن ذلك الصوم لما كان باقيا لا يستدعي وجوب ~~الاعتكاف فيها صوما آخر؛ فبقي واجب الأداء بعين ذلك الصوم كما انعقد. # ولو صام ولم يعتكف حتى دخل رمضان القابل فاعتكف قاضيا لما فاته بصوم هذا ~~الشهر؛ لم يصح لما ذكرنا أن بقاء وجوب الاعتكاف يستدعي وجوب صوم يصير شرطا ~~لأدائه فوجب في ذمته صوم على حدة وما وجب في الذمة من الصوم لا يتأدى بصوم ~~الشهر ولو نذر أن يعتكف يومي العيد وأيام التشريق؛ فهو على الروايتين ~~اللتين ذكرناهما في الصوم وأن على رواية محمد عن أبي حنيفة يصح نذره لكن ~~يقال له: اقض في يوم آخر ويكفر اليمين إن كان أراد به اليمين، وإن اعتكف ~~فيها؛ جاز وخرج عن عهدة النذر وكان مسيئا وعلى رواية أبي يوسف وابن المبارك ~~عن أبي حنيفة لا يصح نذره بالاعتكاف فيها أصلا كما لا يصح نذره بالصوم فيها ~~وإنما كان كذلك؛ لأن الصوم من لوازم الاعتكاف الواجب؛ فكان الجواب في ~~الاعتكاف كالجواب في الصوم. # والله أعلم. # وأما الذي يرجع إلى ms0999 المعتكف فيه: فالمسجد وإنه شرط في # PageV02P112 # نوعي الاعتكاف: الواجب والتطوع؛ لقوله تعالى {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون ~~في المساجد} [البقرة: 187] وصفهم بكونهم عاكفين في المساجد مع أنهم لم ~~يباشروا الجماع في المساجد؛ لينهوا عن الجماع فيها فدل أن مكان الاعتكاف هو ~~المسجد ويستوي فيه الاعتكاف الواجب والتطوع؛ لأن النص مطلق ثم ذكر الكرخي ~~أنه لا يصح الاعتكاف إلا في مساجد الجماعات يريد به الرجل وقال الطحاوي: ~~إنه يصح في كل مسجد. # وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه لا يجوز إلا في مسجد تصلى فيه ~~الصلوات كلها، واختلفت الرواية عن ابن مسعود - رضي الله عنه - روي عنه أنه ~~لا يجوز إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس كأنه ذهب في ~~ذلك إلى ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا اعتكاف إلا ~~في المسجد الحرام» . # وروي أنه قال: «لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي ~~هذا، والمسجد الأقصى» وفي رواية: ومسجد الأنبياء ولنا عموم قوله تعالى {ولا ~~تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] وعن حذيفة - رضي الله عنه ~~- أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «الاعتكاف في كل ~~مسجد له إمام ومؤذن» والمروي أنه لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام: إن ثبت ~~فهو على التناسخ؛ لأنه روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتكف في مسجد ~~المدينة فصار منسوخا بدلالة فعله؛ إذ فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلح ناسخا لقوله أو يحمل على بيان الأفضل كقوله «لا صلاة لجار المسجد إلا ~~في المسجد» أو على المجاورة على قول من لا يكرهها. # وأما الحديث الآخر إن ثبت فيحمل على الزيارة أو على بيان الأفضل فأفضل ~~الاعتكاف أن يكون في المسجد الحرام ثم في مسجد المدينة وهو مسجد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ثم في المسجد الأقصى ثم في المسجد الجامع ثم في ~~المساجد العظام التي كثر أهلها وعظم. # أما المسجد الحرام ومسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما ms1000 روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة ~~في غيره من المساجد ما خلا المسجد الحرام» ؛ ولأن للمسجد الحرام من الفضائل ~~ما ليس لغيره، من كون الكعبة فيه ولزوم الطواف به ثم بعده مسجد المدينة؛ ~~لأنه مسجد أفضل الأنبياء والمرسلين صلى الله تعالى عليه وعليهم وسلم ثم ~~مسجد بيت المقدس؛ لأنه مسجد الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ولإجماع ~~المسلمين على أنه ليس بعد المسجد الحرام ومسجد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مسجد أفضل منه ثم المسجد الجامع؛ لأنه من مجمع المسلمين لإقامة ~~الجمعة ثم بعده المساجد الكبار؛ لأنها في معنى الجوامع لكثرة أهلها. # وأما المرأة فذكر في الأصل أنها لا تعتكف إلا في مسجد بيتها ولا تعتكف في ~~مسجد جماعة وروى الحسن عن أبي حنيفة أن للمرأة أن تعتكف في مسجد الجماعة ~~وإن شاءت اعتكفت في مسجد بيتها، ومسجد بيتها أفضل لها من مسجد حيها ومسجد ~~حيها أفضل لها من المسجد الأعظم وهذا لا يوجب اختلاف الروايات، بل يجوز ~~اعتكافها في مسجد الجماعة على الروايتين جميعا بلا خلاف بين أصحابنا ~~والمذكور في الأصل محمول على نفي الفضيلة لا على نفي الجواز توفيقا بين ~~الروايتين وهذا عندنا. # وقال الشافعي: لا يجوز اعتكافها في مسجد بيتها وجه قوله أن الاعتكاف قربة ~~خصت بالمساجد بالنص، ومسجد بيتها ليس بمسجد حقيقة بل هو اسم للمكان المعد ~~للصلاة في حقها حتى لا يثبت له شيء من أحكام المسجد فلا يجوز إقامة هذه ~~القربة فيه ونحن نقول: بل هذه قربة خصت بالمسجد لكن مسجد بيتها له حكم ~~المسجد في حقها في حق الاعتكاف؛ لأن له حكم المسجد في حقها في حق الصلاة ~~لحاجتها إلى إحراز فضيلة الجماعة فأعطي له حكم مسجد الجماعة في حقها حتى ~~كانت صلاتها في بيتها أفضل على ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «صلاة المرأة في مسجد بيتها أفضل من صلاتها في مسجد دارها وصلاتها ~~في صحن دارها أفضل ms1001 من صلاتها في مسجد حيها» وإذا كان له حكم المسجد في حقها ~~في حق الصلاة فكذلك في حق الاعتكاف؛ لأن كل واحد منهما في اختصاصه بالمسجد ~~سواء وليس لها أن تعتكف في بيتها في غير مسجد وهو الموضع المعد للصلاة؛ ~~لأنه ليس لغير ذلك الموضع من بيتها حكم المسجد، فلا يجوز اعتكافها فيه. # والله أعلم. ### | [فصل ركن الاعتكاف] # (فصل) : # وأما ركن الاعتكاف ومحظوراته وما يفسده وما لا يفسده فركن الاعتكاف: هو ~~اللبث والإقامة يقال: اعتكف وعكف أي: أقام وقال الله تعالى {قالوا لن نبرح ~~عليه عاكفين} [طه: 91] أي: لن نزال عليه مقيمين ويقال: فلان معتكف على # PageV02P113 # حرام أي: مقيم عليه فسمي من أقام على العبادة في المسجد: معتكفا وعاكفا. # وإذا عرف فنقول: لا يخرج المعتكف من معتكفه في الاعتكاف الواجب ليلا ولا ~~ونهارا إلا لما لا بد له منه من الغائط والبول وحضور الجمعة؛ لأن الاعتكاف ~~لما كان لبثا وإقامة؛ فالخروج يضاده ولا بقاء للشيء مع ما يضاده فكان ~~إبطالا له وإبطال العبادة حرام؛ لقوله تعالى {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: ~~33] إلا أنا جوزنا له الخروج # لحاجة # الإنسان إذ لا بد منها وتعذر قضاؤها في المسجد فدعت الضرورة إلى الخروج ~~ولأن في الخروج لهذه الحاجة تحقيق هذه القربة؛ لأنه لا يتمكن المرء من أداء ~~هذه القربة إلا بالبقاء، ولا بقاء بدون القوت عادة ولا بد لذلك من ~~الاستفراغ على ما عليه مجرى العادة فكان الخروج لها من ضرورات الاعتكاف ~~ووسائله وما كان من وسائل الشيء؛ كان حكمه حكم ذلك الشيء فكان المعتكف في ~~حال خروجه عن المسجد لهذه الحاجة كأنه في المسجد وقد روي عن عائشة - رضي ~~الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان لا يخرج من معتكفه ليلا ~~ولا نهارا إلا لحاجة الإنسان» وكذا في الخروج في الجمعة ضرورة؛ لأنها فرض ~~عين ولا يمكن إقامتها في كل مسجد فيحتاج إلى الخروج إليها كما يحتاج إلى ~~الخروج لحاجة الإنسان؛ فلم يكن الخروج إليها مبطلا لاعتكافه وهذا عندنا. # وقال الشافعي: ms1002 إذا خرج إلى الجمعة؛ بطل اعتكافه وجه قوله أن الخروج في ~~الأصل مضاد للاعتكاف ومناف له لما ذكرنا أنه قرار وإقامة والخروج انتقال ~~وزوال؛ فكان مبطلا له إلا فيما لا يمكن التحرز عنه كحاجة الإنسان وكان ~~يمكنه التحرز عن الخروج إلى الجمعة بأن يعتكف في المسجد الجامع، ولنا أن ~~إقامة الجمعة فرض؛ لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من ~~يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] والأمر بالسعي إلى الجمعة أمر ~~بالخروج من المعتكف. # ولو كان الخروج إلى الجمعة مبطلا للاعتكاف؛ لما أمر به؛ لأنه يكون أمرا ~~بإبطال الاعتكاف وإنه حرام؛ ولأن الجمعة لما كانت فرضا حقا لله تعالى عليه ~~والاعتكاف قربة ليست هي عليه فمتى أوجبه على نفسه بالنذر؛ لم يصح نذره في ~~إبطال ما هو حق لله تعالى عليه؛ بل كان نذره عدما في إبطال هذا الحق ولأن ~~الاعتكاف دون الجمعة فلا يؤذن بترك الجمعة لأجله وقد خرج الجواب عن قوله: ~~إن الاعتكاف لبث والخروج يبطله لما ذكرنا أن الخروج إلى الجمعة لا يبطله ~~لما بينا. # وأما وقت الخروج إلى الجمعة ومقدار ما يكون في المسجد الجامع فذكر الكرخي ~~وقال: ينبغي أن يخرج إلى الجمعة عند الأذان فيكون في المسجد مقدار ما يصلي ~~قبلها أربعا وبعدها أربعا أو ستا وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: مقدار ~~ما يصلي قبلها أربعا وبعدها أربعا. # وهو على الاختلاف في سنة الجمعة بعدها أنها أربع في قول أبي حنيفة ~~وعندهما: ستة على ما ذكرنا في كتاب الصلاة وقال محمد: إذا كان منزله بعيدا ~~يخرج حين يرى أنه يبلغ المسجد عند النداء وهذا أمر يختلف بقرب المسجد وبعده ~~فيخرج في أي وقت يرى أنه يدرك الصلاة والخطبة ويصلي قبل الخطبة أربع ركعات؛ ~~لأن إباحة الخروج إلى الجمعة إباحة لها بتوابعها، وسننها من توابعها بمنزلة ~~الأذكار المسنونة فيها ولا ينبغي أن يقيم في المسجد الجامع بعد صلاة الجمعة ~~إلا مقدار ما يصلي بعدها أربعا أو ستا على الاختلاف ولو أقام ms1003 يوما وليلة لا ~~ينتقض اعتكافه، لكن يكره له ذلك أما عدم الانتقاض فلأن الجامع لما صلح ~~لابتداء الاعتكاف؛ فلأن يصلح للبقاء أولى؛ لأن البقاء أسهل من الابتداء ~~وأما الكراهة؛ فلأنه لما ابتدأ الاعتكاف في مسجد؛ فكأنه عينه للاعتكاف فيه، ~~فيكره له التحول عنه مع إمكان الإتمام فيه ولا يخرج لعيادة مريض ولا لصلاة ~~جنازة؛ لأنه لا ضرورة إلى الخروج؛ لأن عيادة المريض ليست من الفرائض، بل من ~~الفضائل وصلاة الجنازة ليست بفرض عين بل فرض كفاية تسقط عنه بقيام الباقين ~~بها؛ فلا يجوز إبطال الاعتكاف لأجلها وما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من الرخصة في عيادة المريض وصلاة الجنازة؛ فقد قال أبو يوسف: ذلك ~~محمول عندنا على الاعتكاف الذي يتطوع به من غير إيجاب فله أن يخرج متى شاء ~~ويجوز أن تحمل الرخصة على ما إذا كان خرج المعتكف لوجه مباح كحاجة الإنسان ~~أو للجمعة، ثم عاد مريضا أو صلى على جنازة من غير أن كان خروجه لذلك قصدا ~~وذلك جائز. # أما المرأة إذا اعتكفت في مسجد بيتها لا تخرج منه إلى منزلها إلا لحاجة ~~الإنسان؛ لأن ذلك في حكم المسجد لها على ما بينا. # فإن خرج من المسجد الذي يعتكف فيه لعذر بأن انهدم المسجد أو أخرجه ~~السلطان مكرها أو غير السلطان # PageV02P114 # فدخل مسجدا آخر غيره من ساعته؛ لم يفسد اعتكافه استحسانا والقياس أن يفسد ~~وجه القياس أنه وجد ضد الاعتكاف وهو الخروج الذي هو ترك الإقامة فيبطل كما ~~لو خرج عن اختيار. # وجه الاستحسان أنه خرج من غير ضرورة أما عند انهدام المسجد فظاهر؛ لأنه ~~لا يمكنه الاعتكاف فيه بعد ما انهدم؛ فكان الخروج منه أمرا لا بد منه ~~بمنزلة الخروج لحاجة الإنسان وأما عند الإكراه؛ فلأن الإكراه من أسباب ~~العذر في الجملة، فكان هذا القدر من الخروج ملحقا بالعدم كما إذا خرج لحاجة ~~الإنسان وهو يمشي مشيا رفيقا. # فإن خرج من المسجد لغير عذر؛ فسد اعتكافه في قول أبي حنيفة وإن كان ساعة، ~~وعند أبي ms1004 يوسف ومحمد لا يفسد حتى يخرج أكثر من نصف يوم قال محمد: قول أبي ~~حنيفة أقيس وقول أبي يوسف أوسع. # وجه قولهما أن الخروج القليل عفو وإن كان بغير عذر بدليل أنه لو خرج ~~لحاجة الإنسان وهو يمشي متأنيا؛ لم يفسد اعتكافه وما دون نصف اليوم؛ فهو ~~قليل فكان عفوا، ولأبي حنيفة أنه ترك الاعتكاف باشتغاله بضده من غير ضرورة ~~فيبطل اعتكافه لفوات الركن، وبطلان الشيء بفوات ركنه يستوي فيه الكثير ~~والقليل كالأكل في باب الصوم وفي الخروج لحاجة الإنسان ضرورة. # وأحوال الناس في المشي مختلفة لا يمكن ضبطها فسقط اعتبار صفة المشي وههنا ~~لا ضرورة في الخروج وعلى هذا الخلاف إذا خرج لحاجة الإنسان ومكث بعد فراغه ~~أنه ينتقض اعتكافه عند أبي حنيفة قل مكثه أو كثر، وعندهما لا ينتقض ما لم ~~يكن أكثر من نصف يوم. # ولو صعد المئذنة لم يفسد اعتكافه بلا خلاف وإن كان باب المئذنة خارج ~~المسجد؛ لأن المئذنة من المسجد. # ألا ترى أنه يمنع فيه كل ما يمنع في المسجد من البول ونحوه ولا يجوز ~~بيعها فأشبه زاوية من زوايا المسجد وكذا إذا كانت داره بجنب المسجد فأخرج ~~رأسه إلى داره لا يفسد اعتكافه؛ لأن ذلك ليس بخروج. # ألا ترى أنه لو حلف لا يخرج من الدار ففعل ذلك؛ لا يحنث في يمينه وروي عن ~~عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يخرج رأسه من المسجد فيغسل رأسه» وإن غسل رأسه في المسجد في إناء لا بأس به ~~إذا لم يلوث المسجد بالماء المستعمل، فإن كان بحيث يتلوث المسجد يمنع منه؛ ~~لأن تنظيف المسجد واجب لو توضأ في المسجد في إناء؛ فهو على هذا التفصيل. # وأما اعتكاف التطوع فهل يفسد بالخروج لغير عذر كالخروج لعيادة المريض ~~وتشييع الجنازة فيه روايتان: في رواية الأصل لا يفسد، وفي رواية الحسن بن ~~زياد عن أبي حنيفة يفسد، بناء على أن اعتكاف التطوع غير مقدر على رواية ~~الأصل فله أن يعتكف ساعة ms1005 من نهار أو نصف يوم أو ما شاء من قليل أو كثير، أو ~~يخرج فيكون معتكفا ما أقام تاركا ما خرج وعلى رواية الحسن هو مقدر بيوم ~~كالصوم ولهذا قال: إنه لا يصح بدون الصوم كما لا يصح الاعتكاف الواجب بدون ~~الصوم. # وجه رواية الحسن أن الشروع في التطوع موجب للإتمام على أصل أصحابنا صيانة ~~للمؤدى عن البطلان كما في صوم التطوع وصلاة التطوع، ومست الحاجة إلى صيانة ~~المؤدى ههنا؛ لأن القدر المؤدى انعقد قربة فيحتاج إلى صيانة، وذلك بالمضي ~~فيه إلى آخر اليوم. # وجه رواية الأصل أن الاعتكاف لبث وإقامة فلا يتقدر بيوم كامل كالوقوف ~~بعرفة وهذا لأن الأصل في كل فعل تام بنفسه في زمان: اعتباره في نفسه من غير ~~أن يقف اعتباره على وجود غيره. # وكل لبث وإقامة توجد فهو فعل تام في نفسه، فكان اعتكافا في نفسه فلا تقف ~~صحته واعتباره على وجود أمثاله إلى آخر اليوم هذا هو الحقيقة إلا إذا جاء ~~دليل التغيير فتجعل الأفعال المتعددة المتغايرة حقيقة متحدة حكما؛ كما في ~~الصوم ومن ادعى التغيير ههنا يحتاج إلى الدليل وقوله: الشروع فيه موجب ~~مسلم، لكن بقدر ما اتصل به الأداء ولما خرج فما أوجب إلا ذلك القدر؛ فلا ~~يلزمه أكثر من ذلك. # ولو جامع في حال الاعتكاف فسد اعتكافه؛ لأن الجماع من محظورات الاعتكاف ~~لقوله تعالى {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] قيل: ~~المباشرة كناية عن الجماع كذا روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن ما ذكر ~~الله عز وجل في القرآن من المباشرة والرفث والغشيان فإنما عنى به الجماع ~~لكن الله تعالى حيي كريم يكني بما شاء؛ دلت الآية على أن الجماع محظور في ~~الاعتكاف؛ فإن حظر الجماع على المعتكف ليس لمكان المسجد بل لمكان الاعتكاف ~~وإن كان ظاهر النهي عن المباشرة في حال الاعتكاف في المسجد بقوله عز وجل ~~{ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] ؛ لأن الآية الكريمة # PageV02P115 # نزلت في قوم كانوا يعتكفون في المساجد وكانوا يخرجون يقضون ms1006 حاجتهم في ~~الجماع ثم يغتسلون ثم يرجعون إلى معتكفهم لا أنهم كانوا يجامعون في المساجد ~~لينهوا عن ذلك، بل المساجد في قلوبهم كانت أجل وأعظم من أن يجعلوها مكانا ~~لوطء نسائهم فثبت أن النهي عن المباشرة في حال الاعتكاف لأجل الاعتكاف؛ ~~فكان الجماع من محظورات الاعتكاف فيوجب فساده سواء جامع ليلا أو نهارا؛ لأن ~~النص مطلق فكان الجماع من محظورات الاعتكاف ليلا ونهارا، وسواء كان عامدا ~~أو ناسيا بخلاف الصوم فإن جماع الناسي لا يفسد الصوم والنسيان لم يجعل عذر ~~في باب الاعتكاف وجعل عذرا في باب الصوم. # والفرق من وجهين: أحدهما أن الأصل أن لا يكون عذرا؛ لأن فعل الناسي مقدور ~~الامتناع عنه في الجملة إذ الوقوع فيه لا يكون إلا لنوع تقصير ولهذا كان ~~النسيان جابر المؤاخذة عليه عندنا وإنما رفعت المؤاخذة ببركة دعاء النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بقوله {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: ~~286] ولهذا لم يجعل عذرا في باب الصلاة إلا أنه جعل عذرا في باب الصوم ~~بالنص فيقتصر عليه. # والثاني: أن المحرم في الاعتكاف عين الجماع فيستوي فيه العمد والسهو. # والمحرم في باب الصوم هو الإفطار لا عين الجماع، أو حرم الجماع لكونه ~~إفطارا لا لكونه جماعا؛ فكانت حرمته لغيره وهو الإفطار، والإفطار يختلف ~~حكمه بالعمد والنسيان ولو أكل أو شرب في النهار عامدا؛ فسد صومه وفسد ~~اعتكافه لفساد الصوم، ولو أكل ناسيا لا يفسد اعتكافه؛ لأنه لا يفسد صومه. # والأصل أن ما كان من محظورات الاعتكاف وهو مانع عنه لأجل الاعتكاف لا ~~لأجل الصوم يختلف فيه العمد والسهو والنهار والليل كالجماع والخروج من ~~المسجد وما كان من محظورات الصوم، وهو ما منع عنه لأجل الصوم يختلف فيه ~~العمد والسهو والنهار والليل كالجماع والخروج من المسجد وكالأكل والشرب. # والفقه ما بينا. # ولو باشر فأنزل فسد اعتكافه؛ لأن المباشرة منصوص عليها في الآية وقد قيل ~~في بعض وجوه التأويل: إن المباشرة الجماع وما دونه ولأن المباشرة مع ~~الإنزال في معنى الجماع فيلحق به ms1007 وكذا لو جامع فيما دون الفرج فأنزل؛ لما ~~قلنا. # فإن لم ينزل لا يفسد اعتكافه؛ لأنه بدون الإنزال لا يكون في معنى الجماع ~~لكنه يكون حراما وكذا التقبيل والمعانقة واللمس أنه إن أنزل في شيء من ذلك؛ ~~فسد اعتكافه وإلا فلا يفسد لكنه يكون حراما بخلاف الصوم فإن في باب الصوم ~~لا تحرم الدواعي إذا كان يأمن على نفسه. # والفرق على نحو ما ذكرنا أن عين الجماع في باب الاعتكاف محرم، وتحريم ~~الشيء يكون تحريما لدواعيه؛ لأنها تفضي إليه فلو لم تحرم؛ لأدى إلى ~~التناقض، وأما في باب الصوم فعين الجماع ليس محرما، إنما المحرم هو الإفطار ~~أو حرم الجماع لكونه إفطارا، وهذا لا يتعدى إلى الدواعي فهو الفرق. # ولو نظر فأنزل؛ لم يفسد اعتكافه لانعدام الجماع صورة ومعنى؛ فأشبه ~~الاحتلام. # والله الموفق. # ولا يأتي الزوج امرأته وهي معتكفة إذا كانت اعتكفت بإذن زوجها؛ لأن ~~اعتكافها إذا كان بإذن زوجها؛ فإنه لا يملك الرجوع عنه لما بينا فيما تقدم ~~فلا يجوز وطؤها لما فيه من إفساد عبادتها. # ويفسد الاعتكاف بالردة؛ لأن الاعتكاف قربة والكافر ليس من أهل القربة، ~~ولهذا لم ينعقد مع الكفر فلا يبقى مع الكفر أيضا ونفس الإغماء لا يفسده بلا ~~خلاف حتى لا ينقطع التتابع ولا يلزمه أن يستقبل الاعتكاف إذا أفاق، وإن ~~أغمي عليه أياما أو أصابه لمم؛ فسد اعتكافه وعليه إذا برأ أن يستقبل؛ لأنه ~~لزمه متتابعا وقد فاتت صفة التتابع فيلزمه الاستقبال كما في صوم كفارة ~~الظهار فإن تطاول الجنون وبقي سنين ثم أفاق: هل يجب عليه أن يقضي أو يسقط ~~عنه؟ ففيه روايتان: قياس، واستحسان نذكرهما في موضعهما إن شاء الله تعالى ~~ولو سكر ليلا؛ لا يفسد اعتكافه عندنا، وعند الشافعي يفسد. # وجه قوله أن السكران كالمجنون والجنون يفسد الاعتكاف فكذا السكر. # (ولنا) أن السكر ليس إلا معنى له أثر في العقل مدة يسيرة فلا يفسد ~~الاعتكاف ولا يقطع التتابع كالإغماء. # ولو حاضت المرأة في حال الاعتكاف فسد اعتكافها؛ لأن الحيض ينافي أهلية ms1008 ~~الاعتكاف لمنافاتها الصوم ولهذا منعت من انعقاد الاعتكاف فتمنع من البقاء ~~ولو احتلم المعتكف؛ لا يفسد اعتكافه؛ لأنه لا صنع له فيه فلم يكن جماعا ولا ~~في معنى الجماع، ثم إن أمكنه الاغتسال في المسجد من غير أن يتلوث المسجد ~~فلا بأس به وإلا فيخرج فيغتسل ويعود إلى المسجد. # ولا بأس للمعتكف أن يبيع ويشتري ويتزوج ويراجع ويلبس ويتطيب ويدهن ويأكل ~~ويشرب بعد غروب الشمس إلى طلوع الفجر ويتحدث ما بدا له بعد # PageV02P116 # أن لا يكون صائما وينام في المسجد. # والمراد من البيع والشراء هو كلام الإيجاب والقبول من غير نقل الأمتعة ~~إلى المسجد؛ لأن ذلك ممنوع عنه لأجل المسجد لما فيه من اتخاذ المسجد متجرا ~~لا لأجل الاعتكاف وحكي عن مالك أنه لا يجوز البيع في المسجد كأنه يشير إلى ~~ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ~~ومجانينكم وبيعكم وشراءكم ورفع أصواتكم وسل سيوفكم» . # (ولنا) عمومات البيع والشراء من الكتاب الكريم والسنة من غير فصل بين ~~المسجد وغيره وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال لابن أخيه جعفر: هلا ~~اشتريت خادما؟ قال: كنت معتكفا قال: وماذا عليك لو اشتريت. # أشار إلى جواز الشراء في المسجد وأما الحديث فمحمول على اتخاذ المساجد ~~متاجر كالسوق يباع فيها وتنقل الأمتعة إليها أو يحمل على الندب والاستحباب ~~توفيقا بين الدلائل بقدر الإمكان وأما النكاح والرجعة فلأن نصوص النكاح ~~والرجعة لا تفصل بين المسجد وغيره من نحو قوله تعالى {فانكحوا ما طاب لكم ~~من النساء} [النساء: 3] ونحو ذلك، وقوله تعالى {فأمسكوهن بمعروف} [البقرة: ~~231] ونحو ذلك. # وكذا الأكل والشرب واللبس والطيب والنوم؛ لقوله تعالى {وكلوا واشربوا} ~~[البقرة: 187] وقوله تعالى {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: ~~31] وقوله تعالى {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} ~~[الأعراف: 32] وقوله عز وجل {وجعلنا نومكم سباتا} [النبأ: 9] وقد روي أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك في حال اعتكافه في المسجد مع أن ~~الأكل ms1009 والشرب والنوم في المسجد في حال الاعتكاف لو منع منه؛ لمنع من ~~الاعتكاف إذ ذلك أمر لا بد منه. # وأما التكلم بما لا مأثم فيه فلقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وقولوا قولا سديدا} [الأحزاب: 70] قيل في بعض وجوه التأويل: أي صدقا ~~وصوابا لا كذبا ولا فحشا. # وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتحدث مع أصحابه ونسائه ~~- رضي الله عنهم - وهو معتكف في المسجد. # فأما التكلم بما فيه مأثم فإنه لا يجوز في غير المسجد ففي المسجد أولى. # وله أن يحرم في اعتكافه بحج أو عمرة وإذا فعل لزمه الإحرام وأقام في ~~اعتكافه إلى أن يفرغ منه ثم يمضي في إحرامه إلا أن يخاف فوت الحج فيدع ~~الاعتكاف ويحج ثم يستقبل الاعتكاف. # أما صحة الإحرام في حال الاعتكاف؛ فلأنه لا تنافي بينهما. # ألا ترى أن الاعتكاف ينعقد مع الإحرام فيبقى معه أيضا، وإذا صح إحرامه ~~فإنه يتم الاعتكاف ثم يشتغل بأفعال الحج؛ لأنه يمكنه الجمع بينهما. # وأما إذا خاف فوت الحج فإنه يدع الاعتكاف؛ لأن الحج يفوت والاعتكاف لا ~~يفوت فكان الاشتغال بالذي يفوت أولى ولأن الحج آكد وأهم من الاعتكاف ~~فالاشتغال به أولى وإذا ترك الاعتكاف يقضيه بعد الفراغ من الحج. # والله أعلم. ### | [فصل بيان حكم الاعتكاف إذا فسد] # (فصل) : # وأما بيان حكمه إذا فسد فالذي فسد لا يخلو: إما أن يكون واجبا وأعني به ~~المنذور، وإما أن يكون تطوعا فإن كان واجبا يقضي إذا قدر على القضاء إلا ~~الردة خاصة؛ لأنه إذا فسد التحق بالعدم فصار فائتا معنى فيحتاج إلى القضاء ~~جبرا للفوات ويقضي بالصوم؛ لأنه فاته مع الصوم فيقضيه مع الصوم غير أن ~~المنذور به إن كان اعتكاف شهر بعينه يقضي قدر ما فسد لا غير ولا يلزمه ~~الاستقبال كالصوم المنذور به في شهر بعينه إذا أفطر يوما أنه يقضي ذلك ~~اليوم ولا يلزمه الاستئناف كما في صوم رمضان؛ لما ذكرنا في كتاب الصوم. # وإذا كان اعتكاف شهر بغير عينه؛ يلزمه ms1010 الاستقبال؛ لأنه يلزمه متتابعا ~~فيراعي فيه صفة التتابع وسواء فسد بصنعه من غير عذر كالخروج والجماع والأكل ~~والشرب في النهار إلا الردة، أو فسد بصنعه لعذر كما إذا مرض فاحتاج إلى ~~الخروج فخرج أو بغير صنعه رأسا كالحيض والجنون والإغماء الطويل؛ لأن القضاء ~~يجب جبرا للفائت والحاجة إلى الجبر متحققة في الأحوال كلها إلا أن سقوط ~~القضاء في الردة عرف بالنص وهو قوله تعالى {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر ~~لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الإسلام ~~يجب ما قبله» والقياس في الجنون الطويل أن يسقط القضاء كما في صوم رمضان ~~إلا أن في الاستحسان يقضي؛ لأن سقوط القضاء في صوم رمضان إنما كان لدفع ~~الحرج؛ لأن الجنون إذا طال قلما يزول فيتكرر عليه صوم رمضان فيحرج في قضائه ~~وهذا المعنى لا يتحقق في الاعتكاف. # وأما اعتكاف التطوع إذا قطعه قبل تمام اليوم فلا شيء عليه في رواية الأصل ~~وفي رواية الحسن يقضي بناء على أن اعتكاف التطوع غير معتد في رواية محمد عن ~~أبي حنيفة وفي رواية الحسن عنه مقدر بيوم وقد ذكرنا الوجه للروايتين فيما ~~تقدم. # وأما حكمه إذا # PageV02P117 # فات عن وقته المعين له بأن نذر اعتكاف شهر بعينه أنه إذا فات بعضه قضاه ~~لا غير ولا يلزمه الاستقبال كما في الصوم وإن فاته كله قضى الكل متتابعا؛ ~~لأنه لما لم يعتكف حتى مضى الوقت صار الاعتكاف دينا في ذمته فصار كأنه أنشأ ~~النذر باعتكاف شهر بعينه فإن قدر على قضائه فلم يقضه حتى أيس من حياته؛ يجب ~~عليه أن يوصي بالفدية لكل يوم طعام مسكين لأجل الصوم لا لأجل الاعتكاف كما ~~في قضاء رمضان والصوم المنذور في وقت بعينه. # وإن قدر على البعض دون البعض فلم يعتكف فكذلك إن كان صحيحا وقت النذر فإن ~~كان مريضا وقت النذر فذهب الوقت وهو مريض حتى مات؛ فلا شيء عليه وإن صح ~~يوما؛ فهو على الاختلاف الذي ذكرناه في الصوم المنذور في وقت بعينه وإذا ms1011 ~~نذر اعتكاف شهر بغير عينه؛ فجميع العمر وقته كما في النذر بالصوم في وقت ~~بغير عينه وفي أي وقت أدى؛ كان مؤديا لا قاضيا؛ لأن الإيجاب حصل مطلقا عن ~~الوقت وإنما يقتضى عليه الوجوب إذا أيس من حياته وعند ذلك يجب عليه أن يوصي ~~بالفدية كما في قضاء رمضان والصوم المنذور المطلق. # فإن لم يوص حتى مات؛ سقط عنه في أحكام الدنيا عندنا حتى لا تؤخذ من تركته ~~ولا يجب على الورثة الفدية إلا أن يتبرعوا به. # وعند الشافعي لا تسقط وتؤخذ من تركته وتعتبر من جميع المال والمسألة مضت ~~في كتاب الزكاة والله الموفق. ### | [كتاب الحج] ### | [فصل في بيان فرضية الحج] # كتاب الحج الكتاب يشتمل على فصلين: فصل في الحج، وفصل في العمرة أما فصل ~~الحج: فالكلام فيه يقع في مواضع في بيان فرضية الحج وفي بيان كيفية فرضه، ~~وفي بيان شرائط الفرضية وفي بيان أركان الحج، وفي بيان واجباته، وفي بيان ~~سننه، وفي بيان الترتيب في أفعاله من الفرائض، والواجبات، والسنن، وفي بيان ~~شرائط أركانه، وفي بيان ما يفسده وبيان حكمه إذا فسد، وفي بيان ما يفوت ~~الحج بعد الشروع فيه وفي بيان حكمه إذا فات عن عمره أصلا، ورأسا أما الأول: ~~فالحج فريضة ثبتت فرضيته بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة والمعقول. # أما الكتاب: فقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا} [آل عمران: 97] ، في الآية دليل وجوب الحج من وجهين: أحدهما أنه قال ~~{ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ، وعلى: كلمة إيجاب والثاني أنه ~~قال تعالى: {ومن كفر} [آل عمران: 97] قيل في التأويل: ومن كفر بوجوب الحج ~~حتى روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: أي ومن كفر بالحج فلم ير ~~حجه برا، ولا تركه مأثما وقوله تعالى لإبراهيم - عليه الصلاة والسلام -: ~~{وأذن في الناس بالحج} [الحج: 27] أي: ادع الناس ونادهم إلى حج البيت، ~~وقيل: أي أعلم الناس أن الله فرض عليهم الحج، دليله قوله تعالى: {يأتوك ~~رجالا وعلى كل ضامر} [الحج: ms1012 27] وأما السنة: فقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء ~~الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» . # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، ~~وحجوا بيت ربكم، وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم تدخلوا جنة ربكم» . # وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «من مات ولم يحج حجة الإسلام ~~من غير أن يمنعه سلطان جائر، أو مرض حابس، أو عدو ظاهر، فليمت إن شاء ~~يهوديا، وإن شاء نصرانيا، أو مجوسيا» . # وروي أنه قال: «من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام فلم يحج، ~~فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا» . # وأما الإجماع: فلأن الأمة أجمعت على فرضيته. # وأما المعقول: فهو أن العبادات وجبت لحق العبودية، أو لحق شكر النعمة إذ ~~كل ذلك لازم في المعقول وفي الحج إظهار العبودية، وشكر النعمة، أما إظهار ~~العبودية؛ فلأن إظهار العبودية هو إظهار التذلل للمعبود، وفي الحج ذلك؛ لأن ~~الحاج في حال إحرامه يظهر الشعث، ويرفض أسباب التزين، والارتفاق، ويتصور ~~بصورة عبد سخط عليه مولاه، فيتعرض بسوء حاله لعطف مولاه، ومرحمته إياه، وفي ~~حال وقوفه بعرفة بمنزلة عبد عصى مولاه فوقف بين يديه متضرعا حامدا له مثنيا ~~عليه مستغفرا لزلاته مستقيلا لعثراته، وبالطواف حول البيت يلازم المكان ~~المنسوب إلى ربه بمنزلة عبد معتكف على باب مولاه لائذ بجنابه. # وأما شكر النعمة؛ فلأن العبادات بعضها بدنية، وبعضها مالية، والحج عبادة ~~لا تقوم إلا بالبدن، والمال؛ ولهذا لا يجب إلا عند وجود المال وصحة البدن، ~~فكان فيه شكر النعمتين، وشكر النعمة ليس إلا استعمالها # PageV02P118 # في طاعة المنعم، وشكر النعمة واجب عقلا، وشرعا، والله أعلم. ### | [فصل كيفية فرض الحج] # (فصل) : # وأما كيفية فرضه فمنها: أنه فرض عين لا فرض كفاية فيجب على كل من استجمع ~~شرائط الوجوب عينا لا يسقط بإقامة البعض عن الباقين بخلاف الجهاد فإنه فرض ~~كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين؛ لأن الإيجاب تناول كل ms1013 واحد من آحاد ~~الناس عينا، والأصل أن الإنسان لا يخرج عن عهدة ما عليه إلا بأدائه بنفسه ~~إلا إذا حصل المقصود منه بأداء غيره، كالجهاد، ونحوه، وذلك لا يتحقق في ~~الحج. # ومنها: أنه لا يجب في العمر إلا مرة واحدة بخلاف الصلاة، والصوم، ~~والزكاة، فإن الصلاة تجب في كل يوم، وليلة خمس مرات، والزكاة، والصوم يجبان ~~في كل سنة مرة واحدة؛ لأن الأمر المطلق بالفعل لا يقتضي التكرار لما عرف في ~~(أصول الفقه) ، والتكرار في باب الصلاة، والزكاة، والصوم ثبت بدليل زائد لا ~~بمطلق الأمر، ولما روي أنه «لما نزلت آية الحج سأل الأقرع بن حابس - رضي ~~الله عنه - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله الحج في كل ~~عام أو مرة واحدة؟ فقال - عليه الصلاة والسلام -: مرة واحدة، وفي رواية ~~قال: لما نزلت آية الحج ألعامنا هذا يا رسول الله أم للأبد؟ فقال: للأبد» ، ~~ولأنه عبادة لا تتأدى إلا بكلفة عظيمة، ومشقة شديدة بخلاف سائر العبادات ~~فلو، وجب في كل عام؛ لأدى إلى الحرج، وأنه منفي شرعا، ولأنه إذا لم يمكن ~~أداؤه إلا بحرج لا يؤدى فيلحق المأثم، والعقاب إلى هذا أشار النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «لما سأله الأقرع بن حابس، وقال: ألعامنا هذا أم للأبد؟ ~~فقال - عليه الصلاة والسلام -: للأبد، ولو قلت في كل عام لوجب، ولو وجب ثم ~~تركتم لضللتم» . # واختلف في وجوبه على الفور، والتراخي، ذكر الكرخي: أنه على الفور حتى ~~يأثم بالتأخير عن أول أوقات الإمكان، وهي السنة الأولى عند استجماع شرائط ~~الوجوب، وذكر أبو سهل الزجاجي الخلاف في المسألة بين أبي يوسف، ومحمد فقال ~~في قول أبي يوسف: يجب على الفور، وفي قول محمد: على التراخي، وهو قول ~~الشافعي. # وروي عن أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف. # وروي عنه مثل قول محمد، وجه قول محمد: أن الله تعالى فرض الحج في وقت ~~مطلقا؛ لأن قوله تعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل ~~عمران: 97] مطلق عن الوقت ms1014 ثم بين، وقت الحج بقوله (عز وجل) : {الحج أشهر ~~معلومات} [البقرة: 197] أي: وقت الحج أشهر معلومات فصار المفروض هو الحج في ~~أشهر الحج مطلقا من العمر فتقييده بالفور تقييد المطلق، ولا يجوز إلا ~~بدليل. # وروي أن فتح مكة كان لسنة ثمان من الهجرة، وحج رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في سنة العشر، ولو كان وجوبه على الفور لما احتمل التأخير منه، ~~والدليل عليه: أنه لو أدى في السنة الثانية أو الثالثة يكون مؤديا لا ~~قاضيا، ولو كان، واجبا على الفور. # وقد فات الفور فقد فات وقته فينبغي أن يكون قاضيا لا مؤديا كما لو فاتت ~~صلاة الظهر عن وقتها، وصوم رمضان عن وقته. # ولهما أن الأمر بالحج في وقته مطلق يحتمل الفور، ويحتمل التراخي، والحمل ~~على الفور أحوط؛ لأنه إذا حمل عليه يأتي بالفعل على الفور ظاهرا وغالبا ~~خوفا من الإثم بالتأخير، فإن أريد به الفور فقد أتى بما أمر به فأمن الضرر، ~~وإن أريد به التراخي لا يضره الفعل على الفور بل ينفعه؛ لمسارعته إلى ~~الخير، ولو حمل على التراخي ربما لا يأتي به على الفور، بل يؤخر إلى السنة ~~الثانية، والثالثة فتلحقه المضرة إن أريد به الفور، وإن كان لا يلحقه إن ~~أريد به التراخي، فكان الحمل على الفور حملا على أحوط الوجهين فكان أولى، ~~وهذا قول إمام الهدى الشيخ أبي منصور الماتريدي في كل أمر مطلق عن الوقت ~~أنه يحمل على الفور لكن عملا لا اعتقادا على طريق التعيين أن المراد منه ~~الفور أو التراخي بل يعتقد أن ما أراد الله تعالى به من الفور، والتراخي ~~فهو حق، وروينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ملك زادا، ~~وراحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو ~~نصرانيا» ألحق الوعيد بمن أخر الحج عن أول أوقات الإمكان؛ لأنه قال: من ملك ~~كذا فلم يحج، والفاء للتعقيب بلا فصل أي لم يحج عقيب ملك الزاد، والراحلة ~~بلا فصل، وأما طريق ms1015 عامة المشايخ فإن للحج وقتا معينا من السنة يفوت عن تلك ~~السنة بفوات ذلك الوقت، فلو أخره عن السنة الأولى. # وقد يعيش إلى السنة الثانية. # وقد لا يعيش فكان التأخير عن السنة الأولى تفويتا له للحال؛ لأنه لا ~~يمكنه الأداء للحال إلى أن يجيء، وقت الحج من السنة الثانية، وفي إدراكه ~~السنة الثانية شك، فلا يرتفع الفوات الثابت للحال بالشك، والتفويت # PageV02P119 # حرام. # وأما قوله: إن الوجوب في الوقت ثبت مطلقا عن الفور فمسلم لكن المطلق ~~يحتمل الفور، ويحتمل التراخي، والحمل على الفور أولى لما بينا، ويجوز تقييد ~~المطلق عند قيام الدليل، وأما تأخير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحج ~~عن أول أوقات الإمكان فقد قيل إنه كان لعذر له، ولا كلام في حال العذر يدل ~~على أنه لا خلاف في أن التعجيل أفضل، والرسول - صلى الله عليه وسلم -: لا ~~يترك الأفضل إلا لعذر على أن المانع من التأخير هو احتمال الفوات، ولم يكن ~~في تأخيره ذلك فوات لعلمه من طريق الوحي أنه يحج قبل موته قال الله تعالى: ~~{لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} ~~[الفتح: 27] . # والثنيا للتيمن، والتبرك أو لما أن الله تعالى خاطب الجماعة. # وقد علم أن بعضهم يموت قبل الدخول، وأما قوله لو أدى في السنة الثانية ~~كان مؤديا لا قاضيا فإنما كان كذلك؛ لأن أثر الوجوب على الفور عملا في ~~احتمال الإثم بالتأخير عن أول الوقت في الإمكان لا في إخراج السنة الثانية، ~~والثالثة من أن يكون، وقتا للواجب كما في باب الصلاة، وهذا؛ لأن وجوب ~~التعجيل إنما كان تحرزا عن الفوات فإذا عاش إلى السنة الثانية، والثالثة ~~فقد زال احتمال الفوات فحصل الأداء في وقته كما في باب الصلاة، والله أعلم. ### | [فصل شرائط فرضية الحج] # (فصل) : # وأما شرائط فرضيته فنوعان: نوع يعم الرجال، والنساء ونوع يخص النساء أما ~~الذي يعم الرجال، والنساء فمنها: البلوغ، ومنها العقل فلا حج على الصبي، ~~والمجنون؛ لأنه لا خطاب عليهما فلا يلزمهما الحج ms1016 حتى لو حجا، ثم بلغ الصبي، ~~وأفاق المجنون فعليهما حجة الإسلام، وما فعله الصبي قبل البلوغ يكون تطوعا. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أيما صبي حج عشر حجج ~~ثم بلغ فعليه حجة الإسلام» . # ومنها الإسلام في حق أحكام الدنيا بالإجماع حتى لو حج الكافر ثم أسلم يجب ~~عليه حجة الإسلام، ولا يعتد بما حج في حال الكفر. # وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أيما أعرابي حج، ~~ولو عشر حجج فعليه حجة الإسلام إذا هاجر» يعني أنه إذا حج قبل الإسلام ثم ~~أسلم، ولأن الحج عبادة، والكافر ليس من أهل العبادة. # وكذا لا حج على الكافر في حق أحكام الآخرة عندنا حتى لا يؤاخذ بالترك ~~وعند الشافعي ليس بشرط ويجب على الكافر حتى يؤاخذ بتركه في الآخرة وأصل ~~المسألة أن الكفار لا يخاطبون بشرائع هي: عبادات عندنا، وعنده يخاطبون ~~بذلك، وهذا يعرف في أصول الفقه، ولا حجة له في قوله تعالى: {ولله على الناس ~~حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] ؛ لأن المراد منه المؤمنون ~~بدليل سياق الآية، وهو قوله: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل ~~عمران: 97] ، وبدليل عقلي يشمل الحج، وغيره من العبادات، وهو أن الحج ~~عبادة، والكافر ليس من أهل أداء العبادة، ولا سبيل إلى الإيجاب لقدرته على ~~الأداء بتقديم الإسلام لما فيه من جعل المتبوع تبعا، والتبع متبوعا، وأنه ~~قلب الحقيقة على ما بينا في (كتاب الزكاة) وتخصيص العام بدليل عقلي جائز. # ومنها الحرية فلا حج على المملوك لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «أيما عبد حج عشر حجج فعليه حجة الإسلام إذا أعتق» ، ولأن الله ~~تعالى شرط الاستطاعة لوجوب الحج بقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] ، ولا استطاعة بدون ملك الزاد، والراحلة ~~لما نذكر إن شاء الله تعالى، ولا ملك للعبد؛ لأنه مملوك فلا يكون مالكا ~~بالإذن فلم يوجد شرط الوجوب، وسواء أذن ms1017 له المولى بالحج أو لا؛ لأنه لا ~~يصير مالكا إلا بالإذن فلم يجب الحج عليه فيكون ما حج في حال الرق تطوعا، ~~ولأن ما روينا من الحديث لا يفصل بين الإذن، وعدم الإذن، فلا يقع حجه عن ~~حجة الإسلام بحال بخلاف الفقير لأنه لا يجب الحج عليه في الابتداء ثم إذا ~~حج بالسؤال من الناس يجوز ذلك عن حجة الإسلام حتى لو أيسر لا يلزمه حجة ~~أخرى؛ لأن الاستطاعة بملك الزاد، والراحلة، ومنافع البدن شرط الوجوب؛ لأن ~~الحج يقام بالمال، والبدن جميعا، والعبد لا يملك شيئا من ذلك فلم يجب عليه ~~ابتداء، وانتهاء، والفقير يملك منافع نفسه إذ لا ملك لأحد فيها إلا أنه ليس ~~له ملك الزاد، والراحلة وإنه شرط ابتداء الوجوب، فامتنع الوجوب في الابتداء ~~فإذا بلغ مكة، وهو يملك منافع بدنه فقد قدر على الحج بالمشي، وقليل زاد ~~فوجب عليه الحج، فإذا أدى وقع عن حجة الإسلام، فأما العبد فمنافع بدنه ملك ~~مولاه ابتداء، وانتهاء ما دام عبدا فلا يكون قادرا على الحج ابتداء، ~~وانتهاء فلم يجب عليه، ولهذا قلنا: إن الفقير إذا حضر القتال يضرب له بسهم ~~كامل كسائر من فرض عليه القتال، وإن كان لا يجب # PageV02P120 # عليه الجهاد ابتداء، والعبد إذا شهد الوقعة لا يضرب له بسهم الحر بل يرضخ ~~له، وما افترقا إلا لما ذكرنا، وهذا بخلاف العبد إذا شهد الجمعة، وصلى أنه ~~يقع فرضا، وإن كان لا تجب عليه الجمعة في الابتداء؛ لأن منافع العبد مملوكة ~~للمولى، والعبد محجور عن التصرف في ملك مولاه نظرا للمولى إلا قدر ما ~~استثني عن ملكه من الصلوات الخمس، فإنه مبقى فيها على أصل الحرية لحكمة ~~الله تعالى في ذلك، وليس في ذلك كبير ضرر بالمولى؛ لأنها تتأدى بمنافع ~~البدن في ساعات قليلة، فيكون فيه نفع العبد من غير ضرر بالمولى، فإذا حضر ~~الجمعة، وفاتت المنافع بسبب السعي فيعد ذلك الظهر، والجمعة سواء، فنظر ~~المالك في جواز الجمعة إذ لو لم يجز له ذلك يجب عليه أداء ms1018 الظهر ثانيا ~~فيزيد الضرر في حق المولى بخلاف الحج، والجهاد فإنهما لا يؤديان إلا ~~بالمال، والنفس في مدة طويلة، وفيه ضرر بالمولى بفوات ماله، وتعطيل كثير من ~~منافع العبد فلم يجعل مبقى على أصل الحرية في حق هاتين العبادتين، ولو قلنا ~~بالجواز عن الفرض إذا وجد من العبد يتبادر العبيد إلى الأداء لكون الحج ~~عبادة مرغوبة. # وكذا الجهاد فيؤدي إلى الإضرار بالمولى، فالشرع حجر عليهم، وسد هذا الباب ~~نظرا بالمولى حتى لا يجب إلا بملك الزاد، والراحلة، وملك منافع البدن. # ولو أحرم الصبي ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة فإن مضى على إحرامه، يكون حجه ~~تطوعا عندنا، وعند الشافعي: يكون عن حجة الإسلام إذا وقف بعرفة، وهو بالغ، ~~وهذا بناء على أن من عليه حجة الإسلام إذا نوى النفل يقع عن النفل عندنا، ~~وعنده يقع عن الفرض، والمسألة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى، ولو جدد ~~الإحرام بأن لبى أو نوى حجة الإسلام، ووقف بعرفة وطاف طواف الزيارة يكون عن ~~حجة الإسلام بلا خلاف. # وكذا المجنون إذا أفاق، والكافر إذا أسلم قبل الوقوف بعرفة فجدد الإحرام، ~~ولو أحرم العبد ثم عتق فأحرم بحجة الإسلام بعد العتق لا يكون ذلك عن حجة ~~الإسلام بخلاف الصبي، والمجنون، والكافر، والفرق أن إحرام الكافر، والمجنون ~~لم ينعقد أصلا لعدم الأهلية، وإحرام الصبي العاقل وقع صحيحا، لكنه غير لازم ~~لكونه غير مخاطب فكان محتملا للانتقاض فإذا جدد الإحرام بحجة الإسلام انتقض ~~فأما إحرام العبد، فإنه وقع لازما لكونه أهلا للخطاب فانعقد إحرامه تطوعا ~~فلا يصح إحرامه الثاني إلا بفسخ الأول، وإنه لا يحتمل الانفساخ. # ومنها صحة البدن فلا حج على المريض والزمن، والمقعد، والمفلوج، والشيخ ~~الكبير الذي لا يثبت على الراحلة بنفسه، والمحبوس، والممنوع من قبل السلطان ~~الجائر عن الخروج إلى الحج؛ لأن الله تعالى شرط الاستطاعة لوجوب الحج، ~~والمراد منها استطاعة التكليف، وهي سلامة الأسباب، والآلات، ومن جملة ~~الأسباب سلامة البدن عن الآفات المانعة عن القيام بما لا بد منه في سفر ~~الحج؛ لأن ms1019 الحج عبادة بدنية، فلا بد من سلامة البدن، ولا سلامة مع المانع، ~~وعن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله عز وجل: {من استطاع إليه سبيلا} [آل ~~عمران: 97] أن السبيل أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زاد، وراحلة من غير ~~أن يحجب، ولأن القرب، والعبادات، وجبت بحق الشكر لما أنعم الله على المكلف ~~فإذا منع السبب الذي هو النعمة، وهو سلامة البدن أو المال كيف يكلف بالشكر، ~~ولا نعمة. # وأما الأعمى فقد ذكر في الأصل عن أبي حنيفة: أنه لا حج عليه بنفسه، وإن ~~وجد زادا، وراحلة، وقائدا، وإنما يجب في ماله إذا كان له مال، وروى الحسن ~~عن أبي حنيفة في الأعمى، والمقعد والزمن أن عليهم الحج بأنفسهم، وقال أبو ~~يوسف، ومحمد: يجب على الأعمى الحج بنفسه إذا وجد زادا، وراحلة، ومن يكفيه ~~مؤنة سفره في خدمته، ولا يجب على الزمن، والمقعد، والمقطوع. # وجه قولهما ما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ~~الاستطاعة، فقال: هي الزاد، والراحلة» فسر - صلى الله عليه وسلم - ~~الاستطاعة بالزاد، والراحلة، وللأعمى هذه الاستطاعة فيجب عليه الحج، ولأن ~~الأعمى يجب عليه الحج بنفسه إلا أنه لا يهتدي إلى الطريق بنفسه، ويهتدي ~~بالقائد فيجب عليه بخلاف الزمن، والمقعد، ومقطوع اليد، والرجل؛ لأن هؤلاء ~~لا يقدرون على الأداء بأنفسهم، وجه رواية الحسن في الزمن، والمقعد: أنهما ~~يقدران بغيرهما إن كانا لا يقدران بأنفسهما، والقدرة بالغير كافية لوجوب ~~الحج كالقدرة بالزاد، والراحلة. # وكذا فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الاستطاعة: بالزاد، والراحلة، وقد ~~وجدا، وجه رواية الأصل لأبي حنيفة أن الأعمى لا يقدر على أداء الحج بنفسه؛ ~~لأنه لا يهتدي إلى الطريق بنفسه، ولا يقدر على ما لا بد منه في الطريق # PageV02P121 # بنفسه من الركوب، والنزول، وغير ذلك. # وكذا الزمن، والمقعد فلم يكونا قادرين على الأداء بأنفسهم بل بقدرة غير ~~مختار، والقادر بقدرة غير مختار لا يكون قادرا على الإطلاق؛ لأن فعل ~~المختار يتعلق باختياره، فلم تثبت الاستطاعة على الإطلاق، ولهذا لم يجب ms1020 ~~الحج على الشيخ الكبير الذي لا يستمسك على الراحلة، وإن كان ثمة غيره يمسكه ~~لما قلنا كذا هذا، وإنما فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الاستطاعة ~~بالزاد، والراحلة لكونهما من الأسباب الموصلة إلى الحج لا لاقتصار ~~الاستطاعة عليهما. # (ألا ترى) : أنه إذا كان بينه، وبين مكة بحر زاخر لا سفينة ثمة، أو عدو ~~حائل يحول بينه، وبين الوصول إلى البيت لا يجب عليه الحج مع وجود الزاد، ~~والراحلة فثبت أن تخصيص الزاد، والراحلة ليس لاقتصار الشرط عليهما بل ~~للتنبيه على أسباب الإمكان، فكل ما كان من أسباب الإمكان يدخل تحت تفسير ~~الاستطاعة معنى، ولأن في إيجاب الحج على الأعمى والزمن، والمقعد، والمفلوج، ~~والمريض، والشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة بأنفسهم حرجا بينا، ومشقة ~~شديدة. # وقد قال الله (عز وجل) : {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] . # ومنها ملك الزاد، والراحلة في حق النائي عن مكة، والكلام فيه في موضعين: ~~أحدهما في بيان أنه من شرائط الوجوب، والثاني في تفسير الزاد، والراحلة أما ~~الأول، فقد قال عامة العلماء: إنه شرط فلا يجب الحج بإباحة الزاد، والراحلة ~~سواء كانت الإباحة ممن له منة على المباح له، أو كانت ممن لا منة له عليه ~~كالأب، وقال الشافعي يجب الحج بإباحة الزاد، والراحلة إذا كانت الإباحة ممن ~~لا منة له على المباح له، كالوالد بذل الزاد، والراحلة لابنه، وله في ~~الأجنبي قولان، ولو، وهبه إنسان مالا يحج به لا يجب على الموهوب له القبول ~~عندنا، وللشافعي فيه قولان، وقال مالك: الراحلة ليست بشرط لوجوب الحج أصلا ~~لا ملكا ولا إباحة، وملك الزاد شرط حتى لو كان صحيح البدن، وهو يقدر على ~~المشي يجب عليه الحج، وإن لم يكن له راحلة، أما الكلام مع مالك فهو احتج ~~بظاهر قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل ~~عمران: 97] ، ومن كان صحيح البدن قادرا على المشي، وله زاد، فقد استطاع ~~إليه سبيلا فيلزمه فرض الحج. # (ولنا) أن رسول الله - صلى الله ms1021 عليه وسلم - فسر الاستطاعة: بالزاد، ~~والراحلة جميعا فلا تثبت الاستطاعة بأحدهما، وبه تبين أن القدرة على المشي ~~لا تكفي لاستطاعة الحج ثم شرط الراحلة إنما يراعى لوجوب الحج في حق من نأى ~~عن مكة فأما أهل مكة، ومن حولهم فإن الحج يجب على القوي منهم القادر على ~~المشي من غير راحلة؛ لأنه لا حرج يلحقه في المشي إلى الحج كما لا يلحقه ~~الحرج في المشي إلى الجمعة. # وأما الكلام مع الشافعي فوجه قوله: أن الاستطاعة المذكورة هي القدرة من ~~حيث سلامة الأسباب، والآلات، والقدرة تثبت بالإباحة فلا معنى لاشتراط الملك ~~إذ الملك لا يشترط لعينه بل للقدرة على استعمال الزاد، والراحلة أكلا، ~~وركوبا، ولذا ثبتت بالإباحة، ولهذا استوى الملك، والإباحة في (باب الطهارة) ~~في المنع من جواز التيمم كذا ههنا. # (ولنا) أن استطاعة الأسباب، والآلات لا تثبت بالإباحة؛ لأن الإباحة لا ~~تكون لازمة. # ألا ترى: أن للمبيح أن يمنع المباح له عن التصرف في المباح، ومع قيام ~~ولاية المنع لا تثبت القدرة المطلقة فلا يكون مستطيعا على الإطلاق فلم يوجد ~~شرط الوجوب فلا يجب بخلاف مسألة الطهارة؛ لأن شرط جواز التيمم عدم الماء ~~بقوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة: 6] ، والعدم لا ~~يثبت مع البذل، والإباحة. # وأما تفسير الزاد، والراحلة فهو أن يملك من المال مقدار ما يبلغه إلى مكة ~~ذاهبا، وجائيا راكبا لا ماشيا بنفقة وسط لا إسراف فيها، ولا تقتير فاضلا عن ~~مسكنه، وخادمه، وفرسه، وسلاحه، وثيابه، وأثاثه، ونفقة عياله، وخدمه، ~~وكسوتهم، وقضاء ديونه. # وروي عن أبي يوسف أنه قال: ونفقة شهر بعد انصرافه أيضا، وروى الحسن عن ~~أبي حنيفة أنه فسر الراحلة فقال: إذا كان عنده ما يفضل عما ذكرنا ما يكتري ~~به شق محمل، أو زاملة، أو رأس راحلة، وينفق ذاهبا، وجائيا، فعليه الحج، وإن ~~لم يكفه ذلك إلا أن يمشي أو يكتري عقبة، فليس عليه الحج ماشيا، ولا راكبا ~~عقبة، وإنما اعتبرنا الفضل على ما ذكرنا من الحوائج؛ لأنها من الحوائج ~~اللازمة التي ms1022 لا بد منها فكان المستحق بها ملحقا بالعدم، وما ذكره بعض ~~أصحابنا في تقدير نفقة العيال سنة، والبعض شهرا، فليس بتقدير لازم بل هو ~~على حسب اختلاف المسافة في القرب، والبعد؛ لأن قدر النفقة يختلف باختلاف ~~المسافة فيعتبر في ذلك قدر ما يذهب، ويعود إلى منزله، وإنما لا يجب # PageV02P122 # عليه الحج إذا لم يكف ماله إلا للعقبة؛ لأن المفروض هو الحج راكبا لا ~~ماشيا، والراكب عقبة لا يركب في كل الطريق بل يركب في البعض، ويمشي في ~~البعض، وذكر ابن شجاع أنه إذا كانت له دار لا يسكنها، ولا يؤاجرها، ومتاع ~~لا يمتهنه، وعبد لا يستخدمه، وجب عليه أن يبيعه، ويحج به، وحرم عليه أخذ ~~الزكاة إذا بلغ نصابا؛ لأنه إذا كان كذلك كان فاضلا عن حاجته كسائر ~~الأموال، وكان مستطيعا فيلزمه فرض الحج فإن أمكنه بيع منزله، وأن يشتري ~~بثمنه منزلا دونه، ويحج بالفضل فهو أفضل لكن لا يجب عليه؛ لأنه محتاج إلى ~~سكناه فلا يعتبر في الحاجة قدر ما لا بد منه كما لا يجب عليه بيع المنزل، ~~والاقتصار على السكنى، وذكر الكرخي أن أبا يوسف قال إذا لم يكن له مسكن، ~~ولا خادم، ولا قوت عياله، وعنده دراهم تبلغه إلى الحج لا ينبغي أن يجعل ذلك ~~في غير الحج فإن فعل أثم؛ لأنه مستطيع لملك الدراهم فلا يعذر في الترك، ولا ~~يتضرر بترك شراء المسكن، والخادم بخلاف بيع المسكن، والخادم، فإنه يتضرر ~~ببيعهما، وقوله: " ولا قوت عياله " مؤول وتأويله: ولا قوت عياله ما يزيد ~~على مقدار الذهاب، والرجوع. # فأما المقدار المحتاج إليه من وقت الذهاب إلى وقت الرجوع فذلك مقدم على ~~الحج لما بينا. # (ومنها) أمن الطريق، وإنه من شرائط الوجوب عند بعض أصحابنا بمنزلة الزاد، ~~والراحلة، وهكذا روى ابن شجاع عن أبي حنيفة وقال بعضهم: إنه من شرائط ~~الأداء لا من شرائط الوجوب، وفائدة هذا الاختلاف تظهر في وجوب الوصية إذا ~~خاف الفوت فمن قال إنه من شرائط الأداء يقول إنه تجب الوصية إذا خاف الفوت، ms1023 ~~ومن قال إنه شرط الوجوب يقول: لا تجب الوصية؛ لأن الحج لم يجب عليه، ولم ~~يصر دينا في ذمته فلا تلزمه الوصية، وجه قول من قال: إنه شرط الأداء لا شرط ~~الوجوب ما روينا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسر الاستطاعة ~~بالزاد، والراحلة، ولم يذكر أمن الطريق، وجه قول من قال إنه شرط الوجوب، ~~وهو الصحيح: أن الله تعالى شرط الاستطاعة، ولا استطاعة بدون أمن الطريق كما ~~لا استطاعة بدون الزاد، والراحلة إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين ~~الاستطاعة بالزاد، والراحلة بيان كفاية ليستدل بالمنصوص عليه على غيره ~~لاستوائهما في المعنى، وهو إمكان الوصول إلى البيت. # ألا ترى أنه كما لم يذكر أمن الطريق لم يذكر صحة الجوارح، وزوال سائر ~~الموانع الحسية، وذلك شرط الوجوب على أن الممنوع عن الوصول إلى البيت لا ~~زاد له، ولا راحلة معه فكان شرط الزاد، والراحلة شرطا لأمن الطريق ضرورة. # (وأما) . # الذي يخص النساء فشرطان: أحدهما أن يكون معها زوجها أو محرم لها فإن لم ~~يوجد أحدهما لا يجب عليها الحج. # وهذا عندنا، وعند الشافعي هذا ليس بشرط، ويلزمها الحج، والخروج من غير ~~زوج، ولا محرم إذا كان معها نساء في الرفقة ثقات، واحتج بظاهر قوله تعالى: ~~{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] . # وخطاب الناس يتناول الذكور، والإناث بلا خلاف فإذا كان لها زاد، وراحلة ~~كانت مستطيعة، وإذا كان معها نساء ثقات يؤمن الفساد عليها، فيلزمها فرض ~~الحج. # (ولنا) ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: ألا «لا تحجن امرأة إلا ومعها محرم» ، وعن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تسافر امرأة ثلاثة أيام إلا ومعها محرم أو ~~زوج» ولأنها إذا لم يكن معها زوج، ولا محرم لا يؤمن عليها إذ النساء لحم ~~على وضم إلا ما ذب عنه، ولهذا لا يجوز لها الخروج وحدها. # والخوف عند اجتماعهن أكثر، ولهذا حرمت الخلوة بالأجنبية، وإن ms1024 كان معها ~~امرأة أخرى، والآية لا تتناول النساء حال عدم الزوج، والمحرم معها؛ لأن ~~المرأة لا تقدر على الركوب، والنزول بنفسها فتحتاج إلى من يركبها، وينزلها، ~~ولا يجوز ذلك لغير الزوج، والمحرم فلم تكن مستطيعة في هذه الحالة فلا ~~يتناولها النص فإن امتنع الزوج أو المحرم عن الخروج لا يجبران على الخروج، ~~ولو امتنع من الخروج لإرادة زاد، وراحلة هل يلزمها ذلك؟ ذكر القدوري في ~~شرحه مختصر الكرخي أنه يلزمها ذلك، ويجب عليها الحج بنفسها، وذكر القاضي في ~~شرحه مختصر الطحاوي أنه لا يلزمها ذلك، ولا يجب الحج عليها وجه ما ذكره ~~القدوري أن المحرم أو الزوج من ضرورات حجها بمنزلة الزاد، والراحلة إذ لا ~~يمكنها الحج بدونه كما لا يمكنها الحج بدون الزاد، والراحلة، ولا يمكن ~~إلزام ذلك الزوج أو المحرم من مال نفسه فيلزمها ذلك له كما يلزمها الزاد، ~~والراحلة لنفسها، وجه ما ذكره القاضي أن هذا من شرائط وجوب الحج عليها، ولا ~~يجب على الإنسان تحصيل شرط # PageV02P123 # الوجوب بل إن وجد الشرط وجب، وإلا فلا. # ألا ترى: أن الفقير لا يلزمه تحصيل الزاد، والراحلة فيجب عليه الحج، ~~ولهذا قالوا في المرأة التي لا زوج لها، ولا محرم: إنه لا يجب عليها أن ~~تتزوج بمن يحج بها كذا هذا، ولو كان معها محرم فلها أن تخرج مع المحرم في ~~الحجة الفريضة من غير إذن زوجها عندنا. # وعند الشافعي ليس لها أن تخرج بغير إذن زوجها، وجه قوله أن في الخروج ~~تفويت حقه المستحق عليها وهو: الاستمتاع بها فلا تملك ذلك من غير رضاه. # (ولنا) : أنها إذا وجدت محرما فقد استطاعت إلى حج البيت سبيلا؛ لأنها ~~قدرت على الركوب، والنزول وأمنت المخاوف؛ لأن المحرم يصونها، وأما قوله: " ~~إن حق الزوج في الاستمتاع يفوت بالخروج إلى الحج "، فنقول: منافعها مستثناة ~~عن ملك الزوج في الفرائض كما في الصلوات الخمس، وصوم رمضان، ونحو ذلك حتى ~~لو أرادت الخروج إلى حجة التطوع فللزوج أن يمنعها كما في صلاة التطوع، وصوم ~~التطوع، وسواء ms1025 كانت المرأة شابة أو عجوزا فإنها لا تخرج إلا بزوج أو محرم؛ ~~لأن ما روينا من الحديث لا يفصل بين الشابة، والعجوز. # وكذا المعنى لا يوجب الفصل بينهما لما ذكرنا من حاجة المرأة إلى من ~~يركبها، وينزلها بل حاجة العجوز إلى ذلك أشد؛ لأنها أعجز. # وكذا يخاف عليها من الرجال. # وكذا لا يؤمن عليها من أن يطلع عليها الرجال حال ركوبها، ونزولها فتحتاج ~~إلى الزوج أو إلى المحرم ليصونها عن ذلك، والله أعلم. # ثم صفة المحرم أن يكون ممن لا يجوز له نكاحها على التأبيد إما بالقرابة، ~~أو الرضاع، أو الصهرية؛ لأن الحرمة المؤبدة تزيل التهمة في الخلوة، ولهذا ~~قالوا: إن المحرم إذا لم يكن مأمونا عليه لم يجز لها أن تسافر معه، وسواء ~~كان المحرم حرا أو عبدا؛ لأن الرق لا ينافي المحرمية، وسواء كان مسلما أو ~~ذميا أو مشركا؛ لأن الذمي، والمشرك يحفظان محارمهما إلا أن يكون مجوسيا؛ ~~لأنه يعتقد إباحة نكاحها فلا تسافر معه؛ لأنه لا يؤمن عليها كالأجنبي، ~~وقالوا في الصبي الذي لم يحتلم، والمجنون الذي لم يفق: إنهما ليسا بمحرمين ~~في السفر؛ لأنه لا يتأتى منهما حفظها، وقالوا في الصبية التي لا يشتهى ~~مثلها: إنها تسافر بغير محرم؛ لأنه يؤمن عليها فإذا بلغت حد الشهوة لا ~~تسافر بغير محرم؛ لأنها صارت بحيث لا يؤمن عليها ثم المحرم أو الزوج إنما ~~يشترط إذا كان بين المرأة، وبين مكة ثلاثة أيام فصاعدا، فإن كان أقل من ذلك ~~حجت بغير محرم؛ لأن المحرم يشترط للسفر، وما دون ثلاثة أيام ليس بسفر فلا ~~يشترط فيه المحرم كما لا يشترط للخروج من محلة إلى محلة، ثم الزوج أو ~~المحرم شرط الوجوب أم شرط الجواز فقد اختلف أصحابنا فيه كما اختلفوا في أمن ~~الطريق، والصحيح أنه شرط الوجوب لما ذكرنا في أمن الطريق، والله أعلم. # والثاني: أن لا تكون معتدة عن طلاق أو وفاة؛ لأن الله تعالى نهى المعتدات ~~بقوله عز وجل: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} [الطلاق: 1] . # وروي عن ms1026 عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أنه رد المعتدات من ذي ~~الحليفة. # وروي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه ردهن من الجحفة. # ولأن الحج يمكن أداؤه في وقت آخر فأما العدة فإنها إنما يجب قضاؤها في ~~هذا الوقت خاصة فكان الجمع بين الأمرين أولى، وإن لزمتها بعد الخروج إلى ~~السفر، وهي مسافرة فإن كان الطلاق رجعيا لا يفارقها زوجها؛ لأن الطلاق ~~الرجعي لا يزيل الزوجية، والأفضل أن يراجعها، وإن كانت بائنا، أو كانت ~~معتدة عن وفاة، فإن كان إلى منزلها أقل من مدة سفر، وإلى مكة مدة سفر فإنها ~~تعود إلى منزلها؛ لأنه ليس فيه إنشاء سفر فصار كأنها في بلدها، وإن كان إلى ~~مكة أقل من مدة سفر، وإلى منزلها مدة سفر مضت إلى مكة؛ لأنها لا تحتاج إلى ~~المحرم في أقل من مدة السفر، وإن كان من الجانبين أقل من مدة السفر فهي ~~بالخيار إن شاءت مضت، وإن شاءت رجعت إلى منزلها فإن كان من الجانبين مدة ~~سفر فإن كانت في المصر، فليس لها أن تخرج حتى تنقضي عدتها في قول أبي ~~حنيفة، وإن وجدت محرما، وعند أبي يوسف، ومحمد لها أن تخرج إذا وجدت محرما، ~~وليس لها أن تخرج بلا محرم بلا خلاف، وإن كان ذلك في المفازة أو في بعض ~~القرى بحيث لا تأمن على نفسها، ومالها فلها أن تمضي فتدخل موضع الأمن ثم لا ~~تخرج منه في قول أبي حنيفة سواء وجدت محرما أو لا، وعندهما: تخرج إذا وجدت ~~محرما، وهذه من مسائل (كتاب الطلاق) ونذكرها بدلائلها في فصول العدة إن شاء ~~الله تعالى. # ثم من لم يجب عليه الحج بنفسه لعذر كالمريض، ونحوه، وله مال يلزمه أن يحج ~~رجلا عنه، ويجزئه عن حجة الإسلام إذا وجد شرائط جواز الإحجاج على ما نذكره، ~~ولو تكلف واحد ممن له عذر فحج بنفسه أجزأه عن حجة الإسلام إذا كان # PageV02P124 # عاقلا بالغا حرا؛ لأنه من أهل الفرض إلا أنه لم يجب عليه؛ لأنه لا ms1027 يمكنه ~~الوصول إلى مكة إلا بحرج، فإذا تحمل الحرج، وقع موقعه كالفقير إذا حج، ~~والعبد إذا حضر الجمعة فأداها؛ ولأنه إذا وصل إلى مكة صار كأهل مكة فيلزمه ~~الحج بخلاف العبد، والصبي، والمجنون فإن العبد، والصبي ليسا من أهل فرض ~~الحج، والمجنون ليس من أهل العبادة أصلا، والله أعلم. # ثم ما ذكرنا من الشرائط لوجوب الحج من الزاد، والراحلة، وغير ذلك يعتبر، ~~وجودها، وقت خروج أهل بلده حتى لو ملك الزاد، والراحلة في أول السنة قبل ~~أشهر الحج، وقبل أن يخرج أهل بلده إلى مكة فهو في سعة من صرف ذلك إلى حيث ~~أحب؛ لأنه لا يلزمه التأهب للحج قبل خروج أهل بلده؛ لأنه لم يجب عليه الحج ~~قبله، ومن لا حج عليه لا يلزمه التأهب للحج فكان بسبيل من التصرف في ماله ~~كيف شاء، وإذا صرف ماله ثم خرج أهل بلده لا يجب عليه الحج فأما إذا جاء، ~~وقت الخروج، والمال في يده فليس له أن يصرفه إلى غيره على قول من يقول ~~بالوجوب على الفور؛ لأنه إذا جاء وقت خروج أهل بلده فقد وجب عليه الحج ~~لوجود الاستطاعة فيلزمه التأهب للحج، فلا يجوز له صرفه إلى غيره كالمسافر ~~إذا كان معه ماء للطهارة. # وقد قرب الوقت لا يجوز له استهلاكه في غير الطهارة، فإن صرفه إلى غير ~~الحج أثم، وعليه الحج، والله تعالى أعلم. ### | [فصل ركن الحج] # (فصل) : # وأما ركن الحج فشيئان: أحدهما. # الوقوف بعرفة وهو الركن الأصلي للحج، والثاني طواف الزيارة. # أما الوقوف بعرفة فالكلام فيه يقع في مواضع في. # بيان أنه ركن، وفي بيان مكانه، وفي بيان زمانه، وفي بيان مقداره، وفي ~~بيان سننه، وفي بيان حكمه إذا فات عن وقته أما الأول فالدليل عليه قوله ~~تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] فسر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الحج بقوله: «الحج عرفة» أي الحج الوقوف ~~بعرفة إذ الحج فعل، وعرفة مكان فلا يكون حجا فكان الوقوف مضمرا فيه فكان ~~تقديره: ms1028 الحج الوقوف بعرفة. # والمجمل إذا التحق به التفسير يصير مفسرا من الأصل فيصير كأنه تعالى قال: ~~ولله على الناس حج البيت، والحج الوقوف بعرفة. # فظاهره يقتضي أن يكون هو الركن لا غير إلا أنه زيد عليه طواف الزيارة ~~بدليل ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في سياق التفسير: «من وقف بعرفة ~~فقد تم حجه» جعل الوقوف بعرفة اسما للحج فدل أنه ركن، فإن قيل هذا يدل على ~~أن الوقوف بعرفة واجب، وليس بفرض فضلا عن أن يكون ركنا؛ لأنه علق تمام الحج ~~به، والواجب هو الذي يتعلق بوجوده التمام لا الفرض، فالجواب أن المراد من ~~قوله: تم حجه ليس هو التمام الذي هو ضد النقصان بل خروجه عن احتمال الفساد ~~فقوله: " فقد تم حجه " أي: خرج من أن يكون محتملا للفساد بعد ذلك لوجود ~~المفسد حتى لو جامع بعد ذلك لا يفسد حجه لكن تلزمه الفدية على ما نذكر إن ~~شاء الله تعالى، وهذا؛ لأن الله تعالى فرض الحج بقوله: {ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] # وفسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الحج: بالوقوف بعرفة فصار الوقوف ~~بعرفة فرضا، وهو ركن فلو حمل التمام المذكور في الحديث على التمام الذي هو ~~ضد النقصان لم يكن فرضا؛ لأنه يوجد الحج بدونه فيتناقض، فحمل التمام ~~المذكور على خروجه عن احتمال الفساد عملا بالدلائل صيانة لها عن التناقض، ~~وقوله عز وجل: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} [البقرة: 199] قيل: إن أهل ~~الحرم كانوا لا يقفون بعرفات، ويقولون نحن أهل حرم الله لا نفيض كغيرنا ممن ~~قصدنا فأنزل الله عز وجل الآية الكريمة يأمرهم بالوقوف بعرفات، والإفاضة من ~~حيث أفاض الناس، والناس كانوا يفيضون من عرفات، وإفاضتهم منها لا تكون إلا ~~بعد حصولهم فيها فكان الأمر بالإفاضة منها أمرا بالوقوف بها # ضرورة. # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: " كانت قريش ومن كان على ~~دينها يقفون بالمزدلفة، ولا يقفون بعرفات فأنزل الله عز وجل قوله: {ثم ~~أفيضوا ms1029 من حيث أفاض الناس} [البقرة: 199] . # وكذا الأمة أجمعت على كون الوقوف ركنا في الحج. # وأما مكان الوقوف فعرفات كلها موقف لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«عرفات كلها موقف إلا بطن عرنة» . # ولما روينا من الحديث، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الحج عرفة» . # فمن وقف بعرفة فقد تم حجه مطلقا من غير تعيين موضع دون موضع إلا أنه لا ~~ينبغي أن يقف في بطن عرنة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك، ~~وأخبر أنه وادي الشيطان. # وأما زمانه فزمان الوقوف من حين تزول الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر ~~الثاني من يوم # PageV02P125 # النحر حتى لو وقف بعرفة في غير هذا الوقت كان وقوفه، وعدم وقوفه سواء؛ ~~لأنه فرض مؤقت فلا يتأدى في غير وقته كسائر الفرائض المؤقتة إلا في حال ~~الضرورة، وهي حال الاشتباه استحسانا على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # وكذا الوقوف قبل الزوال لم يجز ما لم يقف بعد الزوال، كذا من لم يدرك ~~عرفة بنهار ولا بليل فقد فاته الحج، والأصل فيه ما روي أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: وقف بعرفة بعد الزوال، وقال: «خذوا عني مناسككم» فكان بيانا ~~لأول الوقت، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك عرفة فقد أدرك الحج، ~~ومن فاته عرفة بليل فقد فاته الحج» # وهذا بيان آخر الوقت فدل أن الوقت يبقى ببقاء الليل، ويفوت بفواته، وهذا ~~الذي ذكرنا قول عامة العلماء. # وقال مالك: وقت الوقوف هو الليل فمن لم يقف في جزء من الليل لم يجز ~~وقوفه، واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أدرك ~~عرفة بليل فقد أدرك الحج» علق إدراك الحج بإدراك عرفة بليل فدل أن الوقوف ~~بجزء من الليل هو وقت الركن. # ولنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من وقف معنا هذا ~~الموقف، وصلى معنا هذه الصلاة، وكان وقف قبل ذلك بعرفة ساعة من ليل أو نهار ~~فقد تم حجه، وقضى تفثه» ms1030 . # أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تمام الحج بالوقوف ساعة من ليل أو ~~نهار، فدل أن ذلك هو وقت الوقوف غير عين، وروينا عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # أنه قال: «من وقف بعرفة فقد تم حجه» مطلقا عن الزمان إلا أن زمان ما قبل ~~الزوال، وبعد انفجار الصبح من يوم النحر ليس بمراد بدليل فبقي ما بعد ~~الزوال إلى انفجار الصبح مرادا، ولأن هذا نوع نسك فلا يختص بالليل كسائر ~~أنواع المناسك، ولا حجة له في الحديث؛ لأن فيه: من أدرك عرفة بليل فقد أدرك ~~الحج، وليس فيه أن من لم يدركها بليل ماذا حكمه فكان متعلقا بالمسكوت فلا ~~يصح، ولو اشتبه على الناس هلال ذي الحجة فوقفوا بعرفة بعد أن أكملوا عدة ذي ~~القعدة ثلاثين يوما ثم شهد الشهود أنهم رأوا الهلال يوم كذا، وتبين أن ذلك ~~اليوم كان يوم النحر فوقوفهم صحيح، وحجتهم تامة استحسانا، والقياس: أن لا ~~يصح، وجه القياس أنهم، وقفوا في غير وقت الوقوف فلا يجوز كما لو تبين أنهم، ~~وقفوا يوم التروية، وأي فرق بين التقديم، والتأخير، والاستحسان ما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صومكم يوم تصومون، وأضحاكم يوم ~~تضحون، وعرفتكم يوم تعرفون» . # وروي: «وحجكم يوم تحجون» . # فقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت الوقوف أو الحج، وقت تقف أو ~~تحج فيه الناس، والمعنى فيه من وجهين: أحدهما ما قال بعض مشايخنا: أن هذه ~~شهادة قامت على النفي، وهي نفي جواز الحج، والشهادة على النفي باطلة، ~~والثاني أن شهادتهم جائزة مقبولة لكن وقوفهم جائز أيضا؛ لأن هذا النوع من ~~الاشتباه مما يغلب، ولا يمكن التحرز عنه فلو لم نحكم بالجواز لوقع الناس في ~~الحرج بخلاف ما إذا تبين أن ذلك اليوم كان يوم التروية؛ لأن ذلك نادر غاية ~~الندرة فكان ملحقا بالعدم، ولأنهم بهذا التأخير بنوا على دليل ظاهر واجب ~~العمل به، وهو وجوب إكمال العدة إذا كان بالسماء علة فعذروا في الخطأ بخلاف ~~التقديم فإنه ms1031 خطأ غير مبني على دليل رأسا فلم يعذروا فيه، نظيره إذا اشتبهت ~~القبلة فتحرى، وصلى إلى جهة ثم تبين أنه أخطأ جهة القبلة جازت صلاته، ولو ~~لم يتحر، وصلى ثم تبين أنه أخطأ لم يجز لما قلنا، كذا هذا، وهل يجوز وقوف ~~الشهود؟ روى هشام عن محمد أنه يجوز وقوفهم، وحجهم أيضا. # وقد قال محمد إذا شهد عند الإمام شاهدان عشية يوم عرفة برؤية الهلال، فإن ~~كان الإمام لم يمكنه الوقوف في بقية الليل مع الناس أو أكثرهم لم يعمل بتلك ~~الشهادة، ووقف من الغد بعد الزوال؛ لأنهم، وإن شهدوا عشية عرفة لكن لما ~~تعذر على الجماعة الوقوف في الوقت، وهو ما بقي من الليل صاروا كأنهم شهدوا ~~بعد الوقت فإن كان الإمام يمكنه الوقوف قبل طلوع الفجر مع الناس أو أكثرهم ~~بأن كان يدرك الوقوف عامة الناس إلا أنه لا يدركه ضعفة الناس، جاز وقوفه ~~فإن لم يقف فات حجه؛ لأنه ترك الوقوف في وقته مع علمه به، والقدرة عليه، ~~قال محمد: فإن اشتبه على الناس فوقف الإمام، والناس يوم النحر. # وقد كان من رأى الهلال وقف يوم عرفة لم يجزه وقوفه، وكان عليه أن يعيد ~~الوقوف مع الإمام؛ لأن يوم النحر صار يوم الحج في حق الجماعة، ووقت الوقوف ~~لا يجوز أن يختلف فلا يعتد بما فعله بانفراده. # وكذا إذا أخر الإمام الوقوف لمعنى يسوغ فيه الاجتهاد لم يجز وقوف من وقف ~~قبله، فإن شهد شاهدان عند الإمام بهلال ذي الحجة فرد شهادتهما؛ لأنه # PageV02P126 # لا علة بالسماء، فوقف بشهادتهما قوم قبل الإمام لم يجز وقوفهم؛ لأن ~~الإمام أخر الوقوف بسبب يجوز العمل عليه في الشرع، فصار كما لو أخر ~~بالاشتباه، والله تعالى أعلم. # وأما قدره فنبين القدر المفروض، والواجب أما القدر المفروض من الوقوف: ~~فهو كينونته بعرفة في ساعة من هذا الوقت فمتى حصل إتيانها في ساعة من هذا ~~الوقت تأدى فرض الوقوف سواء كان عالما بها، أو جاهلا نائما، أو يقظان مفيقا ~~أو مغمى عليه، وقف بها ms1032 أو مر، وهو يمشي أو على الدابة أو محمولا؛ لأنه أتى ~~بالقدر المفروض، وهو حصوله كائنا بها، والأصل فيه ما روينا عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «من وقف بعرفة فقد تم حجه» . # والمشي، والسير لا يخلو عن وقفة، وسواء نوى الوقوف أو لم ينو بخلاف ~~الطواف، وسنذكر الفرق في (فصل الطواف) إن شاء الله وسواء كان محدثا أو جنبا ~~أو حائضا أو نفساء؛ لأن الطهارة ليست بشرط لجواز الوقوف؛ لأن حديث الوقوف ~~مطلق عن شرط الطهارة، ولما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال ~~لعائشة - رضي الله عنها - حين حاضت: افعلي ما يفعله الحاج غير أنك لا تطوفي ~~بالبيت» ، ولأنه نسك غير متعلق بالبيت فلا تشترط له الطهارة كرمي الجمار، ~~وسواء كان قد صلى الصلاتين أو لم يصل لإطلاق الحديث، ولأن الصلاتين، وهما: ~~الظهر، والعصر لا تعلق لهما بالوقوف فلا يكون تركهما مانعا من الوقوف، ~~والله أعلم. # وأما القدر الواجب من الوقوف: فمن حين تزول الشمس إلى أن تغرب فهذا القدر ~~من الوقوف واجب عندنا. # وعند الشافعي: ليس بواجب بل هو سنة. # بناء على أنه لا فرق بين الفرض، والواجب، فإذا لم يكن فرضا لم يكن واجبا، ~~ونحن نفرق بين الفرض، والواجب كفرق ما بين السماء، والأرض وهو أن الفرض اسم ~~لما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به، والواجب اسم لما ثبت وجوبه بدليل فيه شبهة ~~العدم على ما عرف في أصول الفقه، وأصل الوقوف ثبت بدليل مقطوع به، وهو: ~~النص المفسر من الكتاب، والسنة المتواترة، والمشهورة، والإجماع على ما ~~ذكرنا فأما الوقوف إلى جزء من الليل: فلم يقم عليه دليل قاطع بل مع شبهة ~~العدم أعني: خبر الواحد، وهو ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج» . # أو غير ذلك من الآحاد التي لا تثبت بمثلها الفرائض فضلا عن الأركان، وإذا ~~عرف أن الوقوف من حين زوال الشمس إلى غروبها واجب، فإن دفع منها قبل غروب ms1033 ~~الشمس فإن جاوز عرفة بعد الغروب فلا شيء عليه؛ لأنه ما ترك الواجب، وإن ~~جاوزها قبل الغروب فعليه دم عندنا لتركه الواجب فيجب عليه الدم كما لو ترك ~~غيره من الواجبات. # وعند الشافعي لا دم عليه؛ لأنه لم يترك الواجب إذ الوقوف المقدر ليس ~~بواجب عنده، ولو عاد إلى عرفة قبل غروب الشمس، وقبل أن يدفع الإمام ثم دفع ~~منها بعد الغروب مع الإمام سقط عنه الدم عندنا لأنه استدرك المتروك. # وعند زفر لا يسقط، وهو على الاختلاف في مجاوزة الميقات بغير إحرام، ~~والكلام فيه على نحو الكلام في تلك المسألة، وسنذكرها إن شاء الله في ~~موضعها، وإن عاد قبل غروب الشمس بعد ما خرج الإمام من عرفة ذكر الكرخي أنه ~~يسقط عنه الدم أيضا. # وكذا روى ابن شجاع عن أبي حنيفة أن الدم يسقط عنه أيضا؛ لأنه استدرك ~~المتروك إذ المتروك هو الدفع بعد الغروب. # وقد استدركه، وذكر في الأصل أنه لا يسقط عنه الدم قال مشايخنا: اختلاف ~~الرواية لمكان الاختلاف فيما لأجله يجب الدم فعلى رواية الأصل الدم يجب ~~لأجل دفعه قبل الإمام، ولم يستدرك ذلك، وعلى رواية ابن شجاع يجب لأجل دفعه ~~قبل غروب الشمس. # وقد استدركه بالعود، والقدوري اعتمد على هذه الرواية، وقال: هي الصحيحة، ~~والمذكور في الأصل مضطرب، ولو عاد إلى عرفة بعد الغروب لا يسقط عنه الدم ~~بلا خلاف؛ لأنه لما غربت الشمس عليه قبل العود فقد تقرر عليه الدم الواجب ~~فلا يحتمل السقوط بالعود، والله الموفق. # وأما بيان حكمه إذا فات فحكمه أنه يفوت الحج في تلك السنة، ولا يمكن ~~استدراكه فيها؛ لأن ركن الشيء ذاته، وبقاء الشيء مع فوات ذاته محال. ### | [فصل طواف الزيارة] # (فصل) : # وأما طواف الزيارة فالكلام فيه في مواضع في. # بيان أنه ركن وفي بيان ركنه، وفي بيان شرائطه، وواجباته، وسننه، وفي بيان ~~مكانه، وفي بيان زمانه، وفي بيان مقداره، وفي بيان حكمه إذا فات عن أيام ~~النحر أما الأول فالدليل على أنه ركن قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} ms1034 ~~[الحج: 29] # والمراد منه طواف الزيارة بالإجماع، ولأنه تعالى أمر الكل بالطواف # PageV02P127 # فيقتضي الوجوب على الكل، وطواف اللقاء لا يجب أصلا، وطواف الصدر لا يجب ~~على الكل؛ لأنه لا يجب على أهل مكة فيتعين طواف الزيارة مرادا بالآية، ~~وقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ، والحج في اللغة ~~هو: القصد، وفي عرف الشرع هو: زيارة البيت، والزيارة هي القصد إلى الشيء ~~للتقرب قال الشاعر: # ألم تعلمي يا أم سعد بأنما ... تخاطأني ريب الزمان لأكثرا # وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون بيت الزبرقان المزعفرا # ، وقوله: " يحجون " أي يقصدون ذلك البيت للتقرب فكان حج البيت هو القصد ~~إليه للتقرب به، وإنما يقصد البيت للتقرب بالطواف به فكان الطواف به ركنا، ~~والمراد به طواف الزيارة لما بينا، ولهذا يسمى في عرف الشرع: طواف الركن ~~فكان ركنا. # وكذا الأمة أجمعت على كونه ركنا، ويجب على أهل الحرم، وغيرهم لعموم قوله ~~تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] . # وقوله عز وجل: {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ### | [فصل ركن طواف الزيارة] # (فصل) : # وأما ركنه فحصوله كائنا حول البيت سواء كان بفعل نفسه أو بفعل غيره، ~~وسواء كان عاجزا عن الطواف بنفسه فطاف به غيره بأمره أو بغير أمره أو كان ~~قادرا على الطواف بنفسه فحمله غيره بأمره أو بغير أمره غير أنه إن كان ~~عاجزا أجزأه، ولا شيء عليه، وإن كان قادرا أجزأه، ولكن يلزمه الدم، أما ~~الجواز فلأن الفرض حصوله كائنا حول البيت. # وقد حصل. # وأما لزوم الدم فلتركه الواجب، وهو الشيء بنفسه مع القدرة عليه فدخله نقص ~~فيجب جبره بالدم كما إذا طاف راكبا أو زحفا، وهو قادر على المشي، وإذا كان ~~عاجزا عن المشي لا يلزمه شيء؛ لأنه لم يترك الواجب إذ لا وجوب مع العجز، ~~ويجوز ذلك عن الحامل، والمحمول جميعا لما ذكرنا أن الفرض حصوله كائنا حول ~~البيت # وقد حصل كل واحد منهما كائنا حول البيت غير أن أحدهما حصل كائنا بفعل ~~نفسه، والآخر بفعل غيره، فإن قيل: إن مشي ms1035 الحامل فعل، والفعل الواحد كيف ~~يقع عن شخصين؟ فالجواب من وجهين أحدهما أن المفروض ليس هو الفعل في الباب ~~بل حصول الشخص حول البيت بمنزلة الوقوف بعرفة أن المفروض منه حصوله كائنا ~~بعرفة لا فعل الوقوف على ما بينا فيما تقدم، والثاني أن مشي الواحد جاز أن ~~يقع عن اثنين في باب الحج كالبعير الواحد إذا ركبه اثنان فطافا عليه. # وكذا يجوز في الشرع أن يجعل فعل واحد حقيقة كفعلين معنى كالأب الوصي إذا ~~باع مال نفسه من الصغير أو اشترى مال الصغير لنفسه، ونحو ذلك كذا ههنا. ### | [فصل شرط وواجبات طواف الزيارة] # (فصل) : # وأما شرطه وواجباته فشرطه النية، وهو أصل النية دون التعيين حتى لو لم ~~ينو أصلا بأن طاف هاربا من سبع أو طالبا لغريم لم يجز. # فرق أصحابنا بين الطواف، وبين الوقوف: أن الوقوف يصح من غير نية الوقوف ~~عند الوقوف، والطواف لا يصح من غير نية الطواف عند الطواف كذا ذكره القدوري ~~في شرحه مختصر الكرخي، وأشار القاضي في شرحه مختصر الطحاوي إلى أن نية ~~الطواف عند الطواف ليست بشرط أصلا، وأن نية الحج عند الإحرام كافية، ولا ~~يحتاج إلى نية مفردة كما في سائر أفعال الحج، وكما في أفعال الصلاة. # ووجه الفرق على ما ذكره القدوري أن الوقوف ركن يقع في حال قيام نفس ~~الإحرام لانعدام ما يضاده فلا يحتاج إلى نية مفردة بل تكفيه النية السابقة، ~~وهي نية الحج كالركوع، والسجود في باب الصلاة؛ لأنه لا يحتاج إلى إفرادهما ~~بالنية لاشتمال نية الصلاة عليهما كذا الوقوف، فأما الطواف فلا يؤتى به في ~~حال قيام نفس الإحرام لوجود ما يضاده؛ لأنه تحليل؛ لأنه يقع به التحليل، ~~ولا إحرام حال وجود التحليل؛ لأن الشيء حال وجوده موجود، ووجوده يمنع ~~الإحرام من الوجود فلا تشتمل عليه نية الحج فتقع الحاجة إلى الإفراد بالنية ~~كالتسليم في باب الصلاة إذ التسليم تحليل أو نقول إن الوقوف يوجد في حال ~~قيام الإحرام المطلق لبقائه في حق جميع الأحكام فيتناوله نية ms1036 الحج فلا ~~يحتاج إلى نية على حدة، ولا كذلك الطواف. # فإنه يوجد حال زوال الإحرام من وجه لوقوع التحلل قبله من وجه بالحلق أو ~~التقصير. # ألا ترى أنه يحل له كل شيء إلا النساء فوقعت الحاجة إلى نية على حدة فأما ~~تعيين النية حال وجوده في وقته فلا حاجة إليه حتى لو نفر في النفر الأول ~~فطاف، وهو لا يعين طوافا يقع عن طواف الزيارة لا عن الصدر؛ لأن أيام النحر ~~متعينة لطواف الزيارة # PageV02P128 # فلا حاجة إلى تعيين النية كما لو صام رمضان بمطلق لنية أنه يقع عن رمضان ~~لكون الوقت متعينا لصومه كذا هذا. # وكذا لو نوى تطوعا يقع عن طواف الزيارة كما لو صام رمضان بنية التطوع، ~~وكذلك كل طواف واجب، أو سنة يقع في وقته من طواف اللقاء، وطواف الصدر، ~~فإنما يقع عما يستحقه الوقت، وهو الذي انعقد عليه الإحرام دون غيره سواء ~~عين ذلك بالنية، أو لم يعين فيقع عن الأول، وإن نوى الثاني لا يعمل بنيته ~~في تقديمه على الأول حتى إن المحرم إذا قدم مكة، وطاف لا يعين شيئا، أو نوى ~~التطوع، فإن كان محرما بعمرة يقع طوافه للعمرة، وإن كان محرما بحجة يقع ~~طوافه للقدوم؛ لأن عقد الإحرام انعقد عليه، وكذلك القارن إذا طاف لا يعين ~~شيئا، أو نوى التطوع كان ذلك للعمرة، فإن طاف طوافا آخر قبل أن يسعى لا ~~يعين شيئا، أو نوى تطوعا كان ذلك للحج، والله أعلم. # فأما الطهارة عن الحدث، والجنابة، والحيض، والنفاس فليست بشرط لجواز ~~الطواف، وليست بفرض عندنا بل واجبة حتى يجوز الطواف بدونها. # وعند الشافعي فرض لا يصح الطواف بدونها. # واحتج بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الطواف صلاة ~~إلا أن الله تعالى أباح فيه الكلام» . # وإذا كان صلاة فالصلاة لا جواز لها بدون الطهارة، ولنا قوله تعالى: ~~{وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] أمر بالطواف مطلقا عن شرط الطهارة، ~~ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد فيحمل على التشبيه كما في قوله ms1037 ~~تعالى: {وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب: 6] أي: كأمهاتهم ومعناه الطواف كالصلاة ~~إما في الثواب أو في أصل الفرضية في طواف الزيارة؛ لأن كلام التشبيه لا ~~عموم له فيحمل على المشابهة في بعض الوجوه عملا بالكتاب، والسنة أو نقول: ~~الطواف يشبه الصلاة، وليس بصلاة حقيقة فمن حيث إنه ليس بصلاة حقيقة لا ~~تفترض له الطهارة، ومن حيث إنه يشبه الصلاة تجب له الطهارة عملا بالدليلين ~~بالقدر الممكن، وإن كانت الطهارة من واجبات الطواف فإذا طاف من غير طهارة ~~فما دام بمكة تجب عليه الإعادة؛ لأن الإعادة جبر له بجنسه، وجبر الشيء ~~بجنسه أولى؛ لأن معنى الجبر، وهو التلافي فيه أتم ثم إن أعاد في أيام النحر ~~فلا شيء عليه، وإن أخره عنها فعليه دم في قول أبي حنيفة، والمسألة تأتي إن ~~شاء الله تعالى في موضعها، وإن لم يعد، ورجع إلى أهله فعليه الدم غير أنه ~~إن كان محدثا فعليه شاة، وإن كان جنبا فعليه بدنة؛ لأن الحدث يوجب نقصانا ~~يسيرا فتكفيه الشاة لجبره كما لو ترك شوطا فأما الجنابة فإنها توجب نقصانا ~~متفاحشا؛ لأنها أكبر الحدثين فيجب لها أعظم الجابرين. # وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال البدنة: " تجب في الحج في ~~موضعين أحدهما: إذا طاف جنبا، والثاني إذا جامع بعد الوقوف ". # وإذا لم تكن الطهارة من شرائط الجواز فإذا طاف، وهو محدث أو جنب، وقع ~~موقعه حتى لو جامع بعده لا يلزمه شيء؛ لأن الوطء لم يصادف الإحرام لحصول ~~التحلل بالطواف هذا إذا طاف بعد أن حلق أو قصر ثم جامع فأما إذا طاف، ولم ~~يكن حلق، ولا قصر ثم جامع فعليه دم؛ لأنه إذا لم يحلق، ولم يقصر فالإحرام ~~باق، والوطء إذا صادف الإحرام يوجب الكفارة إلا أنه يلزمه الشاة لا البدنة؛ ~~لأن الركن صار مؤدى فارتفعت الحرمة المطلقة فلم يبق الوطء جنابة محضة بل خف ~~معنى الجنابة فيه فيكفيه أخف الجابرين. # فأما الطهارة عن النجس فليست من شرائط الجواز بالإجماع فلا يفترض ~~تحصيلها، ولا تجب أيضا ms1038 لكنه سنة حتى لو طاف، وعلى ثوبه نجاسة أكثر من قدر ~~الدرهم جاز، ولا يلزمه شيء إلا أنه يكره. # وأما ستر العورة فهو مثل الطهارة عن الحدث، والجنابة أي إنه ليس بشرط ~~الجواز، وليس بفرض لكنه، واجب عندنا حتى لو طاف عريانا فعليه الإعادة ما ~~دام بمكة فإن رجع إلى أهله فعليه الدم. # وعند الشافعي شرط الجواز كالطهارة عن الحدث، والجنابة، وحجته ما روينا عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الطواف صلاة إلا أن الله أباح فيه ~~الكلام» # وستر العورة من شرائط جواز الصلاة، وحجتنا قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت ~~العتيق} [الحج: 29] أمر بالطواف مطلقا عن شرط الستر فيجرى على إطلاقه، ~~والجواب عن تعلقه بالحديث على نحو ما ذكرنا في الطهارة والفرق بين ستر ~~العورة، وبين الطهارة عن النجاسة أن المنع من الطواف مع الثوب النجس ليس ~~لأجل الطواف بل لأجل المسجد، وهو صيانته عن إدخال النجاسة فيه، وصيانته عن ~~تلويثه فلا يوجب ذلك نقصانا في الطواف فلا حاجة إلى الجبر. # فأما المنع من الطواف عريانا فلأجل الطواف لنهي النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الطواف عريانا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا لا يطوفن بعد # PageV02P129 # عامي هذا مشرك، ولا عريان» وإذا كان النهي لمكان الطواف تمكن فيه النقص ~~فيجب جبره بالدم لكن بالشاة لا بالبدنة؛ لأن النقص فيه كالنقص بالحدث لا ~~كالنقص بالجنابة قال محمد: ومن طاف تطوعا على شيء من هذه الوجوه فأحب إلينا ~~إن كان بمكة أن يعيد الطواف، وإن كان قد رجع إلى أهله فعليه صدقة سوى الذي ~~طاف، وعلى ثوبه نجاسة؛ لأن التطوع يصير واجبا بالشروع فيه إلا أنه دون ~~الواجب ابتداء بإيجاب الله تعالى فكان النقص فيه أقل فيجبر بالصدقة، ~~ومحاذاة المرأة الرجل في الطواف لا تفسد عليه طوافه؛ لأن المحاذاة إنما ~~عرفت مفسدة في الشرع على خلاف القياس في صلاة مطلقة مشتركة، والطواف ليس ~~بصلاة حقيقة، ولا اشتراك أيضا، والموالاة في الطواف ليست بشرط حتى لو خرج ~~الطائف من طوافه لصلاة جنازة ms1039 أو مكتوبة أو لتجديد وضوء ثم عاد بنى على ~~طوافه، ولا يلزمه الاستئناف لقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: ~~29] مطلقا عن شرط الموالاة. # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «خرج من الطواف، ودخل ~~السقاية فاستسقى فسقى فشرب ثم عاد، وبنى على طوافه» ، والله تعالى أعلم. # ومن واجبات الطواف أن يطوف ماشيا لا راكبا إلا من عذر حتى لو طاف راكبا ~~من غير عذر فعليه الإعادة ما دام بمكة، وإن عاد إلى أهله يلزمه الدم، وهذا ~~عندنا وعند الشافعي: ليس بواجب فإذا طاف راكبا من غير عذر لا شيء عليه، ~~واحتج بما روي «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه طاف راكبا» . # (ولنا) قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] ، والراكب ليس ~~بطائف حقيقة فأوجب ذلك نقصا فيه فوجب جبره بالدم. # وأما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد روي أن ذلك كان لعذر كذا ~~روي عن عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن ذلك كان بعد ما أسن، وبدن، ~~ويحتمل أنه فعل ذلك لعذر آخر، وهو التعليم كذا روي عن جابر - رضي الله عنه ~~- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف راكبا ليراه الناس فيسألوه، ~~ويتعلموا منه، وهذا عذر، وعلى هذا أيضا يخرج ما إذا طاف زحفا أنه إن كان ~~عاجزا عن المشي أجزأه، ولا شيء عليه؛ لأن التكليف بقدر الوسع، وإن كان ~~قادرا عليه الإعادة إن كان بمكة، والدم إن كان رجع إلى أهله؛ لأن الطواف ~~مشيا، واجب عليه، ولو أوجب على نفسه أن يطوف بالبيت زحفا، وهو قادر على ~~المشي عليه أن يطوف ماشيا؛ لأنه نذر إيقاع العبادة على وجه غير مشروع فلغت ~~الجهة، وبقي النذر بأصل العبادة كما إذا نذر أن يطوف للحج على غير طهارة ~~فإن طاف زحفا أعاد إن كان بمكة، وإن رجع إلى أهله فعليه دم؛ لأنه ترك ~~الواجب كذا ذكر في الأصل، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه إذا طاف ~~زحفا أجزأه؛ لأنه أدى ما أوجب على ms1040 نفسه فيجزئه كمن نذر أن يصلي ركعتين في ~~الأرض المغصوبة أو يصوم يوم النحر أنه يجب عليه أن يصلي في موضع آخر ويصوم ~~يوما آخر، ولو صلى في الأرض المغصوبة، وصام يوم النحر أجزأه، وخرج عن عهدة ~~النذر كذا هذا، وعلى هذا أيضا يخرج ما إذا طاف محمولا أنه إن كان لعذر جاز، ~~ولا شيء عليه، وإن كان لغير عذر جاز، ويلزمه الدم؛ لأن الطواف ماشيا، واجب ~~عند القدرة على المشي، وترك الواجب من غير عذر يوجب الدم. # فأما الابتداء من الحجر الأسود فليس بشرط من شرائط جوازه بل هو سنة في ~~ظاهر الرواية حتى لو افتتح من غير عذر أجزأه مع الكراهة لقوله تعالى ~~{وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] مطلقا عن شرط الابتداء بالحجر الأسود ~~إلا أنه لو لم يبدأ يكره؛ لأنه ترك السنة، وذكر محمد - رحمه الله - في ~~الرقيات إذا افتتح الطواف من غير الحجر لم يعتد بذلك الشوط إلا أن يصير إلى ~~الحجر فيبدأ منه الطواف فهذا يدل على أن الافتتاح منه شرط الجواز، وبه أخذ ~~الشافعي، والدليل على أن الافتتاح من الحجر إما على وجه السنة أو الفرض ما ~~روي أن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - لما انتهى في البناء إلى مكان الحجر ~~قال لإسماعيل - عليه الصلاة والسلام - ائتني بحجر أجعله علامة لابتداء ~~الطواف فخرج، وجاء بحجر فقال ائتني بغيره فأتاه بحجر آخر فقال ائتني بغيره ~~فأتاه بثالث فألقاه، وقال جاءني بحجر من أغناني عن حجرك فرأى الحجر الأسود ~~في موضعه. # وأما الابتداء من يمين الحجر لا من يساره فليس من شرائط الجواز بلا خلاف ~~بين أصحابنا حتى يجوز الطواف منكوسا بأن افتتح الطواف عن يسار الحجر، ويعتد ~~به، وعند الشافعي هو من شرائط الجواز لا يجوز بدونه، واحتج بما روي «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - افتتح الطواف من يمين الحجر لا من يساره» ~~، وذلك تعليم منه - صلى الله عليه وسلم - مناسك الحج. # وقد قال - عليه الصلاة والسلام - # PageV02P130 # «خذوا عني مناسككم» فتجب البداية بما بدأ ms1041 به النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ولنا قوله تعالى {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] مطلقا من غير شرط ~~البداية باليمين أو باليسار. # وفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محمول على الوجوب، وبه نقول إنه ~~واجب كذا ذكره الإمام القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه تجب عليه الإعادة ~~ما دام بمكة، وإن رجع إلى أهله يجب عليه الدم. # وكذا ذكر في الأصل، ووجهه أنه ترك الواجب، وهو قادر على استدراكه بجنسه ~~فيجب عليه ذلك تلافيا للتقصير بأبلغ الوجوه، وإذا رجع إلى أهله فقد عجز عن ~~استدراكه الفائت بجنسه فيستدركه بخلاف جنسه جبرا للفائت بالقدر الممكن على ~~ما هو الأصل في ضمان الفوائت في الشرع، وذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي ~~ما يدل على أنه سنة فإنه قال أجزأه الطواف، ويكره، وهذا أمارة السنة. # وأما سننه فنذكرها عند بيان سنن الحج، ولا رمل في هذا الطواف إذا كان ~~الطواف طواف اللقاء، وسعى عقيبه، وإن كان لم يطف طواف اللقاء أو كان قد طاف ~~لكنه لم يسع عقيبه فإنه يرمل في طواف الزيارة، والأصل فيه أن الرمل سنة ~~طواف عقيبه سعي، وكل طواف يكون بعده سعي يكون فيه رمل، وإلا فلا لما نذكر ~~إن شاء الله عند بيان سنن الحج، والترتيب بين أفعاله. # ويكره إنشاد الشعر، والتحدث في الطواف لما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال «الطواف بالبيت صلاة فأقلوا فيه الكلام» . # وروي أنه قال - صلى الله عليه وسلم - «فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير» ، ~~ولأن ذلك يشغله عن الدعاء، ويكره أن يرفع صوته بالقرآن؛ لأنه يتأذى به غيره ~~لما يشغله ذلك عن الدعاء، ولا بأس بأن يقرأ القرآن في نفسه، وقال مالك ~~يكره، وإنه غير سديد؛ لأن قراءة القرآن مندوب إليها في جميع الأحوال إلا في ~~حال الجنابة، والحيض، ولم يوجد. # ومن المشايخ من قال التسبيح أولى؛ لأن محمدا - رحمه الله - ذكر لفظة " لا ~~بأس " وهذه اللفظة إنما تستعمل في الرخص، ولا بأس أن يطوف، وعليه خفاه أو ms1042 ~~نعلاه إذا كانا طاهرتين لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه طاف ~~مع نعليه» ، ولأنه تجوز الصلاة مع الخفين، والنعلين مع أن حكم الصلاة أضيق ~~فلأن يجوز الطواف أولى، ولا يرمل في هذا الطواف إذا كان طاف طواف اللقاء، ~~وسعى عقيبه، وإن كان لم يطف طواف اللقاء أو كان قد طاف لكنه لم يسع عقيبه ~~فإنه يرمل في طواف الزيارة، والأصل فيه أن الرمل سنة طواف عقيبه سعي، فكل ~~طواف بعد سعي يكون فيه رمل، وإلا فلا لما نذكر عند بيان سنن الحج، والترتيب ~~في أفعاله إن شاء الله تعالى وأما سننه فنذكرها عند بيان سنن الحج إن شاء ~~الله تعالى. ### | [فصل مكان الطواف] # (فصل) : # وأما مكان الطواف فمكانه حول البيت لقوله تعالى {وليطوفوا بالبيت العتيق} ~~[الحج: 29] ، والطواف بالبيت هو الطواف حوله فيجوز الطواف في المسجد الحرام ~~قريبا من البيت أو بعيدا عنه بعد أن يكون في المسجد حتى لو طاف من، وراء ~~زمزم قريبا من حائط المسجد أجزأه لوجود الطواف بالبيت لحصوله حول البيت، ~~ولو طاف حول المسجد، وبينه وبين البيت حيطان المسجد لم يجز؛ لأن حيطان ~~المسجد حاجزة فلم يطف بالبيت لعدم الطواف حوله بل طاف بالمسجد لوجود الطواف ~~حوله لا حول البيت، ولأنه لو جاز الطواف حول المسجد مع حيلولة حيطان المسجد ~~لجاز حول مكة، والحرم، وذا لا يجوز كذا هذا. # ويطوف من خارج الحطيم؛ لأن الحطيم من البيت على لسان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فإنه روي عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال لها «إن قومك قصرت بهم النفقة فقصروا البيت عن قواعد ~~إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - وإن الحطيم من البيت، ولولا حدثان عهدهم ~~بالجاهلية لرددته إلى قواعد إبراهيم، ولجعلت له بابين بابا شرقيا، وبابا ~~غربيا» # وروي «أن رجلا نذر أن يصلي في البيت ركعتين فأمره النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يصلي في الحطيم ركعتين» . # وروي «أن عائشة - رضي الله عنها - نذرت بذلك فأمرها النبي - صلى ms1043 الله ~~عليه وسلم - أن تصلي في الحطيم ركعتين» فإن قيل إذا كان الحطيم من البيت ~~فلم لا يجوز التوجه إليه في الصلاة. # فالجواب أن كون الحطيم من البيت ثبت بخبر الواحد، ووجوب التوجه إلى البيت ~~ثبت بنص الكتاب العزيز، وهو قوله تعالى {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} ~~[البقرة: 144] ، ولا يجوز ترك العمل بنص الكتاب بالآحاد، وليس في الطواف ~~من، وراء الحطيم عملا بخبر الواحد ترك العمل بنص الكتاب العزيز، وهو قوله ~~تعالى {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] # PageV02P131 # بل فيه عمل بهما جميعا ولو طاف في داخل الحجر فعليه أن يعيد؛ لأن الحطيم ~~لما كان من البيت فإذا طاف في داخل الحطيم فقد ترك الطواف ببعض البيت، ~~والمفروض هو الطواف بكل البيت لقوله تعالى {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: ~~29] ، والأفضل أن يعيد الطواف كله مراعاة للترتيب فإن أعاد على الحجر خاصة ~~أجزأه؛ لأن المتروك هو لا غير فاستدركه، ولو لم يعد حتى عاد إلى أهله يجب ~~عليه الدم؛ لأن الحطيم ربع البيت فقد ترك من طوافه ربعه. ### | [فصل زمان طواف الزيارة] # (فصل) : # وأما زمان هذا الطواف، وهو، وقته فأوله حين يطلع الفجر الثاني من يوم ~~النحر بلا خلاف بين أصحابنا حتى لا يجوز قبله، وقال الشافعي أول، وقته ~~منتصف ليلة النحر، وهذا غير سديد؛ لأن ليلة النحر، وقت ركن آخر، وهو الوقوف ~~بعرفة فلا يكون، وقتا للطواف؛ لأن الوقت الواحد لا يكون وقتا لركنين، وليس ~~لآخره زمان معين موقت به فرضا بل جميع الأيام، والليالي، وقته فرضا بلا ~~خلاف بين أصحابنا لكنه موقت بأيام النحر وجوبا في قول أبي حنيفة حتى لو ~~أخره عنها فعليه دم عنده، وفي قول أبي يوسف، ومحمد غير موقت أصلا، ولو أخره ~~عن أيام النحر لا شيء عليه، وبه أخذ الشافعي، واحتجوا بما روي «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عمن ذبح قبل أن يرمي فقال ارم، ولا حرج» ، ~~وما سئل يومئذ عن أفعال الحج قدم شيء منها أو أخر إلا قال افعل، ولا حرج. ms1044 # فهذا ينفي توقيت آخره، وينفي وجوب الدم بالتأخير، ولأنه لو توقت آخره ~~لسقط بمضي آخره كالوقوف بعرفة فلما لم يسقط دل أنه لم يتوقت، ولأبي حنيفة ~~أن التأخير بمنزلة الترك في حق وجوب الجابر بدليل أن من جاوز الميقات بغير ~~إحرام ثم أحرم يلزمه دم، ولو لم يوجد منه إلا تأخير الشك، وكذا تأخير ~~الواجب في باب الصلاة بمنزلة الترك في حق وجوب الجابر، وهو سجدتا السهو ~~فكان الفقه في ذلك أن أداء الواجب كما هو، واجب فمراعاة محل الواجب، واجب ~~فكان التأخير تركا للمراعاة الواجبة، وهي مراعاته في محله، والترك تركا ~~لواجبين أحدهما أداء الواجب في نفسه، والثاني مراعاته في محله فإذا ترك هذا ~~الواجب يجب جبره بالدم وإذا توقت هذا الطواف بأيام النحر وجوبا عنده فإذا ~~أخره عنها فقد ترك الواجب فأوجب ذلك نقصانا فيجب جبره بالدم، ولما لم يتوقت ~~عندهما ففي أي وقت فعله فقد فعله في وقته فلا يتمكن فيه نقص فلا يلزمه شيء، ~~ولا حجة لهما في الحديث؛ لأن فيه نفي الحرج، وهو نفي الإثم، وانتفاء الإثم ~~لا ينفي وجوب الكفارة كما لو حلق رأسه لأذى فيه: أنه لا يأثم، وعليه الدم ~~كذا ههنا، وقولهما إنه لا يسقط بمضي آخر الوقت مسلم، لكن هذا لا يمنع كونه ~~موقتا، وواجبا في الوقت كالصلوات المكتوبات أنها لا تسقط بخروج أوقاتها، ~~وإن كانت موقتة حتى تقضى كذا هذا، والأفضل هو الطواف في أول أيام النحر ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - «أيام النحر ثلاثة أولها أفضلها» . # وقد روي «أنه - صلى الله عليه وسلم - طاف في أول أيام النحر» ، ومعلوم ~~أنه كان يأتي بالعبادات في أفضل أوقاتها، ولأن هذا الطواف يقع به تمام ~~التحلل، وهو التحلل من النساء فكان في تعجيله صيانة نفسه عن الوقوع في ~~الجماع، ولزوم البدنة فكان أولى. ### | [فصل مقدار الطواف] # (فصل) : # وأما مقداره فالمقدار المفروض منه هو أكثر الأشواط، وهو ثلاثة أشواط، ~~وأكثر الشوط الرابع، فأما الإكمال فواجب، وليس بفرض حتى لو جامع بعد ~~الإتيان بأكثر ms1045 الطواف قبل الإتمام لا يلزمه البدنة، وإنما تلزمه الشاة، ~~وهذا عندنا، وقال الشافعي الفرض هو سبعة أشواط لا يتحلل بما دونها، وجه ~~قوله أن مقادير العبادات لا تعرف بالرأي، والاجتهاد، وإنما تعرف بالتوقيف ~~«، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاف سبعة أشواط» فلا يعتد بما دونها، ~~ولنا قوله تعالى {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] ، والأمر المطلق لا ~~يقتضي التكرار إلا أن الزيادة على المرة الواحدة إلى أكثر الأشواط ثبت ~~بدليل آخر، وهو الإجماع، ولا إجماع في الزيادة على أكثر الأشواط، ولأنه أتى ~~بأكثر الطواف، والأكثر يقوم مقام الكل فيما يقع به التحلل في باب الحج ~~كالذبح إذا لم يستوف قطع العروق الأربعة، وإنما كان المفروض هذا القدر فإذا ~~أتى به فقد أتى بالقدر المفروض فيقع به التحلل فلا يلزمه البدنة بالجماع ~~بعد ذلك؛ لأن ما زاد عليه إلى تمام السبعة فهو واجب، وليس بفرض فيجب بتركه ~~الشاة دون البدنة كرمي الجمار، والله تعالى أعلم. # PageV02P132 ### | [فصل حكم الطواف إذا فات عن أيام النحر] # فصل) : # وأما حكمه إذا فات عن أيام النحر فهو أنه لا يسقط بل يجب أن يأتي به؛ لأن ~~سائر الأوقات، وقته بخلاف الوقوف بعرفة أنه إذا فات عن، وقته يسقط؛ لأنه ~~موقت بوقت مخصوص ثم إن كان بمكة يأتي به بإحرامه الأول؛ لأنه قائم؛ إذ ~~التحلل بالطواف، ولم يوجد، وعليه لتأخيره عن أيام النحر دم عند أبي حنيفة، ~~وإن كان رجع إلى أهله فعليه أن يرجع إلى مكة بإحرامه الأول، ولا يحتاج إلى ~~إحرام جديد، وهو محرم عن النساء إلى أن يعود فيطوف، وعليه للتأخير دم عند ~~أبي حنيفة. # ولا يجزئ عن هذا الطواف بدنة؛ لأنه ركن، وأركان الحج لا يجزئ عنها البدل، ~~ولا يقوم غيرها مقامها بل يجب الإتيان بعينها كالوقوف بعرفة. # وكذا لو كان طاف ثلاثة أشواط فهو والذي لم يطف سواء؛ لأن الأقل لا يقوم ~~مقام الكل، وإن كان طاف جنبا أو على غير وضوء أو طاف أربعة أشواط ثم رجع ~~إلى أهله، أما إذا طاف ms1046 جنبا فعليه أن يعود إلى مكة لا محالة هو العزيمة، ~~وبإحرام جديد حتى يعيد الطواف، أما وجوب العود بطريق العزيمة فلتفاحش ~~النقصان بالجنابة فيؤمر بالعود كما لو ترك أكثر الأشواط. # وأما تجديد الإحرام فلأنه حصل التحلل بالطواف مع الجنابة على أصل ~~أصحابنا، والطهارة عن الحدث، والجنابة ليست بشرط لجواز الطواف فإذا حصل ~~التحلل صار حلالا، والحلال لا يجوز له دخول مكة بغير إحرام، فإن لم يعد إلى ~~مكة لكنه بعث بدنة جاز لما ذكرنا أن البدنة تجبر النقص بالجنابة؛ لأن ~~العزيمة هو العود؛ لأن النقصان فاحش فكان العود أجبر له؛ لأنه جبر بالجنس. # وأما إذا طاف محدثا أو طاف أربعة أشواط فإن، عاد وطاف جاز؛ لأنه جبر ~~النقص بجنسه، وإن بعث شاة جاز أيضا؛ لأن النقص يسير فينجبر بالشاة، والأفضل ~~أن يبعث بالشاة؛ لأن الشاة تجبر النقص، وتنفع الفقراء، وتدفع عنه مشقة ~~الرجوع، وإن كان بمكة فالرجوع أفضل؛ لأنه جبر الشيء بجنسه فكان أولى، والله ~~تعالى أعلم. ### | [فصل واجبات الحج] ### | [السعي بين الصفا والمروة] # (فصل) : # وأما، واجبات الحج فخمسة:. # السعي بين الصفا والمروة، والوقوف بمزدلفة، ورمي الجمار، والحلق أو ~~التقصير، وطواف الصدر، أما السعي فالكلام فيه يقع في مواضع: في. # بيان صفته، وفي بيان قدره، وفي بيان ركنه، وفي بيان شرائط جوازه، وفي ~~بيان سننه، وفي بيان، وقته، وفي بيان حكمه إذا تأخر عن، وقته. # أما الأول فقد قال أصحابنا: إنه واجب، وقال الشافعي: إنه فرض حتى لو ترك ~~الحاج خطوة منه، وأتى أقصى بلاد المسلمين يؤمر بأن يعود إلى ذلك الموضع ~~فيضع قدمه عليه، ويخطو تلك الخطوة، وقال بعض الناس: ليس بفرض ولا، واجب، ~~واحتج هؤلاء بقوله عز وجل {فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف ~~بهما} [البقرة: 158] ، وكلمة لا جناح لا تستعمل في الفرائض، والواجبات، ~~ويدل عليه قراءة أبي فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، واحتج الشافعي بما روي ~~عن صفية بنت فلان أنها سمعت امرأة سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن ms1047 ذلك فقال «إن الله تعالى كتب عليكم السعي بين الصفا، والمروة» أي فرض ~~عليكم؛ إذ الكتابة عبارة عن الفرض كما في قوله تعالى {كتب عليكم الصيام} ~~[البقرة: 183] و {كتب عليكم القصاص} [البقرة: 178] ، وغير ذلك، ولنا قوله ~~عز وجل {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] ، وحج البيت هو زيارة ~~البيت لما ذكرنا فيما تقدم، فظاهره يقتضي أن يكون طواف الزيارة هو الركن لا ~~غير، إلا أنه زيد عليه الوقوف بعرفة بدليل، فمن ادعى زيارة السعي فعليه ~~الدليل وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الحج عرفة» فظاهره يقتضي أن ~~يكون الوقوف بعرفة كل الركن إلا أنه زيد عليه طواف الزيارة فمن ادعى زيادة ~~السعي فعليه الدليل، وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت ما تم حج امرئ ~~قط إلا بالسعي، وفيه إشارة إلى أنه، واجب، وليس بفرض؛ لأنها، وصفت الحج ~~بدونه بالنقصان لا بالفساد، وفوت الواجب هو الذي يوجب النقصان، فأما فوت ~~الفرض فيوجب الفساد، والبطلان، ولأن الفرضية إنما ثبتت بدليل مقطوع به، ولا ~~يوجد ذلك في محل الاجتهاد إذا كان الخلاف بين أهل الديانة. # وأما الآية فليس المراد منها رفع الجناح على الطواف بهما مطلقا بل على ~~الطواف بهما لمكان الأصنام التي كانت هنالك، لما قيل إنه كان بالصفا صنم، ~~وبالمروة صنم، وقيل كان بين الصفا، والمروة أصنام فتحرجوا عن الصعود ~~عليهما، والسعي بينهما احترازا عن التشبه بعبادة الأصنام، والتشبه بأفعال ~~الجاهلية فرفع الله عنهم الجناح بالطواف بهما أو بينهما مع كون الأصنام ~~هنالك. # وأما قراءة أبي - رضي الله عنه - فيحتمل أن تكون " لا " صلة زائدة، معناه ~~لا جناح عليه أن يطوف بينهما؛ لأن " لا " قد # PageV02P133 # تزاد في الكلام صلة كقوله تعالى {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} [الأعراف: ~~12] معناه أن تسجد فكان كالقراءة المشهورة في المعنى. # وأما الحديث فلا يصح تعلق الشافعي به على زعمه؛ لأنه قال: روت صفية بنت ~~فلان فكانت مجهولة لا ندري من هي، والعجب منه أنه يأبى مرة قبول المراسيل ~~لتوهم الغلط، ويحتج بقول امرأة ms1048 لا تعرف، ولا يذكر اسمها على أنه إن ثبت فلا ~~حجة له فيه؛ لأن الكنية قد تذكر، ويراد بها الحكم قال الله تعالى {وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأحزاب: 6] أي في حكم الله، وقال ~~عز وجل كتب الله عليكم أي حكم الله عليكم فإن أريد بها الأول تكون حجة، وإن ~~أريد بها الثاني لا تكون حجة؛ لأن حكم الله تعالى لا يقتصر على الفرضية، بل ~~الوجوب، والانتداب والإباحة من حكم الله تعالى فلا يكون حجة مع الاحتمال أو ~~نحملها على الوجوب دون الفرضية توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض، ~~وإذا كان، واجبا فإن تركه لعذر فلا شيء عليه، وإن تركه لغير عذر لزمه دم؛ ~~لأن هذا حكم ترك الواجب في هذا الباب أصله طواف الصدر، وأصل ذلك ما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من حج هذا البيت فليكن آخر عهده ~~بالبيت الطواف» ، ورخص للحائض، بخلاف الأركان فإنها لا تسقط بالعذر؛ لأن ~~ركن الشيء ذاته فإذا لم يأت به فلم يوجد الشيء أصلا كأركان الصلاة بخلاف ~~الواجب، ولو ترك أربعة أشواط بغير عذر فعليه دم، والأصل أن كل ما وجب في ~~جميعه دم يجب في أكثره دم، أصله طواف الصدر، ورمي الجمار، ولو ترك ثلاثة ~~أشواط أطعم لكل شوط نصف صاع من بر مسكينا إلا أن يبلغه ذلك دما فله الخيار، ~~والأصل في ذلك أن كل ما يكون في جميعه دم يكون في أقله صدقة لما نذكر إن ~~شاء الله تعالى، ولو ترك الصعود على الصفا والمروة يكره له ذلك، ولا شيء ~~عليه؛ لأن الصعود عليهما سنة فيكره تركه، ولكن لو ترك لا شيء عليه كما لو ~~ترك الرمل في الطواف. ### | [فصل قدر السعي] # (فصل) : # وأما قدره فسبعة أشواط لإجماع الأمة، ولفعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ويعد من الصفا إلى المروة شوطا، ومن المروة إلى الصفا شوطا آخر، كذا ~~ذكر في الأصل، وقال الطحاوي: من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى ms1049 الصفا ~~شوط واحد، والصحيح ما ذكر في الأصل لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «طاف بينهما سبعة أشواط» ، ولو كان كما ذكره الطحاوي لكان أربعة عشر ~~شوطا، والدليل على أن المذهب ما قلنا أن محمدا - رحمه الله - ذكر في الأصل ~~فقال يبتدئ بالصفا، ويختم بالمروة، وعلى ما ذكره الطحاوي يقع الختم بالصفا ~~لا بالمروة فدل أن مذهب أصحابنا ما ذكرنا. ### | [فصل ركن السعي] # (فصل) : # وأما ركنه فكينونته بين الصفا، والمروة، سواء كان بفعل نفسه أو بفعل غيره ~~عند عجزه عن السعي بنفسه بأن كان مغمى عليه أو مريضا فسعى به محمولا أو سعى ~~راكبا لحصوله كائنا بين الصفا، والمروة، وإن كان قادرا على المشي بنفسه ~~فحمل أو ركب يلزمه الدم؛ لأن السعي بنفسه عند القدرة على المشي، واجب فإذا ~~تركه فقد ترك الواجب من غير عذر فيلزمه الدم كما لو ترك المشي في الطواف من ~~غير عذر. ### | [فصل شرائط جواز السعي] # (فصل) : # وأما شرائط جوازه فمنها أن يكون بعد الطواف أو بعد أكثره؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - هكذا فعل. # وقد قال - صلى الله عليه وسلم - «خذوا عني مناسككم» ، ولأن السعي تبع ~~للطواف، وتبع الشيء كاسمه، وهو أن يتبعه فيما تقدمه لا فيما يتبعه فلا يكون ~~تبعا له إلا أنه يجوز بعد وجود أكثر الطواف قبل تمامه؛ لأن للأكثر حكم ~~الكل. # ومنها البداية بالصفا، والختم بالمروة في الرواية المشهورة حتى لو بدأ ~~بالمروة، وختم بالصفا لزمه إعادة شوط واحد. # وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله - تعالى أن ذلك ليس بشرط، ولا شيء عليه لو ~~بدأ بالمروة، وجه هذه الرواية أنه أتى بأصل السعي، وإنما ترك الترتيب فلا ~~تلزمه الإعادة، كما لو توضأ في باب الصلاة وترك الترتيب. # (ولنا) أن الترتيب ههنا مأمور به لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وفعله، أما قوله فلما روي أنه «لما نزل قوله عز، وجل {إن الصفا والمروة من ~~شعائر الله} [البقرة: 158] قالوا بأيهما نبدأ يا رسول الله؟ فقال - صلى ~~الله عليه ms1050 وسلم - ابدءوا بما بدأ الله به» . # وأما فعله - صلى الله عليه وسلم - فإنه بدأ بالصفا، وختم بالمروة، وأفعال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في مثل هذا موجبة لما تبين، وإذا لزمت ~~البداية بالصفا فإذا بدأ بالمروة إلى الصفا لا يعتد بذلك الشوط فإذا جاء من ~~الصفا إلى المروة كان هذا أول شوط # PageV02P134 # فيجب عليه أن يعود بعد ستة من الصفا إلى المروة حتى يتم سبعة. # وأما الطهارة عن الجنابة، والحيض فليست بشرط فيجوز سعي الجنب، والحائض ~~بعد أن كان طوافه بالبيت على الطهارة عن الجنابة، والحيض؛ لأن هذا نسك غير ~~متعلق بالبيت فلا تشترط له الطهارة عن الجنابة والحيض، كالوقوف، إلا أنه ~~يشترط أن يكون الطواف على الطهارة عن الجنابة والحيض؛ لأن السعي مرتب عليه ~~ومن توابعه، والطواف مع الجنابة والحيض لا يعتد به حتى تجب إعادته فكذا ~~السعي الذي هو من توابعه ومرتب عليه فإذا كان طوافه على الطهارة عن الحدثين ~~فقد وجد شرط جوازه فجاز، وجاز سعي الجنب، والحائض تبعا له لوجود شرط جواز ~~الأصل؛ إذ التبع لا يفرد بالشرط بل يكفيه شرط الأصل فصار الحاصل أن حصول ~~الطواف على الطهارة عن الجنابة والحيض من شرائط جواز السعي، فإن كان طاهرا ~~وقت الطواف جاز السعي، سواء كان طاهرا وقت السعي، أو لا، وإن لم يكن طاهرا، ~~وقت الطواف لم يجز سعيه رأسا، سواء كان طاهرا، أو لم يكن، والله أعلم. ### | [فصل سنن السعي] # (فصل) : # وأما سننه فالرمل في بعض كل شوط، والسعي في البعض، وسنذكرها في بيان سنن ~~الحج؛ لأنها من السنن لا من الواجبات حتى لو رمل في الكل أو سعى في الكل لا ~~شيء عليه لكنه يكون مسيئا لتركه السنة، والله أعلم. ### | [فصل وقت السعي] # (فصل) : # وأما وقته فوقته الأصلي يوم النحر بعد طواف الزيارة لا بعد طواف اللقاء؛ ~~لأن ذلك سنة، والسعي واجب فلا ينبغي أن يجعل الواجب تبعا للسنة ' فأما طواف ~~الزيارة ففرض، والواجب يجوز أن يجعل تبعا للفرض إلا أنه رخص السعي بعد ms1051 طواف ~~اللقاء، وجعل ذلك، وقتا له ترفيها بالحاج، وتيسيرا له لازدحام الاشتغال له ~~يوم النحر فأما وقته الأصلي فيوم النحر عقيب طواف الزيارة لما قلنا، والله ~~أعلم. ### | [فصل بيان حكم السعي إذا تأخر عن وقته] # (فصل) : # وأما بيان حكمه إذا تأخر عن، وقته الأصلي، وهي أيام النحر بعد طواف ~~الزيارة فإن كان لم يرجع إلى أهله فإنه يسعى، ولا شيء عليه؛ لأنه أتى بما، ~~وجب عليه، ولا يلزمه بالتأخير شيء؛ لأنه فعله في وقته الأصلي، وهو ما بعد ~~طواف الزيارة، ولا يضره إن كان قد جامع لوقوع التحلل بطواف الزيارة؛ إذ ~~السعي ليس بركن حتى يمنع التحلل، وإذا صار حلالا بالطواف فلا فرق بين أن ~~يسعى قبل الجماع أو بعده، غير أنه لو كان بمكة يسعى، ولا شيء عليه لما ~~قلنا، وإن كان رجع إلى أهله فعليه دم لتركه السعي بغير عذر، وإن أراد أن ~~يعود إلى مكة يعود بإحرام جديد؛ لأن إحرامه الأول قد ارتفع بطواف الزيارة ~~لوقوع التحلل به فيحتاج إلى تجديد الإحرام، وإذا عاد، وسعى يسقط عنه الدم؛ ~~لأنه تدارك الترك، وذكر في الأصل، وقال: والدم أحب إلي من الرجوع؛ لأن فيه ~~منفعة للفقراء، والنقصان ليس بفاحش فصار كما إذا طاف محدثا ثم رجع إلى أهله ~~على ما ذكرنا فيما تقدم، والله أعلم. ### | [فصل الوقوف بمزدلفة] # (فصل) : # وأما الوقوف بمزدلفة فالكلام فيه يقع في مواضع: في. # بيان صفته، وركنه، ومكانه، وزمانه، وحكمه إذا فات عن وقته. # أما الأول فقد اختلف فيه أصحابنا، قال بعضهم: إنه واجب، وقال الليث: إنه ~~فرض، وهو قول الشافعي، واحتجا بقوله تعالى {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا ~~الله عند المشعر الحرام} [البقرة: 198] ، والمشعر الحرام هو المزدلفة، ~~والأمر بالذكر عندها يدل على فرضية الوقوف بها. # (ولنا) أن الفرضية لا تثبت إلا بدليل مقطوع به، ولم يوجد؛ لأن المسألة ~~اجتهادية بين أهل الديانة، وأهل الديانة لا يختلفون في موضع، هناك دليل ~~قطعي، ودليل الوجوب ما روي عن عروة بن مضرس الطائي جاء إلى النبي - صلى ms1052 ~~الله عليه وسلم - وقال: أتعبت مطيتي فما مررت بشرف إلا علوته فهل لي من حج، ~~وفي بعض الروايات قال: أتعبت راحلتي وأجهدت نفسي، وما تركت جبلا من جبال ~~طيئ إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟ ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«من وقف معنا هذا الوقوف، وصلى معنا هذه الصلاة وقد كان وقف قبل ذلك بعرفة ~~ساعة بليل أو نهار فقد تم حجه» . # فقد علق تمام الحج بهذا الوقوف، والواجب هو الذي يتعلق التمام بوجوده لا ~~الفرض؛ لأن المتعلق به أصل الجواز لا صفة التمام، وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «الحج عرفة، من أدرك عرفة فقد أدرك الحج» جعل الوقوف بعرفة كل ~~الحج، وظاهره يقتضي أن يكون كل الركن. # وكذا جعل مدرك عرفة مدركا للحج، ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنا لم يكن ~~الوقوف بعرفة كل الحج بل بعضه، ولم يكن أيضا مدركا # PageV02P135 # للحج بدونه، وهذا خلاف الحديث، وظاهر الحديث يقتضي أن يكون الركن هو ~~الوقوف بعرفة لا غير، إلا أن طواف الزيارة عرف ركنا بدليل آخر، وهو ما ~~ذكرنا فيما تقدم، ولأن ترك الوقوف بمزدلفة جائز لعذر على ما نبين، ولو كان ~~فرضا لما جاز تركه أصلا كسائر الفرائض فدل أنه ليس بفرض بل هو واجب إلا أنه ~~قد يسقط وجوبه لعذر من ضعف أو مرض أو حيض أو نحو ذلك حتى لو تعجل ولم يقف: ~~لا شيء عليه، وأما الآية فقد قيل في تأويلها: إن المراد من الذكر هو صلاة ~~المغرب والعشاء بمزدلفة، وقيل: هو الدعاء، وفرضيتها لا تقتضي فرضية الوقوف، ~~على أن مطلق الأمر للوجوب لا للفرضية بل الفرضية ثبتت بدليل زائد، والله ~~أعلم. ### | [فصل ركن الوقوف بمزدلفة] # (فصل) : # وأما ركنه فكينونته بمزدلفة، سواء كان بفعل نفسه، أو بفعل غيره بأن كان ~~محمولا، وهو نائم أو مغمى عليه، أو كان على دابة لحصوله كائنا بها، وسواء ~~علم بها أو لم يعلم لما قلنا، ولأن الفائت ليس إلا النية، وإنها ليست بشرط ~~كما في الوقوف بعرفة، ms1053 وسواء وقف أو مر مارا لحصوله كائنا بمزدلفة، وإن قل، ~~ولا تشترط له الطهارة عن الجنابة والحيض؛ لأنه عبادة لا تتعلق بالبيت فتصح ~~من غير طهارة كالوقوف بعرفة، ورمي الجمار، والله أعلم. ### | [فصل مكان الوقوف بمزدلفة] # (فصل) : # وأما مكانه فجزء من أجزاء مزدلفة، أي جزء كان، وله أن ينزل في أي موضع ~~شاء منها إلا أنه لا ينبغي أن ينزل في، وادي محسر لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «عرفات كلها موقف إلا بطن عرنة، ومزدلفة كلها موقف إلا، وادي ~~محسر» . # وروي أنه قال «مزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن المحسر» فيكره النزول فيه، ~~ولو، وقف به أجزأه مع الكراهة، والأفضل أن يكون وقوفه خلف الإمام على الجبل ~~الذي يقف عليه الإمام، وهو الجبل الذي يقال له قزح؛ لأنه روي أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - وقف عليه، وقال «خذوا عني مناسككم» ، ولأنه يكون أقرب إلى ~~الإمام فيكون أفضل، والله أعلم. ### | [فصل زمان الوقوف بمزدلفة] # (فصل) : # وأما زمانه فما بين طلوع الفجر من يوم النحر، وطلوع الشمس فمن حصل ~~بمزدلفة في هذا الوقت فقد أدرك الوقوف، سواء بات بها أو لا، ومن لم يحصل ~~بها فيه فقد فاته الوقوف، وهذا عندنا، وقال الشافعي يجوز في النصف الأخير ~~من ليلة النحر كما قال في الوقوف بعرفة، وفي جمرة العقبة، والسنة أن يبيت ~~ليلة النحر بمزدلفة، والبيتوتة ليست بواجبة، إنما الواجب هو الوقوف، ~~والأفضل أن يكون وقوفه بعد الصلاة فيصلي صلاة الفجر بغلس ثم يقف عند المشعر ~~الحرام فيدعو الله تعالى، ويسأله حوائجه إلى أن يسفر ثم يفيض منها قبل طلوع ~~الشمس إلى منى، ولو أفاض بعد طلوع الفجر قبل صلاة الفجر فقد أساء، ولا شيء ~~عليه لتركه السنة، والله أعلم. ### | [فصل حكم فوات وقت الوقوف بمزدلفة] # (فصل) : # وأما حكم فواته عن، وقته أنه إن كان لعذر فلا شيء عليه لما روي «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قدم ضعفة أهله، ولم يأمرهم بالكفارة» ، وإن ~~كان فواته لغير عذر فعليه دم؛ لأنه ترك ms1054 الواجب من غير عذر، وإنه يوجب ~~الكفارة، والله عز وجل أعلم. ### | [فصل رمي الجمار] # (فصل) : # وأما رمي الجمار فالكلام فيه في مواضع: في بيان. # وجوب الرمي، وفي تفسير الرمي، وفي بيان، وقته، وفي بيان مكانه، وفي بيان ~~عدد الجمار. # وقدرها، وجنسها، ومأخذها، ومقدار ما يرمى كل يوم عند كل موضع، وكيفية ~~الرمي، وما يسن في ذلك، ويستحب، وما يكره، وفي بيان حكمه إذا تأخر عن، وقته ~~أو فات عن، وقته. # (أما) الأول فدليل وجوبه الإجماع، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وفعله، أما الإجماع فلأن الأمة أجمعت على وجوبه. # وأما قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما روي أن رجلا سأله، وقال ~~إني ذبحت ثم رميت، فقال - صلى الله عليه وسلم - «ارم، ولا حرج» ، وظاهر ~~الأمر يقتضي وجوب العمل. # وأما فعله فلأنه - صلى الله عليه وسلم - رمى، وأفعال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فيما لم يكن بيانا لمجمل الكتاب، ولم يكن من حوائج نفسه، ولا ~~من أمور الدنيا محمول على الوجوب لورود النصوص بوجوب الاقتداء به، والاتباع ~~له، ولزوم طاعته، وحرمة مخالفته فكانت أفعاله فيما قلنا محمولة على الوجوب ~~لكن عملا لا اعتقادا على طريق التعيين لاحتمال الخصوص كما في بعض الواجبات ~~نحو صلاة الليل، وبعض المباحات، وهو حل تسع نسوة أو زيادة عليها فاعتقاد ~~الوجوب منها عينا يؤدي إلى اعتقاد غير الواجب، واجبا في حقه، وغير # PageV02P136 # المباح مباحا في حقه، وهذا لا يجوز، فأما القول بالوجوب عملا مع الاعتقاد ~~مبهما أن ما أراد الله تعالى به فهو حق مما لا ضرر فيه؛ لأنه إن كان، واجبا ~~يخرج عن العهدة بفعله، وإن لم يكن، واجبا يثاب على فعله فكان ما قلناه ~~احترازا عن الضرر بقدر الإمكان، وإنه، واجب عقلا، وشرعا، والله أعلم. ### | [فصل تفسير رمي الجمار] # (فصل) : # وأما تفسير رمي الجمار فرمي الجمار في اللغة هو القذف بالأحجار الصغار، ~~وهي الحصى إذ الجمار جمع جمرة، والجمرة هي الحجر الصغير، وهي الحصاة، وفي ~~عرف الشرع هو القذف بالحصى في ms1055 زمان مخصوص، ومكان مخصوص، وعدد مخصوص على ما ~~نبين إن شاء الله تعالى، وعلى هذا يخرج ما إذا قام عند الجمرة، ووضع الحصاة ~~عندها، وضعا أنه لم يجزه لعدم الرمي، وهو القذف، وإن طرحها طرحا أجزأه ~~لوجود الرمي إلا أنه رمي خفيف فيجزئه، وسواء رمى بنفسه أو بغيره عند عجزه ~~عن الرمي بنفسه كالمريض الذي لا يستطيع الرمي فوضع الحصى في كفه فرمى بها ~~أو رمى عنه غيره؛ لأن أفعال الحج تجري فيها النيابة كالطواف والوقوف بعرفة ~~ومزدلفة، والله أعلم. ### | [فصل وقت رمي الجمار] # (فصل) : # ، وأما، وقت الرمي فأيام الرمي أربعة: يوم النحر، وثلاثة أيام التشريق، ~~أما يوم النحر فأول، وقت الرمي، منه ما بعد طلوع الفجر، الثاني من يوم ~~النحر فلا يجوز قبل طلوعه، وأول وقته المستحب ما بعد طلوع الشمس قبل ~~الزوال، وهذا عندنا، وقال الشافعي إذا انتصف ليلة النحر دخل وقت الجمار كما ~~قال في الوقوف بعرفة، ومزدلفة فإذا طلعت الشمس، وجب، وقال سفيان الثوري لا ~~يجوز قبل طلوع الشمس، والصحيح قولنا لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «أنه قدم ضعفة أهله ليلة المزدلفة، وقال - صلى الله عليه وسلم - لا ترموا ~~جمرة العقبة حتى تكونوا مصبحين» نهى عن الرمي قبل الصبح. # وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلطح أفخاذ أغيلمة بني عبد ~~المطلب، وكان يقول لهم لا ترموا جمرة العقبة حتى تكونوا مصبحين» . # فإن قيل قد روي أنه قال لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس، وهذا حجة ~~سفيان فالجواب أن ذلك محمول على بيان الوقت المستحب توفيقا بين الروايتين ~~بقدر الإمكان، وبه نقول إن المستحب ذلك. # وأما آخره فآخر النهار كذا قال أبو حنيفة إن وقت الرمي يوم النحر يمتد ~~إلى غروب الشمس، وقال أبو يوسف يمتد إلى وقت الزوال فإذا زالت الشمس يفوت ~~الوقت، ويكون فيما بعده قضاء، وجه قول أبي يوسف أن أوقات العبادة لا تعرف ~~إلا بالتوقيف، والتوقيف ورد بالرمي في يوم النحر قبل الزوال فلا يكون ما ~~بعده ms1056 وقتا له أداء كما في سائر أيام النحر؛ لأنه لما جعل وقته فيها بعد ~~الزوال لم يكن قبل الزوال وقتا له، ولأبي حنيفة الاعتبار بسائر الأيام، وهو ~~أن في سائر الأيام ما بعد الزوال إلى غروب الشمس وقت الرمي فكذا في هذا ~~اليوم؛ لأن هذا اليوم إنما يفارق سائر الأيام في ابتداء الرمي لا في ~~انتهائه فكان مثل سائر الأيام في الانتهاء فكان آخره وقت الرمي كسائر ~~الأيام، فإن لم يرم حتى غربت الشمس فيرمي قبل طلوع الفجر من اليوم الثاني ~~أجزأه ولا شيء عليه في قول أصحابنا، وللشافعي فيه قولان، في قول: إذا غربت ~~الشمس فقد فات الوقت وعليه الفدية، وفي قول: لا يفوت إلا في آخر أيام ~~التشريق، والصحيح قولنا لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أذن ~~للرعاء أن يرموا بالليل» ، ولا يقال إنه رخص لهم ذلك لعذر؛ لأنا نقول ما ~~كان لهم عذر؛ لأنه كان يمكنهم أن يستنيب بعضهم بعضا فيأتي بالنهار فيرمي ~~فثبت أن الإباحة كانت لعذر فيدل على الجواز مطلقا فلا يجب الدم، فإن أخر ~~الرمي حتى طلع الفجر من اليوم الثاني رمى، وعليه دم للتأخير في قول أبي ~~حنيفة، وفي قول أبي يوسف، ومحمد لا شيء عليه، والكلام فيه يرجع إلى أن ~~الرمي مؤقت عنده، وعندهما ليس بمؤقت، وهو قول الشافعي، وهو على الاختلاف ~~الذي ذكرنا في طواف الزيارة في أيام النحر أنه مؤقت بها وجوبا عنده حتى يجب ~~الدم بالتأخير عنها، وعندهم ليس بمؤقت أصلا فلا يجب بالتأخير شيء، والحجج ~~من الجانبين، وجواب أبي حنيفة عن تعلقهما بالخبر، والمعنى ما ذكرنا في ~~الطواف، والله أعلم. # (فصل) : # وأما وقت الرمي من اليوم الأول والثاني من أيام التشريق، وهو اليوم ~~الثاني والثالث من أيام الرمي فبعد الزوال حتى لا يجوز الرمي فيهما قبل ~~الزوال في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة. # وروي عن أبي حنيفة أن الأفضل أن يرمي في اليوم الثاني والثالث بعد ~~الزوال، فإن رمى قبله جاز، وجه هذه الرواية أن ms1057 قبل الزوال وقت # PageV02P137 # الرمي في يوم النحر فكذا في اليوم الثاني والثالث؛ لأن الكل أيام النحر، ~~وجه الرواية المشهورة ما روي عن جابر - رضي الله عنه - «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - رمى الجمرة يوم النحر ضحى، ورمى في بقية الأيام بعد ~~الزوال» ، وهذا باب لا يعرف بالقياس بل بالتوقيف، فإن أخر الرمي فيهما إلى ~~الليل فرمى قبل طلوع الفجر جاز، ولا شيء عليه؛ لأن الليل وقت الرمي في أيام ~~الرمي لما روينا من الحديث فإذا رمى في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد ~~الزوال فأراد أن ينفر من منى إلى مكة، وهو المراد من النفر الأول فله ذلك ~~لقوله تعالى {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] أي من نفر إلى ~~مكة بعدما رمى يومين من أيام التشريق، وترك الرمي في اليوم الثالث فلا إثم ~~عليه في تعجيله، والأفضل أن لا يتعجل بل يتأخر إلى آخر أيام التشريق، وهو ~~اليوم الثالث منها فيستوفي الرمي في الأيام كلها ثم ينفر، وهو المعني من ~~النفر الثاني، وذلك معنى قوله تعالى {ومن تأخر فلا إثم عليه} [البقرة: 203] ~~، وفي ظاهر هذه الآية الشريفة إشكال من وجهين: أحدهما أنه ذكر قوله تعالى ~~{فلا إثم عليه} [البقرة: 203] في المتعجل، والمتأخر جميعا، وهذا إن كان ~~يستقيم في حق المتعجل؛ لأنه يترخص لا يستقيم في حق المتأخر؛ لأنه أخذ ~~بالعزيمة والأفضل، والثاني أنه قال تعالى في المتأخر {فلا إثم عليه لمن ~~اتقى} [البقرة: 203] قيده بالتقوى، وهذا التقييد بالمتعجل أليق؛ لأنه أخذ ~~بالرخصة، ولم يذكر فيه هذا التقييد، والجواب عن الإشكال الأول ما روي عن ~~ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال في هذه الآية فمن تعجل في يومين غفر له، ~~ومن تأخر غفر له # وكذا روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال في قوله تعالى {فلا إثم ~~عليه} [البقرة: 203] رجع مغفورا له، وأما قوله تعالى {لمن اتقى} [البقرة: ~~203] فهو بيان أن ما سبق من وعد المغفرة للمتعجل والمتأخر بشرط التقوى، ثم ~~من أهل ms1058 التأويل من صرف التقوى إلى الاتقاء عن قتل الصيد في الإحرام أي لمن ~~اتقى قتل الصيد في حال الإحرام، وصرف أيضا قوله تعالى {واتقوا الله} ~~[البقرة: 203] أي فاتقوا الله ولا تستحلوا قتل الصيد في الإحرام، ومنهم من ~~صرف التقوى إلى الاتقاء عن المعاصي كلها في الحج، وفيما بقي من عمره، ~~ويحتمل أن يكون المراد منه التقوى عما حظر عليه الإحرام من الرفث، والفسوق، ~~والجدال، وغيرها، والله أعلم. # وإنما يجوز له النفر في اليوم الثاني والثالث ما لم يطلع الفجر من اليوم ~~الثاني فإذا طلع الفجر لم يجز له النفر. # وأما وقت الرمي من اليوم الثالث من أيام التشريق، وهو اليوم الرابع من ~~أيام الرمي فالوقت المستحب له بعد الزوال، ولو رمى قبل الزوال يجوز في قول ~~أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف، ومحمد لا يجوز، واحتجا بما روي عن جابر - رضي ~~الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رمى الجمرة يوم النحر ضحى، ~~ورمى في بقية الأيام بعد الزوال» ، وأوقات المناسك لا تعرف قياسا فدل أن ~~وقته بعد الزوال، ولأن هذا يوم من أيام الرمي فكان وقت الرمي فيه بعد ~~الزوال كاليوم الثاني والثالث من أيام التشريق، ولأبي حنيفة ما روي عن ابن ~~عباس - رضي الله عنه - أنه قال إذا افتتح النهار من آخر أيام التشريق جاز ~~الرمي، والظاهر أنه قاله سماعا من النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ هو باب ~~لا يدرك بالرأي، والاجتهاد فصار اليوم الأخير من أيام التشريق مخصوصا من ~~حديث جابر - رضي الله عنه - بهذا الحديث أو يحمل فعله في اليوم الأخير على ~~الاستحباب، ولأن له أن ينفر قبل الرمي، ويترك الرمي في هذا اليوم رأسا فإذا ~~جاز له ترك الرمي أصلا فلأن يجوز له الرمي قبل الزوال أولى، والله أعلم. ### | [فصل مكان رمي الجمار] # (فصل) : # وأما مكان الرمي ففي يوم النحر عند جمرة العقبة، وفي الأيام الأخر عند ~~ثلاثة مواضع: عند الجمرة الأولى، والوسطى، والعقبة، ويعتبر في ذلك كله مكان ~~وقوع الجمرة لا مكان ms1059 الرمي حتى لو رماها من مكان بعيد فوقعت الحصاة عند ~~الجمرة أجزأه، وإن لم تقع عنده لم تجزها إلا إذا، وقعت بقرب منها؛ لأن ما ~~يقرب من ذلك المكان كان في حكمه لكونه تبعا له، والله أعلم. ### | [فصل عدد الجمار] # (فصل) : # وأما الكلام في عدد الجمار وقدرها، وجنسها، ومأخذها، ومقدار ما يرمى كل ~~يوم عند كل موضع، وكيفية الرمي، وما يسن في ذلك، وما يستحب، وما يكره فيأتي ~~إن شاء الله تعالى في بيان سنن أفعال الحج، والله أعلم. ### | [فصل بيان حكم رمي الجمار إذا تأخر عن وقته] # (فصل) : # وأما بيان حكمه إذا تأخر عن وقته أو فات فنقول: إذا ترك من جمار يوم ~~النحر حصاة أو حصاتين أو ثلاثا إلى الغد فإنه يرمي ما ترك أو يتصدق لكل ~~حصاة نصف صاع من حنطة إلا أن يبلغ قدر الطعام دما فينقص ما شاء، ولا # PageV02P138 # يبلغ دما. # والأصل أن ما يجب في جميعه دم يجب في أقله صدقة لما نذكر إن شاء الله ~~تعالى، وههنا لو ترك جميع الرمي إلى الغد كان عليه دم عند أبي حنيفة فإذا ~~ترك أقله تجب عليه الصدقة إلا أن يبلغ دما لما نذكر، وإن ترك الأكثر منها ~~فعليه دم في قول أبي حنيفة؛ لأن في جميعه دم عنده فكذا في أكثره، وعند أبي ~~يوسف، ومحمد لا يجب في جميعه دم فكذا في أكثره، فإن ترك رمي أحد الجمار ~~الثلاث من اليوم الثاني فعليه صدقة؛ لأنه ترك أقل، وظيفة اليوم، وهو رمي ~~سبع حصيات فكان صدقة إلى أن يصير المتروك أكثر من نصف الوظيفة؛ لأن وظيفة ~~كل يوم ثلاث جمار فكان رمي جمرة منها أقلها. # ولو ترك الكل، وهو الجمار الثلاث فيه للزمه عنده دم فيجب في أقلها الصدقة ~~بخلاف اليوم الأول، وهو يوم النحر إذا ترك الجمرة فيه، وهو سبع حصيات أنه ~~يلزمه دم عنده؛ لأن سبع حصيات كل، وظيفة اليوم الأول فكان تركه بمنزلة ترك ~~كل، وظيفة اليوم الثاني والثالث، وذلك أحد وعشرون حصاة، ms1060 وترك ثلاث حصيات ~~فيه بمنزلة ترك جمرة تامة من اليوم الثاني والثالث، وهي سبع حصيات، فإن ترك ~~الرمي كله في سائر الأيام إلى آخر أيام الرمي، وهو اليوم الرابع فإنه ~~يرميها فيه على الترتيب، وعليه دم عنده، وعندهما لا دم عليه لما بينا أن ~~الرمي مؤقت عنده، وعندهما ليس بمؤقت ثم على قوله لا يلزمه إلا دم واحد، وإن ~~كان ترك وظيفة يوم واحد بانفراده يوجب دما واحدا، ومع ذلك لا يجب عليه ~~لتأخير الكل إلا دم واحد؛ لأن جنس الجناية واحد، حظرها إحرام واحد من جهة ~~غير متقومة فيكفيها دم واحد كما لو حلق المحرم ربع رأسه أنه يجب عليه دم ~~واحد، ولو حلق جميع رأسه يلزمه دم واحد أيضا. # وكذا لو طيب عضوا واحدا أو طيب أعضاءه كلها أو لبس ثوبا واحدا أو لبس ~~ثيابا كثيرة لا يلزمه في ذلك كله إلا دم واحد كذا ههنا، بخلاف ما إذا قتل ~~صيودا أنه يجب عليه لكل صيد جزاؤه على حدة؛ لأن الجهة هناك متقومة، فإن ترك ~~الكل حتى غربت الشمس من آخر أيام التشريق، وهو آخر أيام الرمي يسقط عنه ~~الرمي، وعليه دم واحد في قولهم جميعا. # أما سقوط الرمي فلأن الرمي عبادة مؤقتة، والأصل في العبادات المؤقتة إذا ~~فات وقتها أن تسقط، وإنما القضاء في بعض العبادات المؤقتة يجب بدليل مبتدأ، ~~ثم إنما وجب هناك لمعنى لا يوجد ههنا، وهو أن القضاء صرف ما له إلى ما عليه ~~فيستدعي أن يكون جنس الفائت مشروعا في وقت القضاء فيمكنه صرف ما له إلى ما ~~عليه، وهذا لا يوجد في الرمي؛ لأنه ليس في غير هذه الأيام رمي مشروع على ~~هيئة مخصوصة ليصرف ما له إلى ما عليه فتعذر القضاء فسقط ضرورة، ونظير هذا ~~إذا فاتته صلاة في أيام التشريق فقضاها في غيرها أنه يقضيها بلا تكبير؛ ~~لأنه ليس في وقت القضاء تكبير مشروع ليصرف ما له إلى ما عليه فسقط أصلا كذا ~~هذا. # وأما وجوب الدم فلتركه الواجب عن ms1061 وقته، أما عند أبي حنيفة فظاهر؛ لأن رمي ~~كل يوم مؤقت، وعندهما إن لم يكن مؤقتا فهو مؤقت بأيام الرمي فقد ترك الواجب ~~عن وقته فإن ترك الترتيب في اليوم الثاني فبدأ بجمرة العقبة فرماها ثم ~~بالوسطى ثم بالتي تلي المسجد ثم ذكر ذلك في يومه فإنه ينبغي أن يعيد الوسطى ~~وجمرة العقبة، وإن لم يعد أجزأه، ولا يعيد الجمرة الأولى، أما إعادة الوسطى ~~وجمرة العقبة فلتركه الترتيب، فإنه مسنون؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- رتب فإذا ترك المسنون تستحب الإعادة، ولا يعيد الأولى؛ لأنه إذا أعاد ~~الوسطى والعقبة صارت هي الأولى، وإن لم يعد الوسطى والعقبة أجزأه؛ لأن ~~الرميات مما يجوز أن ينفرد بعضها من بعض بدليل أن يوم النحر يرمى فيه جمرة ~~العقبة، ولا يرمى غيرها من الجمار، وفيما جاز أن ينفرد البعض من البعض لا ~~يشترط فيه الترتيب كالوضوء، بخلاف ترتيب السعي على الطواف أنه شرط؛ لأن ~~السعي لا يجوز أن ينفرد عن الطواف بحال، فإن رمى كل جمرة بثلاث حصيات ثم ~~ذكر ذلك فإنه يبدأ فيرمي الأولى بأربع حصيات حتى يتم ذلك؛ لأن رمي تلك ~~الجمرة غير مرتب على غيره فيجب عليه أن يتم ذلك بأربع حصيات ثم يعيد الوسطى ~~بسبع حصيات؛ لأن قدر ما فعل حصل قبل الأولى فيعيد مراعاة للترتيب. # ألا ترى أنه لو فعل الكل يعيد فإذا رمى الثلاث أولى أن يعيد، وكذلك جمرة ~~العقبة، فإن كان قد رمى كل واحدة بأربع حصيات فإنه يرمي كل واحدة بثلاث، ~~ثلاث لأن الأربع أكثر الرمي فيقوم مقام الكل فصار كأنه رتب الثاني # PageV02P139 # على رمي كامل. # وكذا الثالث، وإن استقبل رميها فهو أفضل ليكون الرمي في الثلاث البواقي ~~على الوجه المسنون، وهو الترتيب، ولو نقص حصاة لا يدري من أيتهن نقصها أعاد ~~على كل واحد منهن حصاة إسقاطا للواجب عن نفسه بيقين كمن ترك صلاة واحدة من ~~الصلوات الخمس لا يدري أيتها هي: أنه يعيد خمس صلوات ليخرج عن العهدة بيقين ~~كذا هذا، والله أعلم. ms1062 ### | [فصل الحلق أو التقصير] # (فصل) : # ، وأما الحلق أو التقصير فالكلام فيه يقع في. # وجوبه، وفي بيان مقدار الواجب، وفي بيان زمانه، ومكانه، وفي بيان حكمه ~~إذا وجد، وفي بيان حكم تأخره عن وقته، وفعله في غير مكانه. # أما الأول فالحلق أو التقصير واجب عندنا إذا كان على رأسه شعر لا يتحلل ~~بدونه، وعند الشافعي ليس بواجب، ويتحلل من الحج بالرمي، ومن العمرة بالسعي، ~~احتج عما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن عمر - رضي الله عنه - خطب ~~بعرفة، وعلمهم أمر الحج فقال لهم: إذا جئتم منى فمن رمى الجمرة فقد حل له ~~ما حرم على الحاج إلا النساء، والطيب حتى يطوف بالبيت، ولنا قوله تعالى {ثم ~~ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] . # وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن التفث حلاق الشعر، ولبس الثياب، وما ~~يتبع ذلك، وهو قول أهل التأويل إنه حلق الرأس، وقص الأظافر، والشارب، ولأن ~~التفث في اللغة الوسخ يقال: امرأة تفثة إذا كانت خبيثة الرائحة وقوله تعالى ~~{لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين ~~محلقين رءوسكم ومقصرين} [الفتح: 27] قيل في بعض وجوه التأويل: إن قوله ~~لتدخلن خبر بصيغته، ومعناه الأمر أي ادخلوا المسجد الحرام إن شاء الله ~~آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين فيقتضي وجوب الدخول بصفة الحلق أو التقصير؛ ~~لأن مطلق الأمر لوجوب العمل، والاستثناء على هذا التأويل يرجع إلى قوله: " ~~آمنين " أي إن شاء الله أن تأمنوا تدخلوا، وإن شاء لا تأمنوا لا تدخلونه، ~~وإن كانت الآية على الإخبار والوعد على ما يقتضيه ظاهر الصيغة فلا بد، وأن ~~يكون المخبر به على ما أخبر، وهو دخولهم محلقين ومقصرين، وذلك متعلق ~~باختيارهم. # وقد يوجد وقد لا يوجد فلا بد من الدخول ليكون الوجوب حاملا لهم على ~~التحصيل فيوجد المخبر به ظاهرا، وغالبا فالاستثناء على هذا التأويل يكون ~~على طريق التيمن والتبرك باسم الله تعالى، أو يرجع إلى دخول بعضهم دون بعض ~~لجواز أن يموت البعض أو يمنع بمانع فيحمل عليه لئلا يؤدي ms1063 إلى الخلف في ~~الخبر، وقوله {محلقين رءوسكم ومقصرين} [الفتح: 27] أي: بعضكم محلقين، ~~وبعضكم مقصرين لإجماعنا على أنه لا يجمع بين الحلق، والتقصير فدل أن الحلق ~~أو التقصير، واجب، لكن الحلق أفضل؛ لأنه روي أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «دعا للمحلقين ثلاثا، وللمقصرين مرة واحدة فقال: اللهم اغفر ~~للمحلقين، فقيل له: والمقصرين، فقال: اللهم اغفر للمحلقين، فقيل له: ~~والمقصرين، فقال: اللهم اغفر للمحلقين، والمقصرين» ، ولأن في الحلق تقصيرا ~~وزيادة، ولا حلق في التقصير أصلا، فكان الحلق أفضل. # وأما حديث عمر - رضي الله عنه - فيضمر فيه الحلق أو التقصير، معناه فمن ~~رمى الجمرة، وحلق أو قصر فقد حل، ويجب حمله على هذا ليكون موافقا للكتاب، ~~هذا إذا كان على رأسه شعر، فأما إذا لم يكن: أجرى الموسى على رأسه لما روي ~~عن ابن عمر أنه قال: من جاء يوم النحر ولم يكن على رأسه شعر أجرى الموسى ~~على رأسه، والقدوري رواه مرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ولأنه إذا عجز عن تحقيق الحلق فلم يعجز عن التشبه بالحالقين. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «من تشبه بقوم فهو منهم» ، فإن حلق ~~رأسه بالنورة أجزأه والموسى أفضل، أما الجواز فلحصول المقصود، وهو إزالة ~~الشعر. # وأما أفضلية الحلق بالموسى فلقوله تعالى {محلقين رءوسكم} [الفتح: 27] ~~وإطلاق اسم الحلق يقع على الحلق بالموسى. # وكذا «النبي - صلى الله عليه وسلم - حلق بالموسى، وكان يختار من الأعمال ~~أفضلها» ، وهذا إذا لم يكن محصرا، فأما المحصر فلا حلق عليه في قول أبي ~~حنيفة، ومحمد، وفي قول أبي يوسف: عليه الحلق، وسنذكر المسألة إن شاء الله ~~تعالى في بيان أحكام الإحصار. # ولو وجب عليه الحلق، والتقصير فغسل رأسه بالخطمي مقام الحلق، لا يقوم ~~مقامه، وعليه الدم لغسل رأسه بالخطمي في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف، ~~ومحمد لا دم عليه، ذكر الطحاوي الخلاف، وقال الجصاص: لا أعرف فيه خلافا، ~~والصحيح أنه يلزمه الدم؛ لأن الحلق أو التقصير، واجب لما ذكرنا فلا يقع ~~التحلل إلا ms1064 بأحدهما، ولم # PageV02P140 # يوجد فكان إحرامه باقيا فإذا غسل رأسه بالخطمي فقد أزال التفث في حال ~~قيام الإحرام فيلزمه الدم، والله أعلم. # ولا حلق على المرأة لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال «ليس على النساء حلق، وإنما عليهن تقصير» ، وروت ~~عائشة - رضي الله عنها - أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى المرأة أن ~~تحلق رأسها» ، ولأن الحلق في النساء مثلة، ولهذا لم تفعله واحدة من نساء ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكنها تقصر فتأخذ من أطراف شعرها قدر ~~أنملة لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه سئل فقيل له: كم تقصر المرأة؟ ، ~~فقال: مثل هذه، وأشار إلى أنملته، وليس على الحاج إذا حلق أن يأخذ من لحيته ~~شيئا، وقال الشافعي إذا حلق ينبغي أن يأخذ من لحيته شيئا لله تعالى، وهذا ~~ليس بشيء؛ لأن الواجب حلق الرأس بالنص الذي تلونا، ولأن حلق اللحية من باب ~~المثلة؛ لأن الله تعالى زين الرجال باللحى، والنساء بالذوائب على ما روي في ~~الحديث «إن لله تعالى ملائكة تسبيحهم سبحان من زين الرجال باللحى، والنساء ~~بالذوائب» ، ولأن ذلك تشبه بالنصارى فيكره. ### | [فصل مقدار واجب الحلق والتقصير] # (فصل) : # وأما مقدار الواجب، فأما الحلق فالأفضل حلق جميع الرأس لقوله عز وجل ~~{محلقين رءوسكم} [الفتح: 27] ، والرأس اسم للجميع. # وكذا روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حلق جميع رأسه» فإنه روي ~~«أنه رمى ثم ذبح ثم دعا بالحلاق فأشار إلى شقه الأيمن فحلقه، وفرق شعره بين ~~الناس ثم أشار إلى الأيسر فحلقه وأعطاه لأم سليم» . # وروي أنه قال - صلى الله عليه وسلم - «أول نسكنا في يومنا هذا الرمي ثم ~~الذبح» ثم الحلق والحلق المطلق يقع على حلق جميع الرأس، ولو حلق بعض الرأس، ~~فإن حلق أقل من الربع لم يجزه، وإن حلق ربع الرأس أجزأه، ويكره. # أما الجواز فلأن ربع الرأس يقوم مقام كله في القرب المتعلقة بالرأس كمسح ~~ربع الرأس في باب الوضوء. # وأما الكراهة ms1065 فلأن المسنون هو حلق جميع الرأس لما ذكرنا، وترك المسنون ~~مكروه، وأما التقصير فالتقدير فيه بالأنملة لما روينا من حديث عمر - رضي ~~الله عنه - لكن أصحابنا قالوا: يجب أن يزيد في التقصير على قدر الأنملة؛ ~~لأن الواجب هذا القدر من أطراف جميع الشعر، وأطراف جميع الشعر لا يتساوى ~~طولها عادة بل تتفاوت فلو قصر قدر الأنملة لا يصير مستوفيا قدر الأنملة من ~~جميع الشعر بل من بعضه فوجب أن يزيد عليه حتى يستيقن باستيفاء قدر الواجب ~~فيخرج عن العهدة بيقين. ### | [فصل بيان زمان ومكان الحلق والتقصير] # (فصل) : # وأما بيان زمانه، ومكانه فزمانه أيام النحر، ومكانه الحرم، وهذا قول أبي ~~حنيفة إن الحلق يختص بالزمان، والمكان، وقال أبو يوسف لا يختص بالزمان، ولا ~~بالمكان، وقال محمد يختص بالمكان لا بالزمان، وقال زفر يختص بالزمان لا ~~بالمكان حتى لو أخر الحلق عن أيام النحر أو حلق خارج الحرم يجب عليه الدم ~~في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف لا دم عليه فيهما جميعا، وعند محمد يجب ~~عليه الدم في المكان، ولا يجب في الزمان، وعند زفر يجب في الزمان، ولا يجب ~~في المكان احتج زفر بما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حلق عام ~~الحديبية، وأمر أصحابه بالحلق» ، وحديبية من الحل فلو اختص بالمكان، وهو ~~الحرم لما جاز في غيره، ولو كان كذلك لما فعل بنفسه، ولما أمر أصحابه فدل ~~أن الحلق لا يختص جوازه بالمكان، وهو الحرم، وهذا أيضا حجة أبي يوسف في ~~المكان، ولأبي يوسف، ومحمد في أنه لا يختص بزمان ما روي «أن رجلا جاء إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: حلقت قبل أن أذبح فقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: اذبح، ولا حرج، وجاءه آخر فقال ذبحت قبل أن أرمي، فقال: ارم، ~~ولا حرج» فما سئل في ذلك اليوم عن تقديم نسك، وتأخيره إلا قال: افعل، ولا ~~حرج ولأبي حنيفة «أنه - صلى الله عليه وسلم - حلق في أيام النحر في الحرم» ~~فصار فعله بيانا لمطلق ms1066 الكتاب، ويجب عليه بتأخيره دم عنده؛ لأن تأخير ~~الواجب بمنزلة الترك في حق وجوب الجابر لما ذكرنا في طواف الزيارة. # وأما حديث الحديبية فقد ذكرنا أن الحديبية بعضها من الحل، وبعضها من ~~الحرم فيحتمل أنهم حلقوا في الحرم فلا يكون حجة مع الاحتمال مع ما أنه روي ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان نزل بالحديبية في الحل، وكان يصلي في ~~الحرم» فالظاهر أنه لم يحلق في الحل، وله سبيل الحلق في الحرم، وأما الحديث ~~الآخر فنقول بموجبه: إنه لا حرج في التأخير عن المكان والزمان، وهو الإثم ~~لكن انتفاء الإثم لا يوجب انتفاء الكفارة كما في كفارة الحلق عند الأذى ~~وكفارة قتل الخطأ، ولو لم يحلق حتى خرج من الحرم ثم عاد إلى الحرم # PageV02P141 # فحلق أو قصر فلا دم عليه لوجود الشرط على قول من يجعل المكان شرطا. ### | [فصل حكم الحلق] # (فصل) : # وأما حكم الحلق فحكمه حصول التحلل، وهو صيرورته حلالا يباح له جميع ما ~~حظر عليه الإحرام إلا النساء، وهذا قول أصحابنا، وقال مالك إلا النساء، ~~والطيب، وقال الليث إلا النساء، والصيد، وقال الشافعي يحل له بالحلق الوطء ~~فيما دون الفرج، والمباشرة، احتج مالك بما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال «إذا حلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، والطيب» ، ~~والصحيح قولنا لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال «من رمى ثم ذبح ثم حلق فقد حل له كل شيء إلا النساء» ، ~~والحديث حجة على الكل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنه حل له كل ~~شيء، واستثنى النساء فبقي الطيب والصيد داخلين تحت نص المستثنى منه، وهو ~~إحلال ما سوى النساء، وخرج الوطء فيما دون الفرج، والمباشرة عن الإحلال بنص ~~الاستثناء. # وأما حديث عمر «فقيل: إنه لما بلغ عائشة - رضي الله عنها - قالت يغفر ~~الله لهذا الشيخ لقد طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين حلق» . ### | [فصل حكم تأخير الحلق والتقصير عن زمانه ms1067 ومكانه] # (فصل) : # وأما حكم تأخيره عن زمانه، ومكانه فوجوب الدم عند أبي حنيفة وأبو يوسف ~~خالفه في الزمان والمكان ومحمد، وافقه في المكان لا في الزمان، وزفر، وافقه ~~في الزمان لا في المكان على ما ذكرنا، والله أعلم. ### | [فصل طواف الصدر] # (فصل) : # وأما طواف الصدر فالكلام فيه يقع في مواضع: في بيان. # وجوبه، وفي بيان شرائطه، وفي بيان قدره، وكيفيته، وما يسن له أن يفعله ~~بعد فراغه منه، وفي بيان وقته، وفي بيان مكانه، وحكمه إذا نفر ولم يطف، أما ~~الأول فطواف الصدر واجب عندنا، وقال الشافعي: سنة، وجه قوله مبني على أنه ~~لا يفرق بين الفرض، والواجب، وليس بفرض بالإجماع فلا يكون واجبا لكنه سنة ~~لفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه على المواظبة، وإنه دليل ~~السنة، ثم دليل عدم الوجوب أنا أجمعنا على أنه لا يجب على الحائض، ~~والنفساء، ولو كان واجبا لوجب عليهما كطواف الزيارة، ونحن نفرق بين الفرض، ~~والواجب على ما عرف، ودليل الوجوب ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «من حج هذا البيت فليكن آخر عهده به الطواف» ، ومطلق الأمر لوجوب ~~العمل إلا أن الحائض خصت عن هذا العموم بدليل، وهو ما روي «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - رخص للنساء الحيض ترك طواف الصدر لعذر الحيض، ولم يأمرهن ~~بإقامة شيء آخر مقامه» ، وهو الدم، وهذا أصل عندنا في كل نسك جاز تركه لعذر ~~أنه لا يجب بتركه من المعذور كفارة، والله أعلم. ### | [فصل شرائط وجوب طواف الصدر] # (فصل) : # وأما شرائطه فبعضها شرائط الوجوب، وبعضها شرائط الجواز. # أما شرائط الوجوب فمنها أن يكون من أهل الآفاق فليس على أهل مكة، ولا من ~~كان منزله داخل المواقيت إلى مكة طواف الصدر إذا حجوا؛ لأن هذا الطواف ~~إنما، وجب توديعا للبيت، ولهذا يسمى طواف الوداع، ويسمى طواف الصدر لوجوده ~~عند صدور الحجاج ورجوعهم إلى وطنهم، وهذا لا يوجد في أهل مكة؛ لأنهم في ~~وطنهم، وأهل داخل المواقيت في حكم أهل مكة فلا ms1068 يجب عليهم كما لا يجب على ~~أهل مكة، وقال أبو يوسف أحب إلي أن يطوف المكي طواف الصدر؛ لأنه وضع لختم ~~أفعال الحج، وهذا المعنى يوجد في أهل مكة. # ولو نوى الآفاقي الإقامة بمكة أبدا بأن توطن بها، واتخذها دارا فهذا لا ~~يخلو من أحد، وجهين: إما أن نوى الإقامة بها قبل أن يحل النفر الأول، وإما ~~أن نوى بعد ما حل النفر الأول، فإن نوى الإقامة قبل أن يحل النفر الأول سقط ~~عنه طواف الصدر أي لا يجب عليه بالإجماع، وإن نوى بعد ما حل النفر الأول لا ~~يسقط، وعليه طواف الصدر في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف يسقط عنه إلا إذا ~~كان شرع فيه، ووجه قوله أنه لما نوى الإقامة صار كواحد من أهل مكة، وليس ~~على أهل مكة طواف الصدر إلا إذا شرع فيه؛ لأنه وجب عليه بالشروع فلا يجوز ~~له تركه بل يجب عليه المضي فيه، ووجه قول أبي حنيفة أنه إذا حل له النفر ~~فقد وجب عليه الطواف لدخول وقته إلا أنه مرتب على طواف الزيارة كالوتر مع ~~العشاء، فنية الإقامة بعد ذلك لا تعمل، كما إذا نوى الإقامة بعد خروج وقت ~~الصلاة، ومنها الطهارة من الحيض، والنفاس فلا يجب على الحائض، والنفساء حتى ~~لا يجب عليهم الدم بالترك لما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رخص للحيض ترك هذا الطواف # PageV02P142 # لا إلى بدل» فدل أنه غير واجب عليهن إذ لو كان واجبا لما جاز تركه لا إلى ~~بدل، وهو الدم فأما الطهارة عن الحدث، والجنابة فليست بشرط للوجوب، ويجب ~~على المحدث والجنب؛ لأنه يمكنهما إزالة الحدث والجنابة فلم يكن ذلك عذرا، ~~والله أعلم. ### | [فصل شرائط جواز طواف الصدر] # (فصل) : # وأما شرائط جوازه فمنها النية؛ لأنه عبادة فلا بد له من النية، فأما ~~تعيين النية فليس بشرط حتى لو طاف بعد طواف الزيارة لا يعين شيئا أو نوى ~~تطوعا كان للصدر؛ لأن الوقت تعين له فتنصرف مطلق النية إليه كما في صوم ms1069 ~~رمضان. # ومنها أن يكون بعد طواف الزيارة حتى إذا نفر في النفر الأول فطاف طوافا ~~لا ينوي شيئا أو نوى تطوعا أو الصدر: يقع عن الزيارة لا عن الصدر؛ لأن ~~الوقت له طواف، وطواف الصدر مرتب عليه. # فأما النفر على فور الطواف فليس من شرائط جوازه حتى لو طاف للصدر ثم ~~تشاغل بمكة بعده لا يجب عليه طواف آخر، فإن قيل أليس أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال «من حج هذا البيت فليكن آخر عهده به الطواف» فقد أمر أن ~~يكون آخر عهده الطواف بالبيت، ولما تشاغل بعده لم يقع الطواف آخر عهده به ~~فيجب أن لا يجوز؛ إذ لم يأت بالمأمور به فالجواب أن المراد منه آخر عهده ~~بالبيت نسكا لا إقامة، والطواف آخر مناسكه بالبيت، وإن تشاغل بغيره. # وروي عن أبي حنيفة أنه قال إذا طاف للصدر ثم أقام إلى العشاء فأحب إلي أن ~~يطوف طوافا آخر لئلا يحول بين طوافه وبين نفره حائل. # وكذا الطهارة عن الحدث والجنابة ليست بشرط لجوازه فيجوز طوافه إذا كان ~~محدثا أو جنبا ويعتد به، والأفضل أن يعيد طاهرا، فإن لم يعد جاز، وعليه شاة ~~إن كان جنبا؛ لأن النقص كثير فيجبر بالشاة كما لو ترك أكثر الأشواط، وإن ~~كان محدثا ففيه روايتان عن أبي حنيفة: في رواية عليه صدقة، وهي الرواية ~~الصحيحة، وهو قول أبي يوسف ومحمد؛ لأن النقص يسير فصار كشوط أو شوطين، وفي ~~رواية عليه شاة؛ لأنه طواف واجب فأشبه طواف الزيارة، وكذا ستر عورته ليس ~~بشرط للجواز حتى لو طاف مكشوف العورة قدر ما لا تجوز به الصلاة جاز، ولكن ~~يجب عليه الدم. # وكذا الطهارة عن النجاسة إلا أنه يكره، ولا شيء عليه، والفرق ما ذكرنا في ~~طواف الزيارة، والله أعلم. ### | [فصل قدر وكيفية طواف الصدر] # (فصل) : # وأما قدره، وكيفيته فمثل سائر الأطوفة، ونذكر السنن التي تتعلق به في ~~بيان سنن الحج إن شاء الله تعالى. ### | [فصل وقت طواف الصدر] # (فصل) : # وأما وقته فقد روي عن أبي ms1070 حنيفة أنه قال ينبغي للإنسان إذا أراد السفر أن ~~يطوف طواف الصدر حين يريد أن ينفر، وهذا بيان الوقت المستحب لا بيان أصل ~~الوقت، ويجوز في أيام النحر، وبعدها، ويكون أداء لا قضاء حتى لو طاف طواف ~~الصدر ثم أطال الإقامة بمكة، ولم ينو الإقامة بها، ولم يتخذها دارا جاز ~~طوافه، وإن أقام سنة بعد الطواف إلا أن الأفضل أن يكون طوافه عند الصدر لما ~~قلنا، ولا يلزمه شيء بالتأخير عن أيام النحر بالإجماع. ### | [فصل مكان طواف الصدر] # (فصل) : # وأما مكانه فحول البيت لا يجوز إلا به لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«من حج هذا البيت فليكن آخر عهده به الطواف» ، والطواف بالبيت هو الطواف ~~حوله، فإن نفر ولم يطف يجب عليه أن يرجع، ويطوف ما لم يجاوز الميقات؛ لأنه ~~ترك طوافا واجبا، وأمكنه أن يأتي به من غير الحاجة إلى تجديد الإحرام فيجب ~~عليه أن يرجع، ويأتي به، وإن جاوز الميقات لا يجب عليه الرجوع؛ لأنه لا ~~يمكنه الرجوع إلا بالتزام عمرة بالتزام إحرامها ثم إذا أراد أن يمضي مضى، ~~وعليه دم، وإن أراد أن يرجع أحرم بعمرة ثم رجع، وإذا رجع يبتدئ بطواف ~~العمرة ثم بطواف الصدر، ولا شيء عليه لتأخيره عن مكانه، وقالوا الأولى أن ~~لا يرجع، ويريق دما مكان الطواف؛ لأن هذا أنفع للفقراء، وأيسر عليه لما فيه ~~من دفع مشقة السفر، وضرر التزام الإحرام، والله أعلم. ### | [فصل بيان سنن الحج وبيان الترتيب في أفعاله] # (فصل) : # وأما بيان سنن الحج وبيان الترتيب في أفعاله من الفرائض والواجبات والسنن ~~فنقول وبالله التوفيق: إذا أراد أن يحرم اغتسل أو توضأ، والغسل أفضل لما ~~روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بلغ ذا الحليفة اغتسل ~~لإحرامه» ، وسواء كان رجلا أو امرأة، والمرأة طاهرة عن الحيض والنفاس أو ~~حائض أو نفساء؛ لأن المقصود من إقامة هذه السنة النظافة فيستوي فيها الرجل ~~والمرأة، وحال طهر المرأة، وحيضها، ونفاسها، والدليل عليه أيضا ما روي «أن ~~رسول الله - صلى الله ms1071 عليه وسلم - لما نزل تحت الشجرة في بيعة الرضوان أتاه ~~أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وقال # PageV02P143 # له: إن أسماء قد نفست، وكانت، ولدت محمد بن أبي بكر - رضي الله عنه - ~~فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - مرها فلتغتسل، ولتحرم بالحج» . # وكذا روي أن عائشة - رضي الله عنها - حاضت فأمرها بالاغتسال والإهلال ~~بالحج، والأمر بالاغتسال في الحديثين على وجه الاستحباب دون الإيجاب؛ لأن ~~الاغتسال عن الحيض، والنفاس لا يجب حال قيام الحيض والنفاس، وإنما كان ~~الاغتسال أفضل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اختاره على الوضوء ~~لإحرامه، وكان يختار من الأعمال أفضلها. # وكذا أمر به عائشة وأسماء - رضي الله عنهما - ولأن معنى النظافة فيه أتم ~~وأوفر. # ، ويلبس ثوبين إزارا، ورداء؛ لأنه روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لبس ثوبين إزارا، ورداء، ولأن المحرم ممنوع عن لبس المخيط، ولا بد من ستر ~~العورة، وما يتقى به الحر والبرد، وهذه المعاني تحصل بإزار ورداء جديدين ~~كانا أو غسيلين؛ لأن المقصود يحصل بكل، واحد منهما إلا أن الجديد أفضل؛ ~~لأنه أنظف، وينبغي لولي من أحرم من الصبيان العقلاء أن يجرده، ويلبسه ثوبين ~~إزارا ورداء؛ لأن الصبي في مراعاة السنن كالبالغ. # ، ويدهن بأي دهن شاء، ويتطيب بأي طيب شاء سواء كان طيبا تبقى عينه بعد ~~الإحرام أو لا تبقى في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، وهو قول محمد أولا، ثم ~~رجع، وقال: يكره له أن يتطيب بطيب تبقى عينه بعد الإحرام. # وحكي عن محمد في سبب رجوعه أنه قال: كنت لا أرى به بأسا حتى رأيت قوما ~~أحضروا طيبا كثيرا، ورأيت أمرا شنيعا فكرهته، وهو قول مالك، احتج محمد بما ~~روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي: اغسل عنك هذا الخلوف» ~~. # وروي عن عمر، وعثمان - رضي الله عنهما - أنهما كرها ذلك، ولأنه إذا بقي ~~عينه ينتقل من الموضع الذي طيبه إلى موضع آخر فيصير كأنه طيب ذلك الموضع ~~ابتداء بعد الإحرام، ولأبي حنيفة، وأبي يوسف ما روي عن عائشة - رضي ms1072 الله ~~عنها - أنها قالت «طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه حين ~~أحرم، ولإحلاله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت، ولقد رأيت وبيص الطيب في مفارق ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد إحرامه» ، ومعلوم أن وبيص الطيب إنما ~~يتبين مع بقاء عينه فدل أن الطيب كان بحيث تبقى عينه بعد الإحرام، ولأن ~~التطيب بعد حصل مباحا في الابتداء لحصوله في غير حال الإحرام، والبقاء على ~~التطيب لا يسمى تطيبا فلا يكره كما إذا حلق رأسه ثم أحرم. # وأما حديث الأعرابي فهو محمول على ما إذا كان عليه ثوب مزعفر، والرجل ~~يمنع من المزعفر في غير حال الإحرام ففي حال الإحرام أولى، حملناه على هذا ~~توفيقا بين الحديثين بقدر الإمكان. # وأما حديث عمر، وعثمان فقد روي عن ابن عمر، وعائشة - رضي الله عنهما - ~~بخلافه فوقع التعارض فسقط الاحتجاج بقولهما، وما ذكر من معنى الانتقال إلى ~~مكان آخر غير سديد؛ لأن اعتباره يوجب الجزاء لو انتقل، وليس كذلك بالإجماع. # ولو ابتدأ الطيب بعد الإحرام فوجبت عليه الكفارة فكفر، وبقي عليه هل ~~يلزمه كفارة أخرى ببقاء الطيب عليه، اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يلزمه ~~كفارة أخرى؛ لأن ابتداء الإحرام كان محظورا لوجوده في حال الإحرام فكذا ~~البقاء عليه بخلاف المسألة الأولى، وقال بعضهم لا يلزمه كفارة أخرى؛ لأن ~~حكم الابتداء قد سقط عنه بالكفارة، والبقاء على الطيب لا يوجب الكفارة كما ~~في المسألة الأولى. # ، ثم يصلي ركعتين لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«أتاني آت من ربي، وأنا بالعقيق، وقال لي: صل في هذا الوادي المبارك ~~ركعتين، وقل: لبيك بعمرة وحجة» ؛ لأنه كان قارنا ثم ينوي الإحرام. # ، ويستحب له أن يتكلم بلسانه ما نوى بقلبه فيقول إذا أراد أن يحرم بالحج: ~~اللهم إني أريد الحج فيسره لي، وتقبله مني، وإذا أراد أن يحرم بالعمرة ~~يقول: اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي، وتقبلها مني، وإذا أراد القران ~~يقول: اللهم إني أريد العمرة، والحج فيسرهما لي، وتقبلهما مني؛ لأن ms1073 الحج ~~عبادة عظيمة فيها كلفة ومشقة شديدة فيستحب الدعاء بالتيسير، والتسهيل، ~~وبالقبول بعد التحصيل إذ لا كل عبادة تقبل. # ألا ترى أن إبراهيم، وإسماعيل - عليهما الصلاة والسلام - لما بنيا البيت ~~على الوجه الذي أمرا ببنائه سألا ربهما قبول ما فعلا، فقالا: {ربنا تقبل ~~منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127] . # ويستحب أن يذكر الحج، والعمرة أو هما في إهلاله، ويقدم العمرة على الحج ~~في الذكر إذا أهل بهما، فيقول: لبيك بعمرة وحجة لما روينا عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال «أتاني آت من ربي، وأنا بالعقيق فقال صل في هذا ~~الوادي المبارك ركعتين، وقل لبيك بعمرة وحجة» ، وإنما يقدم العمرة على الحج ~~في الذكر # PageV02P144 # لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يقول كذلك، ولأن العمرة تقدم ~~على الحج في الفعل فكذا في الذكر. # ثم يلبي في دبر كل صلاة، وهو الأفضل عندنا، وقال الشافعي الأفضل أن يلبي ~~بعد ما استوى على راحلته، وقال مالك بعد ما استوى على البيداء، وإنما ~~اختلفوا فيه لاختلاف الرواية في أول تلبية النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - «أنه لبى دبر صلاته» . # وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - «أنه لبى حين ما استوى على راحلته» . # وروى جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - «أنه - صلى الله عليه وسلم - لبى ~~حين استوى على البيداء» ، وأصحابنا أخذوا برواية ابن عباس - رضي الله عنه ~~-؛ لأنها محكمة في الدلالة على الأولية، ورواية ابن عمر وجابر - رضي الله ~~عنهما - محتملة لجواز أن ابن عمر - رضي الله عنه - لم يشهد تلبية النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - دبر الصلاة، وإنما شهد تلبيته حال استوائه على ~~الراحلة فظن أن ذلك أول تلبيته فروى ما رأى، وجابر لم ير تلبيته إلا عند ~~استوائه على البيداء فظن أنه أول تلبيته فروى ما رأى. # والدليل على صحة هذا التأويل ما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: قلت لابن ~~عباس كيف اختلف أصحاب رسول الله - صلى الله ms1074 عليه وسلم - في إهلاله؟ فقال: ~~أنا أعلم بذلك، صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد ذي الحليفة ~~ركعتين، وأهل بالحج، وكانت ناقته مسرجة على باب المسجد، وابن عمر عندها ~~فرآه قوم فقالوا: أهل عقيب الصلاة ثم استوى على راحلته، وأهل فكان الناس ~~يأتونه أرسالا فأدركه قوم، فقالوا: إنما أهل حين استوى على راحلته ثم ارتفع ~~على البيداء فأهل فأدركه قوم فقالوا إنما أهل حين ارتفع على البيداء، وأيم ~~الله لقد أوجبه في مصلاه، ويكثر التلبية بعد ذلك في أدبار الصلوات فرائض ~~كانت أو نوافل، وذكر الطحاوي أنه يكثر في أدبار المكتوبات دون النوافل ~~والفوائت، وأجراها مجرى التكبير في أيام التشريق، والمذكور في ظاهر الرواية ~~في أدبار الصلوات عاما من غير تخصيص، ولأن فضيلة التلبية عقيب الصلاة ~~لاتصالها بالصلاة التي هي ذكر الله عز وجل إذ الصلاة من أولها إلى آخرها ~~ذكر الله تعالى، وهذا يوجد في التلبية عقيب كل صلاة، وكلما علا شرفا، وكلما ~~هبط واديا، وكلما لقي ركبا، وكلما استيقظ من منامه، وبالأسحار لما روي أن ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا كانوا يفعلون، ويرفع صوته ~~بالتلبية لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «أفضل الحج ~~العج، والثج» ، والعج هو رفع الصوت بالتلبية، والثج هو سيلان الدم، وعن ~~خلاد بن السائب الأنصاري عن أبيه - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال «أتاني جبريل، وأمرني أن آمر أصحابي، ومن معي أن ~~يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج» أمر برفع الصوت في التلبية، ~~وأشار إلى المعنى، وهو أنها من شعائر الحج، والسبيل في أذكار هي من شعائر ~~الحج إشهارها، وإظهارها كالأذان ونحوه، والسنة أن يأتي بتلبية رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وهي أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك ~~لبيك، إن الحمد، والنعمة لك، والملك، لا شريك لك كذا روي عن ابن مسعود، ~~وابن عمر هذه الألفاظ في تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالسنة ms1075 أن ~~يأتي بها، ولا ينقص شيئا منها، وإن زاد عليها فهو مستحب عندنا، وعند ~~الشافعي لا يزيد عليها كما لا ينقص منها، وهذا غير سديد؛ لأنه لو نقص منها ~~لترك شيئا من السنة، ولو زاد عليها فقد أتى بالسنة، وزيادة. # والدليل عليه ما روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم كانوا ~~يزيدون على تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان ابن مسعود - رضي ~~الله تعالى عنه - يزيد: لبيك عدد التراب، لبيك لبيك ذا المعارج، لبيك لبيك ~~إله الحق لبيك، وكان ابن عمر يزيد: لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، لبيك ~~والرغباء إليك، ويروى: والعمل والرغباء إليك، ولأن هذا من باب الحمد لله ~~تعالى، والثناء عليه فالزيادة عليه تكون مستحبة لا مكروهة، ثم اختلفت ~~الرواية في تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الكلمة، وهي ~~قوله: لبيك، إن الحمد، والنعمة لك. # ورويت بالكسر والفتح، والكسر أصح، وهكذا ذكر محمد في الأصل أن الأفضل أن ~~يقول بالكسر، وإنما كان كذلك؛ لأن معنى الفتح فيها يكون على التفسير أو ~~التعليل، أي ألبي بأن الحمد لك أو ألبي لأن الحمد لك، أي لأجل أن الحمد لك، ~~وإذا كسرتها صار ما بعدها ثناء وذكرا، مبتدأ لا تفسيرا، ولا تعليلا، فكان ~~أبلغ في الذكر، والثناء فكان أفضل. # وإذا قدم مكة فلا يضره، ليلا دخلها أو نهارا لما روي أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - دخلها نهارا. # وروي أنه دخلها ليلا. # وكذا روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها دخلتها ليلا. # وروي أن # PageV02P145 # الحسن، والحسين - رضي الله تعالى عنهما - دخلاها ليلا، وما روي عن عمر - ~~رضي الله تعالى عنه - أنه نهى عن دخول مكة ليلا فهو محمول على نهي الشفقة ~~مخافة السرقة كذا أوله إبراهيم النخعي، ولأنه إذا دخل ليلا لا يعرف موضع ~~النزول فلا يدري أين ينزل، وربما نزل في غير موضع النزول فيتأذى به، ويدخل ~~المسجد الحرام. # والأفضل أن يدخل من باب بني شيبة، ويقول: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، ms1076 ~~وأعذني من الشيطان الرجيم، وإذا، وقع نظره على البيت يقول ويخفي: سبحان ~~الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، اللهم هذا بيتك، عظمته ~~وشرفته وكرمته فزده تعظيما وتشريفا وتكريما، ويبدأ بالحجر الأسود فإذا ~~استقبله كبر، ورفع يديه كما يرفعهما في الصلاة، لكن حذو منكبيه لما روي عن ~~مكحول «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دخل المسجد بدأ بالحجر الأسود ~~فاستقبله، وكبر، وهلل» ، وروينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتاب ~~الصلاة أنه قال «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن، وذكر من جملتها عند ~~استلام الحجر الأسود» ثم يرسلهما، ويستلم الحجر إن أمكنه ذلك من غير أن ~~يؤذي أحدا، والأفضل أن يقبله لما روي أن «عمر - رضي الله تعالى عنه - ~~التزمه وقبله، وقال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بك حفيا» وروي ~~أنه قال: والله «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك» ، وفي رواية أخرى، قال: «لولا ~~أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستلمك ما استلمتك ثم استلمه» ، ~~وعن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- استقبل الحجر فاستلمه، ثم وضع شفتيه عليه فبكى طويلا ثم التفت فإذا هو ~~بعمر يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ فقال: يا رسول الله رأيتك تبكي فبكيت ~~لبكائك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ههنا تسكب العبرات» ، وعن ~~ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: «طاف رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن ثم يرده إلى فيه» ، وعن ~~ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «ليبعثن الحجر يوم القيامة، وله عينان يبصر بهما، وأذنان يسمع ~~بهما، ولسان ينطق به فيشهد لمن استلمه بالحق» . # وروي أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يستلمون الحجر ثم ~~يقبلونه فيلتزمه ويقبله إن أمكنه ذلك من ms1077 غير أن يؤذي أحدا لما روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال لعمر يا أبا حفص إنك رجل قوي، وإنك ~~تؤذي الضعيف فإذا وجدت مسلكا فاستلم، وإلا فدع وكبر وهلل» ، ولأن الاستلام ~~سنة، وإيذاء المسلم حرام، وترك الحرام أولى من الإتيان بالسنة، وإذا لم ~~يمكنه ذلك من غير أن يؤذي استقبله وكبر وهلل وحمد الله وأثنى عليه، وصلى ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يصلي عليه في الصلاة، ولم يذكر عن ~~أصحابنا فيه دعاء بعينه؛ لأن الدعوات لا تحصى، وعن مجاهد أنه كان يقول: إذا ~~أتيت الركن فقل اللهم إني أسألك إجابة دعوتك، وابتغاء رضوانك، واتباع سنة ~~نبيك، وعن عطاء - رضي الله تعالى عنه - قال: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا مر بالحجر الأسود قال أعوذ برب هذا الحجر من الدين والفقر ~~وضيق الصدر وعذاب القبر» ، ولا يقطع التلبية عند استلام الحجر، ويقطعها في ~~العمرة لما نذكر إن شاء الله. # ثم يفتتح الطواف، وهذا الطواف يسمى طواف اللقاء وطواف التحية، وطواف أول ~~عهد بالبيت، وإنه سنة عند عامة العلماء. # وقال مالك إنه فرض، واحتج بظاهر قوله عز وجل {وليطوفوا بالبيت العتيق} ~~[الحج: 29] أمر بالطواف بالبيت فدل على الوجوب والفرضية، ولنا أنه لا يجب ~~على أهل مكة بالإجماع، ولو كان ركنا لوجب عليهم؛ لأن الأركان لا تختلف بين ~~أهل مكة وغيرهم، كطواف الزيارة فلما لم يجب على أهل مكة دل أنه ليس بركن. # والمراد من الآية طواف الزيارة لإجماع أهل التفسير، ولأنه خاطب الكل ~~بالطواف بالبيت، وطواف الزيارة هو الذي يجب على الكل، فأما طواف اللقاء ~~فإنه لا يجب على أهل مكة دل على أن المراد هو طواف الزيارة. # وكذا سياق الآية دليل عليه؛ لأنه أمرنا بذبح الهدايا بقوله عز وجل ~~{ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج: ~~28] ، وأمر بقضاء التفث، وهو الحلق، والطواف بالبيت عقيب ذبح الهدي؛ لأن ~~كلمة " ثم " للترتيب مع التعقيب فيقتضي أن يكون الحلق والطواف ms1078 مرتبين على ~~الذبح، والذبح يختص بأيام النحر، لا يجوز قبلها فكذا الحلق، والطواف، وهو ~~طواف الزيارة، فأما طواف اللقاء فإنه يكون سابقا على أيام # PageV02P146 # النحر فثبت أن المراد من الآية الكريمة طواف الزيارة، وبه نقول: إنه ركن، ~~وإذا افتتح الطواف يأخذ عن يمينه مما يلي الباب فيطوف بالبيت سبعة أشواط ~~يرمل في الثلاثة الأول، ويمشي على هيئته في الأربعة الباقية، والأصل فيه ما ~~روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أنه استلم الحجر ثم أخذ عن يمينه ~~مما يلي الباب فطاف بالبيت سبعة أشواط» . # وأما الرمل فالأصل فيه أن كل طواف بعده سعي فمن سننه الاضطباع والرمل في ~~الثلاثة الأشواط الأول منه، وكل طواف ليس بعده سعي فلا رمل فيه، وهذا قول ~~عامة الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - إلا ما حكي عن ابن عباس - رضي الله ~~تعالى عنهما - أن الرمل في الطواف ليس بسنة، وجه قوله أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما رمل، وندب أصحابه إليه لإظهار الجلد للمشركين، وإبداء ~~القوة لهم من أنفسهم فإنه روي أنه «دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه مكة، وكفار قريش قد صفت عند دار الندوة ينظرون إليهم ويستضعفونهم ~~ويقولون: أوهنتهم حمى يثرب فلما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~المسجد اضطبع بردائه، ورمل ثم قال رحم الله امرأ أبدى من نفسه جلدا» . # وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال «رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه ~~قوة» ، وذلك المعنى قد زال فلم يبق الرمل سنة، لكنا نقول: الرواية عن ابن ~~عباس - رضي الله تعالى عنهما - لا تكاد تصح؛ لأنه قد صح أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - رمل بعد فتح مكة وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه ~~قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ~~ثلاثا، ومشى أربعا» . # وكذا أصحابه - رضي الله تعالى عنهم - بعده رملوا. # وكذا المسلمون إلى يومنا هذا فصار الرمل سنة متواترة، فإما أن يقال: إن ~~أول ms1079 الرمل كان لذلك السبب، وهو إظهار الجلادة، وإبداء القوة للكفرة، ثم زال ~~ذلك السبب وبقيت سنة الرمل على الأصل المعهود أن بقاء السبب ليس بشرط لبقاء ~~الحكم كالبيع، والنكاح، وغيرهما، وإما أن يقال لما رمل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بعد زوال ذلك السبب صار الرمل سنة مبتدأة فنتبع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في ذلك، وإن كان لا نعقل معناه، وإلى هذا أشار عمر - رضي ~~الله تعالى عنه - حين رمل في الطواف، وقال: ما لي أهز كتفي، وليس ههنا أحد ~~رأيته، لكن أتبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو قال: لكن أفعل ما فعل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويرمل من الحجر إلى الحجر، وهذا قول ~~عامة العلماء. # وقال سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وطاوس - رضي الله تعالى عنهم - لا ~~يرمل بين الركن اليماني، وبين الحجر الأسود، وإنما يرمل من الجانب الآخر، ~~وجه قولهم أن الرمل في الأصل كان لإظهار الجلادة للمشركين، والمشركون إنما ~~كانوا يطلعون على المسلمين من ذلك الجانب. # فإذا صاروا إلى الركن اليماني لم يطلعوا عليهم لصيرورة البيت حائلا بينهم ~~وبين المسلمين، ولنا ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمل ثلاثا ~~من الحجر إلى الحجر، والجواب عن قولهم أن الرمل كان لإظهار القوة والجلادة، ~~إن الرمل الأول كان لذلك. # وقد زال وبقي حكمه أو صار الرمل بعد ذلك سنة مبتدأة لا لما شرع له الأول ~~بل لمعنى آخر لا نعقله. # وأما الاضطباع فلما روينا «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرمل ~~مضطبعا بردائه» ، وتفسير الاضطباع بالرداء هو أن يدخل الرداء من تحت إبطه ~~الأيمن، ويرد طرفه على يساره، ويبدي منكبه الأيمن، ويغطي الأيسر، سمي ~~اضطباعا لما فيه من الضبع، وهو العضد لما فيه من إبداء الضبعين، وهما ~~العضدان، فإن زوحم في الرمل وقف فإذا، وجد فرجة رمل؛ لأنه ممنوع من فعله ~~إلا على وجه السنة فيقف إلى أن يمكنه فعله على وجه السنة، ويستلم الحجر في ~~كل شوط يفتتح ms1080 به إن استطاع من غير أن يؤذي أحدا لما روي «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كان كلما مر بالحجر الأسود استلمه» ، ولأن كل شوط ~~طواف على حدة فكان استلام الحجر فيه مسنونا كالشوط الأول، وإن لم يستطع ~~استقبله وكبر وهلل. # وأما الركن اليماني فلم يذكر في الأصل أن استلامه سنة، ولكنه قال: إن ~~استلمه فحسن، وإن تركه لم يضره في قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وهذا يدل ~~على أنه مستحب وليس بسنة، وقال محمد - رحمه الله - يستلمه ولا يتركه، وهذا ~~يدل على أن استلامه سنة، ولا خلاف في أن تقبيله ليس بسنة. # وقال الشافعي يستلمه، ويقبل يده، وجه قول محمد ما روي عن عمر - رضي الله ~~تعالى عنه - أنه قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستلم هذين ~~الركنين، ولا يتسلم غيرهما» ، وعن ابن عباس # PageV02P147 # - رضي الله عنهما - قال «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستلم ~~الركن اليماني، ويضع خده عليه» ، وجه ما ذكر في الأصل وهو أنه مستحب، وليس ~~بمسنون أنه ليس من السنة تقبيله، ولو كان مسنونا لسن تقبيله كالحجر الأسود، ~~وعن جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استلم الركن ~~اليماني، ولم يقبله» ، وهذا يدل على أنه مستحب وليس بسنة. # وأما الركنان الآخران، وهما العراقي، والشامي فلا يستلمهما عند عامة ~~الصحابة - رضي الله عنهم -، وهو قولنا، وعن معاوية، وزيد بن ثابت، وسويد بن ~~غفلة - رضي الله عنهم - أنه يستلم الأركان الأربعة، وعن ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - أنه رأى معاوية، وسويدا استلما جميع الأركان فقال ابن عباس ~~لمعاوية: إنما يستلم هذين الركنين، فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورا، ~~والصحيح قول العامة؛ لأن الاستلام إنما عرف سنة بفعل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما استلم غير الركنين لما ~~روينا عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يستلم هذين الركنين، ولا يستلم غيرهما» ، ولأن الاستلام لأركان ~~البيت، ms1081 والركن الشامي والعراقي ليسا من الأركان حقيقة؛ لأن ركن الشيء ~~ناحيته، وهما في، وسط البيت؛ لأن الحطيم من البيت، وجعل طوافه من وراء ~~الحطيم، فلو لم يجعل طوافه من، ورائه لصار تاركا الطواف ببعض البيت إلا أنه ~~لا يجوز التوجه إليه في الصلاة لما ذكرنا فيما تقدم. # وإذا فرغ من الطواف يصلي ركعتين عند المقام أو حيث تيسر عليه من المسجد، ~~وركعتا الطواف واجبة عندنا، وقال الشافعي: سنة بناء على أنه لا يعرف الواجب ~~إلا الفرض، وليستا بفرض. # وقد واظب عليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكانتا سنة، ونحن نفرق ~~بين الفرض والواجب، ونقول الفرض ما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به، والواجب ما ~~ثبت وجوبه بدليل غير مقطوع به، ودليل الوجوب قوله عز وجل {واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى} [البقرة: 125] قيل في بعض وجوه التأويل: إن مقام إبراهيم ما ~~ظهر فيه آثار قدميه الشريفين - عليه الصلاة والسلام - وهو حجارة كان يقوم ~~عليها حين نزوله وركوبه من الإبل حين كان يأتي إلى زيارة هاجر، وولده ~~إسماعيل فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - باتخاذ ذلك الموضع مصلى يصلي ~~عنده صلاة الطواف مستقبلا الكعبة على ما روي «أن النبي - عليه السلام - لما ~~قدم مكة قام إلى الركن اليماني ليصلي، فقال عمر - رضي الله تعالى عنه -: ~~ألا نتخذ مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله تعالى {واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى} [البقرة: 125] » ، ومطلق الأمر لوجوب العمل. # وروي أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من الطواف أتى المقام، ~~وصلى عنده ركعتين، وتلا قوله تعالى {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} ~~[البقرة: 125] » # وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه نسي ركعتي الطواف فقضاهما بذي طوى فدل ~~أنها، واجبة. # ثم يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه ليكون افتتاح السعي بين الصفا، والمروة ~~باستلام الحجر كما يكون افتتاح الطواف باستلام الحجر الأسود، والأصل فيه أن ~~كل طواف بعده سعي فإنه يعود بعد الصلاة إلى الحجر وكل طواف لا سعي بعده لا ~~يعود إلى الحجر، كذا روي عن عمر وابن ms1082 عمر، وابن مسعود - رضي الله عنهم -، ~~وعن عائشة - رضي الله عنها - أنه لا يعود، وإن كان بعده سعي، وهو قول عمر ~~بن عبد العزيز، والصحيح أنه يعود، لما روي عن جابر - رضي الله عنه - «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من طوافه صلى ركعتين خلف المقام، ~~وقرأ فيهما آيات من سورة البقرة، وقرأ فيهما {واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى} [البقرة: 125] ، ورفع صوته يسمع الناس ثم رجع إلى الركن فاستلمه» ، ~~ولأن السعي مرتب على الطواف لا يجوز قبله. # ويكره أن يفصل بين الطواف، وبين السعي فصار كبعض أشواط الطواف، والاستلام ~~بين كل شوطين سنة، وهذا المعنى لا يوجد في طواف لا يكون بعده سعي؛ لأنه إذا ~~لم يكن بعده سعي لا يوجد الملحق له بالأشواط فلا يعود إلى الحجر ثم يخرج ~~إلى الصفا لما روى جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استلم الركن، ~~وخرج إلى الصفا، فقال: نبدأ بما بدأ الله به، وتلا قوله تعالى {إن الصفا ~~والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158] » ، ولم يذكر في الكتاب أنه من أي ~~باب يخرج: من باب الصفا، أو من حيث تيسر له، وما روي «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - خرج من باب الصفا» فذلك ليس على وجه السنة عندنا، وإنما ~~خرج منه لقربه من الصفا أو لأمر آخر، ويصعد على الصفا إلى حيث يرى الكعبة ~~فيحول وجهه إليها ويكبر ويهلل ويحمد الله تعالى ويثني عليه ويصلي على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - # PageV02P148 # ويدعو الله تعالى بحوائجه ويرفع يديه، ويجعل بطون كفيه إلى السماء لما ~~روي عن جابر - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رقى على ~~الصفا حتى بدا له البيت ثم كبر ثلاثا، وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، له الملك، وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ~~أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وجعل يدعو بعد ذلك» ثم يهبط نحو ~~المروة فيمشي على هيئته حتى ms1083 ينتهي إلى بطن الوادي فإذا كان عند الميل ~~الأخضر في بطن الوادي سعى حتى يجاوز الميل الأخضر فيسعى بين الميلين ~~الأخضرين لحديث جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من الدعاء ~~مشى نحو المروة حتى إذا انتصبت قدماه في بطن الوادي سعى، وقال في سعيه: رب ~~اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم» وكان عمر - رضي الله ~~عنه - إذا رمل بين الصفا، والمروة قال: اللهم استعملني بسنة نبيك، وتوفني ~~على ملته، وأعذني من عذاب القبر ثم يمشي على هيئته حتى يأتي المروة فيصعد ~~عليها، ويقوم مستقبل القبلة فيحمد الله تعالى، ويثني عليه، ويكبر، ويهلل، ~~ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويسأل الله تعالى حوائجه فيفعل على ~~المروة مثل ما فعل على الصفا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا ~~فعل، ويطوف بينهما سبعة أشواط هكذا يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، ويسعى في ~~بطن الوادي في كل شوط، ويعد البداية شوطا، والعود شوطا آخر خلافا لما قاله ~~الطحاوي إنهما يعدان جميعا شوطا واحدا، وإنه خلاف ظاهر الرواية لما بينا ~~فيما تقدم. # فإذا فرغ من السعي، فإن كان محرما بالعمرة، ولم يسق الهدي يحلق أو يقصر ~~فيحل؛ لأن أفعال العمرة هي الطواف والسعي فإذا أتى بهما لم يبق عليه شيء من ~~أفعال العمرة فيحتاج إلى الخروج منها بالتحلل، وذلك بالحلق أو التقصير ~~كالتسليم في باب الصلاة، والحلق أفضل لما ذكرنا فيما تقدم فإذا حلق أو قصر ~~حل له جميع محظورات الإحرام، وهذا الذي ذكرنا قول أصحابنا، وقال الشافعي ~~يقع التحلل من العمرة بالسعي، ومن الحج بالرمي، والمسألة قد مرت في بيان، ~~واجبات الحج. # وإن كان قد ساق الهدي لا يحلق، ولا يقصر للعمرة بل يقيم حراما إلى يوم ~~النحر: لا يحل له التحلل إلا يوم النحر عندنا، وعند الشافعي سوق الهدي لا ~~يمنع من التحلل، ونذكر المسألة في التمتع إن شاء الله تعالى، وإن كان محرما ~~بالحج، فإن كان مفردا به يقيم على إحرامه، ولا يتحلل؛ ms1084 لأن أفعال الحج عليه ~~باقية فلا يجوز له التحلل إلى يوم النحر، ومن الناس من قال يجوز له أن ~~يفتتح إحرام الحج بفعل العمرة، وهو الطواف والسعي، والتحلل منها بالحلق أو ~~التقصير لما روي عن جابر - رضي الله عنه - أن أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كانوا أهلوا بالحج مفردين فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «أحلوا من إحرامكم بطواف البيت، وبين الصفا، والمروة، وقصروا ثم أقيموا ~~حلالا حتى إذا كان يوم التروية أهلوا بالحج» فالجواب أن ذلك كان ثم نسخ، ~~وعن أبي ذر - رضي الله عنه - أنه قال: أشهد أن فسخ الإحرام كان خاصا للركب ~~الذين كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان قارنا فإنه يطوف ~~طوافين، ويسعى سعيين عندنا فيبدأ أولا بالطواف والسعي للعمرة فيطوف، ويسعى ~~للعمرة ثم يطوف ويسعى للحج كما وصفنا، وعند الشافعي يطوف لهما جميعا طوافا ~~واحدا، ويسعى لهما سعيا واحدا، وهذا بناء على أن القارن عندنا محرم ~~بإحرامين بإحرام العمرة، وإحرام الحج، ولا يدخل إحرام العمرة في إحرام ~~الحج، وعنده يحرم بإحرام واحد، ويدخل إحرام العمرة في إحرام الحج؛ لأن نفس ~~العمرة لا تدخل في الحجة، ولأن الإحرام على أصله ركن لما نذكر فكان من ~~أفعال الحج، والأفعال يجوز فيها التداخل كسجدة التلاوة والحدود وغيرها، ~~ولنا ما روي عن علي، وعبد الله بن مسعود، وعمران بن حصين - رضي الله عنهم - ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق بين الحج والعمرة، وطاف لهما طوافين، ~~وسعى لهما سعيين» ، ولأن القارن محرم بالعمرة، ومحرم بالحجة حقيقة؛ لأن ~~قوله لبيك بعمرة وحجة معناه: لبيك بعمرة ولبيك بحجة كقوله: جاءني زيد، ~~وعمرو أن معناه جاءني زيد، وجاءني عمرو، وإذا كان محرما بكل واحد منهما ~~يطوف، ويسعى لكل واحد منهما طوافا على حدة وسعيا على حدة. # وكذا تسمية القران يدل على ما قلنا؛ إذ القران حقيقة يكون بين شيئين إذ ~~هو ضم شيء إلى شيء، ومعنى الضم حقيقة فيما قلنا لا فيما قاله، واعتبار ~~الحقيقة أصل ms1085 في الشريعة وأما الحديث فمعناه دخل وقت العمرة في وقت الحج؛ ~~لأن سبب ذلك أنهم كانوا يعدون العمرة في وقت الحج من أفجر الفجور ثم # PageV02P149 # رخص لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال «دخلت العمرة في الحج إلى يوم ~~القيامة» أي دخل وقت العمرة في وقت الحجة، وهو أشهر الحج، ويحتمل ما قلنا، ~~ويحتمل ما قاله فلا يكون حجة مع الاحتمال، ولو طاف القارن طوافين متواليين، ~~وسعى سعيين متواليين أجزأه وقد أساء، أما الجواز فلأنه أتى بوظيفة من ~~الطوافين، والسعيين. # وأما الإساءة فلتركه السنة، وهي تقديم أفعال الحج على أفعال العمرة، ولو ~~طاف أولا بحجته، وسعى لها ثم طاف لعمرته وسعى لها فنيته لغو، وطوافه الأول ~~وسعيه يكونان للعمرة لما مر أن أفعال العمرة تترتب على ما أوجبه إحرامه، ~~وإحرامه أوجب تقديم أفعال العمرة على أفعال الحج فلغت نيته، وإذا فرغ من ~~أفعال العمرة لا يحلق، ولا يقصر؛ لأنه بقي محرما بإحرام الحج، وإن كان ~~متمتعا فإذا قدم مكة فإنه يطوف، ويسعى لعمرته ثم يحرم بالحج في أشهر الحج، ~~ويلبس الإزار، والرداء، ويلبي بالحج؛ لأن هذا ابتداء دخوله في الحج للإحرام ~~بالحج. # وله أن يحرم من جوف مكة أو من الأبطح أو من أي حرم شاء، وله أن يحرم يوم ~~التروية عند الخروج إلى منى، وقيل يوم التروية، وكلما قدم الإحرام بالحج ~~على يوم التروية فهو أفضل عندنا، وقال الشافعي: الأفضل أن يحرم يوم ~~التروية، واحتج بما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه ~~بالإحرام يوم التروية» فدل أن ذلك أفضل، ولنا ما روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال «من أراد الحج فليتعجل» ، وأدنى درجات الأمر ~~الندب، ولأن التعجيل من باب المسارعة إلى العبادة فكان أولى، ولأنه أشق على ~~البدن؛ لأنه إذا أحرم بالحج يحتاج إلى الاجتناب عن محظورات الإحرام «، ~~وأفضل الأعمال أحمزها» على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأما ~~الحديث فإنما ندب إلى الإحرام بالحج يوم التروية لركن خاص، اختار ms1086 لهم ~~الأيسر على الأفضل. # ألا ترى أنه أمرهم بفسخ إحرام الحج، وأنه لا يفسخ اليوم. # وإذا أحرم المتمتع بالحج فلا يطوف بالبيت، ولا يسعى في قول أبي حنيفة، ~~ومحمد؛ لأن طواف القدوم للحج لمن قدم مكة بإحرام الحج، والمتمتع إنما قدم ~~مكة بإحرام العمرة لا بإحرام الحج، وإنما يحرم للحج من مكة، وطواف القدوم ~~لا يكون بدون القدوم، وكذلك لا يطوف، ولا يسعى أيضا؛ لأن السعي بدون الطواف ~~غير مشروع، ولأن المحل الأصلي للسعي ما بعد طواف الزيارة؛ لأن السعي واجب، ~~وطواف الزيارة فرض، والواجب يصلح تبعا للفرض، فأما طواف القدوم فسنة. # والواجب لا يتبع السنة إلا أنه رخص تقديمه على محله الأصلي عقيب طواف ~~القدوم فصار واجبا عقيبه بطريق الرخصة، وإذا لم يوجد طواف القدوم يؤخر ~~السعي إلى محله الأصلي فلا يجوز قبل طواف الزيارة، وروى الحسن عن أبي حنيفة ~~أن المتمتع إذا أحرم بالحج يوم التروية أو قبله، فإن شاء طاف وسعى قبل أن ~~يأتي إلى منى، وهو أفضل، وروى هشام عن محمد أنه إن طاف وسعى لا بأس به، ~~ووجه ذلك أن هذا الطواف ليس بواجب بل هو سنة. # وقد ورد الشرع بوجوب السعي عقيبه، وإن كان واجبا رخصة وتيسيرا في حق ~~المفرد بالحج والقارن فكذا المتمتع، والجواب نعم إنه سنة لكنه سنة القدوم ~~للحج لمن قدم بإحرام الحج، والمتمتع لم يقدم مكة بإحرام الحج فلا يكون سنة ~~في حقه، وعن الحسن بن زياد أنه فرق بينهما قبل الزوال وبعده فقال: إذا أحرم ~~يوم التروية طاف وسعى إلا أن يكون أحرم بعد الزوال، ووجهه أن بعد الزوال ~~يلزمه الخروج إلى منى فلا يشتغل بغيره، وقبل الزوال لا يلزمه الخروج فكان ~~له أن يطوف ويسعى، والجواب ما ذكرنا. # وإذا فرغ المفرد بالحج أو القارن من السعي يقيم على إحرامه، ويطوف طواف ~~التطوع ماشيا إلى يوم التروية؛ لأن الطواف خير موضوع كالصلاة فمن شاء ~~استقل، ومن شاء استكثر، وطواف التطوع أفضل من صلاة التطوع للغرباء. # وأما لأهل مكة فالصلاة ms1087 أفضل؛ لأن الغرباء يفوتهم الطواف إذ لا يمكنهم ~~الطواف في كل مكان، ولا تفوتهم الصلاة؛ لأنه يمكن فعلها في كل مكان، وأهل ~~مكة لا يفوتهم الطواف، ولا الصلاة فعند الاجتماع الصلاة أفضل، وعلى هذا ~~الغازي الحارس في دار الحرب أنه إن كان هناك من ينوب عنه في دار الحرب ~~فصلاة التطوع أفضل له، وإن لم يكن فالحراسة أفضل. # ولا يرمل في هذا الطواف بل يمشي على هيئته، ولا يسعى بعده بين الصفا، ~~والمروة غير السعي الأول، ويصلي لكل أسبوع ركعتين في الوقت الذي لا يكره ~~فيه التطوع، ويكره الجمع بين أسبوعين من غير صلاة بينهما عند أبي حنيفة، ~~ومحمد سواء الصرف # PageV02P150 # عن شفع أو وتر، وقال أبو يوسف: لا بأس به إذا انصرف عن وتر نحو أن ينصرف ~~عن ثلاثة أسابيع أو عن خمسة أسابيع أو عن سبعة أسابيع، واحتج بما روي عن ~~عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تجمع بين الطواف ثم تصلي بعده، ثم فرق ~~أبو يوسف بين انصرافه عن شفع أو عن وتر فقال: إذا انصرف عن أسبوعين، وذلك ~~أربعة عشر أو أربعة أسابيع، وذلك ثمانية وعشرون يكره، ولو انصرف عن ثلاثة ~~أو عن خمسة لا يكره؛ لأن الأول شفع، والثاني وتر، وأصل الطواف سبعة، وهي ~~وتر، ولهما أن ترتيب الركعتين على الطواف كترتيب السعي عليه؛ لأن كل واحد ~~منهما واجب ثم لو جمع بين أسبوعين من الطواف، وأخر السعي يكره، فكذا إذا ~~جمع بين أسبوعين منه، وأخر الصلاة. # وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - فيحمل أنها فعلت ذلك لضرورة وعذر، ~~فإذا كان يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة يروح مع الناس إلى ~~منى، فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر لما روي عن ابن عمر عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «جاء جبريل إلى إبراهيم - عليهما ~~السلام - يوم التروية فخرج به إلى منى، فصلى به الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء والفجر، ثم غدا به إلى عرفات» . # وروي عن جابر - رضي الله عنه - أنه ms1088 قال: «لما كان يوم التروية توجه النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ~~والصبح، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وسار إلى عرفات» ، فإن دفع منها قبل ~~طلوع الشمس جاز، والأول أفضل لما روينا فيخرج إلى عرفات على السكينة ~~والوقار، فإذا انتهى إليها نزل بها حيث أحب إلا في بطن عرنة لما روي عنه - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال «عرفات كلها موقف إلا بطن عرنة» ، ويغتسل يوم ~~عرفة، وغسل يوم عرفة سنة كغسل يوم الجمعة، والعيدين، وعند الإحرام، وذكر في ~~الأصل إن اغتسل فحسن، وهذا يشير إلى الاستحباب، ثم غسل يوم عرفة لأجل يوم ~~عرفة، أو لأجل الوقوف فيجوز أن يكون على الاختلاف الذي ذكرنا في غسل يوم ~~الجمعة في كتاب الطهارة، فإذا زالت الشمس صعد الإمام المنبر فأذن المؤذنون، ~~والإمام على المنبر في ظاهر الرواية، فإذا فرغوا من الأذان قام الإمام، ~~وخطب خطبتين، وعن أبي يوسف ثلاث روايات. # روي عنه مثل قول أبي حنيفة، ومحمد. # وروي عنه أنه يؤذن المؤذن والإمام في الفسطاط ثم يخرج بعد فراغ المؤذن من ~~الأذان، فيصعد المنبر، ويخطب، وروى الطحاوي عنه في باب خطب الحج: أن الإمام ~~يبدأ بالخطبة قبل الأذان، فإذا مضى صدر من خطبته أذن المؤذنون، ثم يتم ~~خطبته بعد الأذان. # أما تقديم الخطبة على الصلاة فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدمها ~~على الصلاة، ولأن المقصود من هذه الخطبة تعليم أحكام المناسك، فلا بد من ~~تقديمها ليعلموا، ولأنه لو أخرها يتبادر القوم إلى الوقوف، ولا يستمعون، ~~فلا يحصل المقصود من هذه الخطبة، ثم هذه الخطبة سنة، وليست بفريضة حتى لو ~~جمع بين الظهر والعصر فصلاهما من غير خطبة أجزأه، بخلاف خطبة الجمعة؛ لأنه ~~لا تجوز الجمعة بدونها، والفرق: أن هذه الخطبة لتعليم المناسك لا لجواز ~~الجمع بين الصلاتين. # وفرضية خطبة الجمعة لقصر الصلاة، وقيامها مقام البعض على ما قالت عائشة: ~~- رضي الله عنها - إنما قصرت الجمعة لمكان الخطبة، وقصر الصلاة ترك شطرها، ~~ولا يجوز ms1089 ترك الفرض إلا لأجل الفرض، فكانت الخطبة فرضا، ولا قصر ههنا؛ لأن ~~كل واحد من الفرضين يؤدى على الكمال والتمام فلم تكن الخطبة فرضا إلا أنه ~~يكون مسيئا بترك الخطبة؛ لأنه ترك السنة، ولو خطب قبل الزوال أجزأه وقد ~~أساء، أما الجواز؛ فلأن هذه الخطبة ليست من شطر الصلاة، فلا يشترط لها ~~الوقت. # وأما الإساءة فلتركه السنة؛ إذ السنة أن تكون الخطبة بعد الزوال، بخلاف ~~خطبة يوم الجمعة فإنه إذا خطب قبل الزوال لا تجوز الجمعة؛ لأن الخطبة هناك ~~من فرائض الجمعة. # ألا ترى أنه قصرت الجمعة لمكانها، ولا يترك بعض الفرض إلا لأجل الفرض. # وأما الكلام في وقت صعود الإمام على المنبر أنه يصعد قبل الأذان أو بعده ~~فوجه رواية أبي يوسف: أن الصلاة التي تؤدى في هذا الوقت هي صلاة الظهر، ~~والعصر فيكون الأذان فيهما قبل خروج الإمام كما في سائر الصلوات، وكما في ~~الظهر والعصر في غير هذا المكان والزمان، وجه ظاهر الرواية: أن هذه الخطبة ~~لما كانت متقدمة على الصلاة كان هذا الأذان للخطبة، فيكون بعد صعود الإمام ~~على المنبر كخطبة الجمعة. # وقد خرج الجواب عما قاله أبو يوسف أن # PageV02P151 # هذه صلاة الظهر والعصر؛ لأنا نقول: نعم لكن نقدم عليها الخطبة فيكون وقت ~~الأذان بعد ما صعد الإمام المنبر للخطبة كما في خطبة الجمعة، فإذا فرغ ~~المؤذنون من الأذان قام الإمام، وخطب خطبتين قائما يفصل بينهما بجلسة خفيفة ~~كما يفصل في خطبة الجمعة، وصفة الخطبة هي أن يحمد الله تعالى، ويثني عليه ~~ويكبر ويهلل ويعظ الناس فيأمرهم بما أمرهم الله عز وجل، وينهاهم عما نهاهم ~~الله عنه ويعلمهم مناسك الحج؛ لأن الخطبة في الأصل وضعت لما ذكرنا من الحمد ~~والثناء والتهليل والتكبير والوعظ والتذكير. # ويزاد في هذه الخطبة تعليم معالم الحج لحاجة الحجاج إلى ذلك ليتعلموا ~~الوقوف بعرفة والإفاضة منها والوقوف بمزدلفة، فإذا فرغ من الخطبة أقام ~~المؤذنون فصلى الإمام بهم صلاة الظهر، ثم يقوم المؤذنون فيقيمون للعصر ~~فيصلي بهم الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين، ولا ms1090 يشتغل الإمام والقوم ~~بالسنن والتطوع فيما بينهما؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بينهما ~~بعرفة يوم عرفة بأذان واحد وإقامتين، ولم يتنفل قبلهما، ولا بعدهما مع حرصه ~~على النوافل، فإن اشتغلوا فيما بينهما بتطوع أو غيره أعادوا الأذان للعصر؛ ~~لأن الأصل أن يؤذن لكل مكتوبة، وإنما عرف ترك الأذان بفعل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأنه لم يشتغل فيما بين الظهر والعصر بالتطوع، ولا بغيره فبقي ~~الأمر عند الاشتغال على الأصل. # ويخفي الإمام القراءة فيهما، بخلاف الجمعة والعيدين، فإنه يجهر فيهما ~~بالقراءة؛ لأن الجهر بالقراءة هناك من الشعائر، والسبيل في الشعائر ~~إشهارها، وفي الجهر زيادة إشهار، فشرعت تلك الصلاة كذلك، فأما الظهر والعصر ~~فهما على حالهما لم يتغيرا؛ لأنهما كظهر سائر الأيام، وعصر سائر الأيام، ~~والحادث ليس إلا اجتماع الناس، واجتماعهم للوقوف لا للصلاة، وإنما اجتماعهم ~~في حق الصلاة حصل اتفاقا ثم إن كان الإمام مقيما من أهل مكة يتم كل واحدة ~~من الصلاتين أربعا أربعا، والقوم يتمون معه، وإن كانوا مسافرين؛ لأن ~~المسافر إذا اقتدى بالمقيم في الوقت يلزمه الإتمام؛ لأنه بالاقتداء بالإمام ~~صار تابعا له في هذه الصلاة، وإن كان الإمام مسافرا يصلي كل واحدة من ~~الصلاتين ركعتين ركعتين، فإذا سلم يقول لهم: أتموا صلاتكم يا أهل مكة فإنا ~~قوم سفر، ثم لجواز الجمع أعني تقديم العصر على وقتها، وأداءها في وقت الظهر ~~شرائط: بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، أما المتفق عليه: فهو شرطان ~~أحدهما أن يكون أداؤها عقيب الظهر، لا يجوز تقديمها عليها؛ لأنها شرعت ~~مرتبة على الظهر، فلا يسقط الترتيب إلا بأسباب مسقطة، ولم توجد فلا تسقط ~~فلزم مراعاة الترتيب، والثاني: أن تكون مرتبة على ظهر جائزة استحسانا حتى ~~لو صلى الإمام بالناس الظهر والعصر في يوم غيم، ثم استبان لهم أن الظهر ~~وقعت قبل الزوال، والعصر بعد الزوال، فعليهم إعادة الظهر والعصر جميعا ~~استحسانا. # والقياس: أن لا يكون هذا شرطا، وليس عليه إلا إعادة الظهر، وجه القياس: ~~الاعتبار بسائر الأيام فإنه إذا صلى ms1091 العصر في سائر الأيام على ظن أنه صلى ~~الظهر ثم تبين أنه لم يصلها يعيد الظهر خاصة، كذا ههنا، والجامع أنه صلى ~~العصر على ظن أنه ليس عليه إلا إعادة الظهر فأشبه الناسي، والنسيان عذر ~~مسقط للترتيب، وجه الاستحسان: أن العصر مؤداة قبل وقتها حقيقة فالأصل: أن ~~لا يجوز أداء العبادة المؤقتة قبل وقتها، وإنما عرفنا جوازها بالنص مرتبة ~~على ظهر جائزة، فإذا لم تجز بقي الأمر فيها على الأصل. # وأما المختلف فيه فمنها أن يكون أداء الصلاتين بالجماعة عند أبي حنيفة، ~~حتى لو صلى العصر وحده أو الظهر وحده لا تجوز العصر قبل وقتها عنده، وعند ~~أبي يوسف ومحمد هذا ليس بشرط، ويجوز تقديمها على وقتها. # وجه قولهما: أن جواز التقديم لصيانة الوقوف بعرفة؛ لأن أداء العصر في ~~وقتها يحول بينه وبين الوقوف، وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين الوحدان، ~~والجماعة، ولأبي حنيفة أن الجواز ثبت معدولا به عن الأصل؛ لأنها عبادة ~~مؤقتة، والعبادات المؤقتة لا يجوز تقديمها على أوقاتها إلا أن جواز تقديم ~~العصر على وقتها ثبت بالنص غير معقول المعنى فيراعى فيه عين ما ورد به ~~النص، والنص ورد بجواز أداء العصر كاملا مرتبا على ظهر كامل، وهي المؤداة ~~بالجماعة، والمؤداة لا بجماعة لا تساويها في الفضيلة، فلا يكون في معنى ~~المنصوص عليه، وقولهما: إن الجواز ثبت لصيانة الوقوف ممنوع، ولا يجوز أن ~~يكون معلولا به؛ لأن الصلاة لا تنافي الوقوف؛ لأنها في نفسها وقوف، والشيء ~~لا ينافي نفسه، وإنما ثبت نصا غير معقول المعنى فيتبع فيه مورد النص، وهو ~~ما ذكرنا، ولم يوجد، ولو أدرك # PageV02P152 # ركعة من كل واحدة من الصلاتين مع الإمام، بأن أدرك ركعة من الظهر ثم قام ~~الإمام، ودخل في العصر فقام الرجل، وقضى ما فاته من الظهر، فلما فرغ من ~~الظهر دخل في صلاة الإمام في العصر، وأدرك شيئا من كل واحدة من الصلاتين مع ~~الإمام، جاز له تقديم العصر بلا خلاف؛ لأنه أدرك فضيلة الجماعة فتقع العصر ~~مرتبة على ظهر كامل، ms1092 ومنها أن يكون أداء الصلاتين بإمام، وهو الخليفة أو ~~نائبه في قول أبي حنيفة، حتى لو صلى الظهر بجماعة لكن لا مع الإمام، والعصر ~~مع الإمام لم تجز العصر عنده، وعندهما هذا ليس بشرط. # ، والصحيح قول أبي حنيفة لما ذكرنا أن جواز التقديم ثبت معدولا به عن ~~الأصل مرتبا على ظهر كامل، وهي المؤداة بالجماعة مع الإمام أو نائبه، ~~فالمؤداة بجماعة من غير إمام أو نائبه لا تكون مثلها في الفضيلة، فلا تكون ~~في معنى مورد النص، ولو أحدث الإمام بعد ما خطب فأمر رجلا بالصلاة جاز له ~~أن يصلي بهم الصلاتين جميعا، سواء شهد المأمور الخطبة أو لم يشهد بخلاف ~~الجمعة؛ لأن الخطبة ليست هناك من شرائط جواز الجمعة، وههنا الخطبة ليست ~~بشرط لجواز الجمع بين الصلاتين، والفرق ما بينا، فإن لم يأمر الإمام أحدا ~~فتقدم واحد من عرض الناس، وصلى بهم الصلاتين جميعا لم يجز الجمع في قول أبي ~~حنيفة؛ لأن الإمام أو نائبه شرط عنده ولم يوجد، وعندهما يجوز، وإن كان ~~المتقدم رجلا من ذي سلطان كالقاضي، وصاحب الشرط جاز؛ لأنه نائب الإمام، فإن ~~كان الإمام سبقه الحدث في الظهر فاستخلف رجلا، فإنه يصلي بهم الظهر والعصر؛ ~~لأنه قائم مقام الإمام، فإن فرغ من العصر قبل أن يرجع الإمام، فإن الإمام ~~لا يصلي العصر إلا في وقتها لأنه لما استخلف صار كواحد من المؤتمين والمؤتم ~~إذا صلى الظهر مع الإمام ولم يصل العصر معه لا يصلي العصر إلا في وقتها كذا ~~هذا، ومنها أن يكون محرما بالحج حال أداء الصلاتين جميعا حتى لو صلى الظهر ~~بجماعة مع الإمام، وهو حلال من أهل مكة ثم أحرم للحج لا يجوز له أن يصلي ~~العصر إلا في وقتها، كذا ذكر في نوادر الصلاة. # وروي عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول أنه يجوز، وهو قول زفر، والصحيح ~~رواية النوادر؛ لأن العصر شرعت مرتبة على ظهر كامل وهو ظهر المحرم وظهر ~~الحلال لا يكون مثل ظهر المحرم في الفضيلة فلا يجوز ms1093 ترتيب العصر على ظهر هي ~~دون المنصوص عليه، وعلى هذا إذا صلى الظهر بجماعة مع الإمام، وهو محرم لكن ~~بإحرام العمرة ثم أحرم بالحج، لا يجزئه العصر إلا في وقتها، وعند زفر يجوز ~~كما في المسألة الأولى، والصحيح قولنا؛ لأن ظهر المحرم بالعمرة لا يكون مثل ~~ظهر المحرم بالحج في الفضيلة، فلا يكون أداء العصر في معنى مورد النص، فلا ~~تجوز إلا في وقتها، ولو نفر الناس عن الإمام فصلى وحده الصلاتين أجزأه، ~~ودلت هذه المسألة على أن الشرط في الحقيقة هو الإمام عند أبي حنيفة لا ~~الجماعة، فإن الصلاتين جازتا للإمام، ولا جماعة فتبنى المسائل عليه، إذ هو ~~أقرب إلى الصيغة، ولا يلزمه على هذا ما إذا سبق الإمام الحدث في صلاة الظهر ~~فاستخلف رجلا، وذهب الإمام ليتوضأ فصلى الخليفة الظهر والعصر، ثم جاء ~~الإمام: أنه لا يجوز له أن يصلي العصر إلا في وقتها؛ لأن عدم الجواز هناك ~~ليس لعدم الجماعة بل لعدم الإمام؛ لأنه خرج عن أن يكون إماما فصار كواحد من ~~المؤتمين، أو يقال: الجماعة شرط الجمع عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - ~~لكن في حق غير الإمام لا في حق الإمام، والله تعالى الموفق، فإن مات الإمام ~~فصلى بالناس خليفته جاز؛ لأن موت الإمام لا يوجب بطلان ولاية خلفائه كولاية ~~السلطنة، والقضاء. # فإذا فرغ الإمام من الصلاة راح إلى الموقف عقيب الصلاة، وراح الناس معه؛ ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - راح إليه عقيب الصلاة، ويرفع الأيدي بسطا ~~يستقبل كما يستقبل الداعي بيده ووجهه، لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه ~~- أنه قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو بعرفات باسطا يديه ~~في نحره كاستطعام المسكين» فيقف الإمام، والناس إلى غروب الشمس يكبرون ~~ويهللون، ويحمدون الله تعالى، ويثنون عليه، ويصلون على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ويسألون الله تعالى حوائجهم، ويتضرعون إليه بالدعاء، لما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أفضل الدعاء دعاء أهل عرفة، ~~وأفضل ما قلت وقالت ms1094 الأنبياء قبلي عشية يوم عرفة: لا إله إلا الله، وحده لا ~~شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، ~~وهو على كل شيء قدير» . # وعن علي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أكثر ~~دعائي ودعاء # PageV02P153 # الأنبياء قبل عشية يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، ~~وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي ~~سمعي نورا، وفي بصري نورا، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، وأعوذ بك من ~~وسواس الصدور، وسيئات الأمور، وفتنة الفقر، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج ~~في الليل، وشر ما تهب به الرياح» . # وليس عن أصحابنا فيه دعاء موقت؛ لأن الإنسان يدعو بما شاء، ولأن توقيت ~~الدعاء يذهب بالرقة؛ لأنه يجري على لسانه من غير قصده فيبعد عن الإجابة، ~~ويلبي في موقفه ساعة بعد ساعة، ولا يقطع التلبية، وهذا قول عامة العلماء. # وقال مالك: إذا وقف بعرفة يقطع التلبية، والصحيح قول العامة لما روي «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبى حتى رمى جمرة العقبة» . # وروي عن «عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه لبى عشية يوم عرفة فقيل ~~له: ليس هذا موضع التلبية فقال: أجهل الناس أم نسوا فوالذي بعث محمدا بالحق ~~لقد حججت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما ترك التلبية حتى رمى ~~جمرة العقبة إلا أن يخللها أو يخلطها بتكبير وتهليل» ، ولأن التلبية ذكر ~~يؤتى به في ابتداء هذه العبادة، وتكرر في أثنائها فأشبه التكبير في باب ~~الصلاة، وكان ينبغي أن يؤتى به إلى آخر أركان هذه العبادة كالتكبير إلا أنا ~~تركنا القياس فيما بعد رمي جمرة العقبة، أو ما يقوم مقام الرمي في القطع ~~بالإجماع، فبقي الأمر فيما قبل ذلك على أصل القياس، وسواء كان مفردا بالحج ~~أو قارنا أو متمتعا، بخلاف المفرد بالعمرة أنه يقطع التلبية إذا استلم ~~الحجر حين يأخذ في ms1095 طواف العمرة؛ لأن الطواف ركن في العمرة فأشبه طواف ~~الزيارة في الحج، وهناك يقطع التلبية قبل الطواف كذا ههنا. # والأفضل أن يكون في الموقف مستقبل القبلة لما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «خير المجالس ما استقبل به القبلة» . # وروي عن جابر - رضي الله عنه - أنه قال: «ركب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حتى أتى الموقف فاستقبل به القبلة فلم يزل واقفا، حتى غربت الشمس» ، ~~فإن انحرف قليلا لم يضره؛ لأن الوقوف ليس بصلاة. # وكذا لو وقف، وهو محدث أو جنب لم يضره لما مر أن الوقوف عبادة لا يتعلق ~~بالبيت، فلا يشترط له الطهارة كرمي الجمار، والأفضل للإمام أن يقف على ~~راحلته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف راكبا، وكلما قرب في وقوفه ~~من الإمام فهو أفضل؛ لأن الإمام يعلم الناس، ويدعو فكلما كان أقرب كان أمكن ~~من السماع، وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة، فإنه يكره الوقوف فيه لما ذكرنا ~~في بيان مكان الوقوف فيقف إلى غروب الشمس فإذا غربت الشمس دفع الإمام، ~~والناس معه، ولا يدفع أحد قبل غروب الشمس لا الإمام، ولا غيره لما مر أن ~~الوقوف إلى غروب الشمس واجب. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه خطب عشية عرفة فقال: أما بعد، ~~فإن هذا يوم الحج الأكبر، وإن الجاهلية كانت تدفع من ههنا، والشمس على رءوس ~~الجبال مثل العمائم على رءوس الرجال فخالفوهم، وأمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بالدفع منه بعد الغروب» ، فإن خاف بعض القوم الزحام، أو كانت به علة ~~فيقدم قبل الإمام قليلا، ولم يجاوز حد عرفة فلا بأس به؛ لأنه إذا لم يجاوز ~~حد عرفة، فهو في مكان الوقوف. # وقد دفع الضرر عن نفسه، وإن ثبت على مكانه حتى يدفع الإمام، فهو أفضل ~~لقوله تعالى: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} [البقرة: 199] ، وينبغي للناس ~~أن يدفعوا، وعليهم السكينة والوقار حتى يأتوا مزدلفة لما روي: «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أفاض من عرفة، وعليه ms1096 السكينة حتى روي أنه كان يكبح ~~ناقته» # وروي أنه «لما دفع من عرفات فقال: أيها الناس إن البر ليس في إيجاف ~~الخيل، ولا في أبضاع الإبل، بل على هينتكم» ، ولأن هذا مشي إلى الصلاة؛ ~~لأنهم يأتون مزدلفة ليصلوا بها المغرب والعشاء. # وقد قال النبي: - صلى الله عليه وسلم - «إذا أتيتم الصلاة فأتوها، وأنتم ~~تمشون، ولا تأتوها وأنتم تسعون، وعليكم السكينة والوقار» ، فإن أبطأ الإمام ~~بالدفع، وتبين للناس الليل دفعوا قبل الإمام لأنه إذا تبين الليل فقد جاء ~~أوان الدفع، والإمام بالتأخير ترك السنة فلا ينبغي لهم أن يتركوها. # وإذا أتى مزدلفة ينزل حيث شاء عن يمين الطريق أو عن يساره، ولا ينزل على ~~قارعة الطريق، ولا في وادي محسر لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «مزدلفة ~~كلها موقف، إلا وادي محسر» ، وإنما لا ينزل على الطريق؛ لأنه يمنع الناس عن ~~الجواز فيتأذون به، فإذا دخل وقت العشاء يؤذن المؤذن ويقيم فيصلي الإمام ~~بهم صلاة المغرب في وقت صلاة العشاء ثم يصلي بهم صلاة العشاء بأذان واحد ~~وإقامة واحدة في قول أصحابنا الثلاثة # وقال زفر: بأذان واحد وإقامتين، وقال الشافعي: # PageV02P154 # بأذانين وإقامة واحدة، احتج زفر بما روي أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «صلى المغرب، والعشاء بمزدلفة بإقامتين» ، ولأن هذا أحد نوعي الجمع ~~فيعتبر بالنوع الآخر، وهو الجمع بعرفة، والجمع هناك بأذان واحد وإقامتين ~~كذا ههنا. # ولنا ما روي عن عبد الله بن عمر، وخزيمة بن ثابت - رضي الله عنهما -: «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان واحد ~~وإقامة واحدة» ، وعن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - أنه قال: «صليتهما ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأذان واحد وإقامة واحدة» ، وما احتج ~~به زفر محمول على الأذان والإقامة، فيسمى الأذان إقامة كما يقال: سنة ~~العمرين، ويراد به سنة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، وقال: - صلى الله ~~عليه وسلم - «بين كل أذانين صلاة لمن شاء إلا المغرب» ، وأراد به الأذان ~~والإقامة كذا ههنا، والقياس على ms1097 الجمع الآخر غير سديد؛ لأن هناك الصلاة ~~الثانية، وهي العصر تؤدى في غير وقتها فتقع الحاجة إلى إقامة أخرى للإعلام ~~بالشروع فيها، والصلاة الثانية ههنا، وهي العشاء تؤدى في وقتها فيستغنى عن ~~تجديد الإعلام كالوتر مع العشاء، ولا يتشاغل بينهما بتطوع ولا بغيره؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتشاغل بينهما بتطوع، ولا بغيره، فإن تطوع ~~بينهما أو تشاغل بشيء أعاد الإقامة للعشاء؛ لأنها انقطعت عن الإعلام الأول ~~فاحتاجت إلى إعلام آخر، فإن صلى المغرب وحده والعشاء وحده أجزأه، بخلاف ~~الظهر والعصر بعرفة على قول أبي حنيفة: إنه لا يجوز إلا بجماعة عنده، ~~والفرق له أن المغرب تؤدى فيما هو وقتها في الجملة إن لم يكن وقت أدائها، ~~فكان الجمع ههنا بتأخير المغرب عن وقت أدائها، فيجوز فعلها وحده، كما لو ~~تأخرت عنه بسبب آخر فقضاه في وقت العشاء وحده، والعصر هناك تؤدى فيما ليس ~~وقتها أصلا ورأسا، فلا يجوز؛ إذ لا جواز للصلاة قبل وقتها، وإنما عرفنا ~~جوازها بالشرع، وإنما ورد الشرع بها بجماعة فيتبع مورد الشرع، والأفضل أن ~~يصليهما مع الإمام بجماعة؛ لأن الصلاة بجماعة أفضل، ولو صلى المغرب بعد ~~غروب الشمس قبل أن يأتي مزدلفة، فإن كان يمكنه أن يأتي مزدلفة قبل طلوع ~~الفجر لم تجز صلاته، وعليه إعادته ما لم يطلع الفجر في قول أبي حنيفة ومحمد ~~وزفر والحسن، وقال أبو يوسف: تجزئه وقد أساء، وعلى هذا الخلاف إذا صلى ~~العشاء في الطريق بعد دخول وقتها، وجه قوله أنه أدى المغرب والعشاء في ~~وقتيهما؛ لأنه ثبت كون هذا الوقت وقتا لهما بالكتاب العزيز، والسنن ~~المشهورة المطلقة عن المكان على ما ذكرنا في كتاب الصلاة، فيجوز كما لو ~~أداها في غير ليلة المزدلفة إلا أن التأخير سنة. # وترك السنة لا يسلب الجواز، بل يوجب الإساءة، ولهما ما روي: «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لما دفع من عرفات، وكان أسامة بن زيد - رضي ~~الله عنه - رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فلما بلغ ms1098 الشعب ~~الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال، ثم جاء فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءا ~~خفيفا فقلت: الصلاة يا رسول الله فقال: الصلاة أمامك وروي أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: المصلى أمامك فجاء مزدلفة فتوضأ فأسبغ الوضوء» ، فدل ~~الحديث على اختصاص جوازها في حال الاختيار والإمكان بزمان ومكان، وهو وقت ~~العشاء بمزدلفة، ولم يوجد فلا يجوز، ويؤمر بالإعادة في وقتها ومكانها ما ~~دام الوقت قائما، فإن لم يعد حتى طلع الفجر أعاد إلى الجواز عندهما أيضا؛ ~~لأن الكتاب الكريم والسنن المشهورة تقتضي الجواز؛ لأنها تقتضي كون الوقت ~~وقتا لها، وأنها مطلقة عن المكان. # وحديث أسامة - رضي الله عنه - يقتضي عدم الجواز، وأنه من أخبار الآحاد، ~~ولا يجوز العمل بخبر الواحد على وجه يتضمن بطلان العمل بالكتاب والسنن ~~المشهورة، فيجمع بينهما فيعمل بخبر الواحد فيما قبل طلوع الفجر، ويؤمر ~~بالإعادة، ويعمل بالكتاب العزيز والسنن المشهورة فيما بعد طلوعه، فلا نأمره ~~بالإعادة عملا بالدلائل بقدر الإمكان هذا إذا كان يمكنه أن يأتي مزدلفة قبل ~~طلوع الفجر، فأما إذا خشي أن يطلع الفجر قبل أن يصل إلى مزدلفة لأجل ضيق ~~الوقت، بأن كان في آخر الليل بحيث يطلع الفجر قبل أن يأتي مزدلفة فإنه يجوز ~~بلا خلاف، هكذا روى الحسن عن أبي حنيفة؛ لأن بطلوع الفجر يفوت وقت الجمع، ~~فكان في تقديم الصلاة صيانتها عن الفوات، فإن كان لا يخشى الفوات لأجل ضيق ~~الوقت، ولكنه ضل عن الطريق لا يصلي، بل يؤخر إلى أن يخاف طلوع الفجر لو لم ~~يصل، فعند ذلك يصلي لما ذكرنا، والله الموفق، ويبيت ليلة المزدلفة بمزدلفة؛ ~~لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بات بها، فإن مر بها مارا بعد طلوع ~~الفجر من غير أن يبيت بها فلا شيء عليه، ويكون مسيئا، وإنما لا يلزمه شيء؛ ~~لأنه # PageV02P155 # أتى بالركن، وهو كينونته بمزدلفة بعد طلوع الفجر، لكنه يكون مسيئا لتركه ~~السنة، وهي البيتوتة بها فإذا طلع الفجر صلى الإمام بهم صلاة الفجر بغلس ~~لما روي عن عبد الله بن ms1099 مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: «ما رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاة العصر بعرفة، ~~وصلاة المغرب بجمع، وصلاة الفجر يومئذ، فإنه صلاها قبل وقتها بغلس» أي: ~~صلاها قبل وقتها المستحب بغلس، ولأن الفائت بالتغليس فضيلة الإسفار، وأنها ~~ممكن الاستدراك في كل يوم، فأما فضيلة الوقوف، فلا تستدرك في غير ذلك ~~اليوم، فإذا صلى الإمام بهم وقف بالناس، ووقفوا وراءه أو معه، والأفضل أن ~~يكون موقفهم على الجبل الذي يقال له قزح، وهو تأويل ابن عباس للمشعر الحرام ~~أنه الجبل وما حوله، وعند عامة أهل التأويل: المشعر الحرام هو مزدلفة ~~فيقفون إلى أن يسفر جدا يدعون الله تعالى، ويكبرون، ويهللون، ويحمدون الله ~~تعالى، ويثنون عليه، ويصلون على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويسألون ~~حوائجهم، ثم يدفع منها إلى منى قبل طلوع الشمس لما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «إن الجاهلية كانت تنفر من هذا المقام، والشمس على ~~رءوس الجبال فخالفوهم» فأفاض قبل طلوع الشمس. # وقد كانت الجاهلية تقول بمزدلفة: أشرق ثبير كيما نغير، وهو جبل عال تطلع ~~عليه الشمس قبل كل موضع فخالفهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدفع قبل ~~طلوع الشمس، وإن دفع بعد طلوع الشمس قبل أن يصلي الناس الفجر فقد أساء ولا ~~شيء عليه، أما الإساءة فلأن السنة أن يصلي الفجر، ويقف ثم يفيض فإذا لم ~~يفعل فقد ترك السنة فيكون مسيئا. # وأما عدم لزوم شيء فلأنه وجد منه الركن، وهو الوقوف، ولو ساعة، وإذا أفاض ~~من جمع دفع على هينته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كذا فعل. # ويأخذ حصى الجمار من مزدلفة أو من الطريق لما روي: «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أمر ابن عباس - رضي الله عنهما - أن يأخذ الحصى من مزدلفة» ، ~~وعليه فعل المسلمين، وهو أحد نوعي الإجماع. # وإن رمى بحصاة أخذها من الجمرة أجزأه. # وقد أساء، وقال مالك: لا تجزئه؛ لأنها حصى مستعملة، ولنا قوله: - صلى ~~الله عليه وسلم ms1100 - «ارم، ولا حرج» مطلقا، وتعليل مالك لا يستقيم على أصله؛ ~~لأن الماء المستعمل عنده طاهر وطهور حتى يجوز الوضوء به، فالحجارة ~~المستعملة أولى، وإنما كره ذلك عندنا لما روي أنه سئل ابن عباس فقيل له: إن ~~من عهد إبراهيم إلى يومنا هذا في الجاهلية والإسلام يرمي الناس، وليس ههنا ~~إلا هذا القدر فقال: كل حصاة تقبل فإنها ترفع، وما لا يقبل فإنه يبقى. # ومثل هذا لا يعرف إلا سماعا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيكره ~~أن يرمي بحصاة لم تقبل فيأتي منى فيرمي جمرة العقبة سبع حصيات، لما روي «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أتى منى لم يعرج على شيء حتى رمى ~~جمرة العقبة سبع حصيات» يقطع التلبية مع أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة، ~~لما روى أسامة بن زيد، والفضل بن عباس: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها جمرة العقبة» ، وكان أسامة رديف رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من عرفات إلى مزدلفة، والفضل كان رديفه من ~~مزدلفة إلى منى. # وروي أن ابن عباس سئل عن ذلك فقال: أخبرني أخي الفضل «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها جمرة العقبة» ، وكان ~~رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسواء كان في الحج الصحيح أو في ~~الحج الفاسد أنه يقطع التلبية مع أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة؛ لأن ~~أعمالها لا تختلف، فلا يختلف وقت قطع التلبية، وسواء كان مفردا بالحج أو ~~قارنا أو متمتعا؛ لأن القارن والمتمتع كل واحد منهما محرم بالحج، فكان ~~كالمفرد به، ولا يقطع القارن التلبية إذا أخذ في طواف العمرة؛ لأنه محرم ~~بإحرام الحج، وإنما يقطع عند ما يقطع المفرد بالحجة؛ لأنه بعد إتيانه ~~بالعمرة كالمفرد بالحج، فأما المحرم بالعمرة المفردة فإنه يقطع التلبية إذا ~~استلم الحجر، وأخذ في طواف العمرة، والفرق بين المحرم بالحج، وبين المحرم ~~بالعمرة المفردة ذكرناه فيما تقدم، وقال مالك في المفرد بالعمرة: ms1101 يقطع ~~التلبية إذا رأى البيت، وهذا غير سديد؛ لأن قطع التلبية يتعلق بفعل هو نسك ~~كالرمي في حق المحرم بالحج، ورؤية البيت ليس بنسك، فلا يقطع عندنا، فأما ~~استلام الحجر فنسك كالرمي فيقطع عنده لا عند الرؤية. # قال محمد: إن فائت الحج إذا تحلل بالعمرة يقطع التلبية حيث يأخذ في ~~الطواف كذا هذا، والقارن إذا فاته الحج يقطع التلبية في الطواف، والثاني ~~الذي يتحلل به من حجته؛ لأن العمرة # PageV02P156 # ما فاتته، إذ ليس لها وقت معين فيأتي بها فيطوف، ويسعى كما كان يفعل لو ~~لم يفته الحج، وإنما فاته الحج فيفعل ما يفعله فائت الحج، وهو أن يتحلل ~~بأفعال العمرة، وهي الطواف والسعي كالمقيم فيقطع التلبية إذا أخذ في طواف ~~الحج، والمحصر يقطع التلبية إذا ذبح عنه هديه؛ لأنه إذا ذبح هديه فقد تحلل، ~~ولا تلبية بعد التحلل، فإن حلق الحاج قبل أن يرمي جمرة العقبة يقطع ~~التلبية؛ لأنه بالحلق تحلل من الإحرام لما روينا عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال لمن حلق قبل الرمي: «ارم، ولا حرج» فثبت أن التحلل من ~~الإحرام يحصل بالحلق قبل الرمي، ولا تلبية بعد التحلل، فإن زار البيت قبل ~~أن يرمي، ويحلق ويذبح، قطع التلبية في قول أبي حنيفة. # وروي عن أبي يوسف أنه يلبي ما لم يحلق أو تزول الشمس من يوم النحر، وعن ~~محمد ثلاث روايات في رواية مثل قول أبي حنيفة # وروى هشام عنه، وروى ابن سماعة عنه: أن من لم يرم قطع التلبية إذا غربت ~~الشمس من يوم النحر، وروى هشام عنه رواية أخرى أنه يقطع التلبية إذا مضت ~~أيام النحر، فظاهر روايته مع أبي حنيفة وجه قول أبي يوسف: أنه، وإن طاف ~~فإحرامه قائم لم يتحلل بهذا الطواف إذا لم يحلق، بدليل أنه لا يباح له ~~الطيب واللبس، فالتحق الطواف بالعدم، وصار كأنه لم يطف فلا يقطع التلبية ~~إلا إذا زالت الشمس؛ لأن من أصله أن هذا الرمي مؤقت بالزوال، فإذا زالت ~~الشمس يفوت وقته، ويفعل بعده ms1102 قضاء، فصار فواته عن وقته بمنزلة فعله في ~~وقته، وعند فعله في وقته يقطع التلبية. # كذا عند فواته عن وقته، بخلاف ما إذا حلق قبل الرمي؛ لأنه تحلل بالحلق، ~~وخرج عن إحرامه حتى يباح له الطيب واللبس لذلك افترقا، ولهما أن الطواف، ~~وإن كان قبل الرمي والحلق والذبح، فقد وقع التحلل به في حق النساء، بدليل ~~أنه لو جامع بعده لا يلزمه بدنة، فكان التحلل بالطواف كالتحلل بالحلق، ~~فيقطع التلبية به كما يقطع بالحلق. # وقد خرج الجواب عن قوله: إن إحرامه قائم بعد الطواف؛ لأنا نقول: نعم لكن ~~في حق الطيب واللبس، لا في حق النساء فلم يكن قائما مطلقا، والتلبية لم ~~تشرع إلا في الإحرام المطلق، ولو ذبح قبل الرمي يقطع التلبية في قول أبي ~~حنيفة إذا كان قارنا أو متمتعا، وهو إحدى الروايتين عن محمد، وإن كان مفردا ~~بالحج لا يقطع؛ لأن الذبح من القارن والمتمتع محلل كالحلق، ولا تلبية بعد ~~التحلل، فأما المفرد فتحلله لا يقف على ذبحه. # ألا ترى أنه ليس بواجب عليه، فلا يقطع عنده التلبية، وروى ابن سماعة عن ~~محمد أنه لا يقطع التلبية، والتحلل لا يقع بالذبح على هذه الرواية عنده، ~~وإنما يقع بالرمي أو بالحلق، ويرمي سبع حصيات مثل حصى الخزف، لما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال لعبد الله بن عباس: - رضي الله عنه ~~- ائتني بسبع حصيات مثل حصى الخزف فأتاه بهن فجعل يقلبهن بيده، ويقول: ~~مثلهن بمثلهن لا تغلوا فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين» . # وقد قالوا: لا يزيد على ذلك لما روي عن معاذ: - رضي الله عنه - أنه قال ~~«خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنى، وعلمنا المناسك، وقال: ~~ارموا سبع حصيات مثل حصى الخزف، ووضع إحدى سبابتيه على الأخرى كأنه يخذف» ، ~~ولأنه لو كان أكبر من ذلك، فلا يؤمن أن يصيب غيره لازدحام الناس فيتأذى به، ~~ويرمي من بطن الوادي، ويكبر مع كل حصاة يرميها، لما روي عن عبد الله بن ~~مسعود: ms1103 - رضي الله عنه - أنه رمى جمرة العقبة سبع حصيات من بطن الوادي يكبر ~~مع كل حصاة يرميها فقيل له: إن ناسا يرمون من فوقها فقال عبد الله: - رضي ~~الله عنه - هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. # وكذا روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - «أنه كان يرمي جمرة العقبة بسبع ~~حصيات يتبع كل حصاة بتكبيرة، ويقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يفعل ذلك» ، وعن ابنه سالم بن عبد الله أنه استبطن الوادي فرمى الجمرة سبع ~~حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر الله أكبر، اللهم اجعله حجا مبرورا، وذنبا ~~مغفورا، وعملا مشكورا، وقال: حدثني أبي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يرمي جمرة العقبة من هذا المكان، ويقول كلما رمى بحصاة مثل ما قلت» ، ~~وإن رمى من فوق العقبة أجزأه، لكن السنة ما ذكرنا. # وكذا لو جعل بدل التكبير تسبيحا أو تهليلا جاز، ولا يكون مسيئا. # وقد قالوا إذا رمى للعقبة يجعل الكعبة عن يساره، ومنى عن يمينه، ويقوم ~~فيها حيث يرى موقع حصاه، لما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ~~أنه لما انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل الكعبة عن يساره، ومنى عن يمينه، وبأي ~~شيء رمى أجزأه حجرا كان أو طينا أو غيرهما مما هو من جنس الأرض، وهذا عندنا # PageV02P157 # وقال الشافعي: لا يجوز إلا بالحجر، وجه قوله أن هذا أمر يعرف بالتوقيف، ~~والتوقيف ورد بالحصى، والحصى هي الأحجار الصغار، ولنا ما روينا عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ارم، ولا حرج» . # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أول نسكنا في يومنا هذا ~~الرمي ثم الذبح ثم الحلق» . # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من رمى وذبح وحلق فقد حل له ~~كل شيء إلا النساء» مطلقا عن صفة الرمي، والرمي بالحصى من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - محمول على الأفضلية لا الجواز ~~توفيقا بين الدلائل، لما صح ms1104 من مذهب أصحابنا أن المطلق لا يحمل على المقيد ~~بل يجري المطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده ما أمكن، وههنا أمكن بأن ~~يحمل المطلق على أصل الجواز، والمقيد على الأفضلية، ولا يقف عند هذه الجمرة ~~للدعاء بل ينصرف إلى رحله، والأصل أن كل رمي ليس بعده رمي في ذلك اليوم لا ~~يقف عنده، وكل رمي بعده رمي في ذلك اليوم يقف عنده؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يقف عند جمرة العقبة، ووقف عند الجمرتين ثم الرمي ماشيا ~~أفضل أو راكبا، فقد روي عن أبي يوسف أنه فصل في ذلك تفصيلا، فإنه حكى أن ~~إبراهيم بن الجراح دخل على أبي يوسف، وهو مريض في المرض الذي مات فيه فسأله ~~أبو يوسف فقال: أيهما أفضل الرمي ماشيا أو راكبا؟ فقال: ماشيا فقال: أخطأت ~~ثم قال: راكبا فقال: أخطأت، وقال: كل رمي بعده رمي فالماشي أفضل، وكل رمي ~~لا رمي بعده فالراكب أفضل قال: فخرجت من عنده فسمعت الناعي بموته قبل أن ~~أبلغ الباب، ذكرنا هذه الحكاية ليعلم أنه بلغ حرصه في التعليم حتى لم يسكت ~~عنه في رمقه فيقتدى به في التحريض على التعليم، وهذا لما ذكرنا أن كل رمي ~~بعده رمي فالسنة فيه هو الوقوف للدعاء، والماشي أمكن للوقوف والدعاء. # وكل رمي لا رمي بعده فالسنة فيه هو الانصراف لا الوقوف، والراكب أمكن من ~~الانصراف، فإن قيل أليس أنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه رمى ~~راكبا، وقال: - صلى الله عليه وسلم - خذوا عني مناسككم لا أدري لعلي لا أحج ~~بعد عامي هذا» فالجواب: أن ذلك محمول على رمي لا رمي بعده أو على التعليم ~~ليراه الناس فيتعلموا منه مناسك الحج، فإن رمى إحدى الجمار بسبع حصيات ~~جميعا دفعة واحدة فهي عن واحدة، ويرمي ستة أخرى؛ لأن التوقيف ورد بتفريق ~~الرميات فوجب اعتباره، وهذا بخلاف الاستنجاء أنه إذا استنجى بحجر واحد ~~وأنقاه كفاه، ولا يراعى فيه العدد عندنا؛ لأن وجوب الاستنجاء ثبت معقولا ~~بمعنى التطهير فإذا حصلت ms1105 الطهارة بواحد اكتفى به، فأما الرمي فإنما وجب ~~تعبدا محضا فيراعى فيه مورد التعبد، وأنه ورد بالتفريق فيقتصر عليه، فإن ~~رمى أكثر من سبع حصيات لم تضره الزيادة؛ لأنه أتى بالواجب وزيادة، والسنة ~~أن يرمي بعد طلوع الشمس من يوم النحر قبل الزوال لما روى جابر - رضي الله ~~عنه - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرم يوم النحر ضحى، ورمى بعد ~~ذلك بعد الزوال» ، ولو رمى قبل طلوع الشمس بعد انفجار الصبح أجزأه خلافا ~~لسفيان. # والمسألة ذكرناها فيما تقدم، ولا يرمي يومئذ غيرها لما روي «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يرم يوم النحر إلا جمرة العقبة» فإذا فرغ من هذا ~~الرمي لا يقف، وينصرف إلى رحله، فإن كان منفردا بالحج يحلق أو يقصر، والحلق ~~أفضل لما ذكرنا فيما تقدم، ولا ذبح عليه، وإن كان قارنا أو متمتعا يجب عليه ~~أن يذبح ويحلق ويقدم الذبح على الحلق لقوله تعالى: {ويذكروا اسم الله في ~~أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس ~~الفقير} [الحج: 28] {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] رتب قضاء التفث، وهو ~~الحلق على الذبح. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أول نسكنا في يومنا هذا ~~الرمي ثم الذبح ثم الحلق» . # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - «أنه رمى ثم ذبح ثم دعا بالحلاق» ، فإن ~~حلق قبل الذبح من غير إحصار فعليه لحلقه قبل الذبح دم في قول أبي حنيفة، ~~وقال أبو يوسف، ومحمد، وجماعة من أهل العلم: أنه لا شيء عليه، وأجمعوا على ~~أن المحصر إذا حلق قبل الذبح أنه تجب عليه الفدية، احتج من خالفه بما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه سئل عن رجل حلق قبل أن يذبح فقال: ~~اذبح، ولا حرج» ، ولو كان الترتيب واجبا لكان في تركه حرج، ولأبي حنيفة ~~الاستدلال بالمحصر إذا حلق قبل الذبح لأذى في رأسه أنه تلزمه الفدية بالنص، ~~فالذي يحلق رأسه بغير أذى به أولى، ولهذا قال أبو حنيفة بزيادة ms1106 التغليظ في ~~حق من حلق رأسه قبل الذبح بغير أذى حيث قال: لا يجزئه غير الدم، وصاحب ~~الأذى مخير بين الدم والطعام والصيام كما خيره # PageV02P158 # الله تعالى، وهذا هو المعقول؛ لأن الضرورة سبب لتخفيف الحكم وتيسيره، ~~فالمعقول أن يجب في حال الاختيار بذلك السبب زيادة غلظ لم يكن في حال ~~العذر، فأما أن يسقط من الأصل في غير حالة العذر ويجب في حالة العذر ~~فممتنع، ولا حجة لهم في الحديث؛ لأن قوله: لا حرج المراد منه الإثم لا ~~الكفارة، وليس من ضرورة انتفاء الإثم انتفاء الكفارة. # ألا ترى أن الكفارة تجب على من حلق رأسه لأذى به، ولا إثم عليه. # وكذا يجب على الخاطئ فإذا حلق الحاج أو قصر حل له كل شيء حظر عليه ~~الإحرام إلا النساء عند عامة العلماء لما ذكرنا فيما تقدم، ثم يزور البيت ~~من يومه ذلك أو من الغد أو بعد الغد، ولا يؤخرها عنها، وأفضلها أولها، لما ~~روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف في أول أيام النحر» فيطوف ~~أسبوعا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا طاف، وعليه عمل المسلمين، ~~ولا يرمل في هذا الطواف؛ لأنه لا سعي عقيبه؛ لأنه قد طاف طواف اللقاء، وسعى ~~عقيبه حتى لو لم يكن طاف طواف اللقاء، ولا سعي فإنه يرمل في طواف الزيارة، ~~ويسعى بين الصفا، والمروة عقيب طواف الزيارة، ولو أخره عن أيام النحر فعليه ~~دم في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف، ومحمد لا شيء عليه، والمسألة قد مضت، ~~فإذا طاف طواف الزيارة كله أو أكثره حل له النساء أيضا؛ لأنه قد خرج من ~~العبادة، وما بقي عليه شيء من أركانها، والأصل أن في الحج إحلالين: الإحلال ~~الأول بالحلق أو بالتقصير ويحل به كل شيء إلا النساء، والإحلال الثاني ~~بطواف الزيارة، ويحل به النساء أيضا ثم يرجع إلى منى، ولا يبيت بمكة، ولا ~~في الطريق، هو السنة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا فعل، ويكره أن ~~يبيت في غير منى في أيام ms1107 منى، فإن فعل لا شيء عليه، ويكون مسيئا؛ لأن ~~البيتوتة بها ليست بواجبة بل هي سنة، وعند الشافعي يجب عليه الدم؛ لأنها ~~واجبة عنده، واحتج بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله على الوجوب ~~في الأصل، ولنا ما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرخص للعباس ~~أن يبيت بمكة للسقاية» ، ولو كان ذلك واجبا لم يكن العباس يترك الواجب لأجل ~~السقاية، ولا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرخص له في ذلك، وفعل النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - محمول على السنة توفيقا بين الدليلين، وإذا بات ~~بمنى فإذا كان من الغد، وهو اليوم الأول من أيام التشريق والثاني من أيام ~~الرمي، فإنه يرمي الجمار الثلاث بعد الزوال في ثلاث مواضع: أحدها المسمى ~~بالجمرة الأولى، وهي التي تلي مسجد الخيف، وهو مسجد إبراهيم - عليه الصلاة ~~والسلام - فيرمي عندها سبع حصيات مثل حصى الخزف، يكبر مع كل حصاة، فإذا فرغ ~~منها يقف عندها فيكبر، ويهلل، ويحمد الله تعالى، ويثني عليه، ويصلي على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ويسأل الله تعالى حوائجه، ثم يأتي الجمرة ~~الوسطى فيفعل بها مثل ما فعل بالأولى، ويرفع يديه عند الجمرتين بسطا ثم ~~يأتي جمرة العقبة فيفعل مثل ما فعل بالجمرتين الأولتين، إلا أنه لا يقف ~~للدعاء بعد هذه الجمرة، بل ينصرف إلى رحله لما روي «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - رمى الجمار الثلاث في أيام التشريق، وابتدأ بالتي تلي ~~مسجد الخيف، ووقف عند الجمرتين، ولم يقف عند الثالثة» . # وأما رفع اليدين فلقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - «لا ترفع الأيدي ~~إلا في سبع مواطن، وذكر من جملتها، وعند المقامين عند الجمرتين» فإذا كان ~~اليوم الثاني من أيام التشريق، وهو اليوم الثالث من أيام الرمي رمى الجمار ~~الثلاث بعد الزوال، ففعل مثل ما فعل أمس، فإذا رمى فإن أراد أن ينفر من ~~منى، ويدخل مكة نفر قبل غروب الشمس، ولا شيء عليه لقوله تعالى {فمن تعجل في ~~يومين فلا إثم عليه} [البقرة: 203] ، وإن أقام ms1108 ولم ينفر حتى غربت الشمس، ~~يكره له أن ينفر حتى تطلع الشمس من اليوم الثالث من أيام التشريق، وهو ~~اليوم الرابع من أيام الرمي، ويرمي الجمار الثلاث، ولو نفر قبل طلوع الفجر ~~لا شيء عليه. # وقد أساء، أما الجواز فلأنه نفر في وقت لم يجب فيه الرمي بعد، بدليل أنه ~~لو رمى فيه عن اليوم الرابع لم يجز، فجاز فيه النفر كما لو رمى الجمار في ~~الأيام كلها ثم نفر، وأما الإساءة فلأنه ترك السنة فإذا طلع الفجر من اليوم ~~الثالث من أيام التشريق رمى الجمار الثلاث ثم ينفر، فإن نفر قبل الرمي ~~فعليه دم؛ لأنه ترك الواجب، وإذا أراد أن ينفر في النفر الأول أو في النفر ~~الثاني، فإنه يحمل ثقله معه، ويكره تقديمه لما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «المرء من حيث رحله» . # وروي: «المرء من حيث أهله» ، ولأنه لو فعل ذلك يشتغل قلبه بذلك، ولا يخلو ~~من ضرر. # وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يضرب على ذلك. # وحكي عن إبراهيم النخعي أن عمر - رضي الله عنه - # PageV02P159 # إنما كان يضرب على تقديم الثقل مخافة السرقة، ثم يأتي الأبطح، ويسمى ~~المحصب، وهو موضع بين منى وبين مكة فينزل به ساعة، فإنه سنة عندنا لما روي ~~عن نافع عن عبد الله بن عمر: - رضي الله عنهم - «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأبا بكر وعمر وعثمان نزلوا بالأبطح» . # ثم يدخل مكة فيطوف طواف الصدر توديعا للبيت، ولهذا يسمى طواف الوداع، ~~وأنه واجب على أهل الآفاق عندنا لما ذكرنا فيما تقدم فيطوف سبعة أشواط لا ~~رمل فيها؛ لأنه طواف لا سعي بعده، ويصلي ركعتين ثم يرجع إلى أهله؛ لأنه لم ~~يبق عليه شيء من الأركان والواجبات، كذا ذكر في الأصل، وذكر الطحاوي في ~~مختصره عن أبي حنيفة أنه إذا فرغ من طواف الصدر يأتي المقام فيصلي عنده ~~ركعتين ثم يأتي زمزم فيشرب من مائها، ويصب على وجهه ورأسه ثم يأتي الملتزم، ~~وهو ما بين ms1109 الحجر الأسود والباب، فيضع صدره وجبهته عليه، ويتشبث بأستار ~~الكعبة، ويدعو ثم يرجع، وذكر في العيون كذلك، إلا أنه قال في آخره: ويستلم ~~الحجر، ويكبر ثم يرجع. # وروي عن أبي حنيفة أنه قال: إن دخل البيت فحسن، وإن لم يدخل لم يضره، ~~ويقول عند رجوعه: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر ~~عبده، وهزم الأحزاب وحده، والله الموفق. ### | [فصل شرائط أركان الحج] # (فصل) : # وأما شرائط أركانه فمنها الإسلام فإنه كما هو شرط الوجوب، فهو شرط جواز ~~الأداء؛ لأن الحج عبادة، والكافر ليس من أهل العبادة، ومنها العقل فلا يجوز ~~أداء الحج من المجنون والصبي الذي لا يعقل كما لا يجب عليهما، فأما البلوغ ~~والحرية فليسا من شرائط الجواز، فيجوز حج الصبي العاقل بإذن وليه، والعبد ~~الكبير بإذن مولاه لكنه لا يقع عن حجة الإسلام لعدم الوجوب، ومنها الإحرام ~~عندنا، والكلام في الإحرام يقع في مواضع في بيان أنه شرط، وفي بيان ما يصير ~~به محرما، وفي بيان زمان الإحرام، وفي بيان مكانه، وفي بيان ما يحرم به، ~~وفي بيان حكم المحرم إذا منع عن المضي في موجب الإحرام، وفي بيان ما يحظره ~~الإحرام، وما لا يحظره، وفي بيان ما يجب بفعل المحظور منه. # أما الأول فالإحرام شرط جواز أداء أفعال الحج عندنا، وعند الشافعي ركن، ~~وعنى به أنه جزء من أفعال الحج، وهو على الاختلاف في تحريمه الصلاة، ويتضمن ~~الكلام في هذا الفصل بيان زمان الإحرام أنه جميع السنة عندنا، وعنده أشهر ~~الحج حتى يجوز الإحرام قبل أشهر الحج عندنا، لكنه يكره، وعنده لا يجوز ~~رأسا، وينعقد إحرامه للعمرة لا للحجة عنده، وعندنا ينعقد للحجة، ووجه ~~البناء على هذا الأصل: أن الإحرام لما كان شرطا لجواز أداء أفعال الحج ~~عندنا جاز وجوده قبل هجوم وقت أداء الأفعال، كما تجوز الطهارة قبل دخول وقت ~~الصلاة، ولما كان ركنا عنده لم يجز سابقا على وقته؛ لأن أداء أفعال العبادة ~~المؤقتة قبل وقتها لا يجوز كالصلاة وغيرها، فنتكلم في المسألة بناء ms1110 ~~وابتداء. # أما البناء فوجه قول الشافعي: إن الذي أحرم بالحج يؤمر بإتمامه. # وكذا المحرم للصلاة يؤمر بإتمامها لا بالابتداء، فلو لم يكن الإحرام من ~~أفعال الحج لأمر بالابتداء لا بالإتمام فدل أنه ركن في نفسه، وشرط لجواز ~~أداء ما بقي من الأفعال، ولنا أن ركن الشيء ما يأخذ الاسم منه ثم قد يكون ~~بمعنى واحد، كالإمساك في باب الصوم. # وقد يكون معاني مختلفة، كالقيام والقراءة والركوع والسجود في باب الصلاة، ~~والإيجاب والقبول في باب البيع، ونحو ذلك، وشرطه: ما يأخذ الاعتبار منه، ~~كالطهارة للصلاة، والشهادة في النكاح، وغير ذلك، والحج يأخذ الاسم من ~~الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة لا من الإحرام قال الله تعالى {ولله على الناس ~~حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] ، وحج البيت: هو زيارة ~~البيت، وقال النبي: - صلى الله عليه وسلم - «الحج عرفة» أي: الوقوف بعرفة، ~~ولم يطلق اسم الحج على الإحرام، وإنما به اعتبار الركنين، فكان شرطا لا ~~ركنا، ولهذا جعله الشافعي شرطا لأداء ما بقي من الأفعال. # وأما قوله: إنه يؤمر بالإتمام بعد الإحرام ممنوع، بل لا يؤمر به ما لم ~~يؤد بعد الإحرام شيئا من أفعال الحج. # وأما الابتداء فالشافعي احتج بقوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} [البقرة: ~~197] أي وقت الحج أشهر معلومات؛ إذ الحج نفسه لا يكون أشهرا؛ لأنه فعل، ~~والأشهر أزمنة فقد عين الله أشهرا معلومة وقتا للحج، والحج في عرف الشرع ~~اسم لجملة من الأفعال مع شرائطها: منها الإحرام، فلا يجوز تقديمه على وقته، ~~ولنا قوله تعالى: {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} [البقرة: ~~189] ظاهر الآية: يقتضي أن تكون الأشهر كلها وقتا للحج فيقتضي جواز الإحرام ~~بأداء أفعال الحج في الأوقات # PageV02P160 # كلها إلا أنا عرفنا تعيين هذه الأشهر لأداء الأفعال بدليل آخر، وهو قوله: ~~{الحج أشهر معلومات} [البقرة: 197] فيعمل بالنصين، فيحمل ما تلونا على ~~الإحرام الذي هو شرط، ويحمل ما تلوتم على نفس الأعمال عملا بالنص بالقدر ~~الممكن، ولأن الحج يختص بالمكان والزمان، ثم يجوز الإحرام من غير مكان ms1111 الحج ~~بالإجماع، فيجوز في غير زمان الحج إلا أنه يكره لما روي عن ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - أنه قال: من سنة الحج أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، ~~ومخالفة السنة مكروهة، ثم اختلفوا في أن الكراهة لأجل الوقت أم لغيره، منهم ~~من قال: الكراهة ليست لأجل الوقت، بل لمخافة الوقوع في محظورات الإحرام حتى ~~أن من أمن ذلك لا يكره له، ومنهم من قال: إن الكراهة لنفس الوقت، فإن ابن ~~سماعة روى عن محمد أنه قال: أكره الإحرام قبل الأشهر، ويجوز إحرامه وهو ~~لابس أو جالس في خلوق أو طيب، وهذا الإطلاق يدل على أن الكراهة لنفس الوقت، ~~والله عز وجل أعلم. ### | [فصل بيان ما يصير به محرما] # (فصل) : # وأما بيان ما يصير به محرما فنقول، وبالله التوفيق: لا خلاف في أنه إذا ~~نوى، وقرن النية بقول وفعل هو من خصائص الإحرام أو دلائله أنه يصير محرما ~~بأن لبى ناويا به الحج إن أراد به الإفراد بالحج أو العمرة، إن أراد ~~الإفراد بالعمرة، أو العمرة والحج، إن أراد القران؛ لأن التلبية من خصائص ~~الإحرام، وسواء تكلم بلسانه ما نوى بقلبه أو لا؛ لأن النية عمل القلب لا ~~عمل اللسان لكن يستحب أن يقول بلسانه ما نوى بقلبه فيقول: اللهم إني أريد ~~كذا فيسره لي، وتقبله مني لما ذكرنا في بيان سنن الحج، وذكرنا التلبية ~~المسنونة، ولو ذكر مكان التلبية التهليل أو التسبيح أو التحميد أو غير ذلك ~~مما يقصد به تعظيم الله تعالى مقرونا بالنية يصير محرما. # وهذا على أصل أبي حنيفة، ومحمد في باب الصلاة أنه يصير شارعا في الصلاة ~~بكل ذكر هو ثناء خالص لله تعالى يراد به تعظيمه لا غير، وهو ظاهر الرواية ~~عن أبي يوسف ههنا، وفرق بين الحج والصلاة. # وروي عنه أنه لا يصير محرما إلا بلفظ التلبية كما لا يصير شارعا في ~~الصلاة إلا بلفظ التكبير فأبو حنيفة، ومحمد مرا على أصلهما أن الذكر ~~الموضوع لافتتاح الصلاة لا يختص بلفظ دون ms1112 لفظ ففي باب الحج أولى، ووجه ~~الفرق لأبي يوسف على ظاهر الرواية عنه: أن باب الحج أوسع من باب الصلاة، ~~فإن أفعال الصلاة لا يقوم بعضها مقام بعض، وبعض الأفعال يقوم مقام البعض ~~كالهدي، فإنه يقوم مقام كثير من أفعال الحج في حق المحصر، وسواء كان ~~بالعربية أو غيرها، وهو يحسن العربية أو لا يحسنها، وهذا على أصل أبي ~~حنيفة، وأبي يوسف في الصلاة ظاهر، وهو ظاهر الرواية عن محمد في الحج. # وروي عنه أنه لا يصير محرما إلا إذا كان لا يحسن العربية كما في باب ~~الصلاة فهما مرا على أصلهما، ومحمد على ظاهر الرواية عنه فرق بين الصلاة ~~والحج، ووجه الفرق له على نحو ما ذكرنا لأبي يوسف في المسألة الأولى. # وتجوز النيابة في التلبية عند العجز بنفسه بأمره بلا خلاف، حتى لو توجه ~~يريد حجة الإسلام فأغمي عليه فلبى عنه أصحابه. # وقد كان أمرهم بذلك، حتى لو عجز عنه بنفسه يجوز بالإجماع، فإن لم يأمرهم ~~بذلك نصا فأهلوا عنه جاز أيضا في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد لا ~~يجوز، فلا خلاف في أنه تجوز النيابة في أفعال الحج عند عجزه عنها بنفسه من ~~الطواف والسعي والوقوف، حتى لو طيف به وسعي ووقف جاز بالإجماع، وجه قولهما ~~قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39] ، ولم يوجد منه ~~السعي في التلبية؛ لأن فعل غيره لا يكون فعله حقيقة، وإنما يجعل فعلا له ~~تقديرا بأمره، ولم يوجد، بخلاف الطواف ونحوه فإن الفعل هناك ليس بشرط، بل ~~الشرط حصوله في ذلك الموضع على ما ذكرنا وقد حصل، والشرط ههنا هو التلبية، ~~وقول غيره لا يصير قولا له إلا بأمره ولم يوجد، ولأبي حنيفة أن الأمر ههنا ~~موجود دلالة، وهي دلالة عقد المرافقة؛ لأن كل واحد من رفقائه المتوجهين إلى ~~الكعبة يكون آذنا للآخر بإعانته فيما يعجز عنه من أمر الحج، فكان الأمر ~~موجودا دلالة. # وسعي الإنسان جاز أن يجعل سعيا لغيره بأمره فقلنا بموجب الآية بحمد الله ms1113 ~~تعالى، ولو قلد بدنة يريد به الإحرام بالحج أو بالعمرة أو بهما، وتوجه معها ~~يصير محرما لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا ~~الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد} [المائدة: 2] ثم ذكر تعالى بعده {وإذا ~~حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] ، والحل يكون بعد الإحرام، ولم يذكر الإحرام ~~في الأول، وإنما ذكر التقليد بقوله عز وجل {ولا القلائد} [المائدة: 2] فدل ~~أن التقليد منهم مع التوجه كان إحراما إلا أنه زيد عليه النية بدليل آخر، ~~وعن جماعة # PageV02P161 # من الصحابة - رضي الله عنهم - منهم علي، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر - ~~رضي الله عنهم - أنهم قالوا: إذا قلد فقد أحرم. # وكذا روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: إذا قلد، وهو يريد ~~الحج أو العمرة فقد أحرم، ولأن التقليد مع التوجه من خصائص الإحرام، فالنية ~~اقترنت بما هو من خصائص الإحرام فأشبه التلبية، فإن قيل: أليس أنه روي عن ~~عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: لا يحرم إلا من أهل، ولبى فهذا يقتضي ~~أنه لا يصير محرما بالتقليد، فالجواب: أن ذلك محمول على ما إذا قلد ولم ~~يخرج معها توفيقا بين الدلائل، وبه نقول: إن بمجرد التقليد لا يصير محرما ~~على ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يبعث بهديه، ويقيم فلا يحرم عليه شيء» ، والتقليد هو ~~تعليق القلادة على عنق البدنة من عروة مزادة أو شراك نعل من أدم أو غير ذلك ~~من الجلود، وإن قلد ولم يتوجه ولم يبعث على يد غيره لم يصر محرما، وإن بعث ~~على يد غيره فكذلك عند عامة العلماء وعامة الصحابة - رضي الله عنهم -، وعن ~~ابن عباس: - رضي الله عنه - أنه يصير محرما بنفس التوجيه من غير توجه، ~~والصحيح: قول عامة العلماء لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: ~~«إني كنت لأفتل قلائد بدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيبعثها ويمكث ~~عندنا حلالا بالمدينة، لا يجتنب ما يجتنبه المحرم» ، ولأن التوجيه ms1114 من غير ~~توجه ليس إلا أمر بالفعل فلا يصير به محرما، كما لو أمر غيره بالتلبية، ولو ~~توجه بنفسه بعد ما قلد، وبعث لا يصير محرما ما لم يلحقها، ويتوجه معها فإذا ~~لحقها، وتوجه معها، عند ذلك يصير محرما إلا في هدي المتعة، فإن هناك يصير ~~محرما بنفس التوجه قبل أن يلحقه. # والقياس أن لا يصير محرما، ثم أيضا ما لم يلحق ويتوجه معه؛ لأن السير ~~بنفسه بدون البدنة ليس من خصائص الإحرام، ولا دليل أنه يريد الإحرام، فلا ~~يصير به محرما إلا أنا تركنا القياس، واستحسنا في هدي المتعة لما أن للهدي ~~فضل تأثير في البقاء على الإحرام ما ليس لغيره، بدليل أنه لو ساق الهدي لا ~~يجوز له أن يتحلل، وإن لم يسق جاز له التحلل، فإذا كان له فضل تأثير في ~~البقاء على الإحرام جاز أن يكون له تأثير في الابتداء. # وقد قالوا: إنه يصير محرما بنفس التوجه في أثر هدي المتعة، وإن لم يلحق ~~الهدي إذا كان في أشهر الحج، فأما في غير أشهر الحج، فلا يصير محرما حتى ~~يلحق الهدي؛ لأن أحكام التمتع لا تثبت قبل أشهر الحج، فلا يصير هذا الهدي ~~للمتعة قبل أشهر الحج فكان هدي التطوع، ولو جلل البدنة ونوى الحج لا يصير ~~محرما، وإن توجه معها؛ لأن التجليل ليس من خصائص الحج؛ لأنه إنما يفعل ذلك ~~لدفع الحر، والبرد عن البدنة أو للتزيين، ولو قلد الشاة ينوي به الحج وتوجه ~~معها لا يصير محرما، وإن نوى الإحرام؛ لأن تقليد الغنم ليس بسنة عندنا فلم ~~يكن من دلائل الإحرام، فضلا عن أن يكون من خصائصه، والدليل على أن الغنم لا ~~تقلد قوله تعالى: {ولا الهدي ولا القلائد} [المائدة: 2] عطف القلائد على ~~الهدي، والعطف يقتضي المغايرة في الأصل. # واسم الهدي يقع على الغنم والإبل والبقر جميعا فهذا يدل على أن الهدي ~~نوعان: ما يقلد، وما لا يقلد، ثم الإبل والبقر يقلدان بالإجماع فتعين أن ~~الغنم لا تقلد، ليكون عطف القلائد على الهدي عطف ms1115 الشيء على غيره فيصح، ولو ~~أشعر بدنته، وتوجه معها لا يصير محرما؛ لأن الإشعار مكروه عند أبي حنيفة؛ ~~لأنه مثلة، وإيلام الحيوان من غير ضرورة لحصول المقصود بالتقليد، وهو ~~الإعلام بكون المشعر هديا لئلا يتعرض له لو ضل، والإتيان بفعل مكروه لا ~~يصلح دليل الإحرام، واختلف المشايخ على قول أبي يوسف، ومحمد قال بعضهم: إن ~~أشعر وتوجه معها يصير محرما عندهما؛ لأن الإشعار سنة عندهما كالتقليد فيصلح ~~أن يكون دليل الإحرام كالتقليد، وقال بعضهم: لا يصير محرما عندهما أيضا؛ ~~لأن الإشعار ليس بسنة عندهما، بل هو مباح فلم يكن قربة، فلا يصلح دليل ~~الإحرام، وذكر في الجامع الصغير أن الإشعار عندهما حسن، ولم يسمه سنة؛ لأنه ~~من حيث إنه إكمال لما شرع له التقليد، وهو إعلام المقلد بأنه هدي لما أن ~~تمام الإعلام تحصل به سنة، ومن حيث إنه مثلة وبدعة فتردد بين السنة والبدعة ~~فسماه حسنا، وعند الشافعي الإشعار سنة، واحتج بما روي «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أشعر» ، والجواب: أن ذلك كان في الابتداء حين كانت المثلة ~~مشروعة، ثم لما نهي عن المثلة انتسخ بنسخ المثلة، وذلك أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فعل ذلك قطعا لأيدي المشركين عن التعرض للهدايا لو ضلت؛ لأنهم ~~كانوا ما يتعرضون للهدايا. # والتقليد ما كان يدل دلالة تامة أنها هدي، فكان يحتاج إلى الإشعار ~~ليعلموا أنها هدي. # وقد زال هذا المعنى في زماننا فانتسخ بانتساخ المثلة، ثم الإشعار # PageV02P162 # هو الطعن في أسفل السنام، وذلك من قبل اليسار عند أبي يوسف، وعند الشافعي ~~من قبل اليمين، وكل ذلك مروي «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان ~~يدخل بين بعيرين من قبل الرءوس، وكان يضرب أولا الذي عن يساره من قبل يسار ~~سنامه، ثم يعطف على الآخر فيضربه من قبل يمينه اتفاقا للأول لا قصدا» فصار ~~الطعن على الجانب الأيسر أصليا، والآخر اتفاقيا، بل الاعتبار الأصلي أولى، ~~والله عز وجل أعلم هذا الذي ذكرنا في أن الإحرام لا يثبت بمجرد النية ms1116 ما لم ~~يقترن بها قول وفعل هو من خصائص الإحرام أو دلائله، ظاهر مذهب أصحابنا. # وروي عن أبي يوسف أنه يصير محرما بمجرد النية، وبه أخذ الشافعي، وهذا ~~يناقض قوله: إن الإحرام ركن؛ لأنه جعل نية الإحرام إحراما، والنية ليست ~~بركن بل هي شرط؛ لأنها عزم على الفعل، والعزم على فعل ليس ذلك الفعل، بل هو ~~عقد على أدائه، وهو أن تعقد قلبك عليه أنك فاعله لا محالة، قال الله تعالى: ~~{فإذا عزم الأمر} [محمد: 21] أي: جد الأمر، وفي الحديث: «خير الأمور ~~عوازمها» أي ما وكدت رأيك عليه، وقطعت التردد عنه، وكونه ركنا يشعر بكونه ~~من أفعال الحج، فكان تناقضا، ثم جعل الإحرام عبارة عن مجرد النية مخالف ~~للغة، فإن الإحرام في اللغة هو الإهلال، يقال: أحرم أي أهل بالحج، وهو ~~موافق لمذهبنا، أي الإهلال لا بد منه إما بنفسه أو بما يقوم مقامه على ما ~~بينا. # والدليل على أن الإهلال شرط ما روي «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال لعائشة - رضي الله عنها - وقد رآها حزينة ما لك؟ فقالت: أنا قضيت ~~عمرتي، وألقاني الحج عاركا، فقال النبي: - صلى الله عليه وسلم - ذاك شيء ~~كتبه الله تعالى على بنات آدم حجي وقولي مثل ما يقول الناس في حجهم» فدل ~~قوله " قولي ما يقول الناس في حجهم " على لزوم التلبية؛ لأن الناس ~~يقولونها، وفيه إشارة إلى أن إجماع المسلمين حجة يجب اتباعها حيث أمرها ~~باتباعهم بقوله: " قولي ما يقول الناس في حجهم "، وروينا عن عائشة - رضي ~~الله عنها - أنها قالت: لا يحرم إلا من أهل ولبى، ولم يرو عن غيرها خلافه ~~فيكون إجماعا، ولأن مجرد النية لا عبرة به في أحكام الشرع عرفنا ذلك بالنص ~~والمعقول، أما النص ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن ~~الله تعالى عفا عن أمتي ما تحدثت به أنفسهم ما لم يتكلموا أو يفعلوا» . # وأما المعقول فهو أن النية وضعت لتعيين جهة الفعل في العبادة، وتعيين ~~المعدوم محال، ولو ms1117 أحرم بالحج، ولم يعين حجة الإسلام، وعليه حجة الإسلام، ~~يقع عن حجة الإسلام استحسانا. # والقياس أن لا يقع عن حجة الإسلام إلا بتعيين النية، وجه القياس أن الوقت ~~يقبل الفرض والنفل، فلا بد من التعيين بالنية بخلاف صوم رمضان أنه يتأدى ~~بمطلق النية؛ لأن الوقت هناك لا يقبل صوما آخر فلا حاجة إلى التعيين ~~بالنية، والاستحسان أن الظاهر من حال من عليه حجة الإسلام أنه لا يريد ~~بإحرام الحج حجة التطوع، ويبقي نفسه في عهدة الفرض فيحمل على حجة الإسلام ~~بدلالة حاله، فكان الإطلاق فيه تعيينا كما في صوم رمضان، ولو نوى التطوع: ~~يقع عن التطوع؛ لأنا إنما أوقعناه عن الفرض عند إطلاق النية بدلالة حاله، ~~والدلالة لا تعمل مع النص بخلافه، ولو لبى ينوي الإحرام، ولا نية له في حج، ~~ولا عمرة مضى في أيهما شاء ما لم يطف بالبيت شوطا، فإن طاف شوطا كان إحرامه ~~عن العمرة، والأصل في انعقاد الإحرام بالمجهول: ما روي «أن عليا، وأبا موسى ~~الأشعري - رضي الله عنهما - لما قدما من اليمن في حجة الوداع قال لهما ~~النبي: - صلى الله عليه وسلم - بماذا أهللتما؟ فقالا: بإهلال كإهلال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -» فصار هذا أصلا في انعقاد الإحرام بالمجهول، ~~ولأن الإحرام شرط جواز الأداء عندنا، وليس بأداء بل هو عقد على الأداء، ~~فجاز أن ينعقد مجملا ويقف على البيان، وإذا انعقد إحرامه جاز له أن يؤدي به ~~حجة أو عمرة، وله الخيار في ذلك، يصرفه إلى أيهما شاء ما لم يطف بالبيت ~~شوطا واحدا، فإذا طاف بالبيت شوطا واحدا، كان إحرامه للعمرة؛ لأن الطواف ~~ركن في العمرة، وطواف اللقاء في الحج ليس بركن، بل هو سنة فإيقاعه عن الركن ~~أولى. # وتتعين العمرة بفعله كما تتعين بقصده قال الحاكم في الأصل: وكذلك لو لم ~~يطف حتى جامع أو أحصر كانت عمرة؛ لأن القضاء قد لزمه فيجب عليه الأقل، إذ ~~الأقل متيقن به، وهو العمرة، والله أعلم. ### | [فصل بيان مكان الإحرام] # (فصل) : # وأما بيان مكان ms1118 الإحرام فمكان الإحرام هو المسمى بالميقات فنحتاج إلى ~~بيان المواقيت، وما يتعلق بها من الأحكام فنقول: وبالله التوفيق المواقيت ~~تختلف باختلاف الناس. # والناس في حق المواقيت أصناف ثلاثة # PageV02P163 # صنف منهم يسمون أهل الآفاق، وهم الذين منازلهم خارج المواقيت التي وقت ~~لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي خمسة، كذا روي في الحديث «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل ~~الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل العراق ذات عرق، ~~وقال: - صلى الله عليه وسلم - هن لأهلهن ولمن مر بهن من غير أهلهن ممن أراد ~~الحج أو العمرة» . # وصنف منهم يسمون أهل الحل، وهم الذين منازلهم داخل المواقيت الخمسة خارج ~~الحرم كأهل بستان بني عامر وغيرهم، وصنف منهم يسمون أهل الحرم، وهم أهل ~~مكة، أما الصنف الأول فميقاتهم ما وقت لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لا يجوز لأحد منهم أن يجاوز ميقاته إذا أراد الحج أو العمرة إلا محرما؛ ~~لأنه لما وقت لهم ذلك فلا بد وأن يكون الوقت مقيدا، وذلك إما المنع من ~~تقديم الإحرام عليه، وإما المنع من تأخيره عنه، والأول ليس بمراد لإجماعنا ~~على جواز تقديم الإحرام عليه فتعين الثاني، وهو المنع من تأخير الإحرام ~~عنه. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رجلا سأله، وقال: إني أحرمت بعد ~~الميقات، فقال له: ارجع إلى الميقات فلب، وإلا فلا حج لك فإني سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «لا يجاوز أحد الميقات إلا محرما» ، ~~وكذلك لو أراد بمجاوزة هذه المواقيت دخول مكة لا يجوز له أن يجاوزها إلا ~~محرما، سواء أراد بدخول مكة النسك من الحج أو العمرة أو التجارة أو حاجة ~~أخرى عندنا، وقال الشافعي: إن دخلها للنسك وجب عليه الإحرام، وإن دخلها ~~لحاجة جاز دخوله من غير إحرام، وجه قوله أنه تجوز السكنى بمكة من غير إحرام ~~فالدخول أولى؛ لأنه دون السكنى،. # ولنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ms1119 «ألا إن مكة حرام ~~منذ خلقها الله تعالى لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ~~ساعة من نهار، ثم عادت حراما إلى يوم القيامة» الحديث. # والاستدلال به من ثلاثة أوجه: أحدها بقوله: - صلى الله عليه وسلم -. # ألا إن مكة حرام، والثاني بقوله: لا تحل لأحد بعدي، والثالث بقوله: ثم ~~عادت حراما إلى يوم القيامة مطلقا من غير فصل. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «لا يحل دخول مكة بغير إحرام» ، ولأن هذه بقعة شريفة لها قدر وخطر ~~عند الله تعالى، فالدخول فيها يقتضي التزام عبادة إظهارا لشرفها على سائر ~~البقاع، وأهل مكة بسكناهم فيها جعلوا معظمين لها بقيامهم بعمارتها وسدانتها ~~وحفظها وحمايتها؛ لذلك أبيح لهم السكنى، وكلما قدم الإحرام على المواقيت هو ~~أفضل. # وروي عن أبي حنيفة أن ذلك أفضل إذا كان يملك نفسه أن يمنعها ما يمنع منه ~~الإحرام، وقال الشافعي: الإحرام من الميقات أفضل بناء على أصله أن الإحرام ~~ركن فيكون من أفعال الحج، ولو كان كما زعم لما جاز تقديمه على الميقات؛ لأن ~~أفعال الحج لا يجوز تقديمها على أوقاتها، وتقديم الإحرام على الميقات جائز ~~بالإجماع إذا كان في أشهر الحج، والخلاف في الأفضلية دون الجواز، ولنا قوله ~~تعالى {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] # وروي عن علي، وابن مسعود - رضي الله عنهما - أنهما قالا: إتمامهما أن ~~تحرم بهما من دويرة أهلك، وروي عن أم سلمة - رضي الله عنها - عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد ~~الحرام بحج أو عمرة غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، ووجبت له ~~الجنة» هذا إذا قصد مكة من هذه المواقيت، فأما إذا قصدها من طريق غير مسلوك ~~فإنه يحرم إذا بلغ موضعا يحاذي ميقاتا من هذه المواقيت؛ لأنه إذا حاذى ذلك ~~الموضع ميقاتا من المواقيت صار في حكم الذي يحاذيه في القرب من مكة، ولو ~~كان في البحر ms1120 فصار في موضع لو كان مكان البحر بر لم يكن له أن يجاوزه إلا ~~بإحرام، فإنه يحرم. # كذا قال أبو يوسف، ولو حصل في شيء من هذه المواقيت من ليس من أهلها فأراد ~~الحج أو العمرة أو دخول مكة، فحكمه حكم أهل ذلك الميقات الذي حصل فيه لقول ~~النبي: - صلى الله عليه وسلم - «هن لأهلهن، ولمن مر بهن من غير أهلهن ممن ~~أراد الحج أو العمرة» . # وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «من وقتنا له وقتا فهو له ~~ولمن مر به من غير أهله ممن أراد الحج أو العمرة» ، ولأنه إذا مر به صار من ~~أهله فكان حكمه في المجاوزة حكمهم، ولو جاوز ميقاتا من هذه المواقيت من غير ~~إحرام إلى ميقات آخر جاز له؛ لأن الميقات الذي صار إليه صار ميقاتا له، لما ~~روينا من الحديثين إلا أن المستحب أن يحرم من الميقات الأول، هكذا روي عن ~~أبي حنيفة أنه قال في غير أهل المدينة: إذا مروا على المدينة # PageV02P164 # فجاوزوها إلى الجحفة فلا بأس بذلك، وأحب إلي أن يحرموا من ذي الحليفة؛ ~~لأنهم إذا حصلوا في الميقات الأول لزمهم محافظة حرمته فيكره لهم تركها، ولو ~~جاوز ميقاتا من المواقيت الخمسة يريد الحج أو العمرة فجاوزه بغير إحرام ثم ~~عاد قبل أن يحرم وأحرم من الميقات، وجاوزه محرما لا يجب عليه دم بالإجماع؛ ~~لأنه لما عاد إلى الميقات قبل أن يحرم، وأحرم التحقت تلك المجاوزة بالعدم، ~~وصار هذا ابتداء إحرام منه، ولو أحرم بعد ما جاوز الميقات قبل أن يعمل شيئا ~~من أفعال الحج ثم عاد إلى الميقات، ولبى سقط عنه الدم، وإن لم يلب لا يسقط، ~~وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف، ومحمد: يسقط لبى أو لم يلب، وقال زفر: ~~لا يسقط لبى أو لم يلب، وجه قول زفر: أن وجوب الدم بجنايته على الميقات ~~بمجاوزته إياه من غير إحرام، وجنايته لا تنعدم بعوده، فلا يسقط الدم الذي ~~وجب، وجه قولهما أن حق الميقات في مجاوزته إياه ms1121 محرما، لا في إنشاء الإحرام ~~منه، بدليل أنه لو أحرم من دويرة أهله، وجاوز الميقات، ولم يلب لا شيء ~~عليه، فدل أن حق الميقات في مجاوزته إياه محرما، لا في إنشاء الإحرام منه، ~~وبعد ما عاد إليه محرما فقد جاوزه محرما، فلا يلزمه الدم ولأبي حنيفة ما ~~روينا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال للذي أحرم بعد الميقات: ارجع ~~إلى الميقات فلب، وإلا فلا حج لك أوجب التلبية من الميقات فلزم اعتبارها، ~~ولأن الفائت بالمجاوزة هو التلبية، فلا يقع تدارك الفائت إلا بالتلبية، ~~بخلاف ما إذا أحرم من دويرة أهله، ثم جاوز الميقات من غير إنشاء الإحرام؛ ~~لأنه إذا أحرم من دويرة أهله صار ذلك ميقاتا له. # وقد لبى منه فلا يلزمه تلبية، وإذا لم يحرم من دويرة أهله كان ميقاته ~~المكان الذي تجب التلبية منه، وهو الميقات المعهود، وما قاله زفر إن الدم ~~إنما وجب عليه بجنايته على الميقات مسلم، لكن لما عاد قبل دخوله في أفعال ~~الحج فما جنى عليه، بل ترك حقه في الحال فيحتاج إلى التدارك. # وقد تداركه بالعود إلى التلبية، ولو جاوز الميقات بغير إحرام فأحرم ولم ~~يعد إلى الميقات حتى طاف شوطا أو شوطين، أو وقف بعرفة، أو كان إحرامه بالحج ~~ثم عاد إلى الميقات: لا يسقط عنه الدم؛ لأنه لما اتصل الإحرام بأفعال الحج ~~تأكد عليه الدم، فلا يسقط بالعود، ولو عاد إلى ميقات آخر غير الذي جاوزه ~~قبل أن يفعل شيئا من أفعال الحج سقط عنه الدم، وعوده إلى هذا الميقات وإلى ~~ميقات آخر سواء، وعلى قول زفر لا يسقط على ما ذكرنا. # وروي عن أبي يوسف أنه فصل في ذلك تفصيلا فقال: إن كان الميقات الذي عاد ~~إليه يحاذي الميقات الأول أو أبعد من الحرم يسقط عنه الدم، وإلا فلا، ~~والصحيح جواب ظاهر الرواية لما ذكرنا أن كل واحد من هذه المواقيت الخمسة ~~ميقات لأهله، ولغير أهله بالنص مطلقا عن اعتبار المحاذاة، ولو لم يعد إلى ~~الميقات لكنه أفسد ms1122 إحرامه بالجماع قبل طواف العمرة إن كان إحرامه بالعمرة ~~أو قبل الوقوف بعرفة، إن كان إحرامه بالحج سقط عنه ذلك الدم؛ لأنه يجب عليه ~~القضاء، وانجبر ذلك كله بالقضاء كمن سها في صلاته ثم أفسدها فقضاها أنه لا ~~يجب عليه سجود السهو، وكذلك إذا فاته الحج فإنه يتحلل بالعمرة، وعليه قضاء ~~الحج، وسقط عنه ذلك الدم عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر لا يسقط، ولو جاوز ~~الميقات يريد دخول مكة أو الحرم من غير إحرام يلزمه إما حجة وإما عمرة؛ لأن ~~مجاوزة الميقات على قصد دخول مكة أو الحرم بدون الإحرام لما كان حراما كانت ~~المجاوزة التزاما للإحرام دلالة، كأنه قال: لله تعالى علي إحرام، ولو قال ~~ذلك يلزمه حجة أو عمرة، كذا إذا فعل ما يدل على الالتزام كمن شرع في صلاة ~~التطوع ثم أفسدها يلزمه قضاء ركعتين، كما إذا قال: لله تعالى علي أن أصلي ~~ركعتين، فإن أحرم بالحج أو بالعمرة قضاء لما عليه من ذلك لمجاوزته الميقات، ~~ولم يرجع إلى الميقات، فعليه دم؛ لأنه جنى على الميقات لمجاوزته إياه من ~~غير إحرام، ولم يتداركه فيلزمه الدم جبرا، فإن أقام بمكة حتى تحولت السنة ~~ثم أحرم يريد قضاء ما وجب عليه بدخوله مكة بغير إحرام، أجزأه في ذلك ميقات ~~أهل مكة في الحج بالحرم، وفي العمرة بالحل؛ لأنه لما أقام بمكة صار في حكم ~~أهل مكة فيجزئه إحرامه من ميقاتهم، فإن كان حين دخل مكة عاد في تلك السنة ~~إلى الميقات فأحرم بحجة عليه من حجة الإسلام أو حجة نذر أو عمرة نذر، سقط ~~ما وجب عليه لدخوله مكة بغير إحرام استحسانا، والقياس أن لا يسقط إلا أن ~~ينوي ما وجب عليه لدخول مكة، وهو قول زفر، ولا خلاف في أنه إذا تحولت السنة ~~ثم عاد إلى الميقات ثم أحرم بحجة الإسلام، أنه لا يجزئه عما لزمه إلا ~~بتعيين النية. # وجه القياس: أنه قد وجب عليه حجة أو # PageV02P165 # عمرة بسبب المجاوزة، فلا يسقط عنه بواجب آخر كما لو نذر ms1123 بحجة أنه لا تسقط ~~عنه بحجة الإسلام. # وكذا لو فعل ذلك بعد ما تحولت السنة، وجه الاستحسان أن لزوم الحجة أو ~~العمرة ثبت تعظيما للبقعة، والواجب عليه تعظيمها بمطلق الإحرام لا بإحرام ~~على حدة، بدليل أنه يجوز دخولها ابتداء بإحرام حجة الإسلام، فإنه لو أحرم ~~من الميقات ابتداء بحجة الإسلام أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، وعن حرمة ~~الميقات، وصار كمن دخل المسجد وأدى فرض الوقت، قام ذلك مقام تحية المسجد. # وكذا لو نذر أن يعتكف شهر رمضان فصام رمضان معتكفا جاز، وقام صوم رمضان ~~مقام الصوم الذي هو شرط الاعتكاف، بخلاف ما إذا تحولت السنة؛ لأنه لما لم ~~يقض حق البقعة حتى تحولت السنة صار مفوتا حقها فصار ذلك دينا عليه، وصار ~~أصلا، ومقصودا بنفسه، فلا يتأدى بغيره كمن نذر أن يعتكف شهر رمضان فلم يصم، ~~ولم يعتكف حتى قضى شهر رمضان مع الاعتكاف جاز، فإن صام رمضان، ولم يعتكف ~~فيه حتى دخل شهر رمضان القابل فاعتكف فيه قضاء عما عليه لا يجوز؛ لأن الصوم ~~صار أصلا ومقصودا بنفسه كذا هذا، وكذلك لو أحرم بعمرة منذورة في السنة ~~الثانية لم يجزه؛ لأنه يكره تأخير العمرة إلى يوم النحر، وأيام التشريق، ~~فإذا صار إلى وقت يكره تأخير العمرة إليه صار تأخيرها كتفويتها، فإن دخل ~~مكة بغير إحرام ثم خرج فعاد إلى أهله ثم عاد إلى مكة فدخلها بغير إحرام، ~~وجب عليه لكل واحد من الدخولين حجة أو عمرة؛ لأن كل واحد من الدخولين سبب ~~الوجوب. # فإن أحرم بحجة الإسلام جاز عن الدخول الثاني إذا كان في سنته، ولم يجز عن ~~الدخول الأول؛ لأن الواجب قبل الدخول الثاني صار دينا، فلا يسقط إلا بتعيين ~~النية، هذا إذا جاوز أحد هذه المواقيت الخمسة يريد الحج أو العمرة أو دخول ~~مكة أو الحرم بغير إحرام، فأما إذا لم يرد ذلك، وإنما أراد أن يأتي بستان ~~بني عامر أو غيره لحاجة فلا شيء عليه؛ لأن لزوم الحج أو العمرة بالمجاوزة ~~من غير إحرام لحرمة الميقات ms1124 تعظيما للبقعة وتمييزا لها من بين سائر البقاع ~~في الشرف والفضيلة، فيصير ملتزما للإحرام منه، فإذا لم يرد البيت لم يصر ~~ملتزما للإحرام فلا يلزمه شيء، فإن حصل في البستان أو ما وراءه من الحل ثم ~~بدا له أن يدخل مكة لحاجة من غير إحرام، فله ذلك؛ لأنه بوصوله إلى أهل ~~البستان صار كواحد من أهل البستان، ولأهل البستان أن يدخلوا مكة لحاجة من ~~غير إحرام فكذا له، وقيل: إن هذا هو الحيلة في إسقاط الإحرام عن نفسه. # وروي عن أبي يوسف: أنه لا يسقط عنه الإحرام، ولا يجوز له أن يدخل مكة ~~بغير إحرام ما لم يجاوز الميقات بنية أن يقيم بالبستان خمسة عشر يوما ~~فصاعدا؛ لأنه لا يثبت للبستان حكم الوطن في حقه إلا بنية مدة الإقامة، وأقل ~~مدة الإقامة خمسة عشر يوما. # وأما الصنف الثاني فميقاتهم للحج أو العمرة دويرة أهلهم أو حيث شاءوا من ~~الحل الذي بين دويرة أهلهم وبين الحرم لقوله عز وجل: {وأتموا الحج والعمرة ~~لله} [البقرة: 196] روينا عن علي، وابن مسعود - رضي الله عنهما - أنهما ~~قالا حين سئلا عن هذه الآية: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، فلا ~~يجوز لهم أن يجاوزوا ميقاتهم للحج أو العمرة إلا محرمين، والحل الذي بين ~~دويرة أهلهم وبين الحرم كشيء واحد، فيجوز إحرامهم إلى آخر أجزاء الحل كما ~~يجوز إحرام الآفاقي من دويرة أهله إلى آخر أجزاء ميقاته، فلو جاوز أحد منهم ~~ميقاته يريد الحج أو العمرة فدخل الحرم من غير إحرام فعليه دم، ولو عاد إلى ~~الميقات قبل أن يحرم أو بعد ما أحرم، فهو على التفصيل والاتفاق والاختلاف ~~الذي ذكرنا في الآفاقي إذا جاوز الميقات بغير إحرام. # وكذلك الآفاقي إذا حصل في البستان، أو المكي إذا خرج إليه فأراد أن يحج ~~أو يعتمر فحكمه حكم أهل البستان، وكذلك البستاني أو المكي إذا خرج إلى ~~الآفاق صار حكمه حكم أهل الآفاق لا تجوز مجاوزته ميقات أهل الآفاق. # وهو يريد الحج أو العمرة إلا محرما لما ms1125 روينا من الحديثين، ويجوز لمن كان ~~من أهل هذا الميقات وما بعده دخول مكة لغير الحج أو العمرة بغير إحرام ~~عندنا، ولا يجوز ذلك في أحد قولي الشافعي، وذكر في قوله الثالث: إذا تكرر ~~دخولهم يجب عليهم الإحرام في كل سنة مرة، والصحيح: قولنا لما روي عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه «رخص للحطابين أن يدخلوا مكة بغير إحرام» ، ~~وعادة الحطابين أنهم لا يتجاوزون الميقات. # وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه خرج من مكة إلى قديد، فبلغه خبر ~~فتنة بالمدينة، فرجع ودخل مكة بغير إحرام، ولأن البستان من توابع الحرم ~~فيلحق به، ولأن مصالح أهل البستان # PageV02P166 # تتعلق بمكة فيحتاجون إلى الدخول في كل وقت، فلو منعوا من الدخول إلا ~~بإحرام لوقعوا في الحرج، وأنه منفي شرعا. # وأما الصنف الثالث فميقاتهم للحج: الحرم، وللعمرة: الحل فيحرم المكي من ~~دويرة أهله للحج أو حيث شاء من الحرم، ويحرم للعمرة من الحل، وهو التنعيم ~~أو غيره. # أما الحج فلقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] ، ~~وروينا عن علي، وابن مسعود - رضي الله عنهما - أنهما قالا: إتمامهما أن ~~تحرم بهما من دويرة أهلك إلا أن العمرة صارت مخصوصة في حق أهل الحرم فبقي ~~الحج مرادا في حقهم. # وروي: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أمر أصحابه بفسخ إحرام ~~الحج بعمل العمرة أمرهم يوم التروية أن يحرموا بالحج من المسجد، وفسخ إحرام ~~الحج بعمل العمرة» ، وإن نسخ فالإحرام من المسجد لم ينسخ. # وإن شاء أحرم من الأبطح أو حيث شاء من الحرم لكن من المسجد أولى؛ لأن ~~الإحرام عبادة، وإتيان العبادة في المسجد أولى كالصلاة. # وأما العمرة فلما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أراد ~~الإفاضة من مكة دخل على عائشة - رضي الله عنها - وهي تبكي فقالت: أكل نسائك ~~يرجعن بنسكين، وأنا أرجع بنسك واحد فأمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي ~~الله عنه - أن يعتمر بها من التنعيم» ، ولأن من شأن الإحرام أن يجتمع في ms1126 ~~أفعاله الحل والحرم، فلو أحرم المكي بالعمرة من مكة، وأفعال العمرة تؤدى ~~بمكة لم يجتمع في أفعالها الحل والحرم، بل يجتمع كل أفعالها في الحرم، وهذا ~~خلاف عمل الإحرام في الشرع، والأفضل أن يحرم من التنعيم؛ لأن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أحرم منه. # وكذا أصحابه - رضي الله عنهم - كانوا يحرمون لعمرتهم منه، وكذلك من حصل ~~في الحرم من غير أهله فأراد الحج أو العمرة فحكمه حكم أهل الحرم؛ لأنه صار ~~منهم فإذا أراد أن يحرم للحج أحرم من دويرة أهله أو حيث شاء من الحرم، وإذا ~~أراد أن يحرم بالعمرة يخرج إلى التنعيم، ويهل بالعمرة في الحل، ولو ترك ~~المكي ميقاته فأحرم للحج من الحل وللعمرة من الحرم يجب عليه الدم، إلا إذا ~~عاد، وجدد التلبية أو لم يجدد على التفصيل والاختلاف الذي ذكرنا في ~~الآفاقي، ولو خرج من الحرم إلى الحل ولم يجاوز الميقات ثم أراد أن يعود إلى ~~مكة، له أن يعود إليها من غير إحرام؛ لأن أهل مكة يحتاجون إلى الخروج إلى ~~الحل للاحتطاب والاحتشاش والعود إليها، فلو ألزمناهم الإحرام عند كل خروج ~~لوقعوا في الحرج. ### | [فصل بيان ما يحرم به المحرمون] # (فصل) : # وأما بيان ما يحرم به، فما يحرم به في الأصل ثلاثة أنواع: الحج وحده، ~~والعمرة وحدها، والعمرة مع الحج، وعلى حسب تنوع المحرم به يتنوع المحرمون، ~~وهم في الأصل أنواع ثلاثة: مفرد بالحج، ومفرد بالعمرة، وجامع بينهما، ~~فالمفرد بالحج هو الذي يحرم بالحج لا غير، والمفرد بالعمرة هو الذي يحرم ~~بالعمرة لا غير. # وأما الجامع بينهما فنوعان: قارن، ومتمتع، فلا بد من بيان معنى القارن ~~والمتمتع في عرف الشرع، وبيان ما يجب عليهما بسبب القران والتمتع، وبيان ~~الأفضل من أنواع ما يحرم به: أنه الإفراد أو القران أو التمتع. # أما القارن في عرف الشرع، فهو اسم لآفاقي يجمع بين إحرام العمرة وإحرام ~~الحج قبل وجود ركن العمرة، وهو الطواف كله أو أكثره، فيأتي بالعمرة أولا ثم ~~يأتي بالحج قبل أن يحل من ms1127 العمرة بالحلق أو التقصير، سواء جمع بين ~~الإحرامين بكلام موصول أو مفصول، حتى لو أحرم بالعمرة ثم أحرم بالحج بعد ~~ذلك قبل الطواف للعمرة أو أكثره كان قارنا لوجود معنى القران، وهو الجمع ~~بين الإحرامين وشرطه، ولو كان إحرامه للحج بعد طواف العمرة أو أكثره لا ~~يكون قارنا، بل يكون متمتعا لوجود معنى التمتع، وهو أن يكون إحرامه بالحج ~~بعد وجود ركن العمرة كله وهو الطواف سبعة أشواط، أو أكثره وهو أربعة أشواط ~~على ما نذكر في تفسير المتمتع إن شاء الله تعالى. # وكذلك لو أحرم بالحجة أولا ثم بعد ذلك أحرم بالعمرة يكون قارنا لإتيانه ~~بمعنى القران، إلا أنه يكره له ذلك؛ لأنه مخالفة السنة؛ إذ السنة تقديم ~~إحرام العمرة على إحرام الحج. # ألا ترى أنه يقدم العمرة على الحجة في الفعل فكذا في القول، ثم إذا فعل ~~ذلك ينظر، إن أحرم بالعمرة قبل أن يطوف لحجته عليه أن يطوف أولا لعمرته ~~ويسعى لها ثم يطوف لحجته ويسعى لها مراعاة للترتيب في الفعل، فإن لم يطف ~~للعمرة، ومضى إلى عرفات، ووقف بها صار رافضا لعمرته؛ لأن العمرة تحتمل ~~الارتفاض لأجل الحجة في الجملة، لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - «أنها ~~قدمت مكة معتمرة فحاضت، فقال لها النبي: - صلى الله عليه وسلم - ارفضي ~~عمرتك، وأهلي # PageV02P167 # بالحج، واصنعي في حجتك ما يصنع الحاج» ، وههنا وجد دليل الارتفاض، وهو ~~الوقوف بعرفة؛ لأنه اشتغال بالركن الأصلي للحج فيتضمن ارتفاض العمرة ضرورة، ~~لفوات الترتيب في الفعل، وهل يرتفض بنفس التوجه إلى عرفات؟ ، ذكر في الجامع ~~الصغير أنه لا يرتفض، وذكر في كتاب المناسك فيه القياس والاستحسان، فقال: ~~القياس أن يرتفض، وفي الاستحسان لا يرتفض، عنى به القياس على أصل أبي حنيفة ~~في باب الصلاة فيمن صلى الظهر يوم الجمعة في منزله ثم خرج إلى الجمعة أنه ~~يرتفض ظهره عنده، كذا ههنا ينبغي أن ترتفض عمرته بالقياس على ذلك إلا أنه ~~استحسن وقال: لا يرتفض ما لم يقف بعرفات، وفرق بين العمرة وبين الصلاة. ms1128 # ووجه الفرق له أن السعي إلى الجمعة من ضرورات أداء الجمعة، وأداء الجمعة ~~ينافي بقاء الظهر فكذا ما هو من ضروراته إذ الثابت ضرورة شيء ملحق به، ~~وههنا التوجه إلى عرفات وإن كان من ضرورات الوقوف بها، لكن الوقوف لا ينافي ~~بقاء العمرة صحيحة، فإن عمرة القارن والمتمتع تبقى صحيحة مع الوقوف بعرفة، ~~وإنما الحاجة ههنا إلى مراعاة الترتيب في الأفعال، فما لم توجد أركان الحج ~~قبل أركان العمرة لا يوجد فوات الترتيب، وذلك هو الوقوف بعرفة، فأما التوجه ~~فليس بركن، فلا يوجب فوات الترتيب في الأفعال، وإن كان طاف للحج ثم أحرم ~~بالعمرة فالمستحب له أن يرفض عمرته لمخالفته السنة في الفعل، إذ السنة هي ~~تقديم أفعال العمرة على أفعال الحج، فإذا ترك التقديم فقد تحققت البدعة ~~فيستحب له أن يرفض لكن لا يؤمر بذلك حتما؛ لأن المؤدى من أفعال الحج، وهو ~~طواف اللقاء ليس بركن، ولو مضى عليها أجزأه؛ لأنه أتى بأصل النسك، وإنما ~~ترك السنة بترك الترتيب في الفعل، وإنه يوجب الإساءة دون الفساد، وعليه دم ~~القران؛ لأنه قارن لجمعه بين إحرام الحجة والعمرة، والقران جائز مشروع، ولو ~~رفضها يقضيها؛ لأنها لزمته بالشروع فيها، وعليه دم لرفضها؛ لأن رفض العمرة ~~فسخ للإحرام بها، وأنه أعظم من إدخال النقص في الإحرام، وذا يوجب الدم فهذا ~~أولى، والله تعالى أعلم. # وأما المتمتع في عرف الشرع: فهو اسم لآفاقي يحرم بالعمرة، ويأتي بأفعالها ~~من الطواف والسعي، أو يأتي بأكثر ركنها. # وهو الطواف أربعة أشواط أو أكثر في أشهر الحج، ثم يحرم بالحج في أشهر ~~الحج، ويحج من عامه ذلك قبل أن يلم بأهله فيما بين ذلك إلماما صحيحا، فيحصل ~~له النسكان في سفر واحد، سواء حل من إحرام العمرة بالحلق أو التقصير، أو لم ~~يحل، إذا كان ساق الهدي لمتعته فإنه لا يجوز التحلل بينهما. # ويحرم بالحج قبل أن يحل من إحرام العمرة، وهذا عندنا. # وقال الشافعي: سوق الهدي لا يمنع من التحلل فصار المتمتع نوعين: متمتع لم ~~يسق الهدي، ms1129 ومتمتع ساق الهدي فالذي لم يسق الهدي يجوز له التحلل إذا فرغ من ~~أفعال العمرة بلا خلاف، وإذا تحلل صار حلالا كسائر المتحللين إلى أن يحرم ~~بالحج؛ لأنه إذا تحلل من العمرة فقد خرج منها، ولم يبق عليه شيء فيقيم بمكة ~~حلالا أي لا يلم بأهله؛ لأن الإلمام بالأهل يفسد التمتع. # وأما الذي ساق الهدي، فإنه لا يحل له التحلل إلا يوم النحر بعد الفراغ من ~~الحج عندنا، وعند الشافعي يحل له التحلل، وسوق الهدي لا يمنع من التحلل، ~~والصحيح قولنا لما روي عن أنس - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لما قدم مكة أمر أصحابه أن يحلقوا إلا من كان معه الهدي» ، وفي حديث ~~أسماء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من كان معه هدي فليقم على ~~إحرامه ومن لم يكن معه هدي فليحلق» . # وروي «أنه لما أمر أصحابه أن يحلقوا قالوا له: إنك لم تحل، فقال: إني سقت ~~الهدي فلا أحل من إحرامي إلى يوم النحر» . # وقال: - صلى الله عليه وسلم - «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت ~~الهدي وتحللت كما أحلوا» فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الذي ~~منعه من الحل سوق الهدي، ولأن لسوق الهدي أثرا في الإحرام حتى يصير به ~~داخلا في الإحرام، فجاز أن يكون له أثر في حال البقاء حتى يمنع من التحلل، ~~وسواء كان إحرامه للعمرة في أشهر الحج أو قبلها عندنا، بعد أن يأتي بأفعال ~~العمرة أو ركنها أو بأكثر الركن في الأشهر أنه يكون متمتعا. # وعند الشافعي شرط كونه متمتعا: الإحرام بالعمرة في الأشهر، حتى لو أحرم ~~بها قبل الأشهر لا يكون متمتعا، وإن أتى بأفعالها في الأشهر، والكلام فيه ~~بناء على أصل قد ذكرناه فيما تقدم، وهو أن الإحرام عنده ركن فكان من أفعال ~~العمرة، فلا بد من وجود أفعال العمرة في أشهر الحج، ولم يوجد بل وجد بعضها ~~في الأشهر. # وعندنا ليس بركن، بل هو شرط فتوجد # PageV02P168 # أفعال العمرة في الأشهر ms1130 فيكون متمتعا، وليس لأهل مكة، ولا لأهل داخل ~~المواقيت التي بينها وبين مكة: قران ولا تمتع. # وقال الشافعي: يصح قرانهم وتمتعهم. # وجه قوله قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} ~~[البقرة: 196] من غير فصل بين أهل مكة وغيرهم، ولنا قوله تعالى: {ذلك لمن ~~لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة: 196] جعل التمتع لمن لم يكن ~~أهله حاضري المسجد الحرام على الخصوص؛ لأن اللام للاختصاص ثم حاضرو المسجد ~~الحرام هم أهل مكة وأهل الحل الذين منازلهم داخل المواقيت الخمسة. # وقال مالك: هم أهل مكة خاصة؛ لأن معنى الحضور لهم. # وقال الشافعي: هم أهل مكة. # ومن كان بينه وبين مكة مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ لأنه إذا كان كذلك كان ~~من توابع مكة، وإلا فلا، والصحيح قولنا؛ لأن الذين هم داخل المواقيت الخمسة ~~منازلهم من توابع مكة، بدليل أنه يحل لهم أن يدخلوا مكة لحاجة بغير إحرام، ~~فكانوا في حكم حاضري المسجد الحرام. # وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ليس لأهل مكة تمتع، ولا قران، ~~ولأن دخول العمرة في أشهر الحج ثبت رخصة لقوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} ~~[البقرة: 197] قيل في بعض وجوه التأويل: أي للحج أشهر معلومات، واللام ~~للاختصاص فيقتضي اختصاص هذه الأشهر بالحج، وذلك بأن لا يدخل فيها غيره إلا ~~أن العمرة دخلت فيها رخصة للآفاقي ضرورة تعذر إنشاء السفر للعمرة نظرا له ~~بإسقاط أحد السفرين، وهذا المعنى لا يوجد في حق أهل مكة. # ومن بمعناهم فلم تكن العمرة مشروعة في أشهر الحج في حقهم. # وكذا روي عن ذلك الصحابي أنه قال: كنا نعد العمرة في أشهر الحج من أكبر ~~الكبائر ثم رخص، والثابت بطريق الرخصة يكون ثابتا بطريق الضرورة، والضرورة ~~في حق أهل الآفاق لا في حق أهل مكة على ما بينا، فبقيت العمرة في أشهر الحج ~~في حقهم معصية، ولأن من شرط التمتع أن تحصل العمرة والحج للمتمتع في أشهر ~~الحج من غير أن يلم بأهله فيما بينهما. # وهذا لا يتحقق ms1131 في حق المكي؛ لأنه يلم بأهله فيما بينهما لا محالة فلم ~~يوجد شرط التمتع في حقه. # ولو جمع المكي بين العمرة والحج في أشهر الحج فعليه دم، لكن دم كفارة ~~الذنب لا دم نسك، شكرا للنعمة عندنا حتى لا يباح له أن يأكل منه، ولا يقوم ~~الصوم مقامه إذا كان معسرا، وعنده هو دم نسك، يجوز له أن يأكل منه، ويقوم ~~الصوم مقامه إذا لم يجد الهدي. # ولو أحرم الآفاقي بالعمرة قبل أشهر الحج فدخل مكة محرما بالعمرة، وهو ~~يريد التمتع فينبغي أن يقيم محرما حتى تدخل أشهر الحج فيأتي بأفعال العمرة، ~~ثم يحرم بالحج ويحج من عامه ذلك فيكون متمتعا، فإن أتى بأفعال العمرة أو ~~بأكثرها قبل أشهر الحج ثم دخل أشهر الحج فأحرم بالحج وحج من عامه ذلك، لم ~~يكن متمتعا؛ لأنه لم يتم له الحج والعمرة في أشهر الحج. # ولو أحرم بعمرة أخرى بعد ما دخل أشهر الحج لم يكن متمتعا في قولهم جميعا؛ ~~لأنه صار في حكم أهل مكة بدليل أنه صار ميقاتهم ميقاته، فلا يصح له التمتع ~~إلا أن يعود إلى أهله ثم يعود إلى مكة محرما بالعمرة في قول أبي حنيفة، وفي ~~قولهما: إلا أن يعود إلى أهله أو إلى موضع يكون لأهله التمتع والقران على ~~ما نذكر. # ولو أحرم من لا تمتع له من المكي ونحوه بعمرة، ثم أحرم بحجة يلزمه رفض ~~أحدهما؛ لأن الجمع بينهما معصية، والنزوع عن المعصية لازم ثم ينظر: إن أحرم ~~بعمرة ثم أحرم بحجة قبل أن يطوف لعمرته رأسا فإنه يرفض العمرة؛ لأنها أقل ~~عملا، والحج أكثر عملا فكانت العمرة أخف مؤنة من الحجة فكان رفضها أيسر، ~~ولأن المعصية حصلت بسببها؛ لأنها هي التي دخلت في وقت الحج فكانت أولى ~~بالرفض، ويمضي على حجته، وعليه لرفض عمرته دم، وعليه قضاء العمرة لما نذكر، ~~وإن كان طاف لعمرته جميع الطواف أو أكثره لا يرفض العمرة، بل يرفض الحج؛ ~~لأن العمرة مؤداة، والحج غير مؤدى فكان رفض الحج امتناعا عن ms1132 الأداء، ورفض ~~العمرة إبطالا للعمل، والامتناع عن العمل دون إبطال العمرة فكان أولى، وإن ~~كان طاف لها شوطا أو شوطين أو ثلاثة يرفض الحج في قول أبي حنيفة، وفي قول ~~أبي يوسف، ومحمد يرفض العمرة. # وجه قولهما أن رفض العمرة أدنى، وأخف مؤنة، ألا ترى أنها سميت الحجة ~~الصغرى فكانت أولى بالرفض، ولا عبرة بالقدر المؤدى منها؛ لأنه أقل، والأكثر ~~غير مؤدى، والأقل بمقابلة الأكثر ملحق بالعدم فكأنه لم يؤد شيئا منها، ~~والله أعلم. # ولأبي حنيفة أن رفض الحجة امتناع من العمل، ورفض العمرة إبطال للعمل، ~~والامتناع دون الإبطال فكان أولى، وبيان ذلك أنه لم يوجد للحج عمل؛ لأنه لم ~~يوجد له إلا الإحرام، وأنه ليس من # PageV02P169 # الأداء في شيء؛ لأنه شرط وليس بركن عندنا على ما بينا فيما تقدم، فلا ~~يكون رفض الحج إبطالا للعمل بل يكون امتناعا، فأما العمرة فقد أدى منها ~~شيئا وإن قل، وكان رفضها إبطالا لذلك القدر من العمل، فكان الامتناع أولى ~~لما قلنا، وإذا رفض الحجة عنه فعليه لرفضها دم، وقضاء حجة، وعمرة، وإذا رفض ~~العمرة عندهما فعليه لرفضها دم وقضاء عمرة، والأصل في جنس هذه المسائل أن ~~كل من لزمه رفض عمرة فرفضها، فعليه لرفضها دم؛ لأنه تحلل منها قبل وقت ~~التحلل، فيلزمه الدم كالمحصر، وعليه عمرة مكانها قضاء؛ لأنها قد وجبت عليه ~~بالشروع، فإذا أفسدها يقضيها. # وكل من لزمه رفض حجة فرفضها فعليه لرفضها دم، وعليه حجة وعمرة أما لزوم ~~الدم لرفضها فلما ذكرنا في العمرة. # وأما لزوم الحجة والعمرة، فأما الحجة فلوجوبها بالشروع، وأما العمرة ~~فلعدم إتيانه بأفعال الحجة في السنة التي أحرم فيها فصار كفائت الحج، ~~فيلزمه العمرة كما يلزم فائت الحج، فإن أحرم بالحجة من سنته فلا عمرة عليه، ~~وكل من لزمه رفض أحدهما فمضى فيها فعليه دم؛ لأن الجمع بينهما معصية فقد ~~أدخل النقص في أحدهما فيلزمه دم، لكنه يكون دم كفارة لا دم متعة، حتى لا ~~يجوز له أن يأكل منه، ولا يجزئه الصوم إن كان معسرا. ms1133 # ومما يتصل بهذه المسائل ما إذا أحرم بحجتين معا أو بعمرتين معا، قال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف: لزمتاه جميعا. # وقال محمد: لا يلزمه إلا إحداهما، وبه أخذ الشافعي. # وجه قول محمد أنه إذا أحرم بعبادتين لا يمكنه المضي فيهما جميعا، فلا ~~ينعقد إحرامه بهما جميعا، كما لو أحرم بصلاتين أو صومين، بخلاف ما إذا أحرم ~~بحجة وعمرة؛ لأن المضي فيهما ممكن فيصح إحرامه بهما كما لو نوى صوما وصلاة، ~~ولأبي حنيفة وأبي يوسف أنه أحرم بما يقدر عليه في وقتين، فيصح إحرامه كما ~~لو أحرم بحجة وعمرة معا، وثمرة هذا الاختلاف تظهر في وجوب الجزاء، إذا قتل ~~صيدا عندهما يجب جزاءان لانعقاد الإحرام بهما جميعا. # وعنده يجب جزاء واحد لانعقاد الإحرام بإحداهما، ثم اختلف أبو حنيفة وأبو ~~يوسف في وقت ارتفاض إحداهما عند أبي يوسف يرتفض عقيب الإحرام بلا فصل، وعن ~~أبي حنيفة روايتان: في الرواية المشهورة عنه يرتفض إذا قصد مكة، وفي رواية ~~لا يرتفض حتى يبتدئ بالطواف. # ولو أحرم الآفاقي بالعمرة فأداها في أشهر الحج وفرغ منها، وحل من عمرته، ~~ثم عاد إلى أهله حلالا، ثم رجع إلى مكة وأحرم بالحج، وحج من عامه ذلك: لم ~~يكن متمتعا حتى لا يلزمه الهدي بل يكون مفردا بعمرة، ومفردا بحجة؛ لأنه ألم ~~بأهله بين الإحرامين إلماما صحيحا، وهذا يمنع التمتع. # وقال الشافعي: لا أعرف الإلمام، ونحن نقول: إن كنت لا تعرف معناه لغة ~~فمعناه في اللغة القرب، يقال: ألم به أي قرب منه. # وإن كنت لا تعرف حكمه شرعا، فحكمه أن يمنع التمتع لما روي عن عمر، وابن ~~عمر: - رضي الله عنهما - أن المتمتع إذا أقام بمكة صح تمتعه، وإن عاد إلى ~~أهله بطل تمتعه # وكذا روي عن جماعة من التابعين مثل سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ~~وإبراهيم النخعي، وطاوس، وعطاء - رضي الله عنهم - أنهم قالوا كذلك، ومثل ~~هذا لا يعرف رأيا واجتهادا، فالظاهر سماعهم ذلك من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ولأن التمتع في حق الآفاقي ثبت ms1134 رخصة ليجمع بين النسكين، ويصل ~~أحدهما بالآخر في سفر واحد من غير أن يتخلل بينهما ما ينافي النسك، وهو ~~الارتفاق، ولما ألم بأهله فقد حصل له مرافق الوطن فبطل الاتصال، والله ~~تعالى أعلم. # ولو رجع إلى مكة بعمرة أخرى، وحج كان متمتعا؛ لأن حكم العمرة الأولى قد ~~سقط بإلمامه بأهله فيتعلق الحكم بالثانية، وقد جمع بينهما وبين الحجة في ~~أشهر الحج من غير إلمام فكان متمتعا. # ولو كان إلمامه بأهله بعد ما طاف لعمرته قبل أن يحلق أو يقصر، ثم حج من ~~عامه ذلك قبل أن يحل من العمرة في أهله فهو متمتع؛ لأن العود مستحق عليه ~~لأجل الحلق؛ لأن من جعل الحرم شرطا لجواز الحلق - وهو أبو حنيفة ومحمد - لا ~~بد من العود، وعند من لم يجعله شرطا، وهو أبو يوسف كان العود مستحبا إن لم ~~يكن مستحقا. # وأما الإلمام الفاسد الذي لا يمنع صحة التمتع فهو أن يسوق الهدي، فإذا ~~فرغ من العمرة عاد إلى وطنه فلا يبطل تمتعه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ~~حتى لو عاد إلى مكة فأحرم بالحج وحج من عامه ذلك، كان متمتعا في قولهما. # وعند محمد يبطل تمتعه حتى لو حج من عامه ذلك: لم يكن متمتعا. # وجه قول محمد: أن المانع من صحة التمتع وهو الإلمام بالأهل قد وجد، ~~والعود غير مستحق عليه بدليل أنه لو بدا له من التمتع جاز له ذبح الهدي ~~ههنا، وإذا لم يستحق عليه العود # PageV02P170 # صار كأن لم يسق الهدي. # ولو لم يسق الهدي يبطل تمتعه كذا هذا، ولهما أن العود مستحق عليه ما دام ~~على نية التمتع فيمنع صحة الإلمام، فلا يبطل تمتعه كالقارن إذا عاد إلى ~~أهله ثم ما ذكرنا من بطلان التمتع بالإلمام الصحيح إذا عاد إلى أهله، فأما ~~إذا عاد إلى غير أهله بأن خرج من الميقات ولحق بموضع لأهله القران والتمتع ~~كالبصرة مثلا أو نحوها، واتخذ هناك دارا أو لم يتخذ، توطن بها أو لم يتوطن ~~ثم عاد إلى مكة، وحج ms1135 من عامه ذلك، فهل يكون متمتعا؟ ذكر في الجامع الصغير ~~أنه يكون متمتعا، ولم يذكر الخلاف، وذكر القاضي أيضا أنه يكون متمتعا في ~~قولهم. # وذكر الطحاوي أنه يكون متمتعا في قول أبي حنيفة، وهذا وما إذا أقام بمكة ~~ولم يبرح منها سواء. # وأما في قول أبي يوسف، ومحمد فلا يكون متمتعا، ولحوقه بموضع لأهله التمتع ~~والقران، ولحوقه بأهله سواء. # وجه قولهما أنه لما جاوز الميقات، ووصل إلى موضع لأهله التمتع والقران ~~فقد بطل حكم السفر الأول، وخرج من أن يكون من أهل مكة لوجود إنشاء سفر آخر، ~~فلا يكون متمتعا كما لو رجع إلى أهله، ولأبي حنيفة أن وصوله إلى موضع لأهله ~~القران والتمتع لا يبطل السفر الأول، ما لم يعد إلى منزله؛ لأن المسافر ما ~~دام يتردد في سفره يعد ذلك كله منه سفرا واحدا ما لم يعد إلى منزله، ولم ~~يعد ههنا فكان السفر الأول قائما فصار كأنه لم يبرح من مكة فيكون متمتعا، ~~ويلزمه هدي المتعة. # ولو أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم أفسدها وأتمها على الفساد وحل منها، ثم ~~أحرم بالحج وحج من عامه ذلك قبل أن يقضيها: لم يكن متمتعا؛ لأنه لا يصير ~~متمتعا إلا بحصول العمرة والحجة، ولما أفسد العمرة فلم تحصل له العمرة ~~والحجة فلا يكون متمتعا. # ولو قضى عمرته وحج من عامه ذلك، فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه: فإن فرغ من ~~عمرته الفاسدة وحل منها ورجع إلى أهله، ثم عاد إلى مكة، وقضى عمرته، وأحرم ~~بالحج، وحج من عامه ذلك فإنه يكون متمتعا بالإجماع؛ لأنه لما لحق بأهله صار ~~من أهل التمتع، وقد أتى به فكان متمتعا، وإذا فرغ من عمرته الفاسدة، وحل ~~منها لكنه لم يخرج من الحرم أو خرج منه لكنه لم يجاوز الميقات حتى قضى ~~عمرته، وأحرم بالحج، لا يكون متمتعا بالإجماع؛ لأنه لما حل من عمرته ~~الفاسدة صار كواحد من أهل مكة، ولا تمتع لأهل مكة ويكون مسيئا وعليه ~~لإساءته دم، وإن فرغ من عمرته الفاسدة، وحل ms1136 منها، وخرج من الحرم، وجاوز ~~الميقات حتى قضى عمرته، ولحق بموضع لأهله التمتع والقران كالبصرة وغيرها، ~~ثم رجع إلى مكة، وقضى عمرته الفاسدة ثم أحرم بحج، وحج من عامه ذلك لم يكن ~~متمتعا في قول أبي حنيفة، كأنه لم يبرح من مكة، وفي قول أبي يوسف، ومحمد ~~يكون متمتعا كأنه لحق بأهله. # وجه قولهما أنه لما حصل في موضع لأهله التمتع والقران صار من أهل ذلك ~~الموضع، وبطل حكم ذلك السفر، ثم إذا قدم مكة كان هذا إنشاء سفر، وقد حصل له ~~نسكان في هذا السفر، وهو عمرة وحجة فيكون متمتعا كما لو رجع إلى أهله ثم ~~عاد إلى مكة، وقضى عمرته في أشهر الحج وأحرم بالحج، وحج من عامه ذلك أنه ~~يكون متمتعا، كذا هذا، بخلاف ما إذا اتخذ مكة دارا؛ لأنه صار من أهل مكة، ~~ولا تمتع لأهل مكة، ولأبي حنيفة: أن حكم السفر الأول باق؛ لأن الإنسان إذا ~~خرج من وطنه مسافرا فهو على حكم السفر ما لم يعد إلى وطنه، وإذا كان حكم ~~السفر الأول باقيا، فلا عبرة بقدومه البصرة، واتخاذه دارا بها، فصار كأنه ~~أقام بمكة لم يبرح منها حتى قضى عمرته الفاسدة، وإذا كان كذلك لم يكن ~~متمتعا، ولم يلزمه الدم؛ لأنه لما أفسد العمرة لزمه أن يقضيها من مكة، وهو ~~أن يحرم بالعمرة من ميقات أهل مكة للعمرة، وذلك دليل إلحاقه بأهل مكة، ~~فصارت عمرته وحجته مكيتين لصيرورة ميقاته للحج والعمرة ميقات أهل مكة، فلا ~~يكون متمتعا لوجود الإلمام بمكة كما فرغ من عمرته، وصار كالمكي إذا خرج إلى ~~أقرب الآفاق، وأحرم بالعمرة ثم عاد إلى مكة، وأتى بالعمرة ثم أحرم بالحج، ~~وحج من عامه ذلك لم يكن متمتعا، كذا هذا بخلاف ما إذا رجع إلى وطنه؛ لأنه ~~إذا رجع إلى وطنه فقد قطع حكم السفر الأول بابتداء سفر آخر فانقطع حكم كونه ~~بمكة، فبعد ذلك إذا أتى مكة وقضى العمرة، وحج فقد حصل له النسكان في سفر ~~واحد فصار متمتعا، هذا إذا ms1137 أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم أفسدها وأتمها على ~~الفساد. # فأما إذا أحرم بها قبل أشهر الحج ثم أفسدها وأتمها على الفساد، فإن لم ~~يخرج من الميقات حتى دخل أشهر الحج، وقضى عمرته في أشهر الحج ثم أحرم ~~بالحج، وحج من عامه ذلك، فإنه لا يكون متمتعا بالإجماع، وحكمه كمكي تمتع؛ ~~لأنه صار كواحد من # PageV02P171 # أهل مكة لما ذكرنا، ويكون مسيئا، وعليه لإساءته دم، وإن عاد إلى أهله ثم ~~عاد إلى مكة محرما بإحرام العمرة، وقضى عمرته في أشهر الحج ثم أحرم بالحج، ~~وحج من عامه ذلك يكون متمتعا بالإجماع لما مر. # وإن عاد إلى غير أهله، ولحق بموضع لأهله التمتع والقران، ثم عاد إلى مكة ~~محرما بإحرام العمرة وقضى عمرته في أشهر الحج، ثم أحرم بالحج، وحج من عامه ~~ذلك. # فهذا على وجهين في قول أبي حنيفة، في وجه يكون متمتعا، وهو ما إذا رأى ~~هلال شوال خارج الميقات ثم عاد إلى مكة محرما بإحرام العمرة، وقضى عمرته في ~~أشهر الحج ثم أحرم بالحج، وحج من عامه ذلك، وفي وجه لا يكون متمتعا، وهو ما ~~إذا رأى هلال شوال داخل الميقات. # وعند أبي يوسف ومحمد يكون متمتعا في الوجهين جميعا، لهما أن لحوقه بذلك ~~الموضع بمنزلة لحوقه بأهله. # ولو لحق بأهله يكون متمتعا فكذا هذا. # ولأبي حنيفة أن في الوجه الأول أدركته أشهر الحج، وهو من أهل التمتع؛ ~~لأنها أدركته خارج الميقات، وفي الوجه الثاني أدركته، وهو ليس من أهل ~~التمتع لكونه ممنوعا شرعا عن التمتع، ولا يزول المنع حتى يلحق بأهله. # ولو اعتمر في أشهر الحج ثم عاد إلى أهله قبل أن يحل من عمرته، وألم بأهله ~~وهو محرم ثم عاد إلى مكة بذلك الإحرام، وأتم عمرته ثم حج من عامه ذلك فهذا ~~على ثلاثة أوجه، فإن كان طاف لعمرته شوطا أو شوطين أو ثلاثة أشواط ثم عاد ~~إلى أهله وهو محرم، ثم رجع إلى مكة بذلك الإحرام، وأتم عمرته، وحج من عامه ~~ذلك فإنه يكون متمتعا بالإجماع، ms1138 وإن اعتمر، وحل من عمرته ثم عاد إلى أهله ~~حلالا، ثم عاد إلى مكة، وحج من عامه ذلك، لا يكون متمتعا بالإجماع؛ لأن ~~إلمامه بأهله صحيح، وأنه يمنع التمتع، وإن رجع إلى أهله بعد ما طاف أكثر ~~طواف عمرته أو كله، ولم يحل بعد ذلك، وألم بأهله محرما ثم عاد، وأتم بقية ~~عمرته، وحج من عامه ذلك، فإنه يكون متمتعا في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ~~وفي قول محمد لا يكون متمتعا، وجه قوله: أنه أدى العمرة بسفرين، وأكثرها ~~حصل في السفر الأول، وهذا يمنع التمتع، ولهما أن إلمامه بأهله لم يصح بدليل ~~أنه يباح له العود إلى مكة بذلك الإحرام من غير أن يحتاج إلى إحرام جديد، ~~فصار كأنه أقام بمكة # وكذا لو اعتمر في أشهر الحج، ومن نيته التمتع، وساق الهدي لأجل تمتعه ~~فلما فرغ منها عاد إلى أهله محرما ثم عاد، وحج من عامه ذلك فإنه يكون ~~متمتعا في قولهما؛ لأن إلمامه بأهله لم يصح، فصار كأنه أقام بمكة. # وعند محمد لا يكون متمتعا. # ولو خرج المكي إلى الكوفة فأحرم بها للعمرة ثم دخل مكة فأحرم بها للحج لم ~~يكن متمتعا؛ لأنه حصل له الإلمام بأهله بين الحجة والعمرة، فمنع التمتع ~~كالكوفي إذا رجع إلى أهله، وسواء ساق الهدي أو لم يسق، يعني إذا أحرم ~~بالعمرة بعد ما خرج إلى الكوفة، وساق الهدي لم يكن متمتعا، وسوقه الهدي لا ~~يمنع صحة إلمامه بخلاف الكوفي؛ لأن الكوفي إنما يمنع سوق الهدي صحة إلمامه؛ ~~لأن العود مستحق عليه. # فأما المكي فلا يستحق عليه العود، فصح إلمامه مع السوق كما يصح مع عدمه. # ولو خرج المكي إلى الكوفة فقرن صح قرانه؛ لأن القران يحصل بنفس الإحرام، ~~فلا يعتبر فيه الإلمام فصار بعوده إلى مكة كالكوفي إذا قرن ثم عاد إلى ~~الكوفة. # وذكر ابن سماعة عن محمد أن قران المكي بعد خروجه إلى الكوفة إنما يصح إذا ~~كان خروجه من مكة قبل أشهر الحج. # فأما إذا دخلت عليه أشهر الحج، وهو ms1139 بمكة ثم خرج إلى الكوفة فقرن لم يصح ~~قرانه؛ لأنه حين دخول الأشهر عليه كان على صفة لا يصح له التمتع، ولا ~~القران في هذه السنة؛ لأنه في أهله، فلا يتغير ذلك بالخروج إلى الكوفة، وفي ~~نوادر ابن سماعة عن محمد فيمن أحرم بعمرة في رمضان، وأقام على إحرامه إلى ~~شوال من قابل ثم طاف لعمرته في العام القابل من شوال ثم حج في ذلك العام ~~أنه متمتع؛ لأنه باق على إحرامه، وقد أتى بأفعال العمرة والحج في أشهر ~~الحج، فصار كأنه ابتدأ الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، وحج من عامه ذلك. # ولو فعل ذلك كان متمتعا كذا هذا، وبمثله من وجب عليه أن يتحلل من الحج ~~بعمرة فأخر إلى العام القابل فتحلل بعمرة في شوال، وحج من عامه ذلك لا يكون ~~متمتعا؛ لأنه ما أتى بأفعال العمرة لها، بل للتحلل عن إحرام الحج، فلم تقع ~~هذه الأفعال معتدا بها عن العمرة فلم يكن متمتعا بخلاف الفصل الأول. ### | [فصل بيان ما يجب على المتمتع والقارن بسبب التمتع والقران] # (فصل) : # وأما بيان ما يجب على المتمتع والقارن بسبب التمتع والقران، أما المتمتع ~~فيجب عليه الهدي بالإجماع، والكلام في الهدي في مواضع: في تفسير الهدي، وفي ~~بيان وجوبه، وفي بيان شرط الوجوب، وفي بيان صفة الواجب # PageV02P172 # وفي بيان مكان إقامته، وفي بيان زمان الإقامة أما الأول: فالهدي المذكور ~~في آية التمتع اختلف فيه الصحابة - رضي الله عنهم - روي عن علي، وابن عباس، ~~وابن مسعود - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: هو شاة، وعن ابن عمر، وعائشة: - ~~رضي الله عنهم - أنه بدنة أو بقرة، والحاصل: أن اسم الهدي يقع على الإبل، ~~والبقر، والغنم لكن الشاة ههنا مرادة من الآية الكريمة بإجماع الفقهاء حتى ~~أجمعوا على جوازها عن المتعة، والدليل عليه أيضا: ما روي «عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الهدي فقال: - صلى الله عليه وسلم - أدناه ~~شاة» إلا أن البدنة أفضل من البقرة، والبقرة أفضل من الشاة لقول النبي - ~~صلى ms1140 الله عليه وسلم - في تفسير الهدي: أدناه شاة، ففيه إشارة إلى أن أعلاه ~~البدنة والبقرة. # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «المبكر إلى الجمعة كالمهدي ~~بدنة ثم كالمهدي بقرة ثم كالمهدي شاة» . # وكذا النبي - صلى الله عليه وسلم - ساق البدن، ومعلوم أنه كان يختار من ~~الأعمال أفضلها، ولأن البدنة أكثر لحما وقيمة من البقرة، والبقرة أكثر لحما ~~وقيمة من الشاة، فكان أنفع للفقراء فكان أفضل. # وأما وجوبه فإنه واجب بالإجماع، وبقوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى ~~الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] أي: فعليه ذبح ما استيسر من الهدي ~~كما في قوله تعالى {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية} [البقرة: ~~196] الآية أي فحلق فعليه فدية، وقوله عز وجل: {فمن كان منكم مريضا أو على ~~سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] معناه فأفطر فليصم في عدة من أيام ~~أخر. # وأما شرط وجوبه فالقدرة عليه؛ لأن الله تعالى أوجب ما استيسر من الهدي، ~~ولا وجوب إلا على القادر، فإن لم يقدر فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجع إلى أهله لقوله عز وجل {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجعتم تلك عشرة كاملة} [البقرة: 196] . # معناه فمن لم يجد الهدي فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجعتم، ولا ~~يجوز له أن يصوم ثلاثة أيام في أشهر الحج قبل أن يحرم بالعمرة بلا خلاف، ~~وهل يجوز له بعد ما أحرم بالعمرة في أشهر الحج قبل أن يحرم بالحج، قال ~~أصحابنا: يجوز سواء طاف لعمرته أو لم يطف بعد أن أحرم بالعمرة. # وقال الشافعي: لا يجوز حتى يحرم بالحج، كذا ذكر الفقيه أبو الليث الخلاف. # وذكر إمام الهدى أبو منصور الماتريدي - رحمه الله - القياس: أن لا يجوز ~~ما لم يشرع في الحج، وهو قول زفر لقوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة ~~أيام في الحج} [البقرة: 196] ، وإنما يكون في الحج بعد الشروع فيه، وذلك ~~بالإحرام، ولأن على أصل الشافعي دم المتعة دم كفارة ms1141 وجب جبرا للنقص، وما لم ~~يحرم بالحج لا يظهر النقص، ولنا أن الإحرام بالعمرة سبب لوجود الإحرام ~~بالحجة فكان الصوم تعجيلا بعد وجود السبب فجاز، وقبل وجود العمرة لم يوجد ~~السبب فلم يجز، ولأن السنة في المتمتع أن يحرم بالحج عشية التروية. # كذا روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه بذلك، وإذا كانت ~~السنة في حقه الإحرام بالحج عشية التروية فلا يمكنه صيام الثلاثة الأيام ~~بعد ذلك، وإنما بقي له يوم واحد؛ لأن أيام النحر والتشريق قد نهي عن الصيام ~~فيها، فلا بد من الحكم بجواز الصوم بعد إحرام العمرة قبل الشروع في الحج. # وأما الآية فقد قيل في تأويلها: إن المراد منها وقت الحج، وهو الصحيح؛ إذ ~~الحج لا يصلح ظرفا للصوم، والوقت يصلح ظرفا له فصار تقدير الآية الشريفة: ~~فصيام ثلاثة أيام في وقت الحج، كما في قوله تعالى: {الحج أشهر معلومات} ~~[البقرة: 197] أي وقت الحج أشهر معلومات، وعلى هذا صارت الآية الشريفة حجة ~~لنا عليه؛ لأن الله تعالى أوجب على المتمتع صيام ثلاثة أيام في وقت الحج، ~~وهو أشهر الحج، وقد صام في أشهر الحج فجاز إلا أن زمان ما قبل الإحرام صار ~~مخصوصا من النص، والأفضل أن يصوم ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة بأن يصوم قبل ~~التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة؛ لأن الله تعالى جعل صيام ثلاثة ~~أيام بدلا عن الهدي، وأفضل أوقات البدل وقت اليأس عن الأصل لما يحتمل ~~القدرة على الأصل قبله، ولهذا كان الأفضل تأخير التيمم إلى آخر وقت الصلاة ~~لاحتمال وجود الماء قبله، وهذه الأيام آخر وقت هذا الصوم عندنا، فإذا مضت ~~ولم يصم فيها فقد فات الصوم وسقط عنه، وعاد الهدي، فإن لم يقدر عليه يتحلل، ~~وعليه دمان: دم التمتع، ودم التحلل قبل الهدي. # وعند الشافعي لا يفوت بمضي هذه الأيام، ثم له قولان: في قول يصومها في ~~أيام التشريق، وفي قول يصومها بعد أيام التشريق. # والصحيح قولنا لقوله تعالى {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في ms1142 الحج} ~~[البقرة: 196] أي في وقت الحج لما بينا عين وقت الحج لصوم هذه الأيام، إلا ~~أن يوم النحر خرج من أن # PageV02P173 # يكون وقتا لهذا الصوم بالإجماع، وما رواه ليس وقت الحج، فلا يكون محلا ~~لهذا الصوم، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: المتمتع إنما يصوم قبل ~~يوم النحر، وعن عمر - رضي الله عنه - أن رجلا أتاه يوم النحر، وهو متمتع لم ~~يصم، فقال له عمر - رضي الله عنه -: اذبح شاة، فقال الرجل ما أجدها، فقال ~~له عمر سل قومك، فقال: ليس ههنا منهم أحد، فقال عمر - رضي الله عنه -: يا ~~مغيث أعطه عني ثمن شاة، والظاهر أنه قال ذلك سماعا من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ لأن مثل ذلك لا يعرف رأيا واجتهادا. # وأما صوم السبعة، فلا يجوز قبل الفراغ من أفعال الحج بالإجماع، وهل يجوز ~~بعد الفراغ من أفعال الحج بمكة قبل الرجوع إلى الأهل؟ قال أصحابنا: يجوز. # وقال الشافعي: لا يجوز إلا بعد الرجوع إلى الأهل إلا إذا نوى الإقامة ~~بمكة فيصومها بمكة فيجوز، واحتج بقوله تعالى {وسبعة إذا رجعتم} [البقرة: ~~196] أي إذا رجعتم إلى أهليكم، ولنا هذه الآية بعينها؛ لأنه قال عز وجل: ~~{إذا رجعتم} [البقرة: 196] مطلقا، فيقتضي أنه إذا رجع من منى إلى مكة، ~~وصامها يجوز، وهكذا قال بعض أهل التأويل: إذا رجعتم من منى. # وقال بعضهم: إذا فرغتم من أفعال الحج، وقيل: إذا أتى وقت الرجوع. # ولو وجد الهدي قبل أن يشرع في صوم ثلاثة أيام أو في خلال الصوم أو بعد ما ~~صام فوجده في أيام النحر قبل أن يحلق أو يقصر: يلزمه الهدي، ويسقط حكم ~~الصوم عندنا. # وقال الشافعي لا يلزمه الهدي، ولا يبطل حكم الصوم، والصحيح قولنا؛ لأن ~~الصوم بدل عن الهدي، وقد قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل فبطل حكم ~~البدل كما لو وجد الماء في خلال التيمم. # ولو وجد الهدي في أيام الذبح أو بعد ما حلق أو قصر فحل قبل أن يصوم ~~السبعة صح صومه، ms1143 ولا يجب عليه الهدي؛ لأن المقصود من البدل، وهو التحلل قد ~~حصل، فالقدرة على الأصل بعد ذلك لا تبطل حكم البدل كما لو صلى بالتيمم ثم ~~وجد الماء، واختلف أبو بكر الرازي، وأبو عبد الله الجرجاني في صوم السبعة ~~قال الجرجاني: إنه ليس ببدل؛ بدليل أنه يجوز مع وجود الهدي بالإجماع، ولا ~~جواز للبدل مع وجود الأصل كما في التراب مع الماء ونحو ذلك. # وقال الرازي: إنه بدل؛ لأنه لا يجب إلا حال العجز عن الأصل، وجوازه حال ~~وجود الأصل لا يخرجه عن كونه بدلا. # ولو صام ثلاثة أيام، ولم يحل حتى مضت أيام الذبح ثم وجد الهدي فصومه ماض، ~~ولا هدي عليه، كذا روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، ذكره الكرخي في مختصره؛ ~~لأن الذبح يتوقت بأيام الذبح عندنا، فإذا مضت فقد حصل المقصود، وهو إباحة ~~التحلل فكأنه تحلل ثم وجد الهدي. # وأما صفة الواجب فقد اختلف فيها، قال أصحابنا: إنه دم نسك وجب شكرا لما ~~وفق للجمع بين النسكين بسفر واحد فله أن يأكل منه، ويطعم من شاء، غنيا كان ~~المطعم أو فقيرا ويستحب له أن يأكل الثلث، ويتصدق بالثلث، ويهدي الثلث ~~لأقربائه وجيرانه، سواء كانوا فقراء أو أغنياء كدم الأضحية لقوله عز وجل: ~~{فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} [الحج: 28] . # وقال الشافعي: إنه دم كفارة وجب جبرا للنقص بترك إحدى السفرتين؛ لأن ~~الإفراد أفضل عنده لا يجوز للغني أن يأكل منه، وسبيله سبيل دماء الكفارات. # وأما القارن فحكمه حكم المتمتع في وجوب الهدي عليه إن وجد، والصوم إن لم ~~يجد، وإباحة الأكل من لحمه للغني والفقير؛ لأنه في معنى المتمتع فيما لأجله ~~وجب الدم، وهو الجمع بين الحجة، والعمرة في سفر واحد. # وقد روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قارنا فنحر البدن، ~~وأمر عليا - رضي الله عنه - فأخذ من كل بدنة قطعة فطبخها، وأكل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - من لحمها، وحسا من مرقها» . # وأما مكان هذا الدم فالحرم، لا يجوز في غيره ms1144 لقوله تعالى: {والهدي معكوفا ~~أن يبلغ محله} [الفتح: 25] ، ومحله الحرم، والمراد منه هدي المتعة لقوله ~~تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] ~~والهدي اسم لما يهدى إلى بيت الله الحرام أي يبعث، وينقل إليه. # وأما زمانه فأيام النحر حتى لو ذبح قبلها لم يجز؛ لأنه دم نسك عندنا ~~فيتوقت بأيام النحر كالأضحية. # وأما بيان أفضل أنواع ما يحرم به فظاهر الرواية عن أصحابنا أن القران ~~أفضل، ثم التمتع، ثم الإفراد، وروي عن أبي حنيفة أن الإفراد أفضل من ~~التمتع، وبه أخذ الشافعي. # وقال مالك: التمتع أفضل. # وذكر محمد في كتاب الرد على أهل المدينة أن حجة كوفية، وعمرة كوفية أفضل، ~~احتج الشافعي بما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفرد بالحج عام ~~حجة الوداع» فدل أن الإفراد أفضل؛ إذ هو - صلى الله عليه وسلم - كان يختار ~~من الأعمال أفضلها. # ولنا أن المشهور «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرن بين الحج، ~~والعمرة» رواه عمر وعلي وابن عباس # PageV02P174 # وجابر وأنس - رضي الله عنهم -. # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أتاني آت من ربي، وأنا ~~بالعقيق، فقال: قم فصل في هذا الوادي المبارك ركعتين، وقل: لبيك بعمرة في ~~حجة» حتى روي عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يصرخ بها صراخا، ويقول: لبيك بعمرة في حجة فدل أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كان قارنا. # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تابعوا بين الحج والعمرة فإن ~~المتابعة بينهما تزيد في العمر، وتنفي الفقر» ، ولأن القران، والتمتع جمع ~~بين عبادتين بإحرامين، فكان أفضل من إتيان عبادة واحدة بإحرام واحد، وإنما ~~كان القران أفضل من التمتع؛ لأن القارن، حجته وعمرته آفاقيتان؛ لأنه يحرم ~~بكل واحدة منهما من الآفاق، والمتمتع عمرته آفاقية، وحجته مكية؛ لأنه يحرم ~~بالعمرة من الآفاق، وبالحجة من مكة. # والحجة الآفاقية أفضل من الحجة المكية لقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة ~~لله} [البقرة: 196] ، وروينا عن علي، وابن مسعود - رضي ms1145 الله عنهما - أنهما ~~قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وما كان أتم فهو أفضل. # وأما ما رواه الشافعي فالمشهور ما روينا، والعمل بالمشهور أولى مع ما أن ~~فيما روينا زيادة ليست في روايته. # والزيادة برواية العدل مقبولة على أنا نجمع بين الروايتين على ما هو ~~الأصل عند تعارض الدليلين أنه يعمل بهما بالقدر الممكن، فنقول: كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قارنا لكنه كان يسمي العمرة والحجة في التلبية ~~بهما مرة، وكان - صلى الله عليه وسلم - يلبي بهما لكنه كان يسمي بإحداهما ~~مرة، إذ تسمية ما يحرم به في التلبية ليس بشرط لصحة التلبية فراوي الإفراد ~~سمعه يسمي الحجة في التلبية فبنى الأمر على الظاهر، فظنه مفردا فروى ~~الإفراد، وراوي القران وقف على حقيقة الحال فروى القران. ### | [فصل بيان حكم المحرم إذا منع عن المضي في الإحرام] # (فصل) : # وأما بيان حكم المحرم إذا منع عن المضي في الإحرام، وهو المسمى بالمحصر ~~في عرف الشرع فالكلام في الإحصار في الأصل في ثلاث مواضع: في تفسير الإحصار ~~أنه ما هو، ومم يكون، وفي بيان حكم الإحصار، وفي بيان حكم زوال الإحصار. # أما الأول فالمحصر في اللغة هو الممنوع، والإحصار هو المنع، وفي عرف ~~الشرع هو اسم لمن أحرم ثم منع عن المضي في موجب الإحرام، سواء كان المنع من ~~العدو أو المرض أو الحبس أو الكسر أو العرج، وغيرها من الموانع من إتمام ما ~~أحرم به حقيقة أو شرعا، وهذا قول أصحابنا. # وقال الشافعي: لا إحصار إلا من العدو، ووجه قوله أن آية الإحصار، وهي ~~قوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] نزلت في أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أحصروا من العدو، وفي آخر الآية ~~الشريفة دليل عليه، وهو قوله عز وجل: {فإذا أمنتم} [البقرة: 196] والأمان ~~من العدو يكون. # وروي عن ابن عباس، وابن عمر - رضي الله عنهما - أنهما قالا لا حصر إلا من ~~عدو، ولنا عموم قوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من ms1146 الهدي} [البقرة: ~~196] ، والإحصار هو المنع، والمنع كما يكون من العدو يكون من المرض وغيره، ~~والعبرة بعموم اللفظ عندنا لا بخصوص السبب؛ إذ الحكم يتبع اللفظ لا السبب، ~~وعن الكسائي، وأبي معاذ أن الإحصار من المرض، والحصر من العدو. # فعلى هذا كانت الآية خاصة في الممنوع بسبب المرض. # وأما قوله عز وجل {فإذا أمنتم} [البقرة: 196] فالجواب عن التعلق به من ~~وجهين: أحدهما - أن الأمن كما يكون من العدو يكون من زوال المرض؛ لأنه إذا ~~زال مرض الإنسان أمن الموت منه أو أمن زيادة المرض. # وكذا بعض الأمراض قد تكون أمانا من البعض كما قال النبي: - صلى الله عليه ~~وسلم - «الزكام أمان من الجذام» ، والثاني - أن هذا يدل على أن المحصر من ~~العدو مراد من الآية الشريفة، وهذا لا ينفي كون المحصر من المرض مرادا ~~منها، وما روي عن ابن عباس، وابن عمر - رضي الله عنهما - أنه إن ثبت فلا ~~يجوز أن ينسخ به مطلق الكتاب، كيف وإنه لا يرى نسخ الكتاب بالسنة، وقد روي ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه ~~الحج من قابل» ، وقوله حل، أي: جاز له أن يحل بغير دم؛ لأنه لم يؤذن له ~~بذلك شرعا، وهو كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا أقبل الليل من ههنا ~~وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم» ، ومعناه: أي حل له الإفطار فكذا ~~ههنا معناه حل له أن يحل، ولأنه إنما صار محصرا من العدو، ومن خصاله التحلل ~~لمعنى هو موجود في المرض وغيره، وهو الحاجة إلى الترفيه، والتيسير لما ~~يلحقه من الضرر والحرج بإبقائه على الإحرام مدة مديدة. # والحاجة إلى الترفيه والتيسير متحققة في المريض ونحوه، فيتحقق الإحصار، ~~ويثبت موجبه بل أولى؛ لأنه يملك دفع # PageV02P175 # شر العدو عن نفسه بالقتال فيدفع الإحصار عن نفسه، ولا يمكنه دفع المرض عن ~~نفسه فلما جعل ذلك عذرا فلأن يجعل هذا عذرا أولى، والله أعلم. # وسواء كان العدو المانع كافرا أو مسلما لتحقق الإحصار منهما، ms1147 وهو المنع ~~عن المضي في موجب الإحرام فيدخل تحت عموم الآية. # وكذا ما ذكرنا من المعنى الموجب لثبوت حكم الإحصار، وهو إباحة التحلل، ~~وغيره لا يوجب الفصل بين الإحصار من المسلم ومن الكافر. # ولو سرقت نفقته أو هلكت راحلته، فإن كان لا يقدر على المشي فهو محصر؛ ~~لأنه منع من المضي في موجب الإحرام فكان محصرا كما لو منعه المرض، وإن كان ~~يقدر على المشي، فليس بمحصر؛ لأنه قادر على المضي في موجب الإحرام فلا يجوز ~~له التحلل، ويجب عليه المشي إلى الحج إن كان محرما بالحج، ويجوز أن لا يجب ~~على الإنسان المشي إلى الحج ابتداء، ويجب عليه بعد الشروع فيه كالفقير الذي ~~لا زاد له ولا راحلة، شرع في الحج أنه يجب عليه المشي، وإن كان لا يجب عليه ~~ابتداء قبل الشروع كذا هذا. # قال أبو يوسف: فإن قدر على المشي في الحال، وخاف أن يعجز جاز له التحلل؛ ~~لأن المشي الذي لا يوصله إلى المناسك، وجوده والعدم بمنزلة واحدة فكان ~~محصرا فيجوز له التحلل، كما لو لم يقدر على المشي أصلا، وعلى هذا يخرج ~~المرأة إذا أحرمت ولا زوج لها ومعها محرم فمات محرمها، أو أحرمت ولا محرم ~~معها، ولكن معها زوجها فمات زوجها أنها محصرة؛ لأنها ممنوعة شرعا من المضي ~~في موجب الإحرام بلا زوج ولا محرم، وعلى هذا يخرج ما إذا أحرمت بحجة ~~التطوع، ولها محرم وزوج فمنعها زوجها: أنها محصرة؛ لأن للزوج أن يمنعها من ~~حجة التطوع كما أن له أن يمنعها عن صوم التطوع فصارت ممنوعة شرعا بمنع ~~الزوج فصارت محصرة كالممنوع حقيقة بالعدو وغيره، وإن أحرمت ومعها محرم، ~~وليس لها زوج فليست بمحصرة؛ لأنها غير ممنوعة عن المضي في موجب الإحرام ~~حقيقة، وشرعا، وكذلك إذا كان لها محرم ولها زوج فأحرمت بإذن الزوج: أنها لا ~~تكون محصرة، وتمضي في إحرامها؛ لأن الزوج أسقط حق نفسه بالإذن، وإن أحرمت ~~وليس لها محرم، فإن لم يكن لها زوج فهي محصرة؛ لأنها ممنوعة من المضي ms1148 في ~~موجب الإحرام بغير زوج ولا محرم، وإن كان لها زوج، فإن أحرمت بغير إذنه ~~فكذلك لأنها ممنوعة عن المضي بغير إذن الزوج، وإن أحرمت بإذنه لا تكون ~~محصرة؛ لأنها غير ممنوعة، وإن أحرمت بحجة الإسلام، ولا محرم لها، ولا زوج ~~فهي محصرة؛ لأنها ممنوعة عن المضي في موجب الإحرام لحق الله تعالى، وهذا ~~المنع أقوى من منع العباد، وإن كان لها محرم وزوج، ولها استطاعة عند خروج ~~أهل بلدها فليست بمحصرة؛ لأنه ليس للزوج أن يمنعها من الفرائض كالصلوات ~~المكتوبة، وصوم رمضان. # وإن كان لها زوج، ولا محرم معها فمنعها الزوج فهي محصرة في ظاهر الرواية؛ ~~لأن الزوج لا يجبر على الخروج، ولا يجوز لها الخروج بنفسها، ولا يجوز للزوج ~~أن يأذن لها بالخروج. # ولو أذن لا يعمل إذنه فكانت محصرة، وهل للزوج أن يحللها روي عن أبي ~~حنيفة: أن له أن يحللها؛ لأنها لما صارت محصرة ممنوعة عن الخروج والمضي ~~بمنع الزوج، صار هذا كحج التطوع، وهناك للزوج أن يحللها، فكذا هذا. # ولو أحرم العبد والأمة بغير إذن المولى فهو محصر؛ لأنه ممنوع عن المضي ~~بغير إذنه، وللمولى أن يحلله، وإن كان بإذنه فللمولى أن يمنعه إلا أنه يكره ~~له ذلك؛ لأنه خلف في الوعد، ولا يكون الحاج محصرا بعد ما وقف بعرفة، ويبقى ~~محرما عن النساء إلى أن يطوف طواف الزيارة، وإنما قلنا: إنه لا يكون محصرا ~~لقوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] أي: فإن ~~أحصرتم عن إتمام الحج والعمرة؛ لأنه مبني على قوله: {وأتموا الحج والعمرة ~~لله} [البقرة: 196] ، وقد تم حجه بالوقوف لقوله: - صلى الله عليه وسلم - ~~«الحج عرفة» فمن وقف بعرفة فقد تم حجه، وبعد تمام الحج لا يتحقق الإحصار، ~~ولأن المحصر اسم لفائت الحج، وبعد وجود الركن الأصلي، وهو الوقوف لا يتصور ~~الفوات فلا يكون محصرا، ولكنه يبقى محرما عن النساء إلى أن يطوف طواف ~~الزيارة؛ لأن التحلل عن النساء لا يحصل بدون طواف الزيارة، فإن منع حتى مضى ~~أيام النحر، ms1149 والتشريق، ثم خلي سبيله: يسقط عنه الوقوف بمزدلفة ورمي الجمار، ~~وعليه دم لترك الوقوف بمزدلفة، ودم لترك الرمي؛ لأن كل واحد منهما واجب، ~~وعليه أن يطوف طواف الزيارة، وطواف الصدر، وعليه لتأخير طواف الزيارة عن ~~أيام النحر دم عند أبي حنيفة # وكذا عليه لتأخير الحلق عن أيام النحر دم عنده. # وعندهما لا شيء عليه، والمسألة مضت في # PageV02P176 # موضعها، ولا إحصار بعد ما قدم مكة أو الحرم إن كان لا يمنع من الطواف، ~~ولم يذكر في الأصل أنه إن منع من الطواف، ماذا حكمه؟ وذكر الجصاص أنه إن ~~قدر على الوقوف والطواف جميعا أو قدر على أحدهما فليس بمحصر، وإن لم يقدر ~~على واحد منهما فهو محصر. # وروي عن أبي يوسف أنه لا يكون الرجل محصرا بعد ما دخل الحرم إلا أن يكون ~~بمكة عدو غالب يحول بينه وبين الدخول إلى مكة كما حال المشركون بين رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وبين دخول مكة، فإذا كان كذلك فهو محصر. # وروي عن أبي يوسف أنه قال: سألت أبا حنيفة، هل على أهل مكة إحصار؟ فقال: ~~لا، فقلت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحصر بالحديبية، فقال: ~~كانت مكة إذ ذاك حربا، وهي اليوم دار إسلام، وليس فيها إحصار، والصحيح ما ~~ذكره الجصاص من التفصيل أنه إن كان يقدر على الوقوف أو على الطواف لا يكون ~~محصرا، وإن لم يقدر على واحد منهما يكون محصرا، أما إذا كان يقدر على ~~الوقوف فلما ذكرنا. # وأما إذا كان يصل إلى الطواف فلأن التحلل بالدم إنما رخص للمحصر لتعذر ~~الطواف قائما مقامه، بدلا عنه، بمنزلة فائت الحج أنه يتحلل بعمل العمرة، ~~وهو الطواف فإذا قدر على الطواف فقد قدر على الأصل فلا يجوز التحلل. # وأما إذا لم يقدر على الوصول إلى أحدهما فلأنه في حكم المحصر في الحل ~~فيجوز له أن يتحلل، والله عز وجل أعلم، ثم الإحصار كما يكون عن الحج يكون ~~عن العمرة عند عامة العلماء. # وقال بعضهم: لا إحصار عن العمرة. ms1150 # وجه قوله أن الإحصار لخوف الفوت، والعمرة لا تحتمل الفوت؛ لأن سائر ~~الأوقات وقت لها، فلا يخاف فوتها بخلاف الحج فإنه يحتمل الفوت فيتحقق ~~الإحصار عنه، ولنا قوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة: ~~196] عقيب قوله عز وجل: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] فكان ~~المراد منه - والله أعلم - فإن أحصرتم عن إتمامهما فما استيسر من الهدي. # وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - ~~حصروا بالحديبية فحال كفار قريش بينهم وبين البيت، وكانوا معتمرين فنحروا ~~هديهم، وحلقوا رءوسهم، وقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~عمرتهم في العام القابل حتى سميت عمرة القضاء، ولأن التحلل بالهدي في الحج ~~لمعنى هو موجود في العمرة، وهو ما ذكرنا من التضرر بامتداد الإحرام، والله ~~أعلم. ### | [فصل حكم الإحصار] # (فصل) : # وأما حكم الإحصار فالإحصار يتعلق به أحكام، لكن الأصل فيه حكمان أحدهما: ~~جواز التحلل عن الإحصار والثاني: وجوب قضاء ما أحرم به بعد التحلل. # أما جواز التحلل فالكلام فيه في مواضع في تفسير التحلل، وفي بيان جوازه، ~~وفي بيان ما يتحلل به، وفي بيان مكانه وفي بيان زمانه، وفي بيان حكم ~~التحلل. # أما الأول فالتحلل: هو فسخ الإحرام، والخروج منه بالطريق الموضوع له شرعا ~~وأما دليل جوازه فقوله تعالى: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} [البقرة: ~~196] وفيه إضمار ومعناه - والله أعلم -: فإن أحصرتم عن إتمام الحج والعمرة، ~~وأردتم أن تحلوا فاذبحوا ما تيسر من الهدي، إذ الإحصار نفسه لا يوجب الهدي ~~ألا ترى أن له أن لا يتحلل ويبقى محرما كما كان إلى أن يزول المانع فيمضي ~~في موجب الإحرام، وهو كقوله تعالى {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية} [البقرة: 196] معناه: فمن كان منكم مريضا، أو به أذى من رأسه فحلق ~~ففدية، وإلا فكون الأذى في رأسه لا يوجب الفدية. # وكذا قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} ~~[البقرة: 184] معناه: فأفطر؛ فعدة من أيام أخر، وإلا فنفس ms1151 المرض والسفر لا ~~يوجب الصوم في عدة من أيام أخر. # وكذا قوله: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} [البقرة: 173] ~~معناه: فأكل فلا إثم عليه، وإلا فنفس الاضطرار لا يوجب الإثم كذا ههنا؛ ~~ولأن المحصر محتاج إلى التحلل؛ لأنه منع عن المضي في موجب الإحرام على وجه ~~لا يمكنه الدفع، فلو لم يجز له التحلل لبقي محرما لا يحل له ما حظره ~~الإحرام إلى أن يزول المانع فيمضي في موجب الإحرام، وفيه من الضرر والحرج ~~ما لا يخفى فمست الحاجة إلى التحلل والخروج من الإحرام دفعا للضرر والحرج. # وسواء كان الإحصار عن الحج، أو عن العمرة، أو عنهما عند عامة العلماء لما ~~ذكرنا والله عز وجل أعلم. # وأما بيان ما يتحلل به فالمحصر نوعان:. # نوع لا يتحلل إلا بالهدي، ونوع يتحلل بغير الهدي. # أما الذي لا يتحلل إلا بالهدي: فكل من منع من المضي في موجب الإحرام ~~حقيقة، أو منع منه شرعا حقا لله تعالى لا لحق العبد على ما ذكرنا، فهذا لا ~~يتحلل # PageV02P177 # إلا بالهدي وهو: أن يبعث بالهدي أو بثمنه ليشتري به هديا فيذبح عنه، وما ~~لم يذبح لا يحل. # وهذا قول عامة العلماء سواء كان شرط عند الإحرام الإحلال بغير ذبح عند ~~الإحصار، أو لم يشترط. # وقال بعض الناس: المحصر يحل بغير هدي، إلا إذا كان معه هدي فيذبحه. # ويحل وقيل: إنه قول مالك. # وقال بعضهم: إن كان لم يشترط عند الإحرام الإحلال عند الإحصار من غير هدي ~~لا يحل إلا بالهدي. # وإن كان شرط عند الإحرام الإحلال عند الإحصار من غير هدي لا يحل إلا ~~بالهدي احتج من قال بالتحلل من غير هدي بما روي: «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حل عام الحديبية عن إحصاره بغير هدي» ؛ لأن الهدي الذي نحره ~~كان هديا ساقه لعمرته لا لإحصاره، فنحر هديه على النية الأولى، وحل من ~~إحصاره بغير دم، فدل أن المحصر يحل بغير هدي يحقق ما قلنا: إنه ليس في حديث ~~صلح الحديبية ms1152 أنه نحر دمين، وإنما نحر دما واحدا. # ولو كان المحصر لا يحل إلا بدم لنحر دمين، وأنه غير منقول. # ولنا قوله تعالى {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] ~~معناه: حتى يبلغ الهدي محله فيذبح، نهى عز وجل عن حلق الرأس قبل ذبح الهدي ~~في محله، وهو الحرم من غير فصل بين ما إذا كان معه هدي وقت الإحصار أم لا، ~~شرط المحصر عند الإحرام الإحلال عند الإحصار أو لم يشرط، فيجري على إطلاقه، ~~ولأن شرع التحلل ثبت بطريق الرخصة لما فيه من فسخ الإحرام والخروج منه قبل ~~أوانه، فكان ثبوته بطريق الضرورة، والضرورة تندفع بالتحلل بالهدي، فلا يثبت ~~التحلل بدونه. # وأما الحديث فليس فيه ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حل عام ~~الحديبية عن إحصاره بغير هدي، إذ لا يتوهم على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أن يكون حل من إحصاره بغير هدي. # والله تعالى أمر المحصر أن لا يحل حتى ينحر هديه بنص الكتاب العزيز. # ولكن وجه ذلك - والله أعلم وهو معنى المروي في حديث صلح الحديبية - أنه ~~نحر دما واحدا أن الهدي الذي كان ساقه النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~هدي متعة أو قران، فلما منع عن البيت سقط عنه دم القران فجاز له أن يجعله ~~من دم الإحصار فإن قيل: كيف قلتم: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صرف ~~الهدي عن سبيله وأنتم تزعمون أن من باع هدية التطوع فهو مسيء لما أنه صرفه ~~عن سبيله، فالجواب: أنه لا مشابهة بين الفصلين؛ لأن الذي باعه صرفه عن سبيل ~~التقرب به إلى الله تعالى رأسا فأما النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يصرف ~~الهدي عن سبيل التقرب أصلا ورأسا، بل صرفه إلى ما هو أفضل: وهو الواجب، وهو ~~دم الإحصار ومما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الهدي ~~لإحصاره ما روي أنه لم يحلق حتى نحر هديه. # وقال: «أيها الناس انحروا وحلوا» والله عز وجل أعلم. # وإذا لم يتحلل ms1153 إلا بالهدي وأراد التحلل يجب أن يبعث الهدي، أو ثمنه ~~ليشترى به الهدي فيذبح عنه ويجب أن يواعدهم يوما معلوما يذبح فيه؛ فيحل بعد ~~الذبح، ولا يحل قبله، بل يحرم عليه، كما يحرم على المحرم غير المحصر، فلا ~~يحلق رأسه، ولا يفعل شيئا من محظورات الإحرام حتى يكون اليوم الذي واعدهم ~~فيه، ويعلم أن هديه قد ذبح لقوله تعالى {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله} [البقرة: 196] حتى لو فعل شيئا من محظورات الإحرام قبل ذبح الهدي، ~~يجب عليه ما يجب على المحرم إذا لم يكن محصرا، وسنذكر ذلك - إن شاء الله ~~تعالى - في موضعه حتى لو حلق قبل الذبح؛ تجب عليه الفدية سواء حلق لغير ~~عذر، أو لعذر لقوله تعالى {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من ~~صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] أي: فمن كان منكم مريضا أو به أذى من ~~رأسه فحلق، ففدية من صيام، أو صدقة، أو نسك كقوله تعالى {فمن كان منكم ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] أي: فأفطر فعدة من أيام ~~أخر. # وعن كعب بن عجرة قال: «في نزلت الآية، وذلك أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مر بي والقمل يتناثر على وجهي فقال - صلى الله عليه وسلم -: أيؤذيك ~~هوام رأسك؟ فقلت: نعم يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: - صلى ~~الله عليه وسلم - احلق وأطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة، أو صم ~~ثلاثة أيام، أو انسك نسيكة فنزلت الآية» والنسك جمع نسيكة، والنسيكة ~~الذبيحة، والمراد منه الشاة لإجماع المسلمين على أن الشاة مجزئة في الفدية، ~~وفي بعض الروايات «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لكعب بن عجرة: ~~انسك شاة» وإذا وجبت الفدية عليه إذا حلق رأسه لأذى بالنص، فيجب عليه إذا ~~حلق لا لأذى بدلالة النص؛ لأن العذر سبب تخفيف الحكم في الجملة، فلما وجب ~~في حال الضرورة؛ ففي حال الاختيار # PageV02P178 # أولى. # ولا يجزئ دم الفدية إلا في الحرم ms1154 كدم الإحصار، ودم المتعة، والقران. # وأما الصدقة والصوم: فإنهما يجزيان حيث شاء. # وقال الشافعي: " لا تجزئ الصدقة إلا بمكة " وجه قوله أن الهدي يختص بمكة، ~~فكذا الصدقة، والجامع بينهما: أن أهل الحرم ينتفعون بذلك ولنا قوله تعالى ~~{ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] مطلقا عن المكان، إلا أن ~~النسك قيد بالمكان بدليل " فمن ادعى تقييد الصدقة فعليه الدليل ". # وأما قوله: إن الهدي إنما اختص بالحرم لينتفع به أهل الحرم فكذا الصدقة ~~فنقول: هذا الاعتبار فاسد؛ لأنه لا خلاف في أنه لو ذبح الهدي في غير الحرم ~~وتصدق بلحمه في الحرم؛ أنه لا يجوز. # ولو ذبح في الحرم وتصدق به على غير أهل الحرم يجوز. # والدليل على التفرقة بين الهدي والإطعام: أن من قال: لله علي أن أهدي ليس ~~له أن يذبح إلا بمكة # ولو قال: لله علي إطعام عشرة مساكين، أو لله علي عشرة دراهم صدقة، له أن ~~يطعم، ويتصدق حيث شاء، فدل على التفرقة بينهما. # ولو حل على ظن أنه ذبح عنه، ثم تبين أنه لم يذبح فهو محرم كما كان، لا ~~يحل ما لم يذبح عنه لعدم شرط الحل وهو: ذبح الهدي وعليه لإحلاله تناول ~~محظور إحرامه دم؛ لأنه جنى على إحرامه فيلزمه الدم كفارة لذنبه، ثم الهدي: ~~بدنة، أو بقرة، أو شاة، وأدناه شاة لما روينا. # ولأن الهدي في اللغة اسم لما يهدى أي: يبعث وينقل وفي الشرع اسم لما يهدى ~~إلى الحرم. # وكل ذلك مما يهدى إلى الحرم. # والأفضل هو البدنة، ثم البقرة لما ذكرنا في المتمتع ولما روي «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لما أحصر بالحديبية نحر البدن، وكان يختار من ~~الأعمال أفضلها» وإن كان قارنا لا يحل إلا بدمين عندنا. # وعند الشافعي يحل بدم واحد بناء على أصل ذكرناه فيما تقدم: إن القارن ~~محرم بإحرامين، فلا يحل إلا بهديين، وعنده محرم بإحرام واحد ويدخل إحرام ~~العمرة في الحجة فيكفيه دم واحد. # ولو بعث القارن بهديين ولم يبين أيهما للحج، وأيهما ms1155 للعمرة لم يضره؛ لأن ~~الموجب لهما واحد، فلا يشترط فيه تعيين النية كقضاء يومين من رمضان. # ولو بعث القارن بهدي واحد ليتحلل من الحج ويبقى في إحرام العمرة لم يتحلل ~~من واحد منهما؛ لأن تحلل القارن من أحد الإحرامين متعلق بتحلله من الآخر؛ ~~لأن الهدي بدل عن الطواف ثم لا يتحلل بأحد الطوافين عن أحد الإحرامين، فكذا ~~بأحد الهديين. # ولو كان أحرم بشيء واحد لا ينوي حجة ولا عمرة ثم أحصر يحل بهدي واحد ~~وعليه عمرة استحسانا؛ لأن الإحرام بالمجهول صحيح لما ذكرنا فيما تقدم، وكان ~~البيان إليه إن شاء صرفه إلى الحج، وإن شاء إلى العمرة؛ لأنه هو المجمل ~~فكان البيان إليه كما في الطلاق وغيره، والقياس: أن لا تتعين العمرة ~~بالإحصار لعدم التعيين قولا ولا فعلا؛ لأن ذلك أن يأخذ في عمل أحدهما، ولم ~~يوجد إلا أنهم استحسنوا وقالوا: تتعين العمرة بالإحصار؛ لأن العمرة أقلهما، ~~وهو متيقن. # ولو كان أحرم بشيء واحد وسماه ثم نسيه وأحصر يحل بهدي واحد، وعليه حجة ~~وعمرة أما الحل بهدي واحد؛ فلأنه محرم بإحرام واحد، وأيهما كان فإنه يقع ~~التحلل منه بدم واحد. # وأما لزوم حجة وعمرة؛ فلأنه يحتمل أنه كان قد أحرم بحجة، ويحتمل بعمرة، ~~فإن كان إحرامه بحجة فالعمرة لا تنوب منابها، وإن كان بالعمرة فالحجة لا ~~تنوب منابها فيلزمه أن يجمع بينهما احتياطا ليسقط الفرض عن نفسه بيقين كمن ~~نسي صلاة من الصلوات الخمس، أنه يجب عليه إعادة خمس صلوات ليسقط الفرض عن ~~نفسه بيقين، كذا هذا، وكذلك إن لم يحصر ووصل فعليه حجة وعمرة، ويكون عليه ~~ما على القارن؛ لأنه جمع بين الحج، والعمرة على طريق النسك. # وأما مكان ذبح الهدي فالحرم عندنا. # وقال: الشافعي: له أن يذبح في الموضع الذي أحصر فيه، احتج بما روي أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحر الهدي عام الحديبية، ولم يبلغنا أنه ~~نحر في الحرم؛ ولأن التحلل بالهدي ثبت رخصة وتيسيرا. # وذلك في الذبح في أي موضع كان ولنا قوله تعالى ms1156 {ولا تحلقوا رءوسكم حتى ~~يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] ولو كان كل موضع محلا له لم يكن لذكر المحل ~~فائدة، ولأنه عز وجل قال: {ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33] أي: إلى ~~البقعة التي فيها البيت. # بخلاف قوله تعالى {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] أن المراد منه نفس ~~البيت؛ لأن هناك ذكر بالبيت وههنا ذكر إلى البيت. # وأما ما روي من الحديث فقد روي في رواية أخرى أنه نحر هديه عام الحديبية ~~في الحرم، فتعارضت الروايات، فلم يصح الاحتجاج به. # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~نزل الحديبية فحال المشركون بينه وبين دخول مكة فجاء # PageV02P179 # سهيل بن عمرو يعرض عليه الصلح وأن يسوق البدن وينحر حيث شاء، فصالحه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -» ولا يحتمل أن ينحر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بدنه في الحل مع إمكان النحر في الحرم، وهو بقرب الحرم بل هو فيه. # وروي عن مروان والمسور بن مخرمة قالا: «نزل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالحديبية في الحل وكان يصلي في الحرم،» فهذا يدل على أنه كان قادرا ~~على أن ينحر بدنه في الحرم حيث كان يصلي في الحرم، ولا يحتمل أن يترك نحر ~~البدن في الحرم، وله سبيل النحر في الحرم؛ ولأن الحديبية مكان يجمع الحل ~~والحرم جميعا، فلا يحتمل أن ينحر في الحل مع كونه قادرا على النحر في ~~الحرم، ولو حل من إحرامه على ظن أنهم ذبحوا عنه في الحرم ثم ظهر أنهم ذبحوا ~~في غير الحرم فهو على إحرامه، ولا يحل منه إلا بذبح الهدي في الحرم لفقد ~~شرط التحلل، وهو: الذبح في الحرم، فبقي محرما كما كان وعليه لإحلاله في ~~تناوله محظورات إحرامه دم لما قلنا. # وكذلك لو بعث الهدي وواعدهم أن يذبحوا عنه في الحرم في يوم بعينه، ثم حل ~~من إحرامه على ظن أنهم ذبحوا عنه فيه، ثم تبين أنهم لم يذبحوا، فإنه يكون ~~محرما لما قلنا. # ولو بعث هديين وهو ms1157 مفرد فإنه يحل من إحرامه بذبح الأول منهما، ويكون ~~الآخر تطوعا لوجود شرط الحل عند وجود ذبح الأول منهما. # ولو كان قارنا لا يحل إلا بذبحهما ولا يحل بذبح الأول؛ لأن شرط الحل في ~~حقه الزمان، فما لم يوجدا لا يحل. # ولو أراد أن يتحلل بالهدي فلم يجد هديا يبعث، ولا ثمنه هل يحل بالصوم ~~ويكون الصوم بدلا عنه؟ قال أبو حنيفة ومحمد: لا يحل بالصوم وليس الصوم بدلا ~~عن هدي المحصر، وهو ظاهر قول أبي يوسف. # ويقيم حراما حتى يذبح الهدي عنه في الحرم، أو يذهب إلى مكة فيحل من ~~إحرامه بأفعال العمرة وهو: الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة. # ويحلق أو يقصر كما يفعله إذا فاته الحج، وهو: أحد قولي الشافعي. # وقال عطاء بن أبي رباح في المحصر لا يجد الهدي: قوم الهدي طعاما وتصدق به ~~على المساكين، فإن لم يكن عنده طعام صام لكل نصف صاع يوما، وهو مروي عن أبي ~~يوسف. # وقال الشافعي في قول: إن الهدي للإحصار بدلا، واختلف قوله في ماهية البدل ~~فقال في قول: البدل هو الصوم مثل صوم المتعة، وفي قول: البدل هو الإطعام ~~وهل يقوم الصوم مقامه؟ له فيه قولان: وجه قول من قال: إن له بدلا أن هذا دم ~~يقع به التحلل، فجاز أن يكون له بدل كدم المتعة. # ولنا قوله تعالى {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] ~~أي: حتى يبلغ الهدي محله فيذبح، نهى الله عن حلق الرأس ممدودا إلى غاية ذبح ~~الهدي. # والحكم الممدود إلى غاية لا ينتهي قبل وجود الغاية، فيقتضي أن لا يتحلل ~~ما لم يذبح الهدي، سواء صام، أو أطعم، أو لا. # ولأن التحلل بالدم قبل إتمام مواجب الإحرام عرف بالنص بخلاف القياس، فلا ~~يجوز إقامة غيره مقامه بالرأي. # وأما الحلق فليس بشرط للتحلل ويحل المحصر بالذبح بدون الحلق في قول أبي ~~حنيفة، ومحمد " وإن حلق فحسن ". # وقال أبو يوسف: " أرى عليه أن يحلق، فإن لم يفعل فلا شيء عليه "، وروي ~~عنه أنه ms1158 قال: " هو واجب لا يسعه تركه ". # وذكر الجصاص وقال: " إنما لا يجب الحلق عندهما إذا أحصر في الحل؛ لأن ~~الحلق يختص بالحرم. # فأما إذا أحصر في الحرم: يجب الحلق عندهما "، احتج أبو يوسف بما روي «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حلق عام الحديبية، وأمر أصحابه بالحلق» ~~فدل أن الحلق واجب، ولهما قوله تعالى {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} ~~[البقرة: 196] معناه فإن أحصرتم وأردتم أن تحلوا فاذبحوا ما استيسر من ~~الهدي جعل ذبح الهدي في حق المحصر إذا أراد الحل كل موجب الإحصار فمن أوجب ~~الحلق فقد جعله بعض الموجب، وهذا خلاف النص؛ ولأن الحلق للتحلل عن أفعال ~~الحج، والمحصر لا يأتي بأفعال الحج فلا حلق عليه. # وأما الحديث فعلى ما ذكره الجصاص: لا حجة فيه؛ لأن الحديبية بعضها في ~~الحل وبعضها في الحرم، فيحتمل أنه أحصر في الحرم فأمر بالحلق، وأما على ~~جواب المذكور في الأصل فهو: محمول على الندب، والاستحباب. # وأما زمان ذبح الهدي فمطلق الوقت لا يتوقت بيوم النحر، سواء كان الإحصار ~~عن الحج، أو عن العمرة وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف، ومحمد: إن المحصر ~~عن الحج لا يذبح عنه إلا في أيام النحر، لا يجوز في غيرها، ولا خلاف في ~~المحصر عن العمرة أنه يذبح عنه في أي وقت كان. # وجه قولهما: إن هذا الدم سبب للتحلل من إحرام الحج فيختص بزمان التحلل ~~كالحلق بخلاف العمرة، فإن التحلل من إحرامها بالحلق لا يختص بزمان، فكذا # PageV02P180 # بالهدي، ولأبي حنيفة: أن التحلل من المحصر تحلل قبل أوان التحلل يباح ~~لضرورة دفع الضرر ببقائه محرما رخصة وتيسيرا، فلا يختص بيوم النحر كالطواف ~~الذي يتحلل به فائت الحج، إذ المحصر فائت الحج والله أعلم. # وأما حكم التحلل فصيرورته حلالا يباح له تناول جميع ما حظره الإحرام ~~لارتفاع الحاظر، فيعود حلالا كما كان قبل الإحرام. # وأما الذي يتحلل به بغير ذبح الهدي فكل محصر منع عن المضي في موجب ~~الإحرام شرعا لحق العبد، كالمرأة والعبد الممنوعين شرعا ms1159 لحق الزوج، والمولى ~~بأن أحرمت المرأة بغير إذن زوجها، أو أحرم العبد بغير إذن مولاه، فللزوج ~~والمولى أن يحللهما في الحال من غير ذبح الهدي، فيقع الكلام في هذا في ~~موضعين. # أحدهما: في جواز هذا النوع من التحلل، والثاني: في بيان ما يتحلل به أما ~~الجواز؛ فلأن منافع بضع المرأة حق الزوج وملكه عليها فيحتاج إلى استيفاء ~~حقه، ولا يمكنه ذلك مع قيام الإحرام فيحتاج إلى التحلل، ولا سبيل إلى ~~توقيفه على ذبح الهدي في الحرم لما فيه من إبطال حقه للحال فكان له أن ~~يحللها للحال. # وعلى المرأة أن تبعث الهدي، أو ثمنه إلى الحرم ليذبح عنها، لأنها تحللت ~~بغير طواف، وعليها حجة وعمرة كما على الرجل المحصر إذا تحلل بالهدي بخلاف ~~ما إذا أحرمت بحجة الإسلام ولا زوج لها، ولا محرم، أو كان لها زوج أو محرم ~~فمات أنها لا تتحلل إلا بالهدي؛ لأن المنع هناك لحق الله تعالى لا لحق ~~العبد، فكان تحللها جائزا لا حقا مستحقا عليها لأحد، ألا ترى لها أن تبقى ~~على إحرامها ما لم تجد محرما، أو زوجا، فكان تحللها بما هو الموضوع للتحلل ~~في الأصل وهو: ذبح الهدي فهو الفرق. # وكذا العبد بمنافعه ملك المولى فيحتاج إلى تصريفه في وجوه مصالحه، ولا ~~يمكنه ذلك مع قيام الإحرام، فيحتاج إلى التحلل في الحال لما فيه من التوقيف ~~على ذبح الهدي في الحرم من تعطيل مصالحه فيحلله المولى للحال، وعلى العبد ~~إذا عتق هدي الإحصار، وقضاء حجة وعمرة؛ لأن الحج وجب عليه بالشروع لكونه ~~مخاطبا أهلا، إلا أنه تعذر عليه المضي لحق المولى، فإذا عتق زال حقه، وتجب ~~عليه العمرة لفوات الحج في عامه ذلك. # ولو كان أحرم العبد بإذن مولاه يكره للمولى أن يحلله بعد ذلك؛ لأنه رجوع ~~عما وعد وخلف في الوعد، فيكره. # ولو حلله جاز؛ لأن العبد بمنافعه ملك المولى، وروي عن أبي يوسف، وزفر أن ~~المولى إذا أذن للعبد في الحج ليس له أن يحلله؛ لأنه لما أذن له فقد ms1160 أسقط ~~حقه بالإذن، فأشبه الحر والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأن المحلل بعد الإذن ~~قائم وهو الملك، إلا أنه يكره لما قلنا. # وإذا حلله لا هدي عليه؛ لأن المولى لا يجب عليه لعبده شيء. # ولو أحصر العبد بعد ما أحرم بإذن المولى ذكر القدوري في شرحه مختصر ~~الكرخي: أنه لا يلزم المولى إنفاذ هدي؛ لأنه لو لزمه للزمه لحق العبد ولا ~~يجب للعبد على مولاه حق، فإن أعتقه وجب عليه أن يبعث الهدي؛ لأنه إذا أعتق ~~صار ممن يثبت له عليه حق، فصار كالحر إذا حج عن غيره فأحصر أنه يجب على ~~المحجوج عنه أن يبعث الهدي. # وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي: أن على المولى أن يذبح عنه هديا في ~~الحرم فيحل؛ لأن هذا الدم وجب لبلية ابتلي بها العبد بإذن المولى فصار ~~بمنزلة النفقة، والنفقة على المولى. # وكذا دم الإحصار، ولهذا كان دم الإحصار في مال الميت إذا أحصر الحاج عن ~~الميت لا عليه كذا هذا. # ولو أحرم العبد، أو الأمة بإذن المولى، ثم باعهما يجوز البيع، وللمشتري ~~أن يمنعهما ويحللهما في قول أصحابنا الثلاثة. # وفي قول زفر: ليس له ذلك، وله أن يردهما بالعيب، وعلى هذا الخلاف المرأة ~~إذا أحرمت بحجة التطوع ثم تزوجت فللزوج أن يحللها. # وعند زفر ليس له ذلك، كذا حكى القاضي الخلاف في شرحه مختصر الطحاوي. # وذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي الخلاف بين أبي يوسف، وزفر. # وجه قول زفر: أن الذي انتقل إلى المشتري هو ما كان للبائع، ولم يكن ~~للبائع أن يحلله عنده، لما ذكرنا أنه أسقط حق نفسه بالإذن كذا المشتري. # ولنا أن الإحرام لم يقع بإذن المشتري فصار كأنه أحرم في ملكه ابتداء بغير ~~إذنه. # ولو كان كذلك كان له أن يحلله، كذا هذا. # وقال محمد: إذا أذن الرجل لعبده في الحج ثم باعه لا أكره للمشتري أن ~~يحلله؛ لأن الكراهة في حق البائع، لما فيه من خلف الوعد ولم يوجد ذلك من ~~المشتري، وروى ابن سماعة عن محمد في ms1161 أمة لها زوج أذن لها مولاها في الحج ~~فأحرمت ليس لزوجها أن يحللها؛ لأن التحلل إنما ثبت للزوج بمنعها من السفر ~~ليستوفي حقه منها. # ومنع الأمة من السفر إلى مولاها دون الزوج، ألا ترى أن المولى # PageV02P181 # لو سافر بها لم يكن للزوج منعها، فكذا إذا أذن لها في السفر. # وأما بيان ما يتحلل به، فالتحلل عن هذا النوع من الإحصار يقع بفعل الزوج ~~والمولى أدنى محظورات الإحرام من قص ظفرهما أو تطييبهما، أو بفعلهما ذلك ~~بأمر الزوج والمولى، أو بامتشاط الزوجة رأسها بأمر الزوج، أو تقبيلها، أو ~~معانقتها فتحل بذلك، والأصل فيه ما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال لعائشة - رضي الله عنها - حين حاضت في العمرة: امتشطي وارفضي عنك ~~العمرة» ولأن التحلل صار حقا عليهما للزوج والمولى، فجاز بمباشرتهما أدنى ~~ما يحظره الإحرام، ولا يكون التحلل بقوله: حللتك؛ لأن هذا تحليل من الإحرام ~~فلا يقع بالقول، كالرجل الحر إذا أحصر فقال: حللت نفسي. # وأما وجوب قضاء ما أحرم به بعد التحلل فجملة الكلام فيه أن المحصر لا ~~يخلو إما أن كان أحرم بالحجة لا غير، وإما أن كان أحرم بالعمرة لا غير، ~~وإما أن كان أحرم بهما، بأن كان قارنا، فإن كان أحرم بالحجة لا غير، فإن ~~بقي وقت الحج عند زوال الإحصار، وأراد أن يحج من عامه ذلك، أحرم وحج، وليس ~~عليه نية القضاء، ولا عمرة عليه كذا ذكره محمد في الأصل. # وذكر ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: وعليه دم لرفض الإحرام ~~الأول، وإن تحولت السنة فعليه قضاء حجة وعمرة، ولا تسقط عنه تلك الحجة إلا ~~بنية القضاء. # وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن عليه قضاء حجة وعمرة في الوجهين جميعا، ~~وعليه نية القضاء فيهما وهو قول زفر ذكره القاضي في شرحه مختصر الطحاوي ~~وعلى هذا التفصيل والاختلاف ما إذا أحرمت المرأة بحجة التطوع بغير إذن ~~زوجها فمنعها زوجها فحللها، ثم أذن لها بالإحرام فأحرمت في عامها ذلك، أو ~~تحولت السنة ms1162 فأحرمت. # وجه قول زفر أن ما تحجه في هذا العام دخل في حد القضاء؛ لأنه يؤدى بإحرام ~~جديد؛ لانفساخ الأول بالتحلل فيكون قضاء، فلا يتأدى إلا بنية القضاء وعليه ~~حجة وعمرة كما لو تحولت السنة. # ولنا أن القضاء اسم للفائت عن الوقت، ووقت الحج باق فكان الحج فيه أداء ~~لا قضاء، فلا يفتقر إلى نية القضاء، ولا تلزمه العمرة؛ لأن لزومها لفوات ~~الحج في عامه ذلك، ولم يفت. # وقال الشافعي: عليه قضاء حجة لا غير، وإن تحولت السنة واحتج بما روي عن ~~ابن عباس أنه قال: " حجة بحجة، وعمرة بعمرة " وهو المعني له في المسألة، إن ~~القضاء يكون مثل الفائت، والفائت هو الحجة لا غير، فمثلها الحجة لا غير، ~~وروينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من كسر أو عرج حل ~~وعليه الحج من قابل» ولم يذكر العمرة ولو كانت واجبة لذكرها. # ولنا الأثر والنظر أما الأثر: فما روي عن ابن مسعود، وابن عمر - رضي الله ~~عنهما - أنهما قالا في المحصر بحجة: " يلزمه حجة وعمرة " وأما النظر: فلأن ~~الحج قد وجب عليه بالشروع، ولم يمض فيه، بل فاته في عامه ذلك، وفائت الحج ~~يتحلل بأفعال العمرة فإن قيل: فائت الحج يتحلل بالطواف لا بالدم والمحصر قد ~~حل بالدم وقام الدم مقام الطواف من الذي يفوته الحج، فكيف يلزمه طواف آخر؟ ~~فالجواب: أن الدم الذي حل به المحصر ما وجب بدلا عن الطواف ليقال: إنه قام ~~مقام الطواف، فلا يجب عليه طواف آخر، وإنما وجب لتعجيل الإحلال؛ لأن المحصر ~~لو لم يبعث هديا؛ لبقي على إحرامه مدة مديدة، وفيه حرج وضرر، فجعل له أن ~~يتعجل الخروج من إحرامه، ويؤخر الطواف الذي لزمه بدم يهريقه فحل بالدم ولم ~~يبطل الطواف، وإذا لم يبطل الدم عنه الطواف، ولم يجعل بدلا عنه، فعليه أن ~~يأتي به بإحرام جديد، فيكون ذلك عمرة، والدليل على أن دم الإحصار ما وجب ~~بدلا عن الطواف الذي يتحلل به فائت لحج، أن فائت الحج لو أراد ms1163 أن يفسخ ~~الطواف الذي لزمه بدم يريقه بدلا عنه، ليس له ذلك بالإجماع، فثبت أن دم ~~الإحصار لتعجيل الإحلال به، لا بدلا عن الطواف، فاندفع الإشكال بحمد الله ~~تعالى ومنه. # وأما حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - إن ثبت فهو تمسك بالمسكوت؛ لأن ~~قوله " حجة بحجة، وعمرة بعمرة " يقتضي وجوب الحجة بالحجة، والعمرة بالعمرة، ~~وهذا لا ينفي وجوب العمرة والحجة بالحجة ولا يقتضي أيضا، فكان مسكوتا عنه ~~فيقف على قيام الدليل، وقد قام دليل الوجوب وهو ما ذكرنا وهو كقوله تعالى ~~{الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [البقرة: 178] أنه لا ينفي قتل ~~الحر بالعبد والأنثى بالذكر بالإجماع كذا هذا، ويحمل على فائت الحج وهو ~~الذي لم يدرك الوقوف بدليل أنه يتحلل بأفعال العمرة، وعليه قضاء الحج من ~~قابل ولا عمرة عليه. # وإن كان إحرامه بالعمرة لا غير قضاها لوجوبها بالشروع في أي وقت شاء؛ ~~لأنه ليس لها وقت # PageV02P182 # معين. # وإن كان أحرم بالعمرة والحجة إن كان قارنا؛ فعليه قضاء حجة وعمرتين، أما ~~قضاء حجة وعمرة فلوجوبهما بالشروع. # وأما عمرة أخرى فلفوات الحج في عامه ذلك، وهذا على أصلنا. # فأما على أصل الشافعي فليس عليه إلا حجة، بناء على أصله أن القارن محرم ~~بإحرام واحد، ويدخل إحرام العمرة في الحجة، فكان حكمه حكم المفرد بالحج، ~~والمفرد بالحج إذا أحصر لا يجب عليه إلا قضاء حجة عنده، فكذا القارن والله ~~أعلم. # وأما حكم زوال الإحصار: فالإحصار إذا زال لا يخلو من أحد وجهين: إما أن ~~زال قبل بعث الهدي أو بعد ما بعث، فإن زال قبل أن يبعث الهدي مضى على موجب ~~إحرامه، وإن كان قد بعث الهدي ثم زال الإحصار فهذا لا يخلو من أربعة أوجه. # إما أن كان يقدر على إدراك الهدي، والحج، أو لا يقدر على إدراكهما جميعا، ~~أو يقدر على إدراك الهدي دون الحج، أو يقدر على إدراك الحج دون الهدي، فإن ~~كان يقدر على إدراك الهدي والحج لم يجز له التحلل ويجب عليه المضي فإن ~~إباحة التحلل ms1164 لعذر الإحصار، والعذر قد زال، وإن كان لا يقدر على إدراك واحد ~~منهما لم يلزمه المضي، وجاز له التحلل؛ لأنه لا فائدة في المضي، فتقرر ~~الإحصار فيتقرر حكمه، وإن كان يقدر على إدراك الهدي، ولا يقدر على إدراك ~~الحج لا يلزمه المضي أيضا لعدم الفائدة في إدراك الهدي دون إدراك الحج، إذ ~~الذهاب لأجل إدراك الحج، فإذا كان لا يدرك الحج فلا فائدة في الذهاب، فكانت ~~قدرته على إدراك الهدي والعدم بمنزلة واحدة، وإن كان يقدر على إدراك الحج ~~ولا يقدر على إدراك الهدي قيل: إن هذا الوجه الرابع إنما يتصور على مذهب ~~أبي حنيفة؛ لأن دم الإحصار عنده لا يتوقف بأيام النحر، بل يجوز قبلها ~~فيتصور إدراك الحج دون إدراك الهدي. # فأما على مذهب أبي يوسف، ومحمد فلا يتصور هذا الوجه إلا في المحصر عن ~~العمرة؛ لأن دم الإحصار عندهما مؤقت بأيام النحر، فإذا أدرك الحج فقد أدرك ~~الهدي ضرورة، وإنما يتصور عندهما في المحصر عن العمرة؛ لأن الإحصار عنها لا ~~يتوقت بأيام النحر بلا خلاف، وإذا عرف هذا فقياس مذهب أبي حنيفة في هذا ~~الوجه أنه يلزمه المضي، ولا يجوز له التحلل؛ لأنه إذا قدر على إدراك الحج ~~لم يعجز عن المضي في الحج، فلم يوجد عذر الإحصار، فلا يجوز له التحلل ~~ويلزمه المضي، وفي الاستحسان لا يلزمه المضي ويجوز له التحلل إلا أنه إذا ~~كان لا يقدر على إدراك الهدي صار كأن الإحصار زال عنه بالذبح فيحل بالذبح ~~عنه؛ ولأن الهدي قد مضى في سبيله بدليل أنه لا يجب الضمان بالذبح على من ~~بعث على يده بدنة، فصار كأنه قدر على الذهاب بعد ما ذبح عنه والله أعلم. ### | [فصل محظورات الإحرام] # (فصل) : # وأما بيان ما يحظره الإحرام وما لا يحظره، وبيان ما يجب بفعل المحظور، ~~فجملة الكلام فيه أن محظورات الإحرام في الأصل نوعان. # نوع لا يوجب فساد الحج، ونوع يوجب فساده، أما الذي لا يوجب فساد الحج ~~فأنواع:. # بعضها يرجع إلى اللباس، وبعضها يرجع إلى الطيب ms1165 وما يجري مجراه من إزالة ~~الشعث، وقضاء التفث، وبعضها يرجع إلى توابع الجماع، وبعضها يرجع إلى الصيد ~~أما الأول: فالمحرم لا يلبس المخيط جملة، ولا قميصا ولا قباء، ولا جبة، ولا ~~سراويل، ولا عمامة، ولا قلنسوة، ولا يلبس خفين إلا أن يجد نعلين، فلا بأس ~~أن يقطعهما أسفل الكعبين فيلبسهما، والأصل فيه ما روي عن عبد الله بن عمر ~~أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: ما يلبس المحرم من الثياب؟ ~~فقال: «لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا ~~الخفاف إلا أحد لا يجد النعلين، فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ~~ولا يلبس من الثياب شيئا مسه الزعفران، ولا الورس، ولا تنتقب المرأة، ولا ~~تلبس القفازين» فإن قيل: في هذا الحديث ضرب إشكال؛ لأن فيه أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - سئل عما يلبس المحرم؟ فقال: لا يلبس كذا وكذا من المخيط، ~~فسئل عن شيء فعدل عن محل السؤال، وأجاب عن شيء آخر لم يسأل عنه، وهذا محيد ~~عن الجواب، أو يوجب أن يكون إثبات الحكم في مذكور دليلا على أن الحكم في ~~غيره بخلافه، وهذا خلاف المذهب فالجواب عنه من وجوه أحدها: أنه يحتمل أن ~~يكون السؤال عما لا يلبسه المحرم، وأضمر. # (لا) في محل السؤال؛ لأن لا تارة تزاد في الكلام، وتارة تحذف عنه قال ~~الله تعالى {يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء: 176] أي: لا تضلوا فكان معنى ~~الكلام أنه سئل عما لا يلبسه المحرم فقال: لا يلبس المحرم كذا وكذا فكان ~~الجواب مطابقا للسؤال. # والثاني: يحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P183 # علم غرض السائل ومراده أنه طلب منه بيان ما لا يلبسه المحرم بعد إحرامه، ~~إما بقرينة حاله أو بدليل آخر، أو بالوحي فأجاب عما في ضميره من غرضه ~~ومقصوده، ونظيره قوله تعالى خبرا عن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - {رب ~~اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر} ~~[البقرة: 126] فأجابه الله عز وجل بقوله {ومن ms1166 كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره} ~~[البقرة: 126] سأل إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - ربه - عز وجل - أن يرزق ~~من آمن من أهل مكة من الثمرات. # فأجابه تعالى أنه يرزق الكافر أيضا، لما علم أن مراد إبراهيم - عليه ~~الصلاة والسلام - من سؤاله أن يرزق ذلك المؤمن منهم دون الكافر، فأجابه ~~الله تعالى عما كان في ضميره كذا هذا. # والثالث: أنه لما خص المخيط أنه لا يلبسه المحرم بعد تقدم السؤال عما ~~يلبسه دل أن الحكم في غير المخيط بخلافه، والتنصيص على حكم في مذكور إنما ~~لا يدل على تخصيص ذلك الحكم به بشرائط ثلاثة أحدها: أن لا يكون فيه حيد عن ~~الجواب ممن لا يجوز عليه الحيد. # فأما إذا كان فإنه يدل عليه صيانة لمنصب النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~الحيد عن الجواب عن السؤال. # والثاني: من المحتمل أن يكون حكم غير المذكور خلاف حكم المذكور، وههنا لا ~~يحتمل؛ لأنه يقتضي أن لا يلبس المحرم أصلا، وفيه تعريضه للهلاك بالحر، أو ~~البرد، والعقل يمنع من ذلك فكان المنع من أحد النوعين في مثله إطلاقا للنوع ~~الآخر. # ونظيره قوله تعالى {الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} [غافر: 61] إن ~~جعل الليل للسكون يدل على جعل النهار للكسب، وطلب المعاش إذ لا بد من القوت ~~للبقاء، وكان جعل الليل للسكون تعيينا للنهار لطلب المعاش. # والثالث: أن يكون ذلك في غير الأمر والنهي، فأما في الأمر والنهي فيدل ~~عليه لما قد صح من مذهب أصحابنا أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن ~~الشيء أمر بضده. # والتنصيص ههنا في محل النهي فكان ذلك دليلا على أن الحكم في غير المخيط ~~بخلافه والله - عز وجل - الموفق ولأن لبس المخيط من باب الارتفاق بمرافق ~~المقيمين، والترفه في اللبس، وحال المحرم ينافيه، ولأن الحاج في حال إحرامه ~~يريد أن يتوسل بسوء حاله إلى مولاه يستعطف نظره ومرحمته، بمنزلة العبد ~~المسخوط عليه في الشاهد أنه يتعرض بسوء حاله لعطف سيده ولهذا قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «المحرم الأشعث ms1167 الأغبر» وإنما يمنع المحرم من لبس ~~المخيط إذا لبسه على الوجه المعتاد. # فأما إذا لبسه لا على الوجه المعتاد فلا يمنع منه، بأن اتشح بالقميص أو ~~اتزر بالسراويل؛ لأن معنى الارتفاق بمرافق المقيمين، والترفه في اللبس لا ~~يحصل به. # ولأن لبس القميص والسراويل على هذا الوجه في معنى الارتداء، والاتزار؛ ~~لأنه يحتاج في حفظه إلى تكلف، كما يحتاج إلى التكلف في حفظ الرداء، والإزار ~~وذا غير ممنوع عنه. # ولو أدخل منكبيه في القباء ولم يدخل يديه في كميه جاز له ذلك في قول ~~أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر: لا يجوز. # وجه قوله أن هذا لبس المخيط، إذ اللبس هو التغطية وفيه تغطية أعضاء كثيرة ~~بالمخيط من المنكبين، والظهر وغيرها فيمنع من ذلك، كإدخال اليدين في ~~الكمين. # ولنا أن الممنوع عنه هو: اللبس المعتاد وذلك في القباء، الإلقاء على ~~المنكبين مع إدخال اليدين في الكمين، ولأن الارتفاق بمرافق المقيمين ~~والترفه في اللبس لا يحصل إلا به، ولم يوجد فلا يمنع منه، ولأن إلقاء ~~القباء على المنكبين دون إدخال اليدين في الكمين يشبه الارتداء والاتزار؛ ~~لأنه يحتاج إلى حفظه عليه لئلا يسقط إلى تكلف، كما يحتاج إلى ذلك في الرداء ~~والإزار وهو لم يمنع من ذلك، كذا هذا، بخلاف ما إذا أدخل يديه في كميه؛ لأن ~~ذلك لبس معتاد يحصل به الارتفاق به والترفه في اللبس، ويقع به الأمن عن ~~السقوط. # ولو ألقاه على منكبيه وزره لا يجوز؛ لأنه إذا زره فقد ترفه في لبس ~~المخيط، ألا ترى أنه لا يحتاج في حفظه إلى تكلف. # ولو لم يجد رداء وله قميص، فلا بأس بأن يشق قميصه ويرتدي به؛ لأنه لما ~~شقه صار بمنزلة الرداء. # وكذا إذا لم يجد إزارا وله سراويل، فلا بأس أن يفتق سراويله خلا موضع ~~التكة ويأتزر به؛ لأنه لما فتقه صار بمنزلة الإزار. # وكذا إذا لم يجد نعلين وله خفان فلا بأس أن يقطعهما أسفل الكعبين ~~فيلبسهما لحديث ابن عمر - رضي الله عنه -. # ورخص بعض مشايخنا المتأخرون لبس الصندلة ms1168 قياسا على الخف المقطوع؛ لأنه في ~~معناه وكذا لبس الميثم لما قلنا، ولا يلبس الجوربين؛ لأنهما في معنى ~~الخفين، ولا يغطي رأسه بالعمامة، ولا غيرها مما يقصد به التغطية؛ لأن ~~المحرم ممنوع عن تغطية رأسه بما يقصد به التغطية، والأصل فيه ما روي «عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في # PageV02P184 # المحرم الذي وقصت به ناقته في أخاقيق جرذان فمات لا تخمروا رأسه ولا ~~تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» . # ولو حمل على رأسه شيئا فإن كان مما يقصد به التغطية من لباس الناس لا ~~يجوز له ذلك؛ لأنه كاللبس، وإن كان مما لا يقصد به التغطية كإجانة، أو عدل ~~بز وضعه على رأسه فلا بأس بذلك؛ لأنه لا يعد ذلك لبسا، ولا تغطية. # وكذا لا يغطي الرجل وجهه عندنا. # وقال الشافعي: " يجوز له تغطية الوجه ". # وأما المرأة فلا تغطي وجهها. # وكذا لا بأس أن تسدل على وجهها بثوب وتجافيه عن وجهها، احتج الشافعي بما ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إحرام الرجل في رأسه، ~~وإحرام المرأة في وجهها» جعل إحرام كل واحد منهما في محل خاص، ولا خصوص مع ~~الشركة ولهذا لما خص الوجه في المرأة بأن إحرامها فيه لم يكن في رأسها، ~~فكذا في الرجل؛ ولأن مبنى أحوال المحرم على خلاف العادة وذلك فيما قلنا، ~~لأن العادة هو الكشف في الرجال فكان الستر على خلاف العادة بخلاف النساء،، ~~فإن العادة فيهن الستر فكان الكشف خلاف العادة، ولنا ما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «إحرام الرجل في رأسه ووجهه» ولا حجة له فيما ~~روى؛ لأن فيه أن إحرام الرجل في رأسه، وهذا لا ينفي أن يكون في وجهه ولا ~~يوجب أيضا، فكان مسكوتا عنه فيقف على قيام الدليل، وقد قام الدليل وهو ما ~~روينا، وهكذا نقول في المرأة أنا إنما عرفنا أن إحرامها ليس في رأسها إلا ~~بقوله " وإحرام المرأة في وجهها " بل بدليل آخر نذكره إن شاء الله ms1169 تعالى. # ولا يلبس ثوبا أصبغ بورس أو زعفران، وإن لم يكن مخيطا لخبر ابن عمر - رضي ~~الله عنه -؛ ولأن الورس والزعفران طيب، والمحرم ممنوع من استعمال الطيب في ~~بدنه ولا يلبس المعصفر وهو: المصبوغ بالعصفر عندنا. # وقال الشافعي: يجوز واحتج بما روي أن عائشة - رضي الله عنها - لبست ~~الثياب المعصفرة وهي محرمة وروي أن عثمان - رضي الله عنه - أنكر على عبد ~~الله بن جعفر لبس المعصفر في الإحرام، فقال علي: - رضي الله عنه - " ما أرى ~~أن أحدا يعلمنا السنة " ولنا ما روي أن عمر - رضي الله عنه - أنكر على طلحة ~~لبس المعصفر في الإحرام، فقال طلحة: - رضي الله عنه - " إنما هو ممشق بمغرة ~~" فقال عمر - رضي الله عنه -: " إن كم أئمة يقتدى بكم " فدل إنكار عمر ~~واعتذار طلحة - رضي الله عنهما - على أن المحرم ممنوع من ذلك. # وفيه إشارة إلى أن الممشق مكروه أيضا؛ لأنه قال: " إنكم أئمة يقتدى بكم " ~~أي: من شاهد ذلك ربما يظن أنه مصبوغ بغير المغرة فيعتقد الجواز، فكان سببا ~~للوقوع في الحرام عسى فيكره، ولأن المعصفر طيب؛ لأن له رائحة طيبة فكان ~~كالورس والزعفران. # وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - فقد روي عنها أنها كرهت المعصفر في ~~الإحرام، أو يحمل على المصبوغ بمثل العصفر كالمغرة ونحوها، وهو الجواب عن ~~قول علي - رضي الله عنه - على أن قوله معارض بقول عثمان - رضي الله عنه - ~~وهو: إنكاره فسقط الاحتجاج به للتعارض، هذا إذا لم يكن مغسولا. # فأما إذا كان قد غسل حتى صار لا ينفض فلا بأس به، لما روي عن ابن عباس - ~~رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا بأس أن يحرم ~~الرجل في ثوب مصبوغ بورس، أو زعفران قد غسل وليس له نفض ولا ردغ» وقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - " لا ينفض " له تفسيران منقولان عن محمد: روي عنه لا ~~يتناثر صبغه. # وروي لا يفوح ريحه، والتعويل على زوال الرائحة حتى لو كان لا يتناثر ~~صبغه، ولكن يفوح ريحه يمنع ms1170 منه؛ لأن ذلك دليل بقاء الطيب، إذ الطيب ما له ~~رائحة طيبة وكذا ما صبغ بلون الهروي؛ لأنه صبغ خفيف فيه أدنى صفرة لا توجد ~~منه رائحة. # وقال أبو يوسف في الإملاء: " لا ينبغي للمحرم أن يتوسد ثوبا مصبوغا ~~بالزعفران، ولا الورس، ولا ينام عليه؛ لأنه يصير مستعملا للطيب فكان كاللبس ~~". # ولا بأس بلبس الخز والصوف والقصب والبرد وإن كان ملونا كالعدني وغيره؛ ~~لأنه ليس فيه أكثر من الزينة. # والمحرم غير ممنوع من ذلك ولا بأس أن يلبس الطيلسان؛ لأن الطيلسان ليس ~~بمخيط، ولا يزره، كذا روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - وعن ابن عباس - رضي ~~الله عنه - أنه لا بأس به، والصحيح قول ابن عمر لأن الزرة مخيط في نفسها، ~~فإذا زره فقد اشتمل المخيط عليه فيمنع منه؛ ولأنه إذا زره لا يحتاج في حفظه ~~إلى تكلف فأشبه لبس المخيط، بخلاف الرداء، والإزار. # ويكره أن يخلل الإزار بالخلال، وأن يعقد الإزار لما روي «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - رأى محرما قد عقد ثوبه بحبل فقال له: انزع الحبل ~~ويلك» وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كره أن # PageV02P185 # يعقد المحرم الثوب عليه؛ ولأنه يشبه المخيط في عدم الحاجة في حفظه إلى ~~تكلف ولو فعل لا شيء عليه؛ لأنه ليس بمخيط. # ولا بأس أن يتحزم بعمامة يشتمل بها ولا يعقدها؛ لأن اشتمال العمامة عليه ~~اشتمال غير المخيط فأشبه الاتشاح بقميص، فإن عقدها كره له ذلك؛ لأنه يشبه ~~المخيط كعقد الإزار ولا بأس بالهميان والمنطقة للمحرم. # سواء كان في الهميان نفقته أو نفقة غيره، وسواء كان شد المنطقة بالإبزيم، ~~أو بالسيور، وعن أبي يوسف في المنطقة: " إن شده بالإبزيم يكره، وإن شده ~~بالسيور لا يكره " وقال مالك في الهميان: " إن كان فيه نفقته لا يكره، وإن ~~كان فيه نفقة غيره يكره " وجه قوله: أن شد الهميان لمكان الضرورة، وهي ~~استيثاق النفقة، ولا ضرورة في نفقة غيره. # وجه رواية أبي يوسف: أن الإبزيم مخيط فالشد به يكون كزر ms1171 الإزار بخلاف ~~السير. # ولنا ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سئلت عن الهميان فقالت: " ~~أوثق عليك نفقتك " أطلقت القضية ولم تستفسر، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - ~~قال: «رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهميان يشده المحرم في ~~وسطه إذا كانت فيه نفقته» وعليه جماعة من التابعين. # وروي عن سعيد بن المسيب - رضي الله عنه - " أنه لا بأس بالهميان " وهو ~~قول سعيد بن جبير وعطاء وطاوس - رضي الله تعالى عنهم -؛ ولأن اشتمال ~~الهميان والمنطقة عليه كاشتمال الإزار فلا يمنع عنه. # ولا بأس أن يستظل المحرم بالفسطاط عند عامة العلماء. # وقال مالك: " يكره " واحتج بما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كره ~~ذلك. # ولنا ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يلقي على شجرة ثوبا، أو ~~نطعا فيستظل به، وروي أنه ضرب لعثمان - رضي الله عنه - فسطاط بمنى فكان ~~يستظل به؛ ولأن الاستظلال بما لا يماسه بمنزلة الاستظلال بالسقف، وذا غير ~~ممنوع عنه كذا هذا، فإن دخل تحت ستر الكعبة حتى غطاه، فإن كان الستر يصيب ~~وجهه ورأسه يكره له ذلك؛ لأنه يشبه ستر وجهه ورأسه بثوب، وإن كان متجافيا ~~فلا يكره؛ لأنه بمنزلة الدخول تحت ظلة. # ولا بأس أن تغطي المرأة سائر جسدها وهي محرمة بما شاءت من الثياب المخيطة ~~وغيرها، وأن تلبس الخفين غير أنها لا تغطي وجهها، أما ستر سائر بدنها؛ فلأن ~~بدنها عورة؛ وستر العورة بما ليس بمخيط متعذر فدعت الضرورة إلى لبس المخيط، ~~وأما كشف وجهها فلما روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إحرام المرأة في وجهها» وعن عائشة أنها قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن ~~محرمات مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا حاذونا أسدلت إحدانا ~~جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا رفعنا» فدل الحديث على أنه ليس ~~للمرأة أن تغطي وجهها وأنها لو أسدلت على وجهها شيئا وجافته عنه لا بأس ~~بذلك؛ ولأنها إذا جافته عن وجهها صار كما لو جلست ms1172 في قبة، أو استترت ~~بفسطاط. # ولا بأس لها أن تلبس الحرير والذهب، وتتحلى بأي حلية شاءت عند عامة ~~العلماء، وعن عطاء أنه كره ذلك، والصحيح قول العامة لما روي أن ابن عمر - ~~رضي الله عنه - كان يلبس نساءه الذهب والحرير في الإحرام؛ ولأن لبس هذه ~~الأشياء من باب التزين والمحرم غير ممنوع من الزينة، ولا يلبس ثوبا مصبوغا؛ ~~لأن المانع ما فيه من الصبغ من الطيب لا من الزينة، والمرأة تساوي الرجل في ~~الطيب. # وأما لبس القفازين فلا يكره عندنا وهو قول علي، وعائشة - رضي الله عنهما ~~-. # وقال الشافعي: " لا يجوز " واحتج بحديث ابن عمر - رضي الله عنه - فإنه ~~ذكر في آخره " ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين "؛ ولأن العادة في ~~بدنها الستر فيجب مخالفتها بالكشف كوجهها # ولنا ما روي أن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - كان يلبس بناته وهن ~~محرمات القفازين ولأن لبس القفازين ليس إلا تغطية يديها بالمخيط، وأنها غير ~~ممنوعة عن ذلك، فإن لها أن تغطيهما بقميصها، وإن كان مخيطا فكذا بمخيط آخر، ~~بخلاف وجهها. # وقوله " ولا تلبس القفازين " نهي ندب حملناه عليه جمعا بين الدلائل بقدر ~~الإمكان. # وأما بيان ما يجب بفعل هذا المحظور وهو: لبس المخيط فالواجب به يختلف في ~~بعض المواضع: يجب الدم عينا، وفي بعضها: تجب الصدقة عينا، وفي بعضها يجب ~~أحد الأشياء الثلاثة غير عين الصيام، أو الصدقة، أو الدم، وجهات التعيين ~~إلى من عليه كما في كفارة اليمين. # والأصل أن الارتفاق الكامل باللبس يوجب فداء كاملا فيتعين فيه الدم، لا ~~يجوز غيره إن فعله من غير عذر، وإن فعله لعذر فعليه أحد الأشياء الثلاثة، ~~والارتفاق القاصر يوجب فداء قاصرا وهو: الصدقة إثباتا للحكم على قدر العلة، ~~وبيان هذه الجملة إذا لبس المخيط: من قميص، أو جبة، أو سراويل، أو عمامة، ~~أو قلنسوة # PageV02P186 # أو خفين، أو جوربين من غير عذر وضرورة يوما كاملا. # فعليه الدم لا يجوز غيره؛ لأن لبس أحد هذه الأشياء يوما كاملا ارتفاق ~~كامل فيوجب كفارة كاملة ms1173 وهي: الدم لا يجوز غيره؛ لأنه فعله من غير ضرورة، ~~وإن لبس أقل من يوم لا دم عليه وعليه الصدقة، وكان أبو حنيفة يقول أولا: إن ~~لبس أكثر اليوم فعليه دم. # وكذا روي عن أبي يوسف ثم رجع وقال: لا دم عليه حتى يلبس يوما كاملا، وروي ~~عن محمد أنه إذا لبس أقل من يوم يحكم عليه بمقدار ما لبس من قيمة الشاة، إن ~~لبس نصف يوم فعليه قيمة نصف شاة على هذا القياس، وهكذا روي عنه في الحلق. # وقال الشافعي: " يجب عليه الدم، وإن لبس ساعة واحدة ". # وجه قوله أن اللبس ولو ساعة ارتفاق كامل لوجود اشتمال المخيط على بدنه، ~~فيلزمه جزاء كامل. # وجه رواية محمد: اعتبار البعض بالكل. # وجه قول أبي حنيفة الأول: بأن الارتفاق باللبس في أكثر اليوم بمنزلة ~~الارتفاق في كله؛ لأنه ارتفاق كامل، فإن الإنسان قد يلبس أكثر اليوم ثم ~~يعود إلى منزله قبل دخول الليل. # وجه قوله الآخر: أن اللبس أقل من يوم ارتفاق ناقص؛ لأن المقصود منه دفع ~~الحر والبرد وذلك باللبس في كل اليوم، ولهذا اتخذ الناس في العادة للنهار ~~لباسا ولليل لباسا، ولا ينزعون لباس النهار إلا في الليل فكان اللبس في بعض ~~اليوم ارتفاقا قاصرا، فيوجب كفارة قاصرة وهي الصدقة كقص ظفر واحد، ومقدار ~~الصدقة نصف صاع من بر كذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه يطعم مسكينا نصف ~~صاع من بر. # وكل صدقة تجب بفعل ما يحظره الإحرام فهي مقدرة بنصف صاع إلا ما يجب بقتل ~~القملة والجرادة. # وروى ابن سماعة عن محمد: أن من لبس ثوبا يوما إلا ساعة فعليه من الدم ~~بمقدار ما لبس أي: من قيمة الدم لما قلنا. # والصحيح قول أبي يوسف؛ لأن الصدقة المقدرة للمسكين في الشرع لا تنقص عن ~~نصف صاع كصدقة الفطر، وكفارة اليمين، والفطر، والظهار. # وكذا لو أدخل منكبيه في القباء، ولم يدخل يديه في كميه لكنه زره عليه أو ~~زر عليه طيلسانا يوما كاملا، فعليه دم لوجود الارتفاق الكامل ms1174 بلبس المخيط، ~~إذ المزرر مخيط. # وكذا لو غطى ربع رأسه يوما فصاعدا فعليه دم، وإن كان أقل من الربع فعليه ~~صدقة، كذا ذكر في الأصل. # وذكر ابن سماعة في نوادره عن محمد أنه لا دم عليه حتى يغطي الأكثر من ~~رأسه، ولا أقول: حتى يغطي رأسه كله. # وجه رواية ابن سماعة عن محمد: أن تغطية الأقل ليس بارتفاق كامل، فلا يجب ~~به جزاء كامل. # وجه رواية الأصل أن ربع الرأس له حكم الكل في هذا الباب، كحلق ربع الرأس ~~وعلى هذا إذا غطت المرأة ربع وجهها وكذا لو غطى الرجل ربع وجهه عندنا وعند ~~الشافعي لا شيء عليه؛ لأنه غير ممنوع عن ذلك عنده، والمسألة قد تقدمت ولو ~~عصب على رأسه، أو وجهه يوما أو أكثر فلا شيء عليه؛ لأنه لم يوجد ارتفاق ~~كامل وعليه صدقة؛ لأنه ممنوع عن التغطية. # ولو عصب شيئا من جسده لعلة أو غير علة لا شيء عليه؛ لأنه غير ممنوع عن ~~تغطية بدنه بغير المخيط، ويكره أن يفعل ذلك بغير عذر؛ لأن الشد عليه يشبه ~~لبس المخيط، هذا إذا لبس المخيط يوما كاملا حالة الاختيار. # فأما إذا لبسه لعذر وضرورة فعليه أي: الكفارات شاء الصيام، أو الصدقة، أو ~~الدم. # والأصل فيه قوله تعالى في كفارة الحلق من مرض أو أذى في الرأس {فمن كان ~~منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] ~~وروينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال لكعب بن عجرة: أيؤذيك ~~هوام رأسك؟ قال: نعم فقال: احلق واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة ~~مساكين، لكل مسكين نصف صاع من بر» والنص وإن ورد بالتخيير في الحلق، لكنه ~~معلول بالتيسير والتسهيل للضرورة والعذر، وقد وجد ههنا، والنص الوارد هناك ~~يكون واردا ههنا دلالة. # وقيل: إن عند الشافعي يتخير بين أحد الأشياء الثلاثة في حالة الاختيار ~~أيضا، وأنه غير سديد؛ لأن التخيير في حال الضرورة للتيسير والتخفيف، ~~والجاني لا يستحق التخفيف، ويجوز ms1175 في الطعام التمليك، والتمكين وهو: طعام ~~الإباحة في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، وعند محمد لا يجوز فيه إلا التمليك، ~~ونذكر المسألة في كتاب الكفارات إن شاء الله تعالى # ويجوز في الصيام التتابع والتفرق لإطلاق اسم الصوم في النص، ولا يجوز ~~الذبح إلا في الحرم كذبح المتعة إلا إذا ذبح في غير الحرم، وتصدق بلحمه على ~~ستة مساكين على كل واحد منهم قدر قيمة نصف صاع من حنطة؛ فيجوز على طريق ~~البدل عن الطعام " ويجوز الصوم في الأماكن كلها بالإجماع. # وكذا الصدقة عندنا وعند الشافعي لا تجزيه، # PageV02P187 # إلا بمكة نظرا لأهل مكة؛ لأنهم ينتفعون به ولهذا لم يجز الدم إلا بمكة، ~~ولنا أن نص الصدقة مطلق عن المكان فيجري على إطلاقه، والقياس على الدم ~~بمعنى الانتفاع فاسد لما ذكرنا في الإحصار، وإنما عرف اختصاص جواز الذبح ~~بمكة بالنص، وهو قوله تعالى {حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] ولم يوجد ~~مثله في الصدقة وقد ذكرنا أن المحرم إذا لم يجد الإزار وأمكنه فتق السراويل ~~والتستر به فتقه، فإن لبسه يوما ولم يفتقه فعليه دم في قول أصحابنا. # وقال الشافعي: " يلبسه ولا شيء عليه " وجه قوله أن الكفارة إنما تجب بلبس ~~محظور، ولبس السراويل في هذه الحالة ليس بمحظور؛ لأنه لا يمكنه لبس غير ~~المخيط إلا بالفتق، وفي الفتق تنقيص ماله، ولنا أن حظر لبس المخيط ثبت بعقد ~~الإحرام، ويمكنه التستر بغير المخيط في هذه الحالة بالفتق فيجب عليه الفتق، ~~والستر بالمفتوق أولى، فإذا لم يفعل فقد ارتكب محظور إحرامه يوما كاملا ~~فيلزمه الدم. # وقوله: " في الفتق تنقيص ماله " مسلم لكن لإقامة حق الله تعالى، وأنه ~~جائز كالزكاة وقطع الخفين أسفل من الكعبين إذا لم يجد النعلين. # ويستوي في وجوب الكفارة بلبس المخيط العمد، والسهو، والطوع، والكره ~~عندنا. # وقال الشافعي: " لا شيء على الناسي والمكره " ويستوي أيضا ما إذا لبس ~~بنفسه أو ألبسه غيره، وهو لا يعلم به عندنا خلافا له وجه قوله: أن الكفارة ~~إنما تجب بارتكاب محظور الإحرام لكونه جناية، ولا ms1176 حظر مع النسيان والإكراه، ~~فلا يوصف فعله بالجناية فلا تجب الكفارة، ولهذا جعل النسيان عذرا في باب ~~الصوم بالإجماع، والإكراه عندي ولنا أن الكفارة إنما تجب في حال الذكر ~~والطوع لوجود ارتفاق كامل، وهذا يوجد في حال الكره والسهو. # وقوله: " فعل الناسي والمكره لا يوصف بالحظر " ممنوع بل الحظر قائم حالة ~~النسيان والإكراه، وفعل الناسي والمكره موصوف بكونه جناية، وإنما أثر ~~النسيان والإكراه في ارتفاع المؤاخذة في الآخرة؛ لأن فعل الناسي والمكره ~~جائز المؤاخذة عليه عقلا عندنا، وإنما رفعت المؤاخذة شرعا ببركة «دعا النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بقوله: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا» ، ~~وقوله: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» والاعتبار بالصوم ~~غير سديد؛ لأن في الإحرام أحوالا مذكرة يندر النسيان معها غاية الندرة، ~~فكان ملحقا بالعدم ولا مذكر للصوم فجعل عذرا دفعا للحرج، ولهذا لم يجعل ~~عذرا في باب الصلاة؛ لأن أحوال الصلاة مذكرة كذا هذا. # ولو جمع المحرم اللباس كله: القميص، والعمامة، والخفين، لزمه دم واحد؛ ~~لأنه لبس واحد وقع على جهة واحدة، فيكفيه كفارة واحدة كالإيلاجات في ~~الجماع. # ولو اضطر المحرم إلى لبس ثوب فلبس ثوبين فإن لبسهما على موضع الضرورة ~~فعليه كفارة واحدة وهي كفارة الضرورة، بأن اضطر إلى قميص واحد فلبس قميصين، ~~أو قميصا وجبة، أو اضطر إلى القلنسوة فلبس قلنسوة وعمامة؛ لأن اللبس حصل ~~على وجه واحد فيوجب كفارة واحدة، كما إذا اضطر إلى لبس قميص فلبس جبة، وإن ~~لبسهما على موضعين مختلفين: موضع الضرورة وغير موضع الضرورة، كما إذا اضطر ~~إلى لبس العمامة أو القلنسوة فلبسهما مع القميص أو غير ذلك، فعليه كفارتان: ~~كفارة الضرورة للبسه ما يحتاج إليه، وكفارة الاختيار للبسه ما لا يحتاج ~~إليه. # ولو لبس ثوبا للضرورة ثم زالت الضرورة، فدام على ذلك يوما أو يومين فما ~~دام في شك من زوال الضرورة لا يجب عليه إلا كفارة واحدة: كفارة الضرورة. # وإن تيقن بأن الضرورة قد زالت، فعليه كفارتان: كفارة ضرورة، وكفارة ~~اختيار؛ لأن الضرورة ms1177 كانت ثابتة بيقين، فلا يحكم بزوالها بالشك على الأصل ~~المعهود إن الثابت يقينا لا يزال بالشك وإذا كان كذلك فاللبس الثاني وقع ~~على الوجه الذي وقع عليه الأول، فكان لبسا واحدا فيوجب كفارة واحدة، وإذا ~~استيقن بزوال الضرورة، فاللبس الثاني حصل على غير الوجه الذي حصل عليه ~~الأول، فيوجب عليه كفارة أخرى. # ونظير هذا ما إذا كان به قرح أو جرح، اضطر إلى مداواته بالطيب أنه ما دام ~~باقيا فعليه كفارة واحدة، وإن كان تكرر عليه الدواء؛ لأن الضرورة باقية ~~فوقع الكل على وجه واحد. # ولو برأ ذلك القرح أو الجرح، وحدث قرح آخر أو جراحة أخرى فداوها بالطيب ~~يلزمه كفارة أخرى؛ لأن الضرورة قد زالت فوقع الثاني على غير الوجه الأول، ~~وكذا المحرم إذا مرض أو أصابته الحمى، وهو يحتاج إلى لبس الثوب في وقت، ~~ويستغني عنه في وقت الحمى، فعليه كفارة واحدة، ما لم تزل عنه تلك العلة ~~لحصول اللبس على جهة واحدة. # ولو زالت عنه تلك # PageV02P188 # الحمى وأصابته حمى أخرى عرف ذلك، أو زال عنه ذلك المرض وجاءه مرض آخر ~~فعليه كفارتان، سواء كفر للأول أو لم يكفر في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ~~وعند محمد عليه كفارة واحدة ما لم يكفر للأول، فإن كفر للأول فعليه كفارة ~~أخرى وسنذكر المسألة إن شاء الله في بيان المحظور الذي يفسد الحج وهو ~~الجماع، بأن جامع في مجلسين مختلفين ولو جرح له قرح، أو أصابه جرح وهو ~~يداويه بالطيب، فخرجت قرحة أخرى، أو أصابه جرح آخر، والأول على حاله لم ~~يبرأ فداوى الثاني فعليه كفارة واحدة؛ لأن الأول لم يبرأ فالضرورة باقية، ~~فالمداواة الثانية حصلت على الجهة التي حصلت عليها الأولى، فيكفيه كفارة ~~واحدة. # ولو حصره عدو فاحتاج إلى لبس الثياب فلبس، ثم ذهب فنزع ثم عاد فعاد أو ~~كان العدو لم يبرح مكانه فكان يلبس السلاح، فيقاتل بالنهار وينزع بالليل ~~فعليه كفارة واحدة، ما لم يذهب هذا العدو ويجيء عدو آخر؛ لأن العذر واحد، ~~والعذر الواحد لا يتعلق ms1178 باللبس له إلا كفارة واحدة. # والأصل في جنس هذه المسائل أنه ينظر إلى اتحاد الجهة واختلافها، لا إلى ~~صورة اللبس، فإن لبس المخيط أياما فإن لم ينزع ليلا ولا نهارا يكفيه دم ~~واحد بلا خلاف؛ لأن اللبس على وجه واحد، وكذلك إذا كان يلبسه بالنهار ~~وينزعه بالليل للنوم من غير أن يعزم على تركه لا يلزمه إلا دم واحد ~~بالإجماع؛ لأنه إذا لم يعزم على الترك كان اللبس على وجه واحد، فإن لبس ~~يوما كاملا فأراق دما، ثم دام على لبسه يوما كاملا فعليه دم آخر بلا خلاف؛ ~~لأن الدوام على اللبس بمنزلة لبس مبتدأ، بدليل أنه لو أحرم وهو مشتمل على ~~المخيط فدام عليه بعد الإحرام يوما كاملا يلزمه دم. # ولو لبسه يوما كاملا ثم نزعه وعزم على تركه، ثم لبس بعد ذلك، فإن كان كفر ~~للأول فعليه كفارة أخرى بالإجماع؛ لأنه لما كفر للأول فقد التحق اللبس ~~الأول بالعدم فيعتبر الثاني لبسا آخر مبتدأ إن لم يكفر للأول، فعليه ~~كفارتان في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي قول محمد عليه كفارة واحدة وجه ~~قول محمد أنه ما لم يكفر للأول كان اللبس على حاله، فإذا وجد الثاني فلا ~~يتعلق به إلا كفارة واحدة، وإذا كفر للأول بطل الأول فيعتبر الثاني لبسا ~~ثانيا فيوجب كفارة أخرى، كما إذا جامع في يومين من شهر رمضان، ولهما أنه ~~لما نزع على عزم الترك فقد انقطع حكم اللبس الأول، فيعتبر الثاني لبسا ~~مبتدأ فيتعلق به كفارة أخرى، والأصل عندهما أن النزع على عزم الترك يوجب ~~اختلاف اللبستين في الحكم، تخللهما التكفير أو لا وعنده لا يختلف إلا إذا ~~تخللهما التكفير، ولو لبس ثوبا مصبوغا بالورس أو الزعفران فعليه دم؛ لأن ~~الورس والزعفران لهما رائحة طيبة، فقد استعمل الطيب في بدنه فيلزمه الدم. # وكذا إذا لبس المعصفر عندنا، لأنه محظور الإحرام عندنا، إذ المعصفر طيب؛ ~~لأن له رائحة طيبة وعلى القارن في جميع ما يوجب الكفارة مثلا ما على المفرد ~~من الدم والصدقة ms1179 عندنا؛ لأنه محرم بإحرامين، فأدخل النقص في كل واحد منهما ~~فيلزمه كفارتان، والله أعلم بالصواب. ### | [فصل تطيب المحرم] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى الطيب، وما يجري مجراه من إزالة الشعث وقضاء التفث ~~أما الطيب فنقول: لا يتطيب المحرم لقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - ~~«المحرم الأشعث الأغبر» والطيب ينافي الشعث. # وروي «أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه مقطعان مضمخان ~~بالخلوق فقال: ما أصنع في حجتي يا رسول الله؟ فسكت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حتى أوحى الله إليه، فلما سرى عنه قال: - صلى الله عليه وسلم - أين ~~السائل؟ فقال الرجل: أنا فقال: اغسل هذا الطيب عنك، واصنع في حجتك ما كنت ~~صانعا في عمرتك» وروينا «أن محرما وقصت به ناقته فقال النبي: - صلى الله ~~عليه وسلم - لا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبا فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» ~~جعل كونه محرما علة حرمة تخمير الرأس، والتطيب في حقه، فإن طيب عضوا كاملا: ~~كالرأس، والفخذ، والساق ونحو ذلك فعليه دم، وإن طيب أقل من عضو فعليه صدقة. # وقال محمد: يقوم ما يجب فيه الدم فيتصدق بذلك القدر، حتى لو طيب ربع عضو، ~~فعليه من الصدقة قدر قيمة ربع شاة، وإن طيب نصف عضو تصدق بقدر قيمة نصف شاة ~~هكذا وذكر الحاكم في المنتقى في موضع إذا طيب مثل الشارب أو بقدره من ~~اللحية، فعليه صدقة، وفي موضع إذا طيب مقدار ربع الرأس فعليه دم، أعطى ~~الربع حكم الكل كما في الحلق. # وقال الشافعي: في قليل الطيب وكثيره دم لوجود الارتفاق ومحمد اعتبر البعض ~~بالكل والصحيح ما ذكر في الأصل؛ لأن تطييب عضو كامل ارتفاق كامل، فكان # PageV02P189 # جناية كاملة فيوجب كفارة كاملة، وتطييب ما دونه ارتفاق قاصر فيوجب كفارة ~~قاصرة، إذ الحكم يثبت على قدر السبب فإن طيب مواضع متفرقة من كل عضو يجمع ~~ذلك كله، فإذا بلغ عضوا كاملا يجب عليه دم، وإن لم يبلغ فعليه صدقة لما ~~قلنا. # وإن طيب الأعضاء كلها، فإن كان في مجلس واحد ms1180 فعليه دم واحد؛ لأن جنس ~~الجناية واحد حظرها إحرام واحد من جهة غير متقومة فيكفيه دم واحد، وإن كان ~~في مجلسين مختلفين بأن طيب كل عضو في مجلس على حدة فعليه لكل واحد دم في ~~قول أبي حنيفة، وأبي يوسف سواء ذبح للأول أو لم يذبح كفر للأول أو لم يكفر ~~وقال محمد: إن ذبح للأول فكذلك وإن لم يذبح فعليه دم واحد، والاختلاف فيه ~~كالاختلاف في الجماع بأن جامع قبل الوقوف بعرفة ثم جامع، أنه إن كان ذلك في ~~مجلس واحد يجب على كل واحد منهما دم واحد، وإن كان في مجلسين مختلفين يجب ~~على كل واحد منهما دمان في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف. # وعند محمد إن ذبح للأول فعليه دم آخر، وإن لم يذبح يكفي دم واحد قياسا ~~على كفارة الإفطار في شهر رمضان، وسنذكر المسألة إن شاء الله تعالى. # ولو ادهن بدهن فإن كان الدهن مطيبا كدهن: البنفسج، والورد، والزئبق، ~~والبان، والحرى، وسائر الأدهان التي فيها الطيب فعليه دم إذا بلغ عضوا ~~كاملا. # وحكي عن الشافعي أن البنفسج ليس بطيب، وأنه غير سديد؛ لأنه دهن مطيب ~~فأشبه البان وغيره من الأدهان المطيبة، وإن كان غير مطيب بأن ادهن بزيت أو ~~بشيرج فعليه دم في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد عليه صدقة. # وقال الشافعي: " إن استعمله في شعره فعليه دم، وإن استعمله في بدنه فلا ~~شيء عليه " احتجا بما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ادهن بزيت ~~وهو محرم» ولو كان ذلك موجبا للدم لما فعل - صلى الله عليه وسلم - لأنه ما ~~كان يفعل ما يوجب الدم؛ ولأن غير المطيب من الأدهان يستعمل استعمال الغذاء ~~فأشبه اللحم والشحم والسمن إلا أنه يوجب الصدقة؛ لأنه يقتل الهوام لا لكونه ~~طيبا، ولأبي حنيفة ما روي عن أم حبيبة - رضي الله عنها - أنه لما نعي إليها ~~وفاة أخيها قعدت ثلاثة أيام، ثم استدعت بزنة زيت وقالت: " ما لي إلى الطيب ~~من حاجة لكني سمعت رسول الله ms1181 - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يحل لامرأة ~~تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها ~~أربعة أشهر وعشرا» سمت الزيت طيبا؛ ولأنه أصل الطيب بدليل أنه يطيب بإلقاء ~~الطيب فيه، فإذا استعمله على وجه الطيب كان كسائر الأدهان المطيبة؛ ولأنه ~~يزيل الشعث الذي هو علم الإحرام وشعاره على ما نطق به الحديث، فصار جارحا ~~إحرامه بإزالة علمه، فتكاملت جنايته فيجب الدم. # والحديث محمول على حال الضرورة؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كما كان لا ~~يفعل ما يوجب الدم كان لا يفعل ما يوجب الصدقة، وعندهما تجب الصدقة فكان ~~المراد منه حالة العذر والضرورة، ثم إنه ليس فيه أنه لم يكفر فيحتمل أنه ~~فعل وكفر، فلا يكون حجة. # ولو داوى بالزيت جرحه أو شقوق رجليه فلا كفارة عليه؛ لأنه ليس بطيب ~~بنفسه، وإن كان أصل الطيب لكنه ما استعمله على وجه الطيب، فلا تجب به ~~الكفارة، بخلاف ما إذا تداوى بالطيب لا للتطيب أنه تجب به الكفارة؛ لأنه ~~طيب في نفسه فيستوي فيه استعماله للتطيب أو لغيره؛ وذكر محمد في الأصل، وإن ~~دهن شقاق رجليه طعن عليه في ذلك فقيل: " الصحيح شقوق رجليه " وإنما قال ~~محمد: ذلك اقتداء بعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فإنه قال هكذا في هذه ~~المسألة، ومن سيرة أصحابنا الاقتداء بألفاظ الصحابة ومعاني كلامهم - رضي ~~الله عنهم -. # وإن ادهن بشحم أو سمن فلا شيء عليه؛ لأنه ليس بطيب في نفسه، ولا أصل ~~للطيب بدليل أنه لا يطيب بإلقاء الطيب فيه، ولا يصير طيبا بوجه، وقد قال ~~أصحابنا: إن الأشياء التي تستعمل في البدن على ثلاثة أنواع: نوع هو طيب محض ~~معد للتطيب به كالمسك والكافور، والعنبر وغير ذلك، وتجب به الكفارة على أي ~~وجه استعمل حتى قالوا: لو داوى عينه بطيب تجب عليه الكفارة؛ لأن العين عضو ~~كامل استعمل فيه الطيب فتجب الكفارة، ونوع ليس بطيب بنفسه ولا فيه معنى ~~الطيب، ولا يصير طيبا بوجه كالشحم فسواء أكل أو ادهن ms1182 به أو جعل في شقاق ~~الرجل لا تجب الكفارة. # ونوع ليس بطيب بنفسه لكنه أصل الطيب، يستعمل على وجه الطيب، ويستعمل على ~~وجه الإدام كالزيت والشيرج، فيعتبر فيه الاستعمال، فإن استعمل استعمال ~~الأدهان في البدن يعطى له حكم الطيب، وإن # PageV02P190 # استعمل في مأكول أو شقاق رجل لا يعطى له حكم الطيب كالشحم. # ، ولو كان الطيب في طعام طبخ وتغير، فلا شيء على المحرم في أكله، سواء ~~كان يوجد ريحه أو لا؛ لأن الطيب صار مستهلكا في الطعام بالطبخ، وإن كان لم ~~يطبخ يكره إذا كان ريحه يوجد منه ولا شيء عليه؛ لأن الطعام غالب عليه، فكان ~~الطيب مغمورا مستهلكا فيه، وإن أكل عين الطيب غير مخلوط بالطعام فعليه الدم ~~إذا كان كثيرا. # وقالوا في الملح يجعل فيه الزعفران أنه إن كان الزعفران غالبا فعليه ~~الكفارة؛ لأن الملح يصير تبعا له، فلا يخرجه عن حكم الطيب، وإن كان الملح ~~غالبا، فلا كفارة عليه؛ لأنه ليس فيه معنى الطيب، وقد روي عن ابن عمر - رضي ~~الله عنهما - أنه كان يأكل الخشكنابخ الأصفر وهو محرم، ويقول: لا بأس ~~بالخبيص الأصفر للمحرم. # فإن تداوى المحرم بما لا يؤكل من الطيب لمرض أو علة، أو اكتحل بطيب لعلة ~~فعليه أي الكفارات شاء لما ذكرنا أن ما يحظره الإحرام إذا فعله المحرم ~~لضرورة وعذر فعليه إحدى الكفارات الثلاث. # ، ويكره للمحرم أن يشم الطيب والريحان كذا روي عن ابن عمر وجابر - رضي ~~الله عنهما - أنهما كرها شم الريحان للمحرم، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما ~~- أنه لا بأس به، ولو شمه لا شيء عليه عندنا. # وقال الشافعي: " تجب عليه الفدية " وجه قوله: أن الطيب ما له رائحة، ~~والريحان له رائحة طيبة فكان طيبا، وإنا نقول: نعم إنه طيب لكنه لم يلتزق ~~ببدنه ولا بثيابه شيء منه، وإنما شم رائحته فقط وهذا لا يوجب الكفارة، كما ~~لو جلس عند العطارين فشم رائحة العطر إلا أنه ذكره لما فيه من الارتفاق. # وكذا كل نبات له رائحة طيبة، وكل ثمرة ms1183 لها رائحة طيبة؛ لأنه ارتفاق ~~بالرائحة ولو فعل لا شيء عليه؛ لأنه لم يلتزق ببدنه وثيابه شيء منه. # وحكي عن مالك: أنه كان يأمر برفع العطارين بمكة في أيام الحج وذلك غير ~~سديد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم يفعلوا ذلك. # فإن شم المحرم رائحة طيب تطيب به قبل الإحرام لا بأس به؛ لأن استعمال ~~الطيب حصل في وقت مباح، فبقي شم نفس الرائحة فلا يمنع منه، كما لو مر ~~بالعطارين، وروى ابن سماعة عن محمد أن رجلا لو دخل بيتا قد أجمر وطال مكثه ~~بالبيت فعلق في ثوبه شيء يسير فلا شيء عليه؛ لأن الرائحة لم تتعلق بعين، ~~وبمجرد الرائحة لا يمنع منها، فإن استجمر بثوب فعلق بثوبه شيء كثير فعليه ~~دم؛ لأن الرائحة ههنا تعلقت بعين وقد استعملها في بدنه فصار كما لو تطيب. # وذكر ابن رستم عن محمد فيمن اكتحل بكحل قد طيب مرة أو مرتين فعليه صدقة، ~~وإن كان كثيرا فعليه دم؛ لأن الطيب إذا غلب الكحل، فلا فرق بين استعماله ~~على طريق التداوي أو التطيب. # فإن مس طيبا فلزق بيده فهو بمنزلة التطيب؛ لأنه طيب به يده، وإن لم يقصد ~~به التطيب، لأن القصد ليس بشرط لوجوب الكفارة. # وقالوا فيمن استلم الحجر فأصاب يده من طيبه: إن عليه الكفارة؛ لأنه ~~استعمل الطيب، وإن لم يقصد به التطيب، ووجوب الكفارة لا يقف على القصد. # فإن داوى جرحا أو تطيب لعلة، ثم حدث جرح آخر قبل أن يبرأ الأول فعليه ~~كفارة واحدة؛ لأن العذر الأول باق، فكان جهة الاستعمال واحدة فتكفيه كفارة ~~واحدة كما قلنا في لبس المخيط. # ولا بأس بأن يحتجم المحرم، ويفتصد، ويبط القرحة، ويعصب عليه الخرقة، ~~ويجبر الكسر، وينزع الضرس إذا اشتكى منه، ويدخل الحمام ويغتسل لما روي «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجم وهو صائم محرم بالقرحة، والفصد وبط ~~القرحة» والجرح في معنى الحجامة؛ ولأنه ليس في هذه الأشياء إلا شق الجلدة ~~والمحرم غير ممنوع عن ذلك، ولأنها من ms1184 باب التداوي، والإحرام لا يمنع من ~~التداوي. # وكذا جبر الكسر من باب العلاج، والمحرم لا يمنع منه. # وكذا قلع الضرس، وهو أيضا من باب إزالة الضرر فيشبه قطع اليد من الأكلة، ~~وذا لا يمنع منه المحرم كذا هذا. # وأما الاغتسال فلما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اغتسل وهو ~~محرم وقال: ما نفعل بأوساخنا» . # فإن غسل رأسه ولحيته بالخطمي فعليه دم في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ~~ومحمد عليه صدقة لهما أن الخطمي ليس بطيب، وإنما يزيل الوسخ فأشبه الأشنان، ~~فلا يجب به الدم، وتجب الصدقة؛ لأنه يقتل الهوام لا لأنه طيب، ولأبي حنيفة ~~أن الخطمي طيب؛ لأن له رائحة طيبة فيجب به الدم كسائر أنواع الطيب؛ ولأنه ~~يزيل الشعث ويقتل الهوام فأشبه الحلق. # فإن خضب رأسه ولحيته بالحناء فعليه دم؛ لأن الحناء طيب لما روي «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نهى المعتدة أن تختضب بالحناء وقال: الحناء ~~طيب» # PageV02P191 # ولأن الطيب ما له رائحة طيبة وللحناء رائحة طيبة فكان طيبا. # وإن خضبت المحرمة يديها بالحناء فعليها دم، وإن كان قليلا فعليها صدقة؛ ~~لأن الارتفاق الكامل لا يحصل إلا بتطييب عضو كامل، والقسط طيب؛ لأن له ~~رائحة طيبة ولهذا يتبخر به ويلتذ برائحته. # ، والوسمة ليس بطيب؛ لأنه ليس لها رائحة طيبة بل كريهة، وإنما تغير الشعر ~~وذلك ليس من باب الارتفاق، بل من باب الزينة، فإن خاف أن يقتل دواب الرأس ~~تصدق بشيء؛ لأنه يزيل التفث. # وروي عن أبي يوسف فيمن خضب رأسه بالوسمة أن عليه دما لا لأجل الخضاب بل ~~لأجل تغطية الرأس. # والكحل ليس بطيب وللمحرم أن يكتحل بكحل ليس فيه طيب. # وقال ابن أبي ليلى: " هو طيب وليس للمحرم أن يكتحل به " وهذا غير سديد؛ ~~لأنه ليس له رائحة طيبة، فلا يكون طيبا. # ويستوي في وجوب الجزاء بالتطيب: الذكر والنسيان، والطوع والكره عندنا كما ~~في لبس المخيط خلافا للشافعي على ما مر، والرجل والمرأة في الطيب سواء في ~~الحظر ووجوب الجزاء؛ لاستوائهما في ms1185 الحاظر والموجب للجزاء. # وكذا القارن والمفرد إلا أن على القارن مثلي ما على المفرد عندنا؛ لأنه ~~محرم بإحرامين فأدخل نقصا في إحرامين فيؤاخذ بجزاءين، ولا يحل للقارن ~~والمفرد التطيب ما لم يحلقا أو يقصرا، لبقاء الإحرام قبل الحلق أو التقصير، ~~فكان الحاظر باقيا فيبقى الحظر. # وكذا المعتمر لما قلنا، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم والله أعلم. ### | [فصل ما يجوز للمحرم أن يفعله في إحرامه] # (فصل) : # وأما ما يجري مجرى الطيب من إزالة الشعث وقضاء التفث: فحلق الشعر، وقلم ~~الظفر. # أما الحلق فنقول: " لا يجوز للمحرم أن يحلق رأسه قبل يوم النحر لقوله ~~تعالى {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] وقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «المحرم الأشعث الأغبر» «وسئل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من الحاج؟ فقال: الشعث التفث» وحلق الرأس يزيل الشعث والتفث؛ ~~ولأنه من باب الارتفاق بمرافق المقيمين، والمحرم ممنوع عن ذلك؛ ولأنه نوع ~~نبات استفاد الأمن بسبب الإحرام فيحرم التعرض له، كالنبات الذي استفاد ~~الأمن بسبب الحرم وهو الشجر والخلى. # وكذا لا يطلي رأسه بنورة؛ لأنه في معنى الحلق؛ وكذا لا يزيل شعرة من شعر ~~رأسه ولا يطليها بالنورة لما قلنا. # فإن حلق رأسه، فإن حلقه من غير عذر فعليه دم لا يجزيه غيره؛ لأنه ارتفاق ~~كامل من غير ضرورة، وإن حلقه لعذر فعليه أحد الأشياء الثلاثة لقوله عز وجل: ~~{فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} ~~[البقرة: 196] ولما روينا من حديث كعب بن عجرة؛ ولأن الضرورة لها أثر في ~~التخفيف فخير بين الأشياء الثلاثة تخفيفا وتيسيرا، وإن حلق ثلثه أو ربعه ~~فعليه دم، وإن حلق دون الربع، فعليه صدقة كذا ذكر في ظاهر الرواية ولم يذكر ~~الاختلاف، وحكى الطحاوي في مختصره الاختلاف فقال: " إذا حلق ربع رأسه يجب ~~عليه الدم " في قول أبي حنيفة. # وفي قول أبي يوسف ومحمد: لا يجب ما لم يحلق أكثر رأسه. # وذكر القدوري في شرحه مختصر الحاكم: إذا حلق ms1186 ربع رأسه يجب عليه دم في قول ~~أبي حنيفة. # وعند أبي يوسف: إذا حلق أكثره يجب. # وعند محمد: إذا حلق شعره يجب. # وقال الشافعي: " إذا حلق ثلاث شعرات يجب " وقال مالك: " لا يجب إلا بحلق ~~الكل " وعلى هذا إذا حلق لحيته أو ثلثها أو ربعها، احتج مالك بقوله تعالى ~~{ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] والرأس اسم لكل هذا ~~المحدود. # وجه قول الشافعي: أن الثلاث جمع صحيح فيقوم مقام الكل، ولهذا قام مقام ~~الكل في مسح الرأس؛ ولأن الشعر نبات استفاد الأمن بسبب الإحرام فيستوي فيه ~~قليله وكثيره، كالنبات الذي استفاد الأمن بسبب الحرم من الشجر والخلى. # وأما الكلام بين أصحابنا فمبني على أن حلق الكثير يوجب الدم، والقليل ~~يوجب الصدقة، واختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير، فجعل أبو حنيفة ~~ما دون الربع قليلا، والربع وما فوقه كثيرا، وهما على ما ذكر الطحاوي جعلا ~~ما دون النصف قليلا، وما زاد على النصف كثيرا، والوجه لهما: أن القليل ~~والكثير من أسماء المقابلة، وإنما يعرف ذلك بمقابله، فإن كان مقابله قليلا ~~فهو كثير، وإن كان كثيرا فهو قليل، فيلزم منه أن يكون الربع قليلا؛ لأن ما ~~يقابله كثير فكان هو قليلا، والوجه لأبي حنيفة: أن الربع في حلق الرأس ~~بمنزلة الكل ألا ترى أن من عادة كثير من الأجيال من العرب، والترك، والكرد ~~الاقتصار على حلق ربع الرأس، ولذا يقول القائل: رأيت فلانا يكون صادقا في ~~مقالته، وإن لم ير إلا أحد جوانبه الأربع، ولهذا أقيم مقام الكل في المسح، ~~وفي الخروج من الإحرام بأن حلق ربع رأسه للتحلل # PageV02P192 # والخروج من الإحرام، أنه يتحلل ويخرج من الإحرام، فكان حلق ربع الرأس ~~ارتفاقا كاملا فكانت جناية كاملة، فيوجب كفارة كاملة. # وكذا حلق ربع اللحية لأهل بعض البلاد معتاد كالعراق ونحوها، فكان حلق ~~الربع منها كحلق الكل، ولا حجة لمالك في الآية؛ لأن فيها نهيا عن حلق الكل، ~~وذا لا ينفي النهي عن حلق البعض، فكان تمسكا بالمسكوت، فلا يصح. # وما ms1187 قاله الشافعي غير سديد؛ لأن آخذ ثلاث شعرات لا يسمى حالقا في العرف، ~~فلا يتناوله نص الحلق، كما لا يسمى ماسح ثلاث شعرات ماسحا في العرف، حتى لم ~~يتناوله نص المسح، على أن وجوب الدم متعلق بارتفاق كامل، وحلق ثلاث شعرات ~~ليس بارتفاق كامل، فلا يوجب كفارة كاملة، وقوله: إنه نبات استفاد الأمن ~~بسبب الإحرام مسلم، لكن هذا يقتضي حرمة التعرض لقليله وكثيره ونحن به نقول، ~~ولا كلام فيه، وإنما الكلام في وجوب الدم، وذا يقف على ارتفاق كامل ولم ~~يوجد، وقد خرج الجواب عن قولهما: إن القليل والكثير يعرف بالمقابلة لما ~~ذكرنا أن الربع كثير من غير مقابلة في بعض المواضع فيعمل عليه في موضع ~~الاحتياط. # ولو أخذ شيئا من رأسه أو لحيته، أو لمس شيئا من ذلك فانتثر منه شعرة ~~فعليه صدقة لوجود الارتفاق بإزالة التفث، هذا إذا حلق رأس نفسه. # فأما إذا حلق رأس غيره فعلى الحالق صدقة عندنا. # وقال مالك والشافعي: " لا شيء على الحالق ". # وجه قولهما: أن وجوب الجزاء لوجود الارتفاق، ولم يوجد من الحالق، ولنا أن ~~المحرم كما هو ممنوع من حلق رأس نفسه ممنوع من حلق رأس غيره لقوله عز وجل ~~{ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] والإنسان لا يحلق ~~رأس نفسه، إلا أنه لما حرم عليه حلق رأس غيره يحرم عليه حلق رأس نفسه من ~~طريق الأولى، فتجب عليه الصدقة، ولا يجب عليه الدم، لعدم الارتفاق في حقه، ~~وسواء كان المحلوق حلالا أو حراما لما قلنا، غير أنه إن كان حلالا لا شيء ~~عليه وإن كان حراما فعليه الدم، لحصول الارتفاق الكامل له، وسواء كان الحلق ~~بأمر المحلوق أو بغير أمره طائعا أو مكرها عندنا وقال الشافعي: إن كان ~~مكرها فلا شيء عليه، وإن لم يكن مكرها لكنه سكت ففيه وجهان، والصحيح قولنا؛ ~~لأن الإكراه لا يسلب الحظر، وكمال الارتفاق موجود فيجب عليه كمال الجزاء، ~~وليس له أن يرجع به على الحالق، وعن القاضي أبي حازم أنه يرجع عليه ~~بالكفارة؛ ms1188 لأن الحالق هو الذي أدخله في عهدة الضمان، فكان له أن يرجع عليه ~~كالمكره على إتلاف المال، ولنا أن الارتفاق الكامل حصل له فلا يرجع على ~~أحد، إذ لو رجع لسلم له العوض والمعوض. # وهذا لا يجوز كالمغرور إذا وطئ الجارية وغرم العقر، أنه لا يرجع به على ~~الغار لما قلنا، كذا هذا وإن كان الحالق حلالا فلا شيء عليه، وحكم المحلوق ~~ما ذكرنا. # وإن حلق شاربه فعليه صدقة؛ لأن الشارب تبع للحية، ألا ترى أنه ينبت تبعا ~~للحية ويؤخذ تبعا للحية أيضا، ولأنه قليل، فلا يتكامل معنى الجناية، وذكر ~~في الجامع الصغير: محرم أخذ من شاربه فعليه حكومة عدل، وهي أن ينظر كم تكون ~~مقادير أدنى ما يجب في اللحية من الدم؟ وهو الربع، فتجب الصدقة بقدره حتى ~~لو كان مثل ربع اللحية، يجب ربع قيمة الشاة؛ لأنه تبع للحية، وقوله " أخذ ~~من شاربه " إشارة إلى القص، وهو السنة في الشارب لا الحلق. # وذكر الطحاوي في شرح الآثار: أن السنة فيه الحلق، ونسب ذلك إلى أبي ~~حنيفة، وأبي يوسف ومحمد - رحمهم الله -، والصحيح أن السنة فيه القص لما ~~ذكرنا أنه تبع اللحية، والسنة في اللحية القص لا الحلق، كذا في الشارب؛ ~~ولأن الحلق يشينه ويصير بمعنى المثلة، ولهذا لم يكن سنة في اللحية، بل كان ~~بدعة، فكذا في الشارب. # ولو حلق الرقبة فعليه الدم؛ لأنه عضو كامل مقصود بالارتفاق بحلق شعره، ~~فتجب كفارة كاملة كما في حلق الرأس. # ولو نتف من أحد الإبطين فعليه دم لما قلنا، ولو نتف الإبطين جميعا تكفيه ~~كفارة واحدة؛ لأن جنس الجناية واحد، والحاظر واحد، والجهة غير متقومة ~~فتكفيها كفارة واحدة. # ولو نتف من أحد الإبطين أكثره فعليه صدقة؛ لأن الأكثر فيما له نظير في ~~البدن لا يقام مقام كله، بخلاف الرأس واللحية والرقبة وما لا نظير له في ~~البدن، ثم ذكر في الإبط النتف في الأصل، وهو إشارة إلى أن السنة فيه النتف ~~وهو كذلك، وذكر في الجامع الصغير الحلق وهو إشارة إلى ms1189 أنه ليس بحرام. # ولو حلق موضع المحاجم فعليه دم في قول أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد: " فيه صدقة ". # وجه قولهما أن: موضع الحجامة غير مقصود بالحلق، بل هو تابع فلا يتعلق ~~بحلقه دم كحلق الشارب؛ لأنه إذا لم يكن مقصودا بالحلق لا تتكامل الجناية ~~بحلقه، فلا تجب به كفارة كاملة # PageV02P193 # ولأنه إنما يحلق للحجامة لا لنفسه، والحجامة لا توجب الدم؛ لأنه ليس من ~~محظورات الإحرام على ما بينا، فكذا ما يفعل لها؛ ولأن ما عليه من الشعر ~~قليل فأشبه الصدر والساعد والساق، ولا يجب بحلقها دم بل صدقة كذا هذا، ~~ولأبي حنيفة أن هذا عضو مقصود بالحلق لمن يحتاج إلى حلقه؛ لأن الحجامة أمر ~~مقصود لمن يحتاج إليها؛ لاستفراغ المادة الدموية، ولهذا لا يحلق تبعا للرأس ~~ولا للرقبة فأشبه حلق الإبط والعانة، ويستوي في وجوب الجزاء بالحلق: العمد، ~~والسهو، والطوع، والكره عندنا والرجل، والمرأة، والمفرد، والقارن غير أن ~~القارن يلزمه جزاءان عندنا لكونه محرما بإحرامين على ما بينا. # وأما قلم الظفر فنقول: لا يجوز للمحرم قلم أظفاره لقوله تعالى {ثم ليقضوا ~~تفثهم} [الحج: 29] وقلم الأظفار من قضاء التفث، رتب الله تعالى قضاء التفث ~~على الذبح؛ لأنه ذكره بكلمة موضوعة للترتيب مع التراخي بقوله عز وجل: ~~{ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا ~~منها وأطعموا البائس الفقير} [الحج: 28] {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: 29] ، ~~فلا يجوز الذبح؛ ولأنه ارتفاق بمرافق المقيمين، والمحرم ممنوع عن ذلك؛ ~~ولأنه نوع نبات استفاد الأمن بسبب الإحرام فيحرم التعرض له كالنوع الآخر، ~~وهو النبات الذي استفاد الأمن بسبب الحرم، فإن قلم أظافير يد أو رجل من غير ~~عذر وضرورة فعليه دم؛ لأنه ارتفاق كامل فتكاملت الجناية فتجب كفارة كاملة. # وإن قلم أقل من يد أو رجل فعليه صدقة لكل ظفر نصف صاع وهذا قول أصحابنا ~~الثلاثة. # وقال زفر: " إذا قلم ثلاثة أظفار فعليه دم وجه قوله أن ثلاثة أظافير من ~~اليد أكثرها، والأكثر يقوم مقام الكل في هذا الباب كما في ms1190 حلق الرأس، ~~ولأصحابنا الثلاثة: أن قلم ما دون اليد ليس بارتفاق كامل فلا يوجب كفارة ~~كاملة. # وأما قوله: " الأكثر يقوم مقام الكل " فنقول: إن اليد الواحدة قد أقيمت ~~مقام كل الأطراف في وجوب الدم، وما أقيم مقام الكل لا يقوم أكثره مقامه، ~~كما في الرأس أنه لما أقيم الربع فيه مقام الكل، لا يقام أكثر الربع مقامه، ~~وهذا؛ لأنه لو أقيم أكثر ما أقيم مقام الكل مقامه؛ لأقيم أكثر أكثره مقامه ~~فيؤدي إلى إبطال التقدير أصلا ورأسا. # وهذا لا يجوز. # فإن قلم خمسة أظافير من الأعضاء الأربعة متفرقة اليدين والرجلين فعليه ~~صدقة، لكل ظفر نصف صاع في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف. # وقال محمد: عليه " دم "، وكذلك لو قلم من كل عضو من الأعضاء الأربعة ~~أربعة أظافير، فعليه صدقة عندهما، وإن كان يبلغ جملتها ستة عشر ظفرا، ويجب ~~في كل ظفر نصف صاع من بر، إلا إذا بلغت قيمة الطعام دما فينقص منه ما شاء. # وعند محمد عليه دم، فمحمد اعتبر عدد الخمسة لا غير، ولم يعتبر التفرق ~~والاجتماع، وأبو حنيفة وأبو يوسف اعتبرا مع عدد الخمسة صفة الاجتماع، وهو ~~أن يكون من محل واحد. # وجه قول محمد: أن قلم أظافير يد واحدة، أو رجل واحدة إنما أوجب الدم ~~لكونها ربع الأعضاء المتفرقة، وهذا المعنى يستوي فيه المجتمع والمتفرق، ألا ~~ترى أنهما استويا في الأرش بأن قطع خمسة أظافير متفرقة فكذا هذا، ولهما أن ~~الدم إنما يجب بارتفاق كامل، ولا يحصل ذلك بالقلم متفرقا؛ لأن ذلك شين ~~ويصير مثلة، فلا تجب به كفارة كاملة، ويجب في كل ظفر نصف صاع من حنطة إلا ~~أن تبلغ قيمة الطعام دما ينقص منه ما شاء؛ لأنا إنما لم نوجب عليه الدم ~~لعدم تناهي الجناية لعدم ارتفاق كامل، فلا يجب أن يبلغ قيمة الدم فإن اختار ~~الدم فله ذلك وليس عليه غيره، فإن قلم خمسة أظافير من يد واحدة، أو رجل ~~واحدة ولم يكفر، ثم قلم أظافير يده الأخرى، أو رجله الأخرى، فإن كان ms1191 في ~~مجلس واحد فعليه دم واحد استحسانا، والقياس: أن يجب لكل واحد دم لما سنذكر ~~إن شاء الله تعالى، وإن كان في مجلسين فعليه دمان في قول أبي حنيفة، وأبي ~~يوسف. # وقال محمد: " عليه دم واحد ما لم يكفر للأول " وأجمعوا على أنه لو قلم ~~خمسة أظافير من يد واحدة، أو رجل واحدة، وحلق ربع رأسه، وطيب عضوا واحدا أن ~~عليه لكل جنس دما على حدة، سواء كان في مجلس واحد، أو في مجالس مختلفة، ~~وأجمعوا في كفارة الفطر على أنه إذا جامع في اليوم الأول، وأكل في اليوم ~~الثاني، وشرب في اليوم الثالث أنه إن كفر للأول فعليه كفارة أخرى، وإن لم ~~يكفر للأول فعليه كفارة واحدة، فأبو حنيفة، وأبو يوسف جعلا اختلاف المجلس ~~كاختلاف الجنس، ومحمد جعل اختلاف المجلس كاتحاده عند اتفاق الجنس، وعلى هذا ~~إذا قطع أظافير اليدين والرجلين أنه إن كان في مجلس واحد يكفيه دم واحد ~~استحسانا، والقياس: أن يجب عليه بقلم أظافير كل عضو من يد # PageV02P194 # أو رجل دم، وإن كان في مجلس واحد. # وجه القياس: أن الدم إنما يجب لحصول الارتفاق الكامل؛ لأن بذلك تتكامل ~~الجناية فتتكامل الكفارة، وقلم أظافير كل عضو ارتفاق على حدة، فيستدعي ~~كفارة على حدة. # ووجه الاستحسان: أن جنس الجناية واحد حظرها إحرام واحد بجهة غير متقومة، ~~فلا يوجب إلا دما واحدا، كما في حلق الرأس أنه إذا حلق الربع يجب عليه دم. # ولو حلق الكل يجب عليه دم واحد لما قلنا كذا هذا، وإن كان في مجالس ~~مختلفة يجب لكل من ذلك كفارة في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، سواء كفر للأول ~~أو لا، وعند محمد إن لم يكفر للأول فعليه كفارة واحدة. # وجه قوله: أن الكفارة تجب بهتك حرمة الإحرام، وقد انهتك حرمته بقلم ~~أظافير العضو الأول، وهتك المهتوك لا يتصور، فلا يلزمه كفارة أخرى ولهذا لا ~~يجب كفارة أخرى بالإفطار في يومين من رمضان؛ لأن وجوبها بهتك حرمة الشهر ~~جبرا لها، وقد انهتك بإفساد الصوم في ms1192 اليوم الأول، فلا يتصور هتكا بالإفساد ~~في اليوم الثاني والثالث، كذا هذا، بخلاف ما إذا كفر للأول لأنه انجبر ~~الهتك بالكفارة وجعل كأنه لم يكن فعادت حرمة الإحرام، فإذا هتكها تجب كفارة ~~أخرى جبرا لها كما في كفارة رمضان، ولهما أن كفارة الإحرام تجب بالجناية ~~على الإحرام، والإحرام قائم فكان كل فعل جناية على حدة على الإحرام فيستدعي ~~كفارة على حدة، إلا أن عند اتحاد المجلس جعلت الجنايات المتعددة حقيقة ~~متحدة حكما؛ لأن المجلس جعل في الشرع جامعا للأفعال المختلفة كما في خيار ~~المخيرة، وسجدة التلاوة، والإيجاب والقبول في البيع، وغير ذلك، فإذا اختلف ~~المجلس أعطى لكل جناية حكم نفسها، فيعتبر في الحكم المتعلق بها، بخلاف ~~كفارة الإفطار؛ لأنها ما وجبت بالجناية على الصوم بل جبرا لهتك حرمة الشهر. # وحرمة الشهر واحدة لا تتجزأ، وقد انهتكت حرمته بالإفطار الأول، فلا يحتمل ~~الهتك ثانيا. # ولو قلم أظافير يد لأذى في كفه فعليه أي الكفارات شاء لما ذكرنا أن ما ~~حظره الإحرام إذا فعله المحرم عن ضرورة وعذر فكفارته أحد الأشياء الثلاثة، ~~والله عز وجل أعلم. # ولو انكسر ظفر المحرم فانقطعت منه شظية فقلعها لم يكن عليه شيء إذا كان ~~مما لا يثبت؛ لأنها كالزائدة؛ ولأنها خرجت عن احتمال النماء فأشبهت شجر ~~الحرم إذا يبس فقطعه إنسان أنه لا ضمان عليه كذا هذا، وإن قلم المحرم ~~أظافير حلال أو محرم أو قلم الحلال أظافير محرم، فحكمه حكم الحلق، وقد ~~ذكرنا ذلك كله والله أعلم. # والذكر، والنسيان، والطوع والكره في وجوب الفدية بالقلم سواء عندنا، ~~خلافا للشافعي، وكذا يستوي فيه الرجل والمرأة والمفرد والقارن، إلا أن على ~~القارن ضعف ما على المفرد لما ذكرنا، والله أعلم. ### | [فصل من محظورات الإحرام ما يرجع إلى توابع الجماع] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى توابع الجماع فيجب على المحرم أن يجتنب الدواعي من ~~التقبيل، واللمس بشهوة، والمباشرة، والجماع فيما دون الفرج لقوله عز وجل ~~{فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} [البقرة: ms1193 197] قيل ~~في بعض وجوه التأويل: إن الرفث جميع حاجات الرجال إلى النساء. # وسئلت عائشة - رضي الله تعالى عنها - عما يحل للمحرم من امرأته؟ فقالت: " ~~يحرم عليه كل شيء إلا الكلام " فإن جامع فيما دون الفرج أنزل أو لم ينزل، ~~أو قبل أو لمس بشهوة، أو باشر فعليه دم، لكن لا يفسد حجه، أما عدم فساد ~~الحج؛ فلأن ذلك حكم متعلق بالجماع في الفرج على طريق التغليظ. # وأما وجوب الدم فلحصول ارتفاق كامل مقصود، وقد روي عن ابن عمر - رضي الله ~~تعالى عنهما - أنه قال: إذا باشر المحرم امرأته فعليه دم، ولم يرو عن غيره ~~خلافه، وسواء فعل ذاكرا أو ناسيا عندنا خلافا للشافعي. # ولو نظر إلى فرج امرأته عن شهوة فأمنى، فلا شيء عليه، بخلاف المس عن شهوة ~~أنه يوجب الدم، أمنى أو لم يمن، ووجه الفرق: أن اللمس استمتاع بالمرأة ~~وقضاء للشهوة فكان ارتفاقا كاملا. # فأما النظر فليس من باب الاستمتاع ولا قضاء الشهوة، بل هو سبب لزرع ~~الشهوة في القلب، والمحرم غير ممنوع عما يزرع الشهوة كالأكل، وذكر في ~~الجامع الصغير إذا لمس بشهوة فأمنى فعليه دم وقوله: " أمنى " ليس على سبيل ~~الشرط؛ لأنه ذكر في الأصل أن عليه دما أنزل أو لم ينزل. ### | [فصل من محظورات الإحرام ما يرجع إلى الصيد] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى. # الصيد فنقول: لا يجوز للمحرم أن يتعرض لصيد البر المأكول وغير المأكول ~~عندنا إلا المؤذي المبتدئ بالأذي غالبا. # والكلام في هذا الفصل يقع في مواضع في تفسير الصيد أنه ما هو؟ وفي بيان # PageV02P195 # أنواعه، وفي بيان ما يحل اصطياده للمحرم وما يحرم عليه، وفي بيان حكم ما ~~يحرم عليه اصطياده إذا اصطاده أما الأول فالصيد هو الممتنع المتوحش من ~~الناس في أصل الخلقة إما بقوائمه، أو بجناحه، فلا يحرم على المحرم ذبح ~~الإبل، والبقر، والغنم، لأنها ليست بصيد لعدم الامتناع والتوحش من الناس. # وكذا الدجاج والبط الذي يكون في المنازل وهو المسمى بالبط الكسكري ~~لانعدام معنى الصيد فيهما، وهو الامتناع والتوحش. ms1194 # فأما البط الذي يكون عند الناس ويطير فهو صيد لوجود معنى الصيد فيه، ~~والحمام المسرول صيد وفيه الجزاء عند عامة العلماء. # وعند مالك ليس بصيد. # وجه قوله: إن الصيد اسم للمتوحش، والحمام المسرول مستأنس، فلا يكون صيدا ~~كالدجاج والبط الذي يكون في المنازل، ولنا أن جنس الحمام متوحش في أصل ~~الخلقة، وإنما يستأنس البعض منه بالتولد والتأنيس مع بقائه صيدا كالظبية ~~المستأنسة، والنعامة المستأنسة والطوطي ونحو ذلك حتى يجب فيه الجزاء. # وكذا المستأنس في الخلقة قد يصير مستوحشا كالإبل، إذا توحشت وليس له حكم ~~الصيد حتى لا يجب فيه الجزاء، فعلم أن العبرة بالتوحش، والاستئناس في أصل ~~الخلقة. # وجنس الحمام متوحش في أصل الخلقة وإنما يستأنس البعض منه لعارض، فكان ~~صيدا بخلاف البط الذي يكون عند الناس في المنازل، فإن ذلك ليس من جنس ~~المتوحش، بل هو من جنس آخر، والكلب ليس بصيد؛ لأنه ليس بمتوحش بل هو ~~مستأنس، سواء كان أهليا أو وحشيا؛ لأن الكلب أهلي في الأصل، لكن ربما يتوحش ~~لعارض فأشبه الإبل إذا توحشت. # وكذا السنور الأهلي ليس بصيد؛ لأنه مستأنس. # وأما البري ففيه روايتان: روى هشام عن أبي حنيفة أن فيه الجزاء، وروى ~~الحسن عنه أنه لا شيء فيه كالأهلي. # وجه رواية هشام: أنه متوحش فأشبه الثعلب ونحوه. # وجه رواية الحسن: أن جنس السنور مستأنس في أصل الخلقة، وإنما يتوحش البعض ~~منه لعارض فأشبه البعير إذا توحش، ولا بأس بقتل البرغوث، والبعوض، والنملة، ~~والذئاب والحلم، والقراد، والزنبور؛ لأنها ليست بصيد لانعدام التوحش ~~والامتناع، ألا ترى أنها تطلب الإنسان مع امتناعه منها؟ ، وقد روي عن عمر - ~~رضي الله عنه - أنه كان يقرد بعيره وهو محرم؛ ولأن هذه الأشياء من المؤذيات ~~المبتدئة بالأذى غالبا، فالتحقت بالمؤذيات المنصوص عليها من الحية، والعقرب ~~وغيرهما، ولا يقتل القملة لا لأنها صيد بل لما فيها من إزالة التفث؛ لأنه ~~متولد من البدن كالشعر، والمحرم منهي عن إزالة التفث من بدنه فإن قتلها ~~تصدق بشيء كما لو أزال شعرة، ولم يذكر في ظاهر ms1195 الرواية مقدار الصدقة، وروى ~~الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: إذا قتل المحرم قملة أو ألقاها أطعم كسرة، وإن ~~كانتا اثنتين أو ثلاثا أطعم قبضة من الطعام، وإن كانت كبيرة أطعم نصف صاع. # وكذا لا يقتل الجرادة؛ لأنها صيد البر أما كونه صيدا فلأنه متوحش في أصل ~~الخلقة وأما كونه صيد البر؛ فلأن توالده في البر، ولذا لا يعيش إلا في البر ~~حتى لو وقع في الماء يموت فإن قتلها تصدق بشيء من الطعام، وقد روي عن عمر ~~أنه قال: " ثمرة خير من جرادة " ولا بأس له بقتل هوام الأرض من: الفأرة، ~~والحية والعقرب، والخنافس، والجعلان، وأم حبين، وصياح الليل، والصرصر ~~ونحوها؛ لأنها ليست بصيد، بل من حشرات الأرض. # وكذا القنفذ وابن عرس؛ لأنهما من الهوام حتى قال أبو يوسف: " ابن عرس من ~~سباع الهوام "، والهوام ليست بصيد؛ لأنها لا تتوحش من الناس. # وقال أبو يوسف: " في القنفذ الجزاء؛ لأنه من جنس المتوحش ولا يبتدئ ~~بالأذى. ### | [فصل بيان أنواع الصيد] # (فصل) : # وأما بيان أنواعه وبيان ما يحل للمحرم اصطياده وما يحرم عليه من كل نوع ~~فنقول وبالله التوفيق: الصيد في الأصل نوعان: بري، وبحري فالبحري هو الذي ~~توالده في البحر، سواء كان لا يعيش إلا في البحر، أو يعيش في البحر والبر، ~~والبري ما يكون توالده في البر، سواء كان لا يعيش إلا في البر أو يعيش في ~~البر والبحر، فالعبرة للتوالد أما صيد البحر فيحل اصطياده للحلال والمحرم ~~جميعا مأكولا كان، أو غير مأكول لقوله تعالى {أحل لكم صيد البحر وطعامه ~~متاعا لكم وللسيارة} [المائدة: 96] والمراد منه اصطياد ما في البحر؛ لأن ~~الصيد مصدر يقال: صاد يصيد صيدا، واستعماله في المصيد مجاز، والكلام ~~بحقيقته إباحة اصطياد ما في البحر عاما، وأما صيد البر فنوعان: مأكول، وغير ~~مأكول، أما المأكول فلا يحل للمحرم اصطياده نحو: الظبي، والأرنب، وحمار ~~الوحش، وبقر الوحش، والطيور التي # PageV02P196 # يؤكل لحومها برية كانت، أو بحرية؛ لأن الطيور كلها برية؛ لأن توالدها في ~~البر إنما يدخل بعضها ms1196 في البحر لطلب الرزق، والأصل فيه قوله تعالى {وحرم ~~عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] وقوله تعالى {لا تقتلوا الصيد ~~وأنتم حرم} [المائدة: 95] ظاهر الآيتين: يقتضي تحريم صيد البر للمحرم عاما، ~~أو مطلقا إلا ما خص أو قيد بدليل. # وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله ~~أيديكم ورماحكم} [المائدة: 94] والمراد منه: الابتلاء بالنهي بقوله تعالى ~~في سياق الآية {فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [المائدة: 94] أي: اعتدى ~~بالاصطياد بعد تحريمه، والمراد منه صيد البر؛ لأن صيد البحر مباح بقوله ~~تعالى: {أحل لكم صيد البحر} [المائدة: 96] وكذا لا يحل له الدلالة عليه، ~~والإشارة إليه بقوله - صلى الله عليه وسلم - «الدال على الخير كفاعله، ~~والدال على الشر كفاعله» ولأن الدلالة والإشارة سبب إلى القتل، وتحريم ~~الشيء تحريم لأسبابه. # وكذا لا يحل له الإعانة على قتله؛ لأن الإعانة فوق الدلالة والإشارة، ~~وتحريم الأدنى تحريم الأعلى من طريق الأولى كالتأفيف مع الضرب والشتم. # وأما غير المأكول فنوعان: نوع يكون مؤذيا طبعا مبتدئا بالأذى غالبا، ونوع ~~لا يبتدئ بالأذى غالبا، أما الذي يبتدئ بالأذى غالبا فللمحرم أن يقتله ولا ~~شيء عليه، وذلك نحو: الأسد، والذئب، والنمر، والفهد؛ لأن دفع الأذى من غير ~~سبب موجب للأذى واجب فضلا عن الإباحة، ولهذا أباح رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قتل الخمس الفواسق للمحرم في الحل والحرم بقوله: - صلى الله ~~عليه وسلم - «خمس من الفواسق يقتلهن المحرم في الحل والحرم: الحية، ~~والعقرب، والفأرة والكلب العقور، والغراب وروي والحدأة» وروي عن ابن عمر - ~~رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خمس يقتلهن ~~المحل والمحرم في الحل والحرم: الحدأة، والغراب، والعقرب، والفأرة والكلب ~~العقور» . # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «أمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الحدأة، والفأرة، والغراب، والعقرب، ~~والكلب العقور» وعلة الإباحة فيها هي الابتداء بالأذى والعدو على الناس ~~غالبا فإن من عادة الحدأة أن تغير على اللحم والكرش، ms1197 والعقرب تقصد من تلدغه ~~وتتبع حسه وكذا الحية، والغراب يقع على دبر البعير وصاحبه قريب منه، ~~والفأرة تسرق أموال الناس، والكلب العقور من شأنه العدو على الناس وعقرهم ~~ابتداء من حيث الغالب، ولا يكاد يهرب من بني آدم، وهذا المعنى موجود في ~~الأسد، والذئب والفهد، والنمر فكان ورود النص في تلك الأشياء ورودا في هذه ~~دلالة قال أبو يوسف: " الغراب المذكور في الحديث هو الغراب الذي يأكل ~~الجيف، أو يخلط مع الجيف إذ هذا النوع هو الذي يبتدئ بالأذى " والعقعق ليس ~~في معناه؛ لأنه لا يأكل الجيف ولا يبتدئ بالأذى. # وأما الذي لا يبتدئ بالأذى غالبا كالضبع، والثعلب وغيرهما فله أن يقتله ~~إن عدا عليه ولا شيء عليه إذا قتله، وهذا قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر: " ~~يلزمه الجزاء " وجه قوله: أن المحرم للقتل قائم وهو الإحرام فلو سقطت ~~الحرمة إنما تسقط بفعله. # وفعل العجماء جبار فبقي محرم القتل كما كان، كالجمل الصئول إذا قتله ~~إنسان أنه يضمن لما قلنا كذا هذا، ولنا أنه لما عدا عليه وابتدأه بالأذى ~~التحق بالمؤذيات طبعا فسقطت عصمته، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه ~~ابتدأ قتل ضبع فأدى جزاءها وقال: " إنا ابتدأناها " فتعليله بابتدائه قتله ~~إشارة إلى أنها لو ابتدأت لا يلزمه الجزاء، وقوله " الإحرام قائم " مسلم ~~لكن أثره في أن لا يتعرض للصيد لا في وجوب تحمل الأذى بل يجب عليه دفع ~~الأذى؛ لأنه من صيانة نفسه عن الهلاك وأنه واجب، فسقطت عصمته في حال الأذى، ~~فلم يجب الجزاء بخلاف الجمل الصائل؛ لأن عصمته ثبتت حقا لمالكه ولم يوجد ~~منه ما يسقط العصمة فيضمن القاتل، وإن لم يعد عليه لا يباح له أن يبتدئه ~~بالقتل، وإن قتله ابتداء فعليه الجزاء عندنا. # وعند الشافعي " يباح له قتله ابتداء ولا جزاء عليه إذا قتله " وجه قوله: ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أباح للمحرم قتل خمس من الدواب، وهي لا ~~يؤكل لحمها والضبع والثعلب ما لا يؤكل لحمه، فكان ورود النص هناك ورودا ~~ههنا، ms1198 ولنا قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} ~~[المائدة: 95] وقوله {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] ~~وقوله {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ~~ورماحكم} [المائدة: 94] عاما أو مطلقا من غير فصل بين المأكول وغيره، واسم ~~الصيد يقع على المأكول وغير المأكول لوجود حد الصيد فيهما جميعا، والدليل ~~عليه قول الشاعر: # PageV02P197 # صيد الملوك أرانب وثعالب ... وإذا ركبت فصيدي الأبطال # أطلق اسم الصيد على الثعلب إلا أنه خص منها الصيد العادي المبتدئ بالأذى ~~غالبا، أو قيدت بدليل فمن ادعى تخصيص غيره، أو التقييد فعليه الدليل. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الضبع صيد وفيه شاة ~~إذا قتله المحرم» ، وعن عمر وابن عباس - رضي الله عنهما - " أنهما أوجبا في ~~قتل المحرم الضبع جزاء " وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال في الضبع إذا ~~عدا على المحرم: فليقتله، فإن قتله قبل أن يعدو عليه فعليه شاة مسنة ولا ~~حجة للشافعي في حديث الخمس الفواسق؛ لأنه ليس فيه أن إباحة قتلهن لأجل أنه ~~لا يؤكل لحمها، بل فيه إشارة إلى أن علة الإباحة فيها الابتداء بالأذى ~~غالبا، ولا يوجد ذلك في الضبع والثعلب، بل من عادتهما الهرب من بني آدم ولا ~~يؤذيان أحدا حتى يبتدئهما بالأذى، فلم توجد علة الإباحة فيهما فلم تثبت ~~الإباحة، وعلى هذا الخلاف: الضب، واليربوع، والسمور، والدلف، والقرد ~~والفيل، والخنزير؛ لأنها صيد لوجود معنى الصيد فيها، وهو الامتناع والتوحش ~~ولا تبتدئ بالأذى غالبا فتدخل تحت ما تلونا من الآيات الكريمة. # وقال زفر: في الخنزير " أنه لا يجب الجزاء فيه " لما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «بعثت بكسر المعازف، وقتل الخنازير» ندبنا - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى قتله. # والندب فوق الإباحة فلا يتعلق به الجزاء، والحديث محمول على غير حال ~~الإحرام أو على حال العدو والابتداء بالأذى، حملا لخبر الواحد على موافقة ~~الكتاب العزيز، وعلى هذا الاختلاف سباع الطير، والله أعلم. ### | [فصل بيان ms1199 حكم ما يحرم على المحرم] # (فصل) : # وأما بيان حكم ما يحرم على المحرم اصطياده إذا اصطاده فالأمر لا يخلو إما ~~أن قتل الصيد، وإما أن جرحه، وإما أن أخذه فلم يقتله ولم يجرحه، فإن قتله ~~فالقتل لا يخلو، إما أن يكون مباشرة، أو تسيبا، فإن كان مباشرة فعليه قيمة ~~الصيد المقتول يقومه ذوا عدل لهما بصارة بقيمة الصيود فيقومانه في المكان ~~الذي أصابه إن كان موضعا تباع فيه الصيود، وإن كان في مفازة يقومانه في ~~أقرب الأماكن من العمران إليه، فإن بلغت قيمته ثمن هدي، فالقاتل بالخيار إن ~~شاء أهدى، وإن شاء أطعم، وإن شاء صام، وإن لم يبلغ قيمته ثمن هدي فهو ~~بالخيار بين الطعام والصيام، سواء كان الصيد مما له نظير، أو كان مما لا ~~نظير له. # وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، وحكى الطحاوي قول محمد: أن الخيار ~~للحكمين إن شاءا حكما عليه هديا، وإن شاءا طعاما، وإن شاءا صياما، فإن حكما ~~عليه هديا نظر القاتل إلى نظيره من النعم من حيث الخلقة والصورة إن كان ~~الصيد مما له نظير، سواء كان قيمة نظيره مثل قيمته أو أقل أو أكثر لا ينظر ~~إلى القيمة، بل إلى الصورة والهيئة، فيجب في الظبي شاة وفي الضبع شاة، وفي ~~حمار الوحش بقرة، وفي النعامة بعير وفي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة، وإن ~~لم يكن له نظير مما في ذبحه قربة كالحمام، والعصفور، وسائر الطيور تعتبر ~~قيمته كما قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد، وحكى الكرخي قول محمد: إن الخيار ~~للقاتل عنده أيضا غير أنه إن اختار الهدي لا يجوز له إلا إخراج النظير فيما ~~له نظير. # وعند الشافعي يجب عليه بقتل ما له نظير النظير ابتداء من غير اختيار أحد، ~~وله أن يطعم، ويكون الإطعام بدلا عن النظير لا عن الصيد، فيقع الكلام في ~~موجب قتل صيد له نظير في مواضع منها: أنه يجب على القاتل قيمته في قول أبي ~~حنيفة وأبي يوسف، ولا يجب عند محمد والشافعي. # والأصل فيه ms1200 قوله عز وجل {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من ~~النعم} [المائدة: 95] أي: فعليه جزاء مثل ما قتل، أوجب الله تعالى على ~~القاتل جزاء مثل ما قتل، واختلف الفقهاء في المراد من المثل المذكور في ~~الآية الشريفة، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: " المراد منه المثل من حيث المعنى ~~وهو القيمة " وقال محمد والشافعي: " المراد منه المثل من حيث الصورة ~~والهيئة " وجه قولهما: أن الله تعالى أوجب على القاتل جزاء من النعم، وهو ~~مثل ما قتل من النعم؛ لأنه ذكر المثل ثم فسره بالنعم بقوله عز وجل من ~~النعم، ومن ههنا لتمييز الجنس، فصار تقدير الآية الشريفة: ومن قتله منكم ~~متعمدا فجزاء من النعم، وهو مثل المقتول، وهو أن يكون مثله في الخلقة ~~والصورة. # وروي أن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - منهم عمر - رضي الله عنه - ~~أوجبوا في النعامة بدنة، وفي الظبية شاة، وفي الأرنب عناقا،، وهم كانوا ~~أعرف بمعاني كتاب الله تعالى، ولأبي حنيفة، وأبي يوسف وجوه من الاستدلال ~~بهذه الآية أولها: أن الله عز وجل نهى المحرمين عن قتل الصيد عاما؛ لأنه ~~تعالى # PageV02P198 # ذكر الصيد بالألف واللام بقوله عز وجل: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} ~~[المائدة: 95] والألف واللام لاستغراق الجنس خصوصا عند عدم المعهود، ثم قال ~~تعالى {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل} [المائدة: 95] والهاء كناية ~~راجعة إلى الصيد الموجد من اللفظ المعرف فاللام التعريف، فقد أوجب سبحانه ~~وتعالى بقتل الصيد مثلا يعم ما له نظير وما لا نظير له، وذلك هو المثل من ~~حيث المعنى، وهو القيمة لا المثل من حيث الخلقة والصورة؛ لأن ذلك لا يجب في ~~صيد لا نظير له، بل الواجب فيه المثل من حيث المعنى وهو القيمة بلا خلاف، ~~فكان صرف المثل المذكور بقتل الصيد على العموم إليه تخصيصا لبعض ما تناوله ~~عموم الآية، والعمل بعموم اللفظ واجب ما أمكن، ولا يجوز تخصيصه إلا بدليل، ~~والثاني أن مطلق اسم المثل ينصرف إلى ما عرف مثلا في أصول الشرع، والمثل ms1201 ~~المتعارف في أصول الشرع، هو المثل من حيث الصورة والمعنى، أو من حيث المعنى ~~وهو القيمة كما في ضمان المتلفات، فإن من أتلف على آخر حنطة يلزمه حنطة. # ومن أتلف عليه عرضا تلزمه القيمة. # فأما المثل من حيث الصورة والهيئة فلا نظير له في أصول الشرع، فعند ~~الإطلاق ينصرف إلى المتعارف لا إلى غيره، والثالث: أنه سبحانه وتعالى ذكر ~~المثل منكرا في موضع الإثبات فيتناول واحدا، وأنه اسم مشترك يقع على المثل ~~من حيث المعنى، ويقع على المثل من حيث الصورة، فالمثل من حيث المعنى يراد ~~من الآية فيما لا نظير له، فلا يكون الآخر مرادا إذ المشترك في موضع ~~الإثبات لا عموم له، والرابع: أن الله تعالى ذكر عدالة الحكمين، ومعلوم أن ~~العدالة إنما تشترط فيما يحتاج فيه إلى النظر والتأمل، وذلك في المثل من ~~حيث المعنى وهو القيمة؛ لأن بها تتحقق الصيانة عن الغلو والتقصير، وتقرير ~~الأمر على الوسط. # فأما الصورة فمشابهة لا تفتقر إلى العدالة. # وأما قوله تعالى {من النعم} [المائدة: 95] فلا نسلم أن قوله تعالى {من ~~النعم} [المائدة: 95] خرج تفسيرا للمثل، وبيانه من وجهين أحدهما: أن قوله ~~{فجزاء مثل ما قتل} [المائدة: 95] كلام تام بنفسه مفيد بذاته من غير وصله ~~بغيره لكونه مبتدأ وخبرا، وقوله {من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ ~~الكعبة} [المائدة: 95] يمكن استعماله على غير وجه التفسير للمثل؛ لأنه كما ~~يرجع إلى الحكمين في تقويم الصيد المتلف يرجع إليهما في تقويم الهدي الذي ~~يوجد بذلك القدر من القيمة، فلا يجعل قوله: {مثل ما قتل} [المائدة: 95] ~~مربوطا بقوله عز وجل {من النعم} [المائدة: 95] مع استغناء الكلام عنه. # هذا هو الأصل إلا إذا قام دليل زائد يوجب الربط بغيره، والثاني: أنه وصل ~~قوله {من النعم} [المائدة: 95] بقوله {يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ ~~الكعبة} [المائدة: 95] ، وقوله عز وجل {أو كفارة طعام مساكين} [المائدة: ~~95] ، وقوله عز وجل {أو عدل ذلك صياما} [المائدة: 95] جعل الجزاء أحد ~~الأشياء الثلاثة؛ لأنه أدخل حرف التخيير بين الهدي ms1202 والإطعام، وبين الطعام ~~والصيام فلو كان قوله {من النعم} [المائدة: 95] تفسيرا للمثل، لكان الطعام ~~والصيام مثلا لدخول حرف أو بينهما، وبين النعم إذ لا فرق بين التقديم ~~والتأخير في الذكر، بأن قال تعالى: فجزاء مثل ما قتل طعاما، أو صياما أو من ~~النعم هديا؛ لأن التقديم في التلاوة، لا يوجب التقديم في المعنى، ولما لم ~~يكن الطعام والصيام مثلا للمقتول دل أن ذكر النعم لم يخرج مخرج التفسير ~~للمثل، بل هو كلام مبتدأ غير موصول المراد بالأول، وقول جماعة الصحابة - ~~رضي الله عنهم - محمول على الإيجاب من حيث القيمة توفيقا بين الدلائل مع ~~ما، إن المسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله عنهم - روي عن ابن عباس مثل ~~مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف، فلا يحتج بقول البعض على البعض، وعلى هذا ينبني ~~اعتبار مكان الإصابة في التقويم عندهما؛ لأن الواجب على القاتل القيمة ~~وأنها تختلف باختلاف المكان. # وعند محمد، والشافعي الواجب: هو النظير إما بحكم الحكمين أو ابتداء، فلا ~~يعتبر فيه المكان. # وقال الشافعي: " يقوم بمكة أو بمنى وإنه غير سديد؛ لأن العبرة في قيم ~~المستهلكات في أصول الشرع مواضع الاستهلاك، كما في استهلاك سائر الأموال ~~ومنها أن الطعام بدل عن الصيد عندنا، فيقوم الصيد بالدراهم ويشتري بالدراهم ~~طعاما، وهو مذهب ابن عباس وجماعة من التابعين، وعن ابن عباس رواية أخرى: أن ~~الطعام بدل عن الهدي فيقوم الهدي بالدراهم، ثم يشتري بقيمة الهدي طعاما، ~~وهو قول الشافعي. # والصحيح قولنا؛ لأن الله تعالى جعل جميع ذلك جزاء الصيد بقوله عز وجل: ~~{فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] إلى قوله {أو كفارة طعام ~~مساكين} [المائدة: 95] فلما كان الهدي من حيث كونه جزاء معتبرا بالصيد إما ~~في قيمته أو نظيره على اختلاف القولين، كان الطعام مثله؛ ولأن فيما لا مثل ~~له من النعم اعتبار الطعام بقيمة الصيد # PageV02P199 # بلا خلاف، فكذا فيما له مثل؛ لأن الآية عامة منتظمة للأمرين جميعا. # ومنها أن كفارة جزاء الصيد على التخيير، كذا روي عن ابن عباس - رضي الله ms1203 ~~عنه - وهو مذهب جماعة من التابعين مثل: عطاء، والحسن، وإبراهيم وهو قول ~~أصحابنا، وعن ابن عباس رواية أخرى أنه على ترتيب الهدي، ثم الإطعام، ثم ~~الصيام حتى لو وجد الهدي لا يجوز الطعام. # ولو وجد الهدي، أو الطعام لا يجوز الصيام كما في كفارة الظهار والإفطار ~~أنها على الترتيب دون التخيير. # واحتج من اعتبر الترتيب بما روي أن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - ~~حكموا في الضبع بشاة، ولم يذكروا غيره، فدل أن الواجب على الترتيب، ولنا أن ~~الله تعالى ذكر حرف أو في ابتداء الإيجاب، وحرف أو إذا ذكر في ابتداء ~~الإيجاب يراد به التخيير لا الترتيب، كما في قوله عز وجل في كفارة اليمين: ~~{فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة} [المائدة: 89] وقوله تعالى في كفارة الحلق: {ففدية من صيام أو صدقة ~~أو نسك} [البقرة: 196] وغير ذلك، هذا هو الحقيقة، إلا في موضع قام الدليل ~~بخلافها كما في آية المحاربين أنه ذكر فيها أو على إرادة الواو، من ادعى ~~خلاف الحقيقة ههنا فعليه الدليل ثم إذا اختار الهدي فإن بلغت قيمة الصيد ~~بدنة نحرها، وإن لم تبلغ بدنة وبلغت بقرة ذبحها، وإن لم تبلغ بقرة وبلغت ~~شاة ذبحها، وإن اشترى بقيمة الصيد إذا بلغت بدنة أو بقرة سبع شياه وذبحها ~~أجزأه، فإن اختار شراء الهدي وفضل من قيمة الصيد، فإن بلغ هديين أو أكثر ~~اشترى، وإن كان لا يبلغ هديا فهو بالخيار، إن شاء صرف الفاضل إلى الطعام، ~~وإن شاء صام كما في صيد الصغير الذي لا تبلغ قيمته هديا، وقد اختلف في السن ~~الذي يجوز في جزاء الصيد. # قال أبو حنيفة: " لا يجوز إلا ما يجوز في الأضحية، وهدي المتعة، والقران ~~والإحصار " وقال أبو يوسف ومحمد: " تجوز الجفرة والعناق على قدر الصيد " ~~واحتجا بما روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم أوجبوا في ~~اليربوع جفرة، وفي الأرنب عناقا، ولأبي حنيفة أن إطلاق الهدي ينصرف إلى ما ~~ينصرف إليه ms1204 سائر الهدايا المطلقة في القرآن، فلا يجوز دون السن الذي يجزي ~~في سائر الهدايا، وما روي عن جماعة من الصحابة حكاية حال لا عموم له، فيحمل ~~على أنه كان على طريق القيمة، على أن ابن عباس - رضي الله عنه - يخالفهم، ~~فلا يقبل قول بعضهم على بعض إلا عند قيام دليل الترجيح، ثم اسم الهدي يقع ~~على الإبل والبقر والغنم على ما بينا فيما تقدم، ولا يجوز ذبح الهدي إلا في ~~الحرم لقوله تعالى: {هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95] ولو جاز ذبحه في غير ~~الحرم لم يكن لذكر بلوغه الكعبة معنى. # وليس المراد منه بلوغ عين الكعبة بل بلوغ قربها، وهو الحرم، ودلت الآية ~~الكريمة على أن من حلف لا يمر على باب الكعبة أو المسجد الحرام، فمر بقرب ~~بابه حنث وهو كقوله تعالى: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} ~~[التوبة: 28] والمراد منه الحرم؛ لأنهم منعوا بهذه الآية الكريمة عن دخول ~~الحرم، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: الحرم كله مسجد؛ ولأن الهدي ~~اسم لما يهدى إلى مكان الهدايا أي: ينقل إليها. # ومكان الهدايا الحرم لقوله تعالى: {ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: ~~33] ، والمراد منه الحرم. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «منى كلها منحر، وفجاج ~~مكة كلها منحر» ولو ذبح في الحل لا يسقط عنه الجزاء بالذبح إلا أن يتصدق ~~بلحمه على الفقراء، على كل فقير قيمة نصف صاع من بر فيجزئه على طريق البدل ~~عن الطعام، وإذا ذبح الهدي في الحرم سقط الجزاء عنه بنفس الذبح، حتى لو هلك ~~أو سرق أو ضاع بوجه من الوجوه خرج عن العهدة؛ لأن الواجب هو إراقة الدم، ~~وإن اختار الطعام اشترى بقيمة الصيد طعاما فأطعم كل مسكين نصف صاع من بر ~~ولا يجزيه أقل من ذلك، كما في كفارة اليمين وفدية الأذى، ويجوز الإطعام في ~~الأماكن كلها عندنا. # وعند الشافعي لا يجوز إلا في الحرم، كما لا يجوز الذبح إلا في الحرم ~~توسعة على أهل الحرم، ولنا ms1205 أن قوله تعالى {أو كفارة طعام مساكين} [المائدة: ~~95] مطلق عن المكان وقياس الطعام على الذبح بمعنى التوسعة على أهل الحرم قد ~~أبطلناه فيما تقدم؛ ولأن الإراقة لم تعقل قربة بنفسها، وإنما عرفت قربة ~~بالشرع، والشرع ورد بها في مكان مخصوص أو زمان مخصوص، فيتبع مورد الشرع ~~فيتقيد كونها قربة بالمكان الذي ورد الشرع بكونها قربة فيه وهو الحرم فأما ~~الإطعام فيعقل قربة بنفسه؛ لأنه من باب الإحسان إلى المحتاجين فلا يتقيد ~~كونه قربة بمكان، كما لا يتقيد بزمان، وتجوز فيه الإباحة والتمليك لما ~~نذكره في كتاب الكفارات. # ولا # PageV02P200 # يجوز للقاتل أن يأكل شيئا من لحم الهدي. # ولو أكل شيئا منه فعليه قيمة ما أكل، ولا يجوز دفعه ودفع الطعام إلى ولده ~~وولد ولده وإن سفلوا، ولا إلى والده ووالد والده وإن علوا، كما لا تجوز ~~الزكاة، ويجوز دفعه إلى أهل الذمة في قول أبي حنيفة ومحمد، ولا يجوز في قول ~~أبي يوسف كما في صدقة الفطر، والصدقة المنذور بها على ما ذكرنا في كتاب ~~الزكاة، وإن اختار الصيام اشترى بقيمة الصيد طعاما وصام لكل نصف صاع من بر ~~يوما عندنا، وهو قول ابن عباس وجماعة من التابعين مثل: إبراهيم، وعطاء، ~~ومجاهد. # وقال الشافعي: يصوم لكل مد يوما، والصحيح قولنا لما روي عن ابن عباس - ~~رضي الله عنهما - أنه قال: " يصوم عن كل نصف صاع يوما " ومثل هذا لا يعرف ~~بالاجتهاد، فتعين السماع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن فضل من ~~الطعام أقل من نصف صاع فهو بالخيار: إن شاء تصدق به، وإن شاء صام عنه يوما؛ ~~لأن صوم بعض يوم لا يجوز، ويجوز الصوم في الأيام كلها بلا خلاف، ويجوز ~~متتابعا ومتفرقا لقوله تعالى {أو عدل ذلك صياما} [المائدة: 95] مطلقا عن ~~المكان وصفة التتابع والتفرق، وسواء كان الصيد مما يؤكل لحمه أو مما لا ~~يؤكل لحمه عندنا بعد أن كان محرما، والاصطياد على المحرم كالضبع، والثعلب، ~~وسباع الطير، وينظر إلى قيمته لو كان مأكول اللحم لعموم قوله تعالى ms1206 {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء ~~مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] غير أنه لا يجاوز به دما في ظاهر ~~الرواية. # وذكر الكرخي أنه لا يبلغ دما بل ينقص من ذلك بخلاف مأكول اللحم، فإنه تجب ~~قيمته بالغة ما بلغت وإن بلغت قيمته هديين أو أكثر. # وقال زفر: " تجب قيمته بالغة ما بلغت كما في مأكول اللحم " وجه قوله: أن ~~هذا المصيد مضمون بالقيمة، والمضمون بالقيمة يعتبر كمال قيمته كالمأكول، ~~ولنا أن هذا المضمون إنما يجب بقتله من حيث إنه صيد، ومن حيث إنه صيد لا ~~تزيد قيمة لحمه على لحم الشاة بحال، بل لحم الشاة يكون خيرا منه بكثير، فلا ~~يجاوز به دما، بل ينقص منه كما ذكره الكرخي؛ ولأنه جزاء وجب بإتلاف ما ليس ~~بمال، فلا يجاوز به دما كحلق الشعر وقص الأظفار، وقد خرج الجواب عما ذكره ~~زفر. # ويستوي في وجوب الجزاء بقتل الصيد المبتدئ والعائد وهو أن يقتل صيدا ثم ~~يعود ويقتل آخر وثم إنه يجب لكل صيد جزاء على حدة، وهذا قول عامة العلماء، ~~وعامة الصحابة - رضي الله عنهم -، وعن ابن عباس أنه لا جزاء على العائد، ~~وهو قول: الحسن، وشريح، وإبراهيم، واحتجوا بقوله تعالى {ومن عاد فينتقم ~~الله منه} [المائدة: 95] جعل جزاء العائد الانتقام في الآخرة فتنتفي ~~الكفارة في الدنيا، ولنا أن قوله تعالى {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما ~~قتل من النعم} [المائدة: 95] يتناول القتل في كل مرة، فيقتضي وجوب الجزاء ~~في كل مرة، كما في قوله تعالى {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية ~~مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] ونحو ذلك. # وأما قوله تعالى {ومن عاد فينتقم الله منه} [المائدة: 95] ففيه أن الله ~~تعالى ينتقم من العائد، وليس فيه أن ينتقم منه بماذا؟ فيحتمل أنه ينتقم منه ~~بالكفارة، كذا قال بعض أهل التأويل فينتقم الله منه بالكفارة في الدنيا، أو ~~بالعذاب في الآخرة على أن الوعيد في الآخرة لا ينفي وجوب الجزاء في ms1207 الدنيا، ~~كما أن الله تعالى جعل حد المحاربين لله ورسوله جزاء لهم في الدنيا بقوله ~~{إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا} [المائدة: 33] الآية قال عز وجل في آخرها {ذلك لهم خزي في الدنيا ~~ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [المائدة: 33] ومنهم من صرف تأويل الآية الكريمة ~~إلى استحلال الصيد، فقال الله عز وجل {عفا الله عما سلف} [المائدة: 95] في ~~الجاهلية من استحلالهم الصيد إذا تاب ورجع، عما استحل من قتل الصيد، ومن ~~عاد إلى الاستحلال فينتقم الله منه بالنار في الآخرة. # وبه نقول هذا إذا لم يكن قتل الثاني والثالث على وجه الرفض والإحلال. # فأما إذا كان على وجه الرفض والإحلال لإحرامه فعليه جزاء واحد استحسانا، ~~والقياس أن يلزمه لكل واحد منهما دم لأن الموجود ليس إلا نية الرفض ونية ~~الرفض لا يتعلق بها حكم، لأنه لا يصير حلالا بذلك فكان وجودها والعدم ~~بمنزلة واحدة إلا أنهم استحسنوا وقالوا لا يجب إلا جزاء واحد؛ لأن الكل وقع ~~على وجه واحد فأشبه الإيلاجات في الجماع. # ويستوي فيه العمد والخطأ والذكر والنسيان عند عامة العلماء وعامة الصحابة ~~وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - (أنه لا كفارة على الخاطئ) وقال الشافعي: ~~(لا كفارة على الخاطئ والناسي) والكلام في المسألة بناء وابتداء. # أما البناء فما ذكرنا فيما تقدم أن الكفارة إنما تجب # PageV02P201 # بارتكاب محظور الإحرام والجناية عليه، ثم زعم الشافعي أن فعل الخاطئ ~~والناسي لا يوصف بالجناية والحظر؛ لأن فعل الخطأ والنسيان مما لا يمكن ~~التحرز عنه فكان عذرا، وقلنا نحن: إن فعل الخاطئ والناسي جناية وحرام؛ لأن ~~فعلهما جائز المؤاخذة عليه عقلا، وإنما رفعت المؤاخذة عليه شرعا مع بقاء ~~وصف الحظر والحرمة فأمكن القول بوجوب الكفارة. # وكذا التحرز عنهما ممكن في الجملة إذ لا يقع الإنسان في الخطأ والسهو إلا ~~لنوع تقصير منه فلم يكن عذرا منه؛ ولهذا لم يعذر الناسي في باب الصلاة إلا ~~أنه جعل عذرا في باب الصوم؛ لأنه يغلب وجوده فكان في ms1208 وجوب القضاء حرج، ولا ~~يغلب في باب الحج؛ لأن أحوال الإحرام مذكرة فكان النسيان معها نادرا على أن ~~العذر في هذا الباب لا يمنع وجوب الجزاء كما في كفارة الحلق لمرض أو أذى ~~بالرأس. # وكذا فوات الحج لا يختلف حكمه للعذر وعدم العذر، وأما الابتداء فاحتج ~~بقوله عز وجل {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: ~~95] خص المتعمد بإيجاب الجزاء عليه، فلو شاركه الخاطئ والناسي في الوجوب لم ~~يكن للتخصيص معنى، ولنا وجوه من الاستدلال بالعمد، أحدها: أن الكفارات وجبت ~~رافعة للجناية؛ ولهذا سماه الله تعالى كفارة بقوله عز وجل {أو كفارة طعام ~~مساكين} [المائدة: 95] وقد وجدت الجناية على الإحرام في الخطأ ألا ترى أن ~~الله عز وجل سمى الكفارة في القتل الخطأ توبة بقوله تعالى في آخر الآية ~~{توبة من الله} [النساء: 92] # ولا توبة إلا من الجناية، والحاجة إلى رفع الجناية موجودة، والكفارة ~~صالحة لرفعها؛ لأنها ترفع أعلى الجنايتين وهي العمد وما صلح رافعا لأعلى ~~الذنبين يصلح رافعا لأدناهما بخلاف قتل الآدمي عمدا أنه لا يوجب الكفارة ~~عندنا والخطأ يوجب؛ لأن النقص هناك وجب، ورد بإيجاب الكفارة في الخطأ وذنب ~~الخطأ دون ذنب العمد، وما يصلح لرفع الأدنى لا يصلح لرفع الأعلى فامتنع ~~الوجوب من طريق الاستدلال؛ لانعدام طريقه، والثاني: أن المحرم بالإحرام أمن ~~الصيد عن التعرض، والتزم ترك التعرض له فصار الصيد كالأمانة عنده، وكل ذي ~~أمانة إذا أتلف الأمانة يلزمه الغرم عمدا كان أو خطأ بخلاف قتل النفس عمدا؛ ~~لأن النفس محفوظة بصاحبها وليست بأمانة عند القاتل حتى يستوي حكم العمد ~~والخطأ في التعرض لها، والثالث: أن الله تعالى ذكر التخيير في حال العمد ~~وموضوع التخيير في حال الضرورة؛ لأنه في التوسع وذا في حال الضرورة ~~كالتخيير في الحلق لمن به مرض أو به أذى من رأسه بقوله {فمن كان منكم مريضا ~~أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] ولا ضرورة ~~في حال العمد فعلم أن ذكر ms1209 التخيير فيه؛ لتقدير الحكم به في حال الضرورة ~~لولاه لما ذكر التخيير فكان إيجاب الجزاء في حال العمد إيجابا في حال ~~الخطأ؛ ولهذا كان ذكر التخيير الموضوع للتخفيف والتوسع في كفارة اليمين بين ~~الأشياء الثلاثة حالة العمد ذكرا في حالة الخطأ والنوم والجنون دلالة. # وأما تخصيص العامد فقد عرف من أصلنا أنه ليس في ذكر حكمه وبيانه في حال ~~دليل نفيه في حال أخرى فكان تمسكا بالمسكوت فلا يصح، ويحتمل أن يكون تخصيص ~~العامد لعظم ذنبه تنبيها على الإيجاب على من قصر ذنبه عنه من الخاطئ ~~والناسي من طريق الأولى؛ لأن الواجب لما رفع أعلى الذنبين فلأن يرفع الأدنى ~~أولى، وعلى هذا كانت الآية حجة عليه والله أعلم. # ويستوي في وجوب كمال الجزاء بقتل الصيد حال الانفراد والاجتماع عندنا حتى ~~لو اشترك جماعة من المحرمين في قتل صيد يجب على كل واحد منهم جزاء كامل عند ~~أصحابنا. # وعند الشافعي يجب عليهم جزاء واحد وجه قوله أن المقتول واحد فلا يضمن إلا ~~بجزاء واحد، كما إذا قتل جماعة رجلا واحدا خطأ أنه لا تجب عليهم إلا دية ~~واحدة وكذا جماعة من المحللين إذا قتلوا صيدا واحدا في الحرم لا يجب عليهم ~~إلا قيمة واحدة كذا هذا، ولنا قوله تعالى {ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ~~ما قتل من النعم} [المائدة: 95] وكلمة من تتناول كل واحد من القاتلين على ~~حياله كما في قوله عز وجل {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم} [النساء: ~~93] وقوله تعالى {ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا} [الفرقان: 19] وقوله عز ~~وجل {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر} [النساء: 136] ، ~~وأقرب المواضع قوله عز وجل {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: ~~92] حتى يجب على كل واحد من القاتلين خطأ كفارة على حدة، ولا تلزمه الدية ~~أنه لا يجب عليهم إلا دية واحدة، لأن ظاهر اللفظ وعمومه يقتضي وجوب الدية ~~على كل واحد منهم، وإنما عرفنا وجوب دية واحدة بالإجماع، وقد ترك ظاهر ~~اللفظ بدليل # PageV02P202 # ، والشافعي نظر إلى ms1210 المحل فقال المحل وهو المقتول متحد فلا يجب إلا ضمان ~~واحد وأصحابنا نظروا إلى الفعل فقالوا الفعل متعدد فيتعدد الجزاء ونظرنا ~~أقوى؛ لأن الواجب جزاء الفعل لأن الله تعالى سماه جزاء بقوله {فجزاء مثل ما ~~قتل من النعم} [المائدة: 95] والجزاء يقابل الفعل لا المحل. # وكذا سمى الواجب كفارة بقوله عز وجل {أو كفارة طعام مساكين} [المائدة: ~~95] ، والكفارة جزاء الجناية بخلاف الدية فإنها بدل المحل فتتحد باتحاد ~~المحل وتتعدد بتعدده، وهو الجواب عن صيد الحرم؛ لأن ضمانه يشبه ضمان ~~الأموال؛ لأنها تجب بالجناية على الحرم، والحرم واحد فلا تجب إلا قيمة ~~واحدة ولو قتل صيدا معلما، كالبازي والشاهين والصقر والحمام الذي يجيء من ~~مواضع بعيدة ونحو ذلك يجب عليه قيمتان: قيمته معلما لصاحبه بالغة ما بلغت ~~وقيمته غير معلم حقا لله؛ لأنه جنى على حقين: حق الله تعالى وحق العبد، ~~والتعليم وصف مرغوب فيه في حق العباد؛ لأنهم ينتفعون بذلك، والله عز وجل ~~يتعالى عن أن ينتفع بشيء، ولأن الضمان الذي هو حق الله تعالى يتعلق بكونه ~~صيدا، وكونه معلما وصف زائد على كونه صيدا فلا يعتبر ذلك في وجوب الجزاء، ~~وقد قالوا في الحمامة المصوتة أنه يضمن قيمتها مصوتة في رواية وفي رواية ~~غير مصوتة. # وجه الرواية الأولى أن كونها مصوتة من باب الحسن والملاحة، والصيد مضمون ~~بذلك كما لو قتل صيدا حسنا مليحا له زيادة قيمة تجب قيمته على تلك الصفة، ~~وكما لو قتل حمامة مطوقة أو فاختة مطوقة. # وجه الرواية الأخرى وعلى نحو ما ذكرنا أن كونها مصوتة لا يرجع إلى كونه ~~صيدا فلا يلزم المحرم ضمان ذلك، وهذا يشكل بالمطوقة والصيد الحسن المليح ~~ولو أخذ بيض صيد فشواه أو كسره فعليه قيمته يتصدق به؛ لما روي عن الصحابة - ~~رضي الله عنهم - أنهم حكموا في بيض النعامة بقيمته؛ ولأنه أصل الصيد إذ ~~الصيد يتولد منه فيعطى له حكم الصيد احتياطا، فإن شوى بيضا أو جرادا فضمنه ~~لا يحرم أكله ولو أكله أو غيره حلالا كان أو محرما لا ms1211 يلزمه شيء بخلاف ~~الصيد الذي قتله المحرم أنه لا يحل أكله. # ولو أكل المحرم الصائد منه بعد ما أدى جزاءه يلزمه قيمة ما أكل في قول ~~أبي حنيفة؛ لأن الحرمة هناك لكونه ميتة لعدم الذكاة لخروجه عن أهلية ~~الذكاة، والحرمة ههنا ليست لمكان كونه ميتة؛ لأنه لا يحتاج إلى الذكاة فصار ~~كالمجوسي إذا شوى بيضا أو جرادا أنه يحل أكله كذا هذا، فإن كسر البيض فخرج ~~منه فرخ ميت فعليه قيمته حيا يؤخذ فيه بالثقة. # وقال مالك: عليه نصف عشر قيمته واعتبره بالجنين؛ لأن ضمانه ضمان ~~الجنايات، وفي الجنين نصف عشر قيمته كذا فيه، ولنا أن الفرخ صيد؛ لأنه يفرض ~~أن يصير صيدا فيعطى له حكم الصيد، ويحتمل أنه مات بكسره، ويحتمل أنه كان ~~ميتا قبل ذلك، وضمان الصيد يؤخذ فيه بالاحتياط؛ لأنه وجب حقا لله تعالى، ~~وحقوق الله تعالى يحتاط في إيجابها، وكذلك إذا ضرب بطن ظبية فألقت جنينا ثم ~~ماتت الظبية فعليه قيمتهما يؤخذ في ذلك كله بالثقة، أما قيمة الأم فلأنه ~~قتلها. # وأما قيمة الجنين؛ فلأنه يحتمل أنه مات بفعله، ويحتمل أنه كان ميتا فيحكم ~~بالضمان احتياطا فإن قتل ظبية حاملا فعليه قيمتها حاملا؛ لأن الحمل يجري ~~مجرى صفاتها وحسنها وملاحتها وسمنها، والصيد مضمون بأوصافه ولو حلب صيدا ~~فعليه ما نقصه الحلب؛ لأن اللبن جزء من أجزاء الصيد فإذا نقصه الحلب، يضمن ~~كما لو أتلف جزءا من أجزائه كالصيد المملوك. # وأما إذا قتل الصيد تسببا فإن كان متعديا في التسبب يضمن وإلا فلا. # بيان ذلك أنه إذا نصب شبكة فتعلق به صيد ومات أو حفر حفيرة للصيد فوقع ~~فيها فعطب يضمن؛ لأنه متعد في التسبب. # ولو ضرب فسطاطا لنفسه فتعلق به صيد فمات أو حفر حفيرة للماء أو للخبز ~~فوقع فيها صيد فمات لا شيء عليه؛ لأن ذلك مباح له فلم يكن متعديا في ~~التسبب، وهذا كمن حفر بئرا على قارعة الطريق فوقع فيها إنسان أو بهيمة ومات ~~يضمن. # ولو كان الحفر في دار نفسه فوقع فيها ms1212 إنسان لا يضمن؛ لأنه في الأول ~~متعديا بالتسبب وفي الثاني لا، كذا هذا ولو أعان محرم محرما أو حلالا على ~~صيد ضمن؛ لأن الإعانة على الصيد تسبب إلى قتله، وهو متعد في هذا التسبب؛ ~~لأنه تعاون على الإثم والعدوان وقد قال الله تعالى {ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان} [المائدة: 2] ولو دل عليه أو أشار إليه، فإن كان المدلول يرى ~~الصيد أو يعلم به من غير دلالة أو إشارة فلا شيء على الدال؛ لأنه إذا كان ~~يراه أو يعلم به من غير دلالته. # فلا أثر لدلالته في تفويت الأمن على الصيد فلم تقع الدلالة تسببا إلا أنه ~~يكره ذلك، فقتله # PageV02P203 # بدلالته؛ لأنه نوع تحريض على اصطياده وإن رآه المدلول بدلالته فقتله ~~فعليه الجزاء عند أصحابنا. # وقال الشافعي: (لا جزاء عليه) وجه قوله أن وجوب الجزاء متعلق بقتل الصيد ~~ولم يوجد، ولنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «الدال على ~~الشيء كفاعله» وروي «الدال على الخير كفاعله والدال على الشر كفاعله» فظاهر ~~الحديث يقتضي أن يكون للدلالة حكم الفعل إلا ما خص بدليل. # وروي «أن أبا قتادة - رضي الله عنه - شد على حمار وحش وهو حلال فقتله ~~وأصحابه محرمون فمنهم من أكل ومنهم من أبى فسألوا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن ذلك فقال: - صلى الله عليه وسلم - هل أشرتم؟ هل أعنتم؟ فقالوا: ~~لا فقال: كلوا إذا» فلولا أن الحكم يختلف بالإعانة والإشارة وإلا لم يكن ~~للفحص عن ذلك معنى، ودل ذلك على حرمة الإعانة والإشارة، وذا يدل على وجوب ~~الجزاء وروي أن رجلا سأل عمر - رضي الله عنه - فقال إني أشرت إلى ظبية ~~فقتلها صاحبي فسأل عمر عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنهما - فقال: ما ترى؟ ~~فقال: أرى عليه شاة فقال عمر: - رضي الله عنه - وأنا أرى مثل ذلك وروي أن ~~رجلا أشار إلى بيضة نعامة فكسرها صاحبه فسأل عن ذلك عليا وابن عباس - رضي ~~الله عنهما - فحكما عليه بالقيمة. # وكذا حكم عمر وعبد الرحمن - رضي ms1213 الله عنهما - محمول على القيمة؛ ولأن ~~المحرم قد أمن الصيد بإحرامه، والدلالة تزيل الأمن لأن أمن الصيد في حال ~~قدرته ويقظته يكون بتوحشه عن الناس وفي حال عجزه ونومه يكون باختفائه عن ~~الناس، والدلالة تزيل الاختفاء فيزول الأمن، فكانت الدلالة في إزالة الأمن ~~كالاصطياد؛ ولأن الإعانة والدلالة والإشارة تسبب إلى القتل، وهو متعد في ~~هذا التسبب؛ لكونه مزيلا للأمن وأنه محظور الإحرام فأشبه نصب الشبكة ونحو ~~ذلك؛ ولأنه لما أمن الصيد عن التعرض بعقد الإحرام والتزم ذلك صار به الصيد ~~كالأمانة في يده فأشبه المودع إذا دل سارقا على سرقة الوديعة. # ولو استعار محرم من محرم سكينا؛ ليذبح به صيدا فأعاره إياه فذبح به الصيد ~~فلا جزاء على صاحب السكين كذا ذكر محمد في الأصل من المشايخ من فصل في ذلك ~~تفصيلا فقال: إن كان المستعير يتوصل إلى قتل الصيد بغيره لا يضمن، وإن كان ~~لا يتوصل إليه إلا بذلك السكين يضمن المعير؛ لأنه يصير كالدال، ونظير هذا ~~ما قالوا: لو أن محرما رأى صيدا وله قوس أو سلاح يقتل به ولم يعرف أن ذلك ~~في أي موضع فدله محرم على سكينته أو على قوسه فأخذه فقتله به أنه إن كان ~~يجد غير ما دله عليه مما يقتله به لا يضمن الدال، وإن لم يجد غيره يضمن، ~~ولا يحل للمحرم أكل ما ذبحه من الصيد ولا لغيره من المحرم والحلال، وهو ~~بمنزلة الميتة؛ لأنه بالإحرام خرج من أن يكون أهلا للذكاة فلا تتصور منه ~~الذكاة كالمجوسي إذا ذبح. # وكذا الصيد خرج من أن يكون محلا للذبح في حقه لقوله تعالى {وحرم عليكم ~~صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] والتحريم المضاف إلى الأعيان يوجب ~~خروجها عن محلية التصرف شرعا، كتحريم الميتة وتحريم الأمهات والتصرف الصادر ~~من غير الأهل وفي غير محله يكون ملحقا بالعدم فإن أكل المحرم الذابح منه ~~فعليه الجزاء، وهو قيمته في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: ~~رحمهم الله تعالى ليس عليه إلا التوبة والاستغفار، ولا ms1214 خلاف في أنه لو أكله ~~غيره لا يلزمه إلا التوبة والاستغفار. # وجه قولهم أنه أكل ميتة فلا يلزمنه إلا التوبة والاستغفار كما لو أكله ~~غيره ولأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه تناول محظور إحرامه فيلزمه ~~الجزاء، وبيان ذلك أن كونه ميتة لعدم الأهلية والمحلية وعدم الأهلية ~~والمحلية بسبب الإحرام، فكانت الحرمة بهذه الواسطة مضافة إلى الإحرام فإذا ~~أكله فقد ارتكب محظور إحرامه فيلزمه الجزاء بخلاف ما إذا أكله محرم آخر أنه ~~لا يجب عليه جزاء ما أكل؛ لأن ما أكله ليس محظور إحرامه بل محظور إحرام ~~غيره، وكما لا يحل له لا يحل لغيره محرما كان أو حلالا عندنا. # وقال الشافعي: يحل لغيره أكله. # وجه قوله: إن الحرمة لمكان أنه صيد لقوله تعالى {وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما} [المائدة: 96] وهو صيده لا صيد غيره فيحرم عليه لا على غيره، ~~ولنا أن حرمته لكونه ميتة لعدم أهلية الذكاة ومحليتها فيحرم عليه وعلى غيره ~~كذبيحة المجوسي هذا إذا أدى الجزاء ثم أكل. # فأما إذا أكل قبل أداء الجزاء، فقد ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن ~~عليه جزاء واحدا ويدخل ضمان ما أكل في الجزاء وذكر القدوري في شرحه مختصر ~~الكرخي أنه لا رواية في هذه المسألة فيجوز أن يقال يلزمه جزاء آخر # PageV02P204 # ويجوز أن يقال يتداخلان، وسواء تولى صيده بنفسه أو بغيره من المحرمين ~~بأمره أو رمى صيدا فقتله أو أرسل كلبه أو بازيه المعلم أنه لا يحل له؛ لأن ~~صيد غيره بأمره صيده معنى. # وكذا صيد البازي والكلب والسهم؛ لأن فعل الاصطياد منه، وإنما ذلك آلة ~~الاصطياد والفعل لمستعمل الآلة لا للآلة. # ويحل للمحرم أكل صيد اصطاده الحلال لنفسه عند عامة العلماء وقال داود بن ~~علي الأصفهاني لا يحل، والمسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله عنهم - روي ~~عن طلحة وعبيد الله وقتادة وجابر وعثمان في رواية أنه يحل وعن علي وابن ~~عباس وعثمان في رواية لا يحل واحتج هؤلاء بقوله تعالى {وحرم عليكم صيد البر ~~ما دمتم حرما} ms1215 [المائدة: 96] أخبر أن صيد البر محرم على المحرم مطلقا من ~~غير فصل بين أن يكون صيد المحرم أو الحلال. # وهكذا قال ابن عباس: إن الآية مبهمة لا يحل لك أن تصيده ولا أن تأكله ~~وروي عن ابن عباس - رضي الله عنه - «أن الصعب بن جثامة أهدى إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - لحم حمار وحش وهو بالأبواء أو بودان فرده فرأى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في وجهه كراهة فقال: ليس بنا رد عليك ولكنا ~~حرم وفي رواية قال: لولا أنا حرم لقبلناه منك» وعن زيد بن أرقم «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نهى المحرم عن لحم الصيد مطلقا» ولنا ما روي عن أبي ~~قتادة - رضي الله عنه - «أنه كان حلالا وأصحابه محرمون فشد على حمار وحش ~~فقتله فأكل منه بعض أصحابه وأبى البعض فسألوا عن ذلك رسول الله: - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما هي طعمة أطعمكموها ~~الله هل معكم من لحمه شيء؟» وعن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - «لحم صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو ~~يصد لكم» وهذا نص في الباب ولا حجة لهم في الآية؛ لأن فيها تحريم صيد البر ~~لا تحريم لحم الصيد، وهذا لحم الصيد وليس بصيد حقيقة؛ لانعدام معنى الصيد ~~وهو الامتناع والتوحش، على أن الصيد في الحقيقة مصدر، وإنما يطلق على ~~المصيد مجازا. # وأما حديث الصعب بن جثامة فقد اختلفت الروايات فيه عن ابن عباس - رضي ~~الله عنه - روي في بعضها " أنه أهدى إليه حمارا وحشيا " كذا روى مالك وسعيد ~~بن جبير وغيرهما عن ابن عباس فلا يكون حجة، وحديث زيد بن أرقم محمول على ~~صيد صاده بنفسه أو غيره بأمره أو بإعانته أو بدلالته أو بإشارته عملا ~~بالدلائل كلها، وسواء صاده الحلال لنفسه أو للمحرم بعد أن لا يكون بأمره ~~عندنا. # وقال الشافعي: (إذا صاده له لا يحل له أكله) واحتج بما روي ms1216 عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال «صيد البر حلال لكم وأنتم حرم ما لم تصيدوه ~~أو يصاد لكم» ولا حجة له فيه؛ لأنه لا يصير مصيدا له إلا بأمره وبه نقول ~~والله أعلم. # وأما حكم الصيد إذا جرحه المحرم، فإن جرحه جرحا يخرجه عن حد الصيد وهو ~~الممتنع المتوحش بأن قطع رجل ظبي أو جناح طائر فعليه الجزاء؛ لأنه أتلفه ~~حيث أخرجه عن حد الصيد فيضمن قيمته؛ وإن جرحه جرحا ما لم يخرجه عن حد الصيد ~~يضمن ما نقصته الجراحة؛ لوجود إتلاف ذلك القدر من الصيد فإن اندملت الجراحة ~~وبرئ الصيد لا يسقط الجزاء؛ لأن الجزاء يجب بإتلاف جزء من الصيد وبالاندمال ~~لا يتبين أن الإتلاف لم يكن بخلاف ما إذا جرح آدميا فاندملت جراحته ولم يبق ~~لها أثر أنه لا ضمان عليه؛ لأن الضمان هناك إنما يجب لأجل الشين وقد ارتفع. # فإن رمى صيدا فجرحه فكفر عنه، ثم رآه بعد ذلك فقتله فعليه كفارة أخرى؛ ~~لأنه لما كفر الجراحة ارتفع حكمها وجعلت كأن لم تكن، وقتله الآن ابتداء ~~فيجب عليه الضمان لكن ضمان صيد مجروح؛ لأن تلك الجراحة قد أخرج ضمانها مرة ~~فلا تجب مرة أخرى فإن جرحه ولم يكفر ثم رآه بعد ذلك فقتله فعليه الكفارة، ~~وليس عليه في الجراحة شيء؛ لأنه لما قتله قبل أن يكفر عن الجراحة صار كأنه ~~قتله دفعة واحدة. # وذكر الحاكم في مختصره إلا ما نقصته الجراحة الأولى أي يلزمه ضمان صيد ~~مجروح؛ لأن ذلك النقصان قد وجب عليه ضمانه مرة فلا يجب مرة أخرى ولو جرح ~~صيدا فكفر عنه قبل أن يموت ثم مات أجزأته الكفارة التي أداها؛ لأنه إن أدى ~~الكفارة قبل وجوبها لكن بعد وجود سبب الوجوب وأنه جائز كما لو جرح إنسانا ~~خطأ فكفر عنه ثم مات المجروح أنه يجوز لما قلنا كذا هذا، وإن نتف ريش صيد ~~أو قلع سن ظبي فنبت وعاد إلى ما كان أو ضرب على عين ظبي فابيضت ثم ارتفع ~~بياضها قال ms1217 أبو حنيفة: في سن الظبي أنه لا شيء عليه إذا نبت، ولم يحك عنه ~~في غيره شيء وقال أبو يوسف: عليه صدقة، وجه قوله أن وجوب # PageV02P205 # الجزاء بالجناية على الإحرام وبالنبات والعود إلى ما كان لا يتبين أن ~~الجناية لم تكن فلا يسقط الجزاء، ولأبي حنيفة أن وجوب الجزاء لمكان ~~النقصان، وقد زال فيزول الضمان كما لو قلع سن ظبي لم يثغر. # (وأما) حكم أخذ الصيد فالمحرم إذا أخذ الصيد يجب عليه إرساله سواء كان في ~~يده أو في قفص معه أو في بيته؛ لأن الصيد استحق الأمن بإحرامه، وقد فوت ~~عليه الأمن بالأخذ فيجب عليه إعادته إلى حالة الأمن، وذلك بالإرسال فإن ~~أرسله محرم من يده فلا شيء على المرسل؛ لأن الصائد ما ملك الصيد فلم يصر ~~بالإرسال متلفا ملكه وإنما وجب عليه الإرسال ليعود إلى حالة الأمن، فإذا ~~أرسل فقد فعل ما وجب عليه وإن قتله فعلى كل واحد منهما جزاء. # أما القاتل فلأنه محرم قتل صيدا. # وأما الآخذ فلأنه فوت الأمن على الصيد بالأخذ وأنه سبب لوجوب الضمان إلا ~~أنه يسقط بالإرسال فإذا تعذر الإرسال لم يسقط، وللآخذ أن يرجع بما ضمن على ~~القاتل عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر: لا يرجع. # وجه قوله: إن المحرم لم يملك الصيد بالأخذ فكيف يملك بدله عند الإتلاف؟ ~~(ولنا) أن الملك له وإن لم يثبت فقد وجد سبب الثبوت في حقه وهو الأخذ قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «الصيد لمن أخذه» إلا أنه تعذر جعله سببا ~~لملك غير الصيد فيجعل سببا لملك بدله فيملك بدله عند الإتلاف ويجعل كأن ~~الأصل كان ملكه كمن غصب مدبرا فجاء إنسان وقتله في يد الغاصب أو غصبه من ~~يده فضمن المالك الغاصب، فإن للغاصب أن يرجع بالضمان على الغاصب والقاتل. # وكذا هذا في غصب أم الولد وإن لم يملك المدبر وأم الولد لما قلنا كذا ~~هذا. # ولو أصاب الحلال صيدا ثم أحرم فإن كان ممسكا إياه بيده فعليه إرساله؛ ~~ليعود به إلى الأمن الذي ms1218 استحقه بالإحرام، فإن لم يرسله حتى هلك في يده ~~يضمن قيمته، وإن أرسله إنسان من يده ضمن له قيمته في قول أبي حنيفة، وعند ~~أبي يوسف ومحمد لا يضمن. # وجه قولهما: إن الإرسال كان واجبا على المحرم حقا لله فإذا أرسله الأجنبي ~~فقد احتسب بالإرسال فلا يضمن كما لو أخذه وهو محرم فأرسله إنسان من يده ~~ولأبي حنيفة أنه أتلف صيدا مملوكا له فيضمن كما لو أتلف قبل الإحرام، ~~والدليل على أن الصيد ملكه أنه أخذه وهو حلال وأخذ الصيد من الحلال سبب ~~لثبوت الملك؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الصيد لمن أخذه» واللام للملك، ~~والعارض وهو الإحرام أثره في حرمة التعرض لا في زوال الملك بعد ثبوته. # وأما قولهما: إن المرسل احتسب بالإرسال؛ لأنه واجب، فنقول: الواجب هو ~~الإرسال على وجه يفوت يده عن الصيد أصلا ورأسا أو على وجه يزيل يده ~~الحقيقية عنه إن قالا على وجه يفوت يده أصلا ورأسا ممنوع وإن قالا على وجه ~~يزيل يده الحقيقية عنه فمسلم لكن ذلك يحصل بالإرسال في بيته، وإن أرسله في ~~بيته فلا شيء عليه بخلاف ما إذا اصطاده وهو محرم فأرسله غيره من يده؛ لأن ~~الواجب على الصائد هناك إرسال الصيد على وجه يعود إليه به الأمن الذي ~~استحقه بإحرامه. # وفي الإمساك في القفص أو في البيت لا يعود الأمن بخلاف المسألة الأولى؛ ~~لأن الصيد هناك ما استحق الأمن، وقد أخذه وصار ملكا له، وإنما يحرم عليه ~~التعرض في حال الإحرام فيجب إزالة التعرض، وذلك يحصل بزوال يده الحقيقية، ~~فلا يحرم عليه الإرسال في البيت أو في القفص، والدليل على التفرقة بينهما ~~في الفصل الأول لو أرسله ثم وجده بعد ما حل من إحرامه في يد آخر له أن ~~يسترده منه، وفي الفصل الثاني ليس له أن يسترده، وإن كان الصيد في قفص معه ~~أو في بيته لا يجب إرساله عندنا. # وعند الشافعي يجب حتى أنه لو لم يرسله فمات لا يضمن عندنا وعنده يضمن، ~~والكلام فيه مبني ms1219 على أن من أحرم وفي ملكه صيد لا يزول ملكه عنه عندنا ~~وعنده يزول، الصحيح قولنا لما بينا أنه كان ملكا له والعارض وهو حرمة ~~التعرض لا يوجب زوال الملك ويستوي فيما يوجب الجزاء الرجل والمرأة والمفرد ~~والقارن، غير أن القارن يلزمه جزاءان عندنا؛ لكونه محرما بإحرامين فيصير ~~جانيا عليهما فيلزمه كفارتان، وعند الشافعي لا يلزمه إلا جزاء واحد؛ لكونه ~~محرما بإحرام واحد. # (وأما) الذي يوجب فساد الحج فالجماع لقوله عز وجل {فلا رفث ولا فسوق} ~~[البقرة: 197] عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما - أنه الجماع، وأنه ~~مفسد للحج لما نذكر في بيان ما يفسد الحج وبيان حكمه إذا فسد إن شاء الله ~~تعالى هذا الذي ذكرنا بيان ما يخص المحرم من المحظورات وهي محظورات الإحرام ~~والله أعلم. # PageV02P206 ### | [فصل محظورات الحرم منها الصيد] # فصل) ويتصل بهذا بيان ما يعم المحرم والحلال جميعا وهو. # محظورات الحرم، فنذكرها فنقول وبالله التوفيق محظورات الحرم نوعان: نوع ~~يرجع إلى الصيد، ونوع يرجع إلى النبات. # أما الذي يرجع إلى الصيد فهو أنه لا يحل قتل صيد الحرم للمحرم والحلال ~~جميعا إلا المؤذيات المبتدئة بالأذى غالبا، وقد بينا ذلك في صيد الإحرام، ~~والأصل فيه قوله تعالى {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا} [العنكبوت: 67] ~~وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: ~~95] وقوله تعالى {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] وهذا ~~يتناول صيد الإحرام والحرم جميعا؛ لأنه يقال أحرم إذا دخل في الإحرام، ~~وأحرم إذا دخل في الحرم كما يقال: أنجد إذا دخل نجد، واتهم إذا دخل تهامة، ~~وأعرق إذا دخل العراق وأحرم إذا دخل في الشهر الحرام، ومنه قول الشاعر في ~~عثمان: - رضي الله عنه -: # قتل ابن عفان الخليفة محرما ... ودعا فلم أر مثله مخذولا # الخليفة محرما، أي في الشهر الحرام. # واللفظ وإن كان مشتركا لكن المشترك في محل النفي يعم؛ لعدم التنافي إلا ~~أن الدخول في الشهر الحرام ليس بمراد بالإجماع؛ لأن أخذ الصيد في الأشهر ~~الحرم لم ms1220 يكن محظورا ثم قد نسخت الأشهر الحرم، فبقي الدخول في الحرم ~~والإحرام مرادا بالآيتين إلا ما خص بدليل، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «ألا إن مكة حرام حرمها الله تعالى يوم خلق السموات والأرض لم تحل لأحد ~~قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حراما إلى يوم ~~القيامة لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها» والاستدلال به من ~~وجوه: أحدها: قوله (مكة حرام) والثاني: قوله (حرمها الله تعالى) والثالث: ~~قوله (ولا تحل لأحد بعدي) والرابع: قوله (ثم عادت حراما إلى يوم القيامة) ~~والخامس: قوله (لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها) فإن قتل صيد ~~الحرم فعليه الجزاء محرما كان القاتل أو حلالا؛ لقوله تعالى {ومن قتله منكم ~~متعمدا فجزاء مثل ما قتل} [المائدة: 95] وجزاؤه ما هو جزاء قاتل صيد ~~الإحرام، وهو أن تجب عليه قيمته فإن بلغت هديا له أن يشتري بها هديا أو ~~طعاما إلا أنه لا يجوز الصوم هكذا ذكر في الأصل، وهكذا ذكر القاضي في شرحه ~~مختصر الطحاوي أن حكمه حكم صيد الإحرام إلا أنه لا يجوز فيه الصوم وذكر ~~القدوري في شرحه مختصر الكرخي أن الإطعام يجزئ في صيد الحرم، ولا يجزئ ~~الصوم عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر يجزئ، وبه أخذ الشافعي وفي الهدي ~~روايتان. # وجه قول زفر الاعتبار بصيد الإحرام؛ لأن كل واحد من الضمانين يجب حقا لله ~~تعالى، ثم يجزئ الصوم في أحدهما كذا في الآخر. # (ولنا) الفرق بين الصيدين والضمانين، وهو أن ضمان صيد الإحرام وجب لمعنى ~~يرجع إلى الفاعل؛ لأنه وجب جزاء على جنايته على الإحرام فأما ضمان صيد ~~الحرم فإنما وجب لمعنى يرجع إلى المحل، وهو تفويت أمن الحرم ورعاية لحرمة ~~الحرم، فكان بمنزلة ضمان سائر الأموال، وضمان سائر الأموال لا يدخل فيه ~~الصوم كذا هذا. # وأما الهدي فوجه رواية عدم الجواز ما ذكرنا أن هذا الضمان يشبه ضمان سائر ~~الأموال؛ لأن وجوبه لمعنى في المحل، فلا يجوز فيه الهدي ms1221 كما لا يجوز في ~~سائر الأموال إلا أن تكون قيمته مذبوحا مثل قيمة الصيد، فيجزئ عن الطعام. # وجه رواية الجواز أن ضمان صيد الحرم له شبه بأصلين: ضمان الأموال وضمان ~~الأفعال، أما شبهه بضمان الأموال فلما ذكرنا، وأما شبهه بضمان الأفعال وهو ~~ضمان الإحرام فلأنه يجب حقا لله تعالى فيعمل بالشبهين، فنقول: إنه لا يدخل ~~فيه الصوم اعتبارا لشبه الأموال، ويدخل فيه الهدي اعتبارا لشبه الأفعال وهو ~~الإحرام عملا بالشبهين بالقدر الممكن إذ لا يمكن القول بالعكس؛ ولأن الهدي ~~مال فكان بمنزلة الإطعام، والصوم ليس بمال ولا فيه معنى المال فافترقا ولو ~~قتل المحرم صيدا في الحرم فعليه ما على المحرم إذا قتل صيدا في الحل، وليس ~~عليه لأجل الحرم شيء، وهذا استحسان، والقياس أن يلزمه كفارتان؛ لوجود ~~الجناية على شيئين وهما: الإحرام والحرم فأشبه القارن إلا أنهم استحسنوا ~~وأوجبوا كفارة الإحرام لا غير؛ لأن حرمة الإحرام أقوى من حرمة الحرم ~~فاستتبع الأقوى الأضعف، وبيان أن حرمة الإحرام أقوى من وجوه: أحدها: أن ~~حرمة الإحرام ظهر أثرها في الحرم والحل جميعا، حتى حرم على المحرم الصيد في ~~الحرم والحل جميعا، وحرمة الإحرام لا يظهر أثرها إلا في الحرم حتى يباح ~~للحلال الاصطياد # PageV02P207 # لصيد الحرم إذا خرج إلى الحل، والثاني: أن الإحرام يحرم الصيد وغيره مما ~~ذكرنا من محظورات الإحرام، والحرم لا يحرم إلا الصيد وما يحتاج إليه الصيد ~~من الخلى والشجر، والثالث: أن حرمة الإحرام تلازم حرمة الحرم وجودا؛ لأن ~~المحرم يدخل الحرم لا محالة، وحرمة الحرم لا تلازم حرمة الإحرام وجودا، ~~فثبت أن حرمة الإحرام أقوى فاستتبعت الأدنى بخلاف القارن؛ لأن ثمة كل واحدة ~~من الحرمتين أعنى حرمة إحرام الحج وحرمة إحرام العمرة أصل ألا ترى أنه يحرم ~~إحرام العمرة ما يحرمه إحرام الحج فكان كل واحدة منهما أصلا بنفسها فلا ~~تستتبع إحداهما صاحبتها. # ولو اشترك حلالان في قتل صيد في الحرم فعلى كل واحد منهما نصف قيمته، فإن ~~كانوا أكثر من ذلك يقسم الضمان بين عددهم؛ لأن ضمان ms1222 صيد الحرم يجب لمعنى في ~~المحل وهو حرمة الحرم فلا يتعدد بتعدد الفاعل كضمان سائر الأموال بخلاف ~~ضمان صيد الإحرام، فإن اشترك محرم وحلال فعلى المحرم جميع القيمة وعلى ~~الحلال النصف؛ لأن الواجب على المحرم ضمان الإحرام لما بينا، وذلك لا ~~يتجزأ، والواجب على الحلال ضمان المحل وأنه متجزئ. # وسواء كان شريك الحلال ممن يجب عليه الجزاء أو لا يجب كالكافر والصبي أنه ~~يجب على الحلال بقدر ما يخصه من القيمة؛ لأن الواجب بفعله ضمان المحل ~~فيستوي في حقه الشريك الذي يكون من أهل وجوب الجزاء ومن لا يكون من أهله، ~~فإن قتل حلال وقارن صيدا في الحرم فعلى الحلال نصف الجزاء وعلى القارن ~~جزاءان؛ لأن الواجب على الحلال ضمان المحل، والواجب على المحرم جزاء ~~الجناية، والقارن جنى على إحرامين فيلزمه جزاءان. # ولو اشترك حلال ومفرد وقارن في قتل صيد فعلى الحلال ثلث الجزاء وعلى ~~المفرد جزاء كامل وعلى القارن جزاءان؛ لما قلنا، وإن صاد حلال صيدا في ~~الحرم فقتله في يده حلال آخر فعلى الذي كان في يده جزاء كامل، وعلى القاتل ~~جزاء كامل أما القاتل فلا شك فيه؛ لأنه أتلف صيدا في الحرم حقيقة. # وأما الصائد فلأن الضمان قد وجب عليه باصطياده وهو أخذه لتفويته الأمن ~~عليه بالأخذ، وأنه سبب لوجوب الضمان إلا أنه يسقط بالإرسال وقد تعذر ~~الإرسال بالقتل، فتقرر تفويت الأمن فصار كأنه مات في يده، وهذا بخلاف ~~المغصوب إذا أتلفه إنسان في يد الغاصب أنه لا يجب إلا ضمان واحد يطالب ~~المالك أيهما شاء؛ لأن ضمان الغصب ضمان المحل وليس فيه معنى الجزاء؛ لأنه ~~يجب حقا للمالك، والمحل الواحد لا يقابله إلا ضمان واحد، وضمان صيد الحرم ~~وإن كان ضمان المحل لكن فيه معنى الجزاء؛ لأنه يجب حقا لله تعالى فجاز أن ~~يجب على القاتل والآخذ. # وللآخذ أن يرجع على القاتل بالضمان أما على أصل أبي حنيفة فلا يشكل؛ لأنه ~~يرجع عليه في صيد الإحرام عنده فكذا في صيد الحرم، والجامع أن القاتل فوت ~~على ms1223 الآخذ ضمانا كان يقدر على إسقاطه بالإرسال. # وأما على أصلهما فيحتاج إلى الفرق بين صيد الحرم والإحرام؛ لأنهما قالا ~~في صيد الإحرام إنه لا يرجع ووجه الفرق أن الواجب في صيد الحرم ضمان، يجب ~~لمعنى يرجع إلى المحل، وضمان المحل يحتمل الرجوع كما في الغصب، والواجب في ~~صيد الإحرام جزاء فعله لا بدل المحل ألا ترى أنه لا يملك الصيد بالضمان ~~وإذا كان جزاء فعله لا يرجع به على غيره. # ولو دل حلال حلالا على صيد الحرم أو دل محرما، فلا شيء على الدال في قول ~~أصحابنا الثلاثة وقد أساء وأثم وقال زفر: على الدال الجزاء وروي عن أبي ~~يوسف مثل قول زفر، وعلى هذا الاختلاف الآمر والمشير وجه قول زفر اعتبار ~~الحرم بالإحرام، وهو اعتبار صحيح لأن كل واحد منهما سبب لحرمة الاصطياد، ثم ~~الدلالة في الإحرام توجب الجزاء كذا في الحرم، ولنا الفرق بينهما وهو أن ~~ضمان صيد الحرم يجري مجرى ضمان الأموال؛ لأنه يجب لمعنى يرجع إلى المحل وهو ~~حرمة الحرم لا لمعنى يرجع إلى القاتل، والأموال لا تضمن بالدلالة من غير ~~عقد، وإنما صار مسيئا آثما لكون الدلالة والإشارة والأمر حراما؛ لأنه من ~~باب المعاونة على الإثم والعدوان. # وقد قال الله تعالى {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2] . # ولو أدخل صيدا من الحل إلى الحرم وجب إرساله، وإن ذبحه فعليه الجزاء، ولا ~~يجوز بيعه وقال الشافعي: يجوز بيعه. # وجه قوله أن الصيد كان ملكه في الحل، وإدخاله في الحرم لا يوجب زوال ~~ملكه، فكان ملكه قائما فكان محلا للبيع، ولنا أنه لما حصل الصيد في الحرم ~~وجب ترك التعرض له رعاية لحرمة الحرم كما لو أحرم والصيد في يده وذكر محمد ~~في الأصل وقال: لا خير فيما # PageV02P208 # يترخص به أهل مكة من الحجل واليعاقيب ولا يدخل شيء منه في الحرم حيا لما ~~ذكرنا أن الصيد إذا حصل في الحرم وجب إظهار حرمة الحرم بترك التعرض له ~~بالإرسال، فإن قيل: إن أهل مكة يبيعون الحجل واليعاقيب، وهي ms1224 كل ذكر وأنثى ~~من القبج من غير نكير ولو حراما لظهر النكير عليهم، فالجواب: إن ترك النكير ~~عليهم ليس لكونه حلالا بل لكونه محل الاجتهاد، فإن المسألة مختلفة بين ~~عثمان وعلي - رضي الله عنهما -، والإنكار لا يلزم في محل الاجتهاد إذا كان ~~الاختلاف في الفروع. # وأما وجوب الجزاء بذبحه؛ فلأنه ذبح صيدا مستحق الإرسال، وأما فساد البيع ~~فلأن إرساله واجب، والبيع ترك الإرسال. # ولو باعه يجب عليه فسخ البيع واسترداد المبيع؛ لأنه بيع فاسد، والبيع ~~الفاسد مستحق الفسخ حقا للشرع، فإن كان لا يقدر على فسخ البيع واسترداد ~~المبيع فعليه الجزاء؛ لأنه وجب عليه إرساله، فإذا باعه وتعذر عليه فسخ ~~البيع واسترداد المبيع، فكأنه أتلفه فيجب عليه الضمان، وكذلك إن أدخل صقرا ~~أو بازيا فعليه إرساله لما ذكرنا في سائر الصيود، فإن أرسله فجعل يقتل حمام ~~الحرم لم يكن عليه في ذلك شيء؛ لأن الواجب عليه الإرسال وقد أرسل فلا يلزمه ~~شيء بعد ذلك كما لو أرسله في الحل ثم دخل الحرم فجعل يقتل صيد الحرم. # ولو أرسل كلبا في الحل على صيد في الحل فاتبعه الكلب، فأخذه في الحرم ~~فقتله فلا شيء على المرسل، ولا يؤكل الصيد، أما عدم وجوب الجزاء فلأن ~~العبرة في وجوب الضمان بحالة الإرسال، إذ الإرسال هو السبب الموجب للضمان ~~والإرسال وقع مباحا لوجوده في الحل فلا يتعلق به الضمان. # وأما حرمة أكل الصيد؛ فلأن فعل الكلب ذبح للصيد، وأنه حصل في الحرم فلا ~~يحل أكله كما لو ذبحه آدمي إذ فعل الكلب لا يكون أعلى من فعل الآدمي. # ولو رمى صيدا في الحل فنفر الصيد فوقع السهم به في الحرم فعليه الجزاء، ~~قال محمد في الأصل: وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - فيما أعلم وكان القياس ~~فيه أن لا يجب عليه الجزاء كما لا يجب عليه في إرسال الكلب؛ لأن كل واحد ~~منهما مأذون فيه لحصوله في الحل، والأخذ والإصابة كل واحد منهما يضاف إلى ~~المرسل والرامي وخاصة على أصل أبي حنيفة - رحمه الله ms1225 تعالى - فإنه يعتبر ~~حال الرمي في المسائل حتى قال فيمن رمى إلى مسلم فارتد المرمي إليه ثم ~~أصابه السهم مثلا: أنه تجب عليه الدية اعتبارا بحالة الرمي إلا أنهم ~~استحسنوا فأوجبوا الجزاء في الرمي، ولم يوجبوا في الإرسال؛ لأن الرمي هو ~~المؤثر في الإصابة بمجرى العادة إذا لم يتخلل بين الرمي والإصابة فعل ~~اختياري يقطع نسبة الأثر إليه شرعا فبقيت الإصابة مضافة إليه شرعا في ~~الأحكام، فصار كأنه ابتدأ الرمي بعد ما حصل الصيد في الحرم، وههنا قد تخلل ~~بين الإرسال والأخذ فعل فاعل مختار وهو الكلب فمنع إضافة الأخذ إلى المرسل ~~وصار كما لو أرسل بازيا في الحرم فأخذ حمام الحرم وقتله أنه لا يضمن لما ~~قلنا كذا هذا. # ولو أرسل كلبا على ذئب في الحرم أو نصب له شركا فأصاب الكلب صيدا أو وقع ~~في الشرك صيد فلا جزاء عليه؛ لأن الإرسال على الذئب، ونصب الشبكة له مباح؛ ~~لأن قتل الذئب مباح في الحل والحرم للمحرم والحلال جميعا؛ لكونه من ~~المؤذيات المبتدئة بالأذى عادة، فلم يكن متعديا في التسبب فيضمن. # ولو نصب شبكة أو حفر حفيرة في الحرم للصيد فأصاب صيدا فعليه جزاؤه؛ لأنه ~~غير مأذون في نصب الشبكة والحفر لصيد الحرم فكان متعديا في التسبب فيضمن. # ولو نصب خيمة فتعقل به صيد، أو حفر للماء فوقع فيه صيد الحرم لا ضمان ~~عليه لأنه غير متعد في التسبب،. # وقالوا فيمن أخرج ظبية من الحرم فأدى جزاءها ثم ولدت ثم ماتت ومات ~~أولادها: لا شيء عليه؛ لأنه متى أدى جزاءها ملكها فحدثت الأولاد على ملكه. # وروى ابن سماعة عن محمد في رجل أخرج صيدا من الحرم إلى الحل: إن ذبحه. # والانتفاع بلحمه ليس بحرام سواء كان أدى جزاءه أو لم يؤد، غير أني أكره ~~هذا الصنيع، وأحب إلي أن يتنزه عن أكله، أما حل الذبح فلأنه صيد حل في ~~الحال فلا يكون ذبحه حراما. # وأما كراهة هذا الصنيع فلأن الانتفاع به يؤدي إلى استئصال صيد الحرم؛ لأن ~~كل من ms1226 احتاج إلى شيء من ذلك أخذه وأخرجه من الحرم وذبحه وانتفع بلحمه وأدى ~~قيمته، فإن انتفع به فلا شيء عليه؛ لأن الضمان سبب لملك المضمون على أصلنا، ~~فإذا ضمن قيمته فقد ملكه فلا يضمن بالانتفاع به، وإن باعه واستعان # PageV02P209 # بثمنه في جزائه كان له ذلك لأن الكراهة في حق الأكل خاصة. # وكذا إذا قطع شجر الحرم حتى ضمن قيمته يكره له الانتفاع به؛ لأن الانتفاع ~~به يؤدي إلى استئصال شجر الحرم على ما بينا في الصيد ولو اشتراه إنسان من ~~القاطع لا يكره له الانتفاع به؛ لأنه تناوله بعد انقطاع النماء عنه والله ~~الموفق. ### | [فصل نبات الحرم] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى النبات، فكل ما ينبت بنفسه مما لا ينبته الناس عادة ~~وهو رطب وجملة الكلام فيه أن. # نبات الحرم لا يخلو إما أن يكون مما لا ينبته الناس عادة، وإما أن يكون ~~مما ينبته الناس عادة. # فإن كان مما لا ينبته الناس عادة إذا نبت بنفسه وهو رطب فهو محظور القطع ~~والقلع على المحرم والحلال جميعا نحو الحشيش الرطب والشجر الرطب إلا ما فيه ~~ضرورة وهو الإذخر فإن قلعه إنسان أو قطعه فعليه قيمته لله تعالى سواء كان ~~محرما أو حلالا بعد أن كان مخاطبا بالشرائع، والأصل فيه قوله تعالى {أولم ~~يروا أنا جعلنا حرما آمنا} [العنكبوت: 67] أخبر الله تعالى أنه جعل الحرم ~~آمنا مطلقا فيجب العمل بإطلاقه إلا ما قيد بدليل، وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «ألا إن مكة حرام حرمها الله تعالى إلى قوله لا يختلى خلاها ~~ولا يعضد شجرها» نهى عن اختلاء كل خلى وعضد كل شجر فيجرى على عمومه إلا ما ~~خص بدليل وهو الإذخر فإنه روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ساق ~~الحديث إلى قوله «لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها فقال العباس - رضي الله ~~عنه - إلا الإذخر يا رسول الله فإنه متاع لأهل مكة لحيهم وميتهم فقال ~~النبي: - صلى الله عليه وسلم - إلا الإذخر» ، والمعنى فيه ما أشار إليه ~~العباس ms1227 - رضي الله عنه - وهو حاجة أهل مكة إلى ذلك في حياتهم ومماتهم فإن ~~قيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن اختلاء خلى مكة عاما فكيف ~~استثنى الإذخر باستثناء العباس؟ وكان - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن ~~الهوى، وقد قيل في الجواب عنه من وجهين: أحدهما: يحتمل أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان في قلبه هذا الاستثناء إلا أن العباس - رضي الله عنه - ~~سبقه به فأظهر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلسانه ما كان في قلبه، ~~والثاني: يحتمل أن الله تعالى أمره أن يخبر بتحريم كل خلى مكة إلا ما ~~يستثنيه العباس، وذلك غير ممنوع، ويحتمل وجها ثالثا: وهو أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عم القضية بتحريم كل خلى فسأله العباس الرخصة في الإذخر ~~لحاجة أهل مكة ترفيها بهم، فجاءه جبريل - عليه السلام - بالرخصة في الإذخر ~~فقال النبي: - صلى الله عليه وسلم - " إلا الإذخر " فإن قيل: من شرط صحة ~~الاستثناء والتحاقه بالكلام الأول أن يكون متصلا به ذكرا، وهذا منفصل؛ لأنه ~~ذكر بعد انقطاع الكلام الأول، وبعد سؤال العباس - رضي الله عنه - الاستثناء ~~بقوله: إلا الإذخر، والاستثناء المنفصل لا يصح ولا يلحق المستثنى منه، ~~فالجواب أن هذا ليس باستثناء حقيقة وإن كانت صيغته صيغة الاستثناء بل هو ~~إما تخصيص، والتخصيص المتراخي عن العام جائز عند مشايخنا وهو النسخ والنسخ ~~قبل التمكن من الفعل بعد التمكن من الاعتقاد جائز عندنا، والله الموفق. # وإنما يستوي فيه المحرم والحلال؛ لأنه لا فصل في النصوص المقتضية للأمن؛ ~~ولأن حرمة التعرض لأجل الحرم، فيستوي فيه المحرم والحلال، وإذا وجب عليه ~~قيمته فسبيلها سبيل جزاء صيد الحرم أنه إن شاء اشترى بها طعاما يتصدق به ~~على الفقراء على كل فقير نصف صاع من بر، وإن شاء اشترى بها هديا إن بلغت ~~قيمته هديا على رواية الأصل والطحاوي فيذبح في الحرم، ولا يجوز فيه الصوم ~~عندنا خلافا لزفر على ما مر في صيد الحرم. # وإذا أدى قيمته يكره له الانتفاع بالقلوع والمقطوع؛ لأنه ms1228 وصل إليه بسبب ~~خبيث، ولأن الانتفاع به يؤدي إلى استئصال نبات الحرم؛ لأنه إذا احتاج إلى ~~شيء من ذلك يقلع ويقطع ويؤدي قيمته على ما ذكرنا في الصيد، فإن باعه يجوز ~~ويتصدق بثمنه؛ لأنه ثمن مبيع حصل بسبب خبيث، ولا بأس بقلع الشجر اليابس ~~والانتفاع به. # وكذا الحشيش اليابس؛ لأنه قد مات وخرج عن حد النمو، ولا يجوز رعي حشيش ~~الحرم في قول أبي حنيفة ومحمد. # وقال أبو يوسف: لا بأس بالرعي. # وجه قوله: إن الهدايا تحمل إلى الحرم ولا يمكن حفظها من الرعي، فكان فيه ~~ضرورة، ولهما أنه لما منع من التعرض لحشيش الحرم استوى فيه التعرض بنفسه ~~وبإرسال البهيمة عليه؛ لأن فعل البهيمة مضاف إليه كما في الصيد، فإنه لما ~~حرم عليه التعرض لصيده استوى فيه اصطياده بنفسه. # وبإرسال الكلب كذا هذا. # وإن كان مما ينبته الناس عادة من الزروع والأشجار التي ينبتونها فلا بأس ~~بقطعه وقلعه؛ لإجماع # PageV02P210 # الأمة على ذلك، فإن الناس من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~يومنا هذا يزرعون في الحرم ويحصدونه من غير نكير من أحد وكذا ما لا ينبته ~~الناس عادة إذا أنبته أحد، مثل شجرة أم غيلان وشجر الأراك ونحوهما، فلا بأس ~~بقطعه، وإذا قطعه فلا ضمان عليه؛ لأجل الحرم لأنه ملكه بالإنبات فلم يكن من ~~شجر الحرم فصار كالذي ينبته الناس عادة، شجرة أصلها في الحرم وأغصانها في ~~الحل فهي من شجر الحرم، وإن كان أصلها في الحل وأغصانها في الحرم فهي من ~~شجر الحل ينظر في ذلك إلى الأصل لا إلى الأغصان لأن الأغصان تابعة للأصل ~~فيعتبر فيه موضع الأصل لا التابع. # وإن كان بعض أصلها في الحرم والبعض في الحل فهي من شجر الحرم؛ لأنه اجتمع ~~فيه الحظر والإباحة فيرجح الحاظر احتياطا، وهذا بخلاف الصيد فإن المعتبر ~~فيه موضع قوائم الطير إذا كان مستقرا به، فإن كان الطير على غصن هو في ~~الحرم لا يجوز له أن يرميه، وإن كان أصل الشجر في الحل، وإن كان ms1229 على غصن هو ~~في الحل فلا بأس له أن يرميه، وإن كان أصل الشجر في الحرم ينظر إلى مكان ~~قوائم الصيد لا إلى أصل الشجر؛ لأن قوام الصيد بقوائمه حتى لو رمى صيدا ~~قوائمه في الحرم ورأسه في الحل فهو من صيد الحرم لا يجوز للمحرم والحلال أن ~~يقتله. # ولو رمى صيدا قوائمه في الحل ورأسه في الحرم فهو من صيد الحل، ولا بأس ~~للحلال أن يقتله وكذا إذا كان بعض قوائمه في الحرم وبعضها في الحل فهو صيد ~~الحرم ترجيحا لجانب الحرمة احتياطا هذا إذا كان قائما. # فأما إذا نام فجعل قوائمه في الحل ورأسه في الحرم فهو من صيد الحرم؛ لأن ~~القوائم إنما تعتبر إذا كان مستقرا بها وهو غير مستقر بقوائمه بل هو ~~كالملقى على الأرض، وإذا بطل اعتبار القوائم فاجتمع فيه الحاظر والمبيح ~~فيترجح جانب الحاظر احتياطا، ولا بأس بأخذ كمأة الحرم؛ لأن الكمأة ليست من ~~جنس النبات بل هي من ودائع الأرض. # وقال أبو حنيفة: لا بأس بإخراج حجارة الحرم وترابه إلى الحل؛ لأن الناس ~~يخرجون القدور من مكة من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا ~~هذا من غير نكير، ولأنه يجوز استهلاكه باستعماله في الحرم، فيجوز إخراجه ~~إلى الحل، وعن ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما - كراهة ذلك بقوله عز ~~وجل {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا} [العنكبوت: 67] جعل الله تعالى نفس ~~الحرم آمنا؛ ولأن الحرم لما أفاد الأمن لغيره فلأن يفيد لنفسه أولى. # ثم إنما يجب على المحرم اجتناب محظورات الإحرام والحرم وتثبت أحكامها إذا ~~فعل إذا كان مخاطبا بالشرائع. # فأما إذا لم يكن مخاطبا كالصبي العاقل لا يجب ولا يثبت حتى لو فعل شيئا ~~من محظورات الإحرام والحرم فلا شيء عليه ولا على وليه؛ لأن الحرمة بسبب ~~الإحرام، والحرم يثبت حقا لله تعالى، والصبي غير مؤاخذ بحقوق الله تعالى. # ولكن ينبغي للولي أن يجنبه ما يجتنبه المحرم تأدبا وتعودا كما يأمره ~~بالصلاة. # وأما العبد إذا أحرم بإذن مولاه ms1230 فإنه يجب عليه الاجتناب؛ لأنه من أهل ~~الخطاب، فإن فعل شيئا من المحظورات فإن كان مما يجوز فيه الصوم يصوم، وإن ~~كان مما لا يجوز فيه إلا الفدية أو الإطعام لا يجب عليه ذلك في الحال، ~~وإنما يجب بعد العتق ولو فعل في حال الرق لا يجوز؛ لأنه لا ملك له. # وكذا لو فعل عنه مولاه أو غيره؛ لأنه ليس من أهل الملك فلا يملك، وإن ~~ملك. # وإذا فرغنا من فصول الإحرام وما يتصل به فلنرجع إلى ما كنا فيه، وهو بيان ~~شرائط الأركان، وقد ذكرنا جملة منها فمنها: الإسلام ومنها: العقل ومنها: ~~النية ومنها: الإحرام، وقد ذكرناه بجميع فصوله وعلائقه وما اتصل به ومنها:. # الوقت فلا يجوز الوقوف بعرفة قبل يوم عرفة، ولا طواف الزيارة قبل يوم ~~النحر، ولا أداء شيء من أفعال الحج قبل وقته؛ لأن الحج عبادة مؤقتة قال ~~الله تعالى {الحج أشهر معلومات} [البقرة: 197] والعبادات المؤقتة لا يجوز ~~أداؤها قبل أوقاتها كالصلاة والصوم. # وكذا إذا فات الوقوف بعرفة عن وقته الذي ذكرناه فيما تقدم لا يجوز الوقوف ~~في يوم آخر، ويفوت الحج في تلك السنة إلا لضرورة الاشتباه استحسانا بأن ~~اشتبه عليهم هلال ذي الحجة فوقفوا ثم تبين أنهم وقفوا يوم النحر على ما ~~ذكرنا فيما تقدم، وأما طواف الزيارة إذا فات عن أيام النحر فإنه يجوز في ~~غيرها لكن يلزمه الدم في قول أبي حنيفة بالتأخير على ما مر وأشهر الحج شوال ~~وذو القعدة وعشر من ذي الحجة كذا روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم ~~- منهم: عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير - رضي الله ~~عنهم - وكذا روي عن جماعة من التابعين مثل الشعبي ومجاهد وإبراهيم وينبني ~~أيضا على معرفة أشهر الحج الإحرام بالحج قبل أشهر الحج وقد ذكرنا # PageV02P211 # الاختلاف فيه فيما تقدم. # ومنها إذا أمن عليه بنفسه حال قدرته على الأداء بنفسه، فلا يجوز استنابة ~~غيره مع. # قدرته على الحج بنفسه، وجملة الكلام فيه أن العبادات في ms1231 الشرع أنواع ~~ثلاثة:. # مالية محضة: كالزكاة والصدقات والكفارات والعشور. # وبدنية محضة: كالصلاة والصوم والجهاد. # ومشتملة على البدن والمال: كالحج، فالمالية المحضة تجوز فيها النيابة على ~~الإطلاق وسواء كان من عليه قادرا على الأداء بنفسه أو لا؛ لأن الواجب فيها ~~إخراج المال وأنه يحصل بفعل النائب، والبدنية المحضة لا تجوز فيها النيابة ~~على الإطلاق لقوله عز وجل {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39] إلا ما ~~خص بدليل وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي ~~أحد عن أحد» أي: في حق الخروج عن العهدة لا في حق الثواب، فإن من صام أو ~~صلى أو تصدق وجعل ثوابه لغيره من الأموات أو الأحياء جاز ويصل ثوابها إليهم ~~عند أهل السنة والجماعة وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أنه ~~ضحى بكبشين أملحين: أحدهما: عن نفسه، والآخر: عن أمته ممن آمن بوحدانية ~~الله تعالى وبرسالته» - صلى الله عليه وسلم - وروي «أن سعد بن أبي وقاص - ~~رضي الله عنه - سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله: ~~إن أمي كانت تحب الصدقة أفأتصدق عنها؟ فقال النبي: - صلى الله عليه وسلم - ~~تصدق» وعليه عمل المسلمين من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~يومنا هذا من زيارة القبور وقراءة القرآن عليها والتكفين والصدقات والصوم ~~والصلاة وجعل ثوابها للأموات، ولا امتناع في العقل أيضا لأن إعطاء الثواب ~~من الله تعالى إفضال منه لا استحقاق عليه، فله أن يتفضل على من عمل لأجله ~~بجعل الثواب له كما له أن يتفضل بإعطاء الثواب من غير عمل رأسا. # وأما المشتملة على البدن والمال - وهي الحج - فلا يجوز فيها النيابة عند ~~القدرة، ويجوز عند العجز، والكلام فيه يقع في مواضع في جواز. # النيابة في الحج في الجملة، وفي بيان كيفية النيابة فيه، وفي بيان شرائط ~~جواز النيابة، وفي بيان ما يصير النائب به مخالفا وبيان حكمه إذا خالف، أما ~~الأول: فالدليل على الجواز حديث الخثعمية، وهو ما روي ms1232 «أن امرأة جاءت من ~~بني خثعم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالت يا رسول الله إن ~~فريضة الحج أدركت أبي، وإنه شيخ كبير لا يثبت على الراحلة، وفي رواية لا ~~يستمسك على الراحلة أفيجزيني أن أحج عنه؟ فقال: - صلى الله عليه وسلم - حجي ~~عن أبيك واعتمري، وفي رواية قال لها: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه ~~أما كان يقبل منك؟ قالت: نعم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فدين الله ~~تعالى أحق» ، ولأنه عبادة تؤدى بالبدن والمال فيجب اعتبارهما ولا يمكن ~~اعتبارهما في حالة واحدة؛ لتناف بين أحكامهما فنعتبرهما في حالين، فنقول لا ~~تجوز النيابة فيه عند القدرة اعتبارا للبدن، وتجوز عند العجز اعتبارا للمال ~~عملا بالمعنيين في الحالين. # وأما كيفية النيابة فيه، فذكر في الأصل أن الحج يقع عن المحجوج عنه، وروي ~~عن محمد أن نفس الحج يقع عن الحاج، وإنما للمحجوج عنه ثواب النفقة. # وجه رواية محمد أنه عبادة بدنية ومالية والبدن للحاج، والمال للمحجوج عنه ~~فما كان من البدن لصاحب البدن، وما كان بسبب المال يكون لصاحب المال، ~~والدليل عليه أنه لو ارتكب شيئا من محظورات الإحرام فكفارته في ماله لا في ~~مال المحجوج عنه. # وكذا لو أفسد الحج يجب عليه القضاء فدل أن نفس الحج يقع له إلا أن الشرع ~~أقام ثواب نفقة الحج في حق العاجز عن الحج بنفسه مقام الحج بنفسه نظرا له ~~ومرحمة عليه. # وجه رواية الأصل ما روينا من حديث الخثعمية حيث قال لها النبي: - صلى ~~الله عليه وسلم - «حجي عن أبيك» أمرها بالحج عن أبيها. # ولولا أن حجها يقع عن أبيها لما أمرها بالحج عنه، ولأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قاس دين الله تعالى بدين العباد بقوله: «أرأيت لو كان على أبيك ~~دين؟» وذلك تجزئ فيه النيابة ويقوم فعل النائب مقام فعل المنوب عنه كذا ~~هذا، والدليل عليه أن الحاج يحتاج إلى نية المحجوج عنه كذا الإحرام، ولو لم ~~يقع نفس الحج عنه لكان لا يحتاج إلى ms1233 نيته والله أعلم. # وأما شرائط جواز النيابة فمنها: أن يكون المحجوج عنه عاجزا عن أداء الحج ~~بنفسه وله مال فإن كان قادرا على الأداء بنفسه بأن كان صحيح البدن وله مال ~~لا يجوز حج غيره عنه؛ لأنه إذا كان قادرا على الأداء ببدنه وله مال، فالفرض ~~يتعلق ببدنه لا بماله، بل المال يكون شرطا وإذا تعلق الفرض ببدنه لا تجزئ ~~فيه النيابة كالعبادات البدنية المحضة. # وكذا لو كان فقيرا صحيح البدن لا يجوز حج # PageV02P212 # غيره عنه؛ لأن المال من شرائط الوجوب فإذا لم يكن له مال لا يجب عليه ~~أصلا فلا ينوب عنه غيره في أداء الواجب ولا واجب. # ومنها: العجز المستدام من وقت الإحجاج إلى وقت الموت، فإن زال قبل الموت ~~لم يجز حج غيره عنه؛ لأن جواز حج الغير عن الغير ثبت بخلاف القياس لضرورة ~~العجز الذي لا يرجى زواله فيتقيد الجواز به، وعلى هذا يخرج المريض أو ~~المحبوس إذا أحج عنه أن جوازه موقوف إن مات - وهو مريض أو محبوس - جاز وإن ~~زال المرض أو الحبس قبل الموت لم يجز والإحجاج من الزمن والأعمى على أصل ~~أبي حنيفة جائز؛ لأن الزمانة والعمى لا يرجى زوالهما عادة فوجد الشرط - وهو ~~العجز المستدام - إلى وقت الموت ومنها: الأمر بالحج فلا يجوز حج الغير عنه ~~بغير أمره؛ لأن جوازه بطريق النيابة عنه، والنيابة لا تثبت إلا بالأمر إلا ~~الوارث يحج عن مورثه بغير أمره، فإنه يجوز إن شاء الله تعالى بالنص، ولوجود ~~الأمر هناك دلالة على ما نذكر - إن شاء الله تعالى -، ومنها: نية المحجوج ~~عنه عند الإحرام؛ لأن النائب يحج عنه لا عن نفسه، فلا بد من نيته، والأفضل ~~أن يقول بلسانه لبيك عن فلان كما إذا حج عن نفسه، ومنها: أن يكون حج ~~المأمور بمال المحجوج عنه، فإن تطوع الحاج عنه بمال نفسه لم يجز عنه حتى ~~يحج بماله. # وكذا إذا كان أوصى أن يحج عنه بماله ومات، فتطوع عنه وارثه بمال نفسه؛ ~~لأن الفرض تعلق بماله فإذا ms1234 لم يحج بماله لم يسقط عنه الفرض؛ ولأن مذهب محمد ~~أن نفس الحج يقع للحاج، وإنما للمحجوج عنه ثواب النفقة، فإذا لم ينفق من ~~ماله فلا شيء له رأسا، ومنها: الحج راكبا حتى لو أمره بالحج فحج ماشيا يضمن ~~النفقة ويحج عنه راكبا؛ لأن المفروض عليه هو الحج راكبا فينصرف مطلق الأمر ~~بالحج إليه فإذا حج ماشيا فقد خالف فيضمن، وسواء كان الحاج قد حج عن نفسه، ~~أو كان صرورة أنه يجوز في الحالين جميعا إلا أن الأفضل أن يكون قد حج عن ~~نفسه. # وقال الشافعي: لا يجوز حج الصرورة عن غيره ويقع حجه عن نفسه ويضمن ~~النفقة، واحتج بما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا يلبي ~~عن شبرمة قال له - صلى الله عليه وسلم -: ومن شبرمة؟ فقال: أخ لي أو صديق ~~لي فقال - صلى الله عليه وسلم - أحججت عن نفسك؟ فقال: لا فقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: حج عن نفسك ثم عن شبرمة» فالاستدلال به من وجهين: أحدهما أنه ~~سأله عن حجه عن نفسه. # ولولا أن الحكم يختلف لم يكن لسؤاله معنى، والثاني: أنه أمره بالحج عن ~~نفسه أولا ثم عن شبرمة، فدل أنه لا يجوز الحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه؛ ~~ولأن حجه عن نفسه فرض عليه، وحجه عن غيره ليس بفرض، فلا يجوز ترك الفرض بما ~~ليس بفرض، ولنا حديث الخثعمية " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها ~~حجي عن أبيك، ولم يستفسر أنها كانت حجت عن نفسها أو كانت صرورة. # ولو كان الحكم يختلف لاستفسر؛ ولأن الأداء عن نفسه لم يجب في وقت معين ~~فالوقت كما يصلح لحجه عن نفسه يصلح لحجه عن غيره، فإذا عينه لحجه عن غيره ~~وقع عنه؛ ولهذا قال أصحابنا: إن الصرورة إذا حج بنية النفل أنه يقع عن ~~النفل؛ لأن الوقت لم يتعين للفرض بل يقبل الفرض والنفل، فإذا عينه للنفل ~~تعين له إلا أن عند إطلاق النية يقع عن الفرض؛ لوجود نية الفرض ms1235 بدلالة حاله ~~إذ الظاهر أنه لا يقصد النفل، وعليه الفرض فانصرف المطلق إلى المقيد بدلالة ~~حاله لكن الدلالة إنما تعتبر عند عدم النص بخلافها فإذا نوى التطوع، فقد ~~وجد النص بخلافها فلا تعتبر الدلالة إلا أن الأفضل أن يكون قد حج عن نفسه؛ ~~لأنه بالحج عن غيره يصير تاركا إسقاط الفرض عن نفسه، فيتمكن في هذا الإحجاج ~~ضرب كراهة، ولأنه إذا كان حج مرة كان أعرف بالمناسك. # وكذا هو أبعد عن محل الخلاف فكان أفضل، والحديث محمول على الأفضلية ~~توفيقا بين الدلائل، وسواء كان رجلا أو امرأة إلا أنه يكره إحجاج المرأة، ~~لكنه يجوز أما الجواز فلحديث الخثعمية. # وأما الكراهة فلأنه يدخل في حجها ضرب نقصان؛ لأن المرأة لا تستوفي سنن ~~الحج فإنها لا ترمل في الطواف وفي السعي بين الصفا والمروة ولا تحلق، وسواء ~~كان حرا أو عبدا بإذن المولى لكنه يكره إحجاج العبد أما الجواز فلأنه يعمل ~~بالنيابة، وما تجوز فيه النيابة يستوي فيه الحر والعبد كالزكاة ونحوها. # وأما الكراهة فلأنه ليس من أهل أداء الفرض عن نفسه فيكره أداؤه عن غيره ~~والله الموفق. # وأما بيان ما يصير به المأمور بالحج مخالفا، وبيان حكمه إذا خالف فنقول: ~~إذا أمر بحجة مفردة أو بعمرة مفردة فقرن فهو مخالف ضامن في قول # PageV02P213 # أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد: يجزي ذلك عن الآمر نستحسن وندع القياس ~~فيه، ولا يضمن فيه دم القران على الحاج. # وجه قولهما أنه فعل المأمور به وزاد خيرا فكان مأذونا في الزيادة دلالة، ~~فلم يكن مخالفا كمن قال لرجل: اشتر لي هذا العبد بألف درهم فاشتراه ~~بخمسمائة أو قال: بع هذا العبد بألف درهم، فباعه بألف وخمسمائة يجوز، وينفذ ~~على الآمر لما قلنا كذا هذا، وعليه دم القران؛ لأن الحاج إذا قرن بإذن ~~المحجوج عنه كان الدم على الحاج لما نذكر، ولأبي حنيفة أنه لم يأت بالمأمور ~~به؛ لأنه أمر بسفر يصرفه إلى الحج لا غير، ولم يأت به فقد خالف أمر الآمر ~~فضمن. # ولو أمره أن ms1236 يحج عنه فاعتمر ضمن؛ لأنه خالف ولو اعتمر ثم حج من مكة يضمن ~~النفقة في قولهم؛ جميعا لأمره به بالحج، بسفر وقد أتى بالحج من غير سفر؛ ~~لأنه صرف سفره الأول إلى العمرة، فكان مخالفا فيضمن النفقة. # ولو أمره بالحج عنه فجمع بين إحرام الحج والعمرة فأحرم بالحج عنه وأحرم ~~بالعمرة عن نفسه فحج عنه واعتمر عن نفسه صار مخالفا في ظاهر الرواية عن أبي ~~حنيفة وعن أبي يوسف أنه يقسم النفقة على الحج والعمرة ويطرح عن الحج ما ~~أصاب العمرة، ويجوز ما أصاب الحج. # وجه رواية أبي يوسف أن المأمور فعل ما أمر به - وهو الحج - عن الآمر ~~وزاده إحسانا حيث أسقط عنه بعض النفقة. # وجه ظاهر الرواية أنه أمره بصرف كل السفر إلى الحج، ولم يأت به؛ لأنه أدى ~~بالسفر حجا عن الآمر وعمرة عن نفسه فكان مخالفا وبه تبين أنه فعل ما أمر ~~به، وقوله: (أنه أحسن إليه حيث أسقط عنه بعض النفقة) غير سديد؛ لأن غرض ~~الآمر في الحج عن الغير هو ثواب النفقة فإسقاطه لا يكون إحسانا، بل يكون ~~إساءة ولو أمره أن يعتمر فأحرم بالعمرة واعتمر ثم أحرم بالحج بعد ذلك، وحج ~~عن نفسه لم يكن مخالفا؛ لأنه فعل ما أمر به وهو أداء العمرة بالسفر، وإنما ~~فعل بعد ذلك الحج فاشتغاله به كاشتغاله بعمل آخر من التجارة وغيرها إلا أن ~~النفقة مقدار مقامه للحج من ماله؛ لأنه عمل لنفسه وروى ابن سماعة عن محمد - ~~رحمه الله - في الرقيات إذا حج عن الميت وطاف لحجه وسعى ثم أضاف إليه عمرة ~~عن نفسه لم يكن مخالفا؛ لأن هذه العمرة واجبة الرفض؛ لوقوعها على مخالفة ~~السنة على ما ذكرنا في فصل القران، فكان وجودها والعدم بمنزلة واحدة. # ولو كان جمع بينهما ثم أحرم بهما ثم لم يطف حتى وقف بعرفة ورفض العمرة لم ~~ينفعه ذلك، وهو مع ذلك مخالف؛ لأنه لما أحرم بهما جميعا فقد صار مخالفا في ~~ظاهر الرواية على ما ذكرنا فوقعت الحجة عن ms1237 نفسه فلا يحتمل التغيير بعد ذلك ~~برفض العمرة. # ولو أمره رجل أن يحج عنه حجة وأمره رجل آخر أن يحج عنه فأحرم بحجة فهذا ~~لا يخلو عن أحد وجهين:. # إما إن أحرم بحجة عنهما جميعا، وإما إن أحرم بحجة عن أحدهما، فإن أحرم ~~بحجة عنهما جميعا فهو مخالف، ويقع الحج عنه ويضمن النفقة لهما إن كان أنفق ~~من مالهما؛ لأن كل واحد منهما أمره بحج تام ولم يفعل، فصار مخالفا لأمرهما ~~فلم يقع حجه عنهما فيضمن لهما؛ لأن كل واحد منهما لم يرض بإنفاق ماله ~~فيضمن، وإنما وقع الحج عن الحاج؛ لأن الأصل أن يقع كل فعل عن فاعله. # وإنما يقع لغيره بجعله، فإذا خالف لم يصر لغيره فبقي فعله له. # ولو أراد أن يجعله لأحدهما لم يملك ذلك بخلاف الابن إذا أحرم بحجة عن ~~أبويه أنه يجزئه أن يجعله عن أحدهما؛ لأن الابن غير مأمور بالحج عن الأبوين ~~فلا تتحقق مخالفة الآمر، وإنما جعل ثواب الحج الواقع عن نفسه في الحقيقة ~~لأبويه، وكان من عزمه أن يجعل ثواب حجه لهما ثم نقض عزمه وجعله لأحدهما ~~وههنا بخلافه؛ لأن الحاج متصرف بحكم الآمر، وقد خالف أمرهما فلا يقع حجه ~~لهما ولا لأحدهما، وإن أحرم بحجة عن أحدهما فإن أحرم لأحدهما عينا وقع الحج ~~عن الذي عينه، ويضمن النفقة للآخر، وهذا ظاهر. # وإن أحرم بحجة عن أحدهما غير عين، فله أن يجعلها عن أحدهما أيهما شاء ما ~~لم يتصل بها الأداء في قول أبي حنيفة ومحمد استحسانا، والقياس أن لا يجوز ~~له ذلك ويقع الحج عن نفسه ويضمن النفقة لهما. # وجه القياس أنه خالف الأمر؛ لأنه أمر بالحج لمعين، وقد حج لمبهم، والمبهم ~~غير المعين فصار مخالفا ويضمن النفقة، ويقع الحج عن نفسه لما ذكرنا بخلاف ~~ما إذا أحرم الابن بالحج عن أحد أبويه أنه يصح، وإن لم يكن معينا لما ذكرنا ~~أن الابن في حجه لأبويه ليس متصرفا بحكم الآمر حتى يصير مخالفا للآمر بل هو ~~يحج عن نفسه، ثم ms1238 يجعل ثواب حجه لأحدهما وذلك جائز. # وههنا بخلافه. # وجه الاستحسان أنه قد صح من أصل أصحابنا أن الإحرام ليس # PageV02P214 # من الأداء بل هو شرط جواز أداء أفعال الحج، فيقتضي تصور الأداء، والأداء ~~متصور بواسطة التعيين، فإذا جعله عن أحدهما قبل أن يتصل به شيء من أفعال ~~الحج تعين له فيقع عنه، فإن لم يجعلها عن أحدهما حتى طاف شوطا ثم أراد أن ~~يجعلها عن أحدهما لم تجز عن واحد منهما؛ لأنه إذا اتصل به الأداء تعذر ~~تعيين القدر المؤدى؛ لأن المؤدى قد مضى وانقضى، فلا يتصور تعيينه فيقع عن ~~نفسه، وصار إحرامه واقعا له لاتصال الأداء به. # وإن أمره أحدهما بحجة، وأمره الآخر بعمرة فإن أذنا له بالجمع - وهو ~~القران - فجمع جاز؛ لأنه أمر بسفر ينصرف بعضه إلى الحج وبعضه إلى العمرة، ~~وقد فعل ذلك فلم يصر مخالفا، وإن لم يأذنا له بالجمع فجمع ذكر الكرخي أنه ~~يجوز وذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي أنه لا يجوز على قول أبي حنيفة؛ ~~لأنه خالف لأنه أمر بسفر ينصرف كله إلى الحج، وقد صرفه إلى: الحج والعمرة ~~فصار مخالفا، وإنما يصح هذا على ما روي عن أبي يوسف أن من حج عن غيره ~~واعتمر عن نفسه جاز. # ولو أمره أن يحج عنه فحج عنه ماشيا يضمن؛ لأنه خالف لأن الأمر بالحج ~~ينصرف إلى الحج المتعارف في الشرع - وهو الحج راكبا - لأن الله تعالى أمر ~~بذلك، فعند الإطلاق ينصرف إليه فإذا حج ماشيا فقد خالف فيضمن لما قلنا، ~~ولأن الذي يحصل للآمر من الأمر بالحج هو ثواب النفقة، والنفقة في الركوب ~~أكثر فكان الثواب فيه أوفر؛ ولهذا قال محمد: إن حج على حمار كرهت له ذلك، ~~والجمل أفضل؛ لأن النفقة في ركوب الجمل أكثر فكان حصول المقصود فيه أكمل ~~فكان أولى. # وإذا فعل المأمور بالحج ما يوجب الدم أو غيره فهو عليه ولو قرن عن الآمر ~~بأمره فدم القران عليه، والحاصل أن جميع الدماء المتعلقة بالإحرام في مال ~~الحاج إلا دم الإحصار خاصة، ms1239 فإنه في مال المحجوج عنه كذا ذكر القدوري في ~~شرحه مختصر الكرخي دم الإحصار ولم يذكر الاختلاف وكذا ذكر القاضي في شرحه ~~مختصر الطحاوي، ولم يذكر الخلاف. # وذكر في بعض نسخ الجامع الصغير أنه على الحاج عند أبي يوسف أما ما يجب ~~بالجناية؛ فلأنه هو الذي جنى، فكان عليه الجزاء؛ ولأنه أمر بحج خال عن ~~الجناية، فإذا جنى فقد خالف فعليه ضمان الخلاف. # وأما دم القران فلأنه دم نسك؛ لأنه يجب شكرا، وسائر أفعال النسك، على ~~الحاج فكذا هذا النسك وأما دم الإحصار فلأن المحجوج عنه هو الذي أدخله في ~~هذه العهدة فكان من جنس النفقة والمؤنة، وذلك عليه كذا هذا. # ، فإن جامع الحاج عن غيره قبل الوقوف بعرفة فسد حجه ويمضي فيه والنفقة في ~~ماله، ويضمن ما أنفق من مال المحجوج عنه قبل ذلك وعليه القضاء من مال نفسه، ~~أما فساد الحج فلأن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج لما نذكر - إن شاء ~~الله تعالى - في موضعه، والحجة الفاسدة يجب المضي فيها. # ويضمن ما أنفق من مال المحجوج عنه قبل ذلك وعليه القضاء من مال نفسه، ~~ويضمن ما أنفق من مال الآمر قبل ذلك؛ لأنه خالف لأنه أمره بحجة - صحيحة وهي ~~الخالية عن الجماع - ولم يفعل ذلك فصار مخالفا فيضمن ما أنفق وما بقي ينفق ~~فيه من ماله؛ لأن الحج وقع له ويقضي؛ لأن من أفسد حجه يلزمه قضاؤه فإن فاته ~~الحج يصنع ما يصنع فائت الحج بعد شروعه فيه وسنذكره في موضعه - إن شاء الله ~~- ولا يضمن النفقة لأنه فاته بغير صنعه فلم يوجد منه الخلاف فلا يجب الضمان ~~وعليه عن نفسه الحج من قابل؛ لأن الحجة قد وجبت عليه بالشروع فإذا فاتت ~~لزمه قضاؤها وهذا على قول محمد ظاهر؛ لأن الحج عنده يقع عن الحاج. # وقالوا فيمن حج عن غيره فمرض في الطريق: لم يجز له أن يدفع النفقة إلى من ~~يحج عن الميت إلا أن يكون أذن له في ذلك؛ لأنه مأمور بالحج لا بالإحجاج كأن ms1240 ~~لم يبلغ المال المدفوع إليه النفقة. # فأنفق من مال نفسه ومال الآمر ينظر، فإن بلغ مال الآمر الكراء وعامة ~~النفقة فالحج عن الميت لا يكون مخالفا وإلا فهو ضامن، ويكون الحج عن نفسه ~~ويرد المال، والأصل فيه أن يعتبر الأكثر ويجعل الأقل تبعا للأكثر وقليل ~~الإنفاق من مال نفسه مما لا يمكن التحرز عنه من شربة ماء، أو قليل زاد فلو ~~اعتبر القليل مانعا من وقوع الحج عن الآمر يؤدي إلى سد باب الإحجاج فلا ~~يعتبر ويعتبر الكثير. # ولو أحج رجلا يؤدي الحج ويقيم بمكة جاز؛ لأن فرض الحج صار مؤديا بالفراغ ~~عن أفعاله. # والأفضل أن يحج ثم يعود إليه، لأن الحاصل للآمر ثواب النفقة، فمهما كانت ~~النفقة أكثر كان الثواب أكثر وأوفر، وإذا فرغ المأمور بالحج من الحج ونوى ~~الإقامة خمسة عشر يوما فصاعدا أنفق من مال نفسه # PageV02P215 # لأن نية الإقامة قد صحت فصار تاركا للسفر فلم يكن مأذونا بالإنفاق من مال ~~الآمر. # ولو أنفق ضمن؛ لأنه أنفق مال غيره بغير إذنه فإن أقام بها أياما من غير ~~نية الإقامة فقد قال أصحابنا إنه إن أقام إقامة معتادة فالنفقة في مال ~~المحجوج عنه، وإن زاد على المعتاد فالنفقة من ماله حتى قالوا: إذا أقام بعد ~~الفراغ من الحج ثلاثة أيام ينفق من مال الآمر، وإن زاد ينفق من مال نفسه ~~وقالوا في الخراساني: إذا جاء حاجا عن غيره فدخل بغداد فأقام بها إقامة ~~معتادة مقدار ما يقيم الناس بها عادة فالنفقة في مال المحجوج عنه، وإن أقام ~~أكثر من ذلك فالنفقة في ماله، وهذا كان في زمانهم؛ لأنه كان زمان أمن يتمكن ~~الحاج من الخروج من مكة وحده أو مع نفر يسير، فقدروا مدة الإقامة بها بعد ~~الفراغ من الحج كما أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - للمهاجر أن يقيم ~~بمكة. # فأما في زماننا فلا يمكن الخروج للأفراد والآحاد ولا لجماعة قليلة من مكة ~~إلا مع القافلة فما دام منتظرا خروج القافلة فنفقته في مال المحجوج عنه ~~وكذا هذا ms1241 في إقامته ببغداد أنه ما دام منتظرا لخروج القافلة، فالنفقة في ~~مال الآمر لتعذر سبقه بالخروج لما فيه من تعريض المال والنفس للهلاك ~~فالتعويل في الذهاب والإياب على ذهاب القافلة وإيابها. # فإن نوى إقامة خمسة عشر يوما فصاعدا حتى سقطت نفقته من مال الآمر ثم رجع ~~بعد ذلك هل تعود نفقته في مال الآمر؟ ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي أنه ~~تعود، ولم يذكر الخلاف وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن على قول محمد ~~تعود، وهو ظاهر الرواية. # وعند أبي يوسف لا تعود، وهذا إذا لم يكن اتخذ مكة دارا فأما إذا اتخذها ~~دارا ثم عاد لا تعود النفقة في مال الآمر بلا خلاف. # وجه قول أبي يوسف أنه إذا نوى الإقامة خمسة عشر يوما فصاعدا فقد انقطع ~~حكم السفر فلا تعود بعد ذلك كما لو اتخذ مكة دارا. # وجه ظاهر الرواية أن الإقامة ترك السفر لا قطعها، والمتروك يعود، فأما ~~اتخاذ مكة دارا والتوطن بها فهو قطع السفر، والمنقطع لا يعود. # ولو تعجل المأمور بالحج ليكون شهر رمضان بمكة، فدخل محرما في شهر رمضان ~~أو في ذي القعدة فنفقته في مال نفسه إلى عشر الأضحى فإذا جاء عشر الأضحى ~~أنفق من مال الآمر كذا روى هشام عن محمد؛ لأن المقام بمكة قبل الوقت الذي ~~يدخلها الناس لا يحتاج إليه لأداء المناسك غالبا، فلا تكون هذه الإقامة ~~مأذونا فيها كالإقامة بعد الفراغ من الحج أكثر من المعتاد، ولا يكون بما ~~عجل مخالفا؛ لأن الآمر ما عين له وقتا. # ، والتجارة والإجارة لا يمنعان جواز الحج، ويجوز حج التاجر والأجير ~~والمكاري، لقوله عز وجل {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} [البقرة: ~~198] قيل: الفضل التجارة، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يتحرجون من التجارة ~~في عشر ذي الحجة، فلما كان الإسلام امتنع أهل الإسلام عن التجارة خوفا من ~~أن يضر ذلك حجهم، فرخص الله سبحانه وتعالى لهم طلب الفضل في الحج بهذه ~~الآية وروي أن «رجلا سأل ابن عمر - رضي الله ms1242 عنه - فقال: إنا قوم نكرى، ~~ونزعم أن ليس لنا حج فقال: ألستم تحرمون؟ قالوا: بلى قال: فأنتم حجاج جاء ~~رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عما سألتني عنه فقرأ هذه الآية ~~{ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} [البقرة: 198] » ؛ ولأن التجارة ~~والإجارة لا يمنعان من أركان الحج وشرائطها، فلا يمنعان من الجواز والله ~~أعلم. ### | [فصل بيان ما يفسد الحج] # (فصل) : # وأما بيان ما يفسد الحج وبيان حكمه إذا فسد، أما الأول فالذي يفسد الحج. # الجماع لكن عند وجود شرطه، فيقع الكلام فيه في موضعين في بيان أن الجماع ~~يفسد الحج في الجملة، وفي بيان شرط كونه مفسدا، أما الأول فالدليل عليه ما ~~روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم قالوا فيمن جامع امرأته - ~~وهما محرمان - مضيا في إحرامهما وعليهما هدي ويقضيان من قابل ويفترقان؛ ~~ولأن الجماع في نهاية الارتفاق بمرافق المقيمين، فكان في نهاية الجناية على ~~الإحرام، فكان مفسدا للإحرام. # (وأما) شرط كونه مفسدا فشيئان:. # أحدهما: أن يكون الجماع في الفرج حتى لو جامع فيما دون الفرج أو لمس ~~بشهوة أو عانق أو قبل أو باشر لا يفسد حجه؛ لانعدام الارتفاق البالغ لكن ~~تلزمه الكفارة سواء أنزل أو لم ينزل لوجود استمتاع مقصود على ما بينا فيما ~~تقدم وفرقنا بين اللمس والنظر عن شهوة. # ولو وطئ بهيمة لا يفسد حجه؛ لما قلنا ولا كفارة عليه إلا إذا؛ أنزل لأنه ~~ليس باستمتاع مقصود بخلاف الجماع فيما دون الفرج. # وأما الوطء في الموضع المكروه فأما على أصلهما يفسد الحج؛ لأنه في معنى ~~الجماع # PageV02P216 # في القبل عندهما حتى قالوا بوجوب الحد، وعن أبي حنيفة فيه روايتان في ~~رواية يفسد؛ لأنه مثل الوطء في القبل في قضاء الشهوة، ويوجب الاغتسال من ~~غير إنزال وفي رواية لا يفسد؛ لعدم كمال الارتفاق؛ لقصور قضاء الشهوة فيه ~~لسوء المحل، فأشبه الجماع فيما دون الفرج؛ ولهذا قال محمد - رحمه الله -: ~~إنه لا يجب الحد، والثاني أن يكون قبل الوقوف بعرفة فإن كان بعد ms1243 الوقوف بها ~~لا يفسد الحج عندنا وعند، الشافعي هذا ليس بشرط ويفسد الحج قبل الوقوف ~~وبعده، (وجه) قوله إن الجماع إنما عرف مفسدا للحج لكونه مفسدا للإحرام، ~~والإحرام بعد الوقوف باق لبقاء ركن الحج - وهو طواف الزيارة - ولا يتصور ~~بقاء الركن بدون الإحرام فصار الحال بعد الوقوف كالحال قبل،. # (ولنا) أن الركن الأصلي للحج هو الوقوف بعرفة؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «الحج عرفة» أي: الوقوف بعرفة، فمن وقف بعرفة فقد تم حجه أخبر ~~عن تمام الحج بالوقوف، ومعلوم أنه ليس المراد منه التمام الذي هو ضد ~~النقصان؛ لأن ذا لا يثبت بنفس الوقوف فعلم أن المراد منه خروجه عن احتمال ~~الفساد والفوات، ولأن الوقوف ركن مستقل بنفسه وجودا وصحة لا يقف وجوده ~~وصحته على الركن الآخر وما وجد ومضى على الصحة لا يبطل إلا بالردة، ولم ~~توجد وإذا لم يفسد الماضي لا يفسد الباقي؛ لأن فساده بفساده ولكن يلزمه ~~بدنة لما نذكره. # ويستوي في فساد الحج بالجماع الرجل والمرأة؛ لاستوائهما في المعنى الموجب ~~للفساد، وهو ما بينا ولما ذكرنا أن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - ~~أفتوا بفساد حجهما حيث أوجبوا القضاء عليهما ويستوي فيه العامد والخاطئ ~~والذاكر والناسي عند أصحابنا وقال الشافعي: لا يفسده الخطأ والنسيان. # والكلام فيه بناء على أصل ذكرناه غير مرة، وهو أن فساد الحج لا يثبت إلا ~~بفعل محظور فزعم الشافعي أن الحظر لا يثبت مع الخطأ والنسيان، وقلنا نحن: ~~يثبت وإنما المرفوع هو المؤاخذة عليهما على ما ذكرنا فيما تقدم ويستوي فيه ~~الطوع والإكراه لأن الإكراه؛ لا يزيل الحظر، ولو كانت المرأة مكرهة فإنها ~~لا ترجع بما لزمها على المكره؛ لأنه حصل لها استمتاع بالجماع فلا ترجع على ~~أحد كالمغرور. # إذا وطئ الجارية ولزمه الغرم أنه لا يرجع به على الغارم كذا هذا ويستوي ~~فيه كون المرأة المحرمة مستيقظة أو نائمة حتى يفسد حجها في الحالين سواء ~~كان المجامع لها محرما أو حلالا؛ لأن النائمة في معنى الناسية، والنسيان لا ~~يمنع فساد ms1244 الحج كذا النوم، ويستوي فيه كون المجامع عاقلا بالغا أو مجنونا ~~أو صبيا بعد أن كانت المرأة المحرمة عاقلة بالغة حتى يفسد حجها؛ لأن ~~التمكين محظور عليها. # (وأما) بيان حكمه إذا فسد ففساد الحج يتعلق به أحكام: منها وجوب الشاة ~~عندنا وقال الشافعي: وجوب بدنة (وجه) قوله إن الجماع بعد الوقوف إنما أوجب ~~البدنة لتغليظ الجناية، والجناية قبل الوقوف أغلظ؛ لوجودها حال قيام ~~الإحرام المطلق لبقاء ركني الحج وبعد الوقوف لم يبق إلا أحدهما، فلما وجبت ~~البدنة بعد الوقوف فلأن تجب قبله أولى، ولنا ما روي عن ابن عباس - رضي الله ~~عنه - أنه قال: البدنة في الحج في موضعين أحدهما: إذا طاف للزيارة جنبا ~~ورجع إلى أهله ولم يعد، والثاني: إذا جامع بعد الوقوف، وروينا عن جماعة من ~~الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: وعليهما هدي واسم، الهدي وإن كان ~~يقع على الغنم والإبل والبقر لكن الشاة أدنى، والأدنى متيقن به فحمله على ~~الغنم أولى على أنه روينا «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن ~~الهدي فقال أدناه شاة» ويجزئ فيه شركة في جزور أو، بقرة، لما روي " أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أشرك بين أصحابه - رضي الله عنهم - في البدن ~~عام الحديبية فذبحوا البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة " واعتباره بما قبل ~~الوقوف غير سديد؛ لأن الجناية قبل الوقوف أخف من الجناية بعده؛ لأن الجماع ~~قبل الوقوف أوجب القضاء؛ لأنه أوجب فساد الحج، والقضاء خلف عن الفائت، ~~فيجبر معنى الجناية فتخف الجناية فيوجب نقصان الموجب، وبعد الوقوف لا يفسد ~~الحج عندنا لما ذكرنا فلم يجب القضاء فلم يوجد ما تجب به الجناية فبقيت ~~متغلظة فتغلظ الموجب. # ولو جامع قبل الوقوف بعرفة ثم جامع، فإن كان في مجلس لا يجب عليه إلا دم ~~واحد استحسانا. # والقياس أن يجب عليه لكل واحد دم على حدة؛ لأن سبب الوجوب قد تكرر فتكرر ~~الواجب إلا أنهم استحسنوا # PageV02P217 # فما أوجبوا إلا دما واحدا؛ لأن أسباب الوجوب اجتمعت في مجلس ms1245 واحد من جنس ~~واحد فيكتفى بكفارة واحدة؛ لأن المجلس الواحد يجمع الأفعال المتفرقة كما ~~يجمع الأقوال المتفرقة كإيلاجات في جماع واحد أنها لا توجب إلا كفارة ~~واحدة، وإن كان كل إيلاجة لو انفردت أوجبت الكفارة كذا هذا. # وإن كان في مجلسين مختلفين يجب دمان في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال ~~محمد: يجب دم واحد إلا إذا كان كفر للأول كما في كفارة الإفطار في شهر ~~رمضان. # (وجه) قول محمد أن الكفارة إنما وجبت بالجماع الأول جزاء لهتك حرمة ~~الإحرام، والحرمة حرمة واحدة إذا انهتكت مرة لا يتصور انهتاكها ثانيا كما ~~في صوم شهر رمضان، وكما إذا جامع ثم جامع في مجلس واحد، وإذا كفر فقد جبر ~~الهتك فالتحق بالعدم وجعل كأنه لم يوجد فلم يتحقق الهتك ثانيا، ولهما أن ~~الكفارة تجب بالجناية على الإحرام وقد تعددت الجناية فيتعدد الحكم - وهو ~~الأصل - إلا إذا قام دليل يوجب جعل الجنايات المتعددة حقيقة متحدة حكما - ~~وهو اتحاد المجلس - ولم يوجد ههنا بخلاف الكفارة للصوم فإنها لا تجب ~~بالجناية على الصوم بل جبرا لهتك حرمة الشهر على ما ذكرناه فيما تقدم ولا ~~يجب عليه في الجماع الثاني إلا شاة واحدة؛ لأن الأول لم يوجب إلا شاة واحدة ~~فالثاني أولى؛ لأن الأول صادف إحراما صحيحا، والثاني صادف إحراما مجروحا ~~فلما لم يجب للأول إلا شاة واحدة فالثاني أولى. # ولو جامع بعد الوقوف بعرفة ثم جامع إن كان في مجلس واحد، لا يجب عليه إلا ~~بدنة واحدة وإن كان في مجلسين يجب عليه بدنة للأول وللثاني شاة على قول أبي ~~حنيفة وأبي يوسف، وعلى قول محمد إن كان ذبح للأول بدنة يجب للثاني شاة وإلا ~~فلا يجب، وهو على ما ذكرنا من الاختلاف فيما قبل الوقوف هذا إذا لم يرد ~~بالجماع بعد الجماع رفض الإحرام فأما إذا أراد به رفض الإحرام، والإحلال ~~فعليه كفارة واحدة في قولهم جميعا سواء كان في مجلس واحد أو في مجالس ~~مختلفة، لأن الكل مفعول على وجه واحد فلا يجب ms1246 بها إلا كفارة واحدة ~~كالإيلاجات في الجماع الواحد. # ومنها وجوب المضي في الحجة الفاسدة لقول جماعة من الصحابة - رضي الله ~~عنهم - يمضيا في إحرامهما، ولأن الإحرام عقد لازم لا يجوز التحلل عنه إلا ~~بأداء أفعال الحج أو لضرورة الإحصار ولم يوجد أحدهما، فيلزمه المضي فيه ~~فيفعل جميع ما يفعله في الحجة الصحيحة ويجتنب جميع ما يجتنبه في الحجة ~~الصحيحة. # ومنها وجوب القضاء؛ لقول الصحابة - رضي الله عنهم - يقضيانه من قابل؛ ~~ولأنه لم يأت بالمأمور به على الوجه الذي أمر به؛ لأنه أمر بحج خال عن ~~الجماع، ولم يأت به فبقي الواجب في ذمته فيلزمه تفريغ ذمته عنه، ولا يجب ~~عليه العمرة؛ لأنه ليس بفائت الحج ألا ترى أنه لم تسقط عنه أفعال الحج ~~بخلاف المحصر إذا حل من إحرامه بذبح الهدي أنه يجب عليه قضاء الحجة والعمرة ~~أما قضاء الحجة فظاهر، وأما قضاء العمرة فلفوات الحج في ذلك العام. # وهل يلزمهما الافتراق في القضاء؟ قال أصحابنا الثلاثة: لا يلزمهما ذلك ~~لكنهما إن خافا المعاودة يستحب لهما أن يفترقا. # وقال زفر ومالك والشافعي: يفترقان واحتجوا بما روينا من قول جماعة من ~~الصحابة - رضي الله عنهم - يفترقان؛ ولأن الاجتماع فيه خوف الوقوع في ~~الجماع ثانيا فيجب التحرز عنه بالافتراق ثم اختلفوا في مكان الافتراق قال ~~مالك: إذا خرجا من بلدهما يفترقان حسما للمادة. # وقال الشافعي: إذا بلغا الموضع الذي جامعها فيه؛ لأنهما يتذكران ذلك ~~فربما يقعان فيه وقال زفر: يفترقان عند الإحرام لأن الإحرام؛ هو الذي حظر ~~عليه الجماع. # فأما قبل ذلك فقد كان مباحا، ولنا أنهما زوجان، والزوجية علة الاجتماع لا ~~الافتراق. # وأما ما ذكروا من خوف الوقوع، يبطل بالابتداء فإنه لم يجب الافتراق في ~~الابتداء مع خوف الوقوع، وقول الشافعي: (يتذكران ما فعلا فيه) فاسد؛ لأنهما ~~قد يتذكران، وقد لا يتذكران إذ ليس كل من يفعل فعلا في مكان يتذكر ذلك ~~الفعل إذا وصل إليه، ثم إن كانا يتذكران ما فعلا فيه يتذكران ما لزمهما من ~~وبال فعلهما فيه أيضا ms1247 فيمنعهما ذلك عن الفعل، ثم يبطل هذا بلبس المخيط ~~والتطيب فإنه إذا لبس المخيط أو تطيب حتى لزمه الدم يباح له إمساك الثوب ~~المخيط والتطيب، وإن كان ذلك يذكره لبس المخيط والتطيب، فدل أن الافتراق ~~ليس بلازم لكنه # PageV02P218 # مندوب إليه ومستحب عند خوف الوقوع فيما وقعا فيه، وعلى هذا يحمل قول ~~الصحابة - رضي الله عنهم - يفترقان، والله الموفق هذا إذا كان مفردا بالحج. # فأما إذا كان قارنا، فالقارن إذا جامع فإن كان قبل الوقوف وقبل الطواف ~~للعمرة أو قبل الكثرة فسدت عمرته وحجته، وعليه دمان لكل واحد منهما شاة، ~~وعليه المضي فيهما وإتمامهما على الفساد وعليه قضاؤهما ويسقط عنه دم ~~القران. # أما فساد العمرة فلوجود الجماع قبل الطواف وأنه مفسد للعمرة كما في حال ~~الانفراد. # وأما فساد الحجة؛ فلحصول الجماع قبل الوقوف بعرفة وأنه مفسد للحج كما في ~~حال الانفراد، وأما وجوب الدمين فلأن القارن محرم بإحرامين عندنا، فالجماع ~~حصل جناية على إحرامين فأوجب نقصا في العبادتين فيوجب كفارتين كالمقيم إذا ~~جامع في رمضان. # وأما لزوم المضي فيهما فلما ذكرنا أن وجوب الإحرام عقد لازم، وأما وجوب ~~قضائهما؛ فلإفسادهما فيقتضي عمرة مكان عمرة وحجة، مكان حجة وأما سقوط دم ~~القران عنه؛ فلأنه أفسدهما، والأصل أن القارن إذا فسد حجه وعمرته أو أفسد ~~أحدهما يسقط عنه دم القران؛ لأن وجوبه ثبت شكرا، لنعمة الجمع بين القربتين ~~وبالفساد بطل معنى القربة فسقط الشكر ولو جامع بعد ما طاف لعمرته أو طاف ~~أكثره - وهو أربعة أشواط - أو بعد ما طاف لها وسعى قبل الوقوف بعرفة فسدت ~~حجته ولا تفسد عمرته أما فساد حجته فلما ذكرنا وهو حصول الجماع قبل الوقوف ~~بعرفة. # وأما عدم فساد عمرته فلحصول الجماع بعد وقوع الفراغ من ركنها فلا يوجب ~~فسادها كما في حال الانفراد، وعليه دمان: أحدهما لفساد الحجة بالجماع ~~والآخر لوجود الجماع في إحرام العمرة؛ لأن إحرام العمرة باق عليه، وعليه ~~المضي فيهما وإتمامهما لما ذكرنا، وعليه قضاء الحج دون العمرة؛ لأن الحجة ~~هي التي فسدت دون ms1248 العمرة، ويسقط عنه دم القران؛ لأنه فسد أحدهما وهو الحج ~~ولو جامع بعد طواف العمرة وبعد الوقوف بعرفة فلا يفسد حجه ولا عمرته أما ~~عدم فساد الحج؛ فلأن الجماع وجد بعد الوقوف بعرفة وإنه لا يفسد الحج. # وأما عدم فساد العمرة؛ فلأنه جامع بعد الفراغ من ركن العمرة، وعليه ~~إتمامها لأنه لما وجب إتمامها على الفساد فعلى الصحة، والجواز أولى وعليه ~~بدنة وشاة، البدنة لأجل الجماع بعد الوقوف، والشاة لأن الإحرام للعمرة باق، ~~والجماع في إحرام العمرة يوجب الشاة وههنا لا يسقط عنه دم القران؛ لأنه لم ~~يوجد فساد الحج والعمرة ولا فساد أحدهما، فأمكن إيجاب الدم شكرا، فإن جامع ~~مرة بعد أخرى فهو على ما ذكرنا من التفصيل في المفرد بالحج أنه إن كان في ~~مجلس واحد فلا يجب عليه غير ذلك، وإن كان في مجلس آخر، فعليه دمان على ~~الاختلاف الذي ذكرنا. # فإن جامع أول مرة بعد الحلق قبل الطواف للزيارة فعليه بدنة وشاة؛ لأن ~~القارن يتحلل من الإحرامين معا ولم يحل له النساء بعد إحرام الحجة فكذا في ~~إحرام العمرة كما يقع له التحلل من غير النساء بالحلق فيهما جميعا ولو جامع ~~بعد ما طاف طواف الزيارة كله أو أكثره، فلا شيء عليه لأنه قد حل له النساء ~~فلم يبق له الإحرام رأسا إلا إذا طاف طواف الزيارة قبل الحلق والتقصير، ~~فعليه شاتان لبقاء الإحرام لهما جميعا وروى ابن سماعة عن محمد في الرقيات ~~فيمن طاف طواف الزيارة جنبا أو على غير وضوء وطاف أربعة أشواط طاهرا، ثم ~~جامع النساء قبل أن يعيده قال محمد: أما في القياس فلا شيء ولكن أبا حنيفة ~~استحسن فيما إذا طاف جنبا ثم جامع ثم أعاده طاهرا أنه يوجب عليه دما وكذا ~~قول أبي يوسف وقولنا: (وجه) القياس أنه قد صح من مذهب أصحابنا أن الطهارة ~~ليست بشرط لجواز الطواف، وإذا لم تكن شرطا فقد وقع التحلل بطوافه، والجماع ~~بعد التحلل من الإحرام لا يوجب الكفارة (وجه) الاستحسان أنه إذا أعاده ms1249 - ~~وهو طاهر - فقد انفسخ الطواف الأول على طريق بعض مشايخ العراق وصار طوافه ~~المعتبر هو الثاني؛ لأن الجناية توجب نقصانا فاحشا فتبين أن الجماع كان ~~حاصلا قبل الطواف فيوجب الكفارة بخلاف ما إذا طاف على غير وضوء؛ لأن ~~النقصان هناك يسير فلم ينفسخ الأول فبقي جماعه بعد التحلل، فلا يوجب ~~الكفارة. # وذكر ابن سماعة عن محمد في الرقيات فيمن طاف أربعة أشواط من طواف الزيارة ~~في جوف الحجر، أو فعل ذلك في طواف العمرة ثم جامع أنه تفسد العمرة، وعليه # PageV02P219 # عمرة مكانها وعليه في الحج بدنة؛ لأن الركن في الطواف أكثر - الأشواط وهو ~~أربعة - فإذا طاف في جوف الحجر فلم يأت بأكثر الأشواط فحصل الجماع قبل ~~الطواف، وروى ابن سماعة عن محمد فيمن فاته الحج فجامع أنه يمضي على إحرامه ~~وعليه دم للجماع، والقضاء للفوات أما وجوب المضي فلبقاء الإحرام وأما وجوب ~~الدم بالجماع فلوجود الجماع في الإحرام وليس عليه قضاء العمرة؛ لأن هذا ~~تحلل بمثل أفعال العمرة، وليس بعمرة بل هو بقية أفعال حج قد وجب قضاؤه ~~بخلاف العمرة المبتدأة، والله أعلم. # وأما المتمتع إذا جامع فحكمه حكم المفرد بالحج والمفرد بالعمرة؛ لأنه ~~يحرم بعمرة أولا ثم يحرم بحجة، وقد ذكرنا حكم المفرد بالحجة، وسنذكر - إن ~~شاء الله تعالى - حكم المفرد بالعمرة في موضعه. ### | [فصل ما يفوت الحج بعد الشروع فيه بفواته] # (فصل) : # وأما بيان ما يفوت الحج بعد الشروع فيه بفواته وبيان حكمه إذا فات بعد ~~الشروع فيه، فالحج بعد الشروع فيه لا يفوت إلا بفوات الوقوف بعرفة؛ لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «الحج عرفة» فمن وقف بعرفة فقد تم حجه، ~~والاستدلال به من وجهين: أحدهما أنه جعل الحج الوقوف بعرفة فإذا وجد فقد ~~وجد الحج والشيء الواحد في زمان واحد لا يكون موجودا وفائتا، والثاني أنه ~~جعل تمام الحج الوقوف بعرفة، وليس المراد منه التمام - الذي هو ضد النقصان ~~- لأن ذلك لا يثبت بالوقوف وحده، فيدل أن المراد منه خروجه عن احتمال ~~الفوات، وقول النبي - صلى ms1250 الله عليه وسلم - «من أدرك عرفة بليل فقد أدرك ~~الحج ومن فاته عرفة بليل فقد فاته الحج» جعل مدرك الوقوف بعرفة مدركا للحج، ~~والمدرك لا يكون فائتا. # وأما حكم فواته بعد الشروع فيه فيتعلق بفواته بعد الشروع فيه أحكام منها: ~~أنه يتحلل من إحرامه بعمل العمرة، وهو الطواف بالبيت والسعي بين الصفا ~~والمروة والحلق أو التقصير إن كان مفردا بالحج، ويجب عليه ذلك لما روى ~~الدارقطني بإسناده عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من فاته عرفة بليل فقد فاته ~~الحج فليحل بعمرة من غير دم وعليه الحج من قابل» . # وعن عمر وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - أنهم قالوا ~~فيمن فاته الحج: يحل بعمل العمرة من غير هدي، وعليه الحج من قابل ثم اختلف ~~أصحابنا فيما يتحلل به فائت الحج من الطواف أنه يلزمه ذلك بإحرام الحج أو ~~بإحرام العمرة قال أبو حنيفة ومحمد: بإحرام الحج. # وقال أبو يوسف: بإحرام العمرة، وينقلب إحرامه إحرام عمرة، واحتج بقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الدارقطني «فليحل بعمرة» سماه عمرة ~~ولا عمرة إلا بإحرام العمرة، فدل أن إحرامه ينقلب إحرام عمرة، ولأن المؤدى ~~أفعال العمرة، فكانت عمرة، ولهما قول الصحابة - رضي الله عنهم - يحل بعمل ~~العمرة أضاف العمل إلى العمرة، والشيء لا يضاف إلى نفسه هو الأصل، ولأنه ~~أحرم بالحج لا بالعمرة حقيقة؛ لأنه مفرد بالحج، واعتبار الحقيقة أصل في ~~الشرع، فالقول بانقلاب إحرام الحج إحرام العمرة تغيير الحقيقة من غير دليل ~~مع أن الإحرام عقد لازم لا يحتمل الانفساخ، وفي الانقلاب انفساخ، وهذا لا ~~يجوز، والدليل على صحة ما ذكرنا أن فائت الحج لو كان من أهل مكة يتحلل ~~بالطواف كما يتحلل أهل الآفاق، ولا يلزمه الخروج إلى الحل. # ولو انقلب إحرامه إحرام عمرة وصار معتمرا للزمه الخروج إلى الحل - وهو ~~التنعيم أو غيره - وكذا فائت الحج إذا جامع ليس عليه قضاء ms1251 العمرة، ولو كان ~~عمرة لوجب عليه قضاؤه كالعمرة المبتدأة فيثبت بما ذكرنا من الدلائل أن ~~إحرامه بالحج لم ينقلب إحرام عمرة، وبه تبين أن المؤدى ليس أفعال العمرة بل ~~مثل أفعال العمرة تؤدى بإحرام الحجة، والحديث محمول على عمل العمرة توفيقا ~~بين الدليلين. # ومنها أن عليه الحج من قابل لما روينا من الحديث وقول الصحابة - رضي الله ~~عنهم -، ولأنه إذا فاته الحج من هذه السنة بعد الشروع فيه بقي الواجب عليه ~~على حاله فيلزمه الإتيان به، ولا دم على فائت الحج عندنا وقال الحسن بن ~~زياد عليه دم، وبه أخذ الشافعي. # (وجه) قول الحسن (أنه يتحلل قبل وقت التحلل فيلزمه دم كالمحصر) ولنا ما ~~روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم قالوا فيمن فاته الحج: يحل ~~بعمرة من غير هدي. # وكذا في حديث الدارقطني جعل # PageV02P220 # النبي - صلى الله عليه وسلم - التحلل والحج من قابل كل الحكم في فائت ~~الحج بقوله «من فاته الوقوف بعرفة بليل فقد فاته الحج وليحل بعمرة وعليه ~~الحج من قابل» فمن ادعى زيادة الدم فقد جعل الكل بعضا - وهو نسخ أو تغيير - ~~فلا بد له من دليل، وقوله " تحلل قبل الوقوف " مسلم لكن بأفعال العمرة وهو ~~فائت الحج، والتحلل بأفعال العمرة من فائت الحج كالهدي في حق المحصر، وليس ~~على فائت الحج طواف الصدر؛ لأنه طواف عرف وجوبه في الشرع بعد الفراغ من ~~الحج على ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «من حج هذا البيت فليكن آخر ~~عهده به الطواف» وهذا لم يحج فلا يجب عليه. # وإن كان فائت الحج قارنا فإنه يطوف للعمرة ويسعى لها ثم يطوف طوافا آخر؛ ~~لفوات الحج ويسعى له ويحلق أو يقصر، وقد بطل عنه دم القران، أما الطواف ~~للعمرة والسعي لها فلأن القارن محرم بعمرة وحجة، والعمرة لا تفوت، لأن جميع ~~الأوقات وقتها، فيأتي بها كما يأتي المدرك للحج. # وأما الطواف والسعي للحج، فلأن الحجة قد فاتته في هذه السنة بعد الشروع ~~فيها، وفائت الحج بعد الشروع ms1252 فيه لا يتحلل بأفعال العمرة فيطوف ويسعى ويحلق ~~أو يقصر. # وأما سقوط دم القران يجب للجمع بين العمرة والحج ولم يوجد فلا يجب ويقطع ~~التلبية إذا أخذ من الطواف الذي يتحلل به على ما ذكرنا فيما تقدم، وإن كان ~~متمتعا ساق الهدي بطل تمتعه، ويصنع كما يصنع القارن؛ لأن دم المتعة يجب ~~للجمع بين العمرة والحجة، ولم يوجد الجمع لأن الحجة فاتته. ### | [فصل بيان حكم فوات الحج عن العمرة] # (فصل) : # وأما بيان حكم فوات الحج عن العمرة فنقول: من عليه الحج إذا مات قبل ~~أدائه فلا يخلو إما إن مات من غير وصية، وإما إن مات عن وصية، فإن مات من ~~غير وصية يأثم بلا خلاف. # أما على قول من يقول بالوجوب على الفور فلا يشكل، وأما على قول من يقول ~~بالوجوب على التراخي، فلأن الوجوب يضيق عليه في آخر العمر في وقت يحتمل ~~الحج، وحرم عليه التأخير فيجب عليه أن يفعل بنفسه إن كان قادرا، وإن كان ~~عاجزا عن الفعل بنفسه عجزا مقررا، ويمكنه الأداء بماله بإنابة غيره مناب ~~نفسه بالوصية فيجب عليه أن يوصي به، فإن لم يوص به حتى مات أثم بتفويته ~~الفرض عن وقته مع إمكان الأداء في الجملة فيأثم لكن يسقط عنه في حق أحكام ~~الدنيا عندنا حتى لا يلزم الوارث الحج عنه من تركته لأنه عبادة، والعبادات ~~تسقط بموت من عليه سواء كانت بدنية أو مالية في حق أحكام الدنيا عندنا. # وعند الشافعي لا تسقط ويؤخذ من تركته قدر ما يحج به ويعتبر ذلك من جميع ~~المال، وهذا على الاختلاف في الزكاة والصوم والعشر والنذور والكفارات ونحو ~~ذلك، وقد ذكرنا المسألة في كتاب الزكاة وإن أحب الوارث أن يحج عنه حج، ~~وأرجو أن يجزيه ذلك - إن شاء الله تعالى - كذا ذكر أبو حنيفة أما الجواز ~~فلما روي «أن رجلا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال يا رسول ~~الله: إن أمي ماتت ولم تحج أفأحج عنها فقال: نعم» فقد أجاز النبي - صلى ms1253 ~~الله عليه وسلم - حج الرجل عن أمه، ولم يستفسر أنها ماتت عن وصية أو لا عن ~~وصية. # ولو كان الحكم يختلف لاستفسر. # وأما قران الاستثناء بالإجزاء فلأن الحج كان واجبا على الميت قطعا، ~~والواجب على الإنسان قطعا لا يسقط إلا بدليل موجب للسقوط قطعا، والموجب ~~لسقوط الحج عن الميت بفعل الوارث بغير أمره من أخبار الآحاد، وخبر الواحد ~~يوجب علم العمل لا علم الشهادة؛ لاحتمال عدم الثبوت وإن كان احتمالا مرجوحا ~~لكن الاحتمال المرجوح يعتبر في علم الشهادة، وإن كان لا يعتبر في علم العمل ~~فعلق الإجزاء والسقوط بمشيئة الله تعالى احترازا عن الشهادة على الله تعالى ~~من غير علم قطعي، وهذا من كمال الورع والاحتياط في دين الله تعالى، ولأن ~~الظاهر من حال من عليه الحج إذا عجز عن الأداء بنفسه حتى أدركه الموت - وله ~~مال - أنه يأمر وارثه بالحج عنه تفريغا لذمته عن عهدة الواجب، فكانت الوصية ~~موجودة دلالة، والثابت دلالة كالثابت نصا لكن ألحق الاستثناء به؛ لاحتمال ~~العدم، فإن قيل لو كان الأمر على ما ذكرتم هلا ألحق الاستثناء بكل ما يثبت ~~بخبر الواحد؟ فالجواب أنك أبعدت في القياس إذ لا كل خبر يرد بمثل هذا الحكم ~~وهو سقوط الفرض، ومحل سقوط الاستثناء هذا، فإن ثبت الإطلاق منه في مثله في ~~موضع من غير تصريح بالاستثناء فذلك لوجود النية منه عليه في الحج فتقع # PageV02P221 # الغنية عن الإفصاح به في كل موضع. # وإن مات عن وصية لا يسقط الحج عنه. # ويجب أن يحج عنه؛ لأن الوصية بالحج قد صحت. # وإذا حج عنه يجوز عند استجماع شرائط الجواز. # وهي نية الحج عنه، وأن يكون الحج بمال الموصي أو بأكثره إلا تطوعا، وأن ~~يكون راكبا لا ماشيا لما ذكرنا فيما تقدم ويحج عنه من ثلث ماله سواء قيد ~~الوصية بالثلث بأن يحج عنه بثلث ماله، أو أطلق بأن أوصى أن يحج عنه أما إذا ~~قيد فظاهر. # وكذا إذا أطلق؛ لأن الوصية تنفذ من الثلث ويحج عنه من بلده الذي يسكنه؛ ms1254 ~~لأن الحج مفروض عليه من بلده فمطلق الوصية ينصرف إليه، ولهذا قال محمد: - ~~رحمه الله - روى ابن رستم عنه في خراساني أدركه الموت بمكة فأوصى أن يحج ~~عنه من خراسان، وروى هشام عن أبي يوسف في مكي قدم الري فحضره الموت فأوصى ~~أن يحج عنه حج عنه من مكة، فإن أوصى أن يقرن عنه قرن عنه من الري؛ لأنه لا ~~قران لأهل مكة فتحمل الوصية على ما يصح - وهو القران - من حيث مات هذا إذا ~~كان ثلث المال يبلغ أن يحج عنه من بلده حج عنه، فإن كان لا يبلغ يحج من حيث ~~يبلغ استحسانا. # وكذا إذا أوصى أن يحج عنه بمال سمى مبلغه إن كان يبلغ أن يحج عنه من بلده ~~حج عنه، وإلا فيحج عنه من حيث يبلغ استحسانا، والقياس أن تبطل الوصية؛ لأنه ~~تعذر تنفيذها على ما قصده الموصي، وهذا يوجب بطلان الوصية كما إذا أوصى ~~بعتق نسمة فلم يبلغ ثلث المال ثمن النسمة. # (وجه) الاستحسان أن غرض الموصي من الوصية بالحج تفريغ ذمته عن عهدة ~~الواجب، وذلك في التصحيح لا في الإبطال. # ولو حمل ذلك على الوصية بالحج من بلده لبطلت، ولو حمل على الوصية من حيث ~~يبلغ لصحت فيحمل عليه تصحيحا لها، وفي الوصية بعتق النسمة تعذر التصحيح ~~أصلا ورأسا فبطلت فإن خرج من بلده إلى بلد أقرب من مكة، فإن كان خرج لغير ~~الحج حج عنه من بلده في قولهم جميعا. # وإن كان خرج للحج فمات في بعض الطريق وأوصى أن يحج عنه، فكذلك في قول أبي ~~حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد يحج عنه من حيث بلغ (وجه) قولهما أن قدر ما قطع من ~~المسافة في سفره بنية الحج معتد به من الحج لم يبطل بالموت؛ لقوله تعالى ~~{ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على ~~الله} [النساء: 100] فسقط عنه ذلك القدر من فرض الحج، وبقي عليه إتمامه ~~ولأبي حنيفة أن القدر الموجود من السفر يعتبر لكن ms1255 في حق أحكام الآخرة - وهو ~~الثواب - لا في حق أحكام الدنيا؛ لأن ذلك يتعلق بأداء الحج، ولم يتصل به ~~الأداء فبطل بالموت في حق أحكام الدنيا، وإن لم يبطل به في حق أحكام ~~الآخرة، وكلامنا في حق أحكام الدنيا. # ولو خرج للحج فأقام في بعض البلاد حتى دارت السنة ثم مات وقد أوصى أن يحج ~~عنه يحج عنه من بلده بلا خلاف أما عند أبي حنيفة فظاهر. # وأما عندهما فلأن ذلك السفر لم يتصل به عمل الحجة التي سافر لها فلم يعتد ~~به عن الحج. # وإن كان ثلث ماله لا يبلغ أن يحج به عنه إلا ماشيا فقال رجل أنا أحج عنه ~~من بلده ماشيا روى هشام عن محمد - رحمه الله - أنه لا يجزيه به ولكن يحج ~~عنه من حيث يبلغ راكبا وروى الحسن عن أبي حنيفة إن أحجوا عنه من بلده ماشيا ~~جاز، وإن أحجوا من حيث يبلغ راكبا جاز، وأصل هذه المسألة أن الموصي بالحج ~~إذا اتسعت نفقته للركوب فأحجوا عنه ماشيا لم يجز؛ لأن المفروض هو الحج ~~راكبا فإطلاق الوصية ينصرف إلى ذلك كأنه أوصاه بذلك. # وقال أحجوا عني راكبا. # ولو كان كذلك لا يجوز ماشيا كذا هذا (وجه) رواية الحسن إن فرض الحج له ~~تعلق بالركوب وله تعلق ببلده، ولا يمكن مراعاتهما جميعا، وفي كل واحد منهما ~~كمال من وجه ونقصان من وجه فيجوز أيهما كان، وإن كان ثلث ماله لا يبلغ أن ~~يحج عنه من بلده فحج عنه من موضع يبلغ، وفضل من الثلث وتبين أنه كان يبلغ ~~من موضع أبعد منه يضمنه الوصي ويحج عن الميت من حيث يبلغ؛ لأنه تبين أنه ~~خالف إلا إذا كان الفاضل شيئا يسيرا من زاد أو كسوة، فلا يكون مخالفا ولا ~~ضامنا ويرد الفضل إلى الورثة؛ لأن ذلك ملكهم، وإن كان للموصي وطنان فأوصى ~~أن يحج عنه من أقرب الوطنين؛ لأن الأقرب دخل في الوصية بيقين وفي دخول ~~الأبعد شك فيؤخذ باليقين، وفيما ذكرنا من المسائل التي وجب ms1256 الحج من بلده ~~إذا أحج الوصي من غير بلده يكون ضامنا ويكون الحج له ويحج # PageV02P222 # عن الميت ثانيا؛ لأنه خالف إلا إذا كان المكان الذي أحج عنه قريبا إلى ~~وطنه بحيث يبلغ إليه ويرجع إلى الوطن قبل الليل فحينئذ لا يكون مخالفا ولا ~~ضامنا، ويكون كاختلاف المحل. # ولو مات في محلة فأحجوا عنه من محلة أخرى جاز كذا هذا. # فإن قال الموصي أحجوا عنى بثلث مالي، وثلث ماله يبلغ حججا حج عنه حججا ~~كذا روى القدوري في شرحه مختصر الكرخي وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي ~~أنه إذا أوصى أن يحج عنه بثلث ماله وثلث ماله، يبلغ حججا يحج عنه حجة واحدة ~~من وطنه - وهي حجة الإسلام - إلا إذا أوصى أنه يحج عنه بجميع الثلث فيحج ~~عنه حججا بجميع الثلث، وما ذكره القاضي أثبت؛ لأن الوصية بالثلث وبجميع ~~الثلث واحد؛ لأن الثلث اسم لجميع هذا السهم، ثم الوصي بالخيار إن شاء أحج ~~عنه الحجج في سنة واحدة، وإن شاء أحج عنه في كل سنة واحدة، والأفضل أن يكون ~~في سنة واحدة؛ لأن فيه تعجيل تنفيذ الوصية، والتعجيل في هذا أفضل من ~~التأخير. # وإن أوصى أن يحج عنه من موضع كذا من غير بلده يحج عنه من ثلث ماله من ذلك ~~الموضع الذي بين قرب من مكة أو بعد عنها؛ لأن الإحجاج لا يجوز إلا بأمره ~~فيتقدر بقدر أمره. # وما فضل في يد الحاج عن الميت بعد النفقة في ذهابه ورجوعه فإنه يرده على ~~الورثة لا يسعه أن يأخذ شيئا مما فضل؛ لأن النفقة لا تصير ملكا للحاج ~~بالإحجاج، وإنما ينفق قدر ما يحتاج إليه في ذهابه وإيابه على حكم ملك ~~الميت؛ لأنه لو ملك إنما يملك، بالاستئجار والاستئجار على الطاعات لا يجوز ~~عندنا فكان الفاضل ملك الورثة فيجب عليه رده إليهم. # ولو قاسم الورثة وعزل قدر نفقة الحج ودفع بقية التركة إلى الورثة فهلك ~~المعزول في يد الوصي أو في يد الحاج قبل الحج بطلت القسمة في قول أبي ~~حنيفة، ms1257 وهلك ذلك القدر من الجملة ولا تبطل الوصية ويحج له من ثلث المال ~~الباقي حتى يحصل الحج أو ينوي المال في قول أبي حنيفة، وجعل أبو حنيفة الحج ~~بمنزلة الموصى له الغائب، وقسمة الوصي مع الورثة على الموصى له الغائب لا ~~يجوز حتى لو قاسم مع الورثة وعزل نصيب الموصى له ثم هلك في يده قبل أن يصل ~~إلى الموصى له الغائب يهلك من الجملة ويأخذ الموصى له ثلث الباقي كذلك ~~الحج. # وعند أبي يوسف إن بقي من ثلث ماله شيء يحج عنه مما بقي من ثلثه من حيث ~~يبلغ وأنه لم يبق من ثلثه شيء بطلت الوصية وقال محمد: قسمة الوصية جائزة ~~وتبطل الوصية بهلاك المعزول سواء بقي من المعزول شيء أو لم يبق شيء فإن لم ~~يهلك ذلك المال، ولكن مات المجهز في بعض طريق مكة فما أنفق المجهز إلى وقت ~~الموت نفقة مثله فلا ضمان عليه؛ لأنه لم ينفق على الخلاف بل على الوفاق، ~~وما بقي في يد المجهز القياس أن يضم إلى مال الموصي، فيعزل ثلث ماله ويحج ~~عنه من وطنه - وهو قول أبي حنيفة - وفي الاستحسان يحج بالباقي من حيث تبلغ ~~وهو قولهما. ### | [فصل سبب وجوب الحج] # (فصل) : # ثم الحج كما هو واجب بإيجاب الله تعالى ابتداء على من استجمع شرائط ~~الوجوب - وهو حجة الإسلام - فقد يجب بإيجاب الله تعالى لكن بناؤه على وجود ~~سبب الوجوب من العبد وهو النذر بأن يقول لله علي حجة لأن النذر من أسباب ~~الوجوب في العبادات والقرب المقصودة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~نذر أن يطيع الله فليطعه» وكذا لو قال علي حجة فهذا. # وقوله: لله علي حجة سواء؛ لأن الحج لا يكون إلا لله تعالى، وسواء كان ~~النذر مطلقا أو معلقا بشرط بأن قال: إن فعلت كذا فلله علي أن أحج حتى يلزمه ~~الوفاء به إذا وجد الشرط، ولا يخرج عنه بالكفارة في ظاهر الرواية عن أبي ~~حنيفة، وسنذكر إن شاء الله تعالى المسألة في كتاب ms1258 النذر. # ولو قال: لله علي إحرام: أو قال علي إحرام صح وعليه حجة أو عمرة، ~~والتعيين إليه وكذا إذا ذكر لفظا يدل على التزام الإحرام بأن قال: لله علي ~~المشي إلى بيت الله أو إلى الكعبة أو إلى مكة جاز، وعليه حجة أو عمرة ولو ~~قال إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام لم يصح ولا يلزمه شيء في قول أبي ~~حنيفة. # وعندهما يصح ويلزمه حجة أو عمرة، ولو قال: إلى الصفا والمروة لا يصح في ~~قولهم جميعا. # ولو قال: علي الذهاب إلى بيت الله أو الخروج أو السفر أو الإتيان لا يصح ~~في قولهم، ودلائل هذه المسائل تذكر إن شاء الله في كتاب النذر، فإنه كتاب ~~مفرد، وإنما نذكر ههنا بعض ما يختص بالحج. # فإن # PageV02P223 # قال: لله علي هدي أو علي هدي فله الخيار إن شاء ذبح شاة، وإن شاء نحر ~~جزورا، وإن شاء ذبح بقرة؛ لأن اسم الهدي يقع على كل واحد من الأشياء ~~الثلاثة؛ لقوله {فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] قيل في التفسير: إن ~~المراد منه الشاة، وإذا كانت الشاة ما استيسر من الهدي فلا بد وأن يكون من ~~الهدي ما لا يكون مستيسرا - وهو الإبل والبقر - وقد روينا «عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال لما سئل عن الهدي أدناه شاة» ، وإذا كانت ~~الشاة أدنى الهدي كان أعلاه الإبل والبقر ضرورة، وقد روي عن علي - رضي الله ~~عنه - أنه قال الهدي من ثلاثة، والبدنة من اثنين ولأن مأخذ الاسم دليل ~~عليه؛ لأن الهدي اسم لما يهدى، أي: ينقل ويحول، وهذا المعنى يوجد في الغنم ~~كما يوجد في الإبل والبقر ويجوز سبع البدنة عن الشاة لما روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال «البدنة تجزئ عن سبعة والبقرة تجزئ عن سبعة» ~~. # ولو قال: لله علي بدنة فإن شاء نحر جزورا، وإن شاء ذبح بقرة عندنا وقال ~~الشافعي لا يجوز إلا الجزور (وجه) قوله أن البدنة في اللغة اسم للجمل، ~~والدليل عليه قوله تعالى {والبدن ms1259 جعلناها لكم من شعائر الله} [الحج: 36] ثم ~~فسرها بالإبل بقوله - عز وجل - {فاذكروا اسم الله عليها صواف} [الحج: 36] ~~أي: قائمة مصطفة، والإبل هي التي تنحر كذلك. # فأما البقر فإنها تذبح مضجعة وروينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «البدنة تجزئ عن سبعة والبقرة تجزئ عن سبعة» . # حتى قال جابر «نحرنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البدنة عن ~~سبعة والبقرة عن سبعة ميز بين البدنة والبقرة» فدل أنهما غيران. # (ولنا) ما روينا عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: (الهدي من ثلاثة ~~والبدنة من اثنين) وهذا نص وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن رجلا سأله ~~وقال: إن رجلا صاحبا لنا أوجب على نفسه بدنة أفتجزيه البقرة؟ فقال له ابن ~~عباس: - رضي الله عنه - مم صاحبكم؟ قال من بني رباح فقال متى اقتنت بنو ~~رباح البقر، إنما البقر للأزد وإنما وهم صاحبكم الإبل. # ولو لم يقع اسم البدنة على البقر لم يكن لسؤاله معنى ولما سأله، فقد أوقع ~~الاسم على الإبل والبقر لكن أوجب على الناذر الإبل؛ لإرادته ذلك ظاهرا؛ ~~ولأن البدنة مأخوذة من البدانة - وهي الضخامة - وأنها توجد فيهما، ولهذا ~~استويا في الجواز عن سبعة، ولا حجة له في الآية؛ لأن فيها جواز إطلاق اسم ~~البدنة على الإبل، ونحن لا ننكر ذلك. # وأما قوله: إنه وقع التمييز بين البدنة والبقرة في الحديث فممنوع؛ لأن ~~ذكر البقرة ما خرج على التمييز بل على التأكيد كما في قوله عز وجل {وإذ ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} ~~[الأحزاب: 7] ، وكما في قول القائل جاءني أهل قرية كذا فلان وفلان على أن ~~ظاهر العطف إن أول على التغيير والتسوية بينهما في جواز كل واحد منهما عن ~~سبعة يدل على الاتحاد في المعنى ولا حجة مع التعارض ولو قال: لله علي جزور ~~فعليه أن ينحر بعيرا؛ لأن اسم الجزور لا يقع إلا على الإبل. # ويجوز إيجاب الهدي مطلقا ومعلقا بشرط بأن يقول إن ms1260 فعلت كذا فلله علي هدي. # ولو قال هذه الشاة هدي إلى بيت الله أو إلى الكعبة أو إلى مكة أو إلى ~~الحرم أو إلى المسجد الحرام أو إلى الصفا والمروة، فالجواب فيه كالجواب في ~~قوله: علي المشي إلى بيت الله تعالى أو إلى كذا وكذا على الاتفاق ~~والاختلاف. # ولو أوجب على نفسه أن يهدي مالا بعينه من الثياب وغيرها مما سوى النعم ~~جاز، وعليه أن يتصدق به أو بقيمته، والأفضل أن يتصدق على فقراء مكة. # ولو تصدق بالكوفة جاز. # وأما في النعم من الإبل والبقر والغنم فلا يجوز ذبحه إلا في الحرم فيذبح ~~في الحرم ويتصدق بلحمه على فقراء مكة وهو الأفضل. # ولو تصدق على غير فقراء مكة جاز كذا ذكر في الأصل، وإنما كان كذلك؛ لأن ~~معنى القربة في الثياب في عينها وهو التصدق بها، والصدقة لا تختص بمكان ~~كسائر الصدقات. # فأما معنى القربة في الهدي من النعم في الإراقة شرعا، والإراقة لم تعرف ~~قربة في الشرع إلا في مكان مخصوص أو زمان مخصوص، والشرع أوجب الإراقة ههنا ~~في الحرم بقوله تعالى {هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95] حتى إذا ذبح الهدي ~~جاز له أن يتصدق بلحمه على فقراء غير أهل مكة؛ لأنه لما صار لحما صار معنى ~~القربة فيه في الصدقة كسائر الأموال. # ولو جعل شاة هديا أجزأه أن يهدي قيمتها في رواية أبي سليمان، وفي رواية ~~أبي حفص لا يجوز. # (وجه) رواية أبي سليمان اعتبار البدنة # PageV02P224 # بالأمر، ثم فيما أمر الله تعالى من إخراج الزكاة من الغنم يجوز إخراج ~~القيمة فيه كذا في النذور (وجه) رواية أبي حفص أن القربة تعلقت بشيئين: ~~إراقة الدم والتصدق باللحم ولا يوجد في القيمة إلا أحدهما - وهو التصدق - ~~ويجوز ذبح الهدايا في أي موضع شاء من الحرم ولا يختص بمنى، ومن الناس من ~~قال لا يجوز إلا بمنى، والصحيح قولنا لما روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال «منى كلها منحر وفجاج مكة كلها منحر» وعن ابن عمر - رضي ~~الله عنه ms1261 - أنه قال: (الحرم كله منحر) وقد ذكرنا أن المراد من قوله عز وجل ~~{ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33] الحرم. # وأما البدنة إذا أوجبها بالنذر، فإنه ينحرها حيث شاء إلا إذا نوى أن ينحر ~~بمكة، فلا يجوز نحرها إلا بمكة، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف: ~~أرى أن ينحر البدن بمكة؛ لقوله عز وجل {ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: ~~33] أي، الحرم (ولهما) أنه ليس في لفظ البدنة ما يدل على امتياز المكان؛ ~~لأنه مأخوذ من البدانة - وهي الضخامة - يقال: بدن الرجل، أي ضخم وقد قيل في ~~بعض وجوه التأويل لقوله تعالى {ذلك ومن يعظم شعائر الله} [الحج: 32] أن: ~~تعظيمها استسمانها، ولو أوجب جزءا فهو من الإبل خاصة، ويجوز أن ينحر في ~~الحرم وغيره ويتصدق بلحمه. # ويجوز ذبح الهدايا قبل أيام النحر والجملة فيه أن دم النذر والكفارة، ~~وهدي التطوع يجوز قبل أيام النحر، ولا يجوز دم المتعة والقران والأضحية، ~~ويجوز دم الإحصار في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد لا يجوز. # وأدنى السن الذي يجوز في الهدايا ما يجوز في الضحايا، وهو الثني من الإبل ~~والبقر والمعز والجذع من الضأن إذا كان عظيما وبيان ما يجوز في ذلك وما لا ~~يجوز من بيان شرائط الجواز موضعه كتاب الأضحية. # ولا يحل الانتفاع بظهرها وصوفها ولبنها إلا في حال الاضطرار لقوله تعالى ~~{لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33] قيل ~~في بعض وجوه التأويل: لكم فيها منافع من ظهورها وألبانها وأصوافها إلى أجل ~~مسمى أي: إلى أن تقلد وتهدى {ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33] ، أي ~~ثم محلها إذا قلدت وأهديت إلى البيت العتيق؛ لأنها ما لم تبلغ محلها، ~~فالقربة في التصدق بها فإذا بلغت محلها فحينئذ تتعين القربة فيها بالإرادة، ~~فإن قيل روي «أن رجلا كان يسوق بدنة فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~اركبها ويحك فقال: إنها بدنة يا رسول الله فقال: اركبها ويحك» وقيل: ويحك ~~كلمة ترحم وويلك كلمة ms1262 تهدد، فقد أباح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ركوب الهدي، والجواب أنه روي أن الرجل كان قد أجهده السير فرخص له النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وعندنا يجوز الانتفاع بها في مثل تلك الحالة ببدل؛ لأنه يجوز الانتفاع ~~بملك الغير في حالة الاضطرار ببدل، وكذا في الهدايا إذا ركبها وحمل عليها ~~للضرورة يضم ما نقصها الحمل والركوب وينضح ضرعها؛ لأنه إذا لم يجز له ~~الانتفاع بلبنها فلبنها يؤذيها فينضح بالماء حتى يتقلص ويرقى لبنها، وما ~~حلب قبل ذلك يتصدق به إن كان قائما، وإن كان مستهلكا يتصدق بقيمته؛ لأن ~~اللبن جزء من أجزائها فيجب صرفه إلى القربة كما لو ولدت ولدا إنها تذبح ~~ويذبح ولدها كذا هذا. # ، فإن عطب الهدي في الطريق قبل أن يبلغ محله فإن كان واجبا نحره، وهو ~~لصاحبه يصنع به ما شاء وعليه هدي مكانه، وإن كان تطوعا نحره وغمس نعله بدمه ~~ثم ضرب صفحة سنامه، وخلى بينه وبين الناس يأكلونه، ولا يأكل هو بنفسه، ولا ~~يطعم أحدا من الأغنياء. # والفرق بين الواجب والتطوع أنه إذا كان واجبا، فالمقصود منه إسقاط الواجب ~~فإذا انصرف من تلك الجهة كان له أن يفعل به ما شاء، وعليه هدي آخر مكانه؛ ~~لأن الأول لما لم يقع عن الواجب التحق بالعدم، فبقي الواجب في ذمته بخلاف ~~التطوع؛ ولأن القربة قد تعينت فيه، وليس عليه غير ذلك، وإنما قلنا أنه ~~ينحره ويفعل به ما ذكرنا؛ لما ذكرنا ولما روي «عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه بعث هديا على يد ناجية بن جندب الأسلمي فقال: يا رسول الله ~~إن أزحف منها، أي قامت من الإعياء، وفي رواية قال ما أفعل بما يقوم علي؟ ~~فقال النبي: - صلى الله عليه وسلم - انحرها واصبغ نعلها بدمها ثم اضرب به ~~صفحة سنامها، وخل بينها وبين الفقراء ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك» ~~وإنما لا يحل له أن يأكل منها، وله أن يطعم الأغنياء؛ لأن القربة كانت في ~~ذبحه إذا بلغ محله ms1263 فإذا لم يبلغ كانت القربة في التصدق # PageV02P225 # ولا يجب عليه مكانه آخر؛ لأنه لم يكن واجبا عليه ويتصدق بجلالها وخطامها ~~لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال لعلي - رضي الله عنه - ~~تصدق بجلالها وخطامها ولا تعط الجزار منها شيئا» . # ولا يجوز له أن يأكل من دم النذر شيئا. # وجملة الكلام فيه أن الدماء نوعان نوع يجوز لصاحب الدم أن يأكل منه وهو ~~دم المتعة والقران والأضحية، وهدي التطوع إذا بلغ محله. # ونوع لا يجوز له أن يأكل منه وهو دم النذر والكفارات وهدي الإحصار وهدي ~~التطوع إذا لم يبلغ محله؛ لأن الدم في النوع الأول دم شكر فكان نسكا فكان ~~له أن يأكل منه، ودم النذر دم صدقة وكذا دم الكفارة في معناه؛ لأنه وجب ~~تكفير الذنب. # وكذا دم الإحصار؛ لوجود التحلل والخروج من الإحرام قبل أوانه، وهدي ~~التطوع إذا لم يبلغ محله بمعنى القربة في التصدق به فكان دم صدقة، وكل دم ~~يجوز له أن يأكل منه لا يجب عليه التصدق بلحمه بعد الذبح؛ لأنه لو وجب عليه ~~التصدق به لما جاز أكله؛ لما فيه من إبطال حق الفقراء، وكل ما لا يجوز له ~~أن يأكل منه يجب عليه التصدق به بعد الذبح؛ لأنه إذا لم يجز له أكله ولا ~~يتصدق به يؤدي إلى إضاعة المال. # وكذا لو هلك المذبوح بعد الذبح لا ضمان عليه في النوعين؛ لأنه لا صنع له ~~في الهلاك، وإن استهلكه بعد الذبح، فإن كان مما يجب عليه التصدق به يضمن ~~قيمته فيتصدق بها؛ لأنه تعلق به حق الفقراء فبالاستهلاك تعدى على حقهم ~~فيضمن قيمته ويتصدق بها؛ لأنها بدل أصل مال واجب التصدق به. # وإن كان مما لا يجب التصدق به لا يضمن شيئا؛ لأنه لم يوجد منه التعدي ~~بإتلاف حق الفقراء لعدم تعلق حقهم به. # ولو باع اللحم يجوز بيعه في النوعين جميعا؛ لأن ملكه قائم إلا أن فيما لا ~~يجوز له أكله ويجب عليه التصدق به يتصدق بثمنه؛ لأن ثمنه ms1264 مبيع واجب التصدق ~~به، لتعلق حق الفقراء به فيتمكن في ثمنه حنث فكان سبيله التصدق به والله ~~تعالى أعلم. ### | [العمرة] # وأما العمرة فالكلام فيها يقع في مواضع في بيان صفتها أنها واجبة أم لا؟ ~~وفي بيان شرائط وجوبها إن كانت واجبة، وفي بيان ركنها وفي بيان شرائط الركن ~~وفي بيان واجباتها وفي بيان سننها وفي بيان ما يفسدها وفي بيان حكمها إذا ~~فسدت. # (أما) الأول فقد اختلف فيها قال أصحابنا: إنها واجبة كصدقة الفطر ~~والأضحية والوتر، ومنهم من أطلق اسم السنة، وهذا الإطلاق لا ينافي الواجب ~~وقال الشافعي: إنها فريضة. # وقال بعضهم: هي تطوع واحتج هؤلاء بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال «الحج مكتوب والعمرة تطوع» وهذا نص وعن جابر - رضي الله عنه - ~~«أن رجلا قال: يا رسول الله العمرة أهي واجبة؟ قال: لا وأن تعتمر خير لك» ~~واحتج الشافعي بقوله تعالى {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] والأمر ~~للفرضية وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «العمرة هي الحجة ~~الصغرى» ، وقد ثبت فرضية الحج بنص الكتاب العزيز ولنا على الشافعي قوله ~~تعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] ولم ~~يذكر العمرة؛ لأن مطلق اسم الحج لا يقع على العمرة فمن قال: إنها فريضة فقد ~~زاد على النص، فلا يجوز إلا بدليل. # وكذا حديث الأعرابي الذي جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسأله ~~عن الإيمان والشرائع فبين له الإيمان وبين له الشرائع، ولم يذكر فيها ~~العمرة " فقال الأعرابي: هل علي شيء غير هذا؟ فقال النبي «- صلى الله عليه ~~وسلم -: لا إلا أن تطوع» فظاهره يقتضي انتقاء فريضة العمرة. # وأما الآية الكريمة فلا دلالة فيها على فرضية العمرة؛ لأنها قرئت برفع ~~العمرة " والعمرة لله " وأنه كلام تام بنفسه غير معطوف على الأمر بالحج ~~أخبر الله تعالى أن العمرة لله ردا لزعم الكفرة؛ لأنهم كانوا يجعلون العمرة ~~للأصنام على ما كانت عبادتهم من الإشراك. # وأما على قراءة العامة فلا حجة ms1265 له فيها أيضا؛ لأن فيها أمر بإتمام ~~العمرة، وإتمام الشيء يكون بعد الشروع، فيه وبه نقول أنها بالشروع تصير ~~فريضة مع ما أنه روي عن علي وابن مسعود - رضي الله عنهما - أنهما قالا في ~~تأويل الآية: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك على أن هذا إن كان أمرا ~~بإنشاء العمرة فما الدليل على أن مطلق الأمر يفيد الفرضية بل الفرضية عندنا ~~ثبتت بدليل زائد وراء نفس الأمر، وإنما يحمل على الوجوب احتياطا وبه نقول: ~~إن العمرة واجبة، ولكنها ليست بفريضة وتسميتها حجة صغرى في الحديث يحتمل أن ~~يكون في حكم الثواب؛ لأنها ليست بحجة حقيقة # PageV02P226 # ألا ترى أنها عطفت على الحجة في الآية، والشيء لا يعطف على نفسه في ~~الأصل، ويقال: حج فلان وما اعتمر على أن وصفها بالصغر دليل انحطاط رتبتها ~~عن الحج، فإذا كان الحج فرضا فيجب أن تكون هي واجبة؛ ليظهر الانحطاط إذ ~~الواجب دون الفرض، وإطلاق اسم التطوع عليها في الحديث يصلح حجة على الشافعي ~~لا علينا؛ لأنه يقول بفرضية العمرة، والتطوع لا يحتمل أن يكون فرضا، ونحن ~~نقول بوجوب العمرة، والواجب ما يحتمل أن يكون فرضا. # ويحتمل أن يكون تطوعا، فكان إطلاق اسم التطوع صحيحا على أحد الاحتمالين ~~وليس للفرض هذا الاحتمال فلا يصح الإطلاق، وقول السائل في الحديث السابق ~~(أهي واجبة؟) محمول على الفرض إذ هو الواجب على الإطلاق عملا واعتقادا ~~عينا، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نفي له، وبه نقول. ### | [شرائط وجوب العمرة] # (وأما) شرائط وجوبها فهي شرائط وجوب الحج؛ لأن الواجب ملحق بالفرض في حق ~~الأحكام، وقد ذكرنا ذلك في فصل الحج. ### | [أركان العمرة] # (وأما) ركنها فالطواف لقوله عز وجل {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] ~~؛ ولإجماع الأمة عليه. # (وأما) شرائط الركن فما ذكرنا في الحج إلا الوقت، فإن السنة كلها وقت ~~العمرة، وتجوز في غير أشهر الحج وفي أشهر الحج لكنه يكره فعلها في يوم عرفة ~~ويوم النحر وأيام التشريق. # أما الجواز في الأوقات كلها فلقوله تعالى {وأتموا الحج والعمرة ms1266 لله} ~~[البقرة: 196] مطلقا عن الوقت وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها ~~قالت «ما اعتمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرة إلا شهدتها وما ~~اعتمر إلا في ذي القعدة» وعن عمران بن حصين - رضي الله عنه - «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - اعتمر مع طائفة من أهله في عشر ذي الحجة» فدل ~~الحديثان على أن جوازها في أشهر الحج وما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه ~~كان ينهى عنها في أشهر الحج فهو محمول على نهي الشفقة على أهل الحرم لئلا ~~يكون الموسم في وقت واحد من السنة بل في وقتين لتوسع المعيشة على أهل الحرم ~~إلا أنه يكره في الأيام الخمسة عندنا في ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف ~~أنه لا يكره يوم عرفة قبل الزوال. # وقال الشافعي: لا يكره في هذه الأيام أيضا، واحتج بما تلونا من هذه الآية ~~وبما روينا من الحديثين؛ لأنه دخل يوم عرفة ويوم النحر فيها (وجه) رواية ~~أبي يوسف، أن ما قبل الزوال من يوم عرفة ليس وقت الوقوف، فلا يشغله عن ~~الوقوف في وقته، ولنا ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: (وقت ~~العمرة السنة كلها إلا يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق) والظاهر أنها ~~قالت سماعا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه باب لا يدرك ~~بالاجتهاد، ولأن هذه الأيام أيام شغل الحاج بأداء الحج، والعمرة فيها ~~تشغلهم عن ذلك وربما يقع الخلل فيه فيكره، ولا حجة له فيما ذكر؛ لأن ذلك ~~يدل على الجواز وبه نقول، وإنما الكلام في الكراهة والجواز لا ينفيها، وقد ~~قام دليل الكراهة وهو ما ذكرنا. # وكذا يختلفان في الميقات في حق أهل مكة فميقاتهم للحج من دويرة أهلهم، ~~وللعمرة من الحل التنعيم أو غيره، ومحظورات العمرة ما هو محظورات الحج، ~~وحكم ارتكابها في العمرة ما هو الحكم في الحج، وقد مضى بيان ذلك كله في ~~الحج. ### | [واجبات العمرة] # (وأما) واجباتها فشيئان: السعي بين الصفا والمروة، والحلق أو التقصير. # فأما ms1267 طواف الصدر فلا يجب على المعتمر، وقال الحسن بن زياد يجب عليه كذا ~~ذكر الكرخي وجه قوله: إن طواف الصدر طواف الوداع والمعتمر يحتاج إلى ~~الوداع، كالحاج، ولنا أن الشرع علق طواف الصدر بالحج بقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «من حج هذا البيت فليكن آخر عهده به الطواف» . ### | [سنن العمرة] # (وأما) سننها فما ذكرنا في الحج غير أنه إذا استلم الحجر يقطع التلبية ~~عند أول شوط من الطواف عند عامة العلماء. # وقال مالك: إن كان إحرامه للعمرة من المدينة يقطع التلبية إذا دخل الحرم، ~~وإن كان إحرامه لها من مكة يقطع إذا وقع بصره على البيت، والصحيح قول ~~العامة لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يلبي في العمرة حتى يستلم الحجر» وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده - رضي الله عنهم - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتمر ثلاث عمر في ~~ذي القعدة وكان يلبي في ذلك حتى يستلم الحجر» ولأن استلام الحجر نسك ودخول ~~الحرم ووقوع البصر على البيت ليس بنسك فقطع التلبية عندنا هو نسك أولى، ~~ولهذا يقطع التلبية في الحج عند الرمي؛ لأنه نسك كذا هذا والله أعلم. # PageV02P227 ### | [مفسدات العمرة] # وأما) بيان ما يفسدها وبيان حكمها إذا فسدت فالذي يفسدها الجماع لكن عند ~~وجود شرط كونه مفسدا، وذلك شيئان أحدهما الجماع في الفرج لما ذكرنا في ~~الحج، والثاني أن يكون قبل الطواف كله أو أكثره، وهو أربعة أشواط؛ لأن ~~ركنها الطواف، فالجماع حصل قبل أداء الركن فيفسدها كما لو حصل قبل الوقوف ~~بعرفة في الحج، وإذا فسدت يمضي فيها ويقضيها وعليه شاة لأجل الفساد عندنا. # وقال الشافعي: بدنة كما في الحج فإن جامع بعد ما طاف أربعة أشواط أو بعد ~~ما طاف الطواف كله قبل السعي أو بعد الطواف والسعي قبل الحلق لا تفسد ~~عمرته؛ لأن الجماع حصل بعد أداء الركن، وعليه دم لحصول الجماع في الإحرام، ~~وإن جامع بعد الحلق لا شيء عليه لخروجه عن ms1268 الإحرام بالحلق فإن جامع ثم جامع ~~فهو على التفصيل والاتفاق والاختلاف الذي ذكرنا في الحج والله الموفق. ### | [كتاب النكاح] ### | [صفة النكاح المشروع] # (كتاب النكاح) : # الكلام في هذا الكتاب في الأصل في أربعة مواضع في بيان صفة النكاح ~~المشروع وفي بيان ركن النكاح وفي بيان شرائط الركن وفي بيان حكم النكاح أما ~~الأول فنقول: لا خلاف أن النكاح فرض حالة التوقان، حتى أن من تاقت نفسه إلى ~~النساء بحيث لا يمكنه الصبر عنهن وهو قادر على المهر والنفقة ولم يتزوج ~~يأثم، واختلف فيما إذا لم تتق نفسه إلى النساء على التفسير الذي ذكرنا، قال ~~نفاة القياس مثل داود بن علي الأصفهاني وغيره من أصحاب الظواهر: أنه فرض ~~عين بمنزلة الصوم والصلاة وغيرهما من فروض الأعيان، حتى أن من تركه مع ~~القدرة على المهر والنفقة والوطء يأثم. # وقال الشافعي إنه مباح كالبيع والشراء. # واختلف أصحابنا فيه، قال بعضهم: إنه مندوب ومستحب. # وإليه ذهب من أصحابنا الكرخي. # وقال بعضهم: إنه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، بمنزلة ~~الجهاد وصلاة الجنازة. # وقال بعضهم: إنه واجب ثم القائلون بالوجوب اختلفوا في كيفية الوجوب، قال ~~بعضهم: إنه واجب على سبيل الكفاية، كرد السلام. # وقال بعضهم: إنه واجب عينا، لكن عملا لا اعتقادا على طريق التعيين، كصدقة ~~الفطر والأضحية، والوتر احتج أصحاب الظواهر بظواهر النصوص من نحو قوله عز ~~وجل {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] وقوله عز وجل {وأنكحوا ~~الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور: 32] وقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن» . # وقوله - صلى الله عليه وسلم - «تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم ~~القيامة» أمر الله عز وجل بالنكاح مطلقا، والأمر المطلق للفرضية والوجوب ~~قطعا، إلا أن يقوم الدليل بخلافه، ولأن الامتناع من الزنا واجب ولا يتوصل ~~إليه إلا بالنكاح، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به يكون واجبا. # واحتج الشافعي بقوله تعالى {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} ~~[النساء: ms1269 24] أخبر عن إحلال النكاح، والمحلل والمباح من الأسماء المترادفة، ~~ولأنه قال: {وأحل لكم} [النساء: 24] ولفظ لكم يستعمل في المباحات، ولأن ~~النكاح سبب يتوصل به إلى قضاء الشهوة فيكون مباحا كشراء الجارية للتسري ~~بها، وهذا لأن قضاء الشهوة إيصال النفع إلى نفسه، وليس يجب على الإنسان ~~إيصال النفع إلى نفسه بل: هو مباح في الأصل، كالأكل والشرب، وإذا كان مباحا ~~لا يكون واجبا لما بينهما من التنافي والدليل على أن النكاح ليس بواجب قوله ~~تعالى {وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين} [آل عمران: 39] وهذا خرج مخرج ~~المدح ليحيى - عليه الصلاة والسلام - بكونه حصورا، والحصور الذي لا يأتي ~~النساء مع القدرة ولو كان واجبا لما استحق المدح بتركه؛ لأن ترك الواجب لأن ~~يذم عليه أولى من أن يمدح. # واحتج من قال من أصحابنا: إنه مندوب إليه ومستحب بما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع ~~فليصم فإن الصوم له وجاء» أقام الصوم مقام النكاح، والصوم ليس بواجب فدل أن ~~النكاح ليس بواجب أيضا، لأن غير الواجب لا يقوم مقام الواجب. # ولأن في الصحابة - رضي الله عنهم - من لم تكن له زوجة، ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - علم منه بذلك ولم ينكر عليه، فدل أنه ليس بواجب. # ومن قال منهم: إنه # PageV02P228 # فرض أو واجب على سبيل الكفاية احتج بالأوامر الواردة في باب النكاح ~~والأمر المطلق للفرضية والوجوب قطعا، والنكاح لا يحتمل ذلك على طريق ~~التعيين؛ لأن كل واحد من آحاد الناس لو تركه لا يأثم، فيحمل على الفرضية ~~والوجوب على طريق الكفاية، فأشبه الجهاد، وصلاة الجنازة، ورد السلام. # ومن قال منهم: إنه واجب عينا لكن عملا لا اعتقادا على طريق التعيين يقول: ~~صيغة الأمر المطلقة عن القرينة تحتمل الفرضية، وتحتمل الندب؛ لأن الأمر ~~دعاء وطلب، ومعنى الدعاء والطلب موجود في كل واحد منهما، فيؤتى بالفعل لا ~~محالة، وهو تفسير وجوب العمل، ويعتقد على الإبهام على أن ما أراد الله ~~تعالى بالصيغة من الوجوب ms1270 القطعي أو الندب فهو حق؛ لأنه إن كان واجبا عند ~~الله فخرج عن العهدة بالفعل، فيأمن الضرر وإن كان مندوبا يحصل له الثواب، ~~فكان القول بالوجوب على هذا الوجه أخذا بالثقة، والاحتياط، واحترازا عن ~~الضرر بالقدر الممكن، وأنه واجب شرعا وعقلا، وعلى هذا الأصل بنى أصحابنا من ~~قال منهم: إن النكاح فرض أو واجب؛ لأن الاشتغال به مع أداء الفرائض والسنن ~~أولى من التخلي لنوافل العبادات مع ترك النكاح، وهو قول أصحاب الظواهر لأن ~~الاشتغال بالفرض والواجب كيف ما كان أولى من الاشتغال بالتطوع. # ومن قال منهم: إنه مندوب، ومستحب؛ فإنه يرجحه على النوافل من وجوه أخر ~~أحدها: أنه سنة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «النكاح سنتي» والسنن ~~مقدمة على النوافل بالإجماع. # ولأنه أوعد على ترك السنة بقوله «فمن رغب عن سنتي فليس مني» ولا وعيد على ~~ترك النوافل. # والثاني: أنه فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وواظب عليه أي: داوم ~~وثبت عليه، بحيث لم يخل عنه، بل كان يزيد عليه حتى تزوج عددا مما أبيح له ~~من النساء. # ولو كان التخلي للنوافل أفضل لما فعل؛ لأن الظاهر أن الأنبياء - عليهم ~~الصلاة والسلام - لا يتركون الأفضل فيما له حد معلوم؛ لأن ترك الأفضل فيما ~~له حد معلوم عد زلة منهم، وإذا ثبت أفضلية النكاح في حق النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ثبت في حق الأمة؛ لأن الأصل من الشرائع هو العموم، والخصوص ~~بدليل. # والثالث: أنه سبب يتوصل به إلى مقصود هو مفضل على النوافل؛ لأنه سبب ~~لصيانة النفس عن الفاحشة، وسبب لصيانة نفسها عن الهلاك بالنفقة، والسكنى، ~~واللباس، لعجزها عن الكسب، وسبب لحصول الولد الموحد. # وكل واحد من هذه المقاصد مفضل على النوافل، فكذا السبب الموصل إليه ~~كالجهاد والقضاء. # وعند الشافعي التخلي أولى. # وتخريج المسألة على أصله ظاهر؛ لأن النوافل مندوب إليها، فكانت مقدمة على ~~المباح، وما ذكره من دلائل الإباحة والحل فنحن نقول بموجبها: إن النكاح ~~مباح، وحلال في نفسه لكنه واجب لغيره، أو مندوب ومستحب لغيره ms1271 من حيث إنه ~~صيانة للنفس من الزنا ونحو ذلك على ما بينا. # ويجوز أن يكون الفعل الواحد حلالا بجهة، واجبا أو مندوبا إليه بجهة؛ إذ ~~لا تنافي عند اختلاف الجهتين. # وأما قوله عز وجل {وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين} [آل عمران: 39] ~~فاحتمل أن التخلي للنوافل كان أفضل من النكاح في شريعته، ثم نسخ ذلك في ~~شريعتنا بما ذكرنا من الدلائل - والله أعلم -. ### | [فصل ركن النكاح] # (فصل) : # وأما ركن النكاح فهو الإيجاب والقبول. # وذلك بألفاظ مخصوصة، أو ما يقوم مقام اللفظ، فيقع الكلام في هذا الفصل في ~~أربعة مواضع أحدها: في بيان اللفظ الذي ينعقد النكاح به بحروفه - والثاني: ~~في بيان صيغة ذلك اللفظ. # والثالث: في بيان أن النكاح هل ينعقد بعاقد واحد أو لا ينعقد إلا ~~بعاقدين. # والرابع: في بيان صفة الإيجاب والقبول أما بيان اللفظ الذي ينعقد به ~~النكاح بحروفه فنقول - وبالله التوفيق -: لا خلاف أن النكاح ينعقد بلفظ ~~الإنكاح والتزويج. # وهل ينعقد بلفظ البيع، والهبة، والصدقة، والتمليك؟ قال أصحابنا - رحمهم ~~الله -: ينعقد. # وقال الشافعي: لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج، واحتج بما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم ~~عوان، اتخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» وكلمته التي ~~أحل بها الفروج في كتابه الكريم لفظ الإنكاح والتزويج فقط قال الله تعالى: ~~{وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] وقال سبحانه وتعالى # PageV02P229 # {زوجناكها} [الأحزاب: 37] ولأن الحكم الأصلي للنكاح هو الازدواج والملك ~~يثبت وسيلة إليه؛ فوجب اختصاصه بلفظ يدل على الازدواج، وهو لفظ التزويج ~~والإنكاح لا غير. # ولنا أنه انعقد نكاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلفظ الهبة، ~~فينعقد به نكاح أمته. # ودلالة الوصف قوله تعالى {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد ~~النبي أن يستنكحها خالصة لك} [الأحزاب: 50] معطوفا على قوله {يا أيها النبي ~~إنا أحللنا لك أزواجك} [الأحزاب: 50] أخبر الله تعالى أن المرأة المؤمنة ~~التي وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - عند استنكاحه إياها حلال له. # وما كان مشروعا ms1272 في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون مشروعا في حق ~~أمته هو الأصل، حتى يقوم دليل الخصوص، فإن قيل: قد قام دليل الخصوص ههنا ~~وهو قوله تعالى {خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50] فالجواب: أن ~~المراد منه خالصة لك من دون المؤمنين بغير أجر فالخلوص يرجع إلى الأجر لا ~~إلى لفظ الهبة لوجوه أحدها: ذكره عقيبه وهو قوله عز وجل {قد علمنا ما فرضنا ~~عليهم في أزواجهم} [الأحزاب: 50] فدل أن خلوص تلك المرأة له كان بالنكاح ~~بلا فرض منه. # والثاني: أنه قال تعالى {لكيلا يكون عليك حرج} [الأحزاب: 50] ومعلوم أنه ~~لا حرج كان يلحقه في نفس العبارة، وإنما الحرج في إعطاء البدل. # والثالث: أن هذا خرج مخرج الامتنان عليه وعلى أمته في لفظ الهبة، ليست ~~تلك في لفظة التزويج، فدل أن المنة فيما صارت له بلا مهر، فانصرف الخلوص ~~إليه؛ ولأن الانعقاد بلفظ النكاح والتزويج لكونه لفظا موضوعا لحكم أصل ~~النكاح شرعا وهو الازدواج وأنه لم يشرع بدون الملك، فإذا أتي به يثبت ~~الازدواج باللفظ، ويثبت الملك الذي يلازمه شرعا. # ولفظ التمليك موضوع لحكم آخر أصلي للنكاح وهو الملك، وإنه غير مشروع في ~~النكاح بدون الازدواج فإذا أتي به وجب أن يثبت به الملك، ويثبت الازدواج ~~الذي يلازمه شرعا، استدلالا لأحد اللفظين بالآخر، وهذا لأنهما حكمان ~~متلازمان شرعا، ولم يشرع أحدهما بدون الآخر، فإذا ثبت أحدهما ثبت الآخر ~~ضرورة، ويكون الرضا بأحدهما رضا بالآخر. # وأما الحديث فنقول بموجبه لكن لم قلتم: إن استحلال الفروج بهذه الألفاظ ~~استحلال بغير كلمة الله فيرجع الكلام إلى تفسير الكلمة المذكورة فنقول: ~~كلمة الله تعالى تحتمل حكم الله عز وجل كقوله تعالى {ولولا كلمة سبقت من ~~ربك} [يونس: 19] فلم قلتم بأن جواز النكاح بهذه الألفاظ ليس حكم الله تعالى ~~والدليل على أنه حكم الله تعالى ما ذكرنا من الدلائل مع ما أن كل لفظ جعل ~~علما على حكم شرعي فهو حكم الله تعالى، وإضافة الكلمة إلى الله تعالى ~~باعتبار أن الشارع هو الله تعالى ms1273 فهو الجاعل اللفظ سببا لثبوت الحكم شرعا، ~~فكان كلمة الله تعالى فمن هذا الوجه على الاستحلال بكلمة الله لا ينفى ~~الاستحلال لا بكلمة الله تعالى فكان مسكوتا عنه فلا يصح الاحتجاج به. # ولا ينعقد النكاح بلفظ الإجارة عند عامة مشايخنا. # والأصل عندهم: أن النكاح لا ينعقد إلا بلفظ موضوع لتمليك العين، هكذا روى ~~ابن رستم عن محمد أنه قال: كل لفظ يكون في اللغة تمليكا للرقبة فهو في ~~الحرة نكاح. # وحكي عن الكرخي أنه ينعقد بلفظ الإجارة لقوله تعالى {فآتوهن أجورهن} ~~[النساء: 24] الله تعالى المهر أجرا، ولا أجر إلا بالإجارة، فلو لم تكن ~~الإجارة نكاحا لم يكن المهر أجرا. # (وجه) قول العامة: أن الإجارة عقد مؤقت بدليل أن التأبيد يبطلها، والنكاح ~~عقد مؤبد بدليل أن التوقيت يبطله. # وانعقاد العقد بلفظ يتضمن المنع من الانعقاد ممتنع، ولأن الإجارة تمليك ~~المنفعة، ومنافع البضع في حكم الأجزاء. # والأعيان فكيف يثبت ملك العين بتمليك المنفعة. # ولا ينعقد بلفظ الإعارة؛ لأن الإعارة إن كانت إباحة المنفعة فالنكاح لا ~~ينعقد بلفظ الإباحة، لانعدام معنى التمليك أصلا. # وإن كانت تمليك المتعة فالنكاح لا ينعقد إلا بلفظ موضوع لتمليك الرقبة، ~~ولم يوجد. # واختلف المشايخ في لفظ القرض قال بعضهم: لا ينعقد؛ لأنه في معنى الإعارة. # وقال بعضهم: ينعقد؛ لأنه يثبت به الملك في العين؛ لأن المستقرض يصير ملكا ~~للمستقرض. # وكذا اختلفوا في لفظ السلم قال بعضهم: لا ينعقد لأن السلم في الحيوان لا ~~يصح. # وقال بعضهم: ينعقد؛ لأنه يثبت به ملك الرقبة، والسلم في الحيوان ينعقد ~~عندنا، حتى لو اتصل به القبض يعد الملك ملكا فاسدا، لكن ليس كل ما يفسد ~~البيع يفسد النكاح. # واختلفوا أيضا في لفظ الصرف قال بعضهم: لا ينعقد به؛ لأنه وضع لإثبات ~~الملك في # PageV02P230 # الدراهم والدنانير التي لا تتعين بالتعيين، والمعقود عليه ههنا يتعين ~~بالتعيين. # وقال بعضهم: ينعقد لأنه يثبت به ملك العين في الجملة. # وأما لفظ الوصية فلا ينعقد به عند عامة مشايخنا؛ لأن الوصية تمليك مضاف ~~إلى ما بعد الموت، والنكاح ms1274 المضاف إلى زمان في المستقبل لا يصح. # وحكي عن الطحاوي أنه ينعقد؛ لأنه يثبت به ملك الرقبة في الجملة. # وحكى أبو عبد الله البصري عن الكرخي إن قيد الوصية بالحال بأن قال: أوصيت ~~لك بابنتي هذه الآن ينعقد؛ لأنه إذا قيده بالحال صار مجازا عن التمليك، ولا ~~ينعقد بلفظ الإحلال والإباحة؛ لأنه لا يدل على الملك أصلا ألا ترى أن ~~المباح له الطعام يتناوله على حكم ملك المبيح، حتى كان له حق الحجر والمنع. # ولا ينعقد بلفظ المتعة؛ لأنه لم يوضع للتمليك؛ ولأن المتعة عقد مفسوخ لما ~~نبين إن شاء الله في موضعه ولو أضاف الهبة إلى الأمة؛ بأن قال رجل: وهبت ~~أمتي هذه منك فإن كان الحال يدل على النكاح من إحضار الشهود، وتسمية المهر، ~~مؤجلا ومعجلا، ونحو ذلك، ينصرف إلى النكاح. # وإن لم يكن الحال دليلا على النكاح، فإن نوى النكاح فصدقه الموهوب له ~~فكذلك وينصرف إلى النكاح بقرينة النية. # وإن لم ينو ينصرف إلى ملك الرقبة - والله عز وجل أعلم - ثم النكاح كما ~~ينعقد بهذه الألفاظ بطريق الأصالة ينعقد بها بطريق النيابة، بالوكالة، ~~والرسالة؛ لأن تصرف الوكيل كتصرف الموكل، وكلام الرسول كلام المرسل، والأصل ~~في جواز الوكالة في باب النكاح ما روي أن النجاشي زوج رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أم حبيبة - رضي الله عنها - فلا يخلو ذلك إما أن فعله بأمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أو لا بأمره، فإن فعله بأمره فهو وكيله، وإن ~~فعله بغير أمره فقد أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - عقده والإجازة ~~اللاحقة كالوكالة السابقة، وكما ينعقد النكاح بالعبارة ينعقد بالإشارة من ~~الأخرس إذا كانت إشارته معلومة وينعقد بالكتابة؛ لأن الكتاب من الغائب ~~خطابه - والله تعالى أعلم -. # وأما بيان صيغة اللفظ الذي ينعقد به النكاح فنقول: لا خلاف في أن النكاح ~~ينعقد بلفظين يعبر بهما عن الماضي كقوله: زوجت وتزوجت وما يجري مجراه. # وأما بلفظين يعبر بأحدهما عن الماضي وبالآخر عن المستقبل كما إذا قال رجل ~~لرجل: زوجني بنتك أو ms1275 قال: جئتك خاطبا ابنتك أو قال جئتك لتزوجني بنتك فقال ~~الأب: قد زوجتك أو قال لامرأة: أتزوجك على ألف درهم فقالت: قد تزوجتك على ~~ذلك أو قال لها: زوجيني أو انكحيني نفسك فقالت: زوجتك أو أنكحت ينعقد ~~استحسانا والقياس أن لا ينعقد؛ لأن لفظ الاستقبال عدة، والأمر من فروع ~~الاستقبال؛ فلم يوجد الاستقبال، فلم يوجد الإيجاب إلا أنهم تركوا القياس ~~لما روي «أن بلالا - رضي الله عنه - خطب إلى قوم من الأنصار فأبوا أن ~~يزوجوه فقال: لولا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن أخطب ~~إليكم لما خطبت فقالوا له: ملكت» ولم ينقل أن بلالا أعاد القول. # ولو فعل لنقل. # ولأن الظاهر أنه أراد الإيجاب؛ لأن المساومة لا تتحقق في النكاح عادة، ~~فكان محمولا على الإيجاب بخلاف البيع؛ فإن السوم معتاد فيه فيحمل اللفظ ~~عليه، فلا بد من لفظ آخر يتأدى به الإيجاب - والله الموفق -. # وأما بيان أن النكاح هل ينعقد بعاقد واحد أو لا ينعقد إلا بعاقدين فقد ~~اختلف في هذا الفصل، قال أصحابنا: ينعقد بعاقد واحد إذا كانت له ولاية من ~~الجانبين، سواء كانت ولايته أصلية، كالولاية الثابتة بالملك والقرابة، أو ~~دخيلة كالولاية الثابتة بالوكالة؛ بأن كان العاقد مالكا من الجانبين ~~كالمولى إذا زوج أمته من عبده، أو كان وليا من الجانبين، كالجد إذا زوج ابن ~~ابنه الصغير من بنت ابنه الصغيرة، والأخ إذا زوج بنت أخيه الصغيرة من ابن ~~أخيه الصغير أو كان أصيلا ووليا كابن العم إذا زوج بنت عمه من نفسه، أو كان ~~وكيلا من الجانبين، أو رسولا من الجانبين، أو كان وليا من جانب ووكيلا من ~~جانب آخر، أو وكلت امرأة رجلا ليتزوجها من نفسه، أو وكل رجل امرأة لتزوج ~~نفسها منه، وهذا مذهب أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر: لا ينعقد النكاح بعاقد واحد أصلا. # وقال الشافعي: لا ينعقد إلا إذا كان وليا من الجانبين. # ولقب المسألة أن الواحد هل يجوز أن يقوم بالنكاح من الجانبين أم لا؟ ~~(وجه) قول زفر والشافعي أن ms1276 ركن النكاح اسم لشطرين مختلفين وهو: الإيجاب ~~والقبول، فلا يقومان إلا بعاقدين كشطري البيع، إلا أن الشافعي يقول في # PageV02P231 # الولي ضرورة لأن النكاح لا ينعقد بلا ولي، فإذا كان الولي متعينا فلو لم ~~يجز نكاح المولية لامتنع نكاحها أصلا، وهذا لا يجوز، وهذه الضرورة منعدمة ~~في الوكيل ونحوه، ولنا قوله تعالى {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم ~~فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب ~~لهن وترغبون أن تنكحوهن} [النساء: 127] قيل نزلت هذه الآية في يتيمة في حجر ~~وليها، وهي ذات مال (ووجه) الاستدلال بالآية الكريمة أن قوله تعالى {لا ~~تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن} [النساء: 127] خرج مخرج العتاب، ~~فيدل على أن الولي يقوم بنكاح وليته وحده، إذ لو لم يقم وحده به لم يكن ~~للعتاب معنى، لما فيه من إلحاق العتاب بأمر لا يتحقق. # وقوله تعالى {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] أمر سبحانه وتعالى ~~بالإنكاح مطلقا من غير فصل بين الإنكاح من غيره أو من نفسه؛ ولأن الوكيل في ~~باب النكاح ليس بعاقد بل هو سفير عن العاقد ومعبر عنه بدليل أن حقوق النكاح ~~والعقد لا ترجع إلى الوكيل، وإذا كان معبرا عنه وله ولاية على الزوجين؛ ~~فكانت عبارته كعبارة الموكل؛ فصار كلامه ككلام شخصين فيعتبر إيجابه كلاما ~~للمرأة، كأنها قالت زوجت نفسي من فلان، وقبوله كلاما للزوج؛ كأنه قال قبلت ~~فيقوم العقد باثنين حكما والثابت بالحكم ملحق بالثابت حقيقة. # وأما البيع فالواحد فيه إذا كان وليا يقوم بطرفي العقد، كالأب يشتري مال ~~الصغير لنفسه، أو يبيع مال نفسه من الصغير، أو يبيع مال ابنه الصغير من ~~ابنه الصغير، أو يشتري، إلا أنه إذا كان وكيلا لا يقوم بهما؛ لأن حقوق ~~العقد مقتصرة على العاقد، فلا يصير كلام العاقد كلام الشخصين؛ ولأن حقوق ~~البيع إذا كانت مقتصرة على العاقد وللبيع أحكام متضادة من التسليم والقبض ~~والمطالبة، فلو تولى طرفي العقد لصار الشخص الواحد مطالبا ومطلوبا ومسلما ~~ومتسلما وهذا ممتنع - والله عز وجل ms1277 أعلم -. # (وأما) . # صفة الإيجاب والقبول فهي: أن لا يكون أحدهما لازما قبل وجود الآخر، حتى ~~لو وجد الإيجاب من أحد المتعاقدين كان له أن يرجع قبل قبول الآخر، كما في ~~البيع؛ لأنهما جميعا ركن واحد، فكان أحدهما بعض الركن، والمركب من شيئين لا ~~وجود له بأحدهما. ### | [فصل شرائط الركن أنواع منها شرط الانعقاد] # (فصل) : # وأما شرائط الركن فأنواع: بعضها شرط الانعقاد، وبعضها شرط الجواز ~~والنفاذ، وبعضها شرط اللزوم. # (أما) . # شرط الانعقاد فنوعان:. # نوع يرجع إلى العاقد، ونوع يرجع إلى مكان العقد بالفعل، فلا ينعقد نكاح ~~المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأن العقل من شرائط أهلية التصرف فأما ~~البلوغ: فشرط النفاذ عندنا لا شرط الانعقاد على ما نذكر إن شاء الله تعالى ~~وأما تعذر العاقد فليس بشرط لانعقاد النكاح خلافا لزفر على ما مر. # (وأما) الذي يرجع إلى مكان العقد فهو اتحاد المجلس إذا كان العاقدان ~~حاضرين وهو أن يكون الإيجاب والقبول في مجلس واحد حتى لو اختلف المجلس لا ~~ينعقد النكاح، بأن كانا حاضرين فأوجب أحدهما فقام الآخر عن المجلس قبل ~~القبول، أو اشتغل بعمل يوجب اختلاف المجلس، لا ينعقد؛ لأن انعقاده عبارة عن ~~ارتباط أحد الشطرين بالآخر، فكان القياس وجودهما في مكان واحد، إلا أن ~~اعتبار ذلك يؤدي إلى سد باب العقود؛ فجعل المجلس جامعا للشطرين حكما مع ~~تفرقهما حقيقة للضرورة، والضرورة تندفع عند اتحاد المجلس، فإذا اختلف تفرق ~~الشطرين حقيقة وحكما فلا ينتظم الركن. # (وأما) الفور فليس من شرائط الانعقاد عندنا. # وعند الشافعي: هو شرط والمسألة ستأتي في كتاب البيوع، ونذكر الفرق هناك، ~~وعلى هذا يخرج ما إذا تناكحا وهما يمشيان أو يسيران على الدابة وهو على ~~التفصيل الذي نذكر - إن شاء الله تعالى - في كتاب البيوع، ونذكر الفرق هناك ~~بين المشي والسير على الدابة وبين جريان السفينة، هذا إذا كان العاقدان ~~حاضرين فأما إذا كان أحدهما غائبا؛ لم ينعقد حتى لو قالت امرأة بحضرة ~~شاهدين: زوجت نفسي من فلان وهو غائب فبلغه الخبر فقال: قبلت أو قال ms1278 رجل ~~بحضرة شاهدين: تزوجت فلانة وهي غائبة فبلغها الخبر فقالت: زوجت نفسي منه لم ~~يجز، وإن كان القبول بحضرة ذينك الشاهدين. # وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف: ينعقد ويتوقف على إجازة الغائب. # (وجه) قول أبي يوسف أن كلام الواحد يصلح أن يكون عقدا في # PageV02P232 # باب النكاح؛ لأن الواحد في هذا الباب يقوم بالعقد من الجانبين، وكما لو ~~كان مالكا من الجانبين، أو وليا، أو وكيلا، فكان كلامه عقدا لا شطرا، فكان ~~محتملا للتوقف كما في الخلع والطلاق والإعتاق على مال. # (وجه) قولهما أن هذا شطر العقد حقيقة، لا كله؛ لأنه لا يملك كله؛ لانعدام ~~الولاية، وشطر العقد لا يقف على غائب عن المجلس كالبيع، وهذا لأن الشطر لا ~~يحتمل التوقف حقيقة؛ لأن التوقف في الأصل على خلاف الحقيقة؛ لصدوره عن ~~الولاء على الجانبين، فيصير كلامه بمنزلة كلامين، وشخصه كشخصين حكما، فإذا ~~انعدمت الولاية ولا ضرورة إلى تعيين الحقيقة؛ فلا يقف بخلاف الخلع لأنه من ~~جانب الزوج يمين؛ لأنه تعليق الطلاق بقبول المرأة، وأنه يمين فكان عقدا ~~تاما، ومن جانب المرأة معاوضة فلا يحتمل التوقف كالبيع، وكذلك الطلاق ~~والإعتاق على مال. # ولو أرسل إليها رسولا وكتب إليها بذلك كتابا فقبلت بحضرة شاهدين سمعا ~~كلام الرسول وقراءة الكتاب جاز ذلك لاتحاد المجلس من حيث المعنى؛ لأن كلام ~~الرسول كلام المرسل؛ لأنه ينقل عبارة المرسل. # وكذا الكتاب بمنزلة الخطاب من الكاتب، فكان سماع قول الرسول وقراءة ~~الكتاب سماع قول المرسل وكلام الكاتب معنى. # وإن لم يسمعا كلام الرسول وقراءة الكتاب لا يجوز عندهما وعند أبي يوسف ~~إذا قالت زوجت نفسي يجوز وإن لم يسمعا كلام الرسول وقراءة الكتاب بناء على ~~أن قولها زوجت نفسي شطر العقد عندهما، والشهادة في شطري العقد شرط؛ لأنه ~~يصير عقدا بالشطرين، فإذا لم يسمعا كلام الرسول وقراءة الكتاب فلم توجد ~~الشهادة على العقد، وقول الزوج بانفراده عقد عنده وقد حضر الشاهدان. # وعلى هذا الخلاف الفضولي الواحد من الجانبين بأن قال الرجل: زوجت فلانة ~~من فلان. # وهما ms1279 غائبان، لم ينعقد عندهما حتى لو بلغهما الخبر فأجازا، لم يجز. # وعنده ينعقد ويجوز بالإجازة. # ولو قال فضولي: زوجت فلانة من فلان وهما غائبان فقبل فضولي آخر عن الزوج؛ ~~ينعقد بلا خلاف بين أصحابنا حتى إذا بلغهما الخبر وأجازا جاز،. # ولو فسخ الفضولي العقد قبل إجازة من وقف العقد على إجازته صح الفسخ في ~~قول أبي يوسف. # وعند محمد لا يصح. # (وجه) قوله أنه بالفسخ متصرف في حق غيره فلا يصح، ودلالة ذلك أن العقد قد ~~انعقد في حق المتعاقدين وتعلق به حق من توقف على إجازته؛ لأن الحكم عند ~~الإجازة ثبت بالعقد السابق، فكان هو بالفسخ متصرفا في محل تعلق به حق ~~الغير، فلا يصح فسخه بخلاف الفضولي إذا باع ثم فسخ قبل اتصال الإجازة به ~~أنه يجوز؛ لأن الفسخ هناك تصرف دفع الحقوق عن نفسه؛ لأنه عند الإجازة تتعلق ~~حقوق العقد بالوكيل، فكان هو بالفسخ دافعا الحقوق عن نفسه فيصح، كالمالك ~~إذا أوجب النكاح أو البيع أنه يملك الرجوع قبل قبول الآخر لما قلنا كذا ~~هذا. # (وجه) قول أبي يوسف أن العقد قبل الإجازة غير منعقد في حق الحكم وإنما ~~انعقد في حق المتعاقدين فقط، فكان الفسخ منه قبل الإجازة تصرفا في كلام ~~نفسه بالنقض فجاز كما في البيع. ### | [فصل بيان شرائط الجواز والنفاذ] # (فصل) : # وأما بيان شرائط الجواز والنفاذ فأنواع منها:. # أن يكون العاقد بالغا فإن نكاح الصبي العاقل وإن كان منعقدا على أصل ~~أصحابنا فهو غير نافذ، بل نفاذه يتوقف على إجازة وليه؛ لأن نفاذ التصرف ~~لاشتماله على وجه المصلحة والصبي لقلة تأمله لاشتغاله باللهو واللعب لا يقف ~~على ذلك فلا ينفذ تصرفه، بل يتوقف على إجازة وليه، فلا يتوقف على بلوغه حتى ~~لو بلغ قبل أن يجيزه الولي لا ينفذ بالبلوغ؛ لأن العقد انعقد موقوفا على ~~إجازة الولي ورضاه، لسقوط اعتبار رضا الصبي شرعا، وبالبلوغ زالت ولاية ~~الولي فلا ينفذ ما لم يجزه بنفسه، وعند الشافعي: لا تنعقد تصرفات الصبي ~~أصلا بل هي باطلة وقد ms1280 ذكرنا المسألة في كتاب المأذون. # ومنها: أن يكون حرا فلا يجوز نكاح مملوك بالغ عاقل إلا بإذن سيده، والأصل ~~فيه قوله - صلى الله عليه وسلم - «أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر» ~~. # والكلام في هذا الشرط يقع في مواضع في بيان أن إذن المولى شرط جواز نكاح ~~المملوك، لا يجوز من غير إذنه، أو إجازته، وفي بيان ما يكون إجازة له، وفي ~~بيان ما يملكه من النكاح بعد الإذن، وفي بيان حكم المهر في نكاح المملوك. # PageV02P233 # أما الأول: فلا يجوز نكاح مملوك بغير إذن مولاه وإن كان عاقلا، بالغا، ~~سواء كان قنا أو مدبرا، أو مدبرة أو أم ولد، أو مكاتبة، أو مكاتبا أما ~~القن، فإن كان أمة فلا يجوز نكاحها بغير إذن سيدها بلا خلاف؛ لأن منافع ~~البضع مملوكة لسيدها، ولا يجوز التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وكذلك ~~المدبرة وأم الولد لما قلنا. # وكذا المكاتبة لأنها ملك المولى رقبة، وملك المتعة يتبع ملك الرقبة، إلا ~~أنه منع من الاستمتاع بها لزوال ملك اليد، وفي الاستمتاع إثبات ملك اليد، ~~ولأن من الجائز أنها تعجز فترد إلى الرق فتعود قنة كما كانت فتبين أن ~~نكاحها صادف المولى فلا يصح، وإن كان عبدا فلا يجوز نكاحه أيضا عند عامة ~~العلماء. # وقال مالك: يجوز. # (وجه) قوله أن منافع بضع العبد لا تدخل تحت ملك المولى فكان المولى فيها ~~على أصل الحرية، والمولى أجنبي عنها، فيملك النكاح كالحر بخلاف الأمة؛ لأن ~~منافع بضعها ملك المولى فمنعت من التصرف بغير إذنه، ولنا أن العبد بجميع ~~أجزائه ملك المولى لقوله تعالى {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء} [الروم: 28] أخبر سبحانه ~~وتعالى أن العبيد ليسوا شركاء فيما رزق السادات، ولا هم بسواء في ذلك، ~~ومعلوم أنه ما أراد به نفي الشركة في المنافع؛ لاشتراكهم فيها دل أنه أراد ~~به حقيقة الملك، ولقوله تعالى {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} ms1281 ~~[النحل: 75] والعبد اسم لجميع أجزائه، ولأن سبب الملك أضيف إلى كله فيثبت ~~الملك في كله إلا أنه منع من الانتفاع ببعض أجزائه بنفسه، وهذا لا يمنع ~~ثبوت الملك له كالأمة المجوسية وغير ذلك، وكذلك المأذون في التجارة؛ لأنه ~~عبد مملوك، ولأنه كان محجورا قبل الإذن بالتجارة والنكاح ليس من التجارة ~~لأن التجارة معاوضة المال بالمال، والنكاح معاوضة البضع بالمال، والدليل ~~عليه أن المرأة إذا زوجت نفسها على عبد تنوي أن يكون العبد للتجارة لم يكن ~~للتجارة. # ولو كان النكاح من التجارة لكان بدل البضع للتجارة كالبيع، فكان هو ~~بالنكاح متصرفا في ملك مولاه، فلا يجوز كما لا يجوز نكاح الأمة، والدليل ~~عليه قوله تعالى: {لا يقدر على شيء} [النحل: 75] وصف العبد المملوك بأنه لا ~~يقدر على شيء، ومعلوم أنه إنما أراد به القدرة الحقيقية؛ لأنها ثابتة له ~~فتعين القدرة الشرعية وهي إذن الشرع وإطلاقه، فكان نفي القدرة الشرعية نفيا ~~للإذن والإطلاق، ولا يجوز إثبات التصرف الشرعي بغير إذن الشرع، وكذلك ~~المدبر؛ لأنه عبد مملوك، وكذلك المكاتب؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ~~على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأنه كان محجورا عن التزوج قبل ~~الكتابة. # وعند الكتابة ما أفاد له إلا الإذن بالتجارة، والنكاح ليس من التجارة؛ ~~لأن التجارة معاوضة المال بالمال والنكاح معاوضة البضع بالمال والدليل عليه ~~أن المرأة إذا زوجت نفسها على عبد تنوي أن العبد يكون للتجارة لم يكن ~~للتجارة. # ولو كان النكاح من التجارة لكان بدل البضع للتجارة كالبيع. # وأما معتق البعض فلا يجوز نكاحه عند أبي حنيفة؛ لأنه بمنزلة المكاتب ~~عنده. # وعند أبي يوسف ومحمد يجوز لأنه بمنزلة حر عليه دين عندهما. # ولو تزوج بغير إذن المولى واحد ممن ذكرنا أنه لا يجوز تزويجه إلا بإذن ~~المولى ثم إن أجاز المولى النكاح جاز؛ لأن العقد صدر من الأهل في المحل، ~~إلا أنه امتنع النفاذ لحق المولى فإذا أجاز فقد زال المانع، ولا يجوز للعبد ~~أن يتسرى وإن أذن له مولاه؛ لأن حل ms1282 الوطء لا يثبت إلا بأحد الملكين قال ~~الله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] {إلا على أزواجهم أو ~~ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] ولم يوجد أحدهما. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يتسرى العبد ولا ~~يسريه مولاه ولا يملك العبد ولا المكاتب شيئا إلا الطلاق» وهذا نص. # وأما بيان ما يكون إجازة: فالإجازة قد ثبتت بالنص وقد ثبتت بالدلالة وقد ~~ثبتت بالضرورة، أما النص: فهو الصريح بالإجازة وما يجري مجراها نحو أن ~~يقول: أجزت، أو رضيت، أو أذنت، ونحو ذلك. # وأما الدلالة: فهي قول أو فعل يدل على الإجازة مثل أن يقول المولى إذا ~~أخبر بالنكاح: حسن، أو صواب، أو لا بأس به، ونحو ذلك، أو يسوق إلى المرأة ~~المهر أو شيئا منه في نكاح العبد، ونحو ذلك مما يدل على الرضا. # ولو قال له المولى: طلقها أو فارقها لم يكن إجازة؛ لأن قوله طلقها أو ~~فارقها يحتمل حقيقة الطلاق والمفارقة ويحتمل المتاركة؛ لأن النكاح الفاسد ~~والنكاح الموقوف يسمى طلاقا ومفارقة # PageV02P234 # فوقع الشك والاحتمال في ثبوت الإجازة، فلا يثبت بالشك والاحتمال. # ولو قال له: طلقها تطليقة تملك الرجعة؛ فهو إجازة لارتفاع الترداد إذ لا ~~رجعة في المتاركة للنكاح الموقوف وفسخه وأما الضرورة فنحو: أن يعتق المولى ~~العبد أو الأمة فيكون الإعتاق إجازة. # ولو أذن بالنكاح لم يكن الإذن بالنكاح إجازة. # ووجه الفرق بينهما من وجهين أحدهما: أنه لو لم يجعل الإعتاق إجازة لكان ~~لا يخلو إما أن يبطل بالنكاح الموقوف وإما أن يبقى موقوفا على الإجازة، ولا ~~سبيل إلى الأول؛ لأن النكاح صدر من الأهل في المحل فلا يبطل إلا بإبطال من ~~له ولاية الإبطال؛ ولا سبيل إلى الثاني؛ لأنه لو بقي موقوفا على الإجازة. # فأما إن بقي موقوفا على إجازة المولى أو على إجازة العبد لا وجه للأول؛ ~~لأن ولاية الإجازة لا تثبت إلا بالملك وقد زال بالإعتاق، ولا وجه للثاني ~~لأن العقد وجد من العبد فكيف يقف عقد الإنسان على إجازته. # وإذا ms1283 بطلت هذه الأقسام وليس ههنا قسم آخر لزم أن يجعل الإعتاق إجازة ~~ضرورة وهذه الضرورة لم توجد في الإذن بالنكاح، وللثاني أن امتناع النفاذ مع ~~صدور التصرف من الأهل في المحل لقيام حق المولى - وهو الملك - نظرا له، ~~دفعا للضرر عنه، وقد زال ملكه بالإعتاق فزال المانع من النفوذ، والإذن ~~بالتزوج لا يوجب زوال المانع - وهو الملك - لكنه بالإذن أقامه مقام نفسه في ~~النكاح كأنه هو، ثم ثبوت ولاية الإجازة له لم تكن إجازة ما لم يجز، فكذا ~~العبد، ثم إذا لم يكن نفس الإذن من المولى بالنكاح إجازة لذلك العقد؛ فإن ~~أجازه العبد جاز استحسانا، والقياس أن لا يجوز. # وإن أجازه وجه القياس أنه مأذون بالعقد، والإجازة مع العقد متغايران اسما ~~وصورة وشرطا أما الاسم والصورة: فلا شك في تغايرهما. # وأما الشرط فإن محل العقد عليه، ومحل الإجازة نفس العقد. # وكذا الشهادة شرط العقد لا شرط الإجازة، والإذن بأحد المتغايرين لا يكون ~~إذنا بالآخر. # وجه الاستحسان أن العبد أتى ببعض ما هو مأذون فيه، فكان متصرفا عن إذن، ~~فيجوز تصرفه، ودلالة ذلك أن المولى أذن له بعقد نافذ فكان مأذونا بتحصيل ~~أصل العقد ووصفه - وهو النفاذ - وقد حصل النفاذ فيحصل، ولهذا لو زوج فضولي ~~هذا العبد امرأة بغير إذن المولى فأجاز العبد نفذ العقد دل أن تنفيذ العقد ~~بالإجازة مأذون فيه من قبل المولى فينفذ بإجازته، ثم إذا نفذ النكاح ~~بالإعتاق وهي أمة فلا خيار لها؛ لأن النكاح نفذ بعد العتق فالإعتاق لم ~~يصادفها وهي منكوحة، والمهر لها إن لم يكن الزوج دخل بها قبل الإعتاق، وإن ~~كان قد دخل بها قبل الإعتاق فالمهر للمولى، هذا إذا أعتقها وهي كبيرة فأما ~~إذا كانت صغيرة فأعتقها فإن الإعتاق لا يكون إجازة. # ويبطل العقد عند زفر. # وعندنا يبقى موقوفا على إجازة المولى إذا لم يكن لها عصبة، فإن كان لها ~~عصبة يتوقف على إجازة العصبة، ويجوز بإجازة العصبة ثم إن كان المجيز غير ~~الأب أو الجد فلها خيار الإدراك؛ لأن العقد ms1284 نفذ عليها في حالة الصغر، وهي ~~حرة، وإن كان المجيز أبوها أو جدها فلا خيار لها. # ولو مات المولى قبل الإجازة فإن ورثها من يحل له وطؤها بطل النكاح ~~الموقوف؛ لأن الحل النافذ قد طرأ على الموقوف لوجود سبب الحل - وهو الملك - ~~قال الله تعالى {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] {إلا على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] ومن ضرورة ثبوت الحل ~~له ارتفاع الموقوف، وإن ورثها من لا يحل له وطؤها بأن كان الوارث ابن الميت ~~وقد وطئها أبوه، أو كانت الأمة أخته من الرضاع، أو ورثها جماعة، فللوارث ~~الإجازة لأنه لم يوجد طريان الحل فبقي الموقوف على حاله، وكذلك إذا باعها ~~المولى قبل الإجازة فهو على التفصيل الذي ذكرنا في الوارث وعلى هذا قالوا ~~فيمن تزوج جارية غيره بغير إذنه ووطئها ثم باعها المولى من رجل أن للمشتري ~~الإجازة؛ لأن وطء الزوج يمنع حل الوطء للمشتري. # وأما العبد إذا تزوج بغير إذن المولى فمات الولي أو باعه قبل الإجازة ~~فللوارث والمشتري الإجازة؛ لأنه لا يتصور حل الوطء ههنا فلم يوجد طريان حل ~~الوطء، فبقي الموقوف بحاله. # وهذا الذي ذكرنا قول أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر: لا يجوز بإجازة الوارث والمشتري بل يبطل. # والأصل فيه أن العقد الموقوف على إجازة إنسان يحتمل الإجازة من قبل غيره ~~عندنا وعنده لا يحتمل. # وجه قوله أن الإجازة إنما تلحق الموقوف؛ لأنها تنفيذ الموقوف فإنما تلحقه ~~على الوجه الذي وقف وإنما وقف على الأول لا على الثاني، فلا يملك الثاني ~~تنفيذه # PageV02P235 # (ولنا) أنه إنما وقف على إجازة الأول؛ لأن الملك له وقد صار الملك للثاني ~~فتنتقل الإجازة إلى الثاني؛ وهذا لأن المالك يملك إنشاء النكاح بأصله ووصفه ~~- وهو النفاذ - فلأن يملك تنفيذ النكاح الموقوف - وأنه إثبات الوصف دون ~~الأصل - أولى ولو زوجت المكاتبة نفسها بغير إذن المولى حتى وقف على إجازته ~~فأعتقها نفذ العقد. # والأخبار فيه كما ذكرنا في الأمة القنة. # وكذلك إذا أدت فعتقت، وإن عجزت فإن كان بضعها يحل ms1285 للمولى يبطل العقد، وإن ~~كان لا يحل بأن كانت أخته من الرضاع أو كانت مجوسية توقف على إجازته. # ولو كان المولى هو الذي عقد عليها بغير رضاها حتى وقف على إجازتها فأجازت ~~جاز العقد، وإن أدت فعتقت أو أعتقها المولى توقف العقد على إجازتها إن كانت ~~كبيرة، وإن كانت صغيرة فهو على ما ذكرنا من الاختلاف في الأمة، وتتوقف على ~~إجازة المولى عندنا إذا لم يكن لها عصبة غير المولى، فإن كان فأجازوا جاز ~~وإذا أدركت فلها خيار الإدراك إذا كان المجبر غير الأب والجد على ما ذكرنا. # وإن لم يعتقها حتى عجزت بطل العقد. # وإن كان بضعها يحل للمولى وإن كان لا يحل له فلا يجوز إلا بإجازته. # وأما بيان ما يملكه من النكاح بعد الإذن فنقول: إذا أذن المولى للعبد ~~بالتزويج فلا يخلو إما إن خص الإذن بالتزوج أو عمه فإن خص بأن قال له: تزوج ~~لم يجز له أن يتزوج إلا امرأة واحدة؛ لأن الأمر المطلق بالفعل لا يقتضي ~~التكرار، وكذا إذا قال له تزوج امرأة؛ لأن قوله امرأة اسم لواحدة من هذا ~~الجنس وإن عم؛ بأن قال: تزوج ما شئت من النساء جاز له أن يتزوج ثنتين ولا ~~يجوز له أن يتزوج أكثر من ذلك؛ لأنه أذن له بنكاح ما شاء من النساء بلفظ ~~الجمع فينصرف إلى جميع ما يملكه العبيد من النساء - وهو التزوج باثنتين - ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا يتزوج العبد أكثر من اثنتين» وعليه ~~إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - وروي عن الحكم أنه قال: اجتمع أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على أن العبد لا يجمع من النساء فوق اثنتين؛ ~~ولأن مالكية النكاح تشعر بكمال الحال؛ لأنها من باب الولاية والعبد أنقص ~~حالا من الحر فيظهر أثر النقصان في عدد المملوك له في النكاح كما ظهر أثره ~~في القسم، والطلاق، والعدة، والحدود، وغير ذلك. # وهل يدخل تحت الإذن بالتزوج النكاح الفاسد؟ قال أبو حنيفة: يدخل حتى لو ~~تزوج العبد امرأة ms1286 نكاحا فاسدا ودخل بها لزمه المهر في الحال. # وقال أبو يوسف ومحمد: لا يدخل، ويتبع بالمهر بعد العتق. # (وجه) قولهما أن غرض المولى من الإذن بالنكاح - وهو حل الاستمتاع - ليحصل ~~به عفة العبد عن الزنا، وهذا لا يحصل بالنكاح الفاسد؛ لأنه لا يفيد الحل، ~~فلا يكون مرادا من الإذن بالتزوج، ولهذا لو حلف لا يتزوج ينصرف إلى النكاح ~~الصحيح، حتى لو نكح نكاحا فاسدا لا يحنث كذا هذا ولأبي حنيفة أن الإذن ~~بالتزوج مطلق فينصرف إلى الصحيح والفاسد، كالإذن بالبيع مطلقا، وفي مسألة ~~اليمين إنما لم ينصرف لفظ النكاح إلى الفاسد لقرينة عرفية، إلا أن الأيمان ~~محمولة على العرف والعادة والمتعارف والمعتاد مما يقصد باليمين الامتناع عن ~~الصحيح لا الفاسد؛ لأن فساد المحلوف عليه يكفي مانعا من الإقدام عليه، فلا ~~حاجة إلى الامتناع باليمين، والدليل على صحة هذا التخريج أن يمين الحالف لو ~~كانت على الفعل الماضي ينصرف إلى الصحيح والفاسد جميعا، ويتفرع على هذا أنه ~~إذا تزوج امرأة نكاحا فاسدا ثم أراد أن يتزوج أخرى نكاحا صحيحا ليس له ذلك ~~عند أبي حنيفة؛ لأن الإذن انتهى بالنكاح. # وعندهما له ذلك؛ لأن الإذن قد بقي، ولو أذن له بنكاح فاسد نصا ودخل بها ~~يلزمه المهر في الحال، في قولهم جميعا أما على أصل أبي حنيفة: فظاهر. # وأما على أصلهما فلأن الصرف إلى الصحيح لضرب دلالة أوجبت إليه، فإذا جاء ~~النص بخلافه بطلت الدلالة - والله عز وجل الموفق -. # وأما بيان حكم المهر في نكاح المملوك فنقول: إذا كانت الإجازة قبل الدخول ~~بالأمة لم يكن على الزوج إلا مهر واحد؛ وإن كان بعد الدخول بها فالقياس أن ~~يلزمه مهران، مهر بالدخول قبل الإجازة، ومهر بالإجازة. # (وجه) القياس أنه وجد سبب وجوب مهرين، أحدهما: الدخول؛ لأن الدخول في ~~النكاح الموقوف دخول في نكاح فاسد، وهو بمنزلة الدخول في نكاح فاسد، وذا ~~يوجب المهر، كذا هذا. # والثاني: النكاح الصحيح؛ لأن النكاح قد صح بالإجازة، وللاستحسان وجهان # PageV02P236 # أحدهما أن النكاح كان موقوفا على إذن المالك ms1287 كنكاح الفضولي، والعقد ~~الموقوف إذا اتصلت به الإجازة تستند الإجازة إلى وقت العقد، وإذا استندت ~~الإجازة إليه صار كأنه عقده بإذنه، إذ الإجازة اللاحقة كالإذن السابق فلا ~~يجب إلا مهر واحد. # والثاني: أن مهر المثل لو وجب لكان لوجوده تعلقا بالعقد؛ لأنه لولاه لكان ~~الفعل زنا، ولكان الواجب هو الحد لا المهر، وقد وجب المسمى بالعقد فلو وجب ~~به مهر المثل أيضا لوجب بعقد واحد مهران وأنه ممتنع ثم كل ما وجب من مهر ~~الأمة فهو للمولى، سواء وجب بالعقد أو بالدخول، وسواء كان المهر مسمى أو ~~مهر المثل، وسواء كانت الأمة قنة أو مدبرة أو أم ولد، إلا المكاتبة والمعتق ~~بعضها، فإن المهر لهما؛ لأن المهر وجب عوضا عن المتعة وهي منافع البضع، ثم ~~إن كانت منافع البضع ملحقة بالأجزاء والأعيان فعوضها يكون للمولى كالأرش، ~~وإن كانت مبقاة على حقيقة المنفعة فبدلها يكون للمولى أيضا كالأجرة، بخلاف ~~المكاتبة؛ لأن هناك الأرش والأجرة لها، فكان المهر لها أيضا، وكل مهر لزم ~~العبد، فإن كان قنا والنكاح بإذن المولى يتعلق بكسبه، ورقبته تباع فيه إن ~~لم يكن له كسب عندنا؛ لأنه دين ثابت في حق العبد ظاهر في حق المولى. # ومثل هذا الدين يتعلق برقبة العبد على أصل أصحابنا، والمسألة ستأتي في ~~كتاب المأذون وإن كان مدبرا أو مكاتبا فإنهما يسعيان في المهر فيستوفى من ~~كسبهما لتعذر الاستيفاء من رقبتهما بخروجهما عن احتمال البيع بالتدبير ~~والكتابة. # وما لزم العبيد من ذلك بغير إذن المولى اتبعوا به بعد العتق؛ لأنه دين ~~تعلق بسبب لم يظهر في حق المولى، فأشبه الدين الثابت بإقرار العبد المحجور ~~أنه لا يلزمه للحال ويتبع به بعد العتاق لما قلنا كذا هذا - والله أعلم -. # ومنها الولاية في النكاح فلا ينعقد إنكاح من لا ولاية له، والكلام في هذا ~~الشرط يقع في مواضع في بيان أنواع الولاية، وفي بيانه سبب ثبوت كل نوع، وفي ~~بيان شرط ثبوت كل نوع وما يتصل به أما الأول: فالولاية في باب النكاح أنواع ms1288 ~~أربعة: ولاية الملك، وولاية القرابة، وولاية الولاء، وولاية الإمامة، أما. # ولاية الملك: فسبب ثبوتها الملك؛ لأن ولاية الإنكاح ولاية نظر، والملك ~~داع إلى الشفقة والنظر في حق المملوك؛ فكان سببا لثبوت الولاية، ولا ولاية ~~للمملوك لعدم الملك له؛ إذ هو مملوك في نفسه فلا يكون مالكا. # وأما شرائط ثبوت هذه الولاية فمنها: عقل المالك، ومنها بلوغه، فلا يجوز ~~الإنكاح من المجنون والصبي الذي لا يعقل ولا من الصبي العاقل؛ لأن هؤلاء ~~ليسوا من أهل الولاية؛ لأن أهلية الولاية بالقدرة على تحصيل النظر في حق ~~المولى عليه، وذلك بكمال الرأي والعقل ولم يوجد ألا ترى أنه لا ولاية لهم ~~على أنفسهم فكيف يكون على غيرهم؟ ؛ ومنها الملك المطلق، وهو أن يكون المولى ~~عليه مملوكا للمالك رقبة ويدا، وعلى هذا يخرج إنكاح الرجل أمته، أو مدبرته، ~~أو أم ولده، أو عبده، أو مدبره أنه جائز سواء رضي به المملوك أو لا، ولا ~~يجوز إنكاح المكاتب والمكاتبة إلا برضاهما أما إنكاح الأمة والمدبرة وأم ~~الولد فلا خلاف في جوازه، صغيرة كانت أو كبيرة. # وأما إنكاح العبد فإن كان صغيرا يجوز، وإن كان كبيرا فقد ذكر في ظاهر ~~الرواية أنه يجوز من غير رضاه وروي عن أبي حنيفة أنه لا يجوز إلا برضاه. # وبه أخذ الشافعي. # (وجه) هذه الرواية أن منافع بضع العبد لم تدخل تحت ملك المولى بل هو ~~أجنبي عنها، والإنسان لا يملك التصرف في ملك غيره من غير رضاه، ولهذا لا ~~يملك إنكاح المكاتب والمكاتبة، بخلاف الأمة؛ لأن منافع بضعها مملوكة للمولى ~~ولأن نكاح المكره لا ينفذ ما وضع له من المقاصد المطلوبة منه؛ لأن حصولها ~~بالدوام على النكاح، والقرار عليه. # ونكاح المكره لا يدوم بل يزيله العبد بالطلاق فلا يفيد فائدة. # (وجه) ظاهر الرواية قوله تعالى {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من ~~عبادكم وإمائكم} [النور: 32] أمر الله سبحانه وتعالى الموالي بإنكاح العبيد ~~والإماء مطلقا عن شرط الرضا، فمن شرطه يحتاج إلى الدليل؛ ولأن إنكاح ~~المملوك من المولى تصرف لنفسه؛ لأن مقاصد ms1289 النكاح ترجع إليه؛ فإن الولد في ~~إنكاح الأمة له وكذا في إنكاح أمته من عبده، ومنفعة العقد عن الزنا الذي ~~يوجب نقصان مالية مملوكه حصل له أيضا، فكان هذا الإنكاح تصرفا لنفسه. # ومن تصرف في ملك نفسه لنفسه ينفذ، # PageV02P237 # ولا يشترط فيه رضا المتصرف فيه، كما في البيع والإجارة وسائر التصرفات؛ ~~ولأن العبد ملكه بجميع أجزائه مطلقا لما ذكرنا من الدلائل فيما تقدم ولكل ~~مالك ولاية التصرف في ملكه إذا كان التصرف مصلحة، وإنكاح العبد مصلحة في ~~حقه؛ لما فيه من صيانة ملكه عن النقصان بواسطة الصيانة عن الزنا. # وقوله: " منافع البضع غير مملوكة لسيده " ممنوع بل هي مملوكة إلا أن ~~مولاها إذا كانت أمة منعت من استيفائها، لما فيه من الفساد وهذا لا يمنع ~~ثبوت الملك كالجارية المجوسية والأخت من الرضاعة أنه يمنع المولى من ~~الاستمتاع بهما مع قيام الملك كذا هذا. # والملك المطلق لم يوجد في المكاتب؛ لزوال ملك اليد بالكتابة حتى كان أحق ~~بالكتابة، ولهذا لم يدخل تحت مطلق اسم المملوك في قوله: " كل مملوك لي فهو ~~حر " إلا بالنية فقيام ملك الرقبة إن اقتضى ثبوت الولاية فانعدام ملك اليد ~~يمنع من الثبوت، فلا تثبت الولاية بالشك؛ ولأن في التزويج من غير رضا ~~المكاتب ضررا؛ لأن المولى بعقد الكتابة جعله أحق بمكاسبه ليتوصل بها إلى ~~شرف الحرية فالتزويج من غير رضاه يوجب تعلق المهر والنفقة بكسبه، فلا يصل ~~إلى الحرية فيتضرر به، بشرط رضاه دفعا للضرر عنه. # وقوله: " لا فائدة في هذا النكاح " ممنوع؛ فإن في طبع كل فحل التوقان إلى ~~النساء، فالظاهر هو قضاء الشهوة خصوصا عند عدم المانع - وهو الحرمة - وكذا ~~الظاهر من حال العبد الامتناع من بعض تصرف المولى احتراما له فيبقى النكاح ~~فيفيد فائدة تامة - والله الموفق -. # وأما ولاية القرابة: فسبب ثبوتها هو أصل القرابة وذاتها لا كمال القربة، ~~وإنما الكمال شرط التقدم على ما نذكر، وهذا عند أصحابنا. # وعند الشافعي السبب هو القرابة القريبة، وهي قرابة الولاد. # وعلى هذا يبنى أن لغير ms1290 الأب والجد كالأخ والعم ولاية الإنكاح عندنا خلافا ~~له، واحتج بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تنكح ~~اليتيمة حتى تستأمر» وحقيقة اسم اليتيمة للصغيرة لغة قال النبي: - صلى الله ~~عليه وسلم - «لا يتم بعد الحلم» نهى - صلى الله عليه وسلم - عن إنكاح ~~اليتيمة، ومده إلى غاية الاستئمار ولا تصير أهلا للاستئمار إلا بعد البلوغ، ~~فيتضمن البلوغ كأنه قال: - صلى الله عليه وسلم - حتى تبلغ وتستأمر؛ ولأن ~~النكاح عقد إضرار في جانب النساء لما نذكر - إن شاء الله تعالى - في مثله ~~إنكاح البنت البالغة ومثل هذا التصرف لا يدخل تحت ولاية المولى كالطلاق، ~~والعتاق، والهبة، وغيرهما؛ إلا أنه تثبت الولاية للأب والجد بالنص ~~والإجماع؛ لكمال شفقتهما، وشفقة غير الأب والجد قاصرة، وقد ظهر أثر القصور ~~في سلب ولاية التصرف في الحال بالإجماع وسلب ولاية اللزوم عندكم، فتعذر ~~الإلحاق، ولنا قوله تعالى {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] هذا خطاب ~~لعامة المؤمنين لأنه بني على قوله تعالى {وتوبوا إلى الله جميعا أيه ~~المؤمنون لعلكم تفلحون} [النور: 31] ثم خص منه الأجانب فبقيت الأقارب تحته ~~إلا من خص بدليل؛ ولأن سبب ولاية التنفيذ في الأب والجد هو مطلق القرابة لا ~~القرابة القريبة، وإنما قرب القرابة سبب زيادة الولاية وهي ولاية الإلزام؛ ~~لأن مطلق القرابة حاصل على أصل الشفقة أعني به شفقة زائدة على شفقة الجنس ~~وشفقة الإسلام، وهي داعية إلى تحصيل النظر في حق المولى عليه، وشرطها: عجز ~~المولى عليه عن تحصيل النظر بنفسه مع حاجته إلى التحصيل؛ لأن مصالح النكاح ~~مضمنة تحت الكفاءة، والكفء عزيز الوجود فيحتاج إلى إحرازه للحال لاستيفاء ~~مصالح النكاح بعد البلوغ، وفائدتها وقوعها وسيلة إلى ما وضع النكاح له، وكل ~~ذلك موجود في إنكاح الأخ والعم فينفذ، إلا أنه لم يلزم تصرفه لانعدام شرط ~~اللزوم - وهو قرب القرابة - ولم تثبت له ولاية التصرف في المال لعدم ~~الفائدة؛ لأنه لا سبيل إلى القول باللزوم؛ لأن قرابة غير الأب والجد ليست ~~بملزمة ولا سبيل إلى التولي بالنفاذ ms1291 بدون اللزوم؛ لأنه لا يفيد إذ المقصود ~~من التصرف في المال - وهو الربح - لا يحصل إلا بتكرار التجارة ولا يحصل ذلك ~~مع عدم اللزوم لأنه إذا اشترى شيئا يحتاج إلى أن يمسكه إلى وقت البلوغ فلا ~~يحصل المقصود فسقطت ولاية التصرف في المال بطريق الضرورة وهذه الضرورة ~~منعدمة في ولاية الإنكاح فثبتت ولاية الإنكاح. # وأما الحديث فالمراد منه اليتيمة البالغة بدلالة الاستئمار وهذا وإن كان ~~مجازا لكن فيما ذكره # PageV02P238 # أيضا إضمار فوقعت المعارضة فسقط الاحتجاج به أو نحمله على ما قلنا توفيقا ~~بين الدليلين صيانة لهما عن التناقض ثم إذا زوج الصغير أو الصغيرة فلهما ~~الخيار إذا بلغا عند أبي حنيفة ومحمد. # وعند أبي يوسف لا خيار لهما ونذكر المسألة - إن شاء الله تعالى - في ~~شرائط اللزوم وأما شرائط ثبوت هذه الولاية فنوعان في الأصل: نوع هو شرط ~~ثبوت أصل الولاية، ونوع هو شرط التقدم أما. # شرط ثبوت أصل الولاية فأنواع: بعضها يرجع إلى الولي وبعضها يرجع إلى ~~المولى عليه وبعضها يرجع إلى نفس التصرف. # أما الذي يرجع إلى الولي فأنواع. # منها: عقل الولي. # ومنها بلوغه فلا تثبت الولاية للمجنون والصبي؛ لأنهما ليسا من أهل ~~الولاية لما ذكرنا في ولاية الملك ولهذا لم تثبت لهما الولاية على أنفسهما ~~مع أنهما أقرب إليهما فلأن تثبت على غيرهما أولى، ومنها أن يكون ممن يرث ~~الخروج؛ لأن سبب ثبوت الولاية والوراثة واحد وهو القرابة وكل من يرثه يلي ~~عليه ومن لا يرثه لا يلي عليه وهذا يطرد على أصل أبي حنيفة خاصة وينعكس عند ~~الكل فيخرج عليه مسائل فنقول: لا ولاية للمملوك على أحد؛ لأنه لا يرث أحدا ~~ولأن المملوك ليس من أهل الولاية ألا ترى أنه لا ولاية له على نفسه ولأن ~~الولاية تنبئ عن المالكية والشخص الواحد كيف يكون مالكا ومملوكا في زمان ~~واحد لأن هذه ولاية نظر ومصلحة ومصالح النكاح لا يتوقف عليها إلا بالتأمل ~~والتدبر والمملوك لاشتغاله بخدمة مولاه لا يتفرغ للتأمل والتدبر فلا يعرف ~~كون إنكاحه مصلحة - والله ms1292 عز وجل الموفق - ولا ولاية للمرتد على أحد لا على ~~مسلم ولا على كافر ولا على مرتد مثله؛ لأنه لا يرث أحدا ولأنه لا ولاية له ~~على نفسه حتى لا يجوز نكاحه أحدا لا مسلما ولا كافرا ولا مرتدا مثله فلا ~~يكون له ولاية على غيره. # ولا ولاية للكافر على المسلم؛ لأنه لا ميراث بينهما، قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «لا يتوارث أهل ملتين شيئا» ولأن الكافر ليس من أهل ~~الولاية على المسلم لأن الشرع قطع ولاية الكافر على المسلمين قال الله ~~تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] وقال - ~~صلى الله عليه وسلم - «الإسلام يعلو ولا يعلى» ولأن إثبات الولاية للكافر ~~على المسلم تشعر بإذلال المسلم من جهة الكافر وهذا لا يجوز ولهذا صينت ~~المسلمة عن نكاح الكافر، وكذلك إن كان الولي مسلما والمولى عليه كافرا فلا ~~ولاية له عليه لأن المسلم لا يرث الكافر كما أن الكافر لا يرث المسلم قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن» ~~إلا أن ولد المرتد إذا كان مؤمنا صار مخصوصا عن النص. # وأما إسلام الولي فليس بشرط لثبوت الولاية في الجملة فيلي الكافر على ~~الكافر؛ لأن الكفر لا يقدح في الشفقة الباعثة عن تحصيل النظر في حق المولى ~~عليه ولا في الوراثة فإن الكافر يرث الكافر ولهذا كان من أهل الولاية على ~~نفسه فكذا على غيره. # وقال عز وجل {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 73] وكذا العدالة ~~ليست بشرط لثبوت الولاية عند أصحابنا، وللفاسق أن يزوج ابنه وابنته ~~الصغيرين. # وعند الشافعي شرط وليس للفاسق ولاية التزويج واحتج بما روي عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا نكاح إلا بولي مرشد» والمرشد بمعنى ~~الرشيد كالمصلح بمعنى الصالح والفاسق ليس برشيد، ولأن الولاية من باب ~~الكرامة والفسق سبب الإهانة ولهذا لم أقبل شهادته ولنا عموم قوله تعالى ~~{وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] وقوله - صلى الله عليه وسلم - «زوجوا ~~بناتكم الأكفاء» من غير فصل ms1293 ولنا إجماع الأمة أيضا فإن الناس عن آخرهم ~~عامهم وخاصهم من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا ~~يزوجون بناتهم من غير نكير من أحد خصوصا: الأعراب والأكراد والأتراك، ولأن ~~هذه ولاية نظر والفسق لا يقدح في القدرة على تحصيل النظر ولا في الداعي ~~إليه وهو الشفقة وكذا لا يقدح في الوراثة فلا يقدح في الولاية كالعدل، ولأن ~~الفاسق من أهل الولاية على نفسه فيكون من أهل الولاية على غيره كالعدل، ~~ولهذا قبلنا شهادته ولأنه من أهل أحد نوعي الولاية وهو ولاية الملك حتى ~~يزوج أمته فيكون من أهل النوع الآخر. # وأما الحديث فقد قيل أنه لم يثبت بدون هذه الزيادة فكيف يثبت مع الزيادة ~~ولو ثبت فنقول بموجبه: والفاسق مرشد لأنه يرشد غيره لوجود آلة الإرشاد - ~~وهو العقل - فكان هذا نفي # PageV02P239 # الولاية للمجنون، وبه نقول: إن المجنون لا يصلح وليا والمحدود في القذف ~~إذا تاب فله ولاية الإنكاح بلا خلاف؛ لأنه إذا تاب فقد صار عدلا وإن لم ~~يثبت فهو على الاختلاف؛ لأنه فاسق - والله الموفق -. # وأما كون المولى من العصبات فهل هو شرط ثبوت الولاية أم لا؟ فنقول: - ~~وبالله التوفيق - جملة الكلام فيه أنه لا خلاف في أن للأب والجد ولاية ~~الإنكاح إلا شيء يحكى عن عثمان البتي وابن شبرمة أنهما قالا: ليس لهما ~~ولاية التزويج. # (وجه) قولهما أن حكم النكاح إذا ثبت لا يقتصر على حال الصغر بل يدوم ~~ويبقى إلى ما بعد البلوغ إلى أن يوجد ما يبطله، وفي هذا ثبوت الولاية على ~~البالغة ولأنه استبد أو كأنه أنشأ الإنكاح بعد البلوغ وهذا لا يجوز، ولنا ~~قوله تعالى {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] والأيم اسم لأنثى من بنات ~~آدم - عليه الصلاة والسلام - كبيرة كانت أو صغيرة لا زوج لها وكلمة " من " ~~إن كانت للتبعيض يكون هذا خطابا للآباء، وإن كانت للتجنيس يكون خطابا لجنس ~~المؤمنين، وعموم الخطاب يتناول الأب والجد، وأنكح الصديق - رضي الله عنه - ~~عائشة - رضي الله عنها - وهي بنت ست سنين من ms1294 رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزوج علي ابنته أم كلثوم ~~وهي صغيرة من عمر بن الخطاب، - رضي الله عنه - وزوج عبد الله بن عمر ابنته ~~وهي صغيرة عروة بن الزبير، - رضي الله عنهم - وبه تبين أن قولهما خرج ~~مخالفا لإجماع الصحابة وكان مردودا. # وأما قولهما: " إن حكم النكاح بقي بعد البلوغ " فنعم. # ولكن بالإنكاح السابق لا بإنكاح مبتدأ بعد البلوغ، وهذا جائز كما في ~~البيع فإن لهما ولاية بيع مال الصغير وإن كان حكم البيع - وهو الملك - يبقى ~~بعد البلوغ لما قلنا كذا هذا، وللأب قبض صداق ابنته البكر صغيرة كانت أو ~~بالغة ويبرأ الزوج بقبضه أما الصغيرة: فلا شك فيه؛ لأن له ولاية التصرف في ~~مالها. # وأما البالغة: فلأنها تستحي من المطالبة به بنفسها كما تستحي عن التكلم ~~بالنكاح فجعل سكوتها رضا بقبض الأب كما جعل رضا بالنكاح؛ ولأن الظاهر أنها ~~ترضى بقبض الأب لأنه يقبض مهرها فيضم إليه أمثاله فيجهزها به هذا هو الظاهر ~~فكان مأذونا بالقبض من جهتها دلالة، حتى لو نهته عن القبض لا يتملك القبض ~~ولا يبرأ الزوج. # وكذا الجد يقوم مقامه عند عدمه وإن كانت ابنته عاقلة وهي ثيب فالقبض ~~إليها لا إلى الأب ويبرأ الزوج بدفعه إليها ولا يبرأ بالدفع إلى الأب، وما ~~سوى الأب والجد من الأولياء ليس لهم ولاية القبض سواء كانت صغيرة أو كبيرة ~~إلا إذا كان الولي وهو الوصي فله حق القبض إذا كانت صغيرة كما يقبض سائر ~~ديونها، وليس للوصي حق القبض إلا إذا كانت صغيرة، وإذا ضمن الولي المهر صح ~~ضمانه لأن حقوق العقد لا تتعلق به فصار كالأجنبي بخلاف الوكيل بالبيع إذا ~~ضمن عن المشتري الثمن. # وللمرأة الخيار في مطالبة زوجها أو وليها لوجود ثبوت سبب حق المطالبة من ~~كل واحد منهما وهو العقد من الزوج والضمان من الولي، ولا خلاف بين أصحابنا ~~في أن لغير الأب والجد من العصبات ولاية الإنكاح، والأقرب فالأقرب على ~~ترتيب العصبات في ms1295 الميراث واختلفوا في غير العصبات قال أبو يوسف ومحمد: لا ~~يجوز إنكاحه حتى لم يتوارثا بذلك النكاح ويقف على إجازة العصبة. # وعن أبي حنيفة فيه روايتان وهذا يرجع إلى ما ذكرنا أن عصوبة الولي هل هي ~~شرط لثبوت الولاية مع اتفاقهم على أنها شرط التقديم؟ فعندهما هي شرط ثبوت ~~أصل الولاية وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة فإنه روى عنه أنه قال: لا يزوج ~~الصغيرة إلا العصبة وروى أبو يوسف ومحمد عن أبي حنيفة أنها ليست بشرط لثبوت ~~أصل الولاية. # وإنما هي شرط التقدم على قرابة الرحم حتى أنه إذا كان هناك عصبة لا تثبت ~~لغير العصبة ولاية الإنكاح وإن لم يكن ثمة عصبة فلغير العصبة من القرابات ~~من الرجال والنساء نحو الأم والأخت والخالة ولاية التزويج، الأقرب فالأقرب ~~إذا كان المزوج ممن يرث المزوج وهو الرواية المشهورة عن أبي حنيفة (وجه) ~~قولهما ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: النكاح إلى العصبات فوض كل ~~نكاح إلى كل عصبة؛ لأنه قابل الجنس بالجنس أو بالجمع فيقتضي مقابلة الفرد ~~بالفرد؛ ولأن الأصل في # PageV02P240 # الولاية هم العصبات فإن كان الرأي وتدبير القبيلة وصيانتها عما يوجب ~~العار والشين إليهم فكانوا هم الذين يحرزون عن ذلك بالنظر والتأمل في أمر ~~النكاح فكانوا هم المحقين بالولاية ولهذا كانت قرابة التعصيب مقدمة على ~~قرابة الرحم بالإجماع، ولأبي حنيفة عموم قوله تعالى {وأنكحوا الأيامى منكم ~~والصالحين} [النور: 32] من غير فصل بين العصبات وغيرهم فتثبت ولاية الإنكاح ~~على العموم إلا من خص بدليل؛ ولأن سبب ثبوت الولاية هو مطلق القرابة وذاتها ~~لما بينا أن القرابة حاملة على الشفقة في حق القريب داعية إليها وقد وجد ~~ههنا فوجد السبب ووجد شرط الثبوت أيضا وهو عجز المولى عليه عن المباشرة ~~بنفسه وإنما العصوبة وقرب القرابة شرط التقدم لا شرط ثبوت أصل الولاية فلا ~~جرم العصبة تتقدم على ذي الرحم، والأقرب من غير العصبة يتقدم على الأبعد ~~ولأن ولاية الإنكاح مرتبة على استحقاق الميراث لاتحاد سبب ثبوتها - وهو ~~القرابة ms1296 - فكل من استحق من الميراث استحق الولاية، ألا ترى أن الأب إذا كان ~~عبدا لا ولاية له لأن العبد لا يرث أحدا وكذا إذا كان كافرا والمولى عليه ~~مسلم لا ولاية له لأنه لا يرثه. # وكذا إذا كان مسلما والمولى عليه كافر لا ولاية له لأنه لا ميراث له منه ~~فثبت أن الولاية تدور مع استحقاق الميراث، فثبت لكل قريب يرث يزوج ولا يلزم ~~على هذه القاعدة المولى أنه يزوج ولا يرث. # وكذا الإمام يزوج ولا يرث لأن هذا عكس العلة لأن طرد ما قلنا: إن كل من ~~يرث يزوج وهذا مطرد على أصل أبي حنيفة، وعكسه أن كل من لا يرث لا يزوج، ~~والشرط في العلل الشرعية الاطراد دون الانعكاس لجواز إثبات الحكم الشرعي ~~بعلل ثم نقول: ما قلناه منعكس أيضا ألا ترى أن للمولى الولاء في مملوكه وهو ~~نوع إرث، وأما الإمام فهو نائب عن جماعة المسلمين وهم يرثون من لا ولي له ~~من جهة الملك والقرابة والولاء ألا ترى أن ميراثه لبيت المال وبيت المال ~~مالهم فكانت الولاية في الحقيقة لهم وإنما الإمام نائب عنهم فيتزوجون ~~ويرثون أيضا، فاطرد هذا الأصل وانعكس بحمد الله تعالى. # وأما قول علي - رضي الله عنه - النكاح إلى العصبات فالمراد منه حال وجود ~~العصبة لاستحالة تفويض النكاح إلى العصبة ولا عصبة ونحن به نقول إن النكاح ~~إلى العصبات حال وجود العصبة ولا كلام فيه - والله أعلم -. ### | [فصل الذي يرجع إلى المولى عليه في ولاية النكاح] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المولى عليه فنقول: الولاية بالنسبة إلى المولى عليه ~~نوعان:. # ولاية حتم وإيجاب، وولاية ندب واستحباب وهذا على أصل أبي حنيفة وأبي ~~يوسف. # الأول وأما على أصل محمد فهي نوعان أيضا ولاية استبداد، وولاية شركة وهي ~~قول أبي يوسف الآخر. # وكذا نقول الشافعي إلا أن بينهما اختلاف في كيفية الشركة على ما نذكر - ~~إن شاء الله -. # وأما ولاية الحتم والإيجاب والاستبداد فشرط ثبوتها على أصل أصحابنا كون ~~المولى عليه صغيرا أو صغيرة أو ms1297 مجنونا كبيرا أو مجنونة كبيرة سواء كانت ~~الصغيرة بكرا أو ثيبا فلا تثبت هذه الولاية على البالغ العاقل ولا على ~~العاقلة البالغة وعلى أصل الشافعي: شرط ثبوت ولاية الاستبداد في الغلام هو ~~الصغر وفي الجارية البكارة، سواء كانت صغيرة أو بالغة فلا تثبت هذه الولاية ~~عنده على الثيب سواء كانت بالغة أو صغيرة، والأصل أن هذه الولاية على أصل ~~أصحابنا تدور مع الصغر وجودا وعدما في الصغير والصغيرة، وعنده في الصغير ~~كذلك، أما في الصغيرة فإنها تدور مع البكارة وجودا وعدما وفي الكبير ~~والكبيرة تدور مع الجنون وجودا وعدما سواء كان الجنون أصليا بأن بلغ مجنونا ~~أو عارضا بأن طرأ بعد البلوغ عندنا وقال زفر إذا طرأ الجنون لم يجز للمولى ~~التزويج. # وعلى هذا يبتنى أن الأب والجد لا يملكان إنكاح البكر البالغة بغير رضاها ~~عندنا. # وقال الشافعي: يملكانه ولا خلاف في أنهما لا يملكان إنكاح الثيب البالغة ~~بغير رضاها (وجه) قوله: أن البكر وإن كانت عاقلة بالغة فلا تعلم بمصالح ~~النكاح لأن العلم بها يقف على التجربة # PageV02P241 # والممارسة وذلك بالثيابة ولم توجد فالتحقت بالبكر الصغيرة فبقيت ولاية ~~الاستبداد عليها ولهذا ملك الأب قبض صداقها من غير رضاها بخلاف الثيب ~~البالغة لأنها علمت بمصالح النكاح وبالممارسة ومصاحبة الرجال فانقطعت ولاية ~~الاستبداد عنها، ولنا أن الثيب البالغة لا تزوج إلا برضاها فكذا البكر ~~البالغة، والجامع بينهما وجهان أحدهما: طريق أبي حنيفة وأبي يوسف الأول. # والثاني: طريق محمد وأبي يوسف الآخر أما طريق أبي حنيفة: فهو أن ولاية ~~الحتم والإيجاب في حالة الصغر إنما تثبت بطريق النيابة عن الصغيرة لعجزها ~~عن التصرف على وجه النظر والمصلحة بنفسها، وبالبلوغ والعقل زال العجز وثبتت ~~القدرة حقيقة ولهذا صارت من أهل الخطاب في أحكام الشرع إلا أنها مع قدرتها ~~حقيقة عاجزة عن مباشرة النكاح عجز ندب واستحباب؛ لأنها تحتاج إلى الخروج ~~إلى محافل الرجال والمرأة مخدرة مستورة والخروج إلى محفل الرجال من النساء ~~عيب في العادة فكان عجزها عجز ندب واستحباب لا حقيقة فثبتت الولاية ms1298 عليها ~~على حسب العجز - وهي ولاية ندب واستحباب لا ولاية حتم وإيجاب - إثباتا ~~للحكم على قدر العلة. # وأما طريق محمد فهو أن الثابت بعد البلوغ ولاية الشركة لا ولاية ~~الاستبداد فلا بد من الرضا كما في الثيب البالغة على ما نذكره - إن شاء ~~الله تعالى - في مسألة النكاح بغير ولي وإنما ملك الأب قبض صداقها لوجود ~~الرضا بذلك منها دلالة؛ لأن العادة أن الأب يضم إلى الصداق من خالص ماله ~~ويجهز بنته البكر حتى لو نهته عن القبض لا يملك بخلاف الثيب فإن العادة ما ~~جرت بتكرار الجهاز، وإذا كان الرضا في نكاح البالغة شرط الجواز فإذا زوجت ~~بغير إذنها توقف التزويج على رضاها فإن رضيت جاز وإن ردت بطل ثم إن كانت ~~ثيبا فرضاها يعرف بالقول تارة وبالفعل أخرى أما القول: فهو التنصيص على ~~الرضا وما يجري مجراه نحو أن تقول: رضيت أو أجزت ونحو ذلك، والأصل فيه قوله ~~- صلى الله عليه وسلم - «الثيب تشاور» وقوله - صلى الله عليه وسلم - «الثيب ~~يعرب عنها لسانها» وقوله - صلى الله عليه وسلم - «تستأمر النساء في ~~أبضاعهن» وقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر» ~~والمراد منه: البالغة. # وأما الفعل: فنحو التمكين من نفسها والمطالبة بالمهر والنفقة ونحو ذلك ~~لأن ذلك دليل الرضا والرضا يثبت بالنص مرة وبالدليل أخرى، والأصل فيه ما ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال لبريرة إن وطئك زوجك فلا ~~خيار لك» وإن كانت بكرا فإن رضاها يعرف بهذين الطريقين وبثالث وهو السكوت ~~وهذا استحسان، والقياس أن لا يكون سكوتها رضا. # (وجه) القياس أن السكوت يحتمل الرضا ويحتمل السخط فلا يصلح دليل الرضا مع ~~الشك والاحتمال ولهذا لم يجعل دليلا إذا كان المزوج أجنبيا أو وليا غيره ~~أولى منه. # (ولنا) ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «تستأمر ~~النساء في أبضاعهن فقالت عائشة - رضي الله عنها - إن البكر تستحي يا رسول ~~الله فقال - صلى الله عليه وسلم - إذنها صماتها» وروي سكوتها ms1299 رضاها وروي ~~سكوتها إقرارها وكل ذلك نص في الباب. # وروي «البكر تستأمر في نفسها فإن سكتت فقد رضيت» وهذا أيضا نص ولأن البكر ~~تستحي عن النطق بالإذن في النكاح لما فيه من إظهار رغبتها في الرجال فتنسب ~~إلى الوقاحة فلو لم يجعل سكوتها إذنا ورضا بالنكاح دلالة وشرط استنطاقها ~~وأنها لا تنطق عادة لفاتت عليها مصالح النكاح مع حاجتها إلى ذلك. # وهذا لا يجوز، وقوله: " السكوت يحتمل " مسلم لكن ترجح جانب الرضا على ~~جانب السخط؛ لأنها لو لم تكن راضية لردت؛ لأنها إن كانت تستحي عن الإذن فلا ~~تستحي عن الرد فلما سكتت ولم ترد دل أنها راضية بخلاف ما إذا زوجها أجنبي ~~أو ولي غيره أولى منه؛ لأن هناك ازداد احتمال السخط لأنها يحتمل أنها سكتت ~~عن جوابه مع أنها قادرة على الرد تحقيرا له وعدم المبالاة بكلامه وهذا أمر ~~معلوم بالعادة، فبطل رجحان دليل الرضا ولأنها إنما تستحي من الأولياء لا من ~~الأجانب، والأبعد عند قيام الأقرب وحضوره أجنبي فكانت في حق الأجانب ~~كالثيب؛ فلا بد من فعل أو قول يدل عليه، ولأن المزوج إذا كان أجنبيا وإذا ~~كان # PageV02P242 # الولي الأبعد كان جواز النكاح من طريق الوكالة لا من طريق الولاية ~~لانعدامها، والوكالة لا تثبت إلا بالقول وإذا كان وليا فالجواز بطريق ~~الولاية فلا يفتقر إلى القول ولو بلغها النكاح فضحكت كان إجازة لأن الإنسان ~~إنما يضحك مما يسره، فكان دليل الرضا ولو بكت روي عن أبي يوسف أنه يكون ~~إجازة وروي عنه رواية أخرى أنه لا يكون إجازة بل يكون ردا وهو قول محمد. # (وجه) الرواية الأولى أن البكاء قد يكون للحزن وقد يكون لشدة الفرح فلا ~~يجعل ردا ولا إجازة للتعارض فصار كأنها سكتت فكان رضا. # (وجه) الرواية الأخرى وهو قول محمد أن البكاء لا يكون إلا من حزن عادة ~~فكان دليل السخط والكراهة لا دليل الإذن والإجازة. # ولو زوجها وليان كل منهما رجلا فبلغها ذلك فإن أجازت أحد العقدين جاز ~~الذي أجازته وبطل الآخر وإن ms1300 أجازتهما بطلا لأن الإجازة منها بمنزلة الإنشاء ~~كأنها تزوجت بزوجين وذلك باطل كذا هذا، وإن سكتت روي عن محمد أن ذلك لا ~~يكون ردا ولا إجازة حتى تجيز أحدهما بالقول أو بفعل يدل على الإجازة. # وروي عنه رواية أخرى أنها إذا سكتت بطل العقدان جميعا. # (وجه) هذه الرواية أن السكوت من البكر كالإجازة فكأنها أجازت العقدين ~~جميعا. # (وجه) الرواية الأخرى أن هذا السكوت لا يمكن أن يجعل إجازة لأنه لو جعل ~~إجازة فإما أن يجعل إجازة للعقدين جميعا، وإما أن يجعل إجازة لأحدهما لا ~~سبيل إلى الأول لأن إنشاء العقدين جميعا ممتنع فامتنعت إجازتهما ولا سبيل ~~إلى الثاني لأنه ليس أحد العقدين بأولى بالإجازة من الآخر، فالتحق السكوت ~~بالعدم ووقف الأمر على الإجازة بقول أو بفعل يدل على الإجازة لأحدهما، ~~وكذلك إذا استؤمرت البكر فسكتت في الابتداء فهو إذن إذا كان المستأذن وليا ~~لما ذكرنا ولما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا خطب ~~إحدى بناته دنا من خدرها وقال إن فلانا يذكر فلانة ثم يزوجها فدل أن السكوت ~~عند استئمار الولي إذن دلالة وقالوا في الولي إذا قال للبكر: إني أريد أن ~~أزوجك فلانا فقالت غيره أولى منه لم يكن ذلك إذنا ولو زوجها ثم أخبرها ~~فقالت قد كان غيره أولى منه كان إجازة؛ لأن قولها في الفصل الأول إظهار عدم ~~الرضا بالتزويج من فلان وقولها في الفصل الثاني قبول أو سكوت عن الرد وسكوت ~~البكر عن الرد يكون رضا ولو قال الولي: أريد أن أزوجك من رجل ولم يسمه ~~فسكتت لم يكن رضا كذا روي عن محمد؛ لأن الرضا بالشيء بدون العلم به لا ~~يتحقق ولو قال: أزوجك فلانا أو فلانا حتى عد جماعة فسكتت فمن أيهم زوجها ~~جاز ولو سمى لها الجماعة مجملا بأن قال أريد أن أزوجك من جيراني أو من بني ~~عمي فسكتت فإن كانوا يحصون فهو رضا وإن كانوا لا يحصون لم يكن رضا؛ لأنهم ~~إذا كانوا يحصون يعلمون فيتعلق ms1301 الرضا بهم وإذا لم يحصوا لم يعلموا فلا ~~يتصور الرضا؛ لأن الرضا بغير المعلوم محال - والله تعالى الموفق -. # وذكر في الفتاوى أن الولي إذا سمى الزوج ولم يسم المهر أنه كم هو فسكتت ~~فسكوتها لا يكون رضا لأن تمام الرضا لا يثبت إلا بذكر الزوج والمهر، ثم ~~الإجازة من طريق الدلالة لا تثبت إلا بعد العلم بالنكاح؛ لأن الرضا بالنكاح ~~قبل العلم به لا يتصور وإذا زوج الثيب البالغة ولي فقالت: لم أرض ولم آذن. # وقال الزوج: قد أذنت فالقول قول المرأة؛ لأن الزوج يدعي عليها حدوث أمر ~~لم يكن - وهو الإذن والرضا - وهي تنكر فكان القول قولها. # (وأما) البكر إذا تزوجت فقال الزوج بلغك العقد فسكت فقالت رددت فالقول ~~قولها عند أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر: القول قول الزوج. # (وجه) قوله أن المرأة تدعي أمرا حادثا وهو الرد والزوج ينكر القول فكان ~~القول قول المنكر. # (ولنا) أن المرأة وإن كانت مدعية ظاهرا فهي منكرة في الحقيقة؛ لأن الزوج ~~يدعي عليها جواز العقد بالسكوت وهي تنكر فكان القول قولها كالمودع إذا قال ~~رددت الوديعة كان القول قوله وإن كان مدعيا لرد ظاهر لكونه منكرا للضمان ~~حقيقة كذا هذا ثم في هذين الفصلين لا يمين عليها في قول أبي حنيفة، وفي ~~قولهما عليها اليمين وهو الخلاف المعروف أن الاستحسان المعروف لا يجري في ~~الأشياء # PageV02P243 # الستة عنده وعندهما يجري، والمسألة تذكر - إن شاء الله تعالى - في كتاب ~~الدعوى ثم إذا اختلف الحكم في البكر البالغة والثيب البالغة في الجملة، حتى ~~جعل السكوت رضا من البكر دون الثيب وللأب ولاية قبض صداق البكر بغير إذنها ~~إلا إذا نهته نصا وليس له ولاية قبض مهر الثيب إلا بإذنها فلا بد من معرفة ~~البكارة والثيابة في الحكم لا في الحقيقة؛ لأن حقيقة البكارة بقاء العذرة ~~وحقيقة الثيابة زوال العذرة. # وأما الحكم غير مبني على ذلك بالإجماع فنقول: لا خلاف في أن كل من زالت ~~عذرتها بوثبة أو طفرة أو حيضة أو طول التعنيس أنها في حكم ms1302 الأبكار تزوج كما ~~تزوج الأبكار ولا خلاف أيضا أن من زالت عذرتها بوطء يتعلق به ثبوت النسب - ~~وهو الوطء بعقد جائز أو فاسد أو شبهة عقد وجب لها مهر بذلك الوطء - أنها ~~تزوج كما تزوج الثيب (وأما) إذا زالت عذرتها بالزنا فإنها تزوج كما تزوج ~~الأبكار في قول أبي حنيفة # وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي تزوج كما تزوج الثيب احتجوا بما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «البكر تستأمر في نفسها والثيب ~~تشاور» وقال - صلى الله عليه وسلم - «والثيب يعرب عنها لسانها» وهذه ثيب ~~حقيقة؛ لأن الثيب حقيقة من زالت عذرتها وهذه كذلك فيجري عليها أحكام الثيب ~~ومن أحكامها أنه لا يجوز نكاحها بغير إذنها نصا فلا يكتفى بسكوتها ولأبي ~~حنيفة أن علة وضع النطق شرعا وإقامة السكوت مقامه في البكر هو الحياء وقد ~~وجد ودلالة أن العلة ما قلنا إشارة النص والمعقول أما الأول فلما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «تستأمر النساء في أبضاعهن فقالت ~~عائشة - رضي الله عنها - إن البكر تستحي يا رسول الله فقال - صلى الله عليه ~~وسلم - إذنها صماتها» فالاستدلال به أن قوله - صلى الله عليه وسلم - إذنها ~~صماتها خرج جوابا لقول عائشة - رضي الله عنها - إن البكر تستحي أي عن الإذن ~~بالنكاح نطقا والجواب بمقتضى إعادة السؤال لأن الجواب لا يتم بدون السؤال ~~كأنه قال - صلى الله عليه وسلم - إذا كانت البكر تستحي عن الإذن بالنكاح ~~نطقا فإذنها صماتها فهذا إشارة إلى أن الحياء علة وضع النطق، وقيام الصمات ~~مقام الإذن علة منصوصة، وعلة النص لا تتقيد بمحل النص كالطواف في الهرة ~~ونحو ذلك. # وأما المعقول: فهو أن الحياء في البكر مانع من النطق بصريح الإذن بالنكاح ~~لما فيه من إظهار رغبتها في الرجال؛ لأن النكاح سبب الوطء والناس يستقبحون ~~ذلك منها ويذمونها وينسبونها إلى الوقاحة وذلك مانع لها من النطق بالإذن ~~الصريح وهي محتاجة إلى النكاح فلو شرط استنطاقها وهي لا تنطق عادة لفات ~~عليها ms1303 النكاح مع حاجتها إليه وهذا لا يجوز والحياء موجود في حق هذه. # وإن كانت ثيبا حقيقة؛ لأن زوال بكارتها لم تظهر للناس فيستقبحون منها ~~الإذن بالنكاح صريحا ويعدونه من باب الوقاحة ولا يزول ذلك ما لم يوجد ~~النكاح ويشتهر الزنا فحينئذ لا يستقبح الإظهار بالإذن ولا يعد عيبا بل ~~الامتناع عن الإذن عند استئمار الولي يعد رعونة منها لحصول العلم للناس ~~بظهور رغبتها في الرجال. # (وأما الحديث) فالمراد منه الثيب التي تعارفها الناس ثيبا؛ لأن مطلق ~~الكلام ينصرف إلى المتعارف بين الناس ولهذا لم تدخل البكر التي زالت عذرتها ~~بالطفرة والوثبة والحيضة ونحو ذلك في هذا الحديث، وإن كانت ثيبا حقيقة - ~~والله أعلم -. # وعلى هذا يخرج إنكاح الأب والجد والثيب الصغيرة أنه جائز عند أصحابنا، ~~وعند الشافعي أنه لا يجوز إنكاحها للحال، ويتأخر إلى ما بعد البلوغ فيزوجها ~~الولي بعد البلوغ بإذنها صريحا لا بالسكوت واحتج بما روي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر» واليتيمة اسم ~~للصغيرة في اللغة ولأن الثيابة دليل العلم بمصالح النكاح ولأن حدوثها يكون ~~بعد العقل والتمييز عادة وقد حصل لها بالتجربة والممارسة وهذا إن لم يصلح ~~لإثبات الولاية لها يصلح دافعا ولاية الولي عنها للحال والتأخير إلى ما بعد ~~البلوغ بخلاف البكر البالغة لأن البكارة دليل الجهل بمنافع النكاح ومضاره ~~فالتحق عقلها بالعدم على ما مر، ولأن النكاح في جانب النساء ضرر قطعا لما ~~نذكر - إن شاء الله تعالى - فلا مصلحة إلا عند الحاجة إلى قضاء الشهوة؛ لأن ~~مصالح النكاح # PageV02P244 # يقف عليه ولم يوجد في الثيب الصغيرة والجواز في البكر ثبت بفعل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على ما ذكرنا فيما ~~تقدم. # (ولنا) قوله تعالى {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] والأيم اسم لأنثى ~~لا زوج لها كبيرة أو صغيرة فيقتضي ثبوت الولاية عاما إلا من خص بدليل، ولأن ~~الولاية كانت ثابتة قبل زوال البكارة لوجود سبب ثبوت الولاية - وهو القرابة ~~الكاملة والشفقة الوافرة ms1304 - ووجود شرط الثبوت وهي حاجة الصغيرة إلى النكاح ~~لاستيفاء المصالح بعد البلوغ وعجزها عن ذلك بنفسها وقدرة الولي عليه ~~والعارض ليس إلا الثيابة وأثرها في زيادة الحاجة إلى الإنكاح لأنها مارست ~~الرجال وصحبتهم وللصحبة أثر في الميل إلى من تعاشره معاشرة جميلة فلما ثبتت ~~الولاية على البكر الصغيرة فلأن تبقى على الثيب الصغيرة أولى # والمراد من الحديث البالغة لما مر. # والمجنون الكبير والمجنونة الكبيرة تزوج كما يزوج الصغير والصغيرة عند ~~أصحابنا الثلاثة أصليا كان الجنون أو طارئا بعد البلوغ. # وقال زفر ليس للولي أن يزوج المجنون جنونا طارئا. # (وجه) قوله أن ولاية الولي قد زالت بالبلوغ عن عقل فلا تعود بعد ذلك ~~بطريان الجنون، كما لو بلغ مغمى عليه ثم زال الإغماء. # (ولنا) أنه وجد سبب ثبوت الولاية وهو القرابة وشرطه وهو عجز المولى عليه ~~وهو حاجته، وفي ثبوت الولاء فائدة فثبتت ولهذا ثبتت في الجنون الأصلي كذا ~~في الطارئ وتثبت ولاية التصرف في ماله كذا في نفسه - والله أعلم -. ### | [فصل الذي يرجع إلى نفس التصرف في ولاية النكاح] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى نفس التصرف فهو: أن يكون التصرف نافعا في حق المولى ~~عليه لا ضارا في حقه، فليس للأب والوصي والجد أن يزوج عبد الصغير والصغيرة ~~حرة ولا أمة لغيرهما لأن هذا التصرف ضار في حق المولى عليه لأن المهر ~~والنفقة يتعلقان برقبة العبد من غير أن يحصل للصغير مال في مقابلته ~~والإضرار لا يدخل تحت ولاية الولي كالطلاق والعتاق والتبرعات. # وكذا كل من يتصرف على غيره بالإذن لا يملك إنكاح العبد كالمكاتب والشريك ~~والمضارب والمأذون؛ لأن إطلاق التصرف لهؤلاء مقيد بالنظر. # وأما تزويج الأمة حرا أو عبدا لغيرهما فيملكه الأب والجد والوصي والمكاتب ~~والمفاوض والقاضي وأمين القاضي؛ لأنه نفع محض لكونه تحصيل مال من غير أن ~~يقابله مال فيملكه هؤلاء ألا ترى أنهم يملكون البيع مع أنه مقابلة المال ~~بالمال فهذا أولى فأما شريك العنان والمضارب والمأذون فلا يملكون تزويج ~~الأمة في قول أبي حنيفة ومحمد. # وعند ms1305 أبي يوسف يملكون. # (وجه) قول أبي يوسف أن هذا تصرف نافع؛ لأنه تحصيل مال لا يقابله مال ~~فيملكونه كشريك المفاوضة. # (وجه) قولهما أن تصرف هؤلاء يختص بالتجارة والنكاح ليس من التجارة بدليل ~~أن المأذونة لا تزوج نفسها ولو كان النكاح تجارة لملكت؛ لأن التجارة معاوضة ~~المال بالمال والنكاح معاوضة البضع بالمال فلم يكن تجارة فلا يدخل تحت ~~ولايتهم، بخلاف المفاوض؛ لأن تصرفه مختص بالنفع لا بالتجارة وهذا نافع. # ولو زوج أمته من عبد ابنه قال أبو يوسف: يجوز. # وقال زفر: لا يجوز. # (وجه) قول زفر أن تزويج عبده الصغير لم يدخل تحت ولاية الأب فكان الأب ~~فيه كالأجنبي، واحتمال الضرر ثابت لجواز أن يبيع الأمة فيتعلق المهر ~~والنفقة برقبة العبد فيتضرر به الصغير فيصير كأنه زوجه أمة الغير. # (ولنا) أن ثبوت الولاية موجود فلا يمتنع الثبوت إلا لمكان الضرر وهذا نفع ~~لا مضرة فيه؛ لأن الأولاد له ولا يتعلق المهر والنفقة برقبة العبد فكان ~~نفعا محضا فيملكه قوله: " يحتمل أن يبيعه " قلنا: ويحتمل أن لا يبيعه فلا ~~يجوز تعطيل الولاية المحققة للحال لأمر يحتمل الوجود والعدم وعلى هذا يخرج ~~ما إذا زوج الأب أو الجد الصغيرة من كفء بدون مهر المثل أو زوج ابنه الصغير ~~امرأة بأكثر من مهر مثلها أنه إن كان ذلك مما يتغابن الناس في مثله لا يجوز ~~بالإجماع، وإن كان مما لا يتغابن الناس في مثله يجوز في قول أبي حنيفة، وفي ~~قول أبي يوسف ومحمد لا يجوز. # وذكر هشام عنهما أن النكاح باطل. # ولو زوج ابنته الصغيرة بمهر مثلها من غير كفء فهو على هذا الخلاف ولو فعل ~~غير الأب والجد شيئا مما ذكرنا لا يجوز في قوليهما جميعا. # (وجه) قولهما أن ولاية الإنكاح تثبت نظرا في حق المولى عليه # PageV02P245 # ولا نظر في الحط على مهر المثل في إنكاح الصغيرة ولا في الزيادة على مهر ~~المثل في إنكاح الصغير بل فيه ضرر بهما. # والإضرار لا يدخل تحت ولاية الولي ولهذا لا يملك غير الأب والجد ms1306 كذا هذا ~~ولأبي حنيفة ما روي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - زوج عائشة - رضي ~~الله عنها - وهي صغيرة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على خمسمائة ~~درهم، وتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك ومعلوم أن مهر ~~مثلها كان أضعاف ذلك ولأن الأب وافر الشفقة على ولده ينظر له ما لا ينظر ~~لنفسه والظاهر أنه لا يفعل ذلك إلا لتوفير مقصود من مقاصد النكاح هو أنفع ~~وأجدى من كثير من المال من موافقة الأخلاق، وحسن الصحبة، والمعاشرة ~~بالمعروف، ونحو ذلك من المعاني المقصودة بالنكاح فكان تصرفه والحالة هذه ~~نظرا للصغير والصغيرة لا ضررا بهما بخلاف غير الأب والجد؛ لأن وجه الضرر في ~~تصرفهما ظاهر وليس ثمة دليل يدل على اشتماله على المصلحة الباطنة الخفية ~~التي تزيد على الضرر الظاهر؛ لأن ذلك إنما يعرف بوفور الشفقة ولم يوجد ~~بخلاف ما إذا باع الأب أمة لهما بأقل من قيمتها بما لا يتغابن الناس فيه ~~أنه لا يجوز؛ لأن البيع معاوضة المال بالمال والمقصود من المعاوضات المالية ~~هو الوصول إلى العوض المالي ولم يوجد. # وبخلاف ما إذا زوج أمتهما بأقل من مهر مثلها أنه لا يجوز؛ لأنه أنفع لهما ~~فيما يحصل للأمة من حظ الزوج، وإنما منفعتهما في حصول عوض بضع الأمة لهما - ~~وهو مهر المثل - ولم يحصل وعلى هذا الخلاف التوكيل بأن وكل رجل رجلا بأن ~~يزوجه امرأة فزوجه امرأة بأكثر من مهر مثلها مقدار ما لا يتغابن الناس في ~~مثله أو وكلت امرأة رجلا بأن يزوجها من رجل فزوجها من رجل بدون صداق مثلها ~~أو من غير كفء فهو على اختلاف الوكيل بالبيع المطلق ونذكر المسألة - إن شاء ~~الله تعالى - في كتاب الوكالة وعلى هذا الوكيل بالتزويج من جانب الرجل أو ~~المرأة إذا زوج الموكل من لا تقبل شهادة الوكيل له فهو على الاختلاف في ~~البيع ونذكر ذلك كله - إن شاء الله تعالى في كتاب الوكالة - وعلى هذا ~~الخلاف الوكيل من جانب الرجل بالتزويج إذا زوجه ms1307 أمة لغيره أنه يجوز عند أبي ~~حنيفة لإطلاق اللفظ ولسقوط اعتبار الكفاءة من جانب النساء. # وعندهما لا يجوز؛ لأن المطلق ينصرف إلى المتعارف وتعتبر الكفاءة من ~~جانبين عندهما في مثل هذا الموضع لمكان العرف استحسانا على ما نذكر - إن ~~شاء الله تعالى في موضعه - ولو أقر الأب على ابنته الصغيرة بالنكاح أو على ~~ابنه الصغير لا يصدق في إقراره حتى يشهد شاهدان على نفس النكاح في قول أبي ~~حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يصدق من غير شهود. # وصورة المسألة في موضعين أحدهما: أن تدعي امرأة نكاح الصغير أو يدعي رجل ~~نكاح الصغيرة والأب ينكر ذلك فيقيم المدعي بينة على إقرار الأب بالنكاح ~~فعند أبي حنيفة لا تقبل هذه الشهادة حتى يشهد شاهدان على نفس العقد. # وعندهما تقبل ويظهر النكاح. # والثاني أن يدعي رجل نكاح الصغيرة أو امرأة نكاح الصغير بعد بلوغهما وهما ~~منكران ذلك فأقام المدعي البينة على إقرار الأب بالنكاح في حال الصغر وعلى ~~هذا الخلاف الوكيل بالنكاح، إذا أقر على موكله أو على موكلته بالنكاح، ~~والمولى إذا أقر على عبده بالنكاح أنه لا يقبل عند أبي حنيفة، وعندهما يقبل ~~وأجمعوا على أن المولى إذا أقر على أمته بالنكاح أنه يصدق من غير شهادة. # (وجه) قولهما أنه إن أقر بعقد يملك إنشاءه فيصدق فيه من غير شهود كما لو ~~أقر بتزويج أمته، ولا شك أنه أقر بعقد يملك إنشاءه؛ لأنه يملك إنشاء النكاح ~~على الصغير والصغيرة والعبد ونحو ذلك، وإذا ملك إنشاءه لم يكن متهما في ~~الإقرار فيصدق كالمولى إذا أقر بالفيء في مدة الإيلاء، وزوج المعتدة إذا ~~قال في العدة راجعتك لما قلنا كذا هذا ولأبي حنيفة قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «لا نكاح إلا بشهود» نفى النكاح بغير شهود من غير فصل بين ~~الانعقاد والظهور بل الحمل على الظهور أولى؛ لأن فيه عملا بحقيقة اسم ~~الشاهد إذ هو اسم لفاعل الشهادة وهو المؤدي لها، والحاجة إلى الأداء عند ~~الظهور لا عند الانعقاد، ولأنه أقر على الغير ms1308 فيما لا يملكه بعقد لا يتم به ~~وحده وإنما يتم به وبشهادة الآخرين فلا يصدق إلا بمساعدة آخرين قياسا على ~~الوكلاء الثلاثة في النكاح والبيع # PageV02P246 # ودلالة الوصف أنه أقر بالنكاح والإقرار بالنكاح إقرار بمنافع البضع وإنها ~~غير مملوكة، ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة كان المهر لها لا للأب بخلاف الأمة ~~فإن منافع بضعها مملوكة فكان ذلك إقرارا بما ملك فأبو حنيفة اعتبر ولاية ~~العقد وملك المعقود عليه، وهما اعتبرا ولاية العقد فقط - والله عز وجل أعلم ~~-. ### | [فصل ولاية الندب والاستحباب في النكاح] # (فصل) : # وأما ولاية الندب والاستحباب فهي: الولاية على الحرة البالغة العاقلة ~~بكرا كانت أو ثيبا في قول أبي حنيفة وزفر وقول أبي يوسف الأول، وفي قول ~~محمد وأبي يوسف الآخر الولاية عليها ولاية مشتركة. # وعند الشافعي هي ولاية مشتركة أيضا لا في العبارة فإنها للمولى خاصة، ~~وشرط ثبوت هذه الولاية على أصل أصحابنا هو رضا المولى عليه لا غير. # وعند الشافعي هذا وعبارة الولي أيضا، وعلى هذا يبنى الحرة البالغة ~~العاقلة إذا زوجت نفسها من رجل أو وكلت رجلا بالتزويج فتزوجها أو زوجها ~~فضولي فأجازت جاز في قول أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف الأول سواء زوجت نفسها ~~من كفء أو غير كفء بمهر وافر أو قاصر غير أنها إذا زوجت نفسها من غير كفء ~~فللأولياء حق الاعتراض. # وكذا إذا زوجت بمهر قاصر عند أبي حنيفة خلافا لهما وستأتي المسألة - إن ~~شاء الله - في موضعها وفي قول محمد لا يجوز حتى يجيزه الولي والحاكم، فلا ~~يحل للزوج وطؤها قبل الإجازة ولو وطئها يكون وطئا حراما ولا يقع عليها ~~طلاقه وظهاره وإيلاؤه، ولو مات أحدهما لم يرثه الآخر سواء زوجت نفسها من ~~كفء أو غير كفء وهو قول أبي يوسف الآخر، روى الحسن بن زياد عنه. # وروي عن أبي يوسف رواية أخرى أنها إذا زوجت نفسها من كفء ينفذ وتثبت سائر ~~الأحكام. # وروي عن محمد أنه إذا كان للمرأة ولي لا يجوز نكاحها إلا بإذنه وإن لم ~~يكن لها ms1309 ولي جاز إنكاحها على نفسها. # وروي عن محمد أنه رجع إلى قول أبي حنيفة وقول الشافعي مثل قول محمد في ~~ظاهر الرواية أنه لا يجوز نكاحها بدون الولي إلا أنهما اختلفا فقال محمد: ~~ينعقد النكاح بعبارتها وينفذ بإذن الولي وإجازته، وينعقد بعبارة الولي ~~وينفذ بإذنها وإجازتها فعند الشافعي لا عبارة للنساء في باب النكاح أصلا ~~حتى لو توكلت امرأة بنكاح امرأة من وليها فتزوجت لم يجز عنده. # وكذا إذا زوجت بنتها بإذن القاضي لم يجز، احتج الشافعي بقوله تعالى ~~{وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] هذا خطاب للأولياء والأيم اسم لامرأة ~~لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا ومتى ثبتت الولاية عليها كانت هي موليا عليها ~~ضرورة فلا تكون والية وقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يزوج النساء إلا ~~الأولياء» وقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا نكاح إلا بولي» لأن النكاح من ~~جانب النساء عقد إضرار بنفسه وحكمه وثمرته أما نفسه: فإنه رق وأسر قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته» ~~وقال - عليه الصلاة والسلام - «اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان» : ~~أسيرات والإرقاق إضرار. # وأما حكمه: فإنه ملك فالزوج يملك التصرف في منافع بضعها استيفاء بالوطء ~~وإسقاطا بالطلاق، ويملك حجرها عن الخروج والبروز وعن التزوج بزوج. # وأما ثمرته فالاستفراش كرها وجبرا ولا شك أن هذا إضرار إلا أنه قد ينقلب ~~مصلحة وينجبر ما فيه من الضرر إذا وقع وسيلة إلى المصالح الظاهرة والباطنة، ~~ولا يستدرك ذلك إلا بالرأي الكامل ورأيها ناقص لنقصان عقلها فبقي النكاح ~~مضرة فلا تملكه. # واحتج محمد - رحمه الله - بما روي عن عائشة - رضي الله عنها - عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها ~~فنكاحها باطل» والباطل من التصرفات الشرعية ما لا حكم له شرعا كالبيع ~~الباطل ونحوه، ولأن للأولياء حقا في النكاح بدليل أن لهم حق الاعتراض ~~والفسخ ومن لا حق له في عقد كيف يملك فسخه، والتصرف في حق الإنسان يقف ~~جوازه على ms1310 جواز صاحب الحق كالأمة إذا زوجت نفسها بغير إذن وليها. # (وجه) ما روي عن أبي يوسف أنها إذا زوجت نفسها من كفء ينفذ؛ لأن حق ~~الأولياء في النكاح من حيث صيانتهم عما يوجب لحوق العار والشين بهم بنسبة ~~من لا يكافئهم بالصهرية إليهم وقد بطل هذا المعنى بالتزويج من كفء، يحققه ~~أنها لو وجدت كفئا وطلبت من المولى الإنكاح منه لا يحل له الامتناع ولو ~~امتنع يصير عاضلا # PageV02P247 # فصار عقدها والحالة هذه بمنزلة عقده بنفسه. # (وجه) ما روي عن محمد من الفرق بين ما إذا كان لها ولي وبين ما إذا لم ~~يكن لها ولي أن وقوف العقد على إذن الولي كان لحق الولي لا لحقها فإذا لم ~~يكن لها ولي فلا حق للولي، فكان الحق لها خاصة، فإذا عقدت فقد تصرفت في ~~خالص حقها فنفذ وأما إذا زوجت نفسها من كفء وبلغ الولي فامتنع من الإجازة ~~فرفعت أمرها إلى الحاكم فإنه يجيزه في قول أبي يوسف. # وقال محمد يستأنف العقد (وجه) قوله أن العقد كان موقوفا على إجازة الولي ~~فإذا امتنع من الإجازة فقد رده فيرتد ويبطل من الأصل فلا بد من الاستئناف. # (وجه) قول أبي يوسف أنه بالامتناع صار عاضلا إذ لا يحل له الامتناع من ~~الإجازة إذا زوجت نفسها من كفء فإذا امتنع فقد عضلها فخرج من أن يكون وليا ~~وانقلبت الولاية إلى الحاكم ولأبي حنيفة الكتاب العزيز والسنة والاستدلال ~~أما الكتاب: فقوله تعالى {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي ~~أن يستنكحها} [الأحزاب: 50] فالآية الشريفة نص على انعقاد النكاح بعبارتها ~~وانعقادها بلفظ الهبة فكانت حجة على المخالف في المسألتين، وقوله تعالى ~~{فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ~~والاستدلال به من وجهين أحدهما: أنه أضاف النكاح إليها فيقتضي تصور النكاح ~~منها. # والثاني: أنه جعل نكاح المرأة غاية الحرمة فيقتضي انتهاء الحرمة عند ~~نكاحها نفسها وعنده لا تنتهي، وقوله عز وجل {فلا جناح عليهما أن يتراجعا} ~~[البقرة: 230] أي: يتناكحا أضاف ms1311 النكاح إليهما من غير ذكر الولي، وقوله عز ~~وجل {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} ~~[البقرة: 232] الآية والاستدلال به من وجهين أحدهما: أنه أضاف النكاح إليهن ~~فيدل على جواز النكاح بعبارتهن من غير شرط الولي. # والثاني: أنه نهى الأولياء عن المنع عن نكاحهن أنفسهن من أزواجهن إذا ~~تراضى الزوجان، والنهي يقتضي تصوير المنهي عنه وأما السنة: فما روي عن ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«ليس للولي مع الثيب أمر» وهذا قطع ولاية الولي عنها. # وروي عنه أيضا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الأيم أحق ~~بنفسها من وليها» والأيم اسم لامرأة لا زوج لها. # وأما الاستدلال فهو: أنها لما بلغت عن عقل وحرية فقد صارت ولية نفسها في ~~النكاح فلا تبقى موليا عليها كالصبي العاقل إذا بلغ، والجامع أن ولاية ~~الإنكاح إنما ثبتت للأب على الصغيرة بطريق النيابة عنها شرعا لكون النكاح ~~تصرفا نافعا متضمنا مصلحة الدين والدنيا وحاجتها إليه حالا ومآلا وكونها ~~عاجزة عن إحراز ذلك بنفسها، وكون الأب قادرا عليه وبالبلوغ عن عقل زال ~~العجز حقيقة وقدرت على التصرف في نفسها حقيقة فتزول ولاية الغير عنها وتثبت ~~الولاية لها؛ لأن النيابة الشرعية إنما تثبت بطريق الضرورة نظرا فتزول ~~بزوال الضرورة مع أن الحرية منافية لثبوت الولاية للحر على الحر، وثبوت ~~الشيء مع المنافي لا يكون إلا بطريق الضرورة ولهذا المعنى زالت الولاية عن ~~إنكاح الصغير العاقل إذا بلغ، وتثبت الولاية له وهذا المعنى موجود في الفرع ~~ولهذا زالت ولاية الأب عن التصرف في مالها، وتثبت الولاية لها كذا هذا وإذا ~~صارت ولي نفسها في النكاح لا تبقى موليا عليها بالضرورة لما فيه من ~~الاستحالة. # وأما الآية: فالخطاب للأولياء بالإنكاح ليس يدل على أن الولي شرط جواز ~~الإنكاح بل على وفاق العرف والعادة بين الناس فإن النساء لا يتولين النكاح ~~بأنفسهن عادة لما فيه من الحاجة إلى الخروج إلى محافل الرجال وفيه نسبتهن ms1312 ~~إلى الوقاحة بل الأولياء هم الذين يتولون ذلك عليهن برضاهن فخرج الخطاب ~~بالأمر بالإنكاح مخرج العرف والعادة على الندب والاستحباب دون الحتم ~~والإيجاب، والدليل عليه ما ذكر سبحانه وتعالى عقيبه وهو قوله تعالى ~~{والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور: 32] ثم لم يكن الصلاح شرط الجواز ~~ونظيره قوله تعالى {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] أو تحمل ~~الآية الكريمة على إنكاح الصغار عملا بالدلائل كلها وعلى هذا يحمل قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - «لا يزوج النساء إلا الأولياء» أن ذلك على الندب ~~والاستحباب. # وكذا قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا نكاح إلا بولي» مع ما حكي عن # PageV02P248 # بعض النقلة أن ثلاثة أحاديث لم تصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وعد من جملتها هذا ولهذا لم يخرج في الصحيحين على أنا نقول بموجب الأحاديث ~~لكن لما قلتم أن هذا إنكاح بغير ولي بل المرأة ولية نفسها لما ذكرنا من ~~الدلائل - والله أعلم -. # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - «النكاح عقد ضرر» فممنوع بل هو عقد ~~منفعة لاشتماله على مصالح الدين والدنيا من السكن والإلف والمودة والتناسل ~~والعفة عن الزنا واستيفاء المرأة بالنفقة إلا أن هذه المصالح لا تحصل إلا ~~بضرب ملك عليها إذ لو لم تكن لا تصير ممنوعة عن الخروج والبروز والتزويج ~~بزوج آخر وفي الخروج والبروز فساد السكن؛ لأن قلب الرجل لا يطمئن إليها وفي ~~التزوج بزوج آخر فساد الفراش؛ لأنها إذا جاءت بولد يشتبه النسب ويضيع الولد ~~فالشرع ضرب عليها نوع ملك ضرورة حصول المصالح، فكان الملك وسيلة إلى ~~المصالح والوسيلة إلى المصلحة مصلحة، وتسمية النكاح رقا بطريق التمثيل لا ~~بطريق التحقيق لانعدام حقيقة الرق وقوله: " عقلها ناقص " قلنا هذا النوع من ~~النقصان لا يمنع العلم بمصالح النكاح فلا يسلب أهلية النكاح ولهذا لا يسلب ~~أهلية سائر التصرفات من المعاملات والديانات حتى يصح منها التصرف في المال ~~على طريق الاستبداد وإن كانت تجري في التصرفات المالية خيانات خفية لا تدرك ~~إلا بالتأمل، ويصح منها الإقرار بالحدود والقصاص ويؤخذ ms1313 عليها الخطاب ~~بالأيمان وسائر الشرائع فدل أن ما لها من العقل كاف والدليل عليه أنه اعتبر ~~عقلها في اختيار الأزواج حتى لو طلبت من الولي أن يزوجها من كفء يفترض عليه ~~التزويج حتى لو امتنع يصير عاضلا وينوب القاضي منابه في التزويج. # وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - فقد قيل: إن مداره على الزهري فعرض ~~عليه فأنكره وهذا يوجب ضعفا في الثبوت، يحقق الضعف أن راوي الحديث عائشة - ~~رضي الله عنها - ومن مذهبها: جواز النكاح بغير ولي والدليل عليه: ما روي ~~أنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن من المنذر بن الزبير وإذا كان مذهبها في ~~هذا الباب هذا فكيف تروي حديثا لا تعمل به؟ ولئن ثبت فنحمله على الأمة؛ ~~لأنه روي في بعض الروايات: «أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها» دل ذكر ~~الموالي على أن المراد من المرأة الأمة فيكون عملا بالدلائل أجمع وأما قول ~~محمد: إن للولي حقا في النكاح فنقول: الحق في النكاح لها على الولي لا ~~للولي عليها بدليل أنها تزوج على الولي إذا غاب غيبة منقطعة وإذا كان حاضرا ~~يجبر على التزويج إذا أبى وعضل تزوج عليه، والمرأة لا تجبر على النكاح إذا ~~أبت وأراد الولي فدل أن الحق لها عليه. # ومن ترك حق نفسه في عقد له قبل غيره لم يوجب ذلك فساده على أنه إن كان ~~للولي فيه ضرب حق لكن أثره في المنع من اللزوم إذا زوجت نفسها من غير كفء ~~لا في المنع من النفاذ والجواز؛ لأن في حق الأولياء في النكاح من حيث ~~صيانتهم عما يلحقهم من الشين والعار بنسبة عدا الكفء إليهم بالصهرية فإن ~~زوجت نفسها من كفء فقد حصلت الصيانة فزال المانع من اللزوم فيلزم، وإن ~~تزوجت من غير كفء ففي النفاذ إن كان ضرر بالأولياء وفي عدم النفاذ ضرر بها ~~بإبطال أهليتها والأصل في الضررين إذا اجتمعا أن يدفعا ما أمكن وههنا أمكن ~~دفعهما بأن نقول بنفاذ النكاح دفعا للضرر عنها وبعدم اللزوم وثبوت ولاية ~~الاعتراض للأولياء دفعا ms1314 للضرر عنهم، ولهذا نظير في الشريعة فإن العبد ~~المشترك بين اثنين إذا كاتب أحدهما نصيبه فقد دفع الضرر عنه حتى لو أدى بدل ~~الكتابة يعتق، ولكنه لم يلزمه حتى كان للشريك الآخر حق فسخ الكتابة قبل ~~أداء البدل دفعا للضرر. # وكذا العبد إذا أحرم بحجة أو بعمرة صح إحرامه حتى لو أعتق يمضي في إحرامه ~~لكنه لم يلزمه حتى إن للمولى أن يحلله دفعا للضرر عنه وكذا للشفيع حق تملك ~~الدار بالشفعة دفعا للضرر عن نفسه ثم لو وهب المشتري الدار نفذت هبته دفعا ~~للضرر عنه لكنها لا تلزم حتى للشفيع حق قبض الهبة والأخذ بالشفعة دفعا ~~للضرر عن نفسه كذا هذا. ### | [فصل شرط التقدم الولاية في النكاح] # (فصل) : # وأما شرط التقدم فشيئان. # أحدهما: العصوبة عند أبي حنيفة، فتقدم العصبة على ذوي الرحم # PageV02P249 # سواء كانت العصبة أقرب أو أبعد، وعندهما هي شرط ثبوت أصل الولاية على ما ~~مر. # والثاني: قرب القرابة يتقدم الأقرب على الأبعد سواء كان في العصبات أو في ~~غيرها على أصل أبي حنيفة وعلى أصلهما هذا شرط التقدم لكن في العصبات خاصة ~~بناء على أن العصبات شرط ثبوت أصل الولاية عندهما وعنده هي شرط التقدم على ~~غيرهم من القرابات فما دام ثمة عصبة فالولاية لهم يتقدم الأقرب منهم على ~~الأبعد، وعند عدم العصبات تثبت الولاية لذوي الرحم الأقرب منهم يتقدم على ~~الأبعد وإنما اعتبر الأقرب فالأقرب في الولاية؛ لأن هذه ولاية نظر، وتصرف ~~الأقرب أنظر في حق المولى عليه؛ لأنه أشفق فكان هو أولى من الأبعد؛ ولأن ~~القرابة إن كانت استحقاقها بالتعصيب كما قالا فالأبعد لا يكون عصبة مع ~~الأقرب فلا يلي معه ولئن كان استحقاقها بالوراثة كما قال أبو حنيفة فالأبعد ~~لا يرث مع الأقرب فلا يكون وليا معه وإذا عرف هذا فنقول: إذا اجتمع الأب ~~والجد في الصغير والصغيرة والمجنون الكبير والمجنونة الكبيرة فالأب أولى من ~~الجد أب الأب لوجود العصوبة والقرب، والجد أب الأب وإن علا أولى من الأخ ~~لأب وأم، والأخ أولى من ms1315 العم هكذا. # وعند أبي يوسف ومحمد الجد والأخ سواء كما في الميراث فإن الأخ لا يرث مع ~~الجد عنده فكان بمنزلة الأجنبي. # وعندهما يشتركان في الميراث، فكانا كالأخوين وإن اجتمع الأب والابن في ~~المجنونة فالابن أولى عند أبي يوسف. # وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي قول أبي حنيفة مع قول أبي يوسف وروى ~~المعلى عن أبي يوسف أنه قال: أيهما زوج جاز وإن اجتمعا قلت للأب زوج. # وقال محمد: الأب أولى به. # (وجه) قوله: إن هذه الولاية تثبت نظرا للمولى عليه، وتصرف الأب أنظر لها ~~لأنه أشفق عليها من الابن ولهذا كان هو أولى بالتصرف في مالها؛ ولأن الأب ~~من قومها والابن ليس منهم ألا ترى أنه ينسب إلى أبيه؟ فكان إثبات الولاية ~~عليها لقرابتها أولى. # (وجه) قول أبي يوسف أن ولاية التزويج مبنية على العصوبة والأب مع الابن ~~إذا اجتمعا فالابن هو العصبة والأب صاحب فرض فكان كالأخ لأم مع الأخ لأب ~~وأم (وجه) رواية المعلى أنه وجد في كل واحد منهما ما هو سبب التقدم أما ~~الأب: فلأنه من قومها وهو أشفق عليها وأما الابن: فلأنه يرثها بالتعصيب وكل ~~واحد من هذين سبب التقدم فأيهما زوج جاز، وعند الاجتماع يقدم الأب تعظيما ~~واحتراما له وكذلك إذا اجتمع الأب وابن الابن وإن سفل فهو على هذا الخلاف، ~~والأفضل في المسألتين أن يفوض الابن الإنكاح إلى الأب احتراما للأب ~~واحترازا عن موضع الخلاف، وعلى هذا الخلاف إذا اجتمع الجد والابن قال أبو ~~يوسف: الابن أولى. # وقال محمد: الجد أولى. # والوجه من الجانبين على نحو ما ذكرنا فأما الأخ والجد: فهو على الخلاف ~~الذي ذكرنا بين أبي حنيفة وصاحبيه. # وأما من غير العصبات: فكل من يرث يزوج عند أبي حنيفة ومن لا فلا، وبيان ~~من يرث منهم ومن لا يرث يعرف في كتاب الفرائض، ثم إنما يتقدم الأقرب على ~~الأبعد إذا كان الأقرب حاضرا أو غائبا غيبة غير منقطعة فأما إذا كان غائبا ~~غيبة منقطعة فللأبعد أن يزوج في قول أصحابنا ms1316 الثلاثة، وعند زفر لا ولاية ~~للأبعد مع قيام الأقرب بحال. # وقال الشافعي: يزوجها السلطان. # واختلف مشايخنا في ولاية الأقرب أنها تزول بالغيبة أو تبقى، قال بعضهم: ~~إنها باقية إلا إن حدثت للأبعد ولاية لغيبة الأقرب فيصير كأن لها وليين ~~مستويين في الدرجة كالأخوين والعمين. # وقال بعضهم: تزول ولايته وتنتقل إلى الأبعد وهو الأصح. # (وجه) قول زفر أن ولاية الأقرب قائمة لقيام سبب ثبوت الولاية - وهو ~~القرابة القريبة - ولهذا لو زوجها حيث هو يجوز فقيام ولايته تمنع الانتقال ~~إلى غيره والشافعي يقول: إن ولاية الأقرب باقية كما قال زفر إلا أنه امتنع ~~دفع حاجتها من قبل الأقرب مع قيام ولايته عليها بسبب الغيبة فتثبت الولاية ~~للسلطان كما إذا خطبها كفء وامتنع الولي من تزويجها منه أن للقاضي أن ~~يزوجها، والجامع بينهما دفع الضرر عن الصغيرة. # (ولنا) أن ثبوت الولاية للأبعد زيادة نظر في حق العاجز فتثبت له الولاية ~~كما في الأب مع الجد إذا كانا حاضرين، ودلالة ما قلنا أن الأبعد أقدر على ~~تحصيل النظر للعاجز # PageV02P250 # لأن مصالح النكاح مضمنة تحت الكفاءة والمهر ولا شك أن الأبعد متمكن من ~~إحراز الكفء الحاضر بحيث لا يفوته غالبا، والأقرب الغائب غيبة منقطعة لا ~~يقدر على إحرازه غالبا؛ لأن الكفء الحاضر لا ينتظر حضوره واستطلاع رأيه ~~غالبا. # وكذا الكفء المطلق؛ لأن المرأة تخطب حيث هي عادة فكان الأبعد أقدر على ~~إحراز الكفء من الأقرب فكان أقدر على إحراز النظر فكان أولى بثبوت الولاية ~~له إذ المرجوح في مقابلة الراجح ملحق بالعدم في الأحكام كما في الأب مع ~~الجد. # وأما قوله: " إن ولاية الأقرب قائمة " فممنوع ولا نسلم أنه يجوز إنكاحه، ~~بل لا يجوز فولايته منقطعة بواحدة، وقد روي عن أصحابنا ما يدل على هذا ~~فإنهم قالوا: إن الأقرب إذا كتب كتابا إلى الأبعد ليقدم رجلا في الصلاة على ~~جنازة الصغير فإن للأبعد أن يمتنع عن ذلك. # ولو كانت ولاية الأقرب قائمة لما كان له الامتناع كما إذا كان الأقرب ~~حاضرا فقدم رجلا ليس للأبعد ms1317 ولاية المنع، والمعقول يدل عليه وهو أن ثبوت ~~الولاية لحاجة المولى عليه ولا مدفع لحاجته برأي الأقرب لخروجه من أن يكون ~~منتفعا به بالغيبة فكان ملحقا بالعدم فصار كأنه جن أو مات إذ الموجود الذي ~~لا ينتفع به، والعدم الأصلي سواء؛ ولأن القول بثبوت الولاية للأبعد مع ~~ولاية الأقرب يؤدي إلى الفساد؛ لأن الأقرب ربما يزوجها من إنسان حيث هو ولا ~~يعلم الأبعد بذلك فيزوجها من غيره فيطؤها الزوج الثاني ويجيء بالأولاد ثم ~~يظهر أنها زوجة الأول وفيه من الفساد ما لا يخفى، ثم إن سلمنا على قول بعض ~~المشايخ فلا تنافي بين الولايتين، فأيهما زوج جاز كما إذا كان لها أخوان أو ~~عمان في درجة واحدة، وفيه كمال النظر في حق العاجز؛ لأن الكفء إن اتفق حيث ~~الأبعد زوجها منه وإن اتفق حيث الأقرب زوجها منه فيكمل النظر إلا أن في حال ~~الحضرة يرجح الأقرب باعتبار زيادة الشفقة لزيادة القرابة وبه تبين أن نقل ~~الولاية إلى السلطان باطل؛ لأن السلطان ولي من لا ولي له، وههنا لها ولي أو ~~وليان، فلا تثبت الولاية للسلطان إلا عند العضل من الولي ولم يوجد - والله ~~الموفق - واختلفت الأقاويل في تحديد الغيبة المنقطعة وعن أبي يوسف روايتان ~~في رواية قال: ما بين بغداد والري وفي رواية: مسيرة شهر فصاعدا وما دونه ~~ليس بغيبة منقطعة. # وعن محمد روايتان أيضا روي عنه ما بين الكوفة إلى الري، وروي عنه من ~~الرقة إلى البصرة. # وذكر ابن شجاع إذا كان غائبا في موضع لا تصل إليه القوافل والرسل في ~~السنة إلا مرة واحدة فهو غيبة منقطعة، وإذا كانت القوافل تصل إليه في السنة ~~غير مرة فليست بمنقطعة وعن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري أنه ~~قال: إن كان الأقرب في موضع يفوت الكفء الخاطب باستطلاع رأيه فهو غيبة ~~منقطعة، وإن كان لا يفوت فليست بمنقطعة، وهذا أقرب إلى الفقه لأن التعويل ~~في الولاية على تحصيل النظر للمولى عليه ودفع الضرر عنه. # وذلك فيما قاله هذا ms1318 إذا اجتمع في الصغير والصغيرة والمجنون الكبير ~~والمجنونة الكبيرة وليان أحدهما أقرب والآخر أبعد فأما إذا كانا في الدرجة ~~سواء كالأخوين والعمين ونحو ذلك، فلكل واحد منهما على حياله أن يزوج رضي ~~الآخر أو سخط بعد أن كان التزويج من كفء بمهر وافر، وهذا قول عامة العلماء ~~وقال مالك: ليس لأحد الأولياء ولاية الإنكاح ما لم يجتمعوا بناء على أن هذه ~~الولاية ولاية شركة عنده، وعندنا وعند العامة ولاية استبداد. # (وجه) قوله: أن سبب هذه الولاية هو القرابة وأنها مشتركة بينهم فكانت ~~الولاية مشتركة؛ لأن الحكم يثبت على وفق العلة وصار كولاية الملك فإن ~~الجارية بين اثنين إذا زوجها أحدهما لا يجوز من غير رضا الآخر لما قلنا كذا ~~هذا. # (ولنا) أن الولاية لا تتجزأ؛ لأنها ثبتت بسبب لا يتجزأ - وهو القرابة - ~~وما لا يتجزأ إذا ثبت بجماعة سبب لا يتجزأ يثبت لكل واحد منهم على الكمال ~~كأنه ليس معه غيره كولاية الأمان بخلاف ولاية الملك لأن سببها الملك وأنه ~~متجزئ فيتقدر بقدر الملك فإن زوجها كل واحد من الوليين رجلا على حدة فإن ~~وقع العقدان معا بطلا جميعا؛ لأنه لا سبيل إلى الجمع بينهما، وليس أحدهما ~~أولى من الآخر، وإن وقعا مرتبا فإن كان لا يدرى السابق فكذلك لما قلنا، ~~ولأنه لو جاز لجاز بالتجزي ولا يجوز العمل بالتجزيء في الفروج # PageV02P251 # وإن علم السابق منهما من اللاحق جاز الأول ولم يجز الآخر، وقد روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا نكح الوليان فالأول أحق» ~~وأما إذا زوج أحد الأولياء الحرة البالغة العاقلة برضاها من غير كفء بغير ~~رضا الباقين فحكمه يذكر - إن شاء الله تعالى - في شرائط اللزوم. ### | [فصل ولاية الولاء في النكاح] # (فصل) : # وأما ولاية الولاء فسبب ثبوتها الولاء، قال النبي: - صلى الله عليه وسلم ~~- «الولاء لحمة كلحمة النسب» ثم النسب سبب لثبوت الولاية كذا الولاء ~~والولاء نوعان: ولاء عتاقة، وولاء موالاة، أما ولاء العتاقة: فولاية ولاء ~~العتاقة نوعان: ولاية حتم وإيجاب، وولاية ندب ms1319 واستحباب عند أبي حنيفة. # وعند محمد ولاية استبداد وولاية شركة على ما بينا في ولاية القرابة. # وشرط ثبوت هذه الولاية ما هو شرط ثبوت تلك الولاية إلا أن هذه الولاية ~~اختصت بشرط وهو أن لا يكون للمعتق عصبة من جهة القرابة فإن كان فلا ولاية ~~للمعتق؛ لأنه لا ولاء له لأن مولى العتاقة آخر العصبات وإن لم يكن ثمة عصبة ~~من جهة القربة فله أن يزوج سواء كان المعتق ذكرا أو أنثى. # وأما مولى الموالاة فله ولاية التزويج في قول أبي حنيفة عند استجماع سائر ~~الشرائط وانعدام سائر الورثة؛ لأنه آخر الورثة. # وعند أبي يوسف ومحمد ليس له ولاية التزويج أصلا ورأسا؛ لأن العصوبة شرط ~~عندهما ولم توجد. ### | [فصل ولاية الإمامة النكاح] # (فصل) : # وأما ولاية الإمامة فسببها الإمامة وولاية الإمامة نوعان أيضا كولاية ~~القرابة وشرطها ما هو شرط تلك الولاية في النوعين جميعا ولها شرطان آخران ~~أحدهما يعم النوعين جميعا وهو: أن لا يكون هناك ولي أصلا لقوله: - صلى الله ~~عليه وسلم - «السلطان ولي من لا ولي له» والثاني يخص أحدهما وهو ولاية ~~الندب والاستحباب أو ولاية الشركة على اختلاف الأصل وهو لعضل من الولي؛ لأن ~~الحرة البالغة العاقلة إذا طلبت الإنكاح من كفء وجب عليه التزويج منه؛ لأنه ~~منهي عن العضل، والنهي عن الشيء أمر بضده فإذا امتنع فقد أضر بها والإمام ~~نصب لدفع الضرر فتنتقل الولاية إليه، وليس للوصي ولاية الإنكاح؛ لأنه يتصرف ~~بالأمر فلا يعدو موضع الأمر كالوكيل وإن كان الميت أوصى إليه لا يملك أيضا؛ ~~لأنه أراد بالوصاية إليه نقل ولاية الإنكاح وأنها لا تحتمل النقل حال ~~الحياة كذا بعد الموت. # وكذا الفضولي لانعدام سبب ثبوت الولاية في حقه أصلا، ولو أنكح ينعقد ~~موقوفا على الإجازة عندنا، وعند الشافعي لا ينعقد أصلا والمسألة ستأتي في ~~كتاب البيوع. ### | [فصل الشهادة في النكاح] # (فصل) : # ومنها الشهادة وهي: حضور الشهود، والكلام في هذا الشرط في ثلاث مواضع. # أحدها: في بيان أن أصل الشهادة شرط جواز النكاح أم لا. # والثاني: ms1320 في بيان صفات الشاهد الذي ينعقد النكاح بحضوره. # والثالث: في بيان وقت الشهادة. # أما الأول: فقد اختلف أهل العلم فيه قال عامة العلماء: إن الشهادة شرط ~~جواز النكاح. # وقال مالك: ليست بشرط وإنما الشرط هو الإعلان حتى لو عقد النكاح وشرط ~~الإعلان جاز وإن لم يحضره شهود، ولو حضرته شهود وشرط عليهم الكتمان لم يجز ~~ولا خلاف في أن الإشهاد في سائر العقود ليس بشرط ولكنه مندوب إليه ومستحب ~~قال الله تعالى في باب المداينة: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ~~إلى أجل مسمى فاكتبوه} [البقرة: 282] والكتابة لا تكون لنفسها بل للإشهاد ~~ونص عليه في قوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] وقال عز وجل ~~في باب الرجعة {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] . # (وجه) قول مالك أن النكاح إنما يمتاز عن السفاح بالإعلان فإن الزنا يكون ~~سرا فيجب أن يكون النكاح علانية وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه نهى عن نكاح السر والنهي عن السر يكون أمرا بالإعلان؛ لأن النهي عن ~~الشيء أمر بضده، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أعلنوا النكاح ~~ولو بالدف» . # (ولنا) ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا نكاح إلا ~~بشهود» وروي «لا نكاح إلا بشاهدين» وعن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما ~~- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الزانية التي تنكح نفسها ~~بغير بينة» ولو لم تكن الشهادة شرطا لم # PageV02P252 # تكن زانية بدونها، ولأن الحاجة مست إلى دفع تهمة الزنا عنها ولا تندفع ~~إلا بالشهود؛ لأنها لا تندفع إلا بظهور النكاح واشتهاره ولا يشتهر إلا بقول ~~الشهود وبه تبين أن الشهادة في النكاح ما شرطت إلا في النكاح للحاجة إلى ~~دفع الجحود والإنكار؛ لأن ذلك يندفع بالظهور والاشتهار لكثرة الشهود على ~~النكاح بالسماع من العاقدين وبالتسامع وبهذا فارق سائر العقود فإن الحاجة ~~إلى الشهادة هناك لدفع احتمال الشهود النسيان أو الجحود والإنكار في الثاني ~~إذ ليس بعدها ما يشهرها ليندفع ms1321 به الجحود فتقع الحاجة إلى الدفع بالشهادة ~~فندب إليها، وما روي أنه نهى عن نكاح السر فنقول: بموجبه لكن نكاح السر ما ~~لم يحضره شاهدان فأما ما حضره شاهدان فهو نكاح علانية لا نكاح سر إذ السر ~~إذا جاوز اثنين خرج من أن يكون سرا قال الشاعر: # وسرك ما كان عند امرئ ... وسر الثلاثة غير الخفي # وكذلك قوله: - صلى الله عليه وسلم - «أعلنوا النكاح» لأنهما إذا أحضراه ~~شاهدين فقد أعلناه وقوله: - صلى الله عليه وسلم - ولو بالدف ندب إلى زيادة ~~علانة وهو مندوب إليه - والله عز وجل الموفق -. ### | [فصل صفات الشاهد الذي ينعقد به النكاح] # (فصل) : # وأما صفات الشاهد الذي ينعقد به النكاح وهي شرائط تحمل الشهادة للنكاح ~~فمنها: العقل ومنها البلوغ ومنها الحرية فلا ينعقد النكاح بحضرة المجانين ~~والصبيان والمماليك قنا كان المملوك أو مدبرا أو مكاتبا. # من مشايخنا من أصل في هذا أصلا فقال: كل من صلح أن يكون وليا في النكاح ~~بولاية نفسه يصلح شاهدا فيه وإلا فلا وهذا الاعتبار صحيح؛ لأن الشهادة من ~~باب الولاية؛ لأنها تنفيذ القول على الغير، والولاية هي نفاذ المشيئة ~~وهؤلاء ليس لهم ولاية الإنكاح لأنه لا ولاية لهم على أنفسهم فكيف يكون لهم ~~ولاية على غيرهم، إلا المكاتب فإنه يزوج أمته لكن لا بولاية نفسه بل بولاية ~~مولاه بتسليطه على ذلك بعقد الكتابة وكأن التزويج من المولى من حيث المعنى ~~فلا يصلح شاهدا، ومنهم من قال كل من يملك قبول عقد بنفسه ينعقد ذلك العقد ~~بحضوره ومن لا فلا، وهذا الاعتبار صحيح أيضا؛ لأن الشهادة من شرائط ركن ~~العقد، وركنه وهو الإيجاب والقبول، ولا وجود للركن بدون القبول فكما لا ~~وجود للركن بدون القبول حقيقة لا وجود له شرعا بدون الشهادة، وهؤلاء لا ~~يملكون قبول العقد بأنفسهم فلا ينعقد النكاح بحضورهم، والدليل على أنهم ~~ليسوا من أهل الشهادة أن قاضيا لو قضى بشهادتهم ينفسخ قضاؤه عليه، وعن أبي ~~يوسف - رحمه الله - أنه أصل فيه أصلا وقال: كل من جاز الحكم بشهادته ms1322 في قول ~~بعض الفقهاء ينعقد النكاح بحضوره ومن لا يجوز الحكم بشهادته عند أحد لا ~~يجوز بحضوره وهذا الاعتبار صحيح أيضا؛ لأن الحضور لفائدة الحكم بها عند ~~الأداء فإذا جاز الحكم بها في الجملة كان الحضور مفيدا ولا يجوز الحكم ~~بشهادة هؤلاء عند البعض من الفقهاء ألا ترى أن قاضيا لو قضى بشهادتهم ينفسخ ~~عليه قضاؤه. ### | [فصل في نكاح المسلم المسلمة] # (فصل) : # ومنها الإسلام في نكاح المسلم المسلمة فلا ينعقد نكاح المسلم المسلمة ~~بشهادة الكفار؛ لأن الكافر ليس من أهل الولاية على المسلم قال الله تعالى ~~{ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] وكذا لا يملك ~~الكافر قبول نكاح المسلم ولو قضى قاض بشهادته على المسلم ينقض قضاؤه. # وأما المسلم إذا تزوج ذمية بشهادة ذميين فإنه يجوز في قول أبي حنيفة وأبي ~~يوسف سواء كانا موافقين لها في الملة أو مخالفين وقال محمد وزفر والشافعي: ~~لا يجوز نكاح المسلم الذمية بشهادة الذميين، أما الكلام مع الشافعي فهو ~~مبني على أن شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة على أصلنا وعلى أصله غير ~~مقبولة. # وأما الكلام مع محمد وزفر فإنهما احتجا بما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» والمراد منه عدالة ~~الدين لا عدالة التعاطي لإجماعنا على أن فسق التعاطي لا يمنع انعقاد ~~النكاح، ولأن الإشهاد شرط جواز العقد والعقد يتعلق وجوده بالطرفين - طرف ~~الزوج وطرف المرأة - ولم يوجد الإشهاد على الطرفين؛ لأن شهادة الكافر حجة ~~في حق # PageV02P253 # الكافر ليست بحجة في حق المسلم فكانت شهادته في حقه ملحقة بالعدم فلم ~~يوجد الإشهاد في جانب الزوج فصار كأنهما سمعا كلام المرأة دون كلام الرجل ~~ولو كان كذلك لم يكن النكاح كذا هذا ولهما عمومات النكاح من الكتاب والسنة ~~نحو قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] وقوله {وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] وقول النبي: - صلى الله ~~عليه وسلم - «تزوجوا ولا تطلقوا» وقوله - صلى الله ms1323 عليه وسلم - «تناكحوا» ~~وغير ذلك مطلقا عن غير شرط، إلا أن أهل الشهادة وإسلام الشاهد صار شرطا في ~~نكاح الزوجين المسلمين بالإجماع فمن ادعى كونه شرطا في نكاح المسلم الذمية ~~فعليه الدليل. # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا نكاح إلا بشهود» ~~وروي «لا نكاح إلا بشاهدين» والاستثناء من النفي إثبات ظاهر وهذا نكاح ~~بشهود؛ لأن الشهادة في اللغة عبارة عن الإعلام والبيان، والكافر من أهل ~~الإعلام والبيان؛ لأن ذلك يقف على العقل واللسان والعلم بالمشهود به، وقد ~~وجد إلا أن شهادته على المسلم خصت من عموم الحديث فبقيت شهادته للمسلم ~~داخلة تحته؛ ولأن الشهادة من باب الولاية لما بينا، والكافر الشاهد يصلح ~~وليا في هذا العقد بولاية نفسه ويصلح قابلا لهذا العقد بنفسه فيه صلح ~~شاهدا. # وكذا يجوز للقاضي الحكم بشهادته هذه للمسلم؛ لأنه محل الاجتهاد على ما ~~نذكر ولو قضى لا ينفذ قضاؤه فينفذ النكاح بحضوره. # وأما الحديث فقد قيل: إنه ضعيف ولئن ثبت فنحمله على نفي الندب والاستحباب ~~توفيقا بين الدلائل. # وأما قوله: " العقد خلا عن الإشهاد في جانب الزوج؛ لأن شهادة الكافر ليست ~~بحجة في حق المسلم " فنقول: شهادة الكافر إن لم تصلح حجة للكافر على المسلم ~~فتصلح حجة للمسلم على الكافر؛ لأنها إنما لا تصلح حجة على المسلم؛ لأنها من ~~باب الولاية وفي جعلها حجة على المسلم إثبات الولاية للكافر على المسلم، ~~وهذا لا يجوز وهذا المعنى لم يوجد ههنا؛ لأنا إذا جعلناها حجة للمسلم ما ~~كان فيه إثبات الولاية للكافر، وهذا جائز على أنا إن سلمنا قوله: ليس بحجة ~~في حق المسلم لكن حضوره على أن قوله: حجة ليس بشرط لانعقاد النكاح فإنه ~~ينعقد بحضور من لا تقبل شهادته عليه على ما نذكر إن شاء الله تعالى وهل ~~يظهر نكاح المسلم الذمية بشهادة ذميين عند الدعوى؟ ينظر في ذلك، إن كانت ~~المرأة هي المدعية للنكاح على المسلم، والمسلم منكر لا يظهر بالإجماع؛ لأن ~~هذه شهادة الكافر على المسلم وإنها غير ms1324 مقبولة وإن كان الزوج هو المدعي ~~والمرأة منكرة فعلى أصل أبي حنيفة وأبي يوسف يظهر سواء قال الشاهدان: كان ~~معنا عند العقد رجلان مسلمان أو لم يقولا ذلك واختلف المشايخ على أصل محمد ~~قال بعضهم: يظهر كما قالا. # وقال بعضهم: لا يظهر سواء قالا: كان معنا رجلان مسلمان أو لم يقولا ذلك، ~~وهو الصحيح من مذهبه، ووجهه أن هذه شهادة قامت على نكاح فاسد وعلى إثبات ~~فعل المسلم؛ لأنهما إن شهدا على نكاح حضراه فقط لا تقبل شهادتهما؛ لأن هذه ~~شهادة على نكاح فاسد عنده وإن شهدا على أنهما حضراه ومعهما رجلان مسلمان لا ~~تقبل أيضا؛ لأن هذه إن كانت شهادة الكافر على الكافر لكن فيها إثبات فعل ~~المسلم فيكون شهادة على مسلم فلا تقبل كمسلم ادعى عبدا في يد ذمي فجحد ~~الذمي دعوى المسلم وزعم أن العبد عبده فأقام المسلم بشاهدين ذميين على أن ~~العبد عبده وقضى له به على هذا الذمي قاض فلا تقبل شهادتهما، وإن كان هذا ~~شهادة الكافر على الكافر، لكن لما كان فيها إثبات فعل المسلم بشهادة الكافر ~~وهو قضاء القاضي لم تقبل كذا هذا. # (وجه) الكلام لأبي حنيفة وأبي يوسف على نحو ما ذكرنا في جانب الاعتقاد أن ~~الشهادة من باب الولاية، وللكافر ولاية على الكافر ولو كان الشاهدان وقت ~~التحمل كافرين ووقت الأداء مسلمين فشهدا للزوج فعلى أصلهما لا يشكل أنه ~~تقبل شهادتهما؛ لأنهما لو كانا في الوقتين جميعا كافرين تقبل فههنا أولى ~~واختلف المشايخ على أصل محمد قال بعضهم: تقبل. # وقال بعضهم: لا تقبل فمن قال: تقبل نظر إلى وقت الأداء، ومن قال: لا تقبل ~~نظر إلى وقت التحمل. # PageV02P254 ### | [فصل سماع الشاهدين كلام المتعاقدين] # فصل) : # ومنها سماع الشاهدين كلام المتعاقدين جميعا حتى لو سمعا كلام أحدهما دون ~~الآخر أو سمع أحدهما كلام أحدهما والآخر كلام الآخر لا يجوز النكاح؛ لأن ~~الشهادة أعني حضور الشهود شرط ركن العقد، وركن العقد هو الإيجاب والقبول ~~فيما لم يسمعا كلامهما لا تتحقق الشهادة عن الركن فلا ms1325 يوجد شرط الركن - ~~والله أعلم -. ### | [فصل النكاح بشاهد واحد] # (فصل) : # ومنها العدد فلا ينعقد النكاح بشاهد واحد لقوله: - صلى الله عليه وسلم - ~~«لا نكاح إلا بشهود» وقوله: «لا نكاح إلا بشاهدين» وأما عدالة الشاهد فليست ~~بشرط لانعقاد النكاح عندنا فينعقد بحضور الفاسقين وعند الشافعي شرط، ولا ~~ينعقد إلا بحضور من ظاهره العدالة، واحتج بما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» ولأن الشهادة خبر يرجح ~~فيه جانب الصدق على جانب الكذب، والرجحان إنما يثبت بالعدالة، ولنا أن ~~عمومات النكاح مطلقة عن شرط ثم اشتراط أصل الشهادة بصفاتها المجمع عليها ~~ثبتت بالدليل فمن ادعى شرط العدالة فعليه البيان؛ ولأن الفسق لا يقدح في ~~ولاية الإنكاح بنفسه لما ذكرنا في شرائط الولاية. # وكذا يجوز للحاكم الحكم بشهادته في الجملة ولو حكم لا ينقض حكمه؛ لأنه ~~محل الاجتهاد فكان من أهل تحمل الشهادة. # والفسق لا يقدح في أهلية التحمل، وإنما يقدح في الأداء فيظهر أثره في ~~الأداء لا في الانعقاد، وقد ظهر حتى لا يجب على القاضي القضاء بشهادته ولا ~~يجوز أيضا إلا إذا تحرى القاضي الصدق في شهادته. # وكذا كون الشاهد غير محدود في القذف ليس بشرط لانعقاد النكاح فينعقد ~~بحضور المحدود في القذف غير أنه إن كان قد تاب بعد ما حد ينعقد النكاح ~~بالإجماع، وإن كان لم يتب لا تقبل شهادته عندنا على التأبيد خلافا للشافعي؛ ~~لأن كونه مردود الشهادة على التأبيد يقدح في الأداء لا في التحمل؛ ولأنه ~~يصلح وليا في النكاح بولاية نفسه ويصح القبول منه بنفسه ويجوز القضاء ~~بشهادته في الجملة فينعقد النكاح بحضوره، وإن حد ولم يتب أو لم يتب ولم يحد ~~ينعقد عندنا خلافا للشافعي، وهي مسألة شهادة الفاسق. # وكذا بصر الشاهد ليس بشرط فينعقد النكاح بحضور الأعمى لما ذكرنا؛ ولأن ~~العمى لا يقدح إلا في الأداء لتعذر التمييز بين المشهود عليه وبين المشهود ~~له، ألا ترى أنه لا يقدح في ولاية الإنكاح ولا في قبول ms1326 النكاح بنفسه ولا في ~~المنع من جواز القضاء بشهادته في الجملة فكان من أهل أن ينعقد النكاح ~~بحضوره. # وكذا ذكورة الشاهدين ليست بشرط عندنا وينعقد النكاح بحضور رجل وامرأتين ~~عندنا وعند الشافعي شرط، ولا ينعقد إلا بحضور رجلين ونذكر المسألة في كتاب ~~الشهادات. # وكذا إسلام الشاهدين ليس بشرط في نكاح الكافرين فينعقد نكاح الزوجين ~~الكافرين بشهادة كافرين # وكذا تقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض سواء اتفقت مللهم أو اختلفت، ~~وهذا عندنا وعند الشافعي إسلام الشاهد شرط؛ لأنه ينعقد نكاح الكافر بشهادة ~~الكافر، ولا تقبل شهادتهم أيضا والكلام في القبول نذكره في كتاب الشهادات ~~ونتكلم ههنا في انعقاد النكاح بشهادته، واحتج الشافعي بالمروي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» ولا عدالة مع ~~الكفر؛ لأن الكفر أعظم الظلم وأفحشه فلا يكون الكافر عدلا فلا ينعقد النكاح ~~بحضوره، ولنا قوله: - عليه الصلاة والسلام - «لا نكاح إلا بشهود» وقوله: ~~«لا نكاح إلا بشاهدين» والاستثناء من النفي إثبات من حيث الظاهر، والكفر لا ~~يمنع كونه شاهدا لما ذكرنا وكذا لا يمنع أن يكون وليا في النكاح بولاية ~~نفسه ولا قابلا للعقد بنفسه، ولا جواز للقضاء بشهادته في الجملة. # وكذا كون شاهد النكاح مقبول الشهادة عليه ليس بشرط لانعقاد النكاح ~~بحضوره، وينعقد النكاح بحضور من لا تقبل شهادته عليه أصلا كما إذا تزوج ~~امرأة بشهادة ابنيه منها، وهذا عندنا وعند الشافعي لا ينعقد. # (وجه) قوله: أن الشهادة في باب النكاح للحاجة إلى صيانته عن الجحود ~~والإنكار، والصيانة لا تحصل إلا بالقبول فإذا لم يكن مقبول الشهادة لا تحصل ~~الصيانة، ولنا أن # PageV02P255 # الاشتهار في النكاح لدفع تهمة الزنا لا لصيانة العقد عن الجحود والإنكار، ~~والتهمة تندفع بالحضور من غير قبول، على أن معنى الصيانة يحصل بسبب حضورهما ~~وإن كان لا تقبل شهادتهما؛ لأن النكاح يظهر ويشتهر بحضورهما، فإذا ظهر ~~واشتهر تقبل الشهادة فيه بالتسامع فتحصل الصيانة. # وكذا إذا تزوج امرأة بشهادة ابنيه لا منها أو ابنيها لا منه ms1327 يجوز لما ~~قلنا ثم عند وقوع الحجر والإنكار ينظر إن وقعت شهادتهما لواحد من الأبوين ~~لا تقبل وإن وقعت عليه تقبل؛ لأن شهادة الابن لأبويه غير مقبولة وشهادتهما ~~عليه مقبولة. # ولو زوج الأب ابنته من رجل بشهادة ابنيه وهما أخوا المرأة فلا يشك أنه ~~يجوز النكاح وإذا وقع الجحود بين الزوجين فإن كان الأب مع الجاحد منهما ~~أيهما كان تقبل شهادتهما؛ لأن هذه شهادة على الأب فتقبل وإن كان الأب مع ~~المدعي منهما أيهما كان لا تقبل شهادتهما عند أبي يوسف وعند محمد تقبل فأبو ~~يوسف نظر إلى الدعوى والإنكار فقال: إذا كان الأب مع المنكر فشهادتهما تقع ~~على الأب فتقبل، وإذا كان مع المدعي فشهادتهما تقع للأب؛ لأن التزويج كان ~~من الأب فلا تقبل ومحمد نظر إلى المنفعة وعدم المنفعة فقال: إن كان للأب ~~منفعة لا تقبل سواء كان مدعيا أو منكرا وإن لم يكن له منفعة تقبل. # وههنا لا منفعة للأب فتقبل والصحيح نظر محمد؛ لأن المانع من القبول هو ~~التهمة، وإنها تنشأ عن النفع، وكذلك هذا الاختلاف فيما إذا قال رجل لعبده: ~~إن كلمك زيد فأنت حر ثم قال العبد كلمني زيد وأنكر المولى فشهد للعبد ابنا ~~زيد أن أباهما قد كلمه والمولى ينكر تقبل شهادتهما في قول محمد سواء كان ~~زيد يدعي الكلام أو لا يدعي؛ لأنه لا منفعة لزيد في الكلام وعند أبي يوسف ~~إن كان زيد يدعي الكلام لا تقبل، وإن كان لا يدعي تقبل وكذلك هذا الاختلاف ~~فيمن توكل عن غيره في عقد ثم شهد ابنا الوكيل على العقد فإن كان حقوق العقد ~~لا ترجع إلى العاقد تقبل شهادتهما عند محمد سواء ادعى الوكيل أو لم يدع؛ ~~لأنه ليس فيه منفعة. # وعند أبي يوسف إن كان يدعي لا تقبل، وإن كان منكرا تقبل. ### | [فصل بيان وقت هذه الشهادة في النكاح] # (فصل) : # وأما بيان وقت هذه الشهادة - وهي حضور الشهود - فوقتها وقت وجود ركن ~~العقد - وهو الإيجاب والقبول - لا وقت وجود الإجازة حتى لو ms1328 كان العقد ~~موقوفا على الإجازة فحضروا عقد الإجازة ولم يحضروا عند العقد لم تجز؛ لأن ~~الشهادة شرط ركن العقد فيشترط وجودها عند الركن، والإجازة ليست بركن، بل هي ~~شرط النفاذ في العقد الموقوف وعند وجود الإجازة يثبت الحكم بالعقد من حين ~~وجوده فتعتبر الشهادة في ذلك الوقت - والله تعالى الموفق -. ### | [فصل أن تكون المرأة محللة] # (فصل) : # ومنها أن تكون المرأة محللة وهي أن لا تكون محرمة على التأبيد فإن كانت ~~محرمة على التأبيد فلا يجوز نكاحها؛ لأن الإنكاح إحلال، وإحلال المحرم على ~~التأبيد محال والمحرمات على التأبيد ثلاثة أنواع:. # محرمات بالقرابة ومحرمات بالمصاهرة ومحرمات بالرضاع. # أما النوع الأول: فالمحرمات بالقرابة سبع فرق: الأمهات والبنات والأخوات ~~والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت قال الله تعالى: {حرمت عليكم ~~أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ~~وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} [النساء: 23] الآية أخبر الله تعالى عن تحريم هذه ~~المذكورات، فإما أن يعمل بحقيقة هذا الكلام حقيقة ويقال: بحرمة الأعيان كما ~~هو مذهب أهل السنة والجماعة وهي " منع الله تعالى الأعيان عن تصرفنا فيها ~~بإخراجها من أن تكون محلا لذلك شرعا، وهو التصرف الذي يعتاد إيقاعه في ~~جنسها وهو الاستمتاع والنكاح. # وإما أن يضمر فيه الفعل وهو الاستمتاع والنكاح في تحريم كل واحد منهما ~~تحريم الآخر؛ لأنه إذا حرم الاستمتاع وهو المقصود بالنكاح لم يكن النكاح ~~مفيدا لخلوه عن العاقبة الحميدة فكان تحريم الاستمتاع تحريما للنكاح، وإذا ~~حرم النكاح وأنه شرع وسيلة إلى الاستمتاع، والاستمتاع هو المقصود فكان ~~تحريم الوسيلة تحريما للمقصود بالطريق الأولى، وإذا عرف هذا فنقول: يحرم ~~على الرجل أمه بنص الكتاب وهو قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: ~~23] # PageV02P256 # وتحرم عليه جداته من قبل أبيه وأمه وإن علون بدلالة النص؛ لأن الله تعالى ~~حرم العمات والخالات وهن أولاد الأجداد والجدات، فكانت الجدات أقرب منهن ~~فكان تحريمهن تحريما للجدات من طريق الأولى كتحريم التأفيف نصا يكون تحريما ~~للشتم والضرب دلالة، وعليه إجماع الأمة أيضا وتحرم عليه بناته بالنص وهو ~~قوله تعالى " وبناتكم ms1329 " سواء كانت بنته من النكاح أو من السفاح لعموم النص ~~وقال الشافعي: لا تحرم عليه البنت من السفاح؛ لأن نسبها لم يثبت منه فلا ~~تكون مضافة إليه شرعا فلا تدخل تحت نص الإرث والنفقة في قوله تعالى: ~~{يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] وفي قوله تعالى: {وعلى المولود له ~~رزقهن} [البقرة: 233] كذا ههنا؛ ولأنا نقول: بنت الإنسان اسم لأنثى مخلوقة ~~من مائه حقيقة، والكلام فيه فكانت بنته حقيقة إلا أنه لا تجوز الإضافة شرعا ~~إليه لما فيه من إشاعة الفاحشة، وهذا لا ينفي النسبة الحقيقية؛ لأن الحقائق ~~لا مرد لها وهكذا نقول في الإرث والنفقة: إن النسبة الحقيقية ثابتة إلا أن ~~الشرع اعتبر هناك ثبوت النسب شرعا لجريان الإرث والنفقة لمعنى. # ومن ادعى ذلك ههنا فعليه البيان. # وتحرم بنات بناته وبنات أبنائه وإن سفلن بدلالة النص؛ لأنهن أقرب من بنات ~~الأخ وبنات الأخت ومن الأخوات أيضا؛ لأن الأخوات أولاد أبيه وهن أولاد ~~أولاده فكان ذكر الحرمة هناك ذكرا للحرمة ههنا دلالة وعليه إجماع الأمة ~~أيضا، وتحرم عليه أخواته وعماته وخالاته بالنص وهو قوله عز وجل: {وأخواتكم ~~وعماتكم وخالاتكم} [النساء: 23] سواء كن لأب وأم أو لأب أو لأم لإطلاق اسم ~~الأخت والعمة والخالة، ويحرم عليه عمة أبيه وخالته لأب وأم أو لأب أو لأم، ~~وعمة أمه وخالته لأب وأم أو لأب أو لأم بالإجماع. # وكذا عمة جده وخالته وعمة خالته وخالتها لأب وأم أو لأب أو لأم تحرم ~~بالإجماع، وتحرم عليه بنات الأخ وبنات الأخت بالنص، وهو قوله تعالى: {وبنات ~~الأخ وبنات الأخت} [النساء: 23] وبنات بنات الأخ والأخت وإن سفلن بالإجماع ~~ومنهم من قال: إن حرمة الجدات وبنات البنات ونحوهن ممن ذكرنا يثبت بالنص ~~أيضا؛ لانطلاق الاسم عليهن فإن جدة الإنسان تسمى أما له، وبنت بنته تسمى ~~بنتا له فكانت حرمتهن ثابتة بعين النص، لكن هذا لا يصح إلا على قول من ~~يقول: يجوز أن يراد الحقيقة والمجاز من لفظ واحد إذا لم يكن بين حكميهما ~~منافاة؛؛ لأن إطلاق اسم الأم على ms1330 الجدة وإطلاق اسم البنت على بنت البنت ~~بطريق المجاز ألا ترى أن من نفى اسم الأم والبنت عنهما كان صادقا في النفي، ~~وهذا من العلامات التي يفرق بها بين الحقيقة والمجاز، وقد ظهر أمر هذه ~~التفرقة في الشرع أيضا حتى إن من قال لرجل: لست أنت بابن فلان لجده لا يصير ~~قاذفا له حتى لا يؤخذ بالحد؛ ولأن نكاح هؤلاء يفضي إلى قطع الرحم؛ لأن ~~النكاح لا يخلو عن مباسطات تجري بين الزوجين عادة وبسببها تجري الخشونة ~~بينهما، وذلك يفضي إلى قطع الرحم فكان النكاح سببا لقطع الرحم مفضيا إليه، ~~وقطع الرحم حرام والمفضي إلى الحرام حرام، وهذا المعنى يعم الفرق السبع؛ ~~لأن قرابتهن محرمة القطع واجبة الوصل، ويختص الأمهات بمعنى آخر، وهو أن ~~احترام الأم وتعظيمها واجب، ولهذا أمر الولد بمصاحبة الوالدين بالمعروف ~~وخفض الجناح لهما والقول الكريم ونهي عن التأفيف لهما فلو جاز النكاح ~~والمرأة تكون تحت أمر الزوج، وطاعته وخدمته مستحقة عليها للزمها ذلك وأنه ~~ينفي الاحترام فيؤدي إلى التناقض وتحل له بنت العمة والخالة وبنت العم ~~والخال؛ لأن الله تعالى ذكر المحرمات في آية التحريم ثم أخبر سبحانه وتعالى ~~أنه أحل ما وراء ذلك بقوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] وبنات ~~الأعمام والعمات والأخوال والخالات لم يذكرن في المحرمات فكن مما وراء ذلك ~~فكن محللات. # وكذا عمومات النكاح لا توجب الفصل ثم خص عنها المحرمات المذكورات في آية ~~التحريم فبقي غيرهن تحت العموم، وقد ورد نص خاص في الباب، وهو قوله تعالى: ~~{يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} [الأحزاب: 50] إلى قوله عز وجل: ~~{وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك} ~~[الأحزاب: 50] الآية والأصل فيما يثبت للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يثبت لأمته، والخصوص بدليل - والله الموفق -. # PageV02P257 ### | [فصل المحرمات بالمصاهرة] # فصل) : # وأما النوع الثاني فالمحرمات بالمصاهرة أربع فرق. # الفرقة الأولى: أم الزوجة وجداتها من قبل أبيها وأمها وإن علون فيحرم على ~~الرجل أم زوجته بنص الكتاب العزيز وهو قوله عز ms1331 وجل: {وأمهات نسائكم} ~~[النساء: 23] معطوفا على قوله عز وجل: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} ~~[النساء: 23] سواء كان دخل بزوجته أو كان لم يدخل بها عند عامة العلماء. # وقال مالك وداود الأصفهاني ومحمد بن شجاع البلخي وبشر المريسي: إن أم ~~الزوجة لا تحرم على الزوج بنفس العقد ما لم يدخل ببنتها حتى إن من تزوج ~~امرأة ثم طلقها قبل الدخول بها أو ماتت لا يجوز له أن يتزوج أمها عند عامة ~~العلماء وعندهم يجوز. # والمسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله عنهم - روي عن عمر وعلي وابن ~~عباس وزيد بن ثابت وعمران بن حصين - رضي الله عنهم - مثل قول العامة. # وروي عن عبد الله بن مسعود وجابر - رضي الله عنهما - مثل قولهم وهو إحدى ~~الروايتين عن علي وزيد بن ثابت وعن زيد بن ثابت أنه فصل بين الطلاق والموت ~~قال: في الطلاق مثل قولهما وفي الموت مثل قول العامة وجعل الموت كالدخول؛ ~~لأنه بمنزلة الدخول في حق المهر وكذا في حق التحريم، احتجوا بقوله تعالى: ~~{وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن} ~~[النساء: 23] ذكر أمهات النساء وعطف ربائب النساء عليهن في التحريم بحرف ~~العطف ثم عقب الجملتين بشرط الدخول. # والأصل أن الشرط المذكور والاستثناء بمشيئة الله تعالى عقيب جمل معطوف ~~بعضها على بعض بحرف العطف كل جملة مبتدأ وخبره ينصرف إلى الكل لا إلى ما ~~يليه خاصة كمن قال: عبده حر وامرأته طالق وعليه حج بيت الله تعالى إن فعل ~~كذا أو قال: إن شاء الله تعالى فهذا كذلك فينصرف شرط الدخول إلى الجملتين ~~جميعا فلا تثبت الحرمة بدونه ولنا قوله تعالى: " وأمهات نسائكم " كلام تام ~~بنفسه منفصل عن المذكور بعده؛ لأنه مبتدأ وخبر إذ هو معطوف على ما تقدم ~~ذكره من قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} [النساء: 23] إلى قوله عز وجل: ~~{وأمهات نسائكم} [النساء: 23] والمعطوف يشارك المعطوف عليه في خبره ويكون ~~خبر الأول خبرا للثاني كقوله: جاءني زيد وعمرو معناه جاءني عمرو فكان معنى ~~قوله تعالى: {وأمهات نسائكم} ms1332 [النساء: 23] أي: وحرمت عليكم أمهات نسائكم ~~وأنه مطلق عن شرط الدخول فمن ادعى أن الدخول المذكور في آخر الكلمات منصرف ~~إلى الكل فعليه الدليل. # وروي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «إذا نكح الرجل امرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها فله ~~أن يتزوج ابنتها وليس له أن يتزوج الأم» وهذا نص في المسألتين، وعن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم - قال: قال رسول الله: - صلى الله ~~عليه وسلم - «أيما رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت عنده فلا ~~بأس أن يتزوج بنتها، وأيما رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أو ماتت ~~عنده فلا يحل له أن يتزوج أمها» وهذا نص في المسألتين، وعن عبد الله بن ~~عباس - رضي الله عنهما - أنه قال في هذه الآية الكريمة: أبهموا ما أبهم ~~الله تعالى أي: أطلقوا ما أطلق الله تعالى وكذا روي عن عمران بن حصين أنه ~~قال: الآية مبهمة أي مطلقة لا يفصل بين الدخول وعدمه وما روي عن ابن مسعود ~~- رضي الله عنه - فقد روي الرجوع عنه فإنه روي أنه أفتى بذلك في الكوفة ~~فلما أتى المدينة ولقي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذاكرهم رجع ~~إلى القول بالحرمة حتى روي أنه لما أتى الكوفة نهى من كان أفتاه بذلك فقيل: ~~إنها ولدت أولادا فقال: إنها وإن ولدت ولأن هذا النكاح يفضي إلى قطع الرحم؛ ~~لأنه إذا طلق بنتها وتزوج بأمها حملها ذلك على الضغينة التي هي سبب القطيعة ~~فيما بينهما، وقطع الرحم حرام فما أفضى إليه يكون حراما لهذا المعنى حرم ~~الجمع بين المرأة وبنتها وبين المرأة وأمها وبين عمتها وخالتها على ما نذكر ~~- إن شاء الله تعالى - بخلاف جانب الأم حيث لا تحرم بنتها بنفس العقد على ~~الأم؛ لأن إباحة النكاح هناك لا تؤدي إلى القطع؛ لأن الأم في ظاهر العادات ~~تؤثر بنتها على نفسها في الحظوظ ms1333 والحقوق، والبنت لا تؤثر أمها على نفسها ~~معلوم ذلك بالعادة. # وإذا جاء الدخول تثبت الحرمة؛ لأنه تأكدت مودتها لاستيفائها حظها فتلحقها ~~الغضاضة فيؤدي إلى القطع؛ ولأن الحرمة # PageV02P258 # تثبت بالدخول بالإجماع، والعقد على البنت سبب الدخول بها، والسبب يقوم ~~مقام المسبب في موضع الاحتياط، ولهذا تثبت الحرمة بنفس العقد في منكوحة ~~الأب وحليلة الابن، كان ينبغي أن تحرم الربيبة بنفس العقد على الأم إلا أن ~~شرط الدخول هناك عرفناه بالنص فبقي الحكم في الآية على أصل القياس. # (وأما) قولهم: إن الشرط المذكور في آخر كلمات معطوف بعضها على بعض ~~والاستثناء بمشيئة الله تعالى ملحق بالكل فنقول: هذا الأصل مسلم في ~~الاستثناء بمشيئة الله تعالى والشرط المصرح به فأما في الصفة الداخلة على ~~المذكور في آخر الكلام فممنوع، بل يقتصر على ما يليه فإنك تقول: جاءني زيد ~~ومحمد العالم فتقتصر صفة العلم على الذي يليه دون زيد وقوله عز وجل: ~~{اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23] وصف إياهن بالدخول بهن لا شرط، من ادعى ~~إلحاق الوصف بالشرط فعليه الدليل على أنه يحتمل أن يكون بمعنى الشرط فيلحق ~~الكل، ويحتمل أن لا يكون فيقتصر على ما يليه فلا يلحق بالشك والاحتمال، ~~وإذا وقع الشك والشبهة فيه، فالقول لما فيه الحرمة أولى احتياطا على أن هذه ~~الصفة إن كانت في معنى الشرط لكن اللفظ متى قرن به شرط أو صفة لإثبات حكم ~~يقتضي وجوده عند وجوده إما لا يقتضي عدمه عند عدمه، بل عدمه ووجوده عند عدم ~~الشرط والصفة يكون موقوفا على قيام الدليل وفي نفس هذه الآية الكريمة ما ~~يدل عليه فإنه قال عز وجل {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي ~~دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} [النساء: 23] ولو كان ~~التقييد بالوصف نافيا الحكم في غير الموصوف لكان ذلك القدر كافيا، ونحن ~~نقول بحرمة الأم عند الدخول بالربيبة وبحرمة الربيبة عند الدخول بالأم ~~بظاهر الآية الكريمة، وليس فيها نفي الحرمة عند عدم الدخول ولا إثباتها ~~فيقف على قيام الدليل وقد ms1334 قام الدليل على حرمة الأم بدون الدخول ببنتها وهو ~~ما ذكرنا فتثبت الحرمة، ولم يقم الدليل على حرمة الربيبة قبل الدخول بالأم ~~فلا تثبت الحرمة - والله عز وجل أعلم -. # وأما جدات الزوجة من قبل أبيها وأمها فإنها عرفت حرمتهن بالإجماع ولما ~~ذكرنا من المعنى في الأمهات لا بعين النص إلا على قول من يجيز اشتمال اللفظ ~~الواحد على الحقيقة والمجاز عند عدم التنافي بين حكميهما على ما ذكرنا ثم ~~إنما تحرم الزوجة وجداتها بنفس العقد إذا كان صحيحا فأما إذا كان فاسدا فلا ~~تثبت الحرمة بالعقد بل بالوطء أو ما يقوم مقامه من المس عن شهوة والنظر إلى ~~الفرج عن شهوة على ما نذكر؛ لأن الله تعالى حرم على الزوج أم زوجته مضافا ~~إليه، والإضافة لا تنعقد إلا بالعقد الصحيح فلا تثبت الحرمة إلا به - والله ~~الموفق -. ### | [فصل المحرمات بالمصاهرة بنت الزوجة وبناتها وإن سفلن] # (فصل) : # وأما الفرقة الثانية: فبنت الزوجة وبناتها وبنات بناتها وبنيها وإن سفلن. # أما بنت زوجته فتحرم عليه بنص الكتاب العزيز إذا كان دخل بزوجته فإن لم ~~يكن دخل بها فلا تحرم لقوله: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي ~~دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم} [النساء: 23] وسواء ~~كانت بنت زوجته في حجره أو لا عند عامة العلماء. # وقال بعض الناس: لا تحرم عليه إلا أن تكون في حجره ويروى ذلك عن علي بن ~~أبي طالب - رضي الله عنه - نصا لظاهر الآية، قوله تعالى: {وربائبكم اللاتي ~~في حجوركم} [النساء: 23] حرم الله عز وجل بنت الزوجة، وبوصف كونها في حجر ~~زوج فيتقيد التحريم بهذا الوصف ألا ترى أنه لما أضافها إلى الزوجة يقيد ~~التحريم به حتى لا يحرم على ربيبته غير الزوجة كذا هذا، ولنا أن التنصيص ~~على حكم الموصوف لا يدل على أن الحكم في غير الموصوف بخلافه، إذ التنصيص لا ~~يدل على التخصيص فتثبت حرمة بنت زوجة الرجل التي دخل بأمها وهي في حجره ~~بهذه الآية، وإذا لم تكن في حجره ms1335 تثبت حرمتها بدليل آخر وهو كون نكاحها ~~مفضيا إلى قطيعة الرحم سواء كانت في حجره أو لم تكن على ما بينا فيما تقدم ~~إلا أن الله تعالى ذكر الحجر بناء على أن عرف الناس وعادتهم أن الربيبة ~~تكون في حجر زوج أمها عادة فأخرج الكلام مخرج العادة كما في قوله عز وجل: ~~{ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} [الإسراء: 31] وقوله عز وجل: {فإن خفتم ~~ألا تعدلوا فواحدة} [النساء: 3] ونحو ذلك. # وأما بنات بنات الربيبة # PageV02P259 # وبنات أبنائها وإن سفلن فتثبت حرمتهن بالإجماع وبما ذكرنا من المعنى ~~المعقول لا بعين النص إلا على قول من يرى الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ ~~واحد عند إمكان العمل بهما. ### | [فصل المحرمات بالمصاهرة فحليلة الابن من الصلب وإن سفل] # (فصل) : # وأما الفرقة الثالثة فحليلة الابن من الصلب وابن الابن وابن البنت وإن ~~سفل فتحرم على الرجل حليلة ابنه من صلبه بالنص وهو قوله عز وجل: {وحلائل ~~أبنائكم الذين من أصلابكم} [النساء: 23] وذكر الصلب جاز أن يكون لبيان ~~الخاصية وإن لم يكن الابن إلا من الصلب لقوله تعالى: {ولا طائر يطير ~~بجناحيه} [الأنعام: 38] وإن كان الطائر لا يطير إلا بجناحيه وجاز أن يكون ~~لبيان القسمة والتنويع؛ لأن الابن قد يكون من الصلب وقد يكون من الرضاع وقد ~~يكون بالتبني أيضا على ما ذكر في سبب نزول الآية؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لما تزوج امرأة زيد بن حارثة بعد ما طلقها زيد وكان ابنا لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بالتبني فعابه المنافقون على ذلك، وقالوا: إنه ~~تزوج بحليلة ابنه فنزل قوله تعالى: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} ~~[النساء: 23] وكذلك قوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا ~~يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} [الأحزاب: ~~37] ولأن حليلة الابن لو لم تحرم على الأب فإذا طلقها الابن ربما يندم على ~~ذلك ويريد العود إليها فإذا تزوجها أبوه أورث ذلك الضغينة بينهما. # والضغينة تورث القطيعة، وقطع الرحم حرام فيجب أن يحرم ms1336 حتى لا يؤدي إلى ~~الحرام ولهذا حرمت منكوحة الأب على الابن كذا هذا سواء كان دخل بها الابن ~~أو لم يدخل بها؛ لأن النص مطلق عن شرط الدخول والمعنى لا يوجب الفصل أيضا ~~على ما ذكرنا؛ ولأن العقد سبب إلى الدخول والسبب يقام مقام المسبب في موضع ~~الاحتياط على ما مر، وحليلة ابن الابن وابن البنت وإن سفل تحرم بالإجماع أو ~~بما ذكرنا من المعنى لا بعين النص؛ لأن ابن الابن يسمى ابنا مجازا لا حقيقة ~~فإذا صارت الحقيقة مرادة لم يبق المجاز مرادا لنا إلا على قول من يقول: إنه ~~يجوز أن يرادا من لفظ واحد - والله الموفق -. ### | [فصل المحرمات بالمصاهرة فمنكوحة الأب وأجداده وإن علوا] # (فصل) : # وأما الفرقة الرابعة فمنكوحة الأب وأجداده من قبل أبيه وإن علوا،. # أما منكوحة الأب: فتحرم بالنص وهو قوله: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء} [النساء: 22] والنكاح يذكر ويراد به العقد وسواء كان الأب دخل بها ~~أو لا؛ لأن اسم النكاح يقع على العقد والوطء فتحرم بكل واحد منهما على ما ~~نذكر؛ ولأن نكاح منكوحة الأب يفضي إلى قطيعة الرحم؛ لأنه إذا فارقها أبوه ~~لعله يندم فيريد أن يعيدها فإذا نكحها الابن أوحشه ذلك وأورث الضغينة، وذلك ~~سبب التباعد بينهما وهو تفسير قطيعة الرحم وقطع الرحم حرام فكان النكاح سر ~~سبب الحرام وأنه تناقض فيحرم دفعا للتناقض الذي هو أثر السفه والجهل جل ~~الله تعالى عنهما. # وأما منكوحة أجداده فتحرم بالإجماع وبما ذكرنا من المعنى لا بعين النص ~~إلا على قول من يرى الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد عند عدم النافي ~~ثم حرمة المصاهرة تثبت بالعقد الصحيح وتثبت بالوطء الحلال بملك اليمين حتى ~~إن من وطئ جاريته تحرم عليه أمها وابنتها وجداتها وإن علون وبنات بناتها ~~وإن سفلن وتحرم هي على أب الواطئ وابنه وعلى أجداد أجداد الواطئ وإن علوا، ~~وعلى أبناء أبنائه وإن سفلوا. # وكذا تثبت بالوطء في النكاح الفاسد وكذا بالوطء عن شبهة بالإجماع، وتثبت ~~باللمس فيهما عن ms1337 شهوة وبالنظر إلى فرجها عن شهوة عندنا ولا تثبت بالنظر إلى ~~سائر الأعضاء بشهوة ولا بمس سائر الأعضاء إلا عن شهوة بلا خلاف. # وتفسير الشهوة هي أن يشتهي بقلبه ويعرف ذلك بإقراره؛ لأنه باطن لا وقوف ~~عليه لغيره، وتحرك الآلة وانتشارها هل هو شرط تحقيق الشهوة؟ اختلف المشايخ ~~فيه قال بعضهم: شرط. # وقال بعضهم: ليس بشرط هو الصحيح؛ لأن المس والنظر عن شهوة يتحقق بدون ذلك ~~كالعنين والمجبوب ونحو ذلك. # وقال الشافعي: لا تثبت حرمة المصاهرة بالنظر وله في المس قولان، وتثبت ~~حرمة المصاهرة بالزنا والمس والنظر بدون النكاح والملك وشبهته. # وعند الشافعي لا تثبت الحرمة بالزنا فأولى أن لا تثبت بالمس والنظر بدون ~~الملك، احتج الشافعي بقوله تعالى: {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ~~اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23] # PageV02P260 # حرم الربائب المضافة إلى نسائنا المدخولات وإنما تكون المرأة مضافة إلينا ~~بالنكاح فكان الدخول بالنكاح شرط ثبوت الحرمة، وهذا دخول بلا نكاح فلا تثبت ~~به الحرمة ولا تثبت بالنظر أيضا؛ لأنه ليس بمعنى الدخول ألا ترى أنه لا ~~يفسد به الصوم ولا يجب به شيء في الإحرام، وكذلك اللمس في قول وفي قول يثبت ~~لأنه استمتاع بها من وجه فكان بمعنى الوطء؛ ولهذا حرم بسبب الإحرام كما حرم ~~الوطء. # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~سئل عن الرجل يتبع المرأة حراما أينكح ابنتها؟ أو يتبع البنت حراما أينكح ~~أمها؟ فقال: لا يحرم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان نكاحا حلالا» والتحريم ~~بالزنا تحريم الحرام الحلال ولنا قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النساء} [النساء: 22] والنكاح يستعمل في العقد والوطء فلا يخلو إما أن يكون ~~حقيقة لهما على الاشتراك وإما أن يكون حقيقة لأحدهما مجازا للآخر وكيف ما ~~كان يجب القول بتحريمهما جميعا إذ لا تنافي بينهما كأنه قال عز وجل: {ولا ~~تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] عقدا ووطئا وروي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من نظر ms1338 إلى فرج امرأة لم تحل له ~~أمها ولا ابنتها» وروي «حرمت عليه أمها وابنتها» وهذا نص في الباب؛ لأنه ~~ليس فيه ذكر النكاح. # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ملعون من نظر إلى فرج امرأة ~~وابنتها» ولو لم يكن النظر الأول محرما للثاني - وهو النظر إلى فرج ابنتها ~~- لم يلحقه اللعن؛ لأن النظر إلى فرج المرأة المنكوحة نكاحا صحيحا مباح ~~فكيف يستحق اللعن؟ فإذا ثبتت الحرمة بالنظر فبالدخول أولى # وكذا باللمس؛ لأن النظر دون اللمس في تعلق الأحكام بهما ألا ترى أنه يفسد ~~الصوم بالإنزال عن المس ولا يفسد بالإنزال عن النظر إلى الفرج وفي الحج ~~يلزمه بالمس عن شهوة الدم أنزل أو لم ينزل ولا يلزمه شيء بالنظر إلى الفرج ~~عن شهوة أنزل أو لم ينزل، فلما ثبتت الحرمة بالنظر فبالمس أولى؛ ولأن ~~الحرمة إنما تثبت بالنكاح لكونه سببا داعيا إلى الجماع إقامة للسبب مقام ~~المسبب في موضع الاحتياط كما أقيم النوم المفضي إلى الحدث مقام الحدث في ~~انتقاض الطهارة احتياطا لأمر الصلاة، والقبلة والمباشرة في التسبب والدعوة ~~أبلغ من النكاح فكان أولى بإثبات الحرمة؛ ولأن الوطء الحلال إنما كان محرما ~~للبنت بمعنى هو موجود هنا وهو أنه يصير جامعا بين المرأة وبنتها في الوطء ~~من حيث المعنى؛ لأن وطء إحداهما يذكره وطء الأخرى فيصير كأنه قاض وطره ~~منهما جميعا، ويجوز أن يكون هذا معنى قول النبي: - صلى الله عليه وسلم - ~~«ملعون من نظر إلى فرج امرأة وابنتها» وهذا المعنى موجود في الوطء الحرام. # وأما الآية الكريمة فلا حجة له فيها بل هي حجة عليه؛ لأنها تقتضي حرمة ~~ربيبته التي هي بنت امرأته التي دخل بها مطلقا سواء دخل بها بعد النكاح أو ~~قبله بالزنا. # واسم الدخول يقع على الحلال والحرام أو يحتمل أن يكون المراد الدخول بعد ~~النكاح ويحتمل أن يكون قبله فكان الاحتياط هو القول بالحرمة وإذا احتمل هذا ~~واحتمل هذا فلا يصح الاحتجاج به مع الاحتمال على أن في هذه الآية إثبات ~~الحرمة بالدخول ms1339 في النكاح، وهذا ينفي الحرمة بالدخول بلا نكاح فكان هذا ~~احتجاجا بالمسكوت عنه وإنه لا يصح على أن في هذه الآية حجتنا على إثبات ~~الحرمة بالمس؛ لأنه ذكر الدخول بهن وحقيقة الدخول بالشيء عبارة عن إدخاله ~~في العورة إلى الحصن فكان الدخول بها هو إدخالها في الحصن، وذلك بأخذ يدها ~~أو شيء منها ليكون هو الداخل بها. # فأما بدون ذلك، فالمرأة هي الداخلة بنفسها فدل أن المس موجب للحرمة أو ~~يحتمل الوطء ويحتمل المس فيجب القول بالحرمة احتياطا. # وأما الحديث فقد قيل: إنه ضعيف ثم هو خبر واحد مخالف للكتاب ولئن ثبت ~~فنقول بموجبه لأن المذكور فيه هو الاتباع لا الوطء واتباعها أن يراودها عن ~~نفسها وذا لا يحرم عندنا إذ المحرم هو الوطء ولا ذكر له في الحديث - والله ~~عز وجل الموفق -. # (وأما) النوع الثالث وهو المحرمات بالرضاعة. # فموضع بيانها كتاب الرضاع فكل من حرم لقرابة من الفرق السبع الذين وصفهم ~~الله تعالى يحرم بالرضاعة إلا أن الله تعالى بين # PageV02P261 # المحرمات بالقرابة بيان إبلاغ وبين المحرمات بالرضاعة بيان كفاية حيث لم ~~يذكر على التصريح والتنصيص إلا الأمهات والأخوات بقوله تعالى: {وأمهاتكم ~~اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} [النساء: 23] ليعلم حكم غير المذكور ~~بطريق الاجتهاد بالاستدلال. # ووجه الاستدلال نذكره في كتاب الرضاع - إن شاء الله تعالى - والأصل فيه ~~قوله: - صلى الله عليه وسلم - «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ، وعليه ~~الإجماع أيضا. # وكذا كل من يحرم ممن ذكرنا من الفرق الأربع بالمصاهرة يحرم بالرضاع، ~~فيحرم على الرجل أم زوجته وبنتها من الرضاع إلا أن الأم تحرم بنفس العقد ~~إذا كان صحيحا، والبنت لا تحرم إلا بالدخول بالإحرام. # وكذا جدات الزوجة لأبيها وأمها، وإن علون وبنات بناتها وبنات أبنائها وإن ~~سفلن من الرضاع. # وكذا يحرم حليلة ابن الرضاع وابن ابن الرضاع، وإن سفل على أبي الرضاع ~~وأبي أبيه وتحرم منكوحة أبي الرضاع وأبي أبيه، وإن علا على ابن الرضاع وابن ~~ابنه وإن سفل وكذا يحرم بالوطء أم الموطوءة وبنتها من الرضاع ms1340 على الواطئ. # وكذا جداتها وبنات بناتها وتحرم الموطوءة على أبي الواطئ وابنه من ~~الرضاع. # وكذا على أجداده وإن علوا وعلى أبناء أبنائه وإن سفلوا سواء كان الوطء ~~حلالا بأن كان يملك اليمين أو كان الوطء بنكاح فاسد أو شبهة نكاح أو كان ~~زنا، والأصل أنه يحرم بسبب الرضاع ما يحرم بسبب النسب وسبب المصاهرة إلا في ~~مسألتين يختلف فيهما حكم المصاهرة والرضاع نذكرهما في كتاب الرضاع إن شاء ~~الله تعالى. ### | [فصل أنواع الجمع بين ذوات الأرحام منه جمع في النكاح] # (فصل) : # ومنها أن لا يقع نكاح المرأة التي يتزوجها جمعا بين ذوات الأرحام ولا بين ~~أكثر من أربع نسوة في الأجنبيات. # وجملة الكلام في الجمع أن الجمع في الأصل نوعان: جمع بين ذوات الأرحام ~~وجمع بين الأجنبيات، أما. # الجمع بين ذوات الأرحام فنوعان: أيضا جمع في النكاح وجمع في الوطء ~~ودواعيه بملك اليمين، أما. # الجمع بين ذوات الأرحام في النكاح فنقول: لا خلاف في أن الجمع بين ~~الأختين في النكاح حرام؛ لقوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} [النساء: ~~23] معطوفا على قوله عز وجل: {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] ، ولأن ~~الجمع بينهما يفضي إلى قطيعة الرحم؛ لأن العداوة بين الضرتين ظاهرة، وأنها ~~تفضي إلى قطيعة الرحم، وقطيعة الرحم حرام فكذا المفضي، وكذا الجمع بين ~~المرأة وبنتها لما قلنا بل أولى؛ لأن قرابة الولاد مفترضة الوصل بلا خلاف، ~~واختلف في الجمع بين ذواتي رحم محرم سوى هذين الجمعين بين امرأتين لو كانت ~~إحداهما رجلا لا يجوز له نكاح الأخرى من الجانبين جميعا أيتهما كانت غير ~~عين كالجمع بين امرأة وعمتها، والجمع بين امرأة وخالتها ونحو ذلك. # قال عامة العلماء: لا يجوز وقال عثمان البتي: الجمع فيما سوى الأختين ~~وسوى المرأة وبنتها ليس بحرام، واحتج بقوله تعالى {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ~~[النساء: 24] ذكر المحرمات. # وذكر فيما حرم الجمع بين الأختين، وأحل ما وراء ذلك، والجمع فيما سوى ~~الأختين لم يدخل في التحريم فكان داخلا في الإحلال إلا أن الجمع بين المرأة ~~وبنتها حرم ms1341 بدلالة النص؛ لأن قرابة الولاد أقوى، فالنص الوارد ثمة يكون ~~واردا ههنا من طريق الأولى، ولنا الحديث المشهور، وهو ما روي عن أبي هريرة ~~- رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تنكح ~~المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها» ، ~~وزاد في بعض الروايات " لا الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى " ~~الحديث أخبر أن من تزوج عمة ثم بنت أخيها أو خالة ثم بنت أختها لا يجوز، ثم ~~أخبر أنه إذا تزوج بنت الأخ أولا ثم العمة أو بنت الأخت أولا ثم الخالة لا ~~يجوز أيضا لئلا يشكل أن حرمة الجمع يجوز أن تكون مختصة بأحد الطرفين دون ~~الآخر كنكاح الأمة على الحرة أنه لا يجوز، ويجوز نكاح الحرة على الأمة؛ ~~ولأن الجمع بين ذواتي رحم محرم في النكاح سبب لقطيعة الرحم؛ لأن الضرتين ~~يتنازعان ويختلفان ولا يأتلفان هذا أمر معلوم بالعرف والعادة، وذلك يفضي ~~إلى قطع الرحم، وأنه حرام، والنكاح سبب فيحرم حتى لا يؤدي إليه، وإلى هذا ~~المعنى أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - في آخر الحديث فيما روي أنه قال: ~~«إنكم لو فعلتم ذلك لقطعتم أرحامهن» وروي في بعض الروايات # PageV02P262 # فإنهن يتقاطعن "، وفي بعضها " أنه يوجب القطيعة ". # وروي عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يكرهون الجمع بين القرابة في النكاح، وقالوا: إنه يورث ~~الضغائن. # وروي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه كره الجمع بين بنتي ~~عمين، وقال: لا أحرم ذلك لكن أكرهه أما الكراهة فلمكان القطيعة، وأما عدم ~~الحرمة، فلأن القرابة بينهما ليست بمفترضة الوصل. # أما الآية فيحتمل أن يكون معنى قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ~~[النساء: 24] أي: ما وراء ما حرمه الله تعالى، والجمع بين المرأة وعمتها ~~وبنتها وبين خالتها مما قد حرمه الله تعالى على لسان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - الذي هو وحي غير متلو على ms1342 أن حرمة الجمع بين الأختين معلولة ~~بقطع الرحم، والجمع ههنا يفضي إلى قطع الرحم، فكانت حرمة ثابتة بدلالة النص ~~فلم يكن ما وراء ما حرم في آية التحريم، ويجوز الجمع بين امرأة وبنت زوج ~~كان لها من قبل، أو بين امرأة وزوجة كانت لأبيها وهما واحد؛ لأنه لا رحم ~~بينهما فلم يوجد الجمع بين ذواتي رحم. # وقال زفر وابن أبي ليلى: لا يجوز؛ لأن البنت لو كانت رجلا لكان لا يجوز ~~له أن يتزوج الأخرى؛ لأنها منكوحة أبيه فلا يجوز الجمع بينهما كما لا يجوز ~~الجمع بين الأختين، وإنا نقول: الشرط أن تكون الحرمة ثابتة من الجانبين ~~جميعا، وهو أن يكون كل واحدة منهما أيتهما كانت بحيث لو قدرت رجلا لكان لا ~~يجوز له نكاح الأخرى، ولم يوجد هذا الشرط؛ لأن الزوجة منهما لو كانت رجلا ~~لكان يجوز له أن يتزوج الأخرى؛ لأن الأخرى لا تكون بنت الزوج فلم تكن ~~الحرمة ثابتة من الجانبين فجاز الجمع بينهما كالجمع بين الأختين ولو تزوج ~~الأختين معا فسد نكاحهما؛ لأن نكاحهما حصل جمعا بينهما في النكاح وليست ~~إحداهما بفساد النكاح بأولى من الأخرى فيفرق بينه وبينهما، ثم إن كان قبل ~~الدخول فلا مهر لهما ولا عدة عليهما؛ لأن النكاح الفاسد لا حكم له قبل ~~الدخول، وإن كان قد دخل بهما فلكل واحدة منهما العقر وعليهما العدة؛ لأن ~~هذا حكم الدخول في النكاح الفاسد على ما نذكره - إن شاء الله تعالى - في ~~موضعه. # وإن تزوج إحداهما بعد الأخرى جاز نكاح الأولى، وفسد نكاح الثانية ولا ~~يفسد نكاح الأولى لفساد نكاح الثانية؛ لأن الجمع حصل بنكاح الثانية فاقتصر ~~الفساد عليه ويفرق بينه وبين الثانية فإن كان لم يدخل بها فلا مهر ولا عدة، ~~وإن كان دخل بها فلها المهر وعليها العدة لما بينا، ولا يجوز له أن يطأ ~~الأولى ما لم تنقض عدة الثانية لما نذكر - إن شاء الله تعالى - وإن تزوج ~~أختين في عقدتين لا يدري أيتهما أولى لا يجوز له التحري بل يفرق ms1343 بينه ~~وبينهما؛ لأن نكاح إحداهما فاسد بيقين - وهي مجهولة - ولا يتصور حصول مقاصد ~~النكاح من المجهولة فلا بد من التفريق ثم إن ادعت كل واحدة منهما أنها هي ~~الأولى ولا بينة لها يقضى لها بنصف المهر؛ لأن النكاح الصحيح أحدهما، وقد ~~حصلت الفرقة قبل الدخول لا بصنع المرأة فكان الواجب نصف المهر، ويكون ~~بينهما لعدم الترجيح إذ ليست إحداهما بأولى من الأخرى. # وروي عن أبي يوسف أنه لا يلزم الزوج شيء، وروي عن محمد أنه يجب عليه ~~المهر كاملا، وإن قالتا لا ندري أيتنا الأولى لا يقضى لهما بشيء؛ لكون ~~المدعية منهما مجهولة إلا إذا اصطلحت على شيء فحينئذ يقضى لها، وكذلك ~~المرأة وعمتها وخالتها في جميع ما وصفنا، وكما لا يجوز للرجل أن يتزوج ~~امرأة في نكاح أختها لا يجوز له أن يتزوجها في عدة أختها، وكذلك التزوج ~~بامرأة هي ذات رحم محرم من امرأة بعقد منه، والأصل أن ما يمنع صلب النكاح ~~من الجمع بين ذواتي المحارم فالعدة تمنع منه. # وكذا لا يجوز له أن يتزوج أربعا من الأجنبيات، والخامسة تعتد منه سواء ~~كانت العدة من طلاق رجعي أو بائن أو ثلاث أو بالمحرمية الطارئة بعد الدخول، ~~أو بالدخول في نكاح فاسد أو بالوطء في شبهة، وهذا عندنا وقال الشافعي: - ~~رحمه الله - يجوز إلا في عدة من طلاق رجعي وروي عن جماعة من الصحابة - رضي ~~الله عنهم - مثل قولنا نحو # PageV02P263 # علي وعبد الله بن عباس وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - (وجه) قوله: إن ~~المحرم هو الجمع بين الأختين في النكاح، والنكاح قد زال من كل وجه؛ لوجود ~~المزيل له - وهو الطلاق الثلاث أو البائن - ولهذا لو وطئها بعد الطلاق ~~الثلاث مع العلم بالحرمة لزمه الحد فلم يتحقق الجمع في النكاح فلا تثبت ~~الحرمة، ولنا أن ملك الحبس بالعقد قائم، فإن الزوج يملك منعها من الخروج ~~والبروز، وحرمة التزوج بزوج آخر ثابتة والفراش قائم حتى لو جاءت بولد إلى ~~سنتين من وقت الطلاق، وقد كان قد دخل بها ms1344 يثبت النسب، فلو جاز النكاح لكان ~~النكاح جمعا بين الأختين في هذه الأحكام، فيدخل تحت النص، ولأن هذه أحكام ~~النكاح؛ لأنها شرعت وسيلة إلى أحكام النكاح فكان النكاح قائما من وجه ببقاء ~~بعض أحكامه، والثابت من وجه ملحق بالثابت من وجه في باب الحرمة احتياطا ألا ~~ترى أنه ألحقت الأم والبنت من وجه بالرضاعة بالأم والبنت من كل وجه ~~بالقرابة، وألحقت المنكوحة من وجه - وهي المعتدة - بالمنكوحة من كل وجه في ~~حرمة النكاح كذا هذا؛ ولأن الجمع قبل الطلاق إنما حرم؛ لكونه مفضيا إلى ~~قطيعة الرحم، لأنه يورث الضغينة، وإنها تفضي إلى القطيعة، والضغينة ههنا ~~أشد؛ لأن معظم النعمة - وهو ملك الحل - الذي هو سبب اقتضاء الشهوة قد زال ~~في حق المعتدة، وبنكاح الثانية يصير جميع ذلك لها وتقوم مقامها وتبقى هي ~~محرومة الحظ للحال من الأزواج فكانت الضغينة أشد فكانت أدعى إلى القطيعة ~~بخلاف ما بعد انقضاء العدة؛ لأن هناك لم يبق شيء من علائق الزوج الأول فكان ~~لها سبيل الوصول إلى زوج آخر فتستوفي حظها من الثاني فتسلى به فلا تلحقها ~~الضغينة، أو كانت أقل منه في حال قيام العدة فلا يستقيم الاستدلال. # ولو خلا بامرأته ثم طلقها لم يتزوج أختها حتى تنقضي عدتها؛ لأنه وجبت ~~عليها العدة بالخلوة فيمنع نكاح الأخت كما لو وجبت بالدخول حقيقة. ### | [فصل الجمع في الوطء بملك اليمين] # (فصل) : # وأما الجمع في الوطء بملك اليمين فلا يجوز عند عامة الصحابة مثل عمر وعلي ~~وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - وروي عن عثمان - ~~رضي الله عنه - أنه قال: (كل شيء حرمه الله تعالى من الحرائر حرمه الله ~~تعالى من الإماء إلا الجمع) أي: الجمع في الوطء بملك اليمين. وروي أن رجلا ~~سأل عثمان - رضي الله عنه - عن ذلك فقال: (ما أحب أن أحله ولكن أحلتهما ~~آية، وحرمتهما آية، وأما أنا فلا أفعله) فخرج الرجل من عنده فلقي عليا فذكر ~~له ذلك فقال: لو أن لي من الأمر شيئا لجعلت ms1345 من فعل ذلك نكالا. # وقول عثمان: - رضي الله عنه - (أحلتهما آية وحرمتهما آية) عنى بآية ~~التحليل قوله عز وجل: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين} [المؤمنون: 6] وبآية التحريم قوله عز وجل: {وأن تجمعوا بين الأختين ~~إلا ما قد سلف} [النساء: 23] وذلك منه إشارة إلى تعارض دليلي الحل والحرمة ~~فلا تثبت الحرمة مع التعارض، ولعامة الصحابة - رضي الله عنهم - الكتاب ~~العزيز والسنة، أما الكتاب فقوله عز وجل: {وأن تجمعوا بين الأختين} ~~[النساء: 23] والجمع بينهما في الوطء جمع فيكون حراما. # وأما السنة فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمعن ماءه في رحم أختين» . # وأما قول عثمان: - رضي الله عنه - (أحلتهما آية وحرمتهما آية) فالأخذ ~~بالمحرم أولى عند التعارض احتياطا للحرمة؛ لأنه يلحقه المأثم بارتكاب ~~المحرم، ولا مأثم في ترك المباح؛ ولأن الأصل في الأبضاع هو الحرمة والإباحة ~~بدليل، فإذا تعارض دليل الحل والحرمة تدافعا فيجب العمل بالأصل، وكما لا ~~يجوز الجمع بينهما في الوطء لا يجوز في الدواعي من اللمس والتقبيل والنظر ~~إلى الفرج عن شهوة؛ لأن الدواعي إلى الحرام حرام إذا عرف هذا، فنقول: إذا ~~ملك أختين فله أن يطأ إحداهما؛ لأن الأمة لا تصير فراشا بالملك، وإذا وطئ ~~إحداهما ليس له أن يطأ الأخرى بعد ذلك؛ لأنه لو وطئ لصار جامعا بينهما في ~~الوطء حقيقة. # وكذا إذا ملك جارية فوطئها ثم ملك أختها كان له أن يطأ الأولى لما قلنا، ~~وليس له أن يطأ الأخرى بعد ذلك ما لم يحرم فرج الأولى على نفسه إما ~~بالتزويج أو بالإخراج عن ملكه بالإعتاق أو بالبيع أو بالهبة أو بالصدقة؛ ~~لأنه لو وطئ الأخرى لصار جامعا بينهما # PageV02P264 # في الوطء حقيقة، وهذا لا يجوز ولو كاتبها يحل له وطء الأخرى في ظاهر ~~الرواية وروي عن أبي يوسف أنه قال: لا يحل؛ لأنه بالكتابة لم يملك وطأها ~~غيره. # وقال في هذه الرواية أيضا: إنه لو ملك فرج الأولى غيره ms1346 لم يكن له أن يطأ ~~الأخرى حتى تحيض الأولى حيضة بعد وطئها لجواز أن تكون حاملا فيكون جامعا ~~ماءه في رحم أختين فيستبرئها بحيضة حتى يعلم أنها ليست بحامل (وجه) ظاهر ~~الرواية أنه حرم فرجها على المولى بالكتابة ألا ترى أنه لو وطئها لزمه ~~العقر ولو وطئت بشبهة أو نكاح كان المهر لها لا للمولى، فلا يصير بوطء ~~الأخرى جامعا بينهما في الوطء. # ولو تزوج جارية ولم يطأها حتى ملك أختها، فليس له أن يطأ المشتراة؛ لأن ~~الفراش يثبت بنفس النكاح، ولأن ملك النكاح يقصد به الوطء والولد فصارت ~~المنكوحة موطوءة حكما، فلو وطئ المشتراة لصار جامعا بينهما في الوطء. # ولو كانت في ملكه جارية قد وطئها ثم تزوج أختها وتزوج أخت أم ولده جاز ~~النكاح عند عامة العلماء، ولكن لا يطأ الزوجة ما لم يحرم فرج الأمة التي في ~~ملكه أو أم ولده. # وقال مالك: لا يجوز النكاح (وجه) قوله: إن النكاح بمنزلة الوطء بدليل أنه ~~به النسب كالوطء، وبدليل أنه لا يجوز له أن يطأ المملوكة ههنا بعد نكاح ~~أختها فلو لم يكن بمنزلة الوطء لجاز، وإذا كان النكاح بمنزلة الوطء يصير ~~بالنكاح جامعا لما بينا في الوطء، وأنه لا يجوز، ولنا أن النكاح ليس بوطء ~~حقيقة وليس بمنزلة الوطء أيضا؛ لأن النكاح يلاقي الأجنبية، ولا يجوز وطء ~~الأجنبية فلا يكون نكاحها جامعا بينهما في الوطء إلا أن النكاح إذا انعقد ~~يجعل الوطء موجودا حكما بعد الانعقاد لما أن الحكم المختص بالنكاح هو ~~الوطء، وثمرته المطلوبة منه الولد، ولا حصول له عادة بدون الوطء فجعله ~~الشارع حكما واطئا بعد انعقاد النكاح وألحق الولد بالفراش فلو وطئ المملوكة ~~لصار جامعا بينهما وطئا؛ ولأن الأمة لا تصير فراشا بنفس الوطء عندنا حتى لا ~~يثبت النسب بدون الدعوة، فلا يكون نكاح أختها جمعا بينهما في الفراش فلا ~~يمنع منه، وأم الولد فراشها ضعيف حتى ينتفي نسب ولده بمجرد قوله، وهو مجرد ~~النفي من غير لعان. # وكذا يحتمل النقل إلى غيره فلا ms1347 يتحقق النكاح جمعا بينهما في الفراش مطلقا ~~فلا يمنع نسب ولده بمجرد قوله وهو مجرد النفي من غير لعان، والله عز وجل ~~أعلم ولا يجوز أن يتزوج أخت أم ولده التي تعتد منه بأنه أعتقها ووجبت عليها ~~العدة في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ويجوز أن تتزوج أربعا في عدتها وقال ~~أبو يوسف ومحمد: يجوز كلاهما وقال زفر: لا يجوز كلاهما (وجه) قوله: إن هذه ~~معتدة، فلا يجوز التزوج بأختها وأربع سواها كالحرة المعتدة (وجه) قولهما: ~~إن الحرمة في الحرة لمكان الجمع بينهما في النكاح من وجه ولم يوجد في أم ~~الولد لانعدام النكاح أصلا؛ ولأن العدة في أم الولد أثر فراش الملك، وحقيقة ~~الفراش فيها لا يمنع النكاح حتى لو تزوج أخت أم ولده وأربع نسوة قبل أن ~~يعتقها جاز، فإذا لم يكن فراش الملك حقيقة مانعا فأثره أولى أن لا يمنع، ~~ولأبي حنيفة أنه إنما جاز نكاح أخت أم الولد قبل الإعتاق؛ لضعف فراشها على ~~ما بينا فإذا أعتقها قوي فراشها، فكان نكاح أختها جمعا بينهما في الفراش ~~وهو استلحاق نسب ولديها، ولا يجوز استلحاق نسب ولد أختين في زمان واحد، ~~ولهذا لو تزوج أخت أم ولده لا يحل له وطء المنكوحة حتى يزيل فراش أم الولد ~~ونكاح الأربع وإن كان جمعا بينهن وبينها في الفراش، لكن الجمع ههنا في ~~الفراش جائز ألا ترى أنه جاز قبل الإعتاق فإنه إذا تزوج أربعا قبل الإعتاق ~~يحل له وطؤهن ووطء أم الولد، فكذا بعد الإعتاق والله عز وجل أعلم. ### | [فصل أنواع الجمع بين الأجنبيات منه جمع في النكاح] # (فصل) : # وأما الجمع بين الأجنبيات فنوعان أيضا: جمع في النكاح وجمع في الوطء ~~ودواعيه بملك اليمين، أما. # الجمع في النكاح فنقول: لا يجوز للحر أن يتزوج أكثر من أربع زوجات من ~~الحرائر والإماء عند عامة العلماء. # وقال بعضهم: يباح له الجمع بين التسع. # وقال بعضهم: يباح له الجمع بين ثمانية عشر واحتجوا بظاهر قوله تعالى: ~~{فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ms1348 وثلاث ورباع} [النساء: 3] . # فالأولون قالوا: إن الله تعالى ذكر هذه الأعداد بحرف الواو، وأنه للجمع، ~~وجملتها تسعة، فيقتضي إباحة نكاح تسع واستدلوا أيضا بفعل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه تزوج # PageV02P265 # تسع نسوة وهو قدوة الأمة، والآخرون قالوا: المثنى ضعف الاثنين، والثلاث ~~ضعف الثلاثة، والرباع ضعف الأربعة فجملتها ثمانية عشر. # ولنا ما روي «أن رجلا أسلم وتحته ثمان نسوة فأسلمن فقال له رسول الله: - ~~صلى الله عليه وسلم - اختر منهن أربعة وفارق البواقي» أمره - صلى الله عليه ~~وسلم - بمفارقة البواقي ولو كانت الزيادة على الأربع حلالا لما أمره فدل ~~أنه منتهى العدد المشروع - وهو الأربع - ولأن في الزيادة على الأربع خوف ~~الجور عليهن بالعجز عن القيام بحقوقهن؛ لأن الظاهر أنه لا يقدر على الوفاء ~~بحقوقهن وإليه وقعت الإشارة بقوله عز وجل: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} ~~[النساء: 3] أي: أن لا تعدلوا في القسم والجماع والنفقة في نكاح المثنى ~~والثلاث والرباع فواحدة بخلاف نكاح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن ~~خوف الجور منه غير موهوم؛ لكونه مؤيدا على القيام بحقوقهن بالتأبيد الإلهي، ~~فكان ذلك من الآيات الدالة على نبوته؛ لأنه آثر الفقر على الغنى والضيق على ~~السعة وتحمل الشدائد والمشاق على الهوينا من العبادات والأمور الثقيلة، ~~وهذه الأشياء أسباب قطع الشهوات والحاجة إلى النساء، ومع ذلك كان يقوم ~~بحقوقهن دل أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما قدر على ذلك بالله تعالى. # وأما الآية فلا يمكن العمل بظاهرها؛ لأن المثنى ليس عبارة عن الاثنين ولا ~~الثلاث عن الثلاث والرباع عن الأربع، بل أدنى ما يراد بالمثنى مرتان من هذا ~~العدد، وأدنى ما يراد بالثلاث ثلاث مرات من العدد. # وكذا الرباع، وذلك يزيد على التسعة وثمانية عشر، ولا قائل به دل أن العمل ~~بظاهر الآية متعذر فلا بد لها من تأويل، ولها تأويلان: أحدهما: أن يكون على ~~التخيير بين نكاح الاثنين والثلاث والأربع كأنه قال عز وجل: مثنى أو ثلاث ~~أو رباع واستعمال الواو مكان أو جائز، والثاني: أن يكون ذكر ms1349 هذه الأعداد ~~على التداخل، وهو أن قوله: " وثلاث " تدخل فيه المثنى، وقوله عز وجل: ورباع ~~يدخل فيه الثلاث كما في قوله: {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} ~~[فصلت: 9] ثم قال عز وجل: {وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها ~~أقواتها في أربعة أيام} [فصلت: 10] واليومان الأولان داخلان في الأربع؛ ~~لأنه لو لم يكن كذلك لكان خلق هذه الجملة في ستة أيام، ثم أخبر عز وجل أنه ~~خلق السموات في يومين بقوله عز وجل: {فقضاهن سبع سماوات في يومين} [فصلت: ~~12] فيكون خلق الجميع في ثمانية أيام، وقد أخبر الله تعالى أنه خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام فيؤدي إلى الخلف في خبر من يستحيل عليه الخلف، فكان على ~~التداخل، فكذا ههنا جاز أن يكون العدد الأول داخلا في الثاني والثاني في ~~الثالث، فكان في الآية إباحة نكاح الأربع، ولا يجوز للعبد أن يتزوج أكثر من ~~اثنين لما روينا من الحديث وذكرنا من المعنى فيما تقدم. ### | [فصل الجمع في الوطء ودواعيه بملك اليمين] # (فصل) : # وأما الجمع في الوطء ودواعيه بملك اليمين فجائز، وإن كثرت الجواري لقوله ~~تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] أي: ~~إن خفتم أن لا تعدلوا في نكاح المثنى والثلاث والرباع بإيفاء حقوقهن ~~فانكحوا واحدة، وإن خفتم أن لا تعدلوا في واحدة فمما ملكت أيمانكم كأنه قال ~~سبحانه وتعالى: هذا أو هذا، أي: الزيادة على الواحدة إلى الأربع عند القدرة ~~على المعادلة وعند خوف الجور في ذلك الواحدة من الحرائر وعند خوف الجور في ~~نكاح الواحدة هو شراء الجواري والتسري بهن، وذلك قوله عز وجل: {أو ما ملكت ~~أيمانكم} [النساء: 3] ذكره مطلقا عن شرط العدد وقال تعالى: {إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] من غير شرط ~~العدد وقال عز وجل {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] ~~مطلقا، ولأن حرمة الزيادة على الأربع في الزوجات لخوف الجور عليهن في القسم ~~والجماع، ولم يوجد هذا المعنى ms1350 في الإماء؛ لأنه لا حق لهن قبل المولى في ~~القسم والجماع. ### | [فصل أن لا يكون تحته حرة] # (فصل) : # ومنها أن لا يكون تحته حرة هو شرط جواز نكاح الأمة فلا يجوز نكاح الأمة ~~على الحرة، والأصل فيه ما روي عن علي - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تنكح الأمة على الحرة» وقال علي: - رضي الله ~~عنه - (وتنكح الحرة على الأمة وللحرة الثلثان من القسم وللأمة الثلث) ولأن ~~الحرية # PageV02P266 # تنبئ عن الشرف والعزة وكمال الحال، فنكاح الأمة على الحرة إدخال على ~~الحرة من لا يساويها في القسم، وذلك يشعر بالاستهانة وإلحاق الشين ونقصان ~~الحال وهذا لا يجوز، وسواء كان المتزوج حرا أو عبدا عندنا؛ لأن ما روينا من ~~الحديث وذكرنا من المعنى لا يوجب الفصل. # وعند الشافعي يجوز للعبد أن يتزوج أمة على حرة بناء على أن عدم الجواز ~~للحر عنده؛ لعدم شرط الجواز وهو عدم طول الحرة، وهذا شرط جواز نكاح الأمة ~~عنده في حق الحر لا في حق العبد لما نذكر - إن شاء الله تعالى - وكذا خلو ~~الحرة عن العدة شرط جواز نكاح الأمة عند أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز أن يتزوج أمة على حرة تعتد من طلاق بائن أو ~~ثلاث (وجه) قولهما: أن المحرم ليس هو الجمع بين الحرة والأمة بدليل أنه لو ~~تزوج أمة ثم تزوج حرة جاز، وقد حصل الجمع، وإنما المحرم هو نكاح الأمة على ~~الحرة. # وقال: - صلى الله عليه وسلم - «لا تنكح الأمة على الحرة» ولا يتحقق ~~النكاح عليها بعد البينونة ألا ترى أنه لو حلف لا يتزوج على امرأته فتزوج ~~بعدما أبانها في عدتها لا يحنث ولأبي حنيفة أن نكاح الأمة في عدة الحرة ~~نكاح عليها من وجه؛ لأن بعض آثار النكاح قائم فكان النكاح قائما من وجه، ~~فكان نكاحها عليها من وجه، والثابت من وجه ملحق بالثابت من كل وجه في باب ~~الحرمات احتياطا فيحرم كنكاح الأخت في عدة الأخت ونحو ذلك مما ms1351 بينا فيما ~~تقدم. # وأما عدم طول الحرة - وهو القدرة على مهر الحرة - وخشية العنت فليس من ~~شرط جواز نكاح الأمة عند أصحابنا، والحاصل أن من شرائط جواز نكاح الأمة عند ~~أبي حنيفة أن لا يكون في نكاح المتزوج حرة ولا في عدة حرة. # وعندهما خلو الحرة عن عدة البينونة ليس بشرط؛ لجواز نكاح الأمة، وعند ~~الشافعي من شرائط جواز نكاح الأمة أن لا يكون في نكاحه حرة وأن لا يكون ~~قادرا على مهر الحرة وأن يخشى العنت حتى إذا كان في ملكه أمة يطؤها بملك ~~اليمين جاز له أن يتزوج أمة عندنا، وعنده لا يجوز لعدم خشية العنت، وكذلك ~~الحر يجوز له أن يتزوج أكثر من أمة واحدة عندنا، وعنده إذا تزوج أمة واحدة ~~لا يجوز له أن يتزوج أمة أخرى؛ لزوال خشية العنت بالواحدة، ولا خلاف في أن ~~طول الحرة لا يمنع العبد من نكاح الأمة احتج الشافعي بقوله تعالى: {ومن لم ~~يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات} [النساء: 25] ومن " كلمة شرط فقد جعل الله عز وجل العجز عن طول ~~الحرة شرطا لجواز نكاح الأمة، فيتعلق الجواز به كما في قوله تعالى: {فمن لم ~~يستطع فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] ونحو ذلك. # وقال تعالى: {ذلك لمن خشي العنت منكم} [النساء: 25] وهو الزنا شرط سبحانه ~~وتعالى خشية العنت؛ لجواز نكاح الأمة، فيتقيد الجواز بهذا الشرط أيضا، ولأن ~~جواز نكاح الإماء في الأصل ثبت بطريق الضرورة لما يتضمن نكاحهن من إرقاق ~~الحر؛ لأن ماء الحر حر تبعا له، وكان في نكاح الحر الأمة إرقاق حر جزءا ~~وإلى هذا أشار عمر - رضي الله عنه - فيما روي عنه أنه قال " (أيما حر تزوج ~~أمة فقد أرق نصفه وأيما عبد تزوج حرة فقد أعتق نصفه) ولا يجوز إرقاق الجزء ~~من غير ضرورة، ولهذا إذا كان تحته حرة لا يجوز نكاح الأمة، وهذا لأن ~~الإرقاق إهلاك؛ لأنه يخرج به من أن يكون منتفعا به في حق نفسه ويصير ms1352 ملحقا ~~بالبهائم، وهلاك الجزء من غير ضرورة لا يجوز كقطع اليد ونحو ذلك ولا ضرورة ~~حالة القدرة على طول الحرة، فبقي الحكم فيها على هذا الأصل. # ولهذا لم يجز إذا كانت حرة لارتفاع الضرورة بالحرة بخلاف ما إذا كان ~~المتزوج عبدا؛ لأن نكاحه ليس إرقاق الحر؛ لأن ماءه رقيق تبعا له، وإرقاق ~~الرقيق لا يتصور ولنا عمومات النكاح نحو قوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم ~~والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور: 32] وقوله عز وجل: {فانكحوهن بإذن ~~أهلهن} [النساء: 25] وقوله عز وجل: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] ~~من غير فصل بين حال القدرة على مهر الحرة وعدمها، ولأن النكاح عقد مصلحة في ~~الأصل؛ لاشتماله على المصالح الدينية والدنيوية، فكان الأصل فيه هو الجواز ~~إذا صدر من الأهل في المحل وقد وجدوا الآية، ففيها إباحة نكاح الأمة عند ~~عدم طول الحرة، وهذا لا ينفي الإباحة عند وجود # PageV02P267 # الطول، فالتعليق بالشرط عندنا يقتضي الوجود عند وجود الشرط إما لا يقتضي ~~العدم عند عدمه قال الله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} [النساء: 3] ~~ثم إذا تزوج واحدة جاز، وإن كان لا يخاف الجور في نكاح المثنى والثلاث ~~والرباع. # وقال تعالى في الإماء: {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب} [النساء: 25] وهذا لا يدل على نفي الحد عنهن عند عدم ~~الإحصان، وهو التزوج، وهو الجواب عن قوله عز وجل: {ذلك لمن خشي العنت منكم} ~~[النساء: 25] على أن العنت يذكر ويراد به الضيق كقوله عز وجل: {ولو شاء ~~الله لأعنتكم} [البقرة: 220] أي: لضيق عليكم، أي: من يضيق عليه النفقة ~~والإسكان لترك الحرة بالطلاق وتزوج الأمة فالطول المذكور يحتمل أن يراد به ~~القدرة على المهر ويحتمل أن يراد به القدرة على الوطء؛ لأن النكاح يذكر ~~ويراد به الوطء بل حقيقة الوطء على ما عرف فكان معناه فمن لم يقدر منكم على ~~وطء المحصنات - وهي الحرائر - والقدرة على وطء الحرة إنما يكون في النكاح، ~~ونحن نقول به: إن من لم يقدر على وطء الحرة ms1353 بأن لم يكن في نكاحه حرة يجوز ~~له نكاح الأمة. # ومن قدر على ذلك بأن كان في نكاحه حرة لا يجوز له نكاح الأمة، ونقل هذا ~~التأويل عن علي - رضي الله عنه - فلا يكون حجة مع الاحتمال على أن فيها ~~إباحة نكاح الأمة عند عدم طول الحرة، وهذا تقديم وتأخير في الجواب عن ~~التعليق بالآية. # وأما قوله: نكاح الأمة يتضمن إرقاق الحر؛ لأن ماء الحر حر فنقول: إن عنى ~~به إثبات حقيقة الرق فهذا لا يتصور؛ لأن الماء جماد لا يوصف بالرق والحرية ~~وإن عنى به النسب إلى حدوث رق الولد، فهذا مسلم لكن أثر هذا في الكراهة لا ~~في الحرية، فإن نكاح الأمة في حال طول الحرة في حق العبد جائز بالإجماع، ~~وإن كان نكاحها مباشرة سبب حدوث الرق عندنا، فكره نكاح الأمة مع طول الحرة. # ولو تزوج أمة وحرة في عقدة واحدة جاز نكاح الحرة وبطل نكاح الأمة؛ لأن كل ~~واحدة منهما على صاحبتها مدخولة عليها فيعتبر حالة الاجتماع بحال الانفراد ~~فيجوز نكاح الحرة؛ لأن نكاحها على الأمة حالة الانفراد جائز، فكذا حالة ~~الاجتماع ويبطل نكاح الأمة؛ لأن نكاحها على الحرة وإدخالها عليها لا يجوز ~~حالة الانفراد، فكذا عند الاجتماع بخلاف ما إذا تزوج أختين في عقدة واحدة ~~لأن المحرم هناك هو الجمع بين الأختين، والجمع حصل بهما فبطل نكاحهما، ~~وهاهنا المحرم هو إدخال الأمة على الحرة لا الجمع ألا ترى أنه لو كان نكاح ~~الأمة متقدما على نكاح الحرة جاز نكاح الحرة، وإن وجد الجمع فكذلك إذا ~~اقترن الأمران، والله عز وجل أعلم. # وكذلك إذا جمع بين أجنبية وذات محارمه جاز نكاح الأجنبية، وبطل نكاح ~~المحرم، ويعتبر حالة الاجتماع بحالة الانفراد، وهل ينقسم المهر عليهما؟ في ~~قول أبي حنيفة؟ لا ينقسم ويكون كله للأجنبية وعندهما ينقسم المسمى على قدر ~~مهر مثلها. ### | [فصل أن لا تكون منكوحة الغير] # (فصل) : # ومنها أن لا تكون منكوحة الغير، لقوله تعالى: {والمحصنات من النساء} ~~[النساء: 24] معطوفا على قوله عز وجل: {حرمت عليكم ms1354 أمهاتكم} [النساء: 23] ~~إلى قوله: {والمحصنات من النساء} [النساء: 24] وهن ذوات الأزواج، وسواء كان ~~زوجها مسلما أو كافرا إلا المسبية التي هي ذات زوج سبيت وحدها؛ لأن قوله عز ~~وجل: {والمحصنات من النساء} [النساء: 24] عام في جميع ذوات الأزواج ثم ~~استثنى تعالى منها المملوكات بقوله تعالى: {إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: ~~24] والمراد منها المسبيات اللاتي سبين، وهن ذوات الأزواج ليكون المستثنى ~~من جنس المستثنى منه فيقتضي حرمة نكاح كل ذات زوج إلا التي سبيت كذا روي عن ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال في هذه الآية: كل ذات زوج إتيانها زنا ~~إلا ما سبيت والمراد منه التي سبيت وحدها وأخرجت إلى دار الإسلام؛ لأن ~~الفرقة ثبتت بتباين الدارين عندنا لا بنفس السبي على ما نذكر إن شاء الله ~~تعالى وصارت هي في حكم الذمية؛ ولأن اجتماع رجلين على امرأة واحدة يفسد ~~الفراش؛ لأنه يوجب اشتباه النسب وتضييع الولد وفوات السكن والألفة والمودة ~~فيفوت ما وضع النكاح له. ### | [فصل أن لا تكون معتدة الغير] # (فصل) : # ومنها أن لا تكون معتدة الغير لقوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى ~~يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] أي: ما كتب عليها من التربص، ولأن بعض ~~أحكام النكاح حالة العدم قائم فكان النكاح قائما من وجه. # والثابت # PageV02P268 # من وجه كالثابت من كل وجه في باب الحرمات؛ ولأنه لا يجوز التصريح بالخطبة ~~في حال قيام العدة، ومعلوم أن خطبتها بالنكاح دون حقيقة النكاح فما لم تجز ~~الخطبة فلأن لا يجوز العقد أولى، وسواء كانت العدة عن طلاق أو عن وفاة أو ~~دخول في نكاح فاسد أو شبهة نكاح لما ذكرنا من الدلائل، ويجوز لصاحب العدة ~~أن يتزوجها إذا لم يكن هناك مانع آخر غير العدة؛ لأن العدة حقه قال الله ~~سبحانه وتعالى: {فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] أضاف العدة ~~إلى الأزواج فدل أنها حق الزوج، وحق الإنسان لا يجوز أن يمنعه من التصرف، ~~وإنما يظهر أثره في حق الغير، ويجوز نكاح المسبية بغير السابي إذا سبيت ms1355 ~~وحدها دون زوجها وأخرجت إلى دار الإسلام بالإجماع؛ لأنه وقعت الفرقة بينهما ~~ولا عدة عليها لقوله عز وجل {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} ~~[النساء: 24] والمراد منه المسبيات اللاتي هن ذوات الأزواج فقد أحل الله ~~تعالى المسبية للمولى السابي إذ الاستثناء من التحريم إباحة من حيث الظاهر، ~~وقد أحلها عز وجل مطلقا من غير شرط انقضاء العدة فدل أنه لا عدة عليها، ~~وكذلك المهاجرة وهي المرأة خرجت إلينا من دار الحرب مسلمة مراغمة لزوجها ~~يجوز نكاحها، ولا عدة عليها في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد: عليها ~~العدة ولا يجوز نكاحها (وجه) قولهما: إن الفرقة وقعت بتباين الدار فتقع بعد ~~دخولها دار الإسلام وهي بعد الدخول مسلمة وفي دار الإسلام، فتجب عليها ~~العدة كسائر المسلمات، ولأبي حنيفة قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~جاءكم المؤمنات مهاجرات} [الممتحنة: 10] إلى قوله عز وجل: {ولا جناح عليكم ~~أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن} [الممتحنة: 10] أباح تعالى نكاح المهاجرة ~~مطلقا من غير ذكر العدة وقوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: ~~10] نهى الله تعالى المسلمين عن الإمساك والامتناع عن نكاح المهاجرة لأجل ~~عصمة الزوج الكافر وحرمته، فالامتناع عن نكاحها للعدة، والعدة في حق الزوج ~~يكون إمساكا وتمسكا بعصمة زوجها الكافر، وهذا منهي عنه، ولأن العدة حق من ~~حقوق الزوج ولا يجوز أن يبقى للحربي على المسلمة الخارجة إلى دار الإسلام ~~حق، والدليل عليه أن لا عدة على المسبية، وإن كانت كافرة على الحقيقة لكنها ~~ليست في حكم الذمية تجري عليها أحكام الإسلام، ومع ذلك ينقطع عنها حق الزوج ~~الكافر، فالمهاجرة المسلمة حقيقة لأن ينقطع عنها حق الزوج الكافر أولى هذا ~~إذا هاجرت إلينا - وهي حائل - فأما إذا كانت حاملا ففيه اختلاف الرواية عن ~~أبي حنيفة وسنذكرها إن شاء الله تعالى. ### | [فصل أن لا يكون بها حمل ثابت النسب من الغير] # (فصل) : # ومنها أن لا يكون بها حمل ثابت النسب من الغير فإن كان لا يجوز نكاحها، ~~وإن لم تكن معتدة كمن تزوج ms1356 أم ولد إنسان - وهي حامل من مولاها - لا يجوز، ~~وإن لم تكن معتدة لوجود حمل ثابت النسب، وهذا؛ لأن الحمل إذا كان ثابت ~~النسب من الغير - وماؤه محرم - لزم حفظ حرمة مائه بالمنع من النكاح، وعلى ~~هذا يخرج ما إذا تزوج امرأة حاملا من الزنا أنه يجوز في قول أبي حنيفة ~~ومحمد، ولكن لا يطؤها حتى تضع وقال أبو يوسف: (لا يجوز) وهو قول زفر. # (وجه) قول أبي يوسف أن هذا الحمل يمنع الوطء فيمنع العقد أيضا كالحمل ~~الثابت النسب، وهذا؛ لأن المقصود من النكاح هو حل الوطء فإذا لم يحل له ~~وطؤها لم يكن النكاح مفيدا فلا يجوز، ولهذا لم يجز إذا كان الحمل ثابت ~~النسب كذا هذا (ولهما) أن المنع من نكاح الحامل حملا ثابت النسب؛ لحرمة ماء ~~الوطء ولا حرمة لماء الزنا بدليل أنه لا يثبت به النسب قال النبي: - صلى ~~الله عليه وسلم - «الولد للفراش وللعاهر الحجر» فإذا لم يكن له حرمة لا ~~يمنع جواز النكاح إلا أنها لا توطأ حتى تضع لما روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقين ماءه ~~زرع غيره» وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا يحل لرجلين يؤمنا ~~بالله واليوم الآخر أن يجتمعا على امرأة في طهر واحد» وحرمة الوطء بعارض ~~طارئ على المحل لا ينافي النكاح لا بقاء ولا ابتداء كالحيض والنفاس. # وأما المهاجرة إذا كانت حاملا فعن أبي حنيفة روايتان روى محمد عنه أنه لا ~~يجوز نكاحها، وهو إحدى روايتي أبي يوسف عنه وعن أبي يوسف # PageV02P269 # رواية أخرى عن أبي حنيفة أنه يجوز نكاحها، ولكنها لا توطأ حتى تضع (وجه) ~~هذه الرواية أن ماء الحربي لا حرمة له، فكان بمنزلة ماء الزاني وذا لا يمنع ~~جواز النكاح كذا هذا إلا أنها لا توطأ حتى تضع لما روينا (وجه) الرواية ~~الأخرى أن هذا حمل ثابت النسب؛ لأن أنساب أهل الحرب ثابتة فيمنع جواز ~~النكاح كسائر الأحمال الثابتة ms1357 النسب والطحاوي اعتمد رواية أبي يوسف، ~~والكرخي رواية محمد وهي المعتمد عليها؛ لأن حرمة نكاح الحامل ليست لمكان ~~العدة لا محالة فإنها قد تثبت عند عدم العدة كأم الولد إذا كانت حاملا من ~~مولاها بل لثبوت نسب الحمل كما في أم الولد، والحمل ههنا ثابت النسب فيمنع ~~النكاح، وعلى هذا نكاح المسبية دون الزوج إذا كانت حاملا وأخرجت إلى دار ~~الإسلام يجب أن يكون على اختلاف الرواية، ولا خلاف في أنه لا يحل وطؤها قبل ~~الوضع ولا قبل الاستبراء بحيضة إذا كانت حاملا، والأصل فيه ما روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في سبايا أوطاس: «ألا لا توطأ الحبالى ~~حتى يضعن ولا الحيالى حتى يستبرئن بحيضة» . ### | [فصل أن يكون للزوجين ملة يقران عليها] # (فصل) : # ومنها أن يكون للزوجين ملة يقران عليها، فإن لم يكن بأن كان أحدهما مرتدا ~~لا يجوز نكاحه أصلا لا بمسلم ولا بكافر غير مرتد، والمرتد مثله؛ لأنه ترك ~~ملة الإسلام ولا يقر على الردة بل يجبر على الإسلام إما بالقتل إن كان رجلا ~~بالإجماع، وإما بالحبس والضرب إن كانت امرأة عندنا إلى أن تموت أو تسلم ~~فكانت الردة في معنى الموت لكونها سببا مفضيا إليه، والميت لا يكون محلا ~~للنكاح؛ ولأن ملك النكاح ملك معصوم ولا عصمة مع المرتدة؛ ولأن نكاح المرتد ~~لا يقع وسيلة إلى المقاصد المطلوبة منه؛ لأنه يجبر على الإسلام على ما بينا ~~فلا يفيد فائدته فلا يجوز، والدليل عليه أن الردة لو اعترضت على النكاح ~~رفعته فإذا قارنته تمنعه من الوجود من طريق الأولى كالرضاع؛ لأن المنع أسهل ~~من الرفع. ### | [فصل أن لا تكون المرأة مشركة إذا كان الرجل مسلما] # (فصل) : # ومنها أن لا تكون المرأة مشركة إذا كان الرجل مسلما، فلا يجوز للمسلم أن ~~ينكح المشركة؛ لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] ~~، ويجوز أن ينكح الكتابية؛ لقوله عز وجل: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم} [المائدة: 5] . # والفرق أن الأصل أن لا يجوز للمسلم أن ms1358 ينكح الكافرة؛ لأن ازدواج الكافرة ~~والمخالطة معها مع قيام العداوة الدينية لا يحصل السكن والمودة الذي هو ~~قوام مقاصد النكاح إلا أنه جوز نكاح الكتابية؛ لرجاء إسلامها؛ لأنها آمنت ~~بكتب الأنبياء والرسل في الجملة، وإنما نقضت الجملة بالتفصيل بناء على أنها ~~أخبرت عن الأمر على خلاف حقيقته، فالظاهر أنها متى نبهت على حقيقة الأمر ~~تنبهت، وتأتي بالإيمان على التفصيل على حسب ما كانت أتت به على الجملة هذا ~~هو الظاهر من حال التي بني أمرها على الدليل دون الهوى والطبع، والزوج ~~يدعوها إلى الإسلام وينبهها على حقيقة الأمر فكان في نكاح المسلم إياها ~~رجاء إسلامها فجوز نكاحها لهذه العاقبة الحميدة بخلاف المشركة، فإنها في ~~اختيارها الشرك ما ثبت أمرها على الحجة بل على التقليد بوجود الإباء عن ذلك ~~من غير أن ينتهي ذلك الخبر ممن يجب قبول قوله واتباعه - وهو الرسول - ~~فالظاهر أنها لا تنظر في الحجة ولا تلتفت إليها عند الدعوة فيبقى ازدواج ~~الكافر مع قيام العداوة الدينية المانعة عن السكن والازدواج والمودة خاليا ~~عن العاقبة الحميدة فلم يجز إنكاحها. # وسواء كانت الكتابية حرة أو أمة عندنا. # وقال الشافعي: (لا يجوز نكاح الأمة الكتابية ويحل وطؤها بملك اليمين) ~~واحتج بقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] ~~والكتابية مشركة على الحقيقة؛ لأن المشرك من يشرك بالله تعالى في الألوهية، ~~وأهل الكتاب كذلك قال الله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت ~~النصارى المسيح ابن الله} [التوبة: 30] وقالت النصارى {إن الله ثالث ثلاثة} ~~[المائدة: 73] سبحانه وتعالى عما يقولون، فعموم النص يقتضي حرمة نكاح جميع ~~المشركات إلا أنه خص منه الحرائر من الكتابيات بقوله تعالى: {والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] وهن الحرائر فبقيت الإماء منهن ~~على ظاهر العموم، ولأن جواز نكاح الإماء في الأصل ثبت بطريق الضرورة لما ~~ذكرنا فيما تقدم، والضرورة تندفع بنكاح الأمة المؤمنة # PageV02P270 # ولنا عمومات النكاح نحو قوله عز وجل: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: ~~24] وقوله عز وجل: {فانكحوهن بإذن أهلهن} [النساء: 25] وقوله عز ms1359 وجل: ~~{فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] وغير ذلك من غير فصل بين الأمة ~~المؤمنة والأمة الكافرة الكتابية إلا ما خص بدليل. # وأما الآية فهي في غير الكتابيات من المشركات؛ لأن أهل الكتاب، وإن كانوا ~~مشركين على الحقيقة لكن هذا الاسم في متعارف الناس يطلق على المشركين من ~~غير أهل الكتاب قال الله تعالى: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا ~~المشركين} [البقرة: 105] . # وقال تعالى: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم} ~~[البينة: 6] فصل بين الفريقين في الاسم على أن الكتابيات، وإن دخلن تحت ~~عموم اسم المشركات بحكم ظاهر اللفظ لكنهن خصصن عن العموم بقوله تعالى: ~~{والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] وأما الكتابيات ~~إذا كن عفائف يستحققن هذا الاسم؛ لأن الإحصان في كلام العرب عبارة عن ~~المنع، ومعنى المنع يحصل بالعفة والصلاح كما يحصل بالحرية والإسلام ~~والنكاح؛ لأن ذلك مانع المرأة عن ارتكاب الفاحشة، فيتناولهن عموم اسم ~~المحصنات، وقوله: (الأصل في نكاح الإماء الفساد) ممنوع بل الأصل في النكاح ~~هو الجواز حرة كانت المنكوحة أو أمة مسلمة أو كتابية لما مر أن النكاح عقد ~~مصلحة، والأصل في المصالح إطلاق الاستيفاء، والمنع عنه لمعنى في غيره على ~~ما عرف، ولا يجوز للمسلم نكاح المجوسية؛ لأن المجوس ليسوا من أهل الكتاب ~~قال الله تبارك وتعالى: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} [الأنعام: 92] إلى قوله: ~~{أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} [الأنعام: 156] معناه ~~والله أعلم، أي: أنزلت عليكم لئلا تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من ~~قبلنا. # ولو كان المجوس من أهل الكتاب لكان أهل الكتاب ثلاث طوائف فيؤدي إلى ~~الخلف في خبره عز وجل، وذلك محال على أن هذا لو كان حكاية عن قول المشركين ~~لكان دليلا على ما قلنا؛ لأنه حكى عنهم القول ولم يعقبه بالإنكار عليهم ~~والتكذيب إياهم، والحكيم إذا حكى عن منكر غيره، والأصل فيه ما روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «سنوا بالمجوس سنة أهل ms1360 الكتاب غير ~~أنكم ليسوا ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» ودل قوله " سنوا بالمجوس سنة ~~أهل الكتاب " على أنهم ليسوا من أهل الكتاب ولا يحل وطؤها بملك اليمين ~~أيضا، والأصل أن لا يحل وطء كافرة بنكاح ولا بملك يمين إلا الكتابية خاصة؛ ~~لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} [البقرة: 221] واسم النكاح ~~يقع على العقد والوطء جميعا فيحرمان جميعا ومن كان أحد أبويه كتابيا والآخر ~~مجوسيا كان حكمه حكم أهل الكتاب؛ لأنه لو كان أحد أبويه مسلما يعطى له حكم ~~الإسلام؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى، فكذا إذا كان كتابيا يعطى له حكم أهل ~~الكتاب، ولأن الكتابي له بعض أحكام أهل الإسلام - وهو المناكحة - وجواز ~~الذبيحة - والإسلام يعلو بنفسه وبأحكامه، ولأن رجاءه الإسلام من الكتابي ~~أكثر، فكان أولى بالاستتباع. # وأما الصابئات فقد قال أبو حنيفة: إنه يجوز للمسلم نكاحهن وقال أبو يوسف ~~ومحمد: لا يجوز، وقيل: ليس هذا باختلاف في الحقيقة، وإنما الاختلاف لاشتباه ~~مذهبهم، فعند أبي حنيفة هم قوم يؤمنون بكتاب فإنهم يقرءون الزبور ولا ~~يعبدون الكواكب ولكن يعظمونها كتعظيم المسلمين الكعبة في الاستقبال إليها ~~إلا أنهم يخالفون غيرهم من أهل الكتاب في بعض دياناتهم وذا لا يمنع ~~المناكحة كاليهود مع النصارى، وعند أبي يوسف ومحمد أنهم قوم يعبدون ~~الكواكب، وعابد الكواكب كعابد الوثن فلا يجوز للمسلمين مناكحاتهم. ### | [فصل إسلام الرجل إذا كانت المرأة مسلمة] # (فصل) : # ومنها إسلام الرجل إذا كانت المرأة مسلمة فلا يجوز إنكاح المؤمنة الكافر؛ ~~لقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} [البقرة: 221] ولأن في ~~إنكاح المؤمنة الكافر خوف وقوع المؤمنة في الكفر؛ لأن الزوج يدعوها إلى ~~دينه، والنساء في العادات يتبعن الرجال فيما يؤثرون من الأفعال ويقلدونهم ~~في الدين إليه وقعت الإشارة في آخر الآية بقوله عز وجل: {أولئك يدعون إلى ~~النار} [البقرة: 221] لأنهم يدعون المؤمنات إلى الكفر، والدعاء إلى الكفر ~~دعاء إلى النار؛ لأن الكفر يوجب النار، فكان نكاح الكافر المسلمة سببا ~~داعيا إلى الحرام فكان حراما، والنص وإن ورد # PageV02P271 # في المشركين لكن العلة، وهي ms1361 الدعاء إلى النار يعم الكفرة، أجمع فيتعمم ~~الحكم بعموم العلة فلا يجوز إنكاح المسلمة الكتابي كما لا يجوز إنكاحها ~~الوثني والمجوسي؛ لأن الشرع قطع ولاية الكافرين عن المؤمنين بقوله تعالى: ~~{ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] فلو جاز إنكاح ~~الكافر المؤمنة لثبت له عليها سبيل، وهذا لا يجوز. # وأما أنكحة الكفار غير المرتدين بعضهم لبعض فجائز في الجملة عند عامة ~~العلماء. # وقال مالك: أنكحتهم فاسدة؛ لأن للنكاح في الإسلام شرائط لا يراعونها فلا ~~يحكم بصحة أنكحتهم، وهذا غير سديد؛ لقوله عز وجل: {وامرأته حمالة الحطب} ~~[المسد: 4] سماها الله تعالى امرأته، ولو كانت أنكحتهم فاسدة لم تكن امرأته ~~حقيقة، ولأن النكاح سنة آدم - عليه الصلاة والسلام - فهم على شريعته في ~~ذلك. # وقال النبي: - صلى الله عليه وسلم - «ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح» . # وإن كان أبواه كافرين؛ ولأن القول بفساد أنكحتهم يؤدي إلى أمر قبيح وهو ~~الطعن في نسب كثير من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -؛ لأن كثيرا منهم ~~ولدوا من أبوين كافرين، والمذاهب تمتحن بعبادها فلما أفضى إلى قبيح عرف ~~فسادها. # ويجوز نكاح أهل الذمة بعضهم لبعض وإن اختلفت شرائعهم؛ لأن الكفر كله كملة ~~واحدة إذ هو تكذيب الرب سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا فيما أنزل على ~~رسله صلوات الله وسلامه عليهم. # وقال الله عز وجل: {لكم دينكم ولي دين} [الكافرون: 6] واختلافهم في ~~شرائعهم، بمنزلة اختلاف كل فريق منهم فيما بينهم في بعض شرائعهم وذا لا ~~يمنع جواز نكاح بعضهم لبعض كذا هذا. ### | [فصل أن لا يكون أحد الزوجين ملك صاحبه] # (فصل) : # ومنها أن لا يكون أحد الزوجين ملك صاحبه ولا ينتقص منه ملكه، فلا يجوز ~~للرجل أن يتزوج بجاريته ولا بجارية مشتركة بينه وبين غيره، وكذلك لا يجوز ~~للمرأة أن تتزوج عبدها ولا العبد المشترك بينها وبين غيرها، لقوله تعالى: ~~{والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] {إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم} [المؤمنون: 6] الآية ثم أباح الله عز وجل الوطء بأحد أمرين؛ لأن ~~الكلمة تتناول أحد ms1362 المذكورين فلا تجوز الاستباحة بهما جميعا؛ ولأن للنكاح ~~حقوقا تثبت على الشركة بين الزوجين. # منها: مطالبة المرأة الزوج بالوطء ومطالبة الزوج الزوجة بالتمكين، وقيام ~~ملك الرقبة يمنع من الشركة، وإذا لم تثبت الشركة في ثمرات النكاح لا يفيد ~~النكاح فلا يجوز؛ ولأن الحقوق الثابتة بالنكاح لا يجوز أن تثبت على المولى ~~لأمته ولا على الحرة لعبدها؛ لأن ملك الرقبة يقتضي أن تكون الولاية للمالك، ~~وكون المملوك يولى عليه، وملك النكاح يقتضي ثبوت الولاية للملوك على المالك ~~فيؤدي إلى أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد واليا وموليا عليه في شيء ~~واحد، وهذا محال؛ ولأن النكاح لا يجوز من غير مهر عندنا، ولا يجب للمولى ~~على عبده دين ولا للعبد على مولاه. # وكذا لا يجوز أن يتزوج مدبرته ومكاتبته؛ لأن كل واحد منهما ما ملكه، فكذا ~~إذا اعترض ملك اليمين على نكاح يبطل النكاح بأن ملك أحد الزوجين صاحبه أو ~~شقصا منه لما نذكر - إن شاء الله تعالى - في موضعه. ### | [فصل التأبيد] # (فصل) : # ومنها التأبيد فلا يجوز. # النكاح المؤقت وهو نكاح المتعة وأنه نوعان:. # أحدهما: أن يكون بلفظ التمتع، والثاني: أن يكون بلفظ النكاح والتزويج وما ~~يقوم مقامهما. # أما الأول: فهو أن يقول: أعطيك كذا على أن أتمتع منك يوما أو شهرا أو سنة ~~ونحو ذلك، وأنه باطل عند عامة العلماء. # وقال بعض الناس: هو جائز واحتجوا بظاهر قوله تعالى: {فما استمتعتم به ~~منهن فآتوهن أجورهن فريضة} [النساء: 24] والاستدلال بها من ثلاثة أوجه: ~~أحدها: أنه ذكر الاستمتاع ولم يذكر النكاح، والاستمتاع والتمتع واحد، ~~والثاني: أنه تعالى أمر بإيتاء الأجر، وحقيقة الإجارة والمتعة عقد الإجارة ~~على منفعة البضع والثالث: أنه تعالى أمر بإيتاء الأجر بعد الاستمتاع، وذلك ~~يكون في عقد الإجارة والمتعة، فأما المهر فإنما يجب في النكاح بنفس العقد ~~ويؤخذ الزوج بالمهر أولا ثم يمكن من الاستمتاع فدلت الآية الكريمة على جواز ~~عقد المتعة، ولنا الكتاب والسنة والإجماع والمعقول، أما الكتاب الكريم ~~فقوله عز وجل: {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] {إلا ms1363 على أزواجهم ~~أو ما ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 6] حرم تعالى الجماع إلا بأحد شيئين، ~~والمتعة # PageV02P272 # ليست بنكاح ولا بملك يمين فيبقى التحريم، والدليل على أنها ليست بنكاح ~~أنها ترتفع من غير طلاق ولا فرقة ولا يجري التوارث بينهما، فدل أنها ليست ~~بنكاح فلم تكن هي زوجة له، وقوله تعالى في آخر الآية: {فمن ابتغى وراء ذلك ~~فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7] سمي مبتغي ما وراء ذلك عاديا، فدل على ~~حرمة الوطء بدون هذين الشيئين وقوله عز وجل: {ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغاء} [النور: 33] ، وكان ذلك منهم إجازة الإماء نهى الله عز وجل عن ذلك، ~~وسماه بغاء فدل على الحرمة. # وأما السنة فما روي عن علي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية» وعن ~~سمرة الجهني - رضي الله عنه - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~متعة النساء يوم فتح مكة» ، وعن عبد الله بن عمر أنه قال: «نهى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهلية» . # وروي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قائما بين الركن والمقام، ~~وهو يقول: إني كنت أذنت لكم في المتعة فمن كان عنده شيء فليفارقه ولا ~~تأخذوا مما آتيتموهن شيئا فإن الله قد حرمها إلى يوم القيامة» وأما الإجماع ~~فإن الأمة بأسرهم امتنعوا عن العمل بالمتعة مع ظهور الحاجة لهم إلى ذلك ~~وأما المعقول فهو أن النكاح ما شرع لاقتضاء الشهوة بل لأغراض ومقاصد يتوسل ~~به إليها، واقتضاء الشهوة بالمتعة لا يقع وسيلة إلى المقاصد فلا يشرع. # وأما الآية الكريمة فمعنى قوله: {فما استمتعتم به منهن} [النساء: 24] أي: ~~في النكاح؛ لأن المذكور في أول الآية وآخرها هو النكاح فإن الله تعالى ذكر ~~أجناسا من المحرمات في أول الآية في النكاح، وأباح ما وراءها بالنكاح بقوله ~~عز وجل: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] أي: ~~بالنكاح، وقوله تعالى: {محصنين غير ms1364 مسافحين} [النساء: 24] أي: غير متناكحين ~~غير زانين. # وقال تعالى في سياق الآية الكريمة: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات} [النساء: 25] ذكر النكاح لا الإجارة والمتعة، فيصرف قوله تعالى: ~~{فما استمتعتم به} [النساء: 24] إلى الاستمتاع بالنكاح. # وأما قوله: سمى الواجب أجرا فنعم المهر في النكاح يسمى أجرا قال الله عز ~~وجل: {فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن} [النساء: 25] أي: مهورهن. # وقال سبحانه وتعالى: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت ~~أجورهن} [الأحزاب: 50] وقوله: أمر تعالى بإيتاء الأجر بعد الاستمتاع بهن، ~~والمهر يجب بنفس النكاح ويؤخذ قبل الاستمتاع قلنا: قد قيل: في الآية ~~الكريمة تقديم وتأخير كأنه تعالى: قال: فآتوهن أجورهن إذا استمتعتم به ~~منهن، أي: إذا أردتم الاستمتاع بهن كقوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم ~~النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] أي: إذا أردتم تطليق النساء على أنه إن ~~كان المراد من الآية الإجارة والمتعة فقد صارت منسوخة بما تلونا من الآيات، ~~وروينا من الأحاديث وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن قوله: {فما ~~استمتعتم به منهن} [النساء: 24] نسخه قوله - عز وجل -: {يا أيها النبي إذا ~~طلقتم النساء} [الطلاق: 1] وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: المتعة ~~بالنساء منسوخة نسختها آية الطلاق، والصداق والعدة والمواريث والحقوق التي ~~يجب فيها النكاح، أي: النكاح هو الذي تثبت به هذه الأشياء ولا يثبت شيء ~~منها بالمتعة والله أعلم. # وأما الثاني: فهو أن يقول: أتزوجك عشرة أيام ونحو ذلك وأنه فاسد عند ~~أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر: (النكاح جائز، وهو مؤبد والشرط باطل) ، وروى الحسن بن زياد عن ~~أبي حنيفة أنه قال إذا ذكرا من المدة مقدار ما يعيشان إلى تلك المدة، ~~فالنكاح باطل، وإن ذكرا من المدة مقدار ما لا يعيشان إلى تلك المدة في ~~الغالب يجوز النكاح كأنهما ذكرا الأبد (وجه) قوله: أنه ذكر النكاح وشرط فيه ~~شرطا فاسدا، والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة فبطل الشرط وبقي النكاح صحيحا ~~كما إذا قال: تزوجتك إلى أن أطلقك إلى عشرة أيام. # (ولنا) أنه ms1365 لو جاز هذا العقد لكان لا يخلو، إما أن يجوز مؤقتا بالمدة ~~المذكورة وإما أن يجوز مؤبدا لا سبيل إلى الأول؛ لأن هذا معنى المتعة إلا ~~أنه عبر عنها بلفظ النكاح والتزوج، والمعتبر في العقود معانيها لا الألفاظ ~~كالكفالة بشرط براءة الأصيل إنها حوالة معنى لوجود الحوالة، وإن لم يوجد ~~لفظها والمتعة منسوخة ولا وجه للثاني؛ لأن فيه استحقاق البضع عليها من غير ~~رضاها، وهذا لا يجوز. # وأما قوله: أتى بالنكاح ثم أدخل عليه شرطا فاسدا # PageV02P273 # فممنوع بل أتى بنكاح مؤقت، والنكاح المؤقت نكاح متعة، والمتعة منسوخة ~~وصار هذا كالنكاح المضاف أنه لا يصح، ولا يقال: يصح النكاح وتبطل الإضافة؛ ~~لأن المأتي به نكاح مضاف وأنه لا يصح كذا هذا بخلاف ما إذا قال: تزوجتك على ~~أن أطلقك إلى عشرة أيام؛ لأن هناك أبد النكاح ثم شرط قطع التأبيد بذكر ~~الطلاق في النكاح المؤبد؛ لأنه على أن " أن " كلمة شرط، والنكاح المؤبد لا ~~تبطله الشروط والله عز وجل أعلم. ### | [فصل المهر] # (فصل) : # ومنها المهر فلا جواز للنكاح بدون المهر عندنا، والكلام في هذا الشرط في ~~مواضع في بيان أن المهر هل هو شرط جواز النكاح أم لا؟ وفي بيان أدنى ~~المقدار الذي يصلح مهرا، وفي بيان ما يصح تسميته مهرا وما لا يصح، وبيان ~~حكم صحة التسمية وفسادها، وفي بيان ما يجب به المهر، وبيان وقت وجوبه ~~وكيفية وجوبه وما يتعلق بذلك من الأحكام، وفي بيان ما يتأكد به كل المهر، ~~وفي بيان ما يسقط به الكل، وفي بيان ما يسقط به النصف، وفي بيان حكم اختلاف ~~الزوجين في المهر، أما الأول فقد اختلف فيه قال أصحابنا: إن. # المهر شرط جواز نكاح المسلم. # وقال الشافعي: ليس بشرط، ويجوز النكاح بدون المهر حتى إن من تزوج امرأة، ~~ولم يسم لها مهرا بأن سكت عن ذكر المهر أو تزوجها على أن لا مهر لها ورضيت ~~المرأة بذلك يجب مهر المثل بنفس العقد عندنا حتى يثبت لها ولاية المطالبة ~~بالتسليم. # ولو ماتت المرأة ms1366 قبل الدخول يؤخذ مهر المثل من الزوج، ولو مات الزوج قبل ~~الدخول تستحق مهر المثل من تركته. # وعنده لا يجب مهر المثل بنفس العقد، وإنما يجب بالفرض على الزوج أو ~~بالدخول حتى لو دخل بها قبل الفرض يجب مهر المثل، ولو طلقها قبل الدخول ~~بها، وقبل الفرض لا يجب مهر المثل بلا خلاف، وإنما تجب المتعة. # ولو مات الزوجان لا يقضى بشيء في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد ~~يقضى لورثتها بمهر مثلها ويستوفى من تركة الزوج، ولا خلاف في أن النكاح يصح ~~من غير ذكر المهر ومع نفيه؛ لقوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ~~ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} [البقرة: 236] رفع سبحانه الجناح عمن ~~طلق في نكاح لا تسمية فيه، والطلاق لا يكون إلا بعد النكاح فدل على جواز ~~النكاح بلا تسمية، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ~~ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} [الأحزاب: 49] والمراد منه الطلاق في نكاح ~~لا تسمية فيه بدليل أنه أوجب المتعة بقوله: {فمتعوهن} [الأحزاب: 49] ، ~~والمتعة إنما تجب في نكاح لا تسمية فيه فدل على جواز النكاح من غير تسمية، ~~ولأنه متى قام الدليل على أنه لا جواز للنكاح بدون المهر كان ذكره ذكرا ~~للمهر ضرورة احتج الشافعي بقوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} ~~[النساء: 4] سمى الصداق نحلة، والنحلة هي العطية، والعطية هي الصلة فدل أن ~~المهر صلة زائدة في باب النكاح فلا يجب بنفس العقد؛ ولأن النكاح عقد ~~ازدواج؛ لأن اللفظ لا ينبئ إلا عنه فيقتضي ثبوت الزوجية بينهما، وحل ~~الاستمتاع لكل واحد منهما بصاحبه تحقيقا لمقاصد النكاح إلا أنه ثبت عليها ~~نوع ملك في منافع البضع ضرورة تحقق المقاصد ولا ضرورة في إثبات ملك المهر ~~لها عليه، فكان المهر عهدة زائدة في حق الزوج صلة لها فلا يصير عوضا إلا ~~بالتسمية، والدليل على جواز النكاح من غير مهر أن المولى إذا زوج أمته من ~~عبده يصح النكاح، ولا يجب المهر؛ لأنه لو وجب ms1367 عليه لوجب للمولى ولا يجب ~~للمولى على عبده دين. # وكذا الذمي إذا تزوج ذمية بغير مهر جاز النكاح، ولا يجب المهر. # وكذا إذا ماتا في هذه المسألة قبل الفرض لا يجب شيء عند أبي حنيفة (ولنا) ~~قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] أخبر ~~سبحانه وتعالى أنه أحل ما وراء ذلك بشرط الابتغاء بالمال دل أنه لا جواز ~~للنكاح بدون المال فإن قيل: الإحلال بشرط ابتغاء المال لا ينفي الإحلال ~~بدون هذا الشرط خصوصا على أصلكم أن تعليق الحكم بشرط لا ينفي وجوده عند عدم ~~الشرط، فالجواب أن الأصل في الأبضاع والنفوس هو الحرمة، والإباحة تثبت بهذا ~~الشرط، فعند عدم الشرط تبقى الحرمة على الأصل لا حكما للتعليق بالشرط فلم ~~يتناقض أصلنا بحمد الله تعالى. # وروي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - «أن رجلا كان يختلف ~~إليه شهرا يسأله عن # PageV02P274 # امرأة مات عنها زوجها ولم يكن فرض لها شيئا، وكان يتردد في الجواب فلما ~~تم الشهر قال للسائل: لم أجد ذلك في كتاب الله ولا فيما سمعته من رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ولكن أجتهد برأيي، فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن ~~ابن أم عبد وفي رواية، فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن ~~الشيطان، والله ورسوله منه بريئان أرى لها مثل نسائها لا وكس ولا شطط، فقام ~~رجل يقال له: معقل بن سنان وقال: إني أشهد أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قضى في بروع بنت واشق الأشجعية مثل قضائك هذا ثم قام أناس من أشجع، ~~وقالوا: إنا نشهد بمثل شهادته ففرح عبد الله - رضي الله عنه - فرحا لم يفرح ~~مثله في الإسلام لموافقة قضائه قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» ،. # ولأن ملك النكاح لم يشرع لعينه بل لمقاصد لا حصول لها إلا بالدوام على ~~النكاح والقرار عليه، ولا يدوم إلا بوجوب المهر بنفس العقد لما يجري بين ~~الزوجين من الأسباب التي تحمل الزوج ms1368 على الطلاق من الوحشة، والخشونة فلو لم ~~يجب المهر بنفس العقد لا يبالي الزوج عن إزالة هذا الملك بأدنى خشونة تحدث ~~بينهما؛ لأنه لا يشق عليه إزالته لما لم يخف لزوم المهر فلا تحصل المقاصد ~~المطلوبة من النكاح؛ ولأن مصالح النكاح ومقاصده لا تحصل إلا بالموافقة ولا ~~تحصل الموافقة إلا إذا كانت المرأة عزيزة مكرمة عند الزوج ولا عزة إلا ~~بانسداد طريق الوصول إليها إلا بمال له خطر عنده؛ لأن ما ضاق طريق إصابته ~~يعز في الأعين فيعز به إمساكه، وما يتيسر طريق إصابته يهون في الأعين فيهون ~~إمساكه ومتى هانت في أعين الزوج تلحقها الوحشة فلا تقع الموافقة فلا تحصل ~~مقاصد النكاح؛ ولأن الملك ثابت في جانبها إما في نفسها وإما في المتعة، ~~وأحكام الملك في الحرة تشعر بالذل والهوان فلا بد وأن يقابله مال له خطر ~~لينجبر الذل من حيث المعنى، والدليل على صحة ما قلنا وفساد ما قال: أنها ~~إذا طلبت الفرض من الزوج يجب عليه الفرض حتى لو امتنع، فالقاضي يجبره على ~~ذلك ولو لم يفعل ناب القاضي منابه في الفرض، وهذا دليل الوجوب قبل الفرض؛ ~~لأن الفرض تقدير ومن المحال وجوب تقدير ما ليس بواجب. # وكذا لها أن تحبس نفسها حتى يفرض لها المهر ويسلم إليها بعد الفرض، وذلك ~~كله دليل الوجوب بنفس العقد. # وأما الآية فالنحلة كما تذكر بمعنى العطية تذكر بمعنى الدين يقال: ما ~~نحلتك؟ أي: ما دينك؟ فكان معنى قوله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} ~~[النساء: 4] أي: دينا أي: انتحلوا ذلك وعلى هذا كانت الآية حجة عليه؛ لأنها ~~تقتضي أن يكون وجوب المهر في النكاح دينا فيقع الاحتمال في المراد بالآية ~~فلا تكون حجة مع الاحتمال. # وأما قوله: النكاح ينبئ عن الازدواج فقط فنعم لكنه شرع لمصالح لا تصلح ~~إلا بالمهر فيجب المهر، ألا ترى أنه لا ينبئ عن الملك أيضا لكن لما كان ~~مصالح النكاح لا تحصل بدونه ثبت تحصيلا للمصالح كذا المهر. # وأما المولى إذا زوج أمته من عبده فقد ms1369 قيل: إن المهر يجب ثم يسقط، وفائدة ~~الوجوب هو جواز النكاح. # وأما الذمي إذا تزوج ذمية من غير مهر فعلى قولهما يجب المهر. # وأما على قول أبي حنيفة فيجب أيضا إلا أنا لا نتعرض لهم؛ لأنهم يدينون ~~ذلك، وقد أمرنا بتركهم وما يدينون حتى إنهما لو ترافعا إلى القاضي فرض ~~القاضي لها المهر. # وكذا إذا مات الزوجان يقضى بمهر المثل لورثة المرأة عندهما. # وعند أبي حنيفة إنما لا يقضى لوجود الاستيفاء دلالة؛ لأن موتهما معا في ~~زمان واحد نادر، وإنما الغالب موتهما على التعاقب فإذا لم تجز المطالبة ~~بالمهر دل ذلك على الاستيفاء أو على استيفاء البعض والإبراء عن البعض مع ما ~~أنه قد قيل: إن قول أبي حنيفة محمول على ما إذا تقادم العهد حتى لم يبق من ~~نسائها من يعتبر به مهر مثلها كذا ذكره أبو الحسن الكرخي وأبو بكر الرازي، ~~وعند ذلك يتعذر القضاء بمهر المثل وإلى هذا أشار محمد لأبي حنيفة: أرأيت لو ~~أن ورثة علي ادعوا على ورثة عمر مهر أم كلثوم - رضي الله عنهم - أكنت أقضي ~~به؟ وهذا المعنى لم يوجد في موت أحدهما فيجب مهر المثل. ### | [فصل بيان أدنى المقدار الذي يصلح مهرا] # (فصل) : # وأما بيان أدنى المقدار الذي يصلح مهرا فأدناه عشرة دراهم أو ما قيمته ~~عشرة دراهم، وهذا # PageV02P275 # عندنا وعند الشافعي المهر غير مقدر يستوي فيه القليل والكثير وتصلح ~~الدانق والحبة مهرا واحتج بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «من أعطى في نكاح ملء كفيه طعاما أو دقيقا أو سويقا فقد استحل» وروي ~~عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: تزوج عبد الرحمن بن عوف امرأة على وزن ~~نواة من ذهب، وكان ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - فدل أن التقدير ~~في المهر ليس بلازم؛ ولأن المهر ثبت حقا للعبد وهو حق المرأة بدليل أنها ~~تملك التصرف فيه استيفاء وإسقاطا، فكان التقدير فيه إلى العاقدين. # (ولنا) قوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا ms1370 بأموالكم} [النساء: ~~24] شرط سبحانه وتعالى أن يكون المهر مالا. # والحبة والدانق ونحوهما لا يعدان مالا فلا يصلح مهرا، وروي عن جابر - رضي ~~الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا مهر دون عشرة ~~دراهم» ، وعن عمر وعلي وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: لا ~~يكون المهر أقل من عشرة دراهم، والظاهر أنهم لأنه باب لا يوصل إليه ~~بالاجتهاد والقياس؛ ولأنه لما وقع الاختلاف في المقدار يجب الأخذ بالمتيقن ~~وهو العشرة. # وأما الحديث ففيه إثبات الاستحلال، إذا ذكر فيه مال قليل لا تبلغ قيمته ~~عشرة. # وعندنا الاستحلال صحيح ثابت؛ لأن النكاح صحيح ثابت ألا ترى أنه يصح من ~~غير تسمية شيء أصلا؟ ، فعند تسمية مال قليل أولى إلا أن المسمى إذا كان دون ~~العشرة تكمل عشرة، وليس في الحديث نفي الزيادة على القدر. # وعندنا قام دليل الزيادة إلى العشرة لما نذكر فيكمل عشرة ولا حجة له فيما ~~روي من الأثر؛ لأن فيه وزن نواة من ذهب، وقد تكون مثل وزن دينار بل تكون ~~أكثر في العادة، فإن قيل: روي أن قيمة النواة كانت ثلاثة دراهم، فالجواب أن ~~المقوم غير معلوم أنه من كان فلا يصلح أن يجعل قول ذلك حجة على الغير حتى ~~يعلم أنه من هو مع ما أنه قد قال قوم: إن النواة كان بلغ وزنها قيمة عشرة ~~دراهم، وبه قال إبراهيم النخعي على أن القدر المذكور في الخبر والأثر كان ~~يحتمل أن يكون معجلا في المهر لا أصل المهر على ما جرت العادة بتعجيل شيء ~~من المهر قبل الدخول ويحتمل أن يكون ذلك كله في حال جواز النكاح بغير مهر ~~على ما قيل أن النكاح كان جائزا بغير مهر إلى أن «نهى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الشغار» . # وأما قوله: إن المهر حق العبد فكان التقدير فيه إلى العبد فنقول نعم هو ~~في حالة البقاء حقها على الخلوص فأما في حالة الثبوت فحق الشرع متعلق به ~~إبانة لخطر البضع صيانة ms1371 له عن شبهة الابتذال بإيجاب مال له خطر في الشرع ~~كما في نصاب السرقة، فإن كان المسمى أقل من عشرة يكمل عشرة عند أصحابنا ~~الثلاثة وقال زفر: لها مهر المثل. # (وجه) قوله أن ما دون العشرة لا يصلح مهرا ففسدت التسمية كما لو سمى خمرا ~~أو خنزيرا فيجب مهر المثل. # (ولنا) أنه لما كان أدنى المقدار الذي يصلح مهرا في الشرع هو العشرة كان ~~ذكر بعض العشرة ذكرا للكل؛ لأن العشرة في كونها مهرا لا يتجزأ وذكر البعض ~~فيما لا يتبعض يكون ذكرا لكله كما في الطلاق والعفو عن القصاص. # وأما قوله: إن ما دون العشرة لا يصلح مهرا فتفسد التسمية فنقول: التسمية ~~إنما تفسد إذا لم يكن المسمى مالا أو كان مجهولا، وههنا المسمى مال، وإن قل ~~فهو معلوم أنه لا يصلح مهرا بنفسه إلا بغيره فكان ذكره ذكرا لما هو الأدنى ~~من المصلح بنفسه، وفيه تصحيح تصرفه بالقدر الممكن فكان أولى من إلحاقه ~~بالعدم، وفيه أخذ باليقين أيضا فكان أحق بخلاف ما إذا ذكر خمرا أو خنزيرا؛ ~~لأن المسمى ليس بمال فلم يصلح مهرا بنفسه ولا بغيره ففسدت التسمية فوجب ~~الموجب الأصلي - وهو مهر المثل - ولو تزوجها على ثوب معين أو على موصوف أو ~~على مكيل أو موزون معين فذلك مهرها إذا بلغت قيمته عشرة وتعتبر قيمته يوم ~~العقد لا يوم التسليم حتى لو كانت قيمته يوم العقد عشرة فلم يسلمه إليها ~~حتى صارت قيمته ثمانية فليس له إلا ذلك. # ولو كانت قيمته يوم العقد ثمانية فلم يسلمه إليها حتى صارت قيمته عشرة ~~فلها ذلك ودرهمان. # وذكر الحسين عن أبي حنيفة أنه فرق بين الثوب وبين المكيل والموزون فقال ~~في الثوب تعتبر قيمته يوم التسليم، وفي المكيل والموزون يوم العقد وهذا ~~الفرق لا يعقل له وجه في المعين؛ لأن الزوج يجبر على تسليم # PageV02P276 # المعين فيهما جميعا ووجه الفرق بينهما في الموصوف أن المكيل والموزون إذا ~~كان موصوفا في الذمة، فالزوج مجبور على دفعه ولا يجوز دفع غيره من ms1372 غير ~~رضاها فكان مستقرا مهرا بنفسه في ذمته فتعتبر قيمته يوم الاستقرار - وهو ~~يوم العقد - فأما الثوب - وإن وصف - فلم يتقرر مهرا في الذمة بنفسه بل ~~الزوج مخير في تسليمه وتسليم قيمته في إحدى الروايتين على ما نذكر - إن شاء ~~الله تعالى - وإنما يتقرر مهرا بالتسليم فتعتبر قيمته يوم التسليم (وجه) ~~ظاهر الرواية أن ما جعل مهرا لم يتغير في نفسه، وإنما التغير في رغبات ~~الناس بحدوث فتور فيها، ولهذا لو غصب شيئا قيمته عشرة فيعتبر سعره، وصار ~~يساوي خمسة فرده على المالك لا يضمن شيئا، ولأنه لما سمى ما هو أدنى مالية ~~من العشرة كان ذلك تسمية للعشرة؛ لأن ذكر البعض فيما لا يتجزأ ذكر لكله ~~فصار كأنه سمى ذلك درهمين ثم ازدادت، قيمته والله عز وجل أعلم. ### | [فصل بيان ما يصح تسميته مهرا وما لا يصح] # وأما بيان ما يصح تسميته مهرا وما لا يصح وبيان حكم صحة التسمية وفسادها ~~فنقول: لصحة التسمية شرائط منها. # أن يكون المسمى مالا متقوما وهذا عندنا. # وعند الشافعي هذا ليس بشرط ويصح التسمية سواء كان المسمى مالا أو لم يكن ~~بعد أن يكون مما يجوز أخذ العوض عنه، واحتج بما روي «أن امرأة جاءت إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالت: يا رسول الله إني وهبت نفسي لك ~~فقال - عليه الصلاة والسلام - ما بي في النساء من حاجة، فقام رجل وقال ~~زوجنيها يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله: - صلى الله ~~عليه وسلم - ما عندك؟ فقال: ما عندي شيء أعطيها فقال: أعطها ولو خاتما من ~~حديد، فقال ما عندي، فقال: هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم سورة كذا فقال ~~زوجتكها بما معك من القرآن» ومعلوم أن المسمى - وهو السورة من القرآن لا ~~يوصف بالمالية، فدل أن كون التسمية مالا ليس بشرط لصحة التسمية، ولنا قوله ~~تعالى {وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24] شرط أن ~~يكون المهر مالا، فما لا يكون مالا لا يكون مهرا ms1373 فلا تصح تسميته مهرا، ~~وقوله تعالى {فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] أمر بتنصيف المفروض في الطلاق ~~قبل الدخول فيقتضي كون المفروض محتملا للتنصيف - وهو المال - وأما الحديث ~~فهو في حد الآحاد ولا يترك نص الكتاب بخبر الواحد مع ما أن ظاهره متروك؛ ~~لأن السورة من القرآن لا تكون مهرا بالإجماع، وليس فيه ذكر تعليم القرآن ~~ولا ما يدل عليه، ثم تأويلها زوجتكها بسبب ما معك من القرآن وبحرمته وبركته ~~لا أنه كان ذلك النكاح بغير تسمية مال، وعلى هذا الأصل مسائل: إذا تزوج على ~~تعليم القرآن أو على تعليم الحلال والحرام من الأحكام أو على الحج والعمرة ~~ونحوها من الطاعات لا تصح التسمية عندنا؛ لأن المسمى ليس بمال فلا يصير شيء ~~من ذلك مهرا ثم الأصل في التسمية أنها إذا صحت وتقررت يجب المسمى ثم ينظر ~~إن كان المسمى عشرة فصاعدا فليس لها إلا ذلك، وإن كان دون العشرة تكمل ~~العشرة عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر. # والمسألة قد مرت وإذا فسدت التسمية أو تزلزلت يجب مهر المثل؛ لأن العوض ~~الأصلي في هذا الباب هو مهر المثل؛ لأنه قيمة البضع، وإنما يعدل عنه إلى ~~المسمى إذا صحت التسمية وكانت التسمية، تقديرا لتلك القيمة، فإذا لم تصح ~~التسمية أو تزلزلت لم يصح التقدير فإذا لم يصح التقدير، فوجب المصير إلى ~~الفرض الأصلي، ولهذا كان المبيع بيعا فاسدا مضمونا بالقيمة في ذوات القيم ~~لا بالثمن كذا هذا، والنكاح جائز لأن جوازه لا يقف على التسمية أصلا، فإنه ~~جائز عند عدم التسمية رأسا، فعدم التسمية إذا لم يمنع جواز النكاح ففسادها ~~أولى أن لا يمنع، ولأن التسمية إذا فسدت التحقت بالعدم فصار كأنه تزوجها ~~ولم يسم شيئا، وهناك النكاح صحيح كذا هذا، ولأن تسمية ما ليس بمال شرط ~~فاسد، والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة بخلاف البيع، والفرق أن الفساد في ~~باب البيع لمكان الربا، والربا لا يتحقق في النكاح فيبطل الشرط ويبقى ~~النكاح صحيحا. # وعنده تصح التسمية ويصير المذكور مهرا لأنه يجوز أخذ العوض عنه ms1374 ~~بالاستئجار عليه عنده فتصح تسميته مهرا، وكذلك إذا تزوج امرأة على طلاق ~~امرأة أخرى أو على العفو عن القصاص عندنا؛ لأن الطلاق ليس بمال # PageV02P277 # وكذا القصاص، وعنده تصح التسمية؛ لأنه يجوز أخذ العوض عن الطلاق والقصاص، ~~وكذلك إذا تزوجها على أن لا يخرجها من بلدها أو على أن لا يتزوج عليها، فإن ~~المذكور ليس بمال. # وكذا لو تزوج المسلم المسلمة على ميتة أو دم أو خمر أو خنزير لم تصح ~~التسمية، لأن الميتة والدم ليسا بمال في حق أحد، والخمر والخنزير ليسا بمال ~~متقوم في حق المسلم فلا تصح تسمية شيء من ذلك مهرا، وعلى هذا يخرج نكاح ~~الشغار، وهو أن يزوج الرجل أخته لآخر على أن يزوجه الآخر أخته، أو يزوجه ~~ابنته أو يزوجه أمته، وهذه التسمية فاسدة؛ لأن كل واحد منهما جعل بضع كل ~~واحدة منهما مهر الأخرى، والبضع ليس بمال ففسدت التسمية، ولكل واحدة منهما ~~مهر المثل؛ لما قلنا: والنكاح صحيح عندنا، وعند الشافعي فاسد واحتج بما روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه نهى عن نكاح الشغار» ، والنهي يوجب ~~فساد المنهي عنه؛ ولأن كل واحد منهما جعل بضع كل واحدة من المرأتين نكاحا ~~وصداقا، وهذا لا يصح، ولنا أن هذا النكاح مؤبد أدخل فيه شرطا فاسدا حيث شرط ~~فيه أن يكون بضع كل واحدة منهما مهر الأخرى، والبضع لا يصلح مهرا، والنكاح ~~لا تبطله الشروط الفاسدة كما إذا تزوجها على أن يطلقها وعلى أن ينقلها من ~~منزلها ونحو ذلك وبه تبين أنه لم يجتمع النكاح والصداق في بضع واحد؛ لأن ~~جعل البضع صداقا لم يصح. # فأما النهي عن نكاح الشغار، فنكاح الشغار هو النكاح الخالي عن العوض ~~مأخوذ من قولهم: شغر البلد إذا خلا عن السلطان وشغر الكلب إذا رفع إحدى ~~رجليه. # وعندنا هو نكاح بعوض وهو مهر المثل فلا يكون شغارا على أن النهي ليس عن ~~عين النكاح؛ لأنه تصرف مشروع مشتمل على مصالح الدين والدنيا فلا يحتمل ~~النهي عن إخلاء النكاح عن تسمية ms1375 المهر، والدليل عليه ما روي عن عبد الله بن ~~عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~تنكح المرأة بالمرأة ليس لواحدة منهما مهر» ، وهو إشارة إلى أن النهي لمكان ~~تسمية المهر لا لعين النكاح فبقي النكاح صحيحا. # ولو تزوج حر امرأة على أن يخدمها سنة، فالتسمية فاسدة ولها مهر مثلها في ~~قول أبي حنيفة وأبي يوسف # وعند محمد التسمية صحيحة ولها قيمة خدمة سنة، وعند الشافعي التسمية صحيحة ~~ولها خدمة سنة. # وذكر ابن سماعة في نوادره أنه إذا تزوجها على أن يرعى غنمها سنة أن ~~التسمية صحيحة، ولها رعي غنمها سنة، ولفظ رواية الأصل يدل على أنها لا تصح ~~في رعي الغنم كما لا تصح في الخدمة؛ لأن رعي غنمها خدمتها، من مشايخنا من ~~جعل في رعي غنمها روايتين، ومنهم من قال: يصح في رعي الغنم بالإجماع، وإنما ~~الخلاف في خدمته لها، ولا خلاف في أن العبد إذا تزوج بإذن المولى امرأة على ~~أن يخدمها سنة أن تصح التسمية ولها المسمى، أما الشافعي فقد مر على أصله أن ~~كل ما يجوز أخذ العوض عنه يصح تسميته مهرا، ومنافع الحر يجوز أخذ العوض ~~عنها؛ لأن إجارة الحر جائزة بلا خلاف فتصح تسميتها كما تصح تسمية منافع ~~العبد. # وأما الكلام مع أصحابنا، فوجه قول محمد أن منافع الحر مال؛ لأنها مال في ~~سائر العقود حتى يجوز أخذ العوض عنها فكذا في النكاح، وإذا كانت مالا صحت ~~التسمية إلا أنه تعذر التسليم لما في التسليم من استخدام الحرة زوجها، وأنه ~~حرام لما نذكر، فيجب الرجوع إلى قيمة الخدمة كما لو تزوجها على عبد فاستحق ~~العبد أنه يجب عليه قيمة العبد؛ لأن تسمية العبد قد صحت لكونه مالا لكن ~~تعذر تسليمه بالاستحقاق فوجبت عليه قيمته لا مهر المثل لما قلنا: كذا هذا. # وجه قولهما: أن المنافع ليست بأموال متقومة على أصل أصحابنا، ولهذا لم ~~تكن مضمونة بالغصب والإتلاف، وإنما يثبت لها حكم التقوم في سائر العقود ~~شرعا ms1376 ضرورة؛ دفعا للحاجة بها ولا يمكن دفع الحاجة بها ههنا؛ لأن الحاجة لا ~~تندفع إلا بالتسليم، وأنه ممنوع عنه شرعا؛ لأن استخدام الحرة زوجها الحر ~~حرام؛ لكونه استهانة وإذلالا، وهذا لا يجوز، ولهذا لا يجوز للابن أن يستأجر ~~أباه للخدمة فلا تسلم خدمته لها شرعا، فلا يمكن دفع الحاجة بها فلم يثبت ~~لها التقوم فبقيت على الأصل، فصار كما لو سمى ما لا قيمة له كالخمر ~~والخنزير، وهناك لا تصح التسمية ويجب مهر المثل كذا ههنا حتى لو كان المسمى ~~فعلا لا استهانة فيه # PageV02P278 # ولا مذلة على الرجل، كرعي دوابها وزراعة أرضها، والأعمال التي خارج البيت ~~تصح بالتسمية؛ لأن ذلك من باب القيام بأمرها لا من باب الخدمة بخلاف العبد؛ ~~لأن استخدام زوجته إياه ليس بحرام؛ لأنه عرضة للاستخدام والابتذال لكونه ~~مملوكا ملحقا بالبهائم؛ ولأن مبنى النكاح على الاشتراك في القيام بمصالح ~~المعاش فكان لها في خدمته حق، فإذا جعل خدمته لها مهرها، فكأنه جعل ما هو ~~لها مهرها فلم يجز كالأب إذا استأجر ابنه بخدمته أنه لا يجوز؛ لأن خدمة ~~الأب مستحقة عليه كذا هذا بخلاف العبد؛ لأن خدمته خالص ملك المولى فصحت ~~التسمية. # ولو تزوجها على منافع سائر الأعيان من سكنى داره وخدمة عبيده وركوب دابته ~~والحمل عليها وزراعة أرضه ونحو ذلك من منافع الأعيان مدة معلومة صحت ~~التسمية؛ لأن هذه المنافع أموال أو التحقت بالأموال شرعا في سائر العقود ~~لمكان الحاجة، والحاجة في النكاح متحققة، وإمكان الدفع بالتسليم ثابت ~~بتسليم محالها إذ ليس فيه استخدام المرأة زوجها فجعلت أموالا والتحقت ~~بالأعيان فصحت تسميتها، وعلى هذا يخرج ما إذا قال: تزوجتك على هذا العبد ~~فإذا هو حر، وجملة الكلام فيه أن الأمر لا يخلو أما إن سمى ما يصلح مهرا ~~وأشار إلى ما لا يصلح مهرا. # وأما إن سمى ما لا يصلح مهرا فأشار إلى ما يصلح مهرا، فإن سمى ما يصلح ~~مهرا وأشار إلى ما لا يصلح مهرا بأن قال: تزوجتك على هذا العبد فإذا هو حر ms1377 ~~أو على هذه الشاة الذكية، فإذا هي ميتة أو على هذا الزق الخل فإذا هو خمر، ~~فالتسمية فاسدة في جميع ذلك، ولها مهر المثل في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي ~~يوسف " تصح التسمية في الكل، وعليه في الحر قيمة الحر لو كان عبدا، وفي ~~الشاة قيمة الشاة لو كانت ذكية، وفي الخمر مثل ذلك الدن من خل وسط ومحمد ~~فرق فقال: مثل قول أبي حنيفة في الحر والميتة، ومثل قول أبي يوسف في الخمر ~~(وجه) قول أبي يوسف أن المسمى مال؛ لأن المسمى هو العبد والشاة الذكية ~~والخل، وكل ذلك مال فصحت التسمية إلا أنه إذا ظهر أن المشار إليه خلاف جنس ~~المسمى في صلاحية المهر تعذر التسليم فتجب القيمة في الحر والشاة؛ لأنهما ~~ليسا من المثليات، وفي الخمر يجب مثله خلا؛ لأنه مثلي كما لو هلك المسمى أو ~~استحق. # (وجه) قول محمد في الفرق أن الإشارة مع التسمية إذا اجتمعتا في العقود، ~~فإن كان المشار إليه من جنس المسمى يتعلق العقد بالمشار إليه، وإن كان من ~~خلاف جنسه يتعلق العقد بالمسمى هذا أصل مجمع عليه في البيع على ما نذكر في ~~البيوع، والحر من جنس العبد لاتحاد جنس المنفعة. # وكذا الشاة الميتة من جنس الشاة الذكية فكانت العبرة للإشارة والتحقت ~~التسمية بالعدم، والمشار إليه لا يصلح مهرا فصار كأنه اقتصر على الإشارة ~~ولم يسم بأن قال: تزوجتك على هذا وسكت فأما الخل مع الخمر فجنسان مختلفان؛ ~~لاختلاف جنس المنفعة فتعلق العقد بالمسمى لكن تعذر تسليمه وهو مثلي فيجب ~~مثله خلا ولأبي حنيفة أن الإشارة والتسمية كل واحد منهما وضعت للتعريف إلا ~~أن الإشارة أبلغ في التعريف؛ لأنها تحضر العين وتقطع الشركة، والتسمية لا ~~توجب إحضار العين ولا تقطع الشركة فسقط اعتبار التسمية عند الإشارة وبقيت ~~الإشارة، والمشار إليه لا يصلح مهرا؛ لأنه ليس بمال فيجب مهر المثل كما لو ~~أشار إلى الميتة والدم والخمر والخنزير ولم يسم، وحقيقة الفقه لأبي حنيفة ~~أن هذا حر سمى عبدا، وتسمية الحر ms1378 عبدا باطل؛ لأنه كذب فالتحقت التسمية ~~بالعدم وبقيت الإشارة، والمشار إليه لا يصلح مهرا؛ لأنه ليس بمال فالتحقت ~~الإشارة بالعدم أيضا فصار كأنه تزوجها، ولم يسم لها مهرا، وهذا فقه واضح ~~بحمد الله تعالى هذا إذا سمى ما يصلح مهرا، وأشار إلى ما لا يصلح مهرا فأما ~~إذا سمى ما لا يصلح مهرا، وأشار إلى ما يصلح مهرا بأن قال: تزوجتك على هذا ~~الحر فإذا هو عبد أو على هذه الميتة، فإذا هي ذكية أو على هذا الدن الخمر، ~~فإذا هو خل، فقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة أن التسمية فاسدة ولها المشار ~~إليه. # وروى محمد عنه أن لها مهر المثل، ورواية أبي يوسف أصح الروايتين؛ لأن ~~الأصل عند أبي حنيفة أن التسمية لا حكم لها مع الإشارة في باب النكاح فكانت ~~العبرة للإشارة، والمشار إليه يصلح مهرا؛ لأنه مال فكان لها المشار إليه ~~(وجه) ما روى محمد # PageV02P279 # عنه أنه لما سمى ما لا يصلح مهرا، وأشار إلى ما يصلح مهرا فقد هزل ~~بالتسمية، والهازل لا يتعلق بتسميته حكم فبطل كلامه رأسا. # ولو تزوجها على هذا الدن الخمر، وقيمة الظرف عشرة دراهم فصاعدا روى ابن ~~سماعة عن محمد في هذه المسألة روايتين روي عنه أن لها الدن لا غير. # وروي عنه أيضا أن لها مهر المثل (وجه) الرواية الأولى أنه سمى ما يصلح ~~مهرا - وهو الظرف - وما لا يصلح مهرا وهو الخمر فيلغو ما لا يصلح مهرا كما ~~لو تزوجها على الخل والخمر، وقيمة الخل عشرة أنه يكون لها الخل لا غير؛ لما ~~قلنا كذا هذا (وجه) الرواية الأخرى أن الظرف لا يقصد بالعقد عادة بل هو ~~تابع، وإنما المقصود هو المظروف فإذا بطلت التسمية في المقصود تبطل فيما هو ~~تبع له، والله أعلم ولو تزوجها على هذين العبدين فإذا أحدهما حر فليس لها ~~إلا العبد الباقي إذا كانت قيمته عشرة دراهم في قول أبي حنيفة، وقال أبو ~~يوسف: لها العبد وقيمة الحر لو كان عبدا. # وقال محمد: ينظر ms1379 إلى العبد إن بلغت قيمته مهر مثلها فليس لها إلا العبد، ~~وإن كانت قيمته أقل من مهر مثلها تبلغ إلى ثمن مهر مثلها، وهو قول زفر، ~~وهذا بناء على الأصول التي ذكرناها لهم فمن أصل أبي يوسف أن جعل الحر مهرا ~~صحيح إذا سمى عبدا، ويتعلق بقيمته أن لو كان عبدا فيتعلق العقد بالمسميين ~~جميعا بقدر ما يحتمل كل واحد منهما التعليق به، فيتعلق بالعبد بعينه؛ لأنه ~~ممكن ويتعلق بالحر بقيمته لو كان عبدا؛ لأنه لا يحتمل التعليق بعينه، ومن ~~أصل محمد أن المشار إليه إذا كان من جنس المسمى، فالعقد يتعلق بالمشار ~~إليه، والحر من جنس العبد لاتحاد جنس المنفعة فيتعلق العقد بهما إلا أنه لا ~~سبيل إلى الجمع بين المسمى وبين مهر المثل، فيجب مهر المثل ألا ترى أنه لو ~~كانا حرين يجب مهر المثل عنده، ومتى وجب مهر المثل امتنع وجوب المسمى ولأبي ~~حنيفة أصلان: أحدهما ما ذكرنا أن الحر إذا جعل مهرا وسمي عبدا لا يتعلق ~~بتسميته شيء، وجعل ذكره والعدم بمنزلة واحدة، والثاني: أن العقد إذا أضيف ~~إلى ما لا يصلح يلغو ما لا يصلح ويستقر ما يصلح، كمن جمع بين امرأة تحل له ~~وامرأة لا تحل له وتزوجهما في عقدة واحدة بمسمى يجب كل المسمى بمقابلة ~~الحلال، وانعقاد نكاحها صحيحا للعقد، والتسمية بقدر الإمكان، وتقريرا للعقد ~~فيما أمكن تقريره وإلغاؤه فيما لا يمكن تصحيحه فيه، والعبد هو الصالح لكونه ~~مهرا فصحت تسميته، ويصير مهرا لها إذا بلغت قيمته عشرة فصاعدا، وعلى هذا ~~الخلاف إذا تزوجها على بيت وخادم - والخادم حر - ولو تزوجها على هذين ~~الدنين من الخل فإذا أحدهما خمر لها الباقي لا غير في قول أبي حنيفة إذا ~~كان يساوي عشرة دراهم كما في العبدين، وعندهما لها الباقي ومثل هذا الدن من ~~الخل، وقد ذكرنا الأصل. # ولو سمى مالا وضم إليه ما ليس بمال لكن لها فيه منفعة مثل طلاق امرأة ~~أخرى وإمساكها في بلدها أو العفو عن القصاص، فإن وفى بالمنفعة فليس ms1380 لها إلا ~~ما سمى إذا كان يساوي عشرة فصاعدا؛ لأنه سمى ما يصلح مهرا بنفسه وشرط لها ~~منفعة، وقد وفى بما شرط لها فصحت التسمية وصارت العشرة مهرا، وإن لم يف ~~بالمنفعة فلها مهر مثلها ثم ينظر إن كان ما سمى لها من المال مثل مهر مثلها ~~أو أكثر فلا شيء لها إلا ذلك، وإن كان ما سمى لها أقل من مهر مثلها تمم لها ~~مهر مثلها عندنا وقال زفر: إن كان المضموم مالا كما إذا شرط أن يهدي لها ~~هدية فلم يف لها تمم لها مهر المثل، وإن كان غير مال كطلاق امرأة أخرى وأن ~~لا يخرجها من بلدها فليس لها إلا ما سمى (وجه) قول زفر أن ما ليس بمال لا ~~يتقوم فلا يكون فواته مضمونا بعوض وما هو مال يتقوم فإذا لم يسلم لها جاز ~~لها الرجوع إلى تمام العوض، ولنا أن الموجب الأصلي في هذا الباب هو مهر ~~المثل، فلا يعدل عنه إلا عند استحكام التسمية فإذا وفى بالمنفعة فقد تقررت ~~التسمية فوجب المسمى. # وإذا لم يف بها لم تتقرر؛ لأنها ما رضيت بالمسمى من المال عوضا بنفسه بل ~~بمنفعة أخرى مضمومة إليه، وهي منفعة أخرى مرغوب فيها خلال الاستيفاء شرعا ~~فإذا لم يسلم لها تتقرر التسمية فبقي حقها في العوض الأصلي، وهو مهر المثل ~~فإن كان أقل من مهر مثلها أو أكثر فليس لها إلا ذلك؛ لأنه وصل إليها قدر ~~حقها وإن كان أقل من مهر مثلها يكمل لها مهر مثلها أيضا لا إلى الحق ~~المستحق فرق # PageV02P280 # بين هذا وبين ما إذا تزوجها على مهر صحيح وأرطال من خمر أن المهر ما يسمى ~~لها إذا كان عشرة فصاعدا، ويبطل الحرام، وليس لها تمام مهر مثلها أو أكثر ~~فليس لها إلا ذلك؛ لأنه وصل إليها قدر حقها، وإن كان أقل من مهر مثلها يكمل ~~لها مهر مثلها أيضا؛ لأن تسمية الخمر لم تصح في حق الانتفاع بها في حق ~~المسلم إذ لا منفعة للمسلم فيها لحرمة ms1381 الانتفاع بها في حق المسلم؛ فلا يجوز ~~أن يجب بفواتها عوض فالتحقت تسميتها بالعدم وصار كأنه لم يسم إلا المهر ~~الصحيح فلا يجب لها إلا المهر الصحيح بخلاف المسألة الأولى. # وعلى هذا يخرج ما إذا أعتق أمته على أن تزوج نفسها منه فقبلت عتقت؛ لأنه ~~أعتقها بعوض فيزول ملكه بقبول العوض كما لو باعها، وكما إذا قال لها أنت ~~حرة على ألف درهم بخلاف ما إذا قال لعبده إن أديت إلي ألفا فأنت حر أنه لا ~~يعتق بالقبول ما لم يؤد؛ لأن ذلك ليس بمعاوضة بل هو تعليق، وهو تعليق ~~الحرية بشرط الأداء إليه ولم يوجد الشرط ثم إذا أعتقت بالقبول فبعد ذلك لا ~~يخلو إما إن زوجت نفسها منه وإما إن أبت التزويج فإن زوجت نفسها منه ينظر ~~إن كان قد سمى لها مهرا آخر وهو مال سوى الإعتاق، فلها المسمى إذا كان عشرة ~~دراهم فصاعدا، وإن كان دون العشرة تكمل عشرة، وإن لم يسم لها سوى الإعتاق ~~فلها مهر مثلها في قول أبي حنيفة ومحمد. # وقال أبو يوسف: صداقها إعتاقها ليس لها غير ذلك (وجه) قوله: أن العتق ~~بمعنى المال وبدليل أنه يجوز أخذ العوض عنه بأن أعتق عبده على مال فجاز أن ~~يكون مهرا، ولهما أن العتق ليس بمال حقيقة؛ لأن الإعتاق إبطال المالكية ~~فكيف يكون العتق مالا؟ إلا أنه يجوز أخذ عوض هو مال عنه، وهذا لا يدل على ~~كونه مالا بنفسه ألا ترى أن الطلاق ليس بمال ولا يجوز أخذ العوض عنه. # وكذا القصاص وأخذ البدل عنه جائز، ونفس الحر ليست بمال، وإن أبت أن تزوج ~~نفسها منه لا تجبر على ذلك؛ لأنها حرة ملكت نفسها فلا تجبر على النكاح ~~لكنها تسعى في قيمتها للمولى عند أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر: لا سعاية عليها (وجه) قوله: أن السعاية إنما تجب لتخليص ~~الرقبة، وهذه حرة خالصة فلا تلزمها السعاية. # (ولنا) أن المولى ما رضي بزوال ملكه عن رقبتها لا بنفع يقابله وهو تزويج ~~نفسها منه، وهذه منفعة ms1382 مرغوب فيها وقد تعذر عليه استيفاء هذه المنفعة بمعنى ~~من جهتها - وهو إباؤها - فيقام بدل قيمتها مقامها؛ دفعا للضرر عنه. # وأما قوله (السعاية إنما تجب لفكاك الرقبة وتخليصها - وهي حرة خالصة -) ~~فنقول: السعاية قد تكون لتخليص الرقبة وهذا المستسعى يكون في حكم المكاتب ~~على أصل أبي حنيفة، وقد تكون لحق في الرقبة لا لفكاك الرقبة كالعبد المرهون ~~إذا أعتقه الراهن وهو معسر كما إذا قال لعبده: أنت حر على قيمة رقبتك فقبل ~~حتى عتق كذا هذا ولو تزوج امرأة على عتق أبيها أو ذي رحم محرم منها أو على ~~عتق عبد أجنبي عنها، فهذا لا يخلو إما أن ذكر فيه كلمة عنها بأن قال: ~~أتزوجك على عتق أبيك عنك أو على عتق هذا العبد عنك وأشار إلى عبد أجنبي ~~عنها، وإما أن لم يذكر فإن لم يذكر وقبلت عتق العبد، والولاء للزوج لا لها؛ ~~لأن المعتق هو الزوج «والولاء لمن أعتق» على لسان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ولها مهر مثلها إن لم يكن سمى لها مهرا آخر هو مال، وإن كان قد ~~سمى فلها المسمى؛ لأنه علق العتق بقبولها النكاح فإذا قبلت عتق، والعبد لا ~~يصلح مهرا؛ لأنه ليس بمال، فإن كان هناك مال مسمى وجب ذلك؛ لأنه صحت تسميته ~~مهرا فوجب المسمى، وإن لم يكن فتسميته العتق مهرا لم يصح؛ لأنه ليس بمال ~~فيجب مهر المثل هذا إذا لم يذكر عنها. # فأما إذا ذكرت فقبلت عتق العبد عنها وثبت الولاء لها، وصار ذلك مهرا؛ ~~لأنه لما ذكر العتق عنها ولا يكون العتق عنها إلا بعد سبق الملك لها فملكته ~~أولا ثم عتق عنها كمن قال لآخر: أعتق عبدك عني عن كفارة يميني على ألف درهم ~~يجوز ويقع العتق عن الآخر، وحال ما ملكته كان مالا فصلح أن يكون مهرا، وهذا ~~إذا تزوجها على العتق. # فأما إذا تزوجها على الإعتاق بأن تزوجها على أن يعتق هذا العبد فهذا أيضا ~~لا يخلو من أحد وجهين: إما أن ذكر فيه ms1383 عنها وإما أن لم يذكر فإن لم يذكر ~~فقبلت صح النكاح، ولا يعتق العبد ههنا بقبولها؛ لأنه وعد أن يعتق، والعتق ~~لا يثبت بوعد # PageV02P281 # الإعتاق، وإنما يثبت بالإعتاق فما لم يعتق لا يعتق بخلاف الفصل الأول؛ ~~لأن الزواج هناك كان على العتق لا على الإعتاق ثم إذا أعتقه فعتق فلا يخلو ~~إما أن ذكر كلمة عنها أو لم يذكر فإن كان لم يذكر ثبت الولاء منه لا منها؛ ~~لأن الإعتاق منه لا منها، والولاء للمعتق ولها مهر مثلها إن لم يكن هناك ~~مهر آخر مسمى وهو مال، وإن كان فلها ذلك المسمى؛ لأن الإعتاق ليس بمال، بل ~~هو إبطال المالية، سواء كان العبد أجنبيا أو ذا رحم محرم منها، وإن ذكر ~~كلمة عنها ثبت الولاء منها؛ لأن الإعتاق منها لأنه أعتق عنها، ويصير العبد ~~ملكا لها بمقتضى الإعتاق، ثم إن كان ذا رحم محرم منها عتق عليها كما ملكته ~~فتملكه فيعتق عليها، وإن كان أجنبيا يصير الزوج وكيلا عنها في الإعتاق، ~~ومنها إذا أعتق كما وعد فإن أبى لا يجبر على ذلك؛ لأنه حر مالك إلا أنه ~~ينظر إن لم يكن ثمة مسمى هو مال فلها مهر مثلها؛ لما ذكرنا أن تسمية ~~الإعتاق مهرا لم يصح ولم يوجد تسمية شيء آخر هو مال فتعين مهر المثل موجبا. # وإن كان قد سمى لها شيئا آخر هو مال، فإن كان المسمى مثل مهر المثل أو ~~أكثر فلها ذلك المسمى؛ لأن الزوج رضي بالزيادة، وإن كان أقل من مهر مثلها، ~~فإن كان العبد أجنبيا فلها ذلك المسمى لا غير؛ لأنه شرط لها شرطا لا منفعة ~~لها فيه فلا يكون غارا لها بترك الوفاء بما شرط لها، وإن كان ذا رحم محرم ~~منها يبلغ به تمام مهر مثلها؛ لأنها إنما رضيت بدون مهر مثلها بما شرط ولم ~~تكن راضية فصار غارا لها، وهذا إذا لم يقل عنها فأما إذا قال ذلك بأن ~~تزوجها على أن يعتق هذا العبد عنها فقبلت صح النكاح، وصار العبد ms1384 ملكا ثم إن ~~كان ذا رحم محرم منها عتق عليها؛ لأنها ملكت ذا رحم محرم منها وكان ذلك ~~مهرا لها؛ لأنها تملكه ثم يعتق عليها، وإن كان أجنبيا يكون الزوج وكيلا ~~عنها بالإعتاق، فإن أعتق قبل العزل فقد وقع العتق عنها، وإن عزلته في ذلك ~~صح العزل والله أعلم. ### | [فصل أن لا يكون مجهولا جهالة تزيد على جهالة مهر المثل] # (فصل) : # ومنها أن لا يكون مجهولا جهالة تزيد على جهالة مهر المثل. # وجملة الكلام فيه أن المهر في الأصل لا يخلو إما أن يكون معينا مشارا ~~إليه، وإما أن يكون مسمى غير معين مشارا إليه، فإن كان معينا مشارا إليه ~~صحت تسميته، سواء كان مما يتعين بالتعيين في عقود المعاوضات من العروض ~~والعقار والحيوان وسائر المكيلات والموزونات سوى الدراهم والدنانير أو كان ~~مما لا يتعين بالتعيين في عقود المعاوضات كالدراهم؛ لأنه مال لا جهالة فيه ~~إلا أنه إن كان مما يتعين بالتعيين ليس للزوج أن يحبس العين ويدفع غيرها من ~~غير رضا المرأة؛ لأن المشار إليه قد تعين للعقد فتعلق حقها بالعين فوجب ~~عليه تسليم عينه وإن كان مما لا يتعين له أن يحبسه ويدفع مثله جنسا ونوعا ~~وقدرا وصفة؛ لأن التعيين إذا لم يصح صار مجازا عوضا من الجنس والنوع والقدر ~~والصفة، وإن كان تبرا مجهولا أو نقرة ذهبا وفضة يجبر على تسليم عينه في ~~رواية؛ لأنه يتعين بالتعيين كالعروض ولا يجبر في رواية؛ لأنه لا يتعين ~~بالتعيين كالمضروب # وإن كان المسمى غير عين فالمسمى لا يخلو إما أن يكون مجهول الجنس والنوع ~~والقدر والصفة، وإما أن يكون معلوم الجنس والنوع والقدر والصفة، فإن كان ~~مجهولا كالحيوان والدابة والثوب والدار بأن تزوج امرأة على حيوان أو دابة ~~أو ثوب أو دار ولم يعين لم تصح التسمية. # وللمرأة مهر مثلها بالغا ما بلغ؛ لأن جهالة الجنس متفاحشة لأن الحيوان ~~اسم جنس تحته أنواع مختلفة، وتحت كل نوع أشخاص مختلفة. # وكذا الدابة وكذا الثوب؛ لأن اسم الثوب يقع على ثوب القطن ms1385 والكتان ~~والحرير والخز والبز، وتحت كل واحد من ذلك أنواع كثيرة مختلفة. # وكذا الدار؛ لأنها تختلف في الصغر والكبر والهيئة والتقطيع، وتختلف ~~قيمتها باختلاف البلاد والمحال والسكك اختلافا فاحشا فتفاحشت الجهالة ~~فالتحقت بجهالة الجنس، والأصل أن جهالة العوض تمنع صحة تسميته كما في البيع ~~والإجارة لكونها مفضية إلى المنازعة إلا أنه يتحمل ضرب من الجهالة في المهر ~~بالإجماع، فإن مهر المثل قد يجب في النكاح الصحيح، ومعلوم أن مهر المثل ~~مجهول ضربا من، الجهالة فكل جهالة في المسمى مهرا مثل جهالة مهر المثل أو ~~أقل من ذلك يتحمل ولا يمنع صحة التسمية # PageV02P282 # استدلالا بمهر المثل، وكل جهالة تزيد على جهالة مهر المثل يبقى الأمر ~~فيها على الأصل فيمنع صحة التسمية كما في سائر الأعواض إذا ثبت هذا فنقول: ~~لا شك أن جهالة الحيوان والدابة والثوب والدار أكثر من جهالة مهر المثل؛ ~~لأن بعد اعتبار تساوي المرأتين في المال والجمال والسن والعقل والدين ~~والبلد والعفة يقل التفاوت بينهما فتقل الجهالة. # فأما جهالة الجنس والنوع فجهالة متفاحشة فكانت أكثر جهالة من مهر المثل ~~فتمنع صحة التسمية. # وإن كان المسمى معلوم الجنس والنوع مجهول الصفة والقدر كما إذا تزوجها ~~على عبد أو أمة أو فرس أو جمل أو حمار أو ثوب مروي أو هروي صحت التسمية، ~~ولها الوسط من ذلك، وللزوج الخيار إن شاء أعطاها الوسط وإن شاء أعطاها ~~قيمته، وهذا عندنا. # وقال الشافعي: لا تصح التسمية (وجه) قوله: أن المسمى مجهول الوصف فلا تصح ~~تسميته كما في البيع وهذا لأن؛ جهالة الوصف تفضي إلى المنازعة كجهالة الجنس ~~ثم جهالة الجنس تمنع صحة التسمية، فكذا جهالة الوصف. # (ولنا) أن النكاح معاوضة المال بما ليس بمال، والحيوان الذي هو معلوم ~~الجنس والنوع مجهول الصفة يجوز أن يثبت دينا في الذمة بدلا عما ليس بمال ~~كما في الذمة قال النبي: - صلى الله عليه وسلم - «في النفس المؤمنة مائة من ~~الإبل» والبضع ليس بمال فجاز أن يثبت الحيوان دينا في الذمة بدلا عنه، ولأن ~~جهالة الوسط ms1386 من هذه الأصناف مثل جهالة مهر المثل أو أقل فتلك الجهالة لما ~~لم تمنع صحة تسمية البدل، فكذا هذه إلا أنه لا تصح تسميته ثمنا في البيع؛ ~~لأن البيع لا يحتمل جهالة البدل أصلا قلت أو كثرت، والنكاح يحتمل الجهالة ~~اليسيرة مثل جهالة مهر المثل، وإنما كان كذلك؛ لأن مبنى البيع على المضايقة ~~والمماكسة، فالجهالة فيه وإن قلت تفضي إلى المنازعة ومبنى النكاح على ~~المسامحة والمروءة، فجهالة مهر المثل فيه لا تفضي إلى المنازعة فهو الفرق. # وأما وجوب الوسط فلأن الوسط هو العدل لما فيه من مراعاة الجانبين؛ لأن ~~الزوج يتضرر بإيجاب الجيد، والمرأة تتضرر بإيجاب الرديء فكان العدل في ~~إيجاب الوسط. # وهذا معنى قول النبي: - صلى الله عليه وسلم - «خير الأمور أوساطها» ~~والأصل في اعتبار الوسط في هذا الباب ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن مواليها فنكاحها باطل ~~فإن دخل بها فلها مهر مثل نسائها لا وكس ولا شطط» وكذلك قال عبد الله بن ~~مسعود - رضي الله عنه - في المفوضة أرى لها مهر مثل نسائها لا وكس ولا شطط ~~والمعنى ما ذكرنا، وأما ثبوت الخيار بين الوسط وبين قيمته فلأن الحيوان لا ~~يثبت في الذمة ثبوتا مطلقا ألا ترى أنه لا يثبت دينا في الذمة في معاوضة ~~المال بالمال ولا يثبت في الذمة في ضمان الإتلاف حتى لا يكون مضمونا بالمثل ~~في الاستهلاك، بل بالقيمة فمن حيث إنه يثبت في الذمة في الجملة قلنا: بوجوب ~~الوسط منه، ومن حيث إنه لا يثبت ثبوتا مطلقا قلنا: يثبت الخيار بين تسليمه ~~وبين تسليم قيمته عملا بالشبهين جميعا، ولأن الوسط لا يعرف إلا بواسطة ~~القيمة فكانت القيمة أصلا في الاستحقاق فكانت أصلا في التسليم. # وأما ثبوت الخيار للزوج لا للمرأة فلأنه المستحق عليه فكان الخيار له. # وكذلك إن تزوجها على بيت وخادم فلها بيت وسط مما يجهز به النساء، وهو بيت ~~النوب لا المبني فينصرف إلى فرش البيت في أهل الأمصار ms1387 وفي أهل البادية إلى ~~بيت الشعر ولها خادم وسط؛ لأن المطلق من هذه الأصناف ينصرف إلى الوسط؛ لأن ~~الوسط منها معلوم بالعادة، وجهالته مثل جهالة مهر المثل أو أقل فلا تمنع ~~صحة التسمية كما لو نص على الوسط. # ولو وصف شيئا من ذلك بأن قال جيد أو وسط أو رديء فلها الموصوف، ولو جاء ~~بالقيمة تجبر على القبول؛ لأن القيمة هي الأصل ألا ترى أنه لا يعرف الجيد ~~والوسط والرديء إلا باعتبار القيمة فكانت القيمة هي المعرفة بهذه الصفات، ~~فكانت أصلا في الوجوب فكانت أصلا في التسليم، فإذا جاء بها تجبر على ~~قبولها. # ولو تزوجها على وصيف صحت التسمية ولها الوسط من ذلك، ولو تزوجها على وصيف ~~أبيض لا شك أنه تصح التسمية؛ لأنها تصح بدون الوصف فإذا وصف أولى، ولها ~~الوصيف الجيد؛ لأن الأبيض عندهم اسم للجيد ثم الجيد عندهم هو الرومي، ~~والوسط السندي، والرديء الهندي. # وأما عندنا فالجيد هو التركي، والوسط # PageV02P283 # الرومي، والرديء الهندي، وقد قال أبو حنيفة: قيمة الخادم الجيد خمسون ~~دينارا، وقيمة الوسط أربعون، وقيمة الرديء ثلاثون، وقيمة البيت الوسط ~~أربعون دينارا وقال أبو يوسف ومحمد: إن زاد السعر أو نقص فبحسب الغلاء ~~والرخص، وهذا ليس باختلاف في الحقيقة ففي زمن أبي حنيفة كانت القيم مسعرة، ~~وفي زمانهما تغيرت القيمة، فأجاب كل على عرف زمانه والمعتبر في ذكر القيمة ~~بلا خلاف. # ولو تزوجها على بيت وخادم حتى وجب الوسط من كل واحد منهما ثم صالحت من ~~ذلك زوجها على أقل من قيمة الوسط ستين دينارا أو سبعين دينارا جاز الصلح؛ ~~لأنها بهذا الصلح أسقطت بعض حقها؛ لأن الواجب فيهما ثمانون فإذا صالحت على ~~أقل من ذلك فقد أسقطت البعض. # ومن له الحق إذا أسقط بعض حقه واستوفى الباقي جاز، ويجوز ذلك بالنقد ~~والنسيئة لما ذكرنا أن الصلح وقع على عين الحق بإسقاط البعض فكان الباقي ~~عين الواجب فجاز فيه التأجيل، فإن صالحت على مائة دينار، فالفضل باطل؛ لأن ~~المسمى إذا لم يكن مسعرا، فالقيمة واجبة بالعقد. ms1388 # ومن وجب له حق فصالح على أكثر من حقه لم يجز، وإن كان المسمى معلوم الجنس ~~والنوع والقدر والصفة كما إذا تزوجها على مكيل موصوف أو موزون موصوف سوى ~~الدراهم والدنانير صحت التسمية؛ لأن المسمى مال معلوم لا جهالة فيه بوجه ~~ألا ترى أنه ثبت دينا في الذمة ثبوتا مطلقا، فإنه يجوز البيع به والسلم فيه ~~ويضمن بالمثل فيجبر الزوج على دفعه ولا يجوز دفع عوضه إلا برضا المرأة. # ولو تزوجها على مكيل أو موزون ولم يصف صحت التسمية؛ لأنه مال معلوم الجنس ~~والنوع فتصح تسميته، فإن شاء الزوج أعطاها الوسط من ذلك، وإن شاء أعطاها ~~قيمته كذا ذكر الكرخي في جامعه. # وذكر الحسن عن أبي حنيفة أنه يجبر على تسليم الوسط (وجه) ما ذكره الكرخي ~~أن القيمة أصل في إيجاب الوسط؛ لأن بها يعرف كونه وسطا فكان أصلا في ~~التسليم كما في العبد (وجه) رواية الحسن أن الشرع لما أوجب الوسط فقد تعين ~~الوسط بتعيين الشرع فصار كما لو عينه بالتسمية. # ولو سمى الوسط يجبر على تسليمه كذا هذا بخلاف العبد، فإن هناك لو سمى ~~الوسط ونص عليه لا يجبر على تسليمه فكذا إذا أوجبه الشرع والله أعلم. # وأما الثياب فقد ذكر في الأصل أنه إذا تزوجها على ثياب موصوفة أنه ~~بالخيار إن شاء سلمها وإن شاء سلم قيمتها، ولم يفصل بين ما إذا سمى لها ~~أجلا أو لم يسم وقال أبو يوسف: إن أجلها يجبر على دفعها، وإن لم يؤجلها ~~فلها القيمة. # وروي عن أبي حنيفة أنه يجبر على تسليمها من غير هذا التفصيل وهو قول زفر ~~(وجه) ما ذكر في الأصل أن الثياب لا تثبت في الذمة ثبوتا مطلقا؛ لأنها ليست ~~من ذوات الأمثال ألا ترى أنها مضمونة بالقيمة لا بالمثل في ضمان العدوان ~~ولا تثبت في الذمة بنفسها في عقود المعاوضات بل بواسطة الأجل فكانت ~~كالعبيد، وهناك لا يجبر على دفع العبد وله أن يسلم القيمة كذا ههنا، وأبو ~~يوسف يقول: إذا أجلها فقد صارت بحيث ms1389 تثبت في الذمة ثبوتا مطلقا ألا ترى ~~أنها تثبت في الذمة في السلم فيجبر على الدفع بل أولى؛ لأن البدل في البيع ~~لا يحتمل الجهالة رأسا، والمهر في النكاح يحتمل ضربا من الجهالة فلما ثبتت ~~في الذمة في البيع فلأن تثبت في النكاح أولى (وجه) الرواية الأخرى لأبي ~~حنيفة أن امتناع ثبوتها في الذمة لمكان الجهالة فإذا وصفت فقد زالت الجهالة ~~فيصح ثبوتها في الذمة مهرا في النكاح، وإنما لا يصح السلم فيها إلا مؤجلا؛ ~~لأن العلم بها يقف على التأجيل، بل؛ لأن السلم لم يشرع إلا مؤجلا والأجل ~~ليس بشرط في المهر فكان ثبوتها في المهر غير مؤجلة كثبوتها في السلم مؤجلة ~~فيجبر على تسليمها. # ولو قال تزوجتك على هذا العبد أو على ألف أو على ألفين، فالتسمية فاسدة ~~في قول أبي حنيفة ويحكم مهر مثلها، فإن كان مهر مثلها مثل الأدون أو أقل ~~فلها الأدون إلا أن يرضى الزوج بالأرفع، وإن كان مهر مثلها مثل الأرفع فلها ~~الأرفع إلا أن ترضى المرأة بالأدون وإن كان مهر مثلها فوق الأدون أو أقل من ~~الأرفع فلها مهر مثلها. # وقال أبو يوسف ومحمد: التسمية صحيحة ولها الأدون على كل حال (وجه) قولهما ~~أن المصير إلى مهر المثل عند تعذر إيجاب المسمى، ولا تعذر ههنا لأنه يمكن ~~إيجاب الأقل لكونه متيقنا، وفي الزيادة شك فيجب # PageV02P284 # المتيقن به وصار كما إذا أعتق عبده على ألف أو ألفين أو خالع امرأته على ~~ألف أو ألفين أنه تصح التسمية وتجب الألف كذا هذا ولأبي حنيفة أنه جعل ~~المهر أحد المذكورين غير عين؛ لأن كلمة (أو) تتناول أحد المذكورين غير عين، ~~وأحدهما غير عين مجهول فكان المسمى مجهولا، وهذه الجهالة أكثر من جهالة مهر ~~المثل ألا ترى أن كلمة (أو) تدخل بين أقل الأشياء وأكثرها فتمنع صحة ~~التسمية فيحكم مهر المثل؛ لأنه الموجب الأصلي في هذا الباب فلا يعدل عنه ~~إلا عند صحة التسمية، ولا صحة إلا بتعيين المسمى ولم يوجد فيجب مهر المثل؛ ~~لأنه لا ms1390 ينقص عن الأدون؛ لأن الزوج رضي بذلك القدر ولا يزاد على الأرفع ~~لرضا المرأة بذلك القدر، ولا يلزم على هذا ما إذا تزوجها على هذا العبد أو ~~على هذا العبد أن الزوج بالخيار في أن يدفع أيهما شاء أو على أن المرأة ~~بالخيار في ذلك تأخذ أيهما شاءت أنه تصح التسمية. # وإن كان المسمى مجهولا؛ لأن تلك الجهالة يمكن رفعها ألا ترى أنها ترتفع ~~باختيار من له الخيار فقلت الجهالة فكانت كجهالة مهر المثل أو أقل من ذلك ~~فلا تمنع صحة التسمية، ههنا لا سبيل إلى إزالة هذه الجهالة؛ لأنه إذا لم ~~يكن فيه خيار كان لكل واحد منهما أن يختار غير ما يختاره صاحبه ففحشت ~~الجهالة فمنعت صحة التسمية بخلاف الإعتاق والخلع؛ لأنه ليس لهما موجب أصلي ~~يصار إليه عند وقوع الشك في المسمى فوجب المتيقن من المسمى؛ لأن إيجابه ~~أولى من الإيقاع مجانا بلا عوض أصلا لعدم رضا المولى والزوج بذلك، وفيما ~~نحن فيه له موجب أصلي فلا يعدل عنه إلا عند تعين المسمى ولا تعين مع الشك ~~بإدخال كلمة الشك فالتحقت التسمية بالعدم فبقي الموجب الأصلي واجب المصير ~~إليه. # ولو تزوج امرأة على ألف إن لم يكن له امرأة وعلى ألفين إن كانت له امرأة ~~أو تزوجها على ألف إن لم يخرجها من بلدها وعلى ألفين إن أخرجها من بلدها أو ~~تزوجها على ألف إن كانت مولاة وعلى ألفين إن كانت عربية وما أشبه ذلك فلا ~~شك أن النكاح جائز؛ لأن النكاح المؤبد الذي لا توقيت فيه لا تبطله الشروط ~~الفاسدة لما قلنا: إن الشروط لو أثرت لأثرت في المهر بفساد التسمية، وفساد ~~التسمية لا يكون فوق العدم ثم عدم التسمية رأسا لا يوجب فساد النكاح، ~~ففسادها أولى. # وأما المهر فالشرط الأول جائز بلا خلاف، فإن وقع الوفاء به فلها ما سمى ~~على ذلك الشرط، وإن لم يقع الوفاء به فإن كان على خلاف ذلك أو فعل خلاف ما ~~شرط لها فلها مهر مثلها لا ينقص من ms1391 الأصل ولا يزاد على الأكثر، وهذا قول ~~أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد: الشرطان جائزان وقال زفر: الشرطان فاسدان، وهذه ~~فريعة مسألة مشهورة في الإجارات، وهو أن يدفع رجل ثوبا إلى الخياط فيقول: ~~إن خيطته اليوم فلك درهم، وإن خيطته غدا فلك نصف درهم (وجه) قول زفر: أن كل ~~واحد من الشرطين يخالف الآخر فأوجب ذلك جهالة التسمية فتصح التسميتان، كما ~~إذا قال: للخياط إن خيطته روميا فبدرهم، وإن خيطته فارسيا فبنصف درهم، ~~ولأبي حنيفة أن الشرط الأول وقع صحيحا بالإجماع وموجبه رد مهر المثل إن لم ~~يقع الوفاء به فكانت التسمية الأولى صحيحة، فلو صح الشرط الثاني لكان نافيا ~~موجب الشرط الأول، والتسمية الأولى والتسمية بعد ما صحت لا يجوز نفي موجبها ~~فبطل الشرط الثاني ضرورة. # وقال: إن ما شرط الزوج من طلاق المرأة وترك الخروج من البلد لا يلزمه في ~~الحكم؛ لأن ذلك وعد وعد لها فلا يكلف به، وعلى هذا يخرج ما إذا تزوجها على ~~حكمه أو حكم أجنبي أن التسمية فاسدة؛ لأن المحكوم به مجهول وجهالته أكثر من ~~جهالة مهر المثل فيمنع صحة التسليم، ثم إن كان التزوج على حكم الزوج ينظر ~~إن حكم بمهر مثلها أو أكثر فلها ذلك؛ لأنه رضي ببذل الزيادة وإن حكم بأقل ~~من مهر مثلها فلها مهر مثلها إلا أن ترضى بالأقل، وإن كان التزوج على حكمها ~~فإن حكمت بمهر مثلها أو أقل فلها ذلك؛ لأنها رضيت بإسقاط حقها، وإن حكمت ~~بأكثر من مهر مثلها لم تجز الزيادة؛ لأن المستحق هو مهر المثل إلا إذا رضي ~~الزوج بالزيادة، وإن كان التزوج على حكم أجنبي فإن حكم بمهر المثل جاز، وإن ~~حكم بأكثر من مهر المثل يتوقف على رضا الزوج، وإن حكم بأقل من مهر المثل ~~يتوقف على رضا المرأة؛ لأن المستحق هو مهر المثل، والزوج لا يرضى # PageV02P285 # بالزيادة والمرأة لا ترضى بالنقصان؛ فلذلك توقف الأمر في الزيادة ~~والنقصان على رضاهما، فإن تزوجها على ما يكسب العام أو يرث فهذه تسمية ~~فاسدة؛ ms1392 لأن جهالة هذا أكثر من جهالة مهر المثل، وقد انضم إلى الجهالة ~~الخطر؛ لأنه قد يكسب وقد لا يكسب ثم الجهالة بنفسها تمنع صحة التسمية، فمع ~~الخطر أولى. # ولو تزوج امرأتين على صداق واحد يجوز إلا أن يقول تزوجتكما على ألف درهم ~~فقبلتا، فالنكاح جائز لا شك فيه ويقسم الألف بينهما على قدر مهر مثليهما؛ ~~لأنه جعل الألف بدلا عن بضعيهما، والبدل يقسم على قدر قيمة المبدل، والمبدل ~~هو البضع فيقسم البدل على قدر قيمته، وقيمته مهر المثل كما لو اشترى عبدين ~~بألف درهم أنه يقسم الثمن على قدر قيمتهما كذا هذا، فإن قبلت إحداهما دون ~~الأخرى جاز النكاح في التي قبلت بخلاف البيع، فإنه إذا قال: بعت هذا العبد ~~منكما فقبل أحدهما ولم يقبل الآخر لم يجز البيع أصلا، والفرق أنه لما قال: ~~تزوجتكما فقد جعل قبول كل واحدة منهما شرطا لقبول الأخرى، والنكاح لا يحتمل ~~التعليق بالشرط، فكان إدخال الشرط فيه فاسدا، والنكاح لا يفسد بالشرط ~~الفاسد، والبيع يفسد به، وإذا جاز النكاح تقسم الألف على قدر مهر مثلهما ~~لما قلنا فما أصاب حصة التي قبلت فلها ذلك القدر، والباقي يعود إلى الزوج، ~~وإن كانت إحداهما ذات زوج أو في عدة من زوج أو كانت ممن لا يحل له نكاحها ~~فإن جميع الألف التي يصح نكاحها في قول أبي حنيفة. # وعندهما تقسم الألف على قدر مهر مثليهما فما أصاب حصة التي صح نكاحها ~~فلها ذلك، والباقي يعود إلى الزوج (وجه) قولهما: أنه جعل الألف مهرا لهما ~~جميعا، وكل واحدة منهما صالح للنكاح حقيقة لكونها قابلة للمقاصد المطلوبة ~~منه حقيقة إلا أن المحرمة منهما لا تزاحم صاحبتها في الاستحقاق؛ لخروجها من ~~أن تكون محلا لذلك شرعا مع قيام المحلية حقيقة، فيجب إظهار أثر المحلية ~~الحقيقية في الانقسام، ولأبي حنيفة أن المهر يقابل ما يستوفى بالوطء وهو ~~منافع البضع، وهذا العقد في حق المحرمة لا يمكن من استيفاء المنافع لخروجها ~~من أن تكون محلا للعقد شرعا، والموجود الذي لا ينتفع ms1393 به والعدم الأصلي سواء ~~فيجعل ذلك المهر بمقابلة الأجنبية، كما إذا جمع بين المرأة والأتان وقال: ~~تزوجتكما على ألف درهم، فإن دخل الزوج بالتي فسد نكاحها ففي قياس قول أبي ~~حنيفة لها مهر مثلها بالغا ما بلغ؛ لأنه لا تعتبر التسمية في حقها فالتحقت ~~التسمية بالعدم، وفي قياس قول أبي يوسف ومحمد لها مهر مثلها لا يجاوز حصتها ~~من الألف؛ لأنهما لا يعتبران التسمية في حقهما في حق الانقسام، والله عز ~~وجل أعلم. # وعلى هذا تخرج تسمية المهر على السمعة والرياء أنها تصح أو لا تصح. # وجملة الكلام فيه أن السمعة في المهر إما أن تكون في قدر المهر، وإما أن ~~تكون في جنسه فإن كانت في قدر المهر بأن تواضعا في السر والباطن، واتفقا ~~على أن يكون المهر ألف درهم لكنهما يظهران في العقد ألفين لأمر حملهما على ~~ذلك، فإن لم يقولا: ألف منهما سمعة، فالمهر ما ذكراه في العلانية وذلك ~~ألفان؛ لأن المهر ما يكون مذكورا في العقد والألفان مذكورتان في العقد فإذا ~~لم يجعلا الألف منهما سمعة صحت تسمية الألفين وإن قالا الألف منهما سمعة، ~~فالمهر ما ذكراه في السر وهو الألف في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وهو قول ~~أبي يوسف ومحمد، وروي عن أبي حنيفة أن المهر ما أظهراه وهو الألفان. # (وجه) هذه الرواية أن المهر هو المذكور في العقد؛ لأنه اسم لما يملك به ~~البضع، والذي يملك به البضع هو المذكور في العقد وأنه يصلح أن يكون مهرا؛ ~~لأنه مال معلوم فتصح تسميته ويصير مهرا ولا تعتبر المواضعة السابقة (وجه) ~~ظاهر الرواية أنهما لما قالا: الألف منهما سمعة فقد هزلا بذلك قدر الألف ~~حيث لم يقصدا به مهرا، والمهر مما يدخله الجد والهزل ففسدت تسميته قدر ~~الألف والتحقت بالعدم، فبقي العقد على ألف، وإن كانت السمعة من جنس ~~المهريات تواضعا واتفقا في السر والباطن على أن يكون المهر ألف درهم، ~~ولكنهما يظهران في العقد مائة دينار، فإن لم يقولا: رياء وسمعة فالمهر ما ~~تعاقدا ms1394 عليه لما قلنا، وإن قالا: رياء وسمعة فتعاقدا على ذلك فلها مهر ~~مثلها في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، ورواية عنه أن لها مهر العلانية مائة ~~دينار. # (وجه) هذه الرواية على نحو ما ذكرنا أن المائة # PageV02P286 # دينار هي المذكورة في العقد، والمهر اسم للمذكور في العقد لما بينا ~~فيعتبر المذكور ولا تعتبر المواضعة السابقة (وجه) ظاهر الرواية أن ما ~~تواضعا عليه وهو الألف لم يذكراه في العقد، وما ذكراه وهو المائة دينار ما ~~تواضعا عليه فلم توجد التسمية فيجب مهر المثل كما لو تزوجها ولم يسم لها ~~مهرا هذا الذي ذكرنا إذا لم يتعاقدا في السر والباطن على أن يكون للمهر قدر ~~أو جنس ثم يتعاقدا على ما تواضعا واتفقا عليه. # فأما إذا تعاقدا في السر على قدر من المهر أو جنس منه ثم اتفقا وتواضعا ~~في السر على أن يظهرا في عقد العلانية أكثر من ذلك أو جنسا آخر، فإن لم ~~يذكرا في المواضعة السابقة أن ذلك سمعة، فالمهر ما ذكراه في العلانية في ~~قول أبي حنيفة ومحمد، ويكون ذلك زيادة على المهر الأول، سواء كان من جنسه ~~أو من خلاف جنسه، فإن كان من خلاف جنسه، فجميعه يكون زيادة على المهر ~~الأول، وإن كان من جنسه فقدر الزيادة على المهر الأول يكون زيادة. # وروي عن أبي يوسف أنه قال: المهر مهر السر (وجه) قوله: أن المهر ما يكون ~~مذكورا في العقد، والعقد هو الأول؛ لأن النكاح لا يحتمل الفسخ والإقالة؛ ~~فالثاني لا يرفع الأول فلم يكن الثاني عقدا في الحقيقة فلا يعتبر المذكور ~~عنده، فكان المهر هو المذكور في العقد الأول. # (وجه) قولهما: أنهما قصدا شيئين استئناف العقد وزيادة في المهر، واستئناف ~~العقد لا يصح؛ لأن النكاح لا يحتمل الفسخ، والزيادة صحيحة فصار كأنه زاد ~~ألفا أخرى أو مائة دينار، وإن ذكرا في المواضعة السابقة أن الزيادة أو ~~الجنس الآخر سمعة، فالمهر هو المذكور في العقد الأول، والمذكور في العقد ~~الثاني لغو؛ لأنهما هزلا به حيث جعلاه سمعة، ms1395 والهزل يعمل في المهر فيبطله ~~والله أعلم. ### | [فصل أن يكون النكاح صحيحا] # (فصل) : # ومنها أن يكون النكاح صحيحا فلا تصح التسمية في النكاح الفاسد حتى لا ~~يلزم المسمى؛ لأن ذلك ليس بنكاح لما نذكر - إن شاء الله تعالى - إلا أنه ~~إذا وجد الدخول يجب مهر المثل لكن بالوطء لا بالعقد على ما نبينه في موضعه ~~- إن شاء الله تعالى -. # ولو تزوج امرأة على جارية بعينها واستثنى ما في بطنها فلها الجارية وما ~~في بطنها ذكره الكرخي والطحاوي من غير خلاف لأن تسمية الجارية مهرا قد صحت؛ ~~لأنها مال معلوم واستثناء ما في بطنها لم يصح؛ لأن الجنين في حكم جزء من ~~أجزائها فإطلاق العقد على الأم يتناوله فاستثناؤه يكون بمنزلة شرط فاسد، ~~والنكاح لا يحتمل شرطا فاسدا فيلغو الاستثناء ويلتحق بالعدم كأنه لم يستثن ~~رأسا، وكذلك إذا وهب جارية واستثنى ما في بطنها أو خالع أو صالح من دم ~~العمد؛ لأن هذه التصرفات لا تبطلها الشروط الفاسدة ولو تزوج امرأة على ~~جارية فاستحقت وهلكت قبل التسليم فلها قيمتها؛ لأن التسمية قد صحت لكون ~~المسمى مالا متقوما معلوما فالعقد انعقد موجب التسليم بالاستحقاق والهلاك؛ ~~لأنه عجز عن تسليمها فتجب قيمتها بخلاف البيع إذا هلك المبيع قبل التسليم ~~إلى المشتري أنه لا يغرم البائع قيمته، وإنما يسقط الثمن لا غير؛ لأن هلاك ~~المبيع يوجب بطلان البيع، وإذا بطل البيع لم يبق وجوب التسليم، فلا تجب ~~القيمة ثم تفسير مهر المثل هو أن يعتبر مهرها بمهر مثل نسائها من أخواتها ~~لأبيها وأمها أو لأبيها وعماتها وبنات أعمامها في بلدها وعصرها على مالها ~~وجمالها وسنها وعقلها ودينها؛ لأن الصداق يختلف باختلاف البلدان وكذا يختلف ~~باختلاف المال والجمال والسن والعقل والدين فيزداد مهر المرأة؛ لزيادة ~~مالها وجمالها وعقلها ودينها وحداثة سنها فلا بد من المماثلة بين المرأتين ~~في هذه الأشياء ليكون الواجب لها مهر مثل نسائها إذ لا يكون مهر المثل بدون ~~المماثلة بينهما، ولا يعتبر مهرها بمهر أمها ولا بمهر خالتها إلا أن تكون ms1396 ~~من قبيلتها من بنات أعمامها؛ لأن المهر يختلف بشرف النسب، والنسب من الآباء ~~لا من الأمهات فإنما يحصل لها شرف النسب من قبيل أبيها أو قبيلته لا من قبل ~~أمها وعشيرتها والله أعلم. ### | [فصل بيان ما يجب به المهر] # (فصل) : # وأما بيان ما يجب به المهر وبيان وقت وجوبه وكيفية وجوبه وما يتعلق بذلك ~~من الأحكام فنقول: وبالله التوفيق المهر في النكاح الصحيح يجب بالعقد؛ لأنه ~~إحداث الملك، والمهر يجب بمقابلة إحداث الملك؛ ولأنه عقد معاوضة وهو معاوضة ~~البضع بالمهر فيقتضي وجوب العوض كالبيع، سواء كان المهر مفروضا # PageV02P287 # في العقد أو لم يكن عندنا، وعند الشافعي إن كان مفروضا لا يجب بنفس ~~العقد، وإنما يجب بالفرض أو بالدخول على ما ذكرنا فيما تقدم، وفي النكاح ~~الفاسد يجب المهر لكن لا بنفس العقد بل بواسطة الدخول؛ لعدم حدوث الملك قبل ~~الدخول أصلا وعدم حدوثه بعد الدخول مطلقا؛ ولانعدام المعاوضة قبل الدخول ~~رأسا وانعدامها بعد الدخول مطلقا؛ لما نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه. # ويجب عقيب العقد بلا فصل لما ذكرنا أنه يجب بإحداث الملك، والملك يحدث ~~عقيب العقد بلا فصل؛ ولأن المعاوضة المطلقة تقتضي ثبوت الملك في العوضين في ~~وقت واحد وقد ثبت الملك في أحد العوضين وهو البضع عقيب العقد فيثبت في ~~العوض الآخر عقيبه تحقيقا للمعاوضة المطلقة إلا أنه يجب بنفس العقد وجوبا ~~موسعا، وإنما يتضيق عند المطالبة كالثمن في باب البيع أنه يجب بنفس البيع ~~وجوبا موسعا، وإنما يتضيق عند مطالبة البائع. # وإذا طالبت المرأة بالمهر يجب على الزوج تسليمه أولا؛ لأن حق الزوج في ~~المرأة متعين، وحق المرأة في المهر لم يتعين بالعقد، وإنما يتعين بالقبض ~~فوجب على الزوج التسليم عند المطالبة ليتعين كما في البيع أن المشتري يسلم ~~الثمن أولا، ثم يسلم البائع المبيع إلا أن الثمن في باب البيع إذا كان دينا ~~يقدم تسليمه على تسليم المبيع ليتعين، وإن كان عينا يسلمان معا وههنا يقدم ~~تسليم المهر على كل حال، سواء كان دينا أو ms1397 عينا؛ لأن القبض والتسلم ههنا ~~معا متعذر ولا تعذر في البيع، وإذا ثبت هذا فنقول: للمرأة قبل دخول الزوج ~~بها أن تمنع الزوج عن الدخول حتى يعطيها جميع المهر ثم تسلم نفسها إلى ~~زوجها، وإن كانت قد انتقلت إلى بيت زوجها لما ذكرنا أن بذلك يتعين حقها ~~فيكون تسليما بتسليم، ولأن المهر عوض عن بضعها كالثمن عوض عن المبيع ~~وللبائع حق حبس المبيع لاستيفاء الثمن فكان للمرأة حق حبس نفسها؛ لاستيفاء ~~المهر، وليس للزوج منعها عن السفر والخروج من منزله وزيارة أهلها قبل إيفاء ~~المهر؛ لأن حق الحبس إنما يثبت لاستيفاء المستحق فإذا لم يجب عليها تسليم ~~النفس قبل إيفاء المهر لم يثبت للزوج حق الاستيفاء فلا يثبت له حق الحبس، ~~وإذا أوفاها المهر فله أن يمنعها من ذلك كله إلا من سفر الحج إذا كان عليها ~~حجة الإسلام ووجدت محرما، وله أن يدخل بها لأنه إذا أوفاها حقها يثبت له حق ~~الحبس لاستيفاء المعقود عليه فإن أعطاها المهر إلا درهما واحدا، فلها أن ~~تمنع نفسها وأن تخرج من مصرها حتى تقبضه؛ لأن حق الحبس لا يتجزأ فلا يبطل ~~إلا بتسليم كل البدل كما في البيع. # ولو خرجت لم يكن للزوج أن يسترد منها ما قبضت؛ لأنها قبضته بحق لكون ~~المقبوض حقا لها، والمقبوض بحق لا يحتمل النقض هذا إذا كان المهر معجلا، ~~بأن تزوجها على صداق عاجل أو كان مسكوتا عن التعجيل والتأجيل؛ لأن حكم ~~المسكوت حكم المعجل؛ لأن هذا عقد معاوضة فيقتضي المساواة من الجانبين، ~~والمرأة عينت حق الزوج فيجب أن يعين الزوج حقها، وإنما يتعين بالتسليم فأما ~~إذا كان مؤجلا بأن تزوجها على مهر آجل فإن لم يذكر الوقت لشيء من المهر ~~أصلا بأن قال: تزوجتك على ألف مؤجلة، أو ذكر وقتا مجهولا جهالة متفاحشة بأن ~~قال: تزوجتك على ألف إلى وقت الميسرة أو هبوب الرياح أو إلى أن تمطر السماء ~~فكذلك؛ لأن التأجيل لم يصح لتفاحش الجهالة فلم يثبت الأجل ولو قال: نصفه ~~معجل ونصفه مؤجل ms1398 كما جرت العادة في ديارنا ولم يذكر الوقت للمؤجل اختلف ~~المشايخ فيه قال بعضهم: لا يجوز الأجل ويجب حالا كما إذا قال: تزوجتك على ~~ألف مؤجلة. # وقال بعضهم: يجوز ويقع ذلك على وقت وقوع الفرقة بالطلاق أو الموت وروي عن ~~أبي يوسف ما يؤيد هذا القول وهو أن رجلا كفل لامرأة عن زوجها نفقة كل شهر، ~~ذكر في كتاب النكاح أنه يلزمه نفقة شهر واحد في الاستحسان، وذكر عن أبي ~~يوسف أنه يلزمه نفقة كل شهر ما دام النكاح قائما بينهما، فكذلك ههنا وإن ~~ذكر وقتا معلوما للمهر فليس لها أن تمنع نفسها في قول أبي حنيفة ومحمد. # وقال أبو يوسف أخيرا لها أن تمنع نفسها، سواء كانت المدة قصيرة أو طويلة ~~بعد أن كانت معلومة أو مجهولة جهالة متقاربة كجهالة الحصاد والدياس (وجه) ~~قول أبي يوسف أن من حكم المهر أن يتقدم تسليمه على تسليم النفس بكل حال ألا ~~ترى # PageV02P288 # أنه لو كان معينا أو غير معين وجب تقديمه فلما قبل الزوج التأجيل كان ذلك ~~رضا بتأخير حقه في القبض بخلاف البائع إذا أجل الثمن أنه ليس له أن يحبس ~~المبيع ويبطل حقه في الحبس بتأجيل الثمن؛ لأنه ليس من حكم الثمن تقديم ~~تسليمه على تسليم المبيع لا محالة ألا ترى أن الثمن إذا كان عينا يسلمان ~~معا فلم يكن قبول المشتري التأجيل رضا منه بإسقاط حقه في القبض. # وجه قولهما أن المرأة بالتأجيل رضيت بإسقاط حق نفسها فلا يسقط حق الزوج ~~كالبائع إذا أجل الثمن أنه يسقط حق حبس المبيع بخلاف ما إذا كان التأجيل ~~إلى مدة مجهولة جهالة متفاحشة؛ لأن التأجيل ثمة لم يصح فلم يثبت الأجل فبقي ~~المهر حالا. # وأما قوله: من شأن المهر أن يتقدم تسليمه على تسليم النفس فنقول: نعم إذا ~~كان معجلا أو مسكوتا عن الوقت فأما إذا كان مؤجلا تأجيلا صحيحا فمن حكمه أن ~~يتأخر تسليمه عن تسليم النفس؛ لأن تقديم تسليمه ثبت حقا لها؛ لأنه ثبت ~~تحقيقا للمعاوضة المقتضية للمساواة حقا ms1399 لها، فإذا أجلته فقد أسقطت حق نفسها ~~فلا يسقط حق زوجها؛ لانعدام الإسقاط منه والرضا بالسقوط، لهذا المعنى سقط ~~حق البائع في الحبس بتأجيل الثمن كذا هذا ولو كان بعضه حالا وبعضه مؤجلا ~~أجلا معلوما فله أن يدخل بها إذا أعطاها الحال بالإجماع أما عندهما؛ فلأن ~~الكل لو كان مؤجلا لكان له أن يدخل بها فإذا كان البعض معجلا وأعطاها ذلك ~~أولى، والفقه ما ذكرنا أن الزوج ما رضي بإسقاط حقه فلا يسقط حقه. # وأما عند أبي يوسف فلأنه لما عجل البعض فلم يرض بتأخير حقه عن القبض؛ ~~لأنه لو رضي بذلك لم يكن لشرط التعجيل فائدة بخلاف ما إذا كان الكل مؤجلا؛ ~~لأنه لما قبل التأجيل فقد رضي؛ بتأخير حقه. # ولو لم يدخل بها حتى حل أجل الباقي فله أن يدخل بها إذا أعطاها الحال لما ~~قلنا، ولو كان الكل مؤجلا أجلا معلوما وشرط أن يدخل بها قبل أن يعطيها كله ~~فله ذلك عند أبي يوسف أيضا؛ لأنه لما شرط الدخول لم يرض بتأخير حقه في ~~الاستمتاع. # ولو كان المهر مؤجلا أجلا معلوما فحل الأجل ليس لها أن تمنع نفسها ~~لتستوفي المهر على أصل أبي حنيفة ومحمد؛ لأن حق الحبس قد سقط بالتأجيل، ~~والساقط لا يحتمل العود كالثمن في المبيع، وعلى أصل أبي يوسف لها أن تمنع ~~نفسها؛ لأن لها أن تمنع قبل حلول الأجل فبعده أولى. # ولو كان المهر حالا فأخرته شهرا ليس لها أن تمنع عندهما وعنده لها ذلك ~~لأن هذا تأجيل طارئ فكان حكمه حكم التأجيل المقارن، وقد مر الكلام فيه ولو ~~دخل الزوج بها برضاها - وهي مكلفة - فلها أن تمنع نفسها حتى تأخذ المهر، ~~ولها أن تمنعه أن يخرجها من بلدها في قول أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد: ليس لها ذلك وعلى هذا الخلاف إذا خلا بها. # وجه قولهما أنها بالوطء مرة واحدة أو بالخلوة الصحيحة سلمت جميع المعقود ~~عليه برضاها، وهي من أهل التسليم فبطل حقها في المنع كالبائع إذا سلم ~~المبيع، ولا ms1400 شك في الرضا وأهلية التسليم، والدليل على أنها سلمت جميع ~~المعقود عليه أن المعقود عليه في هذا الباب في حكم العين، ولهذا يتأكد جميع ~~المهر بالوطء مرة واحدة، ومعلوم أن جميع البدل لا يتأكد بتسليم بعض المعقود ~~عليه وما يتكرر من الوطآت ملتحق بالاستخدام فلا يقابله شيء من المهر، ولأبي ~~حنيفة أن المهر مقابل بجميع ما يستوفى من منافع البضع في جميع الوطآت التي ~~توجد في هذا الملك لا بالمستوفى بالوطأة الأولى خاصة؛ لأنه لا يجوز إخلاء ~~شيء من منافع البضع عن بدل يقابله احتراما للبضع وإبانة لخطره، فكانت هي ~~بالمنع ممتنعة عن تسليم ما يقابله بدل فكان لها ذلك بالوطء في المرة الأولى ~~فكان لها أن تمنعه عن الأول حتى تأخذ مهرها، فكذا عن الثاني والثالث إلا أن ~~المهر يتأكد بالوطء مرة واحدة؛ لأنه موجود معلوم وما وراءه معدوم مجهول فلا ~~يزاحمه في الانقسام ثم عند الوجود يتعين قطعا فيصير مزاحما فيأخذ قسطا من ~~البدل كالعبد إذا جنى جناية يجب دفعه بها فإن جنى جناية أخرى، فالثانية ~~تزاحم الأولى عند وجودها في وجوب الدفع بها. # وكذا الثالثة والرابعة إلى ما لا يتناهى بخلاف البائع إذا سلم المبيع قبل ~~قبض الثمن أو بعدما قبض شيئا منه ثم أراد أن يسترد أنه ليس له ذلك؛ لأنه ~~سلم كل المبيع فلا يملك الرجوع فيما سلم، وههنا ما سلمت كل المعقود عليه بل ~~البعض دون البعض؛ لأن المعقود عليه منافع البضع وما سلمت كل المنافع بل ~~بعضها دون البعض، فهي بالمنع تمتنع عن تسليم ما لم يحصل مسلما بعد، فكان ~~لها ذلك كالبائع إذا # PageV02P289 # سلم بعض المبيع قبل استيفاء الثمن كان له حق حبس الباقي ليستوفي الثمن ~~كذا هذا، وكان أبو القاسم الصفار يفتي في منعها نفسها بقول أبي يوسف ومحمد ~~وفي السفر بقول أبي حنيفة وبعد إيفاء المهر كان له أن ينقلها حيث شاء وحكى ~~الفقيه أبو جعفر الهندواني عن محمد بن سلمة أنه كان يفتي أن بعد تسليم ~~المهر ليس لزوجها ms1401 أن يسافر بها قال أبو يوسف: ولو وجدت المرأة المهر زيوفا ~~أو ستوقا فردت أو كان المقبوض عرضا اشترته من الزوج بالمهر فاستحق بعد ~~القبض، وقد كان دخل بها فليس لها أن تمنع نفسها في جميع ذلك، وهذا على ~~أصلهما مستقيم؛ لأن من أصلهما أن التسليم من غير قبض المهر يبطل حق المنع، ~~وهذا تسليم من غير قبض؛ لأن ذلك القبض بالرد والاستحقاق انتقض والتحق ~~بالعدم فصار كأنها لم تقبضه وقبل القبض الجواب هكذا عندهما. # وأما عند أبي حنيفة فينبغي أن يكون لها أن تمنع نفسها، ثم فرق أبو يوسف ~~بين هذا وبين المنع أنه إذا استحق الثمن من يد البائع أو وجده زيوفا أو ~~ستوقا فرده له أن يسترد المبيع فيحبسه؛ لأن البائع بعد الاسترداد يمكنه ~~الحبس على الوجه الذي كان قبل ذلك. # وأما ههنا لا يمكنه لأنه استوفى بعض منافع البضع فلا يكون هذا الحبس مثل ~~الأول فلا يعود حقها في الحبس ومما يلتحق بهذا الفصل أن للمرأة أن تهب ~~مهرها للزوج دخل بها أو لم يدخل؛ لقوله عز وجل: {فإن طبن لكم عن شيء منه ~~نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] وليس لأحد من أوليائها الاعتراض ~~عليها، سواء كان أبا أو غيره؛ لأنها وهبت خالص ملكها وليس لأحد في عين ~~المهر حق فيجوز، ويلزم بخلاف ما إذا زوجت نفسها وقصرت عن مهر مثلها أن ~~للأولياء حق الاعتراض في قول أبي حنيفة؛ لأن الأمهار حق الأولياء فقد تصرفت ~~في خالص حقهم؛ ولأنها ألحقت الضرر بالأولياء بإلحاق العار والشنار بهم، ~~فلهم دفع هذا الضرر بالاعتراض والفسخ. # وليس للأب أن يهب مهر ابنته عند عامة العلماء. # وقال بعضهم: له ذلك وتمسكوا بقوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة ~~النكاح} [البقرة: 237] والأب بيده عقدة النكاح، ولنا أن المهر ملك المرأة ~~وحقها؛ لأنه بدل بضعها، وبضعها حقها وملكها، والدليل عليه قوله عز وجل: ~~{وآتوا النساء صدقاتهن نحلة} [النساء: 4] أضاف المهر إليها فدل أن المهر ~~حقها وملكها، وقوله عز وجل: {فإن طبن لكم عن ms1402 شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا} [النساء: 4] وقوله تعالى: منه أي: من الصداق؛ لأنه هو المكنى السابق ~~أباح للأزواج التناول من مهور النساء إذا طابت أنفسهن بذلك، ولذا علق ~~سبحانه وتعالى الإباحة بطيب أنفسهن، فدل ذلك كله على أن مهرها ملكها وحقها، ~~وليس لأحد أن يهب ملك الإنسان بغير إذنه؛ ولهذا لا يملك الولي هبة غيره من ~~أموالها فكذا المهر. # وأما الآية الشريفة فقد قيل: إن المراد من الذي بيده عقدة النكاح هو ~~الزوج كذا روي عن علي - رضي الله عنه - وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس - ~~رضي الله عنهما -، ويجوز أن يحمل قول من صرف التأويل إلى الولي على بيان ~~نزول الآية على ما قيل: إن حين النزول كان المهور للأولياء، ودليله قول ~~شعيب لموسى: - عليهما الصلاة والسلام - {إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي ~~هاتين على أن تأجرني ثماني حجج} [القصص: 27] شرط المهر لنفسه لا لابنته ثم ~~نسخ بما تلونا من الآيات وللمولى أن يهب صداق أمته ومدبرته وأم ولده من ~~زوجها؛ لأن المهر ملكه، وليس له أن يهب مهر مكاتبته، ولو وهب لا يبرأ ~~الزوج. # ولا يدفعه إلى المولى؛ لأن مهر المكاتبة لها لا للمولى؛ لأنه من أكسابها، ~~وكسب المكاتب له لا لمولاه، وتجوز الزيادة في المهر إذا تراضيا بها والحط ~~عنه إذا رضيت به؛ لقوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد ~~الفريضة} [النساء: 24] رفع الجناح فيما تراضيا به الزوجان بعد الفريضة وهو ~~التسمية، وذلك هو الزيادة في المهر والحط عنه، وأحق ما تصرف إليه الآية ~~الزيادة؛ لأنه ذكر لفظة التراضي وأنه يكون بين اثنين ورضا المرأة كان في ~~الحط؛ ولأن الزيادة تلحق العقد ويصير كأن العقد ورد على الأصل والزيادة ~~جميعا كالخيار في باب البيع والأجل فيه، فإن من اشترى من آخر عبدا بيعا ~~باتا ثم إن أحدهما جعل لصاحبه الخيار يوما جاز ذلك حتى لو نقض البيع جاز ~~نقضه، ويصير ذلك كالخيار المشروط في أصل البيع. # وكذا إذا اشترى عبدا بألف درهم حالة، ms1403 ثم إن البائع أجل المشتري في الثمن ~~شهرا جاز التأجيل، ويصير كأنه كان مسمى في العقد كذا ههنا، ولا يثبت خيار ~~الرؤية في المهر حتى لو تزوج امرأة على عبد بعينه أو جارية بعينها ولم تره ~~ثم رأته ليس لها أن ترده بخيار الرؤية؛ لأن النكاح لا ينفسخ برده فلو ردت ~~لرجعت عليه بعبد آخر وثبت لها فيه خيار الرؤية فترده ثم ترجع عليه بآخر # PageV02P290 # إلى ما لا يتناهى فلم يكن الرد مفيدا لخلوه عن العاقبة الحميدة فكان سفها ~~فلا يثبت لها حق الرد، وكذلك الخلع والإعتاق على مال والصلح عن دم العمد ~~لما قلنا: بخلاف البيع أنه يثبت فيه خيار الرؤية؛ لأن البيع ينفسخ برد ~~المبيع ويرجع بالثمن فكان الرد مفيدا لذلك افترقا، وهل يثبت خيار العيب في ~~المهر؟ ينظر في ذلك إن كان العيب يسيرا لا يثبت، وإن كان فاحشا يثبت، وكذلك ~~هذا في بدل الخلع والإعتاق على مال والصلح عن دم العمد بخلاف البيع ~~والإجارة وبدل الصلح على مال أنه يرد بالعيب اليسير والفاحش؛ لأن هناك ~~ينفسخ العقد برده، وههنا لا ينفسخ وإذا لم ينفسخ فيقبض مثله فربما يجد فيه ~~عيبا يسيرا أيضا؛ لأن الأعيان لا تخلو عن قليل عيب عادة فيرده ثم يقبض مثله ~~فيؤدي إلى ما لا يتناهى فلا يفيد الرد، وهذا المعنى لا يوجد في البيع ~~والإجارة؛ لأنه ينفسخ العقد بالرد فكان الرد مفيدا؛ ولأن حق الرد بالعيب ~~إنما يثبت استدراكا للفائت وهو صفة السلامة المستحقة بالعقد، والعيب إذا ~~كان يسيرا لا يعرف الفوات بيقين؛ لأن العيب اليسير يدخل تحت تقويم المقومين ~~لا يخلو عنه فمن مقوم يقومه بدون العيب بألف، ومن مقوم يقومه مع العيب بألف ~~أيضا، فلا يعلم فوات صفة السلامة بيقين فلا حاجة إلى الاستدراك بالرد بخلاف ~~العيب الفاحش؛ لأنه لا يختلف فيه المقومون فكان الفوات حاصلا بيقين فتقع ~~الحاجة إلى استدراك الفائت بالرد إلا أن هذا المعنى الأخير يشكل بالبيع ~~وأخواته، فإن العيب اليسير فيها يوجب حق الرد، وإن كان ms1404 هذا المعنى موجودا ~~فيها فالأصح هو الوجه الأول ولا شفعة في المهر؛ لأن من شرائط ثبوت حق ~~الشفعة معاوضة المال بالمال لما نذكره في كتاب الشفعة إن شاء الله تعالى، ~~والنكاح معاوضة البضع بالمال فلا يثبت فيه حق الشفعة. ### | [فصل بيان ما يتأكد به المهر] # (فصل) : # (وأما) بيان ما يتأكد به المهر فالمهر يتأكد بأحد معان ثلاثة. # الدخول والخلوة الصحيحة وموت أحد الزوجين، سواء كان مسمى أو مهر المثل ~~حتى لا يسقط شيء منه بعد ذلك إلا بالإبراء من صاحب الحق، أما التأكد ~~بالدخول فمتفق عليه، والوجه فيه أن المهر قد وجب بالعقد وصار دينا في ذمته، ~~والدخول لا يسقطه؛ لأنه استيفاء المعقود عليه، واستيفاء المعقود عليه، يقرر ~~البدل لا أن يسقطه كما في الإجارة؛ ولأن المهر يتأكد بتسليم المبدل من غير ~~استيفائه لما نذكر فلأن يتأكد بالتسليم مع الاستيفاء أولى. # (وأما) التأكد بالخلوة فمذهبنا. # وقال الشافعي: لا يتأكد المهر بالخلوة حتى لو خلا بها خلوة صحيحة ثم ~~طلقها قبل الدخول بها في نكاح فيه تسمية يجب عليه كمال المسمى عندنا. # وعنده نصف المسمى وإن لم يكن في النكاح تسمية يجب عليه كمال مهر المثل ~~عندنا، وعنده يجب عليه المتعة، وعلى هذا الاختلاف وجوب العدة بعد الخلوة ~~قبل الدخول عندنا تجب، وعنده لا تجب واحتج بقوله تعالى: {وإن طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] أوجب الله ~~تعالى نصف المفروض في الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية؛ لأن المراد من ~~المس هو الجماع ولم يفصل بين حال وجود الخلوة، وعدمها فمن أوجب كل المفروض ~~فقد خالف النص، وقوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن ~~أو تفرضوا لهن} [البقرة: 236] أي: ولم تفرضوا لهن فريضة فمتعوهن أوجب تعالى ~~لهن المتعة في الطلاق في نكاح لا تسمية فيه مطلقا من غير فصل بين حال وجود ~~الخلوة وعدمها، وقوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن ms1405 تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن} ~~[الأحزاب: 49] فدلت الآية الشريفة على نفي وجوب العدة ووجوب المتعة قبل ~~الدخول من غير فصل؛ ولأن تأكد المهر يتوقف على استيفاء المستحق بالعقد وهو ~~منافع البضع واستيفاؤها بالوطء ولم يوجد، ولا ضرورة لها في التوقف؛ لأن ~~الزوج لا يخلو إما أن يستوفي أو يطلق، فإن استوفى تأكد حقها. # وإن طلق يفوت عليها نصف المهر لكن بعوض هو خير لها؛ لأن المعقود عليه ~~يعود عليها سليما مع سلامة نصف المهر لها بخلاف الإجارة أنه تتأكد الأجرة ~~فيها بنفس التخلية ولا يتوقف التأكد على استيفاء المنافع؛ لأن في التوقف ~~هناك ضررا بالآجر؛ لأن الإجارة مدة معلومة فمن الجائز أن يمنع المستأجر من ~~استيفاء المنافع مدة الإجارة بعد التخلية فلو توقف تأكد الأجرة على حقيقة ~~الاستيفاء، وربما لا يستوفي لفائت المنافع عليه مجانا # PageV02P291 # بلا عوض فيتضرر به الآجر فأقيم التمكن من الانتفاع مقام استيفاء المنفعة ~~دفعا للضرر عن الآجر، وههنا لا ضرر في التوقف على ما بينا فتوقف التأكد على ~~حقيقة الاستيفاء ولم يوجد فلا يتأكد، ولنا قوله عز وجل: {وإن أردتم استبدال ~~زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا ~~وإثما مبينا} [النساء: 20] {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} [النساء: ~~21] . # نهى سبحانه وتعالى الزوج عن أخذ شيء مما ساق إليها من المهر عند الطلاق، ~~وأبان عن معنى النهي لوجود الخلوة كذا قال القراء: إن الإفضاء هو الخلوة ~~دخل بها أو لم يدخل، ومأخذ اللفظ دليل على أن المراد منه الخلوة الصحيحة؛ ~~لأن الإفضاء مأخوذ من الفضاء من الأرض وهو الموضع الذي لا نبات فيه ولا ~~بناء فيه ولا حاجز يمنع عن إدراك ما فيه فكان المراد منه الخلوة على هذا ~~الوجه، وهي التي لا حائل فيها ولا مانع من الاستمتاع عملا بمقتضى اللفظ، ~~فظاهر النص يقتضي أن لا يسقط شيء منه بالطلاق إلا أن سقوط النصف بالطلاق ~~قبل الدخول وقبل الخلوة في نكاح فيه تسمية وإقامة المتعة مقام نصف ms1406 مهر ~~المثل في نكاح لا تسمية فيه ثبت بدليل آخر فبقي حال ما بعد الخلوة على ظاهر ~~النص. # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من كشف خمار امرأته ~~ونظر إليها وجب الصداق دخل بها أو لم يدخل» وهذا نص في الباب. # وروي عن زرارة بن أبي أوفى أنه قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه ~~إذا أرخى الستور وأغلق الباب فلها الصداق كاملا وعليها العدة دخل بها أو لم ~~يدخل بها، وحكى الطحاوي في هذه المسألة إجماع الصحابة من الخلفاء الراشدين ~~وغيرهم؛ ولأن المهر قد وجب بنفس العقد إما في نكاح فيه تسمية فلا شك فيه، ~~وإما في نكاح لا تسمية فيه فلما ذكرنا في مسألة المفوضة إلا أن الوجوب بنفس ~~العقد ثبت موسعا ويتضيق عند المطالبة، والدين المضيق واجب القضاء. # قال النبي: - صلى الله عليه وسلم -: «الدين مضيق» ، ولأن المهر متى صار ~~ملكا لها بنفس العقد، فالملك الثابت لإنسان لا يجوز أن يزول إلا بإزالة ~~المالك أو بعجزه عن الانتفاع بالمملوك حقيقة إما لمعنى يرجع إلى المالك أو ~~لمعنى يرجع إلى المحل ولم يوجد شيء من ذلك فلا يزول إلا عند الطلاق قبل ~~الدخول وقبل الخلوة سقط النصف بإسقاط الشرع غير معقول المعنى إلا بالطلاق؛ ~~لأن الطلاق فعل الزوج، والمهر ملكها، والإنسان لا يملك إسقاط حق الغير عن ~~نفسه؛ ولأنها سلمت المبدل إلى زوجها فيجب على زوجها تسليم البدل إليها كما ~~في البيع والإجارة، والدليل على أنها سلمت المبدل أن المبدل هو ما يستوفى ~~بالوطء وهو المنافع إلا أن المنافع قبل الاستيفاء معدومة، فلا يتصور ~~تسليمها لكن لها محل موجود وهو العين وأنها متصور التسليم حقيقة فيقام ~~تسليم العين مقام تسليم المنفعة كما في الإجارة وقد وجد تسليم المحل؛ لأن ~~التسليم هو جعل الشيء سالما للمسلم إليه، وذلك برفع الموانع وقد وجد؛ لأن ~~الكلام في الخلوة الصحيحة وهي عبارة عن التمكن من الانتفاع ولا يتحقق ~~التمكن إلا بعد ارتفاع الموانع كلها فثبت أنه وجد منها تسليم ms1407 المبدل، فيجب ~~على الزوج تسليم البدل؛ لأن هذا عقد معاوضة وأنه يقتضي تسليما بإزاء ~~التسليم كما يقتضي ملكا بإزاء ملك تحقيقا بحكم المعاوضة. # كما في البيع والإجارة وأما الآية فقال بعض أهل التأويل: إن المراد من ~~المسيس هو الخلوة فلا تكون حجة على أن فيها إيجاب نصف المفروض لا إسقاط ~~النصف الباقي ألا ترى أن من كان في يده عبد فقال: نصف هذا العبد لفلان لا ~~يكون ذلك نفيا للنصف الباقي، فكان حكم النصف الباقي مسكوتا عنه فبقيت على ~~قيام الدليل، وقد قام الدليل على البقاء وهو ما ذكرنا فيبقى. # وأما قوله: التأكد إنما يثبت باستيفاء المستحق فممنوع بل كما يثبت ~~باستيفاء المستحق يثبت بتسليم المستحق كما في الإجارة، وتسليمه بتسليم محله ~~وقد حصل ذلك بالخلوة الصحيحة على ما بينا ثم تفسير الخلوة الصحيحة هو أن لا ~~يكون هناك مانع من الوطء لا حقيقي ولا شرعي ولا طبعي. # أما المانع الحقيقي فهو أن يكون أحدهما مريضا مرضا يمنع الجماع أو صغيرا ~~لا يجامع مثله أو صغيرة لا يجامع مثلها أو كانت المرأة رتقاء أو قرناء؛ لأن ~~الرتق والقرن يمنعان من الوطء وتصح خلوة الزوج، إن كان الزوج عنينا أو ~~خصيا؛ لأن العنة والخصاء لا يمنعان من الوطء فكانت خلوتهما كخلوة غيرهما، ~~وتصح خلوة المجبوب في قول أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد: لا تصح (وجه) قولهما أن الجب يمنع من الوطء فيمنع ~~صحة الخلوة كالقرن والرتق ولأبي حنيفة أنه # PageV02P292 # يتصور منه السحق والإيلاد بهذا الطريق ألا ترى لو جاءت امرأته بولد يثبت ~~النسب منه بالإجماع، واستحقت كمال المهر إن طلقها، وإن لم يوجد منه الوطء ~~المطلق فيتصور في حقه ارتفاع المانع من وطء مثله فتصح خلوته وعليها العدة ~~أما عنده فلا يشكل؛ لأن الخلوة إذا صحت أقيمت مقام الوطء في حق تأكد المهر ~~ففي حق العدة أولى؛ لأنه يحتاط في إيجابها. # وأما عندهما فقد ذكر الكرخي أن عليها العدة عندهما أيضا، وقال أبو يوسف: ~~إن كان المجبوب ينزل فعليها العدة؛ ms1408 لأن المجبوب قد يقذف بالماء فيصل إلى ~~الرحم ويثبت نسب ولده فتجب العدة احتياطا، فإن جاءت بولد ما بينها وبين ~~سنتين لزمه ووجب لها جميع الصداق؛ لأن الحكم بثبات النسب يكون حكما بالدخول ~~فيتأكد المهر على قولهما أيضا، وإن كان لا ينزل فلا عدة عليها فإن جاءت ~~بولد لأقل من ستة أشهر ثبت نسبه وإلا فلا يثبت كالمطلقة قبل الدخول ~~وكالمعتدة إذا أقرت بانقضاء العدة، وأما المانع الشرعي فهو أن يكون أحدهما ~~صائما صوم رمضان أو محرما بحجة فريضة أو نفل أو بعمرة أو تكون المرأة حائضا ~~أو نفساء؛ لأن كل ذلك محرم للوطء فكان مانعا من الوطء شرعا، والحيض والنفاس ~~يمنعان منه طبعا أيضا؛ لأنهما أذى، والطبع السليم ينفر عن استعمال الأذى. # وأما في غير صوم رمضان فقد روى بشر عن أبي يوسف أن صوم التطوع وقضاء ~~رمضان والكفارات والنذور لا يمنع صحة الخلوة. # وذكر الحاكم الجليل في مختصره أن نفل الصوم كفرضه فصار في المسألة ~~روايتان (وجه) رواية المختصر أن صوم التطوع يحرم الفطر من غير عذر فصار كحج ~~التطوع، وذا يمنع صحة الخلوة كذا هذا. # (وجه) رواية بشر أن صوم غير رمضان مضمون بالقضاء لا غير فلم يكن قويا في ~~معنى المنع بخلاف صوم رمضان فإنه يجب فيه القضاء والكفارة وكذا حج التطوع ~~فقوي المانع (ووجه) آخر من الفرق بين صوم التطوع وبين صوم رمضان أن تحريم ~~الفطر في صوم التطوع من غير عذر غير مقطوع به لكونه محل الاجتهاد. # وكذا لزوم القضاء بالإفطار فلم يكن مانعا بيقين، وحرمة الإفطار في صوم ~~رمضان من غير عذر مقطوع بها. # وكذا لزوم القضاء فكان مانعا بيقين. # (وأما) المانع الطبعي فهو أن يكون معهما ثالث؛ لأن الإنسان يكره أن يجامع ~~امرأته بحضرة ثالث ويستحي فينقبض عن الوطء بمشهد منه، وسواء كان الثالث ~~بصيرا أو أعمى يقظانا أو نائما بالغا أو صبيا بعد أن كان عاقلا رجلا أو ~~امرأة أجنبية أو منكوحته؛ لأن الأعمى إن كان لا يبصر فيحس والنائم يحتمل ms1409 أن ~~يستيقظ ساعة فساعة، فينقبض الإنسان عن الوطء مع حضوره، والصبي العاقل ~~بمنزلة الرجل يحتشم الإنسان منه كما يحتشم من الرجل، وإذا لم يكن عاقلا فهو ~~ملحق بالبهائم لا يمتنع الإنسان عن الوطء لمكانه ولا يلتفت إليه، والإنسان ~~يحتشم من المرأة الأجنبية ويستحي. # وكذا لا يحل لها النظر إليهما فينقبضان لمكانها، وإذا كان هناك منكوحة له ~~أخرى أو تزوج امرأتين فخلا بهما فلا يحل لها النظر إليهما فينقبض عنها، وقد ~~قالوا: إنه لا يحل لرجل أن يجامع امرأته بمشهد امرأة أخرى، ولو كان الثالث ~~جارية له، فقد روي أن محمدا كان يقول: أولا تصح خلوته ثم رجع وقال: لا تصح ~~(وجه) قوله الأول: أن الأمة ليست لها حرمة الحرة فلا يحتشم المولى منها؛ ~~ولذا يجوز لها النظر إليه فلا تمنعه عن الوطء. # (وجه) قوله الأخير: أن الأمة إن كان يجوز لها النظر إليه لا يجوز لها ~~النظر إليها، فتنقبض المرأة لذلك وكذا قالوا: لا يحل له الوطء بمشهد منها ~~كما لا يحل بمشهد امرأته الأخرى. # ولا خلوة في المسجد والطريق والصحراء وعلى سطح لا حجاب عليه؛ لأن المسجد ~~يجمع الناس للصلاة ولا يؤمن من الدخول عليه ساعة فساعة وكذا الوطء في ~~المسجد حرام قال الله عز وجل {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} ~~[البقرة: 187] والطريق ممر الناس لا تخلو عنهم عادة، وذلك يوجب الانقباض ~~فيمنع الوطء. # وكذا الصحراء والسطح من غير حجاب؛ لأن الإنسان ينقبض عن الوطء في مثله؛ ~~لاحتمال أن يحصل هناك ثالث أو ينظر إليه أحد معلوم ذلك بالعادة. # ولو خلا بها في حجلة أو قبة فأرخى الستر عليه فهو خلوة صحيحة؛ لأن ذلك في ~~معنى البيت. # ولا خلوة في النكاح الفاسد لأن الوطء فيه حرام فكان المانع الشرعي قائما، ~~ولأن الخلوة مما يتأكد به المهر، وتأكده بعد وجوبه يكون ولا يجب بالنكاح ~~الفاسد شيء فلا يتصور التأكد، والله عز وجل أعلم ثم في كل موضع صحت الخلوة ~~وتأكد المهر وجبت العدة # PageV02P293 # لأن الخلوة الصحيحة لما أوجبت كمال ms1410 المهر فلأن توجب العدة أولى؛ لأن ~~المهر خالص حق العبد، وفي العدة حق الله تعالى فيحتاط فيها وفي كل موضع ~~فسدت فيه الخلوة لا يجب كمال المهر، وهل تجب العدة؟ ينظر في ذلك إن كان ~~الفساد لمانع حقيقي لا تجب؛ لأنه لا يتصور الوطء مع وجود المانع الحقيقي ~~منه، وإن كان المانع شرعيا أو طبعيا تجب؛ لأن الوطء مع وجود هذا النوع من ~~المانع ممكن فيتهمان في الوطء فتجب العدة عند الطلاق احتياطا والله عز وجل ~~الموفق. # وأما التأكد بموت أحد الزوجين فنقول: لا خلاف في أن أحد الزوجين إذا مات ~~حتف أنفه قبل الدخول في نكاح فيه تسمية أنه يتأكد المسمى، سواء كانت المرأة ~~حرة أو أمة؛ لأن المهر كان واجبا بالعقد، والعقد لم ينفسخ بالموت بل انتهى ~~نهايته لأنه عقد للعمر فتنتهي نهايته عند انتهاء العمر، وإذا انتهى يتأكد ~~فيما مضى، ويتقرر بمنزلة الصوم يتقرر بمجيء الليل فيتقرر الواجب، ولأن كل ~~المهر لما وجب بنفس العقد صار دينا عليه، والموت لم يعرف مسقطا للدين في ~~أصول الشرع فلا يسقط شيء منه بالموت كسائر الديون. # وكذا إذا قتل أحدهما، سواء كان قتله أجنبي أو قتل أحدهما صاحبه أو قتل ~~الزوج نفسه. # فأما إذا قتلت المرأة نفسها، فإن كانت حرة لا يسقط عن الزوج شيء من المهر ~~بل يتأكد المهر عندنا، وعند زفر والشافعي يسقط المهر. # (وجه) قولهما أنها بالقتل فوتت على الزوج حقه في المبدل فيسقط حقها في ~~البدل كما إذا ارتدت قبل الدخول أو قبلت ابن زوجها أو أباه. # (ولنا) أن القتل إنما يصير تفويتا للحق عند زهوق الروح؛ لأنه إنما يصير ~~قتلا في حق المحل عند ذلك، والمهر في تلك الحالة ملك الورثة فلا يحتمل ~~السقوط بفعلها كما إذا قتلها زوجها أو أجنبي بخلاف الردة والتقبيل؛ لأن ~~المهر وقت التقبيل والردة كان ملكها فاحتمل السقوط بفعلها كما إذا قتلها ~~زوجها أو قتل المولى أمته سقط مهرها في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد: ~~لا يسقط بل ms1411 يتأكد. # (وجه) قولهما أن الموت مؤكد للمهر وقد وجد الموت؛ لأن المقتول ميت بأجله ~~فيتأكد بالموت كما إذا قتلها أجنبي أو قتلها زوجها وكالحرة إذا قتلت نفسها؛ ~~ولأن الموت إنما أكد المهر؛ لأنه ينتهي به النكاح، والشيء إذا انتهى نهايته ~~يتقرر، وهذا المعنى موجود في القتل لأنه ينتهي به النكاح فيتقرر به المبدل، ~~وتقرر المبدل يوجب تقرر البدل ولأبي حنيفة أن من له البدل فوت المبدل على ~~صاحبه، وتفويت المبدل على صاحبه يوجب سقوط البدل كالبائع إذا أتلف المبيع ~~قبل القبض أنه يسقط الثمن لما قلنا كذا هذا، ولا شك أنه وجد تفويت المبدل ~~ممن يستحق البدل؛ لأن المستحق للمبدل هو المولى وقد أخرج المبدل عن كونه ~~مملوكا للزوج، والدليل على أن هذا يوجب سقوط البدل أن الزوج لا يرضى بملك ~~البدل عليه بعد فوات المبدل عن ملكه فكان إيفاء البدل عليه بعد زوال المبدل ~~عن ملكه إضرارا به، والأصل في الضرر أن لا يكون فكان إقدام المولى على ~~تفويت المبدل عن ملك الزوج، والحالة هذه إسقاطا للبدل دلالة فصار كما لو ~~أسقطه نصا بالإبراء بخلاف الحرة إذا قتلت نفسها؛ لأنها وقت فوات المبدل لم ~~تكن مستحقة للبدل لانتقاله إلى الورثة على ما بينا، والإنسان لا يملك إسقاط ~~حق غيره، وههنا بخلافه؛ ولأن المهر وقت فوات المبدل على الزوج ملك المولى ~~وحقه. # والإنسان يملك التصرف في ملك نفسه استيفاء وإسقاطا فكان محتملا للسقوط ~~بتفويت المبدل دلالة كما كان محتملا للسقوط بالإسقاط نصا بالإبراء، وهو ~~الجواب عما إذا قتلها زوجها أو أجنبي؛ لأنه لا حق للأجنبي ولا للزوج في ~~مهرها فلا يحتمل السقوط بإسقاطهما، ولهذا لا يحتمل السقوط بإسقاطهما نصا ~~فكيف يحتمل السقوط من طريق الدلالة؟ . # والدليل على التفرقة بين هذه الفصول أن قتل الحرة نفسها لا يتعلق به حكم ~~من أحكام الدنيا فصار كموتها حتف أنفها حتى قال أبو حنيفة ومحمد: إنها تغسل ~~ويصلى عليها كما لو ماتت حتف أنفها، وقتل المولى أمته يتعلق به وجوب ~~الكفارة، وقتل الأجنبي إياها ms1412 يتعلق به وجوب القصاص إن كان عمدا، والدية ~~والكفارة إن كان خطأ فلم يكن قتلها بمنزلة الموت هذا إذا قتلها المولى فأما ~~إذا قتلت نفسها فعن أبي حنيفة فيه روايتان روى أبو يوسف عنه أنه لا مهر ~~لها، وروى محمد عنه أن لها المهر وهو قولهما: (وجه) الرواية الأولى أن ~~قتلها نفسها بمنزلة قتل المولى إياها بدليل أن جنايتها كجنايته في باب ~~الضمان؛ لأنها مضمونة بمال المولى ولو قتلها المولى يسقط المهر # PageV02P294 # عنده فكذا إذا قتلت نفسها. # (وجه) الرواية الأخرى أن البدل حق المولى وملكه فتفويت المبدل منها لا ~~يوجب بطلان حق المولى بخلاف جناية المولى، والدليل على التفرقة بين ~~الجنايتين أن جنايتها على نفسها هدر بدليل أنه لا يتعلق بها حكم من أحكام ~~الدنيا فالتحقت بالعدم وصارت كأنها ماتت حتف أنفها بخلاف جناية المولى ~~عليها، فإنها مضمونة بالكفارة، وهي من أحكام الدنيا فكانت جنايته عليها ~~معتبرة فلا تجعل بمنزلة الموت والله عز وجل الموفق. # وإذا تأكد المهر بأحد المعاني التي ذكرناها لا يسقط بعد ذلك، وإن كانت ~~الفرقة من قبلها؛ لأن البدل بعد تأكده لا يحتمل السقوط إلا بالإبراء كالثمن ~~إذا تأكد بقبض المبيع. # وأما إذا مات أحد الزوجين في نكاح لا تسمية فيه فإنه يتأكد مهر المثل عند ~~أصحابنا وهو مذهب عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما - وعن علي - رضي الله ~~عنه - أن لها المتعة وبه أخذ الشافعي إلا أنه قال: متعتها ما استحقت من ~~الميراث لا غير، احتج من قال بوجوب المتعة بقوله تعالى: {لا جناح عليكم إن ~~طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن} [البقرة: 236] ~~وقوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات} [الأحزاب: 49] إلى ~~قوله عز وجل: {فمتعوهن} [الأحزاب: 49] أمر سبحانه وتعالى بالمتعة من غير ~~فصل بين حال الموت وغيرها، والنص وإن ورد في الطلاق لكنه يكون واردا في ~~الموت ألا ترى أن النص ورد في صريح الطلاق ثم ثبت حكمه في الكتابات من ~~الإبانة والتسريح والتحريم ونحو ذلك ms1413 كذا ههنا. # (ولنا) ما روينا عن معقل بن سنان «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قضى في بروع بنت واشق - وقد مات عنها زوجها قبل أن يدخل بها - بمهر المثل» ~~؛ ولأن المعنى الذي له وجب كل المسمى بعد موت أحد الزوجين في نكاح فيه ~~تسمية موجود في نكاح لا تسمية فيه، وهو ما ذكرنا فيما تقدم ولا حجة له في ~~الآية؛ لأن فيها إيجاب المتعة في الطلاق لا في الموت فمن ادعى إلحاق الموت ~~بالطلاق فلا بد له من دليل آخر. ### | [فصل بيان ما يسقط به كل المهر] # (فصل) : # وأما بيان ما يسقط به كل المهر، فالمهر كله يسقط بأسباب أربعة:. # منها: الفرقة بغير طلاق قبل الدخول بالمرأة وقبل الخلوة بها، فكل فرقة قد ~~حصلت بغير طلاق قبل الدخول وقبل الخلوة تسقط جميع المهر، سواء كانت من قبل ~~المرأة أو من قبل الزوج، وإنما كان كذلك لأن الفرقة بغير طلاق تكون فسخا ~~للعقد، وفسخ العقد قبل الدخول يوجب سقوط كل المهر؛ لأن فسخ العقد رفعه من ~~الأصل وجعله كأن لم يكن، وسنبين الفرقة التي تكون بغير طلاق والتي تكون ~~بطلاق إن شاء الله تعالى في موضعها، ومنها: الإبراء عن كل المهر قبل الدخول ~~وبعده إذا كان المهر دينا لأن الإبراء إسقاط، والإسقاط ممن هو من أهل ~~الإسقاط في محل قابل للسقوط يوجب السقوط، ومنها: الخلع على المهر قبل ~~الدخول وبعده ثم إن كان المهر غير مقبوض سقط عن الزوج، وإن كان مقبوضا ردته ~~على الزوج، وإن كان خالعها على مال سوى المهر يلزمها ذلك المال ويبرأ الزوج ~~عن كل حق وجب لها عليه بالنكاح كالمهر والنفقة الماضية في قول أبي حنيفة؛ ~~لأن الخلع وإن كان طلاقا بعوض عندنا لكن فيه معنى البراءة لما نذكره - إن ~~شاء الله تعالى - في مسألة المخالعة والمبارأة في كتاب الطلاق في بيان حكم ~~الخلع وعمله - إن شاء الله تعالى - ومنها: هبة كل المهر قبل القبض عينا كان ~~أو دينا وبعده إذا كان عينا. # وجملة ms1414 الكلام في هبة المهر أن المهر لا يخلو إما أن يكون عينا وهو أن ~~يكون معينا مشارا إليه مما يصح تعيينه، وإما أن يكون دينا وهو أن يكون في ~~الذمة كالدراهم والدنانير معينة كانت أو غير معينة والمكيلات والموزونات في ~~الذمة والحيوان في الذمة كالعبد والفرس والعرض في الذمة كالثوب الهروي، ~~والحال لا يخلو إما أن يكون قبل القبض وإما أن يكون بعد القبض وهبت كل ~~المهر أو بعضه، فإن وهبته كل المهر قبل القبض ثم طلقها قبل الدخول بها فلا ~~شيء له عليها، سواء كان المهر عينا أو دينا في قول أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر: يرجع عليها بنصف المهر إن كان دينا وبه أخذ الشافعي. # (وجه) قول زفر: أنها بالهبة تصرفت في المهر بالإسقاط وإسقاط الدين ~~استهلاكه، والاستهلاك يتضمن القبض فصار كأنها قبضت ثم وهبت، ولنا أن الذي ~~يستحقه الزوج بالطلاق قبل القبض عاد إليه من جهتها بسبب لا يوجب الضمان؛ ~~لأنه يستحق نصف المهر فقد عاد إليه بالهبة # PageV02P295 # والهبة لا توجب الضمان فلا يكون له حق الرجوع عليها بالنصف كالنصف الآخر، ~~وإن وهبت بعد القبض فإن كان الموهوب عينا فقبضه ثم وهبه منها لم يرجع عليها ~~بشيء لأن ما تستحقه بالطلاق قبل الدخول هو نصف الموهوب بعينه وقد رجع إليه ~~بعقد لا يوجب الضمان فلم يكن له الرجوع عليها، وإن كانت دينا في الذمة فإن ~~كان حيوانا أو عرضا فكذلك لا يرجع عليها بشيء؛ لأن الذي تستحقه بالطلاق قبل ~~الدخول نصف ذلك الشيء بعينه من العبد والثوب فصار كأنه تعين بالعقد، وإن ~~كان دراهم أو دنانير معينة أو غير معينة أو مكيلا أو موزونا سوى الدراهم ~~والدنانير فقبضته ثم وهبته منه ثم طلقها يرجع عليها بمثل نصفه؛ لأن المستحق ~~بالطلاق ليس هو الذي وهبته بعينه، بل مثله بدليل أنها كانت مخيرة في الدفع ~~إن شاءت دفعت ذلك بعينه وإن شاءت دفعت مثله كما كان الزوج مخيرا في الدفع ~~إليها بالعقد فلم يكن العائد إليه عين ما يستحقه بالطلاق ms1415 قبل الدخول فصار ~~كأنها وهبت مالا آخر، ولو كان كذلك لرجع عليها بمثل نصف الصداق كذا هذا. # وقال زفر: في الدراهم والدنانير إذا كانت معينة فقبضتها ثم وهبتها ثم ~~طلقها أنه لا رجوع للزوج عليها بشيء بناء على أن الدراهم والدنانير عنده ~~تتعين بالعقد فتتعين بالفسخ أيضا كالعروض، وعندنا لا تتعين بالعقد فلا ~~تتعين بالفسخ، والمسألة ستأتي في كتاب البيوع، وكذلك إذا كان المهر دينا ~~فقبضت الكل ثم وهبت البعض فللزوج أن يرجع عليها بنصف المقبوض؛ لأن له أن ~~يرجع عليها إذا وهبت الكل فإذا وهبت البعض أولى، وإذا قبضت النصف ثم وهبت ~~النصف الباقي أو وهبت الكل ثم طلقها قبل الدخول بها قال أبو حنيفة: لا يرجع ~~الزوج عليها بشيء. # وقال أبو يوسف ومحمد: يرجع عليها بربع المهر (وجه) قولهما: أن المستحق ~~للزوج بالطلاق قبل الدخول نصف المهر، فإذا قبضت النصف دون النصف فقد استحق ~~النصف مشاعا فيما في ذمته وفيما قبضت، فكان نصف النصف وهو ربع الكل في ذمته ~~ونصف النصف فيما قبضت إلا أنها إذا لم تكن وهبته حتى طلقها لم يرجع عليها ~~بشيء؛ لأنه صار ما في ذمته قصاصا بماله عليها، فإذا وهبت بقي حقه في نصف ما ~~في يدها - وهو الربع - فيرجع عليها بذلك، ولأبي حنيفة أن الذي يستحقه الزوج ~~بالطلاق قبل الدخول ما في ذمته بدليل أنها لو لم تكن وهبت وطلقها لم يرجع ~~عليها بشيء وقد عاد إليه ما كان في ذمته بسبب لا يوجب الضمان وهو الهبة، ~~فلا يكون له الرجوع بشيء. # ولو كان المهر جارية فولدت بعد القبض أو جنى عليها فوجب الأرش أو كان ~~شجرا فأثمر أو دخله عيب ثم وهبته منه ثم طلقها قبل الدخول بها رجع عليها ~~بنصف القيمة؛ لأن حق الزوج ينقطع عن العين بهذه العوارض بدليل أنه لا يجوز ~~له أخذها مع الزيادة، وإذا كان حقه منقطعا عنها لم يعد إليه بالهبة ما ~~استحقه بالطلاق، فكان له قيمتها، وإذا حدث به عيب فالحق وإن لم ينقطع ms1416 عن ~~العين به لكن يجوز له تركه مع العيب فلم يكن الحق متعلقا بالعين على سبيل ~~اللزوم ولم يكن الواصل إلى الزوج عين ما يستحقه بالطلاق. # ولو كانت الزيادة في بدنها فوهبتها له ثم طلقها كان له أن يضمنها في قول ~~أبي يوسف وأبي حنيفة خلافا لمحمد بناء على أن الزيادة المتصلة لا تمنع ~~التنصيف عندهما، وعنده تمنع، وإذا باعته المهر أو وهبته على عوض ثم طلقها ~~رجع عليها بمثل، نصفه فيما له مثل وبنصف القيمة فيما لا مثل له؛ لأن المهر ~~عاد إلى الزوج بسبب يتعلق به الضمان فوجب له الرجوع، وإذا ثبت له الرجوع ~~ضمنها كما لو باعته من أجنبي ثم اشتراه الزوج من الأجنبي ثم إن كانت باعت ~~قبل القبض فعليها نصف القيمة يوم البيع؛ لأنه دخل في ضمانها بالبيع، وإن ~~كانت قبضت ثم باعت فعليها نصف القيمة يوم القبض؛ لأنه دخل في ضمانها بالقبض ~~والله عز وجل أعلم. ### | [فصل بيان ما يسقط به نصف المهر] # (فصل) : # وأما بيان ما يسقط به نصف المهر فما يسقط به نصف المهر نوعان:. # نوع يسقط به نصف المهر صورة ومعنى، ونوع يسقط به نصف المهر معنى والكل ~~صورة، أما النوع الأول فهو الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية المهر، ~~والمهر دين لم يقبض بعد. # وجملة الكلام فيه أن الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه تسمية قد يسقط به عن ~~الزوج نصف المهر، وقد يعود به إليه النصف وقد يكون له به مثل النصف صورة ~~ومعنى أو معنى لا صورة، وبيان هذه الجملة أن المهر المسمى إما أن يكون دينا ~~وإما أن يكون عينا، وكل ذلك لا يخلو إما أن يكون مقبوضا وإما أن يكون غير # PageV02P296 # مقبوض، فإن كان دينا فلم يقبضه حتى طلقها قبل الدخول بها سقط نصف المسمى ~~بالطلاق وبقي النصف هذا طريق عامة المشايخ. # وقال بعضهم: إن الطلاق قبل الدخول يسقط جميع المسمى وإنما يجب نصف آخر ~~ابتداء على طريقة المتعة لا بالعقد إلا أن هذه المتعة ms1417 مقدرة بنصف المسمى، ~~والمتعة في الطلاق قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه غير مقدرة بنصف مهر ~~المثل، وإلى هذا الطريق ذهب الكرخي والرازي وكذا روي عن إبراهيم النخعي أنه ~~قال في الذي طلق قبل الدخول وقد سمى لها: إن لها نصف المهر، وذلك متعتها ~~واحتجوا بقوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن} ~~[الأحزاب: 49] أوجب الله تعالى المتعة في الطلاق قبل الدخول من غير فصل بين ~~ما إذا كان في النكاح تسمية أو لم يكن؛ إلا أن هذه المتعة قدرت بنصف المسمى ~~بدليل آخر وهو قوله عز وجل: {فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] ، ولأن النكاح ~~انفسخ بالطلاق قبل الدخول؛ لأن المعقود عليه عاد سليما إلى المرأة، وسلامة ~~المبدل لأحد المتعاقدين يقتضي سلامة البدل للآخر كما في الإقالة في باب ~~البيع قبل القبض، وهذا لأن المبدل إذا عاد سليما إلى المرأة فلو لم تسلم ~~البدل إلى الزوج لاجتمع البدل والمبدل في ملك واحد في عقد المعاوضة وهذا لا ~~يجوز، ولهذا المعنى سقط الثمن عن المشتري بالإقالة قبل القبض كذا المهر، ~~ولعامة المشايخ قوله عز وجل: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن ~~فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] أوجب سبحانه وتعالى نصف المفروض، ~~فإيجاب نصف آخر على طريق المتعة إيجاب ما ليس بمفروض، وهذا خلاف النص، ولأن ~~الطلاق تصرف في الملك بالإبطال وضعا؛ لأنه موضوع لرفع القيد وهو الملك فكان ~~تصرفا في الملك ثم إذا بطل الملك لا يبقى النكاح في المستقبل وينتهي لعدم ~~فائدة البقاء ويتقرر فيما مضى بمنزلة الإعتاق؛ لأنه إسقاط الملك فيكون ~~تصرفا في الملك ثم السبب ينتهي في المستقبل؛ لعدم فائدة البقاء، ويتقرر ~~فيما مضى كذا الطلاق. # وكان ينبغي أن لا يسقط شيء من المهر كما لا يسقط بالموت إلا أن سقوط ~~النصف ثبت بدليل؛ ولأن المهر يجب بإحداث ملك المتعة جبرا للذل بالقدر ~~الممكن وبالطلاق لا يتبين أن الملك ms1418 لم يكن إلا أنه سقط بالنص. # وأما النص فقد قيل: إنه منسوخ بالنص الذي في سورة البقرة وهو قوله عز ~~وجل: " وإن طلقتموهن " الآية أو يحمل الأمر بالتمتع على الندب والاستحباب ~~أو يحمل على الطلاق في نكاح لا تسمية فيه عملا بالدلائل، وقولهم: (الطلاق ~~فسخ النكاح) ممنوع بل هو تصرف في الملك بالقطع والإبطال فيظهر أثره في ~~المستقبل كالإعتاق، وبه تبين أن المعقود عليه ما عاد إلى المرأة؛ لأن ~~المعقود عليه هو ملك المتعة وأنه لا يعود إلى المرأة بل يبطل ملك الزوج عن ~~المتعة بالطلاق ويصير لها في المستقبل إلا أن يعود، أو يقال: إن الطلاق قبل ~~الدخول يشبه الفسخ لما قالوا، ويشبه الإبطال لما قلنا: وشبه الفسخ يقتضي ~~سقوط كل البدل كما في الإقالة قبل القبض، وشبه الإبطال يقتضي أن لا يسقط ~~شيء من البدل كما في الإعتاق قبل القبض فيتنصف توفير الحكم على الشبهين ~~عملا بهما بقدر الإمكان، والدليل على صحة هذا الطريق ما ظهر من القول عن ~~أصحابنا فيمن تزوج امرأة على خمس من الإبل السائمة وسلمها إلى المرأة فحال ~~عليها الحول ثم طلقها قبل الدخول بها أنه يسقط عنها نصف الزكاة. # ولو سقط المسمى كله ثم وجب نصفه بسبب آخر لسقط كل الزكاة؛ ولأن القول - ~~بسقوط كل المهر ثم يوجب نصفه - غير مفيد، والشرع لا يرد بما لا فائدة فيه ~~والله عز وجل أعلم. # ولو شرط مع المسمى الذي هو مال ما ليس بمال بأن تزوجها على ألف درهم، ~~وعلى أن يطلق امرأته الأخرى أو على أن لا يخرجها من بلدها ثم طلقها قبل ~~الدخول بها فلها نصف المسمى وسقط الشرط؛ لأن هذا شرط إذا لم يقع الوفاء به ~~يجب تمام مهر المثل، ومهر المثل لا يثبت في الطلاق قبل الدخول فسقط اعتباره ~~فلم يبق إلا المسمى فيتنصف، وكذلك إن شرط مع المسمى شيئا مجهولا كما إذا ~~تزوجها على ألف درهم وكرامتها أو على ألف درهم وأن يهدي إليها هدية ثم ~~طلقها قبل الدخول بها ms1419 فلها نصف المسمى؛ لأنه إذا لم يف بالكرامة والهدية ~~يجب تمام مهر المثل، ومهر المثل لا مدخل له في الطلاق قبل الدخول فسقط ~~اعتبار هذا الشرط، وكذلك لو تزوجها على ألف أو على ألفين حتى وجب مهر المثل ~~في قول أبي حنيفة، وفي قولهما: الأقل ثم طلقها قبل الدخول بها فلها نصف ~~الألف بالإجماع # PageV02P297 # أما عند أبي حنيفة فلأن الواجب هو مهر المثل وأنه لا يثبت في الطلاق قبل ~~الدخول. # وأما عندهما فلأن الواجب هو الأقل فيتنصف، وكذلك لو تزوجها على ألف إن لم ~~يكن له امرأة وعلى ألفين إن كانت له امرأة حتى فسد الشرط التالي عند أبي ~~حنيفة فطلقها قبل الدخول، فلها نصف الأقل لما قلنا. # وعندهما الشرطان جائزان فأيهما وجد فلها نصف ذلك بالطلاق قبل الدخول. # ولو تزوجها على أقل من عشرة ثم طلقها قبل الدخول بها فلها نصف ما سمى ~~وتمام خمسة دراهم؛ لأن تسمية ما دون العشرة تسمية للعشرة عندنا فكأنه ~~تزوجها على ذلك الشيء وتمام عشرة دراهم، وإن كان قد قبضته فإن كان دراهم أو ~~دنانير معينة أو غير معينة أو كان مكيلا أو موزونا في الذمة فقبضته وهو ~~قائم في يدها فطلقها فعليها رد نصف المقبوض وليس عليها رد عين ما قبضت؛ لأن ~~عين المقبوض لم يكن واجبا بالعقد فلا يكن واجبا بالفسخ. # وأما على أصل زفر فالدراهم والدنانير تتعين بالعقد فتتعين بالفسخ فعليها ~~رد نصف عين المقبوص إن كان قائما، وإن كان عبدا وسطا أو ثوبا وسطا فسلمه ~~إليها ثم طلقها قبل الدخول بها فعليها رد نصف المقبوض؛ لأن العبد لا مثل ~~له، والأصل فيما لا مثل له أنه لا يجب في الذمة إلا أنه وجب الوسط منه في ~~الذمة وتحملت الجهالة فيه لما ذكرنا فيما تقدم، فإذا تعين بالقبض كان إيجاب ~~نصف العين أعدل من إيجاب المثل أو القيمة فوجب عليها رد نصف عين المقبوض ~~كما لو كان معينا فقبضته ولا يملكه الزوج بنفس الطلاق لما نذكر، وهذا إذا ~~كان المهر ms1420 دينا فقبضته أو لم تقبضه حتى ورد الطلاق قبل الدخول. # فأما إذا كان عينا بأن كان معينا مشارا إليه مما يحتمل التعيين كالعبد ~~والجارية وسائر الأعيان فلا يخلو إما إن كان بحاله لم يزد ولم ينقص وإما إن ~~زاد أو نقص فإن كان بحاله لم يزد ولم ينقص فإن كان غير مقبوض فطلقها قبل ~~الدخول بها عاد الملك في النصف إليه بنفس الطلاق، ولا يحتاج للعود إليه إلى ~~الفسخ والتسليم منها حتى لو كان المهر أمة فأعتقها الزوج قبل الفسخ ~~والتسليم ينفذ إعتاقه في نصفها بلا خلاف، وإن كان مقبوضا لا يعود الملك في ~~النصف إليه بنفس الطلاق ولا ينفسخ ملكها في النصف حتى يفسخه الحاكم أو ~~تسلمه المرأة. # وذكر ذلك في الزيادات وزاد عليه الفسخ من الزوج وهو أن يقول: (قد فسخت) ~~هذا جواب ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه ينفسخ ملكها في النصف بنفس الطلاق وهو قول زفر حتى ~~لو كان المهر أمة فأعتقها قبل الفسخ والتسليم جاز إعتاقها في جميعها، ولا ~~يجوز إعتاق الزوج فيها وعلى قول أبي يوسف لا يجوز إعتاقها إلا في النصف ~~ويجوز إعتاق الزوج في نصفها. # (وجه) قول أبي يوسف أن الموجب للعود هو الطلاق، وقد وجد فيعود ملك الزوج ~~كالبيع إذا فسخ قبل القبض أنه يعود ملك البائع بنفس الفسخ كذا هذا وجه ~~قولهما: أن العقد وإن انفسخ بالطلاق فقد بقي القبض بالتسليط الحاصل بالعقد ~~وأنه من أسباب الملك عندنا فكان سبب الملك قائما، فكان الملك قائما فلا ~~يزول إلا بالفسخ من القاضي؛ لأنه فسخ سبب الملك أو بتسليمها؛ لأن تسليمها ~~نقض للقبض حقيقة أو بفسخ الزوج على رواية الزيادات؛ لأنه بمنزلة المقبوض ~~بحكم عقد فاسد، وكل واحد من العاقدين بسبيل من فسخ عقد البيع الفاسد، وصار ~~كما لو اشترى عبدا بجارية فقبض العبد ولم يسلم الجارية حتى هلكت الجارية في ~~يده أنه ينفسخ العقد في الجارية ويبقى الملك في العبد المقبوض إلى أن ~~يسترده، كأنه مقبوض بحكم عقد فاسد كذا ms1421 هذا؛ ولأن المهر بدل يملك بالعقد ~~ملكا مطلقا فلا ينفسخ الملك فيه بفعل أحد العاقدين كالثمن في باب البيع ~~بخلاف ما قبل القبض لأن غير القبض ليس بمملوك ملكا مطلقا هذا إذا كان المهر ~~بحاله لم يزد ولم ينقص. # فأما إذا زاد فالزيادة لا تخلو إما إن كانت في المهر أو على المهر فإن ~~كانت على المهر بأن سمى الزوج لها ألفا ثم زادها بعد العقد مائة ثم طلقها ~~قبل الدخول بها فلها نصف الألف وبطلت الزيادة في ظاهر الرواية، وروي عن أبي ~~يوسف أن لها نصف الألف ونصف الزيادة أيضا. # (وجه) رواية أبي يوسف قوله عز وجل: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] والزيادة مفروضة فيجب ~~تنصيفها في الطلاق قبل الدخول؛ ولأن الزيادة تلتحق بأصل العقد على أصل ~~أصحابنا كالزيادة في الثمن في باب البيع، ويجعل كأن العقد ورد على الأصل ~~والزيادة جميعا فيتنصف بالطلاق قبل الدخول كالأصل. # وجه ظاهر الرواية أن هذه الزيادة لم تكن مسماة في العقد حقيقة، وما لم ~~يكن مسمى في العقد فورود # PageV02P298 # الطلاق قبل الدخول يبطله كمهر المثل. # وأما قوله: الزيادة تلتحق بأصل العقد قلنا: الزيادة على المهر لا تلتحق ~~بأصل العقد لأنها وجدت متأخرة عن العقد حقيقة، وإلحاق المتأخر عن العقد ~~بالعقد خلاف الحقيقة فلا يصار إليه إلا لحاجة، والحاجة إلى ذلك في باب ~~البيع؛ لكونه عقد معاينة ومبادلة المال بالمال فتقع الحاجة إلى الزيادة ~~دفعا للخسران، وليس النكاح عقد معاينة ولا مبادلة المال بالمال ولا يحترز ~~به عن الخسران فلا ضرورة إلى تغيير الحقيقة. # وأما النص فالمراد منه الفرض في العقد لأنه هو المتعارف فينصرف المطلق ~~إليه، والدليل عليه قوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم} [النساء: ~~24] فدل أن الزيادة ليست بفريضة وإن كانت في المهر، فالمهر لا يخلو إما أن ~~يكون في يد الزوج وإما أن يكون في يد المرأة فإن كان في يد الزوج، فالزيادة ~~لا تخلو إما إن كانت متصلة بالأصل ms1422 وإما إن كانت منفصلة عنه، والمتصلة لا ~~تخلو من أن تكون متولدة من الأصل كالسمن والكبر والجمال والبصر والسمع ~~والنطق، كانجلاء بياض العين وزوال الخرس والصمم، والشجر إذا أثمر والأرض ~~إذا زرعت أو غير متولدة منه كالثوب إذا صبغ والأرض إذا بني فيها بناء. # وكذا المنفصلة لا تخلو إما إن كانت متولدة من الأصل كالولد والوبر والصوف ~~إذا جز والشعر إذا أزيل والثمر إذا جد والزرع إذا حصد أو كانت في حكم ~~المتولد منه كالأرش والعقر وأما إن كانت غير متولدة منه ولا في حكم المتولد ~~كالهبة والكسب فإن كانت الزيادة متولدة من الأصل أو في حكم المتولد فهي ~~مهر، سواء كانت متصلة بالأصل أو منفصلة عنه حتى لو طلقها قبل الدخول بها ~~يتنصف الأصل والزيادة جميعا بالإجماع؛ لأن الزيادة تابعة للأصل لكونها نماء ~~الأصل، والأرش بدل جزء هو مهر فليقم مقامه، والعقر بدل ما هو في حكم الجزء ~~فكان بمنزلة المتولد من المهر، فإذا حدثت قبل القبض وللقبض شبه بالعقد فكان ~~وجودها عند القبض كوجودها عند العقد فكانت محلا للفسخ، وإن كانت غير متولدة ~~من الأصل فإن كانت متصلة بالأصل فإنها تمنع التنصيف وعليها نصف قيمة الأصل؛ ~~لأن هذه الزيادة ليست بمهر لا مقصودا ولا تبعا؛ لأنها لم تتولد من المهر ~~فلا تكون مهرا فلا تتنصف، ولا يمكن تنصيف الأصل بدون تنصيف الزيادة فامتنع ~~التنصيف فيجب عليها نصف قيمة الأصل يوم الزيادة؛ لأنها بالزيادة صارت قابضة ~~للأصل فتعتبر قيمته يوم حكم بالقبض، وإن كانت منفصلة عن الأصل فالزيادة ~~ليست بمهر، وهي كلها للمرأة في قول أبي حنيفة ولا تتنصف ويتنصف الأصل، وعند ~~أبي يوسف ومحمد هي مهر فتتنصف مع الأصل. # (ووجه) قولهما: أن هذه الزيادة تملك بملك الأصل فكانت تابعة للأصل فتتنصف ~~مع الأصل كالزيادة المتصلة والمنفصلة المتولدة من الأصل كالسمن والولد، ~~ولأبي حنيفة أن هذه الزيادة ليست بمهر لا مقصودا ولا تبعا، أما مقصودا ~~فظاهر؛ لأن العقد ما ورد عليها مقصودا. # وكذا هي غير مقصودة بملك الجارية؛ لأنه ms1423 لا يقصد بتملك الجارية الهبة لها. # وأما تبعا؛ فلأنها ليست بمتولدة من الأصل فدل أنها ليست بمهر لا قصدا ولا ~~تبعا، وإنما هي مال المرأة فأشبهت سائر أموالها بخلاف الزيادة المتصلة ~~المتولدة والمنفصلة المتولدة؛ لأنها نماء المهر فكانت جزءا من أجزائه ~~فتتنصف كما يتنصف الأصل. # ولو آجر الزوج المهر بغير إذن المرأة فالأجرة له؛ لأن المنافع ليست ~~بأموال متقومة بأنفسها عندنا، وإنما تأخذ حكم المالية والتقوم بالعقد، ~~والعقد صدر من الزوج فكانت الأجرة له كالغاصب إذا آجر المغصوب، ويتصدق ~~بالأجرة؛ لأنها مال حصل بسبب محظور وهو التصرف في ملك الغير بغير إذنه ~~فيتمكن فيه الخبث فكان سبيله التصدق به هذا إذا كان المهر في يد الزوج ~~فحدثت فيه الزيادة. # فأما إذا كان في يد المرأة أي: قبل الفرقة، فإن كانت الزيادة متصلة ~~متولدة من الأصل فإنها تمنع التنصيف في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وللزوج ~~عليها نصف القيمة يوم سلمه إليها. # وقال محمد: لا تمنع ويتنصف الأصل مع الزيادة، واحتج بقوله تعالى: {وإن ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: ~~237] جعل سبحانه وتعالى في الطلاق قبل الدخول في نكاح فيه فرض نصف المفروض ~~فمن جعل فيه نصف قيمة المفروض فقد خالف النص، وإذا وجب تنصيف أصل المفروض ~~ولا يمكن تنصيفه إلا بتنصيف الزيادة فيجب تنصيف الزيادة ضرورة، ولأن هذه ~~الزيادة # PageV02P299 # تابعة للأصل من كل وجه؛ لأنها قائمة به، والأصل مهر فكذا الزيادة بخلاف ~~الزيادة المنفصلة المتولدة من الأصل؛ لأنها ليست بتابعة محضة؛ لأن الولد ~~بالانفصال صار أصلا بنفسه فلم يكن مهرا وبخلاف الزيادة المتصلة في الهبة ~~أنها تمنع من الرجوع والاسترداد؛ لأن حق الرجوع في الهبة ليس بثابت بيقين ~~لكونه محل الاجتهاد فلا يمكن إلحاق الزيادة بحالة العقد فتعذر إيراد الفسخ ~~عليها فيمنع الرجوع. # وجه قولهما: أن هذه الزيادة لم تكن موجودة عند العقد ولا عند ما له شبه ~~بالعقد وهو القبض فلا يكون لها حكم المهر فلا يمكن فسخ العقد فيها بالطلاق ~~قبل ms1424 الدخول؛ لأن الفسخ إنما يرد على ما ورد عليه العقد والعقد لم يرد عليه ~~أصلا فلا يرد عليه الفسخ كالزيادة المنفصلة المتولدة من الأصل، ولأنه لو ~~نقض العقد، فإما أن يرد نصف الأصل مع نصف الزيادة أو بدون الزيادة لا سبيل ~~إلى الثاني؛ لأنه لا يتصور رد الأصل بدون رد الزيادة المتصلة ولا سبيل إلى ~~الأول؛ لأنه يؤدي إلى الربا؛ لأنها إذا لم تكن محلا للفسخ لعدم ورود العقد ~~عليها كان أخذ الزيادة منها أخذ مال بلا عوض في عقد المعاوضة، وهذا تفسير ~~الربا؛ ويجب نصف قيمة المفروض لا نصف المفروض؛ لأن المفروض صار بمنزلة ~~الهالك. # وأما الآية الكريمة فلا حجة له فيها؛ لأن مطلق المفروض ينصرف إلى المفروض ~~المتعارف وهو الأثمان دون السلع، والأثمان لا تحتمل الزيادة والنقصان وعلى ~~هذا الاختلاف الزيادة المتصلة في البيع إذا اختلفا أنها تمنع التحالف، عند ~~أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد لا تمنع ولو هلكت هذه الزيادة في يد الزوج ~~ثم طلقها فلها نصف الأصل؛ لأن المانع من التنصيف قد ارتفع، وإن كانت متصلة ~~غير متولدة من الأصل فإنها تمنع التنصيف، وعليها نصف قيمة الأصل لما بينا ~~فيما تقدم، وإن كانت الزيادة منفصلة متولدة من الأصل فإنها تمنع التنصيف في ~~قول أصحابنا الثلاثة، وعليها رد نصف قيمة الأصل إلى الزوج وقال زفر: لا ~~تمنع ويتنصف الأصل مع الزيادة، وإن كانت منفصلة غير متولدة من الأصل فهي ~~لها خاصة والأصل بينهما نصفان بالإجماع. # (وجه) قول زفر: أن الزيادة تابعة للأصل؛ لأنها متولدة منه فتتنصف مع ~~الأصل كالزيادة الحادثة قبل القبض (ولنا) أن هذه الزيادة لم تكن عند العقد ~~ولا عند القبض فلم تكن مهرا، والفسخ إنما يرد على ما له حكم المهر فلا ~~تتنصف وتبقى على ملك المرأة كما كانت قبل الطلاق، ولا يمكن تنصيف الأصل ~~بدون الزيادة، وهو رد نصف الجارية بدون الولد؛ لأنها لا يصير لها فضل أصل ~~فسخ العقد فيه ما لم يكن لها ذلك، والأصل أن لا تبدل من غير ms1425 بدل، وذلك وصف ~~الربا وأنه حرام فإذا تعذر تنصيف المفروض لمكان الربا يجعل المفروض ~~كالهالك؛ لأنه في حق كونه معجوز التسليم إلى الزوج بمنزلة الهالك فيجب نصف ~~القيمة ليزول معنى الربا، والله عز وجل أعلم. # وكذلك لو ارتدت أو قبلت ابن زوجها قبل الدخول بها بعدما حدثت الزيادة في ~~يد المرأة، فذلك كله لها وعليها رد قيمة الأصل يوم قبضت كذا ذكر أبو يوسف ~~في الأصل وهو قول محمد. # وروي عن أبي يوسف أنها ترد الأصل والزيادة ففرق بين الردة والتقبيل وبين ~~الطلاق فقال في الطلاق: ترد نصف قيمة الأصل، وفي الردة والتقبيل ترد الأصل ~~والزيادة جميعا. # (ووجه) الفرق أن الردة والتقبيل فسخ العقد من الأصل، وجعل إياه كأن لم ~~يكن فصار كمن باع عبدا بجارية وقبض الجارية ولم يدفع العبد حتى ولدت ثم مات ~~العبد قبل أن يدفعه أنه يأخذ الجارية وولدها؛ لانفساخ العقد من الأصل بموت ~~العبد في يد بائعه كذا هذا بخلاف الطلاق فإنه إطلاق وحل للعقد وليس بفسخ ~~فينحل العقد وتطلق أو يرتفع من حين الطلاق لا من الأصل. # (وجه) ظاهر الرواية أن المعقود عليه في الفصلين جميعا أعني الطلاق والردة ~~يعود سليما إلى المرأة كما كان إلا أن الطلاق قبل الدخول طلاق من وجه وفسخ ~~من وجه، فأوجب عود نصف البدل عملا بالشبهين، والردة والتقبيل كل واحد منهما ~~فسخ من كل وجه فيوجب عود الكل إلى الزوج هذا كله إذا حدثت الزيادة قبل ~~الطلاق. # فأما إذا حدثت بعد الطلاق بأن طلقها، ثم حدثت الزيادة فلا يخلو إما أن ~~حدثت بعد القضاء بالنصف للزوج، وإما أن حدثت قبل القضاء وكل ذلك قبل القبض ~~أو بعده فإن حدثت قبل القبض، فالأصل والزيادة بينهما نصفان سواء وجد القضاء ~~أو لم يوجد؛ لأنه كما وجد الطلاق عاد نصف المهر إلى الزوج بنفس الطلاق وصار ~~بينهما نصفين فالزيادة حدثت على # PageV02P300 # ملكيهما، فتكون بينهما، وإن حدثت بعد القبض، فإن كانت بعد القضاء بالنصف ~~للزوج، فكذلك الجواب؛ لأنه لما قضى به، فقد ms1426 عاد نصف المهر إلى الزوج، فحصلت ~~الزيادة على الملكين، فكانت بينهما، وإن كان قبل القضاء بالنصف للزوج، ~~فالمهر في يدها كالمقبوض بعقد فاسد؛ لأن الملك كان لها، وقد فسخ ملكها في ~~النصف بالطلاق حتى لو كان المهر عبدا. # فأعتقه بعد الطلاق قبل القضاء بالنصف للزوج جاز إعتاقها، ولو أعتقه الزوج ~~لا ينفذ، وإن قضى القاضي له بعد ذلك كالبائع إذا أعتق العبد المبيع بيعا ~~فاسدا أنه لا ينفذ عتقه، وإن رد عليه بعد ذلك كذا ههنا هذا الذي ذكرنا حكم ~~الزيادة. # (وأما) حكم النقصان، فحدوث النقصان في المهر لا يخلو إما أن يكون في يد ~~الزوج، وإما أن يكون في يد المرأة، فإن كان في يد الزوج، فلا يخلو من خمسة ~~أوجه. # إما أن يكون بفعل أجنبي، وإما أن يكون بآفة سماوية، وإما أن يكون بفعل ~~الزوج، وإما أن يكون بفعل المهر، وإما أن يكون بفعل المرأة، وكل ذلك لا ~~يخلو إما أن يكون قبل قبض المهر، أو بعده، والنقصان فاحش أو غير فاحش، فإن ~~كان النقصان بفعل أجنبي، وهو فاحش قبل القبض؛ فالمرأة بالخيار إن شاءت أخذت ~~العبد الناقص، وأتبعت الجاني بالأرش، وإن شاءت تركت، وأخذت من الزوج قيمة ~~العبد يوم العقد، ثم يرجع الزوج على الأجنبي بضمان النقصان، وهو الأرش أما ~~ثبوت الخيار؛ فلأن المعقود عليه، وهو المهر قد تغير قبل القبض؛ لأنه صار ~~بعضه قيمة، ويعتبر المعقود عليه قبل القبض، فوجب الخيار كتغير المبيع قبل ~~القبض، فإن اختارت أخذ العبد أتبعت الجاني بالأرش؛ لأن الجناية حصلت على ~~ملكها، وإن اختارت أخذ القيمة؛ أتبع الزوج الجاني بالأرش؛ لأنه يملك العين ~~بأداء الضمان، فقام مقام المرأة، فكان الأرش له، وليس لها أن تأخذ العبد ~~ناقصا، وتضمن الزوج الأرش؛ لأنها لما اختارت أخذه، فقد أبرأت الزوج من ~~ضمانه، وإن كان النقصان بآفة سماوية، فالمرأة بالخيار، إن شاءت أخذته ~~ناقصا، ولا شيء لها غير ذلك، وإن شاءت تركته، وأخذت قيمته يوم العقد؛ لأن ~~المهر مضمون على الزوج بالعقد، والأوصاف لا تضمن ms1427 بالعقد لعدم، ورود العقد ~~عليها موصوفا، فلا يظهر الضمان في حقها، وإنما يظهر في حق الأصل لورود ~~العقد عليه، وإنما ثبت لها الخيار لتغير المعقود عليه، وهو المهر عما كان ~~عليه، وهذا يثبت الخيار كالمبيع إذا انتقص في يد البائع أنه يتخير المشتري ~~فيه كذا هذا. # وإن كان النقصان بفعل الزوج ذكر في ظاهر الرواية أن المرأة بالخيار إن ~~شاءت أخذته ناقصا، وأخذت معه أرش النقصان، وإن شاءت أخذت قيمته يوم العقد ~~كذا ذكر في ظاهر الرواية، وفرق بين هذا، وبين البائع إذا جنى على المبيع ~~قبل القبض. # وروي عن أبي حنيفة أن الزوج إذا جنى على المهر؛ فهي بالخيار إن شاءت ~~أخذته ناقصا، ولا شيء لها غير ذلك، وإن شاءت أخذت القيمة، وسوي بينه، وبين ~~المبيع (ووجه) التسوية بينهما، أن المهر مضمون على الزوج بالنكاح لم يستقر ~~ملكها فيه كالمبيع في يد البائع، ثم الحكم في البيع هذا كذا في النكاح. # (ووجه) الفرق في ظاهر الرواية أن الأوصاف، وهي الأتباع إن كانت لا تضمن ~~بالعقد، فإنها تضمن بالإتلاف؛ لأنها تصير مقصودة بالإتلاف، فتصير مضمونة ~~إلا أن المبيع، لا يمكن جعله مضمونا بالقيمة؛ لأنه مضمون بضمان آخر، وهو ~~الثمن، والمحل الواحد لا يكون مضمونا بضمانين، والمهر غير مضمون على الزوج ~~بملك النكاح بل بالقيمة، ألا ترى أنه لو أتلف المهر لا يبطل ملك النكاح، ~~ولكن تجب عليه القيمة، فكذا إذا أتلف الجزء، وإن كان النقصان بفعل المهر ~~بأن جنى المهر على نفسه، ففيه روايتان في رواية حكم هذا النقصان ما هو حكم ~~النقصان بآفة سماوية؛ لأن جناية الإنسان على نفسه هدر، فالتحقت بالعدم، ~~فكانت كالآفة السماوية، وفي رواية حكمه حكم جناية الزوج؛ لأن المهر مضمون ~~في يد الضامن، وهو الزوج، وجناية المضمون في يد الضامن كجناية الضامن ~~كالعبد المغصوب إذا جنى على نفسه في يد الغاصب، وإن كان النقصان بفعل ~~المرأة، فقد صارت قابضة بالجناية، فجعل كأن النقصان حصل في يدها كالمشتري ~~إذا جنى على المبيع في يد البائع أنه ms1428 يصير قابضا له كذا ههنا إذا كان ~~النقصان فاحشا. # فأما إذا كان يسيرا، فلا خيار لها كما إذا كان هذا العيب به يوم العقد، ~~ثم إن كان هذا النقصان بآفة سماوية أو بفعل المرأة أو بفعل المهر؛ فلا شيء ~~لها، وإن كان بفعل الأجنبي تتبعه بنصف النقصان. # وكذا إن كان بفعل الزوج هذا إذا حدث النقصان # PageV02P301 # في يد الزوج. # فأما إذا حدث في يد المرأة، فهذا أيضا لا يخلو من الأقسام، التي وصفناها، ~~فإن حدث بفعل أجنبي وهو فاحش قبل الطلاق، فالأرش لها، فإن طلقها الزوج، فله ~~نصف القيمة يوم قبضت، ولا سبيل له على العين؛ لأن الأرش بمنزلة الولد، ~~فيمنع التنصيف كالولد، وإن كانت جناية الأجنبي عليه بعد الطلاق، فللزوجة ~~نصف العبد، وهو بالخيار في الأرش إن شاء أخذ نصفه من المرأة، واعتبرت ~~القيمة يوم القبض، وإن شاء أتبع الجاني، وأخذ منه نصفه؛ لأن حق الفسخ، وعود ~~النصف إليه استقر بالطلاق، وتوقف على قضاء القاضي أو التراضي، فصار في يدها ~~كالمقبوض ببيع فاسد، فصار مضمونا عليها، وكذلك إن حدث بفعل الزوج، فجنايته ~~كجناية الأجنبي؛ لأنه جنى على ملك غيره، ولا يد له فيه، فصار كالأجنبي، ~~والحكم في الأجنبي ما وصفنا، وإن حدث بآفة سماوية قبل الطلاق؛ فالزوج ~~بالخيار إن شاء أخذ نصفه ناقصا، ولا شيء له غير ذلك، وإن شاء أخذ نصف ~~القيمة يوم القبض؛ لأن حقه معها عند الفسخ كحقه معها عند العقد. # ولو حدث نقصان في يده بآفة سماوية كان لها الخيار بين أن تأخذه ناقصا أو ~~قيمته، فكذا حق الزوج معها عند الفسخ، وإن كان ذلك بعد الطلاق، فللزوج أن ~~يأخذ نصفه، ونصف الأرش لما ذكرنا أنه بعد الطلاق يبقى في يدها كالمقبوض ~~بحكم بيع فاسد؛ لأن الملك لها، وحق الغير في الفسخ مستقر، فصار بمنزلة ~~المقبوض ببيع فاسد، وإن شاء أخذ قيمته يوم قبضت، وكذلك إن حدث بفعل المرأة، ~~فالزوج بالخيار إن شاء أخذ نصفه، ولا شيء له من الأرش، وإن شاء أخذ نصف ~~قيمته ms1429 عبدا عند أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر: للزوج أن يضمنها الأرش (وجه) قوله أن المهر مضمون عليها ~~بالقبض، والأوصاف، وهي الأتباع، فتضمن بالقبض، ولا تضمن بالعقد، وكذلك يقول ~~زفر في النقصان الحادث بغير فعلها لهذا المعنى. # (ولنا) أن المرأة جنت على ملك نفسها، وجناية الإنسان على ملك نفسه غير ~~مضمونة عليه بخلاف ما إذا حدث بفعل الزوج على الرواية المشهورة؛ لأن الزوج ~~جنى على ملك غيره، وجناية الإنسان على ملك غيره مضمونة عليه، وقد خرج ~~الجواب عما قال زفر؛ لأن قبضها صادف ملك نفسها، وقبض الإنسان ملك نفسه لا ~~يوجب الضمان عليه، وإن كان ذلك بعد الطلاق، فعليها نصف الأرش لما ذكرنا أن ~~حق الفسخ قد استقر، وكذلك إن حدث بفعل المهر، فالزوج بالخيار على الروايتين ~~جميعا إن شاء؛ أخذ نصفه ناقصا، وإن شاء أخذ نصف القيمة؛ لأنا إن جعلنا ~~جناية المهر كالآفة السماوية لم تكن مضمونة، وإن جعلناها كجناية المرأة لم ~~تكن مضمونة أيضا، فلم تكن مضمونة أيضا على الروايتين هذا إذا كان النقصان ~~فاحشا. # فأما إن كان غير فاحش، فإن كان بفعل الأجنبي أو بفعل الزوج، لا يتنصف؛ ~~لأن الأرش يمنع التنصيف، وإن كان بآفة سماوية أو بفعلها أو بفعل المهر أخذ ~~النصف، ولا خيار له، والله تعالى الموفق. # (وأما) النوع الثاني، وهو ما يسقط به نصف المهر معنى، والكل صورة: فهو كل ~~طلاق تجب فيه المتعة. # فيقع الكلام في مواضع في بيان الطلاق الذي تجب فيه المتعة، والذي تستحب ~~فيه، وفي تفسير المتعة، وفي بيان من تعتبر المتعة بحاله. # أما الأول، فالطلاق الذي تجب فيه المتعة نوعان: أحدهما أن يكون قبل ~~الدخول في نكاح لا تسمية فيه، ولا فرض بعده أو كانت التسمية فيه فاسدة، ~~وهذا قول عامة العلماء. # وقال مالك: لا تجب المتعة، ولكن تستحب، فمالك لا يرى وجوب المتعة أصلا، ~~واحتج بأن الله سبحانه وتعالى قيد المتعة بالمتقي، والمحسن بقوله {حقا على ~~المحسنين} [البقرة: 236] {حقا على المتقين} [البقرة: 241] ، والواجب لا ~~يختلف فيه المحسن، والمتقي، وغيرهما، فدل ms1430 أنها ليست بواجبة. # (ولنا) قوله تعالى {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو ~~تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن} [البقرة: 236] ، ومطلق الأمر لوجوب العمل، ~~والمراد من قوله عز وجل أو تفرضوا أي: ولم تفرضوا ألا ترى أنه عطف عليه ~~قوله تعالى {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم} [البقرة: 237] ، ولو كان الأول بمعنى ما لم تمسوهن، وقد فرضوا لهن ~~أو لم يفرضوا لما عطف عليه المفروض، وقد تكون أو بمعنى الواو. # وقال: الله عز وجل {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} [الإنسان: 24] : ولا ~~كفورا وقوله تعالى {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} [البقرة: 236] ~~(وعلى) كلمة إيجاب، وقوله تعالى {حقا على المحسنين} [البقرة: 236] وليس في ~~ألفاظ الإيجاب كلمة أوكد من قولنا حق عليه؛ لأن الحقية تقتضي الثبوت، وعلى ~~كلمة إلزام، وإثبات، فالجمع بينهما يقتضي التأكيد، وما ذكره مالك كما ~~يلزمنا # PageV02P302 # يلزمه؛ لأن المندوب إليه أيضا لا يختلف فيه المتقي، والمحسن، وغيرهما، ثم ~~نقول: الإيجاب على المحسن، والمتقي لا ينفي الإيجاب على غيرهما ألا ترى أنه ~~سبحانه وتعالى أخبر أن القرآن هدى للمتقين، ثم لم ينف أن يكون هدى للناس ~~كلهم كذا هذا، والدليل على أن المتعة ههنا واجبة أنها بدل الواجب، وهو نصف ~~مهر المثل، وبدل الواجب واجب؛ لأنه يقوم مقام الواجب، ويحكي حكايته ألا ترى ~~أن التيمم لما كان بدلا عن الوضوء، والوضوء واجب كان التيمم واجبا، والدليل ~~على أن المتعة تجب بدلا عن نصف المهر، أن بدل الشيء ما يجب بسبب الأصل عند ~~عدمه كالتيمم مع الوضوء، وغير ذلك، والمتعة بالسبب الذي يجب به مهر المثل، ~~وهو النكاح لا الطلاق؛ لأن الطلاق مسقط للحقوق لا موجب لها لكن عند الطلاق ~~يسقط نصف مهر المثل، فتجب المتعة بدلا عن نصفه، وهذا طريق محمد، فإن الرهن ~~بمهر المثل يكون رهنا بالمتعة عنده حتى إذا هلك تهلك المتعة. # وأما أبو يوسف: فإنه لا يجعله رهنا بها حتى إذا هلك الرهن يهلك بغير شيء، ~~والمتعة باقية ms1431 عليه، فلا يكون وجوبها بطريق البدل عنده بل يوجبها ابتداء ~~بظواهر النصوص التي ذكرنا أو يوجبها بدلا عن البضع بالاستدلال بنصف المسمى ~~في نكاح فيه تسمية، والثاني أن يكون قبل الدخول في نكاح لم يسم فيه المهر، ~~وإنما فرض بعده، وهذا قول أبي حنيفة، ومحمد، وهو قول أبي يوسف الأخير، وكان ~~يقول: أولا يجب نصف المفروض كما إذا كان المهر مفروضا في العقد، وهو قول ~~مالك، والشافعي، واحتجوا بقوله عز وجل {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] أوجب تعالى نصف المفروض في ~~الطلاق قبل الدخول مطلقا من غير فصل بين ما إذا كان الفرض في العقد أو ~~بعده؛ ولأن الفرض بعد العقد كالفرض في العقد. # ثم المفروض في العقد يتنصف، فكذا المفروض بعده، ولهما قوله تعالى {يا ~~أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن} [الأحزاب: 49] أوجب المتعة في المطلقات قبل ~~الدخول عاما، ثم خصت منه المطلقة قبل الدخول في نكاح فيه تسمية عند وجوده، ~~فبقيت المطلقة قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه عند وجوده على أصل العموم، ~~وقوله تعالى {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة ومتعوهن} [البقرة: 236] أي: ولم تفرضوا لهن فريضة لما ذكرنا فيما ~~تقدم، وهو منصرف إلى الفرض في العقد؛ لأن الخطاب ينصرف إلى المتعارف، ~~والمتعارف هو الفرض في العقد لا متأخرا عنه، وبه تبين أن الفرض المذكور في ~~قوله تعالى {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة} [البقرة: ~~237] منصرف إلى المفروض في العقد؛ لأنه هو المتعارف، وبه نقول إن المفروض ~~في العقد يتنصف بالطلاق قبل الدخول؛ ولأن مهر المثل قد وجب بنفس العقد لما ~~ذكرنا فيما تقدم، فكان الفرض بعده تقديرا لما وجب بالعقد، وهو مهر المثل، ~~ومهر المثل يسقط بالطلاق قبل الدخول، وتجب المتعة، فكذا ما هو بيان وتقدير ~~له إذ هو تقدير لذلك الواجب. ms1432 # وكذا الفرقة بالإيلاء، واللعان، والجب، والعنة، فكل فرقة جاءت من قبل ~~الزوج قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه، فتوجب المتعة؛ لأنها توجب نصف ~~المسمى في نكاح فيه تسمية، والمتعة عوض عنه كردة الزوج، وإباية الإسلام، ~~وكل فرقة جاءت من قبل المرأة، فلا متعة لها؛ لأنه لا يجب بها المهر أصلا، ~~فلا تجب بها المتعة. # والمخيرة إذا اختارت نفسها قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه، فلها ~~المتعة؛ لأن الفرقة جاءت من قبل الزوج؛ لأن البينونة مضافة إلى الإبانة ~~السابقة، وهي فعل الزوج. # (وأما) الذي تستحب فيه المتعة، فهو الطلاق بعد الدخول، والطلاق قبل ~~الدخول في نكاح فيه تسمية، وهذا عندنا. # وقال: الشافعي المتعة في الطلاق بعد الدخول واجبة، واحتج بقوله تعالى ~~{وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين} [البقرة: 241] جعل سبحانه ~~وتعالى للمطلقات متاعا فاللام الملك عاما إلا أنه خصصت منه المطلقة قبل ~~الدخول في نكاح فيه تسمية، فبقيت المطلقة قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه، ~~والمطلقة بعد الدخول على ظاهر العموم، ولنا ما ذكرنا أن المتعة وجبت ~~بالنكاح بدلا عن البضع إما بدلا عن نصف المهر أو ابتداء، فإذا استحقت ~~المسمى أو مهر المثل بعد الدخول، فلو وجبت المتعة؛ لأدى إلى أن يكون لملك ~~واحد بدلان وإلى الجمع بين البدل، والأصل في حالة واحدة، وهذا ممتنع؛ ولأن ~~المطلقة قبل الدخول في نكاح فيه تسمية لا تجب لها المتعة بالإجماع، ~~فالمطلقة بعد الدخول أولى؛ لأن الأولى تستحق بعض المهر # PageV02P303 # والثانية تستحق الكل فاستحقاق بعض المهر لما منع عن استحقاق المتعة ~~فاستحقاق الكل أولى. # وأما الآية الكريمة، فيحمل ذكر المتاع فيها على الندب، والاستحباب، ونحن ~~به نقول إنه يندب الزوج إلى ذلك كما يندب إلى أداء المهر على الكمال في غير ~~المدخول بها أو يحمل على النفقة والكسوة في حال قيام العدة؛ ولأن كل ذلك ~~متاع إذ المتاع اسم لما ينتفع به عملا بالدلائل كلها بقدر الإمكان، وكل ~~فرقة جاءت من قبل الزوج بعد الدخول تستحب فيها المتعة إلا أن ms1433 يرتد أو يأبى ~~الإسلام؛ لأن الاستحباب طلب الفضيلة، والكافر ليس من أهل الفضيلة. # (وأما) تفسير المتعة الواجبة، فقد قال أصحابنا: إنها ثلاثة أثواب درع، ~~وخمار، وملحفة وهكذا روي عن الحسن، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والشعبي، وعن ~~عبد الله ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: أرفع المتعة الخادم، ثم دون ~~ذلك الكسوة، ثم دون ذلك النفقة. # وقال الشافعي: ثلاثون درهما له ما روي عن أبي مجلز أنه قال: قلت لابن عمر ~~- رضي الله عنهما - أخبرني عن المتعة، وأخبرني عن قدرها، فإني موسر، فقال: ~~اكس كذا اكس كذا اكس كذا قال: فحسبت ذلك، فوجدته قدر ثلاثين درهما، فدل ~~أنها مقدرة بثلاثين درهما. # (ولنا) قوله تعالى في آية المتعة {متاعا بالمعروف حقا على المحسنين} ~~[البقرة: 236] ، والمتاع اسم للعروض في العرف؛ ولأن لإيجاب الأثواب نظيرا ~~في أصول الشرع، وهو الكسوة التي تجب لها حال قيام النكاح والعدة، وأدنى ما ~~تكتسي به المرأة، وتستتر به عند الخروج ثلاثة أثواب، ولا نظير لإيجاب ~~الثلاثين، فكان إيجاب ما له نظير أولى، وقول عبد الله بن عمر دليلنا؛ لأنه ~~أمره بالكسوة لا بدراهم مقدرة إلا أنه اتفق أن قيمة الكسوة بلغت ثلاثين ~~درهما، وهذا لا يدل على أن التقدير فيها بالثلاثين. # ولو أعطاها قيمة الأثواب دراهم، أو دنانير تجبر على القبول؛ لأن الأثواب ~~ما وجبت لعينها بل من حيث إنها مال، كالشاة في خمس من الإبل في باب الزكاة. # وأما بيان من تعتبر المتعة بحاله، فقد اختلف العلماء فيه قال بعضهم.: # قدر المتعة يعتبر بحال الرجل في يساره، وإعساره، وهو قول أبي يوسف بعضهم: ~~تعتبر بحال المرأة في يسارها، وإعسارها، وقال بعضهم: تعتبر بحالهما جميعا ~~وقال بعضهم: المتعة الواجبة تعتبر بحالها، والمستحبة تعتبر بحاله. # (وجه) قول من اعتبر حال الرجل قوله تعالى {ومتعوهن على الموسع قدره وعلى ~~المقتر قدره} [البقرة: 236] جعل المتعة على قدر حال الرجل في يساره، ~~وإعساره (وجه) قول من قال: باعتبار حالها أن المتعة بدل بضعها، فيعتبر ~~حالها، وهذا أيضا وجه من يقول المتعة ms1434 الواجبة تعتبر بحالها، وقوله المتعة ~~المستحبة تعتبر بحاله لا معنى له؛ لأن التقدير في الواجب لا في المستحب ~~(وجه) من اعتبر حالهما أن الله تعالى اعتبر في المتعة شيئين أحدهما: حال ~~الرجل في يساره، وإعساره بقوله عز وجل {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} ~~[البقرة: 236] . # والثاني: أن يكون مع ذلك بالمعروف بقوله {متاعا بالمعروف} [البقرة: 236] ~~فلو اعتبرنا فيها حال الرجل دون حالها عسى أن لا يكون بالمعروف؛ لأنه يقتضي ~~أنه لو تزوج رجل امرأتين إحداهما شريفة، والأخرى مولاة دنيئة، ثم طلقهما ~~قبل الدخول بهما، ولم يسم لهما أن يستويا في المتعة باعتبار حال الرجل، ~~وهذا منكر في عادات الناس لا معروف، فيكون خلاف النص، ثم المتعة الواجبة لا ~~تزاد على نصف مهر المثل بل هو نهاية المتعة لا مزيد عليه؛ لأن الحق عند ~~التسمية آكد، وأثبت منه عند عدم التسمية؛ لأن الله تعالى أوجب المتعة على ~~قدر احتمال ملك الزوج بقوله عز وجل {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} ~~[البقرة: 236] ، فأوجب نصف المسمى مطلقا احتمله وسع الزوج، وملكه أو لا. # وكذا في وجوب كمال مهر المثل، وسقوطه، ووجوب المتعة في نكاح لا تسمية ~~فيه، وعدم أحد الزوجين اختلاف بين العلماء ولا خلاف في وجوب كمال المسمى من ~~ذلك في نكاح فيه تسمية دل أن الحق أوكد، وأثبت عند التسمية، ثم لا يزاد ~~هناك على نصف المسمى، فلأن لا يزاد ههنا على نصف مهر المثل أولى؛ ولأن ~~المتعة بدل عن نصف مهر المثل، ولا يزاد البدل على الأصل، ولا ينقص من خمسة ~~دراهم؛ لأنها تجب على طريق العوض، وأقل عوض يثبت في النكاح نصف العشرة، ~~والله أعلم. ### | [فصل حكم اختلاف الزوجين في المهر] # (فصل) : # وأما حكم. # اختلاف الزوجين في المهر. # فجملة الكلام فيه أن الاختلاف في المهر إما أن يكون في حال حياة الزوجين، ~~وإما أن يكون بعد موت أحدهما بين الحي منهما، وورثة الميت، وإما أن يكون ~~بعد موتهما بين ورثتهما، فإن كان # PageV02P304 # في حال حياة الزوجين. # فأما إن كان ms1435 قبل الطلاق. # وأما إن كان بعده، فإن كان قبل الطلاق، فإن كان الاختلاف في أصل التسمية ~~يجب مهر المثل؛ لأن الواجب الأصلي في باب النكاح هو مهر المثل؛ لأنه قيمة ~~البضع، وقيمة الشيء مثله من كل وجه، فكان هو العدل، وإنما التسمية تقدير ~~لمهر المثل. # فإذا لم تثبت التسمية لوقوع الاختلاف فيها، وجب المصير إلى الموجب ~~الأصلي، وإن كان الاختلاف في قدر المسمى أو جنسه أو نوعه أو صفته، فالمهر ~~لا يخلو إما أن يكون دينا، وإما أن يكون عينا، فإن كان دينا، فإما أن يكون ~~من الأثمان المطلقة، وهي الدراهم، والدنانير. # وأما إن كان من المكيلات، والموزونات، والمذروعات الموصوفة في الذمة، فإن ~~كان من الأثمان المطلقة، فاختلفا في قدره بأن قال الزوج: تزوجتك على ألف ~~درهم. # وقالت المرأة: تزوجتني على ألفين أو قال الزوج: تزوجتك على مائة دينار. # وقالت المرأة: على مائتي دينار تحالفا، ويبدأ بيمين الزوج، فإن نكل ~~أعطاها ألفين، وإن حلف تحلف المرأة، فإن نكلت أخذت ألفا، وإن حلفت يحكم لها ~~بمهر المثل إن كان مهر مثلها مثل ما قالت أو أكثر، فلها ما قالت وإن كان ~~مهر مثلها مثل ما قال الزوج أو أقل، فلها ما قال، وإن كان مهر مثلها أقل ~~مما قالت أو أكثر مما قال، فلها مهر مثلها، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. # وقال أبو يوسف: لا يتحالفان، والقول قول الزوج في هذا كله إلا أن يأتي ~~بمستنكر جدا، والحاصل أن أبا حنيفة، ومحمدا يحكمان مهر المثل، وينهيان ~~الأمر إليه، وأبو يوسف لا يحكمه بل يجعل القول قول الزوج مع يمينه إلا أن ~~يأتي بشيء مستنكر، وقد اختلف في تفسير المستنكر قيل: هو أن يدعي أنه تزوجها ~~على أقل من عشرة دراهم، وهذا التفسير يروى عن أبي يوسف - رحمه الله -؛ لأن ~~هذا القدر مستنكر شرعا إذ لا مهر في الشرع أقل من عشرة، وقيل هو أن يدعي ~~أنه تزوجها على ما لا يزوج مثلها به عادة، وهذا يحكى عن أبي الحسن؛ لأن ذلك ms1436 ~~مستنكر عرفا، وهو الصحيح من التفسير؛ لأنهما اختلفا في مقدار المهر المسمى، ~~وذلك اتفاق منهما على أصل المهر المسمى، وما دون العشرة لم يعرف مهرا في ~~الشرع بلا خلاف بين أصحابنا، وقد روي عن أبي يوسف في المتبايعين إذا اختلفا ~~في مقدار الثمن، والسلعة هالكة أن القول قول المشتري ما لم يأت بشيء ~~مستنكر. # وجه قول أبي يوسف أن القول قول المنكر في الشرع، والمنكر هو الزوج؛ لأن ~~المرأة تدعي عليه زيادة مهر، وهو ينكر ذلك، فكان القول قوله مع يمينه كما ~~في سائر المواضع، والدليل عليه أن المتعاقدين في باب الإجارة إذا اختلفا في ~~مقدار المسمى لا يحكم بأجر المثل بل يكون القول قول المستأجر مع يمينه لما ~~قلنا كذا هذا، ولهما أن القول في الشرع والعقل قول من يشهد له الظاهر، ~~والظاهر يشهد لمن يوافق قوله مهر المثل؛ لأن الناس في العادات الجارية ~~يقدرون المسمى بمهر المثل، ويبنونه عليه لا برضا الزوج بالزيادة عليه، ~~والمرأة، وأولياؤها لا يرضون بالنقصان عنه، فكانت التسمية تقديرا لمهر ~~المثل، وبناء عليه، فكان الظاهر شاهدا لمن يشهد له مهر المثل، فيحكم مهر ~~المثل، فإن كان ألفين، فلها ذلك؛ لأن الظاهر شاهد لها، وإن كان أكثر من ~~ألفين لا يزاد عليه؛ لأنها رضيت بالنقصان، وإن كان مهر مثلها ألفا، فلها ~~ألف؛ لأن الظاهر شاهد للزوج، وإن كان أقل من ذلك لا ينقص عن ألف؛ لأن الزوج ~~رضي بالزيادة، وإن كان مهر مثلها أكثر مما قال، وأقل مما قالت، فلها مهر ~~المثل؛ لأنه هو الواجب الأصلي، وإنما التسمية تقدير له لما قلنا، فلا يعدل ~~عنه إلا عند ثبوت التسمية وصحتها، فإذا لم يثبت لوقوع الاختلاف؛ وجب الرجوع ~~إلى الموجب الأصلي، وتحكيمه، وإنما يتحالفان؛ لأن كل واحد منهما مدع من ~~وجه، ومنكر من وجه أما الزوج؛ فلأن المرأة تدعي عليه زيادة ألف، وهو منكر. # وأما المرأة؛ فلأن الزوج يدعي عليها تسليم النفس عند تسليم الألف إليها، ~~وهي تنكر، فكان كل واحد منهما مدعيا من وجه، ومنكرا ms1437 من وجه، فيتحالفان ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - «واليمين على من أنكر» ، ويبدأ بيمين الزوج؛ ~~لأنه أشد إنكارا أو أسبق إنكارا من المرأة؛ لأنه منكر قبل تسليم النفس، ~~وبعده، ولا إنكار من المرأة بعد تسليم النفس، وقبل التسليم هو أسبق إنكارا؛ ~~لأن المرأة تقبض المهر أولا، ثم تسلم نفسها، فتطالبه بأداء المهر إليها، ~~وهو ينكر، فكان هو أسبق إنكارا، فكانت البداية بالتحليف منه أولى لما قلنا ~~في اختلاف المتبايعين ذكر الكرخي التحالف في هذه الفصول الثلاثة، وأنكر ~~الجصاص التحالف إلا في فصل واحد، وهو ما إذا لم يشهد مهر المثل لدعواهما ~~بأن كان مهر مثلها أكثر مما قال الزوج، وأقل مما قالت المرأة. # وكذا في الجامع الصغير # PageV02P305 # لم يذكر التحالف إلا في هذا الفصل. # وجهه أن الحاجة إلى التحالف فيما لا شهادة للظاهر، فإذا كان مهر المثل ~~مثل ما يدعيه أحدهما كان الظاهر شاهدا له، فلا حاجة إلى التحالف، والظاهر ~~لا يشهد لأحدهما في الثالث، فتقع الحاجة إلى التحالف. # وجه ما ذكره الكرخي أن مهر المثل لا يثبت إلا بعد سقوط اعتبار التسمية، ~~والتسمية لا يسقط اعتبارها إلا بالتحالف؛ لأن الظاهر لا يكون حجة على ~~الغير، فتقع الحاجة إلى التحالف، ثم إذا وجب التحالف، وبدئ بيمين الزوج، ~~فإن نكل يقضى عليه بألفين؛ لأن النكول حجة يقضى بها في باب الأموال بلا ~~خلاف بين أصحابنا، ولا خيار للزوج، وهو أن يعطيها مكان الدراهم دنانير؛ لأن ~~تسمية الألفين قد تثبت بالنكول؛ لأنه بمنزلة الإقرار، ومن شأن المسمى أن لا ~~يكون للزوج العدول عنه إلى غيره إلا برضا المرأة، وإن حلف تحلف المرأة، فإن ~~نكلت لم يقض على الزوج إلا بالألف، ولا خيار له لما قلنا في نكول الزوج، ~~وإن حلفت يحكم مهر المثل، فإن كان مهر مثلها ألفا قضي لها على الزوج بألف، ~~ولا خيار له؛ لأن تسمية الألف قد تثبت بتصادقهما، فيمنع الخيار، وإن كان ~~مهر مثلها ألفين قضي لها بألفين، وله الخيار في أخذ الألفين دون الآخر ~~لثبوت تسمية أحد ms1438 الألفين بتصادقهما دون الآخر، وإن كان مهر مثلها ألفا ~~وخمسمائة قضي لها بألف وخمسمائة، ولا خيار له في قدر الألف بتصادقهما، وله ~~الخيار في قدر الخمسمائة؛ لأنه لم تثبت تسمية هذا القدر، فكان سبيلها سبيل ~~مهر المثل، فكان له الخيار فيها، ولا يفسخ العقد بعد التحالف في قول عامة ~~العلماء. # وقال ابن أبي ليلى: يفسخ كما في البيع؛ لأن كل واحد منهما عقد لا يجوز ~~بغير بدل، ولنا الفرق بين البيع والنكاح، وهو أنه لما سقط اعتبار التسمية ~~في باب البيع يبقى البيع بلا ثمن، والبيع بلا ثمن بيع فاسد، واجب الرفع ~~رفعا للفساد، وذلك بالفسخ بخلاف النكاح، فإن ترك التسمية أصلا في النكاح لا ~~يوجب فساده، فسقوط اعتباره بجهالة المسمى بالتعارض أولى، فلا حاجة إلى ~~الفسخ، فهو الفرق، هذا إذا لم يقم لأحدهما بينة. # فأما إذا قامت لأحدهما بينة، فإنه يقضى ببينته؛ لأنها قامت على أمر جائز ~~الوجود، ولا معارض لها، فتقبل، ولا يحكم مهر المثل؛ لأن تحكيمه ضروري، ولا ~~ضرورة عند قيام البينة، ولا خيار للزوج؛ لأن التسمية تثبت بالبينة، وأنها ~~تمنع الخيار، وإن أقاما جميعا البينة، فإن كان مهر مثلها ألف درهم يقضى ~~ببينتها؛ لأنها تظهر زيادة ألف، فكانت مظهرة، وبينة الزوج لم تظهر شيئا؛ ~~لأنها قامت على ألف، والألف كان ظاهرا بتصادقهما، أو نقول بينة المرأة أكثر ~~إظهارا، فكان القضاء بها أولى، ولا خيار للزوج في الألفين؛ لأن تسمية أحد ~~الألفين تثبت بتصادقهما، وتسمية الآخر تثبت بالبينة، والتسمية تمنع الخيار، ~~وإن كان مهر مثلها ألفين، فقد اختلف المشايخ فيه قال: بعضهم يقضى ببينتها ~~أيضا؛ لأنها تظهر زيادة ألف لم تكن ظاهرة بتصادقهما، وإن كانت ظاهرة بشهادة ~~مهر المثل لكن هذا الظاهر لا يكون حجة على الغير ألا ترى أنه لا يقضى به ~~بدون اليمين أو البينة، وتصادقهما حجة بنفسه، فكانت بينتها هي المظهرة أو ~~كانت أكثر إظهارا، وبينة الزوج ليست بمظهرة؛ لأن الألف كان ظاهرا بتصادقهما ~~أو هي أقل إظهارا، فكان القضاء ببينتها أولى. # وقال بعضهم: ms1439 يقضى ببينة الزوج؛ لأن بينة الزوج تظهر حط الألف عن مهر ~~المثل، وذلك ألفان لثبوت الألفين بشهادة مهر المثل، فيظهر حط عن مهر المثل ~~بشهادته، وبينتها لا تظهر شيئا؛ لأن أحد الألفين كان ظاهرا بتصادقهما، ~~والآخر كان ظاهرا بشهادة مهر المثل أو يظهر صفة التعيين للألفين؛ لأن ~~الثابت بشهادة مهر المثل أو يظهر صفة التعيين لهما، وبينته مظهرة للأصل، ~~فكان القضاء ببينته أولى، وإن كان مهر مثلها ألفا، وخمسمائة بطلت البينتان ~~للتعارض؛ لأن مهر المثل لا يشهد لأحدهما، فكانت كل واحدة منهما مظهرة، وليس ~~القضاء بإحداهما أولى من الأخرى فبطلت، فبقي الحكم بمهر المثل، ولا خيار له ~~في قدر الألف؛ لأن البينتين التحقتا بالعدم للتعارض، فبقي هذا القدر مسمى ~~بتصادقهما، وله خيار في قدر الخمسمائة لثبوته على وجه مهر المثل، وكذلك إن ~~كان دينا موصوفا في الذمة بأن تزوجها على مكيل موصوف، أو موزون موصوف، أو ~~مذروع موصوف، فاختلفا في قدر الكيل أو الوزن أو الذرع، فالاختلاف فيه ~~كالاختلاف في قدر الدراهم، والدنانير، ولهذا يتحالفان، ويحكم مهر المثل في ~~قول أبي حنيفة، ومحمد؛ لأن القدر في المكيل والموزون معقود عليه. # وكذا في المذروع إذا كان في الذمة، وإن لم يكن معقودا عليه بل كان جاريا ~~مجرى الصفة إذا كان عينا؛ لأن ما في الذمة غائب مذكور يختلف أصله باختلاف # PageV02P306 # وصفه، فجرى الوصف فيما في الذمة مجرى الأصل، ولهذا كان الاختلاف في صفة ~~المسلم فيه موجبا للتحالف، فكان اختلافهما في الوصف بمنزلة اختلافهما في ~~الأصل، وذلك يوجب التحالف كذا هذا، وعند أبي يوسف لا يتحالفان، والقول قول ~~الزوج مع يمينه، وإن كان الاختلاف في جنس المسمى بأن قال الزوج: تزوجتك على ~~عبد، فقالت: على جارية أو قال الزوج: تزوجتك على كر شعير، فقالت: على كر ~~حنطة أو على ثياب هروية أو قال: على ألف درهم. # وقالت: على مائة دينار، أو في نوعه كالتركي مع الرومي، والدنانير المصرية ~~مع الصورية أو في صفته من الجودة، والرداءة، فالاختلاف فيه كالاختلاف في ~~العينين إلا ms1440 الدراهم، والدنانير، فإن الاختلاف فيهما كالاختلاف في الألف، ~~والألفين، وإنما كان كذلك؛ لأن كل واحد من الجنسين، والنوعين، والموصوفين ~~لا يملك إلا بالتراضي بخلاف الدراهم، والدنانير، فإنهما، وإن كانا جنسين ~~مختلفين لكنهما في باب مهر المثل يقضى من جنس الدراهم، والدنانير، فجاز أن ~~يستحق المائة دينار من غير تراض بخلاف العبد؛ لأن مهر المثل لا يقضى من ~~جنسه، فلم يجز أن يملك من غير تراض، فيقضى بقدر قيمته هذا إذا كان المهر ~~دينا فأما إذا كان عينا. # فإن اختلفا في قدره فإن كان مما يتعلق العقد بقدره بأن تزوجها على طعام ~~بعينه، فاختلفا في قدره، فقال الزوج: تزوجتك على هذا الطعام بشرط أنه كر ~~وقالت المرأة: تزوجتني عليه بشرط أنه كران، فهي مثل الاختلاف في الألف، ~~والألفين، وإن كان مما لا يتعلق العقد بقدره بأن تزوجها على ثوب بعينه كل ~~ذراع منه يساوي عشرة دراهم فاختلفا، فقال الزوج: تزوجتك على هذا الثوب بشرط ~~أنه ثمانية أذرع، فقالت: بشرط أنه عشرة أذرع لا يتحالفان، ولا يحكم مهر ~~المثل، والقول قول الزوج بالإجماع، ووجه الفرق بين الطعام، والثوب أن القدر ~~في باب الطعام معقود عليه حقيقة وشرعا أما الحقيقة؛ فلأن المعقود عليه عين، ~~وذات حقيقة. # وأما الشرع، فإنه إذا اشترى طعاما على أنه عشرة أقفزة، فوجده أحد عشر لا ~~يطيب له الفضل، والاختلاف في المعقود عليه يوجب التحالف. # فأما القدر في باب الثوب، وإن كان من أجزاء الثوب حقيقة لكنه جار مجرى ~~الوصف، وهو صفة الجودة شرعا؛ لأنه يوجب صفة الجودة لغيره من الأجزاء ألا ~~ترى أن من اشترى ثوبا على أنه عشرة أذرع، فوجده أحد عشر طاب له الفضل، ~~والاختلاف في صفة المعقود عليه إذا كان عينا لا يوجب التحالف كما إذا ~~اختلفا في صفة الجودة في العين، والأصل أن ما يوجب فوات بعضه نقصانا في ~~البقية، فهو جار مجرى الصفة، وما لا يوجب فوات بعضه نقصانا في الباقي لا ~~يكون جاريا مجرى الصفة، وإن اختلفا في جنسه، وعينه كالعبد والجارية ms1441 بأن قال ~~الزوج: تزوجتك على هذا العبد. # وقالت المرأة على هذه الجارية، فهو مثل الاختلاف في الألف، والألفين إلا ~~في فصل واحد، وهو ما إذا كان مهر مثلها مثل قيمة الجارية أو أكثر، فلها ~~قيمة الجارية لا عينها؛ لأن تمليك الجارية لا يكون إلا بالتراضي، ولم يتفقا ~~على تمليكها، فلم يوجد الرضا من صاحب الجارية بتمليكها، فتعذر التسليم، ~~فيقضى بقيمتها بخلاف ما إذا اختلفا في الدراهم أو الدنانير، فقال الزوج: ~~تزوجتك على ألف درهم. # وقالت المرأة على مائة دينار أن الاختلاف فيه كالاختلاف في الألف، ~~والألفين على معنى أن مهر مثلها إن كان مثل مائة دينار أو أكثر، فلها ~~المائة دينار لما مر أن مهر المثل يقضى من جنس الدراهم، والدنانير، فلا ~~يشترط فيه التراضي بخلاف العبد، فإن مهر المثل لا يقضى من جنسه، فلا يجوز ~~أن يملك من غير مراضاة، ولا يكون لها أكثر من قيمتها، وإن كان مهر مثلها ~~أكثر من قيمتها؛ لأنها رضيت بهذا القدر، وما كان القول فيه أي من العين قول ~~الزوج، فهلك، فاختلفا في قدر قيمته، فالقول فيه قول الزوج أيضا؛ لأن المسمى ~~مجمع عليه، فكانت القيمة دينا عليه، والاختلاف إذا وقع في قدر الدين، ~~فالقول قول المديون كما في سائر الديون هذا كله إذا اختلفا قبل الطلاق. # ولو اختلفا بعد الطلاق، فإن كان بعد الدخول أو قبل الدخول بعد الخلوة، ~~فالجواب في الفصول كلها كالجواب فيما لو اختلفا حال قيام النكاح؛ لأن ~~الطلاق بعد الدخول أو قبل الدخول بعد الخلوة مما لا يوجب سقوط مهر المثل، ~~وإن كان قبل الدخول بها، وقبل الخلوة، فإن كان المهر دينا، فاختلفا في ~~الألف، والألفين، فالقول قول الزوج، ويتنصف ما يقول الزوج كذا ذكر في كتاب ~~النكاح والطلاق، ولم يذكر الاختلاف كذا ذكر الطحاوي أنه يتنصف ما يقول ~~الزوج، ولم يذكر الخلاف. # وذكر الكرخي، وحكى الإجماع، فقال: # PageV02P307 # لها نصف الألف في قولهم. # وذكر محمد في الجامع الصغير. # وقال: ينبغي أن يكون القول قول المرأة إلى متعة مثلها، ms1442 والقول قول الزوج ~~في الزيادة على قياس قول أبي حنيفة، ووجهه أن المسمى لم يثبت لوقوع ~~الاختلاف فيه، والطلاق قبل الدخول في نكاح لا تسمية فيه يوجب المتعة، ويحكم ~~متعة مثلها؛ لأن المرأة ترضى بذلك، والزوج لا يرضى بالزيادة، فكان القول ~~قوله في الزيادة، والصحيح هو الأول؛ لأنه لا سبيل إلى تحكيم مهر المثل ~~ههنا؛ لأن مهر المثل لا يثبت في الطلاق قبل الدخول، فتعذر تحكيمه، فوجب ~~إثبات المتيقن، وهو نصف الألف، ومتعة مثلها لا تبلغ ذلك عادة، فلا معنى ~~لتحكيم المتعة على إقرار الزوج بالزيادة، وقيل لا خلاف بين الروايتين في ~~الحقيقة، وإنما اختلف الجواب لاختلاف وضع المسألة، فوضع المسألة في كتاب ~~النكاح في الألف، والألفين، ولا وجه لتحكيم المتعة؛ لأن الزوج أقر لها ~~بخمسمائة، وهي تزيد على متعة مثلها عادة، فقد أقر الزوج لها بمتعة مثلها، ~~وزيادة، فكان لها ذلك، ووضعها في الجامع الكبير في العشرة والمائة بأن قال ~~الزوج: تزوجتك على عشرة دراهم. # وقالت المرأة: تزوجتني على مائة درهم، ومتعة مثلها عشرون، ففي هذه الصورة ~~يكون الزوج مقرا لها بخمسة دراهم، وذلك أقل من متعة مثلها عادة، فكان لها ~~متعة مثلها، وإن كان المهر عينا كما في مسألة العبد، والجارية، فلها المتعة ~~إلا أن يرضى الزوج أن يأخذ نصف الجارية بخلاف ما إذا اختلفا في الألف، ~~والألفين؛ لأن نصف الألف هناك ثابتة بيقين لاتفاقهما على تسمية الألف، فكان ~~القضاء بنصفها حكما بالمتيقن، والملك في نصف الجارية ليس بثابت بيقين؛ ~~لأنهما لم يتفقا على تسمية أحدهما، فلم يمكن القضاء بنصف الجارية إلا ~~باختيارهما، فإذا لم يوجد سقط البدلان، فوجب الرجوع إلى المتعة هذا إذا كان ~~الاختلاف في حياة الزوجين، فإن كان في حياة أحدهما بعد موت الآخر بينه وبين ~~ورثة الميت، فكذلك الجواب أن القول قول المرأة إلى تمام مهر مثلها إن كانت ~~حية، وقول ورثتها إن كانت ميتة، والقول قول الزوج، وورثته في الزيادة ~~عندهما، وعند أبي يوسف القول قول، ورثة الزوج إلا أن يأتوا بشيء مستنكر، ms1443 ~~وإن كان الاختلاف بين ورثة الزوجين، فإن اختلفوا في أصل التسمية، وكونها، ~~فقد قال أبو حنيفة لا أقضي بشيء حتى تقوم البينة على أصل التسمية، وعندهما ~~يقضى بمهر المثل كما في حال الحياة. # وجه قولهما أن التسمية إذا لم تثبت لاختلافهما، وجب مهر المثل بالعقد، ~~فيبقى بعد موتهما كالمسمى، وصار كأنه تزوجها، ولم يسم لها مهرا، ثم ماتا، ~~وجواب أبي حنيفة هناك أنه لا يقضى بشيء حتى تقوم البينة على التسمية أما ~~قولهما أن مهر المثل يجب بالعقد عند عدم التسمية، فالجواب عنه من وجهين: ~~أحدهما: أنه وجب لكنه لم يبق إذ المهر لا يبقى بعد موت الزوجين عادة، وهذا ~~قول أبي حنيفة في المسألة بل الظاهر هو الاستيفاء والإبراء هذا هو العادة ~~بين الناس، فلا يثبت البقاء إلا بالبينة، والثاني: لئن سلمنا أنه بقي لكنه ~~تعذر القضاء به؛ لأن موضوع المسألة عند التقادم، وعند التقادم لا يدرى ما ~~حالها، ومهر المثل يقدر بحالها، فيتعذر التقدير على أن اعتبار مهرها بمهر ~~مثل نساء عشيرتها، فإذا ماتا، فالظاهر موت نساء عشيرتها، فلا يمكن التقدير ~~(وجه) قول أبي حنيفة في هذه المسألة مشكل، ولو اختلفت الورثة في قدر المهر، ~~فالقول قول ورثة الزوج عند أبي حنيفة. # وعند أبي يوسف القول قول، ورثة الزوج إلا أن يأتوا بشيء مستنكر جدا، وعند ~~محمد القول قول، ورثة المرأة إلى قدر مهر مثلها كما في حال الحياة ولو بعث ~~الزوج إلى امرأته شيئا، فاختلفا، فقالت المرأة: هو هدية. # وقال الزوج: هو من المهر، فالقول قول الزوج إلا في الطعام الذي يؤكل؛ لأن ~~الزوج هو المملك، فكان أعرف بجهة تمليكه، فكان القول قوله إلا فيما يكذبه ~~الظاهر، وهو الطعام الذي يؤكل؛ لأنه لا يبعث مهرا عادة. ### | [فصل اختلاف الزوجين في متاع البيت] # (فصل) : # ومما يتصل بهذا اختلاف الزوجين في متاع البيت، ولا بينة لأحدهما. # وجملة الكلام فيه أن الاختلاف في متاع البيت إما أن يكون بين الزوجين في ~~حال حياتهما، وإما أن يكون بين ورثتهما بعد وفاتهما، ms1444 وإما أن يكون في حال ~~حياة أحدهما، وموت الآخر، فإن كان في حال حياتهما، فإما أن يكون في حال ~~قيام النكاح، وإما أن يكون بعد زواله بالطلاق، فإن كان في حال قيام النكاح، ~~فما كان يصلح للرجال كالعمامة، والقلنسوة، والسلاح وغيرها، فالقول فيه قول ~~الزوج؛ لأن الظاهر شاهد له، وما يصلح للنساء مثل الخمار والملحفة والمغزل ~~ونحوها، فالقول فيه قول الزوجة؛ لأن الظاهر شاهد لها # PageV02P308 # وما يصلح لهما جميعا كالدراهم، والدنانير، والعروض والبسط والحبوب ونحوها ~~فالقول فيه قول الزوج. # وهذا قول أبي حنيفة، ومحمد. # وقال أبو يوسف: القول قول المرأة إلى قدر جهاز مثلها في الكل، والقول قول ~~الزوج في الباقي. # وقال زفر: في قول المشكل بينهما نصفان، وفي قول آخر، وهو قول مالك، ~~والشافعي الكل بينهما نصفان. # وقال: ابن أبي ليلى القول قول الزوج في الكل إلا في ثياب بدن المرأة. # وقال الحسن: القول قول المرأة في الكل إلا في ثياب بدن الرجل (وجه) قول ~~الحسن أن يد المرأة على ما في داخل البيت أظهر منه في يد الرجل، فكان ~~الظاهر لها شاهدا إلا في ثياب بدن الرجل؛ لأن الظاهر يكذبها في ذلك، ويصدق ~~الزوج (وجه) قول ابن أبي ليلى أن الزوج أخص بالتصرف فيما في البيت، فكان ~~الظاهر شاهدا له إلا في ثياب بدنها، فإن الظاهر يصدقها فيه، ويكذب الرجل ~~(وجه) قول زفر أن يد كل واحد من الزوجين إذا كانا حرين ثابتة على ما في ~~البيت، فكان الكل بينهما نصفين، وهو قياس قوله إلا أنه خص المشكل بذلك في ~~قول؛ لأن الظاهر يشهد لأحدهما في المشكل (وجه) قول أبي يوسف أن الظاهر يشهد ~~للمرأة إلى قدر جهاز مثلها؛ لأن المرأة لا تخلو عن الجهاز عادة، فكان ~~الظاهر شاهدا لها في ذلك القدر، فكان القول في هذا القدر قولها، والظاهر ~~يشهد للرجل في الباقي، فكان القول قوله في الباقي (وجه) قولهما أن يد الزوج ~~على ما في البيت أقوى من يد المرأة؛ لأن يده يد متصرفة، ويدها يد ms1445 حافظة، ~~ويد التصرف أقوى من يد الحفظ كاثنين يتنازعان في دابة، وأحدهما راكبها، ~~والآخر متعلق بلجامها أن الراكب أولى إلا أن فيما يصلح لها عارض هذا الظاهر ~~ما هو أظهر منه، فسقط اعتباره، وإن اختلفا بعد ما طلقها ثلاثا أو بائنا، ~~فالقول قول الزوج؛ لأنها صارت أجنبية بالطلاق، فزالت يدها، والتحقت بسائر ~~الأجانب هذا إذا اختلف الزوجان قبل الطلاق أو بعده (فأما) إذا ماتا، ~~فاختلف، ورثتهما، فالقول قول ورثة الزوج في قول أبي حنيفة، ومحمد، وعند أبي ~~يوسف القول قول ورثة المرأة إلى قدر جهاز مثلها، وقول ورثة الزوج في ~~الباقي؛ لأن الوارث يقوم مقام المورث، فصار كأن المورثين اختلفا بأنفسهما، ~~وهما حيان، وإن مات أحدهما، واختلف الحي وورثة الميت، فإن كان الميت هو ~~المرأة، فالقول قول الزوج عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنها لو كانت حية لكان ~~القول قوله، فبعد الموت أولى. # وعند أبي يوسف القول قول، ورثتها إلى قدر جهاز مثلها، وإن كان الميت هو ~~الزوج، فالقول قولها عند أبي حنيفة في المشكل، وعند أبي يوسف في قدر جهاز ~~مثلها، وعند محمد القول قول، ورثة الزوج (وجه) قولهما ظاهر؛ لأن الوارث ~~قائم مقام المورث، ولأبي حنيفة أن المتاع كان في يدهما في حياتهما؛ لأن ~~الحرة من أهل الملك واليد، فينبغي أن يكون بينهما نصفين كما قال زفر؛ لأن ~~يد الزوج كانت أقوى، فسقطت يدها بيد الزوج، فإذا مات الزوج، فقد زال ~~المانع، فظهرت يدها على المتاع. # ولو طلقها في مرضه ثلاثا أو بائنا، فمات، ثم اختلفت هي، وورثة الزوج، فإن ~~مات بعد انقضاء العدة، فالقول قول ورثة الزوج؛ لأن القول قول الزوج في ~~المشكل بعد الطلاق، فكان القول قول ورثته بعده أيضا، وإن مات قبل انقضاء ~~العدة، فالقول قولها عند أبي حنيفة في المشكل. # وعند أبي يوسف في قدر جهاز مثلها، وعند محمد القول قول ورثة الزوج؛ لأن ~~العدة إذا كانت قائمة كان النكاح قائما من وجه، فصار كما لو مات الزوج قبل ~~الطلاق، وبقيت المرأة، وهناك القول قولها ms1446 عند أبي حنيفة في المشكل وعند أبي ~~يوسف في قدر جهاز مثلها، وعند محمد القول قول ورثة الزوج كذا ههنا هذا كله ~~إذا كان الزوجان حرين أو مملوكين أو مكاتبين. # فأما إذا كان أحدهما حرا، والآخر مملوكا أو مكاتبا، فعند أبي حنيفة القول ~~قول الحر، وعندهما إن كان المملوك محجورا، فكذلك. # وأما إذا كان مأذونا أو مكاتبا، فالجواب فيه، وفيما إذا كانا حرين سواء ~~(وجه) قولهما أن المكاتب في ملك اليد بمنزلة الحر بل هو حر يدا، ولهذا كان ~~أحق بمكاسبه. # وكذا المأذون المديون، فصار كما لو اختلفا، وهما حران، ولأبي حنيفة أن كل ~~واحد منهما مملوك أما المأذون، فلا شك فيه. # وكذا المكاتب؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم على لسان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - والعبد اسم للمملوك، والمملوك لا يكون من أهل الملك، فلا تصلح ~~يده دليلا على الملك، فلا تصلح معارضة ليد الحر، فبقيت يده دليل الملك من ~~غير معارض بخلاف الحرين. # ولو كان الزوج حرا، والمرأة أمة أو مكاتبة أو مدبرة أو أم ولد، فأعتقت، ~~ثم اختلفا في متاع البيت، فما أحدثا من الملك قبل العتق، فهو # PageV02P309 # للزوج؛ لأنه حدث في وقت لم تكن المرأة فيه من أهل الملك، وما أحدثا من ~~الملك بعد العتق، فالجواب فيه، وفي الحرين سواء. # ولو كان الزوج مسلما، والمرأة ذمية، فالجواب فيه كالجواب في الزوجين ~~المسلمين؛ لأن الكفر لا ينافي أهلية الملك بخلاف الرق. # وكذا لو كان البيت ملكا لأحدهما لا يختلف الجواب؛ لأن العبرة لليد لا ~~للملك هذا كله إذا لم تقر المرأة أن هذا المتاع اشتراه لي زوجي، فإن أقرت ~~بذلك سقط قولها؛ لأنها أقرت بذلك لزوجها، ثم ادعت الانتقال، فلا يثبت ~~الانتقال إلا بدليل، وقد مرت المسألة. ### | [فصل الكفاءة في إنكاح غير الأب] # (فصل) : # ومنها الكفاءة في إنكاح غير الأب، والجد من الأخ، والعم، ونحوهما الصغير، ~~والصغيرة، وفي إنكاح الأب، والجد اختلاف أبي حنيفة مع صاحبيه. # وأما الطوع فليس بشرط لجواز النكاح عندنا خلافا للشافعي، ms1447 فيجوز نكاح ~~المكره عندنا. # وعنده لا يجوز، وهذه من مسائل كتاب الإكراه، وكذلك الجد ليس من شرائط ~~جواز النكاح حتى يجوز نكاح الهازل؛ لأن الشرع جعل الجد، والهزل في باب ~~النكاح سواء قال النبي: - صلى الله عليه وسلم - «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد ~~الطلاق والعتاق والنكاح» وكذلك العمد عندنا حتى يجوز نكاح الخاطئ وهو الذي ~~يسبق على لسانه كلمة النكاح من غير قصده. # وعند الشافعي شرط، والصحيح قولنا؛ لأن الثابت بالخطأ ليس إلا القصد، وأنه ~~ليس بشرط لجواز النكاح بدليل نكاح الهازل، وكذلك الحل أعني كونه حلالا غير ~~محرم أو كونها حلالا غير محرمة ليس بشرط لجواز النكاح عندنا، وعند الشافعي ~~شرط حتى يجوز نكاح المحرم، والمحرمة عندنا لكن لا يحل وطؤها في حال ~~الإحرام، وعنده لا يجوز (وجه) قوله أن الجماع من محظورات الإحرام، فكذا ~~النكاح؛ لأنه سبب داع إلى الجماع، ولهذا حرمت الدواعي على المحرم كما حرم ~~عليه الجماع، ولنا ما روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة - رضي الله عنها - وهو حرام» ، ~~وأدنى ما يستدل بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الجواز، ولا يعارض ~~هذا ما روى زيد بن الأصم «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج ~~ميمونة، وهو حلال بسرف» ، وأجمعوا على أنه ما تزوجها إلا مرة واحدة، فيقع ~~التعارض؛ لأن الأخذ برواية ابن عباس - رضي الله عنهما - أولى لوجهين ~~أحدهما: أنه يثبت أمرا عارضا، وهو الإحرام إذ الحل أصل، والإحرام عارض، ~~فتحمل رواية زيد على أنه بنى الأمر على الأصل، وهو الحل تحسينا للظن ~~بالروايتين، فكان راوي الإحرام معتمدا على حقيقة الحال، وراوي الحل بانيا ~~الأمر على الظاهر، فكانت رواية من اعتمد حقيقة الحال أولى، ولهذا رجحنا قول ~~الجارح على المزكي كذا هذا، والثاني أن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما ~~- أفقه، وأتقن من زيد، والترجيح بفقه الراوي، وإتقانه ترجيح صحيح على ما ~~عرف في أصول الفقه؛ ولأن المعاني التي لها ms1448 حسن النكاح في غير حال الإحرام ~~موجودة في حال الإحرام، فكان الفرق بين الحالين في الحكم مع وجود المعنى ~~الجامع بينهما مناقضة، وما ذكره من المعنى يبطل بنكاح الحائض والنفساء، ~~فإنه جائز بالإجماع، وإن كان النكاح سببا داعيا إلى الجماع، والله عز وجل ~~أعلم. ### | [فصل جواز وإفساد نكاح أهل الذمة] # (فصل) : # ثم كل نكاح جاز بين المسلمين، وهو الذي استجمع شرائط الجواز التي ~~وصفناها، فهو جائز بين أهل الذمة. # وأما ما، فسد بين المسلمين من الأنكحة، فإنها منقسمة في حقهم منها ما ~~يصح، ومنها ما يفسد، وهذا قول أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر: كل نكاح، فسد في حق المسلمين، فسد في حق أهل الذمة حتى لو ~~أظهروا النكاح بغير شهود يعترض عليهم، ويحملون على أحكامنا، وإن لم يرفعوا ~~إلينا. # وكذا إذا أسلموا يفرق بينهما عنده، وعندنا لا يفرق بينهما، وإن تحاكما ~~إلينا أو أسلما بل يقران عليه (وجه) قولهم إنهم لما قبلوا عقد الذمة، فقد ~~التزموا أحكامنا ورضوا بها، ومن أحكامنا أنه لا يجوز النكاح بغير شهود، ~~ولهذا لم يجز نكاحهم المحارم في حكم الإسلام؛ ولأن تحريم النكاح بغير شهود ~~في شريعتنا ثبت بخطاب الشرع على سبيل العموم بقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~«لا نكاح إلا بشهود» . # والكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات في الصحيح من الأقوال، فكانت حرمة ~~النكاح بغير شهود ثابتة في حقهم. # (ولنا) أنهم كانوا يتدينون النكاح بغير شهود، والكلام فيه، ونحن أمرنا ~~بتركهم، وما يدينون إلا ما استثني من عقودهم كالزنا، وهذا غير مستثنى منها # PageV02P310 # فيصح في حقهم كما يصح منهم تملك الخمر، والخنزير، وتمليكهما، فلا يعترض ~~عليهم كما لا يعترض في الخمر والخنزير؛ ولأن الشهادة ليست بشرط بقاء النكاح ~~على الصحة بدليل أنه لا يبطل بموت الشهود، فلا يجوز أن يكون شرط ابتداء ~~العقد في حق الكافر؛ لأن في الشهادة معنى العبادة قال الله: تعالى {وأقيموا ~~الشهادة لله} [الطلاق: 2] ، فلا يؤاخذ الكافر بمراعاة هذا الشرط في العقد؛ ~~ولأن نصوص الكتاب العزيز مطلقة عن شرط الشهادة، والتقييد بالشهادة ms1449 في نكاح ~~المسلم ثبت بدليل، فمن ادعى التقييد بها في حق الكافر يحتاج إلى الدليل. # (وأما) قوله إنهم بالذمة التزموا أحكام الإسلام، فنعم لكن جواز أنكحتهم ~~بغير شهود من أحكام الإسلام، وقوله تحريم النكاح بغير شهود عام ممنوع بل هو ~~خاص في حق المسلمين لوجود المخصص لأهل الذمة، وهو عمومات الكتاب. # ولو تزوج ذمي ذمية في عدة من ذمي جاز النكاح في قول أبي حنيفة، وهذا، ~~والنكاح بغير شهود سواء عندنا حتى لا يعترض عليهما بالتفريق، وإن ترافعا ~~إلينا. # ولو أسلما يقران على ذلك. # وقال أبو يوسف، ومحمد، وزفر، والشافعي: النكاح فاسد يفرق بينهما (وجه) ~~قولهم على نحو ما ذكرنا لزفر في النكاح بغير شهود، وهو أنهم بقبول الذمة ~~التزموا أحكامنا، ومن أحكامنا المجمع عليها، فساد نكاح المعتدة؛ ولأن ~~الخطاب بتحريم نكاح المعتدة عام قال تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى ~~يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] ، والكفار مخاطبون بالحرمات، وكلام أبي ~~حنيفة على نحو ما تقدم أيضا؛ لأن في ديانتهم عدم وجوب العدة، والكلام فيه، ~~فلم يكن هذا نكاح المعتدة في اعتقادهم، ونحن أمرنا بأن نتركهم، وما يدينون. # وكذا عمومات النكاح من الكتاب العزيز، والسنة مطلقة عن هذه الشريطة أعني ~~الخلو عن العدة، وإنما عرف شرطا في نكاح المسلمين بالإجماع، وقوله عز وجل ~~{ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] خطاب ~~للمسلمين، أو يحمل عليه عملا بالدلائل كلها صيانة لها عن التناقض؛ ولأن ~~العدة فيها معنى العبادة، وهي حق الزوج أيضا من وجه قال الله تعالى: {فما ~~لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] ، فمن حيث هي عبادة لا يمكن ~~إيجابها على الكافرة؛ لأن الكفار لا يخاطبون بشرائع هي عبادات أو قربات. # وكذا من حيث هي حق الزوج؛ لأن الكافر لا يعتقده حقا لنفسه بخلاف المسلم ~~إذا تزوج كتابية في عدة من مسلم أنه لا يجوز؛ لأن المسلم يعتقد العدة حقا ~~واجبا، فيمكن الإيجاب لحقه إن كان لا يمكن لحق الله تعالى من حيث هي عبادة، ~~ولهذا قلنا إنه ليس ms1450 للزوج المسلم أن يجبر امرأته الكافرة على الغسل من ~~الجنابة والحيض والنفاس؛ لأن الغسل من باب القربة، وهي ليست مخاطبة ~~بالقربات، وله أن يمنعها من الخروج من البيت؛ لأن الإسكان حقه، وأما نكاح ~~المحارم، والجمع بين خمس نسوة، والجمع بين الأختين، فقد ذكر الكرخي أن ذلك ~~كله فاسد في حكم الإسلام بالإجماع؛ لأن، فساد هذه الأنكحة في حق المسلمين ~~ثبت لفساد قطيعة الرحم، وخوف الجور في قضاء الحقوق من النفقة، والسكنى، ~~والكسوة، وغير ذلك، وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين المسلم، والكافر إلا أنه ~~مع الحرمة، والفساد لا يتعرض لهم قبل المرافعة، وقبل الإسلام؛ ولأنهم دانوا ~~ذلك، ونحن أمرنا أن نتركهم، وما يدينون كما لا يتعرض لهم في عبادة غير الله ~~تعالى، وإن كانت محرمة، وإذا ترافعا إلى القاضي، فالقاضي يفرق بينهما كما ~~يفرق بينهما بعد الإسلام؛ لأنهما إذا ترافعا، فقد تركا ما داناه، ورضيا ~~بحكم الإسلام، ولقوله تعالى {فإن جاءوك فاحكم بينهم} [المائدة: 42] ، وأما ~~إذا لم يترافعا، ولم يوجد الإسلام أيضا، فقد قال أبو حنيفة، ومحمد إنهما ~~يقران على نكاحهما، ولا يعترض عليهما بالتفريق. # وقال أبو يوسف: يفرق بينهما الحاكم إذا علم ذلك سواء ترافعا إلينا أو لم ~~يترافعا. # ولو رفع أحدهما دون الآخر قال أبو حنيفة: لا يعترض عليهما ما لم يترافعا ~~جميعا. # وقال محمد: إذا رفع أحدهما يفرق بينهما أما الكلام في المسألة الأولى، ~~فوجه قول أبي يوسف ظاهر قوله تعالى {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع ~~أهواءهم} [المائدة: 49] أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحكم ~~بينهم بما أنزله مطلقا عن شرط المرافعة، وقد أنزل سبحانه وتعالى حرمة هذه ~~الأنكحة، فيلزم الحكم بها مطلقا؛ ولأن الأصل في الشرائع هو العموم في حق ~~الناس كافة إلا أنه تعذر تنفيذها في دار الحرب لعدم الولاية، وأمكن في دار ~~الإسلام، فلزم التنفيذ فيها، وكان النكاح فاسدا، والنكاح الفاسد زنا من ~~وجه، فلا يمكنون منه كما لا يمكنون من الزنا في دار الإسلام، ولأبي حنيفة، ~~ومحمد قوله ms1451 تعالى {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} [المائدة: 42] ، ~~والآية حجة له في المسألتين جميعا أما في المسألة الأولى؛ فلأنه شرط المجيء ~~للحكم عليهم، وأثبت # PageV02P311 # سبحانه، وتعالى التخيير بين الحكم والإعراض إلا أنه قام الدليل على نسخ ~~التخيير، ولا دليل على نسخ شرط المجيء، فكان حكم الشرط باقيا، ويحمل المطلق ~~على المقيد لتعذر العمل بهما، وإمكان جعل المقيد بيانا للمطلق. # وأما في المسألة الثانية؛ فلأنه سبحانه، وتعالى شرط مجيئهم للحكم عليهم، ~~فإذا جاء أحدهما دون الآخر، فلم يوجد الشرط، وهو مجيئهم، فلا يحكم بينهم. # وروي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى مجوس هجر إما أن ~~تذروا الربا أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله» ، ولم يكتب إليهم في أنكحتهم ~~شيئا. # ولو كان التفريق مستحقا قبل المرافعة لكتب به كما كتب بترك الربا. # وروي أن المسلمين لما فتحوا بلاد فارس، ولم يتعرضوا لأنكحتهم، وما روي أن ~~عمر - رضي الله عنه - كتب أن يفرق بينهم وبين أمهاتهم لا يكاد يثبت؛ لأنه ~~لو ثبت لنقل على طريق الاستفاضة لتوفر الدواعي إلى نقلها، فلما لم ينقل دل ~~أنه لم يثبت أو يحمل على أنه كتب، ثم رجع عنه، ولم يعمل به؛ ولأن ترك ~~التعرض، والإعراض ثبت حقا لهما، فإذا رفع أحدهما، فقد أسقط حق نفسه، فبقي ~~حق الآخر. # (وجه) قول محمد أنه لما رفع أحدهما، فقد رضي بحكم الإسلام، فيلزم إجراء ~~حكم الإسلام في حقه، فيتعدى إلى الآخر كما إذا أسلم أحدهما إلا أن أبا ~~حنيفة يقول الرضا بالحكم ليس نظير الإسلام بدليل أنه لو رضي، ثم رجع عنه ~~قبل الحكم عليه لم يلزمه بحكم الإسلام، وبعد ما أسلم لا يمكنه أن يأبى ~~الرضا بأحكام الإسلام، وإذا لم يكن ذلك أمرا لازما ضروريا، فلا يتعدى إلى ~~غيره، وجعل رضاه في حق الغير كالعدم بخلاف الإسلام. # وذكر القاضي الإمام أبو زيد أن إنكاح المحارم صحيح فيما بينهم في قول أبي ~~حنيفة بدليل أن الذمي إذا تزوج بمحارمه، ودخل بها لم يسقط إحصانه عنده ms1452 حتى ~~لو قذفه إنسان بالزنا بعد ما أسلم يحد قاذفه عنده. # ولو كان النكاح فاسدا لسقط إحصانه؛ لأن الدخول في النكاح الفاسد يسقط ~~الإحصان كما في سائر الأنكحة الفاسدة، وكذلك لو ترافعا إلينا، فطلبت المرأة ~~النفقة، فإن القاضي يقضي بالنفقة في قول أبي حنيفة، فدل أن نكاح المحارم، ~~وقع صحيحا فيما بينهم في حكم الإسلام، واتفقوا على أنه لو تزوج حربي أختين ~~في عقدة، واحدة أو على التعاقب، ثم فارق إحداهما قبل الإسلام، ثم أسلم أن ~~نكاح الباقية صحيح، ومعلوم أن الباقي غير الثابت. # ولو وقع نكاحها فاسدا حال وقوعه لما أقر عليه بعد الإسلام، وكذلك لو تزوج ~~خمسا في عقد متفرقة، ثم فارق الأولى منهن، ثم أسلم بقي نكاح الأربع على ~~الصحة. # ولو وقع فاسدا من الأصل لما انقلب صحيحا بالإسلام بل كان يتأكد الفساد، ~~فثبت أن هذه الأنكحة، وقعت صحيحة في حقهم في حكم الإسلام، ثم يفرق بينهما ~~بعد الإسلام؛ لأنه لا صحة لها في حق المسلمين. # ولو طلق الذمي امرأته ثلاثا أو خالعها، ثم قام عليها كقيامه عليها قبل ~~الطلاق يفرق بينهما، وإن لم يترافعا؛ لأن العقد قد بطل بالطلقات الثلاث ~~وبالخلع؛ لأنه يدين بذلك، فكان إقراره على قيامه عليها إقرارا على الزنا، ~~وهذا لا يجوز. # ولو تزوج ذمي ذمية على أن لا مهر لها، وذلك في دينهم جائز صح ذلك، ولا ~~شيء لها في قول أبي حنيفة سواء دخل بها أو لم يدخل بها طلقها أو مات عنها ~~أسلما أو أسلم أحدهما. # وعند أبي يوسف، ومحمد لها مهر مثلها، ثم إن طلقها بعد الدخول أو بعد ~~الخلوة بها أو مات عنها تأكد ذلك، وإن طلقها قبل الدخول بها أو قبل الخلوة ~~سقط مهر المثل، ولها المتعة كالمسلمة. # ولو تزوج حربي حربية في دار الحرب على أن لا مهر لها جاز ذلك، ولا شيء ~~لها في قولهم جميعا، والكلام في الجانبين على نحو ما ذكرنا في المسائل ~~المتقدمة هما يقولان: إن حكم الإسلام قد لزم الزوجين الذميين ms1453 لالتزامهما ~~أحكامنا، ومن أحكامنا أنه لا يجوز النكاح من غير مال بخلاف الحربيين؛ ~~لأنهما ما التزما أحكامنا وأبو حنيفة يقول: إن في ديانتهم جواز النكاح بلا ~~مهر، ونحن أمرنا بأن نتركهم، وما يدينون إلا فيما وقع الاستثناء في عقودهم ~~كالربا، وهذا لم يقع الاستثناء عنه، فلا نتعرض لهم، ويكون جائزا في حقهم في ~~حكم الإسلام كما يجوز لهم في حكم الإسلام تملك الخمور، والخنازير، وتمليكها ~~هذا إذا تزوجها، وبقي المهر. # فأما إذا تزوجها، وسكت عن تسميته بأن تزوجها، ولم يسم لها مهرا، فلها مهر ~~المثل في ظاهر رواية الأصل، فإنه ذكر في الأصل أن الذمي إذا تزوج ذمية ~~بميتة، أو دم أو بغير شيء أن النكاح جائز، ولها مهر مثلها، فظاهر قوله أو ~~بغير شيء يشعر بالسكوت عن التسمية إلا بالنفي، فيدل على وجوب مهر المثل حال ~~السكوت عن التسمية، ففرق أبو حنيفة بين السكوت، وبين النفي، وحكي عن الكرخي ~~أنه قال: قياس قول أبي حنيفة أنه # PageV02P312 # لا فرق بين حالة السكوت، وبين النفي، ووجهه أنه لما جاز النكاح في ~~ديانتهم بمهر، وبغير مهر لم يكن في نفس العقد ما يدل على التزام المهر، فلا ~~بد لوجوبه من دليل، وهو التسمية، ولم توجد، فلا يجب بخلاف نكاح المسلمين؛ ~~لأنه لا جواز له بدون المهر، فكان ذلك العقد التزاما للمهر (ووجه) الفرق ~~بين السكوت، وبين النفي على ظاهر الرواية أنه لما سكت عن تسمية المهر لم ~~تعرف ديانته النكاح بلا مهر، فيجعل إقدامه على النكاح التزاما للمهر كما في ~~حق المسلمين، وإذا نفى المهر نصا دل أنه يدين النكاح، ويعتقده جائزا بلا ~~مهر، فلا يلزمه حكم نكاح أهل الإسلام بل يترك، وما يدينه، فهو الفرق، ثم ما ~~صلح مهرا في نكاح المسلمين، فإنه يصلح مهرا في نكاح أهل الذمة لا شك فيه؛ ~~لأنه لما جاز نكاحنا عليه كان نكاحهم عليه أجوز، وما لا يصلح مهرا في نكاح ~~المسلمين لا يصلح مهرا في نكاحهم أيضا إلا الخمر، والخنزير؛ لأن ذلك مال ~~متقوم ms1454 في حقهم بمنزلة الشاة، والخل في حق المسلمين، فيجوز أن يكون مهرا في ~~حقهم في حكم الإسلام، فإن تزوج ذمي ذمية على خمر أو خنزير، ثم أسلما أو ~~أسلم أحدهما، فإن كان الخمر، والخنزير بعينه، ولم يقبض، فليس لها إلا ~~العين، وإن كان بغير عينه بأن كان في الذمة، فلها في الخمر القيمة، وفي ~~الخنزير مهر مثلها، وهو قول أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف: لها مهر مثلها سواء كان بعينه أو بغير عينه. # وقال محمد لها القيمة سواء كان بعينه أو بغير عينه، ولا خلاف في أن الخمر ~~والخنزير إذا كان دينا في الذمة ليس لها غير ذلك (وجه) قولهما في أنه لا ~~يجوز أن يكون لها العين أن الملك في العين، وإن ثبت لها قبل الإسلام لكن في ~~القبض معنى التمليك؛ لأنه مؤكد للملك؛ لأن ملكها قبل القبض واه غير متأكد ~~ألا ترى أنه لو هلك عند الزوج كان الهلاك عليه. # وكذا لو تعيب، وبعد القبض كان ذلك كله عليها، فثبت أن الملك قبل القبض ~~غير متأكد، فكان القبض مؤكدا للملك، والتأكيد إثبات من وجه، فكان القبض ~~تمليكا من وجه والمسلم منهي عن ذلك، ولهذا لو اشترى ذمي من ذمي خمرا، ثم ~~أسلما أو أسلم أحدهما قبل القبض ينتقض البيع، ولأبي حنيفة أن المرأة تملك ~~المهر قبل القبض ملكا تاما إذ الملك نوعان: ملك رقبة، وملك يد، وهو ملك ~~التصرف، ولا شك أن ملك الرقبة ثابت لها قبل القبض، وكذلك ملك التصرف؛ لأنها ~~تملك التصرف في المهر قبل القبض من كل وجه، فلم يبق إلا صورة القبض، ~~والمسلم غير منهي عن صورة قبض الخمر والخنزير وإقباضهما كما إذا غصب مسلم ~~من مسلم خمرا أن الغاصب يكون مأمورا بالتسليم، والمغصوب منه يكون مأذونا له ~~في القبض. # وكذا الذمي إذا غصب منه الخمر، ثم أسلم، وكمسلم أودعه الذمي خمرا، ثم ~~أسلم الذمي أن له أن يأخذ الخمر من المودع يبقى هذا القدر، وهو أنه دخل ~~المهر في ضمانها بالقبض لكن هذا ms1455 لا يوجب ثبوت ملك لها لما ذكرنا أن ملكها ~~تام قبل القبض مع ما أن دخوله في ضمانها أمر عليها، فكيف يكون ملكا لها ~~بخلاف المبيع فإن ملك الرقبة، وإن كان ثابتا قبل القبض، فملك التصرف لم ~~يثبت، وإنما يثبت بالقبض، وفيه معنى التمليك، والتملك، والإسلام يمنع من ~~ذلك هذا إذا كانا عينين، فإن كانا دينين، فليس لها إلا العين بالإجماع؛ لأن ~~الملك في هذه العين التي تأخذها ما كان ثابتا لها بالعقد بل كان ثابتا في ~~الدين في الذمة، وإنما يثبت الملك في هذا المعين بالقبض، والقبض تملك من ~~وجه، والمسلم ممنوع من ذلك (وجه) قول أبي يوسف أن الإسلام لما منع القبض، ~~والقبض حكم العقد جعل كأن المنع كان ثابتا، وقت العقد فيصار إلى مهر المثل ~~كما لو كانا عند العقد مسلمين وجه قول محمد أن العقد وقع صحيحا، والتسمية ~~في العقد قد صحت إلا أنه تعذر التسليم بسبب الإسلام لما في التسليم من ~~التمليك من وجه على ما بينا، والمسلم ممنوع من ذلك، فيوجب القيمة كما لو ~~هلك المسمى قبل القبض، وأبو حنيفة يوجب القيمة في الخمر لما قاله محمد، وهو ~~القياس في الخنزير أيضا إلا أنه استحسن في الخنزير أيضا، وأوجب مهر المثل؛ ~~لأن الخنزير حيوان. # ومن تزوج امرأة على حيوان في الذمة يخير بين تسليمه، وبين تسليم قيمة ~~الوسط منه بل القيمة هي الأصل في التسليم؛ لأن الوسط يعرف بها على ما ذكرنا ~~فيما تقدم، فكان إيفاء قيمة الخنزير بعد الإسلام حكم إيفاء الخنزير من وجه، ~~ولا سبيل إلى إيفاء العين بعد الإسلام، فلا سبيل إلى إيفاء القيمة بخلاف ~~الخمر؛ لأن قيمتها لم تكن واجبة قبل الإسلام ألا ترى أنه لو جاء الزوج ~~بالقيمة لا تجبر المرأة على القبول، فلم يكن لبقائها حكم بقاء الخمر من وجه ~~لذلك افترقا هذا كله إذا لم يكن المهر مقبوضا قبل الإسلام، فإن كان مقبوضا، ~~فلا شيء # PageV02P313 # للمرأة؛ لأن الإسلام متى ورد، والحرام مقبوض يلاقيه بالعفو؛ لأن الملك قد ms1456 ~~ثبت على سبيل الكمال بالعقد والقبض في حال الكفر، فلا يثبت بعد الإسلام ~~ملك، وإنما يوجد، دوام الملك، والإسلام لا ينافيه، كمسلم تخمر عصيره أنه لا ~~يؤمر بإبطال ملكه فيها، وكما في نزول تحريم الربا. # وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما دخل مكة أبطل من الربا ما ~~لم يقبض، ولم يتعرض - صلى الله عليه وسلم - لما قبض بالفسخ، وهو أحد ~~تأويلات قوله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من ~~الربا إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 278] أمر سبحانه بترك ما بقي من الربا، ~~والأمر بترك ما بقي من الربا هو النهي عن قبضه، والله عز وجل الموفق. # ولو تزوجها على ميتة أو دم ذكر في الأصل أن لها مهر مثلها، وذكر في ~~الجامع الصغير أنه لا شيء لها منهم، ووفق بين الروايتين، فحمل ما ذكره في ~~الأصل على الذميين، وما ذكره في الجامع على الحربيين، ومنهم من جعل في ~~المسألة روايتين (وجه) رواية الأصل أنه لما تزوجها على الميتة والدم، فلم ~~يرض باستحقاق بضعها إلا ببدل، وقد تعذر استحقاق المسمى؛ لأنه ليس بمال في ~~حق أحد، فكان لها مهر المثل كالمسلمة (وجه) رواية الجامع الصغير أنها لما ~~رضيت بالميتة مع أنها ليست بمال كان ذلك منها دلالة الرضا باستحقاق بضعها ~~بغير عوض أصلا كما إذا تزوجها على أن لا مهر لها، والله عز وجل أعلم. ### | [فصل حكم عقد الذمي والحربي] # (فصل) : # ثم كل عقد إذا عقده الذمي كان فاسدا، فإذا عقده الحربي؛ كان فاسدا أيضا؛ ~~لأن المعنى المفسد لا يوجب الفصل بينهما، وهو ما ذكرنا فيما تقدم. # ولو تزوج كافر بخمس نسوة أو بأختين، ثم أسلم، فإن كان تزوجهن في عقدة ~~واحدة فرق بينه وبينهن، وإن كان تزوجهن في عقد متفرقة صح نكاح الأربع، وبطل ~~نكاح الخامسة، وكذا في الأختين يصح نكاح الأولى، وبطل نكاح الثانية، وهذا ~~قول أبي حنيفة وأبي يوسف. # وقال محمد: يختار من الخمس أربعا، ومن الأختين واحدة سواء تزوجهن في ms1457 عقدة ~~واحدة أو في عقد استحسانا، وبه أخذ الشافعي احتج، محمد بما روي «أن غيلان ~~أسلم، وتحته عشر نسوة، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يختار ~~أربعا منهن» . # وروي «أن قيس بن الحارث أسلم، وتحته ثمان نسوة، فأمره رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يختار منهن أربعا» . # وروي «أن، فيروز الديلمي أسلم، وتحته أختان، فخيره رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -» ، ولم يستفسر أن نكاحهن كان دفعة واحدة أو على الترتيب. # ولو كان الحكم يختلف لاستفسر، فدل أن حكم الشرع فيه هو التخيير مطلقا، ~~ولأبي حنيفة، وأبي يوسف أن الجمع محرم على المسلم والكافر جميعا؛ لأن حرمته ~~ثبتت لمعنى معقول، وهو خوف الجور في إيفاء حقوقهن، والإفضاء إلى قطع الرحم ~~على ما ذكرنا فيما تقدم، وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين المسلم، والكافر ~~إلا أنه لا يتعرض لأهل الذمة مع قيام الحرمة؛ لأن ذلك ديانتهم، وهو غير ~~مستثنى من عهودهم، وقد نهينا عن التعرض لهم عن مثله بعد إعطاء الذمة، وليس ~~لنا ولاية التعرض لأهل الحرب، فإذا أسلم، فقد زال المانع، فلا يمكن من ~~استيفاء الجمع بعد الإسلام، فإذا كان تزوج الخمس في عقدة واحدة، فقد حصل ~~نكاح كل واحدة منهن جميعا إذ ليست إحداهن بأولى من الأخرى، والجمع محرم، ~~وقد زال المانع من التعرض، فلا بد من الاعتراض بالتفريق، وكذلك إذا تزوج ~~الأختين في عقدة واحدة؛ لأن نكاح واحدة منهما جعل جمعا إذ ليست إحداهما ~~بأولى من الأخرى، والإسلام يمنع من ذلك، ولا مانع من التفريق فيفرق. # فأما إذا كان تزوجهن على الترتيب في عقد متفرقة، فنكاح الأربع منهن، وقع ~~صحيحا؛ لأن الحر يملك التزوج بأربع نسوة مسلما كان أو كافرا، ولم يصح نكاح ~~الخامسة لحصوله جمعا، فيفرق بينهما بعد الإسلام، وكذلك إذا كان تزوج ~~الأختين في عقدتين، فنكاح الأولى، وقع صحيحا إذ لا مانع من الصحة، وبطل ~~نكاح الثانية لحصوله جمعا، فلا بد من التفريق بعد الإسلام. # وأما الأحاديث، ففيها إثبات الاختيار للزوج المسلم لكن ms1458 ليس فيها أن له أن ~~يختار ذلك بالنكاح الأول أو بنكاح جديد، فاحتمل أنه أثبت له الاختيار لتجدد ~~العقد عليهن، ويحتمل أنه أثبت له الاختيار ليمسكهن بالعقد الأول، فلا يكون ~~حجة مع الاحتمال مع ما أنه قد روي أن ذلك قبل تحريم الجمع، فإنه روي في ~~الخبر أن غيلان أسلم، وقد كان تزوج في الجاهلية. # وروي عن مكحول أنه قال: كان ذلك قبل نزول الفرائض، وتحريم الجمع ثبت ~~بسورة النساء الكبرى، وهي # PageV02P314 # مدنية. # وروي «أن، فيروز لما هاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: له إن ~~تحتي أختين، فقال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - ارجع، فطلق إحداهما» ، ~~ومعلوم أن الطلاق إنما يكون في النكاح الصحيح، فدل أن ذلك العقد وقع صحيحا ~~في الأصل، فدل أنه كان قبل تحريم الجمع، ولا كلام فيه، وعلى هذا الخلاف إذا ~~تزوج الحربي بأربع نسوة، ثم سبي هو، وسبين معه أن عند أبي حنيفة، وأبي يوسف ~~يفرق بينه، وبين الكل سواء تزوجهن في عقدة واحدة أو في عقد متفرقة؛ لأن ~~نكاح الأربع، وقع صحيحا؛ لأنه كان حرا وقت النكاح، والحر يملك التزوج بأربع ~~نسوة مسلما كان أو كافرا إلا أنه تعذر الاستيفاء بعد الاسترقاق لحصول الجمع ~~من العبد في حال البقاء بين أكثر من اثنتين، والعبد لا يملك الاستيفاء، ~~فيقع جمعا بين الكل، ففرق بينه، وبين الكل، ولا يخير فيه كما إذا تزوج ~~رضيعتين، فأرضعتهما امرأة بطل نكاحهما، ولا يخير كذا هذا. # وعند محمد يخير فيه، فيختار اثنتين منهن كما يخير الحر في أربع نسوة من ~~نسائه. # ولو كان الحربي تزوج أما وبنتا، ثم أسلم، فإن كان تزوجهما في عقدة واحدة، ~~فنكاحهما باطل، وإن كان تزوجهما متفرقا، فنكاح الأولى جائز، ونكاح الأخرى ~~باطل في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف كما قالا في الجمع بين الخمس، والجمع بين ~~الأختين. # وقال محمد: نكاح البنت هو الجائز سواء تزوجهما في عقدة واحدة أو في ~~عقدتين، ونكاح الأم باطل؛ لأن مجرد عقد الأم لا يحرم البنت، وهذا ms1459 إذا لم ~~يكن دخل بواحدة منهما. # ولو أنه كان دخل بهما جميعا، فنكاحهما جميعا باطل بالإجماع؛ لأن مجرد ~~الدخول يوجب التحريم سواء دخل بالأم أو بالبنت، ولو لم يدخل بالأولى، ولكن ~~دخل بالثانية، فإن كانت الأولى بنتا، والثانية أما؛ فنكاحهما جميعا باطل ~~بالإجماع؛ لأن نكاح البنت يحرم الأم، والدخول بالأم يحرم البنت. # ولو كان دخل بإحداهما، فإن كان دخل بالأولى، ثم تزوج الثانية، فنكاح ~~الأولى جائز، ونكاح الثانية باطل بالإجماع. # ولو تزوج الأم أولا، ولم يدخل بها، ثم تزوج البنت، ودخل بها، فنكاحهما ~~جميعا باطل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف إلا أنه يحل له أن يتزوج بالبنت، ~~ولا يحل له أن يتزوج بالأم، وعند محمد نكاح البنت هو الجائز، وقد دخل بها، ~~وهي امرأته، ونكاح الأم باطل. ### | [فصل شرائط اللزوم] # (فصل) : # وأما شرائط اللزوم، فنوعان: في الأصل نوع هو شرط وقوع النكاح لازما، ونوع ~~هو شرط بقائه على اللزوم. # (أما) الأول، فأنواع: منها أن يكون الولي في إنكاح الصغير والصغيرة هو ~~الأب والجد، فإن كان غير الأب والجد من الأولياء كالأخ والعم لا يلزم ~~النكاح حتى يثبت لهما الخيار بعد البلوغ، وهذا قول أبي حنيفة، ومحمد، وعند ~~أبي يوسف هذا ليس بشرط، ويلزم نكاح غير الأب والجد من الأولياء حتى لا يثبت ~~لهما الخيار (وجه) قول أبي يوسف إن هذا النكاح صدر من ولي، فيلزم كما إذا ~~صدر عن الأب والجد وهذا؛ لأن ولاية الإنكاح، ولاية نظر في حق المولى عليه ~~فيدل ثبوتها على حصول النظر، وهذا يمنع ثبوت الخيار؛ لأن الخيار لو ثبت ~~إنما يثبت لنفي الضرر ولا ضرر، فلا يثبت الخيار، ولهذا لم يثبت في نكاح ~~الأب، والجد كذا هذا، ولهما ما روي «أن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان ~~بن مظعون من عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - فخيرها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بعد البلوغ، فاختارت نفسها» حتى روي أن ابن عمر قال: إنها ~~انتزعت مني بعد ما ملكتها، وهذا نص في ms1460 الباب؛ ولأن أصل القرابة إن كان يدل ~~على أصل النظر؛ لكونه دليلا على أصل الشفقة، فقصورها يدل على قصور النظر ~~لقصور الشفقة بسبب بعد القرابة، فيجب اعتبار أصل القرابة بإثبات أصل ~~الولاية، واعتبار القصور بإثبات الخيار تكميلا للنظر، وتوفيرا في حق الصغير ~~بتلافي التقصير لو وقع، ولا يتوهم التقصير في إنكاح الأب، والجد لوفور ~~شفقتهما لذلك لزم إنكاحهما، ولم يلزم إنكاح الأخ والعم على أن القياس في ~~إنكاح الأب والجد أن لا يلزم إلا أنهم استحسنوا في ذلك لما روي أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لما تزوج عائشة - رضي الله عنها - وبلغت لم ~~يعلمها بالخيار بعد البلوغ. # ولو كان الخيار ثابتا لها، وذلك حقها لأعلمها به، وهل يلزم إذا زوجها ~~الحاكم ذكر في الأصل ما يدل على أنه لا يلزم، فإنه قال: إذا زوجها غير الأب ~~والجد، فلها الخيار، والحاكم غير الأب والجد هكذا قول محمد أن لها الخيار، ~~وروى خالد بن صبيح المروزي عن أبي حنيفة أنه لا خيار لها (وجه) هذه الرواية ~~أن ولاية الحاكم أعم من ولاية الأخ والعم؛ لأنه يملك التصرف في النفس ~~والمال جميعا، فكانت، ولايته شبيهة بولاية # PageV02P315 # الأب والجد، وولايتهما ملزمة كذلك ولاية الحاكم (وجه) رواية الأصل أن، ~~ولاية الأخ والعم أقوى من ولاية الحاكم بدليل أنهما يتقدمان عليه حتى لا ~~يزوج الحاكم مع وجودهما، ثم ولايتهما غير ملزمة، فولاية الحاكم أولى، وإذا ~~ثبت الخيار لكل واحد منهما، وهو اختيار النكاح أو الفرقة، فيقع الكلام بعد ~~هذا في موضعين أحدهما: في بيان وقت ثبوت الخيار، والثاني في بيان ما يبطل ~~به الخيار أما الأول، فالخيار يثبت بعد البلوغ لا قبله حتى لو رضيت بالنكاح ~~قبل البلوغ لا يعتبر، ويثبت الخيار بعد البلوغ؛ لأن أهلية الرضا تثبت بعد ~~البلوغ لا قبله، فيثبت الخيار بعد البلوغ لا قبله. # وأما الثاني، فما يبطل به الخيار نوعان: نص ودلالة أما النص، فهو صريح ~~الرضا بالنكاح نحو أن تقول رضيت بالنكاح، واخترت النكاح أو أجزته، وما يجري ms1461 ~~هذا المجرى، فيبطل خيار الفرقة، ويلزم النكاح. # وأما الدلالة، فنحو السكوت من البكر عقيب البلوغ؛ لأن سكوت البكر دليل ~~الرضا بالنكاح لما ذكرنا فيما تقدم أن البكر لغلبة حيائها تستحي عن إظهار ~~الرضا بالنكاح. # فأما سكوت الثيب، فإن كان وطئها قبل البلوغ، فبلغت وهي ثيب، فسكتت عقيب ~~البلوغ، فلا يبطل به الخيار؛ لأنها لا تستحي عن إظهار الرضا بالنكاح عادة؛ ~~لأن بالثيابة قل حياؤها، فلا يصح سكوتها دليلا على الرضا بالنكاح، فلا يبطل ~~خيارها إلا بصريح الرضا بالنكاح أو بفعل أو بقول يدل على الرضا نحو التمكين ~~من الوطء وطلب المهر، والنفقة، وغير ذلك. # وكذا سكوت الغلام بعد البلوغ؛ لأن الغلام لا يستحي عن إظهار الرضا ~~بالنكاح إذ ذاك دليل الرجولية، فلا يسقط خياره إلا بنص كلامه أو بما يدل ~~على الرضا بالنكاح من الدخول بها، وطلب التمكن منها، وإدرار النفقة عليها، ~~ونحو ذلك، ثم العلم بالنكاح شرط بطلان الخيار من طريق الدلالة حتى لو لم ~~تكن عالمة بالنكاح لا يبطل الخيار؛ لأن بطلان الخيار لوجود الرضا منها ~~دلالة، والرضا بالشيء قبل العلم به لا يتصور إذ هو استحسان الشيء. # ومن لم يعلم بشيء كيف يستحسنه، فإذا كانت عالمة بالنكاح، ووجد منها دليل ~~الرضا بالنكاح بطل خيارها، ولا يمتد هذا الخيار إلى آخر المجلس بل يبطل ~~بالسكوت من البكر بخلاف خيار العتق، وخيار المخيرة؛ لأن التخيير هناك، وجد ~~من العبد، وهو الزوج أو المولى أما في الزوج، فظاهر. # وكذا في المولى؛ لأن الخيار يثبت بالعتق، والعتق حصل بإعتاقه، والتخيير ~~من العبد تمليك فيقتضي جوابا في المجلس، فيمتد إلى آخر المجلس كخيار القبول ~~في البيع بخلاف خيار البلوغ؛ لأنه ما ثبت بصنع العبد بل بإثبات الشرع، فلم ~~يكن تمليكا، فلا يمتد إلى آخر المجلس، وإن لم تكن عالمة بالنكاح، فلها ~~الخيار حين تعلم بالنكاح، ثم خيار البلوغ يثبت للذكر والأنثى، وخيار العتق ~~لا يثبت إلا للمعتقة؛ لأن خيار البلوغ يثبت لقصور الولاية وذا لا يختلف ~~بالذكورة والأنوثة، وخيار العتق ثبت لزيادة ms1462 الملك عليها بالعتق، وذا يختص ~~بها. # وكذا خيار البلوغ للذكر والأنثى إذا كانت الأنثى ثيبا لا يبطل بالقيام عن ~~المجلس، وخيار العتق، والمخيرة يبطل والفرق على نحو ما ذكرنا من خيار البكر ~~وخيار العتق، وخيار المخيرة أن الأول يبطل بالسكوت، والثاني لا يبطل. # وأما العلم بالخيار، فليس بشرط، والجهل به ليس بعذر؛ لأن دار الإسلام دار ~~العلم بالشرائع، فيمكن الوصول إليها بالتعلم، فكان الجهل بالخيار في غير ~~موضعه، فلا يعتبر، ولهذا لا يعذر العوام في دار الإسلام بجهلهم بالشرائع ~~بخلاف خيار العتق، فإن العلم بالخيار هناك شرط، والجهل به عذر، وإن كان دار ~~الإسلام دار العلم بالشرائع، والأحكام؛ لأن الوصول إليها ليس من طريق ~~الضرورة بل بواسطة التعلم، والأمة لا تتمكن من التعلم؛ لأنها لا تتفرغ لذلك ~~لاشتغالها بخدمة مولاها بخلاف الحرة، ثم إذا اختار أحدهما الفرقة، فهذه ~~الفرقة لا تثبت إلا بقضاء القاضي بخلاف خيار العتق، فإن المعتقة إذا اختارت ~~نفسها تثبت الفرقة بغير قضاء القاضي (وجه) الفرق أن أصل النكاح ههنا ثابت، ~~وحكمه نافذ، وإنما الغائب وصف الكمال، وهو صفة اللزوم، فكان الفسخ من أحد ~~الزوجين رفع الأصل بفوات الوصف، وفوات الوصف لا يوجب رفع الأصل لما فيه من ~~جعل الأصل تبعا للوصف، وليس له هذه الولاية، وبه حاجة إلى ذلك، فلا بد من ~~رفعه إلى من له الولاية العامة، وهو القاضي؛ ليرفع النكاح دفعا # لحاجة # الصغير الذي بلغ، ونظرا له بخلاف خيار المعتق؛ لأن الملك ازداد عليها ~~بالعتق، ولها أن لا ترضى بالزيادة، فكان لها أن تدفع الزيادة، ولا يمكن ~~دفعها إلا # PageV02P316 # باندفاع ما كان ثابتا، فيندفع الثابت ضرورة دفع الزيادة، وهذا يمكن إذ ~~ليس بعض الملك تابعا لبعض، فلا تقع الحاجة إلى قضاء القاضي، ونظير الفصلين ~~الرد بالعيب قبل القبض وبعده أن الأول يثبت بدون قضاء القاضي، والثاني لا ~~يثبت عند عدم التراضي منهما إلا بقضاء القاضي، والله عز وجل أعلم. # ولو زوج ابنته ابن أخيه، فلا خيار لها بالإجماع؛ لأن النكاح صدر عن الأب. # وأما ms1463 ابن الأخ، فله الخيار في قول أبي حنيفة، ومحمد لصدور النكاح عن ~~العم، وعند أبي يوسف لا خيار له، والمسألة قد مرت. # ولو أعتق أمته، ثم زوجها، وهي صغيرة، فلها خيار البلوغ؛ لأن ولاية الولاء ~~دون ولاية القرابة، فلما ثبت الخيار ثمة، فلأن يثبت ههنا أولى، ولو زوجها، ~~ثم أعتقها، وهي صغيرة، فلها إذا بلغت خيار العتق لا خيار البلوغ؛ لأن ~~النكاح صادفها، وهي رقيقة. ### | [فصل شرط كفاءة الزوج في إنكاح المرأة الحرة] # (فصل) : # ومنها كفاءة الزوج في إنكاح المرأة الحرة البالغة العاقلة نفسها من غير ~~رضا الأولياء بمهر مثلها، فيقع الكلام في هذا الشرط في أربعة مواضع:. # أحدها: في بيان أن الكفاءة في باب النكاح هل هي شرط لزوم النكاح في ~~الجملة؟ أم لا؟ . # والثاني: في بيان النكاح الذي الكفاءة من شرط لزومه، والثالث: في بيان ما ~~تعتبر فيه الكفاءة، والرابع: في بيان من يعتبر له الكفاءة، أما الأول: فقد ~~قال عامة العلماء: أنها شرط. # وقال الكرخي: ليست بشرط أصلا، وهو قول مالك، وسفيان الثوري، والحسن ~~البصري، واحتجوا بما روي «أن أبا طيبة خطب إلى بني بياضة، فأبوا أن يزوجوه ~~فقال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - أنكحوا أبا طيبة إن لا تفعلوا تكن ~~فتنة في الأرض، وفساد كبير» . # وروي أن «بلالا - رضي الله عنه - خطب إلى قوم من الأنصار، فأبوا أن ~~يزوجوه، فقال له رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - قل لهم إن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يأمركم أن تزوجوني» أمرهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالتزويج عند عدم الكفاءة. # ولو كانت معتبرة لما أمر؛ لأن التزويج من غير كفء غير مأمور به. # «وقال: - صلى الله عليه وسلم - ليس لعربي على عجمي، فضل إلا بالتقوى» ، ~~وهذا نص؛ ولأن الكفاءة لو كانت معتبرة في الشرع لكان أولى الأبواب ~~بالاعتبار بها باب الدماء؛ لأنه يحتاط فيه ما لا يحتاط في سائر الأبواب، ~~ومع هذا لم يعتبر حتى يقتل الشريف بالوضيع، فههنا أولى، والدليل عليه أنها ~~لم تعتبر ms1464 في جانب المرأة، فكذا في جانب الزوج. # (ولنا) ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يزوج ~~النساء إلا الأولياء، ولا يزوجن إلا من الأكفاء، ولا مهر أقل من عشرة ~~دراهم» ، ولأن مصالح النكاح تختل عند عدم الكفاءة؛ لأنها لا تحصل إلا ~~بالاستفراش، والمرأة تستنكف عن استفراش غير الكفء، وتعير بذلك، فتختل ~~المصالح؛ ولأن الزوجين يجري بينهما مباسطات في النكاح لا يبقى النكاح بدون ~~تحملها عادة، والتحمل من غير الكفء أمر صعب يثقل على الطباع السليمة، فلا ~~يدوم النكاح مع عدم الكفاءة، فلزم اعتبارها، ولا حجة لهم في الحديثين؛ لأن ~~الأمر بالتزويج يحتمل أنه كان ندبا لهم إلى الأفضل، وهو اختيار الدين، وترك ~~الكفاءة فيما سواه، والاقتصار عليه، وهذا لا يمنع جواز الامتناع. # وعندنا الأفضل اعتبار الدين، والاقتصار عليه، ويحتمل أنه كان أمر إيجاب ~~أمرهم بالتزويج منهما مع عدم الكفاءة تخصيصا لهم بذلك كما خص أبا طيبة ~~بالتمكين من شرب دمه - صلى الله عليه وسلم - وخص خزيمة بقبول شهادته، وحده، ~~ونحو ذلك، ولا شركة في موضع الخصوصية حملنا الحديثين على ما قلنا توفيقا ~~بين الدلائل. # وأما الحديث الثالث، فالمراد به أحكام الآخرة إذ لا يمكن حمله على أحكام ~~الدنيا لظهور فضل العربي على العجمي في كثير من أحكام الدنيا، فيحمل على ~~أحكام الآخرة، وبه نقول، والقياس على القصاص غير سديد؛ لأن القصاص شرع ~~لمصلحة الحياة، واعتبار الكفاءة فيه يؤدي إلى تفويت هذه المصلحة؛ لأن كل ~~أحد يقصد قتل عدوه الذي لا يكافئه، فتفوت المصلحة المطلوبة من القصاص، وفي ~~اعتبار الكفاءة في باب النكاح تحقيق المصلحة المطلوبة من النكاح من الوجه ~~الذي بينا، فبطل الاعتبار. # وكذا الاعتبار بجانب المرأة لا يصح أيضا؛ لأن الرجل لا يستنكف عن استفراش ~~المرأة الدنيئة؛ لأن الاستنكاف عن المستفرش لا عن المستفرش، والزوج مستفرش، ~~فيستفرش الوطيء والخشن. ### | [فصل إنكاح المرأة نفسها من غير رضا الأولياء] # (فصل) : # وأما الثاني فالنكاح الذي الكفاءة فيه شرط لزومه هو إنكاح المرأة نفسها ~~من غير رضا الأولياء ms1465 لا يلزم # PageV02P317 # حتى لو زوجت نفسها من غير كفء من غير رضا الأولياء لا يلزم. # وللأولياء حق الاعتراض؛ لأن في الكفاءة حقا للأولياء؛ لأنهم ينتفعون بذلك ~~ألا ترى أنهم يتفاخرون بعلو نسب الختن، ويتعيرون بدناءة نسبه، فيتضررون ~~بذلك، فكان لهم أن يدفعوا الضرر عن أنفسهم بالاعتراض كالمشتري إذا باع ~~الشقص المشفوع، ثم جاء الشفيع كان له أن يفسخ البيع، ويأخذ المبيع بالشفعة ~~دفعا للضرر عن نفسه كذا هذا. # ولو كان التزويج برضاهم يلزم حتى لا يكون لهم حق الاعتراض؛ لأن التزويج ~~من المرأة تصرف من الأهل في محل هو خالص حقها، وهو نفسها، وامتناع اللزوم ~~كان لحقهم المتعلق بالكفاءة، فإذا رضوا، فقد أسقطوا حق أنفسهم، وهم من أهل ~~الإسقاط، والمحل قابل للسقوط، فيسقط. # ولو رضي به بعض الأولياء سقط حق الباقين في قول أبي حنيفة، ومحمد، وعند ~~أبي يوسف لا يسقط. # وجه قوله أن حقهم في الكفاءة ثبت مشتركا بين الكل، فإذا رضي به أحدهم، ~~فقد أسقط حق نفسه، فلا يسقط حق الباقين كالدين إذا وجب لجماعة، فأبرأ بعضهم ~~لا يسقط حق الباقين لما قلنا كذا هذا؛ ولأن رضا أحدهم لا يكون أكثر من ~~رضاها، فإن زوجت نفسها من غير كفء بغير رضاهم لا يسقط حق الأولياء برضاها، ~~فلأن لا يسقط برضا أحدهم أولى، ولهما أن هذا حق واحد لا يتجزأ ثبت بسبب لا ~~يتجزأ، وهو القرابة، وإسقاط بعض ما لا يتجزأ إسقاط لكله؛ لأنه لا بعض له، ~~فإذا أسقط واحد منهم لا يتصور بقاؤه في حق الباقين كالقصاص إذا وجب لجماعة، ~~فعفا أحدهم عنه أنه يسقط حق الباقين كذا هذا؛ ولأن حقهم في الكفاءة ما ثبت ~~لعينه بل لدفع الضرر، والتزويج من غير كفء وقع إضرارا بالأولياء من حيث ~~الظاهر، وهو ضرر عدم الكفاءة، فالظاهر أنه لا يرضى به أحدهم إلا بعد علمه ~~بمصلحة حقيقية هي أعظم من مصلحة الكفاءة وقف هو عليها، وغفل عنها الباقون ~~لولاها لما رضي، وهي دفع ضرر الوقوع في الزنا على تقدير الفسخ. # وأما ms1466 قوله الحق ثبت مشتركا بينهم، فنقول على الوجه الأول ممنوع بل ثبت ~~لكل واحد منهم على الكمال كأن ليس معه غيره؛ لأن ما لا يتجزأ لا يتصور فيه ~~الشركة كحق القصاص، والأمان بخلاف الدين، فإنه يتجزأ فتتصور فيه الشركة؟ ~~وبخلاف ما إذا زوجت نفسها من غير كفء بغير رضا الأولياء؛ لأن هناك الحق ~~متعدد، فحقها خلاف جنس حقهم؛ لأن حقها في نفسها، وفي نفس العقد، ولا حق لهم ~~في نفسها، ولا في نفس العقد، وإنما حقهم في دفع الشين عن أنفسهم، وإذا ~~اختلف جنس الحق، فسقوط أحدهما لا يوجب سقوط الآخر. # وأما على الوجه الثاني، فمسلم لكن هذا الحق ما ثبت لعينه بل لدفع الضرر، ~~وفي إبقائه لزوم أعلى الضررين، فسقط ضرورة، وكذلك الأولياء لو زوجوها من ~~غير كفء برضاها يلزم النكاح لما قلنا. # ولو زوجها أحد الأولياء من غير كفء برضاها من غير رضا الباقين يجوز عند ~~عامة العلماء خلافا لمالك بناء على أن ولاية الإنكاح ولاية مستقلة لكل واحد ~~منهم عندنا، وعنده ولاية مشتركة، وقد ذكرنا المسألة في شرائط الجواز، وهل ~~يلزم قال أبو حنيفة، ومحمد: يلزم. # وقال أبو يوسف، وزفر، والشافعي: لا يلزم، وجه قولهم على نحو ما ذكرنا ~~فيما تقدم أن الكفاءة حق ثبت للكل على الشركة، وأحد الشريكين إذا أسقط حق ~~نفسه لا يسقط حق صاحبه كالدين المشترك، وجه قولهما أن هذا حق واحد لا يتجزأ ~~ثبت بسبب لا يتجزأ، ومثل هذا الحق إذا ثبت لجماعة يثبت لكل واحد منهم على ~~الكمال كأن ليس معه غيره كالقصاص والأمان؛ ولأن إقدامه على النكاح مع كمال ~~الرأي برضاها مع التزام ضرر ظاهر بالقبيلة وبنفسه، وهو ضرر عدم الكفاءة ~~بلحوق العار والشين دليل كونه مصلحة في الباطن، وهو اشتماله على دفع ضرر ~~أعظم من ضرر عدم الكفاءة، وهو ضرر عار الزنا أو غيره لولاه لما فعل. # وأما إنكاح الأب، والجد الصغير والصغيرة، فالكفاءة فيه ليست بشرط للزومه ~~عند أبي حنيفة كما أنها ليست بشرط الجواز عنده، فيجوز ذلك، ms1467 ويلزم لصدوره ~~ممن له كمال نظر لكمال الشفقة بخلاف إنكاح الأخ والعم من غير الكفء أنه لا ~~يجوز بالإجماع؛ لأنه ضرر محض على ما بينا في شرائط الجواز. # وأما إنكاحهما من الكفء، فجائز عندنا خلافا للشافعي لكنه غير لازم في قول ~~أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف لازم، والمسألة قد مرت. ### | [فصل بيان ما تعتبر فيه الكفاءة] # (فصل) : # وأما الثالث في بيان ما تعتبر فيه الكفاءة، فما تعتبر فيه الكفاءة أشياء. # منها النسب، والأصل فيه قول النبي # PageV02P318 # - صلى الله عليه وسلم - «قريش بعضهم أكفاء لبعض، والعرب بعضهم أكفاء ~~لبعض، حي بحي، وقبيلة بقبيلة، والموالي بعضهم أكفاء لبعض، رجل برجل» ؛ لأن ~~التفاخر، والتعيير يقعان بالأنساب، فتلحق النقيصة بدناءة النسب، فتعتبر فيه ~~الكفاءة، فقريش بعضهم أكفاء لبعض على اختلاف قبائلهم حتى يكون القرشي الذي ~~ليس بهاشمي كالتيمي، والأموي والعدوي، ونحو ذلك كفئا للهاشمي لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - «قريش بعضهم أكفاء لبعض» ، وقريش تشتمل على بني هاشم، ~~والعرب بعضهم أكفاء لبعض بالنص، ولا تكون العرب كفئا لقريش لفضيلة قريش على ~~سائر العرب، ولذلك اختصت الإمامة بهم قال النبي: - صلى الله عليه وسلم - ~~«الأئمة من قريش» بخلاف القرشي أنه يصلح كفئا للهاشمي، وإن كان للهاشمي من ~~الفضيلة ما ليس للقرشي لكن الشرع أسقط اعتبار تلك الفضيلة في باب النكاح ~~عرفنا ذلك بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الصحابة - رضي ~~الله عنهم -، فإنه روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زوج ابنته من ~~عثمان - رضي الله عنه - وكان أمويا لا هاشميا، وزوج علي - رضي الله عنه - ~~ابنته من عمر - رضي الله عنه - ولم يكن هاشميا بل عدويا، فدل أن الكفاءة في ~~قريش لا تختص ببطن دون بطن، واستثنى محمد - رضي الله عنه - بيت الخلافة، ~~فلم يجعل القرشي الذي ليس بهاشمي كفئا له، ولا تكون الموالي أكفاء للعرب ~~لفضل العرب على العجم، والموالي بعضهم أكفاء لبعض بالنص، وموالي العرب ~~أكفاء لموالي قريش لعموم قوله «، والموالي بعضهم أكفاء لبعض رجل برجل» ، ثم ~~مفاخرة ms1468 العجم بالإسلام لا بالنسب. # ومن له أب واحد في الإسلام لا يكون كفئا لمن له آباء كثيرة في الإسلام؛ ~~لأن تمام التعريف بالجد، والزيادة على ذلك لا نهاية لها، وقيل هذا إذا كان ~~في موضع قد طال عهد الإسلام وامتد. # فأما إذا كان في موضع كان عهد الإسلام قريبا بحيث لا يعير بذلك، ولا يعد ~~عيبا يكون بعضهم كفئا لبعضهم؛ لأن التعيير إذا لم يجبر بذلك، ولم يعد عيبا ~~لم يلحق الشين والنقيصة، فلا يتحقق الضرر. ### | [فصل في ما تعتبر فيه الكفاءة ومنها الحرية] # (فصل) : # ومنها الحرية؛ لأن النقص، والشين بالرق، فوق النقص، والشين بدناءة النسب، ~~فلا يكون القن، والمدبر، والمكاتب كفئا للحرة بحال، ولا يكون مولى العتاقة ~~كفئا لحرة الأصل، ويكون كفئا لمثله؛ لأن التفاخر يقع بالحرة الأصلية، ~~والتعيير يجري في الحرية العارضة المستفادة بالإعتاق. # وكذا من له أب واحد في الحرية لا يكون كفئا لمن له أبوان، فصاعدا في ~~الحرية. # ومن له أبوان في الحرية لا يكون كفئا لمن له آباء كثيرة في الحرية كما في ~~إسلام الآباء؛ لأن أصل التعريف بالأب، وتمامه بالجد، وليس وراء التمام شيء. # وكذا مولى الوضيع لا يكون كفئا لمولاة الشريف حتى لا يكون مولى العرب ~~كفئا لمولاة بني هاشم حتى لو زوجت مولاة بني هاشم نفسها من مولى العرب كان ~~لمعتقها حق الاعتراض؛ لأن الولاء بمنزلة النسب قال النبي: - صلى الله عليه ~~وسلم - «الولاء لحمة كلحمة النسب» . ### | [فصل في كفاءة الفقير للغنية في النكاح] # (فصل) : # ومنها المال، فلا يكون الفقير كفئا للغنية؛ لأن التفاخر بالمال أكثر من ~~التفاخر بغيره عادة، وخصوصا في زماننا هذا؛ ولأن للنكاح تعلقا بالمهر ~~والنفقة تعلقا لازما، فإنه لا يجوز بدون المهر، والنفقة لازمة، ولا تعلق له ~~بالنسب والحرية، فلما اعتبرت الكفاءة ثمة، فلأن تعتبر ههنا أولى، والمعتبر ~~فيه القدرة على مهر مثلها، والنفقة، ولا تعتبر الزيادة على ذلك حتى أن ~~الزوج إذا كان قادرا على مهر مثلها، ونفقتها يكون كفئا لها، وإن كان لا ~~يساويها في المال ms1469 هكذا روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد في ظاهر الروايات # وذكر في غير رواية الأصول أن تساويهما في الغنى شرط تحقق الكفاءة في قول ~~أبي حنيفة، ومحمد خلافا لأبي يوسف؛ لأن التفاخر يقع في الغنى عادة، والصحيح ~~هو الأول؛ لأن الغنى لا ثبات له؛ لأن المال غاد ورائح، فلا تعتبر المساواة ~~في الغنى. # ومن لا يملك مهرا، ولا نفقة لا يكون كفئا؛ لأن المهر عوض ما يملك بهذا ~~العقد، فلا بد من القدرة عليه، وقيام الازدواج بالنفقة، فلا بد من القدرة ~~عليها؛ ولأن من لا قدرة له على المهر، والنفقة يستحقر، ويستهان في العادة ~~كمن له نسب دنيء، فتختل به المصالح كما تختل عند دناءة النسب، وقيل المراد ~~من المهر قدر المعجل عرفا وعادة دون ما في الذمة؛ لأن ما في الذمة يسامح ~~فيه بالتأخير إلى وقت اليسار، فلا يطلب به للحال عادة، والمال غاد ورائح. # وروي عن أبي يوسف أنه إذا ملك النفقة يكون كفئا، وإن لم يملك المهر هكذا ~~روى الحسن بن أبي مالك # PageV02P319 # عنه، فإنه روى عنه أنه قال: سألت أبا يوسف عن الكفء، فقال: الذي يملك ~~المهر، والنفقة، فقلت، وإن كان يملك المهر دون النفقة، فقال: لا يكون كفئا، ~~فقلت، فإن ملك النفقة دون المهر، فقال: يكون كفئا، وإنما كان كذلك؛ لأن ~~المرء يعد قادرا على المهر بقدرة أبيه عادة، ولهذا لم يجز دفع الزكاة إلى ~~ولد الغني إذا كان صغيرا، وإن كان فقيرا في نفسه؛ لأنه يعد غنيا بمال أبيه، ~~ولا يعد قادرا على النفقة بغنى أبيه؛ لأن الأب يتحمل المهر الذي على ابنه، ~~ولا يتحمل نفقة زوجته عادة. # وقال: بعضهم إذا كان الرجل ذا جاه كالسلطان والعالم، فإنه يكون كفئا، وإن ~~كان لا يملك من المال إلا قدر النفقة لما ذكرنا أن المهر تجري فيه المسامحة ~~بالتأخير إلى وقت اليسار، والمال يغدو، ويروح، وحاجة المعيشة تندفع ~~بالنفقة. ### | [فصل الكفاءة في الدين] # (فصل) : # ومنها الدين في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف حتى لو أن ms1470 امرأة من بنات ~~الصالحين إذا زوجت نفسها من فاسق كان للأولياء حق الاعتراض عندهما؛ لأن ~~التفاخر بالدين أحق من التفاخر بالنسب، والحرية والمال، والتعيير بالفسق ~~أشد وجوه التعيير. # وقال محمد: لا تعتبر الكفاءة في الدين؛ لأن هذا من أمور الآخرة، والكفاءة ~~من أحكام الدنيا، فلا يقدح فيها الفسق إلا إذا كان شيئا، فاحشا بأن كان ~~الفاسق ممن يسخر منه، ويضحك عليه، ويصفع، فإن كان ممن يهاب منه بأن كان ~~أميرا قتالا يكون كفئا؛ لأن هذا الفسق لا يعد شيئا في العادة، فلا يقدح في ~~الكفاءة، وعن أبي يوسف أن الفاسق إذا كان معلنا لا يكون كفئا، وإن كان ~~مستترا يكون كفئا. ### | [فصل الكفاءة في الحرف والصناعات] # (فصل) : # وأما الحرفة، فقد ذكر الكرخي أن الكفاءة في الحرف، والصناعات معتبرة عند ~~أبي يوسف، فلا يكون الحائك كفئا للجوهري والصيرفي، وذكر أن أبا حنيفة بنى ~~الأمر فيها على عادة العرب أن مواليهم يعملون هذه الأعمال لا يقصدون بها ~~الحرف، فلا يعيرون بها، وأجاب أبو يوسف على عادة أهل البلاد أنهم يتخذون ~~ذلك حرفة، فيعيرون بالدنيء من الصنائع، فلا يكون بينهم خلاف في الحقيقة. # وكذا ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي اعتبار الكفاءة في الحرفة، ولم ~~يذكر الخلاف، فتثبت الكفاءة بين الحرفتين في جنس واحد كالبزاز مع البزاز، ~~والحائك مع الحائك، وتثبت عند اختلاف جنس الحرف إذا كان يقارب بعضها بعضا ~~كالبزاز مع الصائغ، والصائغ مع العطار، والحائك مع الحجام، والحجام مع ~~الدباغ، ولا تثبت فيما لا مقاربة بينهما كالعطار مع البيطار، والبزاز مع ~~الخراز، وذكر في بعض نسخ الجامع الصغير أن الكفاءة في الحرف معتبرة في قول ~~أبي حنيفة، وعند أبي يوسف غير معتبرة إلا أن تكون فاحشة كالحياكة، والحجامة ~~والدباغة، ونحو ذلك؛ لأنها ليست بأمر لازم واجب الوجود ألا ترى أنه يقدر ~~على تركها، وهذا يشكل بالحياكة وأخواتها، فإنه قادر على تركها، ومع هذا ~~يقدح في الكفاءة، والله تعالى الموفق، وأهل الكفر بعضهم أكفاء لبعض؛ لأن ~~اعتبار الكفاءة لدفع النقيصة، ولا نقيصة ms1471 أعظم من الكفر. ### | [فصل بيان من تعتبر له الكفاءة] # (فصل) : # وأما بيان من تعتبر له الكفاءة، فالكفاءة تعتبر للنساء لا للرجال على ~~معنى أنه تعتبر الكفاءة في جانب الرجال للنساء، ولا تعتبر في جانب النساء ~~للرجال؛ لأن النصوص وردت بالاعتبار في جانب الرجال خاصة. # وكذا المعنى الذي شرعت له الكفاءة يوجب اختصاص اعتبارها بجانبهم؛ لأن ~~المرأة هي التي تستنكف لا الرجل؛ لأنها هي المستفرشة. # فأما الزوج، فهو المستفرش، فلا تلحقه الأنفة من قبلها. # ومن مشايخنا من قال: إن الكفاءة في جانب النساء معتبرة أيضا عند أبي ~~يوسف، ومحمد استدلالا بمسألة ذكرها في الجامع الصغير في باب الوكالة، وهي ~~أن أميرا أمر رجلا أن يزوجه امرأة، فزوجه أمة لغيره قال: جاز عند أبي ~~حنيفة، وعندهما لا يجوز، ولا دلالة في هذه المسألة على ما زعموا؛ لأن عدم ~~الجواز عندهما يحتمل أن يكون لمعنى آخر، وهو أن من أصلهما أن التوكيل ~~المطلق يتقيد بالعرف والعادة، فينصرف إلى المتعارف كما في الوكيل بالبيع ~~المطلق، ومن أصل أبي حنيفة أنه يجرى على إطلاقه في غير موضع الضرورة، ~~والتهمة، ويحتمل أن يكون عدم الجواز عندهما لاعتبار الكفاءة في تلك المسألة ~~خاصة حملا للمطلق على المتعارف كما هو أصلهما إذ المتعارف هو التزويج ~~بالكفء، فاستحسنا اعتبار الكفاءة في جانبهن في مثل تلك الصورة لمكان العرف، ~~والعادة، وقد نص محمد - رحمه الله - على القياس، والاستحسان في تلك المسألة ~~في وكالة الأصل، فلم تكن هذه المسألة دليلا # PageV02P320 # على اعتبار الكفاءة في جانبهن أصلا عندهما، ولا تكون دليلا على ذلك على ~~الإطلاق بل في تلك الصورة خاصة استحسانا للعرف. # ولو أظهر رجل نسبه لامرأة، فزوجت نفسها منه، ثم ظهر نسبه على خلاف ما ~~أظهره، فالأمر لا يخلو إما أن يكون المكتوم مثل المظهر، وإما أن يكون أعلى ~~منه، وإما أن يكون أدون، فإن كان مثله بأن أظهر أنه تيمي، ثم ظهر أنه عدوي، ~~فلا خيار لها؛ لأن الرضا بالشيء يكون رضا بمثله، وإن كان أعلى منه بأن أظهر ~~أنه ms1472 عربي، فظهر أنه قرشي، فلا خيار لها أيضا؛ لأن الرضا بالأدنى يكون رضا ~~بالأعلى من طريق الأولى، وعن الحسن ابن زياد أن لها الخيار؛ لأن الأعلى لا ~~يحتمل منها ما يحتمل الأدنى، فلا يكون الرضا منها بالمظهر رضا بالأعلى منه، ~~وهذا غير سديد؛ لأن الظاهر أنها ترضى بالكفء، وإن كان الكفء لا يحتمل منها ~~ما يحتمل غير الكفء؛ لأن غير الكفء ضرره أكثر من نفعه، فكان الرضا بالمظهر ~~رضا بالأعلى منه من طريق الأولى، وإن كان أدون منه بأن أظهر أنه قرشي، ثم ~~ظهر أنه عربي، فلها الخيار، وإن كان كفئا لها بأن كانت المرأة عربية؛ لأنها ~~إنما رضيت بشرط الزيادة، وهي زيادة مرغوب فيها، ولم تحصل، فلا تكون راضية ~~بدونها، فكان لها الخيار. # وروي أنه لا خيار لها؛ لأن الخيار لدفع النقص، ولا نقيصة؛ لأنه كفء لها ~~هذا إذا فعل الرجل ذلك. # فأما إذا، فعلت المرأة بأن أظهرت امرأة نسبها لرجل، فتزوجها، ثم ظهر ~~بخلاف ما أظهرت، فلا خيار للزوج سواء تبين أنها حرة أو أمة؛ لأن الكفاءة في ~~جانب النساء غير معتبرة، ويتصل بهذا ما إذا تزوج رجل امرأة على أنها حرة، ~~فولدت منه، ثم أقام رجل البينة على أنها أمته، فإن المولى بالخيار إن شاء ~~أجاز النكاح، وإن شاء أبطله؛ لأن النكاح حصل بغير إذن المولى، فوقف على ~~إجازته، ويغرم العقر؛ لأنه وطئ جارية غير مملوكة له حقيقة، فلا يخلو عن ~~عقوبة أو غرامة، ولا سبيل إلى إيجاب العقوبة للشبهة، فتجب الغرامة، وأما ~~الولد، فإن كان المغرور حرا؛ فالولد حر بالقيمة لإجماع الصحابة - رضي الله ~~عنهم - على ذلك، فإنه روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قضى بذلك بمحضر من ~~الصحابة - رضي الله عنهم -، ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد، فيكون إجماعا؛ ~~ولأن الاستيلاد حصل بناء على ظاهر النكاح إذ لا علم للمستولد بحقيقة الحال، ~~فكان المستولد مستحقا للنظر، والمستحق مستحقا للنظر أيضا؛ لأنه ظهر كون ~~الجارية ملكا له، فتجب مراعاة الحقين بقدر الإمكان، فراعينا حق المستولد ms1473 في ~~صورة الأولاد، وحق المستحق في معنى الأولاد رعاية للجانبين بقدر الإمكان، ~~وتعتبر قيمته يوم الخصومة؛ لأنه وقت سبب وجوب الضمان، وهو منع الولد عن ~~المستحق له؛ لأنه علق عبدا في حقه، ومنع عنه يوم الخصومة. # ولو مات الولد قبل الخصومة لا يغرم قيمته؛ لأن الضمان يجب بالمنع، ولم ~~يوجد المنع من المغرور؛ ولأنه لا صنع له في موته، وإن كان الابن ترك مالا، ~~فهو ميراث لأبيه؛ لأنه ابنه، وقد مات حرا، فيرثه، ولا يغرم للمستحق شيئا؛ ~~لأن الميراث ليس ببدل عن الميت، وإن كان الابن قتله رجل، وأخذ الأب الدية، ~~فإنه يغرم قيمته للمستحق؛ لأن الدية بدل عن المقتول، فتقوم مقامه كأنه حي، ~~وإن كان رجل ضرب بطن الجارية، فألقت جنينا ميتا يغرم الضارب الغرة خمسمائة، ~~ثم يغرم المستولد للمستحق، فإن كان الولد ذكرا، فنصف عشر قيمته، وإن كان ~~أنثى، فعشر قيمتها، وإن كان المغرور عبدا، فالأولاد يكونون أرقاء للمستحق ~~في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، وعند محمد يكونون أحرارا، ويكونون أولاد ~~المغرور (وجه) قول محمد أن هذا ولد المغرور حقيقة لانخلاقه من مائه، وولد ~~المغرور حر بالقيمة بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، ولهما أن القياس أن ~~يكون الولد ملك المستحق؛ لأن الجارية تبين أنها ملكه، فيتبين أن الولد حدث ~~على ملكه؛ لأن الولد يتبع الأم في الحرية، والرق إلا أنا تركنا القياس ~~بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، وهم إنما قضوا بحرية الولد في المغرور ~~الحر، فبقي الأمر في غيره مردودا إلى أصل القياس، ثم المغرور هل يرجع بما ~~غرم على الغار، والغار لا يخلو إما أن يكون أجنبيا، وإما أن يكون مولى ~~الجارية، وإما أن يكون هي الجارية، فإن كان أجنبيا فإن كان حرا، فغره بأن ~~قال: تزوج بها، فإنها حرة أو لم يأمره بالتزويج لكنه زوجها على أنها حرة أو ~~قال: هي حرة، وزوجها منه، فإنه يرجع على الغار بقيمة الأولاد؛ لأنه صار ~~ضامنا له ما يلحقه من الغرامة في ذلك النكاح، فيرجع عليه بحكم الضمان، ولا ms1474 ~~يرجع عليه بالعقر؛ لأنه ضمنه بفعل نفسه، فلا يرجع على أحد. # ولو قال: هي حرة، ولم يأمره بالتزويج، ولم يزوجها منه لا يرجع على المخبر ~~بشيء؛ لأن # PageV02P321 # معنى الضمان، والالتزام لا يتحقق بهذا القدر، وإن كان الغار عبد الرجل، ~~فإن كان مولاه لم يأمره بذلك يرجع عليه بعد العتاق، وإن كان أمره بذلك رجع ~~عليه للحال إلا إذا كان مكاتبا أو مكاتبة، فإنه يرجع عليه بعد العتاق؛ لأن ~~أمر المولى بذلك لا يصح، وإن كان المولى هو الذي غره، فلا يضمن المغرور من ~~قيمة الأولاد شيئا؛ لأنه لو ضمن للمولى لكان له أن يرجع على المولى بما ~~ضمن، فلا يفيد وجوب الضمان، وإن كانت الأمة هي التي غرته؛ فإن كان المولى ~~لم يأمرها بذلك، فإن المغرور يرجع على الأمة بعد العتاق لا للحال؛ لأنه دين ~~لم يظهر في حق المولى، وإن كان أمرها بذلك يرجع على الأمة للحال؛ لأنه ظهر، ~~وجوبه في حق المولى هذا إذا غره أحد أما إذا لم يغره أحد، ولكنه ظن أنها ~~حرة، فتزوجها، فإذا هي أمة، فإنه لا يرجع بالعقر على أحد لما قلنا، ~~والأولاد أرقاء لمولى الأمة؛ لأن الجارية ملكه، والله أعلم. ### | [فصل كمال مهر المثل في إنكاح الحرة العاقلة البالغة] # (فصل) : # ومنها كمال مهر المثل في إنكاح الحرة العاقلة البالغة نفسها من غير كفء ~~بغير رضا الأولياء في قول أبي حنيفة حتى لو زوجت نفسها من كفء بأقل من مهر ~~مثلها مقدار ما لا يتغابن فيه الناس بغير رضا الأولياء، فللأولياء حق ~~الاعتراض عنده، فإما أن يبلغ الزوج إلى مهر مثلها أو يفرق بينهما، وعند أبي ~~يوسف، ومحمد هذا ليس بشرط، ويلزم النكاح بدونه حتى يثبت للأولياء حق ~~الاعتراض، وهاتان المسألتان أعني هذه المسألة. # والمسألة المتقدمة عليها، وهي ما إذا زوجت نفسها من غير كفء، وبغير رضا ~~الأولياء لا شك أنهما يتفرعان على أصل أبي حنيفة وزفر، وإحدى الروايتين عن ~~أبي يوسف، ورواية الرجوع عن محمد؛ لأن النكاح جائز. # وأما على أصل محمد ms1475 في ظاهر الرواية عنه، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، ~~فلا يجوز هذا النكاح، فيشكل التفريع، فتصور المسألة فيما إذا أذن الولي لها ~~بالتزويج، فزوجت نفسها من غير كفء أو من كفء بأقل من مهر مثلها، وذكر في ~~الأصل صورة أخرى، وهي ما إذا أكره الولي، والمرأة على النكاح من غير كفء أو ~~من كفء بأقل من مهر مثلها، ثم زال الإكراه، ففي المسألة الأولى لكل واحد ~~منهما أعني الولي والمرأة حق الاعتراض، وإن رضي أحدهما لا يبطل حق الآخر، ~~وفي المسألة الثانية لها حق الاعتراض، فإن رضيت بالنكاح، والمهر، فللولي أن ~~يفسخ في قول أبي حنيفة، وفي قول محمد، وأبي يوسف الأخير ليس له أن يفسخ، ~~وتصور المسألة على أصل الشافعي فيما إذا أمر الولي رجلا بالتزويج، فزوجها ~~من غير كفء برضاها أو من كفء بمهر قاصر برضاها (وجه) قول أبي يوسف، ومحمد ~~أن المهر حقها على الخلوص كالثمن في البيع، والأجرة في الإجارة، فكانت هي ~~بالنقص متصرفة في خالص حقها، فيصح، ويلزم كما إذا أبرأت زوجها عن المهر؛ ~~ولهذا جاز الإبراء عن الثمن في باب البيع، والبيع بثمن بخس كذا هذا، ولأبي ~~حنيفة أن للأولياء حقا في المهر؛ لأنهم يفتخرون بغلاء المهر، ويتعيرون ~~ببخسه، فيلحقهم الضرر بالبخس، وهو ضرر التعيير، فكان لهم دفع الضرر عن ~~أنفسهم بالاعتراض، ولهذا يثبت لهم حق الاعتراض بسبب عدم الكفاءة كذا هذا؛ ~~ولأنها بالبخس عن مهر مثلها أضرت بنساء قبيلتها؛ لأن مهور مثلها عند تقادم ~~العهد تعتبر بها، فكانت بالنقص ملحقة الضرر بالقبيلة، فكان لهم دفع هذا ~~الضرر عن أنفسهم بالفسخ، والله أعلم. ### | [فصل خلو الزوج عن عيب الجب والعنة عند عدم الرضا من الزوجة] # (فصل) : # ومنها خلو الزوج عن عيب الجب، والعنة عند عدم الرضا من الزوجة بهما عند ~~عامة العلماء. # وقال بعضهم: عيب العنة لا يمنع لزوم النكاح، واحتجوا بما روي «أن امرأة ~~رفاعة أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقالت: يا رسول الله إني كنت ~~تحت رفاعة، فطلقني آخر التطليقات ms1476 الثلاث، وتزوجت عبد الرحمن بن الزبير، ~~فوالله ما، وجدت معه إلا مثل الهدبة، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، وقال: لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق ~~عسيلتك» . # فوجه الاستدلال أن تلك المرأة ادعت العنة على زوجها، ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يثبت لها الخيار، ولو لم يقع النكاح لازما لا ثبت؛ ~~ولأن هذا العيب لا يوجب، فوات المستحق بالعقد بيقين، فلا يوجب الخيار كسائر ~~أنواع العيوب بخلاف الجب، فإنه يفوت المستحق بالعقد بيقين. # (ولنا) إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، فإنه روي عن عمر - رضي الله عنه ~~- أنه قضى في العنين أنه يؤجل سنة، فإن قدر عليها، وإلا أخذت منه الصداق ~~كاملا، وفرق بينهما، وعليها العدة. # وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - مثله، وروي عن علي - رضي الله عنه - ~~أنه قال: يؤجل سنة، فإن وصل إليها، وإلا فرق # PageV02P322 # بينهما، وكان قضاؤهم بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم -، ولم ينقل أنه ~~أنكر عليهم أحد منهم، فيكون إجماعا؛ ولأن الوطء مرة واحدة مستحق على الزوج ~~للمرأة بالعقد، وفي إلزام العقد عند تقرر العجز عن الوصول تفويت المستحق ~~بالعقد عليها، وهذا ضرر بها، وظلم في حقها، وقد قال الله تعالى {ولا يظلم ~~ربك أحدا} [الكهف: 49] . # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر، ولا ضرار في الإسلام» ، ~~فيؤدي إلى التناقض، وذلك محال؛ لأن الله تعالى أوجب على الزوج الإمساك ~~بالمعروف أو التسريج بإحسان، بقوله تعالى عز وجل: {فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان} [البقرة: 229] ومعلوم أن استيفاء النكاح عليها مع كونها محرومة ~~الحظ من الزوج ليس من الإمساك بالمعروف في شيء، فتعين عليه التسريح ~~بالإحسان، فإن سرح بنفسه، وإلا ناب القاضي منابه في التسريح؛ ولأن المهر ~~عوض في عقد النكاح، والعجز عن الوصول يوجب عيبا في العوض؛ لأنه يمنع من ~~تأكده بيقين لجواز أن يختصما إلى قاض لا يرى تأكد المهر بالخلوة، فيطلقها، ~~ويعطيها نصف المهر، فيتمكن في المهر عيب، وهو عدم التأكد بيقين، والعيب في ms1477 ~~العوض يوجب الخيار كما في البيع، ولا حجة لهم في الحديث؛ لأن تلك المقالة ~~منها لم تكن دعوى العنة بل كانت كناية عن معنى آخر، وهو دقة القضيب، ~~والاعتبار بسائر العيوب لا يصح؛ لأنها لا توجب فوات المستحق بالعقد لما ~~نذكر في تلك المسألة إن شاء الله تعالى، وهذا يوجب ظاهرا وغالبا؛ لأن العجز ~~يتقرر بعدم الوصول في مدة السنة ظاهرا، فيفوت المستحق بالعقد ظاهرا، فبطل ~~الاعتبار، وإذا عرف هذا، فإذا رفعت المرأة زوجها، وادعت أنه عنين، وطلبت ~~الفرقة، فإن القاضي يسأله هل وصل إليها أو لم يصل؟ فإن أقر أنه لم يصل أجله ~~سنة سواء كانت المرأة بكرا أو ثيبا، وإن أنكر، وادعى الوصول إليها، فإن ~~كانت المرأة ثيبا، فالقول قوله مع يمينه أنه وصل إليها؛ لأن الثيابة دليل ~~الوصول في الجملة، والمانع من الوصول من جهته عارض إذ الأصل هو السلامة عن ~~العيب، فكان الظاهر شاهدا له إلا أنه يستحلف دفعا للتهمة، وإن قالت أنا بكر ~~نظر إليها النساء وامرأة واحدة تجزي؛ لأن البكارة باب لا يطلع عليه الرجال، ~~وشهادة النساء بانفرادهن في هذا الباب مقبولة للضرورة، وتقبل فيه شهادة ~~الواحدة كشهادة القابلة على الولادة؛ ولأن الأصل حرمة النظر إلى العورة، ~~وهو العزيمة لقوله تعالى {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} [النور: 31] ، ~~وحق الرخصة يصير مقضيا بالواحدة؛ ولأن الأصل أن ما قبل قول النساء فيه ~~بانفرادهن لا يشترط فيه العدد كرواية الإخبار عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - والثنتان أوثق؛ لأن غلبة الظن بخبر العدد أقوى، فإن قلن هي ثيب، ~~فالقول قول الزوج مع يمينه لما قلنا، وإن قلن هي بكر، فالقول قولها. # وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن القول قولها من غير يمين؛ لأن ~~البكارة فيها أصل، وقد تفوت شهادتهن بشهادة الأصل، وإذا ثبت أنه لم يصل ~~إليها إما بإقراره أو بظهور البكارة أجله القاضي حولا؛ لأنه ثبت عنته، ~~والعنين يؤجل سنة لإجماع الصحابة على ذلك؛ ولأن عدم الوصول قبل التأجيل ~~يحتمل أن يكون للعجز عن ms1478 الوصول، ويحتمل أن يكون لبغضه إياها مع القدرة على ~~الوصول، فيؤجل حتى لو كان عدم الوصول للبغض يطؤها في المدة ظاهرا، وغالبا ~~دفعا للعار، والشين عن نفسه، وإن لم يطأها حتى مضت المدة يعلم أن عدم ~~الوصول كان للعجز. # وأما التأجيل سنة؛ فلأن العجز عن الوصول يحتمل أن يكون خلقة ويحتمل أن ~~يكون من داء أو طبيعة غالبة من الحرارة أو البرودة أو الرطوبة أو اليبوسة، ~~والسنة مشتملة على الفصول الأربعة، والفصول الأربعة مشتملة على الطبائع ~~الأربع، فيؤجل سنة لما عسى أن يوافقه بعض فصول السنة، فيزول المانع، ويقدر ~~على الوصول. # وروي عن عبد الله بن نوفل أنه قال: يؤجل عشرة أشهر، وهذا القول مخالف ~~لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، فإنهم أجلوا العنين سنة، وقد اختلف ~~الناس في عبد الله بن نوفل أنه صحابي أو تابعي، فلا يقدح خلافه في الإجماع ~~مع الاحتمال؛ ولأن التأجيل سنة لرجاء الوصول في الفصول الأربعة، ولا تكمل ~~الفصول إلا في سنة تامة، ثم يؤجل سنة شمسية بالأيام أو قمرية بالأهلة ذكر ~~القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن في ظاهر الرواية يؤجل سنة قمرية بالأهلة ~~قال: وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يؤجل سنة شمسية، وحكى الكرخي عن أصحابنا ~~أنهم قالوا يؤجل سنة شمسية، ولم يذكر الخلاف (وجه) هذا القول، وهو رواية ~~الحسن عن أبي حنيفة أن الفصول الأربعة لا تكمل إلا بالسنة الشمسية؛ لأنها ~~تزيد على القمرية # PageV02P323 # بأيام، فيحتمل زوال العارض في المدة التي بين الشمسية، والقمرية، فكان ~~التأجيل بالسنة الشمسية أولى، ولظاهر الرواية الكتاب والسنة أما الكتاب، ~~فقوله تعالى {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} [البقرة: 189] ~~جعل الله عز وجل بفضله، ورحمته الهلال معرفا للخلق الأجل والأوقات والمدد ~~ومعرفا وقت الحج؛ لأنه لو جعل معرفة ذلك بالأيام لاشتد حساب ذلك عليهم، ~~ولتعذر عليهم معرفة السنين والشهور والأيام. # وأما السنة، فما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب في الموسم. # وقال: - صلى الله عليه وسلم - في خطبته «ألا إن الزمان قد ms1479 استدار كهيئته ~~يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا أربعة حرم ثلاث متواليات ~~ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى، وشعبان ثلاثة سرد، ~~وواحد فرد» ، والشهر في اللغة اسم للهلال يقال رأيت الشهر أي: رأيت الهلال، ~~وقيل: سمي الشهر شهرا لشهرته، والشهرة للهلال، فكان تأجيل الصحابة - رضي ~~الله عنهم - العنين سنة، والسنة اثنا عشر شهرا، والشهر اسم للهلال تأجيلا ~~للهلالية، وهي السنة القمرية ضرورة، وأول السنة حين يترافعان، ولا يحسب على ~~الزوج ما قبل ذلك لما روي أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى شريح أن يؤجل ~~العنين سنة من يوم يرتفع إليه لما ذكرنا أن عدم الوصول قبل التأجيل يحتمل ~~أن يكون للعجز، ويحتمل أن يكون لكراهته إياها مع القدرة على الوصول، فإذا ~~أجله الحاكم، فالظاهر أنه لا يمتنع عن وطئها إلا لعجزه خشية العار والشين ~~فإذا أجل سنة، فشهر رمضان وأيام الحيض تحسب عليه، ولا يجعل له مكانها؛ لأن ~~الصحابة - رضي الله عنهم - أجلوا العنين سنة واحدة مع علمهم بأن السنة لا ~~تخلو عن شهر رمضان، ومن زمان الحيض فلو لم يكن ذلك محسوبا من المدة؛ لأجلوا ~~زيادة على السنة. # ولو مرض الزوج في المدة مرضا لا يستطيع معه الجماع أو مرضت هي، فإن ~~استوعب المرض السنة كلها يستأنف له سنة أخرى، وإن لم يستوعب، فقد روى ابن ~~سماعة عن أبي يوسف أن المرض إن كان نصف شهر أو أقل احتسب عليه، وإن كان ~~أكثر من نصف شهر لم يحتسب عليه بهذه الأيام، وجعل له مكانها، وكذلك الغيبة، ~~وروى ابن سماعة عنه رواية أخرى أنه إذا صح في السنة يوما أو يومين أو صحت ~~هي احتسب عليه بالسنة، وروى ابن سماعة عن محمد أن المرض إذا كان أقل من شهر ~~يحتسب عليه، وإن كان شهرا فصاعدا لا يحتسب عليه بأيام المرض، ويجعل له ~~مكانها، والأصل في هذا أن قليل المرض مما لا يمكن اعتباره؛ لأن الإنسان لا ~~يخلو عن ذلك عادة، ويمكن اعتبار ms1480 الكثير، فجعل أبو يوسف على إحدى الروايتين، ~~وهي الرواية الصحيحة عنه نصف الشهر، وما دونه قليلا، والأكثر من النصف ~~كثيرا استدلالا بشهر رمضان، فإنه محسوب عليه، ومعلوم أنه إنما يقدر على ~~الوطء في الليالي دون النهار، والليالي دون النهار تكون نصف شهر وكان ذلك ~~دليلا على أن المانع إذا كان نصف شهر، فما دونه يعتد به، وهذا الاستدلال ~~يوجب الاعتداد بالنصف، فما دونه إما لا ينفي الاعتداد بما فوقه، وإما على ~~الرواية الأخرى، فنقول أنه لما صح زمانا يمكن الوطء فيه، فإذا لم يطأها، ~~فالتقصير جاء من قبله، فيجعل كأنه صح جميع السنة بخلاف ما إذا مرض جميع ~~السنة؛ لأنه لم يجد زمانا يتمكن من الوطء فيه، فتعذر الاعتداد بالسنة في ~~حقه، ومحمد جعل ما دون الشهر قليلا، والشهر فصاعدا كثيرا؛ لأن الشهر أدنى ~~الآجل، وأقصى العاجل، فكان في حكم الكثير، وما دونه في حكم القليل. # وقال أبو يوسف: إن حجت المرأة حجة الإسلام بعد التأجيل لم يحتسب على ~~الزوج مدة الحج؛ لأنه لا يقدر على منعها من حجة الإسلام شرعا، فلم يتمكن من ~~الوطء فيها شرعا، وإن حج الزوج احتسبت المدة عليه؛ لأنه يقدر على أن يخرجها ~~مع نفسه أو يؤخر الحج؛ لأن جميع العمر وقته. # وقال محمد: إن خاصمته، وهو محرم يؤجل سنة بعد الإحلال؛ لأنه لا يتمكن من ~~الوطء شرعا مع الإحرام، فتبتدأ المدة من وقت يمكنه الوطء فيه شرعا، وهو ما ~~بعد الإحلال، وإن خاصمته، وهو مظاهر، فإن كان يقدر على الإعتاق أجل سنة من ~~حين الخصومة إلا أنه إذا كان قادرا على الإعتاق كان قادرا على الوطء بتقديم ~~الإعتاق كالمحدث قادر على الصلاة بتقديم الطهارة، وإن كان لا يقدر على ذلك ~~أجل أربعة عشر شهرا؛ لأنه يحتاج إلى تقديم صوم شهرين، ولا يمكنه الوطء ~~فيهما، فلا يعتد بهما من الأجل، ثم يمكنه الوطء بعدهما، فإن أجل سنة، وليس ~~بمظاهر، ثم ظاهر في السنة لم يزد على المدة بشيء؛ لأنه كان يقدر على ترك ~~الظهار، فلما ms1481 ظاهر، فقد منع نفسه من # PageV02P324 # الوطء باختياره، فلا يجوز إسقاط حق المرأة، وإن كانت امرأة العنين رتقاء ~~أو قرناء؛ لا يؤجل؛ لأنه لا حق للمرأة في الوطء لوجود المانع من الوطء، فلا ~~معنى للتأجيل، وإن كان الزوج صغيرا لا يجامع مثله، والمرأة كبيرة، ولم تعلم ~~المرأة، فطالبت بالتأجيل لا يؤجل بل ينتظر إلى أن يدرك، فإذا أدرك يؤجل ~~سنة؛ لأنه إذا كان لا يجامع لا يفيد التأجيل، ولأن حكم التأجيل إذا لم يصل ~~إليها في المدة هو ثبوت خيار الفرقة، وفرقة العنين طلاق، والصبي لا يملك ~~الطلاق؛ ولأن للصبي زمانا يوجد منه الوطء فيه ظاهرا وغالبا، وهو ما بعد ~~البلوغ، فلا يؤجل للحال، وإن كان الزوج كبيرا مجنونا، فوجدته عنينا قالوا: ~~إنه لا يؤجل كذا ذكر الكرخي؛ لأن التأجيل للتفريق عند عدم الدخول، وفرقة ~~العنين طلاق، والمجنون لا يملك الطلاق. # وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه ينتظر حولا، ولا ينتظر إلى إفاقته ~~بخلاف الصبي؛ لأن الصغر مانع من الوصول، فيستأنى إلى أن يزول الصغر، ثم ~~يؤجل سنة. # فأما الجنون، فلا يمنع الوصول؛ لأن المجنون يجامع، فيؤجل للحال، والصحيح ~~ما ذكره الكرخي أنه لا يؤجل أصلا لما ذكرنا، وإذا مضى أجل العنين، فسأل ~~القاضي أن يؤجله سنة أخرى لم يفعل إلا برضا المرأة؛ لأنه قد ثبت لها حق ~~التفريق، وفي التأجيل تأخير حقها، فلا يجوز من غير رضاها، ثم إذا أجل ~~العنين سنة، وتمت المدة، فإن اتفقا على أنه قد، وصل إليها، فهي زوجته، ولا ~~خيار لها، وإن اختلفا، وادعت المرأة أنه لم يصل إليها، وادعى الزوج الوصول، ~~فإن كانت المرأة ثيبا، فالقول قوله مع يمينه لما قلنا، وإن كانت بكرا نظر ~~إليها النساء، فإن قلن هي بكر، فالقول قولها، وإن قلن هي ثيب؛ فالقول قوله ~~لما ذكرنا وإن وقع للنساء شك في أمرها، فإنها تمتحن، واختلف المشايخ في ~~طريق الامتحان قال بعضهم: تؤمر بأن تبول على الجدار، فإن أمكنها بأن ترمي ~~ببولها على الجدار، فهي بكر، وإلا فهي ثيب. ms1482 # وقال بعضهم: تمتحن ببيضة الديك، فإن وسعت فيها، فهي ثيب، وإن لم تسع ~~فيها، فهي بكر، وإذا ثبت أنه لم يطأها إما باعترافه، وإما بظهور البكارة، ~~فإن القاضي يخيرها، فإن الصحابة - رضي الله عنهم - خيروا امرأة العنين، ~~ولنا فيهم قدوة، فإن شاءت اختارت الفرقة، وإن شاءت اختارت الزوج إذا ~~استجمعت شرائط ثبوت الخيار، فيقع الكلام في الخيار في مواضع في بيان شرائط ~~ثبوت الخيار، وفي بيان حكم الخيار، وفي بيان ما يبطله. ### | [فصل شرائط الخيار] # (فصل) : # أما شرائط الخيار، فمنها عدم الوصول إلى هذه المرأة أصلا ورأسا في هذا ~~النكاح حتى لو وصل إليها مرة واحدة، فلا خيار لها؛ لأنه وصل إليها حقها ~~بالوطء مرة واحدة، والخيار لتفويت الحق المستحق، ولم يوجد، فإن وصل إلى غير ~~امرأته التي أجل لها، وكان وصل إلى غيرها قبل أن ترافعه، فوصوله إلى غيرها ~~لا يبطل حقها في التأجيل والخيار؛ لأنه لم يصل إليها حقها، فكان لها ~~التأجيل، والخيار ومنها أن لا تكون عالمة بالعيب وقت النكاح حتى لو تزوجت، ~~وهي تعلم أنه عنين، فلا خيار لها؛ لأنها إذا كانت عالمة بالعيب لدى ~~التزويج، فقد رضيت بالعيب كالمشتري إذا كان عالما بالعيب عند البيع، والرضا ~~بالعيب يمنع الرد كما في البيع وغيره، فإن تزوجت، وهي لا تعلم، فوصل إليها ~~مرة، ثم عن، ففارقته، ثم تزوجته بعد ذلك، فلم يصل إليها، فلها الخيار؛ لأن ~~العجز لم يتحقق، فلم تكن راضية بالعيب، والوصول في أحد العقدين لا يبطل ~~حقها في العقد الثاني، فإن أجله القاضي، فلم يصل ففرق بينهما، ثم تزوجها، ~~فلا خيار لها؛ لأن العيب قد تقرر بعدم الوصول في المدة، فتقرر العجز، فكان ~~التزوج بعد استقرار العيب، والعلم به دليل الرضا بالعيب. ### | [فصل حكم الخيار] # (فصل) : # وأما حكم الخيار، فهو تخيير المرأة بين الفرقة، وبين النكاح، فإن شاءت ~~اختارت الفرقة، وإن شاءت اختارت الزوج، فإن اختارت المقام مع الزوج؛ بطل ~~حقها. # ولم يكن لها خصومة في هذا النكاح أبدا لما ذكرنا أنها رضيت بالعيب، ms1483 فسقط ~~خيارها، وإن اختارت الفرقة، فرق القاضي بينهما كذا ذكره الكرخي، ولم يذكر ~~الخلاف، وظاهر هذا الكلام يقتضي أنه لا تقع الفرقة بنفس الاختيار. # وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه تقع الفرقة بنفس الاختيار في ظاهر ~~الرواية، ولا يحتاج إلى القضاء كخيار المعتقة، وخيار المخيرة، وروى الحسن ~~عن أبي حنيفة أنه لا تقع الفرقة ما لم يقل القاضي: فرقت بينكما، وجعله ~~بمنزلة خيار البلوغ هكذا ذكر، وذكر في بعض المواضع أن في قول أبي حنيفة ما ~~روى الحسن عنه وما ذكره الحسن عنه، وما ذكر في ظاهر الرواية قولهما (وجه) ~~رواية الحسن أن هذه الفرقة فرقة # PageV02P325 # بطلان بلا خلاف بين أصحابنا، وإنما المخالف فيه الشافعي، فإنها فسخ عنده، ~~والمسألة إن شاء الله تعالى تأتي في موضعها من هذا الكتاب. # والمرأة لا تملك الطلاق، وإنما يملكه الزوج إلا أن القاضي يقوم مقام ~~الزوج؛ ولأن هذه الفرقة يختص بسببها القاضي، وهو التأجيل؛ لأن التأجيل لا ~~يكون إلا من القاضي، فكذا الفرقة المتعلقة به كفرقة اللعان. # (وجه) المذكور في ظاهر الرواية أن تخيير المرأة من القاضي تفويض الطلاق ~~إليها، فكان اختيارها الفرقة تفريقا من القاضي من حيث المعنى لا منها، ~~والقاضي يملك ذلك لقيامه مقام الزوج، وهذه الفرقة تطليقة بائنة؛ لأن الغرض ~~من هذا التفريق تخليصها من زوج لا يتوقع منه إيفاء حقها دفعا للظلم والضرر ~~عنها، وذا لا يحصل إلا بالبائن؛ لأنه لو كان رجعيا يراجعها الزوج من غير ~~رضاها، فيحتاج إلى التفريق ثانيا وثالثا، فلا يفيد التفريق فائدته، ولها ~~المهر كاملا، وعليها العدة بالإجماع إن كان الزوج قد خلا بها، وإن كان لم ~~يخل بها، فلا عدة عليها، ولها نصف المهر إن كان مسمى، والمتعة إن لم يكن ~~مسمى، وإذا. # فرق القاضي بالعنة، ووجبت العدة، فجاءت بولد ما بينها وبين سنتين لزمه ~~الولد؛ لأن المعتدة إذا جاءت بولد من وقت الطلاق إلى سنتين ثبت النسب؛ لأن ~~الحكم بوجوب العدة حكم بشغل الرحم، وشغل الرحم يمتد إلى سنتين عندنا، فيثبت ~~النسب ms1484 إلى سنتين، فإن قال الزوج: كنت قد وصلت إليها، فإن أبا يوسف قال: ~~يبطل الحاكم الفرقة، وكفى بالولد شاهدا، ومعنى هذا الكلام أنه لما ثبت ~~النسب، فقد ثبت الدخول، وأنه يوجب إبطال الفرقة؛ ولأنه لو شهد شاهدان ~~بالدخول بعد تفريق القاضي لا يبطل الفرقة. # وكذا هذا وكذا إذا ثبت النسب؛ لأن شهادة النسب على الدخول أقوى من شهادة ~~شاهدين عليه، وكذلك لو فرق القاضي بينها، وبين المجبوب، فجاءت بولد بينها ~~وبين سنتين ثبت نسبه؛ لأن خلوة المجبوب توجب العدة، والنسب يثبت من المجبوب ~~إلا أنه لا تبطل الفرقة ههنا؛ لأن ثبوت النسب من المجبوب لا يدل على ~~الدخول؛ لأنه لا يتصور منه حقيقة، وإنما يقذف بالماء، فكان العلوق بقذف ~~الماء، فإذا لم يثبت الدخول لم تثبت الفرقة، فإن فرق بالعنة، فإن أقام ~~الزوج البينة على إقرار المرأة قبل الفرقة أنه قد وصل إليها أبطل الفرقة؛ ~~لأن الشهادة على إقرارها بمنزلة إقرارها عند القاضي. # ولو كانت أقرت قبل التفريق لم يثبت حكم الفرقة. # وكذا إذا شهد على إقرارها بأن أقرت بعد الفرقة أنه كان وصل إليها قبل ~~الفرقة لم تبطل الفرقة؛ لأن إقرارها تضمن إبطال قضاء القاضي، فلا تصدق على ~~القاضي في إبطال قضائه، فلا تقبل وإن كان زوج الأمة عنينا، فالخيار في ذلك ~~إلى المولى عند أبي حنيفة، وأبي يوسف وقال محمد الخيار إلى الأمة (وجه) ~~قوله أن الخيار إنما يثبت لفوات الوطء، وذلك حق الأمة، فكان الخيار إليها ~~كالحرة، ولها أن المقصود من الوطء هو الولد، والولد ملك المولى وحده؛ ولأن ~~اختيار الفرقة أو المقام مع الزوج تصرف منها على نفسها، ونفسها بجميع ~~أجزائها ملك المولى، فكان ولاية التصرف له. ### | [فصل بيان ما يبطل به الخيار] # (فصل) : # وأما بيان ما يبطل به الخيار، فما يبطل به الخيار نوعان: نص، ودلالة، ~~فالنص هو التصريح بإسقاط الخيار، وما يجري مجراه نحو أن تقول أسقطت الخيار ~~أو رضيت بالنكاح أو اخترت الزوج ونحو ذلك سواء كان ذلك بعد تخيير القاضي أو ~~قبله، ms1485 والدلالة هي أن تفعل ما يدل على الرضا بالمقام مع الزوج بأن خيرها ~~القاضي. # فأقامت مع الزوج مطاوعة له في المضجع، وغير ذلك؛ لأن ذلك دليل الرضا ~~بالنكاح، والمقام مع الزوج، ولو فعلت ذلك بعد مضي الأجل قبل تخيير القاضي ~~لم يكن ذلك رضا؛ لأن إقامتها معه بعد المدة قد تكون لاختياره، وقد تكون ~~للاختيار بحاله، فلا تكون دليل الرضا مع الاحتمال. # وهل يبطل خيارها بالقيام عن المجلس؟ ذكر الكرخي أن ابن سماعة، وبشرا قالا ~~عن أبي يوسف إذا خيرها الحاكم، فأقامت معه أو قامت من مجلسها قبل أن تختار ~~أو قام الحاكم أو أقامها عن مجلسها بعض أعوان القاضي، ولم تقل شيئا، فلا ~~خيار لها، وهذا يدل على أن خيارها يتقيد بالمجلس، وهو مجلس التخيير، ولم ~~يذكر الخلاف. # وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه لا يقتصر على المجلس في ظاهر ~~الرواية. # وروي عن أبي يوسف، ومحمد أنهما قالا: يقتصر على المجلس كخيار المخيرة ~~(وجه) ما روي عن أبي يوسف ومحمد أن تخيير القاضي ههنا قائم مقام تخيير ~~الزوج، ثم خيار المخيرة بتخيير الزوج يبطل بقيامها عن المجلس، فكذا خيار ~~هذه. # وكذا إذا قام الحاكم عن المجلس قبل أن تختار؛ لأن مجلس التخيير قد بطل ~~بقيام # PageV02P326 # الحاكم. # وكذا إذا أقامها عن مجلسها بعض أعوان القاضي قبل الاختيار؛ لأنها كانت ~~قادرة على الاختيار قبل الإقامة، فدل امتناعها مع القدرة على الرضا ~~بالنكاح. # وجه ظاهر الرواية، وهو الفرق بين هذا الخيار وبين خيار المخيرة أن خيار ~~المخيرة إنما اقتصر على المجلس؛ لأن الزوج بالتخيير ملكها الطلاق إذ المالك ~~للشيء هو الذي يتصرف فيه باختياره ومشيئته، فكان التخيير من الزوج تمليكا ~~للطلاق، وجواب التمليك يقتصر على المجلس؛ لأن المملك يطلب جواب التمليك في ~~المجلس عادة، ولهذا يقتصر القبول على المجلس في البيع كذا ههنا، والتخيير ~~من القاضي تفويض الطلاق، وليس بتمليك؛ لأنه لا يملك الطلاق بنفسه؛ لأن ~~الزوج ما ملكه الطلاق، وإنما فوض إليه التطليق، وولاه ذلك، فيلي التفويض لا ~~التمليك، وإذا ms1486 لم يملك بنفسه، فكيف يملكه من غيره، فهو الفرق بين ~~التخييرين، والله أعلم، والمؤخذ والخصي في جميع ما، وصفنا مثل العنين لوجود ~~الآلة في حقهما، فكانا كالعنين، وكذلك الخنثى. # وأما المجبوب، فإنه إذا عرف أنه مجبوب إما بإقراره أو بالمس، فوق الإزار، ~~فإن كانت المرأة عالمة بذلك وقت النكاح، فلا خيار لها لرضاها بذلك، وإن لم ~~تكن عالمة به؛ فإنها تخير للحال، ولا يؤجل حولا؛ لأن التأجيل لرجاء الوصول، ~~ولا يرجى منه الوصول، فلم يكن التأجيل مفيدا، فلا يؤجل، وإن اختارت الفرقة، ~~وفرق القاضي بينهما أو لم يفرق على الاختلاف الذي ذكرنا، فلها كمال المهر، ~~وعليها كمال العدة إن كان قد خلا بها في قول أبي حنيفة، وعندهما لها نصف ~~المهر، وعليها كمال العدة، وإن كان لم يخل بها، فلها نصف المهر، ولا عدة ~~عليها بالإجماع، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم. ### | [فصل شروط لزوم النكاح] # (فصل) : # وأما خلو الزوج عما سوى هذه العيوب الخمسة من الجب، والعنة والتأخذ ~~والخصاء والخنوثة، فهل هو شرط لزوم النكاح؟ قال أبو حنيفة، وأبو يوسف ليس ~~بشرط، ولا يفسخ النكاح به. # وقال محمد: خلوه من كل عيب لا يمكنها المقام معه إلا بضرر كالجنون ~~والجذام والبرص، شرط لزوم النكاح حتى يفسخ به النكاح، وخلوه عما سوى ذلك ~~ليس بشرط، وهو مذهب الشافعي. # (وجه) قول محمد أن الخيار في العيوب الخمسة إنما ثبت لدفع الضرر عن ~~المرأة وهذه العيوب في إلحاق الضرر بها فوق تلك؛ لأنها من الأدواء المتعدية ~~عادة، فلما ثبت الخيار بتلك، فلأن يثبت بهذه أولى بخلاف ما إذا كانت هذه ~~العيوب في جانب المرأة؛ لأن الزوج، وإن كان يتضرر بها لكن يمكنه دفع الضرر ~~عن نفسه بالطلاق، فإن الطلاق بيده، والمرأة لا يمكنها ذلك؛ لأنها لا تملك ~~الطلاق، فتعين الفسخ طريقا لدفع الضرر، ولهما أن الخيار في تلك العيوب ثبت ~~لدفع ضرر فوات حقها المستحق بالعقد، وهو الوطء مرة واحدة، وهذا الحق لم يفت ~~بهذه العيوب؛ لأن الوطء يتحقق من الزوج مع هذه ms1487 العيوب، فلا يثبت الخيار هذا ~~في جانب الزوج. # (وأما) في جانب المرأة، فخلوها عن العيب ليس بشرط للزوم النكاح بلا خلاف ~~بين أصحابنا حتى لا يفسخ النكاح بشيء من العيوب الموجودة فيها. # وقال الشافعي: خلو المرأة عن خمسة عيوب بها شرط اللزوم، ويفسخ النكاح ~~بها، وهي الجنون والجذام والبرص والرتق والقرن، واحتج بما روي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «فر من المجذوم فرارك من الأسد» ، والفسخ ~~طريق الفرار. # ولو لزم النكاح لما أمر بالفرار، وروي «أنه - صلى الله عليه وسلم - تزوج ~~امرأة، فوجد بياضا في كشحها فردها وقال: لها الحقي بأهلك» ،. # ولو وقع النكاح لازما لما رد؛ ولأن مصالح النكاح لا تقوم مع هذه العيوب ~~أو تختل بها؛ لأن بعضها مما ينفر عنها الطباع السليمة وهو الجذام والجنون ~~والبرص فلا تحصل الموافقة فلا تقوم المصالح أو تختل وبعضها مما يمنع من ~~الوطء وهو الرتق والقرن، وعامة مصالح النكاح يقف حصولها على الوطء، فإن ~~العفة عن الزنا والسكن والولد لا يحصل إلا بالوطء ولهذا يثبت الخيار في ~~العيوب الأربعة كذا ههنا. # (ولنا) أن النكاح لا يفسخ بسائر العيوب، فلا يفسخ بهذه العيوب أيضا؛ لأن ~~المعنى يجمعها، وهو أن العيب لا يفوت ما هو حكم هذا العقد من جانب المرأة، ~~وهو الازدواج الحكمي، وملك الاستمتاع، وإنما يختل، ويفوت به بعض ثمرات ~~العقد، وفوات جميع ثمرات هذا العقد لا يوجب حق الفسخ بأن مات أحد الزوجين ~~عقيب العقد حتى يجب عليه كمال المهر، ففوات بعضها أولى وهذا؛ لأن الحكم ~~الأصلي للنكاح هو الازدواج الحكمي، وملك الاستمتاع شرع مؤكدا له، والمهر ~~يقابل # PageV02P327 # إحداث هذا الملك، وبالفسخ لا يظهر أن إحداث الملك لم يكن، فلا يرتفع ما ~~يقابل، وهو المهر، فلا يجوز الفسخ، ولا شك أن هذه العيوب لا تمنع من ~~الاستمتاع أما الجنون، والجذام، والبرص، فلا يشكل، وكذلك الرتق والقرن؛ لأن ~~اللحم يقطع والقرن يكسر، فيمكن الاستمتاع بواسطة لهذا المعنى لم يفسخ بسائر ~~العيوب كذا هذا. # وأما الحديث الأول، فنقول بموجبه ms1488 أنه يجب الاجتناب عنه، والفرار يمكن ~~بالطلاق لا بالفسخ، وليس فيه تعيين طريق الاجتناب والفرار، وأما الثاني، ~~فالصحيح من الرواية أنه قال: لها الحقي بأهلك، وهذا من كنايات الطلاق ~~عندنا، والكلام في الفسخ والرد المذكور فيه قول الراوي، فلا يكون حجة أو ~~تحمله على الرد بالطلاق عملا بالدلائل صيانة لها عن التناقض، والله تعالى ~~الموفق. # وخلو النكاح من خيار الرؤية ليس بشرط للزوم النكاح حتى لو تزوج امرأة، ~~ولم يرها لا خيار له إذا رآها بخلاف البيع. # وكذا خلوه عن خيار الشرط سواء جعل الخيار للزوج أو للمرأة أو لهما ثلاثة ~~أيام أو أقل أو أكثر حتى لو تزوج بشرط الخيار بطل الشرط، وجاز النكاح. ### | [فصل شروط بقاء النكاح] # (فصل) : # وأما الثاني، فشرط بقاء النكاح لازما نوعان: نوع يتعلق بالزوج في نكاح ~~زوجته، ونوع يتعلق بالمولى في نكاح أمته أما. # الذي يتعلق بالزوج في نكاح زوجته، فعدم تمليكه الطلاق منها أو من غيرها ~~بأن يقول لامرأته اختاري أو أمرك بيدك ينوي الطلاق أو طلقي نفسك أو أنت ~~طالق إن شئت أو يقول لرجل طلق امرأتي إن شئت كذا عدم التطليق بشرط، ~~والإضافة إلى وقت؛ لأنه بالتمليك جعل النكاح بحال لا يتوقف زواله على ~~اختياره بعد الجعل. # وكذا بالتعليق، والإضافة، وهذا معنى عدم بقاء النكاح لازما. # (وأما) . # الذي يتعلق بالمولى في نكاح أمته، فهو أن لا يعتق أمته المنكوحة حتى لو ~~أعتقها لا يبقى العقد لازما، وكان لها الخيار، وهو المسمى بخيار العتاقة. # والكلام فيه في مواضع في بيان شرط ثبوت هذا الخيار، وفي بيان وقت ثبوته، ~~وفي بيان ما يبطل به. # أما الأول فلثبوت هذا الخيار شرائط منها: وجود النكاح وقت الإعتاق حتى لو ~~أعتقها، ثم زوجها من إنسان، فلا خيار لها لانعدام النكاح وقت الإعتاق. # ولو أعتقها، ثم زوجها، وهي صغيرة، فلها خيار البلوغ لا خيار العتق لما ~~قلنا، ومنها أن يكون التزويج نافذا حتى لو زوجت الأمة نفسها من إنسان بغير ~~إذن مولاها، ثم أعتقها المولى، فلا خيار ms1489 لها، وأما كون الزوج رقيقا وقت ~~الإعتاق، فهل هو شرط ثبوت الخيار لها؟ قال أصحابنا: ليس بشرط، ويثبت الخيار ~~لها سواء كان زوجها حرا أو عبدا. # وقال الشافعي: شرط، ولا خيار لها إذا كان زوجها حرا، واحتج بما روي عن ~~عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت «زوج بريرة كان عبدا، فخيرها رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ولو كان حرا ما خيرها» ، وهذا نص في الباب، والظاهر ~~أنها إنما قالت ذلك سماعا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأن ~~الخيار في العبد إنما ثبت لدفع الضرر، وهو ضرر عدم الكفاءة وضرر لزوم نفقة ~~الأولاد وضرر نقصان المعاشرة لكون العبد مشغولا بخدمة المولى، وشيء من ذلك ~~لم يوجد في الحر، فلا يثبت الخيار (ولنا) ما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه «قال لبريرة حين أعتقت ملكت بضعك، فاختاري» . # وروي ملكت أمرك، وروي ملكت نفسك، والاستدلال به من وجهين: أحدهما بنصه، ~~والآخر بعلة النص أما الأول: فهو أنه خيرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- حين أعتقت، وقد روي أن زوجها كان حرا، فإن قيل روينا عن عائشة - رضي الله ~~عنها - أن زوجها كان عبدا، فتعارضت الروايتان، فسقط الاحتجاج بهما، فالجواب ~~أن ما روينا مثبت للحرية، وما رويتم مبق للرق، والمثبت أولى؛ لأن البقاء قد ~~يكون باستصحاب الحال، والثبوت يكون بناء على الدليل لا محالة، فمن قال: كان ~~عبدا احتمل أنه اعتمد استصحاب الحال. # ومن قال: كان حرا بنى الأمر على الدليل لا محالة، فصار كالمزكيين جرح ~~أحدهما شاهدا، والآخر زكاه أنه يؤخذ بقول الجارح لما قلنا كذا هذا؛ ولأن ما ~~روينا موافق للقياس، وما رويتم مخالف له لما نذكره إن شاء الله تعالى، ~~فالموافق للقياس أولى. # (وأما) الثاني، فهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل ملكها بضعها أو ~~أمرها أو نفسها علة لثبوت الخيار لها؛ لأنه أخبر أنها ملكت بضعها، ثم أعقبه ~~بإثبات الخيار لها بحرف التعقيب، وملكها نفسها مؤثر في رفع الولاية في ~~الجملة؛ لأن ms1490 الملك اختصاص، ولا اختصاص مع ولاية الغير، والحكم إذا ذكر عقيب ~~وصف له أثر # PageV02P328 # في الجملة في جنس ذلك الحكم في الشرع كان ذلك تعليقا لذلك الحكم بذلك ~~الوصف في أصول الشرع كما في قوله تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ~~[المائدة: 38] ، وقوله عز وجل {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة ~~جلدة} [النور: 2] ، وكما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سها، ~~فسجد» . # وروي أن ماعزا زنى، فرجم، ونحو ذلك، والحكم يتعمم بعموم العلة، ولا يتخصص ~~بخصوص المحل كما في سائر العلل الشرعية، والعقلية، وزوج بريرة، وإن كان ~~عبدا؛ لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بنى الخيار فيه على معنى عام ~~وهو ملك البضع يعتبر عموم المعنى لا خصوص المحل، والله الموفق؛ ولأن ~~بالإعتاق يزداد ملك النكاح عليها؛ لأنه يملك عليها عقدة زائدة لم يكن ~~يملكها قبل الإعتاق بناء على أن الطلاق بالبناء على أصل أصحابنا، والمسألة، ~~فريعة ذلك الأصل، ولها أن لا ترضى بالزيادة؛ لأنها تتضرر بها، ولها ولاية ~~رفع الضرر عن نفسها، ولا يمكنها رفع الزيادة إلا برفع أصل النكاح، فبقيت ~~لها ولاية رفع النكاح، وفسخه ضرورة رفع الزيادة، وقد خرج الجواب عن قوله ~~أنه لا ضرر فيه لما بينا من وجه الضرر؛ ولأنه لو لم يثبت لها الخيار، وبقي ~~النكاح لازما لأدى ذلك إلى أن يستوفي الزوج منافع بضع حرة جبرا ببدل استحقه ~~غيرها بالعقد، وهذا لا يجوز كما لو كان الزوج عبدا؛ ولأن القول ببقاء هذا ~~النكاح لازما يؤدي إلى استيفاء منافع بضع الحرة من غير بدل تستحقه الحرة، ~~وهذا لا يجوز؛ لأنها لا ترضى باستيفاء منافع بضعها إلا ببدل تستحقه هي، فلو ~~لم يثبت الخيار لها لصار الزوج مستوفيا منافع بضعها، وهي حرة جبرا عليها من ~~غير رضاها ببدل استحقه مولاها، وهذا لا يجوز؛ لهذا المعنى ثبت لها الخيار ~~إذا كان زوجها عبدا كذا إذا كان حرا. # وكذا اختلف في أن كونها رقيقة وقت النكاح هل هو شرط أم لا؟ قال أبو يوسف: ms1491 ~~ليس بشرط، ويثبت لها الخيار سواء كانت رقيقة وقت النكاح، فأعتقها المولى أو ~~كانت حرة وقت النكاح، ثم طرأ عليها الرق، فأعتقها حتى أن الحربية إذا تزوجت ~~في دار الحرب، ثم سبيا معا، ثم أعتقت، فلها الخيار عنده. # وقال محمد: هو شرط، ولا خيار لها. # وكذا المسلمة إذا تزوجت مسلما، ثم ارتدا، ولحقا بدار الحرب، ثم سبيت، ~~وزوجها معها فأسلما، ثم أعتقت الأمة، فهو على هذا الاختلاف، فمحمد، فرق بين ~~الرق الطارئ على النكاح، وبين المقارن إياه، وأبو يوسف سوى بينهما وجه ~~الفرق لمحمد أنها إذا كانت رقيقة وقت النكاح، فالنكاح ينعقد موجبا للخيار ~~عند الإعتاق، وإذا كانت حرة؛ فنكاح الحرة لا ينعقد موجبا للخيار، فلا يثبت ~~الخيار بطريان الرق بعد ذلك؛ لأنه لا يوجب خللا في الرضا، ولأبي يوسف أن ~~الخيار يثبت بالإعتاق؛ لأن زيادة الملك تثبت به؛ لأنها توجب العتق، والعتق ~~موجب الإعتاق، ولا يثبت بالنكاح؛ لأن النكاح السابق ما انعقد موجبا ~~للزيادة؛ لأنه صادف الأمة، ونكاح الأمة لا يوجب زيادة الملك، فالحاصل أن ~~أبا يوسف يجعل زيادة الملك حكم الإعتاق، ومحمد يجعلها حكم العقد السابق عند ~~وجود الإعتاق، وعلى هذا الأصل يخرج قول أبي يوسف أن خيار العتق يثبت مرة ~~بعد أخرى، وقول محمد أنه لا يثبت إلا مرة واحدة حتى لو أعتقت الأمة، ~~فاختارت زوجها، ثم ارتد الزوجان معا، ثم سبيت، وزوجها معها، فأعتقت، فلها ~~أن تختار نفسها عند أبي يوسف، وعند محمد ليس لها ذلك؛ لأن عند أبي يوسف ~~الخيار ثبت بالإعتاق، وقد تكرر الإعتاق، فيتكرر الخيار، وعند محمد يثبت ~~بالعقد، وأنه لم يتكرر، فلا يثبت إلا خيار واحد. ### | [فصل وقت ثبوت الخيار في النكاح] # (فصل) : # وأما وقت ثبوته، فوقت علمها بالعتق وبالخيار، وأهلية الاختيار، فيثبت لها ~~الخيار في المجلس الذي تعلم فيه بالعتق، وبأن لها الخيار، وهي من أهل ~~الاختيار حتى لو أعتقها، ولم تعلم بالعتق أو علمت بالعتق، ولم تعلم بأن لها ~~الخيار، فلم تختر لم يبطل خيارها ولها بمجلس العلم إذا علمت ms1492 بهما بخلاف ~~خيار البلوغ، فإن العلم بالخيار فيه ليس بشرط، وقد بينا الفرق بينهما فيما ~~تقدم، وكذلك إذا أعتقها، وهي صغيرة، فلها خيار العتق إذا بلغت؛ لأنها وقت ~~الإعتاق لم تكن من أهل الاختيار، وليس لها خيار البلوغ؛ لأن النكاح وجد في ~~حالة الرق، والله عز وجل أعلم. # ولو تزوجت مكاتبة بإذن المولى، فأعتقت، فلها الخيار عند أصحابنا الثلاثة، ~~وعند زفر لا خيار لها (وجه) قوله أنه لا ضرر عليها؛ لأن النكاح وقع لها، ~~والمهر مسلم لها (ولنا) ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «خير ~~بريرة، وكانت مكاتبة» ؛ ولأن علة النص عامة على ما بينا. # وكذا الملك يزداد عليها كما يزداد على القنة. # PageV02P329 ### | [فصل ما يبطل به الخيار] # فصل) : # وأما ما يبطل به، فهذا الخيار يبطل بالإبطال نصا، ودلالة من قول أو فعل ~~يدل على الرضا بالنكاح على ما بينا في خيار الإدراك، ويبطل بالقيام عن ~~المجلس؛ لأنه دليل الإعراض كخيار المخيرة، ولا يبطل بالسكوت بل يمتد إلى ~~آخر المجلس إذا لم يوجد منها دليل الإعراض كخيار المخيرة؛ لأن السكوت يحتمل ~~أن يكون لرضاها بالمقام معه، ويحتمل أن يكون للتأمل؛ لأن بالعتق ازداد ~~الملك عليها، فتحتاج إلى التأمل، ولا بد للتأمل من زمان، فقدر ذلك بالمجلس ~~كما في خيار المخيرة. # وخيار القبول في البيع بخلاف خيار البلوغ أنه يبطل بالسكوت من البكر؛ لأن ~~بالبلوغ ما ازداد الملك، فلا حاجة إلى التأمل، فلم يكن سكوتها للتأمل، فكان ~~دليل الرضا، وفي خيار المخيرة ثبت المجلس بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - ~~غير معقول؛ ولأنه لما ازداد الملك عليها جعلها العقد السابق في حق الزيادة ~~بمنزلة إنشاء النكاح، فيتقيد بالمجلس، وإذا اختارت نفسها حتى وقت الفرقة ~~كانت فرقة بغير طلاق لما نذكر إن شاء الله تعالى، فلا تفتقر هذه الفرقة إلى ~~قضاء القاضي بخلاف الفرقة بخيار البلوغ، ووجه الفرق بينهما قد ذكرناه فيما ~~تقدم، والله عز وجل أعلم، وأما بقاء الزوج قادرا على النفقة، فليس بشرط ~~لبقاء النكاح لازما حتى لو عجز ms1493 عن النفقة لا يثبت لها حق المطالبة ~~بالتفريق، وهذا عندنا. # وعند الشافعي شرط، ويثبت لها حق المطالبة بالتفريق احتج بقوله عز وجل ~~{فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] أمر عز وجل بالإمساك ~~بالمعروف، وقد عجز عن الإمساك بالمعروف؛ لأن ذلك بإيفاء حقها في الوطء، ~~والنفقة، فتعين عليه التسريح بالإحسان، فإن فعل، وإلا ناب القاضي منابه في ~~التسريح، وهو التفريق، ولأن النفقة عوض عن ملك النكاح، وقد فات العوض ~~بالعجز، فلا يبقى النكاح لازما كالمشتري إذا وجد المبيع معيبا، والدليل ~~عليه أن فوات العوض بالجب والعنة يمنع بقاءه لازما، فكذا، فوات المعوض؛ لأن ~~النكاح عقد معاوضة. # (ولنا) أن التفريق إبطال ملك النكاح على الزوج من غير رضاه، وهذا في ~~الضرر، فوق ضرر المرأة بعجز الزوج عن النفقة؛ لأن القاضي يفرض النفقة على ~~الزوج إذا طلبت المرأة الفرض، ويأمرها بالإنفاق من مال نفسها إن كان لها ~~مال، وبالاستدانة إن لم يكن إلى وقت اليسار، فتصير النفقة دينا في ذمته ~~بقضاء القاضي، فترجع المرأة عليه بما أنفقت إذا أيسر الزوج، فيتأخر حقها ~~إلى يسار الزوج ولا يبطل، وضرر الإبطال فوق ضرر التأخير بخلاف التفريق ~~بالجب، والعنة؛ ولأن هناك الضرر من الجانبين جميعا ضرر إبطال الحق؛ لأن حق ~~المرأة يفوت عن الوطء، وضررها أقوى؛ لأن الزوج لا يتضرر بالتفريق كثير ضرر ~~لعجزه عن الوطء. # فأما المرأة، فإنها محل صالح للوطء، فلا يمكنها استيفاء حظها من هذا ~~الزوج، ولا من زوج آخر لمكان هذا الزوج، فكان الرجحان لضررها، فكان أولى ~~بالدفع. # وأما الآية الكريمة، فقد قيل في التفسير أن الإمساك بالمعروف هو الرجعة، ~~وهو أن يراجعها على قصد الإمساك، والتسريح بالإحسان هو أن يتركها حتى تنقضي ~~عدتها مع ما أن الإمساك بالمعروف يختلف باختلاف حال الزوج ألا ترى إلى قوله ~~عز وجل {على الموسع قدره وعلى المقتر قدره} [البقرة: 236] ، فالإمساك ~~بالمعروف في حق العاجز عن النفقة بالتزام النفقة على أنه إن كان عاجزا عن ~~الإمساك بالمعروف، فإنما يجب عليه التسريح بالإحسان إذا كان قادرا، ولا ms1494 ~~قدرة له على ذلك؛ لأن ذلك بالتطليق مع إيفاء حقها في نفقة العدة، وهو عاجز ~~عن نفقة الحال، فكيف يقدر على نفقة العدة على أن لفظ التسريح محتمل يحتمل ~~أن يكون المراد منه التفريق بإبطال النكاح، ويحتمل أن يكون المراد منه ~~التفريق، والتبعيد من حيث المكان، وهو تخلية السبيل، وإزالة اليد إذ حقيقة ~~التسريح هي التخلية، وذلك قد يكون بإزالة اليد والحبس، وعندنا لا يبقى له ~~ولاية الحبس، فلا يكون حجة مع الاحتمال. # وأما قوله النفقة عوض عن ملك النكاح فممنوع، فإن العوض ما يكون مذكورا في ~~العقد نصا، والنفقة غير منصوص عليها، فلا تكون عوضا بل هي بمقابلة ~~الاحتباس. # وعندنا ولاية الاحتباس تزول عند العجز، ثم إن سلمنا أنه عوض لكن بقاء ~~المعوض مستحقا يقف على استحقاق العوض في الجملة لا على وصول العوض للحال، ~~والنفقة ههنا مستحقة في الجملة، وإن كانت لا تصل إليها للحال، فيبقى العوض ~~حقا للزوج، والله عز وجل أعلم. ### | [فصل بيان حكم النكاح] # (فصل) : # وأما بيان حكم النكاح، فنقول، وبالله التوفيق الكلام في هذا الفصل في ~~موضعين: في الأصل أحدهما: # PageV02P330 # في بيان حكم النكاح، والثاني: في بيان ما يرفع حكمه أما الأول، فالنكاح ~~لا يخلو (إما) أن يكون صحيحا (وإما) أن يكون فاسدا، ويتعلق بكل واحد منهما ~~أحكام (أما) . # النكاح الصحيح، فله أحكام بعضها أصلي، وبعضها من التوابع، أما الأصلية ~~منها، فحل الوطء إلا في حالة الحيض والنفاس والإحرام وفي الظهار قبل ~~التكفير لقوله سبحانه، وتعالى {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] ~~{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] نفى ~~اللوم عمن لا يحفظ فرجه على زوجته فدل على حل الوطء إلا أن الوطء في حالة ~~الحيض خص بقوله عز وجل {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في ~~المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] ، والنفاس أخو الحيض، وقوله ~~عز وجل {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] . # والإنسان بسبيل من التصرف في حرثه مع ما أنه قد أباح ms1495 إتيان الحرث بقوله ~~عز وجل {فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] ، وروي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «اتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان لا يملكن ~~شيئا اتخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» ، وكلمة الله ~~المذكورة في كتابه العزيز لفظة الإنكاح والتزويج، فدل الحديث على حل ~~الاستمتاع بالنساء بلفظة الإنكاح والتزويج، وغيرهما في معناهما، فكان الحل ~~ثابتا؛ ولأن النكاح ضم وتزويج لغة، فيقتضي الانضمام، والازدواج، ولا يتحقق ~~ذلك إلا بحل الوطء والاستمتاع؛ لأن الحرية تمنع من ذلك، وهذا الحكم وهو حل ~~الاستمتاع مشترك بين الزوجين، فإن المرأة كما تحل لزوجها، فزوجها يحل لها ~~قال عز وجل: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: 10] ، وللزوج أن ~~يطالبها بالوطء متى شاء إلا عند اعتراض أسباب مانعة من الوطء كالحيض ~~والنفاس والظهار والإحرام وغير ذلك، وللزوجة أن تطالب زوجها بالوطء؛ لأن ~~حله لها حقها كما أن حلها له حقه، وإذا طالبته يجب على الزوج، ويجبر عليه ~~في الحكم مرة واحدة والزيادة على ذلك تجب فيما بينه، وبين الله تعالى من ~~باب حسن المعاشرة واستدامة النكاح، فلا يجب عليه في الحكم عند بعض أصحابنا، ~~وعند بعضهم يجب عليه في الحكم. ### | [فصل حل النظر والمس] # (فصل) : # ومنها حل النظر، والمس من رأسها إلى قدميها في حالة الحياة؛ لأن الوطء، ~~فوق النظر والمس، فكان إحلاله إحلالا للمس، والنظر من طريق الأولى، وهل يحل ~~الاستمتاع بها بما دون الفرج في حالة الحيض والنفاس؟ فيه خلاف ذكرناه في ~~كتاب الاستحسان، وأما بعد الموت، فلا يحل له المس والنظر عندنا خلافا ~~للشافعي، والمسألة ذكرناها في كتاب الصلاة. ### | [فصل ملك المتعة] # (فصل) : # ومنها ملك المتعة، وهو اختصاص الزوج بمنافع بضعها وسائر أعضائها استمتاعا ~~أو ملك الذات والنفس في حق التمتع على اختلاف مشايخنا في ذلك؛ لأن مقاصد ~~النكاح لا تحصل بدونه ألا ترى أنه لولا الاختصاص الحاجز عن التزويج بزوج ~~آخر لا يحصل السكن؛ لأن قلب الزوج لا يطمئن إليها، ونفسه لا تسكن معها، ~~ويفسد ms1496 الفراش لاشتباه النسب؛ ولأن المهر لازم في النكاح، وأنه عوض عن الملك ~~لما ذكرنا فيما تقدم، فيدل على لزوم الملك في النكاح أيضا تحقيقا للمعاوضة، ~~وهذا الحكم على الزوجة للزوج خاصة؛ لأنه عوض عن المهر، والمهر على الرجل، ~~وقيل في تأويل قوله عز وجل {وللرجال عليهن درجة} [البقرة: 228] أن الدرجة ~~هي الملك. ### | [فصل ملك الحبس والقيد] # (فصل) : # ومنها ملك الحبس والقيد، وهو صيرورتها ممنوعة عن الخروج والبروز لقوله ~~تعالى {أسكنوهن} [الطلاق: 6] ، والأمر بالإسكان نهي عن الخروج والبروز ~~والإخراج إذ الأمر بالفعل نهي عن ضده، وقوله عز وجل {وقرن في بيوتكن} ~~[الأحزاب: 33] ، وقوله عز وجل {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} [الطلاق: ~~1] ؛ ولأنها لو لم تكن ممنوعة عن الخروج والبروز لاختل السكن والنسب؛ لأن ~~ذلك مما يريب الزوج، ويحمله على نفي النسب. ### | [فصل وجوب المهر على الزوج] # (فصل) : # ومنها، وجوب المهر على الزوج، وأنه حكم أصلي للنكاح عندنا لا وجود له ~~بدونه شرعا، وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم؛ ولأن المهر عوض عن الملك؛ لأنه ~~يجب بمقابلة إحداث الملك على ما مر، وثبوت العوض يدل على ثبوت المعوض. ### | [فصل ثبوت النسب] # (فصل) : # ومنها ثبوت النسب، وإن كان ذلك حكم الدخول حقيقة لكن سببه الظاهر هو ~~النكاح لكون # PageV02P331 # الدخول أمرا باطنا، فيقام النكاح مقامه في إثبات النسب، ولهذا قال النبي: ~~- صلى الله عليه وسلم - «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» # وكذا لو تزوج المشرقي بمغربية، فجاءت بولد يثبت النسب، وإن لم يوجد ~~الدخول حقيقة لوجود سببه، وهو النكاح. ### | [فصل وجوب النفقة والسكنى] # (فصل) : # ومنها وجوب النفقة، والسكنى لقوله تعالى {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف} [البقرة: 233] ، وقوله تعالى {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه ~~رزقه فلينفق مما آتاه الله} [الطلاق: 7] ، وقوله {أسكنوهن من حيث سكنتم من ~~وجدكم} [الطلاق: 6] ، والأمر بالإسكان أمر بالإنفاق؛ لأنها لا تمكن من ~~الخروج للكسب لكونها عاجزة بأصل الخلقة لضعف بنيتها والكلام في سبب وجوب ~~هذه النفقة، وشرط وجوبها، ومقدار الواجب منها نذكره إن شاء الله تعالى في ~~كتاب النفقة. ms1497 ### | [فصل حرمة المصاهرة] # (فصل) : # ومنها حرمة المصاهرة، وهي حرمة أنكحة فرق معلومة ذكرناهم فيما تقدم، ~~وذكرنا دليل الحرمة إلا أن في بعضها تثبت الحرمة بنفس النكاح، وفي بعضها ~~يشترط الدخول، وقد بينا جملة ذلك في مواضعها. ### | [فصل الإرث من الجانبين جميعا] # (فصل) : # ومنها الإرث من الجانبين جميعا لقوله عز وجل {ولكم نصف ما ترك أزواجكم} ~~[النساء: 12] إلى قوله عز وجل {فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها ~~أو دين} [النساء: 12] . ### | [فصل وجوب العدل بين النساء في حقوقهن] # (فصل) : # ومنها، وجوب العدل بين النساء في حقوقهن. # وجملة الكلام فيه أن الرجل لا يخلو إما أن يكون له أكثر من امرأة واحدة ~~وإما إن كانت له امرأة واحدة، فإن كان له أكثر من امرأة، فعليه العدل بينهن ~~في حقوقهن من القسم والنفقة والكسوة، وهو التسوية بينهن في ذلك حتى لو كانت ~~تحته امرأتان حرتان أو أمتان يجب عليه أن يعدل بينهما في المأكول والمشروب ~~والملبوس والسكنى والبيتوتة. # والأصل فيه قوله عز وجل {فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة} [النساء: 3] عقيب ~~قوله تعالى {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3] ~~أي: إن خفتم أن لا تعدلوا في القسم والنفقة في نكاح المثنى، والثلاث، ~~والرباع، فواحدة ندب سبحانه وتعالى إلى نكاح الواحدة عند خوف ترك العدل في ~~الزيادة، وإنما يخاف على ترك الواجب، فدل أن العدل بينهن في القسم والنفقة ~~واجب، وإليه أشار في آخر الآية بقوله {ذلك أدنى ألا تعولوا} [النساء: 3] ~~أي: تجوروا، والجور حرام، فكان العدل واجبا ضرورة؛ ولأن العدل مأمور به ~~لقوله عز وجل {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90] على العموم ~~والإطلاق إلا ما خص أو قيد بدليل. # وروي عن أبي قلابة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعدل بين نسائه ~~في القسمة، ويقول اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك أنت، ~~ولا أملك» ، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «من كان له امرأتان، ms1498 فمال إلى إحداهما دون الأخرى جاء يوم ~~القيامة، وشقه مائل» ، ويستوي في القسم البكر، والثيب والشابة والعجوز، ~~والقديمة والحديثة والمسلمة والكتابية؛ لما ذكرنا من الدلائل من غير فصل؛ ~~ولأنهما يستويان في سبب وجوب القسم، وهو النكاح، فيستويان في وجوب القسم، ~~ولا قسم للمملوكات بملك اليمين أي: لا ليلة لهن، وإن كثرن لقوله عز وجل ~~{فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] قصر الإباحة ~~في النكاح على عدد لتحقق الجور في الزيادة، ثم ندب سبحانه وتعالى إلى نكاح ~~الواحدة عند خوف الجور في الزيادة، وأباح من ملك اليمين من غير عدد، فدل ~~أنه ليس فيه خوف الجور، وإنما لا يكون إذا لم يكن لهن قسم إذ لو كان لكان ~~فيه خوف الجور كما في المنكوحة؛ ولأن سبب الوجوب هو النكاح، ولم يوجد. # ولو كانت إحداهما حرة، والأخرى أمة، فللحرة يومان، وللأمة يوم لما روي عن ~~علي - رضي الله عنه - موقوفا عليه، ومرفوعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «للحرة ثلثان من القسم، وللأمة الثلث» ؛ ولأنهما ما استويا في ~~سبب الوجوب، وهو النكاح، فإنه لا يجوز نكاح الأمة بعد نكاح الحرة، ولا مع ~~نكاحها. # وكذا لا يجوز للعبد أن يتزوج بأكثر من اثنتين، وللحر أن يتزوج بأربع ~~نسوة، فلم يتساويا في السبب، فلا يتساويان في الحكم بخلاف المسلمة مع ~~الكتابية؛ لأن الكتابية يجوز نكاحها قبل المسلمة وبعدها، ومعها. # وكذا للذمي أن يجمع بين أربع نسوة كالحر المسلم، فتساويا في سبب الوجوب، ~~فيتساويان في الحكم؛ ولأن الحرية تنبئ عن الكمال، والرق يشعر بنقصان الحال، ~~وقد ظهر أثر النقصان في الشرع في المالكية وحل المحلية والعدة والحد وغير ~~ذلك، فكذا في القسم، وهذا التفاوت في السكنى، والبيتوتة يسكن عند الحرة ~~ليلتين. # وعند الأمة ليلة. # فأما في المأكول # PageV02P332 # والمشروب، والملبوس، فإنه يسوي بينهما؛ لأن ذلك من الحاجات اللازمة، ~~فيستوي فيه الحرة والأمة والمريض في وجوب القسم عليه كالصحيح لما روي «أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استأذن نساءه في ms1499 مرض موته أن يكون في بيت ~~عائشة - رضي الله عنها -» ، فلو سقط القسم بالمرض لم يكن للاستئذان معنى، ~~ولا قسم على الزوج إذا سافر حتى لو سافر بإحداهما، وقدم من السفر، وطلبت ~~الأخرى أن يسكن عندها مدة السفر، فليس لها ذلك؛ لأن مدة السفر ضائعة بدليل ~~أن له أن يسافر وحده دونهن لكن الأفضل أن يقرع بينهن، فيخرج بمن خرجت ~~قرعتها تطييبا لقلوبهن دفعا لتهمة الميل عن نفسه هكذا كان يفعل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا أراد السفر أقرع بين نسائه. # وقال الشافعي: إن سافر بها بقرعة، فكذلك. # فأما إذا سافر بها بغير قرعة، فإنه يقسم للباقيات، وهذا غير سديد؛ لأن ~~بالقرعة لا يعرف أن لها حقا في حالة السفر أو لا، فإنها لا تصلح لإظهار ~~الحق أبدا لاختلاف عملها في نفسها، فإنها لا تخرج على وجه واحد بل مرة ~~هكذا، ومرة هكذا، والمختلف فيه لا يصلح دليلا على شيء. # ولو وهبت إحداهما قسمها لصاحبتها أو رضيت بترك قسمها؛ جاز؛ لأنه حق ثبت ~~لها، فلها أن تستوفي، ولها أن تترك، وقد روي أن سودة بنت زمعة - رضي الله ~~عنها - لما كبرت، وخشيت أن يطلقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعلت ~~يومها لعائشة - رضي الله عنها -، وقيل فيها نزل قوله تعالى {وإن امرأة خافت ~~من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح ~~خير} [النساء: 128] ، والمراد من الصلح هو الذي جرى بينهما كذا قاله ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - فإن رجعت عن ذلك، وطلبت قسمها، فلها ذلك؛ لأن ذلك ~~كله كان إباحة منها، والإباحة لا تكون لازمة كالمباح له الطعام أنه يملك ~~المبيح منعه، والرجوع عن ذلك. # ولو بذلت واحدة منهن مالا للزوج؛ ليجعل لها في القسم أكثر مما تستحقه لا ~~يحل للزوج أن يفعل، ويرد ما أخذه منها؛ لأنه رشوة؛ لأنه أخذ المال لمنع ~~الحق عن المستحق، وكذلك لو بذل الزوج لواحدة منهن مالا لتجعل نوبتها ~~لصاحبتها أو بذلت هي لصاحبتها مالا لتترك ms1500 نوبتها لها لا يجوز شيء من ذلك، ~~ويسترد المال؛ لأن هذا معاوضة القسم بالمال، فيكون في معنى البيع، وأنه لا ~~يجوز كذا هذا، هذا إذا كان له امرأتان أو أكثر من ذلك. # فأما إذا كانت له امرأة واحدة؛ فطالبته بالواجب لها ذكر القدوري رواية ~~الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: إذا تشاغل الرجل عن زوجته بالصيام أو بالصلاة ~~أو بأمة اشتراها قسم لامرأته من كل أربعة أيام يوما، ومن كل أربع ليال ~~ليلة، وقيل له تشاغل ثلاثة أيام، وثلاث ليال بالصوم أو بالأمة، وهكذا كان ~~الطحاوي يقول: إنه يجعل لها يوما واحدا يسكن عندها وثلاثة أيام ولياليها ~~يتفرغ للعبادة، وأشغاله (وجه) هذا القول ما ذكره محمد في كتاب النكاح أن ~~امرأة رفعت زوجها إلى عمر - رضي الله عنه - وذكرت أنه يصوم النهار، ويقوم ~~الليل، فقال: عمر - رضي الله عنه - ما أحسنك ثناء على بعلك، فقال: كعب يا ~~أمير المؤمنين إنها تشكو إليك زوجها، فقال عمر - رضي الله عنه -: وكيف ذلك؟ ~~فقال: كعب إنه إذا صام النهار، وقام الليل، فكيف يتفرغ لها، فقال عمر - رضي ~~الله عنه - لكعب احكم بينهما، فقال: أراها إحدى نسائه الأربع يفطر لها ~~يوما، ويصوم ثلاثة أيام، فاستحسن ذلك منه عمر - رضي الله عنه - وولاه قضاء ~~البصرة ذكر محمد هذا في كتاب النكاح، ولم يذكر أنه يأخذ بهذا القول. # وذكر الجصاص أن هذا ليس مذهبنا؛ لأن المزاحمة في القسم إنما تحصل ~~بمشاركات الزوجات، فإذا لم يكن له زوجة غيرها لم تتحقق المشاركة، فلا يقسم ~~لها، وإنما يقال له لا تداوم على الصوم، ووف المرأة حقها كذا قاله الجصاص # وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن أبا حنيفة كان يقول: أولا كما روى ~~الحسن عنه لما أشار إليه كعب، وهو أن للزوج أن يسقط حقها عن ثلاثة أيام بأن ~~يتزوج ثلاثا أخر سواها، فلما لم يتزوج، فقد جعل ذلك لنفسه، فكان الخيار له ~~في ذلك، فإن شاء؛ صرف ذلك إلى الزوجات، وإن شاء؛ صرفه إلى صيامه، وصلاته، ~~وأشغاله، ms1501 ثم رجع عن ذلك. # وقال: هذا ليس بشيء؛ لأنه لو تزوج أربعا، فطالبن بالواجب منه يكون لكل ~~واحدة منهن ليلة من الأربع، فلو جعلنا هذا حقا لكل واحدة منهن لا يتفرغ ~~لأعماله، فلم يوقت في هذا وقتا. # وإن كانت المرأة أمة؛ فعلى قول أبي حنيفة أخيرا إن صح الرجوع لا شك أنه ~~لا يقسم لها كما يقسم للحرة من طريق الأولى، وعلى قوله الأول، وهو قول ~~الطحاوي يجعل لها ليلة من كل سبع ليال؛ لأن للزوج حق إسقاط حقها عن ستة ~~أيام، والاقتصار على يوم # PageV02P333 # واحد بأن يتزوج عليها ثلاث حرائر؛ لأن للحرة ليلتين، وللأمة ليلة واحدة، ~~فلما لم يتزوج، فقد جعل ذلك لنفسه فكان بالخيار إن شاء؛ صرف ذلك إلى ~~الزوجات، وإن شاء؛ صرفه إلى الصوم والصلاة، وإلى أشغال نفسه، والإشكال عليه ~~ما نقل عن أبي حنيفة، وما ذكره الجصاص أيضا، والله عز وجل الموفق. ### | [فصل وجوب طاعة الزوج على الزوجة إذا دعاها إلى الفراش] # (فصل) : # ومنها، وجوب طاعة الزوج على الزوجة إذا دعاها إلى الفراش لقوله تعالى ~~{ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة: 228] قيل: لها المهر والنفقة، ~~وعليها أن تطيعه في نفسها، وتحفظ غيبته؛ ولأن الله عز وجل أمر بتأديبهن ~~بالهجر والضرب عند عدم طاعتهن، ونهى عن طاعتهن بقوله عز وجل {فإن أطعنكم ~~فلا تبغوا عليهن سبيلا} [النساء: 34] ، فدل أن التأديب كان لترك الطاعة، ~~فيدل على لزوم طاعتهن الأزواج. ### | [فصل ولاية التأديب للزوج إذا لم تطعه] # (فصل) : # ومنها ولاية التأديب للزوج إذا لم تطعه فيما يلزم طاعته بأن كانت ناشزة، ~~فله أن يؤدبها لكن على الترتيب، فيعظها أولا على الرفق واللين بأن يقول لها ~~كوني من الصالحات القانتات الحافظات للغيب ولا تكوني من كذا وكذا، فلعل ~~تقبل الموعظة، فتترك النشوز، فإن نجعت فيها الموعظة، ورجعت إلى الفراش وإلا ~~هجرها. # وقيل يخوفها بالهجر أولا والاعتزال عنها، وترك الجماع والمضاجعة، فإن ~~تركت وإلا هجرها لعل نفسها لا تحتمل الهجر، ثم اختلف في كيفية الهجر قيل ~~يهجرها بأن لا يجامعها، ولا ms1502 يضاجعها على فراشه، وقيل يهجرها بأن لا يكلمها ~~في حال مضاجعته إياها لا أن يترك جماعها ومضاجعتها؛ لأن ذلك حق مشترك ~~بينهما، فيكون في ذلك عليه من الضرر ما عليها، فلا يؤدبها بما يضر بنفسه، ~~ويبطل حقه، وقيل يهجرها بأن يفارقها في المضجع، ويضاجع أخرى في حقها ~~وقسمها؛ لأن حقها عليه في القسم في حال الموافقة وحفظ حدود الله تعالى لا ~~في حال التضييع وخوف النشوز والتنازع وقيل يهجرها بترك مضاجعتها، وجماعها ~~لوقت غلبة شهوتها، وحاجتها لا في وقت حاجته إليها؛ لأن هذا للتأديب والزجر، ~~فينبغي أن يؤدبها لا أن يؤدب نفسه بامتناعه عن المضاجعة في حال حاجته ~~إليها، فإذا هجرها، فإن تركت النشوز، وإلا ضربها عند ذلك ضربا غير مبرح، ~~ولا شائن، والأصل فيه قوله عز وجل {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن ~~في المضاجع واضربوهن} [النساء: 34] ، فظاهر الآية وإن كان بحرف الواو ~~الموضوعة للجمع المطلق لكن المراد منه الجمع على سبيل الترتيب، والواو ~~تحتمل ذلك، فإن نفع الضرب، وإلا رفع الأمر إلى القاضي ليوجه إليهما حكمين ~~حكما من أهله، وحكما من أهلها كما قال الله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما ~~فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} ~~[النساء: 35] ، وسبيل هذا سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حق سائر ~~الناس أن الآمر يبدأ بالموعظة على الرفق واللين دون التغليظ في القول، فإن ~~قبلت، وإلا غلظ القول به، فإن قبلت، وإلا بسط يده فيه، وكذلك إذا ارتكبت ~~محظورا سوى النشوز ليس فيه حد مقدر، فللزوج أن يؤدبها تعزيرا لها؛ لأن ~~للزوج أن يعزر زوجته كما للمولى أن يعزر مملوكه. ### | [فصل المعاشرة بالمعروف] # (فصل) : # ومنها المعاشرة بالمعروف، وأنه مندوب إليه، ومستحب قال الله تعالى: ~~{وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19] قيل هي المعاشرة بالفضل والإحسان قولا ~~وفعلا وخلقا قال النبي: - صلى الله عليه وسلم - «خيركم خيركم لأهله، وأنا ~~خيركم لأهلي» ، وقيل المعاشرة بالمعروف هي أن يعاملها بما لو فعل بك مثل ~~ذلك لم تنكره بل تعرفه، وتقبله وترضى ms1503 به، وكذلك من جانبها هي مندوبة إلى ~~المعاشرة الجميلة مع زوجها بالإحسان باللسان، واللطف في الكلام، والقول ~~المعروف الذي يطيب به نفس الزوج، وقيل في، قوله تعالى {ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف} [البقرة: 228] أن الذي عليهن من حيث الفضل والإحسان هو أن يحسن ~~إلى أزواجهن بالبر باللسان، والقول بالمعروف، والله عز وجل أعلم. # ويكره للزوج أن يعزل عن امرأته الحرة بغير رضاها؛ لأن الوطء عن إنزال سبب ~~لحصول الولد، ولها في الولد حق، وبالعزل يفوت الولد، فكأنه سببا لفوات ~~حقها، وإن كان العزل برضاها لا يكره؛ لأنها رضيت بفوات حقها، ولما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اعزلوهن أو لا تعزلوهن إن الله ~~تعالى إذا أراد خلق نسمة، فهو خالقها» إلا أن العزل حال عدم الرضا صار ~~مخصوصا، وكذلك إذا كانت المرأة أمة الغير أنه يكره العزل عنها من غير رضا ~~لكن يحتاج إلى رضاها أو رضا مولاها قال أبو حنيفة: الإذن في # PageV02P334 # ذلك إلى المولى. # وقال أبو يوسف، ومحمد: إليها (وجه) قولهما أن قضاء الشهوة حقها، والعزل ~~يوجب نقصانا في ذلك، ولأبي حنيفة أن كراهة العزل لصيانة الولد، والولد له ~~لا لها، والله عز وجل أعلم. ### | [فصل حكم النكاح الفاسد] # (فصل) : # وأما النكاح الفاسد، فلا حكم له قبل الدخول، وأما بعد الدخول، فيتعلق به ~~أحكام منها ثبوت النسب ومنها وجوب العدة، وهو حكم الدخول في الحقيقة ومنها ~~وجوب المهر. # والأصل فيه أن النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة لانعدام محله أعني محل ~~حكمه، وهو الملك؛ لأن الملك يثبت في المنافع، ومنافع البضع ملحقة بالأجزاء، ~~والحر بجميع أجزائه ليس محلا للملك؛ لأن الحرية خلوص، والملك ينافي الخلوص؛ ~~ولأن الملك في الآدمي لا يثبت إلا بالرق، والحرية تنافي الرق إلا أن الشرع ~~أسقط اعتبار المنافي في النكاح الصحيح لحاجة الناس إلى ذلك، وفي النكاح ~~الفاسد بعد الدخول لحاجة الناكح إلى درء الحد وصيانة مائه عن الضياع بثبات ~~النسب ووجوب العدة وصيانة البضع المحترم عن الاستعمال من غير غرامة، ms1504 ولا ~~عقوبة توجب المهر، فجعل منعقدا في حق المنافع المستوفاة لهذه الضرورة، ولا ~~ضرورة قبل استيفاء المنافع، وهو ما قبل الدخول، فلا يجعل منعقدا قبله، ثم ~~الدليل على وجوب مهر المثل بعد الدخول ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن مواليها، فنكاحها باطل، ~~فإن دخل بها، فلها مهر مثلها» جعل - صلى الله عليه وسلم - لها مهر المثل ~~فيما له حكم النكاح الفاسد، وعلقه بالدخول، فدل أن وجوبه متعلق به، ثم ~~اختلف في تقدير هذا المهر، وهو المسمى بالعقر قال أصحابنا الثلاثة: لا يجب ~~الأقل من مهر مثلها ومن المسمى. # وقال زفر: يجب مهر المثل بالغا ما بلغ. # وكذا هذا الخلاف في الإجارة الفاسدة. # (وجه) قول زفر أن المنافع تتقوم بالعقد الصحيح والفاسد جميعا كالأعيان، ~~فيلزم إظهار أثر التقوم، وذلك بإيجاب مهر المثل بالغا ما بلغ؛ لأنه قيمة ~~منافع البضع، وإنما العدول إلى المسمى عند صحة التسمية، ولم تصح؛ لهذا ~~المعنى أوجبنا كمال القيمة في العقد الفاسد كذا ههنا. # (ولنا) أن العاقدين ما قوما المنافع بأكثر من المسمى، فلا تتقوم بأكثر من ~~المسمى، فحصلت الزيادة مستوفاة من غير عقد، فلم تكن لها قيمة إلا أن مهر ~~المثل إذا كان أقل من المسمى لا يبلغ به المسمى؛ لأنها رضيت بذلك القدر ~~لرضاها بمهر مثلها، واختلف أيضا في وقت وجوب العدة أنها من أي وقت تعتبر ~~قال أصحابنا الثلاثة: إنها تجب من حين يفرق بينهما. # وقال زفر: من آخر وطء وطئها حتى لو كانت قد حاضت ثلاث حيض بعد آخر وطء ~~وطئها قبل التفريق، فقد انقضت عدتها عنده (وجه) قوله أن العدة تجب بالوطء؛ ~~لأنها تجب لاستبراء الرحم، وذلك حكم الوطء ألا ترى أنها لا تجب قبل الوطء، ~~وإذا كان وجوبها بالوطء تجب عقيب الوطء بلا فصل كأحكام سائر العلل. # (ولنا) أن النكاح الفاسد بعد الوطء منعقد في حق الفراش لما بينا، والفراش ~~لا يزول قبل التفريق بدليل أنه لو وطئها قبل التفريق ms1505 لا حد عليه، ولا يجب ~~عليه بتكرار الوطء إلا مهر واحد. # ولو وطئها بعد التفريق يلزمه الحد، ولو دخلته شبهة حتى امتنع وجوب الحد ~~يلزمه مهر آخر، فكان التفريق في النكاح الفاسد بمنزلة الطلاق في النكاح ~~الصحيح، فيعتبر ابتداء العدة منه كما تعتبر من وقت الطلاق في النكاح الصحيح ~~والخلوة في النكاح الفاسد لا توجب العدة؛ لأنه ليس بنكاح حقيقة إلا أنه ~~ألحق بالنكاح في حق المنافع المستوفاة حقيقة مع قيام المنافع لحاجة الناكح ~~إلى ذلك، فيبقى في حق غير المستوفى على أصل العدم، ولم يوجد استيفاء ~~المنافع حقيقة بالخلوة؛ ولأن الموجب للعدة في الحقيقة هو الوطء؛ لأنها تجب ~~لتعرف براءة الرحم، ولم يوجد حقيقة إلا أنا أقمنا التمكين من الوطء في ~~النكاح الصحيح مقامه في حق حكم يحتاط فيه لوجود دليل التمكن، وهو الملك ~~المطلق، ولم يوجد ههنا بخلاف الخلوة الفاسدة في النكاح الصحيح أنها توجب ~~العدة إذا كان متمكنا من الوطء حقيقة، وإن كان ممنوعا عنه شرعا بسبب الحيض ~~أو الإحرام أو الصوم أو نحو ذلك؛ لأن هناك دليل الإطلاق شرعا موجود وهو ~~الملك المطلق إلا أنه منع منه لغيره، فكان التمكن ثابتا، ودليله موجود، ~~فيقام مقام المدلول في موضع الاحتياط، وههنا بخلافه، ولا يوجب المهر أيضا؛ ~~لأنه لما لم يجب بها العدة، فالمهر أولى؛ لأن العدة يحتاط في وجوبها، ولا ~~يحتاط في وجوب المهر. # PageV02P335 ### | [فصل بيان ما يرفع حكم النكاح] # فصل) : # وأما بيان ما يرفع حكم النكاح، فبيانه بيان ما تقع به الفرقة بين ~~الزوجين، ولوقوع الفرقة بين الزوجين أسباب لكن الواقع ببعضها فرقة بطلاق، ~~وبعضها فرقة بغير طلاق، وفي بعضها يقع فرقة بغير قضاء القاضي، وفي بعضها لا ~~يقع إلا بقضاء القاضي، فنذكر جملة ذلك بتوفيق الله عز وجل منها. # الطلاق بصريحه، وكناياته، وله كتاب مفرد، ومنها اللعان ولا تقع الفرقة ~~إلا بتفريق القاضي عند أصحابنا. # وكذا في كيفية هذه الفرقة خلاف بين أصحابنا نذكره إن شاء الله تعالى في ~~كتاب اللعان، ومنها اختيار الصغير أو ms1506 الصغيرة بعد البلوغ في خيار البلوغ، ~~وهذه الفرقة لا تقع إلا بتفريق القاضي بخلاف الفرقة باختيار المرأة نفسها ~~في خيار العتق أنها تثبت بنفس الاختيار، وقد بينا وجه الفرق فيما تقدم، ~~والفرقة في الخيارين جميعا تكون فرقة بغير طلاق، بل تكون فسخا حتى لو كان ~~الزوج لم يدخل بها، فلا مهر لها أما في خيار العتق، فلا شك فيه؛ لأن الفرقة ~~وقعت بسبب وجد منها، وهو اختيارها نفسها، واختيارها نفسها لا يجوز أن يكون ~~طلاقا؛ لأنها لا تملك الطلاق إلا إذا ملكت كالمخيرة، فكان فسخا، وفسخ العقد ~~رفعه من الأصل، وجعله كأن لم يكن. # ولو لم يكن حقيقة لم يكن لها مهر، فكذا إذا التحق بالعدم من الأصل. # وكذا في خيار البلوغ إذا كان من له الخيار هو المرأة، فاختارت نفسها قبل ~~الدخول بها لما قلنا. # وأما إذا كان من له الخيار هو الغلام، فاختار نفسه قبل الدخول بها، فلا ~~مهر لها أيضا، وهذا فيه نوع إشكال؛ لأن الفرقة جاءت من قبل الزوج، فيجب أن ~~تكون فرقة بطلاق، ويتعلق بها نصف المهر والانفصال أن الشرع أثبت له الخيار، ~~فلا بد أن يكون مفيدا. # ولو كان ذلك طلاقا، ووجب عليه المهر لم يكن لإثبات الخيار معنى؛ لأنه ~~يملك الطلاق، فإذا لا فائدة في الخيار إلا سقوط المهر. # وإن كان قد دخل بها لا يسقط المهر؛ لأن المهر قد تأكد بالدخول، فلا يحتمل ~~السقوط بالفرقة، كما لا يحتمل السقوط بالموت؛ ولأن الدخول استيفاء منافع ~~البضع، وأنه أمر خفي، فلا يحتمل الارتفاع من الأصل بالفسخ بخلاف العقد، ~~فإنه أمر شرعي، فكان محتملا للفسخ، ولأنه لو فسخ النكاح بعد الدخول لوجب ~~عليه رد المنافع المستوفاة؛ لأنه عاد البدل إليه، فوجب أن يعود المبدل ~~إليها، وهو لا يقدر على ردها، فلا يفسخ، وإذا لم يقدر على ردها يغرم ~~قيمتها، وقيمتها هو المهر المسمى، فلا يفيد؛ ولأنه لما استوفى المنافع، فقد ~~استوفى المعقود عليه، وهو المبدل، فلا يسقط البدل. # ومنها اختيار المرأة نفسها لعيب الجب، والعنة ms1507 والخصاء والخنوثة، والتأخذ ~~بتفريق القاضي أو بنفس الاختيار، على ما بينا، وأنه فرقة بطلان؛ لأن سبب ~~ثبوتها حصل من الزوج، وهو المنع من إيفاء حقها المستحق بالنكاح، وأنه ظلم ~~وضرر في حقها إلا أن القاضي قام مقامه في دفع الظلم، والأصل أن الفرقة إذا ~~حصلت بسبب من جهة الزوج مختص بالنكاح أن تكون فرقة بطلان حتى لو كان ذلك ~~قبل الدخول بها، وقبل الخلوة، فلها نصف المسمى إن كان في النكاح تسمية، وإن ~~لم يكن فيه تسمية، فلها المتعة. # ومنها التفريق لعدم الكفاءة أو لنقصان المهر، والفرقة به فرقة بغير طلاق؛ ~~لأنها فرقة حصلت لا من جهة الزوج، فلا يمكن أن يجعل ذلك طلاقا؛ لأنه ليس ~~لغير الزوج ولاية الطلاق، فيجعل فسخا، ولا تكون هذه الفرقة إلا عند القاضي ~~لما ذكرنا في الفرقة بخيار البلوغ. # ومنها إباء الزوج الإسلام بعد ما أسلمت زوجته في دار الإسلام، ومنها إباء ~~الزوجة الإسلام بعد ما أسلم زوجها المشرك أو المجوسي في دار الإسلام. # وجملة الكلام فيه أن الزوجين الكافرين إذا أسلم أحدهما في دار الإسلام، ~~فإن كانا كتابيين، فأسلم الزوج، فالنكاح بحاله؛ لأن الكتابية محل لنكاح ~~المسلم ابتداء، فكذا بقاء، وإن أسلمت المرأة لا تقع الفرقة بنفس الإسلام ~~عندنا، ولكن يعرض الإسلام على زوجها، فإن أسلم بقيا على النكاح، وإن أبى ~~الإسلام، فرق القاضي بينهما؛ لأنه لا يجوز أن تكون المسلمة تحت نكاح ~~الكافر، ولهذا لم يجز نكاح الكافر المسلمة ابتداء، فكذا في البقاء عليه، ~~وإن كانا مشركين أو مجوسيين، فأسلم أحدهما أيهما كان يعرض الإسلام على ~~الآخر، ولا تقع الفرقة بنفس الإسلام عندنا، فإن أسلم؛ فهما على النكاح، وإن ~~أبى الإسلام؛ فرق القاضي بينهما؛ لأن المشركة لا تصلح لنكاح المسلم غير أن ~~الإباء إن كان من المرأة يكون فرقة بغير طلاق؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها، ~~وهو الإباء من الإسلام، والفرقة من قبل المرأة لا تصلح طلاقا؛ لأنها لا تلي ~~الطلاق، فيجعل فسخا، وإن كان الإباء من الزوج يكون فرقة بطلاق # PageV02P336 # في ms1508 قول أبي حنيفة، ومحمد # وعند أبي يوسف يكون فرقة بغير طلاق، وهذا كله مذهب أصحابنا وقال الشافعي: ~~إذا أسلم أحد الزوجين، وقعت الفرقة بنفس الإسلام غير أنه إن كان ذلك قبل ~~الدخول تقع الفرقة للحال بعد الدخول، فلا تقع الفرقة حتى تمضي ثلاث حيض، ~~فإن أسلم الآخر قبل مضيها؛ فالنكاح بحاله، وإن لم يسلم؛ بانت بمضيها أما ~~الكلام مع الشافعي، فوجه قوله إن كفر الزوج يمنع من نكاح المسلمة ابتداء ~~حتى لا يجوز للكافر أن ينكح المسلمة، وكذلك شرك المرأة، وتمجسها مانع من ~~نكاح المسلم ابتداء بدليل أنه لا يجوز للمسلم نكاح المشركة، والمجوسية، ~~فإذا طرأ على النكاح يبطله، فأشبه الطلاق. # (ولنا) إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، فإنه روي أن رجلا من بني تغلب ~~أسلمت امرأته، فعرض عمر - رضي الله عنه - عليه الإسلام، فامتنع، ففرق ~~بينهما، وكان ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم -، فيكون إجماعا. # ولو وقعت الفرقة بنفس الإسلام لما وقعت الحاجة إلى التفريق؛ ولأن الإسلام ~~لا يجوز أن يكون مبطلا للنكاح؛ لأنه عرف عاصما للأملاك، فكيف يكون مبطلا ~~لها، ولا يجوز أن يبطل بالكفر أيضا؛ لأن الكفر كان موجودا منهما، ولم يمنع ~~ابتداء النكاح، فلأن لا يمنع البقاء وأنه أسهل أولى إلا أنا لو بقينا ~~النكاح بينهما لا تحصل المقاصد؛ لأن مقاصد النكاح لا تحصل إلا بالاستفراش، ~~والكافر لا يمكن من استفراش المسلمة، والمسلم لا يحل له استفراش المشركة ~~والمجوسية لخبثهما، فلم يكن في بقاء هذا النكاح فائدة، فيفرق القاضي بينهما ~~عند إباء الإسلام؛ لأن اليأس عن حصول المقاصد يحصل عنده. # وأما الكلام مع أصحابنا في كيفية الفرقة عند إباء الزوج الإسلام بعد ما ~~أسلمت امرأته المشركة أو المجوسية أو الكتابية، فوجه قول أبي يوسف أن هذه ~~فرقة يشترك في سببها الزوجان، ويستويان فيه، فإن الإباء من كل واحد منهما ~~سبب الفرقة، ثم الفرقة الحاصلة بإبائها فرقة بغير طلاق، فكذا بإبائه ~~لاستوائهما في السببية كما إذا ملك أحدهما صاحبه، ولهما أن الحاجة إلى ~~التفريق عند الإباء لفوات ms1509 مقاصد النكاح ولأن مقاصد النكاح إذا لم تحصل لم ~~يكن في بقاء النكاح فائدة، فتقع الحاجة إلى التفريق، والأصل في التفريق هو ~~الزوج؛ لأن الملك له، والقاضي ينوب منابه كما في الفرقة بالجب والعنة فكان ~~الأصل في الفرقة هو فرقة الطلاق، فيجعل طلاقا ما أمكن، وفي إباء المرأة لا ~~يمكن؛ لأنها لا تملك الطلاق، فيجعل فسخا. # ومنها ردة أحد الزوجين؛ لأن الردة بمنزلة الموت؛ لأنها سبب مفض إليه، ~~والميت لا يكون محلا للنكاح، ولهذا لم يجز نكاح المرتد لأحد في الابتداء، ~~فكذا في حال البقاء؛ ولأنه لا عصمة مع الردة، وملك النكاح لا يبقى مع زوال ~~العصمة غير أن ردة المرأة تكون فرقة بغير طلاق بلا خلاف. # وأما ردة الرجل، فهي فرقة بغير طلاق في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. # وعند محمد فرقة بطلاق (وجه) قوله ظاهر؛ لأن الأصل أن الفرقة إذا حصلت ~~بمعنى من قبل الزوج، وأمكن أن تجعل طلاقا تجعل طلاقا؛ لأن الأصل في الفرقة ~~هو فرقة الطلاق، وأصل أبي يوسف ما ذكرنا أنه فرقة حصلت بسبب يشترك فيه ~~الزوجان؛ لأن الردة من كل واحد منهما سبب لثبوت الفرقة، ثم الثابت بردتها ~~فرقة بغير طلاق كذا بردته، ولأبي حنيفة أن هذه الفرقة، وإن كانت بسبب وجد ~~من الرجل، وهو ردته إلا أنه لا يمكن أن تجعل الردة طلاقا؛ لأنها بمنزلة ~~الموت، وفرقة الموت لا تكون طلاقا؛ لأن الطلاق تصرف يختص بما يستفاد ~~بالنكاح، والفرقة الحاصلة بالردة فرقة واقعة بطريق التنافي؛ لأن الردة ~~تنافي عصمة الملك، وما كان طريقه التنافي لا يستفاد بملك النكاح، فلا يكون ~~طلاقا بخلاف الفرقة الحاصلة بإباء الزوج؛ لأنها تثبت بفوات مقاصد النكاح ~~وثمراته، وذلك مضاف إلى الزوج، فيلزمه الإمساك بالمعروف، وإلا التسريح ~~بالإحسان، فإذا امتنع عنه ألزمه القاضي الطلاق الذي يحصل به التسريح ~~بالإحسان كأنه طلق بنفسه، والدليل على التفرقة بينهما أن فرقة الإباء لا ~~تحصل إلا بالقضاء، وفرقة الردة تثبت بنفس الردة ليعلم أن ثبوتها بطريق ~~التنافي، ثم الفرقة بردة أحد الزوجين تثبت ms1510 بنفس الردة، فتثبت في الحال ~~عندنا. # وعند الشافعي إن كان قبل الدخول، فكذلك، وإن كان بعد الدخول تتأجل الفرقة ~~إلى مضي ثلاث حيض، وهو على الاختلاف في إسلام أحد الزوجين هذا إذا ارتد أحد ~~الزوجين. # فأما إذا ارتدا معا لا تقع الفرقة بينهما استحسانا حتى لو أسلما معا، ~~فهما على نكاحهما، والقياس أن تقع الفرقة، وهو قول زفر. # وجه القياس أنه لو ارتد أحدهما لوقعت الفرقة # PageV02P337 # فكذا إذا ارتدا؛ لأن في ردتهما ردة أحدهما، وزيادة، وللاستحسان إجماع ~~الصحابة - رضي الله عنهم -، فإن العرب لما ارتدت في زمن أبي بكر الصديق - ~~رضي الله عنه - ثم أسلموا لم يفرق بينهم، وبين نسائهم، وكان ذلك بم حضر من ~~الصحابة - رضي الله عنهم -، فإن قيل بم يعلم هناك أنهم ارتدوا، وأسلموا ~~معا؟ فالجواب أنه لما لم يفرق بينهم وبين نسائهم فيما لم يعلم القران بل ~~احتمل التقدم والتأخر في الردة، والإسلام ففيما علم أولى أن لا يفرق، ثم ~~نقول الأصل في كل أمرين حادثين إذا لم يعلم تاريخ ما بينهما أن يحكم ~~بوقوعهما معا كالغرقى، والحرقى والهدمى ولو تزوج مسلم كتابية يهودية أو ~~نصرانية، فتمجست تثبت الفرقة؛ لأن المجوسية لا تصلح لنكاح المسلم ألا ترى ~~أنه لا يجوز له نكاحها ابتداء، ثم إن كان ذلك قبل الدخول بها، فلا مهر لها، ~~ولا نفقة؛ لأنها فرقة بغير طلاق، فكانت فسخا، وإن كان بعد الدخول بها، فلها ~~المهر لما بينا فيما تقدم، ولا نفقة لها؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها، والأصل ~~أن الفرقة إذا جاءت من قبلها، فإن كان قبل الدخول بها؛ فلا نفقة لها ولا ~~مهر، وإن جاءت من قبله قبل الدخول؛ يجب نصف المسمى إن كان المهر سمي، وإن ~~لم يكن؛ تجب المتعة، وبعد الدخول يجب كل المهر، والنفقة. # ولو كانت يهودية؛ فتنصرت أو نصرانية؛ فتهودت لم تثبت الفرقة، ولم يعترض ~~عليه عندنا. # وقال الشافعي: لا يمكن من القرار عليه، ولكن تجبر على أن تسلم أو تعود ~~إلى دينها الأول، فإن لم تفعل حتى ms1511 مضت ثلاث حيض، وقعت الفرقة كما في المرتد ~~(وجه) قوله أنها كانت مقرة بأن الدين الذي انتقلت إليه باطل، فكان ترك ~~الاعتراض تقريرا على الباطل، وأنه لا يجوز. # (ولنا) أنها انتقلت من باطل إلى باطل، والجبر على العود إلى الباطل باطل، ~~ولو كانت يهودية أو نصرانية؛ فصبأت لم تثبت الفرقة في قول أبي حنيفة، وفي ~~قول أبي يوسف، ومحمد تثبت الفرقة بناء على أنه يجوز للمسلم نكاح الصابئية ~~عنده، وعندهما لا يجوز، والمسألة مرت في موضعها. # ومنها إسلام أحد الزوجين في دار الحرب لكن لا تقع الفرقة في الحال بل تقف ~~على مضي ثلاث حيض إن كانت ممن تحيض، وإن كانت ممن لا تحيض ثلاثة أشهر، فإن ~~أسلم الباقي منهما في هذه المدة، فهما على النكاح، وإن لم يسلم حتى مضت ~~المدة وقعت الفرقة؛ لأن الإسلام لا يصلح سببا لثبوت الفرقة بينهما، ونفس ~~الكفر أيضا لا يصلح سببا لما ذكرنا من المعنى فيما تقدم، ولكن يعرض الإسلام ~~على الآخر، فإذا أبى حينئذ يفرق، وكانت الفرقة حاصلة بالإباء، ولا يعرف ~~الإباء إلا بالعرض، وقد امتنع العرض لانعدام الولاية، وقد مست الحاجة إلى ~~التفريق إذ المشرك لا يصلح لنكاح المسلمة، فيقام شرط البينونة، وهو مضي ~~ثلاث حيض إذ هو شرط البينونة في الطلاق الرجعي مقام العلة، وإقامة الشرط ~~مقام العلة عند تعذر اعتبار العلة جائز في أصول الشرع، فإذا مضت مدة العدة، ~~وهي ثلاث حيض صار مضي هذه المدة بمنزلة تفريق القاضي. # وتكون فرقة بطلاق على قياس قول أبي حنيفة ومحمد وعلى قياس قول أبي يوسف ~~بغير طلاق؛ لأنه فرقة بسبب الإباء حكما وتقديرا. # وإذا وقعت الفرقة بعد مضي هذه المدة هل تجب العدة بعد مضيها؟ بأن كانت ~~المرأة هي المسلمة، فخرجت إلى دار الإسلام، فتمت الحيض في دار الإسلام لا ~~عدة عليها عند أبي حنيفة، وعندهما عليها العدة، والمسألة مذكورة فيما تقدم، ~~وإن كان المسلم هو الزوج؛ فلا عدة عليها بالإجماع؛ لأنها حربية. # ومنها اختلاف الدارين عندنا بأن خرج أحد الزوجين ms1512 إلى دار الإسلام مسلما ~~أو ذميا، وترك الآخر كافرا في دار الحرب. # ولو خرج أحدهما مستأمنا، وبقي الآخر كافرا في دار الحرب لا تقع الفرقة ~~بالإجماع. # وقال الشافعي: لا تقع الفرقة باختلاف الدارين، وهذا بناء على أصل، وهو أن ~~اختلاف الدارين علة لثبوت الفرقة عندنا، وعنده ليس بعلة، وإنما العلة هي ~~السبي، واحتج بما روي «أن زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هاجرت ~~من مكة إلى المدينة، وخلفت زوجها أبا العاص كافرا بمكة، فردها عليه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بالنكاح الأول» . # ولو ثبتت الفرقة باختلاف الدارين لما رد بل جدد النكاح؛ ولأن تأثير ~~اختلاف الدارين في انقطاع الولاية، وانقطاع الولاية لا يوجب انقطاع النكاح، ~~فإن النكاح يبقى بين أهل العدل والبغي، والولاية منقطعة. # (ولنا) أن عند اختلاف الدارين يخرج الملك من أن يكون منتفعا به لعدم ~~التمكن من الانتفاع عادة، فلم يكن في بقائه فائدة، فيزول كالمسلم إذا ارتد ~~عن الإسلام، ولحق بدار الحرب أنه يزول ملكه عن أمواله، وتعتق أمهات أولاده ~~ومدبروه لما قلنا كذا هذا بخلاف # PageV02P338 # أهل البغي مع أهل العدل؛ لأن أهل البغي من أهل الإسلام؛ ولأنهم مسلمون، ~~فيخالطون أهل العدل، فكان إمكان الانتفاع ثابتا، فيبقى النكاح، وههنا ~~بخلافه. # وأما الحديث، فقد روي أنه ردها عليه بنكاح جديد، فتعارضت الروايتان، فسقط ~~الاحتجاج به مع ما أن العمل بهذه الرواية أولى؛ لأنها تثبت أمرا لم يكن، ~~فكان راوي الرد بالنكاح الأول استصحب الحال، فظن أنه ردها عليه بذلك النكاح ~~الذي كان، وراوي النكاح الجديد اعتمد حقيقة الحال، وصار كاحتمال الجرح، ~~والتعديل، ثم إن كان الزوج هو الذي خرج؛ فلا عدة على المرأة بلا خلاف لما ~~ذكرنا أنه حربي، وإن كانت المرأة هي التي خرجت؛ فلا عدة عليها في قول أبي ~~حنيفة خلافا لهما، وكذلك إذا خرج أحدهما ذميا؛ وقعت الفرقة؛ لأنه صار من ~~أهل دار الإسلام، فصار كما لو خرج مسلما بخلاف ما إذا خرج أحدهما بأمان؛ ~~لأن الحربي المستأمن من أهل دار الحرب، ms1513 وإنما دخل دار الإسلام على سبيل ~~العارية لقضاء بعض حاجاته لا للتوطن، فلا يبطل حكم دار الحرب في حقه ~~كالمسلم إذا دخل دار الحرب بأمان؛ لأنه لا يصير بالدخول من أهل دار الحرب ~~لما قلنا كذا هذا. # ولو أسلما معا في دار الحرب أو صارا ذميين معا أو خرجا مستأمنين، فالنكاح ~~على حاله لانعدام اختلاف الدارين عندنا، وانعدام السبي عنده، وعلى هذا يخرج ~~ما إذا سبي أحدهما، وأحرز بدار الإسلام أنه تقع الفرقة بالإجماع لكن على ~~اختلاف الأصلين عندنا باختلاف الدارين، وعنده بالسبي، وعندنا لا تثبت ~~الفرقة قبل الإحراز بدار الإسلام. # ولو سبيا معا لا تقع الفرقة عندنا لعدم اختلاف الدارين، وعنده تقع لوجود ~~السبي، واحتج بقوله تعالى {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} ~~[النساء: 24] حرم المحصنات، وهن ذوات الأزواج إذ هو معطوف على قوله عز وجل ~~{حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] ، واستثنى المملوكات، والاستثناء من ~~الحظر إباحة، ولم يفصل بين ما إذا سبيت وحدها أو مع زوجها؛ ولأن السبي سبب ~~لثبوت ملك المتعة للسابي؛ لأنه استيلاء، ورد على محل غير معصوم، وأنه سبب ~~لثبوت الملك في الرقبة؛ ولهذا يثبت الملك في المسبية بالإجماع، وملك الرقبة ~~يوجب ملك المتعة، ومتى ثبت ملك المتعة للسابي؛ يزول ملك الزوج ضرورة بخلاف ~~ما إذا اشترى أمة هي منكوحة الغير أنه لا يثبت للمشتري ملك المتعة، وإن ثبت ~~له ملك الرقبة بالشراء؛ لأن ملك الزوج في الأمة ملك معصوم، وإثبات اليد على ~~محل معصوم لا يكون سببا لثبوت الملك. # (ولنا) أن ملك النكاح للزوج كان ثابتا بدليله مطلقا، وملك النكاح لا يجوز ~~أن يزول إلا بإزالته أو لعدم فائدة البقاء إما لفوات المحل حقيقة بالهلاك ~~أو تقديرا لخروجه من أن يكون منتفعا به في حق المالك، وإما لفوات حاجة ~~المالك بالموت؛ لأن الحكم بالزوال حينئذ يكون تناقضا، والشرع منزه عن ~~التناقض، ولم توجد الإزالة من الزوج، والمحل صالح، والمالك صالح حي محتاج ~~إلى الملك، وإمكان الاستمتاع ثابت ظاهرا، وغالبا إذا سبيا معا، ولا يكون ms1514 ~~نادرا. # وكذا إذا سبي أحدهما، والمسبي في دار الحرب؛ لأن احتمال الاسترداد من ~~الكفرة أو استنقاذ الأسراء من الغزاة ليس بنادر، وإن لم يكن غالبا بخلاف ما ~~إذا سبي أحدهما، وأخرج إلى دار الإسلام؛ لأن هناك لا فائدة في بقاء الملك ~~لعدم التمكن من إقامة المصالح بالملك ظاهرا وغالبا لاختلاف الدارين. # وأما قوله السبي ورد على محل غير معصوم، فنعم لكن الاستيلاء الوارد على ~~محل غير معصوم إنما يكون سببا لثبوت الملك إذا لم يكن مملوكا لغيره، وملك ~~الزوج ههنا قائم لما بينا، فلم يكن السبي سببا لثبوت الملك للسابي، فلا ~~يوجب زوال ملك الزوج، والآية محمولة على ما إذا سبيت، وحدها لما ذكرنا من ~~الدلائل. # ومنها الملك الطارئ لأحد الزوجين على صاحبه بأن ملك أحدهما صاحبه بعد ~~النكاح أو ملك شقصا منه؛ لأن الملك المقارن يمنع من انعقاد النكاح، فالطارئ ~~عليه يبطله، والفرقة الواقعة به فرقة بغير طلاق؛ لأنها فرقة حصلت بسبب لا ~~من قبل الزوج، فلا يمكن أن تجعل طلاقا، فتجعل فسخا، ولا يحتاج إلى تفريق ~~القاضي؛ لأنها فرقة حصلت بطريق التنافي لما بينا في المسائل المتقدمة أن ~~الحقوق الثابتة بالنكاح لا يصح إثباتها بين المالك والمملوك، فلا تفتقر إلى ~~القضاء كالفرقة الحاصلة بردة أحد الزوجين، وعلى هذا قالوا في القن، والمدبر ~~والمأذون إذا اشتريا زوجتيهما لم يبطل النكاح؛ لأن الشراء لا يفيد لهما ملك ~~المتعة، فلا يوجب بطلان النكاح. # وقالوا أيضا في المكاتب إذا اشترى زوجته لا يبطل نكاحها؛ لأنه لا يملكها، ~~وإنما يثبت له فيها حق الملك، وحق الملك يمنع ابتداء # PageV02P339 # النكاح، ولا يمنع البقاء كالعدة وهذا؛ لأن حق الملك هو الملك من. # وجه، فكان ملكه فيها ثابتا من وجه دون وجه، فالنكاح إذا لم يكن منعقدا ~~يقع الشك في انعقاده، فلا ينعقد بالشك، وإذا كان منعقدا يقع الشك في زواله، ~~فلا يزول بالشك على الأصل المعهود أن غير الثابت بيقين لا يثبت بالشك، ~~والثابت بيقين لا يزول بالشك لهذا المعنى منعت العدة من ابتداء النكاح، ms1515 ولم ~~تمنع البقاء كذا هذا، وقالوا فيمن زوج ابنته من مكاتبه، ثم مات لا يبطل ~~النكاح بينهما حتى يعجز عن أداء بدل الكتابة. # وقال الشافعي: ينفسخ النكاح بناء على أن المكاتب لا يورث عندنا، فلا يثبت ~~الملك للوارث في المكاتب حقيقة، وإنما يثبت له حق الملك، وأنه لا يمنع بقاء ~~النكاح، وعنده يورث، فيثبت الملك لها في زوجها، فيبطل النكاح (وجه) قوله أن ~~الوارث يقوم مقام المورث في أملاكه، فيثبت له ما كان ثابتا للمورث، وملكه ~~في المكاتب كان ثابتا له، فينتقل إلى الوارث، فيصير مملوكا له، فينفسخ ~~النكاح. # (ولنا) أن الحاجة مست إلى إبقاء ملك الميت في المكاتب؛ لأن عقد الكتابة ~~أوجب له حق الحرية للحال على وجه يصير ذلك الحق حقيقة عند الأداء، ولهذا ~~يثبت الولاء من قبله، فلو نقلنا الملك من الميت إلى الوارث لتعذر إثبات ~~حقيقة الحرية عند الأداء لانعدام تعليق الحرية منه بالأداء، فمست الحاجة ~~إلى استيفاء ملك الميت فيه لأجل الحق المستحق للمكاتب، فيمنع ثبوت الملك ~~حقيقة للوارث، ويثبت له حق الملك لوجود سبب الثبوت، وهو القرابة، وشرطه، ~~وهو الموت، وحق الملك يمنع ابتداء النكاح، ولا يمنع البقاء لما ذكرنا إلا ~~إذا عجز عن أداء بدل الكتابة؛ لأنه إذا عجز ثبت الملك حقيقة للوارث، فيرتفع ~~النكاح، وأما معتق البعض إذا اشترى زوجته لا يبطل النكاح في قول أبي حنيفة، ~~وعندهما يبطل بناء على أن معتق البعض بمنزلة المكاتب عنده، وعندهما حر عليه ~~دين، والله أعلم. # ومنها الرضاع الطارئ على النكاح كمن تزوج صغيرة، فأرضعتها أمه بانت منه؛ ~~لأنها صارت أختا له من جهة الرضاع. # وكذا إذا تزوج صبيتين رضيعتين، فجاءت امرأة، فأرضعتهما بانتا منه؛ لأنهما ~~صارتا أختين وحرمة الأخت من الرضاع يستوي فيها السابق والطارئ. # وكذا حرمة الجمع بين الأختين من الرضاعة، ونذكر إن شاء الله تعالى ما ~~يتعلق بالرضاع المقارن والطارئ من المسائل في كتاب الرضاع. # ومنها المصاهرة الطارئة بأن وطئ أم امرأته أو ابنتها، والفرقة بها فرقة ~~بغير طلاق؛ لأنها حرمة مؤبدة ms1516 كحرمة الرضاع، والفرق في هذه الوجوه كلها ~~بائنة؛ لأن المقصود في بعضها الخلاص، وأنه لا يحصل إلا بالبائن، وفي بعضها ~~المحل ليس بقابل لبقاء النكاح، فافهم، والله الموفق. # PageV02P340 ### | [كتاب الأيمان] ### | [في أنواع اليمين] # الكلام في هذا الكتاب في أربعة مواضع في بيان. # أنواع اليمين وفي بيان ركن كل نوع وفي بيان شرائط الركن وفي بيان حكمه ~~وفي بيان أن اليمين بالله - تعالى - على نية الحالف أو المستحلف أما الأول: ~~فاليمين في القسمة الأولى ينقسم إلى قسمين: يمين بالله سبحانه وهو المسمى ~~بالقسم في عرف اللغة والشرع، ويمين بغير الله تعالى وهذا قول عامة العلماء. # وقال أصحاب الظاهر هي قسم واحد وهو اليمين بالله تعالى فأما الحلف بغير ~~الله - عز وجل - فليس بيمين حقيقة، وإنما سمي بها مجازا، حتى إن من حلف لا ~~يحلف فحلف بالطلاق أو العتاق يحنث، وعند عامة العلماء لا يحنث. # وجه قولهم: إن اليمين إنما يقصد بها تعظيم المقسم به ولهذا كانت عادة ~~العرب القسم بما جل قدره وعظم خطره وكثر نفعه عند الخلق من السماء والأرض ~~والشمس والقمر والليل والنهار ونحو ذلك، والمستحق للتعظيم بهذا النوع هو ~~الله تعالى لأن التعظيم بهذا النوع عبادة ولا تجوز العبادة إلا لله تعالى. # ولنا ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من حلف بطلاق ~~أو عتاق واستثنى فلا حنث عليه» سماه حلفا، والحلف واليمين من الأسماء ~~المترادفة الواقعة على مسمى واحد، والأصل في إطلاق الاسم هو الحقيقة فدل أن ~~الحلف بالطلاق والعتاق يمين حقيقة. # وكذا مأخذ الاسم دليل عليه، لأنها أخذت من القوة، قال الله تعالى {لأخذنا ~~منه باليمين} [الحاقة: 45] أي بالقوة ومنه سميت اليد اليمين يمينا لفضل ~~قوتها على الشمال عادة. # قال الشاعر: # رأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين # أي بالقوة، ومعنى القوة يوجد في النوعين جميعا وهو أن الحالف يتقوى بها ~~على الامتناع من المرهوب وعلى التحصيل في # PageV03P002 # المرغوب. # وذلك أن الإنسان إذا ms1517 دعاه طبعه إلى فعل لما يتعلق به من اللذة الحاضرة ~~فعقله يزجره عنه لما يتعلق به من العاقبة الوخيمة، وربما لا يقاوم طبعه ~~فيحتاج إلى أن يتقوى على الجري على موجب العقل فيحلف بالله تعالى لما عرف ~~من قبح هتك حرمة اسم الله تعالى. # وكذا إذا دعاه عقله إلى فعل تحسن عاقبته وطبعه يستثقل ذلك فيمنعه عنه ~~فيحتاج إلى اليمين بالله تعالى ليتقوى بها على التحصيل، وهذا المعنى يوجد ~~في الحلف بالطلاق والعتاق لأن الحالف يتقوى به على الامتناع من تحصيل الشرط ~~خوفا من الطلاق والعتاق الذي هو مستثقل على طبعه فثبت أن معنى اليمين يوجد ~~في النوعين فلا معنى للفصل بين نوع ونوع، والدليل عليه أن محمدا سمى الحلف ~~بالطلاق والعتاق في أبواب الأيمان من الأصل والجامع يمينا، وقوله حجة في ~~اللغة. # ثم. # اليمين - بالله - تعالى منقسم ثلاثة أقسام في عرف الشرع يمين الغموس ~~ويمين اللغو ويمين معقودة. # وذكر محمد في أول كتاب الأيمان من الأصل وقال: الأيمان ثلاثة يمين مكفرة ~~ويمين لا تكفر ويمين نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها، وفسر الثالثة بيمين ~~اللغو وإنما أراد محمد بقوله: الأيمان ثلاث الأيمان بالله تعالى لا جنس ~~الأيمان لأن ذلك كثير فإن قيل كيف أخبر محمد عن انتفاء المؤاخذة بلغو ~~اليمين بلفظة الترجي وانتفاء المؤاخذة بهذا النوع من اليمين مقطوع به بنص ~~الكتاب وهو قوله - عز وجل - {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: ~~225] . # فالجواب عنه من وجهين أحدهما: أن يمين اللغو هي اليمين الكاذبة لكن لا عن ~~قصد بل خطأ أو غلطا على ما نذكر تفسيرها إن شاء الله تعالى والتحرز عن فعله ~~ممكن في الجملة وحفظ النفس عنه مقدور فكان جائز المؤاخذة عليه لكن الله ~~تعالى رفع المؤاخذة عليه رحمة وفضلا ولهذا يجب الاستغفار والتوبة عن فعل ~~الخطإ والنسيان كذلك فذكر محمد لفظ الرجاء ليعلم أن الله تفضل برفع ~~المؤاخذة في هذا النوع بعدما كان جائز المؤاخذة عليه. # والثاني: أن المؤاخذة وإن كانت منتفية عن هذا النوع ms1518 قطعا لكن العلم بمراد ~~الله - تعالى - من اللغو المذكور غير مقطوع به بل هو محل الاجتهاد على ما ~~نذكر - إن شاء الله تعالى -. # والعلم الحاصل عن اجتهاد علم غالب الرأي وأكثر الظن لا علم القطع فاستعمل ~~محمد لفظة الرجاء لاحتمال أن لا يكون مراد الله - تعالى - من اللغو المذكور ~~ما أفضى إليه اجتهاد محمد فكان استعمال لفظ الرجاء في موضعه. # وذكر الكرخي وقال: اليمين على ضربين ماض ومستقبل وهذه القسمة غير صحيحة ~~لأن من شرط صحتها أن تكون محيطة بجميع أجزاء المقسوم به ولم يوجد بخروج ~~الحال عنها وأنها داخلة في يمين الغموس ويمين اللغو على ما نذكر تفسيرهما ~~فكانت القسمة ناقصة والنقصان في القسمة من عيوب القسمة كالزيادة فكانت ~~القسمة الصحيحة ما ذكرنا لوقوعها حاصرة جميع أجزاء المقسوم بحيث لا يشذ ~~عنها جزء وكذا ما ذكر محمد صحيح إلا أنه بين كل نوع بنفسه وحكمه دفعة واحدة ~~ونحن أخرنا بيان الحكم عن بيان النوع سوقا للكلام على الترتيب الذي ضمناه. # أما يمين الغموس فهي الكاذبة قصدا في الماضي والحال على النفي أو على ~~الإثبات وهي الخبر عن الماضي أو الحال فعلا أو تركا متعمدا للكذب في ذلك ~~مقرونا بذكر اسم الله تعالى نحو أن يقول: والله ما فعلت كذا وهو يعلم أنه ~~فعله، أو يقول: والله لقد فعلت كذا وهو يعلم أنه لم يفعله، أو يقول: والله ~~ما لهذا علي دين وهو يعلم أن له عليه دينا فهذا تفسير يمين الغموس. # وأما يمين اللغو فقد اختلف في تفسيرها، قال أصحابنا: هي اليمين الكاذبة ~~خطأ أو غلطا في الماضي أو في الحال وهي أن يخبر عن الماضي أو عن الحال على ~~الظن أن المخبر به كما أخبر وهو بخلافه في النفي أو في الإثبات، نحو قوله: ~~والله ما كلمت زيدا وفي ظنه أنه لم يكلمه، أو والله لقد كلمت زيدا وفي ظنه ~~أنه كلمه وهو بخلافه أو قال: والله إن هذا الجائي لزيد، إن هذا الطائر ~~لغراب وفي ظنه أنه ms1519 كذلك ثم تبين بخلافه وهكذا روى ابن رستم عن محمد أنه ~~قال: اللغو أن يحلف الرجل على الشيء وهو يرى أنه حق وليس بحق. # وقال الشافعي يمين اللغو هي اليمين التي لا يقصدها الحالف وهو ما يجري ~~على ألسن الناس في كلامهم من غير قصد اليمين من قولهم: لا والله، وبلى ~~والله، سواء كان في الماضي أو الحال أو المستقبل. # وأما عندنا فلا لغو في المستقبل بل اليمين على أمر في المستقبل يمين ~~معقودة وفيها الكفارة إذا حنث، قصد اليمين أو لم يقصد وإنما اللغو في ~~الماضي والحال فقط، وما ذكر محمد على إثر حكايته عن أبي حنيفة أن اللغو ما ~~يجري بين الناس من قولهم لا والله وبلى والله فذلك محمول عندنا على الماضي ~~أو الحال وعندنا ذلك لغو فيرجع حاصل الخلاف بيننا وبين الشافعي في يمين # PageV03P003 # لا يقصدها الحالف في المستقبل عندنا ليس بلغو وفيها الكفارة وعنده هي لغو ~~ولا كفارة فيها. # وقال بعضهم: يمين اللغو هي اليمين على المعاصي نحو أن يقول والله لا أصلي ~~صلاة الظهر ولا أصوم صوم شهر رمضان أو لا أكلم أبوي أو يقول والله لأشربن ~~الخمر أو لأزنين أو لأقتلن فلانا. # ثم منهم من يوجب الكفارة إذا حنث في هذه اليمين ومنهم من لا يوجب. # وجه قول هؤلاء أن اللغو هو الإثم في اللغة قال الله تعالى {وإذا سمعوا ~~اللغو أعرضوا عنه} [القصص: 55] أي كلاما فيه إثم، فقالوا: إن معنى قوله ~~تعالى - {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225] أي لا يؤاخذكم ~~الله بالإثم في أيمانكم على المعاصي بنقضها والحنث فيها لأن الله تعالى جعل ~~قوله في سورة البقرة {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225] ~~صلة قوله - عز وجل - {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا ~~وتصلحوا بين الناس} [البقرة: 224] . # وقيل في القصة إن الرجل كان يحلف أن لا يصنع المعروف ولا يبر ولا يصل ~~أقرباءه ولا يصلح بين الناس فإذا أمر بذلك يتعلل ويقول إني حلفت على ذلك ~~فأخبر ms1520 الله تعالى بقوله - سبحانه - {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} ~~[البقرة: 225] الآية لأنه لا مأثم عليهم بنقض ذلك اليمين وتحنيث النفس فيها ~~وإن المؤاخذة بالإثم فيها بحفظها والإصرار عليها بقوله {ولكن يؤاخذكم بما ~~كسبت قلوبكم} [البقرة: 225] وبقوله تعالى {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} ~~[المائدة: 89] ثم منهم من أوجب الكفارة لقوله تعالى في هذه الآية فكفارته ~~إلى قوله {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: 89] أي حلفتم وحنثتم ~~ومنهم من لم يوجب فيها الكفارة أصلا لما نذكر - إن شاء الله تعالى - في ~~بيان حكم اليمين. # وجه قول الشافعي ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها سئلت عن يمين ~~اللغو فقالت: هي أن يقول الرجل في كلامه لا والله وبلى والله وعن عطاء - ~~رضي الله عنه - أنه سئل عن يمين اللغو فقال: قالت عائشة: - رضي الله عنها - ~~إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «هو كلام الرجل في بيته لا والله ~~وبلى والله» فثبت موقوفا ومرفوعا أن تفسير يمين اللغو ما قلنا من غير فصل ~~بين الماضي والمستقبل فكان لغوا على كل حال إذا لم يقصده الحالف ولأن الله ~~تعالى قابل يمين اللغو باليمين المكسوبة بالقلب بقوله - عز وجل - {لا ~~يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} [البقرة: ~~225] والمكسوبة هي المقصودة فكان غير المقصودة داخلا في قسم اللغو تحقيقا ~~للمقابلة. # (ولنا) قوله تعالى - {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم ~~بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] قابل يمين اللغو باليمين المعقودة وفرق ~~بينهما في المؤاخذة ونفيها فيجب أن تكون يمين اللغو غير اليمين المعقودة ~~تحقيقا للمقابلة، واليمين في المستقبل يمين معقودة سواء وجد القصد أو لا ~~ولأن اللغو في اللغة اسم للشيء الذي لا حقيقة له. # قال الله تعالى {لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما} [الواقعة: 25] أي ~~باطلا. # وقال - عز وجل - خبرا عن الكفرة {والغوا فيه لعلكم تغلبون} [فصلت: 26] ~~وذلك فيما قلنا وهو الحلف بما لا حقيقة له بل على ظن من الحالف أن الأمر ~~كما حلف عليه والحقيقة ms1521 بخلافه وكذا ما يجري على اللسان من غير قصد لكن في ~~الماضي أو الحال فهو مما لا حقيقة له فكان لغوا ولأن اللغو لما كان هو الذي ~~لا حقيقة له كان هو الباطل الذي لا حكم له فلا يكون يمينا معقودة لأن لها ~~حكما. # ألا ترى أن المؤاخذة فيها ثابتة وفيها الكفارة بالنص؟ فدل أن المراد من ~~اللغو ما قلنا وهكذا روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في تفسير يمين ~~اللغو هي أن يحلف الرجل على اليمين الكاذبة وهو يرى أنه صادق وبه تبين أن ~~المراد من قول عائشة - رضي الله عنها - وقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يمين اللغو ما يجري في كلام الناس لا والله وبلى والله في الماضي ~~لا في المستقبل، والدليل عليه أنها فسرتها بالماضي في بعض الروايات. # وروي عن مطر عن رجل قال دخلت أنا وعبد الله بن عمر على عائشة - رضي الله ~~عنها - فسألتها عن يمين اللغو فقالت قول الرجل فعلنا والله كذا وصنعنا ~~والله كذا فتحمل تلك الرواية على هذا توفيقا بين الروايتين إذ المجمل محمول ~~على المفسر وأما قوله: إن الله - سبحانه وتعالى - قابل اللغو باليمين ~~المكسوبة فنقول: في تلك الآية قابلها بالمكسوبة، وفي هذه الآية قابلها ~~بالمعقودة، ومتى أمكن حمل الآيتين على التوافق كان أولى من الحمل على ~~التعارض فنجمع بين حكم الآيتين فنقول: يمين اللغو التي هي غير مكسوبة وغير ~~معقودة، والمخالف عطل إحدى الآيتين فكنا أسعد حالا منه. # وأما قوله تعالى - {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا} [البقرة: ~~224] الآية فقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن ذلك نهي عن الحلف ~~على الماضي معناه {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا} [البقرة: 224] ~~أي لا تحلفوا أن # PageV03P004 # لا تبروا ويجوز إضمار حرف لا في موضع القسم وغيره قال الله تعالى {ولا ~~يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى} [النور: 22] أي لا ~~يؤتوا ويحتمل أن تكون الآية عامة أي لا تحلفوا لكي تبروا فتجعلوا ms1522 الله عرضة ~~بالحنث بعد ذلك بترك التعظيم بترك الوفاء باليمين، يقال فلان عرضة للناس أي ~~لا يعظمونه ويقعون فيه فيكون هذا نهيا عن الحلف بالله تعالى إذا لم يكن ~~الحالف على يقين من الإصرار على موجب اليمين وهو البر أو غالب الرأي والله ~~- عز وجل أعلم -. # وأما اليمين المعقودة فهي اليمين على أمر في المستقبل نفيا أو إثباتا نحو ~~قوله والله لا أفعل كذا وكذا وقوله والله لأفعلن كذا. ### | [فصل في ركن اليمين بالله تعالى] # (فصل) : # وأما ركن اليمين بالله تعالى فهو اللفظ الذي يستعمل في اليمين بالله ~~تعالى وأنه مركب من المقسم عليه والمقسم به ثم المقسم به قد يكون اسما وقد ~~يكون صفة والاسم قد يكون مذكورا وقد يكون محذوفا والمذكور قد يكون صريحا ~~وقد يكون كناية، أما الاسم صريحا فهو أن يذكر اسما من أسماء الله تعالى أي ~~اسم كان سواء كان اسما خاصا لا يطلق إلا على الله - تعالى - نحو الله ~~والرحمن أو كان يطلق على الله - تعالى - وعلى غيره كالعليم والحكيم والكريم ~~والحليم ونحو ذلك لأن هذه الأسماء وإن كانت تطلق على الخلق ولكن تعين ~~الخالق مرادا بدلالة القسم إذ القسم بغير الله تعالى لا يجوز فكان الظاهر ~~أنه أراد به اسم الله تعالى حملا لكلامه على الصحة إلا أن ينوي به غير الله ~~تعالى فلا يكون يمينا لأنه نوى ما يحتمله كلامه فيصدق في أمر بينه وبين ~~ربه. # وحكي عن بشر المريسي فيمن قال والرحمن أنه إن قصد اسم الله تعالى فهو ~~حالف وإن أراد به سورة الرحمن فليس بحالف فكأنه حلف بالقرآن وسواء كان ~~القسم بحرف الباء أو الواو أو التاء بأن قال بالله أو تالله لأن القسم بكل ~~ذلك من عادة العرب وقد ورد به الشرع أيضا قال الله تعالى: {والله ربنا ما ~~كنا مشركين} [الأنعام: 23] وقال: {وتالله لأكيدن أصنامكم} [الأنبياء: 57] ~~وقال تعالى خبرا عن إخوة يوسف {قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف} [يوسف: 85] ~~وقال - عز وجل - {تالله لقد أرسلنا إلى أمم من ms1523 قبلك} [النحل: 63] وقال - عز ~~وجل - {وأقسموا بالله} [الأنعام: 109] وقال - عز وجل - {ويحلفون بالله} ~~[التوبة: 56] وقد روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا ~~تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت فمن كان منكم حالفا فليحلف بالله أو ليدع» ~~إلا أن الباء هي الأصل وما سواها دخيل قائم مقامها، فقول الحالف بالله أي ~~أحلف بالله لأن الباء حرف إلصاق وهو إلصاق الفعل بالاسم وربط الفعل بالاسم، ~~والنحويون يسمون الباء حرف إلصاق وحرف الربط وحرف الآلة والتسبيب فإنك إذا ~~قلت كتبت بالقلم فقد ألصقت الفعل بالاسم وربطت أحدهما بالآخر فكان القلم ~~آلة الكتابة وسببا يتوصل به إليها فإذا قال بالله فقد ألصق الفعل المحذوف ~~وهو قوله: احلف بالاسم وهو قوله: بالله وجعل اسم الله آلة للحلف وسببا ~~يتوصل به إليه إلا أنه لما كثر استعمال هذه اللفظة أسقط قوله أحلف واكتفي ~~بقوله بالله كما هو دأب العرب من حذف البعض وإبقاء البعض عند كثرة ~~الاستعمال إذا كان فيما بقي دليل على المحذوف كما في قولهم باسم الله ونحو ~~ذلك وإنما خفض الاسم لأن الباء من حروف الخفض والواو قائم مقامه فصار كأن ~~الباء هو المذكور وكذا التاء قائم مقام الواو فكان الواو هو المذكور إلا أن ~~الباء تستعمل في جميع ما يقسم به من أسماء الله وصفاته وكذا الواو. # فأما التاء فإنه لا يستعمل إلا في اسم الله تعالى تقول تالله ولا تقول ~~تالرحمن وتعزة الله تعالى لمعنى يذكر في النحو ولو لم يذكر شيئا من هذه ~~الأدوات بأن قال الله لا أفعل كذا يكون يمينا لما روي أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «حلف ركانة بن زيد أو زيد بن ركانة حين طلق امرأته ألبتة ~~وقال: الله ما أردت بالبت إلا واحدة» وبه تبين أن الصحيح ما قاله الكوفيون ~~وهو أن يكون بالكسر لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الله بالكسر وهو ~~أفصح العرب - صلى الله عليه وسلم - وكذا روي عن ابن عمر وغيره من الصحابة ~~أنه سأله واحد ms1524 وقال له كيف أصبحت قال: خير عافاك الله بكسر الراء ولو قال ~~لله هل يكون يمينا لم يذكر هذا في الأصل وقالوا إنه يكون يمينا لأن الراء ~~توضع موضع اللام يقال آمن بالله وآمن له بمعنى. # قال الله تعالى في قصة فرعون: {آمنتم له} [طه: 71] وفي موضع آخر {آمنتم ~~به} [الأعراف: 123] والقصة واحدة ولو قال وربي ورب العرش أو رب العالمين ~~كان حالفا لأن هذا من الأسماء الخاصة بالله تعالى لا يطلق على غيره. # (وأما) الصفة فصفات الله تعالى مع أنها كلها لذاته على ثلاثة أقسام منها ~~ما لا يستعمل في عرف الناس وعاداتهم إلا في الصفة نفسها فالحلف بها يكون ~~يمينا، ومنها ما يستعمل في الصفة وفي # PageV03P005 # غيرها استعمالا على السواء فالحلف بها يكون يمينا أيضا، ومنها ما يستعمل ~~في الصفة وفي غيرها لكن استعمالها في غير الصفة هو الغالب فالحلف بها لا ~~يكون يمينا، وعن مشايخنا من قال ما تعارفه الناس يمينا يكون يمينا إلا ما ~~ورد الشرع بالنهي عنه وما لم يتعارفوه يمينا لا يكون يمينا، وبيان هذه ~~الجملة إذا قال وعزة الله وعظمة الله وجلاله وكبريائه يكون حالفا لأن هذه ~~الصفات إذا ذكرت في العرف والعادة لا يراد بها إلا نفسها فكان مراد الحالف ~~بها الحلف بالله تعالى وكذا الناس يتعارفون الحلف بهذه الصفات ولم يرد ~~الشرع بالنهي عن الحلف بها. # وكذا لو قال وقدرة الله تعالى وقوته وإرادته ومشيئته ورضاه ومحبته وكلامه ~~يكون حالفا لأن هذه الصفات وإن كانت تستعمل في غير الصفة كما تستعمل في ~~الصفة لكن الصفة تعينت مرادة بدلالة القسم إذ لا يجوز القسم بغير اسم الله ~~تعالى وصفاته فالظاهر إرادة الصفة بقرينة القسم وكذا الناس يقسمون بها في ~~المتعارف فكان الحلف بها يمينا، ولو قال ورحمة الله أو غضبه أو سخطه لا ~~يكون هذا يمينا لأنه يراد بهذه الصفات آثارها عادة لا نفسها فالرحمة يراد ~~بها الجنة قال الله تعالى {ففي رحمة الله هم فيها خالدون} [آل عمران: 107] ~~والغضب والسخط يراد ms1525 به أثر الغضب والسخط عادة وهو العذاب والعقوبة لا نفس ~~الصفة فلا يصير به حالفا إلا إذا نوى به الصفة. # وكذا العرب ما تعارفت القسم بهذه الصفات فلا يكون الحلف بها يمينا وكذا ~~وعلم الله لا يكون يمينا استحسانا والقياس أن يكون يمينا وهو قول الشافعي ~~لأن علم الله تعالى صفة كالعزة والعظمة. # (ولنا) أنه يراد به المعلوم عادة يقال اللهم اغفر لنا علمك فينا أي ~~معلومك منا ومن زلاتنا ويقال هذا علم أبي حنيفة أي معلومه لأن علم أبي ~~حنيفة قائم بأبي حنيفة لا يزايله، ومعلوم الله تعالى قد يكون غير الله ~~تعالى من العالم بأعيانها وأعراضها والمعدومات كلها لأن المعدوم معلوم فلا ~~يكون الحلف به يمينا إلا إذا أراد به الصفة. # وكذا العرب لم تتعارف القسم بعلم الله - تعالى - فلا يكون يمينا بدون ~~النية. # وسئل محمد عمن قال وسلطان الله فقال لا أرى من يحلف بهذا أي لا يكون ~~يمينا وذكر القدوري أنه إن أراد بالسلطان القدرة يكون حالفا كما لو قال ~~وقدرة الله وإن أراد المقدور لا يكون حالفا لأنه حلف بغير الله ولو قال ~~وأمانة الله ذكر في الأصل أنه يكون يمينا وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف أنه ~~لا يكون يمينا وذكر الطحاوي عن أصحابنا جميعا أنه ليس بيمين. # وجه ما ذكره الطحاوي أن أمانة الله فرائضه التي تعبد عباده بها من الصلاة ~~والصوم وغير ذلك قال الله تعالى {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان} [الأحزاب: 72] فكان ~~حلفا بغير اسم الله - عز وجل - فلا يكون يمينا. # (وجه) ما ذكره في الأصل أن الأمانة المضافة إلى الله تعالى عند القسم ~~يراد بها صفته ألا ترى أن الأمين من أسماء الله - تعالى - وأنه اسم مشتق من ~~الأمانة؟ فكان المراد بها عند الإطلاق خصوصا في موضع القسم صفة الله ولو ~~قال وعهد الله فهو يمين لأن العهد يمين لما يذكر فصار كأنه قال ويمين الله ~~وذلك يمين فكذا هذا. # ولو ms1526 قال باسم الله لا أفعل كذا يكون يمينا كذا روي عن محمد لأن الاسم ~~والمسمى واحد عند أهل السنة والجماعة فكان الحلف بالاسم حلفا بالذات كأنه ~~قال بالله، ولو قال ووجه الله فهو يمين كذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف عن ~~أبي حنيفة لأن الوجه المضاف إلى الله - تعالى - يراد به الذات قال تعالى ~~{كل شيء هالك إلا وجهه} [القصص: 88] أي ذاته. # وقال - عز وجل - {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 27] أي ~~ذاته وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن الرجل إذا قال ووجه الله لا أفعل ~~كذا ثم فعل أنها ليست بيمين. # وقال ابن شجاع إنها ليست من أيمان الناس إنما هي حلف السفلة، وروى المعلى ~~عن محمد إذا قال لا إله إلا الله لا أفعل كذا وكذا لا يكون يمينا إلا أن ~~ينوي يمينا. # وكذا قوله سبحان الله والله أكبر لا أفعل كذا لأن العادة ما جرت بالقسم ~~بهذا اللفظ وإنما يذكر هذا قبل الخبر على طريق التعجب فلا يكون يمينا إلا ~~إذا نوى اليمين فكأنه حذف حرف القسم فيكون حالفا وعن محمد فيمن قال وملكوت ~~الله وجبروت الله إنه يمين لأنه من صفاته التي لا تستعمل إلا في الصفة فكان ~~الحلف به يمينا كقوله وعظمة الله وجلاله وكبريائه. # ولو قال وعمر الله لا أفعل كذا كان يمينا لأن هذا حلف ببقاء الله وهو لا ~~يستعمل إلا في الصفة وكذا الحلف به متعارف قال الله - عز وجل: - {لعمرك ~~إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [الحجر: 72] . # وقال طرفة # PageV03P006 # لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد # ولو قال وايم الله لا أفعل كذا كان يمينا لأن هذا من صلات اليمين عند ~~البصريين «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في زيد بن حارثة - رضي ~~الله عنه - حين أمره في حرب مؤتة وقد بلغه الطعن وايم الله لخليق للإمارة» ~~وعند الكوفيين هو جمع اليمين تقديره وأيمن الله إلا أن النون أسقطت عند ~~كثرة الاستعمال للتخفيف كما في ms1527 قوله تعالى - {حنيفا ولم يك من المشركين} ~~[النحل: 120] والأيمن جمع يمين فكأنه قال ويمين الله وإنه حلف بالله تعالى ~~لأن العرب تعارفته يمينا قال امرؤ القيس # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... وإن قطعت رأسي لديك وأوصالي # حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صالي # وقالت عنيزة # فقالت يمين الله ما لك حيلة ... وما أن أرى عنك الغواية تنجلي # فقد استعمل امرؤ القيس يمين الله وسماه حلفا بالله. # ولو قال وحق الله لا يكون حالفا في قول أبي حنيفة ومحمد وإحدى الروايتين ~~عن أبي يوسف وروي عنه رواية أخرى أنه يكون يمينا ووجهه أن قوله وحق الله ~~وإن كان إضافة الحق إلى الله تعالى لكن الشيء قد يضاف إلى نفسه في الجملة ~~والحق من أسماء الله تعالى فكأنه قال والله الحق، ولهما أن الأصل أن يضاف ~~الشيء إلى غيره لا إلى نفسه فكان حلفا بغير الله تعالى فلا يكون يمينا ولأن ~~الحق المضاف إلى الله تعالى يراد به الطاعات والعبادات لله - تعالى - في ~~عرف الشرع ألا ترى أنه «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل له ما ~~حق الله على عباده فقال أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» والحلف بعبادة الله ~~وطاعته لا يكون يمينا ولو قال والحق يكون يمينا لأن الحق من أسماء الله ~~تعالى قال الله تعالى {ويعلمون أن الله هو الحق المبين} [النور: 25] . # وقيل إن نوى به اليمين يكون يمينا وإلا فلا لأن اسم الحق كما يطلق على ~~الله - تعالى - يطلق على غيره فيقف على النية ولو قال حقا، لا رواية فيه ~~واختلف المشايخ قال محمد بن سلمة لا يكون يمينا لأن قوله حقا بمنزلة قوله ~~صدقا وقال أبو مطيع هو يمين لأن الحق من أسماء الله - تعالى - فقوله حقا ~~كقوله والحق. # ولو قال أقسم بالله أو أحلف أو أشهد بالله أو أعزم بالله كان يمينا عندنا ~~وعند الشافعي لا يكون يمينا إلا إذا نوى اليمين لأنه يحتمل الحال ويحتمل ~~الاستقبال فلا بد ms1528 من النية ولنا أن صيغة أفعل للحال حقيقة وللاستقبال ~~بقرينة السين وسوف وهو الصحيح فكان هذا إخبارا عن حلفه بالله للحال وهذا ~~إذا ظهر المقسم به فإن لم يظهر بأن قال أقسم أو أحلف أو أشهد أو أعزم كان ~~يمينا في قول أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا يكون يمينا. # (وجه) قوله إنه إذا لم يذكر المحلوف به فيحتمل أنه أراد به الحلف بالله ~~ويحتمل أنه أراد به الحلف بغير الله تعالى فلا يجعل حلفا مع الشك. # (ولنا) أن القسم لما لم يجز إلا بالله - عز وجل - كان الإخبار عنه إخبارا ~~عما لا يجوز بدونه كما في قوله تعالى - {واسأل القرية التي كنا فيها} ~~[يوسف: 82] ونحو ذلك ولأن العرب تعارفت الحلف على هذا الوجه قال الله تعالى ~~{يحلفون لكم لترضوا عنهم} [التوبة: 96] ولم يقل بالله وقال - سبحانه وتعالى ~~- {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} [المنافقون: 1] فالله - ~~سبحانه وتعالى - سماه يمينا بقوله تعالى {اتخذوا أيمانهم جنة} [المجادلة: ~~16] . # وقال تعالى {إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين} [القلم: 17] ولم يذكر بالله ثم ~~سماه قسما والقسم لا يكون إلا بالله تعالى في عرف الشرع واستدل محمد بقوله ~~{ولا يستثنون} [القلم: 18] فقال أفيكون الاستثناء إلا في اليمين؟ وفيه نظر ~~لأن الاستثناء لا يستدعي تقدم اليمين لا محالة وإنما يستدعي الإخبار عن أمر ~~يفعله في المستقبل كما قال تعالى {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا} ~~[الكهف: 23] {إلا أن يشاء الله} [الكهف: 24] وقوله أعزم معناه أوجب فكان ~~إخبارا عن الإيجاب في الحال وهذا معنى اليمين وكذا لو قال عزمت لا أفعل كذا ~~كان حالفا وكذا لو قال آليت لا أفعل كذا لأن الألية هي اليمين وكذا لو قال ~~علي نذر أو نذر الله فهو يمين لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من نذر وسمى ~~فعليه الوفاء بما سمى ومن نذر ولم يسم فعليه كفارة يمين» . # وقال - صلى الله عليه وسلم - «النذر يمين وكفارته كفارة اليمين» وروي أن ~~عبد الله بن الزبير قال لتنتهين عائشة عن بيع رباعها أو ms1529 لأحجرن عليها فبلغ ~~ذلك عائشة فقالت: أوقال ذلك؟ قالوا: نعم: فقالت: لله علي نذر إن كلمته أبدا ~~فأعتق عن يمينها عبدا وكذا قوله علي يمين أو يمين الله في قول # PageV03P007 # أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر له علي يمين لا يكون يمينا. # (وجه) قوله على ما ذكرنا فيما تقدم أن اليمين قد يكون بالله وقد يكون ~~بغير الله تعالى فلا ينعقد يمينا بالشك. # (ولنا) أن قوله علي يمين أي يمين الله إذ لا يجوز اليمين بغير الله تعالى ~~وقوله يمين الله دون قوله علي يمين فكيف معه؟ أو يقال معنى قوله علي يمين ~~أو يمين الله أي علي موجب يمين الله إلا أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه ~~مقامه طلبا للتخفيف عند كثرة الاستعمال ولو قال علي عهد الله أو ذمة الله ~~أو ميثاقه فهو يمين لأن اليمين بالله - تعالى - هي عهد الله على تحقيق أو ~~نفيه ألا ترى إلى قوله تعالى {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] ثم ~~قال - سبحانه وتعالى - {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} [النحل: 91] وجعل ~~العهد يمينا، والذمة هي العهد ومنه أهل الذمة أي أهل العهد والميثاق والعهد ~~من الأسماء المترادفة وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان ~~إذا بعث جيشا قال في وصيته إياهم وإن أرادوكم أن تعطوهم ذمة الله وذمة ~~رسوله فلا تعطوهم» أي عهد الله وعهد رسوله ولو قال إن فعل كذا فهو يهودي أو ~~نصراني أو مجوسي أو بريء عن الإسلام أو كافر أو يعبد من دون الله أو يعبد ~~الصليب أو نحو ذلك مما يكون اعتقاده كفرا فهو يمين استحسانا والقياس أنه لا ~~يكون يمينا وهو قول الشافعي. # وجه القياس أنه علق الفعل المحلوف عليه بما هو معصية فلا يكون حالفا كما ~~لو قال إن فعل كذا فهو شارب خمرا أو آكل ميتة. # وجه الاستحسان أن الحلف بهذه الألفاظ متعارف بين الناس فإنهم يحلفون بها ~~من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا من غير نكير ولو ms1530 لم ~~يكن ذلك حلفا لما تعارفوا لأن الحلف بغير الله تعالى معصية فدل تعارفهم على ~~أنهم جعلوا ذلك كناية عن الحلف بالله - عز وجل - وإن لم يعقل. # وجه الكناية فيه كقول العرب لله علي أن أضرب ثوبي حطيم الكعبة إن ذلك جعل ~~كناية عن التصدق في عرفهم وإن لم يعقل وجه الكناية فيه كذا هذا، هذا إذا ~~أضاف اليمين إلى المستقبل فأما إذا أضاف إلى الماضي بأن قال هو يهودي أو ~~نصراني إن فعل كذا لشيء قد فعله فهذا يمين الغموس بهذا اللفظ ولا كفارة فيه ~~عندنا لكنه هل يكفر؟ لم يذكر في الأصل وعن محمد بن مقاتل الرازي أنه يكفر ~~لأنه علق الكفر بشيء يعلم أنه موجود فصار كأنه قال هو كافر بالله وكتب نصر ~~بن يحيى إلى ابن شجاع يسأله عن ذلك فقال لا يكفر وهكذا روي عن أبي يوسف أنه ~~لا يكفر وهو الصحيح لأنه ما قصد به الكفر ولا اعتقده وإنما قصد به ترويح ~~كلامه وتصديقه فيه ولو قال عصيت الله إن فعلت كذا أو عصيته في كل ما افترض ~~علي فليس بيمين لأن الناس ما اعتادوا الحلف بهذه الألفاظ. # ولو قال هو يأكل الميتة أو يستحل الدم أو لحم الخنزير أو يترك الصلاة ~~والزكاة إن فعل كذا فليس شيء من ذلك يمينا لأنه ليس بإيجاب بل هو إخبار عن ~~فعل المعصية في المستقبل بخلاف قوله هو يهودي أو نحوه لأن ذلك إيجاب في ~~الحال وكذلك لو دعا على نفسه بالموت أو عذاب النار بأن قال عليه عذاب الله ~~إن فعل كذا أو قال أماته الله إن فعل كذا لأن هذا ليس بإيجاب بل دعاء على ~~نفسه ولا يحلف بالآباء والأمهات والأبناء ولو حلف بشيء من ذلك لا يكون ~~يمينا لأنه حلف بغير الله تعالى والناس وإن تعارفوا الحلف بهم لكن الشرع ~~نهى عنه وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا تحلفوا ~~بآبائكم ولا بالطواغيت فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليذر» ms1531 وروي عنه أنه ~~قال - صلى الله عليه وسلم - «من حلف بغير الله فقد أشرك» ولأن هذا النوع من ~~الحلف لتعظيم المحلوف وهذا النوع من التعظيم لا يستحقه إلا الله تعالى. # ولو قال ودين الله أو طاعته أو شرائعه أو أنبيائه وملائكته أو عرشه لم ~~يكن يمينا لأنه حلف بغير الله ومن الناس من قال الحلف بالأنبياء - عليهم ~~الصلاة والسلام - وغيرهم يمين وهذا غير سديد للحديث ولأنه حلف بغير الله ~~فلا يكون قسما كالحلف بالكعبة كذا لو قال وبيت الله أو حلف بالكعبة أو ~~بالمشعر الحرام أو بالصفا أو بالمروة أو بالصلاة أو الصوم أو الحج لأن كل ~~ذلك حلف بغير الله - عز وجل - وكذا الحلف بالحجر الأسود والقبر والمنبر لما ~~قلنا ولا يحلف بالسماء ولا بالأرض ولا بالشمس ولا بالقمر والنجوم ولا بكل ~~شيء سوى الله تعالى وصفاته العلية لما قلنا وقد قال أبو حنيفة لا يحلف إلا ~~بالله متجردا بالتوحيد والإخلاص. # ولو قال وعبادة وحمد الله فليس بيمين لأنه حلف بغير الله ألا ترى أن ~~العبادة والحمد فعلك. # ولو قال بالقرآن أو بالمصحف أو بسورة كذا من القرآن فليس بيمين لأنه حلف ~~بغير الله تعالى وأما المصحف فلا شك فيه وأما # PageV03P008 # القرآن وسورة كذا فلأن المتعارف من اسم القرآن الحروف المنظومة والأصوات ~~المقطعة بتقطيع خاص لا كلام الله الذي هو صفة أزلية قائمة بذاته تنافي ~~السكوت والآفة. # ولو قال بحدود الله لا يكون يمينا كذا ذكر في الأصل واختلفوا في المراد ~~بحدود الله قال بعضهم يراد به الحدود المعروفة من حد الزنا والسرقة الشرب ~~والقذف. # وقال بعضهم يراد بها الفرائض مثل الصوم والصلاة وغيرهما وكل ذلك حلف بغير ~~الله تعالى فلا يكون يمينا وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال «لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت ولا بحد من حدود الله ولا تحلفوا إلا ~~بالله ومن حلف له بالله فليرض ومن لم يرض فليس منا» . # ولو قال عليه غضب الله أو سخطه أو لعنته إن فعل كذا ms1532 لم يكن يمينا لأنه ~~دعاء على نفسه بالعذاب والعقوبة والطرد عن الرحمة فلا يكون حالفا كما لو ~~قال عليه عذاب الله وعقابه وبعده عن رحمته ومن مشايخنا بالعراق من قال في ~~تخريجه القسم بالصفات: أن الصفات على ضربين صفة للذات وصفة للفعل وفصل ~~بينهما بالنفي والإثبات وهو أن ما يثبت ولا ينفى فهو صفة للذات كالعلم ~~والقدرة ونحوهما وما يثبت وينفى فهو صفة الفعل كالتكوين والإحياء والرزق ~~ونحو ذلك، وجعل الرحمة والغضب من صفات الفعل فجعل صفة الذات قديمة وصفة ~~الفعل حادثة فقال الحلف بصفة الذات يكون حلفا بالله فيكون يمينا، والحلف ~~بصفة الفعل يكون حلفا بغير الله تعالى فلا يكون يمينا والقول بحدوث صفات ~~الفعل مذهب المعتزلة والأشعرية إلا أنهم اختلفوا في الحد الفاصل بين ~~الصفتين ففصلت المعتزلة بما ذكره هذا القائل من النفي والإثبات والأشعرية ~~فصلت بلزوم النقيصة وعدم اللزوم وهو أنه ما يلزم بنفيه نقيصة فهو من صفات ~~الذات وما لا يلزم بنفيه نقيصة فهو من صفات الفعل مع اتفاق الفريقين على ~~حدوث صفات الفعل. # وإنما اختلفت عباراتهم في التحديد لأجل الكلام، فكلام الله تعالى محدث ~~عند المعتزلة لأنه ينفى ويثبت فكان من صفات الفعل فكان حادثا وعند الأشعرية ~~أزلي لأنه يلزم بنفيه نقيصة فكان من صفات الذات فكان قديما، ومذهبنا وهو ~~مذهب أهل السنة والجماعة أن صفات الله أزلية والله تعالى موصوف بها في ~~الأزل سواء كانت راجعة إلى الذات أو إلى الفعل فهذا التخريج وقع معدولا به ~~عن مذهب أهل السنة والجماعة وإنما الطريقة الصحيحة والحجة المستقيمة في ~~تخريج هذا النوع من المسائل ما سلكنا - والله تعالى الموفق للسداد والهادي ~~إلى سبيل الرشاد - وهذا الذي ذكرنا إذا ذكر اسم الله تعالى في القسم مرة ~~واحدة فأما إذا كرر فجملة الكلام فيه أن الأمر لا يخلو إما أن ذكر المقسم ~~به وهو اسم الله تعالى ولم يذكر المقسم عليه حتى ذكر اسم الله - تعالى ~~ثانيا ثم ذكر المقسم عليه وأما إن ذكرهما جميعا ثم أعادهما جميعا ms1533 وكل ذلك ~~لا يخلو من أن يكون بحرف العطف أو يكون بدونه. # فإن ذكر اسم الله تعالى ولم يذكر المقسم عليه حتى كرر اسم الله - تعالى - ~~ثم ذكر المقسم عليه فإن لم يدخل بين الاسمين حرف العطف كان يمينا واحدة بلا ~~خلاف سواء كان الاسم مختلفا أو متفقا فالمختلف نحو أن يقول والله الرحمن ما ~~فعلت كذا وكذا لأنه لم يذكر حرف العطف، والثاني يصلح صفة للأول علم أنه ~~أراد به الصفة فيكون حالفا بذات موصوف لا باسم الذات على حدة وباسم الصفة ~~على حدة، والمتفق نحو أن يقول: الله والله ما فعلت كذا لأن الثاني لا يصلح ~~نعتا للأول ويصلح تكريرا وتأكيدا له فيكون يمينا واحدة إلا أن ينوي به ~~يمينين ويصير قوله: الله ابتداء يمين بحذف حرف القسم وأنه قسم صحيح على ما ~~بينا فيما تقدم. # وإن أدخل بين القسمين حرف عطف بأن قال: والله والرحمن لا أفعل كذا، ذكر ~~محمد في الجامع أنهما يمينان، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ~~وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، أنه يكون يمينا واحدة وبه أخذ زفر وقد ~~روي هذا أيضا عن أبي يوسف في غير رواية الأصول. # وجه رواية المذكور في الجامع أنه لما عطف أحد الاسمين على الآخر فكان ~~الثاني غير الأول لأن المعطوف غير المعطوف عليه فكان كل واحد منهما يمينا ~~على حدة بخلاف ما إذا لم يعطف لأنه إذا لم يعطف أحدهما على الآخر يجعل ~~الثاني صفة للأول لأنه يصلح صفة لأن الاسم يختلف ولهذا يستحلف القاضي ~~بالأسماء والصفات من غير حرف العطف فيقول والله الرحمن الرحيم الطالب ~~المدرك ولا يجوز أن يستحلف مع حرف العطف لأنه ليس على المدعى عليه إلا يمين ~~واحدة. # وجه رواية # PageV03P009 # الحسن أن حرف العطف قد يستعمل للاستئناف وقد يستعمل للصفة فإنه يقال فلان ~~العالم والزاهد والجواد والشجاع فاحتمل المغايرة واحتمل الصفة فلا تثبت ~~يمين أخرى مع الشك والحاصل أن أهل اللغة اختلفوا في هذه المسألة في أن هذا ms1534 ~~يكون يمينا واحدة أو يكون يمينين، ولقب المسألة أن إدخال القسم على القسم ~~قبل تمام الكلام هل يجوز؟ قال بعضهم: لا يجوز وهو قول أبي علي الفسوي ~~والخليل حتى حكى سيبويه عن الخليل أن قوله - عز وجل - {والليل إذا يغشى} ~~[الليل: 1] {والنهار إذا تجلى} [الليل: 2] يمين واحدة. # وقال بعضهم: يجوز وهو قول الزجاج والفراء حتى قال الزجاج إن قوله - عز ~~وجل - {ص} [ص: 1] قسم، وقوله - عز وجل - {والقرآن ذي الذكر} [ص: 1] قسم ~~آخر، والحجج وتعريف ترجيح أحد القولين على الآخر تعرف في كتب النحو، وقد ~~قيل في ترجيح القول الأول على الثاني إنا إذا جعلناهما يمينا واحدة لا ~~نحتاج إلى إدراج جواب آخر بل يصير قوله لا أفعل مقسما عليه بالاسمين جميعا ~~ولو جعلنا كل واحد منهما قسما على حدة لاحتجنا إلى إدراج ذكر المقسم عليه ~~لأحد الاسمين فيصير كأنه قال والله والله لا أفعل كذا فعلى قياس ما ذكر ~~محمد في الجامع يكون يمينين، وروى محمد في النوادر أنه يمين واحدة كأنه ~~استحسن، وحمله على التكرار لتعارف الناس، وهكذا ذكر في المنتقى عن محمد أنه ~~إذا قال والله والله والله لا أفعل كذا القياس أن يكون ثلاثة أيمان بمنزلة ~~قوله والله والرحمن والرحيم وفيه قبح وينبغي في الاستحسان أن يكون يمينا ~~واحدة هكذا ذكر، ولو قال والله والله لا أفعل كذا ذكر محمد أن القياس أن ~~يكون عليه كفارتان ولكنى أستحسن فأجعل عليه كفارة واحدة وهذا كله في الاسم ~~المتفق، ترك محمد القياس وأخذ بالاستحسان لمكان العرف لما زعم أن معاني ~~كلام الناس عليه، هذا إذا ذكر المقسم به ولم يذكر، المقسم عليه حتى ذكر اسم ~~الله ثانيا،. # فأما إذا ذكرهما جميعا ثم أعادهما فإن كان بحرف العطف بأن قال والله لا ~~أفعل كذا والرحمن لا أفعل كذا أو قال والله لا أفعل كذا والله لا أفعل كذا ~~فلا شك أنهما يمينان سواء كان ذلك في مجلسين أو في مجلس واحد حتى لو فعل ~~كان عليه كفارتان وكذا لو ms1535 أعادهما بدون حرف العطف بأن قال والله لا أفعل ~~كذا وقال والله لا أفعل كذا لأنه لما أعاد المقسم عليه مع الاسم الثاني علم ~~أنه أراد به يمينا أخرى إذ لو أراد الصفة أو التأكيد لما أعاد المقسم عليه، ~~ولو قال والله لا أفعل كذا أو قال والله لا أفعل كذا. # وقال أردت بالثاني الخبر عن الأول ذكر الكرخي أنه يصدق لأن الحكم المتعلق ~~باليمين بالله تعالى هو وجوب الكفارة وأنه أمر بينه وبين الله تعالى ولفظه ~~محتمل في الجملة وإن كان خلاف الظاهر فكان مصدقا فيما بينه وبين الله - عز ~~وجل - وروي عن أبي حنيفة أنه لا يصدق فإن المعلى روى عن أبي يوسف أنه قال: ~~في رجل حلف في مقعد واحد بأربعة أيمان أو أكثر أو بأقل فقال أبو يوسف: سألت ~~أبا حنيفة عن ذلك فقال لكل يمين كفارة، ومقعد واحد ومقاعد مختلفة واحد فإن ~~قال: عنى بالثانية الأولى لم يصدق في اليمين بالله تعالى ويصدق في اليمين ~~بالحج والعمرة والفدية وكل يمين قال فيها علي كذا والفرق أن الواجب في ~~اليمين القرب في لفظ الحالف؛ لأن لفظه يدل على الوجوب وهو قوله علي كذا ~~وصيغة هذا صيغة الخبر فإذا أراد بالثانية الخبر عن الأول صح بخلاف اليمين ~~بالله تعالى فإن الواجب في اليمين بالله تعالى ليس في لفظ الحالف لأن لفظه ~~لا يدل على الوجوب وإنما يجب بحرمة اسم الله وكل يمين منفردة بالاسم فينفرد ~~بحكمها فلا يصدق أنه أراد بالثانية الأولى. # وروي عن محمد أنه قال في رجل: قال: هو يهودي إن فعل كذا وهو نصراني إن ~~فعل كذا وهو مجوسي إن فعل كذا وهو مشرك إن فعل كذا لشيء واحد قال: عليه لكل ~~شيء من ذلك يمين. # ولو قال: هو يهودي هو نصراني هو مجوسي هو مشرك فهو يمين واحدة وهذا على ~~الأصل الذي ذكرنا أنه إذا ذكر المقسم به مع المقسم عليه ثم أعاده فالثاني ~~غير الأول في قولهم جميعا وإذا ذكر المقسم به ms1536 وكرره من غير حرف العطف فهو ~~يمين واحدة في قولهم جميعا. ### | [فصل في شرائط ركن اليمين بالله تعالى] # (فصل) : # وأما شرائط ركن اليمين بالله تعالى فأنواع بعضها يرجع إلى الحالف، وبعضها ~~يرجع إلى المحلوف عليه، وبعضها يرجع إلى نفس الركن، أما الذي يرجع إلى ~~الحالف فأنواع منها: أن يكون عاقلا بالغا فلا يصح يمين الصبي والمجنون وإن ~~كان عاقلا؛ لأنها تصرف إيجاب وهما ليسا من أهل الإيجاب ولهذا لم يصح ~~نذرهما، ومنها أن يكون مسلما # PageV03P010 # فلا يصح يمين الكافر وهذا عندنا وعند الشافعي ليس بشرط حتى لو حلف الكافر ~~على يمين ثم أسلم فحنث فلا كفارة عليه عندنا وعنده تجب الكفارة إلا أنه إذا ~~حنث في حال الكفر لا تجب عليه الكفارة بالصوم بل بالمال. # وجه قوله: إن الكافر من أهل اليمين بالله تعالى بدليل أنه يستحلف في ~~الدعاوى والخصومات وكذا يصح إيلاؤه ولو لم يكن أهلا لما انعقد كإيلاء الصبي ~~والمجنون. # وكذا هو من أهل اليمين بالطلاق والعتاق فكان من أهل اليمين بالله تعالى ~~كالمسلم بخلاف الصبي والمجنون. # (ولنا) أن الكفارة عبادة والكافر ليس من أهلها. # والدليل على أن الكفارة عبادة أنها لا تتأدى بدون النية وكذا لا تسقط ~~بأداء الغير عنه وهما حكمان مختصان بالعبادات إذ غير العبادة لا تشترط فيه ~~النية ولا يختص سقوطه بأداء من عليه كالديون ورد المغصوب ونحوها والدليل ~~عليه أن للصوم فيها مدخلا على وجه البدل وبدل العبادة يكون عبادة والكافر ~~ليس من أهل العبادات فلا تجب بيمينه الكفارة فلا تنعقد يمينه كيمين الصبي ~~والمجنون وإنما يستحلف في الدعاوى لأن المقصود من الاستحلاف التحرج عن ~~الكذب كالمسلم فاستويا فيه وإنما يفارق المسلم فيما هو عبادة وهكذا نقول في ~~الإيلاء إنه لا يصح في حق وجوب الكفارة؛ لأن الإيلاء يتضمن حكمين: وجوب ~~الكفارة على تقدير القربان، ووقوع الطلاق بعد انقضاء المدة إذا لم يقربها ~~في المدة، والكفارة حق الله تعالى فلا يؤاخذ به الكافر، والطلاق حق العبد ~~فيؤاخذ به. # وأما الحرية فليست بشرط فتصح ms1537 يمين المملوك إلا أنه لا يجب عليه للحال ~~الكفارة بالمال؛ لأنه لا ملك له وإنما يجب عليه التكفير بالصوم وللمولى أن ~~يمنعه من الصوم وكذا كل صوم وجب بمباشرة سبب الوجوب من العبد كالصوم ~~المنذور به؛ لأن المولى يتضرر بصومه والعبد لا يملك الإضرار بالمولى ولو ~~أعتق قبل أن يصوم يجب عليه التكفير بالمال؛ لأنه استفاد أهلية الملك بالعتق ~~وكذا الطواعية ليست بشرط عندنا فيصح من المكره؛ لأنها من التصرفات التي لا ~~تحتمل الفسخ فلا يؤثر فيه الإكراه كالطلاق والعتاق والنذر وكل تصرف لا ~~يحتمل الفسخ. # وعند الشافعي شرط وهي من مسائل الإكراه وكذا الجد والعمد فتصح من الخاطئ ~~والهازل عندنا خلافا للشافعي. # (وأما) الذي يرجع إلى المحلوف عليه فهو أن يكون متصور الوجود حقيقة عند ~~الحلف هو شرط انعقاد اليمين على أمر في المستقبل وبقاؤها أيضا متصور الوجود ~~حقيقة بعد اليمين شرط بقاء اليمين حتى لا ينعقد اليمين على ما هو مستحيل ~~الوجود حقيقة ولا يبقى إذا صار بحال يستحيل وجوده، وهذا قول أبي حنيفة ~~ومحمد وزفر وعند أبي يوسف هذا ليس بشرط لانعقاد اليمين ولا لبقائها وإنما ~~الشرط أن تكون اليمين على أمر في المستقبل وأما كونه متصور الوجود عادة فهل ~~هو شرط انعقاد اليمين؟ . # قال أصحابنا الثلاثة: ليس بشرط فينعقد على ما يستحيل وجوده عادة بعد أن ~~كان لا يستحيل وجوده حقيقة. # وقال زفر: هو شرط لا تنعقد اليمين بدونه وبيان هذه الجملة إذا قال: والله ~~لأشربن الماء الذي في هذا الكوز فإذا لا ماء فيه لم تنعقد اليمين في قول ~~أبي حنيفة ومحمد وزفر لعدم شرط الانعقاد وهو تصور شرب الماء الذي حلف عليه ~~وعند أبي يوسف تنعقد لوجود الشرط وهو الإضافة إلى أمر في المستقبل وإن كان ~~يعلم أنه لا ماء فيه تنعقد عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا تنعقد وهو ~~رواية عن أبي حنيفة أنه لا تنعقد علم أو لم يعلم وعلى هذا الخلاف إذا وقت ~~وقال والله لأشربن الماء الذي في هذا الكوز ms1538 اليوم ولا ماء في الكوز أنه لا ~~تنعقد عند أبي حنيفة ومحمد وزفر وعند أبي يوسف تنعقد وعلى هذا الخلاف إذا ~~قال والله لأقتلن فلانا وفلان ميت وهو لا يعلم بموته أنه لا تنعقد عندهم ~~خلافا لأبي يوسف وإن كان عالما بموته تنعقد عندهم خلافا لزفر. # ولو قال والله لأمسن السماء أو لأصعدن السماء أو لأحولن هذا الحجر ذهبا ~~تنعقد عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر لا تنعقد، أما الكلام مع أبي يوسف ~~فوجه قوله: إن الحالف جعل شرط عدم حنثه القتل والشرب في المطلق وفي الموقت ~~عدم الشرب في المدة وقد تأكد العدم فتأكد شرط الحنث فيحنث كما في قوله ~~والله لأمسن السماء أو لأحولن هذا الحجر ذهبا ولهما أن اليمين تنعقد للبر؛ ~~لأن البر هو موجب اليمين وهو المقصود الأصلي من اليمين أيضا؛ لأن الحالف ~~بالله تعالى يقصد بيمينه تحقيق البر والوفاء بما عهد وإنجاز ما وعد ثم # PageV03P011 # الكفارة تجب لدفع الذنب الحاصل بتفويت البر وهو الحنث فإذا لم يكن البر ~~متصور الوجود حقيقة لا يتصور الحنث فلم يكن في انعقاد اليمين فائدة فلا ~~تنعقد والدليل على أن البر غير متصور الوجود من هذه اليمين حقيقة أنه إذا ~~كان عنده أن في الكوز ماء وأن الشخص حي فيمينه تقع على الماء الذي كان فيه ~~وقت اليمين وعلى إزالة حياة قائمة وقت اليمين والله تعالى وإن كان قادرا ~~على خلق الماء في الكوز ولكن هذا المخلوق لا يكون ذلك الماء الذي وقعت ~~يمينه عليه وفي مسألة القتل زالت تلك الحياة على وجه لا يتصور عودها بخلاف ~~ما إذا كان عالما بذلك؛ لأنه إذا كان عالما به فإنما انعقد يمينه على ماء ~~آخر يخلقه الله - تعالى - وعلى حياة أخرى يحدثها الله تعالى إلا أن ذلك على ~~نقض العادة فكان العجز عن تحقيق البر ثابتا عادة فيحنث بخلاف قوله والله ~~لأمسن السماء ونحوه لأن - هناك - البر متصور الوجود في نفسه حقيقة بأن ~~يقدره الله تعالى على ذلك كما أقدر الملائكة وغيرهم من ms1539 الأنبياء - عليهم ~~الصلاة والسلام - إلا أنه عاجز عن ذلك عادة فلتصور وجوده حقيقة انعقدت ~~وللعجز عن تحقيقه عادة حنث ووجبت الكفارة وأما الكلام مع زفر في اليمين على ~~مس السماء ونحوه فهو يقول المستحيل عادة يلحق بالمستحيل حقيقة وفي المستحيل ~~حقيقة لا تنعقد كذا في المستحيل عادة، ولنا أن اعتبار الحقيقة والعادة واجب ~~ما أمكن وفيما قلناه اعتبار الحقيقة والعادة جميعا وفيما قاله اعتبار ~~العادة وإهدار الحقيقة فكان ما قلناه أولى ولو قال والله لأمسن السماء ~~اليوم يحنث في آخر اليوم عند أبي حنيفة ومحمد وفي قياس قول أبي يوسف أنه ~~يحنث في الحال وقد روي عن أبي يوسف ما يدل عليه فإنه قال في رجل حلف ليشربن ~~ماء دجلة كله اليوم قال أبو حنيفة لا يحنث حتى يمضي اليوم. # وقال أبو يوسف يحنث الساعة فإن قال في يمينه غدا لم يحنث حتى يمضي اليوم ~~في قول أبي حنيفة لأن الانعقاد يتعلق بآخر اليوم عنده. # فأما أبو يوسف فقال يحنث في أول جزء من أجزاء الغد لأن شرط البر غير ~~منتظر فكأنه قال لها أنت طالق في غد - والله - عز وجل - أعلم - هذا إذا لم ~~يكن المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة أو عادة وقت اليمين حتى انعقدت اليمين ~~بلا خلاف ثم فات فالحلف لا يخلو إما أن يكون مطلقا عن الوقت وإما أن يكون ~~موقتا بوقت وكل ذلك لا يخلو إما أن يكون في الإثبات أو في النفي فإن كان ~~مطلقا في الإثبات بأن قال والله لآكلن هذا الرغيف أو لأشربن الماء الذي في ~~هذا الكوز أو لأدخلن هذه الدار أو لآتين البصرة فما دام الحالف والمحلوف ~~عليه قائمين لا يحنث لأن الحنث في اليمين المطلقة يتعلق بفوات البر في جميع ~~البر فما داما قائمين لا يقع اليأس عن تحقيق البر فلا يحنث فإذا هلك أحدهما ~~يحنث لوقوع العجز عن تحقيقه غير أنه إذا هلك المحلوف عليه يحنث وقت هلاكه ~~وإذا هلك الحالف يحنث في آخر جزء من أجزاء حياته ms1540 لأن الحنث في الحالين ~~بفوات البر. # ووقت فوات البر في هلاك المحلوف عليه وقت هلاكه، وفي هلاك الحالف آخر جزء ~~من أجزاء حياته وإن كان في النفي بأن قال والله لا آكل هذا الرغيف أو لا ~~أشرب الماء الذي في هذا الكوز فلم يأكل ولم يشرب الماء حتى هلك أحدهما فقد ~~بر في يمينه لوجود شرط البر وهو عدم الأكل والشرب، وإن كان موقتا بوقت ~~فالوقت نوعان موقت نصا وموقت دلالة أما الموقت نصا فإن كان في الإثبات بأن ~~قال والله لآكلن هذا الرغيف اليوم أو لأشربن هذا الماء الذي في هذا الكوز ~~اليوم أو لأدخلن هذه الدار ونحو ذلك فما دام الحالف والمحلوف عليه قائمين ~~والوقت قائما لا يحنث لأن البر في الوقت مرجو فتبقى اليمين وإن كان الحالف ~~والمحلوف عليه قائمين ومضى الوقت يحنث في قولهم جميعا لأن اليمين كانت ~~مؤقتة بوقت فإذا لم يفعل المحلوف عليه حتى مضى الوقت وقع اليأس عن فعله في ~~الوقت ففات البر عن الوقت فيحنث. # وإن هلك الحالف في الوقت والمحلوف عليه قائم فمضى الوقت لا يحنث بالإجماع ~~لأن الحنث في اليمين المؤقتة بوقت يقع في آخر أجزاء الوقت وهو ميت في ذلك ~~الوقت والميت لا يوصف بالحنث وإن هلك المحلوف عليه والحالف قائم والوقت باق ~~فيبطل اليمين في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر وعند أبي يوسف لا تبطل ويحنث ~~واختلفت الرواية عنه في وقت الحنث أنه يحنث للحال أو عند غروب الشمس روي ~~عنه أنه يحنث عند غروب الشمس وروي عنه أنه يحنث للحال، قيل: وهو الصحيح من ~~مذهبه وإن كان # PageV03P012 # في النفي فمضى الوقت والحالف والمحلوف عليه قائمان فقد بر في يمينه لوجود ~~شرط البر وكذلك إن هلك الحالف والمحلوف عليه في الوقت لما قلنا وإن فعل ~~المحلوف عليه في الوقت حنث لوجود شرط الحنث وهو الفعل في الوقت والله - عز ~~وجل - أعلم. # (وأما) الموقت دلالة فهو المسمى يمين الفور وأول من اهتدى إلى جوابها أبو ~~حنيفة ثم كل من ms1541 سمعه استحسنه وما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وهو ~~أن يكون اليمين مطلقا عن الوقت نصا، ودلالة الحال تدل على تقييد الشرط ~~بالفور بأن خرج جوابا لكلام أو بناء على أمر نحو أن يقول لآخر: تعال تغد ~~معي، فقال: والله لا أتغدى فلم يتغد معه ثم رجع إلى منزله فتغدى لا يحنث ~~استحسانا والقياس أن يحنث وهو قول زفر وجه القياس أنه منع نفسه عن التغدي ~~عاما فصرفه إلى البعض دون البعض تخصيص للعموم. # (ولنا) أن كلامه خرج جوابا للسؤال فينصرف إلى ما وقع السؤال عنه والسؤال ~~وقع عن الغداء المدعو إليه فينصرف الجواب إليه كأنه أعاد السؤال. # وقال والله لا أتغدى الغداء الذي دعوتني إليه وكذا إذا قامت امرأته لتخرج ~~من الدار فقال لها إن خرجت فأنت طالق فقعدت ثم خرجت بعد ذلك لا يحنث ~~استحسانا لأن دلالة الحال تدل على التقييد بتلك الخرجة كأنه قال إن خرجت ~~هذه الخرجة فأنت طالق ولو قال لها إن خرجت من هذه الدار على الفور أو في ~~هذا اليوم فأنت طالق بطل اعتبار الفور لأنه ذكر ما يدل على أنه ما أراد به ~~الخرجة المقصود إليها وإنما أراد الخروج المطلق عن الدار في اليوم حيث زاد ~~على قدر الجواب وعلى هذا يخرج ما إذا قيل له إنك تغتسل الليلة في هذه الدار ~~من جنابة فقال إن اغتسلت فعبدي حر ثم اغتسل لا عن جنابة ثم قال: عنيت به ~~الاغتسال عن جنابة أنه يصدق لأنه أخرج الكلام مخرج الجواب ولم يأت بما يدل ~~على إعراضه عن الجواب فيقيد بالكلام السابق ويجعل كأنه إعادة. # ولو قال إن اغتسلت فيها الليلة عن جنابة فأنت حر أو قال إن اغتسلت الليلة ~~في هذه الدار فعبدي حر ثم قال عنيت الاغتسال عن جنابة لا يصدق في القضاء ~~لأنه زاد على القدر المحتاج إليه من الجواب حيث أتى بكلام مفيد مستقل بنفسه ~~فخرج عن حد الجواب وصار كلاما مبتدأ فلا يصدق في القضاء لكن يصدق فيما ms1542 بينه ~~وبين الله تعالى لأنه يحتمل أنه أراد به الجواب ومع هذا زاد على قدره وهذا ~~وإن كان بخلاف الظاهر لكن كلامه يحتمله في الجملة وعلى هذا يخرج ما قاله ~~ابن سماعة: سمعت محمدا يقول في رجل قال لآخر إن ضربتني ولم أضربك وما أشبه ~~ذلك فهذا على الفور قال وقوله: " لم " يكون على وجهين على قبل وعلى بعد فإن ~~كانت على بعد فهي على الفور ولو قال إن كلمتني فلم أجبك فهذا على بعد وهو ~~على الفور وإن قال إن ضربتني ولم أضربك فهو عندنا على أن يضرب الحالف قبل ~~أن يضرب المحلوف عليه فإن أراد به بعد ونوى ذلك فهو على الفور وهكذا روي عن ~~محمد وجملة هذا أن هذه اللفظة قد تدخل على الفعل الماضي وقد تدخل على ~~المستقبل فما كان معاني كلام الناس عليه حمل عند الإطلاق عليه وإن كانت ~~مستعملة في الوجهين على السواء يتميز أحدهما بالنية فإذا قال إن ضربتني ولم ~~أضربك فقد حمله محمد على الماضي كأنه رأى معاني كلام الناس عليه عند ~~الإطلاق فكأنه قال إن ضربتني من غير مجازاة لما كان مني من الضرب فعبدي حر ~~ويحتمل الاستقبال أيضا فإذا نواه حمل عليه. # وقوله إن كلمتني ولم أجبك فهذا على المستقبل لأن الجواب لا يتقدم الكلام ~~فحمل على الاستقبال ويكون على الفور لأنه يراد به الفور عادة. # وروي عن محمد فيمن قال كل جارية يشتريها فلا يطؤها فهي حرة قال هذا يطؤها ~~ساعة يشتريها فإن لم يفعل فهي حرة لأن الفاء تقتضي التعقيب ولو قال مكان ~~هذا إن لم يطأها فهذا على ما بينه وبين الموت فمتى وطئها بر لأن كلمة إن ~~كلمة شرط فلا تقتضي التعجيل قال هشام عن أبي يوسف فإن قال لغلامه إن لم ~~تأتني حتى أضربك فأنت حر فجاء من ساعته فلم يضربه قال متى ما ضربه فإنه يبر ~~في يمينه ولا يعتق إلا أن ينوي ساعة أمره بذلك لما ذكرنا أن إن للشرط فلا ~~تقتضي التعجيل ms1543 إذا لم يكن في الكلام ما يدل عليه ولو قال إن لم أشتر اليوم ~~عبدا فأعتقه فعلي كذا فاشترى عبدا فوهبه ثم اشترى آخر فأعتقه قال محمد إنما ~~وقعت يمينه على العبد الأول فإذا أمسى ولم يعتقه حنث لأن تقدير كلامه إن ~~اشتريت عبدا فعلي عتقه فإن لم أعتقه فعلي حجة وهذا قد استحقه الأول فلم ~~يدخل الثاني في اليمين. # قال # PageV03P013 # هشام عن محمد فيمن قال لآخر إن مت ولم أضربك فكل مملوك لي حر فمات الحالف ~~ولم يضربه قال محمد لا يعتقون لأن من شرط الحنث أن يكون بعد الموت ولا ملك ~~له في ذلك الوقت فلا يعتقون وإن قال إن لم أضربك فكل مملوك لي حر لا يحنث ~~حتى يخرج نفسه فيحنث قبل خروج نفسه يعني في آخر جزء من أجزاء حياته فيعتقون ~~حينئذ لأن شرط الحنث ترك الضرب وإنه يتحقق في تلك الحالة ولو قال إن لم ~~أدخل هذه الدار حتى أموت فغلامه حر فلم يدخلها حتى مات لم يعتق وكذلك قال ~~محمد فيمن قال إن لم أضربك فيما بيني وبين أن أموت فعبدي حر فلم يضربه حتى ~~مات عتق العبد قبل أن يموت لأن في الأول حنث بعد الموت. # وقال محمد في الزيادات فيمن قال لرجل امرأته طالق إن لم تخبر فلانا بما ~~صنعت حتى يضربك فعبدي حر فأخبره فلم يضربه بر في يمينه لأنه جعل شرط البر ~~الإخبار لأنه سبب صالح للضرب جزاء له على صنعه والإخبار مما لا يمتد ولا ~~يضرب له المدة فتعذر جعله للغاية فجعل للجزاء وقوله حتى يضربك بيان الغرض ~~بمعنى ليضربك فيصير معناه إن لم أتسبب لضربك فإذا أخبر بصنيعه فقد سبب ~~لضربه فبر في يمينه وكذلك إذا قال إن لم آتك حتى تغديني أو إن لم أضربك حتى ~~تضربني فعبدي حر فأتاه فلم يغده أو ضربه ولم يضربه بر في يمينه لأن التغدية ~~لا تصلح غاية للإتيان لكونها داعية إلى زيادة الإتيان وكذلك الضرب يدعو إلى ~~زيادة الضرب لا ms1544 إلى تركه وإنهائه فلا يجعل غاية ويجعل جزاء لوجود شرطه ولو ~~قال إن لم ألزمك حتى تقضيني حقي أو إن لم أضربك حتى يدخل الليل أو حتى ~~تشتكي يدي أو حتى تصيح أو حتى يشفع لك فلان أو حتى ينهاني فلان فترك ~~الملازمة قبل أن يقضى حقه أو ترك الضرب قبل وجود هذه الأسباب حنث لأن كلمة ~~حتى ههنا للغاية إذ المعقود عليه فعل ممتد وهو الملازمة والضرب في قضاء ~~الدين مؤثر في إنهاء الملازمة إذ هو المقصود من الملازمة، والشفاعة والصياح ~~والنهي وغيرها مؤثر في ترك الضرب وإنهائه فصارت للغاية لوجود شرطها. # ولو نوى به الجزاء يصدق فيما بينه وبين الله تعالى لأنه نوى ما يحتمله ~~كلامه، ولا يصدق في القضاء لأنه أراد به التخفيف على نفسه فكان متهما، وإن ~~قال إن لم آتك اليوم حتى أتغدى عندك أو إن لم آتك حتى أضربك فعبدي حر فأتاه ~~فلم يتغد عنده أو لم يضربه حتى مضى اليوم حنث لأن كلمة حتى ههنا للعطف لأن ~~الفعلين جميعا من جانب واحد وهو الحالف فيصير كأنه قال إن لم آتك اليوم ~~فأضربك أو فأتغدى عندك فإن لم يوجدا جميعا لا يبر بخلاف قوله حتى تغديني ~~لأن هناك أحد الفعلين من غيره فكان عوض فعله فلا يحنث بعدمه وإن لم يوقت ~~باليوم فأتاه ولم يتغد لم يحنث لأن البر موجود بأن يأتيه ويتغدى أو يتغدى ~~من غير إتيان ووقت البر متسع فلا يحنث كما لو صرح به. # وقال إن لم آتك فأتغدى عندك ولو قال ذلك لا يحنث ما دام حيا كذلك هذا ~~وحكى هشام عن أبي يوسف أن من قال لأمته إن تجيئيني الليلة حتى أجامعك مرتين ~~فأنت حرة فجاءته فجامعها مرة وأصبح حنث في يمينه وهذا وقوله إن لم تجيئيني ~~الليلة فأجامعك مرتين سواء فيصير المجيء والمجامعة مرتين شرطا للبر فإذا ~~انعدم يحنث فإن لم يوقت بالليل لا يحنث وله أن يجامعها في أي وقت شاء لأن ~~وقت البر يتسع عند عدم ms1545 التوقيت وقال ابن سماعة عن محمد إذا قال إن ركبت ~~دابتك فلم أعطك دابتي فعبدي حر قال هذا على الفور إذا ركب دابته فينبغي أن ~~يعطيه دابة نفسه ساعتئذ وكذلك إذا قال إن دخلت دارك فلم أجلس فيها لأن ~~الفاء للتعقيب فيقتضي وجود ما دخلت عليه عقيب الشرط قال ولو قال إن رأيت ~~فلانا فلم آتك به فعبدي حر فرآه أول ما رآه مع الرجل الذي قال له إن رأيته ~~فلم آتك به فإن الحالف حانث الساعة لأن يمينه وقعت على أول رؤية ويستحيل أن ~~يأتيه بمن هو معه قال القدوري وقد كان يجب أن لا يحنث عند أبي حنيفة ومحمد ~~كما قالا فيمن قال له إن رأيت فلانا فلم أعلمك بذلك فعبدي حر فرآه أول ما ~~رآه مع الرجل الذي قال له ذلك لم يحنث عند أبي حنيفة ومحمد لأن العلم بمن ~~قد علمه محال. # وكذلك الإتيان بمن معه فيصير كمن قال لأشربن الماء الذي في هذا الكوز ولا ~~ماء فيه ولو أن رجلا قال إن لقيتك فلم أسلم عليك فإن سلم عليه ساعة يلقاه ~~وإلا حنث وكذلك إن قال إن استعرت دابتك فلم تعرني لأن هذا على المجازاة يدا ~~بيد وليس هذا مثل قوله إن دخلت الدار فإن لم أكلم فلانا فهذا متى ما كلمه ~~بر والأصل فيه أن يجيء في هذا الباب # PageV03P014 # أمور تشتبه فإن لم في معنى فلم يحمل على معظم معاني كلام الناس ولو قال ~~إن أتيتني فلم آتك أو إن زرتني فلم أزرك أو إن أكرمتني فلم أكرمك فهذا على ~~الأبد وهو في هذا الوجه مثل فإن لم لأن الزيارة لا تتعقب الزيارة عادة فكان ~~المقصود هو الفعل فإن قيل أتيتني فلم آتك فالأمر في هذا مشتبه قد يكون ~~بمعنى إن لم آتك قبل إتيانك وقد يكون بمعنى إن لم آتك بعد إتيانك فكان ~~محتملا للأمرين فيحمل على ما كان الغالب من معاني كلام الناس عليه فإن لم ~~يكن فهو على ما نوى أي ms1546 ذلك نوى من قبل أو بعد حملا على ما نوى وإن لم تكن ~~له نية يلحق بالمشتبه الذي لا يعرف له معنى. # فأما الذي يعرف من معناه أنه قبل أو بعد فهو على الذي يعرف في القضاء ~~وفيما بينه وبين الله تعالى إذا لم يكن له نية فإن نوى خلاف ما يعرف لم ~~يدين في الحكم ودين فيما بينه وبين الله تعالى فالذي الظاهر منه قبل كقوله ~~إن خرجت من باب الدار ولم أضربك والذي ظاهره بعد مثل قوله إن أعطيتني كذا ~~ولم أكافئك بمثله والمحتمل كقوله إن كلمتك ولم تكلمني فهذا يحتمل قبل وبعد ~~فأيهما فعل لم يكن للحالف فيه وإن كان نوى أحد الفعلين فهو على ما نوى وإن ~~كان قبل ذلك فنطق يكون هذا جوابا له فهو على الجواب والله - عز وجل - ~~الموفق. # (وأما) الذي يرجع إلى نفس الركن فخلوه عن الاستثناء نحو أن يقول إن شاء ~~الله تعالى أو إلا أن يشاء الله أو ما شاء الله أو إلا أن يبدو لي غير هذا ~~أو إلا أن أرى غير هذا أو إلا أن أحب غير هذا أو قال إن أعانني الله أو يسر ~~الله أو قال بمعونة الله أو بتيسيره ونحو ذلك فإن قال شيئا من ذلك موصولا ~~لم تنعقد اليمين وإن كان مفصولا انعقدت وسيأتي الكلام في الاستثناء وشرائطه ~~في كتاب الطلاق. # ولو قال إلا أن أستطيع فإن عنى استطاعة الفعل وهو المعنى الذي يقصد فلا ~~يحنث أبدا لأنها مقارنة للفعل عندنا فلا توجد ما لم يوجد الفعل، وإن عنى به ~~استطاعة الأسباب وهي سلامة الآلات والأسباب والجوارح والأعضاء فإن كانت له ~~هذه الاستطاعة فلم يفعل حنث وإلا فلا وهذا لأن لفظ الاستطاعة يحتمل كل واحد ~~من المعنيين لأنه يستعمل فيهما. # قال الله تعالى {ما كانوا يستطيعون} [هود: 20] . # وقال {إنك لن تستطيع معي صبرا} [الكهف: 67] والمراد منه استطاعة الفعل. # وقال الله تعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل ~~عمران: 97] # وقال - عز ms1547 وجل - {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] ~~والمراد منه استطاعة سلامة الأسباب والآلات فأي ذلك نوى صحت نيته وإن لم ~~يكن له نية يحمل على استطاعة الأسباب وهو أن لا يمنعه مانع من العوارض ~~والاشتغال لأنه يراد بها ذلك في العرف والعادة فعند الإطلاق ينصرف إليه ~~والله - عز وجل - أعلم،. ### | [فصل في حكم اليمين بالله تعالى] # (فصل) : # وأما حكم اليمين بالله تعالى فيختلف باختلاف اليمين أما يمين الغموس ~~فحكمها وجوب الكفارة لكن بالتوبة والاستغفار لأنها جرأة عظيمة حتى قال: ~~الشيخ أبو منصور الماتريدي كان القياس عندي أن المتعمد بالحلف على الكذب ~~يكفر لأن اليمين بالله تعالى جعلت للتعظيم لله - تعالى - والحالف بالغموس ~~مجترئ على الله - عز وجل - مستخف به ولهذا نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الحلف بالآباء والطواغيت لأن في ذلك تعظيما لهم وتبجيلا فالوزر ~~له في الجراءة على الله أعظم وهذا لأن التعمد بالحلف كاذبا على المعرفة بأن ~~الله - عز وجل - يسمع استشهاده بالله كاذبا - مجترئ على الله - سبحانه ~~وتعالى - ومستخف به وإن كان غيره يزعم أنه ذكر على طريق التعظيم وسبيل هذا ~~سبيل أهل النفاق أن إظهارهم الإيمان بالله - سبحانه وتعالى - استخفاف بالله ~~تعالى لما كان اعتقادهم بخلاف ذلك وإن كان ذلك القول تعظيما في نفسه وصدقا ~~في الحقيقة تلزمهم العقوبة لما فيه من الاستخفاف وكذا هذا ولكن نقول لا ~~يكفر بهذا لأن فعله وإن خرج مخرج الجراءة على الله تعالى والاستخفاف به من ~~حيث الظاهر لكن غرضه الوصول إلى مناه وشهوته لا القصد إلى ذلك وعلى هذا ~~يخرج قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في سؤال السائل إن العاصي يطيع ~~الشيطان ومن أطاع الشيطان فقد كفر كيف لا يكفر العاصي؟ فقال لأن فعله وإن ~~خرج مخرج الطاعة للشيطان لكن ما فعله قصدا إلى طاعته وإنما يكفر بالقصد إذ ~~الكفر عمل القلب لا بما يخرج فعله فعل معصية فكذلك الأول. # وأما الكفارة المعهودة وهي الكفارة بالمال فلا تجب عندنا، وعند الشافعي ~~تجب احتج بقوله ms1548 تعالى {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما ~~كسبت قلوبكم} [البقرة: 225] نفى المؤاخذة باليمين اللغو في # PageV03P015 # الأيمان وأثبتها بما كسب القلب، ويمين الغموس مكسوبة بالقلب فكانت ~~المؤاخذة ثابتة بها إلا أن الله تعالى أبهم المؤاخذة في هذه الآية الشريفة ~~أنها بالإثم أو بالكفارة المعهودة لكن فسر في الأخرى أن المؤاخذة بالكفارة ~~المعهودة وهي قوله - عز وجل - {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته} ~~[المائدة: 89] الآية فعلم أن المراد من المؤاخذة المذكورة في تلك الآية هذه ~~المؤاخذة، وبقوله - عز وجل - {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته} ~~[المائدة: 89] الآية أثبت المؤاخذة في اليمين المعقودة بالكفارة المعهودة، ~~ويمين الغموس معقودة لأن اسم العقد يقع على عقد القلب وهو العزم والقصد وقد ~~وجد بقوله - عز وجل - في آخر الآية الكريمة {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} ~~[المائدة: 89] جعل الكفارة المعهودة كفارة الأيمان على العموم خص منه يمين ~~اللغو فمن ادعى تخصيص العموم فعليه الدليل مع ما أن أحق ما يراد به الغموس ~~لأنه علق الوجوب بنفس الحلف دون الحنث وذلك هو الغموس إذ الوجوب في غيره ~~يتعلق بالحنث. # (ولنا) قوله - سبحانه وتعالى - {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة} [آل عمران: 77] الآية وروي عن عبد الله ~~بن مسعود - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مالا لقي الله وهو عليه غضبان» ~~وروي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «من حلف على منبري هذا بيمين آثمة تبوأ مقعده من النار» ~~والاستدلال بالنصوص أن الله تعالى جعل موجب الغموس العذاب في الآخرة فمن ~~أوجب الكفارة فقد زاد على النصوص فلا يجوز إلا بمثلها وما روي عن نبي ~~الرحمة - صلى الله عليه وسلم - أنه قال للمتلاعنين بعد فراغهما من اللعان: ~~«الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب» دعاهما إلى التوبة لا إلى ~~الكفارة المعهودة ومعلوم ms1549 أن حاجتهما إلى بيان الكفارة المعهودة لو كانت ~~واجبة كانت أشد من حاجتهما إلى بيان كذب أحدهما وإيجاب التوبة لأن وجوب ~~التوبة بالذنب يعرفه كل عاقل بمجرد العقل من غير معونة السمع، والكفارة ~~المعهودة لا تعرف إلا بالسمع فلما لم يبين مع أن الحال حال الحاجة إلى ~~البيان دل أنها غير واجبة. # وكذا الحديث الذي روي في الخصمين أنه قضى لأحدهما وذكر فيه الوعيد الشديد ~~أن يأخذه وهو غير الحق في ذلك ثم أمرهما - صلى الله عليه وسلم - بالاستهام ~~وأن يحلل كل واحد منهما صاحبه ولم يبين الكفارة والموضع موضع الحاجة إلى ~~البيان لو كانت واجبة فعلم أنها غير واجبة ولأن وجوب الكفارة المعهودة حكم ~~شرعي فلا يعرف إلا بدليل شرعي وهو النص أو الإجماع أو القياس ولم يوجد ~~وأقوى الدلائل في نفي الحكم نفي دليله أما الإجماع فظاهر الانتفاء وكذا ~~النص القاطع لأن أهل الديانة لا يختلفون في موضع فيه نص قاطع، والنص الظاهر ~~وجب العمل به أيضا وإن كان لا يجب الاعتقاد قطعا فلا يقع الاختلاف ظاهرا في ~~الاستدلال باليمين المعقودة ومن شرطه التساوي ولم يوجد لأن الذنب في يمين ~~الغموس أعظم وما صلح لدفع أدنى الذنبين لا يصلح لرفع أعلاهما، ولهذا قال: ~~إسحاق في يمين الغموس أجمع المسلمون على أنه لا يجب الكفارة فيها فقول من ~~يوجبها ابتداء شرع ونصب حكم على الخلق وهو لم يشرك في حكمه أحدا ولا حجة له ~~في قوله تعالى {ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم} [البقرة: 225] لأن مطلق ~~المؤاخذة في الجنايات يراد بها المؤاخذة في الآخرة لأنها حقيقة المؤاخذة ~~والجزاء. # فأما المؤاخذة في الدنيا فقد تكون خيرا وتكفيرا فلا تكون مؤاخذة معنى ~~ونحن به نقول: إن المؤاخذة بيمين الغموس ثابتة في الآخرة ولأن قوله تعالى - ~~يؤاخذكم إخبار أنه يؤاخذ. # فأما قضية المؤاخذة فليست بمذكورة فيستدعي نوع مؤاخذة، والمؤاخذة بالاسم ~~مرادة من هذه الآية فلا يكون غيره مرادا إذا. # وأما قوله تعالى - {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] ~~فالمراد منه اليمين على أمر ms1550 في المستقبل، لأن العقد هو الشد والربط في ~~اللغة، ومنه عقد الحبل وعقد الحمل، وانعقاد الرق وهو ارتباط بعضه ببعض وقد ~~يذكر ويراد به العهد وكل ذلك لا يتحقق إلا في المستقبل، ولأن الآية قرئت ~~بقراءتين بالتشديد والتخفيف، والتشديد لا يحتمل إلا عقد اللسان وهو عقد ~~القول والتخفيف يحتمل العقد باللسان والعقد بالقلب وهو العزم والقصد، فكانت ~~قراءة التشديد محكمة في الدلالة على إرادة العقد باللسان والقراءة بالتخفيف ~~محتملة فيرد المحتمل إلى المحكم ليكون عملا بالقراءتين على الموافقة # PageV03P016 # والدليل على أن المراد من الآية الكريمة اليمين على أمر في المستقبل أنه ~~علق الكفارة فيها بالحلف والحنث عرفنا ذلك بقراءة عبد الله بن مسعود - رضي ~~الله عنه - إذا حلفتم وحنثتم والحنث لا يتصور إلا في اليمين على أمر في ~~المستقبل. # وكذا قوله تعالى {واحفظوا أيمانكم} [المائدة: 89] وحفظ اليمين إنما يتصور ~~في المستقبل لأن ذلك تحقيق البر والوفاء بالعهد وإنجاز الوعد وهذا لا يتصور ~~في الماضي والحال والله - عز وجل - الموفق. # (وأما) يمين اللغو فلا كفارة فيها بالتوبة ولا بالمال بلا خلاف بيننا ~~وبين الشافعي لأن قوله تعالى {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: ~~225] أدخل كلمة النفي على المؤاخذة فيدل على انتفاء المؤاخذة فيها بالإثم ~~والكفارة جميعا، وإنما اختلفا في تفسيرها واختلف قول من فسرها باليمين على ~~المعاصي في وجوب الكفارة على ما بينا ثم الحالف باللغو إنما لا يؤاخذ في ~~اليمين بالله تعالى،. # فأما اليمين بغير الله تعالى من الطلاق والعتاق فإنه يؤاخذ به حتى يقع ~~الطلاق والعتاق وإن كان ظاهر الآية الكريمة في نفي المؤاخذة عاما عرفنا ذلك ~~بالخبر والنظر، أما الخبر فقوله - صلى الله عليه وسلم - «ثلاث جدهن جد ~~وهزلهن جد» وذكر الطلاق والعتاق، واللاغي لا يعدو هذين فدل أن اللغو غير ~~داخل في اليمين بالطلاق والعتاق وأما النظر فهو أن الطلاق والعتاق مما يقع ~~معلقا ومنجزا ومتى علق بشرط كان يمينا فأعظم ما في اللغو أنه يمنع انعقاد ~~اليمين وارتباط الجزاء بالشرط فيبقى مجرد ذكر صيغة الطلاق ms1551 والعتاق من غير ~~شرط فيعمل في إفادة موجبهما بخلاف اليمين بالله - تعالى - فإن هناك إذا لغا ~~المحلوف عليه يبقى مجرد قوله والله فلا يجب به شيء فثبت بما ذكرنا أن ~~المراد بالآية اللغو في اليمين بالله - تعالى - لا في اليمين بغير الله ~~تعالى من الطلاق والعتاق، وسائر الأجزية. # (وأما) حكم اليمين المعقودة وهي اليمين على المستقبل فاليمين على ~~المستقبل لا يخلو إما أن يكون على فعل واجب وإما أن يكون على ترك المندوب ~~وإما أن يكون على ترك المباح أو فعله فإن كان على فعل واجب بأن قال والله ~~لأصلين صلاة الظهر اليوم أو لأصومن رمضان فإنه يجب عليه الوفاء به ولا يجوز ~~له الامتناع عنه لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من حلف أن يطيع الله ~~فليطعه» ولو امتنع يأثم ويحنث ويلزمه الكفارة وإن كان على ترك الواجب أو ~~على فعل معصية بأن قال والله لا أصلي صلاة الفرض أو لا أصوم رمضان أو قال ~~والله لأشربن الخمر أو لأزنين أو لأقتلن فلانا أو لا أكلم والدي ونحو ذلك ~~فإنه يجب عليه للحال الكفارة بالتوبة والاستغفار ثم يجب عليه أن يحنث نفسه ~~ويكون بالمال لأن عقد هذه اليمين معصية فيجب تكفيرها بالتوبة والاستغفار في ~~الحال كسائر الجنايات التي ليس فيها كفارة معهودة وعلى هذا يحمل ما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها ~~خيرا منها فليكفر عن يمينه ثم ليأت الذي هو خير» أي عليه أن يحنث نفسه ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - «من حلف أن يعصي الله تعالى فلا يعصه» . # وترك المعصية بتحنيث نفسه فيها فيحنث به ويكفر بالمال وهذا قول عامة ~~العلماء. # وقال الشعبي لا تجب الكفارة المعهودة في اليمين على المعاصي وإن حنث نفسه ~~فيها لما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال «إذا حلف أحدكم على يمين فرأى ما هو خير منها فليأته فإنه ~~لا كفارة بها» ولأن ms1552 الكفارة شرعت لرفع الذنب والحنث في هذه اليمين ليس بذنب ~~لأنه واجب فلا تجب الكفارة لرفع الذنب ولا ذنب. # (ولنا) قوله تعالى {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته} [المائدة: ~~89] إلى قوله {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: 89] من غير فصل بين ~~اليمين على المعصية وغيرها والحديث المعروف وهو ما روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو ~~خير وليكفر عن يمينه» وما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - فقد روي عنه ~~خلافه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا حلف أحدكم بيمين ثم ~~رأى خيرا مما حلف عليه فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير» فوقع التعارض ~~بين حديثيه فبقي الحديث المعروف لنا بلا تعارض، ولأن الأمة أجمعت على أن ~~الكفارة لا يمتنع وجوبها لعذر في الحانث بل يتعلق بمطلق الحنث سواء كان ~~الحانث ساهيا أو خاطئا أو نائما أو مغمى عليه أو مجنونا فلا يمتنع وجوبها ~~لأجل المعصية، ولأن الكفارة إنما وجبت في اليمين على المباحات: إما لأن ~~الحنث فيها يقع خلفا في الوعد ونقضا للعهد لأن الحالف وعد أن يفعل وعاهد ~~الله على ذلك فإذا حنث فقد صار بالحنث مخلفا في الوعد ناقضا للعهد # PageV03P017 # فوجبت الكفارة ليصير الحلف مستورا كأنه لم يكن أو لأن الحنث منه يخرج ~~مخرج الاستخفاف بالاستشهاد باسم الله تعالى من حيث الصورة متى قوبل ذلك ~~بعقده السابق لا من حيث الحقيقة إذ المسلم لا يباشر المعصية قصدا لمخالفة ~~الله تعالى وإرادة الاستخفاف بأمره ونهيه، فوجب عليه التكفير جبرا لما هتك ~~من حرمة اسم الله تعالى صورة لا حقيقة وسترا وكل واحد من الوجهين موجود ~~ههنا فيجب. # وأما قولهم الكفارة شرعت لرفع الذنب فنعم، لكن لم قلتم إنه لا ذنب؟ ~~وقولهم الحنث واجب؟ ، قلنا بلى لك من حيث إنه ترك المعصية لا من حيث إنه ~~نقض اليمين التي هي عهد مع الله تعالى بل الحنث من هذه الجهة ذنب فيحتاج ms1553 ~~إلى التكفير بالمال وإن كان على ترك المندوب بأن قال والله لا أصلي نافلة ~~ولا أصوم تطوعا ولا أعود مريضا ولا أشيع جنازة ونحو ذلك، فالأفضل له أن ~~يفعل ويكفر عن يمينه بالحديث الذي روينا، وإن كان على مباح تركا أو فعلا ~~كدخول الدار ونحوه فالأفضل له البر وله أن يحنث نفسه ويكفر، ثم الكفارة تجب ~~في اليمين المعقودة على المستقبل سواء قصد اليمين أو لم يقصد عندنا بأن ~~كانت على أمر في المستقبل، وعند الشافعي لا بد من قصد اليمين لتجب الكفارة ~~واحتج بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثلاث جدهن جد ~~وهزلهن جد الطلاق والعتاق والنكاح» فتخصيص هذه الأشياء بالذكر في التسوية ~~بين الجد والهزل منها دليل على أن حكم الجد والهزل يختلف في غيرها ليكون ~~التخصيص مفيدا. # (ولنا) قوله تعالى - {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته} [المائدة: ~~89] أثبت المؤاخذة بالكفارة المعهودة في اليمين المعقودة مطلقا عن شرط ~~القصد إذ العقد هو الشد والربط والعهد على ما بينا وقوله - عز وجل - {ذلك ~~كفارة أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: 89] أي حلفتم وحنثتم جعل أحد الأشياء ~~المذكورة كفارة الأيمان على العموم عند وجود الحلف والحنث وقد وجد. # (وأما) الحديث فقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق واليمين» مع ما أن روايته الأخرى ~~مسكوتة عن غير الأشياء المذكورة إذ لا يتعرض لغيرها بالنفي ولا بالإثبات ~~فلا يصح الاحتجاج به - والله عز وجل أعلم -. # ثم وقت وجوب الكفارة في اليمين المعقودة على المستقبل هو وقت وجود الحنث ~~فلا يجب إلا بعد الحنث عند عامة العلماء. # وقال قوم وقته وقت وجود اليمين فتجب الكفارة بعقد اليمين من غير حنث ~~واحتجوا بقوله - تعالى - {ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] ~~وقوله - عز وجل - {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: 89] وقوله - عز ~~وجل - {فكفارته} [المائدة: 89] أي كفارة ما عقدتم من الأيمان لأن الإضافة ~~تستدعي مضافا إليه سابقا ولم يسبق غير ذلك ms1554 العقد فيصرف إليه وكذا في قوله ~~{ذلك كفارة أيمانكم} [المائدة: 89] أضاف الكفارة إلى اليمين وعلى ذلك تنسب ~~الكفارة إلى اليمين فيقال كفارة اليمين، والإضافة تدل على السببية في الأصل ~~وبما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من حلف على يمين ~~فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه ثم ليأت الذي هو خير» والاستدلال ~~بالحديث من وجهين أحدهما: أنه أمر بالتكفير بعد اليمين قبل الحنث ومطلق ~~الأمر يحمل على الوجوب، والثاني أنه قال - عليه الصلاة والسلام - فليكفر عن ~~يمينه أضاف التكفير إلى اليمين فكذا في الرواية الأخرى «فليأت الذي هو خير ~~وليكفر يمينه» أمر بتكفير اليمين لا بتكفير الحنث فدل أن الكفارة لليمين ~~ولأن الله تعالى نهى عن الوعد إلا بالاستثناء بقوله عز وجل {ولا تقولن لشيء ~~إني فاعل ذلك غدا} [الكهف: 23] {إلا أن يشاء الله} [الكهف: 24] . # ومعلوم أن ذلك النهي في اليمين أوكد وأشد ممن حلف على شيء بلا ثنيا فقد ~~صار عاصيا بإتيان ما نهي عنه فتجب الكفارة لدفع ذلك الإثم عنه. # (ولنا) أن الواجب كفارة والكفارة تكون للسيئات إذ من البعيد تكفير ~~الحسنات، فالسيئات تكفر بالحسنات. # قال الله - سبحانه وتعالى - {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 114] وعقد ~~اليمين مشروع قد أقسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غير موضع وكذا ~~الرسل المتقدمة - عليهم الصلاة والسلام - قال الله تعالى خبرا عن إبراهيم - ~~عليه الصلاة والسلام - أنه قال {وتالله لأكيدن أصنامكم} [الأنبياء: 57] . # وقال خبرا عن أولاد يعقوب - عليهم الصلاة والسلام - أنهم {قالوا تالله ~~تفتأ تذكر يوسف} [يوسف: 85] وكذا أيوب - عليه الصلاة والسلام - كان حلف أن ~~يضرب امرأته فأمره الله - سبحانه وتعالى - بالوفاء بقوله تعالى {وخذ بيدك ~~ضغثا فاضرب به ولا تحنث} [ص: 44] والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ~~معصومون عن # PageV03P018 # الكبائر والمعاصي فدل أن نفس اليمين ليست بذنب وروي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال «إذا حلفتم فاحلفوا بالله» . # وقال - صلى الله عليه وسلم - «لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت فمن كان ~~حالفا فليحلف بالله أو ليذر» ms1555 أمر - صلى الله عليه وسلم - باليمين بالله - ~~تعالى - فدل أن نفس اليمين ليس بذنب فلا يجب التكفير لها وإنما يجب للحنث؛ ~~لأنه هو المأثم في الحقيقة ومعنى الذنب فيه أنه كان عاهد الله أن يفعل كذا، ~~فالحنث يخرج مخرج نقض العهد منه فيأثم بالنقض لا بالعهد ولذلك قال الله ~~تعالى {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد ~~جعلتم} [النحل: 91] الآية ولأن عقد اليمين يخرج مخرج التعظيم والتبجيل لله ~~تعالى وجعله مفزعا إليه ومأمنا عنه فيمتنع أن تجب الكفارة محوا له وسترا ~~وتبين بطلان قولهم إن الحالف يصير عاصيا بترك الاستثناء في اليمين لأن ~~الأنبياء - صلوات الله عليهم - تركوا الاستثناء في اليمين ولم يجز وصفهم ~~بالمعصية فدل أن ترك الاستثناء في اليمين ليس بحرام وإن كان تركه في مطلق ~~الوعد منهيا عنه كراهة وذلك - والله - عز - وجل - أعلم - لوجهين أحدهما أن ~~الوعد إضافة الفعل إلى نفسه بأن يقول أفعل غدا كذا وكل فعل يفعله تحت مشيئة ~~الله تعالى فإن فعله لا يتحقق لأحد إلا بعد تحقيق الله تعالى منه، ولا ~~يتحقق منه الاكتساب لذلك إلا بإقداره فيندب إلى قران الاستثناء بالوعد ~~ليوفق على ذلك ويعصم عن الترك وفي اليمين يذكر الاستشهاد باسم الله تعالى ~~على طريق التعظيم، قد استغاث بالله تعالى وإليه فزع فيتحقق التعظيم الذي ~~يحصل به الاستثناء وزيادة فلا معنى للاستثناء الثاني أن اليمين شرعت لتأكيد ~~المحلوف عليه خصوصا في البيعة، وقران الاستثناء في مثل ذلك يبطل المعنى ~~الذي وضع له العقد، بخلاف الوعد المطلق. # وأما الآية الكريمة فتأويلها من وجهين أحدهما أي يؤاخذكم الله بمحافظة ما ~~عقدتم من الأيمان والوفاء بها كقوله عز وجل {ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها} [النحل: 91] فإن تركتم ذلك فكفارته كذا وكذلك قوله {ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: 89] فتركتم المحافظة ألا ترى أنه قال - عز ~~وجل - {واحفظوا أيمانكم} [المائدة: 89] والمحافظة تكون بالبر والثاني أن ~~يكون على إضمار الحنث أي ولكن يؤاخذكم بحنثكم فيما عقدتم وكذا في قوله: ~~{ذلك كفارة ms1556 أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: 89] أي إذا حلفتم وحنثتم كما في ~~قوله {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} ~~[البقرة: 196] معناه فحلف ففدية من صيام وقوله عز وجل {فإن أحصرتم فما ~~استيسر من الهدي} [البقرة: 196] معناه فتحلل، وقوله - عز وجل - {فمن كان ~~منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] أي فأفطر فعدة من ~~أيام أخر لأن ظاهر الملفوظ وهو القدر الذي هو سبب التخفيف لا يصلح سببا ~~للوجوب فصار استعمال الرخصة مضمرا فيه، كذلك ههنا لا تصلح اليمين التي هي ~~تعظيم الرب - جل جلاله - سببا لوجوب التكفير فيجب إضمار ما هو صالح وهو ~~الحنث وأما إضافة الكفارة إلى اليمين فليست للوجوب بها بل على إرادة الحنث ~~كإضافة كفارة الفطر إلى الصيام وإضافة الدم إلى الحج - والسجود إلى السهو ~~وإن لم يكن ما أضيف إليه سببا كذا هذا وأما الحديث فقد روي بروايات: روي ~~«فليأت الذي هو خير وليكفر يمينه» وروي «فليكفر يمينه وليأت الذي هو خير» ~~وروي «فليأت الذي هو خير ثم ليكفر يمينه» وهو على الروايات كلها حجة عليهم ~~لا لهم لأن الكفارة لو كانت واجبة بنفس اليمين لقال - عليه الصلاة والسلام ~~- من حلف على يمين فليكفر من غير التعرض لما وقع عليه اليمين أنه ماذا ولما ~~لزم الحنث إذا كان خيرا ثم بالتكفير فلما خص اليمين على ما كان الحنث خيرا ~~من البر بالنقض والكفارة علم أنها تختص بالحنث دون اليمين نفسها وأنها لا ~~تجب بعقد اليمين دون الحنث، واختلف في جوازها قبل الحنث قال أصحابنا: لا ~~يجوز. # وقال الشافعي: يجوز التكفير بالمال قبل الحنث،. # فأما التكفير بالصوم فلا يجوز قبل الحنث بالإجماع وجه قوله: إنه كفر بعد ~~وجود سبب الوجوب فيجوز كما لو كفر بالمال بعد الجرح قبل الموت والدليل على ~~أنه كفر بعد وجود سبب الوجوب أن اليمين سبب وجوب الكفارة بدليل أن الكفارة ~~تضاف إلى اليمين يقال كفارة اليمين. # وقال الله تعالى {ذلك كفارة ms1557 أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: 89] والحكم ~~إنما يضاف إلى سببه هو الأصل فدل أن اليمين سبب لوجوب الكفارة فكان هذا ~~تكفيرا بعد وجود سبب الوجوب فيجوز كما في موضع الإجماع والدليل على جواز ~~التكفير بالمال قبل الحنث ما روي أن رسول الله # PageV03P019 # - صلى الله عليه وسلم - كفر قبل الحنث وذلك أنه لما رأى حمزة - رضي الله ~~عنه - سيد الشهداء - قد مثل وجرح جراحات عظيمة اشتد ذلك على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فأقسم أن يفعل كذلك بكذا كذا من قريش فنزل النهي عن ~~الوفاء بذلك وكفر عن يمينه وذلك تكفير قبل الحنث لأن الحنث في مثل هذه ~~اليمين لا يتحقق إلا في الوقت الذي لا يحتمل البر فيه حقيقة وذلك عند موته ~~فدل على جواز التكفير للأمة قبل الحنث إذ هو - صلى الله عليه وسلم - قدوة ~~ولنا أن السبب ما يكون مفضيا إلى المسبب إذ هو في اللغة اسم لما يتوصل به ~~إلى الشيء، واليمين مانعة من الحنث لكون الحنث خلفا في الوعد ونقضا للعهد ~~وقد قال الله تعالى {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون} [النحل: 91] ~~{ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا} [النحل: 92] ولكونه ~~استخفافا باسم الله تعالى من حيث الصورة، وكل ذلك مانع من الحنث فكانت ~~اليمين مانعة من الحنث فكانت مانعة من الوجوب إذ الوجوب شرط الحنث بلا خلاف ~~بيننا فكيف يكون سببا للوجوب؟ ، ولهذا لم يجز تعجيل التكفير بالصوم كذا ~~بالمال بخلاف التكفير بعد الجرح قبل الموت لأن الجرح سبب للموت لكونه مفضيا ~~إلى فوات الحياة عادة فكان تكفيرا بعد وجود السبب فجاز وأما إضافة الكفارة ~~إلى اليمين فعلى إضمار الحنث فيكون الحنث بعد اليمين سببا لا قبله والحنث ~~يكون سببا والدليل عليه أنه سماه كفارته لقوله - عز وجل - {ذلك كفارة ~~أيمانكم} [المائدة: 89] وهي اسم لما يكفر بالذنب ولا ذنب إلا ذنب الحنث ~~فكان المراد منه إذا حلفتم وحنثتم كما ms1558 يقرأ ابن مسعود - رضي الله عنه - فإن ~~قيل الكفارة تجب بنفس اليمين أصل الوجوب لكن يجب أداؤها عند الحنث كالزكاة ~~تجب عند وجود النصاب، لكن يجب الأداء عند الحول، وقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» لنفي وجوب الأداء لا لنفي أصل ~~الوجوب، فالجواب أنه لا وجوب إلا وجوب الفعل،. # فأما وجوب غير الفعل فأمر لا يعقل على ما عرف في موضعه على أنه لو كان ~~كذلك لجاز التكفير بالصوم؛ لأنه صام بعد الوجوب فعلم أن الوجوب غير ثابت ~~أصلا ورأسا، فإن قيل: يجوز أن يسمى كفارة قبل وجوبها كما يسمى ما يعجل من ~~المال زكاة قبل الحول وكما يسمى المعجل كفارة بعد الجراحة قبل الموت فلا ~~حاجة إلى الحنث في جوازها، فالجواب أنه لا خلاف في أن الكفارة الحقيقية وهي ~~الكفارة الواجبة بعد الحنث مرادة بالآية فامتنع أن يراد بها ما يسمى كفارة ~~مجازا لعرضية الوجوب لاستحالة كون اللفظ الواحد منتظما الحقيقة والمجاز. # وأما تكفير النبي - صلى الله عليه وسلم - فنقول ذلك في المعنى كان تكفيرا ~~بعد الحنث لأنه تكفير بعد العجز عن تحصيل البر فيكون تكفيرا بعد الحنث من ~~حيث المعنى كمن حلف لآتين البصرة فمات يلزمه الكفارة لتحقق العجز بالموت ~~وبيان ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - معصوم عن المعصية والوفاء بتلك ~~اليمين معصية إذ هو نهي عن ذلك فكانت يمينه قبل النهي عن الذي حلف عليه ~~فكانت منعقدة على فعل مباح ولما نهي - صلى الله عليه وسلم - عن تحصيل ذلك ~~الفعل وصار ذلك معصية صار إنشاء وعاجزا عن البر فصار حانثا وإن كان ذلك ~~الفعل ممكن الوجود في نفسه فكان وقت يأسه وقت النهي لا وقت الموت أما في حق ~~غير النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت اليأس والعجز حقيقة هو وقت الموت إذ ~~غير النبي - صلى الله عليه وسلم - غير معصوم عن المعاصي فلا يتحقق العجز ~~لتصور وجود البر مع وصف العصيان فهو الفرق - والله - عز وجل - أعلم ms1559 -. ### | [فصل في بيان أن اليمين بالله عز وجل على نية الحالف أو المستحلف] # (فصل) : # وأما بيان أن اليمين بالله - عز وجل - على نية الحالف أو المستحلف فقد ~~روي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال اليمين على نية ~~الحالف إذا كان مظلوما، وإن كان ظالما فعلى نية المستحلف وذكر الكرخي أن ~~هذا قول أصحابنا جميعا وذكر القدوري أنه إن أراد به اليمين على الماضي فهو ~~صحيح لأن المؤاخذة في اليمين على الماضي بالإثم فمتى كان الحالف ظالما كان ~~آثما في يمينه وإن نوى به غير ما حلف عليه لأنه يتوصل باليمين إلى ظلم غيره ~~وقد روى أبو أمامة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب عليه ~~النار قالوا: وإن كان شيئا يسيرا قال - صلى الله عليه وسلم - وإن كان قضيبا ~~من أراك قالها # PageV03P020 # ثلاثا» وروي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال «من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ ~~مسلم لقي الله - تعالى - وهو عليه غضبان» وأما إذا كان مظلوما فهو لا يقتطع ~~بيمينه حقا فلا يأثم وإن نوى غير الظاهر قال وأما اليمين على المستقبل إذا ~~قصد بها الحالف معنى دون معنى فهو على نيته دون نية المستحلف لأنه عقد وهو ~~العاقد فينعقد على ما عقده. ### | [فصل في اليمين بغير الله عز وجل] # (فصل) : # وأما اليمين بغير الله - عز وجل - فهي في الأصل نوعان أحدهما ما ذكرنا ~~وهو. # اليمين بالآباء والأبناء والأنبياء والملائكة - صلوات الله عليهم - ~~والصوم والصلاة وسائر الشرائع والكعبة والحرم وزمزم والقبر والمنبر ونحو ~~ذلك ولا يجوز الحلف بشيء من ذلك لما ذكرنا وقد روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال «إذا حلفتم فاحلفوا بالله» ولو حلف بذلك لا يعتد به ~~ولا حكم له أصلا. # والثاني. # بالشرط والجزاء وهذا النوع ms1560 ينقسم إلى قسمين يمين بالقرب ويمين بغير القرب ~~أما. # اليمين بالقرب فهي أن يقول إن فعلت كذا فعلي صلاة أو صوم أو حجة أو عمرة ~~أو بدنة أو هدي أو عتق رقبة أو صدقة ونحو ذلك وقد اختلف في حكم هذه اليمين ~~أنه هل يجب الوفاء بالمسمى بحيث لا يخرج عن عهدته إلا به أو يخرج عنها ~~بالكفارة مع الاتفاق على أنها يمين حقيقة حتى إنه لو حلف لا يحلف؟ فقال ذلك ~~يحنث بلا خلاف لوجود ركن اليمين وهو ما ذكره ووجود معنى اليمين أيضا وهو ~~القوة على الامتناع من تحصيل الشرط خوفا من لزوم المذكور ونذكر حكم هذا ~~النوع - إن شاء الله - في كتاب النذر لأن هذا التصرف يسمى أيضا نذرا معلقا ~~بالشرط لوجود معنى النذر وهو التزامه القربة عند وجود الشرط. # (وأما) . # اليمين بغير القرب فهي الحلف بالطلاق والعتاق فلا بد من. # بيان ركنه وبيان شرائط الركن وبيان حكمه وبيان ما يبطل به الركن، أما ~~الركن فهو ذكر شرط وجزاء مربوط بالشرط معلق به في قدر الحاجة إلى معرفة ~~المسمى بالشرط والجزاء ومعرفة معناهما، أما المسمى بالشرط فما دخل فيه حرف ~~من حروف الشرط وهي إن وإذا، وإذ ما، ومتى، ومتى ما ومهما وأشياء أخر ذكرها ~~أهل النحو واللغة. # وأصل حروفه أن الخفيفة وغيرها داخل عليها لأنها لا تستعمل إلا في الشرط ~~وما سواها من الحروف يستعمل فيه وفي غيره وهو الوقت وهذا أمارة الأصالة ~~والتبعية. # وذكر الكرخي مع هذه الحروف كلما وعدها من حروف الشرط، وإنها ليست بشرط في ~~الحقيقة فإن أهل اللغة لم يعدوها من حروف الشرط لكن فيها معنى الشرط وهو ~~توقف الحكم على وجود ما دخلت عليه لذلك سماه شرطا، وفي قوله كل امرأة ~~أتزوجها فهي طالق، وقوله كل عبد اشتريته فهو حر إنما توقف الطلاق والعتاق ~~على الزواج والشراء لا على طريق التعليق بالشرط بل لأنه أوقع الطلاق ~~والعتاق على امرأة متصفة بأنه تزوجها وعلى عبد متصف بأنه اشتراه ويحصل ~~الاتصاف بذلك عند ms1561 التزوج والشراء. # وأما معنى الشرط فهو العلامة ومنه أشراط الساعة أي علاماتها، ومنه الشرطي ~~والشراط والمشرط فسمي ما جعله الحالف علما لنزول الجزاء شرطا حتى لو ذكره ~~لمقصود آخر لا يكون شرطا على ما نذكر - إن شاء الله تعالى -. # وأما المسمى بالجزاء فما دخل فيه حرف التعليق وهي حرف الفاء إذا كان ~~متأخرا في الذكر عن الشرط كقوله إن دخلت الدار فأنت طالق. # فأما إذا كان الجزاء متقدما فلا حاجة إلى حرف الفاء بل يتعلق بالشرط بدون ~~حرف التعليق لأنه قد يعقب قوله أنت طالق ما يبين أنه يمين فيخرج به من أن ~~يكون تطليقا إلى كونه يمينا وتعليقا فلا حاجة في مثل هذا إلى حرف التعليق ~~بخلاف حروف الشرط فإنها لازمة للشرط سواء تقدم ذكرها على الجزاء أو تأخر ~~وإنما اختصت الفاء بالجزاء؛ لأنها حرف يقتضي التعقيب من غير تراخ كقول ~~القائل جاءني زيد فعمرو والجزاء يتعقب الشرط بلا تراخ وأما معنى الجزاء ~~فجزاء الشرط ما علق بالشرط ثم قد يكون مانعا من تحصيل الشرط إذا كان الشرط ~~مرغوبا عنه لوقاحة عاقبته، وقد يكون حاملا على تحصيله لحسن عاقبته لكن ~~الحمل والمنع من الأغراض المطلوبة من اليمين ومن ثمراتها بمنزلة الربح ~~بالبيع والولد بالنكاح فانعدامهما لا يخرج التصرف عن كونه يمينا كانعدام ~~الربح في البيع والولد في النكاح لأن وجود التصرف بوجود ركنه، لا لحصول ~~المقصود منه كوجود البيع والنكاح وغيرهما، # PageV03P021 # وركن اليمين هما الشرط والجزاء فإذا وجد كان التصرف يمينا ولأن المرجع في ~~معرفة الأسامي إلى أهل اللغة وأنهم يسمون الشرط والجزاء يمينا من غير ~~مراعاة معنى الحمل والمنع دل أن ذلك ليس بشرط لوقوع التصرف يمينا، وبيان ~~هذه الجملة في مسائل: إذا قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق أو قال ~~لعبده إن دخلت الدار فأنت حر أو. # وقال إذا أو إذا ما أو متى أو متى ما أو حيثما أو مهما كان يمينا لوجود ~~الشرط والجزاء حتى لو حلف لا يحلف فقال ذلك يحنث، ولو قال ms1562 أنت طالق غدا أو ~~رأس شهر كذا لا يكون يمينا لانعدام حروف الشرط بل هو إضافة الطلاق إلى الغد ~~والشهر لأنه جعل الغد والشهر ظرفا لوقوع الطلاق لأن معناه في غد وفي شهر ~~ولا يكون ذلك ظرفا لوقوع الطلاق إلا بوقوع الطلاق ولو قال إذا جاء غد فأنت ~~طالق أو قال إذا مضى غد أو إذا جاء رمضان أو إذا ذهب رمضان أو إذا طلعت ~~الشمس أو غربت كان يمينا عند أصحابنا، وعند الشافعي لا يكون يمينا لانعدام ~~معنى اليمين وهو المنع أو الحمل إذ لا يقدر الحالف على الامتناع من مجيء ~~الغد ولا على الإتيان به فلم يكن يمينا بخلاف دخول الدار وكلام زيد، ولأن ~~الشرط ما في وجوده في المستقبل خطر وهو أن يكون فيما يجوز أن يوجد ويجوز أن ~~لا يوجد، والغد يأتي لا محالة فلا يصلح شرطا فلم يكن يمينا. # (ولنا) أنه وجد ذكر شرط وجزاء معلق بالشرط فكان يمينا، ومعنى المنع أو ~~الحمل من أغراض اليمين وثمراتها، وحقائق الأسامي تتبع حصول المسميات ~~بذواتها وذلك بأركانها لا بمقاصدها المطلوبة منها على ما بينا - والله عز ~~وجل الموفق - وأما قوله: إن الشرط ما في وجوده في المستقبل خطر وهو أن يكون ~~مما يجوز أن يوجد ويجوز أن لا يوجد، والغد يأتي لا محالة فالجواب عنه من ~~وجهين أحدهما ممنوع أن هذا من شرط كونه شرطا بل من شرط أن يكون جائز الوجود ~~في المستقبل، ونعني به أن لا يكون مستحيل الوجود وقد وجد ههنا فكان التصرف ~~يمينا على أن جواز العدم إن كان شرطا فهو موجود ههنا لأن مجيء الغد ونحوه ~~ليس مستحيل العدم حقيقة لجواز قيام الساعة في كل لمحة كما قال - تعالى - ~~{وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} [النحل: 77] وهذا لأن الساعة ~~وإن كان لها شرائط لا تقوم إلا بعد وجودها ولم يوجد شيء من ذلك في يومنا ~~هذا فيقع الأمن عن قيام الساعة قبل مجيء الغد ونحو ذلك لكن هذا يوجب ms1563 الأمن ~~عن القيام، إما لا يمنع تصور القيام في نفسه لأن خبر الصادق عن امرأته لا ~~يوجد يقتضي أنه لا يوجد، إما لا يقتضي أن لا يتصور وجوده في نفسه حقيقة ~~ولهذا قلنا إن خلاف المعلوم مقدور العبد حتى يتعلق به التكليف وإن كان لا ~~يوجد فكان مجيء الغد جائز العدم في نفسه لا مستحيل العدم فكان شرط كونه ~~شرطا وهو جواز العدم حقيقة موجودا فكان يمينا، ولو قال لامرأته أنت طالق إن ~~شئت أو أردت أو أحببت أو رضيت أو هويت لم يكن يمينا حتى لو كان حلف لا يحلف ~~- لا يحنث بهذه المقالة لما ذكرنا أن الشرط معناه العلامة وهو ما جعله ~~الحالف علما لنزول الجزاء، والحالف ههنا ما جعل قوله إن شئت علما لوقوع ~~الطلاق بل جعله لتمليك الطلاق منها كأنه قال ملكتك طلاقك، أو قال لها ~~اختاري أو أمرك بيدك. # ألا ترى أنه اقتصر على المجلس؟ وما جعل علما لوقوع الطلاق لا يقتصر على ~~المجلس كقوله أنت طالق إن دخلت الدار أو إن كلمت فلانا وهذا لأن العلم ~~المحض ما يدل على حصول الطلاق فحسب فأما ما يتعلق وجوده به فإنه لا يكون ~~علما بل يكون علة لحصوله، والمشيئة مما يحصل به الطلاق بدليل أن الزوج لو ~~قال لزوجته إن شئت طلاقك فطلقي وإذا لم يوجد معنى الشرط لم تكن المشيئة ~~المذكورة شرطا فلم يوجد أحد ركني اليمين وهو الشرط فلم توجد اليمين فلا ~~يحنث، وكذلك لو قال لها أنت طالق إن شئت أنا لم يكن يمينا حتى لا يحنث في ~~يمينه إذا حلف لا يحلف. # ولو قال لها إذا حضت وطهرت فأنت طالق لم يكن يمينا لأن الحالف ما جعل هذا ~~الشرط علما لنزول الجزاء بل جعله إيقاع الطلاق على وجه السنة، لأن مثل هذا ~~الكلام يذكر عادة كأنه قال أنت طالق للسنة. # وكذا إذا قال إذا حضت حيضة فأنت طالق لأن الحيضة اسم للكامل فصار بمنزلة ~~قوله إذا حضت وطهرت فأنت طالق وما زاد ms1564 على هذا يعرف في الجامع، ولو حلف لا ~~يحلف فقال كل امرأة لي تدخل هذه الدار فهي طالق أو قال لامرأته كلما دخلت ~~هذه الدار فأنت طالق يحنث لا لوجود تعليق الطلاق بالدخول لتعذر التعليق ~~لانعدام حرفه بل لضرورة # PageV03P022 # وجود الاتصاف على ما بينا والتعليق بالدخول ظرف في وجود الاتصاف فصار من ~~حيث إنه تعلق به بواسطة الاتصاف شبيه الشرط لا أن يكون شرطا ثم في كلمة " ~~كل " إذا دخلت مرة فطلقت ثم دخلت ثانيا لم تطلق، وفي كلمة " كلما " تطلق في ~~كل مرة تدخل، وإنما كان كذلك لأن كلمة " كل " كلمة عموم وإحاطة لما دخلت ~~عليه، وفي المسألة الأولى دخلت في العين وهي المرأة لا في الفعل وهو ~~الدخول، فإذا دخلت مرة فقد انحلت اليمين فلا يحنث بدخولها ثانيا وأما في ~~المسألة الثانية فإنما دخلت الكلمة على فعل الدخول لأن كلمة ما ترجع مع ما ~~بعدها من الفعل مصدرا لغة، يقال: بلغني ما قلت وأعجبني ما صنعت أي قولك ~~وصنعك فصارت الكلمة داخلة على المصدر لا على من وقع عليه المصدر فيقتضي ~~تعميم المصدر. # قال الله تعالى {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} [النساء: 56] ~~يتجدد التبدل عند تجدد النضج وإن كان المحل متحدا فصار الطلاق متعلقا بكل ~~دخول وقد وجد الدخول في المرة الثانية والثالثة فطلقت ثلاثا فلو أنها تزوجت ~~بزوج آخر بعد ذلك ثم تزوجها الأول فدخلت الدار لا يقع الطلاق عند أصحابنا ~~الثلاثة خلافا لزفر وسنذكر المسألة في كتاب الطلاق ولو عقد اليمين على ~~التزوج بكلمة كلما فطلقت ثلاثا بكل تزوج ثم تزوجها بعد زوج آخر طلقت؛ لأنه ~~أضاف الطلاق إلى الملك، والطلاق المضاف إلى الملك يتعلق بوجود الملك بخلاف ~~الدخول، ولو قال لامرأته أنت طالق لو دخلت الدار كان يمينا كما لو قال إن ~~دخلت الدار وإذا دخلت لأن كلمة لو تذكر لتوقف المذكور على وجود ما دخلت ~~عليه قال الله تعالى {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} [آل عمران: ~~159] . # وقال - عز وجل - {ولو ms1565 ردوا لعادوا لما نهوا عنه} [الأنعام: 28] فكانت في ~~معنى الشرط لتوقف الجزاء على وجود الشرط وإن لم يكن شرطا حقيقة، ولو قال ~~أنت طالق، لو حسن خلقك سوف أراجعك لم يكن يمينا ويقع الطلاق الساعة لأن " ~~لو " ما دخلت على الطلاق وإنما دخلت على ترقب الرجعة فيقع الطلاق في الحال ~~كما لو قال: أنت طالق، إن حسن خلقك راجعتك، وكذلك لو قال أنت طالق، لو قدم ~~أبوك راجعتك كما لو قال أنت طالق، إن دخلت الدار راجعتك، وهذا كله ليس ~~بيمين بل هو عدة، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف إذا قال لامرأته أنت طالق لو ~~دخلت الدار لطلقتك لم تطلق الساعة وإن دخلت الدار لم تطلق حتى يطلقها فإن ~~لم يطلقها طلقت قبل موته أو موتها بلا فصل لأن هذا رجل حلف بطلاق امرأته ~~لطلقها إذا دخلت الدار فإن لم يطلقها فهي طالق كأنه قال لأطلقنك إذا دخلت ~~الدار فإن دخلت الدار فلم أطلقك فأنت طالق ولو قال ذلك لا تطلق للحال وإذا ~~دخلت الدار ولم يطلقها حتى ماتت أو مات طلقت في آخر جزء من أجزاء حياته ~~لفوات شرط البر في ذلك الوقت فيقع الطلاق ذلك الوقت كما لو قال لها أنت ~~طالق إن لم آت البصرة فمات قبل أن يأتيها كذا هذا، ونظيره إذا قال لامرأته ~~عبدي حر لو دخلت الدار لأضربنك إذ معناه لأضربنك إذا دخلت الدار فإن دخلت ~~ولم أضربك فعبدي حر - والله عز وجل الموفق - وروى المعلى عن محمد إذا قال ~~لامرأته أنت طالق لولا دخولك الدار أو أنت طالق لولا مهرك علي أو أنت طالق ~~لولا شرفك فهذا كله استثناء ولا يقع عليها الطلاق ومعناه أنه في معنى ~~الاستثناء من حيث إنه يمنع وقوع الطلاق كالاستثناء يمنع ثبوت الحكم في ~~المستثنى والأصل أن هذه الكلمة تستعمل في امتناع الشيء لوجود غيره قال الله ~~- عز وجل - {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون} [الزخرف: ms1566 33] الآية. # وقال - سبحانه وتعالى - {ولولا رهطك لرجمناك} [هود: 91] ويقال في العرف ~~لولا المطر لجئتك فصار معنى هذا الكلام لولا دخولك الدار لطلقتك فلا يقع ~~عليها الطلاق، وكذلك لو قال طلقتك لولا دخولك الدار، وكذلك لو قال لولا ~~دخولك الدار قد طلقتك أمس وكذلك لو كان مكان " قد " لقد في هذه الوجوه كلها ~~وكذلك لو قال أنت طالق أمس لولا دخولك الدار أي لولا دخولك الدار أمس ~~لطلقتك. # وقال ابن سماعة سمعت أبا يوسف يقول في رجل قال لامرأته أنت طالق إن دخلت ~~الدار فهذا يخبر أنه دخل الدار وأكد ذلك باليمين كأنه قال أنت طالق إن لم ~~أكن دخلت الدار فإن كان لم يدخل طلقت وإن كان دخل لم تطلق لأن هذا ليس بشرط ~~بل هو خبر عن الماضي أكده باليمين فإن كان كاذبا طلقت وإن كان صادقا لم ~~تطلق، ولو قال أنت طالق لا دخلت الدار فهذا مثل قوله أنت طالق إن # PageV03P023 # دخلت الدار فلا تطلق حتى تدخل لأن لا حرف نفي أكده بالحلف فكأنه نفى ~~دخولها وأكد ذلك بتعليق الطلاق بدخولها ولو قال أنت طالق إن دخلت الدار ~~فإنها تطلق الساعة؛ لأن قوله دخلت ليس بتعليق بل هو إخبار عن دخولها الدار ~~كأنه جعل الدخول علة لكنه حذف حرف العلة وسواء كانت دخلت الدار أو لم تدخل ~~يقع الطلاق لأن التعليل بعلة لم توجد لا يمنع وقوع الطلاق لأن العلة لم تصح ~~وبقى الإيقاع صحيحا، وروى ابن سماعة عن محمد في رجل قال لامرأته أنت طالق ~~وإن دخلت الدار فهي طالق الساعة لما يذكر ولو قال أنت طالق الساعة وإن دخلت ~~الدار كانت طالقا الساعة واحدة وإن دخلت الدار أخرى لأنه طلقها تطليقة ~~الساعة وعطف الشرط عليها بلا جزاء فيضمن فيه الجزاء فيصير كأنه قال أنت ~~طالق الساعة وطالق إن دخلت الدار فيقع في الحال واحدة وبعد الدخول أخرى. # ولو قال أنت طالق لدخولك الدار فهي طالق الساعة واحدة؛ لأنه أوقع الطلاق ~~ثم جعل الدخول المتقدم عليه علة ms1567 لإيقاع الطلاق، ومن أوقع الطلاق لعلة وقع، ~~وجدت العلة أو لم توجد لما بينا، وكذلك لو قال أنت طالق لحيضتك لما قلنا، ~~ولو قال بحيضتك أو في حيضتك أو بدخولك الدار أو لدخولك الدار لم تطلق حتى ~~تحيض أو تدخل لأن الباء حرف إلصاق فيقتضي إلصاق الطلاق بالحيضة والدخول ~~فيتعلق بهما، وفي كلمة ظرف دخلت على ما لا يصلح ظرفا فتجعل شرطا لمناسبة ~~بينهما نذكرها في كتاب الطلاق وذكر محمد في الجامع: إذا قال لامرأته إن ~~دخلت الدار فأنت طالق تطلق في القضاء حين تكلمه به، وجملة الكلام في هذا أن ~~الأمر لا يخلو إما إن قدم الشرط أو إما إن أخر، فإن قدم فهو على أربعة أوجه ~~أما إن قال إن دخلت الدار فأنت طالق أو قال إن دخلت الدار أنت طالق أو قال ~~إن دخلت الدار وأنت طالق أو قال وإن دخلت الدار أنت طالق، وإن أخر الشرط ~~فهو على ثلاثة أوجه أما إن قال أنت طالق إن دخلت الدار أو قال أنت طالق وإن ~~دخلت الدار أو قال أنت طالق فإن دخلت الدار، فإن قال إن دخلت الدار أنت ~~طالق، فالجواب ما ذكره محمد أنها تطلق في القضاء حين تكلم به لأنه ما علق ~~الطلاق لانعدام حرف التعليق وهو حرف الفاء وكان تنجيزا لا تعليقا وإن عنى ~~به التعليق دين فيما بينه وبين الله - عز وجل - لأنه عنى ما يحتمله كلامه ~~نحو إضمار حرف الفاء في الجزاء. # قال الشاعر # من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان # أي فالله يشكرها ولا يدين في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر وهذا جواب ظاهر ~~الرواية، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أنها لا تطلق حتى تدخل الدار ووجهه أن ~~يحذف حرف الجزاء تصحيحا للشرط إذ لو لم يحذف للغا، ولو قال إن دخلت الدار ~~وأنت طالق تطلق للحال لانعدام حرف التعليق والواو غير موضوعة للتعليق ولو ~~عنى به التعليق لا يصدق في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى ms1568 لأنه نوى ~~ما لا يحتمله كلامه لأن الواو لا تحتمل التعليق ولو أدرج فيه الفاء يصير ~~تقدير كلامه أنت دخلت الدار فوأنت طالق وهذا لغو ولو قدم وأخر لا يستقيم ~~أيضا لأنه يصير كأنه قال وأنت طالق إن دخلت الدار، والواو لا يبتدأ بها، ~~وما يذكره أهل اللغة أن الواو قد تكون للاستئناف فمرادهم أن يبتدأ كلام بعد ~~تقدم جملة مفيدة من غير أن تكون الجملة الثانية تشارك الأولى،. # فأما ابتداء الكلام من غير أن يتقدمه شيء بالواو فغير موجود ولا جائز، ~~وإن قال وإن دخلت الدار أنت طالق طلقت للحال لانعدام دلالة التعليق وحرفه، ~~على أن الواو في مثل هذا تذكر للتحقيق كما يقال لا تسافرن وإن كان الطريق ~~مخوفا ولو نوى التعليق لا يصدقه القاضي لأنه عدول عن الظاهر ويصدق فيما ~~بينه وبين الله تعالى لأنه نوى ما يحتمله كلامه لأنه نوى إضمار حرف الفاء ~~فصار كأنه قال وإن دخلت الدار فأنت طالق، وتلغو الواو هذا إذا قدم الشرط. # فأما إذا أخر فقال أنت طالق إن دخلت الدار لا تطلق ما لم تدخل الدار لأنه ~~عقب الإيجاب بما أخرجه عن كونه إيجابا إلى كونه يمينا فلا حاجة في مثل هذا ~~إلى حرف التعليق ولو قال أنت طالق وإن دخلت الدار فهي طالق حين تكلم به لأن ~~هذا يوجب التأكيد على ما بينا يدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم - «من ~~قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق» ولو قال: عنيت به # PageV03P024 # التعليق لا يصدق في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى لما ذكرنا أن ~~الواو لا تحتمل التعليق. # وذكر الكرخي أنه يصدق فيما بينه وبين الله تعالى لأن الواو تجعل زائدة ~~كما في قوله تعالى - {حتى إذا فتحت يأجوج} [الأنبياء: 96] إلى قوله {واقترب ~~الوعد} [الأنبياء: 97] قيل معناه اقترب الوعد والواو زيادة لأن قوله اقترب ~~جواب حتى إذا والجواب عن هذا أن الواو في كلام العرب لم تجئ زائدة في موضع ~~تصلح للعطف أو ms1569 للتحقيق فلا يمكن أن تجعل ههنا زائدة على أنا نقول إن كثيرا ~~من محققي أهل اللغة جعل الواو زائدة في موضع ما وكانوا يقولون: تقدير الآية ~~عندهم حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فتحت واقترب الوعد ~~فكانت الواو للعطف على الجواب المضمر، ولو قال أنت طالق فإن دخلت الدار، لا ~~رواية لهذا، قالوا ولقائل أن يقول تطلق للحال لأن الفاء صارت فاصلة لأنها ~~كانت لغوا واللغو من الكلام يجعل بمنزلة السكوت، ولقائل أن يقول يتعلق ~~الطلاق بالدخول لأن الفاء وإن كان مستغنى عنها في الحال إلا أنها في الجملة ~~حرف تعليق فلا يجوز أن تجعل مانعة من التعليق موجبة للانفصال، ولو قال أنت ~~طالق إن ولم يذكر فعلا هل يتعلق أم لا؟ ذكر هذه المسألة في ظاهر الرواية ~~وذكر في النوادر على قول محمد يقع للحال لأنه لم يذكر ما يتعلق به وعلى قول ~~أبي يوسف لا يقع الطلاق للحال لأنه لما ذكر حرف الشرط علم أنه لم يرد به ~~التطليق وإنما أراد به اليمين والتعليق - والله عز وجل أعلم -. # ولو قال لامرأته أنت طالق في الدار أو في مكة فالأصل فيه أن كلمة في مكة ~~ظرف فإن دخلت على ما يصلح ظرفا تجري على حقيقتها وإن دخلت على ما لا يصلح ~~ظرفا تجعل مجازا عن الشرط لمناسبة بين الظرف وبين الشرط، ثم الظرف نوعان ~~ظرف زمان وظرف مكان فإن دخلت على المكان وقع الطلاق في ذلك المكان وفي غيره ~~بأن قال لامرأته أنت طالق في الدار أو في مكة وقع الطلاق وإن لم تكن المرأة ~~في الدار ولا في مكة لأن الطلاق لا يختص بمكان دون مكان فإذا وقع في مكان ~~وقع في الأماكن كلها، وإن دخلت على الزمان فإن كان ماضيا يقع الطلاق في ~~الحال نحو أن يقول أنت طالق في الأمس أو في العام الماضي لأن إنشاء الطلاق ~~في الزمان الماضي لا يتصور فيجعل إخبارا أو تلغو الإضافة إلى الماضي ويبقى ~~قوله أنت ms1570 طالق فيقع في الحال وكذلك إذا كان حاضرا بأن قال أنت طالق في هذا ~~الوقت أو في هذه الساعة يقع في الحال، وإن كان مستقبلا لا يقع حتى يأتي بأن ~~قال أنت طالق في غد أو في الشهر الآتي لأن الطلاق يحتمل الاختصاص بوقت دون ~~وقت فإذا جعل الغد ظرفا له لا يقع قبله. # ولو قال أنت طالق في دخولك الدار أو في قيامك أو في قعودك يتعلق بهذه ~~الأفعال لأن الفعل لا يصلح ظرفا ويصلح شرطا فتحمل الكلمة على الشرط مجازا. # وكذا لو قال أنت طالق في ذهابك إلى مكة لأن الذهاب فعل وكذا إذا قال ~~بذهابك لأن الباء حرف إلصاق فيقتضي إلصاق الطلاق بالذهاب وذلك بتعليقه به ~~فيتعلق به، ولو قال أنت طالق في الشمس وهي في الظل كانت طالقا لأن الشمس لا ~~تصلح ظرفا للطلاق ولا شرطا له. # فإما أن تلغو ويراد بها مكان الشمس والطلاق لا يحتمل التخصيص بمكان دون ~~مكان. # ولو قال أنت طالق في صومك كانت طالقا حين يطلع الفجر إذا نوت الصوم لأن ~~الصوم فعل وهو الإمساك وإنه لا يصلح ظرفا فتجعل الكلمة مجازا عن الشرط، ~~والفعل يصلح شرطا فإذا وجد في أول الجزء مع النية في وقته من أهله فقد وجد ~~الصوم الشرعي فوجد الشرط فيقع الطلاق. # ولو قال أنت طالق في صلاتك لم تطلق حتى تركع وتسجد سجدة لأن الصلاة فعل ~~أيضا فلا تصلح ظرفا كالصوم إلا أنها اسم لأفعال مختلفة من القيام والقراءة ~~والركوع والسجود والمتركب من أشياء مختلفة لا ينطلق عليه الاسم بوجود بعضها ~~كالأبلق المتركب من السواد والبياض والسكنجبين المتركب عن السكر والخل ونحو ~~ذلك فما لم توجد الأفعال التي وصفنا لا ينطلق عليها اسم فعل الصلاة فلا ~~يحنث بنفس الشروع بخلاف الصوم فإنه اسم لأفعال متفقة الأجزاء وهي ~~الإمساكات، وما تركب من أجزاء متفقة متجانسة ينطلق اسم كله على بعضه لغة ~~كاسم الماء أنه كما ينطلق على ماء البحر ينطلق على قطرة منه فكان الإمساك ~~في أول ms1571 النهار إمساكا حقيقة فيقع الطلاق بمجرد الشروع فهو الفرق بينهما. # ولو قال أنت طالق في حيضك أو في طهرك فإن كان موجودا وقع وإلا فلا يقع ~~ويتوقف على وجوده لأن المراد منه وقت الحيض والطهر أي في الوقت الذي تكونين ~~حائضا أو طاهرة فيه، # PageV03P025 # ونظير هذه المسائل ما ذكره محمد في الجامع إذا قال أنت طالق في ثلاثة ~~أيام طلقت حين تكلم به. # ولو قال أنت طالق في أكلك هذا الرغيف لا يقع الطلاق ما لم تفرغ من أكل ~~جميع الرغيف والفرق أن في المسألة الأولى دخلت كلمة الظرف على الزمان وهو ~~يصلح ظرفا فجعل جميع الوقت ظرفا لكونها طالقا ولا يكون كذلك إلا إذا كان ~~وقع الطلاق في أوله، وفي الثانية علق الطلاق بفعل الأكل لأن الفعل لا يصلح ~~ظرفا ويصلح شرطا فصار معلقا الطلاق بفعل الأكل والمعلق بالشرط لا ينزل ما ~~لم ينزل كمال شرطه، وما يقوله مشايخنا: إن الطلاق متى أضيف إلى وقت ممتد ~~يقع عند أوله ومتى علق بفعل ممتد يقع عند آخره، هذا صورته وعلته. # ولو قال لها أنت طالق في مجيء ثلاثة أيام فإن قال ذلك ليلا فكلما طلع ~~الفجر من اليوم الثالث يقع الطلاق لأنه علق الطلاق بمجيء ثلاثة أيام ولا ~~يوجد ذلك إلا بمجيء كل واحد منها، ومجيء اليوم يكون بطلوع الفجر ولو قال ~~ذلك في ضحوة من يوم حلف فإنما يقع الطلاق عند وجود طلوع الفجر من اليوم ~~الرابع لأن اليوم الذي حلف فيه لم يكن معتبرا لتقدم مجيئه على الشرط، ~~والشيء يتعلق بما يجيء لا بما مضى. # ولو قال أنت طالق في مضي ثلاثة أيام إن قال ذلك ليلا لا يقع الطلاق ما لم ~~تغرب الشمس من اليوم الثالث لأن مضي الشيء يكون بانقضاء جزئه الأخير فمضي ~~الأيام يكون بانقضاء الجزء الأخير منها وذلك يوجد في هذه الساعة وإن قال ~~ذلك في وقت ضحوة من النهار لا تطلق حتى يجيء تلك الساعة من اليوم الرابع ~~لأنه به يتم مضي ثلاثة ms1572 أيام بالساعات فالعبرة في المضي به لا للأيام ~~الكاملة، وفي المجيء لأوائلها هذا هو المتعارف. # ولو قال إن شتمتك في المسجد فعبدي حر فإنه يعتبر في هذا كون الشاتم في ~~المسجد حتى يحنث سواء كان المشتوم في المسجد أو غيره ولو قال إن ضربتك أو ~~قتلتك في المسجد يعتبر فيه مكان المضروب والمقتول إن كان في المسجد حنث ~~وإلا فلا، والأصل فيه أن كل فعل له أثر في المفعول يعتبر فيه مكان المفعول، ~~وما لا أثر له يظهر في المفعول لا يعتبر فيه مكانه بل مكان الفاعل وعلة هذا ~~الأصل تذكر في الجامع - إن شاء الله تعالى -. ### | [فصل في شرائط ركن اليمين وبعضها يرجع إلى المحلوف عليه] # (فصل) : # وأما شرائط الركن فأنواع بعضها يرجع إلى الحالف وبعضها يرجع إلى المحلوف ~~عليه وهو الشرط وبعضها يرجع إلى المحل المحلوف بطلاقه وعتاقه، وبعضها يرجع ~~إلى نفس الركن، أما الذي يرجع إلى الحالف فما ذكرنا في الطلاق والعتاق ~~وكلما هو شرط جواز الطلاق والعتاق فهو شرط انعقاد اليمين بهما وما لا فلا، ~~وسنبين جملة ذلك في كتاب الطلاق والعتاق. # (وأما) . # الذي يرجع إلى المحلوف عليه وهو الشرط فمنها أن يكون أمرا في المستقبل ~~فلا يكون التعليق بأمر كائن يمينا بل يكون تنجيزا حتى لو قال لامرأته أنت ~~طالق إن كانت السماء فوقنا يقع الطلاق في الحال، وعلى هذا يخرج ما إذا قال ~~لامرأته وهي حائض أو مريضة إذا حضت أو مرضت فأنت طالق أن ذلك على حيض ~~مستقبل ومرض مستقبل وهو حيض آخر يوجد في المستقبل أو مرض آخر لا على الحال، ~~فإن عينت ما يحدث من هذا الحيض وما يزيد من هذا المرض فهو كما نوى لأن ~~الحيض ذو أجزاء تحدث حالا فحالا، وكذلك المرض يزداد، ويكون ذلك حيضا ومرضا ~~فإذا نوى ذلك فقد نوى ما يحتمله لفظه فيصدق، فإن قال فإن حضت غدا فأنت طالق ~~وهو يعلم أنها حائض فهذا على هذه الحيضة إذا دام الحيض منها إلى أن ينشق ~~الفجر ms1573 من الغد بعد أن تكون تلك الساعة تمام الثلاثة أو أكثر؛ لأنه إذا علم ~~بحيضها استحال أن يعني بيمينه حدوث حيضة أخرى في غد فتعين أنه أراد استمرار ~~هذه الحيضة ودوامها وإنما اعتبر بتلك الساعة لتمام الثلاثة أو أكثر لأن ~~الحيض إذا انقطع فيما دونها فليس بحيض فلا يوجد شرط اليمين وإن كان لا يعلم ~~بحيضها فهو على حيض مستقبل ويدين في القضاء؛ لأنه إذا لم يعلم بحيضها ~~فالظاهر أنه أراد حدوث الحيض وكذلك هذه الوجوه في المرض. # وكذلك المحموم إذا قال إن حميت أو المصدوع إذا قال إن صدعت وكذلك الرعاف ~~وإن كان صحيحا فقال إن صحيت فامرأتي طالق وكان صحيحا حين سكت طلقت امرأته ~~وهو كبصير قال إن أبصرت وكسميع قال إن سمعت لأن الصحة عرض يحدث ساعة فساعة ~~فالموجود في الزمان الثاني غير الموجود في الزمان الأول وقد حدثت له الصحة ~~حين ما فرغ من هذا الكلام فوجد شرط الحنث ولا # PageV03P026 # يمكن شرط صحة أخرى في المستقبل كالحيض والمرض فتقع يمينه على ما يحدث ~~عقيب الكلام وعلى هذا يخرج ما إذا قال لامرأته إذا قمت أو قعدت أو ركبت أو ~~لبست فأنت طالق وهي قائمة أو قاعدة أو راكبة أو لابسة أنه إذا مكث ساعة بعد ~~اليمين مقدار ما يقدر على تركها حنث وكذلك السكنى إذا لم يأخذ في النقلة من ~~ساعته لأن الدوام على هذه الأفعال يعنى به تجدد أمثالها يسمى باسم هذه ~~الأفعال فقد وجد ما تناوله الاسم عقيب اليمين فيحنث. # وأما الدخول بأن قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق وهي داخلة فهذا لا يكون ~~إلا على دخول مستقبل فإن نوى الذي هو فيه لا يحنث لأن الدخول هو الانفصال ~~من خارج إلى داخل وهذا لا يحتمل التجدد فلا يثبت الاسم في حالة البقاء أعني ~~الثاني في زمان وجوده. # وكذلك إذا قال لها إن خرجت وهي خارجة لأن الخروج ضد الدخول وهو الانفصال ~~من داخل إلى خارج وأنه لا يتجدد في الثاني من زمان ms1574 وجوده فلا يثبت الاسم ~~بخلاف القيام والركوب واللبس ونحوهما يوضح الفرق أنه يقال قمت يوما وركبت ~~يوما ولبست يوما ولا يقال دخلت الدار يوما ولا خرجت من الدار يوما على ~~إرادة المكث، وكذلك الحبل - إذا قال للحبلى إذا حبلت فأنت طالق فهذا يقع ~~على حبل مستقبل لأنه يراد به ابتداء العلوق عرفا وعادة، ولو قال إن أكلت أو ~~ضربت فهو على الحادث، كل شيء أكله بعد يمينه أو ضربه بعد يمينه يحنث لأن ~~الضرب يتجدد. # وذكر في الأصل إذا قال لها أنت طالق ما لم تحيضي أو ما لم تحبلي وهي حبلى ~~أو حائض في حال الحلف فهي طالق حين سكت، إلا أن يكون ذلك منها حين سكت لأنه ~~جعل حدوث الحيض والحبل شرط البر فما لم يوجد عقيب اليمين يحنث وإن عنى به ~~ما فيه من الحيض دين فيما بينه وبين الله تعالى ولا يدين في الحبل لأن ~~الحيض ذو أجزاء فجاز أن يسمى ما يحدث من أجزائه باسم الابتداء،. # فأما الحبل فليس بذي أجزاء ألا ترى أن الحيض يزداد والحبل ليس بمعنى ~~يحتمل الزيادة فلا يصدق أصلا - والله عز وجل أعلم -. # (ومنها) أن يكون المذكور في المستقبل متصور الوجود حقيقة لا عادة هو شرط ~~انعقاد اليمين فإن كان مما يستحيل وجوده حقيقة لا ينعقد كما إذا قال ~~لامرأته إن ولج الجمل في سم الخياط فأنت طالق وإن اجتمع الضدان فأنت طالق ~~لأن مثل هذا الكلام يذكر لتأكيد النفي أي طلاقك أمر لا يكون أصلا ورأسا كما ~~لا يلج الجمل في سم الخياط ولا يجتمع الضدان قال الله تعالى {ولا يدخلون ~~الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} [الأعراف: 40] أي لا يدخلونها رأسا وعلى ~~هذا يخرج ما إذا قال إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز فامرأته طالق أو ~~عبده حر أو قال إن لم أقتل فلانا ولا ماء في الكوز وفلان ميت وهو يعلم بذلك ~~أو لا يعلم به وقد ذكرنا جملة هذا وتفصيله وما فيه من ms1575 الاتفاق والاختلاف ~~وما يتصل بذلك من المسائل في اليمين بالله تعالى وأما الذي يرجع إلى المحل ~~المحلوف بطلاقه وعتاقه فقيام الملك فيه والإضافة إلى الملك أو إلى سبب ~~الملك، وسنبين ذلك في كتاب الطلاق والعتاق ونذكر ذلك كله. # (وأما) الذي يرجع إلى نفس الركن فما ذكرنا في اليمين بالله تعالى وهو عدم ~~إدخال الاستثناء عليه فإذا أدخل عليه الاستثناء أبطله بأن قال إن دخلت هذه ~~الدار فأنت طالق إن شاء الله تعالى أو قال ما شاء الله - تعالى - أو قال ~~بمشيئة الله تعالى أو قال إلا أن يشاء الله أو قال بإرادة الله أو بقضاء ~~الله تعالى أو بقدرته ولو قال إن أعانني الله أو بمعونة الله وأراد به ~~الاستثناء يكون مستثنيا فيما بينه وبين الله تعالى ولا يصدق في القضاء لأن ~~الشيء بعد وجوده لا يحتمل الإعانة عليه فلا يمكن حمله على التعليق بالشرط ~~فيجعل مجازا عن الاستثناء، وكذلك إذا قال إن يسر الله تعالى أو قال بتيسير ~~الله - تعالى - ونوى الاستثناء،. # وسنذكر شرائط صحة الاستثناء في كتاب الطلاق ونذكر أن منها أن يكون ~~الاستثناء موصولا بالكلام المتقدم وهو أن لا يكون بينهما فاصل إلا أن يكون ~~الفصل لضرورة وعلى هذا ما روي عن ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن قال لامرأته ~~إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق ثلاثا فاعلمي ذلك إلا بإذني أو قال إن شاء ~~الله أنه يصح الاستثناء فلا تطلق وإن خرجت من الدار لأن حرف الفاء حرف عطف ~~فيقتضي تعلق ما دخلت عليه الجملة المتقدمة فيصير الكل كلاما واحدا فلا يكون ~~فاصلا، وإن قال اعلمي ذلك أو اذهبي لم يصح الاستثناء لأنه لم يوجد ما يوجب ~~تعلق المذكور بالكلام الأول فصار كلاما مبتدأ فكان # PageV03P027 # فاصلا قاطعا للاستثناء فيتعلق الطلاق بالخروج. # وقال القدوري وينبغي على قول أبي حنيفة أن لا يصح الاستثناء ويقع الطلاق ~~في الفصلين جميعا بناء على أصله فيمن قال لامرأته أنت طالق ثلاثا وثلاثا إن ~~شاء الله تعالى،. # (ومنها) أن لا يدخل ms1576 بين الشرط والجزاء حائل، فإذا دخل لم يكن يمينا ~~وتعليقا بل يكون تنجيزا وعلى هذا يخرج إدخال النداء في وسط الكلامين أنه ~~يكون فاصلا مانعا من التعليق أولا وجملة الكلام فيه أن النداء أنواع ثلاثة ~~نداء بالقذف بأن يقول يا زانية، ونداء بالطلاق بأن يقول يا طالق، ونداء ~~بالعلم بأن يقول يا زينب أو يا عمرة، وكل واحد من الأنواع الثلاثة على ~~ثلاثة أوجه إما أن ذكر النداء في أول الكلام وإما أن ذكره في أوسطه وإما أن ~~ذكره في آخره وكل ذلك ينقسم إلى قسمين إما أن علق بشرط وهو دخول الدار ~~ونحوه وإما أن نجز وأدخل فيه الاستثناء فقال إن شاء الله تعالى أما النداء ~~بالقذف إذا ذكره في أول التعليق بالشرط لا يمنع من التعليق ويكون قذفا ~~صحيحا بأن قال لامرأته يا زانية أنت طالق إن دخلت الدار. # لأن قوله يا زانية وإن كان موضوعا للنداء لكنه وصف لها بالزنا من حيث ~~المعنى لأنه اسم مشتق من حيث المعنى وهو الزنا والاسم المشتق من معنى يقتضي ~~وجود ذلك المعنى لا محالة كسائر الأسماء المشتقة من المعاني من المتحرك ~~والساكن ونحو ذلك سواء كان الاسم موضوعا للنداء أو غيره فصار بوصفه إياها ~~بالزنا ونسبة الزنا إليها قاذفا لها بالزنا وهي زوجته وموجب قذف الزوجات ~~اللعان عند استجماع شرائط اللعان ثم صار معلقا طلاقها بدخول الدار بقوله ~~أنت طالق إن دخلت الدار فيتعلق به وهذا لأنه ناداها لتتنبه لسماع كلامه ~~فلما تنبهت خاطبها باليمين وهي تعليق طلاقها بدخول الدار وكذا لو قال يا ~~زانية أنت طالق إن شاء الله تعالى صار قاذفا لما قلنا ولا يقع الطلاق لدخول ~~الاستثناء فيه. # ولو بدأ بالنداء في الطلاق فقال يا طالق أنت طالق إن دخلت الدار وقع ~~الطلاق بقوله يا طالق لأنه وصفها بالطلاق فيقتضي تقدم ثبوت الطلاق على وصفه ~~إياها لضرورة صحة الوصف وتعلق طلاق آخر بدخول الدار لما ذكرنا في الفصل ~~الأول، وكذا لو قال يا طالق أنت طالق إن ms1577 شاء الله - تعالى - يقع الطلاق ~~بقوله يا طالق ولم يقع الثاني لدخول الاستثناء عليه، ولو بدأ بالنداء ~~بالعلم فقال يا عمرة أنت طالق إن دخلت الدار لا يقع شيء وتعلق الطلاق ~~بالدخول لأنه بندائه إياها بالعلم نبهها على سماع كلامه ثم علق طلاقها ~~بالدخول. # وكذا لو قال يا عمرة أنت طالق يا عمرة إن شاء الله - تعالى - لا يقع شيء ~~لما ذكرنا، هذا إذا بدأ بالنداء إما بالقذف أو بالطلاق أو بالعلم،. # فأما إذا أتى بالنداء في وسط الكلام في التعليق بالشرط بأن قال لها أنت ~~طالق يا زانية إن دخلت الدار، فقد روى ابن سماعة عن محمد أنه لا يصير فاصلا ~~ويتعلق الطلاق بدخول الدار ويصير قاذفا ويجب اللعان، وكان أبو يوسف يقول ~~بهذا القول ثم رجع. # وقال يقع الطلاق للحال ولا يصير قاذفا حتى لا يجب اللعان. # وذكر محمد في الجامع أن الطلاق يتعلق بدخول الدار ولا يصير النداء فاصلا ~~بين الشرط والجزاء مانعا من التعليق، ولا يصير قاذفا ولا يجب اللعان. # قال المشايخ: ما ذكره ابن سماعة عن محمد هو قوله الأخير، وما ذكره محمد ~~في الجامع قول أبي حنيفة، فحصل في المسألة ثلاثة أقوال على قول أبي حنيفة ~~تعلق القذف وبطل في نفسه وتعلق الطلاق، وعلى قول محمد تعلق الطلاق ولم ~~يتعلق القذف بل تحقق للحال، وعلى قول أبي يوسف تعلق القذف فبطل في نفسه ولم ~~يتعلق الطلاق بل تنجز. # (وجه) قول أبي يوسف أنه لما ذكر قوله إن دخلت الدار عقيب قوله يا زانية ~~فقد علق القذف بالشرط، والقذف لا يتعلق بالشرط لأنه وصف الشخص بالزنا كقوله ~~قائمة وقاعدة أنه وصفها بالقيام والقعود ووصف الشيء بصفة يكون إخبارا عن ~~وجود الصفة فيه والإخبار مما لا يتعلق بالشرط حتى يكون صادقا عند وجوده ~~كاذبا عند عدمه أو مخبرا عند وجوده غير مخبر عند عدمه، وإذا لم يتعلق صار ~~لغوا فصار حائلا بين الشرط والجزاء فينزل الجزاء، لكن مع هذا لا يصير قاذفا ~~لأنه قصد تعليق القذف ms1578 بالشرط ومن قصد تعليق شيء بشرط لا يكون مثبتا له في ~~الحال فلم يصر قاذفا، وعند وجود الشرط لا يصير قاذفا أيضا لأنه لم يتعلق به ~~حتى ينزل عند وجوده. # (وجه) ما روى ابن سماعة عن محمد أن قوله يا زانية وإن لم يتعلق ولكنه مع ~~هذا لا يصير لغوا لأنه لتأكيد الخطاب الموجود بقوله أنت طالق فصار مؤكدا ~~لباب الخطاب فالتحق به فصار كأنه قال أنت يا زانية إن دخلت الدار طالق # PageV03P028 # فتعلق الطلاق بالدخول وبقي القذف متحققا ألا ترى أنه لو قال أنت طالق يا ~~عمرة إن دخلت الدار صح التعليق؟ ولم يصر قوله يا عمرة فاصلا كذا ههنا. # (وجه) قول أبي حنيفة: إن تعليق الطلاق بالشرط قد صح لما مر في كلام محمد ~~والقذف لم يتحقق لأنه ذكر عقيبه الشرط، والقذف متى علق بالشرط لا يقصد ~~الإنسان تحقيقه للحال واليا بعد وجود الشرط على ما مر، وكان القاضي الجليل ~~يقول تعليق القذف بالشرط يكون تبعيدا للقذف كما يقول الرجل إن فعلت كذا ~~فامرأته زانية أو أمه زانية يريد بذلك تبعيد الفعل ولن يتحقق تبعيد الفعل ~~إلا بتبعيد الاتصاف بالزنا عن أمه وامرأته وبمثل هذا يحصل الوصف بالإحصان ~~دون الوصف بالزنا وإلحاق العار به - والله عز وجل أعلم - وكذا لو قال أنت ~~طالق يا زانية إن شاء الله تعالى فهو على هذا الخلاف، ولو كان النداء ~~بالطلاق بأن قال أنت طالق يا طالق إن دخلت الدار هذا أيضا على الخلاف بين ~~أبي يوسف ومحمد إلا أن أبا حنيفة يفرق بين هذا وبين النداء بالزنا بقوله يا ~~زانية ويقول يقع الطلاق منجزا بقوله أنت طالق ولا يتعلق بدخول الدار ويصير ~~كقوله يا طالق فاصلا، ووجه الفرق أن قوله يا طالق وإن كان نداء فهو إيقاع ~~الطلاق فكان قوله أنت طالق يا طالق إيقاعا عقيب إيقاع من غير عطف البعض على ~~البعض والشرط اتصل بآخر الإيقاعين دون الأول منهما فبقي الأول تنجيزا بخلاف ~~قوله يا زانية فإنه نداء وتأكيد لما ms1579 تقدم من تاء الخطاب لا إيقاع فلم يتعلق ~~به فلم يصر حائلا فلم يمنع من تعلق الشرط بالجزاء، ولو قال أنت طالق يا ~~طالق إن شاء الله هذا أيضا على ما ذكرنا من الخلاف بينهم والفرق لأبي حنيفة ~~بين هذا وبين قوله أنت طالق يا زانية إن شاء الله ولو كان النداء بالعلم ~~بأن قال أنت طالق يا عمرة إن دخلت الدار فههنا يتعلق الطلاق بالشرط ~~بالإجماع وأبو يوسف يحتاج إلى الفرق بين هذا وبين قوله يا زانية، والفرق أن ~~قوله يا عمرة لا يفيد إلا ما يفيده قوله أنت فكان تأكيدا له فالتحق به فلم ~~يصر فاصلا. # (وأما) قوله يا زانية ففيه زيادة أمر لا تفيده تاء الخطاب وهو إثبات وصف ~~الزنا ويتعلق به شرعا حكم وهو الحد أو اللعان في الجملة فلا يمكن أن يجعل ~~تكرارا للتاء الموضوعة للخطاب فكان معتبرا في نفسه فلم يصر ملتحقا بتاء ~~الخطاب فبقي فاصلا،. # فأما فيما نحن فيه بخلافه على ما مر، ولو قال أنت طالق يا عمرة إن شاء ~~الله لا يقع الطلاق لما مر، هذا إذا أتى بالنداء في أول الكلام أو وسطه،. # فأما إذا أتى به في آخر الكلام أما في النداء بالزنا بأن قال أنت طالق إن ~~دخلت الدار يا زانية فإن الطلاق يتعلق بالدخول لأنه علق الطلاق بالدخول ثم ~~ناداها بعد ذلك فصار قاذفا ولم يوجد بعد القذف شرط ليقال أنه قصد تعليق ~~القذف بعد تحقيقه. # وكذا في قوله أنت طالق إن شاء الله يا زانية بطل الطلاق وتحقق القذف، وفي ~~قوله أنت طالق إن دخلت الدار يا طالق تعلق الأول بالدخول ووقع بقوله يا ~~طالق طلاق لدخول الشرط في الأول دون قوله يا طالق. # وكذا لو قال أنت طالق إن شاء الله يا طالق. # وكذا قوله أنت طالق إن دخلت الدار يا عمرة، فهذا رجل علق الطلاق بدخول ~~الدار ثم ناداها ونبهها بالنداء على اليمين والخطاب فصح التعليق وكذا لو ~~قال أنت طالق إن شاء الله ms1580 يا عمرة لا يقع شيء لما مر. # قال أبو حنيفة. # ولو قال لامرأته ولم يدخل بها أنت طالق يا زانية ثلاثا فهي ثلاث ولا حد ~~ولا لعان. # وقال أبو يوسف هي طالق واحدة وعليه الحد أبو حنيفة لم يفرق بين المدخول ~~بها وغير المدخول بها لأن قوله يا زانية نداء فلا يفصل بين العدد وهو قوله ~~ثلاثا وبين أصل الإيقاع وهو قوله أنت طالق وإذا لم يفصل فيوقف الوقوع على ~~آخر الكلام وهو قوله ثلاثا فتبين فلا يمكن إلحاق اللعان بعد البينونة وأبو ~~يوسف يقول: إن قوله يا زانية يفصل بين الإيقاع والعدد فبانت بقوله أنت طالق ~~فصادفها قوله يا زانية وهي أجنبية فيجب عليه الحد ويلغو قوله ثلاثا قال أبو ~~يوسف ولا يشبه هذا المدخول بها إذا قال لها أنت طالق يا زانية ثلاثا أنها ~~تبين بثلاث ولا حد ولا لعان لأنا وإن اعتبرنا قوله يا زانية فاصلا فإنه لا ~~يمنع إلحاق الثلاث به، فإنه لو قال لها أنت طالق وسكت فقيل له كم؟ فقال: ~~ثلاثا فكذا إذا فصل بقوله يا زانية. # وقال أبو حنيفة وأبو يوسف إذا قال لها قبل الدخول بها أنت طالق ثلاثا أو ~~قال أنت طالق إن دخلت الدار فماتت بعد قوله أنت طالق قبل قوله إن دخلت ~~الدار فهذا باطل لا يلزمه طلاق لأن العدد إذا قرن بالتطليق كان الواقع هو ~~العدد وهي عند ذلك ليست بمحل لوقوع الطلاق عليها، والشرط إذا لحق بآخر ~~الكلام يتوقف أول الكلام # PageV03P029 # على آخره ولا يفصل آخر الكلام عن أوله وقد حصل آخر الكلام وهي أجنبية. # ولو قال أنت طالق ثلاثا يا عمرة فماتت قبل أن يقول يا عمرة فالطلاق لازم ~~لأن قوله يا عمرة نداء ليس بشرط ولا عدد يتوقف الوقوع عليه فلا يتوقف والله ~~- عز وجل - أعلم -. ### | [فصل في حكم اليمين التي تعلق بها الطلاق والعتاق عند وجود الشرط] # (فصل) : # وأما حكم هذه اليمين فحكمها واحد وهو وقوع الطلاق أو العتاق المعلق عند ~~وجود الشرط فتبين ms1581 أن حكم هذه اليمين وقوع الطلاق والعتاق المعلق بالشرط، ثم ~~نبين أعيان الشروط التي تعلق بها الطلاق والعتاق على التفصيل، ومعنى كل ~~واحد منهما حتى إذا وجد ذلك المعنى يوجد الشرط فيقع الطلاق والعتاق وإلا ~~فلا، أما الأول فلأن اليمين بالطلاق والعتاق هو تعليق الطلاق والعتاق ~~بالشرط ومعنى تعليقهما بالشرط - وهو إيقاع الطلاق والعتاق في زمان ما بعد ~~الشرط - لا يعقل له معنى آخر، فإذا وجد ركن الإيقاع مع شرائطه لا بد من ~~الوقوع عند الشرط. # فأما عدم الوقوع عند عدم الشرط فليس حكم التعليق بالشرط عندنا بل هو حكم ~~العدم الأصلي لأن الوقوع لم يكن ثابتا في الأصل، والثبوت على حسب الإثبات، ~~والحالف لم يثبت إلا بعد الشرط فبقي حكمه باقيا على أصل العدم لا أن يكون ~~العدم موجب التعليق بالشرط بل موجبه الوقوع عند وجود الشرط فقط ثم الشرط إن ~~كان شيئا واحدا يقع الطلاق عند وجوده بأن قال لامرأته إن دخلت هذه الدار ~~فأنت طالق أو أنت طالق إن دخلت هذه الدار يستوي فيه تقديم الشرط في الذكر ~~وتأخيره وسواء كان الشرط معينا أو مبهما بأن قال إن دخلت هذه الدار أو هذه ~~فأنت طالق أو قال أنت طالق إن دخلت هذه الدار أو هذه وكذلك إذا كان وسط ~~الجزاء بأن قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق أو هذه الدار لأن كلمة أو ههنا ~~تقتضي التخيير فصار كل فعل على حياله شرطا فأيهما وجد وقع الطلاق، وكذلك لو ~~أعاد الفعل مع آخر بأن قال إن دخلت هذه الدار أو دخلت هذه سواء أخر الشرط ~~أو قدمه أو وسطه. # وروى ابن سماعة عن محمد فيمن قال إن دخلت هذه الدار أو هذه الدار وإن ~~دخلت هذه فعبدي حر أن اليمين على أن يدخل إحدى الأوليين ويدخل الثالثة فأي ~~الأوليين دخل ودخل الثالثة حنث لأنه جعل شرط حنثه دخول إحدى الأوليين ودخول ~~الثالثة لأنه ذكر إحدى الأوليين بكلمة أو فيتناول إحداهما ثم جمع دخول ~~الثالثة إلى دخول إحداهما ms1582 لوجود حرف الجمع وهو الواو في قوله وإن دخلت هذه ~~فصار دخول الثالثة مع دخول إحدى الأوليين شرطا واحدا فإذا وجد حنث هذا إذا ~~أدخل كلمة أو بين شرطين في يمين واحدة. # فأما إذا أدخلها بين إيقاع ويمين أو بين يمينين كما روى ابن سماعة وبشر ~~عن أبي يوسف فيمن قال لامرأته أنت طالق ثلاثا أو والله لأضربن هذا الخادم ~~اليوم فضرب الخادم من يومه فقد بر في يمينه وبطل الطلاق لأنه خير نفسه بين ~~الطلاق وبين الضرب في اليوم فإذا وجد أحدهما انتفى الآخر فإذا مضى اليوم ~~قبل أن يضرب الخادم فقد حنث في يمينه ويخير فإن شاء أوقع الطلاق وإن شاء ~~ألزم نفسه اليمين؛ لأنه قد حنث في أحد الأمرين وهو المبهم فكان إليه ~~التعيين فإن قال في اليوم قبل مضيه قد اخترت أن أوقع الطلاق لزمه وبطلت ~~اليمين لأنه خير نفسه بين الإيقاع وبين اليمين فإذا أوقع فقد سقطت اليمين ~~ولو قال قد اخترت التزام اليمين وأبطلت الطلاق فإن الطلاق لا يبطل حتى لو ~~مضى اليوم قبل أن يضرب الخادم حنث في يمينه لأن اختيار التزام اليمين لا ~~يبطل اليمين لأن اليمين لا يجب على الإنسان بالالتزام حتى يبطل بالاختيار ~~فبقيت اليمين على حالها. # ولو قال لامرأته أنت طالق ثلاثا أو والله لأضربن فلانة فماتت فلانة قبل ~~أن يضربها فقد حنث في يمينه وهو مخير إن شاء ألزم نفسه الطلاق وإن شاء ~~الكفارة لأن شرط البر فات بموتها فحنث في إحدى اليمينين ولو كان الرجل هو ~~الميت والمحلوف على ضربها حية فقد وقع الحنث على الرجل والطلاق وقد مات قبل ~~أن يبين فلا يقع الطلاق عليها ولها الميراث لأنه لما كان مخيرا بين الطلاق ~~والتزام الكفارة لا يقع الطلاق بالشك ولا يجبره الحاكم على البيان لأن ~~أحدهما وهو الكفارة لا يدخل تحت الحكم فلا يقدر الحاكم على إلزامه ولكن ~~يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى ولو كان بدل الكفارة طلاق أخرى فقال أنت ~~طالق ثلاثا أو هذه ms1583 فههنا يجبره الحاكم حتى يبين لأن الواقع طلاق وإنه # PageV03P030 # مما يدخل في الحكم، ولو قال أنت طالق أو علي حجة أو عمرة لم يجبره الحاكم ~~على الاختيار إنما يفتي في الوقوع أن يوقع أيهما شاء ويبطل الأخرى، ولو قال ~~أنت طالق ثلاثا أو فلانة علي حرام يعني اليمين فإنه يخير تخيير الفتوى ولا ~~يجبره القاضي حتى يمضي أربعة أشهر قبل أن يقرب لأنه لا يقدر على أن يسقط ~~ذلك عن نفسه بالكفارة فإذا مضت أربعة أشهر قبل أن يقرب يخير تخيير حكم ~~ويقال له أوقع طلاق الإيلاء على التي حرمت أو طلاق الكلام على التي تكلمت ~~بطلاقها لأن الطلاق لا بد أن يقع على إحداهما فخير فيه تخيير الحاكم. # وقال محمد في الجامع إذا قال والله لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه فإن ~~دخل إحداهما حنث لأن كلمة أو إذا دخلت بين شيئين تناولت كل واحد على ~~الانفراد قال الله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} [الإنسان: 24] . # قال والله لا أدخل هذه الدار أبدا أو لأدخلن هذه الدار الأخرى اليوم فإن ~~دخل الأولى حنث وإن لم يدخلها ولم يدخل الأخرى حتى مضى اليوم حنث لأنه خير ~~نفسه في اليمين أن لا يدخل الدار الأولى أو يدخل الأخرى في اليوم فإن دخل ~~الأخرى في اليوم بر في يمينه وإن مضى اليوم حنث في إحدى اليمينين قال ابن ~~سماعة في نوادره سمعت محمدا قال في رجل قال عبده حر إن لم يدخل هذه الدار ~~اليوم فإن لم يدخلها اليوم دخل هذه قال محمد ليس هذا باستثناء واليمين على ~~حالها ولا أبالي وصل هذا الكلام أو فصله فإن لم يدخل الدار الأولى اليوم ~~حنث لأن قوله فإن لم يدخلها ليس بلفظ تخيير فبقيت اليمين الأولى بحالها - ~~والله عز وجل أعلم - هذا إذا كان الشرط شيئا واحدا فإن كان شيئين بأن عطف ~~أحدهما على الآخر بحرف العطف لا ينزل إلا عند وجود الشرطين لأنه علقهما ~~بهما فلو نزل عند وجود أحدهما ms1584 لنزل من غير صنعه. # وهذا لا يجوز سواء قدم الشرطين على الجزاء في الذكر أو أخرهما أو وسط ~~الجزاء بأن قال لها إن دخلت هذه الدار وهذه الدار فأنت طالق أو قال أنت ~~طالق إن دخلت هذه الدار وهذه الدار أو قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق ~~وهذه الدار لا يقع الطلاق إلا عند دخول الدارين جميعا أما إذا قدم الشرطين ~~على الجزاء أو أخرهما عنه فلأنه جمع بين الشرطين بحرف الجمع والجمع بحرف ~~الجمع كالجمع بلفظ الجمع ولو جمع بينهما بلفظ الجمع بأن قال إن دخلت هاتين ~~الدارين فأنت طالق أو أنت طالق إن دخلت هاتين الدارين لا يقع الطلاق إلا ~~عند دخول الدارين جميعا كذا هذا وإنما استوى فيه تقديم الشرطين وتأخيرهما ~~لأن الجزاء يتعلق بالشرط كيفما كان فكان التقديم والتأخير فيه سواء وأما ~~إذا وسط الجزاء فلأن الشيء يعطف على جنسه لا على غير جنسه فلا يصح عطف ~~الشرط على الجزاء فيجعل معطوفا على الشرط، وكذلك إذا كان العطف بحرف الفاء ~~بأن قال إن دخلت هذه الدار فهذه الدار أنت طالق أو قال أنت طالق إن دخلت ~~هذه الدار فهذه الدار أو قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق فهذه الدار فهذا ~~كله سواء ولا يقع الطلاق إلا عند دخول هذين الدارين جميعا كما في الفصل ~~الأول إلا أن هناك لا يراعى الترتيب في دخول الدارين وههنا يراعى وهو أن ~~تدخل الدار الثانية بعد دخولها الأولى وإلا فلا يقع الطلاق لأن الواو ~~والفاء وإن كانت كل واحدة منهما حرف عطف وجمع لكن الواو للجمع المطلق ~~والفاء للجمع المقيد وهو الجمع على سبيل التعقيب لذلك لزم مراعاة الترتيب ~~في الثاني دون الأول. # وكذلك إن كان العطف بكلمة ثم بأن قال إن دخلت هذه الدار ثم هذه الدار ~~فأنت طالق أو قال أنت طالق إن دخلت هذه الدار ثم هذه الدار أو قال إن دخلت ~~هذه الدار فأنت طالق ثم هذه الدار فهذه والفاء سواء في أنه يراعى ms1585 الترتيب ~~في الدخول في كل واحدة منهما إلا أن ههنا لا بد وأن يكون دخول الدار ~~الثانية متراخيا عن دخول الأولى لأن كلمة ثم للترتيب والتعقيب مع التراخي ~~هذا إذا كرر حرف العطف بدون الفعل فإن كرر مع الفعل فإن كان بالواو بأن قال ~~إن دخلت هذه الدار ودخلت هذه الدار فأنت طالق أو قال أنت طالق إن دخلت هذه ~~الدار ودخلت هذه الدار فهذا وما إذا كرر حرف العطف بدون الفعل سواء؛ لأن ~~الواو للجمع المطلق فيقتضي اجتماع الشرطين فيستوي فيه إعادة الفعل وعدم ~~الإعادة وإن كانت بالفاء فقال إن دخلت هذه الدار فدخلت هذه الدار الأخرى ~~فأنت طالق أو قال أنت طالق إن دخلت هذه الدار فدخلت هذه الدار الأخرى فقد ~~ذكر ابن سماعة عن أبي يوسف أنه فرق بين الفاء وبين الواو في هذه الأوجه # PageV03P031 # فقال في الأول يقع الطلاق عند دخول الدارين من غير مراعاة الترتيب، وفي ~~الثاني لا يقع إلا أن يكون المذكور بالفاء آخرا حتى لو دخلت الدار الثانية ~~قبل الأولى ثم دخلت الأولى لا يحنث. # ووجه الفرق ما ذكرنا أن الواو تقتضي الجمع المطلق من غير شرط الترتيب ~~والفاء تقتضي التعقيب فيستدعي تأخر الفعل الثاني عن الأول وقد ذكر ابن ~~سماعة عن محمد في هذا زيادة تفصيل فقال في رجل قال لامرأته إن دخلت دار ~~فلان فدخلت هذه الدار فأنت طالق ولم يدخل بها ثم طلقها فدخلت دار فلان ثم ~~تزوجها فدخلت الدار الثانية لم تطلق كأنه جعل دخول دار فلان شرطا لانعقاد ~~اليمين فإنما يصير حالفا حين دخلت الدار الأولى ولا ملك له في ذلك الوقت ~~فيصير حالفا بطلاق امرأة لا يملكها فلا تطلق وإن دخلت الدار الثانية وهي ~~امرأته لم لم تنعقد اليمين؟ وقد روي عن أبي يوسف مثل هذه في مسألة أخرى ~~فقال إذا قال لامرأتين له إذا غشيت هذه فإذا غشيت هذه الأخرى فعبدي حر فليس ~~الحلف على الأولى إنما تنعقد عليه اليمين في الثانية إذا غشي الأولى ويكون ms1586 ~~موليا من الثانية إذا غشي الأولى، والفاء في هذه المواضع لا تشبه الواو فدل ~~ذلك على أنه جعل غشيان الأولى شرطا لانعقاد اليمين في الثانية. # ولو قال لامرأته قبل الدخول بها أنت طالق إن دخلت هذه الدار وإن دخلت هذه ~~الدار أو وسط الجزاء بأن قال إن دخلت هذه الدار فأنت طالق وإن دخلت هذه ~~الدار فإن أبا يوسف ومحمدا قالا: أي الدارين دخلت طلقت وسقطت اليمين ولا ~~تطلق بدخول الدار الأخرى لأنه لما أعاد حرف الشرط مع الفعل فلم يكن عطفا ~~على الأولى في الشرط بل صار ذلك يمينا أخرى أضمر فيها الجزاء فأيهما وجد ~~نزل الجزاء وانحلت اليمين لأن جزاء الثاني لم يبق وإن قدم الشرطين على ~~الجزاء فقال إن دخلت هذه الدار وإن دخلت هذه الدار فأنت طالق فإنها لا تطلق ~~حتى تدخل الدارين جميعا وهو قول محمد، روى ابن سماعة عنه وذكر محمد في ~~الجامع. # وقال هو إحدى الروايتين عن أبي يوسف وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه سوى ~~بين ذلك فقال: أي الدارين دخلت طلقت كما في الأولى. # وجه قول محمد أنه لما عطف الشرط على الشرط قبل الجزاء دل ذلك على أنها ~~يمين واحدة لأن الكلام الأول وهو قوله إن دخلت هذه الدار ليس بتام لأنه لا ~~جزاء له فقوله بعد ذلك وإن دخلت هذه الدار يكون شرطا على حدة إلا أنه لم ~~يذكر له جزاء فكان جزاء الأول جزاء الثاني فأيهما وجد نزل الجزاء وتبطل ~~اليمين الأخرى؛ لأنه لم يبق لها جزاء بخلاف الفصل الأول لأن هناك اليمين قد ~~تمت بذكر الجزاء فلما أعاد حرف الشرط مع الفعل دل ذلك على أنه كلام مبتدأ. # وجه قول أبي يوسف أن تقديم الشرط على الجزاء وتأخيره عنه في باب اليمين ~~سواء، ولو قدمه كان الجواب هكذا فكذا إذا أخر والله - عز وجل - أعلم، ولو ~~كرر الشرط وعلق به جزاء واحد فإن كرر بدون حرف العطف بأن قال إن تزوجت ~~فلانة إن تزوجت فلانة فهي ms1587 طالق فاليمين انعقدت بالقول الثاني، والقول الأول ~~لغو، وكذلك إذا متى وإن إذا وإن متى، وكذلك إن بدأ بإذا وأخر إن، أو قال ~~إذا ثم قال متى، لأن الشرط لا يتعلق به حكم إلا بانضمام الجزاء إليه وقد ضم ~~الجزاء إلى الشرط الثاني لأنه موصول به حقيقة فيقطع عن الأول فبقي الأول من ~~غير جزاء فلغا، وإن قدم الجزاء فقال أنت طالق إن تزوجتك انعقدت اليمين ~~بالكلام الأول، والكلام الثاني لغو، لأن الجزاء تعلق بالشرط الأول، والثاني ~~غير معطوف عليه فبقي شرطا لا جزاء له فلغا ولو قال إذا تزوجتك فأنت طالق إن ~~تزوجتك فإنما انعقدت اليمين بالكلام الآخر والكلام الأول لغو، لأن إن شرط ~~محض ألا ترى أنه لا يستعمل إلا في الشرط وإذ قد يستعمل في الوقت ولا بد من ~~تعليق الطلاق بأحدهما فتعليقه بالشرط المحض أولى. # وذكر محمد في الجامع في رجل قال لدار واحدة إن دخلت هذه الدار فعبدي حر ~~إن دخلت هذه الدار فدخلها دخلة واحدة فإنه ينبغي في القياس أن لا يحنث حتى ~~يدخل الدار دخلتين ولكنا نستحسن ونجعله حانثا بالدخلة الأولى. # (وجه) القياس أن تكرار الشرط يمكن أن يحمل على فائدة وهو أنه أراد به ~~العطف إلا أنه حذف حرف العطف فصار الشرط دخولها مرتين. # (وجه) الاستحسان أن التكرار يجعل ردا للكلام الأول لأن الغرض من هذه ~~اليمين المنع، والظاهر أن الإنسان يمنع نفسه من أصل الدخول دون التكرار إلا ~~أن يعني دخلتين فيكون على ما عنى لأن الظاهر أن الإنسان لا يتكلم # PageV03P032 # بشيء إلا لفائدة تتعلق به فقد نوى ظاهر كلامه فيصدق، وإن كرر بحرف العطف ~~فقال إن تزوجتك وإن تزوجتك أو قال إن تزوجتك فإن تزوجتك أو إذا تزوجتك ومتى ~~تزوجتك لا يقع الطلاق حتى يتزوجها مرتين، لأنه لما عطف أحد الشرطين على ~~الآخر فقد علق الجزاء بهما فيتعلق بهما، ولو قدم الطلاق فقال أنت طالق إن ~~تزوجتك فإن تزوجتك فهذا على تزويج واحد وهو مخالف للباب الأول، لأن الكلام ~~الأول ms1588 تم بالجزاء والشرط فإذا أعاد الشرط بعد تمام الكلام لم يتعلق به حكم، ~~ولو قال إن تزوجتك فأنت طالق وإن تزوجتك طلقت بكل واحد من التزويجين؛ لأنه ~~عطف التزويج على الجزاء فصار الجزاء مضمرا فيه كأنه قال إن تزوجتك فأنت ~~طالق، والله - عز وجل - أعلم. # ولو قال كلما دخلت هذه الدار وكلمت فلانا فعبد من عبيدي حر فدخلت الدار ~~دخلات وكلمت فلانا مرة واحدة لا يعتق إلا عبد واحد لأنه جعل شرط العتق دخول ~~الدار وكلام فلان فإذا تكرر أحد الشرطين ولم يوجد الآخر إلا مرة واحدة فقد ~~تم شرط يمين واحدة ووجد بعض شرط يمين أخرى فلا يعتق إلا عبد واحد، ولو قال ~~كلما دخلت هذه الدار فإن كلمت فلانا فأنت طالق فدخلت الدار ثلاث دخلات ثم ~~كلمت فلانا مرة طلقت امرأته ثلاثا؛ لأنه جعل الجملة المذكورة بعد حرف الفاء ~~من ذكر الشرط والجزاء جزاء الدخول، والجزاء يتكرر بتكرر الشرط إذا كان ~~الشرط مذكورا بكلمة كلما ويصير كأنه علق عند كل دخول طلاقها بكلامها فإذا ~~كلمت فلانا مرة تطلق ثلاثا إذ الفعل الواحد يصلح شرطا في أيمان كثيرة فيحنث ~~في جميعها. # وروى ابن سماعة عن أبي يوسف ما يجري مجرى الشرح للمسألة الأولى أنه قال ~~لو قال كلما دخلت هذه الدار وكلمت فلانا فأنت طالق فهذا عليهما جميعا فإن ~~دخلت الدار ثلاث دخلات ثم كلمت فلانا مرة طلقت واحدة لأن الواو للجمع فيصير ~~الدخول والكلام جميعا شرطا، وتكرار بعض الشرط لا يتعلق به حنث فإن عادت ~~فكلمت فلانا قبل أن تدخل الدار الرابعة طلقت أخرى لأنه تم شرط يمين أخرى ~~فإن عادت فكلمت فلانا الثالثة طلقت أخرى لتمام شرط اليمين الثالثة قال ~~وكذلك لو بدأت بكلام فلان فكلمته ثلاث مرات ثم دخلت الدار دخلة طلقت واحدة ~~فإن عادت فدخلتها الثانية قبل الكلام طلقت أخرى فإن عادت فدخلت الثالثة ~~طلقت أيضا ثنتين؛ لأنه لا يراعى فيه الترتيب وأنه لا فرق بين تقديم أحد ~~الشرطين على الآخر وبين تأخيره. # وقال ابن ms1589 سماعة عن أبي يوسف ما يجري مجرى شرح المسألة الثانية أنه قال لو ~~قال كلما دخلت هذه الدار فإن كلمت فلانا فأنت طالق فإن اليمين في هذا كله ~~إنما تنعقد بدخول الدار فكلما دخلت دخلة انعقدت يمين فإن كلمت فلانا طلقت ~~فإن عادت فدخلت الدار ثم كلمت فلانا طلقت أخرى فإن عادت فدخلت الدار ثم ~~كلمت فلانا طلقت أخرى ولو بدأت فدخلت الدار ثلاث دخلات ثم كلمت فلانا مرة ~~طلقت ثلاث مرات؛ لأنه جعل دخول الدار شرط انعقاد اليمين فينعقد عند كل دخلة ~~يمين لمكان كلمة كلما فقد انعقدت عليها أيمان فانحلت بشرط واحد. # قال ولو بدأت بكلام فلان لم ينعقد به يمين ولم يقع به طلاق حتى تكلم ~~فلانا بعد دخول الدار؛ لأنه جعل الدخول شرط انعقاد اليمين فما لم تدخل لا ~~ينعقد فلا يقع بالكلام طلاق. # قال: وسمعت أبا يوسف قال: ولو قال كلما دخلت هذه الدار فكلما كلمت فلانا ~~فأنت طالق قال فهذا عليها ويكون الفاء جزاء فإن بدأت فدخلت الدار ثلاث ~~دخلات ثم كلمت فلانا مرة طلقت ثلاثا ولو دخلت الدار ثم كلمت فلانا ثلاث ~~مرات طلقت ثلاثا؛ لأن اليمين قد انعقدت بدخول الدار فإذا تكرر شرطها يتكرر ~~الحنث؛ لأن كلما للتكرار، والله - عز وجل - أعلم. # ولو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق وفلانة لامرأته طلقت امرأته الساعة ~~ولا ينتظر به التزويج؛ لأن كلمة كل ليست كلمة شرط لما قلنا لكن فيها معنى ~~الشرط من حيث إنه يتوقف نزول الجزاء على امرأة موصوفة بصفة أنها متزوجة، ~~وفلانة غير موصوفة بهذه الصفة فلا يقف طلاقها عليها ولو قال كل امرأة من ~~نسائي تدخل الدار فهي طالق وفلانة سمى بعض نسائه فإن الطلاق يقع عليها ~~الساعة قبل أن دخل الدار لما ذكرنا فإن دخلت الدار وهي في العدة طلقت أخرى ~~لأنها قد دخلت في عموم قوله كل امرأة من نسائي تدخل الدار ولو قال أنت ومن ~~دخل الدار من نسائي طالق # PageV03P033 # كانت طالقا ساعة سكت لما ذكرنا أنه ms1590 أوقع الطلاق على الموصوف وهذه غير ~~موصوفة ولو دخلت هي في هذه العدة طلقت أخرى لما بينا، ولو قال لامرأته أنت ~~طالق وفلانة إن تزوجتها لم يقع الطلاق على امرأته حتى يتزوج بالأخرى لأنه ~~علق طلاقها بالشرط وهو التزوج لإتيانه بكلمة الشرط نصا فيتعلق به بخلاف ~~الفصل الأول، ولو قال لعبده أنت حر ومن دخل الدار من عبيدي عتق الأول للحال ~~لما ذكرنا فإن عني أن عتقه معلق بدخول الدار لم يدين في القضاء لأنه خلاف ~~الظاهر لانعدام التعليق بالشرط حقيقة وهو متهم فيه لما فيه من التخفيف عليه ~~فلا يصدقه القاضي، والله تعالى الموفق. # وذكر محمد في الجامع في رجل له امرأتان فقال لإحداهما أنت طالق إن دخلت ~~هذه الدار لا بل هذه فإن دخلت الأولى الدار طلقتا ولا تطلق الثانية قبل ~~ذلك؛ لأن قوله لإحداهما أنت طالق إن دخلت هذه الدار تعليق طلاقها بشرط ~~الدخول، وقوله: " لا " رجوع عن تعليق طلاقها بالشرط، وقوله " بل " إثبات ~~تعليق طلاق هذه بالشرط، والرجوع لا يصح، والإثبات صحيح فبقيت فيتعلق طلاقها ~~بالشرط، ولو قال إن تزوجت فلانة فهي طالق لا بل غلامي فلان حر عتق عبده ~~الساعة؛ لأن قوله لا بل غلامي فلان حر جملة تامة لكونها مبتدأ وخبرا فلا ~~تفتقر إلى ما تقدم من الشرط فلا يتعلق به بخلاف ما إذا قال إن تزوجت فلانة ~~فهي طالق لا بل فلانة وهي امرأته أن امرأته لا تطلق الساعة؛ لأن قوله لا بل ~~فلانة غير مستقل بنفسه بل هو مفتقر إلى الكلام الأول وذلك متعلق بالشرط ~~فيتعلق هذا أيضا، ولو قال لعبده أنت حر إن دخلت الدار لا بل فلان لعبد له ~~آخر لا يعتق الثاني إلا بعد دخول الدار لأنه استدرك بكلام غير مستقل فتعلق ~~بالشرط. # وقال ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره لو أن رجلا قال لامرأته إن دخلت ~~الدار فأنت طالق وطالق وطالق لا بل هذه فدخلت الأولى الدار طلقتا ثلاثا؛ ~~لأن قوله لا بل هذه غير مستقل فأضمر ms1591 فيه الشرط فصار طلاقها جزاء الدخول ~~كطلاق الأولى، والجزاء في حق الأولى ثلاث تطليقات كذا في حق الثانية، ولو ~~قال أنت طالق وطالق وطالق لا بل هذه وقع على الثانية واحدة وعلى الأولى ~~ثلاث لأنه يضمر في حق الثانية ما يستقل به الكلام والكلام يستقل بإضمار ~~تطليقة واحدة ألا ترى أن التطليقات ههنا متفرقة فصار كأنه قال لا بل هذه ~~طالق بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك علق الثلاث جملة بالدخول فلا بد من ~~اعتبارها جملة واحدة على حسب التعليق فصارت تلك الكلمة مستدركة في حق ~~الثانية، ولو قال لامرأته أنت طالق إن كلمت فلانا لا بل هذه فكان على ~~الكلام لا على الطلاق وهذا خلاف ما ذكره محمد في الجامع ويجوز أن يكون قول ~~أبي يوسف لأنه نسقها على الكلام فتعلق طلاقها بكلام فلان، فإن قال إن كلمت ~~فلانا فأنت طالق لا بل هذه فقوله لا بل هذه على الطلاق؛ لأنه نسقها على ~~الجزاء فتعلق طلاقها بما تعلق به طلاق الأخرى، قال بشر عن أبي يوسف فيمن ~~قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق إن دخلت الدار فتزوج امرأة ثم دخل الدار ثم ~~تزوج أخرى فإن الطلاق يقع على التي تزوج قبل الدخول ولا يقع على التي تزوج ~~بعد الدخول، وكذلك محمد في الجامع؛ لأنه أوقع الطلاق على امرأة موصوفة بأنه ~~تزوجها قبل الدخول والموصوفة بهذه الصفة التي تزوجها قبل الدخول لا بعد ~~الدخول فلا تطلق المتزوجة بعد الدخول، ونظيره إذا قال كل امرأة لي عمياء ~~طالق إن دخلت الدار فدخل ثم عميت امرأته لا تطلق كذا هذا، ولو بدأ بالدخول ~~فقال إن دخلت الدار فكل امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج امرأة ثم دخل الدار ~~ثم تزوج أخرى فإن الطلاق يقع على التي تزوج بعد الدخول ولا يقع على التي ~~تزوج قبل الدخول؛ لأنه جعل دخول الدار شرط انعقاد اليمين الثانية فصار كأنه ~~قال عند الدخول كل امرأة أتزوجها فهي طالق فلا يدخل في ذلك ما تزوج من قبل. # قال أبو ms1592 يوسف فإن نوى ما تزوج قبل أو بعد في المسألتين جميعا فليس يقع ~~على ما نوى ولا يلزمه ذلك؛ لأنه نوى ما لا يحتمله لفظه. # قال بشر ولو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق إن دخلت الدار فدخل الدار ثم ~~تزوج لا يقع الطلاق فإن دخل الدار ثانيا وقع الطلاق لأنه عقد اليمين على ~~دخول بعد التزوج لا على دخول قبله فلم يكن الدخول قبل التزوج معقودا عليه ~~فلا تنحل به اليمين، فإذا وجد الدخول الثاني وهو المعقود عليه وقع به ~~الطلاق ولو قال كل امرأة أتزوجها إلى سنة فهي طالق إن كلمت فلانا فهو # PageV03P034 # على ما يتزوج في الوقت، سواء كان قبل الكلام أو بعده، كذا ذكر محمد في ~~الجامع لأنه لما قال كل امرأة أتزوجها إلى سنة فلا بد وأن يكون للتوقيت ~~فائدة فلو اختصت اليمين بما يتزوج قبل الكلام بطل معنى التوقيت فيصير ~~الكلام شرطا لوقوع الطلاق المعلق بالتزوج، ولو بدأ بالكلام فقال إن كلمت ~~فلانا فكل امرأة أتزوجها إلى سنة فهي طالق فهذا يقع على ما بعد الكلام، ~~والتوقيت وعدم التوقيت فيه سواء، لأنه لما بدأ بالكلام فقد جعل الكلام شرطه ~~انعقاد اليمين فلا يدخل فيه المزوجة قبل الكلام ويكون فائدة التوقيت تخصيص ~~العقد بمن تزوج في المدة دون ما بعدها، والله - عز وجل - أعلم. # ولو عطف الحالف على يمينه بعد السكوت فالأصل فيه ما روي عن أبي يوسف أنه ~~قال إذا عطف على يمينه بعد السكوت ما يوسع على نفسه لم يقبل قوله كما لا ~~يقبل في الاستثناء بعد السكوت وإن عطف بما شدد على نفسه جاز وإذا ثبت هذا ~~الأصل فقال ابن سماعة سمعت أبا يوسف قال في رجل قال إن دخلت فلانة الدار ~~فهي طالق ثم سكت سكتة ثم قال وهذه يعني امرأة له أخرى فإنها تدخل في ~~اليمين؛ لأن الواو للجمع فكأنه قال وهذه طالق إن دخلت تلك الدار وفي هذا ~~تشديد على نفسه، وكذلك إن قال إن دخلت هذه الدار لأنه ms1593 عطف على الشرط وفيه ~~تشديد؛ لأن هذا يقتضي وقوع الطلاق على الأولى بدخول كل واحدة من الدارين ~~وفي هذا تشديد على نفسه وكذلك لو نجز فقال هذه طالق ثم سكت ثم قال وهذه ~~طلقت الثانية؛ لأنه جمع بينهما في الإيقاع وهذا تشديد على نفسه، ولو قال ~~لامرأته أنت طالق إن دخلت الدار ثم سكت ثم قال وهذه يعني دارا أخرى فليس له ~~ذلك فإن دخلت الأولى طلقت؛ لأن قوله وهذه يعني دارا أخرى يقتضي زيادة في ~~شرط اليمين الأولى لأنه إذا علق الطلاق بدخول دارين لا يقع بإحداهما وهو لا ~~يملك تغيير شرط اليمين بعد السكوت ولأن في هذا توسيعا على نفسه فلا يجوز ~~بعد السكوت كالاستثناء، والله - عز وجل - أعلم. # (وأما) بيان أعيان الشروط التي تعلق بها الطلاق والعتاق فالشروط التي ~~تعلق بها الطلاق والعتاق لا سبيل إلى حصرها لكثرتها لتعلقها باختيار الفاعل ~~فنذكر القدر الذي ذكره أصحابنا في كتبهم، والمذكور من الشروط في كتبهم ~~نوعان:. # أفعال حسية: وأمور شرعية، أما النوع الأول: فالدخول والخروج والكلام ~~والإظهار والإفشاء والإعلام والكتم والإسرار والإخفاء والبشارة والقراءة ~~ونحوها والأكل والشرب والذوق والغداء والعشاء واللبس والسكنى والمساكنة ~~والإيواء والبيتوتة والاستخدام والمعرفة وقبض الحق والاقتضاء والهدم والضرب ~~والقتل وغيرها. # والنوع الثاني: وهو الحلف على أمور شرعية وما يقع منها على الصحيح ~~والفاسد وعلى الصحيح دون الفاسد كالعطية والهبة والكسوة والركوب والجلوس ~~والصدقة والإعارة والقرض والبيع والإجارة والشراء والتزوج والصلاة والصوم ~~وأشياء أخر متفرقة نجمعها في فصل واحد في آخر الكتاب، والأصل في هذه الشروط ~~أن يراعى فيها لفظ الحالف في دلالته على المعنى لغة وما يقتضيه من الإطلاق ~~والتقييد والتعميم والتخصيص إلا أن يكون معاني كلام الناس بخلافه فيحمل ~~اللفظ عليه ويكون ذلك حقيقة عرفية وإنها تقضي على الحقيقة الوضعية. # والأصل فيه ما روي أن رجلا جاء إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - وقال: إن ~~صاحبا لنا مات وأوصى ببدنة أفتجزئ عنه البقرة؟ فقال ابن عباس: - رضي الله ~~عنهما - ممن صاحبكم؟ فقال السائل: من ms1594 بني رباح، فقال ابن عباس: - رضي الله ~~عنهما - متى اقتنت بنو رباح البقر إنما البقر للأزد وذهب وهم صاحبكم إلى ~~الإبل فهذا الحديث أصل أصيل في حمل مطلق الكلام على ما يذهب إليه أوهام ~~الناس ولأن العرف وضع طارئ على الوضع الأصلي، والاصطلاح جار من أهل اللغة، ~~فالظاهر أن المتكلم يقصد بكلامه ذلك فيحمل عليه مطلق اللفظ، وبهذا يبطل قول ~~الشافعي: " إن الأيمان محمولة على الحقائق " يؤيد ما قلنا أن الغريم يقول ~~لغريمه: والله لأجرنك في الشوك يريد به شدة المطل دون الحقيقة وقول مالك: " ~~الأيمان محمولة على ألفاظ القرآن " غير سديد أيضا بدليل أن من حلف لا يجلس ~~في سراج فجلس في الشمس لا يحنث، وإن سمى الله تعالى الشمس سراجا بقوله عز ~~وجل {وجعل الشمس سراجا} [نوح: 16] . # وكذا من حلف لا يجلس على بساط فجلس على الأرض لا يحنث وإن سماها الله - ~~سبحانه وتعالى - في القرآن العظيم بساطا بقوله - عز وجل - {والله جعل لكم ~~الأرض بساطا} [نوح: 19] . # PageV03P035 # وكذا من حلف لا يمس وتدا فمس جبلا لا يحنث وإن سمى الله - عز وجل - الجبل ~~وتدا بقوله تعالى {والجبال أوتادا} [النبأ: 7] فثبت أن ما قاله مالك غير ~~صحيح، والله أعلم. ### | [فصل في الحلف على الدخول] # (فصل) : # أما الحلف على الدخول فالدخول اسم للانفصال من العورة إلى الحصن، فإن حلف ~~لا يدخل هذه الدار وهو فيها فمكث بعد يمينه لا يحنث استحسانا، والقياس أن ~~يحنث، ذكر القياس والاستحسان في الأصل. # وجه القياس أن المداومة على الفعل حكم إنشائه كما في الركوب واللبس، بأن ~~حلف لا يركب ولا يلبس وهو راكب ولابس فمكث ساعة أنه يحنث لما قلنا، كذا ~~هذا. # وجه الاستحسان الفرق بين الفصلين وهو أن الدوام على الفعل لا يتصور ~~حقيقة؛ لأن الدوام هو البقاء، والفعل المحدث عرض، والعرض مستحيل البقاء ~~فيستحيل دوامه، وإنما يراد بالدوام تجدد أمثاله وهذا يوجد في الركوب واللبس ~~ولا يوجد في الدخول؛ لأنه اسم للانتقال من العورة إلى الحصن، والمكث قرار ~~فيستحيل أن يكون انتقالا ms1595 يحققه أن الانتقال حركة والمكث سكون وهما ضدان، ~~والدليل على التفرقة بين الفصلين أنه يقال ركبت أمس واليوم ولبست أمس ~~واليوم من غير ركوب ولبس مبتدإ ولا يقال دخلت أمس واليوم إلا لدخول مبتدإ ~~وكذا من دخل دارا يوم الخميس ومكث فيها إلى يوم الجمعة فقال والله ما دخلت ~~هذه الدار يوم الجمعة بر في يمينه لذلك افترقا. # ولو حلف لا يركب أو لا يلبس وهو راكب أو لابس فنزل من ساعته أو نزع من ~~ساعته لا يحنث عندنا خلافا لزفر. # وجه قوله أن شرط حنثه الركوب واللبس وقد وجد منه بعد يمينه وإن قل. # (ولنا) أن ما لا يقدر الحالف على الامتناع من يمينه فهو مستثنى منه ~~دلالة؛ لأن قصد الحالف من الحلف البر، والبر لا يحصل إلا باستثناء ذلك ~~القدر، وسواء دخل تلك الدار ماشيا أو راكبا؛ لأن اسم الدخول ينطلق على ~~الكل. # ألا ترى أنه يقال دخلت الدار ماشيا ودخلتها راكبا، ولو أمر غيره فحمله ~~فأدخله حنث؛ لأن الدخول فعل لا حقوق له فكان فعل المأمور مضافا إليه كالذبح ~~والضرب ونحو ذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه، وإن احتمله غيره ~~فأدخله بغير أمره لم يحنث؛ لأن هذا يسمى إدخالا لا دخولا لما ذكرنا أن ~~الدخول انتقال والإدخال نقل، ولم يوجد ما يوجب الإضافة إليه وهو الأمر، ~~وسواء كان راضيا بنقله أو ساخطا لأن الرضا لا يجعل الفعل مضافا إليه فلم ~~يوجد منه الشرط وهو الدخول، وسواء كان قادرا على الامتناع أو لم يكن قادرا ~~عليه عند عامة مشايخنا. # وقال بعضهم إن كان يقدر على الامتناع فلم يمتنع يحنث لأنه لما لم يمتنع ~~مع القدرة كان الدخول مضافا إليه، والصحيح قول العامة لأنه لم يوجد منه ~~الدخول حقيقة وامتناعه مع القدرة إن جاز أن يستدل به على رضاه بالدخول لكن ~~الرضا يكون بالأمر، وبدون الأمر لا يكفي لإضافة الفعل إليه فانعدم الدخول ~~حقيقة وتقديرا، وسواء دخلها من بابه أو من غيره لأنه جعل شرط ms1596 الحنث مطلق ~~الدخول وقد وجد، ولو نزل على سطحها حنث؛ لأن سطح الدار من الدار إذ الدار ~~اسم لما أحاط به الدائرة، والدائرة أحاطت بالسطح. # وكذا لو أقام على حائط من حيطانها لأن الحائط مما تدور عليه الدائرة فكان ~~كسطحها، ولو قام على ظلة لها شارعة أو كنيف شارع فإن كان مفتح ذلك إلى ~~الدار يحنث وإلا فلا لأنه إذا كان مفتحه إلى الدار يكون منسوبا إلى الدار ~~فيكون من جملة الدار وإلا فلا وإن قام على أسكفة الباب فإن كان الباب إذا ~~أغلق كانت الأسكفة خارجة عن الباب لم يحنث لأنه خارج وإن كان أغلق الباب ~~كانت الأسكفة داخلة الباب حنث؛ لأنه داخل لأن الباب يغلق على ما في داخل ~~الدار لا على ما في الخارج، وإن أدخل الحالف إحدى رجليه ولم يدخل الأخرى لم ~~يحنث؛ لأنه لم ينتقل كله بل بعضه وقد روي عن بريدة - رضي الله عنه - أنه ~~قال «كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد فقال لي إني لأعلم آية ~~لم تنزل على نبي بعد سليمان بن داود - عليه الصلاة والسلام - إلا علي فقلت ~~وما هي يا رسول الله؟ فقال: لا أخرج من المسجد حتى أعلمكها فلما أخرج إحدى ~~رجليه فقلت في نفسي لعله قد نسي فقال لي: بم تفتتح القراءة؟ فقلت: ببسم ~~الله الرحمن الرحيم فقال - صلى الله عليه وسلم - هي هي» فلو كان هذا القدر ~~خروجا لكان تأخير التعليم إليه خلفا في الوعد ولا يتوهم ذلك بالأنبياء - ~~عليهم الصلاة والسلام - ودل الحديث على أن التسمية آية من القرآن؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - سماها آية، ومن # PageV03P036 # أصحابنا من قال موضوع هذه المسألة في دار داخلها وخارجها سطح واحد فإن ~~كانت الدار منهبطة فأدخل إليها إحدى رجليه حنث؛ لأن أكثره حصل فيها وللأكثر ~~حكم الكل، فإن أدخل رأسه ولم يدخل قدميه أو تناول منها لم يحنث لأن ذلك ليس ~~بدخول. # ألا ترى أن السارق لو فعل ذلك لا يقطع؟ ولو حلف لا ms1597 يدخل دارا فدخل خرابا ~~قد كان دارا وذهب بناؤها لا يحنث، ولو كانت حيطانها قائمة فدخل يحنث، ولو ~~عين فقال أدخل هذه الدار فذهب بناؤها لا يحنث ولو كانت حيطانها قائمة ودخل ~~يحنث ولو عين فقال: لا أدخل هذه الدار فذهب بناؤها بعد يمينه ثم دخلها يحنث ~~في قولهم؛ لأن قوله دارا وإن ذكر مطلقا لكن المطلق ينصرف إلى المتعارف وهي ~~الدار المبنية فيراعى فيه الاسم والصفة وهي البناء؛ لأنه جار مجرى الصفة ~~فما لم يوجد لا يحنث، وقوله هذه الدار إشارة إلى المعين الحاضر فيراعى فيه ~~ذات المعين لا صفته لأن الوصف للتعريف والإشارة كافية للتعريف وذات الدار ~~قائمة بعد الانهدام؛ لأن الدار في اللغة اسم للعرصة، والعرصة قائمة، ~~والدليل على أن الدار اسم للعرصة بدون البناء قول النابغة # يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت فطال عليها سالف الأبد # إلا الأواري لأيا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد # سماها دارا بعدما خلت من أهلها وخربت ولم يبق فيها إلا الأواري والنؤي ~~ولو أعيد البناء فدخلها يحنث، أما في المعين فلا شك فيه لأنه لو دخلها بدون ~~البناء يحنث فمع البناء أولى. # وأما في المنكر فلوجود الاسم والصفة وهي البناء وإن بنيت مسجدا أو حماما ~~أو بستانا فدخله لا يحنث؛ لأن اسم الدار قد بطل ألا ترى أنه لا يسمى دارا ~~فبطلت اليمين، ولو أعادها دارا فدخلها لا يحنث لأنها غير الدار الأولى # وعن أبي يوسف إذا قال: والله لا أدخل هذا المسجد فهدم فصار صحراء ثم دخله ~~فإنه يحنث قال هو مسجد وإن لم يكن مبنيا، ولأن المسجد عبارة عن موضع السجود ~~وذلك موجود في الخراب، ولهذا قال أبو يوسف إن المسجد إذا خرب واستغنى الناس ~~عنه أنه يبقى مسجدا إلى يوم القيامة، ولو حلف لا يدخل هذا البيت أو بيتا ~~فدخله بعد ما انهدم ولا بناء فيه لا يحنث لأن البيت اسم مشتق من البيتوتة ~~سمي بيتا لأنه يبات فيه ولا يبات إلا في البناء ولهذا تسمي العرب ms1598 الأخبية ~~بيوتا فصار البناء فيه في حق استحقاق الاسم ملتحقا بذات المسمى كاسم الطعام ~~للمائدة والشراب للكأس والعروس للأريكة فيزول الاسم بزواله، ولو بنى بيتا ~~آخر فدخله لا يحنث أيضا في المعين لأن المعاد عين أخرى غير الأول فلا يحنث ~~بالدخول فيه، وفي غير المعين حنث لوجود الشرط وهو دخول البيت ولو انهدم ~~السقف وحيطانه قائمة فدخله يحنث في المعين ولا يحنث في المنكر لأن السقف ~~بمنزلة الصفة فيه وهي في الحاضر لغو وفي الغائب معتبرة، ولو حلف لا يدخل في ~~هذا الفسطاط وهو مضروب في موضع فقلع وضرب في موضع آخر فدخل فيه يحنث، وكذلك ~~القبة من العيدان ونحوه، وكذلك درج من عيدان بدار أو منبر؛ لأن الاسم في ~~هذه الأشياء لا يزول بنقلها من مكان إلى مكان. # ومن هذا الجنس من حيث المعنى إذا حلف لا يجلس إلى هذه الأسطوانة أو إلى ~~هذا الحائط فهدما ثم بنيا بنقضهما لم يحنث؛ لأن الحائط إذا هدم زال الاسم ~~عنه وكذا الأسطوانة فبطلت اليمين وكذا إذا حلف لا يكتب بهذا القلم فكسره ثم ~~براه فكتب به؛ لأن غير المبري لا يسمى قلما وإنما يسمى أنبوبا فإذا كسر فقد ~~زال الاسم فبطلت اليمين وكذلك إذا حلف على مقص فكسره ثم جعله مقصا غير ذلك؛ ~~لأن الاسم قد زال بالكسر وكذلك كل سكين وسيف وقدر كسر ثم صنع مثله، ولو نزع ~~مسمار المقص ولم يكسره ثم أعاد فيه مسمارا آخر حنث؛ لأن الاسم لم يزل بزوال ~~المسمار، وكذلك إذا نزع نصاب السكين وجعل عليه نصابا آخر؛ لأن السكين اسم ~~للحديد ولو حلف على قميص لا يلبسه أو قباء محشوا أو مبطنا أو جبة مبطنة أو ~~محشوة أو قلنسوة أو خفين فنقض ذلك كله ثم أعاده يحنث؛ لأن الاسم بقي بعد ~~النقض، يقال قميص منقوض وجبة منقوضة واليمين المنعقدة على العين لا تبطل ~~بتغير الصفة مع بقاء اسم العين، وكذلك لو حلف لا يركب هذا السرج ففتقه ثم ~~أعاده، ولو حلف لا يركب هذه ms1599 السفينة فنقضها ثم استأنف بذلك الخشب فركبها لا ~~يحنث لأنها لا تسمى سفينة بعد النقض، # PageV03P037 # وزوال الاسم يبطل اليمين، ولو حلف لا ينام على هذا الفراش ففتقه وغسله ثم ~~حشاه بحشو وخاطه ونام عليه حنث؛ لأن فتق الفراش لا يزيل الاسم عنه، ولو حلف ~~لا يلبس شقة خز بعينها فنقضها وغزلت وجعلت شقة أخرى لم يحنث لأنها إذا نقضت ~~صارت خيوطا وزال الاسم عن المحلوف عليه، ولو حلف على قميص لا يلبسه فقطعه ~~جبة محشوة فلبسه لا يحنث؛ لأن الاسم قد زال فزالت اليمين، ولو حلف لا يقرأ ~~في هذا المصحف فخلعه ثم لف ورقه وغرز دفتيه ثم قرأ فيه يحنث؛ لأن اسم ~~المصحف باق وإن فرق، ولو حلف على نعل لا يلبسها فقطع شراكها وشركها بغيره ~~ثم لبسها حنث؛ لأن اسم النعل يتناولها بعد قطع الشراك، ولو حلفت امرأة لا ~~تلبس هذه الملحفة فخيط جانباها فجعلت درعا وجعل لها جيبا ثم لبستها لم تحنث ~~لأنها درع وليست بملحفة فإن أعيدت ملحفة فلبستها حنثت لأنها عادت ملحفة ~~بغير تأليف ولا زيادة ولا نقصان فهي على ما كانت عليه. # وقال ابن سماعة عن محمد في رجل حلف لا يدخل هذا المسجد فزيد فيه طائفة ~~فدخلها لم يحنث؛ لأن اليمين وقعت على بقعة معينة فلا يحنث بغيرها، ولو قال ~~مسجد بني فلان ثم زيد فيه فدخل ذلك الموضع الذي زيد فيه حنث، وكذلك الدار ~~لأنه عقد يمينه على الإضافة وذلك موجود في الزيادة. # ولو حلف لا يدخل بيتا فدخل مسجدا أو بيعة أو كنيسة أو بيت نار أو دخل ~~الكعبة أو حماما أو دهليزا أو ظلة باب دار لا يحنث؛ لأن هذه الأشياء لا ~~تسمى بيتا على الإطلاق عرفا وعادة وإن سمى الله - عز وجل - الكعبة بيتا في ~~كتابه في قوله تعالى - {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة} [آل عمران: 96] ~~وسمى المساجد بيوتا حيث قال تعالى {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها ~~اسمه} [النور: 36] ؛ لأن مبنى الأيمان على العرف ms1600 والعادة لا على نفس إطلاق ~~الاسم. # ألا ترى أن من حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لا يحنث وإن سماه الله تعالى ~~لحما في كتابه الكريم بقوله - عز وجل - {لتأكلوا منه لحما طريا} [النحل: ~~14] لما لم يسم لحما في عرف الناس وعاداتهم كذا هذا، وقيل الجواب المذكور ~~في مثل الدهليز في دهليز يكون خارج باب الدار لأنه لا يبات فيه فإن كان ~~داخل البيت وتمكن فيه البيتوتة يحنث، والصحيح ما أطلق في الكتاب؛ لأن ~~الدهليز لا يبات فيه عادة سواء كان خارج الباب أو داخله، ولو دخل صفة يحنث، ~~كذا ذكر في الكتاب،. # وقيل إنما وضع المسألة على عادة أهل الكوفة؛ لأن صفافهم تغلق عليها ~~الأبواب فكانت بيوتا لوجود معنى البيت وهو ما يبات فيه عادة ولذا سمي ذلك ~~بيتا عرفا وعادة. # فأما على عادة أهل بلادنا فلا يحنث لانعدام معنى البيت وانعدام العرف ~~والعادة والتسمية أيضا # ولو حلف لا يدخل من باب هذه الدار فدخلها من غير الباب لم يحنث لعدم ~~الشرط وهو الدخول من الباب فإن نقب للدار بابا آخر فدخل يحنث لأنه عقد ~~يمينه على الدخول من باب منسوب إلى الدار وقد وجد والباب الحادث كذلك ~~فيحنث، وإن عنى به الباب الأول يدين فيما بينه وبين الله تعالى لأن لفظه ~~يحتمله ولا يدين في القضاء لأنه خلاف الظاهر حيث أراد بالمطلق المقيد، وإن ~~عين الباب فقال لا أدخل من هذا الباب فدخل من باب آخر لا يحنث وهذا مما لا ~~شك فيه لأنه لم يوجد الشرط. # ولو حلف لا يدخل دار فلان فدخل دارا يسكنها فلان بملك أو إجارة أو إعارة ~~فهو سواء يحنث في يمينه، ذكر ذلك أبو يوسف، وذكر محمد في الأصل وضع المسألة ~~في المستأجر وهذا قول أصحابنا. # وقال الشافعي: لا يحنث. # وجه قوله أن قوله دار فلان إضافة ملك إذ الملك في الدار للآجر وإنما ~~المستأجر ملك المنفعة فلا يتناوله اليمين. # (ولنا) أن الدار المسكونة بالإجارة والإعارة تضاف إلى المستأجر والمستعير ~~عرفا وعادة ms1601 والدليل عليه أيضا ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه «مر بحائط فأعجبه فقال لمن هذا؟ فقال رافع بن خديج: لي يا رسول الله ~~استأجرته» أضافه إلى نفسه ولم ينكر عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقد ثبتت الإضافة عرفا وشرعا،. # فأما إذا حلف لا يدخل دارا لفلان فدخل دارا له قد آجرها لغيره قال محمد ~~يحنث لأنه حلف على دار يملكها فلان والملك له سواء كان يسكنها أو لا ~~يسكنها. # وروى هشام عن محمد أنه لا يحنث؛ لأنها تضاف إلى الساكن بالسكنى فسقط ~~إضافة الملك، والجواب أنه غير ممتنع أن تضاف دار واحدة إلى المالك بجهة ~~الملك وإلى الساكن بجهة السكنى؛ لأن عند اختلاف الجهة تذهب الاستحالة، فإن ~~قال لا أدخل حانوتا لفلان فدخل حانوتا له قد آجره فإن كان فلان ممن له ~~حانوت يسكنه فإنه لا يحنث بدخول هذا الحانوت؛ لأنه # PageV03P038 # يضاف إلى ساكنه ولا يضاف إلى مالكه، وإن كان المحلوف عليه لا يعرف بسكنى ~~حانوت يحنث لأنا نعلم أنه أراد به إضافة الملك لا إضافة السكنى كما يقال ~~حانوت الأمير، وإن كان لا يسكنها الأمير، وإن حلف لا يدخل دار فلان فدخل ~~دارا بين فلان وبين آخر فإن كان فلان فيها ساكنا حنث، وإن لم يكن ساكنا لا ~~يحنث؛ لأنه إذا كان ساكنا فيها كانت مضافة إليه بالسكنى وإن لم يملك شيئا ~~منها فإذا ملك نصفها أولى وإذا لم يسكن فيها كانت الإضافة إضافة الملك ~~والكل غير مضاف إليه، وفرق بين هذا وبين ما إذا حلف لا يزرع أرضا لفلان ~~فزرع أرضا بينه وبين غيره أنه يحنث؛ لأن كل جزء من الأرض يسمى أرضا وبعض ~~الدار لا يسمى دارا، ولو حلف لا يدخل بيت فلان ولا نية له فدخل داره وفلان ~~فيها ساكن لا يحنث حتى يدخل البيت لأن البيت اسم لموضع يبات فيه عادة ولا ~~يبات في صحن الدار عادة فإن نواه يصدق؛ لأنه تشدد على نفسه. # وقال ابن رستم: قال محمد ms1602 في رجل حلف لا يدخل دار رجل بعينه مثل دار عمرو ~~بن حريث وغيرها من الدور المشهورة بأربابها فدخل الرجل وقد كان باعها عمرو ~~بن حريث أو غيره ممن تنسب قبل اليمين إليه ثم دخلها الحالف بعد ذلك حنث لأن ~~الدور المشهورة إنما تضاف إلى أربابها على طريق النسبة لا على طريق الملك ~~وزوال الملك لا يوجب بطلان اليمين، وإن كانت هذه اليمين على دار من هذه ~~الدور التي ليست لها نسبة تعرف بها لم يحنث في يمينه؛ لأنه يراد بهذه ~~الإضافة الملك لا النسبة فإذا زال الملك زالت الإضافة. # وقال ابن رستم عن محمد في رجل حلف لا يدخل هذه الحجرة فكسرت الحجرة ~~فدخلها بعدما كسرت لا يحنث وليست الحجرة كالدار لأن الحجرة اسم لما حجر ~~بالبناء فكان كالبيت فإذا انهدمت فقد زال الاسم. # وقال ابن رستم عن محمد في رجل حلف لا يدخل دار فلان فصعد السطح يحنث؛ لأن ~~سطح الدار منها إلا أن يكون نوى صحن الدار فلا يحنث فيما بينه وبين الله؛ ~~لأنهم قد يذكرون الدار ويريدون به الصحن دون غيره فقد نوى ما يحتمله كلامه ~~ولو حلف لا يدخل هذا المسجد فصعد فوقه حنث؛ لأن سطح المسجد من المسجد ألا ~~ترى لو انتقل المعتكف إليه لا يبطل اعتكافه؟ فإن كان فوق المسجد مسكن لا ~~يحنث؛ لأن ذلك ليس بمسجد ولو انتقل المعتكف إليه بطل اعتكافه ولو حلف لا ~~يدخل هذه الدار إلا مجتازا قال ابن سماعة روي عن أبي يوسف أنه إن دخل وهو ~~لا يريد الجلوس فإنه لا يحنث لأنه عقد يمينه على كل دخول واستثنى دخولا ~~بصفة وهو ما يقصد به الاجتياز وقد دخل على الصفة المستثناة فإن دخل يعود ~~مريضا ومن رأيه الجلوس عنده حنث؛ لأنه دخل لا على الصفة المستثناة، فإن دخل ~~لا يريد الجلوس ثم بدا له بعد ما دخل فجلس لا يحنث لأنه لم يحنث حين دخوله ~~لوجوده على الوصف المستثنى ولم يوجد الدخول بعد ذلك إذ المكث ليس ms1603 بدخول فلا ~~يحنث وذكر في الأصل إذا حلف لا يدخل هذه الدار إلا عابر سبيل فدخلها ليقعد ~~فيها أو ليعود مريضا فيها أو ليطعم فيها ولم يكن له نية حين حلف فإنه يحنث ~~ولكن إن دخلها مجتازا ثم بدا له فقعد فيها لم يحنث لأن عابر السبيل هو ~~المجتاز فإذا دخلها لغير اجتياز حنث قال إلا أن ينوي لا يدخلها يريد النزول ~~فيها فإن نوى ذلك فإنه يسعه؛ لأنه قد يقال دخلت عابر سبيل بمعنى أني لم أدم ~~على الدخول ولم أستتر فقد نوى ما يحتمله كلامه. # ولو حلف لا يطأ هذه الدار بقدمه فدخلها راكبا يحنث؛ لأنه قد يراد به ~~الدخول في العرف لا مباشرة قدمه الأرض. # ألا ترى أنه لو كان في رجله حذاء نعل يحنث؟ فعلم أن المراد منه الدخول، ~~وإن حلف لا يضع قدمه في هذه الدار فدخلها راكبا حنث لأن وضع القدم في عرف ~~الاستعمال صار عبارة عن الدخول فإن كان نوى أن لا يضع قدمه ماشيا فهو على ~~ما نوى؛ لأنه نوى حقيقة كلامه فيصدق، وكذلك إذا دخلها ماشيا وعليه حذاء أو ~~لا حذاء عليه لما قلنا. # وروى هشام عن محمد فيمن حلف لا يدخل هذه الدار فدخل حانوتا مشرعا من هذه ~~الدار إلى الطريق وليس له باب في الدار فإنه يحنث؛ لأنه من جملة ما أحاطت ~~به الدائرة. # قال هشام: وسألت أبا يوسف إن دخل بستانا في تلك الدار قال لا يحنث وهذا ~~محمول على بستان متصل بالدار فإن كان في وسط الدار يحنث لإحاطة الدائرة به، ~~هكذا روي عن محمد. # وقال ابن سماعة في نوادره عن محمد في رجل حلف لا يدخل دار فلان فحفر سربا ~~فبلغ داره وحفر تحت دار فلان حتى جاوزها فدخل الحالف ذلك السرب حتى مضى فيه ~~تحت دار فلان فإنه لا يحنث # PageV03P039 # إلا أن يكون من هذه القناة مكان مكشوف إلى الدار يستقي منه أهل الدار ~~فدخل الحالف القناة فبلغ ذلك المكشوف فيحنث، وإن لم يبلغ لم ms1604 يحنث، وإن كان ~~المكشوف شيئا قليلا لا ينتفع به أهل الدار وإنما هو للضوء فمر الحالف ~~بالقناة حتى بلغ الموضع فليس بحانث لأن القناة تحت الدار إذا لم يكن منفذ ~~لا تعد من الدار؛ لأن المقصود من دخول داره إما كرامة وإما هتك حرمة وذاك ~~لا يوجد فيما لا منفذ له، وإذا كان لها منفذ يستقى منه الماء فإنه يعد من ~~مرافق الدار بمنزلته بئر الماء فإذا بلغ إليه كان كمن دخل في بئر داره، ~~وإذا كان لا ينتفع به إلا للضوء لا يكون من مرافق الدار فلا يصير بدخوله ~~داخلا في الدار فلا يحنث، ولو دخل فلان سربا تحت داره وجعله بيوتا وجعل له ~~أبوابا إلى الطريق فدخلها رجل حلف لا يدخل دار فلان فهو حانث؛ لأن السرب ~~تحت الدار من بيوت الدار، ولو عمد فلان إلى بيت من داره أو بيتين فسد ~~أبوابهما من قبل داره وجعل أبوابها إلى دار الحالف فدخل الحالف هذين ~~البيتين فإنه لا يحنث؛ لأنه لما جعل أبوابهما إلى دار الحالف فقد صارت ~~منسوبة إلى الدار الأخرى. # وقال ابن سماعة في السرب: إذا كان بابه إلى الدار ومحتفره في دار أخرى ~~إنه من الدار التي مدخله إليها وبابه إليها لأنه بيت من بيوتها. # وقال ابن سماعة عن أبي يوسف في رجل حلف لا يدخل بغداد فانحدر من الموصل ~~في سفينة فمر بدجلة لا يحنث، فإن خرج فمضى فمشى على الجسر حنث، وإن قدم إلى ~~الشط ولم يخرج لم يحنث، ولم يكن مقيما إن كان أهله ببغداد، وإن خرج إلى ~~الشط حنث. # وقال ابن سماعة عن محمد إذا انحدر في سفينة من الموصل إلى البصرة فمر في ~~شط الدجلة فهو حانث فصارت المسألة مختلفة بينهما. # وجه قول محمد أن الدجلة من البلد بدليل أنه لو عقد عليها جسر كانت من ~~البلد فكذا إذا حصل في هذا الموضع في سفينة، ولأبي يوسف أن موضع الدجلة ليس ~~موضع قرار فلا يكون مقصودا بعقد اليمين على الدخول فلا ms1605 تنصرف اليمين إليه. # قال بشر عن أبي يوسف في رجل قال لامرأته إن دخلت هذه الدار ولم تعطني ثوب ~~كذا فأنت طالق فدخلت الدار ثم أعطته الثوب بعد ذلك فإن الطلاق يقع عليها، ~~وإن كانت أعطته الثوب قبل أن تدخل لم يقع عليها الطلاق لأنه جعل شرط وقوع ~~الطلاق دخولها الدار لا على صفة الإعطاء، وهو أن لا يكون الزوج معطى حال ~~الدخول؛ لأن هذه الواو للحال بمنزلة قوله إن دخلت الدار وأنت راكبة أنه ~~يعتبر كونها راكبة حال الدخول ولا يعتبر الركوب بعده كذا هذا، وكذلك لو ~~قال: إن خرجت ولم تأكلي أو خرجت وليس عليك إزار أو خرجت ولم تتخمري لما ~~قلنا، ولو قال لها إن لم تعطني هذا الثوب ودخلت هذه الدار فأنت طالق ولا ~~نية له فإن الطلاق لا يقع عليها حتى يجتمع الأمران جميعا وهو أن لا تعطيه ~~الثوب إلى أن يموت أحدهما أو يهلك الثوب ويدخل الدار فإذا اجتمع هذان وقع ~~الطلاق وإلا فلا؛ لأنه جعل ترك العطية والدخول جميعا شرطا لوقوع الطلاق؛ ~~لأن قوله ودخلت الدار شرط معطوف على ترك العطية وليس بوصف له؛ فيتعلق وقوع ~~الطلاق بوجودهما ثم لا يتحقق الترك إلا بموت أحدهما أو بهلاك الثوب، فإذا ~~مات أحدهما أو هلك الثوب ودخلت الدار فقد وجد الشرطان فيحنث، ولو قال: ~~والله لا تدخلين هذه الدار ولا تعطيني هذا الثوب فأيهما فعلت حنث؛ لأن كلمة ~~النفي دخلت على كل واحد منهما على الانفراد فيقتضي انتفاء كل واحد منهما ~~على الانفراد كما في قوله تعالى - {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} ~~[البقرة: 197] ومن هذا الجنس ما روى ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن قال: والله ~~لا أشتري بهذا الدرهم غير لحم فاشترى بنصفه لحما وبنصفه خبزا يحنث استحسانا ~~ولا يحنث في القياس. # وجه القياس أنه جعل شرط حنثه أن يشتري بجميع الدرهم غير اللحم وما اشترى ~~بجميعه بل ببعضه فلم يوجد شرط الحنث فلا يحنث. # وجه الاستحسان أن مبنى الأيمان على ms1606 العادة وعادة الناس أنهم يريدون بمثل ~~هذا الكلام أن يشتري الحالف بجميع الدرهم اللحم ولم يشتر بجميعه اللحم ~~فيحنث، فإن كان نوى أن لا يشتري به كله غير اللحم لم يحنث، ويدين في القضاء ~~لأنه نوى ظاهر كلامه فيصدق، ولو قال: والله لا أشتري بهذا الدرهم إلا لحما ~~فلا يحنث حتى يشتري بالدرهم كله غير لحم وهذا يؤيد وجه القياس في المسألة ~~الأولى؛ لأن إلا وغير كلاهما من ألفاظ الاستثناء، وإنا نقول: قضية القياس ~~هذا في المسألة الأولى ألا ترى أنه لو نوى أن يشتري به كله غير اللحم صدق ~~في القضاء لأنا تركنا هذا القياس هناك # PageV03P040 # للعرف والعادة ولا عرف ههنا يخالف القياس فعمدنا للقياس فيه، ولو قال: ~~والله لا أشتري بهذا الدرهم إلا ثلاثة أرطال لحم فاشترى ببعض الدرهم لحما ~~أقل من ثلاثة أرطال وببقيته غير لحم حنث؛ لأن قوله والله لا أشتري بهذا ~~الدرهم يقع على كل شراء بهذا الدرهم ثم استثنى من هذه الجملة شراء بصفة وهو ~~أن يشتري به ثلاثة أرطال ولم يوجد فلم يوجد المستثنى فبقي ما شراه داخلا في ~~اليمين فيحنث به، ومن هذا القبيل ما إذا قال لرجلين: والله لا تبيتان إلا ~~في بيت فبات أحدهما في بيت والآخر في بيت آخر حنث لأنه جعل شرط حنثه ~~بيتوتتهما جميعا في غير بيت واحد وقد باتا في غير بيت واحد لأنهما باتا في ~~بيتين فوجد شرط الحنث فهو الفرق. # وذكر محمد في الجامع في رجل قال: إن كنت ضربت هذين الرجلين إلا في دار ~~فلان فعبدي حر وقد ضرب واحدا منهما في دار فلان وواحدا في غيرها فإنه لا ~~يحنث لأنه جعل شرط حنثه ضربهما في غير دار فلان ولم يوجد، ولو قال: إن لم ~~أكن ضربته هذين السوطين في دار فلان فعبدي حر، والمسألة بحالها حنث؛ لأن ~~شرط الحنث أن يجتمع الشرطان في دار فلان ولم يجتمعا فيحنث، ولو حلف لا يدخل ~~على فلان فدخل عليه بيته فإن قصده بالدخول يحنث، وإن ms1607 لم يقصده لا يحنث، ~~وكذلك إذا دخل عليه بيت غيره، وإنما اعتبر القصد ليكون داخلا عليه؛ لأن ~~الإنسان إنما يحلف أن لا يدخل على غيره استخفافا به وتركا لإكرامه عادة وذا ~~لا يكون إلا مع القصد. # وذكر الكرخي عن ابن سماعة في نوادره خلاف هذا فقال في رجل قال والله لا ~~أدخل على فلان بيتا فدخل بيتا على قوم وفيهم فلان ولم يعلم به الحالف فإنه ~~حانث بدخوله فلم يعتبر القصد للدخول على فلان لاستحالة القصد بدون العلم، ~~ووجهه أنه جعل شرط الحنث الدخول على فلان والعلم بشرط الحنث ليس بشرط في ~~الحنث كمن حلف لا يكلم زيدا فكلمه وهو لا يعرف أنه زيد، وظاهر المذهب ما ~~تقدم، ولو علم أنه فيهم فدخل ينوي الدخول على القوم لا عليه لا يحنث فيما ~~بينه وبين الله - عز وجل - لأنه إذا قصد غيره لم يكن داخلا عليه ولا يصدق ~~في القضاء؛ لأن الظاهر دخوله على الجماعة وما في اعتقاده لا يعرفه القاضي، ~~فإن دخل عليه في مسجد أو ظلة أو سقيفة أو دهليز دار لم يحنث لأن ذلك يقع ~~على الدخول المعتاد وهو الذي يدخل الناس بعضهم على بعض ولا يكون ذلك إلا في ~~البيوت، فإن دخل عليه في فسطاط أو خيمة أو بيت شعر لم يحنث إلا أن يكون ~~الحالف من أهل البادية لأنهم يسمون ذلك بيتا، والتعويل في هذا الباب على ~~العرف والعادة # وقال ابن سماعة عن محمد: إذا حلف لا يدخل على فلان هذه الدار فدخل الدار ~~وفلان في بيت من الدار لا يحنث وإن كان في صحن الدار يحنث؛ لأنه لا يكون ~~داخلا عليه إلا إذا شاهده. # ألا ترى أن السقاء يدخل دار الأمير ولا يقال إنه دخل على الأمير، وفي ~~الأول شاهده وفي الثاني لم يشاهده، وكذا لو حلف لا يدخل على فلان هذه ~~القرية أنه لا يكون داخلا عليه إلا إذا دخل في بيته وتخصيص القرية يمنع ~~وقوع الحنث بالدخول في غيرها. # وقال ابن رستم عن ms1608 محمد: إذا قال: والله لا أدخل على فلان ولم يذكر بيتا ~~ولا غيره فدخل فسطاطا أو دارا حنث وهذا محمول على أن من عادة فلان أن يدخل ~~عليه في الفساطيط وإن دخل عليه في المسجد أو الكعبة أو الحمام لا يحنث؛ لأن ~~المقصود بهذه اليمين الامتناع من الدخول في المواضع التي يكرم الناس ~~بالدخول عليه فيها وهذا لا يوجد في الحمام والكعبة والمسجد. # قال محمد: ولو دخل على فلان بيته وهو يريد رجلا غيره يزوره لم يحنث؛ لأنه ~~لم يدخل على فلان لما لم يقصده، وإن لم يكن له نية حنث؛ لأنه يكون داخلا ~~على كل من في الدار فيحنث كمن حلف لا يسلم على رجل فسلم على جماعة وهو فيهم ~~ولا نية له. # قال بشر: سمعت أبا يوسف يقول فيمن قال لامرأته إن دخلت هذه الدار وخرجت ~~منها فأنت طالق فاحتملها إنسان وهي كارهة فأدخلها ثم خرجت من قبل نفسها ثم ~~دخلتها ولم تخرج وقع الطلاق؛ لأن الواو لا تقتضي الترتيب؛ لأنها للجمع ~~المطلق ولا عادة في تقدم أحد الشرطين على الآخر فيتعلق الطلاق بوجودهما من ~~غير مراعاة الترتيب، وكذلك القيام والقعود والسكوت والكلام والصوم والإفطار ~~ونحو ذلك لما قلنا، ولو قال لها إن حضت وطهرت فأنت طالق فطهرت من هذا الحيض ~~ثم حاضت لم يقع الطلاق حتى تطهر، ولا يقع الطلاق في هذا الموضع حتى يتقدم ~~الحيض الطهر، وكذلك إذا قال لها إذا حبلت وولدت وهي حبلى، وكذلك إذا قال ~~إذا زرعت # PageV03P041 # وحصدت لا بد من تقدم الزرع الحصاد، والحمل الولادة، والحيض الطهر؛ لأن ~~أحد الأمرين يتعقب الآخر عادة فلزم مراعاة الترتيب بالعادة، ولو قال ~~لامرأته إن تزوجتك وطلقتك فعبدي حر ولا نية له فطلقها واحدة بائنة ثم ~~تزوجها عتق عبده؛ لأنها لا تحتمل التزوج للحال لكونها زوجة له وتحتمل ~~الطلاق فيراعى فيه معنى الجمع المطلق لا الترتيب، ومتى طلقها وتزوجها فقد ~~جمع بينهما فوجد الشرط. ### | [فصل في الحلف على الخروج من إقامته] # (فصل) : # وأما الحلف على الخروج ms1609 فالخروج هو الانفصال من الحصن إلى العورة على ~~مضادة الدخول، فلا يكون المكث بعد الخروج خروجا كما لا يكون المكث بعد ~~الدخول دخولا لانعدام حده وحقيقته، ثم الخروج كما يكون من البلدان والدور ~~والمنازل والبيوت يكون من الأخبية والفساطيط والخيم والسفن لوجود حده ~~كالدخول والخروج من الدور المسكونة أن يخرج الحالف بنفسه ومتاعه وعياله، ~~كما إذا حلف لا يسكن، والخروج من البلدان والقرى أن يخرج الحالف ببدنه خاصة ~~وهذا يشهد لقول من قال من أصحابنا: إن من حلف لا يسكن في بلد فخرج بنفسه ~~دون عياله لا يحنث، والتعويل في هذا على العرف، فإن من خرج من الدار وأهله ~~ومتاعه فيها لا يعد خارجا من الدار. # ويقال: لم يخرج فلان من الدار إذا كان أهله ومتاعه فيها، ومن خرج من ~~البلد يعد خارجا من الدار وإن كان أهله ومتاعه فيه. # وقال هشام سمعت أبا يوسف قال: إذا قال والله لا أخرج وهو في بيت من الدار ~~فخرج إلى صحن الدار لم يحنث لأن الدار والبيت في حكم بقعة واحدة فالحلف على ~~الخروج المطلق يقتضي الخروج منهما جميعا فما لم يوجد لا يحنث إلا أن تكون ~~نيته أن لا يخرج من البيت فإذا خرج إلى صحن الدار حنث؛ لأنه نوى ما يحتمله ~~لفظه وهو الانفصال من داخل إلى خارج وفيه تشديد على نفسه، فإن قال: نويت ~~الخروج إلى مكة أو خروجا من البلد فإنه لا يصدق في القضاء ولا فيما بينه ~~وبين الله تعالى لأنه نوى تخصيص المكان وهو ليس بمذكور، وغير المذكور لا ~~يحتمل نية التخصيص، وكذلك قال محمد في الجامع: لو قال إن خرجت فعبدي حر. # وقال عنيت به السفر إلى بغداد دون ما سواها لم يدين في القضاء ولا فيما ~~بينه وبين الله تعالى لما قلنا. # وقال هشام: سألت محمدا عن رجل حلف لا يخرج من الري إلى الكوفة فخرج من ~~الري يريد مكة وطريقه على الكوفة. # قال محمد إن كان حين خرج من الري نوى أن يمر ms1610 بالكوفة فهو حانث وإن كان ~~حين خرج من الري نوى أن لا يمر بها ثم بدا له بعدما خرج وصار من الري إلى ~~الموضع الذي تقصر فيه الصلاة أن يمر بالكوفة فمر بها لم يحنث؛ لأن النية ~~تعتبر حين الخروج، وفي الفصل الأول وجدت نية الخروج إلى الكوفة لأنه لما ~~نوى أن يخرج إلى مكة ويمر فقد نوى الخروج إلى الكوفة وإلى غيرها فيحنث، وفي ~~الفصل الثاني لم توجد النية وقت الخروج فلا يحنث، وإن كان نيته أن لا يخرج ~~إلى الكوفة خاصة ليست إلى غيرها ثم بدا له الحج فخرج ونوى أن يمر بالكوفة. # قال محمد: هذا لا يحنث فيما بينه وبين الله - عز وجل - لأنه نوى تخصيص ما ~~في لفظه. # وقال ابن سماعة عن أبي يوسف في رجل قال لامرأته إن خرجت من هذه الدار إلا ~~إلى المسجد فأنت طالق فخرجت تريد المسجد ثم بدا لها فذهبت إلى غير المسجد ~~لم تطلق لأنه جعل الخروج إلى المسجد مستثنى من اليمين ولما خرجت تريد ~~المسجد فقد تحقق الخروج إلى المسجد فوجد الخروج المستثنى فبعد ذلك وإن قصدت ~~غير المسجد لكن لا يوجد الخروج بل المكث في الخارج وإنه ليس بخروج لعدم حده ~~فلا يحنث. # وقال عمر بن أسد: سألت محمدا عن رجل حلف ليخرجن من البلدة ما الخروج؟ قال ~~إذا جعل البيوت خلف ظهره؛ لأن من حصل في هذه المواضع جاز له القصر، ولا ~~يجوز له القصر إلا بالخروج من البلد فعلم أنه خرج من البلد. # قال عمر: سألت محمدا عن رجل قال لامرأته إن خرجت في غير حق فأنت طالق ~~فخرجت في جنازة والدها أو أخ لا تطلق، وكذلك كل ذي رحم محرم، وكذلك خروجها ~~إلى العرس أو خروجها فيما يجب عليها؛ لأن الحق المذكور في هذا الموضع لا ~~يراد به الواجب عادة وإنما يراد به المباح الذي لا مأثم فيه، ولو قال لها ~~إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق فخرجت منها من الباب أي باب كان ms1611 ومن أي ~~موضع كان من فوق حائط أو سطح أو نقب حنث لوجود الشرط وهو الخروج من الدار، ~~ولو قال إن خرجت من باب هذه الدار فخرجت من أي باب كان من # PageV03P042 # الباب القديم أو الحادث بعد اليمين حنث لوجود الشرط وهو الخروج من باب ~~الدار، ولا يحنث بالخروج من السطح أو فوق الحائط أو النقب لعدم الشرط، ولو ~~عين بابا في اليمين يتعين، ولا يحنث بالخروج من غيره؛ لأن التعيين مقيد في ~~الجملة فيعتبر، ولو قال إن خرجت من هذه الدار إلا في أمر كذا فهذا، وقوله ~~إلا بإذني واحد، وسنذكره إن شاء الله تعالى ولو قال إن خرجت من هذه الدار ~~مع فلان فأنت طالق فخرجت وحدها أو مع فلان آخر ثم خرج فلان ولحقها لم يحنث؛ ~~لأن كلمة مع للقران فيقتضي مقارنتها في الخروج ولم يوجد لأن المكث بعد ~~الخروج ليس بخروج لانعدام حده، ولو قال إن خرجت من هذه الدار فأنت طالق ~~فصعدت الصحراء إلى بيت علو أو كنيف شارع إلى الطريق الأعظم لا يحنث؛ لأن ~~هذا في العرف لا يسمى خروجا من الدار، ولو حلف لا يخرج من هذه الدار فخرج ~~منها ماشيا أو راكبا أو أخرجه رجل بأمره أو بغير أمره أو أخرج إحدى رجليه ~~فالجواب فيه كالجواب في الدخول وقد ذكرناه، ولو حلف لا يخرج إلى مكة فخرج ~~من بلده يريد مكة حنث؛ لأن خروجه من بيته هو انفصال من داخل بلده إلى خارجه ~~على نية الحج وقد وجد، وقد ذكرنا تفسير خروجه من بلده وهو أن يجعل بيوت ~~بلده خلف ظهره، ولو قال لا آتي مكة فخرج إليها لا يحنث ما لم يدخلها؛ لأن ~~إتيان الشيء هو الوصول إليه، ولو قال: لا يذهب إلى مكة فلا رواية فيه، ~~واختلف المشايخ: قال بعضهم: هو والخروج سواء وقال بعضهم: هو والإتيان ~~سواء،. # ولو قال: أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني أو بأمري أو برضائي أو ~~بعلمي أو قال: إن خرجت من ms1612 هذه الدار بغير إذني أو أمري أو رضائي أو علمي ~~فهو على كل مرة عندهم جميعا، وههنا ثلاث مسائل: إحداها: هذه، والثانية: أن ~~يقول أنت طالق إن خرجت من هذه الدار حتى آذن لك أو آمر أو أرضى أو أعلم ~~والثالثة: أن يقول أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إلا أن آذن لك أو آمر أو ~~أعلم أو أرضى أما المسألة الأولى فالجواب ما ذكرنا أن ذلك يقع على الإذن في ~~كل مرة حتى لو أذن لها مرة فخرجت ثم عادت ثم خرجت بغير إذن حنث، وكذلك لو ~~أذن لها مرة فقبل أن يخرج نهاها عن الخروج ثم خرجت بعد ذلك يحنث، وإنما كان ~~كذلك لأنه جعل كل خروج شرطا لوقوع الطلاق واستثنى خروجا موصوفا بكونه ~~ملتصقا بالإذن لأن الباء في قوله إلا بإذني حرف إلصاق هكذا قال أهل اللغة. # ولا بد من شيئين يلتصقان بآلة الإلصاق كما في قولك كتبت بالقلم وضربت ~~بالسيف التصق الضرب بالسيف والكتابة بالقلم وليس ههنا شيء مظهر يلتصق به ~~الإذن فلا بد من أن يضمر كما في قوله: " بسم الله " إنه يضمر فيه أبتدئ، ~~وفي باب الحلف قوله: " بالله لأفعلن كذا " أنه يضمر فيه أقسم لتكون الباء ~~ملصقة للاسم بقوله أبتدئ، واسم الله في باب الحلف بقوله أقسم بالله، ولا بد ~~لكل مضمر من دليل عليه، إما حال وإما لفظ مذكور لأن الوصول إلى ما خفي غير ~~ممكن إلا بواسطة الحال ولا حال هنا يدل على إضمار شيء فأضمرنا ما دل عليه ~~اللفظ المذكور في صدر الكلام وهو قوله: " إن خرجت " وليس ذلك إلا الخروج ~~فصار تقدير الكلام: إن خرج فلان من هذه الدار خروجا إلا خروجا بإذني، ~~والمصدر الأول في موضع النفي فيعم فيصح استثناء الثاني منه لأنه بعض ~~المستثنى منه، وهو خروج موصوف بصفة الالتصاق بالإذن فقد نفى كل خروج ~~واستثنى خروجا موصوفا بكونه ملتصقا بالإذن فبقي كل خروج غير موصوف بهذه ~~الصفة تحت المستثنى منه وهو الخروج العام الذي هو ms1613 شرط وقوع الطلاق فإذا وجد ~~خروج اتصل به الإذن لم يكن شرطا لوقوع الطلاق، وإذا وجد خروج غير متصل به ~~الإذن كان شرطا لوقوع الطلاق، كما إذا قال لها أنت طالق إن خرجت من هذه ~~الدار إلا بملحفة إن كل خروج يوصف بهذه الصفة وهو أن يكون بملحفة يكون ~~مستثنى من اليمين فلا يحنث به، وكل خروج لا يكون بهذه الصفة يبقى تحت عموم ~~اسم الخروج فيحنث به كذا هذا، فإن أراد بقوله إلا بإذني مرة واحدة يدين ~~فيما بينه وبين الله - تعالى - وفي القضاء أيضا في قول أبي حنيفة ومحمد ~~وإحدى الروايتين عن أبي يوسف. # وروي أيضا عنه أنه لا يدين في القضاء لأنه نوى خلاف الظاهر؛ لأن ظاهر هذا ~~الكلام يقتضي تكرار الإذن في كل مرة لما بينا (وجه) ظاهر الرواية أن تكرار ~~الإذن ما ثبت بظاهر اللفظ وإنما ثبت بإضمار الخروج فإذا نوى مرة واحدة فقد ~~نوى ما يقتضيه ظاهر كلامه # PageV03P043 # فيصدق، ثم في قوله إلا بإذني لو أراد الخروج لا يحنث، وتقدر المرأة على ~~الخروج في كل وقت من غير حنث، فالحيلة فيه أن يقول الزوج لها: أذنت لك أبدا ~~أو أذنت لك الدهر كله أو كلما شئت الخروج فقد أذنت لك، وكذلك لو قال لها ~~أذنت لك عشرة أيام فدخلت مرارا في العشرة لا يحنث، فلو أنه أذن لها إذنا ~~عاما ثم نهاها عن الخروج هل يعمل نهيه؟ قال محمد: يعمل نهيه ويبطل إذنه حتى ~~إنها لو خرجت بعد ذلك بغير إذنه يحنث. # وقال أبو يوسف: لا يعمل فيه نهيه ورجوعه عن الإذن (وجه) قول محمد أنه لو ~~أذن لها مرة ثم نهاها صح نهيه حتى لو خرجت بعد النهي يحنث فكذا إذا أذن لها ~~في كل مرة وجب أن يعمل نهيه ويرتفع الإذن بالنهي (وجه) قول أبي يوسف أن ~~الإذن الموجود على طريق العموم في الخرجات كلها مما يبطل الشرط لأن شرط ~~وقوع الطلاق الخروج الذي ليس بموصوف بكونه ملتصقا بالإذن وهذا لا يتصور ms1614 بعد ~~الإذن العام؛ لأن كل خروج يوجد بعده لا يوجد إلا ملتصقا بالإذن فخرج الشرط ~~من أن يكون متصور الوجود ولا بقاء لليمين بدون الشرط كما لا بقاء لها بدون ~~الجزاء لأنها تتركب من الشرط والجزاء فلم يبق اليمين فوجد النهي العام ولا ~~يمين فلم يعمل، بخلاف الإذن الخاص بمرة واحدة ثم النهي عنها؛ لأن هناك ~~بالإذن بالخروج مرة لم ترتفع اليمين فجاء النهي واليمين باقية فصح النهي ~~وأما المسألة الثانية فجوابها أن ذلك على الإذن مرة واحدة حتى لو أذن لها ~~مرة فخرجت ثم عادت ثم خرجت بغير إذن لا يحنث. # وكذا إذا أذن لها مرة ثم نهاها قبل أن تخرج ثم خرجت بعد ذلك لا يحنث؛ لأن ~~كلمة حتى كلمة غاية وهي بمعنى إلى، وكلمة إلى كلمة انتهاء الغاية فكذا كلمة ~~حتى. # ألا ترى أنه لا فرق بين قوله حتى آذن وبين قوله إلى أن آذن ومعنى قوله ~~حتى أن آذن، وكلمة أن مضمرة؛ لأن حتى لما كانت من عوامل الأسماء وما كان من ~~عوامل الأسماء لا يدخل الأفعال ألبتة فلم يكن بد من إضمار أن لتصير هي ~~بالفعل الذي هو صلتها بمنزلة المصدر، تقول أحب أن تقوم أي أحب قيامك، فيكون ~~قوله حتى آذن أي حتى إذني وهو قوله إلى إذني ولهذا أدخلوا كلمة أن بعد إلى ~~فقالوا: إلى أن آذن إلا أن هناك اعتادوا الإظهار مع إلى وههنا مع حتى ~~اعتادوا الإضمار، وإذا كان كذلك صار وجود الإذن منه غاية لحظر الخروج، ~~والمضروب له الغاية ينتهي عند وجود الغاية فينتهي حظر الخروج ومنعه باليمين ~~عند وجود الإذن مرة واحدة بخلاف الأول فإن أراد بقوله حتى آذن في كل مرة ~~فهو على ما نوى في قولهم جميعا، ويجعل حتى مجازا عن إلى لوجود معنى ~~الانتهاء في الاستثناء على ما بينا، وفيه تشديد على نفسه فيصدق. # (وأما) المسألة الثالثة فلا يجوز فيها فالجواب في قوله حتى آذن في قول ~~العامة. # وقال الفراء: الجواب فيها كالجواب في قوله إلا ms1615 بإذني. # وجه قوله أن كلمة إلا استثناء فلا بد من تقديم المستثنى منه عليها وتأخير ~~المستثنى عنها، وإن مع الفعل المستقبل بمنزلة المصدر على ما مر فصار تقدير ~~الكلام: " إن خرجت من الدار إلا خروجا بإذني " وهذا ليس بكلام مستقيم فلا ~~بد من إدراج حتى يصح الكلام فندرج الباء ويجعل معناه إلا خروجا بإذني، ~~وإسقاط الباء في اللفظ مع ثبوتها في التقدير جائز في اللغة كما روي عن رؤبة ~~بن العجاج أنه قيل له كيف أصبحت؟ فقال خير عافاك الله أي بخير. # وكذا يحذفون الباء في القسم فيقولون: الله مكان قولهم بالله، وإنما ~~اختلفوا في الخفض والنصب وإذا كان هذا جائزا أدرجت لضروة تصحيح الكلام، ~~والدليل عليه قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن ~~يؤذن لكم} [الأحزاب: 53] أي إلا بإذن لكم حتى كان محتاجا إلى الإذن في كل ~~مرة فكذا فيما نحن فيه، ولنا أن هذا الكلام لما لم يكن بنفسه صحيحا لما ~~قاله الفراء ولا بد من القول بتصحيحه، ولكن تصحيحه على التقدير الذي قاله ~~الفراء، وأمكن تصحيحه أيضا بجعله إلا بمعنى حتى وإلى لأن كلمة إلا كلمة ~~استثناء وما وراء كلمة الاستثناء وهو المستثنى منه ينتهي عند كلمة ~~الاستثناء وعند وجود المستثنى، فصارت كلمة الاستثناء على هذا التقدير ~~للغاية، فأقيم مقام الغاية فصار كأنه قال: إن خرجت من هذه الدار إلى إذني ~~أو حتى إذني، وهذا أولى مما قاله الفراء لأن تصحيح الكلام بجعل كلمة قائمة ~~مقام أخرى أولى من التصحيح بطريق الإضمار؛ لأن جعل الكلمة قائمة مقام أخرى ~~وإن كان فيه ضرب تغيير لكن التغيير تصرف في الوصف. # والإضمار إثبات أصل الكلام، والتصرف في الوصف بالتغيير والتبديل أولى # PageV03P044 # من إثبات الأصل بلا شك فكان هذا أولى على أن فيما قاله إضمار شيئين: ~~أحدهما: الباء، والآخر: الجالب للباء وهو قوله إلا خروجا وليس فيما ذهبنا ~~إليه إدراج شيء بل إقامة ما فيه معنى الغاية مقام الغاية، ولا شك أن هذا ~~أدون فكان التصحيح ms1616 به أولى، ولهذا كان معنى قوله تعالى {لا يزال بنيانهم ~~الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم} [التوبة: 110] أي إلى أن ~~تقطع قلوبهم، والله - عز وجل - أعلم أي إلى وقت تقطع قلوبهم وهو حالة الموت ~~وفي قوله - عز وجل -: {إلا أن يؤذن لكم} [الأحزاب: 53] إنما احتيج إلى ~~الإذن في كل مرة لا بمقتضى اللفظ بل بدليل آخر وهو أن دخول دار الغير بغير ~~إذنه حرام ألا يرى أنه قال - عز وجل - في آخر قوله تعالى - {إن ذلكم كان ~~يؤذي النبي} [الأحزاب: 53] ومعنى الأذى موجود في كل ساعة فشرط الإذن في كل ~~مرة، والله - عز وجل - أعلم، فإن قال إلا بإذن فلان فمات المحلوف على إذنه ~~بطلت اليمين عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف هي على حالها، وهذا فرع ~~اختلافهم فيمن حلف ليشربن الماء الذي في هذا الكوز وليس في الكوز ماء أنه ~~لا تنعقد اليمين في قول: أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف تنعقد بناء على ~~أصل ذكرناه فيما تقدم أن تصور وجود المحلوف عليه حقيقة في المستقبل شرط ~~انعقاد اليمين، وبقاؤه متصور الوجود حقيقة شرط بقاء اليمين عندهما، وعنده ~~ليس بشرط فإن أذن لها بالخروج من حيث لا تسمع فخرجت بغير الإذن يحنث عند ~~أبي حنيفة ومحمد، ولا يحنث عند أبي يوسف. # وجه قوله أن الإذن يتعلق بالإذن؛ لأنه كلامه وقد وجد فأما السماع فإنما ~~يتعلق بالمأذون فلا يعتبر لوجود الإذن كما لو وقع الإذن بحيث يجوز أن تسمع ~~وهي نائمة؛ لأنه كلامه؛ ولأن شرط الحنث خروج غير مأذون فيه مطلقا، وهذا ~~مأذون فيه من وجه لوجود كلام الإذن فلم يوجد شرط الحنث؛ ولأن المقصود من ~~الإذن أن لا تخرج وهو كاره وقد زالت الكراهة بقوله: أذنت وإن لم تسمع ولهما ~~أن الإذن إعلام قال الله تعالى {وأذان من الله ورسوله} [التوبة: 3] أي ~~إعلام وقوله: أذنت لك بحيث لا تسمع لا يكون إعلاما فلا يكون إذنا فلم يوجد ~~خروج مأذون فيه فلم يوجد الخروج المستثنى فيحنث؛ ms1617 ولأن هذه اليمين اشتملت ~~على الحظر والإطلاق فإن قوله إن خرجت من هذه الدار يجري مجرى الحظر والمنع، ~~وقوله إلا بإذني يجري مجرى الإطلاق، وحكم الحظر والإطلاق من الشارع، ~~والشرائع لا تثبت بدون البلوغ، كذا من الحالف ألا ترى أنه قيل في قوله ~~تعالى {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا ~~وآمنوا وعملوا الصالحات} [المائدة: 93] إنه نزل في قوم شربوا الخمر بعد ~~نزول تحريم الخمر قبل علمهم به. # وذكر محمد في الزيادات أن الوكيل لا يصير وكيلا قبل علمه بالوكالة حتى ~~يقف تصرفه على إجازة الموكل، والتوكيل إذن وإطلاق، ولهما أن الإذن إعلام ~~قال الله تعالى {وأذان من الله ورسوله} [التوبة: 3] أي إعلام وقوله: أذنت ~~لك بحيث لا تسمع لا يكون إعلاما فلا يكون إذنا فلم يوجد خروج مأذون فيه فلم ~~يوجد الخروج المستثنى فيحنث، ولأن الخروج مذكور في محل النفي فيعم كل خروج ~~إلا الخروج المستثنى وهو الخروج المأذون فيه مطلقا وهو أن يكون مأذونا فيه ~~من كل وجه ولم يوجد فلم يكن هذا خروجا مستثنى فبقي داخلا تحت عموم الخروج ~~فيحنث بخلاف ما إذا ما كانت نائمة فأذن لها بحيث يجوز أن تسمع؛ لأن مثل هذا ~~يعد سماعا عرفا وعادة، كما إذا أذن لها وهي تسمع إلا أنها غافلة، ومسألتنا ~~مفروضة فيما إذا أذن لها من حيث لا تسمع عادة ومثل هذا لا يعد سماعا في ~~العرف فهو الفرق بين الفصلين،. # وقيل إن النائم يسمع؛ لأن ذلك بوصول الصوت إلى صماخ أذنه والنوم لا يمنع ~~منه وإنما يمنع من فهم المسموع فصار كما لو كلمه وهو يقظان لكنه غافل وحكى ~~ابن شجاع أنه لا خلاف في هذه المسألة أنه لا يحنث لأنه قد عقد على نفسه ~~بالإذن وقد أذن. # قال وإنما الخلاف بينهم في الأمر. # وروى نصر بن يحيى عن أبي مطيع عن أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف، إلا أن أبا ~~سليمان حكى الخلاف في الإذن، والله - عز وجل - أعلم. # ابن سماعة ms1618 عن محمد لو أن رجلا قال لعبده: إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني ~~فأنت حر، ثم قال: له أطع فلانا في جميع ما يأمرك به فأمره فلان بالخروج ~~فخرج فالمولى حانث لوجود شرط الحنث وهو الخروج بغير إذن المولى؛ لأن المولى ~~لم يأذن له بالخروج وإنما أمره بطاعة فلان، وكذلك لو قال المولى لرجل: ائذن ~~له في الخروج فأذن له الرجل فخرج لأنه لم يأذن له بالخروج وإنما أمر فلانا ~~بالإذن، وكذلك لو قال له: قل: يا فلان مولاك قد أذن لك في # PageV03P045 # الخروج فقال له فخرج، فإن المولى حانث لأنه لم يأذن له وإنما أمر فلانا ~~بالإذن، ولو قال المولى لعبده بعد يمينه: ما أمرك به فلان فقد أمرتك به ~~فأمره الرجل بالخروج فخرج، فالمولى حانث؛ لأن مقصود المولى من هذا أنه لا ~~يخرج إلا برضاه، فإذا قال: ما أمرك به فلان فقد أمرتك به فهو لا يعلم أن ~~فلانا يأمره بالخروج، والرضا بالشيء بدون العلم به لا يتصور، فلم يعلم كون ~~هذا الخروج مرضيا به، فلم يعلم كونه مستثنى فبقي تحت المستثنى منه، ولو قال ~~المولى للرجل: قد أذنت له في الخروج فأخبر الرجل به العبد لم يحنث المولى ~~لأن الإذن من المولى قد وجد إلا أنه لم يبلغ العبد، فإذا أخبره به فقد بلغه ~~فلا يحنث. # ولو قال لامرأته إن خرجت إلا بإذني ثم قال لها إن بعت خادمك فقد أذنت لك ~~لم يكن منه هذا إذنا؛ لأنه مخاطرة يجوز أن تبيع ويجوز أن لا تبيع فلا يعد ~~ذلك رضا. # وقال ابن سماعة عن أبي يوسف إذا قال لها إن خرجت إلا بأمري فالأمر على أن ~~يأمرها ويسمعها أو يرسل بذلك رسوله إليها، فإن أشهد قوما أنه قد أمرها ثم ~~خرجت فهو حانث، فقد فرق أبو يوسف بين الأمر وبين الإذن حيث لم يشترط في ~~الإذن إسماعها، وإرسال الرسول به وشرط ذلك في الأمر، ووجه الفرق له أن حكم ~~الأمر لا يتوجه على المأمور بدون العلم ms1619 به كما في أمر الشرع، والمقصود من ~~الإذن هو الرضا، وهو أن لا تخرج مع كراهته، وهذا يحصل بنفس الإذن بدون ~~العلم به. # قال محمد: ولو غضبت وتهيأت للخروج فقال: دعوها تخرج ولا نية له فلا يكون ~~هذا إذنا إلا أن ينوي الإذن؛ لأن قوله دعوها ليس بإذن نصا بل هو أمر بترك ~~التعرض لها وذلك بأن لا تمنع من الخروج أو بتخلية سبيلها فلا يحصل إذنا ~~بدون النية، ولو قال لها في غضبه: اخرجي ولا نية له كان على الإذن؛ لأنه نص ~~على الأمر إلا أن ينوي به اخرجي حتى تطلقي فيكون تهديدا، والأمر يحتمل ~~التهديد كما في أمر الشرع. # قال الله تعالى: {اعملوا ما شئتم} [فصلت: 40] فإذا نوى التهديد وفيه ~~تشديد عليه صحت نيته. # ولو قال: عبده حر إن دخل هذه الدار إلا إن نسي فدخلها ناسيا ثم دخل بعد ~~ذلك ذاكرا لم يحنث، وهذا على ما ذكرنا من قول العامة في قوله: أنت طالق إن ~~خرجت من هذه الدار إلا أن آذن لك أن قوله إلا أن لانتهاء الغاية بمنزلة ~~قوله حتى، فلما دخلها ناسيا فقد انتهت اليمين فلا يتصور الحنث بدخول هذه ~~الدار بهذه اليمين بحال. # ولو قال: إن دخل هذه الدار إلا ناسيا فدخلها ناسيا ثم دخلها ذاكرا حنث؛ ~~لأنه عقد يمينه على كل دخول وحظر على نفسه ومنعها منه واستثنى منه دخولا ~~بصفة وهو أنه يكون عن نسيان فبقي ما سواه داخلا تحت اليمين فيحنث به. # قال ابن سماعة عن محمد في رجل قال: عبدي حر إن دخلت هذه الدار دخلة إلا ~~أن يأمرني فلان فأمره فلان مرة واحدة فإنه لا يحنث إن دخل هذه الدخلة ولا ~~بعدها وقد سقطت اليمين، وهذا على أن الأمر واحد لما ذكرنا أن إلا أن ~~لانتهاء الغاية كحتى فإذا وجد الأمر مرة واحدة انحلت اليمين. # ولو قال إن دخلت هذه الدار دخلة إلا أن يأمرني بها فلان فأمره فدخل ثم ~~دخل بعد ذلك بغير أمره فإنه يحنث، ولا ms1620 بد ههنا من الأمر في كل مرة؛ لأنه ~~وصل الأمر بالدخلة بحرف الوصل وهي حرف الباء فلا بد من الأمر في كل دخلة ~~كما لو قال: إلا بأمر فلان. # قال هشام عن محمد في رجل حلف لا تخرج امرأته إلا بعلمه فأذن لها أن تخرج ~~فخرجت بعد ذلك وهو لا يعلم فهو جائز؛ لأن قوله إلا بعلمي أي إلا بإذني وقد ~~خرجت فكان خروجا مستثنى فلا يحنث. # وإذا حلف رجل على زوجته أو مولى على عبده أن لا يخرج من داره إلا بإذنه، ~~أو سلطان حلف رجلا أن لا يخرج من كورة إلا بإذنه ثم بانت المرأة من الزوج ~~أو خرج العبد من ملك المولى أو عزل السلطان عن عمله فكان الخروج بغير إذن ~~من واحد منهم فلا حنث على الحالف، وتقع اليمين على الحال التي يملك الحالف ~~فيها الإذن، فإن زالت تلك الحالة سقطت اليمين، وإنما كان كذلك لأن غرض ~~المستحلف من ذلك تنفيذ ولايته، وهو أن لا يخرج من له عليه ولاية إلا بأمره ~~فيتقيد بحال قيام الولاية فإذا زالت زالت اليمين، فإن عادت المرأة إلى ملك ~~الزوج أو العبد إلى ملك المولى أو أعيد السلطان إلى ولايته لا تعاد اليمين ~~لأنها قد سقطت لما بينا فلا تحتمل العود، وكذلك الغريم إذا حلف المطلوب أن ~~لا يخرج من بلده إلا بإذنه فاليمين مقيدة بحال قيام الدين فإن قضاه المطلوب ~~أو أبرأ الطالب سقطت اليمين، فإن عاد عليه ذلك الدين أو غيره لم تعد اليمين ~~لأن غرض المستحلف أن لا يخرج لأجل ذلك الدين الذي له عليه وقت الحلف، فإذا ~~أسقط ذلك # PageV03P046 # بطل اليمين فلا يحتمل العود، وعلى هذا قالوا في عامل استحلف رجلا أن يرفع ~~إليه كل من علم به من فاسق أو داعر أو سارق في محلته ولم يعلم من ذلك حتى ~~عزل العامل عن عمله ثم علم فليس عليه أن يرفعه وقد خرج عن يمينه، وبطلت عنه ~~لأنها تقيدت بحال عمله بدلالة الغرض؛ لأن غرض العامل ms1621 أن يرفع إليه مادام ~~واليا فإذا زالت ولايته ارتفعت اليمين فإن عاد العامل عاملا بعد عزله لم ~~يكن عليه أيضا أن يرفع ذلك إليه؛ لأن اليمين قد بطلت فلا تعود سواء عاد ~~عاملا بعد ذلك أو لم يعد، ولو كان الحالف علم ببعض ما استحلف عليه فأخر رفع ~~ذلك حتى عزل العامل حنث في يمينه، ولم ينفعه رفع ذلك إليه بعد عزله؛ لأن ~~الرفع تقيد بحال قيام الولاية، فإذا زالت الولاية فقد فات شرط البر. # قال محمد في الزيادات: إلا أن يعني أن يرفع إليهم على كل حال في السلطان ~~وغيره، وأدينه فيما بينه وبين الله - عز وجل - وفي القضاء؛ لأنه نوى ظاهر ~~كلامه وهو العموم فيصدق ديانة وقضاء. # وقال محمد في الزيادات: إذا حلف أن لا تخرج امرأته من هذه الدار ولا عبده ~~فبانت منه أو خرج العبد عن ملكه ثم خرجت حنث، ولا يتقيد بحال قيام الزوجية ~~والملك لانعدام دلالة التقييد وهي قوله إلا بإذنه فيعمل بعموم اللفظ، فإن ~~عنى به ما دامت امرأته يدين فيما بينه وبين الله - عز وجل - لأنه عنى ما ~~يحتمله لفظه، ولا يدين في القضاء لأنه نوى تخصيص العموم، وإنه خلاف الظاهر، ~~وكذلك من طولب بحق فحلف أن لا يخرج من دار مطالبه حنث بالخروج، زال ذلك ~~الحق أو لم يزل لما قلنا، وإن أرادت المرأة أن تخرج وقد أخذت في ذلك أو ~~العبد أو أراد الرجل أن يضرب عبده وقد نهض لذلك فقال: أنت طالق إن خرجت، أو ~~قال المولى: أنت حر إن خرجت، أو قال رجل للضارب: عبدي حر إن ضربته فكفوا عن ~~ذلك فقد سقطت اليمين حتى لو خرج المحلوف عليه بعد ذلك، أو ضرب الرجل عبده ~~لا يحنث الحالف؛ لأن غرضه من هذه اليمين المنع من الخروج في الحال، أو ~~الضرب فتقيدت بالحال بدلالة الغرض فتزول اليمين بزوال الحالف، فلا يتصور ~~الحنث بالخروج بعد ذلك وهذه من مسائل يمين الفور، ونظائرها تأتي إن شاء ~~الله تعالى في مواضعها. ### | [فصل ms1622 في الحلف على الكلام] # (فصل) : # وأما الحلف على الكلام فالمحلوف عليه وهو الكلام قد يكون مؤبدا، وقد يكون ~~مطلقا، وقد يكون مؤقتا، أما المؤبد فهو أن يحلف أن لا يكلم فلانا أبدا فهو ~~على الأبد لا شك فيه، لأنه نص عليه. # وأما المطلق فهو أن يحلف أن لا يكلم فلانا ولا يذكر الأبد وهذا أيضا على ~~الأبد حتى لو كلمه في أي وقت، كلمه في ليل أو نهار وفي أي مكان كان وعلى أي ~~حال حنث؛ لأنه منع نفسه من كلام فلان ليبقى الكلام من قبله على العدم، ولا ~~يتحقق العدم إلا بالامتناع من الكلام في جميع العمر، فإن نوى شيئا دون شيء ~~بأن نوى يوما أو وقتا أو بلدا أو منزلا لا يدين في القضاء ولا فيما بينه ~~وبين الله - عز وجل - لأنه نوى تخصيص ما ليس بملفوظ فلا يصدق رأسا ولا يحنث ~~حتى يكون منه كلام مستأنف بعد اليمين فينقطع عنها، فإن كان موصولا لم يحنث؛ ~~بأن قال: إن كلمتك فأنت طالق فاذهبي أو فقومي فلا يحنث بقوله فاذهبي أو ~~فقومي. # كذا قال أبو يوسف لأنه متصل باليمين، وهذا؛ لأن قوله لا أكلم أو إن كلمتك ~~يقع على الكلام المقصود باليمين وهو ما يستأنف بعد تمام الكلام الأول، ~~وقوله فاذهبي أو فقومي وإن كان كلاما حقيقة فليس بمقصود باليمين فلا يحنث ~~به، ولأنه لما ذكره بحرف العطف دل أنه ليس بكلام مبتدإ. # وكذا إذا قال: واذهبي لما قلنا، فإن أراد به كلاما مستأنفا يصدق؛ لأنه ~~كلام حقيقة وفيه تشديد على نفسه، وإن أراد بقوله فاذهبي الطلاق فإنها تطلق ~~بقوله فاذهبي لأنه من كنايات الطلاق، ويقع عليها تطليقة أخرى باليمين؛ لأنه ~~لما نوى به الطلاق فقد صار كلاما مبتدأ فيحنث به، وإن كان في الحال التي ~~حلف ما يدل على تخصيص اليمين كانت خاصة؛ بأن قال له رجل كلم لي زيدا اليوم ~~في كذا فيقول: والله لا أكلمه، يقع هذا على اليوم دون غيره بدلالة الحال، ~~وعلى هذا قالوا: ms1623 لو قال ائتني اليوم، فقال: امرأتي طالق إن أتيتك فهذا على ~~اليوم. # وكذا إذا قال: ائتني في منزلي، فحلف بالطلاق لا يأتيه فهو على المنزل، ~~وهذا إذا لم يطل الكلام بين دلالة التخصيص وبين اليمين، فإن طال كانت ~~اليمين على الأبد، فإن قال: لم لا تلقني في المنزل وقد أسأت في تركك لقائي ~~وقد أتيتك غير مرة فلم ألقك، فقال الآخر: امرأته طالق إن أتاك فهذا على ~~الأبد وعلى كل منزل؛ لأن # PageV03P047 # الكلام كثير فيما بين ابتدائه بذكر المنزل وبين المنزل وبين الحلف ~~فانقطعت اليمين عنه وصارت يمينا مبتدأة، فإن نوى هذا الإتيان في المنزل دين ~~فيما بينه وبين الله تعالى ولم يدين في القضاء لأنه يحتمله كلامه، لكنه ~~خلاف الظاهر. # ولو صلى الحالف خلف المحلوف عليه فسها الإمام فسبح به الحالف أو فتح عليه ~~بالقراءة لم يحنث؛ لأن هذا لا يسمى كلاما في العرف وإن كان كلاما في ~~الحقيقة. # ألا ترى أن الكلام العرفي يبطل الصلاة به؟ وهذا لا يبطلها، وقد قالوا ~~فيمن حلف لا يتكلم فصلى: أن القياس أن يحنث؛ لأن التكبير والقراءة كلام ~~حقيقة، وفي الاستحسان لا يحنث لأنه لا يسمى كلاما عرفا. # ألا ترى أنهم يقولون فلان لا يتكلم في صلاته وإن كان قد قرأ فيها، ولو ~~قرأ القرآن خارج الصلاة يحنث؛ لأنه تكلم حقيقة،. # وقيل: هذا إذا كان الحالف من العرب، فإن كان الحالف من العجم أو كان ~~لسانه غير لسان العرب لا يحنث، سواء قرأ في الصلاة أو خارج الصلاة؛ لأنه لا ~~يعد متكلما ولو سبح تسبيحة أو كبر أو هلل خارج الصلاة يحنث عندنا، وعند ~~الشافعي لا يحنث، والصحيح قولنا، لأنه وجد الكلام حقيقة إلا أنا تركنا ~~الحقيقة حالة الصلاة بالعرف ولا عرف خارج الصلاة،. # وقيل: هذا في عرفهم. # فأما في عرفنا فلا يحنث خارج الصلاة أيضا لأنه لا يسمى كلاما في الحالين ~~جميعا، ولو فتح عليه في غير الصلاة حنث لأنه كلام حقيقة إلا أنه ترك ~~الحقيقة في الصلاة للعرف، فإن كان ms1624 الإمام هو الحالف والمحلوف عليه خلفه ~~فسلم لم يحنث بالتسليمة الأولى وإن كان على يمينه ونواه لأنه في الصلاة، ~~وسلام الصلاة لا يعد كلاما كتكبيرها والقراءة فيها. # ألا ترى أنه لا يفسد الصلاة؟ ولو كان من كلام الناس لكان مفسدا، وإن كان ~~على يساره فنواه اختلف المشايخ فيه، قد قال بعضهم: يحنث. # وقال بعضهم: لا يحنث، وإن كان المقتدي هو الحالف فكذلك في قول أبي حنيفة ~~وأبي يوسف بناء على أن المقتدي لا يصير خارجا عن الصلاة بسلام الإمام ~~عندهما، وعند محمد يحنث لأنه خارج عن صلاته بسلام الإمام عنده، فقد تكلم ~~كلاما خارج الصلاة فيحنث، ولو مر الحالف على جماعة فيهم المحلوف عليه فسلم ~~عليهم حنث لأنه كلم جماعتهم بالسلام، فإن نوى القوم دونه لم يحنث فيما بينه ~~وبين الله تعالى لأن ذكر الكل على إرادة البعض جائز، ولا يدين في القضاء ~~لأنه خلاف الظاهر، ولو نبه الحالف المحلوف عليه من النوم حنث وإن لم ينتبه ~~لأن الصوت يصل إلى سمع النائم لكنه لا يفهم فصار كما لو كلمه وهو غافل، ~~ولأن مثل هذا يسمى كلاما في العرف كتكلم الغافل فيحنث، ولو دق عليه الباب ~~فقال من هذا أو من أنت؟ حنث لأنه كلمه بالاستفهام، ولو كان في مكانين فدعاه ~~أو كلمه فإن كان ذلك بحيث يسمع مثله لو أصغى إليه فإنه يحنث وإن لم يسمعه، ~~وإن كان في موضع لا يسمع في مثله عادة فإن أصغى إليه لبعد ما بينهما لم ~~يحنث لأن الموضع إذا كان قريبا بحيث يسمع مثله عادة يسمى مكلما إياه لما ~~ذكرناه وإن لم يسمع لعارض وليس كذلك إذا كان بعيدا، ولأنه إذا كان قريبا ~~يحمل على أنه وصل الصوت إلى سمعه لكنه لم يفهمه فأشبه الغافل، وإذا كان ~~بعيدا لا يصل إليه رأسا، وقالوا فيمن حلف لا يكلم إنسانا فكلم غيره وهو ~~يقصد أن يسمعه لم يحنث؛ لأن مثل هذا لا يسمى مكلما إياه إذا لم يقصده ~~بالكلام. # ولو حلف لا يكلم امرأته ms1625 فدخل داره وليس فيها غيرها فقال من وضع هذا؟ أو ~~أين هذا؟ ؟ حنث؛ لأنه كلمها حيث استفهم وليس هناك غيرها لئلا يكون لاغيا، ~~فإن كان في الدار غيرها لم يحنث لجواز أنه استفهم غيرها، فإن قال ليت شعري ~~من وضع هذا؟ لم يحنث لأنه لم يكلمها وإنما كلم نفسه. # ولو حلف لا يكلم فلانا فكتب إليه كتابا فانتهى الكتاب إليه، أو أرسل إليه ~~رسولا فبلغ الرسالة إليه لا يحنث؛ لأن الكتابة لا تسمى كلاما. # وكذا الرسالة. # (وأما) الموقت فنوعان: معين ومبهم (أما) المعين: فنحو أن يحلف الرجل ~~بالليل لا يكلم فلانا يوما فيحنث بكلامه من حين حلف إلى أن تغيب الشمس من ~~الغد فيدخل في يمينه بقية الليل، حتى لو كلمه فيما بقي من الليل أو في الغد ~~يحنث؛ لأن قوله لا أكلم فلانا يقع على الأبد ويقتضي منع نفسه عن كلام فلان ~~أبدا لولا قوله يوما فكان قوله يوما لإخراج ما وراءه عن اليمين فيبقى زمان ~~ما بعد اليمين بلا فصل داخلا تحتها فيدخل فيها بقية تلك الليلة. # وكذلك لو حلف بالنهار لا يكلمه ليلة أنه يحنث بكلامه من حين حلف إلى طلوع ~~الفجر لما قلنا، ولو حلف في بعض النهار لا يكلمه يوما فاليمين على بقية ~~اليوم والليلة المستقبلة إلى مثل تلك الساعة التي حلف فيها من # PageV03P048 # الغد لأنه حلف على يوم منكر فلا بد من استيفائه، ولا يمكن استيفاؤه إلا ~~بإتمامه من اليوم الثاني فيدخل الليل من طريق التبع، وكذلك إذا حلف ليلا لا ~~يكلمه ليلة فاليمين من تلك الساعة إلى أن يجيء مثلها من الليلة المقبلة، ~~ويدخل النهار الذي بينهما في ذلك لأنه حلف على ليلة منكرة فلا بد من ~~الاستيفاء منها وذلك فيما قلنا. # فإن قال في بعض اليوم: والله لا أكلمك اليوم فاليمين على باقي اليوم، ~~فإذا غربت الشمس سقطت اليمين، وكذلك إذا قال بالليل: والله لا أكلمك الليلة ~~فإذا طلع الفجر سقطت لأنه حلف على زمان معين لأنه أدخل لام التعريف على ~~اليوم ms1626 والليلة فلا يتناول غير المعرف، بخلاف قوله يوما؛ لأنه ذكر اليوم ~~منكرا فلا بد من استيفائه وذلك من اليوم الثاني، ولو حلف لا يكلمه شهرا يقع ~~على ثلاثين يوما، ولو قال الشهر يقع على بقية الشهر، ولو حلف لا يكلمه ~~السنة يقع على بقية السنة، ولو قال: والله لا أكلمك اليوم ولا غدا فاليمين ~~على بقية اليوم وعلى غد ولا تدخل الليلة التي بينهما في اليمين، روى ذلك ~~ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد لأنه أفرد كل واحد من الوقتين بحرف النفي ~~فيصير كل واحد منهما منفيا على الانفراد، أصله قوله تعالى {فلا رفث ولا ~~فسوق ولا جدال في الحج} [البقرة: 197] . # فلا تدخل الليلة المتخللة بين الوقتين. # ولو قال: والله لا أكلمك اليوم وغدا دخلت الليلة التي بين اليوم والغد في ~~يمينه؛ لأن ههنا جمع بين الوقت الثاني وبين الأول بحرف الجمع وهو الواو ~~فصار وقتا واحدا فدخلت الليلة المتخللة. # وروى بشر عن أبي يوسف أن الليلة لا تدخل؛ لأنه عقد اليمين على النهار ولا ~~ضرورة توجب إدخال الليل فلا يدخل، ولو حلف لا يكلمه يومين تدخل فيه الليلة ~~سواء كان قبل طلوع الفجر أو بعده، وكذلك الجواب في الليل، ولو قال: والله ~~لا أكلمك يوما ولا يومين فهو مثل قوله والله لا أكلمك ثلاثة أيام في قول ~~أبي حنيفة ومحمد، حتى لو كلمه في اليوم الأول أو الثاني أو الثالث يحنث، ~~وكذلك روى بشر عن أبي يوسف، هكذا ذكر الكرخي في مختصره. # وذكر محمد في الجامع أنه على يومين حتى لو كلمه في اليوم الأول أو الثاني ~~يحنث، وإن كلمه في اليوم الثالث لا يحنث. # وجه ما ذكره الكرخي ظاهر لأنه عطف اليومين على اليوم والمعطوف غير ~~المعطوف عليه فاقتضى يومين آخرين غير الأول فصار كأنه قال: والله لا أكلم ~~فلانا يوما ويومين، أو قال ثلاثة أيام. # وجه ما ذكره محمد في الجامع أن كل واحد منهما يمين مفردة لانفراد كل واحد ~~منهما بكلمة النفي، والواو للجمع بين اليمينين، ms1627 وصار تقديره أكلم فلانا ~~يوما ولا أكلمه يومين لئلا تلغو كلمة النفي فصار لكل يمين مدة على حدة فصار ~~على اليوم الأول يمينان وعلى اليوم الثاني يمين واحد، بخلاف ما إذا قال: ~~والله لا أكلم فلانا يوما ويومين فكلمه في اليوم الثالث أنه يحنث، لأنه لما ~~لم يعد كلمة النفي فلم يوجد ما يدل على أنه أراد نفي الكلام في كل مرة على ~~حدة ليكون يمينين فبقي يمينا واحدة، والواو للجمع بين المدتين كما لو جمع ~~بين المدتين بكلمة الجمع فقال: والله لا أكلم فلانا ثلاثة أيام، والدليل ~~على التفرقة بينهما أنه لو قال: والله لا أكلم زيدا ولا عمرا فكلم أحدهما ~~يحنث، ولو قال: والله لا أكلم زيدا وعمرا فما لم يكلمهما لا يحنث. # وقال بشر عن أبي يوسف لو قال: والله لا أدخل الدار يوما ويوما فهو مثل ~~حلفه على يومين. # قال أبو يوسف: ولا يشبه هذا قوله ولا أدخلها اليوم وغدا، لأن قوله يوما ~~ويوما عطف زمان منكر على زمان منكر فصار كقوله يومين فيدخل الليل، وقوله ~~اليوم وغدا عطف زمان معين على زمان معين ولا ضرورة إلى إدخال الليل فيه فلا ~~يدخل، ولو قال: والله لا أكلم زيدا يوما والله لا أكلمه يومين والله لا ~~أكلمه ثلاثة أيام فاليوم الأول من حين فرغ من اليمين الثالثة عليه ثلاثة ~~أيام، واليوم الثاني عليه يمينان: الثانية والثالثة، واليوم الثالث عليه ~~يمين واحدة وهي الثالثة، لأن كل يمين ذكرها تختص بما يعقبها فانعقدت اليمين ~~الأولى على الكلام في يوم عقيب اليمين، والثانية في يومين عقيب اليمين، ~~والثالثة في ثلاثة أيام عقيب اليمين، فانعقدت على الكلام في اليوم الأول ~~ثلاثة أيمان، وعلى الثاني يمينان، وعلى الثالث واحدة، ونظير هذه المسائل ما ~~روى داود بن رشيد عن محمد فيمن قال والله لا أكلمك اليوم سنة، أو لا أكلمك ~~اليوم شهرا؛ فعليه أن يدع كلامه في ذلك اليوم شهرا وفي ذلك اليوم سنة حتى ~~يكمل كلما دار ذلك اليوم في ذلك الشهر ms1628 أو في تلك السنة؛ لأن اليوم الواحد ~~يستحيل أن يكون شهرا أو سنة فلم يكن ذلك مراد الحالف فكان مراده أن لا ~~يكلمه في مثله شهرا أو سنة، فإن قال: لا أكلمك اليوم عشرة أيام وهو في يوم ~~السبت فهذا على سبتين؛ # PageV03P049 # لأن اليوم لا يكون عشرة أيام فلم يكن ذلك مرادا فيقع على عشرة أيام لأنه ~~لا يدور في عشرة أيام أكثر من سبت واحد، وكذلك لو قال: والله لا أكلمك ~~السبت مرتين كان على سبتين؛ لأن السبت لا يكون يومين فكان المراد منه ~~مرتين، وكذلك لو قال: لا أكلمك يوم السبت ثلاثة أيام كان كلها يوم السبت ~~لما بينا، ولو قال لا أكلمك يوما ما أو لا أكلمك يوم السبت يوما فله أن ~~يجعله أي يوم شاء لأنه عقد يمينه على يوم شائع في أيام، فكان التعيين إليه. # وقال ابن سماعة عن محمد فيمن قال لا أكلمك يوما بين يومين ولا نية له ~~قال: فكل يوم بين يومين، وهو عندي بمنزلة قوله لا أكلمك يوما فيكون على يوم ~~من ساعة حلف، والله - عز وجل - أعلم # (وأما) المبهم: فنحو أن يحلف أن لا يكلم فلانا زمنا أو حينا أو الزمان أو ~~الحين فإن لم يكن له نية يقع على ستة أشهر؛ لأن الحين يذكر ويراد به الوقت ~~القصير. # قال الله تعالى {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} [الروم: 17] قيل: ~~حين تمسون صلاة المغرب والعشاء، وحين تصبحون صلاة الفجر، ويذكر ويراد به ~~الوقت الطويل. # قال الله تعالى {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} [الإنسان: 1] قيل: ~~المراد منه أربعون سنة، ويذكر ويراد به الوسط. # قال الله تعالى {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} [إبراهيم: 25] قيل: أي ستة ~~أشهر من وقت طلوعها إلى وقت إدراكها. # قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: هي النخلة، ثم عند الإطلاق لا يحمل على ~~الوقت القصير؛ لأن اليمين تعقد للمنع ولا حاجة إلى اليمين للمنع في مثل هذه ~~المدة؛ لأنه يمنع بدون اليمين، ولا يحمل على ms1629 الطويل؛ لأنه لا يراد ذلك ~~عادة، ومن أراد ذلك بلفظة الأبد فتعين الوسط. # وكذا روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه حمله على ذلك، ولأن كل واحد ~~من الطرفين في غاية البعد عن صاحبه والوسط قريب منهما فيحمل عليه، وإذا ثبت ~~هذا في الحين ثبت في الزمان لكونهما من الأسماء المترادفة، وعن ثعلب أن ~~الزمان في كلام العرب ستة أشهر، وإن نوى الحالف شيئا مما ذكرنا فهو على ما ~~نوى؛ لأنه نوى ما يحتمله كلامه ولفظه لما بينا، ومنهم من قال يصدق في الوقت ~~اليسير في الحين ولا يصدق في الزمان؛ لأنه قد ثبت استعمال اللفظ في اليسير ~~في الحين كما في قوله تعالى {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} [الروم: ~~17] ولم يثبت في الزمان. # وذكر الكرخي في الجامع عن أبي حنيفة أنه يدين في الزمان والحين في كل ما ~~نوى من قليل أو كثير وهو الصحيح. # وروي عن أبي يوسف أنه لا يدين فيما دون ستة أشهر في القضاء، ولو قال: لا ~~أكلمه دهرا والدهر فقال أبو حنيفة: إن كانت له نية فهو على ما نوى، وإن لم ~~تكن له نية فلا أدري ما الدهر؟ . # وقال أبو يوسف ومحمد: إذا قال دهرا فهو ستة أشهر، وإذا قال الدهر فهو على ~~الأبد، ومن مشايخنا من قال: لا خلاف في الدهر المعروف أنه الأبد، وإنما ~~توقف أبو حنيفة - رضي الله عنه - في الدهر المنكر فإنه قال: إذا قال دهرا ~~لا أدري ما هو؟ وذكر في الجامع الكبير أن قوله الدهر ينصرف إلى جميع العمر ~~ولم يذكر فيه الخلاف، وقوله دهرا لا يدرى تفسيره، وفي الجامع الصغير أشار ~~إلى التوقف في الدهر المعرف أيضا فإنه قال: والدهر لا أدري ما هو. # وروى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في قوله دهرا والدهر أنهما سواء فهما ~~جعلا قوله دهرا كالحين والزمان لأنه يستعمل استعمال الحين والزمان، يقال: ~~ما رأيتك من دهر وما رأيتك من حين على السواء، فإذا أدخل عليه الألف ms1630 واللام ~~صار عبارة عن جميع الزمان. # وروي عن أبي يوسف أن قوله الدهر يقع على ستة أشهر لكنه خلاف ظاهر الرواية ~~عنهما وأبو حنيفة كأنه رأى الاستعمال مختلفا فلم يعرف مراد المتكلم عند ~~إطلاق الاسم فتوقف. # وقال لا أدري أي لا أدري بماذا يقدر إذ لا نص فيه عن أحد من أرباب ~~اللسان؟ بخلاف الحين والزمان فإن فيهما نصا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ~~فإنه فسر قوله تعالى: {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} [إبراهيم: 25] بستة ~~أشهر والزمان والحين ينبئان عن معنى واحد، وهذا على قول من قال من مشايخنا ~~إنه توقف في المنكر لا في المعرف أو لم يعرف حقيقة معناه لغة فتوقف فيه، ~~والتوقف فيما لا يعرف لعدم دليل المعرفة ولتعارض الأدلة وانعدام ترجيح ~~البعض على البعض أمارة كمال العلم وتمام الورع، فقد روي أن ابن عمر - رضي ~~الله عنهما - سئل عن شيء فقال لا أدري، وروي أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «سئل عن أفضل البقاع فقال: لا أدري فلما نزل جبريل - عليه الصلاة ~~والسلام - سأله فعرج إلى السماء ثم هبط فقال: سألت ربي - عز وجل - عن أفضل ~~البقاع فقال: المساجد، وأفضل أهلها من جاءها أولا وانصرف آخرا وشر أهلها من ~~جاءها آخرا # PageV03P050 # وانصرف أولا» . # ولو قال: يوم أكلم فلانا فامرأته طالق ولا نية له فكلمه ليلا أو نهارا ~~يحنث. # وكذا إذا قال يوم أدخل هذه الدار لأن اليوم إذا قرن بفعل غير ممتد يراد ~~به مطلق الوقت في متعارف أهل اللسان. # قال الله - عز وجل -: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا ~~إلى فئة فقد باء بغضب من الله} [الأنفال: 16] الآية ومن ولى دبره بالليل ~~يلحقه الوعيد كما لو ولى بالنهار فإن نوى به الليل خاصة دين في القضاء لأنه ~~نوى حقيقة كلامه. # وروي عن أبي يوسف أنه لا يدين لأن اللفظ جعل عبارة عن مطلق الوقت في عرف ~~الاستعمال فلا يصدق في الصرف عنه، وإن قال ليلة أكلم فلانا أو ليلة ms1631 يقدم ~~فلان فأنت طالق فكلمه نهارا أو قدم نهارا لا تطلق لأن الليلة في اللغة اسم ~~لسواد الليل، يقال لليلة المظلمة: ليلة ليلاء وليل أليل، ولا عرف ههنا يصرف ~~اللفظ عن مقتضاه لغة حتى لو ذكر الليالي حملت على الوقت المطلق لأنهم ~~تعارفوا استعمالها في الوقت المطلق، معروف ذلك في أشعارهم كما قالوا # ليالي لاقتنا جذام وحمير # ولو قال لامرأته يوم يقدم فلان فأمرك بيدك فقدم فلان ليلا لا يكون لها من ~~الأمر شيء لأن ذكر اليوم في حال الأمر ذكر يراد به الوقت المعين، لأن ذكر ~~الأمر يقتضي الوقت لا محالة وهو المجلس، لأن الصحابة - رضي الله عنهم - ~~جعلوا للمخيرة الخيار ما دامت في مجلسها، فقد وقتوا للأمر وقتا، فإذا كان ~~كذلك استغني عن الوقت فيقع ذكر اليوم على بياض النهار، فإذا قدم نهارا صار ~~الأمر بيدها علمت أو لم تعلم، ويبطل بمضي الوقت لأن هذا أمر موقت فيبطل ~~بمضي الوقت، والعلم ليس بشرط؛ كما إذا قال أمرك بيدك اليوم فمضى اليوم أنه ~~يخرج الأمر من يدها. # وأما في الأمر المطلق فيقتصر على مجلس علمها، ولو قال ليلة يقدم فلان ~~فأمرك بيدك فقدم نهارا لم يثبت لها ذلك الأمر لما ذكرنا أن الليلة عبارة عن ~~سواد الليل. # وذكر في الجامع: إذا قال: والله لا أكلمك الجمعة فله أن يكلمه في غير يوم ~~الجمعة لأن الجمعة اسم ليوم مخصوص كما لو قال لا أكلمك يوم الجمعة، وكذلك ~~لو قال: جمعا له أن يكلمه في غير يوم الجمعة لأن الجمع جمع وهي يوم الجمعة ~~فلا يتناول غيره بخلاف ما إذا قال لا أكلمه أياما أنه يدخل فيه الليالي ~~لأنا إنما عرفنا ذلك بعرف الاستعمال. # قال الله تعالى في قصة زكريا - عليه الصلاة والسلام -: {ثلاثة أيام إلا ~~رمزا} [آل عمران: 41] . # وقال تعالى في موضع آخر: {ثلاث ليال سويا} [مريم: 10] والقصة واحدة ومثل ~~هذا الاستعمال لم يوجد في مثل قوله جمعا، ثم إذا قال: والله لا أكلمك جمعا ~~فهو على ثلاث جمع لأن ms1632 أقل الجمع الصحيح ثلاثة عندنا فيحمل عليه لكونه ~~متيقنا، وإذا قال: الجمع فهو على عشر جمع في قول أبي حنيفة، وكذلك الأيام ~~والأزمنة والأحايين والشهور والسنون أن ذلك يقع على عشرة أيام وعشرة أحايين ~~أو أزمنة وعشرة أشهر وعشرة سنين. # وقال أبو يوسف ومحمد في الجمع والسنين إنه يقع على الأبد. # وكذا في الأحايين والأزمنة وفي الأيام على سبعة، وفي الشهور على اثني ~~عشر، والأصل عندهما فيما دخل عليه حرف التعريف وهو اللام من أسماء الجمع أن ~~ينظر إن كان هناك معهود ينصرف إليه كالسبعة في الأيام والاثني عشر في ~~الشهور، وإن لم يكن هناك معهود ينصرف إلى جميع الجنس فيستغرق العمر كالسنين ~~والأحايين والأزمنة، والأصل عند أبي حنيفة أنه ينصرف ذلك إلى أقصى ما يطلق ~~عليه لفظ الجمع عند اقترانه بالعدد وذلك عشرة (وجه) قولهما أن اللفظ المعرف ~~إذا لم يصرف إلى الجنس فإما أن يصرف إلى المعهود وإما أن يصرف إلى بعض ~~الجنس، والصرف إلى المعهود أولى لأنه لا يحتاج فيه إلى الإدراج وفي الصرف ~~إلى البعض يحتاج إلى إدراج لفظة البعض فكان الصرف إلى المعهود أولى، ~~والمعهود في الأيام السبعة التي يتركب منها الأسبوع وهي من السبت إلى ~~الجمعة، وفي الشهور الاثني عشر التي تركب منها السنة، وإذا لم يكن هناك ~~معهود فالصرف إلى الجنس أولى فيصرف إليه ولأبي حنيفة: استعمال أرباب أهل ~~اللغة وأهل اللسان في الجموع فإن أقصى ما يطلق عليه لفظ الجمع عند اقترانه ~~بالعدد هو العشرة، ويقال: ثلاثة رجال وأربعة رجال وعشرة رجال، ثم إذا جاوز ~~العشرة يقال: أحد عشر رجلا وعشرون رجلا ومائة رجل وألف رجل ولأن لفظ الجمع ~~يطلق على كل قدر من هذه الأقدار التي ذكرنا إلى العشرة في حالة الإبهام ~~والتعيين جميعا، ويطلق على ما وراءها من الأقدار في حالة الإبهام ولا يطلق ~~في حالة التعيين، والاسم متى كان ثابتا لشيء في حالين كان أثبت مما هو اسم ~~له في حال دون حال بل يكون نازلا من الأول منزلة ms1633 المجاز من الحقيقة فكان ~~الصرف إلى ما هو اسم له في # PageV03P051 # الحالين أولى فلهذا اقتصر على العشرة، ولو حلف لا يكلمه أياما فقد ذكر في ~~الأصل أنه على عشرة أيام في قول أبي حنيفة، وسواء بينه وبين الإمام. # وذكر في الجامع أنه على ثلاثة أيام ولم يذكر فيها الخلاف وهو الصحيح لأنه ~~ذكر لفظ الجمع منكرا فيقع على أدنى الجمع الصحيح، وهو ثلاثة عندنا، ولو قال ~~لا أكلمك سنين فهو على ثلاث سنين في قولهم جميعا لما ذكرنا في الأيام، ولو ~~حلف لا يكلمه العمر فهو على جميع العمر إذا لم تكن له نية، ولو قال عمرا ~~فعن أبي يوسف روايتان: في رواية يقع على يوم، وفي رواية يقع على ستة أشهر ~~كالحين، وهو الأظهر، ولو حلف لا يكلمه حقبا فهو على ثمانين سنة لأنه اسم ~~له، ولو حلف لا يكلمه أياما كثيرة فهو على عشرة أيام في قياس قول أبي ~~حنيفة. # وقال أبو يوسف مثله لأنه أدخل الكثرة على اسم الجمع فصار كما لو ذكر ~~فاللام الجنس. # وذكر في الجامع الصغير أن على قول أبي يوسف ومحمد يقع على سبعة أيام، ولو ~~قال لا أكلمك كذا وكذا يوما فهو على أحد وعشرين لأنه أقل عدد يعطف على عدد ~~بحرف العطف، ولو قال كذا كذا يوما فهو على أحد عشر يوما، ولو حلف لا يكلمه ~~بضعة عشر يوما فهو على ثلاثة عشر يوما لأن البضع من ثلاثة إلى تسعة فيحمل ~~على أقلها، ولو حلف لا يكلمه إلى بعيد يقع على شهر فصاعدا، ولو حلف لا ~~يكلمه إلى قريب ولا نية له فهو على أقل من شهر، ولو حلف لا يكلمه عاجلا ولا ~~نية له فهو على أقل من شهر لأن الشهر في حكم الكثير لأنه يجعل أجلا في ~~الديون فكان بعيدا وآجلا وما دونه عاجلا، ولو حلف لا يكلمه مليا يقع على ~~شهر كالبعيد سواء إلا أن يعني به غيره. # وذكر الكرخي قال والله لأهجرنك مليا فهو على شهر وأكثر، ms1634 فإن نوى أقل من ~~ذلك لم يدين في القضاء لأنه جاء في تأويل قوله،: {واهجرني مليا} [مريم: 46] ~~أي طويلا وهذا يقتضي ما زاد على شهر، ولو حلف أن لا يكلمه الشتاء فأول ذلك ~~إذا لبس الناس الحشو والفراء وآخر ذلك إذا ألقوها على البلد الذي حلف فيه، ~~والصيف على ضده، وهو من حين إلقاء الحشو إلى لبسه، والربيع آخر الشتاء ~~ومستقبل الصيف إلى أن ييبس العشب، والخريف فصل بين الشتاء والصيف، والمرجع ~~في ذلك كله إلى اللغة. # وقال خلف بن أيوب: سألت محمدا عن رجل حلف لا يكلم رجلا إلى الموسم. # قال: يكلمه إذا أصبح يوم النحر لأنه أول الموسم. # وقال أبو يوسف يكلمه إذا زالت الشمس يوم عرفة لأنه وقت الركن الأصلي وهو ~~الوقوف بعرفة. # وقال عمر وعن محمد: غرة الشهر ورأس الشهر أول ليلة ويومها، وأول الشهر ~~إلى ما دون النصف، وآخره إلى مضي خمسة عشر يوما، وقد روي عن أبي يوسف فيمن ~~قال: لله علي أن أصوم أول يوم من آخر الشهر وآخر يوم من أول الشهر فعليه ~~صوم اليوم الخامس عشر والسادس عشر لأن الخامس عشر آخر أوله والسادس عشر أول ~~آخره، إذا قال والله لأكلمنك أحد يومين أو لأخرجن أحد يومين، أو قال: ~~اليومين، أو قال: أحد أيامي فهذا كله على أقل من عشرة أيام، إن كلمه قبل ~~العشرة أو خرج قبل العشرة لم يحنث، ويدخل في ذلك الليل والنهار لأن مثل هذا ~~لا يراد به يومان بأعيانهما وإنما يذكر على طريق التقريب على طريق العشرة ~~وما دونها في حكم الزمان الحاضر، فإن قال أحد يومي هذين فهذا على يومه ذلك ~~والغد لأنه أشار إلى اليومين والإشارة تقع على المعين. # ولو حلف لا يكلم فلانا وفلانا هذه السنة إلا يوما فإن جمع كلامهما في يوم ~~له استثناه لا يحنث لأن اليوم الذي يكلمهما فيه مستثنى من اليمين، فإن كلم ~~أحدهما في يوم والآخر في يوم حنث لأن المستثنى يوم يكلمهما جميعا فيه ولو ~~يوجد فقد ms1635 كلمهما في غير اليوم المستثنى فيحنث فإن كلم أحدهما ثم كلمهما ~~جميعا في يوم لم يحنث لأن اليوم الذي كلمهما فيه مستثنى، وشرط الحنث في ~~غيره كلامهما لا كلام أحدهما، وإن كلمهما في يوم آخر لم يحنث لأن الاستثناء ~~وقع على يوم منكر يكلمهما فيه فكأنه قال إلا يوم أكلمهما فيه، ولو استثنى ~~يوما معروفا فكلم أحدهما فيه والآخر في الغد لم يحنث لأن شرط الحنث في غير ~~اليوم المستثنى كلامهما ولم يوجد فلم يوجد الشرط بل بعضه. # وقال محمد إذا قال: لا أكلمهما إلا يوما لم يحنث بكلامهما في يوم واحد ~~وإن كلمهما في يوم آخر حنث لأنه لم يستثن إلا يوما واحدا وقد وجد فصارت ~~اليمين بعده مطلقة. # وروى هشام عن محمد إذا قال لا أكلمك شهرا إلا يوما أو قال غير يوم أنه ~~على ما نوى، وإن لم تكن له نية فله أن يتحرى أي يوم شاء لأنه استثنى يوما ~~منكرا وكل يوم من الشهر يصلح للاستثناء، فإن قال نقصان يوم فهذا على تسعة # PageV03P052 # وعشرين يوما لأن نقصان الشهر يكون من آخره، والله - عز وجل - أعلم، ولو ~~حلف لا يكلم فلانا أو فلانا فكلم أحدهما حنث لأن كلمة أو إذا ذكرت عقيب ~~كلمة النفي أوجبت انتفاء كل واحد من المذكورين على الانفراد. # قال الله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} [الإنسان: 24] أي ولا ~~كفورا، وكذلك لو قال: ولا فلانا لأن كلمة النفي إذا أعيدت تناولت كل واحد ~~من المذكورين على حياله قال الله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في ~~الحج} [البقرة: 197] ولو حلف لا يكلم فلانا وفلانا لم يحنث حتى يكلمهما لأن ~~حرف الواو للجمع، والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع، فكأنه حلف لا ~~يكلمهما، فقد علق الجزاء بشرطين فلا ينزل عند وجود أحدهما دون الآخر، ولو ~~حلف لا يكلم فلانا وفلانا أو فلانا فإن كلم أحد الأولين لا يحنث ما لم ~~يكلمهما، وإن كلم الثالث حنث لأنه جعل شرط الحنث كلام الأولين جميعا ms1636 أو ~~كلام الثالث، فأي ذلك وجد حنث، ولو قال: لا أكلم هذا أو هذا وهذا فإن كلم ~~الأول حنث، وإن كلم أحد الآخرين لم يحنث لأنه جعل شرط الحنث كلام الأول ~~أولا ثم الآخرين فيراعى شرطه، ولو حلف لا يكلم الناس أو لا يكلم بني آدم ~~فكلم واحدا منهم يحنث لأنه لا يمكن حمله على الجنس والعموم لأن الحالف إنما ~~يمنع نفسه عما في وسعه، وليس في وسعه تكليم الناس كلهم، فلم يكن ذلك مراده، ~~وإلى هذا أشار محمد في الجامع فقال: ألا ترى أنه لا يقدر أن يكلم بني آدم ~~كلهم، وليس ههنا معهود يصرف اللفظ إليه فتعين الصرف إلى بعض الجنس، ويضمر ~~فيه لفظة البعض، وإن عنى به الكل لا يحنث أبدا، ويكون مصدقا فيما بينه وبين ~~الله - عز وجل - وفي القضاء أيضا، لأنه نوى حقيقة كلامه وهي الجنس. # وروي عن أبي يوسف أنه لا يدين في القضاء لأنه لا يراد الجنس بهذا الكلام ~~فقد نوى خلاف الظاهر فلا يصدق قضاء وعلى هذا إذا حلف لا يتزوج النساء أو لا ~~يشتري العبيد، ولو حلف لا يبتدئ فلانا بكلامه أبدا فالتقيا فسلم كل واحد ~~منهما على صاحبه معا لم يحنث الحالف لعدم شرط الحنث وهو ابتداؤه فلانا ~~بالكلام لأن ذلك بتكليمه قبل تكليم صاحبه ولم يوجد، وكذلك لو قال إن كلمتك ~~قبل أن تكلمني فإنه لما خرج كلاماهما معا فلم يكلم الحالف قبل تكليمه فلم ~~يوجد شرط الحنث، ولو قال إن كلمتك حتى تكلمني فتكلما معا لم يحنث في قول ~~أبي يوسف. # وقال محمد يحنث. # وجه قوله: إن الحالف بقوله إن كلمتك منع نفسه عن تكليمه مطلقا وجعل تكليم ~~صاحبه إياه غاية لانحلال اليمين، فإذا كلمه قبل وجود الغاية حنث، ولأبي ~~يوسف أن غرض الحالف من هذا الكلام أن يمنع نفسه عن تكليم المحلوف عليه قبل ~~كلامه ولم يوجد ذلك فصار كأنه قال: إن بدأتك، وعلى هذا الخلاف إذا قال لا ~~أكلمك إلا أن تكلمني لأن كلمة (إلا أن) ms1637 إذا دخلت على ما يتوقت كانت بمعنى ~~حتى. # قال الله تعالى: {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع ~~قلوبهم} [التوبة: 110] وكذلك لو حلف لا يدخل هذه الدار حتى يدخلها فلان ~~وحلف الآخر على مثل ذلك فدخلا جميعا لم يحنث عند أبي يوسف، ويحنث عند محمد، ~~والله - عز وجل - أعلم. ### | [فصل في الحلف على الإظهار والإفشاء والإعلان ونحوها] # (فصل) : # وأما الحلف على الإظهار والإفشاء والإعلان والكتمان والإسرار والإخفاء ~~والإخبار والبشارة والقراءة ونحوها إذا حلف لا أظهر سرك لفلان أو لا أفشي، ~~أو حلف ليكتمن سره أو ليسترنه أو ليخفينه فكلم فلانا بسره أو كتب إليه ~~فبلغه الكتاب، أو أرسل إليه رسولا فبلغه الرسالة، أو سأله فلان عن ذلك. # وقال أكان من الأمر كذا فأشار الحالف برأسه أي نعم فهو حانث لوجود شرط ~~الحنث وهو إظهار السر إذ الإظهار إثبات الظهور وذلك لا يقف على العبارة بل ~~يحصل بالدلالة والإشارة. # ألا ترى أنه يقال ظهر لي اعتقاد فلان إذا فعل ما يدل على اعتقاده وكذا ~~الإشارة بالرأس عقيب السؤال يثبت به ظهور المشار إليه فكان إظهارا، فإن نوى ~~به الكلام أو الكتاب دون الإيماء دين في ذلك لأنه نوى تخصيص ما في لفظه ~~فيدين فيما بينه وبين الله - عز وجل -. # وكذلك لو حلف لا يعلم فلانا بمكان فلان فسأله المحلوف عليه أفلان في موضع ~~كذا وكذا؟ فأومأ برأسه أي نعم يحنث لوجود شرط الحنث وهو الإعلام إذ هو ~~إثبات العلم الذي يحد بأنه صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت هي به فإن نوى ~~به الإخبار بالكلام أو بالكتاب يدين فيما بينه وبين الله تعالى لأنه نوى ~~تخصيص العموم وإنه جائز، وإن كان خلاف الظاهر فيصدق فيما بينه وبين الله # PageV03P053 # تعالى ولا يصدق في القضاء لمخالفته الظاهر، ولو كان مكان الإعلام إخبار ~~بأن حلف لا يخبر فلانا بمكان فلان لا يحنث إلا بالكلام أو بالكتاب أو ~~بالرسالة، ولو أومأ برأسه لا يحنث. # وكذا لو ذهب به حتى أوقفه على ms1638 رأس فلان لا يحنث لأن شرط الحنث هو ~~الإخبار، والإشارة ليست بخبر وكذا الإيقاف على رأسه إذ الخبر من أقسام ~~الكلام. # ألا ترى أنهم قالوا أقسام الكلام أربعة: أمر ونهي وخبر واستخبار، ويحد ~~بأنه كلام عري عن معنى التكليف والإشارة ليست بكلام فلم تكن خبرا. # والإيقاف على رأسه من باب الإعلام لا من باب الخبر، وكل خبر إعلام وليس ~~كل إعلام خبرا، والدليل عليه أن الكتاب إذا قرئ على إنسان. # وقيل له أهو كما كتب فيه فأشار برأسه أي نعم لا يصير مقرا، وكل إقرار ~~إخبار. # وكذا لو حلف لا يقر لفلان بمال فقيل له ألفلان عليك ألف درهم؟ فأشار ~~برأسه أي نعم لا يكون ذلك منه إقرارا. # وكذا إذا قرأ على إنسان كتاب الأخبار فقيل له أهو كما قرأت عليك؟ فأومأ ~~برأسه أي نعم لا يصير مقرا، وكل إقرار إخبار. # وكذا إذا قرأ على إنسان كتاب الأخبار فقيل له أهو كما قرأت عليك؟ فأومأ ~~برأسه أي نعم ليس له أن يروي عنه بحدثنا ولا بأخبرنا فدل أن الإيماء ليس ~~بإخبار، ولو نوى بالإخبار الإظهار أو الإعلام يحنث إذا أومأ لأنه جعله ~~مجازا عن الإظهار لمناسبة بينهما، وفيه تشديد على نفسه فيصدق، ثم في يمين ~~الإظهار والإعلام لو أراد الحالف أن لا يحنث ويحصل العلم والظهور ينبغي أن ~~يقال له إنا نعد عليك أمكنة أو أشياء من الأسرار فإن لم تتكلم بمكان فلان ~~ولا سره فقل لنا ليس كما تقولون. # وإن تكلمنا بسره أو بمكانه فاسكت ففعل ذلك لا يحنث لانعدام شرط الحنث وهو ~~الإظهار والإعلام لما ذكرنا أن الإظهار هو إثبات الظهور، والإعلام هو إثبات ~~العلم ولم يوجد، لأن الظهور والعلم حصل من غير صنعه، وهذه الحيلة منقولة عن ~~أبي حنيفة، والقصة مشهورة، وكذلك لو حلف لا يدلهم ففعل مثل ذلك فهذا ليس ~~بدلالة لأن الحالف حلف على فعل نفسه وهو الدلالة لا على فعلهم وهو ~~الاستدلال، والموجود ههنا فعلهم لا فعله فلم يوجد شرط الحنث فلا يحنث، ولو ms1639 ~~أومأ إليهم برأسه أو أشار إليهم كان ذلك دلالة إلا أن يعني بالدلالة الخبر ~~باللسان أو بالكتاب فيكون على ما عنى لأن اسم الدلالة يقع على الفعل والقول ~~لوجود معناها فيهما، فإذا نوى به أحدهما فقد نوى تخصيص ما في لفظه فيصدق، ~~والبشارة حكمها حكم الخبر في أنها لا تتناول إلا الكلام أو الكتاب لأنها ~~خبر إلا أنها خبر موصوف بصفة وهو الخبر الذي يؤثر في بشرة وجه المخبر له ~~بإظهار أثر السرور، وقد يستعمل فيما يؤثر في بشرته بإظهار أثر الحزن مجازا ~~كما في قوله - عز وجل -: {فبشرهم بعذاب أليم} [آل عمران: 21] لكن عند ~~الإطلاق يقع على الأول، وإنما يقع على الثاني بالقرينة. # وكذا الإقرار بأن حلف أن لا يقر لفلان بحقه فهو على مثل الخبر، ولا يحنث ~~بالإشارة لأن الإقرار إخبار عن الماضي، ثم يقع الفرق بين البشارة والإعلام ~~وبين الإخبار من حيث إن الإعلام والبشارة يشترط لثبوتها الصدق، فلا يثبتان ~~بالكذب ولا بما علمه المخاطب قبل الإعلام والبشارة، سواء وصل ذلك بحرف ~~الباء أو بكلمة إن حتى إنه لو قال لغيره إن أعلمتني أن فلانا قدم أو قال إن ~~أعلمتني بقدوم فلان فأخبره كاذبا لا يحنث لأن الإعلام إثبات العلم والكذب ~~لا يفيد العلم. # وكذا لو كان المخاطب عالما بقدومه لأن إثبات الثابت محال. # وكذا في البشارة لأنها اسم لخبر سار والكذب لا يسر، وإذا كان عالما ~~بقدومه فالسرور كان حاصلا وتحصيل الحاصل مستحيل. # وأما الخبر فإن وصله بحرف الباء بأن قال: إن أخبرتني بقدوم فلان فالجواب ~~فيه وفي الإعلام والبشارة سواء، وإن وصله بكلمة إن بأن قال: إن أخبرتني أن ~~فلانا قدم فأخبره كاذبا أو أخبره بعدما كان علم المخاطب بقدومه بإخبار غيره ~~يحنث، والفرق يعرف في الجامع الكبير، ولو حلف لا يتكلم بسر فلان ولا بمكانه ~~فكتب أو أشار لا يحنث لأن الكتابة والإشارة ليست بكلام وإنما تقوم مقامه. # ألا ترى أن الله تعالى أنزل إلينا كتابا؟ ولا يقال إن الله تعالى في ~~العرف كلمنا؟ ms1640 فإن سئل عنه فقال نعم فقد تكلم؛ لأن قوله نعم لا يستقل بنفسه ~~ويضمر فيه السؤال كما في قوله تعالى - {فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا ~~نعم} [الأعراف: 44] أي وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فقد أتي بكلام دال على ~~المراد، ولو حلف لا يستخدم فلانة فاستخدمها بكلام أو أمرها بشيء من خدمة أو ~~أشار إليها بالخدمة فقد استخدمها فهو حانث لأن الاستخدام طلب الخدمة وقد ~~وجد، ولو كانت هذه # PageV03P054 # الأيمان كلها وهو صحيح ثم خرس فصار لا يقدر على الكلام كانت أيمانه في ~~هذا كله على الإشارة والكتاب في جميع ما وصفنا إلا في خصلة واحدة وهي أن ~~يحلف أن لا يتكلم بسر فلان فلا يحنث إلا بالتكلم لأن الكلام العرفي اسم ~~لحروف منظومة تدل على معنى مفهوم وذلك لو وجد في الإشارة والخبر والإفشاء ~~والإظهار من الأخرس إنما يكون بالإشارة فيحنث بهما وكل شيء حنث فيه من هذه ~~الأشياء بالإشارة فقال أشرت وأنا لا أريد الذي حلفت عليه فإن كان فعل ذلك ~~جوابا بالشيء مما سئل عنه لم يصدق في القضاء لأن الإشارة فيها احتمال فإن ~~كان هناك دلالة حال زال الاحتمال وإن لم يكن يرجع إلى نيته. # وذكر ابن سماعة في نوادره عن محمد إذا قال: والله لا أقول كذا لفلان فهو ~~عندي مثل الخبر والبشارة. # ألا ترى أن رجلا لو قال: والله لا أقول لفلان صبحك الله بخير ثم أرسل ~~إليه رسولا فقال قل لفلان يقول لك فلان صبحك الله بخير فإنه حانث. # قال ألا ترى أن القائل هو المرسل وأن الرسول هو القائل ذلك لفلان؟ ولو ~~كان هو هذا الذي حلف عليه لم يحنث. # ألا ترى أن الرجل يقول: قال الله - عز وجل - لنا في كتابه الكريم كذا؟ ~~ولو قال: والله لا أكلم فلانا بهذا الأمر فهذا على الكلام بعينه لا يحنث ~~بكتاب ولا رسول. # ألا ترى أنك لا تقول كلمنا الله - تعالى - بكذا؟ وأما الحديث فهو على ~~المشافهة لأن ما سوى الكلام ليس بحديث. ms1641 # ولو قال أي عبيدي يبشرني بكذا فهو حر فبشروه جميعا عتقوا لوجود البشارة ~~من كل واحد منهم لوجود حد البشارة وهو ما ذكرناه، ولو بشره واحد بعد واحد ~~لم يعتق الثاني لأنه ليس بمبشر وإنما هو مخبر. # ألا ترى أن خبر الثاني لا يؤثر في وجه المخبر، ولهذا قال ابن مسعود - رضي ~~الله عنه - لما بلغه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «من أراد أن يقرأ ~~القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأ بقراءة ابن أم عبد» وأخبره بذلك أبو بكر ~~ثم عمر - رضي الله عنهما - فقال - رضي الله عنه -: بشرني به أبو بكر ثم ~~أخبرني به عمر - رضي الله عنهما -، فإن أرسل إليه أحدهم رسولا فإن أضاف ~~الرسول الخبر إلى المرسل فقال إن عبدك فلانا يخبرك بكذا عتق العبد لأن ~~المرسل هو المبشر، وإن أخبر الرسول ولم يضف ذلك إلى العبد لم يعتق العبد ~~لأن البشارة منه لا من المرسل، ولو حلف لا يكتب إلى فلان فأمر غيره فكتب ~~فقد روى هشام عن محمد أنه قال سألني هارون الرشيد أمير المؤمنين - أصلحه ~~الله - عن هذا فقلت: إن كان سلطانا يأمر بالكتاب ولا يكاد هو يكتب فإنه ~~يحنث لأنه إذا كان لا يباشر الكتابة بنفسه عادة بل يستكتب غيره فيمينه تقع ~~على العادة وهو الأمر بالكتابة. # قال هشام: قلت لمحمد فما تقول إذا حلف لا يقرأ لفلان كتابا فنظر في كتابه ~~حتى أتى آخره وفهمه ولم ينطق به؟ قال: سأل هارون أبا يوسف عن ذلك وقد كان ~~ابتلي بشيء منه فقال لا يحنث، ولا أرى أنا ذلك، وقد روى خلف بن أيوب وداود ~~بن رشيد وابن رستم أيضا عن محمد أنه يحنث، فأبو يوسف اعتبر الحقيقة لأنه لم ~~يقرأه حقيقة إذ القراءة لا تكون إلا بتحريك اللسان بالحروف ولم يوجد. # ألا ترى أن المصلي القادر على القراءة إذا لم يحرك لسانه بالحروف لا تجوز ~~صلاته. # وكذا لو حلف لا يقرأ سورة من القرآن فنظر فيها وفهمها ولم يحرك لسانه لم ~~يحنث، ms1642 ومحمد اعتبر العرف والعادة، ومعاني كلام الناس وهم إنما يريدون بمثل ~~هذه اليمين الامتناع عن الوقوف على ما في الكتاب وقد وقف على ما فيه فيحنث. # قال هشام عن محمد: إذا قرأ الكتاب إلا سطرا قال كأنه قرأه، قلت: فإن قرأ ~~نصفه قال لا يعني لم يقرأه. # قال محمد: إذا قرأ بعضه فإن أتى على المعاني التي يحتاج إليها فكأنه قد ~~قرأه لأن تلك المعاني هي المقصودة بالكتاب، ولو حلف لا يقرأ سورة فترك منها ~~حرفا حنث، وإن ترك آية طويلة لم يحنث لأنه يسمى قارئا للسورة مع ترك حرف ~~منها ولا يسمى مع ترك ما هو في حكم الآية الطويلة. # وروى ابن رستم عن محمد أنه قال: لا أبلغك مثل لا أخبرك، وكذلك أذكرك بشيء ~~أو لا أذكرك شيئا، فإنه يحنث بالكتاب،. # فأما الذكر والإخبار والإعلام والإبلاغ على الكتاب والقول والكلام على ~~الكتاب أيضا قال عمر وسألت محمدا عن رجل حلف لا يتمثل بشعر فتمثل بنصف بيت ~~قال: لا يحنث. # قال: قلت: فإن كان نصف البيت من شعر آخر؟ قال لا أدري ما هذا لا يحنث لأن ~~الشعر ما ظهر فيه النظم وذلك لا يكون إلا في بيت. # قال: وسألت محمدا عن رجل فارسي حلف أن يقرأ (الحمد) بالعربية فقرأها فلحن ~~قال لا يحنث، وإن حلف رجل فصيح أن يقرأ (الحمد) بالعربية فقرأها فلحن # PageV03P055 # حنث إذا لم يكن لأحدهما نية لأن العربي إنما أراد بيمينه أن يقرأ بموضوع ~~العرب وذلك المعرب دون الملحون،. # فأما العجمي فإنما يريد اللغة العربية دون العجمية والملحون يعد من ~~العربية والله - عز وجل - أعلم. ### | [فصل في الحلف على الأكل والشرب ونحوهما] # (فصل) : # وأما الحلف على الأكل والشرب والذوق والغداء والعشاء والسحور والضحوة ~~والتصبح فلا بد من بيان معاني هذه الأشياء، فالأكل هو إيصال ما يحتمله ~~المضغ بفيه إلى الجوف مضغ أو لم يمضغ كالخبز واللحم والفاكهة ونحوها، ~~والشرب إيصال ما لا يحتمل المضغ من المائعات إلى الجوف مثل الماء والنبيذ ~~واللبن والعسل والممخوض والسويق ms1643 الممخوض وغير ذلك، فإن وجد ذلك يحنث وإلا ~~فلا يحنث إلا إذا كان يسمى ذلك أكلا أو شربا في العرف والعادة فيحنث إذا ~~عرف هذا فنقول إذا حلف لا يأكل كذا ولا يشربه فأدخله في فيه ومضغه ثم ألقاه ~~لم يحنث حتى يدخله في جوفه لأنه بدون ذلك لا يكون أكلا وشربا بل يكون ذوقا ~~لما نذكر معنى الذوق - إن شاء الله تعالى في موضعه، قال هشام سألت محمدا عن ~~رجل حلف لا يأكل هذه البيضة أو لا يأكل هذه الجوزة فابتلعها قال قد حنث ~~لوجود حد الأكل وهو ما ذكرنا، ولو حلف لا يأكل عنبا أو رمانا فجعل يمضغه ~~ويرمي بثفله ويبلع ماءه لم يحنث في الأكل ولا في الشرب لأن ذلك ليس بأكل ~~ولا شرب بل هو مص. # وإن عصر ماء العنب فلم يشربه به وأكل قشره وحصرمه فإنه يحنث لأن الذاهب ~~ليس إلا الماء وذهاب الماء لا يخرجه من أن يكون أكلا له. # ألا ترى أنه إذا مضغه وابتلع الماء أنه لا يكون أكلا بابتلاع الماء بل ~~بابتلاع الحصرم فدل أن أكل العنب هو أكل القشر والحصرم منه وقد وجد فيحنث. # وقال هشام عن محمد في رجل حلف لا يأكل سكرا فأخذ سكرة فجعلها في فيه فجعل ~~يبلع ماءها حتى ذابت قال لم يأكل لأنه حين أوصلها إلى فيه وصلت وهي لا ~~تحتمل المضغ. # وكذا روي عن أبي يوسف فيمن حلف لا يأكل رمانا فمص رمانة أنه لا يحنث. # ولو حلف لا يأكل هذا اللبن فأكله بخبز أو تمر أو حلف لا يأكل هذا الخل ~~فأكله بخبز يحنث لأن أكل اللبن هكذا يكون وكذلك الخل لأنه من جملة الإدام ~~فيكون أكله بالخبز كاللبن، فإن أكل ذلك بانفراده لا يحنث لأن ذلك شرب وليس ~~بأكل، فإن صب على ذلك الماء ثم شربه لم يحنث في قوله لا آكل لعدم الأكل، ~~ويحنث في قوله لا أشرب لوجود الشرب، وكذلك إن حلف لا يأكل هذا الخبز فجففه ~~ثم دقه وصب ms1644 عليه الماء فشربه لا يحنث لأن هذا شرب لا أكل، فإن أكله مبلولا ~~أو غير مبلول يحنث لأن الخبز هكذا يؤكل عادة، وكذلك السويق إذا شربه بالماء ~~فهو شارب وليس بآكل. # ولو حلف لا يأكل طعاما فإن ذلك يقع على الخبز واللحم والفاكهة سوى التمر ~~ونحو ذلك، ويقع على ما يؤكل على سبيل الإدام مع الخبز لأن الطعام في اللغة ~~اسم لما يطعم إلا أنه في العرف اختص بما يؤكل بنفسه أو مع غيره عادة ولا ~~يقع على الهليلج والسقمونيا وإن كان ذلك مطعوما في نفسه لأنه لا يؤكل عادة، ~~وإن حلف لا يأكل من طعام فلان فأخذ من خله أو زيته أو كامخه أو ملحه فأكل ~~بطعام نفسه يحنث لأن العادة قد جرت بأكل هذه الأشياء مع الخبز إداما له. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نعم الإدام الخل» فكان طعاما عرفا ~~فيحنث، فإن أخذ من نبيذ فلان أو مائه فأكل به خبزا لا يحنث لأنه لا يؤكل مع ~~الخبز عادة فلا يسمى طعاما. # وكذا قال أبو يوسف: الخل طعام والنبيذ والماء شراب. # وقال محمد: الخل والملح طعام لما ذكرنا أن الخل والملح مما يؤكل مع غيره ~~عادة، والنبيذ والماء لا يؤكل عادة. # ولو حلف لا يشتري طعاما فإنه يقع على الحنطة ودقيقها، وكان ينبغي في ~~القياس أن يقع على جميع المطعومات كما في اليمين على الأكل إلا أن في ~~الاستحسان يقع على الحنطة ودقيقها لأن البيع لا يتم بنفسه بل بالبائع، ~~وبائع الحنطة يسمى بائع الطعام في العرف، والأكل يتم بنفسه فيعتبر نفس ~~الأكل دون غيره وصار هذا كمن حلف لا يشتري حديدا فاشترى سيفا لم يحنث لأن ~~بائعه لا يسمى حدادا، ولو حلف لا يمس حديدا فمس سيفا يحنث لأن المس فعل يتم ~~بنفسه وعلى هذا باب الزيادات. # وروي عن أبي يوسف فيمن حلف لا يأكل طعاما فاضطر إلى ميتة فأكل منها لم ~~يحنث. # وقال الكرخي: وهو إحدى الروايتين عن محمد. # وروى ابن رستم عن محمد أنه ms1645 يحنث. # وجه هذه الرواية أن الميتة في حال المخمصة طعام مباح في حق المضطر بمنزلة ~~الطعام المباح في غير هذه الحالة فوجد شرط الحنث فيحنث. # وجه قول أبي يوسف وإحدى # PageV03P056 # الروايتين عن محمد أن إطلاق اسم الطعام لا يتناوله لأنه لا يسمى طعاما ~~عرفا وعادة لأنه لا يؤكل عادة، ومبنى الأيمان على معاني كلام الناس. # وروي عن أبي يوسف في رجل حلف لا يأكل حراما فاضطر إلى ميتة فأكلها قال لا ~~يحنث. # وروي عنه أنه حانث في يمينه وإثمه موضوع. # وجه هذه الرواية أن الميتة محرمة، والرخصة أثرها في تغيير الحكم وهو ~~المؤاخذة لا في تغيير وصف الفعل وهو الحرمة كالمكره على أكل مال الغير. # وجه الرواية الأولى وهي الصحيحة أن الميتة حال المخمصة مباحة مطلقا لا ~~حظر فيها بوجه في حق المضطر، وأثر الرخصة في تغيير الحكم والوصف جميعا ~~بدليل أنه لو امتنع حتى مات يؤاخذ به ولو بقيت الحرمة لم تثبت المؤاخذة كما ~~لو امتنع من تناول مال الغير حالة المخمصة أو الإكراه. # وقال خلف بن أيوب: سألت أسد بن عمر - رضي الله عنهما - في رجل حلف لا ~~يأكل حراما فأكل لحم قرد أو كلب أو حدأة أو غراب قال لا يحنث إلا أن يعني ~~ذلك فيحنث لأن مطلق الحرام هو ما تثبت حرمته بدليل مقطوع به وحرمة هذه ~~الأشياء محل الاجتهاد. # وقال خلف بن أيوب: سألت الحسن فقال: هذا كله حرام لقيام دليل الحرمة ~~فيها، وإن لم يكن مقطوعا به. # وروى المعلى عن أبي يوسف ومحمد فيمن حلف لا يركب حراما قال هذا على الزنا ~~لأن الحرام المطلق ينصرف إلى الحرام لعينه وهو الزنا، ولأنه يراد به الزنا ~~في العرف فينصرف إليه. # وقال محمد فإن كان الحالف خصيا أو مجبوبا فهو على القبلة الحرام وما ~~أشبهها،. # ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن حلف لا يطأ امرأة وطئا حراما فوطئ امرأته وقد ~~ظاهر منها أو وهي حائض قال لا يحنث إلا أن ينوي ذلك لأن الحرمة تثبت بعارض ms1646 ~~الحيض والظهار ومطلق التحريم لا يقع على التحريم العارض. # ابن رستم عن محمد فيمن حلف لا يأكل حراما فاشترى بدرهم غصبه من إنسان ~~طعاما فأكله لم يحنث لأن مطلق اسم الحرام إنما يقع على ما كانت حرمته لحق ~~الله تعالى وحرمة هذا لحق العبد، ولو غصب خبزا أو لحما فأكله يحنث بعرف ~~الناس. # ولو حلف لا يأكل من طعام اشتراه فلان فأكل من طعام اشتراه مع آخر حنث إلا ~~أن يكون نوى شراءه وحده، وكذلك لو حلف لا يأكل من طعام ملكه فلان لأن بعض ~~الطعام طعام حقيقة ويسمى طعاما عرفا أيضا بخلاف ما إذا حلف لا يدخل دار ~~فلان فدخل دارا بينه وبين آخر أنه لا يحنث لأن بعض الدار لا يسمى دارا، ~~وكذلك لو حلف لا يلبس ثوبا يملكه فلان أو يشتريه فلان فلبس ثوبا اشتراه ~~فلان مع آخر لا يحنث لأن بعض الثوب لا يسمى ثوبا. # ولو حلف لا يأكل إداما فالإدام كل ما يضطبع به مع الخبز عادة كاللبن ~~والزيت والمرق والخل والعسل ونحو ذلك وما لا يضطبع به فليس بإدام مثل اللحم ~~والشوى والجبن والبيض، وهذا قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يوسف. # وقال محمد وهو أحد الروايتين عن أبي يوسف إن كل ما يؤكل بالخبز فهو إدام ~~مثل اللحم والشوى والبيض والجبن. # وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أن الجوز اليابس إدام، واحتج محمد بما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «سيد إدام أهل الجنة اللحم وسيد ~~رياحين أهل الجنة الفاغية وهي ورد الحناء» وهذا نص ولأن الإدام من الائتدام ~~وهو الموافقة. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمغيرة حين أراد أن يتزوج امرأة: «لو ~~نظرت إليها لكان أحرى أن يؤدم بينكما» أي يكون بينكما الموافقة، ومعنى ~~الموافقة بين الخبز وبين هذه الأشياء في الأكل ظاهر فكانت إداما، ولأن ~~الناس يأتدمون بها عرفا وعادة، ولأبي حنيفة أن معنى الإدام وهو الموافقة ~~على الإطلاق، والكمال لا يتحقق إلا فيما لا ms1647 يؤكل بنفسه مقصودا بل يؤكل تبعا ~~لغيره عادة. # وأما ما يؤكل بنفسه مقصودا فلا يتحقق فيه معنى الموافقة، وما لا يضطبع ~~يؤكل بنفسه فيختل معنى الإدام فيه، واللحم ونحوه مما يؤكل بنفسه عادة مع أن ~~من سكان البراري من لا يتغذى إلا باللحم وبه تبين أن إطلاق اسم الإدام عليه ~~في الحديث على طريق المجاز. # والبطيخ ليس بإدام في قولهم جميعا لأنه لا يحتمل الاضطباع به ولا يؤكل ~~بالخبز عادة. # وكذا البقل ليس بإدام في قولهم. # ألا ترى أن آكله لا يسمى مؤتدما؟ وسئل محمد عن رجل حلف لا يأكل خبزا ~~مأدوما؟ فقال الخبز المأدوم الذي يثرد ثردا يعني في المرق والخل وما أشبهه، ~~فقيل له: فإن ثرده في ماء أو ملح فلم ير ذلك مأدوما لأن من أكل خبزا بماء ~~لا يسمى مؤتدما في العرف. # وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: إن تسمية هذه الأشياء على ما يعرف أهل تلك ~~البلاد في كلامهم. # ولو حلف لا يأكل # PageV03P057 # خبزا ولا نية له فهو على خبز الحنطة والشعير إلا إن كان الحالف في بلد لا ~~يؤكل فيها إلا خبز الحنطة فإن يمينه تقع على خبز الحنطة لا غير، وإن أكل من ~~خبز لوزينج وأشباه ذلك لا يحنث إلا أن يكون نواه، وإن أكل من خبز الذرة ~~والأرز فإن كان من أهل بلاد ذلك طعامهم حنث، وإن كان من أهل الكوفة ونحوها ~~ممن لا يأكل ذلك عامتهم لا يحنث إلا أن ينوي ذلك لأن اسم الخبز يقع على خبز ~~الحنطة والشعير ولا يراد به خبز القطائف عند الإطلاق فلا يحمل عليه. # وكذا خبز الأرز في البلاد التي لا يعتاد أكله فيها. # ولو حلف لا يأكل لحما فأي لحم أكل من سائر الحيوان غير السمك يحنث، ثم ~~يستوى فيه المحرم وغير المحرم والمطبوخ والمشوي والضعيف لأن اللحم اسم ~~لأجزاء الحيوان الذي يعيش في البر فيحنث إذا أكل لحم ميتة أو خنزير أو ~~إنسان أو لحم شاة ترك ذابحها التسمية على ذبحها عمدا أو ms1648 أكل ذبيحة مجوسي أو ~~مرتد أو لحم صيد ذبحه المحرم. # ويستوي فيه لحم الغنم والبقر والإبل لأن اسم اللحم يتناول الكل، وإن أكل ~~سمكا لا يحنث وإن سماه الله - عز وجل - لحما في القرآن العظيم بقوله تعالى: ~~{لحما طريا} [النحل: 14] لأنه لا يراد به عند الإطلاق اسم اللحم، فإن الرجل ~~يقول ما أكلت اللحم كذا وكذا يوما، وإن كان قد أكل سمكا. # ألا ترى أن من حلف لا يركب دابة فركب كافرا لا يحنث وإن سماه الله - عز ~~وجل - دابة بقوله - عز وجل -: {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا} ~~[الأنفال: 55] وكذا لو حلف لا يخرب بيتا فخرب بيت العنكبوت لم يحنث وإن ~~سماه الله - سبحانه وتعالى - بيتا في كتابه العزيز بقوله: {وإن أوهن البيوت ~~لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} [العنكبوت: 41] وكذا كل شيء يسكن الماء فهو ~~مثل السمك. # ولو أكل أحشاء البطن مثل الكرش والكبد والفؤاد والكلى والرئة والأمعاء ~~والطحال ذكر الكرخي أنه يحنث في هذا كله إلا في شحم البطن، وهذا الجواب على ~~عادة أهل الكوفة في زمن أبي حنيفة وفي الموضع الذي يباع مع اللحم. # وأما في البلاد التي لا يباع مع اللحم أيضا فلا يحنث به،. # فأما شحم البطن فليس بلحم ولا يتخذ منه ما يتخذ من اللحم ولا يباع مع ~~اللحم أيضا، فإن نواه يحنث لأنه شدد على نفسه وكذلك الألية لا يحنث بأكلها ~~لأنها ليست بلحم، فإن أكل شحم الظهر أو ما هو على اللحم حنث لأنه لحم لكنه ~~لحم سمين. # ألا ترى أنه يقال لحم سمين؟ وكذا يتخذ منه ما يتخذ من اللحم، وكذلك لو ~~أكل رءوس الحيوانات ما خلا السمك يحنث لأن الرأس عضو من أعضاء الحيوان فكان ~~لحمه كلحم سائر الأعضاء بخلاف ما إذا حلف لا يشتري لحما فاشترى رأسا أنه لا ~~يحنث لأن مشتريه لا يسمى مشتري لحم وإنما يقال اشترى رأسا. # ولو حلف لا يأكل شحما فاشترى شحم الظهر لم يحنث في قول أبي حنيفة، وعند ~~أبي يوسف ومحمد ms1649 يحنث. # وذكر في الجامع الصغير في رجل حلف لا يشتري شحما فأي شحم اشترى لم يحنث ~~إلا أن يشتري شحم البطن. # وكذا لو حلف لا يأكل شحما، ولهما قوله تعالى: {ومن البقر والغنم حرمنا ~~عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما} [الأنعام: 146] والمستثنى من جنس ~~المستثنى منه فدل أن شحم الظهر شحم حقيقة ولأبي حنيفة أنه لا يسمى شحما ~~عرفا وعادة بل يسمى لحما سمينا فلا يتناوله اسم الشحم عند الإطلاق، وتسمية ~~الله تعالى إياه شحما لا يدل على دخوله تحت اليمين إذا لم يكن الاسم ~~متعارفا لأن مطلق كلام الناس ينصرف إلى ما يتعارفونه كما ضربنا من الأمثلة ~~في لحم السمك. # وقال الله تعالى: {وجعل الشمس سراجا} [نوح: 16] . # وقال - سبحانه وتعالى -: {الأرض بساطا} [نوح: 19] ثم لا يدخلان في اليمين ~~على البساط والسراج كذا هذا، وقد قالوا فيمن حلف لا يشتري شحما ولا لحما ~~فاشترى ألية أنه لا يحنث لأنها ليست بشحم ولا لحم. # وقال عمرو عن محمد فيمن أمر رجلا أن يشتري له شحما فاشترى شحم الظهر أنه ~~لا يجوز على الأمر، وهذا يدل على أن إطلاق اسم الشحم لا يتناول شحم الظهر ~~كما قاله أبو حنيفة فيكون حجة على محمد. # ولو حلف لا يأكل له لحم دجاج فأكل لحم ديك حنث لأن الدجاج اسم للأنثى ~~والذكر جميعا. # قال جرير # لما مررت بدير الهند أرقني ... صوت الدجاج وضرب بالنواقيس # فأما الدجاجة فإنها اسم للأنثى، والديك اسم للذكر، واسم الإبل يقع على ~~الذكور والإناث. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «في خمس من الإبل السائمة شاة» ولم ~~يرد به أحد النوعين خاصة. # وكذا اسم الجمل والبعير والجزور. # وكذا هذه الأسامي الأربعة تقع على البخاتي والعراب وغير ذلك من أنواع ~~الإبل واسم البختي لا يقع على العربي وكذا اسم العربي لا يقع # PageV03P058 # على البختي، واسم البقر يقع على الذكور والإناث. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة» ~~وأراد به الذكور والإناث جميعا. # وكذا اسم البقرة قال ms1650 الله عز وجل: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} ~~[البقرة: 67] وقيل إن بقرة بني إسرائيل كانت ذكرا وتأنيثها بالذكر بقوله ~~تعالى: {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} [البقرة: 68] لتأنيث اللفظ دون ~~المعنى كما في قوله تعالى: {وإذ قالت طائفة} [الأحزاب: 13] # وقال سبحانه وتعالى: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [فاطر: 24] والشاة ~~تقع على الذكر والأنثى قال النبي: - صلى الله عليه وسلم -: «في أربعين شاة» ~~والمراد منه الذكور والإناث. # وكذا الغنم اسم جنس، والنعجة اسم للأنثى، والكبش للذكر، والفرس اسم ~~للعراب ذكرها وأنثاها، والبرذون اسم لغير العراب من الطحارية ذكرها ~~وأنثاها، وقالوا إن البرذون اسم للتركي ذكره وأنثاه والخيل اسم جنس يتناول ~~الأفراس العراب والبراذين، والحمار اسم للذكر والحمارة والأتان اسم للأنثى، ~~والبغل والبغلة كل واحد منهما اسم للذكر والأنثى. # وإن حلف لا يأكل رأسا فإن نوى الرءوس كلها من السمك والغنم وغيرها فأي ~~ذلك أكل حنث لأن اسم الرأس يقع على الكل، وإن لم يكن له نية فهو على رءوس ~~الغنم والبقر خاصة في قول أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد اليمين اليوم على رءوس الغنم خاصة، والأصل في هذا أن ~~قوله لا آكل رأسا فبظاهره يتناول كل رأس لكنه معلوم أن العموم غير مراد لأن ~~اسم الرأس يقع على رأس العصفور ورأس الجراد ويعلم أن الحالف ما أراد ذلك ~~فكان ذلك المراد بعض ما يتناوله الاسم وهو الذي يكبس في التنور ويباع في ~~السوق عادة، فكأن أبا حنيفة رأى أهل الكوفة يكبسون رءوس الغنم والبقر ~~والإبل ويبيعونها في السوق فحمل اليمين على ذلك ثم رآهم تركوا رءوس الإبل ~~واقتصروا على رءوس الغنم والبقر فحمل اليمين على ذلك، وأبو يوسف ومحمد دخلا ~~بغداد وقد ترك الناس البقر واقتصروا على الغنم فحملا اليمين على ذلك فلم ~~يكن بينهم خلاف في الحقيقة. # ولو حلف لا يأكل بيضا فإن نوى بيض كل شيء بيض السمك وغيره فأي ذلك أكل ~~حنث وإن لم يكن له نية فهو على بيض الطير كله ms1651 الإوز والدجاج وغيرهما ولا ~~يحنث إذا أكل بيض السمك لأن اسم البيض يقع على الكل فإذا نوى فقد نوى ما ~~يحتمله الاسم وإذا لم تكن له نية فيقع على ما له قشر وهو بيض الطير لأنه ~~يراد به ذلك عند الإطلاق فيحمل عليه. # ولو حلف لا يأكل طبيخا فالقياس ينصرف إلى كل ما يطبخ من اللحم وغيره لأنه ~~طبيخ حقيقة إلا أنه صرف إلى اللحم خاصة وهو اللحم الذي يجعل في الماء ويطبخ ~~ليسهل أكله للعرف ألا ترى أنه لا يقال لمن أكل الباقلاء إنه أكل الطبيخ وإن ~~كان طبيخا حقيقة وإن أكل سمكا مطبوخا لا يحنث لأنه لا يسمى طبيخا في العرف ~~فإن نوى بقوله لا يأكل طبيخا من اللحم وغيره فهو على ما نوى لأنه طبيخ ~~حقيقة وفيه تشديد على نفسه وكذا إذا حلف لا يأكل شواء وهو ينوي كل شيء يشوى ~~فأي ذلك أكل الحنث وإن لم يكن له نية فإنما يقع على اللحم خاصة لأن حقيقة ~~الشواء هي ما يشوى بالنار ليسهل أكله إلا أن عند الإطلاق ينصرف إلى اللحم ~~المشوي دون غيره للعرف ألا ترى أنه يصح أن يقال فلان لم يأكل الشواء وإن ~~أكل الباذنجان المشوي والجزر المشوي ويسمى بائع اللحم المشوي شاويا فإن أكل ~~سمكا مشويا لم يحنث لأنه لا يراد به ذلك عند الإطلاق وإن أكل قلية يابسة أو ~~لونا من الألوان لا مرق فيه لا يحنث لأن هذا لا يسمى طبيخا وإنما يقال له ~~لحم مقلي ولا يقال مطبوخ إلا للحم طبخ في الماء فإن طبخ من اللحم طبيخا له ~~مرق فأكل من لحمه أو من مرقه يحنث لأنه يقال أكل الطبيخ وإن لم يأكل لحمه ~~لأن المرق فيه أجزاء اللحم. # قال ابن سماعة في اليمين على الطبيخ ينبغي أن يكون على الشحم أيضا لأنه ~~قد يسمى طبيخا في العادة فإن طبخ عدسا بودك فهو طبيخ وكذلك إن طبخه بشحم أو ~~ألية فإن طبخه بسمن أو زيت لم يكن طبيخا ولا ms1652 يكون الأرز طبيخا ولا يكون ~~الطباهج طبيخا ولا الجواذب طبيخا والاعتماد فيه على العرف. # وقال داود بن رشيد عن محمد في رجل حلف لا يأكل من طبيخ امرأته فسخنت له ~~قدرا قد طبخها غيرها أنه لا يحنث لأن الطبيخ فعيل من طبخ وهو الفعل الذي ~~يسهل به أكل اللحم وذلك وجد من الأول منها. # ولو حلف لا يأكل الحلو فالأصل في هذا أن الحلو عندهم كل حلو ليس من جنسه ~~حامض وما كان من جنسه حامض فليس بحلو والمرجع فيه إلى # PageV03P059 # العرف فيحنث بأكل الخبيص والعسل والسكر والناطف والرب والرطب والتمر ~~وأشباه ذلك. # وكذا روى المعلى عن محمد إذا أكل تينا رطبا أو يابسا يحنث لأنه ليس من ~~جنسها حامض فخلص معنى الحلاوة فيه ولو أكل عنبا حلوا أو بطيخا حلوا أو ~~رمانا حلوا أو إجاصا حلوا لو يحنث لأن من جنسه ما ليس بحلو فلم يخلص معنى ~~الحلاوة فيه وكذا الزبيب ليس من الحلو لأن من جنسه ما هو حامض وكذلك إذا ~~حلف لا يأكل حلاوة فهو مثل الحلوى. # وإن حلف لا يأكل تمرا ولا نية له فأكل قضبا لا يحنث وكذلك إذا أكل بسرا ~~مطبوخا أو رطبا لأن ذلك لا يسمى تمرا في العرف ولهذا يختص كل واحد باسم على ~~حدة إلا أن ينوي ذلك لأنه تمر حقيقة وقد شدد على نفسه ولو أكل حيسا حنث ~~لأنه اسم لتمر ينقع في اللبن ويتشرب فيه اللبن فكان الاسم باقيا له لبقاء ~~عينه. # وقيل هو طعام يتخذ من تمر ويضم إليه شيء من السمن أو غيره والغالب هو ~~التمر فكأن أجزاء التمر بحالها فيبقى الاسم. # ولو حلف لا يأكل بسرا فأكل بسرا مذنبا. # ههنا أربع مسائل ثنتان متفق عليهما وثنتان مختلف فيهما أما الأوليان فإن ~~من يحلف لا يأكل بسرا مذنبا أو حلف لا يأكل رطبا فأكل رطبا فيه شيء من ~~البسر يحنث فيهما جميعا في قولهم لأن المذنب هو البسر الذي ذنب أي رطب ذنبه ~~فكانت الغلبة للذي حلف ms1653 عليه فكان الاسم باقيا وأما الأخريان فإن من يحلف لا ~~يأكل رطبا فيأكل بسرا مذنبا أو يحلف لا يأكل بسرا فيأكل رطبا فيه شيء من ~~البسر قال أبو حنيفة ومحمد يحنث. # وقال أبو يوسف لا يحنث وجه قوله: إن الاسم للغالب في العرف والمغلوب في ~~حكم المستهلك وكذا المقصود في الأكل هو الذي له الغلبة والغلبة للبسر في ~~الأول وفي الثاني للرطب فلا يحنث ولهما أنه أكل ما حلف عليه وغيره لأنه ~~يراه بعينه ويسميه باسمه فصار كما لو ميز أحدهما عن الآخر فقطعه وأكلهما ~~جميعا وأما قوله إن أحدهما غالب فنعم لكن الغلبة إنما توجب استهلاك المغلوب ~~في اختلاط الممازجة أما في اختلاط المجاورة فلا لأنه يراه بعينه فلا يصير ~~مستهلكا فيه كما إذا حلف لا يأكل سويقا أو سمنا فأكل سويقا قد لت بسمن بحيث ~~يستبين أجزاء السويق في السمن يحنث لقيام كل واحد منهما بعد الاختلاط بعينه ~~كذا هذا. # ولو حلف لا يأكل حبا فأي حب أكل من سمسم أو غيره مما يأكله الناس عادة ~~يحنث لأن مطلق يمينه يقع عليه فإن عنى شيئا من ذلك بعينه أو سماه حنث فيه ~~ولم يحنث في غيره لأنه نوى تخصيص الملفوظ فيصدق ديانة لا قضاء لأنه خلاف ~~الظاهر ولا يحنث إذا ابتلع لؤلؤة لأن الأوهام لا تنصرف. # إلى اللؤلؤة عند إطلاق اسم الحب، ولو حلف لا يأكل عنبا فأكل زبيبا لا ~~يحنث لأن اسم العنب لا يتناوله ولو حلف لا يأكل جوزا فأكل منه رطبا أو ~~يابسا حنث وكذلك اللوز والفستق والتين وأشباه ذلك لأن الاسم يتناول الرطب ~~واليابس جميعا. # ولو حلف لا يأكل فاكهة فأكل تفاحا أو سفرجلا أو كمثرى أو خوخا أو تينا أو ~~إجاصا أو مشمشا أو بطيخا حنث وإن أكل قثاء أو خيارا أو جزرا لا يحنث وإن ~~أكل عنبا أو رمانا أو رطبا لا يحنث في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد ~~يحنث ولو أكل زبيبا أو حب الرمان أو تمرا لا يحنث ms1654 بالإجماع وجه قولهما أن ~~كل واحدة من هذه الأشياء تسمى فاكهة في العرف بل تعد من رءوس الفواكه ولأن ~~الفاكهة اسم لما يتفكه به وتفكه الناس بهذه الأشياء ظاهر فكانت فواكه ولأبي ~~حنيفة قوله تعالى: {فأنبتنا فيها حبا} [عبس: 27] {وعنبا وقضبا} [عبس: 28] ~~{وزيتونا ونخلا} [عبس: 29] {وحدائق غلبا} [عبس: 30] {وفاكهة وأبا} [عبس: ~~31] عطف الفاكهة على العنب وقوله عز وجل: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} ~~[الرحمن: 68] عطف الرمان على الفاكهة والمعطوف غير المعطوف عليه هو الأصل ~~لأن الفاكهة اسم لما يقصد بأكله التفكه وهو التنعم والتلذذ دون الشبع ~~والطعام ما يقصد بأكله التغذي والشبع والتمر عندهم يؤكل بطريق التغذي ~~والشبع. # حتى روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «بيت لا تمر فيه جياع ~~أهله» . # وقال عليه أفضل الصلاة والسلام يوم الفطر: «أغنوهم عن المسألة في مثل هذا ~~اليوم» ثم ذكر في جملة ما تقع به الغنية التمر وفي بعضها الزبيب ولأن ~~الفاكهة لا يختلف حكم رطبها ويابسها فما كان رطبه فاكهة كان يابسه فاكهة ~~كالتين والمشمش والإجاص ونحو ذلك واليابس من هذه الأشياء ليس بفاكهة ~~بالإجماع وهو الزبيب والتمر وحب الرمان فكذا رطبها وما ذكراه من العرف # PageV03P060 # ممنوع بل العرف الجاري بين الناس أنهم يقولون ليس في كرم فلان فاكهة إنما ~~فيه العنب فحسب فالحاصل أن ثمر الشجر كلها فاكهة عندهما وعنده كذلك إلا ثمر ~~النخل والكرم وشجر الرمان لأن سائر الثمار من التفاح والسفرجل والإجاص ~~ونحوها يقصد بأكلها التفكه دون الشبع وكذا يابسها فاكهة كذا رطبها قال محمد ~~التوت فاكهة لأنه يتفكه به والقثاء والخيار والجزر والباقلاء الرطب إدام ~~وليس بفاكهة ألا ترى أنه لا يؤكل للتفكه وإن عنى بقوله لا آكل فاكهة العنب ~~والرطب والرمان فأكل من ذلك شيئا حنث كذا ذكر في الأصل لأن هذه الأشياء مما ~~يتفكه بها وإن كان لا يطلق عليها اسم الفاكهة. # وقال محمد بسر السكر والبسر الأحمر فاكهة لأن ذلك مما يتفكه به. # وقال أبو يوسف اللوز والعناب فاكهة رطب ذلك من الفاكهة ms1655 الرطبة ويابسه من ~~اليابسة لأن ذلك يؤكل على وجه التفكه قال والجوز رطبه فاكهة ويابسه إدام. # وقال في الأصل وكذلك الفاكهة اليابسة فيدخل فيها الجوز واللوز وأشباههما ~~وروى المعلى عن محمد أن الجوز اليابس ليس بفاكهة لأنه يؤكل مع الخبز غالبا. # فأما رطبه فلا يؤكل إلا للتفكه وجه ما ذكر في الأصل أنه فاكهة ما ذكرنا ~~أن رطبه ويابسه مما لا يقصد به الشبع فصار كسائر الفواكه وذكر المعلى عن ~~محمد في رجل حلف لا يأكل من الثمار شيئا ولا نية له أن ذلك على الرطب ~~واليابس فإن أكل تينا يابسا أو لوزا يابسا حنث فجعل الثمار كالفاكهة لأن ~~أحد الاسمين كالآخر وقال المعلى قلت لمحمد فإن حلف لا يأكل من فاكهة العام ~~أو من ثمار العام ولا نية له قال إن حلف في أيام الفاكهة الرطبة فهذا على ~~الرطب فإن أكل من فاكهة ذلك العام شيئا يابسا لم يحنث وكذلك الثمرة وإن حلف ~~في غير وقت الفاكهة الرطبة كانت يمينه على الفاكهة اليابسة من فاكهة ذلك ~~العام وكان ينبغي في القياس إن كان وقت الفاكهة الرطبة أن يحنث في الرطب ~~واليابس لأن اسم الفاكهة يتناولها إلا أنه استحسن لأن العادة في قولهم ~~فاكهة العام إذا كان في وقت الرطب أنهم يريدون به الرطب دون اليابس فإذا ~~مضى وقت الرطب فلا تقع اليمين إلا على اليابس فيحمل عليه والله عز وجل ~~أعلم. # ولو حلف لا يأكل من هذه الحنطة أو لا يأكل هذه الحنطة فإن عنى بها أن لا ~~يأكلها حبا كما هي فأكل من خبزها أو من سويقها لم يحنث وإنما يحنث إذا ~~قضمها وإن لم تكن له نية فكذلك عند أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد يحنث وهل يحنث عندهما إذا أكل عينها؟ ذكر محمد في ~~الأصل عنهما ما يدل على أنه لا يحنث لأنه قال فيه إن اليمين تقع على ما ~~يصنع الناس وذكر عنهما في الجامع الصغير ما يدل على أنه يحنث فإنه قال. # وقال أبو ms1656 يوسف ومحمد إن أكلها خبزا حنث أيضا فهذا يدل على أنه إذا قضمها ~~يحنث عندهما كما يحنث إذا أكلها خبزا وجه قولهما أن المتعارف في إطلاق أكل ~~الحنطة أكل المتخذ منها وهو الخبز لا أكل عينها يقال فلان يأكل من حنطة كذا ~~أي من خبزها ومطلق الكلام يحمل على المتعارف خصوصا في باب الأيمان وجه في ~~قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن اسم الحنطة لا يقع على الخبز حقيقة ~~لأنها اسم لذات مخصوصة مركبة فيزول الاسم بزوال التركيب حقيقة فالحمل على ~~الخبز يكون حملا على المجاز فكان صرف الكلام إلى الحقيقة أولى وأما قولهما: ~~إن مطلق الكلام يحمل على المتعارف فنعم لكن على المتعارف عند أهل اللسان ~~وهو المتعارف في الاستعمال اللغوي كما يقول مشايخ العراق لا على المتعارف ~~من حيث الفعل كما يقول مشايخ بلخ بدليل أنه لو حلف لا يأكل لحما فأكل لحم ~~الآدمي أو الخنزير يحنث وإن لم يتعارف أكله لوجود التعارف في الاسم ~~واستعمال اسم الحنطة في مسماها متعارف عند أهل اللسان إلا أنه يقل استعماله ~~فيه لكن قلة الاستعمال فيه لقلة محل الحقيقة وهذا لا يوجب الحمل على المجاز ~~كما في لحم الآدمي ولحم الخنزير على أن المتعارف فعل ثابت في الجملة لأن ~~الحنطة تطبخ وتقلى فتؤكل مطبوخا وقليا وإن لم يكن في الكثرة مثل أكلها ~~خبزا. # ولو حلف لا يأكل شعيرا فأكل حنطة فيها حبات من شعير حنث ولو كان اليمين ~~على الشراء لم يحنث لأن من اشترى حنطة فيها حبات شعير يسمى مشتري الحنطة لا ~~مشتري الشعير وصرف الكلام إلى الحقيقة المستعملة في الجملة أولى من الصرف ~~إلى المجاز وإن كان استعماله في المجاز أكثر لأن الحقيقة شاركت المجاز في ~~أصل الاستعمال والمجاز ما شارك الحقيقة في الوضع رأسا فكان العمل # PageV03P061 # بالحقيقة أولى. # ولو حلف لا يأكل من هذا الدقيق فأكل من خبزه ولم تكن له نية حنث لأن ~~الدقيق هكذا يؤكل عادة ولا يستف إلا نادرا والنادر ملحق بالعدم فلم يكن ms1657 له ~~حقيقة مستعملة وله مجاز مستعمل وهو كل ما يتخذ منه فحمل عليه وإن نوى أن لا ~~يأكل الدقيق بعينه لا يحنث بأكل ما يخبز منه لأنه نوى حقيقة كلامه. # ولو حلف لا يأكل من هذا الكفرى شيئا فصار بسرا أو لا يأكل من هذا البسر ~~شيئا فصار رطبا أو لا يأكل من هذا الرطب شيئا فصار تمرا أو لا يأكل من هذا ~~العنب شيئا فصار زبيبا فأكله أو حلف لا يأكل من هذا اللبن شيئا فأكل من جبن ~~صنع منه أو مصل أو أقط أو شيراز أو حلف لا يأكل من هذه البيضة فصارت فرخا ~~فأكل من فرخ خرج منها أو حلف لا يذوق من هذه الخمر شيئا فصارت خلا لم يحنث ~~في جميع ذلك. # والأصل أن اليمين متى تعلقت بعين تبقى ببقاء العين وتزول بزوالها والصفة ~~في العين المشار إليه غير معتبرة لأن الصفة لتمييز الموصوف من غيره ~~والإشارة تكفى للتعريف فوقعت الغنية عن ذكر الصفة وغير المعين لا يحتمل ~~الإشارة فيكون تعريفه بالوصف وإذا عرف هذا نقول العين بدلت في هذه المواضع ~~فلا تبقى اليمين التي عقدت على الأول والعين في الرطب وإن لم تبدل لكن زال ~~بعضها وهو الماء بالجفاف لأن اسم الرطب يستعمل على العين والماء الذي فيها ~~فإذا جف فقد زال عنها الماء فصار آكلا بعض العين المشار إليها فلا يحنث كما ~~لو حلف لا يأكل هذا الرغيف فأكل بعضه بخلاف ما إذا حلف لا يكلم هذا الشاب ~~فكلمه بعد ما صار شيخا أنه يحنث لأن هناك العين قائمة وإنما الفائت هو ~~الوصف لا بعض الشخص فيبقى كل المحلوف عليه فبقيت اليمين وفرق آخر أن الصفات ~~التي في هذه الأعيان مما تقصد باليمين منعا وحملا كالرطوبة التي هي في ~~التمر والعنب فإن المرطوب تضربه الرطوبات فتعلقت اليمين بها. # والصبا والشباب مما لا يقصد بالمنع بل الذات هي التي تقصد فتعلقت اليمين ~~بالذات دون هاتين الصفتين كما إذا حلف لا يكلم صاحب هذا الطيلسان فباعه ms1658 ثم ~~كلمه أنه يحنث لما قلنا كذا هذا وكذا إذا حلف لا يأكل من لحم هذا الحولي ~~فأكله بعدما صار كبشا أو من لحم هذا الجدي فأكله بعدما صار تيسا يحنث لما ~~قلنا وكذلك لو حلف لا يجامع هذه الصبية فجامعها بعدما صارت امرأة يحنث لما ~~قلنا ولو نوى في الفصول المتقدمة ما يكون من ذلك حنث لأنه شدد على نفسه ولو ~~حلف لا يأكل من هذه الحد حبة فأكلها بعدما صارت بطيخا لا رواية فيه واختلف ~~المشايخ فيه والله عز وجل أعلم. # قال بشر عن أبي يوسف في رجل حلف لا يذوق من هذا اللبن شيئا أو لا يشرب ~~فصب فيه ماء فذاقه أو شربه أنه إن كان اللبن غالبا حنث لأنه إذا كان غالبا ~~يسمى لبنا وكذلك لو حلف على نبيذ فصبه في خل أو على ماء ملح فصب على ماء ~~عذب والأصل في هذا أن المحلوف عليه إذا اختلط بغير جنسه تعتبر فيه الغلبة ~~بلا خلاف بين أبي يوسف ومحمد غير أن أبا يوسف اعتبر الغلبة في اللون أو ~~الطعم لا في الأجزاء فقال إن كان المحلوف عليه يستبين لونه أو طعمه حنث وإن ~~كان لا يستبين له لون ولا طعم لا يحنث سواء كانت أجزاءه أكثر أو لم تكن ~~واعتبر محمد غلبة الأجزاء فقال إن كانت أجزاء المحلوف عليه غالبا يحنث وإن ~~كانت مغلوبة لا يحنث وجه قول محمد: إن الحكم يتعلق بالأكثر والأقل يكون ~~تبعا للأكثر فلا عبرة به ولأبي يوسف أن اللون والطعم إذا كانا باقيين كان ~~الاسم باقيا ألا ترى أنه يقال لبن مغشوش وخل مغشوش وإذا لم يبق له لون ولا ~~طعم لا يبقي الاسم ويقال ماء فيه لبن وماء فيه خل فلا يحنث. # وقال أبو يوسف فإن كان طعمهما واحدا أو لونهما واحدا فأشكل عليه تعتبر ~~الغلبة من حيث الأجزاء فإن علم أن أجزاء المحلوف عليه هي الغالبة يحنث وإن ~~علم أن الجزاء المخالط له أكثر لا يحنث وإن وقع الشك ms1659 فيه ولا يدرى ذلك ~~فالقياس أن لا يحنث لأنه وقع الشك في حكم الحنث فلا يثبت مع الشك وفي ~~الاستحسان يحنث لأنه عند احتمال الوجود والعدم على السواء فالقول بالجود ~~أولى احتياطا لما فيه من براءة الذمة بيقين وهذا يستقيم في اليمين بالله ~~تعالى لأن الكفارة حق الله تعالى فيحتاط في إيجابها. # فأما في اليمين بالطلاق والعتاق فلا يستقيم لأن ذلك حق العبد وحقوق ~~العباد لا يجري فيها الاحتياط للتعارض فيعمل فيها بالقياس. # ولو حلف لا يأكل سمنا فأكل سويقا قد لت بسمن ولا نية له ذكر محمد في ~~الأصل أن أجزاء السمن # PageV03P062 # إذا كانت تستبين في السويق ويوجد طعمه يحنث وإن كان لا يوجد طعمه ولا يرى ~~مكانه لم يحنث لأنها إذا استبانت لم تصر مستهلكة فكأنه أكل السمن بنفسه ~~منفردا وإذا لم يستبن فقد صارت مستهلكة فلا يعتد بها وروى المعلى عن محمد ~~أنه إن كان السمن مستبينا في السويق وكان إذا عصر سال السمن حنث وإن كان ~~على غير ذلك لم يحنث وهذا لا يوجب اختلاف الرواية لإمكان التوفيق بين ~~القولين لأنه إذا كان يحنث إذا عصر سال السمن لم يكن مستهلكا وإذا لم يسل ~~كان مستهلكا وإذا اختلط المحلوف عليه بجنسه كاللبن المحلوف عليه إذا اختلط ~~بلبن آخر قال أبو يوسف هذا والأول سواء وتعتبر فيه الغلبة وإن كان الغلبة ~~لغير المحلوف عليه لم يحنث وقال محمد يحنث وإن كان مغلوبا فمن أصل محمد أن ~~الشيء لا يصير مستهلكا بجنسه وإنما يصير مستهلكا بغير جنسه وإذا لم يصر ~~مستهلكا بجنسه صار كأنه غير مغلوب. # وقال المعلى عن محمد في رجل حلف لا يشرب من هذه الخمر فصبها في ماء فغلب ~~على الخمر حتى ذهب لونها وطعمها فشربه لم يحنث فقد قال مثل قول أبي يوسف. # ولو حلف على ماء من ماء زمزم لا يشرب منه شيئا فصب عليه ماء من غيره ~~كثيرا حتى صار مغلوبا فشربه يحنث لما ذكرنا من أصله أن الشيء لا يصير ~~مستهلكا ms1660 بجنسه ولو صبه في بئر أو حوض عظيم لم يحنث قال لأني لا أدري لعل ~~عيون البئر تغور بما صب فيها ولا أدري لعل اليسير من الماء الذي صب في ~~الحوض العظيم لم يختلط به كله. # ولو حلف لا يشرب هذا الماء العذب فصبه في ماء مالح فغلب عليه ثم شربه لم ~~يحنث فجعل الماء مستهلكا بجنسه إذا كان على غير صفته قال وكذلك إذا حلف لا ~~يشرب لبن ضأن فخلطه بلبن معز فإنه تعتبر الغلبة لأنهما نوعان فكانا ~~كالجنسين قال الكرخي. # ولو قال لا أشرب لبن هذه الشاة لشاة معز أو ضأن ثم خلطه بغيره من لبن ضأن ~~أو معز حنث إذا شربه ولا تعتبر الكثرة والغلبة وعلل فقال لأنه ليس في يمينه ~~ضأن ولو معز ومعناه أن يمينه وقعت على لبن واختلاطه بلبن آخر لا يخرجه من ~~أن يكون لبنا واليمين في المسألة الأولى وقعت على لبن الضأن فإذا غلب عليه ~~لبن المعز فقد استهلكت صفته واستشهد محمد للفرق بين المسألتين فقال ولا ~~تشبه الشاة إذا حلف عليها بعينها حلفه على لبن المعز ألا يرى أنه لو قال ~~والله لا أشتري رطبا فاشترى كباسة بسر فيها رطبتان أو ثلاث لم يحنث لأن هذا ~~إنما هو الغالب. # ولو قال والله لا أشتري هذه الرطبة لرطبة في كباسة ثم اشترى الكباسة حنث ~~ونظير هذا ما ذكر ابن سماعة عن محمد في رجل قال والله لا آكل ما يجيء به ~~فلان يعني ما يجيء به من طعام أو لحم أو غيره لك مما يؤكل فدفع الحالف إلى ~~المحلوف عليه لحما ليطبخه فطبخه وألقي فيه قطعة من كرش بقر ثم طبخ القدر به ~~فأكل الحالف من المرق قال محمد لا أراه يحنث إذا ألقي فيه من اللحم ما لا ~~يطبخ وحده ويتخذ منه مرقة لقلته وإن كان مثل ذلك يطبخ ويكون له مرقة فإنه ~~يحنث لأنه جعل اليمين على اللحم الذي يأتي به فلان وعلى مرقته لا تكون إلا ~~بدسم اللحم الذي ms1661 جاء به فإذا اختلط به لحم لا يكون له مرق لقلته فلم يأكل ~~ما جاء به فلان وإذا كان مما يفرد بالطبخ ويكون له مرق والمرق جنس واحد فلم ~~تعتبر فيه الغلبة وحنث. # وقد قال محمد فيمن قال لا آكل مما يجيء به فلان فجاء فلان بلحم فشواه ~~وجعل تحته أرزا للحالف فأكل الحالف من جوانبه حنث وكذلك لو جاء المحلوف ~~عليه بحمص فطبخه فأكل الحالف من مرقته وفيه طعم الحمص حنث وكذلك لو جاء ~~برطب فسال منه رب فأكل منه أو جاء بزيتون فعصر فأكل من زيته حنث. # قال ابن سماعة عن أبي يوسف في رجل قال والله لا أكل من ثمرة هذا البستان ~~وفيه نخل يحصى أو لا آكل من ثمرة هذا النخل وهي عشرة أو ثلاث أو لا آكل من ~~ثمرة هاتين النخلتين أو من هاتين الرطبتين أو من هذه الثلاث التفاحات أو من ~~هذين الرغيفين أو لا أشرب من لبن هاتين الشاتين فأكل بعض ذلك أو شرب بعضه ~~فإنه يحنث لأنه منع نفسه من أكل بعض المذكور وشرب بعضه لأن كلمة من للتبعيض ~~فإذا أكل البعض أو شرب حنث قال أبو يوسف # ولو قال والله لا أشرب لبن هاتين الشاتين ولم يقل من فإنه لا يحنث حتى ~~يشرب من لبن كل شاة لأنه حلف على شرب لبنهما فلا يحنث بشرب لبن إحداهما ~~وإذا شرب جزءا من لبن كل واحدة منهما حنث لأن الإنسان لا يمكنه أن # PageV03P063 # يشرب جميع لبن الشاة فلا يقصد بيمينه منع نفسه عن ذلك فينعقد يمينه على ~~البعض كما إذا حلف لا يشرب ماء البحر قال وإن كان لبن قد حلب فقال والله لا ~~أشرب لبن هاتين الشاتين للبن بعينه فإن كان لبنا يقدر على شربه في مرة ~~واحدة لم يحنث. # بشرب بعضه وإن كان لبنا لا يستطيع شربه في مرة واحدة يحنث بشرب بعضه لأن ~~يمينه وقعت على شرب الكل حقيقة فإذا استطاع شربه دفعة واحدة أمكن العمل ~~بالحقيقة وإذا لم يستطع ms1662 شربه دفعة يحمل على الجزء كما في ماء البحر وعلى ~~هذا إذا قال لا آكل هذا الطعام وهو لا يقدر على أكله دفعة واحدة ونظير هذا ~~ما قالوا فيمن قبض من رجل دينا عليه فوجد فيه درهمين زائفين فقال والله لا ~~آخذ منهما شيئا فأخذ أحدهما حنث لأن كلمة من للتبعيض. # وقال ابن رستم عن محمد إذا قال والله لا آكل لحم هذا الخروف فهذا على ~~بعضه لأنه لا يمكن أكل كله مرة واحدة عادة وذكر في الأصل فيمن قال لا آكل ~~هذه الرمانة فأكلها إلا حبة أو حبتين حنث في الاستحسان لأن ذلك القدر لا ~~يعتد به فإنه يقال في العرف لمن أكل رمانة وترك منها حبة أو حبتين إنه أكل ~~رمانة وإن ترك نصفها أو ثلثها أو ترك أكثر مما يجري في العرف أنه يسقط من ~~الرمانة لم يحنث لأنه لا يسمى آكلا لجميعها. # ولو قال والله لا أبيعك لحم هذا الخروف أو خابية الزيت فباع بعضها لم ~~يحنث لأنه يمكن حمل اليمين ههنا على الحقيقة لأن بيع الكل ممكن. # وقد قال ابن سماعة فيمن قال لا أشتري من هذين الرجلين أنه لا يحنث حتى ~~يشتري منهما ولا يشبه هذا قوله لا آكل هذين الرغيفين لأن من للتبعيض ويمكن ~~العمل بالتبعيض في الأكل ولا يمكن في الشراء لأن البيع لا يتبعض فيحمل على ~~ابتداء الغاية فقد ذكر في الأصل والجامع فيمن حلف لا يتزوج النساء أو لم ~~يكلم بني آدم أنه يقع على الواحد لتعذر الحمل على الكل فيحمل على بعض الجنس ~~وقد ذكرناه فيما تقدم. # حلف لا يأكل من كسب فلان فالكسب ما صار للإنسان أن يفعله كالإيجاب ~~والقبول في البيع والإجارة والقبول في الهبة والصدقة والوصية والأخذ في ~~المباحات. # فأما الميراث فلا يكون كسبا للوارث لأنه يملكه من غير صنعه ولو مات ~~المحلوف عليه وقد كسب شيئا فورثه رجل فأكل الحالف منه حنث لأن ما في يد ~~الوارث يسمى كسب الميت بمعنى مكسوبه عرفا فلو انتقل ms1663 عنه إلى غيره بغير ~~الميراث لم يحنث لأنه صار للثاني بفعله فبطلت الإضافة إلى الأول. # قال أبو يوسف وكذا لك إذا قال لا آكل مما ملكت أو مما يملك له أو من ملكك ~~فإذا خرج من ملك المحلوف عليه إلى ملك غيره فأكل منه الحالف لم يحنث لأنه ~~إذا ملكه الثاني لم يبق ملك الأول فلم يبق مضافا إليه بالملك قال وكذلك إذا ~~حلف لا يأكل مما اشترى فلان أو مما يشتري فاشترى المحلوف لنفسه أو لغيره ~~فأكل منه الحالف حنث فإن باعه المحلوف عليه من غيره بأمر المشترى له ثم أكل ~~منه الحالف لم يحنث لأن الشراء إذا طرأ على الشراء بطلت الإضافة الأولى ~~وتجددت إضافة أخرى لم تتناولها اليمين وإنما كان الشراء لغيره ولنفسه سواء ~~لأن حقوق العقد تتعلق بالمشتري فكانت الإضافة إليه لا إلى المشترى له قال ~~وكذلك لو حلف لا يأكل من ميراث فلان شيئا فمات فلان فأكل من ميراثه حنث فإن ~~مات وارثه فأورث ذلك الميراث فأكل منه الحالف لم يحنث لنسخ الميراث الأخير ~~الميراث الأول كذا ذكر لأن الميراث إذا طرأ على الميراث بطلت الإضافة ~~الأولى ومن هذا القبيل ما قالوا. # فيمن حلف لا يأكل مما زرع فلان فباع فلان زرعه فأكله الحالف عند المشتري ~~حنث لأن الإضافة إلى الأول لا تبطل بالبيع فإن بذره المشتري وزرعه فأكل ~~الحالف من هذا الزرع فإنه لا يحنث لأن الإضافة بالزرع إنما تكون إلى الثاني ~~دون الأول وعلى هذا لو حلف لا يأكل من طعام يصنعه فلان أو من خبز يخبزه ~~فلان فتناسخته الباعة ثم أكل الحالف منه فإنه يحنث لأنه يقال هو من خبز ~~فلان ومن طبيخه وإن باعه وكذلك لو حلف لا يلبس ثوبا من نسج فلان فنسج فلان ~~ثوبا فباعه لأن البيع لا يبطل الإضافة ولو كان ثوب خز فنقض ونسجه آخر ثم ~~لبسه الحالف لم يحنث لأن النسج الثاني أبطل الإضافة الأولى ولو حلف لا ~~يشتري ثوبا مسه فلان فمس فلان ثوبا وتناسخته ms1664 الباعة فإنه يحنث إذا اشتراه ~~لأن الإضافة بالمس لا تبطل البيع فصار كأنه قال لا أشتري ثوبا كان فلان ~~مسه. # بشر عن أبي يوسف في رجل حلف أن لا يأكل من هذه # PageV03P064 # الدراهم فاشترى بها طعاما فأكله حنث وإن بدلها بغيرها واشترى مما أبدل ~~طعاما فأكله لم يحنث لأن الدراهم بعينها لا تحتمل الأكل وإنما أكلها في ~~المتعارف أكل ما يشترى بها ولما اشترى ببدلها لم يوجد أكل ما اشترى بها فلا ~~يحنث وكذلك لو حلف لا يأكل من ثمن هذا العبد فاشترى بثمنه طعاما فأكله. # ولو حلف لا يأكل من ميراث أبيه شيئا وأبوه حي فمات أبوه فورث منه مالا ~~فاشترى به طعاما فأكله ففي القياس ينبغي أن لا يحنث لأن الطعام المشترى ليس ~~بميراث وفي الاستحسان يحنث لأن المواريث هكذا تؤكل ويسمى ذلك أكل الميراث ~~عرفا وعادة فإن اشترى بالميراث شيئا فاشترى بذلك الشيء طعاما فأكله لم يحنث ~~لأنه مشتر بكسبه وليس بمشتر بميراثه. # وقال أبو يوسف في الميراث بعينه إذا حلف عليه فغيره واشترى به لم يحنث ~~لما قلنا قال فإن كان قال لا آكل ميراثا يكون لفلان فكيف ما غيره فأكله حنث ~~لأن اليمين المطلقة تعتبر فيها الصفة المعتادة وفي العادة أنهم يقولون لما ~~ورثه الإنسان إنه ميراث وإن غيره وقال المعلى عن أبي يوسف إذا حلف لا يطعم ~~فلانا مما ورث من أبيه شيئا فإن كان ورث طعاما فأطعمه منه حنث فإن اشترى ~~بذلك الطعام طعاما فأطعمه منه لم يحنث لأن اليمين وقعت على الطعام الموروث ~~فإذا باعه بطعام آخر فالثاني ليس بموروث وقد أمكن حمل اليمين على الحقيقة ~~فلا تحمل على المجاز وإن كان ورث دراهم فاشترى بها طعاما فأطعمه منه حنث ~~لأنه لا يمكن حمل اليمين على الحقيقة فحملت على المجاز. # وقال هشام سمعت محمدا يقول في رجل معه دراهم حلف أن لا يأكلها فاشترى بها ~~دنانير أو فلوسا ثم اشترى بالدنانير أو الفلوس طعاما فأكله لم يحنث فإن حلف ~~لا يأكل هذه ms1665 الدراهم فاشترى بها عرضا ثم باع ذلك العرض بطعام فأكله فإنه لا ~~يحنث لأن العادة في قوله لا أشتري بهذه الدراهم الامتناع من إنفاقها في ~~الطعام والنفقة تارة تكون بالابتياع وتارة بتصريفها بما ينفق فحملت اليمين ~~على العادة. # فأما ابتياع العروض بالدراهم فليس بنفقة في الطعام في العادة فلا تحمل ~~اليمين عليه وهذا خلاف ما حكاه عن أبي يوسف. # ابن رستم فيمن قال والله لا آكل من طعامك وهو يبيع الطعام فاشترى منه ~~فأكل حنث لأن مثل هذه اليمين يراد بها منع النفس عن الابتياع قال محمد. # ولو قال والله لا آكل من طعامك هذا الطعام بعينه فأهداه له فأكله لا يحنث ~~في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ويحنث في قول محمد وهذا فرع اختلافهم فيمن ~~قال لا أدخل دار فلان هذه فباعها فلان ثم دخلها والمسألة تجيء فيما بعد إن ~~شاء الله تعالى قال محمد ولو حلف لا يأكل من طعامه فأكل من طعام مشترك ~~بينهما حنث لأن كل جزء من الطعام يسمى طعاما فقد أكل من طعام المحلوف عليه. # علي بن الجعد وابن سماعة عن أبي يوسف في رجل حلف لا يأكل من غلة أرضه ولا ~~نية له فأكل من ثمن الغلة حنث لأن هذا في العادة يراد به استغلال الأرض فإن ~~نوى أكل نفس ما يخرج منه فأكل من ثمنه دينته فيما بينه وبين الله تعالى ولم ~~أدينه في القضاء قال القدوري وهذا على أصله فيمن حلف لا يشرب الماء ونوى ~~الجنس أنه لا يصدق في القضاء فأما على الرواية الظاهرة فيصدق لأنه نوى ~~حقيقة كلامه. # وقال محمد في الجامع إذا حلف لا يأكل من هذه النخلة شيئا وأكل من ثمرها ~~أو جمارها أو طلعها أو بسرها أو الدبس الذي يخرج من رطبها فإنه يحنث لأن ~~النخلة لا يتأتى أكلها فحملت اليمين على ما يتولد منها والدبس اسم لما يسيل ~~من الرطب لا المطبوخ منه ولو حلف لا يأكل من هذا الكرم شيئا فأكل من عنبه ms1666 ~~أو زبيبه أو عصيره حنث لأن المراد هو الخارج من الكرم إذ عين الكرم لا ~~تحتمل الأكل كما في النخلة بخلاف ما إذا نظر إلى عنب فقال عبده حر إن أكل ~~من هذا العنب فأكل من زبيبه أو عصيره أنه لا يحنث لأن العنب مما تؤكل عينه ~~فلا ضرورة إلى الحمل على ما يتولد منه. # وكذلك لو حلف لا يأكل من هذه الشاة فأكل من لبنها أو زبدها أو سمنها لم ~~يحنث لأن الشاة مأكولة في نفسها فأمكن حمل اليمين على أجزائها فيحمل عليها ~~لا على ما يتولد منها قال محمد. # ولو أكل من ناطف جعل من ثمر النخلة أو نبيذ نبذ من ثمرها لم يحنث لأن ~~كلمة من لابتداء الغاية وقد خرج هذا محذوف الصيغة عن حال الابتداء فلم ~~يتناوله اليمين. # ولو حلف لا يأكل من هذا اللبن فأكل من زبده أو سمنه لم يحنث لأن اللبن ~~مأكول بنفسه فتحمل اليمين على نفسه دون ما يتخذ منه والله عز وجل أعلم. # وأما الحلف على الشرب # PageV03P065 # فقد ذكرنا معنى الشرب أنه إيصال ما لا يحتمله المضغ من المائعات إلى ~~الجوف حتى لو حلف لا يشرب فأكل لا يحنث. # كما لو حلف لا يأكل فشرب لا يحنث لأن الأكل والشرب فعلان متغايران قال ~~الله تبارك وتعالى {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض} [البقرة: ~~187] عطف الشرب على الأكل والمعطوف غير المعطوف عليه وإذا حلف لا يشرب ولا ~~نية له فأي شراب شرب من ماء أو غيره يحنث لأنه منع نفسه عن الشرب عاما ~~وسواء شرب قليلا أو كثيرا لأن بعض الشراب يسمى شرابا وكذا لو حلف لا يأكل ~~طعاما فأكل شيئا يسيرا يحنث لأن قليل الطعام طعام ولو حلف لا يشرب نبيذا ~~فأي نبيذ شرب حنث لعموم اللفظ وإن شرب سكرا لا يحنث لأن السكر لا يسمى ~~نبيذا لأنه اسم لخمر التمر وهو الذي من ماء التمر إذا غلا واشتد وقذف ~~بالزبد أو لم يقذف على الاختلاف وكذا لو شرب فضيخا ms1667 لأنه لا يسمى نبيذا إذ ~~هو اسم للمثلث يصب فيه الماء وكذا لو شرب عصيرا لأنه لا يسمى نبيذا. # وإن حلف لا يشرب مع فلان شرابا فشربا في مجلس واحد من شراب واحد حنث وإن ~~كان الإناء الذي يشربان فيه مختلفا وكذا لو شرب الحالف من شراب وشرب الآخر ~~من شراب غيره وقد ضمهما مجلس واحد لأن المفهوم من الشرب مع فلان في العرف ~~هو أن يشربا في مجلس واحد اتحد الإناء والشراب أو اختلفا بعد أن ضمهما مجلس ~~واحد يقال شربنا مع فلان وشربنا مع الملك وإن كان الملك يتفرد بالشرب من ~~إناء فإن نوى شرابا واحدا ومن إناء واحد يصدق لأنه نوى ما يحتمله لفظه. # ولو حلف لا يشرب من دجلة أو من الفرات قال أبو حنيفة لا يحنث ما لم يشرب ~~منه كرعا وهو أن يضع فاه عليه فيشرب منه فإن أخذ الماء بيده أو بإناء لم ~~يحنث وعند أبي يوسف ومحمد يحنث شرب كرعا أو بإناء أو اغترف بيده. # وجه قولهما أن مطلق اللفظ يصرف إلى المتعارف عند أهل اللسان والمتعارف ~~عندهم أن من رفع الماء من الفرات بيده أو بشيء من الأواني أنه يسمى شاربا ~~من الفرات فيحمل مطلق الكلام على غلبة المتعارف وإن كان مجازا بعد أن كان ~~متعارفا كما لو حلف لا يأكل من هذه الشجرة أو من هذا القدر أنه ينصرف ذلك ~~إلى ما يخرج من الشجرة من الثمر وإلى ما يطبخ في القدر من الطعام كذلك ههنا ~~ولأبي حنيفة أن مطلق الكلام محمول على الحقيقة وحقيقة الشرب من الفرات هو ~~أن يكرع منه كرعا لأن كلمة من ههنا استعملت لابتداء الغاية بلا خلاف لتعذر ~~حملها على التبعيض إذ الفرات اسم للنهر المعروف والنهر اسم لما بين ضفتي ~~الوادي لا للماء الجاري فيه فكانت كلمة من ههنا لابتداء الغاية فتقتضي أن ~~يكون الشرب من هذا المكان ولن يكون شربه منه إلا وأن يضع فاه عليه فيشرب ~~منه وهو تفسير الكرع كما لو ms1668 حلف لا يشرب من هذا الكوز ألا ترى أنه لو شرب ~~من إناء أخذ فيه الماء من الفرات كان شاربا من ذلك الإناء حقيقة لا من ~~الفرات والماء الواحد لا يشرب من مكانين من كل واحد منهما حقيقة ولهذا لو ~~قال شربت من الإناء لا من الفرات كان مصدقا ولو قال على القلب كان مكذبا ~~فدل أن الشرب من الفرات هو الكرع منه وأنه ممكن ومستعمل في الجملة وقد روي ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «رأى قوما فقال هل عندكم من ماء بات ~~في شن وإلا كرعنا» ويستعمله كثير في زماننا من أهل الرساتيق على أنه إن لم ~~يكن فعلا مستعملا فذا لا يوجب كون الاسم منقولا عن الحقيقة بعد أن كان ~~الاسم مستعملا فيه تسمية ونطقا كما لو حلف لا يأكل لحما فأكل لحم الخنزير ~~أنه يحنث وإن كان لا يؤكل عادة لانطلاق الاسم عليه حقيقة تسمية ونطقا وبهذا ~~تبين أن قلة الحقيقة وجودا لا يسلب اسم الحقيقة عن الحقيقة بخلاف ما إذا ~~حلف لا يأكل من هذه الشجرة أو من هذا القدر لأن ههنا كما لا يمكن جعل هذه ~~الكلمة لتبعيض ما دخلت عليه بخروج الشجرة والقدر من أن يكون محلا للأكل لا ~~يمكن جعلها ابتداءين لغاية الأكل لأن حقيقة الأكل لا يحصل من المكان بل من ~~اليد لأن المأكول مستمسك في نفسه والأكل عبارة عن البلع عن مضغ ولا يتأتى ~~فيه المضغ بنفسه فلم يمكن جعلها لابتداء الغاية فأضمر فيه ما يتأتى فيه ~~الأكل وهو الثمرة في الشجرة والمطبوخ في القدر فكان من للتبعيض وههنا أمكن ~~جعلها لابتداء الغاية لأن الماء يشرب من مكان لا محالة لانعدام استمساكه في ~~نفسه إذ الشرب هو البلع من غير مضغ وما يمكن ابتلاعه من غير مضغ لا يكون له ~~في نفسه استمساك فلا بد من حامل له يشرب منه والله عز وجل أعلم ولو شرب من ~~نهر يأخذ من # PageV03P066 # الفرات لم يحنث في قولهم جميعا أما عنده فلا ms1669 يشكل لأن هذا النهر ليس ~~بفرات فصار كما لو شرب من آنية وأما عندهما فلانهما يعتبران العرف والعادة ~~ومن شرب من نهر يأخذ من الفرات لا يعرف شاربا من الفرات لأن الشرب من ~~الفرات عندهما هو أخذ الماء المفضي إلى الشرب من الفرات ولم يوجد ههنا لأنه ~~أخذ من نهر لا يسمى فراتا. # ولو حلف لا يشرب من ماء الفرات فشرب من نهر أخذ الماء من الفرات فإن شرب ~~منه بالاغتراف بالآنية أو بالاستقاء براوية يحنث بالإجماع وإن كرع منه يحنث ~~في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه لا يحنث ووجهه أن النهر لما أخذ ~~الماء من الفرات فقد صار مضافا إليه فانقطعت الإضافة إلى الفرات ووجه ظاهر ~~الرواية منع نفسه عن شرب جزء من ماء الفرات لأن كلمة من دخلت في الماء صلة ~~للشرب وهو قابل لفعل الشرب فكانت للتجزئة وبالدخول في نهر انشعب من الفرات ~~لا تنقطع إليه النسبة كما لا تنقطع بالاغتراف بالآنية والاستقاء بالراوية ~~ألا ترى أن ماء زمزم ينقل إلينا ونتبرك به ونقول شربنا من ماء زمزم ولو حلف ~~لا يشرب من ماء دجلة فهذا وقوله لا أشرب من دجلة سواء لأنه ذكر الشرب من ~~النهر فكان على الاختلاف. # وروى المعلى عن محمد فيمن حلف لا يشرب من نهر يجري ذلك النهر إلى دجلة ~~فأخذ من دجلة من ذلك الماء فشربه لم يحنث لأنه قد صار من ماء دجلة لزوال ~~الإضافة إلى النهر الأول بحصوله في دجلة. # ولو حلف لا يشرب من هذا الجب فهو على الاختلاف حتى لو اغترف من مائه في ~~إناء آخر فشرب لم يحنث حتى يضع فاه على الجب في قول أبي حنيفة وعندهما يحنث ~~ومن مشايخنا من قسم الجواب في الجب فقال إن كان ملآن فهو على الاختلاف لأن ~~الحقيقة مقصورة الوجود وإن كان غير ملآن فاغترف يحنث بالإجماع لعدم تصور ~~الحقيقة فتنصرف يمينه إلى المجاز. # ولو حلف لا يشرب من هذا الكوز انصرفت يمينه إلى الحقيقة إجماعا لتصور ms1670 ~~الحقيقة عنده وعندهما للعرف فإن نقل الماء من كوز إلى كوز وشرب من الثاني ~~لا يسمى شاربا من الكوز الأول وإن حلف لا يشرب من ماء هذا الجب فاغترف منه ~~بإناء فشرب حنث بالإجماع لأنه عقد يمينه على ماء ذلك الجب وقد شرب من مائه ~~فإن حول ماءه إلى جب آخر فشرب منه فالكلام فيه كالكلام فيمن حلف لا يشرب من ~~ماء الفرات فشرب من نهر يأخذ الماء من الفرات وقد مر ولو قال لا أشرب من ~~ماء هذا الجب فالكلام فيه كالكلام في قوله لا أشرب من ماء دجلة وقد ذكرناه ~~ولو حلف لا يشرب من هذه البئر أو من مائها فاستقى منها وشرب حنث لأن ~~الحقيقة غير متصورة الوجود فيصرف إلى المجاز. # وقالوا فيمن حلف لا يشرب من ماء المطر فمدت الدجلة من المطر فشرب لم يحنث ~~لأنه إذا حصل في الدجلة انقطعت الإضافة إلى المطر فإن شرب من ماء واد سال ~~من المطر لم يكن فيه ماء قبل ذلك أو جاء من ماء مطر مستنقع في قاع حنث لأنه ~~لما لم يضف إلى النهر بقيت الإضافة إلى المطر كما كانت. # ولو حلف لا يشرب من ماء فرات فشرب من ماء دجلة أو نهر آخر أو بئر عذبة ~~يحنث لأنه منع نفسه من شرب ماء عذب إذ الفرات في اللغة عبارة عن العذب قال ~~الله عز وجل: {وأسقيناكم ماء فراتا} [المرسلات: 27] ولما أطلق الماء ولم ~~يضفه إلى الفرات فقد جعل الفرات نعتا للماء وقد شرب من الماء المنعوت فيحنث ~~وفي الفصل الأول أضاف الماء إلى الفرات وعرف الفرات بحرف التعريف فيصرف إلى ~~النهر المعروف المسمى بالفرات. # (وأما) الحلف على الذوق فالذوق هو إيصال المذوق إلى الفم ابتلعه أو لا ~~بعد أن وجد طعمه لأنه من أحد الحواس الخمس الموضوعة للعلم بالمذوقات كالسمع ~~والبصر والشم واللمس للعلم بالمسموعات والمبصرات والمشمومات والملموسات ~~والعلم بالطعم يحصل بحصول الذوق في فمه سواء ابتلعه أو مجه فكل أكل فيه ذوق ~~وليس كل ذوق ms1671 أكلا إذا عرف هذا فنقول إذا حلف لا يذوق طعاما أو شرابا فأدخله ~~في فيه حنث لحصول الذوق لوجود معناه وهو ما ذكرنا فإن قال أردت بقولي لا ~~أذوقه لا آكله ولا أشربه دين فيما بينه وبين الله عز وجل ولا يدين في ~~القضاء لأنه قد يراد بالذوق الأكل والشرب يقال في العرف ما ذقت اليوم شيئا ~~وما ذقت إلا الماء ويراد به الأكل والشرب فإذا نوى ذلك لا يحنث فيما بينه ~~وبين الله تعالى حتى يأكل أو يشرب لأنه نوى ما يحتمله كلامه ولا يصدق في ~~القضاء لعدوله عن الظاهر. # قال هشام وسألت محمدا عن رجل حلف # PageV03P067 # لا يذوق في منزل فلان طعاما ولا شرابا فذاق منه شيئا أدخله فاه ولم يصل ~~إلى جوفه فقال محمد هذا على الذوق إلا أن يكون تقدم كلام قلت فإن كان قال ~~له المحلوف عليه تغد عندي اليوم فحلف لا يذوق في منزله طعاما ولا شرابا ~~فقال محمد هذا على الأكل ليس على الذوق وإنما كان كذلك لما بينا أن حقيقة ~~الذوق هي اكتساب سبب العلم بالمذوق وقد يستعمل ذلك في الأكل والشرب فإن ~~تقدمت هناك دلالة حال خرج الكلام عليه حملت اليمين عليها وإلا عملت بحقيقة ~~اللفظ ولو حلف لا يذوق الماء فتمضمض للصلاة لا يحنث وإن حصل له العلم بطعم ~~الماء لأن ذلك لا يسمى ذوقا عرفا وعادة إذ المقصود منه التطهير لا معرفة ~~طعم المذوق. # ولو حلف لا يأكل طعاما أو لا يشرب شرابا أو لا يذوق ونوى طعاما دون طعام ~~أو شرابا دون شراب. # فجملة الكلام في هذا أن الحالف لا يخلو إما أن ينوي تحصيص ما هو مذكور ~~وإما أن نوى تخصيص ما ليس بمذكور فإن نوى تخصيص ما هو مذكور بأن ذكر لفظا ~~عاما وأراد به بعض ما دخل تحت اللفظ العام من حيث الظاهر يصدق فيما بينه ~~وبين الله تعالى ولا يصدق في القضاء لأن التكلم بالعام على إرادة الخاص ~~جائز إلا أنه خلاف الظاهر لأن ms1672 اللفظ وضع دلالة على العموم والظاهر من اللفظ ~~الموضوع دلالة على العموم في اللغة إرادة العموم فكان نية الخصوص خلاف ~~الظاهر فلا يصدق قضاء وإن نوى تخصيص ما ليس بمذكور لا يصدق في القضاء ولا ~~فيما بينه وبين الله عز وجل سواء كان التخصيص راجعا إلى الذات أو إلى الصفة ~~أو إلى الحال لأن الخصوص والعموم من صفات الألفاظ دون المعاني فغير الملفوظ ~~لا يحتمل التعميم والتخصيص والتقييد فإذا نوى التخصيص فقد نوى ما لا يحتمله ~~كلامه فلم تصح نيته رأسا وإذا عرف هذا فتخرج عليه مسائل إذا قال إن أكلت ~~طعاما أو شربت شرابا أو إن ذقت طعاما أو شرابا فعبدي حر، وقال عنيت اللحم ~~أو الخبز فأكل غيره لا يصدق في القضاء ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى ~~لأنه نوى التخصيص من اللفظ المذكور في موضع العموم كما بينا فيما تقدم أن ~~قوله إن أكلت طعاما بمعنى قوله لا آكل طعاما فيتناول بظاهره كل طعام فإذا ~~نوى به بعض الأطعمة دون بعض فقد نوى الخصوص في اللفظ العام وأنه يحتمله ~~لكنه خلاف الظاهر فلا يصدق قضاء ويدين فيما بينه وبين الله عز وجل وإن قال ~~إن أكلت أو ذقت أو شربت فعبدي حر وهو ينوي طعاما بعينه أو شرابا بعينه فأكل ~~أو شرب غيره فإن عبده يعتق في القضاء وفيما بينه وبين الله عز وجل لأنه نوى ~~التخصيص من غير المذكور إذ الطعام والشراب ليسا بمذكورين بل يثبتان بطريق ~~الاقتضاء والمقتضى لا عموم له وعند الشافعي يدين فيما بينه وبين الله عز ~~وجل ويزعم أن للمقتضى عموما والصحيح قولنا لما ذكرنا أن العموم والخصوص من ~~صفات الموجود دون المعدوم إذ المعدوم لا يحتمل الصفة حقيقة إلا أنه يجعل ~~موجودا بطريق الضرورة لصحة الكلام فيبقي فيما وراءه على حكم العدم وأما ~~التخصيص الراجع إلى الصفة والحال فنحو ما حكى بشر عن أبي يوسف في رجل قال ~~والله لا أكلم هذا الرجل وهو قائم وعنى به وما دام قائما لكنه ms1673 لم يتكلم ~~بالقيام كانت نيته باطلة وحنث إن كلمه لأن الحال والصفة ليست بمذكورة فلا ~~تحتمل التخصيص. # ولو حلف لا يكلم هذا القائم يعنى به ما دام قائما وسعه فيما بينه وبين ~~الله تعالى لورود التخصيص على الملفوظ وكذلك إذا قال والله لأضربن فلانا ~~خمسين وهو ينوي بسوط بعينه فبأي سوط ضربه فقد خرج عن يمينه والنية باطلة ~~لأن آلة الضرب ليست بمذكورة فبطلت نية التخصيص ونظير هذا ما حكى ابن سماعة ~~عن محمد في رجل حلف، وقال والله لا أتزوج امرأة وهو ينوي كوفية أو بصرية ~~فقال ليس في هذا نية فلا يصدق فيما بينه وبين الله عز وجل ولا في القضاء. # ولو قال والله لا أتزوج امرأة يعني امرأة كان أبوها يعمل كذا وكذا فهذا ~~كله لا تجوز فيه النية ولو قال والله لا أتزوج امرأة يعني امرأة عربية أو ~~حبشية قال هذا جائز يدين فيما نواه فقد جعل قوله عربية أو حبشية بيان النوع ~~وقوله كوفية أو بصرية وصفا فجوز تخصيص النوع ولم يجوز تخصيص الوصف لأن ~~الصفة ليست بمذكورة والجنس مذكور وهو قوله امرأة لأنه يتناول كل امرأة لأنه ~~في موضع النفي فتعمل نيته في نوع دون نوع لاشتمال اسم الجنس على الأنواع ~~وقال ابن سماعة عن محمد في رجل قال والله لا أتزوج امرأة على ظهر الأرض ~~ينوي امرأة بعينها قال يصدق فيما بينه # PageV03P068 # وبين الله تعالى لأن اللفظ عام يحتمل تخصيص جنس أفراد العموم إلا أنه ~~خلاف الظاهر فلا يصدق في القضاء قال. # ولو قال لا أشتري جارية ونوى مولدة فإن نيته باطلة لأنه ليس بتخصيص نوع ~~من جنس وإنما هو تخصيص صفة فأشبه الكوفية والبصرية. # ولو قال والله لا آكل الطعام أو لا أشرب الماء أو لا أتزوج النساء فيمينه ~~على بعض الجنس لما بينا فيما تقدم وإن أراد به الجنس صدق لأنه نوى حقيقة ~~كلامه. # وأما الحلف على الغداء والعشاء فلا بد من معرفة معنى الغداء والعشاء ~~ومعرفة وقتهما أما الأول فالغداء ms1674 والعشاء كل واحد منهما عبارة عن أكل ما ~~يقصد به الشبع عادة فيعتبر في ذلك العادة في كل بلد فما كان غداء عندهم ~~حملت اليمين عليه ولهذا قالوا في أهل الحضر إذا حلفوا على ترك الغداء ~~فشربوا اللبن لم يحنثوا لأنهم لا يتناولون ذلك للشبع عادة ولو حلف البدوي ~~فشرب اللبن حنث لأن ذلك غداء في البادية وإذا حلف لا يتغدى فأكل غير الخبز ~~من أرز أو تمر أو غيره حتى شبع لم يحنث ولم يكن ذلك غداء وكذلك إذا أكل ~~لحما بغير خبز لم يحنث في قول أبي يوسف ومحمد. # كذا ذكر الكرخي قال. # وقالا ليس الغداء في مثل الكوفة والبصرة إلا على الخبز والمرجع في هذا ~~إلى العادة فما كان غداء متعادا عند الحالف حنث وما لا فلا وروى هشام عن ~~أبي حنيفة في أكل الهريسة والأرز أنه يحنث وروي عن أبي يوسف في الهريسة ~~والفالوذج والخبيص أنه لا يحنث إلا أن يكون ذلك غداءه والأصل أن غداء كل ~~بلد ما تعارفونه غداء فيعتبر عادة الحالف فيما يحلف عليه فإن كان الحالف ~~كوفيا يقع على خبز الحنطة والشعير ولا يقع على اللبن والسويق وإن كان بدويا ~~يقع على اللبن والسويق وإن كان حجازيا يقع على السويق وفي بلادنا يقع على ~~خبز الحنطة وأما الثاني فنقول وقت الغداء من طلوع الفجر إلى وقت الزوال لأن ~~الغداء عبارة عن أكل الغدوة وما بعد نصف النهار لا يكون غدوة والعشاء من ~~وقت الزوال إلى نصف الليل لأنه مأخوذ من أكل العشية وأول أوقات العشاء ما ~~بعد الزوال وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاتي العشاء ~~ركعتين» يريد الظهر والعصر وفي عرف ديارنا العشاء ما بعد وقت صلاة العصر ~~وأما السحور فما بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر لأنه مأخوذ من السحر وهو وقت ~~السحر ولم يذكر في ظاهر الرواية مقدار الغداء والعشاء. # وقد روى ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن قال لأمته إن لم تتعش الليلة فعبدي ~~حر ms1675 فأكلت لقمة واحدة لم تزد عليها فليس هذا بعشاء ولا يحنث حتى تأكل أكثر ~~من نصف شبعها لأن من أكل لقمة يقول في العادة ما تغديت ولا تعشيت فإذا أكل ~~أكثر أكله يسمى ذلك غداء في العادة وروى المعلى عن محمد فيمن حلف ليأتينه ~~غدوة أنه إذا أتاه بعد طلوع الفجر إلى نصف النهار فقد بر وهو غدوة لما ~~ذكرنا أن هذا وقت الغداء ولو قال ليأتينه ضحوة فهو من بعد طلوع الشمس من ~~الساعة التي تحل فيها الصلاة إلى نصف النهار لأن هذا وقت صلاة الضحى قال ~~محمد: إذا حلف لا يصبح، فالتصبيح عندي ما بين طلوع الشمس وبين ارتفاع الضحى ~~الأكبر، فإذا ارتفع الضحى الأكبر ذهب وقت التصبيح لأن التصبيح تفعيل من ~~الصبح والتفعيل للتكثير فيقتضي زيادة على ما يفيده الإصباح وروى المعلى عن ~~محمد فيمن حلف لا يكلمه إلى السحر قال إذا دخل ثلث الليل الأخير فليكلمه ~~لأن وقت السحر ما قرب من الفجر قال هشام عن محمد والمساء مساءان أحدهما إذا ~~زالت الشمس ألا ترى أنك تقول إذا زالت الشمس كيف أمسيت؟ والمساء الأخير إذا ~~غربت الشمس فإذا حلف بعد الزوال لا يفعل كذا حتى يمسي كان ذلك على غيبوبة ~~الشمس لأنه لا يمكن حمل اليمين على المساء الأول فيحمل على الثاني والله عز ~~وجل أعلم. ### | [فصل في الحلف على اللبس والكسوة] # (فصل) : # وأما الحلف على اللبس والكسوة إذا حلف لا يلبس قميصا أو سراويل أو رداء ~~فاتزر بالسراويل أو القميص أو الرداء لم يحنث وكذا إذا أعتم بشيء من ذلك ~~لأن المطلق تعتبر فيه العادة والاتزار والتعمم ليس بمعتاد في هذه الأشياء ~~فلا يحنث. # ولو حلف لا يلبس هذا القميص أو هذا الرداء فعلى أي حال لبس ذلك حنث وإن ~~اتزر بالرداء وارتدى بالقميص أو اغتسل فلف القميص على رأسه وكذلك إذا حلف ~~لا يلبس هذه العمامة فالقاها على عاتقه لأن اليمين إذا تعلقت بعين اعتبر ~~فيها وجود الاسم ولا تعتبر فيها الصفة المعتادة لأن ms1676 الصفة في الحاضر غير ~~معتبرة # PageV03P069 # والاسم باق وهذا ليس بمعتاد فيحنث به. # ولو حلف لا يلبس حريرا فلبس مصمتا لم يحنث لأن الثوب ينسب إلى اللحمة دون ~~السداء لأنها هي الظاهرة منه والسداء ليس بظاهر ونظير مسائل الباب ما قال ~~في الجامع فيمن حلف لا يلبس قميصين فلبس قميصا ثم نزعه ثم لبس آخر فإنه لا ~~يحنث حتى يلبسهما معا لأن المفهوم من لبس القميصين في العرف هو أن يجمع ~~بينهما. # ولو قال والله لا ألبس هذين القميصين فلبس أحدهما ثم نزعه ولبس الآخر حنث ~~لأن اليمين ههنا وقعت على عين فاعتبر فيها الاسم دون اللبس المعتاد وقالوا ~~فيمن حلف لا يلبس شيئا ولا نية له فلبس درعا من حديد أو درع امرأة أو خفين ~~أو قلنسوة أنه يحنث لأن ذلك كله يتناوله اسم اللبس. # ولو حلف لا يلبس سلاحا فتقلد سيفا أو تنكب قوسا أو ترسا لم يحنث لأن هذا ~~لا يسمى لبسا يقال تقلد السيف ولا يقال لبسه ولو لبس درعا من حديد أو غيره ~~حنث لأن السلاح هكذا يلبس وقالوا حلف لا يلبس قطنا فلبس ثوب قطن يحنث لأن ~~القطن لا يحتمل اللبس حقيقة فيحمل على لبس ما يتخذ منه فإن لبس قباء ليس ~~بقطن وحشوه قطن لم يحنث إلا أن يعني الحشو لأن الحشو ليس بملبوس فلا ~~تتناوله اليمين فإن لبس ثوبا من قطن وكتان حنث لأن اليمين على القطن تتناول ~~ما يتخذ منه وبعض الثوب يتخذ منه روى بشر عن أبي يوسف في رجل حلف ليقطعن من ~~هذا الثوب قميصا وسراويل فقطعه قميصا فلبسه ما شاء ثم قطع من القميص سراويل ~~فلبسه فإنه يبر في يمينه لأن القميص يسمى ثوبا فقد قطع الثوب سراويل واسم ~~الثوب لم يزل فلا يحنث وإن حلف على قميص ليقطعن منه قباء وسراويل فقطع منه ~~قباء فلبسه أو لم يلبسه ثم قطع من القباء سراويل فإنه قد حنث في يمينه حين ~~قطع القميص قباء لأنه قطع السراويل مما لا يسمى ms1677 قميصا ويمينه أقتضت أن يقطع ~~السراويل من قميص لا من قباء. # وقال في الزيادات إذا قال عبده حر إن لم يجعل من هذا الثوب قباء وسراويل ~~ولا نية له فجعله كله قباء وخاطه ثم نقض القباء وجعله سراويل فإنه لا يحنث ~~إلا أن يكون عنى أن يجعل من بعضه هذا أو بعضه هذا وهو على الحالة الأولى. # وقال عمرو عن محمد في رجل حلف لا يلبس هذا الثوب فقطعه سراويلين فلبس ~~سراويل بعد سراويل لا يحنث. # وقال محمد إذا صار سراويلين خرج من أن يكون ثوبا لأن لبس الثوب المشار ~~إليه يلبس جميعه دفعة واحدة وروي عن محمد أنه قال سمعت أبا يوسف فيمن حلف ~~لا يلبس هذا الثوب فأخذ منه قلنسوات فلبسها لم يحنث لأنه لما قطعه قلنسوات ~~لم يبق اسم الثوب لأن القلنسوة لا تسمى ثوبا وإن قطعه قميصا ففضل منه فضلة ~~عن القميص رقعة صغيرة يتخذ منها لبنة أو ما أشبه ذلك فإنه يحنث لأن هذا ~~القدر مما لا يعتد به فكان لابسا كمن حلف لا يأكل رمانة فأكلها إلا حبة ~~وكذا لو اتخذ من الثوب جوارب فلبسها لا يحنث لأنه لما قطعه جوارب زال اسم ~~الثوب عنها. # ولو حلف لا يلبس ثوبا من غزل فلانة فقطع بعضه فلبسه فإن كان لا يكون ما ~~قطع إزارا أو رداء لم يحنث فإن بلغ ذلك حنث وإن قطعه سراويل فلبسه حنث لأن ~~اسم الثوب إنما يقع على ما تستر به العورة وأدنى ذلك الإزار فما دونه ليس ~~بلبس ثوب وكذا المرأة إذا حلفت لا تلبس ثوبا فلبست خمارا أو مقنعة لم تحنث ~~والمراد بذلك الخمار الذي لم يبلغ مقدار الإزار فإذا بلغ ذلك الإزار حنث ~~بلبسه وإن لم تستر به العورة وكذلك إذا لبس الحالف عمامة لم يحنث إلا أن ~~يلف على رأسه ويكون قدر إزار أو رداء أو يقطع من مثلها قميصا أو درعا أو ~~سراويل لأن العمامة إذا لم تبلغ مقدار الإزار فلابسها لا يسمى لابس ثوب ms1678 فلم ~~يحنث وإذا بلغت مقدار الإزار أو الرداء فقد لبس ما يسمى ثوبا إلا أنه ليس ~~في موضع مخصوص من بدنه فهو كما لو لبس القميص على رأسه. # ولو حلف لا يلبس من غزل فلانة ولم يقل ثوبا لم يحنث في التكة والزر ~~والعروة واللبنة روي ذلك عن محمد لأن هذا ليس بلبس في العادة ولا يقال لمن ~~كان عليه لابس. # وقال أبو يوسف إن لبس رقعة في ثوب شبرا في شبر حنث لأن هذا عنده في حكم ~~الكثير فصار لابسا له. # وقال محمد إذا حلف لا يلبس ثوبا لا يحنث في العمامة والمقنعة ويحنث في ~~السراويل وقد قالوا إذا حلف لا يلبس ثوبا من غزلها فلبس ثوب خز غزلته حنث ~~لأن ذلك ينسب إلى الثوب فإنه كان كساء من غزلها سداه قطن فإن كان ذلك يسمى ~~ثوبا حنث وإلا لم يحنث ولو حلف لا يلبس ثوبا من نسج فلان فنسجه غلمانه فإن ~~كان فلان يعمل بيده لم يحنث إلا أن يلبس من # PageV03P070 # عمله وإن كان فلان لا يعمل بيده حنث لأن حقيقة النسج ما فعله الإنسان ~~بنفسه فإن أمكن الحمل على الحقيقة يحمل عليها وإن لم يمكن يحمل على المجاز ~~فإذا كان فلان لا ينسج بيده لم تكن الحقيقة مرادة باليمين فيحمل على المجاز ~~وهو الأمر بالعمل وروى بشر عن أبي يوسف فيمن حلف لا يلبس شيئا من السواد ~~قال هذا على ما يلبس مثله ولا يحنث في التكة والزر والعروة لأن ذلك ليس ~~بلبس وإن حلف لا يكسو فلانا شيئا ولا نية له فكساه قلنسوة أو خفين أو ~~جوربين حنث لأن الكسوة اسم لما يكسى به وذلك يوجد في القليل والكثير وروى ~~عمرو عن محمد إذا حلف لا يكسو امرأة فبعث إليها مقنعة قال لا يحنث فجعل ~~الكسوة عبارة عما يجزئ في كفارة اليمين وأجرى ذلك مجرى قوله لا ألبس ثوبا. # ولو حلف لا يكسو فلانا ثوبا فأعطاه دراهم يشتري بها ثوبا لم يحنث لأنه لم ~~يكسه وإنما ms1679 وهب له دراهم وشاوره فيما يفعل بها ولو أرسل إليه بثوب كسوة حنث ~~لأن الحقوق لا تتعلق بالرسول وإنما تتعلق بالمرسل. ### | [فصل في الحلف على الركوب] # (فصل) : # وأما الحلف على الركوب إذا حلف لا يركب دابة فهو على الدواب التي يركبها ~~الناس في حوائجهم في مواضع إقامتهم فإن ركب بعيرا أو بقرة لم يحنث والقياس ~~أن يحنث في ركوب كل حيوان لأن الدابة اسم لما يدب على وجه الأرض قال الله ~~تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: 6] # وقال عز وجل: {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا} [الأنفال: 55] إلا ~~أنهم استحسنوا وحملوا اليمين على ما يركبه الناس في الأمصار ولقضاء الحوائج ~~غالبا وهو الخيل والبغال والحمير تخصيصا للعموم بالعرف والعادة لأنا نعلم ~~أنه ما أراد به كل حيوان فحملنا مطلق كلامه على العادة ومعلوم أن الفيل ~~والبقرة والبعير لا يركب لقضاء الحوائج في الأمصار عادة فإن نوى في يمينه ~~الخيل خاصة دين فيما بينه وبين الله عز وجل لأن اللفظ يحتمله ولا يدين في ~~القضاء لأنه خلاف ظاهر العموم وإن حلف لا يركب فرسا فركب برذونا أو حلف لا ~~يركب برذونا فركب فرسا لم يحنث لأن الفرس عبارة عن العربي والبرذون عن ~~الشهري فصار كمن حلف لا يكلم رجلا عربيا فكلم عجميا. # ولو حلف لا يركب، وقال نويت الخيل لا يصدق في القضاء ولا فيما بينه وبين ~~الله عز وجل لأن الركوب ليس بمذكور فلا يحتمل التخصيص فإن حلف لا يركب ~~الخيل فركب برذونا أو فرسا يحنث لأن الخيل اسم جنس قال الله عز وجل: ~~{والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} [النحل: 8] . # وقال - صلى الله عليه وسلم - «الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» ~~والمراد به الجنس فيعم جميع أنواعه. # ولو حلف لا يركب دابة وهو راكبها فمكث على حاله ساعة واقفا أو سائرا حنث ~~لما ذكرنا أن الركوب يحتمل الابتداء ويتجدد أمثاله وكذلك لو حلف لا يلبس ~~وهو لابس أو لا يجلس على هذا الفراش ms1680 وهو جالس لما قلنا فإن نزل عقيب يمينه ~~أو نزع أو قام لم يحنث عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر وقد ذكرنا المسألة ~~فيما تقدم. # ولو حلف لا يركب دابة فلان فركب دابة لعبد فلان وعليه دين أو لا دين عليه ~~لا يحنث في قول أبي حنيفة وعند محمد يحنث أما إذا كان عليه دين فلأنه لا ~~يملكها عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف هي مضافة إلى العبد دون المولى وأما ~~إذا لم يكن عليه دين فهي مضافة إلى العبد فلم يحنث وعند محمد هي ملك المولى ~~حقيقة فيحنث بركوبها ولو حلف لا يركب مركبا ولا نوى شيئا فركب سفينة أو ~~محملا أو دابة بإكاف أو سرج حنث لوجود الركوب أما في الدابة بالسرج والإكاف ~~فلا شك فيه وأما في السفينة فلأن الله تعالى سمى ذلك ركوبا بقوله عز وجل: ~~{وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها} [هود: 41] والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في الحلف على الجلوس] # (فصل) : # وأما الحلف على الجلوس فإذا حلف لا يجلس على الأرض فإنه لا يحنث إلا أن ~~يجلس عليها وليس بينه وبينها غير ثيابه فإن كان بينه وبين الأرض حصير أو ~~بورى أو بساط أو كرسي أو شيء بسطه لم يحنث لأن الجالس على الأرض من باشر ~~الأرض ولم يحل بينه وبينها شيء هذا هو الجلوس على الأرض حقيقة إلا أن ~~الجلوس عليها بما هو متصل به من ثيابه يسمى جلوسا على الأرض عرفا وإذا حال ~~بينهما ما هو منفصل عنه من البساط والحصير لا يسمى جلوسا ألا ترى أنه يقال ~~جلس على البساط والحصير لا على الأرض فإذا حلف لا يجلس على هذا الفراش أو ~~هذا الحصير أو هذا البساط فجعل عليه مثله ثم جلس لم يحنث لأن الجلوس يضاف ~~إلى الثاني دون الأول ألا ترى أن الطنفسة إذا جعلت على البوري لا يقال جلس ~~على البوري بل يقال جلس على الطنفسة وكذلك إذا جعل الفراش # PageV03P071 # على الفراش أو البساط على البساط. # وخالف أبو يوسف ms1681 في الفراش خاصة فقال إذا حلف لا ينام على هذا الفراش فجعل ~~فوقه فراشا آخر ونام عليه حنث لأنهما جميعا مقصودان بالنوم لأن ذلك إنما ~~يجعل لزيادة التوطئة وأجمعوا على أنه لو حلف لا ينام على هذا الفراش فجعل ~~فوقه قراما أو محبسا حنث لأن ذلك لا يمنع أن يقال نام على الفراش. # ولو حلف لا يجلس على هذا السرير أو على هذا الدكان أو لا ينام على هذا ~~السطح فجعل فوقه مصلى أو فرشا أو بساطا ثم جلس عليه حنث لأنه يقال جلس ~~الأمير على السرير وإن كان فوقه فراش ويقال نام على السطح وإن كان نام على ~~فراش فلو جعل فوق السرير سريرا أو بنى فوق الدكان دكانا أو فوق السطح سطحا ~~لم يحنث لأن الجلوس يضاف إلى الثاني دون الأول وقال محمد إذا كان نوى ~~مباشرته وهي أن لا يكون فوقه شيء لم يدين في القضاء يعنى به إذا حلف لا ~~ينام على السرير فنام على الفراش فوق السرير لأنه نوى غير ظاهر كلامه ولو ~~قال والله لا أنام على ألواح هذا السرير أو ألواح هذه السفينة ففرش على ذلك ~~فراشا لم يحنث لأنه ما نام على ألواح وذكر في الأصل إذا حلف لا يمشي على ~~الأرض فمشى عليها وفي رجله خف أو نعل يحنث لأن المشي على الأرض هكذا يكون ~~عادة ألا ترى أنه لم يجعل بينه وبينها ما هو منفصل عنه وإن مشى على بساط لم ~~يحنث لأنه يقال مشى على البساط وجاء في الشعر # نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق # ولو مشى على السطح حنث لأنه يقال هذه أرض السطح ويقال لمن على السطح لا ~~تنم على الأرض. ### | [فصل في الحلف على السكنى والمساكنة والإيواء والبيتوتة] # (فصل) : # وأما الحلف على السكنى والمساكنة والإيواء والبيتوتة أما السكنى فإذا حلف ~~لا يسكن هذه الدار أما إن كان فيها ساكنا أو لم يكن فإن لم يكن فيها ساكنا ~~فالسكنى فيها أن يسكنها بنفسه وينقل إليها من متاعه ms1682 ما يتأثث به ويستعمله ~~في منزله فإذا فعل ذلك فهو ساكن وحانث في يمينه لأن السكنى هي الكون في ~~المكان على طريق الاستقرار فإن من جلس في المسجد وبات فيه لا يسمى ساكن ~~المسجد ولو أقام فيه بما يتأثث به يسمى به فدل أن السكنى ما ذكرنا وذلك ~~إنما يكون بما يسكن به في العادة وذلك ما قلنا وإن كان فيها ساكنا فحلف لا ~~يسكنها فإنه لا يبر حتى ينتقل عنها بنفسه وأهله وولده الذين معه ومتاعه ومن ~~كان يأويها لخدمته والقيام بأمره في منزله فإن لم يفعل ذلك ولم يأخذ في ~~النقلة من ساعته وهي ممكنة حنث. # ههنا ثلاثة فصول أحدها إذا حلف لا يسكن فانتقل بأهله ومتاعه في الحال لم ~~يحنث في قول أصحابنا الثلاثة وعند زفر يحنث وهو على الخلاف الذي ذكرنا في ~~الراكب حلف لا يركب واللابس حلف لا يلبس فنزل ونزع في الحال وقد ذكرنا ~~المسألة فيما تقدم والثاني إذا انتقل بنفسه ولم ينتقل بأهله ومتاعه قال ~~أصحابنا يحنث. # وقال الشافعي لا يحنث وجه قوله إن شرط حنثه سكناه ولم يسكن فلا يحنث كما ~~لو حلف لا يسكن في بلد فخرج بنفسه وترك أهله فيه. # وقال الشافعي محتجا علينا إذا خرجت من مكة وخلفت دفيترات بها أفأكون ~~ساكنا بمكة ولنا أن سكنى الدار إنما يكون بما يسكن به في العادة لما ذكرنا ~~أنه اسم للكون على وجه الاستقرار ولا يكون الكون على هذا الوجه إلا بما ~~يسكن به عادة فإذا حلف لا يسكنها وهو فيها فالبر في إزالة ما كان به ساكنا ~~فإذا لم يفعل حنث وهذا لأنه بقوله لا أسكن هذه الدار فقد منع نفسه عن سكنى ~~الدار وكره سكناها لمعنى يرجع إلى الدار والإنسان كما يصون نفسه عما يكره ~~يصون أهله عنه عادة فكانت يمينه واقعة على السكنى وما يسكن به عادة فإذا ~~خرج بنفسه وترك أهله ومتاعه فيه ولم يوجد شرط البر فيحنث. # والدفاتر لا يسكن بها في الدور عادة فبقاؤها لا ms1683 يوجب بقاء السكنى فهذا ~~كان تشنيعا في غير موضعه ولأن من حلف لا يسكن هذه الدار فخرج بنفسه وأهله ~~ومتاعه فيها يسمى في العرف والعادة ساكن الدار ألا ترى أنه إذا قيل له وهو ~~في السوق أين تسكن؟ يقول في موضع كذا وإن لم يكن هو فيه وبهذا فارق البلد ~~لأنه يقال لمن بالبصرة إنه ساكن بالكوفة والثالث أنه إذا انتقل بنفسه وأهله ~~وماله ومتاعه وترك من أثاثه شيئا يسيرا قال أبو حنيفة يحنث. # وقال أبو يوسف إذا كان المتاع المتروك لا يشغل بيتا ولا بعض الدار لا ~~يحنث ولست أجد في هذا حدا وإنما هو على الاستحسان وعلى ما يعرفه الناس. # وقيل معنى قول أبي حنيفة إذا ترك # PageV03P072 # شيئا يسيرا يعني ما لا يعتد به ويسكن بمثله. # فأما إذا خلف فيها وتدا أو مكنسة لم يحنث لأبي يوسف أن اليسير من الأثاث ~~لا يعتد به لأنه يسكن بمثله فصار كالوتد ولأبي حنيفة إن شرط البر إزالة ما ~~به صار ساكنا فإذا بقي منه شيء لم يوجد شرط البر بكماله فيحنث فإن منع من ~~الخروج والتحول بنفسه ومتاعه وأوقعوه وقهروه لا يحنث وإن أقام على ذلك ~~أياما لأنه ما يسكنها بل أسكن فيها فلا يحنث ولأن البقاء على السكنى يجري ~~مجرى الابتداء ومن حلف لا يسكن هذه الدار وهو خارج الدار فحمل إليها مكرها ~~لم يحنث كذا البقاء إذا كان بإكراه. # وقال محمد إذا خرج من ساعته وخلف متاعه كله في المسكن فمكث في طلب المنزل ~~أياما ثلاثا فلم يجد ما يستأجره وكان يمكنه أن يخرج من المنزل ويضع متاعه ~~خارج الدار لا يحنث لأن هذا من عمل النقلة إذ النقلة محمولة على العادة ~~والمعتاد هو الانتقال من منزل إلى منزل ولأنه ما دام في طلب المنزل فهو ~~متشاغل بالانتقال كما لو خرج يطلب من يحمل رحله وقال محمد إن كان الساكن ~~موسرا وله متاع كثير وهو يقدر على أنه يستأجر من ينقل متاعه في يوم فلم ~~يفعل وجعل ينقل ms1684 بنفسه الأول فالأول فمكث في ذلك سنة قال إن كان النقلان لا ~~يفترانه لا يحنث لأن الحنث يقع بالاستقرار بالدار والمتشاغل بالانتقال غير ~~مستقر ولأنه لا يلزمه الانتقال على أسرع الوجوه ألا ترى أنه بالانتقال ~~المعتاد لا يحنث وإن كان غيره أسرع منه فإن تحول ببدنه. # وقال ذلك أردت فإن كان حلف لا يسكن هذه الدار وهو ساكن فيها لا يدين في ~~القضاء لأنه خلاف الظاهر ويدين فيما بينه وبين الله عز وجل لأنه نوى ما ~~يحتمله كلامه وإن كان حلف وهو غير ساكن. # وقال نويت الانتقال ببدني دين لأنه نوى ما يحتمله وفيه تشديد على نفسه ~~وأما المساكنة فإذا كان رجل ساكنا مع رجل في دار فحلف أحدهما أن لا يساكن ~~صاحبه فإن أخذ في النقلة وهي ممكنة وإلا حنث والنقلة على ما وصفت لك إذا ~~كان ساكنا في الدار فحلف لا يسكنها لأن المساكنة هي أن يجمعهما منزل واحد ~~فإذا لم ينتقل في الحال فالبقاء على المساكنة مساكنة فيحنث فإن وهب الحالف ~~متاعه للمحلوف عليه أو أودعه أو أعاره ثم خرج في طلب منزل فلم يجد منزلا ~~أياما ولم يأت الدار التي فيها صاحبه قال محمد إن كان وهب له المتاع وقبضه ~~منه وخرج من ساعته وليس من رأيه العود إليه فليس بمساكن له فلا يحنث وكذلك ~~إن أودعه المتاع ثم خرج لا يريد العود إلى ذلك المنزل وكذلك العارية لأنه ~~إذا وهبه وأقبضه وخرج فليس بمساكن إياه بنفسه ولا بماله وإذا أودعه فليس ~~بساكن به فلا يحنث وكذلك إن أودعه المتاع ثم خرج وإنما هو في يد المودع ~~وكذلك إذا أعاره فلا يحنث ولو كان له في الدار زوجة فراودها على الخروج ~~فأبت وامتنعت وحرص على خروجها واجتهد فلم تفعل فإنه لا يحنث إذا كانت هذه ~~حالها لأنه لو بقي هو في الدار مكرها لم يحنث لعدم اختياره السكنى به فكذا ~~إذا بقي ما يسكن به بغير اختياره وإذا حلف لا يساكن فلانا فساكنه في عرصة ~~دار ms1685 أو بيت أو غرفة حنث لأن المساكنة هي القرب والاختلاط فإذا سكنها في ~~موضع يصلح للسكنى فقد وجد الفعل المحلوف عليه فيحنث فإن ساكنه في دار هذا ~~في حجرة وهذا في حجرة أو هذا في منزل وهذا في منزل حنث إلا أن يكون دارا ~~كبيرة قال أبو يوسف مثل دار الرقيق ونحوها ودار الوليد بالكوفة فإنه لا ~~يحنث وكذا كل دار عظيمة فيها مقاصير ومنازل. # وقال هشام عن محمد إذا حلف لا يساكن فلانا ولم يسم دارا فسكن هذا في حجرة ~~وهذا في حجرة لم يحنث إلا أن يساكنه في حجرة واحدة قال هشام قلت فإن حلف لا ~~يساكنه في هذه الدار فسكن هذا في حجرة وهذا في حجرة قال يحنث لمحمد أن ~~الحجرتين المختلفتين كالدارين بدليل أن السارق من إحداهما إذا نقل المسروق ~~إلى الأخرى قطع وليس كذلك إذا حلف لا يساكنه في دار لأنه حلف على أن لا ~~يجمعهما دار واحدة وقد جمعتهما وإن كانا في حجرها ولأبي يوسف أن المساكنة ~~هي الاختلاط والقرب فإذا كانا في حجرتين في دار صغيرة فقد وجد القرب فهو ~~كبيتين من دار وإن كانا في حجرتين من دار عظيمة فلا يوجد القرب فهو كدارين ~~في محلة فإن سكن هذا في بيت من دار وهذا في بيت وقد حلف لا يساكنه ولم يسم ~~دارا حنث في قولهم لأن بيوت الدار الواحدة كالبيت الواحد ألا ترى أن السارق ~~لو نقل المسروق # PageV03P073 # من أحد البيتين إلى الآخر لم يقطع. # وقال أبو يوسف فإن ساكنه في حانوت في السوق يعملان فيه عملا أو يبيعان ~~فيه تجارة فإنه لا يحنث وإنما اليمين على المنازل التي هي المأوى وفيها ~~الأهل والعيال. # فأما حوانيت البيع والعمل فليس يقع اليمين عليها إلا أنه ينوي أو يكون ~~بينهما قبل اليمين بدل يدل عليها فتكون اليمين على ما تقدم من كلامهما ~~ومعانيهما لأن السكنى عبارة عن المكان الذي يأوي إليه الناس في العادة ألا ~~ترى أنه لا يقال فلان يسكن السوق وإن ms1686 كان يتجر فيها فإنه جعل السوق مأواه ~~قيل إنه يسكن السوق فإن كان هناك دلالة تدل على أنه أراد باليمين ترك ~~المساكنة في السوق حملت اليمين على ذلك وإن لم يكن هناك دلالة فقال نويت ~~المساكنة في السوق أيضا فقد شدد على نفسه قالوا إذا حلف لا يساكن فلانا ~~بالكوفة ولا نية له فسكن أحدهما في دار والآخر في دار أخرى في قبيلة واحدة ~~أو محلة واحدة أو درب فإنه لا يحنث حتى تجمعهما السكنى في دار لأن المساكنة ~~هي المقاربة والمخالطة ولا يوجد ذلك إذا كانا في دارين وذكر الكوفة لتخصيص ~~اليمين بها حتى لا يحنث بمساكنته في غيرها فإن قال نويت أن لا أسكن الكوفة ~~والمحلوف عليه بالكوفة صدق لأنه شدد على نفسه وكذلك إذا حلف لا يساكنه في ~~الدار فاليمين على المساكنة في دار واحدة على ما بينا ولو أن ملاحا حلف لا ~~يساكن فلانا في سفينة واحدة ومع كل واحد منهما أهله ومتاعه واتخذها منزله ~~فإنه يحنث وكذلك أهل البادية إذا جمعتهم خيمة. # وإن تفرقت الخيام لم يحنث وإن تقاربت لأن السكنى محمولة على العادة وعادة ~~الملاحين السكنى في السفن وعادة أهل البادية السكنى في الأخبية فتحمل ~~يمينهم على عاداتهم وأما الإيواء فإذا حلف لا يأوي مع فلان أو لا يأوي في ~~مكان أو دار أو في بيت فالإيواء الكون ساكنا في المكان فأوى مع فلان في ~~مكان قليلا كان المكث أو كثيرا ليلا كان أو نهارا حنث وهو قول أبي يوسف ~~الأخير وقول محمد إلا أن يكون نوى أكثر من ذلك يوما أو أكثر فيكون على ما ~~نوى وروى ابن رستم في رجل حلف بالطلاق لا يأويه وفلانا بيت وذلك لأن ~~الإيواء عبارة عن المصير في الموضع قال الله عز وجل: {سآوي إلى جبل يعصمني ~~من الماء} [هود: 43] أي ألتجئ وذلك موجود في قليل الوقت وكثيره وقد كان قول ~~أبي يوسف الأول: إن الإيواء مثل البيتوتة وإنه لا يحنث حتى يقيم في المكان ~~أكثر الليل ms1687 لأنهم يذكرون الإيواء كما يذكرون البيتوتة فيقولون فلان يأوي في ~~هذه الدار كما يقولون يبيت فيها وأما إذا نوى أكثر من ذلك فالأمر على ما ~~نوى لأن اللفظ محتمل فإنهم يذكرون الإيواء ويريدون به السكنى والمقام وقد ~~روى ابن رستم عن محمد في رجل قال إن آواني وإياك بيت أبدا على طرفة عين في ~~قول أبي يوسف الأخير وقولنا إلا أن يكون نوى أكثر من ذلك يوما أو أكثر ~~فالأمر على ما نوى لأن اللفظ يوما أو أكثر. # وقال ابن سماعة عن أبي يوسف إذا حلف لا يأوي فلانا وقد كان المحلوف عليه ~~في عيال الحالف ومنزله لا يحنث إلا أن يعيد المحلوف عليه مثل ما كان وإن لم ~~يكن المحلوف عليه في عيال الحالف فهذا على نية الحالف إن نوى أن لا يعوله ~~فهو كما نوى وكذلك إن نوى لا يدخله عليه بيته لأن قوله لا يأويه يذكر ويراد ~~به ضمه إلى نفسه ومنزله وقد يراد به القيام بأمره فإن كان في اللفظ دليل ~~على شيء وإلا يرجع إلى بيته فإن دخل المحلوف عليه بغير إذنه فرآه فسكت لم ~~يحنث لأنه حلف على فعل نفسه فإذا لم يأمره لم يوجد فعله. # وقال عمر وعن محمد الإيواء عند البيتوتة والسكنى فإن نوى المبيت فهو على ~~ذهاب الأكثر من الليل وإن لم ينو شيئا فهو على ذهاب ساعة. # (وأما) البيوتة فإذا حلف لا يبيت مع فلان أو لا يبيت في مكان كذا فالمبيت ~~بالليل حتى يكون فيه أكثر من نصف الليل وإذا كان أقل لم يحنث وسواء نام في ~~الموضع أو لم ينم لأن البيتوتة عبارة عن الكون في مكان أكثر من نصف الليل ~~ألا يرى أن الإنسان يدخل على غيره ليلا يقيم عنده قطعة من الليل ولا يقال ~~بات عنده وإذا أقام أكثر الليل يقال بات عنده ويقال فلان بائت في منزله وإن ~~كان في أول الليل في غيره ولا يعتبر النوم لأن اللفظ لا يقتضيه لغة كما لا ~~يقتضي ms1688 اليقظة فلم يكن شرطا فيه وقال ابن رستم عن محمد في رجل حلف لا يبيت ~~الليلة في هذه الدار وقد ذهب ثلثا الليل ثم بات بقية الليل قال لا يحنث لأن ~~البيتوتة إذا كانت تقع على أكثر الليل فقد حلف على ما لا يتصور فلا تنعقد ~~يمينه والله عز وجل أعلم. # PageV03P074 ### | [فصل في الحلف على الاستخدام] # فصل) : # وأما الحلف على الاستخدام فإذا حلف الرجل لا يستخدم خادمة له قد كانت ~~تخدمه ولا نية له فجعلت الخادمة تخدمه من غير أن يأمرها حنث لأنه لما مكنها ~~من الخدمة فقد تركها على الاستخدام السابق ولأنه لما لم يمنعها فقد ~~استخدمها دلالة وإن لم يستخدم نصا صريحا ولو كان الحالف على خادمة لا ~~يملكها فخدمته بغير أمره لا يحنث لعدم سبق الاستخدام ليكون التمكين من ~~الخدمة إبقاء لها على الاستخدام ولتعذر جعل التمكين دلالة الاستخدام لأن ~~استخدام جارية الغير بغير إذنه محظور فلا يكون إذنا به من طريق الدلالة فهو ~~الفرق حتى لو كان نهى خادمته التي كانت تخدمه عن خدمته ثم خدمته بغير أمره ~~قيل لم يحنث لأنه بالتمكين قطع استخدامها السابق فقد وجد منها بغير استخدام ~~فلا يحنث ولو حلف لا تخدمه فلانة فخدمته بغير أمره أو بأمره وهي خادمته أو ~~خادمة غيره حنث لأنه عقد اليمين على فعلها وهو خدمتها لا على فعله وهو ~~استخدامه وقد خدمته. # وكل شيء من عمل بيته فهو خدمته لأن الخدمة عبارة عن عمل البيت الذي يحتاج ~~إليه في الغالب ولو حلف لا يستخدم خادمة لفلان فسألها وضوءا أو شرابا أو ~~أومأ إليها ولم يكن له نية حين حلف حنث إن فعلت ذلك أو لم تفعل إلا أن يكون ~~نوى حين حلف أن لا يستعين بها فتعينه فلا يحنث حتى تعينه لأنه عقه يمينه ~~على فعله وهو الاستخدام وقد استخدم وإن لم تجبه فإن عنى أن تخدمه فقد نوى ~~ما يحتمله كلامه فيصدق فيما بينه وبين الله تعالى وإن حلف لا يخدمني خادم ~~لفلان فهو ms1689 على الجارية والغلام والصغير الذي يخدم والكبير في ذلك سواء لأن ~~اسم الخادم يجمع الذكر والأنثى والصغير والكبير إذا كان الصغير ممن يقدر ~~على الخدمة والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في الحلف على المعرفة] # (فصل) : # وأما الحلف على المعرفة فإذا حلف على إنسان أنه لا يعرفه وهو يعرفه بوجهه ~~لكنه لا يعرف اسمه فقد بر في يمينه ولا يحنث لأنه إذا لم يعرف اسمه لم ~~يعرفه بدليل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «سأل رجلا عن ~~رجل، وقال له هل تعرفه؟ فقال الرجل نعم فقال هل تدري ما اسمه؟ فقال لا فقال ~~إنك لم تعرفه» ولأنه إذا لم يعرفه باسمه وإن عرفه بوجهه لم يكن عارفا به ~~على الإطلاق بل من وجه دون وجه ومن شرط حنثه المعرفة على الإطلاق ولم توجد ~~فلا يحنث. # وقال خلف بن أيوب عن محمد في رجل تزوج امرأة ودخل بها ولا يدري ما اسمها ~~فحلف إنه لا يعرفها قال لا يحنث لما بينا ولو أن رجلا ولد له مولود فأخرجه ~~إلى جار له ولم يكن سماه بعد فحلف جاره هذا أنه لا يعرف هذا الصبي لا يحنث ~~لأن معرفته بمعرفة اسمه فلا يعرف قبل التسمية. ### | [فصل في الحلف على أخذ الحق وقبضه وقضائه واقتضائه] # (فصل) : # وأما الحلف على أخذ الحق وقبضه وقضائه واقتضائه إذا حلف الرجل ليأخذن من ~~فلان حقه أو ليقبضن من فلان حقه فأخذ منه بنفسه أو أخذ منه وكيله أو أخذه ~~من ضامن عنه أو محتال عليه بأمر المطلوب بر لأن حقوق القضاء لا ترجع إلى ~~الفاعل فترجع إلى الآمر فكأن قبض وكيل الطالب قبضه معنى وكذا القبض من وكيل ~~المطلوب أو كفيله أو المحتال بأمره عليه قبضا منه من حيث المعنى ولو قبض من ~~رجل بغير أمر المطلوب أو كانت الكفالة أو الحوالة بغير أمره حنث في يمينه ~~ولم يبر لأنه لم يقبض من المطلوب حقه حقيقة في الوجهين جميعا إلا أنه جعل ~~قابضا عنه معنى ms1690 في موضع الآمر وجعل القبض من الغير كالقبض منه فإذا لم يكن ~~ذلك بأمره لم تكن إضافته إليه ولهذا لم يرجع إلى الدافع إليه بما أعطاه فلم ~~يوجد منه قبض حقه فلم يبر وكذلك لو كان الحالف هو الذي عليه المال فحلف ~~ليقضين فلانا حقه أو ليعطين فأعطاه بنفسه أو برسول أو بإحالة أو أمر من ~~ضمنه له فأخذه الطالب بر الحالف في يمينه لأن حقوق القضاء لا تتعلق بالفاعل ~~فتتعلق بالآمر. # فكان هو القاضي والمعطي من حيث المعنى ولو كان ذلك بغير أمره حنث الحالف ~~لأنه لم يقض حقه ولا أعطاه أصلا ورأسا ألا ترى أنه لا يرجع الدافع إليه وإن ~~قال الحالف في هذين الوجهين أردت أن يكون ذلك بنفسي كان كما قال فإن لم ~~يفعل ذلك بنفسه حنث لأنه شدد على نفسه وإن كان المطلوب حلف أن لا يعطيه ~~فأعطاه على أحد هذه الوجوه حنث فإن قال إنما أردت أن لا أعطيه أنا بنفسي لم ~~يدين في القضاء ودين فيما بينه وبين الله تعالى لأن العطاء بفعله وبفعل ~~غيره سواء في القصد فتناوله اليمين فإذا نوى أن لا يعطيه بنفسه # PageV03P075 # فقد نوى خلاف الظاهر وأراد التخفيف على نفسه فلا يصدق في القضاء ولو أخذ ~~به ثوبا أو عرضا فقبض العرض فهو بمنزلة القبض للمال لأنه يصير مستوفيا بأخذ ~~العوض كما يصير مستوفيا بأخذ نفس الحق ولو حلف الطالب ليأخذن ماله منه أو ~~ليقضينه أو ليستوفينه ولم يوقت وقتا فأبرأه من المال أو وهبه له حنث في ~~يمينه لأن الإبراء ليس بقبض ولا استيفاء ففات شرط البر فحنث ولو كان وقت ~~وقتا فقال اليوم أو إلى كذا وكذا فأبرأه قبل ذلك أو وهبه له لم يحنث عند ~~أبي حنيفة ومحمد إذا جاوز ذلك الوقت وعند أبي يوسف يحنث بناء على أن اليمين ~~الموقتة يتعلق انعقادها بآخر الوقت عندهما فكأنه قال في آخر الوقت لأقبضن ~~منه ديني ولا دين عليه فلا تنعقد اليمين عندهما وتنعقد عند أبي يوسف فيحنث. ms1691 # أصل المسألة إذا حلف ليشربن الماء الذي في هذا الكوز اليوم فأهريق الماء ~~قبل انقضاء اليوم وقد ذكرناها فيما تقدم فإن قبض الدين فوجده زيوفا أو ~~نبهرجة فهو قبض وبر في يمينه سواء كان الحلف على القبض أو على الدفع لأنها ~~من جنس حقه من حيث الأصل ألا ترى أنه يجوز أخذهما في ثمن الصرف فوقع بهما ~~الاقتضاء وإن كانت ستوقة فليس هذا بقبض لأنها ليست من جنس الدراهم ولهذا لا ~~يجوز التجوز بها في ثمن الصرف وكذلك لو رد الثوب الذي أخذ عن الدين بعيب أو ~~استحق كان قد بر في يمينه وكان هذا قبضا لأن العيب لا يمنع صحة القبض وكذا ~~المستحق يصح قبضه ثم يبطل لعدم الإجازة فانحلت اليمين فلا يتصور الحنث بعد ~~ذلك وقد قالوا إذا اشترى بدينه بيعا فاسدا وقبضه فإن كان في قيمته وفاء ~~بالحق فهو قابض لدينه ولا يحنث وإن لم يكن فيه وفاء حنث لأن المضمون في ~~البيع الفاسد القيمة لا المسمى ولو غصب الحالف مالا مثل دينه بر لأنه وقع ~~الاقتضاء به وكذلك لو استهلك له دنانير أو عروضا لأن القيمة تجب في ذمته ~~فيصير قصاصا. # وقال محمد إذا قال إن لم أتزن من فلان ما لي عليه أو لم أقبض ما لي عليه ~~في كيس أو قال إن لم أقبض ما لي عليك دراهم أو بالميزان أو قال إن لم أقبض ~~دراهم قضاء من الدراهم التي لي عليك فأخذ بذلك عرضا أو شيئا مما يوزن من ~~الزعفران أو غيره فهو حانث لأنه لما ذكر الوزن والكيس والدراهم فقد وقعت ~~يمينه على جنس حقه فإذا أخذ عوضا عنه حنث ### | [فصل في الحالف على الهدم] # (فصل) : # وأما الحالف على الهدم قال ابن سماعة وسمعت أبا يوسف يقول في رجل قال ~~والله لأهدمن هذه الدار فإن هدم سقوفها بر لأنه لا يقدر على أن يزيل اسم ~~الدار بالهدم لأنه لو هدم جميع بنائها لكانت بذلك تسمى دار لما ذكرنا أنها ~~اسم للعرصة فحملت ms1692 اليمين على الكسر قال محمد إذا حلف لينقضن هذا الحائط أو ~~ليهدمنه اليوم فنقض بعضه أو هدم بعضه ولم يهدم ما بقي حتى مضى اليوم يحنث ~~قال والهدم عندنا أن يهدم حتى يبقي منه ما لا يسمى حائطا لأن الحائط يمكن ~~هدمه حتى يزيل الاسم عنه فوقعت اليمين على ذلك بخلاف الدار فإن نوى هدم ~~بعضه صدق ديانة لأن ذلك يسمى هدما بمعنى الكسر. # ولو حلف ليكسرن هذا الحائط فكسر بعضه بر لأنه يقال له حائط مكسور فلا ~~يعتبر ما يزيل به اسم الحائط فالحاصل أن ههنا ألفاظا ثلاثة الهدم والنقض ~~والكسر والمسائل مبنية على معرفة معنى كل لفظ فالهدم اسم لإزالة البناء ~~لأنه ضد البناء فإن فعل في الحائط فعلا ينظر إن بقي بعده ما يسمى مبنيا حنث ~~لأنه لا وجود للشيء مع وجود ما يضاده وإن لم يبق ما يسمى مبنيا بر لتحقيقه ~~في نفسه قال الله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع} ~~[الحج: 40] والمراد منه استئصالها لا إحداث صدع أو وهن في أبنيتها وكذلك ~~النقض يقال فلان نقض بيته كذا أي أزالها ولو نقض بعض الحائط أو هدم بعضه. # وقال عنيت به بعضه يصدق فيما بينه وبين الله تعالى عز وجل لأنه نوى تخصيص ~~العموم وإنه محتمل فلا يصدقه القاضي لأنه عدول عن الظاهر والكسر عبارة عن ~~إحداث صدع أو شق فيما صلب من الأجسام بمنزلة الخرق فيما استرخى منها فإذا ~~ثبت فيه هذا فقد بر في يمينه وإن بقي التركيب والله أعلم ### | [فصل في الحلف على الضرب والقتل] # (فصل) : # وأما الحلف على الضرب والقتل قال المعلى سألت محمدا عن رجل حلف بطلاق ~~امرأته ليضربنها حتى يقتلها أو حتى ترفع ميتة ولا نية له قال إن ضربها ضربا ~~شديدا كأشد الضرب بر في يمينه لأنه يراد بمثل هذا القول في العادة # PageV03P076 # شدة الضرب دون الموت قال فإن حلف ليضربنها حتى يغشى عليها أو حتى تبول ~~فما لم يوجد ذلك لم يبر في يمينه لأن ms1693 هذا يحدث عند شدة الضرب غالبا فيراعى ~~وجوده للبر. # ولو حلف ليضربن غلامه في كل حق وباطل فمعنى ذلك أن يضربه في كل ما شكي ~~بحق أو بباطل لأنه لا يمكن حمله على الحقيقة وهو الضرب عند كل حق وباطل لأن ~~العبد لا يخلو من ذلك فإذا يكون عند الشكاية فإذا يكون المولى في ضربه أبدا ~~فحمل الضرب على الشكاية للعرف ولا يكون الضرب في هذا عند الشكاية أي لا ~~يحمل الضرب على فور الشكاية لأن اليمين الواقعة على فعل مطلق عن زمان لا ~~تتوقت بزمان دون زمان بل تقع على العمر إلا أن يعني به الحال فيكون قد شدد ~~على نفسه فإن شكي إليه فضربه ثم شكي إليه في ذلك الشيء مرة أخرى والمولى ~~يعلم أنه في ذلك الشيء أو لا يعلم فذلك سواء وليس عليه أن يضربه للشكاية ~~الثانية لأنه قد ضربه فيها مرة واحدة ولا يتعلق بالفعل الواحد الذي وقعت ~~الشكاية عليه أكثر من ضرب واحد في العرف كما لو قال إن أخبرتني بكذا فلك ~~درهم فأخبره مرة بعد مرة أنه لا يجب إلا درهم واحد وإن كان الثاني إخبارا ~~كالأول كذا هذا. # وقال المعلى سألت محمدا عن رجل حلف ليقتلن فلانا ألف مرة فقتله ثم قال ~~إنما نويت أن آلي على نفسي بالقتل قال أدينه في القضاء لأن العادة أنهم ~~يريدون بهذا تشديد القتل دون تكرره لعدم تصوره وقال ابن سماعة عن أبي يوسف ~~فيمن قال لامرأته إن لم أضربك حتى أتركك لا حية ولا ميتة فهذا على أن ~~يضربها ضربا شديدا يوجعها فإذا فعل ذلك فقد بر لأن المراد منه أن لا يتركها ~~حية سليمة ولا ميتة وذلك بالضرب الشديد فينصرف إليه. # وقال محمد فيمن حلف بالطلاق لقد سمع فلانا يطلق امرأته ألف مرة وقد سمعه ~~طلقها ثلاثا فإنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى لأن حكم الثلاث حكم الألف ~~في الإيقاع ولأنه يراد بمثله أكثر عدد الطلاق في العادة وهو الثلاث ولو قال ~~امرأته ms1694 طالق إن لم يكن لقي فلانا ألف مرة وقد لقيه مرارا كثيرة لأن ذلك لا ~~يكون ألف مرة وإنما أراد كثرة اللقاء ولم يرد العدد إني أدينه لأن مثل هذا ~~يذكر في العادة والعرف للتكثير دون العدد المحصور وقد قال الله تعالى: ~~{استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} ~~[التوبة: 80] وليس ذلك على عدد السبعين بل ذكره سبحانه وتعالى للتكثير كذا ~~هذا. # ولو قال والله لا أقتل فلانا بالكوفة أو قال والله لا أتزوج فلانة ~~بالكوفة فضربه الحالف ببغداد فمات بالكوفة أو زوجه الولي امرأة كبيرة ~~ببغداد فبلغها الخبر بالكوفة فأجازت حنث في اليمينين جميعا وكذلك لو حلف ~~على الزمان فقال لا أفعل ذلك يوم الجمعة فمات يوم الجمعة أو أجازت النكاح ~~يوم الجمعة حنث الحالف ولو كان حلف ليفعلن ذلك بالكوفة أو يوم الجمعة فكان ~~ما ذكرنا بر في يمينه وإنما كان ذلك لأن الفعل الذي هو قتل إن وجد ببغداد ~~ويوم السبت لكنه موصوف بصفة الإضافة إلى المخاطب وإنما يصير موصوفا ~~بالإضافة وقت ثبوت أثره وهو زهوق الروح وذلك وجد بالكوفة يوم الجمعة فيحنث ~~في يمينه ونظيره لو قال إن خلق الله تعالى لفلان ابنا في هذه السنة فعبدي ~~حر فحصل له ولد في هذه السنة يحنث وإن كان خلق الله أزليا لكن الإضافة إلى ~~المخلوق إنما تثبت عند وجود أثره وهو وجود الولد كذا ههنا والنكاح في الشرع ~~اسم لما بعد الحل وذلك إنما يوجد عند الإجازة وكذلك العبد إذا اشترى عبدا ~~بغير إذن مولاه ثم بلغ المولى فأجاز فإنه مشترى يوم أجازه المولى لأنه يوم ~~ثبوت الملك. # وقال محمد في البيع الموقوف والفاسد إنه بائع يوم باع ومشتر يوم اشترى ~~وقال في القتل كما قال أبو يوسف لمحمد إن الملك عند الإجازة يتعلق بالعقد ~~كما يتعلق به عند إسقاط الخيار ولأبي يوسف أن الأحكام لا تتعلق بالعقد ~~الموقوف وإنما تتعلق بالإجازة ولو كانت الضربة قبل اليمين ومات بالكوفة ms1695 أو ~~يوم الجمعة لا يحنث في يمينه وإن وجد القتل المضاف إلى المخاطب يوم الجمعة ~~لأن هذا القتل وجد منه قبل اليمين فلا يتصور امتناعه عن اتصافه بصفة ~~الإضافة والإنسان لا يمنع نفسه عما ليس في وسعه الامتناع عنه إذ مقصود ~~الحالف البر لا الحنث ولهذا لو حلف لا يسكن هذه الدار وهو ساكنها فأخذ في ~~النقلة من ساعته لا يحنث فإن وجد السكنى وعرف بدلالة الحال أنه أراد منع ~~نفسه عن قتل مضاف إلى مخاطب باشره بعد اليمين ونظيره ما ذكره محمد أنه لو ~~قال لامرأته أنت طالق غدا ثم قال لها إن طلقتك فعبدي حر فجاء غد فطلقت لم ~~يعتق عبده. # ولو قال لها إن # PageV03P077 # طلقتك فعبدي حر ثم قال لها إذا جاء غد فأنت طالق فجاء غد وطلقت عتق عبده ~~لهذا المعنى كذا هذا. ### | [فصل في الحلف على المفارقة والوزن وما أشبه ذلك] # (فصل) : # وأما الحلف على المفارقة والوزن وما أشبه ذلك إذا حلف لا يفارق غريمه حتى ~~يستوفي ما عليه واشترى منه شيئا على أن البائع بالخيار ثم فارقه حنث لأن ~~الثمن ما يستحق على المشتري فلم يصر مستوفيا فإن أخذ به رهنا أو كفيلا من ~~غير براءة المكفول عنه ثم فارقه يحنث لأن الحق في ذمة الغريم بحاله لم ~~يستوف فإن هلك الرهن قبل الافتراق بر في يمينه لأنه صار مستوفيا وإن هلك ~~بعد الافتراق لا يبر لأنه فارقه قبل الاستيفاء فحنث. # وقال أبو يوسف في رجل له على امرأة دين حلف أن لا يفارقها حتى يستوفي ثم ~~تزوجها عليه وفارقها وكانت عقدة النكاح جائزة فقد بر في يمينه لأنه قد وجب ~~في ذمته بالنكاح مثل دينه وصار قصاصا فجعل مستوفيا وإن كان النكاح فاسدا ~~ولم يدخل بها حنث لأن المهر لا يجب بالنكاح الفاسد فلم يصر مستوفيا فإن دخل ~~بها قبل أن يفارقها ومهر مثلها مثل الدين أو أكثر لم يحنث لأن المهر وجب ~~عليه بالدخول فصار مستوفيا فإن كان العقد صحيحا فوقعت الفرقة ms1696 بسبب من جهتها ~~وسقط مهرها وفارقها لم يحنث لأن المهر الواجب بالعقد قد سقط وإنما عاد له ~~دين بالفرقة بعد انحلال اليمين فلا يحنث ولو حلف ليزنن ما عليه فأعطاه عددا ~~فكانت وازنة حنث لأنه حلف على الوزن والوزن فعله ولم يفعله. # وقال ابن سماعة عن أبي يوسف إذا قال والله لا أقبضن ما لي عليك إلا جميعا ~~وله عشرة دراهم وعلى الطالب لرجل خمسة دراهم فأمر الذي له الخمسة هذا ~~الحالف أن يحتسب للمطلوب بالخمسة التي عليه وجعلها قصاصا ودفع فلان المطلوب ~~إلى الحالف خمسة فكأنه قال إذا كان متوافرا فهو جائز فلا يحنث لأن ~~الاستيفاء دفعة واحدة يقع على القبض في حالة واحدة وأن يعرف الوزن ألا ترى ~~أن الدين إذا كان مالا كثيرا لا يمكنه دفعه في وزنة واحدة وقد قبض الخمسة ~~حقيقة والخمسة بالمقاصة وقد روى ابن رستم عن محمد فيمن قال والله لا آخذ ما ~~لي عليك إلا ضربة واحدة فوزن خمسمائة وأخذها ثم وزن خمسمائة قال فقد أخذها ~~ضربة واحدة لأن هذا لا يعد متفرقا قال وكذلك لو جعل يزنها درهما درهما. # وقال محمد في الجامع إذا كان له عليه ألف درهم فقال عبده حر إن أخذها ~~اليوم منك درهما دون درهم فأخذ منها خمسة ولم يأخذ ما بقي لم يحنث لأن ~~يمينه وقعت على أخذ الألف متفرقة في اليوم ولم يأخذ الألف بل بعض الألف ولو ~~قال عبده حر إن أخذ منها اليوم درهما دون درهم فأخذ منها خمسة دراهم ولم ~~يأخذ ما بقي حتى غربت الشمس يحنث حين أخذ الخمسة لأن يمينه ما وقعت على أخذ ~~الكل متفرقا بل على أخذ البعض لأن كلمة من للتبعيض ولو قال عبده حر إن ~~أخذها اليوم درهما دون درهم فأخذ في أول النهار بعضها وفي آخر النهار ~~الباقي حنث لأنه أضاف الأخذ إلى الكل وقد أخذ الكل في يوم متفرقا. # وقال أصحابنا إذا حلف لا يفارقه حتى يستوفي ما له عليه فهرب أو كابره على ms1697 ~~نفسه أو منعه منه إنسان كرها حتى ذهب لم يحنث الحالف لأنه حلف على فعل نفسه ~~وهو مفارقته إياه ولم يوجد منه فعل المفارقة ولو كان قال لا تفارقني حتى ~~آخذ ما لي عليك حنث لأنه حلف على فعل الغريم وقد وجد والله تعالى أعلم. ### | [فصل في الحلف على ما يضاف إلى غير الحالف بملك أو غيره] # (فصل) : # وأما الحلف على ما يضاف إلى غير الحالف بملك أو غيره فجملة الكلام فيه أن ~~الحالف لا يخلو إما أن اقتصر على الإضافة وإما أن جمع بين الإضافة والإشارة ~~والإضافة لا تخلو إما أن تكون إضافة ملك أو إضافة نسبة من غير ملك فإن ~~اقتصر في يمينه على الإضافة والإضافة إضافة ملك فيمينه على ما في ملك فلان ~~يوم فعل ما حلف عليه حتى يحنث سواء كان الذي أضافه إلى ملك فلان في ملكه ~~يوم حلف أو لم يكن بأن حلف لا يأكل طعام فلان أو لا يشرب شراب فلان أو لا ~~يدخل دار فلان أو لا يركب دابة فلان أو لا يلبس ثوب فلان أو لا يكلم عبد ~~فلان ولم يكن شيء منها في ملكه ثم استحدث الملك فيها هذا جواب ظاهر الرواية ~~في الأصل والزيادات وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف. # وروي عنه رواية أخرى أن الإضافة إذا كانت فيما يستحدث الملك فيه حالا ~~فحالا في العادة فإن اليمين تقع على ما في ملكه يوم فعل كالطعام والشراب ~~والدهن وإن كانت الإضافة فيما يستدام فيه الملك ولا يستحدث ساعة فساعة عادة ~~فاليمين على ما كان في ملكه يوم حلف كالدار والعبد والثوب وذكر ابن سماعة ~~في نوادره # PageV03P078 # عن محمد أن ذلك كله ما في ملكه يوم حلف ولا خلاف في أنه إذا حلف لا يكلم ~~زوج فلانة أو امرأة فلان أو صديق فلان أو ابن فلان أو أخ فلان ولا نية له ~~أن ذلك على ما كان يوم حلف ولا تقع على ما يحدث من الزوجية والصداقة والولد ~~ففرق في ms1698 ظاهر الرواية بين الإضافتين وسوى بينهما في النوادر وجه رواية ~~النوادر أن الإضافة تقتضي الوجود حقيقة إذ الموجود يضاف لا المعدوم فلا تقع ~~يمينه إلا على الموجود يوم الحلف ولهذا وقعت على الموجود في إحدى الإضافتين ~~وهي إضافة النسبة كذا في الأخرى وجه ظاهر الرواية وهو الفرق بين الإضافتين ~~أن في إضافة الملك عقد يمينه على مذكور مضاف إلى فلان بالملك مطلقا عن ~~الجهة وهي أن يكون مضافا إليه بملك كان وقت الحلف أو بملك استحدث فلا يجوز ~~تقييد المطلق إلا بدليل وقد وجدت الإضافة عند الفعل فيحنث وفي إضافة النسبة ~~قام دليل التقييد وهي أن أعيانهم مقصودة باليمين لأجلهم عرفا وعادة لما ~~تبين فانعقدت على الوجود وصار كما لو ذكرهم بأساميهم أو أشار إليهم فأما ~~الملك فلا يقصد باليمين لذاته بل لمالك فيزول بزوال ملكه وأبو يوسف على ما ~~روي عنه ادعى تقييد المطلق بالعرف. # وقال استحداث الملك في الدار ونحوها غير متعارف بل هو في حكم الندرة حتى ~~يقال الدار هي أول ما يشترى وآخر ما يباع وتقييد المطلق بالعرف جائز فتقييد ~~اليمين فيها بالموجود وقت الحلف للعرف بخلاف الطعام والشراب ونحوهما لأن ~~استحداث الملك فيها معتاد فلم يوجد دليل التقييد والجواب أن دعوى العرف على ~~الوجه المذكور ممنوعة بل العرف مشترك فلا يجوز تقييد المطلق بعادة مشتركة ~~ولو حلف لا يدخل دار فلان فالصحيح أنه على هذا الاختلاف لأن كل إضافة تقدر ~~فيها اللام فكان الفصلان من الطعام والعبد ونحوهما على الاختلاف ثم في ~~إضافة الملك إذا كان المحلوف عليه في ملك الحالف وقت الحلف فخرج عن ملكه ثم ~~فعل لا يحنث بالإجماع. # (وأما) في إضافة النسبة من الزوجة والصديق ونحوهما إذا طلق زوجته فبانت ~~منه أو عادى صديقه ثم كلمه فقد ذكر في الجامع الصغير أنه لا يحنث وذكر في ~~الزيادات أنه يحنث. # وقيل ما ذكر في الجامع قول أبي حنيفة وأبي يوسف وما ذكر في الزيادات قول ~~محمد المذكور في النوادر وجه المذكور في الزيادات ms1699 أن يمينه وقعت على ~~الموجود وقت الحلف فحصل تعريف الموجود بالإضافة فيتعلق الحكم بالعرف لا ~~بالإضافة وجه ما ذكر في الجامع الصغير أن الإنسان قد يمنع نفسه عن تكليم ~~امرأة لمعنى فيها وقد يمنع من تكليمها لمعنى في زوجها فلا يسقط اعتبار ~~الإضافة مع لاحتمال وإن جمع بين الملك والإشارة بأن قال لا أكلم عبد فلان ~~هذا أو لا أدخل دار فلان هذه أو لا أركب دابة فلان هذه أو لا ألبس ثوب فلان ~~هذا فباع فلان عبده أو داره أو دابته أو ثوبه فكلم أو دخل أو ركب أو لبس لم ~~يحنث في قول أبي حنيفة إلا أن يعني غير ذلك الشيء خاصة وعند محمد يحنث إلا ~~أن يعني ما دامت ملكا لفلان فهما يعتبران الإشارة والإضافة جميعا وقت الفعل ~~للحنث فما لم يوجدا لا يحنث ومحمد يعتبر الإشارة دون الإضافة وأما في إضافة ~~النسبة فلا يشترط قيام الإضافة وقت الفعل للحنث بالإجماع حتى لو حلف لا ~~يكلم زوجة فلان هذا أو صديق فلان هذا فبانت زوجته منه أو عادى صديقه فكلم ~~يحنث. # وجه قول محمد في مسألة الخلاف أن الإضافة والإشارة كل واحد منهما للتعريف ~~والإشارة أبلغ في التعريف لأنها تخصص العين وتقطع الشركة فتلغو الإضافة كما ~~في إضافة النسبة وكما لو حلف لا يكلم هذا الشاب فكلمه بعدما شاخ أنه يحنث ~~لما قلنا كذا هذا ولهما أن الحالف لما جمع بين الإضافة والإشارة لزم ~~اعتبارهما ما أمكن لأن تصرف العاقل واجب الاعتبار ما أمكن وأمكن اعتبار ~~الإضافة ههنا مع وجود الإشارة لأنه باليمين منع نفسه عن مباشرته المحلوف ~~والظاهر أن العاقل لا يمنع نفسه عن شيء منعا مؤكدا باليمين إلا لداع يدعوه ~~إليه وهذه الأعيان لا تقصد بالمنع لذاتها بل لمعنى في المالك أما الدار ~~ونحوها فلا شك فيه وكذا العبد لأنه لا يقصد بالمنع لخسته وإنما يقصد به ~~مولاه وقد زال بزوال الملك عن المالك وصار كأنه قال مهما دامت لفلان ملكا ~~بخلاف المرأة والصديق لأنهما ms1700 يقصدان بالمنع لأنفسهما فتتعلق اليمين ~~بذاتيهما والذات لا تتبدل بالبينونة والمعاداة فيحنث كما إذا حلف لا يكلم ~~هذا الشاب فكلمه بعدما صار شيخا ولو حلف لا يكلم صاحب هذا الطيلسان فباع # PageV03P079 # الطيلسان فكلمه حنث لأن الطيلسان مما لا يقصد بالمنع وإنما يقصد ذات ~~صاحبه وأنها باقية وذكر محمد في الزيادات إذا حلف لا يركب دواب فلان أو لا ~~يلبس ثيابه أو لا يكلم غلمانه أن ذلك على ثلاثة لأن أقل الجمع الصحيح ثلاثة ~~وكذلك لو قال لا آكل أطعمة فلان أو لا أشرب أشربة فلان أن ذلك على ثلاثة ~~أطعمة وثلاثة أشربة لما قلنا ويعتبر قيام الملك فيها وقت الفعل لا وقت ~~الحلف في ظاهر الروايات على ما بينا فإن قال أردت جميع ما في ملكه من ~~الأطعمة لم يدين في القضاء لأنه خلاف ظاهر كلامه كذا ذكر القدوري وذكر في ~~الزيادات أنه يدين في القضاء لأنه نوى حقيقة ما تلفظ به فيصدق في القضاء ~~كما إذا حلف لا يتزوج النساء أو لا يشرب الماء أو لا يكلم الناس ونحو ذلك ~~ونوى الجميع ولو كانت اليمين على إخوة فلان أو بني فلان أو نساء فلان لا ~~يحنث ما لم يكلم الكل منهم عملا بحقيقة اللفظ ويتناول الموجودين وقت الحلف ~~لأن هذه إضافة نسبة. # وقال أبو يوسف إن كان ذلك مما يحصى فاليمين على جميع ما في ملكه لأنه صار ~~معرفا بالإضافة ويمكن استيعابه فكان كالمعرف بالألف واللام وإن كان لا يحصى ~~إلا بكتاب حنث بالواحد منه لأنه تعذر استغراق الجنس فيصرف إلى أدنى الجنس ~~كقوله لا أتزوج النساء ومما يجانس مسائل الفصل الأول ما قال خلف بن أيوب ~~سألت أسدا عن رجل حلف لا يتزوج بنت فلان أو بنتا لفلان فولدت له بنت ثم ~~تزوجها أو قال والله لا أتزوج من بنات فلان ولا بنات له ثم ولد له أو قال ~~والله لا أشرب من لبن بقرة فلان ولا بقرة له ثم اشترى بقرة فشرب من لبنها ~~أو قال لصبي ms1701 صغير والله لا أتزوج من بناتك فبلغ فولد له فتزوج منهن أيحنث ~~أم لا؟ ، وقال لا آكل من ثمرة شجرة فلان ولا شجرة لفلان ثم اشترى شجرة فأكل ~~من ثمرها قال أما إذا حلف لا يتزوج بنت فلان ولا يشرب من لبن بقرة فلان ولا ~~يأكل من ثمرة شجرة فلان فلا يحنث في شيء من هذا وأما قوله لا أتزوج بنتا من ~~بنات فلان أو بنتا لفلان فإنه يحنث وتلزمه اليمين في قول أبي حنيفة وأما ~~أنا فأقول لا يحنث لأنه حلف يوم حلف على ما لم يخلق حال حلف وسألت الحسن ~~فقال مثل قول أبي حنيفة لأبي حنيفة أن قوله لا أتزوج بنت فلان يقتضي بنتا ~~موجودة في الحال فلم تعقد اليمين على الإضافة وإذا قال بنتا لفلان فقد عقد ~~اليمين على الإضافة فيعتبر وجودها يوم الحلف كقوله عبدا لفلان وأما أسد ~~فاعتبر وجود المحلوف عليه وقت اليمين فما كان معدوما لا تصح الإضافة فيه ~~فلا يحنث. # وقال خلف سألت أسدا عن رجل حلف لا يتزوج امرأة من أهل هذه الدار وليس ~~للدار أهل ثم سكنها قوم فتزوج منهم قال يحنث في قول أبي حنيفة ولا يحنث في ~~قولي وهو على ما بينا من اعتبار الإضافة. ### | [فصل في الحلف على ما يخرج منه الحالف أو لا يخرج] # (فصل) : # وأما الحلف على ما يخرج منه الحالف أو لا يخرج إذا قال إن دخل داري هذه ~~أحد أو ركب دابتي أو ضرب عبدي ففعل ذلك الحالف لم يحنث لأن قوله أحد نكرة ~~والحالف صار معرفة بياء الإضافة والمعرفة لا تدخل تحت النكرة لأن المعرفة ~~ما يكون متميز الذات من بني جنسه والنكرة ما لا يكون متميز الذات عن بني ~~جنسه بل يكون مسماه شائعا في جنسه أو نوعه ويستحيل أن يكون الشيء الواحد ~~متميز الذات وغير متميز الذات وكذلك لو قال لرجل إن دخل دارك هذه أحد أو ~~لبس ثوبك أو ضرب غلامك ففعله المحلوف عليه لم يحنث لأن المحلوف صار ms1702 معرفة ~~بكاف الخطاب فلا يدخل تحت النكرة وإن فعله الحالف حنث لأنه ليس بمعرفة ~~لانعدام ما يوجب كونه معرفة فجاز أن يدخل تحت النكرة. # ولو قال إن ألبست هذا القميص أحدا فلبسه المحلوف عليه لم يحنث لأنه صار ~~معرفة بتاء الخطاب وإن ألبسه المحلوف عليه الحالف حنث لأن الحالف نكرة ~~فيدخل تحت نكرة وإن قال إن مس هذا الرأس أحد وأشار إلى رأسه لم يدخل الحالف ~~فيه وإن لم يضفه إلى نفسه بياء الإضافة لأن رأسه متصل به خلقة فكان أقوى من ~~إضافته إلى نفسه بياء الإضافة ولو قال إن كلم غلام عبد الله بن محمد أحدا ~~فعبدي حر فكلم الحالف وهو غلام الحالف واسمه عبد الله بن محمد حنث وطعن ~~القاضي أبو حازم عبد الحميد العراقي في هذا في الجامع. # وقال ينبغي أن لا يحنث لأن الحلف تحت اسم العلم والأعلام معارف وهي عند ~~أهل النحو أبلغ في التعريف من الإشارة والمعرفة لا تدخل تحت النكرة وكذا ~~عرفه بالإضافة إلى أبيه بقوله ابن محمد فامتنع دخوله تحت النكرة وجه ظاهر ~~الرواية أنه # PageV03P080 # يجوز استعمال العلم في موضع النكرة لأن اسم الأعلام وإن كانت معارف لكن ~~لا بد من سبق المعرفة من المتكلم والسامع حتى يجعل هذا اللفظ علما عنده ~~وعند سبق المعرفة منهما بذلك إما بتعين المسمى بالعلم باسمه إذا لم يكن ~~يزاحمه غيره والعلم واحتمال المزاحمة ثابت وإذا جاز استعمال العلم في موضع ~~النكرة وقد وجد ههنا دليل انصراف التسمية إلى غير الحالف وهو أن الإنسان في ~~العرف الظاهر من أهل اللسان أنه لا يذكر نفسه باسم العلم بل يضيف غلامه ~~إليه بياء الإضافة فيقول غلامي فالظاهر أنه لم يرد نفسه وأنه ما دخل تحت ~~العلم الذي هو معرفة فلم يخرج الحالف عن عموم هذه النكرة. ### | [فصل في الحلف على أمور شرعية] # (فصل) : # وأما النوع الثاني وهو الحلف على أمور شرعية وما يقع منها على الصحيح ~~والفاسد أو على الصحيح دون الفاسد مثل البيع والشراء والهبة والمعارضة ~~والعارية ms1703 والنحلة والعطية والصدقة والقرض والتزويج والصلاة والصوم ونحو ذلك ~~إذا حلف لا يشتري ذهبا ولا فضة فاشترى دراهم أو دنانير أو آنية أو تبرا أو ~~مصوغ حلية أو غير ذلك مما هو ذهب أو فضة فإنه يحنث في قول أبي يوسف. # وقال محمد لا يحنث في الدراهم والدنانير والأصل في جنس هذه المسائل أن ~~أبا يوسف يعتبر الحقيقة ومحمد يعتبر العرف لمحمد أن اسم الذهب والفضة إذا ~~أطلق لا يراد به الدرهم والدنانير في العرف ألا ترى أنها اختصت باسم على ~~حدة فلا يتناولها مطلق اسم الذهب والفضة ولأبي يوسف أن اسم الذهب والفضة ~~يقع على الكل لأنه اسم جنس وكونه مضروبا ومصوغا وتبرا أسماء أنواع له واسم ~~الجنس يتناول الأنواع كاسم الآدمي والدليل عليه قوله تعالى: {والذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 34] ~~فدخل تحت هذا الوعيد كأثر المضروب وغيره. # ولو حلف لا يشتري حديدا فهو على مضروب ذلك وتبره سلاحا كان أو غير سلاح ~~بعد أن يكون حديدا في قول أبي يوسف. # وقال محمد إن اشترى شيئا من الحديد يسمى بائعه حدادا يحنث وإن كان بائعه ~~لا يسمى حدادا لا يحنث وبائع التبر لا يسمى حدادا فلا يتناولها مطلق اسم ~~الحديد ولها اسم يخصها فلا يدخل تحت اليمين ولأبي يوسف أن الحديد اسم جنس ~~فيتناول المعمول وغير المعمول. # وقال أبو يوسف في باب الذهب والفضة إنه إن كان له نية دين فيما بينه وبين ~~الله سبحانه. # والنية في هذا واسعة لأنها تخصيص المذكور. # وقال في باب الحديد لو قال عنيت التبر فاشترى إناء لم يحنث ولو قال عنيت ~~قمقما فاشترى سيفا أو إبرا أو سكاكين أو شيئا من السلاح لم يحنث ويدين في ~~القضاء وهذا مشكل على مذهبه لأن الاسم عنده عام فإذا نوى شيئا منه بعينه ~~فقد عدل عن ظاهر العموم فينبغي أن لا يصدق في القضاء وإن صدق فيما بينه ~~وبين الله تعالى. # وقال محمد في الزيادات لو حلف لا ms1704 يشتري حديدا ولا نية له فاشترى درع حديد ~~أو سيفا أو سكينا أو ساعدين أو بيضة أو إبرا أو مسال لا يحنث وإن اشترى ~~شيئا غير مضروب أو إناء من آنية الحديد أو مسامير وأقفالا أو كانون حديد ~~يحنث قال لأن الذي يبيع السلاح والإبر والمسال لا يسمى حدادا والذي يبيع ما ~~وصفت لك يسمى حدادا. # وقال أبو يوسف إن اشترى باب حديد أو كانون حديد أو إناء حديد مكسور أو ~~نصل سيف مكسور حنث فأبو يوسف اعتبر الحقيقة وهو أن ذلك كله حديد فتناوله ~~اليمين ومحمد اعتبر العرف وهو أنه لا يسمى حديدا في العرف حتى لا يسمى ~~بائعه حدادا قال أبو يوسف. # ولو حلف لا يشتري صفرا فاشترى طشت صفر أو كوزا أو تورا حنث وكذلك عند ~~محمد أما عند أبي يوسف فلاعتبار الحقيقة وأما عند محمد فلأن بائع ذلك يسمى ~~صفارا. # وقال محمد لو اشترى فلوسا لا يحنث لأنها لا تسمى صفرا في كلام الناس. # ولو حلف لا يشتري صوفا فاشترى شاة على ظهرها صوف لم يحنث والأصل فيه أن ~~من حلف لا يشتري شيئا فاشترى غيره ودخل المحلوف عليه في البيع تبعا لم يحنث ~~وإن دخل مقصودا يحنث والصوف ههنا لم يدخل في العقد مقصودا لأن التسمية لم ~~تتناول الصوف وإنما دخل في العقد تبعا للشاة وكذلك لو حلف لا يشتري آجرا أو ~~خشبا أو قصبا فاشترى دارا لم يحنث لأن البناء يدخل في العقد تبعا لدخوله في ~~العقد بغير تسمية فلم يكن مقصودا بالعقد وإنما يدخل فيه تبعا وإن حلف لا ~~يشتري ثمر نخل فاشترى أرضا فيها نخل مثمرة وشرط المشتري الثمرة يحنث لأن ~~الثمرة دخلت في العقد مقصودة # PageV03P081 # لا على وجه التبع ألا ترى أنه لو لم يسمها لا تدخل في البيع؟ وكذلك لو ~~حلف لا يشتري بقلا فاشترى أرضا فيها بقل واشترط المشتري البقل فإنه يحنث ~~لدخول البقل في البيع مقصودا لا تبعا ولو حلف لا يشتري لحما فاشترى شاة حية ~~لا يحنث ms1705 لأن العقد يتناول لحمها لأن لحم الشاة الحية محرم لا يجوز العقد ~~عليه. # وكذلك إن حلف أن لا يشتري زيتا فاشترى زيتونا لأن العقد لم يقع على الزيت ~~ألا ترى أنه ليس في ملك البائع؟ وعلى هذا قالوا فيمن حلف لا يشتري قصبا ولا ~~خوصا فاشترى بوريا أو زنبيلا من خوص لم يحنث لأن الاسم لم يتناول ذلك وكذلك ~~لو حلف لا يشتري جديا فاشترى شاة حاملا بجدي وكذلك لو حلف لا يشتري لبنا ~~فاشترى شاة في ضرعها لبن وكذلك لو حلف لا يشتري مملوكا صغيرا فاشترى أمة ~~حاملا وكذلك لو حلف لا يشتري دقيقا فاشترى حنطة وقالوا لو حلف لا يشتري ~~شعيرا فاشترى حنطة فيها شعير لم يحنث لأن الشعير ليس بمعقود عليه مقصودا ~~وإنما يدخل في العقد تبعا بخلاف ما إذا حلف لا يأكل شعيرا فأكل حنطة فيها ~~شعير لأن الأكل فعل فإذا وقع في عينين لم تتبع إحداهما الأخرى. # فأما الشراء فهو عقد وبعض العين مقصودة بالعقد وبعضها غير مقصودة وقد كان ~~قول أبي يوسف الأول أنه إذا حلف لا يشتري صوفا فاشترى شاة على ظهرها صوف ~~يحنث. # ولو حلف لا يشتري لبنا فاشترى شاة في ضرعها لبن لم يحنث. # وقال لأن الصوف ظاهر فتناوله العقد (وأما) اللبن فباطن فلم يتناوله ثم ~~رجع فسوى بينهما لما بينا. # ولو حلف لا يشتري دهنا فهو على دهن جرت عادة الناس أن يدهنوا به فإن كان ~~مما ليس في العادة أن يدهنوا به مثل الزيت والبزر ودهن الأكارع لم يحنث لأن ~~الدهن عبارة عما يدهن به والإيمان محمولة على العادة فحملت اليمين على ~~الأدهان الطيبة وإن حلف لا يدهن بدهن ولا نية له فادهن بزيت حنث وإن ادهن ~~بسمن لم يحنث لأن الزيت لو طبخ بالطيب صار دهنا فأجراه مجرى الأدهان من وجه ~~ولم يجره مجراها من وجه حنث قال في الشراء لا يحنث وفي الأدهان يحنث. # فأما السمن فإنه لا يدهن به بحال في الوجهين فلم يحنث. # وكذلك دهن ms1706 الخروع والبزور ولو اشترى زيتا مطبوخا ولا نية له حين حلف يحنث ~~لأن الزيت مطبوخ بالنار والزئبق دهن يدهن به كسائر الأدهان ولو حلف لا ~~يشتري بنفسجا أو حناء أو حلف لا يشمهما فهو على الدهن والورق في البابين ~~جميعا وقد ذكر في الأصل إذا حلف لا يشتري بنفسجا أنه على الدهن دون الورق ~~وهذا على عادة أهل الكوفة لأنهم إذا أطلقوا البنفسج أرادوا به الدهن. # فأما في غير عرف الكوفة فالاسم على الورق فتحمل اليمين عليه والكرخي حمله ~~عليهما وهو رواية عن أبي يوسف وأما الحناء والورد فهو على الورق دون الدهن ~~إلا أن ينوي الدهن فيدين فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء لأن اسم ~~الورد والحناء إذا أطلق يراد به الورق لا الدهن وذكر في الجامع الصغير أن ~~البنفسج على الدهن والورد على ورق الورد وجعل في الأصل الخيري مثل الورد ~~والحناء فحمله على الورق ولو حلف لا يشتري بزرا فاشترى دهن بزر حنث وإن ~~اشترى حبا لم يحنث لأن إطلاق اسم البزر يقع على الدهن لا على الحب. # ولو حلف لا يبيع أو لا يشتري فأمر غيره ففعل فجملة الكلام فيمن حلف على ~~فعل فأمر غيره ففعل إن فعل المحلوف عليه لا يخلو إما أن يكون له حقوق أو لا ~~حقوق له فإن كان له حقوق. # فإما أن ترجع إلى الفاعل أو إلى الآمر أو لا فإن كان له حقوق ترجع إلى ~~الفاعل كالبيع والشراء والإجارة والقسمة لا يحنث لأن حقوق هذه العقود إذا ~~كانت راجعة إلى فاعلها لا إلى الآمر بها كانت العقود مضافة إلى الفاعل لا ~~إلى الآمر على أن الفاعل هو العاقد في الحقيقة لأن العقد فعله وإنما للآمر ~~حكم العقد شرعا لا لفعله. # وعند بعض مشايخنا يقع الحكم له ثم ينتقل إلى الآمر فلم يوجد منه فعل ~~المحلوف عليه فلا يحنث إلا إذا كان الحالف ممن لا يتولى العقود بنفسه فيحنث ~~بالأمر لأنه إنما يمتنع عما يوجد منه عادة وهو الآمر بذلك ms1707 لا الفعل بنفسه ~~ولو كان الوكيل هو الحالف قالوا يحنث لما ذكرنا أن الحقوق راجعة إليه وأنه ~~هو العاقد حقيقة لا الآمر وإن كانت حقوقه راجعة إلى الآمر أو كان مما لا ~~حقوق له كالنكاح والطلاق والعتاق والكتابة والهبة والصدقة والكسوة ~~والاقتضاء والقضاء # PageV03P082 # والحقوق والخصومة والشركة بأن حلف لا يشارك رجلا فأمر غيره فعقد عقد ~~الشركة والذبح والضرب والقتل والبناء والخياطة والنفقة ونحوها فإذا حلف لا ~~يفعل شيئا من هذه الأشياء ففعله بنفسه أو أمر غيره حنث لأن ما لا حقوق له ~~أو ترجع حقوقه إلى الآمر لا إلى الفاعل يضاف إلى الآمر لا إلى الفاعل ألا ~~ترى أن الوكيل بالنكاح لا يقول تزوجت وإنما يقول زوجت فلانا والوكيل ~~بالطلاق يقول طلقت امرأة فلان فكان فعل المأمور مضافا إلى الآمر واختلفت ~~الرواية عن أبي يوسف في الصلح. # روى بشر بن الوليد عنه أن من حلف لا يصالح فوكل بالصلح لم يحنث لأن الصلح ~~عقد معاوضة كالبيع وروى ابن سماعة عنه أنه يحنث لأن الصلح إسقاط حق ~~كالإبراء فإن قال الحالف فيما لا ترجع حقوقه إلى الفاعل بل إلى الآمر ~~كالنكاح والطلاق والعتاق نويت أن ألي ذلك بنفسي يدين فيما بينه وبين الله ~~تعالى ولا يدين في القضاء لأن هذه الأفعال جعلت مضافة إلى الآمر لرجوع ~~حقوقها إليه لا إلى الفاعل وقد نوى خلاف ذلك الظاهر فلا يصدق في القضاء ~~ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى لأنه نوى المحتمل وإن كان خلاف الظاهر. # ولو قال فيما لا حقوق له من الضرب والذبح عنيت أن ألي ذلك بنفسي يصدق ~~فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء أيضا لأن الضرب والذبح من الأفعال ~~الحقيقية وأنه بحقيقته وجد من المباشر وليس بتصرف حكي فيه لتغيير وقوعه ~~حكما لغير المباشر فكانت العبرة فيه للمباشرة فإذا نوى به أن يلي بنفسه فقد ~~نوى الحقيقة فيصدق قضاء وديانة ولو حلف لا يبيع من فلان شيئا فأوجب البيع ~~لا يحنث ما لم يقبل المشتري ولو حلف لا يهب ms1708 لفلان شيئا أو لا يتصدق عليه أو ~~لا يعيره أو لا ينحل له أو لا يعطيه ثم وهب له أو تصدق عليه أو أعاره أو ~~نحله أو أعطاه فلم يقبل المحلوف عليه يحنث عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا ~~يحنث ونذكر المسألة والفرق بين الهبة وأخواتها وبين البيع في كتاب الهبة إن ~~شاء الله تعالى وأما القرض فقد روي عن محمد أنه لا يحنث ما لم يقبل وعن أبي ~~يوسف روايتان في رواية مثل قول محمد وفي رواية يحنث من غير قبول وجه هذه ~~الرواية أن القرض لا تقف صحته على تسمية عوض فأشبه الهبة وجه الرواية ~~الأخرى أن القرض يشبه البيع لأنه تمليك بعوض. # وقد قال أبو يوسف على هذه الرواية لو حلف لا يستقرض من فلان شيئا ~~فاستقرضه فلم يقرضه أنه حانث فرق بين القرض وبين الاستقراض لأن الاستقراض ~~ليس بقرض بل هو طلب القرض كالسوم في باب البيع ولو حلف لا يبيع فباع بيعا ~~فاسدا وقبل المشتري وقبض يحنث لأن اسم البيع يتناول الصحيح والفاسد وهو ~~مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب ولأن المقصود من البيع هو الوصول إلى العوض ~~وهذا يحصل بالبيع الفاسد إذا اتصل به القبض لأنه يفيد الملك بعد القبض ولو ~~باع بالميتة والدم لا يحنث لأنه ليس ببيع لانعدام معناه وهو ما ذكرنا ~~ولانعدام حصول المقصود منه وهو الملك لأنه لا يقبل الملك ولو باع بيعا فيه ~~خيار للبائع أو للمشتري لم يحنث في قول أبي يوسف وحنث في قول محمد وجه قول ~~محمد أن اسم البيع كما يقع على البيع الثابت يقع على البيع الذي فيه خيار ~~فإن كل واحد منهما يسمى بيعا في العرف إلا أن الملك فيه يقف على أمر زائد ~~وهو الإجازة أو على سقوط الخيار فأشبه البيع الفاسد ولأبي يوسف أن شرط ~~الخيار يمنع انعقاد البيع في حق الحكم فأشبه الإيجاب بدون القبول قال محمد ~~سمعت أبا يوسف قال فيمن قال إن اشتريت هذا العبد فهو حر فاشتراه على ms1709 أن ~~البائع بالخيار ثلاثة أيام فمضت المدة الثلاث ووجب البيع يعتق وإنه على ~~أصله صحيح لأن اسم البيع عنده لا يتناول البيع المشروط فيه الخيار فلا يصير ~~مشتريا بنفس القبول بل عند سقوط الخيار والعبد في ملكه عند ذلك يعتق وذكر ~~القاضي في شرحه مختصر الطحاوي في البيع بشرط خيار البائع أو المشتري أنه ~~يحنث ولم يذكر الخلاف وأصل فيه أصلا وهو أن كل بيع يوجب الملك أو تلحقه ~~الإجازة يحنث به وما لا فلا هذا إذا حلف على البيع والشراء بطلاق امرأته أو ~~عتاق عبده بأن قال لامرأته: أنت طالق أو عبده حر. # فأما إذا حلف على ذلك بعتق العبد المشترى أو المبيع فإن كان الحلف على ~~الشراء بأن قال إن اشتريت هذا العبد فهو حر فاشتراه ينظر إن اشتراه شراء ~~جائزا باتا عتق بلا شك وكذلك لو كان المشتري فيه بالخيار أما على قولهما ~~فلا يشكل لأن خيار المشتري لا يمنع وقوع الملك له وأما على قول أبي حنيفة # PageV03P083 # فلأن المعلق بالشرط يصير كالمتكلم به عند الشرط فيصير كأنه أعتقه بعد ما ~~اشتراه بشرط الخيار ولو أعتقه يعتق لأن إقدامه على الإعتاق يكون فسخا ~~للخيار ولو اشتراه على أن البائع فيه بالخيار لا يعتق لأنه لم يملكه لأن ~~خيار البائع يمنع زوال المبيع عن ملكه بلا خلاف وسواء أجاز البائع البيع أو ~~لم يجز لأنه ملكه بالإجازة لا بالعقد وذكر الطحاوي أنه إذا أجاز البائع ~~البيع يعتق لأن الملك يثبت عند الإجازة مستندا إلى وقت العقد بدليل أن ~~الزيادة الحادثة بعد العتق قبل الإجازة تدخل في العقد هذا كله إن اشتراه ~~شراء صحيحا فإن اشتراه شراء فاسدا فإن كان في يد البائع لا يعتق لأنه على ~~ملك البائع بعد وإن كان في يد المشتري وكان حاضرا عنده وقت العقد لأنه صار ~~قابضا له عقيب العقد فملكه وإن كان غائبا في بيته أو نحوه فإن كان مضمونا ~~بنفسه كالمغصوب يعتق لأنه ملكه بنفس الشراء وإن كان أمانة أو كان ms1710 مضمونا ~~بغيره كالرهن لا يعتق لأنه لا يصير قابضا عقيب العقد هذا إذا كان الحلف على ~~الشراء فإن كان على البيع فقال إن بعتك فأنت حر فباعه بيعا جائزا أو كان ~~المشتري بالخيار لا يعتق لأنه زال ملكه عنه بنفس العقد والعقد لا يصح بدون ~~الملك وإن كان الخيار للبائع يعتق لأنه كان في ملكه وقد وجد شرطه فيعتق ولو ~~باعه بيعا فاسدا فإن كان في يد البائع أو في يد المشتري غائبا عنه بأمانة ~~أو برهن يعتق لأنه لم يزل ملكه عنه وإن كان في يد المشتري حاضرا أو غائبا ~~مضمونا بنفسه لا يعتق لأنه بالعقد زال ملكه عنه. # ولو حلف لا يتزوج هذه المرأة فهو على الصحيح دون الفاسد حتى لو تزوجها ~~نكاحا فاسدا لا يحنث لأن المقصود من النكاح الحل ولا يثبت بالفاسد لأنه لا ~~يثبت بسببه وهو الملك بخلاف البيع فإن المقصود منه الملك وإنه يحصل بالفاسد ~~وكذلك لو حلف لا يصلي ولا يصوم فهو على الصحيح حتى لو صلي بغير طهارة أو ~~صام بغير نية لا يحنث لأن المقصود منه التقرب إلى الله سبحانه وتعالى ولا ~~يحصل ذلك بالفاسد ولو كان ذلك كله في الماضي بأن قال إن كنت صليت أو صمت أو ~~تزوجت فهو على الصحيح والفاسد. # لأن الماضي لا يقصد به الحل والتقرب وإنما يقصد به الإخبار عن المسمى ~~بذلك والاسم يطلق على الصحيح والفاسد فإن عنى به الصحيح دين في القضاء لأنه ~~النكاح المعنوي. # ولو حلف لا يصلي فكبر ودخل في الصلاة لم يحنث حتى يركع ويسجد سجدة ~~استحسانا والقياس أن يحنث بنفس الشروع لأنه كما شرع فيه يقع عليه اسم ~~المصلي فيحنث كما لو حلف لا يصوم فنوى الصوم وشرع فيه وجه الاستحسان وهو ~~الفرق بين الصلاة وبين الصوم أن الحالف جعل شرط جنسه فعل الصلاة والصلاة في ~~عرف الشرع اسم لعبادة متركبة من أفعال مختلفة من القيام والقراءة والركوع ~~والسجود والمتركب من أجزاء مختلفة لا يقع اسم كله على بعضه ms1711 كالسكنجبين ونحو ~~ذلك فما لم توجد هذه الأفعال لا يوجد فعل الصلاة بخلاف الصوم لأن بصوم ساعة ~~يحصل فعل صوم كامل لأنه اسم لعبادة مركبة من أجزاء متفقة وهي الإمساكات وما ~~هذا حاله فاسم كله ينطلق على بعضه حقيقة كاسم الماء أنه كما ينطلق على ماء ~~البحر ينطلق على قطرة منه وقطرة من خل من جملة دن من خل أنه يسمى خلا حقيقة ~~فإذا صام ساعة فقد وجد منه فعل الصوم الذي منع نفسه منه فيحنث وبخلاف ما لو ~~حلف لا يصلى صلاة أنه لا يحنث حتى يصلي ركعتين لأنه لما ذكر الصلاة فقد جعل ~~شرط الحنث ما هو صلاة شرعا وأقل ما اعتبره الشرع من الصلاة ركعتان بخلاف ~~الفصل الأول لأن ثمة شرط الحنث هناك فعل الصلاة وفعل الصلاة يوجد بوجود هذه ~~الأفعال وما يوجد بعد ذلك إلى تمام ما يصير عبادة معهودة معتبرة شرعا تكرار ~~لهذه الأفعال فلا تقف تسمية فعل الصلاة على وجوده وقد وجد ذلك كله في آية ~~واحدة من كتاب الله عز وجل وهو قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة} [النساء: 102] وأراد به الركعتين جميعا لأنه ورد في صلاة السفر ثم ~~قال: {ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك} [النساء: 102] وأراد به ركعة ~~واحدة لأن الطائفة الثانية لا يصلون إلا ركعة واحدة. # ولو حلف لا يصوم يوما لا يحنث حتى يصوم يوما تاما لأنه جعل شرط الحنث ~~صوما مقدرا باليوم لأنه جعل كل اليوم ظرفا له ولا يكون كل اليوم ظرفا له ~~إلا باستيعاب الصوم جميع اليوم وكذا لو حلف لا يصوم صوما لأنه ذكر المصدر ~~وهو الصوم والصوم اسم لعبادة مقدرة باليوم شرعا فيصرف إلى المعهود المعتبر ~~في الشرع # PageV03P084 # بخلاف ما إذا حلف لا يصوم لأنه جعل فعل الصوم شرطا وبصوم ساعة واحدة وجد ~~فعل الصوم ولو حلف لا يصلي الظهر لا يحنث حتى يتشهد بعد الأربع لأن الظهر ~~أربع ركعات فما لم توجد الأربع لا توجد الظهر فلا يحنث ولو قال ms1712 عبده حر إن ~~أدرك الظهر مع الإمام فأدركه في التشهد ودخل معه حنث لأن إدراك الشيء لحوق ~~آخره يقال أدرك فلان زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويراد به لحوق آخره ~~وروي عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال «من أدرك الإمام يوم الجمعة في التشهد فقد أدرك الجمعة» وروي عن عبد ~~الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه انتهى يوما إلى الإمام فأدركه في ~~التشهد فقال الله أكبر أدركنا معه الصلاة ولو حلف لا يصلي الجمعة مع الإمام ~~فأدرك معه ركعة فصلاها معه ثم سلم الإمام وأتم هو الثانية لا يحنث لأنه لم ~~يصل الجمعة مع الإمام إذ هي اسم للكل وهو ما صلى الكل مع الإمام ولو افتتح ~~الصلاة مع الإمام ثم نام أو أحدث فذهب وتوضأ فجاء وقد سلم الإمام فاتبعه في ~~الصلاة حنث وإن لم يوجد أداء الصلاة مقارنا للإمام لأن كلمة مع ههنا لا ~~يراد بها حقيقة القرآن بل كونه تابعا له مقتديا به ألا ترى أن أفعاله ~~وانتقاله من ركن إلى ركن لو حصل على التعاقب دون المقارنة عرف مصليا معه ~~كذا ههنا وقد وجد لبقائه مقتديا به تابعا له ولو نوى حقيقة المقارنة صدق ~~فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء لأنه نوى حقيقة كلامه. # ولو حلف لا يحج حجة أو قال لا أحج ولم يقل حجة لم يحنث حتى يطوف أكثر ~~طواف الزيادة لأن حجة اسم لعبادة ركبت من أجناس أفعال كالصلاة من الوقوف ~~بعرفة وطواف الزيارة فما لم يوجد كل الطواف أو أكثره لا يوجد الحج فإن جامع ~~فيها لا يحنث لأن الحج عبادة فيقع اليمين على الصحيح منه كالصلاة ولو حلف ~~لا يعتمر فأحرم وطاف أربعة أشواط حنث لأن ركن العمرة هو الطواف وقد وجد لأن ~~للأكثر حكم الكل. # قال ابن سماعة سمعت أبا يوسف قال في رجل قال إن تزوجت امرأة بعد امرأة ~~فهي طالق فتزوج واحدة ثم ثنتين في عقدة ms1713 فإنه يقع الطلاق على إحدى الأخيرتين ~~لأنه قد تزوج امرأة بعد امرأة وإن كان معها غيرها فوقع الطلاق على إحداهما ~~فكان له التعيين ولو تزوج امرأتين في عقدة ثم تزوج امرأة بعدهما طلقت ~~الأخيرة لأنه قد تزوج بها بعد امرأة والأوليان كل واحدة منهما لا توصف ~~بأنها بعد الأخرى فكانت الأخرى هي المستحقة للشرط ولو قال إن تزوجت امرأة ~~فهي طالق فتزوج صبية طلقت لأن غرضه بهذه اليمين هو الامتناع من النكاح ~~فيتناول البالغة والصبية فصار قوله امرأة كقوله أنثى قال ابن سماعة عنه إن ~~قال إن تزوجت امرأتين في عقدة فهما طالقتان فتزوج ثلاثا في عقدة فإنه تطلق ~~امرأتان من نسائه فوقع على ثنتين من الثلاث لأنه قد تزوج باثنتين وإن كان ~~معهما ثالثة وليس أحداهن بالطلاق بأولى من الأخرى فيرجع إلى تعيينه قال ابن ~~سماعة عن أبي يوسف في نوادره في رجل قال والله لا أزوج ابنتي الصغيرة ~~فتزوجها رجل بغير أمره فأجاز قال هو حانث لأن حقوق العقد لا تتعلق بالعاقد ~~فتتعلق بالمجيز ولو حلف لا يزوج ابنا له كبيرا فأمر رجلا فزوجه ثم بلغ ~~الابن فأجاز أو زوجه رجل وأجاز الأب ورضي الابن لم يحنث لأن حقوق العقد لما ~~لم تتعلق بالعاقد تعلقت بالمجيز فنسب العقد إليه. # هشام عن محمد في نوادره في رجل حلف بطلاق امرأته ثلاثا لا يزوج بنتا له ~~صغيرة فزوجها رجل من أهله أو غريب والأب حاضر ذلك المجلس حين زوجت إلا أنه ~~ساكت حتى قال الذي زوج للذي خطب قد زوجتكها. # وقال الآخر قد قبلت والأب ساكت ثم قال بعدما وقعت عقدة النكاح وهو في ذلك ~~المجلس قد أجزت النكاح فزعم محمد أنه لا يحنث لأن الذي زوج غيره وإنما ~~أجازه هو وكذلك إذا حلف على أمته لأنه حلف على التزويج والإجازة تسمى نكاحا ~~وتزويجا فقد فعل ما لم يتناوله الاسم فلا يحنث. # وقال ابن سماعة عن محمد في نوادره في رجل تزوج امرأة بغير أمرها زوجه ~~وليها ثم حلف المتزوج ms1714 أن لا يتزوجها أبدا ثم بلغها فرضيت بالنكاح أو كان ~~رجل زوجها منه وهو لا يعلم ثم حلف بعد ذلك أنه لا يتزوجها ثم بلغه النكاح ~~فأجاز لم يحنث في واحد من الوجهين لأنه لم يتزوج بعد يمينه أنما أجاز نكاحا ~~قبل يمينه أو أجازته المرأة قال ابن سماعة عن محمد لو قال لا أتزوج فلانة ~~بالكوفة فزوجها أبوها إياه بالكوفة ثم أجازت ببغداد كان حانثا وإنما أجاز ~~الساعة بإجازتها النكاح الذي كان بالكوفة وكذلك قال في الجامع لما ذكرنا أن ~~الإجازة ليست بنكاح لأن النكاح هو الإيجاب والقبول # PageV03P085 # فعند انضمام الإجازة إليهما كان النكاح حاصلا بالكوفة فوجد شرط الحنث ~~فيحنث وقال ابن سماعة عن محمد في رجل قال إن تزوجت فلانة فهي طالق فصار ~~معتوها فزوجه إياها أبوه قال هو حانث لأن حقوق العقد في النكاح ترجع إلى ~~المعقود له فكان هو المتزوج فحنث قال المعلى سألت محمدا عن امرأة حلفت لا ~~تزوج نفسها من فلان فزوجها منه رجل بأمرها فهي حانثة وكذلك لو زوجها رجل ~~فرضيت وكذلك لو كانت بكرا فزوجها أبوها فسكتت لأن العقد لما جاز برضاها ~~وحقوقه تتعلق بها فصار كأنها عقدت بنفسها وهذه الرواية تخالف ما ذكرنا من ~~رواية هشام وكذلك لو حلف لا يأذن لعبده في التجارة فرآه يشتري ويبيع أنه إن ~~سكت كان حانثا في يمينه لأن السكوت إذن منه فكأنه إذن منه له بالنطق. # وروى بشر بن الوليد وعلي بن الجعد عن أبي يوسف أنه لا يحنث لأن السكوت ~~ليس بإذن وإنما هو إسقاط حقه عن المنع من تصرف العبد ثم العبد يتصرف ~~بمالكية نفسه بعد زوال الحجر فإن حلف لا يسلم لفلان شفعة فبلغه أنه اشترى ~~دارا هو شفيعها فسكت لا يحنث لأن الساكت ليس بمسلم وإنما هو مسقط حقه ~~بالإعراض عن الطلب. # قال عمرو عن محمد في رجل حلف لا يزوج عبده فتزوج العبد بنفسه ثم أجاز ~~المولى يحنث. # ولو حلف الأب لا يزوج ابنته فزوجها عمها وأجاز الأب لم ms1715 يحنث لأن غرض ~~المولى باليمين أن لا تتعلق برقبة عبده حقوق النكاح وقد علق بالإجازة وغرض ~~الأب أن لا يفعل ما يسمى نكاحا والإجازة ليست بنكاح. # وقال علي وبشر عن أبي يوسف لو حلف لا يؤخر عن فلان حقه شهرا وسكت عن ~~تقاضيه حتى مضى الشهر لم يحنث وهذا قول أبي حنيفة لأن التأخير هو التأجيل ~~وترك التقاضي ليس بتأجيل قال ولو أن امرأة حلفت لا تأذن في تزويجها وهي بكر ~~فزوجها أبوها فسكتت فإنها لا تحنث والنكاح لها لازم لأن السكوت ليس بإذن ~~حقيقة وإنما أقيم مقام الإذن بالسنة وروى بشر عن أبي يوسف إذا حلف لا يبيع ~~ثوبه إلا بعشرة دراهم فباعه بخمسة ودينار حنث لأنه منع نفسه عن كل بيع ~~واستثنى بيعه بصفة وهو أن يكون بعشرة ولم يوجد فبقي تحت المستثنى منه فإن ~~باعه بعشرة دنانير لم يحنث لأنه باعه بعشرة وبغيرها والعشرة مستثنى. # وروى هشام عن أبي يوسف في رجل قال والله لا أبيعك هذا الثوب بعشرة حتى ~~تزيدني فباعه بتسعة لا يحنث في القياس وفي الاستحسان يحنث وبالقياس آخذ ~~(وجه) القياس أن شرط حنثه البيع بعشرة وما باع بعشرة بل بتسعة (وجه) ~~الاستحسان أن المراد من مثل هذا الكلام في العرف أن لا يبيعه إلا بالأكثر ~~من عشرة وقد باعه لا بأكثر من عشرة فيحنث. # وقال المعلى عن محمد إذا حلف لا يبيع هذا الثوب بعشرة إلا بزيادة قال إن ~~باعه بأقل من عشرة أو بعشرة فإنه حانث. # وهذا بمنزلة قوله لا أبيعه إلا بزيادة على عشرة لأنه منع نفسه من كل بيع ~~واستثنى بيعا واحدا وهو الذي يزيد ثمنه على عشرة أن معنى قوله لا أبيع هذا ~~الثوب بعشرة إلا بزيادة أي لا أبيعه إلا بزيادة على العشرة ليصح الاستثناء ~~وما باعه بزيادة على عشرة فيحنث ولو قال حتى ازداد فباعه بعشرة حنث وإن ~~باعه بأقل أو أكثر لم يحنث لأنه حلف على بيع بصفة وهو أن يكون بعشرة فإذا ~~باع بتسعة لم ms1716 يوجد البيع المحلوف عليه ولو قال عبده حر إن اشتراه باثني عشر ~~فاشتراه بثلاثة عشر دينارا حنث لأنه اشتراه بما حلف عليه وإن كان معه ~~زيادة. # ولو قال أول عبد أشتريه فهو حر أو آخر عبد أو أوسط عبد فالأول اسم لفرد ~~سابق والآخر من المحدثات اسم لفرد لاحق والأوسط اسم لفرد اكتنفته حاشيتان ~~متساويتان إذا عرف هذا فنقول إذا قال أول عبد أشتريه فهو حر فاشترى عبدا ~~واحدا بعد يمينه عتق لأنه أول عبد اشتراه لكونه فردا لم يتقدمه غيره في ~~الشراء فإن اشترى عبدا ونصف عبد عتق العبد الكامل لا غير لأن نصف العبد لا ~~يسمى عبدا فصار كما لو اشترى عبدا وثوبا بخلاف ما إذا قال أول كر أشتريه ~~صدقة فاشترى كرا ونصفا لم يتصدق بشيء لأن الكر ليس بأول بدليل أنا لو عزلنا ~~كرا فالنصف الباقي مع نصف المعزول يسمى كرا فلم يكن هذا أول كر اشتراه فإن ~~كان أول ما اشترى عبدين لم يعتق واحد منهما ولا يعتق ما اشترى بعدهما أيضا ~~لانعدام معنى الانفراد فيهما ولانعدام معنى السبق فيما بعدهما ولو قال آخر ~~عبد أشتريه فهو حر فهذا على أن يشتري عبدا واحدا بعد غيره أو يموت المولى ~~لأن عنده يعلم أنه آخر لجواز أن يشتري غيره ما دام حيا واختلف في وقت عتقه ~~فعلى قول أبي حنيفة يعتق # PageV03P086 # يوم اشتراه حتى يعتق من جميع المال وعلى قولهما يعتق في آخر جزء من أجزاء ~~حياته ويعتق من الثلث وسنذكر هذه المسائل في كتاب العتاق ولو قال أوسط عبد ~~أشتريه فهو حر فكل فرد له حاشيتان متساويتان فيما قبله وفيما بعده فهو أوسط ~~ولا يكون الأول ولا الآخر وسطا أبدا ولا يكون الوسط إلا في وتر ولا يكون في ~~شفع فإذا اشترى عبدا ثم عبدا ثم عبدا فالثاني هو الأوسط فإن اشترى رابعا ~~خرج الثاني من أن يكون أوسط فإن اشترى خامسا صار الثالث هو الأوسط فإن ~~اشترى سادسا خرج من أن يكون أوسط وعلى ms1717 هذا كلما صار العدد شفعا فلا وسط له ~~وكل من حصل في النصف الأول خرج من أن يكون وسطا. ### | [فصل في الحلف على أمور متفرقة] # (فصل) : # (وأما) الحلف على أمور متفرقة إذا قال إن كانت هذه الجملة حنطة فامرأته ~~طالق ثلاثا فإذا هي حنطة وتمر لم يحنث لأنه جعل شرط حنثه كون الجملة حنطة ~~والجملة ليست بحنطة فلم يوجد الشرط ولو قال إن كانت هذه الجملة إلا حنطة ~~فامرأته طالق ثلاثا فكانت تمرا وحنطة يحنث في قول أبي يوسف ولا يحنث عند ~~محمد وإن كانت الجملة كلها حنطة لا يحنث بلا خلاف وأبو يوسف يقول: إن معنى ~~هذا الكلام إن كان في هذه الجملة غير حنطة فامرأته كذا وقد تبين أن في تلك ~~الجملة غير حنطة فوجد شرط الحنث فيحنث ومحمد يقول إن المستثنى لا يعتبر ~~وجوده لأنه ليس بداخل تحت اليمين إنما الداخل تحتها المستثنى منه فيعتبر ~~وجوده لا وجود المستثنى وإذا لم يعتبر وجوده لا يعلم المستثنى منه أنه وجد ~~أم لا فلا يحنث ونظير هذا ما قال في الجامع إن كان لي إلا عشرة دراهم ~~فامرأته طالق فكان له أقل من عشرة دراهم لم يحنث لأن العشرة مستثناة فلا ~~يعتبر وجودها وروي عن أبي يوسف رواية أخرى أنه إن كان الحلف بطلاق أو عتاق ~~أو حج أو عمرة أو قال لله علي كذا يحنث وإن كان بالله تعالى لم يلزمه الكذب ~~فيها ولا كفارة عليه لأن هذا حلف على أمر موجود فإن كان بطلاق أو عتاق أو ~~نذر لزمه وإن كان بالله لم تنعقد يمينه وكذلك لو قال إن كانت الجملة سوى ~~الحنطة أو غير الحنطة فهو مثل قوله إلا حنطة لأن غير وسوى من ألفاظ ~~الاستثناء. # وروى بشر عن أبي يوسف فيمن قال والله ما دخلت هذه الدار ثم قال عبده حر ~~إن لم يكن دخلها فإن عبده لا يعتق ولا كفارة عليه في اليمين بالله تعالى ~~وهو قول محمد ثم رجع أبو يوسف أما عدم ms1718 وجوب الكفارة في اليمين بالله تعالى ~~فلأنه إن كان صادقا في قوله والله ما دخلت هذه الدار فلا كفارة عليه وإن ~~كان كاذبا وهو عالم فلا كفارة عليه أيضا لأنها يمين غموس وإن كان جاهلا فهي ~~يمين اللغو فلا كفارة فيها وأما عدم عتق عبده فلأن الحنث في اليمين الأولى ~~ليس مما يحكم به الحاكم حتى يصير الحكم به إكذابا للثانية لأنها يمين بالله ~~تعالى وإنها لا تدخل تحت حكم الحاكم فلم يصر مكذبا في اليمين الثانية ~~باليمين الأولى في الحكم فلا يعتق العبد فإن كانت اليمين الأولى بعتق أو ~~طلاق حنث في اليمينين جميعا في قول محمد وهو قول أبي يوسف الأول ثم رجع ~~فقال إذا قال بعدما حلف بالأولى أو همت أو نيست أو حلف بطلاق آخر أو عتاق ~~أنه دخلها لزمه الأول ولم يلزمه الآخر وجه قوله الأول أنه أكذب نفسه في كل ~~واحدة من اليمينين بالأخرى وأعترف بوقوع ما حلف عليه فيحنث وجه قوله الآخر ~~أنه أكذب نفسه في اليمين الأولى بالآخرة ولم يكذب نفسه في اليمين الثانية ~~بعدما عقدها والأكذب قبل عقدها لا يتعلق به حكم فلم يحنث فيها فإن رجع فحلف ~~ثالثا لم يعتق الثالث وعتق الثاني لأنه أكذب نفسه في اليمين بعدما حلف عليه ~~والله عز وجل أعلم وإذا تزوج الرجل أمة فقال لها إذا مات مولاك فأنت طالق ~~اثنتين فمات المولى وهو وارثه لا وراث له غيره طلق اثنتين وحرمت عليه عند ~~أبي يوسف. # وقال محمد لا تطلق ولا تحرم عليه ولو قال الزوج إذا مات مولاك فأنت حرة ~~فمات وهو وارثه لم يعتق في قولهما وتعتق عند زفر والكلام في هذه المسائل ~~يرجع إلى معرفة أوان ثبوت الملك للوارث فزفر يقول وقت ثبوت الملك للوارث ~~عقيب موت المورث بلا فصل فكما مات ثبت الملك للوارث فقد أضاف العتق إلى حال ~~الملك فتصح إضافته إليه ولم تصح إضافة الطلاق لأن حال الملك حال زوال ~~النكاح فلم تصح كما إذا قال لها إذا ms1719 ملكتك فأنت طالق وأبو يوسف يقول إن ~~الملك للوارث يثبت له عقيب زوال ملك المورث فيزول ملك الميت عقيب الموت ~~أولا ثم يثبت للوارث والطلاق والعتاق # PageV03P087 # مضافان إلى ما بعد الموت بلا فصل فإذا لم يكن ذلك زمان ثبوت الملك للوارث ~~لم تصح إضافة العتق إليه إذ العتق لا يصح إلا في الملك أو مضافا إلى الملك ~~وصحة إضافة الطلاق لانعدام الإضافة إلى حالة زوال النكاح فصحت الإضافة ووقع ~~الطلاق وحرمت عليه ومحمد يقول القياس ما قال زفر إن الملك للوارث له يثبت ~~عقيب الموت بلا فصل فقد أضاف الطلاق إلى زمان بطلان النكاح فلم يصح وكان ~~ينبغي أن تصح إضافة العتق إليه إلا إني استحسنت أن لا تصح لأن الإعتاق ~~إزالة الملك والإزالة تستدعي تقدم الثبوت والعتق مع الملك لا يجتمعان في ~~محل واحد في زمان واحد ولو قال إذا مات مولاك فملكتك فأنت حرة فمات المولى ~~والزوج وارثه عتقت لأنه أضاف العتق إلى الملك ولو قال إذا مات مولاك فملكتك ~~فأنت طالق لم يقع الطلاق في قولهم لأنه إذا ملكها فقد زال النكاح فلا يتصور ~~الطلاق ولو قال رجل لأمته إذا مات فلان فأنت حرة ثم باعها من فلان ثم ~~تزوجها ثم قال لها إذا مات مولاك فأنت طالق ثنتين ثم مات المولى وهو وارثه ~~قال أبو يوسف يقع الطلاق ولا يقع العتاق. # وقال محمد لا يقعان جميعا. # وقال زفر يقع العتاق ولا يقع الطلاق أما وقوع الطلاق على قول أبي يوسف ~~وعدم الوقوع على مذهب محمد وعدم ثبوت العتق على قولهما فلما ذكرنا وزفر ~~يقول وجد عقد اليمين في ملكه والشرط في ملكه فما بين ذلك لا يعتبر كمن قال ~~لأمته إن دخلت الدار فأنت حرة ثم باعها واشتراها فدخلت الدار والله عز وجل ~~أعلم. ### | [كتاب الطلاق] ### | [الطلاق بحق الصفة وهو نوعان سنة وبدعة] # (كتاب الطلاق) : # قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: الكلام في هذا الكتاب في الأصل يقع في ~~خمسة مواضع. # في بيان صفة الطلاق وفي بيان ms1720 قدره وفي بيان ركنه وفي بيان شرائط الركن ~~وفي بيان حكمه أما الأول فالطلاق بحق الصفة نوعان: طلاق سنة وطلاق بدعة، ~~وإن شئت قلت طلاق مسنون وطلاق مكروه أما. # طلاق السنة فالكلام فيه في موضعين أحدهما في تفسير طلاق السنة: أنه ما ~~هو، والثاني في بيان الألفاظ التي يقع بها طلاق السنة أما الأول فطلاق ~~السنة نوعان؛ نوع يرجع إلى الوقت ونوع يرجع إلى العدد، وكل واحد منهما ~~نوعان حسن وأحسن، ولا يمكن معرفة كل واحد منهما إلا بعد معرفة أصناف ~~النساء، وهن في الأصل على صنفين حرائر وإماء وكل صنف على صنفين حائلات ~~وحاملات، والحائلات على صنفين ذوات الإقراء وذوات الأشهر. # إذا عرف هذا فنقول وبالله التوفيق أحسن الطلاق في ذوات القرء أن يطلقها ~~طلقة واحدة رجعية في طهر لا جماع فيه ولا طلاق ولا في حيضة طلاق ولا جماع ~~ويتركها حتى تنقضي عدتها ثلاث حيضات إن كانت حرة وإن كانت أمة حيضتان، ~~والأصل فيه ما روي عن إبراهيم النخعي - رحمه الله - أنه قال كان أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يستحسنون أن لا يطلقوا للسنة إلا واحدة ثم لا ~~يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدة، وفي رواية أخرى قال في الحكاية عنهم: وكان ~~ذلك عندهم أحسن من أن يطلق الرجل ثلاثة في ثلاثة أطهار وهذا نص في الباب ~~ومثله لا يكذب ولأن الكراهة لمكان احتمال الندم، والطلاق في طهر لا جماع ~~فيه دليل على عدم الندم لأن الطهر الذي لا جماع فيه زمان كمال الرغبة. # والفحل لا يطلق امرأته في زمان كمال الرغبة إلا لشدة حاجته إلى الطلاق، ~~فالظاهر أنه لا يلحقه الندم فكان طلاق لحاجة فكان مسنونا، ولو لحقه الندم ~~فهو أقرب إلى التدارك من الثلاث في ثلاثة أطهار فكان أحسن وإنما شرطا أن ~~يكون في طهر لا طلاق فيه لأن الجمع بين الطلقات الثلاث أو الطلقتين في طهر ~~واحد مكروه عندنا وإنما شرطنا أن لا يكون في حيضة جماع ولا طلاق لأنه إذا ~~جامعها في ms1721 حيض هذا الطهر احتمل أنه وقع الجماع معلقا فيظهر الحبل فيندم على ~~صنيعه فيظهر أنه طلق لا لحاجة وإذا طلقها فيه فالطلاق فيه بمنزلة الطلاق في ~~الطهر الذي بعده لأن تلك الحيضة لا يعتد بها ولو طلقها في الطهر يكره له أن ~~يطلقها أخرى فيه فكذا إذا طلقها في الحيض ثم طهرت. # وأما في الحامل إذا استبان حملها فالأحسن أن يطلقها واحدة رجعية وإن كان ~~قد جامعها وطلقها عقيب الجماع لأن الكراهة في ذوات القرء لاحتمال الندامة ~~لا لاحتمال الحبل فمتى طلقها مع علمه بالحبل فالظاهر # PageV03P088 # أنه لا يندم، وكذلك في ذوات الشهر من الآيسة والصغيرة الأحسن أن يطلقها ~~واحدة رجعية وإن كان عقيب طهر جامعها فيه. # وهذا قول أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر يفصل بين طلاق الآيسة والصغيرة وبين جماعهما بشهر وجه قوله: إن ~~الشهر في حق الآيسة والصغيرة أقيم مقام الحيضة فيمن تحيض ثم يفصل في طلاق ~~السنة بين الوطء وبين الطلاق بحيضة، فكذا يفصل بينهما فيمن لا تحيض بشهر ~~كما يفصل بين التطليقتين ولنا أن كراهة الطلاق في الطهر الذي وجد الجماع ~~فيه في ذوات الإقراء لاحتمال أن تحبل بالجماع فيندم وهذا المعنى لا يوجد في ~~الآيسة والصغيرة وإن وجد الجماع؛ ولأن الإياس والصغر في الدلالة على براءة ~~الرحم فوق الحيضة في ذوات الأقراء فلما جاز الإيقاع ثمة عقيب الحيضة فلأن ~~يجوز هنا عقيب الجماع أولى. # وأما الحسن في الحرة التي هي ذات القرء أن يطلقها ثلاثا في ثلاثة أطهار ~~لا جماع فيها بأن يطلقها واحدة في طهر لا جماع فيه ثم إذا حاضت حيضة أخرى ~~وطهرت طلقها أخرى ثم إذا حاضت وطهرت طلقها أخرى وإن كانت أمة طلقها واحدة ~~ثم إذا حاضت وطهرت طلقها أخرى وهذا قول عامة العلماء. # وقال مالك لا أعرف طلاق السنة إلا أن يطلقها واحدة ويتركها حتى تنقضي ~~عدتها. # وجه قوله: إن الطلاق المسنون هو الطلاق لحاجة، والحاجة تندفع بالطلقة ~~الواحدة فكانت الثانية والثالثة في الطهر الثاني والثالث تطليقا من غير ~~حاجة فيكره ms1722 لهذا أكره الجمع كذا التفريق إذ كل ذلك طلاق من غير حاجة (ولنا) ~~قوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] أي ثلاثا في ثلاثة أطهار كذا ~~فسره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه روي أن «عبد الله بن عمر - رضي ~~الله عنهما - طلق امرأته حالة الحيض فسأل عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أخطأت السنة ما هكذا أمرك ربك ~~إن من السنة أن تستقبل الطهر استقبالا فتطلقها لكل طهر تطليقة فتلك العدة ~~التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء» فسر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الطلاق للعدة بالثلاث في ثلاثة أطهار، والله عز وجل أمر به وأدنى ~~درجات الأمر الندب، والمندوب إليه يكون حسنا ولأن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نص على كونه سنة حيث قال: " إن من السنة أن تستقبل الطهر ~~استقبالا فتطلقها لكل طهر تطليقة " والدليل عليه ما روي عن إبراهيم النخعي ~~في حكايته عن الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -، وكان ذلك عندهم أحسن من أن ~~يطلق الرجل امرأته ثلاثا في ثلاثة أطهار وإذا كان ذلك أحسن من هذا كان هذا ~~حسنا في نفسه ضرورة. # وأما قوله إن الثانية والثالثة تطليق من غير حاجة فممنوع، فإن الإنسان قد ~~يحتاج إلى حسم باب نكاح امرأته على نفسه لما ظهر له أن نكاحها ليس بسبب ~~المصلحة له دنيا ودينا لكن يميل قلبه إليها لحسن ظاهرها فيحتاج إلى الحسم ~~على وجه ينسد باب الوصول إليها ولا يلحقه الندم غلا يمكنه دفع هذه الحاجة ~~بالثلاث جملة واحدة لأنها تعقب الندم عسى ولا يمكنه التدارك فيقع في الزنا ~~فيحتاج إلى إيقاع الثلاث في ثلاثة أطهار، فيطلقها تطليقة رجعية في طهر لا ~~جماع فيه ويجرب نفسه أنه هل يمكنه الصبر عنها؟ فإن لم يمكنه راجعها وإن ~~أمكنه طلقها تطليقة أخرى في الطهر الثاني ويجرب نفسه ثم يطلقها ثالثة في ~~الطهر الثالث فينحسم باب النكاح عليه من غير ندم يلحقه ظاهرا أو غالبا، ~~فكان إيقاع ms1723 الثانية والثالثة في الطهر الثاني والثالث طلاقا لحاجة فكان ~~مسنونا على أن الحكم تعلق بدليل الحاجة لا بحقيقتها لكونها أمرا باطنا لا ~~يوقف عليه إلا بدليل فيقام الطهر الخالي عن الجماع مقام الحاجة إلى الطلاق ~~فكان تكرار الطهر دليل تجدد الحاجة فيبنى الحكم عليه، ثم إذا وقع عليها ~~ثلاث تطليقات في ثلاثة أطهار فقد مضى من عدتها حيضتان إن كانت حرة لأن ~~العدة بالحيض عندنا، وبقيت حيضة واحدة فإذا حاضت حيضة أخرى فقد انقضت عدتها ~~وإن كانت أمة فإن وقع عليها تطليقتان في طهرين فقد مضت من عدتها حيضة وبقيت ~~حيضة واحدة فإذا حاضت حيضة أخرى فقد انقضت عدتها. # وإن كانت من ذوات الأشهر طلقها واحدة رجعية وإذا مضى شهر طلقها أخرى، ثم ~~إذا مضى شهر طلقها أخرى ثم إذا كانت حرة فوقع عليها ثلاث تطليقات ومضى من ~~عدتها شهران وبقي شهر واحد من عدتها فإذا مضى شهر آخر فقد انقضت عدتها وإن ~~كانت أمة ووقع عليها تطليقتان في شهر وبقي من عدتها نصف شهر فإذا مضى نصف ~~شهر فقد انقضت عدتها وإن كانت حاملا فكذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف # PageV03P089 # يطلقها ثلاثا للسنة ويفصل بين كل طلاقيها بشهر. # وقال محمد: لا يطلق الحامل للسنة إلا طلقة واحدة وهو قول زفر وذكر محمد - ~~رحمه الله - في الأصل: بلغنا ذلك عن عبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله ~~والحسن البصري - رضي الله عنهم - ولا خلاف في أن الممتد طهرها لا تطلق ~~للسنة إلا واحدة وجه قول محمد وزفر: أن إباحة التفريق في الشرع متعلقة ~~بتجدد فصول العدة لأن كل قرء في ذوات الإقراء فصل من فصول العدة وكل شهر في ~~الآيسة والصغيرة فصل من فصول العدة، ومدة الحمل كلها فصل واحد من العدة ~~لتعذر الاستبراء به في حق الحامل فلم يكن في معنى مورد الشرع فلا يفصل ~~بالشهر ولهذا لم يفصل في الممتد طهرها بالشهر كذا ههنا ولأبي حنيفة وأبي ~~يوسف قوله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ms1724 بإحسان} [البقرة: ~~229] شرع الثلاث متفرقات من غير فصل بين الحامل والحائل أما شرعية طلقة ~~وطلقة فبقوله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] لأن معناه دفعتان على ما ~~نذكر إن شاء الله تعالى وشرعية الطلقة الثالثة بقوله عز وجل: {أو تسريح ~~بإحسان} [البقرة: 229] أو بقوله عز وجل: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] من غير فصل ولأن الحامل ليست من ذوات ~~الأقراء فيفصل بين طلاقيها بشهر كالآيسة والصغيرة، والجامع أن الفصل هناك ~~بشهر لكون الشهر زمان تجدد الرغبة في العادة فيكون زمان تجدد الحاجة وهذا ~~المعنى موجود في الحامل فيفصل. # فأما كون الشهر فصلا من فصول العدة فلا أثر له فكان من أوصاف الوجود لا ~~من أوصاف التأثير إنما المؤثر ما ذكرنا فينبني الحكم عليه وما ذكر محمد - ~~رحمه الله - في الأصل لا حجة له فيه لأن لفظ الحديث «أفضل طلاق الحامل أن ~~يطلقها واحدة ثم يدعها حتى تضع حملها» وبه نقول إن ذلك أفضل ولا كلام فيه ~~وأما الممتد طهرها فإنما لا تطلق للسنة إلا واحدة لأنها من ذوات الأقراء ~~لأنها قد رأت الدم وهي شابة لم تدخل في حد الإياس إلا أنه امتد طهرها لداء ~~فيها يحتمل الزوال ساعة فساعة فبقي أحكام ذوات الأقراء فيها ولا تطلق ذوات ~~الأقراء في طهر لا جماع فيه للسنة إلا واحدة والله عز وجل أعلم، ولو طلق ~~امرأته تطليقة واحدة في طهر لا جماع فيه ثم راجعها بالقول في ذلك الطهر فله ~~أن يطلقها في ذلك الطهر في قول أبي حنيفة وزفر. # وقال أبو يوسف لا يطلق في ذلك الطهر للسنة وهو قول الحسن بن زياد، وقول ~~محمد مضطرب ذكره أبو جعفر الطحاوي مع قول أبي حنيفة وذكره الفقيه أبو الليث ~~مع قول أبي يوسف. # ولو أبانها في طهر لم يجامعها ثم تزوجها فله أن يطلقها في ذلك الطهر ~~بالإجماع (وجه) قول أبي يوسف: إن الطهر طهر واحد، والجمع بين طلاقين في طهر ~~واحد لا يكون سنة كما قبل ms1725 الرجعة، ولأبي حنيفة أنه لما راجعها فقد أبطل حكم ~~الطلاق وجعل الطلاق كأنه لم يكن في حق الحكم ولأنها عادت إلى الحالة الأولى ~~بسبب من جهته فكان له أن يطلقها أخرى كما إذا أبانها في طهر لم يجامعها فيه ~~ثم تزوجها، وعلى هذا الخلاف إذا راجعها بالقبلة أو باللمس عن شهوة أو ~~بالنظر إلى فرجها عن شهوة وعلى هذا الخلاف إذا أمسك الرجل امرأته بشهوة ~~فقال لها في حال الملامسة بشهوة بأن كان أخذ بيدها لشهوة: أنت طالق ثلاثا ~~للسنة وذلك في طهر لم يجامعها فيه أنه يقع عليها ثلاث تطليقات على التعاقب ~~للسنة في قول أبي حنيفة - رحمه الله - فتقع التطليقة الأولى ويصير مراجعا ~~لها بالإمساك عن شهوة ثم تقع الأخرى ويصير مراجعا بالإمساك ثم تقع الثالثة ~~وعند أبي يوسف لا يقع عليها للسنة إلا واحدة، والطلاقان الباقيان إنما ~~يقعان في الطهرين الباقيين، وهذا إذا راجعها بالقول أو بفعل المس عن شهوة،. # فأما إذا راجعها بالجماع بأن طلقها في طهر لا جماع فيه ثم جامعها حتى صار ~~مراجعا لها ثم إذا أراد أن يطلقها في ذلك الطهر ليس له ذلك بالإجماع لأن ~~حكم الطلاق قد بطل بالمراجعة فبقي ذلك الطهر طهرا مبتدأ جامعها فيه فلا ~~يجوز له أن يطلقها فيه هذا إذا راجعها بالجماع فلم تحمل منه فإن حملت منه ~~فله أن يطلقها أخرى في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر، وعند أبي يوسف ليس له أن ~~يطلقها حتى يمضي شهر من التطليقة الأولى أبو يوسف يقول: هذا طهر واحد فلا ~~يجمع فيه بين طلاقين كما في المسألة الأولى، وهم يقولون إن الرجعة أبطلت ~~حكم الطلاق وألحقته بالعدم وكراهة الطلاق في الطهر الذي جامعها فيه لمكان ~~الندم لاحتمال الحمل فإذا طلقها مع العلم بالحمل لا يندم كما لو لم يكن ~~طلقها في هذا الطهر ولكنه جامعها فيه فحملت كان له أن يطلقها لما قلنا كذا ~~هذا. # ولو طلق الصغيرة تطليقة ثم حاضت وطهرت قبل مضي شهر فله # PageV03P090 # أن يطلقها أخرى ms1726 في قولهم جميعا لأنها لما حاضت فقد بطل حكم الشهر لأن ~~الشهر في حقها بدل من الحيض ولا حكم للبدل مع وجود المبدل. # وأما إذا طلق امرأته وهي من ذوات الأقراء ثم أيست فله أن يطلقها أخرى حتى ~~تيأس في قول أبي حنيفة # وقال أبو يوسف: لا يطلقها حتى يمضي شهر وجه قوله إن هذا طهر واحد فلا ~~يحتمل طلاقين ولأبي حنيفة أن حكم الحيض قد بطل باليأس وانتقل حالها من ~~العدة بالحيض إلى العدة بالأشهر وذلك يفصل بين التطليقتين كالانتقال من ~~الشهور إلى الحيض في حق الصغيرة، وهذا التفريع إنما يتصور على الرواية التي ~~قدرت للإياس حدا معلوما خمسين سنة أو ستين سنة، فإذا تمت هذه المدة بعد ~~التطليقة جاز له أن يطلقها أخرى عند أبي حنيفة لما ذكرنا. # فأما على الرواية التي لم تقدر للإياس مدة معلومة وإنما علقته بالعادة ~~فلا يتصور هذا التفريع. # ولو طلق امرأته في حال الحيض ثم راجعها ثم أراد طلاقها ذكر في الأصل أنها ~~إذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت طلقها إن شاء وذكر الطحاوي أنه يطلقها في الطهر ~~الذي يلي الحيضة. # وذكر الكرخي أن ما ذكره الطحاوي قول أبي حنيفة وما ذكره في الأصل قول أبي ~~يوسف ومحمد وجه ما ذكر في الأصل: ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال لعمر - رضي الله عنه - لما طلق ابنه عبد الله امرأته في حالة الحيض «مر ~~ابنك فليراجعها ثم يدعها إلى أن تحيض فتطهر ثم تحيض فتطهر ثم ليطلقها إن ~~شاء طاهرا من غير جماع» أمره - صلى الله عليه وسلم - بترك الطلاق إلى غاية ~~الطهر الثاني فدل أن وقت طلاق السنة هو الطهر الثاني دون الأول ولأن الحيضة ~~التي طلقها فيها غير محسوبة من العدة فكان إيقاع الطلاق فيها كإيقاع الطلاق ~~في الطهر الذي يليها، ولو طلق في الطهر الذي يليها لم يكن له أن يطلق فيه ~~أخرى كذا هذا وجه ما ذكره الطحاوي أن هذا طهر لا جماع فيه ولا طلاق ms1727 حقيقة ~~فكان له أن يطلقها فيه كالطهر الثاني. # وأما الحديث فقد روينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعبد الله بن ~~عمر «أخطأت السنة ما هكذا أمرك الله تعالى إن من السنة أن تستقبل الطهر ~~استقبالا فتطلقها لكل طهر تطليقة» جعل - صلى الله عليه وسلم - الطلاق في كل ~~طهر طلاقا على وجه السنة والطهر الذي يلي الحيضة طهر فكان الإيقاع فيه ~~إيقاعا على وجه السنة فيجمع بين الروايتين فتحمل تلك الرواية على الأحسن ~~لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بالتطليقة الواحدة في طهر واحد لا جماع ~~فيه، وهذا أحسن الطلاق وهذه الرواية على الحسن لأنه أمره بالثلاث في ثلاثة ~~أطهار جمعا بين الروايتين؛ عملا بهما؛ جمعا بقدر الإمكان. ### | [فصل في بيان الألفاظ التي يقع بها طلاق السنة] # (فصل) : # وأما بيان الألفاظ التي يقع بها طلاق السنة: فالألفاظ التي يقع بها طلاق ~~السنة نوعان: نص ودلالة (أما) النص فنحو أن يقول: أنت طالق للسنة، وجملته ~~أن الرجل إذا قال لامرأته وهي مدخول بها: أنت طالق للسنة ولا نية له فإن ~~كانت من ذوات الأقراء وقعت تطليقة للحال إن كانت طاهرا من غير جماع وإن ~~كانت حائضا أو في طهر جامعها فيه لم تقع الساعة، فإذا حاضت وطهرت وقعت بها ~~تطليقة واحدة لأن قوله أنت طالق للسنة إيقاع تطليقة بالسنة المعرفة باللام ~~لأن اللام الأولى للاختصاص فيقتضي أن تكون التطليقة مختصة بالسنة فإذا أدخل ~~لام التعريف في السنة فيقتضي استغراق السنة وهذا يوجب تمحضها سنة بحيث لا ~~يشوبها معنى البدعة أو تنصرف إلى السنة المتعارفة فيما بين الناس. # والسنة المتعارفة المعهودة في باب الطلاق ما لا يشوبها معنى البدعة وليس ~~ذلك إلا الواقع في طهر لا جماع فيه وإن نوى ثلاثا فثلاث لأن التطليقة ~~المختصة بالسنة المعرفة فاللام التعريف نوعان: حسن وأحسن فالأحسن أن يطلقها ~~واحدة في طهر لا جماع فيه، والحسن أن يطلقها ثلاثا في ثلاثة أطهار فإذا نوى ~~الثلاثة فقد نوى أحد نوعي التطليقة المختصة بالسنة فتصح نيته كما ms1728 لو قال: ~~أنت طالق ثلاثا للسنة وإن أراد واحدة بائنة لم تكن بائنة لأن لفظة الطلاق ~~لا تدل على البينونة وكذا لفظ السنة بل تمنع ثبوت البينونة لأن الإبانة ~~ليست بمسنونة على ظاهر الرواية ويستحيل أن يثبت باللفظ ما يمنع ثبوته وإن ~~نوى الثنتين لم يكن ثنتين لأنه عدد محض بخلاف الثلاث لأنه فرد من حيث إنه ~~كل جنس الطلاق ولو أراد بقوله: " طالق " واحدة وبقوله: " للسنة " أخرى لم ~~يقع لأن قوله للسنة ليس من ألفاظ الطلاق بدليل أنه لو قال لامرأته " أنت ~~للسنة " ونوى الطلاق لا يقع ولو قال " أنت طالق ثنتين للسنة " أو " ثلاثا ~~للسنة " وقع عند كل طهر لم يجامعها تطليقة لأنها هي # PageV03P091 # التطليقة المختصة بالسنة المعرفة فاللام التعريف ولو قال " أنت طالق ~~ثلاثا للسنة " ونوى الوقوع للحال صحت نيته ويقع الثلاث من ساعة تكلم عند ~~أصحابنا الثلاثة وقال زفر: لا تصح نيته وتتفرق على الأطهار. # وجه قوله: أنه نوى ما لا يحتمله لفظه فتبطل نيته، وبيان ذلك أن قوله " ~~أنت طالق ثلاثا للسنة " إيقاع التطليقات الثلاث في ثلاثة أطهار لأنها هي ~~التطليقات المختصة بالسنة المعرفة فاللام التعريف فصار كأنه قال " أنت طالق ~~ثلاثا في ثلاثة أطهار "، ولو نص على ذلك ونوى الوقوع للحال لم تصح نيته كذا ~~هذا (ولنا) أن الطلاق تصرف مشروع في ذاته وإنما الحظر والحرمة في غيره لما ~~تبين فكان كل طلاق في أي وقت كان سنة، فكان إيقاع الثلاث في الحال إيقاعا ~~على وجه السنة حقيقة إلا أن السنة عند الإطلاق تنصرف إلى ما لا يشوبه معنى ~~البدعة بملازمة الحرام إياه للعرف والعادة فإذا نوى الوقوع للحال فقد نوى ~~ما يحتمله كلامه وفيه تشديد على نفسه فتصح نيته ولأن السنة نوعان: سنة ~~إيقاع وسنة وقوع لأن وقوع الثلاث جملة عرف بالسنة لما تبين فإذا نوى الوقوع ~~للحال فقد نوى أحد نوعي السنة فكانت نيته محتملة لما نوى فصحت وإن كانت ~~آيسة أو صغيرة فقال لها: " أنت طالق للسنة " ولا نية له طلقت ms1729 للحال واحدة، ~~وإن كان قد جامعها وكذا إذا كانت حاملا قد استبان حملها وإن نوى الثلاث ~~بقوله للآيسة والصغيرة أنت طالق ثلاثا للسنة يقع للحال واحدة وبعد شهر أخرى ~~وبعد شهر أخرى وكذا في الحامل على قول أبي حنيفة وأبي يوسف وأما على قول ~~محمد لا يقع إلا واحدة بناء على أن الحامل تطلق ثلاثا للسنة عندهما وعنده ~~لا تطلق للسنة إلا واحدة ولو قال أنت طالق تطليقة للسنة فهو مثل قوله أنت ~~طالق للسنة وكذلك إذا قال أنت طالق طلاق السنة. # (وأما) الدلالة فنحو أن يقول: أنت طالق طلاق العدة أو طلاق العدل أو طلاق ~~الدين أو طلاق الإسلام أو طلاق الحق أو طلاق القرآن أو طلاق الكتاب أما ~~طلاق العدة فلأنه الطلاق في طهر لا جماع فيه لقوله عز وجل: {فطلقوهن ~~لعدتهن} [الطلاق: 1] ، وطلاق العدل هو المائل عن الباطل إلى الحق لأن العدل ~~عند الإطلاق ينصرف إليه وإن كان الاسم في اللغة وضع دلالة على مطلق الميل ~~كاسم الجور، وعند الإطلاق ينصرف إلى الميل من الحق إلى الباطل وإن وضع في ~~اللغة دلالة على مطلق الميل والطلاق المائل من الباطل إلى الحق هو طلاق ~~السنة وطلاق الدين والإسلام والقرآن والكتاب هو ما يقتضيه الدين والإسلام ~~والقرآن والكتاب وهو طلاق السنة، وكذلك طلاق الحق هو ما يقتضيه الدين إلى ~~الحق وذلك طلاق السنة وكذلك قوله " أنت طالق أحسن الطلاق، أو أجمل الطلاق، ~~أو أعدل الطلاق " لأنه أدخل ألف التفضيل وأضاف إلى الطلاق المعرف باللام ~~الواقع على الحسن فيقتضي وقوع طلاق له مزية على جميع أنواع الطلاق بالحسن ~~والجمال والعدالة كما إذا قيل: " فلان أعلم الناس " يوجب هذا مزية له على ~~جميع طبقات الناس في العلم، وهذا تفسير طلاق السنة ولو قال: أنت طالق ~~تطليقة حسنة أو جميلة يقع للحال ولو قال: أنت طالق تطليقة عدلة أو عدلية أو ~~عادلة أو سنية يقع للسنة في قول أبي يوسف وسوى بينه وبين قوله " أنت طالق " ~~للسنة وفرق بينه وبين قوله أنت ms1730 طالق تطليقة حسنة أو جميلة ذكر محمد في ~~الجامع الكبير أنه يقع للحال تطليقة رجعية سواء كانت حائضا أو غير حائض ~~جامعها في طهرها أو لم يجامعها وسوى بينه وبين قوله أنت طالق تطليقة حسنة ~~أو جميلة وفرق بين هذا وبين قوله أنت طالق للسنة. # وجه قول محمد أن قوله: " أنت طالق " تطليقة سنية، وصف التطليقة بكونها ~~سنية، والطلاق في أي وقت كان فهو سني لأنه تصرف مشروع وباقتران الفسخ به لا ~~يخرج من أن يكون مشروعا في ذاته وهذا القدر يكفي لصحة الاتصاف بكونها سنية، ~~ولا يشترط الكمال ألا يرى أنه لو قال: لامرأته: أنت بائن يقع تطليقة واحدة ~~ولا ينصرف إلى الكمال وهو البينونة الحاصلة بالثلاث كذا ههنا، ولهذا وقع ~~الطلاق للحال في قوله " حسنة " أو " جميلة " بخلاف قوله " أنت طالق " للسنة ~~لأن ذلك إيقاع تطليقة مختصة بالسنة لأن اللام الأولى للاختصاص كما يقال: ~~هذا اللجام للفرس، وهذا الإكاف لهذه البغلة وهذا القفل لهذا الباب، واللام ~~الثانية للتعريف فإن كانت لتعريف الجنس وهو جنس السنة اقتضى صفة التمحض ~~للسنة وهو أن لا يشوبها بدعة وإن كانت لتعريف المعهود فالسنة المعهودة في ~~باب الطلاق ما لا يشوبها معنى البدعة وهو الطلاق في طهر لا جماع فيه. # وجه قول أبي يوسف أن هذا إيقاع # PageV03P092 # طلاق موصوف بكونه سنيا مطلقا فلا يقع إلا على صفة السنة المطلقة والطلاق ~~السني على الإطلاق لا يقع في غير وقت السنة ولهذا يقع في وقت السنة في قوله ~~" أنت طالق للسنة " كذا هذا وفرق أبو يوسف بين السنية وبين الحسنة ~~والجميلة، وما كان الغالب فيه أن يجعل صفة للطلاق يجعل صفة له كقوله سنية ~~وعدلية وما كان الغالب فيه أن يجعل صفة للمرأة يجعل صفة لها كقوله " حسنة ~~وجميلة " لأن المرأة مذكورة في اللفظ بقوله أنت والتطليقة مذكورة أيضا ~~فيحمل على ما يغلب استعمال اللفظ فيه ولو قال لامرأته وهي ممن تحيض: " أنت ~~طالق للحيض " وقع عند كل طهر من كل حيضة تطليقة لأن الحيضة ms1731 التي يضاف إليها ~~الطلاق هي أطهار العدة وإن كانت ممن لا تحيض فقال لها: " أنت طالق للحيض " ~~لا يقع عليها شيء لأنه أضاف الطلاق إلى ما ليس بموجود فصار كأنه علقه لشرط ~~لم يوجد ولو قال لها وهي ممن لا تحيض أنت طالق للشهور يقع للحال واحدة وبعد ~~شهر أخرى وبعد شهر أخرى، لأن الشهور التي يضاف إليها الطلاق هي شهور العدة. # وكذا الحامل على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ولو نوى - بشيء من الألفاظ ~~التي يقع بها طلاق السنة وهو الطلاق في الطهر الذي لا جماع فيه - الوقوع ~~للحال تصح نيته ويكون على ما عنى لأنه نوى ما يحتمله كلامه أما في لفظ ~~الأحسن والأجمل والأعدل فلأن ألف التفضيل قد تذكر ويراد به مطلق الصفة قال ~~الله سبحانه وتعالى: {وهو أهون عليه} [الروم: 27] أي هين عليه إذ لا تفاوت ~~للأشياء في قدرة الله تعالى بل هي بالنسبة إلى قدرته سواء وقد نوى ما ~~يحتمله لفظه ولا تهمة في العدول عن هذا الظاهر لما فيه من التشديد على نفسه ~~فكان مصدقا وكذا في سائر الألفاظ لما ذكرنا أن الطلاق تصرف مشروع في نفسه ~~فكان إيقاعه سنة في كل وقت أو لأن وقوعه عرف بالسنة على ما نذكر وذكر بشر ~~عن أبي يوسف أن هذا النوع من الألفاظ أقسام ثلاثة: قسم منها يكون طلاق ~~السنة فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء نوى أو لم ينو، وقسم منها يكون ~~طلاق السنة فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء إن نوى وإن لم ينو لا ~~يكون للسنة ويقع الطلاق للحال، وقسم منها ما يصدق فيه إذا قال نويت به طلاق ~~السنة فيما بينه وبين الله تعالى ويقع في أوقاتها ولا يصدق في القضاء بل ~~يقع للحال أما القسم الأول فهو أن يقول: أنت طالق للعدة أو أنت طالق طلاق ~~العدل أو طلاق الدين أو طلاق الإسلام أو قال أنت طالق طلاقا عدلا أو طلاق ~~عدة أو طلاق سنة أو أحسن الطلاق ms1732 أو أجمل الطلاق أو طلاق الحق أو طلاق ~~القرآن أو طلاق الكتاب أو قال أنت طالق للسنة أو في السنة أو بالسنة أو مع ~~السنة أو عند السنة أو على السنة. # (وأما) القسم الثاني: فهو أن يقول أنت طالق في كتاب الله عز وجل، أو ~~بكتاب الله عز وجل، أو مع كتاب الله عز وجل؛ لأن في كتاب الله عز وجل دليل ~~وقوع الطلاق للسنة والبدعة لأن فيه شرع الطلاق مطلقا فكان الطلاق تصرفا ~~مشروعا في نفسه فكان كلامه محتمل الأمرين فوقف على نيته وأما القسم الثالث ~~فهو أن يقول: أنت طالق على الكتاب أو بالكتاب أو على قول القضاة أو على قول ~~الفقهاء أو قال أنت طالق طلاق القضاة أو طلاق الفقهاء لأن القضاة والفقهاء ~~يقولون من كتاب الله عز وجل قال الله عز وجل: {ولا رطب ولا يابس إلا في ~~كتاب مبين} [الأنعام: 59] ، وفي كتاب الله عز وجل دليل الأمرين جميعا لما ~~بينا فكان لفظه محتملا للأمرين فيصدق فيما بينه وبين الله عز وجل ويقع في ~~وقت السنة ولا يصدق في القضاء لأنه خلاف الظاهر، والله عز وجل أعلم ولو كان ~~الزوج غائبا فأراد أن يطلقها للسنة واحدة فإنه يكتب إليها إذا جاءك كتابي ~~هذا ثم حضت وطهرت فأنت طالق، وإن أراد أن يطلقها ثلاثا يكتب إليها إذا جاءك ~~كتابي هذا ثم حضت وطهرت فأنت طالق ثم إذا حضت وطهرت فأنت طالق ثم إذا حضت ~~وطهرت فأنت طالق وذكر محمد في الرقيات أنه يكتب إليها إذا جاءك كتابي هذا ~~فعلمت ما فيه ثم حضت وطهرت فأنت طالق، وتلك الرواية أحوط والله عز وجل ~~أعلم. ### | [فصل في طلاق البدعة] # (فصل) : # وأما طلاق البدعة فالكلام فيه في ثلاثة مواضع: في تفسيره وفي بيان ~~الألفاظ التي يقع بها طلاق البدعة وفي بيان حكمه أما الأول فطلاق البدعة ~~نوعان أيضا: نوع يرجع إلى الوقت ونوع يرجع إلى العدد أما الذي يرجع إلى ~~الوقت فنوعان أيضا: أحدهما الطلقة الواحدة الرجعية في حالة الحيض ms1733 إذا كانت ~~مدخولا بها سواء كانت حرة أو أمة # PageV03P093 # لما روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعبد الله بن عمر ~~حين طلق امرأته في حالة الحيض " أخطأت السنة " ولأن فيه تطويل العدة عليها ~~لأن الحيضة التي صادفها الطلاق فيه غير محسوبة من العدة فتطول العدة عليها ~~وذلك إضرار بها، ولأن الطلاق للحاجة هو الطلاق في زمان كمال الرغبة، وزمان ~~الحيض زمان النفرة فلا يكون الإقدام عليه فيه دليل الحاجة إلى الطلاق فلا ~~يكون الطلاق فيه سنة بل يكون سفها. # إلا أن هذا المعنى يشكل بما قبل الدخول فالصحيح هو المعنى الأول، وإذا ~~طلقها في حالة الحيض فالأفضل أن يراجعها لما روي أن ابن عمر - رضي الله ~~عنهما - لما طلق امرأته في حالة الحيض أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يراجعها ولأنه إذا راجعها أمكنه أن يطلقها للسنة فتبين منه بطلاق غير ~~مكروه فكانت الرجعة أولى، ولو امتنع عن الرجعة لا يجبر عليها وذكر في ~~العيون أن الأمة إذا أعتقت فلا بأس بأن تختار نفسها وهي حائض وكذلك الصغيرة ~~إذا أدركت وهي حائض وكذلك امرأة العنين وهي حائض والثاني الطلقة الواحدة ~~الرجعية في ذوات الأقراء في طهر جامعها فيه حرة كانت أو أمة لاحتمال أنها ~~حملت بذلك الجماع وعند ظهور الحمل يندم فتبين أنه طلقها لا لحاجة وفائدة ~~فكان سفها فلا يكون سنة ولأنه إذا جامعها فقد قلت رغبته إليها فلا يكون ~~الطلاق في ذلك الطهر طلاقا لحاجة على الإطلاق فلم يكن سنة. # وأما الذي يرجع إلى العدد فهو إيقاع الثلاث أو الثنتين في طهر واحد لا ~~جماع فيه سواء كان على الجمع بأن أوقع الثلاث جملة واحدة أو على التفاريق ~~واحدا بعد واحد بعد أن كان الكل في طهر واحد وهذا قول أصحابنا. # وقال الشافعي: " لا أعرف في عدد الطلاق سنة ولا بدعة بل هو مباح وإنما ~~السنة والبدعة في الوقت فقط احتج بعمومات الطلاق من الكتاب والسنة أما ~~الكتاب فقوله عز وجل: {فطلقوهن لعدتهن} ms1734 [الطلاق: 1] وقوله عز وجل: {الطلاق ~~مرتان} [البقرة: 229] وقوله عز وجل: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم ~~تمسوهن} [البقرة: 236] شرع الطلاق من غير فصل بين الفرد والعدد والمفترق ~~والمجتمع وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم - «كل طلاق جائز إلا طلاق ~~المعتوه والصبي» والدليل على أن عدد الطلاق في طهر واحد مشروع أنه معتبر في ~~حق الحكم بلا خلاف بين الفقهاء، وغير المشروع لا يكون معتبرا في حق الحكم ~~ألا ترى أن بيع الخل والصفر ونكاح الأجانب لما كان مشروعا كان معتبرا في حق ~~الحكم، وبيع الميتة والدم والخمر والخنزير ونكاح المحارم لما لم يكن مشروعا ~~لم يكن معتبرا في حق الحكم وههنا لما اعتبر في حق الحكم دل أنه مشروع وبهذا ~~عرفت شرعية الطلقة الواحدة في طهر واحد والثلاث في ثلاثة أطهار كذا ~~المجتمع. # (ولنا) الكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فقوله عز وجل: {فطلقوهن ~~لعدتهن} [الطلاق: 1] أي في أطهار عدتهن وهو الثلاث في ثلاثة أطهار كذا فسره ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما ذكرنا فيما تقدم؛ أمر بالتفريق ~~والأمر بالتفريق يكون نهيا عن الجمع ثم إن كان الأمر أمر إيجاب كان نهيا عن ~~ضده وهو الجمع نهي تحريم وإن كان أمر ندب كان نهيا عن ضده وهو الجمع نهي ~~ندب. # وكل ذلك حجة على المخالف لأن الأول يدل على التحريم والآخر يدل على ~~الكراهة وهو لا يقول بشيء من ذلك وقوله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: ~~229] أي دفعتان ألا ترى أن من أعطى آخر درهمين لم يجز أن يقال أعطاه مرتين ~~حتى يعطيه دفعتين. # وجه الاستدلال أن هذا وإن كان ظاهره الخبر فإن معناه الأمر لأن الحمل على ~~ظاهره يؤدي إلى الخلف في خبر من لا يحتمل خبره الخلف لأن الطلاق على سبيل ~~الجمع قد يوجد وقد يخرج اللفظ مخرج الخبر على إرادة الجمع قال الله تعالى: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن} [البقرة: 228] أي ليتربصن. # وقال تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن} [البقرة: 233] أي ليرضعن ونحو ذلك ~~كذا هذا، فصار كأنه ms1735 سبحانه وتعالى قال طلقوهن مرتين إذا أردتم الطلاق ~~والأمر بالتفريق نهي عن الجمع لأنه ضده فيدل على كون الجمع حراما أو مكروها ~~على ما بينا، فإن قيل هذه الآية حجة عليكم لأنه ذكر جنس الطلاق، وجنس ~~الطلاق ثلاث والثلاث إذا وقع دفعتين كان الواقع في دفعة طلقتين فيدل على ~~كون الطلقتين في دفعة مسنونتين فالجواب أن هذا أمر بتفريق الطلاقين من ~~الثلاث لا بتفريق الثلاث لأنه أمر بالرجعة عقيب الطلاق مرتين أي دفعتين ~~بقوله تعالى: {فإمساك بمعروف} [البقرة: 229] أي وهو الرجعة، وتفريق الطلاق ~~وهو إيقاعه دفعتين لا يتعقب الرجعة فكان هذا أمرا بتفريق الطلاقين من ~~الثلاث لا بتفريق كل جنس الطلاق وهو الثلاث، والأمر بتفريق # PageV03P094 # طلاقين من الثلاث يكون نهيا عن الجمع بينهما فوضح وجه الاحتجاج بالآية ~~بحمد الله تعالى. # (وأما) السنة فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن» نهى - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الطلاق ولا يجوز أن يكون النهي عن الطلاق لعينه لأنه قد بقي ~~معتبرا شرعا في حق الحكم بعد النهي فعلم أن ههنا غيرا حقيقيا ملازما للطلاق ~~يصلح أن يكون منهيا عنه، فكان النهي عنه لا عن الطلاق ولا يجوز أن يمنع من ~~المشرع لمكان الحرام الملازم له كما في الطلاق في حالة الحيض والبيع وقت ~~النداء والصلاة في الأرض المغصوبة وغير ذلك، وقد ذكر عن عمر - رضي الله عنه ~~- أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثا إلا أوجعه ضربا وأجاز ذلك عليه ~~وذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - فيكون إجماعا. # (وأما) المعقول فمن وجوه: أحدها أن النكاح عقد مصلحة لكونه وسيلة إلى ~~مصالح الدين والدنيا، والطلاق إبطال له وإبطال المصلحة مفسدة وقد قال الله ~~عز وجل: {والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205] وهذا معنى الكراهة الشرعية ~~عندنا أن الله تعالى لا يحبه ولا يرضى به إلا أنه قد يخرج من أن يكون مصلحة ~~لعدم توافق الأخلاق وتباين الطبائع أو لفساد يرجع ms1736 إلى نكاحها بأن علم الزوج ~~أن المصالح تفوته بنكاح هذه المرأة أو أن المقام معها سبب فساد دينه ودنياه ~~فتنقلب المصلحة في الطلاق ليستوفي مقاصد النكاح من امرأة أخرى إلا أن ~~احتمال أنه لم يتأمل حق التأمل ولم ينظر حق النظر في العاقبة قائم فالشرع ~~والعقل يدعوانه إلى النظر وذلك في أن يطلقها طلقة واحدة رجعية حتى أن ~~التباين أو الفساد إذا كان من جهة المرأة تتوب وتعود إلى الصلاح إذا ذاقت ~~مرارة الفراق وإن كانت لا تتوب نظر في حال نفسه أنه هل يمكنه الصبر عنها؟ ~~فإن علم أنه لا يمكنه الصبر عنها يراجعها وإن علم أنه يمكنه الصبر عنها ~~يطلقها في الطهر الثاني ثانيا ويجرب نفسه ثم يطلقها فيخرج نكاحها من أن ~~يكون مصلحة ظاهرا وغالبا؛ لأنه لا يلحقه الندم غالبا فأبيحت الطلقة الواحدة ~~أو الثلاث في ثلاثة أطهار على تقدير خروج نكاحها من أن يكون مصلحة وصيرورة ~~المصلحة في الطلاق فإذا طلقها ثلاثا جملة واحدة في حالة الغضب؛ وليست حالة ~~الغضب حالة التأمل؛ لم يعرف خروج النكاح من أن يكون مصلحة فكان الطلاق ~~إبطالا للمصلحة من حيث الظاهر فكان مفسدة. # والثاني أن النكاح عقد مسنون بل هو واجب لما ذكرنا في كتاب النكاح فكان ~~الطلاق قطعا للسنة وتفويتا للواجب فكان الأصل هو الحظر والكراهة إلا أنه ~~رخص للتأديب أو للتخليص والتأديب يحصل بالطلقة الواحدة الرجعية لأن التباين ~~أو الفساد إذا كان من قبلها فإذا ذاقت مرارة الفراق فالظاهر أنها تتأدب ~~وتتوب وتعود إلى الموافقة والصلاح، والتخليص يحصل بالثلاث في ثلاثة أطهار ~~والثابت بالرخصة يكون ثابتا بطريق الضرورة، وحق الضرورة صار مقضيا بما ~~ذكرنا فلا ضرورة إلى الجمع بين الثلاث في طهر واحد فبقي ذلك على أصل الحظر، ~~والثالث أنه إذا طلقها ثلاثا في طهر واحد فربما يلحقه الندم، وقال الله ~~تعالى: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] قيل في التفسير ~~أي ندامة على ما سبق من فعله أو رغبة فيها، ولا يمكنه التدارك بالنكاح ms1737 فيقع ~~في السفاح فكان في الجمع احتمال الوقوع في الحرام وليس في الامتناع ذلك، ~~والتحرز عن مثله واجب شرعا وعقلا بخلاف الطلقة الواحدة لأنها لا تمنع من ~~التدارك بالرجعة وبخلاف الثلاث في ثلاثة أطهار لأن ذلك لا يعقب الندم ظاهر ~~إلا أنه يجرب نفسه في الأطهار الثلاثة فلا يلحقه الندم. # وقد خرج الجواب عما ذكره المخالف لأن الطلاق عندنا تصرف مشروع في نفسه ~~إلا أنه ممنوع عنه لغيره لما ذكرنا من الدلائل، ويستوي في كراهة الجمع أن ~~تكون المرأة حرة أو أمة مسلمة أو كتابية لأن الموجب للكراهة لا يوجب الفصل ~~وهو ما ذكرنا من الدلائل ويستوي في كراهة الجمع والخلع في الطهر الذي لا ~~جماع فيه غير مكروه بالإجماع، وفي الطلاق الواحد البائن روايتان ذكر في ~~كتاب الطلاق أنه يكره وذكر في زيادات الزيادات أنه لا يكره وجه تلك الرواية ~~أن الطلاق البائن لا يفارق الرجعي إلا في صفة البينونة، وصفة البينونة لا ~~تنافي صفة السنة ألا ترى أن الطلقة الواحدة قبل الدخول بائنة وأنها سنة ~~وكذا الخلع في طهر لا جماع فيه بائن وأنه سنة (وجه) رواية كتاب الطلاق أن ~~الطلاق شرع في الأصل بطريق # PageV03P095 # الرخصة للحاجة على ما بينا ولا حاجة إلى البائن لأن الحاجة تندفع بالرجعي ~~فكان البائن طلاقا من غير حاجة فلم يكن سنة ولأن فيه احتمال الوقوع في ~~الحرام لاحتمال الندم ولا يمكنه المراجعة وربما لا توافقه المرأة في النكاح ~~فيتبعها بطريق حرام وليس في الامتناع عنه احتمال الوقوع في الحرام فيجب ~~التحرز عنه بخلاف الطلاق قبل الدخول لأنه طلاق لحاجة لأنه قد يحتاج إلى ~~الطلاق قبل الدخول ولا يمكن دفع الحاجة بالطلاق الرجعي ولأن الطلاق قبل ~~الدخول لا يتصور إيقاعه إلا بائنا فكان طلاقا لحاجة فكان مسنونا وكذلك ~~الخلع لأنه تقع الحاجة إلى الخلع ولا يتصور إيقاعه إلا بصفة الإبانة ألا ~~ترى أنه لا يتصور أن يكون رجعيا؟ ولأن الله سبحانه وتعالى رفع الجناح في ~~الخلع مطلقا بقوله عز وجل: {فلا جناح عليهما ms1738 فيما افتدت به} [البقرة: 229] ~~فدل على كونه مباحا مطلقا، ثم البدعة في الوقت يختلف فيها المدخول بها وغير ~~المدخول بها؛ فيكره أن يطلق المدخول بها في حالة الحيض ولا يكره أن يطلق ~~غير المدخول بها في حالة الحيض لأن الكراهة في حالة الحيض لمكان تطويل ~~العدة ولا يتحقق ذلك في غير المدخول بها وأما كونها طاهرا من غير جماع فلا ~~يتصور في غير المدخول بها وأما البدعة في العدد فيستوي فيها المدخول بها ~~وغير المدخول بها لأن ما ذكرنا من الدلائل لا يوجب الفصل بينهما وكذا يستوي ~~في السنة والبدعة المسلمة والكتابية والحرة والأمة لأن الدلائل لا توجب ~~الفصل بين الكل. ### | [فصل في الألفاظ التي يقع بها طلاق البدعة] # (فصل) : # وأما الألفاظ التي يقع بها طلاق البدعة فنحو أن يقول " أنت طالق للبدعة، ~~أو أنت طالق طلاق البدعة، أو طلاق الجور أو طلاق المعصية أو طلاق الشيطان ~~فإن نوى ثلاثا، فهو ثلاث لأن إيقاع الثلاث في طهر واحد لا جماع فيه ~~والواحدة في طهر جامعها فيه بدعة، والطلاق في حالة الحيض بدعة فإذا نوى به ~~الثلاث فقد نوى ما يحتمله كلامه فصحت وروى هشام عن محمد أنها واحدة يملك ~~بها الرجعة لأن البدعة لم يجعل لها وقت في الشروع لتنصرف الإضافة إليه ~~فيلغو قوله للبدعة ويبقى قوله أنت طالق فيقع به تطليقة واحدة رجعية، وكذلك ~~إذا قال: أنت طالق طلاق الجور أو طلاق المعصية أو طلاق الشيطان ونوى الثلاث ~~وإن لم تكن له نية فإن كان في طهر جامعها فيه أو في حالة الحيض وقع من ~~ساعته وإن لم يكن لا يقع للحال ما لم تحض أو يجامعها في ذلك الطهر والله عز ~~وجل أعلم. ### | [فصل في حكم طلاق البدعة] # (فصل) : # وأما حكم طلاق البدعة فهو أنه واقع عند عامة العلماء. # وقال بعض الناس: إنه لا يقع وهو مذهب الشيعة أيضا (وجه) قولهم أن هذا ~~الطلاق منهي عنه لما ذكرنا من الدلائل فلا يكون مشروعا وغير المشروع لا ~~يكون معتبرا ms1739 في حق الحكم؛ ولأن الله تعالى جعل لنا ولاية الإيقاع على وجه ~~مخصوص؛ ومن جعل له ولاية التصرف على وجه لا يملك إيقاعه على غير ذلك الوجه ~~كالوكيل بالطلاق على وجه السنة إذا طلقها للبدعة أنه لا يقع لما قلنا كذا ~~هذا. # (ولنا) ما روي عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن بعض آبائه طلق ~~امرأته ألفا فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال - صلى الله عليه ~~وسلم - «بانت بالثلاث في معصية وتسعمائة وسبعة وتسعون فيما لا يملك» . # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال إن أحدكم يركب الأحموقة ~~فيطلق امرأته ألفا ثم يأتي فيقول: " يا ابن عباس يا ابن عباس وإن الله ~~تعالى قال: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] وإنك لم تتق الله فلا ~~أجد لك مخرجا بانت امرأتك وعصيت ربك وروينا عن عمر - رضي الله عنه - أنه ~~كان لا يؤتى برجل قد طلق امرأته ثلاثا إلا أوجعه ضربا وأجاز ذلك عليه وكانت ~~قضاياه بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعين فيكون إجماعا منهم على ~~ذلك. # (وأما) قولهم: إن غير المشروع لا يكون معتبرا في حق الحكم فنعم لكن ~~الطلاق نفسه مشروع عندنا ما فيه حظر، وإنما الحظر والحرمة في غيره وهو ما ~~ذكرنا من الفساد والوقوع في الزنا والسفه وتطويل العدة، وإذا كان مشروعا في ~~نفسه جاز أن يكون معتبرا في حق الحكم وإن منع عنه لغيره كالبيع وقت أذان ~~الجمعة والصلاة في الأرض المغصوبة ونحو ذلك وقد خرج الجواب عن الوجه الثاني ~~وهو أن من ولي تصرفا مشروعا لا يملك إيقاعه إلا على الوجه الذي ولي لأنه ما ~~أوقع الطلاق إلا على الوجه الذي ولي إيقاعه لأنه تصرف مشروع في نفسه لا ~~يتصور إيقاعه غير مشروع إلا أنه بهذا الطلاق باشر تصرفا مشروعا وارتكب ~~محظورا فيأثم # PageV03P096 # بارتكاب المحظور لا بمباشرة المشروع كما في البيع وقت النداء ونظائره ~~بخلاف الوكيل لأن التوكيل بالطلاق على وجه السنة توكيل بطلاق مشروع لا ~~يتضمنه ارتكاب ms1740 حرام بوجه، فإذا طلقها للبدعة فقد أتى بطلاق مشروع يلازمه ~~حرام فلم يأت بما أمر به فلا يقع فهو الفرق. ### | [فصل في بيان قدر الطلاق وعدده] # (فصل) : # وأما بيان قدر الطلاق وعدده فنقول وبالله التوفيق الزوجان إما إن كانا ~~حرين وإما إن كانا رقيقين وإما إن كان أحدهما حرا والآخر رقيقا فإن كانا ~~حرين، فالحر يطلق امرأته الحرة ثلاث تطليقات بلا خلاف وإن كانا رقيقين ~~فالعبد لا يطلق امرأته الأمة إلا تطليقتين بلا خلاف أيضا، واختلف فيما إذا ~~كان أحدهما حرا والآخر رقيقا أن عدد الطلاق يعتبر بحال الرجل في الرق ~~والحرية أم بحال المرأة قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: يعتبر بحال المرأة ~~وقال الشافعي: يعتبر بحال الرجل حتى إن العبد إذا كانت تحته حرة يملك عليها ~~ثلاث تطليقات عندنا وعنده لا يملك عليها إلا تطليقتين. # والحر إذا كانت تحته أمة لا يملك عليها إلا تطليقتين عندنا وعنده يملك ~~عليها ثلاث تطليقات، والمسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله عنهم - روي عن ~~علي وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم - مثل قولنا وعن عثمان وزيد بن ~~ثابت مثل قوله وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه يعتبر بحال ~~أيهما كان رقيقا ولا خلاف في أن العدة تعتبر بحال المرأة احتج الشافعي بما ~~روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «الطلاق بالرجال والعدة بالنساء» والمراد منه اعتبار ~~الطلاق في القدر والعدد لا الإيقاع لأن ذلك مما لا يشكل وروي عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يطلق العبد ثنتين وتعتد الأمة بحيضتين» ~~من غير فصل بين ما إذا كانت تحته أمة أو حرة. # ولأن الرق إنما يؤثر في نقصان الحل لكون الحل نعمة وأنه نعمة في جانب ~~الرجل لا في جانب المرأة لأنها مملوكة مرقوقة فلا يؤثر رقها في نقصان الحل. # (ولنا) الكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فقوله تعالى: {الطلاق مرتان} ~~[البقرة: 229] إلى قوله عز وجل: {فإن ms1741 طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره} [البقرة: 230] والنص ورد في الحرة أخبر الله تعالى أن حل الحرة ~~يزول بالثلاث من غير فصل بين ما إذا كانت تحت حر أو تحت عبد فيجب العمل ~~بإطلاقه، والدليل على أن النص ورد في الحرة قرائن الآية الكريمة أحدها أنه ~~قال تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] والأمة لا تملك ~~الافتداء بغير إذن المولى، والثاني قوله عز وجل: {حتى تنكح زوجا غيره} ~~[البقرة: 230] والأمة لا تملك إنكاح نفسها من غير إذن مولاها والثالث قوله ~~تعالى: {فلا جناح عليهما أن يتراجعا} [البقرة: 230] أي يتناكحا بعد طلاق ~~الزوج الثاني وذا في الحر والحرة وأما السنة فما روي عن عائشة - رضي الله ~~عنها - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «طلاق الأمة ثنتان ~~وعدتها حيضتان» جعل - عليه الصلاة والسلام - طلاق جنس الإماء ثنتين لأنه ~~أدخل لام الجنس على الإماء كأنه قال: طلاق كل أمة ثنتان من غير فصل بين ما ~~إذا كان زوجها حرا أو عبدا وأما المعقول فمن وجهين: أحدهما أن الأصل في ~~الطلاق هو الحظر لما ذكرنا من الدلائل فيما تقدم إلا أنه أبيحت الطلقة ~~الواحدة للحاجة إلى الخلاص عند مخالفة الأخلاق لأن عند ذلك تصير المصلحة في ~~الطلاق ليزدوج كل واحد منهما بمن يوافقه فتحصل مقاصد النكاح إلا أن احتمال ~~الندم من الجانبين قائم بعد الطلاق كما أخبر الله تعالى: {لا تدري لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] فلو ثبتت الحرمة بطلقة واحدة ولم يشرع طلاق ~~آخر حتى يتأمل الزوج فيه ربما يندم ولا يمكنه التدارك بالرجعة ولا توافقه ~~المرأة في النكاح ولا يمكنه الصبر عنها فيقع في الزنا فأبيحت الطلقة ~~الثانية لهذه الحاجة ولا حاجة إلى الطلقة الثالثة إلا أن الشرع ورد بها في ~~الحرة إذا كانت تحت حر وعبد إظهارا لخطر النكاح وإبانة لشرفه، وملك النكاح ~~في الأمة في الشرف والخطر دون ملك النكاح في الحرة لأن شرف النكاح وخطره ~~لما يتعلق به ms1742 من المقاصد الدينية والدنيوية منها الولد والسكن ومعلوم أن ~~هذين المقصودين في نكاح الأمة دونهما في نكاح الحرة لأن ولد الحرة حر وولد ~~الرقيقة رقيق، والمقصود من الولد الاستئناس والاستنصار به في الدنيا ~~والدعوة الصالحة في العقبى وهذا المقصود لا يحصل من الولد الرقيق مثل ما ~~يحصل من الحر لكون المرقوق مشغولا بخدمة المولى وكذا سكون نفس الزوج إلى ~~امرأته الأمة لا يكون مثل سكونه إلى امرأته الحرة فلم يكن هذا في معنى مورد ~~الشرع فبقيت الطلقة فيه على # PageV03P097 # أصل الحظر والثاني أن حكم الطلاق زوال الحل وهو حل المحلية فيتقدر بقدر ~~الحل وحل الأمة أنقص من حل الحرة؛ لأن الرق ينقص الحل؛ لأن الحل نعمة لكونه ~~وسيلة إلى النعمة؛ وهي مقاصد النكاح والوسيلة إلى النعمة نعمة، وللرق أثر ~~في نقصان النعمة ولهذا أثر في نقصان المالكية حتى يملك الحر التزوج بأربع ~~نسوة والعبد لا يملك التزوج إلا بامرأتين وأما الحديثان فقد قيل: إنهما ~~غريبان ثم إنهما من الآحاد ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب العزيز بخبر الواحد ~~ولا معارضة الخبر المشهور به ثم نقول: لا حجة فيهما أما الأول فلأن قوله ~~«الطلاق بالرجال» إلصاق الاسم بالاسم فيقتضي ملصقا محذوفا، والملصق المحذوف ~~يحتمل أن يكون هو الإيقاع ويحتمل أن يكون هو الاعتبار فلا يكون حجة مع ~~الاحتمال وقوله: " الإيقاع لا يشكل " ممنوع بل قد يشكل وبيان الإشكال من ~~وجهين: أحدهما أن النكاح مشترك بين الزوجين في الانعقاد والأصل في كل عقد - ~~كان انعقاده بعاقدين - أن يكون ارتفاعه بهما أيضا كالبيع والإجارة ونحوهما، ~~والثاني أنه مشترك بينهما في الأحكام والمقاصد فيشكل أن يكون الإيقاع بهما ~~على الشركة فحل الإشكال بقوله " الطلاق بالرجال " وأما الثاني ففيه أن ~~العبد يطلق ثنتين وهذا لا ينفي الثالثة كما يقال فلان يملك درهمين، وقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - «طلاق الأمة ثنتان» إضافة الطلاق إلى الأمة والإضافة ~~للاختصاص فيقتضي أن يكون الطلاق المختص بالأمة ثنتان ولو ملك الثالثة عليها ~~لبطل الاختصاص، ومثاله قول القائل " مال فلان درهمان " أنه ms1743 ينفي الزيادة ~~لما قلنا كذا هذا وقد خرج الجواب عن قوله إن الحل في جانبها ليس بنعمة لأنا ~~بينا أنه نعمة في حقها أيضا، لكونه وسيلة إلى النعمة والملك في باب النكاح ~~ليس بمقصود بل هو وسيلة إلى المقاصد التي هي نعم، والوسيلة إلى النعمة نعمة ~~والله تعالى أعلم. ### | [فصل في بيان ركن الطلاق] # (فصل) : # وأما بيان ركن الطلاق فركن الطلاق هو اللفظ الذي جعل دلالة على معنى ~~الطلاق لغة وهو التخلية والإرسال ورفع القيد في الصريح وقطع الوصلة ونحوه ~~في الكناية أو شرعا، وهو إزالة حل المحلية في النوعين أو ما يقوم مقام ~~اللفظ أما اللفظ فمثل أن يقول في الكناية: أنت بائن أو أبنتك أو يقول في ~~الصريح أنت طالق أو طلقتك وما يجري هذا المجرى إلا أن التطليق والطلاق في ~~العرف يستعملان في المرأة خاصة والإطلاق يستعمل في غيرها يقال في المرأة ~~طلق يطلق تطليقا وطلاقا وفي البعير والأسير ونحوهما يقال أطلق يطلق إطلاقا ~~وإن كان المعنى في اللفظين لا يختلف في اللغة ومثل هذا جائز كما يقال حصان ~~وحصان وعديل وعدل فالحصان بفتح الحاء يستعمل في المرأة وبالخفض يستعمل في ~~الفرس وإن كانا يدلان على معنى واحد لغة وهو المنع. # والعديل يستعمل في الآدمي والعدل فيما سواه، وإن كانا موجودين في ~~المعادلة في اللغة كذا هذا، ولهذا قالوا: إن من قال لامرأته أنت مطلقة ~~مخففا يرجع إلى نيته لأن الإطلاق في العرف يستعمل في إثبات الانطلاق عن ~~الحبس والقيد الحقيقي، فلا يحمل على القيد الحكمي إلا بالنية ويستوي في ~~الركن ذكر التطليقة وبعضها حتى لو قال لها أنت طالق بعض تطليقة أو ربع ~~تطليقة أو ثلث تطليقة أو نصف تطليقة أو جزءا من ألف جزء من تطليقة يقع ~~تطليقة كاملة وهذا على قول عامة العلماء. # وقال ربيعة الرأي لا يقع عليها شيء لأن نصف تطليقة لا يكون تطليقة حقيقة ~~بل هو بعض تطليقة وبعض الشيء ليس عين ذلك الشيء إن لم يكن له غيره. # (ولنا) أن ms1744 الطلاق لا يتبعض وذكر البعض فيما لا يتبعض ذكر لكله كالعفو عن ~~بعض القصاص أنه يكون عفوا عن الكل. # ولو قال: أنت طالق طلقة واحدة ونصف أو واحدة وثلث طلقت اثنتين لأن البعض ~~من تطليقة تطليقة كاملة فصار كأنه قال أنت طالق اثنتين بخلاف ما إذا قال: ~~أنت طالق واحدة ونصفها أو ثلثها أنه لا يقع إلا واحدة لأن هناك أضاف النصف ~~إلى الواحدة الواقعة والواقع لا يتصور وقوعه ثانيا وهنا ذكر نصا منكرا غير ~~مضاف إلى واقع فيكون إيقاع تطليقة أخرى. # ولو قال أنت طالق سدس تطليقة أو ثلث تطليقة أو نصف تطليقة أو ثلثي تطليقة ~~فهو ثلاث لما ذكرنا أن كل جزء من التطليقة تطليقة كاملة هذا إذا كانت ~~مدخولا بها فإن كانت غير مدخول بها فلا تقع إلا واحدة لأنها بانت بالأولى، ~~كما إذا قال أنت طالق وطالق وطالق، ولو قال أنت طالق سدس تطليقة وثلثها ~~ونصفها بعد أن لا يتجاوز العدد عن واحدة لو جمع ذلك فهو تطليقة واحدة ولو ~~تجاوز بأن قال: أنت طالق سدس تطليقة وربعها # PageV03P098 # وثلثها ونصفها؛ لم يذكر هذا في ظاهر الرواية واختلف المشايخ فيه قال ~~بعضهم: يقع تطليقتان. # وقال بعضهم يقع تطليقة واحدة ولو قال أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقتين فهي ~~ثلاث لأن نصف التطليقتين تطليقة، فثلاثة أنصاف تطليقتين ثلاثة أمثال تطليقة ~~فصار كأنه قال أنت طالق ثلاث تطليقات ولو كان أربع نسوة فقال بينكن تطليقة ~~طلقت كل واحدة واحدة لأن الطلقة الواحدة إذا قسمت على أربع أصاب كل واحدة ~~ربعها وربع تطليقة تطليقة كاملة، وكذلك إذا قال بينكن تطليقتان أو ثلاث أو ~~أربع لأن التطليقتين إذا انقسمتا بين الأربع يصيب كل واحدة نصف تطليقة، ~~ونصف التطليقة تطليقة، فإن قيل لم لا يقسم كل تطليقة بحيالها على الأربع ~~فيلزم تطليقتان؟ فالجواب أنه ما فعل هكذا بل جعل التطليقتين جميعا بين ~~الأربع لأن الجنس واحد لا يتفاوت، والقسمة في الجنس الواحد الذي لا يتفاوت ~~يقع على جملته وإنما يقسم الآحاد إذا كان ms1745 الشيء متفاوتا فإن نوى الزوج أن ~~يكون كل تطليقة على حيالها بينهن يكون على ما نوى ويقع على كل واحدة منهن ~~تطليقتان لأنه نوى ما يحتمله كلامه وهو غير متهم فيه لأنه شدد على نفسه ~~فيصدق ولو قال: بينكن خمس تطليقات فكل واحدة طالق اثنتين لأن الخمس إذا ~~قسمت على الأربع أصاب كل واحدة تطليقة وربع تطليقة؛ وربع تطليقة تطليقة ~~كاملة فيكون تطليقتين وعلى هذا ما زاد على خمسة إلى ثمانية. # فإن قال بينكن تسع تطليقات وقعت على كل واحدة ثلاث تطليقات لأن التسع إذا ~~قسمت على أربع أصاب كل واحدة منهن تطليقتان وربع تطليقة، وربع تطليقة ~~تطليقة كاملة فيقع على كل واحدة ثلاثة وعلى هذا قالوا لو قال أشركت بينكن ~~في تطليقتين أو في ثلاث أو أربع أو خمس أو ست أو سبع أو ثمان أو تسع إن هذا ~~وقوله بينكن سواء لأن لفظة البين تنبي عن الشركة فقوله " بينكن " كذا معناه ~~أشركت بينكن كذا بخلاف ما إذا طلق امرأة له تطليقتين ثم قال لأخرى قد ~~أشركتك في طلاقها أنه يقع عليها تطليقتان لأن قوله أشركتك في طلاقها إثبات ~~الشركة في الواقع ولا تثبت الشركة في الواقع إلا بثبوت الشركة في كل واحد ~~منهما لأنه لا يمكن رفع التطليقة الواقعة عنها وإيقاعها على الأخرى فلزمت ~~الشركة في كل واحدة من التطليقتين على الانفراد وهذا يوجب وقوع تطليقتين ~~على الأخرى وسواء كان مباشرة الركن من الزوج بطريق الأصالة أو من غيره ~~بطريق النيابة عنه بالوكالة والرسالة لأن الطلاق مما تجري فيه النيابة فكان ~~فعل النائب كفعل المنوب عنه وأما الذي يقوم مقام اللفظ فالكتابة والإشارة ~~على ما نذكر إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في شرائط ركن الطلاق وبعضها يرجع إلى الزوج] # (فصل) : # وأما شرائط الركن فأنواع بعضها يرجع إلى الزوج وبعضها يرجع إلى المرأة ~~وبعضها يرجع إلى نفس الركن وبعضها يرجع إلى الوقت أما. # الذي يرجع إلى الزوج فمنها أن يكون عاقلا حقيقة أو تقديرا فلا يقع طلاق ~~المجنون والصبي ms1746 الذي لا يعقل لأن العقل شرط أهلية التصرف لأن به يعرف كون ~~التصرف مصلحة وهذه التصرفات ما شرعت إلا لمصالح العباد وأما السكران إذا ~~طلق امرأته فإن كان سكره بسبب محظور بأن شرب الخمر أو النبيذ طوعا حتى سكر ~~وزال عقله فطلاقه واقع عند عامة العلماء وعامة الصحابة - رضي الله عنهم - ~~وعن عثمان - رضي الله عنه - أنه لا يقع طلاقه وبه أخذ الطحاوي والكرخي وهو ~~أحد قولي الشافعي وجه قولهم: إن عقله زائل والعقل من شرائط أهلية التصرف ~~لما ذكرنا ولهذا لا يقع طلاق المجنون والصبي الذي لا يعقل والذي زال عقله ~~بالبنج والدواء كذا هذا والدليل عليه أنه لا تصح ردته فلأن لا يصح طلاقه ~~أولى. # (ولنا) عموم قوله عز وجل: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] إلى قوله - ~~سبحانه وتعالى - {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ~~[البقرة: 230] من غير فصل بين السكران وغيره إلا من خص بدليل. # وقوله - عليه الصلاة والسلام - «كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمعتوه» ~~ولأن عقله زال بسبب؛ هو معصية فينزل قائما عقوبة عليه وزجرا له عن ارتكاب ~~المعصية ولهذا لو قذف إنسانا أو قتل يجب عليه الحد والقصاص وأنهما لا يجبان ~~على غير العاقل دل أن عقله جعل قائما وقد يعطى للزائل حقيقة حكم القائم ~~تقديرا إذا زال بسبب هو معصية للزجر والردع كمن قتل مورثه أنه يحرم الميراث ~~ويجعل المورث حيا زجرا للقاتل وعقوبة عليه بخلاف ما إذا زال بالبنج والدواء ~~لأنه ما زال بسبب هو معصية إلا أنه لا تصح ردة السكران استحسانا نظرا له ~~لأن بقاء العقل تقديرا بعد زواله حقيقة للزجر وإنما تقع الحاجة إلى # PageV03P099 # الزاجر فيما يغلب وجوده لوجود الداعي إليه طبعا، والردة لا يغلب وجودها ~~لانعدام الداعي إليها فلا حاجة إلى استبقاء عقله فيها للزجر ولأن جهة زوال ~~العقل حقيقة تقتضي بقاء الإسلام وجهة بقائه تقديرا تقتضي زوال الإسلام ~~فيرجح جانب البقاء لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، ولهذا يحكم بإسلام ~~الكافر إذا أكره على ms1747 الإسلام ولا يحكم بكفر المسلم إذا أكره على إجراء كلمة ~~الكفر فأجرى وأخبر أن قلبه كان مطمئنا بالإيمان كذا هذا، وإن كان سكره بسبب ~~مباح لكن حصل له به لذة بأن شرب الخمر مكرها حتى سكر أو شربها عند ضرورة ~~العطش فسكر قالوا: إن طلاقه واقع أيضا لأنه وإن زال عقله فإنما حصل زوال ~~عقله بلذة فيجعل قائما ويلحق الإكراه والاضطرار بالعدم كأنه شرب طائعا حتى ~~سكر وذكر محمد - رحمه الله تعالى - فيمن شرب النبيذ ولم يزل عقله ولكن صدع ~~فزال عقله بالصداع أنه لا يقع طلاقه؛ لأنه ما زال عقله بمعصية ولا بلذة ~~فكان زائلا حقيقة وتقديرا وكذلك إذا شرب البنج أو الدواء الذي يسكر وزال ~~عقله لا يقع طلاقه لما قلنا. # ومنها أن لا يكون معتوها ولا مدهوشا ولا مبرسما ولا مغميا عليه ولا نائما ~~فلا يقع طلاق هؤلاء لما قلنا في المجنون وقد روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال «كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمعتوه» . # ومنها أن يكون بالغا فلا يقع طلاق الصبي وإن كان عاقلا لأن الطلاق لم ~~يشرع إلا عند خروج النكاح من أن يكون مصلحة وإنما يعرف ذلك بالتأمل والصبي ~~لاشتغاله باللهو واللعب لا يتأمل فلا يعرف. # وأما كون الزوج طائعا فليس بشرط عند أصحابنا وعند الشافعي شرط حتى يقع ~~طلاق المكره عندنا وعنده لا يقع ونذكر المسألة في كتاب الإكراه إن شاء الله ~~تعالى وذكر محمد بإسناده «أن امرأة اعتقلت زوجها وجلست على صدره ومعها شفرة ~~فوضعتها على حلقه، وقالت: لتطلقني ثلاثا أو لأنفذنها فناشدها الله أن لا ~~تفعل فأبت فطلقها ثلاثا فذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لا ~~قيلولة في الطلاق» . # وكذا كونه جادا ليس بشرط فيقع طلاق الهازل بالطلاق واللاعب لما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح ~~والطلاق والعتاق، وروي النكاح والطلاق والرجعة» وعن أبي الدرداء - رضي الله ~~عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه ms1748 وسلم - أنه قال «من لعب بطلاق أو عتاق ~~لزمه» . # وقيل فيه نزل قوله - سبحانه وتعالى - {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} ~~[البقرة: 231] وكان الرجل في الجاهلية يطلق امرأته ثم يراجع فيقول كنت ~~لاعبا ويعتق عبده ثم يرجع فيقول كنت لاعبا فنزلت الآية فقال - صلى الله ~~عليه وسلم - «من طلق أو حرر أو نكح فقال إني كنت لاعبا فهو جائز منه» . # وكذا التكلم بالطلاق ليس بشرط فيقع الطلاق بالكتابة المستبينة وبالإشارة ~~المفهومة من الأخرس لأن الكتابة المستبينة تقوم مقام اللفظ والإشارة ~~المفهومة تقوم مقام العبارة. # وكذا الخلو عن شرط الخيار ليس بشرط فيقع طلاق شارط الخيار في باب الطلاق ~~بغير عوض لأن شرط الخيار للتمكن من الفسخ عند الحاجة والذي من جانب الزوج ~~وهو الطلاق لا يحتمل الفسخ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا قيلولة في ~~الطلاق» وأما الخلو عن شرط الخيار للمرأة في الطلاق بعوض فشرط لأن الذي من ~~جانبها المال فكان من جانبها معاوضة المال وأنها محتملة للفسخ فصح شرط ~~الخيار فيها، فيمنع انعقاد السبب كالبيع حتى أنها لو ردت بحكم الخيار بطل ~~العقد ولا يقع الطلاق. # وكذا صحة الزوج ليس بشرط وكذا إسلامه فيقع طلاق المريض والكافر لأن المرض ~~والكفر لا ينافيان أهلية الطلاق وكذا كونه عامدا ليس بشرط حتى يقع طلاق ~~الخاطئ وهو الذي يريد أن يتكلم بغير الطلاق فسبق لسانه بالطلاق لأن الفائت ~~بالخطأ ليس إلا القصد وأنه ليس بشرط لوقوع الطلاق كالهازل واللاعب بالطلاق ~~وكذلك العتاق لما قلنا في الطلاق وذكر الكرخي أن في العتاق روايتين فإن ~~هشاما روى عن محمد عن أبي حنيفة أن من أراد أن يقول لامرأته اسقيني ماء ~~فقال لها أنت طالق وقع ولو أراد ذلك في العبد فقال أنت حر لم يقع وروى بشر ~~بن الوليد الكندي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنهما يتساويان وهو الصحيح لما ~~ذكرنا (وجه) رواية هشام أن ملك البضع ثبت بسبب يتساوى فيه القصد وعدم القصد ~~وهو النكاح فعلى ذلك زواله بخلاف ملك العبد فإنه ms1749 يثبت بسبب مختلف فيه القصد ~~وعدم القصد وهو البيع ونحو ذلك فكذلك زواله وهذا ليس بسديد لأنه # PageV03P100 # قد يشرط لثبوت الحكم من الشرائط ما لا يشرط لزواله، فكان الاستدلال ~~بالثبوت على الزوال استدلالا فاسدا. ### | [فصل في النية في أحد نوعي الطلاق وهو الكناية] # (فصل) : # ومنها النية في أحد نوعي الطلاق وهو الكناية، وجملة الكلام في هذا الشرط ~~في موضعين: أحدهما في. # بيان الألفاظ التي يقع بها الطلاق في الشرع، والثاني في بيان صفة الواقع ~~بها أما الأول فالألفاظ التي يقع بها الطلاق في الشرع نوعان: صريح وكناية ~~أما الصريح فهو اللفظ الذي لا يستعمل إلا في حل قيد النكاح، وهو لفظ الطلاق ~~أو التطليق مثل قوله: " أنت طالق " أو " أنت الطلاق، أو طلقتك، أو أنت ~~مطلقة " مشددا، سمي هذا النوع صريحا؛ لأن الصريح في اللغة اسم لما هو ظاهر ~~المراد مكشوف المعنى عند السامع من قولهم: صرح فلان بالأمر أي: كشفه ~~وأوضحه، وسمي البناء المشرف صرحا لظهوره على سائر الأبنية، وهذه الألفاظ ~~ظاهرة المراد؛ لأنها لا تستعمل إلا في الطلاق عن قيد النكاح فلا يحتاج فيها ~~إلى النية لوقوع الطلاق؛ إذ النية عملها في تعيين المبهم ولا إبهام فيها. # وقال الله تعالى {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] شرع الطلاق من غير شرط ~~النية. # وقال سبحانه وتعالى {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] مطلقا. # وقال سبحانه وتعالى {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ~~[البقرة: 230] ، حكم سبحانه وتعالى بزوال الحل مطلقا عن شرط النية وروينا: ~~" أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - لما طلق امرأته في حال الحيض أمره ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها ولم يسأله هل نوى الطلاق أو ~~لم ينو؟ . # ولو كانت النية شرطا لسأله ولا مراجعة إلا بعد وقوع الطلاق، فدل على وقوع ~~الطلاق من غير نية، ولو قال لها: أنت طالق ثم قال: أردت أنها طالق من وثاق ~~لم يصدق في القضاء لما ذكرنا أن ظاهر هذا الكلام الطلاق عن قيد النكاح فلا ~~يصدقه ms1750 القاضي في صرف الكلام عن ظاهره. # وكذا لا يسع للمرأة أن تصدقه؛ لأنه خلاف الظاهر ويصدق فيما بينه وبين ~~الله تعالى؛ لأنه نوى ما يحتمله كلامه في الجملة والله تعالى مطلع على ~~قلبه، ولو قال: أنت طالق. # وقال: أردت أنها طالق من العمل لم يصدق في القضاء ولا فيما بينه وبين ~~الله تعالى؛ لأن هذا اللفظ لا يستعمل في الطلاق عن العمل فقد نوى ما لا ~~يحتمله لفظه أصلا فلا يصدق أصلا. # وروى الحسن عن أبي حنيفة فيمن قال: أنت طالق. # وقال: نويت الطلاق من عمل أو قيد يدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنها ~~مطلقة من هذين الأمرين حقيقة فقد نوى ما يحتمله حقيقة كلامه فجاز أن يصدق ~~فيه، ولو صرح فقال: أنت طالق من وثاق لم يقع في القضاء؛ لأن المرأة قد توصف ~~بأنها طالق من وثاق وإن لم يكن مستعملا فإذا صرح به يحمل عليه وإن صرح ~~فقال: أنت طالق من هذا العمل وقع الطلاق في القضاء؛ لأن هذا اللفظ لا ~~يستعمل في الطلاق عن العمل لا حقيقة ولا مجازا ولا يقع فيما بينه وبين الله ~~تعالى؛ لأنه يحتمله في الجملة وإن كان خلاف الظاهر، وعلى قياس رواية الحسن ~~ينبغي أن لا يقع أيضا في القضاء ولو قال: أنت أطلق من امرأة فلان وهي مطلقة ~~فذلك على نيته إلا أن يكون جوابا لمسألة الطلاق؛ لأن لفظة أفعل ليست صريحة ~~في الكلام ألا ترى أن من قال لآخر: أنت أزنى من فلان لم يكن قذفا صريحا حتى ~~لا يجب الحد. # ومعلوم أن صريح القذف يوجب الحد وإذا لم يكن صريحا وقف على النية إلا إذا ~~خرج جوابا لسؤال الطلاق فينصرف إليه بقرينة السؤال وكذا إذا قال لها أنت ~~مطلقة وخفف فهو على نيته لما ذكرنا أن الانطلاق لا يستعمل في قيد النكاح ~~وإنما يستعمل في القيد الحقيقي والحبس فلم يكن صريحا فوقف على النية. # وروى ابن سماعة عن محمد فيمن قال لامرأته: كوني طالقا أو أطلقي. # قال: أراه ms1751 واقعا؛ لأن قوله: كوني ليس أمرا حقيقة وإن كانت صيغته صيغة ~~الأمر، بل هو عبارة عن إثبات كونها طالقا كما في قوله تعالى {كن فيكون} ~~[البقرة: 117] إن قوله: كن ليس بأمر حقيقة وإن كانت صيغته صيغة الأمر، بل ~~هو كناية عن التكوين ولا تكون طالقا إلا بالطلاق وكذا قوله: " اطلقي " ~~وكذلك إذا قال لامرأته: كوني حرة أو عتقى ولو قال: يا مطلقة وقع عليها ~~الطلاق؛ لأنه وصفها بكونها مطلقة ولا تكون مطلقة إلا بالتطليق، فإن قال: ~~أردت به الشتم لا يصدق في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر؛ لأنه نوى فيما هو وصف ~~أن لا يكون وصفا فكان عدولا عن الظاهر فلا يصدقه القاضي، ويصدق فيما بينه ~~وبين الله تعالى؛ لأنه قد يراد بمثله الشتم ولو كان لها زوج قبله، فقال: ~~عنيت ذلك الطلاق دين في القضاء؛ لأنه نوى ما يحتمله لفظه؛ لأنه وصفها ~~بكونها مطلقة في نفسها من غير الإضافة إلى نفسه، وقد تكون مطلقته وقد تكون ~~مطلقة # PageV03P101 # زوجها الأول، فالنية صادفت محلها فصدق في القضاء، وإذا لم يكن لها زوج ~~قبله لا يحتمل أن تكون مطلقة غيره فانصرف الوصف إلى كونها مطلقة له، ولو ~~قال لها: أنت طالق طالق أو قال: أنت طالق أنت طالق أو قال: قد طلقتك قد ~~طلقتك، أو قال: أنت طالق قد طلقتك يقع ثنتان إذا كانت المرأة مدخولا بها؛ ~~لأنه ذكر جملتين كل واحدة منهما إيقاع تام لكونه مبتدأ وخبرا، والمحل قابل ~~للوقوع، ولو قال: عنيت بالثاني الإخبار عن الأول لم يصدق في القضاء؛ لأن ~~هذه الألفاظ في عرف اللغة والشرع تستعمل في إنشاء الطلاق فصرفها إلى ~~الإخبار يكون عدولا عن الظاهر، فلا يصدق في الحكم ويصدق فيما بينه وبين ~~الله تعالى؛ لأن صيغتها صيغة الإخبار، ولو قال لامرأته: أنت طالق فقال له ~~رجل: ما قلت؟ فقال: طلقتها أو قال قلت: هي طالق فهي واحدة في القضاء؛ لأن ~~كلامه انصرف إلى الإخبار بقرينة الاستخبار. # وأما الطلاق بالفارسية فقد روي عن أبي حنيفة - رضي الله تعالى ms1752 عنه - أنه ~~قال في فارسي قال لامرأته: بهشتم إن زن، أو قال: إن زن بهشتم، أو قال: ~~بهشتم لا يكون ذلك طلاقا إلا أن ينوي به الطلاق؛ لأن معنى هذا اللفظ ~~بالعربية خليت، وقوله: خليت من كنايات الطلاق بالعربية، فكذا هذا اللفظ إلا ~~أن أبا حنيفة فرق بين اللفظين من وجهين: أحدهما أنه قال: إذا نوى الطلاق ~~بقوله: خليت يقع بائنا، وإذا نوى الطلاق بهذه اللفظة يقع رجعيا؛ لأن هذا ~~اللفظ يحتمل أن يكون صريحا في لغتهم ويحتمل أن يكون كناية فلا تثبت ~~البينونة بالشك. # والثاني قال: إن قوله: خليت في حال الغضب وفي حال مذاكرة الطلاق يكون ~~طلاقا حتى لا يدين في قوله إنه ما أراد به الطلاق، وهذا اللفظ في هاتين ~~الحالتين لا يكون طلاقا حتى لو قال: ما أردت به الطلاق يدين في القضاء؛ لأن ~~هذا اللفظ أقيم مقام التخلية فكان أضعف من التخلية فلا تعمل فيه دلالة ~~الحال، ولم يفرق بينهما فيما سوى ذلك حتى قال: إن نوى بائنا يكون بائنا وإن ~~نوى ثلاثا يكون ثلاثا كما لو قال: خليت ونوى البائن أو الثلاث ولو نوى ~~ثنتين يكون واحدة، كما في قوله: خليت إلا أن ههنا يكون واحدة يملك الرجعة ~~بخلاف لفظة التخلية لما بينا. # وقال أبو يوسف: إذا قال: بهشتم إن زن، أو قال: إن زن بهشتم هي طالق نوى ~~الطلاق أو لم ينو ويكون تطليقة رجعية؛ لأن أبا يوسف خالط العجم ودخل جرجان ~~فعرف أن هذا اللفظ في لغتهم صريح قال: وإن قال: بهشتم، ولم يقل: إن زن، فإن ~~قال: ذلك في حال سؤال الطلاق أو في حال الغضب فهي واحدة يملك الرجعة ولا ~~يدين إنه ما أراد به الطلاق في القضاء، وإن قال في غير حال الغضب ومذاكرة ~~الطلاق يدين في القضاء؛ لأن معنى قولهم بهشتم خليت، وليس في قوله: خليت ~~إضافة إلى النكاح ولا إلى الزوجة فلا يحمل على الطلاق إلا بقرينة نية أو ~~بدلالة حال، وحال الغضب ومذاكرة الطلاق دليل إرادة ms1753 الطلاق ظاهرا فلا يصدق ~~في الصرف عن الظاهر قال: وإن نوى بائنا فبائن. # وإن نوى ثلاثا فثلاث؛ لأن هذا اللفظ وإن كان صريحا في الفارسية فمعناه ~~التخلية في العربية فكان محتملا للبينونة والثلاث كلفظة التخلية فجاز أن ~~يحمل عليه بالنية. # وقال محمد - في قوله: بهشتم إن زن، أو إن زن بهشتم - إن هذا صريح الطلاق ~~كما قال أبو يوسف. # وقال - في قوله: بهشتم إنه - إن كان في حال مذاكرة الطلاق فكذلك ولا ~~يدين؛ إنه ما أراد به الطلاق، وإن لم يكن في حال مذاكرة الطلاق يدين، سواء ~~كان في حال الغضب أو الرضا؛ لأن معنى هذا اللفظ بالعربية: أنت مخلاة أو قد ~~خليتك. # وقال زفر: إذا قال بهشتم ونوى الطلاق بائنا أو غير بائن فهو بائن وإن نوى ~~ثلاثا فثلاث وإن نوى اثنتين فاثنتان وأجري هذه اللفظة مجرى قوله: خليت، ولو ~~قال: خليتك ونوى الطلاق فهي واحدة بائنة نوى البينونة أو لم ينو، وإن نوى ~~ثلاثا يكون ثلاثا، وإن نوى اثنتين يكون اثنتين على أصله فكذا هذا. # هذا ما نقل عن أصحابنا في الطلاق بالفارسية، والأصل الذي عليه الفتوى في ~~زماننا هذا في الطلاق بالفارسية أنه إن كان فيها لفظ لا يستعمل إلا في ~~الطلاق فذلك اللفظ صريح يقع به الطلاق من غير نية إذا أضيف إلى المرأة، مثل ~~أن يقول في عرف ديارنا: دها كنم أو في عرف خراسان والعراق بهشتم؛ لأن ~~الصريح لا يختلف باختلاف اللغات وما كان في الفارسية من الألفاظ ما يستعمل ~~في الطلاق وفي غيره فهو من كنايات الفارسية فيكون حكمه حكم كنايات العربية ~~في جميع الأحكام والله أعلم. # ولو قال لامرأته: أنت طالق ونوى به الإبانة فقد لغت نيته؛ لأنه نوى تغيير ~~الشرع لأن الشرع أثبت # PageV03P102 # البينونة بهذا اللفظ مؤجلا إلى ما بعد انقضاء العدة، فإذا نوى إبانتها ~~للحال معجلا فقد نوى تغيير الشرع وليس له هذه الولاية فبطلت نيته وإن نوى ~~ثلاثا لغت نيته أيضا في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي حنيفة أنه ms1754 تصح نيته وبه أخذ الشافعي # وجه هذه الرواية أن قوله: " طالق " مشتق من الطلاق كالضارب ونحوه، يدل ~~على ثبوت مأخذ الاشتقاق وهو الطلاق كسائر الألفاظ المشتقة من المعاني، ألا ~~ترى أنه لا يتصور الضارب بلا ضرب والقاتل بلا قتل ولا يتصور الطالق بلا ~~طلاق؟ فكان الطلاق بائنا فصحت نية الثلاث منه كما لو نص على الطلاق فقال: ~~أنت طالق طلاقا وكما لو قال لها: أنت بائن، ونوى الثلاث أنه تصح نية الثلاث ~~لما قلنا، كذا هذا. # وجه ظاهر الرواية قوله عز وجل {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو سرحوهن بمعروف} [البقرة: 231] أثبت الرجعة حال قيام العدة للمطلق ~~مطلقا من غير فصل بين ما إذا نوى الثلاث أو لم ينو، فوجب القول بثبوت حق ~~الرجعة عند مطلق التطليق إلا بما قيد بدليل، ولأنه نوى ما يحتمله لفظه فلا ~~تصح نيته كما إذا قال لها: اسقيني ونوى به الطلاق، ودلالة الوصف أنه نوى ~~الثلاث، وقوله: طالق لا يحتمل الثلاث لوجهين: أحدهما أن طالق اسم للذات، ~~وذاتها واحد، والواحد لا يحتمل العدد إلا أن الطلاق ثبت مقتضى الطالق ضرورة ~~صحة التسمية بكونها طالقا؛ لأن الطالق بدون الطلاق لا يتصور كالضارب بدون ~~الضرب، وهذا المقتضى غير متنوع في نفسه فكان عدما فيما وراء صحة التسمية. # وذلك على الأصل المعهود في الثابت ضرورة أنه يتقدر بقدر الضرورة، ولا ~~ضرورة في قبول نية الثلاث فلا يثبت فيه بخلاف ما إذا قال لها: أنت طالق ~~طلاقا؛ لأن الطلاق هناك منصوص عليه فكان ثابتا من جميع الوجوه فيثبت في حق ~~قبول النية وبخلاف قوله: أنت بائن؛ لأن البائن مقتضاه البينونة، وإنها ~~متنوعة إلى غليظة وخفيفة فكان اسم البائن بمنزلة الاسم المشترك لتنوع محل ~~الاشتقاق وهو البينونة كاسم الجالس؛ يقال: جلس أي: قعد ويقال جلس أي: أتى ~~نجدا فكان الجالس من الأسماء المشتركة لتنوع محل الاشتقاق وهو الجلوس، فكذا ~~البائن والاسم المشترك لا يتعين المراد منه إلا بمعين، فإذا نوى الثلاث فقد ~~عين إحدى نوعي البينونة فصحت ms1755 نيته، وإذا لم يكن له لا يقع شيء لانعدام ~~المعين بخلاف قوله: " طالق " لأنه مأخوذ من الطلاق، والطلاق في نفسه لا ~~يتنوع لأنه رفع القيد، والقيد نوع واحد. # والثاني: إن سلمنا أن الطلاق صار مذكورا على الإطلاق لكنه في اللغة ~~والشرع عبارة عن رفع قيد النكاح؛ والقيد في نكاح واحد واحد فيكون الطلاق ~~واحدا ضرورة فإذا نوى الثلاث فقد نوى العدد فيما لا عدد له فبطلت نيته، ~~فكان ينبغي أن لا يقع الثلاث أصلا؛ لأن وقوعه ثبت شرعا بخلاف القياس فيقتصر ~~على مورد الشرع، ولو قال: أنت طالق طلاقا فإن لم تكن نية فهي واحدة وإن نوى ~~ثلاثا كان ثلاثا، كذا ذكر في الأصل وفي الجامع الصغير عن أبي حنيفة أنه لا ~~يكون إلا واحدة. # وجه هذه الرواية أنه ذكر المصدر للتأكيد لما ذكرنا أن قوله: طالق يقتضي ~~الطلاق فكان قوله: " طلاقا " تنصيصا على المصدر الذي اقتضاه الطالق فكان ~~تأكيدا كما يقال: قمت قياما وأكلت أكلا، فلا يفيد إلا ما أفاده المؤكد وهو ~~قوله: " طالق " فلا يقع إلا واحدة كما لو قال: أنت طالق، ونوى به الثلاث. # وجه ظاهر الروايات أن قوله: - " طلاقا " - مصدر فيحتمل كل جنس الطلاق؛ ~~لأن المصدر يقع على الواحد ويحتمل الكل قال الله تعالى {لا تدعوا اليوم ~~ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا} [الفرقان: 14] وصف الثبور الذي هو مصدر ~~بالكثرة، والثلاث في عقد واحد كل جنس الطلاق، فإذا نوى الثلاث فقد نوى ما ~~يحتمله كلامه فتصح نيته، وإذا لم يكن له نية يحمل على الواحد؛ لأنه متيقن، ~~وقد خرج الجواب عما سبق؛ لأن الكلام إنما يحمل على التأكيد إذا لم يمكن ~~حمله على فائدة جديدة، وههنا أمكن على ما بينا، ولو نوى اثنتين لا على ~~التقسيم في قوله: طالق طلاقا لا تصح نيته؛ لأن لفظ المصدر واحد فلا بد من ~~تحقيق معنى التوحيد فيه، ثم الشيء قد يكون واحدا من حيث الذات، وهو أن يكون ~~ذاته واحدا من النوع كزيد من الإنسان، وقد يكون واحدا من حيث ms1756 النوع ~~كالإنسان من الحيوان، ولا توجد في الاثنين لا من حيث الذات ولا من حيث ~~النوع فكان عددا محضا فلا يحتمله لفظة الواحد بخلاف الثلاث فإنه واحد من ~~حيث الجنس؛ لأنه كل جنس ما يملكه من الطلاق في هذا النكاح، وكل جنس من ~~الأفعال يكون جنسا واحدا ألا ترى أنك متى عددت الأجناس تعده # PageV03P103 # جنسا واحدا من الأجناس، كالضرب يكون جنسا واحدا من سائر أجناس الفعل. # وكذا الأكل والشرب ونحو ذلك، ولو نوى ثنتين على التقسيم تصح نيته لما ~~نذر، ولو قال: أنت الطلاق ونوى الثلاث صحت نيته؛ لأن الفعل قد يذكر بمعنى ~~المفعول يقال: هذا الدرهم ضرب الأمير أي: مضروبه وهذا علم أبي حنيفة أي ~~معلومه فلو حملناه على المصدر للغا كلامه، ولو حملناه على معنى المفعول لصح ~~فكان الحمل عليه أولى وصحت نية الثلاث؛ لأن النية تتبع المذكور، والمذكور ~~يلازم الجنس، ولو قال لها: أنت طالق بدون الألف واللام ذكر الطحاوي أنه لا ~~يكون إلا واحدة وإن نوى الثلاث، وفرق بينه وبين قوله: أنت الطالق وذكر ~~الجصاص: أن هذا الفرق لا يعرف له وجه إلا على الرواية التي روى عن أبي ~~حنيفة في قوله: أنت طالق طلاقا أنه لا يكون إلا واحدة وإن نوى الثلاث،. # فأما على الرواية المشهورة في التسوية بين قوله: أنت طالق الطلاق، وبين ~~قوله: أنت طالق طلاقا، فلا يتبين وجه الفرق بين قوله: أنت طلاق وبين قوله: ~~أنت الطلاق. # وحكي أن الكسائي سأل محمد بن الحسن عن قول الشاعر: # فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن ... وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأم # فأنت طلاق والطلاق عزيمة ... ثلاث ومن يخرق أعق وأظلم # فقال محمد - رحمه الله -: إن قال: والطلاق عزيمة ثلاث طلقت واحدة بقوله ~~أنت طلاق، وصار قوله: والطلاق عزيمة ثلاث ابتداء وخبرا غير متعلق بالأول، ~~وإن قال: والطلاق عزيمة ثلاثا طلقت ثلاثا، كأنه قال: أنت طالق ثلاثا ~~والطلاق عزيمة؛ لأن الثلاث هي في الحال تفسير الموقع فاستحسن الكسائي ~~جوابه. # وكذا لو قال: أنت طالق الطلاق ms1757 ونوى الثلاث؛ لأنه ذكر المصدر وعرفه فاللام ~~التعريف فيستغرق كل جنس المشروع من الطلاق في هذا الملك وهو الثلاث، فإذا ~~نوى الثلاث فقد نوى حقيقة كلامه فصحت نيته إلا أن عند الإطلاق لا ينصرف ~~إليه لقرينة تمنع من التصرف إليه على ما نذكره، ولو نوى ثنتين لا على ~~التقسيم لا تصح نيته لما ذكرنا أن الطلاق مصدر، والمصدر صيغته صيغة واحدة ~~فكان تحقيق معنى التوحيد فيه لازما، والاثنان عدد محض لا توجد فيه بوجه فلا ~~يحتمله اللفظ الموضوع للتوحيد، وإنما احتمل الثلاث من حيث التوحيد؛ لأنه كل ~~جنس ما يملكه من الطلاق في هذا الملك، وكل الجنس جنس واحد بالإضافة إلى ~~غيره من الأجناس وأمكن تحقيق معنى التوحيد فيه وإن لم يكن له نية لا يقع ~~إلا واحدة؛ لأنه وإن عرف المصدر فاللام التعريف الموضوعة لاستغراق الجنس ~~لكنه انصرف إلى الواحد بدلالة الحال؛ لأن إيقاع الثلاث جملة محظور، والظاهر ~~من حال المسلم أن لا يرتكب المحظور فانصرف إلى الواحد بقرينة وصار هذا كما ~~إذا حلف لا يشرب الماء أو لا يتزوج النساء أو لا يكلم بني آدم أنه إن نوى ~~كل جنس من هذه الأجناس صحت نيته، وإن لم يكن له نية ينصرف إلى الواحد من كل ~~جنس لدلالة الحال كذا هذا، ولو قال: أردت بقولي أنت طالق واحدة، وبقولي: ~~الطلاق أو طلاقا أخرى صدق؛ لأنه ذكر لفظين كل واحد منهما يصلح إيقاعا تاما ~~ألا ترى أنه إذا قال لها: أنت طالق يقع الطلاق، ولو قال: أنت الطلاق أو ~~طلاق يقع أيضا، فإذا أراد ذلك صار كأنه قال لها: أنت طالق وطالق. # ولو قال لامرأته: طلقي نفسك ونوى به الثلاث صحت نيته حتى لو قالت: طلقت ~~نفسي ثلاثا كان ثلاثا؛ لأن المصدر يصير مذكورا في الأمر؛ لأن معناه حصلي ~~طلاقا، والمصدر يقع على الواحد ويحتمل الكل فإذا نوى الثلاث فقد نوى ما ~~يحتمله لفظه وإن لم يكن له نية ينصرف إلى الواحد لكونه متيقنا، وإن نوى ~~ثنتين لا يصح؛ لأنه ms1758 عدد محض فكان معنى التوحد فيه منعدما أصلا ورأسا؛ فلا ~~يحتمله صيغة واحدة، ولو طلق امرأته تطليقة يملك الرجعة ثم قال لها قبل ~~انقضاء العدة: قد جعلت تلك التطليقة التي أوقعتها عليك ثلاثا أو قال قد ~~جعلتها بائنا اختلف أصحابنا الثلاثة فيه قال: أبو حنيفة يكون ثلاثا ويكون ~~بائنا. # وقال محمد: لا يكون ثلاثا ولا بائنا. # وقال أبو يوسف: يكون بائنا ولا يكون ثلاثا. # وجه قول محمد: أن الطلاق بعد وقوعه شرعا بصفة لا يحتمل التغيير عن تلك ~~الصفة؛ لأن تغييره يكون تغيير الشرع والعبد لا يملك ذلك ألا ترى أنه لو ~~طلقها ثلاثا فجعلها واحدة لا تصير واحدة؟ وكذا لو طلقها تطليقة بائنة ~~فجعلها رجعية لا تصير رجعية لما قلنا كذا هذا. # وجه قول أبي يوسف أن التطليقة الرجعية يحتمل # PageV03P104 # أن يلحقها البينونة في الجملة ألا يرى أنه لو تركها حتى انقضت عدتها تصير ~~بائنة فجاز تعجيل البينونة فيها أيضا،. # فأما الواحدة فلا يحتمل أن تصير ثلاثا أبدا فلغا قوله: جعلتها ثلاثا ~~ولأبي حنيفة أنه يملك إيقاع هذه التطليقة بائنة من الابتداء فيملك إلحاقها ~~بالبائنة؛ لأنه يملك إنشاء الإبانة في هذه الجملة كما كان يملكها في ~~الابتداء، ومعنى " جعل الواحدة ثلاثا " أنه ألحق بها تطليقتين أخريين لا ~~أنه جعل الواحد ثلاثا ### | [فصل في الكناية في الطلاق] # (فصل) : # (وأما) الكناية فنوعان: نوع هو كناية بنفسه وضعا، ونوع هو ملحق بها شرعا ~~في حق النية، أما النوع الأول فهو كل لفظ يستعمل في الطلاق ويستعمل في غيره ~~نحو قوله: أنت بائن، أنت علي حرام خلية برئية بتة أمرك بيدك اختاري اعتدي ~~استبرئي رحمك أنت واحدة خليت سبيلك سرحتك حبلك على غاربك فارقتك خالعتك - ~~ولم يذكر العوض - لا سبيل لي عليك لا ملك لي عليك لا نكاح لي عليك أنت حرة ~~قومي اخرجي اغربي انطلقي انتقلي تقنعي استتري تزوجي ابتغي الأزواج الحقي ~~بأهلك ونحو ذلك. # سمي هذا النوع من الألفاظ كناية؛ لأن الكناية في اللغة اسم لفظ استتر ~~المراد منه عند السامع، ms1759 وهذه الألفاظ مستترة المراد عند السامع فإن قوله: " ~~بائن " يحتمل البينونة عن النكاح ويحتمل البينونة عن الخير أو الشر، وقوله: ~~" حرام " يحتمل حرمة الاستمتاع ويحتمل حرمة البيع والقتل والأكل ونحو ذلك، ~~وقوله: " خلية " مأخوذ من الخلو فيحتمل الخلو عن الزوج والنكاح ويحتمل ~~الخلو عن الخير أو الشر، وقوله " بريئة " من البراءة فيحتمل البراءة من ~~النكاح ويحتمل البراءة من الخير أو الشر وقوله: " بتة " من البت وهو القطع ~~فيحتمل القطع عن النكاح ويحتمل القطع عن الخير أو عن الشر، وقوله: " أمرك ~~بيدك " يحتمل في الطلاق. # ويحتمل في أمر آخر من الخروج والانتقال وغير ذلك وقوله: " اختاري " يحتمل ~~اختيار الطلاق ويحتمل اختيار البقاء على النكاح وقوله: " اعتدي " أمر ~~بالاعتداد وأنه يحتمل الاعتداد الذي هو من العدة ويحتمل الاعتداد الذي هو ~~من العدد أي اعتدي نعمتي التي أنعمت عليك وقوله " استبرئي رحمك " أمر ~~بتعريف براءة الرحم وهو طهارتها عن الماء وأنه كناية عن الاعتداد الذي هو ~~من العدة ويحتمل استبرئي رحمك لأطلقك وقوله " أنت واحدة " يحتمل أن تكون ~~الواحدة صفة الطلقة أي: طالق واحدة أي: طلقة واحدة ويحتمل التوحيد في الشرف ~~أي: أنت واحدة في الشرف، وقوله " خليت سبيلك " يحتمل سبيل النكاح ويحتمل ~~سبيل الخروج من البيت لزيارة الأبوين أو لأمر آخر، وقوله " سرحتك " يعني ~~خليتك يقال: سرحت إبلي وخليتها بمعنى واحد، وقولك حبلك على غاربك استعارة ~~عن التخلية؛ لأن الجمل إذا ألقي حبله على غاربه فقد خلي سبيله يذهب حيث ~~شاء، وقوله " فارقتك " يحتمل المفارقة عن النكاح ويحتمل المفارقة عن المكان ~~والمضجع وعن الصداقة، وقوله " خالعتك " ولم يذكر العوض يحتمل الخلع عن نفسه ~~بالطلاق ويحتمل الخلع عن نفسه بالهجر عن الفراش ونحو ذلك، وقوله: " لا سبيل ~~لي عليك " يحتمل سبيل النكاح ويحتمل سبيل البيع والقتل ونحو ذلك. # وكذا قوله: " لا ملك لي عليك " يحتمل ملك النكاح ويحتمل ملك البيع ونحو ~~ذلك. # وقوله: لا نكاح لي عليك لأني قد طلقتك ويحتمل لا نكاح لي عليك أي: لا ~~أتزوجك إن طلقتك ويحتمل لا نكاح ms1760 لي عليك أي: لا أطؤك؛ لأن النكاح يذكر ~~بمعنى الوطء وقوله: أنت حرام يحتمل الخلوص عن ملك النكاح ويحتمل الخلوص عن ~~ملك اليمين ونحو ذلك وقوله: " قومي " واخرجي واذهبي يحتمل أي: افعلي ذلك ~~لأنك قد طلقت. # والمرأة إذا طلقت من زوجها تقوم وتخرج من بيت زوجها وتذهب حيث تشاء، ~~ويحتمل التقيد عن نفسه مع بقاء النكاح وقوله: " اغربي " عبارة عن البعد أي: ~~تباعدي فيحتمل البعد من النكاح ويحتمل البعد من الفراش وغير ذلك، وقوله: ~~انطلقي وانتقلي يحتمل الطلاق؛ لأنها تنطلق وتنتقل عن بيت زوجها إذا طلقت ~~ويحتمل الانطلاق والانتقال إلى بيت أبويها للزيارة ونحو ذلك وقوله: " تقنعي ~~واستتري " أمر بالتقنع والاستتار فيحتمل الطلاق؛ لأنها إذا طلقت يلزمها ستر ~~رأسها بالقناع وستر أعضائها بالثوب عن زوجها، ويحتمل تقنعي واستتري أي: ~~كوني متقنعة ومستورة لئلا يقع بصر أجنبي عليك، وقوله: تزوجي يحتمل الطلاق ~~إذ لا يحل لها التزوج بزوج آخر إلا بعد الطلاق ويحتمل تزوجي إن طلقتك. # وكذا قوله: ابتغي الأزواج. # وقوله الحقي بأهلك يحتمل الطلاق لأن المرأة تلحق بأهلها إذا # PageV03P105 # صارت مطلقة، ويحتمل الطرد والإبعاد عن نفسه مع بقاء النكاح وإذا احتملت ~~هذه الألفاظ الطلاق وغير الطلاق فقد استتر المراد منها عند السامع، فافتقرت ~~إلى النية لتعيين المراد ولا خلاف في هذه الجملة إلا في ثلاثة ألفاظ وهي ~~قوله: سرحتك، وفارقتك، وأنت واحدة فقال أصحابنا: قوله: سرحتك وفارقتك من ~~الكنايات لا يقع الطلاق بهما إلا بقرينة النية كسائر الكنايات. # وقال الشافعي: هما صريحان لا يفتقران إلى النية كسائر الألفاظ الصريحة، ~~وقوله: " أنت واحدة " من الكنايات عندنا وعنده هو ليس من ألفاظ الطلاق حتى ~~لا يقع الطلاق به وإن نوى (أما) المسألة الأولى فاحتج الشافعي بقوله سبحانه ~~وتعالى {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] . # والتسريح هو التطليق وقوله تعالى {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} ~~[الطلاق: 2] والمفارقة هي التطليق، فقد سمى الله عز وجل الطلاق بثلاثة ~~أسماء: الطلاق والسراح والفراق، ولو قال لها: طلقتك كان صريحا فكذا إذا ~~قال: سرحتك أو فارقتك. # (ولنا) ms1761 أن صريح الطلاق هو اللفظ الذي لا يستعمل إلا في الطلاق عن قيد ~~النكاح لما ذكرنا أن الصريح في اللغة اسم لما هو ظاهر المراد عند السامع ~~وما كان مستعملا فيه وفي غيره لا يكون ظاهر المراد، بل يكون مستتر المراد ~~ولفظ السراح والفراق يستعمل في غير قيد النكاح يقال: سرحت إبلي وفارقت ~~صديقي فكان كناية لا صريحا فيفتقر إلى النية ولا حجة له في الآيتين لأنا ~~نقول بموجبهما: إن السراح والفراق طلاق، لكن بطريق الكناية لا صريحا ~~لانعدام معنى الصريح على ما بينا. # وأما المسألة الثانية فوجه قوله أن قوله: " أنت واحدة " صفة المرأة فلا ~~يحتمل الطلاق كقوله: أنت قائمة وقاعدة ونحو ذلك. # ولنا أنه لما نوى الطلاق فقد جعل الواحدة نعتا لمصدر محذوف أي: طلقة ~~واحدة وهذا شائع في اللغة يقال أعطيته جزيلا وضربته وجيعا أي: عطاء جزيلا ~~وضربا وجيعا؛ ولهذا يقع الرجعي عندنا دون البائن واختلف مشايخنا في محل ~~الخلاف قال بعضهم: الخلاف فيما إذا قال " واحدة " بالوقف ولم يعرب. # فأما إذا أعرب الواحدة فلا خلاف فيها لأنه إن رفعها لا يقع الطلاق ~~بالإجماع لأنها حينئذ تكون صفة الشخص وإن نصبها يقع الطلاق بالإجماع؛ لأنها ~~حينئذ تكون نعتا لمصدر محذوف على ما بينا فكان موضع الخلاف ما إذا وقفها ~~ولم يعربها ويحتمل أن يقال: إن موضع الرفع محل الاختلاف أيضا؛ لأن معنى ~~قوله: أنت واحدة أي: أنت منفردة عن النكاح. # وقال أكثر المشايخ: إن الخلاف في الكل ثابت؛ لأن العوام لا يهتدون إلى ~~هذا ولا يميزون بين إعراب وإعراب ولا خلاف أنه لا يقع الطلاق بشيء من ألفاظ ~~الكناية إلا بالنية فإن كان قد نوى الطلاق يقع فيما بينه وبين الله تعالى، ~~وإن كان لم ينو لا يقع فيما بينه وبين الله تعالى، وإن ذكر شيئا من ذلك ثم ~~قال: ما أردت به الطلاق يدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن الله تعالى ~~يعلم سره ونجواه. # وهل يدين في القضاء؟ فالحال لا يخلو إما إن كانت حالة ms1762 الرضا وابتدأ الزوج ~~بالطلاق وإما إذا كانت حالة مذاكرة الطلاق وسؤاله، وإما أن كانت حالة الغضب ~~والخصومة فإن كانت حالة الرضا وابتدأ الزوج بالطلاق يدين في القضاء في جميع ~~الألفاظ لما ذكرنا أن كل واحد من الألفاظ يحتمل الطلاق وغيره، والحال لا ~~يدل على أحدهما فيسأل عن نيته ويصدق في ذلك قضاء. # وإن كانت حال مذاكرة الطلاق وسؤاله أو حالة الغضب والخصومة فقد قالوا: إن ~~الكنايات أقسام ثلاثة: في قسم منها لا يدين في الحالين جميعا؛ لأنه ما أراد ~~به الطلاق لا في حالة مذاكرة الطلاق وسؤاله ولا في حالة الغضب والخصومة، ~~وفي قسم منها يدين في حال الخصومة والغضب ولا يدين في حال ذكر الطلاق ~~وسؤاله، وفي قسم منها يدين في الحالين جميعا (أما) القسم الأول فخمسة ~~ألفاظ: " أمرك بيدك " " اختاري " " اعتدي " " استبرئي رحمك " " أنت واحدة ~~"؛ لأن هذه الألفاظ تحتمل الطلاق وغيره والحال يدل على إرادة الطلاق؛ لأن ~~حال الغضب والخصومة إن كانت تصلح للشتم والتبعيد كما تصلح للطلاق فحال ~~مذاكرة الطلاق تصلح للتبعيد والطلاق، لكن هذه الألفاظ لا تصلح للشتم ولا ~~للتبعيد فزال احتمال إرادة الشتم والتبعيد فتعينت الحالة دلالة على إرادة ~~الطلاق فترجح جانب الطلاق بدلالة الحال فثبتت إرادة الطلاق في كلامه ظاهرا ~~فلا يصدق في الصرف عن الظاهر كما في صريح الطلاق إذا قال لامرأته: أنت طالق ~~ثم قال: أردت به الطلاق عن الوثاق لا يصدق في القضاء لما قلنا كذا هذا. # (وأما) القسم الثاني فخمسة ألفاظ أيضا # PageV03P106 # خلية " " بريئة " " بتة " " بائن " " حرام "؛ لأن هذه الألفاظ كما تصلح ~~للطلاق تصلح للشتم، فإن الرجل يقول لامرأته عند إرادة الشتم: أنت خلية من ~~الخير، بريئة من الإسلام، بائن من الدين، بتة من المروءة، حرام أي مستخبث، ~~أو حرام الاجتماع والعشرة معك. # وحال الغضب والخصومة يصلح للشتم ويصلح للطلاق فبقي اللفظ في نفسه محتملا ~~للطلاق وغيره، فإذا عني به غيره فقد نوى ما يحتمله كلامه، والظاهر لا يكذبه ~~فيصدق في القضاء ولا يصدق في حال ذكر الطلاق؛ لأن الحال ms1763 لا يصلح إلا ~~للطلاق؛ لأن هذه الألفاظ لا تصلح للتبعيد، والحال لا يصلح للشتم فيدل على ~~إرادة الطلاق لا التبعيد ولا الشتم فترجحت جنبة الطلاق بدلالة الحال. # وروي عن أبي يوسف أنه زاد على هذه الألفاظ الخمسة خمسة أخرى: لا سبيل لي ~~عليك فارقتك خليت سبيلك لا ملك لي عليك بنت مني لأن هذه الألفاظ تحتمل ~~الشتم كما تحتمل الطلاق فيقول الزوج لا سبيل لي عليك لشرك وفارقتك في ~~المكان لكراهة اجتماعي معك وخليت سبيلك وما أنت عليه ولا ملك لي عليك لأنك ~~أقل من أن أتملكك وبنت منى لأنك بائن من الدين أو الخير وحال الغضب يصلح ~~لهما، وحال ذكر الطلاق لا يصلح إلا للطلاق لما ذكرنا فالتحقت بالخمسة ~~المتقدمة. # (وأما) القسم الثالث فبقية الألفاظ التي ذكرناها؛ لأن تلك الألفاظ لا ~~تصلح للشتم وتصلح للتبعيد والطلاق؛ لأن الإنسان قد يبعد الزوجة عن نفسه حال ~~الغضب من غير طلاق وكذا حال سؤال الطلاق فالحال لا يدل على إرادة أحدهما ~~فإذا قال: ما أردت به الطلاق فقد نوى ما يحتمله لفظه، والظاهر لا يخالفه ~~فيصدق في القضاء. # وكذلك لو قال: وهبتك لأهلك قبلوها أو لم يقبلوها لأنها هنا تحتمل الطلاق؛ ~~لأن المرأة بعد الطلاق ترد إلى أهلها وتحتمل التبعيد عن نفسه والنقل إلى ~~أهلها مع بقاء النكاح. # والحال لا يدل على إرادة أحدهما فبقي محتملا، وسواء قبلها أهلها أو لم ~~يقبلوها؛ لأن كون التصرف هبة في الشرع لا يقف على قبول الموهوب له، وإنما ~~الحاجة إلى القبول لثبوت الحكم فكان القبول شرط الحكم وهو الملك، وأهلها لا ~~يملكون طلاقها فلا حاجة إلى القبول. # وكذا إذا قال: وهبتك لأبيك أو لأمك أو للأزواج؛ لأن العادة أن المرأة بعد ~~الطلاق ترد إلى أبيها وأمها وتسلم إليهما ويملكها الأزواج بعد الطلاق فإن ~~قال: وهبتك لأخيك أو لأختك أو لخالتك أو لعمتك أو لفلان الأجنبي لم يكن ~~طلاقا؛ لأن المرأة لا ترد بعد الطلاق على هؤلاء عادة، ولو قال لامرأته: لست ~~- لي بامرأة، ولو قال ms1764 لها: ما أنا بزوجك، أو سئل فقيل له هل لك امرأة؟ ~~فقال: لا فإن قال أردت الكذب يصدق في الرضا والغضب جميعا ولا يقع الطلاق، ~~وإن قال: نويت الطلاق يقع الطلاق على قول أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد لا يقع الطلاق، وإن نوى ولو قال: لم أتزوجك ونوى ~~الطلاق لا يقع الطلاق بالإجماع. # وكذا إذا قال: والله ما أنت لي بامرأة أو قال: علي حجة ما أنت لي بامرأة ~~أنه لا يقع الطلاق وإن نوى بالاتفاق. # وجه قولهما: أن قوله: لست لي بامرأة أو لا مرأة لي أو ما أنا بزوجك كذب؛ ~~لأنه إخبار عن انتفاء الزوجية مع قيامها فيكون كذبا فلا يقع به الطلاق كما ~~إذا قال: لم أتزوجك أو قال: والله ما أنت لي بامرأة ولأبي حنيفة أن هذه ~~الألفاظ تحتمل الطلاق فإنه يقول: لست لي بامرأة لأني قد طلقتك فكان محتملا ~~للطلاق، وكل لفظ يحتمل الطلاق إذا نوى به الطلاق كان طلاقا كقوله: أنت بائن ~~ونحو ذلك بخلاف لم أتزوجك؛ لأنه لا يحتمل الطلاق لأنه نفي فعل التزوج أصلا ~~ورأسا وأنه لا يحتمل الطلاق فلا يقع به الطلاق وبخلاف قوله: والله ما أنت ~~لي بامرأة؛ لأن اليمين على النفي تتناول الماضي وهو كاذب في ذلك فلا يقع به ~~شيء، ولو قال: لا حاجة لي فيك لا يقع الطلاق وإن نوى؛ لأن عدم الحاجة لا ~~يدل على عدم الزوجية فإن الإنسان قد يتزوج بمن لا حاجة له إلى تزوجها فلم ~~يكن ذلك دليلا على انتفاء النكاح فلم يكن محتملا للطلاق وقال محمد فيمن ~~قال: لامرأته أفلحي يريد به الطلاق إنه يقع به الطلاق؛ لأن قوله: أفلحي ~~بمعنى اذهبي فإن العرب تقول للرجل: أفلح بخير أي: اذهب بخير، ولو قال لها: ~~اذهبي يريد به الطلاق كان طلاقا كذا هذا ويحتمل قوله: أفلحي أي: اظفري ~~بمرادك يقال: أفلح الرجل إذا ظفر بمراده، وقد يكون مرادها الطلاق فكان هذا ~~القول محتملا للطلاق فإذا نوى به الطلاق صحت نيته، ولو قال: ms1765 فسخت النكاح ~~بيني وبينك ونوى الطلاق يقع الطلاق؛ لأن فسخ النكاح نقضه فكان في معنى ~~الإبانة. # ولو قال: وهبت لك طلاقا. # وقال أردت به أن يكون # PageV03P107 # الطلاق في يدك لا يصدق في القضاء ويقع الطلاق؛ لأن الهبة تقتضي زوال ~~الملك، وهبة الطلاق منها تقتضي زوال ملكه عن الطلاق وذلك بوقوع الطلاق، ~~وجعل الطلاق في يدها تمليك الطلاق إياها فلا يحتمله اللفظ الموضوع للإزالة. # وروي عن أبي حنيفة رواية أخرى أنه لا يقع به شيء؛ لأن الهبة تمليك، ~~وتمليك الطلاق إياها هو أن يجعل إليها إيقاعه، ويحتمل قوله: وهبت لك طلاقك ~~أي: أعرضت عن إيقاعه فلا يقع به شيء، ولو أراد أن يطلقها فقالت له: هب لي ~~طلاقي تريد: أعرض عنه فقال: قد وهبت لك طلاقك يصدق في القضاء؛ لأن الظاهر ~~أنه أراد به ترك الإيقاع؛ لأن السؤال وقع به فينصرف الجواب إليه، ولو قال: ~~تركت طلاقك أو خليت سبيل طلاقك، وهو يريد الطلاق وقع؛ لأن ترك الطلاق ~~وتخلية سبيله قد يكون بالإعراض عنه وقد يكون بإخراجه عن ملكه وذلك بإيقاعه ~~فكان اللفظ محتملا للطلاق وغيره، فتصح نيته، ولو قال: أعرضت عن طلاقك أو ~~صفحت عن طلاقك ونوى الطلاق لم تطلق؛ لأن الإعراض عن الطلاق يقتضي ترك ~~التصرف فيه، والصفح هو الإعراض فلا يحتمل الطلاق ولا تصح نيته. # وكذا كل لفظ لا يحتمل الطلاق لا يقع به الطلاق، وإن نوى، مثل قوله: بارك ~~الله عليك أو قال لها: أطعميني أو اسقيني ونحو ذلك، ولو جمع بين ما يصلح ~~للطلاق وبين ما لا يصلح له بأن قال لها: اذهبي وكلي، أو قال اذهبي وبيعي ~~الثوب، ونوى الطلاق بقوله اذهبي ذكر في اختلاف زفر ويعقوب أن في قول أبي ~~يوسف: لا يكون طلاقا وفي قول زفر يكون طلاقا. # وجه قول زفر أنه ذكر لفظين: أحدهما يحتمل الطلاق والآخر لا يحتمله فيلغو ~~ما لا يحتمله ويصح ما يحتمله ولأبي يوسف أن قوله: اذهبي مقرونا بقوله كلي ~~أو بيعي لا يحتمل الطلاق؛ لأن معناه اذهبي ms1766 لتأكلي الطعام واذهبي لتبيعي ~~الثوب، والذهاب للأكل والبيع لا يحتمل الطلاق فلا تعمل نيته، ولو نوى في ~~شيء من الكنايات التي هي بوائن أن يكون ثلاثا مثل قوله: أنت بائن أو أنت ~~علي حرام أو غير ذلك يكون ثلاثا إلا في قوله: اختاري؛ لأن البينونة نوعان: ~~غليظة وخفيفة، فالخفيفة هي التي تحل له المرأة بعد بينونتها بنكاح جديد ~~بدون التزوج بزوج آخر، والغليظة ما لا تحل له إلا بنكاح جديد بعد التزوج ~~بزوج آخر فإذا نوى الثلاث فقد نوى ما يحتمله لفظه، والدليل عليه ما روي أن ~~ركانة بن زيد أو زيد بن ركانة طلق امرأته ألبتة فاستحلفه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ما أردت ثلاثا فلو لم يكن اللفظ محتملا للثلاث لم يكن ~~للاستحلاف معنى. # وكذا قوله: أنت علي حرام يحتمل الحرمة الغليظة والخفيفة فإذا نوى الثلاث ~~فقد نوى إحدى نوعي الحرمة فتصح نيته وإن نوى ثنتين كانت واحدة في قول ~~أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر: يقع ما نوى. # وجه قوله: إن الحرمة والبينونة أنواع ثلاثة: خفيفة وغليظة ومتوسطة ~~بينهما، ولو نوى أحد النوعين صحت نيته فكذا إذا نوى الثلاث؛ لأن اللفظ ~~يحتمل الكل على وجه واحد. # (ولنا) أن قوله: بائن أو حرام اسم للذات، والذات واحدة فلا تحتمل العدد ~~وإنما احتمل الثلاث من حيث التوحد على ما بينا في صريح الطلاق ولا توحد في ~~الاثنين أصلا، بل هو عدد محض فلا يحتمله الاسم الموضوع للواحد مع أن الحاصل ~~بالثنتين، والحاصل بالواحدة سواء؛ لأن أثرهما في البينونة والحرمة سواء ألا ~~ترى أنها تحل في كل واحدة منهما بنكاح جديد من غير التزوج بزوج آخر؟ فكان ~~الثابت بهما بينونة خفيفة وحرمة خفيفة كالثابت بالواحد فلا يكون ههنا قسم ~~ثالث في المعنى، وعلى هذا قال أصحابنا: إنه إذا قال لزوجته الأمة: أنت بائن ~~أو حرام ينوي الاثنتين يقع ما نوى؛ لأن الاثنتين في الأمة كل جنس الطلاق في ~~حقها فكان الثنتان في حق الأمة كالثلاث في حق الحرة، وقالوا: لو طلق ms1767 زوجته ~~الحرة واحدة ثم قال لها: أنت بائن أو حرام ينوي اثنتين كانت واحدة؛ لأن ~~الاثنتين بأنفسهما ليسا كل جنس طلاق الحرة بدون الطلقة المتقدمة؛ ألا ترى ~~أنها لا تبين فالاثنتين بينونة غليظة بدونها، ولو نوى بقوله اعتدي استبرئي ~~رحمك وأنت واحدة ثلاثا لم تصح؛ لأن هذه الألفاظ في حكم الصريح ألا ترى أن ~~الواقع بها رجعية فصار كأنه قال: أنت طالق ونوى به الثلاث ولأن قوله: أنت ~~واحدة لا يحتمل أن يفسر بالثلاث فلا يحتمل نية الثلاث وكذا قوله: اعتدي ~~واستبرئي رحمك؛ لأن الواقع بكل واحدة منهما رجعي فصار كقوله: أنت واحدة. # وكذا لو نوى بها اثنتين لا يصح لما قلنا، بل أولى؛ لأن الاثنتين عدد محض ~~والله أعلم # PageV03P108 # (فصل) : # وأما النوع الثاني فهو أن يكتب على قرطاس أو لوح أو أرض أو حائط كتابة ~~مستبينة لكن لا على وجه المخاطبة امرأته طالق فيسأل عن نيته؛ فإن قال: نويت ~~به الطلاق وقع، وإن قال: لم أنو به الطلاق صدق في القضاء؛ لأن الكتابة على ~~هذا الوجه بمنزلة الكتابة لأن الإنسان قد يكتب على هذا الوجه ويريد به ~~الطلاق وقد يكتب لتجويد الخط فلا يحمل على الطلاق إلا بالنية وإن كتبت ~~كتابة غير مستبينة بأن كتب على الماء أو على الهواء فذلك ليس بشيء حتى لا ~~يقع به الطلاق وإن نوى؛ لأن ما لا تستبين به الحروف لا يسمى كتابة فكان ~~ملحقا بالعدم، وإن كتب كتابة مرسومة على طريق الخطاب والرسالة مثل: أن يكتب ~~أما بعد يا فلانة فأنت طالق أو إذا وصل كتابي إليك فأنت طالق يقع به ~~الطلاق، ولو قال: ما أردت به الطلاق أصلا لا يصدق إلا أن يقول: نويت طلاقا ~~من وثاق فيصدق فيما بينه وبين الله عز وجل؛ لأن الكتابة المرسومة جارية ~~مجرى الخطاب ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبلغ بالخطاب ~~مرة وبالكتاب أخرى وبالرسول ثالثا؟ ، وكان التبليغ بالكتاب والرسول ~~كالتبليغ بالخطاب فدل أن الكتابة المرسومة بمنزلة الخطاب فصار كأنه ms1768 خاطبها ~~بها بالطلاق عند الحضرة فقال لها: أنت طالق أو أرسل إليها رسولا بالطلاق ~~عند الغيبة فإذا قال: ما أردت به الطلاق فقد أراد صرف الكلام عن ظاهره فلا ~~يصدق، ثم إن كتب على الوجه المرسوم ولم يعقله بشرط بأن كتب أما بعد يا ~~فلانة فأنت وقع الطلاق عقيب كتابة لفظ الطلاق بلا فصل لما ذكرنا أن كتابة ~~قوله: أنت طالق على طريق المخاطبة بمنزلة التلفظ بها. # وإن علقه بشرط الوصول إليها بأن كتب إذا وصل كتابي إليك فأنت طالق لا يقع ~~الطلاق حتى يصل إليها؛ لأنه علق الوقوع بشرط الوصول فلا يقع قبله كما لو ~~علقه بشرط آخر، وقالوا فيمن كتب كتابا - على وجه الرسالة وكتب إذا وصل ~~كتابي إليك فأنت طالق ثم محا ذكر الطلاق منه وأنفذ الكتاب وقد بقي منه كلام ~~يسمى كتابا ورسالة - وقع الطلاق؛ لوجود الشرط وهو وصول الكتاب إليها، فإن ~~محا ما في الكتاب حتى لم يبق منه كلام يكون رسالة لم يقع الطلاق وإن وصل؛ ~~لأن الشرط وصول الكتاب ولم يوجد؛ لأن ما بقي منه لا يسمى كتابا فلم يوجد ~~الشرط فلا يقع الطلاق والله أعلم هذا الذي ذكرنا بيان الألفاظ التي يقع بها ~~الطلاق في الشرع. ### | [فصل في بيان صفة الواقع بكل واحد من نوعي الطلاق] # (فصل) : # وأما بيان صفة الواقع بها: فالواقع بكل واحد من النوعين اللذين ذكرناهما ~~من الصريح والكناية نوعان: رجعي وبائن أما الصريح الرجعي فهو أن يكون ~~الطلاق بعد الدخول حقيقة غير مقرون بعوض ولا بعدد الثلاث لا نصا ولا إشارة ~~ولا موصوفا بصفة تنبئ عن البينونة أو تدل عليها من غير حرف العطف ولا مشبه ~~بعدد أو وصف يدل عليها # وأما الصريح البائن فبخلافه وهو أن يكون بحروف الإبانة أو بحروف الطلاق، ~~لكن قبل الدخول حقيقة أو بعده، لكن مقرونا بعدد الثلاث نصا أو إشارة أو ~~موصوفا بصفة تدل عليها إذا عرف هذا فصريح الطلاق قبل الدخول حقيقة يكون ~~بائنا؛ لأن الأصل في اللفظ المطلق عن شرط ms1769 أن يفيد الحكم فيما وضع له للحال ~~والتأخر فيما بعد الدخول إلى وقت انقضاء العدة ثبت شرعا بخلاف الأصل فيقتصر ~~على مورد الشرع فبقي الحكم فيما قبل الدخول على الأصل، ولو خلا بها خلوة ~~صحيحة ثم طلقها صريح الطلاق. # وقال: لم أجامعها كان طلاقا بائنا حتى لا يملك مراجعتها وإن كان للخلوة ~~حكم الدخول؛ لأنها ليست بدخول حقيقة فكان هذا طلاقا قبل الدخول حقيقة فكان ~~بائنا وكذلك إذا كان مقرونا بعوض وهو الخلع ببدل والطلاق على مال؛ لأن ~~الخلع بعوض طلاق على مال عندنا على ما نذكر إن شاء الله تعالى والطلاق على ~~مال معاوضة المال بالنفس، وقد ملك الزوج أحد العوضين بنفس القبول وهو مالها ~~فتملك هي العوض الآخر وهو نفسها تحقيقا للمعاوضة المطلقة، ولا تملك إلا ~~بالبائن فكان الواقع بائنا. # وكذلك إذا كان مقرونا بعدد الثلاث نصا بأن قال لها: أنت طالق ثلاثا لقوله ~~عز وجل {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] # وكذا إذا أشار إلى عدد الثلاث بأن قال لها: أنت طالق هكذا يشير بالإبهام ~~والسبابة والوسطى وإن أشار بإصبع واحدة فهي واحدة يملك الرجعة وإن أشار ~~باثنتين فهي اثنتان؛ لأن الإشارة متى تعلقت بها العبارة نزلت منزلة الكلام ~~لحصول ما وضع له الكلام بها وهو الإعلام، والدليل عليه العرف والشرع أيضا ~~أما العرف فظاهر. # (وأما) الشرع فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV03P109 # : «الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار - صلى الله عليه وسلم - بأصابع يديه ~~كلها» فكان بيانا أن الشهر يكون ثلاثين يوما ثم قال - صلى الله عليه وسلم ~~-: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا وحبس إبهامه في المرة الثالثة» فكان بيانا أن ~~الشهر يكون تسعة وعشرين يوما، وإذا قامت الإشارة مع تعلق العبارة بها مقام ~~الكلام صار كأنه قال: أنت طالق ثلاثا، والمعتبر في الأصابع عدد المرسل منها ~~دون المقبوض لاعتبار العرف والعادة، والدليل عليه أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لما قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا وقبض إبهامه في المرة الثالثة فهم ms1770 ~~منه تسعة وعشرون يوما، ولو اعتبر المقبوض لكان المفهوم منه أحدا وعشرين ~~يوما فدل أن المعتبر في الإشارة بالأصابع المرسل منها لا المقبوض. # وكذا إذا كان موصوفا بصفة تنبئ عن البينونة أو تدل عليها من غير حرف ~~العطف مثل قوله: أنت طالق بائن أو أنت طالق حرام أو أنت طالق ألبتة ونحو ~~ذلك وهذا عندنا. # وقال الشافعي: يقع واحدة رجعية وجه قوله: أنه لما قال: أنت طالق فقد أتى ~~بصريح الطلاق وأنه معقب للرجعة، فلما قال: بائن فقد أراد تغيير المشروع ~~فيرد عليه كما لو قال: أعرتك عارية لا رد فيها، وكما لو قال: أنت طالق. # وقال: أردت به الإبانة، ولنا أنه وصف المرأة بالبينونة بالطلاق الأول ~~وأنه مما يحتمل البينونة ألا ترى أنه تحصل البينونة قبل الدخول وبعده بعد ~~انقضاء العدة؟ فكان قوله: بائن قرينة مبينة لا مغيرة، ثم إذا لم يكن له نية ~~لا يقع تطليقة بقوله طالق والأخرى بقوله بائن ونحو ذلك؛ لأن قوله: بائن ~~ونحو ذلك يصلح وصفا للمرأة بالطلاق الأول فلا يثبت إلا مقتضى واحد؛ لأن ~~ثبوته بطريق الضرورة فيؤخذ فيه بالأدنى. # وكذا إذا قال لها: أنت طالق تطليقة قوية أو شديدة؛ لأن الشدة تنبئ عن ~~القوية، والقوي هو البائن. # وكذا إذا قال لها: أنت طالق تطليقة طويلة أو عريضة؛ لأن الطول والعرض ~~يقتضيان القوة، ولو قال لها: أنت طالق من هنا إلى موضع كذا فهو رجعي في قول ~~أصحابنا الثلاثة وعند زفر هو بائن. # وجه قوله أنه وصف الطلاق بالطول فصار كما لو قال لها: أنت طالق تطليقة ~~طويلة (ولنا) أنه وصفه بالطول صورة وبالقصر معنى؛ لأن الطلاق إذا وقع في ~~مكان يقع في الأماكن كلها فكان القصر على بعض الأماكن وصفا له بالقصر، ~~والطلقة القصيرة هي الرجعية، ولو قال: أنت طالق أشد الطلاق، فإن لم يكن له ~~نية أو نوى واحدة فهي واحدة بائنة؛؛ لأن حكم البائن أشد من حكم الرجعي فيقع ~~بائنا وإن نوى ثلاثا فثلاث؛ لأن ألف التفضيل قد تذكر لبيان ms1771 أصل التفاوت وهو ~~مطلق التفاوت وذلك في الواحدة البائنة؛ لأنها أشد حكما من الرجعية وقد تذكر ~~لبيان نهاية التفاوت وهو مطلق التفاوت وذلك في الثلاث، فإذا نوى الثلاث فقد ~~نوى ما يحتمله كلامه فصحت نيته وإن لم يكن له نية ينصرف إلى الأدنى؛ لأنه ~~متيقن به، ولو قال لها: أنت طالق ملء البيت فإن نوى الثلاث كان ثلاثا وإن ~~لم يكن له نية فهو واحدة بائنة؛ لأن قوله: ملء البيت يحتمل أنه أراد به ~~الكثرة والعدد ويحتمل أنه أراد به الصفة وهي العظم والقوة فأي ذلك نوى فقد ~~نوى ما يحتمله لفظه وعند انعدام النية يحمل على الواحدة البائنة لكونه ~~متيقنا بها، ولو قال لها: أنت طالق أقبح الطلاق قال أبو يوسف هو رجعي. # وقال محمد هو بائن. # وجه قول محمد إنه وصف الطلاق بالقبح والطلاق القبيح هو الطلاق المنهي عنه ~~وهو البائن فيقع بائنا ولأبي يوسف أن قوله: أقبح الطلاق يحتمل القبح ~~الشرعي، وهو الكراهية الشرعية ويحتمل القبح الطبعي وهو الكراهية الطبيعية ~~وهو أن يطلقها في وقت يكره الطلاق فيه طبعا فلا تثبت البينونة فيه بالشك. # وكذا قوله: أقبح الطلاق يحتمل القبح بجهة الإبانة ويحتمل القبح بإيقاعه ~~في زمن الحيض أو في طهر جامعها فيه، فلا تثبت البينونة بالشك، ولو قال: أنت ~~طالق للبدعة فهي واحدة رجعية؛ لأن البدعة قد تكون في البائن وقد تكون في ~~الطلاق حالة الحيض فوقع الشك في ثبوت البينونة فلا تثبت البينونة بالشك، ~~ولو قال لها: أنت طالق طلاق الشيطان فهو كقوله أنت طالق للبدعة وروي عن أبي ~~يوسف فيمن قال لامرأته: أنت طالق للبدعة ونوى واحدة بائنة تقع واحدة ~~بائنة؛؛ لأن لفظه يحتمل ذلك على ما بينا فتصح نيته، ولو شبه صريح الطلاق ~~بالعدد فهذا على وجهين إما أن شبه بالعدد فيما له عدد وإما أن شبه بالعدد ~~فيما لا عدد له فإن شبه بالعدد فيما هو ذو عدد كما لو قال لها: أنت طالق ~~كألف أو مثل ألف فهنا ثلاثة فصول: (الأول) ms1772 هذا. # (والثاني) أن يقول لها: أنت طالق واحدة كألف أو مثل ألف، والثالث أن يقول ~~لها: أنت طالق # PageV03P110 # كعدد ألف (أما) الفصل الأول فإن نوى ثلاثا فهو ثلاث بالإجماع وإن نوى ~~واحدة أو لم يكن له نية فهي واحدة بائنة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. # وقال: محمد هو ثلاث، ولو قال: نويت به واحدة دينته فيما بينه وبين الله ~~تعالى ولم أدينه في القضاء. # وجه قوله أن قوله: كألف تشبيه بالعدد إذ الألف من أسماء الأعداد فصار كما ~~لو نص على العدد فقال لها: أنت طالق كعدد ألف، ولو قال ذلك كان ثلاثا كذا ~~هذا، ولهما أن التشبيه بالألف يحتمل التشبيه من حيث العدد ويحتمل التشبيه ~~من حيث الصفة وهو صفة القوة والشدة فإن الواحد من الرجال قد يشبه بألف رجل ~~في الشجاعة، وإذا كان محتملا لهما فلا يثبت العدد إلا بالنية، فإذا نوى فقد ~~نوى ما يحتمله كلامه وعند عدم النية يحمل على الأدنى؛ لأنه متيقن به، ولا ~~يحمل على العدد بالشك. # وأما الفصل الثاني وهو ما إذا قال: أنت طالق واحدة كألف فهي واحدة بائنة ~~في قولهم جميعا؛ لأنه لما نص على الواحدة علم أنه ما أراد به التشبيه من ~~حيث العدد فتعين التشبيه في القوة والشدة. # وذلك في البائن فيقع بائنا. # وأما الفصل الثالث وهو ما إذا قال لها: أنت طالق كعدد ألف أو كعدد ثلاث ~~أو مثل عدد ثلاث فهو ثلاث في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى، ولو نوى ~~غير ذلك فنيته باطلة؛ لأن التنصيص على العدد ينفي احتمال إرادة الواحد فلا ~~يصدق أنه ما أراد به الثلاث أصلا كما إذا قال: أنت طالق ثلاثا ونوى ~~الواحدة، وإن شبه بالعدد فيما لا عدد له بأن قال: أنت طالق مثل عدد كذا أو ~~كعدد كذا لشيء لا عدد له كالشمس والقمر ونحو ذلك فهي واحدة بائنة في قياس ~~قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف هي واحدة يملك الرجعة. # وجه قول أبي يوسف أن التشبيه بالعدد ms1773 فيما لا عدد له لغو فبطل التشبيه، ~~وقوله: أنت طالق ولأبي حنيفة أن هذا النوع من التشبيه يقتضي ضربا من ~~الزيادة لا محالة، ولا يمكن حمله على الزيادة من حيث العدد فيحمل على ~~الزيادة من حيث الصفة، وقالوا فيمن قال: لامرأته أنت طالق عدد شعر راحتي أو ~~عدد ما على ظهر كفي من الشعر وقد حلق ظهر كفه طلقت واحدة؛ لأنه شبه بما لا ~~عدد له؛ لأنه علق الطلاق بوجود الشعر على راحته أو على ظهر كفه للحال وليس ~~على راحته ولا على ظهر كفه شعر للحال فلا يتحقق التشبه بالعدد فلغا التشبه ~~وبقي قوله: أنت طالق فيكون رجعيا ولو قال: أنت طالق عدد شعر رأسي وعدد شعر ~~ظهر كفي وقد حلقه طلقت ثلاثا؛ لأنه شبه بما له عدد؛ لأن شعر رأسه ذو عدد ~~وإن لم يكن موجودا في الحال فكان هذا تشبيها به حال وجوده، وهو حال وجوده ~~ذو عدد بخلاف المسألة الأولى؛ لأن ذلك تعليق التشبيه بوجوده للحال وهو غير ~~موجود للحال، فيلغو التشبيه، ولو قال لها: أنت طالق مثل الجبل أو مثل حبة ~~الخردل فهي واحدة بائنة في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف هي واحدة يملك ~~الرجعة. # وجه قول أبي يوسف أن قوله: مثل الجبل أو مثل حبة الخردل يحتمل التشبيه في ~~التوحد؛ لأن الجبل بجميع أجزائه شيء واحد غير متعدد فلا تثبت البينونة ~~بالشك، ولأبي حنيفة أن هذا التشبيه يقتضي زيادة لا محالة وأنه لا يحتمل ~~الزيادة من حيث العدد لأنه ليس بذي عدد لكونه واحدا في الذات فيحمل على ~~الزيادة التي ترجع إلى الصفة وهي البينونة فيحمل على الواحدة البائنة؛ ~~لأنها المتيقن بها، ولو قال مثل عظم الجبل أو قال: مثل عظم كذا فأضاف ذلك ~~إلى صغير أو كبير فهي واحدة بائنة وإن لم يسم واحدة وإن نوى ثلاثا فهو ~~ثلاث؛ لأنه نص على التشبيه بالجبل في العظم فهذا يقتضي زيادة لا محالة على ~~ما يقتضيه الصريح ثم إن كان قد سمى واحدة تعينت ms1774 الواحدة البائنة؛ لأن ~~الزيادة فيها لا تكون إلا البينونة وإن كان لم يسم واحدة احتمل الزيادة في ~~الصفة وهي البينونة بواحدة أو بالثلاث فإن نوى الثلاث يكون ثلاثا؛ لأنه نوى ~~ما يحتمله كلامه وإن لم يكن له نية يحمل على الواحدة لكونها أدنى والأدنى ~~متيقن به وفي الزيادة عليه شك، ولو قال: أنت طالق مثل هذا وهذا وأشار بثلاث ~~أصابع فإن نوى به ثلاثا فثلاث وإن نوى واحدة بائنة فواحدة بائنة؛ لأنه شبه ~~الطلاق بما له عدد فيحتمل التشبيه من حيث العدد ويحتمل التشبيه في الصفة ~~وهي الشدة فإذا نوى به الثلاث صحت نيته؛ لأنه نوى ما يحتمله لفظه كما في ~~قوله: أنت طالق كألف وإذا نوى به الواحدة كانت واحدة؛ لأنه أراد به التشبيه ~~في الصفة. # وكذا إذا لم يكن له نية يحمل على التشبيه من حيث الصفة لأنه أدنى والله ~~عز وجل أعلم. ### | [فصل في ألفاظ الكناية في الطلاق] # (فصل) : # وأما الكناية فثلاثة ألفاظ: من الكنايات رواجع بلا خلاف وهي قوله: اعتدي، ~~واستبري رحمك، # PageV03P111 # وأنت واحدة أما قوله: اعتدي فلما روي عن أبي حنيفة أنه قال: القياس في ~~قوله اعتدي أن يكون بائنا وإنما اتبعنا الأثر وكذا قال أبو يوسف: القياس أن ~~يكون بائنا وإنما تركنا القياس لحديث جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال لسودة بنت زمعة: - رضي الله عنها - اعتدي فناشدته ~~أن يراجعها لتجعل يومها لعائشة - رضي الله عنها - حتى تحشر في جملة أزواجه ~~فراجعها ورد عليها يومها، ولأن قوله اعتدي أمر بالاعتداد. # والاعتداد يقتضي سابقة الطلاق والمقتضى يثبت بطريق الضرورة فيتقدر بقدر ~~الضرورة، والضرورة ترتفع بالأقل وهو الواحدة الرجعية فلا يثبت ما سواها ثم ~~قوله: اعتدي إنما يجعل مقتضيا للطلاق في المدخول بها. # وأما في غير المدخول بها فإنه يجعل مستعارا من الطلاق، وقوله: استبري ~~رحمك تفسير قوله اعتدي؛ لأن الاعتداد شرع للاستبراء فيفيد ما يفيده قوله: ~~اعتدي وأما قوله: أنت واحدة فلأنه لما نوى الطلاق فقد جعل قوله: واحدة ms1775 نعتا ~~لمصدر محذوف وهو الطلقة كأنه قال: أنت طالق طلقة واحدة كما يقال: أعطيته ~~جزيلا أي: عطاء جزيلا واختلف في البواقي من الكنايات فقال أصحابنا - رحمهم ~~الله -: إنها بوائن. # وقال الشافعي: رواجع. # وجه قوله أن هذه الألفاظ كنايات الطلاق فكانت مجازا عن الطلاق ألا ترى ~~أنها لا تعمل بدون نية الطلاق فكان العامل هو الحقيقة وهو المكنى عنه لا ~~المجاز الذي هو الكناية؛ ولهذا كانت الألفاظ الثلاثة رواجع فكذا البواقي، ~~ولنا أن الشرع ورد بهذه الألفاظ وأنها صالحة لإثبات البينونة، والمحل قابل ~~للبينونة فإذا وجدت من الأهل ثبتت البينونة استدلالا بما قبل الدخول، ولا ~~شك أن هذه الألفاظ صالحة لإثبات البينونة فإنه تثبت البينونة بها قبل ~~الدخول وبعد انقضاء العدة ويثبت به قبول المحل أيضا؛ لأن ثبوت البينونة في ~~محل لا يحتملها محال، والدليل على أن الشرع ورد بهذه الألفاظ قوله تعالى ~~{فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] وقوله تعالى {فتعالين ~~أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا} [الأحزاب: 28] ، وقوله: {فأمسكوهن بمعروف أو ~~فارقوهن بمعروف} [الطلاق: 2] . # والتسريح والمفارقة من كنايات الطلاق على ما بينا وروي: أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - تزوج امرأة فرأى في كشحها بياضا فقال لها: الحقي ~~بأهلك، وهذا من ألفاظ الكنايات وأن ركانة بن زيد أو زيد بن ركانة طلق ~~امرأته ألبتة فحلفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أراد بها الثلاث، ~~وقوله: ألبتة من الكنايات فإذا ثبت أن هذا التصرف مشروع فوجود التصرف - ~~حقيقة - بوجود ركنه ووجوده - شرعا - بصدوره من أهله وحلوله في محله، وقد ~~وجد فتثبت البينونة وإذا ثبتت البينونة فقد زال الملك فلا يملك الرجعة؛ ~~ولأن شرع الطلاق في الأصل لمكان المصلحة؛ لأن الزوجين قد تختلف أخلاقهما ~~وعند اختلاف الأخلاق لا يبقى النكاح مصلحة؛ لأنه لا يبقى وسيلة إلى المقاصد ~~فتنقلب المصلحة إلى الطلاق ليصل كل واحد منهما إلى زوج يوافقه فيستوفي ~~مصالح النكاح منه إلا أن المخالفة قد تكون من جهة الزوج وقد تكون من جهة ~~المرأة، فالشرع شرع الطلاق وفوض طريق دفع ms1776 المخالفة والإعادة إلى الموافقة ~~إلى الزوج لاختصاصه بكمال العقل والرأي فينظر في حال نفسه فإن كانت ~~المخالفة من جهته يطلقها طلاقا واحدا رجعيا أو ثلاثا في ثلاثة أطهار ويجرب ~~نفسه في هذه المدة فإن كان يمكنه الصبر عنها ولا يميل قلبه إليها يتركها ~~حتى تنقضي عدتها، وإن كان لا يمكنه الصبر عنها راجعها وإن كانت المخالفة من ~~جهتها تقع الحاجة إلى أن تتوب وتعود إلى الموافقة وذلك لا يحصل بالطلاق ~~الرجعي؛ لأنها إذا علمت أن النكاح بينهما قائم لا تتوب فيحتاج إلى الإبانة ~~التي بها يزول الحل والملك لتذوق مرارة الفراق فتعود إلى الموافقة عسى وإذا ~~كانت المصلحة في الطلاق بهذين الطريقين مست الحاجة إلى شرع الإبانة عاجلا ~~وآجلا تحقيقا لمصالح النكاح بالقدر الممكن، وقوله هذه الألفاظ مجاز عن ~~الطلاق ممنوع، بل هي حقائق عاملة بأنفسها؛ لأنها صالحة للعمل بأنفسها على ~~ما بينا فكان وقوع البينونة بها لا بالمكنى عنه على أنا إن سلمنا أنها مجاز ~~عن الطلاق فلفظ المجاز عامل بنفسه أيضا كلفظ الحقيقة، فإن المجاز أحد نوعي ~~الكلام فيعمل بنفسه كالحقيقة ولهذا قلنا: إن للمجاز عموما كالحقيقة إلا أنه ~~يشترط النية لتنوع البينونة والحرمة إلى الغليظة والخفيفة فكان الشرط في ~~الحقيقة نية التمييز وتعيين أحد النوعين لا نية الطلاق والله أعلم. # ويستوي فيما ذكرنا من الصريح والكناية والرجعي والبائن أن يكون ذلك ~~بمباشرة الزوج بنفسه # PageV03P112 # بطريق الأصالة أو بغيره بإذنه أو أمره. # وذلك نوعان: توكيل، وتفويض أما التفويض فنحو قول الرجل لامرأته: أمرك ~~بيدك وقوله اختاري، وقوله أنت طالق إن شئت، وما يجري مجراه وقوله: طلقي ~~نفسك. ### | [فصل في قوله أمرك بيدك] # (فصل) : # أما قوله: أمرك بيدك فالكلام فيه يقع في مواضع في بيان صفة هذا التفويض، ~~وهو جعل الأمر باليد، وفي بيان حكمه، وفي بيان شرط ثبوت الحكم، وفي بيان ~~شرط بقائه وما يبطل به وما لا يبطل، وفي بيان صفة الحكم الثابت وفي بيان ما ~~يصلح جواب الأمر باليد من الألفاظ وبيان حكمها إذا وجدت أما ms1777 بيان صفته فهو ~~أنه لازم من جانب الزوج حتى لا يملك الرجوع عنه ولا نهي المرأة عما جعل ~~إليها ولا فسخ ذلك؛ لأنه ملكها الطلاق ومن ملك غيره شيئا فقد زالت ولايته ~~من الملك فلا يملك إبطاله بالرجوع والنهي والفسخ بخلاف البيع فإن الإيجاب ~~من البائع ليس بتمليك، بل هو أحد ركني البيع فاحتمل الرجوع عنه ولأن الطلاق ~~بعد وجوده لا يحتمل الرجوع والفسخ فكذا بعد إيجابه بخلاف البيع فإنه يحتمل ~~الفسخ بعد تمامه فيحتمل الفسخ والرجوع بعد إيجابه أيضا؛ ولأن هذا النوع من ~~التمليك فيه معنى التعليق فلا يحتمل الرجوع عنه. # والفسخ كسائر التعليقات المطلقة بخلاف البيع فإنه ليس فيه معنى التعليق ~~رأسا وكذلك لو قام هو عن المجلس لا يبطل الجعل؛ لأن قيامه دليل الإبطال ~~لكونه دليل الإعراض فإذا لم يبطل بصريح إبطاله كيف يبطل بدليل الإبطال ~~بخلاف البيع إذا أوجب البائع ثم قام قبل قبول المشتري أنه يبطل الإيجاب؛ ~~لأن البيع يبطل بصريح الإبطال فجاز أن يبطل بدليل الإبطال. # وأما من جانب المرأة فإنه غير لازم؛ لأنه لما جعل الأمر بيدها فقد خيرها ~~بين اختيارها نفسها في التطليق وبين اختيارها زوجها، والتخيير بنا في ~~اللزوم. # (وأما) حكمه فهو صيرورة الأمر بيدها في الطلاق؛ لأنه جعل الأمر بيدها في ~~الطلاق وهو من أهل الجعل، والمحل قابل للجعل فيصير الأمر بيدها. # (وأما) شرط صيرورة الأمر بيدها فشيئان: أحدهما نية الزوج الطلاق؛ لأنه من ~~كنايات الطلاق فلا يصح من غير نية الطلاق. # ألا ترى أنه لا يملك إيقاعه بنفسه من غير نية الطلاق، فكيف يملك تفويضه ~~إلى غيره من غير نية الطلاق؟ حتى لو قال الزوج ما أردت به الطلاق يصدق ولا ~~يصير الأمر بيدها؛ لأن هذا التصرف يحتمل الطلاق ويحتمل غيره إلا إذا كان ~~الحال حال الغضب والخصومة أو حال مذاكرة الطلاق فلا يصدق في القضاء. # لأن الحال تدل على إرادة الطلاق ظاهرا فلا يصدق في العدول عن الظاهر، فإن ~~ادعت المرأة أنه أراد به الطلاق أو ادعت أن ms1778 ذلك كان في حال الغضب أو في حال ~~ذكر الطلاق وهو ينكر فالقول قوله مع يمينه؛ لأنها تدعي عليه الطلاق وهو ~~ينكر فإن أقامت البينة أن ذلك كان في حال الغضب أو ذكر الطلاق قبلت بينتها؛ ~~لأن حال الغضب وذكر الطلاق يقف الشهود عليها ويتعلق علمهم بها فكانت ~~شهادتهم عن علم بالمشهود به فتقبل، ولو أقامت البينة على أنه نوى الطلاق لا ~~تقبل بينتها؛ لأنه لا وقوف للشهود على النية لأنه أمر في القلب فكانت هذه ~~شهادة لا عن علم بالمشهود به فلم تقبل. # والثاني علم المرأة بجعل الأمر بيدها وهي غائبة أو حاضرة لم تسمع لا يصير ~~الأمر بيدها ما لم تسمع أو يبلغها الخبر لأن معنى صيرورة الأمر بيدها في ~~الطلاق هو ثبوت الخيار لها وهو اختيارها نفسها بالطلاق أو زوجها بترك ~~الطلاق اختيار الإيثار، وهذا لا يتحقق إلا بعد العلم بالتخيير فإذا علمت ~~بالتخيير صار الأمر بيدها في أي وقت علمت إن كان التفويض مطلقا عن الوقت ~~وإن كان مؤقتا بوقت وعلمت في شيء من الوقت صار الأمر بيدها. # فأما إذا علمت بعد مضي الوقت كله لا يصير الأمر بيدها بهذا التفويض أبدا؛ ~~لأن ذلك علم لا ينفع؛ لأن التفويض المؤقت بوقت ينتهي عند انتهاء الوقت فلو ~~صار الأمر بيدها بعد ذلك لصار من غير تفويضه وهذا لا يجوز. # (وأما) بيان شرط بقاء هذا الحكم وما يبطل به وما لا يبطل فلن يمكن معرفته ~~إلا بعد معرفة أقسام الأمر باليد، فنقول وبالله التوفيق جعل الأمر باليد لا ~~يخلو إما أن يكون منجزا، وإما أن يكون معلقا بشرط، وإما أن يكون مضافا إلى ~~وقت والمنجز لا يخلو إما أن يكون مطلقا وإما أن يكون مؤقتا، فإن كان مطلقا ~~بأن قال: أمرك بيدك فشرط بقاء حكمه بقاء المجلس وهو مجلس علمها بالتفويض ~~فما دامت في مجلسها فالأمر بيدها؛ لأن جعل الأمر بيدها تمليك الطلاق منها ~~لأنه جعل أمرها في الطلاق بيدها تتصرف فيه برأيها وتدبيرها كيف # PageV03P113 # شاءت بمشيئة الإيثار ms1779 وهذا معنى المالكية، وهو التصرف عن مشيئة الإيثار. # والزوج يملك التطليق بنفسه فيملك تمليكه من غيره فصارت مالكة للطلاق ~~بتمليك الزوج، وجواب التمليك مقيد بالمجلس؛ لأن الزوج يملك الخطاب، وكل ~~مخلوق خاطب غيره يطلب جواب خطابه في المجلس فيتقيد جواب التمليك بالمجلس ~~كما في قبول البيع وغيره، وسواء قصر المجلس أو طال؛ لأن ساعات المجلس جعلت ~~كساعة واحدة؛ لأن اعتبار المجلس للحاجة إلى التأمل والتفكر وذلك يختلف ~~باختلاف الأشخاص والأحوال والأوقات ولا ضابط له إلا المجلس فقدر بالمجلس ~~ولهذا جعله الصحابة - رضي الله عنهم - للمخيرة فيبقى الأمر في يدها ما بقي ~~المجلس فإن قامت عن مجلسها بطل؛ لأن الزوج يطلب جواب التمليك في المجلس، ~~والقيام عن المجلس دليل الإعراض عن جواب التمليك فكان ردا للتمليك دلالة؛ ~~ولأن المالك لما طلب الجواب في المجلس لا يملك الجواب في غير المجلس؛ لأنه ~~ما ملكها في غيره وقد اختلف المجلس بالقيام فلم يكن في بقاء الأمر فائدة ~~فيبطل، وكذلك إذا وجد منها قول أو فعل يدل على إعراضها عن الجواب بأن دعت ~~بطعام لتأكل أو أمرت وكيلها بشيء أو خاطبت إنسانا ببيع أو شراء أو كانت ~~قائمة فركبت أو راكبة فانتقلت إلى دابة أخرى أو واقفة فسارت أو امتشطت أو ~~اغتسلت أو مكنت زوجها حتى وطئها أو اشتغلت بالنوم؛ لأن هذا كله دليل ~~الإعراض عن الجواب وإن كانت سائرة أو كانا في محمل واحد فإن أجابت على ~~الفور وإلا بطل خيارها؛ لأن سير الدابة بتسيير الراكب، وإن كانت سائرة ~~فوقفت الدابة فهي على خيارها وإن كانت في سفينة فسارت لا يبطل خيارها؛ لأن ~~حكمها حكم البيت؛ وكل ما يبطل به الخيار إذا كانت في البيت يبطل به إذا ~~كانت في السفينة وما لا فلا فإن كانت قائمة فقعدت لم يبطل خيارها بخلاف ما ~~إذا كانت قاعدة فقامت؛ لأن القعود يجمع الرأي والقيام يفرقه فكان القعود ~~دليل إرادة التأمل، والقيام دليل إرادة الإعراض وكذلك إن كانت متكئة فقعدت ~~لم يبطل خيارها لما قلنا فإن ms1780 كانت قاعدة فاتكأت ففيه روايتان في رواية يبطل ~~خيارها لأن المتكئ يقعد ليجتمع رأيه فأما القاعد فلا يتكئ لذلك، وفي رواية ~~أخرى لا يبطل؛ لأن المتأمل ينتقل من الاتكاء إلى القعود مرة ومن القعود إلى ~~الاتكاء أخرى، وقد صار الأمر بيدها بيقين فلا يخرج بالشك؛ فلو كانت قاعدة ~~فاضطجعت يبطل خيارها في قول زفر. # وعن أبي يوسف روايتان روى الحسن بن زياد عنه أنه لا يبطل خيارها وروى ~~الحسن بن أبي مالك عنه أنه يبطل كما قال زفر وإن ابتدأت الصلاة بطل خيارها ~~فرضا كانت الصلاة أو نفلا أو واجبة؛ لأن اشتغالها بالصلاة إعراض عن الجواب ~~فإن خيرها وهي في الصلاة فأتمتها فإن كانت في صلاة الفرض أو الواجب كالوتر ~~لا يبطل خيارها حتى تخرج من الصلاة؛ لأنها مضطرة في الإتمام لكونها ممنوعة ~~من الإفساد فلا يكون الإتمام دليل الإعراض وإن كانت في صلاة التطوع فإن ~~سلمت على رأس الركعتين فهي على خيارها وإن زادت على ركعتين بطل خيارها؛ لأن ~~كل شفع من التطوع صلاة على حدة فكانت الزيادة على الشفع بمنزلة الشروع في ~~الصلاة ابتداء، ولو أخبرت وهي في الأربع قبل الظهر فأتمت ولم تسلم على رأس ~~الركعتين اختلف فيه المشايخ قال بعضهم: يبطل خيارها كما في التطوع المطلق. # وقال بعضهم: لا يبطل وهو الصحيح؛ لأنها في معنى الواجب فكانت من أولها ~~إلى آخرها صلاة واحدة، ولو أخذ الزوج بيدها فأقامها بطل خيارها؛ لأنها إن ~~قدرت على الامتناع فلم تمتنع فقد قامت باختيارها وهو دليل الإعراض. # وإن لم تقدر على أن تمتنع تقدر على أن تقول قبل الإقامة اخترت نفسي فلما ~~لم تقل فقد أعرضت عن الجواب فإن أكلت طعاما يسيرا من غير أن تدعو بطعام أو ~~شربت شرابا قليلا أو نامت قاعدة أو لبست ثوبا وهي قائمة أو لبست وهي قاعدة ~~ولم تقم لم يبطل خيارها؛ لأنها تحتاج إلى إحضار الشهود فتحتاج إلى اللبس ~~لتستتر به فكان ذلك من ضرورات الخيار فلا يبطل به، والأكل اليسير لا يدل ms1781 ~~على الإعراض وكذا النوم قاعدة من غير أن تشتغل به. # وكذا إذا سبحت أو قرأت شيئا قليلا لم يبطل خيارها لأن التسبيح اليسير ~~والقراءة القليلة لا يدلان على الإعراض؛ ولأن الإنسان لا يخلو عن التسبيح ~~القليل والقراءة القليلة، فلو جعل ذلك مبطلا للخيار لانسد باب التفويض وإن ~~طال ذلك بطل الخيار؛ لأن الطويل منه يكون دليل الإعراض ولا يكثر # PageV03P114 # وجوده، فإن قالت: ادع لي شهودا أشهدهم لم يبطل خيارها؛ لأنها تحتاج إلى ~~ذلك صيانة لاختيارها عن الجحود فكان ذلك من ضرورات الخيار فلم يكن دليل ~~الإعراض، وكذلك إذا قالت: ادع لي أبي أستشيره؛ لأن هذا أمر يحتاج إلى ~~المشورة، وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لما أراد تخيير ~~نسائه قال لعائشة - رضي الله عنها -: إني أعرض عليك أمرا فلا تعجلي حتى ~~تستشيري أبويك» ، ولو كانت المشورة مبطلة للخيار لما ندبها إلى المشورة، ~~ولو قالت: اخترتك أو قالت: لا أختار الطلاق خرج الأمر من يدها؛ لأنها صرحت ~~برد التمليك وإنه يبطل بدلالة الرد فبالصريح أولى، وسواء كان التمليك بكلمة ~~كلما أو بدونها بأن قال لها: أمرك بيدك كلما شئت لما ذكرنا أن اختيارها ~~زوجها رد التمليك فيرتد ما جعل إليها في جميع الأوقات هذا إذا كان التفويض ~~مطلقا عن الوقت فأما إذا كان موقتا فإن أطلق الوقت بأن قال: أمرك بيدك إذا ~~شئت أو إذا ما شئت أو متى ما شئت أو حيثما شئت، فلها الخيار في المجلس وغير ~~المجلس ولا يتقيد بالمجلس حتى لو ردت الأمر لم يكن ردا. # ولو قامت من مجلسها أو أخذت في عمل آخر أو كلام آخر فلها أن تطلق نفسها؛ ~~لأنه ما ملكها الطلاق مطلقا ليكون طالبا جوابها في المجلس، بل ملكها في أي ~~وقت شاءت، فلها أن تطلق نفسها في أي وقت شاءت إلا أنها لا تملك أن تطلق ~~نفسها إلا مرة واحدة لما نذكر فإن وقته بوقت خاص بأن قال: أمرك بيدك يوما ~~أو شهرا أو سنة أو قال: اليوم ms1782 أو الشهر أو السنة أو قال: هذا اليوم أو هذا ~~الشهر أو هذه السنة لا يتقيد بالمجلس ولها الأمر في الوقت كله تختار نفسها ~~فيما شاءت منه، ولو قامت من مجلسها أو تشاغلت بغير الجواب لا يبطل خيارها ~~ما بقي الوقت بلا خلاف؛ لأنه فوض الأمر إليها في جميع الوقت المذكور فيبقى ~~ما بقي الوقت؛ ولأنه لو بطل الأمر بإعراضها لم يكن للتوقيت فائدة، وكان ~~الوقت وغير الوقت سواء غير أنه إن ذكر اليوم أو الشهر أو السنة منكرا فلها ~~الأمر من الساعة التي تكلم فيها إلى مثلها من الغد والشهر والسنة؛ لأن ذلك ~~يقع على يوم تام وشهر تام وسنة تامة ولا يتم إلا بما قلنا. # ويكون الشهر ههنا بالأيام؛ لأن التفويض إذا وجد في بعض الشهر لا يمكن ~~اعتبار الأهلة فيعتبر بالأيام وإن ذكر ذلك معرفا فلها الخيار في بقية اليوم ~~وفي بقية الشهر وفي بقية السنة؛ لأن المعرف منه يقع على الباقي ويعتبر ~~الشهر ههنا بالهلال؛ لأن الأصل في الشهر هو الهلال، والعدول عنه إلى غيره ~~لمكان الضرورة، ولا ضرورة ههنا، ولو اختارت نفسها في الوقت مرة ليس لها أن ~~تختار مرة أخرى؛ لأن اللفظ يقتضي الوقت ولا يقتضي التكرار، ولو قالت: اخترت ~~زوجي أو قالت: لا أختار الطلاق ذكر في بعض المواضع أن على قول أبي حنيفة ~~ومحمد يخرج الأمر من يدها في جميع الوقت حتى لا تملك أن تختار نفسها بعد ~~ذلك وإن بقي الوقت. # وعند أبي يوسف يبطل خيارها في ذلك المجلس ولا يبطل في مجلس آخر، وذكر في ~~بعضها الاختلاف على العكس من ذلك. # وجه قول من قال: إنه لا يخرج الأمر من يدها أنه جعل الأمر بيدها في جميع ~~الوقت، فإعراضها في بعض الوقت لا يبطل خيارها في الجميع كما إذا قامت من ~~مجلسها أو اشتغلت بأمر يدل على الإعراض. # وجه قول من يقول إنه يخرج الأمر من يدها أن قولها: اخترت زوجي رد ~~للتمليك. # والتمليك تمليك واحد فيبطل برد واحد كتمليك ms1783 البيع بخلاف القيام عن ~~المجلس؛ لأنه ليس برد حقيقة، بل هو امتناع من الجواب إلا أنه جعل ردا في ~~التفويض المطلق من الوقت ضرورة أن الزوج طلب الجواب في المجلس، والمجلس ~~يبطل بالقيام فلو بقي الأمر بقي خاليا عن الفائدة فبطل ضرورة عدم الفائدة ~~في البقاء، وهذه الضرورة منعدمة ههنا؛ لأن الزوج طلب منها الجواب في جميع ~~الوقت لا في المجلس فكان في بقاء الأمر بعد القيام عن المجلس فائدة فيبقى؛ ~~ولأن الزوج خيرها بين أن تختار نفسها وبين أن تختار زوجها ولو اختارت نفسها ~~يبطل خيارها في جميع المدة فكذا إذا اختارت زوجها وروى ابن سماعة عن أبي ~~يوسف أنه إذا قال: أمرك بيدك هذا اليوم كان على مجلسها؛ لأن في الفصل الأول ~~جعل اليوم كله ظرفا للأمر باليد كما لو قال: لله علي أن أصوم عمري أنه ~~يلزمه صوم جميع عمره؛ لأنه جعل عمره ظرفا للصوم، فإذا صار اليوم كله ظرفا ~~للأمر باليد فلا يتقيد بالمجلس وفي الفصل الثاني جعل جزءا من اليوم ظرفا ~~كما لو قال: لله علي أن أصوم في عمري أنه لا يلزمه إلا صوم يوم واحد؛ لأنه ~~جعل جزءا من عمره ظرفا للصوم، وإذا صار جزءا من اليوم ظرفا للأمر وليس جزء ~~أولى من جزء فيختص # PageV03P115 # بالمجلس، ولو قال: أمرك بيدك إلى رأس الشهر صار الأمر بيدها إلى رأس ~~الشهر، ولا يبطل بالقيام عن المجلس والاشتغال بترك الجواب وهل يبطل ~~باختيارها زوجها؟ فهو على الاختلاف الذي ذكرنا. # وأما التفويض المعلق بشرط فلا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون مطلقا عن ~~الوقت، وإما أن يكون مؤقتا، فإن كان مطلقا بأن قال: إذا قدم فلان فأمرك ~~بيدك فقدم فلان فالأمر بيدها إذا علمت في مجلسها الذي يقدم فيه فلان؛ لأن ~~المعلق بشرط كالمنجز عند الشرط فيصير قائلا عند القدوم أمرك بيدك فإذا علمت ~~بالقدوم كان لها الخيار في مجلس علمها. # وإن موقتا بأن قال: إذا قدم فلان فأمرك بيدك يوما أو قال: اليوم الذي ~~يقدم ms1784 فيه فلان، فإذا قدم فلها الخيار في ذلك الوقت كله إذا علمت بالقدوم ~~غير أنه إذا ذكر اليوم منكرا يقع على يوم تام. # بأن قال: إذا قدم فلان فأمرك بيدك يوما. # وإن عرفه يقع على بقية اليوم الذي يقدم فيه ولا يبطل بالقيام عن المجلس. # وهل يبطل باختيارها زوجها؟ فهو على ما ذكرنا من الاختلاف وليس لها أن ~~تختار نفسها في الوقت كله إلا مرة واحدة لما بينا، ولو لم تعلم بقدومه حتى ~~مضى الوقت ثم علمت فلا خيار لها بهذا التفويض أبدا لما مر. # وأما المضاف إلى الوقت؛ بأن قال: أمرك بيدك غدا أو رأس شهر كذا فجاء ~~الوقت؛ صار الأمر بيدها؛ لأن الطلاق يحتمل الإضافة إلى الوقت فكذا تمليكه ~~وكان على مجلسها من أول الغد ورأس الشهر وأول الغد من حين يطلع الفجر ~~الثاني ورأس الشهر ليلة الهلال ويومها، وإن قال: أمرك بيدك إذا هل الشهر ~~يصير الأمر بيدها ساعة يهل الهلال ويتقيد بالمجلس. # ولو قال: أمرك بيدك اليوم وغدا، أو قال: أمرك بيدك هذين اليومين فلها ~~الأمر في اليومين تختار نفسها في أيهما شاءت، ولا يبطل بالقيام عن المجلس ~~ما بقي شيء من الوقتين. # وهل يبطل باختيارها زوجها؟ فهو على ما مر من الاختلاف، ولو قال لها: أمرك ~~بيدك اليوم وبعد غد فاختارت زوجها اليوم فلها أن تختار نفسها بعد غد، وكذلك ~~إذا ردت الأمر في يومها بطل أمر ذلك اليوم وكان الأمر بيدها بعد غد حتى كان ~~لها أن تختار نفسها بعد غد، ذكر القدوري هذه المسألة ونسب القول إلى أبي ~~حنيفة وأبي يوسف وذكرها في الجامع الصغير ولم يذكر الاختلاف. # والوجه أنه جعل الأمر بيدها في وقتين وجعل بينهما وقتا لا خيار لها فيه ~~فصار كل واحد من الوقتين شيئا منفصلا عن صاحبه مستقلا بنفسه في الأمر مفردا ~~به فيتعدد التفويض معنى كأنه قال: أمرك بيدك اليوم وأمرك بيدك بعد غد فرد ~~الأمر في أحدهما لا يكون ردا في الآخر بخلاف قوله: أمرك بيدك اليوم ms1785 أو ~~الشهر أو السنة أو اليوم أو غدا أو هذين اليومين على قول من يقول: يبطل ~~الأمر؛ لأن هناك الزمان واحد لا يتخلله ما لا خيار لها فيه، فكان التفويض ~~واحدا فرد الأمر فيه يبطله، ولو قال: أمرك بيدك اليوم وأمرك بيدك غدا فهما ~~أمران حتى لو اختارت زوجها اليوم أو ردت الأمر فهو على خيارها غدا؛ لأنه ~~لما كرر اللفظ فقد تعدد التفويض، فرد أحدهما لا يكون ردا للآخر، ولو اختارت ~~نفسها في اليوم فطلقت ثم تزوجها قبل مجيء الغد فأرادت أن تختار فلها ذلك، ~~وتطلق أخرى إذا اختارت نفسها؛ لأنه ملكها بكل واحدة من التفويضين طلاقا، ~~فالإيقاع بأحدهما لا يمنع من الإيقاع بالآخر، ولو قال: لها أمرك بيدك هذه ~~السنة فاختارت نفسها ثم تزوجها لم يكن لها أن تختار في بقية السنة في قول ~~أبي يوسف. # وقال أبو يوسف: وقياس قول أبي حنيفة أن يلزمها الطلاق في الخيار الثاني ~~ولست أروي هذا عنه، ولكن هذا قياس قوله، ولو كان ترك القياس واستحسن لكان ~~مستقيما، ولو لم تختر نفسها ولا زوجها، ولكن الزوج طلقها واحدة ولم يكن دخل ~~بها ثم تزوجها في تلك السنة فلا خيار لها في بقية السنة في قول أبي يوسف، ~~وعند أبي حنيفة لها الخيار (وجه) قول أبي يوسف أن الزوج تصرف فيما فوض ~~إليها فيخرج الأمر من يدها كالموكل إذا باع ما وكل ببيعه أنه ينعزل الوكيل ~~ولأبي حنيفة أن جعل الأمر باليد فيه معنى التعليق فزوال الملك لا يبطله ما ~~دام طلاق الملك الأول قائما كما في سائر التعليقات، وقوله: الزوج تصرف فيما ~~فوض إليها ليس كذلك لأنه يملك ثلاث تطليقات ولم يفوض إليها إلا واحدة ~~فيقتضي خروج المفوض من يده لا غير، كما إذا وكل إنسانا يبيع ثوبين له فباع ~~الموكل أحدهما لم تبطل الوكالة لما قلنا كذا هذا. # (وأما) بيان صفة الحكم الثابت بالتفويض: فمن صفته أنه غير لازم في حق ~~المرأة حتى تملك رده صريحا أو # PageV03P116 # دلالة لما ذكرنا أن ms1786 جعل الأمر بيدها تخيير لها بين أن تختار نفسها وبين ~~أن تختار زوجها، والتخيير ينافي اللزوم ومن صفته أنه إذا خرج الأمر من يدها ~~لا يعود الأمر إلى يدها بذلك الجعل أبدا، وليس لها أن تختار إلا مرة واحدة؛ ~~لأن قوله: أمرك بيدك لا يقتضي التكرار إلا إذا قرن به ما يقتضي التكرار بأن ~~قال: أمرك بيدك كلما شئت فيصير الأمر بيدها في ذلك وغيره ولها أن تطلق ~~نفسها في كل مجلس تطليقة واحدة حتى تبين بثلاث؛ لأن كلمة كلما تقتضي تكرار ~~الأفعال. # قال الله تعالى {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} [النساء: 56] # وقال: {كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} [المائدة: 64] فيقتضى تكرار ~~التمليك عند تكرار المشيئة إلا أنها لا تملك أن تطلق نفسها في كل مجلس إلا ~~تطليقة واحدة؛ لأنه يصير قائلا لها في كل مجلس: أمرك بيدك فإذا اختارت فقد ~~انتهى موجب ذلك التمليك، ثم يتجدد لها الملك بتمليك آخر في مجلس آخر عند ~~مشيئة أخرى إلى أن يستوفي ثلاث تطليقات فإن بانت بثلاث تطليقات ثم تزوجت ~~بزوج آخر وعادت إلى الزوج الأول فلا خيار لها؛ لأنها إنما تملك تطليق نفسها ~~بتمليك الزوج، والزوج إنما ملكها ما كان يملك بنفسه، وهو إنما كان يملك ~~بنفسه طلقات ذلك الملك القائم لا طلقات ملك لم يوجد فما لا يملك بنفسه كيف ~~يملكه غيره؟ وإن بانت بواحدة أو اثنتين ثم تزوجت بزوج آخر ثم عادت فلها أن ~~تشاء الطلاق مرة بعد أخرى حتى تستوفي الثلاث في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ~~خلافا لمحمد وهو قول الشافعي بناء على أن الزوج الثاني يهدم ما دون الثلاث ~~من التطليقات. # وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم بخلاف ما إذا قال لها: أمرك بيدك إذا شئت أو ~~إذا ما شئت أو متى شئت أو متى ما شئت أن لها الخيار في المجلس أو غيره ~~لكنها لا تملك أن تختار إلا مرة واحدة، فإذا اختارت مرة لا يتكرر لها ~~الخيار في ذلك؛ لأن إذا ومتى لا تفيد ms1787 التكرار وإنما تفيد مطلق الوقت، كأنه ~~قال لها: اختاري في أي وقت شئت، فكان لها الخيار في المجلس وغيره، لكن مرة ~~واحدة فإذا اختارت مرة واحدة انتهى موجب التفويض بخلاف الفصل الأول؛ لأن ~~كلما يقتضي تكرار الأفعال فيتكرر التفويض عند تكرار المشيئة والله أعلم. # وأما بيان ما يصلح جواب جعل الأمر باليد من الألفاظ وما لا يصلح وبيان ~~حكمه إذا وجد: فالأصل فيه أن كل ما يصلح من الألفاظ طلاقا من الزوج يصلح ~~جوابا من المرأة وما لا فلا إلا في لفظ الاختيار خاصة فإنه لا يصلح طلاقا ~~من الزوج ويصلح جوابا من المرأة في الجملة بخلاف الأصل؛ لأن التفويض من ~~الزوج تمليك الطلاق منها، فما يملكه بنفسه يملك تمليكه من غيره، وما لا فلا ~~هذا هو الأصل. # إذا عرف هذا فنقول: إذا قالت طلقت نفسي أو أبنت نفسي أو حرمت نفسي يكون ~~جوابا؛ لأن الزوج لو أتى بهذه الألفاظ كان طلاقا. # وكذا إذا قالت: أنا منك بائن أو أنا عليك حرام؛ لأن الزوج لو قال لها: ~~أنت مني بائن أو أنت علي حرام كان طلاقا. # وكذا إذا قالت لزوجها: أنت مني بائن أو أنت علي حرام؛ لأن الزوج لو قال ~~لها ذلك كان طلاقا، ولو قالت: أنا بائن ولم تقل منك أو قالت أنا حرام ولم ~~تقل عليك فهو جواب؛ لأن الزوج لو قال لها: أنت بائن أو أنت حرام، ولم يقل ~~مني وعلي كان طلاقا، ولو قالت لزوجها: أنت بائن ولم تقل مني أو قالت ~~لزوجها: أنت حرام ولم تقل علي فهو باطل؛ لأن الزوج لو قال لها: أنا بائن أو ~~أنا حرام لم يكن طلاقا، ولو قالت: أنا منك طالق فهو جواب؛ لأنه لو قال لها: ~~أنت طالق مني كان طلاقا. # وكذا لو قالت لزوجها: أنا طالق ولم تقل منك؛ لأن الزوج لو قال: أنت طالق ~~ولم يقل مني كان طلاقا، ولو قالت لزوجها: أنت مني طالق لم يكن جوابا؛ لأن ~~الزوج لو قال لها: أنا منك ms1788 طالق لم يكن طلاقا عندنا خلافا للشافعي، ولو ~~قالت: اخترت نفسي كان جوابا وإن لم يكن هذا اللفظ من الزوج طلاقا، وأنه حكم ~~ثبت شرعا بخلاف القياس بالنص وإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على ما نذكر ~~إن شاء الله تعالى. # وأما الواقع بهذه الألفاظ التي تصلح جوابا فطلاق واحد بائن عندنا إن كان ~~التفويض مطلقا عن قرينة الطلاق بأن قال لها: أمرك بيدك ولم ينو الثلاث، أما ~~وقوع الطلقة الواحدة فلأنه ليس في التفويض ما ينبئ عن العدد. # وأما كونها بائنة فلأن هذه الألفاظ جواب الكناية، والكنايات على أصلنا ~~منبيات، ولأن قوله: أمرك بيدك جعل أمر نفسها بيدها فتصير عند اختيارها ~~نفسها مالكة نفسها، وإنما تصير مالكة نفسها بالبائن لا بالرجعي. # وإن قرن به ذكر الطلاق بأن قال: أمرك بيدك في تطليقة فاختارت نفسها فهي ~~واحدة يملك الرجعة فيها لأنه فوض إليها الصريح حيث # PageV03P117 # نص عليه، وبه تبين أنه ما ملكها نفسها وإنما ملكها التطليقة وخيرها بين ~~الفعل والترك؛ عرفنا ذلك بنص كلامه بخلاف ما إذا أطلق؛ لأنه لما أطلق فقد ~~ملكها نفسها ولا تملك نفسها إلا بالبائن، ولو قال: أمرك بيدك ونوى الثلاث ~~فطلقت نفسها ثلاثا كان ثلاثا؛ لأنه جعل أمرها بيدها مطلقا فيحتمل الواحد ~~ويحتمل الثلاث، فإذا نوى الثلاث فقد نوى ما يحتمله مطلق الأمر فصحت نيته ~~وإن نوى اثنتين فهي واحدة عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر، وقد ذكرنا ~~المسألة فيما تقدم. # وكذا إذا قالت: طلقت نفسي أو اخترت نفسي ولم تذكر الثلاث فهي ثلاث؛ لأنه ~~جواب تفويض الثلاث فيكون ثلاثا. # وكذا إذا قالت: أبنت نفسي أو حرمت نفسي وغير ذلك من الألفاظ التي تصلح ~~جوابا، ولو قالت: طلقت نفسي واحدة أو اخترت نفسي بتطليقة واحدة فهي بائنة ~~لأنه لما نوى ثلاثا فقد فوض إليها الثلاث وهي أتت بالواحدة فيقع واحدة كما ~~لو قال لها: طلقي نفسك ثلاثا فطلقت نفسها واحدة فتكون بائنة لأنه ملكها ~~نفسها ولا تملك نفسها إلا بالبائن، ولو قالت: اخترت نفسي بواحدة فهو ثلاث ms1789 ~~فرقا بينه وبين قولها طلقت نفسي واحدة. # وجه الفرق أن معنى قولها بواحدة أي: بمرة واحدة وهي عبارة عن توحد فعل ~~الاختيار على وجه لا يحتاج بعده إلى اختيار آخر، وانقطاع العلقة بينهما ~~بالكلية بحيث لا يبقى بينهما أمر بعد ذلك. # وذلك إنما يكون بالثلاث بخلاف قولها طلقت نفسي واحدة؛ لأنها جعلت التوحد ~~هناك صفة المختار وهو الطلاق لا صفة فعل الاختيار فهو الفرق بين الفصلين ~~والله أعلم. ### | [فصل في قوله اختاري] # (فصل) : # وأما قوله: اختاري فالكلام فيه يقع فيما ذكرنا من المواضع في الأمر ~~باليد، والجواب فيه كالجواب في الأمر باليد في جميع ما وصفنا؛ لأن كل واحدة ~~منهما تمليك الطلاق من المرأة، وتخييرها بين أن تختار نفسها أو زوجها لا ~~يختلفان إلا في شيئين: أحدهما أن الزوج إذا نوى الثلاث في قوله: أمرك بيدك ~~يصح، وفي قوله اختاري لا يصح نية الثلاث والثاني أن في اختاري لا بد من ذكر ~~النفس في أحد الكلامين إما في تفويض الزوج وإما في جواب المرأة بأن يقول ~~لها: اختاري نفسك وتقول: اخترت أو يقول لها: اختاري فتقول اخترت نفسي أو ~~ذكر الطلاق في كلام الزوج أو في كلام المرأة بأن يقول لها: اختاري فتقول: ~~اخترت الطلاق أو ذكر ما يدل على الطلاق وهو تكرار التخيير من الزوج بأن ~~يقول لها: اختاري اختاري فتقول: اخترت أو ذكر الاختيار في كلام الزوج أو في ~~كلام المرأة بأن يقول لها الزوج: اختاري اختيارة، فتقول المرأة: اخترت ~~اختيارة، وإنما كان كذلك؛ لأن القياس في قوله: اختاري أن لا يقع به شيء وإن ~~اختارت؛ لأنه ليس من ألفاظ الطلاق لغة. # ألا ترى أن الزوج لا يملك إيقاع الطلاق بهذا اللفظ؟ فإن من قال لامرأته: ~~اخترت نفسي لا تطلق فإذا لم يملك إيقاع الطلاق بهذا اللفظ بنفسه فكيف يملك ~~تفويضه إلى غيره إلا أنه جعل من ألفاظ الطلاق شرعا بالكتاب والسنة والإجماع # أما الكتاب فقوله تعالى {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة ~~الدنيا وزينتها ms1790 فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا} [الأحزاب: 28] إلى ~~قوله {أجرا عظيما} [الأحزاب: 29] أمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم ~~- بتخيير نسائه بين اختيار الفراق والبقاء على النكاح، والنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - خيرهن على ذلك، ولو لم تقع الفرقة به لم يكن للأمر بالتخيير ~~معنى وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «لما أمر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: يا عائشة إني ذاكر لك أمرا ~~فلا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك، قالت: وقد علم الله تعالى أن أبوي لم ~~يكونا ليأمراني بفراقه قالت فقرأ {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا} [الأحزاب: 28] ~~إلى قوله: {أجرا عظيما} [الأحزاب: 29] فقلت أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد ~~الله ورسوله والدار الآخرة وفي بعض الروايات فقالت: بل أختار الله ورسوله ~~والدار الآخرة» وفعل سائر أزواجه مثل ما فعلت فدل أنه يوجب اختيار التفريق ~~والبقاء على النكاح. # وأما الإجماع فإنه روي عن جماعة من الصحابة مثل عمر وعثمان وعلي وعبد ~~الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وجابر وعائشة - رضي الله عنهم - أن المخيرة ~~إذا اختارت نفسها في مجلسها وقع الطلاق وكذا شبهوا أيضا هذا الخيار ~~بالخيارات الطارئة على النكاح وهو خيار المعتقة وامرأة العنين وتقع الفرقة ~~بذلك الخيار، فكذا بهذا وكذا اختلفوا في كيفية الواقع على ما نذكر وذلك ~~دليل أصل الوقوع إذ الكيفية من باب الصفة، والصفة تستدعي # PageV03P118 # وجود الموصوف فثبت كون هذا اللفظ من ألفاظ الطلاق بالشرع فيتبع مورد ~~الشرع، والشرع ورد به مع قرينة الفراق نصا أو دلالة أو قرينة النفس فإن ~~اختيار الفراق مضمر في قوله تعالى {إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها} ~~[الأحزاب: 28] بدليل ما يقابله وهو قوله: {وإن كنتن تردن الله ورسوله} ~~[الأحزاب: 29] فدل على إضمار اختيار الفراق كأنه قال {إن كنتن تردن الحياة ~~الدنيا وزينتها} [الأحزاب: 28] مع اختيار فراق رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فكان ذلك تخييرا لهن بين ms1791 أن يخترن الحياة الدنيا وزينتها مع اختيار ~~فراق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين أن يخترن الله ورسوله والدار ~~الآخرة فكن مختارات للطلاق لو اخترن الدنيا أو كان اختيارهن الدنيا وزنيتها ~~اختيارا لفراق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ لم يكن معه الدنيا ~~وزينتها. # والصحابة - رضي الله عنهم - جعلوا للمخيرة المجلس، وقالوا: إذا اختارت ~~نفسها في مجلسها وقع الطلاق عليها فهذا مورد الشرع في هذا اللفظ فيقتصر ~~حكمه على مورد الشرع فإذا قال لها: اختاري فقالت: اخترت لا يقع به شيء؛ ~~لأنه ليس في معنى مورد الشرع فيبقى الأمر فيه على أصل القياس فلا يصلح ~~جوابا ولأن قوله: اختاري معناه اختاري إياي أو نفسك فإذا قالت: اخترت فلم ~~تأت بالجواب؛ لأنها لم تختر نفسها ولا زوجها لم يقع فيه شيء وإذا قال: لها ~~اختاري نفسك فقالت: اخترت فهذا جواب؛ لأنها أخرجته مخرج الجواب كقوله ~~اختاري نفسك فينصرف إليها كأنها قالت اخترت نفسي. # وكذا إذا قال لها اختاري فقالت اخترت نفسي لما ذكرنا أن معنى قوله اختاري ~~أي اختاري إياي أو نفسك وقد اختارت نفسها فقد أتت بالجواب. # وكذا لو قالت: أختار نفسي يكون جوابا استحسانا والقياس أن لا يكون جوابا؛ ~~لأن قولها أختار يحتمل الحال ويحتمل الاستقبال فلا يكون جوابا مع الاحتمال. # وجه الاستحسان أن صيغة أفعل موضوعة للحال، وإنما تستعمل للاستقبال بقرينة ~~السين وسوف على ما عرف في موضعه. # وكذا إذا قال اختاري اختاري فقالت: اخترت فيكون جوابا وإن لم يوجد ذكر ~~النفس من الجانبين جميعا؛ لأن تكرار الاختيار دليل إرادة اختيار الطلاق؛ ~~لأنه هو الذي يقبل التعدد كأنه قال: اختاري الطلاق فينصرف الجواب إليه. # وكذا إذا قال اختاري اختيارة، فقالت: اخترت اختيارة فهو جواب؛ لأن قوله: ~~اختيارة يفيد معنيين: أحدهما تأكيد الأمر والثاني معنى التوحد والتفرد، ~~فالتقييد بما يوجب التفرد يدل على أنه أراد به التخيير فيما يقبل التعدد ~~وهو الطلاق وإذا قال لها: اختاري الطلاق فقالت اخترت فهو جواب لأنه فوض ~~إليها اختيار الطلاق نصا ms1792 فينصرف الجواب إليه. # وكذا إذا قال لها اختاري فقالت: اخترت الطلاق؛ لأن معنى قوله: اختاري أي ~~اختاري إياي أو نفسك، فإذا قالت: اخترت الطلاق فقد اختارت نفسها فكان ~~جوابا، ولو قال لها اختاري فقالت اخترت أبي وأمي أو أهلي والأزواج، فالقياس ~~أن لا يكون جوابا ولا يقع به شيء، وفي الاستحسان يكون جوابا. # وجه القياس أنه ليس في لفظ الزوج ولا في لفظ المرأة ما يدل على اختيارها ~~نفسها فلا يصلح جوابا. # وجه الاستحسان أن في لفظها ما يدل على الطلاق؛ لأن المرأة بعد الطلاق ~~تلحق بأبويها وأهلها وتختار الأزواج عادة، فكان اختيارها هؤلاء دلالة على ~~اختيارها الطلاق فكأنها قالت: اخترت الطلاق. # (وأما) الواقع بهذه الألفاظ فإن كان التخيير واحدا ولم يذكر الثلاث في ~~التخيير فلا يقع إلا طلاق واحد - وإن نوى الثلاث في التخيير - ويكون بائنا ~~عندنا إن كان التفويض مطلقا عن قرينة الطلاق. # وقال الشافعي: إذا أراد الزوج بالتخيير الطلاق فاختارت نفسها ونوت الطلاق ~~يقع واحدة رجعية، وهذا مذهبه في الأمر باليد أيضا وقد اختلف الصحابة - رضي ~~الله عنهم - فيمن خير امرأته فاختارت زوجها أو اختارت نفسها قال بعضهم: إن ~~اختارت زوجها لا يقع شيء وهو قول عمر وعبد الله بن مسعود وأبي الدرداء وزيد ~~بن ثابت - رضي الله عنهم -. # وروي عن علي - رضي الله عنه - أنها إذا اختارت زوجها يقع تطليقة رجعية، ~~والترجيح لقول الأولين لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: ~~«خيرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاخترناه فلم يعد ذلك طلاقا» وعن ~~مسروق. # عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها سئلت عن الرجل يخير امرأته يكون طلاقا؟ ~~فقالت: «خيرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان طلاقا» ؛ ولأن ~~التخيير إثبات الخيار في الفراق والبقاء على النكاح. # واختيارها زوجها دليل الإعراض عن ترك النكاح، والإعراض عن # PageV03P119 # ترك النكاح استبقاء النكاح فكيف يكون طلاقا؟ ولو اختارت نفسها قال بعضهم: ~~هي واحدة بائنة وهو أحدي الروايتين عن علي. # وقال بعضهم: هي واحدة رجعية. # وقال زيد بن ms1793 ثابت - رضي الله عنه -: إذا اختارت نفسها فهو ثلاث والترجيح ~~لقول من يقول: يقع بائنا لا رجعيا ولا ثلاثا أما وقوع البائن: فلأن الزوج ~~خيرها بين أن تختار نفسها لنفسها وبين أن تختار نفسها لزوجها، فإذا اختارت ~~نفسها لنفسها لو كان الواقع رجعيا لم يكن اختيارها نفسها لنفسها، بل ~~لزوجها؛ إذ لزوجها أن يراجعها شاءت أو أبت. # وأما عدم وقوع الثلاث وإن وجدت نية الثلاث في التخيير فلما ذكرنا أن ~~القياس أن لا يقع بالاختيار شيء لأنه ليس من ألفاظ الطلاق وإنما جعل طلاقا ~~بالشرع ضرورة صحة التخيير، وحق الضرورة يصير مقضيا بالواحدة البائنة، وإن ~~كان التفويض مقرونا بذكر الطلاق بأن قال لها: اختاري الطلاق فقالت: اخترت ~~الطلاق فهي واحدة رجعية؛ لأنه لما صرح بالطلاق فقد خيرها بين نفسها بتطليقة ~~رجعية وبين رد التطليقة كما في قوله: أمرك بيدك فإن ذكر الثلاث في التخيير ~~بأن قال لها: اختاري ثلاثا فقالت: اخترت يقع الثلاث؛ لأن التنصيص على ~~الثلاث دليل إرادة اختيار الطلاق؛ لأنه هو الذي يتعدد، فقولها اخترت ينصرف ~~إليه فيقع الثلاث، ولو كرر التخيير بأن قال لها: اختاري اختاري ونوى بكل ~~واحدة منهما الطلاق فقالت اخترت يقع ثنتان؛ لأن كل واحدة منهما تخيير تام ~~بنفسه لوجود ركنه وشرطه وهو النية، والثاني لا يصلح تفسيرا للأول؛ لأن ~~الشيء لا يفسر بنفسه ولا يصلح جوابا أيضا ولا علة ولا حكما للأول؛ فيكون ~~كلاما مبتدأ، والتكرار دليل إرادة الطلاق، قولها اخترت يكون جوابا لهما ~~جميعا، والواقع بكل واحد منهما طلاق بائن فيقع تطليقتان بائنتان وكذلك إذا ~~ذكر الثاني بحرف الصلة بأن قال لها: اختاري واختاري أو قال اختاري فاختاري؛ ~~لأن الواو والفاء من حروف العطف إلا أن الفاء قد تذكر في موضع العلة وقد ~~تذكر في موضع الحكم؛ كما يقال: أبشر فقد أتاك الغوث، ويقال قد أتاك الغوث ~~فأبشر، لكن ههنا لا تصلح علة ولا حكما فتكون للعطف، والمعطوف غير المعطوف ~~عليه هو الأصل، ولو قال: لها اختاري اختاري اختاري، أو قال: اختاري ms1794 واختاري ~~واختاري أو قال اختاري فاختاري فاختاري فقالت: اخترت فهي ثلاث لما قلنا، ~~ولو قال: لها اختاري اختاري اختاري فقالت اخترت الأولى أو الوسطى أو ~~الأخيرة فهو ثلاث في قول أبي حنيفة وعندهما يقع واحدة. # وجه قولهما: أنها ما أوقعت إلا واحدة فلا يقع إلا واحدة؛ لأن الوقوع ~~باختيارها ولم يوجد منها إلا اختيار واحدة فلا تقع به الزيادة على الواحدة ~~كما لو قال لها: اختاري ثلاثا فقالت: اخترت واحدة ولأبي حنيفة أن الزوج ~~ملكها الثلاث جملة والثلاث جملة ليس فيها أولى ولا وسطى ولا أخيرة فقولها ~~اخترت الأولى أو الوسطى أو الأخيرة يكون لغوا فيبطل تعيينها ويبقى قوله ~~اخترت وأنه يصلح جواب الكل. # وعلى هذا الخلاف إذا قال لها: اختاري واختاري واختاري أو قال لها: اختاري ~~فاختاري فاختاري فقالت: اخترت الأولى أو الوسطى أو الأخيرة، ولو قال لها: ~~اختاري اختاري اختاري أو ذكر التخييرين بحرف الواو أو بحرف الفاء فقالت: قد ~~اخترت اختيارة فهو ثلاث في قولهم جميعا؛ لأن معناه اخترت الكل مرة فيقع ~~الثلاث، وإن لم يوجد ذكر النفس من الجانبين جميعا لما ذكرنا أن التكرار من ~~الزوج دليل إرادة اختيار الطلاق. # وكذا إذا قالت: اخترت الاختيارة أو قالت اخترت مرة أو بمرة أو دفعة أو ~~بدفعة أو بواحدة فهو ثلاث لما قلنا، ولو قالت: قد طلقت نفسي واحدة أو اخترت ~~نفسي بتطليقة فهي واحدة بائنة لما ذكرنا في الأمر باليد، ولو قال لها: ~~اختاري اختاري اختاري بألف درهم فقالت اخترت الأولى أو الوسطى أو الأخيرة ~~فهو ثلاث وعليها ألف درهم في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا يقع إلا ~~واحدة غير أنها إن اختارت نفسها بالأخيرة كانت تطليقة واحدة وعليها ألف ~~درهم، وإن اختارت نفسها بالأولى أو بالوسطى كانت واحدة ولا شيء عليها. # والأصل عند أبي حنيفة أن تعيين الأولى أو الوسطى أو الأخيرة لغو؛ لأنه ~~ملكها الثلاث جملة والثلاث المملكة جملة ليس لها أولى ولا وسطى ولا أخيرة ~~فكان التعيين ههنا لغوا فبطل التعيين ms1795 وبقي قولها اخترت، ولو قالت: اخترت ~~طلقت ثلاثا وعليها الألف كذا # PageV03P120 # هذا. # والأصل عندهما أن اختيار الأولى أو الوسطى أو الأخيرة صحيح ولا يقع إلا ~~واحدة غير أنهما يقولان لا يلزمها الألف إلا إذا اختارت الأخيرة؛ لأن كل ~~واحد من التخييرات على حدة؛ لأنه كلام تام بنفسه ولم يذكر معه حرف الجمع ~~فيجعل الكل كلاما واحدا فبقي كل واحد منهما تخييرا تاما بنفسه فيعطى لكل ~~واحد منهما حكم نفسه. # والبدل لم يذكر إلا في التخيير الأخير فلا يجب إلا باختيار الأخيرة، ولو ~~ذكر حرف الواو أو حرف الفاء فقال: اختاري واختاري واختاري بألف درهم أو ~~قال: اختاري فاختاري فاختاري بألف درهم فقالت: اخترت الأولى أو الوسطى أو ~~الأخيرة فعند أبي حنيفة لا يختلف الجواب فتطلق ثلاثا وعليها ألف درهم لما ~~ذكرنا وعندهما لا يقع الطلاق في هذه الصورة؛ لأنه لما جمع بين التخييرات ~~الثلاث بحرف الجمع جعل الكل كلاما واحدا وقد أمرها أن تحرم نفسها عليه بألف ~~درهم فلا تملك التحريم بأقل من ذلك، كما إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثا بألف ~~درهم فطلقت نفسها واحدة أنه لا يقع شيء لما قلنا كذا هذا، والله أعلم ~~بالصواب. ### | [فصل في قوله أنت طالق إن شئت] # (فصل) : # وأما قوله: أنت طالق إن شئت فهو مثل قوله اختاري في جميع ما وصفنا؛ لأن ~~كل واحد منهما تمليك الطلاق إلا أن الطلاق ههنا رجعي وهناك بائن؛ لأن ~~المفوض ههنا صريح وهناك كناية. # وكذا إذا قال لها أنت طالق إن أحببت أو رضيت أو هويت أو أردت؛ لأنه علق ~~الطلاق بفعل من أفعال القلب فكان مثل قوله إن شئت. # وكذا إذا قال لها: أنت طالق حيث شئت أو أين شئت أو أينما شئت أو حيثما ~~شئت، فهو مثل قوله: إن شئت؛ لأن حيث وأين اسم مكان وما صلة فيهما ولا تعلق ~~للطلاق بالمكان فيلغو ذكرهما لعدم الفائدة ويبقى ذكر المشيئة فصار كأنه قال ~~لها: أنت طالق إن شئت وكذا إذا قال لها: أنت طالق كم ms1796 شئت أو ما شئت غير أن ~~لها أن تطلق نفسها في المجلس ما شاءت واحدة أو ثنتين أو ثلاثا؛ لأن كلمة كم ~~للقدر وقدر الطلاق هو العدد والعدد هو الواقع. # وكذا كلمة ما في مثل هذا الموضع تذكر لبيان القدر يقال: كل من طعامي ما ~~شئت أي القدر الذي شئت، ولو قال لها: أنت طالق إذا شئت أو إذا ما شئت أو ~~متى شئت أو متى ما شئت فلها أن تطلق نفسها في أي وقت شاءت في المجلس أو ~~بعده وبعد القيام عنه لما مر، وليس لها أن تطلق نفسها إلا واحدة؛ لأنه ليس ~~في هذه الألفاظ ما يدل على التكرار على ما مر بخلاف قوله أنت طالق كلما شئت ~~فإن لها أن تطلق نفسها مرة بعد أخرى حتى تطلق نفسها ثلاثا لأن المعلق ~~بالمشيئة - وإن كان واحدا وهو الثابت - مقتضى قوله: أنت طالق وهو الطلاق، ~~لكنه علق المشيئة بكلمة كلما، وأنها تقتضي تكرار الأفعال فيتكرر المعلق ~~بتكرر الشرط. # وإذا وقع الثلاث عند المشيئات المتكررة يبطل التعليق عند أصحابنا الثلاثة ~~خلافا لزفر حتى لو تزوجت بزوج آخر ثم عادت إلى الزوج الأول فطلقت نفسها لا ~~يقع شيء وليس لها أن تطلق نفسها ثلاثا في كلمة واحدة لما ذكرنا فيما تقدم؛ ~~ولأن المعلق بكل مشيئة والمفوض إليها تطليقة واحدة، وهي البائنة مقتضى ~~قوله: أنت طالق فلا تملك الثلاث، ولو قال: أنت طالق كيف شئت طلقت للحال ~~تطليقة واحدة بقوله: أنت طالق في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد لا ~~يقع عليها شيء ما لم تشأ؛ والحاصل أن عند أبي حنيفة في قوله: أنت طالق كيف ~~شئت لا يتعلق أصل الطلاق بالمشيئة بل المعلق بالمشيئة صفة الواقع وتتقيد ~~مشيئتها بالمجلس، وعندهما تتعلق بالأصل والوصف المشيئة وتتقيد مشيئتها ~~بالمجلس. # وجه قولهما أن الكيفية من باب الصفة وقد علق الوصف بالمشيئة، وتعليق ~~الوصف بالمشيئة تعليق الأصل بالمشيئة لاستحالة وجود الصفة بدون الموصوف، ~~وإذا تعلق أصل الطلاق بالمشيئة لا ينزل ما لم توجد المشيئة ms1797 ولأبي حنيفة أن ~~الزوج بقوله أنت طالق كيف شئت أوقع أصل الطلاق للحال وفوض تكييف الواقع إلى ~~مشيئتها؛ لأن الكيفية للموجود لا للمعدوم إذ المعدوم لا يحتمل الكيفية فلا ~~بد من وجود أصل الطلاق لتتخير هي في الكيفية، ولهذا قال بعض المحققين في ~~تعليل المسألة لأبي حنيفة: إن الزوج كيف المعدوم، والمعدوم لا يكيف فلا بد ~~من الوجود، ومن ضرورة الوجود الوقوع ثم إذا شاءت في مجلسها فإن لم ينو ~~الزوج البينونة ولا الثلاث فشاءت واحدة بائنة أو ثلاثا كان ما شاءت؛ لأن ~~الزوج فوض الكيفية إليها فإن نوى الزوج البينونة أو الثلاث فإذا وافقت ~~مشيئتها نية # PageV03P121 # الزوج بأن قالت في مجلسها: شئت واحدة بائنة أو ثلاثا. # وقال الزوج: ذلك نويت، فهي واحدة بائنة أو ثلاث؛ لأن الزوج لو لم تكن منه ~~نية فقالت شئت واحدة بائنة أو ثلاثا كان الواقع ما شاءت؛ فإذا واقفت ~~مشيئتها نية الزوج أولى، وإن خالفت مشيئتها نية الزوج بأن قالت: شئت ثلاثا. # وقال الزوج نويت واحدة لا يقع بهذه المشيئة شيء آخر في قول أبي حنيفة سوى ~~تلك الواحدة الواقعة بقوله: أنت طالق إلا إذا قالت: شئت واحدة ثانية فتصير ~~تلك الطلقة ثانية لما قلنا وعندهما يقع واحدة بمشيئتها بناء على أن المذهب ~~عند أبي حنيفة أنه إذا قال لها: طلقي نفسك واحدة فطلقت نفسها ثلاثا لا يقع ~~شيء، وعندهما يقع واحدة وسنذكر أصل المسألة في موضعها إن شاء الله تعالى، ~~ولو قالت: شئت واحدة. # وقال الزوج: نويت الثلاث لا يقع بهذه المشيئة شيء في قولهم جميعا؛ لأن ~~المذهب عندهم أنه إذا قال لها طلقي نفسك ثلاثا إن شئت فطلقت نفسها واحدة لا ~~يقع شيء لما ذكرنا في الفصل الذي يليه إلا أن عند أبي حنيفة قد وقعت طلقة ~~واحدة بقوله: أنت طالق حال وجوده، وإن لم تشأ المرأة شيئا حتى قامت من ~~مجلسها ولا نية للزوج أو نوى واحدة فهي واحدة يملك الرجعة في قول أبي ~~حنيفة؛ لأنها أقل وهي متيقن بها، وعندهما ms1798 لا يقع شيء وإن شاءت لخروج الأمر ~~عن يدها، ولو قال لها: أنت طالق إن شئت فقالت: شئت إن كان كذا فإن علقت ~~بشيء موجود نحو ما إذا قالت: إن كان هذا ليلا أو نهارا وإن كان هذا أبي ~~وأمي أو زوجي ونحو ذلك يقع الطلاق؛ لأن هذا تعليق بشرط كائن، والتعليق بشرط ~~كائن تنجيز وإن علقت بشيء غير موجود فقالت شئت إن شاء فلان يخرج الأمر من ~~يدها حتى لا يقع شيء وإن شاء فلان؛ لأنه فوض إليها التنجيز وهي أبت ~~بالتعليق، والتنجيز غير التعليق؛ لأن التنجيز تطليق، والتعليق يمين فلم تأت ~~بما فوض إليها وأعرضت عنه لاشتغالها بغيره فيبطل التفويض ولو قال لها أنت ~~طالق إن شاء فلان يتقيد بمجلس علم فلان؛ فإن شاء في مجلس علمه وقع الطلاق ~~وكذلك إذا كان غائبا وبلغه الخبر يقتصر على مجلس علمه؛ لأن هذا تمليك ~~الطلاق فيتقيد بالمجلس بخلاف ما إذا قال لها أنت طالق إن دخل فلان الدار ~~أنه يقع الطلاق إذا وجد الشرط في أي وقت وجد ولا يتقيد بالمجلس؛ لأن ذلك ~~تعليق الطلاق بالشرط، والتعليق لا يتقيد بالمجلس؛ لأن معناه إيقاع الطلاق ~~في زمان ما بعد الشرط فيقف الوقوع على وقت وجود الشرط ففي أي وقت وجد يقع ~~الله عز وجل أعلم. ### | [فصل في قوله طلقي نفسك] # (فصل) : # وأما قوله: طلقي نفسك فهو تمليك عندنا سواء قيده بالمشيئة أو لا ويقتصر ~~على المجلس كقوله أنت طالق إن شئت. # وعند الشافعي هو توكيل ولا يقتصر على المجلس قيده بالمشيئة أو لم يقيده، ~~وأجمعوا على أن قوله: لأجنبي: طلق امرأتي توكيل ولا يتقيد بالمجلس، وهو فصل ~~التوكيل فإن قيده بالمشيئة بأن قال له طلق امرأتي إن شئت فهذا تمليك عند ~~أصحابنا الثلاثة وعند زفر هو توكيل فوقع الخلاف في موضعين. # أما الكلام مع الشافعي فوجه قوله أنه لو أضاف الأمر بالتطليق إلى الأجنبي ~~ولم يقيده بالمشيئة كان توكيلا بالإجماع فكذا إذا أضافه إلى المرأة ولم ~~يقيده بالمشيئة لأنه لم يختلف ms1799 إلا الشخص والصيغة لا تختلف باختلاف الشخص. # وكذا إذا قيد بالمشيئة؛ لأن التقييد بالمشيئة والسكوت عنه بمنزلة واحدة؛ ~~لأنها تطلق نفسها بمشيئتها واختيارها إذ هي غير مضطرة في ذلك فكان ذكر ~~المشيئة لغوا فكان ملحقا بالعدم فيبقى قوله: طلقي نفسك، وأنه توكيل لما ~~ذكرنا فلا يتقيد بالمجلس كما في الأجنبي، ولنا لبيان أن قوله لامرأته طلقي ~~نفسك تمليك وجوه ثلاثة: أحدها أن المتصرف عن ملك هو الذي يتصرف برأيه ~~وتدبيره واختياره، والمرأة بهذه الصفة فكانت متصرفة عن ملك فكان تفويض ~~التطليق إليها تمليكا بخلاف الأجنبي؛ لأن ثمة الرأي والتدبير للزوج ~~والاختيار له، فكان إضافة الأمر إليه توكيلا لا تمليكا. # والثاني أن المتصرف عن ملك هو الذي يتصرف لنفسه، والمتصرف عن توكيل هو ~~الذي يتصرف لغيره؛ والمرأة عاملة لنفسها لأنها بالتطليق ترفع قيد الغير عن ~~نفسها فكانت متصرفة عن ملك،. # فأما الأجنبي فإنه عامل لغيره لا لنفسه؛ لأن منفعة عمله عائدة إلى غيره ~~فكان متصرفا عن توكيل وأمر لا عن ملك. # والثالث أن قوله لامرأته: طلقي نفسك لا يمكن أن يجعل توكيلا؛ لأن الإنسان ~~لا يصلح أن يكون وكيلا في حق نفسه فلم يمكن أن تجعل وكيلة في حق تطليق ~~نفسها، ويمكن أن تجعل مالكة للطلاق بتمليك الزوج فتعين حمله على # PageV03P122 # التمليك بخلاف الأجنبي لأنه بالتطليق يتصرف في حق الغير، والإنسان يصلح ~~وكيلا في حق غيره والله الموفق. # وأما الكلام مع زفر فوجه قوله: أنه لو أطلق الكلام لكان توكيلا فكذا إذا ~~قيده بالمشيئة لما مر أن التقييد فيه والإطلاق على السواء؛ لأنه إذا طلق ~~طلق عن مشيئة ولا محالة لكونه مختارا في التطليق غير مضطر فيه، ولنا وجه ~~الفرق بين المطلق والمقيد وهو أن الأجنبي في المطلق، فيتصرف برأي الغير ~~وتدبيره ومشيئته فكان توكيلا لا تمليكا. # وأما في المقيد فإنما يتصرف عن رأي نفسه وتدبير نفسه، ومشيئته وهذا معنى ~~المالكية؛ وهو التصرف عن مشيئته وهذا فرق واضح بحمد الله تعالى. # (وأما) قوله: التقييد بالمشيئة وعدمه سواء؛ لأنه متى طلق طلق ms1800 عن مشيئة، ~~فممنوع أنهما سواء، وأنه متى طلق طلق عن مشيئة؛ فإن المشيئة تذكر ويراد ~~بهما اختيار الفعل وتركه وهو المعنى الذي ينفي الغلبة والاضطرار وهو المعني ~~بقولنا: المعاصي بمشيئة الله تعالى، فإن الله تعالى يتولى تخليق أفعال ~~العباد والله تعالى غير مغلوب ولا مضطر في فعله وهو التخليق، بل هو مختار، ~~وتذكر ويراد بها اختيار الإيثار يقال: إن شئت فعلت كذا وإن شئت لم أفعل أي: ~~إن شئت آثرت الفعل وإن شئت آثرت الترك على الفعل وهو المعني من قولنا: ~~المكره ليس بمختار، والمراد من المشيئة المذكورة ههنا هو اختيار الإيثار لا ~~اختيار الفعل وتركه؛ لأنا لو حملناه عليه للغا كلامه، ولو حملناه على ~~اختيار الإيثار لم يلغ، وصيانة كلام العاقل عن اللغو واجب عند الإمكان، ~~واختيار الإيثار في التمليك لا في التوكيل لما ذكرنا أن الوكيل يعمل عن رأي ~~الموكل وتدبيره، وإنما يستعير منه العبارة فقط فكان الإيثار من الموكل لا ~~من الوكيل. # وأما المملك فإنما يعمل برأي نفسه وتدبيره وإيثاره لا بالمملك فكان ~~التقييد بالمشيئة مفيدا، والأصل أن التوكيل لغة هو الإنابة، والتفويض هو ~~التسليم بالكلية لذلك سمى مشايخنا الأول توكيلا والثاني تفويضا، وإذا ثبت ~~أن المقيد بالمشيئة تمليك والمطلق توكيل والتمليك يقتصر على المجلس لما ~~ذكرنا أن المملك إنما يملك بشرط الجواب في المجلس لأنه إنما يملك بالخطاب؛ ~~وكل مخلوق خاطب غيره يطلب جواب خطابه في المجلس فلا يملك نهيه عنه لما مر، ~~ثم التوكيل لا يقتصر على المجلس؛ لأن الوكيل لا يمكنه القيام بما وكل ~~بتحصيله في المجلس ظاهرا وغالبا؛ لأن التوكيل في الغالب يكون بشيء لا يحضره ~~الموكل ويفعل في حال غيبته؛ لأنه إذا كان حاضرا يستغني بعبارة نفسه عن ~~استعارة عبارة غيره فلو تقيد التوكيل بالمجلس لخلا عن العاقبة الحميدة ~~فيكون سفها ويملك نهيه عنه؛ لأنه وكيله فيملك عزله، ولو أراد بقوله طلقي ~~نفسك ثلاثا فقد صار الثلاث بيدها؛ لأن معنى قوله: إياها طلقي نفسك أي: حصلي ~~طلاقا، والمصدر يحتمل الخصوص والعموم؛ لأنه ms1801 اسم جنس فإذا نوى به الثلاث فقد ~~نوى ما يحتمله كلامه فصحت نيته، ولو أراد به الثنتين لا يصح لأن لفظ المصدر ~~لفظ وحدان والاثنان عدد لا توحد فيه أصلا على ما بينا فيما تقدم. # وإن لم يكن له نية تنصرف إلى الواحد؛ لأنه متيقن به ولأن الأمر المطلق ~~بالفعل في الشاهد يصرف إلى ما هو المقصود من ذلك الفعل في المتعارف ألا ترى ~~أن من قال لغلامه: اسق هذه الأرض وكانت الأرض لا تصلح للزراعة إلا بثلاث ~~مرات صار مأمورا به، وإن كانت تصلح بالسقي مرة واحدة صار مأمورا به، ومن ~~قال لغلامه: اضرب هذا الذي استخف بي ينصرف إلى ضرب يقع به التأديب عادة ~~ويحصل به المقصود وهو الانزجار ومن أصابت ثوبه نجاسة فقال لجاريته: اغسليه ~~لا تصير مؤتمرة إلا بغسل محصل للمقصود وهو طهارة الثوب دل أن الأمر المطلق ~~في الشاهد ينصرف إلى ما هو المقصود من الفعل في المتعارف والعرف، والمقصود ~~في قوله لامرأته طلقي نفسك مختلف؛ فقد يقصد به الطلاق المبطل للملك وقد ~~يقصد به الطلاق المبطل لحل المحلية سدا لباب التدارك، فأي ذلك نوى انصرف ~~إليه ثم إذا صحت نية الثلاث فإن طلقت نفسها ثلاثا أو اثنتين أو واحدة وقع؛ ~~لأن الزوج ملكها الثلاث ومالك الثلاث له أن يوقع الثلاث أو الاثنتين أو ~~الواحدة كالزوج سواء، بخلاف ما إذا قال لها أنت طالق إن شئت أو أردت أو ~~رضيت أو إذا شئت أو متى شئت أو متى ما شئت أو أين شئت أو حيث شئت ونحو ذلك ~~ونوى الثلاث أنه لا يصح لما مر أن قوله: أنت طالق صفة للمرأة وإنما يثبت ~~الطلاق اقتضاء ضرورة صحة التسمية بكونها طالقا ولا ضرورة في قبول نية ~~الثلاث فلا # PageV03P123 # يثبت في حقه، ولو قال لها: طلقي نفسك ثلاثا فطلقت نفسها واحدة فهي واحدة ~~في قولهم جميعا؛ لأن الزوج ملكها الثلاث ومالك الثلاث إذا أوقع واحدة تقع ~~كالزوج، وهذا لأنه لما ملكها الثلاث فقد ملكها الواحدة؛ لأنها بعض ms1802 الثلاث، ~~وبعض المملوك يكون مملوكا، ولو قال: لها طلقي نفسك واحدة فطلقت نفسها ثلاثا ~~لم يقع شيء في قول أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد: يقع واحدة. # وجه قولهما: أنها أتت بما فوض الزوج إليها وزادت على القدر المفوض فيقع ~~القدر المفوض وتلغو الزيادة كما لو قال لها: طلقي نفسك واحدة فقالت: طلقت ~~نفسي واحدة واحدة واحدة أنه يقع واحدة وتلغو الزيادة كذا هذا كذا لو قال ~~لها: طلقي نفسك فقالت: أبنت نفسي تقع واحدة رجعية وتلغو صفة البينونة لما ~~قلنا كذا هذا، ولأبي حنيفة وجوه من الفقه: أحدها أنه لو وقعت الواحدة إما ~~أن تقع بطريق الأصالة مقصودا أو ضمنا أو ضرورة وقوع الثلاث لا سبيل إلى ~~الأول؛ لأنه لم يوجد إيقاع الواحدة بطريق الأصالة لانعدام لفظ الواحدة ~~ووجود لفظ آخر وكذا لم يوجد وقت وقوع الواحدة بطريق الأصالة؛ لأن ذلك عند ~~قولها نفسي وسكوتها عليه، ووقت وقوعها مع الثلاث عند قولها ثلاثا، ولا وجه ~~للثاني؛ لأنها لم تملك الثلاث إذ الزوج لم يملكها الثلاث فلا تملك إيقاع ~~الثلاث فلا يقع الثلاث فلا تقع الواحدة ضمنا لوقوع الثلاث فتعذر القول ~~بالوقوع أصلا بخلاف ما إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثا فطلقت نفسها واحدة لأن ~~هناك ملكها الثلاث فملكت إيقاع الثلاث، ومالك إيقاع الثلاث يملك إيقاع ~~الواحدة؛ لأن بعض المملوك مملوك وههنا بخلافه لما بينا، وبخلاف ما إذا قال ~~لها: طلقي واحدة فقالت: طلقت نفسي واحدة واحدة واحدة؛ لأن ثم أوقعت الواحدة ~~بطريق الأصالة لوجود لفظ الواحدة وقت وقوعها بطريق الأصالة فوقعت واحدة ~~بطريق الأصالة ثم اشتغلت بغيرها وهو غير مملوك لها فلغا وبخلاف ما إذا قال ~~لها: طلقي نفسك فقالت: قد أبنت نفسي؛ لأن هناك أوقعت ما فوض إليها بطريق ~~الأصالة؛ لأن الإبانة من ألفاظ الطلاق لغة على ما نذكر إلا أنها زادت على ~~القدر المفوض صفة البينونة فلغت وبقي أصل الطلاق. # والثاني إن المرأة بقولها: طلقت نفسي ثلاثا أعرضت عما فوض الزوج إليها ~~فيبطل التفويض ويخرج الأمر من ms1803 يدها كما إذا اشتغلت بأمر آخر أو قامت عن ~~مجلسها، ودلالة أنها أعرضت عما فوض إليها أنه فوض إليها الواحدة وهي أتت ~~بالثلاث؛ والواحدة من الثلاث إن لم تكن غير الثلاث ولأن الثلاث غير الواحدة ~~ذاتا؛ لأن الواحدة منها والشيء لا يكون غير نفسه لكنها غير الواحدة لفظا ~~وحكما ووقتا. # (أما) اللفظ فإن لفظ الواحدة غير لفظ الثلاث. # وكذا حكمها غير حكم الثلاث. # وأما الوقت فإن وقت وقوع الواحدة غير وقت وقوع الثلاث؛ لأن الواحدة تقع ~~عند قولها طلقت نفسي والثلاث تقع عند قولها ثلاثا لما ذكرنا فيما تقدم أن ~~العدد وهو الواقع على معنى أنه متى اقترن بذكر الطلاق ذكر عدد لا يقع ~~الطلاق قبل ذكر العدد، ويقف أول الكلام على آخره فصارت المرأة باشتغالها ~~بذكر الثلاث لفظا معرضة عن الواحدة لفظا وحكما ووقت وقوع الطلاق لصيرورتها ~~مشتغلة بغير ما ملكت تاركة للمملوك، والاشتغال بغير المملوك دليل الإعراض ~~عما ملكت؛ والإعراض عن ما ملكت يوجب بطلان التمليك وخروج الأمر عن يدها ~~بخلاف ما إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثا فطلقت نفسها واحدة؛ لأن هناك ما ~~أعرضت عما فوض إليها؛ لأنه فوض إليها الثلاث وتفويض الثلاث تفويض الواحدة؛ ~~لأن التفويض تمليك، وتمليك الثلاث تمليك الواحدة؛ لأنها من أجزاء الثلاث ~~وجزء المملوك مملوك فلم تصر باشتغالها بالواحدة مشتغلة بغير ما ملكت ولا ~~تاركة للمملوك. # فأما تمليك الجزء فلا يكون تمليك الكل فافترقا. # والثالث أن الزوج لم يملكها إلا الواحدة المنفردة، وما أتت بالواحدة ~~المنفردة فلم تأت بما ملكها الزوج فلا يقع شيء كما لو قال لها: طلقي نفسك ~~فأعتقت عبده، ولا شك أن الزوج لم يملكها إلا الواحدة المنفردة لأنه نص على ~~التوحد، والتوحد ينبئ عن التفرد في اللغة فكان المفوض إليها طلقة واحدة ~~منفردة عن غيرها؛ وهي وإن أتت بالواحدة بإتيانها بالثلاث فما أتت بالواحدة ~~المنفردة لأنها أتت بثلاث مجتمعة والثلاث المجتمعة لا يوجد فيها واحدة ~~منفردة لما فيه من الاستحالة لتضاد بين الاجتماع والافتراق فلم تأت بما فوض ~~إليها ms1804 فلا يقع شيء بخلاف ما إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثا # PageV03P124 # فطلقت نفسها واحدة؛ لأن هناك أتت بما فوض إليها لكنها زادت على القدر ~~المفوض لأنه فوض إليها الثلاث مطلقا عن صفة الاجتماع والافتراق. # ألا ترى أنها لو طلقت نفسها ثلاثا متفرقة وقعت كما لو طلقت نفسها ثلاثا ~~مجتمعة، ولو كان المفوض إليها الثلاث المجتمعة لما ملكت إيقاع الثلاث ~~المتفرقة، فإذا صارت الثلاث - مطلقا - مملوكة لها، مجتمعة كانت أو منفردة ~~صارت كل واحدة من الطلقات الثلاث مملوكة لها منفردة كانت أو مجتمعة، فإذا ~~طلقت نفسها واحدة فقد أتت بالمملوك ضرورة، وهو الجواب عما إذا قال لها: ~~طلقي نفسك واحدة فقالت: طلقت نفسي واحدة واحدة واحدة أنه يقع واحدة؛ لأنها ~~أتت بالمفوض وزيادة فيقع القدر المفوض وتلغو الزيادة، وههنا ما أتت بالمفوض ~~إليها أصلا ورأسا فهو الفرق. # ولا يلزم ما إذا قال لها: طلقي نفسك فقالت: أبنت نفسي؛ لأن هناك أيضا أتت ~~بالمفوض إليها وزيادة؛ لأن الزوج فوض إليها أصل الطلاق وهي أتت بالأصل ~~والوصف؛ لأن الإبانة من ألفاظ الطلاق على ما نذكر فلغا الوصف وهو وصف ~~البينونة وبقي الأصل وهو صريح الطلاق فتقع واحدة رجعية. # وذكر القدوري عن أبي يوسف في هذه المسألة أن قياس قول أبي حنيفة أن لا ~~يقع شيء وعلى هذا الخلاف الذي ذكرنا ما إذا قال لها طلقي نفسك واحدة إن شئت ~~فطلقت نفسها ثلاثا. # ولو قال لها طلقي نفسك ثلاثا إن شئت فطلقت نفسها واحدة أو ثنتين لا يقع ~~شيء في قولهم جميعا؛ لأنه ملكها الثلاث بشرط مشيئتها الثلاث فإذا شاءت ما ~~دون الثلاث لم تملك الثلاث لوجود بعض شرط الملك والحكم المعلق بشرط لا يثبت ~~عند وجود بعض الشرط، ولو قال لها: طلقي نفسك من ثلاث ما شئت فلها أن تطلق ~~نفسها واحدة وثنتين، وليس لها أن تطلق نفسها ثلاثا في قول أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد: تطلق نفسها ثلاثا إن شاءت. # وجه قولهما أن كلمة من في مثل هذا الموضع تذكر لبيان ms1805 الجنس فإن من قال ~~لغيره: كل من هذا الرغيف ما شئت كان له أن يأكل كل الرغيف ولأبي حنيفة أن ~~كلمة ما كلمة عامة، وكلمة من للتبعيض حقيقة فلا بد من اعتبار المعنيين ~~جميعا وذلك في أن يصير المفوض إليها من الثلاث بعضا له عموم وذلك اثنان؛ ~~فتملك ما فوض إليها وهو الثنتان. # وفي مسألة الرغيف صرفت كلمة من عن حقيقتها إلى الجنس بدلالة الحال وهو أن ~~الأصل في الطعام هو السماح دون الشح خصوصا في حق من قدم إليه، ولو قال لها: ~~طلقي نفسك إن شئت فقالت شئت لا يقع الطلاق، ولو قال لها: أنت طالق إن شئت ~~يقع؛ لأن في الفصل الأول أمرها بالتطليق فما لم تطلق لا يقع الطلاق ومشيئة ~~التطليق لا تكون تطليقا، وفي الفصل الثاني علق طلاقها بمشيئتها وقد شاءت، ~~ولو قال لها: طلقي نفسك فقالت: أبنت نفسي طلقت واحدة تملك الرجعة، وإن ~~قالت: قد اخترت نفسي لم تطلق. # ووجه الفرق: أن قولها أبنت من ألفاظ الطلاق؛ لأن الإبانة قطع الوصلة لغة، ~~والطلاق رفع القيد لغة إلا أن عمل صريح الطلاق يتأخر شرعا في المدخول بها ~~إلى ما بعد انقضاء العدة، فكان بين اللفظين موافقة من حيث الأصل فإذا قالت: ~~أبنت نفسي فقد أتت بالأصل وزادت صفة البينونة فتلغو الصفة ويبقى الأصل ~~بخلاف قولها اخترت؛ لأن الاختيار ليس من ألفاظ الطلاق لغة بدليل أنه لو قال ~~لامرأته اخترتك أو قال: اخترت نفسي لا يقع الطلاق. # وكذا إذا قالت المرأة: طلقت نفسي أو أبنت نفسي وقف على إجازة الزوج، ولو ~~قالت: اخترت نفسي لا يقف على إجازته، بل يبطل إلا أنه جعل من ألفاظ الطلاق ~~شرعا بالنص وإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - عند خروجه جوابا للتخيير وما ~~في معناه، وهو الأمر باليد فلا يكون جوابا في غيره فيلغو، وحكى القدوري قول ~~أبي يوسف فقال: قال أبو يوسف: إذا قال لها: طلقي نفسك فقالت: أبنت نفسي لا ~~يقع شيء على قياس قول أبي حنيفة، ووقع عندهما تطليقة ms1806 رجعية كأنها قالت: ~~أبنت نفسي بتطليقة ولم يذكر خلاف أبي حنيفة في الجامع الصغير. # ووجه الفرق بين هذه المسألة وبين قوله طلقي نفسك واحدة على نحو ما بينا ~~`، ولو قال لها طلقي نفسك تطليقة رجعية فطلقت نفسها بائنا أو قال لها: طلقي ~~نفسك تطليقة بائنة فطلقت رجعية يقع ما أمر به الزوج لا ما أتت به؛ لأنها ~~إنما تملك تطليق نفسها بتمليك الزوج لها؛ فتملك ما ملكها الزوج وما أتت به ~~موافق لما ملكها الزوج من حيث الأصل؛ لأن كل واحد منهما # PageV03P125 # من ألفاظ الطلاق، وإنما خالفه من حيث الوصف فإذا وقع الأصل استتبع الوصف ~~المملك فيقع ما فوض إليها والله الموفق للصواب. ### | [فصل في الرسالة في الطلاق] # (فصل) : # وأما الرسالة فهي أن يبعث الزوج طلاق امرأته الغائبة على يد إنسان فيذهب ~~الرسول إليها ويبلغها الرسالة على وجهها فيقع عليها الطلاق؛ لأن الرسول ~~ينقل كلام المرسل فكان كلامه ككلامه والله الموفق. # عدم الشك من الزوج في الطلاق وهو شرط الحكم بوقوع الطلاق حتى لو شك فيه، ~~لا يحكم بوقوعه حتى لا يجب عليه أن يعتزل امرأته؛ لأن النكاح كان ثابتا ~~بيقين ووقع الشك في زواله بالطلاق فلا يحكم بزواله بالشك كحياة المفقود، ~~أنها لما كانت ثابتة ووقع الشك في زوالها لا يحكم بزوالها بالشك حتى لا ~~يورث ماله ولا يرث هو أيضا من أقاربه. # والأصل في نفي اتباع الشك قوله تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم} ~~[الإسراء: 36] ، وقوله - عليه الصلاة والسلام - لما سئل عن الرجل يخيل إليه ~~أنه يجد الشيء في الصلاة - «لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا» اعتبر ~~اليقين وألغى الشك ثم شك الزوج لا يخلو: إما أن وقع في أصل التطليق أطلقها ~~أم لا؟ وإما أن وقع في عدد الطلاق وقدره؛ أنه طلقها واحدة أو اثنتين أو ~~ثلاثا، أو صفة الطلاق أنه طلقها رجعية أو بائنة فإن وقع في أصل الطلاق لا ~~يحكم بوقوعه لما قلنا، وإن وقع في القدر يحكم بالأقل؛ لأنه متيقن ms1807 به وفي ~~الزيادة شك، وإن وقع في وصفه يحكم بالرجعية؛ لأنها أضعف الطلاقين فكانت ~~متيقنا بها. ### | [فصل في شرائط ركن الطلاق وبعضها يرجع إلى المرأة] # (فصل) وأما الذي يرجع إلى المرأة فمنها الملك أو علقة من علائقه؛ فلا يصح ~~الطلاق إلا في الملك أو في علقة من علائق الملك وهي عدة الطلاق أو مضافا ~~إلى الملك. # وجملة الكلام فيه أن الطلاق لا يخلو: إما أن يكون تنجيزا، وإما أن يكون ~~تعليقا بشرط، وإما أن يكون إضافة إلى وقت أما التنجيز في غير الملك والعدة ~~فباطل؛ بأن قال لامرأة أجنبية: أنت طالق أو طلقتك؛ لأنه إبطال الحل ورفع ~~القيد ولا حل ولا قيد في الأجنبية، فلا يتصور إبطاله ورفعه وقد قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا طلاق قبل النكاح» . # وإن كانت منكوحة الغير وقف على إجازته عندنا خلافا للشافعي، والمسألة ~~تأتي في كتاب البيوع # وأما التعليق بشرط فنوعان: تعليق في الملك، وتعليق بالملك. # والتعليق في الملك نوعان: حقيقي، وحكمي أما الحقيقي: فنحو أن يقول ~~لامرأته: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق أو إن كلمت فلانا أو إن قدم فلان ~~ونحو ذلك وإنه صحيح بلا خلاف؛ لأن الملك موجود في الحال، فالظاهر بقاؤه إلى ~~وقت وجود الشرط، فكان الجزاء غالب الوجود عند وجود الشرط فيحصل ما هو ~~المقصود من اليمين وهو التقوي على الامتناع من تحصيل الشرط فصحت اليمين، ثم ~~إذا وجد الشرط، والمرأة في ملكه أو في العدة يقع الطلاق وإلا فلا يقع ~~الطلاق، ولكن تنحل اليمين لا إلى جزاء حتى إنه لو قال لامرأته: إن دخلت هذه ~~الدار فأنت طالق فدخلت الدار وهي في ملكه طلقت. # وكذا إذا أبانها قبل دخول الدار فدخلت الدار وهي في العدة عندنا؛ لأن ~~المبانة يلحقها صريح الطلاق عندنا، وإن أبانها قبل دخول الدار وانقضت عدتها ~~ثم دخلت الدار لا يقع الطلاق لعدم الملك والعدة، ولكن تبطل اليمين حتى لو ~~تزوجها ثانيا ودخلت الدار لا يقع شيء؛ لأن المعلق بالشرط يصير عند الشرط ~~كالمنجز، ms1808 والتنجيز في غير الملك والعدة باطل. # فإن قيل: أليس أن الصحيح إذا قال لامرأته إن دخلت الدار فأنت طالق ثم جن ~~فدخلت الدار أنه يقع طلاقه، ولو نجز في تلك الحالة لا يقع فالجواب من ~~وجهين: أحدهما أن التطليق كلامه السابق عند الشرط فتعتبر الأهلية وقت وجوده ~~وقد وجدت، والثاني أنا إنما اعتبرناه تنجيزا حكما وتقديرا، والمجنون من أهل ~~أن يقع الطلاق على امرأته بطريق الحكم، فإن العنين إذا أجل فمضت المدة وقد ~~جن يفرق القاضي بينهما ويكون ذلك طلاقا فاطرد الكلام بحمد الله تعالى، ولو ~~أبانها قبل دخول الدار ولم تدخل الدار حتى تزوجها ثم دخلت يقع الطلاق؛ لأن ~~اليمين لم تبطل بالإبانة؛ لأنه يتصور عود الملك فما قامت الجزاء على وجه لا ~~يتصور عوده، ولو قال لامرأته: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق ثلاثا فطلقها ~~واحدة أو ثنتين قبل دخول الدار فتزوجت بزوج آخر ودخل بها ثم عادت إلى الزوج ~~الأول فدخلت طلقت ثلاثا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد هي طالق ما ~~بقي من الطلقات الثلاث شيء، وأصل هذه المسألة أن من طلق # PageV03P126 # امرأته واحدة أو اثنتين ثم تزوجت بزوج آخر ودخل بها وعادت إلى الأول أنها ~~تعود بثلاث تطليقات في قولهما، وفي قول محمد تعود بما بقي وهو قول زفر ولقب ~~المسألة: أن الزوج الثاني هل يهدم الطلقة والطلقتين؟ عندهما يهدم وعند محمد ~~لا يهدم. # والمسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله عنهم - روي عن علي وعبد الله بن ~~مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - مثل مذهب أبي ~~حنيفة وأبي يوسف وروي عن عمر وأبي بن كعب وعمران بن حصين مثل مذهب محمد ~~وزفر واحتجا بقوله سبحانه وتعالى {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] إلى قوله ~~{فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] حرم ~~المطلقة الثلاث مطلقا من غير فصل بين ما إذا تخللت إصابة الزوج الثاني ~~الثلاث وبين ما إذا لم يتخللها وهذه مطلقة الثلاث حقيقة؛ ms1809 لأن هذه طلقة قد ~~سبقها طلقتان حقيقة، والطلقة الثالثة هي الطلقة التي سبقها طلقتان فدخلت ~~تحت النص؛ ولأن الزوج الثاني جعل في الشرع منهيا للحرمة لقوله تعالى: {فإن ~~طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] وحتى كلمة ~~غاية، وغاية الحرمة لا تتصور قبل وجود الحرمة، والحرمة لم تثبت قبل الطلقات ~~الثلاث فلم يكن الزوج الثاني منهيا للحرمة فيلحق بالعدم ولأبي حنيفة وأبي ~~يوسف النصوص والمعقول أما النصوص: فالعمومات الواردة في باب النكاح من نحو ~~قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] . # وقوله عز وجل {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن» فهذه ~~النصوص وأمثالها تقتضي جواز النكاح من غير فصل بين أن تكون المرأة مطلقة أو ~~لا وبين أن تكون مطلقة ثلاثا تخللها إصابة الزوج الثاني أو لا إلا أن ~~المطلقة الثلاث التي لم يتخللها إصابة الزوج الثاني خصت عن النصوص فبقي ما ~~وراءها تحتها. # وأما المعقول فمن وجهين: أحدهما أن النكاح مندوب إليه ومسنون وعقد ومصلحة ~~لتضمنه مصالح الدين والدنيا، فلا يجوز أن يمنع عنه؛ لأنه يؤدي إلى التناقض؛ ~~لأن قطع المصلحة مفسدة، والشريعة منزهة عن التناقض إلا أنه قد خرج من أن ~~يكون مصلحة بمخالفة الأخلاق ومباينة الطباع أو غير ذلك من المعاني ويقع ~~اليأس عن استيفاء المصالح من هذه المرأة فشرع الطلاق لاستيفاء المصالح ~~المطلوبة من النكاح من زوجة أخرى، إلا أن خروج النكاح من أن يكون مصلحة لا ~~يعرف إلا بالتأمل والتجربة، ولهذا فوض الطلاق إلى الزوج لاختصاصه بكمال ~~الرأي والعقل ليتأمل فإذا طلقها ثلاثا على ظن المخالفة، ثم مال قلبه إليها ~~حتى تزوجها بعد إصابة الزوج الثاني الذي هو في غاية النفار في طباع الفحل ~~ونهاية المنع دل أن طريق الموافقة بينهما قائم، وأنه أخطأ في التجربة وقصر ~~في التأمل؛ فبقي النكاح مصلحة لقيام الموافقة بينهما، فلا يجوز القول ~~بحرمته كما في ابتداء النكاح، بل أولى لأن ms1810 ثمة لم يوجد إلا دليل أصل ~~الموافقة وههنا وجد دليل كمال الموافقة وهو الميل إليها مع وجود ما هو ~~النهاية في النفرة ثم لما حل نكاحها في الابتداء لتحقيق المقاصد فبعد إصابة ~~الزوج الثاني أولى، وهذا المعنى لا يوجب التفرقة بين إصابة الزوج الثاني ~~بعد الطلقات الثلاث وبين ما قبلها، فورود الشرع بجواز النكاح ثمة يكون ~~ورودا ههنا دلالة. # والثاني أن الحل بعد إصابة الزوج الثاني وطلاقه إياها وانقضاء عدتها حل ~~جديد. # والحل الجديد لا يزول إلا بثلاث طلقات كما في ابتداء النكاح والدليل على ~~أن هذا حل جديد أن الحل الأول قد زال حقيقة؛ لأنه عرض لا يتصور بقاؤه، إلا ~~أنه إذا لم يتخلل بين الحلين حرمة يجعل كالدائم بتجدد أمثاله فيكون كشيء ~~واحد فكان زائلا حقيقة وتقديرا فكان الثاني حلا جديدا، والحل الجديد لا ~~يزول إلا بثلاث تطليقات كما في ابتداء النكاح. # وأما في قوله تعالى {فإن طلقها} [البقرة: 230] فنقول هذه الآية الكريمة ~~تتناول طلقة ثالثة مسبوقة بطلقتين بلا فصل، لأن الفاء للتعقيب بلا فصل ~~وإصابة الزوج الثاني ههنا حاصلة فلا يتناولها، أو تحمل الآية على ما إذا لم ~~يدخل بها الزوج الثاني حتى طلقها وتزوجها الأول وطلقها واحدة توفيقا بين ~~الدلائل. # وأما قوله: بأن الشرع جعل إصابة الزوج الثاني غاية للحرمة فنقول كون ~~الإصابة غاية للحرمة يقتضي انتهاء الحرمة عند عدم الإصابة وقد بينا أنه ~~يثبت حل جديد بعد الإصابة، ولو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا ~~فطلقها ثلاثا قبل الدخول وتزوجت بزوج ودخل بها ثم عادت إلى الأول فدخلت ~~الدار لا يقع عليها شيء عند علمائنا الثلاثة، وعند زفر يقع عليها ثلاث ~~تطليقات وجه قوله أن المعلق طلقات مطلقة لا مقيدة # PageV03P127 # بالحل القائم؛ لأن الحالف أطلق وما قيد، والحل القائم إن بطل بالتنجيز ~~فقد وجد حل آخر؛ فكان التعليق باقيا وقد وجد الملك عند وجود الشرط فينزل ~~المعلق كما إذا قال لامرأته إن دخلت هذه الدار فأنت علي كظهر أمي ثم طلقها ~~ثلاثا قبل ms1811 الدخول يبقى تعليق الظهار بالدخول حتى لو تزوجت بزوج آخر ثم عادت ~~إلى الزوج الأول فدخلت الدار يصير مظاهرا لما ذكرنا كذا هذا. # ولنا أن المعلق طلقات الحل القائم للحال، وقد بطل على وجه لا يتصور عوده ~~فلا يتصور الطلاق المبطل للحل القائم عند وجود الشرط فتبقى اليمين كما إذا ~~صار الشرط بحال لا يتصور عوده بأن جعل الدار بستانا أو حماما. # والدليل على أن المعلق طلقات هذا الحل أن المعلق طلاق مانع من تحصيل ~~الشرط؛ لأن الغرض من مثل هذه اليمين التقوي على الامتناع من تحصيل الشرط، ~~والمنع لا يحصل إلا بكونه غالب الوجود عند وجود الشرط. # وذلك هو الحل القائم للحال؛ لأنه موجود للحال، فالظاهر بقاؤه فيصلح ~~مانعا، والذي يحدث بعد إصابة الزوج الثاني عدم للحال، فالظاهر بقاؤه على ~~العدم فكان غالب العدم عند وجود الشرط فلا يصلح إطلاقه مانعا فلا يكون ~~معلقا بالشرط ما لا يكون معلقا به. # وأما قوله: الحالف أطلق فنعم لكنه أراد به المقيد عرفنا ذلك بدلالة الغرض ~~المطلوب من التصرف وهو التقوي على الامتناع. # وذلك لا يحصل إلا بتطليقات هذا الحل فيتقيد بها. # وأما مسألة الظهار ففيها اختلاف الرواية روى أبو طاهر الدباس عن أصحابنا ~~أنه يبطل بتنجيز الثلاث فلا يصير مظاهرا عند دخول الدار، ثم ما ذكرنا من ~~اعتبار الملك أو العدة لوقوع الطلاق في الملك بشرط واحد. # فإن كان بشرطين هل يشترط قيام الملك أو العدة عند وجود الشرطين جميعا؟ ~~قال أصحابنا الثلاثة: لا يشترط بل الشرط قيام الملك أو العدة عند وجود ~~الشرط الأخير. # وقال زفر: يشترط قيام الملك عند وجود الشرطين. # وصورة المسألة إذا قال لامرأته: إن كلمت زيدا وعمرا فأنت طالق فطلقها ~~وانقضت عدتها فكلمت زيدا ثم تزوجها فكلمت عمرا طلقت عندنا وعند زفر لا ~~تطلق، وإن كان الكلام الأول في الملك والثاني في غير الملك بأن كلمت زيدا ~~وهي في ملكه ثم طلقها وانقضت عدتها ثم كلمت عمرا لا يقع الطلاق. # وجه قول زفر أن الحالف جعل ms1812 كلام زيد وعمرو جميعا شرطا لوقوع الطلاق، ~~ووجود جميع الشرط شرط لنزول الجزاء، ووقت نزول الجزاء هو وقت وجود الشرط ~~ألا ترى أنها إذا كلمت أحدهما دون الآخر لا يقع الطلاق؟ فكذا إذا كلمت ~~أحدهما في غير الملك فذلك ملحق بالعدم كما إذا وجد الشرطان جميعا في غير ~~الملك. # (ولنا) أن الملك عند وجود الشرط فيشترط لنزول الجزاء ووقت نزول الجزاء ~~وهو وقت وجود الشرط الأخير فيشترط قيام الملك عنده لا غير، وهذا؛ لأن الملك ~~إنما يشترط إما لصحة التعليق أو لثبوت الحكم وهو نزول المعلق والملك القائم ~~في الوقتين جميعا. # فأما وقت وجود الشرط الأول فليس وقت التعليق ولا وقت نزول الجزاء فلا ~~معنى لاشتراط الملك عنده. # ونظير هذا الاختلاف في كتاب الزكاة: كمال النصاب في طرفي الحول ونقصانه ~~في أثناء الحول لا يمنع الوجوب عندنا وعنده يشترط الكمال من أول الحول إلى ~~آخره، ولو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت فلانا يشترط قيام ~~الملك عند وجود الشرط الأول وهو الدخول؛ لأنه جعل الدخول شرط انعقاد اليمين ~~كأنه قال لها عند الدخول: إن كلمت فلانا فأنت طالق، واليمين لا تنعقد إلا ~~في الملك أو مضافة إلى الملك فإن كانت في ملكه عند دخوله الدار صحت اليمين ~~المتعلقة بالشرط وهو الكلام، فإذا كلمت يقع الطلاق وإن لم تكن في ملكه عند ~~الدخول بأن طلقها وانقضت عدتها ثم دخلت الدار لم يصح التعليق لعدم الملك ~~والعدة، فلا يقع الطلاق وإن كلمت. # وإن كان طلقها بعد الدخول بها قبل دخول الدار ثم دخلت الدار وهي في العدة ~~ثم كلمت فلانا وهي في العدة طلقت؛ لأن المعتدة يلحقها صريح الطلاق تنجيزا ~~فيصح تعليق طلاقها أيضا في حال قيام العدة كالزوجة. # وإذا صح التعليق ووجد شرطه في الملك أو في العدة ينزل المعلق، ولو قال ~~لامرأته: أنت طالق إن شئت فهذا وقوله: أنت طالق إن دخلت الدار أو إن كلمت ~~فلانا سواء؛ من حيث إنه يقف وقوع الطلاق على مشيئتها كما ms1813 يقف على دخولها ~~وكلامها إلا أن ذلك تعليق بالشرط، وهذا تمليك كقوله: أمرك بيدك واختاري ~~ولهذا اقتصر على المجلس، ولو حلف لا يحلف لا يحنث؛ لأن الحلف بما سوى # PageV03P128 # الله عز وجل شرط وجزاء ومشيئتها ليست بشرط؛ لأن شرط الطلاق ما جعل علمنا ~~على الطلاق، وهو ما يكون دليلا على الطلاق من غير أن يكون وجود الطلاق به؛ ~~لأن ذلك يكون علة لا شرطا، ومشيئتها يتعلق بها وجود الطلاق، بل هي تطليق ~~منها، وكذلك مشيئته بأن قال لها: أنت طالق إن شئت أنا. # ألا ترى إذا قال لامرأته: شئت طلاقك طلقت، كما إذا قال طلقت فإن قيل: ~~أليس أنه إذا قال لامرأته: أنت طالق إن طلقتك كان تعليقا للطلاق بشرط ~~التطليق حتى لو طلقها يقع المنجز ثم ينزل المعلق، والتعليق مما يحصل به ~~الطلاق ومع هذا يصلح شرطا فالجواب: أن التنجيز يحصل به الطلاق المنجز لا ~~الطلاق المعلق بل الطلاق المعلق يحصل بغيره، فكان التنجيز في حق الطلاق ~~المعلق علما محضا فكان شرطا، وكذلك إذا قال لها: أنت طالق إن هويت أو أردت ~~أو أحببت أو رضيت فهو مثل قوله: إن شئت ويتعلق الطلاق بالخبر عن هذه ~~الأشياء إلا بحقائقها، والأصل أنه متى علق الطلاق بشيء لا يوقف عليه إلا من ~~جهتها يتعلق بإخبارها عنه، ومتى علق بشيء يوقف عليه من جهة غيرها لا يقبل ~~قولها إلا ببينة، وعلى هذا مسائل إذا قال لها: إن كنت تحبيني أو تبغضيني ~~فأنت طالق فقالت: أحب أو أبغض يقع الطلاق استحسانا والقياس أن لا يقع. # وجه القياس: أنه علق الطلاق بشرط لا يعلم وجوده فأشبه التعليق بمشيئة ~~الله تعالى. # وجه الاستحسان: أنه علقه بأمر لا يوقف عليه إلا من جهتها فيتعلق بإخبارها ~~عنه، كأنه قال لها: إن أخبرتني عن محبتك أو بغضك إياي فأنت طالق، ولو نص ~~على ذلك لتعلق بنفس الإخبار كذا هذا، وعلى هذا إذا قال لها: إن كنت تحبين ~~أن يعذبك الله بالنار أو إن كنت تكرهين الجنة فأنت طالق ms1814 فقالت: أحب النار ~~أو أكره الجنة، وقع الطلاق لما قلنا، ولو قال: إن كنت تحبيني بقلبك فأنت ~~طالق فقالت: أحبك بقلبي وفي قلبها غير ذلك يقع الطلاق في قول أبي حنيفة ~~وأبي يوسف. # وقال محمد: لا يقع. # وجه قوله أنه لما قيد المحبة بالقلب فقد علق الطلاق بحقيقة المحبة لا ~~بالمخبر عنها فإذا لم يكن في قلبها محبة لم يوجد الشرط فلا يقع الطلاق، ~~ولهما أن المحبة والكراهة لما كانتا من الأمور الباطنة التي لا يوقف عليها ~~إلا من جهتها تعلق الطلاق بنفس الإخبار عنهما دون الحقيقة وقد وجد، وعلى ~~هذا إذا قال لها إن حضت فأنت طالق فقالت حضت طلقت حين رأت الدم واستمر إلى ~~ثلاثة أيام؛ لأن الحيض لا يوقف عليه إلا من قبلها فيقبل قولها في ذلك، وإذا ~~استمر الدم إلى ثلاثة أيام تبين أن ما رأت كان حيضا من حين وجوده فوقع ~~الطلاق من ذلك الوقت، ولو قال لها: إن حضت حيضة فأنت طالق لا يقع الطلاق ما ~~لم تحض وتطهر؛ لأن الحيضة اسم للكامل؛ ألا ترى إلى قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - في سبايا أوطاس «ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا الحيالى حتى ~~يستبرأن بحيضة» ويقع على الكامل حتى يقدر الاستبراء به، وكمالها بانقضائها ~~من ذلك باتصال جزء من الطهر بها فكان هذا في الحقائق تعليق الطلاق بالطهر. # ونظيره إذا قال: إذا صمت يوما فأنت طالق وقع علي صوم كل اليوم وذلك بدخول ~~أول جزء من الليل فكأنه علق الطلاق بدخول الليل وكذا هذا. # وكذا إذا قال: إن حضت نصف حيضة فأنت طالق لا تطلق ما لم تحض وتطهر؛ لأن ~~نصف حيضة حيضة كاملة فكأنه قال: إذا حضت حيضة. # وكذا إذا قال: إذا حضت سدس حيضة أو ثلث حيضة لما قلنا، وكذلك إذا قال: ~~إذا حضت نصف حيضة فأنت طالق، وإذا حضت نصفها الآخر فأنت طالق؛ لا يقع ~~الطلاق ما لم تحض وتطهر فإذا حاضت وطهرت يقع تطليقتان؛ لأنه علق طلقة بنصف ~~حيضة، ونصف ms1815 حيضة حيضة كاملة، وعلق طلقة أخرى بنصف تلك الحيضة بعينها وهي ~~حيضة كاملة فكان هذا تعليق طلاقين بحيضة واحدة كاملة؛ وكمالها بانقضائها ~~واتصال الطهر بها وإذا اتصل بها الطهر طلقت تطليقتين. # ولو قال لها: أنت طالق في حيضك أو مع حيضك، فحين ما رأت الدم تطلق بشرط ~~أن يستمر بها الدم إلى ثلاثة أيام؛ لأن كلمة في للظرف، والحيض لا يصلح ظرفا ~~للطلاق فيجعل شرطا فصار كأنه قال: أنت طالق إذا حضت، وكلمة مع للمقارنة ~~فيقتضي كون الطلاق مقارنا لحيضها فإذا رأت الدم ثلاثة أيام تبين أن المرئي ~~كان حيضا من حين وجوده فيقع الطلاق من ذلك الوقت، ولو قال لها: أنت طالق في ~~حيضك أو مع حيضتك فما لم تحض وتطهر لا تطلق؛ لأن الحيضة اسم للكامل وذلك ~~باتصال الطهر، ولو كانت حائضا في هذه الفصول كلها لا يقع ما لم تطهر من # PageV03P129 # هذه الحيضة وتحيض مرة أخرى لأنه جعل الحيض شرطا لوقوع الطلاق، والشرط ما ~~يكون معدوما على خطر الوجود وهو الحيض الذي يستقبل لا الموجود في الحال ~~فكان هذا تعليق الطلاق بحيض مبتدأ، ولو قال لها: إذا حضت فأنت طالق وفلانة ~~معك فقالت: حضت؛ إن صدقها الزوج يقع الطلاق عليهما جميعا، وإن كذبها يقع ~~الطلاق عليها ولا يقع على صاحبتها؛ لأنها أمينة في حق نفسها لا في حق غيرها ~~فثبت حيضها في حقها لا في حق صاحبتها، ويجوز أن يكون الكلام الواحد مقبولا ~~في حق شخص غير مقبول في حق شخص آخر، كما يجوز أن يكون مقبولا وغير مقبول في ~~حق حكمين مختلفين كشهادة النساء مع الرجال إذا قامت على السرقة أنها تقبل ~~في حق المال ولا تقبل في حق القطع. # وإذا قال إذا حضت فامرأتي الأخرى طالق وعبدي حر فقالت: قد حضت يقع الطلاق ~~والعتاق إذا صدقها الزوج، وإن كذبها لا يقع لما ذكرنا أن إقرارها على غيرها ~~غير مقبول لأنه بمنزلة الشهادة على الغير. # ولو قال: إذا ولدت فأنت طالق فقالت ولدت لا يقع الطلاق ms1816 ما لم يصدقها ~~الزوج أو يشهد على الولادة رجلان أو رجل وامرأتان في قول أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد: يقع الطلاق إذا شهدت القابلة على الولادة وجه ~~قولهما أن ولادتها قد ثبتت بشهادة القابلة لكون النكاح قائما، والولادة ~~تثبت بشهادة القابلة حال قيام النكاح في تعيين الولد وفيما هو من لوازمه ~~وهو النسب لمكان الضرورة، والطلاق ليس من لوازم الولادة فلا تثبت الولادة ~~في حق الطلاق بهذه الشهادة. # ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق أو إن كلمت فلانا فأنت طالق فقالت: ~~دخلت أو كلمت، لا يقع الطلاق ما لم يصدقها الزوج أو يشهد على ذلك رجلان أو ~~رجل وامرأتان بالإجماع؛ لأن قولها دخلت أو كلمت إقرار على الغير وهو الزوج ~~بإبطال حقه فكان شهادة على الغير فلا تقبل. # ولو قال لامرأتين: إذا حضتما حيضة فأنتما طالقان أو قال إذا حضتما فأنتما ~~طالقان الأصل في جنس هذه المسائل أن الزوج متى أضاف الشيء الواحد إلى ~~امرأتين وجعل وجوده شرطا لوقوع الطلاق عليهما ينظر إن كان يستحيل وجود ذلك ~~الشيء منهما كان شرطا لوقوع الطلاق عليهما وجوده من أحدهما، وإن كان لا ~~يستحيل وجوده منهما جميعا كان وجوده منهما شرطا لوقوع الطلاق عليهما؛ لأن ~~كلام العاقل يجب تصحيحه ما أمكن، إن أمكن تصحيحه بطريق الحقيقة يصحح بطريق ~~الحقيقة، وإن لم يمكن تصحيحه بطريق الحقيقة يصحح بطريق المجاز، إذا عرف هذا ~~فنقول إذا قال لامرأتين له: إذا حضتما حيضة فأنتما طالقان أو إذا ولدتما ~~ولدا فأنتما طالقان فحاضت إحداهما أو ولدت إحداهما يقع الطلاق عليهما؛ لأن ~~حيضة واحدة وولادة واحدة من امرأتين محال فلم ينصرف إليه كلام العاقل ~~فينصرف إلى وجود ذلك من أحدهما؛ لأن إضافة الفعل إلى اثنين على إرادة وجوده ~~من أحدهما متعارف بين أهل اللسان قال الله تعالى في قصة موسى وصاحبه {نسيا ~~حوتهما} [الكهف: 61] وإنما نسيه صاحبه وهو فتاه. # وقال تعالى {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن: 22] وإنما يخرج من ~~أحدهما وهو البحر المالح دون العذب. # وقال النبي ms1817 - صلى الله عليه وسلم - لمالك بن الحويرث وعمه: «إذا سافرتما ~~فأذنا وأقيما» ومعلوم أن الأمر بالتأذين والإقامة كان لأحدهما فكان هذا ~~تعليق طلاقهما بحيضة إحداهما وبولادة إحداهما، ولو قالت إحداهما: حضت إن ~~صدقها الزوج طلقتا جميعا؛ لأن حيضتها في حقها ثبت بإخبارها وفي حق صاحبتها ~~ثبت بتصديق الزوج، وإن كذبها طلقت هي ولا تطلق صاحبتها؛ لأن حيضها ثبت في ~~حقها ولم يثبت في حق صاحبتها، ولو قالت كل واحدة منهما: قد حضت طلقتا ~~جميعا، سواء صدقهما الزوج أو كذبهما أما إذا صدقهما فالأمر ظاهر لا يثبت ~~حيضة كل واحدة منهما في حق صاحبتها. # وأما إذا كذبهما فكذلك؛ لأن التكذيب يمنع ثبوت حيضة كل واحدة منهما في حق ~~صاحبتها لا في حق نفسها. # وثبوت حيضتها في حق نفسها يكفي لوقوع الطلاق عليها كما إذا قال لها: إذا ~~حضت فأنت طالق وهذه معك فقالت: حضت، وكذبها الزوج. # ولو قال: إذا حضتما فأنتما طالقان، وإذا ولدتما فأنتما طالقان لا تطلقان ~~ما لم يوجد الحيض والولادة منها جميعا؛ لأنه أضاف الحيض أو الولادة إليهما ~~ويتصور من كل واحدة منهما الحيض والولادة، فيعلق الطلاق بوجود الحيض أو ~~الولادة منها جميعا عملا بالحقيقة عند الإمكان، ولو قالت كل # PageV03P130 # واحدة منهما: قد حضت، إن صدقهما الزوج طلقتا؛ لأنه علق طلاقهما بوجود ~~الحيض منهما جميعا وقد ثبت ذلك بقولهما مع تصديق الزوج، وإن كذبهما لا تطلق ~~واحدة منهما؛ لأن قول كل واحدة منهما مقبول في حق نفسها لا في حق صاحبتها، ~~فيثبت في حق كل واحدة منهما حيضها لا حيض صاحبتها، وحيض كل واحدة منهما ~~بانفراده شطر الشرط، وطلاق كل واحدة منهما متعلق بوجود حيضهما جميعا، ~~والمعلق بشرط لا ينزل بوجود بعض الشرط وإن صدق إحداهما وكذب الأخرى تطلق ~~المكذبة ولا تطلق المصدقة؛ لأن حيض المكذبة ثبت في حقها بإخبارها، وحيض ~~المصدقة ثبت في حق المكذبة أيضا بتصديق الزوج فثبت الحيضتان جميعا في حق ~~المكذبة فوجد كل الشرط في حقها فيقع الطلاق عليها، ولم يثبت في حق المصدقة ms1818 ~~إلا حيضها في حق نفسها ولم يثبت في حقها حيض المكذبة لتكذيب الزوج المكذبة ~~في ثبوت حيضها عند المصدقة فكان الموجود في حق المصدقة شطر الشرط فلا يقع ~~الطلاق، وكذلك إذا قال: إذا حضتما حيضتين أو إذا ولدتما ولدين فأنتما ~~طالقان، فهذا وقوله إذا حضتما أو ولدتما سواء فما لم يحيضا جميعا أو يلدا ~~جميعا لا يقع الطلاق عليهما؛ لأن وجود حيضتين منهما وولادة ولدين منهما ~~يكون بهذا الطريق وهو أن تحيض كل واحدة منهما حيضة وتلد كل واحدة منهما ~~ولدا. # وكذا إذا قال: إذا دخلتما هذه الدار أو كلمتما فلانا أو لبستما هذا الثوب ~~أو ركبتما هذه الدابة أو أكلتما هذا الطعام أو شربتما هذا الشراب؛ فما لم ~~يوجد منهما جميعا لا يقع الطلاق لأنه يتصور وجوده منهما فيعمل بحقيقة ~~الكلام بخلاف قوله إذا حضتما حيضة أو ولدتما ولدا؛ لأن ذلك محال ثم التعليق ~~في الملك كما يصح بشرط الوجود يصح بشرط العدم؛ لأن الشرط علامة محضة والعدم ~~يصلح علما محضا فيصلح شرطا غير أنه إن وقت ينزل المعلق عند انتهاء ذلك ~~الوقت وإن أطلق لا ينزل إلا في آخر جزء من أجزاء حياته، بيان ذلك: إذا قال ~~لامرأته: إن لم أدخل هذه الدار فأنت طالق، أو قال: إن لم آت البصرة فأنت ~~طالق لا يقع الطلاق إلا في آخر جزء من أجزاء حياته، لأنه علق الطلاق بعدم ~~الدخول والإتيان مطلقا ولا يتحقق ذلك إلا في ذلك الوقت، وعلى هذا يخرج ما ~~إذا قال لامرأته: أنت طالق إن لم أطلقك أنه لا يقع الطلاق عليها ما لم ~~يثبته إلى آخر جزء من أجزاء حياته؛ لأنه علق الطلاق بشرط عدم التطليق ~~مطلقا، والعدم المطلق لا يتحقق إلا في ذلك الجزء، ولو قال: أنت طالق إذا لم ~~أطلقك وإذا ما لم أطلقك فإن أراد بإذا إن لا يقع الطلاق إلا في آخر جزء من ~~أجزاء حياته بالإجماع وإن نوى به متى يقع الطلاق إذا فرغ من هذا الكلام ~~وسكت وإن لم ms1819 يكن له نية. # قال أبو حنيفة هذه بمنزلة قوله إن. # وقال أبو يوسف ومحمد هي بمعنى متى (وجه) قولهما: أن إذا للوقت قال الله ~~تعالى {إذا الشمس كورت} [التكوير: 1] و {إذا السماء انفطرت} [الانفطار: 1] ~~و {إذا السماء انشقت} [الانشقاق: 1] إلى غير ذلك من الآيات الكريمة فكانت ~~في معنى متى، ولو قال: متى لم أطلقك يقع الطلاق عقيب الفراغ من هذه اللفظة ~~إذا سكت كذا هذا، والدليل أنه إذا قال لها: أنت طالق إذا شئت لا يقتصر على ~~المجلس كما لو قال: متى شئت، ولو قال إن شئت يقتصر على المجلس، ولو كانت ~~للشرط لاقتصرت المشيئة على المجلس كما في قوله إن شئت، ولأبي حنيفة إن هذه ~~الكلمة كما تذكر ويراد بها الوقت، تذكر ويراد بها الشرط كما قال الشاعر: # استغن ما أغناك ربك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتجمل # ألا ترى أنه جزم ما بعده، فإن قال أريد بها الوقت يقع الطلاق كما فرغ من ~~هذا الكلام وسكت كما في قوله متى. # وإن قال: أريد بها الشرط لا يقع إلا في آخر جزء من أجزاء حياته كما في ~~كلمة إن، فوقع الشك في وقوع الطلاق عند الفراغ منه فلا يقع مع الشك، وإنما ~~لا يقتصر على المجلس؛ لأنه حصلت المشيئة في يدها بقوله: أنت طالق إذا شئت، ~~وأنها تستعمل للوقت وللشرط فإن أريد بها الشرط يبطل بالقيام عن المجلس كما ~~في قوله: إن شئت. # وإن أريد بها الوقت لا يبطل كما في قوله: متى شئت؛ فوقع الشك في البطلان ~~بالقيام عن المجلس فلا يبطل مع الشك فاطرد كلام أبي حنيفة في المعنى بحمد ~~الله سبحانه وتعالى. # ولو قال لها: إن لم أدخل هذه الدار سنة فأنت طالق، أو إن لم أكلم فلانا ~~سنة فأنت طالق فمضت السنة قبل أن يدخلها أو يكلمه يقع الطلاق، وعلى هذا ~~يخرج الإيلاء بأن قال لامرأته الحرة: والله لا أقربك أربعة أشهر # PageV03P131 # فمضت المدة ولم يقربها أنه يقع طلقة بائنة؛ لأن الإيلاء في الشرع جعل ~~تعليق ms1820 الطلاق بشرط عدم الفيء إليها في أربعة أشهر، وهو المعني بالتعليق ~~الحكمي؛ لأن الشرع جعل الإيلاء في حق أحد الحكمين - وهو البر - تعليق ~~الطلاق بشرط البر في المدة كأنه قال لها: إن لم أقربك أربعة أشهر فأنت طالق ~~بائن قال الله تعالى: {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} [البقرة: 227] ~~فإذا مضت المدة والمرأة في ملكه أو في العدة يقع وإلا فلا كما في التعليق ~~الحكمي على ما ذكرنا، وله حكم آخر وهو الحنث عند القربان وسنذكره بحكمه في ~~موضعه. # وأما التعليق بالملك فنحو أن يقول لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، وإنه ~~صحيح عند أصحابنا حتى لو تزوجها وقع الطلاق، وعند الشافعي لا يصح ولا يقع ~~الطلاق، واحتج بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا طلاق قبل النكاح» . # والمراد منه التعليق؛ لأن التنجيز مما لا يشكل ولأن قوله: أنت طالق في ~~التعليق بالملك تطليق بدليل أن الطلاق عند وجود الشرط يقع به إذا لم يوجد ~~كلام آخر سواه فكان الكلام السابق تطليقا، إلا أنه لم يثبت الحكم للحال ~~للمانع وهو عدم الشرط. # والتصرف لا ينعقد تطليقا إلا في الملك ولا ملك ههنا فلا ينعقد (ولنا) أن ~~قوله: أنت طالق ليس تطليقا للحال، بل هو تطليق عند الشرط على معنى أنه علم ~~على الانطلاق عند الشرط فيستدعي قيام الملك عنده لا في الحال، والملك موجود ~~عند وجود الشرط؛ لأن الطلاق يقع بعد وجود الشرط. # وأما الحديث فنقول بموجبه: أن «لا طلاق قبل النكاح» وهذا طلاق بغير ~~النكاح؛ لأن المتصرف جعله طلاقا بعد النكاح على معنى أنه جعله علما على ~~الانطلاق بعد النكاح لا أن يجعل منشئا للطلاق بعد النكاح، أو يبقى الكلام ~~السابق إلى وقت وجود النكاح؛ لأن الثاني محال، والأول خلاف الحقيقة، وإضافة ~~الطلاق إلى الشرع لا إلى الزوج،. # وقيل في الجواب عن التعليق بالحدوث: إن هذا ليس بطلاق، بل هو يمين وتعليق ~~الطلاق بالشرط وقوله: التنجيز لا يشكل مسلم بعد ورود الحديث. # فأما قبله فقد كان مشكلا، فإنه روي: ms1821 أن في الجاهلية كان الرجل يطلق ~~أجنبية ويعتقد حرمتها فأبطل الحديث ذلك، والجواب: الأول أحق وأدق والله ~~الموفق. # وعلى هذا الخلاف إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج امرأة طلقت ~~عندنا، ولو تزوج تلك المرأة ثانيا لا تطلق. # وكذا هذا في قوله: إن تزوجتك لأنه ليس في لفظه ما يوجب التكرار، ولو قال ~~لأجنبية: كلما تزوجتك فأنت طالق طلقت في كل مرة يتزوجها؛ لأن كلمة كل دخلت ~~على العين وكلمة كلما دخلت على الفعل، ولو تزوجها ثلاث مرات وطلقت في كل ~~مرة، وتزوجت بزوج آخر وعادت إلى الأول فتزوجها طلقت بخلاف ما إذا قال ~~لمنكوحة: كلما دخلت الدار فأنت طالق فدخلت ثلاثة مرات وطلقت في كل مرة ثم ~~تزوجت بزوج آخر ثم عادت إلى الأول فدخلت أنها لا تطلق عندنا خلافا لزفر؛ ~~لأن المعلق هناك طلقات الملك القائم المبطلة للحال القائم، وقد بطل ذلك ~~بالثلاث ولم توجد الإضافة إلى سبب ملك حادث وحل مستأنف فلم يتعلق ما يملك ~~به من الطلقات وههنا قد علق الطلاق بسبب الملك وأنه صحيح عندنا فيصير عند ~~كل تزوج يوجد منه لامرأة قائلا لها: أنت طالق، سواء كانت هذه التي تكرر ~~عليها طلاقها أو غيرها من النساء، وعلى هذا الخلاف الظهار والإيلاء فإن قال ~~لأجنبية: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي أو قال: والله لا أقربك والله أعلم. # ولو قال لامرأته: أنت طالق إن كانت السماء فوقنا أو قال: أنت طالق إن كان ~~هذا نهارا أو إن كان هذا ليلا وهما في الليل أو في النهار يقع الطلاق ~~للحال؛ لأن هذا تحقيق وليس بتعليق بشرط؛ إذ الشرط ما يكون معدوما على خطر ~~الوجود وهذا موجود. # ولو قال: إن دخل الجمل في سم الخياط فأنت طالق لا يقع الطلاق؛ لأن غرضه ~~منه تحقيق النفي حيث علقه بأمر محال. # وأما الإضافة إلى الوقت فالزوج لا يخلو إما أن أضاف الطلاق إلى الزمان ~~الماضي وإما أن أضافه إلى الزمان المستقبل، فإن أضافه إلى الزمان الماضي ~~ينظر: إن ms1822 لم تكن المرأة في ملكه في ذلك الوقت لا يقع الطلاق، وإن كانت في ~~ملكه يقع الطلاق للحال وتلغو الإضافة، بيانه ما إذا قال لامرأته: أنت طالق ~~قبل أن أتزوجك لا يقع الطلاق؛ لأن تصحيح كلامه بطريق الإخبار ممكن؛ لأن ~~المخبر به على ما أخبر ولا يمكن تصحيحه بطريق الإنشاء إلا بإبطال الإسناد ~~إلى الماضي فكان التصحيح بطريق الإخبار. # ولو قال لها: أنت طالق أمس فإن كان تزوجها اليوم لا يقع لما قلنا وإن كان ~~تزوجها أول من أمس يقع # PageV03P132 # الساعة؛ لأنه حينئذ تعذر تصحيحه بطريق الإخبار لانعدام المخبر به فيكون ~~كذبا فيصحح بطريق الإنشاء، ثم تعذر تصحيحه إنشاء الإضافة؛ لأن إسناد الطلاق ~~الموجود للحال إلى الزمان الماضي محال فبطلت الإضافة واقتصر الإنشاء على ~~الحال فيقع الطلاق للحال. # ولو قال لأجنبية: أنت طالق إذا تزوجتك قبل أن أتزوجك ثم تزوجها وقع ~~الطلاق؛ لأنه أوقع الطلاق بعد التزوج ثم أضاف الواقع إلى ما قبل التزوج ~~فوقع الطلاق ولغت الإضافة، وكذلك إذا قال: أنت طالق قبل أن أتزوجك إذا ~~تزوجتك فتزوجها يقع الطلاق، ويلغو قوله: قبل أن أتزوجك، ولو قدم ذكر ~~التزويج فقال: إذا تزوجتك فأنت طالق قبل أن أتزوجك أو قبل ذلك ثم تزوجها ~~يقع الطلاق عند أبي يوسف، وعند محمد لا يقع. # وجه قول محمد أن المعلق بالشرط يصير كالمنجز عند وجود الشرط فيصير قائلا ~~عند التزويج أنت طالق قبل أن أتزوجك، ولو نص على ذلك لا يقع كذا هذا. # وجه قول أبي يوسف أنه أوقع الطلاق بعد التزوج ثم أضاف الواقع إلى زمان ما ~~قبل التزوج فتلغو الإضافة ويبقى الواقع علي حاله والله عز وجل أعلم. # ولو أضاف الزوج الطلاق إلى ما يستقبل من الزمان فإن أضافه إلى زمان لا ~~ملك له في ذلك الزمان قطعا لم يصح كما لو قال لها: أنت طالق بعد موتي. # وكذا إذا قال لها: أنت طالق مع موتي أو مع موتك؛ لأن معناه بعد موتي أو ~~بعد موتك،؛ لأن الطلاق معلق بوجود الموت ms1823 فصار الموت شرطا إذ الجزاء يعقب ~~الشرط فكان هذا إيقاع الطلاق بعد الموت ولا ملك بعد الموت فبطل. # ولو قال لامرأته وهي أمة: أنت طالق اثنتين مع عتق مولاك فأعتقها مولاها ~~فإن زوجها يملك الرجعة؛ لأنه تعلق طلاقها بعتق مولاها فصار عتق مولاها شرطا ~~لوقوع الطلاق فيقع بعد تمام الشرط؛ وهي حرة في ذلك الوقت. # ولو قال لها: إذا جاء غد فأنت حرة فجاء غد طلقت اثنتين ولا تحل له حتى ~~تنكح زوجا غيره في قول أبي حنيفة وأبي يوسف. # وقال محمد: هذا والأول سواء يملك الرجعة، ولا خلاف في أن عدتها ثلاث حيض. # وجه قول محمد أنه علق الطلاق والعتاق بمجيء الغد فكان حال وقوع الطلاق ~~والعتاق واحدا وهو حال مجيء الغد فيقعان معا، والعتق حال وقوعه يكون واقعا؛ ~~لأن الشيء حال وجوده يكون موجودا، والشيء في حال قيامه يكون قائما وفي حال ~~سواده يكون أسود، فالطلقتان يصادفانها وهي حرة فلا تثبت الحرمة الغليظة، ~~ولهذا كانت عدتها ثلاث حيض؛ ولهذا لم تثبت الحرمة الغليظة. # في المسألة الأولى كذا هذا. # وجه قولهما: أن الطلاق والعتاق لما علقا بمجيء الغد وقعا معا، ثم العتق ~~يصادفها وهي أمة. # وكذا الطلاق فيثبت الحرمة الغليظة بثنتين بخلاف المسألة الأولى، لأن ثمة ~~تعلق الطلاق بالعتق فيقع بعد ثبوت العتق ضرورة على ما بينا بخلاف العدة؛ ~~فإن وجوب العدة يتعقب الطلاق؛ لأن الطلاق يصادفها وهي منكوحة، ولا عدة على ~~المنكوحة فلا يكون وجوبها مقارنا لوقوع الطلاق فكان عقيب الطلاق ضرورة، وهي ~~حرة في تلك الحالة فكانت عدتها عدة الحرائر والله عز وجل أعلم فإن قال ~~لامرأته: أنت طالق غدا أو رأس شهر كذا أو في غد صح لوجود الملك وقت ~~الإضافة، والظاهر بقاؤه إلى الوقت المضاف إليه فصحت الإضافة ثم إذا جاء غد ~~أو رأس الشهر فإن كانت المرأة في ملكه أو في العدة أو في أول جزء من الغد ~~والشهر يقع الطلاق وإلا فلا كما في التعليق، وعلى هذا يخرج ما إذا قال ~~لامرأته: أنت ms1824 طالق متى لم أطلقك وسكت أنها طلقت؛ لأن متى للوقت فقد أضاف ~~الطلاق إلى وقت لا يطلقها فيه فكما فرغ من هذه الألفاظ وسكت وجد هذا الوقت ~~فيقع الطلاق. # وكذا إذا قال لها: أنت طالق ما لم أطلقك؛ لأن معنى قوله ما لم أطلقك أي: ~~في الوقت الذي لا أطلقك يقال في العرف: ما دمت تفعل كذا افعل كذا أي: في ~~الوقت الذي تفعل. # وقال الله تعالى خبرا عن عيسى - عليه الصلاة والسلام - {وأوصاني بالصلاة ~~والزكاة ما دمت حيا} [مريم: 31] أي: وقت حياتي فيصير كأنه قال: أنت طالق في ~~الوقت الذي لا أطلقك؛ فكما فرغ وسكت تحقق ذلك الوقت فيقع الطلاق، ولو قال ~~ذلك يطلقها موصولا بأن قال لها: أنت طالق ما لم أطلقك أنت طالق. # وذكر العبارتين الأخرتين فهي طالق هذه التطليقة دون التطليقة المضافة إلى ~~زمان لا يطلقها فيه عند أصحابنا الثلاثة. # وكذا لو قال لها: أنت طالق ثلاثا، ما لم أطلقك أنت طالق تقع هذه الطلقة ~~لا غير عندنا، وعند زفر يقع ثلاث تطليقات. # وجه قوله أنه أضاف الطلاق إلى وقت لا طلاق فيه وكما فرغ من # PageV03P133 # قوله ما لم أطلقك قبل قوله: طالق وجد ذلك الوقت فيقع المضاف، ولنا أن ~~المضاف إليه وقت خال عن الطلاق ولما قال أنت طالق موصولا بالكلام الأول فلم ~~يوجد وقت خال عن الطلاق؛ لأن قوله أنت طالق بجملته طلاق؛ لأنه كلام واحد ~~لكونه مبتدأ وخبرا، فلم يوجد بين الكلامين وقت لا طلاق فيه فلا يقع الطلاق ~~المضاف لانعدام المضاف إليه والله عز وجل أعلم، ولو قال: أنت طالق غدا. # وقال: عنيت آخر النهار لم يصدق في القضاء بالإجماع، ويصدق فيما بينه وبين ~~الله تعالى. # ولو قال أنت طالق في غد. # وقال عنيت في آخر النهار يصدق في القضاء في قول أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصدق في القضاء وإنما يصدق فيما بينه وبين الله ~~تعالى لا غير، وإن لم يكن له نية يقع في أول جزء من الغد ms1825 بلا خلاف. # وجه قولهما أن الغد اسم زمان؛ والزمان إذا قرن بالفعل يصير ظرفا له، سواء ~~قرن به حرف الظرف وهو حرف في أو لم يقرن به، فإن قول القائل كتبت في يوم ~~الجمعة، ويوم الجمعة سواء، فكان ذكر حرف الظرف والسكوت عنه بمنزلة واحدة، ~~ولو لم يذكر، ولو قال: أنت طالق غدا. # وقال: عنيت آخر النهار لم يصدق في القضاء؛ ولهذا لو لم يكن له نية يقع في ~~أول جزء من الغد، ولأبي حنيفة أن ما كان من الزمان ظرفا للفعل حقيقة؛ وهو ~~أن يكون كله ظرفا له يذكر بدون حرف الظرف، وما كان منه ظرفا له مجازا وهو ~~أن يكون بعضه ظرفا له والآخر ظرف ظرفه يذكر مع حروف الظرف، فلما قال: أنت ~~طالق غدا بدون حرف الظرف فقد جعل الغد كله ظرفا للطلاق حقيقة، وإنما يكون ~~كله ظرفا للطلاق حقيقة إذا وقع الطلاق في أول جزء منه، فإذا وقع في أول جزء ~~منه يبقى حكما وتقديرا فيكون جميع الغد ظرفا له بعضه حقيقة وبعضه تقديرا ~~أما إذا وقع الطلاق في آخر النهار لا يكون كل الغد ظرفا له، بل يكون ظرف ~~الظرف، فإذا قال: عنيت آخر النهار فقد أراد العدول من الظاهر فيما يتهم فيه ~~بالكذب فلا يصدق في القضاء ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى ما ~~يحتمله كلامه، ولما قال: أنت طالق في غد فلم يجعل الغد كلمة ظرف للطلاق ~~حقيقة، بل جعله ظرف الظرف وبين أن الظرف الحقيقي للطلاق هو جزء من الغد. # وذلك غير معين فكان التعيين إليه، فإذا قال: عنيت آخر النهار فقد عين ~~فيصدق في التعيين؛ لأنه نوى حقيقة كلامه، ونظيره ما إذا قال: إن صمت في ~~الدهر فعبدي حر فصام ساعة يحنث، ولو قال: إن صمت الدهر لا يحنث إلا بصوم ~~الأبد بالإجماع لما قلنا كذا هذا إلا أنه إذا لم ينو شيئا يقع الطلاق في ~~أول جزء من الغد؛ لأن الأجزاء قد تعارضت فترجح الأول منها احتياطا لثبوت ms1826 ~~الاستحقاق له من وجه الاحتمال أنه ذكر حرف الظرف لتأكيد ظرفية الغد لا ~~لبيان أنه ظرف الظرف؛ فترجح الجزء الأول على سائر الأجزاء عند استواء الكل ~~في الجواز بثبوت الاستحقاق من وجه فيقع في الجزء الأول، وقد خرج الجواب عن ~~قولهما: إن دخول حرف الظرف في الغد وعدم الدخول سواء لأنا قد بينا أنهما ~~يستويان والله عز وجل أعلم. # ولو قال لامرأته: أنت طالق اليوم وغدا يقع الطلاق في اليوم؛ لأنه جعل ~~الوقتين جميعا ظرفا لكونها طالقا ولن يكون الوقتان جميعا ظرفا إلا عند ~~الوقوع في أولهما؛ لأنه لو تأخر الوقوع إلى الغد لكان الظرف أحدهما، ولو ~~قال: أنت طالق اليوم غدا أو غدا اليوم، يؤخذ بأول الوقتين الذي تفوه به؛ ~~لأنه في الأول أوقع الطلاق في اليوم ووصف اليوم بأنه غد وهو محال فلغا ~~قوله: غدا وبقي قوله: اليوم فيقع الطلاق في اليوم، وفي الثاني أضاف الطلاق ~~إلى الغد ووصف الغد بأنه اليوم وهو محال فلغا قوله: اليوم وبقي قوله: غدا ~~فيقع الطلاق في غد. # ولو قال لها: أنت طالق متى شئت أو متى ما شئت أو إذا شئت أو إذا ما شئت ~~أو كلما شئت لا يقع الطلاق ما لم تشأ فإذا شاءت وقع؛ لأنه أضاف الطلاق إلى ~~وقت مشيئتها ووقت مشيئتها هو الزمان الذي توجد فيه مشيئتها فإذا شاءت فقد ~~وجد ذلك الزمان فيقع ولا يقتصر هذا على المجلس بخلاف قوله: إن شئت وما يجري ~~مجراه؛ لأن هذا إضافة وذا تمليك لما نبين في موضعه. # وعلى هذا الأصل يخرج الطلاق في العدة الكلام فيه: أن المرأة لا تخلو إما ~~أن كانت معتدة من طلاق رجعي أو بائن أو خلع فإن كانت معتدة من طلاق رجعي ~~يقع الطلاق عليها، سواء كان صريحا أو كناية لقيام الملك من كل وجه لأن ~~الطلاق الرجعي لا يزيل الملك، ولهذا يصح ظهاره وإيلاؤه ويثبت اللعان بينهما ~~وهذه الأحكام لا تصح إلا في الملك. # وإن كانت معتدة من طلاق بائن أو خلع وهي ms1827 # PageV03P134 # المبانة أو المختلعة فيلحقها صريح الطلاق عند أصحابنا. # وقال الشافعي: لا يلحقها. # وجه قوله: أن الطلاق تصرف في الملك بالإزالة، والملك قد زال بالخلع ~~والإبانة، وإزالة الزائل محال ولهذا لم يصح الخلع والإبانة ولنا ما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: «المختلعة يلحقها صريح الطلاق ~~ما دامت في العدة» ؛ وهذا نص في الباب ولأنها بالخلع والإبانة لم تخرج من ~~أن تكون محلا للطلاق؛ لأن حكم الطلاق إن كان ما ينبئ عنه اللفظ لغة - وهو ~~الانطلاق والتخلي وزوال القيد - فهي محل لذلك لأنها مقيدة في حال العدة ~~لأنها ممنوعة عن الخروج والبروز والتزوج بزوج آخر، والقيد هو المنع وإن كان ~~ما لا ينبئ عنه اللفظ لغة - وهو زوال حل المحلية شرعا - فحل المحلية قائم؛ ~~لأنه لا يزول إلا بالطلقات الثلاث ولم توجد فكانت المبانة والمختلعة محلين ~~للطلاق وبه تبين أن قوله: - الطلاق تصرف في الملك بالإزالة - غير سديد؛ لأن ~~زوال الملك لا ينبئ عنه اللفظ لغة ولا يدل عليه شرعا ألا ترى أن الطلاق ~~الرجعي واقع. # ولا يزول الملك بالإجماع، ولو راجعها لا ينعدم الطلاق، بل يبقى أثره في ~~حق زوال المحلية وإن انعدم أثره في حق زوال الملك بخلاف الإبانة؛ لأنها ~~إزالة الملك والملك دليل. # وأما الكناية فهل يلحقها؟ ينظر إن كانت رجعية وهي ألفاظ وهي قوله: اعتدي ~~واستبرئي رحمك وأنت واحدة يلحقها في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه لا يلحقها حتى لو قال لها اعتدي لا يلحقها شيء. # وجه هذه الرواية أن هذه كناية، والكناية لا تعمل إلا في حال قيام الملك ~~كسائر الكنايات وجه ظاهر الرواية أن الواقع بهذا النوع من الكناية رجعي ~~فكان في معنى الصريح فيلحق الخلع والإبانة في العدة كالصريح. # وإن كانت بائنة كقوله: أنت بائن ونحوه ونوى الطلاق لا يلحقها بلا خلاف؛ ~~لأن الإبانة قطع الوصلة، والوصلة منقطعة فلا يتصور قطعها ثانيا بخلاف ~~الطلاق؛ لأنه إزالة القيد وإزالة حل المحلية، وكل ذلك قائم؛ ولأنه يمكن ~~تصحيح هذا الكلام ms1828 بطريق الإخبار لأن المخبر به على ما أخبر ولا يمكن تصحيحه ~~بطريق الإنشاء؛ لأن إبانة المبان محال فيصحح بطريق الإخبار؛ لأنه يكون كذبا ~~فيصحح بطريق الإنشاء؛ ولأن الإبانة تحريم شرعا، وهي محرمة وتحريم المحرم ~~محال، وسواء نجز الإبانة في حال قيام العدة أو علقها بشرط بأن قال لها في ~~العدة: إن دخلت هذه الدار فأنت بائن، ونوى الطلاق حتى لو دخلت الدار وهي في ~~العدة لا يقع الطلاق؛ لأن الإبانة قطع الوصلة فلا ينعقد إلا في حال قيام ~~الوصلة وهو الملك ولم يوجد فلا ينعقد، ولو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت ~~بائن أو حرام ونحو ذلك ثم أبانها أو خالعها ثم دخلت الدار وهي في العدة ~~وقعت عليها تطليقة بالشرط في قول أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر: لا يقع ويبطل التعليق وجه قوله إن التعليق بالشرط يصير تنجيزا ~~عند الشرط تقديرا، ولو نجز الإبانة عند الشرط لا يقع شيء لعدم الملك. # (ولنا) أن التعليق وقع صحيحا لقيام الملك عند وجوده من كل وجه فانعقد ~~موجبا للبينونة وزال الملك عند وجود الشرط من كل وجه، إلا أن الإبانة ~~الطارئة أوجبت زوال الملك من وجه للحال وبقي من وجه حال قيام العدة لقيام ~~بعض آثار الملك فخرج التعليق من أن يكون سببا لزوال الملك عند الشرط من كل ~~وجه؛ لزوال الملك من وجه للحال بالتنجيز فبقي سببا لزوال الملك من وجه، ~~وفيه تصحيح التصرفين في حق الحكم بقدر الإمكان فكان أولى من تصحيح أحدهما ~~وإبطال الآخر، بخلاف تنجيز الإبانة على المعتدة المبانة وتعليقها أنهما لا ~~يصحان؛ لأن ثمة الملك وقت التنجيز، والتعليق قائم من وجه دون وجه فقيامه من ~~وجه لقيام العدة يوجب الصحة، وزواله من وجه يمنع الصحة وما لم تعرف صحته ~~إذا وقع الشك في صحته لا يصح بالشك بخلاف التعليق في مسألتنا؛ لأنه وقع ~~صحيحا بيقين لقيام الملك من كل وجه، فتنجيز الإبانة المعترضة يقع الشك في ~~بطلانه فلا يبطل مع الشك فهو الفرق بين الفصلين، والله عز وجل ms1829 أعلم. # ولو آلى منها لم يصح إيلاؤه في حكم البر؛ لأن الإيلاء في حق أحد الحكمين ~~- وهو البر - تعليق الإبانة شرعا، وشرط البر - وهو عدم القربان في المدة ~~وقيام الملك - شرط صحة الإبانة تنجيزا كان أو تعليقا كما في التعليق ~~الحقيقي على ما مر؛ لأن الطلاق في الإيلاء إنما يقع عند مضي المدة من غير ~~قربانها، ويصير فيه ظالما يمنع حقها في الوطء في المدة ولا حق للمبانة ~~والمختلعة في الوطء فلا يصح الإيلاء في حق الطلاق، ولو آلى من زوجته ثم ~~أبانها ونوى الطلاق أو خلعها قبل مضي أربعة أشهر ثم مضت أربعة أشهر قبل أن ~~يقربها وهي في العدة وقع الطلاق # PageV03P135 # عندنا خلافا لزفر بناء على أن الإبانة الناجزة يلحقها الإبانة بتعليق ~~سابق عندنا خلافا له. # ولا يصح ظهاره من المبانة والمختلعة؛ لأن الظهار تحريم والمحرمة قد تثبت ~~بالإبانة والخلع السابق وتحريم المحرم ممتنع. # ولو علق الظهار بشرط في الملك بأن قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت علي ~~كظهر أمي ثم أبانها فدخلت الدار وهي في العدة لا يصير مظاهرا منها بالإجماع ~~وهذا حجة زفر، ووجه الفرق لنا بين الظهار وبين الكناية البائنة من وجهين: ~~أحدهما ما ذكرنا أن الظهار يوجب حرمة مؤقتة بالكفارة وقد تثبت الحرمة ~~بالإبانة من كل وجه فلا يحتمل التحريم بالظهار بخلاف الكناية المنجزة؛ ~~لأنها توجب زوال الملك من وجه دون وجه قبل انقضاء العدة فلا يمنع ثبوت حكم ~~التعليق، والثاني أن الظهار يوجب حرمة ترتفع بالكفارة، والإبانة توجب حرمة ~~لا ترتفع إلا بنكاح جديد فكانت الحرمة الثابتة بالإبانة أقوى الحرمتين، ~~والثابتة بالظهار أضعفهما فلا تظهر بمقابلة الأقوى بخلاف تنجيز الكناية ~~وتعليقها فإن كل واحد منهما في إيجاب البينونة وزوال الملك على السواء ~~فيعمل بهما بالقدر الممكن وفيما قلنا عمل بهما جميعا على ما بينا. # ولو خيرها في العدة لا يصح بأن قال لها: اختاري فاختارت نفسها في العدة ~~حتى لا يقع شيء بالإجماع؛ لأن التنجيز تمليك والتمليك بلا ملك لا يتصور، ~~ولو قال ms1830 لامرأته: إذا جاء غد فاختاري، ثم أبانها فاختارت نفسها في العدة لا ~~يقع شيء بالإجماع وهذا أيضا حجة زفر، والفرق لنا بين التنجيز وبين تعليق ~~الكناية الثابتة بشرط أنه لما قال لها إذا جاء غد فاختاري فقد ملكها الطلاق ~~غدا، ولما أبانها فقد أزال الملك للحال من وجه وبقي من وجه على ما بينا، ~~والملك من وجه لا يكفي للتمليك ويكفي للإزالة كما في الاستيلاد والتدبر ~~المطلق حتى لا يجوز بيع أم الولد والمدبر المطلق ويجوز إعتاقهما كذا هذا، ~~ولأن التنجيز يعتبر فيه جانب الاختيار لا جانب التنجيز، والتعليق يعتبر فيه ~~جانب اليمين لا جانب الشرط بدليل أنه لو شهد شاهدان بالتنجيز وشاهدان ~~بالاختيار ثم رجع الشهود فالضمان على شاهدي الاختيار لا على شاهدي التنجيز ~~وبمثله لو شهد شاهدان باليمين وشاهدان بالدخول ثم رجعوا ضمن شهود اليمين لا ~~شهود الدخول. # وإذا كان المعتبر في التنجيز هو اختيار المرأة لا تخيير الزوج يعتبر قيام ~~الملك وقت اختيارها، وهي مبانة وقت اختيارها فلم يقع شيء، ولما كان المعتبر ~~في التعليق هو اليمين لا الشرط يعتبر قيام الملك وقت اليمين لا وقت الشرط، ~~ولو قذفها بالزنا لا يلاعن؛ لأن اللعان لم يشرع إلا بين الزوجين قال الله ~~سبحانه وتعالى {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] والزوجية قد انقطعت ~~بالإبانة والخلع، وكل فرقة توجب حرمة مؤبدة كحرمة المصاهرة والرضاع فإن ~~الطلاق لا يلحقها وإن كانت في العدة؛ لأن تحريم المحرم لا يتصور ولأن ~~الثابت بالطلاق حرمة مؤقتة والثابت بالرضاع والمصاهرة حرمة مؤبدة والحرمة ~~المؤبدة أقوى الحرمتين فلا يظهر الأضعف في مقابلة الأقوى، وكذلك لو اشترى ~~امرأته بعد ما دخل بها لا يلحقها الطلاق؛ لأنها ليست بمعتدة ألا ترى أنه ~~يحل له وطؤها ولا يحل وطء المعتدة بحال؟ وكذا لو قال لمنكوحته وهي أمة ~~الغير: أنت طالق للسنة ثم اشتراها وجاء وقت السنة لا يقع شيء لما ذكرنا ~~أنها ليست بمعتدة والطلاق المعلق بشرط أو المضاف إلى وقت لا يقع في غير ملك ~~النكاح والعدة، ولو قال ms1831 العبد لامرأته وهي حرة: أنت طالق للسنة ثم أبانها ~~ثم جاء وقت السنة يقع عليها الطلاق؛ لأنها معتدة منه، وكذلك إذا قال الرجل ~~لامرأته وهي أمة الغير: أنت طالق للسنة ثم اشتراها فأعتقها ثم جاء وقت ~~السنة وقع عليها الطلاق؛ لأنها معتدة منه لظهور حكم العدة بعد الإعتاق. # وإذا ارتد الرجل ولحق بدار الحرب فطلق المرأة لم يقع على المرأة طلاقه ~~وإن كانت في العدة؛؛ لأن العصمة قد انقطعت بينهما بلحاقه بدار الحرب فلا ~~يقع عليها طلاقه، كما لا يقع على المرأة طلاقه بعد انقضاء العدة فإن عاد ~~إلى دار الإسلام وهي في العدة وقع طلاقه عليها؛ لأن المانع من الطلاق ~~اختلاف الدارين وقد زال فإن ارتدت المرأة ولحقت بدار الحرب فطلق المرأة لم ~~يقع طلاق الزوج عليها؛ لأن العصمة قد انقطعت بلحاقها في بدار الحرب فصارت ~~كالمنقضية العدة، فإن عادت قبل الحيض لم يقع طلاق الزوج عليها في قول أبي ~~حنيفة. # وقال أبو يوسف: يقع طلاقه عليها (وجه) قول أبي يوسف أن العدة باقية حقيقة ~~إلا أنه لم يظهر حكمها للحال لمانع وهو اللحاق لاختلاف الدارين، فإن عادت ~~إلى دار الإسلام فقد زال المانع فظهر حكم # PageV03P136 # العدة كما في جانب الرجل، ولأبي حنيفة أن المرتدة بلحاقها بدار الحرب ~~صارت كالحربية الأصلية ألا ترى أنها تسترق كالحربية فبطلت العدة في حقها ~~أصلا فلا تعود بعودها إلى دار الإسلام بخلاف المرتد. # وعلى هذا الأصل يخرج عدد الطلاق قبل الدخول أنه إن أوقع مجتمعا يقع الكل ~~وإن أوقع متفرقا لا يقع إلا الأول؛ لأن الإيقاع إذا كان مجتمعا فقد صادف ~~الكل محله - وهو الملك - فيقع الكل. # وإذا كان مفترقا فقد بانت بالأول، والثاني والثالث صادفها ولا ملك ولا ~~عدة فلا يقع، وبيان هذا الأصل في مسائل إذا قال لامرأته قبل الدخول بها: ~~أنت طالق ثلاثا أو قال: أنت طالق اثنتين وقع ذلك عند عامة العلماء. # وقال الحسن البصري: لا يقع إلا واحدة ويلغو قوله: ثلاثا أو اثنتين (وجه) ~~قوله إن قوله: أنت ms1832 طالق كلام تام لكونه مبتدأ وخبرا وقد سبق العدد في الذكر ~~فيسبق في الوقوع فبين بقوله أنت طالق، والعدد يصادفها بعد حصول البينونة ~~فيلغو كما إذا قال: أنت طالق وطالق. # (ولنا) أنه أوقع الثلاث جملة واحدة فيقع جملة واحدة، ودلالة الوصف من ~~وجهين: أحدهما أن العدد هو الواقع وهو الثلاث وقد أوقع الثلاث مجتمعا، ~~والثاني أن الكلام إنما يتم بآخره؛ لأن المتكلم ربما يعلق كلامه بشرط أو ~~بصفة إلى وقت أو يلحق به الاستثناء لحاجته إلى ذلك فيقف أول الكلام على ~~آخره، وإذا وقف عليه صار الكل جملة واحدة فيقع الكل جملة واحدة ولا يتقدم ~~البعض على البعض، ولهذا لو قال لها: أنت طالق واحدة فماتت بعد قوله طالق ~~قبل قوله واحدة لم يقع شيء؛ لأن الواقع هو العدد وذلك وجد بعد الموت. # وكذا لو قال لها: أنت طالق ثلاثا إن شاء الله فماتت بعد قوله ثلاثا قبل ~~قوله إن شاء الله لا يقع شيء؛ لأنه توقف أول الكلام على وجود آخره المغير ~~له فلم يتعلق بأوله حكم فلا يقع به شيء في حال الحياة، ولا يقع بعد الموت ~~لعدم التطليق عند وجود الاستثناء وعدم المحل أيضا، وكذلك إذا ذكر بعده ما ~~هو صفة له وقع بتلك الصفة كما إذا قال: أنت طالق بائن أو حرام؛ لأن الصفة ~~مع الموصوف كلام واحد فلا يفصل البعض عن البعض في الوقوع. # وفائدة هذا لا تظهر في التنجيز؛ لأن الطلاق قبل الدخول لا يقع إلا بائنا ~~سواء وصفه بالبينونة أم لم يصفه، وإنما تظهر في التعليق بأن يقول لها: أنت ~~طالق بائن إن دخلت الدار إنه لا يتنجز بل يتعلق بالدخول؛ لأن قوله: بائن ~~بين الإيقاع والشرط لا يقع فاصلا بينهما لما ذكرنا أن الصفة مع الموصوف ~~كلام واحد فلا يكون حائلا بين الإيقاع والشرط فلا يمنع التعليق بالشرط، ولو ~~قال لها: أنت طالق واحدة مع واحدة أو معها واحدة يقع ثنتان؛ لأن كلمة مع ~~للمقارنة فقد أوقع الطلاقين معا فيقعان معا كما ms1833 لو كانت مدخولا بها. # وكذا لو قال: أنت طالق واحدة قبلها واحدة أو واحدة بعد واحدة؛ لأن هذا ~~إيقاع طلقة واحدة للحال وإضافة طلقة أخرى إلى الزمان الماضي فيقع في الحال ~~واحدة ولم تصح إضافة الأخرى إلى الماضي لما فيه من الاستحالة فيقع في ~~الحال، ولو قال: أنت طالق واحدة قبلها واحدة أو واحدة بعدها واحدة يقع ~~واحدة؛ لأنه أوقع تطليقة واحدة وأعقبها بتطليقة أخرى فوقعت الأولى ولغت ~~الثانية لعدم الملك والعدة. # ولو كرر لفظ الطلاق فالأمر لا يخلو إما أن كرر بدون حرف العطف وإما أن ~~يكون بحرف العطف، وكل ذلك لا يخلو إما أن نجز أو علق. # فإن كرر بغير حرف العطف ونجز بأن قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق أو ~~قال: أنت طالق طالق طالق؛ يقع الأولى ويلغو الثانية والثالثة؛ لأنه أوقع ~~متفرقا أما في قوله: أنت طالق أنت طالق أنت طالق؛ فلأن كل واحد من هذه ~~الألفاظ الثلاثة كلام تام؛ لأنه مبتدأ وخبر، وكل واحد منهما وجد متفرقا ~~فكان كل واحد منهما إيقاعا متفرقا فيقتضي الوقوع متفرقا فتحصل البينونة ~~بالأولى، والثاني والثالث يصادفها ولا ملك ولا عدة فيلغوا وكذلك إذا قال: ~~أنت طالق طالق طالق؛ لأن الثاني والثالث خبر لا مبتدأ له فيعاد المبتدأ ~~كأنه قال: أنت طالق أنت طالق. # وإن علق بشرط فإن قدم الشرط بأن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق طالق طالق، ~~فالأولى يتعلق بالشرط لوجود التعليق الصحيح وهو ذكر شرط وجزاء في الملك، ~~والثاني ينزل في الحال؛ لأن قوله: أنت طالق إيقاع تام، وقوله: وطالق معناه ~~أنت طالق وإنه إيقاع تام؛ لأنه مبتدأ وخبر وقد صادف محله - وهو المنكوحة - ~~فيقع ويلغو الثالث لوقوع البينونة بالإيقاع، ولو تزوجها ودخلت الدار ينزل ~~المعلق؛ لأن اليمين باقية؛ لأنها لا تبطل بالإبانة فوجد الشرط وهي في ملكه ~~فينزل الجزاء، ولو دخلت الدار بعد البينونة قبل التزوج تنحل اليمين ولا # PageV03P137 # يقع الطلاق وإن كانت مدخولا بها؛ فالأول يتعلق بالشرط لما ذكرنا، والثاني ~~والثالث ينزلان للحال؛ لأن ms1834 كل واحد منهما إيقاع صحيح لمصادفته محله، وإن ~~أخر الشرط بأن قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق إن دخلت الدار، أو قال: أنت ~~طالق طالق طالق إن دخلت الدار فالأول ينزل في الحال؛ لأنه إيقاع تام صادف ~~محله، ويلغو الثاني والثالث بحصول البينونة بالأولى فلم يصح التعليق لعدم ~~الملك، وإن كانت مدخولا بها يقع الأول والثاني للحال ويتعلق الثالث بالشرط؛ ~~لأن الأول والثاني كل واحد منهما إيقاع تام لكونه مبتدأ وخبرا وقد صادف ~~محله فوقع للحال، والثالث علقه بالشرط فتعلق به لحصول التعليق حال قيام ~~العدة فصادف التعليق محله فصح بخلاف الفصل الأول. # وإن كرر بحرف العطف فإن نجز الطلاق بأن قال: أنت طالق ثم طالق ثم طالق، ~~أو قال: أنت طالق فطالق فطالق لا يقع إلا الأول بلا خلاف؛ لأنه أوقع الثلاث ~~متفرقا لوجود حروف موضوعة للتفرق؛ لأن ثم للترتيب مع التراخي والفاء ~~للترتيب مع التعقيب. # ووقوع الطلقة الأولى يمنع من ترتيب الثانية والثالثة عليها، وكذلك إذا ~~قال: أنت طالق وطالق وطالق عند عامة العلماء. # وقال مالك: يقع الثلاث. # (وجه) قوله أن الواو للجمع والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع فكان هذا ~~إيقاع الثلاث جملة واحدة، كأنه قال: أنت طالق ثلاثا. # (ولنا) أن الواو للجمع المطلق، والجمع المطلق في الوجود لا يتصور، بل ~~يكون وجوده على أحد الوضعين عينا، إما القران وإما الترتيب فإن كان الوقوع ~~بصفة الترتيب لا يقع إلا الأول، وإن كان بصفة القران يقع الثاني والثالث ~~فيقع الشك في وقوع الثاني والثالث فلا يقع بالشك، وإن علق بشرط فإما أن قدم ~~الشرط على الجزاء وإما أن أخره عنه فإن قدمه بأن قال: إن دخلت الدار فأنت ~~طالق وطالق وطالق، تعلق الكل بالشرط بالإجماع حتى لا يقع شيء قبل دخول ~~الدار، فإذا دخلت الدار قبل الدخول بها لا يقع إلا واحدة في قول أبي حنيفة، ~~وإن دخلت الدار قبل الدخول بها فيقع الثلاث بالإجماع، لكن عند أبي حنيفة ~~على التعاقب، وعندهما يقع على الجمع وعلى هذا ms1835 الخلاف إذا قال لأجنبية إن ~~تزوجتك فأنت طالق وطالق وطالق فتزوجها لا يقع إلا واحدة عنده وعندهما يقع ~~الثلاث. # ولو قال: إن تزوجتك فأنت طالق وأنت علي كظهر أمي فتزوجها طلقت ولم يصر ~~مظاهرا منها عنده خلافا لهما، ولو قدم الظهار على الطلاق بأن قال: إن ~~تزوجتك فأنت علي كظهر أمي وأنت طالق يقع الطلاق والظهار جميعا بالإجماع ~~(وجه) قولهما أنه أوقع الثلاث جملة واحدة فيقع جملة واحدة، كما إذا قال: إن ~~دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا، ودلالة الوصف أنه جمع التطليقات الثلاث بحرف ~~الجمع - وهو الواو - والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع لغة وشرعا: أما ~~اللغة فإن قول القائل: جاءني زيد وزيد وزيد، وقوله: جاءني الزيدون سواء. # وأما الشرع فإن من قال: لفلان علي ألف درهم ولفلان كان الألف بينهما كما ~~لو قال لهذين الرجلين علي ألف درهم. # وكذا الفضولي إذا زوج رجل امرأة وفضولي آخر زوج أخت تلك المرأة من ذلك ~~الرجل فبلغه النكاحان فقال أجزت نكاح هذه وهذه، بطل النكاحان جميعا كما لو ~~قال: أجزت نكاحهما فثبت أن الجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع، ولو جمع ~~بلفظ الجمع بأن قال: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق ثلاثا لوقع الثلاث سواء ~~دخلتها قبل الدخول بها أو بعد الدخول كذا هذا، ولا يلزم التنجيز فإنه لو ~~ذكر لفظ الجمع قبل الدخول بها بأن قال: أنت طالق ثلاثا يقع الثلاث، ولو ذكر ~~بحرف الجمع لا يقع إلا واحدة بأن قال لها: أنت طالق وطالق وطالق؛ لأن العطف ~~والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ الجمع إذا صح العطف والجمع في التنجيز لم ~~يصح؛ لأنه لما قال لها: أنت طالق فقد بانت بواحدة لعدم العدة فامتنع وقوع ~~الثاني والثالث لانعدام محل الطلاق بخلاف التعليق بالشرط؛ لأن التعليق ~~بالشرط قد صح، وصح التكلم بالثاني والثالث؛ لأن ملكه قائم بعد التعليق فصح ~~التكلم به، وإذا صح التكلم بحرف الجمع صار التكلم به كالتكلم بلفظ الجمع؛ ~~ولهذا وقع الثلاث إذا أخر الشرط كذا هذا، ولأبي حنيفة ms1836 أن قوله إن دخلت ~~الدار فأنت طالق وطالق وطالق إيقاع الثلاث متفرقا في زمان ما بعد الشرط ~~فيقتضي الوقوع متفرقا كما إذا قال لامرأته قبل الدخول بها: أنت طالق واحدة ~~بعدها أخرى. # ولا شك أن الإيقاع إن كان متفرقا يكون بالوقوع متفرقا؛ لأن الوقوع على ~~حسب الإيقاع؛ لأنه حكمه والحكم يثبت # PageV03P138 # على وفق العلة، والدليل عليه أنه أوقع الثلاث في زمان ما بعد الشرط؛ لأن ~~الإيقاع هو كلامه السابق إذ لا كلام منه سواه، وكلامه متفرق فإن قوله: طالق ~~كلام تام مبتدأ وخبر، وقوله: وطالق معطوف على الأول تابعا فيكون خبر الأول ~~خبرا له كأنه قال: أنت طالق وأنت طالق وأنت طالق. # وهذه كلمات متفرقة فيكون الأول متفرقا ضرورة فيقتضي الوقوع متفرقا، وهو ~~أن يقع الأول ثم الثاني ثم الثالث، فإن لم تكن المرأة مدخولا بها فدخول ~~الأول يمنع وقوع الثاني والثالث عقيبه لانعدام الملك والعدة؛ ولهذا لم يقع ~~في التنجيز إلا واحدة لكون الإيقاع متفرقا إلا أن هناك أوقع متفرقا في ~~الحال في زمان بعد الشرط ولا يلزم ما إذا قال لها: إن دخلت هذه الدار فأنت ~~طالق ثلاثا فدخلتها إنه يقع الثلاث؛ لأن هناك ما أوقع الثلاث متفرقا، ~~أوقعها جملة واحدة؛ لأن قوله: أنت طالق ثلاثا موضوع العدد معلوم لغة ألا ~~ترى أن في التنجيز كذلك؟ فكذا في التعليق، ولا يلزم ما إذا أخر الشرط؛ ~~لأنهم وضعوا هذا الكلام عند تأخير الشرط ذكرا لإيقاع الثلاث جملة وإن كان ~~متفرقا من حيث الصورة لضرورة دعتهم إلى ذلك؛ وهي ضرورة تدارك الغلط؛ لأن ~~الطلاق والعتاق مما يجري على اللسان غلطا من غير قصد، فوضعوا الشرط ~~والاستثناء في الكلام لتدارك الغلط حتى إذا لم يكن ذلك عن قصد الحق الرجل ~~به الاستثناء فيقول: إن شاء الله تعالى أو يقول: إن دخلت الدار فصار هذا ~~الكلام عند تأخير الشرط لإيقاع الثلاث جملة وضعا وإن كان من حيث الصورة ~~متفرقا لحاجتهم إلى تدارك الغلط وهم أهل اللسان فلهم ولاية الوضع، والحاجة ~~إلى تدارك ms1837 الغلط عند تأخير الشرط لا عند تقديمه فيجب العمل بحقيقة الوضع ~~الآخر عند التقديم. # ولا يلزم ما إذا قال لامرأته: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق ثم قال في ~~اليوم الثاني: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق ثم قال: في اليوم الثالث: إن ~~دخلت هذه الدار فأنت طالق ثم دخلت الدار أنه يقع الثلاث، وإن كان الإيقاع ~~متفرقا؛ لأن هناك ما أوقع الثلاث متفرقا في زمان ما بعد الشرط؛ لأن ذلك ~~الكلام ثلاثة أيمان، كل واحدة منها جعلت علما على الانطلاق في زمان واحد ~~بعد الشرط فكان زمان ما بعد الشرط - وهو دخول الدار - وقت الحنث في الأيمان ~~كلها فيقع جملة ضرورة حتى لو قال لها: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق ثم قال ~~في اليوم الثاني: إن دخلت هذه الدار الأخرى فأنت طالق ثم قال في اليوم ~~الثالث إن دخلت هذه الدار فأنت طالق لا يقع بكل دخلة إلا طلاق واحد؛ لأن ~~الموجود ثلاثة أيمان، لكل واحد شرط على حدة بخلاف مسألتنا فإن الموجود يمين ~~واحدة، ولها شرط واحد. # وقد جعل الحالف جزاء هذه اليمين إيقاعات متفرقة في زمان ما بعد الشرط فلا ~~بد من تفرق الإيقاعات في زمان ما بعد الشرط فيقع كل جزاء في زمان كما في ~~قوله: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق واحدة بعدها أخرى، بخلاف ما إذا قال: إن ~~دخلت الدار فأنت طالق ونصف؛ لأن هناك ما أوقع متفرقا، بل مجتمعا؛ لأن قوله: ~~طالق ونصف اسم واحد بمسمى واحد، وإن كان النصف معطوفا على الواحد كقولنا ~~أحد وعشرون ونحو ذلك فكان ذلك تطليقتين على الجمع ولهذا كان في التخيير ~~كذلك فكذلك في التعليق. # وبخلاف قوله إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة لا بل ثنتين؛ لأن ذلك إيقاع ~~الثلاث علة في زمان ما بعد الشرط؛ لأنه أوقع الواحدة ثم تدارك الغلط بإقامة ~~الثنتين مقام الواحدة والرجوع عن الأول، والرجوع لم يصح؛ لأن تعليق الطلاق ~~لا يحتمل الرجوع عنه، وصح إيقاع التطليقتين فكان إيقاع الثلاث بعد ms1838 الشرط في ~~زمان واحد كأنه قال: إن دخلت الدار فأنت طالق ثلاثا وههنا بخلافه. # وأما قوله: أنه جمع بين الإيقاعات بحرف الجمع وهو الواو؛ فالجواب عنه من ~~وجهين: أحدهما أن الواو للجمع المطلق من غير التعرض لصفة القران والترتيب، ~~والجمع المطلق في الوجود لا يتصور؛ لأنه لا يوجد إلا مقيدا بأحد الوصفين، ~~فبعد ذلك حمله على القران يكون عدولا عن حقيقة الكلمة وجعلها مجازا عن كلمة ~~مع، ونحن نحمله على الترتيب ونجعله مجازا عن كلمة ثم فوقع التعارض فسقط ~~الاحتجاج بحرف الواو مع ما أن الترجيح معنا من وجهين: أحدهما أن الحمل على ~~الترتيب موافق للحقيقة لوجود الإيقاع متفرقا حقيقة لا موجب حرف الواو، ~~والحمل على القران يخالف الحقيقة فكان الحمل على الترتيب أولى. # والثاني أن الحمل على الترتيب يمنع من وقوع الثاني والثالث # PageV03P139 # والحمل على القران يوجب الوقوع فلا يثبت الوقوع بالشك على الأصل المعهود ~~إن ما لم يكن ثابتا، ووقع الشك في ثبوته لا يثبت بالشك بخلاف مسألة الفضولي ~~فإنه كما لا يجوز الجمع بين الأختين على المقارنة لا يجوز على الترتيب ~~فأمكن العمل بحرف الواو فيما يقتضيه وهو الجمع المطلق، وفي مسألة الإقرار ~~توقف أول الكلام على آخره لضرورة تدارك الغلط والنسيان؛ إذ قد يكون على ~~إنسان حق لاثنين فيقر بكل الحق لأحدهما على السهو والغفلة ثم يتذكر فيتدارك ~~بهذه اللفظة فوقف أول الكلام على آخره وصارت الجملة إقرارا واحدا لهما ~~للضرورة كما قلنا في تأخير الشرط في الطلاق، ومثل هذه الضرورة في مسألتنا ~~منعدمة فيجب العمل بالحقيقة. # ولو علق بحرف الفاء بأن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق فطالق فطالق، فجعل ~~الكرخي والطحاوي حرف الفاء ههنا كحرف الواو وأثبتا الخلاف فيه. # والفقيه أبو الليث جعله مثل كلمة بعد وعده مجمع عليه فقال: إذا كانت غير ~~مدخول بها لا يقع إلا واحدة بالإجماع، وهكذا ذكر الشيخ الإمام الأجل ~~الأستاذ علاء الدين - رحمه الله تعالى -. # وهذا أقرب إلى الفقه؛ لأن الفاء للترتيب مع التعقيب ووقوع الأول يمنع من ms1839 ~~تعقب الثاني والثالث، ولو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق ~~فالأول يتعلق بالشرط والثاني يقع للحال ويلغو الثالث في قول أبي حنيفة كما ~~إذا لم يذكر الواو ولا الفاء بأن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق طالق طالق، ~~فإن تزوج بها ودخلت الدار ولم تكن دخلت قبل ذلك الدار نزل المعلق، وإن كانت ~~مدخولا بها يتعلق الأول بالشرط وتقع الثانية والثالثة في الحال، فإن دخلت ~~الدار وهي في العدة أو دخلتها بعد أن راجعها نزل المعلق. # وقال أبو يوسف ومحمد: يتعلق الكل بالشرط حتى لا يقع شيء في الحال وإذا ~~دخلت الدار يقع واحدة وإن كانت مدخولا بها يقع الثلاث على التعاقب كما إذا ~~قال: إن دخلت الدار فأنت طالق واحدة وبعدها واحدة وبعدها واحدة وكما قال ~~أبو حنيفة في حرف الواو: وجه قولهما أن عطف البعض على البعض بحرف العطف؛ ~~لأن ثم حرف عطف كالواو فيتعلق الكل بالشرط، ثم الوقوع بعد الشرط يكون على ~~التعاقب بمقتضى حرف ثم؛ لأنه للترتيب مع التراخي فيعتبر أن معنى العطف في ~~التعليق ومعنى الترتيب في الوقوع على ما نذكر، ولأبي حنيفة أن قوله: إن ~~دخلت الدار فأنت طالق يمين تامة لوجود الشرط والجزاء وأنها منعقدة لحصولها ~~في الملك، فلما قال: ثم طالق فقد تراخى الكلام الثاني عن الأول فصار كأنه ~~سكت ثم قال لها: أنت طالق فيقع في الحال ولا يتعلق بالشرط، وأبو حنيفة ~~يعتبر معنى الكلمة وهو التراخي في نفس الكلام فكان الفصل بين الكلام الأول ~~والثاني بالتراخي كالفصل بالسكوت على ما نذكر إن شاء الله تعالى. # ولو أخر الشرط بأن قال: أنت طالق وطالق وطالق إن دخلت الدار، أو قال: أنت ~~طالق فطالق فطالق إن دخلت الدار تعلق الكل بالشرط فإن وجد الشرط يقع الثلاث ~~بالإجماع؛ لأن أهل اللغة وضعوا هذا الكلام على تأخير الشرط لإيقاع الثلاث ~~جملة في زمان ما بعد الشرط لحاجتهم إلى تدارك الغلط على ما بينا فيما تقدم. # ولو قال: أنت طالق إن ms1840 دخلت الدار أنت طالق إن دخلت الدار أنت طالق إن ~~دخلت الدار، أو قدم الشرط بأن قال: إن دخلت فأنت طالق، قال ذلك ثلاثا، ~~يتعلق الكل بالدخول فما لم تدخل لا يقع شيء، وإذا دخلت الدار دخلة واحدة ~~يقع الثلاث بالإجماع لما قلنا أن هذه أيمان ثلاثة لها شرط واحد؛ كل يمين ~~إيقاع الطلاق الثلاث في زمان واحد وهو ما بعد الشرط فكان إيقاع الثلاث جملة ~~- في زمان ما بعد الشرط - لا متفرقا فإذا وجد الشرط يقع جملة. # ولو قال: أنت طالق ثم طالق ثم طالق إن دخلت الدار، فالأول يقع للحال ~~ويلغو الثاني والثالث في قول أبي حنيفة وإن كانت مدخولا بها يقع الأول ~~والثاني للحال ويتعلق الثالث بالشرط. # وقال أبو يوسف ومحمد: يتعلق الكل بالشرط ولا يقع إلا واحدة وإن كانت ~~مدخولا بها يقع الثلاث سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول بها، وجعل ثم ~~عندهما في هذه الصورة كالواو والفاء. # وجه قولهما على ظاهر الرواية عنهما: أن ثم حرف عطف كالواو والفاء ولها ~~معنى خاص، وهو التراخي فيجب اعتبار المعنيين جميعا فاعتبرنا معنى العطف في ~~تعليق الكل بالشرط كما في حرف الواو والفاء، واعتبرنا معنى التراخي في ~~الوقوع وهذا يمنع وقوع الثانية والثالثة قبل الدخول بها. # وجه قول أبي حنيفة أن كلمة ثم موضوعة # PageV03P140 # للتراخي وقد دخلت على الإيقاع فيقتضي تراخي الثاني عن الأول في الإيقاع ~~كأنه قال: أنت طالق وسكت ثم قال: فطالق وطالق إن دخلت الدار فيقع الأول ~~للحال ويلغو الثاني والثالث؛ لأنهما حصلا بعد ثبوت البينونة بالأول فلا ~~يقعان في الحال ولا يتعلقان بالشرط أيضا لانعدام الملك وقت التعليق، فلم ~~يصح التعليق فالحاصل أنهما يعتبران معنى التراخي في الوقوع لا في الإيقاع، ~~وأبو حنيفة يعتبر معنى التراخي في الإيقاع؛ لأن الحكم الإيقاع، واعتبار أبي ~~حنيفة أولى؛ لأن كلمة التراخي دخلت على الإيقاع والتراخي في الإيقاع يوجب ~~التراخي في الوقوع؛ لأن الحكم يثبت على وفق العلة،. # فأما القول بتراخي الوقوع من غير تراخي الإيقاع فقول ms1841 بإثبات حكم العلة ~~على وجه لا تقتضيه العلة وهذا لا يجوز. # وروي عن أبي يوسف فيمن قال لامرأته أنت طالق - أستغفر الله - إن دخلت ~~الدار، موصولا أو قال: سبحان الله أو الحمد لله أنه يدين فيما بينه وبين ~~الله تعالى ويقع في القضاء في الحال؛ لأن هذا كلام لا تعلق له بالطلاق ~~فيكون فاصلا بين الجزاء والشرط فيمنع التعليق كما لو سكت بينهما من غير ~~ضرورة السعال فيقع في الحال في القضاء، ولا يصدق إن أراد به التعليق؛ لأنه ~~خلاف الظاهر ويدين فيما بينه وبين الله عز وجل؛ لأنه نوى ما يحتمله كلامه. # وكذا إذا تنحنح من غير سعال غشيه أو تساعل؛ لأنه لما تنحنح من غير ضرورة ~~أو تساعل فقد قطع كلامه فصار كما لو قطعه بالسكوت. # ولو قال: أنت طالق واحدة وعشرين أو واحدة وثلاثين أو واحدة وأربعين أو ~~قال: أحدا وعشرين أو أحدا وثلاثين أو أحدا وأربعين وقعت ثلاثا في قول ~~أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر: لا يقع إلا واحدة. # وجه قوله أنه أوقع الثلاث متفرقا؛ لأنه عطف عددا على عدد، فوقوع الأول ~~يمنع وقوع الثاني كما إذا قال لها: أنت طالق وطالق أو فطالق، ولنا أن قوله: ~~أحدا وعشرين في الوضع كلام واحد وضع لمسمى واحد ألا ترى أنه لا يمكن أن ~~يتكلم به إلا على هذا الوجه؟ فلا يفصل البعض عن البعض كقوله: أنت طالق ~~ثلاثا، وعلى هذا الخلاف إذا قال: أنت طالق اثنتين وعشرين أو اثنتين وثلاثين ~~أو اثنتين وأربعين أو قال: اثني وعشرين أو اثني وثلاثين أو اثني وأربعين ~~أنه ثلاث عندنا، وعند زفر اثنتان لما قلنا، ولو قال: أنت طالق إحدى عشرة ~~يمكن أن يتكلم على غير هذا الوجه بأن يأتي باللفظ المعتاد فيقول إحدى عشرة ~~أو أحد عشر فإذا لم يقل يعتبر عطفا على الواحد فكان إيقاع العشرة بعد ~~الواحد فلا يصح كما لو قال: أنت طالق وطالق أو فطالق أو ثم طالق. # وذكر الكرخي عن أبي يوسف في إحدى وعشرة أنه ms1842 ثلاث؛ لأنه يفيد ما يفيده ~~قولنا أحد عشر فكان مثله. # قال: أنت طالق واحدة ومائة أو واحدة وألفا كان واحدة كذا روى الحسن عن ~~أبي حنيفة؛ لأنه كان يمكنه أن يتكلم به على غير هذا الوجه وهو أن يقول مائة ~~وواحدة وألفا وواحدة؛ لأن هذا هو المعتاد فإذا قدم الواحدة فقد خالف ~~المعتاد فلا يمكن أن يجعل الكل عددا واحدا فيجعل عطفا فيمتنع وقوع ما زاد ~~على الواحدة. # وقال أبو يوسف: إذا قال: واحدة ومائة تقع ثلاثا؛ لأن التقديم والتأخير في ~~ذلك معتاد ألا ترى أنهم يقولون في العادة مائة وواحدة وواحدة ومائة على ~~السواء؟ ولو قال: أنت طالق واحدة ونصفا يقع اثنتان في قولهم؛ لأن هذه جملة ~~واحدة ألا ترى أنه لا يمكنه أن يتكلم بها إلا على هذا الوجه؟ فكان هذا اسما ~~لمسمى واحد، والطلاق لا يتجزأ فكان ذكر بعضه ذكرا للكل، فكان هذا إيقاع ~~تطليقتين كأنه قال لها: أنت طالق ثنتين ولو قال: أنت طالق نصفا وواحدة يقع ~~عليها ثنتان عند أبي يوسف، وعند محمد واحدة، له أن التكلم على هذا الوجه ~~غير معتاد بل العادة قولهم واحدة ونصفا، فإذا عدل عن المعتاد لم يمكن أن ~~يجعل الكل عددا واحدا فيجعل عطفا، وأبو يوسف يقول: الاستعمال على هذا الوجه ~~معتاد، فإنه يقال: واحدة ونصفا وواحدة على السواء. # ومنها الإضافة إلى المرأة في صريح الطلاق حتى لو أضاف الزوج صريح الطلاق ~~إلى نفسه بأن قال: أنا منك طالق، لا يقع الطلاق وإن نوى وهذا عندنا. # وقال الشافعي: الإضافة إلى المرأة في صريح الطلاق حتى لو قال: أنا منك ~~بائن أو أنا عليك حرام ونوى الطلاق يصح. # وجه قوله: أن الزوج أضاف الطلاق إلى محله فيصح كما إذا قال لها: أنا منك ~~بائن أو أنا عليك حرام. # ودلالة الوصف أن محل الطلاق المقيد؛ لأن التطليق رفع القيد والرجل مقيد ~~إذ المقيد هو الممنوع، والزوج ممنوع # PageV03P141 # عن التزوج بأختها وعن التزوج بأربع سواها فكان مقيدا فكان محلا لإضافة ~~الكناية المبينة ms1843 إليه لما أن الإبانة قطع الوصلة وأنها ثابتة من جانبه كذا ~~هذا، ولنا الكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فقوله عز وجل {فطلقوهن ~~لعدتهن} [الطلاق: 1] أمر سبحانه وتعالى بتطليقهن والأمر بالفعل نهي عن تركه ~~وتطليق نفسه ترك لتطليق امرأته حقيقة؛ لأنه أضاف الطلاق إلى نفسه لا إلى ~~امرأته حقيقة فيكون منهيا، والمنهي غير المشروع، والتصرف الذي ليس بمشروع ~~لا يعتبر شرعا وهو تفسير عدم الصحة. # وأما السنة فما روى أبو داود في سننه بإسناده عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن» ، ~~نهى عن التطليق مطلقا، سواء كان مضافا إلى الزوج أو إلى الزوجة وأكد النهي ~~بقوله: فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن فظاهر الحديث يقتضي أن يكون التطليق ~~منهيا سواء أضيف إلى الزوج أو إليها ثم جاءت الرخصة في التطليق المضاف إلى ~~الزوجة في نصوص الكتاب من قوله تعالى {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] وقوله ~~تعالى {فإن طلقها} [البقرة: 230] وقوله تعالى {لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النساء} [البقرة: 236] ونحو ذلك فبقي التطليق المضاف إلى الزوج على أصل ~~النهي، والمنهي غير مشروع والتصرف الشرعي إذا خرج من أن يكون مروعا، لا ~~وجود له شرعا فلا يصح ضرورة. # وأما المعقول فهو أن قوله: أنا منك طالق إما أن يعتبر إخبارا عن كونه ~~طالقا كما يقتضيه ظاهر الصيغة وإما أن يعتبر إنشاء - وهو إثبات الانطلاق - ~~ولا سبيل إلى الثاني؛ لأنه منطلق وليس عليه قيد النكاح. # وإثبات الثابت محال فتعين الأول، وهو أن يكون إخبارا عن كونه طالقا وهو ~~صادق في هذا الإخبار، والدليل على أنه ليس عليه قيد النكاح وجهان: أحدهما ~~أن قيد النكاح في جانب المرأة إنما ثبت لضرورة تحقيق ما هو من مقاصد النكاح ~~- وهو السكن والنسب؛ لأن الخروج والبروز يريب فلا يطمئن قلبه إليها، وإذا ~~جاءت بولد لا يثق بكونه منه، وهذه الضرورة منعدمة في جانب الزوج فلا يثبت ~~عليه قيد النكاح، والثاني أن قيد النكاح هو ملك النكاح وهو الاختصاص الحاجز ms1844 ~~والزوج مالك؛ لأن المرأة مملوكة ملك النكاح، والمملوك لا بد له من مالك ولا ~~ملك لغير الزوج فيها فعلم أن الزوج مالكها؛ فاستحال أن يكون مملوكا بخلاف ~~ما إذا أضاف الطلاق إليها، فإن قال لها: أنت طالق أنه لا يمكن حمل هذه ~~الصيغة على الإخبار؛ لأنه يكون كذبا لكونها غير منطلقة لثبوت قيد النكاح ~~فيحمل على الإنشاء أنه ممكن لعدم الانطلاق قبله، بخلاف الكناية المبينة؛ ~~لأن الإبانة قطع الوصلة وإنها ثابتة في الطرفين فإذا زالت من أحد الطرفين ~~تزول من الطرف الآخر ضرورة؛ لاستحالة اتصال شيء بما هو منفصل عنه، والتحريم ~~إثبات الحرمة، وإنها لا تثبت من أحد الجانبين لاستحالة أن يكون الشخص حلالا ~~لمن هو حرام، بخلاف الطلاق؛ لأنه إثبات الانطلاق ورفع القيد، والقيد لم ~~يثبت إلا من جانب واحد وإنه قائم وأما قوله: الزوج ممنوع عن التزوج بأختها ~~وأربع سواها فنعم لكن ذلك لم يثبت إلا من جانب واحد وإنه قائم؛ لأن المنع ~~من ذلك لكونه جمعا بين الأختين في النكاح وهذا كان ثابتا قبل النكاح ألا ~~ترى لو تزوجهما جميعا لم يجز؟ وسواء كانت الإضافة إلى امرأة معينة أو مبهمة ~~عند عامة العلماء حتى لو قال لامرأتيه: إحداكما طالق أو قال لأربع نسوة له: ~~إحداكن طالق ولم ينو واحدة بعينها صحت الإضافة. # وقال نفاة القياس: لا تصح إضافة الطلاق إلى المعينة وجه قولهم: لم يصلح ~~محلا للنكاح فلا يصلح محلا للطلاق؛ إذ الطلاق يرفع ما ثبت بالنكاح. # وكذا لم يصلح محلا للبيع والهبة والإجارة وسائر التصرفات فكذا الطلاق. # وأما عمومات الطلاق من الكتاب والسنة من نحو قوله عز وجل {فطلقوهن ~~لعدتهن} [الطلاق: 1] وقوله {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] ، وقوله سبحانه ~~{فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ، وقوله ~~{لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن} [البقرة: 236] # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي ~~والمعتوه» من غير فصل بين طلاق وطلاق وبين الطلاق المضاف إلى المعين ~~والمجهول؛ ولأن ms1845 هذا ليس بتنجيز الطلاق في الحقيقة، بل هو تعليق من حيث ~~المعنى بشرط البيان لما نذكر، والطلاق مما يحتمل التعليق بالشرط ألا ترى ~~أنه يصح تعليقه بسائر الشروط؟ فكذا بهذا الشرط بخلاف النكاح فإنه لا يحتمل ~~التعليق بالشرط فلا تكون المجهولة محلا للنكاح. # وكذا الإجارة والبيع وسائر التصرفات، وعلى هذا الوجه لا يكون هذا إيقاع ~~الطلاق في المجهولة؛ لأنه تعليق # PageV03P142 # بشرط البيان فيقع الطلاق في المبينة لا في المجهولة، على أنا إن قلنا ~~بالوقوع كما قال بعضهم فهذه جهالة يمكن رفعها بالبيان، فالطلاق يحتمل خطرا ~~لجهالة ألا ترى أنه يحتمل خطر التعليق والإضافة بحقيقة أن البيع يحتمل ~~جريان الجهالة؟ فإنه إذا باع قفيزا من صبرة جاز. # وكذا إذا باع أحد شيئين على أن المشتري بالخيار يأخذ أيهما شاء ويرد ~~الآخر جاز، فالطلاق أولى؛ لأنه في احتمال الخطر فوق البيع ألا ترى أنه ~~يحتمل خطر التعليق والإضافة، والبيع لا يحتمل ذلك؟ فلما جاز بيع المجهول ~~فالطلاق أولى وسواء كانت الجهالة مقارنة أو طارئة بأن طلق واحدة من نسائه ~~عينا ثم نسي المطلقة حتى لا يحل له وطء واحدة منهن؛ لأن المقارن لما لم ~~يمنع صحة الإضافة فالطارئ لأن لا يرفع الإضافة الصحيحة أولى، لأن المنع ~~أسهل من الرفع والله عز وجل أعلم. # ومنها الإضافة إلى جميع أجزائها أو إلى جزء جامع منها أو شائع، وجملة ~~الكلام أنه لا خلاف أنه إذا أضاف الطلاق إلى جزء جامع منها كالرأس والوجه ~~والرقبة والفرج أنه يقع الطلاق؛ لأن هذه الأعضاء يعبر بها عن جميع البدن ~~يقال: فلان يملك كذا وكذا رأسا من الرقيق وكذا وكذا رقبة. # وقال الله تعالى {أو تحرير رقبة} [المائدة: 89] # والمراد بها الجملة، وفي الخبر: «لعن الله الفروج على السروج» ، والوجه ~~يذكر ويراد به الذات قال الله سبحانه وتعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} ~~[القصص: 88] أي إلا هو، ومن كفل بوجه فلان يصير كفيلا بنفسه فيثبت أن هذه ~~الأعضاء يعبر بها عن جميع البدن فكان ذكرها ذكرا للبدن كأنه قال: أنت ms1846 طالق. # وكذا إذا أضاف إلى وجهها؛ لأن قوام النفس بها؛ ولأن الروح تسمى نفسا قال ~~الله تعالى {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها} [الزمر: ~~42] ، ولو أضاف الطلاق إلى دبرها لا يقع؛ لأن الدبر لا يعبر به عن جميع ~~البدن بخلاف الفرج، ولا خلاف أيضا في أنه إذا أضاف الطلاق إلى جزء شائع ~~منها بأن قال: نصفك طالق أو ثلثك طالق أو ربعك طالق أو جزء منك، أنه يقع ~~الطلاق؛ لأن الجزء الشائع محل للنكاح حتى تصح إضافة النكاح إليه فيكون محلا ~~للطلاق؛ ولأن الإضافة إلى الجزء الشائع تقتضي ثبوت حكم الطلاق فيه، وإنه ~~شائع في جملة الأجزاء بعذر الاستمتاع بجميع البدن لما في الاستمتاع به ~~استمتاع بالجزء الحرام فلم يكن في إبقاء النكاح فائدة فيزول ضرورة. # واختلف فيما إذا أضاف الطلاق إلى الجزء المعين الذي لا يعبر به عن جميع ~~البدن كاليد والرجل والأصبع ونحوها؛ قال أصحابنا: لا يقع الطلاق. # وقال زفر: يقع وبه أخذ الشافعي وجه قولهما أن اليد جزء من البدن فيصح ~~إضافة الطلاق إليها كما لو أضاف إلى الجزء الشائع منها. # والدليل على أن اليد جزء من البدن أن البدن عبارة عن جملة أجزاء مركبة ~~منها اليد فكانت اليد بعض الجملة المركبة، والإضافة إلى بعض البدن إضافة ~~إلى الكل كما في الجزء الشائع ولنا قوله تعالى {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: ~~1] أمر الله تعالى بتطليق النساء، والنساء جمع المرأة والمرأة اسم لجميع ~~أجزائها. # والأمر بتطليق الجملة يكون نهيا عن تطليق جزء منها لا يعبر به عن جميع ~~البدن؛ لأنه ترك لتطليق جملة البدن، والأمر بالفعل نهي عن تركه والمنهي لا ~~يكون مشروعا فلا يصح شرعا، ولأن قوله: يدك طالق إضافة الطلاق إلى ما ليس ~~محل الطلاق فلا يصح كما لو أضاف الطلاق إلى خمارها، ودلالة الوصف أنه أضاف ~~الطلاق إلى يدها، ويدها ليست بمحل للطلاق لوجهين: أحدهما أنها ليست بمحل ~~للنكاح حتى لا تصح إضافة النكاح إليها فلا تكون محلا للطلاق؛ لأن الطلاق ~~رفع ما ms1847 يثبت بالنكاح. # ألا ترى أنها لما لم تكن محلا للإقالة؛ لأنها فسخ ما ثبت بالبيع كذا هذا، ~~والثاني أن محل الطلاق محل حكم في عرف الفقهاء، وحكم الطلاق زوال قيد ~~النكاح، وقيد النكاح ثبت في جملة البدن لا في اليد وحدها؛ لأن النكاح أضيف ~~إلى جملة البدن ولا يتصور القيد الثابت في جملة البدن في اليد وحدها فكانت ~~الإضافة إلى اليد وحدها إضافة إلى ما ليس محل الطلاق فلا يصح. # وكذا يقال في الجزء الشائع؛ لأنه لا يثبت الحكم في البدن بالإضافة إلى ~~الجزء الشائع بل لمعنى آخر - وهو عدم الفائدة - في بقاء النكاح على ما مر ~~بيانه، أو يضاف إليه؛ لأنه من ضرورات الإضافة إلى الجزء الشائع كمن قطع ~~حبلا مملوكا له تعلق به قنديل غيره وههنا لا ضرورة لم تثبت الحرمة في الجزء ~~المعين مقصورا عليه لإمكان الانتفاع بباقي البدن فكان بقاء النكاح مفيدا، ~~لكن لا قائل به على ما عرف في الخلافيات. # وأما قوله: اليد جزء من البدن فنقول: إن سلم ذلك لكنه جزء معين فلم يكن ~~محلا للطلاق بخلاف # PageV03P143 # الجزء الشائع فإنه غير معين؛ وهذا لأن الجزء إذا كان شائعا فما من جزء ~~يشار إليه إلا ويحتمل أن يكون هو المضاف إليه الطلاق فتعذر الاستمتاع ~~بالبدن فلم يكن في بقاء النكاح فائدة بخلاف المعين على ما مر. # ومنها قبول العوض من المرأة في أحد نوعي الخلع وفي الطلاق على مال إذا لم ~~يكن هناك قائل آخر سواها، أما الخلع فجملة الكلام فيه أن الخلع نوعان: خلع ~~بعوض، وخلع بغير عوض أما الذي هو بغير عوض فنحو أن قال لامرأته: خالعتك ولم ~~يذكر العوض فإن نوى به الطلاق كان طلاقا وإلا فلا؛ لأنه من كنايات الطلاق ~~عندنا، ولو نوى ثلاثا كان ثلاثا. # وإن نوى اثنتين فهي واحدة عند أصحابنا الثلاثة - خلافا لزفر - بمنزلة ~~قوله: أنت بائن ونحو ذلك على ما مر. # وأما الثاني وهو أن يكون مقرونا بالعوض لما ذكرنا بأن قال: خالعتك على ~~كذا وذكر عوضا. ms1848 # واسم الخلع يقع عليهما إلا أنه عند الإطلاق ينصرف إلى النوع الثاني في ~~عرف اللغة والشرع فيكون حقيقة عرفية وشرعية حتى لو قال لأجنبي اخلع امرأتي ~~فخلعها بغير عوض لم يصلح. # وكذا لو خالعها على ألف درهم فقبلت ثم قال الزوج: لم أنو به الطلاق لا ~~يصدق في القضاء؛ لأن ذكر العوض دليل إرادة الطلاق ظاهرا فلا يصدق في العدول ~~عن الظاهر بخلاف ما إذا قال لها: خالعتك ولم يذكر العوض ثم قال: ما أردت به ~~الطلاق أنه يصدق إذا لم يكن هناك دلالة حال تدل على إرادة الطلاق من غضب أو ~~ذكر طلاق على ما ذكرنا في الكنايات؛ لأن هذا اللفظ عند عدم ذكر التعويض ~~يستعمل في الطلاق وفي غيره فلا بد من النية لينصرف إلى الطلاق بخلاف ما إذا ~~ذكر العوض؛ لأنه مع ذكر العوض لا يستعمل في العرف والشرع إلا للطلاق، ثم ~~الكلام في هذا النوع يقع في مواضع في بيان ماهيته، وفي بيان كيفيته، وفي ~~بيان شرط صحته،، وفي بيان شرط وجوب العوض، وفي بيان قدر ما يحل للزوج أخذه ~~منها من العوض، وما لا يحل وفي بيان حكمه أما الأول فقد اختلف في ماهية ~~الخلع قال أصحابنا: هو طلاق وهو مروي عن عمر وعثمان - رضي الله عنهما - ~~وللشافعي قولان: في قول مثل قولنا، وفي قول ليس بطلاق، بل هو فسخ وهو مروي ~~عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وفائدة الاختلاف أنه إذا خالع امرأته ثم ~~تزوجها تعود إليه بطلاقين عندنا وعنده بثلاث تطليقات حتى لو طلقها بعد ذلك ~~تطليقتين حرمت عليه حرمة غليظة عندنا، وعنده لا تحرم إلا بثلاث، احتج ~~الشافعي بظاهر قوله عز وجل {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] إلى قوله {فإن ~~طلقها} [البقرة: 230] . # ذكر سبحانه الطلاق مرتين ثم ذكر الخلع بقوله {فلا جناح عليهما فيما افتدت ~~به} [البقرة: 229] ثم ذكر الطلاق أيضا بقوله عز وجل {فإن طلقها} [البقرة: ~~230] فلو جعل الخلع طلاقا لازداد عدد الطلاق على الثلاث وهذا لا يجوز؛ لأن ~~الفرقة في النكاح قد ms1849 تكون بالطلاق وقد تكون بالفسخ كالفرقة بعدم الكفاءة ~~وخيار العتاقة والردة وإباء الإسلام، ولفظ الخلع دليل الفسخ، وفسخ العقد ~~رفعه من الأصل فلا يكون طلاقا كما لو قال: طلقتك على ألف درهم فقبلت، ولنا ~~أن هذه فرقة بعوض حصلت من جهة الزوج فتكون طلاقا. # وقوله: الفرقة في النكاح قد تكون من طريق الفسخ مسلم، لكن ضرورة لا ~~مقصودا إذ النكاح لا يحتمل الفسخ مقصودا عندنا؛ لأن جوازه ثبت مع قيام ~~المنافي للجواز وهو الحرية في الحرة وقيام ملك اليمين في الأمة على ما عرف، ~~إلا أن الشرع أسقط اعتبار المنافي وألحقه بالعدم لحاجة الناس، وحاجتهم ~~تندفع بالطلاق بعوض وغير عوض، وانفساخه ضرورة فلا حاجة إلى الفسخ مقصودا ~~فلا يسقط اعتبار المنافي في حق الفسخ مقصودا، والانفساخ فيما ذكرنا من ~~المواضع ما ثبت مقصودا بل ضرورة ولا كلام فيه؛ ولأن لفظ الخلع يدل على ~~الطلاق لا على الفسخ؛ لأنه مأخوذ من الخلع وهو النزع، والنزع إخراج الشيء ~~من الشيء في اللغة قال الله عز وجل: {ونزعنا ما في صدورهم من غل} [الأعراف: ~~43] أي أخرجنا. # وقال سبحانه وتعالى {ونزع يده} [الأعراف: 108] أي: أخرجها من جيبه فكان ~~معنى قوله: خلعها أي: أخرجها عن ملك النكاح، وهذا معنى الطلاق البائن، وفسخ ~~النكاح رفعه من الأصل وجعله كأن لم يكن رأسا فلا يتحقق فيه معنى الإخراج، ~~وإثبات حكم اللفظ على وجه يدل عليه اللفظ لغة أولى؛ ولأن فسخ العقد لا يكون ~~إلا بالعوض الذي وقع عليه العقد كالإقالة في باب البيع، والخلع على ما وقع ~~عليه النكاح وعلى غيره جائز فلم يكن فسخا. # وأما الآية فلا حجة له فيها؛ لأن ذكر الخلع يرجع إلى الطلاقين المذكورين ~~إلا أنه ذكرهما بغير عوض ثم ذكر بعوض، ثم ذكر سبحانه # PageV03P144 # وتعالى الثالثة بقوله تعالى: {فإن طلقها} [البقرة: 230] فلم تلزم الزيادة ~~على الثلاث، بل يجب حمله على هذا لئلا يلزمنا القول بتغيير المشروع مع ما ~~أنه قد قيل: إن معنى قوله تعالى: {فإن طلقها} [البقرة: 230] أي: ثلاثا وبين ~~حكم ms1850 الطلقات الثلاث بقوله سبحانه: {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ~~[البقرة: 230] فلا يلزم من جعل الخلع طلاقا شرع الطلقة الرابعة والله عز ~~وجل أعلم. # وأما بيان كيفية هذا النوع فنقول له كيفيتان: إحداهما أنه طلاق بائن؛ ~~لأنه من كنايات الطلاق، وإنها بوائن عندنا؛ ولأنه طلاق بعوض، وقد ملك الزوج ~~العوض بقبولها فلا بد وأن تملك هي نفسها تحقيقا للمعاوضة، ولا تملك نفسها ~~إلا بالبائن فيكون طلاقا بائنا؛ ولأنها إنما بذلت العوض لتخليص نفسها عن ~~حبالة الزوج ولا تتخلص إلا بالبائن؛ لأن الزوج يراجعها في الطلاق الرجعي ~~فلا تتخلص ويذهب مالها بغير شيء وهذا لا يجوز فكان الواقع بائنا. # والثانية أنه من جانب الزوج يمين وتعليق الطلاق بشرط وهو قبولها العوض ~~ومن جانبها معاوضة المال وهو تمليك المال بعوض حتى لو ابتدأ الزوج الخلع ~~فقال: خالعتك على ألف درهم لا يملك الزوج الرجوع عنه ولا فسخه ولا نهي ~~المرأة عن القبول، ولا يبطل بقيامه عن المجلس قبل قبولها ولا بشرط حضور ~~المرأة بل يتوقف على ما وراء المجلس حتى لو كانت غائبة فبلغها فلها القبول، ~~لكن في مجلسها؛ لأنه في جانبها معاوضة لما نذكر، وله أن يعلقه بشرط ويضيفه ~~إلى وقت نحو أن يقول: إذا قدم زيد فقد خالعتك على ألف درهم أو يقول: خالعتك ~~على ألف درهم غدا أو رأس شهر كذا. # والقبول إليها بعد قدوم زيد وبعد مجيء الوقت حتى لو قبلت قبل ذلك لا يصح؛ ~~لأن التعليق بالشرط والإضافة إلى الوقت تطليق عند وجود الشرط والوقت، فكان ~~قبولها قبل ذلك هدرا، ولو شرط الخيار لنفسه بأن قال: خالعتك على ألف درهم ~~على أني بالخيار ثلاثة أيام لم يصح الشرط ويصح الخلع إذا قبلت، وإن كان ~~الابتداء من المرأة بأن قالت: اختلعت نفسي منك بألف درهم فلها أن ترجع عنه ~~قبل قبول الزوج ويبطل بقيامها عن المجلس وبقيامه أيضا، ولا يقف على ما وراء ~~المجلس بأن كان الزوج غائبا حتى لو بلغه وقبل لم يصح، ولا ms1851 يتعلق بشرط ولا ~~ينضاف إلى وقت، ولو شرط الخيار لها بأن قال: خالعتك على ألف درهم على أنك ~~بالخيار ثلاثة أيام، فقبلت جاز الشرط عند أبي حنيفة، وثبت لها الخيار حتى ~~إنها إذا اختارت في المدة وقع الطلاق ووجب المال، وإن ردت لا يقع الطلاق ~~ولا يلزمها المال، وعند أبي يوسف ومحمد شرط الخيار باطل، والطلاق واقع ~~والمال لازم. # وإنما اختلف الجانبان في كيفية هذا النوع لأنه طلاق عندنا، ومعلوم أن ~~المرأة لا تملك الطلاق، بل هو ملك الزوج لا ملك المرأة، فإنما يقع بقول ~~الزوج وهو قوله: خالعتك فكان ذلك منه تطليقا إلا أنه علقه بالشرط، والطلاق ~~يحتمل التعليق بالشرط، والإضافة إلى الوقت لا تحتمل الرجوع والفسخ ولا ~~يتقيد بالمجلس ويقف الغائب عن المجلس ولا يحتمل شرط الخيار، بل يبطل الشرط ~~ويصح الطلاق. # وأما في جانبها فإنه معاوضة المال؛ لأنه تمليك المال بعوض، وهذا معنى ~~معاوضة المال فتراعى فيه أحكام معاوضة المال كالبيع ونحوه وما ذكرنا من ~~أحكامها، إلا أن أبا يوسف ومحمدا يقولان في مسألة الخيار: إن الخيار إنما ~~شرع للفسخ، والخلع لا يحتمل الفسخ؛ لأنه طلاق عندنا، وجواب أبي حنيفة عن ~~هذا أن يحمل الخيار في منع انعقاد العقد في حق الحكم على أصل أصحابنا فلم ~~يكن العقد منعقدا في حق الحكم للحال، بل هو موقوف في علمنا إلى وقت سقوط ~~الخيار فحينئذ يعلم على ما عرف في مسائل البيوع والله الموفق. # وأما ركنه فهو الإيجاب والقبول؛ لأنه عقد على الطلاق بعوض فلا تقع ~~الفرقة، ولا يستحق العوض بدون القبول بخلاف النوع الأول فإنه إذا قال: ~~خالعتك ولم يذكر العوض ونوى الطلاق فإنه يقع الطلاق عليها، سواء قبلت أو لم ~~تقبل؛ لأن ذلك طلاق بغير عوض فلا يفتقر إلى القبول وحضرة السلطان ليست بشرط ~~لجواز الخلع عند عامة العلماء فيجوز عند غير السلطان وروي عن الحسن وابن ~~سيرين أنه لا يجوز إلا عند السلطان، والصحيح قول العامة لما روي أن عمر ~~وعثمان وعبد الله بن عمر - رضي ms1852 الله عنهم - جوزوا الخلع بدون السلطان، ولأن ~~النكاح جائز عند غير السلطان فكذا الخلع. # ثم الخلع ينعقد بلفظين يعبر بهما عن الماضي في اللغة وهل ينعقد بلفظين ~~يعبر بأحدهما عن المستقبل وهو الأمر والاستفهام؟ فجملة الكلام فيه أن العقد ~~لا يخلو إما أن يكون بلفظة الخلع وإما أن يكون بلفظة البيع. # والشراء وكل ذلك # PageV03P145 # لا يخلو إما أن يكون بصيغة الأمر أو بصيغة الاستفهام فإن كان بلفظة الخلع ~~على صيغة الأمر يتم. # إذا كان البدل معلوما مذكورا بلا خلاف بأن قال لها: اخلعي نفسك مني بألف ~~درهم فتقول: خلعت وإن لم يكن البدل مذكورا من جهة الزوج بأن قال لها: اخلعي ~~نفسك مني فقالت: خلعت بألف درهم لا يتم الخلع حتى يقول الزوج خلعت، والفرق ~~أن الأمر بالخلع ببدل متقوم توكيل لها. # والواحد يتولى الخلع من الجانبين وإن كان هذا النوع معاوضة - والواحد لا ~~يتولى عقد المعاوضة من الجانبين كالبيع -؛ لأن الامتناع للتنافي في الحقوق ~~المتعلقة ولا تنافي ههنا؛ لأن الحقوق في باب الخلع ترجع إلى الوكيل؛ ولهذا ~~جاز أن يكون الواحد وكيلا من الجانبين في باب النكاح وفي المسألة الأولى لا ~~يمكن جعل الأمر بالخلع توكيلا لجهالة البدل فلم يصح التوكيل فلو تم العقد ~~بالواحد لصار الواحد مستزيدا ومستنقصا وهذا لا يجوز، وإن كان بصيغة ~~الاستفهام بأن قال الزوج لها: أخلعت نفسك منى بألف درهم؟ فقالت: خلعت، ~~اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: يتم العقد. # وقال بعضهم: لا يتم ما لم يقبل الزوج وبعضهم فصل فقال إن نوى به التحقيق ~~يتم وإن نوى به السوم لا يتم؛ لأن قوله: أخلعت نفسك مني؟ يحتمل السوم، بل ~~ظاهره السوم؛ لأن معناه أطلب منك أن تخلعي نفسك منى فلا يصرف إلى التحقيق ~~إلا بالنية فإذا نوى يصير بمعنى التوكيل والأمر وإن كان بلفظ البيع والشراء ~~بأن قال الزوج لها: اشتري نفسك مني؛ فإن ذكر بدلا معلوما بأن قال: بألف ~~درهم ونحو ذلك فقالت اشتريت، اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: يتم العقد. # وقال بعضهم: ms1853 لا يتم ولا يقع الطلاق ما لم يقل الزوج بعت والأول أصح؛ لأنه ~~إذا ذكر بدلا معلوما صح الأمر والتوكيل والواحد يصلح وكيلا من الجانبين في ~~الخلع لما بينا. # وكذا إذا قال لها بالفارسية: خويشتن أزمن نجر بهزاردم يابكابين وهر نيه ~~وعدت له واجب شودا ازبس طلاق فقالت: خريدم فهو على هذا، وإن لم يذكر البدل ~~- بأن قال لها: اشتري نفسك مني فقالت اشتريت - لا يتم الخلع ولا يقع الطلاق ~~ما لم يقل الزوج بعت، وكذلك إذا قال بالفارسية: خويشتن ارمننجر فقالت: ~~خريدم ولم يقل الزوج فروختم لا يتم الخلع ولا تطلق حتى يقول الزوج فروختم ~~فرق بين هذا وبين ما إذا قال لها بلفظة الخلع: اخلعي نفسك منى ونوى الطلاق ~~فقالت: خلعت أنها لا تطلق؛ لأن قوله: لها اخلعي مع نية الطلاق أمر لها ~~بالطلاق بلفظة الخلع وإنها تملك الطلاق بأمر الزوج وتوكيله فيصح التوكيل ~~والأمر فيتولى الخلع من الجانبين وقوله لها: اشتري نفسك خويشتن ازمننجر أمر ~~بالخلع بعوض، والعوض غير مقدر فلم يصح الأمر. # وإن كان بلفظ الاستفهام بأن قال لها: ابتعت نفسك مني؟ ، فإن ذكر بدلا ~~معلوما بأن قال: بألف درهم أو قال: بمهرك ونفقة عدتك فقالت: ابتعت اختلف ~~المشايخ فيه قال بعضهم: يتم العقد. # وقال بعضهم: لا يتم ولا يقع الطلاق ما لم يقل الزوج بعت، وبه أخذ الفقيه ~~أبو الليث وقال أبو بكر الإسكاف: يتم ويقع الطلاق. # وقال بعضهم: لا يتم إلا إذا أراد به التحقيق دون المساومة على ما ذكرنا ~~في لفظ العربية، والفرق بين الاستفهام والأمر على نحو ما بينا أنها بالأمر ~~صارت وكيلة إذ الأمر بالخلع توكيل به - إذا كان البدل مقدرا - والواحد يصلح ~~وكيلا من الجانبين في الخلع ولم يوجد الأمر ههنا فلم يوجد التوكيل فيبقى ~~الشخص الواحد في عقد المعاوضة مستزيدا ومستنقصا، وهذا لا يجوز وإن لم يذكر ~~البدل بأن قال لها: ابتعت نفسك مني؟ فقالت: ابتعت لا يتم ما لم يقل الزوج ~~بعت؛ لأنه لا يتم في الأمر فلأن ms1854 لا يتم في الاستفهام أولى، وسواء كان ~~القبول منها أو من أجنبي بعد أن كان من أهل القبول لأنها لو قبلت بنفسها ~~يلزمها البدل من غير أن تملك بمقابلته شيئا بخلاف ما إذا اشترى لإنسان ~~شيئا، على أن البدل عليه إن ذلك لا يجوز؛ لأن هناك الأجنبي ليس في معنى ~~المشتري؛ لأن المشتري يملك بمقابلة البدل شيئا والأجنبي لا، فلا يجوز ~~إيجابه على من لا يملك بمقابلته شيئا، والحاصل أن الأجنبي إذا قال للزوج ~~اخلع امرأتك على أني ضامن لك ألفا أو قال على ألف هو علي، أو قال على ألفي ~~هذه، أو عبدي هذا، أو على هذه الألف أو على هذا العبد ففعل صح الخلع واستحق ~~المال، ولو قال: على ألف درهم ولم يزد عليه وقف على قبول المرأة. # ولو خلع ابنته - وهي صغيرة - على ما لها ذكر في الجامع الصغير أنه لا ~~يجوز ولم يبين أنه لا يجوز الخلع رأسا أو لا يجب البدل على الصغيرة واختلف ~~مشايخنا منهم من قال: معناه أنه لا يجب عليها البدل فأما # PageV03P146 # الطلاق فواقع. # ومنهم من قال: معناه أنه لا يقع الطلاق ولا يجب المال عليها وذكر الطحاوي ~~في اختلاف العلماء أنه غير واقع في الخلاف ابتداء أنه لا يقع الطلاق عند ~~أصحابنا. # وقيل في المسألة: روايتان والحاصل أنه لا خلاف في أنه لا يجب المال ~~عليها؛ لأن الخلع في جانبها معاوضة المال بما ليس بمال والصغيرة تتضرر بها، ~~وتصرف الإضرار لا يدخل تحت ولاية الولي كالهبة ولا الصدقة ونحو ذلك، وإنما ~~الاختلاف في وقوع الطلاق. # وجه القول الأول أن صحة الخلع لا تقف على وجوب العوض فإن الخلع يصح على ~~ما لا يصلح عوضا كالميتة والدم والخنزير والخمر ونحو ذلك، فلم يكن من ضرورة ~~عدم وجوب المال عدم وقوع الطلاق. # وجه الثاني أن الخلع متى وقع على بدل - هو مال - يتعلق وقوع الطلاق بقبول ~~يجب به المال. # وقبول الأب لا يجب به المال؛ لأنه ليس له ولاية القبول على الصغيرة لكونه ms1855 ~~ضررا بها فإن خلعها الأب على ألف على أنه ضامن فالخلع واقع، والألف عليه، ~~لما ذكرنا أن من شرط صحة الخلع في حق وقوع الطلاق ووجوب البدل قبول ما يصلح ~~بدلا ممن هو أهل القبول، والمرأة والأب والأجنبي في هذا سواء لما بينا. # وأما شرط وجوب العوض وهو المسمى في عقد الخلع له شرطان: أحدهما قبول ~~العوض؛ لأن قبول العوض كما هو شرط وقوع الفرقة من جانبه فهو شرط لزوم العوض ~~من جانبها لما ذكرنا، سواء كان العوض المذكور في الخلع من مهرها الذي ~~استحقته بعقد النكاح من المسمى ومهر المثل أو مالا آخر وهو المسمى بالجعل ~~فهذا الشرط يعم العوضين جميعا، والثاني يخص الجعل؛ لأن ما يصلح عوضا في ~~النكاح يصلح عوضا في الخلع من طريق الأولى وليس كل ما يصلح عوضا في الخلع ~~يصلح عوضا في النكاح؛ لأن باب الخلع أوسع إذ هو يتحمل جهالة لا يتحملها ~~النكاح على ما نذكر، لذلك اختص وجوب المسمى فيه بشرط لم يشترط في النكاح ~~لوجوب المسمى وهو تسمية مال متقوم موجود وقت الخلع معلوم أو مجهول جهالة ~~قليلة أو كثيرة، وإذا لم تكن متفاحشة فإن وجد هذا الشرط وجب العمل وإلا فلا ~~يجب. # وهل يجب عليها رد ما استحقته من المسمى أو مهر المثل بعقد النكاح؟ ينظر ~~إن كان المسمى مالا متقوما يجب وإن كان معدوما وقت الخلع أو مجهولا جهالة ~~متفاحشة كجهالة الجنس وما يجري مجراها، وإن لم يكن المسمى مالا متقوما فلا ~~شيء عليها أصلا وتقع الفرقة. # الجعل في الخلع: إن كان مما يصح تسميته مهرا في النكاح فحكمه حكم المهر ~~أعني أن المسمى في النكاح إن كان مما يجبر الزوج على تسليم عينه إلى المرأة ~~ففي الخلع تجبر المرأة على تسليم عينه إلى الزوج. # وإن كان مما يتخير الزوج بين تسليم الوسط منه وبين تسليم قيمته ففي الخلع ~~تتخير المرأة، كالعبد والفرس ونحو ذلك؛ لأن المسمى في العقدين جميعا عوض عن ~~ملك النكاح إلا أنه في أحدهما عوض ms1856 عنه ثبوتا وفي الآخر سقوطا فيعتبر أحد ~~العقدين بالآخر في هذا الحكم، والقيمة فيما يوجب الوسط منه أصل؛ لأن كونه ~~وسطا يعرف بها على ما مر في كتاب النكاح. # وبيان هذه الشرائط في مسائل إذا خلع امرأته على ميتة أو دم أو خمر أو ~~خنزير وقعت الفرقة ولا شيء له على المرأة من الجعل، ولا يرد من مهرها شيئا. # أما وقوع الفرقة فلأن الخلع بعوض معلق بقبول المرأة ما جعل عوضا ذكرا ~~وتسمية، سواء كان المسمى مما يصلح عوضا أو لا؛ لأنه من جانب الزوج تعليق ~~الطلاق بشرط القبول وقد قبلت فصار كأنه صرح بتعليق الطلاق بقبولها العوض ~~المذكور فقبلت، ولو كان كذلك لوقع الطلاق إذا قبلت كذا هذا. # وأما عدم وجوب شيء له على المرأة؛ فلأن الخلع طلاق، والطلاق قد يكون بعوض ~~وقد يكون بغير عوض، والميتة والدم ليست بمال في حق أحد فلا تصلح عوضا، ~~والخمر والخنزير لا قيمة لهما في حق المسلمين فلم يصلحا عوضا في حقهم فلم ~~تصح تسمية شيء من ذلك فإذا خلعها عليه فقد رضي بالفرقة بغير عوض فلا يلزمها ~~شيء، ولأن الخلع من جانب الزوج إسقاط الملك، وإسقاط الملك قد يكون بعوض وقد ~~يكون بغير عوض كالإعتاق، فإذا ذكر ما لا يصلح عوضا أصلا أو ما لا يصلح عوضا ~~في حق المسلمين فقد رضي بالإسقاط بغير عوض فلا يستحق عليها شيئا، ولأن ~~منافع البضع عند الخروج عن ملك الزوج غير متقومة؛ لأن المنافع في الأصل ~~ليست بأموال متقومة إلا أنها جعلت متقومة عند المقابلة بالمال المتقوم فعند ~~المقابلة بما ليس بمال متقوم تبقى على الأصل؛ ولأنها إنما # PageV03P147 # أخذت حكم التقوم في باب النكاح عند الدخول في ملك الزوج احتراما لها ~~تعظيما للآدمي لكونها سببا لحصوله فجعلت متقومة شرعا صيانة لها عن ~~الابتذال، والحاجة إلى الصيانة عند الدخول في الملك لا عند الخروج عن ~~الملك؛ لأن بالخروج يزول الابتذال فلا حاجة إلى التقوم فبقيت على الأصل، ~~وجعل الفرق بما ذكرنا بين الخلع على هذه ms1857 الأشياء وبين النكاح عليها؛ لأن ~~هناك يجب مهر المثل؛ لأن النكاح لم يشرع إلا بعوض لما ذكرنا في مسائل ~~النكاح والمذكور لا يصلح عوضا فالتحق ذلك بالعدم ووجب العوض الأصلي وهو مهر ~~المثل. # فأما الخلع فالعوض فيه غير لازم، بل هو مشروع بعوض وبغير عوض فلم يكن من ~~ضرورة صحته لزوم العوض. # وكذا النكاح تمليك البضع بعوض، والخلع إسقاط الملك بعوض وبغير عوض. # وكذا منافع البضع عند الدخول أعطي لها حكم التقوم شرعا لكونها وسيلة إلى ~~حصول الآدمي المكرم، والخلع إبطال معنى التوسل فلا يظهر معنى التقوم فيه. # ولو خلعها على شيء - أشارت إليه - مجهول فقالت: على ما في بطون غنمي أو ~~نعمي من ولد أو على ما في ضروعها من لبن أو على ما في بطن جاريتي من ولد أو ~~على ما في نخلي أو شجري من ثمر؛ فإن كان هناك شيء فهو له عندنا. # وقال الشافعي: لا شيء له وجه قوله أن الجنين في البطن واللبن في الضرع لا ~~يصلح عوضا في الخلع؛ لأنه غير مقدور التسليم ولهذا لم يصح عوضا في النكاح ~~وكذا في الخلع. # والدليل عليه أنه لا يجوز بيعه والأصل عنده أن كل ما لا يجوز بيعه لا ~~يصلح عوضا في الخلع. # ولنا الفرق بين الخلع وبين النكاح وهو أن باب الخلع أوسع من باب النكاح ~~ألا ترى لو خلعها على عبد له آبق صحت التسمية؟ ولو زوجها عليه لم تصح ~~التسمية فتصح إضافته إلى ما هو مال متقوم موجود كما تصح إضافته إلى العبد ~~الآبق، بل أولى لأن ذاك له خطر الوجود والعدم وهذا موجود، وبهذا تبين أن ~~القدرة على تسليم البدل ليست بشرط في الخلع فإنه جائز على العبد الآبق. # والقدرة على تسليمه غير ثابتة بخلاف البيع فإن القدرة على تسليم المبيع ~~شرط. # وإن لم يكن هناك شيء ردت عليه ما استحقت بعقد النكاح؛ لأنها لما سمت مالا ~~متقوما فقد غرته بتسمية المال المتقوم فصارت ملتزمة تسليم مال متقوم ضامنة ~~له ذلك، والزوج ms1858 لم يرض بزوال ملكه إلا بعوض هو مال متقوم، وقد تعذر عليه ~~الوصول إليه لعدمه، ولا سبيل إلى الرجوع إلى القيمة المذكورة لجهالتها ولا ~~إلى قيمة البضع لما أنه لا قيمة للبضع عند الخروج عن الملك لما ذكرنا؛ فوجب ~~الرجوع إلى ما قوم البضع على الزوج عند الدخول وهو ما استحقته المرأة من ~~المسمى أو مهر المثل، وكذلك إذا قالت: علي ما في بيتي من متاع إنه إن كان ~~هناك متاع فهو له وإن لم يكن يرجع عليها بالمهر؛ لأنها غرته بتسمية مال ~~متقوم فيلزمها ضمان الغرور - وهو رد المهر المستحق - لما قلنا، ولو قالت: ~~علي ما في بطن غنمي أو ضروعها أو علي ما في نخلي أو شجري ولم تزد على ذلك؛ ~~فإن كان هناك شيء أخذه؛ لأن التسمية وقعت على مال متقوم موجود لكنه مجهول، ~~لكن الجهالة ليست بمتفاحشة فلا تمنع استحقاق الشيء، ولو لم يكن هناك شيء ~~فلا شيء له لانعدام تسمية مال متقوم؛ لأنها ذكرت ما في بطنها وقد يكون في ~~بطنها مال متقوم وقد لا يكون فلم تصر بذكره غارة لزوجها بل الزوج هو الذي ~~غر نفسه، والرجوع بحكم الغرور ولا غرور منها فلا يرجع عليها بشيء، وإن ~~قالت: اختلعت منك على ما تلد غنمي أو تحلب أو بثمر نخلي أو شجري أو على ما ~~أرثه العام أو أكسبه أو ما أستغل من عقاري، فقبل الزوج وقعت الفرقة وعليها ~~أن ترد ما استحقت من المهر وإن ولدت الغنم وأثمر النخل والشجر. # أما وقوع الفرقة فلما ذكرنا أن ذلك يقف على قبول ما يصلح عوضا صحت تسميته ~~عوضا وأما وجوب رد المستحق؛ فلأنه لا سبيل إلى استحقاق المسمى؛ لكونه ~~معدوما وقت الخلع ويجوز أن يوجد ويجوز أن لا يوجد، واستحقاق المعدوم الذي ~~له خطر الوجود والعدم في عقد المعاوضة لم يرد الشرع به وورد بتحمل الجهالة ~~إذا لم يختلف المعقود في قدر ما يتحمل لاختلافهما في احتمال السعة والضيق، ~~ولا سبيل إلى إهدار التسمية رأسا؛ لأنها ms1859 سمت مالا متقوما فلزم الرجوع إلى ~~المهر المستحق بعقد النكاح، ولو قالت: اخلعني على ما في يدي من دراهم أو ~~دنانير أو فلوس فإن كان في يدها شيء من ذلك فهو له قل أو كثر؛ لأنها سمت ~~مالا متقوما، والمسمى موجود فصحت التسمية وإن كان المسمى مجهول القيمة وله ~~ما في يدها من الجنس المذكور قل أو كثر؛ لأنه ذكر # PageV03P148 # باسم الجمع فيتناول الثلاث فصاعدا وإن لم يكن في يدها شيء أو كان أقل من ~~ثلاثة فعليها من كل صنف سمته ثلاثة وزنا في الدراهم والدنانير وعددا في ~~الفلوس لوجود تسمية المال المتقوم؛ لأن الدراهم والدنانير والفلوس أموال ~~متقومة، والمذكور بلفظ الجمع. # وأقل الجمع الصحيح ثلاثة فينصرف إليها ويتعين المسمى كما في الوصية ~~بالدراهم، بخلاف النكاح والعتق فإنه إذا تزوج امرأة على ما في يده من ~~الدراهم وليس في يده شيء يجب عليه مهر المثل، ولو أعتق عبده على ما في يده ~~من الدراهم وليس في يده شيء يجب عليه قيمة نفسه؛ لأن منافع البضع ليست ~~بمتقومة عند الخروج عن الملك فلا يشترط كون المسمى معلوما، واعتبر المسمى ~~مع جهالته في نفسه وحمل على المتيقن بخلاف النكاح؛ لأن منافع البضع عند ~~الدخول في الملك متقومة. # وكذا العبد متقوم في نفسه فلا ضرورة إلى اعتبار المسمى المجهول، ولو ~~قالت: على ما في يدي، ولم تزد عليه فإن كان في يدها شيء فهو له؛ لأن ~~التسمية وقعت على مال متقوم موجود فصحت واستحق عليها ما في يدها قل أو كثر؛ ~~لأن كلمة ما عامة فيما لا يعلم. # وإن لم يكن في يدها شيء فلا شيء؛ لأنه إذا لم يكن في يدها شيء فلم توجد ~~تسمية مال متقوم؛ لأنها سمت ما في يدها وقد يكون في يدها شيء متقوم وقد لا ~~يكون فلم يوجد شرط وجوب شيء فلا يلزمها شيء. # ولو اختلعت الأمة من زوجها على جعل بغير أمر مولاها وقع الطلاق ولا شيء ~~عليها من الجعل حتى تعتق أما وقوع الطلاق؛ فلأنه ms1860 يقف على قبول ما جعل عوضا ~~وقد وجد. # وأما وجوب الجعل بعد العتق؛ فلأنها سمت مالا متقوما موجودا وهو معلوم ~~أيضا وهي من أهل التسمية فصحت التسمية إلا أنه تعذر الوجوب للحال لحق ~~المولى فيتأخر إلى ما بعد العتق، وإن كان بإذن المولى لزمها الجعل وتباع ~~فيه؛ لأنه دين ظهر في حق المولى فتباع فيه كسائر الديون، وكذلك المكاتبة ~~إذا اختلعت من زوجها على جعل؛ يجوز الخلع ويقع الطلاق ويتأخر الجعل إلى ما ~~بعد العتاق وإن أذن المولى؛ لأن رقبتها لا تحتمل البيع فلا تحتمل تعلق ~~الدين بها. # ولو خلع امرأته على رضاع ابنه منها سنتين جاز الخلع وعليها أن ترضعه ~~سنتين فإن مات ابنها قبل أن ترضعه شيئا يرجع عليها بقيمة الرضاع للمدة، وإن ~~مات في بعض المدة رجع عليها بقيمة ما بقي؛ لأن الرضاع مما يصح الاستئجار ~~عليه قال الله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] فيصح أن ~~يجعل جعلا في الخلع، وهلاك الولد قبل الرضاع كهلاك عوض اختلعت عليه فهلك في ~~يدها قبل التسليم فيرجع إلى قيمته، ولو شرط عليها نفقة الولد بعد الحولين ~~وضرب لذلك أجلا أربع سنين أو ثلاث سنين فذلك باطل، وإن هلك الولد قبل تمام ~~الرضاع فلا شيء عليها؛ لأن النفقة ليس لها مقدار معلوم فكانت الجهالة ~~متفاحشة فلا يلزمها شيء ولكن الطلاق واقع لما ذكرنا. # ولو اختلعت في مرضها فهو من الثلث؛ لأنها متبرعة في قبول البدل فيعتبر من ~~الثلث فإن ماتت في العدة فلها الأقل من ذلك ومن ميراثه منها. # ولو خالعها على حكمه أو حكمها أو حكم أجنبي فعليها المهر الذي استحقته ~~بعد النكاح؛ لأن الخلع على الحكم خلع بتسمية فاسدة لتفاحش الجهالة والخطر ~~أيضا فلم تصح التسمية فلا تستحق المسمى فيرجع عليها بالمهر؛ لأن الخلع على ~~الحكم خلع على ما يقع به الحكم ولا يقع إلا بمال متقوم عادة، فكان الخلع ~~على الحكم خلعا على مال متقوم فقد غرته بتسمية مال متقوم إلا أنه لا سبيل ~~إلى استحقاق ms1861 ما يقع به الحكم لكونه مجهولا جهالة متفاحشة كجهالة الجنس ~~فترجع إلى ما استحقته من المهر ثم ينظر إن كان الحكم إلى الزوج فإن حكم ~~بمقدار المهر تجبر المرأة على تسليم ذلك؛ لأنه حكم بالقدر المستحق. # وكذلك إن حكم بأقل من مقدار المهر لأنه حط بعضه فهو تملك حط بعضه لأنه ~~تملك حط الكل فالبعض أولى، وإن حكم بأكثر من المهر لم تلزمها الزيادة؛ لأنه ~~حكم لنفسه بأكثر من القدر المستحق فلا يصح إلا برضاها، وإن كان الحكم إليها ~~فإن حكمت بقدر المهر جاز ذلك؛ لأنها حكمت بالقدر المستحق وكذلك إن حكمت ~~بأكثر من قدر المهر؛ لأنها حكمت لنفسها بالزيادة وهي تملك بذل الزيادة وإن ~~حكمت بأقل من المهر لم يجز إلا برضا الزوج؛ لأنها حطت بعض ما عليها وهي لا ~~تملك حط ما عليها، وإن كان الحكم إلى الأجنبي فإن حكم بقدر المهر جاز وإن ~~حكم بزيادة أو نقصان لم تجز الزيادة إلا برضا المرأة والنقصان إلا برضا ~~الزوج؛ لأن في الزيادة إبطال حق المرأة وفي النقصان إبطال حق الزوج فلا ~~يجوز من غير رضا صاحب الحق ولو # PageV03P149 # اختلفا في جنس ما وقع عليه الطلاق أو نوعه أو قدره فالقول قول المرأة ~~وعلى الزوج البينة،؛ لأن قبول البدل إلى المرأة، والزوج يدعي عليها شيئا ~~وهي تنكر فكان القول قولها. # ولو قال لها: طلقتك أمس على ألف درهم أو بألف درهم فلم تقبلي، فقالت: لا ~~بل كنت قبلت فالقول قول الزوج فرق بين هذا وبين ما إذا قال لإنسان: بعتك ~~هذا العبد أمس بألف درهم فلم تقبل فقال: لا، بل قبلت أن القول قول المشتري، ~~ووجه الفرق أن الزوج في مسألة الطلاق لم يصر مناقضا في قوله فلم تقبلي؛ لأن ~~قول الرجل لامرأته طلقتك أمس على ألف يسمى طلاقا على ألف قبلته المرأة أو ~~لم تقبل فلم يكن الزوج في قوله فلم تقبلي مناقضا بخلاف البيع؛ لأن الإيجاب ~~بدون القبول لا يسمى بيعا فكان الإقرار بالإيجاب إقرارا بالقبول فصار ~~البائع ms1862 مناقضا في قوله فلم تقبل، ولأن المرأة في باب الطلاق تدعي وقوع ~~الطلاق؛ لأنها تدعي وجود شرط الوقوع، والزوج ينكر الوقوع لإنكاره شرط ~~الوقوع فكان القول قول المنكر والله الموفق. # (وأما) بيان قدر ما يحل للزوج من أخذ العوض وما لا يحل فجملة الكلام فيه ~~أن النشوز لا يخلو إما أن كان من قبل الزوج وإما إن كان من قبل المرأة فإن ~~كان من قبل الزوج فلا يحل له أخذ شيء من العوض على المخلع لقوله تعالى: ~~{وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا} [النساء: 20] نهى عن أخذ شيء مما آتاها من المهر وأكد النهي بقوله: ~~{أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} [النساء: 20] ، وقوله: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ~~ببعض ما آتيتموهن} [النساء: 19] أي: لا تضيقوا عليهن لتذهبوا ببعض ما ~~آتيتموهن {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [النساء: 19] أي: إلا أن ينشزن؛ نهى ~~الأزواج عن أخذ شيء مما أعطوهن واستثنى حال نشوزهن. # وحكم المستثنى يخالف حكم المستثنى منه فيقتضي حرمة أخذ شيء مما أعطوهن ~~عند عدم النشوز منهن، وهذا في حكم الديانة، فإن أخذ جاز ذلك في الحكم ولزم ~~حتى لا يملك استرداده؛ لأن الزوج أسقط ملكه عنها بعوض رضيت به، والزوج من ~~أهل الإسقاط. # والمرأة من أهل المعاوضة والرضا فيجوز في الحكم والقضاء، وإن كان النشوز ~~من قبلها فلا بأس بأن يأخذ منها شيئا قدر المهر لقوله تعالى: {إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة} [النساء: 19] أي: إلا أن ينشزن، والاستثناء من النهي إباحة ~~من حيث الظاهر، وقوله {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] ؛ قيل ~~أي: لا جناح على الزوج في الأخذ وعلى المرأة في الإعطاء. # وأما الزيادة على قدر المهر ففيها روايتان ذكر في كتاب الطلاق أنها ~~مكروهة وهكذا روي عن علي - رضي الله عنه - أنه كره للزوج أن يأخذ منها أكثر ~~مما أعطاها وهو قول الحسن البصري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وطاوس. # وذكر في الجامع الصغير أنها غير مكروهة - وهو عثمان البتي - وبه أخذ ~~الشافعي. ms1863 # وجه هذه الرواية ظاهر قوله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} ~~[البقرة: 229] ، رفع الجناح عنهما في الأخذ والعطاء من الفداء من غير فصل ~~بين ما إذا كان مهر المثل أو زيادة عليه، فيجب العمل بإطلاق النص، ولأنها ~~أعطت مال نفسها بطيبة من نفسها وقد قال الله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء ~~منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] ، بخلاف ما إذا كان النشوز من ~~قبله؛ لأن النشوز إذا كان من قبل الزوج كانت هي مجبورة في دفع المال؛ لأن ~~الظاهر أنها مع رغبتها في الزوج لا تعطي إذا كانت مضطرة من جهته بأسباب أو ~~مغترة بأنواع التغرير والتزوير فكره الأخذ. # وجه رواية الأصل: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ~~ألا يقيما حدود الله} [البقرة: 229] إلى قوله {فلا جناح عليهما فيما افتدت ~~به} [البقرة: 229] نهى عن أخذ شيء مما أعطاها من المهر واستثنى القدر الذي ~~أعطاها من المهر عند خوفهما ترك إقامة حدود الله على ما نذكر، والنهي عن ~~أخذ شيء من المهر نهي عن أخذ الزيادة على المهر من طريق الأولى كالنهي عن ~~التأفيف أنه يكون نهيا عن الضرب - الذي هو فوقه - بالطريق الأولى. # وروي أن «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قال لامرأة ثابت بن قيس ~~بن شماس: أتردين عليه حديقته؟ فقالت: نعم وزيادة قال: أما الزيادة فلا» نهى ~~عن الزيادة مع كون النشوز من قبلها وبه تبين أن المراد من قوله {فيما ~~افتدت} [البقرة: 229] قدر المهر لا الزيادة عليه، وإن كان ظاهره عاما عرفنا ~~ببيان النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي هو وحي غير متلو، والدليل عليه ~~أيضا قوله تعالى: في صدر الآية {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا} ~~[البقرة: 229] ذكر في أول الآية ما آتاها فكان المذكور في آخرها - وهو ~~قوله: {فيما افتدت به} [البقرة: 229]- مردودا إلى أولها فكان المراد من ~~قوله {فيما افتدت} [البقرة: 229] أي: بما آتاها # PageV03P150 # ونحن به نقول: إنه يحل له قدر ما آتاها. # وأما ms1864 قوله: أنها أعطته مال نفسها بطيبة من نفسها فنعم لكن ذاك دليل ~~الجواز، وبه نقول: إن الزيادة جائزة في الحكم، والقضاء، ولأن الخلع - من ~~جانبها - معاوضة حالة عن الطلاق، وإسقاط ما عليها من الملك، ودفع المال ~~عوضا عما ليس بمال جائز في الحكم إذا كان ذلك مما يرغب فيه ألا ترى أنه جاز ~~العتق على قليل المال، وكثيره، وأخذ المال بدلا عن إسقاط الملك، والرق، ~~وكذلك الصلح عن دم العمد، وكذلك النكاح لما جاز على أكثر من مهر مثلها، وهو ~~بدل البضع فكذا جاز أن تضمنه المرأة بأكثر من مهر مثلها؛ لأنه بدل من سلامة ~~البضع في الحالين جميعا، إلا أنه نهى عن الزيادة على قدر المهر لا لمعنى في ~~نفس العقد بل المعنى في غيره، وهو شبهة الربا، والإضرار بها، ولا يوجد ذلك ~~في قدر المهر فحل له أخذ قدر المهر، والله أعلم. ### | [فصل في حكم الخلع] # (فصل) : # وأما حكم الخلع فنقول، وبالله التوفيق: يتعلق بالخلع أحكام بعضها يعم كل ~~طلاق بائن، وبعضها يخص الخلع أما الذي يعم كل طلاق بائن فنذكره في بيان حكم ~~الطلاق إن شاء الله تعالى، وأما الذي يخص الخلع؛ فالخلع لا يخلو أما إن كان ~~بغير بدل. # وأما إن كان ببدل فإن كان بغير بدل بأن قال: خالعتك، ونوى الطلاق فحكمه ~~أنه يقع الطلاق، ولا يسقط شيء من المهر، وإن كان ببدل فإن كان البدل هو ~~المهر بأن خلعها على المهر فحكمه أن المهر إن كان غير مقبوض أنه يسقط المهر ~~عن الزوج، وتسقط عنه النفقة الماضية، وإن كان مقبوضا فعليها أن ترده على ~~الزوج، وإن كان البدل مالا آخر سوى المهر فحكمه حكم سقوط كل حكم، وجب ~~بالنكاح قبل الخلع من المهر، والنفقة الماضية، ووجوب البدل حتى لو خلعها ~~على عبد أو على مائة درهم، ولم يذكر شيئا آخر فله ذلك ثم إن كان لم يعطها ~~المهر برئ، ولم يكن لها عليه شيء سواء كان لم يدخل بها أو كان قد دخل بها، ms1865 ~~وإن كان قد أعطاها المهر لم يرجع عليها بشيء سواء كان بعد الدخول بها أو ~~قبل الدخول بها، وكذلك إذا بارأها على عبد أو على مائة درهم فهو مثل الخلع ~~في جميع ما وصفنا، وهذا قول أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف في المبارأة مثل قول أبي حنيفة. # وقال في الخلع إنه لا يسقط به إلا ما سميا. # وقال محمد لا يسقط في الخلع والمبارأة جميعا إلا ما سميا حتى إنه لو ~~طلقها على مائة درهم -، ومهرها ألف درهم - فإن كان المهر غير مقبوض فإنها ~~لا ترجع عليه بشيء سواء كان الزوج لم يدخل بها أو كان قد دخل بها في قول ~~أبي حنيفة، وله عليها مائة درهم، وعندهما إن كان قبل الدخول بها فلها أن ~~ترجع عليه بنصف المهر، وذلك خمسمائة، وله عليها مائة درهم فيصير قدر المائة ~~قصاصا فيرجع عليه بأربعمائة، وإن كان بعد الدخول فلها أن ترجع عليه بكل ~~المهر إلا قدر المائة فترجع عليه بتسعمائة، وإن كان المهر مقبوضا فله عليها ~~المائة لا غير، وليس له أن يرجع عليها بشيء من المهر سواء كان قبل الدخول ~~بها أو بعده في قول أبي حنيفة، وعندهما إن كان قبل الدخول يرجع إلى الزوج ~~عليها بنصف المهر، وإن كان بعده لا يرجع عليها بشيء، وهكذا الجواب في ~~المبارأة عند محمد، والحاصل أن ههنا ثلاث مسائل: الخلع، والمبارأة ~~والمبارأة والطلاق على مال، ولا خلاف بينهم في الطلاق على مال أنه لا يبرأ ~~به من سائر الحقوق التي وجبت لها بسبب النكاح، ولا خلاف أيضا في سائر ~~الديون التي وجبت لا بسبب النكاح. # وأنها لا تسقط بهذه التصرفات، وإنما الخلاف بينهم في الخلع، والمبارأة، ~~واتفق جواب أبي حنيفة، وأبي يوسف في المبارأة، واختلف جوابهما في الخلع، ~~واتفق جواب أبي يوسف، ومحمد في الخلع، واختلف في المبارأة فأبو يوسف مع أبي ~~حنيفة في المبارأة، ومع محمد في الخلع. # وجه قول محمد إن الخلع طلاق بعوض فأشبه الطلاق على مال، والجامع بينهما ~~أن حق ms1866 الإنسان لا يسقط من غير إسقاطه، ولم يوجد في الموضعين إلا إسقاط ما ~~سميا، فلا يسقط ما لم تجز به التسمية، ولهذا لم يسقط به سائر الديون التي ~~لم تجب بسبب النكاح. # وكذا لا تسقط نفقة العدة إلا بالتسمية، وإن كانت من أحكام النكاح كذا هذا ~~وجه قول أبي يوسف، وهو الفرق بين الخلع، والمبارأة أن المبارأة صريح في ~~إيجاب البراءة؛ لأنها إثبات البراءة نصا فيقتضي ثبوت البراءة مطلقا فيظهر ~~في جميع الحقوق الثابتة بينهما بسبب النكاح،. # فأما الخلع فليس نصا في إيجاب البراءة؛ لأنه ليس في لفظه ما ينبئ عن ~~البراءة، وإنما تثبت البراءة مقتضاه، والثابت بطريق الاقتضاء لا يكون ثابتا ~~من جميع الوجوه فثبتت البراءة بقدر ما وقعت التسمية لا غير، ولأبي حنيفة أن ~~الخلع في معنى المبارأة؛ لأن المبارأة مفاعلة من البراءة # PageV03P151 # والإبراء إسقاط فكان إسقاطا من كل واحد من الزوجين الحقوق المتعلقة ~~بالعقد المتنازع فيه كالمتخاصمين في الديون إذا اصطلحا على مال سقط بالصلح ~~جميع ما تنازعا كذا بالمبارأة،، والخلع مأخوذ من الخلع، وهو النزع، والنزع ~~إخراج الشيء من الشيء فمعنى قولنا خلعها أي: أخرجها من النكاح وذلك ~~بإخراجها من سائر الأحكام بالنكاح، وذلك إنما يكون بسقوط الأحكام الثابتة ~~بالنكاح، وهو معنى البراءة فكان الخلع في معنى البراءة. # ، والعبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ وقد خرج الجواب عما ذكره أبو ~~يوسف. # وأما قول محمد إنه لم يوجد منها إسقاط غير المسمى فنقول: إن لم يوجد نصا ~~فقد وجد دلالة لما ذكرنا أن لفظ الخلع دليل عليه؛ ولأن قصدهما من الخلع قطع ~~المنازعة، وإزالة الخلف بينهما، والمنازعة، والخلف إنما وقعا في حقوق ~~النكاح، ولا تندفع المنازعة، والخلف إلا بإسقاط حقوقه فكان ذلك تسمية منها ~~لسائر الحقوق المتعلقة بالنكاح دلالة بخلاف سائر الديون؛ لأنه لا تعلق لها ~~بالنكاح، ولم تقع المنازعة فيها، ولا في سببها، فلا ينصرف الإسقاط إليها ~~بخلاف الطلاق على مال؛ لأنه لا يدل على إسقاط الحقوق الواجبة بالنكاح لا ~~نصا، ولا دلالة. # وأما نفقة العدة؛ ms1867 فلأنها لم تكن واجبة قبل الخلع، فلا يتصور إسقاطها ~~بالخلع بخلاف النفقة الماضية؛ لأنها كانت واجبة قبل الخلع بفرض القاضي أو ~~بالتراضي فكان الخلع إسقاطا بعد الوجوب فصح. # ولو خلعها على نفقة العدة صح، ولا تجب النفقة، ولو أبرأت الزوج عن النفقة ~~في حال قيام النكاح لا يصح الإبراء، وتجب النفقة؛ لأن النفقة في النكاح تجب ~~شيئا فشيئا على حسب حدوث الزمان يوما فيوما فكان الإبراء عنها إبراء قبل ~~الوجوب فلم يصح،. # فأما نفقة العدة فإنما تجب عند الخلع فكان الخلع على النفقة مانعا من ~~وجوبها، ولا يصح الخلع على السكنى، والإبراء عنه؛ لأن السكنى تجب حقا لله ~~تعالى قال الله تعالى {ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق: 1] ، ~~فلا يملك العبد إسقاطه، والله تعالى أعلم. ### | [فصل في الطلاق على مال] # (فصل) : # وأما الطلاق على مال فهو في أحكامه كالخلع؛ لأن كل واحد طلاق بعوض فيعتبر ~~في أحدهما ما يعتبر في الآخر إلا أنهما يختلفان من وجه، وهو أن العوض إذا ~~أبطل في الخلع بأن وقع الخلع على ما ليس بمال متقوم يبقى الطلاق بائنا، وفي ~~الطلاق على مال إذا أبطل العوض بأن سميا ما ليس بمال متقوم فالطلاق يكون ~~رجعيا؛ لأن الخلع كناية، والكنايات مبينات عندنا،. # فأما الطلاق على مال فصريح، وإنما تثبت البينونة بتسمية العوض إذا صحت ~~التسمية فإذا لم تصح التحقت بالعدم فبقي صريح الطلاق فيكون رجعيا. # ولو قال لها: أنت طالق بألف درهم فقبلت طلقت، وعليها ألف؛ لأن حرف الباء ~~حرف إلصاق فيقتضي إلصاق البدل بالمبدل، وكذلك لو قال: أنت طالق على ألف ~~درهم؛ لأن على كلمة شرط يقال: زرتك على أن تزورني أي: بشرط أن تزورني. # وكذا قال لامرأته: أنت طالق على أن تدخلي الدار كان دخول الدار شرطا كما ~~لو قال: إن دخلت الدار، وهي كلمة إلزام أيضا فكان هذا إيقاع الطلاق بشرط أن ~~تعطيه الألف عقيب وقوع الطلاق، ويلزمها الألف فيقع الطلاق بقبولها، وتجب ~~عليها الألف، ولو قال: أنت طالق، وعليك ألف ms1868 درهم طلقت المرأة الرجعية، ولا ~~شيء عليها من الألف سواء قبلت أو لم تقبل في قول أبي حنيفة # وقال أبو يوسف، ومحمد إذا قبلت طلقت بائنة، وعليها الألف، وعلى هذا ~~الخلاف إذا قالت المرأة لزوجها طلقني، ولك ألف درهم فطلقها أنه يقع طلقة ~~رجعية، ولا يلزمها البدل في قول أبي حنيفة، وعندهما يقع الطلاق، وعليها ~~الألف، وعلى هذا الخلاف إذا قال لعبده أنت حر وعليك ألف درهم أنه يعتق سواء ~~قبل أو لم يقبل في قول أبي حنيفة، وعندهما إذا قبل يعتق، وعليه الألف. # وجه قولهما أن هذه الواو واو حال فيقتضي أن وجوب الألف حال وقوع الطلاق، ~~والعتاق؛ ولأن هذه اللفظة تستعمل في الإبدال فإن من قال لآخر: احمل هذا ~~الشيء إلى مكان كذا، ولك درهم فحمل يستحق الأجرة كما لو قال له: احمل ~~بدرهم،، ولأبي حنيفة أن كل واحدة من الكلامين كلام تام بنفسه أعني: قوله: ~~أنت طالق وقوله: وعليك ألف درهم؛ لأن كل واحد منهما مبتدأ، وخبر، فلا يجعل ~~الثاني متصلا بالأول إلا لضرورة، والضرورة فيما كان الغالب فيه أن يكون ~~بعوض كما في قوله احمل هذا إلى بيتي، ولك ألف، ولا ضرورة في الطلاق، ~~والعتاق؛ لأن الغالب وجودهما بغير عوض، فلا يجعل الثاني متصلا بالأول من ~~غير ضرورة. # وأما قولهما الواو واو حال فممنوع بل واو عطف في الإخبار معناه أخبرك # PageV03P152 # أنك طالق، وأخبرك أن عليك ألف درهم. # ولو قالت المرأة لزوجها طلقني ثلاثا على ألف درهم فطلقها ثلاثا يقع عليها ~~ثلاث تطليقات بألف، وهذا مما لا إشكال فيه، ولو طلقها واحدة وقعت واحدة ~~رجعية بغير شيء في قول أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف، ومحمد يقع واحدة بائنة بثلث الألف، ولو قالت: طلقني ثلاثا ~~بألف درهم فطلقها ثلاثا يقع ثلاثة بألف درهم؛ لا شك فيه، ولو طلقها واحدة ~~وقعت واحدة بائنة بثلث الألف في قولهم جميعا. # (وجه) قولهما أن كلمة على في المعاملات، وحرف الباء سواء يقال بعت عنك ~~بألف، وبعت منك على ألف، ويفهم من ms1869 كل واحدة منهما كون الألف بدلا. # وكذا قول الرجل لغيره احمل هذا الشيء إلى بيتي على درهم وقوله: بدرهم ~~سواء حتى يستحق البدل فيهما جميعا، والأصل أن أجزاء البدل تنقسم على أجزاء ~~المبدل إذا كان متعددا في نفسه فتنقسم الألف على الثلاث فيقع واحدة بثلث ~~الألف كما لو ذكرت بحرف الباء فكانت بائنة؛ لأنها طلاق بعوض، ولأبي حنيفة ~~أن كلمة على كلمة شرط فكان وجود الطلقات الثلاث شرطا لوجوب الألف فكانت ~~الطلقة الواحدة بعض الشرط، والحكم لا يثبت بوجود بعض الشرط فلما لم يطلقها ~~ثلاثا لا يستحق شيئا من الألف بخلاف حرف الباء فإنه حرف مبادلة فيقتضي ~~انقسام البدل على المبدل فتنقسم الألف على التطليقات الثلاث فكان بمقابلة ~~كل واحدة ثلث الألف، ولا يشكل هذا القدر بما إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثا ~~بألف فطلقت نفسها واحدة أنه لا يقع شيء؛ لأن الزوج لم يرض بالبينونة إلا ~~بكل الألف، فلا يجوز وقوع البينونة ببعضها، فإذا أمرته بالطلاق فقالت: ~~طلقني ثلاثا بألف درهم فقد سألت الزوج أن يبينها بألف وقد أبانها بأقل من ~~ذلك فقد زادها خيرا، والإشكال أنها سألته الإبانة الغليظة بألف، ولم يأت ~~بها بل أتى بالخفيفة، ولعل لها غرضا في الغليظة، والجواب أن غرضها في ~~استيفاء ما لها مع حصول البينونة التي وضع لها الطلاق أشد. # (وأما) قولهما إن كلمة على تستعمل في الإبدال فنعم لكن مجازا لا حقيقة، ~~ولا تترك الحقيقة إلا لضرورة، وفي البيع، ونحوه ضرورة، ولا ضرورة في الطلاق ~~على ما بينا على أن اعتبار الشرط يمنع الوجوب لما بينا، واعتبار البدل يوجب ~~فيقع الشك في الوجوب، فلا يجب مع الشك ولو قالت امرأتان له طلقنا بألف درهم ~~أو على ألف درهم فطلقهما يقع الطلاق ثلاثا عليهما بالألف، وهذا لا يشكل، ~~ولو طلق إحداهما وقع الطلاق عليها بحصتها من الألف بالإجماع، والفرق لأبي ~~حنيفة بين هذه المسألة، وبين مسألة الخلاف أنه لا غرض لكل واحدة من ~~المرأتين في طلاق الأخرى فلم يعتبر معنى الشرط، وللمرأة ms1870 غرض في اجتماع ~~تطليقاتها؛ لأن ذلك أقوى للتحريم لثبوت البينونة الغليظة بها فاعتبر معنى ~~الشرط، ولو قالت: طلقني واحدة بألف فقال: أنت طالق ثلاثا وقع الثلاث مجانا ~~بغير شيء في قول أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف، ومحمد: يقع ثلاث تطليقات؛ كل واحدة منها بألف، وهذه فريعة ~~أصل ذكرناه فيما تقدم، وهو أن من أصل أبي حنيفة أن الثلاث لا تصلح جوابا ~~للواحدة فإذا قال ثلاثا فقد عدل عما سألته فصار مبتدئا بالطلاق فتقع الثلاث ~~بغير شيء، ومن أصلهما أن في الثلاث ما يصلح جوابا للواحدة؛ لأن الواحدة ~~توجد في الثلاث فقد أتى بما سألته، وزيادة فيلزمها الألف كأنه قال: أنت ~~طالق واحدة، وواحدة، وواحدة، ولو طلقني واحدة بألف فقال: أنت طالق ثلاثا ~~وقف على قبولها عند أبي حنيفة إن قبلت جاز، وإلا بطل؛ لأنه عدل عما سألته ~~فصار مبتدئا طلاقا بعوض فيقف على قبولها، وعند أبي يوسف، ومحمد يقع الثلاث، ~~واحدة منها بألف كما سألت، واثنتان بغير شيء، وحكى الجصاص عن الكرخي أنه ~~قال رجع أبو يوسف في هذه المسألة إلى قول أبي حنيفة. # وذكر أبو يوسف في الأمالي أن الثلاث يقع واحدة منها بثلث الألف، ~~والاثنتان تقفان على قبول المرأة قال القدوري: وهذا صحيح على أصلهما؛ لأنها ~~جعلت في مقابلة الواحدة ألفا فإذا أوقعها بثلث الألف فقد زادها خيرا، ~~وابتدأ تطليقتين بثلثي الألف فوقف ذلك على قبولها، والله أعلم. ### | [فصل في شرائط ركن الطلاق وبعضها يرجع إلى نفس الركن] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى نفس الركن فمنها أن لا يلحقه استثناء أصلا، ورأسا ~~سواء كان وضعيا أو عرفيا عند عامة العلماء، وعند مالك الاستثناء العرفي لا ~~يمنع وقوع الطلاق، وسنذكر المسألة إن شاء الله تعالى، والكلام في هذا الشرط ~~يقع في مواضع في بيان أنواع الاستثناء، وفي بيان ماهية كل نوع، وفي بيان ~~شرائط صحته أما الأول فالاستثناء في # PageV03P153 # الأصل نوعان: استثناء وضعي، واستثناء عرفي أما الوضعي فهو أن يكون بلفظ ~~موضوع للاستثناء، وهو كلمة إلا، وما يجري مجراها ms1871 نحو سوى، وغير، وأشباه ~~ذلك. # وأما العرفي فهو تعليق بمشيئة الله تعالى، وإنه ليس باستثناء في الوضع ~~لانعدام كلمة الاستثناء بل الموجود كلمة الشرط إلا أنهم تعارفوا إطلاق اسم ~~الاستثناء على هذا النوع قال الله تعالى {إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين} ~~[القلم: 17] {ولا يستثنون} [القلم: 18] أي: لا يقولون: إن شاء الله تعالى، ~~وبينه وبين الأول مناسبة في معنى ظاهر لفظ الاستثناء، وهو المنع، والصرف ~~دون الحقيقة فأطلق اسم الاستثناء عليه، وبعض مشايخنا قال الاستثناء نوعان ~~استثناء تحصيل، واستثناء تعطيل فسمي الأول استثناء تحصيل؛ لأنه تكلم ~~بالحاصل بعد الثنيا، والثاني تعطيلا لما أنه يتعطل الكلام به. # وأما الكلام في بيان ماهية كل نوع أما النوع الأول فهو تكلم بالباقي بعد ~~الثنيا، وهذه العبارة هي المختارة دون قولهم استخراج بعض الجملة الملفوظة ~~لأن القدر المستثنى إما أن يدخل بعد نص المستثنى منه، وإما أن لا يدخل فإن ~~لم يدخل لا يتصور الإخراج، وإن دخل يتناقض الكلام؛ لأن نص المستثنى منه ~~يثبت، ونص الاستثناء ينفي، ويستحيل أن يكون الحكم الواحد في زمان مثبتا، ~~ومنفيا، ولهذا فهم من قوله تعالى {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} ~~[العنكبوت: 14] ما ذكرنا حتى يصير في التقدير كأنه قال: فلبث فيهم تسعمائة، ~~وخمسين عاما لا معنى الإخراج لئلا يؤدي إلى الخلف في خبر الله تعالى. # (وأما) النوع الثاني فهو تعليق بالشرط إلا أن الشرط إذا كان مما يتوقف ~~عليه، ويعلم وجوده ينزل المعلق عند وجوده، وإن كان مما لا يعلم لا ينزل، ~~وهذا النوع من التعليق من هذا القبيل لما نذكره إن شاء الله تعالى. # (وأما) شرط صحته فلصحة الاستثناء شرائط: بعضها يعم النوعين، وبعضها يخص ~~أحدهما أما الذي يعمهما جميعا فهو أن يكون الاستثناء موصولا بما قبله من ~~الكلام عند عدم الضرورة حتى لو حصل الفصل بينهما بسكوت أو غير ذلك من غير ~~ضرورة لا يصح، وهذا قول عامة الصحابة - رضي الله عنهم -، وعامة العلماء إلا ~~شيئا روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أن ms1872 هذا ليس بشرط، ويصح ~~متصلا، ومنفصلا واحتج بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«لأغزون قريشا ثم قال بعد سنة إن شاء الله تعالى» ، ولو لم يصح لما قال. # ولأن الاستثناء في معنى التخصيص؛ لأن كل واحد منهما بيان ثم التخصيص يصح ~~مقارنا، ومتراخيا فكذا الاستثناء يجب أن يكون متصلا، ومنفصلا، ولنا أن ~~الأصل في كل كلام تام بنفسه، فإن كان مبتدأ، وخبرا أن لا يقف حكمه على ~~غيره، والوقف عند الوصل لضرورة، وهي ضرورة استدراك الغلط، والضرورة تندفع ~~بالموصول، فلا يقف عند عدم الوصل، ولهذا لم يقف على الشرط المنقطع فكذا على ~~الاستثناء المنقطع؛ ولأنه عند عدم الوصول ليس باستثناء لغة؛ لأن العرب لم ~~تتكلم به، ومن تكلم به لا يعدونه استثناء بل يسخرون منه، وبهذا تبين أن ~~الرواية عن ابن عباس - رضي الله عنهما - لا تكاد تصح؛ لأنه كان إماما في ~~اللغة كما كان إماما في الشريعة. # وأما التخصيص المتراخي فعند بعض مشايخنا ليس ببيان بل هو فسخ، فلا يلزم، ~~وعند بعضهم بيان لكن إلحاق البيان بالمجمل، والعام الذي يمكن العمل بظاهره ~~متراخيا مشهور عندهم، وإنه كثير النظير في كتاب الله عز وجل. # وأما الحديث ففيه أنه قال بعد تلك المقالة بسنة إن شاء الله تعالى وليس ~~فيه أنه قصد به تصحيح الاستثناء فيحمل أنه أراد به استدراك الاستثناء ~~المأمور به في الكتاب العزيز قال عز وجل {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا} ~~[الكهف: 23] {إلا أن يشاء الله} [الكهف: 24] أي: إلا أن تقول: إن شاء الله ~~فنسي ذلك فتذكره بعد سنة فأمر باستدراكه بقوله سبحانه، وتعالى {واذكر ربك ~~إذا نسيت} [الكهف: 24] ، ويحتمل أنه - عليه الصلاة والسلام - أضمر في نفسه ~~أمرا، وأراد في قلبه، وعزم عليه فأظهر الاستثناء بلسانه فقال: إن شاء الله، ~~ومثل هذا معتاد فيما بين الناس، فلا يصح الاحتجاج به مع الاحتمال هذا الذي ~~ذكرنا إذا كان الفصل من غير ضرورة،. # فأما إذا كان لضرورة التنفس، فلا يمنع الصحة، ولا يعد ms1873 ذلك فصلا إلا أن ~~يكون سكتة هكذا روى هشام عن أبي يوسف؛ لأن هذا النوع من الفصل مما لا يمكن ~~التحرز عنه، فلا يعتبر فصلا، ويعطى له حكم الوصل للضرورة. # وأما كون الاستثناء مسموعا فهل هو شرط؟ ذكر الكرخي أنه ليس بشرط حتى لو ~~حرك لسانه، وأتى بحروف الاستثناء يصح، وإن لم يكن مسموعا. # وذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني أنه شرط، ولا يصح الاستثناء بدونه وجه ما ~~ذكره الكرخي أن الكلام هو الحروف المنظومة # PageV03P154 # وقد وجدت. # فأما السماع فليس بشرط لكونه كلاما فإن الأصم يصح استثناؤه، وإن كان لا ~~يسمع، والصحيح ما ذكره الفقيه أبو جعفر؛ لأن الحروف المنظومة، وإن كانت ~~كلاما - عند الكرخي، وعندنا - هي دلالة على الكلام، وعبارة عنه لا نفس ~~الكلام في الغائب، والشاهد جميعا فلم توجد الحروف المنظومة ههنا؛ لأن ~~الحروف لا تتحقق بدون الصوت فالحروف المنظومة لا تتحقق بدون الأصوات ~~المتقطعة بتقطيع خاص فإذا لم يوجد الصوت لم توجد الحروف فلم يوجد الكلام ~~عنده، ولا دلالة الكلام عندنا فلم يكن استثناء، والله الموفق. # وأما الذي يخص أحد النوعين وهو الاستثناء الوضعي فهو أن يكون المستثنى ~~بعض المستثنى منه لا كله لما ذكرنا أن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا، ~~ولا يكون تكلما بالباقي إلا أن يكون المستثنى بعض المستثنى منه لا كله،؛ ~~ولأن الاستثناء يجري مجرى التخصيص، والتخصيص يرد على بعض أفراد العموم لا ~~على الكل؛ لأن ذلك يكون نسخا لا تخصيصا. # وكذا الاستثناء نسخ الحكم، ونسخ الحكم يكون بعد ثبوته، والطلاق بعد وقوعه ~~لا يحتمل النسخ فبطل الاستثناء، ومن مشايخنا من قال: إن استثناء الكل من ~~الكل إنما يصح؛ لأنه رجوع، والطلاق مما لا يحتمل الرجوع عنه. # وكذا العتاق. # وكذا الإعتاق. # وكذا الإقرار، وهذا غير سديد؛ لأنه لو كان كذلك لصح فيما يحتمل الرجوع - ~~وهو الوصية - ومع هذا لا يصح حتى لو قال: أوصيت لفلان بثلث مالي إلا ثلث ~~مالي لم يصح الاستثناء، وتصح الوصية فدل أن عدم الصحة ليس لمكان الرجوع بل ~~لما قلنا ms1874 أنه ليس باستثناء. # ، ويصح استثناء البعض من الكل سواء كان المستثنى أقل من المستثنى منه أو ~~أكثر عند عامة العلماء، وعامة أهل اللغة. # وروي عن أبي يوسف أنه لا يصح استثناء الأكثر من الأقل، وهو قول الفراء ~~وجه قولهما أن الاستثناء من باب اللغة، وأهل اللغة لم يتكلموا باستثناء ~~الأكثر من الأقل؛ ولأن الاستثناء وضع في الأصل لاستدراك الغلط، والغلط يجري ~~في الأقل لا في الأكثر، ولنا أن أهل اللغة قالوا: الاستثناء تكلم بالباقي ~~بعد الثنيا من غير فصل بين الأقل، والأكثر إلا أنه قل استعمالهم الاستثناء ~~في مثله لقلة حاجتهم إليه لقلة وقوع الغلط فيه. # وهذا لا يكون منهم إخراجا للفظ من أن يكون استثناء حقيقة كمن أكل لحم ~~الخنزير لا يمتنع أحد من أهل اللسان من إطلاق القول بأنه أكل لحم الخنزير، ~~وإن كان يقل استعمال هذه اللفظة، لكن قلة استعمالها لقلة وجود الأكل لا ~~لانعدام معنى اللفظ حقيقة كذا هذا، وعلى هذا تخرج مسائل هذا النوع إذا قال ~~لامرأته: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة يقع ثنتان؛ لأن هذا استثناء صحيح لكونه ~~تكلما بالباقي بعد الثنيا، والباقي بعد استثناء الواحدة من الثلاث ثنتان ~~إلا أن للثنتين اسمين: أحدهما ثنتان، والآخر ثلاث إلا واحدة، ولو قال: إلا ~~اثنتين يقع واحدة؛ لأن استثناء الأكثر من الأقل استثناء صحيح أيضا لما ~~ذكرنا، ولو قال: إلا ثلاثا وقع الثلاث؛ لأن الاستثناء لم يصح؛ لأنه استثناء ~~الكل من الكل. # ولو قال: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة واحدة وواحدة وواحدة وواحدة وقع ~~الثلاث، وبطل الاستثناء في قول أبي حنيفة، ومحمد، وقال أبو يوسف جاز ~~استثناء الأولى، والثانية، وبطل استثناء الثالثة، وتلزمه واحدة وجه قوله أن ~~استثناء الأولى، والثانية استثناء البعض من الكل فصح إلا أنه لو سكت عليه ~~لجاز،. # فأما استثناء الثالثة فاستثناء الكل من الكل فلم يصح فالتحق بالعدم فيقع ~~واحدة،، ولأبي حنيفة، ومحمد أن أول الكلام في الاستثناء يقف على آخره فكان ~~استثناء الكل من الكل، فلا يصح كما لو قال: أنت ms1875 طالق ثلاثا إلا ثلاثا؛ ~~ولأنه لما قال إلا واحدة، وواحدة وواحدة فقد جمع بين الكل بحرف الجمع فصار ~~كأنه قال إلا ثلاثا. # ولو قال: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة إلا ثلاثا يقع الثلاث، ويبطل ~~الاستثناء في قولهم جميعا؛ لأن الاستثناء إذا كان موصولا يقف أول الكلام ~~على آخره فكان الاستثناء راجعا إلى الكل فبطل؛ ولأنه ذكر جملتين وجمع بين ~~كل جملة بحرف الجمع فكان استثناء الجملة من الجملة، فلا يصح، وإذا قال: أنت ~~طالق اثنتين اثنتين إلا اثنتين يقع ثنتان في قول أبي يوسف، ومحمد. # وقال زفر يقع ثلاث كذا ذكر القدوري، ولم يذكر قول أبي حنيفة وجه قول زفر ~~أن الأصل في الاستثناء أنه ينصرف إلى ما يليه؛ لأنه أقرب إليه، وهو متصل به ~~أيضا، ولا ينصرف إلى غيره إلا بدليل، ومتى انصرف إلى ما يليه؛ كان استثناء ~~الكل من الكل، فلا يصح، ولهما أن الاستثناء يصحح ما أمكن، ولو جعلناه مما ~~يليه لبطل، ولو صرف إلى الجملتين يصح # PageV03P155 # ؛ لأنه يصير مستثنيا من كل ثنتين واحدة فبقي من كل جملة واحدة. # وروى هشام بن عبد الله الرازي عن محمد فيمن قال: أنت طالق اثنتين واثنتين ~~إلا ثلاثا إنه يقع ثلاث؛ لأنه لا يمكن تصحيح الاستثناء ههنا؛ لأن أول ~~الكلام في كل واحدة من الجملتين وقف على آخره فصار كأنه قال: أنت طالق ~~ثلاثا إلا ثلاثا؛ لأنه لا يمكن أن يجعل الاستثناء في الجملتين على السواء؛ ~~لأنه يصير مستثنيا من كل جملة تطليقة، ونصفا، وهذا استثناء جميع الجملة؛ ~~لأن استثناء واحدة، ونصف استثناء ثنتين؛ لأن ذكر البعض فيما لا يتبعض ذكر ~~لكله فكان استثناء الكل من الكل، ولا يمكن أن يجعل من إحدى الجملتين؛ لأنه ~~يكون استثناء الكل من الكل، وزيادة، ولا يمكن أن يصرف اثنتان من الثلاث أو ~~جملة واحدة إلى جملة أخرى؛ لأن هذا خلاف تصرفه، وإنشاء تصرف آخر لم يوجد ~~منه فتعذر تصحيح هذا الاستثناء من جميع الوجوه فبطل، والإشكال على القسم ~~الأول أن ذكر البعض فيما ms1876 لا يتبعض لا يكون ذكرا للكل في الاستثناء بل هو ~~ملحق بالعدم بدليل أنه لو قال: أنت طالق ثلاثا إلا واحدة، ونصفا يقع عليها ~~ثنتان، ولو كان ذكر بعض الطلاق ذكرا لكله في الاستثناء لوقع عليها واحدة؛ ~~لأنه يصير كأنه قال: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين، وكان الفقه في ذلك أن ~~الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا فينظر إلى الباقي، والباقي ههنا تطليقة، ~~ونصف، ونصف تطليقة تطليقة كاملة فيقع ثنتان كأنه قال: أنت طالق اثنتين، ~~وإذا لم يصر ذكر البعض ذكرا للكل في الاستثناء يصر مستثنيا من كل جملة ~~تطليقة واحدة، وتلغو واحدة من الاستثناء، وهذا أولى من إلغاء الكل فيجب أن ~~يقع ثنتان كما في المسألة الأولى عندهما، وفي هذه المسألة إشكال على ما روى ~~هشام عن محمد. # وروى هشام أيضا عن محمد فيمن قال: أنت طالق اثنتين وأربعا إلا خمسا أنها ~~تطلق ثلاثا؛ لأنه لا يمكن تصحيح الاستثناء بالصرف إلى الجملتين على الشيوع، ~~ولا بالصرف إلى واحدة منهما، ولا يصرف البعض عينا إلى جملة، والبعض إلى ~~جملة أخرى لما قلنا، والإشكال على القسم الأول على ما بينا. # وقال بشر عن أبي يوسف فيمن قال لامرأته: أنت طالق واحدة واحدة واثنتين ~~إلا اثنتين أنه ثلاث -، وهو قول محمد -، والوجه فيه ما ذكرنا، والإشكال على ~~نحو ما بينا، هذا إذا كان لفظ الاستثناء من جنس المستثنى منه. # كان شيئا خلاف جنسه يصح الاستثناء، ولا تطلق، وإن أتى على جميع المسمى ~~نحو أن يقول نسائي طوالق إلا هؤلاء وليس له نساء غيرهن فإنه يصح الاستثناء، ~~ولا تطلق واحدة منهن؛ لأن الاستثناء يعتبر فيه اللفظ، والإشارة مع التسمية ~~مختلفان لفظا فصح الاستثناء بخلاف قوله نسائي طوالق إلا نسائي؛ ولأن عند ~~اختلاف اللفظين يكون معناه نسائي غير هؤلاء طوالق، وهذا إضافة الطلاق إلى ~~غير هؤلاء،. # وقيل هذا إذا كان الأربع ما دون هؤلاء، فإذا كن أربعا لا يصح الاستثناء، ~~ويطلقن كلهن؛ لأنه لا يتصور استثناء غيرهن فصار كما لو قال: نسائي طوالق، ~~ولا نساء ms1877 له، وهناك لا يصح الاستثناء، ويطلقن كلهن فيصير التقدير كأنه قال: ~~نسائي إلا نسائي طوالق، ولو قال ذلك طلقن كذا هذا. # وكذا هذا في العتاق إذا قال: عبيدي كلهم أحرار إلا عبيدي لم يصح ~~الاستثناء، وعتقوا جميعا، ولو قال: عبيدي أحرار إلا هؤلاء، وليس له عبيد ~~غير هؤلاء لم يعتق واحد منهم، وكذلك هذا في الوصية إذا قال: أوصيت بثلث ~~مالي لفلان أو أوصيت لفلان بثلث مالي إلا ألف درهم، ومات، وثلث ماله ألف ~~درهم صح الاستثناء، وبطلت الوصية، ولو قال أوصيت بثلث مالي إلا ثلث مالي لم ~~يصح الاستثناء، وكان للموصى له ثلث ماله. # قال أنت طالق عشرا إلا تسعا يقع واحدة، والأصل أنه إذا تكلم بالطلاق ~~بأكثر من الثلاث ثم استثنى منه فالاستثناء يرجع إلى جملة الكلام لا إلى ~~القدر الذي يصح وقوعه، وهو الثلاث خاصة فيتبع اللفظ لا الحكم، فلا يثبت ~~الحكم في القدر المستثنى، ويثبت فيما بقي قدر ما يصح ثبوته؛ لأنه تكلم ~~بالباقي بعد الثنيا، فإذا قال: أنت طالق عشرا إلا تسعا يقع واحدة، ولو قال: ~~إلا ثمانيا يقع اثنتان، وإذا قال: إلا سبعا يقع ثلاث لما ذكرنا أن ~~الاستثناء يتبع اللفظ لا الحكم فصح الاستثناء، ودخل على الجملة الملفوظة، ~~وعمل فيها فتبين أن القدر المستثنى لم يدخل في الجملة، فلا يقع قدر ما دخل ~~عليه الاستثناء، ويقع الباقي - وهو الثلاث -؛ لأنه مما يصح وقوعه، وكذلك ~~إذا قال: إلا ستا أو خمسا أو أربعا أو ثلاثا أو اثنتين أو واحدة يقع ثلاث؛ ~~لأن الثلاث هي التي يصح وقوعها مما بقي إذ لا يزيد الطلاق على الثلاث. # قال أنت طالق ثلاثا # PageV03P156 # إلا ثلاثا إلا واحدة تقع واحدة، والأصل في مسائل الاستثناء من الاستثناء ~~أن لتخريجها طريقين: أحدهما: أنه ينظر إلى الاستثناء الأخير فيجعل استثناء ~~مما يليه ثم ينظر إلى ما بقي منه فيجعل ذلك استثناء مما يليه هكذا إلى ~~الاستثناء الأول ثم ينظر إلى الباقي من الاستثناء الأول فيستثنى ذلك القدر ~~من الجملة الملفوظة فما بقي ms1878 منها الواقع، فإذا قال: أنت طالق ثلاثا إلا ~~ثلاثا إلا واحدة - يستثني الواحدة من الثلاثة - يبقى اثنتان يستثنيهما من ~~الثلاثة فتبقى واحدة كأنه قال: أنت طالق ثلاثا إلا اثنتين فإن قال: أنت ~~طالق ثلاثا إلا ثلاثا إلا اثنتين يقع اثنتان؛ لأنك تستثني الاثنتين من ~~الثلاثة فتبقى واحدة تستثنيها من الثلاثة فيبقى اثنتان. # فإن قال أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا إلا اثنتين إلا واحدة يقع واحدة؛ لأنك ~~تستثني الواحدة من اثنتين فيبقى واحدة تستثنيها من الثلاث فيبقى اثنتان ~~تستثنيهما من الثلاث فيبقى واحدة هي الواقع، وكذلك إذا قال أنت طالق عشرا ~~إلا تسعا إلا ثمانيا إنك تستثني ثمانيا من تسع فبقي واحدة نستثنيها من ~~العشر فيبقى تسع كأنه قال: أنت طالق تسعا فيقع ثلاث فإن قال: أنت طالق عشرا ~~إلا تسعا إلا واحدة يقع ثنتان؛ لأنك إذا استثنيت الواحدة من التسع يبقى ~~ثمانية تستثنيها من العشر فيبقى اثنتان كأنه قال: أنت طالق عشرا إلا ~~ثمانيا، وعلى هذا جميع هذا الوجه، وقياسه، والثاني يرجع إلى عقد اليد، وهو ~~أن تعقد العدد الأول بيمينك، والثاني بيسارك، والثالث تضمه إلى ما في ~~يمينك، والرابع بيسارك تضمه إلى ما بيسارك ثم تطرح ما اجتمع في يسارك من ~~جملة ما اجتمع في يمينك فما بقي في يمينك فهو الواقع، والله أعلم. # وأما مسائل النوع الثاني من الاستثناء، وهو تعليق الطلاق بمشيئة الله عز ~~وجل فنقول: إذا علق طلاق امرأته بمشيئة الله يصح الاستثناء، ولا يقع ~~الطلاق، سواء قدم الطلاق على الاستثناء في الذكر بأن قال: أنت طالق إن شاء ~~الله أو أخره عنه بأن قال: إن شاء الله تعالى فأنت طالق، وهذا قول عامة ~~العلماء. # وقال مالك: لا يصح الاستثناء، والطلاق واقع، وعلى هذا تعليق العتق، ~~والنذر، واليمين بمشيئة الله سبحانه، وتعالى. # وجه قوله أن هذا ليس تعليقا بشرط؛ لأن الشرط ما يكون معدوما على خطر ~~الوجود، ومشيئة الله تعالى أزلية لا تحتمل العدم فكان هذا تعليقا بأمر كائن ~~فيكون تحقيقا لا تعليقا كما لو قال: ms1879 أنت طالق إن كانت السماء فوقنا، ولنا ~~قوله عز وجل خبرا عن موسى عليه، وعلى نبينا أفضل الصلاة، والسلام {ستجدني ~~إن شاء الله صابرا} [الكهف: 69] وصح استثناؤه حتى لم يصر بترك الصبر مخلفا ~~في الوعد. # ولولا صحة الاستثناء لصار مخلفا في الوعد بالصبر، والخلف في الوعد لا ~~يجوز، والنبي معصوم. # وقال سبحانه، وتعالى {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا} [الكهف: 23] {إلا ~~أن يشاء الله} [الكهف: 24] أي إلا أن تقول إن شاء الله، ولو لم يحصل به ~~صيانة الخبر عن الخلف في الوعد لم يكن للأمر به معنى. # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من حلف بطلاق أو ~~عتاق، وقال: إن شاء الله فلا حنث عليه» ، وهذا نص في الباب. # وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «من استثنى فله ثنياه» ؛ ولأن ~~تعليق الطلاق بمشيئة الله تعالى تعليق بما لا يعلم وجوده؛ لأنا لا ندري أنه ~~شاء وقوع هذا الطلاق أو لم يشأ، على معنى أن وقوع هذا الطلاق هل دخل تحت ~~مشيئة الله تعالى أو لم يدخل؟ فإن دخل وقع، وإن لم يدخل لا يقع؛ لأن ما شاء ~~الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يقع بالشك، وبه تبين أن هذا ليس تعليقا ~~بأمر كائن؛ ولأن دخول الوقوع تحت مشيئة الله تعالى غير معلوم، وهذا هو ~~تفسير تعليق الطلاق بمشيئة الله عز وجل، ومن الناس من فرق بين الطلاق، ~~والعتاق فقال: لا يقع الطلاق، ويقع العتاق، وزعم بأنه لم توجد المشيئة في ~~الطلاق، ووجدت في العتاق؛ لأن الطلاق مكروه الشرع، والعتق مندوب إليه، وهذا ~~هو مذهب المعتزلة أن إرادة الله تعالى تتعلق بالقرب، والطاعات لا بالمكان، ~~والمعاصي، وأن الله تعالى أراد كل خير وصلاح من العبد ثم العبد قد لا يفعله ~~لسوء اختياره، وبطلان مذهبهم يعرف في مسائل الكلام ثم أنهم ناقضوا حيث ~~قالوا فيمن حلف فقال: لأصومن غدا إن شاء الله تعالى أو قال: لأصلين ركعتين ~~أو لأقضين دين فلان فمضى الغد، ولم ms1880 يفعل شيئا من ذلك أنه لا يحنث، ولو شاء ~~الله تعالى كل خير لحنث؛ لأن هذه الأفعال خيرات وقد شاءها عندهم، وكذلك لو ~~قال: أنت طالق لو شاء الله تعالى أو قال أن لو يشاء الله تعالى لما قلنا. # وكذا لو قال إلا أن يشاء الله؛ لأن معناه إلا أن يشاء الله أن لا يقع ~~وذلك غير معلوم. # وكذا لو قال: ما شاء الله تعالى؛ لأن معناه الذي شاءه الله، تعالى. # ولو قال: أنت # PageV03P157 # طالق إن لم يشأ الله تعالى يكون المستثنى كقوله إن شاء الله تعالى؛ لأن ~~هذا في الحقيقة تعليق بعدم دخول الوقوع تحت مشيئة الله تعالى. # وذلك غير معلوم، ولو قال: أنت طالق، وإن شاء الله أو قال: فإن شاء الله ~~تعالى لم يكن استثناء عند أبي يوسف؛ لأنه حال بين الطلاق، وبين الاستثناء - ~~حرف - هو حشو - فيصير فاصلا بمنزلة السكتة فيمنع التعليق بالشرط فيقع في ~~الحال. # ولو قال أنت طالق ثلاثا ثلاثا وثلاثا إن شاء الله تعالى لا يصح ~~الاستثناء، ويقع الثلاث في قول أبي حنيفة. # وقال: أبو يوسف، ومحمد: الاستثناء جائز، وعلى هذا الخلاف إذا قال: أنت ~~طالق ثلاثا، وواحدة إن شاء الله تعالى وجه قولهما أن في الاستثناء الموصول ~~يقف أول الكلام على آخره فكان قوله: ثلاثا، وثلاثا كلاما واحدا فيعمل فيه ~~الاستثناء كما لو قال: أنت طالق ستا إن شاء الله تعالى؛ ولأنه جمع بين ~~الجملتين بحرف الجمع، وهو حرف الواو فصار كما لو ذكرهما بلفظ واحد فقال: ~~أنت طالق ستا إن شاء الله تعالى، ولأبي حنيفة أن العدد الثاني وقع لغوا؛ ~~لأنه لا يتعلق به حكم إذ لا مزيد للطلاق على الثلاث فصار فاصلا فمنع صحة ~~الاستثناء كما لو سكت بخلاف ما لو قال: أنت طالق ستا؛ لأنه ذكر الكل جملة ~~واحدة، فلا يمكن فصل البعض عن البعض. # ولو قال: أنت طالق واحدة وثلاثا إن شاء الله تعالى جاز الاستثناء في ~~قولهم جميعا؛ لأن الكلام الثاني ههنا ليس بلغو؛ لأنه جملة يتعلق ms1881 بها حكم ~~فلم يصر فاصلا بخلاف الفصل الأول، ولو جمع بين جملتين بحرف الواو ثم قال في ~~آخرهما إن شاء الله تعالى بأن قال: امرأته طالق طالق وعبده حر إن شاء الله ~~تعالى انصرف الاستثناء إلى الجملتين جميعا حتى لا يقع الطلاق، والعتاق ~~بالاتفاق. # وكذا إذا ذكر الشرط في آخر الجملتين بأن قال: إن دخلت الدار أو إن كلمت ~~فلانا. # ولو قال لزيد علي ألف درهم ولعمرو علي ألف درهم إلا خمسمائة انصرف ~~الاستثناء إلى الجملة الأخيرة عند عامة العلماء. # وقال بعضهم: ينصرف إلى جميع ما تقدم من الجمل، وبه أخذ الشافعي، وعلى هذا ~~الأصل بنوا مسألة المحدود في القذف إذا تاب وشهد؛ لأن قوله {إلا الذين ~~تابوا} [النور: 5] منصرف إلى ما يليه عندنا، وعندهم إلى جميع ما تقدم. # وجه قول هؤلاء أن واو العطف إذا دخل بين الكلامين يجعلهما كلاما واحدا ~~كما في قول القائل جاءني زيد، وعمرو معناه جاءاني، وكما إذا قال: امرأته ~~طالق، وعبده حر إن شاء الله تعالى، أو قال: إن دخلت الدار أنه يتعلق ~~الأمران جميعا بالشرط، وإن كان كل واحد منهما جملة تامة لكن لما دخل بينهما ~~واو العطف جعل كلاما واحدا، وتعلقا جميعا بالشرط كذا هذا، ولهذا إذا كان ~~المعطوف ناقصا شارك الأول في حكمه وجعل الكل كلاما واحدا بأن قال: لامرأته ~~أنت طالق، وفلانة حتى يقع الطلاق عليهما كذا هذا، ولنا أن الأصل في ~~الاستثناء أن ينصرف إلى ما يليه؛ لأنه أقرب إليه، ومتصل به؛ ولأنه ليس ~~بكلام مفيد بنفسه مستقل بذاته، فلا بد من ربطه بغيره ليصير مفيدا، وهذه ~~الضرورة تندفع بالصرف إلى ما يليه، فانصرف إلى غيره من الجمل المتقدمة ~~بدخول حرف العطف بين الجملتين فيجعلهما كلاما واحدا وجملة واحدة، وإنما ~~يجعل كلاما واحدا والجملتان جملة واحدة بواو العطف إذا كانت إحدى الجملتين ~~ناقصة بحيث لو فصلت عن الجملة الأخرى لا تكون مفيدة،. # فأما إذا كانت كاملة بحيث لو فصلت عن الأخرى كانت مفيدة، فلا يجعلان ~~كلاما واحدا؛ لأن الجعل ms1882 للعطف الموجب للشركة والشركة ثابتة بدون حروف الواو ~~فكان الوصل والإشراك بحرف الواو، وعدمه سواء؛ ولأن جعل الكلامين كلاما ~~واحدا خلاف الحقيقة، فلا يصار إليه إلا لضرورة - وهي أن تكون إحدى الجملتين ~~ناقصة إما صورة أو معنى - كما في قول القائل جاءني زيد، وعمرو فإن الجملة ~~الثانية ناقصة؛ لأنها مبتدأ لا خبر له فجعلت كاملة بالإشراك بحرف الواو كما ~~في قول الرجل لامرأتيه: زينب طالق، وعمرة لما قلنا، أو تكون ناقصة معنى في ~~حق حصول غرض المتكلم، كما في قوله امرأته طالق، وعبده حر إن شاء الله تعالى ~~أو إن دخلت الدار فإن هناك إحدى الجملتين ناقصة في حق حصول غرض الحالف؛ لأن ~~غرضه أن يجعلهما جميعا جزاء واحدا للشرط، وإن كان كل واحد في نفسه يصلح ~~جزاء تاما، وهذا الغرض لا يحصل إلا بالإشراك والوصل فيكون أحدهما بعض ~~الجزاء فكانت جملة ناقصة في المعنى -، وهو تحصيل غرضه - فيجعل كأنه ناقص في ~~أصل الإفادة، ومثل هذه الضرورة لم توجد ههنا فبقيت كل جملة منفردة بحكمها، ~~وإن كانت معطوفة بحرف الواو كما لو قال جاءني زيد، وذهب عمرو فإن هذا # PageV03P158 # عطف جملة على جملة بحرف الواو، ولم تثبت الشركة بينهما في الخبر لما قلنا ~~كذا هذا. # ولو أدخل الاستثناء على جملتين كل واحدة منهما يمين بأن قال امرأتي طالق ~~إن دخلت الدار وعبدي حر إن كلمت فلانا إن شاء الله تعالى انصرف الاستثناء ~~إلى ما يليه في قول أبي يوسف فتطلق امرأته، ولا يعتق عبده. # وقال محمد: ينصرف إلى الجملتين جميعا، ولا يقع الطلاق، ولا العتاق. # وجه قول محمد على نحو ما ذكرنا أن الكلام معطوف بعضه على بعض بحرف العطف؛ ~~لأنه عطف إحدى الجملتين على الأخرى بحرف الواو فيجعلهما كلاما واحدا كما في ~~التنجيز بأن يقول امرأته طالق، وعبده حر إن شاء الله تعالى، وأي فرق بين ~~التنجيز والتعليق؟ ، وحجة أبي يوسف على نحو ما ذكرنا أن الأصل في الاستثناء ~~أن ينصرف لما يليه لما بينا، وانصرافه إلى غيره لتتم ms1883 الجملة الناقصة صورة، ~~ومعنى أو معنى على ما ذكرنا، وههنا كل واحدة من الجملتين تامة صورة، ومعنى ~~أما الصورة فظاهر. # وأما المعنى؛ فلأنه لما علق كل جزاء بشرط على حدة علم أن غرضه ليس جعلهما ~~جميعا جزاء واحدا؛ فكان كل واحد منهما جملة واحدة فكان كل واحد منهما من ~~الطلاق والعتاق جزاء تاما صورة، ومعنى. # قدم الاستثناء فقال: إن شاء الله تعالى فأنت طالق فهو استثناء صحيح؛ لأنه ~~وصل الطلاق بالاستثناء بحرف الوصل، وهو الفاء؛ فيصح التعليق بمشيئة الله ~~تعالى كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق. # وكذا لو قال: إن شاء الله تعالى، وأنت طالق؛ لأن الواو للجمع فتصير ~~الجملة كلاما واحدا. # ولو قال: إن شاء الله تعالى أنت طالق جاز الاستثناء في قول أبي حنيفة، ~~وأبي يوسف، ولا يقع الطلاق. # وقال محمد: هو استثناء منقطع والطلاق واقع في القضاء، ويدين فيما بينه، ~~وبين الله عز وجل أنه أراد به الاستثناء (وجه) قول محمد أن الجزاء إذا كان ~~متأخرا عن الشرط لا بد من ذكر حرف الاتصال - وهو حرف الفاء - ليتصل الجزاء ~~بالشرط، وإذا لم يوجد لم يتصل فكان قوله: إن شاء الله تعالى استثناء منقطعا ~~فلم يصح، ويقع الطلاق كما إذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق فإنه لا يتعلق ~~لعدم حرف التعليق - وهو حرف الفاء - فيبقى تنجيزا فيقع الطلاق كذا هذا، ~~ولهما أن الفاء يضمر في كلامه تصحيحا للاستثناء والإضمار في مثل هذا الكلام ~~جائز قال الشاعر # من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان # أي: فالله يشكرها، أو يجعل الكلام على التقديم والتأخير تصحيحا للاستثناء ~~كأنه قال: أنت طالق إن شاء الله تعالى والتقديم والتأخير في الكلام جائز ~~أيضا في اللغة. # وهذان الوجهان يصحان لتصحيح الاستثناء فيما بينه، وبين الله تعالى لا في ~~القضاء؛ لأن كل واحد منهما خلاف الظاهر، فلا يصدقه القاضي ألا ترى أنه إذا ~~قال: إن دخلت الدار أنت طالق لا يتعلق، وإن أمكن تصحيح التعليق بأحد هذين ~~الطريقين، لكن ms1884 لما كان خلاف الظاهر لم يتعلق، ولا يصدق أنه أراد به التعليق ~~في القضاء، وإنما يصدق فيما بينه، وبين الله تعالى لا غير كذا هذا (ووجه) ~~الفرق بين المسألتين أن الحاجة إلى ذكر حرف الفاء في التعليق بسائر الشروط ~~- إذا كان الجزاء متأخرا عن الشرط في الملك - ليتصل الجزاء بالشرط فيوجد ~~عند وجود الشرط؛ لأنه شرط يمكن الوقوف عليه والعلم به على تقدير وجوده، فلا ~~بد من وصل الجزاء بالشرط بحرف الوصل بخلاف التعليق بمشيئة الله تعالى، ~~ووقوع هذا الطلاق مما لا سبيل لنا إلى الوقوف عليه رأسا حتى تقع الحاجة إلى ~~وصل الجزاء به ليوجد عند وجوده فكان تعطيلا في علمنا، فلا حاجة إلى ذكر حرف ~~الوصل قبل هذا الشرط والدليل على التفرقة بين الشرطين أنه إذا قال: إن شاء ~~الله تعالى، وأنت طالق، يصح الاستثناء، ولو قال: إن دخلت الدار، وأنت طالق ~~لا يصح التعليق، ويقع الطلاق للحال، ولو قال: عنيت به التعليق لا يصدق ~~قضاء، ولا ديانة لما ذكرنا كذا هذا، هذا كله إذا علق الطلاق بمشيئة الله ~~تعالى. # فأما إذا علق الطلاق بمشيئة غير الله فإن علق بمشيئة من يوقف على مشيئته ~~من العباد بأن قال: إن شاء زيد فالطلاق موقوف على مشيئته في المجلس الذي ~~يعلم فيه بالتعليق؛ لأن هذا النوع من التعليق تمليك لما نذكر فيتقيد ~~بالمجلس كسائر التمليكات، وإن علقه بمشيئة من لا يوقف على مشيئته نحو أن ~~يقول: إن شاء جبريل أو الملائكة أو الجن أو الشياطين فهو بمنزلة التعليق ~~بمشيئة الله تعالى؛ لأنه لا يوقف على مشيئة هؤلاء كما # PageV03P159 # لا يوقف على مشيئة الله عز وجل فصار كأنه قال: إن شاء الله تعالى. # ولو جمع بين مشيئة الله تعالى وبين مشيئة العباد فقال: إن شاء الله ~~تعالى، وشاء زيد فشاء زيد لم يقع الطلاق؛ لأنه علقه بشرطين لا يعلم وجود ~~أحدهما والمعلق بشرطين لا ينزل عند وجود أحدهما، كما لو قال إن شاء زيد، ~~وعمر فشاء أحدهما والله الموفق. # (ومنها) أن ms1885 لا يكون انتهاء الغاية فإن كان لا يقع، وهذا قول أبي حنيفة، ~~وزفر وقال أبو يوسف، ومحمد هذا ليس بشرط، ويقع، وإن جعل انتهاء الغاية، وهل ~~يشترط أن لا يكون ابتداء الغاية؟ قال أصحابنا الثلاثة لا يشترط وقال زفر ~~يشترط والأصل في هذا أن عند زفر الغايتان لا يدخلان ثم ينظر إن بقي بينهما ~~شيء وقع، وإلا، فلا. # وعند أبي يوسف، ومحمد الغايتان تدخلان، وعند أبي حنيفة الأولى تدخل لا ~~الثانية، وبيان هذه الجملة إذا قال لامرأته: أنت طالق واحدة إلى اثنتين أو ~~ما بين واحدة إلى اثنتين فهي واحدة عند أبي حنيفة. # وعندهما هي اثنتان، وعند زفر لا يقع شيء. # ولو قال أنت طالق من واحدة إلى ثلاث أو ما بين واحدة إلى ثلاث فهي اثنتان ~~في قول أبي حنيفة، وعندهما هي ثلاث، وعند زفر هي واحدة (وجه) قول زفر أن ~~كلمة من لابتداء الغاية، وكلمة إلى لانتهاء الغاية؛ يقال سرت من البصرة إلى ~~الكوفة أي: البصرة كانت ابتداء غاية المسير والكوفة كانت غاية المسير، ~~والغاية لا تدخل تحت ما ضربت له الغاية كما في البيع فإنه إذ قال: بعت منك ~~من هذا الحائط إلى هذا الحائط فالحائطان لا يدخلان في البيع فكان هذا منه ~~إيقاع ما ضربت له الغاية لا الغاية، فيقع ما ضربت له الغاية لا الغاية. # وكذا إذا قال: بعتك ما بين هذا الحائط إلى هذا الحائط لا يدخل الحائطان ~~في البيع كذا ههنا، ولهذا لم تدخل إحدى الغايتين عند أبي حنيفة كذا الأخرى، ~~ولهما أن ما جعل غاية لا بد من وجوده إذ المعدوم لا يصلح غاية، ومن ضرورة ~~وجوده وقوعه، ولهذا دخلت الغاية الأولى فكذا الثانية، بخلاف البيع فإن ~~الغاية هناك كانت موجودة قبل البيع فلم يكن وجودها بالبيع ليكون من ضرورة ~~وجودها بالبيع دخولها فيه فلم تدخل، وأبو حنيفة بنى الأمر في ذلك على العرف ~~والعادة فإن الرجل يقول في العرف والعادة لفلان علي من مائة درهم إلى ألف، ~~ويريد به دخول الغاية ms1886 الأولى لا الثانية. # وكذا يقال سن فلان من تسعين إلى مائة، ويراد به دخول الغاية الأولى لا ~~الثانية. # وكذا إذا قيل ما بين تسعين إلى مائة،. # وقيل إن الأصمعي ألزم زفر هذا الفصل على باب الرشيد فقال له: كم سنك؟ ~~فقال من سبعين إلى ثمانين، وكان سنه أقل من ثمانين فتحير زفر؛؛ ولأن انتهاء ~~الغاية قد تدخل تحت ما ضربت له الغاية وقد لا تدخل قال الله تعالى {ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] والليل لم يدخل تحت الأمر بالصوم ~~فيه فوقع الشك في دخول الغاية الثانية في كلامه، فلا يدخل مع الشك، فإن نوى ~~واحدة في قوله من واحدة إلى ثلاث كما قال زفر دين فيما بينه، وبين الله ~~تعالى؛ لأنه نوى ما يحتمله كلامه، ولا يدين في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر، ~~وقياس ظاهر أصلهما في قوله أنت طالق من واحدة إلى اثنتين أنه يقع الثلاث؛ ~~لأن الغايتين يدخلان عندهما إلا أنه يحتمل أنه جعل تلك الواحدة داخلة في ~~الثنتين، ويحتمل أنه جعلها غير الثنتين، فلا تقع الزيادة على الثنتين ~~بالشك. # وروي عن أبي يوسف أنه قال في رجل قال لامرأته: أنت طالق اثنتين إلى ~~اثنتين أنه يقع ثنتان؛ لأنه يحتمل أن يكون جعل الابتداء هو الغاية كأنه ~~قال: أنت طالق من اثنتين إليهما. # وكذا روي عن أبي يوسف أنه قال: إذا قال: أنت طالق ما بين واحدة، وثلاث ~~فهي واحدة؛ لأنه ما جعل الثلاث غاية، وإنما أوقع ما بين العددين - وهو ~~واحدة - فتقع الواحدة، وإن قال: أنت طالق ما بين واحدة إلى أخرى أو من ~~واحدة إلى واحدة - فهي واحدة - أما على أصل أبي حنيفة؛ فلأن الغاية الأولى ~~تدخل، ولا تدخل الثانية فتقع واحدة. # وأما على أصلهما فالغايتان، وإن كانتا يدخلان جميعا لكن يحتمل أن يكون ~~المراد من قوله من واحدة إلى واحدة أي: منها وإليها، فلا يقع أكثر من ~~واحدة، وأما على أصل زفر فالغايتان لا يدخلان، ولم يبق بينهما شيء والله عز ~~وجل أعلم. # (ومنها) أن ms1887 لا يكون مضروبا فيه فإن كان لا يقع، ويقع المضروب، وهذا قول ~~أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر هذا ليس بشرط، ويقع المضروب والمضروب فيه، وبيان ذلك فيمن قال ~~لامرأته: أنت طالق واحدة في اثنتين أو قال واحدة في ثلاث أو اثنتين في ~~اثنتين؛ وجملة الجواب فيه أنه إن نوى به الظرف والوعاء لا يقع إلا المضروب؛ ~~لأن الطلاق لا يصلح # PageV03P160 # ظرفا، وإن نوى مع يقع المضروب والمضروب فيه بقدر ما يصح وقوعه بلا خلاف، ~~وإن نوى به الضرب والحساب، ولم تكن له نية يقع المضروب لا المضروب فيه عند ~~أصحابنا الثلاثة. # وعند زفر يقع المضروب والمضروب فيه بقدر ما يصح وقوعه (وجه) قوله أن ~~الواحد في اثنتين اثنان على طريق الضرب والحساب والواحد في الثلاثة ثلاثة ~~والاثنان في الاثنين أربعة، وهذا يقتضي وقوع المضروب والمضروب فيه؛ كما لو ~~جمع بينهما بلفظ واحد فقال: أنت طالق اثنتين أو ثلاثا أو أربعا إلا أن ~~العدد المجتمع له عبارتان: إحداهما الاثنان والثلاثة والأربعة، والأخرى ~~واحد في اثنين، وواحد في ثلاثة واثنان في اثنين (ولنا) وجوه ثلاثة: أحدها ~~أن الضرب إنما يتقدر فيما له مساحة. # فأما ما لا مساحة له، فلا يتقدر فيه الضرب؛ لأن تقدير ضرب الاثنين في ~~الاثنين خطان يضم إليهما خطان آخران، فمن هذا الوجه يقال الاثنان في ~~الاثنين أربعة والطلاق لا يحتمل المساحة، فإذا نوى في عدد الطلاق الضرب فقد ~~أراد محالا فبطلت نيته. # والثاني أن الشيء لا يتعدد بالضرب، وإنما يتكرر أجزاؤه فواحد في اثنين ~~واحد له جزءان واثنان في اثنين اثنان له أربعة أجزاء، وطلاق له جزء، وطلاق ~~له جزءان، وثلاثة، وأربعة، وأكثر من ذلك سواء. # والثالث إنه جعل المضروب فيه ظرفا للمضروب والطلاق لا يصلح ظرفا إذ ظرف ~~الشيء هو المحتوي عليه، ولا يتصور احتواء الطلاق على شيء؛ لأن الاحتواء من ~~خواص الأجسام، فلا يصلح ظرفا للمضروب، فلا يقع، وهذا لو قال لامرأته: أنت ~~طالق في دخولك الدار، أو قال لها: أنت طالق في حيضتك لا يقع للحال؛ ms1888 لأنه ~~جعل الدخول والحيض ظرفا، وإنهما لا يصلحان ظرفا لاستحالة تحقق معنى الظرف ~~فيهما إلا أن ثمة يتعلق الطلاق بالدخول والحيض، ويجعل في بمعنى مع لمناسبة؛ ~~لأن مع كلمة مقارنة والمظروف يقارن الظرف فصار كأنه قال: أنت طالق مع دخول ~~الدار أو مع حيضك، وههنا لو أراد بفي مع في قوله: في اثنين أو في ثلاث يقع ~~الثلاث. # وكذا لو أراد بكلمة في حرف الواو؛ لأن الواو للجمع والظرف يجامع المظروف ~~من جميع الجهات فيجوز استعماله كله والظرف على إرادة المقارنة أو الاجتماع ~~من جهة واحدة والله تعالى الموفق. ### | [فصل في شرائط ركن الطلاق وبعضها يرجع إلى الوقت وهو مضي مدة الإيلاء] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى الوقت فهو مضي مدة الإيلاء، وهو شرط وقوع الطلاق ~~بالإيلاء حتى لا يقع الطلاق قبل مضي المدة؛ لأن الإيلاء في حق أحد الحكمين ~~-، وهو البر - طلاق معلق بشرط ترك الفيء في مدة الإيلاء لقوله عز وجل {وإن ~~عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} [البقرة: 227] . # وروي عن ابن عباس، وعدة من الصحابة - رضي الله عنهم - إن عزم الطلاق ترك ~~الفيء إليها أربعة أشهر فقد جعل ترك الفيء أربعة أشهر شرط وقوع الطلاق في ~~الإيلاء. # والكلام في الإيلاء يقع في مواضع في. # تفسير الإيلاء لغة، وشرعا، وفي بيان ركن الإيلاء، وفي بيان شرائط الركن، ~~وفي بيان حكم الإيلاء، وفي بيان ما يبطل به الإيلاء أما تفسيره فالإيلاء في ~~اللغة عبارة عن اليمين يقال آلى أي: حلف، ولهذا سميت اليمين ألية وجمعها ~~ألايا؛ قال الشاعر # قليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن صدرت منه الألية برت # ، وفي حرف عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وابن عباس - رضي الله ~~عنهما - للذين يقسمون من نسائهم، والقسم واليمين من الأسماء المترادفة. # وقال الله تعالى {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة} [النور: 22] أي: ولا ~~يحلف. # وفي الشريعة عبارة عن اليمين على ترك الجماع بشرائط مخصوصة، نذكرها في ~~مواضعها إن شاء الله تعالى. # وأما ركنه فهو اللفظ الدال على منع النفس عن ms1889 الجماع في الفرج مؤكدا ~~باليمين بالله تعالى أو بصفاته أو باليمين بالشرط والجزاء حتى لو امتنع من ~~جماعها أو هجرها سنة أو أكثر من ذلك لم يكن موليا ما لم يأت بلفظ يدل عليه؛ ~~لأن الإيلاء يمين لما ذكرنا واليمين تصرف قولي، فلا بد من القول، ولو أتى ~~بلفظ يدل على نفي الجماع فيما دون الفرج لم يكن ذلك إيلاء في حق حكم البر؛ ~~لأن حكم البر إنما يثبت لصيرورته ظالما بترك الجماع في الفرج؛ لأن حقها ~~فيه. # ولو ذكر لفظا يدل على منع نفسه عن الجماع في الفرج بطريق يؤكده باليمين ~~لم يكن إيلاء؛ لأن الظلم بالمنع والمنع لا يتأكد إلا باليمين. # وقال الشافعي في القديم: لا يكون موليا إلا بالحلف بالله تعالى، فظاهر ~~الآية الكريمة يدفع هذا القول؛ لأن الله تعالى قال {للذين يؤلون من نسائهم} ~~[البقرة: 226] فالإيلاء في اللغة عبارة عن اليمين واسم اليمين يقع # PageV03P161 # على اليمين بالله تعالى، ويقع على اليمين بالشرط والجزاء لتحقق معنى ~~اليمين، وهو القوة. # ولو حلف بغير الله عز وجل وبغير الشرط والجزاء لا يكون موليا حتى لا تبين ~~بمضي المدة من غير فيء، ولا كفارة عليه إن قربها؛ لأنه ليس بيمين لانعدام ~~معنى اليمين - وهو القوة -. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا تحلفوا بآبائكم، ولا بالطواغيت ~~فمن كان منكم حالفا فليحلف بالله أو ليذر» ، وروي «من حلف بغير الله فقد ~~أشرك» . # أما الألفاظ الدالة على منع النفس عن الجماع فأنواع بعضها صريح، وبعضها ~~يجري مجرى الصريح، وبعضها كناية أما الصريح فلفظ المجامعة بأن يحلف أن لا ~~يجامعها. # وأما الذي يجري مجرى الصريح فلفظ القربان والوطء والمباضعة والافتضاض في ~~البكر؛ بأن يحلف أن لا يقربها أو لا يطأها أو لا يباضعها أو لا يفتضها، وهي ~~بكر. # ؛ لأن القربان المضاف إلى المرأة يراد به الجماع في العرف قال الله تعالى ~~{ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] . # وكذا الوطء المضاف إليها غلب استعماله في الجماع. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في سبايا أوطاس ms1890 «ألا لا توطأ الحبالى ~~حتى يضعن، ولا الحيالى حتى يستبرأن بحيضة» ، والمباضعة مفاعلة من البضع، ~~وهو الجماع أو الفرج، والافتضاض في العرف عبارة عن جماع البكر -، وهو كسر ~~العذرة - مأخوذ من الفض، وهو الكسر. # وكذا إذا حلف لا يغتسل منها؛ لأن الاغتسال منها لا يكون إلا بالجماع، ~~فأما الجماع في غير الفرج فالاغتسال لا يكون منها، وإنما يكون من الإنزال ~~ألا يرى أنه ما لم ينزل لا يجب الغسل. # وفي الجماع في الفرج لا يقف وجوب الاغتسال على وجود الإنزال، ولو قال لم ~~أعن به الجماع لا يدين في القضاء لكونه خلاف الظاهر، ويدين فيما بينه، وبين ~~الله تعالى؛ لأن اللفظ يحتمله في الجملة. # وأما الكناية فنحو لفظة الإتيان والإصابة بأن حلف لا يأتيها أو لا يصيب ~~منها يريد الجماع؛ لأنهما من كنايات الجماع؛ لأنهما يستعملان في الجماع، ~~وفي غيره استعمالا على السواء، فلا بد من النية. # وكذا لفظة الغشيان بأن حلف لا يغشاها؛ لأن الغشيان يستعمل في الجماع قال ~~الله تعالى {فلما تغشاها} [الأعراف: 189] أي: جامعها، ويستعمل في المجيء، ~~وفي الستر والتغطية قال الله تعالى {يوم يغشاهم العذاب} [العنكبوت: 55] ~~قيل: يأتيهم،. # وقيل يسترهم، ويغطيهم، فلا بد من النية. # وكذا إذا حلف لا يمس جلده جلدها. # وقال: لم أعن به الجماع يصدق؛ لأنه يحتمل الجماع، ويحتمل المس المطلق ~~فيحنث بغير الجماع، والإيلاء ما وقف الحنث فيه على الجماع؛ لأنه يمكنه ~~جماعها بغير مماسة الجلد بأن يلف ذكره بحريرة فيجامعها وكذا إذا حلف لا ~~يمسها لما قلنا. # وكذا إذا حلف لا يضاجعها أو لا يقرب فراشها. # وقال لم أعن به الجماع فهو مصدق في القضاء؛ لأن هذا اللفظ يستعمل في ~~الجماع، ويستعمل في غيره استعمالا واحدا؛ ولأنه يمكنه جماعها من غير ~~مضاجعة، ولا قرب فراش، ولو حلف لا يجتمع رأسي، ورأسك فإن عنى به الجماع فهو ~~مول؛ لأنه يحتمل الجماع، وإن لم يعن به الجماع لم يكن موليا، ولا يجتمعان ~~على فراش، ولا مرفقة لئلا يلزمه الكفارة، وله جماعها من غير ms1891 اجتماع على ~~الفراش، ولا شيء يجمع رأسها عليه، ولو حلف لا يجمع رأسي، ورأسك وسادة أو لا ~~يؤويني، وإياك بيت أو لا أبيت معك في فراش فإن عنى الجماع فهو مول؛ لأنه ~~يحتمل الجماع فتصح نيته، وكيفما جامعها فهو حانث، وإن لم يعن به الجماع ~~فليس بمول، ولا يأوي معها في بيت، ولا يبيت معها في فراش، ولا يجتمعان على ~~وسادة لئلا تلزمه الكفارة، ويطؤها على الأرض والبوادي، ولو حلف لأسوءنك أو ~~لأغيظنك لا يكون موليا إلا إذا عنى به ترك الجماع؛ لأن المساءة قد تكون ~~بترك الجماع وقد تكون بغيره. # وكذا الغيظ، فلا بد من النية. # وأما اليمين بالله تعالى، وبصفاته فهي الحلف باسم من أسماء الله تعالى أو ~~بصفة من صفاته بلفظ لا يستعمل في غير الصفة أو يستعمل في الصفة، وفي غيرها ~~لكن على وجه لا يغلب استعماله في غير الصفة، وموضع معرفة هذه الجملة كتاب ~~الأيمان. # ثم الإيلاء إذا كان بالله تعالى فالمولي لا يخلو أما إن أطلق الإيلاء. # وأما إن علقه بشرط، وأما إن أضافه إلى وقت، وأما إن وقته إلى غاية فإن ~~أطلق بأن قال لامرأته والله لا أقربك كان موليا للحال، والأصل فيه أن من ~~منع نفسه عن قربان زوجته بما يصلح أن يكون مانعا، وبما يحلف به عادة يصير ~~موليا، أو يقال: من لا يمكنه قربان زوجته في المدة من غير شيء يلزمه بسبب ~~اليمين فهو مول وقد وجد ههنا؛ لأن ذكر اسم الله تعالى يصلح مانعا - تحرزا ~~عن الهتك -، وهو ما يحلف به عادة، وعرفا. # وكذا لا يمكنه قربان زوجته في المدة من غير شيء يلزمه - وهو الكفارة - ~~فيصير موليا. # PageV03P162 # وكذا إذا قال لامرأتين له: والله لا أقربكما، وههنا ثلاثة فصول: أحدها أن ~~يقول لامرأتين له: والله لا أقربكما أو يقول لنسائه الأربع والله لا ~~أقربكن، وهما فصل واحد والثاني أن يقول: والله لا أقرب إحداكما أو إحداكن، ~~والثالث أن يقول: والله لا أقرب واحدة منكما أو واحدة منكن أما الأول ms1892 إذا ~~قال لامرأتين له: والله لا أقربكما صار موليا منهما للحال حتى لو مضت أربعة ~~أشهر، ولم يقربهما فيها بانتا جميعا، ويبطل. # وكذا إذا قال لنسائه الأربع: والله لا أقربكن صار موليا منهن للحال حتى ~~لو لم يقربهن حتى مضت أربعة أشهر بن جميعا، وهذا قول أصحابنا الثلاثة - وهو ~~استحسان - والقياس أن لا يصير موليا في الأول ما لم يطأ واحدة منهما فيصير ~~موليا من الأخرى. # وفي الثاني ما لم يطأ واحدة فيصير موليا من الأخرى، وفي الثالث ما لم يطأ ~~الثالثة منهن فيصير موليا من الرابعة، وهو قول زفر. # وجه القياس أن المولي من لا يمكنه قربان امرأته من غير حنث يلزمه، وههنا ~~يمكنه في الصورة الأولى قربان إحداهما من غير حنث يلزمه؛ لأنه لا يحنث بوطء ~~إحداهما إذ جعل شرط الحنث قربانهما من غير شيء يلزمه، ولم يوجد، وفي الصورة ~~الثانية يمكنه قربان الثلاث منهن من غير حنث يلزمه. # ألا ترى أنه لا يحنث بوطء الثلاث منهن فلم يوجد حد المولي، فلا يكون ~~موليا، وإذا وطئ إحداهما أو وطئ الثلاث منهن، فلا يمكنه وطء الباقية إلا ~~بحنث يلزمه فوجد حد الإيلاء فيصير موليا. # وجه الاستحسان أن المولي من لا يمكنه وطء امرأته في المدة من غير شيء ~~يلزمه بسبب اليمين. # وههنا لا يمكنه وطؤها في المدة من غير شيء يلزمه بسبب اليمين؛ لأنه لو ~~وطئ إحداهما أو الثلاث منهن لزمه تعيين الأخرى للإيلاء، وهذا شيء يلزمه ~~بسبب اليمين وقد وجد حد الإيلاء فيكون موليا، ولو قرب إحداهما لا كفارة ~~عليه لعدم شرط الحنث، وهو قربانهما، ولكن يبطل إيلاؤه منها؛ لأن ذلك يقف ~~على القربان وقد وجد، والإيلاء في حق الباقية على حاله لانعدام المبطل في ~~حقهما، وهو القربان، ولو قربهما جميعا بطل إيلاؤهما، وعليه كفارة اليمين ~~لوجود المبطل لهما والموجب للكفارة، وهو قربانهما. # ولو ماتت إحداهما قبل مضي أربعة أشهر بطل إيلاؤها، ولا تجب الكفارة، وإن ~~وطئ الأخرى بعد ذلك بالإجماع؛ لأن شرط وجوب الكفارة قربانهما، ولم يوجد، ms1893 ~~ولو طلق إحداهما لا يبطل الإيلاء. # وأما الثاني، وهو ما إذا قال: والله لا أقرب إحداكما فإنه يصير موليا من ~~إحداهما حتى لو وطئ إحداهما لزمته الكفارة، وبطل الإيلاء لوجود شرط الحنث، ~~وهو قربان إحداهما، ولو ماتت إحداهما أو طلق إحداهما ثلاثا أو بانت بلا عدة ~~تعينت الباقية للإيلاء لزوال المزاحمة، ولو لم يقرب إحداهما حتى مضت المدة ~~بانت إحداهما بغير عينها، وله خيار أن يوقع الطلاق على أيتهما شاء؛ لأن ~~الإيلاء في حق حكم البر تعليق الطلاق شرعا بشرط ترك القربان في المدة فيصير ~~كأنه قال: إن لم أقرب إحداكما أربعة أشهر في إحداكما طالق بائن. # ولو نص على ذلك فمضت المدة، ولم يقرب إحداهما طلقت إحداهما غير عين، وله ~~الخيار يوقع على أيتهما شاء كذا هذا، ولو أراد أن يعين الإيلاء في إحداهما ~~قبل مضي أربعة أشهر لا يملك ذلك حتى لو عين إحداهما ثم مضت أربعة أشهر لم ~~يقع الطلاق على المعينة بل يقع على إحداهما بغير عينها، ويخير في ذلك؛ لأن ~~اليمين تعلقت بغير المعينة فالتعيين يكون تغيير اليمين، فلا يملك ذلك؛ لأن ~~تغيير اليمين إبطالها من وجه واليمين عقد لازم لا يحتمل الطلاق، فلا يحتمل ~~التغيير؛ ولأن الإيلاء في حق البر تعليق الطلاق بشرط عدم القربان في المدة، ~~ومتى علق الطلاق المبهم بشرط ثم أراد التعليق قبل وجود الشرط لا يقدر على ~~ذلك كما إذا قال لامرأتيه: إذا جاء غد فإحداكما طالق، ثم أراد أن يعين ~~إحداهما قبل مجيء الغد لا يملك ذلك كذا هذا فإذا مضت المدة، وبانت إحداهما ~~بغير عينها فله الخيار في تعيين أيتهما شاء للطلاق؛ لأن الطلاق إذا وقع في ~~المجهولة يتخير الزوج في التعيين فله أن يوقع الطلاق على إحداهما فلو لم ~~يوقع الطلاق على واحدة منهما حتى مضت أربعة أشهر أخرى وقعت تطليقة أخرى، ~~وبانت كل واحدة منهما بتطليقة في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه لا يقع الطلاق على الأخرى. # وجه رواية أبي يوسف أنه آلى من ms1894 إحداهما لا من كل واحدة منهما، فلا يتناول ~~الإيلاء إلا إحداهما. # وجه ظاهر الرواية أن اليمين باقية لعدم الحنث فكان تعليق طلاق إحداهما ~~بمضي المدة من غير فيء باقيا، فإذا مضت أربعة أشهر، ووقع الطلاق على ~~إحداهما فقد زالت # PageV03P163 # مزاحمتهما واليمين باقية فتعينت الأخرى لبقاء اليمين في حقها، وتعليق ~~طلاقها كما لو زالت المزاحمة بعد مضي المدة قبل اختيار الزوج بالموت بأن ~~ماتت إحداهما أليس أنه تتعين الأخرى كذا ههنا. # وهل يتكرر الطلاق على المولي منها بالإيلاء السابق بتكرار المدة؟ لا نص ~~في هذه المسألة واختلف المشايخ فيه، وترجيح بعض الأقاويل فيه على البعض ~~يعرف في الجامع الكبير، وكذلك لو عين الطلاق في إحداهما بعد مضي أربعة أشهر ~~ثم مضت أربعة أشهر أخرى بانت الأخرى بتطليقة على جواب ظاهر الرواية. # وأما الثالث، وهو ما إذا قال: والله لا أقرب واحدة منكما فإنه يصير موليا ~~منهما جميعا حتى لو مضت مدة أربعة أشهر، ولم يقربهما فيها بانتا جميعا كذا ~~ذكر المسألة في الجامع من غير خلاف، وهكذا ذكر القاضي في شرحه مختصر ~~الطحاوي. # وذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي فقال على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ~~يكون موليا منهما استحسانا. # وعلى قول محمد يكون موليا من إحداهما، وهو القياس. # وجه القياس أن قوله واحدة منكما لا يعبر به عنهما بل عن إحداهما، فصار ~~كقوله والله لا أقرب إحداكما والدليل عليه أنه إذا قرب إحداهما يحنث، ~~وتلزمه الكفارة فدل أن اليمين تناولت إحداهما لا غير، ووجه الاستحسان - وهو ~~الفرق بين المسألتين - أن قوله إحداكما معرفة؛ لأنه مضاف إلى الكناية ~~والكنايات معارف بل أعرف المعارف والمضاف إلى المعرفة معرفة، والمعرفة تختص ~~في النفي كما تختص في الإثبات وقوله: واحدة منكما نكرة؛ لأنها نكرة بنفسها، ~~ولم يوجد ما يوجب صيرورتها معرفة، وهو اللام أو الإضافة فبقيت نكرة، وأنها ~~في محل النفي فتعم، والدليل على التفرقة بينهما أنه يستقيم إدخال كلمة ~~الإحاطة والاشتمال - وهي كلمة كل - على واحدة منكما. # ولا يستقيم إدخالها على إحداكما حتى ms1895 يصح أن يقال: والله لا أقرب كل واحدة ~~منكما، ولا يصح أن يقال: والله لا أقرب كل إحداكما فدل أن قوله واحدة منكما ~~يصلح لهما وقوله: إحداكما لا يصلح لهما، إلا أنه إذا قال والله لا أقرب ~~واحدة منكما فقرب إحداهما يبطل إيلاؤهما جميعا، وتلزمه الكفارة لوجود شرط ~~الحنث، وهو قربان واحدة منهما، بخلاف ما إذا قال: والله لا أقربكما فقرب ~~واحدة منهما إنه يبطل إيلاؤهما، ولا يبطل إيلاء الباقية حتى لا تجب عليه ~~الكفارة؛ أما بطلان إيلاء التي قربها فلوجود شرط البطلان، وهو القربان، ولم ~~يوجد القربان في الباقية، فلا يبطل إيلاؤها، وأما عدم وجوب الكفارة فلعدم ~~شرط الوجوب، وهو قربانهما جميعا. # قال لامرأته وأمته: والله لا أقربكما، لا يكون موليا من امرأته ما لم ~~يقرب الأمة فإذا قرب الأمة صار موليا من امرأته؛ لأن المولي من لا يمكنه ~~قربان امرأته في المدة من غير شيء يلزمه، وقبل أن يقرب الأمة يمكنه قربان ~~امرأته من غير حنث يلزمه؛ لأنه علق الحنث بقربانهما، فلا يثبت بقربان ~~إحداهما، فإذا قرب الأمة فقد صار بحال لا يمكنه قربان زوجته من غير حنث ~~يلزمه فصار موليا. # ولو قال: والله لا أقرب إحداكما، لم يكن موليا في حق البر لما ذكرنا أن ~~قوله إحداكما معرفة لكونه مضافا إلى المعرفة، والمعرفة تخص، ولا تعم سواء ~~كان في محل الإثبات أو في محل النفي، فلا يتناول إلا إحداهما، والإيلاء في ~~حق البر تعليق الطلاق بشرط ترك القربان في المدة فصار كأنه قال: إن لم أقرب ~~إحداكما في المدة فإحداكما طالق، ولو قال ذلك لا يقع الطلاق إلا إذا عنى ~~امرأته، وما عنى ههنا، فلا يمكنه جعله إيلاء في حق البر. # ولو قرب إحداهما تجب الكفارة؛ لأنه بقي يمينا في حق الحنث وقد وجد شرط ~~الحنث فتجب الكفارة كما لو قال لأجنبية: والله لا أقربك ثم قربها حنث، ولا ~~يكون ذلك إيلاء في حق البر كذا هذا. # ولو قال: والله لا أقرب واحدة منكما كان موليا من ms1896 امرأته لما ذكرنا أن ~~الواحدة نكرة مذكورة في محل النفي فتعم عموم الأفراد كما لو قال: لا أكلم ~~واحدا من رجال حلب إلا أنه لو قرب إحداهما حنث لما ذكرنا أن شرط حنثه قربان ~~واحدة منهما لا قربانهما وقد وجد، ولو كان له امرأتان حرة، وأمة فقال: ~~والله لا أقربكما صار موليا منهما جميعا؛ لأن كل واحدة منهما محل الإيلاء ~~فإذا مضى شهران، ولم يقربهما بانت الأمة لمضي مدتها من غير قربان، وإذا مضى ~~شهران آخران بانت الحرة أيضا لتمام مدتها من غير فيء، ولو قال: والله لا ~~أقرب إحداكما يكون موليا من إحداهما بغير عينها؛ لأن كل واحدة منهما محل ~~الإيلاء وقد أضاف الإيلاء إلى إحداهما بغير عينها فيصير موليا من إحداهما ~~غير عين، ولو أراد أن يعين إحداهما قبل مضي الشهرين ليس له ذلك لما بينا ~~فيما تقدم، وإذا مضى شهران، ولم # PageV03P164 # يقربهما بانت الأمة لا؛ لأنها عينت للإيلاء بل لسبق مدتها، واستوثقت مدة ~~الإيلاء على الحرة فإذا مضت أربعة أشهر، ولم يقربها بانت الحرة؛ لأن اليمين ~~باقية إذا لم يوجد الحنث فكان تعليق الطلاق على إحداهما باقيا، فإذا مضى ~~شهران وقع الطلاق على الأمة فقد زالت مزاحمتها واليمين باقية فتعينت الحرة ~~لبقاء الإيلاء في حقها، وتعليق طلاقها بمضي المدة، وإنما استوثقت مدة ~~الإيلاء على الحرة؛ لأن ابتداء المدة انعقدت لإحداهما وقد تعينت الأمة ~~للسبق فيبتدئ الإيلاء على الحرة من وقت بينونة الأمة بخلاف ما إذا قال لها: ~~والله لا أقربكما؛ لأن هناك انعقدت المدة لهما فإذا مضى شهران فقد تمت مدة ~~الأمة فتتم مدة الحرة بشهرين آخرين، ولو ماتت الأمة قبل مضي الشهرين تعينت ~~الحرة للإيلاء من وقت اليمين حتى إذا مضت أربعة أشهر من وقت اليمين تبين ~~لزوال المزاحمة بموت الأمة، ولو قال: والله لا أقرب واحدة منكما يكون موليا ~~منهما جميعا حتى لو مضى شهران تبين الأمة، ثم إذا مضى شهران آخران تبين ~~الحرة كما في قوله: والله لا أقربكما إلا أن ههنا إذا قرب ms1897 إحداهما حنث، ~~وبطل الإيلاء لما ذكرنا فيما قبل، وإن علقه بشرط يتعلق به بأن قال: إن دخلت ~~هذه الدار، وإن كلمت فلانا فوالله لا أقربك. # إذا أضافه إلى الوقت بأن قال: إذا جاء غد فوالله لا أقربك، أو قال: إذا ~~جاء رأس شهر كذا فوالله لا أقربك، وإذا وجد الشرط أو الوقت فيصير موليا، ~~ويعتبر ابتداء المدة من وقت وجود الشرط والوقت؛ لأن الإيلاء يمين، واليمين ~~تحتمل التعليق بالشرط والإضافة إلى الوقت كسائر الأيمان، وإن وقته إلى غاية ~~ينظر إن كان المجعول غاية لا يتصور وجوده في مدة الإيلاء يكون موليا كما ~~إذا قال: وهو في شعبان: والله لا أقربك حتى أصوم المحرم؛ لأنه منع نفسه عن ~~قربانها بما يصلح مانعا؛ لأنه لا يمكنه قربانها إلا بحنث يلزمه، وهو ~~الكفارة. # ألا ترى أنه لا يتصور وجود الغاية - وهو صوم المحرم - في المدة، وكذلك ~~يعد مانعا في العرف؛ لأنه يحلف به عادة. # وكذا لو قال: والله لا أقربك إلا في مكان كذا، وبينه، وبين ذلك المكان ~~أربعة أشهر فصاعدا يكون موليا؛ لأنه لا يمكنه قربانها من غير حنث يلزمه، ~~وإن كان أقل من ذلك لم يكن موليا لإمكان القربان من غير شيء يلزمه. # وكذا لو قال: والله لا أقربك حتى تفطمي صبيك، وبينها، وبين الفطام أربعة ~~أشهر فصاعدا يكون موليا، وإن كان أقل من ذلك لم يكن موليا لما قلنا، ولو ~~قال: والله لا أقربك حتى تخرج الدابة من الأرض أو حتى يخرج الدجال أو حتى ~~تطلع الشمس من مغربها. # فالقياس أن لا يكون موليا لتصور وجود الغاية في المدة ساعة فساعة فيمكنه ~~قربانها في المدة من غير شيء يلزمه، فلا يكون موليا، وفي الاستحسان يكون ~~موليا؛ لأن حدوث هذه الأشياء لها علامات يتأخر عنها بأكثر من مدة الإيلاء ~~على ما نطق به الإخبار، فلا توجد هذه الغاية في زماننا في مدة أربعة أشهر ~~عادة فلم تكن الغاية متصورة الوجود عادة، فلا يمكنه قربانها من غير حنث ~~يلزمه عادة فيكون موليا؛ ms1898 ولأن هذا اللفظ يذكر على إرادة التأبيد في العرف ~~فصار كأنه قال: والله لا أقربك أبدا وكذا إذا قال: والله لا أقربك حتى تقوم ~~الساعة كان موليا، وإن كان يمكن في العقل قيام الساعة ساعة فساعة لكن قامت ~~دلائل الكتاب العزيز والسنن المشهورة على أنها لا تقوم إلا بعد تقدم ~~أشراطها العظام كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، وخروج يأجوج، ومأجوج، ~~ونحو ذلك، ولم يوجد شيء من ذلك في زماننا فلم تكن الغاية قبلها متصورة ~~الوجود عادة على أن مثل هذه الغاية تذكر، ويراد بها التأبيد في العرف ~~والعادة كما قال الله تعالى {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط} ~~[الأعراف: 40] أي: لا يدخلونها أصلا، ورأسا، وكما يقال: لا أفعل كذا حتى ~~يبيض الفأر، ويشيب الغراب، ونحو ذلك فإنه يصير كأنه قال: والله لا أقربك ~~حتى تموتي أو حتى أموت أو حتى تقتلي أو حتى أقتل أو حتى أقبلك أو حتى ~~تقبليني كان موليا، وإن كان يتصور وجود هذه الأشياء في المدة لكن لا يتصور ~~بقاء النكاح بعد وجودها فيصير حاصل هذا الكلام كأنه قال: والله لا أقربك ما ~~دمت زوجك أو ما دمت زوجتي أو ما دمت حيا أو ما دمت حية، ولو قال ذلك كان ~~موليا إذ لو لم يكن موليا لما تصور انعقاد الإيلاء؛ لأن هذا التقدير ثابت ~~في كل الإيلاء. # قال لامرأته وهي أمة الغير - والله لا أقربك حتى أملكك أو أملك شقصا منك ~~يكون موليا؛ لأن النكاح لا يبقى بعد ملكها أو شقصا منها فصار كأنه قال: ~~والله لا أقربك ما دمت زوجك أو ما دمت زوجتي، ولو قال والله لا أقربك # PageV03P165 # حتى أشتريك لا يكون موليا؛ لأن النكاح لا يرتفع بمطلق الشراء لجواز أن ~~يشتريها لغيره، فلا يملكها، فلا يرتفع النكاح. # وكذا إذا قال: حتى أشتريك لنفسي؛ لأنه قد يشتريها شراء فاسدا، فلا يرتفع ~~النكاح، فلا يملكها؛ لأنه لا يملكها قبل القبض، ولو قال: حتى أشتريك لنفسي، ~~وأقبضك كان موليا؛ لأن الملك ms1899 في الشراء الفاسد يثبت بالقبض فيرتفع النكاح ~~فيصير تقديره والله لا أقربك ما دمت في نكاحي، وإن كان مما يتصور بقاء ~~النكاح مع وجوده فإن كان مما لو حلف به لكان موليا يصير موليا إذا جعله ~~غاية، وإلا، فلا. # هذا أصل أبي حنيفة، ومحمد. # وأصل أبي يوسف أنه إن أمكنه قربانها في المدة من غير حنث يلزمه لم يكن ~~موليا،، وعلى هذا يخرج ما إذا قال والله لا أقربك حتى أعتق عبدي فلانا أو ~~حتى أطلق امرأتي فلانة أو حتى أصوم شهرا أنه يصير موليا في قول أبي حنيفة، ~~ومحمد، وعند أبي يوسف لا يكون موليا، لأبي يوسف أنه يتصور وجود هذه الغايات ~~قبل مضي أربعة أشهر فيمكنه قربانها من غير حنث يلزمه بسبب اليمين، فلا يكون ~~موليا كما إذا قال: والله لا أقربك حتى أدخل الدار أو حتى أكلم فلانا، ~~ولهما أنه منع نفسه عن قربان زوجته بما يصلح أن يكون مانعا، وبما يحلف به ~~في العرف والعادة، وهو عتق عبده، وطلاق امرأته وصوم الشهر، ولهذا لو حلف ~~بهذه الأشياء لكان موليا فكذا إذا جعلها غاية. # وكذا لا يمكنه قربانها من غير شيء يلزمه بسبب اليمين: إما وجوب الكفارة ~~أو عتق العبد أو طلاق المرأة أو صوم الشهر، فيصير في التقدير كأنه قال إن ~~قربتك فعبدي حر أو علي كفارة يمين، ولو قال ذلك لكان موليا كذا هذا بخلاف ~~الدخول والكلام. # قال لا أقربك حتى أقتل عبدي أو حتى أشتم عبدي أو حتى أشتم فلانا أو أضرب ~~فلانا، وما أشبه ذلك لم يكن موليا؛ لأنه لم يحلف بهذه الأشياء عرفا، وعادة، ~~ولهذا لو حلف بشيء من ذلك لم يكن موليا فكذا إذا جعله غاية للإيلاء. # وكذا إذا قال: إن قربتك فعلي قتل عبدي أو ضرب عبدي أو شتم عبدي أو قتل ~~فلان أو ضرب فلان أو شتم فلان لم يكن موليا كما لو قال: فعلي أن أدخل الدار ~~أو أكلم فلانا لما قلنا والله الموفق. # وأما اليمين بالشرط والجزاء ms1900 فنحو قوله: إن قربتك فامرأتي الأخرى طالق، أو ~~قال: هذه طالق أو قال: فعبدي هذا حر أو فأنت علي كظهر أمي أو قال: فعلي عتق ~~رقبة أو فعلي حجة أو عمرة أو المشي إلى بيت الله أو فعلي هدي أو صدقة أو ~~صوم أو اعتكاف؛ لأن الإيلاء يمين واليمين في اللغة عبارة عن القوة، والحالف ~~يتقوى بهذه الأشياء على الامتناع من قربان امرأته في المدة؛ لأن كل واحد ~~منها يصلح مانعا من القربان في المدة لأنه يثقل على الطبع، ويشق عليه فكان ~~في معنى اليمين بالله عز وجل لحصول ما وضع له اليمين، وهو التقوي على ~~الامتناع من مباشرة الشرط. # وكذا يعد مانعا في العرف والعادة فإن الناس تعارفوا الحلف بهذه الأشياء. # وكذا لبعضها مدخل في الكفارة، وهو العتق والصدقة، وهي الإطعام والصوم ~~والهدي، والاعتكاف لا يصح بدون الصوم والحج والعمرة، وإن لم يكن لهما مدخل ~~في الكفارة فلهما تعلق بالمال فإنه لا يتوصل إليهما إلا بمال غالبا فأشبه ~~العتق والصدقة لتعلقهما بالمال. # وذكر القدوري في شرح مختصر الكرخي خلاف أبي يوسف في قوله إن قربتك فعبدي ~~حر أن على قول أبي يوسف لا يكون موليا، ولم يذكر القاضي الخلاف في شرحه ~~مختصر الطحاوي. # وجه قول أبي يوسف أن المولي من لا يمكنه قربان امرأته في المدة إلا بحنث ~~يلزمه، وههنا يمكنه القربان من غير شيء يلزمه بأن يبيع العبد قبل أن يقربها ~~ثم يقربها، فلا يلزمه شيء، فلا يكون موليا (وجه) قولهما أنه منع نفسه من ~~قربانها بما يصلح مانعا، ويعد مانعا في العرف والعادة فكان موليا. # وأما قوله: يمكنه أن يبيع العبد قبل القربان، فلا يلزمه شيء بالقربان، ~~فيكون الملك قائما للحال والظاهر بقاؤه والبيع موهوم فكان الحنث عند ~~القربان لازما على اعتبار الحال ظاهرا، وغالبا، ولو قال: إن قربتك فكل ~~مملوك أملكه فيما يستقبل حرا. # وقال كل امرأة أتزوجها فهي طالق فهو مول في قول أبي حنيفة، ومحمد # وقال أبو يوسف: لا يكون موليا وجه قول أبي ms1901 يوسف أنه علق اليمين بالقربان، ~~وعند وجود القربان لا يلزمه شيء، وإنما يلزمه بعد التمليك والتزوج والجزاء ~~المانع من القربان ما يلزم عند القربان؛ ولأنه يقدر على أن يمتنع عن التملك ~~والتزوج، فلا يلزمه شيء، فلا يكون موليا وجه قولهما أنه جعل القربان شرط ~~انعقاد اليمين، وكون القربان شرط انعقاد اليمين يصلح مانعا له عن القربان؛ ~~لأنه إذا قربها # PageV03P166 # انعقدت اليمين واليمين إذا انعقدت يحتاج إلى منع النفس عن تحصيل الشرط ~~خوفا عن نزول الجزاء، وبه تبين أنه لا يمكنه قربانها من غير شيء يلزمه وقت ~~القربان، وهو انعقاد اليمين التي يلزم عند انحلالها حكم الحنث فيصير موليا ~~وقوله: يمكنه أن لا يتملك، فلا يلزمه شيء قلنا وقد يملك من غير تملك ~~بالإرث، فلا يمكنه الامتناع عنه. # لو قال: إن قربتك فعلي صوم شهر كذا فإن كان ذلك الشهر يمضي قبل مضي ~~الأربعة الأشهر لم يكن موليا؛ لأنه إذا مضى يمكنه الوطء في المدة من غير ~~شيء يلزمه، وإن كان لا يمضي قبل مضي الأربعة الأشهر فهو مول؛ لأنه لا يمكنه ~~وطؤها في المدة إلا بصيام يلزمه، ولو قال: إن قربتك فعلي أن أصلي ركعتين أو ~~علي أن أغزو لم يكن موليا في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، وعند محمد يكون ~~موليا كذا ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي # وذكر القاضي - في شرحه مختصر الطحاوي - الخلاف بين أبي يوسف، ومحمد، ولم ~~يذكر قول أبي حنيفة (وجه) قول محمد أن الصلاة مما يصح إيجابها بالنذر ~~كالصوم والحج فيصير موليا كما لو قال: علي صوم أو حج وجه قولهما أن هذا لا ~~يصلح مانعا؛ لأنه لا يثقل على الطبع بل يسهل، ولا يعد مانعا في العرف أيضا ~~ألا ترى أن الناس لم يتعارفوا الحلف بالصلاة والغزو بخلاف الحج والصوم، فلا ~~يصير موليا، كما لو قال: لله علي صلاة الجنازة أو سجدة التلاوة. # وكذا لا مدخل للصلاة في الكفارة، ولا تعلق لها بالمال بخلاف الصوم والحج، ~~ولو قال إن قربتك فعلي كفارة أو ms1902 قال: فعلي يمين فهو مول؛ لأن قوله فعلي ~~كفارة التزام الكفارة نصا، وقوله: علي يمين موجب اليمين، وهو الكفارة فكان ~~بمنزلة قوله: فعلي كفارة وقالوا فيمن قال: إن قربتك فعلي نحر ولدي أنه مول ~~عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر بناء على أن النذر بنحر الولد يصح، ويجب ~~ذبح شاة عندنا، وعند زفر هو باطل لا يوجب شيئا ولو قال: إن قربتك فأنت علي ~~مثل امرأة فلان، وفلان كان آلى من امرأته فإن نوى الإيلاء كان موليا؛ لأنه ~~شبهها بامرأة آلى منها زوجها لإتيانه بلفظ موضوع للتشبيه فإذا نوى به ~~الإيلاء انصرف التشبيه إليه، وإن لم ينو التحريم ولا اليمين لم يكن موليا؛ ~~لأن التشبيه لا يقتضي المساواة في جميع الصفات وقالوا فيمن قال لامرأته: ~~أنا منك مول إنه إن عنى به الخبر بالكذب يصدق فيما بينه، وبين الله ولا ~~يكون موليا؛ لأن لفظه لفظ الخبر، وخبر غير المعصوم يحتمل الكذب، ولا يصدق ~~في القضاء؛ لأن خبره يحمل على الصدق ولا يكون صادقا إلا بثبوت المخبر به، ~~وإن عنى به الإيجاب كان موليا في القضاء، وفيما بينه، وبين الله تعالى؛ لأن ~~هذا اللفظ يستعمل في الإيجاب في العرف ولو آلى من امرأته ثم قال لامرأة له ~~أخرى قد أشركتك في إيلائها كان باطلا؛ لأن الشركة في الإيلاء لو صحت لثبتت ~~الشركة في المدة فيصير لكل واحدة منهما أقل من أربعة أشهر، وهذا يمنع صحة ~~الإيلاء لما نذكر إن شاء الله تعالى. # ولو قال: إن قربتك فأنت علي حرام فإن نوى الطلاق فهو مول عندهم جميعا؛ ~~لأنه إذا نوى به الطلاق فقد جعل الطلاق جزاء مانعا من القربان فيصير كأنه ~~قال: إن قربتك فأنت طالق ولو قال ذلك لصار موليا كذا هذا، وإن نوى اليمين ~~فهو مول للحال عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف، ومحمد لا يكون موليا ما لم ~~يقربها (وجه) قولهما أن قوله أنت علي حرام إذا نوى به اليمين أو لا نية له ~~يكون إيلاء بلا خلاف بين أصحابنا ms1903 كأنه قال والله لا أقربك فصار الإيلاء ~~معلقا بالقربان كأنه قال: إن قربتك فوالله لا أقربك ولو قال ذلك لا يكون ~~موليا حتى يقربها كذا هذا،، ولأبي حنيفة أنه منع نفسه من قربان امرأته في ~~المدة بما لا يصلح مانعا - وهو التحريم، وهو حد المولي - فيصير موليا كما ~~لو قال إن قربتك فأنت علي كظهر أمي ثم لا بد من معرفة مسألة الحرام؛ أعني ~~قوله لامرأته: أنت علي حرام من غير التعليق بشرط القربان أن حكمها ما هو. # وجملة الكلام فيه أن الأمر لا يخلو أما إن أضاف التحريم إلى شيء خاص نحو ~~امرأته أو الطعام أو الشراب أو اللباس. # وأما إن أضافه إلى كل حلال على العموم فإن أضافه إلى امرأته بأن قال: أنت ~~علي حرام أو قد حرمتك علي أو أنا عليك حرام أو قد حرمت نفسي عليك أو أنت ~~محرمة علي فإن أراد به طلاقا فهو طلاق؛ لأنه يحتمل الطلاق، وغيره، فإذا نوى ~~به الطلاق انصرف إليه، وإن نوى ثلاثا يكون ثلاثا، وإن نوى واحدة يكون واحدة ~~بائنة، وإن نوى اثنتين يكون واحدة بائنة عندنا خلافا لزفر؛ لأنه من جملة ~~كنايات الطلاق، وإن لم ينو الطلاق، ونوى التحريم أو لم يكن له نية فهو # PageV03P167 # يمين عندنا، ويصير موليا حتى لو تركها أربعة أشهر بانت بتطليقة؛ لأن ~~الأصل في تحريم الحلال أن يكون يمينا لما تبين، وإن قال: أردت به الكذب، ~~يصدق فيما بينه، وبين الله تعالى ولا يكون شيئا ولا يصدق في نفي اليمين في ~~القضاء وقد اختلف السلف - رضي الله عنهم - في هذه المسألة؛ روي عن أبي بكر، ~~وعمر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعائشة - رضي الله عنهم - ~~أنهم قالوا: الحرام يمين حتى روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: ~~إذا حرم الرجل امرأته فهو يمين يكفرها أما كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. # وروي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: إن نوى طلاقا فطلاق، ~~وإن ms1904 لم ينو طلاقا فيمين كفرها، وعن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أنه قال: ~~فيه كفارة يمين، ومنهم من جعله طلاقا ثلاثا، وهو قول علي - رضي الله عنه - ~~ومنهم من جعله طلاقا رجعيا، وعن مسروق أنه قال: ليس ذلك بشيء ما أبالي ~~حرمتها أو قطعة من ثريد. # وقال الشافعي: ليس بيمين، وفيه كفارة يمين بنفس اللفظ ولقب المسألة أن ~~تحريم الحلال هل هو يمين؟ عندنا يمين، وعنده ليس بيمين (وجه) قوله أن تحريم ~~الحلال تغيير الشرع والعبد لا يملك تغيير الشرع، ولهذا خرج قوله تعالى {يا ~~أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] مخرج العتاب لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فدل أنه ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله - سبحانه، ~~وتعالى - وبه تبين أن اليمين لا يحرم المحلوف عليه على الحالف، وإنما يمنعه ~~منه بكونه حلالا. # (ولنا) الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقوله: - عز وجل - {يا أيها ~~النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] إلى قوله {قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] قيل: نزلت الآية في تحريم جاريته مارية القبطية ~~لما قال - صلى الله عليه وسلم - هي علي حرام، وسمى الله تعالى ذلك يمينا ~~بقوله {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] أي: وسع الله عليكم أو ~~أباح لكم أن تحلوا من أيمانكم بالكفارة، وفي بعض القراءات قد فرض الله لكم ~~كفارة أيمانكم والخطاب عام يتناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمته. # وأما السنة فما روى ابن عباس عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الحرام يمينا. # وأما الإجماع فما روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - جعل الحرام يمينا، وبعضهم نص على وجوب كفارة اليمين ~~فيه، وكفارة اليمين - ولا يمين - لا تتصور فدل على أنه يمين وقول من جعله ~~طلاقا ثلاثا محمول على ما إذا نوى الثلاث؛ لأن الحرمة نوعان غليظة، وخفيفة ~~فكانت نية الثلاث تعيين بعض ما يحتمله ms1905 اللفظ فيصح، وإذا نوى واحدة كانت ~~واحدة بائنة؛ لأن اللفظ ينبئ عن الحرمة والطلاق الرجعي لا يوجب الحرمة ~~للحال، وإثبات حكم اللفظ على الوجه الذي ينبئ عنه اللفظ أولى؛ ولأن المخالف ~~يوجب فيه كفارة يمين، وكفارة اليمين تستدعي وجود اليمين فدل أن هذا اللفظ ~~يمين في الشرع فإذا نوى به الكذب لا يصدق في إبطال اليمين في القضاء بعدوله ~~عن الظاهر. # وأما قوله: إن تحريم الحلال تغيير الشرع فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: ~~أن هذا ليس بتحريم الحلال من الحالف حقيقة بل من الله - سبحانه، وتعالى -؛ ~~لأن التحريم إثبات الحرمة كالتحليل إثبات الحل والعبد لا يملك ذلك بل ~~الحرمة والحل، وسائر الحكومات الشرعية ثبتت بإثبات الله تعالى لا صنع للعبد ~~فيها أصلا إنما من العبد مباشرة سبب الثبوت، هذا هو المذهب عند أهل السنة ~~والجماعة فلم يكن هذا من الزوج تحريم ما أحله - الله تعالى - بل مباشرة سبب ~~ثبوت الحرمة أو منع النفس عن الانتفاع بالحلال؛ لأن التحريم في اللغة عبارة ~~عن المنع وقد يمنع المرء من تناول الحلال لغرض له في ذلك، ويسمى ذلك تحريما ~~قال الله تعالى {وحرمنا عليه المراضع من قبل} [القصص: 12] والمراد منه ~~امتناع سيدنا موسى - عليه الصلاة والسلام - عن الارتضاع من غير ثدي أمه لا ~~التحريم الشرعي، وعلى أحد هذين الوجهين يحمل التحريم المضاف إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فإن قيل: لو كان الأمر على ما ذكرتم لم يكن ذلك منه ~~تحريم الحلال حقيقة فما معنى إلحاق العتاب به؟ فالجواب عنه من وجهين: ~~أحدهما: أن ظاهر الكلام إن كان يوهم العتاب فليس بعتاب في الحقيقة بل هو ~~تخفيف المؤنة عليه - صلى الله عليه وسلم - في حسن العشرة والصحبة مع ~~أزواجه؛ لأنه كان مندوبا إلى حسن العشرة معهن والشفقة عليهن والرحمة بهن ~~فبلغ من حسن العشرة والصحبة مبلغا امتنع عن الامتناع بما أحل الله له يبتغي ~~به حسن العشرة فخرج ذلك مخرج تخفيف المؤنة في حسن # PageV03P168 # العشرة معهن لا مخرج النهي والعتاب، وإن كانت ms1906 صيغته صيغة النهي والعتاب، ~~وهو كقوله تعالى {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] والثاني: إن كان ~~ذلك الخطاب عتابا فيحتمل أنه إنما عوتب؛ لأنه فعل بلا إذن سبق من الله - عز ~~وجل - وإن كان ما فعل مباحا في نفسه، وهو منع النفس عن تناول الحلال ~~والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يعاتبون على أدنى شيء منهم يوجد مما لو ~~كان ذلك من غيرهم لعد من أفضل شمائله كما قال الله تعالى {عفا الله عنك لم ~~أذنت لهم} [التوبة: 43] وقوله {عبس وتولى} [عبس: 1] {أن جاءه الأعمى} [عبس: ~~2] ونحو ذلك والثاني: إن كان هذا تحريم الحلال لكن لم قلت إن كل تحريم حلال ~~من العبد تغيير للشرع بل ذلك نوعان: تحريم ما أحله الله تعالى مطلقا. # وذلك تغيير بل اعتقاده كفر، وتحريم ما أحله الله مؤقتا إلى غاية لا يكون ~~تغييرا بل يكون بيان نهاية الحلال، ألا ترى أن الطلاق مشروع، وإن كان تحريم ~~الحلال لكن لما كان الحل مؤقتا إلى غاية وجود الطلاق لم يكن التطليق من ~~الزوج تغييرا للشرع بل كان بيان انتهاء الحل،، وعلى هذا سائر الأحكام التي ~~تحتمل الارتفاع والسقوط، وعلى هذا سبيل النسخ فيما يحتمل التناسخ، فكذا ~~قوله: لامرأته أنت علي حرام، وإن نوى بقوله أنت علي حرام الظهار كان ظهارا ~~عند أبي حنيفة، وأبي يوسف. # وقال محمد: لا يكون ظهارا (وجه) قوله أن الظهار تشبيه الحلال بالحرام، ~~والتشبيه لا بد له من حرف التشبيه ولم يوجد، فلا يكون ظهارا ولهما أنه ~~وصفها بكونها محرمة والمرأة تارة تكون محرمة بالطلاق، وتارة تكون محرمة ~~بالظهار فأي ذلك نوى فقد نوى ما يحتمله كلامه فيصدق فيه هذا إذا أضاف ~~التحريم إلى المرأة. # فأما إذا أضافه إلى الطعام أو الشراب أو اللباس بأن قال: هذا الطعام علي ~~حرام أو هذا الشراب أو هذا اللباس فهو يمين عندنا، وعليه الكفارة إذا فعل. # وقال الشافعي: إذا قال ذلك في غير الزوجة والجارية لا يجب شيء، وهي مسألة ~~تحريم الحلال أنه يمين أم لا؟ وجه ms1907 قول الشافعي في المسألة الأولى ما ذكرنا ~~في المسألة الأولى. # (ولنا) قوله - عز وجل - {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} ~~[التحريم: 1] قيل: نزلت الآية في تحريم العسل وقد سماه الله تعالى يمينا ~~بقوله سبحانه، وتعالى {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] فدل أن ~~تحريم غير الزوجة والجارية يمين موجب للكفارة؛ لأن تحلة اليمين هي الكفارة، ~~فإن قيل فقد روي أنها نزلت في تحريم جاريته مارية فالجواب أنه لا يمتنع أن ~~تكون الآية الكريمة نزلت فيهما لعدم التنافي؛ ولأنه لو أضاف التحريم إلى ~~الزوجة والجارية لكان يمينا، فكذا إذا أضيف إلى غيرهما كان يمينا؛ كلفظ ~~القسم إذا أضيف إلى الزوجة والجارية كان يمينا، وإذا أضيف إلى غيرهما كان ~~يمينا أيضا، كذا هذا، فإن فعل كان يمينا مما حرمه قليلا أو كثيرا حنث ~~وانحلت اليمين؛ لأن التحريم المضاف إلى المعين يوجب تحريم كل جزء من أجزاء ~~المعين كتحريم الخمر والخنزير والميتة والدم فإذا تناول شيئا منه فقد فعل ~~المحلوف عليه فيحنث، وتنحل اليمين، بخلاف ما إذا حلف لا يأكل هذا الطعام ~~فأكل بعضه أنه لا يحنث؛ لأن الحنث هناك معلق بالشرط - وهو أكل كل الطعام - ~~والمعلق بشرط لا ينزل عند وجود بعض الشرط. # ولو قال: نسائي علي حرام ولم ينو الطلاق فقرب إحداهن كفر، وسقطت اليمين ~~فيهن جميعا؛ لأنه أضاف التحريم إلى جمع فيوجب تحريم كل فرد من أفراد الجمع ~~فصار كل فرد من أفراد الجمع محرما على الانفراد فإذا قرب واحدة منهن فقد ~~فعل ما حرمه على نفسه فيحنث، وتلزمه الكفارة، وتنحل اليمين، وإن لم يقرب ~~واحدة منهن حتى مضت أربعة أشهر بن جميعا؛ لأن حكم الإيلاء لا يثبت في حق كل ~~واحدة منهن على انفرادها والإيلاء يوجب البينونة بمضي المدة من غير فيء، ~~هذا إذا أضاف التحريم إلى نوع خاص،. # فأما إذا أضافه إلى الأنواع كلها بأن قال: كل حلال علي حرام؛ فإن لم تكن ~~له نية فهو على الطعام والشراب خاصة استحسانا والقياس أن يحنث ms1908 عقيب كلامه، ~~وهو قول زفر. # وجه القياس أن اللفظ خرج مخرج العموم فيتناول كل حلال، وكما فرغ عن يمينه ~~لا يخلو عن نوع حلال يوجد منه فيحنث وجه الاستحسان أن هذا عام لا يمكن ~~العمل بعمومه؛ لأنه لا يمكن حمله على كل مباح من فتح عينه، وغض بصره، ~~وتنفسه، وغيرها من حركاته، وسكناته المباحة؛ لأنه لا يمكنه الامتناع عنه ~~والعاقل لا يقصد بيمينه منع نفسه عما لا يمكنه الامتناع عنه فلم يمكن العمل ~~بعموم هذا اللفظ فيحمل على الخصوص - وهو الطعام والشراب - باعتبار العرف ~~والعادة؛ لأن هذا اللفظ مستعمل فيهما في العرف، ونظيره # PageV03P169 # قوله تعالى {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} [الحشر: 20] أنه لما لم ~~يمكن العمل بعمومه لثبوت المساواة بين المسلم والكافر في أشياء كثيرة حمل ~~على الخصوص، وهو نفي المساواة بينهما في العمل في الدنيا أو في الجزاء في ~~الآخرة، كذا هذا فإن نوى مع ذلك اللباس أو امرأته فالتحريم واقع على جميع ~~ذلك. # وأي شيء من ذلك فعل، وحده لزمته الكفارة؛ لأن اللفظ صالح لتناول كل ~~المباحات، وإنما حملناه على الطعام والشراب بدليل العرف فإذا نوى شيئا ~~زائدا على المتعارف فقد نوى ما يحتمله لفظه، وفيه تشديد على نفسه فيقبل ~~قوله، فإذا نوى شيئا بعينه دون غيره؛ بأن نوى الطعام خاصة أو الشراب خاصة ~~أو اللباس خاصة أو امرأته خاصة فهو على ما نوى فيما بينه، وبين الله تعالى، ~~وفي القضاء؛ لما ذكرنا أن هذا اللفظ متروك العمل بظاهر عمومه، ومثله يحمل ~~على الخصوص، فإذا قال أردت واحدا بعينه دون غيره فقد ترك ظاهر لفظ هو متروك ~~الظاهر فلم يوجد منه العدول فيصدق، وإن قال كل حل علي حرام، ونوى امرأته ~~كان عليها، وعلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب دخلا تحت ظاهر هذا ~~اللفظ ولم ينفهما بنيته فبقيا داخلين تحت اللفظ بخلاف الفصل الأول؛ لأنه ~~هناك نوى امرأته خاصة، ونفى الطعام والشراب بنيته فلم يدخلا وههنا لم ينف ~~الطعام والشراب نيته وقد دخلا تحت اللفظ فبقيا كذلك ms1909 ما لم ينفيا بالنية، ~~وإن نوى في امرأته الطلاق لزمه الطعام فيها فإن أكل أو شرب لم تلزمه ~~الكفارة؛ لأن اللفظ الواحد لا يجوز حمله على الطلاق واليمين لاختلاف ~~معنييهما، واللفظ الواحد لا يشتمل على معنيين مختلفين فإذا أراد به في ~~الزوجة الطلاق الذي هو أشد الأمرين، وأغلظهما لا يبقى الآخر مرادا. # وكذا روي عن أبي يوسف، ومحمد في رجل قال لامرأتين له: أنتما علي حرام، ~~يعني في إحداهما الطلاق، وفي الأخرى الإيلاء فهما طالقان جميعا لما ذكرنا ~~أن اللفظ الواحد لا يحتمل معنيين مختلفين فإذا أرادهما بلفظ واحد يحمل على ~~أغلظهما، ويقع الطلاق عليهما. # ولو قال: هذه علي حرام - ينوي الطلاق - وهذه علي حرام - ينوي الإيلاء - ~~كان كما نوى؛؛ لأنهما لفظان فيجوز أن يراد بأحدهما خلاف ما يراد بالآخر. # وعن أبي يوسف فيمن قال لامرأتيه: أنتما علي حرام ينوي في إحداهما ثلاثا ~~ثلاثا وفي الأخرى واحدة أنهما جميعا طالقان ثلاثا؛ لأن حكم الواحدة البائنة ~~خلاف حكم الثلاث؛ لأن الثلاث يوجب الحرمة الغليظة واللفظ الواحد لا يتناول ~~معنيين مختلفين في حالة واحدة فإذا نواهما يحمل على أغلظهما، وأشدهما. # وقال ابن سماعة في نوادره: سمعت أبا يوسف يقول في رجل قال ما أحل الله ~~علي حرام من مال وأهل ونوى الطلاق في أهله قال: ولا نية له في الطعام فإن ~~أكل لم يحنث لما قلنا. # قال: وكذلك لو قال: هذا الطعام علي حرام، وهذه - ينوي الطلاق -؛ لأن ~~اللفظة واحدة وقد تناولت الطلاق، فلا تتناول تحريم الطعام. # وقالوا فيمن قال لامرأته: أنت علي كالدم أو الميتة أو لحم الخنزير أو ~~كالخمر أنه يسأل عن نيته؛ فإن نوى كذبا فهو كذب؛ لأن هذا اللفظ ليس صريحا ~~في التحريم ليجعل يمينا فيصدق أنه أراد به الكذب بخلاف قوله أنت علي حرام ~~فإنه صريح في التحريم فكان يمينا، وإن نوى التحريم فهو إيلاء؛ لأنه شبهها ~~بما هو محرم فكأنه قال: أنت حرام. # وإن نوى الطلاق فالقول فيه كالقول فيمن قال لامرأته: أنت علي حرام ينوي ms1910 ~~الطلاق وروى ابن سماعة عن محمد فيمن قال لامرأته: إن فعلت كذا فأنت أمي - ~~يريد التحريم - قال: هو باطل؛ لأنه لم يجعلها مثل أمه ليكون تحريما، وإنما ~~جعلها أمه فيكون كذبا. # قال محمد: ولو ثبت التحريم بهذا لثبت إذا قال أنت حواء، وهذا لا يصح. # وقال ابن سماعة عن محمد فيمن قال لامرأته: أنت معي حرام فهو مثل قوله: ~~أنت علي حرام؛ لأن هذه الحروف يقام بعضها مقام بعض والله تعالى أعلم. ### | [فصل في شرائط ركن الإيلاء] # (فصل) : # وأما شرائط ركن الإيلاء فنوعان: نوع هو شرط صحته في حق حكم الحنث، ونوع ~~هو شرط صحته في حق حكم البر، وهو الطلاق؛ أما الأول فموضع بيانه كتاب ~~الأيمان؛ لأن الإيلاء يساوي سائر الأيمان في حق أحد الحكمين، وهو حكم ~~الحنث، وإنما يخالفها في حق الحكم الآخر، وهو حكم البر؛ ولأنه لا حكم لسائر ~~الأيمان عند تحقق البر فيها وللإيلاء عند تحقق البر حكم، وهو وقوع الطلاق؛ ~~إذ هو تعليق الطلاق البائن شرعا بشرط البر كأنه قال: إذا مضت أربعة أشهر ~~ولم أقربك فيها فأنت طالق بائن، فنذكر الشرائط المختصة به في حق هذا الحكم، ~~وهو الطلاق فنقول: لركن # PageV03P170 # الإيلاء في حق هذا الحكم شرائط بعضها يعم كل يمين بالطلاق، وبعضها يخص ~~الإيلاء. # أما الذي يعم فما ذكرنا من الشرائط فيما تقدم من العقل والبلوغ وقيام ملك ~~النكاح والإضافة إلى الملك حتى لا يصلح إيلاء الصبي والمجنون؛ لأنهما ليسا ~~من أهل الطلاق. # وكذا لو آلى من أمته أو مدبرته أو أم ولده لم يصح إيلاؤه في حق هذا ~~الحكم؛ لأن الله تعالى خص الإيلاء بالزوجات بقوله - عز وجل - {للذين يؤلون ~~من نسائهم} [البقرة: 226] والزوجة اسم للمملوكة بملك النكاح، وشرع الإيلاء ~~في حق هذا الحكم ثبت بخلاف القياس بهذه الآية الشريفة، وأنها، وردت في ~~الأزواج فتختص بهم،؛ ولأن اعتبار الإيلاء في حق هذا الحكم لدفع الظلم عنها ~~من قبل الزوج لمنعه حقها في الجماع منعا مؤكدا باليمين ولا حق للأمة قبل ~~مولاها في ms1911 الجماع فلم يتحقق الظلم، فلا تقع الحاجة إلى الدفع لوقوع الطلاق؛ ~~ولأن الفرقة الحاصلة بمضي المدة من غير فيء فرقة بطلاق ولا طلاق بدون ~~النكاح، ولو آلى منها وهي مطلقة فإن كان الطلاق رجعيا فهو مول لقيام الملك ~~من كل وجه، ولهذا صح طلاقه، وظهاره، ويتوارثان، وإن كان بائنا أو ثلاثا لم ~~يكن موليا لزوال الملك والمحل بالإبانة والثلاث والإيلاء لا ينعقد في غير ~~الملك ابتداء، وإن كان يبقى بدون الملك على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # وعلى هذا يخرج ما إذا قال لأجنبية: والله لا أقربك ثم تزوجها أنه لا يصير ~~موليا في حق حكم البر حتى لو مضت أربعة أشهر فصاعدا بعد التزوج ولم يفئ ~~إليها لا يقع عليها شيء لانعدام الملك والإضافة إلى الملك ولو قربها بعد ~~التزوج أو قبله تلزمه الكفارة لانعقاد اليمين في حق الحنث ولو قال لها: إن ~~تزوجتك فوالله لا أقربك فتزوجها صار موليا عندنا لوجود الملك عند التزوج ~~واليمين بالطلاق يصح في الملك أو مضافا إلى الملك، وههنا وجدت الإضافة إلى ~~الملك فيصير موليا بخلاف الفصل الأول وكذا جميع ما ذكرنا من شرائط صحة ~~التطليق فهو من شرط صحة الإيلاء في حق الطلاق. # وأما الذي يخص الإيلاء فشيئان: أحدهما: المدة، وهي أن يحلف على أربعة ~~أشهر فصاعدا في الحرة أو يحلف مطلقا أو مؤبدا حتى لو حلف على أقل من أربعة ~~أشهر لم يكن موليا في حق الطلاق، وهذا قول عامة العلماء، وعامة الصحابة - ~~رضي الله عنهم - وقال بعض أهل العلم إن مدة الإيلاء غير مقدرة، يستوي فيها ~~القليل والكثير حتى لو حلف لا يقربها يوما أو ساعة كان موليا حتى لو تركها ~~أربعة أشهر بانت. # وكذا روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - وقال ابن عباس - رضي الله عنهما ~~-: إن الإيلاء على الأبد وقال الشافعي: لا يكون موليا حتى يحلف على أكثر من ~~أربعة أشهر. # وجه قول الأولين ما روي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - «أن رسول الله ms1912 - ~~صلى الله عليه وسلم - آلى من نسائه شهرا فلما كان تسعة وعشرين يوما ترك ~~إيلاءهن فقيل له إنك آليت شهرا يا رسول الله فقال الشهر تسعة، وعشرون يوما» ~~؛ ولأن الله تعالى لم يذكر في كتابه الكريم للإيلاء مدة بل أطلقه إطلاقا ~~بقوله - عز وجل - {للذين يؤلون من نسائهم} [البقرة: 226] فيجري على إطلاقه، ~~وإنما ذكر المدة لثبوت البينونة حتى تبين بمضي المدة من غير فيء لا ليصير ~~إيلاء شرعا، وبه نقول، ولنا قوله تعالى {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة ~~أشهر} [البقرة: 226] ذكر للإيلاء في حكم الطلاق مدة مقدرة، فلا يكون الحلف ~~على ما دونها إيلاء في حق هذا الحكم، وهذا؛ لأن الإيلاء ليس بطلاق حقيقة، ~~وإنما جعل طلاقا معلقا بشرط البر شرعا بوصف كونه مانعا من الجماع أربعة ~~أشهر فصاعدا، فلا يجعل طلاقا بدونه؛ ولأن الإيلاء هو اليمين التي تمنع ~~الجماع خوفا من لزوم الحنث، وبعد مضي يوم أو شهر يمكنه أن يطأها من غير حنث ~~يلزمه، فلا يكون هذا إيلاء. # وأما قولهم: إن المدة ذكرت لثبوت حكم الإيلاء لا للإيلاء فنقول: ذكر ~~المدة في حكم الإيلاء لا يكون ذكرا في الإيلاء؛ لأن الحكم ثبت بالإيلاء إذ ~~به يتأكد المنع المحقق للظلم، وأما الحديث فالمروي أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - آلى أن لا يدخل على نسائه شهرا، وعندنا من حلف لا يدخل على ~~امرأته يوما أو شهرا أو سنة لا يكون موليا في حق حكم الطلاق؛ لأن الإيلاء ~~يمين يمنع الجماع، وهذا لا يمنع الجماع وقول عبد الله بن عباس - رضي الله ~~عنهما -: " الإيلاء على الأبد " محتمل يحتمل أن يكون معناه أن الإيلاء إذا ~~ذكر مطلقا عن الوقت يقع على الأبد، وإن لم يذكر الأبد، ونحن نقول به، ~~ويحتمل أنه أراد به أن ذكر الأبد شرط صحة الإيلاء في حق حكم الطلاق فيحمل ~~على الأول توفيقا بين الأقاويل والدليل عليه ما روي عن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - أنه قال: كان إيلاء أهل الجاهلية السنة # PageV03P171 # والسنتين، وأكثر من ذلك ms1913 فوقته الله أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقل من ~~أربعة أشهر فليس بإيلاء؛ ولأنه ليس في النص شرط الأبد فيلزمه إثبات حكم ~~الإيلاء في حق الطلاق عند تربص أربعة أشهر، فلا تجوز الزيادة إلا بدليل. # وأما الكلام مع الشافعي فمبني على حكم الإيلاء في حق الطلاق، فعندنا إذا ~~مضت أربعة أشهر تبين منه، وعنده لا تبين بل توقف بعد مضي هذه المدة، ويخير ~~بين الفيء والتطليق، فلا بد، وأن تزيد المدة على أربعة أشهر، ونذكر المسألة ~~في بيان حكم الإيلاء إن شاء الله تعالى. # وسواء كان الإيلاء في حال الرضا أو الغضب أو أراد به إصلاح ولده في ~~الرضاع أو الإضرار بالمرأة عند عامة العلماء، وعامة الصحابة - رضي الله ~~عنهم -، وهو الصحيح؛ لأن نص الإيلاء لا يفصل بين حال، وحال؛ ولأن الإيلاء ~~يمين، فلا يختلف حكمه بالرضا والغضب، وإرادة الإصلاح والإضرار كسائر ~~الأيمان، وأما مدة إيلاء الأمة المنكوحة فشهران فصاعدا عندنا، وعند الشافعي ~~مدة إيلاء الأمة كمدة إيلاء الحرة واحتج بقوله تعالى {للذين يؤلون من ~~نسائهم تربص أربعة أشهر} [البقرة: 226] من غير فصل بين الحرة والأمة ~~والكلام من حيث المعنى مبني على اختلاف أصل نذكره في حكم الإيلاء، وهو أن ~~مدة الإيلاء ضربت أجلا للبينونة عندنا فأشبه مدة العدة فيتنصف بالرق كمدة ~~العدة، وعنده ضربت لإظهار ظلم الزوج بمنع حقها عن الجماع في المدة، وهذا ~~يوجب التسوية بين الأمة والحرة في المدة كأجل العنين ولا حجة له في الآية؛ ~~لأنها تناولت الحرائر لا الإماء؛ لأنه سبحانه، وتعالى ذكر عزم الطلاق ثم ~~عقبه بقوله تعالى {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] ، ~~وهي عدة الحرائر، وسواء كان زوجها عبدا أو حرا فالعبرة لرق المرأة، وحريتها ~~لا لرق الرجل، وحريته؛ لأن الإيلاء في حق أحد الحكمين طلاق فيعتبر فيه جانب ~~النساء. # ولو اعتض العتق على الرق بأن كانت مملوكة وقت الإيلاء ثم أعتقت تحولت ~~مدتها مدة الحرائر، بخلاف العدة فإنها إذا طلقت طلاقا بائنا ثم أعتقت لا ~~تنقلب عدتها عدة الحرائر، وفي الطلاق ms1914 الرجعي تنقلب والفرق بين هذه الجملة ~~يعرف في موضعه إن شاء الله تعالى، وعلى هذا يخرج ما إذا قال لامرأته الحرة: ~~والله لا أقربك أربعة أشهر إلا يوما - لا يكون موليا لنقصان المدة. # ولو قال لها: والله لا أقربك شهرين، وشهرين بعد هذين الشهرين فهو مول؛ ~~لأنه جمع بين شهرين وشهرين بحرف الجمع، والجمع بحرف الجمع كالجمع بلفظ ~~الجمع فصار كأنه قال: والله لا أقربك أربعة أشهر. # ولو قال لها: والله لا أقربك شهرين فمكث يوما ثم قال: والله لا أقربك ~~شهرين بعد هذين الشهرين الأولين لم يكن موليا؛ لأنه إذا سكت يوما فقد مضى ~~يوم من غير حكم الإيلاء؛ لأن الشهرين ليسا بمدة الإيلاء في حق الحرة، فإذا ~~قال: وشهرين بعد هذين الشهرين فقد جمع الشهرين الآخرين إلى الأوليين بعدما ~~مضى يوم من غير حكم الإيلاء فصار كأنه قال: والله لا أقربك أربعة أشهر إلا ~~يوما ولو قال ذلك لم يكن موليا لنقصان المدة، كذا هذا. # ولو قال: والله لا أقربك سنة إلا يوما لم يكن موليا للحال في قول أصحابنا ~~الثلاثة، وعند زفر يكون موليا للحال حتى لو مضت السنة ولم يقربها فيها لا ~~تبين ولو قربها يوما لا كفارة عليه عندنا، وعنده إذا مضت أربعة أشهر منذ ~~قال هذه المقالة ولم يقربها فيها تبين لو قربها تلزمه الكفارة. # وجه قوله أن اليوم المستثنى ينصرف إلى آخر السنة كما في الإجارة فإنه لو ~~قال أجرتك هذه الدار سنة إلا يوما انصرف اليوم إلى آخر السنة حتى صحت ~~الإجارة، كذا ههنا. # وإذا انصرف إلى آخر السنة كانت مدة الإيلاء أربعة أشهر، وزيادة فيصير ~~موليا؛ ولأنه إذا انصرف إلى آخر السنة، فلا يمكنه قربان امرأته في الأربعة ~~أشهر من غير حنث يلزمه، وهذا حد المولي ولنا أن المستثنى يوم منكر فتعيين ~~اليوم الآخر تغيير الحقيقة ولا يجوز تغيير الحقيقة من غير ضرورة فبقي ~~المستثنى يوما شائعا في السنة فكان له أن يجعل ذلك اليوم أي يوم شاء، فلا ~~تكمل المدة؛ ms1915 لأنه إذا استثنى يوما شائعا في الجملة فلم يمنع نفسه عن قربان ~~امرأته بما يصلح مانعا من القربان في المدة؛ لأن له أن يعين يوما للقربان ~~أي يوم كان فيقربها فيه من غير حنث يلزمه فلم يكن موليا. # وفي باب الإجارة مست الضرورة إلى تعيين الحقيقة لتصحيح الإجارة؛ إذ لا ~~صحة لها بدونه؛ لأن كون المدة معلومة في الإجارة شرط صحة الإجارة ولا تصير ~~معلومة إلا بانصراف الاستثناء إلى اليوم الأخير، وههنا لا ضرورة؛ لأن جهالة ~~المدة لا تبطل اليمين، فإن قال ذلك ثم قربها # PageV03P172 # يوما ينظر: إن كان قد بقي من السنة أربعة فصاعدا صار موليا لوجود كمال ~~المدة، ولوجود حد المولي، وإن بقي أقل من ذلك لم يصر موليا لنقصان المدة، ~~ولانعدام حد الإيلاء، وعلى هذا الخلاف إذا قال: والله لا أقربك سنة إلا مرة ~~غير أن في قوله " إلا يوما " إذا قربها وقد بقي من السنة أربعة أشهر فصاعدا ~~لا يصير موليا ما لم تغرب الشمس من ذلك اليوم، ويعتبر ابتداء المدة من وقت ~~غروب الشمس من ذلك اليوم؛ لأن اليوم اسم لجميع هذا الوقت من أوله إلى آخره، ~~فلا ينتهي إلا بغروب الشمس، وفي قوله " إلا مرة " يصير موليا عقيب القربان ~~بلا فصل فصل ويعتبر ابتداء المدة من وقت فراغه من القربان مرة؛ لأن ~~المستثنى ههنا هو القربان مرة لا اليوم والمستثنى هناك هو اليوم لا المرة؛ ~~لذلك افترقا ثم مدة أشهر الإيلاء تعتبر بالأهلة أم بالأيام؟ فنقول: لا خلاف ~~أن الإيلاء إذا وقع في غرة الشهر تعتبر المدة بالأهلة، وإذا وقع في بعض ~~الشهر لم يذكر عن أبي حنيفة نص رواية وقال أبو يوسف تعتبر بالأيام، وذلك ~~مائة، وعشرون يوما. # وروي عن زفر أنه يعتبر بقية الشهر بالأيام والشهر الثاني والثالث ~~بالأهلة، وتكمل أيام الشهر الأول بالأيام من أول الشهر الرابع، ويحتمل أن ~~يكون هذا على اختلافهم في عدة الطلاق والوفاة على ما نذكره هناك إن شاء ~~الله تعالى. # والثاني ترك الفيء في المدة؛ لأن ms1916 الله تعالى جعل عزم الطلاق شرط وقوعه ~~بقوله {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} [البقرة: 227] وكلمة " إن " ~~للشرط، وعزم الطلاق ترك الفيء في المدة والكلام في الفيء يقع في مواضع في ~~تفسير الفيء المذكور في الآية الكريمة أنه ما هو، وفي بيان شرط صحة الفيء، ~~وفي بيان وقت الفيء أنه في المدة أو بعد انقضائها؛ أما الأول فالفيء عندنا ~~على ضربين أحدهما بالفعل، وهو الجماع في الفرج حتى لو جامعها فيما دون ~~الفرج أو قبلها بشهوة أو لمسها لشهوة أو نظر إلى فرجها عن شهوة لا يكون ذلك ~~فيئا؛؛ لأن حقها في الجماع في الفرج فصار ظالما بمنعه، فلا يندفع الظلم إلا ~~به، فلا يحصل الفيء، وهو الرجوع عما عزم عليه عند القدرة إلا به، بخلاف ~~الرجعة أنها تثبت بالجماع فيما دون الفرج. # وبالمس عن شهوة والنظر إلى الفرج عن شهوة؛ لأن البينونة هناك بعد انقضاء ~~العدة تثبت من وقت وجود الطلاق من وجه فلو لم تثبت الرجعة به لصار مرتكبا ~~للحرام فجعل الإقدام عليه دلالة الرجعة تحرزا عن الحرام، وهذا المعنى لم ~~يوجد ههنا؛ لأن البينونة بعد انقضاء المدة ثبتت مقصورة على الحال فلو لم ~~يجعل منه فيئا لم يصر مرتكبا للحرام لذلك فافترقا، والثاني: بالقول؛ ~~والكلام فيه يقع في موضعين: أحدهما: في صورة الفيء بالقول والثاني: في بيان ~~شرط صحته؛ أما صورته فهي أن يقول لها فئت إليك أو راجعتك، وما أشبه ذلك. # وذكر الحسن عن أبي حنيفة في صفة الفيء أن يقول الزوج: اشهدوا أني قد فئت ~~إلى امرأتي، وأبطلت الإيلاء وليس هذا من أبي حنيفة شرط الشهادة على الفيء ~~فإنه يصح بدون الشهادة، وإنما ذكر الشهادة احتياطا لباب الفروج؛ لاحتمال أن ~~يدعي الزوج الفيء إليها بعد مضي المدة فتكذبه المرأة فيحتاج إلى إقامة ~~البينة عليه إلا أن تكون الشهادة شرطا لصحة الفيء وقد قال أصحابنا إنه. # إذا اختلف الزوج والمرأة في الفيء مع بقاء المدة والزوج ادعى الفيء ~~وأنكرت المرأة فالقول قول الزوج؛ لأن المدة ms1917 إذا كانت باقية فالزوج يملك ~~الفيء فيها وقد ادعى الفيء في وقت يملك إن شاءه فيه فكان الظاهر شاهدا له ~~فكان القول قوله، وإن اختلفا بعد مضي المدة فالقول قول المرأة؛ لأن الزوج ~~يدعي الفيء في وقت لا يملك إنشاء الفيء فيه فكان الظاهر شاهدا عليه للمرأة ~~فكان القول قولها. # وأما شرط صحته فلصحة الفيء بالقول شرائط ثلاثة أحدها العجز عن الجماع، ~~فلا يصح مع القدرة على الجماع؛ لأن الأصل هو الفيء بالجماع؛ لأن الظلم به ~~يندفع حقيقة، وإنما الفيء بالقول خلف عنه ولا عبرة بالخالف مع القدرة على ~~الأصل كالتيمم مع الوضوء، ونحو ذلك ثم الشرط هو العجز عن الجماع حقيقة أو ~~مطلق العجز إما حقيقة، وإما حكما، فجملة الكلام فيه أن العجز نوعان: حقيقي، ~~وحكمي؛ أما الحقيقي فنحو أن يكون أحد الزوجين مريضا مرضا يتعذر معه الجماع ~~أو كانت المرأة صغيرة لا يجامع مثلها أو رتقاء أو يكون الزوج مجبوبا أو ~~يكون بينهما مسافة لا يقدر على قطعها في مدة الإيلاء أو تكون ناشزة محتجبة ~~في مكان لا يعرفه أو يكون محبوسا لا يقدر أن يدخلها، وفيؤه في هذا كله ~~بالقول. # كذا ذكره القدوري في شرحه مختصر الكرخي. # وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه لو آلى من امرأته وهي محبوسة أو ~~هو محبوس أو كان بينه وبين امرأته مسافة أقل من # PageV03P173 # أربعة أشهر إلا أن العدو أو السلطان منعه عن ذلك فإن فيأه لا يكون إلا ~~بالفعل، ويمكن أن يوفق بين القولين في الحبس بأن يحمل ما ذكره القاضي على ~~أن يقدر أحدهما على أن يصل إلى صاحبه في السجن والوجه في المنع من العدو أو ~~السلطان أن ذلك نادر، وعلى شرف الزوال فكان ملحقا بالعدم. # وأما الحكمي فمثل أن يكون محرما وقت الإيلاء، وبينه، وبين الحج أربعة ~~أشهر، وإذا عرف هذا فنقول: لا خلاف في أنه إذا كان عاجزا عن الجماع حقيقة ~~أنه ينتقل الفيء بالجماع إلى الفيء بالقول واختلف أصحابنا فيما إذا كان ~~قادرا على ms1918 الجماع حقيقة وعاجزا عنه حكما أنه هل يصح الفيء بالقول؟ قال ~~أصحابنا الثلاثة: لا يصح ولا يكون فيؤه إلا بالجماع وقال زفر: يصح وجه قوله ~~أن العجز حكما كالعجز حقيقة في أصول الشريعة كما في الخلوة فإنه يستوي ~~المانع الحقيقي والشرعي في المنع من صحة الخلوة. # كذا هذا. # ولنا أنه قادر على الجماع حقيقة فيصير ظالما بالمنع، فلا يندفع الظلم ~~عنها إلا بإيفائها حقها بالجماع، وحق العبد لا يسقط لأجل حق الله تعالى في ~~الجملة؛ لغنى الله - عز وجل - وحاجة العبد والثاني دوام العجز عن الجماع ~~إلى أن تمضي المدة حتى لو قدر على الجماع في المدة بطل الفيء بالقول وانتقل ~~إلى الفيء بالجماع، حتى ولو تركها ولم يقربها في المدة حتى مضت تبين؛ لما ~~ذكرنا أن الفيء باللسان بدل عن الفيء بالجماع، ومن قدر على الأصل قبل حصول ~~المقصود بالبدل بطل حكم البدل كالمتيمم إذا قدر على الماء في الصلاة،، وكذا ~~إذا آلى وهو صحيح ثم مرض فإن كان قدر مدة صحته ما يمكن فيه الجماع ففيؤه ~~بالجماع؛ لأنه كان قادرا على الجماع في مدة الصحة فإذا لم يجامعها مع ~~القدرة عليه فقد فرط في إيفاء حقها، فلا يعذر بالمرض الحادث، وإن كان لا ~~يمكنه فيؤه بالجماع لقصره ففيؤه بالقول؛ لأنه إذا لم يقدر على الجماع فيه ~~لم يكن مفرطا في ترك الجماع فكان معذورا ولو آلى، وهو مريض فلم يفئ باللسان ~~إليها حتى مضت المدة فبانت ثم صح ثم مرض فتزوجها، وهو مريض ففاء إليها ~~باللسان صح فيؤه في قول أبي يوسف حتى لو تمت أربعة أشهر من وقت التزوج لا ~~تبين، وقال محمد: لا يصح. # (وجه) قوله أنه إذا صح في المدة الثانية فقد قدر على الجماع حقيقة فسقط ~~اعتبار الفيء باللسان في تلك المدة، وإن كان لا يقدر على جماعها إلا بمعصية ~~كما إذا كان محرما ففاء بلسانه أنه لم يصح فيؤه باللسان لكونه قادرا على ~~الجماع حقيقة، وإن كان لا يقدر عليه إلا بمعصية كذا ms1919 هذا، ولأبي يوسف أن ~~الصحة إنما تمنع الفيء باللسان للقدرة على إيفائها حقها في الجماع ولا حق ~~لها في حالة البينونة، فلا تعتبر الصحة مانعة منه. # والثالث قيام ملك النكاح وقت الفيء بالقول، وهو أن تكون المرأة في حال ما ~~يفيء إليها زوجته غير بائنة منه؛ فإن كانت بائنة منه ففاء بلسانه لم يكن ~~ذلك فيئا، ويبقى الإيلاء؛ لأن الفيء بالقول حال قيام النكاح إنما يرفع ~~الإيلاء في حق حكم الطلاق لحصول إيفاء حقها به ولا حق لها حالة البينونة ~~على ما نذكره ولا يعتبر الفيء وصار وجودها والعدم بمنزلة فيبقى الإيلاء، ~~فإذا تزوجها، ومضت المدة تبين منه، بخلاف الفيء بالفعل - وهو الجماع - أنه ~~يصح بعد زوال الملك، وثبوت البينونة حتى لا يبقى الإيلاء بل يبطل؛ لأنه حنث ~~بالوطء فانحلت اليمين، وبطلت ولم يوجد الحنث ههنا، فلا تنحل اليمين، فلا ~~يرتفع الإيلاء ثم الفيء بالقول عندنا، إنما يصح في حق حكم الطلاق حتى لا ~~يقع الطلاق بمضي المدة إلا في حق الحنث؛ لأن اليمين في حق حكم الحنث باقية؛ ~~لأنها لا تنحل إلا بالحنث والحنث إنما يحصل بفعل المحلوف عليه والقول ليس ~~محلوفا عليه، فلا تنحل به اليمين، هذا الذي ذكرنا مذهب أصحابنا وقال ~~الشافعي: لا فيء إلا بالجماع، وإليه مال الطحاوي، ووجهه أن الفيء بالحنث ~~ولا حنث باللسان، فلا يحصل الفيء به، وهذا؛ لأن الحنث هو فعل المحلوف عليه ~~والمحلوف عليه هو القربان، فلا يحصل الفيء إلا به ولنا إجماع الصحابة - رضي ~~الله عنهم - فإنه روي عن علي - رضي الله عنه - وابن مسعود وابن عباس - رضي ~~الله عنهم - أنهم قالوا: الفيء عند العجز بالقول، وكذا روي عن جماعة من ~~التابعين مثل مسروق والشعبي، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير؛ ولأن الفيء ~~في اللغة هو الرجوع؛ يقال: فاء الظل أي: رجع، ومعنى الرجوع في الإيلاء هو ~~أنه بالإيلاء عزم على منع حقها في الجماع، وأكد العزم باليمين فبالفيء رجع ~~عما عزم، والرجوع كما يكون بالفعل يكون بالقول، وهذا؛ لأن وقوع الطلاق ms1920 ~~لصيرورته ظالما بمنع حقها والظلم عند القدرة على الجماع بمنع حقها في ~~الجماع فيكون إزالة الظلم بإيفاء حقها في الجماع فيكون إزالة هذا الظلم ~~بذكر إيفاء حقها في الجماع أيضا، وعند العجز عن الجماع يكون بإيذائه إياها ~~منع حقها # PageV03P174 # في الجماع ليكون إزالة هذا الظلم بقدر الظلم فيثبت الحكم على وفق العلة. # وأما وقت الفيء فالفيء عندنا في المدة، وعند الشافعي بعد مضي المدة، ~~ونذكر المسألة في بيان حكم الإيلاء إن شاء الله تعالى. # وأما حرية المولي فليس بشرط لصحة إيلائه بالله تعالى، ومما لا يتعلق ~~بالمال حتى لو قال العبد لامرأته: والله لا أقربك، أو قال: إن قربتك فعلي ~~صوم أو حج أو عمرة، أو امرأتي طالق يصح إيلاؤه حتى لو لم يقربها تبين منه ~~في المدة ولو قربها ففي اليمين بالله تعالى تلزمه الكفارة بالصوم، وفي ~~غيرها يلزمه الجزاء المذكور؛ ولأن العبد أهل لذلك، وإن كان يحلف بما يتعلق ~~بالمال بأن قال: إن قربتك فعلي عتق رقبة، أو علي أن أتصدق بكذا لا يصح؛ ~~لأنه ليس من أهل ملك المال. # وأما إسلام المولي فهل هو شرط لصحة الإيلاء؟ فنقول: لا خلاف في أن الذمي ~~إذا آلى من امرأته بالطلاق أو العتاق أنه يصح إيلاؤه؛ لأن الكافر من أهل ~~الطلاق والعتاق ولا خلاف أيضا في أنه إذا آلى بشيء من القرب كالصوم والصدقة ~~والحج والعمرة بأن قال لامرأته: إن قربتك فعلي صوم أو صدقة أو حجة أو عمرة ~~أو غير ذلك من القرب لا يكون موليا؛ لأنه ليس من أهل القربة فيمكنه قربان ~~امرأته من غير شيء يلزمه فلم يكن موليا،، وكذا إذا قال لامرأته: إن قربتك ~~فأنت علي كظهر أمي أو فلانة علي كظهر أمي لم يكن موليا؛ لأن الكفر يمنع صحة ~~الظهار عندنا، وإذا لم يصح يمكنه قربانها من غير شيء يلزمه، فلا يكون ~~موليا. # واختلف فيما إذا آلى بالله تعالى فقال: والله لا أقربك، تنعقد موجبة ~~للكفارة على تقدير الحنث عند أبي حنيفة يكون موليا. # وقال ms1921 أبو يوسف، ومحمد: لا يكون موليا وجه قولهما أن اليمين بالله تعالى ~~لا تنعقد من الذمي كما في غير الإيلاء والجامع بينهما أن اليمين بالله ~~تعالى تنعقد موجبة للكفارة على تقدير الحنث والكافر ليس من أهل الكفارة،، ~~ولأبي حنيفة عموم قوله تعالى {للذين يؤلون من نسائهم} [البقرة: 226] من غير ~~تخصيص المسلم؛ ولأن الإيلاء بالله يمين يمنع القربان خوفا من هتك حرمة اسم ~~الله - عز وجل - والذمي يعتقد حرمة اسم الله تعالى، ولهذا يستحلف على ~~الدعاوى كالمسلم، ويتعلق حل الذبيحة بتسميته كما يتعلق بتسمية المسلم، فإنه ~~إذا ذكر اسم الله عليها أكلت، وإن ترك التسمية لم تؤكل، فيصح إيلاؤه كما ~~يصح إيلاء المسلم، وإذا صح إيلاؤه بالله تعالى تثبت أحكام الإيلاء في حقه ~~كما تثبت في حق المسلم إلا أنه لا يظهر في حق حكم الحنث، وهو الكفارة؛ لأن ~~الكفارة عبادة، وهو ليس من أهل العبادة فيظهر في حق حكم البر، وهو الطلاق؛ ~~لأنه من أهله ولو آلى مسلم أو ظاهر من امرأته ثم ارتد عن الإسلام ولحق بدار ~~الحرب ثم رجع مسلما وتزوجها فهو مول، ومظاهر في قول أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف: يسقط عنه الإيلاء والظهار. # (وجه) قوله أن الكفر يمنع صحة الإيلاء والظهار ابتداء فيمنع بقاءهما على ~~الصحة؛ لأن حكم الإيلاء وجوب الكفارة على تقدير الحنث، وحكم الظهار حرمة ~~مؤقتة إلى غاية التكفير، والكافر ليس من أهل وجوب الكفارة،، ولأبي حنيفة أن ~~الكفر لما لم يمنع انعقاد الإيلاء لما بينا فلأن لا يمنع بقاءه أولى؛ لأن ~~البقاء أسهل؛ ولأن الإيلاء قد انعقد لوجوده من المسلم والعارض هو الردة. # وأثرها في زوال ملك النكاح، وزوال الملك لا يوجب بطلان اليمين فتبقى ~~اليمين فإذا عاد يعود حكم الإيلاء؛ لأن كل عارض على أصل يلتحق بالعدم من ~~الأصل إذا ارتفع، ويجعل كأن لم يكن؛ ولأن الإيلاء انعقد بيقين والعارض، وهو ~~الردة يحتمل الزوال والتصرف الشرعي إذا انعقد بيقين لاحتمال الفائدة في ~~البقاء، واحتمال الفائدة ههنا ثابت؛ لأن رجاء الإسلام قائم والظهار ms1922 قد ~~انعقد موجبا حكمه، وهو الحرمة المؤقتة لصدوره من المسلم، وبالردة زالت صفة ~~الحكم، وبقي الأصل، وهو الحرمة إذ الكافر من أهل ثبوت الحرمة، وبقائها في ~~حقه؛؛ لأن حكم الحرمة وجوب الامتناع، وهو قادر على الامتناع بخلاف القربة، ~~ولهذا خوطب بالحرمات دون القربات والطاعات على ما عرف في أصول الفقه والله ~~الموفق. ### | [فصل في حكم الإيلاء] # (فصل) : # وأما حكم الإيلاء فنقول - وبالله التوفيق - إنه يتعلق بالإيلاء حكمان: ~~حكم الحنث، وحكم البر، أما حكم الحنث فيختلف باختلاف المحلوف به: فإن كان ~~الحلف بالله تعالى فهو وجوب كفارة اليمين كسائر الأيمان بالله، وإن كان ~~الحلف بالشرط والجزاء فلزوم المحلوف به كسائر الأيمان بالشروط والأجزية أو ~~لزوم حكمه على تقدير وجوده على ما بينا. # وأما حكم البر فالكلام فيه في مواضع في بيان أصل الحكم، وفي بيان وصفه، ~~وفي بيان وقته، وفي بيان قدره، أما أصل الحكم فهو # PageV03P175 # وقوع الطلاق بعد مضي المدة من غير فيء؛ لأنه بالإيلاء عزم على منع نفسه ~~من إيفاء حقها في الجماع في المدة، وأكد العزم باليمين فإذا مضت المدة ولم ~~يفئ إليها مع القدرة على الفيء فقد حقق العزم المؤكد باليمين بالفعل فتأكد ~~الظلم في حقها فتبين منه عقوبة عليه جزاء على ظلمه، ومرحمة عليها، ونظرا ~~لها بتخليصها عن حباله لتتوصل إلى إيفاء حقها من زوج آخر، وهذا عندنا. # وقال الشافعي: حكم الإيلاء في حق البر هو الوقف، وهو أن يوقف الزوج بعد ~~مضي المدة فيخير بين الفيء إليها بالجماع، وبين تطليقها، فإن أبى أجبره ~~الحاكم على أحدهما فإن لم يفعل طلق عليه القاضي، فاشتملت معرفة هذا الحكم ~~على معرفة مسألتين مختلفتين: إحداهما: أنه لا يوقف المولي بعد انقضاء المدة ~~عندنا بل يقع الطلاق عقب انقضائها بلا فصل، وعنده يوقف، ويخير بين الفيء ~~والتطليق على ما بينا. # والثانية أن الفيء يجب أن يكون في المدة عندنا، وعنده بعد مضي المدة. # والمسألتان مختلفتان بين الصحابة - رضي الله عنهم - احتج الشافعي بقوله ~~تعالى {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة ms1923 أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور ~~رحيم} [البقرة: 226] {وإن عزموا الطلاق} [البقرة: 227] خير سبحانه، وتعالى ~~المولي بين الفيء، وبين العزم على الطلاق بعد أربعة أشهر فدل أن حكم ~~الإيلاء في حق البر هو تخيير الزوج بين الفيء والطلاق بعد المدة لا وقوع ~~الطلاق عند مضي المدة، وإن وقت الفيء بعد المدة لا في المدة؛ ولأنه قال عز ~~وجل {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} [البقرة: 227] أي: سميع للطلاق، ~~فلا بد، وأن يكون الطلاق مسموعا، وذلك بوجود صوت الطلاق إذ غير الصوت لا ~~يحتمل السماع، ولو وقع الطلاق بنفس مضي المدة من غير قول وجد من الزوج أو ~~من القاضي لم يتحقق صوت الطلاق، فلا ينعقد سماعه؛ ولأن الإيلاء يمين يمنع ~~من الجماع أربعة أشهر؛ لأن اللفظ يدل عليه فقط لا على الطلاق، فالقول بوقوع ~~الطلاق بمضي المدة قول بالوقوع من غير إيقاع، وهذا لا يجوز. # (ولنا) أن الله تعالى جعل مدة التربص أربعة أشهر والوقف يوجب الزيادة على ~~المدة المنصوص عليها، وهي مدة اختيار الفيء أو الطلاق من يوم أو ساعة، فلا ~~تجوز الزيادة إلا بدليل، ولهذا لما جعل الشرع لسائر المدة التي بين الزوجين ~~مقدارا معلوما من المدة، ومدة العنين لم تحتمل الزيادة على ذلك القدر فكذا ~~مدة الطلاق؛ ولأن الفيء نقض اليمين، ونقضها حرام في الأصل قال الله تعالى ~~{ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} [النحل: 91] ~~إلا أنه ثبت الإطلاق في المدة بقراءة عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب - رضي ~~الله عنهما - " فإن فاءوا فيهن " فبقي النقض حراما فيما وراءها، فلا يحل ~~الفيء فيما وراءها فلزم القول بالفيء في المدة، وبوقوع الطلاق بعد مضيها؛ ~~ولأن الإيلاء كان طلاقا معجلا في الجاهلية فجعله الشرع طلاقا مؤجلا، ~~والطلاق المؤجل يقع نفس انقضاء الأجل من غير إيقاع أحد بعده كما إذا قال ~~لها: أنت طالق رأس الشهر. # وأما قوله: " إن الله تعالى ذكر الفيء بعد الأربعة أشهر " فنعم، لكن هذا ~~لا يوجب أن يكون الفيء ms1924 بعد مضيها. # ألا ترى إلى قوله تعالى {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف} [الطلاق: 2] ~~ذكر تعالى الإمساك بمعروف بعد بلوغ الأجل، وأنه لا يوجب الإمساك بعد مضي ~~الأجل، وهو العدة بل يوجب الإمساك، وهو الرجعة في العدة، والبينونة بعد ~~انقضائها، كذا ههنا. # وأما قوله تعالى {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} [البقرة: 227] ~~فقد قال قوم من أهل التأويل: إن المراد من قوله " سميع " في هذا الموضع أي: ~~سميع بإيلائه، والإيلاء مما ينطق به، ويقال فيكون مسموعا. # وقوله تعالى " عليم " ينصرف إلى العزم أي: عليم بعزمه الطلاق، وهو ترك ~~الفيء، ودليل صحة هذا التأويل أنه تعالى ذكر قوله " سميع عليم " عقيب ~~أمرين: أحدهما يحتمل، وهو الإيلاء، والآخر لا يحتمل، وهو عزم الطلاق فينصرف ~~كل لفظ إلى ما يليق به ليفيد فائدته، وهي كقوله تعالى {لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله} [القصص: 73] عقيب ذكر الليل، والنهار بقوله {هو الذي جعل ~~لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا} [يونس: 67] أنه صرف إلى كل ما يليق ~~به ليفيد فائدته، وهو السكون إلى الليل وابتغاء الفضل إلى النهار. # كذا ههنا؛ ولأنه تعالى ذكر أنه " سميع عليم " وكل مسموع معلوم وليس كل ~~معلوم مسموعا؛ لأن السماع لا يكون إلا للصوت، فلو كان الطلاق في الإيلاء ~~بالقول لكان مسموعا، والإيلاء مسموع أيضا فوقعت الكفاية بذكر السميع، فلا ~~يتعلق بذكر العليم فائدة مبتدأة. # ولو كان الأمر على ما قلنا إن الطلاق يقع عند مضي المدة من غير قول يسمع ~~لانصرف ذكر العليم إليه؛ لأن ذلك ليس بمسموع # PageV03P176 # حتى يغني ذكر السميع عن ذكر العليم فيتعلق بذكر العليم فائدة جديدة فكان ~~ما قلناه أولى مع ما أنا لا نسلم أن سماع الطلاق يقف على ذكر الطلاق ~~بحروفه. # ألا ترى أن كنايات الطلاق طلاق، وهي مسموعة، وإن لم يكن الطلاق مسموعا ~~مذكورا بحروفه، وكذا طلاق الأخرس فلم يكن من ضرورة كون الإيلاء طلاقا ~~التلفظ بلفظ الطلاق، فلا يقف سماع صوت الطلاق عليه وقوله: " لفظ الإيلاء لا ~~يدل على الطلاق " ممنوع بل يدل ms1925 عليه شرعا فإن الشرع جعل الإيلاء طلاقا ~~معلقا بشرط البر فيصير الزوج بالإصرار على موجب هذه اليمين معلقا طلاقا ~~بائنا بترك القربان أربعة أشهر كأنه قال: إذا مضت أربعة أشهر ولم أقربك ~~فيها فأنت طالق بائن، عرفنا ذلك بإشارة النص، وهو قوله تعالى {وإن عزموا ~~الطلاق فإن الله سميع عليم} [البقرة: 227] سمى ترك الفيء في المدة عزم ~~الطلاق، وأخبر سبحانه، وتعالى أنه سميع للإيلاء فدل أن الإيلاء السابق يصير ~~طلاقا عند مضي المدة من غير فيء، وبما ذكرنا من المعنى المعقول. # وأما صفته فقد قال أصحابنا: إن الواقع بعد مضي المدة من غير فيء طلاق ~~بائن. # وقال الشافعي: إذا خير بعد انقضاء العدة فاختار الطلاق فهي واحدة رجعية ~~بناء على أصله أن الطلاق بعد مضي المدة يقع بإيقاع مبتدإ، وهو صريح الطلاق ~~فيكون رجعيا. # (ولنا) إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإنه روي عن عثمان، وعبد الله بن ~~مسعود، وعبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: إذا ~~مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة؛ ولأن الطلاق إنما يقع عند مضي المدة دفعا ~~للظلم، فلا يندفع الظلم عنها إلا بالبائن لتتخلص عنه فتتمكن من استيفاء ~~حقها من زوج آخر ولا يتخلص إلا بالبائن؛ ولأن القول بوقوع الطلاق الرجعي ~~يؤدي إلى العبث؛ لأن الزوج إذا أبى الفيء، والتطليق يقدم إلى الحاكم ليطلق ~~عليه الحاكم عنده ثم إذا طلق عليه الحاكم يراجعها الزوج فيخرج فعل الحاكم ~~مخرج العبث، وهذا لا يجوز. # وأما قدره، وهو قدر الواقع من الطلاق في الإيلاء، فالأصل أن الطلاق في ~~الإيلاء يتبع المدة لا اليمين فيتحد باتحاد المدة، ويتعدد بتعددها، وفي قول ~~أصحابنا الثلاثة، وعند زفر يتبع اليمين فيتعدد بتعدد اليمين، ويتحد ~~باتحادها، ولا خلاف في أن المعتبر في حق حكم الحنث هو اليمين فينظر إلى ~~اليمين في الاتحاد، والتعدد لا إلى المدة. # وجه قول زفر أن وقوع الطلاق، ولزوم الكفارة حكم الإيلاء، والإيلاء يمين ~~فيدور الحكم مع اليمين فيتحد باتحادها، ويتعدد بتعددها لأن الحكم يتكرر ms1926 ~~بتكرر السبب، ويتحد باتحاده. # (ولنا) أن الإيلاء إنما اعتبر طلاقا من الزوج لمنعه حقها في الجماع في ~~المدة منعا مؤكدا باليمين إذ به يصير ظالما، والمنع يتحد باتحاد المدة ~~فيتحد الظلم فيتحد الطلاق، ويتعدد بتعددها فيتعدد الظلم فيتعدد الطلاق، ~~فأما الكفارة فإنها تجب لهتك حرمة اسم الله - عز وجل -، والهتك يتعدد بتعدد ~~الاسم، ويتحد باتحاده، وعلى هذا الأصل مسائل: إذا قال لامرأته مرة واحدة: ~~والله لا أقربك، فلم يقربها حتى مضت المدة بانت بتطليقة واحدة، وإن قربها ~~لزمه كفارة واحدة لاتحاد المدة، واليمين جميعا، ولو قال لها في مجلس واحد: ~~والله لا أقربك، والله لا أقربك، والله لا أقربك، فإن عنى به التكرار فهو ~~إيلاء واحد في حق حكم الحنث، والبر جميعا حتى لو مضت أربعة أشهر ولم يقربها ~~بانت بتطليقة واحدة ولو قربها في المدة لا يلزمه إلا كفارة واحدة؛ لأن مثل ~~هذا يذكر للتكرار في العرف، والعادة فإذا نوى به تكرار الأول فقد نوى ما ~~يحتمله كلامه فيصدق فيه، وإن لم تكن له نية فهو إيلاء واحد في حق حكم البر ~~في قول أصحابنا الثلاثة، وثلاث في حق حكم الحنث بالإجماع، حتى لو مضت أربعة ~~أشهر ولم يقربها بانت بتطليقة واحدة في قول أصحابنا الثلاثة ولو قربها في ~~المدة فعليه ثلاث كفارات بالإجماع، وعند زفر هو ثلاث إيلاءات في حق حكم ~~الحنث، والبر جميعا، وينعقد كل إيلاء من حين وجوده، فإذا مضت أربعة أشهر ~~ولم يفئ بتطليقة ثم إذا مضت ساعة بانت بتطليقة أخرى ثم إذا مضت ساعة أخرى ~~بانت بتطليقة واحدة أخرى، وإن قربها في المدة فعليه ثلاث كفارات. # وأصل هذه المسألة أن من قال لامرأته: إذا جاء غد فوالله لا أقربك، قاله ~~ثلاثا فجاء غد يصير موليا في حق حكم البر إيلاء واحدا عندنا، وعنده يصير ~~موليا ثلاث إيلاءات في حق حكم الحنث، وإن أراد به التغليظ، والتشديد فكذا ~~في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف أنه إيلاء واحد في حق حكم البر استحسانا، وعند ~~محمد، وزفر ms1927 هو ثلاث في حق البر، والحنث جميعا، وهو القياس # PageV03P177 # أما زفر فقد مر على أصله أن الحكم لليمين لا للمدة؛ لأن اليمين هي السبب ~~الموجب للحكم وقد تعددت فيتعدد السبب بتعدد الحكم. # وأما وجه القياس لمحمد أن المدة قد اختلفت؛ لأن كل واحدة من هذه الأيمان ~~وجدت في زمان فكانت مدة كل واحدة منهما غير مدة الأخرى فصار كما لو آلى ~~منها ثلاث مرات في ثلاث مجالس. # وجه الاستحسان أن المدد، وإن تعددت حقيقة فهي متعددة حكما لتعذر ضبط ~~الوقت الذي بين اليمينين عند مضي أربعة أشهر فصارت مدة الأيمان كلها مدة ~~واحدة حكما، والثابت حكما ملحق بالثابت حقيقة. # ولو قال: إذا جاء غد فوالله لا أقربك وإذا جاء بعد غد فوالله لا أقربك؛ ~~يصير موليا إيلاءين في حق الحنث، والبر جميعا، إذا جاء غد يصير موليا، وإذا ~~جاء بعد غد يصير موليا إيلاء آخر، وكذلك إذا آلى منها في مجلس، ثم آلى منها ~~في مجلس آخر بأن قال: والله لا أقربك، فمكث يوما ثم قال: والله لا أقربك ~~يصير موليا إيلاءين أحدهما في الحال، والآخر في الغد في حق الحنث، والبر ~~جميعا؛ لأن المدد قد تعددت حقيقة، وحكما لاختلاف ابتداء كل مدة وانتهائها، ~~وإمكان ضبط الوقت الذي بين اليمينين. # ولو قال: كلما دخلت هذه الدار فوالله لا أقربك، أو قال: والله إن دخلت ~~هذه الدار فوالله لا أقربك أو قال: والله لا أقربك كلما دخلت هذه الدار ~~يصير موليا إيلاءين في حق البر، وإيلاء واحدا في حق الحنث فإذا دخل الدار ~~دخلتين ينعقد الإيلاء: الأول عند الدخلة الأولى، والثاني عند الدخلة ~~الثانية، حتى لو مضت أربعة أشهر من وقت الدخلة الأولى بانت بتطليقة، وإذا ~~تمت أربعة أشهر من وقت الدخلة الثانية بانت بتطليقة أخرى. # ولو قربها بعد الدخلتين لا يلزمه إلا كفارة واحدة لتعدد المدة واتحاد ~~اليمين في حكم الحنث، والأصل فيه أن اليمين بالله تعالى متى علقت بشرط ~~متكرر لا يتكرر انعقادها بتكرر الشرط، واليمين بما هو شرط ms1928 وجزاء إذا علقت ~~بشرط متكرر تتكرر بتكرار الشرط. # وقوله: والله لا أقربك - يمين بالله تعالى في حق الحنث، ويمين بالطلاق في ~~حق البر، ودليل هذا الأصل، وبيان فروعه يعرف في الجامع الكبير وكذلك إذا ~~قال: كلما دخلت واحدة من هاتين الدارين فوالله لا أقربك أو قال: كلما كلمت ~~واحدا من هذين الرجلين فوالله لا أقربك، فدخل إحداهما أو كلم أحدهما صار ~~موليا، وإذا دخل مرة أخرى أو كلمه أخرى صار موليا إيلاء آخر في حق حكم ~~البر، وهو إيلاء واحد في حق حكم الحنث والله تعالى أعلم. ### | [فصل في بيان ما يبطل به الإيلاء] # (فصل) : # وأما بيان ما يبطل به الإيلاء فما يبطل به الإيلاء نوعان: نوع يبطل به ~~أصلا في حق الحكمين جميعا، وهو البر، والحنث، ونوع يبطل به في حق أحد ~~الحكمين، وهو حكم البر، ويبقى في حق الحكم الآخر، وهو حكم الحنث، أما الذي ~~يبطل به الإيلاء في حق الحكمين جميعا فشيء واحد، وهو الفيء بالجماع في ~~الفرج في المدة؛ لأنه يحنث به، واليمين لا يبقى بعد الحنث؛ لأن حنث اليمين ~~نقضها، والشيء لا يبقى مع وجود ما ينقضه وأما ما يبطل به في حق حكم البر ~~دون الحنث فشيئان: أحدهما: الفيء بالقول عند استجماع شرائطه التي وصفناها ~~فيبطل به الإيلاء في حق حكم البر حتى لا تبين بمضي المدة لما ذكرنا أن ترك ~~الفيء في المدة شرط وقوع الطلاق بعد مضيها إذ هو عزيمة الطلاق، وأنها شرط ~~بالنص لكنه يبقى في حق حكم الحنث حتى لو فاء إليها بالقول في المدة ثم قدر ~~على الجماع بعد المدة فجامعها تلزمه الكفارة؛ لأن وجوب الكفارة معلق ~~بالحنث. # والحنث هو فعل المحلوف عليه، والمحلوف عليه هو الجماع في الفرج، فلا يحصل ~~الحنث بدونه. # والثاني الطلقات الثلاث حتى لو وقع عليها ثلاث تطليقات بالإيلاء أو طلقها ~~ثلاثا عقيب الإيلاء فتزوجت ثم عادت إليه فمضت أربعة أشهر لم يطأها فيها لا ~~يقع عليها شيء عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر لا يبطل ms1929 بها الإيلاء، ويقع ~~عليها الطلاق بالإيلاء أبدا بناء على أن استيفاء طلاق الملك القائم للحال ~~يبطل اليمين، وعندنا، وعنده لا يبطلها وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم. # ولو آلى منها ولم يفئ إليها حتى مضت أربعة أشهر فبانت منه بتطليقة وانقضت ~~عدتها فتزوجت بزوج آخر ثم عادت إلى الأول عاد حكم الإيلاء بالإجماع، لكن ~~عند أبي حنيفة، وأبي يوسف بثلاث تطليقات، وعند محمد بما بقي بناء على أن ~~الزوج الثاني يهدم الطلقة، والطلقتين عندهما، وعنده لا يهدم. # والمسألة قد مرت ولا يبطل بالإبانة حتى لو آلى منها ثم أبانها قبل مضي ~~المدة ثم تزوجها فمضت المدة من غير فيء تبين بتطليقة # PageV03P178 # أخرى بالإيلاء السابق ولو أبانها ولم يتزوجها حتى مضت المدة، وهي في ~~العدة يقع عليها تطليقة أخرى عندنا، وعند زفر لا يقع وقد مرت المسألة، وهل ~~يبطل بمضي المدة من غير فيء فإن كان الإيلاء مطلقا أو مؤبدا بأن قال: والله ~~لا أقربك أبدا أو قال: والله لا أقربك، ولم يذكر الوقت فمضت أربعة أشهر من ~~غير فيء حتى بانت بتطليقة لا يبطل الإيلاء حتى لو تزوجها فمضت أربعة أشهر ~~أخرى منذ تزوج يقع عليها تطليقة أخرى؛ لأن اليمين عقدت مطلقة أو مؤبدة، ~~والعارض ليس إلا البينونة، وأثرها في زوال الملك، وزوال الملك لا يوجب ~~بطلان اليمين بالطلاق لما عرف أن اليمين إذا انعقدت تبقى لاحتمال الفائدة، ~~واحتمال الفائدة ثابت لاحتمال التزوج؛ فيبقى اليمين، إلا أنه لا بد من ~~الملك لانعقاد المدة الثانية فإذا تزوجها عاد الملك فعاد حقها في الجماع ~~فإذا مضت المدة الثانية من غير فيء إليها فقد منعها حقها فقد ظلمها فيقع ~~تطليقة أخرى جزاء على ظلمه. # وكذا إذا تزوجها بعدما بانت بتطليقة ثانية، ومضت أربعة أشهر أخرى منذ ~~تزوجها تبين بثالثة لما قلنا، فإن تزوجت بزوج آخر ثم تزوجها الأول فمضت ~~أربعة أشهر لم يقربها فيها لا يقع عليها شيء عند أصحابنا الثلاثة خلافا ~~لزفر ولو آلى منها مطلقا أو أبدا فمضت أربعة أشهر ولم يفئ ms1930 إليها حتى بانت ~~ثم لم يتزوجها حتى مضت أربعة أشهر أخرى وهي في العدة لا يقع عليها تطليقة ~~أخرى؛ لأن اليمين قد بطلت بل هي باقية لما بينا إلا أنها مبانة لا تستحق ~~الوطء على الزوج، فلا يصير الزوج بالامتناع عن قربانها في المدة ظالما، ~~ووقوع الطلاق كان لهذا المعنى ولم يوجد، فلا يقع لكن تبقى اليمين، حتى لو ~~تزوجها، ومضت المدة من غير فيء يقع، والأصل أن المدة المنعقدة لا تبطل ~~بالبينونة، وإن كانت لا تنعقد على المبانة على طريق الاستئناف ولو قربها ~~قبل أن يتزوجها فعليه الكفارة؛ لأن اليمين باقية وقد وجد شرط الحنث فيحنث ~~ولو كان الإيلاء مؤقتا إلى وقت معلوم أربعة أشهر أو أكثر فمضت المدة من غير ~~فيء حتى وقع الطلاق لا يبقى الإيلاء، وينتهي حتى لو قربها لا كفارة عليه. # ولو لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر لا يقع عليها شيء؛؛ لأن المؤقت إلى وقت ~~ينتهي عند وجود الوقت ولو حلف على قربان امرأته بعتق عبد له ثم باعه سقط ~~الإيلاء؛ لأنه صار بحال لا يلزمه شيء بقربانها ثم إذا دخل في ملكه بوجه من ~~الوجوه قبل القربان عاد حكم الإيلاء حتى لو تركها أربعة أشهر لم يقربها ~~فيها تبين؛ لأن الجزاء لا يتقيد بالملك القائم للحال كمن قال لعبده: إن ~~دخلت الدار فأنت حر فباعه ثم اشتراه فدخل الدار أنه يعتق ولو دخل في ملكه ~~بعد القربان لا يعود الإيلاء لبطلانه بالقربان، وكذا إذا مات العبد بطل ~~الإيلاء؛ لأن الجزاء صار بحال لا يتصور وجوده فبطلت اليمين. # ولو قال: إن قربتك فعبدي هذان حران، فمات أحدهما أو باع أحدهما لا يبطل ~~الإيلاء؛ لأنه يلزمه بالقربان عتق ولو ماتا جميعا بطل الإيلاء، وكذا لو ~~باعهما جميعا معا أو على التعاقب ولو باعهما ثم دخل أحدهما في ملكه بوجه من ~~الوجوه قبل القربان عاد الإيلاء فيه ثم إذا دخل الآخر في ملكه عاد الإيلاء ~~فيه من وقت دخول الأول؛ لأن العائد عين الأول. # ولو قال ms1931 لامرأته: أنت طالق قبل أن أقربك بشهر، فقربها قبل تمام الشهر من ~~وقت اليمين بطلت اليمين ولو لم يقربها حتى مضى شهر يصير موليا؛ لأن معنى ~~هذا الكلام: إذا مضى شهر لم أقربك فيه فأنت طالق إن قربتك ولو قال ذلك، ~~ومضى شهر لم يقربها فيه لصار موليا لما ذكرنا أن قوله " أنت طالق إن قربتك ~~" إيلاء. # ألا ترى أنه لا يمكنه قربانها من غير شيء يلزمه، وهو الطلاق، وهذا حد ~~المولي فإذا صار موليا فإن قربها بعد ذلك وقع الطلاق؛ لأنه علق الطلاق ~~بالقربان، وإن لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر بانت بتطليقة؛ لأن هذا حكم ~~الإيلاء في حق البر. # ولو قال: أنت طالق ثلاثا قبل أن أقربك ولم يقل " بشهر " لا يصير موليا، ~~ويقع الطلاق من ساعته؛ لأنه أوقع الطلاق في وقت هو قبل القربان، وكما فرغ ~~من كلامه فقد وجد هذا الوقت فيقع، ولو قال: " قبل أن أقربك " يصير موليا؛ ~~لأن قبل الشيء اسم لزمان متقدم عليه مطلقا، وكما فرغ من هذه المقالة فقد ~~وجد زمان متقدم عليه متصل به فما لم يوجد القربان لا يعرف هذا الزمان فكان ~~هذا تعليق الطلاق بالقربان كأنه قال: إن قربتك فأنت طالق، فإن قربها وقع ~~الطلاق بعد القربان بلا فصل، فإن تركها حتى مضت أربعة أشهر بانت بالإيلاء ~~كما لو نص على التعليق بالقربان والله الموفق. # PageV03P179 ### | [فصل في بيان حكم الطلاق] # فصل) : # وأما بيان حكم الطلاق فحكم الطلاق يختلف باختلاف الطلاق من الرجعي، ~~والبائن، ويتعلق بكل واحد منهما أحكام بعضها أصلي، وبعضها من التوابع، أما ~~الطلاق الرجعي فالحكم الأصلي له هو نقصان العدد، فأما زوال الملك، وحل ~~الوطء فليس بحكم أصلي له لازم حتى لا يثبت للحال، وإنما يثبت في الثاني بعد ~~انقضاء العدة، فإن طلقها ولم يراجعها بل تركها حتى انقضت عدتها بانت، وهذا ~~عندنا، وعند الشافعي زوال حل الوطء من أحكامه الأصلية؛ حتى لا يحل له وطؤها ~~قبل الرجعة، وإليه مال أبو عبد الله البصري. # وأما زوال الملك ms1932 فقد اختلف فيه أصحابنا، قال بعضهم: الملك يزول في حق حل ~~الوطء لا غير. # وقال بعضهم: لا يزول أصلا، وإنما يحرم وطؤها مع قيام الملك من كل وجه ~~كالوطء في حالة الحيض، والنفاس. # وجه قوله أن الطلاق واقع للحال، فلا بد، وأن يكون له أثر ناجز، وهو زوال ~~حل الوطء، وزوال الملك في حق الحل وقد ظهر أثر الزوال في الأحكام حتى لا ~~يحل له المسافرة بها، والخلوة، ويزول قسمها، والأقراء قبل الرجعة محسوبة من ~~العدة، ولهذا سمى الله تعالى الرجعة ردا في كتابه الكريم بقوله - عز وجل - ~~{وبعولتهن} [البقرة: 228] أي: أزواجهن {أحق بردهن في ذلك} [البقرة: 228] ، ~~والرد في اللغة عبارة عن إعادة الغائب فيدل على زوال الملك من وجه. # (ولنا) قوله تعالى {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} [البقرة: 228] وقوله ~~تعالى {وبعولتهن} [البقرة: 228] أي: أزواجهن وقوله تعالى هن كناية عن ~~المطلقات. # سماه الله تعالى زوجها بعد الطلاق ولا يكون زوجا إلا بعد قيام الزوجية ~~فدل أن الزوجية قائمة بعد الطلاق والله - سبحانه وتعالى - أحل للرجل وطء ~~زوجته بقوله - عز وجل - {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] {إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] وقوله تعالى ~~{نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] وقوله - عز وجل - ~~{ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها} [الروم: 21] ونحو ~~ذلك من النصوص، والدليل على قيام الملك من كل وجه أنه يصح طلاقه، وظهاره، ~~وإيلاؤه، ويجري اللعان بينهما، ويتوارثان، وهذه أحكام الملك المطلق، وكذا ~~يملك مراجعتها بغير رضاها ولو كان ملك النكاح زائلا من وجه لكانت الرجعة إن ~~شاء النكاح على الحرة من غير رضاها من وجه، وهذا لا يجوز. # وأما قوله: الطلاق واقع في الحال - فمسلم لكن التصرف الشرعي قد يظهر أثره ~~للحال وقد يتراخى عنه كالبيع بشرط الخيار، وكالتصرف الحسي، وهو الرمي، وغير ~~ذلك، فجاز أن يظهر أثر هذا الطلاق بعد انقضاء العدة، وهو زوال الملك، وحرمة ~~الوطء، على أن له أثرا ناجزا، وهو نقصان عدد الطلاق، ms1933 ونقصان حل المحلية، ~~وغير ذلك على ما عرف في الخلافيات. # وأما المسافرة بها فقد قال زفر من أصحابنا: إنه يحل له المسافرة بها قبل ~~الرجعة. # وأما على قول أصحابنا الثلاثة فإنما لا تحل لا لزوال الملك بل لكونها ~~معتدة وقد قال الله تعالى في المعتدات {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا ~~أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق: 1] نهى الرجال عن الإخراج، والنساء عن ~~الخروج فيسقط الزوج العدة بالرجعة؛ لتزول الحرمة ثم يسافر. # وأما الخلوة فإن كان من قصده الرجعة لا يكره، وإن لم يكن من قصده ~~المراجعة يكره، لكن لا لزوال النكاح وارتفاع الحل بل للإضرار بها؛ لأنه إذا ~~لم يكن من قصده استيفاء النكاح بالرجعة فمتى خلا بها يقع بينهما المساس عن ~~شهوة فيصير مراجعا لها ثم يطلقها ثانيا فيؤدي إلى تطويل العدة عليها فتتضرر ~~بذلك، وهو معنى قوله تعالى {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} [البقرة: 231] ، ~~وكذلك القسم؛ لأنه لو ثبت القسم لخلا بها فيؤدي إلى ما ذكرنا إذا لم يكن من ~~قصده أن يراجعها، حتى لو كان من قصده أن يراجعها لكان لها القسم وله الخلوة ~~بها، وإنما احتسبنا الأقراء من العدة لانعقاد الطلاق سببا لزوال الملك، ~~والحل للحال على وجه يتم عليه عند انقضاء العدة، وهو الجواب عن قوله: إن ~~الله تعالى سمى الرجعة ردا؛ لأنه يجوز إطلاق اسم الرد عند انعقاد سبب زوال ~~الملك بدون الزوال كما في البيع بشرط خيار المتعاقدين أنه يطلق اسم الرد ~~عند اختيار الفسخ، وإن لم يزل الملك عن البائع ولم يثبت للمشتري؛ لانعقاد ~~سبب الزوال بدون الزوال، ويكون الرد فسخا للسبب، ومنعا له عن العمل في ~~إثبات الزوال. # كذا ههنا. # ويستحب لها أن تتشوف، وتتزين؛ لأن الزوجية قائمة من كل وجه، ويستحب لها ~~ذلك لعل زوجها يراجعها، وعلى هذا يبنى حق الرجعة أنه ثابت للزوج بالإجماع ~~سواء كان الطلاق واحدا أو اثنين، أما عندنا فلقيام الملك من كل وجه، وأما ~~عنده فلقيامه فيما وراء حل الوطء. ### | [الرجعة] ### | [بيان شرعية الرجعة] # ثم ms1934 الكلام في الرجعة في # PageV03P180 # مواضع: في بيان شرعية الرجعة، وفي بيان ماهيتها، وفي بيان ركنها، وفي ~~بيان شرائط جواز الركن: أما الأول فالرجعة مشروعة عرفت شرعيتها بالكتاب، ~~والسنة، والإجماع، والمعقول؛ أما الكتاب العزيز فقوله تعالى {وبعولتهن أحق ~~بردهن} [البقرة: 228] أي: رجعتهن وقوله تعالى {وإذا طلقتم النساء فبلغن ~~أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف} [البقرة: 231] وقوله تعالى ~~{الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] ، والإمساك ~~بالمعروف هو الرجعة. # وأما السنة فما روينا عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - لما طلق ~~امرأته في حالة الحيض «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر - رضي ~~الله عنه - مر ابنك يراجعها» الحديث، وروي «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لما طلق حفصة - رضي الله عنها - جاءه جبريل - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال له: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة فراجعها» ، وكذا روي أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - طلق سودة بنت زمعة - رضي الله عنها - ثم راجعها، وعليه ~~الإجماع. # وأما المعقول؛ فلأن الحاجة تمس إلى الرجعة؛ لأن الإنسان قد يطلق امرأته ~~ثم يندم على ذلك على ما أشار الرب - سبحانه، وتعالى جل جلاله - بقوله: {لا ~~تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] فيحتاج إلى التدارك فلو لم ~~تثبت الرجعة لا يمكنه التدارك لما عسى لا توافقه المرأة في تجديد النكاح ~~ولا يمكنه الصبر عنها فيقع في الزنا. ### | [بيان ماهية الرجعة] # وأما بيان ماهية الرجعة فالرجعة عندنا: استدامة الملك القائم، ومنعه من ~~الزوال، وفسخ السبب المنعقد لزوال الملك، وعند الشافعي: هي استدامة من وجه، ~~وإنشاء من وجه بناء، على أن الملك عنده قائم من وجه، زائل من وجه، وهو ~~عندنا قائم من كل وجه، وعلى هذا ينبني أن الشهادة ليست بشرط لجواز الرجعة ~~عندنا، وعنده شرط وجه البناء أن الشهادة شرط ابتداء العقد، وإنشائه لا شرط ~~البقاء، والرجعة استيفاء العقد عندنا، فلا يشترط له الشهادة، وعنده هي ~~استيفاء من وجه، وإنشاء من وجه فيشترط لها الشهادة من حيث هي إن شاء لا ms1935 من ~~حيث هي استيفاء فصح البناء، ثم الكلام فيه على وجه الابتداء احتج الشافعي ~~بقوله تعالى {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} [الطلاق: ~~2] فظاهر الأمر وجوب العمل فيقتضي وجوب الشهادة. # ولنا نصوص الرجعة من الكتاب، والسنة مطلقة عن شرط الإشهاد إلا أنه يستحب ~~الإشهاد عليها إذ لو لم يشهد لا يأمن من أن تنقضي العدة، فلا تصدقه المرأة ~~في الرجعة، ويكون القول قولها بعد انقضاء العدة فندب إلى الإشهاد لهذا. # وعلى هذا تحمل الآية الكريمة، وفي الآية ما يدل عليه؛ لأنه - سبحانه، ~~وتعالى - قال: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} ~~[الطلاق: 2] جمع بين الفرقة، والرجعة، أمر سبحانه بالإشهاد بقوله {وأشهدوا ~~ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] ، ومعلوم أن الإشهاد على الفرقة ليس بواجب بل هو ~~مستحب. # كذا على الرجعة أو تحمل على هذا توفيقا بين النصوص بقدر الإمكان، وكذا لا ~~مهر في الرجعة ولا يشترط فيها رضا المرأة؛ لأنها من شرائط ابتداء العقد لا ~~من شرط البقاء، وكذا إعلامها بالرجعة ليس بشرط حتى لو لم يعلمها بالرجعة ~~جازت؛ لأن الرجعة حقه على الخلوص لكونه تصرفا في ملكه بالاستيفاء، ~~والاستدامة، فلا يشترط فيه إعلام الغير كالإجازة في الخيار لكنه مندوب ~~إليه، ومستحب؛ لأنه إذا راجعها ولم يعلمها بالرجعة فمن الجائز أنها تتزوج ~~عند مضي ثلاث حيض ظنا منها أن عدتها قد انقضت، فكان ترك الإعلام فيه تسببا ~~إلى عقد حرام عسى فاستحب له أن يعلمها. # ولو راجعها ولم يعلمها حتى انقضت مدة عدتها، وتزوجت بزوج آخر ثم جاء ~~زوجها الأول فهي امرأته سواء كان دخل بها الثاني أو لم يدخل، ويفرق بينها، ~~وبين الثاني؛ لأن الرجعة قد صحت بدون علمها فتزوجها الثاني، وهي امرأة ~~الأول فلم يصح،، وعلى هذا تبنى الرجعة بالفعل بأن جامعها أنها جائزة عندنا، ~~وعند الشافعي لا يجوز الرجعة إلا بالقول وجه البناء على هذا الأصل أن ~~الرجعة عنده إنشاء النكاح من وجه، وإنشاء النكاح من كل وجه لا يجوز إلا ~~بالقول، فكذا إنشاؤه من وجه، ms1936 وعندنا هي استدامة النكاح من كل وجه، فلا تختص ~~بالقول، ويبنى أيضا على حل الوطء، وحرمته. # وجه البناء أن الوطء لما كان حلالا عندنا فإذا وطئها فلو لم يجعل الوطء ~~دلالة الرجعة، وربما لا يراجعها بالقول بل يتركها حتى تنقضي عدتها فيزول ~~الملك عند انقضاء العدة بالطلاق السابق؛ لأنه لا فعل منه إلا ذلك فيزول ~~الملك مستندا إلى وقت وجود الطلاق فتبين أن الملك كان زائلا من وقت الطلاق ~~من وجه، فيظهر أن الوطء كان حراما، فجعل الإقدام على الوطء دلالة الرجعة ~~صيانة له عن الحرام # PageV03P181 # وعنده لما كان الوطء حراما لا يقدم عليه، فلا ضرورة إلى جعله دلالة ~~الرجعة ثم ابتداء الدليل في المسألة قوله تعالى {وبعولتهن أحق بردهن} ~~[البقرة: 228] سمى الرجعة ردا، والرد لا يختص بالقول كرد المغصوب، ورد ~~الوديعة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «على اليد ما أخذت حتى ترده» ~~وقوله تعالى {فأمسكوهن بمعروف} [الطلاق: 2] وقوله - عز وجل - {فإمساك ~~بمعروف} [البقرة: 229] سمى الرجعة إمساكا، والإمساك حقيقة يكون بالفعل، ~~وكذا إن جامعته، وهو نائم أو مجنون؛ لأن ذلك حلال لها عندنا فلو لم يجعل ~~رجعة لصارت مرتكبة للحرام على تقدير انقضاء العدة من غير رجعة من الزوج ~~فجعل ذلك منها رجعة شرعا ضرورة التحرز عن الحرام؛ ولأن جماعها كجماعه لها ~~في باب التحريم، فكذا في باب الرجعة. # وكذلك إذا لمسها لشهوة أو نظر إلى فرجها عن شهوة فهو مراجع لما قلنا، وإن ~~لمس أو نظر لغير شهوة لم يك رجعة؛ لأن ذلك حلال في الجملة. # ألا ترى أن القابلة، والطبيب ينظران إلى الفرج، ويمس الطبيب عند الحاجة ~~إليه بغير شهوة، فلا ضرورة إلى جعله رجعة، وكذلك إذا نظر إلى غير الفرج ~~لشهوة؛ لأن ذلك أيضا مباح في الجملة. # ويكره التقبيل، واللمس لغير شهوة إذا لم يرد به المراجعة، وكذا يكره أن ~~يراها متجردة لغير شهوة. # كذا قال أبو يوسف؛ لأنه لا يأمن من أن يشتهي فيصير مراجعا من غير إشهاد، ~~وذلك مكروه، وكذا لا يأمن من الإضرار ms1937 بها لجواز أن يشتهي فيصير به مراجعا، ~~وهو لا يريد إمساكها فيطلقها فتطول العدة عليها فتتضرر به والله تعالى نهى ~~عن ذلك بقوله {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} [البقرة: 231] ، وكذا قال أبو ~~يوسف أن الأحسن إذا دخل عليها أن يتنحنح، ويسمعها خفق نعليه ليس من أجل ~~أنها حرام ولكن لا يأمن من أن يرى الفرج بشهوة فيكون رجعة بغير إشهاد، وهذه ~~عبارة أبي يوسف ولو نظر إلى دبرها موضع خروج الغائط بشهوة لم يكن ذلك رجعة ~~كذا ذكر في الزيادات، وهو قول محمد الأخير، وكان يقول أولا إنه يكون رجعة ~~ثم رجع، حكى إبراهيم بن رستم رجوعه، وهو قياس قول أبي حنيفة؛ لأن ذلك ~~السبيل لا يجري مجرى الفرج. # ألا ترى أن الوطء فيه لا يوجب الحد عنده فكان النظر إليه كالنظر إلى سائر ~~البدن؛ ولأن النظر إلى الفرج بشهوة إنما كان رجعة لكون الوطء حلالا تقريرا ~~للحل صيانة عن الحرام، والنظر إلى هذا المحل عن شهوة مما لا يحتمل الحل ~~بحال كما أن الفعل فيه لا يحتمل الحل بحال، فلا يصلح دليلا على الرجعة. # ولو نظرت إلى فرجه بشهوة قال أبو يوسف: قياس قول أبي حنيفة أن يكون رجعة، ~~وهذا قبيح ولا يكون رجعة، وكذا قال أبو يوسف، والصحيح قياس قول أبي حنيفة ~~لما ذكرنا فيما إذا جامعته، وهو نائم أو مجنون؛ ولأن النظر حلال لها كالوطء ~~فيجعل رجعة تقريرا للحل وصيانة عن الحرمة؛ ولأن النظرين يستويان في ~~التحريم. # ألا ترى أن نظرها إلى فرجه كنظره إلى فرجها في التحريم فكذا في الرجعة. # ولو لمسته لشهوة مختلسة أو كان نائما أو اعترف الزوج أنه كان بشهوة فهو ~~رجعة في قول أبي حنيفة، ومحمد. # وقال أبو يوسف ليس برجعة فأبو حنيفة سوى بينها، وبين الجارية المشتراة ~~بشرط الخيار للمشتري إذا لمست المشتري أنه يبطل خياره، ومحمد فرق بينهما ~~فقال: ههنا يكون رجعة، وهناك لا يكون إجازة للبيع، وعن أبي يوسف في الجارية ~~روايتان: في رواية فرق فقال: ثمة يكون إجازة للبيع، ms1938 وههنا لا يكون رجعة، ~~وفي رواية سوى بينهما فقال: فعلها لا يكون رجعة ههنا ولا فعل الأمة يكون ~~إجازة ثمة، فعلى هذه الرواية لا يحتاج إلى الفرق بين المسألتين، ووجه الفرق ~~له على الرواية الأخرى أن بطلان الخيار لا يقف على فعل المشتري بل قد يبطل ~~بغير فعله كما إذا تعيبت في يده بآفة سماوية، فأما الرجعة، فلا يجوز أن ~~تثبت إلا باختيار الزوج حتى قال أبو يوسف: إنها إذا لمسته فتركها، وهو يقدر ~~على منعها كان ذلك رجعة؛ لأنه لما مكنها من اللمس فقد حصل ذلك باختياره ~~فصار كأنه لمسها، وكذلك قال أبو يوسف: إذا ابتدأت اللمس، وهو مطاوع لها أنه ~~يكون رجعة لما قلنا، ووجه الفرق لمحمد أن إسقاط الخيار إدخال الشيء في ملك ~~المشتري، والأمة لا تملك ذلك وليست الرجعة إدخال المرأة على ملك الزوج؛ ~~لأنها على ملكه فلو جعلناه بفعلها لم تملكه ما لم يكن ملكا له فصحت الرجعة، ~~ولأبي حنيفة على نحو ما ذكرنا، وهو أن اللمس حلال من الجانبين عندنا فلزم ~~تعذر الحل فيه، وصيانته عن الحرمة، وذلك يجعله رجعة على ما سبق بيانه كما ~~قال في الجارية إن اللمس منها لو لم يجعل إجازة للبيع، وربما يفسخ فيتبين ~~أن اللمس حصل في ملك الغير من وجه، وما # PageV03P182 # ذكره أبو يوسف أن الرجعة لا تعتبر بغير اختيار الزوج يشكل بما إذا ~~جامعته، وهو نائم أنه تثبت الرجعة من غير اختيار الزوج، وما ذكر محمد أن ~~إسقاط الخيار إدخال المبيع في ملك المشتري وليس بممنوع بل المبيع يدخل في ~~ملكه بالسبب السابق عند سقوط الخيار على أن هذا فرقا بين المسألتين فيما ~~وراء المعنى المؤثر، والفرق بين المسألتين فيما وراء المعنى المؤثر لا يقدح ~~في الجمع بينهما في المعنى المؤثر. # قال محمد: ولو صدقها الورثة بعد موته أنها لمسته بشهوة لكان ذلك رجعة؛ ~~لأن الورثة قاموا مقامه فكأنه صدقها قبل موته، ولو شهد الشهود أنها قبلته ~~لشهوة لم تقبل شهادتهم؛ لأن الشهوة معنى في القلب ms1939 لا يقف عليه الشهود، فلا ~~تقبل شهادتهم فيه، وإن شهدوا على الجماع قبلت؛ لأن الجماع معنى يوقف عليه، ~~ويشاهد ولا يحتاج إلى شرط الشهوة فتقبل فيه الشهادة. ### | [ركن الرجعة] # وأما ركن الرجعة فهو قول أو فعل يدل على الرجعة: أما القول فنحو أن يقول ~~لها: راجعتك أو رددتك أو رجعتك أو أعدتك أو راجعت امرأتي أو راجعتها أو ~~رددتها أو أعدتها، ونحو ذلك؛ لأن الرجعة رد، وإعادة إلى الحالة الأولى، ولو ~~قال لما نكحتك أو تزوجتك كان رجعة في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي حنيفة أنه لا يكون رجعة؛ وجه هذه الرواية أن النكاح بعد ~~الطلاق الرجعي قائم من كل وجه فكان قوله: نكحتك إثبات الثابت، وأنه محال ~~فلم يكن مشروعا فكان ملحقا بالعدم شرعا فلم يكن رجعة بخلاف قوله راجعتك؛ ~~لأن ذلك ليس بإثبات النكاح بل هو استيفاء النكاح الثابت، وأنه محل ~~للاستيفاء؛ لأنه انعقد سبب زواله، والرجعة فسخ السبب، ومنع له عن العمل ~~فيصح. # وجه ظاهر الرواية أن النكاح، وإن كان ثابتا حقيقة لكن المحل لا يحتمل ~~الإثبات فيجعل مجازا عن استيفاء الثابت لما بينهما من المشابهة تصحيحا ~~لتصرفه بقدر الإمكان وقد قيل في أحد تأويلي قوله تعالى {وبعولتهن أحق بردهن ~~في ذلك} [البقرة: 228] أي: أزواجهن أحق بنكاحهن في العدة من غيرهم من ~~الرجال، والنكاح المضاف إلى المطلقة طلاقا رجعيا فدل على ثبوت الرجعية ~~بالنكاح. # وأما الفعل الدال على الرجعة فهو أن يجامعها أو يمس شيئا من أعضائها ~~لشهوة أو ينظر إلى فرجها عن شهوة أو يوجد شيء من ذلك ههنا على ما بينا،، ~~ووجه دلالة هذه الأفعال على الرجعة ما ذكرنا فيما تقدم، وهذا عندنا، فأما ~~عند الشافعي، فلا تثبت الرجعة إلا بالقول بناء على أصل ما ذكرناه والله - ~~عز وجل - أعلم. ### | [فصل في شرائط جواز الرجعة] # (فصل) : # وأما شرائط جواز الرجعة فمنها قيام العدة، فلا تصح الرجعة بعد انقضاء ~~العدة؛ لأن الرجعة استدامة الملك، والملك يزول بعد انقضاء العدة، فلا تتصور ~~الاستدامة إذ الاستدامة للقائم لصيانته ms1940 عن الزوال لا للمزيل كما في البيع ~~بشرط الخيار للبائع إذا مضت مدة الخيار أنه لا يملك استيفاء الملك في ~~المبيع بزوال ملكه بمضي المدة. # كذا هذا، ولو طهرت عن الحيضة الثالثة ثم راجعها فهذا على وجهين: إن كانت ~~أيامها في الحيض عشرا لا تصح الرجعة، وتحل للأزواج بمجرد انقطاع العدة؛ لأن ~~انقضاءها بانقضاء الحيضة الثالثة وقد انقضت بيقين لانقطاع دم الحيض بيقين ~~إذ لا مزيد للحيض على عشرة. # ألا ترى أنها إذا رأت أكثر من عشرة لم يكن الزائد على العشرة حيضا فتيقنا ~~بانقضاء العدة. # ولا رجعة بعد انقضاء العدة، وإن كانت أيامها دون العشرة فإن كانت تجد ماء ~~فلم تغتسل ولا تيممت وصلت به ولا مضى عليها وقت كامل من أوقات أدنى الصلوات ~~إليها لا تنقطع الرجعة ولا تحل للأزواج، وهذا عندنا. # وقال الشافعي لا أعرف بعد الأقراء معنى معتبرا في انقضاء العدة، وهذا ~~خلاف الكتاب العزيز، والسنة، وإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -: أما الكتاب ~~فقوله - عز وجل - {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] أي: يغتسلن. # وأما السنة فما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الزوج أحق ~~برجعتها ما دامت في مغتسلها» . # وروي «ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة» ، وأما إجماع الصحابة - رضي الله ~~عنهم - فإنه روى علقمة عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: كنت ~~عند عمر - رضي الله عنه - فجاء رجل وامرأة فقال الرجل: زوجتي طلقتها ~~وراجعتها فقالت: ما يمنعني ما صنع أن أقول ما كان، إنه طلقني، وتركني حتى ~~حضت الحيضة الثالثة وانقطع الدم، وغلقت بابي، ووضعت غسلي، وخلعت ثيابي فطرق ~~الباب فقال قد راجعتك، فقال عمر - رضي الله عنه -: قل فيها يا ابن أم عبد ~~فقلت: أرى أن الرجعة قد صحت ما لم تحل لها الصلاة، فقال عمر: لو قلت غير ~~هذا لم أره صوابا # PageV03P183 # وروي عن مكحول أن أبا بكر، وعمر، وعليا وابن مسعود، وأبا الدرداء، وعبادة ~~بن الصامت، وعبد الله بن قيس الأشعري - رضي الله عنهم - كانوا ms1941 يقولون في ~~الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين إنه أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة ~~الثالثة، ترثه، ويرثها ما دامت في العدة، فاتفقت الصحابة - رضي الله عنهم - ~~على اعتبار الغسل فكان قوله مخالفا للحديث، وإجماع الصحابة، فلا يعتد به. # ولأن أيامها إذا كانت أقل من عشرة لم تستيقن بانقطاع دم الحيض لاحتمال ~~المعاودة في أيام الحيض، إذ الدم لا يدر درا واحدا ولكنه يدر مرة، وينقطع ~~أخرى فكان احتمال العود قائما، والعائد يكون دم حيض إلى العشرة فلم يوجد ~~انقطاع دم الحيض بيقين، فلا يثبت الطهر بيقين فتبقى العدة؛ لأنها كانت ~~ثابتة بيقين،، والثابت بيقين لا يزول بالشك كمن استيقن بالحدث، وشك في ~~الطهارة بخلاف ما إذا كانت أيامها عشرا؛ لأنه هناك لا يحتمل عود دم الحيض ~~بعد العشرة إذ العشرة أكثر الحيض فتيقنا بانقطاع دم الحيض فيزول الحيض ~~ضرورة، ويثبت الطهر، وههنا بخلافه على ما بينا، والشافعي بنى قوله في هذا ~~على أصله أن العدة تنقضي بالأطهار لا بالحيض فإذا طعنت في أول الحيضة ~~الثالثة فقد انقضت العدة من غير حاجة إلى شيء آخر، ويستدل على بطلان هذا ~~الأصل في موضعه إن شاء الله تعالى فيبطل الفرع ضرورة، وإذا اغتسلت انقطعت ~~الرجعة؛ لأنه ثبت لها حكم من أحكام الطاهرات، وهو إباحة أداء الصلاة إذ لا ~~يباح أداؤها للحائض فتقرر الانقطاع بقرينة الاغتسال فتنقطع الرجعة،، وكذا ~~إذا لم تغتسل لكن مضى عليها وقت الصلاة تنقطع الرجعة؛ لأنه لما مضى عليها ~~وقت الصلاة صارت الصلاة دينا في ذمتها، وهذا من أحكام الطاهرات إذ لا تجب ~~الصلاة على الحائض، فلا تصير دينا عليها فاستحكم الانقطاع بهذه القرينة ~~فانقطعت الرجعة، وكذلك إذا لم تجد الماء بأن كانت مسافرة فتيممت وصلت؛ لأن ~~صحة الصلاة حكم من أحكام الطاهرات إذ لا صحة لها مع قيام الحيض فقد يضاف ~~إلى الانقطاع حكم من أحكام الطاهرات فاستحكم الانقطاع فتنقطع الرجعة فأما ~~إذا تيممت ولم تصل فهل تنقطع الرجعة؟ اختلف فيه أصحابنا: قال أبو حنيفة، ~~وأبو يوسف: ms1942 لا تنقطع. # وقال محمد: تنقطع. # (وجه) قوله أنها لما تيممت فقد ثبت لها حكم من أحكام الطاهرات، وهو إباحة ~~الصلاة، فلا يبقى الحيض ضرورة كما لو اغتسلت أو تيممت وصلت به. # (وجه) قولهما على نحو ما ذكرنا أن أيامها إذا كانت دون العشرة لم تستيقن ~~بانقضاء عدتها بنفس انقطاع الدم من غير قرينة تنضم إليه لاحتمال أن يعاودها ~~الدم في العشرة فتبين أنها حائض، والحيض كان ثابتا بيقين، فلا يحكم بزواله ~~إلا عند وجود الطهر بيقين ولم يوجد، وبقرينة التيمم لا تصير في حكم ~~الطاهرات بيقين؛ لأنه ليس بطهور حقيقة، وإنما جعل طهورا شرعا عند عدم الماء ~~لقوله تعالى {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة: 6] والدليل عليه ~~أنها لو رأت الماء قبل الشروع في الصلاة أو بعدما شرعت فيها قبل الفراغ ~~منها بطل تيممها فكان التيمم طهارة مطلقة شرعا لكن حال عدم الماء واحتمال ~~وجود الماء في كل ساعة قائم، فكان احتمال عدم الطهورية ثابتا فلم توجد ~~الطهارة الحاصلة بيقين فتبقى نجاسة الحيض إلا أنه أبيح لها أداء الصلاة به ~~لعدم الماء في الحالين من حيث الظاهر مع احتمال الوجود فإذا لم تجد الماء ~~وصلت به، وفرغت من الصلاة فقد استحكم العدم فاستحكمت الطهارة الحاصلة ~~بالتيمم، فلا يبقى الحيض، فأما قبل ذلك فاحتمال عدم الطهارة ثابت لاحتمال ~~وجود الماء، فلا يكون طهارة شرعا بيقين بل مع الاحتمال فيبقى حكم الحيض ~~الثابت بيقين، بخلاف الاغتسال؛ لأنه طهارة بيقين لكون الماء طهورا مطلقا ~~فإذا ثبتت الطهارة بيقين انتفى الحيض ضرورة؛ لأنه ضدها بخلاف التيمم على ما ~~بيناه، وبخلاف ما إذا مضى عليها وقت كامل من أوقات الصلاة؛ لأن الصلاة صارت ~~دينا في ذمتها بيقين فقد ثبت في حقها حكم من أحكام الطاهرات بيقين، فلا ~~يبقى الحيض بيقين فتنقضي العدة بيقين ولو اغتسلت بسؤر الحمار انقطعت الرجعة ~~بنفس الاغتسال بالإجماع ولكنها لا تحل للأزواج؛ لأن سؤر الحمار مشكوك فيه ~~إما في طهوريته أو في طهارته على اختلافهم في ذلك، فإن كان ذلك ms1943 طاهرا أو ~~طهورا انقطعت الرجعة، وتحل للأزواج لانقضاء العدة لتقرر الانقطاع ~~بالاغتسال، وإن لم يكن أو كان طاهرا غير طهور لا تنقطع الرجعة ولا تحل ~~للأزواج فإذا وقع الشك لزم الاحتياط في ذلك كله، وذلك فيما قلنا، وهو أن ~~تنقطع الرجعة ولا تحل للأزواج أخذا بالثقة في الحكمين احترازا عن الحرمة في ~~البابين ولا # PageV03P184 # تصلي بذلك الغسل ما لم تتيمم، ولو اغتسلت المعتدة وبقي من بدنها شيء لم ~~يصبه الماء فالباقي لا يخلو أما إن كان عضوا كاملا. # وأما إن كان أقل من عضو فإن كان عضوا كاملا فله الرجعة، وإن كان أقل من ~~عضو، فلا رجعة له، ثم اختلف أبو يوسف، ومحمد فقال أبو يوسف: قوله: لا رجعة ~~له في الأقل هذا استحسان، والقياس أن يكون له فيه الرجعة، فمحمد قاس ~~المتروك إذا كان عضوا على ترك المضمضة، والاستنشاق. # وقال - رحمه الله -: هناك تنقطع الرجعة، والقياس عليه أن تنقطع هنا أيضا ~~إلا أنهم استحسنوا وقالوا لا تنقطع الرجعة؛ لأن العضو الكامل مجمع على وجوب ~~غسله، وهو مما لا يتغافل عنه عادة فتنقطع الرجعة كما لو كان المتروك زائدا ~~على عضو بخلاف المضمضة، والاستنشاق؛ لأن ذلك غير مجمع على وجوبه، مجتهد ~~فيه،، وأبو يوسف يقول: المتروك، وإن قل فحكم الحدث باق. # ألا ترى أنه لا تباح معه، وإن قل، ومع بقاء الحدث لا تثبت الطهارة، وهذا ~~يوجب التسوية بين القليل والكثير إلا أنهم استحسنوا في القليل، وهو ما دون ~~العضو فقالوا: إنه تنقطع الرجعة فيه؛ لأن هذا القدر مما يتغافل عنه عادة، ~~ويحتمل أيضا أنه أصابه الماء ثم جف فيحكم بانقطاع الرجعة فيه، ويبقى الأمر ~~في العضو التام على أصل القياس واختلفت الرواية عن أبي يوسف في المضمضة، ~~والاستنشاق روي عنه أنه تنقطع الرجعة، وروي عنه أيضا أنه لا تنقطع الرجعة. # وقال محمد: تبين من زوجها ولكنها لا تحل للأزواج. # وجه قوله هو إحدى الروايتين عن أبي يوسف في انقطاع الرجعة أن وجوب ~~المضمضة، والاستنشاق مختلف فيه، وموضع الاجتهاد موضع ms1944 تعارض الأدلة، فلا ~~يخلو عن الشك، والشبهة، والرجعة يسلك بها مسلك الاحتياط، فلا يجوز بقاؤها ~~بالشك فينقطع ولا يجوز إثبات حال التزوج بالشك أيضا، لذلك لم يجزه محمد. # وجه الرواية الأخرى لأبي يوسف أن الحديث قد بقي في عضو كامل فتبقى ~~الرجعة، هذا إذا كانت المطلقة مسلمة، فأما إذا كانت كتابية فقد قالوا: إن ~~الرجعة تنقطع عنها بنفس انقطاع الدم؛ لأنها غير مخاطبة بالغسل ولا يلزمها ~~فرض الغسل كالمسلمة إذا اغتسلت. # (ومنها) عدم التطليق بشرط، والإضافة إلى وقت في المستقبل حتى لو قال ~~الزوج بعد الطلاق إن دخلت الدار فقد راجعتك، أو راجعتك إن دخلت الدار، أو ~~إن كلمت زيدا أو إذا جاء غد فقد راجعتك غدا أو رأس شهر كذا لم تصح الرجعة ~~في قولهم جميعا؛ لأن الرجعة استيفاء ملك النكاح، فلا يحتمل التعليق بشرط، ~~والإضافة إلى وقت في المستقبل كما لا يحتملها إنشاء الملك؛ ولأن الرجعة ~~تتضمن انفساخ الطلاق في انعقاده سببا لزوال الملك، ومنعه عن عمله في ذلك ~~فإذا علقها بشرط أو أضافها إلى وقت في المستقبل فقد استبقى الطلاق إلى ~~غاية، واستبقاء الطلاق إلى غاية يكون تأبيدا له إذ هو لا يحتمل التوقيت كما ~~إذا قال لامرأته أنت طالق يوما أو شهرا أو سنة أنه لا يصح التوقيت، ويتأبد ~~الطلاق، فلا تصح الرجعة، هذا إذا أنشأ الرجعة، فأما إذا أخبر عن الرجعة في ~~الزمن الماضي بأن قال: كنت راجعتك أمس فإن صدقته المرأة فقد ثبتت الرجعة، ~~سواء قال ذلك في العدة أو بعد انقضاء العدة بعد أن كانت المرأة في العدة ~~أمس. # وإن كذبته فإن قال ذلك في العدة فالقول قوله؛ لأنه أخبر عما يملك إن شاءه ~~في الحال؛ لأن الزوج يملك الرجعة في الحال، ومن أخبر عن أمر يملك إن شاءه ~~في الحال يصدق فيه. # إذ لو لم يصدق ينشئه للحال، فلا يفيد التكذيب فصار كالوكيل قبل العزل إذا ~~قال بعته أمس، وإن قال بعد انقضاء العدة فالقول قولها؛ لأنه أخبر عما لا ~~يملك إنشاءه ms1945 في الحال؛ لأنه لا يملك الرجعة بعد انقضاء العدة فصار كالوكيل ~~بعد العزل إذا قال قد بعت، وكذبه الموكل ولا يمين عليها في قول أبي حنيفة، ~~وعند أبي يوسف، ومحمد تستحلف. # وهذه من المسائل المعدودة التي لا يجري فيها الاستحلاف عند أبي حنيفة ~~نذكرها في كتاب الدعوى فإن أقام الزوج بينة قبلت بينته، وتثبت الرجعة؛ لأن ~~الشهادة قامت على الرجعة في العدة فتسمع ولو كانت المطلقة أمة الغير فقال ~~زوجها - بعد انقضاء العدة - كنت راجعتك، وكذبته الأمة وصدقه المولى فالقول ~~قولها عند أبي حنيفة ولا تثبت الرجعة، وعندهما القول قول الزوج، والمولى، ~~وتثبت الرجعة؛ لأنها ملك المولى،، ولأبي حنيفة أن انقضاء عدتها إخبار منها ~~عن حيضها، وذلك إليها لا إلى المولى كالحرة، فإن قال الزوج لها: قد راجعتك، ~~فقالت - مجيبة له: قد انقضت عدتي فالقول قولها عند أبي حنيفة مع يمينها. # وقال أبو يوسف، ومحمد: القول قول الزوج،، وأجمعوا على أنها لو سكتت # PageV03P185 # ساعة ثم قالت: انقضت عدتي - يكون القول قول الزوج، ولا خلاف أيضا في أنها ~~إذا بدأت فقالت: انقضت عدتي فقال الزوج - مجيبا لها موصولا بكلامها: راجعتك ~~يكون القول قولها؛ وجه قولهما أن قول الزوج راجعتك وقع رجعة صحيحة لقيام ~~العدة من حيث الظاهر فكان القول قول المرأة انقضت عدتي إخبارا عن انقضاء ~~العدة ولا عدة لبطلانها بالرجعة، فلا يسمع، كما لو سكتت ساعة ثم قالت: ~~انقضت عدتي؛ ولأن قولها " انقضت عدتي " إن كان إخبارا عن انقضاء العدة في ~~زمان متقدم على قول الزوج - لا يقبل منها بالإجماع، كما لو أسندت الخبر عن ~~الانقضاء إليه نصا بأن قالت: كانت عدتي قد انقضت قبل رجعتك؛ لأنها متهمة في ~~التأخير في الإخبار، وإن كان ذلك إخبارا عن انقضاء العدة في زمان مقارن ~~لقول الزوج فهذا نادر، فلا يقبل قولها. # ، ولأبي حنيفة أن المرأة أمينة في إخبارها عن انقضاء العدة فإن الشرع ~~ائتمنها في هذا الباب؛ قال الله تعالى {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله ~~في أرحامهن إن كن ms1946 يؤمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: 228] قيل في التفسير: ~~إنه الحيض، والحبل نهاهن - سبحانه، وتعالى - عن الكتمان، والنهي عن الكتمان ~~أمر بالإظهار، إذ النهي عن الشيء أمر بضده، والأمر بالإظهار أمر بالقبول ~~لتظهر فائدة الإظهار فلزم قبول قولها، وخبرها بانقضاء العدة، ومن ضرورة ~~قبول الإخبار بانقضاء العدة حلها للأزواج، ثم إن كانت عدتها انقضت قبل قول ~~الزوج راجعتك - فقوله راجعتك يقع بعد انقضاء عدتها، فلا يصح، وإن كانت ~~انقضت حال قوله راجعتك فيقع حال قوله راجعتك حال انقضاء العدة، وكما لا تصح ~~الرجعة بعد انقضاء العدة لا تصح حال انقضائها؛ لأن العدة حال انقضائها ~~منقضية فكان ذلك رجعة لمنقضية العدة، فلا تصح، فإن قيل يحتمل أنها انقضت ~~حال إخبارها عن الانقضاء، وإخبارها متأخر عن قوله راجعتك فكان انقضاء العدة ~~متأخرا عنه ضرورة فتصح الرجعة فالجواب إذا احتمل ما قلنا واحتمل ما قلتم ~~وقع الشك في صحة الرجعة،، والأصل أن ما لم يكن ثابتا إذا وقع الشك في ثبوته ~~- لا يثبت مع الشك، والاحتمال خصوصا فيما يحتاط فيه ولا سيما إذا كان جهة ~~الفساد آكد، وههنا جهة الفساد آكد؛ لأنها تصح من وجه، وتفسد من وجهين ~~فالأولى أن لا يصح والله - عز وجل - الموفق ثم عند أبي حنيفة تستحلف، وإذا ~~نكلت يقضى بالرجعة، وهذا يشكل على أصله؛ لأن الاستحلاف للنكول، والنكول بدل ~~عنده، والرجعة لا تحتمل البدل لكن الاستحلاف قد يكون للنكول ليقضى به وقد ~~يكون لا للنكول بل لنفي التهمة بالحلف. # ألا ترى أنه يستحلف عنده فيما لا يقضى بالنكول أصلا كما في دعوى القصاص ~~في النفس نفيا للتهمة، والمرأة، وإن كانت أمينة لكن الأمين قد يستحلف لنفي ~~التهمة بالحلف فإذا نكلت فقد تحققت التهمة فلم يبق قولها حجة فبقيت الرجعة ~~على حالها حكما لاستصحاب الحال لعدم دليل الزوال؛ لأنه جعل نكولها بدلا مع ~~ما أنه يمكن تحقيق معنى البدل ههنا؛ لما ذكرنا أنها بالنكول صارت متهمة ~~فخرج قولها من أن يكون حجة للتهمة فتبقى العدة، وأثرها في المنع من ~~الأزواج، ms1947 والسكون في منزل الزوج فقط، ثم يقضى بالرجعة حكما لاستصحاب الحال؛ ~~لأنها بإخبارها بانقضاء عدتها حلت للأزواج، وإذا نكلت فقد بدلت الامتناع من ~~الأزواج، والسكون في منزل الزوج، وهذا معنى يحتمل البدل، ومنها عدم شرط ~~الخيار حتى لو شرط الخيار في الرجعة لم يصح؛ لأنها استبقاء النكاح، فلا ~~يحتمل شرط الخيار كما لا يحتمل الإنشاء. # (ومنها) أن يكون أحد نوعي ركن الرجعة -، وهو القول - منه لا منها حتى لو ~~قالت للزوج راجعتك لم يصح لقوله سبحانه وتعالى {وبعولتهن أحق بردهن} ~~[البقرة: 228] أي: أحق برجعتهن منهن ولو كانت لها ولاية الرجعة لم يكن ~~الزوج أحق بالرجعة منها، فظاهر النص يقتضي أن لا يكون لها ولاية الرجعة ~~أصلا إلا أن جواز الرجعة بالفعل منها عرفناه بدليل آخر، وهو ما بينا. # وأما رضا المرأة فليس بشرط لجواز الرجعة، وكذا المهر لقوله تعالى ~~{وبعولتهن أحق بردهن} [البقرة: 228] مطلقا عن شرط الرضا، والمهر؛ ولأنه لو ~~شرط الرضا، والمهر لم يكن الزوج أحق برجعتها منها؛ لأنه لا يملك بدون ~~رضاها، والمهر فيؤدي إلى الخلف في خبر الله - عز وجل - وهذا لا يجوز؛ ولأن ~~الرجعة شرعت لإمكان التدارك عند الندم فلو شرط رضاها لا يمكنه التدارك؛ ~~لأنها عسى لا ترضى، وعسى لا يجد الزوج المهر، وكذا كون الزوج طائعا وجادا، ~~وعامدا ليس بشرط لجواز الرجعة فتصح الرجعة مع الإكراه والهزل واللعب ~~والخطأ؛ لأن الرجعة استبقاء النكاح، وأنه دون الإنشاء ولم تشترط هذه # PageV03P186 # الأشياء للإنشاء فلأن لا تشترط للاستبقاء أولى، وقد روي في بعض الروايات ~~«ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد النكاح، والرجعة، والطلاق» . ### | [فصل في حكم الطلاق البائن] # (فصل) : # وأما حكم الطلاق البائن فالطلاق البائن نوعان: أحدهما الطلقات، والثاني ~~الطلقة الواحدة البائنة، والثنتان البائنتان، ويختلف حكم كل واحد من ~~النوعين وجملة الكلام فيه أن الزوجين أما إن كانا حرين. # وأما إن كانا مملوكين. # وأما إن كان أحدهما حرا، والآخر مملوكا فإن كانا حرين فالحكم الأصلي لما ~~دون الثلاث من الواحدة البائنة، والثنتين البائنتين هو نقصان عدد الطلاق، ~~وزوال ms1948 الملك أيضا حتى لا يحل له وطؤها إلا بنكاح جديد ولا يصح ظهاره، ~~وإيلاؤه ولا يجري اللعان بينهما ولا يجري التوارث ولا يحرم حرمة غليظة حتى ~~يجوز له نكاحها من غير أن تتزوج بزوج آخر؛ لأن ما دون الثلاثة - وإن كان ~~بائنا - فإنه يوجب زوال الملك لا زوال حل المحلية. # وأما الطلقات الثلاث فحكمها الأصلي هو زوال الملك، وزوال حل المحلية أيضا ~~حتى لا يجوز له نكاحها قبل التزوج بزوج آخر؛ لقوله - عز وجل - {فإن طلقها ~~فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ، وسواء طلقها ثلاثا ~~متفرقا أو جملة واحدة؛ لأن أهل التأويل اختلفوا في مواضع التطليقة الثالثة ~~من كتاب الله قال بعضهم هو قوله تعالى {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] بعد قوله {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان} [البقرة: 229] وقالوا: الإمساك بالمعروف هو الرجعة، والتسريح ~~بالإحسان هو أن يتركها حتى تنقضي عدتها. # وقال بعضهم: هو قوله تعالى {أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] فالتسريح هو ~~الطلقة الثالثة، وعلى ذلك جاء الخبر، وكل ذلك جائز محتمل غير أنه إن كان ~~التسريح هو تركها حتى تنقضي عدتها كان تقدير قوله سبحانه، وتعالى {فإن ~~طلقها فلا تحل له} [البقرة: 230] أي: طلقها تطليقة ثالثة، وإن كان المراد ~~من التسريح التطليقة الثالثة كان تقدير قوله تعالى {فإن طلقها} [البقرة: ~~230] أي: طلقها طلاقا ثلاثا، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره. # وإنما تنتهي الحرمة وتحل للزوج الأول بشرائط منها النكاح، وهو أن تنكح ~~زوجا غيره لقوله تعالى {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] نفى الحل، وحد ~~النفي إلى غاية التزوج بزوج آخر، والحكم الممدود إلى غاية لا ينتهي قبل ~~وجود الغاية، فلا تنتهي الحرمة قبل التزوج، فلا يحل للزوج الأول قبله ~~ضرورة، وعلى هذا يخرج ما إذا وطئها إنسان بالزنا أو بشبهة أنها لا تحل ~~لزوجها لعدم النكاح، وكذا إذا وطئها المولى بملك اليمين بأن حرمت أمته ~~المنكوحة على زوجها حرمة غليظة وانقضت عدتها فوطئها ms1949 المولى لا تحل لزوجها؛؛ ~~لأن الله تعالى نفى الحل إلى غاية، فلا ينتهي النفي قبل وجود النكاح ولم ~~يوجد، وكذا روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال في هذه المسألة: ليس بزوج ~~يعني: المولى. # وروي أن عثمان سئل عن ذلك، وعنده علي، وزيد بن ثابت - رضي الله عنهما - ~~فرخص في ذلك عثمان، وزيد وقالا: هو زوج، فقام علي مغضبا كارها لما قالا وقد ~~روي أنه قال: ليس بزوج،. # وكذا إن اشتراها الزوج قبل أن تنكح زوجا غيره لم تحل له بملك اليمين، ~~وكذا إذا أعتقت لما قلنا. ### | [فصل في شرائط رجوع المبتوتة لزوجها] # (فصل) : # ومنها أن يكون النكاح الثاني صحيحا حتى لو تزوجت رجلا نكاحا فاسدا ودخل ~~بها لا تحل للأول؛ لأن النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة، ومطلق النكاح ينصرف ~~إلى ما هو نكاح حقيقة ولو كان النكاح الثاني مختلفا في فساده، ودخل بها لا ~~تحل للأول عند من يقول بفساده لما قلنا، فإن تزوجت بزوج آخر ومن نيتها ~~التحليل فإن لم يشرطا ذلك بالقول، وإنما نويا، ودخل بها على هذه النية حلت ~~للأول في قولهم جميعا؛ لأن مجرد النية في المعاملات غير معتبر فوقع النكاح ~~صحيحا لاستجماع شرائط الصحة فتحل للأول كما لو نويا التوقيت، وسائر المعاني ~~المفسدة. # وإن شرط الإحلال بالقول، وأنه يتزوجها لذلك، وكان الشرط منها فهو نكاح ~~صحيح عند أبي حنيفة، وزفر، وتحل للأول، ويكره للثاني، والأول. # وقال أبو يوسف: النكاح الثاني فاسد، وإن وطئها لم تحل للأول وقال محمد: ~~النكاح الثاني صحيح ولا تحل للأول. # (وجه) قول أبي يوسف أن النكاح بشرط الإحلال في معنى النكاح المؤقت، وشرط ~~التوقيت في النكاح يفسده، والنكاح الفاسد لا يقع به التحليل، ولمحمد أن ~~النكاح عقد مؤبد فكان شرط الإحلال استعجال ما أخره الله تعالى لغرض الحل ~~فيبطل الشرط، ويبقى النكاح صحيحا لكن لا يحصل به الغرض كمن قتل مورثه أنه # PageV03P187 # يحرم الميراث لما قلنا. # كذا هذا، ولأبي حنيفة أن عمومات النكاح تقتضي الجواز من غير فصل بين ms1950 ما ~~إذا شرط فيه الإحلال أو لا فكان النكاح بهذا الشرط نكاحا صحيحا فيدخل تحت ~~قوله تعالى {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] فتنتهي الحرمة عند وجوده ~~إلا أنه كره النكاح بهذا الشرط لغيره، وهو أنه شرط ينافي المقصود من ~~النكاح، وهو السكن، والتوالد، والتعفف؛ لأن ذلك يقف على البقاء، والدوام ~~على النكاح، وهذا - والله أعلم - معنى إلحاق اللعن بالمحلل في قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - «لعن الله المحلل، والمحلل له» . # وأما إلحاق اللعن بالزوج الأول، وهو المحلل له فيحتمل أن يكون لوجهين: ~~أحدهما: أنه سبب لمباشرة الزوج الثاني هذا النكاح لقصد الفراق، والطلاق دون ~~الإبقاء، وتحقيق ما وضع له، والمسبب شريك المباشر في الاسم، والثواب في ~~التسبب للمعصية، والطاعة. # والثاني أنه باشر ما يفضي إلى الذي تنفر منه الطباع السليمة، وتكرهه من ~~عودها إليه من مضاجعة غيره إياها واستمتاعه بها، وهو الطلقات الثلاث إذ ~~لولاها لما وقع فيه فكان إلحاقه اللعن به لأجل الطلقات والله - عز وجل - ~~أعلم. # وأما قول أبي يوسف إن التوقيت في النكاح يفسد النكاح فنقول: المفسد له هو ~~التوقيت نصا. # ألا ترى أن كل نكاح مؤقت فإنه يتوقت بالطلاق، وبالموت، وغير ذلك ولم يوجد ~~التوقيت نصا، فلا يفسد، وقول محمد إنه استعجال ما أجله الله تعالى ممنوع، ~~فإن استعجال ما أجله الله تعالى لا يتصور؛ لأن الله تعالى إذا ضرب لأمر ~~أجلا لا يتقدم ولا يتأخر فإذا طلقها الزوج الثاني تبين أن الله تعالى أجل ~~هذا النكاح إليه، ولهذا قلنا إن المقتول ميت بأجله خلافا للمعتزلة. # ومنها الدخول من الزوج الثاني، فلا تحل لزوجها الأول بالنكاح الثاني حتى ~~يدخل بها، وهذا قول عامة العلماء. # وقال سعيد بن المسيب تحل بنفس العقد واحتج بقوله تعالى {فإن طلقها فلا ~~تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ، والنكاح هو العقد، وإن ~~كان يستعمل في العقد، والوطء جميعا عند الإطلاق لكنه يصرف إلى العقد عند ~~وجود القرينة وقد وجدت؛ لأنه أضاف النكاح إلى المرأة بقوله تعالى {حتى تنكح ms1951 ~~زوجا غيره} [البقرة: 230] ، والعقد يوجد منها كما يوجد من الرجل، فأما ~~الجماع فإنه يقوم بالرجل، وحده، والمرأة محله فانصرف إلى العقد بهذه ~~القرينة فإذا وجد العقد تنتهي الحرمة بظاهر النص ولنا قوله تعالى {فإن ~~طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ، والمراد من ~~النكاح: الجماع؛ لأن النكاح في اللغة هو الضم حقيقة، وحقيقة الضم في ~~الجماع، وإنما العقد سبب داع إليه فكان حقيقة للجماع مجازا للعقد مع ما أنا ~~لو حملناه على العقد لكان تكرارا؛ لأن معنى العقد يفيده ذكر الزوج فكان ~~الحمل على الجماع أولى، بقي قوله: أنه أضاف النكاح إليها. # والجماع مما تصح إضافته إلى الزوجين لوجود معنى الاجتماع منهما حقيقة، ~~فأما الوطء ففعل الرجل حقيقة لكن إضافة النكاح إليها من حيث هو ضم وجمع لا ~~من حيث هو وطء ثم إن كان المراد من النكاح في الآية هو العقد فالجماع يضمر ~~فيه، عرفنا ذلك بالحديث المشهور وضرب من المعقول أما الحديث فما روينا عن ~~عائشة - رضي الله عنها - «أن رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثا فتزوجها عبد ~~الرحمن بن الزبير فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالت: إن رفاعة ~~طلقني، وبت طلاقي؛ فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير ولم يكن معه إلا مثل هدبة ~~الثوب؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ ~~لا، حتى تذوقي من عسيلته، ويذوق من عسيلتك» . # وعن ابن عمر، وأنس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~هذا الحديث ولم يذكرا قصة امرأة رفاعة، وهو ما روي عنهما «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - سئل، وهو على المنبر عن رجل طلق امرأته ثلاثا فتزوجها ~~غيره فأغلق الباب، وأرخى الستر، وكشف الخمار ثم فارقها فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لا تحل للأول حتى تذوق عسيلة الآخر» . # وأما المعقول فهو أن الحرمة الغليظة إنما تثبت عقوبة للزوج الأول بما ~~أقدم على الطلاق الثلاث الذي هو مكروه شرعا زجرا، ومنعا له عن ذلك لكن ms1952 إذا ~~تفكر في حرمتها عليه إلا بزوج آخر - الذي تنفر منه الطباع السليمة، وتكرهه ~~- انزجر عن ذلك، ومعلوم أن العقد بنفسه لا تنفر عنه الطباع ولا تكرهه إذ لا ~~يشتد على المرأة مجرد النكاح ما لم يتصل به الجماع فكان الدخول شرطا فيه ~~ليكون زجرا له، ومنعا عن ارتكابه فكان الجماع مضمرا في الآية الكريمة كأنه ~~قال - عز وجل: حتى تنكح زوجا غيره # PageV03P188 # ويجامعها. # وأما الإنزال فليس بشرط للإحلال؛ لأن الله تعالى جعل الجماع غاية ~~الحرمة،، والجماع في الفرج هو التقاء الختانين فإذا وجد فقد انتهت الحرمة، ~~وسواء كان الزوج الثاني بالغا أو صبيا يجامع فجامعها أو مجنونا فجامعها ~~لقوله تعالى {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] من غير فصل بين زوج، وزوج؛ ~~ولأن وطء الصبي والمجنون يتعلق به أحكام النكاح من المهر والتحريم كوطء ~~البالغ العاقل، وكذلك الصغيرة التي يجامع مثلها إذا طلقها زوجها ثلاثا ودخل ~~بها الزوج الثاني حلت للأول لإطلاق قوله تعالى {فإن طلقها فلا تحل له من ~~بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ؛ ولأن وطأها يتعلق به أحكام الوطء ~~من المهر، والتحريم فصار كوطء البالغة، وسواء كان الزوج الثاني حرا أو عبدا ~~قنا أو مدبرا أو مكاتبا بعد أن تزوج بإذن مولاه، ودخل بها لقوله تعالى {حتى ~~تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] مطلقا من غير فصل؛ ولأن أحكام النكاح تتعلق ~~بوطء هؤلاء كما تتعلق بوطء الحر، وكذا إذا كان مشلولا ينتشر له، ويجامع ~~لوجود الجماع في النكاح الصحيح، وإنما الفائت هو الإنزال، وذا ليس بشرط ~~كالفحل إذا جامع ولم ينزل. # وأما المجبوب فإنه لا يحلها للأول؛ لأنه لا يتحقق منه الجماع، وإنما يوجد ~~منه السحق، والملاصقة، والتحليل يتعلق بالجماع، وأنه اسم لالتقاء الختانين ~~ولم يوجد، فلا تحل للأول، وإن حملت امرأة المجبوب وولدت هل تحل للأول؟ قال ~~أبو يوسف: حلت للأول، وكانت محصنة. # وقال زفر: لا تحل للأول ولا تكون محصنة، وهو قول الحسن. # وجه قول زفر ظاهر؛ لأن ثبوت النسب ليس بوطء حقيقة بل يقام مقام الوطء ms1953 ~~حكما، والتحليل يتعلق حقيقة لا حكما كالخلوة فإنها لا تفيد الحل، وإن أقيم ~~مقام الوطء حكما كذا هذا؛ ولأن النسب يثبت من صاحب الفراش مع كون المرأة ~~زانية حقيقة لكونه مولودا على الفراش، والتحليل لا يقع بالزنا ولأبي يوسف ~~أن النسب ثابت منه، وثبوت النسب حكم الوطء في الأصل فصار كالدخول سواء ~~وطئها الزوج الثاني في حيض أو نفاس أو صوم أو إحرام لوجود الدخول في النكاح ~~الصحيح ولو كانت كتابية تحت مسلم طلقها ثلاثا فنكحت كتابيا نكاحا يقران ~~عليه لو أسلما ودخل بها فإنها تحل للزوج الأول لوجود الدخول في النكاح ~~الصحيح في حقهم؛ لأنهم يقرون عليه بعد الإسلام فصار كنكاح المسلمين، وسواء ~~كانت المرأة مطلقة من زوج واحد أو من زوجين أو أكثر من ذلك فالزوج الواحد ~~إذا دخل بها تحل للزوجين أو أكثر من ذلك بأن طلق الرجل امرأته ثلاثا فتزوجت ~~بزوج آخر فطلقها الثاني قبل أن يدخل بها ثلاثا ثم تزوجت زوجا ثالثا، ودخل ~~بها حلت للأولين لقوله تعالى {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره} [البقرة: 230] جعل الزوج الثاني منهيا للحرمة من غير فصل بين ما إذا ~~حرمت على زوج واحد أو أكثر ثم وطء الزوج الثاني هل يهدم ما كان في ملك ~~الزوج الأول من الطلاق لا خلاف في أنه يهدم الثلاث، وهل يهدم ما دون ~~الثلاث؟ قال أبو حنيفة، وأبو يوسف: يهدم. # وقال محمد لا يهدم، وبه أخذ الشافعي، وقد ذكرنا الحجج، والشبه فيما تقدم. # وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثا فغابت عنه مدة ثم أتته فقالت: إني تزوجت ~~زوجا غيرك ودخل بي وطلقني وانقضت عدتي قال محمد: لا بأس أن يتزوجها، ~~ويصدقها إذا كانت ثقة عنده أو وقع في قلبه أنها صادقة؛ لأن هذا من باب ~~الديانة، وخبر العدل في باب الديانة مقبول رجلا كان أو امرأة، كما في ~~الإخبار عن طهارة الماء، ونجاسته، وكما في رواية الأخبار عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فإن تزوجها ولم تخبره ms1954 بشيء فلما وقع قالت: لم أتزوج ~~زوجا غيرك أو قالت: تزوجت ولم يدخل بي، أو قالت: قد خلا بي وجامعني فيما ~~دون الفرج، وكذبها الأول. # وقال: قد دخل بك الثاني، لم يذكر هذا في ظاهر الرواية. # وذكر الحسن بن زياد أن القول قول المرأة في ذلك كله؛ لأن هذا المعنى لا ~~يعلم إلا من جهتها فكان القول قولها كما في الخبر عن الحيض، والحبل، وفيه ~~إشكال، وهو أنه إنما يجعل القول قولها إذا لم يسبق منها ما يكذبها، وقد سبق ~~منها ما يكذبها في قولها، وهو إقدامها على النكاح من الزوج الأول؛ لأن شيئا ~~من ذلك لا يجوز إلا بعد التزوج بزوج آخر، والدخول بها فكان فعلها مناقضا ~~لقولها، فلا يقبل، وإن كان الزوج هو الذي قال لها لم تتزوجي أو قال لم يدخل ~~بك الثاني. # وقالت المرأة قد دخل بي قال الحسن القول قول المرأة، وهذا صحيح لما ذكرنا ~~أن هذا إنما يعلم من جهتها ولم يوجد منها دليل التناقض فكان القول قولها، ~~قال، ويفسد النكاح بقول الزوج ولها نصف # PageV03P189 # المسمى إن كان لم يدخل بها، والكل إن كان قد دخل بها؛ لأن الزوج معترف ~~بالحرمة وقوله فيما يرجع إلى الحرمة مقبول؛ لأنه يملك إنشاء الحرمة فكان ~~اعترافه بفساد النكاح بمنزلة إنشاء الفرقة فيقبل قوله فيه ولا يقبل في ~~إسقاط حقها من المهر والله - عز وجل - أعلم. # وإن كان الزوجان مملوكين فحكم الواحدة الثانية لا يختلف. # وأما حكم الاثنتين فحكمهما في المملوكين ما هو حكم الثلاث في الحرين بلا ~~خلاف؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «طلاق الأمة ثنتان، وعدتها حيضتان» ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم - يطلق العبد ثنتين ثنتين وإن كان أحدهما حرا ~~والآخر مملوكا فيعتبر فيه جانب النساء عندنا، وعند الشافعي جانب الرجال، ~~بناء على أن اعتبار الطلاق بهن عندنا، وعنده بهم لا بهن، والمسألة قد ~~تقدمت، والله - عز وجل - أعلم. ### | [فصل في توابع الطلاق] # (فصل) : # هذا الذي ذكرنا بيان الحكم الأصلي للطلاق، وأما الذي هو من التوابع ms1955 ~~فنوعان: نوع يعم الطلاق المعين، والمبهم، ونوع يخص المبهم أما الذي يعم ~~المعين، والمبهم فوجوب العدة على بعض المطلقات دون بعض، وهي المطلقة ~~المدخول بها، والكلام في العدة في مواضع: في تفسير العدة في عرف الشرع، ~~وبيان وقت وجوبها، وفي بيان أنواع العدد، وسبب وجوب كل نوع، وما له وجب، ~~وشرط وجوبه، وفي بيان مقادير العدد، وفي بيان انتقال العدة، وتغيرها، وفي ~~بيان أحكام العدة، وفي بيان ما يعرف به انقضاء العدة، وما يتصل بها: أما ~~تفسير العدة، وبيان وقت وجوبها فالعدة في عرف الشرع: اسم لأجل ضرب لانقضاء ~~ما بقي من آثار النكاح، وهذا عندنا وعند الشافعي هي اسم لفعل التربص، وعلى ~~هذا ينبني العدتان إذا وجبتا أنهما يتداخلان سواء كانتا من جنس واحد أو من ~~جنسين. # وصورة الجنس الواحد: المطلقة إذا تزوجت في عدتها فوطئها الزوج ثم تتاركا ~~حتى وجبت عليها عدة أخرى فإن العدتين يتداخلان عندنا وصورة الجنسين ~~المختلفين المتوفى عنها زوجها إذا وطئت بشبهة تداخلت أيضا، وتعتد بما رأته ~~من الحيض في الأشهر من عدة الوطء عندنا. # وقال الشافعي: تمضي في العدة الأولى فإذا انقضت استأنفت الأخرى احتج ~~بقوله تعالى {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] وقوله ~~تعالى {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} ~~[البقرة: 234] وقوله تعالى {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} [البقرة: 228] أي: ~~في التربص، ومعلوم أن الزوج إنما يملك الرجعة في العدة فدل أن العدة تربص، ~~سمى الله تعالى العدة تربصا، وهو اسم للفعل، وهو الكف، والفعلان - وإن كانا ~~من جنس واحد - لا يتأديان بأحدهما كالكف في باب الصوم، وغير ذلك ولنا قوله ~~تعالى {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] سمى ~~الله تعالى العدة أجلا، والأجل اسم لزمان مقدر مضروب لانقضاء أمر كآجال ~~الديون، وغيرها سميت العدة أجلا لكونه وقتا مضروبا لانقضاء ما بقي من آثار ~~النكاح، والآجال إذا اجتمعت تنقضي بمدة واحدة كالآجال في باب الديون، ~~والدليل على أنها اسم للأجل لا للفعل أنها تنقضي من ms1956 غير فعل التربص بأن لم ~~تجتنب عن محظورات العدة حتى انقضت المدة، ولو كانت فعلا لما تصور انقضاؤها ~~مع ضدها، وهو الترك. # وأما الآيات فالتربص هو التثبت، والانتظار قال تعالى {فتربصوا به حتى ~~حين} [المؤمنون: 25] . # وقال سبحانه، وتعالى {ويتربص بكم الدوائر} [التوبة: 98] وقال سبحانه ~~{فتربصوا إنا معكم متربصون} [التوبة: 52] ، والانتظار يكون في الآجال ~~المعتدة تنتظر انقضاء المدة المضروبة، وبه تبين أن التربص ليس هو فعل الكف، ~~على أنا إن سلمنا أنه كف لكنه ليس بركن في الباب بل هو تابع بدليل أنه ~~تنقضي العدة بدونه على ما بينا، وكذا تنقضي بدون العلم به ولو كان ركنا لما ~~تصور الانقضاء بدونه، وبدون العلم به. # وعلى هذا يبنى وقت وجوب العدة أنها تجب من وقت وجود سبب الوجوب من ~~الطلاق، والوفاة، وغير ذلك حتى لو بلغ المرأة طلاق زوجها أو موته فعليها ~~العدة من يوم طلق أو مات عند عامة العلماء، وعامة الصحابة - رضي الله عنهم ~~-، وحكي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: من يوم يأتيها الخبر وجه البناء ~~على هذا الأصل أن الفعل لما كان ركنا عنده فإيجاب الفعل على من لا علم له ~~به ولا سبب إلى الوصول إلى العلم به ممتنع، فلا يمكن إيجابه إلا من وقت ~~بلوغ الخبر؛؛ لأنه وقت حصول العلم به ولما كان الركن هو الأجل عندنا، وهو ~~مضي الزمان لا يقف وجوبه على العلم به كمضي سائر الأزمنة ثم قد بينا أنه لا ~~يقف على فعلها أصلا، وهو الكف فإنها لو علمت فلم # PageV03P190 # تكف ولم تجتنب ما تجتنبه المعتدة حتى انقضت المدة انقضت عدتها. # وإذا لم يقف على فعلها فلأن لا يقف على علمها به أولى، وما روي عن علي - ~~رضي الله عنه - محمول على أنها لم تعلم وقت الموت فأمرها بالأخذ باليقين، ~~وبه نقول وقد روي عنه - رضي الله عنه - في العدة أنها من يوم الطلاق مثل ~~قول العامة، فأما إن يحمل على الرجوع أو على ما قلنا. # وأما بيان أنواع العدد فالعدد ms1957 في الشرع أنواع ثلاثة: عدة الأقراء، وعدة ~~الأشهر، وعدة الحبل أما عدة الأقراء فلوجوبها أسباب منها: الفرقة في النكاح ~~الصحيح سواء كانت بطلاق أو بغير طلاق، وإنما تجب هذه العدة لاستبراء الرحم، ~~وتعرف براءتها عن الشغل بالولد؛ لأنها لو لم تجب، ويحتمل أنها حملت من ~~الزوج الأول فتتزوج بزوج آخر، وهي حامل من الأول فيطأها الثاني فيصير ساقيا ~~ماءه زرع غيره وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك بقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - «من كان يؤمن بالله، واليوم الآخر، فلا يسقين ماءه ~~زرع غيره» ، وكذا إذا جاءت بولد يشتبه النسب، فلا يحصل المقصود، ويضيع ~~الولد أيضا لعدم المربي، والنكاح سببه فكان تسببا إلى هلاك الولد، وهذا لا ~~يجوز فوجبت العدة ليعلم بها فراغ الرحم، وشغلها؛، فلا يؤدي إلى هذه العواقب ~~الوخيمة. # وشرط وجوبها الدخول أو ما يجري مجرى الدخول، وهو الخلوة الصحيحة في ~~النكاح الصحيح دون الفاسد، فلا يجب بدون الدخول، والخلوة الصحيحة لقوله ~~تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] ؛ ولأن وجوبها بطريق ~~استبراء الرحم على ما بينا، والحاجة إلى الاستبراء بعد الدخول لا قبله إلا ~~أن الخلوة الصحيحة في النكاح الصحيح أقيمت مقام الدخول في وجوب العدة التي ~~فيها حق الله تعالى؛ لأن حق الله تعالى يحتاط في إيجابه؛ ولأن التسليم ~~بالواجب بالنكاح قد حصل بالخلوة الصحيحة فتجب به العدة كما تجب بالدخول ~~بخلاف الخلوة في النكاح الفاسد؛ لأن الخلوة الصحيحة إنما أقيمت مقام الدخول ~~في وجوب العدة مع أنها ليست بدخول حقيقة لكونها سببا مفضيا إليه فأقيمت ~~مقامه احتياطا إقامة للسبب مقام المسبب فيما يحتاط فيه. # والخلوة في النكاح الفاسد لا تفضي إلى الدخول لوجود المانع، وهو فساد ~~النكاح، وحرمة الوطء، فلم توجد الخلوة الحقيقية إذ هي لا تتحقق إلا بعد ~~انتفاء الموانع أو وجدت بصفة الفساد، فلا تقوم مقام الدخول، وكذا التسليم ~~الواجب بالعقد لم يوجد؛ لأن النكاح الفاسد ms1958 لا يوجب التسليم، فلا تجب العدة. # وأما الخلوة الفاسدة في النكاح الصحيح فقد ذكرنا تفصيل الكلام فيها في ~~كتاب النكاح، وسواء كانت المطلقة حرة أو أمة قنة أو مدبرة أو مكاتبة أو ~~مستسعاة لا يختلف أصل الحكم باختلاف الرق، والحرية؛ لأن ما وجب له لا يختلف ~~باختلافهما، وإنما يختلف في القدر لما تبين، والكلام في القدر يأتي في ~~موضعه إن شاء الله تعالى # وسواء كانت مسلمة أو كتابية تحت مسلم، الحرة كالحرة، والأمة كالأمة؛ لأن ~~العدة تجب بحق الله، وبحق الزوج، قال تعالى {فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها} [الأحزاب: 49] والكتابية مخاطبة بحقوق العباد فتجب عليها العدة، ~~وتجبر عليها لأجل حق الزوج، والولد؛ لأنها من أهل إيفاء حقوق العباد، وإن ~~كانت تحت ذمي، فلا عدة عليها في الفرقة ولا في الموت في قول أبي حنيفة إذا ~~كان ذلك كذلك في دينهم، حتى لو تزوجت في الحال جاز، وعند أبي يوسف، ومحمد ~~عليها العدة. # وذكر الكرخي في جامعه في الذمية تحت ذمي إذا مات عنها أو طلقها فتزوجت في ~~الحال جاز إلا أن تكون حاملا، فلا يجوز نكاحها؛ وجه قولهما أن الذمية من ~~أهل دار الإسلام. # ألا ترى أن أهل الذمة يجري عليهم سائر أحكام الإسلام. # كذا هذا الحكم، ولأبي حنيفة أنه لو وجبت عليها العدة أما إن تجب بحق الله ~~تعالى أو بحق الزوج ولا سبيل إلى إيجابها بحق الزوج؛ لأن الزوج لا يعتقد ~~حقا لنفسه ولا وجه إلى إيجابها بحق الله تعالى؛ لأن العدة فيها معنى ~~القربة، وهي غير مخاطبة بالقربات إلا أنها إذا كانت حاملا تمنع من التزويج؛ ~~لأن وطء الزوج الثاني يوجب اشتباه النسب، وحفظ النسب حق الولد، فلا يملك ~~إبطال حقه فكان على الحكم استيفاء حقه بالمنع من التزويج ولا عدة على ~~المهاجرة في قول أبي حنيفة، وعندهما عليها العدة،، والمسألة مرت في كتاب ~~النكاح، فإن جاء الزوج مسلما وتركها في دار الحرب، فلا عدة عليها في قولهم ~~جميعا؛ لأن على أصل أبي حنيفة الكافرة تلزمها ms1959 العدة لحق المسلم واختلاف ~~الدارين يمنع ثبوت الحق لأحدهما على الآخر، وعلى أصلهما وجوب # PageV03P191 # العدة على الكافرة لجريان حكمنا على أهل الذمة ولا يجري حكمنا على ~~الحربية ولا عدة على الزانية حاملا كانت أو غير حامل؛ لأن الزنا لا يتعلق ~~به ثبوت النسب. # ومنها الفرقة في النكاح الفاسد بتفريق القاضي أو بالمتاركة، وشرطها ~~الدخول؛ لأن النكاح الفاسد يجعل منعقدا عند الحاجة، وهي عند استيفاء ~~المنافع وقد مست الحاجة إلى الانعقاد لوجوب العدة وصيانة للماء عن الضياع ~~بثبوت النسب، وتجب هذه العدة على الحرة، والأمة، والمسلمة، والكتابية؛ لأن ~~الموجب لا يوجب الفصل، ويستوي فيها الفرقة، والموت؛ لأن وجوب هذه العدة على ~~وجه الاستبراء وقد مست الحاجة في الاستبراء؛ لوجود الوطء، فأما عدة الوفاة ~~فإنما تجب لمعنى آخر، وهو إظهار الحزن على ما فاتها من نعمة النكاح على ما ~~نذكر إن شاء - الله تعالى - والنكاح الفاسد ليس بنكاح على الحقيقة فلم يكن ~~نعمة ثم يعتبر الوجوب في الفرقة من وقت الفرقة، وفي الموت من وقت الموت عند ~~أصحابنا الثلاثة، وعند زفر من آخر وطء وطئها، والمسألة مرت في كتاب النكاح. # ومنها الوطء عن شبهة النكاح بأن زفت إليه غير امرأته فوطئها؛ لأن الشبهة ~~تقام مقام الحقيقة في موضع الاحتياط، وإيجاب العدة من باب الاحتياط. # ومنها عتق أم الولد. # ومنها موت مولاها بأن أعتقها سيدها أو مات عنها، وسبب وجوب هذه العدة هو ~~زوال الفراش، وهذا عندنا، وعند الشافعي لا عدة عليها، وإنما عليها ~~الاستبراء بحيضة واحدة، وسبب وجوبها عنده هو زوال ملك اليمين، ونذكر ~~المسألة في بيان مقادير العدد إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في عدة الأشهر] # (فصل) : # وأما عدة الأشهر فنوعان: نوع يجب بدلا عن الحيض، ونوع يجب أصلا بنفسه أما ~~الذي يجب بدلا عن الحيض فهو عدة الصغيرة والآيسة والمرأة التي لم تحض رأسا ~~في الطلاق، وسبب وجوبها هو الطلاق، وهو سبب وجوب عدة الأقراء، وأنها تجب ~~قضاء لحق النكاح الذي استوفي فيه المقصود، وشرط وجوبها شيئان: أحدهما - أحد ~~الأشياء ms1960 الثلاثة: الصغر أو الكبر، أو فقد الحيض أصلا مع عدم الصغر، والكبر، ~~والأصل فيه قوله تعالى {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ~~ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] ، والثاني: الدخول أو ما هو في ~~معناه، وهو الخلوة الصحيحة في النكاح الصحيح لعموم قوله تعالى {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] من غير تخصيص إلا أن الخلوة الصحيحة ~~في النكاح الصحيح ألحقت بالدخول في حق وجوب العدة لما ذكرنا أنها ألحقت به ~~في حق تأكيد كل المهر ففي وجوب العدة أولى احتياطا، وتجب هذه العدة على ~~الحرة، والأمة. # وأصل الوجوب أن ما وجبت له لا يختلف، وهو ما بينا، وإنما يختلفان في ~~مقدار الواجب على ما نذكر إن شاء الله تعالى # وكذا يستوي فيها المسلمة والكتابية لعموم النص، وكذا المعنى الذي له وجبت ~~لا يوجب الفصل. # وأما الذي يجب أصلا بنفسه فهو عدة الوفاة، وسبب وجوبها الوفاة قال الله ~~تعالى {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} ~~[البقرة: 234] ، وأنها تجب لإظهار الحزن بفوت نعمة النكاح إذ النكاح كان ~~نعمة عظيمة في حقها فإن الزوج كان سبب صيانتها، وعفافها، وإيفائها بالنفقة، ~~والكسوة، والمسكن فوجب عليها العدة إظهارا للحزن بفوت النعمة، وتعريفا ~~لقدرها، وشرط وجوبها النكاح الصحيح فقط فتجب هذه العدة على المتوفى عنها ~~زوجها، سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول بها، وسواء كانت ممن تحيض أو ممن ~~لا تحيض؛ لعموم قوله - عز وجل - {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] ، ولما ذكرنا أنها تجب إظهارا ~~للحزن بفوت نعمة النكاح وقد وجد، وإنما شرطنا النكاح الصحيح؛ لأن الله ~~تعالى أوجبها على الأزواج ولا يصير زوجا حقيقة إلا بالنكاح الصحيح، وسواء ~~كانت مسلمة أو كتابية تحت مسلم لعموم النص، ولوجوب المعنى الذي وجبت له، ~~وسواء كانت حرة أو أمة أو مدبرة أو مكاتبة أو مستسعاة لا يختلف أصل الحكم؛ ms1961 ~~لأن ما وجبت له لا يختلف، وإنما يختلف القدر لما نذكر. ### | [فصل في عدة الحبل] # (فصل) : # وأما عدة الحبل فهي مدة الحمل، وسبب وجوبها الفرقة أو الوفاة، والأصل فيه ~~قوله تعالى {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] أي: انقضاء ~~أجلهن أن يضعن حملهن، وإذا كان انقضاء أجلهن بوضع حملهن كان # PageV03P192 # أجلهن؛ لأن أجلهن مدة حملهن، وهذه العدة إنما تجب لئلا يصير الزوج بها ~~ساقيا ماءه زرع غيره، وشرط وجوبها أن يكون الحمل من النكاح صحيحا كان أو ~~فاسدا؛ لأن الوطء في النكاح الفاسد يوجب العدة، ولا تجب على الحامل بالزنا؛ ~~لأن الزنا لا يوجب العدة إلا أنه إذا تزوج امرأة، وهي حامل من الزنا جاز ~~النكاح عند أبي حنيفة، ومحمد لا يجوز له أن يطأها ما لم تضع لئلا يصير ~~ساقيا ماءه زرع غيره. ### | [فصل في بيان مقادير العدة وما تنقضي به] # (فصل) : # وأما بيان مقادير العدة، وما تنقضي به، فأما عدة الأقراء فإن كانت المرأة ~~حرة فعدتها ثلاثة قروء لقوله تعالى {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~[البقرة: 228] ، وسواء وجبت بالفرقة في النكاح الصحيح أو بالفرقة في النكاح ~~الفاسد أو بالوطء عن شبهة النكاح لما ذكرنا أن النكاح الفاسد بعد الدخول ~~يجعل منعقدا في حق وجوب العدة، ويلحق به فيه، وشبهة النكاح ملحقة بالحقيقة ~~فيما يحتاط فيه، والنص الوارد في المطلقة يكون واردا فيها دلالة، وكذلك أم ~~الولد إذا أعتقت بإعتاق المولى أو بموته فإنها تعتد بثلاثة قروء عندنا، ~~وعند الشافعي تعتد بحيضة واحدة وجه قوله أن هذه العدة لم تجب بزوال ملك ~~النكاح لعدم النكاح، وإنما وجبت بزوال ملك اليمين فكان وجوبها بطريق ~~الاستبراء فيكتفى بحيضة واحدة كما في استبراء سائر المملوكات. # (ولنا) ما روي عن عمر، وغيره من الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: ~~عدة أم الولد ثلاث حيض، وهذا نص فيه، وبه تبين أن الواجب عدة وليس باستبراء ~~إلا أنهم سموه عدة، والعدة لا تقدر بحيضة واحدة، والدليل على أنه عدة أنه ~~يجب على الحرة، والحرة ms1962 لا يلزمها الاستبراء. # وإذا كان عدة لا يجوز تقديرها بحيضة واحدة كسائر العدد؛ ولأن هذه العدة ~~تجب بزوال الفراش؛ لأن أم الولد لها فراش إلا أن فراشها قبل العتق غير ~~مستحكم بل هو ضعيف لاحتماله النقل إلى غيره فإذا أعتقت فقد استحكم فالتحق ~~بالفراش الثابت بالنكاح، والعدة التي تجب بزوال الفراش الثابت بالنكاح، وهو ~~النكاح الفاسد مقدرة بثلاثة قروء، ولهذا استوى في الواجب عليها الموت، ~~والعتق كما في النكاح الفاسد وعدة المستحاضة، وغيرها سواء، وهي ثلاثة أقراء ~~لعموم النص، وإن كانت أمة فقرءان عند عامة العلماء. # وقال نفاة القياس: ثلاثة قروء كعدة الحرة احتجوا بعموم قوله تعالى ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] من غير تخصيص الحرة. # (ولنا) الحديث المشهور، وهو ما روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما ~~- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «طلاق الأمة ثنتان، وعدتها ~~حيضتان» وقال عمر - رضي الله عنه - عدتها حيضتان ولو استطعت لجعلتها حيضة، ~~ونصفا، وبه تبين أن الإماء مخصوصات من عموم الكتاب الكريم، وتخصيص الكتاب ~~بالخبر المشهور جائز بالإجماع؛ ولأن العدة حق من حقوق النكاح مقدر فيؤثر ~~الرق في تنصيفه كالقسم كان ينبغي أن يتنصف فتعتد حيضة، ونصفا كما أشار إليه ~~عمر - رضي الله عنه - إلا أنه لا يمكن؛ لأن الحيضة الواحدة لا تتجزأ ~~فتكاملت ضرورة، وسواء كان زوجها حرا أو عبدا بلا خلاف؛ لأن العدة تعتبر ~~بالنساء بالإجماع، ويستوي في مقدار هذه العدة المسلمة، والكتابية، الحرة ~~كالحرة، والأمة كالأمة؛ لأن الدلائل لا توجب الفصل. # ثم اختلف أهل العلم فيما تنقضي به هذه العدة أنه الحيض أم الأطهار؟ قال ~~أصحابنا: الحيض. # وقال الشافعي: الأطهار، وفائدة الاختلاف أن من طلق امرأته في حالة الطهر ~~لا يحتسب بذلك الطهر من العدة عندنا حتى لا تنقضي عدتها ما لم تحض ثلاث حيض ~~بعده، وعنده يحتسب بذلك الطهر من العدة فتنقضي عدتها بانقضاء ذلك الطهر ~~الذي طلقها فيه، وبطهر آخر بعده، والمسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله ~~عنهم -. # وروي عن أبي ms1963 بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن ~~عباس، وأبي موسى الأشعري، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن ~~قيس - رضي الله تعالى عنهم - أنهم قالوا: الزوج أحق بمراجعتها ما لم تغتسل ~~من الحيضة الثالثة كما هو مذهبنا. # وعن زيد بن ثابت، وحذيفة، وعبد الله بن عمر، وعائشة - رضي الله عنهم - ~~مثل قوله، وحاصل الاختلاف راجع إلى أن القرء المذكور في قوله سبحانه {ثلاثة ~~قروء} [البقرة: 228] ما هو الحيض أم الطهر فعندنا الحيض، وعنده الطهر ولا ~~خلاف بين أهل اللغة في أن القرء من الأسماء المشتركة يذكر، ويراد به الحيض، ~~ويذكر، ويراد به الطهر على طريق الاشتراك فيكون حقيقة لكل واحد منهما كما ~~في سائر الأسماء المشتركة من اسم العين، وغير ذلك، أما استعماله في الحيض ~~فلقول # PageV03P193 # النبي - صلى الله عليه وسلم - «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها» أي: ~~أيام حيضها إذ أيام الحيض هي التي تدع الصلاة فيها لا أيام الطهر. # وأما في الطهر فلما روينا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعبد ~~الله بن عمر - رضي الله عنهما - «إن من السنة أن تستقبل الطهر استقبالا ~~فتطلقها لكل قرء تطليقة أي: طهر» ، وإذا كان الاسم حقيقة لكل واحد منهما ~~على سبيل الاشتراك فيقع الكلام في الترجيح احتج الشافعي بقوله تعالى ~~{فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] وقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - العدة ~~بالطهر في ذلك الحديث حيث قال «فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها ~~النساء» فدل أن العدة بالطهر لا بالحيض؛ ولأنه أدخل الهاء في الثلاثة بقوله ~~عز وجل: {ثلاثة قروء} [البقرة: 228] . # وإنما تدخل الهاء في جمع المذكر لا في جمع المؤنث يقال ثلاثة رجال، وثلاث ~~نسوة، والحيض مؤنث، والطهر مذكر فدل أن المراد منها الأطهار،؛ ولأنكم لو ~~حملتم القرء المذكور على الحيض للزمكم المناقضة؛ لأنكم قلتم في المطلقة إذا ~~كانت أيامها دون العشرة فانقطع دمها أنه لا تنقضي عدتها ما لم تغتسل من ~~الحيضة الثالثة، فقد جعلتم العدة بالطهر، وهذا تناقض. # (ولنا) ms1964 الكتاب، والسنة، والمعقول أما الكتاب الكريم فقوله تعالى ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] أمر الله تعالى ~~بالاعتداد بثلاثة قروء، ولو حمل القرء على الطهر لكان الاعتداد بطهرين، ~~وبعض الثالث؛ لأن بقية الطهر الذي صادفه الطلاق محسوب من الأقراء عنده، ~~والثلاثة اسم لعدد مخصوص، والاسم الموضوع لعدد لا يقع على ما دونه فيكون ~~ترك العمل بالكتاب ولو حملناه على الحيض يكون الاعتداد بثلاث حيض كوامل؛ ~~لأن ما بقي من الطهر غير محسوب من العدة عندنا فيكون عملا بالكتاب فكان ~~الحمل على ما قلنا أولى ولا يلزم قوله تعالى {الحج أشهر معلومات} [البقرة: ~~197] أنه ذكر الأشهر، والمراد منه شهران، وبعض الثالث، فكذا القروء جائز أن ~~يراد بها القرءان، وبعض الثالث؛ لأن الأشهر اسم جمع لا اسم عدد واسم الجمع ~~جاز أن يذكر، ويراد به بعض ما ينتظمه مجازا ولا يجوز أن يذكر الاسم الموضوع ~~لعدد محصور، ويراد به ما دونه لا حقيقة ولا مجازا. # ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال: رأيت ثلاثة رجال، ويراد به رجلان وجاز أن ~~يقال رأيت رجالا، ويراد به رجلان مع أن هذا إن كان في حد الجواز، فلا شك ~~أنه بطريق المجاز ولا يجوز العدول عن الحقيقة من غير دليل؛ إذ الحقيقة هي ~~الأصل في حق الأحكام للعمل بها، وإن كان في حق الاعتقاد يجب التوقف لمعارضة ~~المجاز الحقيقة في الاستعمال، وفي باب الحج قام دليل المجاز وقوله عز وجل ~~{واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر} [الطلاق: ~~4] جعل سبحانه وتعالى الأشهر بدلا عن الأقراء عند اليأس عن الحيض، والمبدل ~~هو الذي يشترط عدمه لجواز إقامة البدل مقامه فدل أن المبدل هو الحيض فكان ~~هو المراد من القرء المذكور في الآية كما في قوله تعالى {فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة: 6] لما شرط عدم الماء عند ذكر البدل، وهو ~~التيمم دل أن التيمم بدل عن الماء فكان المراد منه الغسل المذكور في آية ~~الوضوء، وهو الغسل بالماء. # كذا ههنا. # وأما ms1965 السنة فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «طلاق ~~الأمة ثنتان، وعدتها حيضتان» ، ومعلوم أنه لا تفاوت بين الحرة، والأمة في ~~العدة فيما يقع به الانقضاء؛ إذ الرق أثره في تنقيص العدة التي تكون في حق ~~الحرة لا في تغيير أصل العدة، فدل أن أصل ما تنقضي به العدة هو الحيض وأما ~~المعقول فهو أن هذه العدة وجبت للتعريف عن براءة الرحم، والعلم ببراءة ~~الرحم يحصل بالحيض لا بالطهر فكان الاعتداد بالحيض لا بالطهر. # وأما الآية الكريمة فالمراد من العدة المذكورة فيها عدة الطلاق، والنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - جعل الطهر عدة الطلاق. # ألا ترى أنه قال «فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء» ، ~~والكلام في العدة عن الطلاق أنها ما هي وليس في الآية بيانها. # وأما قوله أدخل الهاء في الثلاثة فنعم لكن هذا لا يدل على أن المراد هو ~~الطهر من القروء؛ لأن اللغة لا تمنع من تسمية شيء واحد باسم التذكير، ~~والتأنيث كالبر، والحنطة فيقال: هذا البر، وهذه الحنطة، وإن كانت البر، ~~والحنطة شيئا واحدا، فكذا القرء، والحيض أسماء للدم المعتاد، وأحد الاسمين ~~مذكر، وهو القرء فيقال: ثلاثة قروء، والآخر مؤنث، وهو الحيض فيقال: ثلاث ~~حيض، ودعوى التناقض ممنوعة فإن في تلك الصورة الحيض باق، وإن كان الدم ~~منقطعا؛ لأن انقطاع الدم لا ينافي الحيض بالإجماع؛ لأن # PageV03P194 # الدم لا يدر في جميع الأوقات بل في وقت دون وقت، واحتمال الدرور في وقت ~~الحيض قائم فإذا لم يجعل ذلك الطهر عدة لا يلزمنا التناقض. # وأما الممتد طهرها وهي امرأة كانت تحيض ثم ارتفع حيضها من غير حمل ولا ~~يأس فانقضاء عدتها في الطلاق، وسائر وجوه الفرق بالحيض؛ لأنها من ذات ~~الأقراء إلا أنه ارتفع حيضها لعارض، فلا تنقضي عدتها حتى تحيض ثلاث حيض أو ~~حتى تدخل في حد الإياس فتستأنف عدة الآيسة ثلاثة أشهر، وهو مذهب علي، ~~وعثمان، وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم -. # وروي عن عمر وابن عباس - رضي الله ms1966 عنهم - أنها تمكث تسعة أشهر فإن لم تحض ~~اعتدت ثلاثة أشهر بعد ذلك، وهو قول مالك، واحتجوا بقوله تعالى {واللائي ~~يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر} [الطلاق: 4] نقل ~~الله العدة عند الارتياب إلى الأشهر. # والتي ارتفع حيضها فهي مرتابة فيجب أن تكون عدتها بالشهور، والجواب أنه ~~ليس المراد من الارتياب المذكور هو الارتياب في اليأس بل المراد منه ارتياب ~~المخاطبين في عدة الآيسة قبل نزول الآية. # كذا روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن الله تعالى لما بين لهم عدة ~~ذات القروء، وعدة الحامل شكوا في الآيسة فلم يدروا ما عدتها فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية، وفي الآية ما يدل عليه فإنه قال {واللائي يئسن من المحيض ~~من نسائكم} [الطلاق: 4] ولا يأس مع الارتياب؛ إذ الارتياب يكون وقت رجاء ~~الحيض، والرجاء ضد اليأس. # وكذا قال سبحانه " إن ارتبتم " ولو كان المراد منه الارتياب في الإياس ~~لكان من حق الكلام أن يقول: إن ارتبن، فدل أنه سبحانه، وتعالى أراد به ما ~~ذكرنا والله عز وجل أعلم. # وأما عدة الأشهر فالكلام فيها في موضعين أيضا: في بيان مقدارها وما تنقضي ~~به وفي بيان كيفية ما يعتبر به الانقضاء، أما الأول فما وجب بدلا عن الحيض، ~~وهو عدة الآيسة، والصغيرة، والبالغة التي لم تر الحيض أصلا فثلاثة أشهر إن ~~كانت حرة لقوله تعالى {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ~~ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] ؛ ولأن الأشهر في حق هؤلاء تدل ~~على الأقراء، والأصل مقدر بالثلاث كذا البدل، سواء وجبت الفرقة بطلاق أو ~~بغير طلاق في النكاح الصحيح لعموم النص أو وجبت بالفرقة في النكاح الفاسد ~~أوبالوطء عن شبهة؛ لما ذكرنا في عدة الأقراء. # وكذا إذا وجبت على أم الولد بالعتق أو بموت المولى عندنا خلافا للشافعي، ~~وإن كانت أمة فشهر، ونصف؛ لأن حكم البدل حكم الأصل وقد تنصف المبدل فيتنصف ~~البدل؛ ولأن الرق متنصف، والتكامل في عدة الأقراء ثبت لضرورة عدم التجزيء، ~~والشهر متجزئ ms1967 فبقي الحكم فيه على الأصل، ولهذا تتنصف عدتها في الوفاة، ~~وسواء كان زوجها حرا أو عبدا لما ذكرنا أن المعتبر في العدة جانب النساء، ~~وسواء كانت قنة أو مدبرة أو أم ولد أو مكاتبة أو مستسعاة عند أبي حنيفة لما ~~ذكرنا في مدة الأقراء، وكذا إذا وجبت على أم الولد بالعتق أو بموت المولى ~~عندنا خلافا للشافعي. # وما وجب أصلا بنفسه، وهو عدة المتوفى عنها زوجها فأربعة أشهر وعشر، وقيل ~~إنما قدرت هذه العدة بهذه المدة إن كانت حرة لقوله عز وجل {والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] وقيل: ~~إنما قدرت هذه العدة بهذه المدة؛ لأن الولد يكون في بطن أمه أربعين يوما ~~نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة ثم ينفخ فيه الروح في العشر، ~~فأمرت بتربص هذه المدة ليستبين الحبل إن كان بها حبل، وإن كانت أمة فشهران، ~~وخمسة أيام؛ لما بينا بالإجماع، سواء كانت قنة أو مدبرة أو أم ولد أو ~~مكاتبة أو مستسعاة عند أبي حنيفة، والمسلمة، والكتابية سواء كان في مقدار ~~هاتين العدتين الحرة كالحرة، والأمة كالأمة؛ لأن ما ذكرنا من الدلائل لا ~~يوجب الفصل بينهما وانقضاء هذه العدة بانقضاء هذه المدة في الحرة، والأمة. # (وأما الثاني) وهو بيان كيفية ما يعتبر به انقضاء هذه العدة فجملة الكلام ~~فيه أن سبب وجوب هذه العدة من الوفاة، والطلاق، ونحو ذلك إذا اتفق في غرة ~~الشهر اعتبرت الأشهر بالأهلة، وإن نقصت عن العدد في قول أصحابنا جميعا؛ لأن ~~الله تعالى أمر بالعدة بالأشهر بقوله عز وجل {فعدتهن ثلاثة أشهر} [الطلاق: ~~4] وقوله عز وجل {أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] فلزم اعتبار الأشهر، ~~والشهر قد يكون ثلاثين يوما وقد يكون تسعة، وعشرين يوما بدليل ما روي عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وأشار ~~بأصابع يديه كلها، ثم قال: الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وحبس إبهامه في المرة ~~الثالثة» # وإن كانت الفرقة في بعض الشهر # PageV03P195 # اختلفوا فيه، قال أبو ms1968 حنيفة يعتبر بالأيام فتعتد من الطلاق، وأخواته ~~تسعين يوما، ومن الوفاة مائة، وثلاثين يوما، وكذلك قال في صوم الشهرين ~~المتتابعين إذا ابتدأ الصوم في نصف الشهر. # وقال محمد: تعتد بقية الشهر بالأيام، وباقي الشهور بالأهلة، وتكمل الشهر ~~الأول من الشهر الأخير بالأيام. # وعن أبي يوسف روايتان: في رواية مثل قول أبي حنيفة، وفي رواية مثل قول ~~محمد، وهو قوله الأخير. # (وجه) قولهما أن المأمور به هو الاعتداد بالشهر، والأشهر اسم الأهلة فكان ~~الأصل في الاعتداد هو الأهلة قال الله تعالى {يسألونك عن الأهلة قل هي ~~مواقيت للناس والحج} [البقرة: 189] جعل الهلال لمعرفة المواقيت، وإنما يعدل ~~إلى الأيام عند تعذر اعتبار الهلال في الشهر الأول فعدلنا عنه إلى الأيام ~~ولا تعذر في بقية الأشهر فلزم اعتبارها بالأهلة، ولهذا اعتبرنا كذلك في باب ~~الإجارة إذا وقعت في بعض الشهر. # كذا ههنا، ولأبي حنيفة أن العدة يراعى فيها الاحتياط فلو اعتبرناها في ~~الأيام لزادت على الشهور ولو اعتبرناها بالأهلة لنقصت عن الأيام فكان إيجاب ~~الزيادة أولى احتياطا بخلاف الإجارة؛ لأنها تمليك المنفعة، والمنافع توجد ~~شيئا فشيئا على حسب حدوث الزمان فيصير كل جزء منها كالمعقود عليه عقدا ~~مبتدأ فيصير عند استهلاك الشهر كأنه ابتدأ العقد فيكون بالأهلة بخلاف العدة ~~فإن كل جزء منها ليس كعدة مبتدأة. # وأما الإيلاء في بعض الشهر فقد ذكرنا الاختلاف بين أبي يوسف، وزفر في ~~كيفية اعتبار الشهر فيه أن على قول أبي يوسف يعتبر بالأيام فيكمل مائة، ~~وعشرين يوما ولا ينظر إلى نقصان الشهر ولا إلى تمامه. # وعند زفر يعتبر بالأهلة. # (وجه) قوله أن مدة الإيلاء كمدة العدة؛ لأن كل واحد منهما يتعلق به ~~البينونة،، ولأبي يوسف أن اعتبار الأيام في مدة الإيلاء يوجب تأخير الفرقة، ~~واعتبار الأشهر يوجب التعجيل فوقع الشك في وقوع الطلاق، فلا يقع بالشك كمن ~~علق طلاق امرأته بمدة في المستقبل، وشك في المدة بخلاف العدة؛ لأن الطلاق ~~هناك واقع بيقين، وحكمه متأجل، فإذا وقع الشك في التأجيل لا يتأجل بالشك. # وأما عدة الحبل ms1969 فمقدارها بقية مدة الحمل قلت أو كثرت حتى لو ولدت بعد ~~وجوب العدة بيوم أو أقل أو أكثر انقضت به العدة لقوله تعالى {وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] من غير فصل، وذكر في الأصل أنها ~~لو ولدت والميت على سريره انقضت به العدة على ما جاءت به السنة هكذا ذكر، ~~والسنة المذكورة هي ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال في المتوفى ~~عنها زوجها إذا ولدت وزوجها على سريره جاز لها أن تتزوج، وشرط انقضاء هذه ~~العدة أن يكون ما وضعت قد استبان خلقه أو بعض خلقه فإن لم يستبن رأسا بأن ~~أسقطت علقة أو مضغة لم تنقض العدة؛ لأنه إذا استبان خلقه أو بعض خلقه فهو ~~ولد فقد وجد وضع الحمل فتنقضي به العدة، وإذا لم يستبن لم يعلم كونه ولدا ~~بل يحتمل أن يكون، ويحتمل أن لا يكون فيقع الشك في وضع الحمل، فلا تنقضي ~~العدة بالشك. # وقال الشافعي في أحد قوليه يرى للنساء، وهذا ليس بشيء؛ لأنهن لم يشاهدن ~~انخلاق الولد في الرحم ليقسن هذا عليه فيعرفن. # وقال في قول آخر: يجعل في الماء الحار ثم ينظر إن انحل فليس بولد، وإن لم ~~ينحل فهو ولد، وهذا أيضا فاسد؛ لأنه يحتمل أنه قطعة من كبدها أو لحمها ~~انفصلت منها، وأنها لا تنحل بالماء الحار كما لا ينحل الولد، فلا يعلم به ~~أنه ولد. # ولو ظهر أكثر الولد لم يذكر هذا في ظاهر الرواية. # وقد قالوا في المطلقة طلاقا رجعيا: إنه إذا ظهر منها أكثر ولدها أنها ~~تبين، فعلى هذا يجب أن تنقضي به العدة أيضا بظهور أكثر الولد، ويجوز أن ~~يفرق بينهما فيقام الأكثر مقام الكل في انقطاع الرجعة احتياطا ولا يقام في ~~انقضاء العدة حتى لا تحل للأزواج احتياطا أيضا ثم انقضاء عدة الحمل بوضع ~~الحمل إذا كانت معتدة عن طلاق أو غيره من أسباب الفرقة بلا خلاف لعموم قوله ~~تعالى {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] ، وكذلك إذا كانت ~~متوفى ms1970 عنها زوجها عند عامة العلماء، وعامة الصحابة - رضي الله عنهم -. # وروي عن عمر، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وأبي ~~هريرة - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: عدتها بوضع ما في بطنها، وإن كان ~~زوجها على السرير. # وقال علي - رضي الله عنه - وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما -: أن الحامل إذا توفي عنها زوجها فعدتها أبعد الأجلين وضع الحمل أو ~~مضى أربعة أشهر وعشر أيهما كان أخيرا تنقضي به العدة. # (وجه) هذا القول أن الاعتداد بوضع الحمل إنما ذكر # PageV03P196 # في الطلاق لا في الوفاة بقوله تعالى {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن} [الطلاق: 4] ؛ لأنه معطوف على قوله عز وجل {واللائي يئسن من المحيض ~~من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] ، ~~وذلك بناء على قوله تعالى {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء} [الطلاق: 1] ~~فكان المراد من قوله {واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] المطلقات؛ ولأن في ~~الاعتداد بأبعد الأجلين جمعا بين الآيتين بالقدر الممكن؛ لأن فيه عملا بآية ~~عدة الحبل إن كان أجل تلك العدة أبعد، وعملا بآية عدة الوفاة إن كان أجلها ~~أبعد فكان عملا بهما جميعا بقدر الإمكان، وفيما قلتم عمل بإحداهما، وترك ~~العمل بالأخرى أصلا فكان ما قلنا أولى، ولعامة العلماء، وعامة الصحابة - ~~رضي الله عنهم - قوله تعالى {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: ~~4] من غير فصل بين المطلقة، والمتوفى عنها زوجها، وقوله هذا بناء على قوله ~~{واللائي يئسن من المحيض من نسائكم} [الطلاق: 4] ممنوع بل هو ابتداء خطاب، ~~وفي الآية الكريمة ما يدل عليه فإنه قال {إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر} ~~[الطلاق: 4] ، ومعلوم أنه لا يقع الارتياب فيمن يحتمل القرء، وذلك؛ لأن ~~الأشهر في الآيسات إنما أقيمت مقام الأقراء في ذوات الحيض، وإذا كانت ~~الحامل ممن تحيض لم يجز أن يقع لهم شك في عدتها ليسألوا عن عدتها، وإذا كان ~~كذلك ثبت أنه خطاب مبتدأ، وإذا كان خطابا مبتدأ تناول العدد كلها. # وقوله الاعتداد بأبعد الأجلين عمل ms1971 بالآيتين بقدر الإمكان فيقال إنما يعمل ~~بهما إذا لم يثبت نسخ إحداهما بالتقدم، والتأخر أو لم يكن إحداهما أولى ~~بالعمل بها، وقد قيل إن آية وضع الحمل آخرهما نزولا بما روي عن عبد الله بن ~~مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: من شاء باهلته أن قوله {وأولات الأحمال ~~أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] نزل بعد قوله {أربعة أشهر وعشرا} ~~[البقرة: 234] ، فأما نسخ الأشهر بوضع الحمل إذا كان بين نزول الآيتين زمان ~~يصلح للنسخ فينسخ الخاص المتقدم بالعام المتأخر كما هو مذهب مشايخنا ~~بالعراق ولا يبنى العام على الخاص أو يعمل بالنص العام بعمومه، ويتوقف في ~~حق الاعتقاد في التخريج على التناسخ كما هو مذهب مشايخنا بسمرقند، ولا يبنى ~~العام على الخاص على ما عرف في أصول الفقه. # وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قلت: يا رسول الله حين نزول ~~قوله {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] أنها في المطلقة أم ~~في المتوفى عنها زوجها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فيهما ~~جميعا» وقد روت أم سلمة - رضي الله عنها - «أن سبيعة بنت الحارث الأسلمية ~~وضعت بعد وفاة زوجها ببضع، وعشرين ليلة فأمرها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بأن تتزوج» . # وروي أيضا عن أبي السنابل بن بعكك «أن سبيعة بنت الحارث الأسلمية وضعت ~~بعد وفاة زوجها ببضع، وعشرين ليلة فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بأن تتزوج» . وروي أنها لما مات عنها زوجها وضعت حملها، وسألت أبا السنابل ~~بن بعكك هل يجوز لها أن تتزوج؟ فقال لها: حتى يبلغ الكتاب أجله، فذكرت ذلك ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال «كذب أبو السنابل ابتغي الأزواج» ، ~~وهذا حديث صحيح وقد روي من طرق صحيحة لا مساغ لأحد في العدول عنها؛ ولأن ~~المقصود من العدة من ذوات الأقراء العلم ببراءة الرحم، ووضع الحمل في ~~الدلالة على البراءة فوق مضي المدة فكان انقضاء العدة به أولى من الانقضاء ~~بالمدة، وسواء كانت المرأة حرة أو مملوكة قنة ms1972 أو مدبرة أو مكاتبة أو أم ولد ~~أو مستسعاة مسلمة أو كتابية لعموم النص، وقال أبو يوسف كذلك إلا في امرأة ~~الصغير في عدة الوفاة بأن مات الصغير عن امرأته وهي حامل فإن عدتها أربعة ~~أشهر وعشر عند أبي يوسف، وعند أبي حنيفة، ومحمد عدتها أن تضع حملها. # وجه قوله أن هذا الحمل ليس منه بيقين بدليل أنه لا يثبت نسبه منه فكان من ~~الزنا، فلا تنقضي به العدة كالحمل من الزنا، وكالحمل بعد موته ولهما عموم ~~قوله تعالى {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] وقوله: الحمل ~~من الزنا لا تنقضي به العدة، وهذا حمل من الزنا فيكون مخصوصا من العموم، ~~فنقول: الحمل من الزنا قد تنقضي به العدة على قياس قولهما. # ألا ترى أنه إذا تزوج امرأة حاملا من الزنا جاز نكاحها عندهما ولو تزوجها ~~ثم طلقها فوضعت حملها تنقضي عدتها عندهما بوضع الحمل، وإن كان الحمل من ~~الزنا؛ ولأن وجوب العدة للعلم بحصول فراغ الرحم، والولادة دليل فراغ الرحم ~~بيقين، والشهر لا يدل على الفراغ بيقين فكان إيجاب ما دل على الفراغ بيقين ~~أولى ولا أثر للنسب في هذا الباب، وإنما الأثر لما بينا في الجملة، فإن مات ~~وهي حائل ثم حملت بعد موته قبل انقضاء العدة فعدتها بالشهور أربعة أشهر # PageV03P197 # وعشر بالإجماع لعموم قوله تعالى {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] ؛ ولأن الحمل إذا لم يكن ~~موجودا وقت الموت وجبت العدة بالأشهر، فلا تتغير بالحمل الحادث، وإذا كان ~~موجودا وقت الموت وجبت عدة الحبل فكان انقضاؤها بوضع الحمل ولا يثبت نسب ~~الولد في الوجهين جميعا؛ لأن الولد لا يحصل عادة إلا من الماء، والصبي لا ~~ماء له حقيقة، ويستحيل وجوده عادة فيستحيل تقديره. # وقال أبو يوسف، ومحمد في زوجة الكبير تأتي بولد بعد موته لأكثر من سنتين ~~وقد تزوجت بعد مضي أربعة أشهر وعشر أن النكاح جائز؛ لأن إقدامها على النكاح ~~في هذه الحالة إقرار منها بانقضاء العدة لتحرز المسلمة عن ms1973 النكاح في العدة. # ولم يرد على إقرارها ما يبطله. # ألا ترى أنها لو جاءت بعد التزويج بولد لستة أشهر فصاعدا كان النكاح ~~جائزا لما بينا فههنا أولى، وإذا كانت المعتدة حاملا فولدت ولدين انقضت ~~عدتها بالأخير منهما عند عامة العلماء وقال الحسن البصري إذا وضعت أحد ~~الولدين انقضت عدتها واحتج بقوله سبحانه، وتعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن} [الطلاق: 4] ولم يقل: أحمالهن، فإذا وضعت إحداهما فقد وضعت ~~حملها، إلا أن ما قاله لا يستقيم؛ لوجهين: أحدهما أنه قرئ في بعض الروايات ~~" أن يضعن أحمالهن "، والثاني أنه علق انقضاء العدة بوضع الحمل لا بالولادة ~~حيث قال سبحانه، وتعالى: {يضعن حملهن} [الطلاق: 4] ولم يقل: " يلدن "، ~~والحمل: اسم لجميع ما في بطنها، ووضع أحد الولدين وضع بعض حملها، لا وضع ~~حملها، فلا تنقضي به العدة؛ ولأن وضع الحمل إنما تنقضي به العدة لبراءة ~~الرحم بوضعه، وما دام في بطنها ولد لا تحصل البراءة به، فلا تنقضي العدة. ### | [فصل في بيان ما يعرف به انقضاء العدة] # (فصل) : # (وأما) بيان ما يعرف به انقضاء العدة، فما يعرف به انقضاء العدة نوعان: ~~قول، وفعل (أما) القول فهو إخبار المعتدة بانقضاء العدة في مدة يحتمل ~~الانقضاء في مثلها، فلا بد من بيان أقل المدة التي تصدق فيها المعتدة في ~~إقرارها بانقضاء عدتها، وجملة الكلام فيه أن المعتدة إن كانت من ذوات ~~الأشهر فإنها لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر في عدة الطلاق إن كانت حرة، ومن ~~شهر، ونصف إن كانت أمة، وفي عدة الوفاة لا تصدق في أقل من أربعة أشهر وعشر ~~إن كانت حرة، ومن شهرين، وخمسة أيام إن كانت أمة ولا خلاف في هذه الجملة، ~~وإن كانت من ذوات الأقراء فإن كانت معتدة من وفاة فكذلك لا تصدق في أقل مما ~~ذكرنا في الحرة، والأمة، وإن كانت معتدة من طلاق: فإن أخبرت بانقضاء عدتها ~~في مدة تنقضي في مثلها العدة يقبل قولها، وإن أخبرت في مدة لا تنقضي في ~~مثلها العدة لا يقبل ms1974 قولها إلا إذا فسرت ذلك بأن قالت: أسقطت سقطا مستبين ~~الخلق أو بعضه، فيقبل قولها، وإنما كان كذلك؛ لأنها أمينة في إخبارها عن ~~انقضاء عدتها فإن الله تعالى ائتمنها في ذلك بقوله عز وجل {ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} [البقرة: 228] قيل في التفسير: إنه الحيض، ~~والحبل، والقول قول الأمين مع اليمين كالمودع إذا قال: رددت الوديعة، أو ~~هلكت، فإذا أخبرت بالانقضاء في مدة تنقضي في مثلها يقبل قولها ولا يقبل إذا ~~كانت المدة مما لا تنقضي في مثلها العدة؛ لأن قول الأمين إنما يقبل فيما لا ~~يكذبه الظاهر. # والظاهر ههنا يكذبها، فلا يقبل قولها إلا إذا فسرت فقالت: أسقطت سقطا ~~مستبين الخلق أو بعض الخلق، مع يمينها، فيقبل قولها مع هذا التفسير؛ لأن ~~الظاهر لا يكذبها مع التفسير، ثم اختلف في أقل ما تصدق فيه المعتدة ~~بالأقراء: قال أبو حنيفة: أقل ما تصدق فيه الحرة ستون يوما. # وقال أبو يوسف، ومحمد: تسعة، وثلاثون يوما واختلفت الرواية في تخريج قول ~~أبي حنيفة فتخريجه في رواية محمد أنه يبدأ بالطهر خمسة عشر يوما ثم بالحيض ~~خمسة أيام ثم بالطهر خمسة عشر يوما ثم بالحيض خمسة أيام ثم بالطهر خمسة عشر ~~يوما ثم بالحيض خمسة أيام فتلك ستون يوما، وتخريجه على رواية الحسن أنه ~~يبدأ بالحيض عشرة أيام ثم بالطهر خمسة عشر يوما ثم بالحيض عشرة أيام ثم ~~بالطهر خمسة عشر يوما ثم بالحيض عشرة أيام فذلك ستون يوما، فاختلف التخريج ~~مع اتفاق الحكم، وتخريج قول أبي يوسف، ومحمد أنه يبدأ بالحيض ثلاثة أيام ثم ~~بالطهر خمسة عشر يوما ثم بالحيض ثلاثة أيام ثم بالطهر خمسة عشر يوما ثم ~~بالحيض ثلاثة أيام فذلك تسعة، وثلاثون يوما وجه قولهما أن المرأة أمينة في ~~هذا الباب، والأمين يصدق ما أمكن، وأمكن تصديقها ههنا بأن يحكم بالطلاق في ~~آخر الطهر فيبدأ بالعدة من الحيض فيعتبر أقله، وذلك ثلاثة، ثم أقل الطهر، ~~وهو خمسة عشر يوما ثم أقل الحيض ثم أقل الطهر ms1975 ثم أقل الحيض # PageV03P198 # فتكون الجملة تسعة، وثلاثين يوما وجه قول أبي حنيفة على تخريج محمد أن ~~المرأة، وإن كانت أمينة في الأقراء بانقضاء العدة لكن الأمين إنما يصدق ~~فيما لا يخالفه الظاهر، فأما فيما يخالفه الظاهر، فلا يقبل قوله، كالوصي ~~إذا قال: أنفقت على اليتيم في يوم واحد ألف دينار، وما قالاه خلاف الظاهر؛ ~~لأن الظاهر أن من أراد الطلاق فإنما يوقعه في أول الطهر، وكذا حيض ثلاثة ~~أيام نادر، وحيض عشرة نادر أيضا فيؤخذ بالوسط، وهو خمسة، واعتبار هذا ~~التخريج يوجب أن أقل ما تصدق فيه ستون يوما. # وأما الوجه على تخريج رواية الحسن فهو أن يحكم بالطلاق في آخر الطهر؛ لأن ~~الإيقاع في أول الطهر، وإن كان سنة لكن الظاهر هو الإيقاع في آخر الطهر؛ ~~لأنه يجرب نفسه في أول الطهر هل يمكنه الصبر عنها ثم يطلق فكان الظاهر هو ~~الإيقاع في آخر الطهر لا أنه يعتبر مدة الحيض عشرة أيام، وإن كانت أكثر ~~المدة؛ لأنا قد اعتبرنا في الطهر أقله، فلو نقصنا من العشرة في الحيض للزم ~~النقص في العدة فيفوت حق الزوج من كل وجه فيحكم بأكثر الحيض، وأقل الطهر ~~رعاية للحقين واعتبار هذا التخريج أيضا يوجب ما ذكرنا، وهو أن يكون أقل ما ~~تصدق فيه ستون. # وأما الأمة فعند أبي حنيفة أقل ما تصدق فيه على رواية محمد عنه أربعون ~~يوما، وهو أن يقدر كأنه طلقها في أول الطهر فيبدأ بالطهر خمسة عشر يوما ثم ~~بالحيض خمسة أيام ثم بالطهر خمسة عشر يوما ثم بالحيض خمسة أيام فذلك أربعون ~~يوما. # وأما على رواية الحسن فأقل ما تصدق فيه خمسة، وثلاثون يوما؛ لأنه يجعل ~~كأن الطلاق وقع في آخر الطهر فيبدأ بالحيض عشرة ثم بالطهر خمسة عشر يوما ثم ~~بالحيض عشرة فذلك خمسة، وثلاثون يوما فاختلف حكم روايتهما في الأمة واتفق ~~في الحرة. # وأما على قول أبي يوسف، ومحمد فأقل ما تصدق فيه إحدى، وعشرون يوما؛ ~~لأنهما يقدران الطلاق في آخر الطهر، ويبتدئان بالحيض ثلاثة أيام ms1976 ثم بالطهر ~~خمسة عشر يوما ثم بالحيض ثلاثة فذلك أحد، وعشرون يوما والله الموفق وأما ~~المعتدة إذا كانت نفساء بأن ولدت امرأته، وطلقها عقيب الولادة ثم قالت: ~~انقضت عدتي، قال أبو حنيفة في رواية محمد عنه: لا تصدق الحرة في أقل من ~~خمسة، وثمانين يوما؛ لأنه يثبت النفاس خمسة، وعشرين؛ لأنه لو ثبت أقل من ~~ذلك لاحتاج إلى أن يثبت بعده خمسة عشر يوما طهرا ثم يحكم بالدم فيبطل ~~الطهر؛ لأن من أصله أن الدمين في الأربعين لا يفصل بينهما طهر، وإن كثر حتى ~~لو رأت في أول النفاس ساعة دما، وفي آخرها ساعة كان الكل نفاسا عنده فجعل ~~النفاس خمسة، وعشرين يوما حتى يثبت بعده طهر خمسة عشر فيقع الدم بعد ~~الأربعين، فإذا كان كذلك كان بعد الأربعين خمسة حيضا، وخمسة عشر طهرا، ~~وخمسة حيضا، وخمسة عشر طهرا، وخمسة حيضا فذلك خمسة، وثمانون. # وأما على رواية الحسن عنه، فلا تصدق في أقل من مائة يوم؛ لأنه يثبت بعد ~~الأربعين عشرة حيضا، وخمسة عشر طهرا، وعشرة حيضا، وخمسة عشر طهرا، وعشرة ~~حيضا فذلك مائة. # وقال أبو يوسف لا تصدق في أقل من خمسة، وستين يوما؛ لأنه يثبت أحد عشر ~~يوما نفاسا؛ لأن العادة أن أقل النفاس يزيد على أكثر الحيض ثم يثبت خمسة ~~عشر يوما طهرا، وثلاثة حيضا، وخمسة عشر طهرا، وثلاثة حيضا، وخمسة عشر طهرا، ~~وثلاثة حيضا فذلك خمسة، وستون يوما. # وقال محمد لا تصدق في أقل من أربعة، وخمسين، وساعة؛ لأن أقل النفاس ما ~~وجد من الدم فيحكم بنفاس ساعة، وبعده خمسة عشر يوما طهرا، وثلاثة حيضا، ~~وخمسة عشر يوما طهرا، وثلاثة حيضا، وخمسة عشر طهرا، وثلاثة حيضا فذلك أربعة ~~وخمسون، وساعة، وإن كانت أمة فعلى رواية محمد عن أبي حنيفة لا تصدق في أقل ~~من خمسة، وستين يوما؛ لأنه يثبت بعد الأربعين خمسة حيضا، وخمسة عشر طهرا، ~~وخمسة حيضا فذلك خمسة، وستون، وعلى رواية الحسن عنه لا تصدق في أقل من ~~خمسة، وسبعين؛ لأنه يثبت بعد الأربعين ms1977 عشرة حيضا، وخمسة عشر طهرا، وعشرة ~~حيضا فذلك خمسة، وسبعون. # وقال أبو يوسف: لا تصدق في أقل من سبعة، وأربعين؛ لأنه يثبت أحد عشر يوما ~~نفاسا، وخمسة عشر طهرا، وثلاثة حيضا، وخمسة عشر طهرا، وثلاثة حيضا فذلك ~~سبعة، وأربعون يوما. # وقال محمد: لا تصدق في أقل من ستة، وثلاثين يوما، وساعة؛ لأنه يثبت ساعة ~~نفاسا، وخمسة عشر طهرا، وثلاثة حيضا، وخمسة عشر طهرا، وثلاثة حيضا فذلك ~~ستة، وثلاثون يوما، وساعة. # وأما الفعل فنحو أن تتزوج بزوج آخر بعدما مضت مدة تنقضي في مثلها العدة ~~حتى لو قالت لم تنقض عدتي لم تصدق لا في حق الزوج # PageV03P199 # الأول ولا في حق الزوج الثاني، ونكاح الزوج الثاني جائز؛ لأن إقدامها على ~~التزوج بعد مضي مدة يحتمل الانقضاء، في مثلها دليل الانقضاء والله الموفق. ### | [فصل في بيان انتقال العدة] # (فصل) : # وأما بيان انتقال العدة، وتغيرها، أما انتقال العدة فضربان: أحدهما: ~~انتقالها من الأشهر إلى الأقراء، والثاني: انتقالها من الأقراء إلى الأشهر، ~~أما الأول فنحو الصغيرة اعتدت ببعض الأشهر ثم رأت الدم تنتقل عدتها من ~~الأشهر إلى الأقراء؛ لأن الشهر في حق الصغيرة بدل عن الأقراء وقد تثبت ~~القدرة على المبدل، والقدرة على المبدل قبل حصول المقصود بالبدل يبطل حكم ~~البدل كالقدرة على الوضوء في حق المتيمم، ونحو ذلك، فيبطل حكم الأشهر ~~فانتقلت عدتها إلى الحيض، وكذا الآيسة إذا اعتدت ببعض الأشهر ثم رأت الدم ~~تنتقل عدتها إلى الحيض، كذا ذكر الكرخي. # وذكر القدوري أن ما ذكره أبو الحسن ظاهر الرواية التي لم يقدروا للإياس ~~تقديرا بل هو غالب على ظنها أنها آيسة؛ لأنها لما رأت الدم دل على أنها لم ~~تكن آيسة، وأنها أخطأت في الظن، فلا يعتد بالأشهر في حقها لما ذكرنا أنها ~~بدل، فلا يعتبر مع وجود الأصل. # وأما على الرواية التي وقتوا للإياس وقتا إذا بلغت ذلك الوقت ثم رأت بعده ~~الدم لم يكن ذلك الدم حيضا، كالدم الذي تراه الصغيرة التي لا يحيض مثلها، ~~وكذا ذكره الجصاص أن ذلك ms1978 في التي ظنت أنها آيسة، فأما الآيسة فما ترى من ~~الدم لا يكون حيضا. # ألا ترى أن وجود الحيض منها كان معجزة نبي من الأنبياء - عليهم الصلاة ~~والسلام - فلا يجوز أن يؤخذ إلا على وجه المعجزة. # كذا علل الجصاص. # وأما الثاني، وهو انتقال العدة من الأقراء إلى الأشهر فنحو ذات القرء ~~اعتدت بحيضة أو حيضتين ثم أيست تنتقل عدتها من الحيض إلى الأشهر فتستقبل ~~العدة بالأشهر؛ لأنها لما أيست فقد صارت عدتها بالأشهر لقوله عز وجل ~~{واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر} [الطلاق: ~~4] ، والأشهر بدل عن الحيض فلو لم تستقبل، وثبتت على الأول لصار الشيء ~~الواحد أصلا، وبدلا، وهذا لا يجوز، فإن قيل أليس أن من شرع في الصلاة ~~بالوضوء ثم سبقه الحدث فلم يجد ماء أنه يتيمم، ويبني على صلاته، وهذا جمع ~~بين البدل، والمبدل في صلاة واحدة فهلا جاز ذلك في العدة؟ فالجواب أن ~~الممتنع كون الشيء الواحد بدلا، وأصلا، وههنا كذلك؛ لأن العدة شيء واحد، ~~وفصل الصلاة ليس من هذا القبيل؛ لأن ذلك جمع بين البدل، والمبدل في شيء ~~واحد، وذلك غير ممتنع فإن الإنسان قد يصلي بعض صلاته قائما بركوع، وسجود، ~~وبعضها بالإيماء، ويكون جمعا بين البدل، والمبدل في صلاته، ومن هذا القبيل ~~إذا طلق امرأته ثم مات فإن كان الطلاق رجعيا انتقلت عدتها إلى عدة الوفاة ~~سواء طلقها في حالة المرض أو الصحة وانهدمت عدة الطلاق، وعليها أن تستأنف ~~عدة الوفاة في قولهم جميعا؛ لأنها زوجته بعد الطلاق إذ الطلاق الرجعي لا ~~يوجب زوال الزوجية، وموت الزوج يوجب على زوجته عدة الوفاة لقوله تعالى ~~{والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} ~~[البقرة: 234] كما لو مات قبل الطلاق، وإن كان بائنا أو ثلاثا فإن لم ترث ~~بأن طلقها في حالة الصحة لا تنتقل عدتها؛ لأن الله تعالى أوجب عدة الوفاة ~~على الزوجات بقوله عز وجل {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن} ~~[البقرة: 234] وقد زالت الزوجية بالإبانة، والثلاث فتعذر ms1979 إيجاب عدة الوفاة ~~فبقيت عدة الطلاق على حالها. # وإن ورثت بأن طلقها في حالة المرض ثم مات قبل أن تنقضي العدة فورثت اعتدت ~~بأربعة أشهر وعشر، فيها ثلاث حيض، حتى أنها لو لم تر في مدة الأربعة أشهر، ~~والعشر ثلاث حيض تستكمل بعد ذلك، وهذا قول أبي حنيفة، ومحمد، وكذلك كل ~~معتدة، ورثت. # كذا ذكر الكرخي، وعنى بذلك امرأة المرتد بأن ارتد زوجها بعدما دخل بها، ~~ووجبت عليها العدة ثم مات أو قتل، وورثته. # وذكر القدوري في امرأة المرتد روايتين عن أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ليس عليها إلا ثلاث حيض. # وجه قوله ما ذكرنا أن الشرع إنما أوجب عدة الوفاة على الزوجات وقد بطلت ~~الزوجية بالطلاق البائن إلا أنا بقيناها في حق الإرث خاصة لتهمة الفرار ممن ~~ادعى بقاءها في حق وجوب عدة الوفاة فعليه الدليل وجه قولهما أن النكاح لما ~~بقي في حق الإرث فلأن يبقى في حق وجوب العدة أولى؛ لأن العدة يحتاط في ~~إيجابها فكان قيام النكاح من وجه كافيا لوجوب العدة احتياطا فيجب عليها ~~الاعتداد # PageV03P200 # أربعة أشهر وعشرا فيها ثلاث حيض. # ولو حملت المعتدة في عدتها ذكر الكرخي أن من حملت في عدتها فالعدة أن تضع ~~حملها ولم يفصل بين المعتدة عن طلاق أو وفاة وقد فصل محمد بينهما فإنه قال ~~فيمن مات عن امرأته وهو صغير أو كبير ثم حملت بعد موته فعدتها الشهور، فهذا ~~نص على أن عدة المتوفى عنها زوجها لا تنتقل بوجود الحمل من الأشهر إلى وضع ~~الحمل، قال: وإن كانت في عدة الطلاق فحبلت بعد الطلاق وعلم بذلك فعدتها أن ~~تضع حملها. # وجه ما ذكره الكرخي أن وضع الحمل أصل العدد؛ لأن العدة وضعت لاستبراء ~~الرحم، ولا شيء أدل على براءة الرحم من وضع الحمل فيجب أن يسقط معه ما سواه ~~كما تسقط الشهور مع الحيض، والصحيح ما ذكره محمد أن عدة المتوفى عنها زوجها ~~لا تتغير بوجود الحمل بعد الوفاة ولا تنتقل من الأشهر إلى وضع الحمل بخلاف ~~عدة ms1980 الطلاق. # وجه الفرق بين العدتين أن عدة الوفاة إنما وجبت لاستبراء الرحم بدليل ~~أنها تتأدى بالأشهر مع وجود الحيض وكذا تجب قبل الدخول، وإنما وجبت لإظهار ~~التأسف على فوت نعمة النكاح، وكان الأصل في هذه العدة هو الأشهر إلا إذا ~~كانت حاملا وقت الوفاة فيتعلق بوضع الحمل فإذا كانت حاملا بقيت على حكم ~~الأصل فلا تتغير بوجود الحمل فلا تنتقل، بخلاف عدة الطلاق فإن المقصود منها ~~الاستبراء، ووضع الحمل أصل في الاستبراء فإذا قدرت عليه سقط ما سواه، أو ~~يحمل ما ذكره الكرخي على الخصوص وهي التي حبلت في عدة الطلاق، وذكر العام ~~على إرادة الخاص متعارف. # وقال محمد في عدة الطلاق: إنها إذا حبلت فإن لم يعلم أنها حبلت بعد ~~الطلاق ثم جاءت بولد لأكثر من سنتين فقد حكمنا بانقضاء عدتها بعد الوضع ~~لستة أشهر حملا لأمرها على الصلاح إذ الظاهر من حال المسلمة أن لا تتزوج في ~~عدتها فيحكم بانقضاء عدتها قبل التزوج، والله الموفق. ### | [فصل في تغيير العدة] # (فصل) : # وأما تغيير العدة فنحو الأمة إذا طلقت ثم أعتقت فإن كان الطلاق رجعيا ~~تتغير عدتها إلى عدة الحرائر؛ لأن الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية، فهذه حرة ~~وجبت عليها العدة وهي زوجته فتعتد عدة الحرائر كما إذا عتقها المولى ثم ~~طلقها الزوج، وإن كانت بائنا لا تتغير عندنا، وعند الشافعي تتغير فيهما ~~جميعا. # وجه قوله أن الأصل في العدة هو الكمال وإنما النقصان بعارض الرق فإذا ~~أعتقت فقد زال العارض وأمكن تكميلها فتكمل، ولنا أن الطلاق أوجب عليها عدة ~~الإماء؛ لأنه صادفها وهي أمة والإعتاق وجد وهي مبانة فلا يتغير الواجب بعد ~~البينونة كعدة الوفاة بخلاف الطلاق الرجعي؛ لأنه لا يوجب زوال الملك فوجد ~~الإعتاق وهي زوجته فوجبت عليها العدة وهي حرة فتعتد عدة الحرائر. # وهذا بخلاف الإيلاء بأن كانت الزوجة مملوكة وقت الإيلاء ثم أعتقت أنه ~~تنقلب عدتها إلى عدة الحرائر وإن كان الإيلاء طلاقا بائنا، وقد سوى بينه ~~وبين الرجعي في هذا الحكم، وإنما كان كذلك لأن ms1981 البينونة في الإيلاء لا تثبت ~~للحال وإنما تثبت بعد انقضاء المدة فكانت الزوجية قائمة للحال فأشبه الطلاق ~~الرجعي بأن طلقها الزوج رجعيا ثم أعتقها المولى، وهناك تنقلب عدتها عدة ~~الحرائر فكذا مدتها ههنا، بخلاف الطلاق البائن فإنه يوجب زوال الملك للحال ~~وقد وجبت عدة الإماء بالطلاق فلا تتغير بعد البينونة بالعتق، والله الموفق. # وأما المطلقة الرجعية إذا راجعها الزوج ثم طلقها قبل الدخول بها قال ~~أصحابنا: عليها عدة مستأنفة وقال الشافعي في أحد قوليه: إنها تكمل العدة. # وجه قوله أنها تعتد عن الطلاق الأول لا عن الثاني؛ لأن الثاني طلاق قبل ~~الدخول فلا يوجب العدة، ولنا أن الطلاق الثاني طلاق بعد الدخول؛ لأن الرجعة ~~ليست إنشاء النكاح بل هي فسخ الطلاق ومنعه عن العمل بثبوت البينونة بانقضاء ~~العدة فكانت مطلقة بالطلاق الثاني بعد الدخول فتدخل تحت قوله تعالى ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] . # ولو زوج أم ولده ثم مات عنها وهي تحت زوج أو في عدة من زوج فلا عدة عليها ~~بموت المولى؛ لأن العدة إنما تجب عليها بموت المولى لزوال الفراش فإذا كانت ~~تحت زوج أو في عدة من زوج لم تكن فراشا له لقيام فراش الزوج فلا تجب عليها ~~العدة فإن أعتقها المولى ثم طلقها الزوج فعليها عدة الحرائر؛ لأن إعتاق ~~المولى صادفها وهي فراش الزوج فلا يوجب عليها العدة، وطلاق الزوج صادفها ~~وهي حرة فعليها عدة الحرائر، ولو طلقها الزوج أولا ثم أعتقها المولى فإن # PageV03P201 # كان الطلاق رجعيا تتغير عدتها إلى عدة الحرائر، وإن كان بائنا لا تتغير ~~لما ذكرنا فيما تقدم، فإن انقضت عدتها ثم مات المولى فعليها بموت المولى ~~ثلاث حيض؛ لأنها لما انقضت عدتها من الزوج فقد عاد فراش المولى ثم زال ~~بالموت فتجب العدة لزوال الفراش، كما إذا مات قبل أن يزوجها، فإن مات ~~المولى والزوج فالأمر لا يخلو: إما إن علم أيهما مات أولا وإما أن لا يعلم، ~~وكل ذلك لا يخلو: إما إن علم كم بين موتيهما وإما إن لم ms1982 يعلم: فإن علم أن ~~الزوج مات أولا وعلم أن بين موتيهما أكثر من شهرين وخمسة أيام فعليها شهران ~~وخمسة أيام مدة عدة الأمة في وفاة الزوج، فإذا مات المولى فعليها ثلاث حيض؛ ~~لأنه مات بعد انقضاء عدتها من الوفاة فعليها العدة من المولى وذلك ثلاث ~~حيض، وإن كان بين موتيهما أقل من شهرين وخمسة أيام فكذلك عليها شهران وخمسة ~~أيام مدة عدة وفاة الزوج فإذا مات المولى لا شيء عليها بموته؛ لأنه مات وهي ~~في عدة الزوج وإن علم أن المولى مات أولا فلا عدة عليها من المولى؛ لأنها ~~تحت زوج فلم تكن فراشا للمولى فإذا مات الزوج فعليها أربعة أشهر وعشر عدة ~~الوفاة من الزوج؛ لأنها أعتقت بموت المولى، وعدة الحرة في الوفاة أربعة ~~أشهر وعشر، وإن لم يعلم أيهما مات أولا: فإن علم أن بين موتهما أكثر من ~~شهرين وخمسة أيام فعليها أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض، وتفسيره أنها إذا ~~لم تر ثلاث حيض في هذه الأربعة الأشهر والعشر تستكمل بعد ذلك؛ لأنه إن مات ~~الزوج أولا فقد وجب عليها شهران وخمسة أيام لأنها أمة وعدة الأمة من زوجها ~~المتوفى هذا القدر، ثم مات المولى بعد انقضاء عدتها فوجب عليها ثلاث حيض ~~عدة المولى. # وإن مات المولى أولا فقد عتقت بموته ولا عدة عليها منه؛ لأنها ليست فراشا ~~له، وعدة أم الولد من مولاها تجب بزوال الفراش فلما مات الزوج بعد موت ~~المولى فقد مات الزوج وهي حرة فوجب عليها عدة الحرائر في الوفاة وهي أربعة ~~أشهر وعشر فإذا في حال يجب عليها شهران وخمسة أيام وثلاث حيض، وفي حال يجب ~~أربعة أشهر وعشر والشهران يدخلان في الشهور فيجب عليها أربعة أشهر وعشر ~~فيها ثلاث حيض على التفسير الذي ذكرنا احتياطا، وإن علم أنه بين موتيهما ~~أقل من شهرين وخمسة أيام فعليها أربعة أشهر وعشر في قولهم جميعا؛ لأنه لا ~~حال ههنا لوجوب الحيض لأنه إن مات المولى أولا لم يجب بموته شيء لأنها تحت ~~زوج، فإذا ms1983 مات وجب عليها أربعة أشهر وعشر؛ لأنها عتقت بموت المولى، وعدة ~~الحرة في الوفاة أربعة أشهر وعشر، وإن مات الزوج أولا وجب عليها شهران ~~وخمسة أيام؛ لأنها أمة فإذا مات المولى بعده لا يجب عليها شيء بموته؛ لأنه ~~مات وهي في عدة الزوج فلم تكن فراشا له، فإذا في حال يجب عليها أربعة أشهر ~~وعشر فقط، وفي حال شهران وخمسة أيام فقط فأوجبنا الاعتداد بأكثر المدتين ~~احتياطا فإذا لم يعلم أيهما مات أولا ولم يعلم أيضا كم بين موتهما فقد ~~اختلف فيه: قال أبو حنيفة: عليها أربعة أشهر وعشر لا حيض فيها. # وقال أبو يوسف ومحمد: عليها أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض، وجه قولهما ~~أنه يحتمل أن الزوج مات أولا وانقضت العدة ثم مات المولى بعد انقضاء العدة ~~فيجب عليها ثلاث حيض، ويحتمل أن يكون المولى مات أولا فعتقت بموته ثم مات ~~الزوج فيجب أربعة أشهر وعشر فيراعى فيه الاحتياط فيجمع بين الأربعة الأشهر ~~والعشر والحيض ولأبي حنيفة قوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] وهذا تقدير لعدة الوفاة ~~بأربعة أشهر وعشر فلا يجوز الزيادة عليه إلا بدليل؛ ولأن الأصل في كل أمرين ~~حادثين لم يعلم تاريخ ما بينهما أن يحكم بوقوعهما معا كالغرقى والحرقى ~~والهدمى، وإذا حكم بموت الزوج مع موت المولى فقد وجبت عليها العدة وهي حرة ~~فكانت عدة الحرائر فلم يكن لإيجاب الحيض حال فلا يمكن إيجابها، والله عز ~~وجل أعلم. # وعلى هذا الأصل قال أبو يوسف: إذا تزوج أم الولد بغير إذن مولاها ودخل ~~بها الزوج ثم مات الزوج والمولى ولا يعلم أيهما مات أولا ولا كم بين موتيها ~~فعليها حيضتان في قياس قول أبي حنيفة؛ لأنه يحكم بموتهما معا، وفي قول أبي ~~يوسف يجب عليها ثلاث حيض في أربعة أشهر وعشر بناء على أصله في اعتبار ~~الاحتياط؛ لأنه يحتمل أن المولى مات أولا فنفذ النكاح لموته؛ لأنها عتقت ~~فجاز نكاحها بعتقها ثم مات الزوج وهي حرة فوجب # PageV03P202 # عليها ms1984 أربعة أشهر وعشر ويحتمل أنه مات الزوج أولا وانقضت عدتها ثم مات ~~المولى بعد انقضاء العدة فعليها عدة المولى ثلاث حيض فوجب عليها أربعة أشهر ~~وعشر فيها ثلاث حيض احتياطا، وإن علم أن بين موتيهما ما لا تحيض فيه حيضتين ~~فعليها أربعة أشهر وعشر فيها حيضتان؛ لأن عدة المولى قد سقطت، سواء مات ~~أولا أو آخرا إذا كان بين موتيهما ما لا تحيض فيه حيضتين ووقع التردد في ~~عدة الزوج؛ لأنه إن مات المولى أولا فعتقت نفذ نكاحها بعتقها فوجب عليها ~~عدة الحرائر بالوفاة، وإن مات الزوج أولا وجب عليها حيضتان فيجمع بينهما ~~احتياطا، ولو حاضت حيضتين بين موتيهما فعليها أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث ~~حيض؛ لأنه إن مات المولى أولا فعتقت فنفذ نكاحها فلما مات الزوج وجب عليها ~~عدة الشهور، وإن مات الزوج أولا ثم مات المولى بعد انقضاء العدة فيجب عليها ~~ثلاث حيض فيجمع بين الشهور والحيض احتياطا. # ولو اشترى الرجل زوجته وله منها ولد فأعتقها فعليها ثلاث حيض حيضتان من ~~النكاح تجتنب فيهما ما تجتنب المنكوحة وحيضة من العتق لا تجتنب فيها؛ لأنه ~~لما اشتراها فقد فسد نكاحها ووجبت عليها العدة فصارت معتدة في حق غيره وإن ~~لم تكن معتدة في حقه، بدليل أنه لا يجوز له أن يزوجها فإذا أعتقها صارت ~~معتدة في حقه وفي حق غيره؛ لأن المنافع من كونها معتدة في حقه هو إباحة ~~وطئها وقد زال ذلك بزوال ملك اليمين فزال المانع فظهر حكم العدة في حقه ~~أيضا فيجب عليها حيضتان من فساد النكاح وهما معتبران من الإعتاق أيضا، وعدة ~~النكاح يجب فيها الإحداد، وأما الحيضة الثالثة فإنما تجب من العتق خاصة. # وعدة العتق لا إحداد فيها، فإن كان طلقها قبل أن يشتريها تطليقة واحدة ~~بائنة ثم اشتراها حل له وطؤها وكان لها أن تتزين؛ لأن ملك اليمين سبب لحل ~~الوطء في الأصل لا لمانع، وماؤه لا يصلح مانعا لوطئه فصار كما لو جدد ~~النكاح فإذا حل له وطؤها سقط عنها الإحداد فإن ms1985 حاضت ثلاث حيض قبل العتق ثم ~~أعتقها فلا عدة عليها من النكاح وتعتد في العتق ثلاث حيض؛ لأنها وإن لم تكن ~~معتدة في حقه بعد الشراء فهي معتدة في حق غيره بدليل أنه لا يجوز له أن ~~يتزوجها فإذا مضت الحيض بعد وجوب العدة بوجه من الوجوه تعتد بها فإذا ~~أعتقها وجب عليها بالعتق عدة أخرى وهي عدة أم الولد ثلاث حيض. # وإذا اشترى المكاتب زوجته ثم مات وترك وفاء فأدت المكاتبة فسد النكاح قبل ~~الموت بلا فصل ووجبت عليها العدة من فساد النكاح حيضتان إذا كانت لم تلد ~~منه وقد دخل بها، أما فساد النكاح قبل موته بلا فصل فلأن المكاتب إذا مات ~~وترك وفاء فأدي يحكم بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته وإذا أعتق ملكها الآن ~~ففسد نكاحها. # وأما وجوب العدة عليها حيضتان فلأنها بانت وهي أمة فإن كانت ولدت فعليها ~~تمام ثلاث حيض؛ لأنها أم ولد فيجب عليها حيضتان بالنكاح والعتق وحيضة ~~بالعتق خاصة، فإن لم يترك وفاء ولم تلد منه فعليها شهران وخمسة أيام دخل ~~بها أو لم يدخل بها إذا لم تكن ولدت منه؛ لأنه لما مات عاجزا لم يفسد ~~نكاحها؛ لأنه مات عبدا فلم يملكها فمات عن منكوحته وهي زوجته أمة فيجب ~~عليها شهران وخمسة أيام عدة الأمة في الوفاة ويستوي فيه الدخول وعدم ~~الدخول؛ لأن العدة عدة الوفاة فإن كانت ولدت منه سعت وسعى ولدها على نجومه. # فإن عجزا فعدتها شهران وخمسة أيام لما بينا فإن أديا عتقا وعتق المكاتب، ~~فإن كان الأداء في العدة فعليها ثلاث حيض مستأنفة من يوم عتقا يستكمل فيها ~~شهرين وخمسة أيام من يوم مات المكاتب؛ لأن الأصل أن المكاتب إذا ترك ولدا ~~ولم يترك وفاء فاكتسب الولد وأدى يحكم بعتق المكاتب في الحال ويستند إلى ما ~~قبل الموت من طريق الحكم؛ لأنه إذا لم يترك وفاء فقد مات عاجزا في الظاهر ~~فلم يحكم بعتقه قبل موته مع العجز وإنما يحكم عند الأداء فيحكم بعتقه للحال ~~ثم ms1986 يستند فيعتق بعتقه ويجب عليها الحيض بعد العتق، بخلاف ما إذا ترك وفاء؛ ~~لأنه إذا كان له مال فالدين وهو بدل الكتابة ينتقل من ذمته إلى المال فيمنع ~~ظهور العجز فإذا أدى يحكم بسقوط دين الكتابة عنه وسلامته للمولى في آخر جزء ~~من أجزاء حياته فيعتق في ذلك الوقت، وعند زفر في الفصلين جميعا يحكم بعتقه ~~قبل الموت ويجعل الولد إذا أدى كالكسب إذا أدى عنه والمسألة تعرف في موضع ~~آخر فإن أديا فعتقا بعدما انقضت العدة بالشهرين وخمسة أيام فعليها ثلاث حيض ~~مستقبلة؛ لأن عدة الوفاة لما # PageV03P203 # انقضت تجدد وجوب عدة أخرى بالعتق فكان عليها أن تعتد بها. # وذكر ابن سماعة في نوادره عن محمد إذا اشترى المكاتب امرأته وولده منها ~~ومات وترك وفاء من ديون له أو مال فعدتها ثلاث حيض في شهرين وخمسة أيام ~~لأني لا أعلم يؤدى المال فيحكم بعتقه أو ينوي فيحكم بعجزه فوجب الجمع بين ~~العدتين، ولو تزوج المكاتب بنت مولاه ثم مات المولى ومات المكاتب وترك وفاء ~~فعليها أربعة أشهر وعشر دخل بها أو لم يدخل بها؛ لأن النكاح عندنا لا يفسد ~~بموت المولى، فإذا مات المكاتب عن منكوحته الحرة وجبت عليها عدة الحرائر، ~~وإن لم يترك وفاء فعليها ثلاث حيض إن كان قد دخل بها، وإن لم يكن دخل بها ~~فلا عدة عليها؛ لأنه مات عاجزا فملكته قبل موته وانفسخ النكاح ووجبت عليها ~~العدة بالفرقة في حال الحياة إن كان دخل بها وإلا فلا. ### | [فصل في أحكام العدة] # (فصل) : # وأما أحكام العدة فمنها أنه لا يجوز للأجنبي نكاح المعتدة لقوله تعالى ~~{ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} [البقرة: 235] قيل: أي لا ~~تعزموا على عقدة النكاح، وقيل: أي لا تعقدوا عقد النكاح حتى ينقضي ما كتب ~~الله عليها من العدة ولأن النكاح بعد الطلاق الرجعي قائم من كل وجه، وبعد ~~الثلاث والبائن قائم من وجه حال قيام العدة لقيام بعض الآثار، والثابت من ~~وجه كالثابت من كل وجه في باب الحرمات ms1987 احتياطا، ويجوز لصاحب العدة أن ~~يتزوجها؛ لأن النهي عن التزوج للأجانب لا للأزواج؛ لأن عدة الطلاق إنما ~~لزمتها حقا للزوج لكونها باقية على حكم نكاحه من وجه فإنما يظهر في حق ~~التحريم على الأجنبي لا على الزوج إذ لا يجوز أن يمنع حقه. # ومنها أنه لا يجوز للأجنبي خطبة المعتدة صريحا سواء كانت مطلقة أو متوفى ~~عنها زوجها، أما المطلقة طلاقا رجعيا فلأنها زوجة المطلق لقيام ملك النكاح ~~من كل وجه فلا يجوز خطبتها كما لا يجوز قبل الطلاق. # وأما المطلقة ثلاثا أو بائنا والمتوفى عنها زوجها فلأن النكاح حال قيام ~~العدة قائم من كل وجه لقيام بعض آثاره كالثابت من كل وجه في باب الحرمة ~~ولأن التصريح بالخطبة حال قيام النكاح من وجه وقوف موقف التهمة ورتع حول ~~الحمى؛ وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فلا يقفن مواقف التهم» وقال - صلى الله عليه وسلم - «من رتع حول ~~الحمى يوشك أن يقع فيه» فلا يجوز التصريح بالخطبة في العدة أصلا. # وأما التعريض فلا يجوز أيضا في عدة الطلاق ولا بأس به في عدة الوفاة، ~~والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أنه لا يجوز للمعتدة من طلاق الخروج من ~~منزلها أصلا بالليل ولا بالنهار فلا يمكن التعريض على وجه لا يقف عليه ~~الناس والإظهار بذلك بالحضور إلى بيت زوجها قبيح. # وأما المتوفى عنها زوجها فيباح لها الخروج نهارا فيمكن التعريض على وجه ~~لا يقف عليه سواها، والثاني أن تعريض المطلقة اكتساب عداوة وبغض فيما بينها ~~وبين زوجها إذ العدة من حقه بدليل أنه إذا لم يدخل بها لا تجب العدة، ومعنى ~~العداوة لا يتقدر بينها وبين الميت ولا بينها وبين ورثته أيضا؛ لأن العدة ~~في المتوفى عنها زوجها ليست لحق الزوج بدليل أنها تجب قبل الدخول بها فلا ~~يكون التعريض في هذه العدة تسبيبا إلى العداوة والبغض بينها وبين ورثة ~~المتوفى فلم يكن بها بأس، والأصل في جواز التعريض في عدة الوفاة قوله تعالى ~~{ولا ms1988 جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء} [البقرة: 235] واختلف أهل ~~التأويل في التعريض أنه ما هو؟ قال بعضهم: هو أن يقول لها إنك الجميلة وإني ~~فيك لراغب وإنك لتعجبينني أو إني لأرجو أن نجتمع أو ما أجاوزك إلى غيرك ~~وإنك لنافعة، وهذا غير سديد ولا يحل لأحد أن يشافه امرأة أجنبية لا يحل له ~~نكاحها للحال بمثل هذه الكلمات؛ لأن بعضها صريح في الخطبة وبعضها صريح في ~~إظهار الرغبة فلا يجوز شيء من ذلك، وإنما المرخص هو التعريض وهو أن يرى من ~~نفسه الرغبة في نكاحها بدلالة في الكلام من غير تصريح به إذ التعريض في ~~اللغة هو تضمين الكلام في الدلالة على شيء من غير التصريح به بالقول على ما ~~ذكر في الخبر أن فاطمة بنت قيس لما استشارت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وهي معتدة فقال لها «إذا انقضت عدتك فآذنيني فآذنته في رجلين كانا ~~خطباها، فقال لها: أما فلان فإنه لا يرفع العصا عن عاتقه وأما فلان فإنه ~~صعلوك لا مال له، فهل لك في أسامة بن زيد؟» فكان قوله - صلى الله عليه وسلم ~~- آذنيني كناية خطاب إلى أن أشار - عليه الصلاة والسلام - إلى أسامة بن زيد # PageV03P204 # وصرح به، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: التعريض بالخطبة أن ~~يقول لها: أريد أن أتزوج امرأة من أمرها كذا وكذا يعرض لها بالقول، والله ~~عز وجل أعلم. # ومنها حرمة الخروج من البيت لبعض المعتدات دون بعض، وجملة الكلام في هذا ~~الحكم أن المعتدة لا يخلو إما أن تكون معتدة من نكاح صحيح وإما أن تكون ~~معتدة من نكاح فاسد، ولا يخلو إما أن تكون حرة وإما أن تكون أمة بالغة أو ~~صغيرة عاقلة أو مجنونة مسلمة أو كتابية مطلقة أو متوفى عنها زوجها، والحال ~~حال الاختيار أو حال الاضطرار: فإن كانت معتدة من نكاح صحيح وهي حرة مطلقة ~~بالغة عاقلة مسلمة والحال حال الاختيار فإنها لا تخرج ليلا ولا نهارا سواء ~~كان الطلاق ثلاثا أو ms1989 بائنا أو رجعيا أما في الطلاق الرجعي فلقوله تعالى {لا ~~تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق: 1] قيل ~~في تأويل قوله عز وجل {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق: 1] إلا أن تزني ~~فتخرج لإقامة الحد عليها، وقيل: الفاحشة هي الخروج نفسه أي إلا أن يخرجن ~~فيكون خروجهن فاحشة، نهى الله تعالى الأزواج عن الإخراج والمعتدات عن ~~الخروج وقوله تعالى {أسكنوهن من حيث سكنتم} [الطلاق: 6] والأمر بالإسكان ~~نهي عن الإخراج والخروج ولأنها زوجته بعد الطلاق الرجعي لقيام ملك النكاح ~~من كل وجه فلا يباح لها الخروج كما قبل الطلاق إلا أن بعد الطلاق لا يباح ~~لها الخروج وإن أذن لها بالخروج بخلاف ما قبل الطلاق. # لأن حرمة الخروج بعد الطلاق لمكان العدة وفي العدة حق الله تعالى فلا ~~يملك إبطاله بخلاف ما قبل الطلاق؛ لأن الحرمة ثمة لحق الزوج خاصة فيملك ~~إبطال حق نفسه بالإذن بالخروج، ولأن الزوج يحتاج إلى تحصين مائه والمنع من ~~الخروج طريق التحصين للماء؛ لأن الخروج يريب الزوج أنه وطئها غيره فيشتبه ~~النسب إذا حبلت. # وأما في الطلاق الثلاث أو البائن فلعموم النهي ومساس الحاجة إلى تحصين ~~الماء على ما بينا. # وأما المتوفى عنها زوجها فلا تخرج ليلا ولا بأس بأن تخرج نهارا في ~~حوائجها؛ لأنها تحتاج إلى الخروج بالنهار لاكتساب ما تنفقه؛ لأنه لا نفقة ~~لها من الزوج المتوفى بل نفقتها عليها فتحتاج إلى الخروج لتحصيل النفقة، ~~ولا تخرج بالليل لعدم الحاجة إلى الخروج بالليل بخلاف المطلقة فإن نفقتها ~~على الزوج فلا تحتاج إلى الخروج حتى لو اختلعت بنفقة عدتها، بعض مشايخنا ~~قالوا؛ يباح لها الخروج بالنهار للاكتساب؛ لأنها بمعنى المتوفى عنها زوجها، ~~وبعضهم قالوا: لا يباح لها الخروج؛ لأنها هي التي أبطلت النفقة باختيارها ~~والنفقة حق لها فتقدر على إبطاله، فأما لزوم البيت فحق عليها فلا تملك ~~إبطاله، وإذا خرجت بالنهار في حوائجها لا تبيت عن منزلها الذي تعتد فيه، ~~والأصل فيه ما روي «أن فريعة أخت أبي سعيد الخدري - رضي ms1990 الله عنه - لما قتل ~~زوجها أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنته في الانتقال إلى بني ~~خدرة فقال لها: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» وفي رواية «لما ~~استأذنت أذن لها ثم دعاها فقال: أعيدي المسألة فأعادت فقال: لا، حتى يبلغ ~~الكتاب أجله» أفادنا الحديث حكمين: إباحة الخروج بالنهار، وحرمة الانتقال ~~حيث لم ينكر خروجها ومنعها - صلى الله عليه وسلم - من الانتقال، فدل على ~~جواز الخروج بالنهار من غير انتقال، وروى علقمة أن نسوة من همدان نعي إليهن ~~أزواجهن فسألن ابن مسعود - رضي الله عنه - فقلن إنا نستوحش فأمرهن أن ~~يجتمعن بالنهار فإذا كان الليل فلترح كل امرأة إلى بيتها وروي عن محمد أنه ~~قال: لا بأس أن تنام عن بيتها أقل من نصف الليل؛ لأن البيتوتة في العرف ~~عبارة عن الكون في البيت أكثر الليل، فما دونه لا يسمى بيتوتة في العرف، ~~ومنزلها الذي تؤمر بالسكون فيه للاعتداد هو الموضع الذي كانت تسكنه قبل ~~مفارقة زوجها وقبل موته سواء كان الزوج ساكنا فيه أو لم يكن؛ لأن الله ~~تعالى أضاف البيت إليها بقوله عز وجل {لا تخرجوهن من بيوتهن} [الطلاق: 1] ~~والبيت المضاف إليها هو الذي تسكنه، ولهذا قال أصحابنا إنها إذا زارت أهلها ~~فطلقها زوجها كان عليها أن تعود إلى منزلها الذي كانت تسكن فيه فتعتد ثمة؛ ~~لأن ذلك هو الموضع الذي يضاف إليها وإن كانت هي في غيره، وهذا في حالة ~~الاختيار. # وأما في حالة الضرورة فإن اضطرت إلى الخروج من بيتها بأن خافت سقوط ~~منزلها أو خافت على متاعها أو كان المنزل بأجرة ولا تجد ما تؤديه في أجرته ~~في عدة الوفاة فلا بأس عند ذلك أن تنتقل، وإن كانت تقدر على الأجرة لا ~~تنتقل، وإن كان المنزل لزوجها وقد مات عنها فلها أن تسكن في نصيبها إن كان # PageV03P205 # نصيبها من ذلك ما تكتفي به في السكنى وتستتر عن سائر الورثة ممن ليس ~~بمحرم لها، وإن كان نصيبها لا يكفيها أو خافت على متاعها منهم فلا ms1991 بأس أن ~~تنتقل، وإنما كان كذلك؛ لأن السكنى وجبت بطريق العبادة حقا لله تعالى ~~عليها، والعبادات تسقط بالأعذار، وقد روي أنه لما قتل عمر - رضي الله عنه - ~~نقل علي - رضي الله عنه - أم كلثوم - رضي الله عنها - لأنها كانت في دار ~~الإجارة، وقد روي أن عائشة - رضي الله عنها - نقلت أختها أم كلثوم بنت أبي ~~بكر - رضي الله عنه - لما قتل طلحة - رضي الله عنه - فدل ذلك على جواز ~~الانتقال للعذر، وإذا كانت تقدر على أجرة البيت في عدة الوفاة فلا عذر، فلا ~~تسقط عنها العبادة كالمتيمم إذا قدر على شراء الماء بأن وجد ثمنه وجب عليه ~~الشراء وإن لم يقدر لا يجب لعذر العدم. # كذا ههنا، وإذا انتقلت لعذر يكون سكناها في البيت الذي انتقلت إليه ~~بمنزلة كونها في المنزل الذي انتقلت منه في حرمة الخروج عنه؛ لأن الانتقال ~~من الأول إليه كان لعذر فصار المنزل الذي انتقلت إليه كأنه منزلها من الأصل ~~فلزمها المقام فيه حتى تنقضي العدة، وكذا ليس للمعتدة من طلاق ثلاث أو بائن ~~أن تخرج من منزلها الذي تعتد فيه إلى سفر إذا كانت معتدة من نكاح صحيح وهي ~~على الصفات التي ذكرناها، ولا يجوز للزوج أن يسافر بها أيضا لقوله تعالى و ~~{لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} [الطلاق: 1] وقوله عز وجل: " هن " كناية ~~عن المعتدات؛ ولأن الزوجية قد زالت بالثلاث والبائن فلا يجوز له المسافرة ~~بها، وكذا المعتدة من طلاق رجعي ليس لها أن تخرج إلى سفر سواء كان سفر حج ~~فريضة أو غير ذلك، لا مع زوجها ولا مع محرم غيره حتى تنقضي عدتها أو ~~يراجعها لعموم قوله تعالى {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} [الطلاق: 1] من ~~غير فصل بين خروج وخروج ولما ذكرنا أن الزوجية قائمة؛ لأن ملك النكاح قائم ~~فلا يباح لها الخروج؛ لأن العدة لما منعت أصل الخروج فلأن تمنع من خروج ~~مديد وهو الخروج من السفر أولى، وإنما استوى فيه سفر الحج وغيره وإن كان حج ~~الإسلام فرضا؛ ms1992 لأن المقام في منزلها واجب لا يمكن تداركه بعد انقضاء العدة ~~وسفر الحج واجب يمكن تداركه بعد انقضاء العدة؛ لأن جميع العمر وقته فكان ~~تقديم واجب لا يمكن تداركه بعد الفوت جمعا بين الواجبين فكان أولى، وليس ~~لزوجها أن يسافر بها عند أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر: له ذلك، واختلف مشايخنا في تخريج قول زفر، قال بعضهم: إنما قال ~~ذلك لأنه قد ثبت من أصل أصحابنا أن الطلاق الرجعي عدم في حق الحكم قبل ~~انقضاء العدة فكان الحال قبل الرجعة وبعدها سواء. # وقال بعضهم: إنما قال ذلك؛ لأن المسافرة بها رجعة عنده دلالة، ووجهه أن ~~إخراج المعتدة من بيت العدة حرام فلو لم يكن من قصده الرجعة لم يسافر بها ~~ظاهرا تحرزا عن الحرام فيجعل المسافرة بها رجعة دلالة حملا لأمره على ~~الصلاح صيانة له عن ارتكاب الحرام، ولهذا جعلنا القبلة واللمس عن شهوة ~~رجعة، كذا هذا ولنا قوله تعالى {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق: 1] نهى الأزواج عن الإخراج والنساء عن ~~الخروج، وبه تبين فساد التخريج الأول؛ لأن نص الكتاب العزير يقتضي حرمة ~~إخراج المعتدة وإن كان ملك النكاح قائما في الطلاق الرجعي فيترك القياس في ~~مقابلة النص، وإليه أشار أبو حنيفة فيما روي عنه أنه قال: لا يسافر بها؛ ~~ليس من قبل أنه غير زوج وهو زوج وهو بمنزلة المحرم لكن الله تعالى قال {لا ~~تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} [الطلاق: 1] وأما التخريج الثاني وهو قولهم: ~~إن مسافرة الزوج بها دلالة الرجعة فممنوع وما ذكروا أن الظاهر أنه يريد ~~الرجعة تحرزا عن الحرام فذلك فيما كان النهي في التحريم ظاهرا، فأما فيما ~~كان خفيا فلا، وحرمة إخراج المعتدة عن طلاق رجعي مع قيام ملك النكاح من كل ~~وجه مما لا يخفى عن الفقهاء فضلا عن العوام فلا يثبت الامتناع عنه من طريق ~~الدلالة مع ما أن الخلاف ثابت فيما إذا كان الزوج يقول: إنه لا يراجعها ~~نصا، ولا معتبر بالدلالة مع التصريح بخلافها. ms1993 # وإذا لم تكن المسافرة بها دلالة الرجعة فلو أخرجها لأخرجها مع قيام العدة ~~وهذا حرام بالنص، وقد قالوا فيمن خرجت محرمة فطلقها الزوج وبينها وبين ~~مصرها أقل من ثلاثة أيام أنها ترجع وتصير بمنزلة المحصر؛ لأنها صارت ممنوعة ~~من المضي في حجها لمكان العدة، فأما إذا راجعها الزوج فقد بطلت العدة وعادت ~~الزوجية فجاز له السفر بها، ويستوي الجواب في حرمة الخروج والإخراج إلى ~~السفر وما دون ذلك لعموم النهي إلا أن النهي # PageV03P206 # عن الخروج والإخراج إلى ما دون السفر أخف لخفة الخروج والإخراج في نفسه، ~~وإذا خرج مع امرأته مسافرا فطلقها في بعض الطريق أو مات عنها فإن كان بينها ~~وبين مصرها الذي خرجت منه أقل من ثلاثة أيام وبينها وبين مقصدها ثلاثة أيام ~~فصاعدا رجعت إلى مصرها؛ لأنها لو مضت لاحتاجت إلى إنشاء سفر وهي معتدة، ولو ~~رجعت ما احتاجت إلى ذلك فكان الرجوع أولى كما إذا طلقت في المصر خارج بيتها ~~أنها تعود إلى بيتها، كذا هذا. # وإن كان بينها وبين مصرها ثلاثة أيام فصاعدا وبينها وبين مقصدها أقل من ~~ثلاثة أيام فإنها تمضي؛ لأنه ليس في المضي إنشاء سفر، وفي الرجوع إنشاء سفر ~~والمعتدة ممنوعة عن السفر، وسواء كان الطلاق في موضع لا يصلح للإقامة ~~كالمفازة ونحوها أو في موضع يصلح لها كالمصر ونحوها، وإن كان بينهما وبين ~~مصرها ثلاثة أيام، وبينها وبين مقصدها ثلاثة أيام فصاعدا فإن كان الطلاق في ~~المفازة أو في موضع لا يصلح للإقامة بأن خافت على نفسها أو متاعها فهي ~~بالخيار إن شاءت مضت وإن شاءت رجعت؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر سواء ~~كان معها محرم أو لم يكن، وإذا عادت أو مضت فبلغت أدنى المواضع فهي ~~بالخيار، إن شاءت مضت وإن شاءت رجعت إلى التي تصلح للإقامة في مضيها أو ~~رجوعها، أقامت فيه واعتدت إن لم تجد محرما بلا خلاف، وإن وجدت فكذلك عند ~~أبي حنيفة؛ لأنه لو وجد الطلاق فيه ابتداء لكان لا يجوز لها أن تتجاوزه ~~عنده، ms1994 وإن وجدت محرما فكذا إذا وصلت إليه، وإن كان الطلاق في المصر أو في ~~موضع يصلح للإقامة اختلف فيه، قال أبو حنيفة: تقيم فيه حتى تنقضي عدتها ولا ~~تخرج بعد انقضاء عدتها إلا مع محرم، حجا كان أو غيره. # وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان معها محرم مضت على سفرها (وجه) قولهما أن ~~حرمة الخروج ليست لأجل العدة بل لمكان السفر بدليل أنه يباح لها الخروج إذا ~~لم يكن بين مقصدها ومنزلها مسيرة ثلاثة أيام، ومعلوم أن الحرمة الثابتة ~~للعدة لا تختلف بالسفر وغير السفر، وإذا كانت الحرمة لمكان السفر تسقط ~~بوجود المحرم، ولأبي حنيفة أن العدة مانعة من الخروج والسفر في الأصل إلا ~~أن الخروج إلى ما دون السفر ههنا سقط اعتباره؛ لأنه ليس بخروج مبتدإ بل هو ~~خروج مبني على الخروج الأول فلا يكون له حكم نفسه، بخلاف الخروج من بيت ~~الزوج؛ لأنه خروج مبتدأ فإذا كان من الجانبين جميعا مسيرة سفر كانت منشئة ~~للخروج باعتبار السفر فيتناوله التحريم، وما حرم لأجل العدة لا يسقط بوجود ~~المحرم. # (وأما) المعتدة في النكاح الفاسد فلها أن تخرج؛ لأن أحكام العدة مرتبة ~~على أحكام النكاح بل هي أحكام النكاح السابق في الحقيقة بقيت بعد الطلاق ~~والوفاة، والنكاح الفاسد لا يفيد المنع من الخروج فكذا العدة إلا إذا منعها ~~الزوج لتحصين مائه فله ذلك. # وأما الأمة والمدبرة وأم الولد والمكاتبة والمستسعاة على أصل أبي حنيفة ~~فيخرجن في ذلك كله من الطلاق والوفاة: أما الأمة فلما ذكرنا أن حال العدة ~~مبنية على حال النكاح ولا يلزمها المقام في منزل زوجها في حال النكاح كذا ~~في حال العدة؛ ولأن خدمتها حق المولى فلو منعناها من الخروج لأبطلنا حق ~~المولى في الخدمة من غير رضاه، وهذا لا يجوز إلا إذا بوأها مولاها منزلا ~~فحينئذ لا تخرج ما دامت على ذلك؛ لأنه رضي بسقوط حق نفسه، وإن أراد المولى ~~أن يخرجها فله ذلك؛ لأن الخدمة للمولى وإنما كان أعارها للزوج، وللمعير أن ~~يسترد العارية؛ ولما ذكرنا ms1995 أن حال العدة معتبرة بحال النكاح مرتبة عليها ~~ولو بوأها المولى في حال النكاح كان للزوج أن يمنعها من الخروج حتى يبدو ~~للمولى فكذا في حال العدة، وروى ابن سماعة عن محمد في الأمة إذا طلقها ~~زوجها وكان المولى مستغنيا عن خدمتها فلها أن تخرج وإن لم يأمرها؛ لأنه ~~قال: إذا جاز لها أن تخرج بإذنه جاز لها أن تخرج بكل وجه. # ألا ترى أن حرمة الخروج لحق الله تعالى فلو لزمها لم يسقط بإذنه وكذلك ~~المدبرة؛ لما قلنا، وكذلك أم الولد إذا طلقها زوجها أو مات عنها لأنها أمة ~~المولى وكذا إذا عتقت أو مات عنها سيدها لها أن تخرج؛ لأن عدتها عدة وطء ~~فكانت كالمنكوحة نكاحا فاسدا. # وأما المكاتبة فلأن سعايتها حق المولى إذ بها يصل المولى إلى حقه فلو ~~منعناها من الخروج لتعذرت عليها السعاية، والمعتق بعضها بمنزلة المكاتبة ~~عند أبي حنيفة وعندهما حرة، ولو أعتقت الأمة في العدة يلزمها فيما بقي من ~~عدتها ما يلزم الحرة؛ لأن المانع من # PageV03P207 # الخروج قد زال. # وأما الصغيرة فلها أن تخرج من منزلها إذا كانت الفرقة لا رجعة فيها، سواء ~~أذن الزوج لها أو لم يأذن؛ لأن وجوب السكنى في البيت على المعتدة لحق الله ~~تعالى وحق الزوج، وحق الله عز وجل لا يجب على الصبي، وحق الزوج في حفظ ~~الولد، ولا ولد منها، وإن كانت الفرقة رجعية فلا يجوز لها الخروج بغير إذن ~~الزوج؛ لأنها زوجته وله أن يأذن لها بالخروج، وكذا المجنونة لها أن تخرج من ~~منزلها؛ لأنها غير مخاطبة كالصغيرة إلا أن لزوجها أن يمنعها من الخروج ~~لتحصين مائه بخلاف الصغيرة فإن الزوج لا يملك منعها؛ لأن المنع في حق ~~المجنونة لصيانة الماء لاحتمال الحبل، والصغيرة لا تحبل والمنع من الطلاق ~~الرجعي لكونها زوجته. # وأما الكتابية فلها أن تخرج؛ لأن السكنى في العدة حق الله تعالى من وجه ~~فتكون عبادة من هذا الوجه، والكفار لا يخاطبون بشرائع هي عبادات إلا إذا ~~منعها الزوج من الخروج لتحصين مائه؛ ms1996 لأن الخروج حق في العدة وهو صيانة مائه ~~عن الاختلاط فإن أسلمت الكتابية في العدة لزمها فيما بقي من العدة ما يلزم ~~المسلمة؛ لأن المانع من اللزوم هو الكفر وقد زال بالإسلام، وكذا المجوسية ~~إذا أسلم زوجها وأبت الإسلام حتى وقعت الفرقة ووجبت العدة فإن كان الزوج قد ~~دخل بها لها أن تخرج؛ لما قلنا، إلا إذا أراد الزوج منعها من الخروج لتحصين ~~مائه، فإذا طلب منها ذلك يلزمها؛ لأن حق الإنسان يجب إبقاؤه عند طلبه، ولو ~~قبلت المسلمة ابن زوجها حتى وقعت الفرقة ووجبت العدة إذا كان بعد الدخول ~~فليس لها أن تخرج من منزلها؛ لأن السكنى في العدة فيها حق الله تعالى، وهي ~~مخاطبة بحقوق الله عز وجل وأما بعد انقضاء العدة فلها أن تخرج إلى ما دون ~~مسيرة سفر بلا محرم؛ لأنها تحتاج إلى ذلك فلو شرط له المحرم لضاق الأمر ~~عليها، وهذا لا يجوز، ولا يجوز لها أن تخرج إلى مسيرة سفر إلا مع المحرم ~~والأصل فيه ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا تسافر ~~المرأة فوق ثلاثة أيام إلا ومعها زوجها أو ذو رحم محرم منها» وسواء كان ~~المحرم من النسب أو الرضاع أو المصاهرة؛ لأن النص وإن ورد في ذي الرحم ~~المحرم فالمقصود هو المحرمية وهو حرمة المناكحة بينهما على التأبيد وقد وجد ~~فكان النص الوارد في ذي الرحم المحرم وارد في المحرم بلا رحم دلالة. # ومنها وجوب الإحداد على المعتدة والكلام في هذا الحكم في ثلاثة مواضع: ~~أحدها في تفسير الإحداد، والثاني في بيان أن الإحداد واجب في الجملة أولا، ~~والثالث في بيان شرائط وجوبه: أما الأول فالإحداد في اللغة عبارة عن ~~الامتناع من الزينة، يقال: أحدت على زوجها وحدت أي امتنعت من الزينة وهو أن ~~تجتنب الطيب ولبس المطيب والمعصفر والمزعفر، وتجتنب الدهن والكحل ولا تختضب ~~ولا تمتشط ولا تلبس حليا ولا تتشوف. # أما الطيب فلما روت أم سلمة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه ms1997 ~~وسلم - نهى المعتدة أن تختضب بالحناء. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: " الحناء طيب " فيدل على وجوب اجتناب ~~الطيب، ولأن الطيب فوق الحناء فالنهي عن الحناء يكون نهيا عن الطيب دلالة، ~~كالنهي عن التأفيف نهي عن الضرب والقتل دلالة، وكذا لبس الثوب المطيب ~~والمصبوغ بالعصفر والزعفران له رائحة طيبة فكان كالطيب وأما الدهن فلما فيه ~~من زينة الشعر، وفي الكحل زينة العين ولهذا حرم على المحرم جميع ذلك وهذا ~~في حال الاختيار، فأما في حال الضرورة فلا بأس به بأن اشتكت عينها فلا بأس ~~بأن تكتحل أو اشتكت رأسها فلا بأس أن تصب فيه الدهن أو لم يكن لها إلا ثوب ~~مصبوغ فلا بأس أن تلبسه لكن لا تقصد به الزينة؛ لأن مواضع الضرورة مستثناة. # وقال أبو يوسف: لا بأس أن تلبس القصب والخز الأحمر وذكر في الأصل وقال: ~~ولا تلبس قصبا ولا خزا تتزين به؛ لأن الخز والقصب قد يلبس للزينة وقد يلبس ~~للحاجة والرفاء فاعتبر فيه القصد، فإن قصد به الزينة لم يجز وإن لم يقصد به ~~جاز. # وأما الثاني وهو بيان أنه واجب أم لا فنقول لا خلاف بين الفقهاء أن ~~المتوفى عنها زوجها يلزمها الإحداد. # وقال نفاة القياس: لا إحداد عليها، وهم محجوجون بالأحاديث وإجماع الصحابة ~~- رضي الله عنهم - أما الأحاديث فمنها ما روي أن أم حبيبة - رضي الله عنها ~~- لما بلغها موت أبيها أبي سفيان انتظرت ثلاثة أيام ثم دعت بطيب. # وقالت: ما لي إلى الطيب من حاجة، لكن سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ~~ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا» وروي # PageV03P208 # أن امرأة مات زوجها فجاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تستأذنه ~~في الانتقال، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إن إحداكن كانت تمكث ~~في شر أحلاسها إلى الحول ثم تخرج فتلقي البعرة أفلا أربعة أشهر وعشرا» فدل ~~الحديث أن عدتهن من قبل نزول هذه الآية ms1998 كانت حولا وأنهن كن في شر أحلاسهن ~~مدة الحول ثم انتسخ ما زاد على هذه المدة وبقي الحكم فيما بقي على ما كان ~~قبل النسخ، وهو أن تمكث المعتدة هذه المدة في شر أحلاسها، وهذا تفسير ~~الحداد. # وأما الإجماع فإنه روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - منهم عبد ~~الله بن عمر وعائشة وأم سلمة وغيرهم - رضي الله عنهم - مثل قولنا وهو قول ~~السلف. # واختلف في المطلقة ثلاثا أو بائنا قال أصحابنا: يلزمها الحداد. # وقال الشافعي: لا يلزمها الحداد. # وجه قوله أن الحداد في المنصوص عليه إنما وجب لحق الزوج تأسفا على ما ~~فاتها من حسن العشرة وإدامة الصحبة إلى وقت الموت وهذا المعنى لم يوجد في ~~المطلقة؛ لأن الزوج أوحشها بالفرقة وقطع الوصلة باختيار ولم يمت عنها فلا ~~يلزمها التأسف، ولنا أن الحداد إنما وجب على المتوفى عنها زوجها لفوات ~~النكاح الذي هو نعمة في الدين خاصة في حقها لما فيه من قضاء شهوتها وعفتها ~~عن الحرام وصيانة نفسها عن الهلاك بدرور النفقة، وقد انقطع ذلك كله بالموت ~~فلزمها الإحداد إظهارا للمصيبة والحزن، وقد وجد هذا المعنى في المطلقة ~~الثلاث والمبانة فيلزمها الإحداد، وقوله: الإحداد في عدة الوفاة وجب لحق ~~الزوج لا يستقيم؛ لأنه لو كان لحق الزوج لما زاد على ثلاثة أيام كما في موت ~~الأب. # وأما الثالث في شرائط وجوبه فهي أن تكون المعتدة بالغة عاقلة مسلمة من ~~نكاح صحيح سواء كانت متوفى عنها زوجها أو مطلقة ثلاثا أو بائنا فلا يجب على ~~الصغيرة والمجنونة الكبيرة والكتابية والمعتدة من نكاح فاسد والمطلقة طلاقا ~~رجعيا، وهذا عندنا. # وقال الشافعي: يجب على الصغيرة والكتابية؛ وجه قوله أن الحداد من أحكام ~~العدة وقد لزمتها العدة فيلزمها حكمها، ولنا أن الحداد عبادة بدنية فلا تجب ~~على الصغيرة والكافرة كسائر العبادات البدنية من الصوم والصلاة وغيرهما ~~بخلاف العدة فإنها اسم لمضي زمان وذا لا يختلف بالإسلام والكفر والصغر ~~والكبر، على أن بعض أصحابنا قالوا: لا تجب عليهما العدة وإنما يجب علينا ms1999 أن ~~لا نتزوجهما ولا إحداد على أم الولد إذا أعتقها مولاها أو مات عنها؛ لأنها ~~تعتد من الوطء كالمنكوحة نكاحا فاسدا ولا إحداد على المعتدة من نكاح فاسد ~~فكذا عليها ولا إحداد على المطلقة طلاقا رجعيا؛ لأنه يجب إظهارا للمصيبة ~~على فوت نعمة النكاح، والنكاح بعد الطلاق الرجعي غير فائت بل هو قائم من كل ~~وجه فلا يجب الحداد بل يستحب لها أن تتزين لتحسن في عين الزوج فيراجعها ولا ~~إحداد في النكاح الفاسد؛ لأن النكاح الفاسد ليس بنعمة في الدين؛ لأنه معصية ~~ومن المحال إيجاب إظهار المصيبة على فوات المعصية بل الواجب إظهار السرور ~~والفرح على فواتها. # وأما الحرية فليست بشرط لوجوب الإحداد فيجب على الأمة والمدبرة وأم الولد ~~إذا كان لها زوج فمات عنها أو طلقها والمكاتبة والمستسعاة؛ لأن ما وجب له ~~الحداد لا يختلف بالرق والحرية فكانت الأمة فيه كالحرة والله أعلم. # ومنها وجوب النفقة والسكنى وهو مؤنة السكنى لبعض المعتدات دون بعض، وجملة ~~الكلام أن المعتدة إما إن كانت عن طلاق أو عن فرقة بغير طلاق وإما إن كانت ~~عن وفاة، ولا يخلو من أن تكون معتدة من نكاح صحيح أو فاسد أو ما هو في معنى ~~النكاح الفاسد: فإن كانت معتدة من نكاح صحيح عن طلاق فإن كان الطلاق رجعيا ~~فلها النفقة والسكنى بلا خلاف؛ لأن ملك النكاح قائم فكان الحال بعد الطلاق ~~كالحال قبله ولما نذكر من دلائل أخر، وإن كان الطلاق ثلاثا أو بائنا فلها ~~النفقة والسكنى إن كانت حاملا بالإجماع لقوله تعالى {وإن كن أولات حمل ~~فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] وإن كانت حائلا فلها النفقة ~~والسكنى عند أصحابنا. # وقال الشافعي لها السكنى ولا نفقة لها وقال ابن أبي ليلى: لا نفقة لها ~~ولا سكنى واحتجا بقوله تعالى {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن ~~حملهن} [الطلاق: 6] خص الحامل بالأمر بالإنفاق عليها فلو وجب الإنفاق على ~~غير الحامل لبطل التخصيص. # وروي عن فاطمة بنت قيس أنها قالت: «طلقني زوجي ثلاثا ms2000 فلم يجعل لي النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نفقة ولا سكنى» ولأن النفقة تجب بالملك، وقد زال ~~الملك بالثلاث والبائن إلا أن الشافعي يقول: عرفت وجوب السكنى في الحامل ~~بالنص بخلاف البائن، ولنا قوله تعالى {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} ~~[الطلاق: 6] # PageV03P209 # وفي قراءة عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - " أسكنوهن من حيث سكنتم ~~وأنفقوا عليهن من وجدكم " ولا اختلاف بين القراءتين لكن إحداهما تفسير ~~الأخرى كقوله عز وجل {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ~~وقراءة ابن مسعود - رضي الله عنه - " أيمانهما " وليس ذلك اختلاف القراءة ~~بل قراءته تفسير القراءة الظاهرة كذا هذا. # ولأن الأمر بالإسكان أمر بالإنفاق؛ لأنها إذا كانت محبوسة ممنوعة عن ~~الخروج لا تقدر على اكتساب النفقة فلو لم تكن نفقتها على الزوج ولا مال لها ~~لهلكت، أو ضاق الأمر عليها وعسر، وهذا لا يجوز وقوله تعالى {لينفق ذو سعة ~~من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} [الطلاق: 7] من غير فصل ~~بين ما قبل الطلاق وبعده في العدة، ولأن النفقة إنما وجبت قبل الطلاق ~~لكونها محبوسة عن الخروج والبروز لحق الزوج وقد بقي ذلك الاحتباس بعد ~~الطلاق في حالة العدة وتأبد بانضمام حق الشرع إليه؛ لأن الحبس قبل الطلاق ~~كان حقا للزوج على الخلوص وبعد الطلاق تعلق به حق الشرع حتى لا يباح لها ~~الخروج، وإن أذن الزوج لها بالخروج فلما وجبت به النفقة قبل التأكد فلأن ~~تجب بعد التأكد أولى. # وأما الآية ففيها أمر بالإنفاق على الحامل وأنه لا ينفي وجوب الإنفاق على ~~غير الحامل ولا يوجبه أيضا فيكون مسكونا موقوفا على قيام الدليل وقد قام ~~دليل الوجوب وهو ما ذكرنا. # وأما حديث فاطمة بنت قيس فقد رده عمر - رضي الله عنه - فإنه روي أنها لما ~~روت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة قال ~~عمر - رضي الله عنه -: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا بقول امرأة لا ندري ~~أصدقت أم كذبت وفي بعض الروايات قال: ms2001 لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا ونأخذ ~~بقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: لها السكنى والنفقة وقول عمر - رضي الله عنه - " لا ندع كتاب ربنا " ~~يحتمل أنه أراد به قوله عز وجل: أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من ~~وجدكم، كما هو قراءة ابن مسعود - رضي الله عنه - ويكون هذا قراءة عمر أيضا ~~ويحتمل أنه أراد قوله عز وجل {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه ~~فلينفق مما آتاه الله} [الطلاق: 7] مطلقا، ويحتمل أنه أراد بقوله: لا ندع ~~كتاب ربنا في السكنى خاصة وهو قوله عز وجل {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} ~~[الطلاق: 6] كما هو القراءة الظاهرة، وأراد بقوله - رضي الله عنه - " سنة ~~نبينا " ما روي عنه - رضي الله عنه - أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «لها النفقة والسكنى» ويحتمل أن يكون عند عمر - رضي الله ~~عنه - في هذا تلاوة رفعت عينها وبقي حكمها فأراد بقوله: " لا ندع كتاب ربنا ~~" تلك الآية كما روي عنه أنه قال في باب الزنا: كنا نتلوا في سورة الأحزاب: ~~الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالا من الله والله عزيز حكيم، ثم رفعت ~~التلاوة وبقي حكمها. # كذا ههنا وروي أن زوجها أسامة بن زيد كان إذا سمعها تتحدث بذلك حصبها بكل ~~شيء في يده. # وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت لها: لقد فتنت الناس بهذا ~~الحديث وأقل أحوال إنكار الصحابة على راوي الحديث أن يوجب طعنا فيه، ثم قد ~~قيل في تأويله إنها كانت تبدو على أحمائها أي تفحش عليهم باللسان من قولهم: ~~بذوت على فلان، أي فحشت عليه، أي كانت تطيل لسانها عليهم بالفحش فنقلها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت ابن أم مكتوم ولم يجعل لها نفقة ~~ولا سكنى؛ لأنها صارت كالناشزة إذ كان سبب الخروج منها، وهكذا نقول فيمن ~~خرجت من بيت زوجها في عدتها أو كان منها سبب أوجب الخروج أنها ms2002 لا تستحق ~~النفقة ما دامت في بيت غير الزوج، وقيل: إن زوجها كان غائبا فلم يقض لها ~~بالنفقة والسكنى على الزوج لغيبته؛ إذ لا يجوز القضاء على الغائب من غير أن ~~يكون عنه خصم حاضر، فإن قيل: روي أن زوجها خرج إلى الشام وقد كان وكل أخاه ~~فالجواب أنه إنما وكله بطلاقها ولم يوكله بالخصوصية، وقولهما إن النفقة تجب ~~لها بمقابلة الملك ممنوع فإن للملك ضمانا آخر وهو المهر على ما نذكر إن شاء ~~الله تعالى، وإنما تجب بالاحتباس، وقد بقي بعد الطلاق الثلاث والبائن فتبقى ~~النفقة وسواء كانت المعتدة عن طلاق كبيرة أو صغيرة مسلمة أو كتابية؛ لأن ما ~~ذكرنا من الدلائل لا يوجب الفصل، ولا نفقة ولا سكنى للأمة المعتدة عن طلاق ~~إذا لم يبوئها المولى بيتا؛ لأنه إذا لم يبوئها المولى بيتا فحق الحبس لم ~~يثبت للزوج. # ألا ترى أن لها أن تخرج فإن كان المولى قد بوأها بيتا فلها السكنى ~~والنفقة لثبوت حق الحبس للزوج، وكذلك # PageV03P210 # المدبرة وأم الولد إذا طلقهما وبوأهما المولى بيتا أو لم يبوئهما؛ لأن كل ~~واحدة منهما أمة، وكذا المكاتبة والمستسعاة على أصل أبي حنيفة، وإن أعتقت ~~أم الولد أو مات عنها مولاها فلا نفقة لها ولا سكنى؛ لأنها غير محبوسة. # ألا ترى أن لها أن تخرج فلا تجب لها النفقة والسكنى كالمعتدة من نكاح ~~فاسد؛ لأن عدتها كعدة المنكوحة نكاحا فاسدا، هذا إذا كانت معتدة عن طلاق من ~~نكاح صحيح فإن كانت معتدة من نكاح فاسد فلا سكنى لها ولا نفقة؛ لما ذكرنا ~~أن حال العدة معتبرة بحال النكاح ولا سكنى ولا نفقة في النكاح الفاسد، فكذا ~~في العدة منه، هذا إذا كانت معتدة عن طلاق فإن كانت معتدة عن فرقة بغير ~~طلاق من نكاح صحيح فإن كانت الفرقة من قبله فلها النفقة والسكنى كيفما كانت ~~الفرقة، وإن كانت من قبلها فإن كانت بسبب ليس بمعصية كالأمة إذا أعتقت ~~فاختارت نفسها، وامرأة العنين إذا اختارت الفرقة فلها السكنى والنفقة، وإن ~~كانت ms2003 بسبب هو معصية كالمسلمة قبلت ابن زوجها بشهوة قالوا: لا نفقة لها ولها ~~السكنى؛ لأن السكنى فيها حق الله تعالى وهي مسلمة مخاطبة بحقوق الله تعالى. # وأما النفقة فتجب حقا لها على الخلوص فإذا وقعت الفرقة من قبلها بغير حق ~~فقد أبطلت حق نفسها بخلاف المعتقة وامرأة العنين؛ لأن الفرقة وقعت من ~~قبلهما بحق فلا تسقط النفقة، هذا إذا كانت معتدة عن طلاق أو عن فرقة بغير ~~طلاق، فإن كانت معتدة عن وفاة فلا سكنى لها ولا نفقة في مال الزوج سواء ~~كانت حائلا أو حاملا فإن النفقة في باب النكاح لا تجب بعقد النكاح دفعة ~~واحدة كالمهر وإنما تجب شيئا فشيئا على حسب مرور الزمان، فإذا مات الزوج ~~انتقل ملك أمواله إلى الورثة فلا يجوز أن تجب النفقة والسكنى في مال ~~الورثة، وسواء كانت حرة أو أمة، كبيرة أو صغيرة، مسلمة أو كتابية؛ لأن ~~الحرة المسلمة الكبيرة لما لم تستحق النفقة والسكنى في عدة الوفاة فهؤلاء ~~أولى، وكذا المعتدة من نكاح فاسد في الوفاة لا سكنى لها ولا نفقة؛ لأنهما ~~لا يستحقان بالنكاح الصحيح في هذه العدة فبالنكاح الفاسد أولى، والله أعلم. # ومنها ثبوت النسب إذا جاءت بولد، والكلام في هذا الموضع في موضعين في ~~الأصل:. # أحدهما في بيان ما يثبت فيه نسب ولد المعتدة من المدة، والثاني في بيان ~~ما يثبت به نسبه من الحجة أي يظهر به: أما الأول فالأصل فيه أن أقل مدة ~~الحمل ستة أشهر؛ لقوله عز وجل {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] ~~جعل الله تعالى ثلاثين شهرا مدة الحمل والفصال جميعا ثم جعل سبحانه وتعالى ~~الفصال وهو الفطام في عامين بقوله تعالى {وفصاله في عامين} [لقمان: 14] ~~فيبقى للحمل ستة أشهر، وهذا الاستدلال منقول عن ابن عباس - رضي الله عنهما ~~- فإنه روى أن رجلا تزوج امرأة فجاءت بولد لستة أشهر فهم عثمان - رضي الله ~~عنه - برجمها فقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: أما إنه لو خاصمتكم بكتاب ~~الله لخصمتكم قال الله تعالى {وحمله وفصاله ثلاثون ms2004 شهرا} [الأحقاف: 15] ~~وقال سبحانه {وفصاله في عامين} [لقمان: 14] أشار إلى ما ذكرنا فدل أن أقل ~~مدة الحمل ستة أشهر وأكثرها سنتان عندنا. # وعند الشافعي أربع سنين، وهو محجوج بحديث عائشة - رضي الله عنها - أنها ~~قالت: «لا يبقى الولد في رحم أمه أكثر من سنتين ولو بفلكة مغزل» والظاهر ~~أنها قالت ذلك سماعا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن هذا باب لا ~~يدرك بالرأي والاجتهاد، ولا يظن بها أنها قالت ذلك جزافا وتخمينا فتعين ~~السماع، وأصل آخر أن كل مطلقة لم تلزمها العدة بأن لم تكن مدخولا بها فنسب ~~ولدها لا يثبت من الزوج إلا إذا علم يقينا أنه منه، وهو أن تجيء به لأقل من ~~ستة أشهر وكل مطلقة عليها العدة فنسب ولدها يثبت من الزوج إلا إذا علم ~~يقينا أنه ليس منه، وهو أن تجيء به لأكثر من سنتين، وإنما كان كذلك؛ لأن ~~الطلاق قبل الدخول يوجب انقطاع النكاح بجميع علائقه فكان النكاح من كل وجه ~~زائلا بيقين، وما زال بيقين لا يثبت إلا بيقين مثله فإذا جاءت بولد لأقل من ~~ستة أشهر من يوم الطلاق فقد تيقنا أن العلوق وجد في حال الفراش وأنه وطئها ~~وهي حامل منه إذ لا يحتمل أن يكون بوطء بعد الطلاق؛ لأن المرأة لا تلد لأقل ~~من ستة أشهر فكان من وطء وجد على فراش الزوج، وكون العلوق في فراشه يوجب ~~ثبوت النسب منه، فإذا جاءت بولد لستة أشهر فصاعدا لم يستيقن بكونه مولودا ~~على الفراش لاحتمال أن يكون بوطء بعد الطلاق، والفراش كان زائلا بيقين فلا ~~يثبت مع الشك، وعلى هذا يخرج ما إذا طلق امرأته قبل الدخول بها فجاءت بولد ~~لأقل # PageV03P211 # من ستة أشهر مذ طلقها أنه يلزمه لتيقننا بعلوقه حال قيام النكاح، وإذا ~~جاءت به لستة أشهر أو أكثر لا يلزمه لعدم التيقن بذلك، ويستوي في هذا الحكم ~~ذوات الأقراء وذوات الأشهر لما قلنا. # وعلى هذا يخرج ما إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج امرأة فطلقت ms2005 ~~فجاءت بولد أنها إن جاءت به لستة أشهر من وقت النكاح يثبت النسب؛ لأنها إذا ~~جاءت به لستة أشهر من وقت النكاح كان لأقل من ستة أشهر من وقت الطلاق؛ لأن ~~الطلاق يقع عقيب النكاح؛ لأن الحالف أوقعه كذلك. # ألا ترى أنه قال: فهي طالق " والفاء " للتعقيب بلا تراخي. # وقال زفر: لا يثبت النسب، وروي أن محمدا كان يقول مثل قوله ثم رجع. # وجه قول زفر أن إثبات النسب بعقد إمكان بوطء ولم يوجد؛ إذ ليس بين النكاح ~~والطلاق زمان يسع فيه الوطء بل كما وجد النكاح وقع الطلاق عقيبه بلا فصل ~~فلا يتصور الوطء فلا يثبت النسب، وإنا نقول يمكن تصوره بأن كان يخالط امرأة ~~فدخل الرجال عليه فتزوجها وهم يسمعون كلامه وأنزل من ساعته وإذا تصور الوطء ~~فالنكاح قائم مقام الوطء المنزل عند تصوره شرعا؛ لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - «الولد للفراش» وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت النكاح لا يثبت ~~النسب لأنا علمنا يقينا أنه لوطء وجد قبل النكاح. # ثم إذا جاءت به لستة أشهر من وقت النكاح حتى يثبت النسب يجب على الزوج ~~مهر كامل. # كذا ذكر في ظاهر الرواية؛ لأنها صارت في حكم المدخول بها وذكر أبو يوسف ~~في الأمالي أن القياس أن يجب عليه مهر ونصف مهر، نصف مهر بالطلاق قبل ~~الدخول، ومهر كامل بالدخول، ووجهه أن يجعل الطلاق واقعا كما تزوج فيجب نصف ~~مهر لوجود الطلاق قبل الدخول ثم يجعل واجبا بعد الدخول بناء على أن عنده أن ~~الطلاق غير واقع؛ لأنه يرى أن تعليق النكاح بالملك لا يصلح كما هو مذهب ~~الشافعي فيجب المهر بهذا الوطء ويثبت النسب؛ لأن المسألة مجتهد فيها فلا ~~يكون فعله زنا إلا أن أبا حنيفة استحسن وقال: لا يجب إلا مهر واحد؛ لأنها ~~كالمدخول بها من طريق الحكم فيتأكد المهر. # وإن طلقها بعد الدخول بها فجاءت بولد فجملة الكلام في المعتدة أن يقال: ~~المعتدة لا يخلو إما إن كانت معتدة عن طلاق أو غيره ms2006 من أسباب الفرقة، وإما ~~إن كانت معتدة من وفاة، وكل واحدة منهما لا يخلو من أن تكون من ذوات ~~الأقراء أو من ذوات الأشهر كانت أقرت بانقضاء العدة أو لم تقر، فإن كانت ~~معتدة عن طلاق فالطلاق لا يخلو إما أن يكون بائنا وإما أن يكون رجعيا، فإن ~~كان بائنا وهي من ذوات الأقراء ولم تكن أقرت بانقضاء العدة فجاءت بولد فإن ~~جاءت به إلى سنتين عند الطلاق لزمه؛ لأنه لا يحتمل أن يكون العلوق من وطء ~~حادث بعد الطلاق، ويحتمل أن يكون من وطء وجد في حال قيام النكاح وكانت ~~حاملا وقت الطلاق؛ لأن الولد يبقى في البطن إلى سنتين بالاتفاق، وهذا ظاهر ~~الاحتمالين إذ الظاهر من حال المسلمة أن لا تتزوج في العدة، وحمل أمور ~~المسلمين على الصلاح والسداد واجب ما أمكن؛ فيحمل عليه # أو نقول النكاح كان قائما بيقين والفراش كان ثابتا بيقين لقيام النكاح، ~~والثابت بيقين لا يزول إلا بيقين مثله فإذا كان احتمال العلوق على الفراش ~~قائما لم نستيقن بانقضاء العدة وزوال النكاح من كل وجه فلم نستيقن بزوال ~~الفراش فلا نحكم بالزوال بالشك، وإن جاءت به لأكثر من سنتين لم يلزمه إن ~~أنكره؛ لأنا تيقنا أنه ليس منه؛ لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين ~~فلا يثبت نسبه منه ما لم يدع فإذا ادعى ثبت النسب منه، وهل يشترط تصديقها ~~فيه؟ روايتان، واختلف في انقضاء عدتها. # قال أبو حنيفة ومحمد: يحكم بانقضائها قبل الولادة بستة أشهر وترد ما أخذت ~~من نفقته هذه المدة، وقال أبو يوسف: انقضاء عدتها بوضع الحمل ولا ترد شيئا ~~من النفقة. # وجه قوله أنه يحتمل أنه وطئها أجنبي بشهبة ويحتمل أن الزوج وطئها بشبهة ~~فلا ترد النفقة بالشك، ولهما أن الولد لا بد وأن يكون من وطء حادث بعد ~~الطلاق؛ لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين فلا يجوز أن يحمل على أن ~~الزوج وطئها؛ لأنه حرام ولا على أن أجنبيا وطئها بشبهة؛ لأن ذلك حرام ms2007 أيضا، ~~وظاهر حال المسلم التحرج عن الحرام فتعين الحمل على وطء حلال وهو الوطء في ~~نكاح صحيح فيحمل على أن عدتها قد انقضت وتزوجت، وأقل مدة الحمل ستة أشهر ~~فوجب رد نفقة ستة أشهر؛ لأنه تبين أنها لم تكن عليه، وقد خرج الجواب عما ~~ذكره أبو يوسف على أنا إن حملنا على أن أجنبيا وطئها # PageV03P212 # بشبهة تسقط النفقة عن زوجها؛ لأنهم قالوا في المنكوحة إذا تزوجت فحملت من ~~غير زوجها أنه لا نفقة لها عليه، وإن كانت أقرت بانقضاء العدة وذلك في مدة ~~تنقضي في مثلها العدة ثم جاءت بولد في سنتين، فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر ~~من يوم أقرت لزمه أيضا، وإن جاءت بولد لستة أشهر فصاعدا من وقت الإقرار لم ~~يلزمه؛ لأن الأصل أن المعتدة مصدقة في الإخبار عن انقضاء عدتها إذ الشرع ~~ائتمنها على ذلك فتصدق ما لم يظهر غلطها أو كذبها بيقين فإذا جاءت به لأقل ~~من ستة أشهر من وقت الإقرار ظهر غلطها أو كذبها؛ لأنه تبين أنها كانت معتدة ~~وقت الإقرار إذ المرأة لا تلد لأقل من ستة أشهر، فإقرارها بانقضاء العدة ~~وهي معتدة يكون غلطا أو يكون كذبا إذ هو إخبار عن الخبر لا على ما هو به، ~~وهذا حد الكذب فالتحق إقرارها بالعدم، وإذا جاءت به لستة أشهر أو أكثر لم ~~يظهر كذبها لاحتمال أنها تزوجت بعد إقرارها بانقضاء العدة فجاءت منه بولد ~~فلم يكن ولد زنا لكن ليس له نسب معروف فلزم تصديقها في إخبارها بانقضاء ~~عدتها على الأصل فلم يكن الولد من الزوج، وهذا الذي ذكرنا مذهبنا. # وقال الشافعي: إذا أقرت ثم جاءت بولد لتمام ستة أشهر يثبت نسبه ما لم ~~تتزوج. # وجه قوله أن إقرارها بانقضاء عدتها يتضمن إبطال حق الصبي وهو تضييع نسبه؛ ~~لأن النسب يثبت حقا للصبي فلا يقبل، ولنا ما ذكرنا أن الشرع ائتمنها في ~~الإخبار بانقضاء عدتها حيث نهاها عن كتمان ما في رحمها، والنهي عن الكتمان ~~أمر بالإظهار وأنه أمر بالقبول، وقوله ms2008 يتضمن إبطال حق الصبي في النسب ممنوع ~~فإن إبطال الحق بعد ثبوته يكون، والنسب ههنا غير ثابت لما ذكرنا في الطلاق ~~البائن، وإن جاءت به لأكثر من سنتين لزم الزوج أيضا وصار مراجعا لها، وإنما ~~كان كذلك؛ لأن العلوق حصل من وطء بعد الطلاق ويمكن حمله على الوطء الحلال ~~وهو وطء الزوج؛ لأن الطلاق الرجعي لا يحرم الوطء فيملك وطأها ما لم تقر ~~بانقضاء العدة، فوجب حمله عليه، ومتى حمل عليه صار مراجعا بالوطء فيثبت ~~النسب، وإن طال الزمان لجواز أن تكون ممتدة الطهر فوطئها في آخر الطهر ~~فعلقت فصار مراجعا. # فإن قيل هلا حمل عليه فيما إذا جاءت به لأقل من سنتين ليصير مراجعا لها ~~فالجواب أن هناك لا يمكن الحمل عليه؛ لأنه لو حمل عليه للزم إثبات الرجعة ~~بالشك؛ لأن الأمر محتمل يحتمل أن يكون العلوق من وطء بعد الطلاق فيكون رجعة ~~ويحتمل أن يكون من وطء قبله فلا يكون رجعة، فلا تثبت الرجعة مع الشك، أما ~~ههنا فلا يحتمل أن يكون العلوق من وطء قبل الطلاق؛ لأن الولد لا يبقى في ~~البطن أكثر من سنتين فتعين أن يكون من وطء بعد الطلاق وأمكن حمله على الوطء ~~الحلال فيحمل عليه فيصير مراجعا بالوطء فافترقا، وإن كانت أقرت بانقضاء ~~العدة في مدة تنقضي في مثلها العدة، فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر منذ أقرت ~~لزمه، وإن جاءت به لستة أشهر أو أكثر من وقت الإقرار لا يلزمه لما ذكرنا في ~~الطلاق البائن، هذا إذا كانت المعتدة من طلاق من ذوات الأقراء فأما إذا ~~كانت من ذوات الأشهر فإن كانت آيسة فجاءت بولد فإن كانت لم تقر بانقضاء ~~العدة فحكمها حكم ذوات الأقراء وقد ذكرناه، سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا ~~فإنها إذا جاءت بولد إلى سنتين من وقت الطلاق يثبت نسبه من الزوج؛ لأنها ~~لما ولدت علم أنها ليست بآيسة بل هي من ذوات الأقراء وإن كانت أقرت بانقضاء ~~عدتها فإن كانت أقرت به مفسرا بثلاثة أشهر فكذلك؛ ms2009 لأنه لما تبين أنها لم ~~تكن آيسة تبين أن عدتها لم تكن بالأشهر فلم يصح إقرارها بانقضاء عدتها ~~بالأشهر فالتحق إقرارها بالعدم فجعل كأنها لم تقر أصلا، وإن كانت أقرت به ~~مطلقا في مدة تصلح لثلاثة أقراء فإن ولدت لأقل من ستة أشهر منذ أقرت يثبت ~~النسب وإلا فلا؛ لأنه لما بطل اليأس بعد حمل إقرارها على الأقراء بالانقضاء ~~بالأشهر لبطلان الاعتداد بالأشهر فيحمل على الأقراء بالانقضاء بالأقراء ~~حملا لكلام العاقلة المسلمة على الصحة عند الإمكان. # وإن كانت صغيرة فجاءت بولد فالأمر لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما إن كانت ~~أقرت بانقضاء العدة بعد مضي ثلاثة أشهر، وإما إن كانت لم تقر ولكنها أقرت ~~أنها حامل في مدة العدة وهي الثلاثة الأشهر، وإما إن سكتت، وكل وجه على ~~وجهين: إما إن كان الطلاق بائنا وإما إن كان رجعيا. # فإن كانت أقرت بانقضاء العدة عند مضي ثلاثة أشهر ثم جاءت بولد فإن جاءت ~~به لأقل من ستة أشهر منذ أقرت ثبت النسب وإن جاءت به لستة أشهر أو أكثر لا ~~يثبت؛ لأن إقرار الصغيرة # PageV03P213 # بانقضاء عدتها مقبول في الظاهر؛ لأنها أعرف بعدتها من غيرها، ولهذا لو ~~أقرت بالبلوغ يقبل إقرارها غير أنها لما جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت ~~الإقرار فقد ظهر كذبها في إقرارها؛ لأنه تبين أنها كانت معتدة وقت الإقرار ~~فألحق إقرارها بالعدم. # وإذا جاءت به لستة أشهر فصاعدا لم يظهر كذبها في إقرارها لجواز أنها ~~تزوجت بعد انقضاء عدتها وهذا الولد منه، والطلاق البائن والرجعي في هذا ~~الوجه سواء، وإن لم تكن أقرت بانقضاء العدة ولكنها أقرت بالحمل في مدة ~~العدة فإن كان الطلاق بائنا يثبت النسب إلى سنتين من وقت الطلاق وإن كان ~~رجعيا يثبت إلى سبعة وعشرين شهرا؛ لأنها لما أقرت بالحمل في مدة العدة فقد ~~حكمنا ببلوغها فصار حكمها حكم البالغة فإذا جاءت بولد يثبت النسب إلى سنتين ~~من وقت الطلاق، وإن كان الطلاق بائنا لما مر أنه يحكم بالعلوق قبل الطلاق ~~فإذا ms2010 جاءت به لأكثر من سنتين لا يثبت لأنه يحمل على علوق حادث بعد الطلاق ~~وإن كان الطلاق رجعيا يثبت النسب إلى سنتين وثلاثة أشهر؛ لأنه ظهر أن ~~العلوق كان في العدة وعدتها ثلاثة أشهر والمعتدة من طلاق رجعي إذا علقت في ~~العدة يصير الزوج مراجعا لها، وإن جاءت به لأكثر من سبعة وعشرين شهرا لا ~~يثبت النسب؛ لأنه تبين أن العلوق كان بعد مضي الثلاثة الأشهر ولأن الولد لا ~~يبقى في البطن أكثر من سنتين فلا يصير مراجعا لها، وإن لم يقر بشيء اختلف ~~فيه قال أبو حنيفة ومحمد: سكوتها كإقرارها بانقضاء العدة أنها إن جاءت لأقل ~~من ستة أشهر من وقت الطلاق يثبت النسب وإن جاءت به لستة أشهر أو أكثر لا ~~يثبت سواء كان الطلاق بائنا أو رجعيا. # وقال أبو يوسف: سكوتها كإقرارها بالحمل أو دعوى الحمل أنه إن كان الطلاق ~~بائنا يثبت النسب إلى سنتين وإن كان رجعيا يثبت إلى سبعة وعشرين شهرا. # وجه قوله أن المراهقة يحتمل أن تكون عدتها بوضع الحمل لاحتمال أنها حبلت ~~ولم تعلم بذلك فما لم تقر بانقضاء عدتها لا يحكم بالانقضاء كالمتوفى عنها ~~زوجها، ولهما أن عدة الصغيرة ذات جهة واحدة وهي ثلاثة أشهر على اعتبار ~~الأصل إذ الأصل فيها عدم البلوغ فكان انقضاؤها بانقضاء ثلاثة أشهر كإقرارها ~~بانقضاء عدتها، ولو أقرت بانقضاء عدتها كان الجواب ما ذكرنا. # كذا هذا بخلاف المتوفى عنها زوجها أنه لا يحكم بانقضاء عدتها بمضي ~~الشهور؛ لأن عدتها ذات جهتين يحتمل أن تكون بالشهور ويحتمل أن تكون بوضع ~~الحمل فما لم تقر بانقضاء العدة لا يحكم بأحد الأمرين هذا الذي ذكرنا حكم ~~المعتدة عن طلاق وكل جواب عرفته في المعتدة من طلاق فهو الجواب في المعتدة ~~من غير طلاق من أسباب الفرقة. # وأما المتوفى عنها زوجها وهي مدخول بها فإن كانت من ذوات الأقراء فجاءت ~~بولد فإن جاءت به ما بينها وبين سنتين ولم تكن أقرت بانقضاء العدة يثبت نسب ~~ولدها من الزوج عند أصحابنا الثلاثة. ms2011 # وقال زفر: إذا لم تدع الحمل في مدة العدة ثم جاءت به لعشرة أشهر وعشرة ~~أيام لا يثبت النسب. # وجه قوله أن عدة المتوفى عنها زوجها هي الأشهر عند عدم الحمل، والأصل عدم ~~الحمل فإذا مضت أربعة أشهر وعشر يحكم بانقضاء عدتها فصار كأنها أقرت ~~بانقضاء العدة ثم جاءت بولد بعد ذلك، وهناك لو جاءت به لأقل من ستة أشهر من ~~وقت الإقرار يثبت النسب. # وإن جاءت به لستة أشهر فصاعدا لا يثبت كذا هذا، ولهذا كان الحكم في ~~الصغيرة ما وصفنا كذا في الكبيرة. # ولنا ما ذكرنا أن عدة المتوفى عنها زوجها ذات جهتين لجواز أن تكون حاملا ~~ولا يعلم ذلك فلا تنقضي عدتها بالأشهر فما لم تقر بانقضاء عدتها لا يحكم ~~بالانقضاء كالمعتدة من الطلاق وإن جاءت به لأكثر من سنتين لا يثبت لما مر ~~في عدة الطلاق بخلاف الصغيرة فإن عدتها ذات جهة واحدة؛ لأن الأصل فيها عدم ~~الحبل؛ لأن المحل لا يحتمل وإنما يصير محلا بالبلوغ وفيه شك فيبقى حكم ~~الأصل، فأما عدة الكبيرة فذات جهتين لما قررنا من الاحتمال والتردد فلا ~~يحكم بالانقضاء بالأشهر مع الاحتمال وإن أقرت بانقضاء عدتها ثم أتت بولد ~~فإن أتت به لأقل من ستة أشهر منذ أقرت يثبت النسب وإن جاءت به لتمام ستة ~~أشهر فهو على الاختلاف الذي ذكرناه في عدة الطلاق أنه لا يثبت النسب عندنا. # وعند الشافعي يثبت ما لم تتزوج. # وإن كانت من ذوات الأشهر فإن كانت آيسة أو صغيرة فحكمها في الفوات ما هو ~~حكمها في الطلاق وقد ذكرناه هذا الذي ذكرناه كله في عدة الطلاق وغيره من ~~الفراق وعدة الوفاة إذا جاءت المعتدة # PageV03P214 # بولد قبل التزويج بزوج آخر. # فأما إذا تزوجت بزوج آخر ثم جاءت بولد فالأمر لا يخلو من أربعة أوجه: إما ~~إن جاءت به لأقل من سنتين منذ طلقها الأول أو مات ولأقل من ستة أشهر منذ ~~تزوجها الثاني وإما إن جاءت به لأكثر من سنتين منذ طلقها الأول أو مات ~~ولستة ms2012 أشهر فصاعدا منذ تزوجها الثاني وإما إن جاءت به لأقل من سنتين منذ ~~طلقها الأول أو مات ولستة أشهر فصاعدا منذ تزوجها الثاني وإما إن جاءت به ~~لأكثر من سنتين منذ طلقها الأول أو مات ولأقل من ستة أشهر منذ تزوجها ~~الثاني فالولد للأول؛ لأنه لا يحتمل أن يكون من الثاني إذ المرأة لا تلد ~~لأقل من ستة أشهر ويحتمل أن يكون من الأول؛ لأن الولد يبقى في بطن أمه إلى ~~سنتين وفي الحمل عليه حمل أمرها على الصلاح وأنه واجب ما أمكن. # وإن جاءت به لأكثر من سنتين منذ طلقها الأول أو مات ولستة أشهر فصاعدا ~~منذ تزوجها الثاني فهو للثاني؛ لأنه لا يحتمل أن يكون من الأول إذ الظاهر ~~من حال العاقلة المسلمة أن لا تتزوج وهي معتدة الغير فصح نكاح الثاني فكان ~~مولودا على فراش صحيح فيثبت نسبه منه وإن جاءت به لأكثر من سنتين منذ طلقها ~~الأول أو مات ولأقل من ستة أشهر منذ تزوجها الثاني لم يكن للأول ولا ~~الثاني؛ لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين والمرأة لا تلد لأقل من ~~ستة أشهر وهل يجوز نكاح الثاني؟ في قول أبي حنيفة ومحمد جائز. # وعند أبي يوسف فاسد؛ لأنه إذا لم يثبت النسب من الأول ولا من الثاني كان ~~هذا الحمل من الزنا فيكون بمنزلة رجل تزوج امرأة وهي حامل من الزنا. # وذلك على هذا الاختلاف على قول أبي حنيفة ومحمد جاز نكاحها ولكن لا ~~يقربها حتى تضع، وعلى قول أبي يوسف لا يجوز النكاح ما لم تضع حملها هذا إذا ~~لم يعلم وقت التزوج أنها تزوجت في عدتها فإن علم ذلك وقع النكاح الثاني ~~فاسدا فجاءت بولد فإن النسب يثبت من الأول إن أمكن إثباته منه بأن جاءت به ~~لأقل من سنتين منذ طلقها الأول أو مات عنها ولستة أشهر فصاعدا منذ تزوجها ~~الثاني؛ لأن النكاح الثاني فاسد ومهما أمكن إحالة النسب إلى الفراش الصحيح ~~كان أولى وإن لم يمكن إثباته منه ms2013 وأمكن إثباته من الثاني فالنسب يثبت من ~~الثاني بأن جاءت به لأكثر من سنتين منذ طلقها الأول أو مات ولستة أشهر ~~فصاعدا منذ تزوجها الثاني؛ لأن النكاح الثاني وإن كان فاسدا لكن لما تعذر ~~إثبات النسب من النكاح الصحيح فإثباته من النكاح الفاسد أولى من الحمل على ~~الزنا، والله الموفق. # وإذا نعي إلى المرأة زوجها فاعتدت وتزوجت وولدت ثم جاء زوجها الأول فهي ~~امرأته؛ لأنها كانت منكوحته ولم يعترض على النكاح شيء من أسباب الفرقة ~~فبقيت على النكاح السابق ولكن لا يقربها حتى تنقضي عدتها من الثاني. # وأما الولد فقد اختلف فيه قال أبو حنيفة: هو للأول. # وقال أبو يوسف: إن كانت ولدته لأقل من ستة أشهر من حين وطئها الثاني فهو ~~للأول، وإن كانت ولدته لستة أشهر أو أكثر فهو للثاني، وقال محمد إن كانت ~~ولدته لسنتين من حين وطئها الثاني فهو للأول، وإن كانت ولدته لأكثر من ~~سنتين فهو للثاني وجه قول محمد أنها إذا كانت ولدته لسنتين من حين وطئها ~~الثاني أمكن حمله على الفراش الصحيح؛ لأن الولد يبقى في البطن إلى سنتين ~~فيحمل عليه وإذا كانت ولدته إلى سنتين فيحمل عليه وإذا كانت ولدته لأكثر من ~~سنتين لم يمكن حمله على الفراش الصحيح؛ لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من ~~سنتين فيحمل على الفراش الفاسد ضرورة. # وجه قول أبي يوسف أنها إذا ولدت لأقل من ستة أشهر من حين وطئها الثاني ~~تيقنا أنه ليس من الثاني؛ لأن المرأة لا تلد لأقل من ستة أشهر وأمكن حمله ~~على الفراش فيحمل عليه وإذا ولدت لستة أشهر أو أكثر فالظاهر أنه من الثاني. # وجه قول أبي حنيفة أن الفراش الصحيح للأول فيكون الولد للأول لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «الولد للفراش» ومطلق الفراش ينصرف إلى الصحيح، ~~والله الموفق للصواب. # وأما الثاني وهو بيان ما يثبت به نسب ولد المعتدة أي يظهر به. # فجملة الكلام فيه أن المرأة إذا ادعت أنها ولدت هذا الولد لستة أشهر فإن ~~صدقها ms2014 الزوج فقد ثبت ولادتها، سواء كانت منكوحة أو معتدة وإن كذبها تثبت ~~ولادتها بشهادة امرأة واحدة ثقة عند أصحابنا ويثبت نسبه منه حتى لو نفاه، ~~يلاعن. # وقال الشافعي: لا يثبت إلا بشهادة أربع نسوة ثقات. # (وجه) قوله أن هذا نوع شهادة فلا بد من اعتبار العدد فيه كسائر أنواع ~~الشهادات فيقام كل اثنتين منهن # PageV03P215 # مقام رجل فإذا كن أربعا يقمن مقام رجلين فيكمل العدد (ولنا) ما روي أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجاز شهادة القابلة في الولادة فدل على ~~جواز شهادتها في الولادة من غير اعتبار العدد ولأن الأصل فيما يقبل فيه قول ~~النساء بانفرادهن أنه لا يشترط فيه العدد منهن على هذا أصول الشرع كما في ~~رواية الإخبار والإخبار عن طهارة الماء ونجاسته وعن الوكالة وغير ذلك من ~~الديانات والمعاملات. # وقد خرج الجواب عما ذكره المخالف أن العدد شرط؛ لأن العدد إنما يشترط ~~فيما لا يقبل فيه قول النساء بانفرادهن وههنا يقبل فلا يشترط العدد فيهن. # ولو نفى الولد يلاعن؛ لأنه يثبت نسب الولد بالنكاح لا بشهادة القابلة، ~~وإنما الثابت بشهادتها الولادة وتعين أي الذي ولدته هذا لجواز أنها ولدت ~~ميتا أو حيا ثم مات فإذا نفى الولد فقد صار قاذفا لأمه بالزنا، وقذف الزوجة ~~بالزنا يوجب اللعان. # وكذلك إذا قال لأمته: إن كان في بطنك ولد فهو مني فشهدت امرأة على ~~الولادة تصير الجارية أم ولد؛ لأن النسب يثبت بفراش الملك عند الدعوة. # وقوله: إن كان في بطنك ولد فهو مني دعوى النسب والحاجة بعد ذلك إلى ~~الولادة وتعين الولد، وذلك يثبت بشهادة القابلة وإذا ثبت النسب صارت ~~الجارية أم ولد له ضرورة؛ لأن أمية الولد من ضرورات ثبوت النسب. # ولو قال لامرأته: إذا ولدت فأنت طالق، فقالت: ولدت، وأنكر الزوج الولادة ~~فشهدت قابلة على الولادة يثبت النسب بالإجماع # وإن لم يكن الزوج أقر بالحبل ولا كان الحبل ظاهرا فهل يقع الطلاق؟ قال ~~أبو حنيفة: لا يقع ما لم يشهد على الولادة رجلان أو رجل وامرأتان. ms2015 # وقال أبو يوسف ومحمد: يقع بشهادة القابلة إذا كانت عدلا. # (وجه) قولهما أن الولادة قد تثبت بشهادة القابلة بالإجماع ولهذا ثبت ~~النسب ومن ضرورة ثبوت الولادة وقوع الطلاق؛ لأنه معلق بها ولأبي حنيفة أن ~~شهادة القابلة حجة ضرورية؛ لأنها شهادة فرد ثم هو أنثى فيظهر فيما فيه ~~الضرورة، وفيما هو من ضرورات تلك الضرورة، والضرورة في الولادة، فيظهر ~~فيها، فتثبت الولادة، ووقوع الطلاق ليس من ضرورات الولادة لتصور الولادة ~~بدون الطلاق في الجملة فلا ضرورة إلى إثبات الولادة في حق وقوع الطلاق فلا ~~يثبت في حقه. # والنسب ما ثبت بالشهادة وإنما يثبت بالفراش لقيام النكاح، وإنما الثابت ~~بالشهادة الولادة، وتعين الولد ووقوع الطلاق ليس من ضرورات الولادة ولا من ~~ضرورات ثبوت النسب أيضا، فلم يكن من ضرورة الولادة وثبوت النسب وقوع ~~الطلاق، وإن كان الزوج قد أقر بالحبل أو كان الحبل ظاهرا يقع الطلاق بمجرد ~~قولها وإن لم تشهد القابلة في قول أبي حنيفة. # وعندهما لا يقع إلا بشهادة القابلة. # ولا خلاف في أن النسب لا يثبت بدون شهادة القابلة (وجه) قولهما أن المرأة ~~تدعي وقوع الطلاق والأصل أن المدعي لا يعطي شيئا بمجرد الدعوى؛ لأن دعوى ~~المدعي عارضها إنكار المنكر وقد قال - صلى الله عليه وسلم - " لو أعطي ~~الناس بدعواهم " الحديث إلا فيما لا يوقف عليه من جهة غيره فيجعل القول فيه ~~قوله للضرورة، كما في الحيض. # والولادة أمر يمكن الوقوف عليه من جهة غيرها فلا يقبل قولها فيه. # ولهذا لم يثبت النسب بقولها بدون شهادة القابلة. # كذا وقوع الطلاق؛ لأنها تدعي وهو ينكر. # والقول قول المنكر حتى يقيم للمدعي حجته. # وجه قول أبي حنيفة أنه قد ثبت الحبل وهو كون الولد في البطن بإقرار الزوج ~~بالحبل أو يكون الحبل ظاهرا وأنه يفضي إلى الولادة لا محالة؛ لأن الحمل ~~يوضع لا محالة فكانت الولادة أمرا كائنا لا محالة فيقبل فيه قولها كما في ~~دم الحيض حتى لو قال لامرأته: إذا حضت فأنت طالق، فقالت: حضت، يقع الطلاق. # كذا ههنا ms2016 إلا أنه لم يقبل قولها في حق إثبات النسب بدون شهادة القابلة؛ ~~لأنها متهمة في تعيين الولد فلا تصدق على التعيين في حق إثبات النسب ولا ~~تهمة في التعيين في حق وقوع الطلاق فتصدق فيه من غير شهادة القابلة، ونظيره ~~ما إذا قال لامرأته إذا حضت فأنت طالق وامرأتي الأخرى فلانة معك، فقالت ~~حضت، وكذبها الزوج تطلق هي ولا تطلق ضرتها ويثبت حيضها في حقها ولا يثبت في ~~حق ضرتها إلا بتصديق الزوج لكونها متهمة في حق ضرتها وانتفاء التهمة في حق ~~نفسها. # كذا ههنا، والله أعلم. # وإن كانت معتدة من طلاق بائن أو من وفاة فجاءت بولد إلى سنتين فأنكر ~~الزوج الولادة أو ورثته بعد وفاته وادعت هي فإن لم يكن الزوج أقر بالحبل ~~ولا كان الحبل ظاهرا لا يثبت النسب إلا بشهادة رجلين أو رجل # PageV03P216 # وامرأتين على الولادة في قول أبي حنيفة. # وعندهما يثبت بشهادة القابلة. # وجه قولهما أن النكاح بعد الطلاق البائن والوفاة باق في حق الفراش فلا ~~حاجة إلى ما يثبت به النسب كما في حال قيام النكاح، وإنما الحاجة إلى ~~الولادة وتعيين الولد وذلك يثبت بشهادة القابلة كما في حال قيام النكاح ~~ولأبي حنيفة أن الفراش لا يبقى بعد الولادة لانقطاع النكاح بجميع علائقه ~~بانقضاء العدة بالولادة وتصير أجنبية، فكان القضاء بثبوت الولادة بشهادة ~~القابلة قضاء بثبوت النسب لولد الأجنبية بشهادة النساء، ولا يجوز ذلك ولا ~~يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وإن كان الزوج قد أقر بالحبل أو ~~كان الحبل ظاهرا فالقول قولها في الولادة. # وإن لم تشهد لها قابلة في قول أبي حنيفة وعندهما لا تثبت الولادة بدون ~~شهادة القابلة، والكلام في الطرفين على النحو الذي ذكرنا. # وإن كانت معتدة من طلاق رجعي فكذلك ذكره في كتاب الدعوى وسوى بين الرجعي ~~والبائن؛ لأنها بعد انقضاء العدة أجنبية في الفصلين جميعا فلا تصدق على ~~الولادة إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين عند أبي حنيفة إذا لم يكن الزوج ~~مقرا بالحبل ولا كان الحبل ms2017 ظاهرا. # وإن كان قد أقر بالحبل أو كان الحبل ظاهرا فهو على الاختلاف الذي ذكرنا. # ولو مات الزوج وأتت امرأته بولد بعد وفاته ما بينها وبين الولادة سنتين ~~ولم يشهد على الولادة أحد لا القابلة ولا غيرها ولكن صدقها الورثة في أنها ~~ولدته، ذكر في الجامع الصغير أنه يثبت نسبه بقولهم. # وذكر في كتاب الدعوى أن نسب الولد يثبت إن كان ورثته ابنين أو ابنا ~~وبنتين، واختلاف العبارتين يرجع إلى أن ثبوت نسبه بتصديقهم من طريق الشهادة ~~أو من طريق الإقرار، فما ذكرنا في كتاب الدعوى يدل على أنه من طريق الشهادة ~~حيث شرط أن يكون الورثة ابنين أو ابنا وبنتين. # وما ذكرنا في الجامع يدل على أنه من طريق الإقرار؛ لأنه قال فصدقها ~~الورثة، والشهادة لا تسمى تصديقا في العرف # وكذا الحاجة إلى الشهادة عند المنازعة، ولا منازع ههنا ومن هذا إنشاء ~~الاختلاف بين مشايخنا فاعتبر بعضهم التصديق منه شهادة وبعضهم إقرارا، فمن ~~اعتبره شهادة قال لا يثبت نسبه إلا إذا كانت الورثة رجلين أو رجلا ~~وامرأتين، ويشترط لفظ الشهادة ومجلس الحكم، وإذا صدقها البعض وجحد البعض؛ ~~فإن صدقها رجلان منهم أو رجل وامرأتان يشارك الولد المقرين منهم والمنكرين ~~جميعا منهم في الميراث؛ لأن الشهادة حجة مطلقة فكانت حجة على الكل فيظهر ~~نسبه في حق الكل، ومن اعتبره إقرارا قال يثبت نسبه إذا صدقها جميع الورثة ~~سواء كانوا ذكورا أو إناثا ولا يراعى لفظ الشهادة ومجلس الحكم فإذا صدقها ~~بعض الورثة وجحد الباقون يثبت نسبه في حقهم ويشاركهم في نصيبهم من الميراث ~~ولا يثبت في حق غيرهم؛ لأن إقرارهم حجة في حقهم لا في حق غيرهم. # ومن هذا أيضا إنشاء الخلاف فيما إذا كان الوارث واحدا فصدقها في الولادة ~~فقال الكرخي: إن نسبه يثبت بإقراره في قولهم جميعا. # وذكر الطحاوي فيه الاختلاف فقال: لا يثبت نسبه في قول أبي حنيفة ومحمد، ~~وفي قول أبي يوسف يثبت كأنهما اعتبرا قوله شهادة، وشهادة الفرد لا تقبل ~~واعتبره أبو يوسف إقرارا وإقرار ms2018 الفرد مقبول، هذا إذا صدقها الورثة أو ~~بعضهم، فأما إذا لم يصدقها أحد منهم فهو على الاختلاف والتفصيل الذي ذكرنا ~~أن الزوج إذا لم يكن أقر بالحمل ولا كان الحمل ظاهرا لا يثبت نسبه إلا ~~بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين على الولادة عند أبي حنيفة وعندهما لا يثبت ~~نسبه بشهادة القابلة وإذا كان الزوج أقر بالحبل أو كان الحبل ظاهرا تثبت ~~الولادة بمجرد قولها ولدت عند أبي حنيفة. # وعندهما لا يثبت من غير شهادة القابلة، وقد مر الكلام في ذلك كله فيما ~~تقدم والله تعالى الموفق. # (رجل) قال لغلام هذا ابني ثم مات فجاءت أم الغلام فقالت أنا امرأته، لا ~~شك أن الغلام يرثه؛ لأنه ثبت نسبه منه بإقراره، وهل ترثه هذه أم لا؟ ذكر في ~~النوادر أنها ترثه استحسانا والقياس أن لا يكون لها الميراث. # (وجه) القياس أنه يحتمل أن تكون أم الغلام حرة ويحتمل أن تكون أمة، ولو ~~كانت حرة فيحتمل أن تكون هذه المرأة ويحتمل أن تكون غيرها، ولو كانت هذه ~~المرأة فيحتمل أن يكون وطئها بنكاح صحيح ويحتمل بنكاح فاسد أو بشبهة نكاح ~~فيقع الشك في الإرث فلا ترث بالشك. # (وجه) الاستحسان أن سبب الاستحقاق للإرث في حقها يثبت بإقراره بنسب الولد ~~وهو النكاح الصحيح؛ لأن المسألة مفروضة في امرأة معروفة # PageV03P217 # بالحرية وبأمومة هذا الولد فإذا أقر بنسب الولد أنه منه والنسب لا يثبت ~~إلا بالفراش. # والأصل في الفراش هو النكاح الصحيح فكان دعوى نسب الولد إقرارا منه أنه ~~من النكاح الصحيح فإذا صدقها يثبت النكاح ظاهرا فترثه؛ لأن العمل بالظاهر ~~واجب فأما إذا لم تكن معروفة بذلك وأنكرت الورثة كونها حرة أو أما له فلا ~~ميراث لها؛ لأن الأمر يبقى محتملا فلا ترث بالشك والاحتمال، والله الموفق. # ومما يتصل بحال قيام العدة عن الطلاق من الأحكام. # منها الإرث عند الموت وجملة الكلام فيه أن المعتدة لا تخلو إما إن كانت ~~من طلاق رجعي وإما إن كانت من طلاق بائن أو ثلاث والحال لا يخلو إما ms2019 إن ~~كانت حال الصحة وإما إن كانت حال المرض فإن كانت العدة من طلاق رجعي فمات ~~أحد الزوجين قبل انقضاء العدة ورثه الآخر بلا خلاف سواء كان الطلاق في حال ~~المرض أو في حال الصحة؛ لأن الطلاق الرجعي منه لا يزيل النكاح فكانت ~~الزوجية بعد الطلاق قبل انقضاء العدة قائمة من وجه والنكاح القائم من كل ~~وجه سبب لاستحقاق الإرث من الجانبين كما لو مات أحدهما قبل الطلاق، وسواء ~~كان الطلاق بغير رضاها أو برضاها فإن ما رضيت به ليس بسبب لبطلان النكاح ~~حتى يكون رضا ببطلان حقها في الميراث، وسواء كانت المرأة حرة مسلمة وقت ~~الطلاق أو مملوكة أو كتابية ثم أعتقت أو أسلمت في العدة؛ لأن النكاح بعد ~~الطلاق قائم من كل وجه ما دامت العدة قائمة وأنه سبب لاستحقاق الإرث. # وإن كانت من طلاق بائن أو ثلاث فإن كان ذلك في حال الصحة فمات أحدهما لم ~~يرثه صاحبه سواء كان الطلاق برضاها أو بغير رضاها، وإن كان في حال المرض ~~فإن كان برضاها لا ترث بالإجماع، وإن كان بغير رضاها فإنها ترث من زوجها ~~عندنا. # وعند الشافعي لا ترث. # ومعرفة هذه المسألة مبنية على معرفة سبب استحقاق الإرث وشرط الاستحقاق ~~ووقته أما السبب فنقول: لا خلاف أن سبب استحقاق الإرث في حقها النكاح فإن ~~الله عز وجل أدار الإرث فيما بين الزوجين على الزوجية بقوله سبحانه وتعالى ~~{ولكم نصف ما ترك أزواجكم} [النساء: 12] إلى آخر ما ذكر سبحانه من ميراث ~~الزوجين ولأن سبب الإرث في الشرع ثلاثة لا رابع لها: القرابة والولاء ~~والزوجية، واختلف في الوقت الذي يصير النكاح سببا لاستحقاق الإرث، وعند ~~الشافعي هو وقت الموت فإن كان النكاح قائما وقت الموت ثبت الإرث وإلا فلا. # واختلف مشايخنا، قال بعضهم: هو وقت مرض الموت، والنكاح كان قائما من كل ~~وجه من أول مرض الموت ولا يحتاج إلى إبقائه من وجه إلى وقت الموت ليصير ~~سببا. # وتفسير الاستحقاق عندهم هو ثبوت الملك من كل وجه للوارث من ms2020 وقت المرض ~~بطريق الظهور، ومن وجه وقت الموت مقصورا عليه وهو طريق الاستناد، وهما ~~طريقتا مشايخنا المتقدمين. # وقال بعضهم وهو طريق المتأخرين منهم إن النكاح القائم وقت مرض الموت سبب ~~لاستحقاق الإرث هو ثبوت حق الإرث من غير ثبوت الملك للوارث أصلا لا من كل ~~وجه ولا من وجه. # (وجه) قول الشافعي أن الإرث لا يثبت إلا عند الموت؛ لأن المال قبل الموت ~~ملك المورث بدليل نفاذ تصرفاته فلا بد من وجود السبب عند الموت، ولا سبب ~~ههنا إلا النكاح وقد زال بالإبانة والثلاث فلا يثبت الإرث، ولهذا لا يثبت ~~بعد انقضاء العدة ولا يرث الزوج منها بلا خلاف، ولو كان النكاح قائما في حق ~~الإرث لورث؛ لأن الزوجية لا تقوم بأحد الطرفين فدل أنها زائلة. # ولنا إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - والمعقول: أما الإجماع فإنه روي عن ~~ابن سيرين أنه قال: كانوا يقولون ولا يختلفون من فر من كتاب الله تعالى رد ~~إليه أي من طلق امرأته ثلاثا في مرضه فإنها ترثه ما دامت في العدة. # وهذا منه حكاية عن إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - ومثله لا يكذب. # وكذا روي توريث امرأة الفار عن جماعة من الصحابة من غير نكير، مثل عمر ~~وعثمان وعلي وعائشة وأبي بن كعب - رضي الله عنهم - فإنه روي عن إبراهيم ~~النخعي أنه قال: جاء عروة البارقي إلى شريح بخمس خصال من عند عمر - رضي ~~الله عنه - منهن أن الرجل إذا طلق امرأته وهو مريض ثلاثا ورثت منه ما دامت ~~في عدتها # وروي عن الشعبي أنه قال: إن أم البنين بنت عيينة بن حصن كانت تحت عثمان - ~~رضي الله عنه - فلما احتضر طلقها، وقد كان أرسل إليها بشرى فلما قتل أتت ~~عليا - رضي الله عنه - فذكرت له ذلك فقال علي - رضي الله عنه - تركها حتى ~~إذا أشرف على # PageV03P218 # الموت طلقها، فورثها. # وروي أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر الكلبية في مرضه آخر ~~تطليقاتها الثلاث وكانت تحته أم كلثوم بنت عقبة أخت عثمان بن ms2021 عفان فورثها ~~عثمان - رضي الله عنه - وروي أنه قال ما أتهمه ولكن لا أريد أن تكون سنة. # وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: إن ~~المطلقة ثلاثا وهو مريض ترثه ما دامت في العدة وروي عن أبي بن كعب ترثه ما ~~لم تتزوج فإن قيل إن ابن الزبير مخالف فإنه روي عنه أنه قال في قصة تماضر ~~ورثها عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ولو كنت أنا لم أورثها فكيف ينعقد ~~الإجماع مع مخالفته؟ فالجواب أن الخلاف لا يثبت بقوله هذا؛ لأنه محتمل ~~يحتمل أن يكون معنى قوله: لو كنت أنا لما ورثتها أي عندي أنها لا ترث ~~ويحتمل أن يكون معناه أي ظهر له من الاجتهاد والصواب ما لو كنت مكانه لكان ~~لا يظهر لي فكان تصويبا له في اجتهاده وأن الحق في اجتهاده فلا يثبت ~~الاختلاف مع الاحتمال بل حمله على الوجه الذي فيه تحقيق الموافقة أولى، ~~ويحتمل أنها كانت سألت الطلاق فرأى عثمان - رضي الله عنه - توريثها مع ~~سؤالها الطلاق فيرجع قوله: لو كنت أنا لما ورثتها إلى سؤالها الطلاق فلما ~~ورثها عثمان - رضي الله عنه - مع مسألتها الطلاق فعند عدم السؤال أولى على ~~أنه روي أن ابن الزبير - رضي الله عنه - إنما قال ذلك في ولايته وقد كان ~~انعقد الإجماع قبله منهم على التوريث فخلافه بعد وقوع الاتفاق منهم لا يقدح ~~في الإجماع؛ لأن انقراض العصر ليس بشرط لصحة الإجماع على ما عرف في أصول ~~الفقه. # وأما المعقول فهو أن سبب استحقاق الإرث وجد مع شرائط الاستحقاق فيستحق ~~الإرث كما إذا طلقها طلاقا رجعيا، ولا كلام في سبب الاستحقاق وشرائطه وإنما ~~الكلام في وقت الاستحقاق فنقول: وقت الاستحقاق هو مرض الموت أما على ~~التفسير الأول والثاني وهو ثبوت الملك من كل وجه أو من وجه فالدليل عليه ~~النص وإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - ودلالة الإجماع والمعقول: أما النص ~~فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إن ms2022 الله تعالى تصدق ~~عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة على أعمالكم» أي تصدق باستيفاء ~~ملككم عليكم في ثلث أموالكم زيادة على أعمالكم أخبر عن منة الله تعالى على ~~عباده أنه استبقى لهم الملك في ثلث أموالهم ليكون وسيلة إلى الزيادة في ~~أعمالهم بالصرف إلى وجوه الخير؛ لأن مثل هذا الكلام يخرج مخرج الإخبار عن ~~المنة، وآخر أعمارهم مرض الموت فدل على زوال ملكهم عن الثلثين إذ لو لم يزل ~~لم يكن ليمن عليهم بالتصدق بالثلث بل بالثلثين إذ الحكيم في موضع بيان ~~المنة لا يترك أعلى المنتين ويذكر أدناهما، وإذا زال ملكه عن الثلثين يئول ~~إلى ورثته؛ لأنهم أقرب الناس إليه فيرضى بالزوال إليهم لرجوع معنى الملك ~~إليه بالدعاء والصدقة وأنواع الخير بخلاف الأحاديث. # وأما إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإنه روي عن أبي بكر - رضي الله ~~عنه - أنه قال في مرض موته لعائشة - رضي الله عنها -: إني كنت نحلتك جداد ~~عشرين وسقا من مالي بالعالية وإنك لم تكوني حزتيه ولا قبضتيه وإنما هو ~~اليوم مال الوارث ولم تدع عائشة - رضي الله عنها - ولا أنكر عليه أحد وكان ~~ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - فيكون إجماعا منهم على أن مال ~~المريض في مرض موته يصير ملك الوارث من كل وجه أو من وجه. # وأما دلالة الإجماع فهي أنه لا ينفذ تبرعه فيما زاد على الثلث في حق ~~الأجانب، وفي حق الورثة لا ينفذ بشيء أصلا ورأسا حتى كان للورثة أن يأخذوا ~~الموهوب من يد الموهوب له من غير رضاه إذا لم يدفع القيمة ولو نفذ لما كان ~~لهم الأخذ من غير رضاه فدل عدم النفاذ على زوال الملك وإذا زال يزول إلى ~~الورثة لما بينا وأما المعقول فهو أن المال الفاضل عن حاجة الميت يصرف إلى ~~الورثة بلا خلاف والكلام فيما إذا فضل ووقع من وقت المرض الفراغ عن حوائج ~~الميت فهذه الدلائل تدل على ثبوت الملك من كل وجه للوارث في المال الفاضل ~~عن حوائج الميت فيدل ms2023 على ثبوت الملك من وجه لا محالة. # وأما على التفسير الثالث وهو ثبوت حق الملك رأسا فلدلالة الإجماع ~~والمعقول: أما دلالة الإجماع فهو أن ينقض تبرعه بعد الموت ولولا تعلق حق ~~الوارث بماله في مرض موته لكان التبرع تصرفا من أهل في محل مملوك له لا حق ~~للغير فيه فينبغي أن لا ينقض فدل حق النقض على تعلق الحق. # وأما المعقول فهو أن النكاح # PageV03P219 # حال مرض الموت صار وسيلة إلى الإرث عند الموت، ووسيلة حق الإنسان حقه؛ ~~لأنه ينتفع به والطلاق البائن والثلاث إبطال لهذه الوسيلة فيكون إبطالا ~~لحقها وذلك إضرار بها فيرد عليه، ويلحق بالعدم في حق إبطال الإرث في الحال ~~عملا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» فلم ~~يعمل الطلاق في الحال في إبطال سببية النكاح لاستحقاق الإرث وكونه وسيلة ~~إليه دفعا للضرر عنها وتأخر عمله فيه إلى ما بعد انقضاء العدة، وكذلك إذا ~~أبانها بغير طلاق بخيار البلوغ بأن اختار نفسه، وتقبيل ابنتها أو أمها ~~وردته أن ذلك إن كان في الصحة لا ترث هي منه ولا هو منها بالإجماع كما لو ~~أبانها بالطلاق لانعدام سبب الاستحقاق في وقت الاستحقاق وهو مرض الموت إلا ~~في الردة بأن ارتد الزوج في حال صحته فمات على الردة أو قتل أو لحق بدار ~~الحرب وهي في العدة فإنها ترث منه؛ لأن الردة من الزوج في معنى مرض الموت ~~لما نذكر إن شاء الله تعالى وإن كانت هذه الأسباب في حال المرض فهو على ~~الاختلاف الذي ذكرنا في الطلاق أنها ترث منه عندنا خلافا للشافعي ولا يرث ~~هو منها بالإجماع. # ولو جامعها ابنه مكرهة أو مطاوعة لا ترث، أما إذا كانت مطاوعة فلأنها ~~رضيت بإبطال حقها وإن كانت مكرهة فلم يوجد من الزوج إبطال حقها المتعلق ~~بالإرث لوقوع الفرقة بفعل غيره، وإن كانت البيونة من قبل المرأة كما إذا ~~قبلت ابن زوجها أو أباه بشهوة طائعة أو مكرهة أو اختارت نفسها في خيار ~~الإدراك أو ms2024 العتاق أو عدم الكفاءة فإن كان ذلك في حال الصحة فإنهما لا ~~يتوارثان بالإجماع كما إذا كانت البيونة من قبل الزوج، وكذا إذا ارتدت ~~بخلاف ردة الزوج في حال صحته. # ووجه الفرق أن ردة الزوج في معنى مرض موته؛ لأنها تفضي إلى الموت إلا أن ~~احتمال الصحة باحتمال الإسلام قائم فإذا قتل على الردة أو مات عليها فقد ~~زال الاحتمال، وكذا إذا ألحق بدار الحرب؛ لأن الظاهر أنه لا يعود فتقرر ~~المرض فتبين أن سبب الاستحقاق كان ثابتا في وقت الاستحقاق وهو مرض الموت ~~وأن سبب الفرقة وجد في مرض الموت فترث منه كما لو كان مريضا حقيقة فأما ~~ردتها فليست في معنى مرض موتها ليقال ينبغي أن يرث الزوج منها وإن كانت هي ~~لا ترث منه؛ لأنها لا تفضي إلى الموت؛ لأنها لا تقتل عندنا فلم يكن النكاح ~~القائم حال ردتها سببا لاستحقاق الإرث في حقه لانعدامه وقت الاستحقاق وهو ~~مرض الموت لذلك افترقا، والله عز وجل أعلم. # وإن كان في حال المرض فإن كان في حال مرض الزوج لا ترث منه وإن كانت في ~~العدة لعدم شرط الإرث وهو عدم رضاها بسبب الفرقة ولحصول الفرقة بفعل غير ~~الزوج، ويرث الزوج منها إن كان سبب الفرقة منها في مرضها وماتت قبل انقضاء ~~عدتها لوجوب سبب الاستحقاق في حقه وهو النكاح في وقت الاستحقاق وهو مرض ~~موتها ولوجود سبب إبطال حقه منها في حال المرض، والقياس فيما إذا ارتدت في ~~مرضها ثم ماتت في العدة أن لا يرثها زوجها وإنما يرثها استحسانا. # وجه القياس أن الفرقة لم تقع بفعلها؛ لأن فعلها الردة والفرقة لا تقع بها ~~وإنما تقع باختلاف الدينين ولا صنيع لها في ذلك فلم يوجد منها في مرضها ~~إبطال حق الزوج ليرد عليها فلا يرث منها. # وجه الاستحسان ما ذكرنا ولسنا نسلم أن الفرقة لم تقع بفعلها فإن الردة من ~~أسباب الفرقة وقد حصلت منها في حال تعلق حقه بالإرث وهو مرض موتها فيرث ~~منها والله عز وجل ms2025 أعلم. # وأما شرائط الاستحقاق فنوعان: نوع يعم أسباب الإرث كلها، ونوع يخص النكاح ~~أما الذي يعم الأسباب كلها فمنها شرط الأهلية وهو أن لا يكون الوارث مملوكا ~~ولا مرتدا ولا قاتلا، فلا يرث المملوك ولا المرتد من أحد ولا يرث القاتل من ~~المقتول، ودلائل هذه الجملة تذكر في كتاب الفرائض إن شاء الله تعالى. # ويعتبر وجود الأهلية منها وقت الطلاق ودوامها إلى وقت الموت حتى لو كانت ~~مملوكة أو كتابية وقت الطلاق لا ترث وإن أعتقت أو أسلمت في العدة؛ لأن ~~السبب لا ينعقد مفيدا للحكم بدون شرطه فإذا لم يكن وقت صيرورة النكاح سببا ~~للاستحقاق وهو مرض الموت من أهل الميراث لم ينعقد سببا فلا يعتبر حدوث ~~الأهلية بعد ذلك. # ولو كانت مسلمة وقت الطلاق ثم ارتدت في عدتها ثم أسلمت فلا ميراث لها. # وإن كانت من أهل الميراث وقت الطلاق أما على طريق الاستناد فلأن الحكم من ~~وجه يثبت عند الموت فلا بد من قيام السبب من وجه عنده ليثبت ثم يستند وقد ~~بطل بالردة رأسا # PageV03P220 # فتعين الاستناد، وكذا من يقول بثبوت الحل في المرض دون الملك يعتبر قيام ~~النكاح في حق الإرث عند الموت ولم يبق لبطلانه بالردة. # وأما على طريق الظهور المحض فيشكل تخريج هذه المسألة؛ لأنه تبين أن الملك ~~من كل وجه كان ثابتا للوارث وقت المرض، والنكاح كان قائما من كل وجه في ذلك ~~الوقت، والأهلية كانت موجودة، وبقاء السبب ليس بشرط لبقاء الحكم، وكذا ~~الأهلية شرط الثبوت لا شرط البقاء. # وهذا بخلاف ما إذا طلقها في مرضه ثم قبلت ابن زوجها أو أباه بشهوة في ~~عدتها ترث؛ لأنها بالتقبيل لم تخرج عن أهلية الإرث إذ ليس تحت التقبيل إلا ~~التحريم، والتحريم لا يبطل أهلية الإرث بخلاف الردة فإنها مبطلة للأهلية ~~ومنها شرط المحلية وهو أن يكون المتروك مالا فاضلا فارغا عن حوائج الميت ~~حاجة أصلية فلا يثبت الإرث في المال المشغول بحاجته الأصلية، ومنها اتحاد ~~الدين، ومنها اتحاد الدار لما نذكر إن شاء ms2026 الله تعالى في كتاب الفرائض. # وأما الذي يخص النكاح فشرطان: أحدهما قيام العدة حتى لو مات الزوج بعد ~~انقضاء عدتها لا ترث، وهذا قول عامة العلماء. # وقال ابن أبي ليلى هذا ليس بشرط وترث بعد انقضاء العدة ما لم تتزوج ~~والصحيح قول العامة؛ لأن جريان الإرث بعد الإبانة والثلاث ثبت بخلاف القياس ~~بإجماع الصحابة وهم شرطوا قيام العدة على ما روينا عنهم فصار شرطا بالإجماع ~~غير معقول فيتبع معقد الإجماع، ولأن العدة إذا كانت قائمة كان بعض أحكام ~~النكاح قائما من وجوب النفقة والسكنى والفراش وغير ذلك فأمكن إبقاؤه في حق ~~حكم الإرث فالتوريث يكون موافقا للأصول. # وإذا انقضت العدة لم يبق شيء من علائق النكاح فكان القول بالتوريث نصب ~~شرع بالرأي وهذا لا يجوز. # وقالوا فيمن طلق زوجته في مرضه ودام به المرض أكثر من سنتين فمات ثم جاءت ~~بولد بعد موته بشهر أنه لا ميراث لها في قول أبي حنيفة ومحمد. # وقال أبو يوسف لها الميراث بناء على انقضاء عدتها بالأقراء وبوضع الحمل ~~عندهما بالأقراء، وعنده بوضع الحمل. # وجه قول أبي يوسف أن الحمل حادث؛ لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من ~~سنتين فيحمل على أنها وطئت بشبهة فلا يحكم بانقضاء عدتها إلا بوضع الحمل ~~فلم تكن مقضية العدة عند موت الزوج فترث وهما يقولان لا شك أن الولد حصل ~~بوطء حادث بعد الطلاق فلا يخلو إما أن يحمل على أن الزوج وطئها أو غيره، لا ~~سبيل إلى الأول؛ لأن وطأه إياها حرام والظاهر من حاله أنه لا يرتكب الحرام. # ولا وجه للثاني؛ لأن غير الزوج إما أن وطئها بنكاح أو بشبهة والوطء بشبهة ~~حرام أيضا فتعين حمل أمرها على النكاح الصحيح وهو أن عدتها انقضت قبل ~~التزوج بستة أشهر ثم تزوجت فكانت عدتها منقضية قبل موت الزوج فلا ترث ولهذا ~~قال أبو حنيفة ومحمد أنها ترد نفقة ستة أشهر. # وقال أبو يوسف لا ترد والله عز وجل أعلم. # والثاني عدم الرضا منها بسبب الفرقة وشرطها، فإن ms2027 رضيت بذلك لا ترث؛ لأنها ~~رضيت ببطلان حقها، والتوريث ثبت نظرا لها لصيانة حقها فإذا رضيت بإسقاط ~~حقها لم تبق مستحقة للنظر وعلى هذا تخريج ما إذا قال لها في مرضه أمرك بيدك ~~أو اختاري فاختارت نفسها أو قال لها طلقي نفسك ثلاثا ففعلت أو قالت لزوجها ~~طلقني ثلاثا ففعل أو اختلعت من زوجها ثم مات الزوج وهي في العدة أنها لا ~~ترث؛ لأنها رضيت بسبب البطلان أو بشرطه أما إذا اختارت نفسها فلا شك فيه؛ ~~لأنها باشرت سبب البطلان بنفسها. # وكذا إذا أمرها بالطلاق فطلقت وكذا إذا سألته الطلاق فطلقها؛ لأنها رضيت ~~بمباشرة السبب من الزوج وفي الخلع باشرت الشرط بنفسها فكل ذلك دليل الرضا ~~ولو قالت لزوجها طلقني للرجعة فطلقها ثلاثا ورثت؛ لأن ما رضيت به وهو ~~الطلاق الرجعي ليس بسبب لبطلان الإرث وما هو سبب البطلان وهو ما أتى به ~~الزوج ما رضيت به فترث. # وعلى هذا يخرج ما إذا علق الطلاق في مرضه أو صحته بشرط وكان الشرط في ~~المرض، وجملة الكلام فيه أن الأمر لا يخلو إما إن كان التعليق ووجود الشرط ~~جميعا في الصحة، وإما إن كانا جميعا في المرض، وإما إن كان أحدهما في الصحة ~~والآخر في المرض ولا يخلو إما إن علق بفعل نفسه أو بفعلها أو بفعل أجنبي أو ~~بأمر سماوي فإن كان التعليق ووجود الشرط جميعا في الصحة لا شك أنها لا ترث ~~أي شيء كان المعلق به لانعدام سبب استحقاق الإرث في وقت الاستحقاق وهو وقت ~~مرض # PageV03P221 # الموت وإن كانا جميعا في المرض فإنها ترث أي شيء كان المعلق به لوجود سبب ~~الاستحقاق في وقته وانعدام الرضا منها ببطلان حقها إلا إذا كان التعليق ~~بفعلها الذي لها منه بد فإنها لا ترث لوجود الرضا منها بالشرط؛ لأنها فعلت ~~من اختيار ولو أجل العنين وهو مريض ومضى الأجل وهو مريض وخيرت المرأة ~~فاختارت نفسها فلا ميراث لها؛ لأن الفرقة وقعت باختيارها؛ لأنها تقدر أن ~~تصبر عليه فإذا لم تصبر واختارت ms2028 نفسها وقد باشرت سبب بطلان حقها باختيارها ~~ورضاها فلا ترث. # ولو آلى منها وهو مريض وبانت بالإيلاء وهو مريض ورثت ما دامت في العدة ~~لوجود سبب الاستحقاق في وقته مع شرائطه ولو كان صحيحا وقت الإيلاء وانقضت ~~مدة الإيلاء وهو مريض لم ترث لعدم سبب الاستحقاق في وقته؛ لأنه باشر الطلاق ~~في صحته ولم يصنع في المرض شيئا. # ولو قذف امرأته في المرض أو لاعنها في المرض ورثت في قولهم جميعا؛ لأن ~~سبب الفرقة وجد في وقت تعلق حقها بالإرث ولم يوجد منها دليل الرضا ببطلان ~~حقها لكونها مضطرة إلى المطالبة باللعان لدفع الشين عن نفسها والزوج هو ~~الذي اضطرها بقذفه فيضاف فعلها إليه كأنه أكرهها عليه. # وإن كان القذف في الصحة واللعان في المرض ورثت في قول أبي حنيفة وأبي ~~يوسف، وعند محمد لا ترث. # وجه قوله أن سبب الفرقة وجد من الزوج في حال لم يتعلق حقها بالإرث وهو ~~حال الصحة، والمرأة مختارة في اللعان فلا يضاف إلى الزوج. # ولهما أن فعل المرأة يضاف إلى الزوج؛ لأنها مضطرة في المطالبة باللعان ~~لاضطرارها إلى دفع العار عن نفسها والزوج هو الذي ألجأها إلى هذا فيضاف ~~فعلها إليه كأنه أوقع الفرقة في المرض والله عز وجل أعلم. # وإن كان أحدهما في الصحة والآخر في المرض فإن كان التعليق في الصحة ~~والشرط في المرض فإن كان التعليق بأمر سماوي بأن قال لها إذا جاء رأس شهر ~~كذا فأنت طالق، فجاء وهو مريض ثم مات وهي في العدة لا ترث عند أصحابنا ~~الثلاثة، وعند زفر ترث. # وجه قوله أن المعلق بالشرط كالمنجز عند الشرط فيصير قائلا عند الشرط أنت ~~طالق ثلاثا وهو مريض. # (ولنا) أن الزوج لم يصنع في مرض موته شيئا لا السبب ولا الشرط ليرد عليه ~~فعله فلم يصر فارا، وقوله المعلق بالشرط يجعل منجزا عند الشرط ممنوع بل يقع ~~الطلاق بالكلام السابق من غير أن يقدر باقيا إلى وقت وجود الشرط على ما عرف ~~في مسائل الخلاف. # وكذا إن ms2029 كان بفعل أجنبي سواء كان منه بد كقدوم زيد أو لا بد منه كالصلاة ~~المفروضة والصوم المفروض ونحوهما لما قلنا إنه لم يوجد من الزوج صنع في ~~المرض لا بمباشرة السبب ولا بمباشرة الشرط، وإن كان بفعل نفسه ترث سواء كان ~~فعلا له منه بد كما إذا قال لها إن دخلت الدار فأنت طالق أو لا بد منه كما ~~إذا قال إن صليت أنا الظهر فأنت طالق؛ لأنه باشر شرط بطلان حقها فصار ~~متعديا عليها مضرا بها لمباشرة الشرط فيرد عليه رفعا للضرر عنها؛ لأن العذر ~~لا يعتبر في موضع التعدي والضرر، كمن أتلف مال غيره نائما أو خاطئا أو ~~أصابته مخمصة فأكل طعام غيره حتى يجب عليه الضمان ولم يجعل معذورا في ~~مباشرة الفعل الذي لا بد له منه لما قلنا. # كذا هذا. # وإن كان بفعل المرأة فإن كان فعلا لها منه بد كدخول الدار وكلام زيد ونحو ~~ذلك لا ترث؛ لأنها رضيت ببطلان حقها حيث باشرت شرط البطلان من غير ضرورة، ~~وإن كان فعلا لا بد لها منه كالأكل والشرب والصلاة المفروضة والصوم المفروض ~~وحجة الإسلام وكلام أبويها واقتضاء الديون من غريمها فإنها ترث في قول أبي ~~حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد لا ترث. # وكذا إذا علق بدخول دار لا غنى لها عن دخولها فهو على هذا الخلاف. # كذا روي عن أبي يوسف. # وجه قول محمد أنه لم يوجد من الزوج مباشرة بطلان حقها ولا شرط البطلان ~~فلا يصير فارا كما لو علق بأمر سماوي أو بفعل أجنبي أو بفعلها الذي لها منه ~~بد. # وجه قولهما أن المرأة فيما فعلت من الشرط عاملة للزوج من وجه؛ لأن منفعة ~~عملها عائدة عليه؛ لأنه منعها عما لو امتنعت عنه لحق الزوج مأثم فإذا لم ~~تمتنع وفعلت لم يلحقه مأثم فكانت منفعة فعلها عائدة عليه فجعل ذلك فعلا له ~~من وجه فوجب إبطال فعله صيانة لحقها ومن الوجه الذي بقي مقصورا عليها ليس ~~بدليل للرضا؛ لأنها فعلته مضطرة لدفع العقوبة عن ms2030 نفسها في الآخرة لا ~~برضاها. # وقالوا فيمن فوض طلاق امرأته إلى الأجنبي في الصحة فطلقها في المرض أن ~~التفويض إن كان على وجه لا يملك # PageV03P222 # عزله عنه بأن ملكه الطلاق لا ترث؛ لأنه لما لم يقدر على فسخه بعد مرضه ~~صار الإيقاع في المرض كالإيقاع في الصحة. # وإن كان التفويض على وجه يمكنه العزل عنه فطلق في المرض ورثت؛ لأنه لما ~~أمكنه عزله بعد مرضه فلم يفعل وصار كأنه أنشأ التوكيل في المرض؛ لأن الأصل ~~في كل تصرف غير لازم أن يكون لبقائه حكم الابتداء والله عز وجل الموفق. # وعلى هذا إذا قال في صحته لامرأته إن لم آت البصرة فأنت طالق ثلاثا فلم ~~يأتها حتى مات ورثته؛ لأنه علق طلاقها بعدم إتيانه البصرة فلما بلغ إلى ~~حالة وقع اليأس له عن إتيانه البصرة فقد تحقق العدم وهو مريض في ذلك الوقت ~~فقد باشر شرط بطلان حقها في الميراث فصار فارا فترثه. # وإن ماتت هي وبقي الزوج ورثها؛ لأنها ماتت وهي زوجته؛ لأن الطلاق لم يقع ~~لعدم شرط الوقوع وهو عدم إتيانه البصرة لجواز أن يأتيها بعد موتها فلم يقع ~~الطلاق فماتت وهي زوجته فيرثها. # ولو قال لها إن لم تأت البصرة فأنت طالق ثلاثا فلم تأتها حتى مات الزوج ~~ورثته؛ لأنه مات وهو زوجها لعدم وقوع الطلاق لانعدام شرط وقوعه؛ لأنها ما ~~دامت حية يرجى منها الإتيان وإن ماتت هي وبقي الزوج لم يرثها؛ لأنه لم يوجد ~~منها سبب الفرقة في مرضها فلم تصر فارة فلا يرثها. # ولو قال لها إن لم أطلقك فأنت طالق ثلاثا فلم يطلقها حتى مات ورثته؛ لأنه ~~علق طلاقها بشرط عدم التطليق منه وقد تحقق العدم إذا صار إلى حالة لا يتأتى ~~منه التطليق وهو مريض في تلك الحالة فيصير فارا بمباشرة شرط بطلان حقها ~~فترثه. # ولو ماتت هي وبقي الزوج لم يرثها؛ لأنها لم تصر فارة لانعدام سبب الفرقة ~~منها في مرضها فلا يرثها. # وكذلك لو قال لها إن لم أتزوج عليك فأنت ms2031 طالق ثلاثا فلم يفعل حتى مات ~~ورثته. # وإن ماتت هي وبقي الزوج لم يرثها لما ذكرنا في الحلف بالطلاق. # ولو قال لامرأتين له في صحته إحداكما طالق ثم مرض فعين الطلاق في إحداهما ~~ثم مات ورثته المطلقة؛ لأن وقوع الطلاق المضاف إلى المبهم معلق بشرط البيان ~~هو الصحيح لما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى والصحيح إذا علق طلاق ~~امرأته بفعل في مرضه فإنها ترثه والله عز وجل أعلم. # وقال فيمن قال في صحته لأمتين تحته إحداكما طالق ثنتين فأعتقتا ثم اختار ~~الزوج أن يوقع على إحداهما في مرضه فلا ميراث للمطلقة ولا يملك الزوج ~~الرجعة وهو الجواب عن قول من يقول إن الطلاق واقع في المعين، والبيان تعيين ~~من وقع عليه الطلاق لا شرط وقوع الطلاق. # ويقال إنه قول محمد؛ لأن الإيقاع والوقوع حصلا في حال لاحق لواحدة منهما ~~وهي حالة الصحة فلا ترث ولا يملك الزوج الرجعة؛ لأن الإيقاع صادفها وهي أمة ~~وطلاق الأمة ثنتان على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتثبت الحرمة ~~الغليظة فلا يملك الرجعة وأما على قول من يقول الطلاق غير واقع للحال بل ~~معلق وقوعه بالاختيار وهو تفسير الإيقاع في الذمة ويقال إنه قول أبي يوسف ~~فينبغي أن ترث ويملك الرجعة؛ لأن وقوع الطلاق تعلق بشرط اختياره. # والصحيح إذا علق طلاق امرأته بفعله ففعل وهو مريض ثم مات وهي في العدة ~~ترثه سواء كان فعلا له منه بد، أو لا بد له منه كما إذا قال وهو صحيح إن ~~دخلت أنا الدار فأنت طالق فدخلها وهو مريض يملك الرجعة؛ لأن الطلاق واقع ~~عليها وهي حرة فلا تحرم حرمة غليظة فيملك مراجعتها. # ولو كانت إحداهما حرة فقال في صحته إحداكما طالق ثنتين فأعتقت الأمة ثم ~~مرض الزوج فبين الطلاق في الأمة فالطلاق رجعي وللمطلقة الميراث في قول أبي ~~يوسف الأول وهو قول محمد ثم رجع أبو يوسف وقال إذا اختار أن يوقع على التي ~~كانت أمة فإنها لا تحل له إلا بعد ms2032 زوج وذكر هذه المسألة في الزيادات وقال ~~في جوابها إنها لا تحل له إلا بعد زوج ولها الميراث ولم يذكر خلافا. # واختلاف الجواب بناء على اختلاف الطريق فمن جعل الطلاق واقعا في الجملة ~~وجعل البيان تعيين من وقع عليه الطلاق يقول لا يملك الرجعة؛ لأنه وقع ~~الطلاق عليها وهي أمة فحرمت حرمة غليظة وكان ينبغي أن لا ترث؛ لأن الإيقاع ~~والوقوع كل ذلك وجد في حال الصحة؛ لأنه إنما قال بالتوريث لكون الزوج متهما ~~في البيان لجواز أنه كان في قلبه الأخرى وقت الطلاق فبين في هذه فكان متهما ~~في البيان فترث فأما من لا يرى الطلاق واقعا قبل الاختيار يقول يملك ~~الرجعة؛ لأن الطلاقين وقعا وهي حرة فلا تحرم حرمة غليظة وترث؛ لأن الطلاق ~~رجعي. # وإن كان التعليق في المرض والشرط في الصحة بأن طلقها ثلاثا أو بائنا # PageV03P223 # وهو مريض ثم صح ثم مات لم ترث؛ لأنه لما صح تبين أن ذلك المرض لم يكن مرض ~~الموت فلم يوجد الإيقاع ولا الشرط في المرض؛ فكان هذا والإيقاع في حال ~~الصحة سواء، ولهذا كان هذا المرض والصحة سواء في جميع الأحكام. # وأما وقت الاستحقاق فهو وقت مرض الموت عندنا لما ذكرنا فيما تقدم فلا بد ~~من معرفة مرض الموت لتفريق الأحكام المتعلقة به فنقول وبالله التوفيق ذكر ~~الكرخي أن المريض مرض الموت هو الذي أضناه المرض وصار صاحب فراش فأما إذا ~~كان يذهب ويجيء وهو مع ذلك يحم فهو بمنزلة الصحيح. # وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: المريض الذي إذا طلق امرأته كان فارا ~~هو أن يكون مضنى لا يقوم إلا بشدة وهو في حال يعذر في الصلاة جالسا. # والحاصل أن مرض الموت هو الذي يخاف منه الموت غالبا. # ويدخل في هذه العبارة ما ذكره الحسن عن أبي حنيفة وما ذكره الكرخي؛ لأنه ~~إذا كان مضنى لا يقدر على القيام إلا بشدة يخشى عليه الموت. # وكذا إذا كان صاحب فراش وكذا إذا كان يذهب ويجيء ولا يخشى عليه الموت ms2033 ~~غالبا. # وإن كان يحم فلا يكون ذلك مرض الموت وكذلك صاحب الفالج والسل والنقرس ~~ونحوها إذا طال به ذلك فهو في حكم الصحيح؛ لأن ذلك إذا طال لا يخاف منه ~~الموت غالبا فلم يكن مرض الموت إلا إذا تغير حاله من ذلك ومات من ذلك ~~التغير فيكون حال التغير مرض الموت؛ لأنه إذا تغير يخشى منه الموت غالبا ~~فيكون مرض الموت. # وكذا الزمن والمقعد ويابس الشق. # وعلى هذا قالوا في المحصور والواقف في صف القتال ومن وجب عليه القتل في ~~حد أو قصاص فحبس ليقتل أنه كالصحيح؛ لأنه ليس الغالب من هذه الأحوال الموت ~~فإن الإنسان يتخلص منها غالبا لكثرة أسباب الخلاص ولو قدم ليقتل أو بارز ~~قرنه وخرج من الصف فهو كالمريض إذ الغالب من هذه الحالة الهلاك فترتب عليه ~~أحكام المريض إذا مات في ذلك الوجه. # ولو كان في السفينة فهو كالصحيح إلا إذا هاجت الأمواج فيصير في حكم ~~المريض في تلك الحالة؛ لأنه يخشى عليه منها الموت غالبا ولو أعيد المخرج ~~إلى القتل أو إلى الحبس أو إذا رجع المبارز بعد المبارزة إلى الصف أو سكن ~~الموج صار في حكم الصحيح كالمريض إذا برئ من مرضه والمرأة إذا ما أخذها ~~الطلق فهي في حكم المريض إذا ماتت من ذلك؛ لأن الغالب منه خوف الهلاك وإذا ~~سلمت من ذلك فهي في حكم الصحيح كما إذا كانت مريضة ثم صحت. # ولو طلقها وهو مريض ثم صح وقام من مرضه وكان يذهب ويجيء ويقوى على الصلاة ~~قائما ثم نكس فعاد إلى حالته التي كان عليها ثم مات لم ترثه في قول أصحابنا ~~الثلاثة، وقال زفر ترثه. # وجه قوله أن وقت تعلق الحق بالإرث ووقت الموت وقت ثبوت الإرث، والمرض قد ~~أحاط بالوقتين جميعا فانقطاعه فيما بين ذلك لا يعتبر؛ لأنه ليس وقت التعليق ~~ولا وقت الإرث. # ولنا أنه لما صح بعد المرض تبين أن ذلك لم يكن مرض الموت فلم يوجد الطلاق ~~في حال المرض فلا ترث والله عز وجل ms2034 أعلم. # وأما الذي يخص الطلاق المبهم فهو أن يكون لفظ الطلاق مضافا إلى مجهولة ~~فجملة الكلام فيه أن الجهالة إما إن كانت أصلية وإما إن كانت طارئة: أما. # الجهالة الأصلية فهي أن يكون لفظ الطلاق من الابتداء مضافا إلى المجهول ~~وجهالة المضاف إليه تكون لمزاحمة غيره إياه في الاسم والمزاحم إياه في ~~الاسم لا يخلو إما أن يكون محتملا للطلاق وإما أن لا يكون محتملا له، ~~والمحتمل للطلاق لا يخلو إما أن يكون ممن يملك الزوج طلاقه أو لا يملك ~~طلاقه، فإن كان ممن يملك طلاقه صحت الإضافة بالإجماع نحو أن يقول لنسائه ~~الأربع إحداكن طالق ثلاثا أو يقول لامرأتين له إحداكما طالق ثلاثا. # والكلام فيه يقع في موضعين؛ أحدهما في. # بيان كيفية هذا التصرف أعني قوله لامرأتيه إحداكما طالق، والثاني في بيان ~~الأحكام المتعلقة به أما الأول فقد اختلف مشايخنا في كيفية هذا التصرف قال ~~بعضهم هو إيقاع الطلاق في غير المعين على معنى أنه يقع الطلاق للحال في ~~واحدة منهما غير عين، واختار الطلاق في إحداهما وبيان الطلاق فيهما تعيين ~~لمن وقع عليها الطلاق. # ويقال إن هذا قول محمد وقال بعضهم: هو إيقاع الطلاق معلقا بشرط البيان ~~معنى، ومعناه أن قوله: إحداكما طالق ينعقد سببا للحال لوقوع الطلاق عند ~~البيان، والاختيار لا للحال بمنزلة تعليق الطلاق بسائر الشروط من دخول ~~الدار وغيره غير أن هناك الشرط يدخل على السبب والحكم جميعا وههنا يدخل على ~~الحكم لا على السبب كما في البيع بشرط الخيار فإذا # PageV03P224 # اختار طلاق إحداهما فقد وجد شرط وقوع الطلاق في حقها فيقع الطلاق عليها ~~بالكلام السابق عند وجود شرط الوقوع وهو الاختيار كأنه علقه به نصا فقال إن ~~اخترت طلاق إحداكما فهي طالق. # ويقال إن هذا قول أبي يوسف والمسائل متعارضة في الظاهر بعضها يؤيد القول ~~الأول وبعضها ينصر القول الثاني ونحن نشير إلى ذلك ههنا ونذكر وجه كل واحد ~~من القولين وترجيح أحدهما على الآخر وتخريج المسائل عليه في كتاب العتاق إن ~~شاء الله ms2035 تعالى وقال بعضهم: البيان إظهار من وجه وإنشاء من وجه وزعموا أن ~~المسائل تخرج عليه وأنه كلام لا يعقل بل هو محال، والبناء على المحال محال. # الأحكام المتعلقة به فنوعان نوع يتعلق به في حال حياة الزوج ونوع يتعلق ~~به بعد مماته. # أما النوع الأول فنقول إذا قال لامرأتيه إحداكما طالق ثلاثا فله خيار ~~التعيين يختار أيهما شاء للطلاق؛ لأنه إذا ملك الإبهام ملك التعيين. # ولو خاصمتاه واستعدتا عليه القاضي حتى يبين، أعدى عليه وكلفه البيان. # ولو امتنع أجبره عليه بالحبس؛ لأن لكل واحدة منهما حقا إما استيفاء حقوق ~~النكاح منه وإما التوصل إلى زوج آخر، وحق الإنسان يجب إيفاؤه عند طلبه وإذا ~~امتنع من عليه الحق يجبره القاضي على الإيفاء وذلك بالبيان ههنا فكان ~~البيان حقها لكونه وسيلة إلى حقها، ووسيلة حق الإنسان حقه، والجبر على ~~البيان يؤيد القول الأول؛ لأن الوقوع لو كان معلقا بشرط البيان لما أجبر إذ ~~الحالف لا يجبر على تحصيل الشرط ولأن البيان إظهار الثابت، وإظهار الثابت ~~ولا ثابت محال، ثم البيان نوعان نص ودلالة أما النص فنحو أن يقول إياها ~~عنيت أو نويت أو أردت أو ما يجري مجرى هذا. # ولو قال إحداكما طالق ثلاثا ثم طلق إحداهما عينا بأن قال لها أنت طالق ~~وقال أردت به بيان الطلاق الذي لزمني لا طلاقا مستقبلا كان القول قوله؛ لأن ~~البيان واجب عليه، وقوله أنت طالق يحتمل البيان؛ لأنه إن جعل إنشاء في ~~الشرع لكنه يحتمل الإخبار فيحتمل البيان إذ هو إخبار عن كائن وهذا أيضا ~~ينصر القول الأول؛ لأن الطلاق لو لم يكن واقعا لم يصدق في إرادة البيان ~~للواقع وأما الدلالة فنحو أن يفعل أو يقول ما يدل على البيان نحو أن يطأ ~~إحداهما أو يقبلها أو يطلقها أو يحلف بطلاقها أو يظاهر منها؛ لأن ذلك كله ~~لا يجوز إلا في المنكوحة فكان الإقدام عليه تعيينا لهذه بالنكاح. # وإذا تعينت هي للنكاح تعينت الأخرى للطلاق ضرورة انتفاء المزاحم. # وإذا كن أربعا أو ثلاثا ms2036 تعينت الباقيات لبيان الطلاق في واحدة منهن نصا ~~أو دلالة بالفعل أو بالقول بأن يطأ الثانية والثالثة فتتعين الرابعة للطلاق ~~أو يقول هذه منكوحة وهذه الرابعة إن كن أربعا وإن كن ثلاثا تتعين الثالثة ~~للطلاق بوطء الثانية أو بقوله للثانية: هذه منكوحة. # وكذلك إذا ماتت إحداهما قبل البيان طلقت الباقية؛ لأن التي ماتت خرجت عن ~~احتمال البيان فيها؛ لأن الطلاق يقع عند البيان وقد خرجت عن احتمال الطلاق ~~فخرجت عن احتمال البيان فتعينت الباقية للطلاق وهذا يؤيد القول الثاني؛ لأن ~~الطلاق لو كان وقع في غير المعين لما افترقت الحال في البيان بين الحياة ~~والموت إذ هو إظهار ما كان، فرق بين هذا وبين ما إذا باع أحد عبديه على أن ~~المشتري بالخيار يأخذ أيهما شاء ويرد الآخر فمات أحدهما قبل البيان أنه لا ~~يتعين الباقي منهما للبيع بل يتعين الميت للبيع ويصير المشتري مختارا للبيع ~~في الميت قبيل الموت ويجب عليه رد الباقي إلى البائع. # ووجه الفرق أن هناك وجد المبطل للخيار قبيل الموت وهو حدوث عيب لم يكن ~~وقت الشراء وهو المرض إذ لا يخلو الإنسان عن مرض قبيل الموت عادة، وحدوث ~~العيب في المبيع الذي فيه خيار مبطل للخيار فبطل الخيار قبيل الموت ودخل ~~العبد في ملك المشتري فتعين الآخر للرد ضرورة، وهذا المعنى لم يوجد في ~~الطلاق؛ لأن حدوث العيب في المطلقة لا يوجب بطلان الخيار. # ولو ماتت إحداهما قبل البيان فقال الزوج إياها عنيت لم يرثها وطلقت ~~الباقية؛ لأنها كما ماتت تعينت الباقية للطلاق فإذا قال عنيت الأخرى فقد ~~أراد صرف الطلاق عن الباقية فلا يصدق فيه ويصدق في إبطال الإرث؛ لأن ذلك ~~حقه والإنسان في إقراره بإبطال حق نفسه مصدق لانتفاء التهمة وكذلك إذا ~~ماتتا جميعا أو إحداهما بعد الأخرى ثم قال عنيت التي ماتت أولا لم يرث ~~منهما، أما في الثانية فلتعينها للطلاق بموت الأولى. # وأما من الأولى فلإقراره أنه لا حق له في ميراثها وهو مصدق على نفسه. # ولو ماتتا جميعا بأن ms2037 سقط عليهما حائط # PageV03P225 # أو غرقتا يرث من كل واحدة منهما نصف ميراثها؛ لأنه لا يستحق ميراث كل ~~واحدة منهما في حال ولا يستحقه في حال فيتنصف كما هو أصلنا في اعتبار ~~الأحوال. # وكذلك إذا ماتتا جميعا أو إحداهما بعد الأخرى لكن لا يعرف التقدم والتأخر ~~فهذا بمنزلة موتهما معا. # ولو ماتتا معا ثم عين إحداهما بعد موتهما وقال إياها عنيت لا يرث منها ~~ويرث من الأخرى نصف ميراث زوج؛ لأنهما لما ماتتا فقد استحق من كل واحدة ~~منهما نصف ميراث لما بينا فإذا أراد إحداهما عينا فقد أسقط حقه من ميراثها ~~وهو النصف فيرث من الأخرى النصف. # ولو ارتدتا جميعا قبل البيان فانقضت عدتهما وبانتا لم يكن له أن يبين ~~الطلاق الثلاث في إحداهما أما البينونة فلأن الملك قد زال من كل وجه بالردة ~~وانقضاء العدة وإذا زال الملك لا يملك البيان، وهذا يدل على أن الطلاق لم ~~يقع قبل البيان إذ لو وقع لصح البيان بعد البينونة؛ لأن البيان حينئذ يكون ~~تعيين من وقع عليه الطلاق فلا تفتقر صحته إلى قيام الملك. # ولو كانتا رضيعتين فجاءت امرأة فأرضعتهما قبيل البيان بانتا، وهذا دليل ~~ظاهر على صحة القول الثاني؛ لأنه لو وقع الطلاق على إحداهما لصارت أجنبية ~~فلا يتحقق الجمع بين الأختين بالرضاع نكاحا فينبغي أن لا تبينا وقد بانتا ~~وإذا بانتا بالرضاع لم يكن له أن يبين الطلاق في إحداهما لما قلنا وهو دليل ~~على ما قلنا ولو بين الطلاق في إحداهما تجب عليها العدة من وقت البيان. # كذا روي عن أبي يوسف حتى لو راجعها بعد ذلك صحت رجعته وكذا إذا بين ~~الطلاق في إحداهما وقد كانت حاضت قبل البيان ثلاث حيض لا تعتد بما حاضت ~~قبله وتستأنف العدة من وقت البيان وهذا يدل على أن الطلاق لم يكن واقعا قبل ~~البيان. # وروي عن محمد أنه تجب العدة من وقت الإرسال وتنقضي إذا حاضت ثلاث حيض من ~~ذلك الوقت ولا تصح الرجعة بعد ذلك. # وهذا يدل على أن ms2038 الطلاق نازل في غير المعين. # ومن هذا حقق القدوري الخلاف بين أبي يوسف ومحمد في كيفية هذا التصرف على ~~ما ذكرنا من القولين واستدل على الخلاف بمسألة العدة. # ولو قال لامرأتين له إحداكما طالق واحدة، والأخرى طالق ثلاثا، فحاضت ~~إحداهما ثلاث حيض بانت بواحدة والأخرى طالق ثلاثا؛ لأن كل واحدة منهما ~~مطلقة إلا أن إحداهما بواحدة والأخرى بثلاث فإذا حاضت إحداهما ثلاث حيض فقد ~~زال ملكه عنها بيقين فخرجت عن احتمال بيان الثلاث فيها فتعينت الأخرى ~~للثلاث ضرورة. # ولو كان تحته أربع نسوة لم يدخل بهن فقال: إحداكن طالق ثلاثا ثم تزوج ~~أخرى جاز له وإن كان مدخولا بهن فتزوج أخرى لم يجز وهذا حجة القول الأول؛ ~~لأن الطلاق لو لم يكن واقعا في إحداهن لما جاز نكاح امرأة أخرى في الفصل ~~الأول؛ لأنه يكون نكاح الخامسة ولجاز في الفصل الثاني؛ لأنه يكون نكاح ~~الرابعة ولما كان الأمر على القلب من ذلك دل أن الطلاق لم يكن واقعا قبل ~~البيان. # ولو قال لامرأتين له في الصحة إحداكما طالق ثم بين في إحداهما في مرضه ~~يصير فارا؛ وترثه المطلقة مع المنكوحة ويكون الميراث بينهما نصفين وهذا حجة ~~القول الثاني؛ لأن الطلاق لو كان واقعا في إحداهما غير عين لكان وقوع ~~الطلاق في الصحة فينبغي أن لا يصير فارا، كما إذا طلق واحدة منهما عينا ~~والله عز وجل أعلم. # وأما الذي يتعلق بما بعد موت الزوج فأنواع ثلاثة: حكم المهر، وحكم ~~الميراث، وحكم العدة إذا مات قبل البيان:. # أما حكم المهر فإن كانتا مدخولا بهما فلكل واحدة منهما جميع المهر؛ لأن ~~كل واحدة منهما تستحق جميع المهر منكوحة كانت أو مطلقة أما المنكوحة فلا شك ~~فيها وأما المطلقة فلأنها مطلقة بعد الدخول وإن كانتا غير مدخول بهما فلهما ~~مهر ونصف مهر بينهما، لكل واحدة منهما ثلاثة أرباع المهر؛ لأن كل واحدة ~~منهما يحتمل أن تكون منكوحة ويحتمل أن تكون مطلقة فإن كانت منكوحة تستحق ~~جميع المهر؛ لأن الموت بمنزلة الدخول. # وإن كانت ms2039 مطلقة تستحق النصف؛ لأن النصف قد سقط بالطلاق قبل الدخول فلكل ~~واحدة منهما كل المهر في حال والنصف في حال وليست إحداهما بأولى من الأخرى ~~فيتنصف فيكون لكل واحدة ثلاثة أرباع مهر هذا إذا كان قد سمى لهما مهرا فإن ~~كان لم يسم لهما مهرا فلهما مهر ومتعة بينهما؛ لأن كل واحدة منهما إن كانت ~~منكوحة فلها كمال مهر المثل، وإن كانت مطلقة فلها كمال المتعة فكل واحدة ~~منهما تستحق كمال مهر المثل في حال ولا تستحق شيئا من مهر المثل في حال. # وكذا المتعة فتتنصف كل واحدة # PageV03P226 # منهما فيكون لهما مهر ومتعة بينهما لكل واحدة منهما نصف مهر المثل ونصف ~~متعة وإن كان سمى لإحداهما مهرا ولم يسم للأخرى فللمسمى لها ثلاثة أرباع ~~المهر وللتي لم يسم لها مهرا نصف مهر المثل؛ لأن المسمى لها إذا كانت ~~منكوحة فلها جميع المسمى وإن كانت مطلقة فلها النصف فيتنصف كل ذلك فيكون ~~لها ثلاثة أرباع المهر المسمى. # والتي لم يسم لها إن كانت منكوحة فلها جميع مهر المثل وإن كانت مطلقة ~~فليس لها من مهر المثل شيء فاستحقت في حال ولم تستحق شيئا منه في حال فيكون ~~لها نصف مهر المثل والقياس أن يكون لها نصف المتعة أيضا وهو قول زفر وفي ~~الاستحسان ليس لها إلا نصف مهر المثل. # (وجه) القياس أنها إن كانت منكوحة فلها كمال مهر المثل وإن كانت مطلقة ~~فلها كمال المتعة فكان لها كمال مهر المثل في حال وكمال المتعة في حال ~~فيتنصف كل واحدة منهما فيكون لها نصف مهر مثلها ونصف متعتها. # وجه الاستحسان أن نصف مهر المثل إذا وجب لها امتنع وجوب المتعة؛ لأن ~~المتعة بدل عن نصف مهر المثل، والبدل والمبدل لا يجتمعان هذا إذا كانت ~~المسمى لها مهر المثل معلومة فإن لم تكن معلومة فلها مهر وربع مهر إذا كان ~~مهر مثلها سواء ويكون بينهما؛ لأن كل واحدة منهما يحتمل أن تكون هي المسمى ~~لها المهر فيكون لها ثلاثة أرباع المهر لما ذكرنا، ms2040 ويحتمل أن تكون غير ~~المسمى لها المهر فيكون لها نصف مهر المثل ففي حال يجب ثلاثة أرباع المهر ~~وفي حال يجب نصف المهر فيتنصف كل ذلك فيكون لهما مهر وربع مهر بينهما لكل ~~واحدة منهما نصف مهر وثمن مهر نصف مهر المسمى وثمن مهر المثل ولا تجب ~~المتعة استحسانا والقياس أن يجب نصف المتعة أيضا ويكون بينهما، وهو قول ~~زفر. # وجه القياس والاستحسان على نحو ما ذكرنا والله عز وجل أعلم. # وهذه المسائل تدل على أن الطلاق قد وقع في إحداهما غير عين وقت الإرسال ~~حيث شاع فيهما بعد الموت إذ الواقع يشيع والله عز وجل الموفق. # وأما حكم الميراث فهو أنهما يرثان منه ميراث امرأة واحدة ويكون بينهما ~~نصفين في الأحوال كلها؛ لأن إحداهما منكوحة بيقين وليست إحداهما بأولى من ~~الأخرى فيكون قدر ميراث امرأة واحدة بينهما فإن كان للزوج امرأة أخرى ~~سواهما لم يدخلها في الطلاق فلها نصف ميراث النساء ولهما النصف؛ لأنه لا ~~يزاحمها إلا واحدة منهما؛ لأن المنكوحة واحدة منهما والأخرى مطلقة فكان لها ~~النصف ثم النصف الثاني يكون بين الأخريين نصفين إذ ليست إحداهما بأولى من ~~الأخرى. # وأما حكم العدة فعلى كل واحدة منهما عدة الوفاة وعدة الطلاق؛ لأن إحداهما ~~منكوحة والأخرى مطلقة وعلى المنكوحة عدة الوفاة لا عدة الطلاق وعلى المطلقة ~~عدة الطلاق لا عدة الوفاة فدارت كل واحدة من العدتين في حق كل واحدة من ~~المرأتين بين الوجوب وعدم الوجوب. # والعدة يحتاط في إيجابها ومن الاحتياط القول بوجوبها على كل واحدة منهما ~~والله تعالى الموفق. # وإن كان ممن لا يملك طلاقها لا تصح الإضافة بالإجماع بأن جمع بين امرأته ~~وبين أجنبية فقال إحداكما طالق حتى لا تطلق زوجته؛ لأن هذا الكلام يستعمل ~~للإنشاء ويستعمل للإخبار ولو حمل على الإخبار لصح؛ لأنه يخبر أن إحداهما ~~طالق والأمر على ما أخبر ولو حمل على الإنشاء لم يصح؛ لأن إحداهما وهي ~~الأجنبية لا تحتمل الإنشاء لعدم النكاح ولا طلاق قبل النكاح على لسان رسول ~~الله - صلى ms2041 الله عليه وسلم - فكان حمله على الإخبار أولى. # هذا إذا كان المزاحم في الاسم محتملا للطلاق فأما إذا لم يكن نحو ما إذا ~~جمع بين امرأته وبين حجر أو بهيمة فقال إحداكما طالق فهل تصح الإضافة اختلف ~~فيه قال أبو حنيفة وأبو يوسف تصح حتى يقع الطلاق على امرأته. # وقال محمد لا تصح ولا تطلق امرأته وجه قوله أن الجمع بين المنكوحة وغير ~~المنكوحة يوجب شكا في إيقاع الطلاق على المنكوحة كما لو جمع بين امرأة وبين ~~أجنبية وقال إحداكما طالق فلا يقع مع الشك. # ولهما أنه إذا جمع بين من يحتمل الطلاق وبين من لا يحتمل الطلاق في الاسم ~~وأضاف الطلاق إليهما فالظاهر أنه أراد به من يحتمل الطلاق لا من لا يحتمل ~~الطلاق؛ لأن إضافة الطلاق إلى من لا يحتمله سفه؛ فانصرف مطلق الإضافة إلى ~~زوجته بدلالة الحال بخلاف ما إذا جمع بينها وبين أجنبية؛ لأن الأجنبية ~~محتملة للطلاق في الجملة وهي محتملة للطلاق في الحال إخبارا إن كانت لا ~~تحتمله إنشاء، وفي الصرف إلى الإخبار صيانة كلامه عن اللغو فصرف إليه. # ولو جمع بين زوجته وبين رجل فقال إحداكما طالق لم يصح # PageV03P227 # في قول أبي حنيفة حتى لا تطلق زوجته وقال أبو يوسف يصح وتطلق زوجته. # وجه قول أبي يوسف أن الرجل لا يحتمل الطلاق ألا ترى أنه لو قال لامرأته ~~أنا منك طالق لم يصح فصار كما إذا جمع بين امرأته وبين حجر أو بهيمة وقال ~~إحداكما طالق. # ولأبي حنيفة أن الرجل يحتمل الطلاق في الجملة. # ألا ترى أنه يحتمل البينونة حتى لو قال لامرأته أنا منك بائن ونوى الطلاق ~~يصح والإبانة من ألفاظ الطلاق فإن الطلاق نوعان رجعي وبائن، وإذا كان ~~محتملا للطلاق في الجملة حمل كلامه على الإخبار كما إذا جمع بينهما وبين ~~أجنبية وقال إحداكما طالق. # ولو جمع بين امرأته وبين امرأة ميتة فقال أنت طالق أو هذه وأشار إلى ~~الميتة لم تصح الإضافة بالإجماع حتى لا تطلق زوجته الحية؛ لأن الميتة من ms2042 ~~جنس ما يحتمل الطلاق وقد كانت محتملة للطلاق قبل موتها فصار كما لو جمع ~~بينها وبين أجنبية والله عز وجل الموفق. # وأما الجهالة الطارئة فهي أن يكون الطلاق مضافا إلى معلومة ثم تجهل كما ~~إذا طلق الرجل امرأة بعينها من نسائه ثلاثا ثم نسي المطلقة، والكلام في هذا ~~الفصل في موضعين أيضا أحدهما في. # بيان كيفية هذا التصرف والثاني في بيان أحكامه: أما الأول فلا خلاف في أن ~~الواحدة منهن طالق قبل البيان؛ لأنه أضاف الطلاق إلى معينة وإنما طرأت ~~الجهالة بعد ذلك والمعينة محل لوقوع الطلاق فيكون البيان ههنا إظهارا أو ~~تعيينا لمن وقع عليها الطلاق. # وأما الأحكام المتعلقة به فنوعان أيضا على ما مر أما الذي يتعلق به في ~~حال حياة الزوج فهو أنه لا يحل له أن يطأ واحدة منهن حتى يعلم التي طلق ~~فيجتنبها؛ لأن إحداهن محرمة بيقين وكل واحدة منهما يحتمل أن تكون هي ~~المحرمة فلو وطئ واحدة منهما وهو لا يعلم بالمحرمة فربما وطئ المحرمة. # والأصل فيه ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لوابصة ~~بن معبد: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ~~ما لا يريبك» ولا يجوز أن تطلق واحدة منهن بالتحري والأصل فيه أن كل ما لا ~~يباح عند الضرورة لا يجوز فيه التحري، والفرج لا يباح عند الضرورة فلا يجوز ~~فيه التحري بخلاف الذكية إذا اختلطت بالميتة أنه يجوز التحري في الجملة وهي ~~ما إذا كانت الغلبة للذكية عندنا؛ لأن الميتة مما تباح عند الضرورة فإن ~~جحدت كل واحدة منهن أن تكون المطلقة فاستعدين عليه الحاكم في النفقة ~~والجماع أعدى عليه وحبسه على بيان التي طلق منهن وألزمه النفقة لهن؛ لأن ~~لكل واحدة منهن حق المطالبة بحقوق النكاح، ومن عليه الحق إذا امتنع من ~~الإيفاء مع قدرته عليه يحبس كمن امتنع من قضاء دين عليه وهو قادر على قضائه ~~فيحبسه الحاكم ويقضي بنفقتهن عليه؛ لأن النفقة من حقوق النكاح فإن ادعت كل ms2043 ~~واحدة منهن أنها هي المطلقة ولا بينة لها وجحد الزوج فعليه اليمين لكل ~~واحدة منهن؛ لأن الاستخلاف للنكول. # والنكول بذل أو إقرار، والطلاق يحتمل البذل والإقرار فيستحلف فيه فإن أبى ~~أن يحلف فرق بينه وبينهن؛ لأنه بذل الطلاق لكل واحدة منهن أو أقر به ~~والطلاق يحتمل كل واحدة منهن، وإن حلف لهن لا يسقط عنه البيان بل لا بد أن ~~يبين؛ لأن الطلاق لا يرتفع باليمين فبقي على ما كان عليه فيؤخذ بالبيان. # وروى ابن سماعة عن محمد أنه قال إذا كانتا امرأتين فحلف للأولى طلقت التي ~~لم يحلف لها؛ لأنه لما أنكر للأولى أن تكون مطلقة تعينت الأخرى للطلاق ~~ضرورة وإن لم يحلف للأولى طلقت؛ لأنه بالنكول بذل الطلاق لها أو أقر به فإن ~~تشاحنا على اليمين حلف لهما جميعا بالله تعالى ما طلق واحدة منهما؛ لأنهما ~~استويا في الدعوى ويمكن إيفاء حقهما في الحلف فيحلف لهما جميعا فإن حلف ~~لهما جميعا حجب عنهما حتى يبين؛ لأن إحداهما قد بقيت مطلقة بعد الحلف إذ ~~الطلاق لا يرتفع باليمين فكانت إحداهما محرمة فلا يمكن منها إلى أن يبين ~~فإن وطئ إحداهما فالتي لم يطأها مطلقة؛ لأن فعله محمول على الجواز، ولا ~~يجوز إلا بالبيان فكان الوطء بيانا أن الموطوءة منكوحة فتعينت الأخرى ~~للطلاق ضرورة انتفاء المزاحم، كما لو قال إحداكما طالق ثم وطئ إحداهما. # وإذا طلق واحدة من نسائه بعينها فنسيها ولم يتذكر فينبغي فيما بينه وبين ~~الله تعالى أن يطلق كل واحدة منهن تطليقة رجعية ويتركها حتى تنقضي عدتها ~~فتبين؛ لأنه لا يجوز له أن يمسكهن فيقربهن جميعا؛ لأن إحداهن محرمة بيقين، ~~ولا يجوز له أن يطأ واحدة منهن بالتحري؛ لأنه لا مدخل للتحري في الفرج، ولا ~~يجوز له أن يتركهن بغير بيان لما فيه من الإضرار بهن بإبطال حقوقهن من هذا ~~الزوج ومن غيره # PageV03P228 # بالنكاح إذ لا يحل لهن النكاح؛ لأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون منكوحة ~~فيوقع على كل واحدة منهن تطليقة رجعية ويتركها حتى تنقضي ms2044 عدتها فتبين وإذا ~~انقضت عدتهن وبن فأراد أن يتزوج الكل في عقدة واحدة قبل أن يتزوجن لم يجز؛ ~~لأن واحدة منهن مطلقة ثلاثة بيقين. # وإن أراد أن يتزوج واحدة منهن فالأحسن أن لا يتزوجها إلا بعد أن يتزوجن ~~كلهن بزوج آخر لجواز أن تكون التي يتزوجها هي المطلقة ثلاثا فلا تحل له حتى ~~تنكح زوجا غيره فإذا تزوجن بغيره فقد حللن بيقين فلو أنه تزوج واحدة منهن ~~قبل أن يتزوجن بغيره جاز نكاحها؛ لأن فعله يحمل على الجواز والصحة ولا يصح ~~إلا بالبيان فكان إقدامه على نكاحها بيانا أنها ليست بمطلقة بل هي منكوحة. # وكذا إذا تزوج الثانية والثالثة جاز لما قلنا وتعينت الرابعة للطلاق ~~ضرورة انتفاء المزاحم. # وكذا إذا كانتا اثنتين فتزوج إحداهما تعينت الأخرى للطلاق؛ لأنا نحمل ~~نكاح التي تزوجها على الجواز ولا جواز له إلا بتعيين الأخرى للطلاق فتتعين ~~الأخرى للطلاق ضرورة هذا إذا كان الطلاق ثلاثا فإن كان بائنا ينكحهن جميعا ~~نكاحا جديدا ولا يحتاج إلى الطلاق، وإن كان رجعيا يراجعهن جميعا. # وإذا كان الطلاق ثلاثا فماتت واحدة منهن قبل البيان فالأحسن أن لا يطأ ~~الباقيات إلا بعد بيان المطلقة لجواز أن تكون المطلقة فيهن، وإن وطئهن قبل ~~البيان جاز؛ لأن فعل العاقل المسلم يحمل على وجه الجواز ما أمكن وههنا أمكن ~~بأن يحمل فعله على أنه تذكر أن الميتة كانت هي المطلقة إذ البيان في ~~الجهالة الطارئة إظهار وتعيين لمن وقع عليها الطلاق بلا خلاف فلا تكون ~~حياتها شرطا لجواز بيان الطلاق فيها وإذا تعينت هي للطلاق تعينت الباقيات ~~للنكاح فلا يمنع من وطئهن بخلاف الجهالة الأصلية إذا ماتت واحدة منهن أنها ~~لا تتعين للطلاق؛ لأن الطلاق هناك يقع عند وجود الشرط وهو البيان مقصورا ~~عليه، والمحل ليس بقابل لوقوع الطلاق وقت البيان ثم البيان ضربان نص ~~ودلالة: أما النص فهو أن يبين المطلقة نصا فيقول هذه هي التي كنت طلقتها. # وأما الدلالة فهي أن يفعل أو يقول ما يدل على البيان، مثل أن يطأ ms2045 واحدة ~~أو يقبلها أو يطلقها أو يحلف بطلاقها أو يظاهر منها فإن كانتا اثنتين تعينت ~~الأخرى للطلاق؛ لأن فعله أو قوله يحمل على الجواز، ولا يجوز إلا بتعيين ~~الأخرى للطلاق فكان الإقدام عليه تعيينا للأخرى للطلاق ضرورة. # وكذا إذا قال هذه منكوحة، وأشار إلى إحداهما تتعين الأخرى للطلاق ضرورة. # وكذا إذا قال هذه منكوحة، وإن كن أربعا أو ثلاثا تعينت الباقيات لكون ~~المطلقة فيهن فتتعين بالبيان نصا أو دلالة بالفعل أو بالقول على ما مر ~~بيانه في الفصل الأول ولو كن أربعا ولم يكن دخل بهن فتزوج أخرى قبل البيان ~~جاز؛ لأن الطلاق واقع في إحداهن فكان هذا نكاح الرابعة فلا يتحقق الجمع بين ~~الخمس فيجوز. # وإن كن مدخولا بهن لا يجوز؛ لأنه يتحقق الجمع لقيام النكاح من وجه لقيام ~~العدة ولو كان الطلاق في الصحة فبين في واحدة منهن في مرضه ثم مات لم ترثه؛ ~~لأن البيان ههنا إظهار وتعيين لمن وقع عليه الطلاق والوقوع كان في الصحة ~~فلا ترث بخلاف الفصل الأول. # (وأما) الذي يتعلق به بعد موت الزوج فأحكامه ثلاثة: حكم المهر، وحكم ~~الميراث، وحكم العدة، وقد بيناها في الفصل الأول، والفصلان لا يختلفان في ~~هذه الأحكام فما عرفت من الجواب في الأول فهو الجواب في الثاني، والله ~~تعالى أعلم. ### | [كتاب الظهار] ### | [ركن الظهار] # (كتاب الظهار) : # يحتاج في هذا الكتاب إلى معرفة ركن الظهار، وإلى معرفة شرائط الركن، وإلى ~~معرفة حكم الظهار، وإلى معرفة ما ينتهي به حكمه، وإلى معرفة كفارة الظهار ~~أما. # ركن الظهار فهو اللفظ الدال على الظهار والأصل فيه قول الرجل لامرأته أنت ~~علي كظهر أمي، يقال: ظاهر الرجل من امرأته وظاهر وتظاهر وأظهر وتظهر أي قال ~~لها: أنت علي كظهر أمي، ويلحق به قوله أنت علي كبطن أمي أو فخذ أمي أو فرج ~~أمي، ولأن معنى الظهار تشبيه الحلال بالحرام؛ ولهذا وصفه الله تعالى بكونه ~~منكرا من القول وزورا فقال سبحانه وتعالى في آية الظهار {وإنهم ليقولون ~~منكرا من القول وزورا} [المجادلة: 2] . # وبطن ms2046 الأم وفخذها في الحرمة مثل ظهرها، ولفرجها مزيد حرمة فتزداد جنايته ~~في كون قوله منكرا وزورا فيتأكد الجزاء وهو الحرمة. # PageV03P229 ### | [فصل في شرائط ركن الظهار وبعضها يرجع إلى المظاهر] # فصل) : # وأما الشرائط فأنواع بعضها يرجع إلى المظاهر وبعضها يرجع إلى المظاهر منه ~~وبعضها يرجع إلى المظاهر به. # أما الذي يرجع إلى المظاهر فأنواع: منها أن يكون عاقلا إما حقيقة أو ~~تقديرا فلا يصح ظهار المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأن حكم الحرمة وخطاب ~~التحريم لا يتناول من لا يعقل. # ومنها أن لا يكون معتوها ولا مدهوشا ولا مبرسما ولا مغمى عليه ولا نائما ~~فلا يصح ظهار هؤلاء كما لا يصح طلاقهم، وظهار السكران كطلاقه وهو على ~~التفصيل الذي ذكرناه في كتاب الطلاق # ومنها أن يكون بالغا فلا يصح ظهار الصبي وإن كان عاقلا؛ لما مر في ظهار ~~المجنون ولأن الظهار من التصرفات الضارة المحضة فلا يملكه الصبي كما لا ~~يملك الطلاق والعتاق وغيرهما من التصرفات التي هي ضارة محضة، ومنها أن يكون ~~مسلما فلا يصح ظهار الذمي وهذا عندنا، عند الشافعي إسلام المظاهر ليس بشرط ~~لصحة ظهاره ويصح ظهار الذمي واحتج بعموم قوله عز وجل {والذين يظاهرون من ~~نسائهم} [المجادلة: 3] من غير فصل بين المسلم والكافر ولأن الكافر من أهل ~~الظهار؛ لأن حكمه الحرمة، والكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات، ولهذا كان أهلا ~~للطلاق فكذا للظهار. # ولنا أن عمومات النكاح لا تقتضي حل وطء الزوجات على الأزواج نحو قوله ~~تعالى {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] {إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] وقوله عز وجل {نساؤكم حرث ~~لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] . # والظهار لا يوجب زوال النكاح والزوجية؛ لأن لفظ الظهار لا ينبئ عنه ولهذا ~~لا يحتاج إلى تجديد النكاح بعد الكفارة؛ لأن المسلم صار مخصوصا، فمن ادعى ~~تخصيص الذمي يحتاج إلى الدليل؛ ولأن حكم الظهار حرمة مؤقتة بالكفارة أو ~~بتحرير يخلفه الصوم والكافر ليس من أهل هذا الحكم فلا يكون من أهل الظهار ~~وقد خرج ms2047 الجواب عما ذكره من المعنى وأما آية الظهار فإنها تتناول المسلم ~~لدلائل: أحدها أن أول الآية خاص في حق المسلمين وهو قوله عز وجل {الذين ~~يظاهرون منكم} [المجادلة: 2] فقوله تعالى (منكم) كناية عن المسلمين. # ألا ترى إلى قوله سبحانه وتعالى {إن الله لغفور رحيم} [النحل: 18] ؟ ~~والكافر غير جائز المغفرة. # وقوله تعالى {والذين يظاهرون من نسائهم} [المجادلة: 3] بناء على الأول، ~~والثاني أن فيها أمرا بتحرير يخلفه الصيام إذا لم يجد الرقبة والصيام يخلفه ~~الطعام إذا لم يستطع وكل ذلك لا يتصور إلا في حق المسلم، والثالث أن المسلم ~~مراد من هذه الآية بلا شك، والمذهب عندنا أن العام يبنى على الخاص ومتى بني ~~العام على الخاص خرج المسلم من عموم الآية ولم يقل به أحد. # وأما كونه حرا فليس بشرط لصحة الظهار فيصح ظهار العبد؛ لأن الظهار تحريم ~~والعبد من أهل التحريم. # ألا ترى أنه يملك التحريم بالطلاق؟ فكذا بالظهار ولعموم قوله عز وجل ~~{والذين يظاهرون من نسائهم} [المجادلة: 3] فإن قيل هذه الآية لا تتناول ~~العبد؛ لأنه جعل حكم الظهار التحرير بقوله تعالى {فتحرير رقبة} [المجادلة: ~~3] والعبد ليس من أهل التحرير فلا يكون من أهل حكم الظهار فلا يكون من أهل ~~الظهار فلا يتناوله نص الظهار فالجواب أنه ممنوع، أنه جعل حكم الظهار ~~التحرير على الإطلاق بل جعل حكمه في حق من وجد فأما في حق من لم يجد فإنما ~~جعل حكمه الصيام بقوله تعالى {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} [المجادلة: ~~4] والعبد غير واجد؛ لأنه لا يكون واجدا إلا بالملك، والعبد ليس من أهل ~~الملك فلا يكون واجدا فلا يكون الإعتاق حكم الظهار في حقه إذ لا عتق فيما ~~لا يملكه ابن آدم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يجوز له ~~التكفير بالإعتاق وكذا بالإطعام إذ الإطعام على وجه التمليك أو الإباحة، ~~والإباحة لا تتحقق بدون الملك. # ولو كفر العبد بهما بإذن مولاه أو المولى كفر عنه بهما لم يجز؛ لأن الملك ~~لم يثبت له فلا يقع ms2048 الإعتاق والإطعام عنه بخلاف الفقير إذا أعتق عنه غيره ~~أو أطعم فإنه يجوز؛ لأن الفقير من أهل الملك فثبت الملك له أولا ثم يؤدى ~~عنه بطريق النيابة، والعبد ليس من أهل الملك فلا يملك المؤدى فلا يجزيه في ~~الكفارة إلا الصيام وليس لمولاه أن يمنعه من صيام الظهار بخلاف صيام النذر ~~وكفارة اليمين؛ لأن للمولى أن يمنعه عن ذلك؛ لأن صوم الظهار قد تعلق به حق ~~المرأة؛ لأنه يتعلق به استباحة وطئها الذي استحقه بعقد النكاح فكان منعه ~~إياها عن الصيام منعا له عن إيفاء حق مستحق للغير فلا يملك ذلك بخلاف صوم ~~النذر وكفارة اليمين؛ لأنه لم يتعلق به حق أحد فكان العبد بالصوم متصرفا في ~~المنافع المملوكة لمولاه من غير إذنه لا حق لأحد فيه فكان له منعه عن ذلك ~~سواء # PageV03P230 # كان العبد قنا أو مدبرا أو أم ولد أو مكاتبا أو مستسعى، على أصل أبي ~~حنيفة لما قلنا. # وكذا كونه جادا فليس بشرط لصحة الظهار حتى يصح ظهار الهازل كما يصح ~~طلاقه، وكذا كونه طائعا أو عامدا ليس بشرط عندنا فيصح ظهار المكره والخاطئ ~~كما يصح طلاقهما، وعند الشافعي شرط فلا يصح ظهارهما كما لا يصح طلاقهما ~~وهذه من مسائل الإكراه. # وكذا التكلم بالظهار ليس بشرط حتى يصير مظاهرا بالكتابة المستبينة ~~والإشارة المعلومة من الأخرس، وكذا الخلو عن شرط الخيار ليس بشرط فيصح ظهار ~~شرط الخيار لما ذكرنا في كتاب الطلاق. # وأما كون المظاهر رجلا فهل هو شرط صحة الظهار؟ ، قال أبو يوسف: ليس بشرط ~~وقال محمد شرط حتى لو قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أمي تصير مظاهرة ~~عند أبي يوسف وعليها كفارة الظهار، وعند محمد لا تصير مظاهرة ولما حكي ~~قولهما للحسن بن زياد فقال: هما شيخا الفقه أخطآ، عليهما كفارة اليمين إذا ~~وطئها زوجها. # (وجه) قول الحسن أن الظهار تحريم فتصير كأنها قالت لزوجها: أنت علي حرام، ~~ولو قالت ذلك تلزمها الكفارة إذا وطئها كذا هذا. # (وجه) قول محمد أن الظهار تحريم بالقول والمرأة ms2049 لا تملك التحريم بالقول. # ألا ترى أنها لا تملك الطلاق؟ فكذا الظهار، ولأبي يوسف أن الظهار تحريم ~~يرتفع بالكفارة وهي من أهل الكفارة فكانت من أهل الظهار والله أعلم. # ومنها النية عند أبي حنيفة وأبي يوسف في بعض أنواع الظهار دون بعض. # وبيان ذلك أنه لو قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي كان مظاهرا سواء نوى ~~الظهار أو لا نية له أصلا؛ لأن هذا صريح في الظهار إذ هو ظاهر المراد مكشوف ~~المعنى عند السماع بحيث يسبق إلى إفهام السامعين فكان صريحا لا يفتقر إلى ~~النية كصريح الطلاق في قوله: أنت طالق، وكذا إذا نوى به الكرامة أو المنزلة ~~أو الطلاق أو تحريم اليمين لا يكون إلا ظهارا؛ لأن هذا اللفظ صريح في ~~الظهار فإذا نوى به غيره فقد أراد صرف اللفظ عما وضع له إلى غيره فلا ينصرف ~~إليه، كما إذا قال لامرأته: أنت طالق ونوى به الطلاق عن الوثاق أو الطلاق ~~عن العمل أنه لا ينصرف إليه ويقع الطلاق لما قلنا كذا هذا، ولو قال: أردت ~~به الإخبار عما مضى كذبا لا يصدق في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر؛ لأن هذا ~~اللفظ في الشرع جعل إنشاء فلا يصدق في إرادة الإخبار عنه كقوله: أنت طالق ~~إذا أراد به الإخبار عن الماضي كذبا ولا يسع للمرأة أن تصدقه كما لا يسع ~~للقاضي؛ لأن القاضي إنما يصدقه لادعائه خلاف الظاهر وهذا موجود في حق ~~المرأة ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى ما يحتمله كلامه، وكذا ~~إذا قال: أنا منك مظاهر وقد ظاهرتك فهو مظاهر نوى به الظهار أو لا نية له؛ ~~لأن هذا اللفظ صريح في الظهار أيضا إذ هو مكشوف المراد عند السامع فلا ~~يفتقر إلى النية، وأي شيء نوى لا يكون إلا ظهارا وإن أراد به الخبر عن ~~الماضي كاذبا لا يصدق قضاء ويصدق ديانة لما قلنا كما لو قال: أنت مطلقة أو ~~قد طلقتك. # وكذا لو قال: أنت علي كبطن أمي أو كفخذ أمي أو كفرج ms2050 أمي فهذا وقوله: أنت ~~علي كظهر أمي على السواء؛ لأنه يجري مجرى الصريح لما ذكرنا فيما تقدم، ولو ~~قال: أنت علي كأمي أو مثل أمي يرجع إلى نيته فإن نوى به الظهار كان مظاهرا، ~~وإن نوى به الكرامة كان كرامة، وإن نوى به الطلاق كان طلاقا، وإن نوى به ~~اليمين كان إيلاء؛ لأن اللفظ يحتمل كل ذلك إذ هو تشبيه المرأة بالأم فيحتمل ~~التشبيه في الكرامة والمنزلة أي أنت علي في الكرامة والمنزلة كأمي ويحتمل ~~التشبيه في الحرمة ثم يحتمل ذلك حرمة الظهار ويحتمل حرمة الطلاق وحرمة ~~اليمين فأي ذلك نوى فقد نوى ما يحتمله لفظه فيكون على ما نوى. # وإن لم يكن له نية لا يكون ظهارا عند أبي حنيفة وهو قول أبي يوسف إلا أن ~~عند أبي حنيفة لا يكون شيئا، وعند أبي يوسف يكون تحريم اليمين، وعند محمد ~~يكون ظهارا واحتج محمد بقوله تعالى في آية الظهار ردا على المظاهرين {ما هن ~~أمهاتهم} [المجادلة: 2] وذكر الله سبحانه وتعالى الأم ولم يذكر ظهر الأم ~~فدل أن تشبيه المرأة وهو قوله: أنت علي كأمي ظهار حقيقة كقوله: أنت علي ~~كظهر أمي بل أولى؛ لأن قوله أنت علي كظهر أمي تشبيه المرأة بعضو من ~~أعضائها، وقوله أنت كأمي تشبيه بكلها ثم ذاك لما كان ظهارا فهذا أولى؛ ولأن ~~كاف التشبيه تختص بالظهار فعند الطلاق تحمل عليه ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن ~~هذا اللفظ يحتمل الظهار وغيره احتمالا على السواء لما ذكرنا فلا يتعين ~~الظهار إلا بدليل # PageV03P231 # معين ولم يوجد إلا أن أبا يوسف يقول يحمل على تحريم اليمين لأن الظهار ~~أنه أراد بهذا التشبيه التشبيه في التحريم وذلك يحتمل تحريم الطلاق وتحريم ~~اليمين إلا أن تحريم اليمين أدنى فيحمل عليه والجواب أنا لا نسلم أنه أراد ~~به التشبيه في التحريم بل هو محتمل يحتمل الحرمة وغيرها فلا يتغير التحريم ~~من غير دليل مع ما أن معنى الكرامة والمنزلة أدنى فيحمل مطلق التشبيه عليه. # وما ذكره محمد أن الله تعالى ذكر ms2051 الأمهات لا ظهورهن قلنا هذا لا يدل على ~~أن التشبيه بالأم ظهار حقيقة؛ لأنه لو كان حقيقة لقال ما هن كأمهاتهم؛ لأنه ~~أثبت الأمومية لها ولو قال: أنت علي حرام كأمي حمل على نيته؛ لأنه إذا ذكر ~~مع التشبيه التحريم لم يحتمل معنى الكرامة فتعين التحريم، وهو يحتمل تحريم ~~الظهار ويحتمل تحريم الطلاق والإيلاء فيرجع إلى نيته فإن لم يكن له نية ~~يكون ظهارا؛ لأن حرف التشبيه يختص بالظهار فمطلق التحريم يحمل عليه. # ولو قال: أنت علي حرام كظهر أمي فإن نوى الظهار أو لا نية له أصلا فهو ~~ظهار وإن نوى الطلاق لم يكن إلا ظهارا في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ~~ومحمد يكون طلاقا وروي عن أبي يوسف أنه يكون ظهارا وطلاقا معا. # وجه قولهما أن قوله: أنت علي حرام يحتمل الطلاق كما يحتمل الظهار فإذا ~~نوى به الطلاق فقد نوى ما يحتمله لفظه فصحت نيته وأبو حنيفة يقول: لما قال ~~بعد قوله حرام كظهر أمي فقد فسر التحريم بتحريم الظهار فزال الاحتمال فكان ~~صريحا في الظهار فلا تعمل فيه النية، وما روي عن أبي يوسف غير سديد؛ لأنه ~~حمل اللفظ الواحد على معنيين واللفظ الواحد لا ينتظم معنيين مختلفين ولو ~~قال: أنت علي كالميتة، أو كالدم، أو كالخمر، أو كلحم الخنزير يرجع إلى نيته ~~إن نوى الطلاق كان طلاقا وإن نوى التحريم أو لا نية له يكون يمينا ويصير ~~موليا. # وإن قال: عنيت به الكذب لم يكن شيئا ولا يصدق في نفي اليمين في القضاء، ~~وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الطلاق في فصل الإيلاء. ### | [فصل في بيان الشرائط التي ترجع إلى المظاهر منه] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المظاهر منه فمنها أن تكون زوجته وهي أن تكون مملوكة ~~له بملك النكاح فلا يصح الظهار من الأجنبية لعدم الملك ويصح ظهار زوجته ~~تنجيزا وتعليقا وإضافة إلى وقت بأن قال لها: أنت علي كظهر أمي إلى رأس شهر ~~كذا لقيام الملك وتعليقا في الملك بأن قال لها: ms2052 إن دخلت الدار أو إن كلمت ~~فلانا فأنت علي كظهر أمي لوجود الملك وقت اليمين. # وأما تعليقه بالملك وهو إضافته إلى سبب الملك فصحيح عندنا خلافا للشافعي ~~بأن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي حتى لو تزوجها صار مظاهرا ~~عندنا لوجود الإضافة إلى سبب الملك، وعنده لا يصح لعدم الملك للحال. # ولو قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي لا يقع الظهار حتى لو ~~تزوجها فدخلت الدار لا يصير مظاهرا بالإجماع لعدم الملك والإضافة إلى سبب ~~الملك وعلى هذا يخرج الظهار من الأمة والمدبرة وأم الولد والمكاتبة ~~والمستسعاة على أصل أبي حنيفة أنه لا يصح لعدم الزوجية ثم إنما كانت ~~الزوجية شرطا لصحة الإظهار؛ لأن ثبوت الحرمة بالظهار أمر ثبت تعبدا غير ~~معقول المعنى؛ لأن قوله: أنت علي كظهر أمي تشبيه المرأة بالأم وأنه محتمل ~~يحتمل التشبيه في الكرامة والمنزلة ويحتمل التشبيه في الحرمة، ثم التشبيه ~~في الحرمة محتمل أيضا يحتمل حرمة الظهار وهي الحرمة المؤقتة بالكفارة ~~ويحتمل حرمة الطلاق وحرمة اليمين وهذه الوجوه كلها في احتمال اللفظ سواء ~~فلا يجوز تنزيله على بعض الوجوه من غير دليل معين إلا أن هذه الحرمة تثبت ~~شرعا غير معقول فيقصر على مورد الشرع وهي الزوجية قال الله تعالى {والذين ~~يظاهرون من نسائهم} [المجادلة: 3] والمراد منه الزوجات كما في قوله تعالى ~~{للذين يؤلون من نسائهم} [البقرة: 226] وقوله تعالى {وأمهات نسائكم} ~~[النساء: 23] وقوله عز وجل {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: ~~223] ونحو ذلك، وسواء كانت الزوجة حرة أو أمة قنة أو مدبرة وأم ولد وولد أم ~~ولد أو مكاتبة أو مستسعاة على أصل أبي حنيفة لعموم قوله تعالى {والذين ~~يظاهرون من نسائهم} [المجادلة: 3] . # ومنها قيام ملك النكاح من كل وجه فلا يصح الظهار من المطلقة ثلاثا ولا ~~المبانة والمختلعة وإن كانت في العدة بخلاف الطلاق؛ لأن المختلعة والمبانة ~~يلحقهما صريح الطلاق؛ لأن الظهار تحريم وقد ثبتت الحرمة بالإبانة والخلع، ~~وتحريم المحرم محال ولأنه لا يفيد؛ لأن الثاني لا ms2053 يفيد إلا ما أفاده الأول ~~فيكون عبثا لخلوه عن العاقبة الحميدة بخلاف الطلاق؛ ولأن الطلاق إزالة حل ~~المحلية وأنه قائم بعد الإبانة فلم يكن إثبات الثابت فلم يكن مستحيلا وكذا ~~الثاني يفيد غير ما أفاده # PageV03P232 # الأول وهو نقصان العدد فهو الفرق بين الفصلين وكذا إذا علق الطلاق بشرط ~~ثم أبانها قبل وجود الشرط ثم وجد الشرط وهي في العدة أنه لا ينزل الظهار ~~بخلاف ما إذا علق الإبانة بشرط فنجز الإبانة ثم وجد الشرط وهي في العدة أنه ~~يلحقها البائن المعلق لما ذكرنا أن الظهار تحريم والمبانة محرمة فلو لحقها ~~الظهار بيمين كانت قبل الإبانة لكان تحريم المحرم، وهو مستحيل ثم هو غير ~~مفيد فاستوى فيه الظهار المبتدأ والمعلق بشرط بخلاف البينونة المعلقة بشرط؛ ~~لأن ثبوتها بعد تنجيز الإبانة غير مستحيل وهو مفيد أيضا وهو نقصان العدد ~~والله عز وجل الموفق. # ومنها أن يكون الظهار مضافا إلى بدن الزوجة أو إلى عضو منها جامع أو شائع ~~وهذا عندنا، وعند الشافعي ليس بشرط وتصح الإضافة إليها أو إلى كل عضو منها ~~على هذا يخرج ما إذا قال لها: رأسك علي كظهر أمي أو وجهك أو رقبتك أو فرجك ~~أنه يصير مظاهرا؛ لأن هذه الأعضاء يعبر بها عن جميع البدن فكانت الإضافة ~~إليها إلى جميع البدن، وكذا إذا قال لها ثلثك علي كظهر أمي أو ربعك أو نصفك ~~ونحو ذلك من الأجزاء الشائعة. # ولو قال: يدك أو رجلك أو أصبعك لا يصير مظاهرا عندنا خلافا للشافعي. # واختلف مشايخنا في الظهر والبطن وهذه الجملة قد مرت في كتاب الطلاق. ### | [فصل في بيان الشرائط التي ترجع إلى المظاهر به] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المظاهر به فمنها أن يكون من جنس النساء حتى لو قال ~~لها: أنت علي كظهر أبي أو ابني لا يصح؛ لأن الظهار عرفا موجبا بالشرع، ~~والشرع إنما ورد بها فيما إذا كان المظاهر به امرأة. # ومنها أن يكون عضوا لا يحل له النظر إليه من الظهر والبطن والفخذ والفرج ~~حتى ms2054 لو شبهها برأس أمه أو بوجهها أو يدها أو رجلها لا يصير مظاهرا؛ لأن هذه ~~الأعضاء من أمه يحل له النظر إليها. # ومنها أن تكون هذه الأعضاء من امرأة يحرم نكاحها عليه على التأبيد سواء ~~حرمت عليه بالرحم كالأم والبنت والأخت وبنت الأخ والأخت والعمة والخالة، أو ~~بالرضاع، أو بالصهرية كامرأة أبيه وحليلة ابنه؛ لأنه يحرم عليه نكاحهن على ~~التأبيد، وكذا أم امرأته سواء كانت امرأته مدخولا بها أو غير مدخول بها؛ ~~لأن نفس العقد على البنت محرم للأم فكانت محرمة عليه على التأبيد. # وأما بنت امرأته فإن كانت امرأته مدخولا بها فكذلك؛ لأنه إذا دخل بها فقد ~~حرمت عليه ابنتها على التأبيد، وإن كانت غير مدخول بها لا يصير مظاهرا لعدم ~~الحرمة على التأبيد، ولو شبهها بظهر امرأة زنى بها أبوه أو ابنه قال أبو ~~يوسف هو مظاهر وقال محمد: ليس بمظاهر بناء على أن قاضيا لو قضى بجواز نكاح ~~امرأة زنى بها أبوه أو ابنه لا ينفذ قضاؤه عند أبي يوسف حتى لو رفع قضاؤه ~~إلى قاض آخر أبطله فكانت محرمة النكاح على التأبيد، وعند محمد ينفذ قضاؤه ~~وليس للقاضي الثاني أن يبطله إذا رفع إليه فلم تكن محرمة على التأبيد. # (وجه) قول أبي يوسف أن حرمة نكاح موطوءة الأب منصوص عليها قال الله تعالى ~~{ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء} [النساء: 22] ؛ لأن النكاح في اللغة ~~الضم وحقيقة الضم في الوطء فلم يكن هذا محل الاجتهاد إذ الاجتهاد المخالف ~~للنصوص باطل فالقضاء بالجواز يكون مخالفا للنص فكان باطلا بخلاف ما إذا ~~شبهها بامرأة قد فرق بينه وبينها باللعان أنه لا يكون مظاهرا، وإن كان لا ~~يجوز له نكاحها عندي؛ لأنه لو حكم بجواز نكاحها جاز لأن حرمة نكاحها غير ~~منصوص عليه فلم تكن محرمة على التأييد. # وجه قول محمد أن جواز نكاح هذه المرأة مجتهد فيه ظاهر الاجتهاد، وإنه ~~جائز عند الشافعي وقد ظهر الاختلاف فيه في السلف فكان محل الاجتهاد، وظاهر ~~النص محتمل التأويل فكان للاجتهاد ms2055 فيه مساغا وللرأي مجالا. # ولو شبهها بظهر امرأة هي أم المزني بها أو بنت المزني بها لم يكن مظاهرا؛ ~~لأن هذا فصل مجتهد فيه ظاهر الاجتهاد في السلف فلم تكن المرأة المظاهر بها ~~محرمة على التأبيد ولو قبل أجنبية بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة ثم شبه ~~زوجته بابنتها لم يكن مظاهرا عند أبي حنيفة، قال ولا يشبه هذا الوطء، الوطء ~~أبين وأظهر عنى بذلك لو شبه زوجته ببنت موطوءته فلا يصير مظاهرا فهذا أولى؛ ~~لأن التقبيل واللمس والنظر إلى الفرج سبب مفض إلى الوطء فكان دون حقيقة ~~الوطء فلما لم يصر مظاهرا بذلك فبهذا أولى. # وعند أبي يوسف يكون مظاهرا؛ لأن الحرمة بالنظر منصوص عليها قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من كشف خمار امرأة أو نظر إلى فرجها حرمت عليه أمها ~~وابنتها» وعلى هذا يخرج ما إذا شبهها بامرأة محرمة عليه في الحال وهي ممن ~~تحل له في حال # PageV03P233 # أخرى كأخت امرأته أو امرأة لها زوج أو مجوسية أو مرتدة أنه لا يكون ~~مظاهرا؛ لأنها غير محرمة على التأبيد والله أعلم. ### | [فصل في حكم الظهار] # (فصل) : # وأما حكم الظهار فللظهار أحكام: منها حرمة الوطء قبل التكفير ولقوله عز ~~وجل {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتماسا} [المجادلة: 3] أي فليحرروا كما في قوله سبحانه وتعالى {والوالدات ~~يرضعن أولادهن} [البقرة: 233] أي ليرضعن. # وقوله تعالى {والمطلقات يتربصن بأنفسهن} [البقرة: 228] أي ليتربصن، أمر ~~المظاهر بتحرير رقبة قبل المسيس فلو لم يحرم الوطء قبل المسيس لم يكن للأمر ~~بتقديم التحرير قبل المسيس معنى وهو كقوله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} [المجادلة: 12] وإنه يدل على ~~حرمة النجوى قبل الصدقة إذ لو لم يحرم لم يكن للأمر بتقديم الصدقة على ~~النجوى معنى فكذا هذا. # وروي أن مسلمة بن صخر البياضي ظاهر من امرأته ثم أبصرها في ليلة قمراء ~~وعليها خلخال فضة فأعجبته فوطئها فسأل رسول الله - صلى الله عليه ms2056 وسلم - عن ~~ذلك فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «استغفر الله ولا تعد حتى ~~تكفر» أمره - صلى الله عليه وسلم - بالاستغفار والاستغفار إنما يكون عن ~~الذنب فدل على حرمة الوطء وكذا نهى المظاهر عن العود إلى الجماع، ومطلق ~~النهي للتحريم فيدل على حرمة الجماع قبل الكفارة وروي عن ابن عباس - رضي ~~الله عنهما - أنه قال إذا قال أنت علي كظهر أمي لم تحل له حتى يكفر ومنها ~~حرمة الاستمتاع بها من المباشرة والتقبيل واللمس عن شهوة والنظر إلى فرجها ~~عن شهوة قبل أن يكفر؛ لقوله عز وجل {من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 4] وأخف ~~ما يقع عليه اسم المس هو اللمس باليد إذ هو حقيقة لهما جميعا أعني الجماع ~~واللمس باليد لوجود معنى المس باليد فيهما؛ ولأن الاستمتاع داع إلى الجماع ~~فإذا حرم الجماع حرم الداعي إليه إذ لو لم يحرم لأدى إلى التناقض ولهذا حرم ~~في الاستبراء وفي الإحرام بخلاف باب الحيض والنفاس؛ لأن الاستمتاع هناك ~~يفضي إلى الجماع لوجود المانع وهو استعمال الأذى فامتنع عمل الداعي للتعارض ~~فلا يفضي إلى الجماع ولأن هذه الحرمة إنما حصلت بتشبيه امرأته بأمه فكانت ~~قبل انتهائها بالتكفير وحرمة الأم سواء، وتلك الحرمة تمنع من الاستمتاع كذا ~~هذه ولأن الظهار كان طلاق القوم في الجاهلية فنقله الشرع من تحريم المحل ~~إلى تحريم الفعل فكانت حرمة الفعل في المظاهر منها مع بقاء النكاح كحرمة ~~الفعل في المطلقة بعد زوال النكاح، وتلك الحرمة تعم البدن كله كذا هذه. # ولا ينبغي للمرأة إذا ظاهر منها زوجها أن تدعه يقربها بالوطء والاستمتاع ~~حتى يكفر؛ لأن ذلك حرام عليه والتمكين من الحرام حرام. # ومنها أن للمرأة أن تطالبه بالوطء وإذا طالبته به فعلى الحاكم أن يجبره ~~حتى يكفر ويطأ؛ لأنه بالتحريم بالظهار أضر بها حيث منعها حقها في الوطء مع ~~قيام الملك فكان لها المطالبة بإيفاء حقها ودفع التضرر عنها وفي وسعه إيفاء ~~حقها بإزالة الحرمة بالكفارة فيجب عليه ذلك ويجبر عليه لو امتنع. # ويستوي في هذه ms2057 الأحكام جميع أنواع الكفارات كلها من الإعتاق والصيام ~~والطعام أعني كما أنه لا يباح له وطؤها والاستمتاع بها قبل التحرير والصوم ~~لا يباح له قبل الإطعام وهذا قول عامة العلماء، وقال مالك: إن كانت كفارته ~~الإطعام جاز له أن يطأها قبله؛ لأن الله تعالى ما شرط تقديم هذا النوع على ~~المسيس في كتابه الكريم. # ألا ترى أنه لم يذكر فيه من قبل أن يتماسا؟ وإنما شرط سبحانه وتعالى في ~~النوعين الأولين فقط فيقتصر الشرط على الموضع المذكور ولنا أنه لو أبيح له ~~الوطء قبل الإطعام فيطؤها ومن الجائز أنه يقدر على الإعتاق والصيام في خلال ~~الطعام فتنتقل كفارته إليه، فتبين أن وطأه كان حراما فيجب صيانته عن الحرام ~~بإيجاب تقديم الإطعام احتياطا وعلى هذا يخرج ما إذا ظاهر الرجل من أربع ~~نسوة له أن عليه أربع كفارات سواء ظاهر منهن بأقوال مختلفة أو بقول واحد، ~~وقال الشافعي: إذا ظاهر بكلمة واحدة فعليه كفارة واحدة. # وجه قوله أن الظهار أحد نوعي التحريم فيعتبر بالنوع الآخر وهو الإيلاء، ~~وهناك لا يجب إلا كفارة واحدة بأن قال لنسائه الأربع: والله لا أقربكن ~~فقربهن فكذا ههنا. # (ولنا) الفرق بين الظهار وبين الإيلاء وهو أن الظهار وإن كان بكلمة واحدة ~~فإنها تتناول كل واحدة منهن على حيالها فصار مظاهرا من كل واحدة منهن. # والظهار تحريم # PageV03P234 # لا يرتفع إلا بالكفارة فإذا تعدد التحريم تتعدد الكفارة بخلاف الإيلاء؛ ~~لأن الكفارة ثمة تجب لحرمة اسم الله تعالى جبرا لهتكه والاسم اسم واحد فلا ~~تجب إلا كفارة واحدة، وكذا إذا ظاهر من امرأة واحدة بأربعة أقوال يلزمه ~~أربع كفارات؛ لأنه أتى بأربع تحريمات، ولو ظاهر من امرأة واحدة في مجلس ~~واحد ثلاثا أو أربعا فإن لم يكن له نية فعليه لكل ظهار كفارة؛ لأن كل ظهار ~~يوجب تحريما لا يرتفع إلا بالكفارة فإن قيل أنها إذا حرمت بالظهار الأول ~~فكيف تحرم بالثاني؟ وأنه إثبات الثابت وأنه محال ثم هو غير مفيد فالجواب أن ~~الثاني إن كان لا يفيد تحريما ms2058 جديدا فإنه يفيد تأكيد الأول فلئن تعذر ~~إظهاره في التحريم أمكن إظهاره في التكفير فكان مفيدا فائدة التكفير، وإن ~~نوى به الظهار الأول فعليه كفارة واحدة؛ لأن صيغته صيغة الخبر وقد يكرر ~~الإنسان اللفظ على إرادة التغليظ والتشديد دون التجديد، والظهار لا يوجب ~~نقصان العدد في الطلاق؛ لأنه ليس بطلاق ولا يوجب البينونة وإن طالت المدة؛ ~~لأنه لا يوجب زوال الملك وإنما يحرم الوطء قبل التكفير مع قيام الملك وإن ~~جامعها قبل أن يكفر لا يلزمه كفارة أخرى وإنما عليه التوبة والاستغفار ولا ~~يجوز له أن يعود حتى يكفر لما روينا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال لذلك الرجل الذي ظاهر من امرأته فواقعها قبل أن يكفر: «استغفر الله ولا ~~تعد حتى تكفر» فأمره - صلى الله عليه وسلم - بالاستغفار لما فعل لا ~~بالكفارة ونهاه - صلى الله عليه وسلم - عن العود إليه إلا بتقديم الكفارة ~~عليه والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في ما ينتهي به حكم الظهار أو يبطل] # (فصل) : # وأما بيان ما ينتهي به حكم الظهار أو يبطل فحكم الظهار ينتهي بموت أحد ~~الزوجين لبطلان محل حكم الظهار ولا يتصور بقاء الشيء في غير محله وينتهي ~~بالكفارة وبالوقت إن كان موقتا وبيان ذلك أن الظهار لا يخلو إما أن كان ~~مطلقا وإما أن كان موقتا فالمطلق كقوله: أنت علي كظهر أمي وحكمه لا ينتهي ~~إلا بالكفارة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لذلك المظاهر «استغفر الله ولا ~~تعد حتى تكفر» نهاه عن الجماع ومد النهي إلى غاية التكفير فيمتد إليها ولا ~~يبطل ببطلان ملك النكاح ولا ببطلان حل المحلية حتى لو ظاهر منها طلاقا ثم ~~طلقها طلاقا بائنا ثم تزوجها لا يحل له وطؤها والاستمتاع بها حتى يكفر. # وكذا إذا كانت زوجته أمة فظاهر منها ثم اشتراها حتى بطل النكاح بملك ~~اليمين، وكذا لو كانت حرة فارتدت عن الإسلام ولحقت بدار الحرب فسبيت ثم ~~اشتراها. # وكذا إذا ظاهر منها ثم ارتدت عن الإسلام في قول أبي حنيفة واختلفت ~~الرواية ms2059 عن أبي يوسف على ما ذكرنا في الإيلاء وكذا إذا طلقها ثلاثا فتزوجت ~~بزوج آخر ثم عادت إلى الأول لا يحل له وطؤها بدون تقديم الكفارة عليه؛ لأن ~~الظهار قد انعقد موجبا حكمه وهو الحرمة والأصل أن التصرف الشرعي إذا انعقد ~~مفيدا لحكمه وفي بقائه احتمال الفائدة أو وهم الفائدة يبقى لفائدة محتملة ~~أو موهومة أصله الإباق الطارئ على البيع، واحتمال العود ههنا قائم فيبقى ~~وإذا بقي يبقى على ما انعقد عليه وهو ثبوت حرمة لا ترتفع إلا بالكفارة وإن ~~كان موقتا بأن كان قال: لها أنت علي كظهر أمي يوما أو شهرا أو سنة صح ~~التوقيت وينتهي بانتهاء الوقت بدون الكفارة عند عامة العلماء وهو أحد قولي ~~الشافعي، وفي قوله الآخر وهو قول مالك يبطل التأقيت ويتأبد الظهار وجه قوله ~~أن الظهار أخو الطلاق إذ هو أحد نوعي التحريم، ثم تحريم الطلاق لا يحتمل ~~التأقيت كذا تحريم الظهار ولنا أن تحريم الظهار أشبه بتحريم اليمين من ~~الطلاق؛ لأن الظهار تحله الكفارة كاليمين يحله الحنث، ثم اليمين تتوقت كذا ~~الظهار بخلاف الطلاق؛ لأنه لا يحله شيء فلا يتوقت والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في بيان كفارة الظهار] # (فصل) : # وأما بيان كفارة الظهار فالكلام فيه يقع في مواضع في تفسير كفارة الظهار، ~~وفي بيان سبب وجوبها، وفي بيان شرط وجوبها، وفي بيان شرط جوازها أما ~~تفسيرها فما ذكره الله عز وجل في كتابه العزيز من أحد الأنواع الثلاثة لكن ~~على الترتيب الإعتاق ثم الصيام ثم الإطعام. # وأما سبب وجوب الكفارة فلا خلاف في أن الكفارة لا تجب إلا بعد وجود العود ~~والظهار لقوله عز وجل {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا ~~فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] غير أنه اختلف في العود. # قال أصحاب الظواهر هو أن يكرر لفظ الظهار، وقال الشافعي: هو إمساك المرأة ~~على النكاح بعد # PageV03P235 # الظهار وهو أن يسكت عن طلاقها عقيب الظهار مقدار ما يمكنه طلاقها فيه إذا ~~أمسكها على النكاح عقيب الظهار مقدار ms2060 ما يمكنه طلاقها فيه فلم يطلقها فقد ~~وجبت عليه الكفارة على وجه لا يحتمل السقوط بعد ذلك سواء غابت أو ماتت. # وإذا غاب فسواء طلقها أو لم يطلقها راجعها أو لم يراجعها ولو طلقها عقيب ~~الظهار بلا فصل يبطل الظهار فلا تجب الكفارة لعدم إمساك المرأة عقيب ~~الظهار، وقال أصحابنا: العود هو العزم على وطئها عزما مؤكدا حتى لو عزم ثم ~~بدا له في أن يطأها لا كفارة عليه لعدم العزم المؤكد لا أنه وجبت الكفارة ~~بنفس العزم ثم سقطت كما قال بعضهم؛ لأن الكفارة بعد سقوطها لا تعود إلا ~~بسبب جديد. # وجه قول أصحاب الظواهر التمسك بظاهر لفظة العود؛ لأن العود في القول ~~عبارة عن تكراره قال الله تعالى {ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم ~~يعودون لما نهوا عنه} [المجادلة: 8] فكان معنى قوله {ثم يعودون لما قالوا} ~~[المجادلة: 3] أي يرجعون إلى القول الأول فيكررونه. # وجه قول الشافعي أن قوله تعالى {والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما ~~قالوا فتحرير رقبة من قبل} [المجادلة: 3] يقتضي وجوب الكفارة بعد العود ~~وذلك فيما قلنا لا فيما قلتم؛ لأن عندكم لا تجب الكفارة وإنما يحرم الوطء ~~إلى أن يؤدي الكفارة فترفع الحرمة وهذا خلاف النص. # ولنا أن قول القائل: قال فلان كذا ثم عاد، قال في اللغة يحتمل أن يكون ~~معناه عاد إلى ما قال وفيما قال أي كرره، ويحتمل أن يكون معناه عاد لنقض ما ~~قال فإنه حكي أن أعرابيا تكلم بين يدي الأصمعي بأنه كان يبني بناء ثم يعود ~~له فقال له الأصمعي: ما أردت بقولك أعود له فقال أنقضه، ولا يمكن حمله على ~~الأول وهو التكرار؛ لأن القول لا يحتمل التكرار؛ لأن التكرار إعادة عين ~~الأول ولا يتصور ذلك في الإعراض لكونها مستحيلة البقاء فلا يتصور إعادتها، ~~وكذا النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر أويسا بالكفارة لم يسأله أنه هل ~~كرر الظهار أم لا؟ ولو كان ذلك شرطا لسأله إذ الموضع موضع الإشكال وكذا ~~الظهار الذي كان ms2061 متعارفا بين أهل كرر الظهار أم لا؟ ولو كان ذلك شرطا لسأله ~~إذ الموضع موضع الإشكال، وكذا الظهار الذي كان متعارفا بين أهل الجاهلية لم ~~يكن فيه تكرار القول وإذا تعذر حمله على الوجه الأول يحمل على الثاني وهو ~~العود لنقض ما قالوا وفسخه فكان معناه ثم يرجعون عما قالوا وذلك بالعزم على ~~الوطء؛ لأن ما قاله المظاهر هو تحريم الوطء فكان العود لنقضه وفسخه استباحة ~~الوطء وبهذا تبين فساد تأويل الشافعي العود بإمساك المرأة واستبقاء النكاح ~~لأن إمساك المرأة لا يعرف عودا في اللغة ولا إمساك شيء من الأشياء يتكلم ~~فيه بالعود ولأن الظهار ليس برفع النكاح حتى يكون العود لما قال استبقاء ~~للنكاح فبطل تأويل العود بالإمساك على النكاح والدليل على بطلان هذا ~~التأويل أن الله تعالى قال {ثم يعودون لما قالوا} [المجادلة: 3] وثم ~~للتراخي فمن جعل العود عبارة عن استبقاء النكاح وإمساك المرأة عليه فقد ~~جعله عائدا عقيب القول بلا تراخي وهذا خلاف النص. # أما قوله إن النص يقتضي وجوب الكفارة وعندكم لا تجب الكفارة فليس كذلك بل ~~عندنا تجب الكفارة إذا عزم على الوطء كأنه قال تعالى إذا عزمت على الوطء ~~فكفر قبله كما قال سبحانه وتعالى {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} [المائدة: ~~6] وقوله سبحانه {إذا ناجيتم الرسول فقدموا} [المجادلة: 12] ونحو ذلك ~~واختلف أيضا في سبب وجوب هذه الكفارة قال بعضهم: إنها تجب بالظهار والعود ~~جميعا؛ لأن الله تعالى علقها بهما بقوله تعالى {والذين يظاهرون من نسائهم ~~ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة} [المجادلة: 3] وقال بعضهم: سبب الوجوب هو ~~الظهار والعود شرط؛ لأن الظهار ذنب. # ألا ترى أن الله تعالى جعله منكرا من القول وزورا؟ والحاجة إلى رفع الذنب ~~والزجر عنه في المستقبل ثابتة فتجب الكفارة؛ لأنها رافعة للذنب وزاجرة عنه ~~والدليل عليه أنه تضاف الكفارة إلى الظهار لا إلى العود يقال: كفارة الظهار ~~والأصل أن الأحكام تضاف إلى أسبابها لا إلى شروطها، وقال بعضهم: سبب الوجوب ~~وهو العود والظهار شرط؛ لأن الكفارة عبادة والظهار محظور ms2062 محض فلا يصح سببا ~~لوجوب العبادة، وقال بعضهم: كل واحد منهما شرط، وسبب الوجوب أمر ثالث هو ~~كون الكفارة طريقا متعينا لإيفاء الواجب، وكونه قادرا على الإيفاء؛ لأن ~~إيفاء حقها في الوطء واجب ويجب عليه في الحكم إن كانت بكرا أو ثيبا ولم ~~يطأها مرة وإن كانت ثيبا وقد وطئها مرة لا تجب فيما بينه وبين الله تعالى ~~اتصال ذلك أيضا لإيفاء حقها، وعند بعض أصحابنا يجب في الحكم أيضا حتى يجبر ~~عليه ولا يمكنه إيفاء الواجب إلا برفع الحرمة ولا ترتفع الحرمة إلا ~~بالكفارة فتلزمه الكفارة ضرورة إيفاء # PageV03P236 # الواجب على الأصل المعهود أن إيجاب الشيء إيجاب له ولما لا يتوصل إليه ~~إلا به كالأمر بإقامة الصلاة يكون أمرا بالطهارة ونحو ذلك والله أعلم. # (وأما) شرط وجوبها فالقدرة على أدائها لاستحالة وجوب الفعل بدون القدرة ~~عليه فلا يجب على غير القادر وكذا العود أو الظهار أو كلاهما على حسب ~~اختلاف المشايخ فيه على ما مر. # وأما شرط جوازها فلجواز هذه الكفارة من الأنواع الثلاثة أعني الإعتاق ~~والصيام والإطعام شرائط نذكرها في كتاب الكفارات إن شاء الله تعالى والله ~~عز وجل أعلم. ### | [كتاب اللعان] ### | [بيان صورة اللعان وكيفيته] # (كتاب اللعان) : # الكلام في اللعان يقع في مواضع: في بيان صورة اللعان وكيفيته، وفي بيان ~~صفة اللعان، وفي بيان سبب وجوبه، وفي بيان شرائط الوجوب والجواز، وفي بيان ~~ما يظهر به سبب الوجوب عند القاضي، وفي بيان معنى اللعان وماهيته شرعا، وفي ~~بيان حكم اللعان، وفي بيان ما يسقط اللعان بعد وجوبه، وفي بيان حكمه إذا ~~سقط أو لم يجب أصلا مع وجود القذف. # (أما) . # صورة اللعان وكيفيته فالقذف لا يخلو إما أن يكون بالزنا أو بنفي الولد. # فإن كان بالزنا فينبغي للقاضي أن يقيمهما بين يديه متماثلين فيأمر الزوج ~~أولا أن يقول أربع مرات: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من ~~الزنا، ويقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رميتها ~~به من الزنا، ثم يأمر المرأة ms2063 أن تقول أربع مرات: أشهد بالله إنه لمن ~~الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتقول في الخامسة: غضب الله عليها إن كان ~~من الصادقين فيما رماني به من الزنا. # هكذا ذكر في ظاهر الرواية وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يحتاج إلى لفظ ~~المواجهة فيقول الزوج: فيما رميتك به من الزنا وتقول المرأة: فيما رميتني ~~به من الزنا وهو قول زفر ووجهه أن خطاب المعاينة فيه احتمال؛ لأنه يحتملها ~~ويحتمل غيرها ولا احتمال في خطاب المواجهة فالإتيان بلفظ لا احتمال فيه ~~أولى والجواب أنه لما قال: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميتها به من ~~الزنا وأشار إليها فقد زال الاحتمال لتعيينها بالإشارة فكان لفظ المواجهة ~~والمعاينة فيه سواء، وإن كان اللعان بنفي الولد فقد ذكر الكرخي أن الزوج ~~يقول في كل مرة: فيما رميتك به من نفي ولدك، وتقول المرأة: فيما رميتني به ~~من نفي ولدي. # وذكر الطحاوي أن الزوج يقول في كل مرة: فيما رميتها به من الزنا في نفي ~~ولدها، وتقول المرأة: فيما رماني به من الزنا في نفي ولده. # وروى هشام عن محمد أنه قال: إذا لاعن الرجل بولد فقال في اللعان: أشهد ~~بالله أني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا في نفي ولدها بأن هذا ~~الولد ليس مني، وتقول المرأة: أشهد بالله إنك لمن الكاذبين فيما رميتني به ~~من الزنا بأن هذا الولد ليس منك. # وذكر ابن سماعة عن محمد في نوادره أنه قال إذا نفى الولد يشهد بالله الذي ~~لا إله إلا هو إنه لصادق فيما رماها به من الزنا ونفي هذا الولد قال ~~القدوري: وهذا ليس باختلاف رواية وإنما هو اختلاف حال القذف فإن كان القذف ~~من الزوج بقوله: هذا الولد ليس مني يكفي في اللعان أن يقول: فيما رميتك به ~~من نفي الولد؛ لأنه ما قذفها إلا بنفي الولد وإن كان القذف بالزنا ونفي ~~الولد لا بد من ذكر الأمرين؛ لأنه قذفها بالأمرين جميعا وإنما بدئ بالرجل ~~لقوله سبحانه وتعالى {والذين ms2064 يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ~~فشهادة أحدهم} [النور: 6] والفاء للتعقيب فيقتضي أن يكون لعان الزوج عقيب ~~القذف فيقع لعان المرأة بعد لعانه. # وكذا روي أنه لما نزلت آية اللعان وأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أن يجري اللعان على ذينك الزوجين بدأ بلعان الرجل وهو قدوة؛ لأن لعان ~~الزوج وجب حقا لها؛ لأن الزوج ألحق بها العار بالقذف فهي بمطالبتها إياه ~~باللعان تدفع العار عن نفسها ودفع العار عن نفسها حقها وصاحب الحق إذا طالب ~~من عليه الحق بإيفاء حقه لا يجوز له التأخير كمن عليه الدين فإن أخطأ ~~الحاكم فبدأ بالمرأة ثم بالرجل ينبغي له أن يعيد اللعان على المرأة؛ لأن ~~اللعان شهادة والمرأة بشهادتها تقدح في شهادة الزوج فلا يصح قبل وجود ~~شهادته؛ ولهذا في باب الدعاوى يبدأ بشهادة المدعي ثم بشهادة المدعى عليه ~~بطريق الدفع له كذا ههنا فإن لم يعد لعانها حتى فرق بينهما نفذت الفرقة؛ ~~لأن تفريقه صادف محل الاجتهاد؛ لأنه يزعم أن اللعان ليس بشهادة بل هو يمين ~~ويجوز تقديم # PageV03P237 # إحدى اليمينين على الأخرى كتحالف المتداعيين أنه لا يلزم مراعاة الترتيب ~~فيه بل يجوز تقديم أحدهما أيهما كان فكان تفريقه في موضع الاجتهاد فنفذ ~~والقيام ليس بشرط كذا روى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: لا يضره قائما لاعن ~~أو قاعدا؛ لأن اللعان إما أن يعتبر فيه معنى الشهادة وإما أن يعتبر فيه ~~معنى اليمين أو يعتبر فيه المعنيان جميعا، والقيام ليس بلازم فيهما إلا أنه ~~يندب إليه؛ «لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ندب عاصما وامرأته إليه ~~فقال: يا عاصم قم فاشهد بالله وقال لامرأته: قومي فاشهدي بالله» ؛ ولأن ~~اللعان من جانبه قائم مقام حد القذف ومن جانبها قائم مقام حد الزنا والسنة ~~في الحدود إقامتها على الإشهاد والإعلان والقيام أقرب إلى ذلك والله ~~الموفق. ### | [فصل في صفة اللعان] # (فصل) : # وأما صفة اللعان فله صفات منها أنه واجب عندنا، وقال الشافعي: ليس بواجب ~~إنما الواجب على الزوج بقذفها ms2065 هو الحد إلا أن له أن يخلص نفسه عنه بالبينة ~~أو باللعان. # والواجب على المرأة إذا لاعن الزوج هو حد الزنا ولها أن تخلص نفسها عنه ~~باللعان حتى أن للمرأة أن تخاصمه إلى الحاكم وتطالبه باللعان عندنا، وإذا ~~طالبته يجبره عليه، ولو امتنع يحبس لامتناعه عن الواجب عليه كالممتنع من ~~قضاء الدين فيحبس حتى يلاعن أو يكذب نفسه وعنده ليس لها ولاية المطالبة ~~باللعان ولا يجبر عليه ولا يحبس إذا امتنع بل يقام عليه الحد. # وكذا إذا التعن الرجل تجبر المرأة على اللعان ولو امتنعت تحبس حتى تلاعن ~~أو تقر بالزنا عندنا، وعنده لا تجبر ولا تحبس بل يقام عليها الحد احتج ~~الشافعي بقوله عز وجل {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] أوجب سبحانه وتعالى الجلد على القاذف من ~~غير فصل بين الزوج وغيره إلا أن القاذف إذا كان زوجا له أن يدفع الحد عن ~~نفسه بالبينة إن كانت له بينة، وإن لم تكن له بينة يدفعه باللعان فكان ~~اللعان مخلصا له عن الحد. # وقوله تعالى {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله} [النور: 8] ~~جعل سبحانه وتعالى لعانها دفعا لحد الزنا عنها إذ الدرء هو الدفع لغة فدل ~~أن الحد وجب عليها بلعانه ثم تدفعه بلعانها ولأن بلعانه يظهر صدقه في ~~القذف؛ لأن الظاهر أنه لا يلاعن إلا وأن يكون صادقا في قذفه فيجب عليها ~~الحد إلا أن لها أن تخلص نفسها عنه باللعان؛ لأنها إذا لاعنت وقع التعارض ~~فلا يظهر صدق الزوج في القذف فلا يقام عليها الحد. # ولنا قوله تعالى {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ~~فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] أي فليشهد أحدهم أربع شهادات ~~بالله جعل سبحانه وتعالى موجب قذف الزوجات اللعان فمن أوجب الحد فقد خالف ~~النص ولأن الحد إنما يجب لظهور كذبه في القذف وبالامتناع من اللعان لا يظهر ~~كذبه إذ ليس كل من امتنع من الشهادة أو اليمين يظهر كذبه فيه بل ms2066 يحتمل أنه ~~امتنع منه صونا لنفسه عن اللعن والغضب والحد لا يجب مع الشبهة فكيف يجب مع ~~الاحتمال؛ ولأن الاحتمال من اليمين بدل وإباحة والإباحة لا تجري في الحدود ~~فإن من أباح للحاكم أن يقيم عليه الحد لا يجوز له أن يقيم. # وأما آية القذف فقد قيل أن موجب القذف في الابتداء كان هو الحد في ~~الأجنبيات والزوجات جميعا ثم نسخ في الزوجات وجعل موجب قذفهن اللعان بآية ~~اللعان، والدليل عليه ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: كنا جلوسا في ~~المسجد ليلة الجمعة فجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، أرأيتم الرجل ~~يجد مع امرأته رجلا فإن قتله قتلتموه وإن تكلم به جلدتموه وإن أمسك أمسك ~~على غيظ ثم جعل يقول: اللهم افتح فنزلت آية اللعان دل قوله: " وإن تكلم به ~~جلدتموه " على أن موجب قذف الزوجة كان الحد قبل نزول آية اللعان ثم نسخ في ~~الزوجات بآية اللعان فينسخ الخاص المتأخر العام المتقدم بقدره هكذا هو مذهب ~~عامة مشايخنا، وعند الشافعي يبنى العام على الخاص ويتبين أن المراد من ~~العام ما وراء قدر الخاص سواء كان الخاص سابقا أو لاحقا وسواء علم التاريخ ~~وبينهما زمان يصلح للنسخ أو لا يصلح، أو جهل التاريخ بينهما فلم تكن ~~الزوجات داخلات تحت آية القذف على قوله فكيف يصح احتجاجه بها؟ . # وأما قوله تعالى {ويدرأ عنها العذاب} [النور: 8] فلا حجة له فيه؛ لأن دفع ~~العذاب يقتضي توجه العذاب لا وجوبه؛ لأنه حينئذ يكون رفعا لا دفعا على أنه ~~يحتمل أن يكون المراد من العذاب هو الحبس إذ الحبس يسمى عذابا قال الله ~~تعالى في قصة الهدهد {لأعذبنه عذابا شديدا} [النمل: 21] قيل في التفسير ~~لأحبسنه وهذا؛ لأن العذاب ينبئ عن معنى المنع # PageV03P238 # في اللغة يقال: أعذب أي منع وأعذب أي امتنع يستعمل لازما ومتعديا ومعنى ~~المنع يوجد في الحبس وهذا هو مذهبنا أنها إذا امتنعت من اللعان تحبس حتى ~~تلاعن أو تقر بالزنا فيدرأ عنها العذاب وهو الحبس باللعان فإذا ms2067 قلنا بموجب ~~الآية الكريمة ومنها أنه لا يحتمل العفو والإبراء والصلح؛ لأنه في جانب ~~الزوج قائم مقام حد القذف وفي جانبها قائم مقام حد الزنا وكل واحد منهما لا ~~يحتمل العفو والإبراء والصلح؛ لما نذكر إن شاء الله تعالى في الحدود. # وكذا لو عفت عنه قبل المرافعة أو صالحته على مال لم يصح وعليها رد بدل ~~الصلح ولها أن تطالبه باللعان بعد ذلك كما في قذف الأجنبي ومنها أن لا تجرى ~~فيه النيابة حتى لو وكل أحد الزوجين باللعان لا يصح التوكيل لما ذكرنا أنه ~~بمنزلة الحد فلا يحتمل النيابة كسائر الحدود؛ ولأنه شهادة أو يمين وكل واحد ~~منهما لا يحتمل النيابة فأما التوكيل بإثبات القذف بالبينة فجائز عند أبي ~~حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يجوز ونذكر المسألة في كتاب الوكالة إن شاء ~~الله تعالى. ### | [فصل في بيان سبب وجوب اللعان] # (فصل) : # وأما بيان سبب وجوب اللعان فسبب وجوبه القذف بالزنا وأنه نوعان: أحدهما ~~بغير نفي الولد، والثاني بنفي الولد أما الذي بغير نفي الولد فهو أن يقول: ~~لامرأته يا زانية أو زنيت أو رأيتك تزنين. # ولو قال لها: جومعت جماعا حراما أو وطئت وطئا حراما فلا لعان ولا حد لعدم ~~القذف بالزنا. # ولو قذفها بعمل قوم لوط فلا لعان ولا حد في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ~~ومحمد يجب اللعان بناء على أن هذا الفعل ليس بزنا عنده فلم يوجب القذف ~~بالزنا وعندهما هو زنا. # والمسألة تأتي في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى ولو كان له أربع نسوة ~~فقذفهن جميعا بالزنا في كلام واحد أو قذف كل واحدة بالزنا بكلام على حدة ~~فإن كان الزوج وهن من أهل اللعان يلاعن في كل قذف مع كل واحدة على حدة ~~لوجود سبب وجوب اللعان في حق كل واحدة منهن وهو القذف بالزنا، وإن لم يكن ~~الزوج من أهل اللعان يحد حد القذف ويكتفى بحد واحد عن الكل؛ لأن حد القذف ~~يتداخل. # ولو كان الزوج من أهل اللعان والبعض ms2068 منهن ليس من أهل اللعان يلاعن منهن ~~من كانت من أهل اللعان لا غير. # ولو قال لامرأته: يا زانية بنت الزانية وجب عليه اللعان والحد؛ لأنه قذف ~~زوجته وقذف أمها وقذف الزوجة يوجب اللعان وقذف الأجنبية يوجب الحد ثم إنهما ~~إذا اجتمعا على مطالبة الحد بدئ بالحد لأجل الأم؛ لأن في البداية إسقاط ~~اللعان؛ لأنه يصير محدودا في القذف فلم يبق من أهل الشهادة واللعان شهادة ~~والأصل أن الحدين إذا اجتمعا وفي البداية بأحدهما إسقاط الآخر بدئ بما فيه ~~إسقاط الآخر لقوله - صلى الله عليه وسلم - «ادرءوا الحدود ما استطعتم» وقد ~~استطعنا درء الحد بهذا الطريق وإن لم تطالبه الأم وطالبته المرأة يلاعن ~~بينهما ويقام حد القذف للأم بعد ذلك إن طالبته به كذا ذكر في ظاهر الرواية. # وذكر الطحاوي أنه لا يقام الحد للأم بعد اللعان وهذا غير سديد؛ لأن ~~المانع من إقامة اللعان في المسألة الأولى هو خروج الزوج من أهلية اللعان ~~لصيرورته محدودا في القذف ولم يوجد ههنا، وكذلك لو كانت أمها ميتة فقال ~~لها: يا زانية بنت الزانية كان لها المطالبة والخصومة في القذفين لوجوب ~~اللعان والحد ثم إن خاصمته في القذفين جميعا يبدأ بالحد فيحد للأم حد القذف ~~لما فيه من إسقاط اللعان، وإن لم تخاصم في قذف أمها ولكنها خاصمت في قذف ~~نفسها يلاعن بينهما ويحد للأم لما ذكرنا، وكذلك الرجل إذا قذف أجنبية ~~بالزنا ثم تزوجها وقذفها بالزنا بعد التزوج وجب عليه الحد واللعان لوجود ~~سبب وجوب كل واحد منهما ثم إن خاصمته في القذفين جميعا يبدأ بحد القذف حتى ~~يسقط اللعان ولو لم تخاصم في حد القذف وخاصمت في اللعان يلاعن بينهما ثم ~~إذا خاصمت في الحد يحد لما قلنا والله أعلم وأما الذي ينفي الولد فهو أن ~~يقول لامرأته: هذا الولد من الزنا، أو يقول: هذا الولد ليس مني فإن قيل: ~~قوله هذا الولد ليس مني لا يكون قذفا لها بالزنا لجواز أن لا يكون ابنه بل ~~يكون ابن غيره ولا ms2069 تكون هي زانية بأن كانت وطئت بشبهة فالجواب نعم هذا ~~الاحتمال ثابت لكنه ساقط الاعتبار بالإجماع؛ لأن الأمة أجمعت على أنه إن ~~نفاه عن الأب المشهور بأن قال له: لست بأبيك يكون قاذفا لأمه حتى يلزمه حد ~~القذف مع وجود هذا الاحتمال ولو جاءت زوجته بولد فقال لها: لم تلديه لم يجب ~~اللعان لعدم القذف؛ لأنه أنكر الولادة، وإنكار الولادة لا يكون قذفا فإن ~~أقر بالولادة أو شهدت القابلة على # PageV03P239 # الولادة ثم قال بعد ذلك: ليس بابني وجب اللعان لوجود القذف. # ولو قال لامرأته وهي حامل: ليس هذا الحمل مني لم يجب اللعان في قول أبي ~~حنيفة؛ لعدم القذف بنفي الولد، وقال أبو يوسف ومحمد: إن جاءت بولد لأقل من ~~ستة أشهر من وقت القذف وجب اللعان وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر لم يجب. # وجه قولهما أنها إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت القذف فقد تيقنا ~~بوجوده في البطن وقت القذف ولهذا لو أوصى لحمل امرأته فجاءت به لأقل من ستة ~~أشهر استحق الوصية، وإذا تيقنا بوجوده وقت النفي كان محتملا للنفي إذ الحمل ~~تتعلق به الأحكام، فإن الجارية ترد على بائعها ويجب للمعتدة النفقة لأجل ~~حملها فإذا نفاه يلاعن فإذا جاءت به لأكثر من ستة أشهر فلم تتيقن بوجوده ~~عند القذف لاحتمال أنه حادث ولهذا لا تستحق الوصية ولأبي حنيفة أن القذف ~~بالحمل لو صح إما أن يصح باعتبار الحال أو باعتبار الثاني لا وجه للأول؛ ~~لأنه لا يعلم وجوده للحال لجواز أنه ريح لا حمل ولا سبيل إلى الثاني؛ لأنه ~~يصير في معنى التعليق بالشرط كأنه قال: إن كنت حاملا فأنت زانية والقذف لا ~~يحتمل التعليق بالشرط بخلاف الرد بعيب الحبل؛ لأنه يمكن القول بالرد على ~~اعتبار الحال لوجود العيب ظاهرا، واحتمال الريح خلاف الظاهر فلا يورث إلا ~~شبهة والرد بالعيب لا يمتنع بالشبهات بخلاف القذف، والنفقة لا يختص وجوبها ~~بالحمل عندنا فإنها تجب لغير الحامل، ولا يقطع نسب الحمل قبل الولادة بلا ms2070 ~~خلاف بين أصحابنا أما عند أبي حنيفة فظاهر؛ لأنه لا يلاعن وقطع النسب من ~~أحكام اللعان. # وأما عندهما فلأن الأحكام إنما تثبت للولد لا للحمل وإنما يستحق اسم ~~الولد بالانفصال ولهذا لا يستحق الميراث والوصية إلا بعد الانفصال، وعند ~~الشافعي يلاعن ويقطع نسب الحمل واحتج بما روي أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لاعن بين هلال بن أمية وبين امرأته وهي حامل وألحق الولد بها فدل أن ~~القذف بالحمل يوجب اللعان وقطع نسب الحمل ولا حجة له فيه؛ لأن هلالا لم ~~يقذفها بالحمل بل بصريح الزنا وذكر الحمل وبه نقول أن من قال لزوجته: زنيت ~~وأنت حامل يلاعن؛ لأنه لم يعلق القذف بالشرط وأما قطع النسب فلأن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - علم من طريق الوحي أن هناك ولدا. # ألا ترى أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: إن جاءت به على صفة كذا فهو ~~لكذا وإن جاءت به على صفة كذا فهو لكذا ولا يعلم ذلك إلا بالوحي ولا طريق ~~لنا إلى معرفة ذلك فلا ينفى الولد والله الموفق. ### | [فصل في شرائط وجوب اللعان وجوازه] # (فصل) : # وأما شرائط وجوب اللعان وجوازه فأنواع: بعضها يرجع إلى القاذف خاصة، ~~وبعضها يرجع إلى المقذوف خاصة، وبعضها يرجع إليهما جميعا، وبعضها يرجع إلى ~~المقذوف به، وبعضها يرجع إلى المقذوف فيه، وبعضها يرجع إلى نفس القذف. # أما الذي يرجع إلى القاذف خاصة فواحد وهو عدم إقامة البينة؛ لأن الله ~~تعالى شرط ذلك في آية اللعان بقوله عز وجل {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن ~~لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] الآية ~~حتى لو أقام أربعة من الشهود على المرأة بالزنا لا يثبت اللعان ويقام عليها ~~حد الزنا؛ لأنه قد ظهر زناها بشهادة الشهود ولو شهد أربعة أحدهم الزوج فإن ~~لم يكن من الزوج قذف قبل ذلك تقبل شهادتهم ويقام عليها الحد عندنا، وعند ~~الشافعي لا تقبل شهادة الزوج عليها. # وجه قول الشافعي أن الزوج متهم في شهادته لاحتمال أنه حمله ms2071 الغيظ على ذلك ~~ولا شهادة للمتهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأنه يدفع ~~المغرم عن نفسه وهو اللعان ولا شهادة لدافع المغرم على لسان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ولنا أن شهادته بالقبول أولى من شهادة الأجنبي؛ لأنها ~~أبعد من التهمة إذ العادة أن الرجل يستر على امرأته ما يلحقه به شين فلم ~~يكن متهما في شهادته فتقبل كشهادة الوالد على ولده، وقوله إنه يدفع المغرم ~~عن نفسه بهذه الشهادة ممنوع فإنه لم يسبق منه قذف يوجب اللعان فإنه لم يسبق ~~هذه الشهادة قذف ليدفع اللعان بها فصار كشهادة الأجنبي فإنها تقبل ولا يجعل ~~دافعا للحد عن نفسه كذا هذا، وإن كان الزوج قذفها أولا ثم جاء بثلاثة سواه ~~فشهدوا فهم قذفة يحدون وعلى الزوج اللعان؛ لأنه لما سبق منه القذف فقد وجب ~~عليه اللعان فهو بشهادته جعل دافعا للضرر عن نفسه فلا تقبل شهادته والزنا ~~لا يثبت بشهادة ثلاثة فصار قذفة فيحدون حد القذف، ويلاعن الزوج لقذف زوجته ~~فإن جاء هو وثلاثة شهدوا أنها قد زنت فلم يعدلوا فلا # PageV03P240 # حد عليها؛ لأن زناها لم يثبت إلا بشهادة الفساق ولا حد عليهم؛ لأن الفاسق ~~من أهل الشهادة. # ألا ترى أن الله تعالى أمر بالتوفيق في بيانه؟ فقد وجد إتيان أربعة شهداء ~~فكيف يجب عليهم الحد؟ ولا لعان على الزوج؛ لأنه شاهد وليس بقاذف فإن شهدوا ~~معه ثلاثة عمي حد وحدوا أي يلاعن الزوج ويحدون في القذف؛ لأن العميان لا ~~شهادة لهم قطعا فلم يكن قولهم حجة أصلا فكانوا قذفة فيحدون حد القذف ويلاعن ~~الزوج؛ لأن قذف الزوج يوجب اللعان إذا لم يأت بأربعة شهداء ولم يأت بهم. # وأما الذي يرجع إلى المقذوف خاصة فشيئان: أحدهما إنكارها وجود الزنا منها ~~حتى لو أقرت بذلك لا يجب اللعان ويلزمها حد الزنا وهو الجلد إن كانت غير ~~محصنة والرجم إن كانت محصنة لظهور زناها بإقرارها، والثاني عفتها عن الزنا ~~فإن لم تكن عفيفة لا يجب اللعان بقذفها كما لا ms2072 يجب الحد في قذف الأجنبية ~~إذا لم تكن عفيفة؛ لأنه إذا لم تكن عفيفة فقد صدقته بفعلها فصار كما لو ~~صدقته بقولها ولما نذكر في كتاب الحدود ونذكر تفسير العفة عن الزنا فيه إن ~~شاء الله تعالى. # وعلى هذا قالوا في المرأة إذا وطئت بشبهة ثم قذفها زوجها لا يجب عليه ~~اللعان ولو قذفها أجنبي لا يجب عليه الحد؛ لأنها وطئت وطئا حراما فذهبت ~~عفتها، ثم رجع أبو يوسف وقال: يجب بقذفها الحد واللعان؛ لأن هذا وطء يتعلق ~~به ثبوت النسب ووجوب المهر فكان كالموجود في النكاح فلا يزيل العفة عن ~~الزنا. # والجواب أن الوطء حرام لعدم النكاح إنما الموجود شبهة النكاح فكان ينبغي ~~أن يجب الحد عليها إلا أنه سقط للشبهة فلأن يسقط الحد واللعان عن القاذف ~~لمكان الحقيقة أولى. # وأما الذي يرجع إليهما جميعا فهو أن يكونا زوجين حرين عاقلين بالغين ~~مسلمين ناطقين غير محدودين في القذف أما اعتبار الزوجية فلأن الله تبارك ~~وتعالى خص اللعان بالأزواج بقوله تعالى {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم ~~شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم} [النور: 6] وأنه حكم ثبت تعبدا غير معقول ~~المعنى فيقتصر على مورد التعبد وإنما ورد التعبد به في الأزواج فيقتصر ~~عليهم وعلى هذا قال أصحابنا: إن من تزوج امرأة نكاحا فاسدا ثم قذفها لم ~~يلاعنها لعدم الزوجية إذ النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة، وقال الشافعي: ~~يلاعنها إذا كان القذف بنفي الولد؛ لأن القذف إذا كان بنفي الولد تقع ~~الحاجة إلى قطع النسب والنسب يثبت بالنكاح الفاسد كما يثبت بالنكاح الصحيح ~~فيشرع اللعان لقطع النسب والجواب أن قطع النسب يكون بعد الفراغ من اللعان ~~ولا لعان إلا بعد وجوبه ولا وجوب لعدم شرطه وهو الزوجية. # ولو طلق امرأته طلاقا بائنا أو ثلاثا ثم قذفها بالزنا لا يجب اللعان لعدم ~~الزوجية لبطلانها بالإبانة والثلاث، ولو طلقها طلاقا رجعيا ثم قذفها يجب ~~اللعان؛ لأن الطلاق الرجعي لا يبطل الزوجية ولو قذف امرأته بزنى كان قبل ~~الزوجية فعليه اللعان عندنا، وعند الشافعي عليه ms2073 حد القذف واحتج بآية القذف ~~وهي قوله تعالى {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة} [النور: 4] ، ولنا آية اللعان وهي قوله تعالى {والذين يرمون ~~أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} ~~[النور: 6] من غير فضل بين ما إذا كان القذف بزنا بعد الزوجية أو قبلها ~~والدليل على أنه قذف زوجته أنه أضاف القذف إليها وهي للحال زوجته إلا أنه ~~قذفها بزنى متقدم وبهذا لا تخرج من أن تكون زوجته في الحال كما إذا قذف ~~أجنبية بزنا متقدم حتى يلزمه القذف كذا ههنا. # وأما آية القذف فهي متقدمة على آية اللعان فيجب تخريجها على التناسخ ~~فينسخ الخاص المتأخر العام المتقدم بقدره عند عامة مشايخنا وعنده يقضي ~~العام على الخاص بطريق التخصيص على ما مر ولو قذف امرأته بعد موتها لم ~~يلاعن عندنا، وعند الشافعي يلاعن على قبرها واحتج بظاهر قوله عز وجل في آية ~~اللعان {فشهادة أحدهم} [النور: 6] من غير فصل بين حال الحياة والموت. # ولنا قوله عز وجل {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] الآية خص سبحانه ~~وتعالى اللعان بالأزواج وقد زالت الزوجية بالموت فلم يوجد قذف الزوجة فلا ~~يجب اللعان وبه تبين أن الميتة لم تدخل تحت الآية؛ لأن الله تعالى أوجب هذه ~~الشهادة بقذف الأزواج بقوله {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] وبعد الموت ~~لم تبق زوجة له. # وأما اعتبار الحرية والعقل والبلوغ والإسلام والنطق وعدم الحد في القذف ~~فالكلام في اعتبار هذه الأوصاف شرطا لوجوب اللعان فرع الكلام في معنى ~~اللعان وما يثبته شرعا وقد اختلف فيه قال أصحابنا: إن اللعان شهادة مؤكدة ~~بالأيمان مقرونة باللعن # PageV03P241 # وبالغضب وإنه في جانب الزوج قائم مقام حد القذف وفي جانبها قائم مقام حد ~~الزنا، وقال الشافعي: اللعان أيمان بلفظ الشهادة مقرونة باللعن والغضب فكل ~~من كان من أهل الشهادة واليمين كان من أهل اللعان ومن لا فلا عندنا، وكل من ~~كان من أهل اليمين فهو من أهل اللعان عنده سواء كان من أهل الشهادة أو ms2074 لم ~~يكن، ومن لم يكن من أهل الشهادة واليمين كان من أهل اللعان احتج الشافعي ~~بقوله تعالى في تفسير اللعان {فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] ~~فسر الله تعالى اللعان بالشهادة بالله والشهادة بالله يمين. # ألا ترى أن من قال: أشهد بالله يكون يمينا إلا أنه يمين بلفظ الشهادة؛ ~~ولأن اللعان لو كان شهادة لما قرنه بذكر اسم الله تعالى؛ لأن الشهادة لا ~~تفتقر إلى ذلك وإنما اليمين هي التي تفتقر إليه؛ ولأنه لو كان شهادة لكانت ~~شهادة على النصف من شهادة الرجل كما في سائر المواضع التي للمرأة فيها ~~شهادة فينبغي أن تشهد المرأة عشر مرات فلما لم يكن ذلك دل أنه ليس بشهادة ~~والدليل على أنه يمين ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فرق ~~بين المتلاعنين وكانت المرأة حبلى فقال لها: «إذا ولدت ولدا فلا ترضعيه حتى ~~تأتيني به فلما انصرفوا عنه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن ولدته ~~أحمر مثل الدبس فهو يشبه أباه الذي نفاه، وإن ولدته أسود أدعج جعدا قططا ~~فهو يشبه الذي رميت به فلما وضعت وأتت به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~نظر إليه فإذا هو أسود أدعج جعد قطط على ما نعته رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال - صلى الله عليه وسلم - لولا الأيمان التي سبقت لكان لي فيها ~~رأي» وفي بعض الروايات «لكان لي ولها شأن» فقد سمى - صلى الله عليه وسلم - ~~اللعان أيمانا لا شهادة فدل أنه يمين لا شهادة. # (ولنا) قوله تعالى {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ~~فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] والاستدلال بالآية الكريمة من ~~وجهين أحدهما أنه تعالى سمى الذين يرمون أزواجهم شهداء؛ لأنه استثناء من ~~الشهداء بقوله تعالى {ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} [النور: 6] والمستثنى ~~من جنس المستثنى منه، والثاني أنه سمى اللعان شهادة نصا بقوله عز وجل ~~{فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] والخامسة أي الشهادة الخامسة ~~وقال تعالى في جانبها ms2075 {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله} ~~[النور: 8] والخامسة أي الشهادة الخامسة إلا أنه تعالى سماه شهادة بالله ~~تأكيدا للشهادة باليمين، فقوله أشهد يكون شهادة وقوله بالله يكون يمينا ~~وهذا مذهبنا أنه شهادات مؤكدة بالأيمان وهو أولى مما قاله المخالف لأنه عمل ~~باللفظين في معنيين وفيما قاله حمل اللفظين على معنى واحد فكان ما قلناه ~~أولى والدليل على أنه شهادة أنه شرط فيه لفظ الشهادة وحضرة الحاكم. # وأما قوله لو كان شهادة لكان في حق المرأة على النصف من شهادة الرجل ~~فنقول هو شهادة مؤكدة باليمين فيراعى فيه معنى الشهادة ومعنى اليمين وقد ~~راعينا معنى الشهادة فيه باشتراط لفظة الشهادة فيراعى معنى اليمين بالتسوية ~~بين الرجل والمرأة في العدد عملا بالشبهين جميعا ولا حجة له في الحديث؛ ~~لأنه روي في بعض الروايات لولا ما مضى من الشهادات وهذا حجة عليه حيث سماه ~~شهادة نقول بموجبه أنه يمين لكن هذا لا ينفي أن يكون شهادة فهو شهادة مؤكدة ~~باليمين والله تعالى الموفق. # وإذا عرف هذا الأصل تخرج عليه المسائل، أما اعتبار العقل والبلوغ فلأن ~~الصبي والمجنون ليسا من أهل الشهادة واليمين فلا يكونان من أهل اللعان ~~بالإجماع وأما الحرية فالمملوك ليس من أهل الشهادة فلا يكون من أهل اللعان ~~بالإجماع وأما الإسلام فالكافر ليس من أهل الشهادة على المسلم وإن كان ~~المسلم من أهل الشهادة على الكافر. # وإذا كانا كافرين فالكافر وإن كان من أهل الشهادة على الكافر فليس من أهل ~~اليمين بالله تعالى؛ لأنه ليس من أهل حكمها وهو الكفارة ولهذا لم يصح ظهار ~~الذمي عندنا، واللعان عندنا شهادات مؤكدة بالأيمان فمن لا يكون من أهل ~~اليمين لا يكون من أهل اللعان. # وأما اعتبار النطق فلأن الأخرس لا شهادة له؛ لأنه لا يتأتى منه لفظة ~~الشهادة؛ ولأن القذف منه لا يكون إلا بالإشارة، والقذف بالإشارة يكون في ~~معنى القذف بالكتابة وإنه لا يوجب اللعان كما لا يوجب الحد لما نذكره في ~~الحدود إن شاء الله تعالى. # وأما المحدود في ms2076 القذف فلا شهادة له؛ لأن الله تعالى رد شهادته على ~~التأبيد ولا يلزم على هذا الأصل قذف الفاسق والأعمى فإنه يوجب اللعان ولا ~~شهادة لهما؛ لأن الفاسق له شهادة في الجملة ولهما جميعا أهلية الشهادة. # ألا ترى أن القاضي لو قضى بشهادتهما جاز قضاؤه ومعلوم # PageV03P242 # أنه لا يجوز القضاء بشهادة من ليس من أهل الشهادة كالصبي والمجنون ~~والمملوك إلا أنه لا تقبل شهادة الأعمى في سائر المواضع؛ لأنه لا يميز بين ~~المشهود له والمشهود عليه لا لأنه ليس من أهل الشهادة، ثم هذه الشرائط كما ~~هي شرط وجوب اللعان فهي شرط صحة اللعان وجوازه حتى لا يجري اللعان بدونها، ~~وعند الشافعي يجري اللعان بين المملوكين والأخرسين والمحدودين في القذف؛ ~~لأن هؤلاء من أهل اليمين فكانوا من أهل اللعان وكذا بين الكافرين؛ لأن يمين ~~الكافر صحيحة عنده لا من أهل الإعتاق والكسوة والإطعام ولهذا قال يجوز ظهار ~~الذمي وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة وأبي يوسف أنهما إذا التعنا عند الحاكم ~~ولم يفرق بينهما حتى عزل أو مات فالحاكم الثاني يستقبل اللعان بينهما؛ لأن ~~اللعان لما كان شهادة فالشهود إذا شهدوا عند الحاكم فمات أو عزل قبل القضاء ~~بشهادتهم لم يعتد الحاكم بتلك الشهادة، وعند محمد لا يستقبل اللعان. # وقوله لا يخرج على هذا الأصل ولكن الوجه له أن اللعان قائم مقام الحد ~~فإذا التعنا فكأنه أقيم الحد، والحد بعد إقامته لا يؤثر فيه العزل والموت ~~والجواب أن حكم القذف لا يتناهى إلا بالتفريق فيؤثر العزل والموت قبله، ثم ~~ابتداء الدليل لنا في المسألة ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «أربعة لا لعان بينهم وبين أزواجهم: لا لعان بين المسلم والكافر، ~~والعبد والحرة، والحر والأمة والكافر والمسلمة» وصورته الكافر أسلمت زوجته ~~فقبل أن يعرض الإسلام على زوجها قذفها بالزنا. # (ولنا) أصل آخر لتخريج المسائل عليه وهو أن كل قذف لا يوجب الحد لو كان ~~القاذف أجنبيا لا يوجب اللعان إذا كان القاذف زوجا؛ لأن اللعان موجب ms2077 القذف ~~في حق الزوج كما أن الحد موجب القذف في الأجنبي وقذف واحد ممن ذكرنا لا ~~يوجب الحد ولو كان أجنبيا فإذا كان زوجا لا يوجب اللعان. # وابتداء ما يحتج به الشافعي عموم آية اللعان إلا من خص بدليل ولا حجة له ~~فيها؛ لأن الله تعالى سمى الذين يرمون أزواجهم شهداء في آية اللعان ~~واستثناهم من الشهداء المذكورين في آية القذف ولم يدخل واحد ممن ذكرنا في ~~المستثنى منهم فكذا في المستثنى؛ لأن الاستثناء استخراج من تلك الجملة ~~وتحصيل منها، وأما الذي يرجع إلى المقذوف به والمقذوف فيه ونفس القذف ~~فنذكره في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في بيان ما يظهر به سبب وجوب اللعان] # (فصل) : # وأما بيان ما يظهر به سبب وجوب اللعان وهو القذف عند القاضي فسبب ظهور ~~القذف نوعان: أحدهما البينة إذا خاصمت المرأة فأنكر القذف والأفضل أن تترك ~~الخصومة والمطالبة لما فيها من إشاعة الفاحشة وكذا تركها من باب الفضل ~~والإكرام وقد قال الله تعالى {ولا تنسوا الفضل بينكم} [البقرة: 237] فإن لم ~~تترك وخاصمته إلى القاضي يستحسن للقاضي أن يدعوهما إلى الترك فيقول لها: ~~اتركي وأعرضي عن هذا؛ لأنه دعاء إلى ستر الفاحشة وأنه مندوب إليه فإن تركت ~~وانصرفت ثم بدا لها أن تخاصمه فلها ذلك وإن تقادم العهد؛ لأن ذلك حقها وحق ~~العبد لا يسقط بالتقادم فإن خاصمته وادعت عليه أنه قذفها بالزنا فجحد الزوج ~~لا يقبل منها في إثبات القذف إلا بشهادة رجلين عدلين. # ولا تقبل شهادة النساء، ولا الشهادة على الشهادة، ولا كتاب القاضي إلى ~~القاضي كما لا يقبل في إثبات القذف على الأجنبي؛ لأن اللعان قائم مقام حد ~~القذف وأسباب الحدود، ولا يقبل في إثباتها شهادة النساء على النساء ولا ~~الشهادة على الشهادة ولا كتاب القاضي إلى القاضي لتمكن زيادة شبهة ليست في ~~غيرها والحدود تدرأ بالشبهات، والثاني الإقرار بالقذف وشرط ظهور القذف ~~بالبينة، والإقرار هو الخصومة والدعوى لما نذكر في كتاب الحدود إن شاء الله ~~تعالى. ### | [فصل في بيان ms2078 ما يسقط اللعان بعد وجوبه] # (فصل) : # وأما بيان ما يسقط اللعان بعد وجوبه وبيان حكمه إذا سقط أو لم يجب أصلا ~~فنقول وبالله التوفيق: كل ما يمنع وجوب اللعان إذا اعترض بعد وجوبه يسقط ~~كما إذا جنا بعد القذف أو جن أحدهما، أو ارتدا أو ارتد أحدهما، أو خرسا أو ~~خرس أحدهما، أو قذف أحدهما إنسانا فحد حد القذف أو وطئت المرأة وطئا حراما ~~فلا يجب عليه الحد وكذا إذا أبانها بعد القذف فلا حد ولا لعان أما عدم وجوب ~~الحد فلأن القذف أوجب اللعان فلا يوجب الحد. # وأما عدم وجوب اللعان فلزوال الزوجية وقيام الزوجية شرط جريان حد اللعان؛ ~~لأن الله سبحانه # PageV03P243 # وتعالى خص اللعان بالأزواج ولو طلقها طلاقا رجعيا لا يسقط اللعان؛ لأن ~~الطلاق الرجعي لا يبطل الزوجية. # ولو قال لها: يا زانية أنت طالق ثلاثا فلا حد ولا لعان؛ لأن قوله يا ~~زانية أوجب اللعان لا الحد؛ لأنه قذف الزوجة ولما قال: أنت طالق ثلاثا فقد ~~أبطل الزوجية، واللعان لا يجري في غير الأزواج ولو قال لها: أنت طالق ثلاثا ~~يا زانية يجب الحد ولا يجب اللعان؛ لأنه قذفها بعد الإبانة وهي أجنبية بعد ~~الإبانة وقذف الأجنبية يوجب الحد لا اللعان، ولو أكذب الزوج نفسه سقط ~~اللعان لتعذر الإتيان به إذ من المحال أن يؤمر أن يشهد بالله إنه لمن ~~الصادقين وهو يقول إنه كاذب، ويجب الحد لما نذكر في كتاب الحدود إن شاء ~~الله تعالى. # ولو أكذبت المرأة نفسها في الإنكار وصدقت الزوج في القذف سقط اللعان لما ~~قلنا ولا حد لما نذكر إن شاء الله تعالى ولو لم ينعقد القذف موجبا للعان ~~أصلا لفوات شرط من شرائط الوجوب فهل يجب الحد؟ فمشايخنا أصلوا في ذلك أصلا ~~فقالوا: إن كان عدم وجوب اللعان أو سقوطه بعد الوجوب لمعنى من جانبها فلا ~~حدود ولا لعان، وإن كان القذف صحيحا وإن كان لمعنى من جانبه فإن لم يكن ~~القذف صحيحا فكذلك وإن كان صحيحا يحد وعلى هذا الأصل ms2079 خرجوا جنس هذه ~~المسائل، فقالوا: إذا أكذب نفسه يحد؛ لأن سقوط اللعان لمعنى من جانبه وهو ~~إكذابه نفسه والقذف صحيح؛ لأنه قذف عاقل بالغ فيجب الحد، ولو أكذبت نفسها ~~في الإنكار وصدقت الزوج في القذف فلا حد ولا لعان وإن كانت على صفة ~~الالتعان؛ لأن سقوط اللعان لمعنى من جانبها وهو إكذابها نفسها ولو كانت ~~المرأة على صفة الالتعان والزوج عبد أو كافر أو محدود في قذف فعليه الحد؛ ~~لأن قذفها صحيح وإنما سقط اللعان لمعنى من جهته وهو أنه على صفة لا يصح منه ~~اللعان ولو كان الزوج صبيا أو مجنونا فلا حد ولا لعان وإن كانت المرأة على ~~صفة الالتعان؛ لأن قذف الصبي والمجنون ليس بصحيح ولو كان الزوج حرا عاقلا ~~بالغا مسلما غير محدود في قذف والزوجة لا بصفة الالتعان بأن كانت كافرة أو ~~مملوكة أو صبية أو مجنونة أو زانية فلا حد على الزوج ولا لعان؛ لأن قذفها ~~ليس بقذف صحيح. # ألا ترى أن أجنبيا لو قذفها لا يحد ولو كانت المرأة مسلمة حرة عاقلة ~~عفيفة إلا أنها محدودة في القذف فلا حد ولا لعان؛ لأن القذف وإن كان صحيحا ~~لكن سقوط اللعان لمعنى من جانبها وهو أنها ليست من أهل الشهادة فلا يجب ~~اللعان ولا الحد كما لو صدقته وإن كان كل واحد من الزوجين محدودا في قذف ~~فقذفها فعليه الحد؛ لأن القذف صحيح وسقوط اللعان لمعنى في الزوج ولا يقال: ~~إنه سقط لمعنى في المرأة بدليل أن الزوج لو لم يكن محدودا والمرأة محدودة ~~لا يجب اللعان لاعتبار جانبها. # وإن كان السقوط لمعنى من جانبها فينبغي أن لا يجب اللعان ولا الحد؛ لأنا ~~نقول: القذف الصحيح إنما تعتبر فيه صفات المرأة إذا كان الزوج من أهل ~~اللعان، فأما إذا لم يكن من أهل اللعان لا تعتبر وإنما تعتبر صفات الزوج ~~فيعتبر المانع بما فيه لا بما فيها فكان سقوط اللعان لمعنى في الزوج بعد ~~صحة القذف فيحد والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في حكم ms2080 اللعان] # (فصل) : # وأما حكم اللعان فالكلام في هذا الفصل في موضعين: أحدهما في بيان حكم ~~اللعان، والثاني في بيان ما يبطل حكمه. # أما بيان حكم اللعان فللعان حكمان: أحدهما أصلي، والآخر ليس بأصلي. # أما الحكم الأصلي للعان فنذكر أصل الحكم ووصفه أما الأول فنقول اختلف ~~العلماء فيه قال أصحابنا الثلاثة: هو وجوب التفريق ما داما على حال اللعان ~~لا وقوع الفرقة بنفس اللعان من غير تفريق الحاكم حتى يجوز طلاق الزوج ~~وظهاره وإيلاؤه ويجري التوارث بينهما قبل التفريق وقال زفر والشافعي: هو ~~وقوع الفرقة بنفس اللعان إلا أن عند زفر لا تقع الفرقة ما لم يلتعنا، وعند ~~الشافعي تقع الفرقة بلعان الزوج قبل أن تلتعن المرأة. # وجه قول الشافعي أن الفرقة أمر يختص بالزوج. # ألا ترى أنه هو المختص بسبب الفرقة؟ فلا يقف وقوعها على فعل المرأة ~~كالطلاق، واحتج زفر بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«المتلاعنان لا يجتمعان أبدا» وفي بقاء النكاح اجتماعهما وهو خلاف النص. # ولنا ما روى نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - «أن رجلا لاعن امرأته في ~~زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وانتفى من ولدها ففرق النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بينهما وألحق الولد بالمرأة» . # وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ~~لاعن بين عاصم بن عدي # PageV03P244 # وبين امرأته فرق بينهما» . # وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاعن بين العجلاني وبين امرأته ~~فلما فرغا من اللعان فرق بينهما ثم قال - عليه الصلاة والسلام -: «الله ~~يعلم أن أحدكما لكاذب فهل منكما تائب؟» قال ذلك ثلاثا فأبيا ففرق بينهما ~~فدلت الأحاديث على أن الفرقة لا تقع بلعان الزوج ولا بلعانها إذ لو وقعت ~~لما احتمل التفريق من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد وقوع الفرقة ~~بينهما بنفس اللعان؛ ولأن ملك النكاح كان ثابتا قبل اللعان والأصل أن الملك ~~متى ثبت لإنسان لا يزول إلا بإزالته أو بخروجه من أن يكون منتفعا به ms2081 في حقه ~~لعجزه عن الانتفاع به ولم توجد الإزالة من الزوج؛ لأن اللعان لا ينبئ عن ~~زوال الملك؛ لأنه شهادة مؤكدة باليمين أو يمين، وكل واحد منهما لا ينبئ عن ~~زوال الملك ولهذا لا يزول بسائر الشهادات والأيمان، والقدرة على الامتناع ~~ثابتة فلا تقع الفرقة بنفس اللعان وقد خرج الجواب عما ذكره الشافعي ثم قول ~~الشافعي مخالف لآية اللعان؛ لأن الله تعالى خاطب الأزواج باللعان بقوله عز ~~وجل {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] إلى آخر ما ذكر فلو ثبتت الفرقة ~~بلعان الزوج فالزوجة تلاعنه وهي غير زوجة وهذا خلاف النص. # وأما زفر فلا حجة له في الحديث؛ لأن المتلاعن متفاعل من اللعن وحقيقة ~~المتفاعل المتشاغل بالفعل فبعد الفراغ منه لا يبقى فاعلا حقيقة فلا يبقى ~~ملاعنا حقيقة فلا يصح التمسك به لإثبات الفرقة عقيب اللعان فلا تثبت الفرقة ~~عقيبه، وإنما الثابت عقيبه وجوب التفريق فإن فرق الزوج بنفسه وإلا ينوب ~~القاضي منابه في التفريق فإذا فرق بعد تمام اللعان وقعت الفرقة فإن أخطأ ~~القاضي ففرق قبل تمام اللعان ينظر إن كان كل واحد منهما قد التعن أكثر ~~اللعان نفذ القاضي إذا وقع بعد أكثر اللعان فقد قضى بالاجتهاد في موضع يسوغ ~~الاجتهاد فيه فينفذ قضاؤه كما في سائر المجتهدات، والدليل على أن تفريقه ~~صادف محل الاجتهاد وجوه ثلاثة: أحدها أنه عرف أن الأكثر يقوم مقام الكل في ~~كثير من الأحكام فاقتضى اجتهاده إلى أن الأكثر يقوم مقام الكل في اللعان، ~~والثاني أنه اجتهد أن التكرار في اللعان للتأكيد والتغليظ وهذا المعنى يوجد ~~في الأكثر، والثالث أنه زعم أنه لما ساغ للشافعي الاقتصار على لعان الزوج ~~إذا قذف المجنونة أو الميتة فلأن يسوغ له الاجتهاد بعد إكمال الزوج لعانه ~~وإتيان المرأة بأكثر اللعان أولى فثبت أن قضاء القاضي صادف محل الاجتهاد ~~فينفذ فإن قيل شرط جواز الاجتهاد أن لا يخالف النص وهذا قد خالف النص من ~~الكتاب والسنة؛ لأن كتاب الله ورد باللعان بعدد مخصوص وكذا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لاعن ms2082 بين الزوجين على ذلك العدد وإذا كان ذلك العدد ~~منصوصا عليه فالاجتهاد إذا خالف النص باطل فالجواب ممنوع إن اجتهاد القاضي ~~خالف النص فإن التنصيص على عدد لا ينفي جواز الأكثر وإقامته مقام الكل ولا ~~يقتضي الجواز أيضا، فلم يكن الحكم منصوصا عليه بل كان مسكوتا عنه فكان محل ~~الاجتهاد، وفائدته التنصيص على العدد المذكور والتنبيه على الأصل والأولى ~~وهذا لا ينفي الجواز. # وأما الثاني فقد اختلف العلماء فيه أيضا قال أبو حنيفة ومحمد: الفرقة في ~~اللعان فرقة بتطليقة بائنة فيزول ملك النكاح وتثبت حرمة الاجتهاد والتزوج ~~ما داما على حالة اللعان فإن أكذب الزوج نفسه فجلد الحد أو أكذبت المرأة ~~نفسها بأن صدقته جاز النكاح بينهما ويجتمعان، وقال أبو يوسف وزفر والحسن بن ~~زياد: هي فرقة بغير طلاق وإنها توجب حرمة مؤبدة كحرمة الرضاع والمصاهرة ~~واحتجوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «المتلاعنان لا يجتمعان أبدا» ~~وهو نص في الباب وكذا روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - مثل عمر ~~وعلي وعبد الله بن مسعود وغيرهم - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: المتلاعنان ~~لا يجتمعان أبدا، ولأبي حنيفة ومحمد ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لما لاعن بين عويمر العجلاني وبين امرأته فقال عويمر: كذبت عليها يا ~~رسول الله إن أمسكتها فهي طالق ثلاثا، وفي بعض الروايات كذبت عليها إن لم ~~أفارقها فهي طالق ثلاثا فصار طلاق الزوج عقيب اللعان سنة المتلاعنين؛ لأن ~~عويمر طلق زوجته ثلاثا بعد اللعان عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأنفذها عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيجب على كل ملاعن أن يطلق ~~فإذا امتنع ينوب القاضي منابه في # PageV03P245 # التفريق فيكون طلاقا كما في العنين؛ ولأن سبب هذه الفرقة قذف الزوج؛ لأنه ~~يوجب اللعان واللعان يوجب التفريق والتفريق يوجب الفرقة فكانت الفرقة بهذه ~~الوسائط مضافة إلى القذف السابق وكل فرقة تكون من الزوج أو يكون فعل الزوج ~~سببها تكون طلاقا كما في العنين والخلع والإيلاء ونحو ذلك وهو قول ms2083 السلف: ~~إن كل فرقة وقعت من قبل الزوج فهي طلاق من نحو إبراهيم والحسن وسعيد بن ~~جبير وقتادة وغيرهم - رضي الله عنهم -. # وأما الحديث فلا يمكن العمل بحقيقته لما ذكرنا أن حقيقة المتفاعل هو ~~المتشاغل بالفعل وكما فرغا من اللعان ما بقيا متلاعنين حقيقة فانصرف المراد ~~إلى الحكم وهو أن يكون حكم اللعان فيهما ثابتا فإذا أكذب الزوج نفسه وحد حد ~~القذف بطل حكم اللعان فلم يبق متلاعنا حقيقة وحكما فجاز اجتماعهما ونظيره ~~قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف {إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم ~~في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا} [الكهف: 20] أي ما داموا في ملتهم. # ألا ترى أنهم إذا لم يفعلوا يفلحوا فكذا هذا وأما الحكم الذي ليس بأصلي ~~للعان فهو وجوب قطع النسب في أحد نوعي القذف وهو القذف بالولد لما روي أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما لاعن بين هلال بن أمية وبين زوجته ~~وفرق بينهما نفى الولد عنه وألحقه بالمرأة فصار النفي أحد حكمي اللعان ولأن ~~القذف إذا كان بالولد فغرض الزوج أن ينفي ولدا ليس منه في زعمه فوجب النفي ~~تحقيقا لغرضه وإذا كان وجوب نفيه أحد حكمي اللعان فلا يجب قبل وجوده وعلى ~~هذا قلنا إن القذف إذا لم ينعقد موجبا اللعان أو سقط بعد الوجوب ووجب الحد ~~أو لم يجب أو لم يسقط لكنهما لم يتلاعنا بعد لا ينقطع نسب الولد، وكذا إذا ~~نفى نسب ولد حرة فصدقته لا ينقطع نسبه لتعذر اللعان لما فيه من التناقض حيث ~~تشهد بالله أنه لمن الكاذبين، وقد قالت: إنه صادق وإذا تعذر اللعان تعذر ~~قطع النسب؛ لأنه حكمه ويكون ابنهما لا يصدقان على نفيه؛ لأن النسب قد ثبت ~~والنسب الثابت بالنكاح لا ينقطع إلا باللعان ولم يوجد، ولا يعتبر تصادقهما ~~على النفي؛ لأن النسب يثبت حقا للولد وفي تصادقهما على النفي إبطال حق ~~الولد وهذا لا يجوز وعلى هذا يخرج ما إذا كان علوق الولد في حال لا لعان ~~بينهما فيها ثم ms2084 صارت بحيث يقع بينهما اللعان نحو ما إذا علقت وهي كتابية أو ~~أمة ثم أعتقت الأمة أو أسلمت الكتابية فولدت فنفاه أنه لا ينقطع نسبه؛ لأنه ~~لا تلاعن بينهما لعدم أهلية اللعان وقت العلوق. # وقطع النسب حكم اللعان ثم لوجود قطع النسب شرائط: منها التفريق؛ لأن ~~النكاح قبل التفريق قائم فلا يجب النفي، ومنها أن يكون القذف بالنفي بحضرة ~~الولادة أو بعدها بيوم أو بيومين أو نحو ذلك من مدة توجد فيها لتهنئة أو ~~ابتياع آلات الولادة عادة فإن نفاه بعد ذلك لا ينتفي ولم يوقت أبو حنيفة ~~لذلك وقتا. # وروي عن أبي حنيفة أنه وقت له سبعة أيام، وأبو يوسف ومحمد وقتاه بأكثر ~~النفاس وهو أربعون يوما واعتبر الشافعي الفور فقال: إن نفاه على الفور ~~انتفى وإلا لزمه. # وجه قوله أن ترك النفي على الفور إقرار منه دلالة فكان كالإقرار نصا. # وجه قولهما أن النفاس أثر الولادة فيصح نفي الولد ما دام أثر الولادة ~~ولأبي حنيفة أن هذا أمر يحتاج إلى التأمل فلا بد له من زمان التأمل وإنه ~~يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال فتعذر التوقيت فيه فيحكم فيه العادة من ~~قبول التهنئة وابتياع آلات الولادة أو مضي مدة يفعل ذلك فيها عادة فلا يصح ~~نفيه بعد ذلك، وبهذا يبطل اعتبار الفور؛ لأن معنى التأمل والتروي لا يحصل ~~بالفور وعلى هذا قالوا في الغائب عن امرأته: إذا ولدت ولم يعلم بالولادة ~~حتى قدم أو بلغه الخبر وهو غائب أنه له أن ينفي عند أبي حنيفة في مقدار ~~تهنئة الولد وابتياع آلات الولادة وعندهما في مقدار مدة النفاس بعد القدوم ~~أو بلوغ الخبر؛ لأن النسب لا يلزم إلا بعد العلم به فصار حال القدوم وبلوغ ~~الخبر كحال الولادة على المذهبين جميعا وروي عن أبي يوسف أنه قال: إن قدم ~~قبل الفصال فله أن ينفيه في مقدار مدة النفاس وإن قدم بعد الفصال فليس له ~~أن ينفيه ولم يرو هذا التفصيل عن محمد. # كذا ذكره القدوري ووجهه أن الولد قبل الفصال لم ms2085 ينتقل عن غذائه الأول ~~فصار كمدة النفاس وبعد الفصال انتقل عن ذلك الغذاء وخرج عن حال الصغر فلو ~~احتمل النفي بعد ذلك لاحتمل بعدما صار شيخا وذلك قبيح. # وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه إن بلغه الخبر في مدة النفاس فله ~~أن ينفي إلى تمام مدة النفاس وإن بلغه الخبر بعد أربعين فقد روي عن أبي ~~يوسف # PageV03P246 # أنه قال له أن ينفي إلى تمام سنتين؛ لأنه لما مضى وقت النفاس يعتبر وقت ~~الرضاع ومدته سنتان عندهما، ولو بلغه الخبر بعد حولين فنفاه ذكر في غير ~~رواية الأصول عن أبي يوسف أنه لا يقطع النسب ويلاعن وعن محمد أنه قال: ~~ينتفي الولد إذا نفاه بعد بلوغ الخبر إلى أربعين يوما، ومنها أن لا يسبق ~~النفي عن الزوج ما يكون إقرارا منه بنسب الولد لا نصا ولا دلالة فإن سبق لا ~~يقطع النسب من الأب؛ لأن النسب بعد الإقرار به لا يحتمل النفي بوجه؛ لأنه ~~لما أقر به فقد ثبت نسبه والنسب حق الولد فلا يملك الرجوع عنه بالنفي فالنص ~~نحو أن يقول: هذا ولدي، أو هذا الولد مني. # والدلالة هي أن يسكت إذا هنئ ولا يرد على المهنئ؛ لأن العاقل لا يسكت عند ~~التهنئة بولد ليس منه عادة فكان السكوت والحالة هذه اعترافا بنسب الولد فلا ~~يملك نفيه بعد الاعتراف وروى ابن رستم عن محمد أنه إذا هنئ بولد الأمة فسكت ~~لم يكن اعترافا وإن سكت في ولد الزوجة كان اعترافا. # ووجه الفرق أن نسب ولد الزوجة قد ثبت بالفراش إلا أن له غرضية النفي من ~~الزوج فإذا سكت عند التهنئة دل على أنه لا ينفيه فبطلت الغرضية فتقرر النسب ~~فأما ولد الأمة فلا يثبت إلا بالدعوة ولم توجد فإن جاءت بولدين في بطن فأقر ~~بأحدهما ونفى الآخر فإن أقر بالأول ونفى الثاني لاعن ولزمه الولدان جميعا ~~أما لزوم الولدين فلأن إقراره بالأول إقرار بالثاني؛ لأن الحمل حمل واحد ~~فلا يتصور ثبوت بعض نسب الحمل دون بعض كالواحد أنه لا ms2086 يتصور ثبوت نسب بعضه ~~دون بعض فإذا نفى الثاني فقد رجع عما أقر به. # والنسب المقر به لا يحتمل الرجوع عنه فلم يصح نفيه فيثبت نسبهما جميعا ~~ويلاعن؛ لأن من أقر بنسب ولد ثم نفاه يلاعن وإن كان لا يقطع نسبه؛ لأن قطع ~~النسب ليس من لوازم اللعان بل ينفصل عنه في الجملة. # ألا ترى أنه شرع في المقذوفة بغير ولد ثم إنما وجب اللعان؛ لأنه لما أقر ~~بالأول فقد وصف امرأته بالعفة ولما نفى الولد فقد وصفها بالزنا، ومن قال ~~لامرأته: أنت عفيفة ثم قال لها أنت زانية يلاعن وإن نفى الأول وأقر بالثاني ~~حد ولا لعان ويلزمانه جميعا أما ثبوت نسب الولدين فلأن نفي الأول وإن تضمن ~~نفي الثاني فالإقرار بالثاني يتضمن الإقرار بالأول فيصير مكذبا نفسه ومن ~~وجب عليه اللعان إذا أكذب نفسه يحد وإذا حد لا يلاعن؛ لأنهما لا يجتمعان ~~ولأنه لما نفى الأول فقد قذفها بالزنا فلما أقر بالثاني فقد وصفها بالعفة. # ومن قال لامرأته: أنت زانية ثم قال لها أنت عفيفة يحد حد القذف ولا ~~يلاعن، ومنها أن يكون الولد حيا وقت قطع النسب وهو وقت التفريق فإن لم يكن ~~لا يقطع نسبه من الأب حتى لو جاءت بولد فمات ثم نفاه الزوج يلاعن ويلزمه ~~الولد؛ لأن النسب يتقرر بالموت فلا يحتمل الانقطاع ولكنه يلاعن لوجود القذف ~~بنفي الولد وانقطاع النسب ليس من لوازم اللعان وكذلك إذا جاءت بولدين ~~أحدهما ميت فنفاهما يلاعن ويلزمه الولدان لما قلنا، وكذلك إذا جاءت بولد ~~فنفاه الزوج ثم مات الولد قبل اللعان يلاعن الزوج ويلزمه الولد لما قلنا ~~وكذا لو جاءت بولدين فنفاهما ثم ماتا قبل اللعان أو قتلا يلاعن ويلزمه ~~الولدان؛ لأن النسب بعد الموت لا يحتمل القطع ويلاعن لما قلنا. # وكذا لو نفاهما ثم مات أحدهما قبل اللعان أو قتل لزمه الولدان؛ لأن نسب ~~الميت منهما لا يحتمل القطع لتقرره بالموت فكذا نسب الحي؛ لأنهما توأمان ~~وأما اللعان فقد ذكر الكرخي أنه يلاعن ولم يذكر الخلاف، ms2087 وكذا ذكر القاضي في ~~شرحه مختصر الطحاوي وذكر ابن سماعة الخلاف في المسألة فقال: عند أبي يوسف ~~يبطل اللعان وعند محمد لا يبطل. # وجه قول محمد أن اللعان قد وجب بالنفي فلو بطل إنما يبطل لامتناع قطع ~~النسب وامتناعه لا يمنع بقاء اللعان؛ لأن قطع النسب ليس من لوازم اللعان ~~ولأبي يوسف أن المقصود من اللعان الواجب بهذا القذف أعني القذف بنفي الولد ~~هو نفي الولد فإذا تعذر تحقيق هذا المقصود لم يكن في بقاء اللعان فائدة فلا ~~ينفي الولد. # ولو ولدت فنفاه ولاعن الحاكم بينهما وفرق وألزم الولد أمه أو لزمها بنفس ~~التفريق ثم ولدت ولدا آخر من الغد لزمه الولدان جميعا واللعان ماض؛ لأنه قد ~~ثبت نسب الولد الثاني إذ لا يمكن قطعه بما وجد من اللعان؛ لأن حكم اللعان ~~قد بطل بالفرقة فيثبت نسب الولد الثاني وإن قال الزوج هما ابناي لا حد عليه ~~لأنه صادق في إقراره بنسب الولدين لكونهما ثابتي النسب منه شرعا فإن قيل ~~أليس إنه أكذب نفسه بقوله هما ابناي؛ لأنه سبق منه نفي الولد ومن # PageV03P247 # نفى الولد فلوعن ثم أكذب نفسه فيقام عليه الحد كما إذا جاءت بولد واحد ~~فقال: هذا الولد ليس مني فلاعن الحاكم بينهما ثم قال: هو ابني فالجواب أن ~~قوله هما ابناي يحتمل الإكذاب ويحتمل الإخبار عن حكم لزمه شرعا وهو ثبوت ~~نسب الولدين فلا يجعل إكذابا مع الاحتمال بل حمله على الإخبار أولى؛ لأنه ~~لو جعل إكذابا للزمه الحد، ولو جعل إخبارا عما قلنا لا يلزمه. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ادرءوا الحدود بالشبهات» ، وقال ~~«ادرءوا الحدود ما استطعتم» حتى لو قال: كذبت في اللعان وفيما قذفتها به من ~~الزنا يحد؛ لأنه نص على الإكذاب فزال الاحتمال، وقد قال مشايخنا: إن ~~الإقرار بالولد بعد النفي إنما يكون إكذابا إذا كان المقر بحال لو لم يقر ~~به للوعن به إذا كان من أهل اللعان وههنا لم يوجد؛ لأنه لو لم يقر بهما لم ~~يلاعن بخلاف الفصل ms2088 الأول فإنه لو لم يقر بهما للوعن به. # وعلى هذا قالوا: لو ولدت امرأته ولدا فقال: هو ابني ثم ولدت آخر فنفاه، ~~ثم أقر به لا حد عليه؛ لأنه لم يصر مكذبا نفسه بهذا الإقرار. # ألا ترى أنه لو لم يقر به لا يلاعن بنفي الولد لثبوت نسب الولدين. # ولو قال: ليسا بابني كانا ابنيه ولا حد عليه؛ لأنه أعاد القذف الأول ~~وكرره؛ لتقدم القذف منه واللعان، والملاعن إذا كرر القذف لا يجب عليه الحد. # ولو طلق امرأته طلاقا رجعيا فجاءت بولد لأقل من سنتين بيوم فنفاه ثم جاءت ~~بولد بعد سنتين بيوم فأقر به فقد بانت ولا لعان ولا حد في قول أبي حنيفة ~~وأبي يوسف، وقال محمد: هذه رجعية وعلى الزوج الحد فنذكر أصلهما وأصله وتخرج ~~المسألة عليه فمن أصلهما أن الولد الثاني يتبع الولد الأول؛ لأنها جاءت به ~~في مدة يثبت نسبه فيها وهكذا هو سابق في الولادة فكان الثاني تابعا له فجعل ~~كأنها جاءت بهما لأقل من سنتين فلا تثبت الرجعة فتبين بالولد الثاني فتصير ~~أجنبية فيتعذر اللعان. # ومن أصله أن الولد يتبع الثاني؛ لأن الثاني حصل من وطء حادث بعد الطلاق ~~بيقين إذ الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين والأول يحتمل أنه حصل من ~~وطء حادث أيضا وإننا نرد المحتمل إلى المحكم فجعل الأول تابعا للثاني فصار ~~كأنها ولدتهما بعد سنتين. # والمطلقة طلاقا رجعيا إذا جاءت بولد لأكثر من سنتين ثبتت الرجعة؛ لأنه ~~يكون من وطء حادث بعد الطلاق بيقين فيصير مراجعا لها بالوطء، فإذا أقر ~~بالثاني بعد نفي الأول فقد أكذب نفسه فيحد، وإن كان الطلاق بائنا والمسألة ~~بحالها يحد ويثبت نسب الولدين عندهما، وعند محمد لا حد ولا لعان ولا يثبت ~~نسب الولدين؛ لأن من أصلهما أن الولد الثاني يتبع الأول فتجعل كأنها جاءت ~~بهما لأقل من سنتين فيثبت نسبهما ولا يجب اللعان لزوال الزوجية ويجب الحد ~~لإكذاب نفسه. # ومن أصله أن الأول يتبع الثاني وتجعل كأنها جاءت به لأكثر من ms2089 سنتين ~~والمرأة مبتوتة والمبتوتة إذا جاءت بولد لأكثر من سنتين لا يثبت نسب الولد ~~ولا يحد قاذفها؛ لأن معها علامة الزنا وهو ولد غير ثابت النسب فلم تكن ~~عفيفة فلا يجب الحد على قاذفها. # ومنها أن لا يكون نسب الولد محكوما بثبوته شرعا كذا ذكر الكرخي فإن كان ~~لا يقطع نسبه فصورته ما روي عن أبي يوسف أنه قال في رجل جاءت امرأته بولد ~~فنفاه ولم يلاعن حتى قذفها أجنبي بالولد الذي جاءت به فضرب القاضي الأجنبي ~~الحد فإن نسب الولد يثبت من الزوج ويسقط اللعان؛ لأن القاضي لما حد قاذفها ~~بالولد فقد حكم بكذبه والحكم بكذبه حكم بثبوت نسب الولد والنسب المحكوم ~~بثبوته لا يحتمل النفي باللعان كالنسب المقر به وإنما سقط اللعان؛ لأن ~~الحاكم لما حد قاذفها فقد حكم بإحصانها في عين ما قذفت به ثم إذا قطع النسب ~~من الأب وألحق الولد بالأم يبقى النسب في حق سائر الأحكام من الشهادة ~~والزكاة والقصاص وغيرها حتى لا يجوز شهادة أحدهما للآخر وصرف الزكاة إليه، ~~ولا يجب القصاص على الأب بقتله ونحو ذلك من الأحكام إلا أنه لا يجري ~~التوارث بينهما. # ولا نفقة على الأب؛ لأن النفي باللعان يثبت شرعا بخلاف الأصل بناء على ~~زعمه وظنه مع كونه مولودا على فراشه وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الولد للفراش» فلا يظهر في حق سائر الأحكام. ### | [فصل في بيان ما يبطل به حكم اللعان] # (فصل) : # وأما بيان ما يبطل به حكم اللعان فكل ما يسقط اللعان بعد وجوبه يبطل ~~الحكم بعد وجوده قبل التفريق وهو ما ذكرنا من جنونهما بعد اللعان قبل ~~التفريق، أو جنون أحدهما، أو خرسهما أو خرس أحدهما، أو ردتهما أو ردة ~~أحدهما، أو صيرورة أحدهما محدودا في القذف أو صيرورة المرأة موطوءة وطئا ~~حراما وإكذاب أحدهما نفسه حتى # PageV03P248 # لا يفرق الحاكم بينهما ويكونان على نكاحهما والأصل أن بقاءهما على حال ~~اللعان شرط بقاء حكم اللعان فإن بقيا على حال اللعان بقي حكم اللعان وإلا ~~فلا. ms2090 # وإنما كان كذلك؛ لأن اللعان شهادة ولا بد من بقاء الشاهد على صفة الشهادة ~~إلى أن يتصل القضاء بشهادته حتى يجب القضاء بها. # وقد زالت صفة الشهادة بهذه العوارض فلا يجوز للقاضي التفريق ولو لاعنها ~~بالولد ثم قذفها هو أو غيره لا يجب الحد ولو لاعنها بغير الولد ثم قذفها هو ~~أو غيره يجب عليه الحد، والفرق أن اللعان لا يوجب تحقيق الزنا منها فلا ~~تزول عفتها باللعان إلا أن في اللعان بالولد قذفها ومعها علامة الزنا وهو ~~الولد بغير أب فلم تكن عفيفة فلا يقام الحد على قاذفها ولم يوجد ذلك في ~~اللعان بغير ولد فبقيت عفتها فيجب الحد على قاذفها ولو أكذب نفسه بعد ~~اللعان بولد أو بغير ولد ثم قذفها هو أو غيره يجب الحد لأن اللعان لا يحقق ~~الزنا والولد بلا أب مع الإكذاب لا يكون علامة الزنا فتكون عفتها قائمة ~~فيحد قاذفها والله عز وجل أعلم. # PageV03P249 ### | [كتاب الرضاع] ### | [فصل في المحرمات بالرضاع] # قد ذكرنا في كتاب النكاح أن المحرمات نكاحا على التأبيد أنواع ثلاثة: ~~محرمات بالقرابة، ومحرمات بالصهرية، ومحرمات بالرضاع وقد بينا المحرمات ~~بالقرابة والصهرية في كتاب النكاح وهذا الكتاب وضع لبيان المحرمات بالرضاع ~~والكلام في هذا الكتاب يقع في ثلاثة مواضع: أحدها في. # بيان المحرمات بالرضاع، والثاني: في بيان صفة الرضاع المحرم، والثالث: في ~~بيان ما يثبت به الرضاع (فصل) : # أما الأول: فالأصل أن كل من يحرم بسبب القرابة من الفرق السبع الذين ~~ذكرهم الله عز وجل في كتابه الكريم نصا أو دلالة على ما ذكرنا في كتاب ~~النكاح؛ يحرم بسبب الرضاعة إلا أن الحرمة في جانب المرضعة متفق عليها، وفي ~~جانب زوج المرضعة مختلف فيها. # أما تفسير الحرمة في جانب المرضعة فهو أن المرضعة تحرم على المرضع؛ لأنها ~~صارت أما له بالرضاع فتحرم عليه لقوله عز وجل {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} ~~[النساء: 23] معطوفا على قوله تعالى {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} [النساء: ~~23] فسمى سبحانه وتعالى المرضعة أم المرضع وحرمها عليه، وكذا بناتها يحرمن ~~عليه سواء ms2091 كن من صاحب اللبن أو من غير صاحب اللبن من تقدم منهن ومن تأخر؛ ~~لأنهن أخواته من الرضاعة وقد قال الله عز وجل {وأخواتكم من الرضاعة} ~~[النساء: 23] أثبت الله تعالى الأخوة بين بنات المرضعة وبين المرضع والحرمة ~~بينهما مطلقا من غير فصل بين أخت وأخت، وكذا بنات بناتها وبنات أبنائها وإن ~~سفلن؛ لأنهن بنات أخ المرضع وأخته من الرضاعة، وهن يحرمن من النسب كذا من ~~الرضاعة. # ولو أرضعت امرأة صغيرين من أولاد الأجانب صارا أخوين لكونهما من أولاد ~~المرضعة فلا يجوز المناكحة بينهما إذا كان أحدهما أنثى، والأصل في ذلك أن ~~كل اثنين اجتمعا على ثدي واحد صارا أخوين أو أختين أو أخا وأختا من الرضاعة ~~فلا يجوز لأحدهما أن # PageV04P002 # يتزوج بالآخر ولا بولده كما في النسب، وأمهات المرضعة يحرمن على المرضع؛ ~~لأنهن جداته من قبل أمه من الرضاعة وآباء المرضعة أجداد المرضع من الرضاعة ~~فيحرم عليهم كما في النسب. # وأخوات المرضعة يحرمن على المرضع؛ لأنهن خالاته من الرضاعة وإخوتها أخوال ~~المرضع فيحرم عليهم كما في النسب فأما بنات إخوة المرضعة وأخواتها فلا ~~يحرمن على المرضع؛ لأنهن بنات أخواله وخالاته من الرضاعة وأنهن لا يحرمن من ~~النسب فكذا من الرضاعة وتحرم المرضعة على أبناء المرضع وأبناء أبنائه وإن ~~سفلوا كما في النسب هذا تفسير الحرمة في جانب المرضعة والأصل في هذه الجملة ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» فيجب ~~العمل بعمومه إلا ما خص بدليل. # وأما الحرمة في جانب زوج المرضعة التي نزل لها منه لبن فثبتت عند عامة ~~العلماء وعامة الصحابة - رضي الله عنهم - وروي عن رافع بن خديج - رضي الله ~~عنه - أنه قال: لا تثبت وهو قول سعيد بن المسيب وعطاء بن يسار وبشر المريسي ~~ومالك وهي المسألة الملقبة عند الفقهاء بلبن الفحل أنه هل يحرم أو لا؟ ~~وتفسير تحريم لبن الفحل أن المرضعة تحرم على زوج المرضعة؛ لأنها بنته من ~~الرضاع وكذا على أبنائه الذين من غير المرضعة؛ لأنهم إخوتها ms2092 لأب من الرضاعة ~~وكذا على أبناء أبنائه وأبناء بناته من غير المرضعة؛ لأنهم أبناء إخوة ~~المرضعة وأخواتها لأب من الرضاعة. # وعلى هذا إذا كان لرجل امرأتان فحملتا منه وأرضعت كل واحدة منهما صغيرا ~~أجنبيا؛ فقد صارا أخوين لأب من الرضاعة. # فإن كان أحدهما أنثى فلا يجوز النكاح بينهما؛ لأن الزوج أخوها لأبيها من ~~الرضاعة، وإن كانا أنثيين لا يجوز لرجل أن يجمع بينهما؛ لأنهما أختان لأب ~~من الرضاعة وتحرم على آباء زوج المرضعة؛ لأنهم أجدادها من قبل الأب من ~~الرضاعة وكذا على إخوته؛ لأنهم أعمامها من الرضاعة وأخواته عمات المرضع ~~فيحرمن عليه. # وأما أولاد إخوته وأخواته فلا تحرم المناكحة بينهم؛ لأنهم أولاد الأعمام ~~والعمات ويجوز النكاح بينهم في النسب فيجوز في الرضاع. # هذا تفسير لبن الفحل. # احتج من قال: إنه لا يحرم بأن الله عز وجل بين الحرمة في جانب المرضعة ~~ولم يبين في جانب الزوج بقوله تعالى {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} [النساء: ~~23] ولو كانت الحرمة ثابتة في جانبه؛ لبينها كما بين في النسب بقوله عز وجل ~~{حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} [النساء: 23] ولأن المحرم هو الإرضاع وإنه ~~وجد منها لا منه فصارت بنتا لها لا له، والدليل عليه أنه لو نزل للزوج لبن ~~فارتضعت منه صغيرة؛ لم تحرم عليه فإذا لم تثبت الحرمة بلبنه فكيف تثبت بلبن ~~غيره؟ ، ولنا الحديث المشهور وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «يحرم ~~من الرضاع ما يحرم من النسب» روي أن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «جاء ~~عمي من الرضاعة فاستأذن علي فأبيت أن آذن له حتى أستأذن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فسألته عن ذلك فقال - صلى الله عليه وسلم -: إنما هو عمك ~~فأذني له فقلت يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنه عمك فليلج عليك قالت عائشة - رضي ~~الله عنها -: وكان ذلك بعد أن ضرب علينا الحجاب» أي: بعد أمر الله عز وجل ~~النساء بالحجاب عن الأجانب، وقيل: كان الداخل عليك أفلح ms2093 أخا أبي القعيس ~~وكانت امرأة أبي القعيس أرضعتها، وعن عمرة أن عائشة - رضي الله عنها - ~~أخبرتها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان عندها وأنها سمعت صوت رجل ~~يستأذن في بيت حفصة قالت عائشة: فقلت يا رسول الله هذا رجل يستأذن في بيتك ~~فقال: «أراه فلانا - لعم حفصة من الرضاعة - فقلت: يا رسول الله لو كان ~~فلانا حيا - لعمي من الرضاعة - أكان يدخل علي؟ فقال: نعم إن الرضاعة تحرم ~~ما تحرم الولادة» وعن علي - رضي الله عنه - أنه قال: لا تنكح من أرضعته ~~امرأة أبيك ولا امرأة أخيك ولا امرأة ابنك وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - ~~أنه سئل عن رجل له امرأتان أو جارية وامرأة فأرضعت هذه غلاما وهذه جارية: ~~هل يصلح للغلام أن يتزوج الجارية؟ فقال - رضي الله عنه -: لا اللقاح واحد ~~بين الحكم وأشار إلى المعنى وهو اتحاد اللقاح؛ ولأن المحرم هو اللبن وسبب ~~اللبن هو ماء الرجل والمرأة جميعا فيجب أن يكون الرضاع منهما جميعا كما كان ~~الولد لهما جميعا. # وأما قولهم: إن الله تعالى بين الحرمة في جانب المرضعة لا في جانب زوجها ~~فنقول: إن لم يبينها نصا فقد بينها دلالة؛ وهذا لأن البيان من الله تعالى ~~بطريقين: بيان إحاطة وبيان كفاية، فبين في النسب بيان إحاطة وبين في الرضاع ~~بيان كفاية تسليطا # PageV04P003 # للمجتهدين على الاجتهاد والاستدلال بالمنصوص عليه على غيره وهو أن الحرمة ~~في جانب المرضعة لمكان اللبن وسبب حصول اللبن ونزوله هو ماؤهما جميعا؛ فكان ~~الرضاع منهما جميعا وهذا؛ لأن اللبن إنما يوجب الحرمة لأجل الجزئية ~~والبعضية؛ لأنه ينبت اللحم وينشر العظم على ما نطق به الحديث، ولما كان سبب ~~حصول اللبن ونزوله ماءهما جميعا، وبارتضاع اللبن تثبت الجزئية بواسطة نبات ~~اللحم؛ يقام سبب الجزئية مقام حقيقة الجزئية في باب الحرمات احتياطا والسبب ~~يقام مقام المسبب خصوصا في باب الحرمات أيضا. # ألا ترى أن المرأة تحرم على جدها كما تحرم على أبيها، وإن لم يكن تحريمها ~~على جدها منصوصا عليه في الكتاب ms2094 العزيز، لكن لما كان مبينا بيان كفاية وهو ~~أن البنت وإن حدثت من ماء الأب حقيقة دون ماء الجد لكن الجد سبب ماء الأب ~~أقيم السبب مقام المسبب في حق الحرمة احتياطا كذا ههنا، والدليل عليه أنه ~~لما لم يذكر البنات من الرضاعة نصا؛ لم يذكر بنات الإخوة والأخوات من ~~الرضاعة نصا، وإنما ذكر الأخوات ثم ذكر لبنات الإخوة والأخوات دلالة حتى ~~حرمن بالإجماع كذا ههنا. # على أنه إن لم يبين بوحي متلو فقد بين بوحي غير متلو على لسان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - بقوله «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» وقد خرج ~~الجواب عن قولهم: إن الإرضاع وجد منها لما ذكرنا أنه وجد منهما؛ لأن سبب ~~حصول اللبن ماؤهما جميعا فكان الإرضاع منهما جميعا. # وأما الزوج إذا نزل له لبن فارتضعت به صغيرة فذاك لا يسمى رضاعا عرفا ~~وعادة، ومعنى الرضاع أيضا لا يحصل به وهو اكتفاء الصغير به في الغذاء؛ لأنه ~~لا يغنيه من جوع فصار كلبن الشاة، والله عز وجل أعلم. # ثم إنما تثبت الحرمة من جانب الزوج إذا كان لها زوج، فأما إذا لم يكن لها ~~زوج بأن ولدت من الزنا فنزل لها لبن فأرضعت به صبيا فالرضاع يكون منها خاصة ~~لا من الزاني؛ لأن نسبه يثبت منها لا من الزاني والأصل أن كل من يثبت منه ~~النسب يثبت منه الرضاع ومن لا يثبت منه النسب لا يثبت منه الرضاع، وكذا ~~البكر إذا نزل لها لبن وهي لم تتزوج قط؛ فالرضاع يكون منها خاصة والله ~~الموفق. # وكذا كل من يحرم بسبب المصاهرة من الفرق الأربع الذين وصفناهم في كتاب ~~النكاح - يحرم بسبب الرضاع فيحرم على الرجل أم زوجته وبنتها من زوج آخر من ~~الرضاع كما في النسب إلا أن الأم تحرم بنفس العقد على البنت إذا كان صحيحا، ~~والبنت لا تحرم إلا بالدخول بالأم كما في النسب وكذا جدات زوجته من أبيها ~~وأمها وإن علون أو بنات بناتها وبنات أبنائها وإن سفلن من ms2095 الرضاع كما في ~~النسب، وكذا تحرم حليلة ابن الرضاع وابن ابن الرضاع وإن سفل على أب الرضاع ~~وأب أبيه وإن علا كما في النسب، وتحرم منكوحة أب الرضاع وأب أبيه وإن علا ~~على ابن الرضاع وابن ابنه وإن سفل كما في النسب، وكذا يحرم بالوطء أم ~~الموطوءة وبنتها من الرضاع على الواطئ، وكذا جداتها وبنات بناتها كما في ~~النسب وتحرم الموطوءة على أب الواطئ وابنه من الرضاع وكذا على أجداده وإن ~~علوا، وعلى أبناء أبنائه وإن سفلوا كما في النسب سواء كان الوطء حلالا بأن ~~كان بملك اليمين أو الوطء بنكاح فاسد أو شبهة نكاح، أو كان بزنا عندنا، ~~وعند الشافعي: الزنا لا يوجب حرمة المصاهرة فلا يوجب حرمة الرضاع والمسألة ~~قد مرت في كتاب النكاح. # ثم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ~~مجرى على عمومه إلا في مسألتين: إحداهما أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج بأخت ~~ابنه من النسب لأمه وهو أن يكون لابنه أخت لأمه من النسب من زوج آخر كان ~~لها، ويجوز له أن يتزوج أخت ابنه من الرضاع وهو أن يكون لابنه من الرضاع ~~أخت من النسب لم ترضعها امرأته؛ لأن المانع من الجواز في النسب كون أم ~~الأخت موطوءة الزوج؛ لأن أمها إذا كانت موطوءة؛ كانت هي بنت الموطوءة، ~~وإنها حرام، وهذا لم يوجد في الرضاع، ولو وجد؛ لا يجوز كما لا يجوز في ~~النسب. # والثانية: أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج أم أخته من النسب لأبيه وهو أن ~~يكون له أخت من أبيه من النسب لا من أمه؛ لا يجوز له أن يتزوج أم هذه الأخت ~~ويجوز له أن يتزوج أم أخته من الرضاع، وهو أن يكون له أخت من الرضاعة ~~فيتزوج أمها من النسب؛ لأن المانع في النسب كون المتزوجة موطوءة أبيه، وهذا ~~لم يوجد في الرضاع حتى لو وجد؛ لا يجوز كما في النسب. # ويجوز للرجل أن يتزوج أخت أخيه لأبيه من النسب وصورته # PageV04P004 # منكوحة ms2096 أبيه إذا ولدت ابنا ولها بنت من زوج آخر؛ فهي أخت أخيه لأبيه ~~فيجوز له أن يتزوجها، وكذا يجوز للرجل أن يتزوج أخت أخته من الرضاع وهذا ~~ظاهر، ويجوز لزوج المرضعة أن يتزوج أم المرضع من النسب؛ لأن المرضع ابنه، ~~ويجوز للإنسان أن يتزوج أم ابنه من النسب وكذا أب المرضع من النسب يجوز له ~~أن يتزوج المرضعة؛ لأنها أم ابنه من الرضاع فهي كأم ابنه من النسب، وكذا ~~يجوز له أن يتزوج بمحارم أبي الصبي من الرضاعة أو النسب كما يجوز له أن ~~يتزوج بأمه، والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في صفة الرضاع المحرم] # (فصل) : # وأما صفة الرضاع المحرم فالرضاع المحرم ما يكون في حال الصغر فأما ما ~~يكون في حال الكبر فلا يحرم عند عامة العلماء وعامة الصحابة - رضي الله ~~عنهم - إلا ما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنه يحرم في الصغر والكبر ~~جميعا واحتجت بظاهر قوله تعالى {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من ~~الرضاعة} [النساء: 23] من غير فصل بين حال الصغر والكبر وروي أن أبا حذيفة ~~تبنى سالما وكان يدخل على امرأته سهلة بنت سهيل «فلما نزلت آية الحجاب أتت ~~سهلة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالت: يا رسول الله قد كنا نرى ~~سالما ولدا وكان يدخل علي وليس لنا إلا بيت واحد فماذا ترى في شأنه؟ فقال ~~لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرضعيه عشر رضعات ثم يدخل عليك» . # وكان سالما كبيرا فدل أن الرضاع في حال الصغر والكبر محرم وقد عملت عائشة ~~- رضي الله عنها - بهذا الحديث بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ~~روي عنها أنها كانت إذا أرادت أن يدخل عليها أحد من الرجال أمرت أختها أم ~~كلثوم بنت أبي بكر - رضي الله عنها - وبنات أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنه - أن يرضعنه فدل عملها بالحديث بعد موت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - على أنه غير منسوخ ولنا ما روي أن رسول الله - صلى الله ms2097 ~~عليه وسلم - «دخل يوما على عائشة - رضي الله عنها - فوجد عندها رجلا فتغير ~~وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: من هذا الرجل؟ فقالت عائشة: ~~هذا عمي من الرضاعة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: انظرن ما ~~أخواتكم من الرضاعة إنما الرضاعة من المجاعة» . # أشار - صلى الله عليه وسلم - إلى أن الرضاع في الصغر هو المحرم؛ إذ هو ~~الذي يدفع الجوع فأما جوع الكبير فلا يندفع بالرضاع وروي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال «الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم» وذلك هو رضاع ~~الصغير دون الكبير؛ لأن إرضاعه لا ينبت اللحم ولا ينشز العظم وروي عنه - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الرضاع ما فتق الأمعاء» ورضاع الصغير هو ~~الذي يفتق الأمعاء، لا رضاع الكبير؛ لأن أمعاء الصغير تكون ضيقة لا يفتقها ~~إلا اللبن؛ لكونه من ألطف الأغذية كما وصفه الله تعالى في كتابه الكريم ~~بقوله عز وجل {لبنا خالصا سائغا للشاربين} [النحل: 66] فأما أمعاء الكبير ~~فمنفتقة لا تحتاج إلى الفتق باللبن وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال «لا رضاع بعد فصال» . # وروي أن رجلا من أهل البادية ولدت امرأته ولدا فمات ولدها فورم ثدي ~~المرأة فجعل الرجل يمصه ويمجه فدخلت جرعة منه حلقه فسأل عنه أبا موسى ~~الأشعري - رضي الله عنه - قال: قد حرمت عليك ثم جاء إلى عبد الله بن مسعود ~~- رضي الله عنه - فسأله فقال: هل سألت أحدا؟ فقال: نعم، سألت أبا موسى ~~الأشعري؛ فقال: حرمت عليك فجاء ابن مسعود أبا موسى الأشعري - رضي الله ~~عنهما - فقال له: أما علمت أنه إنما يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم؟ فقال ~~أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم وعن عبد الله بن ~~عمر أن رجلا جاء إلى عمر - رضي الله عنه - فقال: كانت لي وليدة أطؤها فعمدت ~~امرأتي إليها فأرضعتها فدخلت عليها، فقالت: دونك مقدور الله أرضعتها فقال ~~عمر - رضي الله عنه -: واقعها فهي جاريتك فإنما الرضاعة عند ms2098 الصغر، وبهذا ~~تبين أن ليس المراد من الآية الكريمة رضاعة الكبير؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فسر الرضاع المحرم بكونه دافعا للجوع منبتا للحم منشزا للعظم ~~فاتقا للأمعاء، وهذا وصف رضاع الصغير لا الكبير؛ فصارت السنة مبينة لما في ~~الكتاب أصله. # وأما حديث سالم فالجواب عن التعلق به من وجهين أحدهما يحتمل أنه كان ~~مخصوصا بذلك يدل عليه ما روي أن سائر أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أبين أن يدخل عليهن بالرضاع في حال الكبر أحد من الرجال وقلن: ما نرى ~~الذي أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سهلة بنت سهيل إلا رخصة في ~~سالم وحده # PageV04P005 # فهذا يدل على أن سالما كان مخصوصا بذلك، وما كان من خصوصية بعض الناس ~~لمعنى لا نعقله لا يحتمل القياس، ولا نترك به الأصل المقرر في الشرع. # والثاني: أن رضاع الكبير كان محرما ثم صار منسوخا بما روينا من الأخبار. # وأما عمل عائشة - رضي الله عنها - فقد روي عنها ما يدل على رجوعها فإنه ~~روي عنها أنها قالت: لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم والدم. # وروي أنها كانت تأمر بنت أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنهما - ~~أن ترضع الصبيان حتى يدخلوا عليها إذا صاروا رجالا على أن عملها معارض بعمل ~~سائر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنهن كن لا يرين أن يدخلن عليهن ~~بتلك الرضاعة أحد من الرجال؛ والمعارض لا يكون حجة. # وإذا ثبت أن رضاع الكبير لا يحرم ورضاع الصغير محرم فلا بد من بيان الحد ~~الفاصل بين الصغير والكبير في حكم الرضاع وهو بيان مدة الرضاع المحرم وقد ~~اختلف فيه قال أبو حنيفة: ثلاثون شهرا ولا يحرم بعد ذلك سواء فطم أو لم ~~يفطم، وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى -: حولان لا يحرم بعد ذلك ~~فطم أو لم يفطم، وهو قول الشافعي وقال زفر: ثلاثة أحوال وقال بعضهم: خمس ~~عشرة سنة. # وقال بعضهم: أربعون سنة. # احتج أبو يوسف ومحمد بقوله ms2099 {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن ~~أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233] جعل الله تعالى الحولين الكاملين تمام ~~مدة الرضاع وليس وراء التمام شيء وبقوله تعالى {وفصاله في عامين} [لقمان: ~~14] وقوله عز وجل {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] وأقل مدة الحمل ~~ستة أشهر فبقي مدة الفصال حولين. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا رضاع بعد الحولين» ~~وهذا نص في الباب ولأبي حنيفة قوله تعالى {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ~~وأخواتكم من الرضاعة} [النساء: 23] أثبت الحرمة بالرضاع مطلقا عن التعرض ~~لزمان الإرضاع إلا أنه أقام الدليل على أن زمان ما بعد الثلاثين شهرا ليس ~~بمراد فيعمل بإطلاقه فيما وراءه وقوله تعالى {فإن أرادا فصالا عن تراض ~~منهما وتشاور} [البقرة: 233] والاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنه أثبت ~~لهما إرادة الفصال بعد الحولين؛ لأن الفاء للتعقيب فيقتضي بقاء الرضاع بعد ~~الحولين ليتحقق الفصال بعدهما والثاني أنه أثبت لهما إرادة الفصال مطلقا عن ~~الوقت، ولا يكون الفصال إلا عن الرضاع فدل على بقاء حكم الرضاع في مطلق ~~الوقت إلى أن يقوم الدليل على التقييد وقوله تعالى {وإن أردتم أن تسترضعوا ~~أولادكم} [البقرة: 233] أثبت لهما إرادة الاسترضاع مطلقا عن الوقت فمن ادعى ~~التقييد بالحولين فعليه الدليل ولأن الإرضاع إنما يوجب الحرمة لكونه منبتا ~~للحم منشزا للعظم على ما نطق به الحديث. # ومن المحال عادة أن يكون منبتا للحم إلى الحولين ثم لا ينبت بعد الحولين ~~بساعة لطيفة؛ لأن الله تعالى ما أجرى العادة بتغيير الغذاء إلا بعد مدة ~~معتبرة؛ ولأن المرأة قد تلد في البرد الشديد والحر الشديد فإذا تم على ~~الصبي سنتان؛ لا يجوز أن تؤمر المرأة بفطامه؛ لأنه يخاف منه الهلاك على ~~الولد؛ إذ لو لم يعود بغيره من الطعام؛ فلا بد وأن تؤمر بالرضاع ومحال أن ~~تؤمر بالرضاع ويحرم عليها الرضاع في وقت واحد فدل أن الرضاع بعد الحولين ~~يكون رضاعا إلا أن أبا حنيفة استحسن في تقديره مدة إبقاء حكم الرضاع بعد ~~الحولين بستة أشهر؛ لأنه أقل مدة تغير الولد ms2100 فإن الولد يبقى في بطن أمه ستة ~~أشهر يتغذى بغذائها ثم ينفصل فيصير أصلا في الغذاء وزفر اعتبر بعد الحولين ~~سنة كاملة فقال: لما ثبت حكم الرضاع في ابتداء السنة الثالثة - لما قاله ~~أبو حنيفة -؛ يثبت في بقيتها كالسنة الأولى والثانية. # وأما الآية الأولى ففيها أن الحولين مدة الرضاع في حق من أراد تمام ~~الرضاعة وهذا لا ينفي أن يكون الزائد على الحولين مدة الرضاع في حق من لم ~~يرد أن يتم الرضاعة مع ما أن ذكر الشيء بالتمام لا يمنع من احتمال الزيادة ~~عليه. # ألا ترى إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - «من أدرك عرفة فقد تم حجه» وهذا ~~لا يمنع زيادة الفرض عليه فإن طواف الزيارة من فروض الحج على أن في الآية ~~الكريمة أن الحولين تمام مدة الرضاع لكنها تمام مدة الرضاع في حق الحرمة أو ~~في حق وجوب أجر الرضاع على الأب فالنص لا يتعرض له، وعندهما: تمام مدة ~~الرضاع في حق وجوب الأجر على الأب حتى أن الأم المطلقة إذا طلبت الأجر بعد ~~الحولين - ولا ترضع بلا أجر -؛ لم يجبر الأب على أجر الرضاع فيما زاد على ~~الحولين أو تحمل الآية على هذا # PageV04P006 # توفيقا بين الدلائل؛ لأن دلائل الله عز وجل لا تتناقض. # وأما الآية الثانية فالفصال في عامين لا ينفي الفصال في أكثر من عامين ~~كما لا ينفيه في أقل من عامين عن تراض منهما وتشاور فكان هذا استدلالا ~~بالمسكوت كقوله عز وجل {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] الآية ~~أنه لا يمنع جواز الكتابة إذا لم يعلم فيهم خيرا. # وأما الآية الثالثة فتحتمل ما ذكرتم أن المراد من الحمل هو الحمل بالبطن ~~والفصال هو الفطام فيقتضي أن تكون مدة الرضاع سنتين ومدة الحمل ستة أشهر ~~كما روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - وتحتمل أن يكون المراد من ~~الحمل الحمل باليد والحجر، فيقتضي أن يكون الثلاثون مدة الحمل والفصال ~~جميعا؛ لأنه يحمل باليد والحجر في هذه المدة غالبا لا أن يكون ms2101 بعض هذه ~~المدة مدة الحمل وبعضها مدة الفصال؛ لأن إضافة السنتين إلى الوقت لا تقتضي ~~قسمة الوقت عليهما بل تقتضي أن يكون جميع ذلك الوقت مدة لكل واحد منهما ~~كقول القائل: صومك وزكاتك في شهر رمضان. # هذا لا يقتضي قسمة الشهر عليهما بل يقتضي كون الشهر كله وقتا لكل واحد ~~منهما فيقتضي أن يكون الثلاثون شهرا مدة الرضاع كما هو مذهب أبي حنيفة فلا ~~يكون حجة مع الاحتمال. # على أنه وقع التعارض بين الآيات ظاهرا لكن ما تلونا حاظر وما تلوتم مبيح ~~والعمل بالحاظر أولى احتياطا وأما الحديث فالمشهور: «لا رضاع بعد فصال» . # ونحن نقول بموجبه فجائز أن يكون أصل الحديث هذا وأن من ذكر الحولين حمله ~~على المعنى عنده، ولو ثبت هذا اللفظ فيحتمل أن يكون معناه الإرضاع على الأب ~~بعد الحولين أي في حق وجوب الأجر عليه على ما ذكرنا من تأويل الآية أو يحمل ~~على هذه عملا بالدلائل كلها والله الموفق. # ثم الرضاع يحرم في المدة على اختلافهم فيها سواء فطم في المدة أو لم ~~يفطم، هذا جواب ظاهر الرواية عن أصحابنا حتى لو فصل الرضيع في مدة الرضاع ~~ثم سقي بعد ذلك في المدة؛ كان ذلك رضاعا محرما ولا يعتبر الفطام وإنما ~~يعتبر الوقت فيحرم عند أبي حنيفة ما كان في السنتين ونصف وعندهما ما كان في ~~السنتين؛ لأن الرضاع في وقته عرف محرما في الشرع لما ذكرنا من الدلائل من ~~غير فصل بين ما إذا فطم أو لم يفطم. # وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: إذا فطم في السنتين حتى استغنى بالفطام ~~ثم ارتضع بعد ذلك في السنتين أو الثلاثين شهرا؛ لم يكن ذلك رضاعا؛ لأنه لا ~~رضاع بعد الفطام وإن هي فطمته فأكل أكلا ضعيفا لا يستغني به عن الرضاع ثم ~~عاد فأرضع كما يرضع أولا في الثلاثين شهرا فهو رضاع محرم كما يحرم رضاع ~~الصغير الذي لم يفطم ويحتمل أن تكون رواية الحسن تفسيرا لظاهر قول أصحابنا ~~وهو أن الرضاع في المدة ms2102 بعد الفطام إنما يكون رضاعا محرما لم يكن الفطام ~~تاما بأن كان لا يستغني بالطعام عن الرضاع، فإن استغنى لا يحرم بالإجماع ~~ويحمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا رضاع بعد الفصال» على الفصال ~~المتعارف المعتاد وهو الفصال التام المغني عن الرضاع. # ويستوي في الرضاع المحرم قليله وكثيره عند عامة العلماء وعامة الصحابة - ~~رضي الله عنهم -. # وروي عن عبد الله بن الزبير وعائشة - رضي الله عنهما - إن قليل الرضاع لا ~~يحرم وبه أخذ الشافعي فقال: لا يحرم إلا خمس رضعات متفرقات، واحتج بما روي ~~عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «كان فيما نزل عشر رضعات يحرم، ثم ~~صرن إلى خمس فتوفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو فيما يقرأ» . # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا تحرم المصة والمصتان ~~ولا الإملاجة والإملاجتان» ولأن الحرمة بالرضاع لكونه منبتا للحم ومنشزا ~~للعظم وهذا المعنى لا يحصل بالقليل منه فلا يكون القليل محرما ولنا قوله عز ~~وجل {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} [النساء: 23] مطلقا عن ~~القدر. # وروي عن علي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - ~~أنهم قالوا: قليل الرضاع وكثيره سواء، وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - ~~أنه قال: الرضعة الواحدة تحرم. وروي أنه لما بلغه أن عبد الله بن الزبير ~~يقول: لا تحرم الرضعة والرضعتان، فقال: قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير ~~وتلا قوله تعالى {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} [النساء: 23] . وروي أنه لما ~~بلغه أن عائشة - رضي الله عنها - تقول: لا تحرم المصة والمصتان فقال: حكم ~~الله تعالى أولى وخير من حكمها. # وأما حديث عائشة - رضي الله عنها - فقد قيل: إنه لم يثبت عنها وهو الظاهر ~~فإنه روي أنها قالت: توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مما يتلى في ~~القرآن فما الذي نسخه ولا نسخ بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ ولا # PageV04P007 # يحتمل أن يقال الرضاع شيء من القرآن ولهذا ذكر الطحاوي في اختلاف العلماء ~~أن هذا حديث ms2103 منكر وأنه من صيارفة الحديث ولئن ثبت فيحتمل أنه كان في رضاع ~~الكبير فنسخ العدد بنسخ رضاع الكبير. # وأما حديث المصة والمصتين فقد ذكر الطحاوي أن في إسناده اضطرابا؛ لأن ~~مداره على عروة بن الزبير عن عائشة - رضي الله عنها -. # وروي أنه سئل عروة عن الرضاعة فقال ما كان في الحولين وإن كان قطرة واحدة ~~محرم والراوي إذا عمل بخلاف ما روى أوجب ذلك وهنا في ثبوت الحديث؛ لأنه لو ~~ثبت عنده لعمل به على أنه إن ثبت فيحتمل أن الحرمة لم تثبت لعدم القدر ~~المحرم ويحتمل أنها لم تثبت؛ لأنه لا يعلم أن اللبن وصل إلى جوف الصبي أم ~~لا وما لم يصل لا يحرم فلا يثبت لعدم القدر المحترم ولا تثبت الحرمة بهذا ~~الحديث بالاحتمال ولهذا قال ابن عباس - رضي الله عنهما - إذا عقى الصبي فقد ~~حرم حين سئل عن الرضعة الواحدة هل تحرم؛ لأن العقي اسم لما يخرج من بطن ~~الصبي حين يولد أسود لزج إذا وصل اللبن إلى جوفه يقال هل عقى صبيكم أي هل ~~سقيتموه عسلا ليسقط عنه عقيه إنما ذكر ذلك ليعلم أن اللبن قد صار في جوفه؛ ~~لأنه لا يعقى من ذلك اللبن حتى يصير في جوفه ويحتمل أنه كان ذلك في إرضاع ~~الكبير حين كان محرما ثم نسخ. # وأما قوله: إن الرضاع إنما يحرم لكونه منبتا للحم منشزا للعظم فنقول: ~~القليل ينبت وينشز بقدره فوجب أن يحرم بأصله وقدره على هذه الأحاديث إن ~~ثبتت فهي مبيحة وما تلونا محرم والمحرم يقضي على المبيح احتياطا؛ لأن ~~الجرعة الكثيرة عنده لا تحرم ومعلوم أن الجرعة الواحدة الكثيرة في إثبات ~~اللحم وإنشاز العظم فوق خمس رضعات صغار فدل أنه لا مدار على هذا. # وكذا يستوي فيه لبن الحية والميتة بأن حلب لبنها بعد موتها في قدح فأوجر ~~به صبي يحرم عندنا وقال الشافعي لبن الميتة لا يحرم ولا خلاف في أنه إذا ~~حلب لبنها في حال حياتها في إناء فأوجر به الصبي بعد موتها أنه ms2104 يثبت به ~~الحرمة. # (وجه) قوله إن حكم الرضاع هو الحرمة والمرأة بالموت خرجت من أن تكون محلا ~~لهذا الحكم ولهذا لم تثبت حرمة المصاهرة بوطئها عندكم فصار لبنها كلبن ~~البهائم ولو ارتضع صغيران من لبن بهيمة لا تثبت حرمة الرضاع بينهما كذا هذا ~~وإذا لم تثبت الحرمة في حقها لا تثبت في حق غيرها؛ لأن المرضعة أصل في هذا ~~الحكم فأولا يثبت في حقها ثم يتعدى إلى غيرها فإذا لم يثبت في حقها فكيف ~~يتعدى إلى غيرها بخلاف ما إذا حلب حال حياتها ثم أوجر الصبي بعد وفاتها؛ ~~لأنها كانت محلا قابلا للحكم وقت انفصال اللبن منها فلا يبطل بموتها بعد ~~ذلك. # وههنا بخلافه ولأن اللبن قد ينجس بموتها لتنجس وعائه وهو الثدي فأشبه ~~البول والدم ولنا الحديث المشهور عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» واسم الرضاع لا يقف على الارتضاع من ~~الثدي فإن العرب تقول يتيم راضع وإن كان يرضع بلبن الشاة والبقر ولا على ~~فعل الارتضاع منها بدليل أنه لو ارتضع الصبي منها وهي نائمة يسمى ذلك رضاعا ~~حتى يحرم ويقال أيضا: أرضع هذا الصبي بلبن هذه الميتة كما يقال: أرضع بلبن ~~الحية وقوله - صلى الله عليه وسلم - «الرضاع من المجاعة» وقوله «الرضاع ما ~~أنبت اللحم وأنشز العظم» وقوله - صلى الله عليه وسلم - «الرضاع ما فتق ~~الأمعاء» ولبن الميتة يدفع الجوع وينبت اللحم وينشز العظم ويفتق الأمعاء ~~فيوجب الحرية، ولأن اللبن كان محرما في حال الحياة والعارض هو الموت واللبن ~~لا يموت كالبيضة كذا روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال اللبن لا يموت ~~ولأن الموت يحل محل الحياة ولا حياة في اللبن. # ألا ترى أنها لم تتألم بأخذه في حال حياتها، والحيوان يتألم بأخذ ما فيه ~~حياة من لحمه وسائر أعضائه وإذا لم يكن فيه حياة؛ كان حاله بعد موت المرأة ~~كحاله قبل موتها وقبل موتها محرم كذا بعده. # وأما قوله المرأة بالموت خرجت من أن تكون ms2105 محلا للحرمة وهي الأصل في هذه ~~الحرمة فنقول الحرمة في حال الحياة ما ثبتت باعتبار الأصالة والتبعية بل ~~باعتبار إنبات اللحم وإنشاز العظم وقد بقي هذا المعنى بعد الموت فتبقى ~~الحرمة بخلاف حرمة المصاهرة؛ لأنها تثبت لدفع فساد قطيعة الرحم أو باعتبار ~~الجزئية والبعضية لكون الوطء سببا لحصول الولد وكل واحد من المعنيين لا ~~يتقدر بعد الموت لذلك افترقا وقوله اللبن ينجس بالموت ممنوع وهذا شيء بناه ~~على أصله فأما على أصل أصحابنا فاللبن لا ينجس بالموت بل هو طاهر بعد الموت ~~وإن تنجس الوعاء # PageV04P008 # الأصلي له ونجاسة الظرف إنما توجب نجاسة المظروف إذا لم يكن الظرف معدنا ~~للمظروف وموضعا له في الأصل فأما إذا كان في الأصل موضعه ومظانه فنجاسته لا ~~توجب نجاسة المظروف. # ألا ترى أن الدم الذي يجري بين اللحم والجلد في المذكاة لا ينجس اللحم ~~لما كان في معدنه ومظانه فكذلك اللبن والدليل عليه أنه لو حلب لبنها في حال ~~حياتها في وعاء نجس فأوجر به الصبي يحرم ولا فرق بين الوعاءين؛ إذ النجس في ~~الحالين ما يجاور اللبن لا عينه ثم نجاسة الوعاء الذي ليس بمعدن اللبن لما ~~لم يمنع وقوع التحريم فما هو معدن له أولى، ويستوي في تحريم الرضاع ~~الارتضاع من الثدي والإسعاط والإيجار؛ لأن المؤثر في التحريم مما هو معدن ~~له أولى ويستوي في تحريم الرضاع الارتضاع من الثدي والإسعاط والإيجار؛ لأن ~~المؤثر في التحريم هو حصول الغذاء باللبن وإنبات اللحم وإنشاز العظم وسد ~~المجاعة لأن يتحقق الجزئية وذلك يحصل بالإسعاط والإيجار؛ لأن السعوط يصل ~~إلى الدماغ وإلى الحلق فيغذي ويسد الجوع والوجور يصل إلى الجوف فيغذي. # وأما الإقطار في الأذن فلا يحرم؛ لأنه لا يعلم وصوله إلى الدماغ لضيق ~~الخرق في الأذن وكذلك الإقطار في الإحليل؛ لأنه لا يصل إلى الجوف فضلا عن ~~الوصول إلى المعدة وكذلك الإقطار في العين والقبل لما قلنا وكذلك الإقطار ~~في الجائفة وفي الآمة؛ لأن الجائفة تصل إلى الجوف لا إلى المعدة والآمة إن ~~كان يصل ms2106 إلى المعدة لكن ما يصل إليها من الجراحة لا يحصل به الغذاء فلا ~~تثبت به الحرمة والحقنة لا تحرم بأن حقن الصبي باللبن في الرواية المشهورة. # وروي عن محمد أنها تحرم، وجه هذه الرواية أنها وصلت إلى الجوف حتى أوجبت ~~فساد الصوم فصار كما لو وصل من الفم، وجه ظاهر الرواية أن المعتبر في هذه ~~الحرمة هو معنى التغذي والحقنة لا تصل إلى موضع الغذاء؛ لأن موضع الغذاء هو ~~المعدة والحقنة لا تصل إليها فلا يحصل بها نبات اللحم ونشوز العظم واندفاع ~~الجوع فلا توجب الحرمة. # ولو جعل اللبن مخيضا أو رائبا أو شيرازا أو جبنا أو أقطا أو مصلا فتناوله ~~الصبي لا يثبت به الحرمة؛ لأن اسم الرضاع لا يقع عليه وكذا لا ينبت اللحم ~~ولا ينشز العظم ولا يكتفي به الصبي في الاغتذاء فلا يحرم ولو اختلط اللبن ~~بغيره فهذا على وجوه أما إن اختلط بالطعام أو بالدواء أو بالماء أو بلبن ~~البهائم أو بلبن امرأة أخرى فإن اختلط بالطعام فإن مسته النار حتى نضج لم ~~يحرم في قولهم جميعا؛ لأنه تغير عن طبعه بالطبخ وإن لم تمسه النار فإن كان ~~الغالب هو الطعام؛ لم تثبت الحرمة؛ لأن الطعام إذا غلب سلب قوة اللبن وأزال ~~معناه وهو التغذي فلا يثبت به الحرمة. # وإن كان اللبن غالبا للطعام وهو طعام يستبين لا يثبت به الحرمة في قول ~~أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يثبت، وجه قولهما أن اعتبار الغالب وإلحاق ~~المغلوب بالعدم أصل في الشرع فيجب اعتباره ما أمكن كما إذا اختلط بالماء أو ~~بلبن شاة ولأبي حنيفة أن الطعام وإن كان أقل من اللبن فإنه يسلب قوة اللبن؛ ~~لأنه يرق ويضعف بحيث يظهر ذلك في حس البصر فلا تقع الكفاية به في تغذية ~~الصبي فكان اللبن مغلوبا معنى وإن كان غالبا صورة وإن اختلط بالدواء أو ~~بالدهن أو بالنبيذ؛ يعتبر فيه الغالب فإن كان اللبن غالبا يحرم؛ لأن هذه ~~الأشياء لا تحل بصفة اللبن وصيرورته غذاء بل بقدر ms2107 ذلك؛ لأنها إنما تخلط ~~باللبن ليوصل اللبن إلى ما كان لا يصل إليه بنفسه لاختصاصها بقوة التنفيذ ~~ثم اللبن بانفراده يحرم فمع هذه الأشياء أولى، وإن كان الدواء هو الغالب لا ~~تثبت به الحرمة؛ لأن اللبن إذا صار مغلوبا صار مستهلكا فلا يقع به التغذي ~~فلا تثبت به الحرمة وكذا إذا اختلط بالماء يعتبر فيه الغالب أيضا فإن كان ~~اللبن غالبا يثبت به الحرمة وإن كان الماء غالبا لا يثبت به وهذا عندنا ~~وعند الشافعي إذا قطر من الثدي مقدار خمس رضعات في جب ماء فسقي منه الصبي ~~تثبت به الحرمة وجه قوله أن اللبن وصل إلى جوف الصبي بقدره في وقته فتثبت ~~الحرمة كما إذا كان اللبن غالبا ولا شك في وقت الرضاع، والدليل على أن ~~القدر المحرم من اللبن وصل إلى جوف الصبي أن اللبن وإن كان مغلوبا فهو ~~موجود شائع في أجزاء الماء وإن كان لا يرى فيوجب الحرمة ولنا أن الشرع علق ~~الحرمة في باب الرضاع بمعنى التغذي على ما نطقت به الأحاديث واللبن المغلوب ~~بالماء لا يغذي الصبي لزوال قوته ألا ترى أنه لا يقع الاكتفاء به في تغذية ~~الصبي فلم يكن محرما وقد # PageV04P009 # خرج الجواب عما ذكره المخالف، وذكر الجصاص أن جواب الكتاب ينبغي أن يكون ~~قولهما فأما على قول أبي حنيفة ينبغي أن يحرم وإن كان اللبن غالبا وقاس ~~الماء على الطعام وجمع بينهما من حيث إن اختلاطه بالماء يسلب قوته وإن كان ~~الماء قليلا كاختلاطه بالطعام القليل وفي ظاهر الرواية أطلق الجواب ولم ~~يذكر الخلاف ولو اختلط بلبن البهائم كلبن الشاة وغيره يعتبر فيه الغالب ~~أيضا لما ذكرنا ولو اختلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى فالحكم للغالب منهما ~~في قول أبي يوسف. # وروي عن أبي حنيفة كذلك وعند محمد يثبت الحرمة منهما جميعا وهو قول زفر ~~وجه قول محمد أن اللبنين من جنس واحد والجنس لا يغلب الجنس فلا يكون خلط ~~الجنس بالجنس استهلاكا فلا يصير القليل مستهلكا في الكثير فيغذي الصبي ms2108 كل ~~واحد منهما بقدره بإنبات اللحم وإنشاز العظم أو سد الجوع؛ لأن أحدهما لا ~~يسلب قوة الآخر، والدليل على أن خلط الجنس بالجنس لا يكون استهلاكا له أن ~~من غصب من آخر زيتا فخلطه بزيت آخر اشتركا فيه في قولهم جميعا ولو خلطه ~~بشيرج أو بدهن آخر من غير جنسه؛ يعتبر الغالب فإن كان الغالب هو المغصوب ~~كان لصاحبه أن يأخذه ويعطيه قسط ما اختلط بزيته وإن كان الغالب غير المغصوب ~~صار المغصوب مستهلكا فيه ولم يكن له أن يشاركه فيه ولكن الغاصب يغرم له مثل ~~ما غصبه فدل ذلك على اختلاف حكم الجنس الواحد والجنسين وأبو يوسف اعتبر هذا ~~النوع من الاختلاط باختلاط اللبن بالماء وهناك الحكم للغالب كذا ههنا ~~ولمحمد أن يفرق بين الفصلين فإن اختلاط اللبن بما هو من جنسه لا يوجب ~~الإخلال بمعنى التغذي من كل واحد منهما بقدره؛ لأن أحدهما لا يسلب قوة ~~الآخر وليس كذلك اختلاط اللبن بالماء، واللبن مغلوب؛ لأن الماء يسلب قوة ~~اللبن أو يخل به فلا يحصل التغذي أو يختل، والله عز وجل أعلم. # ولو طلق الرجل امرأته ولها لبن من ولد كانت ولدته منه فانقضت عدتها ~~وتزوجت بزوج آخر وهي كذلك فأرضعت صبيا عند الثاني ينظر إن أرضعت قبل أن ~~تحمل من الثاني فالرضاع من الأول بالإجماع؛ لأن اللبن نزل من الأول فلا ~~يرتفع حكمه بارتفاع النكاح كما لا يرتفع بالموت وكما لو حلب منها اللبن ثم ~~ماتت لا يبطل حكم الرضاع من لبنها كذا هذا، وإن أرضعت بعدما وضعت من الثاني ~~فالرضاع من الثاني بالإجماع؛ لأن اللبن منه ظاهرا، وإن أرضعت بعدما حملت من ~~الثاني قبل أن تضع؛ فالرضاع من الأول إلى أن تضع، في قول أبي حنيفة وقال ~~أبو يوسف إن علم أن هذا اللبن من الثاني بأن ازداد لبنها فالرضاع من الثاني ~~وإن لم يعلم فالرضاع من الأول، وروى الحسن بن زياد عنه أنها إذا حبلت ~~فاللبن للثاني، وقال محمد وزفر: الرضاع منهما جميعا إلى أن تلد ms2109 فإذا ولدت ~~فهو من الثاني، وجه قول محمد أن اللبن الأول باق والحمل سبب لحدوث زيادة ~~لبن فيجتمع لبنان في ثدي واحد فتثبت الحرمة بهما كما قال في اختلاط أحد ~~اللبنين بالآخر بخلاف ما إذا وضعت؛ لأن اللبن الأول ينقطع بالوضع ظاهرا ~~وغالبا فكان اللبن من الثاني؛ فكان الرضاع منه، وجه قول أبي يوسف أن الحامل ~~قد ينزل لها لبن فلما ازداد لبنها عند الحمل من الثاني دل أن الزيادة من ~~الحمل الثاني؛ إذ لو لم يكن؛ لكان لا يزداد بل ينقص؛ إذ العادة أن اللبن ~~ينقص بمضي الزمان ولا يزداد فكانت الزيادة دليلا على أنها من الحمل الثاني ~~لا من الأول. # وجه رواية الحسن عنه أن العادة أن بالحمل ينقطع اللبن الأول ويحدث عنده ~~لبن آخر فكان الموجود عند الحمل الثاني من الحمل الثاني لا من الأول؛ فكان ~~الرضاع منه لا من الأول ولأبي حنيفة أن نزول اللبن من الأول ثبت بيقين؛ لأن ~~الولادة سبب لنزول اللبن بيقين عادة فكان حكم الأول ثابتا بيقين فلا يبطل ~~حكمه ما لم يوجد سبب آخر مثله بيقين وهو ولادة أخرى لا الحمل؛ لأن الحامل ~~قد ينزل لها لبن بسبب الحمل وقد لا ينزل حتى تضع والثابت بيقين لا يزول ~~بالشك. # وأما قول أبي يوسف: لما ازداد اللبن دل على حدوث اللبن من الثاني فممنوع؛ ~~لأن زيادة اللبن تدل على حدوث اللبن من الحمل فإن لزيادة اللبن أسبابا من ~~زيادة الغذاء وجودته وصحة البدن واعتدال الطبيعة وغير ذلك، فلا يدل الحمل ~~على حدوث الزيادة بالشك فلا ينقطع الحكم عن الأول بالشك، وقد خرج الجواب ~~عما قاله محمد والله الموفق للصواب. # ويستوي في تحريم الرضاع الرضاع المقارن للنكاح والطارئ عليه؛ لأن دلائل ~~التحريم لا توجب الفصل بينهما وبيان هذا الأصل في # PageV04P010 # مسائل إذا تزوج صغيرة فأرضعتها أمه من النسب أو من الرضاع حرمت عليه؛ ~~لأنها صارت أختا له من الرضاع فتحرم عليه كما في النسب وكذا إذا أرضعتها ~~أخته أو بنته من النسب أو ms2110 من الرضاع؛ لأنها صارت بنت أخته أو بنت بنته من ~~الرضاعة وأنها تحرم من الرضاع كما تحرم من النسب ولو تزوج صغيرتين رضيعتين ~~فجاءت امرأة أجنبية فأرضعتهما معا أو على التعاقب حرمتا عليه؛ لأنهما صارتا ~~أختين من الرضاعة فيحرم الجمع بينهما في حالة البقاء كما يحرم في حالة ~~الابتداء كما في النسب ويجوز أن يتزوج إحداهما أيتهما شاء؛ لأن المحرم هو ~~الجمع كما في النسب فإن كن ثلاثا فأرضعتهن جميعا معا حرمن عليه؛ لأنهن صرن ~~أخوات من الرضاعة فيحرم الجمع بينهن وله أن يتزوج واحدة منهن أيتهن شاء لما ~~قلنا وإن أرضعتهن على التعاقب واحدة بعد واحدة؛ حرمت عليه الأولتان وكانت ~~الثالثة زوجته؛ لأنها لما أرضعت الأولى ثم الثانية؛ صارتا أختين فبانتا منه ~~فإذا أرضعت الثالثة فقد صارت أختا لهما لكنهما أجنبيتين فلم يتحقق الجمع ~~فلا تبين منه كذا إذا أرضعت البنتين معا ثم الثالثة حرمتا والثالثة امرأته؛ ~~لما قلنا. # ولو أرضعت الأولى ثم الثنتين معا حرمن جميعا؛ لأن الأولى لم تحرم وكذا ~~الإرضاع لعدم الجمع فإذا أرضعت الأخرتين معا صرن أخوات في حالة واحدة فيفسد ~~نكاحهن ولو كن أربع صبيات فأرضعتهن على التعاقب واحدة بعد واحدة حرمن ~~جميعا؛ لأنها لما أرضعت الثانية فقد صارت أختا للأولى فحصل الجمع بين ~~الأختين من الرضاعة فبانتا، ولما أرضعت الرابعة فقد صارت أختا للثالثة فحصل ~~الجمع؛ فبانتا. # وحكم المهر والرجوع في هذه المسائل نذكره في المسألة التي تليها وهي ما ~~إذا تزوج صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة أما حكم النكاح فقد حرمتا ~~عليه؛ لأن الصغيرة صارت بنتا لها والجمع بين الأم والبنت من الرضاع نكاحا ~~حرام كما يحرم من النسب ثم إن كان ذلك بعد ما دخل بالكبيرة؛ لا يجوز له أن ~~يتزوج واحدة منهما أبدا كما في النسب وإن كان قبل أن يدخل بالكبيرة؛ جاز له ~~أن يتزوج الصغيرة؛ لأنها ربيبته من الرضاع لم يدخل بأمها فلا يحرم عليه ~~نكاحها كما في النسب ولا يجوز له أن يتزوج الكبيرة أبدا؛ لأنها أم ms2111 منكوحته ~~من الرضاع فتحرم بمجرد نكاح البنت دخل بها أو لم يدخل بها كما في النسب. # وأما حكم المهر فأما الكبيرة فإن كان قد دخل بها فلها جميع مهرها سواء ~~تعمدت الفساد أو لم تتعمد؛ لأن المهر قد تأكد بالدخول فلا يحتمل السقوط بعد ~~ذلك فلها مهرها ولها السكنى ولا نفقة لها؛ لأن السكنى حق الله تعالى فلا ~~تسقط بفعلها، والنفقة تجب حقا لها بطريقة الصلة وبالإرضاع خرجت عن استحقاق ~~الصلة فإن كان لم يدخل بها سقط مهرها فلا مهر لها ولا سكنى ولا نفقة سواء ~~تعمدت الفساد أو لم تتعمد؛ لأن الأصل أن الفرقة الحاصلة قبل الدخول توجب ~~سقوط كل المهر؛ لأن المبدل يعود سليما إلى المرأة وسلامة المبدل لأحد ~~المتعاقدين يوجب سلامة البدل للآخر لئلا يجتمع المبدل والبدل في ملك واحد ~~في عقد المبادلة. # كان ينبغي أن لا يجب على الزوج شيء سواء كانت الفرقة بغير طلاق أو بطلاق ~~إلا أن الشرع أوجب عليه في الطلاق قبل الدخول مالا مقدرا بنصف المهر المسمى ~~ابتداء بطريق المتعة صلة لها تطييبا لقلبها لما لحقها من وحشة الفراق بفوات ~~نعمة الزوجية عنها من غير رضاها فإذا أرضعت فقد رضيت بارتفاع النكاح فلا ~~تستحق شيئا. # وأما الصغيرة فلها نصف المهر على الزوج عند عامة العلماء وقال مالك لا ~~شيء لها، وجه قوله أن الفرقة جاءت من قبلها لوجود علة الفرقة منها وهي ~~ارتضاعها؛ لأنه بذلك يحصل اللبن في جوفها فينبت اللحم وينشز العظم فتحصل ~~الجزئية التي هي المعنى المؤثر في الحرمة، وإنما الموجود من المرضعة ~~التمكين من ارتضاعها بإلقامها ثديها فكانت محصلة للشرط والحكم للعلة لا ~~للشرط فلا يجب على الزوج للصغيرة شيء ولا يجب على الزوج للمرضعة شيء أيضا ~~ولنا ما ذكرنا أن الفرقة من أيهما كانت توجب سقوط كل المهر لما ذكرنا وإنما ~~يجب نصف المهر مقدرا بالمسمى ابتداء صلة للمرأة نظرا لها ولم يوجد من ~~الصغيرة ما يوجب خروجها عن استحقاق النظر؛ لأن فعلها لا يوصف بالخطر، وليست ~~هي ms2112 من أهل الرضا لنجعل فعلها دلالة الرضا بارتفاع النكاح فلا تحرم نصف ~~الصداق بخلاف الكبيرة؛ لأن إقدامها على الإرضاع دلالة الرضا بارتفاع ~~النكاح، وهي من أهل الرضا، وإرضاعها جناية فلا تستحق النظر بإيجاب نصف ~~المهر لها ابتداء؛ إذ الجاني لا يستحق النظر على جنايته بل يستحق الزجر ~~وذلك بالحرمان # PageV04P011 # لئلا يفعل مثله في المستقبل فلا يجب لها شيء سواء تعمدت الفساد أو لم ~~تتعمد؛ لأن فعلها جناية في الحالين ويرجع الزوج بما أدى على الكبيرة إن ~~كانت تعمدت الفساد وإن كانت لم تتعمد لم يرجع عليها كذا ذكر المشايخ وهذا ~~قول أبي حنيفة وأبي يوسف. # وروي عن محمد أن له أن يرجع عليها سواء تعمدت الفساد أو لم تتعمد وهو قول ~~زفر وبشر المريسي والشافعي، وجه قولهم أن هذا ضمان الإتلاف وأنه لا يختلف ~~بالعمد والخطأ والدليل على أن هذا ضمان الإتلاف أن الفرقة حصلت من قبلها ~~بإرضاعها ولهذا لم تستحق المهر أصلا ورأسا سواء تعمدت الفساد أو لم تتعمد، ~~وإذا كان حصول الفرقة من قبلها بإرضاعها صارت بالإرضاع مؤكدة نصف المهر على ~~الزوج؛ لأنه كان محتملا للسقوط بردتها أو تمكينها من ابن الزوج أو تقبيلها ~~إذا كبرت فهي بالإرضاع أكدت نصف المهر بحيث لا يحتمل السقوط فصارت متلفة ~~عليه ماله فتضمن، وجه قول محمد أنها وإن تعمدت الفساد فهي صاحبة شرط في ~~ثبوت الفرقة؛ لأن علة الفرقة هي الارتضاع للصغيرة لما بينا والحكم يضاف إلى ~~العلة لا إلى الشرط على أن إرضاعها إن كان سبب الفرقة فهو سبب محض؛ لأنه ~~طرأ عليه فعل اختياري وهو ارتضاع الصغيرة والسبب إذا اعترض عليه فعل ~~اختياري يكون سببا محضا، والسبب المحض لا حكم له وإن كان صاحب السبب متعمدا ~~في مباشرة السبب كفتح باب الإصطبل والقفص حتى خرجت الدابة وضلت أو طار ~~الطير وضاع؛ ولأن الضمان لو وجب عليها إما أن يجب بإتلاف ملك النكاح أو ~~بإتلاف الصداق أو بتأكيد نصفه على الزوج لا وجه للأول؛ لأن ملك النكاح غير ~~مضمون بالإتلاف ms2113 على أصلنا ولا وجه للثاني؛ لأنها ما أتلفت الصداق بل أسقطت ~~نصفه والنصف الباقي بقي واجبا بالنكاح السابق ولا وجه للثالث؛ لأن التأكيد ~~لا يماثل التفويت فلا يكون اعتداء بالمثل ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن الكبيرة ~~وإن كانت محصلة شرط الفرقة، وعلة الفرقة من الصغيرة كما ذكره محمد لكن ~~الأصل أن الشرط مع العلة إذا اشتركا في الحظر والإباحة أي في سبب المؤاخذة ~~وعدمه فإضافة الحكم إلى العلة أولى من إضافته إلى الشرط فأما إذا كان الشرط ~~محظورا والعلة غير موصوفة بالحظر فإضافة الحكم إلى الشرط أولى من إضافته ~~إلى العلة كما في حق البئر على قارعة الطريق فالكبيرة إذا لم تكن تعمدت ~~الفساد فقد استوى الشرط والعلة في عدم الحظر فكانت الفرقة مضافة إلى العلة ~~وهي ارتضاعها وإن كانت تعمدت الفساد؛ كان الشرط محظورا وهو إرضاع الكبيرة ~~والعلة غير موصوفة بالحظر وهي ارتضاع الصغيرة فكان إضافة الحكم إلى الشرط ~~أولى وإذا أضيفت الفرقة إلى الكبيرة عند تعمدها الفساد ووجب نصف المهر ~~للصغيرة على الزوج ابتداء ملازما للفرقة؛ صارت الفرقة الحاصلة منها كأنها ~~علة لوجوبه لا أنه بقي النصف بعد الفرقة واجبا بالنكاح السابق؛ لأن ذلك قول ~~بتخصيص العلة؛ لأنه قول ببقاء نصف المهر على وجود العلة المسقطة لكله وإنه ~~باطل فصارت الكبيرة متلفة هذا القدر من المال على الزوج؛ إذ الأداء مبني ~~على الوجوب فيثبت له حق الرجوع عليها ولهذا المعنى وجب الضمان على شهود ~~الطلاق قبل الدخول إذا رجعوا بالإجماع بخلاف ما إذا لم تتعمد الفساد؛ لأن ~~عند عدم التعمد لا تكون الفرقة مضافة إلى فعل الكبيرة فلم يوجد منها علة ~~وجوب نصف المهر على الزوج فلا يرجع عليها. # وأما مسألة فتح باب الإصطبل والقفص فكما يلزمها يلزم محمدا لأن عنده يضمن ~~الفاتح وإن اعترض على الفتح فعلا اختياريا؛ فقد خرج الجواب عن الباقي فافهم ~~ثم تعمد الفساد يثبت بثلاثة أشياء: بعلمها بنكاح الصغيرة، وعلمها بفساد ~~النكاح بإرضاعها وعدم الضرورة وهي ضرورة خوف الهلاك على الصغيرة لو لم ms2114 ~~ترضعها، والقول قولها في أنها لم تتعمد الفساد مع يمينها؛ لأن الزوج بدعوى ~~تعمد الفساد يدعي عليها الضمان وهي تنكر فكان القول قولها وعلى هذا حكم ~~المهر والرجوع في المسائل المتقدمة من الاتفاق والاختلاف. # ولو تزوج كبيرة وصغيرتين فأرضعتهما الكبيرة فإن أرضعتهما معا حرمن عليه؛ ~~لأنهما جميعا صارتا بنتين للمرضعة فصار جامعا بينهن نكاحا فحرمن عليه، ولا ~~يجوز له أن يتزوج الكبيرة أبدا سواء كان دخل بها أو لم يدخل بها؛ لأنها أم ~~منكوحته فتحرم بنفس العقد على البنت. # ولا يجوز له أن يجمع بين الصغيرتين نكاحا أبدا؛ لأنهما صارتا أختين من ~~الرضاع ويجوز أن يتزوج بإحداهما إن كان لم يدخل # PageV04P012 # بالكبيرة؛ لأنها ربيبته من الرضاع فلا تحرم بمجرد العقد على الأم كما في ~~النسب، وإن كان قد دخل بها؛ لا يجوز كما في النسب وإن أرضعتهما على ~~التعاقب: واحدة بعد أخرى فقد حرمت الكبيرة مع الصغيرة الأولى؛ لأنها لما ~~أرضعت الأولى صارت بنتا لها فحصل الجمع بين الأم والبنت فبانتا منه. # وأما الصغيرة الثانية فإنما أرضعتها بعد ما بانت الكبيرة فلم يصر جامعا ~~لكنها ربيبته من الرضاع فإن كان قد دخل بأمها تحرم عليه وإلا فلا ولا يجوز ~~نكاح الكبيرة بعد ذلك ولا الجمع بين الصغيرتين لما ذكرنا ولو تزوج كبيرة ~~وثلاث صبيات فأرضعتهن على التعاقب واحدة بعد أخرى حرمن عليه جميعا؛ لأنها ~~لما أرضعت الأولى صارت بنتا لها فحصل الجمع بين الأم والبنت فحرمتا عليه، ~~لما أرضعت الثانية فقد أرضعتها والكبيرة والصغيرة الأولى مبانتان فلا يحرم ~~بسبب الجمع لعدم الجمع ولكن ينظر إن كان قد دخل بالكبيرة تحرم عليه للحال؛ ~~لأنها ربيبته وقد دخل بأمها وإن كان لم يدخل بأمها لا تحرم عليه للحال حتى ~~ترضع الثالثة فإذا أرضعت الثالثة حرمتا عليه؛ لأنهما صارتا أختين والحكم في ~~تزوج الكبيرة بعد ذلك والجمع بين صغيرتين وتزوج إحدى الصغائر ما ذكرنا ولو ~~تزوج صغيرتين وكبيرتين فعمدت الكبيرتان إلى إحدى الصغيرتين فأرضعتاها ~~إحداهما بعد أخرى ثم أرضعتا الصغيرة الثانية واحدة بعد ms2115 أخرى بانت الكبيرتان ~~والصغيرة الأولى والصغيرة الثانية امرأته؛ لأنهما لما أرضعتا الصغيرة ~~الأولى صارت كل واحدة من الكبيرتين أم امرأته وصارت الصغيرة بنت امرأته ~~فصار جامعا بينهن فحرمن عليه فلما أرضعتا الثانية فقد أرضعتاها بعد ثبوت ~~البينونة فلم يصر جامعا فلا تحرم هذه الصغيرة بسبب الجمع ولكنها ابنة ~~منكوحة كانت له، فإن كان لم يدخل بها لا تحرم عليه وإن كان قد دخل بها تحرم ~~ولا يجوز له نكاح واحدة من الكبيرتين بعد ذلك بحال والأمر في جواز نكاح ~~الصغيرة الأولى على التفصيل الذي مر ولو كانت إحدى الكبيرتين أرضعت ~~الصغيرتين واحدة بعد الأخرى ثم أرضعت الكبيرة الأخرى الصغيرتين واحدة بعد ~~الأخرى ينظر إن كانت الكبيرة الأخيرة بدأت بالتي بدأت بها الكبيرة الأولى؛ ~~بانت الكبيرتان والصغيرة الأولى والصغيرة الأخرى امرأته وإن كانت بدأت ~~بالتي لم تبدأ بها الأولى حرمن عليه جميعا وإنما كان كذلك؛ لأن الكبيرة ~~الأولى لما أرضعت الصغيرة الأولى فقد صارت بنتها فحصل الجمع بين الأم ~~والبنت فحرمتا عليه. # فلما أرضعت الأخرى أرضعتها وهي أجنبية فلم يتحقق الجمع لكن صارت الأخرى ~~ربيبته. # فإن كان لم يدخل بأمها لا تحرم، وإن كان قد دخل بها تحرم فلما جاءت ~~الكبيرة الأخيرة فأرضعت الصغيرة الأولى فقد صارت أم منكوحته فحرمت عليه ~~فلما أرضعت الصغيرة الأخرى فقد أرضعتها وهي أجنبية فصارت ربيبته فلا تحرم ~~إذا كان لم يدخل بأمها، وإن كان قد دخل بأمها تحرم وإن كانت الكبيرة ~~الأخيرة بدأت بالتي لم تبدأ بها الكبيرة الأولى فقد صارت بنتا لها فصار ~~جامعها مع أمها فحرمتا عليه كما حرمت الكبيرة الأولى مع الصغيرة الأولى ~~فحرمن جميعا ولو كان تحته صغيرة وكبيرة فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة بانتا؛ ~~لأنهما صارتا أختين وكذا إذا أرضعت أخت الكبيرة الصغيرة؛ لأنها صارت بنت ~~أخت امرأته والجمع بين المرأة وبين بنت أختها لا يجوز في الرضاع كما لا ~~يجوز في النسب ولو أرضعتها عمة الكبيرة أو خالتها لم تبن؛ لأنها صارت بنت ~~عمة امرأته أو بنت خالتها ويجوز للإنسان ms2116 أن يجمع بين امرأة وبين بنت عمتها ~~أو بنت خالتها في النسب فكذا في الرضاع ولو طلق رجل امرأته ثلاثا ثم أرضعت ~~المطلقة قبل انقضاء عدتها امرأة له صغيرة بانت الصغيرة؛ لأنها صارت بنتا له ~~فحصل الجمع في حال العدة والجمع في حال قيام العدة كالجمع في حال قيام ~~النكاح، ولو زوج ابنه وهو صغير امرأة لها لبن فارتدت وبانت من الصبي ثم ~~أسلمت فتزوجها رجل فحبلت منه ثم أرضعت بلبنها ذلك الصبي الذي كان زوجها ~~حرمت على زوجها الثاني كذا روى بشر بن الوليد عن محمد؛ لأن ذلك الصبي صار ~~ابنا لزوجها فصارت هي منكوحة ابنه من الرضاع فحرمت عليه، ولو زوج رجل أم ~~ولده مملوكا له صغيرا فأرضعته بلبن السيد حرمت على زوجها وعلى مولاها؛ لأن ~~الزوج صار ابنا لزوجها فصارت هي موطوءة أبيه فتحرم عليه ولا يجوز للمولى أن ~~يطأها بملك اليمين؛ لأنها # PageV04P013 # منكوحة ابنه ولو تزوج صغيرة فطلقها ثم تزوج كبيرة لها لبن فأرضعتها حرمت ~~عليه؛ لأنها صارت أم منكوحة كانت له فتحرم بنكاح البنت، والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في بيان ما يثبت به الرضاع] # (فصل) : # وأما بيان ما يثبت به الرضاع أي: يظهر به فالرضاع يظهر بأحد أمرين: ~~أحدهما الإقرار والثاني البينة. # أما الإقرار فهو أن يقول لامرأة تزوجها: هي أختي من الرضاع أو أمي من ~~الرضاع أو بنتي من الرضاع ويثبت على ذلك ويصبر عليه فيفرق بينهما؛ لأنه أقر ~~ببطلان ما يملك إبطاله للحال فيصدق فيه على نفسه، وإذا صدق لا يحل له وطؤها ~~والاستمتاع بها فلا يكون في إبقاء النكاح فائدة فيفرق بينهما سواء صدقته أو ~~كذبته؛ لأن الحرمة ثابتة في زعمه، ثم إن كان قبل الدخول بها فلها نصف المهر ~~إن كذبته؛ لأن الزوج مصدق على نفسه لا عليها بإبطال حقها في المهر وإن كان ~~بعد الدخول بها فلها كمال المهر والنفقة والسكنى؛ لأنه غير مصدق بإبطال ~~حقها فإن أقر بذلك ثم قال: أوهمت أو أخطأت أو غلطت أو نسيت أو ms2117 كذبت؛ فهما ~~على النكاح، ولا يفرق بينهما عندنا وقال مالك والشافعي يفرق بينهما ولا ~~يصدق على الخطأ وغيره، وجه قولهما أنه أقر بسبب الفرقة فلا يملك الرجوع كما ~~لو أقر بالطلاق ثم رجع بأن قال لامرأته: كنت طلقتك ثلاثا ثم قال: أوهمت، ~~والدليل عليه أنه لو قال لأمته: هذه امرأتي أو أمي أو أختي أو ابنتي ثم ~~قال: أوهمت؛ أنه لا يصدق وتعتق كذا ههنا ولنا أن الإقرار إخبار فقوله: هذه ~~أختي إخبار منه أنها لم تكن زوجته قط لكونها محرمة عليه على التأبيد. # فإذا قال: أوهمت؛ صار كأنه قال: ما تزوجتها ثم قال: تزوجتها وصدقته ~~المرأة ولو قال ذلك؛ يقران على النكاح كذا هذا بخلاف الطلاق؛ لأن قوله: كنت ~~طلقتك ثلاثا إقرار منه بإنشاء الطلاق الثلاث من جهته ولا يتحقق إنشاء ~~الطلاق إلا بعد صحة النكاح فإذا أقر ثم رجع عنه لم يصدق وبخلاف قوله لأمته: ~~هذه أمي أو ابنتي؛ لأن ذلك لا يقتضي نفي الملك في الأصل. # ألا ترى أنها لو كانت أمه أو ابنته حقيقة؛ جاز دخولها في ملكه حتى يقع ~~العتق عليها من جهته، فتضمن هذا اللفظ منه إنشاء العتق عليها فإذا قال: ~~أوهمت لا يصدق كما لو قال: هذه حرة ثم قال: أوهمت وكذلك إذا أقر الزوج بهذا ~~قبل النكاح فقال هذه أختي من الرضاع أو أمي أو ابنتي وأصر على ذلك وداوم ~~عليه؛ لا يجوز له أن يتزوجها ولو تزوجها يفرق بينهما، ولو قال: أوهمت أو ~~غلطت جاز له أن يتزوجها عندنا لما قلنا ولو جحد الإقرار فشهد شاهدان على ~~إقراره فرق بينهما وكذلك إذا أقر بالنسب فقال: هذه أمي من النسب أو ابنتي ~~أو أختي وليس لها نسب معروف وأنها تصلح بنتا له أو أما له فإنه يسأل مرة ~~أخرى فإن أصر على ذلك وثبت عليه يفرق بينهما لظهور النسب بإقراره مع إصراره ~~عليه وإن قال: أوهمت أو أخطأت أو غلطت؛ يصدق ولا يفرق بينهما عندنا لما ~~قلنا، وإن كان لها نسب معروف ms2118 أو لا تصلح أما أو بنتا له؛ لا يفرق بينهما ~~وإن دام على ذلك؛ لأنه كاذب في إقراره بيقين، والله أعلم. # وأما البينة: فهي أن يشهد على الرضاع رجلان أو رجل وامرأتان ولا يقبل على ~~الرضاع أقل من ذلك ولا شهادة النساء بانفرادهن. # وهذا عندنا، وقال الشافعي يقبل فيه شهادة أربع نسوة، وجه قوله أن الشهادة ~~على الرضاع شهادة على عورة؛ إذ لا يمكن تحمل الشهادة إلا بعد النظر إلى ~~الثدي وإنه عورة فيقبل فيه شهادة النساء على الانفراد كالولادة ولنا ما روى ~~محمد عن عكرمة بن خالد المخزومي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لا يقبل ~~على الرضاع أقل من شاهدين وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم يظهر النكير من ~~أحد؛ فيكون إجماعا ولأن هذا باب مما يطلع عليه الرجال فلا يقبل فيه شهادة ~~النساء على الانفراد كالمال وإنما قلنا ذلك؛ لأن الرضاع مما يطلع عليه ~~الرجال أما ثدي الأمة فلأنه يجوز للأجانب النظر إليه. # وأما ثدي الحرة فيجوز لمحارمها النظر إليه فثبت أن هذه شهادة مما يطلع ~~عليه الرجال فلا يقبل فيه شهادة النساء على الانفراد؛ لأن قبول شهادتهن ~~بانفرادهن في أصول الشرع للضرورة وهي ضرورة عدم اطلاع الرجال على المشهود ~~به فإذا جاز الاطلاع عليه في الجملة؛ لم تتحقق الضرورة بخلاف الولادة فإنه ~~لا يجوز لأحد فيها من الرجال الاطلاع عليها فدعت الضرورة إلى القبول وإذا ~~شهدت امرأة على الرضاع فالأفضل للزوج أن يفارقها لما روي عن محمد أن عقبة ~~بن الحارث قال: تزوجت بنت أبي إهاب فجاءت امرأة سوداء فقالت: إني أرضعتكما ~~فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV04P014 # فقال - صلى الله عليه وسلم - «فارقها فقلت إنها امرأة سوداء وإنها كيت ~~وكيت فقال - صلى الله عليه وسلم - كيف وقد قيل: وفي بعض الروايات قال عقبة ~~فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعرض ثم ذكرته فأعرض حتى قال ~~في الثالثة أو الرابعة: فدعها إذا» وقوله: فارقها أو فدعها إذا ندب إلى ~~الأفضل والأولى. ms2119 # ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يفرق بينهما بل أعرض ولو كان ~~التفريق واجبا لما أعرض فدل قوله - صلى الله عليه وسلم - فارقها على بقاء ~~النكاح. # وروي أن رجلا تزوج امرأة فجاءت امرأة فزعمت أنها أرضعتهما فسأل الرجل ~~عليا - رضي الله عنه - فقال هي امرأتك ليس أحد يحرمها عليك فإن تنزهت فهو ~~أفضل وسأل ابن عباس - رضي الله عنهما - فقال له مثل ذلك ولأنه يحتمل أن ~~تكون صادقة في شهادتها فكان الاحتياط هو المفارقة. # فإذا فارقها فالأفضل له أن يعطيها نصف المهر إن كان قبل الدخول بها ~~لاحتمال صحة النكاح لاحتمال كذبها في الشهادة والأفضل لها أن تأخذ شيئا منه ~~لاحتمال فساد النكاح لاحتمال صدقها في الشهادة وإن كان بعد الدخول فالأفضل ~~للزوج أن يعطيها كمال المهر والنفقة والسكنى لاحتمال جواز النكاح والأفضل ~~لها أن تأخذ الأقل من مهر مثلها ومن المسمى ولا تأخذ النفقة والسكنى ~~لاحتمال الفساد وإن لم يطلقها فهو في سعة من المقام معها؛ لأن النكاح قائم ~~في الحكم، وكذا إذا شهدت امرأتان أو رجل وامرأة أو رجلان غير عدلين أو رجل ~~وامرأتان غير عدول لما قلنا، وإذا شهد رجلان عدلان أو رجل وامرأتان وفرق ~~بينهما فإن كان قبل الدخول بها فلا شيء لها؛ لأنه تبين أن النكاح كان فاسدا ~~وإن كان بعد الدخول بها يجب الأقل من المسمى ومن مهر المثل ولا تجب لها ~~النفقة والسكنى في سائر الأنكحة الفاسدة، والله عز وجل أعلم. ### | [كتاب النفقة] ### | [نفقة الزوجات وبيان وجوبها] # (كتاب النفقة) : # النفقة أنواع أربعة: نفقة الزوجات، ونفقة الأقارب، ونفقة الرقيق، ونفقة ~~البهائم والجمادات أما نفقة الزوجات فالكلام فيها يقع في مواضع: في. # بيان وجوبها وفي بيان سبب الوجوب، وفي بيان شرائط الوجوب، وفي بيان مقدار ~~الواجب منها، وفي بيان كيفية وجوبها وبيان سبب الوجوب، وفي بيان ما يسقطها ~~بعد وجوبها وصيرورتها دينا في الذمة. # أما وجوبها فقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والمعقول أما الكتاب ~~العزيز فقوله عز وجل {أسكنوهن من حيث سكنتم ms2120 من وجدكم} [الطلاق: 6] أي: على ~~قدر ما يجده أحدكم من السعة والمقدرة والأمر بالإسكان أمر بالإنفاق؛ لأنها ~~لا تصل إلى النفقة إلا بالخروج والاكتساب وفي حرف عبد الله بن مسعود - رضي ~~الله عنه - أسكنوهن من حيث سكنتم وأنفقوا عليهن من وجدكم وهو نص وقوله عز ~~وجل {ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن} [الطلاق: 6] أي: لا تضاروهن في الإنفاق ~~عليهن فتضيقوا عليهن النفقة فيخرجن أو لا تضاروهن في المسكن فتدخلوا عليهن ~~من غير استئذان فتضيقوا عليهن المسكن فيخرجن، وقوله عز وجل {وإن كن أولات ~~حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} [الطلاق: 6] وقوله عز وجل {وعلى المولود ~~له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] وقوله عز وجل {لينفق ذو سعة من ~~سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} [الطلاق: 7] وقوله عز وجل ~~{ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة: 228] قيل: هو المهر والنفقة. # وأما السنة فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «اتقوا ~~الله في النساء فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا وإنما أخذتموهن ~~بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله لكم عليهن حق أن لا يوطئن فرشكم ~~أحدا ولا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه، فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في ~~المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم كسوتهن ورزقهن بالمعروف ثم قال ~~ثلاثا: ألا هل بلغت» ويحتمل أن يكون هذا الحديث تفسيرا لما أجمل الحق في ~~قوله {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة: 228] فكان الحديث مبينا لما ~~في الكتاب أصله. # وروي أن رجلا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ما حق ~~المرأة على الزوج؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - «يطعمها إذا طعم ويكسوها ~~إذا كسي وأن لا يهجرها إلا في المبيت ولا يضربها ولا يقبح» وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لهند امرأة أبي سفيان «خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك ~~وولدك # PageV04P015 # بالمعروف» ولو لم تكن النفقة واجبة؛ لم يحتمل أن يأذن لها بالأخذ من غير ~~إذنه. # وأما الإجماع فلأن الأمة أجمعت على هذا، وأما المعقول ms2121 فهو أن المرأة ~~محبوسة بحبس النكاح حقا للزوج ممنوعة عن الاكتساب بحقه فكان نفع حبسها ~~عائدا إليه فكانت كفايتها عليه كقوله - صلى الله عليه وسلم - «الخراج ~~بالضمان» ولأنها إذا كانت محبوسة بحبسة ممنوعة عن الخروج للكسب بحقه فلو لم ~~يكن كفايتها عليه لهلكت ولهذا جعل للقاضي رزق في بيت مال المسلمين لحقهم؛ ~~لأنه محبوس لجهتهم ممنوع عن الكسب فجعلت نفقته في مالهم وهو بيت المال كذا ~~ههنا. ### | [فصل في سبب وجوب هذه النفقة] # (فصل) : # وأما سبب وجوب هذه النفقة فقد اختلف العلماء فيه قال أصحابنا: سبب وجوبها ~~استحقاق الحبس الثابت بالنكاح للزوج عليها وقال الشافعي السبب هو الزوجية ~~وهو كونها زوجة له وربما قالوا: ملك النكاح للزوج عليها وربما قالوا: ~~القوامة واحتج بقوله تعالى {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم ~~على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} [النساء: 34] أوجب النفقة عليهم لكونهم ~~قوامين والقوامة تثبت بالنكاح فكان سبب وجوب النفقة النكاح؛ لأن الإنفاق ~~على المملوك من باب إصلاح الملك واستبقائه فكان سبب وجوبه الملك، كنفقة ~~المماليك ولنا أن حق الحبس الثابت للزوج عليها بسبب النكاح مؤثر في استحقاق ~~النفقة لها عليه لما بينا فأما الملك فلا أثر له؛ لأنه قد قوبل بعوض مرة ~~وهو المهر فلا يقابل بعوض آخر؛ إذ العوض الواحد لا يقابل بعوضين، ولا حجة ~~له في الآية؛ لأن فيها إثبات القوامة بسبب النفقة لا إيجاب النفقة بسبب ~~القوامة. # وعلى هذا الأصل ينبني أنه لا نفقة على مسلم في نكاح فاسد لانعدام سبب ~~الوجوب وهو حق الحبس الثابت للزوج عليها بسبب النكاح؛ لأن حق الحبس لا يثبت ~~في النكاح الفاسد وكذا النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة وكذا في عدة منه إن ~~ثبت حق الحبس؛ لأنه لم يثبت بسبب النكاح لانعدامه وإنما يثبت لتحصين الماء ~~ولأن حال العدة لا يكون أقوى من حال النكاح فلما لم تجب في النكاح فلأن لا ~~تجب في العدة أولى وتجب في العدة من نكاح صحيح لوجود سبب الوجوب وهو ~~استحقاق الحبس للزوج ms2122 عليها بسبب النكاح؛ لأن النكاح قائم من وجه فتستحق ~~النفقة كما كانت تستحقها قبل الفرقة بل أولى؛ لأن حق الحبس بعد الفرقة تأكد ~~بحق الشرع وتأكد السبب يوجب تأكد الحكم فلما وجبت قبل الفرقة؛ فبعدها أولى ~~سواء كانت العدة عن فرقة بطلاق أو عن فرقة بغير طلاق، وسواء كانت الفرقة ~~بغير طلاق من قبل الزوج أو من قبل المرأة إلا إذا كانت من قبلها بسبب محظور ~~استحسانا، أو شرح هذه الجملة أن الفرقة إذا كانت من قبل الزوج بطلاق؛ فلها ~~النفقة والسكنى سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا وسواء كانت حاملا أو حائلا ~~بعد أن كانت مدخولا بها عندنا لقيام حق حبس النكاح وعند الشافعي إن كانت ~~مطلقة طلاقا رجعيا أو بائنا وهي حامل فكذلك. # فأما المبتوتة إذا كانت حاملا فلها السكنى ولا نفقة لها لزوال النكاح ~~بالإبانة وكان ينبغي أن لا يكون لها السكنى إلا أنه ترك القياس في السكنى ~~بالنص وعند ابن أبي ليلى لا نفقة للمبتوتة ولا سكنى لها والمسألة ذكرت في ~~كتاب الطلاق وفي بيان أحكام العدة وسواء كان الطلاق ببدل أو بغير بدل وهو ~~الخلع والطلاق على مال لما قلنا، ولو خالعها على أن يبرأ من النفقة ~~والسكنى؛ يبرأ من النفقة ولا يبرأ من السكنى لكنه يبرأ عن مؤنة السكنى؛ لأن ~~النفقة حقها على الخلوص وكذا مؤنة السكنى فتملك الإبراء عن حقها فأما ~~السكنى ففيها حق الله عز وجل فلا تملك المعتدة إسقاطه ولو أبرأته عن النفقة ~~من غير قطع لا يصح الإبراء؛ لأن الإبراء إسقاط الواجب فيستدعي تقدم الوجوب ~~والنفقة تجب شيئا فشيئا على حسب مرور الزمان فكان الإبراء إسقاطا قبل ~~الوجوب فلم يصح بخلاف ما إذا اختلعت نفسها على نفقتها لما ذكرناه في الخلع ~~ولأنها جعلت الإبراء عن النفقة عوضا عن نفسها في العقد ولا يصح ذلك إلا بعد ~~سابقة الوجوب فيثبت الوجوب مقتضى الخلع باصطلاحهما كما لو اصطلحا على ~~النفقة أنها تجب وتصير دينا في الذمة كذا هذا، وكذلك الفرقة بغير طلاق ms2123 إذا ~~كانت من قبله فلها النفقة والسكنى سواء كانت بسبب مباح كخيار البلوغ أو ~~بسبب محظور كالردة ووطء أمها أو ابنتها أو تقبيلهما بشهوة بعد أن يكون بعد ~~الدخول بها لقيام السبب وهو حق # PageV04P016 # الحبس للزوج عليها بسبب النكاح وإذا كانت من قبل المرأة فإن كانت بسبب ~~مباح كخيار الإدراك وخيار العتق وخيار عدم الكفاءة فكذلك لها النفقة ~~والسكنى، وإن كانت بسبب محظور بأن ارتدت أو طاوعت ابن زوجها أو أباه أو ~~لمسته بشهوة؛ فلا نفقة لها استحسانا ولها السكنى وإن كانت مستكرهة والقياس ~~أن يكون لها النفقة والسكنى في ذلك كله، وجه القياس أن حق الحبس قائم ~~وتستحق النفقة كما إذا كانت الفرقة من قبلها بسبب مباح وكما إذا كانت ~~الفرقة من قبل الزوج بسبب مباح أو محظور وللاستحسان وجهان: أحدهما أن حق ~~الحبس قد بطل بردتها. # ألا ترى أنها تحبس بعد الردة جبرا لها على الإسلام لثبوت بقاء حق النكاح ~~فلم تجب النفقة بخلاف ما إذا كانت الفرقة بسبب مباح؛ لأن هناك حبس النكاح ~~قائم فبقيت النفقة وكذا إذا كانت من قبل الزوج بسبب هو معصية؛ لأنها لا ~~تحبس بردة الزوج فيبقى حبس النكاح فتبقى العدة لكن هذا يشكل بما إذا طاوعت ~~ابن زوجها أو قبلته بشهوة؛ أنها لا تستحق النفقة وإن بقي حبس النكاح ما ~~دامت العدة قائمة ولا إشكال في الحقيقة؛ لأن هناك عدم الاستحقاق لانعدام ~~شرط من شرائط الاستحقاق وهو أن لا يكون الفرقة من قبلها خاصة بفعل هو محظور ~~مع قيام السبب وهو حبس النكاح فاندفع الإشكال بحمد الله تعالى، والثاني أن ~~حبس النكاح إنما أوجب النفقة عليه صلة لها فإذا وقعت الفرقة بفعلها الذي هو ~~معصية لم تستحق الصلة؛ إذ الجاني لا يستحق الصلة بل يستحق الزجر وذلك في ~~الحرمان لا في الاستحقاق كمن قتل مورثه بغير حق أنه يحرم الميراث لما قلنا ~~كذا هذا بخلاف ما إذا كانت مستكرهة على الوطء؛ لأن فعلها ليس بجناية فلا ~~يوجب حرمان الصلة وكذا إذا كانت ms2124 الفرقة بسبب مباح وبخلاف الزوج؛ لأن النفقة ~~حقها قبل الزوج فلا يؤثر فعله الذي هو معصية في إسقاط حق الغير فهو الفرق ~~بين الفصلين وإنما لم تحرم السكنى بفعلها الذي هو معصية لما قلنا إن في ~~السكنى حق الله تعالى فلا يحتمل السقوط بفعل العبد، ولو ارتدت في النكاح ~~حتى حرمت النفقة ثم أسلمت في العدة؛ لا تستحق النفقة ولو ارتدت في العدة ثم ~~أسلمت وهي في العدة تعود النفقة، ووجه الفرق أن النفقة في الفصل الثاني ~~بقيت واجبة بعد الفرقة قبل الردة لبقاء سبب الوجوب وهو حبس النكاح وقت وجوب ~~العدة ثم امتنع وجوبها من بعد تعارض الردة فإذا عادت إلى الإسلام فقد زال ~~العارض فتعود النفقة. # وأما في الفصل الأول فالنفقة لم تبق واجبة وقت وجوب العدة لبطلان سبب ~~وجوبها بالردة في حق حبس النكاح؛ لأن الردة أوجبت بطلان ذلك الحبس فلا يعود ~~من غير تجديد النكاح فلا تعود النفقة بدونه والأصل في هذا أن كل امرأة لم ~~تبطل نفقتها بالفرقة ثم بطلت في العدة لعارض منها ثم زال العارض في العدة؛ ~~تعود نفقتها وكل من بطلت نفقتها بالفرقة لا تعود النفقة في العدة وإن زال ~~سبب الفرقة في العدة بخلاف ما إذا نشزت ثم عادت؛ أنها تستحق النفقة؛ لأن ~~النشوز لم يوجب بطلان حق الحبس الثابت بالنكاح وإنما فوت التسليم المستحق ~~بالعقد فإذا عادت فقد سلمت نفسها فاستحقت النفقة ولو طاوعت ابن زوجها أو ~~أباه في العدة أو لمسته بشهوة فإن كانت معتدة من طلاق وهو رجعي؛ فلا نفقة ~~لها لأن الفرقة ما وقعت بالطلاق وإنما وقعت بسبب وجد منها وهو محظور وإن ~~كان الطلاق بائنا أو كانت معتدة عن فرقة بغير طلاق فلها النفقة والسكنى ~~بخلاف ما إذا ارتدت في العدة أنه لا نفقة لها إلى أن تعود إلى الإسلام وهي ~~في العدة؛ لأن حبس النكاح يفوت بالردة ولا يفوت بالمطاوعة والمس، ولو ارتدت ~~في العدة ولحقت بدار الحرب ثم عادت وأسلمت أو سبيت وأعتقت أو ms2125 لم تعتق؛ فلا ~~نفقة لها لأن العدة قد بطلت باللحاق بدار الحرب؛ لأن الردة مع اللحاق ~~بمنزلة الموت، ولو طلق امرأته وهي أمة طلاقا بائنا وقد كان المولى بوأها مع ~~زوجها بيتا حتى وجبت النفقة ثم أخرجها المولى لخدمته حتى سقطت النفقة ثم ~~أراد أن يعيدها إلى الزوج ويأخذ النفقة؛ كان له ذلك وإن لم يكن بوأها ~~المولى بيتا حتى طلقها الزوج ثم أراد أن يبوئها مع الزوج في العدة لتجب ~~النفقة فإنها لا تجب، وجه الفرق أن النفقة كانت واجبة في الفصل الأول لوجود ~~سبب الوجوب - وهو الاحتباس - وشرطه وهو التسليم إلا أنه لما أخرجها إلى ~~خدمته فقد فوت على الزوج الاحتباس الثابت حقا له والتسليم؛ فامتنع وجوب ~~النفقة له، فإذا أعادها إلى الزوج عاد حقه فيعود حق # PageV04P017 # المولى في النفقة فأما في الفصل الثاني فالنفقة ما كانت واجبة في العدة ~~لانعدام سبب الوجوب أو شرط الوجوب وهو التسليم فهو بالبينونة يريد إلزام ~~الزوج النفقة ابتداء في العدة فلا يملك ذلك والأصل في ذلك أن كل امرأة كانت ~~لها النفقة يوم الطلاق ثم صارت إلى حال لا نفقة لها فيها؛ فلها أن تعود ~~وتأخذ النفقة، وكل امرأة لا نفقة لها يوم الطلاق فليس لها نفقة أبدا إلا ~~الناشزة وتفسير ذلك والوجه فيه ما ذكرنا ويستوي في نفقة المعتدة عدة ~~الأقراء وعدة الأشهر وعدة الحمل؛ لاستواء الكل في سبب الاستحقاق فينفق ~~عليها ما دامت في العدة وإن تطاولت المدة لعذر الحبل أو لعذر آخر ويكون ~~القول في ذلك قولها؛ لأن ذلك أمر يعرف من قبلها حتى لو ادعت أنها حامل أنفق ~~عليها إلى سنتين منذ طلقها؛ لأن الولد يبقى في البطن إلى سنتين فإن مضت ~~سنتان ولم تضع فقالت: كنت أتوهم أني حامل ولم أحض إلى هذه الغاية وطلبت ~~النفقة لعذر امتداد الطهر وقال الزوج: إنك ادعيت الحمل فإنما تجب علي ~~النفقة لعلة الحمل، وأكثر مدة الحمل سنتان وقد مضى ذلك فلا نفقة علي فإن ~~القاضي لا يلتفت إلى قوله ms2126 ويلزمه النفقة إلى أن تنقضي عدتها بالأقراء وتدخل ~~في عدة الإياس؛ لأن أحد العذرين إن بطل وهو عذر الحمل فقد بقي الآخر وهو ~~عذر امتداد الطهر؛ إذ الممتد طهرها من ذوات الأقراء وهي مصدقة في ذلك. # فإن لم تحض حتى دخلت في حد الإياس؛ أنفق عليها ثلاثة أشهر فإن حاضت في ~~الأشهر الثلاثة واستقبلت العدة بالحيض فلها النفقة؛ لأنها معتدة وكذلك لو ~~كانت صغيرة يجامع مثلها فطلقها بعد ما دخل بها أنفق عليها ثلاثة أشهر فإن ~~حاضت في الأشهر الثلاثة واستقبلت عدة الأقراء أنفق عليها حتى تنقضي عدتها ~~لما قلنا وإن طالبته امرأة بالنفقة وقدمته إلى القاضي فقال الرجل للقاضي: ~~قد كنت طلقتها منذ سنة وقد انقضت عدتها في هذه المدة وجحدت المرأة الطلاق ~~فإن القاضي لا يقبل قول الزوج إنه طلقها منذ سنة، ولكن يقع الطلاق عليها ~~منذ أقر به عند القاضي؛ لأنه يصدق في حق نفسه لا في إبطال حق الغير فإن ~~أقام شاهدين على أنه طلقها منذ سنة والقاضي لا يعرفهما أمره القاضي بالنفقة ~~وفرض لها عليه النفقة؛ لأن الفرقة منذ سنة لم تظهر بعد فإن أقام بينة عادلة ~~أو أقرت هي أنها قد حاضت ثلاث حيض في هذه السنة فلا نفقة لها على الزوج وإن ~~كانت أخذت منه شيئا ترده عليه لظهور ثبوت الفرقة منذ سنة وانقضاء العدة وإن ~~قالت لم أحض في هذه السنة؛ فالقول قولها ولها النفقة؛ لأن القول في انقضاء ~~العدة قولها. # فإن قال الزوج: قد أخبرتني أن عدتها قد انقضت لم يقبل قوله في إبطال ~~نفقتها؛ لأنه غير مصدق عليها في إبطال حقها، ولو طلق امرأته ثلاثا أو بائنا ~~فامتدت عدتها إلى سنتين ثم ولدت لأكثر من سنتين وقد كان الزوج أعطاها ~~النفقة إلى وقت الولادة فإنه يحكم بانقضاء عدتها قبل الولادة لستة أشهر عند ~~أبي حنيفة ومحمد ويسترد نفقة ستة أشهر قبل الولادة وعند أبي يوسف لا يسترد ~~شيئا من النفقة، وكذلك إذا طلق امرأته في حال المرض فامتد مرضه إلى ms2127 سنتين ~~وامتدت عدتها إلى سنتين ثم ولدت المرأة بعد الموت بشهر وقد كان أعطاها ~~النفقة إلى وقت الوفاة؛ فإنها لا ترث ويسترد منها نفقة ستة أشهر عند أبي ~~حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف ترث ولا يسترد شيئا من النفقة وقد مرت المسألتان ~~في كتاب الطلاق، ولا نفقة في الفرقة قبل الدخول بأي سبب كانت لارتفاع ~~النكاح من كل وجه فينعدم السبب وهو الحبس الثابت بالنكاح وأم الولد إذا ~~أعتقها مولاها ووجبت عليها العدة لا نفقة لها وإن كانت محبوسة ممنوعة عن ~~الخروج؛ لأن هذا الحبس لم يثبت بسبب النكاح وإنما يثبت لتحصين الماء فأشبهت ~~المعتدة من النكاح الفاسد ولأن نفقتها قبل العتق إنما وجبت بملك اليمين لا ~~بالاحتباس وقد زال بالإعتاق ونفقة الزوجة إنما وجبت بالاحتباس وإنه قائم. ### | [فصل في شرط وجوب هذه النفقة] # (فصل) : # وأما شرط وجوب هذه النفقة فلوجوبها شرطان: أحدهما يعم النوعين جميعا ~~أعني: نفقة النكاح ونفقة العدة. # والثاني يخص أحدهما وهو نفقة العدة أما الأول فتسليم المرأة نفسها إلى ~~الزوج وقت وجوب التسليم ونعني بالتسليم: التخلية وهي أن تخلي بين نفسها ~~وبين زوجها برفع المانع من وطئها أو الاستمتاع بها حقيقة إذا كان المانع من ~~قبلها أو من قبل غير الزوج فإن لم يوجد التسليم على هذا التفسير وقت وجوب ~~التسليم؛ فلا نفقة لها وعلى هذا يخرج مسائل: إذا # PageV04P018 # تزوج بالغة حرة صحيحة سليمة ونقلها إلى بيته فلها النفقة لوجود سبب ~~الوجوب وشرطه وكذلك إذا لم ينقلها وهي بحيث لا تمنع نفسها وطلبت النفقة ولم ~~يطالبها بالنقلة فلها النفقة؛ لأنه وجد سبب الوجوب وهو استحقاق الحبس وشرطه ~~وهو التسليم على التفسير الذي ذكرنا فالزوج بترك النقلة ترك حق نفسه مع ~~إمكان الاستيفاء فلا يبطل حقها في النفقة فإن طالبها بالنقلة فامتنعت فإن ~~كان امتناعها بحق بأن امتنعت لاستيفاء مهرها العاجل - فلها النفقة؛ لأنه لا ~~يجب عليها التسليم قبل استيفاء العاجل من مهرها، فلم يوجد منها الامتناع من ~~التسليم وقت وجوب التسليم وعلى هذا قالوا: لو طالبها ms2128 بالنقلة بعد ما أوفاها ~~المهر إلى دار مغصوبة فامتنعت فلها النفقة؛ لأن امتناعها بحق فلم يجب عليها ~~التسليم فلم تمتنع من التسليم حال وجوب التسليم ولو كانت ساكنة منزلها ~~فمنعته من الدخول عليها لا على سبيل النشوز فإن قالت حولني إلى منزلك أو ~~اكتر لي منزلا أنزله فإني أحتاج إلى منزلي هذا آخذ كراءه - فلها النفقة؛ ~~لأن امتناعها عن التسليم في بيتها لغرض التحويل إلى منزله أو إلى منزل ~~الكراء امتناع بحق؛ فلم يوجد منها الامتناع من التسليم وقت وجوب التسليم ~~وإن كان بغير حق بأن كان الزوج قد أوفاها مهرها أو كان مؤجلا؛ فلا نفقة لها ~~لانعدام التسليم حال وجوب التسليم فلم يوجد شرط الوجوب فلا تجب، ولهذا لم ~~تجب النفقة للناشزة وهذه ناشزة، ولو منعت نفسها عن زوجها بعد ما دخل بها ~~برضاها لاستيفاء مهرها فلها النفقة عند أبي حنيفة؛ لأنه منع بحق عنده ~~وعندهما لا نفقة لها لكونه منعا بغير حق عندهما ولو منعت نفسها عن زوجها ~~بعد ما دخل بها على كره منها فلها النفقة؛ لأنها محقة في المنع وإن كانت ~~صغيرة يجامع مثلها فهي كالبالغة في النفقة؛ لأن المعنى الموجب للنفقة ~~يجمعهما وإن كانت لا يجامع مثلها؛ فلا نفقة لها عندنا وعند الشافعي لها ~~النفقة بناء على أن سبب الوجوب عنده النكاح وشرطه عدم النشوز وقد وجد وشرط ~~الوجوب عندنا تسليم النفس ولا يتحقق التسليم في الصغيرة التي لا يجامع ~~مثلها لا منها ولا من غيرها لقيام المانع في نفسها من الوطء والاستمتاع ~~لعدم قبول المحل لذلك فانعدم شرط الوجوب؛ فلا يجب، وقال أبو يوسف إذا كانت ~~الصغيرة تخدم الزوج وينتفع الزوج بها بالخدمة فسلمت نفسها إليه فإن شاء ~~ردها وإن شاء أمسكها. # فإن أمسكها فلها النفقة وإن ردها فلا نفقة لها؛ لأنها لم تحتمل الوطء لم ~~يوجد التسليم الذي أوجبه العقد فكان له أن يمتنع من القبول فإن أمسكها فلها ~~النفقة؛ لأنه حصل له منها نوع منفعة وضرب من الاستمتاع وقد رضي بالتسليم ~~القاصر، ms2129 وإن ردها فلا نفقة لها حتى يجيء حال يقدر فيها على جماعها لانعدام ~~التسليم الذي أوجبه العقد وعدم رضاه بالتسليم القاصر وإن كان الزوج صغيرا ~~والمرأة كبيرة؛ فلها النفقة لوجود التسليم منها على التفسير الذي ذكرنا ~~وإنما عجز الزوج عن القبض لأنه ليس بشرط لوجوب النفقة، وكذلك لو كان الزوج ~~مجبوبا أو عنينا أو محبوسا في دين أو مريضا لا يقدر على الجماع أو خارجا ~~للحج فلها النفقة لما قلنا ولو كانت المرأة مريضة قبل النقلة مرضا يمنع من ~~الجماع فنقلت وهي مريضة فلها النفقة بعد النقلة وقبلها أيضا فإذا طلبت ~~النفقة فلم ينقلها الزوج وهي لا تمتنع من النقلة لو طالبها الزوج وإن كانت ~~تمتنع فلا نفقة لها كالصحيحة كذا ذكر في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه لا نفقة لها قبل النقلة فإذا نقلت وهي مريضة؛ فله ~~أن يردها، وجه رواية أبي يوسف أنه لم يوجد التسليم؛ إذ هو تخلية وتمكين ولا ~~يتحقق ذلك مع المانع وهو تبوء المحل فلا تستحق النفقة كالصغيرة التي لا ~~تحتمل الوطء وإذا أسلمت نفسها وهي مريضة له أن يردها؛ لأن التسليم الذي ~~أوجبه العقد وهو التسليم الممكن من الوطء لما لم يوجد؛ كان له أن لا يقبل ~~التسليم الذي لم يوجبه العقد وهكذا قال أبو يوسف في الصغيرة التي لم يجامع ~~مثلها: أن له أن يردها؛ لما قلنا، وجه ظاهر الرواية أن التسليم في حق ~~التمكين من الوطء إن لم يوجد فقد وجد في حق التمكين من الاستمتاع وهذا يكفي ~~لوجوب النفقة كما في الحائض والنفساء والصائمة صوم رمضان وإذا امتنعت فلم ~~يوجد منها التسليم رأسا؛ فلا تستحق النفقة، وقال أبو يوسف: إذا كانت ~~المريضة تؤنسه وينتفع بها في غير الجماع فإن شاء ردها وإن شاء أمسكها # فإن أمسكها فلها النفقة وإن ردها فلا نفقة لها؛ لما ذكرنا في الصغيرة وإن ~~نقلت وهي صحيحة ثم مرضت في بيت الزوج مرضا لا تستطيع معه الجماع لم تبطل ~~نفقتها بلا خلاف؛ لأن التسليم ms2130 المطلق وهو التسليم # PageV04P019 # الممكن من الوطء والاستمتاع قد حصل بالانتقال؛ لأنها كانت صحيحة كذا ~~الانتقال ثم قصر التسليم لعارض يحتمل الزوال فأشبه الحيض أو نقول التسليم ~~المستحق بالعقد في حق المريضة التي لا تحتمل الجماع قبل الانتقال وبعده هو ~~التسليم في حق الاستمتاع لا في حق الوطء كما في حق الحائض وكذا إذا نقلها ~~ثم ذهب عقلها فصارت معتوهة مغلوبة أو كبرت فطعنت في السن حتى لا يستطيع ~~زوجها جماعها أو أصابها بلاء - فلها النفقة؛ لما قلنا. # ولو حبست في دين ذكر في الجامع الكبير أن لا نفقة لها ولم يفصل بين ما ~~إذا كان الحبس قبل الانتقال أو بعده وبين ما إذا كانت قادرة على التخلية أو ~~لا؛ لأن حبس النكاح قد بطل بإعراض حبس الدين؛ لأن صاحب الدين أحق بحبسها ~~بالدين وفات التسليم أيضا بمعنى من قبلها وهو مطلبها فصارت كالناشز، وذكر ~~الكرخي أنها إذا كانت محبوسة في دين من قبل النقلة فإن كانت تقدر على أن ~~تخلي بينه وبين نفسها فلها النفقة وإن كانت في موضع لا تقدر على التخلية ~~فلا نفقة لها وهذا تفسير ما أجمله محمد في الجامع؛ لأنها إذا كانت تقدر على ~~أن توصله إليها؛ فالظاهر منها عدم المنع لو طالبها الزوج وهذا تفسير ~~التسليم فإن لم يطالبها فالتقصير جاء من قبله فلا يسقط حقها، وإن كانت لا ~~تقدر على التخلية فالتسليم فات بمعنى من قبلها وهو مماطلتها فلا تستوجب ~~النفقة ولو حبست بعد النقلة لم تبطل نفقتها لما قلنا في المريضة، وذكر ~~القدوري أن ما ذكره الكرخي في الحبس محمول على ما إذا كانت محبوسة لا تقدر ~~على قضائه فأما إذا كانت قادرة على القضاء فلم تقض فلا نفقة لها وهذا صحيح؛ ~~لأنها إذا لم تقض مع القدرة على القضاء صارت كأنها حبست نفسها فتصير بمعنى ~~الناشزة ولو فرض القاضي لها النفقة ثم أخذها رجل كارهة فهرب بها شهرا أو ~~غصبها غاصب لم يكن لها نفقة في المدة التي منعها لفوات التسليم لا ms2131 لمعنى من ~~جهة الزوج. # وروي عن أبي يوسف أن لها النفقة؛ لأن الفوات ما جاء من قبلها، والرتقاء ~~والقرناء لهما النفقة بعد النقلة وقبلها إذا طلبتا ولم يظهر منهما الامتناع ~~في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أن لهما النفقة بعد الانتقال فأما قبل ~~الانتقال فلا نفقة لهما، وجه رواية أبي يوسف أن التسليم الذي أوجبه العقد ~~لم يوجد في حقهما قبل الانتقال وبعده إلا أنه لما قبلهما مع العلم بالعيب ~~فقد رضي بالتسليم القاصر كما قال في المريضة، إلا أن ههنا قال: لا يجوز له ~~أن يردهما، وقال في الصغيرة التي ينتفع بها في الخدمة والمريضة التي يستأنس ~~بها أن له أن يردهما، وجه ظاهر الرواية أن العقد انعقد في حقهما موجبا ~~تسليم مثلهما وهو التمكين من الاستمتاع دون الوطء وهذا النوع من التسليم ~~يكفي لاستحقاق النفقة كتسليم الحائض والنفساء والمحرمة والصائمة مع ما أن ~~التسليم المطلق يتصور منهما بواسطة إزالة المانع من الرتق والقرن بالعلاج ~~فيمكن الانتفاع بهما وطئا، ولو حجت المرأة حجة فريضة فإن كان ذلك قبل ~~النقلة فإن حجت بلا محرم ولا زوج؛ فهي ناشزة وإن حجت مع محرم لها دون الزوج ~~فلا نفقة لها في قولهم جميعا؛ لأنها امتنعت من التسليم بعد وجوب التسليم ~~فصارت كالناشزة، وإن كانت انتقلت إلى منزل الزوج ثم حجت مع محرم لها دون ~~الزوج فقد قال أبو يوسف: لها النفقة وقال محمد: لا نفقة لها، وجه قول محمد ~~أن التسليم قد فات بأمر من قبلها وهو خروجها فلا تستحق النفقة كالناشزة ~~ولأبي يوسف أن التسليم المطلق قد حصل بالانتقال إلى منزل الزوج ثم فات ~~بعارض أداء فرض وهذا لا يبطل النفقة كما لو انتقلت إلى منزل زوجها ثم لزمها ~~صوم رمضان أو نقول حصل التسليم المطلق بالانتقال ثم فات لعذر فلا تسقط ~~النفقة كالمريضة ثم إذا وجبت لها النفقة على أصل أبي يوسف يفرض لها القاضي ~~نفقة الإقامة لا نفقة السفر؛ لأن الزوج لا يلزمه إلا نفقة الحضر فأما زيادة ms2132 ~~المؤنة التي تحتاج إليها المرأة في السفر من الكراء ونحو ذلك فهي عليها لا ~~عليه؛ لأنها لأداء الفرض، والفرض عليها فكانت تلك المؤنة عليها لا عليه كما ~~لو مرضت في الحضر كانت المداواة عليها لا على الزوج فإن جاورت بمكة أو ~~أقامت بها بعد أداء الحج إقامة لا تحتاج إليها سقطت نفقتها؛ لأنها غير ~~معذورة في ذلك فصارت كالناشزة فإن طلبت نفقة ثلاثة أشهر قدر الذهاب ~~والمجيء؛ لم يكن على الزوج ذلك ولكن يعطيها نفقة شهر واحد فإذا عادت أخذت ~~ما بقي؛ لأن الواجب عليه لها نفقة الإقامة لا نفقة السفر، ونفقة الإقامة ~~تفرض لها كل شهر فشهر # PageV04P020 # وهذه الجملة لا تتفرع على أصل محمد هذا إذا لم يخرج الزوج معها إلى الحج، ~~فأما إذا خرج فلها النفقة بلا خلاف لوجود التسليم المطلق لإمكان الانتفاع ~~بها وطئا واستمتاعا في الطريق فصارت كالمقيمة في منزله، ولو آلى منها أو ~~ظاهر منها فلها النفقة؛ لأن حق الحبس قائم والتسليم موجود ولتمكنه من وطئها ~~والاستمتاع بها بغير واسطة في الإيلاء وبواسطة تقديم الكفارة في الظهار ~~فوجد سبب وجوب النفقة وشرط وجوبها فتجب، ولو تزوج أخت امرأته أو عمتها أو ~~خالتها ولم يعلم بذلك حتى دخل بها؛ فرق بينهم ووجب عليه أن يعتزلها مدة عدة ~~أختها فلامرأته النفقة لوجود سبب الوجوب وشرطه وهو التسليم إلا أنه امتنع ~~الانتفاع بها بعارض يزول فأشبه الحيض والنفاس وصوم رمضان ولا نفقة لأختها ~~وإن وجبت عليها العدة؛ لأنها معتدة من نكاح فاسد وعلى هذا الأصل يخرج ما ~~إذا تزوج حر أو عبد أمة أو قنة أو مدبرة أو أم ولد أنه إن بوأها المولى تجب ~~النفقة وإلا فلا؛ لأن سبب الوجوب وهو حق الحبس وشرطه وهو التسليم لا يتحقق ~~بدون التبوئة؛ لأن التبوئة هو أن يخلي المولى بينها وبين زوجها في منزل ~~زوجها لا يستخدمها فإذا كانت مشغولة بخدمة المولى؛ لم تكن محبوسة عند الزوج ~~ولا مسلمة إليه ولا يجبر المولى على التبوئة؛ لأن خدمتها حق المولى فلا ms2133 ~~يجبر الإنسان على إيفاء حق نفسه لغيره فإن بوأها المولى ثم بدا له أن ~~يستخدمها فله ذلك لما ذكرنا أن خدمتها حق المولى؛ لأن منافع سائر الأعضاء ~~بقيت على ملكه وإنما أعارها للزوج بالتبوئة وللمعير أن يسترد عاريته ولا ~~نفقة على الزوج مدة الاستخدام لفوات التسليم فيها من جهة المولى، ولو بوأها ~~مولاها بيت الزوج فكانت تجيء في أوقات إلى مولاها فتخدمه من غير أن ~~يستخدمها قالوا لا تسقط نفقتها؛ لأن الاسترداد إنما يحصل بالاستخدام ولم ~~يوجد ولأن هذا القدر من الخدمة لا يقدح في التسليم كالحرة إذا خرجت إلى ~~منزل أبيها وإن كانت مكاتبة تزوجت بإذن المولى حتى جاز العقد فلها النفقة ~~ولا يشترط التبوئة؛ لأن خدمتها ليست حق المولى؛ إذ لا حق للمولى في ~~منافعها؛ ألا ترى أنه ليس للمولى أن يستخدمها فكانت في منافعها كالحرة ~~فيجبر المولى على التسليم ويجب على الزوج النفقة. # والعبد إذا تزوج بإذن المولى حرة أو أمة فهو في وجوب النفقة كالحر ~~لاستوائهما في سبب الوجوب وهو حق الحبس وشرطه وهو التسليم؛ ولهذا استويا في ~~وجوب المهر إلا أن الفرق بينهما أن النفقة إذا صارت مفروضة على العبد تتعلق ~~برقبته وكسبه؛ يباع فيها إلا أن يفديه المولى فيسقط حق الغريم كسائر الديون ~~ويبدأ بها قبل الغلة لمولاه فإن كان المولى ضرب عليه ضريبة فإن نفقة امرأته ~~تقدم على ضريبة مولاه؛ لأنها بالفرض صارت دينا في رقبته حتى يباع بها فأشبه ~~سائر الديون بخلاف الغلة فإنها لا تجب للمولى على عبده دين في الحقيقة فإن ~~مات العبد قبل البيع؛ بطلت النفقة ولا يؤخذ المولى بشيء لفوات محل التعليق ~~فيبطل التعليق كالعبد المرهون إذا هلك يبطل الدين الذي تعلق به وكذلك إذا ~~قتل العبد في ظاهر الرواية، وذكر الكرخي أنه إذا قتل كانت النفقة في قيمته ~~وجه ما ذكره الكرخي أن القيمة قامت مقام العبد؛ لأنها بدله فتقوم مقامه ~~كأنه هو كما في سائر الديون. # وجه ظاهر الرواية أن القيمة إنما تقام مقام الرقبة في ms2134 الديون المطلقة لا ~~فيما يجري مجرى الصلات، والنفقة تجري مجرى الصلات على أصل أصحابنا - لما ~~نذكر إن شاء الله تعالى - فتسقط بالموت قبل القبض كسائر الصلات ولهذا لو ~~كان الزوج حرا فقتل خطأ؛ سقطت عندنا ولا تقام الدية مقامه فكذا إذا كان ~~عبدا وكذلك المدبر وأم الولد - لما قلنا - غير أن هؤلاء لا يباعون؛ لأن ~~ديونهم تتعلق بأكسابهم لا برقابهم لتعذر استيفائها من رقابهم؛ لأن ~~الاستيفاء بالبيع، ورقابهم لا تحتمل البيع. # وأما المكاتب فعندنا يتعلق الدين برقبته وكسبه كالقن لتصور الاستيفاء من ~~رقبته لاحتمال العجز؛ لأنه إذا عجز يعود قنا فيسعى فيها ما دام مكاتبا فإذا ~~قضي بعجزه وصار قنا يباع فيها إلا أن يفديه المولى كما في الكتابة. # وأما المعتق البعض فهو عند أبي حنيفة بمنزلة المكاتب إلا أنه لا يتصور ~~فيه العجز والبيع في الدين فيسعى في نفقتها وعندهما هو حر عليه دين، ولا ~~يجب على العبد نفقة ولده سواء كان من امرأة حرة أو أمة؛ لأنه إن كان من حرة ~~يكون حرا فلا يجب على العبد نفقة # PageV04P021 # الحر وتكون على الأم نفقته إن كانت غنية وإن كانت محتاجة فعلى من يرث ~~الولد من القرابة وإن كان من أمة فيكون عبدا لمولاها فلا يلزم غيره نفقته، ~~وكذلك الحر إذا تزوج أمة فولدت له أولادا فنفقة الأولاد على مولى الأمة؛ ~~لأنهم مماليكه، والعبد والحر في ذلك سواء وكذلك المدبرة، وأم الولد في هذا ~~كالأمة القنة لما قلنا وإن كان مولى الأمة في هذه المسائل فقيرا والزوج أب ~~الولد غنيا لا يؤمر الأب بالنفقة على ولده بل إما أن يبيعه مولاه أو ينفق ~~عليه إن كان من أمة قنة وإن كان من مدبرة أو أم ولد ينفق الأب عليه ثم يرجع ~~على المولى إذا أيسر لتعذر الجبر على البيع ههنا لعدم قبول المحل فأما إذا ~~كانت مكاتبة فنفقة أولادها لا تجب على زوجها وإنما تجب على الأم المكاتبة ~~سواء كان الأب حرا أو عبدا؛ لأن ولد المكاتبة ملك المولى رقبة ms2135 وهو حق ~~المكاتبة كسبا. # ألا ترى أنها تستعين بأكسابه في رقبتها وعتقها وإذا كانت أكسابه حقا لها؛ ~~كانت نفقته عليها؛ لأن نفقة الإنسان تتبع كسبه قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه» وإن زوج ابنته من عبده فلها النفقة ~~على العبد؛ لأن البنت يجب لها على أبيها دين فيجوز أن يجب على عبد أبيها ~~وإن زوج أمته من عبده فنفقتهما جميعا على المولى؛ لأنهما جميعا ملك المولى ~~والله عز وجل أعلم. # والكتابية في استحقاق النفقة على زوجها المسلم كالمسلمة لاستوائهما في ~~سبب الاستحقاق وشرطه والذمي في وجوب النفقة عليه لزوجته التي ليست من ~~محارمه كالمسلم لاستوائهما في سبب الوجوب وشرطه ولأن ما ذكرنا من دلائل ~~الوجوب لا يوجب الفصل بين المسلم والذمي في النفقة ولقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «وإذا قبلوا عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما ~~على المسلمين» وعلى المسلم نفقة زوجته فهكذا على الذمي. # وأما إذا كانت من محارمه فقد قال أبو حنيفة: إنها إذا طلبت النفقة فإن ~~القاضي يقضي بالنفقة لها وعند أبي يوسف ومحمد وزفر والشافعي لا يقضي بناء ~~على أن هذا النكاح فاسد عندهم. # وأما عند أبي حنيفة فقد ذكر بعض مشايخنا أنه صحيح عندهم حتى قال إنهما ~~يقران عليه ولا يعترض عليهما قبل أن يترافعا أو يسلم أحدهما، وذكر الكرخي ~~أن هذا النكاح فاسد بالإجماع وإنما أوجب أبو حنيفة النفقة مع فساد هذا ~~النكاح؛ لأنهما يقران عليه مع فساده عنده فإن أبا حنيفة قال: إني أفرض عليه ~~النفقة لكل امرأة أقرت على نكاحها جائزا كان النكاح عندي أو باطلا، ووجهه ~~أنه لما أقره على نكاحها فقد ألحق هذا النكاح بالنكاح الصحيح في حق وجوب ~~النفقة وقد يلحق النكاح الفاسد بالصحيح في بعض الأحكام من النسب والعدة ~~وغير ذلك. # ويستوي في استحقاق هذه النفقة المعسرة والموسرة فتستحق الزوجة النفقة على ~~زوجها وإن كانت موسرة لاستوائهما في سبب الاستحقاق وشرطه ولأن هذه النفقة ~~لها شبه بالأعواض ms2136 فيستوي فيها الفقير والغني كنفقة القاضي والمضارب بخلاف ~~نفقة المحارم أنها لا تجب للغني لأنها تجب صلة محضة لمكان الحاجة فلا تجب ~~عند عدم الحاجة وتجب هذه النفقة من غير قضاء القاضي لكنها لا تصير دينا في ~~الذمة إلا بقضاء أو رضا على ما نذكر إن شاء الله تعالى بخلاف نفقة ذوي ~~الأرحام فإنها لا تجب من غير قضاء القاضي، ونفقة الوالدين والمولودين تجب ~~من غير قضاء القاضي والفرق بين هذه الجملة يذكر في نفقة الأقارب إن شاء ~~الله تعالى. # ولا نفقة للناشزة لفوات التسليم بمعنى من جهتها وهو النشوز والنشوز في ~~النكاح أن تمنع نفسها من الزوج بغير حق خارجة من منزله بأن خرجت بغير إذنه ~~وغابت أو سافرت فأما إذا كانت في منزله ومنعت نفسها في رواية فلها النفقة؛ ~~لأنها محبوسة لحقه منتفع بها ظاهرا وغالبا فكان معنى التسليم حاصلا والنشوز ~~في العدة أن تخرج من بيت العدة مراغمة لزوجها أو تخرج لمعنى من قبلها وقد ~~روي «أن فاطمة بنت قيس كانت تبدو على أحمائها فنقلها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى بيت ابن أم مكتوم ولم يجعل لها نفقة ولا سكنى» ؛ لأن الإخراج ~~كان بمعنى من قبلها فصارت كأنها خرجت بنفسها مراغمة لزوجها. # وأما الثاني وهو الشرط الذي يخص نفقة العدة فهو أن لا يكون وجوب العدة ~~بفرقة حاصلة من قبلها بسبب محظور استحسانا، والقياس أنه ليس بشرط وقد مر، ~~وجه القياس والاستحسان فيما تقدم وكل امرأة لها النفقة فلها الكسوة لقوله ~~تعالى {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] وغير ذلك من ~~النصوص التي ذكرناها فيما تقدم ولأن سبب وجوبهما # PageV04P022 # لا يختلف وكذا شرط الوجوب ويجبان على الموسر والمعسر؛ لأن دليل الوجوب لا ~~يفصل والله أعلم. # وكل امرأة لها النفقة لها السكنى لقوله عز وجل {أسكنوهن من حيث سكنتم من ~~وجدكم} [الطلاق: 6] وقرأ ابن مسعود - رضي الله عنه - أسكنوهن من حيث سكنتم ~~وأنفقوا عليهن من وجدكم ولأنهما استويا في سبب الوجوب وشرطه وهو ما ذكرنا ~~فيستويان ms2137 في الوجوب ويستوي في وجوبهما أصل الوجوب الموسر والمعسر؛ لأن ~~دلائل الوجوب لا توجب الفصل وإنما يختلفان في مقدار الواجب منهما - وسنبينه ~~إن شاء الله تعالى في موضعه -، ولو أراد الزوج أن يسكنها مع ضرتها أو مع ~~أحمائها كأم الزوج وأخته وبنته من غيرها وأقاربه فأبت ذلك؛ عليه أن يسكنها ~~في منزل مفرد؛ لأنهن ربما يؤذينها ويضررن بها في المساكنة وإباؤها دليل ~~الأذى والضرر ولأنه يحتاج إلى أن يجامعها ويعاشرها في أي وقت يتفق ولا ~~يمكنه ذلك إذا كان معهما ثالث حتى لو كان في الدار بيوت ففرغ لها بيتا وجعل ~~لبيتها غلقا على حدة قالوا: إنها ليس لها أن تطالبه ببيت آخر، ولو كانت في ~~منزل الزوج وليس معها أحد يساكنها فشكت إلى القاضي أن الزوج يضربها ~~ويؤذيها؛ سأل القاضي جيرانها فإن أخبروا بما قالت وهم قوم صالحون فالقاضي ~~يؤدبه ويأمره بأن يحسن إليها ويأمر جيرانه أن يتفحصوا عنها وإن لم يكن ~~الجيران قوما صالحين أمره القاضي أن يحولها إلى جيران صالحين فإن أخبروا ~~القاضي بخلاف ما قالت؛ أقرها هناك ولم يحولها وللزوج أن يمنع أباها وأمها ~~وولدها من غيره ومحارمها من الدخول عليها؛ لأن المنزل منزله فكان له أن ~~يمنع من شاء وليس له أن يمنعهم من النظر إليها وكلامها خارج المنزل؛ لأن ~~ذلك ليس بحق له إلا أن يكون في ذلك فتنة بأن يخاف عليها الفساد فله أن ~~يمنعهم من ذلك أيضا. ### | [فصل في بيان مقدار الواجب من النفقة] # وأما بيان مقدار الواجب منها فالكلام في هذا الفصل في موضعين: أحدهما في ~~بيان ما تقدر به هذه النفقة والثاني: في بيان من تقدر به. # أما الأول فقد اختلف العلماء فيه قال أصحابنا: هذه النفقة غير مقدرة ~~بنفسها بل بكفايتها، وقال الشافعي مقدرة بنفسها، على الموسر مدان، وعلى ~~المتوسط مد ونصف، وعلى المعسر نصف مد واحتج بظاهر قوله تعالى {لينفق ذو سعة ~~من سعته} [الطلاق: 7] أي قدر سعته فدل أنها مقدرة ولأنه إطعام واجب فيجب أن ~~يكون مقدرا ms2138 كالإطعام في الكفارات ولأنها وجبت بدلا؛ لأنها تجب بمقابلة ~~الملك عندي ومقابلة الحبس عندكم فكانت مقدرة كالثمن في المبيع والمهر في ~~النكاح ولنا قوله تعالى {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: ~~233] مطلقا عن التقدير فمن قدر فقد خالف النص ولأنه أوجبها باسم الرزق ورزق ~~الإنسان كفايته في العرف والعادة كرزق القاضي والمضارب. # وروي أن هند امرأة أبي سفيان قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح ~~وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي فقال - صلى الله عليه وسلم - «خذي من مال ~~أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف» نص عليه أفضل الصلاة والسلام على ~~الكفاية فدل أن نفقة الزوجة مقدرة بالكفاية ولأنها وجبت بكونها محبوسة بحق ~~الزوج ممنوعة عن الكسب لحقه فكان وجوبها بطريق الكفاية كنفقة القاضي ~~والمضارب. # وأما الآية فهي حجة عليه؛ لأن فيها أمر الذي عنده السعة بالإنفاق على قدر ~~السعة مطلقا عن التقدير بالوزن فكان التقدير به تقييدا لمطلق فلا يجوز إلا ~~بدليل وقوله: إنه إطعام واجب يبطل بنفقة الأقارب فإنه إطعام واجب وهي غير ~~مقدرة بنفسها بل بالكفاية، والتقدير بالوزن في الكفارات ليس لكونها نفقة ~~واجبة بل لكونها عبادة محضة لوجوبها على وجه الصدقة كالزكاة فكانت مقدرة ~~بنفسها كالزكاة ووجوب هذه النفقة ليس على وجه الصدقة بل على وجه الكفاية ~~فتتقدر بكفايتها كنفقة الأقارب. # وأما قوله: إنها وجبت بدلا ممنوع، ولسنا نقول: إنها تجب بمقابلة الحبس بل ~~تجب جزاء على الحبس ولا يجوز أن تكون واجبة بمقابلة ملك النكاح لما ذكرنا ~~وإذا كان وجوبها على سبيل الكفاية فيجب على الزوج من النفقة قدر ما يكفيها ~~من الطعام والإدام والدهن؛ لأن الخبز لا يؤكل عادة إلا مأدوما والدهن لا بد ~~منه للنساء ولا تقدر نفقتها بالدراهم والدنانير على أي سعر كانت؛ لأن فيه ~~إضرارا بأحد الزوجين؛ إذ السعر قد يغلو وقد يرخص بل تقدر لها على حسب ~~اختلاف الأسعار غلاء ورخصا رعاية للجانبين ويجب عليه من الكسوة في كل سنة ~~مرتين صيفية وشتوية؛ لأنها كما تحتاج إلى ms2139 الطعام والشراب تحتاج إلى اللباس # PageV04P023 # لستر العورة ولدفع الحر والبرد ويختلف ذلك باليسار والإعسار والشتاء ~~والصيف على ما نذكر إن شاء الله تعالى، وذكر في كتاب النكاح أن المعسر يفرض ~~عليه خمسة دراهم في الشهر والموسر عشرة وذلك محمول على اعتبار قرار السعر ~~في الوقت، ولو جاء الزوج بطعام يحتاج إلى الطبخ والخبز فأبت المرأة الطبخ ~~والخبز يعني بأن تطبخ وتخبز لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قسم الأعمال بين علي وفاطمة - رضي الله عنهما - فجعل أعمال الخارج على علي ~~وأعمال الداخل على فاطمة - رضي الله عنهما - ولكنها لا تجبر على ذلك إن أبت ~~ويؤمر الزوج أن يأتي لها بطعام مهيأ، ولو استأجرها للطبخ والخبز؛ لم يجز ~~ولا يجوز لها أخذ الأجرة على ذلك؛ لأنها لو أخذت الأجرة لأخذتها على عمل ~~واجب عليها في الفتوى فكان في معنى الرشوة فلا يحل لها الأخذ، وذكر الفقيه ~~أبو الليث أن هذا إذا كان بها علة لا تقدر على الطبخ والخبز أو كانت من ~~بنات الأشراف، فأما إذا كانت تقدر على ذلك وهي ممن تخدم بنفسها تجبر على ~~ذلك وإن كان لها خادم يجب لخادمها أيضا النفقة والكسوة إذا كانت متفرغة ~~لشغلها ولخدمتها لا شغل لها غيرها؛ لأن أمور البيت لا تقوم بها وحدها ~~فتحتاج إلى خادم ولا يجب عليه لأكثر من خادم واحد في قول أبي حنيفة ومحمد ~~عند أبي يوسف يجب لخادمين ولا يجب أكثر من ذلك. # وروي عنه رواية أخرى أن المرأة إذا كانت يجل مقدارها عن خدمة خادم واحد ~~وتحتاج إلى أكثر من ذلك يجب لأكثر من ذلك بالمعروف وبه أخذ الطحاوي وجه ~~ظاهر قول أبي يوسف إن خدمة امرأة لا تقوم بخادم واحد بل تقع الحاجة إلى ~~خادمين يكون أحدهما معينا للآخر وجه قولهما أن الزوج لو قام بخدمتها بنفسه ~~لا يلزمه نفقة خادم أصلا وخادم واحد يقوم مقامه فلا يلزمه غيره؛ لأنه إذا ~~قام مقامه؛ صار كأنه خدم بنفسه ولأن الخادم الواحد لا بد ms2140 منه والزيادة على ~~ذلك ليس له حد معلوم يقدر به فلا يكون اعتبار الخادمين أولى من الثلاثة ~~والأربعة فيقدر بالأقل وهو الواحد هذا إذا كان الزوج موسرا فأما إذا كان ~~معسرا فقد روى الحسن عن أبي حنيفة أنه ليس عليه نفقة خادم وإن كان لها ~~خادم، وقال محمد: إن كان لها خادم فعليه نفقته وإلا فلا، وجه قول محمد أنه ~~لما كان لها خادم علم أنها لا ترضى بالخدمة بنفسها فكان على الزوج نفقة ~~خادمها وإن لم يكن لها خادم؛ دل أنها راضية بالخدمة بنفسها فلا يجبر على ~~اتخاذ خادم لم يكن، وجه رواية الحسن أن الواجب على الزوج المعسر من النفقة ~~أدنى الكفاية، وقد تكفى المرأة بخدمة نفسها فلا يلزمه نفقة الخادم وإن كان ~~لها خادم. # وأما الثاني: وهو بيان من يقدر به هذه النفقة فقد اختلف فيه أيضا ذكر ~~الكرخي أن قدر النفقة والكسوة يعتبر بحال الزوج في يساره وإعساره لا بحالها ~~وهو قول الشافعي أيضا، وذكر الخصاف أنه يعتبر بحالهما جميعا حتى لو كانا ~~موسرين فعليه نفقة اليسار وإن كانا معسرين فعليه نفقة الإعسار، وكذلك إذا ~~كان الزوج معسرا والمرأة موسرة، ولا خلاف في هذه الجملة فأما إذا كان الزوج ~~موسرا والمرأة معسرة؛ فعليه نفقة اليسار على ما ذكره الكرخي وعلى قول ~~الخصاف عليه أدنى من نفقة الموسرات وأوسع من نفقة المعسرين حتى لو كان ~~الزوج مفرطا في اليسار يأكل خبز الحوارى ولحم الحمل والدجاج، والمرأة مفرطة ~~في الفقر تأكل في بيتها خبز الشعير؛ لا يجب عليه أن يطعمها ما يأكله ولا ~~يطعمها ما كانت تأكل في بيت أهلها أيضا ولكن يطعمها خبز الحنطة ولحم الشاة ~~وكذلك الكسوة على هذا الاعتبار، وجه قول الخصاف إن في اعتبار حالتهما في ~~تقدير النفقة والكسوة نظرا من الجانبين فكان أولى من اعتبار حال أحدهما ~~والصحيح ما ذكره الكرخي لقوله تعالى {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه ~~رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} ms2141 [الطلاق: 7] ~~وهذا نص في الباب إذا عرف هذا فنقول إذا كان الزوج معسرا ينفق عليها أدنى ~~ما يكفيها من الطعام والإدام والدهن بالمعروف ومن الكسوة أدنى ما يكفيها من ~~الصيفية والشتوية، وإن كان متوسطا ينفق عليها أوسع من ذلك بالمعروف ومن ~~الكسوة أرفع من ذلك بالمعروف، وإن كان غنيا ينفق عليها أوسع من ذلك كله ~~بالمعروف ومن الكسوة أرفع من ذلك كله بالمعروف وإنما كانت النفقة والكسوة ~~بالمعروف؛ لأن دفع الضرر عن الزوجين واجب وذلك في إيجاب الوسط من الكفاية ~~وهو تفسير المعروف فيكفيها من الكسوة في الصيف قميص وخمار # PageV04P024 # وملحفة وسراويل - أيضا في عرف ديارنا - على قدر حاله من الخشن واللين ~~والوسط، والخشن إذا كان من الفقراء واللين إذا كان من الأغنياء والوسط إذا ~~كان من الأوساط وذلك كله من القطن أو الكتان على حسب عادات البلدان إلا ~~الخمار فإنه يفرض على الغني خمار حرير في الشتاء يزاد على ذلك حشويا وفروة ~~بحسب اختلاف البلاد في الحر والبرد. # وأما نفقة الخادم فقد قيل: إن الزوج الموسر يلزمه نفقة الخادم كما يلزم ~~المعسر نفقة امرأته وهو أدنى الكفاية وكذا الكسوة، ولو اختلفا فقالت ~~المرأة: إنه موسر وعليه نفقة الموسرين، وقال الزوج: إني معسر وعلي نفقة ~~المعسرين والقاضي لا يعلم بحاله ذكره في كتاب النكاح أن القول قول الزوج مع ~~يمينه وكذا ذكر القاضي والخصاف، وذكر محمد في الزيادات أن القول قول المرأة ~~مع يمينها وأصل هذا أنه متى وقع الاختلاف بين الطالب وبين المطلوب في يسار ~~المطلوب وإعساره في سائر الديون فالمشايخ اختلفوا فيه منهم من جعل القول ~~قول المطلوب مطلقا ومنهم من جعل القول قول الطالب مطلقا ومنهم من حكم فيه ~~رأي المطلوب ومحمد فصل بين الأمرين فجعل القول قول الطالب في البعض وقول ~~المطلوب في البعض، وذكر في الفصل أصلا يوجب أن يكون القول في النفقة قول ~~المرأة وكذا فصل الخصاف لكنه ذكر أصلا يقتضي أن يكون القول في النفقة قول ~~الزوج. # وبيان الأصلين وذكر الحجج يأتي في ms2142 كتاب الحبس - إن شاء الله تعالى - فإن ~~أقامت المرأة البينة على يساره قبلت بينتها وإن أقاما جميعا البينة فالبينة ~~بينتها؛ لأنها مثبتة وبينة الزوج لا تثبت شيئا، ولو فرض القاضي لها نفقة ~~شهر وهو معسر ثم أيسر قبل تمام الشهر يزيدها في الفرض؛ لأن النفقة تختلف ~~باختلاف اليسار والإعسار وكذلك لو فرض لها فريضة للوقت والسعر رخيص ثم غلا ~~فلم يكفها ما فرض لها فإنه يزيدها في الفرض؛ لأن الواجب كفاية الوقت وذلك ~~يختلف باختلاف السعر، ولو فرض لها نفقة شهر فدفعها الزوج إليها ثم ضاعت قبل ~~تمام الشهر فليس عليه نفقة أخرى حتى يمضي الشهر وكذا إذا كساها الزوج فضاعت ~~الكسوة قبل تمام المدة فلا كسوة لها عليه حتى تمضي المدة التي أخذت لها ~~الكسوة بخلاف نفقة الأقارب فإن هناك يجبر على نفقة أخرى وكسوة أخرى لتمام ~~المدة التي أخذ لها الكسوة إذا حلف أنها ضاعت، ووجه الفرق أن تلك النفقة ~~تجب للحاجة؛ ألا ترى أنها لا تجب إلا للمحتاج وقد تحققت الحاجة إلى نفقة ~~أخرى وكسوة أخرى ووجوب هذه النفقة ليس معلولا بالحاجة بدليل أنها تجب ~~للموسرة إلا أن لها شبها بالأعواض وقد جعلت عوضا عن الاحتباس في جميع الشهر ~~فلا يلزمه عوض آخر في هذه المدة، ولو فرض القاضي لها نفقة أو كسوة فمضى ~~الوقت الذي أخذت له وقد بقيت تلك النفقة أو الكسوة بأن أكلت من مال آخر أو ~~لبست ثوبا آخر فلها عليه نفقة أخرى وكسوة أخرى بخلاف نفقة الأقارب والفرق ~~ما ذكرنا أن نفقة الأقارب تجب بعلة الحاجة صلة محضة ولا حاجة عند بقاء ~~النفقة والكسوة، ونفقة الزوجات لا تجب لمكان الحاجة وإنما تجب جزاء على ~~الاحتباس لكن لها شبهة العوضية عن الاحتباس وقد جعلت عوضا في هذه المدة وهي ~~محتبسة بعد مضي هذه المدة بحبس آخر فلا بد لها من عوض آخر، ولو نفدت نفقتها ~~قبل مضي المدة التي لها أخذت أو تخرق الثوب؛ فلا نفقة لها على الزوج ولا ~~كسوة حتى تمضي ms2143 المدة بخلاف نفقة الأقارب وكسوتهم، والفرق نحو ما ذكرنا ~~والله أعلم. ### | [فصل في بيان كيفية وجوب هذه النفقة] # وأما بيان كيفية وجوب هذه النفقة فقد اختلف العلماء في كيفية وجوبها قال ~~أصحابنا: إنها تجب على وجه لا يصير دينا في ذمة الزوج إلا بقضاء القاضي أو ~~بتراضي الزوجين فإن لم يوجد أحد هذين؛ تسقط بمضي الزمان وقال الشافعي: إنها ~~تصير دينا في الذمة من غير قضاء القاضي ولا رضاه ولا تسقط بمضي الزمان فيقع ~~الكلام في هذا الفصل في مواضع: في بيان أن الفرض من القاضي أو التراضي هل ~~هو شرط صيرورة هذه النفقة دينا في ذمة الزوج أم لا وفي بيان شرط جواز فرضها ~~من القاضي على الزوج إذا كان شرطا، وفي بيان حكم صيرورتها دينا في ذمة ~~الزوج أما الأول فهو على الاختلاف الذي ذكرنا. # احتج الشافعي بقوله عز وجل {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} ~~[البقرة: 233] على كلمة إيجاب، فقد أخبر سبحانه وتعالى عن وجوب النفقة ~~والكسوة مطلقا عن الزمان، وقوله عز وجل {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه ~~رزقه فلينفق مما آتاه الله} [الطلاق: 7] # PageV04P025 # أمر تعالى بالإنفاق مطلقا عن الوقت ولأن النفقة قد وجبت والأصل أن ما وجب ~~على إنسان لا يسقط إلا بالإيصال أو الإبراء كسائر الواجبات ولأنها وجبت ~~عوضا لوجوبها بمقابلة المتعة فبقيت في الذمة من غير قضاء كالمهر، والدليل ~~عليه أن الزوج يجبر على تسليم النفقة ويحبس عليها والصلة لا تحتمل الحبس ~~والجبر ولنا أن هذه النفقة تجري مجرى الصلة وإن كانت تشبه الأعواض لكنها ~~ليست بعوض حقيقة؛ لأنها لو كانت عوضا حقيقة فأما إن كانت عوضا عن نفس ~~المتعة وهي الاستمتاع. # وأما إن كانت عوضا عن ملك المتعة وهي الاختصاص بها لا سبيل إلى الأول؛ ~~لأن الزوج ملك متعتها بالعقد فكان هو بالاستمتاع متصرفا في ملك نفسه ~~باستيفاء منافع مملوكة له ومن تصرف في ملك نفسه لا يلزمه عوض لغيره ولا وجه ~~للثاني؛ لأن ملك المتعة قد قوبل بعوض مرة ms2144 فلا يقابل بعوض آخر فخلت النفقة ~~عن معوض فلا يكون عوضا حقيقة بل كانت صلة؛ ولذلك سماها الله تعالى رزقا ~~بقوله عز وجل {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} [البقرة: 233] ~~والرزق اسم للصلة كرزق القاضي، والصلات لا تملك بأنفسها بل بقرينة تنضم ~~إليها وهي القبض كما في الهبة أو قضاء القاضي؛ لأن القاضي له ولاية الإلزام ~~في الجملة أو التراضي؛ لأن ولاية الإنسان على نفسه أقوى من ولاية القاضي ~~عليه بخلاف المهر؛ لأنه أوجب بمقابلة ملك المتعة فكان عوضا مطلقا فلا يسقط ~~بمضي الزمان كسائر الديون المطلقة ولا حجة له في الآيتين؛ لأن فيهما وجوب ~~النفقة لا بقاؤها واجبة؛ لأنهما لا يتعرضان للوقت فلو ثبت البقاء إنما يثبت ~~باستصحاب الحال وأنه لا يصلح لإلزام الخصم. # وأما قوله: إن الأصل فيما وجب على إنسان لا يسقط إلا بالإيصال أو الإبراء ~~فنقول: هذا حكم الواجب مطلقا لا حكم الواجب على طريق الصلة بل حكمه أنه ~~يسقط بمضي الزمان كنفقة الأقارب وأجرة المسكن وقد خرج الجواب عن قوله: إنها ~~وجبت عوضا. # وأما الجبر والحبس فالصلة تحتمل ذلك في الجملة فإنه يجبر على نفقة ~~الأقارب ويحبس بها وإن كانت صلة وكذا من أوصى بأن يوهب عبده من فلان بعد ~~موته فمات الموصي فامتنع الوارث من تنفيذ الهبة في العبد يجبر عليه ويحبس؛ ~~بأنه وإن كانت الهبة صلة فدل أن الجبر والحبس لا ينفيان معنى الصلة وعلى ~~هذا يخرج ما إذا استدانت على الزوج قبل الفرض أو التراضي فأنفقت أنها لا ~~ترجع بذلك على الزوج بل تكون متطوعة في الإنفاق سواء كان الزوج غائبا أو ~~حاضرا أنها لم تصر دينا في ذمة الزوج لعدم شرط صيرورتها دينا في ذمته فكانت ~~الاستدانة إلزام الدين الزوج بغير أمره وأمر من له ولاية الأمر فلم يصح ~~وكذا إذا أنفقت من مال نفسها لما قلنا، وكذا لو أبرأت زوجها من النفقة قبل ~~فرض القاضي والتراضي لا يصح الإبراء؛ لأنه إبراء عما ليس بواجب والإبراء ~~إسقاط وإسقاط ما ليس بواجب ms2145 ممتنع وكذا لو صالحت زوجها على نفقة وذلك لا ~~يكفيها ثم طلبت من القاضي ما يكفيها فإن القاضي يفرض لها ما يكفيها؛ لأنها ~~حطت ما ليس بواجب والحط قبل الوجوب باطل كالإبراء والله أعلم. # وأما الثاني فلوجوب الفرض على القاضي وجوازه منه شرطان أحدهما طلب المرأة ~~الفرض منه؛ لأنه إنما يفرض النفقة على الزوج حقا لها فلا بد من الطلب من ~~صاحب الحق والثاني: حضرة الزوج حتى لو كان الزوج غائبا فطلبت المرأة من ~~القاضي أن يفرض لها عليه نفقة لم يفرض وإن كان القاضي عالما بالزوجية وهذا ~~قول أبي حنيفة الآخر وهو قول شريح وقد كان أبو حنيفة أولا يقول: وهو قول ~~إبراهيم النخعي: إن هذا ليس بشرط ويفرض القاضي النفقة على الغائب وحجة هذا ~~القول ما روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال لهند امرأة ~~أبي سفيان خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف» وذلك من النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان فرضا للنفقة على أبي سفيان وكان غائبا وحجة القول ~~الأخير أن الفرض من القاضي على الغائب قضاء عليه. # وقد صح من أصلنا أن القضاء على الغائب لا يجوز إلا أن يكون عنه خصم حاضر ~~ولم يوجد. # وأما الحديث فلا حجة له فيه؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما ~~قال لهند على سبيل الفتوى لا على طريق القضاء بدليل أنه لم يقدر لها ما ~~تأخذه من مال أبي سفيان وفرض النفقة من القاضي تقديرها فإذا لم تقدر لم تكن ~~فرضا فلم تكن قضاء تحقيقه أن من يجوز القضاء على الغائب فإنما يجوزه إذا ~~كان غائبا # PageV04P026 # غيبة سفر فأما إذا كان في المصر فإنه لا يجوز بالإجماع؛ لأنه لا يعد ~~غائبا وأبو سفيان لم يكن مسافرا فدل أن ذلك كان إعانة لا قضاء فإن لم يكن ~~القاضي عالما بالزوجية فسألت القاضي أن يسمع بينتها بالزوجية ويفرض على ~~الغائب - قال أبو يوسف: لا يسمعها ولا يفرض، وقال زفر: يسمع ويفرض لها ~~وتستدين ms2146 عليه فإذا حضر الزوج وأنكر يأمرها بإعادة البينة في وجهه فإن فعلت ~~نفذ الفرض وصحت الاستدانة، وإن لم يفعل لم ينفذ ولم يصح، وجه قول زفر أن ~~القاضي إنما يسمع هذه البينة لا لإثبات النكاح على الغائب ليقال: إن الغيبة ~~تمنع من ذلك بل ليتوصل بها إلى الفرض، ويجوز سماع البينة في حق حكم دون حكم ~~كشهادة رجل وامرأتين على السرقة وأنها تقبل في حق المال ولا تقبل في حق ~~القطع كذا ههنا تقبل هذه البينة في حق صحة الفرض لا في إثبات النكاح فإذا ~~حضر وأنكر استعاد منها البينة فإن أعادت؛ نفذ الفرض وصحت الاستدانة عليه ~~وإلا فلا والصحيح قول أبي يوسف؛ لأن البينة على أصل أصحابنا لا تسمع إلا ~~على خصم حاضر ولا خصم فلا تسمع، وما ذكره زفر أن بينتها تقبل في حق صحة ~~الفرض غير سديد؛ لأن صحة الفرض مبنية على ثبوت الزوجية فإذا لم يكن إلى ~~إثبات الزوجية بالبينة سبيل لعدم الخصم؛ لم يصح، فلا سبيل إلى القبول في حق ~~صحة الفرض ضرورة هذا إذا كان الزوج غائبا ولم يكن له مال حاضر فأما إذا كان ~~له مال حاضر فإن كان المال في يدها وهو من جنس النفقة فلها أن تنفق على ~~نفسها منه بغير أمر القاضي لحديث أبي سفيان فلو طلبت المرأة من القاضي فرض ~~النفقة في ذلك المال وعلم القاضي بالزوجية وبالمال فرض لها النفقة؛ لأن لها ~~أن تأخذه فتنفق على نفسها من غير فرض القاضي فلم يكن الفرض من القاضي في ~~هذه الصورة قضاء بل كان إعانة لها على استيفاء حقها وإن كان في يد مودعه أو ~~مضاربه أو كان له دين على غيره فإن كان صاحب اليد مقرا الوديعة والزوجية أو ~~كان من عليه الدين مقرا بالدين والزوجية أو كان القاضي عالما بذلك فرض لها ~~في ذلك المال نفقتها في قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر: لا يفرض، وجه قوله ~~إن هذا قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر؛ ms2147 إذ المودع ليس بخصم ~~على الزوج وكذا المديون فلا يجوز ولنا أن صاحب اليد وهو المودع إذا أقر ~~الوديعة والزوجية أو أقر المديون بالدين والزوجية فقد أقر أن لها حق الأخذ ~~والاستيفاء؛ لأن للزوجة أن تمد يدها إلى مال زوجها فتأخذ كفايتها منه لحديث ~~امرأة أبي سفيان فلم يكن القاضي فرض لها النفقة في ذلك المال قضاء بل كان ~~إعانة لها على أخذ حقها وله على إحياء زوجته؛ فكان له ذلك وإن جحد أحد ~~الأمرين ولا علم للقاضي به ولم يسمع البينة ولم يفرض؛ لأن سماع البينة ~~والفرض يكون قضاء على الغائب من غير خصم حاضر؛ لأنه إن أنكر الزوجية لا ~~يمكنها إقامة البينة على الزوجية؛ لأن المودع ليس بخصم عنه في الزوجية وإن ~~أنكر الوديعة أو الدين لا يمكنها إقامة البينة على الوديعة والدين؛ لأنها ~~ليست بخصم عن زوجها في إثبات حقوقه فكان سماع البينة على ذلك قضاء على ~~الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر وذلك غير جائز عندنا هذا إذا كانت ~~الوديعة والدين من جنس النفقة بأن كانت دراهم أو دنانير أو طعاما أو ثيابا ~~من جنس كسوتها فأما إذا كان من جنس آخر فليس لها أن تتناول شيئا من ذلك وإن ~~طلبت من القاضي فرض النفقة فيه فإن كان عقارا لا يفرض القاضي النفقة ~~بالإجماع؛ لأنه لا يمكن إيجاب النفقة فيه إلا بالبيع ولا يباع العقار على ~~الغائب في النفقة بالاتفاق وإن كان منقولا من العروض فقد ذكر القاضي في ~~شرحه مختصر الطحاوي الخلاف فيه فقال القاضي: لا يبيع العروض عليه في قول ~~أبي حنيفة وعندهما: له أن يبيعها عليه وهي مسألة الحجر على الحر العاقل ~~البالغ، وذكر القدوري المسألة على الاتفاق فقال القاضي: إنما يبيع على ~~أصلهما على الحاضر الممتنع عن قضاء الدين لكونه ظالما في الامتناع دفعا ~~لظلمه والغائب لا يعلم امتناعه فلا يعلم ظلمه فلا يباع عليه وإذا فرض ~~القاضي لها النفقة في شيء من ذلك وأخذ منها كفيلا فهو حسن لاحتمال ms2148 أن يحضر ~~الزوج فيقيم البينة على طلاقها أو على إيفاء حقها في النفقة عاجلا فينبغي ~~أن يستوثق فيما يعطيها بالكفالة ثم إذا رجع الزوج ينظر إن كان لم يعجل لها ~~النفقة؛ فقد مضى الأمر، وإن كان قد عجل وأقام البينة على ذلك أو لم يقم له ~~بينة واستحلفها فنكلت فهو بالخيار إن شاء أخذ من المرأة وإن شاء أخذ من ~~الكفيل # PageV04P027 # ولو أقرت المرأة أنها كانت قد تعجلت النفقة من الزوج فإن الزوج يأخذ منها ~~ولا يأخذ من الكفيل؛ لأن الإقرار حجة قاصرة فيظهر في حقها لا في حق الكفيل، ~~ولو طلبت الزوجة من الحاكم أن يدفع مهرها ونفقتها من الوديعة والدين؛ لم ~~يفعل ذلك وإن كان عالما بهما؛ لأن القضاء بالنفقة في الوديعة والدين كان ~~نظرا للغائب لما في الإنفاق من إحياء زوجته بدفع الهلاك عنها والظاهر أنه ~~يرضى بذلك وهذا المعنى لا يوجد في المهر والدين، ولو كان الحاكم فرض لها ~~على الزوج النفقة قبل غيبته فطلبت من الحاكم أن يقضي لها بنفقة ماضية في ~~الوديعة والدين قضى لها بذلك؛ لأنه لما جاز القضاء بالنفقة في الوديعة ~~والدين يستوي فيه الماضي والمستقبل؛ لأن طريق الجواز لا يختلف وكذلك إذا ~~كان للغائب مال حاضر وهو من جنس النفقة وله أولاد صغار فقراء وكبار ذكور ~~زمنى فقراء أو إناث فقيرات ووالدان فقيران فإن كان المال في أيديهم فلهم أن ~~ينفقوا منه على أنفسهم وإن طلبوا من القاضي فرض النفقة منه فرض؛ لأن الفرض ~~منه يكون إعانة لا قضاء وإن كان المال في يد مودعه أو كان دينا على إنسان ~~فرض القاضي نفقتهم منه وكذلك إذا أقر المودع والمديون الوديعة والدين ~~والنسب أو علم القاضي بذلك؛ لأن نفقة الوالدين والمولودين تجب بطريق ~~الإحياء؛ لأن الإنسان يرضى بإحياء كله وجزئه من ماله ولهذا كان لأحدهما أن ~~يمد يده إلى مال الآخر عند الحاجة ويأخذه من غير قضاء ولا رضا وقد تحققت ~~الحاجة ههنا فكان للقاضي أن يفرض ذلك من طريق الإعانة لصاحب ms2149 الحق، وإن ~~جحدهما أو أحدهما ولا علم للقاضي به لم يفرض لما ذكرنا في الزوجة ولا يفرض ~~لغيرهما ولا من ذوي الرحم المحرم نفقتهم في مال الغائب؛ لأن نفقتهم من طريق ~~الصلة المحضة؛ إذ ليس لهم حق في مال الغائب أصلا. # ألا ترى أنه ليس لأحد أن يمد يده إلى مال صاحبه فيأخذه وإن مست حاجته من ~~غير قضاء القاضي فكان الفرض قضاء على الغائب من غير خصم حاضر؛ فلا يجوز وإن ~~لم يكن المال من جنس النفقة؛ فليس لهم أن يبيعوا بأنفسهم وليس للقاضي أن ~~يبيع على الغائب في النفقة على هؤلاء العقار بالإجماع والحكم في العروض ما ~~بينا من الاتفاق أو الاختلاف وفي بيع الأب العروض خلاف نذكره في نفقة ~~المحارم. # وأما يسار الزوج فليس بشرط لوجوب الفرض حتى لو كان معسرا وطلبت المرأة ~~الفرض من القاضي فرض عليه إذا كان حاضرا وتستدين عليه فتنفق على نفسها؛ لأن ~~الإعسار لا يمنع وجوب هذه النفقة فلا يمنع الفرض، وإذا طلبت المرأة من ~~القاضي فرض النفقة على زوجها الحاضر فإن كان قبل النقلة وهي بحيث لا تمتنع ~~من التسليم لو طالبها بالتسليم أو كان امتناعها بحق - فرض القاضي لها إعانة ~~لها على الوصول إلى حقها الواجب لوجود سبب الوجوب وشرطه وإن كان بعدما ~~حولها إلى منزله فزعمت أنه ليس ينفق عليها أو شكت التضييق في النفقة؛ فلا ~~ينبغي له أن يعجل بالفرض ولكنه يأمره بالنفقة والتوسيع فيها؛ لأن ذلك من ~~باب الإمساك بالمعروف وإنه مأمور به ويتأتى في الفرض ويتولى الزوج الإنفاق ~~بنفسه قبل الفرض إلى أن يظهر ظلمه بالترك والتضييق في النفقة فحينئذ يفرض ~~عليه نفقة كل شهر ويأمره أن يدفع النفقة إليها لتنفق هي بنفسها على نفسها، ~~ولو قالت: أيها القاضي إنه يريد أن يغيب فخذ لي منه كفيلا بالنفقة لا يجبره ~~القاضي على إعطاء الكفيل؛ لأن نفقة المستقبل غير واجبة للحال فلا يجبر على ~~الكفيل بما ليس بواجب يحققه أنه لا يجبر على التكفيل بدين واجب فكيف ms2150 بغير ~~الواجب، وإلى هذا أشار أبو حنيفة فقال: لا أوجب عليه كفيلا بنفقة لم تجب ~~لها بعد وقال أبو يوسف أستحسن أن آخذ لها منه كفيلا بنفقة أشهر؛ لأنا نعلم ~~بالعادة أن هذا القدر يجب في السفر؛ لأن السفر يمتد إلى شهر غالبا والجواب ~~أن نفقة الشهر لا تجب قبل الشهر فكان تكفيلا بما ليس بواجب فلا يجبر عليه ~~ولكن لو أعطاها كفيلا جاز؛ لأن الكفالة بما ينوب على فلان جائزة. # وأما الثالث وهو بيان حكم صيرورة هذه النفقة دينا في ذمة الزوج فنقول إذا ~~فرض القاضي لها نفقة كل شهر أو تراضيا على ذلك ثم منعها الزوج قبل ذلك ~~أشهرا غائبا كان أو حاضرا فلها أن تطالبه بنفقة ما مضى؛ لأنها صارت دينا ~~بالفرض أو التراضي؛ صارت في استحقاق المطالبة بها كسائر الديون بخلاف نفقة ~~الأقارب إذا مضت المدة ولم تؤخذ أنها تسقط؛ لأنها لا تصير دينا رأسا؛ لأن ~~وجوبها # PageV04P028 # للكفاية وقد حصلت الكفاية فيما مضى فلا يبقى الواجب كما لو استغنى بماله ~~فأما وجوب هذه النفقة فليس للكفاية وإن كانت مقدرة بالكفاية. # ألا ترى أنها تجب مع الاستغناء بأن كانت موسرة وليس في مضي الزمان إلا ~~الاستغناء فلا يمنع بقاء الواجب، ولو أنفقت من مالها بعد الفرض أو التراضي ~~لها أن ترجع على الزوج؛ لأن النفقة صارت دينا عليه وكذلك إذا استدانت على ~~الزوج لما قلنا سواء كانت استدانتها بإذن القاضي أو بغير إذنه غير أنها إن ~~كانت بغير إذن القاضي؛ كانت المطالبة عليها خاصة ولم يكن للغريم أن يطالب ~~الزوج بما استدانت وإن كانت بإذن القاضي؛ لها أن تحيل الغريم على الزوج ~~فيطالبه بالدين وهو فائدة إذن القاضي بالاستدانة، ولو فرض الحاكم النفقة ~~على الزوج فامتنع من دفعها وهو موسر وطلبت المرأة حبسه لها أن تحبسه؛ لأن ~~النفقة لما صارت دينا عليه بالقضاء؛ صارت كسائر الديون إلا أنه لا ينبغي أن ~~يحبسه في أول مرة تقدم إليه بل يؤخر الحبس إلى مجلسين أو ثلاثة يعظه في كل ms2151 ~~مجلس يقدم إليه فإن لم يدفع؛ حبسه حينئذ كما في سائر الديون لما نذكر في ~~كتاب الحبس إن شاء الله تعالى وإذا حبس لأجل النفقة فما كان من جنس النفقة ~~سلمه القاضي إليها بغير رضاه بالإجماع وما كان من خلاف الجنس لا يبيع عليه ~~شيئا من ذلك ولكن يأمره أن يبيع بنفسه وكذا في سائر الديون في قول أبي ~~حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد يبيع عليه وهي مسألة الحجر على الحر العاقل ~~البالغ نذكرها في كتاب الحجر - إن شاء الله تعالى - فإن ادعى الزوج أنه قد ~~أعطاها النفقة وأنكرت فالقول قولها مع يمينها؛ لأن الزوج يدعي قضاء دين ~~عليه وهي منكرة فيكون القول قولها مع يمينها كما في سائر الديون، ولو ~~أعطاها الزوج مالا فاختلفا فقال الزوج: هو من المهر وقالت هي: هو من النفقة ~~فالقول قول الزوج إلا أن تقيم المرأة البينة؛ لأن التمليك منه فكان هو أعرف ~~بجهة التمليك كما لو بعث إليها شيئا فقالت: هو هدية، وقال: هو من المهر أن ~~القول فيه قوله إلا في الطعام الذي يؤكل - لما قلنا - كذا هذا، ولو كان ~~للزوج عليها دين فاحتسبت عن نفقتها؛ جاز لكن برضا الزوج؛ لأن التقاصر إنما ~~يقع بين الدينين المتماثلين؛ ألا ترى أنه لا يقع بين الجيد والرديء ودين ~~الزوج أقوى بدليل أنه لا يسقط بالموت ودين النفقة يسقط بالموت فاشتبه الجيد ~~بالرديء فلا بد من المقاصة بخلاف غيرها من الديون والله أعلم. ### | [فصل في بيان ما يسقط نفقة الزوجة بعد وجوبها وصيرورتها دينا في ذمة الزوج] # (فصل) : # وأما بيان ما يسقطها بعد وجوبها وصيرورتها دينا في ذمة الزوج فالمسقط لها ~~بعد الوجوب قيل صيرورتها دينا في الذمة واحد وهو مضي الزمان من غير فرض ~~القاضي والتراضي. # وأما المسقط لها بعد صيرورتها دينا في الذمة فأمور: منها الإبراء عن ~~النفقة الماضية؛ لأنها لما صارت دينا في ذمته كان الإبراء إسقاطا لدين واجب ~~فيصح كما في سائر الديون، ولو أبرأته عما يستقبل من النفقة المفروضة؛ لم ms2152 ~~يصح الإبراء؛ لأنها تجب شيئا فشيئا على حسب حدوث الزمان فكان الإبراء منها ~~إسقاط الواجب قبل الوجوب وقبل وجود سبب الوجوب أيضا وهو حق الحبس؛ لأنه لا ~~يتجدد بتجدد الزمان؛ فلم يصح وكذا يصح هبة النفقة الماضية؛ لأن هبة الدين ~~يكون إبراء عنه فيكون إسقاط دين واجب فيصح ولا تصح هبة ما يستقبل لما قلنا. # ومنها: موت أحد الزوجين حتى لو مات الرجل قبل إعطاء النفقة لم يكن للمرأة ~~أن تأخذها من ماله، ولو ماتت المرأة لم يكن لورثتها أن يأخذوا لما ذكرنا ~~أنها تجري مجرى الصلة والصلة تبطل بالموت قبل القبض كالهبة فإن كان الزوج ~~أسلفها نفقتها وكسوتها ثم مات قبل مضي ذلك الوقت لم ترجع ورثته عليها بشيء ~~في قول أبي حنيفة وأبي يوسف سواء كان قائما أو مستهلكا، وكذلك لو ماتت هي ~~لم يرجع الزوج في تركتها عندهما وقال محمد: لها حصة ما مضى من النفقة ~~والكسوة ويجب رد الباقي إن كان قائما وإن كان هالكا فلا شيء بالإجماع، وروى ~~ابن رستم عن محمد أنها إن كانت قبضت نفقة شهر فما دونه؛ لم يرجع عليها بشيء ~~وإن كان المفروض أكثر من ذلك يرفع عنها نفقة شهر وردت ما بقي، وجه هذه ~~الرواية أن الشهر فما دونه في حكم القليل فصار كنفقة الحال، وما زاد عليه ~~في حكم الكثير فيثبت به الرجوع كالدين، وجه ظاهر قول محمد أن هذه النفقة ~~تشبه الأعواض فتسلم لها بقدر ما سلم للزوج من المعوض كالإجارة إذا عجل ~~المستأجر الأجرة ثم مات أحدهما # PageV04P029 # قبل تمام المدة وجه قوله أن هذه صلة اتصل بها القبض فلا يثبت فيها الرجوع ~~بعد الموت كسائر الصلات المقبوضة. # وأما قوله: إنها تشبه الأعواض فنعم لكن بوصفها لا بأصلها بل هي صلة ~~بأصلها ألا ترى أنها تسقط بالموت قبل القبض بلا خلاف بين أصحابنا لاعتبار ~~معنى الصلة فيراعي فيها المعنيان جميعا فراعينا معنى الأصل بعد القبض ~~فقلنا: إنها لا تبطل بالموت بعد القبض فلا يثبت فيها الرجوع اعتبارا للأصل ms2153 ~~وراعينا معنى الوصف قبل القبض فقلنا: إنها تبطل بالموت قبل القبض كالصلات ~~وراعينا معنى الوصف بعد القبض فقلنا: لا يثبت فيها الرجوع كالأعواض اعتبارا ~~للأصل والوصف جميعا على ما هو الأصل في العمل بالشبهين عند الإمكان والله ~~الموفق. ### | [فصل في نفقة الأقارب] # (فصل) : # وأما نفقة الأقارب فالكلام فيها أيضا يقع في المواضع التي ذكرناها في ~~نفقة الزوجات وهي بيان وجوب هذه النفقة وسبب وجوبها وشرط الوجوب ومقدار ~~الواجب وكيفية الوجوب وما يسقطها بعد الوجوب أما الأول: وهو بيان الوجوب ~~فلا يمكن الوصول إليه إلا بعد معرفة أنواع القرابات فنقول وبالله التوفيق: ~~القرابة في الأصل نوعان: قرابة الولادة، وقرابة غير الولادة وقرابة غير ~~الولادة نوعان أيضا: قرابة محرمة للنكاح كالأخوة والعمومة والخؤولة وقرابة ~~غير محرمة للنكاح كقرابة بني الأعمام والأخوال والخالات ولا خلاف في وجوب ~~النفقة في قرابة الولادة وأما نفقة الوالدين فلقوله عز وجل {وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} [الإسراء: 23] أي: أمر ربك وقضى أن لا ~~تعبدوا إلا إياه. # أمر سبحانه وتعالى ووصى بالوالدين إحسانا، والإنفاق عليهما حال فقرهما من ~~أحسن الإحسان وقوله عز وجل {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} [العنكبوت: 8] ~~وقوله تعالى {أن اشكر لي ولوالديك} [لقمان: 14] والشكر للوالدين هو ~~المكافأة لهما أمر سبحانه وتعالى الولد أن يكافئ لهما ويجازي بعض ما كان ~~منهما إليه من التربية والبر والعطف عليه والوقاية من كل شر ومكروه وذلك ~~عند عجزهما عن القيام بأمر أنفسهما والحوائج لهما وإدرار النفقة عليهما حال ~~عجزهما وحاجتهما من باب شكر النعمة فكان واجبا وقوله عز وجل {وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا} [لقمان: 15] وهذا في الوالدين الكافرين فالمسلمان أولى ~~والإنفاق عليهما عند الحاجة من أعرف المعروف وقوله عز وجل {فلا تقل لهما أف ~~ولا تنهرهما} [الإسراء: 23] وأنه كناية عن كلام فيه ضرب إيذاء، ومعلوم أن ~~معنى التأذي بترك الإنفاق عليهما عند عجزهما وقدرة الولد أكثر فكان النهي ~~عن التأفيف نهيا عن ترك الإنفاق دلالة، كما كان نهيا عن الشتم والضرب ~~دلالة. # وروي عن جابر بن عبد ms2154 الله - رضي الله عنه - أن «رجلا جاء إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ومعه أبوه فقال: يا رسول الله إن لي مالا وإن لي أبا ~~وله مال وإن أبي يريد أن يأخذ مالي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنت ومالك لأبيك» أضاف مال الابن إلى الأب فاللام التمليك وظاهره يقتضي أن ~~يكون للأب في مال ابنه حقيقة الملك فإن لم تثبت الحقيقة فلا أقل من أن يثبت ~~له حق التمليك عند الحاجة. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إن أطيب ما يأكل الرجل من ~~كسبه وإن ولده من كسبه فكلوا من كسب أولادكم إذا احتجتم إليه بالمعروف» ~~والحديث حجة بأوله وآخره أما بآخره فظاهر؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - ~~أطلق للأب الأكل من كسب ولده إذا احتاج إليه مطلقا عن شرط الإذن والعوض ~~فوجب القول به. # وأما بأوله فلأن معنى قوله وإن ولده من كسبه أي: كسب ولده من كسبه؛ لأنه ~~جعل كسب الرجل أطيب المأكول والمأكول كسبه لا نفسه وإذا كان كسب ولده كسبه ~~كانت نفقته فيه؛ لأن نفقة الإنسان في كسبه ولأن ولده لما كان من كسبه؛ كان ~~كسب ولده ككسبه وكسب كسب الإنسان كسبه، ككسب عبده المأذون فكانت نفقته فيه. # وأما نفقة الولد فلقوله تعالى {والوالدات يرضعن أولادهن} [البقرة: 233] ~~إلى قوله {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن} [البقرة: 233] أي: رزق الوالدات ~~المرضعات فإن كان المراد من الوالدات المرضعات المطلقات المنقضيات العدة؛ ~~ففيها إيجاب نفقة الرضاع على المولود له وهو الأب لأجل الولد كما في قوله ~~تعالى {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] وإن كان المراد من (هن) ~~المنكوحات أو المطلقات المعتدات فإنما ذكر النفقة والكسوة في حال الرضاع ~~وإن كانت المرأة تستوجب ذلك من غير ولد؛ لأنها تحتاج إلى فضل إطعام وفضل ~~كسوة لمكان الرضاع. # ألا ترى أن لها أن تفطر لأجل الرضاع إذا كانت صائمة لزيادة حاجتها إلى ~~الطعام بسبب # PageV04P030 # الولد ولأن الإنفاق عند الحاجة من باب إحياء المنفق عليه والولد ms2155 جزء ~~الوالد وإحياء نفسه واجب كذا إحياء جزئه واعتبار هذا المعنى يوجب النفقة من ~~الجانبين ولأن هذه القرابة مفترضة الوصل محرمة القطع بالإجماع والإنفاق من ~~باب الصلة فكان واجبا وتركه مع القدرة للمنفق وتحقق حاجة المنفق عليه يؤدي ~~إلى القطع فكان حراما واختلف في وجوبها في القرابة المحرمة للنكاح سوى ~~قرابة الولادة قال أصحابنا: تجب وقال مالك والشافعي: لا تجب غير أن مالكا ~~يقول: لا نفقة إلا على الأب للابن والابن للأب حتى قال: لا نفقة على الجد ~~لابن الابن ولا على ابن الابن للجد وقال الشافعي: تجب على الوالدين ~~والمولودين، والكلام في هذه المسألة بناء على أن هذه القرابة مفترضة الوصل ~~محرمة القطع عندنا خلافا لهما وعلى هذا ينبني العتق عند الملك، ووجوب القطع ~~بالسرقة وهي من مسائل العتاق نذكرها هناك إن شاء الله تعالى ثم الكلام في ~~المسألة على سبيل الابتداء احتج الشافعي فقال: إن الله تعالى أوجب النفقة ~~على الأب لا غير بقوله تعالى {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} ~~[البقرة: 233] فمن كان مثل حاله في القرب يلحق به وإلا فلا ولا يقال: إن ~~الله تعالى قال {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] ؛ لأن ابن عباس - رضي ~~الله عنه - صرف قوله ذلك إلى ترك المضارة لا إلى النفقة والكسوة؛ فكان ~~معناه لا يضار الوارث باليتيم كما لا تضار الوالدة والمولود له بولدهما ~~ولنا قوله تعالى {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] . # وروي عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت - رضي الله عنهما - وجماعة من ~~التابعين أنه معطوف على النفقة والكسوة لا غير، لا على ترك المضارة معناه ~~وعلى الوارث مثل ما على المولود له من النفقة والكسوة؛ ومصداق هذا التأويل ~~أنه لو جعل عطفا على هذا؛ لكان عطف الاسم على الاسم وإنه شائع، ولو عطف على ~~ترك المضارة لكان عطف الاسم على الفعل؛ فكان الأول أولى ولأنه لو جعل عطفا ~~على قوله {لا تضار} [البقرة: 233] لكان من حق الكلام أن يقول: والوارث مثل ~~ذلك وجماعة من أهل التأويل عطفوا ms2156 على الكل من النفقة والكسوة وترك المضارة؛ ~~لأن الكلام كله معطوف بعضه على بعض بحرف الواو وإنه حرف جمع فيصير الكل ~~مذكورا في حالة واحدة فينصرف قوله ذلك إلى الكل أي: على الوارث مثل ذلك من ~~النفقة والكسوة وأنه لا يضارها، ولا تضاره في النفقة وغيرها وبه تبين رجحان ~~هذين التأويلين على تأويل ابن عباس - رضي الله عنهما - على أن ما قاله ابن ~~عباس ومن تابعه لا ينفي وجوب النفقة على الوارث بل يوجب لأن قوله تعالى {لا ~~تضار والدة بولدها} [البقرة: 233] نهى سبحانه وتعالى عن المضارة مطلقا في ~~النفقة وغيرها فإذا كان معنى إضرار الوالد الوالدة بولدها بترك الإنفاق ~~عليها أو بانتزاع الولد منها وقد أمر الوارث بقوله تعالى {وعلى الوارث مثل ~~ذلك} [البقرة: 233] أنه لا يضارها؛ فإنما يرجع ذلك إلى مثل ما لزم الأب ~~وذلك يقتضي أن يجب على الوارث أن يسترضع الوالدة بأجرة مثلها ولا يخرج ~~الولد من يدها إلى يد غيرها إضرارا بها وإذا ثبت هذا فظاهر الآية يقتضي ~~وجوب النفقة والكسوة على كل وارث أو على مطلق الوارث إلا من خص أو قيد ~~بدليل. # وأما القرابة التي بمحرمة للنكاح فلا نفقة فيها عند عامة العلماء خلافا ~~لابن أبي ليلى واحتج بظاهر قوله تعالى {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] ~~من غير فصل بين وارث ووارث، وإنا نقول: المراد من الوارث الأقارب الذي له ~~رحم محرم لا مطلق الوارث، عرفنا ذلك بقراءة عبد الله بن مسعود - رضي الله ~~عنه - وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك ولأن وجوبها في القرآن العظيم ~~معلولا بكونها صلة الرحم صيانة لها عن القطيعة فيختص وجوبها بقرابة يجب ~~وصلها ويحرم قطعها ولم توجد؛ فلا تجب ولهذا لا يثبت العتق عند الملك ولا ~~يحرم النكاح ولا يمنع وجوب القطع بالسرقة، والله الموفق. ### | [فصل في سبب وجوب هذه النفقة] # (فصل) : # وأما سبب وجوب هذه النفقة أما نفقة الولادة فسبب وجوبها هو الولادة؛ لأن ~~به تثبت الجزئية والبعضية والإنفاق على المحتاج إحياء له ويجب على ms2157 الإنسان ~~إحياء كله وجزئه وإن شئت قلت: سبب نفقة الأقارب في الولادة وغيرها من الرحم ~~المحرم هو القرابة المحرمة للقطع؛ لأنه إذا حرم قطعها يحرم كل سبب مفض إلى ~~القطع. # وترك الإنفاق من ذي الرحم المحرم مع قدرته وحاجة المنفق عليه تفضي إلى ~~قطع الرحم فيحرم الترك وإذا حرم الترك؛ وجب الفعل ضرورة وإذا عرف هذا ~~فنقول: الحال في القرابة الموجبة للنفقة لا يخلو إما أن كانت حال الانفراد ~~وإما إن كانت حال # PageV04P031 # الاجتماع فإن كانت حال الانفراد بأن لم يكن هناك ممن تجب عليه النفقة إلا ~~واحدا تجب كل النفقة عليه عند استجماع شرائط الوجوب لوجود سبب وجوب كل ~~النفقة عليه وهو الولادة والرحم المحرم وشرطه من غير مزاحم، وإن كانت حال ~~الاجتماع فالأصل أنه متى اجتمع الأقرب والأبعد؛ فالنفقة على الأقرب في ~~قرابة الولادة وغيرها من الرحم المحرم فإن استويا في القرب ففي قرابة ~~الولادة يطلب الترجيح من وجه آخر وتكون النفقة على من وجد في حقه نوع رجحان ~~فلا تنقسم النفقة عليهما على قدر الميراث وإن كان كل واحد منهما وارثا، وإن ~~لم يوجد الترجيح فالنفقة عليهما على قدر ميراثهما. # وأما في غيرها من الرحم المحرم فإن كان الوارث أحدهما والآخر محجوبا؛ ~~فالنفقة على الوارث ويرجح بكونه وارثا وإن كان كل واحد منهما وارثا فالنفقة ~~عليهما على قدر الميراث وإنما كان كذلك؛ لأن النفقة في قرابة الولادة تجب ~~بحق الولادة لا بحق الوراثة قال الله تعالى {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف} [البقرة: 233] علق سبحانه وتعالى وجوبها باسم الولادة، وفي غيرها ~~من الرحم المحرم تجب بحق الوراثة لقوله عز وجل {وعلى الوارث مثل ذلك} ~~[البقرة: 233] علق سبحانه وتعالى الاستحقاق بالإرث فتجب بقدر الميراث ولهذا ~~قال أصحابنا: إن من أوصى لورثة فلان وله بنون وبنات فالوصية بينهم للذكر ~~مثل حظ الأنثيين، ولو أوصى لولد فلان؛ كان الذكر والأنثى فيه سواء فدل به ~~ما ذكرنا. # وبيان هذا الأصل إذا كان له ابن وابن ابن فالنفقة على الابن؛ لأنه أقرب، ms2158 ~~ولو كان الابن معسرا وابن الابن موسرا فالنفقة على الابن أيضا إذا لم يكن ~~زمنا؛ لأنه هو الأقرب ولا سبيل إلى إيجاب النفقة على الأبعد مع قيام الأقرب ~~إلا أن القاضي يأمر ابن الابن بأن يؤدي عنه على أن يرجع عليه إذا أيسر ~~فيصير الأبعد نائبا عن الأقرب في الأداء، ولو أدى بغير أمر القاضي لم يرجع، ~~ولو كان له أب وجد فالنفقة على الأب لا على الجد؛ لأن الأب أقرب، ولو كان ~~الأب معسرا والجد موسرا فنفقته على الأب أيضا إذا لم يكن زمنا لكن يؤمر ~~الجد بأن ينفق ثم يرجع على الأب إذا أيسر، ولو كان له أب وابن ابن فنفقته ~~على الأب؛ لأنه أقرب إلا أنه إذا كان الأب معسرا غير زمن وابن الابن موسرا ~~فإنه يؤدي عن الأب بأمر القاضي ثم يرجع عليه إذا أيسر، ولو كان له أب وابن ~~فنفقته على الابن لا على الأب وإن استويا في القرب والوراثة ويرجع الابن ~~بالإيجاب عليه؛ لكونه كسب الأب فيكون له حقا في كسبه وكون ماله مضافا إليه ~~شرعا لقوله - صلى الله عليه وسلم - «أنت ومالك لأبيك» ولا يشارك الولد في ~~نفقة والده أحد لما قلنا وكذا في نفقة والدته لعدم المشاركة في السبب وهو ~~الولادة، والاختصاص بالسبب يوجب الاختصاص بالحكم وكذا لا يشارك الإنسان أحد ~~في نفقة جده وجدته عند عدم الأب والأم؛ لأن الجد يقوم مقام الأب عند عدمه ~~والجدة تقوم مقام الأم عند عدمها. # ولو كان له ابنان فنفقته عليهما على السواء وكذا إذا كان له ابن وبنت ولا ~~يفضل الذكر على الأنثى في النفقة؛ لاستوائهما في سبب الوجوب وهو الولادة، ~~ولو كان له بنت وأخت فالنفقة على البنت؛ لأن الولادة لها، وهذا يدل على أن ~~النفقة لا تعتبر بالميراث؛ لأن الأخت ترث مع البنت ولا نفقة عليها مع البنت ~~ولا تجب على الابن نفقة منكوحة أبيه؛ لأنها أجنبية عنه إلا أن يكون الأب ~~محتاجا إلى من يخدمه فحينئذ يجب عليه نفقة امرأته؛ لأنه ms2159 يؤمر بخدمة الأب ~~بنفسه أو بالأجير، ولو كان للصغير أبوان فنفقته على الأب لا على الأم ~~بالإجماع وإن استويا في القرب والولادة ولا يشارك الأب في نفقة ولده أحد؛ ~~لأن الله تعالى خص الأب بتسميته بكونه مولودا له وأضاف الولد إليه فاللام ~~الملك وخصه بإيجاب نفقة الولد الصغير عليه بقوله {وعلى المولود له رزقهن} ~~[البقرة: 233] أي رزق الوالدات المرضعات سمى الأم والدة والأب مولودا له ~~وقال عز وجل {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] خص سبحانه وتعالى ~~الأب بإيتاء أجر الرضاع بعد الطلاق، وكذا أوجب في الآيتين كل نفقة الرضاع ~~على الأب لولده الصغير وليس وراء الكل شيء ولا يقال: إن الله عز وجل قال ~~{وعلى المولود له رزقهن} [البقرة: 233] ثم قال {وعلى الوارث مثل ذلك} ~~[البقرة: 233] والأم وارثة فيقتضي أن تشارك في النفقة كسائر الورثة من ذوي ~~الرحم المحرم وكمن قال: أوصيت لفلان من مالي بألف درهم وأوصيت لفلان مثل ~~ذلك ولم تخرج الوصيتان من الثلث أنهما يشتركان فيه كذا هذا؛ لأنا نقول لما ~~جعل الله عز وجل كل النفقة على الأب بقوله {وعلى المولود له رزقهن} ~~[البقرة: 233] تعذر إيجابها على الأم # PageV04P032 # حال قيام الأب فيحمل على حال عدمه ليكون عملا بالنص من كل وجه في الحالين ~~ولم يوجد مثل هذا في سائر ذوي الرحم المحرم وفي باب الوصية لا يمكن العمل ~~بكل واحدة من الوصيتين في حالين وقد ضاق المحل عن قبولهما في حالة واحدة ~~فلزم القول بالشركة ضرورة، ولو كان الأب معسرا غير عاجز عن الكسب والأم ~~موسرة فالنفقة على الأب لكن تؤمر الأم بالنفقة ثم ترجع بها على الأب إذا ~~أيسر؛ لأنها تصير دينا في ذمته إذا أنفقت بأمر القاضي، ولو كان للصغير أب ~~وأم أم فالنفقة على الأب والحضانة على الجدة؛ لأن الأم لما لم تشارك الأب ~~في نفقة ولده الصغير مع قربها؛ فالجدة مع بعدها أولى هذا إذا كان الولد ~~صغيرا فقيرا وله أبوان موسران، فأما إذا كان كبيرا وهو ذكر فقير عاجز عن ms2160 ~~الكسب فقد ذكر في كتاب النكاح أن نفقته أيضا على الأب خاصة، وذكر الخصاف ~~أنه على الأب والأم أثلاثا ثلثاها على الأب وثلثها على الأم، وجه ما ذكره ~~الخصاف أن الأب إنما خص بإيجاب النفقة عليه لابنه الصغير لاختصاصه بالولاية ~~وقد زالت ولايته بالبلوغ فيزول الاختصاص فتجب عليهما على قدر ميراثهما، وجه ~~رواية كتاب النكاح أن تخصيص الأب بالإيجاب حال الصغر لاختصاصه بتسميته ~~بكونه مولودا له وهذا ثابت بعد الكبر فيختص بنفقته كالصغر، واعتبار الولاية ~~والإرث في هذه النفقة غير سديد؛ لأنها تجب مع اختلاف الدين ولا ولاية ولا ~~إرث عند اختلاف الدين ولا يشارك الجد أحد في نفقة ولد ولده عند عدم ولده؛ ~~لأنه يقوم مقام ولده عند عدمه ولا يشارك الزوج في نفقة زوجته أحد؛ لأنه لا ~~يشاركه أحد في سبب وجوبها وهو حق الحبس الثابت بالنكاح، حتى لو كان لها زوج ~~معسر وابن موسر من غير هذا الزوج أو أب موسر أو أخ موسر؛ فنفقتها على الزوج ~~لا على الأب والابن والأخ، لكن يؤمر الأب أو الابن أو الأخ بأن ينفق عليها ~~ثم يرجع على الزوج إذا أيسر، ولو كان له جد وابن ابن فالنفقة عليهما على ~~قدر ميراثهما في القرابة والوراثة سواء ولا ترجيح لأحدهما على الآخر من وجه ~~آخر، فكانت النفقة عليهما على قدر الميراث: السدس على الجد والباقي على ابن ~~الابن كالميراث، ولو كان له أم وجد كانت النفقة عليهما أثلاثا: الثلث على ~~الأم والثلثان على الجد على قدر ميراثهما، وكذلك إذا كان له أم وأخ لأب وأم ~~أو لأب أو ابن أخ لأب وأم أو لأب أو عم لأم وأب أو لأب؛ كانت النفقة عليهما ~~أثلاثا: ثلثها على الأم والثلثان على الأخ وابن الأخ والعم وكذلك إذا كان ~~له أخ لأب وأم وأخت لأب وأم؛ كانت النفقة عليهما أثلاثا على قدر ميراثهما، ~~ولو كان له أخ لأب وأم وأخ لأم فالنفقة عليهما أسداسا سدسها على الأخ لأم ~~وخمسة أسداسها على الأخ لأب وأم، ms2161 ولو كان له جد وجدة كانت النفقة عليهما ~~أسداسا على قدر الميراث، ولو كان له عم وعمة فالنفقة على العم؛ لأنهما ~~استويا في القرابة المحرمة للقطع، والعم هو الوارث فيرجح بكونه وارثا وكذلك ~~لو كان له عم وخال لما قلنا، ولو كان له عمة وخالة أو خال فالنفقة عليهما ~~أثلاثا: ثلثاها على العمة والثلث على الخال أو الخالة، ولو كان له خال وابن ~~عم فالنفقة على الخال لا على ابن العم؛ لأنهما ما استويا في سبب الوجوب وهو ~~الرحم المحرم للقطع؛ إذ الخال هو ذو الرحم المحرم واستحقاق الميراث للترجيح ~~والترجيح يكون بعد الاستواء في ركن العلة ولم يوجد، ولو كان له عمة وخالة ~~وابن عم فعلى الخالة الثلث وعلى العمة الثلثان لاستوائهما في سبب استحقاق ~~الإرث فيكون النفقة بينهما على قدر الميراث ولا شيء على ابن العم لانعدام ~~سبب الاستحقاق في حقه وهو القرابة المحرمة القطع، ولو كان له ثلاث أخوات ~~متفرقات وابن عم فالنفقة على الأخوات على خمسة أسهم: ثلاثة أسهم على الأخت ~~لأب وأم وسهم على الأخت لأم وسهم على الأخت لأب على قدر الميراث ولا يعتد ~~بابن العم في النفقة لانعدام سبب الاستحقاق في حقه فيلحق بالعدم كأنه ليس ~~له إلا الأخوات وميراثه لهن على خمسة أسهم كذا النفقة عليهن، ولو كان له ~~ثلاثة إخوة متفرقين فالنفقة على الأخ للأب والأم وعلى الأخ للأم على قدر ~~الميراث أسداسا؛ لأن الأخ لا يرث معهما فيلحق بالعدم، ولو كان له عم وعمة ~~وخالة فالنفقة على العم؛ لأن العم مساو لهما في سبب الاستحقاق وهو الرحم ~~وفضلهما بكونه وارثا؛ إذ الميراث له لا لهما فكانت النفقة عليه لا عليهما، ~~وإن كان العم معسرا فالنفقة عليهما؛ لأنه يجعل كالميت، والأصل في هذا أن كل ~~من كان يحوز جميع الميراث # PageV04P033 # وهو معسر يجعل كالميت وإذا جعل كالميت؛ كانت النفقة على الباقين على قدر ~~مواريثهم وكل من كان يحوز بعض الميراث لا يجعل كالميت فكانت النفقة على قدر ~~مواريث من يرث معه ms2162 بيان هذا الأصل: رجل معسر عاجز عن الكسب وله ابن معسر ~~عاجز عن الكسب أو هو صغير وله ثلاثة إخوة متفرقين فنفقة الأب على أخيه ~~لأبيه وأمه وعلى أخيه لأمه أسداسا: سدس النفقة على الأخ لأم وخمسة أسداسها ~~على الأخ لأب وأم، ونفقة الولد على الأخ لأب وأم خاصة؛ لأن الأب يحوز جميع ~~الميراث فيجعل كالميت فيكون نفقة الأب على الأخوين على قدر ميراثهما منه ~~وميراثهما من الأب هذا فأما الابن فوارثه العم لأب وأم لا العم لأب ولا ~~العم لأم؛ فكانت نفقته على عمه لأب وأم، ولو كان للرجل ثلاث أخوات متفرقات ~~كانت نفقته عليهن أخماسا: ثلاثة أخماسها على الأخت لأب وأم، وخمس على الأخت ~~لأب وخمس على الأخت لأم على قدر مواريثهن ونفقة الابن على عمته لأب وأم؛ ~~لأنها هي الوارثة منه لا غير، ولو كان مكان الابن بنت والمسألة بحالها؛ ~~فنفقة الأب في الإخوة المتفرقين على أخيه لأبيه وأمه وفي الأخوات المتفرقات ~~على أخته لأبيه وأمه؛ لأن البنت لا تحوز جميع الميراث فلا حاجة إلى أن تجعل ~~كالميتة فكان الوارث معها الأخ للأب والأم لا غير والأخت لأب وأم لا غير؛ ~~لأن الأخ والأخت لأم لا يرثان مع الولد والأخ لأب لا يرث مع الأخ لأب وأم ~~والأخت لأب لا ترث مع البنت والأخت لأب وأم؛ لأن الأخوات مع البنات عصبة ~~وفي العصبات يقدم الأقرب فالأقرب فكانت النفقة عليهما وكذلك نفقة البنت على ~~العم لأب وأم أو على العمة لأب وأم؛ لأنهما وارثاها بخلاف الفصل الأول؛ لأن ~~هناك لا يمكن الإيجاب للنفقة على الإخوة والأخوات إلا بجعل الابن كالميت؛ ~~لأنه يحوز جميع الميراث فمست الحاجة إلى أن يجعل ميتا حكما، ولو كان الابن ~~ميتا كان ميراث الأب للأخ لأب وأم وللأخ لأم أسداسا وللأخوات أخماسا، فكذا ~~النفقة وعلى هذا الأصل مسائل. ### | [فصل في شرائط وجوب هذه النفقة] # وأما شرائط وجوب هذه النفقة فأنواع: بعضها يرجع إلى المنفق عليه خاصة، ~~وبعضها يرجع إلى المنفق خاصة، وبعضها يرجع إليهم، ms2163 وبعضها يرجع إلى غيرهما ~~أما الذي يرجع إلى المنفق عليه خاصة فأنواع ثلاثة: أحدها إعساره فلا تجب ~~لموسر على غيره نفقة في قرابة الولاد وغيرها من الرحم المحرم؛ لأن وجوبها ~~معلول بحاجة المنفق عليه فلا تجب لغير المحتاج ولأنه إذا كان غنيا لا يكون ~~هو بإيجاب النفقة له على غيره أولى من الإيجاب لغيره عليه فيقع التعارض ~~فيمتنع الوجوب بل إذا كان مستغنى بماله كان إيجاب النفقة في ماله أولى من ~~إيجابها في مال غيره بخلاف نفقة الزوجات أنها تجب للزوجة الموسرة؛ لأن وجوب ~~تلك النفقة لا يتبع الحاجة بل لها شبه بالأعواض فيستوي فيها المعسرة ~~والموسرة كثمن البيع والمهر واختلف في حد المعسر الذي يستحق النفقة قيل: هو ~~الذي يحل له أخذ الصدقة ولا تجب عليه الزكاة وقيل: هو المحتاج. # ولو كان له منزل وخادم هل يستحق النفقة على قريبه الموسر؟ فيه اختلاف ~~الرواية. # في رواية لا يستحق حتى لو كان أختا لا يؤمر الأخ بالإنفاق عليها وكذلك ~~إذا كانت بنتا له أو أما وفي رواية يستحق وجه الرواية الأولى أن النفقة لا ~~تجب لغير المحتاج وهؤلاء غير محتاجين؛ لأنه يمكن الاكتفاء بالأدنى بأن يبيع ~~بعض المنزل أو كله ويكتري منزلا فيسكن بالكراء أو يبيع الخادم، وجه الرواية ~~الأخرى أن بيع المنزل لا يقع إلا نادرا وكذا لا يمكن لكل أحد السكنى ~~بالكراء أو بالمنزل المشترك وهذا هو الصواب أن لا يؤمر أحد ببيع الدار بل ~~يؤمر القريب بالإنفاق عليه. # ألا ترى أنه تحل الصدقة لهؤلاء ولا يؤمرون ببيع المنزل ثم الولد الصغير ~~إذا كان له مال حتى كانت نفقته في ماله لا على الأب وإن كان الأب موسرا فإن ~~كان المال حاضرا في يد الأب أنفق منه عليه وينبغي أن يشهد على ذلك؛ إذ لو ~~لم يشهد فمن الجائز أن ينكر الصبي إذا بلغ فيقول للأب إنك أنفقت من مال ~~نفسك لا من مالي فيصدقه القاضي؛ لأن الظاهر أن الرجل الموسر ينفق على ولده ~~من مال نفسه وإن ms2164 كان لولده مال فكان الظاهر شاهدا للولد فيبطل حق الأب، وإن ~~كان المال غائبا ينفق من مال نفسه بأمر القاضي إياه بالإنفاق ليرجع أو يشهد ~~على أنه ينفق من مال نفسه ليرجع به في مال ولده ليمكنه الرجوع لما ذكرنا أن ~~الظاهر أن الإنسان يتبرع بالإنفاق من مال نفسه على ولده فإذا أمره القاضي ~~بالإنفاق من ماله ليرجع أو أشهد # PageV04P034 # على أنه ينفق ليرجع فقد بطل الظاهر وتبين أنه إنما أنفق من ماله على طريق ~~القرض وهو يملك إقراض ماله من الصبي فيمكنه الرجوع وهذا في القضاء فأما ~~فيما بينه وبين الله تعالى فيسعه أن يرجع من غير أمر القاضي والإشهاد بعد ~~أن نوى بقلبه أنه ينفق ليرجع؛ لأنه إذا نوى صار ذلك دينا على الصغير وهو ~~يملك إثبات الدين عليه؛ لأنه يملك إقراض ماله منه والله عز وجل عالم بنيته ~~فجاز له الرجوع فيما بينه وبين الله تعالى، والله أعلم والثاني عجزه عن ~~الكسب بأن كان به زمانة أو قعد أو فلج أو عمى أو جنون أو كان مقطوع اليدين ~~أو أشلهما أو مقطوع الرجلين أو مفقوء العينين أو غير ذلك من العوارض التي ~~تمنع الإنسان من الاكتساب حتى لو كان صحيحا مكتسبا لا يقضى له بالنفقة على ~~غيره وإن كان معسرا إلا للأب خاصة والجد عند عدمه فإنه يقضى بنفقة الأب وإن ~~كان قادرا على الكسب بعد أن كان معسرا على ولده الموسر وكذا نفقة الجد على ~~ولد ولده إذا كان موسرا، وإنما كان كذلك؛ لأن المنفق عليه إذا كان قادرا ~~على الكسب كان مستغنى بكسبه فكان غناه بكسبه كغناه بماله فلا تجب نفقته على ~~غيره إلا الولد؛ لأن الشرع نهى الولد عن إلحاق أدنى الأذى بالوالدين وهو ~~التأفيف بقوله عز وجل {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] ومعنى الأذى في ~~إلزام الأب الكسب مع غنى الولد أكثر فكان أولى بالنهي ولم يوجد ذلك في ~~الابن ولهذا لا يحبس الرجل بدين ابنه ويحبس بدين أبيه ولأن الشرع أضاف مال ms2165 ~~الابن إلى الأب فاللام الملك فكان ماله كماله وكذا هو كسب كسبه؛ فكان ككسبه ~~فكانت نفقته فيه والثالث: أن الطلب والخصومة بين يدي القاضي في أحد نوعي ~~النفقة وهي نفقة غير الولاد فلا تجب بدونه؛ لأنها لا تجب بدون قضاء القاضي ~~والقضاء لا بد له من الطلب والخصومة. # وأما الذي يرجع إلى المنفق خاصة فيساره في قرابة غير الولاد من الرحم ~~المحرم فلا يجب على غير الموسر في هذه القرابة نفقة وإن كان قادرا على ~~الكسب؛ لأن وجوب هذه النفقة من طريق الصلة والصلات تجب على الأغنياء لا على ~~الفقراء وإذا كان يسار المنفق شرط وجوب النفقة عليه في قرابة ذي الرحم؛ فلا ~~بد من معرفة حد اليسار الذي يتعلق به وجوب هذه النفقة. # روي عن أبي يوسف فيه أنه اعتبر نصاب الزكاة قال: ابن سماعة قال في ~~نوادره: سمعت أبا يوسف قال: لا أجبر على نفقة ذي الرحم المحرم من لم يكن ~~معه ما تجب فيه الزكاة، ولو كان معه مائتا درهم إلا درهما وليس له عيال وله ~~أخت محتاجة لم أجبره على نفقتها وإن كان يعمل بيده ويكتسب في الشهر خمسين ~~درهما. # وروى هشام عن محمد أنه قال: إذا كان له نفقة شهر وعنده فضل عن نفقة شهر ~~له ولعياله؛ أجبره على نفقة ذي الرحم المحرم قال محمد: وأما من لا شيء له ~~وهو يكتسب كل يوم درهما يكتفي منه بأربعة دوانيق فإنه يرفع لنفسه ولعياله ~~ما يتسع به وينفق فضله على من يجبر على نفقته، وجه رواية هشام عن محمد أن ~~من كان عنده كفاية شهر فما زاد عليها فهو غني عنه في الحال والشهر يتسع ~~للاكتساب؛ فكان عليه صرف الزيادة إلى أقاربه، وجه قول أبي يوسف أن نفقة ذي ~~الرحم صلة والصلات إنما تجب على الأغنياء كالصدقة وحد الغنى في الشريعة ما ~~تجب فيه الزكاة وما قاله محمد أوفق وهو أنه إذا كان له كسب دائم وهو غير ~~محتاج إلى جميعه فما زاد على كفايته يجب ms2166 صرفه إلى أقاربه كفضل ماله إذا كان ~~له مال ولا يعتبر النصاب؛ لأن النصاب إنما يعتبر في وجوب حقوق الله تعالى ~~المالية والنفقة حق العبد فلا معنى للاعتبار بالنصاب فيها وإنما يعتبر فيها ~~إمكان الأداء، ولو طلب الفقير العاجز عن الكسب من ذي الرحم المحرم منه نفقة ~~فقال: أنا فقير وادعى هو أنه غني فالقول قول المطلوب؛ لأن الأصل هو الفقر ~~والغنى عارض فكان الظاهر شاهدا له فمحمد يحتاج إلى الفرق بينه وبين نفقة ~~الزوجات والفرق له أن الإقدام على النكاح دليل القدرة فبطلت شهادة الظاهر. # وأما قرابة الولاد فينظر إن كان المنفق هو الأب؛ فلا يشترط يساره لوجوب ~~النفقة عليه بل قدرته على الكسب كافية حتى تجب عليه النفقة على أولاده ~~الصغار والكبار الذكور الزمنى الفقراء والإناث الفقيرات وإن كن صحيحات وإن ~~كان معسرا بعد أن كان قادرا على الكسب؛ لأن الإنفاق عليهم عند حاجتهم ~~وعجزهم عن الكسب إحياؤهم وإحياؤهم إحياء نفسه؛ لقيام الجزئية والعصبية ~~وإحياء نفسه واجب، ولو كان لهم جد موسر لم يفرض النفقة على الجد ولكن يؤمر # PageV04P035 # الجد بالإنفاق عليهم عند حاجتهم ثم يرجع به على ابنه؛ لأن النفقة لا تجب ~~على الجد مع وجود الأب إذا كان الأب قادرا على الكسب. # ألا ترى أنه لا يجب عليه نفقة ابنه فنفقة أولاده أولى وإن لم يكن الأب ~~قادرا على الكسب بأن كان زمنا قضي بنفقتهم على الجد؛ لأن عليه نفقة أبيهم ~~فكذا نفقتهم. # وروي عن أبي يوسف أنه قال في صغير له والد محتاج وهو زمن فرضت نفقته على ~~قرابته من قبل أبيه دون قرابته من قبل أمه كل من أجبرته على نفقة الأب ~~أجبرته على نفقة الغلام إذا كان زمنا؛ لأن الأب إذا كان زمنا كانت نفقته ~~على قرابته فكذا نفقة ولده؛ لأنه جزؤه قال: فإن لم يكن له قرابة من قبل ~~أبيه قضيت بنفقته على أبيه وأمرت الخال أن ينفق عليه ويكون ذلك دينا على ~~الأب، ووجه الفرق بين قرابة الأب وقرابة الأم أن ms2167 قرابة الأب تجب عليهم نفقة ~~الأب إذا كان زمنا فكذا نفقة ولده الصغير فأما قرابة الأم فلا يجب عليهم ~~نفقة الأب ولا نفقة الولد؛ لأن الأب لا يشاركه أحد في نفقة ولده وإن كان ~~المنفق هو الابن وهو معسر مكتسب ينظر في كسبه فإن كان فيه فضل عن قوته يجبر ~~على الإنفاق على الأب من الفضل؛ لأنه قادر على إحيائه من غير خلل يرجع إليه ~~وإن كان لا يفضل من كسبه شيء يؤمر فيما بينه وبين الله عز وجل أن يواسي ~~أباه؛ إذ لا يحسن أن يترك أباه ضائعا جائعا يتكفف الناس وله كسب وهل يجبر ~~على أن ينفق عليه وتفرض عليه النفقة إذا طلب الأب الفرض أو يدخل عليه في ~~النفقة إذا طلب الأب ذلك قال عامة الفقهاء: إنه لا يجبر على ذلك وقال ~~بعضهم: يجبر عليه واحتجوا بما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لو ~~أصاب الناس السنة لأدخلت على أهل كل بيت مثلهم فإن الناس لم يهلكوا على ~~أنصاف بطونهم وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «طعام الواحد يكفي ~~الاثنين» وجه قول العامة أن الجبر على الإنفاق والإشراك في نفقة الولد ~~المعسر يؤدي إلى إعجازه عن الكسب؛ لأن الكسب لا يقوم إلا بكمال القوة وكمال ~~القوة بكمال الغذاء فلو جعلناه نصفين؛ لم يقدر على الكسب وفيه خوف هلاكهما ~~جميعا، وذكر في الكتاب: أرأيت لو كان الابن يأكل من طعام رجل غني يعطيه كل ~~يوم رغيفا أو رغيفين أيؤمر الابن أن يعطي أحدهما أباه؟ قال: لا يؤمر به، ~~ولو قال الأب للقاضي: إن ابني هذا يقدر على أن يكتسب ما يفضل عن كسبه مما ~~ينفق علي لكنه يدع الكسب عمدا يقصد بذلك عقوقي؛ ينظر القاضي في ذلك: فإن ~~كان الأب صادقا في مقالته أمر الابن بأن يكتسب فينفق على أبيه، وإن لم يكن ~~صادقا بأن علم أنه غير قادر على اكتساب زيادة؛ تركه، هذا إذا كان الولد ~~واحدا. # فإن كان له أولاد صغار وزوجة ولا يفضل ms2168 من كسبه شيء ينفق على أبيه فطلب ~~الأب من القاضي أن يدخله في النفقة على عياله يدخله القاضي ههنا؛ لأن إدخال ~~الواحد على الجماعة لا يخل بطعامهم خللا بينا بخلاف إدخال الواحد على ~~الواحد هذا إذا لم يكن الأب عاجزا عن الكسب فأما إذا كان عاجزا عنه بأن كان ~~زمنا يشارك الابن في قوته ويدخل عليه فيأكل معه وإن لم يكن له عيال؛ لأنه ~~ليس في المشاركة خوف الهلاك وفي ترك المشاركة خوف هلاك الأب فتجب المشاركة ~~وكذلك الأم إذا كانت فقيرة تدخل على ابنها فتأكل معه لكن لا يفرض لهما عليه ~~نفقة على حدة، والله عز وجل أعلم. # وأما الذي يرجع إليهما جميعا فنوعان: أحدهما اتحاد الدين في غير قرابة ~~الولاد من الرحم المحرم فلا تجري النفقة بين المسلم والكافر في هذه القرابة ~~فأما في قرابة الولاد فاتحاد الدين فيهما ليس بشرط فيجب على المسلم نفقة ~~آبائه وأمهاته من أهل الذمة ويجب على الذمي نفقة أولاده الصغار الذين أعطي ~~لهم حكم الإسلام بإسلام أمهم ونفقة أولاده الكبار المسلمين الذين هم من أهل ~~استحقاق النفقة على ما نذكره، ووجه الفرق من وجهين أحدهما أن وجوب هذه ~~النفقة على طريق الصلة ولا تجب صلة رحم غير الوالدين عند اختلاف الدين وتجب ~~صلة رحم الوالدين مع اختلاف الدين بدليل أنه يجوز للمسلم أن يبتدئ بقتل ~~أخيه الحربي ولا يجوز له أن يبتدئ بقتل أبيه الحربي وقد قال سبحانه في ~~الوالدين الكافرين {وصاحبهما في الدنيا معروفا} [لقمان: 15] ولم يرد مثله ~~في غير الوالدين والثاني: أن وجوب النفقة في قرابة الولاد بحق الولادة لما ~~ذكرنا أن الولادة توجب الجزئية والبعضية بين الوالد والولد وذا لا يختلف ~~باختلاف الدين؛ فلا يختلف الحكم المتعلق به والوجوب في غيرها من الرحم ~~المحرم بحق الوراثة ولا وراثة عند اختلاف الدين # PageV04P036 # فلا نفقة، ولو كان للمسلم ابنان أحدهما مسلم والآخر ذمي فنفقته عليهما ~~على السواء لما ذكرنا أن نفقة الولادة لا تختلف باختلاف الدين. # والثاني اتحاد الدار في غير ms2169 قرابة الولادة من الرحم المحرم فلا تجري ~~النفقة بين الذمي الذي في دار الإسلام وبين الحربي في دار الحرب لاختلاف ~~الدارين ولا بين الذمي والحربي المستأمن في دار الإسلام؛ لأن الحربي وإن ~~كان مستأمنا في دار الإسلام فهو من أهل الحرب وإنما دخل دار الإسلام لحوائج ~~يقضيها ثم يعود. # ألا ترى أن الإمام يمكنه من الرجوع إلى دار الحرب ولا يمكنه من إطالة ~~الإقامة في دار الإسلام، فاختلف الداران وكذا لا نفقة بين المسلم المتوطن ~~في دار الإسلام وبين الحربي الذي أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا ~~لاختلاف الدارين وهذا ليس بشرط في قرابة الولاد والفرق بينهما من وجهين: ~~أحدهما: أن وجوب هذه النفقة في هذه القرابة بطريق الصلة ولا تجب هذه الصلة ~~عند اختلاف الدارين وتجب في قرابة الولاد، والثاني: أن الوجوب ههنا بحق ~~الوراثة ولا وراثة عند اختلاف الدارين والوجوب هناك بحق الولادة وإنه لا ~~يختلف. # وأما الذي يرجع إلى غيرهما فقضاء القاضي في أحد نوعي النفقة وهي نفقة غير ~~الولاد من الرحم المحرم فلا تجب هذه النفقة من غير قضاء القاضي ولا يشترط ~~ذلك في نفقة الولاد حتى تجب من غير قضاء كما تجب نفقة الزوجات، ووجه الفرق ~~أن نفقة الولاد تجب بطريق الإحياء لما فيها من دفع الهلاك لتحقق معنى ~~الجزئية والبعضية بين المنفق والمنفق عليه ويجب على الإنسان إحياء نفسه ~~بدفع الهلاك عن نفسه ولا يقف وجوبه على قضاء القاضي فأما نفقة سائر ذي ~~الرحم المحرم فليس وجوبها من طريق الإحياء لانعدام معنى الجزئية وإنما تجب ~~صلة محضة فجاز أن يقف وجوبها على قضاء القاضي وبخلاف نفقة الزوجات؛ لأن لها ~~شبها بالأعواض فمن حيث هي صلة لم تصر دينا من غير قضاء ورضا ومن حيث هي عوض ~~تجب من غير قضاء عملا بالشبهين وعلى هذا يخرج ما إذا كان الرجل غائبا وله ~~مال حاضر أن القاضي لا يأمر أحدا بالنفقة من ماله إلا الأبوين الفقيرين ~~وأولاده الفقراء الصغار الذكور والإناث والكبار الذكور الفقراء العجزة ms2170 عن ~~الكسب والإناث الفقيرات والزوجة؛ لأنه لا حق لأحد في ماله إلا لهؤلاء. # ألا ترى أنه ليس لغيرهم أن يمد يده إلى ماله فيأخذه وإن كان فقيرا محتاجا ~~ولهم ذلك؛ فكان الأمر من القاضي بالإنفاق من ماله لغيرهم قضاء على الغائب ~~من غير خصم حاضر ولا يكون لهم قضاء بل يكون إعانة ثم إن كان المال حاضرا ~~عند هؤلاء وكان النسب معروفا أو علم القاضي بذلك أمرهم بالنفقة منه؛ لأن ~~نفقتهم واجبة من غير قضاء القاضي فكان الأمر من القاضي بالإنفاق إعانة لا ~~قضاء وإن لم يعلم بالنسب فطلب بعضهم أن يثبت ذلك عند القاضي بالبينة لا ~~تسمع منه البينة؛ لأنه يكون قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر ~~وكذلك إن كان ماله وديعة عند إنسان وهو مقر بها أمرهم القاضي بالإنفاق منها ~~وكذا إذا كان له دين على إنسان وهو مقر به لما قلنا، ولو دفع صاحب اليد أو ~~المديون إليهم بغير إذن القاضي يضمن، وإذا وقع بإذنه لا يضمن واستوثق ~~القاضي منهم كفيلا إن شاء وكذا لا يأمر الجد وولد الولد حال وجود الأب ~~والولد؛ لأنهما حال وجودهما بمنزلة ذوي الأرحام ويأمرهما حال عدمهما؛ لأن ~~الجد يقوم مقام الأب حال عدمه وولد الولد يقوم مقام الولد حال عدمه، وإن ~~كان صاحب اليد أو المديون منكرا فأرادوا أن يقيموا البينة لم يلتفت القاضي ~~إلى ذلك لما ذكرنا فإن أنفق الأب من مال ابنه ثم حضر الابن فقال للأب: كنت ~~موسرا، وقال الأب: كنت معسرا ينظر إلى حال الأب وقت الخصومة فإن كان معسرا ~~فالقول قوله وإن كان موسرا فالقول قول الابن؛ لأن الظاهر استمرار حال ~~اليسار والإعسار والتغير خلاف الظاهر فيحكم الحال وصار هذا كالآجر مع ~~المستأجر إذا اختلفا في جريان الماء وانقطاعه أنه يحكم الحال لما قلنا كذا ~~هذا. # فإن أقاما البينة فالبينة بينة الابن؛ لأنها تثبت أمرا زائدا وهو الغنى. # هذا إذا كان المال من جنس النفقة من الدراهم والدنانير والطعام والكسوة ~~فإن كان ms2171 من غير جنسها فالقاضي لا يبيع على الغائب العقار لأجل القضاء ~~بالإنفاق وكذا الأب إلا إذا كان الولد صغيرا فليبع العقار. # وأما العروض فهل يبيعها القاضي؟ فالأمر فيه على ما ذكرنا من الاتفاق ~~والاختلاف وهل يبيعها الأب؟ قال أبو حنيفة: يبيع مقدار ما يحتاج إليه لا ~~الزيادة على ذلك وهو # PageV04P037 # استحسان، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يبيع ولا خلاف أن الأم لا تبيع مال ~~ولدها الصغير والكبير وكذا الأولاد لا يبيعون مال الأبوين. # (وجه) قولهما - وهو القياس - أنه لا ولاية للأب على الولد الكبير فكان هو ~~وغيره من الأقارب سواء؛ ولهذا لا يبيع العقار وكذا العروض ولأبي حنيفة أن ~~في بيع العروض نظرا للولد الغائب؛ لأن العروض مما يخاف عليه الهلاك فكان ~~بيعها من باب الحفظ والأب يملك النظر لولده بحفظ ماله وغير ذلك بخلاف ~~العقار فإنه محفوظ بنفسه فلا حاجة إلى حفظه بالبيع فيبقى بيعه تصرفا على ~~الولد الكبير فلا يملكه ولأن الشرع أضاف مال الولد إلى الوالد وسماه كسبا ~~له فإن لم يظهر ذلك في حقيقة الملك فلا أقل من أن يظهر في ولاية بيع عرضه ~~عند الحاجة. ### | [فصل في بيان مقدار الواجب من هذه النفقة] # (فصل) : # وأما بيان مقدار الواجب من هذه النفقة فنفقة الأقارب مقدرة بالكفاية بلا ~~خلاف؛ لأنها تجب للحاجة فتتقدر بقدر الحاجة وكل من وجبت عليه نفقة غيره يجب ~~عليه له المأكل والمشرب والملبس والسكنى والرضاع إن كان رضيعا؛ لأن وجوبها ~~للكفاية والكفاية تتعلق بهذه الأشياء فإن كان للمنفق عليه خادم يحتاج إلى ~~خدمته تفرض له أيضا؛ لأن ذلك من جملة الكفاية. ### | [فصل في بيان كيفية وجوب نفقة الأقارب] # (فصل) : # وأما بيان كيفية وجوبها فهذه النفقة تجب على وجه لا تصير دينا في الذمة ~~أصلا سواء فرضها القاضي أو لا بخلاف نفقة الزوجات فإنها تصير دينا في الذمة ~~بفرض القاضي أو بالتراضي حتى لو فرض القاضي للقريب نفقة شهر فمضى الشهر ولم ~~يأخذ ليس له أن يطالبه بها بل تسقط وفي نفقة الزوجات للمرأة ms2172 ولاية المطالبة ~~بما مضى من النفقة في مدة الفرض. # وقد ذكرنا وجه الفرق بينهما في نفقة الزوجات فيقع الفرق بين النفقتين في ~~أشياء: منها ما وصفناه آنفا أن نفقة المرأة تصير دينا بالقضاء أو بالرضا ~~ونفقة الأقارب لا تصير دينا أصلا ورأسا، ومنها أن نفقة الأقارب أو كسوتهم ~~لا تجب لغير المعسر ونفقة الزوجات أو كسوتهن تجب للمعسرة والموسرة ومنها أن ~~نفقة الأقارب أو كسوتهم إذا هلكت قبل مضي مدة الفرض تجب نفقة أخرى وكسوة ~~أخرى وفي نفقة الزوجات لا تجب. # ومنها أن نفقة الأقارب أو كسوتهم إذا تعيبت بعد مضي المدة لا تجب أخرى ~~وفي نفقة الزوجات تجب وقد مر الفرق بين هذه الجملة في فصل نفقة الزوجات ~~ومنها أنه إذا عجل نفقة مدة في الأقارب فمات المنفق عليه قبل تمام المدة لا ~~يسترد شيئا منها بلا خلاف وفي نفقة الزوجات خلاف محمد ويحبس في نفقة ~~الأقارب كما يحبس في نفقة الزوجات أما غير الأب فلا شك فيه. # وأما الأب فيحبس في نفقة الولد أيضا ولا يحبس في سائر ديونه؛ لأن إيذاء ~~الأب حرام في الأصل وفي الحبس إيذاؤه إلا أن في النفقة ضرورة وهي ضرورة دفع ~~الهلاك عن الولد؛ إذ لو لم ينفق عليه لهلك فكان هو بالامتناع من الإنفاق ~~عليه كالقاصد إهلاكه فدفع قصده بالحبس ويحمل هذا القدر من الأذى لهذه ~~الضرورة وهذا المعنى لم يوجد في سائر الديون ولأن ههنا ضرورة أخرى وهي ~~ضرورة استدراك هذا الحق أعني: النفقة؛ لأنها تسقط بمضي الزمان فتقع الحاجة ~~إلى الاستدراك بالحبس؛ لأن الحبس يحمله على الأداء فيحصل الاستدراك، ولو لم ~~يحبس يفوت حقه رأسا فشرع الحبس في حقه لضرورة استدراك الحق صيانة له عن ~~الفوات وهذا المعنى لا يوجد في سائر الديون؛ لأنها لا تفوت بمضي الزمان فلا ~~ضرورة إلى الاستدراك بالحبس ولهذا قال أصحابنا: إن الممتنع من النفقة يضر ~~ولا يحبس بخلاف الممتنع من سائر الحقوق؛ لأنه لا يمكن استدراك هذا الحق ~~بالحبس؛ لأنه يفوت بمضي الزمان فيستدرك ms2173 بالضرب بخلاف سائر الحقوق وكذلك ~~الجد أب الأب وإن علا لأنه يقوم مقام الأب عند عدمه. ### | [فصل في بيان المسقط لنفقة الأقارب بعد الوجوب] # (فصل) : # وأما بيان المسقط لها بعد الوجوب فالمسقط لها بعد الوجوب هو مضي الزمان ~~من غير قبض ولا استدانة حتى لو فرض القاضي نفقة شهر للقريب فلم يقبض ولا ~~استدان عليه حتى مضت المدة - سقطت النفقة لما ذكرنا أن هذه النفقة تجب صلة ~~محضة فلا يتأكد وجوبها إلا بالقبض أو ما يقوم مقامه، والله أعلم. ### | [فصل في نفقة الرقيق] # (فصل) : # وأما نفقة الرقيق فالكلام في هذا الفصل في مواضع: في بيان وجوب هذه ~~النفقة، وفي بيان سبب وجوبها، وفي بيان شرط الوجوب، وفي بيان مقدار الواجب، ~~وفي بيان كيفية الوجوب. # أما الأول فوجوبها ثابت # PageV04P038 # بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول أما الكتاب فقوله عز وجل {أو ما ملكت ~~أيمانكم} [النساء: 3] معطوفا على قوله {وبالوالدين إحسانا} [الإسراء: 23] ~~أمر بالإحسان إلى المماليك ومطلق الأمر يحمل على الوجوب، والإنفاق عليهم ~~إحسان بهم فكان واجبا ويحتمل أن يكون أمرا بالإحسان إلى المماليك أمرا ~~بتوسيع النفقة عليهم؛ لأن المرء لا يترك أصل النفقة على مملوكه إشفاقا على ~~ملكه وقد يقتر في الإنفاق عليه لكونه مملوكا في يده فأمر الله عز وجل ~~السادات بتوسيع النفقة على مماليكهم شكرا لما أنعم عليهم حيث جعل من هو من ~~جوهرهم وأمثالهم في الخلقة خدما وخولا أذلاء تحت أيديهم يستخدمونهم ~~ويستعملونهم في حوائجهم. # وأما السنة فما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يوصي ~~بالمملوك خيرا ويقول «أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ~~ما لا يطيقون فإن الله تعالى يقول {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: ~~286] » وعن أنس - رضي الله عنه - قال كان آخر وصية رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حين حضرته الوفاة «الصلاة وما ملكت أيمانكم وجعل - صلى الله ~~عليه وسلم - يغرغر بها في صدره وما يقبض بها لسانه» وعليه إجماع الأمة أن ~~نفقة المملوك واجبة، وأما المعقول فهو عبد مملوك ms2174 لا يقدر على شيء فلو لم ~~تجعل نفقته على مولاه؛ لهلك. ### | [فصل في سبب وجوب نفقة الرقيق] # (فصل) : # وأما سبب وجوبها فالملك؛ لأنه يوجب الاختصاص بالمملوك انتفاعا وتصرفا وهو ~~نفس الملك فإذا كانت منفعته للمالك كانت مؤنته عليه؛ إذ الخراج بالضمان ~~وعلى هذا يبنى أنه لا يجب على العبد نفقة ولده لعدم الملك؛ لأن أمه إن كانت ~~حرة؛ فهو حر، وإن كانت مملوكة؛ فهو ملك مولاها فكانت نفقته على المولى ولأن ~~العبد لا مال له بل هو وما في يده لمولاه والمولى أجنبي عن هذا الولد فكيف ~~تجب النفقة في مال الغير لملك الغير؟ وكذا لا يجب على الحر نفقة ولده ~~المملوك بأن تزوج حر أمة غيره فولدت ولدا؛ لأنه ملك غيره فلا تجب عليه نفقة ~~مملوك غيره. # ولو أعتق عبده بطلت النفقة لبطلان سبب الوجوب وهو الملك ثم إن كان بالغا ~~صحيحا فنفقته في كسبه وإن كان صغيرا أو زمنا؛ قالوا: إن نفقته في بيت ~~المال؛ لأنه واحد من المسلمين حر عاجز لا يعرف له قريب وبيت المال مال ~~المسلمين فكانت نفقته فيه، وكذا اللقيط إذا لم يكن معه مال فنفقته في بيت ~~المال لما قلنا، وقالوا في الصغير في يد رجل: قال لرجل: هذا عبدك أودعتنيه ~~فجحد قال محمد: أستحلفه بالله عز وجل ما أودعته فإن حلف قضيت بنفقته على ~~الذي هو في يده؛ لأنه أقر برقه ثم أقر به لغيره وقد رد الغير إقراره فبقي ~~في يده واليد دليل الملك فيلزمه نفقته قال محمد: ولو كان كبيرا لم أستحلف ~~المدعى عليه؛ لأنه إذا كان كبيرا كان في يد نفسه وكان دعواه هدرا فيقف ~~الأمر على دعوى الكبير فكل من ادعى عليه أنه عبده وصدقه؛ فعليه نفقته، ولو ~~كان العبد بين شريكين فنفقته عليهما على قدر ملكيهما، وكذلك لو كان في ~~أيديهما كل واحد منهما يدعي أنه له ولا بينة لهما فنفقته عليهما وقالوا في ~~الجارية المشتركة بين اثنين أتت بولد فادعاه الموليان: إن نفقة هذا الولد ~~عليهما ms2175 وعلى الولد إذا كبر نفقة كل واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما أب كامل ~~في حقه، والله أعلم. ### | [فصل في شرط وجوب نفقة الرقيق] # (فصل) : # وأما شرط وجوبها فهو أن يكون الرقيق مملوك المنافع والمكاسب للمولى فإن ~~لم يكن فلا تجب عليه نفقته فيجب على الإنسان نفقة عبده القن والمدبر وأم ~~الولد؛ لأن أكسابهم ملك المولى، ولا تجب عليه نفقة مكاتبه؛ لأنه غير مملوك ~~المكاسب لمولاه. # ألا ترى أنه أحق بكسبه من مولاه فكان في مكاسبه كالحر؛ فكانت نفقته في ~~كسبه كالحر وكذا معتق البعض؛ لأنه بمنزلة المكاتب عند أبي حنيفة وعندهما: ~~حر عليه دين والعبد الموصى برقبته لإنسان وبخدمته لآخر - نفقته على صاحب ~~الخدمة لا على صاحب الرقبة؛ لأن منفعته لصاحب الخدمة، ونفقة عبد الرهن على ~~الراهن؛ لأن ملك الذات والمنفعة له، ونفقة عبد الوديعة على المودع لما ~~قلنا، ونفقة عبد العارية على المستعير؛ لأن ملك المنفعة في زمن العارية له؛ ~~إذ الإعارة تمليك المنفعة، ونفقة عبد الغصب قبل الرد على الغاصب؛ لأن ~~منافعه تحدث على ملكه - على بعض طرق أصحابنا حتى لو لم تكن مضمونة على ~~الغاصب فكانت نفقته عليه ولأن رد المغصوب على الغاصب ومؤنة الرد عليه ~~لكونها من ضرورات الرد والنفقة من ضرورات الرد؛ لأنه لا يمكنه إلا ~~باستبقائه ولا يبقى عادة إلا بالنفقة فكانت النفقة من مؤنات الرد لكونها من ~~ضروراته فكانت على الغاصب، والله أعلم. # PageV04P039 ### | [فصل في مقدار الواجب من نفقة الرقيق] # فصل) : # وأما مقدار الواجب منها فمقدار الكفاية؛ لأن وجوبها للكفاية فتقدر بقدر ~~الكفاية كنفقة الأقارب. ### | [فصل في كيفية وجوب نفقة الرقيق] # (فصل) : # وأما كيفية وجوبها فإنها تجب على وجه يجبر عليها عند الطلب والخصومة في ~~الجملة بيان ذلك أن المملوك إذا خاصم مولاه في النفقة عند القاضي فإن ~~القاضي يأمره بالنفقة عليه فإن أبى ينظر القاضي فكل من يصلح للإجارة يؤاجره ~~وينفق عليه من أجرته أو يبيعه إن كان محلا للبيع كالقن، ورأي البيع أصلح ~~ولا يجبر على الإنفاق وإن لم يصلح ms2176 للإجارة بأن كان صغيرا أو جارية ولا محلا ~~للبيع كالمدبر وأم الولد يجبره على الإنفاق؛ لأنه لا يمكن بيعه ولا إجارته، ~~وتركه جائعا تضييع إلى آدمي فيجبر المولى على الإنفاق، والله عز وجل أعلم. # (وأما) نفقة البهائم فلا يجبر عليها في ظاهر الرواية ولكنه يفتى فيما ~~بينه وبين الله تعالى أن ينفق عليها. # وروي عن أبي يوسف أنه يجبر عليها؛ لأن في تركه جائعا تعذيب الحيوان بلا ~~فائدة وتضييع المال ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك كله ~~ولأنه سفه لخلوه عن العاقبة الحميدة والسفه حرام عقلا، وجه ظاهر الرواية أن ~~الجبر على الحق يكون عند الطلب والخصومة من صاحب الحق، ولا خصم؛ فلا يجبر ~~ولكن تجب فيما بينه وبين الله تعالى لما قاله أبو يوسف. # وأما نفقة الجمادات كالدور والعقار فلا يجبر عليها لما قلنا، ولا يفتى ~~أيضا بالوجوب إلا أنه إذا كان هناك تضييع المال فيكره له ذلك، والله عز وجل ~~أعلم. ### | [كتاب الحضانة] ### | [تفسير الحضانة] # (كتاب الحضانة) : # الكلام في هذا الكتاب في مواضع: في تفسير الحضانة وفي بيان من له ~~الحضانة، وفي بيان مدة الحضانة، وفي بيان مكان الحضانة. # أما الأول: فالحضانة في اللغة تستعمل في معنيين: أحدهما جعل الشيء في ~~ناحية يقال: حضن الرجل الشيء أي اعتزله فجعله في ناحية منه، والثاني: الضم ~~إلى الجنب يقال: حضنته واحتضنته إذا ضممته إلى جنبك، والحضن الجنب فحضانة ~~الأم ولدها هي ضمها إياه إلى جنبها واعتزالها إياه من أبيه ليكون عندها ~~فتقوم بحفظه وإمساكه وغسل ثيابه ولا تجبر الأم على إرضاعه إلا أن لا يوجد ~~من ترضعه فتجبر عليه وهذا قول عامة العلماء، وقال مالك: إن كانت شريفة لم ~~تجبر وإن كانت دنية تجبر والصحيح قول العامة لقوله عز وجل {لا تضار والدة ~~بولدها} [البقرة: 233] قيل: في بعض وجوه التأويل أي: لا تضار بإلزام ~~الإرضاع مع كراهتها وقوله عز وجل في المطلقات {فإن أرضعن لكم فآتوهن ~~أجورهن} [الطلاق: 6] جعل تعالى أجر الرضاع على الأب لا على الأم ms2177 مع وجودها؛ ~~فدل أن الرضاع ليس على الأم وقوله عز وجل {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف} [البقرة: 233] أي: رزق الوالدات المرضعات فإن أريد به المطلقات؛ ~~ففيه أنه لا إرضاع على الأم حيث أوجب بدل الإرضاع على الأب مع وجود الأم ~~وإن أريد به المنكوحات كان المراد منه - والله عز وجل أعلم - إيجاب زيادة ~~النفقة على الأب للأم المرضعة لأجل الولد، وإلا فالنفقة تستحقها المنكوحة ~~من غير ولد ولأن الإرضاع إنفاق على الولد ونفقة الولد يختص بها الوالد لا ~~يشاركه فيها الأم كنفقته بعد الاستغناء. # فكما لا تجب عليها نفقته بعد الاستغناء؛ لا تجب عليها قبله، وهو إرضاعه ~~وهذا في الحكم. # وأما في الفتوى فتفتى بأنها ترضعه لقوله تعالى {لا تضار والدة بولدها} ~~[البقرة: 233] قيل في بعض تأويلات الآية: أي لا تضار بولدها بأن ترميه على ~~الزوج بعد ما عرفها وألفها ولا ترضعه فيتضرر الولد ومتى تضرر الولد تضرر ~~الوالد؛ لأنه يتألم قلبه بذلك، وقد قال الله تعالى {ولا مولود له بولده} ~~[البقرة: 233] أي: لا يضار المولود له بسبب الإضرار بولده كذا قيل: في بعض ~~وجوه التأويل ولأن النكاح عقد سكن وازدواج وذلك لا يحصل إلا باجتماعهما على ~~مصالح النكاح ومنها إرضاع الولد فيفتى به ولكنها إن أبت لا تجبر عليه؛ لما ~~قلنا، إلا إذا كان لا يوجد من يرضعه فحينئذ تجبر على إرضاعه؛ إذ لو لم تجبر ~~عليه لهلك الولد، ولو التمس الأب لولده مرضعا فأرادت الأم أن ترضعه بنفسها ~~فهي أولى؛ لأنها أشفق عليه ولأن في انتزاع الولد منها إضرارا بها وإنه منهي ~~عنه لقوله عز وجل {لا تضار والدة بولدها} [البقرة: 233] قيل في بعض ~~الأقاويل: أي لا يضارها زوجها بانتزاع الولد منها وهي تريد إمساكه وإرضاعه ~~فإن أرادت أن تأخذ على ذلك أجرا في صلب النكاح لم يجز لها ذلك؛ لأن الإرضاع ~~وإن لم يكن مستحقا عليها في الحكم فهو مستحق في الفتوى ولا يجوز أخذ # PageV04P040 # الأجر على أمر مستحق؛ لأنه يكون رشوة ولأنها قد استحقت نفقة ms2178 النكاح وأجرة ~~الرضاع، وأجرة الرضاع بمنزلة النفقة فلا تستحق نفقتين ولأن أجر الرضاع يجب ~~لحفظ الصبي وغسله وهو من نظافة البيت، ومنفعة البيت تحصل للزوجين فلا يجوز ~~لها أن تأخذ عوضا عن منفعة تحصل لها حتى لو استأجرها على إرضاع ولده من ~~غيرها جاز؛ لأن ذلك غير واجب عليها فلا يكون أخذ الأجرة على فعل واجب عليها ~~وكذا ليس في حفظه منفعة تعود إليها؛ لأنه لا يجب عليها أن تسكنه معها وكذلك ~~إذا كانت معتدة من طلاق رجعي لا يحل لها أن تأخذ الأجرة كما لا يجوز في صلب ~~النكاح؛ لأن النكاح بعد الطلاق الرجعي قائم من كل وجه. # وأما المبتوتة ففيها روايتان: في رواية: لا يجوز لها أن تأخذ الأجر؛ ~~لأنها مستحقة للنفقة والسكنى في حال قيام العدة فلا يحل لها الأجرة كما لا ~~يحل للزوجة، وفي رواية: يجوز؛ لأن النكاح قد زال بالإبانة فصارت كالأجنبية ~~وأما إذا انقضت عدتها فالتمست أجرة الرضاع وقال الأب: أنا أجد من يرضعه ~~بغير أجر أو بأقل من ذلك فذلك له لقوله تعالى {وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} ~~[الطلاق: 6] ولأن في إلزام الأب بما تلتمسه الأم إضرارا بالأب وقد قال الله ~~سبحانه وتعالى {ولا مولود له بولده} [البقرة: 233] أي: لا يضار الأب ~~بالتزام الزيادة على ما تلتمسه الأجنبية كذا ذكر في بعض التأويلات ولكن ~~ترضعه عند الأم ولا يفرق بينهما لما فيه من إلحاق الضرر بالأم والله أعلم. ### | [فصل في بيان من له الحضانة] # (فصل) : # وأما بيان من له الحضانة فالحضانة تكون للنساء في وقت وتكون للرجال في ~~وقت والأصل فيها النساء؛ لأنهن أشفق وأرفق وأهدى إلى تربية الصغار ثم تصرف ~~إلى الرجال؛ لأنهم على الحماية والصيانة وإقامة مصالح الصغار أقدر ولكل ~~واحد منهما شرط فلا بد من بيان شرط الحضانتين ووقتهما أما التي للنساء فمن ~~شرائطها أن تكون المرأة ذات رحم محرم من الصغار فلا حضانة لبنات العم وبنات ~~الخال وبنات العمة وبنات الخالة؛ لأن مبنى الحضانة على الشفقة، والرحم ~~المحرم هي ms2179 المختصة بالشفقة ثم يتقدم فيها الأقرب فالأقرب فأحق النساء من ~~ذوات الرحم المحرم بالحضانة الأم؛ لأنه لا أقرب منها ثم أم الأم ثم أم ~~الأب؛ لأن الجدتين وإن استويتا في القرب لكن إحداهما من قبل الأم أولى. # وهذه الولاية مستفادة من قبل الأم فكل من يدلي بقرابة الأم كان أولى؛ ~~لأنها تكون أشفق ثم الأخوات فأم الأب أولى من الأخت؛ لأن لها ولادا فكانت ~~أدخل في الولاية وكذا هي أشفق، وأولى الأخوات الأخت لأب وأم ثم الأخت لأم ~~ثم الأخت لأب؛ لأن الأخت لأب وأم تدلي بقرابتين فترجح على الأخت لأم بقرابة ~~الأب وترجح الأخت لأم؛ لأنها تدلي بقرابة الأم فكانت أولى من الأخت لأب، ~~واختلفت الرواية عن أبي حنيفة في الأخت لأب مع الخالة أيتهما أولى؟ روي عنه ~~في كتاب النكاح أن الخالة أولى وهو قول محمد وزفر. # وروي عنه في كتاب الطلاق أن الأخت لأب أولى، وجه الرواية الأولى ما روي ~~أن بنت حمزة لما رأت عليا - رضي الله عنه - تمسكت به وقالت: ابن عمي فأخذها ~~فاختصم فيها علي وجعفر وزيد بن حارثة - رضي الله عنهم - فقال - رضي الله ~~عنه -: بنت عمي وقال جعفر: بنت عمي وخالتها عندي وقال زيد بن حارثة - رضي ~~الله عنه -: بنت أخي آخيت بيني وبين حمزة يا رسول الله فقضى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بها لخالتها وقال - صلى الله عليه وسلم - «الخالة ~~والدة» فقد سمى الخالة والدة فكانت أولى وجه الرواية الأخرى أن الأخت لأب ~~بنت الأب والخالة بنت الجد فكانت الأخت أقرب فكانت أولى وبنت الأخت لأب وأم ~~أولى من الخالة؛ لأنها من ولد الأبوين وكذا بنت الأخت لأم؛ لأنها من ولد ~~الأم والخالة ولد الجد، وكذا بنت الأخت لأب أولى من الخالة على الرواية ~~الأخيرة؛ لأنها من ولد الأب، والخالة ولد الجد فكانت أولى. # وأما على الرواية الأولى فلا شك أن الخالة تتقدم عليها؛ لأنها تتقدم على ~~أمها وهي الأخت لأب فلأن تتقدم على بنتها - وهي أبعد من أمها ms2180 - أولى، وبنات ~~الأخت أولى من بنات الأخ لأن الأخ لا حق له في الحضانة، والأخت لها حق فيها ~~فكان ولد الأخت أولى والخالات أولى من بنات الأخ؛ لأن بنت الأخ تدلي بقرابة ~~الذكر والخالة تدلي بقرابة الأم؛ فكانت الخالة أولى، وبنات الأخ أولى من ~~العمات، وإن كانت كل واحدة منهما أعني: بنت الأخ والعمة تدلي بذكر لكن بنت ~~الأخ أقرب؛ لأنها ولد الأب والعمة ولد الجد فكانت بنت الأخ أقرب فكانت أولى ~~ثم الخالات أولى من # PageV04P041 # العمات وإن تساوين في القرب؛ لأن الخالات يدلين بقرابة الأم فكن أشفق، ~~وأولى الخالات الخالة لأب وأم؛ لأنها تدلي بقرابتين ثم الخالة لأم لإدلائها ~~بقرابة الأم ثم الخالة لأب ثم العمات، وذكر الحسن بن زياد في كتاب الطلاق ~~أن أم الأب أولى من الخالة في قول أبي يوسف وقال زفر: الخالة أولى، وجه قول ~~زفر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الخالة والدة» وجه قول أبي يوسف أن ~~أم الأب لها أولاد والولاية في الأصل مستفادة بالولاد، وأولى العمات العمة ~~لأب وأم؛ لأنها تدلي بقرابتين ثم العمة لأم لاتصالها بجهة الأم ثم العمة ~~لأب. # وأما بنات العم والخال والعمة والخالة فلا حق لهن في الحضانة لعدم الرحم ~~المحرم، والله أعلم، ومنها أن لا تكون ذات زوج أجنبي من الصغير فإن كانت ~~فلا حق لها في الحضانة، وأصله ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة ~~أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان ~~بطني له وعاء وحجري له حواء وثديي له سقاء ويزعم أبوه أن ينزعه مني فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أنت أحق به منه ما لم تنكحي» . # وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: طلق عمر - رضي الله عنه - أم ابنه عاصم ~~- رضي الله عنه - فلقيها ومعها الصبي فنازعها وارتفعا إلى أبي بكر الصديق - ~~رضي الله عنه - فقضى أبو بكر - رضي الله عنه - بعاصم بن عمر - رضي الله ~~عنهم - لأمه ms2181 ما لم يشب أو تتزوج وقال: إن ريحها وفراشها خير له حتى يشب أو ~~تتزوج، وذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - ولأن الصغير يلحقه الجفاء ~~والمذلة من قبل الأب؛ لأنه يبغضه لغيرته وينظر إليه نظر المغشي عليه من ~~الموت ويقتر عليه النفقة فيتضرر به حتى لو تزوجت بذي رحم محرم من الصبي لا ~~يسقط حقها في الحضانة كالجدة إذا تزوجت بجد الصبي أو الأم تزوجت بعم الصبي ~~أنه لا يلحقه الجفاء منهما لوجود المانع من ذلك وهو القرابة الباعثة على ~~الشفقة، ولو مات عنها زوجها أو أبانها عاد حقها في الحضانة؛ لأن المانع قد ~~زال فيزول المنع ويعود حقها وتكون هي أولى ممن هي أبعد منها كما كانت، ~~ومنها: عدم ردتها حتى لو ارتدت عن الإسلام بطل حقها في الحضانة؛ لأن ~~المرتدة تحبس فيتضرر به الصبي، ولو تابت وأسلمت يعود حقها لزوال المانع، ~~وسئل محمد عن النساء إذا اجتمعن ولهن أزواج؟ قال: يضعه القاضي حيث شاء؛ ~~لأنه لا حق لهن فصار كمن لا قرابة له ومنها أن تكون حرة فلا حق للأمة وأم ~~الولد في حضانة الولد الحر؛ لأن الحضانة ضرب من الولاية وهما ليستا من أهل ~~الولاية فأما إذا أعتقتا فهما في الحضانة كالحرة؛ لأنهما استفادتا الولاية ~~بالعتق، وأهل الذمة في هذه الحضانة بمنزلة أهل الإسلام؛ لأن هذا الحق إنما ~~يثبت نظرا للصغير وإنه لا يختلف بالإسلام والكفر، وكذا اتحاد الدين ليس ~~بشرط لثبوت هذا الحق حتى لو كانت الحاضنة كتابية والولد مسلم؛ كانت في ~~الحضانة كالمسلمة كذا ذكر في الأصل لما قلنا وكان أبو بكر أحمد بن علي ~~الرازي يقول: إنها أحق بالصغير والصغيرة حتى يعقلا فإذا عقلا؛ سقط حقها؛ ~~لأنها تعودهما أخلاق الكفرة وفيه ضرر عليهما، والله عز وجل الموفق. ### | [فصل في وقت الحضانة] # (فصل) : # وأما وقت الحضانة التي من قبل النساء فالأم والجدتان أحق بالغلام حتى ~~يستغني عنهن فيأكل وحده ويشرب وحده ويلبس وحده كذا ذكر في ظاهر الرواية، ~~وذكر أبو داود بن رشيد عن ms2182 محمد ويتوضأ وحده يريد به الاستنجاء أي ويستنجي ~~وحده ولم يقدر في ذلك تقديرا وذكر الخصاف سبع سنين أو ثمان سنين أو نحو ~~ذلك. # وأما الجارية فهي أحق بها حتى تحيض كذا ذكر في ظاهر الرواية وحكى هشام عن ~~محمد حتى تبلغ أو تشتهي. # وإنما اختلف حكم الغلام والجارية؛ لأن القياس أن تتوقت الحضانة بالبلوغ ~~في الغلام والجارية جميعا؛ لأنها ضرب ولاية ولأنها ثبتت للأم فلا تنتهي إلا ~~بالبلوغ كولاية الأب في المال إلا أنا تركنا القياس في الغلام بإجماع ~~الصحابة - رضي الله عنهم - لما روينا أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~قضى بعاصم بن عمر لأمه ما لم يشب عاصم أو تتزوج أمه وكان ذلك بمحضر من ~~الصحابة - رضي الله عنهم - ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فتركنا القياس في ~~الغلام بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فبقي الحكم في الجارية على أصل ~~القياس؛ ولأن الغلام إذا استغنى يحتاج إلى التأديب والتخلق بأخلاق الرجال ~~وتحصيل أنواع الفضائل واكتساب أسباب العلوم والأب على ذلك أقوم وأقدر مع ما ~~أنه لو ترك في يدها لتخلق بأخلاق النساء وتعود بشمائلهن وفيه ضرر، وهذا ~~المعنى لا يوجد في الجارية فتترك في يد الأم بل تمس الحاجة إلى الترك في ~~يدها إلى # PageV04P042 # وقت البلوغ لحاجتها إلى تعلم آداب النساء والتخلق بأخلاقهن وخدمة البيت ~~ولا يحصل ذلك إلا وأن تكون عند الأم ثم بعد ما حاضت أو بلغت عند الأم حد ~~الشهوة؛ تقع الحاجة إلى حمايتها وصيانتها وحفظها عمن يطمع فيها لكونها لحما ~~على وضم فلا بد ممن يذب عنها والرجال على ذلك أقدر. # وأما غير هؤلاء من ذوات الرحم المحرم من الأخوات والخالات والعمات إذا ~~كان الصغير عندهن فالحكم في الجارية كالحكم في الغلام وهو أنها تترك في ~~أيديهن إلى أن تأكل وحدها وتشرب وحدها وتلبس وحدها ثم تسلم إلى الأب وإنما ~~كان كذلك؛ لأنها وإن كانت تحتاج بعد الاستغناء إلى تعلم آداب النساء لكن في ~~تأديبها استخدامها وولاية الاستخدام غير ثابتة لغير الأمهات ms2183 من الأخوات ~~والخالات والعمات فتسلمها إلى الأب احترازا عن الوقوع في المعصية. # وأما التي للرجال فأما وقتها فما بعد الاستغناء في الغلام إلى وقت البلوغ ~~وبعد الحيض في الجارية إذا كانت عند الأم أو الجدتين وإن كانا عند غيرهن ~~فما بعد الاستغناء فيهما جميعا إلى وقت البلوغ لما ذكرنا من المعنى وإنما ~~توقت هذا الحق إلى وقت بلوغ الصغير والصغيرة؛ لأن ولاية الرجال على الصغار ~~والصغائر تزول بالبلوغ كولاية المال غير أن الغلام إذا كان غير مأمون عليه ~~فللأب أن يضمه إلى نفسه ولا يخلي سبيله كي لا يكتسب شيئا عليه وليس عليه ~~نفقته إلا أن يتطوع فأما إذا بلغ عاقلا واجتمع رأيه واستغنى عن الأب وهو ~~مأمون عليه؛ فلا حق للأب في إمساكه كما ليس له أن يمنعه من ماله فيخلي ~~سبيله فيذهب حيث شاء والجارية إن كانت ثيبا وهي غير مأمونة على نفسها لا ~~يخلي سبيلها ويضمها إلى نفسه وإن كانت مأمونة على نفسها؛ فلا حق له فيها ~~ويخلي سبيلها وتترك حيث أحبت وإن كانت بكرا لا يخلي سبيلها وإن كانت مأمونة ~~على نفسها؛ لأنها مطمع لكل طامع ولم تختبر الرجال فلا يؤمن عليها الخداع. # وأما شرطها فمن شرائطها العصوبة فلا تثبت إلا للعصبة من الرجال ويتقدم ~~الأقرب فالأقرب الأب ثم الجد أبوه وإن علا ثم الأخ لأب وأم ثم الأخ لأب ثم ~~ابن الأخ لأب وأم ثم ابن الأخ لأب ثم العم لأب وأم ثم العم لأب ثم ابن العم ~~لأب وأم ثم ابن العم لأب، إن كان الصبي غلاما وإن كانت جارية فلا تسلم ~~إليه؛ لأنه ليس بمحرم منها؛ لأنه يجوز له نكاحها فلا يؤمن عليها. # وأما الغلام فإنه عصبة وأحق به ممن هو أبعد منه ثم عم الأب لأب وأم ثم عم ~~الأب لأب ثم عم الجد لأب وأم ثم عم الجد لأب، ولو كان لها ثلاثة إخوة كلهم ~~على درجة واحدة بأن كانوا كلهم لأب وأم أو لأب، أو ثلاثة أعمام كلهم على ~~درجة ms2184 واحدة؛ فأفضلهم صلاحا وورعا أولى فإن كانوا في ذلك سواء؛ فأكبرهم سنا ~~أولى بالحضانة فإن لم يكن للجارية من عصباتها غير ابن العم اختار لها ~~القاضي أفضل المواضع؛ لأن الولاية في هذه الحالة إليه فيراعي الأصلح فإن ~~رآه أصلح؛ ضمها إليه وإلا فيضعها عند امرأة مسلمة أمينة وكل ذكر من قبل ~~النساء فلا حق له في الولد مثل الأخ لأم والخال وأبي الأم لانعدام العصوبة، ~~وقال محمد: إن كان للجارية ابن عم وخال وكلاهما لا بأس به في دينه؛ جعلها ~~القاضي عند الخال؛ لأنه محرم وابن العم ليس بمحرم فكان المحرم أولى والأخ ~~من الأب أحق من الخال؛ لأنه عصبة وهو أيضا أقرب؛ لأنه من أولاد الأب والخال ~~من أولاد الجد، وذكر الحسن بن زياد أن الصبي إذا لم يكن له قرابة من قبل ~~النساء فالعم أولى به من الخال وأبي الأم؛ لأنه عصبته والأخ لأب أولى من ~~العم وكذلك ابن الأخ؛ لأنه أقرب فإن لم تكن له قرابة أشفق من جهة أبيه من ~~الرجال والنساء فإن الأم أولى من الخال والأخ لأم؛ لأن لها ولادا وهي أشفق ~~ممن لا ولاد له من ذوي الأرحام. # ومنها: إذا كان الصغير جارية أن تكون عصبتها ممن يؤتمن عليها فإن كان لا ~~يؤتمن لفسقه ولخيانته؛ لم يكن له فيها حق؛ لأن في كفالته لها ضررا عليها ~~وهذه ولاية نظر فلا تثبت مع الضرر حتى لو كانت الإخوة والأعمام غير مأمونين ~~على نفسها ومالها؛ لا تسلم إليهم وينظر القاضي امرأة من المسلمين ثقة عدلة ~~أمينة فيسلمها إليها إلى أن تبلغ فتترك حيث شاءت وإن كانت بكرا. # ومنها: اتحاد الدين فلا حق للعصبية في الصبي إلا أن يكون على دينه كذا ~~ذكر محمد وقال: هذا قول أبي حنيفة وقياسه؛ لأن هذا الحق لا يثبت إلا للعصبة ~~واختلاف الدين يمنع التعصيب وقد قالوا في الأخوين إذا كان أحدهما مسلما ~~والآخر يهوديا والصبي يهودي: إن اليهودي أولى به؛ لأنه عصبة لا المسلم، ~~والله عز وجل الموفق. # ولا ms2185 خيار للغلام والجارية إذا اختلف الأبوان فيهما قبل # PageV04P043 # البلوغ عندنا وقال الشافعي يخير الغلام إذا عقل التخيير واحتج بما روي عن ~~أبي هريرة - رضي الله عنه - أن امرأة أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالت: زوجي يريد أن ينتزع ابنه مني وإنه قد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة ~~فقال «استهما عليه فقال الرجل: من يشاقني في ابني فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - للغلام اختر أيهما شئت فاختار أمه فأعطاها إياه» ولأن في هذا ~~نظر للصغير؛ لأنه يحتاج الأشفق ولنا ما روينا عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال للأم «أنت أحق به ما لم تنكحي ولم يخير» ولأن تخيير الصبي ~~ليس بحكمة؛ لأنه لغلبة هواه يميل إلى اللذة الحاضرة من الفراغ والكسل ~~والهرب من الكتاب وتعلم آداب النفس ومعالم الدين فيختار شر الأبوين وهو ~~الذي يهمله ولا يؤدبه. # وأما حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - فالمراد منه التخيير في حق البالغ؛ ~~لأنها قالت: نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة، ومعنى قولها: نفعني أي: كسب علي ~~والبالغ هو الذي يقدر على الكسب وقد قيل: إن بئر أبي عنبة بالمدينة لا يمكن ~~الصغير الاستقاء منه فدل على أن المراد منه التخيير في حق البالغ ونحن به ~~نقول: إن الصبي إذا بلغ يخير والدليل عليه ما روي عن عمارة بن ربيعة ~~المخزومي أنه قال: غزا أبي البحرين فقتل فجاء عمي ليذهب بي فخاصمته أمي إلى ~~علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ومعي أخ لي صغير فخيرني علي - رضي الله ~~عنه - ثلاثا فاخترت أمي فأبى عمي أن يرضى فوكزه علي - رضي الله عنه - بيده ~~وضربه بدرته وقال: لو بلغ هذا الصبي أيضا خير فهذا يدل على أن التخيير لا ~~يكون إلا بعد البلوغ. ### | [فصل في بيان مكان الحضانة] # (فصل) : # وأما بيان مكان الحضانة فمكان الحضانة مكان الزوجين إذا كانت الزوجية ~~بينهما قائمة حتى لو أراد الزوج أن يخرج من البلد وأراد أن يأخذ ولده ~~الصغير ممن له الحضانة من ms2186 النساء له ذلك حتى يستغني عنها لما ذكرنا أنها ~~أحق بالحضانة منه فلا يملك انتزاعه من يدها لما فيه من إبطال حقها فضلا عن ~~الإخراج من البلد وإن أرادت المرأة أن تخرج من المصر الذي هي فيه إلى غيره ~~فللزوج أن يمنعها من الخروج سواء كان معها ولد أو لم يكن؛ لأن عليها المقام ~~في بيت زوجها، وكذلك إذا كانت معتدة لا يجوز لها الخروج مع الولد وبدونه ~~ولا يجوز للزوج إخراجها لقوله عز وجل {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا ~~أن يأتين بفاحشة مبينة} [الطلاق: 1] # وأما إذا كانت منقضية العدة فأرادت أن تخرج بولدها من البلد الذي هي فيه ~~إلى بلد فهذا على أقسام: إن أرادت أن تخرج إلى بلدها وقد وقع النكاح فيه؛ ~~فلها ذلك مثل أن تزوج كوفية بالكوفة ثم نقلها إلى الشام فولدت أولادا ثم ~~وقعت الفرقة بينهما وانقضت العدة فأرادت أن تنقل أولادها إلى الكوفة فلها ~~ذلك؛ لأن المانع هو ضرر التفريق بينه وبين ولده وقد رضي به لوجود دليل ~~الرضا وهو التزوج بها في بلدها؛ لأن من تزوج امرأة في بلدها فالظاهر أنه ~~يقيم فيه والولد من ثمرات النكاح فكان راضيا بحضانة الولد في ذلك فكان ~~راضيا بالتفريق إلا أن النكاح ما دام قائما يلزمها اتباع الزوج فإذا زال ~~فقد زال المانع وإن وقع النكاح في غير بلدها لم يكن لها أن تنتقل بولدها ~~إلى بلدها بأن تزوج امرأة كوفية بالشام فوقعت الفرقة فأرادت أن تنقل ولدها ~~إلى الكوفة؛ لم يكن لها ذلك؛ لأنه إذا لم يقع النكاح في بلدها لم توجد ~~دلالة الرضا بالمقام في بلدها فلم يكن راضيا بحضانة الولد فيه فلم يكن ~~راضيا بضرر التفريق، ولو أرادت أن تنقل الولد إلى بلد ليس ذلك ببلدها ولكن ~~وقع النكاح فيه كما إذا تزوج كوفية بالشام فنقلها إلى البصرة فوقعت الفرقة ~~بينهما فأرادت أن تنتقل بأولادها إلى الشام ليس لها ذلك كذا ذكر في الأصل؛ ~~لأن ذلك البلد الذي وقع فيه النكاح ms2187 ليس ببلدها ولا بلد الزوج بل هو دار ~~غربة لها كالبلد الذي فيه الزوج فلم يكن النكاح فيه دليل الرضا بالمقام فيه ~~فلم يكن راضيا بحضانة الولد الذي هو من ثمرات النكاح فيه فلم يكن راضيا ~~بضرر التفريق فاعتبر في الأصل شرطين: أحدهما: أن يكون البلد الذي تريد أن ~~تنقل إليه الولد بلدها، والثاني: وقوع النكاح فيه فما لم يوجدا لا يثبت لها ~~ولاية النقل. # وروي عن أبي يوسف أن لها ذلك واعتبر مكان العقد فقط، وإليه أشار محمد في ~~الجامع الصغير فقال: وإنما أنظر في هذا إلى عقدة النكاح أين وقعت؟ وهكذا ~~اعتبر الطحاوي والخصاف اتباعا لقول محمد في الجامع وهذا غير سديد؛ لأن ~~محمدا وإن أجمل المسألة في الجامع فقد فصلها في الأصل على الوجه الذي وصفنا ~~والمجمل يحمل على المفسر وقد يكون المفسر بيانا للمجمل كالنص # PageV04P044 # المجمل من الكتاب والسنة إذا لحق به التفسير أنه يصير مفسرا من الأصل كذا ~~هذا، والله عز وجل الموفق. # هذا إذا كانت المسافة بين البلدين بعيدة، فإن كانت قريبة بحيث يقدر الأب ~~أن يزور ولده ويعود إلى منزله قبل الليل فلها ذلك؛ لأنه لا يلحق الأب كبير ~~ضرر بالنقل بمنزلة النقل إلى أطراف البلد. # وأما أهل السواد فالحكم في السواد كالحكم في المصر في جميع الفصول إلا في ~~فصل واحد. # وبيانه: أن النكاح إذا وقع في الرستاق فأرادت المرأة أن تنقل الصبي إلى ~~قريتها فإن كان أصل النكاح وقع فيها؛ فلها ذلك كما في المصر لما قلنا، وإن ~~كان وقع في غيرها فليس لها نقله إلى قريتها ولا إلى القرية التي وقع فيها ~~النكاح إذا كانت بعيدة لما ذكرنا في المصر وإن كانت قريبة - على التفسير ~~الذي ذكرنا -؛ فلها ذلك كما في المصر وإن كان الأب متوطنا في المصر فأرادت ~~نقل الولد إلى القرية فإن كان تزوجها فيها وهي قريتها فلها ذلك وإن كانت ~~بعيدة عن المصر لما ذكرنا في المصر وإن لم تكن تلك قريتها فإن كانت قريته ~~ووقع فيها ms2188 أصل النكاح فلها ذلك كما في المصر، وإن كان لم يقع النكاح فيها ~~فليس لها ذلك، وإن كانت قريبة من المصر بخلاف المصرين؛ لأن أخلاق أهل ~~السواد لا تكون مثل أخلاق أهل المصر بل تكون أجفى فيتخلق الصبي بأخلاقهم ~~فيتضرر به ولم يوجد من الأب دليل الرضا بهذا الضرر؛ إذ لم يقع أصل النكاح ~~في القرية والله عز وجل أعلم، وليس للمرأة أن تنقل ولدها إلى دار الحرب وإن ~~كان قد تزوجها هناك وكانت حربية بعد أن يكون زوجها مسلما أو ذميا؛ لأن في ~~ذلك إضرارا بالصبي؛ لأنه يتخلق بأخلاق الكفرة فيتضرر به وإن كان كلاهما ~~حربيين فلها ذلك؛ لأن الصبي تبع لهما وهما من أهل دار الحرب، والله عز وجل ~~أعلم وهو الموفق. ### | [كتاب الإعتاق] ### | [أنواع الإعتاق] # (كتاب الإعتاق) : # الكلام في هذا الكتاب في الأصل في مواضع: في بيان أنواع الإعتاق وفي بيان ~~ركن الإعتاق، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان صفة الإعتاق، وفي بيان حكم ~~الإعتاق، وفي بيان وقت ثبوت حكمه، وفي بيان ما يظهر به الإعتاق أما الأول: ~~فالإعتاق في القسمة الأولى ينقسم إلى أربعة أقسام: واجب، ومندوب إليه، ~~ومباح، ومحظور أما الواجب: فالإعتاق في كفارة القتل والظهار واليمين ~~والإفطار إلا أنه في باب القتل والظهار والإفطار واجب على التعيين عند ~~القدرة عليه وفي اليمين واجب على التخيير قال الله تعالى في كفارة القتل ~~والظهار {فتحرير رقبة} [المجادلة: 3] وفي كفارة اليمين {أو تحرير رقبة} ~~[المائدة: 89] وإنه أمر بصيغة المصدر كقوله عز وجل {فضرب الرقاب} [محمد: 4] ~~وقوله عز وجل {والوالدات يرضعن أولادهن} [البقرة: 233] وقوله تعالى ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن} [البقرة: 228] ونحو ذلك وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في كفارة الإفطار «أعتق رقبة» . # وأما المندوب إليه: فهو الإعتاق لوجه الله تعالى من غير إيجاب؛ لأن الشرع ~~ندب إلى ذلك لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال «أيما مؤمن أعتق مؤمنا في الدنيا أعتق الله تعالى بكل ~~عضو منه عضوا منه ms2189 من النار» وعن واثلة بن الأسقع قال «أتينا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في صاحب لنا قد أوجب فقال - صلى الله عليه وسلم - ~~أعتقوا عنه يعتق الله تعالى بكل عضو منه عضوا منه من النار» وعن أبي نجيح ~~السلمي قال كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالطائف فسمعته يقول ~~«من رمى بسهم في سبيل الله فله درجة في الجنة ومن شاب شيبة في الإسلام كانت ~~له نورا يوم القيامة وأيما رجل مسلم أعتق رجلا مسلما كان به وقاء كل عظم من ~~عظام محرره من النار وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كان بها وقاء كل ~~عظم من عظام محررتها من النار» وعن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة ~~فقال - صلى الله عليه وسلم - «أعتق النسمة وفك الرقبة فقال: أو ليسا واحدا؟ ~~فقال - صلى الله عليه وسلم -: لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها وفك الرقبة ~~أن تعين في إفكاكها» وفي بعض الروايات أن تعين في ثمنها. # وأما المباح: فهو الإعتاق من غير نية لوجود معنى الإباحة فيه وهي تخيير ~~العاقل بين تحصيل الفعل وتركه شرعا وأما المحظور فهو أن يقول لعبده: أنت حر ~~لوجه الشيطان # PageV04P045 # ويقع العتق لوجود ركن الإعتاق وشرطه، وقوله لوجه الشيطان لبيان الغرض ~~ونقسمه أيضا أقساما أخر نذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في ركن الإعتاق] # (فصل) : # وأما ركن الإعتاق فهو اللفظ الذي جعل دلالة على العتق في الجملة أو ما ~~يقوم مقام اللفظ فيحتاج فيه إلى بيان الألفاظ التي يثبت بها العتق في ~~الجملة إما مع النية أو بدون النية وإلى بيان ما لا يثبت به العتق من ~~الألفاظ رأسا أما الأول: فالألفاظ التي يثبت بها العتق في الجملة فتنقسم ~~ثلاثة أقسام: صريح، وملحق بالصريح، وكناية أما الصريح: فهو اللفظ المشتق من ~~العتق أو الحرية أو الولاء نحو قوله: أعتقتك أو حررتك أو أنت عتيق أو معتق ~~أو ms2190 أنت مولاي؛ لأن الصريح في اللغة اسم لما هو ظاهر المعنى مكشوف المراد ~~عند السامع وهذه الألفاظ بهذه الصفة، أما لفظ العتق والحرية فلا شك فيه؛ ~~لأنه لا يستعمل إلا في العتق فكان ظاهر المراد عند السامع فكان صريحا فلا ~~يفتقر إلى النية كصريح الطلاق؛ إذ النية لتعيين المحتمل. # وأما لفظ الولاء فالمولى وإن كان من الألفاظ المشتركة في الأصل لوقوعه ~~على مسميات مختلفة الحدود والحقائق بمنزلة اسم العين والقرء وغيرهما؛ فإنه ~~يقع على الناصر قال الله تعالى {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم} [محمد: 11] ويقع على ابن العم قال الله تبارك وتعالى ~~خبرا عن نبيه زكريا - عليه الصلاة والسلام - {وإني خفت الموالي من ورائي} ~~[مريم: 5] ويقع على المعتق والمعتق لكن ههنا لا يحتمل معنى الناصر؛ لأن ~~المولى لا يستنصر بعبده ولا ابن العم إذا كان العبد معروف النسب ولا المعتق ~~إذ العبد لا يعتق مولاه فتعين المعتق مرادا به، واللفظ المشترك يتعين بعض ~~الوجوه الذي يحتمله مراده بدليل معين فكان صريحا في العتق فلا يحتاج إلى ~~النية كقوله أنت حر أو عتيق وكذا إذا ذكر هذه الألفاظ بصيغة النداء بأن قال ~~يا حر يا عتيق يا معتق؛ لأنه ناداه بما هو صريح في الدلالة على العتق لكون ~~اللفظ موضوعا للعتق والحرية ولا يعتبر المعنى بالموضوعات فيثبت العتق من ~~غير نية كقوله: أنت حر أو عتيق أو معتق، وذكر محمد أنه لو كان اسم العبد ~~حرا وعرف بذلك الاسم فقال له: يا حر لا يعتق؛ لأنه إذا كان مسمى بذلك الاسم ~~معروفا به لندائه يحمل على الاسم العلم لا على الصفة فلا يعتق وكذا إذا قال ~~له: يا مولاي؛ يعتق عليه عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر لا يعتق من غير نية، ~~وجه قوله أن قوله: يا مولاي يحتمل التعظيم ويحتمل العتق فلا يحمل على ~~التحقيق إلا بالنية كقوله: يا سيدي ويا مالكي، ولنا أن النداء للعبد باسم ~~المولى لا يراد به التعظيم للعبد وإكرامه عادة ms2191 وإنما يراد به الإعتاق فيحمل ~~عليه كأن قال: أنت مولاي، ولو قال ذلك؛ يعتق عليه كذا هذا بخلاف قوله: يا ~~سيدي ويا مالكي؛ لأن هذا قد يذكر على وجه التعظيم والإكرام؛ فلا يثبت به ~~العتق من غير قرينة وعلل محمد لهذا فقال: لأنا إنما أعتقناه في قوله: يا ~~مولاي لأجل الولاء لا لأجل الملك، ومعناه ما ذكرنا، والله عز وجل أعلم. # ولو قال في شيء من هذه الألفاظ من قوله: أعتقتك أو نحوه؛ عنيت به الخبر ~~كذبا لا يصدق في القضاء لعدوله عن الظاهر؛ لأنه يستعمل في إنشاء العتق في ~~عرف اللغة والشرع كما يستعمل في الإخبار فإن العرب قبل ورود الشرع كانوا ~~يعتقون عبيدهم بهذه الصيغة وفي الحمل على الخبر حمل على الكذب، وظاهر حال ~~العاقل بخلافه فلا يصدق في القضاء كما لو قال لامرأته: طلقتك ونوى به ~~الإخبار كذبا لا يصدق في القضاء ويصدق به فيما بينه وبين الله عز وجل؛ لأنه ~~نوى ما يحتمله كلامه؛ لأنه يحتمل الإخبار وإن كان إرادته الخبر خلاف ~~الظاهر، ولو قال: عنيت به أنه كان خبرا فإن كان موكدا لا يصدق أصلا؛ لأنه ~~كذب محض وإن كان إنشاء لا يصدق قضاء؛ لأن الظاهر إرادة الإنشاء من هذه ~~الألفاظ فلا يصدق في العدول عن الظاهر ويصدق ديانة؛ لأن اللفظ يحتمل ~~الإخبار عن الماضي، ولو قال: أنت حر من عمل كذا أو أنت حر اليوم من هذا ~~العمل عتق في القضاء؛ لأن العتق بالنسبة إلى الأعمال والأزمان لا يتجزأ ~~لاستحالة أن يعتق اليوم ويسترق غدا أو يعتق في عمل ويرق في عمل فكان ~~الإعتاق في عمل دون عمل وفي زمان دون زمان إعتاقا من الأعمال كلها وفي ~~الأزمان بأسرها فإذا نوى بعض الأعمال والأزمان فقد نوى خلاف الظاهر فلا ~~يصدقه القاضي وكذا إذا قال: أنت مولاي وقال: عنيت به الموالاة في الدين لا ~~يصدق في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر؛ إذ هو يستعمل لولاء العتق ظاهرا # PageV04P046 # ويصدق ديانة؛ لأن اللفظ يحتمل ما نوى، ولو قال: ms2192 ما أنت إلا حر عتق؛ لأن ~~قوله: ما أنت إلا حر آكد من قوله: أنت حر؛ لأنه إثبات بعد النفي كقولنا: لا ~~إله إلا الله، ولو قال أنت حر لوجه الله تعالى عتق؛ لأن اللام في قوله لوجه ~~الله تعالى لام الغرض فقد نجز الحرية وبين أن غرضه من التحرير وجه الله عز ~~وجل، وكذا لو قال لعبده: أنت حر لوجه الشيطان؛ عتق ذكره محمد في الأصل؛ ~~لأنه أعتقه بقوله أنت حر وبين غرضه الفاسد من الإعتاق فلا يقدح في العتق، ~~ولو دعا عبده سالما فقال: يا سالم فأجابه مرزوق فقال: أنت حر ولا نية له ~~عتق الذي أجابه؛ لأن قوله أنت حر خطاب والمتكلم أولى بصرف الخطاب إليه من ~~الساكت، ولو قال: عنيت سالما عتقا في القضاء أما مرزوق فلأن الإشارة مصروفة ~~إليه لما بينا فلا يصدق في أنه ما عناه. # وأما سالم فبإقراره وأما فيما بينه وبين الله تعالى فإنما يعتق الذي عناه ~~خاصة؛ لأن الله تعالى يطلع على سره، ولو قال: يا سالم أنت حر فإذا هو عبد ~~آخر له أو لغيره عتق سالم؛ لأنه لا مخاطب ههنا إلا سالم فيصرف قوله أنت حر ~~إليه، والله عز وجل أعلم. # وأما الذي هو ملحق بالصريح فهو أن يقول لعبده: وهبت لك نفسك أو وهبت نفسك ~~منك أو بعت نفسك منك ويعتق سواء قبل أو لم يقبل نوى أو لم ينو؛ لأن الإيجاب ~~من الواهب أو البائع إزالة الملك من الموهوب أو المبيع وإنما الحاجة إلى ~~القبول من الموهوب له والمشتري لثبوت الملك لهما وههنا لا يثبت للعبد في ~~نفسه؛ لأنه لا يصلح مملوكا لنفسه فتبقى الهبة، والبيع إزالة الملك عن ~~الرقيق لا إلى أحد وهذا معنى الإعتاق ولهذا لا يفتقر إلى القبول فلا يحتاج ~~إلى النية أيضا؛ لأن اللفظ صريح في الدلالة على زوال الملك عن الموهوب ~~والمبيع، والإعتاق إزالة الملك وقد قال أبو حنيفة: إذا قال لعبده: وهبت لك ~~نفسك وقال: أردت وهبت له عتقه أي: لا ms2193 أعتقه؛ لم يصدق في القضاء؛ لأن الهبة ~~وضعت لإزالة الملك عن الموهوب وهبة العتق استبقاء الملك على الموهوب فقد ~~عدل عن ظاهر الكلام فلا يصدق في القضاء ويصدق فيما بينه وبين الله عز وجل؛ ~~لأنه نوى ما يحتمله كلامه. # وروي عن أبي يوسف فيمن قال لعبده: أنت مولى فلان أو عتيق فلان؛ أنه يعتق ~~في القضاء؛ لأنه أخبر أنه معتق فلان ولا يكون معتق فلان إلا وأن يكون ~~مملوكا لفلان فأعتقه فإن أعتقك فلان فليس بشيء؛ لأن قوله: أعتقك فلان يحتمل ~~أنه أراد أن فلانا أنشأ العتق فيك ولا يكون ذلك إلا بعد الملك ويحتمل أنه ~~أراد به أنه قال لك للحال: أنت حر ولا ملك له فيه فلا يعتق بالشك والله عز ~~وجل أعلم. # ومن هذا القبيل إذا اشترى أباه أو أمه أو ابنه؛ عتق عليه، نوى أو لم ينو ~~عند عامة العلماء؛ لأن شراءه جعل إعتاقا شرعا حتى تتأدى به الكفارة إذا ~~اشترى أباه ناويا عن الكفارة في قول أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر والشافعي ~~وعند مالك لا يعتق إلا بإعتاق مبتدأ والأصل أن كل من يملك ذا رحم محرم منه ~~بالشراء أو بقبول الهبة أو الصدقة أو الوصية أو بالإرث يعتق عليه، وقال ~~مالك: لا يعتق ما لم يعتقه، وقال الشافعي: لا يعتق بالملك إلا من له أولاد ~~فأما من لا أولاد له فلا يعتق إلا بإعتاق مبتدأ، أما مالك فإنه احتج بما ~~روى أبو داود في سننه بإسناده عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال «لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» حقق ~~- صلى الله عليه وسلم - الإعتاق عقيب الشراء، ولو كان الشراء نفسه إعتاقا ~~لم يتحقق الإعتاق عقيبه؛ لأن إعتاق المعتق لا يتصور فدل أن شراء القريب ليس ~~بإعتاق ولأن الشراء إثبات الملك والإعتاق إزالة الملك وبينهما منافاة فكيف ~~يكون اللفظ الواحد إثباتا وإزالة ولنا ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «من ملك ms2194 ذا رحم محرم منه فهو حر» وعن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - قال: «جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول ~~الله إني دخلت السوق فوجدت أخي يباع فاشتريته وأنا أريد أن أعتقه فقال له - ~~صلى الله عليه وسلم - إن الله تعالى قد أعتقه» ، والحديثان حجة على مالك ~~والشافعي ومعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة فتعتقه ~~أي: تعتقه بالشراء يحمل على هذا عملا بالأحاديث كلها صيانة لها عن التناقض. # وأما قوله: الشراء إثبات الملك والإعتاق إزالة الملك فنعم ولكن الممتنع ~~إثبات حكم وضده بلفظ واحد في زمان واحد وأما في زمانين فلا؛ لأن علل الشرع ~~في الحقيقة دلائل وأعلام على المحكومات الشرعية فيجوز أن يكون لفظ الشراء ~~السابق علما على ثبوت الملك في الزمان الأول وذلك اللفظ بعينه علما على ~~ثبوت العتق في الزمان الثاني؛ إذ لا تنافي عند اختلاف الزمان. # وأما # PageV04P047 # الكلام مع الشافعي فمبني على أن القرابة المحرمة للنكاح فيما سوى الولاد ~~وهي قرابة الأخوة والعمومة والخؤولة حرام القطع عندنا وعنده لا يحرم قطعها، ~~وعلى هذا يبنى وجوب القطع بالسرقة ووجوب النفقة في هذه القرابة أنه لا يقطع ~~ويجب النفقة عندنا خلافا له ولا خلاف في أن قرابة الولاد حرام القطع ولا ~~خلاف أيضا في أن القرابة التي لا تحرم النكاح كقرابة بني الأعمام غير محرمة ~~القطع فالشافعي يلحق هذه القرابة بقرابة بني الأعمام ونحن نلحقها بقرابة ~~الولاد، وجه قوله أن العتق إنما يثبت بالقرابة لكون العتق صلة وكون القرابة ~~مستدعية للصلة، والإحسان إلى القريب والعتق من أعلى الصلات فلا يثبت إلا ~~بأعلى القرابات وهي قرابة الولاد لما فيها من الجزئية والبعضية ولا يوجد ~~ذلك في هذه القرابة فلا يلحق بها بل يلحق بالقرابة البعيدة وهي قرابة بني ~~الأعمام ولهذا ألحق بها في كثير من الأحكام وهي جريان القصاص في النفس ~~والطرف وقبول الشهادة والحبس بالدين وجواز الاستئجار ونكاح الحليلة وعدم ~~التكاتب ولنا أن قرابة الولاد إنما أوجبت العتق عند ms2195 الملك لكونها محرمة ~~القطع وإبقاء الملك في القريب يفضي إلى قطع الرحم؛ لأن الملك نفسه من باب ~~الذل والهوان فيورث وحشة وإنها توجب التباعد بين القريبين وهو تفسير قطيعة ~~الرحم وشرع السبب المفضي إلى القطع مع تحريم القطع متناقض فلا يبقى الملك ~~دفعا للتناقض فلا يبقى الرق ضرورة؛ لأنه لم يشرع بقاؤه في المسلم والذمي ~~إلا لأجل الملك المحترم للمالك المعصوم وإذا زال الرق ثبت العتق ضرورة، ~~والقرابة المحرمة للنكاح محرمة القطع؛ لأن النصوص المقتضية لحرمة قطع الرحم ~~عامة أو مطلقة قال الله تبارك وتعالى {واتقوا الله الذي تساءلون به ~~والأرحام} [النساء: 1] معناه: واتقوا الله الذي تساءلون به فلا تعصوه ~~واتقوا الأرحام فلا تقطعوها ويحتمل أن يكون معناه واتقوا الله وصلوا ~~الأرحام وقد روي في الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«صلوا الأرحام فإنه أبقى لكم في الدنيا وخير لكم في الآخرة» والأمر بالوصل ~~يكون نهيا عن القطع؛ لأنه ضده والأمر بالفعل نهي عن ضده. # وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «الرحم شجنة من الله تعالى ~~معلقة بالعرش تقول يا رب هذا مقام العائذ بك قطعت ولم أوصل فيقول الله ~~تبارك وتعالى أما يكفيك أني شققت لك اسما من اسمي أنا الرحمن وأنت الرحم ~~فمن وصلك وصلته ومن قطعك بتته» ومثل هذا الوعيد لا يكون إلا بارتكاب المحرم ~~فدل أن قطع الرحم حرام والرحم هو القرابة سميت القرابة رحما إما باعتبار أن ~~الرحم مشتق من الرحمة كما جاء في الحديث والقرابة سبب الرحمة والشفقة على ~~القريب طبعا وإما باعتبار العضو المخصوص من النساء المسمى بالرحم محل السبب ~~الذي يتعلق به وجود القرابات فكان كل قرابة أو مطلق القرابة محرمة القطع ~~بظاهر النصوص إلا ما خص أو قيد بدليل ثم نخرج الأحكام، أما جريان القصاص ~~فلا يفضي إلى قطع الرحم؛ لأن القصاص جزاء الفعل، وجزاء الفعل يضاف إلى ~~الفاعل فكان الأخ القاتل أو القاطع هو قاطع الرحم فكأنه قتل نفسه أو قطع ~~طرفه باختياره، وكذا ms2196 الحبس بالدين؛ لأنه جزاء المطل الذي هو جناية فكان ~~مضافا إليه. # وأما الإجارة فهي عقد معاوضة وهو تمليك المنفعة بالمال وإنه حصل باختياره ~~فلا يفضي إلى القطع إلا أنه لا يجوز استئجار الأب ابنه في الخدمة التي ~~يحتاج إليها الأب لا لأنه يفضي إلى قطيعة الرحم بل لأن ذلك يستحق على الابن ~~شرعا فلا يجوز أن يستحق الأجر في مقابلته فلا يدخل في العقد، ولو استأجر ~~الابن أباه يصح ولكن يفسخ احتراما للأب ونحن نسلم أن للأب زيادة احترام ~~شرعا يظهر في حق هذا وفي حق القصاص والحبس، ولا كلام فيه. # وأما نكاح الحليلة فإنه وإن كان فيه نوع غضاضة لكن هذا النوع من الغضاضة ~~غير معتبر في تحريم القطع فلأن الجمع بين الأختين حرم للصيانة عن قطيعة ~~الرحم ثم يجوز نكاح الأخت بعد طلاق أختها وانقضاء عدتها وإن كان لا يخلو عن ~~نوع غضاضة. # وأما التكاتب فعند أبي يوسف ومحمد يتكاتب الأخ كما في قرابة الولاد وعن ~~أبي حنيفة فيه روايتان، ثم نقول عدم تكاتب الأخ لا يفضي إلى قطيعة الرحم؛ ~~لأن ملكه لا يصلح للتكاتب؛ لأنه من باب الصلة والتبرع وملك المكاتب ملك ~~ضروري لا يظهر في حق التبرع والعتق فإذا لم يتكاتب عليه لم يقدر الأخ على ~~إزالة الذل عنه وهو الملك؛ فلا يفضي إلى الغضاضة بخلاف الولد؛ لأن ملك ~~المكاتب وإن كان ضروريا لم يشرع إلا في حق حرية نفسه لكن # PageV04P048 # حرية أبيه وابنه في معنى حرية نفسه؛ لأن المرء يسعى لحرية أولاده وآبائه ~~مثل ما يسعى لحرية نفسه فهو الفرق والله عز وجل أعلم وسواء كان المالك لذي ~~الرحم المحرم بالغا أو صبيا عاقلا أو مجنونا؛ يعتق عليه إذا ملكه لعموم ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - «من ملك ذا رحم محرم منه فهو حر» ولأنه علق ~~الحكم وهو الحرية بالملك فيقتضي أن كل من كان من أهل الملك؛ كان من أهل هذا ~~الحكم والصبي والمجنون من أهل الملك فكانا من أهل هذا الحكم فإن قيل: ms2197 إن ~~الصبي العاقل إذا اشترى أباه يعتق عليه وشراء القريب إعتاق عند أصحابنا حتى ~~تتأدى به الكفارة والصبي وإن كان عاقلا فليس من أهل الإعتاق فينبغي أن لا ~~يعتق أو لا يكون الشراء إعتاقا قيل: إن كون شراء الأب إعتاقا عرفناه بالنص ~~وهو ما رويناه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - والنص قابل للتخصيص ~~والتقييد وقد قام الدليل على أن الصبي ليس بمراد؛ لأنه ليس من أهل الإعتاق ~~فلا يكون الشراء من الصبي وإن كان عاقلا إعتاقا بل يكون تمليكا فقط فيعتق ~~عليه بالملك شرعا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «من ملك ذا رحم محرم ~~منه فهو حر» لا بالإعتاق. # ولو ملك حليلة ابنه أو منكوحة أبيه أو أمه من الرضاع لا يعتق عليه وكذا ~~إذا ملك ابن العم أو العمة أو ابنتها أو ابن الخال أو الخالة أو بنتيهما لا ~~يعتق؛ لأن شرط العتق ملك ذي رحم محرم فلا بد من وجودهما أعني الرحم المحرم ~~ففي الأول وجد المحرم بلا رحم وفي الثاني وجد الرحم بلا محرم فلا يثبت ~~العتق وأهل الإسلام وأهل الذمة في ذلك سواء لاستوائهم في حرمة قطع الرحم ~~وأهلية الإعتاق وأهلية الملك ولعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - «من ملك ~~ذا رحم محرم فهو حر وولاء المعتق لمن عتق عليه» ؛ لأن العتق إن وقع بالشراء ~~فالشراء إعتاق وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «الولاء لمن أعتق» وإن ~~وقع بالملك شرعا فالملك للمعتق عليه فكان الولاء له. # ولو اشترى أمة وهي حبلى من أبيه والأمة لغير الأب؛ جاز الشراء وعتق ما في ~~بطنها ولا تعتق الأمة، ولا يجوز بيعها قبل أن تضع وله أن يبيعها إذا وضعت، ~~أما جواز الشراء فلا شك فيه؛ لأن شراء الأخ جائز كشراء الأب وسائر ذوي ~~الرحم المحرم. # وأما عتق الحمل فلأنه أخوه وقد ملكه فيعتق عليه ولا تعتق الأم عليه؛ ~~لأنها أجنبية عنه لعدم القرابة بينهما؛ يحققه أنه لو ملكها أبوه لا تعتق ~~عليه فابنه أولى. # وأما ms2198 عدم جواز بيعها ما دام الحمل قائما فلأن في بطنها ولدا حرا ولأن بيع ~~الحامل بدون الحمل لا يجوز؛ ألا ترى أنه لو باعها واستثنى الحمل يفسد البيع ~~فإذا كان الولد حرا والحر لا يكون محلا للبيع يصير كأنه استثنى الولد وإذا ~~وضعت جاز بيعها؛ لأن المانع قد زال. # وإذا ملك شقصا من ذي رحم محرم منه عتق عليه قدر ما ملك في قول أبي حنيفة ~~وعند أبي يوسف ومحمد وزفر يعتق كله كما لو أعتق شقصا من عبد له أجنبي؛ لأن ~~العتق يتجزأ عنده وعندهم لا يتجزأ، ولو ملك رجلان ذا رحم محرم من أحدهما ~~حتى عتق عليه فهذا لا يخلو: إما أن ملكاه بسبب لهما فيه صنيع، وإما إن ~~ملكاه بسبب لا صنيع لهما فيه. # فإن ملكاه بسبب لهما فيه صنع بأن ملكاه بالشراء أو بقبول الهبة أو الصدقة ~~أو الوصية لا يضمن من عتق عليه لشريكه شيئا موسرا كان أو معسرا في قول أبي ~~حنيفة ولكن يسعى له العبد في نصيبه وعند أبي يوسف ومحمد يضمن الذي عتق عليه ~~نصيبه إن كان موسرا وعلى هذا الخلاف إذا باع رجل نصف عبده من ذي رحم محرم ~~من عبده أو وهبه له حتى عتق عليه؛ لا يضمن المشتري نصيب البائع عند أبي ~~حنيفة موسرا كان القريب أو معسرا، ولكن يسعى العبد في نصف قيمته للبائع ~~وعندهما يضمن إن كان موسرا وإن كان معسرا يسعى العبد. # ولو قال الرجل لعبد ليس بقريب له: إن ملكته فهو حر ثم اشتراه الحالف ~~وغيره صفقة واحدة ذكر الجصاص أنه على هذا الخلاف أنه لا ضمان عليه في قول ~~أبي حنيفة وعندهما يضمن وذكر الكرخي أني لا أعرف الرواية في هذه المسألة، ~~وأجمعوا على أن العبد إذا كان بين اثنين فباع أحدهما نصيبه من قريب العبد ~~حتى عتق عليه؛ أن المشتري يضمن نصيب الشريك الساكت إن كان موسرا، ولا يضمن ~~البائع شيئا والكلام في هذه المسائل بناء على أن الإعتاق يتجزأ عند أبي ~~حنيفة ms2199 وعندهما لا يتجزأ، ووجه البناء على هذا الأصل أن الإعتاق لما لم يكن ~~متجزئا عندهما وشراء القريب إعتاق فكان شراء نصيبه إعتاقا لنصيبه وإعتاق ~~نصيبه إعتاق لنصيب صاحبه فيعتق كله كالعبد المشترك بين اثنين أعتقه أحدهما ~~وهو موسر ولما كان متجزئا عنده كان شراء نصيبه # PageV04P049 # إعتاقا لنصيبه خاصة فلم يكن إفسادا لنصيب شريكه ولا تمليكا لنصيبه أيضا؛ ~~لأن ذلك ثبت لضرورة تكميل الإعتاق لضرورة عدم التجزئة فإذا كان متجزئا عنده ~~فلا ضرورة إلى التكميل فلا حاجة إلى التمليك والدليل عليه أنه لا ضمان إذا ~~كان معسرا وضمان الإتلاف والتمليك لا يسقط بالإعسار وكان ينبغي أن لا يجب ~~الضمان على الشريك المعتق إلا أنا عرفنا وجوب الضمان ثمة مخالفا للأصول ~~بالنص نظرا للشريك الساكت وهو مستحق للنظر؛ إذ لم يوجد منه الرضا بمباشرة ~~الإعتاق من الشريك ولا بمباشرة شرطه وههنا وجد؛ لأن كل واحد من المشتريين ~~راض بشراء صاحبه وكيف لا يكون راضيا به، وإن شراء كل واحد منهما شرط لصحة ~~شراء صاحبه حتى لو أوجب البائع لهما فقبل أحدهما دون صاحبه لم يصح وكذا ~~البائع نصف عبده من ذي رحم محرم راض بشرائه ومن رضي بالضرر لا ينظر له فلم ~~تكن هذه المواضع نظير المنصوص عليه فبقي الحكم فيها على الأصل بخلاف العبد ~~المشترك بين اثنين باع أحدهما نصيبه من ذي رحم محرم منه؛ لأن هناك لم يوجد ~~دليل الرضا من الشريك الساكت بشراء القريب أصلا حتى يوجب سقوط حقه في ~~الضمان فكان في معنى المنصوص عليه فيلحق به ثم وجه الكلام لأبي حنيفة على ~~طريق الابتداء أنه وإن سلم أن شراء نصيبه إعتاق لنصيبه وإفساد لنصيب شريكه ~~لكن هذا إفساد مرضي به من جهة الشريك؛ لأنه رضي بشراء نفسه وإثبات الملك له ~~في نصيبه ولا يمكنه ذلك بدون شراء صاحبه؛ لأن الخلاف فيما إذا أوجب البائع ~~البيع لهما صفقة واحدة فلا بد وأن يكون القبول موافقا للإيجاب؛ إذ البائع ~~ما رضي إلا به. # ألا ترى أنه لو قال: بعت ms2200 منكما فقبل أحدهما ولم يقبل الآخر؛ لم يصح البيع ~~فكان الرضا بشراء نفسه رضا بشراء صاحبه فكان شراء القريب إفسادا لنصيب ~~الشريك برضا الشريك فلا يوجب الضمان كما إذا كان العبد مشتركا بين اثنين ~~فقال أحدهما لصاحبه: أعتق نصيبك أو رضيت بإعتاق نصيبك فأعتق؛ لا يضمن، كذا ~~هذا. # فإن قيل: هذه النكتة لا تتمشى في الهبة فإن أحدهما إذا قبل الهبة دون ~~الآخر يثبت له الملك فلم يكن الرضا بقبول الهبة في نصيبه رضا بقبول صاحبه ~~فلم يكن هذا إفسادا مرضيا به من جهة الشريك وكذا لا تتمشى فيما إذا لم يعلم ~~الشريك الأجنبي أن شريكه قريب العبد؛ لأنه إذا لم يعلم به لم يعلم كون شراء ~~الشريك إعتاقا لنصيبه فلا يعلم كونه إفسادا لنصيب شريكه فلا يثبت رضاه ~~بالإفساد؛ لأن الرضا بالشيء بدون العلم به محال فالجواب أن هذا من باب عكس ~~العلة؛ لأنه أراه الحكم مع عدم العلة وهذا تفسير العكس والعكس ليس بشرط في ~~العلل الشرعية لجواز أن يكون لحكم واحد شرعي علل فنحن نفينا وجوب الضمان في ~~بعض الصور بما ذكرنا ونبقيه في غيره بعلة أخرى ثم نقول: أما فصل الهبة ~~فنقول: كل واحد منهما وإن لم يكن قبوله شرط صحة قبول الآخر حتى ينفرد كل ~~واحد منهما بالقبول لكنهما إذا قبلا جميعا كان قبولهما بمنزلة شيء واحد؛ ~~لأنه جواب إيجاب واحد مثاله: إذا قرأ المصلي آية واحدة قصيرة أو طويلة على ~~الاختلاف يتعلق به الجواز، ولو قرأ عشر آيات أو أكثر يتعلق الجواز بالكل ~~ويجعل الكل كآية واحدة كذا هذا. # وأما فصل العلم فتخريجه على جواب ظاهر الرواية وهو أن عند أبي حنيفة لا ~~يجب الضمان سواء علم أو لم يعلم وعندهما يجب علم أو لم يعلم نص عليه في ~~الجامع الصغير أما على أصلهما فظاهر؛ لأن الضمان عندهما يجب مع العلم فمع ~~الجهل أولى. # وأما على أصل أبي حنيفة فلأن سقوط ضمان الإتلاف عند الإذن والرضا به لا ~~يقف على العلم فإن من قال ms2201 لرجل: كل هذا الطعام والآذن لا يعلم أنه طعام ~~نفسه فأكله الرجل لا يستحق الضمان عليه وإن لم يعلم به وهذا لأن حقيقة ~~العلم ليست بشرط في بناء الأحكام عليه بل المعتبر هو سبب حصول العلم ~~والطريق الموصل إليه ويقام ذلك مقام حقيقة العلم كما يقام سبب القدرة مقام ~~حقيقة القدرة وطريق حصول العلم ههنا في يده وهو السؤال والفحص عن حقيقة ~~الحال فإذا لم يفعل فقد قصر فلا يستحق الضمان، وروى بشر عن أبي يوسف أنه ~~فصل بين العلم والجهل فقال: إن كان الأجنبي يعرف ذلك فإن العبد يعتق ويسعى ~~للأجنبي في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وإن كان لا يعلم فهو بالخيار إن شاء ~~نقض البيع وإن شاء تم عليه وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ووجه هذه الرواية ~~أن الشراء مع شركة الأب عيب فكان بمنزلة سائر العيوب أنه إن علم به المشتري ~~يلزمه البيع كما في سائر العيوب، وإن لم يعلم به؛ لم يلزمه مع العيب، وإذا ~~لم يلزمه العقد # PageV04P050 # في حق أحد الشريكين؛ لم يلزم في حق الآخر فلا يعتق العبد ويثبت للمشتري ~~حق الفسخ. # وذكر في الجامع الصغير: لو اشترى رجل نصف عبد ثم اشترى أب العبد النصف ~~الباقي وهو موسر فالمشتري بالخيار بمنزلة عبد بين اثنين أعتقه أحدهما ~~فالمشتري بالخيار؛ لأنه لم يوجد من المشتري الأجنبي ما هو دليل الرضا في ~~سقوط الضمان عن الأب فلا يسقط. # وروي عن أبي يوسف أنه قال لو أن عبدا اشترى نفسه هو وأجنبي من مولاه ~~فالبيع باطل في حصة الأجنبي؛ لأنه اجتمع العتق، والبيع في عقد واحد في زمان ~~واحد؛ لأن بيع نفس العبد منه إعتاق على مال فلا يصح البيع بخلاف الرجلين ~~اشتريا ابن أحدهما أنه يصح، وإن اجتمع الشراء والعتق في عقد واحد؛ لأن شراء ~~القريب تملك في الزمان الأول وإعتاق في الزمان الثاني، وإنه جائز لما بينا. # وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا قال: إن ملكت من هذا العبد شيئا فهو حر ms2202 ثم ~~اشتراه الحالف وأبوه صفقة واحدة عتق على الأب وهذا على أصله؛ لأن العتق ~~عنده لا يتجزأ، وقد اجتمع للعتق سببان: القرابة واليمين إلا أن القرابة ~~سابقة على اليمين فإذا ملكاه صار كأن عتق الأب أسبق فيعتق النصيبان عليه ~~ولهذا قال في رجل قال: إن اشتريت فلانا أو بعضه فهو حر فادعى رجل آخر أنه ~~ابنه ثم اشترياه عتق عليهما، ونصف ولائه للذي أعتقه وهو ابن للذي ادعاه؛ ~~لأن النسب ههنا لم يسبق اليمين فيعتق نصيب كل واحد منهما عليه وولاؤه ~~بينهما؛ لأنه عتق عليهما والولاء للمعتق وإن ملك اثنان ذا رحم محرم من ~~أحدهما بسبب لا صنع لهما فيه بأن ورثا عبدا وهو قريب أحدهما حتى عتق عليه ~~لا يضمن نصيب شريكه موسرا كان أو معسرا ولكن يسعى العبد في نصف قيمته ~~لشريكه في قولهم جميعا؛ لأن العتق ههنا ثبت بالملك شرعا من غير إعتاق من ~~جهة أحد من العباد إذ لا صنع لأحد من العباد في الإرث ووجوب الضمان على ~~المرء يعتمد شرعا صنعا من جهته ولم يوجد من القريب؛ فلا يضمن، والله ~~الموفق. # ومن هذا القبيل ألفاظ النسب وذكرها لا يخلو: إما أن يكون على وجه الصفة ~~وإما أن يكون على سبيل الفداء فإن ذكرها على طريق الصفة بأن قال لمملوكه: ~~هذا ابني فهو لا يخلو: إما إن كان يصلح ابنا له بأن كان يولد مثله لمثله، ~~وإما إن كان لا يصلح، ولا يخلو: إما إن كان مجهول النسب أو معروف النسب من ~~الغير. # فإن كان يصلح ابنا له فإن كان مجهول النسب يثبت النسب والعتق بالإجماع ~~وإن كان معروف النسب من الغير لا يثبت النسب بلا شك ولكن يثبت العتق عندنا، ~~وعند الشافعي لا يثبت العتق والأصل عنده أن العتق بناء على النسب فإن ثبت ~~النسب ثبت العتق وإلا فلا، وإن كان لا يصلح ابنا له فلا يثبت النسب بلا شك ~~وهل يعتق؟ قال أبو حنيفة: يعتق سواء كان مجهول النسب أو معروف النسب، وقال ~~أبو ms2203 يوسف ومحمد: لا يعتق والأصل عندهما أن العتق مبني على تصور النسب ~~واحتمال ثبوته فإن تصور ثبوته؛ ثبت العتق وإلا فلا والأصل عند أبي حنيفة أن ~~ثبوت العتق لا يقف على ثبوت النسب ولا على تصور ثبوته وكذلك لو قال ~~لمملوكته: هذه بنتي فهو على هذا التفصيل والاتفاق والاختلاف الذي ذكرنا في ~~الابن، وجه قولهم: أن العتق لو ثبت لا يخلو: إما إن ثبت ابتداء أو بناء على ~~ثبوت النسب لا وجه للأول؛ لأنه لم يوجد الإعتاق ابتداء ولا سبيل للثاني، ~~أما عند الشافعي فلأن النسب لم يثبت في المسألتين جميعا فلا يثبت العتق ~~بناء عليه. # وأما عندهما فلأن في المسألة الثانية لا يتصور ثبوت النسب فلا يثبت العتق ~~وفي المسألة الأولى يتصور ثبوت النسب منه حقيقة بالزنا والاشتهار من غيره ~~بناء على النسب الظاهر فيعتق ولأبي حنيفة أن كلام العاقل المتدين يحمل على ~~الصحة والسداد ما أمكن لاعتبار عقله ودينه دلالة وأمكن تصحيح هذا الكلام من ~~وجهين: الكناية والمجاز أما الكناية فلوجود طريق الكناية في اللغة وهو ~~الملازمة بين الشيئين أو المجاورة بينهما غالبا على وجه يكون بينهما تعلق ~~الوجود به أو عنده أو تعلق البقاء وتكون الكناية كالتابع للمكنى، والمكنى ~~هو المقصود فيترك اسم الأصل صريحا ويكنى عنه باسم الملازم إياه التابع له ~~كما في قوله عز وجل {أو جاء أحد منكم من الغائط} [المائدة: 6] والغائط اسم ~~للمكان الخالي المطمئن من الأرض كنى به عن الحدث لملازمة بين هذا المكان ~~وبين الحدث غالبا وعادة؛ إذ العادة أن الحدث يوجد في مثل هذا المكان تسترا ~~عن الناس، وكذا الاستنجاء والاستجمار كناية عن تطهير موضع الحدث؛ إذ ~~الاستنجاء طلب النجو والاستجمار طلب الجمار # PageV04P051 # وكذا العرب تقول: مازلنا نطأ السماء حتى أتيناكم أي نطأ المطر؛ إذ المطر ~~ينزل من السماء ونحو ذلك من مواضع الاستعمال، والبنوة في الملك ملازمة ~~للحرية فجاز أن يكني بقوله: هذا ابني عن قوله: هذا معتقي وذكر الصريح ~~والكناية في الكلام سواء، ولو صرح فقال: هذا معتقي ms2204 عتق فكذا إذا كنى به. # وأما المجاز فلأن من طرقه المشابهة بين الذاتين في المعنى الملازم ~~المشهور في محل الحقيقة فيطلق اسم المستعار عنه على المستعار له لإظهار ~~المعنى الذي هو ظاهر في المستعار عنه خفي في المستعار له كما في الأسد مع ~~الشجاع، والحمار مع البليد ونحو ذلك وقد وجد هذا الطريق ههنا من وجهين: ~~أحدهما أن الابن في اللغة اسم للمخلوق من ماء الذكر والأنثى وفيه معنى ظاهر ~~لازم وهو كونه منعما عليه من جهة الأب بالإحياء لاكتساب سبب وجوده وبقائه ~~بالتربية والمعتق منعم عليه من جهة المعتق؛ إذ الإعتاق إنعام على المعتق ~~وقال الله عز وجل {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه} [الأحزاب: ~~37] قيل في التفسير: أنعم الله تعالى عليه بالإسلام وأنعمت عليه بالإعتاق ~~فكان بينهما مشابهة في هذا المعنى وإنه معنى لازم مشهور فيجوز إطلاق اسم ~~الابن على المعتق مجازا لإظهار نعمة العتق كإطلاق اسم الأسد على الشجاع ~~والحمار على البليد، والثاني: أن بين معتق الرجل وبين ابنه الداخل في ملكه ~~مشابهة في معنى الحرية وهو معنى لازم للابن الداخل في ملكه بحيث لا ينفك ~~عنه وإنه مشهور فيه فوجد طريق الاستعارة فصحت الاستعارة وقد خرج الجواب عن ~~قولهم: إن العتق إما إن ثبت ابتداء أو بناء على النسب؛ لأنا نقول: ابتداء ~~لكن بأحد الطريقين وهو الكناية أو المجاز على ما بينا ولا يلزم على أبي ~~حنيفة ما إذا قال لامرأته: هذه بنتي ومثله لا يلد مثلها أنه لا تقع الفرقة ~~بينهما؛ لأن إقراره بكونها بنتا له نفى النكاح لأجل النسب وههنا لم يثبت ~~النسب فلا ينتفي النكاح فأما ثبوت العتق فليس يقف على ثبوت النسب، والدليل ~~على التفرقة بين المسألتين أنه لو قال لزوجته وهي معروفة النسب من الغير: ~~هذه بنتي لم تقع الفرقة، ولو قال لأمته: هذه بنتي وهي معروفة النسب تعتق ~~وما افترقا إلا لما قلنا، وكذا لو قال لزوجته: هذه بنتي وهي تصلح بنتا له ~~ثم قال: أوهمت أو أخطأت ms2205 لا تقع الفرقة، ولو قال لأمته: هذه بنتي وهي تصلح ~~بنتا ثم قال: أوهمت أو أخطأت يقع العتق فدل على التفرقة بينهما وكذلك لو ~~قال: هذا أبي فإن كان يصلح أبا له وليس للقائل أب معروف يثبت النسب والعتق ~~بلا خلاف، وإن كان يصلح أبا له ولكن للقائل أب معروف لا يثبت النسب ويعتق ~~عندنا خلافا للشافعي وإن كان لا يصلح أبا له لا يثبت النسب بلا شك ولكن ~~يعتق عند أبي حنيفة وعندهما لا يعتق، وكذلك لو قال: هذه أمي فالكلام فيه ~~كالكلام في الأب. # وأما الكلام في الحرية بأن كان المملوك أمة؛ ففي كل موضع يثبت النسب تثبت ~~الحرية وإلا فلا، ولو قال لعبده: هذه بنتي أو قال لأمته: هذا ابني اختلف ~~المشايخ فيه: قال بعضهم: يعتق وقال بعضهم: لا يعتق، ولو قال لمملوكه: هذا ~~عمي أو خالي يعتق بلا خلاف بين أصحابنا، ولو قال: هذا أخي أو أختي ذكر في ~~الأصل أنه لا يعتق بخلاف قوله: هذا ابني أو أبي أو عمي أو خالي، وروى الحسن ~~عن أبي حنيفة أنه يعتق كما في قوله: عمي أو خالي وجه هذه الرواية أنه وصف ~~مملوكه بصفة من يعتق عليه إذا ملكه فيعتق عليه كما إذا قال: هذا عمي أو ~~خالي، وجه رواية الأصل أن قوله: هذا أخي يحتمل تحقيق العتق ويحتمل الإكرام ~~والتخفي به؛ لأنه يستعمل في ذلك عرفا وشرعا قال الله تعالى {فإن لم تعلموا ~~آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} [الأحزاب: 5] فلا يحمل على العتق من ~~غير نية بخلاف اسم الخال والعم فإنه لا يستعمل في الإكرام عرفا وعادة فلا ~~يقال: هذا خالي أو عمي على إرادة الإكرام فكان ذكره للتحقيق وبخلاف قوله: ~~هذا ابني أو هذا أبي؛ لأنه لا يستعمل في الإكرام عرفا وشرعا وقد منع الشرع ~~من ذلك قال الله تعالى {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} [الأحزاب: 4] وقال ~~سبحانه وتعالى {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم ~~فإخوانكم في الدين ومواليكم} [الأحزاب: 5] . # وروي أنهم ms2206 كانوا يسمون زيد بن حارثة زيد بن محمد فنزل قوله تعالى {ما كان ~~محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40] فكفوا ~~عن ذلك، وإن لم يكن مستعملا في الإكرام يحمل على التحقيق. # وأما النداء فهو أن يقول: يا بني يا أبي يا ابنتي يا أمي يا خالي يا عمي ~~أو يا أختي أو يا أخي على رواية الحسن لا يعتق في هذه الفصول؛ لأن الغرض ~~بذكر اسم النداء هو استحضار المنادى لا تحقيق معنى الاسم فيه إلا إذا كان ~~الاسم موضوعا له على ما بينا # PageV04P052 # فاحتمل أنه أراد النداء على طريق الإكرام دون تحقيق العتق فلا يحمل على ~~العتق من غير نية، ولو قال لعبده: يا ابن أو لأمته: يا ابنة لا يعتق لعدم ~~الإضافة إلى نفسه، ولو قال: يا بني أو يا بنية؛ يعتق لوجود الإضافة. # وأما الكناية فنحو قوله: لا سبيل لي عليك أو لا ملك لي عليك أو خليت ~~سبيلك أو خرجت من ملكي فإن نوى العتق يعتق وإلا فلا؛ لأن كل واحدة من هذه ~~الألفاظ يحتمل العتق ويحتمل غيره فإن قوله: لا سبيل لي عليك يحتمل سبيل ~~اللوم والعقوبة أي: ليس لي عليك سبيل اللوم والعقوبة لوفائك بالخدمة ~~والطاعة ويحتمل: لا سبيل لي عليك لأني كاتبتك فزالت يدي عنك ويحتمل: لا ~~سبيل لي عليك لأني أعتقتك فلا يحمل على العتق إلا بالنية ويصدق إذا قال: ~~عنيت به غير العتق إلا إذا قال: لا سبيل لي عليك إلا سبيل الولاء فإنه يعتق ~~في القضاء ولا يصدق أنه أراد به غير العتق؛ لأنه نفى كل سبيل وأثبت سبيل ~~الولاء وإطلاق الولاء يراد به ولاء العتق، وذلك لا يكون إلا بعد العتق، ولو ~~قال: إلا سبيل الموالاة دين في القضاء؛ لأن مطلق الموالاة يراد بها ~~الموالاة في الدين أو يستعمل في ولاء الدين وولاء العتق. # فأي ذلك نوى؛ يصدق في القضاء وقوله: لا ملك لي عليك يحتمل ملك اليد أي: ~~كاتبتك فزالت يدي عنك ويحتمل: ms2207 لا ملك لي عليك؛ لأني بعتك ويحتمل: لا ملك لي ~~عليك؛ لأني أعتقتك فتقف على النية وقوله: خليت سبيلك يحتمل سبيل الاستخدام ~~أي: لا أستخدمك ويحتمل أعتقتك، ولو قال له: أمرك بيدك أو قال له: اختر، وقف ~~على النية؛ لأنه يحتمل العتق وغيره فكان كناية، ولو قال له: أمر عتقك بيدك ~~أو جعلت عتقك في يدك أو قال له: اختر العتق أو خيرتك في عتقك أو في العتق ~~لا يحتاج فيه إلى النية؛ لأنه صريح ولكن لا بد من اختيار العبد العتق ويقف ~~على المجلس؛ لأنه تمليك وقوله: خرجت عن ملكي يحتمل ملك التصرف فيكون بمعنى ~~كاتبتك ويحتمل أعتقتك، ولو قال لمملوكه نسبك حر أو أصلك حر فإن كان يعلم ~~أنه سبي لا يعتق، وإن لم يكن سبي يعتق؛ لأن الأصل أن حرية الأبوين تقتضي ~~حرية الولد؛ لأن المتولد من الحرين يكون حرا إلا أن حرية المسبي بطلت ~~بالسبي فبقي الحكم في غير المسبي على الأصل، ولو قال لعبده: أنت لله تعالى؛ ~~لم يعتق في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف: إن نوى العتق يعتق، وجه قوله أن ~~قوله: لله تعالى يحتمل أن يكون بيان جهة القربة للإعتاق المحذوف، فإذا نوى ~~العتق يعتق كما لو قال: أنت حر لله ولأبي حنيفة أن الإعتاق إثبات صفة ~~لمملوك لم تكن ثابتة قبل الإعتاق؛ لأنه إثبات العتق ولم يوجد؛ لأن كونه لله ~~تعالى كان ثابتا قبل الإعتاق فلم يكن ذلك إعتاقا فلا يعتق، ولو قال: أنت ~~عبد الله لم يعتق بلا خلاف أما على قول أبي حنيفة فظاهر لما ذكرنا أن ~~الإعتاق إنشاء العتق فيقتضي أن لا يكون ثابتا قبله وكونه عبد الله صفة ~~ثابتة له قبل هذه المقالة. # وأما على قول أبي يوسف فلأن قوله عبد الله لا يحتمل أن يكون جهة القربة ~~للإعتاق وقوله: لله تعالى يحتمل ذلك. # وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا قال لعبده: قد جعلتك لله تعالى في صحته أو ~~مرضه، وقال: لم أنو العتق ولم يقل ms2208 شيئا حتى مات قبل أن يبين لا يعتق، وإن ~~نوى العتق عتق وكذلك إذا قال هذا في مرضه فمات قبل أن يبين فهو عبد أيضا؛ ~~لأنه يحتمل أنه أراد بهذا اللفظ النذر ويحتمل أنه أراد به العتق فلا يعتق ~~إلا بالنية ولا يلزم الورثة بعد الموت الصدقة؛ لأن النذر يسقط بالموت ~~عندنا. # وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا قال لأمته: أطلقتك يريد به العتق تعتق؛ ~~لأن الإطلاق إزالة اليد والمرء يزيل يده عن عبده بالعتق وبغير العتق ~~بالكتابة فإذا نوى به العتق تعتق كما لو قال: لها خليت سبيلك، ولو قال لها: ~~طلقتك يريد به العتق؛ لا تعتق عندنا لما نذكر، ولو قال فرجك علي حرام يريد ~~العتق لم تعتق؛ لأن حرمة الفرج مع الرق يجتمعان كما لو اشترى أخته من ~~الرضاعة أو جارية قد وطئ أمها أو بنتها أو جارية مجوسية أنها لا تعتق. # وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا قال لعبده: أنت حر، أو قال لزوجته: أنت ~~طالق فتهجى ذلك هجاء إن نوى العتق أو الطلاق وقع؛ لأنه يفهم من هذه الحروف ~~عند انفرادها ما يفهم عند التركيب والتأليف إلا أنها ليست بصريحة في ~~الدلالة على المعنى؛ لأنها عند انفرادها لم توضع للمعنى فصارت بمنزلة ~~الكناية فتقف على النية. # وأما ما يقوم مقام اللفظ في الدلالة على العتق فالكتابة المستبينة؛ لأنها ~~في الدلالة على المراد بمنزلة اللفظ إلا أن فيها ضرب استتار وإبهام؛ لأن ~~الإنسان قد يكتب ذلك لإرادة العتق وقد # PageV04P053 # يكتب لتجويد الخط فالتحق بسائر الكنايات فافتقر إلى النية، والكلام في ~~هذا كالكلام في الطلاق وقد ذكرناه في الطلاق وكذا الإشارة من الأخرس إذا ~~كانت معلمة مفهومة المراد؛ لأنها في الدلالة على المراد في حقه كالعبارة في ~~الطلاق، والأصل في قيام الإشارة مقام العبارة قوله تعالى خطابا لمريم - ~~عليها السلام - {فقولي إني نذرت للرحمن صوما} [مريم: 26] أي: صمتا وإمساكا ~~وذلك على الإشارة لا على القول منها، وقد سماها الله تعالى قولا فدل أنها ~~تعمل عمل ms2209 القول. # وأما الألفاظ التي يقع بها العتق أصلا نوى أو لم ينو فنحو أن يقول لعبده: ~~قم أو اقعد أو اسقني ونوى به العتق؛ لأن هذه الألفاظ لا تحتمل العتق فلا ~~تصح فيها نية العتق وكذا لو قال: لا سلطان لي عليك؛ لأن السلطنة عبارة عن ~~نفاذ المشيئة على وجه القهر فانتفاؤها لا يقتضي انتفاء الرق كالمكاتب فلا ~~يقتضي العتق بخلاف قوله: لا سبيل لي عليك؛ لأنه نفى السبل كلها ولا ينتفي ~~السبيل عليها مع قيام الرق. # ألا ترى أن للمولى على مكاتبه سبيل المطالبة ببدل الكتابة وكذا السلطان ~~يحتمل الحجة أيضا، فقوله: لا سلطان لي عليك أي: لا حجة لي عليك وانتفاء ~~حجته على عبده لا يوجب حريته وكذا لو قال لعبده: اذهب حيث شئت أو توجه حيث ~~شئت من بلاد الله تعالى يريد به العتق أو قال له: أنت طالق أو طلقتك أو أنت ~~بائن أو أبنتك أو قال: لأمته أنت طالق أو طلقتك أو أنت بائن أو أبنتك أو ~~أنت علي حرام أو حرمتك أو أنت خلية أو برية أو بتة أو اذهبي أو اخرجي أو ~~اعزبي أو تقنعي أو استبرئي أو اختاري ونوى العتق فاختارت وغير ذلك مما ~~ذكرنا في الطلاق وهذا عندنا وعند الشافعي يقع العتق بها إذا نوى ولقب ~~المسألة أن صريح الطلاق وكناياته لا يقع بها العتاق عندنا خلافا له وجه ~~قوله: إن قوله لمملوكته: أنت طالق أو طلقتك إثبات الانطلاق أو إزالة القيد ~~وأنه نوعان: كامل وذلك بزوال الملك والرق وهو تفسير العتق، وناقص وذلك ~~بزوال اليد لا غير كما في المكاتب والمأذون فإذا نوى به العتق فقد نوى أحد ~~النوعين فنوى ما يحتمله كلامه فصحت نيته ولهذا إذا قال لزوجته: أنت حرة ~~ونوى به الطلاق؛ طلقت كذا هذا، ولنا أن هذه الألفاظ المضافة إلى المملوك ~~عبارات عن زوال يد المالك عنه أما قوله: أنت طالق فلأن الطلاق عبارة عن رفع ~~القيد، والقيد عبارة عن المنع عن العمل لا عن الملك والمانع ms2210 يد المالك فرفع ~~المانع يكون بزوال يده، وزوال يد المالك عن المملوك لا يقتضي العتق ~~كالمكاتب وكذا قوله: اذهب حيث شئت أو توجه إلى أين شئت؛ لأنه عبارة عن رفع ~~اليد عنه وأنه لا ينفي الرق كالمكاتب وبه تبين أن القيد ليس بمتنوع، بل هو ~~نوع واحد وزواله عن المملوك لا يقتضي زوال الملك كالمكاتب وكذا قوله: أنت ~~بائن أو أبنتك؛ لأنه ينبئ عن الفصل والتبعيد وكذا التحريم بجامع الرق ~~كالأخت من الرضاعة والأمة المجوسية ونحو ذلك بخلاف قوله لامرأته: أنت حرة؛ ~~لأن التحريم تخليص والقيد ثبوت فينافيه ولأن ملك اليمين لا يثبت بلفظ ~~النكاح وما لا يملك بلفظ النكاح لا يزول الملك عنه بلفظ الطلاق كسائر ~~الأعيان وهذا؛ لأن الطلاق رفع ما يثبت بالنكاح فإذا لم يثبت ملك اليمين ~~بلفظ النكاح لا يتصور رفعه بلفظ الطلاق بخلاف قوله لامرأته: أنت حرة ونوى ~~به الطلاق؛ لأن ملك المتعة لا يختص ثبوته بلفظ النكاح فإنه كما يثبت بغير ~~النكاح يثبت بغيره من الشراء وغيره فلا يختص زواله بلفظ الطلاق؛ ألا ترى ~~أنه يزول بردة المرأة، وكذا بشرائها بأن اشترى الزوج امرأته فجاز أن يزول ~~بلفظ التحرير، ولو قال لعبده: رأسك رأس حر أو بدنك بدن حر أو فرجك فرج حر ~~لم يعتق؛ لأن هذا تشبيه لكن بحذف حرف التشبيه وإنه جائز من باب المبالغة ~~قال الله تعالى {وهي تمر مر السحاب} [النمل: 88] أي كمر السحاب وقال الشاعر # وعيناك عيناها وجيدك جيدها ... سوى أن عظم الساق منك دقيق # فتشبيه الشيء بالشيء لا يقتضي المشاركة بينهما في جميع الصفات وهذا معنى ~~قولهم: كلام التشبيه لا عموم له قال الله عز وجل {كأنهن الياقوت والمرجان} ~~[الرحمن: 58] وقال تعالى {كأنهن بيض مكنون} [الصافات: 49] فلا يعتق، ولو ~~نون فقال: رأسك رأس حر وبدنك بدن حر وفرجك فرج حر فهو حر؛ هذا ليس بتشبيه ~~بل هو وصف وقد وصف جملة أو ما يعبر به عن جملة بالحرية فيعتق، ولو قال: ما ~~أنت إلا مثل الحر أو أنت ms2211 مثل الحر؛ لم يعتق في القضاء ولا فيما بينه وبين ~~الله تعالى كذا ذكر في الأصل # PageV04P054 # لأن هذا تشبيه بحرف التشبيه والتشبيه لا يقتضي المشاركة في جميع الصفات ~~بخلاف قوله: ما أنت إلا حر؛ لأن ذاك ليس بتشبيه بل هو تحرير؛ لأنه نفى ~~وأثبت والنفي ما زاده إلا تأكيدا كقول القائل لغيره: ما أنت إلا فقيه. # وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا قال: كل مالي حر وله عبيد لم يعتقوا؛ لأنه ~~جمع بين العبيد وغيرهم من الأموال ووصف الكل بالحرية بقوله: كل مالي حر ~~ومعلوم أن غير العبيد من الأموال لا يحتمل الوصف بالحرية التي هي العتق ~~فينصرف الوصف بالحرية إلى الحرية التي يحتملها الكل وهي أن تكون جميع ~~أمواله خالصة صافية له لا حق لأحد فيها فلا تعتق عبيده، والله عز وجل ~~الموفق. ### | [فصل في شرائط ركن الإعتاق] # (فصل) : # وأما شرائط الركن فأنواع: بعضها يرجع إلى المعتق خاصة، وبعضها يرجع إلى ~~المعتق خاصة وبعضها يرجع إليهما جميعا، وبعضها يرجع إلى نفس الركن أما الذي ~~يرجع إلى المعتق خاصة. # فمنها: أن يكون عاقلا حقيقة أو تقديرا حتى لا يصح الإعتاق من الصبي الذي ~~لا يعقل والمجنون كما لا يصح الطلاق منهما. # وأما المجنون الذي يجن في حال ويفيق في حال فما يوجد منه حال إفاقته فهو ~~فيه بمنزلة سائر العقلاء وما يوجد منه في حال جنونه فهو بمنزلة المجنون ~~المطبق اعتبارا للحقيقة وأما السكران فإعتاقه كطلاقه وقد مر ذلك في كتاب ~~الطلاق ومنها: أن لا يكون معتوها ولا مدهوشا ولا مبرسما ولا مغمى عليه ولا ~~نائما حتى لا يصح الإعتاق من هؤلاء كما لا يصح الطلاق منهم لما ذكرنا في ~~الطلاق # ومنها: أن يكون بالغا فلا يصح الإعتاق من الصبي وإن كان عاقلا كما لا يصح ~~الطلاق منه، ولو قال رجل: أعتقت عبدي وأنا صبي أو قال: وأنا نائم؛ كان ~~القول قوله، والأصل فيه أنه إذا أضاف الإعتاق إلى حال معلوم الكون وهو ليس ~~من أهل الإعتاق فيها يصدق ms2212 بأن قال: أعتقته وأنا صبي أو وأنا نائم أو مجنون ~~وقد علم جنونه أو وأنا حربي في دار الحرب على أصل أبي حنيفة ومحمد، وقد علم ~~ذلك منه؛ لأنه إذا أضاف الإعتاق إلى زمان لا يتصور منه الإعتاق علم إن أراد ~~به صيغة الإعتاق لا حقيقة الإعتاق فلم يصر معترفا بالإعتاق، ولو قال: ~~أعتقته وأنا مجنون ولم يعلم له جنون لا يصدق؛ لأنه إذا أضافه إلى حالة لا ~~يتيقن وجودها فالظاهر أنه أراد الرجوع عما أقر به فلا يقبل منه، ولو قال: ~~أعتقته قبل أن أخلق أو قبل أن يخلق؛ لا يعتق؛ لأن زمان ما قبل انخلاقه ~~وانخلاق العبد معلوم فقد أضاف الإعتاق إلى زمان معلوم الكون ولا يتصور منه ~~فيه الإعتاق فلا يعتق. # وأما كونه طائعا فليس بشرط عندنا خلافا للشافعي والمسألة مرت في كتاب ~~الطلاق وكونه جادا ليس بشرط بالإجماع حتى يصح إعتاق الهازل وكذا كونه عامدا ~~حتى يصح إعتاق الخاطئ لما ذكرنا في الطلاق وكذا التكلم باللسان ليس بشرط ~~فيصح الإعتاق بالكتابة المستبينة والإشارة المفهومة وكذا الخلو عن شرط ~~الخيار ليس بشرط في الإعتاق بعوض وبغير عوض إذا كان الخيار للمولى حتى يقع ~~العتق ويبطل الشرط أما إذا كان بغير عوض فظاهر؛ لأن ثبوت الخيار لفائدة ~~الفسخ، والإعتاق بغير العوض لا يحتمل الفسخ وكذا إن كان بعوض؛ لأن العوض من ~~جانب المولى هو العتق وإنه لا يقبل الفسخ فلا معنى للخيار فيه وإن كان ~~الخيار للعبد فخلوه عن خياره شرط صحته حتى لو رد العبد العقد في مدة الخيار ~~فينفسخ العقد ولا يعتق؛ لأن العوض في جانبه هو المال فكان محتملا للفسخ ~~فيصح شرط الخيار فيه كما في الطلاق على مال وقد ذكرناه في كتاب الطلاق وعلى ~~هذا الصلح من دم العمد بشرط الخيار وأن الخيار إن كان مشروطا للمولى؛ يبطل ~~الخيار ويصح الصلح؛ لأن الخيار لثبوت الفسخ والذي من جانب المولى وهو العفو ~~لا يحتمل الفسخ وإن كان الخيار للقاتل جاز؛ لأن ما هو العوض من ms2213 جانبه وهو ~~المال قابل للفسخ ثم إذا جاز الخيار وفسخ القاتل العقد هل يبطل العفو ~~فالقياس أن يبطل؛ لأنه تعلق بشرط المال ولم يسلم المال وفي الاستحسان لا ~~يبطل ويلزم القاتل الدية كذا روي عن محمد أما صحة العفو وسقوط القصاص فلأن ~~عفو الولي يصير شبهة والقصاص يسقط بالشبهات. # وأما وجوب الدية فلأن الولي لم يرض بإسقاطه بغير عوض ولا عوض إلا الدية؛ ~~إذ هي قيمة النفس ثم فرق بين الإعتاق على مال وبين الكتابة فإنه يجوز فيها ~~شرط الخيار للمولى؛ لأنها عقد معاوضة يلحقها الفسخ فيجوز شرط الخيار في ~~طرفيها كالبيع بخلاف الإعتاق على مال، والله عز وجل # PageV04P055 # الموفق، وكذا إسلام المعتق ليس بشرط فيصح الإعتاق من الكافر إلا أن إعتاق ~~المرتد لا ينفذ في الحال في قول أبي حنيفة بل هو موقوف وعندهما نافذ وإعتاق ~~المرتد نافذ بلا خلاف والمسألة نذكرها في كتاب السير - إن شاء الله تعالى - ~~وكذا صحة المعتق فيصح الإعتاق من المريض مرض الموت؛ لأن دليل الجواز لا ~~يوجب الفصل إلا أن الإعتاق من المريض يعتبر من الثلث؛ لأنه يكون وصية ~~ومنها: النية في أحد نوعي الإعتاق وهو الكناية دون الصريح، ويستوي في صريح ~~الإعتاق وكناياته أن يكون ذلك بمباشرة المولى بنفسه على طريق الأصالة أو ~~بغيره على طريق النيابة عن المولى بإذنه وأمره وذلك أنواع ثلاثة: تفويض، ~~وتوكيل، ورسالة. # فالتفويض: هو التخيير والأمر باليد صريحا وكناية على ما بينا، والأمر ~~بالإعتاق كقوله: أعتق نفسك وقوله: أنت حر إن شئت والتوكيل هو أن يأمر غيره ~~بالإعتاق بأن يقول لغيره: أعتق عبدي فلانا من غير التقييد بالمشيئة، ~~والرسالة معروفة وقد فسرناها في كتاب الطلاق والحكم في هذه الفصول في ~~العتاق كالحكم فيها في الطلاق، وقد استوفينا الكلام فيها في كتاب الطلاق ~~بتوفيق الله عز وجل، ومنها: عدم الشك في الإعتاق وهو شرط الحكم بثبوت العتق ~~فإن كان شاكا فيه لا يحكم بثبوته لما ذكرنا في الطلاق. # وأما الذي يرجع إلى المعتق خاصة فنوعان: أحدهما: الإضافة فمنها ms2214 أن يكون ~~المضاف إليه العتق موجودا بيقين فإن لم يكن؛ لم تصح الإضافة بأن قال لجارية ~~مملوكة له: حمل هذه الجارية حر أو ما في بطن هذه الجارية حر فإن ولدت لأقل ~~من ستة أشهر من وقت التكلم؛ عتق وإن ولدت لستة أشهر فصاعدا لم يعتق؛ لأنها ~~إذا ولدت لأقل من ستة أشهر من وقت اليمين تيقنا بوجوده في ذلك الوقت؛ لأن ~~المرأة لا تلد من ستة أشهر فإن ولدت واحدا لأقل منها بيوم ثم ولدت آخر ~~لأكثر منها بيوم عتقا جميعا؛ لأن الأول عتق لكونه في البطن يوم الكلام فإذا ~~عتق الأول عتق الثاني؛ لأنهما توأمان. # وأما إذا جاءت به لستة أشهر فصاعدا من وقت التكلم فلا نستيقن بوجوده وقت ~~التكلم لاحتمال حدوثه بعد ذلك فوقع الشك في ثبوت الحرية فلا تثبت مع الشك، ~~ومنها: الإضافة إلى بدن المعتق أو إلى جزء جامع منه وهو الذي يعبر به عن ~~جميع البدن أو إلى جزء شائع عندنا خلافا للشافعي حتى لو أضاف إلى جزء معين ~~لا يعبر به عن جميع البدن؛ لا يصح عندنا وعنده يصح كما في الطلاق غير أنه ~~إذا أضاف العتق إلى جزء شائع منه لا يعتق كله عند أبي حنيفة وإنما يعتق قدر ~~ما أضاف إليه لا غير، وعند أبي يوسف ومحمد يعتق كله وفي الطلاق تطلق كلها ~~بلا خلاف بناء على أن العتق يتجزأ عند أبي حنيفة وعندهما لا يتجزأ والطلاق ~~لا يتجزأ بالإجماع فأبو حنيفة يحتاج إلى الفرق بين الطلاق والعتاق، ووجه ~~الفرق له أن ملك النكاح لا يراد به إلا الوطء والاستمتاع وذلك لا يتحقق في ~~البعض دون البعض؛ فلا يكون إثبات حكم الطلاق في البعض دون البعض مفيدا؛ ~~فلزم القول بالتكامل. # فأما ملك اليمين فلم يوضع للاستمتاع والوطء فإنه يثبت مع حرمة الوطء ~~والاستمتاع كالأمة المجوسية والمحرمة بالرضاع والمصاهرة وإنما وضع ~~للاسترباح أو الاستخدام وذلك يتحقق مع قيام الملك في البعض دون البعض؛ فكان ~~ثبوت العتق في البعض دون البعض مفيدا فهو ms2215 الفرق، فلا ضرورة إلى التكامل. # وأما كون المضاف إليه العتق معلوما فليس بشرط لصحة الإضافة عند عامة ~~العلماء فيصح إضافته إلى المجهول بأن قال لعبديه: أحدكما حر أو قال: هذا حر ~~أو قال ذلك لأمتيه وقال نفاة القياس: شرط حتى لا تصح الإضافة إلى المجهول ~~عندهم والكلام في العتاق على نحو الكلام في الطلاق وقد ذكرناه في كتاب ~~الطلاق وسواء كانت الجهالة مقارنة أو طارئة بأن عتق واحدا من عبيده عينا ثم ~~نسي المعتق لما ذكرنا في كتاب الطلاق ومنها قبول العبد في الإعتاق على مال ~~فما لم يقبل؛ لا يعتق، ومنها: المجلس وهو مجلس الإعتاق إن كان العبد حاضرا ~~ومجلس العلم إن كان غائبا لما نذكر في موضعه إن شاء الله تعالى. # وأما الذي يرجع إليهما جميعا فهو الملك؛ إذ المالك والمملوك من الأسماء ~~الإضافية والعلاقة التي تدور عليها الإضافة من الجانبين هي الملك فكون ~~المعتق مملوك المعتق رقبة وقت ثبوت العتق شرط ثبوته فيحتاج في هذا الفصل ~~إلى بيان كون المعتق مملوك المعتق رقبة وقت ثبوت العتق شرط ثبوته وإلى بيان ~~أنه: هل يشترط أن يكون مملوكه وقت الإعتاق وهو التكلم بالعتق أم لا؟ وإلى ~~بيان من # PageV04P056 # يدخل تحت مطلق اسم المملوك في الإعتاق المضاف إليه ومن لا يدخل أما ~~الأول: فالدليل على اعتبار هذا الشرط قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا ~~عتق فيما لا يملكه ابن آدم» ولأن زوال ملك المحل شرط ثبوت العتق فيه ولا بد ~~للزوال من سابقة الثبوت وعلى هذا يخرج إعتاق عبد الغير بغير إذنه؛ إذ لا ~~ينفذ لعدم الملك ولكن يتوقف على إجازة المالك عندنا وعند الشافعي لا يتوقف ~~وهي مسألة تصرفات الفضولي وموضعها كتاب البيوع وكذا العبد المأذون لا يملك ~~الإعتاق وكذا المكاتب؛ لانعدام ملك الرقبة وكذا لو اشترى العبد المأذون أو ~~المكاتب ذا رحم منه؛ لا يعتق عليه لما قلنا، ولو اشترى العبد المأذون ذا ~~رحم محرم من مولاه فإن لم يكن عليه دين مستغرق لرقبته عتق عليه؛ لأنه ms2216 إذا ~~لم يكن عليه دين فقد ملكه المولى فيعتق عليه كما لو اشتراه بنفسه وإن كان ~~عليه دين مستغرق لرقبته؛ لا يعتق عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد يعتق ~~بناء على أن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون عنده وعندهما يملك ~~وهي من مسائل المأذون، ولو اشترى المكاتب ابنه من مولاه أو ذا رحم محرم من ~~مولاه؛ لم يعتق في قولهم جميعا؛ لأن المولى لم يملكه؛ لأنه من كسب المكاتب ~~والمولى لا يملك أكساب مكاتبه فلا يعتق، ولو اشترت المكاتبة ابنها من سيدها ~~عتق؛ لأن إعتاق المولى ينفذ في المكاتبة وولدها فيعتق من طريق الحكم لأجل ~~النسب ويجوز إعتاق المولى المكاتب والعبد المأذون والمشترى قبل القبض ~~والمرهون والمستأجر لقيام ملك الرقبة وكذا العبد الموصى برقبته لإنسان ~~وبخدمته لآخر إذا أعتقه الموصى له بالرقبة لما قلنا، وعلى هذا الأصل يخرج ~~قول أبي يوسف في الحربي إذا أعتق عبدا حربيا له في دار الحرب أنه يعتق ~~لقيام الملك. # وأما عند أبي حنيفة ومحمد فلا يعتق ولا خلاف في أنه إذا أعتقه وخلى سبيله ~~يعتق منهم من قال: لا خلاف في العتق أنه يعتق، وإنما الخلاف في الولاء أنه ~~هل يثبت منه أم لا؟ ذكر الطحاوي عن أبي حنيفة أن للعبد أن يوالي من شاء ولا ~~يكون ولاؤه للمعتق، والصحيح أن الخلاف ثابت في العتق فإنهم قالوا في الحربي ~~إذا دخل إلينا ومعه مماليك فقال: هم مدبرون: إنه لا يقبل قوله، وإن قال: هم ~~أولادي أو هن أمهات أولادي قبل قوله؛ فهذا يدل على أن التدبير لا يثبت في ~~دار الحرب، ورواية الطحاوي عن أبي حنيفة محمولة على ما إذا خرج إلى دار ~~الإسلام، وإذا خرج إلى دار الإسلام فلا ولاء له عليه عندهما؛ لأنه لم يعتق ~~بإعتاقه وإنما عتق بخروجه إلى دار الإسلام وعند أبي يوسف عتق بإعتاق مولاه ~~له، وجه قول أبي يوسف في مسألة العتق أنه أعتق ملك نفسه فيعتق كما لو باعه ~~وكما لو كان في دار ms2217 الإسلام فأعتق عبدا له حربيا أو مسلما أو ذميا وكالمسلم ~~إذا أعتق عبده المسلم في دار الحرب ولا شك أنه أعتق ملك نفسه؛ لأن أموال ~~أهل الحرب أملاكهم حقيقة. # ألا ترى أنهم يرثون ويورث عنهم، ولو كانت جارية يصح من الحربي استيلاؤها ~~إلا أنه ملك غير معصوم ولهما أن إعتاق الحربي عبده الحربي في دار الحرب ~~بدون التخلية لا يفيد معنى العتق؛ لأن العتق عبارة عن قوة حكمية تثبت للمحل ~~يدفع بها يد الاستيلاء والتملك عن نفسه، وهذا لا يحصل بهذا الإعتاق بدون ~~التخلية؛ لأن يده عليه تكون قائمة حقيقة وملك أهل الحرب في دار الحرب في ~~ديانتهم بناء على القهر الحسي والغلبة الحقيقية حتى إن العبد إذا قهر مولاه ~~فاستولى عليه؛ ملكه، وإذا لم توجد التخلية كان تحت يده وقهره حقيقة فلا ~~يظهر معنى العتق. # هذا معنى قول المشايخ معتق بلسانه مسترق بيده بخلاف ما إذا أعتق في دار ~~الإسلام؛ لأن يد الاستيلاء والتملك تنقطع بثبوت العتق في دار الإسلام فيظهر ~~معنى العتق وهو القوة الدافعة يد الاستيلاء وبخلاف المسلم إذا أعتق عبده ~~المسلم في دار الحرب؛ لأن المسلم لا يدين الملك بالاستيلاء والغلبة ~~الحقيقية، ولو كان عبده حربيا فأعتقه المسلم في دار الحرب يعتق من غير ~~تخلية استحسانا، والقياس أن لا يعتق عندهما كالحربي إذا أعتق عبده الحربي ~~في دار الحرب ومنهم من جعل المسألة على الاختلاف وعلى هذا الخلاف إذا ملك ~~الحربي في دار الحرب ذا رحم محرم منه أنه لا يعتق عند أبي حنيفة ومحمد وعند ~~أبي يوسف يعتق؛ لأن ملك القريب يوجب العتق فكان الخلاف فيه كالخلاف في ~~الإعتاق. # وأما الثاني: فالإعتاق لا يخلو: إما أن يكون تنجيزا، وإما أن يكون تعليقا ~~بشرط، وإما أن يكون إضافة إلى وقت. # فإن كان تنجيزا يشترط قيام الملك وقت وجوده؛ لأن التنجيز إثبات # PageV04P057 # العتق للحال ولا عتق بدون الملك وإن كان تعليقا فالتعليق في الأصل نوعان: ~~تعليق محض ليس فيه معنى المعاوضة وتعليق فيه معنى المعاوضة فيكون تعليقا ms2218 من ~~وجه ومعاوضة من وجه، والتعليق المحض نوعان أيضا: تعليق بما سوى الملك وسببه ~~من الشروط، وتعليق بالملك أو بسبب الملك وكل واحد منهما على ضربين: تعليق ~~صورة ومعنى، وتعليق معنى لا صورة، فيقع الكلام في الحاصل في موضعين: ~~أحدهما: في بيان أنواع التعليق، ما يشترط لصحته قيام الملك وقت وجوده وما ~~لا يشترط والثاني: في بيان ما يظهر به وجود الشرط أما الأول: فالتعليق ~~المحض بما سوى الملك وسببه من الشروط. # فنحو التعليق بدخول الدار وكلام زيد وقدوم عمرو ونحو ذلك بأن يقول لعبده: ~~إن دخلت الدار فأنت حر أو إن كلمت فلانا أو إذا قدم فلان ونحو ذلك فإنه ~~تعليق صورة ومعنى لوجود حرف التعليق والجزاء، وهذا النوع من التعليق لا يصح ~~إلا في الملك حتى لو قال لعبد لا يملكه: إن دخلت الدار فأنت حر ثم اشتراه ~~فدخل الدار لا يعتق؛ لأن تعليق العتق بالشرط ليس إلا إثبات العتق عند وجود ~~الشرط لا محالة، ولا عتق بدون الملك ولا يوجد الملك عند وجود الشرط إلا إذا ~~كان موجودا عند التعليق؛ لأن الظاهر بقاؤه إلى وقت الشرط، وإذا لم يكن ~~موجودا وقت التعليق؛ كان الظاهر عدمه عند وجود الشرط فلا يثبت العتق عند ~~وجوده لا محالة ولأن اليمين بغير الله عز وجل شرط وجزاء والجزاء ما يكون ~~غالب الوجود عند وجود الشرط أو متيقن الوجود عند وجوده لتحصيل معنى اليمين ~~وهو التقوي على الامتناع أو على التحصيل فإذا كان الملك ثابتا وقت التعليق؛ ~~كان الجزاء غالب الوجود عند وجود الشرط؛ لأن الظاهر بقاء الملك إلى وقت ~~وجود الشرط فيحصل معنى اليمين، وكذا إذا أضاف اليمين إلى الملك أو سببه كان ~~الجزاء متيقن الوجود عند وجود الشرط فيحصل معنى اليمين فتنعقد اليمين، ثم ~~إذا وجد التعليق في الملك حتى صح؛ فالعبد على ملكه في جميع الأحكام قبل ~~وجود الشرط، وإذا وجد الشرط وهو في ملكه يعتق، وإن لم يكن في ملكه تنحل ~~اليمين لا إلى جزاء حتى لو قال ms2219 لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر فباعه قبل ~~دخول الدار فدخل الدار وهو ليس في ملكه يبطل اليمين، ولو لم يدخل حتى ~~اشتراه ثانيا فدخل الدار عتق؛ لأن اليمين لا يبطل بزوال الملك؛ لأن في ~~بقائها فائدة لاحتمال العود بالشراء وغيره من أسباب الملك إلا أنه لم ينزل ~~الجزاء عند الشرط لعدم الملك فإذا عاد الملك واليمين قائم؛ عتق على ما ~~ذكرنا في الطلاق. # ولو قال لعبده: إن بعتك فأنت حر فباعه بيعا صحيحا لا يعتق لعدم الملك له ~~فيه عند الشرط، ولو باعه بيعا فاسدا وهو في يده؛ حنث لوجود الملك له فيه، ~~ولو كان التعليق في الملك بشرطين يراعى قيام الملك عند وجود الشرط الأخير ~~عندنا خلافا لزفر حتى لو قال لعبده: إن دخلت هذين الدارين فأنت حر فباعه ~~قبل الدخول فدخل إحدى الدارين ثم اشتراه فدخل الدار الأخرى يعتق عندنا، ~~وعند زفر لا يعتق والمسألة مرت في كتاب الطلاق. # ولو قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر إن كلمت فلانا يعتبر قيام الملك ~~عند الدخول أيضا؛ لأنه جعل الدخول شرط انعقاد اليمين واليمين بالعتاق لا ~~تنعقد إلا في الملك أو مضافة إلى الملك أو بسببه كأنه قال له عند الدخول: ~~إن كلمت فلانا فأنت حر، ولو قال لعبده أنت حر إن شئت أو أحببت أو رضيت أو ~~هويت أو قال لأمته: إن كنت تحبيني أو تبغضيني أو إذا حضت فأنت حرة فالجواب ~~فيه كالجواب في الطلاق وقد ذكرنا هذه المسائل وأخواتها في كتاب الطلاق. # ولو قال: أنت حر إن لم يشأ فلان فإن قال فلان: شئت في مجلس علمه لا يعتق ~~لعدم شرطه، وإن قال: لا أشاء؛ يعتق لكن لا بقول: لا أشاء؛ لأن له أن يشاء ~~في المجلس بل لبطلان المجلس بإعراضه واشتغاله بشيء آخر بقوله لا أشاء. # ألا ترى أنه إذا قال: إن لم يشأ فلان اليوم؛ فأنت حر فقال فلان: شئت لا ~~يعتق، ولو قال: لا أشاء لا يعتق؛ لأن له أن يشاء بعد ms2220 ذلك ما دامت المدة ~~باقية إلا إذا مضى اليوم ولم يشأ فحينئذ يعتق، ولو علق بمشيئة نفسه فقال: ~~أنت حر إن شئت أنا فما لم توجد المشيئة منه في عمره لا يعتق، ولا يقتصر على ~~المجلس؛ لأن هذا ليس بتفريق؛ إذ العتاق بيده، ولو قال: أنت حر إن لم تشأ ~~فإن قال: شئت لا يعتق؛ لعدم الشرط وإن قال: لا أشاء لا يعتق؛ لأن العدم لا ~~يتحقق بقوله: لا أشاء؛ إذ له أن يشاء بعد ذلك إلى أن يموت بخلاف الفصل ~~الأول؛ لأن هناك اقتصر على المجلس فإذا قال: لا أشاء فقد أعرض عن المجلس ~~وههنا لا يقتصر على # PageV04P058 # المجلس فله أن يشاء بعد ذلك حتى يموت فإذا مات فقد تحقق العدم فيعتق قبل ~~موته بلا فصل ويعتبر من ثلث المال كوقوع العتق في المرض إذ الموت لا يخلو ~~عن مقدمة مرض ولو قال: أنت حر غدا إن شئت فالمشيئة في الغد فإن شاء في ~~الحال لا يعتق ما لم يشأ في الغد ولو قال: أنت حر إن شئت غدا فالمشيئة إليه ~~في الحال فإذا شاء في الحال عتق غدا لأن في الفصل الأول علق الإعتاق المضاف ~~إلى الغد بالمشيئة فيقتضي المشيئة في الغد وفي الفصل الثاني أضاف الإعتاق ~~المعلق بالمشيئة إلى الغد فيقتضي تقدم المشيئة على الغد. # وروي عن أبي حنيفة أنه قال: المشيئة في الغد في الفصلين جميعا وقال زفر: ~~المشيئة إليه للحال في الفصلين جميعا. # ومن هذا القبيل قول الرجل لعبده إن أديت إلي ألفا فأنت حر؛ لأنه تعليق ~~صورة ومعنى لوجود الشرط والجزاء فيصح في الملك ويتعلق العتق بوجود الشرط ~~وهو الأداء إليه في ملكه فإذا جاء بألف وهو في ملكه وخلى بينه وبين الألف ~~شاء المولى أو أبى وهو تفسير الجبر على القول إلا أن القاضي يجبره على ~~القبض بالحبس كذا فسره محمد فقال: إن العبد إذا أحضر المال بحيث يتمكن ~~المولى من القبض عتق وهذا استحسان، والقياس أن لا يعتق ما لم يقبض أو ms2221 يقبل، ~~وهو قول زفر. # (وجه) القياس أنه علق العتق بشرط الأداء إليه ولا يتحقق الأداء إليه إلا ~~بالقبض ولم يوجد فلا يعتق كما لو قال: إن أديت إلي عبدا فأنت حر فجاء بعبد ~~رديء وخلى بينه وبينه لا يعتق، ولو قبل يعتق، وكذا إذا قال: إن أديت إلي ~~كرا من حنطة فأنت حر فأدى كرا من حنطة رديئة ولو قبل يعتق، وكذا إذا قال: ~~إن أديت إلي ثوبا أو دابة فأتى بثوب مطلق أو دابة مطلقة لا يعتق بدون ~~القبول، وكذا إذا قال: إن أديت إلي ألفا أحج بها أو حججت بها لا يعتق ~~بتسليم الألف ما لم يقبل، وكذا إذا قال: إن أديت إلي هذا الدن من الخمر لا ~~يعتق بالتخلية بدون القبول. # (وجه) الاستحسان أن أداء المال إلى الإنسان عبارة عن تسليمه إليه قال ~~الله تبارك وتعالى {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: ~~58] أي: تسلموا وقال سبحانه وتعالى خبرا عن نبيه موسى - عليه الصلاة ~~والسلام - {أن أدوا إلي عباد الله} [الدخان: 18] أي سلموا وتسليم الشيء ~~عبارة عن جعله سالما خالصا لا ينازعه فيه أحد وهذا يحصل بالتخلية ولهذا ~~كانت التخلية تسليما في الكتابة وكذا في المعاوضات المطلقة فلا يحتاج فيه ~~إلى القبض كما لا يحتاج إليه في الكتابة والمعاوضات المطلقة مع ما أن ~~التخلية تتضمن القبض؛ لأنها تفيد التمكن من التصرف وهو تفسير القبض لا ~~الجعل البراجم كما في سائر المواضع. # وأما المسائل فهناك لم يوجد الشرط أما مسألة العبد فلأنه وإن ذكر العبد ~~مطلقا فإنما أراد به المقيد وهو العبد المرغوب فيه لا ما ينطلق عليه اسم ~~العبد علم ذلك بدلالة حاله فلا يعتق بأداء الرديء فإذا قبل يعتق؛ لأنه إذا ~~قبل تبين أنه ما أراد به المقيد بل المطلق وعلم أن له فيه غرضا آخر في ~~الجملة فلا تعتبر الدلالة مع الصريح بخلافه حتى لو أتى بعبد جيد أو وسط ~~وخلى يعتق وهو الجواب في مسألة الكر. # وأما مسألة الثوب فثم لا يعتق ms2222 ما لم يقبل ولا يعتق بأداء الوسط لأن ~~الثياب أجناس مختلفة وأنواع متفاوتة واسم الثوب يقع على كل ذلك على ~~الانفراد من الديباج والخز والكتان والكرباس والصوف وكل جنس تحته أنواع ~~فكان الوسط مجهولا جهالة متفاحشة ولا يقع على أدنى الوسط من هذه الأجناس ~~كما لا يقع على أدنى الرديء؛ لأن قيمة أدنى الوسط وهو الكرباس وهو ثوب تستر ~~به العورة مما لا يرغب فيه بمقابلة إزالة الملك عن عبد قيمته ألف، ومتى بقي ~~مجهولا لا تنقطع المنازعة فلا يتحقق التسليم والتخلية حتى لو قال: إن أديت ~~إلي ثوبا هرويا فأنت حر يقع على الوسط وإذا جاء به يجبر على القبول وكذا ~~الجواب عن مسألة الدابة؛ لأن الدواب أجناس مختلفة تحتها أنواع متفاوتة واسم ~~الدابة يقع على كل ذلك على الانفراد حتى لو قال: إن أديت إلي فرسا فأنت حر ~~فقد قالوا: إنه يقع على الوسط ويجبر على القبول. # وأما مسألة الحج ففيها تفصيل إن قال: إن أديت إلي ألفا فحججت بها أو قال: ~~وحججت بها فأتى بالألف لا يعتق؛ لأنه علق العتق بشرطين فلا يعتق بوجود ~~أحدهما ولو قال: إن أديت إلي ألفا أحج بها يعتق إذا خلى ويكون قوله أحج بها ~~لبيان الغرض ترغيبا للعقد في الأداء حيث يصير كسبه مصروفا إلى طاعة الله ~~تعالى لا على سبيل الشرط. # ومسألة الخمر لا رواية فيها ولكن ذكر في الكتابة أنه إذا كاتب عبده على ~~دن من خمر أو على كذا عدد من الخنازير على أنه متى أتى # PageV04P059 # بها فهو حر فقبل؛ يكون كتابة فاسدة فلو جاء بها المكاتب وخلى بينه وبينها ~~يعتق لوجود الشرط ويلزمه قيمة نفسه فيجوز أن يقاس عليه ويقال: يعتق ههنا ~~بالتخلية أيضا وقال بعض المشايخ: إن العتق في هذا الفصل ثبت من طريق ~~المعاوضة لا بوجود الشرط حقيقة كما في الكتابة والصحيح أنه ثبت بوجود الشرط ~~حقيقة كما في سائر التعليقات بشروطها لا بطريق المعاوضة. # والمسائل تدل عليها فإنه ذكر عن بشر بن الوليد أنه ms2223 قال: سمعت أبا يوسف ~~قال في رجل قال لعبده: إذا أديت إلي ألفا فأنت حر أو متى أديت أو إن أديت: ~~فإن أبا حنيفة قال: ليس هذا بمكاتب وللمولى أن يبيعه وكذا قال أبو يوسف ~~ومحمد فإن أدى قبل أن يبيعه فإن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا قالوا: يجبر ~~المولى على قبوله ويعتق استحسانا فإن مات المولى قبل أن يؤدي الألف فالعبد ~~رقيق يورث مع أكسابه بخلاف الكتابة، ولو مات العبد قبل الأداء وترك مالا ~~فماله كله للمولى ولا يؤدي عنه فيعتق بخلاف المكاتب، وإن بقي بعد الأداء في ~~يده مال مما اكتسبه فهو للمولى بخلاف المكاتب لأن المكاتب في يد نفسه ولا ~~سبيل للمولى على أكسابه مع بقاء الكتابة فبعد الحرية أولى، وقالوا: إن ~~المولى لو باعه قبل الأداء صح كما في قوله لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر ~~بخلاف المكاتب فإنه لا يجوز بيعه من غير رضا المكاتب وإذا رضي تنفسخ ~~الكتابة. # ولو قال لعبدين له: إن أديتما إلي ألفا فأنتما حران فإن أدى أحدهما حصته ~~لم يعتق أحدهما؛ لأنه علق العتق بأداء الألف ولم يوجد وكذا إذا أدى أحدهما ~~الألف كلها من عنده؛ لأنه جعل شرط عتقهما أداءهما جميعا الألف ولم يوجد ~~الألف فلا يعتقان كما إذا قال لهما: إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما حران ~~فدخل أحدهما لا يعتق ما لم يدخل الآخر وإن أدى أحدهما الألف كلها وقال: ~~خمسمائة من عندي وخمسمائة أخرى بعث بها صاحبي ليؤديها إليك عتقا لوجود ~~الشرط وهو أداء الألف منهما: حصة أحدهما بطريق الأصالة، وحصة الآخر بطريق ~~النيابة؛ لأن هذا باب تجزئ فيه النيابة فقام أداؤه مقام أداء صاحبه، ولو ~~أدى عنهما رجل آخر لم يعتقا؛ لعدم الشرط وهو أداؤهما. # وأما إذا أدى الأجنبي الألف وقال: أؤديها إليك على أنهما حران فقبلها ~~المولى على ذلك عتقا؛ لأن هذا بمنزلة التعليق بشرط آخر مع الأجنبي كأنه قال ~~له: إن أديت إلي ألفا فعبدي حر ويرد المال إلى المولى؛ لأن المولى لا يستحق ms2224 ~~المال بعتق عبده قبل الغير ولأن منفعة هذا العتق تحصل له فلا يجوز أن يستحق ~~بذلك على الغير مالا بخلاف ما إذا قال لآخر: طلق امرأتك على ألفي هذه ودفع ~~إليه فطلق أن الألف تكون للمطلق؛ لأن الزوج لم يحصل له بالطلاق منفعة إذ هو ~~إسقاط حق الأجنبي صار متبرعا عنها بذلك فأشبه ما إذا قضى عنها دينا بخلاف ~~العتق؛ لأنه حصلت للمولى منفعة وهو الولاء فلا يجوز أن يستحق بدلا على ~~الغير ولو أداها الأجنبي وقال: هما أمراني أن أؤديها عنهما فقبلها المولى ~~عتقا لوجود الشرط لأنه يجوز أن يكون الرجل رسولا عنهما فأداء الرسول أداء ~~المرسل فإن أدى العبد من مال اكتسبه قبل القبول عتق؛ لوجود الشرط ويرجع ~~المولى عليه بمثله؛ لأن المولى ما أذن له بالأداء من هذا الكسب؛ لأن الإذن ~~ثبت بمقتضى القبول، والكسب كان قبل القبول فصار بمنزلة المغصوب بأن غصب ~~ألفا من رجل وأدى ولم يجز المغصوب منه أداءه فإن العبد يعتق لوجود الشرط ~~وللغاصب أن يسترد المغصوب وللمولى أن يرجع على العبد بمثلها وإن أدى من مال ~~اكتسبه بعد القبول؛ صح الأداء وعتق العبد ولا يرجع المولى على العبد بمثله ~~بعد العتق استحسانا، والقياس أن يرجع؛ لأنه أدى مال المولى فيرجع عليه كما ~~لو اكتسبه قبل القبول بخلاف المكاتب؛ لأنه أدى من مال نفسه لأن اكتسابه ~~ملكه إلا أنهم استحسنوا فقالوا: إنه لا يرجع؛ لأنه أدى بإذن المولى فكان ~~إقدامه على هذا القبول إذنا له بالتجارة دلالة؛ لأنه لا يتوصل إلى أداء ~~الألف إلا بالتجارة فيصير مأذونا في التجارة فقد حصل الأداء من كسب هو ~~مأذون في الأداء منه من جهة المولى فلا يستحق الرجوع عليه أو نقول: الكسب ~~الحاصل بعد القبول ليس على حكم ملك المولى في القدر الذي يؤدي ككسب المكاتب ~~فصار من هذا الوجه كالمكاتب، ولو كانت هذه أمة فولدت ثم أدت لم يعتق ولدها ~~بخلاف المكاتبة إذا ولدت ثم أدت فعتقت أنه يعتق ولدها. # ولو قال العبد للمولى: حط ms2225 عني مائة فحط عنه فأدى تسعمائة لم يعتق؛ لأن ~~الشرط لم يوجد بخلاف # PageV04P060 # الكتابة، فإن العتق فيها يثبت بطريق المعاوضة، والحط يلتحق بأصل العفو في ~~المعاوضات كالبيع، وكذا لو أدى مكان الدراهم دنانير لا يعتق وإن قبل لعدم ~~الشرط. # ولو قال لعبده: إن خدمتني سنة فأنت حر فخدمه أقل من سنة لم يعتق حتى يكمل ~~خدمته، وكذا إن صالحه من الخدمة على دراهم أو من الدراهم التي جعل عليه على ~~دنانير، وكذا إذا قال: اخدم أولادي سنة وأنت حر فمات بعضهم قبل تمام السنة ~~لم يعتق وهذا كله دليل على أن العتق ثبت بوجود الشرط حقيقة فلا يختلف الحكم ~~فيه بالرضا وعدمه وإسقاط بعض الشرط كما في سائر الأزمان ألا يرى أنه إذا ~~قال له: إن دخلت هاتين الدارين فأنت حر فدخل إحداهما وقال المولى: أسقطت ~~عنك دخول الأخرى لا يسقط كذا هذا. # ولو أبرأ المولى العبد من الألف لم يعتق لعدم الشرط وهو الأداء ولو أبرأ ~~المكاتب عن بدل الكتابة يعتق. # وذكر محمد في الزيادات أنه إذا قال: إن أديت لي ألفا في كيس أبيض فأنت حر ~~فأداها في كيس أسود؛ لا يعتق وفي الكتابة يعتق وهذا نص على أن ههنا يثبت ~~بوجود الشرط لا من طريق المعاوضة بخلاف الكتابة وإن باع هذا العبد ثم ~~اشتراه وأدى إليه يجبر على القبول عند أبي يوسف وقال محمد في الزيادات: لا ~~يجبر على قبولها فإن قبلها عتق، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه لا ~~يجبر على القبول ولم يذكر الخلاف وعلى هذا إذا رده عليه بعيب أو خيار، وجه ~~قول أبي يوسف ظاهر مطرد على الأصل؛ لأن عتقه تعلق بالشرط، والجزاء لا يتقيد ~~بالملك القائم فكان حكمه في الملك الثاني كحكمه في الملك الأول كما في ~~قوله: إن دخلت الدار فأنت حر فباعه ثم اشتراه فدخل. # وأما الوجه لمحمد فهو أن دلالة الحال دلت على التقييد بالملك القائم ~~ظاهرا لأن غرضه من التعليق بالأداء تحريضه على الكسب ليصل إليه المال ms2226 وذلك ~~في المال القائم وأكد ذلك بوجود العتق المرغب له في الكسب مع احتمال أن ~~المراد منه مطلق الملك فإذا أتى بالمال بعد ما باعه واشتراه فلم يقبل لا ~~يعتق لتقيده بالملك القائم ظاهرا بدلالة الحال وإذا قبل يعتق؛ لأنه تبين أن ~~المراد منه المطلق. # ولو قال لأمته: إذا أديت إلي ألفا كل شهر مائة فأنت حرة فقبلت ذلك فليس ~~هذا بكتابة وله أن يبيعها ما لم تؤد وإن كسرت شهرا لم تؤد إليه ثم أدت إليه ~~في غير ذلك الشهر لم تعتق كذا ذكر في رواية أبي حفص وهشام، وذكر في رواية ~~أخرى وقال: هذه مكاتبة وليس له أن يبيعها، وإن كسرت شهرا واحدا ثم أدت في ~~غير ذلك الشهر؛ كان جائزا وجه هذه الرواية أنه أدخل فيه الأجل فدل أنه ~~كتابة، وجه رواية أبي حفص أن هذا تعليق العتق بشرط في وقت وهذا لا يدل على ~~أنه كتابة كما لو قال لها: إن دخلت دار فلان اليوم أو دار فلان غدا فأنت ~~حرة لا يكون ذلك كتابة وإن أدخل الأجل فيه؛ والدليل على أن الصحيح هذه ~~الرواية أنه إذا قال لها: إذا أديت إلي ألفا في هذا الشهر فأنت حرة فلم ~~تؤدها في ذلك الشهر وأدتها في غيره؛ لم تعتق، ولو كان ذلك كتابة لما بطل ~~ذلك إلا بحكم الحاكم أو بتراضيهما فدل أن هذا ليس بكتابة بل هو تعليق بشرط ~~لكن بوقت دون وقت ثم التعليق بالأداء هل يقتصر على المجلس؟ فإن قال: متى ~~أديت أو متى ما أديت أو إذا ما أديت فلا شك أن هذا كله لا يقتصر على ~~المجلس؛ لأن في هذه الألفاظ معنى الوقت وإن قال: إن أديت إلي ذكر في الأصل ~~أنه يقتصر على المجلس، وظاهر ما رواه بشر عن أبي يوسف يدل أنه لا يقتصر على ~~المجلس فإنه قال في رواية عن أبي يوسف: إنه قال في رجل قال لعبده: إن أديت ~~إلي ألفا فأنت حر أو متى أديت أو إن ms2227 أديت فقد سوى بين هذه الكلمات ثم في ~~كلمة: إذا أو متى لا يقتصر على المجلس فكذا في كلمة إن وكذا ذكر بشر ما يدل ~~عليه فإنه قال عطفا على روايته عن أبي يوسف: إن المولى إذا باعه ثم اشتراه ~~فأدى المال عتق ويبعد أن ينفذ البيع والشراء وأداء المال في مجلس واحد وهذا ~~يدل على أن العتق لا يقتصر على المجلس في الألفاظ كلها والوجه فيه ظاهر؛ ~~لأنه عتق معلق بالشرط فلا يقف على المجلس كالتعليق بسائر الشروط من قوله: ~~إن دخلت الدار فأنت حر وغير ذلك، وجه رواية الأصل أن العتق المعلق بالأداء ~~معلق باختيار العبد فصار كأنه قال: أنت حر إن شئت ولو قال: إن شئت يقتصر ~~على المجلس ولو قال: إذا شئت أو متى شئت لا يقتصر على المجلس كذا ههنا، ~~وسواء أدى الألف جملة واحدة أو على التفاريق: خمسة وعشرة وعشرين أنه يجبر ~~على القبول حتى إذا تم الألف يعتق؛ لأنه علق # PageV04P061 # العتق بأداء الألف مطلقا وقد أدى، وروى ابن رستم عن محمد فيمن قال لعبده ~~في مرضه: إذا أديت إلي ألفا فأنت حر وقيمة العبد ألف فأداها من مال اكتسبه ~~بعد القول فإنه يعتق من جميع المال استحسن أبو حنيفة ذلك، وقال زفر: يعتق ~~من الثلث وهو القياس، ووجهه أن الكسب حصل على ملك المولى؛ لأنه كسب عبده ~~فإذا أسقط حقه عن الرقبة كان متبرعا فيعتبر من الثلث كما لو أعتقه ابتداء ~~بخلاف الكتابة؛ لأن المولى لا يملك أكساب العبد المكاتب فكان كسبه عوضا عن ~~الرقبة فيعتق من جميع المال، وجه الاستحسان أن القدر الذي يؤدى من الكسب ~~الحاصل بعد القول ليس على ملك المولى ككسب المكاتب؛ لأن المولى أطمعه العتق ~~بأدائه إليه فصار تعليق العتق به سببا داعيا إلى تحصيله فصار كسبه من هذا ~~الوجه بمنزلة كسب المكاتب، ولو قال له: أد إلي ألفا وأنت حر فما لم يؤد لا ~~يعتق؛ لأنه أتى بجواب الأمر لأن جواب الأمر بالواو فيقتضي وجوب ما تعلق ms2228 ~~بالأمر وهو الأداء ولو قال: أد إلي ألفا فأنت حر فلا رواية في هذا وقيل هذا ~~والأول سواء لا يعتق إلا بأداء المال إليه لأن جواب الأمر قد يكون بحرف ~~الفاء ولو قال: أد إلي ألفا أنت حر يعتق للحال أدى أو لم يؤد؛ لأنه لم يوجد ~~ههنا ما يوجب تعلق العتق بالأداء حيث لم يأت بحرف الجواب، والله عز وجل ~~أعلم. # ومن هذا القبيل إذا قال لأمته: إن ولدت ولدا فهو حر أو قال: إذا ولدت ~~ولدا فهو حر ويعتبر لصحة قيام الملك في الأمة وقت التعليق كما في قوله: إن ~~ولدت ولدا فأنت حرة؛ لأن الملك إذا كان ثابتا في الأمة وقت التصرف فالظاهر ~~بقاؤه إلى وقت الولادة فلا حاجة إلى إضافة الولادة إلى الملك فيصح فإذا صح ~~التعليق فكل ولد تلده في ملكه يعتق وإن ولدت في غير ملكه لا يعتق وتبطل ~~اليمين بأن ولدت بعد ما مات المولى أو بعد ما باعها ولو ضرب ضارب بطنها ~~فألقت جنينا ميتا؛ كان فيه ما في جنين الأمة لأن الحرية تحصل بعد الولادة، ~~والضرب حصل قبل الولادة فكان عبدا فلا يجب ضمان الحر، ولو قال: إذا حملت ~~بولد فهو حر كان فيه ما في جنين الحرة؛ لأن الحرية تحصل منها للحمل فالضرب ~~صادفه وهو حر إلا أنا لا نحكم به ما لم تلد؛ لأنا لا نعلم بوجوده فإذا ألقت ~~فقد علمنا بوجوده وقت الضرب فإن قيل: الحرية لا تثبت إلا بعد حدوث الحياة ~~فيه ولا نعلم ذلك فكيف يحكم بحريته؟ فالجواب أنه: لما حكم الشرع بالأرش على ~~الضارب فقد صار محكوما بحدوث الحياة فيه؛ لأن الأرش لا يجب إلا بإتلاف الحي ~~ولو باعها المولى فولدت عند المشتري قبل مضي ستة أشهر كان الولد حرا والبيع ~~باطل؛ لأنا تيقنا أنه باعها والحمل موجود والحرية ثابتة فيه وحرية الحمل ~~تمنع جواز بيع الأم لما مر، وإن ولدته لستة أشهر فصاعدا؛ لم يعتق لأنا لم ~~نتيقن بحصول الولد يوم البيع فلا يجوز ms2229 فسخ البيع وإثبات الحرية. # ولو قال لأمته: إن كان أول ولد تلدينه غلاما فأنت حرة فولدت غلاما وجارية ~~فهذا لا يخلو من أوجه: إما إن علم أيهما ولد أولا بأن اتفق المولى والأمة ~~على أنهما يعلمان ذلك، وإما إن لم يعلم بأن اتفقا على أنهما لا يعلمان، ~~وإما إن اختلفا في ذلك. # فإن علم أيهما ولد أولا فإن كان الغلام هو الأول فهو رقيق؛ لأن المعلق ~~بولادته عتق الأم وهي إنما تعتق بعد الولادة فكان انفصال الولد على حكم ~~الرق فلا يؤثر فيه عتق الأم وتعتق الأم بوجود الشرط وتعتق الجارية بعتقها ~~وإن كانت الجارية هي الأولى لم يعتق واحد منهم لعدم شرط العتق وإن لم يعلم ~~فالغلام رقيق على كل حال؛ لأنه لا حال له في الحرية أصلا سواء كان متقدما ~~في الولادة أو متأخرا؛ لأنه إن كان أولا فذاك شرط عتق أمه لا شرط عتقه، ~~وعتق أمه لا يؤثر فيه لما بينا، وإن كانت الجارية أولا فولادتها لم تجعل ~~شرط العتق في حق أحد؛ فلم يكن للغلام حال في الحرية رأسا فكان رقيقا على كل ~~حال. # وأما الجارية والأم فيعتق من كل واحدة منهما نصفها وتسعى في نصف قيمتها؛ ~~لأن كل واحدة منهما تعتق في حال وترق في حال؛ لأن الغلام إن كان أولا عتقت ~~الأم والجارية أما الأم فلوجود شرط العتق فيها. # وأما الجارية فلعتق الأم؛ لأن الأم إذا عتقت؛ عتقت الجارية بعتق الأم ~~تبعا لها فعتقتا جميعا وإن كانت الجارية أولا لا يعتقان؛ لأنه لم يوجد شرط ~~العتق في الأم، وإذا لم تعتق الأم؛ لا تعتق الجارية لأن عتقها بعتقها فإذا ~~هما يعتقان في حال ويرقان في حال فيتنصف العتق فيهما فيعتق من كل واحدة ~~منهما نصفها على الأصل المعهود لأصحابنا في اعتبار الأحوال عند اشتباهها، ~~والعمل بالدليلين بقدر الإمكان. # وروي عن محمد أنه يستحلف # PageV04P062 # المولى على علمه بالله تعالى ما يعلم الغلام ولد أولا فإن نكل عن اليمين ~~عتقت الأم وابنتها وكان الغلام عبدا وإن ms2230 حلف؛ كانوا جميعا أرقاء وكذلك إذا ~~لم يخاصم المولى حتى مات وخوصم وارثه بعده فأقر أنه لا يدري وحلف بالله ~~تعالى ما يعلم الغلام ولد أولا رقوا،، ووجه هذه الرواية أن الأحوال إنما ~~تعتبر عند تعذر البيان والبيان ههنا ممكن بالرجوع إلى قول الحالف فلا تعتبر ~~الأحوال والجواب أنه لا سبيل إلى البيان باليمين ههنا؛ لأن الخصمين متفقان ~~على أنهما لا يعلمان الأول منهما فلا يجوز للقاضي أن يكلف المولى الحلف على ~~أنه لا يعلم الأول منهما مع تصادقهما على ذلك، وإن اختلفا فالقول قول ~~المولى: إن الجارية هي الأولى لأنه ينكر العتق، ولو قال لأمته: إن كان أول ~~ولد تلدينه غلاما فأنت حرة وإن كانت جارية فهي حرة فولدت غلاما وجارية فإن ~~علم أن الغلام كان أولا عتقت الأم والجارية لا غير أما الأم: فلوجود الشرط. # وأما الجارية: فلعتق الأم. # وأما رق الغلام فلانفصاله على حكم الرق فلا يؤثر فيه عتق الأم وإن علم أن ~~الجارية كانت هي الأولى عتقت هي لا غير لأن المعلق بولادتها عتقها لا غير ~~وعتقها لا يؤثر في غيرها وإن لم يعلم أيهما أول فالجارية حرة على كل حال ~~والغلام عبد على كل حال ويعتق نصف الأم وتسعى في نصف قيمتها أما حرية ~~الجارية على كل حال فلأنه لا حال لها في الرق؛ لأن الغلام إن كان أولا عتقت ~~الجارية؛ لأن أمها تعتق فتعتق هي بعتق الأم وإن كانت الجارية أولا فقد عتقت ~~لوجود شرط العتق في حقها فكانت حرة على كل حال. # وأما رق الغلام على كل حال: فلأنه ليس له حال في الحرية سواء ولد أولا أو ~~آخرا. # وأما الأم فإنما يعتق نصفها؛ لأنها تعتق في حال وترق في حال لأن الغلام ~~إن كان هو الأول تعتق الأم والجارية أيضا بعتق الأم، وإن كانت الجارية أولا ~~تعتق الجارية لا غير؛ لأن المعلق به عتقها لا غير وعتقها لا يتعدى إلى عتق ~~الأم فإذا تعتق الأم في حال ولا تعتق في حال فيعتق ms2231 نصفها اعتبارا للأحوال ~~وإن اختلفا فالقول قول المولى لما بينا ولو قال لها: إن كان أول ولد تلدينه ~~غلاما فهو حر وإن كان جارية فأنت حرة فولدت غلاما وجارية فإن علم أن الغلام ~~ولد أولا عتق هو لا غير وإن علم أن الجارية ولدت أولا عتقت الأم والغلام لا ~~غير وإن لم يعلم أيهما ولد أولا فالغلام حر على كل حال؛ لأنه لا حال له في ~~الرق سواء كان أولا أو آخرا، والجارية رقيقة على كل حال؛ لأنه لا حال لها ~~في الحرية تقدمت في الولادة أو تأخرت لأن الغلام إن كان هو الأول لا يعتق ~~إلا هو وإن كانت الجارية هي الأولى لا تعتق إلا الأم والغلام فلم يكن ~~للجارية حال في الحرية فبقيت رقيقة والأم يعتق منها نصفها وتسعى في نصف ~~قيمتها؛ لأن الجارية إن كانت هي الأولى تعتق الأم كلها وإن كان الغلام هو ~~الأول لا يعتق شيء منها فتعتق في حال ولا تعتق في حال فيعتق نصفها وتسعى في ~~النصف اعتبارا للحالين وعملا بهما بقدر الإمكان وإن اختلفا فالقول قول ~~المولى لما ذكرنا. # هذا إذا ولدت غلاما وجارية فأما إذا ولدت غلامين وجاريتين والمسألة ~~بحالها فإن علم أولهم أنه ابن يعتق هو لا غير؛ لأن المعلق عتقه لا غير يعتق ~~هو لا غير عند وجود الشرط، وإن علم أنه جارية فهي رقيقة ومن سواها أحرار؛ ~~لأنه جعل ولادتها أولا شرط حرية الأم فإذا وجد الشرط عتقت الأم ويعتق كل من ~~ولد بعد ذلك بعتق الأم تبعا لها وإن لم يعلم من كان أولهم يعتق من الغلامين ~~كل واحد منهما ثلاثة أرباعه ويسعى في ربع قيمته ويعتق من الأم نصفها وتسعى ~~في نصف قيمتها ويعتق من البنتين من كل واحدة منهما ربعها وتسعى في ثلاثة ~~أرباع قيمتها، وإنما كان كذلك أما الغلامان فلأن أول من ولدت إن كان غلاما ~~عتق الغلام كله لوجود الشرط وإن كان جارية عتق الغلامان لأن الأم تعتق ~~ويعتق كل من ولد بعد ms2232 ذلك وهم الغلامان والجارية الأخرى وقد تيقنا بحرية أحد ~~الغلامين وشككنا في الآخر وله حالتان: يعتق في حال، ولا يعتق في حال فيجعل ~~ذلك نصفين فيعتق غلام واحد ونصف من الآخر ولا يعلم أيهما عتق كله وأيهما ~~عتق نصفه فاستويا في ذلك وليس أحدهما في ذلك بأولى من الآخر فيعتق من كل ~~واحد منهما ثلاثة أرباعه ويسعى في ربع قيمته. # وأما الأم فإنها تعتق في حال ولا تعتق في حال؛ لأن أول ما ولدت إن كان ~~غلاما لا تعتق أصلا وإن كان جارية تعتق فتعتق في حال وترق في حال فيعتق ~~نصفها وتسعى في نصفها. # وأما الجاريتان فإحداهما أمة بلا شك؛ لأن أول ما ولدت إن كان غلاما فهما ~~رقيقان # PageV04P063 # وإن كانت جارية فإن الأولى لا تعتق وتعتق الأخرى بعتق الأم فإذا في حالة ~~لهما حرية واحدة وفي حالة لا شيء لهما فيثبت لهما نصف ذلك وليست إحداهما ~~بأولى من الأخرى فيصير ذلك بينهما نصفين وهو ربع الكل فيعتق من كل واحدة ~~منهما ربعها وتسعى في ثلاثة أرباع قيمتها والله عز وجل أعلم. # ولو قال لأمته: إن ولدت غلاما ثم جارية فأنت حرة وإن ولدت جارية ثم غلاما ~~فالغلام حر فولدت غلاما وجارية فإن كان الغلام أولا عتقت الأم لوجود شرط ~~عتقها والغلام والجارية رقيقان لانفصالهما على حكم الرق وعتق الأم لا يؤثر ~~فيهما وإن كانت الجارية أولا عتق الغلام لوجود الشرط، والأم والجارية ~~رقيقتان لأن عتق الغلام لا يؤثر فيهما وإن لم يعلم أيهما أولا واتفقا على ~~أنهما لا يعلمان ذلك فالجارية رقيقة؛ لأنه لا حال لها في الحرية؛ لأنها ترق ~~في جميع الأحوال. # وأما الغلام والأم فإنه يعتق من كل واحد منهما نصفه ويسعى في نصف قيمته؛ ~~لأن كل واحد منهما يعتق في حال ويرق في حال فيعتق نصفه ويسعى في نصف قيمته ~~وإذا اختلفا فالقول قول المولى مع يمينه على علمه. # هذا إذا ولدت غلاما وجارية فأما إذا ولدت غلامين وجاريتين والمسألة ~~بحالها فإن ولدت غلامين ثم ms2233 جاريتين؛ عتقت الأم لوجود الشرط وعتقت الجارية ~~الثانية بعتقها وبقي الغلامان والجارية الأولى أرقاء، وإن ولدت غلاما ثم ~~جاريتين ثم غلاما؛ عتقت الأم لوجود الشرط والجارية الثانية والغلام الثاني ~~بعتق الأم، وإن ولدت غلاما ثم جارية، ثم غلاما ثم جارية عتقت الأم لوجود ~~الشرط، والغلام الثاني والجارية الثانية بعتق الأم، وإن ولدت جاريتين ثم ~~غلامين عتق الغلام الأول لوجود الشرط، والغلام الثاني والجارية الثانية ~~بعتق الأم، وإن ولدت جاريتين ثم غلامين عتق الغلام الأول لوجود الشرط وبقي ~~من سواه رقيقا وكذلك إذا ولدت جارية ثم غلامين ثم جارية عتق الغلام الأول ~~لا غير لوجود شرط العتق في حقه لا غير، وكذلك إذا ولدت جارية ثم غلاما ثم ~~جارية ثم غلاما عتق الغلام الأول لا غير؛ لما قلنا، وإن لم يعلم بأن اتفقوا ~~على أنهم لا يعلمون أيهم الأول يعتق من الأولاد من كل واحد ربعه؛ لأن أحد ~~الغلامين مع إحدى الجاريتين رقيقان على كل حال لأنه ليس لهما حال في الحرية ~~والجارية الأخرى والغلام الآخر يعتق كل واحد منهما في حال ويرق في حال ~~فيعتق من كل واحد نصفه فما أصاب الجارية يكون بينها وبين الجارية الأخرى ~~نصفين إذ ليست إحداهما بأولى من الأخرى فيعتق من كل واحدة ربعها وكذلك ما ~~أصاب الغلام يكون بينه وبين الغلام الآخر نصفين لما قلنا. # وأما الأم فيعتق منها نصفها لأنه إن سبق ولادة الغلام فتعتق لوجود الشرط ~~وإن سبقت ولادة الجارية لا تعتق فيعتق نصفها وتسعى في نصف قيمتها، وإن ~~اختلفوا فالقول قول المولى مع يمينه على علمه لما قلنا. # ولو قال لها: إن ولدت ما في بطنك فهو حر فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من ~~يوم حلف عتق ما في بطنها وإن جاءت به لستة أشهر فصاعدا لا يعتق؛ لأنها إذا ~~جاءت به لأقل من ستة أشهر تيقنا بكونه موجودا وقت التعليق لأن الولد لا ~~يولد لأقل من ستة أشهر فتيقنا بكونه داخلا تحت الإيجاب وإذا جاءت به لستة ~~أشهر ms2234 فصاعدا لم نتيقن بوجوده بل يحتمل أن لا يكون موجودا ثم وجد بعد فلا ~~يدخل تحت الإيجاب مع الشك وكذا إذا قال لها: ما في بطنك حر إلا أن ههنا ~~يعتق من يوم حلف وفي الفصل الأول: يوم تلد لأن هناك شرط الولادة ولم تشترط ~~ههنا ولو قال لها: إذا حملت فأنت حرة فولدت لأقل من سنتين أو لسنتين من وقت ~~الكلام لا تعتق وإن ولدت لأكثر من سنتين تعتق؛ لأن يمينه تقع على حمل يحدث ~~بعد اليمين فإذا ولدت لأقل من سنتين أو لسنتين؛ يحتمل أنها كانت حبلى من ~~وقت الكلام لا تعتق وإن ولدت لأكثر من سنتين أو لسنتين يحتمل أنها كانت ~~حبلى وقت اليمين ويحتمل أنه حدث الحمل بعد اليمين فيقع الشك في شرط ثبوت ~~الحرية فلا تثبت الحرية مع الشك، فأما إذا ولدت لأكثر من سنتين فقد تيقنا ~~أن الحمل حصل بعد اليمين لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين فقد وجد ~~شرط العتق وهو الحمل بعد اليمين فيعتق. # فإن قيل: أليس أن من أصلكم أن الوطء إذا كان مباحا تقدر مدة الحبل بستة ~~أشهر فهلا قدرتم ههنا كذلك؟ فالجواب أن: هذا من أصلنا فيما لم يكن فيه ~~إثبات رجعة أو إعتاق بالشك ولو جعلنا مدة الحمل ههنا ستة أشهر لكان فيه ~~إثبات العتق بالشك وهذا لا يجوز ثم إن ولدت بعد المقالة لأكثر من سنتين # PageV04P064 # حتى عتقت وقد كان وطئها قبل الولادة فإن وطئها قبل الولادة لأقل من ستة ~~أشهر؛ فعليه العقر وإن وطئها قبل الولادة لستة أشهر فصاعدا لا عقر عليه؛ ~~لأنها إذا ولدت لأقل من ستة أشهر منذ وطئها علم أنه وطئها وهي حامل؛ لأن ~~الحمل لا يكون أقل من ستة أشهر فإذا وضعت لأقل من ستة أشهر بعد الوطء؛ علم ~~أن العلوق حصل قبل هذا الوطء فيجب عليه العقر؛ لأنه علم أنه وطئها بعد ثبوت ~~الحرية، فإذا ولدت لستة أشهر فصاعدا من وقت الوطء يحتمل أن الحمل حصل بذلك ~~الوطء ms2235 فلا يجب العقر؛ لأن الوطء لم يصادف الحرية ويحتمل أنه حصل بوطء قبله ~~فيجب العقر فيقع الشك في وجوب العقر فلا يجب مع الشك وينبغي في الورع ~~والتنزه إذا قال لها هذه المقالة ثم وطئها أن يعتزلها حتى يعلم أحامل أم لا ~~فإن حاضت وطئها بعد ما طهرت من حيضها لجواز أنها قد حملت بذلك الوطء فعتقت ~~فإذا وطئها بعد ذلك كان وطء الحرة فيكون حراما فيعتزلها صيانة لنفسه عن ~~الحرام، فإذا حاضت تبين أن الحمل لم يوجد إذ الحامل لا تحيض ولهذا تستبرأ ~~الجارية المشتراة بحيضة لدلالتها على فراغ الرحم، ولو باع هذه الجارية قبل ~~أن تلد ثم ولدت في يد المشتري ينظر: إن ولدت لأقل من سنتين أو لسنتين بعد ~~اليمين؛ يصح البيع لجواز أن الولد حدث بعد اليمين فلا يبطل البيع بالشك وإن ~~ولدت لأقل من سنتين بعد اليمين ينظر: إن كان ذلك لأقل من ستة أشهر قبل ~~البيع لا يجوز البيع؛ لأنه حدث الولد قبل البيع فعتقت هي وولدها، وبيع الحر ~~لا يجوز وإن كان ذلك لستة أشهر فصاعدا من وقت البيع فإنها لا تعتق؛ لأن من ~~الجائز أن الولد حدث بعد البيع والبيع قد صح فلا يفسخ بالشك، ولو قال لها: ~~إن كان حملك غلاما فأنت حرة وإن كان جارية فهي حرة فكان حملها غلاما وجارية ~~لم يعتق أحد منهم؛ لأن الحمل اسم لجميع ما في الرحم قال الله تعالى {وأولات ~~الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] والمراد منه: جميع ما في البطن ~~حتى لا تنقضي العدة إلا بوضع جميع ما في الرحم وليس كل الحمل الغلام وحده ~~ولا الجارية وحدها بل بعضه غلام وبعضه جارية فصار كأنه قال: إن كان كل حملك ~~غلاما فأنت حرة، وإن كان كل حملك جارية فهي حرة فولدت غلاما وجارية فلا ~~يعتق أحدهم، وكذلك لو قال: إن كان ما في بطنك لأن هذا عبارة عن جميع ما في ~~بطنها ولو قال: إن كان في بطنك عتق الغلام والجارية لأن ms2236 قوله: إن كان في ~~بطنك غلام ليس عبارة عن جميع ما في البطن بل يقتضي وجوده وقد وجد غلام ووجد ~~أيضا جارية فعتقا ولو قال لها: إن كنت حبلى فأنت حرة فولدت لأقل من ستة ~~أشهر فهي حرة وولدها، وإن ولدت لستة أشهر أو أكثر لم يعتق لأن أقل مدة ~~الحمل ستة أشهر فإذا أتت لأقل من ستة أشهر علم أن الحمل كان موجودا وقت ~~اليمين فتعتق الأم لوجود شرط عتقها وهو كونها حاملا وقت اليمين ويعتق الحمل ~~بعتقها تبعا لها، وإذا أتت لستة أشهر أو أكثر يحتمل أن يكون بحمل حادث بعد ~~اليمين فلا يعتق ويحتمل أن يكون بحمل موجود وقت اليمين فيعتق فوقع الشك في ~~العتق فلا يعتق مع الشك ومن هذا القبيل التدبير والاستيلاد؛ لأن كل واحد ~~منهما تعليق العتق بشرط الموت إلا أن التدبير: تعليق بالشرط قولا، ~~والاستيلاد: تعليق بالشرط فعلا لكن الشرط فيهما يدخل على الحكم لا على ~~السبب ولكل واحد منهما كتاب مفرد. # وأما التعليق المحض بما سوى الملك وسببه معنى لا صورة. # فنحو أن يقول لأمته: كل ولد تلدينه فهو حر، وهذا ليس بتعليق من حيث ~~الصورة؛ لانعدام حرف التعليق وهو " إن " وإذا ونحو ذلك؛ لأن كلمة كل ليست ~~كلمة تعليق بل هي كلمة الإحاطة بما دخلت عليه لكنه تعليق من حيث المعنى ~~لوجود معنى التعليق فيه؛ لأنه أوقع العتق على موصوف بصفة وهو الولد الذي ~~تلده فيتوقف وقوع العتق على اتصافه بتلك الصفة كما يتوقف على وجود الشرط ~~المعلق به صريحا في قوله: إن ولدت ولدا أو إن دخلت الدار ونحو ذلك فكان ~~معنى التعليق موجودا فيه فلا يصح إلا إذا كانت الأمة في ملكه وقت التعليق ~~حتى لو قال لأمة لا يملكها: كل ولد تلدينه فهو حر لا يصح، حتى لو اشتراها ~~فولدت منه ولدا لا يعتق الولد لعدم الملك وقت التعليق وعدم الإضافة إلى ~~الملك وسببه، ويصح إذا كانت الأمة في ملكه وقت التعليق وقيام الملك في ~~الأمة يكفي لصحته ms2237 ولا يشترط إضافة الولادة إلى الملك للصحة بأن يقول كل ولد ~~تلدينه وأنت في ملكي فهو حر لما بينا فيما تقدم ثم إن ولدت في ملكه يعتق ~~الولد لوجود الشرط في الملك، وإن ولدت في غير ملكه # PageV04P065 # لا يعتق لعدم الملك وتبطل اليمين لوجود الشرط. # كما إذا قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر فباعه فدخل الدار يبطل اليمين ~~حتى لو اشتراه ثانيا فدخل الدار؛ لا يعتق كذا هذا، وعلى هذا إذا قال لعبد ~~يملكه أو لا يملكه: كل ولد يولد لك فهو حر فولد له ولد من أمة فإن كانت ~~الأمة ملك الحالف يوم حلف عتق الولد وإلا فلا وينظر في ذلك إلى ملك الأمة ~~لا إلى ملك العبد لأن الولد في الرق والحرية يتبع الأم لا الأب، فإذا كانت ~~الأمة على ملكه وقت التكلم فالظاهر بقاء الملك فيها إلى وقت الولادة وملك ~~الأم سبب ثبوت ملك الولد فصار كأنه قال: كل ولد يولد لك من أمة لي فهو حر ~~فإذا لم تكن الأمة مملوكة في الحال فالظاهر بقاؤه على العدم لا يوجد ملك ~~الولد وقت الولادة ظاهرا فلم يوجد التعليق في الملك ولا الإضافة إلى الملك ~~فلا يصح هذا إذا ولد الولد من أمة مملوكة للحالف من نكاح فأما إذا ولد منها ~~من سفاح بأن زنى الغلام بها فولدت منه هل يعتق أم لا؟ فقد اختلف المشايخ ~~فيه وهي من مسائل الجامع. # ولو قال لأمته: أول ولد تلدينه فهو حر وإن ولدت ولدا فهو حر فولدت ولدا ~~ميتا ثم ولدت ولدا حيا لا شك في أنه لا يعتق الولد الميت وإن كان الولد ~~الميت ولدا حقيقة، وهل يعتق الولد الحي؟ قال أبو حنيفة: يعتق، وقال أبو ~~يوسف ومحمد: لا يعتق وحاصل الكلام يرجع إلى كيفية الشرط أن الشرط ولادة ولد ~~مطلق أو ولادة ولد حي فعندهما: الشرط ولادة ولد مطلق فإذا ولدت ولدا ميتا ~~فقد وجد الشرط فينحل اليمين فلا يتصور نزول الجزاء بعد ذلك وعند أبي حنيفة: ms2238 ~~الشرط ولادة ولد حي فلم يتحقق الشرط بولادة ولد ميت فيبقى اليمين فينزل ~~الجزاء عند وجود الشرط وهو ولادة ولد حي، وجه قولهما أن الحالف جعل الشرط ~~ولادة ولد مطلق؛ لأنه أطلق اسم الولد ولم يقيده بصفة الحياة والموت، والولد ~~الميت ولد حقيقة حتى تصير المرأة به نفساء وتنقضي به العدة وتصير الجارية ~~أم ولد له، ولهذا لو كان المعلق عتق عبد آخر أو طلاق امرأة نزل عند ولادة ~~ولد ميت وكذا إذا قال لها: إن ولدت ولدا فهو حر وعبدي فلان فولدت ولدا ميتا ~~عتق عبده ولو لم تكن هذه الولادة شرطا لما عتق فإذا ولدت ولدا ميتا فقد وجد ~~الشرط لكن المحل غير قابل للجزاء فينحل اليمين لا إلى جزاء وتبطل كما إذا ~~قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر فباعه قبل الدخول ثم دخل تنحل اليمين لكن ~~لا إلى جزاء حتى لو اشتراه ودخل لا يعتق وإن أمكن تقييد التعليق بالملك ~~كأنه قال: إن دخلت الدار وأنت في ملكي مع ذلك لم يتقيد به كذا ههنا ولأبي ~~حنيفة إن الإيجاب أضيف إلى محل قابل للحرية؛ إذ العاقل الذي لا يقصد إيجاب ~~الحرية فيما لا يحتمل الحرية؛ لأنه سفه والقابل للحرية هو الولد الحي ~~فيتقيد به كأنه قال: أول ولد ولدتيه حيا فهو حر كما إذا قال لآخر: إن ضربتك ~~فعبدي حر أنه يتقيد بحال الحياة للمضروب حتى لو ضربه بعد موته لا يحنث لعدم ~~قبول المحل للضرب كذا ههنا، ولا فرق سوى أن ههنا تقيد لنزول الجزاء وهناك ~~تقيد لتحقق الشرط بخلاف ما إذا علق بالولادة عتق عبد آخر أو طلاق امرأته؛ ~~لأن هناك المحل المضاف إليه الإيجاب قابل للعتاق والطلاق فلا ضرورة إلى ~~التقييد بحياة الولد كما إذا قال لها: إن ولدت ولدا فأنت حرة أو قال: أول ~~ولد تلدينه فأنت حرة فولدت ولدا ميتا عتقت وههنا بخلافه وهو الجواب عن ~~قوله: إذا ولدت ولدا فهو حر وعبدي فلان، أن ولادة الولد الميت تصلح شرطا في ms2239 ~~عتق عبد آخر لكون المحل قابلا للتعليق ولا تصلح شرطا في عتق الولد لعدم ~~قبول المحل. # ويجوز أن يعلق بشرط واحد جزاءان ثم ينزل عند وجود أحدهما دون الآخر لمانع ~~كمن قال لامرأته: إذا حضت فأنت طالق وفلانة معك فقالت: حضت فكذبها؛ يقع ~~الطلاق عليها ولا يقع على الأخرى وإن كان الشرط واحدا كذا هذا. # وأما التعليق بدخول الدار فإنما لم يتقيد بالملك؛ لأن التقييد للتصحيح ~~والإيجاب هناك صحيح بدون الملك لقبول المحل العتق عند وجود الشرط. # ألا ترى أنه يقف على إجازة المالك، والباطل لا يقف على الإجازة وإنما ~~الملك شرط النفاذ أما ههنا فلا وجه لتصحيح الإيجاب في الميت رأسا لعدم ~~احتمال المحل؛ إذ لا سبيل إلى إعتاق الميت بوجه فدعت الضرورة إلى التقييد ~~بصفة الحياة، وذكر محمد في الأصل: إذا قال: أول عبد يدخل فهو حر فأدخل عليه ~~عبد ميت ثم حي عتق الحي ولم يذكر خلافا فمن أصحابنا من قال: هذا قول أبي ~~حنيفة خاصة؛ لأن ما أضيف إليه الإيجاب وهو العبد لا يحتمل الوجوب إلا بصفة ~~الحياة فصار # PageV04P066 # كأنه قال: أول عبد يدخل علي حيا فهو حر كما في الولادة فأما على قولهما ~~فلا يعتق؛ لأن الحالف أطلق اسم العبد فيجري على إطلاقه ولا يقيد بحياة ~~العبد كما في الولادة ومنهم من قال: هذا قولهم جميعا قال القدوري: وهو ~~الصحيح لأنه علق العتق باسم العبد والعبد اسم للمرقوق وقد بطل الرق بالموت ~~فلم يوجد الشرط بإدخاله عليه فيعتق الثاني لوجود الشرط في حقه بخلاف الولد؛ ~~لأن الولد اسم للمولود والميت مولود حقيقة فإن قيل: الرق لا يبطل بالموت ~~بدليل أنه يجب على المولى كفن عبده الميت فالجواب: إن وجوب الكفن لا يدل ~~على الملك ألا ترى أن من مات ولم يترك شيئا فكفنه على أقاربه وإن لم يكن ~~هناك ملك، وإذا زال ملكه عن الميت؛ صار الثاني أول عبد من عبيده أدخل عليه ~~فوجد الشرط فيعتق. # ومن هذا القبيل قول الرجل: كل مملوك لي فهو ms2240 حر ويقع على ما في ملكه في ~~الحال حتى لو لم يكن يملك شيئا يوم الحلف؛ كان اليمين لغوا حتى لو ملكه في ~~المستقبل لا يعتق؛ لأن هذا الكلام لا يستعمل إلا للحال فلا يتعلق به عتق ما ~~ليس بمملوك له في الحال وكذا إذا علق بشرط قدم الشرط أو أخر بأن قال: إن ~~دخلت هذه الدار فكل مملوك لي حر أو قال: إذا دخلت أو إذا ما دخلت أو متى ~~دخلت أو متى ما دخلت أو قال: كل مملوك لي حر إن دخلت الدار فهذا كله على ما ~~في ملكه يوم حلف وكذا إذا قال: كل مملوك أملكه ولا نية له؛ لأن صيغة أفعل ~~وإن كانت تستعمل للحال والاستقبال لكن عند الإطلاق يراد به الحال عرفا ~~وشرعا ولغة أما العرف: فإن من قال: فلان يأكل أو يفعل كذا يريد به الحال أو ~~يقول الرجل: أنا أملك ألف درهم يريد به الحال. # وأما الشرع: فإن من قال أشهد أن لا إله إلا الله يكون مؤمنا ولو قال: ~~أشهد أن لفلان على فلان كذا يكون شاهدا، ولو قال: أقر أن لفلان علي كذا صح ~~إقراره. # وأما اللغة: فإن هذه الصيغة موضوعة للحال على طريق الأصالة؛ لأنه ليس ~~للحال صيغة أخرى وللاستقبال السين وسوف، فكانت الحال أصلا فيها والاستقبال ~~دخيلا فعند الإطلاق يصرف إلى الحال ولو قال: عنيت به ما استقبل ملكه؛ عتق ~~ما في ملكه للحال وما استحدث الملك فيه لما ذكرنا أن ظاهر هذه الصيغة للحال ~~فإذا قال: أردت به الاستقبال فقد أراد صرف الكلام عن ظاهره فلا يصدق فيه، ~~ويصدق في قوله: أردت ما يحدث ملكي فيه في المستقبل فيعتق عليه بإقراره كما ~~إذا قال: زينب طالق وله امرأة معروفة بهذا الاسم ثم قال: لي امرأة أخرى ~~بهذا الاسم عنيتها طلقت المعروفة بظاهر هذا اللفظ والمجهولة باعترافه كذا ~~ههنا وكذا لو قال: كل مملوك أملكه الساعة فهو حر أن هذا يقع على ما في ملكه ~~وقت الحلف ولا يعتق ms2241 ما يستفيده بعد ذلك إلا أن يكون نوى ذلك فيلزمه ما نوى ~~لأن المراد من الساعة المذكورة هي الساعة المعروفة عند الناس وهي الحال لا ~~الساعة الزمانية التي يذكرها المنجمون؛ فيتناول هذا الكلام من كان في ملكه ~~وقت التكلم لا من يستفيده بعده فإن قال: أردت به من أستفيده في هذه الساعة ~~الزمانية يصدق فيه لأن اللفظ يحتمله وفيه تشديد على نفسه ولكن لا يصدق في ~~صرفه اللفظ عمن يكون في ملكه للحال سواء أطلق أو علق بشرط - قدم الشرط أو ~~أخر - بأن قال: إن دخلت الدار؛ فكل مملوك أملكه حر أو قال: كل مملوك أملكه ~~حر إن دخلت الدار فهذا والأول سواء في أن اليمين إنما يتعلق بما في ملكه ~~يوم حلف؛ لأنه علق العتق بشرط فيتناول ما في ملكه لا ما يستفيده كما إذا ~~قال: كل عبد يدخل الدار فهو حر فإن قال: أردت به ما استحدث ملكه؛ عتق ما في ~~ملكه إذا وجد الشرط باليمين وما يستحدث بإقراره؛ لأنه لا يصدق في صرف ~~الكلام عن ظاهره ويصدق في التشديد على نفسه. # فإن لم يكن في ملكه يوم حلف مملوك فاليمين لغو؛ لأنها تتناول الحال فإذا ~~لم يكن له مملوك للحال لا تنعقد اليمين لانعدام المحلوف عليه بخلاف قوله: ~~إن كلمت فلانا أو إن دخلت الدار فكل مملوك أشتريه فهو حر أو كل امرأة ~~أتزوجها فهي طالق؛ لأن قوله أشتري أو أتزوج لا يحتمل الحال فاقتضى ملكا ~~مستأنفا وقد جعل الكلام أو الدخول شرطا لانعقاد اليمين فيمن يشتري أو يتزوج ~~فيعتبر ذلك بعد اليمين. # ولو قال: كل مملوك أملكه اليوم فهو حر ولا نية له وله مملوك فاستفاد في ~~يومه ذلك مملوكا آخر؛ عتق ما في ملكه وما استفاد ملكه في اليوم لو قال: هذا ~~الشهر أو هذه السنة؛ لأنه لما وقت باليوم أو الشهر أو السنة فلا بد أن يكون ~~التوقيت مقيدا ولو لم يتناول إلا ما في ملكه يوم الحلف؛ لم يكن مقيدا فإن ~~قال: عنيت ms2242 به أحد الصنفين دون الآخر؛ لم يدين في القضاء لأنه # PageV04P067 # نوى تخصيص العموم وأنه خلاف الظاهر فلا يصدق في القضاء ويصدق فيما بينه ~~وبين الله عز وجل؛ لأن الله مطلع على نيته ولو قال: كل مملوك أملكه غدا فهو ~~حر ولا نية له ذكر محمد في الجامع أنه يعتق من ملكه في غد، ومن كان في ملكه ~~قبله وهو قوله في الإملاء أيضا وهو إحدى روايتي أبي سماعة عنه وقال أبو ~~يوسف: لا يعتق إلا من استفاد ملكه في غد ولا يعتق من جاء غد وهو في ملكه ~~وهو إحدى روايتي ابن سماعة عن محمد وجه قول محمد أنه أوجب العتق لكل من ~~يضاف إليه الملك في غد فيتناول الذي ملكه في غد والذي ملكه قبل الغد كأنه ~~قال: في الغد كل مملوك أملكه اليوم فهو حر فيتناول الكل، وجه قول أبي يوسف ~~أن قوله: أملك إن كان للحال عند الإطلاق ولكنه لما أضاف العتق إلى زمان في ~~المستقبل انصرف إلى الاستقبال بهذه القرينة كما ينصرف إليه بقرينة السين ~~فلا يتناول الحال وعلى هذا الخلاف إذا قال: كل مملوك أملكه رأس شهر كذا فهو ~~حر، ورأس الشهر الليلة التي يهل فيها الهلال ومن الغد إلى الليل، وكان ~~القياس أن يكون رأس الشهر أول ساعة منه؛ لأن رأس كل شهر ما رأس عليه وهو ~~أوله إلا أنهم جعلوه اسما لما ذكرنا للعرف والعادة فإنه يقال في العرف ~~والعادة لأول يوم من الشهر: هذا رأس الشهر، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف ~~فيمن قال: كل مملوك أملكه يوم الجمعة فهو حر قال: ليس هذا على ما في ملكه ~~إنما هو ما يملكه يوم الجمعة فهذا على أصل أبي يوسف صحيح؛ لأنه أضاف العتق ~~إلى زمان مستقبل فإن قال: كل مملوك لي حر يوم الجمعة فهذا على من في ملكه ~~يعتقون يوم الجمعة ليس هو على ما يستقبل؛ لأنه عقد يمينه على من في ملكه في ~~الحال وجعل عتقهم موقتا بالجمعة فلا يدخل ms2243 فيه الاستقبال فأما إذا قال: كل ~~مملوك أملكه إذا جاء غد هو حر فهذا على ما في ملكه في قولهم: لأنه جعل مجيء ~~الغد شرطا لثبوت العتق لا غير فيعتق من في ملكه لكن عند مجيء غد والله عز ~~وجل أعلم. # ومن هذا القبيل الإعتاق المضاف إلى المجهول عند بعض مشايخنا؛ لأنه تعليق ~~معنى لا صورة ولا يثبت العتق في أحدهما قبل الاختيار وإنما ثبت عند ~~الاختيار في أحدهما عينا وهو الذي يختار العتق فيه مقصورا على الحال كأنه ~~علق عتق أحدهما بشرط اختيار العتق فيه كالتعليق بسائر الشروط ومن دخول ~~الدار وغير ذلك إلا أنه ثمة الشرط يدخل على السبب والحكم جميعا وههنا يدخل ~~على الحكم لا على السبب كالتدبير والبيع بشرط الخيار كذا قال بعض مشايخنا ~~في كيفية الإعتاق المضاف إلى المجهول وبعضهم نسب هذا القول لأبي يوسف ~~ويقال: إنه قول أبي حنيفة أيضا وقال بعضهم: هو تنجيز العتق في غير العتق ~~للحال واختيار العتق في أحدهما بيان وتعيين لمن وقع عليه العتق بالكلام ~~السابق من حين وجوده وبعضهم نسب هذا القول إلى محمد والحاصل أن الخلاف في ~~كيفية هذا التصرف على الوجه الذي وصفنا غير منصوص عليه من أصحابنا لكنه ~~مدلول عليه ومشار إليه أما الدلالة فإنه ظهر الاختلاف بين أبي يوسف ومحمد ~~في الطلاق فيمن قال لامرأتيه: إحداكما طالق أن العدة تعتبر من وقت الاختيار ~~في قول أبي يوسف، والعدة إنما تجب من وقت وقوع الطلاق فيدل على أن الطلاق ~~لم يكن واقعا وإنما يقع عند الاختيار مقصورا عليه وفي قول محمد تعتبر من ~~وقت الكلام السابق وهذا يدل على أن الطلاق قد وقع من حيث وجوده، وإنما ~~الاختيار بيان وتعيين لمن وقع عليها الطلاق وأما الإشارة فإنه روي عن أبي ~~يوسف أنه قال: إذا أعتق أحد عبديه تعلق العتق بذمته ويقال له: أعتق، وهذا ~~إشارة إلى أن العتق غير نازل في المحل؛ إذ لو كان نازلا لما كان معلقا ~~بالذمة ومعنى قوله: يقال له أعتق ms2244 أي: اختر العتق لإجماعنا على أنه لا يكلف ~~بإنشاء الإعتاق، وذكر محمد في الزيادات يقال له: بين، وهذا إشارة إلى ~~الوقوع في غير المعين؛ لأن البيان للموجود لا للمعدوم وإلى هذا ذهب الكرخي ~~والقدوري وحققا الاختلاف بين أبي يوسف ومحمد إلا أن القدوري حكى عن الكرخي ~~أنه كان يفرق بين العتاق والطلاق فيجعل الاختيار بيانا في الطلاق بالإجماع ~~من قبل أن العتاق يحتمل الثبوت في الذمة والطلاق لا يحتمل قال: وكان غيره ~~من أصحابنا يسوي بينهما؛ لأن الطلاق أيضا يحتمل الثبوت في الذمة في الجملة. # ألا ترى أن الفرقة واجبة على العنين وإنما يقوم القاضي مقامه في التفريق ~~وهو الصحيح أنهما يستويان؛ لأن تعلق العتق بالذمة ليس معناه إلا انعقاد سبب ~~الوقوع من غير وقوع وهو معنى حق الحرية دون # PageV04P068 # الحقيقة وهما في هذا المعنى مستويان، وجه القول الأول أن قوله أحدكما حر ~~تنجيز الحرية في أحدهما وليس بتعليق حقيقة لانعدام حرف التعليق إلا أنه ~~تنجيز في غير المعين فيتعين بالاختيار، ووجه القول الثاني أن العتق إما أن ~~يثبت باختيار العتق وإما أن يثبت بالكلام السابق، والثاني لا سبيل إليه؛ ~~لأن اختيار العتق لم يعرف إعتاقا في الشرع؛ ألا ترى أنه لو قال لعبده: ~~اخترت عتقك لا يعتق فلا بد وأن يثبت بالكلام السابق فلا يخلو: إما أن يثبت ~~حال وجوده في أحدهما غير عين ويتعين باختياره وإما أن يثبت عند وجود ~~الاختيار في أحدهما عينا وهو تفسير التعليق بشرط الاختيار لا وجه للأول؛ ~~لأنه ربما يختار غير الحر فيلزم القول بانتقال الحرية من الحر إلى الرقيق، ~~أو انتقال الرق من الرقيق إلى الحر أو استرقاق الحر والأول محال والثاني ~~غير مشروع فتعين الثاني ضرورة وهي أن يثبت العتق عند وجود الاختيار بالكلام ~~السابق مقصورا على حال الاختيار وهو تفسير التعليق ثم القائلون بالبيان ~~اختلفوا في كيفية البيان منهم من قال: البيان إظهار محض ومنهم من قال: هو ~~إظهار من وجه وإنشاء من وجه واستدلوا بما ذكر محمد في الزيادات ms2245 في موضع ~~يقال له: بين، وفي موضع يقال له: أعتق، وزعموا أن المسائل تتخرج عليه وهذا ~~غير سديد؛ لأن القول الواحد لا يكون إظهارا وإنشاء؛ إذ الإنشاء إثبات أمر ~~لم يكن والإظهار إبداء أمر قد كان وبينهما تناف وثمرة هذا الاختلاف تظهر في ~~الأحكام وإنها في الظاهر متعارضة: بعضها يدل على صحة القول الأول وبعضها ~~يدل على صحة القول الثاني ونحن نشير إلى ذلك إذا انتهينا إلى بيان حكم ~~الإعتاق وبيان وقت ثبوت حكمه فأما ترجيح أحد القولين على الآخر وتخرج ~~المسائل عليه فمذكوران في الخلافيات. # وأما التعليق بالملك أو بسببه صورة ومعنى فنحو أن يقول لعبد لا يملكه: إن ~~ملكتك فأنت حر أو إن اشتريتك فأنت حر وإنه صحيح عندنا حتى لو ملكه أو ~~اشتراه يعتق وإن لم يكن الملك موجودا وقت التعليق وقال الشافعي لا يصح ولا ~~يعتق وقال بشر المريسي يصح التعليق بالملك، ولا يصح بسبب الملك وهو الشراء ~~أما الكلام مع الشافعي فعلى نحو ما ذكرنا في كتاب الطلاق وأما مع بشر فوجه ~~قوله أن اليمين بالطلاق والعتاق لا يصح إلا في الملك أو مضافا إلى الملك ~~ولم توجد الإضافة إلى الملك؛ لأن الشراء قد يفيد الملك للمشتري وقد لا يفيد ~~كالشراء بشرط الخيار وشراء الوكيل؛ فلم توجد الإضافة إلى الملك فلا يصح ~~بخلاف قوله: إن ملكتك، ولنا أن مطلق الشراء ينصرف إلى الشراء المتعارف وهو ~~الشراء لنفسه ومن غير شرط الخيار وإنه من أسباب الملك فكان ذكره ذكرا ~~للملك، والإضافة إليه إضافة إلى الملك كأنه قال: إن ملكتك فأنت حر؛ ولأنه ~~لما علق العتق بالشراء - ولا بد من الملك عند الشراء لثبوت العتق - كان هذا ~~تعليق العتق بالشراء الموجب للملك كأنه قال: إن اشتريتك شراء موجبا للملك ~~فأنت حر فإذا اشتراه شراء موجبا للملك فقد وجد الشرط فيعتق. # ولو قال: إن تسريت جارية فهي حرة فاشترى جارية فتسراها لا تعتق عند ~~أصحابنا الثلاثة وعند زفر تعتق ولو تسرى جارية كانت في ملكه يوم حلف عتقت ms2246 ~~بالإجماع، وجه قول زفر أنه وجدت الإضافة إلى الملك؛ لأن التسري لا يصح بدون ~~الملك فكانت الإضافة إلى التسري إضافة إلى الملك فيصح التعليق، ولنا أنه لم ~~يوجد الملك وقت التعليق ولا الإضافة إلى الملك والكلام فيه ولا إلى سبب ~~الملك؛ لأن التسري ليس من أسباب الملك؛. # ألا ترى أنه يتحقق في غير الملك كالجارية المغصوبة، واليمين بالعتاق ~~والطلاق لا يصح إلا في الملك أو مضافا إلى الملك أو سببه ولم يوجد شيء من ~~ذلك. # وأما قوله: إن التسري لا صحة له بدون الملك فهذا مسلم أن الملك شرط صحة ~~التسري، وجوازه لكن الحالف جعل وجوده شرط العتق، والتسري نفسه يوجد من غير ~~ملك فلم يكن التعليق به تعليقا بسبب الملك فلم يصح ثم اختلف في تفسير ~~التسري: قال أبو حنيفة ومحمد: هو أن يطأها ويحصنها ويمنعها من الخروج ~~والبروز سواء طلب منها الولد أو لم يطلب وقال أبو يوسف: طلب الولد مع ~~التحصين شرط، وجه قوله: إن الإنسان يطأ جاريته ويحصنها ولا يقال لها: سرية ~~وإنما يقال ذلك إذا كان يطلب منها الولد أو تكون أم ولده. # هذا هو العرف والعادة، ولهما أنه ليس في لفظ التسري ما يدل على طلب ~~الولد؛ لأنه لا يخلو: إما أن يكون مأخوذا من السرو وهو الشرف فتسمى الجارية ~~سرية بمعنى أنه أسرى الجواري أي: أشرفهن وإما # PageV04P069 # أن يكون مأخوذا من السر وهو الجماع قال الله تعالى {ولكن لا تواعدوهن ~~سرا} [البقرة: 235] قيل جماعا وليس في أحدهما ما ينبئ عن طلب الولد، ولو ~~وطئ جارية كانت في ملكه يوم الحلف فعلقت منه لم تعتق لعدم التسري؛ لأنه لم ~~يوجد منه إلا الوطء والوطء وحده لا يكون تسريا بلا خلاف فلم يوجد شرط العتق ~~فلا تعتق. # ولو قال لامرأة حرة: إن ملكتك فأنت حرة أو قال لها: إن اشتريتك فأنت حرة ~~فارتدت عن الإسلام ولحقت بدار الحرب ثم سبيت فاشتراها الحالف ذكر محمد في ~~الجامع أن على قياس قول أبي حنيفة لا تعتق وعند ms2247 أبي يوسف ومحمد تعتق يعني ~~به قياس قوله في المكاتب والعبد المأذون إذا قال: كل عبد أملكه فيما استقبل ~~فهو حر وقال: كل عبد أشتريه فهو حر فيعتق ثم ملك عبدا أو اشترى عبدا على ~~قول أبي حنيفة لا يعتق وعلى قولهما يعتق والمسألة تأتي في موضعها. # ولو قال لأمة لا يملكها: إن اشتريتك فأنت حرة بعد موتي فاشتراها صارت ~~مدبرة؛ لأنه علق تدبيرها بسبب الملك وهو الشراء؛ لأن قوله: أنت حرة بعد ~~موتي صورة التدبير وقد علقه بالشراء فيصير عند الشراء قائلا أنت حرة بعد ~~موتي. # وأما التعليق بالملك أو بسببه معنى لا صورة فهو أن يقول الحر: كل مملوك ~~أملكه فيما يستقبل فهو حر ويتعلق العتق بملك يستفيده؛ لأنه نص على ~~الاستقبال، وروى ابن سماعة عن محمد في النوادر إذا قال: كل جارية أشتريها ~~إلى سنة فهي حرة فكل جارية يشتريها إلى سنة فهي حرة ساعة يشتريها قال: وإن ~~قال: كل جارية أشتريها فهي حرة إلى سنة فاشترى جارية لم تعتق إلى سنة؛ لأن ~~في الفصل الأول عقد يمينه على الشراء في السنة فتعتق كل جارية يشتريها في ~~السنة ساعة الشراء كأنه قال عند الشراء: أنت حرة فتعتق وفي الفصل الثاني ~~جعل الشراء شرطا لعتق مؤقت بالسنة فكأنه قال بعد الشراء: أنت حرة إلى سنة، ~~قال: ولو قال: كل مملوك أشتريه فهو حر غدا فهذا عندي على كل مملوك يشتريه ~~قبل الغد وإن اشترى مملوكا غدا لا يعتق؛ لأنه جعل الشراء شرطا لزوال حرية ~~مؤقتة بوجود الغد فلا بد من تقدم الملك على الغد لينزل العتق المؤقت به ولو ~~قال: كل مملوك أملكه إلى ثلاثين سنة فهذا على ما يستقبل ملكه في الثلاثين ~~سنة أولها: من حين حلف بعد سكوته في قولهم جميعا ولا يكون على ما في ملكه ~~قبل ذلك؛ لأنه لما أضاف العتق إلى الاستقبال تعين اللفظ للمستقبل وإذا ~~انصرف إلى الاستقبال لا يحمل على الحال إذ اللفظ الواحد لا ينتظم معنيين ~~مختلفين بخلاف قوله: غدا ms2248 عند محمد؛ لأن ذاك ليس أصلا إلى الاستقبال بل هو ~~إيقاع عتق على موصوف بصفة فيتناول كل من كان على تلك الصفة، وكذلك إذا قال: ~~كل مملوك أملكه ثلاثين سنة أو في ثلاثين سنة أو قال: أملكه إلى سنة أو سنة ~~أو في سنة أو قال: أملكه أبدا أو إلى أن أموت فهذا كله باب واحد يدخل فيه ~~ما يستقبل دون ما كان في ملكه؛ لأنه أضاف الحرية إلى المستقبل فإن قال: ~~أردت بقولي كل مملوك أملكه سنة أن يكون ما في ملكه يوم حلف مستداما سنة دين ~~فيما بينه وبين الله تعالى، ولم يدين في القضاء؛ لأن الظاهر أنه إنما وقت ~~السنة لاستفادة الملك لا لاستمرار الملك القائم فلا يصدق في العدول عن ~~الظاهر. # ولو قال: إن دخلت الدار فكل مملوك أملكه يومئذ فهو حر أو قال: إذا قدم ~~فلان فكل مملوك أملكه يومئذ فهو حر ولا نية له عتق ما في ملكه يوم دخل ~~الدار؛ لأنه علق عتق كل عبد يكون مملوكا له يوم الدخول بالدخول؛ لأن معنى ~~قوله: يومئذ أي: يوم الدخول. # هذا هو مقتضى اللغة؛ لأن تقديره يوم إذا دخل الدار؛ لأنه حذف الفعل وعوض ~~عنه بالتنوين فيعتق كل ما كان مملوكا له يوم الدخول فكأنه قال عند الدخول: ~~كل مملوك لي فهو حر وسواء دخل الدار ليلا أو نهارا؛ لأن اليوم يذكر ويراد ~~به الوقت المطلق قال الله سبحانه وتعالى {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا ~~لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} ~~[الأنفال: 16] وهذا الوعد يلحق المولي دبره ليلا ونهارا ولأن غرض الحالف ~~الامتناع من تحصيل الشرط فلا يختص بوقت دون وقت ولو قال: كل مملوك اشتريته ~~فهو حر إن كلمت أو إذا كلمت فلانا أو إذا جاء غد ولا نية له فهذا يقع على ~~ما يشتريه قبل الكلام فكل مملوك اشتراه قبل الكلام ثم تكلم عتق وما اشتراه ~~بعد الكلام لا يعتق ولو قدم الشرط فقال: ms2249 إن كلمت فلانا أو إذا كلمت فلانا ~~أو إذا جاء غد فكل مملوك اشتريته فهو حر فهذا على ما يشتريه بعد الكلام لا ~~قبله حتى لو كان اشترى مماليك قبل الكلام ثم كلم لا يعتق واحد منهم وما ~~اشترى بعده يعتق، ووجه الفرق أن في # PageV04P070 # الفصل الأول جعل الكلام شرط انحلال اليمين؛ لأن قوله: كل مملوك أشتريه ~~فهو حر يمين تامة لوجود الشرط والجزاء فإذا قال: إن كلمت فلانا فقد جعل ~~كلام فلان غاية لانحلالها فإذا كلمه انحلت فلا يدخل ما بعد الكلام كقوله كل ~~مملوك لي حر إن دخلت الدار وفي الفصل الثاني جعل كلام فلان شرط انعقاد ~~اليمين فإذا كلمه الآن انعقدت اليمين فيدخل فيه ما بعده لا ما قبله فيصير ~~كأنه قال عند الكلام: كل مملوك أشتريه فهو حر، وذلك يتناول المستقبل ولو ~~قال: كل مملوك أشتريه إذا دخلت الدار فهو حر أو قال: إن قدم فلان فهذا على ~~ما يشتري بعد الفعل الذي حلف عليه ولا يعتق ما اشترى قبل ذلك إلا أن ~~يعينهم؛ لأنه جعل دخول الدار شرطا لانعقاد اليمين فيصير عند دخول الدار ~~كأنه قال: كل مملوك أشتريه فهو حر، والدليل على أنه جعل دخول الدار شرط ~~انعقاد اليمين أن قوله: كل مملوك أشتريه شرط، وقوله: إذا دخلت الدار شرط ~~آخر ولا يمكن أن يجعلا شرطا واحدا لعدم حرف العطف ولا سبيل إلى إلغاء الشرط ~~الثاني؛ لأن إلغاء تصرف العاقل مع إمكان تصحيحه خارج عن العقل ولتصحيحه ~~وجهان: أحدهما: أن يجعل الشرط الثاني مع جزائه يمينا وجزاء الشرط الأول ~~وحينئذ لا بد من إدراج حرف الفاء؛ لأن الجزاء المتعقب للشرط لا يكون بدون ~~حرف الفاء وفيه تغيير، والثاني: أن يجعل شرط الانعقاد وفيه تغيير أيضا بجعل ~~المقدم من الشرطين مؤخرا إلا أن التغيير فيه أقل؛ لأن فيه تبديل محل الكلام ~~لا غير وفي الأول إثبات ما ليس بثابت فكان الثاني أقل تغييرا فكان التصحيح ~~به أولى وتسمى هذه اليمين اليمين المعترضة لاعتراض شرط بين ms2250 الشرط والجزاء، ~~ولو نوى الوجه الأول صحت نيته؛ لأن اللفظ يحتمله ولهذا قال محمد: إلا أن ~~يعني غير ذلك فيكون على ما عنى. # ولو قال المكاتب أو العبد المأذون: كل عبد أملكه فهو حر فعتق ثم ملك عبدا ~~لا يعتق؛ لأن قوله: أملك للحال لما يتناوله للحال نوع ملك إلا أنه غير صالح ~~للإعتاق فتنحل اليمين لا إلى جزاء، ولو قال: كل مملوك أملكه إذا أعتقت فهو ~~حر فعتق فملك عبدا عتق؛ لأنه علق العتق بالملك الحاصل له بعد عتقه وإنه ملك ~~صالح للإعتاق فصحت الإضافة بخلاف الصبي إذا قال: كل مملوك أملكه بعد البلوغ ~~فهو حر ثم بلغ فملك عبدا أنه لا يعتق؛ لأن الصبي ليس من أهل الإعتاق تنجيزا ~~وتعليقا لكونه من التصرفات الضارة المحضة. # فأما العبد فهو من أهله لكونه عاقلا بالغا إلا أنه لا ينفذ تنجيز العتق ~~منه لعدم شرطه وهو الملك الصالح فإذا علق بملك يصلح شرطا له صح. # ولو قال: كل مملوك أملكه فيما استقبل فهو حر أو قال: كل مملوك أشتريه فهو ~~حر فعتق فملك بعد ذلك عبدا أو اشترى عبدا لا يعتق عند أبي حنيفة وعند أبي ~~يوسف ومحمد يعتق، وجه قولهما أن قوله: أملكه فيما استقبل يتناول كل ما ~~يملكه إلى آخر عمره فيعمل بعموم اللفظ كما في الحر؛ ولأن في الحمل على ~~الاستقبال تصحيح تصرفه وفي الحمل على الحال إبطال فكان الحمل على الاستقبال ~~أولى ولأبي حنيفة أن للمكاتب نوع ملك ضروري ينسب إليه في حالة الرق في حالة ~~الكتابة بمنزلة المجاز لمقابلة الملك المطلق. # ألا ترى إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «من باع عبدا وله مال» ~~الحديث أضاف المال إليه فاللام الملك دل أن له نوع ملك فهو مراد بهذا ~~الإيجاب بالإجماع بدليل أنه لو قال: إن ملكت هذا العبد بعينه في المستقبل ~~فهو حر فملكه في حال الكتابة فباعه ثم اشتراه بعدما صار حرا لا يعتق وتنحل ~~اليمين بالشراء الأول؛ لأن الملك المجازي مراد فخرجت الحقيقة ms2251 عن الإرادة كي ~~لا يؤدي إلى الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد وقد قالوا في عبد قال: ~~لله تعالى علي عتق نسمة أو إطعام مسكين: لزمه ذلك وكان عليه إذا عتق؛ لأن ~~هذا إيجاب الإعتاق، والإطعام في الذمة وذمته تحتمل الإيجاب فيصح ويلزمه ~~الخروج عنه بعد العتق. # ولو قال: إن اشتريت هذا العبد فهو حر أو إن اشتريت هذه الشاة فهي هدي لم ~~يلزمه ذلك في قياس قول أبي حنيفة حتى يضيف إلى ما بعد العتق فيقول: إن ~~اشتريته بعد العتق، وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمانه؛ لأن من أصل أبي حنيفة أن ~~العبد يضاف إليه الشراء في الحال وإن كان بمنزلة المجاز بمقابلة الشراء بعد ~~الحرية، والمجاز مراد فلا تكون الحقيقة مرادة ومن أصلهما أن هذا يتناول ما ~~يستقبل من الشراء في عمره وتصحيح اليمين أيضا أولى من إبطالها وقد قالوا ~~جميعا في مكاتب أو عبد قال: إن دخلت هذه الدار فعبدي هذا حر ثم أعتق فدخل ~~الدار لم يعتق العبد؛ لأن هذا الملك غير صالح للعتق ولم توجد # PageV04P071 # الإضافة إلى ما يصلح. # وقالوا في حر قال لامرأة حرة: إذا ملكتك فأنت حرة أو إذا اشتريتك فأنت ~~حرة فارتدت ولحقت بدار الحرب ثم سبيت فاشتراها الحالف: أنها لا تعتق في ~~قياس قول أبي حنيفة وعندهما تعتق بناء على أن من أصل أبي حنيفة أنه يحمل ~~الملك أو الشراء على ما يقبله المحل في الحال وهو ملك النكاح ههنا والشراء ~~أيضا يصلح عبارة عن سبب هذا الملك وهو النكاح، والحرية أيضا تصلح عبارة عما ~~يبطله وهو الطلاق وكلام أبي حنيفة في هذا الفصل ظاهر؛ لأن اليمين تحمل على ~~ما يسبق إلى الأوهام ولا تنصرف الأوهام إلى ارتدادها ولحوقها بدار الحرب ~~وسبيها؛ لأن ذلك غير مظنون بالمسلمة فكان صرف كلامه إلى ما ذكرنا أولى من ~~صرفه إلى ما تسبق إليه الأوهام ومن أصلهما أنه يحمل مطلق الملك على الملك ~~الحقيقي الصالح للإعتاق وهو الذي يوجد بعد السبي، ولو قال لها: إذا ms2252 ارتددت ~~وسبيت فملكتك أو اشتريتك فأنت حرة فكان ذلك؛ عتقت في قولهم؛ لأنه أضاف ~~العتق إلى الملك الحقيقي فيضاف إليه والله عز وجل أعلم. # ومن هذا القبيل إذا قال: أول عبد أشتريه فهو حر فاشترى عبدا عتق؛ لأن ~~الأول اسم لفرد سابق وقد وجد ولو اشترى عبدين معا لم يعتق أحدهما؛ لأنه إن ~~وجد معنى السبق فلم يوجد معنى التفرد. # فإن اشترى عبدين معا ثم اشترى آخر لم يعتق الثالث؛ لأنه إن وجد فيه معنى ~~التفرد فقد انعدم معنى السبق وقد استشهد محمد في الكتاب لبيان الثالث ليس ~~بأول أنه لو قال: آخر عبد اشتريته فهو حر، فاشترى عبدين معا ثم اشترى آخر ~~ثم مات المولى أنه يعتق الثالث فدل أنه آخر، وإذا كان آخرا لا يكون أولا ~~ضرورة لاستحالة كونه ذاتا واحدة من المخلوقين أولا وآخرا، ولو قال: أول عبد ~~أشتريه واحدا فهو حر؛ عتق الثالث؛ لأنه أعتق عبدا يتصف بكونه فردا سابقا في ~~حال الشراء وقد وجد هذا الوصف في العبد الثالث، ولو قال: آخر عبد أشتريه ~~فهو حر فاشترى عبدا ثم لم يشتر غيره حتى مات المولى لم يعتق؛ لأن الآخر اسم ~~لفرد لاحق وهذا فرد سابق فكان أولا لا آخرا، ولو اشترى عبدا ثم عبدا ثم مات ~~المولى عتق الثاني؛ لأنه آخر عبد اشتراه واختلف في وقت ثبوت العتق فعند أبي ~~حنيفة يعتق يوم اشتراه وعند أبي يوسف ومحمد يوم مات، وجه قولهما أنه علق ~~العتق بصفة الآخرية وإنما يتحقق عند موته إذا لم يشتر آخر. # ألا ترى أنه لو اشترى بعده عبدا آخر حرم هو من أن يكون آخرا فيتوقف ~~اتصافه بكونه آخرا على عدم الشراء بعده ولا يتحقق ذلك إلا بالموت لأبي ~~حنيفة أنه لما لم يشتر آخر بعده حتى مات؛ تبين أنه كان آخرا يوم اشتراه إلا ~~أنا كنا لا نعرف ذلك لجواز أن يشتري آخر بعده فتوقفنا في تسميته آخرا فإذا ~~لم يشتر آخر حتى مات زال التوقف وتبين أنه كان آخرا ms2253 من وقت الشراء ولو ~~اشترى عبدا ثم عبدين معا؛ لم يعتق أحدهم أما الأول فلا شك فيه؛ لأنه أول ~~فلا يكون آخرا وأما الآخران فلأن الآخر اسم لفرد لاحق ولم يوجد معنى التفرد ~~فلا يعتق أحدهما. # وأما بيان ما يظهر به وجود الشرط فالحالف لا يخلو: إما أن يكون مقرا ~~بوجود الشرط وإما أن يكون منكرا وجوده فإن كان مقرا يظهر بإقراره كائنا ما ~~كان من الشرط وإن كان منكرا فإن كان الشرط مما لا يعرف إلا من قبل المحلوف ~~بعتقه كمشيئة ومحبة وبغضة والحيض ونحو ذلك يظهر بقوله: وإذا اختلفا كان ~~القول قوله؛ لأنه إذا كان أمرا لا يعرف إلا من قبله كان الظاهر شاهدا له ~~فكان القول قوله، وإن كان أمرا يمكن الوصول إليه من قبل غيره كدخول الدار ~~وكلام زيد وقدوم عمرو ونحو ذلك إذا اختلفا لا يظهر إلا ببينة تقوم عليه من ~~العبد ويكون القول عند عدم البينة قول المولى؛ لأن العبد يدعي عليه العتق ~~وهو ينكر فكان القول قول المنكر مع يمينه، ولو كان الشرط ولادة الأمة بأن ~~قال لها: إن ولدت فأنت حرة فقالت: ولدت فكذبها المولى فشهدت امرأة على ~~الولادة لا تعتق عند أبي حنيفة حتى يشهد بالولادة رجلان أو رجل وامرأتان ~~وعندهما تعتق بشهادة امرأة واحدة ثقة والمسألة مرت في فصول العدة من كتاب ~~الطلاق. # وأما الثالث: وهو بيان من يدخل تحت مطلق اسم المملوك في الإعتاق المضاف ~~إليه ومن لا يدخل. # فنقول - وبالله التوفيق -: يدخل تحته عبد الرهن، الوديعة والآبق والمغصوب ~~والمسلم والكافر والذكر والأنثى لانعدام الخلل في الملك والإضافة ولو قال: ~~عنيت به الذكور دون الإناث لم يدين في القضاء؛ لأنه أدخل كلمة الإحاطة على ~~المملوك فإذا نوى به البعض؛ فقد نوى تخصيص العموم وإنه خلاف الظاهر فلا # PageV04P072 # يصدق في القضاء ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى ما يحتمله ~~كلامه، ويدخل فيه المدبر والمدبرة وأم الولد وولداهما لما قلنا. # ألا ترى أن للمولى أن يطأ المدبرة وأم الولد ms2254 مع أن حل الوطء منفي شرعا ~~إلا بأحد نوعي الملك مطلقا بقوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} ~~[المؤمنون: 5] {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} ~~[المؤمنون: 6] ولا يدخل فيه المكاتب إلا أن يعينه؛ لأنه خرج عن يده بعقد ~~الكتابة وصار حرا يدا فاختل الملك والإضافة، فلا يدخل تحت إطلاق اسم ~~المملوك، ولهذا لا يحل له وطؤها، ولو وطئها يلزمه العقر، وإن عنى المكاتبين ~~عتقوا؛ لأن الاسم يحتمل ما عنى، وفيه تشديد على نفسه فيصدق، وكذا لا يدخل ~~فيه العبد الذي أعتق بعضه؛ لأنه حر عندهما وعنده بمنزلة المكاتبة، ويدخل ~~عبده المأذون سواء كان عليه دين أو لم يكن لما قلنا. # وأما عبيد عبده المأذون إذا لم يكن عليه دين فهل يدخلون؟ قال أبو حنيفة ~~وأبو يوسف: لا يدخلون إلا أن ينويهم، وقال محمد: يدخلون من غير نية، وجه ~~قوله أنه إذا لم يكن على العبد دين فعبد عبده ملكه بلا خلاف فيعتق، ولهما ~~أن في الإضافة إليه قصورا، ألا ترى أنه يقال: هذا عبد فلان، وهذا عبد عبده، ~~فلا يدخل تحت مطلق الإضافة إلا بالنية؛ لأنه لما نوى فقد اعتبر الملك دون ~~الإضافة، والحاصل أن محمدا يعتبر نفس الملك ولا خلل في نفسه، وهما يعتبران ~~معه الإضافة وفي الإضافة خلل، واعتبارهما أولى؛ لأن الحالف اعتبر الأمرين ~~جميعا بقوله: كل مملوك لي، فما لم يوجدا على الإطلاق لا يعتق، وإن كان على ~~عبده دين محيط برقبته وبما في يده لم يعتق عبيده عند أبي حنيفة، وإن نواهم ~~بناء على أصله أن المولى لا يملك عبد عبده المأذون المديون دينا مستغرقا ~~لرقبته وكسبه، وقال أبو يوسف إن نواهم عتقوا؛ لأنهم مماليكه إلا أنهم لا ~~يضافون إليه عند الإطلاق، فإذا نوى وفيه تشديد على نفسه عتقوا، وعند محمد ~~يعتقون، وإن لم ينوهم بناء على ما ذكرنا أن محمدا لا ينظر إلا إلى الملك، ~~وهما ينظران إلى الملك والإضافة جميعا، ولا يدخل فيه مملوك بينه وبين ~~أجنبي، كذا قال أبو يوسف؛ ms2255 لأن بعض المملوك لا يسمى مملوكا حقيقة، وإن نواه ~~عتق استحسانا؛ لأنه نوى ما يحتمله لفظه في الجملة وفيه تشديد على نفسه ~~فيصدق وهل يدخل فيه الحمل إن كان أمة في ملكه يدخل ويعتق بعتقها، وإن كان ~~في ملكه الحمل دون الأمة بأن كان موصى له بالحمل لم يعتق؛ لأنه لا يسمى ~~مملوكا على الإطلاق؛ لأن في وجوده خطرا، ولهذا لا يجب على المولى صدقة ~~الفطر عنه، والدليل عليه أنه لو قال: إن اشتريت مملوكين فهما حران، فاشترى ~~جارية حاملا لم يعتقا؛ لأن شرط الحنث شراء مملوكين، والحمل لا يسمى مملوكا ~~على الإطلاق، وكذا لو قال لأمته: كل مملوك لي غيرك حر، لم يعتق حملها، فثبت ~~أن إطلاق اسم المملوك لا يتناول الحمل، فلا يعتق إلا إذا كانت أمة في ملكه ~~فيعتق بعتقها؛ لأنه في حكم أجزائها. # وأما التعليق الذي فيه معنى المعاوضة. # فهو الكتابة والإعتاق على مال: أما الكتابة فلها كتاب مفرد، وأما الإعتاق ~~على مال. # فالكلام فيه في مواضع: في بيان ألفاظه، وفي بيان ماهية الإعتاق على مال، ~~وفي بيان ما يصح تسميته فيه من البدل وما لا يصح، وفي بيان حكم صحة التسمية ~~وفسادها أما الأول فنحو أن يقول لعبده: أنت حر على ألف درهم، أو بألف درهم، ~~أو على أن تعطيني ألفا، أو على أن تؤدي إلي ألفا، أو على أن تجيئني بألف، ~~أو على أن لي عليك ألفا، أو على ألف تؤديها إلي، وكذا لو قال: بعت نفسك منك ~~على كذا، ووهبت لك نفسك على أن تعوضني كذا. # فهذا وقوله: أنت حر على كذا، أو أعتقك على كذا سواء، إذا قبل عتق لما ذكر ~~فيما تقدم أن البيع إزالة ملك البائع عن المبيع، والهبة إزالة ملك الواهب ~~عن الموهوب، ثم لو كان المشتري والموهوب له ممن يصح له الملك في المبيع ~~والموهوب يثبت الملك لهما، والعبد ممن لا يصح أن يملك نفسه لما فيه من ~~الاستحالة، فنفي البيع والهبة إزالة الملك لا إلى أحد ببدل ms2256 على العبد، وهذا ~~تفسير الإعتاق على مال، ولو قال: أنت حر وعليك ألف درهم يعتق من غير قبول ~~ولا يلزمه المال عند أبي حنيفة، وعندهما لا يعتق إلا بالقبول، فإذا قبل عتق ~~ولزمه المال، وعلى هذا الخلاف إذا قال العبد لمولاه: أعتقني ولك ألف درهم ~~فأعتقه، والمسألة ذكرت في كتاب الطلاق. # وأما بيان ماهيته: فالإعتاق على مال من جانب المولى تعليق، وهو تعليق ~~العتق بشرط قبول العوض، فيراعى فيه من جانبه أحكام التعليق، حتى لو ابتدأ ~~المولى فقال: أنت حر على ألف درهم، ثم أراد أن يرجع عنه قبل قبول العبد لا ~~يملك الرجوع # PageV04P073 # عنه، ولا الفسخ، ولا النهي عن القبول، ولا يبطل بقيامه عن المجلس قبل ~~قبول العبد، ولا يشترط حضور العبد حتى لو كان غائبا عن المجلس يصح، ويصح ~~تعليقه بشرط وإضافته إلى وقت بأن يقول له: إن دخلت الدار، وإن كلمت فلانا ~~فأنت حر على ألف درهم، أو يقول إن دخلت، أو إن كلمت فلانا فأنت حر على ألف ~~درهم غدا، أو رأس شهر كذا ونحو ذلك، ولا يصح شرط الخيار فيه بأن قال: أنت ~~حر على ألف على أني بالخيار ثلاثة أيام، ومن جانب العبد معاوضة وهو معاوضة ~~المال بالعتق؛ لأنه من جانبه تمليك المال بالعوض، وهذا معنى معاوضة المال ~~فيراعى فيه من جانبه أحكام معاوضة المال كالبيع ونحوه، حتى لو ابتدأ العبد ~~فقال: اشتريت نفسي منك بكذا، فله أن يرجع عنه، ويبطل بقيامه عن المجلس قبل ~~قبول المولى وبقيام المولى أيضا، ولا يقف على الغائب عن المجلس، ولا يحتمل ~~التعليق بالشرط والإضافة إلى الوقت، بأن قال: اشتريت نفسي منك بكذا إذا جاء ~~غد، أو قال: عند رأس شهر كذا، ولو قال: إذا جاء غد فأعتقني على كذا جاز؛ ~~لأن هذا توكيل منه بالإعتاق حتى يملك العبد عزله قبل وجود الشرط وبعده، ~~وقبل أن يعتق، ولو لم يعزله حتى أعتقه نفذ إعتاقه، ويجوز بشرط الخيار لهما ~~عند أبي حنيفة على ما ذكرنا في كتاب الطلاق في ms2257 فصل الخلع والطلاق على مال، ~~ولا يصح الإعتاق على مال إلا في الملك؛ لأن التعليق بما سوى الملك وسببه من ~~الشروط لا صحة له بدون الملك، وكذا المعاوضة، ويعتق العبد بنفس القبول؛ ~~لأنه من جانبه تعليق العتق بشرط قبول العوض، وقد وجد الشرط فينزل المعلق، ~~كالتعليق بدخول الدار وغيره ومن جانب العبد معاوضة، وزوال الملك عن المعوض ~~يتعلق بنفس قبول العوض في المعاوضات كالبيع ونحوه، بخلاف قوله: إن أديت إلي ~~ألفا فأنت حر؛ لأنه ليس فيه معنى المعاوضة رأسا، بل هو تعليق محض، وقد علقه ~~بشرط الأداء، فلا يعتق قبله، والعتق ههنا تعلق بالقبول، فإذا قبل عتق # ولو قال المولى: أعتقتك أمس بألف درهم فلم يقبل، وقال العبد: قبلت، ~~فالقول قول المولى مع يمينه؛ لأنه من جانب المولى تعليق بشرط القبول، ~~والعبد يدعي وجود الشرط والمولى ينكر، فكان القول قول المولى كما لو قال ~~لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر فمضى اليوم والعبد يدعي الدخول وأنكر المولى ~~كان القول قول المولى كذا ههنا، ولو كان الاختلاف في البيع كان القول قول ~~المشتري، بأن قال البائع: بعتك عبدي أمس بألف درهم، فلم تقبل، وقال ~~المشتري: بل قبلت، فالقول قول المشتري، والفرق أن البيع لا يكون بيعا إلا ~~بعد قبول المشتري، فإذا قال: بعتك فقد أقر بالقبول، فبقوله لم تقبل، يريد ~~الرجوع عما أقر به، وإبطال ذلك فلم يقبل، بخلاف الإعتاق على مال؛ لأن كونه ~~تعليقا لا يقف على وجود القبول من العبد، إنما ذاك شرط وقوع العتق، فكان ~~الاختلاف واقعا في ثبوت العتق وعدمه، فكان القول قول المولى، ولو اختلف ~~المولى والعبد في مقدار البدل فالقول قول العبد؛ لأنه هو المستحق عليه ~~المال، فكان القول قوله في القدر المستحق كما في سائر الديون، ولأنه لو وقع ~~الاختلاف في أصل الدين كان القول قول المنكر، فكذا إذا وقع في القدر، وإن ~~أقاما بينة فالبينة بينة المولى؛ لأنها تثبت زيادة، بخلاف التعليق بالأداء ~~إذا اختلفا في مبلغ المال أن القول فيه قول المولى؛ ms2258 لأن الاختلاف هناك وقع ~~في شرط ثبوت العتق إذ هو تعليق محض، فالعبد يدعي العتق على المولى وهو ينكر ~~فكان القول قوله، وإن أقاما البينة فالبينة بينة العبد؛ لأن الأصل هو العمل ~~بالبينتين ما أمكن إذ هو عمل بالدليلين، وههنا أمكن الجمع بينهما لعدم ~~التنافي؛ لأنا نجعل كأن المولى علق عتقه بكل واحد من الشرطين على حياله، ~~فأيهما وجد عتق، ثم إذا قبل العبد عتق وصار البدل المذكور دينا في ذمته إذا ~~كان مما يحتمل الثبوت في الذمة في الجملة على ما تبين، ويسعى وهو حر في ~~جميع أحكامه، وذكر علي الرازي أصلا فقال: المستسعى على ضربين، كل من يسعى ~~في تخليص رقبته فهو في حكم المكاتب عند أبي حنيفة، وكل من يسعى في بدل ~~رقبته الذي لزمه بالعتق، أو في قيمة رقبته لأجل بدل شرط عليه، أو لدين ثبت ~~في رقبته فهو بمنزلة الحر في أحكامه، مثل أن يعتق الراهن عبده المرهون وهو ~~معسر، وكذلك العبد المأذون إذا أعتق وعليه دين، وكذلك أمة أعتقها سيدها على ~~أن تتزوجه فقبلت، ثم أبت، فإنها تسعى في قيمتها وهي بمنزلة الحرة، وكذلك ~~إذا قال لعبده: أنت حر رقبتك، فقبل ذلك فهو بمنزلة الحر، وإنما كان كذلك؛ ~~لأن السعاية في هذه الفصول لزمت بعد ثبوت الحرية وفي الفصل الأول قبل ~~ثبوتها، وإنما يسعى ليتوسل بالسعاية إلى الحرية عند أبي حنيفة، وعلى هذا لو ~~أبرأ المولى # PageV04P074 # المكاتب من مال الكتابة فلم يقبل فهو حر، وعليه أن يؤدي الكتابة؛ لأن ~~الإبراء يصح من غير قبول إلا أنه يرتد بالرد لكن فيما يحتمل الرد، والعتق ~~لا يحتمل الرد فلم يرتد بالرد، والمال يحتمل الرد فيرتد بالرد فيعتق ويلزمه ~~المال. # ولو قال لأمته: أنت حرة على ألف درهم فقبلت، ثم ولدت، ثم ماتت لم يكن على ~~الولد أن يسعى في شيء مما أعتقت عليه؛ لأنها عتقت بالقبول، ودين الحرة لا ~~يلزم ولدها، وسواء أعتق عبده على عوض فقبل، أو نصف عبده على عوض فقبل، أنه ~~يصح، غير ms2259 أنه إذا أعتق نصفه على عوض فقبل يعتق نصفه بالعوض ويسعى العبد في ~~نصف قيمته عن النصف الآخر، فإذا أدى بالسعاية عتق باقيه، وهو قبل الأداء ~~بمنزلة المكاتب في جميع أحكامه إلا أنه لا يرد في الرق، وهذا قول أبي ~~حنيفة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد يعتق كله ولا سعاية عليه، بناء على أن ~~العتق يتجزأ عنده فعتق البعض يوجب عتق الباقي، فيجب تخريجه إلى العتاق، ~~فيلزمه السعاية، وعندهما لا يتجزأ، فكان عتق البعض عتقا للكل بذلك العوض. # وذكر محمد في الزيادات فيمن قال لعبده: أنت حر على ألف درهم، أنت حر على ~~مائة دينار، فقال العبد: قد قبلت عتق، وكان عليه المالان جميعا، وكذا لو ~~قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا على ألف درهم، أنت طالق ثلاثا على مائة دينار، ~~فقالت: قد قبلت، طلقت ثلاثا بالمالين جميعا، وهذا قول محمد، وقال أبو يوسف ~~في مسألة الطلاق: القبول على الكلام الأخير، وهي طالق ثلاثا بمائة دينار، ~~قال الكرخي: وكذلك قياس قوله في العتق. # ووجهه أنه لما أوجب العتق بعوض، ثم أوجبه بعوض آخر، فقد انفسخ الإيجاب ~~الأول فتعلق القبول بالثاني كما في البيع ولمحمد أن الإعتاق والطلاق على ~~مال تعليق من جانب المولى والزوج، وأنه لا يحتمل الانفساخ، فلم يتضمن ~~الإيجاب الثاني انفساخ الأول، فيصح الإيجابان وينصرف القبول إليهما جميعا، ~~إذ هو يصلح جوابا لهما جميعا، فيلزم المالان جميعا بخلاف البيع؛ لأن إيجاب ~~البيع يحتمل الفسخ، فيتضمن الثاني انفساخ الأول، ولو باع المولى العبد من ~~نفسه، أو وهب له نفسه على عوض، فله أن يبيع العوض قبل القبض؛ لأنه مملوك ~~بسبب لا ينفسخ بهلاكه، فجاز التصرف فيه قبل قبضه كالميراث، وله أن يعتقه ~~على مال مؤجل ويكون ذلك دينا عليه مؤجلا وله أن يشتري منه شيئا يدا بيد ولا ~~خير فيه نسيئة؛ لأن من أصل أصحابنا أن جميع الديون يجوز التصرف فيها قبل ~~القبض كأثمان البياعات والعروض والغصوب إلا بدل الصرف والسلم، إلا أنه لا ~~بد من القبض في المجلس لئلا ms2260 يكون افتراقا عن دين بدين، ولو أعطاه كفيلا ~~بالمال الذي أعتقه عليه فهو جائز؛ لأنه صار حرا بالقبول والكفالة بدين على ~~حر جائزة، كالكفالة بسائر الديون، وولاؤه يكون للمولى؛ لأنه عتق على ملكه، ~~والمال دين على العبد؛ لأنه في جانبه معاوضة، والمولى أيضا لم يرض بخروجه ~~عن ملكه إلا ببدل وقد قبله العبد والله عز وجل أعلم. # وأما بيان ما تصح تسميته من البدل وما لا تصح، وبيان حكم التسمية ~~وفسادها: فالبدل لا يخلو إما أن يكون عين مال، وإما أن يكون منفعة وهي ~~الخدمة، فإن كان عين مال، فإما أن يكون بعينه بأن كان معينا مشارا إليه، ~~وإما إن كان بغير عينه بأن كان مسمى غير مشار إليه، فإن كان بعينه عتق إذا ~~قبل؛ لأن عدم ملكه لا يمنع صحة تسميته عوضا؛ لأنه مال معصوم متقوم معلوم، ~~ثم إن أجاز المالك سلم عينه إلى المولى، وإن لم يجز فعلى العبد قيمة العين؛ ~~لأن تسميته قد صحت، ثم تعذر تسليمه لحق الغير فتجب قيمته إذ الإعتاق على ~~القيمة جائز، كما إذا قال: أعتقتك على قيمة رقبتك، أو على قيمة هذا الشيء ~~فقبل يعتق، وكذا عدم الملك في باب البيع لا يمنع صحة التسليم أيضا، حتى لو ~~اشترى شيئا بعبد مملوك لغيره صح العقد، إلا أن هناك إن لم يجز المالك يفسخ ~~العقد، إذ لا سبيل إلى إيقاعه على القيمة، إذ البيع على القيمة بيع فاسد، ~~وههنا لا يفسخ لإمكان الإيقاع على القيمة، إذ الإعتاق على القيمة إعتاق ~~صحيح فتجب قيمته كما في النكاح والخلع والطلاق على مال، وإن كان بغير عينه، ~~فإن كان المسمى معلوم الجنس والنوع والصفة كالمكيل والموزون فعليه المسمى، ~~وإن كان معلوم الجنس والنوع مجهول الصفة كالثياب الهروية، والحيوان من ~~الفرس والعبد والجارية فعليه الوسط من ذلك، وإذا جاء بالقيمة يجبر المولى ~~على القبول؛ لأن جهالة الصفة لا تمنع صحة التسمية فيما وجب بدلا عما ليس ~~بمال كالمهر، وبدل الخلع والصلح من دم العمد، وإن كان مجهول ms2261 الجنس كالثوب ~~والدابة والدار فعليه قيمة نفسه؛ لأن الجهالة متفاحشة ففسدت التسمية، ~~والأصل فيه أن كل # PageV04P075 # جهالة تزيد على جهالة القيمة توجب فساد التسمية كالجهالة الزائدة على ~~جهالة مهر المثل في باب النكاح، والكلام فيه كالكلام في المهر، وقد ذكرناه ~~على سبيل الاستقصاء في كتاب النكاح، إلا أن هناك إذا فسدت التسمية يجب مهر ~~المثل وههنا تجب قيمة العبد؛ لأن الموجب الأصلي هناك مهر المثل؛ لأن قيمة ~~البضع وهو العدل والمصير إلى المسمى عند صحة التسمية، فإذا فسدت صير إلى ~~الموجب الأصلي، والموجب الأصلي ههنا قيمة العبد؛ لأن الإعتاق على مال ~~معاوضة من جانب العبد، ومبنى المعاوضة على المعادلة، وقيمة الشيء هي التي ~~تعادله إلا أن عند صحة التسمية يعدل عنها إلى المسمى، فإذا فسدت وجب العوض ~~الأصلي وهو قيمة نفس العبد، وإن كان البدل منفعة وهي خدمته بأن قال لعبده: ~~أنت حر على أن تخدمني سنة، فقبل فهو حر حين قبل ذلك، والخدمة عليه يؤخذ ~~بها؛ لأن تسمية الخدمة قد صحت فيلزمه المسمى، كما إذا أعتقه على مال عين، ~~فإن مات المولى قبل الخدمة بطلت الخدمة؛ لأنه قبل الخدمة للمولى، وقد مات ~~المولى لكن للورثة أن يأخذوا العبد بقيمة نفسه، وإن كان قد خدم بعض السنة، ~~فلهم أن يأخذوه بقدر ما بقي من الخدمة، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ~~وقال محمد: يؤخذ العبد بقيمة تمام الخدمة إن كان لم يخدم، وإن كان قد خدم ~~بعض الخدمة يؤخذ بقيمة ما بقي من الخدمة، وكذلك إذا قال: أنت حر على أن ~~تخدمني أربع سنين فمات المولى قبل الخدمة، على قولهما على العبد قيمة نفسه، ~~وعلى قول محمد عليه قيمة خدمته أربع سنين، ولو كان العبد خدمه، ثم مات ~~المولى، فعلى قولهما على العبد ثلاثة أرباع قيمة نفسه، وعلى قول محمد عليه ~~قيمة خدمته ثلاث سنين، وكذلك لو مات العبد وترك مالا يقضى لمولاه في ماله ~~بقيمة نفسه عندهما، وعنده يقضى بقيمة الخدمة، وأصل المسألة أن من باع العبد ~~من نفسه ms2262 بجارية بعينها، ثم استحقت الجارية، فعلى قولهما يرجع على العبد ~~بقيمة نفسه، وعلى قول محمد يرجع عليه بقيمة الجارية، وكذلك لو لم تستحق ~~ولكنه وجد بها عيبا فردها فهو على هذا الاختلاف، وجملة الكلام فيه أن ~~المولى إذا قبض العوض، ثم استحق من يده، فإن كان العوض بغير عينه كالمكيل ~~والموزون الموصوفين في الذمة، أو العروض والحيوان كالثوب الهروي والفرس ~~والعبد والجارية فعلى العبد مثله في المكيل والموزون والوسط في الفرس ~~والحيوان؛ لأن العقد وقع على مال في الذمة، وإنما المقبوض عوض عما في ~~الذمة، فإذا استحق المقبوض، فقد انفسخ فيه القبض فبقي موجب العقد على حاله، ~~فله أن يرجع على العبد بذلك، وإن كان عينا في العقد وهو مكيل، أو موزون ~~فكذلك يرجع المولى على العبد بمثله لما قلنا، وإن كان عرضا، أو حيوانا، فقد ~~قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يرجع على العبد بقيمة نفسه، وقال محمد يرجع عليه ~~بقيمة المستحق. # (وجه) قول محمد: أن العقد لم يفسخ باستحقاق العوض؛ لأنه لا يحتمل الفسخ، ~~فيبقى موجبا لتسليم العوض، وقد عجز عن تسليمه فيرجع عليه بقيمته كالخلع ~~والصلح عن دم العمد، ولهما أن العقد قد انفسخ في حق أحد العوضين وهو ~~المستحق؛ لأنه تبين أنه وقع على عين هي ملك المستحق ولم يجز، وإذا انفسخ ~~العقد في حقه لم يبق موجبا على العبد تسليمه، فلا يجب عليه قيمته، وانفساخه ~~في حق أحد العوضين يقتضي انفساخه في حق العوض الآخر، وهو نفس العبد إلا أنه ~~تعذر إظهاره في صورة العبد، فيجب إظهاره في معناه وهو قيمته، فتجب عليه إذ ~~قيمته قائمة مقام رد عينه، كمن باع عبدا بجارية فأعتقها ومات العبد قبل ~~التسليم أنه يجب على البائع رد قيمة العبد لا رد قيمة الجارية كذا ههنا، ثم ~~ما ذكرنا من الاختلاف في العيب إذا كان العيب فاحشا؛ لأن العيب الفاحش في ~~هذا الباب يوجب الرد بلا خلاف كما في باب النكاح، فأما إذا كان غير فاحش ~~فكذلك عندهما. # وأما عند محمد ms2263 فلا يملك ردها؛ لأنه مبادلة المال بمال ليس بمال فأشبه ~~النكاح، والمرأة في باب النكاح لا تملك رد المهر إلا في العيب الفاحش، وكذا ~~المولى ههنا. # ولو قال عبد رجل لرجل اشتر لي نفسي من مولاي بألف درهم فاشتراه فالوكيل ~~لا يخلو إما أن يبين وقت الشراء أنه يشتري نفس العبد للعبد. # وأما إن لم يبين، فإن بين الشراء وعتق العبد بقبول الوكيل، ويجب الثمن؛ ~~لأنه أتى بما وكل به فنفذ على الموكل، ثم ذكر في الجامع أن المولى يطالب ~~الوكيل، ثم الوكيل يطالب العبد، فقد جعل هذا التصرف في حكم معاوضة المال ~~بالمال كالبيع ونحوه؛ لأن حقوق العبد إنما ترجع إلى الوكيل في مثل هذه # PageV04P076 # المعاوضة، وذكر في كتاب الوكالة أنه يطالب العبد ولا يطالب الوكيل، ~~واعتبره معاوضة المال بما ليس بمال كالنكاح والخلع والطلاق على مال والصلح ~~عن دم العمد، وإن لم يبين يصير مشتريا لنفسه لا للعبد؛ لأنه إذا لم يبين ~~فالبائع رضي بالبيع لا بالإعتاق، فلو قلنا: إنه يصير مشتريا للعبد ويعتق ~~لكان فيه إثبات الولاية على البائع من غير رضاه، وهذا لا يجوز، وكذلك لو ~~بين، لكنه لو خالف في الثمن بأن اشترى بزيادة بأن يكون مشتريا لنفسه لما ~~قلنا. # هذا إذا أمر العبد رجلا، فأما إذا أمر رجل العبد بأن يشتري نفسه من مولاه ~~بألف درهم فاشترى، فإن بين وقت الشراء أنه يشتري للآمر فيكون للآمر ولا ~~يعتق؛ لأنه اشترى للآمر لا لنفسه، فيقع الشراء للآمر ويصير قابضا لنفسه ~~بنفس العقد؛ لأنه في يد نفسه، وليس للبائع أن يحبسه لاستيفاء الثمن؛ لأنه ~~صار مسلما إياه حيث عقد على شيء هو في يده وهو نفسه، ولو وجد الآخر به عيبا ~~له أن يرده ولكن العبد هو الذي يتولى الرد؛ لأنه وكيل وحقوق هذا العقد ترجع ~~إلى العاقد، وإن لم يبين وقال لمولاه بع نفسي مني بألف درهم فباع صار ~~مشتريا لنفسه وعتق؛ لأن بيع نفس العبد منه إعتاق، وكذا إذا بين وخالف أمره ~~يصير مشتريا ms2264 لنفسه ويعتق. # ولو قال لعبد واحد: أنت حر على ألف درهم، فقبل أن يقبل قال له: أنت حر ~~على مائة دينار، فإن قال: قبلت بالمالين عتق ويلزمه المالان جميعا بلا ~~خلاف، وإن قال: قبلت مبهما ولم يبين فكذلك في قول محمد، وكذلك ولو قال ~~لامرأته: أنت طالق ثلاثا على ألف درهم أنت طالق ثلاثا على مائة دينار، أنها ~~إن قالت: قبلت بالمالين طلقت بالمالين بلا خلاف، وإن أبهمت بأن قالت: طلقت ~~ثلاثا بالمالين جميعا في قول محمد. # وأما عند أبي يوسف فالقبول على الكلام الأخير في المسألتين، ووجهه أن ~~القبول خرج عقب الإيجاب الأخير فينصرف إليه، ولأنه لما أوجب بعوض، ثم أوجب ~~بعوض آخر تضمن الثاني انفساخ الأول كما في البيع، فيتعلق القبول بالثاني ~~كما في البيع ولمحمد: الفرق بين الإعتاق والطلاق على مال وبين البيع وهو أن ~~الإعتاق والطلاق على مال تعليق من جانب المولى والزوج وأنه لا يحتمل ~~الانفساخ فلم يوجب الثاني رفع الأول بخلاف البيع؛ لأنه يحتمل الرفع والفسخ، ~~فيوجب الثاني ارتفاع الأول، هذا إذا قبل بالمالين، أو قبل على الإبهام، ~~فأما إذا قبل بأحد المالين، بأن قال: قبلت بالدراهم، أو قال: قبلت ~~بالدنانير، ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه لا يعتق، وعلل بأن للمولى ~~أن يقول أعتقتك بالمالين جميعا، فلا يعتق بقبول أحدهما مع الشك، وذكر أبو ~~يوسف في الأمالي أنه يعتق، ووجهه أن المولى أتى بإيجابين مختلفين، فكان ~~للعبد أن يقبل بأيهما شاء. # ولو قال أنت حر على ألف درهم، أو مائة دينار فإن قبل بأحد المالين عينا ~~عتق بأن قال: قبلت بالدراهم، أو قال: قبلت بالدنانير؛ لأنه أعتقه بأحد ~~المالين، وإن قبل بأحد المالين غير عين عتق أيضا لوجود الشرط، ويلزمه أحد ~~المالين، والبيان إليه، كما إذا قال لفلان: علي ألف درهم، أو مائة دينار ~~يلزمه أحدهما، والبيان إليه كذا، ولو قال: قبلت بالمالين لا شك أنه يعتق؛ ~~لأن في قبول المالين قبول أحدهما فوجد شرط العتق فيعتق ويلزمه أحد المالين؛ ~~لأنه أعتقه ms2265 على أحد المالين، فلا تلزمه الزيادة، والبيان إلى العبد يختار ~~أيهما شاء، وكذلك إذا قال: قبلت ولم يبين يعتق ويلزمه أحد المالين، وخيار ~~التعيين إليه لأن قوله: قبلت يصلح جواب الإيجاب فيصير كأنه قال قبلت ~~بأحدهما ولم يعين أو قبلت بهما، وهناك يعتق وخيار التعيين إليه كذا ههنا، ~~وعلى هذا إذا قال لامرأته: أنت طالق على ألف درهم، أو على مائة دينار فقبلت ~~بأحدهما عينا، أو غير عين، أو قبلت بالمالين، أو أبهمت لما قلنا في العتق، ~~وكذلك لو قال: أنت حر على ألف درهم، أو على ألفين، إلا أن ههنا إذا قبل ~~بالمالين يعتق بألف ولا يخير؛ لأن الجنس متحد والتخيير بين الأكثر والأقل ~~في الجنس الواحد لا يفيد؛ لأنه لا يختار إلا الأقل بخلاف الفصل الأول؛ لأن ~~هناك اختلف الجنس فكان التخيير مفيدا، هذا كله إذا أضاف العتق إلى معين. # فإن أضافه إلى مجهول بأن قال لعبديه: أحدكما حر بألف درهم لا يعتق واحد ~~منهما ما لم يقبلا جميعا، حتى لو قبل أحدهما ولم يقبل الآخر لا يعتق؛ لأن ~~قوله أحدكما كما يقع على القابل يقع على غير القابل، فمن الجائز أنه عنى به ~~غير القابل. # ألا ترى أن له أن يقول: عنيت به غير القابل، فلو حكمنا بعتق القابل لكان ~~فيه إثبات العتق بالشك، وإن قبلا جميعا، فإن قبل كل واحد منهما بخمسمائة لا ~~يعتق واحد منهما؛ لأنه أعتق أحدهما بألف لا بخمسمائة، وإن قبل كل واحد ~~منهما # PageV04P077 # بألف بأن قال كل واحد منهما: قبلت بألف درهم، أو قال: قبلت ولم يقل بألف، ~~أو قالا: ما قبلنا بألف، أو قالا: قبلنا ولم يذكرا الألف عتق أحدهما بألف ~~لوجود شرط العتق وهو قبول كل واحد منهما الألف، ويقال للمولى اختر العتق في ~~أحدهما؛ لأنه هو الذي أجمل العتق فكان البيان إليه، فأيهما اختار عتق ~~ولزمته الألف، فإن مات قبل البيان يعتق من كل واحد منهما نصفه بخمسمائة ~~ويسعى في نصف قيمته؛ لأنه لما مات قبل البيان وقد شاع ms2266 عتق رقبة فيهما فيقسم ~~عليهما نصفين. # ولو قال: أحدكما حر بألف درهم فقبلا، ثم قال: أحدكما حر بألف درهم، أو ~~قال: أحدكما حر بغير شيء، فاللفظ الثاني لغو؛ لأنهما لما قبلا العتق ~~بالإيجاب الأول، فقد نزل العتق في أحدهما لوجود شرط النزول وهو قبولهما، ~~فالإيجاب الثاني يقع جمعا بين حر وعبد، فلا يصح، ولو لم يقبلا، ثم قال: ~~أحدكما حر بغير شيء عتق أحدهما باللفظ الثاني بغير شيء؛ لأنهما لما لم ~~يقبلا لم ينزل العتق بالإيجاب الأول، فصح الإيجاب الثاني وهو تنجيز العتق ~~على أحدهما غير عين، فيقال للمولى: اصرف اللفظ الثاني إلى أحدهما، فإذا ~~صرفه إلى أحدهما عتق ذلك بغير شيء؛ لأن التنجيز حصل بغير بدل. # وأما الآخر فإن قبل البدل في المجلس يعتق وإلا فلا؛ لأن الإيجاب الأول ~~وقع صحيحا لحصوله بين عبدين، وتعلق العتق بشرط القبول، وقد وجد فيه ضرب ~~إشكال، وهو أن شرط وجوب الحرية لأحدهما هو قبولهما، ولم يوجد ههنا إلا قبول ~~أحدهما فينبغي أن لا يعتق العبد الآخر، والجواب أن الإيجاب أضيف إلى ~~أحدهما. # ألا يرى أنه قال: أحدكما حر وقد وجد القبول من أحدهما ههنا، إلا أنه إذا ~~لم ينجز عتق أحدهما يتوقف عتق أحدهما على قبولهما جميعا لاحتمال أنه أراد ~~به الآخر، فإذا عينه في التخيير علم أنه ما أراده بالإيجاب الأول؛ لأن ~~الإعتاق من المعتق لا يتصور فتعين الآخر للقبول، وقد قبل فيعتق، ولو قبلا ~~جميعا قبل البيان عتقا؛ لأن العتق لم ينزل بالإيجاب الأول؛ لأنه تعليق ~~العتق بشرط القبول، فلا ينزل قبل وجود الشرط فيصح الإيجاب الثاني، فإذا ~~قبلا جميعا، فقد تيقنا بعتقهما؛ لأن أيهما أريد بالإيجاب الأول عتق ~~بالقبول، وأيهما أريد بالإيجاب الثاني عتق من غير قبول؛ لأنه إيجاب بغير ~~بدل، فكان عتق كل واحد منهما متيقنا به لكن عتق أحدهما بالإيجاب الأول وعتق ~~الآخر بالإيجاب الثاني فيعتقان، ولا يقضى عليهما بشيء؛ لأن أحدهما وإن عتق ~~بالإيجاب ببدل إلا أنه مجهول، والقضاء بإيجاب المال على المجهول متعذر ~~كرجلين قالا ms2267 لرجل: لك على أحدنا ألف درهم أنه لا يلزمهما بهذا الإقرار شيء ~~لكون المقضي عليه مجهولا كذا هذا، ولو لم يقبلا جميعا ولكن قبل أحدهما لا ~~يعتق إلا أحدهما لوجود شرط عتق أحدهما، وهو قبول أحدهما في هذه الصورة لما ~~بينا من الفقه، ثم إن صرف المولى اللفظ الثاني إلى غير القابل عتق غير ~~القابل بغير شيء وعتق القابل بألف، وإن صرف اللفظ الثاني إلى القابل عتق ~~القابل بغير شيء وعتق غير القابل باللفظ الأول بألف إن قبل في المجلس؛ لأن ~~القابل منهما يعتق بالإيجاب الأول، وإنه إيجاب ببدل فيعتق ببدل، وغير ~~القابل يعتق بالإيجاب الثاني، وإنه إيجاب بغير بدل فيعتق بغير بدل. # ولو قال لعبديه أحدكما حر بغير شيء، ثم قال أحدكما حر بألف درهم، فالكلام ~~الثاني لغو؛ لأن أحدهما عتق بالإيجاب الأول لوجود تنجيز العتق في أحدهما، ~~فالثاني يقع جمعا بين الحر والعبد فيبطل. # ولو قال أحدكما حر بألف درهم فقبل أن يقبلا قال: أحدكما حر بمائة دينار، ~~فإن قبل كل واحد منهما العتق بأحد المالين بأن قبل أحدهما بألف درهم وقبل ~~الآخر بمائة دينار، أو قبل أحدهما بالمالين ولم يقبل الآخر، أو قبل أحدهما ~~بالمالين وقبل الآخر بمال واحد لا يعتق واحد منهما؛ لأن للمولى أن يجمع ~~المالين على أحدهما فيقول: عنيتك بالمالين، أو يقول: عنيت غيرك، فلا يثبت ~~العتق مع الشك، فإن قبلا جميعا بالمالين، بأن قال كل واحد منهما: قبلت ~~بالمالين، أو قالا جميعا: قد قبلنا يخير المولى فيقال له: إما أن تصرف ~~اللفظين إلى أحدهما فتجمع المالين عليه فيعتق بالمالين ويبقى الآخر رقيقا، ~~وإما أن تصرف أحد اللفظين إلى أحدهما والآخر إلى صاحبه، فيعتق أحدهما بألف ~~درهم والآخر بمائة دينار؛ لأن الإيجابين وقعا صحيحين أما الأول، فلا شك ~~فيه، ولأنه أضيف إلى أحد العبدين، وكذا الثاني؛ لأن الإيجاب الأول لم يتصل ~~به القبول والعتق معلق بالقبول، فالإيجاب الثاني حصل مضافا إلى أحد عبدين ~~فيصح، ومتى صح الإيجاب الثاني فيحتمل أنه عنى به من عناه ms2268 بالإيجاب الأول، ~~ويحتمل أنه عنى به العبد الآخر؛ لذلك # PageV04P078 # خير المولى فإن مات قبل البيان عتق من كل واحد ثلاثة أرباعه بنصف ~~المالين؛ لأن أحدهما حر بيقين؛ لأنه أراد بالإيجاب الثاني غير من أراده ~~بالأول، فكان الثابت بالكلامين عتقين بكل كلام عتق، وإن أراد بالثاني عين ~~من أراده بالأول كان الثابت بالكلامين عتق واحد، فإذا عتق واحد ثابت بيقين، ~~والعتق الآخر يثبت في حال ولا يثبت في حال فينصف فثبت عتق ونصف عتق ~~بالمالين وليس، أحدهما بكمال العتق بأولى من الآخر فينقسم عتق ونصف عتق ~~بينهما، فيصيب كل واحد منهما ثلاثة أرباع العتق بنصف المالين ويسعى في ربع ~~قيمته. # ولو قال لعبد له بعينه أنت حر على ألف درهم، فقبل أن يقبل جمع بين عبد له ~~آخر وبينه، فقال: أحدكما حر بمائة دينار، فقالا: قبلنا، يخير المولى فإن ~~شاء صرف اللفظين إلى المعين وعتق بالمالين جميعا، وإن شاء صرف أحد اللفظين ~~إلى أحدهما والآخر إلى الآخر، وعتق المعين بألف درهم وغير المعين بمائة ~~دينار؛ لأن الإيجابين صحيحان لما قلنا، فيحتمل أنه أراد بالثاني المعين ~~أيضا، ويحتمل أنه أراد به غير المعين، فيقال له: بين، فأيهما بين فالحكم ~~للبيان، فإن مات قبل البيان عتق المعين كله؛ لأنه دخل تحت الإيجابين جميعا، ~~أما الإيجاب الأول: فلا شك فيه؛ لأنه خصه به فلا يشاركه فيه غيره. # وأما الإيجاب الثاني فلأن قوله: أحدكما يقع على كل واحد منهما، فإذا قبل ~~الإيجابين وجد شرط عتقه فيعتق فيلزمه ألف درهم وخمسون دينارا، أما الألف؛ ~~فلأنه لا مشاركة للثاني فيهما. # وأما نصف المائة الدينار؛ فلأنه في حال يلزمه مائة دينار وهي ما عناه ~~باللفظين، وفي حال لا يلزمه منها شيء، وهي ما إذا عنى باللفظ الثاني غيره ~~فيتنصف ذلك فيلزمه خمسون دينارا. # وأما غير المعين فإنه يعتق نصفه بنصف المائة؛ لأنه يعتق في حال ولا يعتق ~~في حال؛ لأنه إن عناه بالإيجاب الثاني يعتق كله بكل المائة، وإن لم يعنه لا ~~يعتق شيء منه ولا يلزمه شيء، ms2269 فيعتق في حال ولم يعتق في حال فتعبر الأحوال، ~~ويعتق نصفه بنصف المائة وهو خمسون، هذا إذا عرف المعين من غير المعين، فإن ~~لم يعرف وقال كل واحد منهما أنا المعين يعتق من كل واحد منهما ثلاثة أرباعه ~~بنصف المالين، وهو نصف الألف ونصف المائة الدينار؛ لاستوائهما في ذلك، ~~والثابت عتق ونصف عتق فيصيب كل واحد منهما ثلاثة أرباع العتق ويسعى في ربع ~~قيمته. # ولو قال لعبديه: أحدكما حر على ألف درهم والآخر على خمسمائة، فإن قالا ~~جميعا: قبلنا، أو قال كل واحد منهما: قبلت بالمالين، أو قال كل واحد منهما: ~~قبلت بأكثر المالين عتقا جميعا، فيلزم كل واحد منهما خمسمائة، أما عتقهما ~~فلأن الإيجابين خرجا على الصحة بخروج كل واحد منهما بين عبدين، والمراد ~~بالإيجاب الثاني ههنا غير المراد بالإيجاب الأول، فإذا قبلا، فقد وجد شرط ~~بزوال العتق فيهما جميعا، وانقطع خيار المولى ههنا فيعتقان جميعا، وعلى كل ~~واحد منهما خمسمائة؛ لأن أحدهما عتق بألف والآخر بخمسمائة لكنا لا ندري ~~الذي عليه الألف والذي عليه خمسمائة، إلا أنا تيقنا بوجوب خمسمائة على كل ~~منهما، وفي الفصل الثاني شك فيجب المتيقن ولا يجب المشكوك فيه، كاثنين قالا ~~لرجل: لك على أحدنا ألف درهم وعلى الآخر خمسمائة، لا يطالب كل واحد منهما ~~إلا بخمسمائة لما قلنا فكذا هذا، ولو قبل أحدهما بأقل المالين والآخر بأكثر ~~المالين عتق الذي قبل العتق بأكثر المالين؛ لأنه لا يخلو إما إن عناه ~~المولى بالإيجاب بالأقل، أو بالإيجاب بالأكثر فتيقنا بعتقه، ثم في الأكثر ~~قدر الأقل وزيادة فيلزمه خمسمائة كأنه قال: قبلت بالمالين فيلزمه الأقل وهو ~~خمسمائة ويصير بعد العتق كأنه قال لك علي ألف درهم أو خمسمائة، ولو قال ذلك ~~لزمه الأقل كذا ههنا، ولو قبل كل واحد منهما بأقل المالين لا يعتقان؛ لأن ~~حجة المولى لم تنقطع؛ لأن له أن يقول: لم أعتقك بهذا المال، بخلاف ما إذا ~~قبل أحدهما بأكثر المالين؛ لأن الأقل داخل في الأكثر. # ولو قال أحدكما حر بألف والآخر بألفين ms2270 فإن قبلا بأن قال كل واحد منهما: ~~قبلت بالمالين، أو قالا: قبلنا عتقا لوجود شرط عتقهما وعلى كل واحد منهما ~~ألف؛ لأنه أعتق أحدهما بألف والآخر بألفين فتيقنا بوجوب الألف على كل واحد ~~منهما، كرجلين قالا لرجل: لك على أحدنا ألف وعلى الآخر ألفان يلزم كل واحد ~~منهما ألف لكون الألف تيقنا بها كذا هذا، وإن قبل أحدهما المالين جميعا بأن ~~قال: قبلت بالمالين، أو قال: قبلت، أو قبل بأكثر المالين بأن قال: قبلت ~~بالمالين، أو قال: قبلت بألفين يعتق لوجود شرط العتق وهو القبول # PageV04P079 # أما إذا قبل بالمالين، أو قال: قبلت، فلا شك فيه، وكذا إذا قبل بأكثر ~~المالين لوجود القبول المشروط بيقين فيعتق، وقيل هذا على قياس قولهما، فأما ~~على قياس قول أبي حنيفة ينبغي أن لا يعتق وهو القياس على مسألة الشهادة ~~بالألف والألفين، والصحيح أنه يعتق بلا خلاف، وإذا عتق لا يلزمه الألف ~~درهم؛ لأن الواجب أحد المالين وأحدهما أقل والآخر أكثر والجنس متحد فيتعين ~~بالأقل للوجوب، ولا يخير العبد ههنا؛ لأن التخيير بين الأقل والأكثر عند ~~اتحاد الجنس غير مفيد؛ لأنه يختار الأقل لا محالة، وإن قبل أحدهما الألف لا ~~يعتق؛ لأن للمولى أن يصرف العتق إلى الآخر، كما إذا قال: أحدكما حر بألفين ~~فقبل أحدهما. # ولو قال أحدكما حر بألف أحدكما حر بمائة دينار فإن قبلا عتقا لوجود شرط ~~العتق، ولا شيء عليهما؛ لأن المقضي عليه مجهول إذ لا يدرى الذي عليه الألف ~~منهما والذي عليه المائة الدينار، كاثنين قالا لرجل: لك على أحدنا ألف درهم ~~وعلى الآخر مائة دينار أنه لا يلزم أحدهما شيء كذا هذا، وكذا هذا في الطلاق ~~بأن قال لامرأتيه: إحداكما طالق بألف والأخرى بمائة دينار فقبلتا جميعا ~~طلقت كل واحدة منهما طلقة بائنة ولا يلزمهما شيء لما قلنا، وإن قبل أحدهما ~~العتق بألف درهم أو بمائة دينار، أو قبل أحدهما العتق بأحد المالين والآخر ~~بالمال الآخر لا يعتق واحد منهما؛ لأن للمولى أن يقول: لم أعنك بهذا المال ~~الذي ms2271 قبلت، ولو قبل أحدهما بالمالين عتق ويلزمه أي المالين اختاره؛ لأن ~~الواجب أحدهما وهما جنسان مختلفان فكان التخيير مفيدا فيخير، بخلاف الفصل ~~الأول فإن قبل الآخر في المجلس عتقا وسقط المال عن القابل الأول؛ لأن ~~المقضي عليه مجهول، هذا إذا كان قبل البيان من الأول، فإن قبل بعد البيان ~~عتق الثاني بغير شيء وعتق الأول بالمالين؛ لأن بيانه في حق نفسه صحيح وفي ~~حق الآخر لم يصح. # ولو قال: أحدكما حر بألف والآخر حر بغير شيء، فإن قبلا جميعا عتقا لوجود ~~شرط عتقهما وهو قبولهما ولا شيء عليهما؛ لأن الذي دل عليه البدل مجهول ولا ~~يمكن القضاء على المجهول، كرجلين قالا لرجل: لك على أحدنا ألف درهم ولا شيء ~~على الآخر، لا يجب على أحدهما شيء لجهالة من عليه الواجب كذا ههنا، وإن قبل ~~أحدهما بألف ولم يقبل الآخر يقال للمولى: اصرف اللفظ الذي هو إعتاق بغير ~~بدل إلى أحدهما، فإن صرفه إلى غير القابل عتق غير القابل بغير شيء، وعتق ~~القابل بألف، وإن صرفه إلى القابل عتق القابل بغير شيء ويعتق الآخر ~~بالإيجاب الذي هو يبدل إذا قبل في المجلس، وكذا لو لم يقبل واحد منهما حتى ~~صرف الإيجاب الذي هو بغير بدل إلى أحدهما يعتق هو، ويعتق الآخر إن قبل ~~البدل في المجلس، وإلا فلا، وإن مات المولى قبل البيان عتق القابل كله ~~وعليه خمسمائة وعتق نصف الذي لم يقبل ويسعى في نصف قيمته، أما عتق القابل ~~كله، فلأن عتقه ثابت بيقين؛ لأنه إن أريد بالإيجاب الأول عتق، وإن أريد ~~بالإيجاب الثاني عتق فكان عتقه متيقنا به. # وأما لزوم خمسمائة؛ لأنه إن أعتق بالإيجاب الأول يعتق بألف، وإن أعتق ~~بالإيجاب الثاني يعتق بغير شيء فينصف الألف فيلزمه خمسمائة. # وأما عتق النصف من غير القابل فلأنه إن أريد باللفظ الأول لا يعتق، وإن ~~أريد باللفظ الثاني يعتق فيعتق في حال دون حال، فيتنصف عتقه فيعتق نصفه ~~ويسعى في نصف قيمته، هذا إذا كان الإعتاق تنجيزا، أو تعليقا بشرط. # فأما ms2272 إذا كان أضافه إلى وقت، فلا يخلو إما إن أضافه إلى وقت واحد وإما إن ~~أضافه إلى وقتين، فإن أضافه إلى وقت واحد، فإما إن أضافه إلى مطلق الوقت، ~~وإما إن أضافه إلى وقت موصوف بصفة. # وفي الوجوه كلها يشترط وجود الملك وقت الإضافة؛ لأن إضافة الإعتاق إلى ~~وقت إثبات العتق في ذلك الوقت لا محالة ولا ثبوت للعتق بدون الملك، ولا ~~يوجد الملك في ذلك الوقت إلا إذا كان موجودا وقت الإضافة؛ لأنه إن كان ~~موجودا وقت الإضافة فالظاهر أنه يبقى إلى الوقت المضاف إليه فيثبت العتق، ~~وإذا لم يكن موجودا كان الظاهر بقاءه على العدم، فلا يثبت العتق في الوقت ~~المضاف إليه لا محالة فيكون خلاف تصرفه، والأصل اعتبار تصرف العاقل على ~~الوجه الذي أوقعه. # أما الإضافة إلى وقت مطلق. # فنحو أن يقول لعبده: أنت حر غدا، أو رأس شهر كذا، فيعتق إذا جاء غد أو ~~رأس الشهر؛ لأنه جعل الغد، أو رأس الشهر ظرفا للعتق، فلا بد من وقوع العتق ~~عنده ليكون ظرفا له، وليس هذا تعليقا بشرط لانعدام أدوات التعليق وهي كلمات ~~الشرط، ولهذا لو حلف لا يحلف فقال # PageV04P080 # هذه المقالة لا يحنث، بخلاف ما إذ قال أنت حر إذا جاء غد؛ لأن ذلك تعليق ~~بشرط لوجود كلمة التعليق، فإن قيل كيف يكون تعليقا بشرط، والشرط ما في ~~وجوده خطر ومجيء الغد كائن لا محالة، قيل له من مشايخنا من قال: إن الغد في ~~مجيئه خطر لاحتمال قيام الساعة في كل ساعة، قال الله سبحانه وتعالى: {وما ~~أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} [النحل: 77] فيصلح مجيء الغد شرطا ~~لكن هذا الجواب ليس بسديد؛ لأن الساعة لا تقوم إلا عند وجود أشراطها من ~~خروج يأجوج ومأجوج ودابة الأرض وخروج الدجال وطلوع الشمس من مغربها ونحو ~~ذلك مما دل عليه الكتاب ووردت به الأخبار، والجواب الصحيح أن يقال إن مجيء ~~الغد، وإن كان متيقن الوجود يمكن كونه شرطا لوقوع العتق، وليس بمتيقن ~~الوجود بل له خطر ms2273 الوجود والعدم لاحتمال موت العبد قبل مجيء الغد، أو موت ~~المولى، أو موتهما وحينئذ لا يكون شرطا لعدم تصور الجزاء، على أن الشرط اسم ~~لما جعل علما لنزول الجزاء سواء كان موهوم الوجود، أو متيقن الوجود. # وأما الإضافة إلى وقت موصوف. # فنحو أن يقول لعبده أنت حر قبل دخولك الدار بشهر، أو قبل قدوم فلان بشهر، ~~أو قبل موت فلان بشهر، ولا شك أنه لا يعتق قبل وجود الوقت الموصوف، حتى لو ~~وجد شيء من هذه الحوادث قبل تمام الشهر لا يعتق؛ لأنه أضاف العتق إلى الوقت ~~الموصوف، فلا يثبت قبله، ويشترط تمام الشهر وقت التكلم، وإن كان العبد في ~~ملكه قبل ذلك بشهور بل بسنين؛ لأن إضافة العتق إلى وقت إيجاب العتق فيه غير ~~إيجاب العتق في الزمان الماضي، وإيجاب العتق في الزمان الماضي لا يتصور فلا ~~يحمل كلام العاقل عليه، ولا شك أن العتق ثبت عند وجود هذه الحوادث لتمام ~~الشهر، واختلف في كيفية ثبوته، فقال زفر: يثبت من أول الشهر بطريق الظهور، ~~وقال أبو يوسف ومحمد: يثبت مقتصرا على حال وجود الحوادث، وأبو حنيفة فرق ~~بين القدوم والدخول وبين الموت، فقال في القدوم والدخول كما قالا، وفي ~~الموت كما قال زفر، حتى لو كان المملوك أمة فولدت في وسط الشهر يعتق الولد ~~في قول أبي حنيفة وزفر، وعندهما لا يعتق. # وجه قول زفر أنه أوقع العتق في وقت موصوف بكونه متقدما على هذه الحوادث ~~بشهر، فإذا وجدت بعد شهر متصلة به علم أن الشهر من أوله كان موصوفا بالتقدم ~~عليها لا محالة، فتبين أن العتق كان واقعا في أول الشهر كما إذا قال: أنت ~~حر قبل رمضان بشهر، ولا فرق سوى أن هناك يحكم بالعتق من أول هلال شعبان ولا ~~يتوقف على مجيء شهر رمضان، وههنا لا يحكم بالعتق من أول الشهر؛ لأن ثمة ~~رمضان يتصل بشعبان لا محالة، وههنا وجود هذه الحوادث يحتمل أن يتصل بهذا ~~الشهر ويحتمل أن لا يتصل لجواز أنها لا توجد أصلا. ms2274 # فأما في ثبوت العتق في المسألتين من ابتداء الشهر، فلا يختلفان، ولهذا ~~قال أبو حنيفة: ثبوت العتق بطريق الظهور في الموت. # وجه قولهما أن هذا في الحقيقة تعليق العتق بهذه الحوادث؛ لأنه أوقع العتق ~~في شهر متصف بالتقدم على هذه الحوادث، ولا يتصف بالتقدم عليها إلا باتصالها ~~به، ولا تتصل به إلا بعد وجودها، فكان ثبوت العتق على هذا التدريج متعلقا ~~بوجود هذه الحوادث، فيقتصر على حال وجودها، ولهذا قال أبو حنيفة: هكذا في ~~الدخول والقدوم كذا في الموت بخلاف شعبان؛ لأن اتصاف شعبان بكونه متقدما ~~على رمضان لا يقف على مجيء رمضان ووجه الفرق لأبي حنيفة بين الدخول والقدوم ~~وبين الموت أن في مسألة القدوم والدخول بعد ما مضى شهر من وقت التكلم يبقى ~~الشهر الذي أضيف إليه العتق هو موهوم الوجود، قد يوجد وقد لا يوجد؛ لأن ~~قدوم فلان موهوم الوجود قد يوجد وقد لا يوجد، فإن وجد يوجد هذا الشهر، وإلا ~~فلا؛ لما ذكرنا أن هذا الشهر لا وجود له بدون الاتصاف ولا اتصاف بدون ~~الاتصال ولا اتصال بدون القدوم، إذ الاتصال إنما يتصور بين موجودين لا بين ~~موجود ومعدوم فصار العتق، وإن كان مضافا إلى الشهر متعلقا بوجود القدوم ~~فكان هذا تعليقا ضرورة فيقتصر الحكم المتعلق به على حال وجود الشرط كما في ~~سائر التعليقات، فأما في مسألة الموت فبعد ما مضى شهر من زمن الكلام لم يبق ~~ذات الشهر الذي أضيف إليه العتق موهوم الوجود، بل هو كائن لا محالة؛ لأن ~~الموت كائن لا محالة، فصار هذا الشهر متحقق الوجود بلا شك بخلاف الشهر ~~المتقدم على الدخول والقدوم، غير أنه مجهول الذات، فلا يحكم بالعتق قبل ~~وجود الموت، وإذا وجد، فقد وجد المعرف للشهر، بخلاف الشهر # PageV04P081 # المتقدم على شهر رمضان فإنه معلوم الذات؛ لأنه كما وجد شعبان علم أنه ~~موصوف بالتقدم على رمضان، وههنا بخلافه وبخلاف القدوم والدخول، فإن بعد مضي ~~شهر من وقت الكلام بقي ذات الشهر الذي أضيف إليه العتق موهوم الوجود، فلم ms2275 ~~يكن القدوم معرفا للشهر بل كان محصلا للشهر الموصوف بهذه الصفة بحيث لولا ~~وجوده لما وجد هذا الشهر ألبتة، فكان الموت مظهرا معينا للشهر فيظهر من ~~الأصل من حين وجوده. # ثم اختلف مشايخنا في كيفية الظهور: على مذهب أبي حنيفة قال بعضهم: هو ~~ظهور محض، فتبين أن العتق كان واقعا من أول الشهر من غير اعتبار حالة ~~الموت، وهو أن يعتبر الوقوع، أو لا ثم يسري إلى أول الشهر؛ لأن الأصل ~~اعتبار التصرف على الوجه الذي أثبته المتصرف والمتصرف أضاف العتق إلى أول ~~الشهر المتقدم على الموت، فيقع في أول الشهر لا في آخره، فكان وقت وقوع ~~الطلاق أول الشهر، فيظهر أن العتق وقع من ذلك الوقت، كما إذا قال: إن كان ~~فلان في الدار فعبده حر، فمضت مدة، ثم علم أنه كان في الدار يوم التكلم يقع ~~العتق من وقت التكلم لا من وقت الظهور، وهؤلاء قالوا: لو كان مكان العتاق ~~طلاق ثلاث فالعدة تعتبر من أول الشهر في قول أبي حنيفة، حتى لو حاضت في ~~الشهر حيضتين، ثم مات فلان كانت الحيضتان محسوبتين من العدة، ولو كان قال: ~~أنت طالق قبل موت فلان بشهرين، أو ثلاثة أشهر، ثم مات فلان لتمام المدة، أو ~~كانت المرأة رأت ثلاثة حيض في المدة، تبين عند موته أن الطلاق كان واقعا، ~~وأن العدة قد انقضت. # كما لو قال: إن كان زيد في الدار فامرأتي طالق، ثم علم بعدما حاضت المرأة ~~ثلاثة حيض أنه كان في الدار يوم التكلم به تبين أنها قد طلقت من ذلك الوقت، ~~وأنها منقضية العدة كذا هذا، وكذلك لو قال: إن كان حمل فلانة غلاما فأنت ~~طالق، فولدت غلاما يقع الطلاق على طريق التبيين كذا هذا، والذي يؤيد ما ~~قلنا: إن رجلا لو قال: آخر امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج امرأة، ثم أخرى، ~~ثم ماتت طلقت الثانية على وجه التبيين المحض عند أبي حنيفة، وإن كان لا ~~يحكم بطلاقها ما لم يمت كذا ههنا، وقالوا لو خالعها في ms2276 وسط الشهر، ثم مات ~~فلان لتمام الشهر فالخلع باطل ويؤمر الزوج برد بدل الخلع سواء كانت عند ~~الموت معتدة، أو منقضية العدة، أو كانت ممن لا عدة عليها بأن كانت غير ~~مدخول بها، وهؤلاء طعنوا فيما ذكر محمد في الكتاب لتخريج قول أبي حنيفة أنه ~~إن مات فلان وهي في العدة يحكم ببطلان الخلع ويؤمر الزوج برد بدل الخلع، ~~وإن كانت غير معتدة وقت موت فلان بأن كان بعد الخلع قبل موت فلان أسقطت ~~سقطا أو كانت غير مدخول بها لا يبطل الخلع ولا يؤمر الزوج برد بدل الخلع، ~~وقالوا: هذا التخريج لا يستقيم على قول أبي حنيفة؛ لأن هذا ظهور محض فتبين ~~عند وجود الجزء الأخير أن هذا الشهر من ابتداء وجوده موصوف بالتقدم، فتبين ~~أن الطلقات الثلاث كانت واقعة من ذلك الوقت سواء كانت معتدة، أو غير معتدة، ~~كما لو قال: إن كان فلان في الدار فامرأته طالق، ثم خالعها، ثم تبين أنه ~~كان يوم الحلف في الدار أنه يتبين أن الخلع كان باطلا على الإطلاق سواء ~~كانت معتدة، أو لم تكن كذا ههنا، والفقه أن وقت الموت إذا لم يكن وقت وقوع ~~الطلاق لا يعتبر فيه قيام الملك والعدة، وعامة مشايخنا قالوا: إن العتق، أو ~~الطلاق يقع وقت الموت، ثم يستند إلى أول الشهر، إلا أنه يظهر أنه كان واقعا ~~من أول الشهر، ووجهه مما لا يمكن الوصول إليه إلا بمقدمة وهي أن ما كان ~~الدليل على وجوده قائما يجعل موجودا في حق الأحكام؛ لأن إقامة الدليل مقام ~~المدلول أصل في الشرع والعقل. # ألا ترى أن الخطاب يدور مع دليل القدرة وسببها دون حقيقة القدرة، ومع ~~دليل العلم وسببه دون حقيقة العلم، حتى لا يعذر الجاهل بالله عز وجل لقيام ~~الآيات الدالة على وجود الصانع، ولا بالشرائع عند إمكان الوصول إلى معرفتها ~~بدليلها، ثم الدليل، وإن خفي بحيث يتعذر الوصول إليه يكتفى به إذا كان ممكن ~~الحصول في الجملة، إذ الدلائل تتفاوت في نفسها في الجلاء والخفاء، ms2277 ~~والمستدلون أيضا يتفاوتون في الغباوة والذكاء، فالشرع أسقط اعتبار هذا ~~التفاوت فكانت العبرة لأصل الإمكان في هذا الباب. # وأما ما كان الدليل في حقه منعدما فهو في حق الأحكام ملحق بالعدم، وإذا ~~عرف هذا فنقول: الشهر الذي يموت فلان في آخره فإن اتصف بالتقدم من وقت ~~وجوده لكن كان دليل اتصافه منعدما أصلا فلم يكن لهذا الاتصاف عدة، ويبقى ~~ملك النكاح إلى آخر جزء من أجزاء الشهر فيعلم # PageV04P082 # كونه متقدما على موته، ومن ضرورة اتصاف هذا الجزء بالتقدم اتصاف جميع ~~الأجزاء المتقدمة عليه إلى تمام الشهر، ولا يظهر أن دليل الاتصاف كان ~~موجودا في أول الشهر، إذ الدليل هو آخر جزء من أجزاء الشهر، ووجود الجزء ~~الأخير من الشهر مقارنا لأول الشهر محال، فلم يكن دليل اتصاف الشهر بكونه ~~متقدما موجودا فلم يعتبر هذا الاتصاف، فبقي ملك النكاح إلى وقت وجود الجزء ~~الأخير فيحكم في هذا الجزء بكونها طالقا، ومن ضرورة كونها طالقا في هذا ~~الجزء ثبوت الانطلاق من الأصل؛ لأنها تكون طالقا بذلك الطلاق المضاف إلى ~~أول الشهر الموصوف بالتقدم على الموت، فلأجل هذه الضرورة حكم بالطلاق من ~~أول الشهر، لكن بعد ما كان النكاح إلى هذا الوقت قائما لعدم دليل الاتصاف ~~بالتقدم على ما بينا، ثم لما حكم بكونها طالقا للحال وثبت الانطلاق فيما ~~مضى من أول الشهر ضرورة، جعل كأن الطلاق يقع للحال، ثم بعد وقوعه يسري إلى ~~أول الشهر، هكذا يوجب ضرورة ما بينا من الدليل، وإذا جعل هكذا يخرج عليه ~~المسائل أما العدة فإنها تجب في آخر جزء من أجزاء حياة فلان الميت؛ لأنها ~~مما يحتاط في إيجابها فوجبت للحال، وجعل كأن الطلاق وقع للحال. # وأما الخلع فإن كانت العدة باقية وقت الموت لم يصح، وإن كانت منقضية ~~العدة صح؛ لأنها إذا كانت باقية كان النكاح باقيا من وجه ويحكم ببقائه إلى ~~هذه الحالة لضرورة عدم الدليل، ثم يحكم للحال بكونها طالقا بذلك الطلاق ~~المضاف وسرى واستند إلى أول الشهر علم أنه خالعها وهي بائنة ms2278 عنه فلم يصح ~~الخلع ويؤمر الزوج برد بدل الخلع، وإذا كانت منقضية العدة وقت الموت ~~فالنكاح الذي كان يبقى إلى آخر جزء من أجزاء حياته لضرورة عدم الدليل لا ~~يبقى لارتفاعه بالخلع، فبقي النكاح إلى وقت الخلع ولم يظهر أنه كان مرتفعا ~~عند الخلع، فحكم بصحة الخلع ولا يؤمر الزوج برد بدل الخلع، بخلاف ما إذا ~~قال إن كان زيد في الدار؛ لأن دليل الوقوف على كون زيد في الدار موجود حالة ~~التكلم فانعقد الطلاق تنجيزا لو كان هو في الدار؛ لأن التعليق بالموجود ~~تحقق، وبخلاف ما إذا قال: إن كان حمل فلانة غلاما؛ لأن الولد في البطن يمكن ~~الوقوف في الجملة على صفة الذكورة والأنوثة فإنه ما من ساعة إلا ويجوز أن ~~يسقط الحمل، فانعقد الطلاق تنجيزا، ثم علمنا بعد ذلك، وبخلاف ما إذا قال: ~~آخر امرأة أتزوجها فهي طالق فتزوج امرأة، ثم أخرى، ثم مات أنه يقع الطلاق ~~على الثانية من طريق التبيين؛ لأن هناك لما تزوج الثانية اتصفت بكونها آخر ~~الوجود حدا لآخر وهو الفرد اللاحق وهي فرد وهي لاحقة. # ألا ترى أنه يقول: امرأتي الأولى وامرأتي الأخيرة إلا أنه لا يحكم بوقوع ~~الطلاق للحال لاحتمال أنه يتزوج بثالثة فتسلب صفة الآخرية عن الثانية، فإذا ~~مات قبل أن يتزوج بثالثة تقررت صفة الآخرية للثانية من الأصل، فحكم بوقوع ~~الطلاق من ذلك الوقت، وههنا دليل اتصاف الشهر بالتقدم منعدم في أول الشهر ~~وما لا دليل عليه يلحق بالعدم وهو هذا، بخلاف ما إذا قال لامرأته: إن لم ~~أتزوج عليك فأنت طالق، ولم يتزوج حتى مات أنه يقع الطلاق على امرأته مقتصرا ~~على الحال؛ لأن هناك علق الطلاق صريحا بعدم التزوج، والعدم يستوعب العمر ~~ألا ترى أنه لو تزوج في العمر مرة لا يوصف بعدم التزوج؛ لأن الوجود قد تحقق ~~والعدم يقابل الوجود، فلا يتحقق مع الوجود فيتم ثبوته عند الموت، والمعلق ~~بشرط ينزل عند تحقق الشرط بتمامه فوقع مقتصرا على حال وجود الشرط. # وأما هذا فليس بتعليق الطلاق ms2279 بشرط بل هو إضافة الطلاق إلى وقت موصوف بصفة ~~فيتحقق الطلاق عند تحقق الصفة بدليله على التقدير الذي ذكرنا، والله عز وجل ~~الموفق. # ولو قال لامرأته: أنت طالق قبل موتي بشهر، أو قبل موتك بشهر فمات لتمام ~~الشهر، أو ماتت لا يقع الطلاق عندهما، وعند أبي حنيفة يقع، فهما فرقا بين ~~الطلاق والعتاق، فقالا: العتاق يقع والطلاق لا يقع؛ لأن عندهما هذا تصرف ~~تعليق الطلاق والعتاق بالشرط، والمعلق بالشرط ينزل بعد وجود الشرط، والزوج ~~بعد الموت ليس من أهل إيقاع الطلاق، ولا المرأة بعد موتها محل لوقوع الطلاق ~~عليها، بخلاف العتق؛ لأنه يقع بعد الموت كما في التدبير، والله عز وجل ~~أعلم. # ولو قال لعبده: أنت حر قبل موت فلان وفلان بشهر، أو قبل قدوم فلان وفلان ~~بشهر، فإن مات أحدهما، أو قدم قبل مضي شهر لا يعتق أبدا؛ لأنه أضاف العتق ~~إلى شهر موصوف بالتقدم على موتيهما، أو قدومهما، ولم يوجد، ولا يتصور # PageV04P083 # وجوده بعد ذلك؛ لأنه لو تم الشهر بعد موت أحدهما، أو قدوم أحدهما كان ~~موصوفا بالتقدم على موت أحدهما، أو قدوم أحدهما، وهو ما أضاف العتق إلى هذا ~~الشهر بل إلى شهر موصوف بالتقدم على موتيهما، أو قدومهما جميعا، وهذا غير ~~ذاك، وإن مضى شهر، ثم مات أحدهما عتق العبد، وإن لم يمت الآخر بعد، بخلاف ~~ما إذا قال: أنت حر قبل قدوم فلان وفلان بشهر، ثم قدم أحدهما لتمام الشهر ~~أنه لا يعتق ما لم يقدم الآخر، ووجه الفرق على ما بينا فيما تقدم، وهو أنه ~~إذا مات أحدهما تحقق كون الشهر سابقا على موتهما، وإذا قدم أحدهما لم يتحقق ~~كون الأول سابقا على قدومهما، وإنما يتحقق عند وجود قدومهما جميعا، فكان ~~القياس أن لا يعتق ما لم يموتا جميعا في لحظة واحدة بعد مضي شهر، فكذا في ~~القدوم وهو قول علي الرازي؛ لأن العتق أضيف إلى شهر موصوف بالتقدم على ~~موتهما، أو قدومهما متصل بهما لأنه أضاف العتق إلى شهر متقدم على موتهما أو ms2280 ~~قدومهما ومن ضرورة ذلك وجود موتهما أو قدومهما جميعا، وعند ثبوت التراخي ~~فيما بين الموتين، أو القدومين، يكون العتق واقعا قبل موت أحدهما، أو قدوم ~~أحدهما بشهر وقبل موت الآخر، أو قدوم الآخر بشهر، وأنه خلاف ما أضاف، فلا ~~يقع بخلاف ما إذا قال: أنت حر قبل يوم الفطر والأضحى بشهر حيث يعتق كما أهل ~~هلال رمضان؛ لأن وجود وقت متصف بالتقدم عليهما بشهر مستحيل، والعاقل لا ~~يقصد بكلامه المستحيل فعلم أنه أراد به إضافة العتق إلى وقت موصوف بالتقدم ~~على أحد اليومين بشهر وعلى الآخر بمدة غير مقدرة، وفيما نحن فيه لا استحالة ~~فيراعى عين ما أضاف إليه وجوب الاستحالة عن هذا أن الأصل في أحكام الشرع أن ~~المستحيل عادة يلحق بالمستحيل حقيقة، وقدوم شخص في جزء لا يتجزأ من الزمان ~~بحيث لا يتقدم أحدهما على صاحبه مستحيل عادة، وكذا موت شخصين على هذا الوجه ~~والجواب في المستحيل حقيقة وهو مسألة الفطر والأضحى هكذا، فكذا في المستحيل ~~عادة، وكذا لو قال: أنت حر قبل قدوم فلان وموت فلان بشهر، فإن مات أحدهما ~~أو قدم أحدهما قبل مضي الشهر لا يعتق أبدا لما قلنا، وإن مات أحدهما لتمام ~~الشهر لا يعتق حتى يقدم الآخر، وإن قدم أحدهما بعد مضي الشهر عتق ولا ينتظر ~~موت الآخر، إلا أنه لا يستدل لما ذكرنا أن الموت كائن لا محالة والقدوم ~~موهوم الوجود، ولو قال: أنت حر الساعة إن كان في علم الله عز وجل أن فلانا ~~يقدم إلى شهر، فهذا وقوله: قبل قدوم فلان بشهر سواء؛ لأنه لا يراد بهذا علم ~~الله تعالى الأزلي القائم بذاته عز وجل، وإنما يراد به ظهور هذا القدوم ~~المعلوم لنا، وقد يظهر لنا وقد لا يظهر، فكان شرطا فيقتصر العتق على حال ~~وجود الشرط كما في سائر التعليقات بشروطها، والله عز وجل أعلم. # ولو قال: أنت حر بعد موتي بشهر فكاتبه في نصف الشهر، ثم مات لتمام الشهر، ~~فإن كان استوفى بدل الكتابة، ثم مات لتمام الشهر ms2281 كان العتق حاصلا بجهة ~~الكتابة، وإن كان لم يستوف بعد بدل الكتابة عتق بالإعتاق السابق وسقط ~~اعتبار الكتابة عند أبي حنيفة، وهذا يدل على أن العتق يثبت بطريق الاستناد ~~عنده، وقال أبو القاسم الصفار إنه تبطل الكتابة من الأصل سواء كان استوفى ~~بدل الكتابة، أو لم يستوف، وهو قياس قول من يقول بثبوت العتق من طريق ~~الظهور المحض؛ لأنه تبين أن العتق يثبت من أول الشهر، فيتبين أن الكتابة لم ~~تصح، وقد ذكرنا تصحيح ما ذكر في الكتاب وهو العتق بطريق الاستناد فيما تقدم ~~فلا نعيده، وعندهما إن استوفى بدل الكتابة فالأمر ماض؛ لأن العتق عندهما ~~يثبت مقتصرا على حال الموت وهو حر في هذه الحالة لوصوله إلى الحرية بسبب ~~الكتابة عند أداء البدل، وإن كان لم يستوف بعد بدل الكتابة، فإن كان العبد ~~يخرج من الثلث عتق من جميع المال، وإن لم يكن له مال غيره عتق ثلثه ~~بالتدبير؛ لأنه مدبر مقيد؛ لأن عتقه علق بموت موصوف بصفة قد يوجد على تلك ~~الصفة وقد لا يوجد، ويسعى في الأقل من ثلثي قيمته، ومن جميع بدل الكتابة ~~عند أبي يوسف وعند محمد يسعى في الأقل من ثلثي بدل الكتابة، ومن ثلثي ~~قيمته، وأصل المسألة أن من دبر عبده، ثم كاتبه، ثم مات المولى ولا مال له ~~غيره يعتق ثلثه مجانا بالتدبير، ثم يسعى في الأقل من ثلثي قيمته، ومن جميع ~~بدل الكتابة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد في الأقل من ثلثي قيمته، ~~ومن ثلثي بدل الكتابة، فهذا على ذاك إلا أن عند أبي حنيفة يخير بين أن يسعى ~~في هذا وبين أن يسعى في ذاك، وعندهما يسعى في الأقل # PageV04P084 # منها بدون التخيير، ثم عند أبي حنيفة في مسألة الكتابة، يعتبر صحة المالك ~~ومرضه في أول الشهر. # هكذا ذكر في النوادر؛ لأنه يصير معتقا من ذلك الوقت، وقيل: هذا هو الحيلة ~~لمن أراد أن يدبر عبده، ويعتق من جميع المال، وإن كان لا يخرج من الثلث بأن ~~يقول: أنت ms2282 حر قبل موتي بشهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر أو ما شاء من المدة؛ ~~ليعتق من ذلك الوقت وهو فيه صحيح فيعتق من جميع المال، وعندهما كيف ما كان ~~يعتبر عتقه من الثلث؛ لأنه يصير عندهما معتقا بعد الموت، والله عز وجل ~~المستعان. # وأما الإضافة إلى وقتين فالأصل فيه أن المضاف إلى وقتين ينزل عند أولهما، ~~والمعلق بشرطين ينزل عند آخرهما، والمضاف إلى أحد الوقتين غير عين؛ فينزل ~~عند أحدهما والمعلق بأحد شرطين غير عين ينزل عند أولهما، ولو جمع بين فعل ~~ووقت يعتبر فيه الفعل، وينزل عند وجوده في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه ينزل عند أولهما أيهما كان،، وبيان هذه الجملة، إذا ~~قال لعبده: أنت حر اليوم وغدا، يعتق في اليوم؛ لأنه جعل الوقتين جميعا ظرفا ~~للعتق، فلو توقف وقوعه على أحدهما، لكان الظرف واحدا لوقتين لا كلاهما، ~~وأنه إيقاع تصرف العاقل لا على الوجه الذي أوقعه، ولو قال: أنت حر اليوم ~~غدا، أعتق في اليوم؛ لأنه أضاف الإعتاق إلى اليوم، ثم وصف اليوم بأنه غد ~~وأنه محال ويبطل وصفه، وبقيت الإضافة إلى اليوم، ولو قال: أنت حر غدا ~~اليوم، يعتق في الغد؛ لأنه أضاف العتق إلى الغد، ووصف الغد باليوم وهو محال ~~فلم يصح وصفه، وبقيت إضافته العتق إلى الغد فيعتق في الغد، ولو قال: أنت حر ~~إن قدم فلان وفلان فما لم يقدما جميعا، لا يعتق؛ لأنه علق عتقه بشرطين فلا ~~ينزل إلا عند آخرهما، إذ لو نزل عند أولهما لبطل التعليق بهما ولكان ذلك ~~تعليقا بأحدهما، وهو علق بهما جميعا لا بأحدهما، ولو قال: أنت حر اليوم أو ~~غدا يعتق في الغد؛ لأنه جعل أحد الوقتين ظرفا، فلو عتق في اليوم، لكان ~~الوقتان جميعا ظرفا، وهذا خلاف تصرفه، ولو قال: أنت حر إن قدم فلان أو غدا. # فإن قدم فلان قبل مجيء الغد، عتق، وإن جاء الغد قبل قدوم فلان، لا يعتق ~~ما لم يقدم في جواب ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف ms2283 أن أيهما سبق مجيئه؛ يعتق عند مجيئه، والأصل فيه أنه ~~ذكر شرطا ووقتا في تصرف واحد ولا يمكن الجمع بينهما؛ لما بين التعليق بشرط ~~وبين الإضافة إلى وقت من التنافي، فلا بد من اعتبار أحدهما وترجيحه على ~~الآخر، فأبو يوسف رجح جانب الشرط؛ لأن الشرط لا يصلح ظرفا والظرف قد يصلح ~~شرطا، فكان الرجحان لجانب الشرط، فاعتبره تعليقا بأحد الشرطين فينزل عند ~~وجود أولهما أيهما كان كما إذا نص على ذلك، ونحن رجحنا السابق منهما في ~~اعتبار التعليق والإضافة، فإن كان الفعل هو السابق، يعتبر التصرف تعليقا ~~واعتباره تعليقا يقتضي نزول العتق عند أول الشرطين، كما إذا علقه بأحد ~~شرطين نصا، وإن كان الوقت هو السابق، يعتبر إضافته واعتبارها يقتضي نزول ~~العتق عند آخر الوقتين، كما إذا أضاف إلى آخر الوقتين نصا، والله عز وجل ~~أعلم. # وأما الذي يرجع إلى نفس الركن فهو ما ذكرنا في الطلاق، وهو أن يكون الركن ~~عاريا عن الاستثناء رأسا كيفما كان الاستثناء وضعيا كان أو عرفيا عند عامة ~~العلماء، والكلام في الاستثناء في العتاق وبيان أنواعه وماهية كل نوع ~~وشرائط صحته، على نحو الكلام في باب الطلاق وقد ذكرنا ذلك كله في كتاب ~~الطلاق ولا يختلفان إلا في شيء واحد وهو أنه يتصور استثناء بعض العدد في ~~الطلاق ولا يتصور في العتاق؛ لأن الطلاق ذو عدد فيتصور فيه استثناء بعض ~~العدد، والعتق لا عدد له فلا يتصور فيه استثناء بعض العدد، وإنما يتصور ~~استثناء بعض الجملة الملفوظة، نحو أن يقول لعبيده: أنتم أحرار إلا سالما؛ ~~لأن نص الاستثناء مع نص المستثنى منه تكلم بالباقي، ولو استثنى عتق بعض ~~العبد يصح عند أبي حنيفة، ولا يصح عندهما؛ بناء على أن العتق يتجزأ عنده ~~فيكون استثناء البعض من الكل فيصح، وعندهما لا يتجزأ فيكون استثناء الكل من ~~الكل فلا يصح، وذكر ابن سماعة في نوادره عن محمد فيمن قال: غلاماي حران ~~سالم وبريع إلا بريعا، أن استثناءه جائز؛ لأنه ذكر جملة ثم فصلها بقوله: ~~سالم وبريع، ms2284 فانصرف الاستثناء إلى الجملة الملفوظ بها فكان استثناء البعض ~~من الجملة الملفوظة فصح، وليس كذلك ما إذا قال: سالم حر وبريع إلا سالما؛ ~~لأنه لما ذكر كل واحد منهما بانفراده كان هذا استثناء عن كل واحد منهما، ~~فكان استثناء الكل من الكل فلا يصح، ولو قال # PageV04P085 # أنت حر، وحر إن شاء الله تعالى بطل الاستثناء في قول أبي حنيفة، وقال أبو ~~يوسف ومحمد: الاستثناء جائز، وجه قولهما إن هذا كلام واحد معطوف بعضه على ~~بعض بحرف العطف، فلا يقع به الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، كما لو قال: ~~أنت حر لله، إن شاء الله تعالى ولأبي حنيفة إن قوله: حر وحر، لغو؛ لثبوت ~~الحرية باللفظ الأول فكان فاصلا بمنزلة السكوت، بخلاف قوله: أنت حر لله، إن ~~شاء الله تعالى، ليس بلغو فلا يكون فاصلا، وروى ابن سماعة في نوادره عن ~~محمد في رجل له خمسة من الرقيق، فقال: عشرة من مماليكي إلا واحدا أحرار أنه ~~يعتق الخمسة جميعا؛ لأنه لما قال: عشرة من مماليكي أحرار إلا واحدا، فقد ~~استثنى الواحد من العشرة، والاستثناء تكلم بالباقي فصار كأنه قال: تسعة من ~~مماليكي أحرار، وله خمسة، ولو قال، ذلك عتقوا جميعا كذا هذا، ولو قال: ~~مماليكي العشرة أحرار إلا واحدا، عتق منهم أربعة؛ لأن هذا رجل ذكر مماليكه ~~وغلط في عددهم بقوله: العشرة فيلغو هذا القول ويبقى قوله: مماليكي أحرار ~~إلا واحدا، ولو قال ذلك، وله خمسة مماليك، يعتق أربعة منهم كذا هذا، والله ~~عز وجل أعلم. ### | [فصل في صفة الإعتاق] # : (فصل) : # وأما صفة الإعتاق فهي أن الإعتاق هل يتجزأ أم لا؟ وقد اختلف فيه قال أبو ~~حنيفة: يتجزأ سواء كان المعتق موسرا أو معسرا، وقال أبو يوسف ومحمد: لا ~~يتجزأ كيف ما كان المعتق، وقال الشافعي: إن كان معسرا يتجزأ، وإن كان موسرا ~~لا يتجزأ، والمسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله عنهم -، قال بعضهم فيمن ~~أعتق نصف عبد بينه وبين غيره: إنه يعتق نصفه ويبقى الباقي رقيقا، يجب ~~تخريجه إلى العتاق ms2285 وهو مذهب عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وقال ~~بعضهم: يعتق كله وليس للشريك إلا الضمان، وقال علي وابن عباس - رضي الله ~~عنهما -: عتق ما عتق ورق ما رق هما احتجا بالنص والمعقول والأحكام، أما ~~النص: فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أعتق شقصا ~~له من عبد، عتق كله ليس لله فيه شريك» وهذا نص على عدم التجزي، وفي رواية: ~~من أعتق شركا له في عبد، فقد عتق كله ليس لله فيه شريك. # وأما المعقول: فهو أن العتق في العرف اسم لقوة حكمية دافعة يد الاستيلاء، ~~والرق اسم لضعف حكمي يصير به الآدمي محلا للتملك فيعتبر الحكمي بالحقيقي، ~~وثبوت القوة الحقيقية والضعف الحقيقي في النصف شائعا مستحيل فكذا الحكمي؛ ~~ولأن للعتق آثارا من المالكية والولاية والشهادة والإرث ونحوها، وثبوت هذه ~~الآثار لا يحتمل التجزي؛ ولهذا لم يتجزأ في حال الثبوت حتى لا يضرب الإمام ~~الرق في أنصاف السبايا ويمن عليهم بالإنصاف، كذا في حالة البقاء. # وأما الأحكام: فإن إعتاق النصف قد تعدى إلى النصف الباقي في الأحكام، حتى ~~امتنع جواز التصرفات الناقلة للملك فيه من البيع والهبة والصدقة والوصية ~~عند أصحابنا، وكذا يجب تخريجه إلى عتق الكل بالضمان أو بالسعاية، حتى يجبره ~~القاضي على ذلك، وهذا من آثار عدم التجزي، وكذا الاستيلاد لا يتجزأ حتى لو ~~استولد جارية بينه وبين شريكه وادعاه، تصير كلها أم ولد له بالضمان، ومعلوم ~~أن الاستيلاد يوجب حق الحرية لا حقيقة الحرية، فالحق إذا لم يتجزأ فالحقيقة ~~أولى، وكذا لو عتق نصف أم ولده أو أم ولد بينه وبين شريكه، عتق كلها، وإذا ~~لم يكن الإعتاق متجزئا لم يكن المحل في حق العتق متجزئا، وإضافة التصرف إلى ~~بعض ما لا يتجزأ في حقه يكون إضافة إلى الكل، كالطلاق والعفو عن القصاص، ~~والله أعلم. # ولأبي حنيفة النصوص والمعقول والحكم، أما النص: فما روي عن عبد الله بن ~~عمر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ms2286 قال: «من ~~أعتق نصيبا له من مملوك، كلف عتق بقيته، وإن لم يكن عنده ما يعتقه فيه، جاز ~~ما صنع» . # وروي: كلف عتق ما بقي، وروي: وجب عليه أن يعتق ما بقي، وذلك كله نص على ~~التجزي؛ لأن تكليف عتق الباقي لا يتصور بعد ثبوت العتق في كله، وقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: جاز ما صنع، إشارة إلى عتق البعض إذ هو الذي صنعه لا ~~غير. # وروي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أيضا عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «من أعتق شركا له في عبد، وكان له مال يبلغ ثمن ~~العبد قوم عليه قيمة عدل، وأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا عتق ما ~~عتق» والحديث يدل على تعلق عتق الباقي بالضمان إذا كان المعتق موسرا، وعلى ~~عتق البعض إن كان معسرا، فيدل على التجزي في حالة اليسار والإعسار. # وروي عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه # PageV04P086 # قال: «من كان له شقص في مملوك فأعتقه فعليه خلاصه من ماله إن كان له مال، ~~وإن لم يكن له مال استسعى العبد في رقبته غير مشقوق عليه» وفي رواية: «من ~~أعتق شقصا له من مملوك فعليه أن يعتقه كله إن كان له مال، وإن لم يكن له ~~مال استسعى العبد غير مشقوق عليه» وأما المعقول: فهو أن الإعتاق إن كان ~~تصرفا في الملك والمالية بالإزالة، فالملك متجزئ وكذا المالية بلا شك، حتى ~~تجري فيه سهام الورثة ويكون مشتركا بين جماعة كثيرة من الغانمين وغيرهم، ~~وإن كان تصرفا في الرق فالرق متجزئ أيضا؛ لأن محله متجزئ وهو العبد وإذا ~~كان محله متجزئا، كان هو متجزئا ضرورة. # وأما حكم الاثنين إذا أعتقا عبدا مشتركا بينهما، كان الولاء بينهما نصفين ~~والولاء من أحكام العتق فدل تجزؤه على تجزؤ العتق، وأما الحديث: فقد قيل: ~~إنه غير مرفوع بل هو موقوف على عمر - رضي الله عنه - وقد روي عنه خلافه، ~~فإنه روي أنه قال في عبد بين ms2287 صبي وبالغ أعتق البالغ نصيبه قال: ينتظر بلوغ ~~الصبي، فإذا بلغ إن شاء أعتق وإن شاء استسعى، ولئن ثبت رفعه فتأويله من ~~وجهين: أحدهما أن معنى قوله: عتق كله أي: استحق عتق كله؛ لأنه يجب تخريج ~~الباقي إلى العتق لا محالة فيعتق الباقي لا محالة بالاستسعاء أو بالضمان، ~~وما كان مستحق الوجود يسمى باسم الكون والوجود قال الله تعالى: {إنك ميت ~~وإنهم ميتون} [الزمر: 30] والثاني أنه يحتمل أن المراد منه عتق كله للحال، ~~ويحتمل أن المراد منه عتق كله عند الاستسعاء والضمان، فنحمله على هذا عملا ~~بالأحاديث كلها. # وأما قولهما: إن العتق قوة حكمية فيعتبر بالقوة الحقيقية وثبوتها في ~~البعض شائعا ممتنع، فكذا الحكمية، فنقول: لم قلتم: إن اعتبار الحكم ~~بالحقيقة لازم؟ أليس أن الملك عبارة عن القدرة الحكمية والقوة والقدرة ~~سواء، ثم الملك يثبت في النصف شائعا وهذا؛ لأن الأمر الشرعي يعرف بدليل ~~الشرع وهو النص والاستدلال لا بالحقائق، وما ذكر من الآثار فليست من لوازم ~~العتق. # ألا ترى أنه يتصور ثبوت العتق بدونها كما في الصبي والمجنون، بل هي من ~~الثمرات وفوات الثمرة لا يخل بالذات، ثم إنها من ثمرات حرية كل الشخص لا من ~~ثمرات حرية البعض. # فإن الولايات والشهادات شرعت قضاء حق العاجزين؛ شكرا لنعمة القدرة، وذلك ~~عند كمال النعمة وهو أن ينقطع عنه حق المولى ليصل إلى إقامة حقوق الغير، ~~وقولهما: لا يتجزأ ثبوته كذا زواله من مشايخنا من منع وقال: إن الإمام إذا ~~ظهر على جماعة من الكفرة وضرب الرق على أنصافهم ومن على الأنصاف جاز، ويكون ~~حكمهم حكم معتق البعض في حالة البقاء، ثم إن سلمنا، فالرق متجزئ في نفسه ~~حالة الثبوت، لكنه تكامل لتكامل سببه وهو الاستيلاء إذ لا يتصور وروده على ~~بعض المحل دون بعض، وفي حالة البقاء وجود سبب زواله كاملا وقاصرا فيثبت ~~كاملا وقاصرا على حسب السبب. # وأما التخريج إلى الإعتاق وامتناع جواز التصرفات فليس لعدم التجزؤ بل ~~لمعنى آخر نذكره إن شاء الله تعالى وأما الاستيلاد، فممنوع؛ أنه ms2288 لا يتجزأ ~~بل هو متجزئ، فإن الأمة المشتركة بين اثنين إذا جاءت بولد فادعياه جميعا، ~~صارت أم ولد لهما، إلا أنه إذا ادعى أحدهما، صارت كلها أم ولد له؛ لوجود ~~سبب التكامل وهو نسبة كل أم الولد إليه بواسطة الولد على ما نذكره في كتاب ~~الاستيلاد وما من متجزئ إلا وله حال الكمال إذا وجد السبب بكمال يتكامل، ~~وإذا وجد قاصرا، لا يتكامل بل يثبت بقدره، وفي مسألتنا وجد قاصرا فلم ~~يتكامل، وكذا إعتاق أم الولد متجزئ والثابت له عتق النصف، وإنما يثبت له ~~العتق في النصف الباقي لا بإعتاقه؛ بل لعدم الفائدة في بقاء نصيب الشريك ~~كما في الطلاق والعفو عن القصاص، على ما عرف في مسائل الخلاف، والله أعلم. # وإذا عرف هذا الأصل، يبنى عليه مسائل: عبد بين رجلين أعتق أحدهما نصيبه، ~~يعتق نصيبه لا غير عند أبي حنيفة؛ لأن الإعتاق عنده متجرئ، وإعتاق البعض لا ~~يوجب إعتاق الكل بل يعتق بقدر ما أعتق ويبقى الباقي رقيقا، وللشريك الساكت ~~خمس خيارات: إن شاء أعتق نصيبه وإن شاء دبره، وإن شاء كاتبه وإن شاء ~~استسعاه معسرا كان المعتق أو موسرا ويسعى وهو رقيق، وإن شاء ضمن المعتق ~~قيمة نصيبه إن كان موسرا وليس له خيار الترك على حاله؛ لأنه لا سبيل إلى ~~الانتفاع به مع ثبوت الحرية في جزء منه، وترك المال من غير انتفاع أحد به ~~سبب له وإنه حرام فلا بد من تخريجه إلى العتق وله الخيار في ذلك من الوجوه ~~التي وصفنا أما خيار الإعتاق والتدبير والكتابة؛ فلأن نصيبه باق # PageV04P087 # على ملكه وأنه يحتمل لهذه التصرفات كما في حال الابتداء. # وأما خيار السعاية؛ فلأن نصيبه صار محتسبا عند العبد لحقه لثبوت العتق في ~~نصفه فيصير مضمونا عليه، كما إذا انصبغ ثوب إنسان بصبغ غيره من غير صنع ~~أحد، فاختار صاحب الثوب الثوب أنه يجب عليه ضمان الصبغ؛ لصيرورة الصبغ ~~محتسبا عنده لقيامه بثوب مملوك له لا يمكنه التمييز. # كذا ههنا؛ ولأن في السعاية سلامة نفسه ورقبته ms2289 له وإن لم تصر رقبته مملوكة ~~له، ويجوز إيجاب الضمان بمقابلة سلامة الرقبة من غير تملك كالمكاتب وشراء ~~العبد نفسه من مولاه؛ ولأن منفعة الإعتاق حصلت فكان عليه ضمانه؛ لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «الخراج بالضمان» ثم خيار السعاية مذهبنا، وقال ~~الشافعي: لا أعرف السعاية في الشريعة، والوجه لقوله إن ضمان السعاية إما أن ~~يكون ضمان إتلاف وإما أن يكون ضمان تملك، ولا إتلاف من العبد بوجه إذ لا ~~صنع له في الإعتاق رأسا، ولا ملك يحصل للعبد في نفسه بالضمان؛ ولأن المولى ~~لا يجب له على عبده دين؛ لما فيه من الاستحالة وهي كون الشيء الواحد واجبا ~~عليه وله؛ ولأن العبد معسر، والضمان في هذا الباب لا يجب على المعسر. # ألا ترى أنه لا يجب على المعتق إذا كان معسرا مع وجود الإعتاق منه فالعبد ~~أولى، ولنا ما روينا من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وروى محمد بن ~~الحسن عن أبي يوسف عن الحجاج بن أرطاة عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما ~~- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أعتق عبدا بينه وبين ~~شريكه يقوم نصيب شريكه قيمة عدل، فإن كان موسرا ضمن نصيب شريكه، وإن كان ~~معسرا سعى العبد غير مشقوق عليه» فدل أن القول بالسعاية لازم في الجملة ~~عرفها الشافعي أو لم يعرفها وكذا ما ذكرنا من المعاني وبه يتبين أن ضمان ~~السعاية ليس ضمان إتلاف ولا ضمان تملك بل هو ضمان احتباس وضمان سلامة النفس ~~والرقبة وحصول المنفعة؛ لأن كل ذلك من أسباب الضمان على ما بينا، وقوله: لا ~~يجب للمولى على عبده دين، قلنا: وقد يجب كالمكاتب والمستسعى في حكم المكاتب ~~عنده، إلى أن يؤدي السعاية إلى الشريك الساكت إذا اختار السعاية أو إلى ~~المعتق إذا ضمنه الشريك الساكت؛ لأنه يسعى لتخليص رقبته عن الرق كالمكاتب، ~~وتثبت فيه جميع أحكام المكاتب من الإرث والشهادة والنكاح، فلا يرث ولا يورث ~~ولا يشهد ولا يتزوج إلا اثنتين لا يفترقان إلا في ms2290 وجه واحد، وهو أن المكاتب ~~إذا عجز يرد في الرق والمستسعى لا يرد في الرق إذا عجز؛ لأن الموجب للسعاية ~~موجود قبل العجز وبعده وهو ثبوت الحرية في جزء منه؛ ولأن رده في الرق ههنا ~~لا يفيد؛ لأنا لو رددناه إلى الرق، لاحتجنا إلى أن نجبره على السعاية عليه ~~ثانيا فلا يفيد الرق، فإن قيل: بدل الكتابة لا يلزم العبد إلا برضاه ~~والسعاية تلزمه من غير رضاه فأنى يستويان؟ فالجواب أنه إنما كان كذلك؛ لأن ~~بدل الكتابة يجب بحقيقة العقد إذ المكاتبة معاوضة من وجه، فافتقرت إلى ~~التراضي، والسعاية لا تجب بعقد الكتابة حقيقة بل بكتابة حكمية ثابتة بمقتضى ~~اختيار السعاية، فلا يقف وجوبها على الرضا؛ لأن الرضا إنما شرط في الكتابة ~~المبتدأة؛ لأنه يجوز أن يرضى بها العبد ويجوز أن لا يرضى بها، ويختار ~~البقاء على الرق فوقفت على الرضا، وههنا لا سبيل إلى استبقائه على الرق ~~شرعا إذ لا يجوز ذلك فلم يشرط رضاه للزوم السعاية ثم اختلف أصحابنا فقال ~~أبو حنيفة: هذا الخيار يثبت للشريك الذي لم يعتق سواء كان المعتق معسرا أو ~~موسرا، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يثبت إلا إذا كان معسرا؛ لأن الإعتاق لما ~~لم يكن متجزئا عندهما، كان المعتق متلفا نصيب الشريك فوجب عليه الضمان، ~~ووجوب الضمان يمنع وجوب السعاية فكان ينبغي أن لا يجب حال الإعسار أيضا وأن ~~لا يكون الواجب إلا الضمان في الحالين جميعا وهو قول بشر بن غياث المريسي ~~وهو القياس؛ لأن ضمان الإتلاف لا يختلف بالإعسار واليسار، إلا أنا عرفنا ~~وجوبها على خلاف القياس بالنص الذي روينا، والنص ورد فيها في حال الإعسار، ~~فحال اليسار يقف على أصل القياس، ولما كان متجزئا عنده، لم يكن الإعتاق ~~إتلافا لنصيب الشريك حتى يوجب ضمان الإتلاف، لكن بقي نصيبه محتسبا عند ~~العبد بحقه بحيث لا يمكن استخلاصه منه، وهذا يوجب الضمان على ما بينا وهذا ~~المعنى لا يوجب الفصل بين حال اليسار وبين حال الإعسار فيثبت خيار السعاية ~~في الحالين، وإذا ms2291 عتق بالإعتاق أو بالسعاية أو ببدل الكتابة، فالولاء ~~بينهما؛ لأن الولاء للمعتق والإعتاق حصل منهما. # وأما خيار التضمين حال يسار # PageV04P088 # المعتق فأمر ثبت شرعا غير معقول المعنى بالأحاديث التي روينا؛ لأن ~~الإعتاق إذا كان متجزئا عنده، كان المعتق متصرفا في ملك نفسه على طريق ~~الاقتصار، ومن تصرف في ملك نفسه لا يؤاخذ بما حدث في ملك غيره عند تصرفه، ~~لا بتصرفه كمن أحرق دار نفسه فاحترقت دار جاره، أو سقى أرض نفسه فنزت أرض ~~جاره، أو حفر بئرا في دار نفسه فوقع فيها إنسان ونحو ذلك، إلا أن وجوب ~~الضمان حالة اليسار ثبت بالنصوص تعبدا غير معقول فتبقى حالة الإعسار على ~~أصل القياس، أو ثبت معقولا بمعنى النظر للشريك؛ كي لا يتلف ماله بمقابلة ~~مال في ذمة المفلس من غير صنع من المعتق في نصيب شريكه، فصلح أن يكون موجبا ~~للضمان ومن غير أن يكون في مقابلته عوض فيكون ضمان صلة وتبرع، كنفقة ~~المحارم، وضمان الصلة والتبرع إنما يجب حالة اليسار كما في نفقة الأقارب أو ~~وجب نظرا للعبد؛ لأنه تبرع عليه بإعتاق نصفه فلم يتم غرضه في إيصال ثمرات ~~العتق إلى العبد، فوجب عليه الضمان تتميما لغرضه فيختص وجوبه بحالة اليسار، ~~ومن مشايخنا من سلك طريقة أخرى لأبي حنيفة في ضمان العتق. # فقال: هذا ضمان إفساد عنده؛ لأن المعتق بإعتاقه نصيبه أفسد نصيب شريكه ~~حيث أخرجه من أن يكون منتفعا به في حقه، حتى لا يملك فيه سائر التصرفات ~~المزيلة للملك عقيب فعله، وإنما يملك الإعتاق والسعاية والحكم متى ثبت عقيب ~~وصف مؤثر يضاف إليه، إلا أنه لا يجب على المعسر نصا بخلاف القياس، ومنهم من ~~قال: هو ضمان تملك؛ لأنه بوجوب الضمان على المعتق يصير نصيب شريكه ملكا له، ~~حتى كان له أن يعتق نصيبه مجانا بغير عوض، وإن شاء استسعى العبد، وهذا ~~تفسير ضمان التملك أن يكون بمقابلة الضمان ملك العوض، وهذا كذلك؛ ولهذا كان ~~ضمان الغصب ضمان تملك، وضمان التملك لا يستدعي وجود الإتلاف كضمان الغصب، ms2292 ~~فإن قيل: كيف يكون ضمان التملك، والمضمون وهو نصيب الشريك لا يحتمل النقل ~~من ملك إلى ملك؟ قيل: يحتمل النقل إلى ملك المعتق بالضمان إن كان لا يحتمل ~~النقل إلى ملك غيره، ويجوز بيعه منه أيضا في القياس، هكذا ذكر في الأصل ~~وقال: إن باع الذي لم يعتق نصيبه من المعتق أو وهبه له على عوض أخذه منه، ~~وهذا واختياره الضمان سواء في القياس، غير أن هذا أفحشهما، والبيع: هو نقل ~~الملك بعوض، إلا أن في الاستحسان لا يجوز بيعه من المعتق كما لا يجوز في ~~غيره، لكن هذا لا ينفي جواز النقل لا على وجه البيع، فإن الشيء قد يحتمل ~~النقل إلى إنسان بالضمان، وإن كان لا يحتمله بجهة البيع، فإن الخمر تنتقل ~~إلى المسلم بالضمان بأن أتلف على ذمي خمره وإن كانت لا تنتقل إليه بالبيع، ~~على أن قبول المحل لانتقال الملك فيه بشرط حال انعقاد السبب لا حال أداء ~~الضمان؛ لأنه لا يملكه من ذلك الوقت فيراعى قبول المحل في ذلك الوقت، ألا ~~ترى أن من غصب من آخر عبدا فهلك في يده ثم أدى الضمان أنه يملكه، ومعلوم أن ~~الهالك لا يقبل الملك، لكن لما كان قابلا وقت انعقاد السبب والملك يثبت من ~~ذلك الوقت، يعتبر قبول المحل فيه، وكذا ههنا. # ثم إذا ضمن الذي أعتق، فالمعتق بالخيار إن شاء أعتق ما بقي وإن شاء دبر ~~وإن شاء كاتب وإن شاء استسعى؛ لما ذكرنا في الشريك الذي لم يعتق؛ لأن نصيبه ~~انتقل إليه فقام مقامه وبأي وجه عتق من الإعتاق أو السعاية فولاء العبد كله ~~له؛ لأنه عتق كله على ملكه، هذا إذا كان المعتق موسرا. # فأما إن كان معسرا، فللشريك أربع خيارات: إن شاء أعتق وإن شاء دبر وإن ~~شاء كاتب وإن شاء استسعى؛ لما ذكرنا. # وأما على قول أبي يوسف ومحمد فيعتق كله؛ لأن الإعتاق عندهما لا يتجزأ ~~فكان إعتاق بعضه إعتاقا لكله ولا خيار للشريك عندهما، وإنما له الضمان لا ~~غير إن كان ms2293 المعتق موسرا، وإن كان معسرا فله السعاية لا غير؛ لما ذكرنا أن ~~المعتق صار متلفا نصيب الشريك فكان ينبغي أن يكون الواجب هو الضمان في حالة ~~اليسار والإعسار، إلا أن وجوب السعاية حال الإعسار ثبت بخلاف القياس بالنص. # وأما على قول الشافعي إن كان المعتق موسرا، عتق كله وللشريك أن يضمنه لا ~~غير كما قالا وإن كان معسرا يعتق ما أعتق ويبقى الباقي محلا لجميع التصرفات ~~المزيلة للملك من البيع والهبة وغير ذلك؛ لأن الإعتاق عنده لا يتجزأ في ~~حالة اليسار، وفي حالة الإعسار يتجزأ؛ لما ذكرنا من الدلائل لأبي حنيفة، ~~فيقتصر حكم تصرف المعتق على نصيبه فيبقى نصيبه على ما كان من مشايخنا من ~~قال: لا خلاف بين أصحابنا في أن العتق لا يتجزأ وإنما اختلفوا في الإعتاق ~~وهذا غير سديد؛ لأن الإعتاق لما كان # PageV04P089 # متجزئا عند أبي حنيفة، كان العتق متجزئا ضرورة إذ هو حكم الإعتاق، والحكم ~~يثبت على وفق العلة، ولما لم يكن متجزئا عندهما لم يكن الإعتاق متجزئا ~~أيضا؛ لما قلنا؛ ولأن القول بهذا قول بتخصيص العلة؛ لأنه يوجد الإعتاق في ~~النصف ويتأخر العتق فيه إلى وقت الضمان أو السعاية، وأنه قول بوجود العلة ~~ولا حكم وهو تفسير تخصيص العلة وأنه باطل، ولنا أن العتق وإن ثبت في نصيب ~~المعتق على طريق الاقتصار عليه، لكن في الإعتاق حق الله عز وجل وحق العبد ~~بالإجماع وإنما اختلفوا في الرجحان. # فالقول بالتمليك إبطال الحقين وهذا لا يجوز، وكذا فيه إضرار بالمعتق ~~بإهدار تصرفه من حيث الثمرة للحال، وإضرار بالعبد من حيث إلحاق الذل به في ~~استعمال النصف الحر والضرر منفي شرعا فإن قيل: إن كان في التمليك إضرار ~~بالمعتق، ففي المنع من التمليك إضرار بالشريك الساكت؛ لما فيه من منعه من ~~التصرف في ملكه فوقع التعارض، فالجواب: إنا لا نمنعه من التمليك أصلا ورأسا ~~فإن له أن يضمن المعتق ويستسعي العبد ويكاتبه، وفي التضمين تمليكه من ~~المعتق بالضمان، وفي الاستسعاء والمكاتبة إزالة الملك إلى عوض وهو السعاية ~~وبدل ms2294 الكتابة، فكان فيما قلنا رعاية الجانبين فكان أولى. # فإن اختار التدبير فدبر نصيبه صار نصيبه مدبرا عند أبي حنيفة لأن نصيبه ~~باق على ملكه؛ فيحتمل التخريج إلى العتق، والتدبير تخرج إلى العتق إلا أنه ~~لا يجوز له أن يتركه على حاله ليعتق بعد الموت بل يجب عليه السعاية للحال ~~فيؤدي فيعتق، لأن تدبيره اختيار منه للسعاية وله أن يعتق لأن المدبر قابل ~~للإعتاق، وليس له أن يضمن المعتق؛ لأن التضمين يقتضي تملك المضمون والمدبر ~~لا يحتمل النقل من ملك إلى ملك؛ لأن تدبيره اختيار منه للسعاية، واختيار ~~السعاية يسقط ولاية التضمين على ما نذكر إن شاء الله تعالى وإن اختار ~~الكتابة، فكاتب نصيبه يصير نصيبه مكاتبا عند أبي حنيفة؛ لما ذكرنا، وكانت ~~مكاتبته اختيارا منه للسعاية، حتى لا يملك تضمين المعتق بعد ذلك؛ ولأن ملك ~~المكاتب وهو مكاتب لا يحتمل النقل أيضا؛ فتعذر التضمين ويملك إعتاقه؛ لأن ~~الكتابة لا تمنع من الإعتاق. # ثم معتق البعض إذا كوتب فالأمر لا يخلو إما إن كاتبه على الدراهم ~~والدنانير، وإما إن كاتبه على العروض، وإما إن كاتبه على الحيوان. # فإن كاتبه على الدراهم والدنانير فإن كانت المكاتبة على قدر قيمته جازت؛ ~~لأنه قد ثبت له اختيار السعاية، فإذا كاتبه على ذلك فقد اختار السعاية ~~وتراضيا عليها، وإن كاتبه على أقل من قيمته يجوز أيضا؛ لأنه رضي بإسقاط بعض ~~حقه وله أن يرضى بإسقاط الكل؛ فهذا أولى، وإن كاتبه على أكثر من قيمته فإن ~~كانت الزيادة مما يتغابن الناس في مثلها، جازت أيضا؛ لأنها ليست زيادة ~~متحققة لدخولها تحت تقويم أحد المقومين، وإن كانت مما لا يتغابن الناس في ~~مثلها، جازت أيضا؛ لأنها ليست زيادة متحققة لدخولها تحت تقويم أحد ~~المقومين، وإن كانت مما لا يتغابن الناس في مثلها، يطرح عنه الفضل؛ لأن ~~مكاتبته اختيار للسعاية، والسعاية من جنس الدراهم والدنانير، فلا يجوز أخذ ~~الزيادة على القدر المستحق؛ لأنه يكون ربا، وإن كانت المكاتبة على العروض، ~~جازت بالقليل والكثير؛ لأن الثابت له عليه وهو ms2295 السعاية من جنس الدراهم ~~بالعروض جائز قلت العروض أو كثرت، وإن كانت على الحيوان جازت؛ لأن الحيوان ~~يثبت دينا في الذمة عوضا عما ليس بمال؛ ولهذا جاز ابتداء الكتابة على حيوان ~~ويجب الوسط، كذا هذا. # ولو صالح الذي لم يعتق العبد أو المعتق على مال، فهذا لا يخلو عن الأقسام ~~التي ذكرناها في المكاتبة. # فإن كان الصلح على الدراهم والدنانير على نصف قيمته لا شك أنه جائز، وكذا ~~إذا كان على أقل من نصف قيمته؛ لأنه يستحق نصف القيمة، فإذا رضي بدونه فقد ~~أسقط بعض حقه فيجوز، وكذا إن كان على أكثر من نصف قيمته مما يتغابن الناس ~~في مثله؛ لما قلنا، فأما إذا كان على أكثر من نصف قيمته مما لا يتغابن ~~الناس في مثله فالفضل باطل في قولهم جميعا، أما على أصل أبي يوسف ومحمد ~~فظاهر؛ لأن نصف القيمة قد وجب على العبد أو على المعتق، والقيمة من الدراهم ~~والدنانير، فالزيادة على القدر المستحق تكون فضل مال لا يقابله عوض في عقد ~~المعاوضة؛ فيكون ربا كمن كان له على آخر ألف درهم فصالحه على ألف وخمسمائة، ~~أن الصلح يكون باطلا كذا هذا، وهذا على أصلهما مطرد؛ لأن عندهما أن من أتلف ~~على آخر ما لا مثل له، أو غصب منه ما لا مثل له فهلك في يده؛ فالثابت في ~~ذمته القيمة حتى لو صالح على أكثر من قيمته، لا يجوز عندهما فكذا ضمان ~~العتق؛ لأنه ضمان إتلاف عندهما. # وأما عند أبي حنيفة فالصلح عن المتلف أو المغصوب على # PageV04P090 # أضعاف قيمته جائز وههنا نقول: لا يجوز فيحتاج إلى الفرق بين المسألتين ~~والفرق له من وجوه: أحدها أن الواجب بالإتلاف والغصب فيما لا مثل له من ~~جنسه في ذمة المتلف، والغاصب هو المتلف لا قيمته، فإذا صالح على أكثر من ~~قيمة المتلف والمغصوب، كان ذلك عوضا عن المتلف فجاز، وضمان العتق ليس بضمان ~~إتلاف ولا ضمان غصب عنده؛ لثبوت المتلف والمغصوب في الذمة فكان الثابت في ~~الذمة هو القيمة وهي ms2296 دراهم ودنانير فلا يجوز الصلح على أكثر منها، والثاني: ~~أن الغاصب إنما يملك المغصوب عند اختيار الضمان لا قبله بدليل أن له أن لا ~~يضمنه ليهلك على ملكه فيثاب على ذلك ويخاصم الغاصب يوم القيامة فكان ~~المغصوب قبل اختيار الضمان على ملك المغصوب منه فكان هذا صلحا عن العبد على ~~هذا القدر من المالين، فكأنه ملكه منه به وأنه محتمل للملك فصح، ومعتق ~~البعض لا يحتمل التمليك مقصودا فكان الصلح عن قيمته فلا يجوز؛ لما بينا، ~~والثالث: أن الضمان في باب الغصب يجب وقت الغصب؛ لأنه هو السبب الموجب ~~للضمان فيثبت الملك إلى الغاصب في المغصوب في ذلك الوقت وأنه في ذلك الوقت ~~قابل للتمليك فيصح الصلح على القليل والكثير، والضمان في باب العتق يجب وقت ~~الإعتاق والعبد في ذلك الوقت لا يحتمل التمليك مقصودا، فالصلح لا يقع عن ~~العبد وإنما يقع عن قيمته فلا تجوز الزيادة من قيمته وإن كان الصلح على ~~عرض، جاز بالقليل والكثير؛ لأن ذلك بيع العرض بالدراهم والدنانير وذلك جائز ~~كيفما كان، وإن صالحه على شيء من الحيوان كالعبد والفرس ونحوهما فإن صالح ~~العبد، جاز وعليه الوسط وإن صالح المعتق، لم يجز؛ لأن في الفصل الأول جعل ~~الحيوان بدلا عن العتق وأنه ليس بمال والحيوان يثبت دينا في الذمة بدلا عما ~~ليس بمال كالإعتاق على مال، والكتابة، والنكاح والصلح عن دم العمد، ولأن ~~الصلح مع العبد في معنى مكاتبته وإن كاتبه على عبد مطلق أو فرس، يصح ويجب ~~الوسط كذا هذا، وأما في الفصل الثاني فإنما جعل الحيوان بدلا عن القيمة ~~وأنها مال والحيوان لا يثبت دينا في الذمة بدلا عن المال كالبيع ونحوه. # ولو كان المعتق في العبد صبيا أو مجنونا له أب أو جد أو وصي، فوليه، أو ~~وصيه بالخيار إن شاء ضمن المعتق وإن شاء استسعى العبد وإن شاء كاتبه وليس ~~له أن يعتق أو يدبر؛ لأن التدبير إعتاق والصبي والمجنون لا يملكان الإعتاق ~~فلا يملكه من يلي عليهما، وإنما ملك الأب ms2297 والوصي الاستسعاء والتضمين؛ لأن ~~الاستسعاء مكاتبة والأب والوصي يملكان مكاتبة عبد الصبي والمجنون، والتضمين ~~فيه نقل الملك إلى المعتق فيشبه البيع وهما يملكان بيع مال الصبي والمجنون. # وكذلك لو كان الشريك مكاتبا أو مأذونا عليه دين، أنه يتخير بين الضمان ~~والسعاية والمكاتبة إلا أنهما لا يملكان الإعتاق؛ لانعدام ملك الرقبة أما ~~ثبوت الخيار للمكاتب فلا شك فيه؛ لأنه أخص بالتصرف فيما في يده من المولى. # وأما المأذون والذي عليه دين فكذلك؛ لأن المولى لا يملك ما في يده على ~~أصل أبي حنيفة فيكون الخيار للعبد وعلى أصلهما إن كان يملك، لكن العبد أخص ~~بالتصرف فيما في يده من المولى فإن لم يكن عليه دين، فالخيار للمولى كما في ~~الحرية؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين فهو وما في يده ملك المولى فكان الخيار ~~للمولى، فإن اختار الشريك السعاية ففي الصبي والمجنون الولاء لهما؛ لأنهما ~~من أهل الولاء لكونهما حرين، وفي المكاتب والمأذون الولاء للمولى؛ لكونهما ~~رقيقين والولاء لا يثبت إلا للحر وإن لم يكن للصغير والمجنون ولي ولا وصي. # فإن كان هناك حاكم، نصب الحاكم من يختار لهما أصلح الأمور من التضمين ~~والاستسعاء والمكاتبة، وإن لم يكن هناك حاكم، وقف الأمر حتى يبلغ الصبي ~~ويفيق المجنون فيستوفيان حقوقهما من الخيارات الخمس. # ثم إذا اختلف حكم اليسار والإعسار في الضمان لا بد من معرفتهما، فاليسار ~~هو أن يملك المعتق قدر قيمة ما بقي من العبد قلت أو كثرت، والإعسار هو أن ~~لا يملك هذا القدر لا ما يتعلق به حرمة الصدقة وحلها، حتى لو ملك هذا القدر ~~كان للشريك ولاية تضمينه وإلا فلا إلى هذا وقعت الإشارة فيما روينا من حديث ~~أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«من كان له شقص في مملوك فأعتقه فعليه خلاصه من ماله إن كان له مال، وإن لم ~~يكن له مال، استسعى العبد في رقبته غير مشقوق عليه» . # اعتبر مطلق المال لا النصاب، وأشار - صلى الله عليه ms2298 وسلم - إلى أن الواجب ~~تخليص العبد وبهذا القدر يحصل التخليص، وبدونه لا يحصل # PageV04P091 # ثم يسار المعتق وإعساره يعتبر وقت الإعتاق حتى لو كان معسرا وقت الإعتاق ~~لا يضمن وإن أيسر بعد ذلك؛ لأن ذلك وقت وجوب الضمان فيعتبر ذلك الوقت كضمان ~~الإتلاف والغصب، ولو اختلفا في اليسار والإعسار فإن كان اختلافهما حال ~~الإعتاق، فالقول قول المعتق؛ لأن الأصل هو الفقر والغنى عارض فكان الظاهر ~~شاهدا للمعتق والبينة بينة الآخر؛ لأنها تثبت زيادة، وإن كان الإعتاق ~~متقدما واختلفا فقال المعتق: أعتقت عام الأول وأنا معسر ثم أيسرت، فيعتبر ~~ذلك الوقت، وقال الآخر: بل أعتقته عام الأول وأنت موسر فالقول قول المعتق ~~وعلى الشريك إقامة البينة؛ لأن حالة اعتبار اليسار والإعسار شاهد للمعتق ~~فيحكم الحال، كما إذا اختلف صاحب الرحى والطحان في انقطاع الماء وجريانه، ~~أنه يحكم الحال، كذا ههنا. # وقد قال أبو يوسف في عبدين بين رجلين قال أحدهما: أحدكما حر وهو فقير، ثم ~~استغنى ثم اختار أن يوقع العتق على أحدهما، ضمن نصف قيمته يوم العتق، وكذلك ~~لو كان مات قبل أن يختار وقد استغنى قبل موته، ضمن ربع قيمة كل واحد منهما ~~إنما أنظر إلى حاله يوم أوقع بمنزلة من كاتب نصيبه من العبد ثم أدى العبد ~~فيعتق ثم إنما أنظر إلى حال مولاه يوم عتق المكاتب ولا أنظر إلى حاله يوم ~~كاتب وهذا على أصله صحيح؛ لأن إضافة العتق إلى المجهول تعليق لعتق عبده ~~بشرط الاختيار كأنه علقه به نصا فيعتبر حاله يوم الاختيار؛ لأنه يوم العتق ~~كما لو قال لعبد مشترك بينه وبين غيره: إن دخلت الدار فأنت حر، فدخل أنه ~~يضمن نصف قيمته يوم دخل الدار لا يوم اليمين؛ لأن يوم الدخول هو يوم العتق. # وأما على أصل محمد فإضافة العتق إلى المجهول تنجيز، وإنما الاختيار تعيين ~~لمن وقع عليه العتق فيعتبر صفة العتق في يساره وإعساره يوم التكلم بالعتق ~~وكذا يعتبر قيمة العبد في الضمان والسعاية يوم الإعتاق حتى لو علمت قيمته ~~يوم أعتق ثم ms2299 ازدادت أو انتقصت أو كاتب أمة فولدت لم يلتفت إلى ذلك ويضمنه ~~قيمته يوم أعتقه؛ لأنه يوم وجوب الضمان فيعتبر قيمته يومئذ كما في الغصب ~~والإتلاف، وإن لم يعلما ذلك واختلفا فجملة الكلام فيه أن العبد لا يخلو إما ~~أن يكون قائما وقت الخصومة وإما أن يكون هالكا اتفقا على حال المعتق أو ~~اختلفا فيها، والأصل في هذه الجملة أن الحال إن كانت تشهد لأحدهما، فالقول ~~قوله؛ لأن الحال شاهد صادق أصله مسألة الطاحونة وإن كانت لا تشهد لأحدهما، ~~فالقول قول المعتق؛ لأنه منكر، فإن كان العبد قائما وقت الخصومة واتفقا على ~~العتق في الحال واختلفا في قيمته بأن قال المعتق: قد أعتقته اليوم وقيمته ~~كذا، وقال شريكه: نعم أعتقته اليوم إلا أن قيمته أكثر من ذلك يرجع إلى ~~قيمته للحال ولا يعتبر التحالف والبينة؛ لأن الحال أصدق، وكذا لو اختلفا في ~~حال العتق فقال المعتق: أعتقته قبل هذا وكانت قيمته كذا، وقال الآخر: ~~أعتقته اليوم وقيمته أكثر، أو قال المعتق: أعتقته اليوم وقيمته كذا، وقال ~~الآخر: بل أعتقته قبل ذلك وقيمته كانت أكثر رجع إلى قيمته في الحال؛ لأن ~~الحال إذا شهدت لأحدهما فالظاهر أن قيمته كانت كذلك وقت الإعتاق، إذ الأصل ~~دوام الحال والتغير خلاف الأصل فكان الظاهر شاهدا له فأشبه اختلاف صاحب ~~الطاحونة مع الطحان في انقطاع الماء وجريانه أنه يحكم الحال فيه، كذا هذا. # وإن اتفقا على أن العتق كان متقدما على زمان الخصومة لكن قال المعتق: ~~قيمته كانت كذا شهدت وقال الشريك: بل كانت أكثر، فههنا لا يمكن تحكيم الحال ~~الرجوع إلى قيمة العبد في الحال لأنها تزيد وتنقص في المدة ويكون القول قول ~~المعتق؛ لأن الشريك يدعي عليه زيادة ضمان وهو ينكر؛ فكان القول قوله ~~كالمتلف والغاصب، وقالوا في الشفعة: إذا احترق البناء واختلف الشفيع ~~والمشتري في قيمته وقيمة الأرض: إن المرجع إلى قيمة الأرض في الحال، والقول ~~قول المشتري في البناء؛ لأن الشفيع يريد أن يتملك عليه الأرض بالشفعة فلا ~~يجوز أن يتملكها ms2300 إلا بقوله، فأما المعتق فلا يريد أن يتملك على شريكه وإنما ~~شريكه يدعي عليه زيادة ضمان، وهو ينكر وكذلك إذا كان العبد هالكا فالقول ~~قول المعتق؛ لما قلنا: إنه منكر للزيادة، والله عز وجل أعلم. # فإن هلك العبد قبل أن يختار الشريك الذي لم يعتق شيئا هل له أن يضمن ~~المعتق إذا كان موسرا؟ اختلفت الرواية فيه عن أبي حنيفة روى محمد عنه وهو ~~رواية الحسن وإحدى روايتي أبي يوسف، أن له أن يضمن المعتق، وروى أبو يوسف ~~رواية أخرى عنه أنه لا ضمان على المعتق، وجه هذه الرواية أن تضمين المعتق ~~ثبت نصا # PageV04P092 # بخلاف القياس؛ لما بينا فيما تقدم أن الشريك بالإعتاق تصرف في نصيب نفسه ~~على وجه الاقتصار عليه؛ لبقاء نصيب الشريك على ملكه ويده بعد الإعتاق، إلا ~~أن ولاية التضمين ثبتت شرعا بشريطة نقل ملك المضمون إلى الضمان، فإذا هلك ~~لم يبق الملك فلا يتصور نقله فتبقى ولاية التضمين على أصل القياس، وجه ~~رواية محمد أن ولاية التضمين قد ثبتت بالإعتاق فلا تبطل بموت العبد، كما ~~إذا مات العبد المغصوب في يد الغاصب. # وأما قوله: ملك الشريك بهلاك العبد خرج عن احتمال النقل. # فنقول: الضمان يستند إلى وقت الإعتاق فيستند ملك المضمون إلى ذلك الوقت ~~كما في باب الغصب وهو في ذلك الوقت كان محتملا للنقل فأمكن إيجاب الضمان، ~~وإذا ضمن المعتق يرجع المعتق بما ضمنه في تركة العبد إن كان له تركة وإن لم ~~يكن، فهو دين عليه؛ لما ذكرنا من أصل أبي حنيفة أن نصيب الشريك يبقى على ~~ملكه وله أن يضمن المعتق إن كان موسرا، وإذا ضمنه ملك المعتق نصيبه بالسبب ~~السابق وهو الإعتاق وكان له أن يرجع بذلك في تركة العبد كما كان له أن يأخذ ~~منه لو كان حيا وإن كان معسرا فله أن يرجع في تركة العبد وإن لم يترك شيئا ~~فلا شيء للشريك؛ لأن حقه عليه وهو قد مات مفلسا؛ هذا إذا مات العبد. # وأما إذا مات أحد الشريكين فإن ms2301 مات المعتق فلا يخلو إما أن يكون الإعتاق ~~منه في حال صحته وإما أن يكون في حال مرضه، فإن كان في حال صحته يؤخذ نصف ~~قيمة العبد من تركته بلا خلاف، وإن كان في حال مرضه لم يضمن شيئا حتى لا ~~يؤخذ من تركته، وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يستوفي الشريك من ~~ماله قيمة نصيبه وهذا مبني على الأصل الذي ذكرنا أن الإعتاق لا يتجزأ ~~عندهما، وعنده يتجزأ ووجه البناء على هذا الأصل أن الإعتاق لما لم يكن ~~متجزئا عندهما، كان ضمان العتق ضمان إتلاف، وضمان الإتلاف لا يختلف بالصحة ~~والمرض، ولما كان متجزئا عنده كان المعتق متصرفا في ملك نفسه على طريق ~~الاقتصار ومثل هذا لا يوجب الضمان في أصول الشرع، ولهذا لو كان معسرا لا ~~يجب الضمان ولو كان إعتاقه إتلافا أو إفسادا لنصيب شريكه معنى لوجب الضمان؛ ~~لأن ضمان الإتلاف لا يختلف باليسار والإعسار، إلا أنا عرفنا وجوب الضمان ~~بالنص، وأنه ورد في حال اليسار المطلق وذلك في حالة الصحة؛ لأنها حال خلوص ~~أمواله، وفي مرض الموت يتعلق بها حق الورثة حتى لا يصح إقراره للورثة أصلا ~~ولا يصح تبرعه على الأجنبي إلا من الثلث ولا تصح كفالته ولا إعتاقه إلا من ~~الثلث فلم يكن حال المرض حال يسار مطلق ولا ملك، فبقي الأمر فيها على أصل ~~القياس؛ ولأن ضمان العتق ضمان صلة وتبرع لوجوبه من غير صنع من جهة المعتق ~~في نصيب الشريك، ألا ترى أنه لا يجب على المعسر، والصلات إذا لم تكن مقبوضة ~~تسقط بالموت كنفقة الأقارب والزكاة وغير ذلك، وإلى هذا أشار محمد لأبي ~~حنيفة أنه لو وجب الضمان على المريض ويؤخذ من تركته يكون هذا من مال ~~الوارث، والمعنى فيه أن الشرع جعل الثلث للمريض في حال مرض موته والثلثين ~~للورثة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث ~~أموالكم في آخر أعماركم زيادة على أعمالكم» وهكذا نقول في حالة الصحة: إنه ~~يجب صلة، ثم ms2302 قد ينقلب معاوضة في حالة البقاء فإنه يثبت به الملك في المضمون ~~في حق الإعتاق والاستسعاء، كالهبة بشرط العوض أنه ينعقد صلة ثم ينقلب ~~معاوضة وكذا الكفالة تنعقد تبرعا حتى لا تصح إلا ممن هو أهل التبرع، ثم ~~تنقلب معاوضة وإنما انقلبت معاوضة؛ لأنه يوجب الملك في رقبة الغير مجازاة ~~لصلته أو تحملا عن العبد؛ لأن الضمان عليه في الحقيقة لحصول النفع له ثم له ~~حق الرجوع في مالية العبد بالسعاية، كما في الكفالة أن الكفيل يكون متبرعا ~~في التحمل عن المكفول عنه، ثم إذا صح تحمله وملك ما في ذمته بالأداء إلى ~~المكفول له انقلبت معاوضة، ألا ترى أن من قال في حال الصحة: ما كان لك على ~~فلان فهو علي، ثم كان له على فلان في مرضه فأخذ ذلك من المريض، فإنه يعتبر ~~من جميع المال لا من الثلث ويؤخذ من تركته، ولو وجد ابتداء الكفالة في ~~المرض يكون المؤدى معتبرا من الثلث؛ فدل على التفرقة بين الفصلين، وإن مات ~~الشريك الذي لم يعتق ثبت الخيار لورثته فإن اجتمعوا على شيء من الإعتاق أو ~~التضمين أو الاستسعاء وغير ذلك فلهم ذلك بلا خلاف؛ لأنهم يخلفون الميت ~~ويقومون مقامه، وكان للمورث ذلك قبل موته فكذا لهم، وإن انفردوا فأراد ~~بعضهم الإعتاق # PageV04P093 # وبعضهم التضمين ذكر في الأصل أن لهم ذلك، وقال الحسن بن زياد: إنه ليس ~~لهم ذلك إلا أن يعتقوا أو يستسعوا أو يضمنوا، والظاهر أنه رواية عن أبي ~~حنيفة؛ لأن الإعتاق عند الحسن لا يتجزأ، كما لا يتجزأ عند أبي يوسف ومحمد؛ ~~فلا يصح هذا التفريع على مذهبه، وجه ما ذكر في الأصل أن نصيب الشريك قد بقي ~~على ملكه عند أبي حنيفة لتجزيء الإعتاق عنده، وقد انتقل نصيبه إلى الورثة ~~بموته فصاروا كالشركاء في الأصل في العبد أعتق أحدهم نصيبه، أن للباقين أن ~~يختار كل واحد منهم ما يشاء، كذا هذا وجه رواية الحسن أن الورثة انتقل ~~إليهم ما كان للميت، وما كان له أن يختار الضمان ms2303 في البعض والسعاية في ~~البعض، فكذا لهم؛ ولأن المستسعى بمنزلة المكاتب عند أبي حنيفة ومن كاتب ~~عبده ثم مات، ليس لورثته أن ينفردوا بأن يختار بعضهم الإعتاق وبعضهم ~~التضمين وبعضهم الاستسعاء، بل ليس لهم إلا أن يجتمعوا على شيء واحد إما ~~العتق، وإما الضمان كذا هذا، ثم على رواية الحسن لو أعتق بعضهم، كان إعتاقه ~~باطلا ما لم يجتمعوا على الإعتاق؛ لأن المستسعى كالمكاتب على أصل أبي ~~حنيفة، ولو مات المولى فأعتق بعض الورثة المكاتب، كان إعتاقه باطلا ما لم ~~يجتمعوا عليه كذا هذا، فإذا اجتمعوا على عتقه يعتق بلا خلاف والولاء يكون ~~للميت حتى ينتقل إلى الذكور من ورثته دون الإناث وهو فائدة كونه للميت؛ لأن ~~من أصل أبي حنيفة أن المعتق بعضه في معنى المكاتب، والمكاتب لا ينتقل فيه ~~بالإرث فكان ولاؤه للميت كذا هذا. # وإذا كان المعتق موسرا يوم أعتقه فاختار الشريك تضمينه ثم أراد أن يرجع ~~عن ذلك ويختار السعاية، ذكر في الأصل أنه ليس له ذلك ولم يفصل بين ما إذا ~~رضي المعتق بالضمان أو حكم به الحاكم، أو لم يرض به المعتق ولا حكم به ~~الحاكم، وروى ابن سماعة عن محمد أن له ذلك ما لم يقبل المعتق منه التضمين، ~~أو يحكم به الحاكم فإن قبل أو حكم به الحاكم فليس له ذلك، من المشايخ من لم ~~يجعل في المسألة اختلاف الرواية، وجعل ما ذكره ابن سماعة عن محمد من ~~التفصيل تفسيرا لما ذكره في ظاهر الرواية، وإليه ذهب الجصاص وقال: أراد بما ~~ذكر في الكتاب إذا قضى به القاضي أو رضي به الشريك، وحكى عن الكرخي والجصاص ~~أنهما جعلا مسألة الغاصب وغاصب الغاصب على هذا أنه إذا اختار المغصوب منه ~~تضمين أحدهما، ثم بدا له واختار تضمين الآخر فله ذلك إلا أن يرضى به المضمن ~~أو يقضي به القاضي، ومنهم من جعل في المسألة روايتين، وجه ما ذكر في الأصل ~~أن له خيار التضمين وخيار السعاية، والمخير بين شيئين إذا اختار أحدهما سقط ms2304 ~~حقه من الآخر فكان اختياره للتضمين إبراء للعبد عن السعاية، ولهذا لو اختار ~~السعاية لم يكن له أن يختار الضمان وكانت نفس اختيار السعاية إبراء له عن ~~الضمان من غير قضاء ولا رضا كذا إذا اختار الضمان، وجه رواية ابن سماعة أن ~~اختيار الشريكين تضمين المعتق إيجاب الملك له في المضمون بعوض وهو الضمان ~~وذلك لا يتم إلا بالرضا أو بالقضاء فما لم يوجد أحدهما لا يتم له الاختيار، ~~وكان له الرجوع عنه إلى السعاية، بخلاف ما إذا اختار الشريك السعاية، أنه ~~لا يكون له خيار التضمين بعد ذلك رضي بذلك العبد أو لم يرض؛ لأن اختيار ~~السعاية على العبد ليس فيه إيجاب الملك للعبد بعوض حتى يقف ذلك على رضاه ~~فلا يقف عليه، فإن أعتق أحدهما نصيب صاحبه، لم يعتق منه شيء أما على أصل ~~أبي حنيفة فظاهر؛ لأن العتق يتجزأ فيقتصر العتق على نصيب المعتق، فإذا صادف ~~ملك غيره لم ينفذ. # وأما على أصلهما فالعتق وإن كان لا يتجزأ لكن لا بد من ثبوت العتق في ~~نصيبه، ثم يسري إلى نصيب شريكه فإذا أضاف الإعتاق إلى نصيب شريكه، لم يثبت ~~العتق في نصيب نفسه فلا يتعدى إلى نصيب الشريك. # وإن كان المعتق جارية حاملا لا يضمن المعتق من قيمة الولد شيئا؛ لأن ~~الحمل بمنزلة طرف من أطرافها والأطراف بمنزلة الأوصاف، والأوصاف لا تفرد ~~بالضمان إلا بعد وجود سبب وجوب الضمان فيها مقصودا؛ لأن الحمل في الآدمية ~~نقصان فكيف يلزمه بنقصان المتلف زيادة ضمان؟ وكذلك كل حمل يعتق أمه إذا كان ~~المعتق مالكهما كما في الرهن، وإن لم يكن مالكا للولد في الجارية الموصى ~~برقبتها لرجل وبحملها لآخر، فأعتق صاحب الرقبة الأم يعتق الحمل ويضمن قيمته ~~لصاحبه؛ لأن الولد انفرد عن الأم في الملك فجاز أن ينفرد بالضمان. # وإن كان العبد بين جماعة فأعتق أحدهما نصيبه فاختار بعض الشركاء الضمان ~~وبعضهم السعاية # PageV04P094 # وبعضهم العتق فذلك لهم، ولكل واحد منهم ما اختار في قول أبي حنيفة؛ لأن ~~إعتاق نصيبه أوجب ms2305 لكل واحد منهم الخيارات ونصيب كل واحد لا يتعلق بنصيب ~~الآخر، فكان لكل واحد منهم ما اختار وعلى هذا الأصل قال أبو حنيفة في عبد ~~بين ثلاثة أعتق أحدهم نصيبه، ثم أعتق الآخر بعده، فللثالث أن يضمن المعتق ~~الأول إن كان موسرا وإن شاء أعتق أو دبر أو كاتب أو استسعى؛ لأن نصيبه بقي ~~على ملكه فثبت له الخيارات للتخريج إلى الإعتاق، وليس له أن يضمن المعتق ~~الثاني وإن كان موسرا؛ لأن تضمين الأول ثبت على مخالفة القياس؛ لما ذكرنا ~~أنه لا صنع للمعتق في نصيب الشريك بإتلاف نصيبه، وإنما عرفناه بالنص نظرا ~~للشريك وأنه يحصل بتضمين الأول؛ ولأن ضمان العتق ضمان معاوضة في الأصل، ~~فإذا أعتق الأول فقد ثبت للشريك حق نقل الملك المضمون إليه باختيار الضمان، ~~وتعلق بذلك النقل حق الولاء، والولاء لا يلحقه الفسخ فلا يملك نقل حق ~~التضمين إلى غيره، فإن اختار تضمين الأول فالأولى أن يعتق وإن شاء دبر وإن ~~شاء كاتب وإن شاء استسعى؛ لأنه قام مقام المضمن وليس له أن يضمن المعتق ~~الثاني؛ لأن الأول لم يكن له أن يضمنه فكذا من قام مقامه. # وأما على أصلهما فلما أعتق الأول، أعتق جميع العبد فلم يصح إعتاق الثاني ~~وليس للثاني والثالث إلا التضمين إن كان المعتق موسرا والسعاية إن كان ~~معسرا، وعلى هذا من كان له عبد فأعتق نصفه فعلى قول أبي حنيفة: يعتق نصفه ~~ويبقى الباقي رقيقا، يجب تخريجه إلى العتاق فإن شاء أعتق وإن شاء دبر وإن ~~شاء كاتب وإن شاء استسعى، وإذا أدى السعاية أو بدل الكتابة يعتق كله وليس ~~له أن يتركه على حاله، وعلى قولهما: يعتق كله سواء كان المعتق موسرا أو ~~معسرا من غير سعاية، وكذا إذا أعتق جزءا من عبده أو شقصا منه، يمضي منه ما ~~شاء ويبقى الباقي رقيقا يخرج إلى العتاق بالخيارات التي وصفنا في قول أبي ~~حنيفة؛ لأن الإعتاق عنده متجزئ، إلا أن ههنا أضاف العتق إلى مجهول فيرجع في ~~البيان إليه، كما لو ms2306 قال: أحد عبيدي حر، وقيل: ينبغي في قياس قول أبي حنيفة ~~في السهم أن يعتق منه سدسه؛ لأن السهم عبارة عن السدس في عرف الشرع؛ لما ~~روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن «رجلا أوصى في زمن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بسهم من ماله لرجل فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - سدس ~~ماله» جماعة من أهل اللسان أن السهم عبارة عن السدس في اللغة، وعندهما يعتق ~~كله؛ لأن العتق لا يتجزأ عبد بين رجلين دبره أحدهما صار نصيبه مدبرا. # ثم إن كان المدبر موسرا، فللشريك خيارات: إن شاء أعتق، وإن شاء دبر، وإن ~~شاء كاتب، وإن شاء ضمن، وإن شاء استسعى، وإن شاء تركه على حاله وإن كان ~~معسرا فلشريكه خمس خيارات: إن شاء أعتق، وإن شاء دبر، وإن شاء كاتب، وإن ~~شاء استسعى، وإن شاء تركه على حاله وليس له أن يضمن وهذا قول أبي حنيفة؛ ~~لأن التدبير عنده متجزئ كالإعتاق، فيثبت له الخيارات أما خيار العتق ~~والتدبير والمكاتبة والسعاية؛ فلأن نصيبه بقي على ملكه في حق التخريج إلى ~~العتاق. # وأما خيار التضمين؛ فلأنه بالتدبير أخرجه من أن يكون محلا للتمليك مطلقا ~~بالبيع والهبة والرهن ونحو ذلك، فقد أتلفه في حق هذه التصرفات فكان للشريك ~~ولاية التضمين، وأما خيار الترك على حاله؛ فلأن الحرية لم تثبت في جزء منه ~~فجاز بقاؤه على الرق، وإنه مفيد؛ لأن له أن ينتفع به منفعة الاستخدام فلا ~~يكلف تخريجه إلى الحرية ما لم يمت المدبر، فإن اختار تضمين المدبر فللمدبر ~~أن يرجع بما ضمن على العبد؛ لأن الشريك كان له أن يستسعيه فلما ضمن شريكه، ~~قام مقامه فيما كان له فإذا أدى عتق والولاء كله للمدبر؛ لأن كله عتق على ~~ملكه؛ لانتقال نصيب شريكه إليه، وإن اختار الاستسعاء أو الإعتاق كان الولاء ~~بينهما؛ لأن نصيب كل واحد منهما عتق على ملكه، وأما إذا كان معسرا فلا حق ~~له في الضمان؛ لأن ضمان التدبير لا يجب مع الإعسار كما لا يجب ضمان ms2307 الإعتاق ~~فبقي أربع خيارات. # وأما على قول أبي يوسف ومحمد صار كله مدبرا؛ لأن التدبير على أصلهما لا ~~يتجزأ كالإعتاق المعجل، وليس للشريك إلا التضمين موسرا كان المدبر أو معسرا ~~على الرواية المشهورة عنهما؛ لأن ضمان النقل والتمليك لا يختلف باليسار ~~والإعسار كالبيع. # ولو كان العبد بين ثلاثة رهط دبره أحدهم وهو موسر ثم أعتقه الثاني وهو ~~موسر، فللشريك الثالث أن يضمن المدبر ثلث قيمته ويرجع به المدبر على العبد، ~~وليس له أن يضمن المعتق، وللمدبر أن يضمن المعتق ثلث # PageV04P095 # قيمته مدبرا، وليس له أن يضمنه ما انتقل إليه من نصيب الثالث، وهذا قول ~~أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: العبد كله مدبر للذي دبره ويضمن ثلثي ~~قيمته لشريكه موسرا كان أو معسرا؛ لأن التدبير لما كان متجزئا عند أبي ~~حنيفة فلما دبره أحدهم فقد ثبت لكل واحد من الشريكين ست خيارات، فلما أعتقه ~~الثاني فقد استوفى ما كان له فلم تبق له ولاية تضمين المدبر وللساكت أن ~~يضمنه؛ لأنه أتلف عليه نصيبه فكان له ولاية التضمين، وليس له أن يضمن ~~المعتق؛ لأن ضمان المعتق ضمان معاوضة في الأصل، وهو ضمان التملك، وهو أن ~~يكون بمقابلة الضمان ملك المضمون كضمان الغاصب، ولو ضمن المعتق لا يملك ~~المعتق المضمون؛ لأن التدبير انعقد سببا لوجوب الضمان على المدبر وأنه يوجب ~~ملك المضمون، فصار ذلك النصيب بحال لا يحتمل النقل إلى غير المدبر فتعذر ~~تضمين المعتق؛ ولأن المدبر بالتدبير قد ثبت له حق الولاء، والولاء لا يلحقه ~~الفسخ فلا يجوز أن ينقله إلى الغير. # وللمدبر أن يضمن المعتق؛ لأنه بالإعتاق أتلف نصيبه بإخراجه من أن يكون ~~منتفعا به منفعة الاستخدام، فيضمن له قيمة نصيبه لكن مدبرا؛ لأن المتلف ~~مدبر، ويرجع به المدبر على العبد؛ لأن نصيب الساكت انتقل إليه فقام هو ~~مقامه وكان له أن يستسعي العبد، فكذا للمدبر؛ ولأن الحرية لم تثبت في جزء ~~منه فجاز إبقاؤه على الرق، ولم يمكن أن يجعل هذا ضمان معاوضة؛ لأن نصيبه ~~مدبر، والمدبر لا يحتمل ms2308 النقل إلى ملك الغير فجعل ضمان جناية بطريق ~~الضرورة، وإن شاء المدبر أعتق نصيبه الذي دبره؛ لأن بإعتاق شريكه لم يزل ~~ملكه، وإن شاء استسعى العبد كما في عتق أحد الشريكين فإن اختار الضمان، كان ~~للمعتق أن يستسعي العبد؛ لأن المدبر أقامه مقام نفسه فكان له أن يستسعيه ~~فكذا له، وليس له أن يضمن المعتق قيمة الثلث الذي انتقل إليه من الثالث؛ ~~لأن المدبر إنما ملك ذلك الثلث عند القضاء بالضمان مستندا إلى وقت التدبير، ~~والمستند قبل ثبوته في المحل يكون ثابتا من وجه دون وجه فلا يظهر ملكه في ~~حق المعتق فلا يضمن المعتق له ذلك. # وأما عندهما فالتدبير لما لم يكن متجزئا صار الكل مدبرا ويضمن ثلثي قيمته ~~للشريكين لإتلاف نصيبهما عليهما، سواء كان موسرا أو معسرا لا تجب السعاية ~~هنا بخلاف الإعتاق؛ لأن بالإعتاق يزول ملكه فيسعى وهو حر وههنا بالتدبير لا ~~يزول ملكه بل يصير العبد كله مدبرا له، وكسب المدبر للمولى فتعذر ~~الاستسعاء. # وعلى هذا إذا شهد أحد الشريكين على الآخر بالإعتاق بأن كان العبد بين ~~رجلين وشهد أحدهما على صاحبه أنه أعتقه وأنكر صاحبه لا تقبل شهادته على ~~صاحبه ويجوز إقراره على نفسه ولم يجز على صاحبه، ولا يعتق نصيب الشاهد ولا ~~يضمن لصاحبه ويسعى العبد في قيمته بينهما موسرين كانا أو معسرين في قول أبي ~~حنيفة، وعندهما: إن كان المشهود عليه موسرا فلا سعاية للشاهد على العبد، ~~وإن كان معسرا فله السعاية عليه، أما عدم قبول شهادته؛ فلأن شهادة الفرد في ~~هذا الباب غير مقبولة، ولو كانا اثنين لكان لا تقبل شهادتهما أيضا؛ لأنهما ~~بشهادتهما يجران المغنم إلى أنفسهما؛ لأنهما يثبتان به حق التضمين ~~لأنفسهما، ولا شهادة لجار المغنم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إلا أنه بشهادته على صاحبه صار مقرا بفساد نصيبه بإقراره على صاحبه ~~بإعتاق نصيبه، فشهادته على صاحبه وإقراره عليه إن لم يجز فإقراره بفساد ~~نصيب نفسه جائز؛ لأن الإنسان يصدق بإقراره على نفسه خصوصا فيما يتضرر ms2309 به، ~~ولا يعتق نصيب الشريك الشاهد؛ لأنه لم يوجد منه الإقرار بعتق نصيبه بل ~~بفساد نصيبه وإنما أقر بالعتق في نصيب شريكه، إلا أن إقراره بالعتق في نصيب ~~شريكه في حق شريكه لم ينفذ، فينفذ إقراره بالعتق في نصيب شريكه في حقه ولا ~~يضمن الشاهد لشريكه؛ لأنه لم يعتق نصيب نفسه. # وأما السعاية؛ فلأن فساد نصيبه يوجب التخريج إلى العتق بالسعاية، ويسعى ~~العبد لهما في قيمته بينهما فيسعى للشاهد في نصف قيمته ويسعى للمنكر في نصف ~~قيمته، سواء كان المنكر موسرا أو معسرا في قول أبي حنيفة؛ لأن السعاية ثبتت ~~مع اليسار والإعسار على أصله أما حق الاستسعاء للشاهد وإن كان المشهود عليه ~~موسرا؛ فلأن في زعمه أن شريكه قد أعتق وأن له حق التضمين أو الاستسعاء إلا ~~أنه تعذر التضمين؛ لأن إقراره لم يجز عليه في حقه فبقي له حق الاستسعاء. # وأما المنكر؛ فلأن في زعمه أن نصيبه على ملكه، وقد تعذر # PageV04P096 # عليه التصرف فيه بإقرار شريكه فكان له أن يستسعى. # وأما عندهما فإن كان المنكر موسرا فلا سعاية للشاهد على العبد؛ لأنه يزعم ~~أنه عتق بإعتاق شريكه وأنه لا يستحق إلا الضمان؛ لأن السعاية لا تثبت مع ~~اليسار على أصلهما، وإن كان معسرا فللشاهد أن يستسعى. # وأما المنكر فيستسعى على كل حال بالإجماع معسرا كان أو موسرا؛ لأن نصيبه ~~على ملكه ولم يوجد منه الإقرار بسقوط حقه عن السعاية، فإن أعتق كل واحد ~~منهما بعد ذلك نصيبه قبل الاستسعاء جاز في قول أبي حنيفة؛ لأن نصيب المنكر ~~على ملكه، وكذلك نصيب الشاهد عنده؛ لأن الإعتاق يتجزأ، فإذا أعتقا نفذ ~~عتقهما والولاء بينهما؛ لأن العتق منهما، وكذلك إن استسعيا وأدى السعاية ~~فالولاء لهما. # وأما على قولهما فالولاء في نصيب الشاهد موقوف؛ لأن في زعم الشاهد أن ~~جميع الولاء لشريكه؛ لأن الإعتاق لا يتجزأ على أصلهما، وشريكه يجحد ذلك ~~فيسلم له النصف ويوقف له النصف. # وإن شهد كل واحد منهما على صاحبه وأنكر الآخر يحلف أولا كل واحد منهما ~~على ms2310 دعوى صاحبه؛ لأن كل واحد منهما بدعوى العتق على صاحبه يدعي وجوب الضمان ~~على صاحبه أو السعاية على العبد، وصاحبه ينكر؛ فيحلف كل واحد منهما لصاحبه ~~وهذا؛ لأن فائدة الاستخلاف النكول ليقضي به، والنكول إما بذل أو إقرار، ~~والضمان مما يصح بذله والإقرار به، وإذا تحالفا سعى العبد لكل واحد منهما ~~في نصف قيمته في قول أبي حنيفة؛ لأن في زعم كل واحد منهما أن شريكه قد أعتق ~~وأن له الضمان أو السعاية، وتعذر التضمين حيث لم يصدقه الآخر فبقي ~~الاستسعاء، ولا فرق عند أبي حنيفة بين حال اليسار والإعسار. # وأما على قولهما: فإن كانا موسرين، فلا سعاية لواحد منهما؛ لأن كل واحد ~~منهما يدعي الضمان على شريكه، ويزعم أن لا سعاية له مع اليسار فلم يثبت له ~~ما أبرأ العبد عنه وإن كانا معسرين يسعى العبد لكل واحد منهما؛ لأن كل واحد ~~منهما يزعم أن شريكه أعتق وهو معسر فلا حق إلا السعاية، وإن كان أحدهما ~~موسرا والآخر معسرا يسعى العبد للموسر ولم يسع للمعسر؛ لأن الموسر يزعم أن ~~لا ضمان على شريكه وإنما له السعاية على العبد، والمعسر إنما يزعم أن ~~الضمان على الشريك وأنه قد أبرأ العبد، ثم هو عبد في قول أبي حنيفة ويسعى ~~وهو رقيق إلى أن يؤدي ما عليه؛ لأن المستسعى في حكم المكاتب على أصله، ~~وعندهما هو حر عليه دين حين شهد الموليان فيسعى وهو حر؛ لأن في زعم كل واحد ~~منهما أنه حر من جهة صاحبه، ومن أقر بحرية عبد في ملكه عتق عليه. # عبد بين رجلين قال أحدهما: إن كنت دخلت هذه الدار أمس فأنت حر، وقال ~~الآخر: إن لم تكن دخلتها أمس فأنت حر، ولا يدري أكان دخل أو لم يدخل؟ عتق ~~نصف العبد بينهما ويسعى في نصف قيمته بين الموليين موسرين أو معسرين في قول ~~أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: إن كانا معسرين سعى في نصف قيمته بينهما، وإن ~~كانا موسرين فلا يسعى لأحد، وإن كان أحدهما موسرا والآخر ms2311 معسرا سعى للمعسر ~~في ربع قيمته ولا يسعى للموسر. # وقال محمد: إن كانا موسرين لا يسعى، وإن كانا معسرين يسعى لهما في جميع ~~قيمته. # وجه قول محمد أن كل واحد منهما يدعي على صاحبه أنه أعتقه؛ فصار كشهادة كل ~~واحد منهما على صاحبه؛ ولأن من عتق عليه نصف العبد مجانا بغير سعاية مجهول؛ ~~لأن الحانث منهما مجهول، فكان من يقضى عليه بسقوط نفس السعاية مجهولا فلا ~~يمكن القضاء به ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن نصف العبد قد عتق بيقين؛ لأن أحد ~~الشريكين حانث بيقين إذ العبد لا يخلو من أن يكون دخل الدار أو لم يدخل، إذ ~~لا واسطة بين الدخول والعدم وليس أحدهما بتعيينه للحنث أولى من الآخر، ~~والمقضي له بالعتق يتعين فيقسم نصف العتق بينهما فإذا أعتق نصف العبد ~~بيقين، تعذر إيجاب كل السعاية عليه فتجب نصف السعاية، ثم على أصل أبي حنيفة ~~يسعى في نصف قيمته بينهما سواء كانا موسرين أو معسرين؛ لأن ضمان السعاية ~~عنده لا يختلف باليسار والإعسار، وعند أبي يوسف يختلف فإن كانا معسرين سعى ~~لهما، وإن كانا موسرين لا يسعى لهما، وإن كانا أحدهما موسرا والآخر معسرا ~~يسعى للمعسر ولا يسعى للموسر، وما ذكره محمد أن هذا كشهادة كل واحد منهما ~~على الآخر غير سديد؛ لأن ههنا تيقنا بحرية نصف العبد لما بينا، وفي مسألة ~~الشهادة لم نستيقن بالحرية؛ لاحتمال أن تكون الشهادتان كاذبتين. # وأما قوله: إن الذي يقضى عليه بالعتق بغير سعاية مجهول، فنعم لكن هذا # PageV04P097 # لا يمنع القضاء إذا كان المقضي له معلوما؛ لأن المقضي له إذا كان معلوما، ~~يمكن رفع الجهالة التي من جانب المقضي له بالقسمة والتوزيع، وإذا كان ~~مجهولا لا يمكن. # فإن حلف رجلان على عبدين كل واحد منهما لأحدهما، فقال أحدهما لعبده: إن ~~كان زيد قد دخل هذه الدار اليوم فأنت حر، وقال الآخر لعبده: إن لم يكن زيد ~~دخل هذه الدار اليوم فأنت حر، فمضى اليوم ولا يدري أدخل الدار أم لم يدخل؟ ~~لم يعتق واحد ms2312 من العبدين؛ لأن ههنا المقضي له وعليه كل واحد منهما مجهول، ~~ولا وجه للقضاء عند تمكن الجهالة في الطرفين، وفي الفصل الأول المقضي له ~~بالعتق متيقن معلوم والقضاء في مثله جائز، كمن أعتق واحدة من جواريه العشر ~~ثم جهلها، وعلى هذا قال أبو يوسف في عبدين بين رجلين قال أحدهما لأحد ~~العبدين: أنت حر إن لم يدخل فلان هذه الدار اليوم وقال الآخر للعبد الآخر: ~~إن دخل فلان هذه الدار اليوم فأنت حر، فمضى اليوم وتصادقا على أنهما لا ~~يعلمان دخل أو لم يدخل؟ فإن هذين العبدين يعتق من كل واحد منهما ربعه، ~~ويسعى في ثلاثة أرباع قيمته بين الموليين نصفين، وقال محمد: قياس قول أبي ~~حنيفة أن يسعى كل واحد منهما في جميع قيمته بينهما نصفين، وجه قول أبي يوسف ~~أن نصف أحد العبدين غير عين قد عتق بيقين؛ لأن فلانا لا يخلو من أن يكون ~~دخل الدار اليوم أو لم يكن دخل فكان نصف أحدهما حرا بيقين، وليس أحدهما ~~بذلك أولى من الآخر فيقسم نصف الحرية بينهما، فيعتق من كل واحد منهما ربعه ~~ويسعى كل واحد منهما في ثلاثة أرباع قيمته للتخريج إلى العتق كما في ~~المسألة المتقدمة إلا أن هناك العبد واحد فيعتق منه نصفه ويسعى في النصف ~~الباقي، وههنا عبدان فيعتق نصف أحدهما غير عين ويقسم بين الموليين فيعتق ~~على كل واحد منهما الربع، ويسعى كل واحد منهما في الباقي وذلك ثلاثة أرباع ~~قيمته. # وجه قياس قول أبي حنيفة أن المقضي له وعليه مجهولان ولا سبيل إلى القضاء ~~بالحرية مع جهالتهما، فيسعى كل واحد منهما في جميع قيمته بخلاف المسألة ~~المتقدمة؛ لأن ثمة المقضي له غير مجهول، ومن هذا النوع ما ذكره ابن سماعة ~~عن أبي يوسف في عبد بين رجلين زعم أحدهما أن صاحبه أعتقه منذ سنة وأنه هو ~~أعتقه اليوم، وقال شريكه: لم أعتقه وقد أعتقت أنت اليوم، فاضمن لي نصف ~~القيمة لعتقك فلا ضمان على الذي زعم أن صاحبه أعتقه منذ سنة؛ لأن ms2313 قوله: أنا ~~أعتقته اليوم ليس بإعتاق بل هو إقرار بالعتق وأنه حصل بعد إقراره على شريكه ~~بالعتق فلم يصح، وكذا لو قال: أنا أعتقته أمس وأعتقه صاحبي منذ سنة، وإن لم ~~يقر بإعتاق نفسه لكن قامت عليه بينة أنه أعتقه أمس فهو ضامن لشريكه؛ لظهور ~~الإعتاق منه بالبينة فدعواه على شريكه العتق المتقدم لا يمنع ظهور الإعتاق ~~منه بالبينة ويمنع ظهوره بإقراره، والله عز وجل الموفق. ### | [فصل في بيان حكم الإعتاق وبيان وقت ثبوت حكمه] # (فصل) : # وأما بيان حكم الإعتاق وبيان وقت ثبوت حكمه فللإعتاق أحكام بعضها أصلي ~~وبعضها من التوابع. # أما الحكم الأصلي للإعتاق: فهو ثبوت العتق؛ لأن الإعتاق إثبات العتق ~~والعتق في اللغة: عبارة عن القوة، يقال: عتق الطائر، إذا قوي فطار عن وكره، ~~وفي عرف الشرع: اسم لقوة حكمية للذات يدفع بها يد الاستيلاء والتملك عن ~~نفسه؛ ولهذا كان مقابله وهو الرق عبارة عن الضعف في اللغة يقال: ثوب رقيق ~~أي: ضعيف وفي متعارف الشرع يراد به الضعف الحكمي الذي يصير به الآدمي محلا ~~للتملك، وعلى عبارة التحرير الحكم الأصلي للتحرير: هو ثبوت الحرية؛ لأن ~~التحرير هو إثبات الحرية وهي الخلوص يقال: طين حر أي: خالص وأرض حرة، إذا ~~لم يكن عليها خراج، وفي عرف الشرع يراد بها الخلوص عن الملك والرق، وهذا ~~الحكم يعم جميع أنواع الإعتاق غير أنه إن كان تنجيزا ثبت هذا الحكم للحال ~~وإن كان تعليقا بشرط أو إضافة إلى وقت يثبت بعد وجود الشرط والوقت، ويكون ~~المحل قبل ذلك على حكم ملك المالك في جميع الأحكام إلا في التعليق بشرط ~~الموت المطلق وهو التدبير عندنا، وكذا الاستيلاد، ثم هذا الحكم قد يثبت في ~~جميع ما أضيف إليه وقد يثبت في بعض ما أضيف إليه، وجملة الكلام فيه أن ~~الإعتاق لا يخلو. # إما إن كان في الصحة وإما إن كان في المرض. # فإن كان في الصحة عتق كله سواء كان له مال آخر أو لم يكن، وسواء كان عليه ~~دينا أو لم يكن؛ ms2314 لأن حق الورثة أو الغريم لا يتعلق بالمال حالة الصحة. # فالإعتاق صادف خالص ملكه # PageV04P098 # لا حق لأحد فيه فنفذ. # وإن كان في المرض فإن كان له مال آخر سوى العبد، والعبد كله يخرج من ثلث ~~المال يعتق كله؛ لأن الثلث خالص حقه لا حق للورثة فيه وإنما تعلق حقهم في ~~الثلثين، والأصل فيه ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة على أعمالكم» ~~وإن كان لا يخرج كله من ثلث المال وأجازت الورثة الزيادة فكذلك؛ لأن المانع ~~حق الورثة فإذا أجازوا فقد زال المانع؛ فيعتق كله، وإن لم يجيزوا الزيادة ~~يعتق منه بقدر ثلث ماله ويسعى في الباقي للورثة، وإن لم يكن له مال سوى ~~العبد فإن أجازت الورثة عتق كله؛ لما قلنا، وإن لم يجيزوا يعتق ثلثه ويسعى ~~في الثلثين للورثة؛ لما قلنا، والدليل عليه أيضا ما روي في حديث أبي قلابة ~~أن «رجلا أعتق عبدا له عند موته ولا مال له غيره، فأجاز النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ثلثه واستسعاه في ثلثي قيمته» فدل الحديث على جواز الإعتاق في ~~مرض الموت حيث أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، على أن الإعتاق في ~~مرض الموت وصية حيث اعتبره من الثلث، وعلى بطلان قول من يقول: لا سعاية في ~~الشريعة حيث استسعى العبد هذا إذا لم يكن عليه دين، فإن كان عليه دين فإن ~~كان مستغرقا لقيمته ولا مال له سوى العبد أو له مال آخر لكن الدين مستغرق ~~لماله فأعتق يسعى في جميع قيمته للغريم ردا للوصية؛ لأن الدين مقدم على ~~الوصية إلا أن العتق لا يحتمل النقض فتجب السعاية. # وروي عن أبي الأعرج «أن رجلا أعتق عبدا له عند الموت وعليه دين فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: يسعى في الدين» ، وهكذا روي عن علي وابن ~~مسعود - رضي الله عنهما -، وإن كان الدين غير مستغرق لقيمة العبد بأن كان ~~الدين ألف درهم وقيمة ms2315 العبد ألفان يسعى في نصف قيمته للغريم ردا للوصية في ~~قدر الدين ثم نصفه الثاني عتق بطريق الوصية، فإن أجازت الورثة عتق جميع ~~نصفه الثاني، وإن لم تجز يعتق ثلث النصف الثاني مجانا بغير شيء وهو سدس ~~الكل ويسعى في ثلثي النصف فالحاصل أنه يعتق سدسه مجانا بغير شيء ويسعى في ~~خمسة أسداسه: ثلاثة أسهم للغريم وسهمان للورثة. # ولو كان له عبدان فأعتقهما وهو مريض، فهو على التفاصيل التي ذكرنا أنه إن ~~كان له مال سواهما وهما يخرجان من الثلث، عتقا جميعا بغير شيء؛ لما ذكرنا، ~~وإن لم يخرجا من الثلث وأجازت الورثة الزيادة فكذلك؛ لما قلنا، وإن لم ~~يجيزوا الزيادة يعتق من كل واحد منهما بقدر ثلث ماله ويسعى في الباقي ~~للورثة، وإن لم يكن له مال سواهما فإن أجازت الورثة عتقا جميعا بغير شيء، ~~وإن لم يجيزوا يعتق من كل واحد منهما ثلثه مجانا ويسعى في الثلثين للورثة، ~~فيجعل كل رقبة على ثلاثة أسهم؛ لحاجتنا إلى الثلث فيصير جملة المال وهو ~~العبدان على ستة أسهم فيخرج منها سهام العتق وسهام السعاية للعبدين: سهمان ~~من ستة، وللورثة أربعة أسهم؛ فاستقام الثلث والثلثان. # فإن مات أحدهما قبل السعاية، يجعل هو مستوفيا لوصيته متلفا لما عليه من ~~السعاية، والتلف يدخل على الورثة وعلى العبد الباقي فيجمع نصيب الورثة وذلك ~~أربعة أسهم، ونصيب العبد الحي وذلك سهم فيكون خمسة؛ فيعتق من العبد الحي ~~خمسه، ويسعى في أربعة أخماسه فيحصل للورثة أربعة أسهم وللحي سهم، والميت قد ~~استوفى سهما فحصل للورثة أربعة أسهم وللوصية سهمان؛ فاستقام الثلث ~~والثلثان. # ولو كان العبيد ثلاثة ولم يكن له مال سواهم، يعتق من كل واحد ثلثه ويسعى ~~في ثلثي قيمته فيصير كل واحد على ثلاثة أسهم فتصير العبيد على تسعة أسهم: ~~ستة أسهم للورثة وثلاثة أسهم للعبيد، فإن مات أحدهم قبل السعاية صار متلفا ~~لما عليه من السعاية مستوفيا لوصيته، فيجمع نصيب الورثة وذلك ستة أسهم، ~~ونصيب العبدين سهمان فيكون ثمانية أسهم، فيجعل كل عبد على أربعة ms2316 أسهم فيعتق ~~من كل واحد ربعه ويسعى في ثلاثة أرباعه؛ فيحصل للورثة ستة أسهم وللعبدين ~~سهمان والميت استوفى سهما؛ فاستقام الثلث والثلثان. # فإن مات اثنان يجمع نصيب الورثة ستة وللحي سهم فيكون سبعة فيعتق من الحي ~~سبعه ويسعى في ستة أسباع قيمته؛ فيحصل للورثة ستة وللحي سهم والميتان ~~استوفيا سهمين؛ فحصلت الوصية ثلاثة أسهم والسعاية ستة فاستقام الثلث ~~والثلثان. # هذا كله إذا لم يكن على الميت دين فإن كان عليه دين مستغرق، يسعى كل واحد ~~في قيمته للغرماء ردا للوصية؛ لأن العتق في مرض الموت وصية ولا وصية إلا ~~بعد قضاء الدين وإن كان الدين غير مستغرق بأن كان ألفا وقيمة كل واحد منهما ~~ألف. # يسعى # PageV04P099 # كل واحد في نصف قيمته ثم نصف كل واحد منهما وصية، فإن أجازت الورثة عتق ~~النصف الباقي من كل واحد، وإن لم تجز الورثة يعتق من كل واحد ثلث نصف ~~الباقي مجانا وهو السدس ويسعى في ثلثي النصف، ففي الحاصل عتق من كل واحد ~~سدسه مجانا ويسعى في خمسة أسداسه، والله عز وجل أعلم. # المريض إذا أعتق عبده ولا مال له غيره، فأمر العبد في الحال في أحكام ~~الحرية من الشهادة وغيرها موقوف فإن برئ تبين أنه صار حرا من حين أعتق، وإن ~~مات فهو بمنزلة المكاتب في قول أبي حنيفة؛ لأن الإعتاق يتجزأ عنده، وعندهما ~~هو حر وعليه دين؛ لأن الإعتاق لا يتجزأ. # وأما الذي هو من التوابع فنحو المالكية والولاية والشهادة والإرث وغير ~~ذلك لكن هذه ليست من الأحكام الأصلية للإعتاق بل هي من التوابع، والثمرات ~~تثبت في بعض أنواعه دون بعض كالإعتاق المضاف إلى الصبي والمجنون ونحو ذلك، ~~ومن هذا القبيل: الإعتاق المضاف إلى المجهول، وجملة الكلام فيه أن جهالة ~~المعتق إما إن كانت أصلية وإما إن كانت طارئة، فإن كانت أصلية وهي أن تكون ~~الصيغة من الابتداء مضافة إلى أحد المذكورين غير عين فيجهل المضاف إليه؛ ~~لمزاحمة صاحبه إياه في الاسم، فصاحبه المزاحم لا يخلو إما أن يكون محتملا ~~للإعتاق ms2317 أو لا يكون محتملا له، والمحتمل لا يخلو من أن يكون ممن ينفذ ~~إعتاقه فيه أو ممن لا ينفذ، فإن كان محتملا للإعتاق وهو ممن ينفذ إعتاقه ~~فيه، نحو أن يقول لعبديه: أحدكما حر، أو يقول: هذا حر أو هذا، أو يقول سالم ~~حر أو بريع، لا ينوي أحدهما بعينه فالكلام في هذا الفصل في موضعين: أحدهما ~~في. # بيان كيفية هذا التصرف، والثاني في بيان الأحكام المتعلقة به الكيفية، ~~فقد ذكرنا الاختلاف فيها فيما تقدم. # وأما الكلام في الأحكام المتعلقة به في الأصل فنوعان: نوع يتعلق به في ~~حال حياة المولى، ونوع يتعلق به بعد وفاته أما الأول فنقول ولا قوة إلا ~~بالله تعالى: إن للمولى أن يستخدمهما قبل الاختيار، وهذا يدل على أن العتق ~~غير نازل في أحدهما؛ لأنه لا سبيل إلى استخدام الحر من غير رضاه وله أن ~~يستعملهما ويستكسبهما وتكون الغلة والكسب للمولى، وهذا أيضا يدل على ما ~~قلنا. # ولو جنى عليهما قبل الاختيار، فالجناية لا تخلو إما إن كانت من المولى ~~وإما إن كانت من الأجنبي، ولا تخلو إما إن كانت على النفس أو على ما دون ~~النفس، فإن كانت الجناية من المولى فإن كانت على ما دون النفس بأن قطع يد ~~العبدين فلا شيء عليه، وهذا أيضا يدل على عدم نزول العتق حيث جعلهما في حكم ~~المملوكين قبل الاختيار، وسواء قطعهما معا أو على التعاقب؛ لأن القطع لا ~~يبطل الخيار ولا يكون ثابتا، بخلاف القتل؛ لما نذكر، وإن كانت جناية على ~~النفس بأن قتلهما فإن قتلهما على التعاقب، فالأول عبد والثاني حر؛ لأنه لما ~~أقدم على قتل الأول فقد تعين الثاني للعتق فإذا قتله فقد قتل حرا، فعليه ~~الدية وتكون لورثته؛ لأن الدية تصير ميراثا للورثة ولا يكون للمولى من ذلك ~~شيء؛ لأنه قاتل والقاتل لا يرث، وإن قتلهما معا بضربة واحدة فعليه نصف دية ~~كل واحد منهما لورثته؛ لأن المضمون على المولى أحدهما وهو الحر منهما، وليس ~~أحدهما بأولى من الآخر فشاعت حرية واحدة ms2318 فيهما، وهذا يؤيد القول بنزول ~~العتق في غير العين، وإن كانت الجناية من الأجنبي فإن كانت فيما دون النفس ~~بأن قطع إنسان يد العبدين فعليه أرش العبيد، وذلك نصف قيمة كل واحد منهما ~~لكن يكون أرشهما للمولى سواء قطعهما معا أو على التعاقب؛ لأن القطع لا يبطل ~~خيار المولى، وهذا يوجب القول بعدم نزول العتق إذ لو نزل، لكان الواجب أرش ~~يد عبد وحر وهو نصف قيمة عبد ونصف دية حر، وإن كانت في النفس فالقاتل لا ~~يخلو إما إن كان واحدا وإما إن كان اثنين، فإن كان واحدا فإن قتلهما معا ~~فعلى القاتل نصف قيمة كل واحد منهما، نصف قيمة هذا ونصف قيمة ذاك ويكون ~~للمولى، وعليه نصف دية كل واحد منهما نصف دية هذا ونصف دية ذاك وتكون ~~لورثتهما، وهذا دليل على أن العتق نازل في غير العين إذ لو لم يكن، لكان ~~الواجب في قتلهما معا قيمة عبدين ومع ذلك لم يجب بل وجب دية حر وقيمة عبد؛ ~~لأن أحدهما حر وقد قتل حرا وعبدا، والواجب بقتل الحر الدية وبقتل العبد ~~القيمة، والدية للورثة والقيمة للمولى وإنما انقسم؛ لأن كل واحد منهما تجب ~~ديته في حال وقيمته في حال؛ لاحتمال أنه حر وعبد فينقسم ذلك على اعتبار ~~الأحوال كما هو أصل أصحابنا، وإن قتلهما على التعاقب يجب على # PageV04P100 # القاتل قيمة الأول للمولى ودية الثاني للورثة؛ لأن قتل الأول يوجب تعين ~~الثاني للعتق؛ فيتعين الأول للمولى وقد قتل حرا وعبدا خطأ، وإن كان القاتل ~~اثنين فقتل كل واحد منهما رجلا فإن وقع قتل كل واحد منهما معا فعلى كل واحد ~~من القاتلين القيمة نصفها للورثة ونصفها للمولى، وإيجاب القيمتين يوجب قيمة ~~ودية على قول من يقول: إن العتق غير نازل ظاهرا؛ لأن كل واحد منهما قتل ~~عبدا خطأ وأنه يوجب القيمة. # وأما على قول من يقول بنزول العتق فإنما لم تجب الدية؛ لأن من تجب الدية ~~عليه منهما مجهول إذ لا يعلم من الذي تجب عليه منهما فلا ms2319 يمكن إيجاب الدية ~~مع الشك، والقيمة متيقنة فتجب، بخلاف ما إذا كان القاتل واحدا؛ لأن هناك من ~~عليه معلوم لا جهالة فيه، وإنما الجهالة فيمن له. # وأما انقسام القيمتين؛ فلأن المستحق لأحد البدلين هو المولى والمستحق ~~للبدل الآخر هو الوارث، وكل واحد منهما يستحق في حال ولا يستحق في حال ~~فوجوب القيمتين حجة أحد القولين وانقسامهما حجة القول الآخر. # وإن وقع قتل كل واحد منهما على التعاقب فعلى قاتل الأول القيمة للمولى ~~وعلى قاتل الثاني الدية للورثة؛ لأن أحدهما قتل عبدا والآخر قتل حرا؛ لأن ~~قتل الأول أوجب تعين الثاني للحرية والأول للرق. # ولو كان المملوكان أمتين فولدت كل واحدة منهما ولدا أو ولدت إحداهما ولدا ~~فاختار المولى عتق إحداهما عتقت هي وعتق ولدها، سواء كان للأخرى ولدا أو لم ~~يكن. # أما على قول التخيير فظاهر؛ لأن العتق كان نازلا في غير العين منهما، ~~والبيان تعيين لمن وقع عليه؛ فعتقت المعينة وعتق ولدها تبعا لها. # وأما على قول التعليق؛ فلأن العتق إن لم ينزل، فقد انعقد سبب النزول في ~~إحداهما فيسري إلى ولدها كالاستيلاد والكتابة. # ولو ماتت الأمتان معا قبل الاختيار وقد ولدت كل واحدة منهما ولدا خير ~~المولى فيختار عتق أي الولدين شاء؛ لأنهما لما ماتتا معا لم تتعين إحداهما ~~للحرية فحدث الولدان على وصف الأم؛ فيخير المولى فيهما كما كان يخير في ~~الأم، فإن مات أحد الولدين قبل الآخر مع بقاء الأمتين، لا يلتفت إلى ذلك ~~ويخير المولى؛ لأنه لم يتعلق بموته تعيين إذ الحرية إنما تتعين فيه بتعينها ~~في أمه وحكم التعيين في الأم قائم؛ لأن تعيينها ممكن فيخير المولى فيهما ~~فأيهما اختار عتقها فعتقت، عتق ولدها. # ولو قتل الأمتين معا رجل، خير المولى في الولدين؛ لما قلنا في الموت، ~~وأيهما اختار عتقه فعتق، لا يرث من أرش أمه شيئا؛ لأنه إنما عتق باختيار ~~العتق فيه وذلك يتأخر عن الموت فلا يرث شيئا بل يكون الكل للمولى، وهذا نص ~~مذهب التعليق؛ لأن العتق لو كان نازلا في ms2320 إحداهما لحدوثهما على وصف الأم، ~~لكان الاختيار تعيينا لمن وقع عليه العتق فكان عتقه متقدما على موت الأم؛ ~~فينبغي أن يرث، والله عز وجل أعلم. # ولو وطئت الأمتان بشبهة قبل اختيار المولى، يجب عقر أمتين، ويكون للمولى ~~كالأرش، وهذا يؤيد قول التعليق إذ لو كان تنجيزا، لكان الواجب عقر حرة وأمة ~~ولكان نصف ذلك للأمتين والنصف للمولى، ولما كان كسبهما له والأرش فالعقر ~~أولى؛ لأنهما لا يملكان بدون ملك الأصل، وقد يملك الكسب بدون ملك الأصل ~~كالغاصب فلما كان الكسب له فالأرش والعقر أولى، ولو باعهما صفقة واحدة كان ~~البيع فاسدا، أما على قول التنجيز فظاهر؛ لأن العتق إذا نزل في غير العين ~~منهما صار جامعا بين حر وعبد في البيع من غير بيان حصة كل واحد منهما؛ لأنه ~~غير جائز بالإجماع. # وأما على قول التعليق فلأن حق الحرية قد ثبت وهو انعقاد سبب الحرية ~~لأحدهما فيمنع جواز البيع، كما لو جمع بين قن ومدبر في البيع ولم يبين حصة ~~كل واحد منهما من الثمن. # ولو أنه باعهما صفقة واحدة وسلمهما إلى المشتري فأعتقهما المشتري فيقال ~~للبائع: اختر العتق في أحدهما، وأيهما اختار عتقه، عتق الآخر على المشتري؛ ~~لأن المشتري لما قبضهما بعقد فاسد فقد ملك أحدهما ونفذ إعتاقه فيه، فإذا ~~عين البائع أحدهما للعتق، تعين الآخر للملك الفاسد، فينفذ فيه إعتاق ~~المشتري، وإنما بدئ بتخيير البائع؛ لأن التمليك منه حصل في مجهول، فما لم ~~يتعين أحدهما للحرية لا يتعين الآخر للملك الفاسد، فإن مات البائع قبل ~~البيان قامت الورثة مقامه، ويقال لهم: بينوا فإن بينوا في أحدهما، عتق ~~الآخر على المشتري، ولا يقال: ينبغي أن ينقسم العتق بموت المولى كما إذا ~~مات قبل البيع؛ لأن شرط الانقسام أن لا يزول الملك عن أحدهما لاستحالة ~~انقسام الحرية على الحر، والملك قد زال عن أحدهما؛ فتعذر الانقسام وبقي ~~الخيار فقام الوارث مقام المورث فإن قيل: الخيار عندكم لا يورث # PageV04P101 # فكيف ورثتم هذا الخيار وهذا منكم تناقض؟ فالجواب أن هذا الخيار لا ms2321 يورث ~~عندنا بل يثبت للورثة ابتداء لا بطريق الإرث بل؛ لأنهم استحقوا قيمة أحد ~~العبدين فكان لهم التعيين كما كان للبائع، وهذا كما قالوا فيمن باع أحد ~~عبديه، على أنه بالخيار وقبضهما المشتري فماتا في يده ثم مات البائع، أن ~~لورثة البائع الاختيار ابتداء لا بطريق الإرث كذا هذا، فإن لم يعتق المشتري ~~حتى مات البائع، لم ينقسم العتق فيهما حتى يفسخ القاضي البيع، فإذا فسخه ~~انقسم وعتق من كل واحد منهما نصفه وإنما كان كذلك؛ لما ذكرنا من فوات شرط ~~الانقسام وهو عدم زوال الملك في أحدهما، والملك قد زال عن أحد العبدين ~~فتعذر التقسيم والتوزيع، إلا أن البيع الفاسد واجب الفسخ حقا للشرع رفعا ~~للفساد، وفسخه بفعل القاضي أو بتراضي المتعاقدين، فإذا فسخ عاد إلى ملك ~~البائع وشاع العتق فيهما وعتق من كل واحد منهما نصفه. # ولو وهبهما قبل الاختيار أو تصدق بهما أو تزوج عليهما يخير فيختار العتق ~~في أيهما شاء وتجوز الهبة والصدقة والإمهار في الآخر؛ لأن حرية أحدهما أو ~~حق الحرية وهو انعقاد سبب الحرية في أحدهما على اختلاف الكيفيتين لا يوجب ~~بطلان هذه التصرفات. # ألا ترى أنه لو جمع في الهبة أو في الصدقة أو في النكاح بين حر وعبد يصح ~~في العبد، وكذا إذا جمع فيها بين مدبر وقن يصح في القن وهذا؛ لأن الجمع بين ~~الحر والعبد في البيع إنما يوجب فساد البيع؛ لأنه إذا جمع بينهما فقد جعل ~~قبول البيع في كل واحد منهما شرطا لصحة قبوله في الآخر وأنه شرط فاسد، وهذه ~~التصرفات لا تبطلها الشروط الفاسدة فإن قيل: إذا قبضهما الموهوب له أو ~~المتصدق عليه أو المرأة، فقد زال الملك عن أحدهما فكيف يخير المولى؟ ~~فالجواب أنا لا نقول بزوال الملك عن أحدهما قبل الاختيار بل زواله موقوف ~~على وجود الاختيار، فإذا تعين أحدهما للعتق باختياره العتق يزول الملك عن ~~أحدهما، وإن مات المولى قبل أن يبين العتق في أحدهما بطلت الهبة والصدقة ~~فيهما وبطل إمهارها؛ لأنه لما مات ms2322 فقد شاع العتق فيهما لوجود شرط الشياع؛ ~~فيعتق من كل واحد منهما نصفه ومعتق البعض لا يحتمل التمليك من الغير. # ولو أسرهما أهل الحرب كان للمولى أن يختار عتق أحدهما، ويكون الآخر لأهل ~~الحرب؛ لأن أهل الحرب لم يملكوهما بالأسر؛ لأن أحدهما حر أو حق الحرية ~~لأحدهما ثابت وكل ذلك يمنع من التملك بالأسر؛ ولهذا لا يملكون المكاتب ~~والمدبر بالأسر كما لا يملكون الحر، وإذا لم يملكا بالأسر بقيا على ملك ~~المولى وله خيار العتق، فإذا اختار أحدهما بقي الآخر عبدا فيملكه أهل الحرب ~~فإن لم يختر المولى حتى مات بطل ملك أهل الحرب بينهما؛ لأنه لما مات المولى ~~شاعت الحرية وعتق من كل واحد منهما نصفه فتعذر التملك، ولو أسر أهل الحرب ~~أحدهما لم يملكوه؛ لأن أحدهما حر أو ثبت له حق الحرية وكل ذلك يمنع من ~~التملك، بخلاف ما إذا باع أحدهما؛ لأن بيعه إياه اختيار منه للملك فقد باع ~~ملكه باختياره فصح. # ولو اشتراهما من أهل الحرب تاجر فللمولى أن يختار عتق أيهما شاء ويأخذ ~~الآخر بحصته من الثمن؛ لأن الخيار كان ثابتا للمولى قبل البيع، فإذا باعوا ~~فقد ثبت للمشتري ما كان ثابتا قبل خيار العمل فإذا اختار عتق أحدهما صح ملك ~~أهل الحرب والمشتري منهم في الآخر؛ فيأخذه بحصته من الثمن فإن اشترى التاجر ~~أحدهما فاختار المولى عتقه، عتق وبطل الشراء؛ لما ذكرنا أن ولاية الاختيار ~~قائمة للمولى، فإن أخذه المولى من الذي اشتراه بالثمن عتق الآخر؛ لأن أخذه ~~إياه إعادة له إلى قديم ملكه فيتعين الآخر للعتق كأنه أعتقه. # ولو قال في صحته لعبديه: أحدكما حر ثم مرض مرض الموت فاختار عتق أحدهما ~~يعتق من جميع المال، وإن كانت قيمته أكثر من الثلث بأن كانت قيمة أحدهما ~~ألفا وقيمة الآخر ألفين فبين العتق في الذي قيمته ألفان، وهذا يدل على أن ~~إضافة العتق إلى المجهول إيقاع وتنجيز، إذ لو كان تعليقا واقتصر العتق على ~~حالة المرض ينبغي أن يعتبر من الثلث، كما لو أنشأ ms2323 العتق في المرض، والله عز ~~وجل الموفق. # وللعبدين حق مخاصمة المولى فلهما أن يرفعاه إلى القاضي ويستعديا عليه، ~~وإذا استعديا عليه أعداهما القاضي وأمره القاضي، بالبيان أعني اختيار ~~أحدهما وجبره عليه بالحبس لو امتنع. # أما على مذهب التنجيز؛ فلأن العتق نازل في أحد منهما غير عين، وكل واحد ~~منهما يجوز أن يكون هو الحر والحرية حقه وله فيها حق. # وأما على مذهب التعليق؛ فلأن الحرية إن لم تثبت في أحدهما فقد يثبت حق # PageV04P102 # الحرية أعني العقد سبب ثبوت الحرية من غير ثبوت الحرية أصلا وهذا حقه وله ~~فيه حق، والبيان طريق استيفاء هذا الحق فكان كل واحد منهما بسبيل من ~~الخصومة والمطالبة بالبيان، وإنما كان البيان إلى المولى؛ لأن الإجمال منه ~~فكان البيان إليه، كما في بيان المجمل والمشترك في النصوص وكمن أقر بشيء ~~مجهول أو باع قفيزا من صبرة كان البيان إليه. # كذا هذا. # البيان أنواع ثلاثة: نص ودلالة وضرورة. # أما النص: فنحو أن يقول المولى لأحدهما عينا: إياك عنيت أو نويت أو أردت ~~بذلك اللفظ الذي ذكرت، أو اخترت أن تكون حرا باللفظ الذي قلت، أو أنت حر ~~بذلك اللفظ الذي قلت أو بذلك الإعتاق، أو أعتقتك بالعتق السابق، وغير ذلك ~~من الألفاظ، فلو قال: أنت حر أو أعتقتك بالعتق السابق فإن أراد به عتقا ~~مستأنفا، عتقا جميعا، وهذا بالإعتاق المستأنف وذاك باللفظ السابق؛ لأن ~~إنشاء العتق في أحدهما قبل الاختيار اختيار العتق في الآخر دلالة؛ لما نذكر ~~إن شاء الله تعالى وإن قال: عنيت به الذي لزمني بقولي: أحدكما حر يصدق في ~~القضاء، ويحمل قوله: أعتقتك على اختيار العتق، أي اخترت عتقك. # وأما الدلالة فهي أن يخرج المولى أحدهما عن ملكه بالبيع أو بالهبة أو ~~بالصدقة أو بإنشاء العتق، أو يرهن أحدهما أو يؤاجر أو يكاتب أو يدبر أو ~~يستولد إن كانت أمة؛ لأن الأصل أن من خير بين أمرين ففعل ما يستدل به على ~~اختياره أحدهما، يجعل ذلك اختيارا منه دلالة ويقوم ذلك مقام النص كأنه ms2324 قال: ~~اخترت، والأصل فيه ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~لبريرة: «إن وطئك زوجك، فلا خيار لك» لما أن تمكينها زوجها من الوطء دليل ~~اختيارها زوجها لا نفسها؛ فصار هذا أصلا في الباب، وهذه التصرفات كلها في ~~أحدهما دليل اختيار العتق في الآخر؛ لأن منها ما ينافي اختيار العتق المبهم ~~في المتصرف فيه وهي التصرفات المزيلة للملك ومنها ما لا ينافي اختيار العتق ~~المبهم في المتصرف فيه، لكن اختيار العتق المبهم فيه يبطله: وهو الرهن ~~والإجارة والكتابة والتدبير والاستيلاد. # والعاقل يقصد صحة تصرفاته وسلامتها عن الانتقاض والبطلان؛ فكان إقدامه ~~على كلا النوعين من التصرفات في أحدهما دليلا على اختياره العتق المبهم في ~~الآخر، واختياره العتق المبهم في أحدهما عينا شرط لنزول العتق فيه بالكلام ~~السابق. # وهذا التخريج على قول من يقول: إن العتق غير نازل في العين فيهما. # فأما على قول من يقول بنزول العتق في أحدهما غير عين فهو أن هذه التصرفات ~~لا صحة لها بدون الملك فالإقدام عليها يكون اختيارا للملك في المتصرف فيه ~~فتعين الآخر؛ فيعتق ضرورة من غير اختيار المولى نصا ودلالة، كما إذا مات ~~أحدهما قبل الاختيار أو قتل، وسواء كان البيع بتا أو فيه خيار للبائع أو ~~للمشتري أما على مذهب التنجيز؛ فلأنه لا صحة للبيع إلا بالملك فكان إقدامه ~~على بيع أحدهما اختيارا إياه للملك؛ فيتعين الآخر للعتق ضرورة. # وأما على مذهب التعليق، أما خيار المشتري فلا يمنع زوال المبيع عن ملكه ~~بلا خلاف فينا في اختيار العتق المبهم فيه. # وأما اختيار البائع؛ فلأن اختيار العتق المبهم يبطل شرط الخيار، وسواء ~~كان البيع صحيحا أو فاسدا إذا قبض المشتري؛ لأنه وقع مزيلا للملك فيتعين ~~الآخر للعتق دلالة أو ضرورة، وأما إذا لم يقبض فقد ذكر في الأصل إذا باع ~~أحدهما بيعا فاسدا وقبض المشتري، عتق الباقي ولم يذكر أنه إذا لم يقبض ماذا ~~حكمه؟ وهكذا ذكر محمد في الإملاء إذا وهب أحدهما وأقبضه أو تصدق وأقبض، عتق ~~الآخر ms2325 عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعندنا، ولم يذكر حال عدم القبض، وذكر ~~الجصاص أن القبض ليس بشرط ويتعين العتق في الآخر سواء قبض المشتري أو لم ~~يقبض، وهكذا ذكر القدوري وقال: قد ظهر القول من أصحابنا أنه إذا ساوم بأحد ~~العبدين، وقع العتق في الآخر، وهكذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه لو أوصى ~~بأحدهما أو ساوم، عتق الآخر ومعلوم أن المساومة دون البيع الفاسد فالسوم ~~لما كان بيانا فالبيع أولى، وبه تبين أن ذكر القبض في الأصل ليس على سبيل ~~الشرط بل وقع ذكره اتفاقا أو إشعارا، أنه مع القبض من التصرفات المزيلة ~~للملك، ولو علق عتق أحدهما عينا بشرط بأن قال له: إن دخلت الدار فأنت حر، ~~عتق الآخر أما على مذهب التنجيز؛ فلأن التعليق بما سوى الملك وسببه لا يصح ~~إلا في الملك؛ فكان الإقدام على تعليق عتقه اختيارا للملك فيه فيتعين الآخر ~~للعتق ضرورة # PageV04P103 # كما لو نجز العتق في أحدهما. # وأما على مذهب التعليق؛ فلأن اختيار العتق المبهم فيه يبطل التعليق ~~بالشرط فصار كما لو دبر أحدهما، وذكر ابن سماعة عن محمد أنه إذا قال ~~لأحدهما: إن دخلت الدار فأنت حر، ثم قال: أحدكما حر، ثم دخل الذي علق عتقه ~~بدخول الدار حتى عتق، الآخر؛ لأن ملك المولى زال عن أحدهما لسبب من جهته ~~فصار كما لو أعتقه ابتداء أو باعه. # ولو كان المملوكان أختين فوطئ المولى إحداهما فإن علقت منه، عتقت الأخرى ~~بالإجماع؛ لأنها صارت أم ولد له، وقد ذكرنا أن الاستيلاد يكون معينا للعتق ~~في الأخرى، وإن لم تعلق لا تعتق الأخرى في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ~~ومحمد تعتق، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه قال: وكذلك لو قبل إحداهما ~~بشهوة أو لمس بشهوة أو نظر إلى فرجها عن شهوة ولو استخدم إحداهما لا تعتق ~~الأخرى في قولهم جميعا؛ لأن الاستخدام تصرف لا يختص بالملك إذ قد يستخدم ~~الحرة. # (وجه) قولهما أن الظاهر من حال العاقل المتدين الإقدام على الوطء ms2326 الحلال ~~لا الحرام، وحل الوطء لا يثبت إلا بأحد نوعي الملك ولم يوجد ههنا ملك ~~النكاح؛ فتعين ملك اليمين للحل، وإذا تعينت الموطوءة للملك تعينت الأخرى ~~للعتق؛ ولأن الوطء لو لم يجعل بيانا فمن الجائز أن يقع اختياره على ~~الموطوءة؛ فيتبين أنه وطئ حرة من غير نكاح فيجعل الوطء بيانا ضرورة التحرج ~~عن الحرام حالا ومآلا، حتى لو قال: إحداكما مدبرة، ثم وطئ إحداهما، لا يكون ~~بيانا بالإجماع؛ لأن التدبير لا يزيل ملك الاستمتاع فلا حاجة إلى التحرز ~~بالبيان؛ ولهذا جعل الوطء بيانا في الطلاق المبهم حتى لو قال لامرأتيه: ~~إحداكما طالق، فوطئ إحداهما طلقت الأخرى، كذا ههنا ولأبي حنيفة أن كون ~~الوطء بيانا للعتق في غير الموطوءة يستدعي نزول العتق؛ ليكون العتق تعيينا ~~للمعتقة منهما، والعتق بالكلام السابق غير نازل؛ لما بينا من الدلائل، ~~وهكذا نقول في الطلاق المبهم: إنه غير واقع في غير المعين منهما بل هو معلق ~~بشرط الاختيار، إلا أن هناك جعل الوطء دلالة الاختيار ولم يجعل ههنا؛ لأن ~~الوطء في باب النكاح مستحق على الزوج شرعا؛ لقوله عز وجل {فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان} [البقرة: 229] قيل في التفسير: إن الإمساك بالمعروف هو الوطء ~~والنفقة، وإذا كان الوطء مستحقا بالنكاح عند اختيار الإمساك فإذا قصد وطء ~~إحداهما صار مختارا لإمساكها فيلزمه إيفاء المستحق شرعا ضرورة اختيار ~~الإمساك فيصير مختارا طلاق الأخرى، والوطء في الأمة غير مستحق بحال فلا ~~يكون وطء إحداهما اختيارا للعتق في الأخرى لو صار مختارا للإمساك إنما ~~يصير؛ ليقع وطؤه حلالا تحرجا عن الحرمة ووطؤه إياهما جميعا حلال، وباختيار ~~إحداهما لا يظهر أن وطء الموطوءة كان حراما؛ لأن العتق ثبت حال الاختيار ~~مقصورا عليها. # وأما الضرورة فنحو أن يموت أحد العبدين قبل الاختيار فيعتق الآخر؛ لأنه ~~بالموت خرج من أن يكون محلا لاختيار العتق المبهم فتعين الآخر ضرورة من غير ~~تعيين المولى لا نصا ولا دلالة، وهذا يدل على أن العتق غير نازل إذ لو كان ~~نازلا، لما تعين الآخر للعتق؛ لأن التعيين ms2327 للضرورة وهي ضرورة عدم المحل ولا ~~ضرورة؛ لأن الميت كان محلا للبيان إذ البيان تعيين لمن وقع عليه العتق ~~بالإيجاب السابق وقت وجوده وكان حيا في ذلك الوقت، وهذا بخلاف ما إذا باع ~~أحد عبديه على أن المشتري بالخيار ثلاثة أيام، فمات أحدهما أن ملك المشتري ~~يتعين في الميت منهما ولا يتعين في الحي؛ لأن هناك وجد المسقط للخيار في ~~الميت قبل الموت وهو حدوث العيب فيه، إذ الموت لا يخلو عن مقدمة مرض عادة، ~~فحدوث العيب فيه يبطل خيار المشتري فيه؛ فيتعين بالبيع فيتعين الحي للرد، ~~وههنا حدوث العيب في أحدهما لا يوجب تعيينه للملك قبل الموت فيتعين للموت ~~فيتعين الآخر للعتق ضرورة، بخلاف ما إذا قال: أحد هذين ابني أو أحد هاتين ~~أم ولدي، فمات أحدهما لم يتعين الآخر للحرية والاستيلاد، كذا روى ابن سماعة ~~عن محمد؛ لأن قوله: أحد هاتين أم ولدي، أو أحد هذين ابني، ليس بإنشاء بل هو ~~إخبار عن أمر سابق والإخبار يصح في الحي والميت فيقف على بيانه، وقوله: ~~أحدكما حر، أو أحد هذين حر إنشاء للحرية في أحدهما، والإنشاء لا يصح إلا في ~~الحي، فإذا مات أحدهما تعين الآخر للحرية، وكذا إذا قتل أحدهما سواء قتله ~~المولى أو أجنبي؛ لما قلنا، غير أن القتل إن كان من المولى فلا شيء عليه ~~وإن كان من الأجنبي فعليه قيمة العبد المقتول للمولى، فإن اختار المولى عتق ~~المقتول لا يرتفع العتق عن الحي ولكن قيمة المقتول # PageV04P104 # تكون لورثته؛ لأن المولى قد أقر بحريته فلا يستحق شيئا من قيمته، فإن ~~قطعت يد أحدهما لا يعتق الآخر سواء كان القطع من المولى أو من أجنبي؛ لأن ~~القطع لا يقطع خيار المولى لبقاء محل الخيار بخلاف القتل فإن قطع أجنبي يد ~~أحدهما ثم بين المولى العتق فإن بينه في غير المجني عليه فالأرش للمولى بلا ~~شك، وإن بينه في المجني عليه ذكر القدوري في شرحه أن الأرش للمولى أيضا ولا ~~شيء للمجني عليه من الأرش. # وذكر القاضي في ms2328 شرحه مختصر الطحاوي إن الأرش يكون للمجني عليه، وهكذا ذكر ~~القاضي فيما إذا قطع المولى، ثم بين العتق أنه إن بينه في المجني عليه يجب ~~عليه أرش الأحرار ويكون للعبد، وعلل بأنه أقر على نفسه بأنه جنى على حر، ~~وإن بينه في غير المجني عليه فلا شيء على المولى. # ولم يذكر القدوري هذا الفصل وإنما ذكر فصل الأجنبي، وما ذكره القاضي قياس ~~مذهب التنجيز؛ لأن البيان يكون تعيينا لمن وقع عليه العتق فيتبين أنه كان ~~حرا وقت ورود الجناية عليه؛ فيوجب أرش الأحرار على المولى للعبد، وما ذكره ~~القدوري قياس مذهب التعليق؛ لأن العتق ثبت وقت الاختيار مقصورا عليه فلا ~~يظهر؛ لأن الجناية صادفت يد حر، والله عز وجل أعلم. # ولو قال: عبدي حر، وليس له إلا عبد واحد عتق؛ لأنه تعين بالإيجاب فانصرف ~~إليه، فإن قال: لي عبد آخر عنيته، لم يصدق في القضاء؛ لأنه إذا لم يعرف له ~~عبد آخر انصرف إيجابه إلى هذا العبد ظاهرا، فلا يصدق في العدول عن الظاهر ~~إلا ببينة تقوم على أن له عبدا آخر، ويصدق فيما بينه وبين الله عز وجل؛ ~~لأنه نوى ما يحتمله لفظه. # ولو قال: أحد عبيدي حر، أو أحد عبدي حر وليس له إلا عبد واحد عتق؛ لأن ~~لفظة " أحد " لا تقتضي آحادا، ألا ترى أن الله تعالى موصوف بأنه أحد قال ~~سبحانه وتعالى {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] ولا مثل له ولا شريك، ولا أحد ~~غيره في الأزل. # وروى بشر عن أبي يوسف فيمن كان له ثلاثة أعبد فقال: أحد عبيدي حر، أحد ~~عبيدي حر، أحد عبيدي حر قال ذلك ثلاثا عتقوا؛ لأن أحدهم عتق باللفظ الأول؛ ~~لأنه أحد عبيده وعتق الآخر باللفظ الثاني لهذا المعنى، وقد بقي له عبدان ~~فيعتق أحدهما، وعتق الثالث باللفظ الثالث وإن لم يبق إلا عبد واحد، كما لو ~~قال ابتداء: أحد عبيدي حر، وليس له إلا عبد واحد، ولو قال: أحدكم حر، أحدكم ~~حر أحدكم حر لم يعتق إلا واحد؛ لأن ms2329 أحدهم عتق باللفظ الأول، ثم باللفظ ~~الثاني جمع بين حر وعبدين فقال: أحدكم حر، لم يصح، ثم باللفظ الثالث جمع ~~بين عبد وحرين فلم يصح ذلك أيضا؛ لأنه يحمل على الإخبار وهو صادق فيما ~~أخبر. # ولو قال لعبده: أنت حر أو مدبر، يؤمر بالبيان فإن قال: عنيت به الحرية، ~~عتق، وإن قال: عنيت به التدبير، صار مدبرا، وهذا ظاهر فإن مات قبل البيان ~~والقول في الصحة، عتق نصفه بالإعتاق البات ونصفه بالتدبير لشيوع العتقين ~~فيه، إلا أن نصفه يعتق مجانا من جميع المال؛ لأنه يعتق بالإعتاق البات في ~~حالة الصحة، ونصفه يعتق من الثلث؛ لأنه يعتق بالتدبير، والعتق بالتدبير ~~يثبت من طريق الوصية فيعتبر من الثلث سواء كان التدبير في المرض أو في ~~الصحة، إن خرج من الثلث عتق كل النصف وإن لم يكن له مال غيره عتق ثلث النصف ~~مجانا؛ لأن هذا القدر لم يتعلق به حق الورثة، ويسعى في ثلثي النصف وهو ثلث ~~الكل. # ولو كانا عبدين فقال: أحدكما حر أو مدبر يؤمر بالبيان فإن مات قبل البيان ~~ولا مال له غيرهما والقول في الصحة عتق نصف كل واحد منهما للشيوع إلا أن ~~الربع من كل واحد منهما يعتق مجانا من جميع المال لحصوله بالإعتاق البات في ~~حالة الصحة، والربع يعتق من أصوله بالتدبير كل واحد منهما في نصف قيمته على ~~كل حال. # ولو قال: أنتما حران أو مدبران والمسألة بحالها، عتق نصف كل واحد منهما ~~بالإعتاق البات ونصف كل واحد منهما بالتدبير، وهذا كله إذا كان القول في ~~الصحة فإن كان في المرض يعتبر ذلك من الثلث. # ولو كان لرجل ثلاثة أعبد فقال: هذا حر، أو هذا، وهذا عتق الثالث ويؤمر ~~بالبيان في الأولين، ولو قال: هذا حر، وهذا، أو هذا، عتق الأول ويؤمر ~~بالبيان في الآخرين. # وكذلك هذا في الطلاق ووجه الفرق أن كلمة " أو " في الفصل الأول دخلت بين ~~الأول والثاني؛ فأوجبت حرية أحدهما غير عين ثم الثالث عطف على الحر منهما ~~أيهما كان فصار ms2330 كأنه قال: أحدكما حر، وهذا. # وفي الفصل الثاني أوجب الحرية للأول عينا، ثم أدخل كلمة " أو " في الثاني ~~والثالث فأوجبت حرية أحدهما غير عين فعتق الأول، ويؤمر بالبيان في الثاني ~~والثالث، وهذا بخلاف ما إذا قال: إن كلمت هذا # PageV04P105 # أو هذا وهذا فعبدي حر، أنه إن كلم الأول وحده حنث، وإن كلم الثاني أو ~~الثالث وحده لا يحنث ما لم يكلمهما جميعا. # ولو قال: إن كلمت هذا وهذا، أو هذا فعبدي حر. # فإن كلم الثالث وحده حنث، وإن كلم الأول أو الثاني وحده لا يحنث ما لم ~~يكلمهما جميعا؛ لأن في الفصل الأول جعل شرط الحنث كلام الأول وحده أو كلام ~~الثاني والثالث جميعا؛ لأنه جعل الثالث معطوفا على الثاني بحرف العطف فقد ~~أدخل كلمة " أو " بين الأول وحده وبين الثاني والثالث جميعا. # وأما في الفصل الثاني فقد جعل شرط الحنث كلام الأول والثاني جميعا أو ~~كلام الثالث وحده؛ لأنه عطف الثاني على الأول بحرف العطف وأدخل كلمة " أو " ~~بين الأول والثاني جميعا، والثالث وحده، والله عز وجل أعلم. # ولو اختلط حر بعبد كرجل له عبد فاختلط بحر، ثم كل واحد منهما يقول: أنا ~~حر، والمولى يقول: أحدكما عبدي، كان لكل واحد منهما أن يحلفه بالله تعالى ~~ما يعلم أنه حر فإن حلف لأحدهما ونكل للآخر، فالذي نكل له حر دون الآخر، ~~وإن نكل لهما فهما حران وإن حلف لهما فقد اختلط الأمر، فالقاضي يقضي ~~بالاختلاط ويعتق من كل واحد منهما نصفه بغير شيء ونصفه بنصف القيمة، وكذا ~~لو كانوا ثلاثة يعتق من كل واحد منهم ثلثه ويسعى في ثلثي قيمته، كذا ذكره ~~الكرخي، وكذلك لو كانوا عشرة فهو على هذا الاعتبار، وهذا كرجل أعتق أحد ~~عبديه بعينه ثم نسيه فإن بين فهو على ما بين، فإن لم يبين وقال: لا أدري ~~أيهما حر لا يجبر على البيان ولكن يعتق من كل واحد منهما نصفه مجانا ونصفه ~~بنصف القيمة، كذلك ههنا. # وأما النوع الثاني وهو ما يتعلق به بعد موت ms2331 المولى. # فهو أن المولى إذا قال لعبديه: أحدكما حر لا ينوي أحدهما بعينه ثم مات ~~قبل الاختيار عتق من كل واحد منهما نصفه؛ لأنه وقع اليأس عن البيان ~~والاختيار، إذ لا يمكنه ذلك بنفسه وهذا الخيار لا يورث حتى يقوم الوارث فيه ~~مقامه فيشيع العتق فيهما، إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر فيعتق من كل واحد ~~منهما نصفه مجانا ويسعى كل واحد منهما في نصف قيمته، وفصل الشيوع دليل نزول ~~العتق في أحدهما، إذ الثابت تشييع والموت ليس بإعتاق، علم أن الكلام السابق ~~وقع تنجيزا للعتق في أحدهما ثم فرق بين هذا الخيار وبين خيار التعيين في ~~باب البيع؛ لأن الوارث هناك يقوم مقام الموت في البيان، وههنا لا. # ووجه الفرق أن هناك ملك المشتري أحد العبدين مجهولا، إذ كل واحد منهما ~~محل للملك، فإذا مات فالوارث ورث منه عبدا مجهولا، فمتى جرى الإرث ثبت ~~ولاية التعيين، أما ههنا فأحدهما حر أو استحق الحرية وذلك يمنع جريان الإرث ~~في أحدهما فيمنع ولاية التعيين، هذا إذا كان المزاحم له محتملا للعتق وهو ~~ممن ينفذ إعتاقه فيه، فأما إذا كان ممن لا ينفذ إعتاقه فيه بأن جمع بين ~~عبده وعبد غيره فقال: أحدكما حر لا يعتق عبده إلا بالنية؛ لأن قوله أحدكما ~~يحتمل كل واحد منهما؛ لأن عبد الغير قابل للعتق في نفسه ومحتمل لنفوذ ~~الإعتاق فيه في الجملة فلا ينصرف إلى عبد نفسه إلا بالنية، وإن كان المزاحم ~~ممن لا يحتمل العتق أصلا، كما إذا جمع بين عبده وبين بهيمة أو حائط أو حجر ~~فقال: أحدكما حر، أو قال: عبدي حر، أو هذا وهذا فإن عبده يعتق في قول أبي ~~حنيفة نوى أو لم ينو، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعتق إلا بالنية، وكذا إذا ~~جمع بين عبده وبين ميت وقد ذكرنا الكلام في هذه الجملة في كتاب الطلاق وعلى ~~هذا إذا جمع بين عبده وبين حر فقال: أحدكما حر، أنه لا يعتق عبده إلا ~~بالنية؛ لأن صيغته صيغة الخبر فيحمل ms2332 على الإخبار وهو صادق في إخباره مع ما ~~في الحمل عليه تصحيح تصرفه وأنه أصل عند الإمكان فيحمل عليه، إلا إذا نوى ~~فيحمل على الإنشاء بقرينة النية، والحر لا يحتمل إنشاء الحرية فينصرف إلى ~~العبد. # ولو جمع بين عبده ومدبره فقال: أحدكما حر لا يصير عبده مدبرا إلا بالنية ~~ويحمل على الإخبار كما في الجمع بين الحر والعبد. # ولو جمع بين عبديه ومدبره فقال: اثنان منكم مدبران صار أحد عبديه مدبرا ~~ويؤمر بالبيان؛ لأن قوله: اثنان منكم، يصرف أحدهما إلى المدبر ويكون إخبارا ~~عن تدبيره، إذ الصيغة للخبر في الوضع وهو صادق في هذا الإخبار، والآخر يصرف ~~إلى أحد العبدين فيكون إنشاء للتدبير في أحدهما إذ لا يمكن حمله على الخبر؛ ~~لأنه يكون كذبا فيحمل على الإنشاء كأنه قال للمدبر: هذا مدبر، وأحد العبدين ~~مدبر؛ فيؤمر بالبيان كما لو قال ذلك ابتداء لعبديه: أحدكما مدبر، فإن مات ~~المولى قبل البيان انقسم تدبير رقبة بين العبدين نصفين، فيعتق المدبر ~~المعروف من الثلث ويعتق نصف كل واحد من العبدين من # PageV04P106 # الثلث؛ لأن التدبير وصية والوصية تعتبر من الثلث سواء كان في المرض أو في ~~الصحة. # وهذا كما لو جمع بين عبدين وحر فقال: اثنان منكم حران، أنه يصرف أحدهما ~~إلى الإخبار عن حرية أحدهم والآخر إلى إنشاء الحرية في أحد العبدين لا غير، ~~كأنه قال للحران: هذا حر، وأحد العبدين حر، فيؤمر بالبيان، فإن مات قبل ~~البيان عتق من كل واحد منهما نصفه لشيوع العتق فيهما، كذا هذا. # ولو كان له ثلاثة أعبد دخل عليه اثنان فقال: أحدكما حر ثم خرج أحدهما ~~ودخل الآخر فقال: أحدكما حر فالكلام في هذه المسألة في الأصل يقع في ~~موضعين: أحدهما يتعلق في حال الحياة، والثاني يتعلق بحال الموت أما الأول ~~فما دام المولى حيا يؤمر بالبيان ثم إن بدأ بالبيان للإيجاب الأول فإن عنى ~~به الخارج عتق الخارج بالإيجاب الأول وتبين أن إيجاب الثاني بين الثابت ~~والداخل وقع صحيحا؛ لوقوعه بين عبدين فيؤمر بالبيان لهذا ms2333 الإيجاب، وإن عنى ~~بالإيجاب الأول الثابت عتق الثابت بالإيجاب الأول وتبين أن الإيجاب الثاني ~~وقع لغوا؛ لحصوله بين حر وعبد في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه قال: الكلام الثاني ينصرف إلى الداخل وهذا غير ~~سديد؛ لأن على قوله إذا جمع بين حر وعبد فقال: أحدكما حر ينبغي أن ينصرف ~~إلى العبد وليس كذلك بالإجماع، وإن بدأ بالبيان للإيجاب الثاني فإن عنى به ~~الداخل عتق الداخل عتق بالإيجاب الثاني، وبقي الإيجاب الأول بين الخارج ~~والثابت على حاله كما كان، فيؤمر بالبيان كما كان وإن عنى به الثابت عتق ~~الثابت بالإيجاب الثاني وعتق الخارج بالإيجاب الأول؛ لتعيينه للعتق بإعتاق ~~الثابت. # وأما الذي يتعلق بما بعد الموت فههنا حالان: حال ما بعد موت العبدين وحال ~~ما بعد موت المولى أما موت العبدين: فإن مات الخارج عتق الثابت بالإيجاب ~~الأول وتبين أن الإيجاب الثاني وقع باطلا، وإن مات الثابت عتق الخارج ~~بالإيجاب الأول والداخل بالإيجاب الثاني؛ لأن الثابت قد أعيد عليه الإيجاب ~~فعتقه يوجب تعيين كل واحد منهما للعتق، وإن مات الداخل يؤمر المولى بالبيان ~~للإيجاب الأول، فإن عنى به الخارج عتق الخارج بالإيجاب الأول وبقي الإيجاب ~~الثاني بين الداخل والثابت، فيؤمر بالبيان، وإن عنى به الثابت تبين أن ~~الإيجاب الثاني وقع باطلا. # وأما موت المولى قبل البيان فإن كان القول منه في الصحة يعتق من الخارج ~~نصفه، ومن الثابت ثلاثة أرباعه بلا خلاف بين أصحابنا، واختلفوا في الداخل ~~قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يعتق من الداخل نصفه، وقال محمد: ربعه أما في ~~مسألة الوفاق؛ فلأن المولى إن كان عنى بالإيجاب الأول الخارج عتق كله ولم ~~يعتق به الثابت، وإن كان عنى به الثابت عتق الثابت كله ولم يعتق به الخارج، ~~وكل واحد منهما يعتق في حال ولا يعتق في حال فيتنصف فيعتق من كل واحد منهما ~~نصفه بالإيجاب الأول، ثم الثابت بالإيجاب الثاني يعتق نصفه الباقي في حال ~~ولا يعتق في حال، فيتنصف ذلك النصف فيعتق ربعه بالإيجاب الثاني وقد عتق ms2334 ~~نصفه بالإيجاب الأول؛ فيعتق ثلاثة أرباعه. # وأما مسألة الخلاف، فأما وجه قول محمد فهو أن الإيجاب الثاني يصح في حال ~~ولا يصح في حال؛ لأنه إن كان المولى عنى بالإيجاب الأول الخارج يصح الإيجاب ~~الثاني؛ لأن الثابت يبقى رقيقا فيقع الإيجاب الثاني جمعا بين العبدين فيصح، ~~وإن كان عنى به الثابت لا يصح؛ لأنه يقع جمعا بين الحر والعبد فيلغو؛ فيصح ~~الإيجاب الثاني في حال ولم يصح في حال فلا يثبت إلا نصف حرية فيقسم بين ~~الثابت والداخل، فيصيب كل واحد منهما الربع، ولهما أن الإيجاب الثاني إنما ~~يدور بين الصحة والبطلان إذا نزل العتق بالإيجاب الأول في غير المعين منهما ~~ولم ينزل؛ لما ذكرنا من الدلائل فيما تقدم فكان الإيجاب الثاني صحيحا في ~~الحالين جميعا، فلما مات المولى قبل البيان أصاب الداخل من هذا الإيجاب نصف ~~حرية، ثم إن كان عنى به الثابت عتق به النصف الباقي ولا يعتق الداخل، وإن ~~كان عنى به الداخل عتق كله ولا يعتق شيء من النصف الباقي من الثابت، فكل ~~واحد منهما يثبت في حال ولا يثبت في حال فيتنصف فيعتق من الثابت ربعه ومن ~~الداخل نصفه، والدليل على أن ما ذكره محمد غير سديد أن الإيجاب الثاني لو ~~كان تردد بين الصحة وعدم الصحة لبطل أصلا ورأسا؛ لأن من جمع بين حر وعبد، ~~وقال: أحدكما حر، يبطل أصلا ورأسا ومحمد اعتبر الإيجاب الثاني حيث قال ~~بثبوت نصف حرية بين الثابت والداخل، هذا # PageV04P107 # إذا كان القول منه في الصحة، فإن كان في المرض فإن كان له مال آخر، ~~يخرجون من الثلث أو لا يخرجون، لكن إن أجازت الورثة فكذلك الجواب، وإن لم ~~يكن له مال سوى هؤلاء ولم تجز الورثة، يقسم الثلث بينهم على قدر وصيتهم؛ ~~لأن الإعتاق في مرض الموت وصية والوصية نفاذها من الثلث؛ فيضرب كل واحد ~~منهم بمقدار وصيته، فوصية الخارج نصف الرقبة ووصية الثالث ثلاثة أرباع ~~الرقبة ووصية الداخل نصف الرقبة على أصلهما، فيجعل كل واحد على أربعة أسهم؛ ms2335 ~~لحاجتنا إلى ثلاثة الأرباع، فالخارج يضرب بنصف الرقبة وذلك سهمان والثابت ~~يضرب بثلاثة أرباع الرقبة وذلك ثلاثة أسهم، والداخل يضرب بنصف الرقبة وذلك ~~سهمان، فتجمع وصاياهم فتصير سبعة أسهم، فيجعل ثلث المال مبلغ الوصايا وذلك ~~سبعة أسهم، فيكون ثلثا المال أربعة عشر سهما ضرورة فيكون جميع المال أحد ~~وعشرين، فصار كل عبد سبعة أسهم؛ لأن ماله ثلاثة أعبد وقد صار ماله كله أحد ~~وعشرين سهما، فيخرج منه سهام العتق وسهام السعاية فالخارج يعتق منه سهمان ~~من سبعة ويسعى في خمسة أسهم، والثابت يعتق منه ثلاثة أسهم من سبعة ويسعى في ~~أربعة أسهم. # والداخل يعتق منه سهمان من سبعة ويسعى في خمسة أسهم كالخارج، وإذا صار ~~سهام الوصايا سبعة تصير سهام الورثة أربعة عشر ضرورة، فاستقام الثلث ~~والثلثان، وهذا التخريج على قولهما. # وأما على قول محمد فالخارج يضرب بسهمين والثابت بثلاثة والداخل بسهم فذلك ~~ستة أسهم، فصار ثلث المال ستة أسهم فيكون ثلثاه مثليه وذلك اثني عشر، فيصير ~~جميع المال ثمانية عشر، فصار كل عبد ستة أسهم يخرج منها سهام العتق وسهام ~~السعاية، فيعتق من الخارج سهمان ويسعى في أربعة أسهم، ويعتق من الثابت ~~ثلاثة أسهم ويسعى في ثلاثة ويعتق من الداخل سهم واحد ويسعى في خمسة أسهم، ~~فصار للورثة اثني عشر ولأصحاب الوصايا ستة، فاستقام الثلث والثلثان، والله ~~عز وجل أعلم. # وأما الجهالة الطارئة بأن أضاف صيغة الإعتاق إلى أحدهما بعينه ثم نسيه ~~فالكلام في هذا الفصل أيضا في موضعين أحدهما في. # كيفية هذا التصرف والثاني في الأحكام المتعلقة به أما الأول فلا خلاف في ~~أن أحدهما حر قبل البيان لأن الصيغة أضيفت إلى معين والمعين محل لنزول ~~العتق فيه فكان البيان في هذا النوع إظهارا وتعيينا لمن نزل فيه العتق. # وأما الثاني فالأحكام المتعلقة به ضربان أيضا: ضرب يتعلق به في. # حال حياة المولى، وضرب يتعلق به بعد موته أما الأول فنقول: إذا أعتق إحدى ~~جاريتيه بعينها ثم نسيها أو أعتق إحدى جواريه العشرة بعينها ثم نسي المعتقة ~~فإنه ms2336 يمنع من وطئهن واستخدامهن؛ لأن واحدة منهن حرة بيقين فكل واحدة يحتمل ~~أن تكون هي الحرة ووطء الحرة من غير نكاح حرام فلو قرب واحدة منهن ربما ~~يقرب الحرة فيمنع من ذلك صيانة عن الحرام، والأصل في هذا الباب ما روينا من ~~حديث وابصة بن معبد - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «ألا إن لكل ملك حمى، وإن حمى الله محارمه، فمن حام حول الحمى ~~يوشك أن يقع فيه» ولا يجوز أن يطأ واحدة منهن بالتحري؛ لما ذكرنا في كتاب ~~الطلاق، فلو أنه وطئ واحدة منهن فحكمه نذكره هنا، والحيلة في أن يباح له ~~وطؤهن أن يعقد عليهن عقد النكاح فتحل له الحرة منهن بالنكاح والرقيقة بملك ~~اليمين. # ولو خاصم العبدان المولى إلى القاضي وطلبا منه البيان أمره القاضي ~~بالبيان ولو امتنع حبسه ليبين، كذا ذكره الكرخي؛ لأن أحدهما حر بيقين ~~والحرية حقه أو له فيها حق، ولكل صاحب حق أن يطلب حقه، وإذا امتنع من ~~الإيفاء يجبر عليه. # ولو ادعى كل واحد منهما أنه هو الحر ولا بينة له وجحد المولى فطلبا يمينه ~~استحلفه القاضي لكل واحد منهما بالله عز وجل ما أعتقه؛ لأن الاستحلاف ~~لفائدة النكول والنكول بذل أو إقرار، والعتق يحتمل كل ذلك، ثم إن نكل لهما ~~عتقا؛ لأنه بذل لهما الحرية أو أقر بها لهما، وإن حلف لهما يؤمر بالبيان؛ ~~لأن أحدهما حر بيقين وحريته لا ترتفع باليمين، وما ذكرنا من رواية ابن ~~سماعة عن محمد في الطلاق يكون ذلك رواية في العتاق وهو أنهما إذا استحلفا ~~فحلف المولى للأول، يعتق الذي لم يحلف له؛ لأنه لما حلف للأول: والله ما ~~أعتقه فقد أقر برقه فيتعين الآخر للحرية، كما إذا قال ابتداء لأحدهما عينا: ~~هذا عبد، وإن لم يحلف له عتق هو؛ لأنه بذل له الحرية أو أقر. # وإن تشاحا في اليمين حلف لهما جميعا بالله عز وجل ما أعتق واحدا منهما ~~فإن حلف # PageV04P108 # لهما فإن كانا أمتين يحجب منهما ms2337 حتى يبين؛ لما ذكرنا أن حرية إحداهما لا ~~ترتفع بالحلف، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن المولى لا يجبر على ~~البيان في الجهالة الطارئة إذا لم يتذكر لما فيه من استرقاق الحر؛ لأن ~~أحدهما حر بيقين بخلاف الجهالة الأصلية؛ لأن ثمة الحرية غير نازلة في المحل ~~في أصح القولين فلم يكن في البيان استرقاق الحر. # ثم البيان في هذه الجهالة نوعان: نص، ودلالة أو ضرورة أما نص: فنحو أن ~~يقول المولى لأحدهما عينا: هذا الذي كنت أعتقته ونسيت. # وأما الدلالة أو الضرورة: فهي أن يقول أو يفعل ما يدل على البيان، نحو أن ~~يتصرف في أحدهما تصرفا لا صحة له بدون الملك من البيع والهبة والصدقة ~~والوصية والإعتاق والإجارة والرهن والكتابة والتدبير والاستيلاد إذا كانتا ~~جاريتين؛ لأن هذه التصرفات لا صحة لها إلا في الملك فكان إقدامه دليل ~~اختياره الملك في التصرف فيه، وتعين الآخر للعتق، وكذا إذا كانا أمتين فوطئ ~~إحداهما، عتقت الأخرى بلا خلاف؛ لأن إحداهما حرة بيقين فكان وطء إحداهما ~~تعينا لها للرق، والأخرى للعتق، وتعيين الأخرى للعتق ضرورة انتفاء المزاحم، ~~بخلاف الجهالة الأصلية على أصل أبي حنيفة؛ لأن العتق غير نازل في إحداهما ~~فكانت كل واحدة منهما حلال الوطء، وإن كن عشرا فوطئ إحداهن تعينت الموطوءة ~~للرق حملا لأمره على الصلاح، وتعينت الباقيات؛ لكون المعتقة فيهن دلالة أو ~~ضرورة فيتعين البيان نصا أو دلالة، وكذا لو وطئ الثانية والثالثة إلى ~~التاسعة، فتتعين الباقية وهي العاشرة للعتق؛ لأن فعله يحمل على الجواز ولا ~~جواز له إلا في الملك فكان، الإقدام على وطئهن تعيينا لهن للرق، والباقية ~~للعتق أو تتعين الباقية ضرورة وإلا حسن أن لا يطأ واحدة منهن؛ لاحتمال أن ~~تكون الموطوءة هي الحرة فلو أنه وطئ، فحكمه ما ذكرنا. # ولو ماتت واحدة منهن قبل البيان، فالأحسن أن لا يطأ الباقيات قبل البيان؛ ~~لاحتمال أن تكون المعتقة فيهن، فلو أنه وطئهن قبل البيان جاز؛ لأن فعل ~~المسلم العدل محمول على الجواز ما أمكن، وأمكن ههنا بأن ms2338 يحمل على أنه قد ~~تذكر أن المعتقة منهن هي الميتة؛ لأن البيان في هذا النوع من الجهالة إظهار ~~وتعيين لمن نزلت فيه الحرية من الأصل فلم تكن الحياة شرطا لمحلية البيان، ~~وكان إقدامه على وطئهن تعيينا للميتة للعتق، والباقيات للرق دلالة أو تتعين ~~الباقيات للرق ضرورة، بخلاف الجهالة الأصلية إذا ماتت واحدة منهن أن الميتة ~~لا تتعين للحرية؛ لأن الحرية هناك غير نازلة في إحداهن وإنما تنزل عند وجود ~~الشرط وهو الاختيار مقصورا عليه والمحل ليس بقابل للحرية وقت الاختيار فهو ~~الفرق، ولو كانتا اثنتين فماتت واحدة منهما لا تتعين الباقية للعتق؛ لأن ~~الميتة لم تتعين للرق لانعدام دليل يوجب التعيين فلا تتعين الأخرى للعتق ~~ضرورة، فوقف تعيينها للعتق على البيان نصا أو دلالة، إذ الميتة لم تخرج عن ~~كونها محلا للبيان إذ البيان في هذا النوع إظهار وتعيين، بخلاف النوع الأول ~~في أصح القولين. # ولو قال المولى: هذا مملوك، وأشار إلى أحدهما، يتعين الآخر للعتق دلالة ~~أو ضرورة. # ولو باعهما جميعا صفقة واحدة كان البيع فاسدا؛ لأنه باع حرا وعبدا صفقة ~~واحدة ولم يبين حصة كل واحد منهما من الثمن، وكذا لو كانوا عشرة فباعهم ~~صفقة واحدة، ويفسخ البيع في الكل، ولو باعهم على الانفراد جاز البيع في ~~التسعة ويتعين العاشر للعتق. # كذا ذكر الكرخي؛ لأن بيع كل واحد منهم اختيار إياه للرق ويتعين الباقي ~~للعتق دلالة أو يتعين ضرورة عدم المزاحم، كما لو وطئ عشرة نفر لكل واحد ~~منهم جارية فأعتق واحد منهم جاريته ولا يعرف المعتق فلكل واحد منهم أن يطأ ~~جاريته وأن يتصرف فيها تصرف الملاك؛ لأن الجهالة تمكنت في الجانبين جميعا ~~المعتق والمعتق فوقع الشك في الطرفين، فلا يزال اليقين بالشك، بخلاف ما إذا ~~كانت الجواري لواحد فأعتق واحدة منهن ثم نسيها، أنه يمنع من وطء الكل؛ لأن ~~الجهالة هناك لم تقع إلا في أحد الجانبين فلم يقع الشك إلا في أحد ~~الجانبين، إذ المعتق على يقين من حرية إحداهن وكل واحدة تحتمل أن تكون ms2339 هي ~~الحرة فيمنع من وطئهن، ولو دخل الكل في ملك أحدهم، صار كأن الكل كن في ملكه ~~فأعتق واحدة منهن ثم جهلها. # وأما الثاني فهو أن المولى إذا مات قبل البيان يعتق من كل واحدة منهما ~~نصفه مجانا بغير شيء ونصفه بالقيمة، فتسعى كل واحدة منهما في نصف قيمتها ~~للورثة؛ لما ذكرنا في الجهالة الأصلية، والله عز وجل أعلم. # PageV04P109 ### | [فصل في بيان ما يظهر به حكم الإعتاق] # فصل) : # وأما بيان ما يظهر به حكمه فالمظهر له شيئان: أحدهما. # الإقرار، والثاني البينة أما الأول فلا شك أن الإقرار من المولى بإعتاق ~~عبده يظهر به العتق؛ لأن الظاهر أن الإنسان لا يقر على نفسه كاذبا فيصدق في ~~إقراره على نفسه، ولا يقبل على غيره لكونه شهادة على الغير، وشهادة الفرد ~~غير مقبولة، ولو أقر بحرية عبد غيره ثم اشتراه، عتق عليه؛ لأن إقراره على ~~نفسه مقبول ولا يقبل على غيره لكونه شهادة على الغير وشهادة الفرد غير ~~مقبولة، فإذا اشتراه فقد زال المانع من تقييده في حقه فيعتق عليه. # وأما البينة: فجملة الكلام فيها أنه لا خلاف في أنها تقبل على عتق ~~المملوك إذا ادعى المملوك العتق وأنكر المولى سواء كان المملوك عبدا أو ~~جارية، فأما إذا لم يدع وأنكر العتق، والمولى أيضا منكر فهل تقبل الشهادة ~~على عتقه من غير دعواه؟ فإن كان المملوك جارية تقبل بالإجماع، وإن كان عبدا ~~لا تقبل في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد تقبل من أصحابنا من حمل ~~المسألة على أن عتق العبد حق العبد عند أبي حنيفة والشهادة على حقوق العباد ~~لا تقبل من غير دعاويهم كالأموال وسائر حقوق العباد، وعندهما هي حق الله ~~تعالى والشهادة على حقوق الله عز وجل مقبولة من غير دعوى أحد، كالشهادة على ~~إعتاق الإنسان أمته وتطليقه امرأته، والشهادة على أسباب الحدود الخالصة لله ~~عز وجل من الزنا والشرب والسكر، إلا السرقة فإنه شرط فيها الدعوى لتحقيق ~~السبب، إذ لا يظهر كون الفعل سرقة شرعا بدون الدعوى؛ لما ms2340 نذكر في كتاب ~~السرقة فنتكلم في المسألة بناء وابتداء، أما البناء، فوجه قولهما أن في ~~الإعتاق تحريم الاسترقاق وحرمة الاسترقاق حق الله تعالى قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ثلاثة أنا خصمهم، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة، وذكر ~~من جملتها رجلا باع حرا وأكل ثمنه» وكذا يتعلق به أهلية وجوب حقوق الله عز ~~وجل من الكفارات والزكوات والجمع والجماعات، فثبت أن العتق حق الله تعالى، ~~فلا يشترط فيه الدعوى لقبول الشهادة القائمة عليه، كما في عتق الأمة وطلاق ~~المرأة وكما في الحدود الخالصة، وكذا الأحكام تدل على أن الدعوى ليست بشرط ~~فإن الشهادة على حرية الأصل للعبد تقبل من غير دعواه، وكذا الشهادة على نسب ~~صبي صغير من رجل وأنكر الرجل، وكذا الشهادة على المولى باستيلاد جاريته ~~وهما منكران، وكذا التناقض في العتق لا يمنع صحة الدعوى بأن قال عبد ~~لإنسان: اشترني فإني عبد فلان، فاشتراه، ثم ادعى العبد حرية الأصل، تسمع ~~دعواه. # ولو كانت الدعوى فيه شرطا لكان التناقض مانعا من صحة الدعوى كما في سائر ~~الدعاوى. # ولأبي حنيفة أن الإعتاق إثبات العتق، والعتق في عرف اللغة والشرع اسم ~~لقوة حكمية تثبت للعبد تندفع بها يد الاستيلاد والتملك عنه، والحرية حقه إذ ~~هو المنتفع بها مقصودا، ألا ترى أنه هو الذي يتضرر بانتفائها مقصودا ~~بالاسترقاق، وكذا التحرير إثبات الحرية، والحرية في متعارف الشرع واللغة ~~تنبئ عن خلوص نفس العبد له عن الرق والملك وذلك حقه؛ لأنه هو المنتفع به ~~دون غيره مقصودا وحق الإنسان ما ينتفع هو به دون غيره، فإذا ثبت أن العتق ~~حق العبد فالشهادة القائمة على عتق العبد لا تقبل من غير دعواه، كسائر ~~الشهادات القائمة على سائر حقوق العباد، والجامع بينهما من وجهين: أحدهما ~~أن المشهود به إذا كان حقا للعبد كان العبد مشهودا له، فإذا أنكر فقد كذب ~~شهوده، والمشهود له إذا كذب شهوده لا تقبل شهادتهم له. # والثاني أن إنكار المشهود له حقه مع حاجته إلى استيفاء حقه لينتفع به ~~يوجب تهمة ms2341 في الشهادة؛ لأن المشهود به لو كان ثابتا لتبادر إلى الدعوى ولا ~~شهادة لمتهم. # وأما قوله: في الإعتاق تحريم الاسترقاق، فنقول: الإعتاق لا ينبئ عن ذلك ~~وإنما ينبئ عن إثبات القوة والخلوص على ما بينا وذلك حقه، ثم إذا ثبت حقه ~~بالإعتاق حرم الاسترقاق؛ لما فيه من إبطال حقه وهذا لا يدل على أن حرمة ~~الاسترقاق حق الله عز وجل ألا ترى أن سائر الحقوق الثابتة للعباد يحرم ~~إبطالها ولا يدل على أن حرمة إبطالها حق الله تعالى على أنا إن سلمنا أن في ~~العتق حق الله تعالى فالمقصود حاصل؛ لأنه من حيث إنه حق الله تعالى تقبل ~~الشهادة عليه من غير دعوى العبد، ومن حيث إنه حق العبد لا تقبل فدارت ~~الشهادة بين القبول وعدم القبول فلا تقبل مع الشك؛ ولهذا لم تقبل الشهادة ~~على القذف من غير دعوى المقذوف، وإن كان حد القذف حق الله تعالى من وجه وحق ~~العبد من وجه، كذا ههنا. # وأما الأحكام، فأما عتق الأمة فثمة هكذا نقول: إن تلك الشهادة لا تقبل ~~على العتق # PageV04P110 # من حيث ذات العتق؛ لما قلنا في العبد، وإنما تقبل من حيث إن عتق الأمة حق ~~الله تعالى على الخلوص من حيث إنه سبب لتحريم الفرج ووسيلة إليه، والشيء من ~~حيث التسبب والتوسل غير ومن حيث الذات غير، كما قلنا في كفر المحارب: إنه ~~يوجب القتل من حيث إنه سبب للحراب لا من حيث ذاته بل ذات الكفر غير موجب؛ ~~لأنهما غيران، كذا هذا # ألا ترى أنه ينفصل أحدهما عن الآخر، فإن العتق قد لا يكون وسيلة إلى ~~تحريم الفرج وهو عتق العبد، ثم متى قبلت على العتق من حيث إنه سبب حرمة ~~الفرج تقبل من حيث ذات العتق. # وكذا في طلاق المرأة من غير دعواها، وليس للعتق في محل النزاع سببية ~~تحريم الفرج، فلو قبل لقبل على ذات العتق ولا وجه إليه؛ لما بينا فإنه قيل: ~~ما ذكرتم من العذر في فصل الأمة والطلاق لا يصح؛ لأن الشهادة ms2342 على عتق الأمة ~~المجوسية والأخت من الرضاعة مقبولة من غير دعوى، وهذه الشهادة لا تتضمن ~~حرمة الفرج؛ لأن الحرمة كانت ثابتة قبل ذلك، وكذا الشهادة على الطلاق ~~الرجعي والطلاق المضاف إلى الملك يقبل من غير دعوى، ولا تتضمن هذه الشهادة ~~تحريم الفرج، فالجواب أن من أصحابنا من يمنع المسألتين الأولتين فقالوا: لا ~~تقبل الشهادة فيهما من غير دعوى؛ لأنها لا تتضمن تحريم الفرج ومنهم من سلم ~~مسألة المجوسية ومنع مسألة الأخت من الرضاعة، وفرق بينهما من حيث إن وطء ~~الأمة المجوسية مملوك للمولى وإنما منع من الاستيفاء لخبثها كما يمنع من ~~الوطء حالة الحيض؛ ولهذا لو وطئها لا يسقط إحصانه، وبعد العتق لو وطئها ~~يسقط إحصانه، فالشهادة على عتقها تضمنت تحريم الفرج فقبلت من غير دعوى، ~~فأما الأخت من الرضاعة فحرام الوطء حقيقة، حتى لو وطئها يسقط إحصانه مع ~~قيام ملك اليمين والمعتبر في الباب تحريم الفرج لا الأنوثة، والشهادة على ~~النسب قط لا تقبل من غير دعوى، وفيما ذكر من المسألة وهي ما إذا كان صغيرا ~~فلا تقبل عند أبي حنيفة ما لم ينصب القاضي خصما عن الصغير ليدعي النسب له ~~بطريق النيابة شرعا؛ نظرا للصغير العاجز عن إحياء حقه بنفسه والقاضي نصب ~~ناظرا للمسلمين وكان ذلك شهادة على خصم. # وأما الاستيلاد فهو سبب لتحريم الفرج والدعاوى في الجملة؛ لأنه يوجب ~~حقيقة الحرية عند الموت، والحرمة لازمة للحرية حتى لا يباح لها مس المولى ~~وغسله بسبب الحرية، فكان الاستيلاد في الحال سببا لثبوت الحرية فكان سببا ~~لحق الله تعالى في الحال فيقام السبب مقام الحقيقة في حق التحريم احتياطا ~~وهو الجواب عن الطلاق الرجعي، والطلاق المضاف إلى الحرية ثمة ثبت في الجملة ~~أيضا عند وجود زوال الحل، فيعتبر السبب قائما مقام المسبب في حق الحرمة ~~احتياطا. # وأما الابتداء فوجه قولهما إن عدالة الشاهد دلالة صدقه في شهادته من حيث ~~الظاهر؛ فيثبت المشهود به ظاهرا والقاضي مكلف بالقضاء بالظاهر فكان ينبغي ~~أن لا تشترط الدعوى لقبول الشهادة أصلا ولهذا لم ms2343 تشرط في عتق الأمة وطلاق ~~المرأة وأسباب الحدود، إلا أنا عرفنا اشتراطها فيما وراء العتق من حقوق ~~العباد بالإجماع فيقتصر على مورد الإجماع. # (وجه) قول أبي حنيفة إن خبر من ليس بمعصوم عن الكذب محتمل للكذب فلا يفيد ~~العلم للقاضي بالمشهود به، والأصل أن لا يجوز القضاء بما لا علم للقاضي به ~~وبما ليس بثابت قطعا؛ لقوله عز وجل {ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: ~~36] وإنه اسم للثابت قطعا وقوله سبحانه وتعالى {يا داود إنا جعلناك خليفة ~~في الأرض فاحكم بين الناس بالحق} [ص: 26] والحق اسم للكائن الثابت، ولا ~~ثبوت مع احتمال العدم فكان ينبغي أن لا يجوز القضاء به أصلا إلا أن الشرع ~~جاء بالجواز؛ لحاجة العباد إلى دفع الفساد وهو المنازعة القائمة بينهما ~~بالدعوى، والمنازعة سبب الفساد، أو لدفع فساد الزنا كما في حد الزنا وعتق ~~الأمة وطلاق المرأة، أو لدفع فساد السكر في حد الشارب والسكر فألحق المحتمل ~~بالمتيقن أو اكتفى بظاهر الصدق مع الاحتمال دفعا للفساد، فبقي الحكم فيما ~~وراء ذلك على الأصل وعلى هذا شاهدان شهدا على رجل أنه أعتق أحد عبديه ~~والعبدان يدعيان العتق أو يدعيه أحدهما، فإن شهدا في حال حياة المولى وصحته ~~لا تقبل شهادتهما في قول أبي حنيفة، وعندهما تقبل؛ لأن الدعوى شرط قبول ~~الشهادة على عتق العبد عنده، والمدعي مجهول فجهالة المدعي منعته صحة الدعوى ~~فامتنع قبول الشهادة، وعندهما الدعوى ليست بشرط فجهالة المدعي لا تكون أقل ~~من عدم الدعوى فلا تمنع قبول الشهادة فتقبل ويجبر على البيان، وإن شهدا بعد ~~وفاته على أنه # PageV04P111 # أعتق أحدهما في حال صحته فهو على هذا الخلاف، وإن شهدا على ذلك وهو مريض ~~فمات، أو شهدا بعد موته على أنه قال ذلك في المرض لا تقبل في قياس قول أبي ~~حنيفة، وفي الاستحسان تقبل ولا خلاف في أنهما إذا شهدا على أنه طلق إحدى ~~امرأتيه، تقبل ويخير فيختار طلاق إحداهما، وجه قياس قول أبي حنيفة ما ذكرنا ~~أن الدعوى شرط، والمدعي مجهول، ms2344 وجه الاستحسان أن المدعي ههنا معلوم؛ لأن ~~الإعتاق في مرض الموت وصية، والخصم في تنفيذ الوصية هو الموصي، فكان الميت ~~المشهود له لوقوع الشهادة له فكان المدعي معلوما فجازت الشهادة له، بخلاف ~~حال الصحة فإن الشهادة هناك وقعت لأحد العبدين فكان المشهود له مجهولا فلم ~~تجز الشهادة؛ ولأن المولى لما مات فقد شاع العتق فيهما جميعا فصار كل واحد ~~منهما خصما في حق نفسه، متعينا فتقبل الشهادة بخلاف حال الحياة والصحة. # وكذلك جواب أبي حنيفة في هذه المسألة في الأمتين بأن شهدا بأنه أعتق إحدى ~~أمتيه، أنها لا تقبل؛ لأن انعدام اشتراط الدعوى بقبول الشهادة على عتق ~~الأمة لكونه سببا لحرمة الفرج وهي حق الله تعالى ولا تثبت حرمة الفرج ~~بالعتق المبهم عند أبي حنيفة، فكان الجواب في العبدين والأمتين ههنا عنده ~~على السواء، بخلاف ما إذا شهدا على أنه طلق إحدى امرأتيه، أنها تقبل؛ لأنها ~~قامت على سبب حرمة الفرج، والدعوى فيها ليست بشرط. # ولو شهدا أن أحد هذين الرجلين أعتق عبده فلانا، لم تجز شهادتهما؛ لأن ~~المدعى عليه مجهول ولو شهدا أنه أعتق عبدا له وسماه ونسيناه، أن الشهادة ~~باطلة؛ لأن الشاهد إذا نسي ما تحمل لا تقبل شهادته، ولو شهدا أنه أعتق عبده ~~سالما ولا يعرفان سالما، وله عبد اسمه سالم ليس له غيره تقبل شهادتهما، ولو ~~شهدا به في البيع لا تقبل، ووجه الفرق أن البيع لا يحتمل الجهالة أصلا ~~والعتق يحتمل ضربا من الجهالة، ألا ترى أنه لا يجوز بيع أحد العبدين ويجوز ~~إعتاق أحد العبدين. # ولو اختلف الشاهدان في الشرط الذي علق به العتق، لم تجز شهادتهما؛ لأنهما ~~شهدا بعقدين كل عقد لا يثبت إلا بشهادة شاهدين ولم يوجد، والأصل فيه أنه ~~إذا اختلفت شهادة الشاهدين، فإن كان ذلك في دعوى العتق لا تقبل أصلا، وإن ~~كان في دعوى المال ففيه تفصيل ووفاق واختلاف، نذكر ذلك كله في كتاب ~~الشهادات، إن شاء الله تعالى والله عز وجل أعلم. ### | [كتاب التدبير] ### | [فصل في ركن التدبير] ms2345 # (كتاب التدبير) : # الكلام في هذا الكتاب يقع فيما ذكرنا في كتاب العتق، وهو بيان ركن ~~التدبير، وبيان شرائط الركن، وبيان صفة التدبير، وبيان حكم التدبير، ووقت ~~ثبوت حكمه وبيان ما يظهر به التدبير. # (فصل) : # أما الأول، فركن التدبير هو اللفظ الدال على معنى التدبير لغة، وهو إثبات ~~العتق عن دبر، ثم إثبات العتق عن دبر نوعان: مطلق ومقيد. # أما المطلق فهو أن يعلق الرجل عتق عبده بموته مطلقا، وله ألفاظ قد تكون ~~بصريح اللفظ مثل أن يقول: أنت مدبر أو دبرتك، وقد تكون بلفظ التحرير ~~والإعتاق نحو أن يقول: أنت حر بعد موتي أو حررتك بعد موتي أو أنت معتق أو ~~عتيق بعد موتي أو أعتقتك بعد موتي، وكذا إذا قال: أنت حر عند موتي أو مع ~~موتي أو في موتي هو بمنزلة قوله بعد موتي؛ لأن (عند) كلمة حضرة فعند الموت ~~يستدعي وجود الموت، فيكون موته بمعنى الشرط وجمع للمقارنة، ومقارنة الشيء ~~يقتضي وجودهما، و (في) للظرف فإذا دخل ما لا يصلح ظرفا يجعل شرطا. # كما إذا قال لعبده: أنت حر في دخولك الدار وقد يكون بلفظ اليمين بأن ~~يقول: إن مت فأنت حر أو يقول: إذا مت أو متى مت أو متى ما مت أو إن حدث بي ~~حدث أو متى حدث بي؛ لأنه علق العتق بالموت مطلقا، وكذا إذا ذكر في هذه ~~الألفاظ مكان الموت الوفاة أو الهلاك، ولو قال: إن مات فلان فأنت حر لم يكن ~~مدبرا لأنه لم يوجد تعليق عتق عبده بموته، فلم يكن هذا تدبيرا بل كان ~~تعليقا بشرط مطلق، كالتعليق بسائر الشروط من دخول الدار وكلام زيد وغير ~~ذلك، وقال أبو يوسف: لو قال: أنت حر إن مت أو قتلت فليس بمدبر. # وقال زفر: هو مدبر؛ لأنه علق عتقه بالموت وأنه كائن لا محالة، ولأبي يوسف ~~إن علق بأحد الأمرين فلا يصير مدبرا # PageV04P112 # كما لو قال: إن مت أو مات زيد، ولو قال: إن مت وفلان فأنت حر أو قال: أنت ~~حر ms2346 بعد موتي وموت فلان أو قال: بعد موت فلان وموتي لم يكن مدبرا إلا أن ~~يموت فلان قبله، فيصير حينئذ مدبرا وإنما لا يصير مدبرا للحال؛ لأنه يحتمل ~~أن يموت المولى أولا فلا يعتق؛ لأنه علق العتق بشرطين: بموته، وموت فلان ~~فلا يعتق بموته وحده ويصير العبد ميراثا. # فبعد ذلك إن مات فلان ووجد الشرط الآخر، فإنما وجد بعدما انتقل الملك إلى ~~الورثة، ويحتمل أن يموت فلان فيصير مدبرا ويعتق بموت المولى، فكان هذا ~~كالتدبير المقيد، ثم ينظر إن مات المولى أولا فقد صار العبد ميراثا للورثة ~~لما بينا. # وإن مات فلان أولا فقد صار مدبرا؛ لأن التدبير صار مطلقا وصار العبد ~~بحاله يعتق بموت المولى، ثم استشهد في الأصل، فقال: ألا ترى أنه لو قال: ~~أنت حر بعد كلامك فلانا وبعد موتي. # فكلم فلانا، كان مدبرا، وكذلك قوله: إذا كلمت فلانا فأنت حر بعد موتي. # فكلمه صار مدبرا؛ لأنه بعد الكلام صار التدبير مطلقا فكذا هذا، وقد يكون ~~بلفظ الوصية وهو أن يوصي لعبده بنفسه أو برقبته أو بعتقه، أو يوصيه بوصية ~~يستحق من جملتها رقبته أو بعضها، نحو أن يقول له: أوصيتك بنفسك أو برقبتك ~~أو بعتقك، أو كل ما يعبر به عن جملة البدن؛ لأن الموصي يزيل ملكه بالوصية، ~~ثم إن كان الموصى له ممن يحتمل الملك يزول الملك إليه، وإلا فيزول لا إلى ~~أحد، والحر لا يحتمل أن يملك نفسه لما فيه من الاستحالة فكانت الوصية له ~~بنفسه إزالة الملك لا إلى أحد وهذا معنى الإعتاق، فهذا الطريق جعل بيع نفس ~~العبد وهبتها له إعتاقا كذا هذا، فيصير في معنى قوله: أنت حر بعد موتي، ~~وكذا لو قال له: أوصيت لك بثلث مالي؛ لأن رقبته من جملة ما له فصار موصى له ~~بثلثها، ولأن هذا إزالة الملك من الثلث لا إلى أحد فيكون إعتاقا، وروى بشر ~~عن أبي يوسف في من أوصى لعبده بسهم من ماله أنه يعتق بعد موته، ولو أوصى له ~~بجزء من ماله ms2347 لم يعتق، ووجه الفرق أن السهم عبارة عن السدس فإذا أوصى له ~~بسدس ماله فقد دخل سدس رقبته في الوصية. # فأما اسم الجزء فلا يتضمن الوصية بالرقبة لا محالة، فكان الخيار فيه إلى ~~الورثة فلهم التعيين فيما شاء، والله - عز وجل - أعلم. # وأما المقيد فهو أن يعلق عتق عبده بموته موصوفا بصفة أو بموته وشرط آخر ~~نحو أن يقول: إن مت من مرضي هذا أو في سفري هذا فأنت حر. # أو يقول: إن قتلت فأنت حر أو إن غرقت فأنت حر أو إن حدث بي حدث من مرضي ~~هذا أو من سفري هذا فأنت حر، ونحو ذلك مما يحتمل أن يكون موته على تلك ~~الصفة ويحتمل أن لا يكون، وكذا إذا ذكر مع موته شرطا آخر يحتمل الوجود ~~والعدم فهو مدبر مقيد، وحكمه يذكر في موضعه إن شاء الله تعالى وروى الحسن ~~عن أبي حنيفة أنه لو قال: إذا مت ودفنت أو غسلت أو كفنت فأنت حر. # فليس بمدبر يريد به في حق الأحكام المتعلقة بالتدبير في حال حياة المدبر؛ ~~لأنه علق العتق بالموت وبمعنى آخر فلم يكن مدبرا مطلقا، فإن مات وهو في ~~ملكه استحسنت أن يعتق من الثلث والقياس أن لا يعتق كما لو قال: إذا مت ~~فدخلت الدار فأنت حر. # فمات المولى فدخل العبد الدار أنه لا يعتق كذا هذا، لكنه استحسن وقال: ~~يعتق من الثلث؛ لأنه علق العتق بالموت وبما هو من علائقه، فصار كما لو علقه ~~بموت نصفه، فكان حكمه حكم المدبر المقيد بخلاف قوله: إذا مت فدخلت الدار؛ ~~لأن دخول الدار لا تعلق له بالموت، فلم يكن تعليقا بموت نصفه، فلم يكن ~~تدبيرا أصلا، بل كان يمينا مطلقا فيبطل بالموت كسائر الأيمان. # ثم التدبير قد يكون مطلقا، وقد يكون معلقا بشرط أما المطلق فما ذكرنا. # وأما المعلق فنحو أن يقول: إن دخلت الدار أو إن كلمت فلانا أو إذا قدم ~~زيد فأنت مدبر؛ لأن التدبير إثبات حق الحرية، وحقيقة الحرية تحتمل التعليق ~~بالشرط فكذا ms2348 في حق التدبير، وذكر محمد في الأصل: إذا قال أنت حر بعد موتي ~~إن شئت. # فإن نوى بقوله إن شئت الساعة فشاء العبد في ساعته تلك صار مدبرا؛ لأنه ~~علق التدبير بشرط وهو المشيئة، وقد وجد الشرط فيصير مدبرا، كما إذا قال إن ~~دخلت الدار فأنت مدبر وإن عنى به مشيئته بعد الموت فليس للعبد مشيئة حتى ~~يموت المولى؛ لأنه علق العتق بشرط يوجد بعد الموت فإذا وجد قبله لا يعتبر، ~~فإن مات المولى فشاء عند موته فهو حر من ثلثه، كذا ذكره في الأصل، وذكر ~~الحاكم في مختصره أن المراد منه أن يعتقه الوصي أو الوارث؛ لأن العتق ههنا ~~لم يتعلق بالموت وإنما تعلق به وبأمر آخر بعده فيصير بمنزلة الوصية ~~بالإعتاق، فيجب أن لا يعتق # PageV04P113 # ما لم يعتق، وكذا ذكر الجصاص أنه لا يعتق حتى يعتقه الورثة لما قلنا، ~~وروى ابن سماعة وعيسى بن أبان وأبو سليمان عن محمد فيمن قال لرجل: إذا مت ~~فأعتق عبدي هذا إن شئت. # أو قال إذا مت فأمر عبدي هذا بيدك ثم مات فشاء الرجل عتقه في المجلس أو ~~بعد المجلس فله أن يعتقه؛ لأن هذا وصية بالإعتاق، والوصايا لا يتقيد القبول ~~فيها بالمجلس، وكذا إن قال: عبدي هذا حر بعد موتي إن شئت فشاء بعد موته في ~~المجلس أو بعد المجلس فقد وجبت الوصية؛ لما ذكرنا أن الوصية لا يتقيد ~~قبولها بالمجلس ولا يعتق العبد حتى يعتقه الورثة أو الوصي أو القاضي وهذا ~~يؤيد قول الحاكم والجصاص؛ لأنه لا فرق بين المسألتين سوى أن هناك علق ~~بمشيئة العبد، وههنا علق بمشيئة الأجنبي، وكذلك لو قال لعبده: أنت حر إن ~~شئت بعد موتي فمات المولى وقام العبد من مجلسه الذي علم فيه بموت المولى أو ~~أخذ في عمل آخر فإن ذلك لا يبطل شيئا مما جعله إليه؛ لما ذكرنا أن هذا وصية ~~بالإعتاق وليس بتمليك، والوصية لا يقف قبولها على المجلس. # وأما المضاف إلى وقت فنحو أن يقول أنت مدبر غدا أو ms2349 رأس شهر كذا فإذا جاء ~~الوقت صار مدبرا؛ لأن التدبير إثبات حق الحرية فيحتمل الإضافة كإثبات حقيقة ~~الحرية ولهذا احتمل التعليق بالشرط كذا الإضافة وقد روى بشر عن أبي يوسف ~~فيمن قال لعبده: أنت حر بعد موتي بشهر. # فليس بمدبر ولا يعتق إلا أن يعتق، وروى ابن سماعة عن محمد أنه قال: ~~القياس أن يكون باطلا ألا ترى أنه لو جنى قبل الشهر دفعه بالجناية، ولو ~~لحقه دين بيع فيه، ووجه القياس ما ذكرنا أنه لما علق العتق بمضي شهر بعد ~~الموت، فكما مات انتقل الملك فيه إلى الورثة ولم يبق إلا مضي الزمان وهو ~~الشهر، فلا يحتمل ثبوت العتق به فيبطل إلا أنهم استحسنوا فجعلوه وصية ~~بالإعتاق؛ لأن تصرف العاقل يحمل على الصحة ما أمكن، وأمكن حمله على الوصية ~~بالإعتاق بعد مضي شهر بعد الموت فيحمل عليها، ولو قال: أنت حر قبل موتي ~~بشهر. # فليس بمدبر؛ لأنه ما أضاف العتق إلى الموت أصلا، بل أضافه إلى زمان موصوف ~~بأنه قبل موته بشهر من وقت التكلم، وهذا أيضا يحتمل الوجود والعدم لجواز أن ~~يموت قبل تمام الشهر من وقت الكلام، فلا يكون مدبرا للحال، وإذا مضى شهر ~~قبل موت المولى وهو في ملكه ذكر الكرخي في مختصره أنه مدبر في قول أبي ~~حنيفة وزفر، وعند أبي يوسف ومحمد ليس بمدبر، وعلل القدوري لأبي حنيفة أنه ~~لما مضى شهر صار كأنه قال عند مضي الشهر: أنت حر بعد موتي، وذكر في الجامع ~~أنه لا يكون مدبرا، ويجوز بيعه ولم يذكر الخلاف وهو الصحيح أما على قول أبي ~~حنيفة فلأن المدبر اسم لمن علق عتقه بمطلق موت المولى، وههنا ما أضاف العتق ~~إلى الموت أصلا بل أضافه إلى أول الشهر، وكذا حكمه عند أبي حنيفة يثبت من ~~أول الشهر بطريق الظهور، أو يستند إليه والثابت بالتدبير يقتصر على حالة ~~الموت ولا يستند، وبهذا تبين أن ما ذكره القدوري من التعليل لأبي حنيفة غير ~~سديد. # وأما على قولهما فقد ذكر في النوادر أن ms2350 عندهما يصير مدبرا مطلقا، ووجهه ~~أنه لما مضى الشهر ظهر أن عتقه تعلق بمطلق موت المولى فصار كأنه قال عند ~~مضيه: أنت حر بعد موتي فصار مدبرا مطلقا وأما على ظاهر الرواية منهما فلا ~~يصير مدبرا؛ لأنه ما علق عتقه بالموت، بل بشهر ومتصل بالموت فيصير كأنه ~~قال: أنت حر قبل موتي بساعة، ولو قال يوم أموت: فأنت حر أو أنت حر يوم ~~أموت. # فإن نوى به النهار دون الليل لم يكن مدبرا؛ لأنه نوى حقيقة كلامه، إذ ~~اليوم اسم لبياض النهار لغة ويجوز أن يموت بالليل لا بالنهار، فلا يكون هذا ~~مدبرا مطلقا، وإن عنى به الوقت المبهم فهو مدبر؛ لأن اليوم يذكر ويراد به ~~الوقت المطلق قال الله تعالى {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] ومن ولى ~~بالليل لحقه الوعيد المذكور، وروى الحسن عن أبي حنيفة فيمن قال: إن مت إلى ~~سنة أو إلى عشر سنين فأنت حر. # فليس بمدبر؛ لأنه علق عتقه بموت بصفة تحتمل الوجود والعدم، فإن قال: إن ~~مت إلى مائة سنة، ومثله لا يعيش إلى ذلك الوقت في الغالب فهو مدبر؛ لأن ~~موته في تلك المدة كائن لا محالة، وروى هشام عن محمد فيمن قال: أنت مدبر ~~بعد موتي فهو مدبر الساعة؛ لأنه أضاف التدبير إلى ما بعد الموت، والتدبير ~~بعد الموت لا يتصور فيلغو قوله: بعد موتي فيبقى قوله: أنت مدبر أو يجعل ~~قوله: أنت مدبر أي أنت حر فيصير كأنه قال: أنت حر بعد موتي ولو قال: أنت حر ~~بعد موتي على ألف درهم فالقبول بعد الموت كذا ذكر في الجامع الصغير وهذا ~~جواب ظاهر # PageV04P114 # الرواية وروي عن أبي يوسف أن القبول في هذا على حالة الحياة، لا بعد ~~الموت فإذا قبل في المجلس صح التدبير وصار مدبرا، ولا يلزمه المال، وإذا ~~مات عتق ولا شيء عليه. # (وجه) قوله أن هذا إيجاب العتق في الحال بعوض، إلا أن العتق يتأخر إلى ما ~~بعد الموت فكان القبول في المجلس كما إذا قال له إن ms2351 شئت فأنت حر رأس الشهر ~~تعتبر المشيئة في المجلس لثبوت الحرية رأس الشهر كذا ههنا، فإذا قبل في ~~المجلس صح التدبير ولا يلزمه المال؛ لأن المدبر مملوك للمولى مطلقا فلا يجب ~~عليه للمولى دين، وإذا مات عتق لوجود شرط العتق وهو الموت، ولا يلزمه ~~المال؛ لأنه لم يلزمه وقت القبول فلا يلزمه وقت العتق، وجه ظاهر الرواية ~~أنه أضاف الإيجاب إلى ما بعد الموت فيكون القبول بعد الموت، إذ القبول بعد ~~الإيجاب يكون، ولأن الإعتاق بعد الموت وصية بدليل اعتباره من الثلث، وقبول ~~الوصايا بعد الموت، وإذا كان القبول بعد الموت لا يعتبر قبوله في حال ~~الحياة، وإنما يعتبر بعد الموت، فإذا قبل بعد الموت فهل يعتق بعد الموت ~~بنفس القبول، أو لا يعتق إلا بإعتاق الوارث أو الوصي أوالقاضي، لم يذكر هذا ~~في الجامع الصغير، ولو قال أنت مدبر على ألف فقبل فهو مدبر والمال ساقط، ~~كذا ذكر الكرخي لأنه علق التدبير بشرط وهو قبول المال، فإذا قبل صار مدبرا ~~والمدبر على ملك المولى، فلا يجوز أن يلزمه دين لمولاه فسقط، وروى بشر عن ~~أبي يوسف في نوادره فيمن قال لعبده: أنت مدبر على ألف قال أبو حنيفة: ليس ~~له القبول الساعة، وله أن يبيعه قبل أو لم يقبل. # فإن مات وهو في ملكه، فقال: قد قبلت أدى الألف وعتق، وهو رواية عمرو عن ~~محمد وقال أبو يوسف: إن لم يقبل حتى مات ليس له أن يقبل، وظاهر قوله: أدى ~~الألف وعتق يقتضي ثبوت العتق من غير إعتاق الوارث أو الوصي، وذكر القاضي في ~~شرحه مختصر الطحاوي إذا قال: إذا مت فأنت حر على ألف درهم فإنما يحتاج إلى ~~القبول بعد الموت فإذا قبل بعد الموت فلا يعتق بالقبول حتى تعتقه الورثة أو ~~الوصي؛ لأن العتق قد تأخر وقوعه عن الموت، وكل عتق تأخر وقوعه عن الموت لا ~~يثبت إلا بإيقاع من الوارث أو الوصي؛ لأنه يكون وصية بالإعتاق، فلا يثبت ما ~~لم يوجد الإعتاق كما لو قال: أنت ms2352 حر بعد موتي بيوم أو بشهر أنه لا يعتق ما ~~لم يعتقه الوارث أو الوصي بعد مضي اليوم أو الشهر لما قلنا كذا ههنا ثم في ~~الوصية بالإعتاق يملك الوارث الإعتاق تنجيزا وتعليقا حتى لو قال له: إن ~~دخلت الدار فأنت حر فدخل يعتق كما لو نجز العتق، والوصي يملك التنجيز لا ~~التعليق حتى لو علق بالدخول فدخل لا يعتق، ولأن الوارث يتصرف بحكم الخلافة ~~عن الميت ويقوم مقامه كأنه هو والوصي يتصرف بالأمر فلا يتعدى تصرفه موضع ~~الأمر كالوكيل، والوكيل بالإعتاق لا يملك التعليق، ولو أعتقه الوصي أو ~~الوارث عن كفارة لزمته لا يسقط عنه؛ لأنه يقع عن الميت، والولاء عن الميت ~~لا عن الوارث؛ لأن الإعتاق منه من حيث المعنى، ولو قال: أنت حر على ألف ~~درهم بعد موتي. # فالقبول في هذا في الحياة بلا خلاف؛ لأنه جعل القبول في الحالتين شرطا ~~لثبوت العتق بعد الموت، فإذا قبل صار مدبرا، ولا يجب المال لما قلنا فإذا ~~مات عتق ولا شيء عليه وهذا حجة أبي يوسف في المسائل المتقدمة، والله عز وجل ~~الموفق ولو قال: كل مملوك أملكه فهو حر بعد موتي فما في ملكه صار مدبرا، ~~وما يستفيده يعتق من الثلث بغير تدبير، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وقال أبو ~~يوسف: لا يدخل في هذا الكلام ما يستفيده. # (وجه) قوله إن المملوك للحال مراد من هذا الإيجاب، فلا يكون ما يستفيده ~~مرادا؛ لأن الحال مع الاستقبال معنيان مختلفان، واللفظ الواحد لا يشتمل على ~~معنيين مختلفين، ولهذا لم يدخل المستفاد في هذا في الإعتاق البات، كذا في ~~التدبير ولهما أن التدبير في معنى اليمين ومعنى الوصية، أما معنى اليمين ~~فظاهر؛ لأنه تعليق العتق بالشرط، فاليمين إن كان لا يصلح إلا في الملك ~~القائم أو مضافا إلى الملك أو سببه فالوصية تتعلق بما في ملك الموصي وبما ~~يستحدث الملك فيه، فإن من أوصى بثلث ماله يدخل فيه المملوك للحال وما ~~يستفيده إلى وقت الموت، وقوله: اللفظ الواحد لا يشتمل على ms2353 معنيين مختلفين ~~قلنا: قد يشتمل كالكتابة والإعتاق على مال فإنهما يشتملان على معنى اليمين ~~والمعاوضة كذا هذا، والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في شرائط ركن التدبير] # (فصل) : # وأما شرائط الركن، فأنواع: بعضها يعم نوعي التدبير أعني المطلق والمقيد ~~وبعضها يخص أحدهما وهو المطلق، أما الذي يعم النوعين فما ذكرنا في كتاب ~~العتاق، فلا يصح التدبير إلا بعد صدور ركنه مطلقا عن الاستثناء # PageV04P115 # من أهله مضافا إلى محله، ولا يصح إلا في الملك سواء كان منجزا أو معلقا ~~بشرط أو مضافا إلى وقت أو مضافا إلى الملك أو سبب الملك، نحو أن يقول لعبد ~~لا يملكه: إن ملكتك فأنت مدبر أو إن اشتريتك فأنت مدبر؛ لأنه التزم إثبات ~~حقيقة الحرية بعد الموت، وإثبات حق الحرية في الحال. # ولا يثبت ذلك إلا بعد وجود الملك في الحال؛ لأنه إذا كان موجودا للحال ~~فالظاهر دوامه إلى وقت وجود الشرط والوقت، وإذا لم يكن موجودا فالظاهر عدمه ~~فلا يثبت حق الحرية عند وجود الشرط والوقت ولا عند الموت، فلا يحصل ما هو ~~الغرض من التدبير أيضا على ما يذكر في بيان حكم التدبير إن شاء الله تعالى ~~ومنها أن يكون التعليق بموت المولى حتى لو علق بموت غيره بأن قال: إن مات ~~فلان فأنت حر لا يصير مدبرا أصلا. # وأما الذي يخص أحدهما فضربان: أحدهما أن يكون التعليق بمطلق موت المولى، ~~فإن كان بموت موصوف بصفة لا يكون تدبيرا مطلقا بل يكون مقيدا، والثاني: أن ~~يكون التعليق بموته وحده، حتى لو علق بموته وشرط آخر لا يكون ذلك تدبيرا ~~مطلقا وقد ذكرنا المسائل المتعلقة بهذين الشرطين فيما تقدم. ### | [فصل في صفة التدبير] # وأما صفة التدبير فالتدبير متجزئ في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد ~~لا يتجزأ لأنه باعتبار الحال إثبات حق الحرية، فيعتبر بإثبات حقيقة الحرية، ~~وإثبات حقيقة الحرية يتجزأ عنده، وعندهما لا يتجزأ. # كذا إثبات حق الحرية باعتبار المال وهو إثبات حقيقة الحرية، فكان إعتاقا. # فكان الخلاف فيه لازما، وعلى هذا يخرج ms2354 عبد بين اثنين دبره أحدهما إن على ~~قول أبي حنيفة صار نصيبه خاصة مدبرا ونصيب شريكه على ملكه؛ لكون التدبير ~~متجزئا عنده فيقتصر على نصيبه، ثم إن كان المدبر موسرا فللشريك ست خيارات ~~إن شاء أعتق وإن شاء دبر وإن شاء كاتب وإن شاء ضمن وإن شاء استسعى العبد ~~وإن شاء تركه على حاله. # أما خيار الإعتاق والتدبير والكتابة والاستسعاء، فلأن نصيبه بقي على ملكه ~~في حق التخريج إلى العتاق. # وأما خيار التضمين فلأنه بالتدبير أخرجه من أن يكون محلا للتملك مطلقا ~~بالبيع والهبة والرهن ونحو ذلك، فقد أتلفه عليه في حق هذه التصرفات فكان له ~~ولاية التضمين. # وأما خيار الترك على حاله فلأن الحرية لم تثبت في جزء منه فجاز إبقاؤه ~~على الرق، وإنه مفيد؛ لأن له أن ينتفع به منفعة الكسب والخدمة، فلا يكلف ~~بالتخريج إلى الحرية ما لم يمت المدبر فإن اختار الإعتاق فأعتق، فللمدبر أن ~~يرجع على المعتق بنصف قيمته مدبرا؛ لأنه أتلف عليه نصيبه وهو مدبر فيضمن ~~قيمته مدبرا والولاء بينهما؛ لأن الإعتاق منهما لأن نصيب المدبر لا يحتمل ~~الانتقال إلى المعتق؛ لأن التدبير يمنع من ذلك وللمعتق أن يرجع على العبد ~~بما ضمن؛ لأن منفعة الإعتاق حصلت له، وإن شاء المدبر أعتق نصيبه وإن شاء ~~كاتب وإن شاء استسعى وليس له الترك على حاله؛ لأنه معتق البعض، فيجب تخريجه ~~إلى العتاق، هذا إذا كان المعتق موسرا فإن كان معسرا فللمدبر ثلاثة خيارات ~~إن شاء أعتق وإن شاء استسعى وإن شاء كاتب وإن شاء اختار التدبير فدبر نصيبه ~~حتى صار العبد مدبرا بينهما، وساوى شريكه في التصرف ثم مات أحدهما عتق نصيب ~~الميت بالتدبير ويكون من الثلث؛ لأن التدبير وصية، ويسعى في نصف قيمته ~~للباقي إن شاء؛ لأنه صار معتق البعض، وإن شاء أعتق وإن شاء كاتب وليس له ~~الترك على حاله لما قلنا. # فإن مات الشريك الآخر قبل أخذ السعاية عتق نصيبه من الثلث أيضا لما قلنا، ~~وبطلت السعاية؛ لأن العتق حصل بموت المولى ms2355 والمدبر إذا أعتق بموت مولاه ~~وقيمته تخرج من الثلث لا يجب عليه السعاية، وقيل إن هذا على قياس قول أبي ~~حنيفة، فأما على قياس قولهما فلا يبطل؛ لأن الإعتاق عندهما لا يتجزأ فقد ~~عتق كله بموت الأول فوجبت السعاية عليه وهو حر، فكان ذلك بمنزلة ديون وجبت ~~على الحر فلا تسقط بالموت. # وأما على قول أبي حنيفة فلا يعتق نصيب الشريك ما لم يؤد السعاية إذا ~~اختار السعاية؛ لأن الإعتاق متجزئ عنده فإذا مات الشريك فهذا مدبر مات ~~مولاه وقيمته تخرج من الثلث فيعتق من غير سعاية، وإن اختار الكتابة وكاتبه ~~صحت الكتابة؛ لأن نصيبه على ملكه فإن أدى فعتق مضى الأمر، وإن مات المولى ~~قبل الأداء وهو يخرج من الثلث عتق وبطلت عنه السعاية، وإن كان لا يخرج من ~~الثلث بأن لم يكن له مال غيره ففيه خلاف بين أصحابنا الثلاثة يذكر فيما بعد ~~إن شاء الله # PageV04P116 # تعالى وإن اختار تضمين المدبر فضمنه فقد صار العبد كله للمدبر لانتقال ~~نصيب شريكه إليه بالضمان، والولاء كله للمدبر؛ لأن كله عتق على ملكه ~~وللمدبر أن يرجع بما ضمن على العبد فيستسعيه؛ لأن الشريك كان له أن يستسعيه ~~فلما ضمن المدبر قام مقامه فيما كان له. # فإن مات المدبر عتق نصفه من ثلث المال؛ لأن نصفه قد صار مدبرا فيعتق ~~بموته، لكن من ثلث المال لما قلنا ويسعى في النصف الآخر كاملا للورثة؛ لأن ~~ذلك النصف كان قنا وإن شاءوا أعتقوا ذلك النصف وإن شاءوا دبروا وإن شاءوا ~~كاتبوا وإن شاءوا تركوه على حاله وإن اختار الاستسعاء سعى العبد في نصف ~~قيمته، فإذا أدى يعتق ذلك النصف، ولا يضمن الشريك للمدبر شيئا لأن العتق ~~حصل بسبب لا صنع له فيه فلم يوجد منه سبب وجوب الضمان وللمدبر أن يرجع على ~~العبد فيستسعيه؛ لأن العبد صار كمعتق البعض فإذا أدى يعتق كله والولاء ~~بينهما؛ لأن نصيب كل واحد منهما عتق على ملكه، فإن مات المدبر قبل أن يأخذ ~~السعاية بطلت السعاية وعتق ذلك ms2356 النصف من ثلث ماله لما بينا، وإن اختار ترك ~~نصيبه على حاله فمات يكون نصيبه موروثا عنه فينتقل الخيار إلى الورثة في ~~الإعتاق والتدبير والكتابة والاستسعاء والترك على حاله؛ لأن نصيبه انتقل ~~إليهم وقد كان له هذه الخيارات، وإن مات المدبر عتق ذلك النصف من الثلث، ~~ولغير المدبر أن يستسعي العبد في نصف قيمته إن شاء وإن شاء أعتق وإن شاء ~~دبر وإن شاء كاتب، وليس له خيار الترك؛ لأنه صار معتق البعض فيجب تخريجه ~~إلى العتق لا محالة، والولاء بينهما؛ لأن نصيب كل واحد منهما عتق على ملكه، ~~هذا إذا كان المدبر موسرا فإن كان معسرا فللشريك الخيارات التي ذكرنا إلا ~~اختيار التضمين. # وأما على قولهما إذا دبر نصيبه فقد صار كله مدبرا؛ لأن التدبير لا يتجزأ ~~عندهما ويضمن المدبر لشريكه نصف قيمته موسرا كان أو معسرا فقد فرقا بين ~~التدبير وبين الإعتاق إن في الإعتاق لا يضمن إذا كان معسرا، وإنما يسعى ~~العبد؛ لأن هذا ضمان إتلاف أو ضمان تملك أو ضمان حبس المال، وإنه لا يختلف ~~باليسار والإعسار في أصول الشرع، إلا أن السعاية في باب الإعتاق ثبتت بخلاف ~~القياس بالنص، ولأن بالإعتاق قد زال العبد عن ملك المعتق وصار حرا فيسعى ~~وهو حر وههنا الملك قائم بعد التدبير وكسب المدبر على ملك مولاه، فلا يمكن ~~القول بالاستسعاء. # هذا إذا دبره أحدهما أو دبراه على التعاقب،. # فإن دبراه معا ينظر إن قال كل واحد منهما: قد دبرتك أو أنت مدبر أو نصيبي ~~منك مدبر أو قال إذا مت فأنت حر أو أنت حر بعد موتي. # وخرج الكلامان معا صار مدبرا لهما بلا خلاف؛ لأن تدبير كل واحد منهما ~~صادف ملك نفسه فصار العبد مدبرا بينهما فإذا مات أحدهما عتق نصيبه من ~~الثلث، والآخر بالخيار إن شاء أعتق وإن شاء كاتب وإن شاء استسعى، وليس له ~~أن يتركه على حاله؛ لأنه صار معتق البعض، فإذا مات الباقي منهما قبل أخذ ~~السعاية بطلت السعاية وعتق إن كان يخرج من ms2357 الثلث لما ذكرنا. # وإن قالا جميعا: إذا متنا فأنت حر أو أنت حر بعد موتنا وخرج كلامهما معا، ~~لا يصير مدبرا لأن كل واحد منهما علق عتقه بموته وموت صاحبه، فصار كأن كل ~~واحد منهما قال: إن مت أنا وفلان فأنت حر أو أنت حر إن مت أنا وفلان إلا ~~إذا مات أحدهما فيصير نصيب الباقي منهما مدبرا لصيرورة عتقه معلقا بموت ~~المولى مطلقا، وصار نصيب الميت ميراثا لورثته، ولهم الخيارات إن شاءوا ~~أعتقوا وإن شاءوا دبروا وإن شاءوا كاتبوا وإن شاءوا استسعوا وإن شاءوا ~~ضمنوا الشريك إن كان موسرا، وإذا مات الآخر عتق نصيبه من الثلث، هذا إذا ~~دبره أحدهما أو كلاهما، فإن دبر أحدهما أو أعتقه الآخر فهذا في الأصل لا ~~يخلو من أحد وجهين: إما أن خرج الكلامان على التعاقب، وإما إن خرجا معا. # فإن خرجا على التعاقب فإما إن علم السابق منهما، وإما إن لم يعلم. # فإن علم فإن كان الإعتاق سابقا بأن أعتقه أحدهما أولا ثم دبره الآخر فأما ~~على قول أبي يوسف ومحمد فكما أعتقه أحدهما فقد عتق كله؛ لأن الإعتاق عندهما ~~لا يتجزأ، وتدبير الشريك باطل؛ لأنه صادف الحر، والولاء كله للمعتق؛ لأن ~~كله عتق بإعتاقه، وعليه الضمان إن كان موسرا وعلى العبد السعاية إن كان ~~معسرا لما ذكرنا في كتاب العتاق، فصار كعبد بين اثنين أعتقه أحدهما وسكت ~~الآخر، وقد ذكرنا فيما تقدم وأما على قول أبي حنيفة إذا أعتقه أحدهما، فلم ~~يعتق إلا نصيبه لتجزؤ الإعتاق عنده، فلما دبره الآخر فقد صح تدبيره؛ لأنه ~~دبر ملك نفسه فصح وصار ميراثا للمعتق عن # PageV04P117 # الضمان؛ لأنه قد ثبت له بإعتاق الشريك خيارات منها التضمين ومنها ~~التدبير، فإذا دبره فقد استوفى حقه فبرئ المعتق عن الضمان، ولأنه إنما يثبت ~~له ولاية التضمين بشرط نقل نصيبه إلى المعتق بالضمان وقد خرج الجواب عن ~~احتمال النقل بالتدبير فسقط الضمان، والمدبر بالخيار إن شاء أعتق نصيبه ~~الذي صار مدبرا وإن شاء كاتبه وإن شاء استسعى العبد، وليس ms2358 له أن يتركه على ~~حاله؛ لأنه قد عتق بعضه فوجب تخريجه إلى العتق بالطرق التي بينا، وإذا مات ~~المدبر عتق نصيبه الذي صار مدبرا من الثلث، والولاء بينهما؛ لأن كله عتق ~~بإعتاقهما، النصف بالإعتاق البات والنصف بالتدبير، فعتق نصيب كل واحد منهما ~~على ملكه. # وإن كان التدبير سابقا بأن دبره أحدهما أولا ثم أعتق الآخر، فعلى قولهما ~~كما دبره أحدهما صار كله مدبرا له؛ لأن التدبير عندهما لا يتجزأ كالإعتاق ~~البات ويضمن المدبر نصيب شريكه قنا، سواء كان موسرا أو معسرا لما بينا. # وأما على قول أبي حنيفة فلم يصر كله مدبرا، بل نصيبه خاصة لتجزؤ التدبير ~~عنده فصح إعتاق الشريك فعتق نصفه، وللمدبر أن يرجع على المعتق بنصف قيمة ~~العبد مدبرا إن كان المعتق موسرا لما ذكرنا فيما تقدم، وإن شاء أعتق نصيبه ~~الذي هو مدبر، وإن شاء استسعى العبد وليس له أن يتركه على حاله؛ لأنه معتق ~~البعض، وإن خرج الكلامان معا لا يرجع أحدهما على صاحبه بضمان؛ لأن الضمان ~~إنما يجب بإتلاف مال الغير، فإذا خرج الكلامان معا كان كل واحد منهما ~~متصرفا في ملك نفسه لا متلفا ملك غيره، فلا يجب عليه الضمان، ومنهم من قال ~~هذا على قياس قول أبي حنيفة؛ لأن الإعتاق والتدبير كل واحد منهما يتجزأ ~~عنده، فصح التدبير في النصف، والإعتاق في النصف. # فأما على قياس قولهما ينفذ الإعتاق ويبطل التدبير؛ لأن الإعتاق والتدبير ~~لا يتجزآن، والإعتاق أقوى فيدفع الأدنى وإن كان أحدهما سابقا لكن لا نعلم ~~السابق منهما من اللاحق، ذكر في الأصل أن المعتق يضمن ربع قيمة العبد ~~للمدبر ويستسعي العبد له في الربع الآخر، وهذا استحسان، ولم يذكر الخلاف، ~~ومنهم من قال: هذا قول أبي حنيفة. # فأما عندهما فالجواب فيه وفيما إذا خرج الكلامان معا سواء وجه قولهما إن ~~كل أمرين حادثين لا يعلم تاريخهما يحكم بوقوعهما معا في أصول الشرع كالغرقى ~~والحرقى والهدمى، ولهذا قال بعض أهل الأصول: في النص العام والخاص إذا ~~تعارضا وجهل التاريخ أنه يجعل ms2359 كأنهما وردا معا، ويبنى العام على الخاص على ~~طريق البيان، ويكون المراد من النص العام ما وراء القدر المخصوص، وجه قياس ~~قول أبي حنيفة أنه وقع الشك في وجوب الضمان على المعتق لوقوع الشك في سبب ~~وجوبه؛ لأن التدبير إن كان لاحقا كان المدبر بالتدبير جبريا للمعتق من ~~الضمان لما مر، وإن كان سابقا يجب الضمان على المعتق فوقع الشك في الوجوب، ~~والوجوب لم يكن ثابتا فلا يثبت مع الشك، وجه الاستحسان له اعتبار الأحوال ~~وهو أن الإعتاق إذا كان متقدما على التدبير فقد أبرأ المدبر المعتق عن ~~الضمان، وإن كان متأخرا فالمعتق ضامن وقد سقط ضمان التدبير بالإعتاق بعده. # فإذا لا ضمان على المدبر في الحالتين جميعا والمعتق يضمن في حال ولا يضمن ~~في حال، والمضمون هو النصف فينتصف فيعتق ربع القيمة ويسعى العبد للمدبر في ~~الربع الآخر؛ لأنه لما تعذر التضمين فيه ووجب تخريجه إلى العتاق، أخرج ~~بالسعاية كما لو كان المعتق موسرا، والله عز وجل أعلم. # مدبرة بين رجلين جاءت بولد ولم يدع أحدهما فهو مدبر بينهما كأمه؛ لأن ولد ~~المدبرة مدبر لما نذر في بيان حكم التدبير إن شاء الله تعالى. # فإن ادعاه أحدهما فالقياس أن لا يثبت نسبه منه، وهو قول زفر وإليه مال ~~الطحاوي من أصحابنا، وفي الاستحسان يثبت، وجه القياس أنهما لما دبراه فقد ~~ثبت حق الولاء لهما جميعا؛ لأنه ولد مدبرتهما جميعا، وفي إثبات النسب من ~~المدعي إبطال هذا الحق عليه، والولاء لا يلحقه الفسخ. # وجه الاستحسان أن النسب قد ثبت في نصيب المدعي لوجود سبب الثبوت وهو ~~الوطء في الملك، وإذا ثبت في نصيبه يثبت في نصيب شريكه؛ لأن النسب لا ~~يتجزأ. # وأما قوله: حق الولاء لا يحتمل الفسخ. # فنقول نحن: يثبت النسب ولا يسقط حق الولاء؛ لأنه لا تنافي بينهما، فيثبت ~~النسب من الشريك المدعي ويبقى نصف الولاء للشريك الآخر، وصار نصف الجارية ~~أم ولد له، ونصفها مدبرة على حالها للشريك، فإن قيل: الاستيلاد لا يتجزأ ~~وهذا قول بالتجزئة فالجواب ms2360 ما ذكرنا في كتاب العتاق أنه متجزئ في نفسه # PageV04P118 # عند أبي حنيفة كالإعتاق إلا أنه يتكامل في بعض المواضع لوجود سبب ~~التكامل. # على أنا نقول: الاستيلاد لا يتجزأ فيما يحتمل نقل الملك فيه. # فأما ما لا يحتمل فهو متجزئ، وههنا لا يحتمل لما نذكر ويغرم المدعي نصف ~~العقر لشريكه ونصف قيمة الولد مدبرا، ولا يضمن نصف قيمة الأم أما وجوب نصف ~~العقر فلأنه أقر بالوطء في ملك الغير لإقراره بوطء مدبرة مشتركة بينهما، ~~وأنه حرام إلا أن الحد لا يجب للشبهة؛ لأن نصف الجارية ملكه، فيجب العقر، ~~ويغرم نصف قيمة الولد مدبرا؛ لأنه بالدعوة أتلف على شريكه ملكه الثابت ~~ظاهرا؛ لأنه حصل في محل هو ملكهما، فإذا ادعاه فقد أتلف على شريكه ملكه ~~الثابت من حيث الظاهر بإخراجه من أن يكون منتفعا به منفعة الكسب والخدمة، ~~فيضمن نصف قيمته مدبرا؛ لأنه أتلف على شريكه نصف المدبر ولا يغرم نصف قيمة ~~الجارية؛ لأن نصيب الشريك قد بقي على ملكه ولم تصر الجارية كلها أم ولد له؛ ~~لأن استيلاد نصيب شريكه يعتمد تملك نصيبه، ونصيبه لا يحتمل التملك لكونه ~~مدبرا، بخلاف الأمة القنة بين رجلين جاءت بولد، فادعاه أحدهما أنه يثبت ~~النسب ويغرم نصف عقر الجارية لشريكه، وتصير الجارية كلها أم ولد له، ولا ~~يغرم من قيمة الولد شيئا؛ لأن هناك نصيب الشريك محتمل النقل، فأمكن القول ~~بتملك نصيبه ببدل ضرورة صحة الاستيلاد، والتملك يستند إلى وقت العلوق، ~~فتبين أن الولد حدث على ملكه فلا يكون مضمونا عليه، وههنا نصيب الشريك لا ~~يحتمل النقل فيقتصر الاستيلاد على نصيب المدعي وينفرد الولد بالضمان ~~لانفراده بسبب وجوب الضمان، فإن مات المدعي أولا عتق نصيبه بغير شيء؛ لأن ~~نصيبه أم ولد له فلا تسعى في نصيبه، ولا يضمن للشريك الساكت شيئا لحصول ~~العتق من غير صنعه وهو الموت، ويسعى في نصيب الآخر في قولهم جميعا؛ لأن ~~نصيبه مدبر، فإن مات الآخر قبل أن يأخذ السعاية عتق كلها إن خرجت من ثلث ~~ماله، وبطلت السعاية عنها ms2361 في قياس قول أبي حنيفة، وعلى قياس قولهما لا تبطل ~~بناء على أن الإعتاق يتجزأ عنده، وعندهما لا يتجزأ وقد ذكرنا وجه البناء ~~فيما تقدم وإن مات الذي لم يدع أولا عتق نصيبه من الثلث؛ لأن نصيبه مدبر له ~~ولا يسعى في نصيب الآخر في قول أبي حنيفة؛ لأن نصيبه أم ولد له ورق أم ~~الولد ليس بمتقوم عنده، وفي قولهما يسعى لأن رقه متقوم فإن لم يمت واحد ~~منهما حتى ولدت ولدا آخر فادعاه فهو ضامن لنصف العقر؛ لأنه أقر بوطء مدبرة ~~مشتركة بينهما، وأيهما مات يعتق كل الجارية؛ لأن نصيب كل واحد منهما أم ~~ولد، وأم الولد إذا أعتق بعضها عتق كلها ولا سعاية عليها، وإن جاءت بولد ~~وادعياه جميعا معا ثبت نسبه منهما جميعا وصارت الجارية أم ولد لهما جميعا ~~ويبطل التدبير إلى خلف هو خير، وهو الاستيلاد؛ لأن عتق الاستيلاد ينفذ من ~~جميع المال فكان خيرا لها من التدبير، وحكم الضمان في القن ما هو الحكم في ~~الجارية القنة وسنذكره في كتاب الاستيلاد إن شاء الله تعالى. # ولو دبره عبده ثم كاتبه جازت الكتابة لما ذكرنا، فإن أدى الكتابة قبل موت ~~المولى عتق لوجود شرط العتق بسبب الكتابة، وهو أداء بدل الكتابة، وإن لم ~~يؤد حتى مات المولى عتق أيضا إن كان يخرج كله من ثلث مال المولى؛ لوجود شرط ~~العتق بسبب التدبير وهو موت المولى. # وخروج المدبر من ثلث ماله ولا سعاية عليه؛ لأن عتق المدبر وصية والوصية ~~في الثلث نافذة فإذا خرج كله من الثلث عتق كله من غير سعاية، وإن لم يكن له ~~مال آخر سواه فله الخيار إن شاء استسعى في جميع الكتابة وإن شاء سعى في ~~ثلثي قيمته، فإن اختار الكتابة سعى على النجوم وإن اختار السعاية في ثلثي ~~قيمته يسعى حالا، وهذا قول أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف: يسعى في الأقل من جميع الكتابة ومن ثلثي القيمة وقال ~~محمد: يسعى في الأقل من ثلثي الكتابة ومن ثلثي القيمة، والخلاف في ms2362 هذه ~~المسألة يقع في فصلين: أحدهما في الخيار، والثاني في المقدار، والخلاف في ~~الخيار بين أبي حنيفة وصاحبيه، وفي المقدار بين أبي حنيفة وأبي يوسف، وبين ~~محمد أما فصل الخيار فالخلاف فيه مبني على أن العتق يتجزأ عند أبي حنيفة، ~~وعندهما لا يتجزأ ووجه البناء على هذا الأصل أن العتق لما كان متجزئا عنده ~~لم يعتق بموت المولى إلا ثلث العبد، وبقي الثلثان منه رقيقا، وقد توجه إلى ~~الثلثين العتق من جهتين: إحداهما الكتابة بأداء بدل مؤجل، والثانية التدبير ~~بسعاية ثلثي القيمة معجلا. # فيخير إن شاء مال إلى هذا وإن شاء مال إلى ذاك، ولما لم يكن العتق متجزئا ~~عندهما فإذا عتق # PageV04P119 # ثلثه بالموت فقد عتق كله، وبطل التأجيل في بدل الكتابة، فصار المالان ~~جميعا حالا، وعليه أخذ المالين: إما الكتابة، وإما السعاية، وأحدهما أقل ~~والآخر أكثر، فلا فائدة في التخيير؛ لأنه يختار الأقل لا محالة، ولأن ~~الواجب عليه إذا كان أحد المالين وأحدهما أكثر من الآخر أو أقل كان الأقل ~~متيقنا به فيلزمه ذلك. # وأما فصل المقدار فوجه قول محمد إن بدل الكتابة كله قوبل بكل الرقبة لأن ~~العقد قد انعقد عليه حيث قال: كاتبتك على كذا، وقد عتق ثلث الرقبة فيسقط ~~عنه ما كان بمقابلته، وهو ثلث البدل فيبقى الثلثان، ولأن ثلث مال المولى لو ~~كان مثل كل قيمة العبد لسقط عنه كل بدل الكتابة، فإذا كان مثل ثلث قيمته ~~يجب أن يسقط ثلث بدل الكتابة فيبقى الثلثان، فيسعى في الأقل من ثلثي ~~الكتابة، ومن ثلثي القيمة لما قلنا، ولهما أن العبد كان استحق ثلث رقبته ~~بالتدبير السابق قبل عقد الكتابة، فإنه يسلم له ذلك كائنا ما كان فإذا ~~كاتبه بعد ذلك فالبدل لا يقابل القدر المستحق وهو الثلث، وإنما يقابل ~~الثلثين. # فإذا قال كاتبتك على كذا فقد جعل المال بمقابلة ما لا يصح المقابلة به ~~وهو الثلث، وبمقابلة ما يصح المقابلة به وهو الثلثان فيصرف كل البدل إلى ما ~~يصح المقابلة به وهو الثلثان، كمن طلق امرأته ms2363 الحرة تطليقتين ثم طلقها ~~ثلاثا على ألف درهم، لزمها كل الألف لما قلنا، وكذا إذا جمع بين من يحل ~~نكاحها وبين من لا يحل نكاحها، فتزوجها بألف درهم وجبت الألف كلها بمقابلة ~~نكاح من يحل له نكاحها عند أبي حنيفة، وإذا كان الأمر على ما وصفنا فالثلث ~~وإن عتق عند الموت لكن لا بدل بمقابلته، وإنما البدل كله بمقابلة الثلثين ~~فلم يسقط من البدل شيء بخلاف ما إذا خرج العبد كله من الثلث؛ لأن هناك يسلم ~~له جميع رقبته، فلزم القول بالبراءة هذا إذا دبر عبده ثم كاتبه. # فإن كاتبه ثم دبره ثم مات المولى فعلى قول أبي حنيفة: إن شاء سعى في ثلثي ~~القيمة وإن شاء سعى في ثلثي الكتابة، وعندهما يسعى في الأقل من ثلثي القيمة ~~ومن ثلثي الكتابة فقد اتفقوا على المقدار ههنا حيث قالوا: مقدار بدل ~~الكتابة ثلثان، وإنما كان كذلك لأن هناك كاتبه، والعبد لم يكن استحق شيئا ~~من رقبته، فكان جميع البدل بمقابلة جميع الرقبة وقد عتق عند الموت بسبب ~~التدبير ثلثه فيسقط ما كان بإزائه من البدل، فبقي الثلثان بلا خلاف، وإنما ~~اختلفوا في الخيار، فعند أبي حنيفة يخير بين الثلثين من بدل الكتابة مؤجلا، ~~وبين ثلثي القيمة معجلا، وعندهما يجب عليه الأقل منهما بناء على تجزؤ ~~الإعتاق، وعدم تجزئه على ما بينا في الفصل الأول والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في حكم التدبير] # (فصل) : # وأما حكم التدبير فنوعان نوع يرجع إلى حياة المدبر، ونوع يرجع إلى ما بعد ~~موته أما الذي يرجع إلى حال حياة المدبر فهو ثبوت حق الحرية للمدبر إذا كان ~~التدبير مطلقا، وهذا عندنا، وعند الشافعي لا حكم له في حال حياة المدبر ~~رأسا، فلا يثبت حقيقة الحرية ولا حقها، بل حكمه ثبوت حقيقة الحرية بعد ~~الموت مقصورا عليه. # وعلى هذا يبنى بيع المدبر المطلق أنه لا يجوز عندنا، وعنده جائز، ويجوز ~~بيع المدبر المقيد بالإجماع. # احتج الشافعي بما روي عن عطاء أنه قال: «دبر رجل عبده، فاحتاج فباعه ms2364 رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بثمانمائة درهم» وأدنى درجات فعل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - الجواز، ولأن التدبير تعليق العتق بالشرط، وإنه لا ~~يمنع جواز البيع كالتعليق بسائر الشروط من دخول الدار، وكلام زيد وغير ذلك ~~وكالتدبير المقيد، ولأن فيه معنى الوصية، وذلك لا يمنع جواز البيع كما إذا ~~أوصى بعتق عبده ثم باعه، ولنا ما روي عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما ~~- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «المدبر لا يباع ولا يوهب ~~وهو حر من ثلث المال» ، وهذا نص في الباب، وعن أبي سعيد الخدري وجابر بن ~~عبد الله الأنصاري «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع ~~المدبر» ومطلق النهي يحمل على التحريم وروي عن عمر وعثمان وزيد بن ثابت ~~وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - ~~مثل مذهبنا، وهو قول جماعة من التابعين مثل شريح ومسروق وسعيد بن المسيب ~~والقاسم بن محمد وأبي جعفر محمد بن علي ومحمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز ~~والشعبي والحسن البصري والزهري وسعيد بن جبير وسالم بن عبد الله وطاوس ~~ومجاهد وقتادة حتى قال أبو حنيفة لولا قول هؤلاء الأجلة؛ لقلت بجواز بيع ~~المدبر لما دل عليه من النظر، ولنا لإثبات حق # PageV04P120 # الحرية ضرورة الإجماع، ودلالة غرض المدبر، أما ضرورة الإجماع فهي أن ~~الحرية تثبت بعد الموت بالإجماع، والحرية لا بد لها من سبب ولا سبب ههنا ~~سوى الكلام السابق، فلا يخلو إما أن يجعل سببا للحال، وإما أن يجعل سببا ~~بعد الشرط، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأنه ليس من أهل مباشرة السبب فتعين أن ~~يكون سببا عند وجوده. # فكان الكلام السابق سببا في الحال لثبوت الحرية بعد الموت، ولسنا نعني ~~ثبوت حق الحرية للمدبر إلا هذا، وهذا يمنع جواز البيع؛ لأن البيع إبطال ~~السببية إذ لا تثبت الحرية عند الموت بعد البيع. # وأما دلالة الغرض فهو أن غرض المدبر من التدبير أن ms2365 يسلم الحرية للمدبر ~~عند الموت إما تقربا إلى الله عز وجل بالإعتاق؛ لإعتاق رقبته من النار كما ~~نطق به الحديث، وإما حقا لخدمته القديمة مع بقاء منافعه على ملكه في حياته ~~لحاجته إليها، ولا طريق لتحصيل الغرضين إلا بجعل التدبير سببا في الحال ~~لثبوت الحرية بعد الموت، إذ لو ثبتت الحرية في الحال لفات غرضه في الانتفاع ~~به، ولو لم ينعقد شيء رأسا لفات غرضه في العتق؛ لجواز أن يبيعه لشدة غضب أو ~~غير ذلك. # فكان انعقاده سببا في الحال، وتأخر الحرية إلى ما بعد الموت طريق إحراز ~~الغرضين، فثبت ذلك بدلالة الحال، فيتقيد الكلام به إذ الكلام يتقيد بدلالة ~~الغرض، فإن قيل: هذا مناقض لأصلكم؛ لأن التدبير تعليق العتق بالشرط، ومن ~~أصلكم أن التعليقات ليست أسبابا للحال وإنما تصير أسبابا عند وجود شروطها، ~~وعلى هذا بنيتم تعليق الطلاق والعتاق بالملك وسببه، وههنا جعلتم التدبير ~~سببا لثبوت الحرية للحال، وهذا مناقضة في الأصل، والتناقض في الأصل دليل ~~فساد الفرع. # فالجواب: إن هذا أصلنا فيما يمكن اعتباره سببا عند وجود الشرط، وفيما لم ~~يرد المتكلم جعله سببا في الحال، وفي التعليق بسائر الشروط، وأمكن اعتباره ~~سببا عند وجود الشرط، وههنا لا يمكن لما بينا، وكذا في التعليق بسائر ~~الشروط أراد المتكلم كونه سببا عند الشرط، وههنا أراد كونه سببا في الحال ~~لما قلنا، فتعين سببا للحال لثبوت الحرية في الثاني. # وأما حديث عطاء فيحتمل أن ذلك كان تدبيرا مقيدا، وقوله باع حكاية فعل فلا ~~عموم له، ويحتمل أن يكون معنى قوله باع أي أجر إذ الإجارة تسمى بيعا بلغة ~~أهل المدينة، وهكذا روى محمد بإسناده «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - باع ~~خدمة مدبر ولم يبع رقبته» ويحتمل أنه كان ذلك في ابتداء الإسلام حين كان ~~بيع الحر مشروعا على ما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باع رجلا ~~بدينه يقال له سرق» ثم صار منسوخا بنسخ بيع الحر لثبوت حق الحرية في المدبر ~~إلحاقا للحق بالحقيقة في باب ms2366 الحرمات. # وأما المدبر المقيد فهناك لا يمكن أن يجعل الكلام سببا للحال؛ لأن الأمر ~~متردد بين أن يموت من ذلك المرض، وفي ذلك السفر أو لا يموت. # فكان الشرط محتمل الوجود والعدم، فلم يكن التعليق سببا للحال كالتعليق ~~بسائر الشروط، وكذا لما علق العتق بأمر يحتمل الوجود والعدم دل أنه ليس ~~غرضه من هذا الكلام التقرب إلى الله عز وجل بإعتاق هذا العبد، ولا قضاء حق ~~الخدمة القديمة، إذ لو كان ذلك غرضه لعلقه بشرط كائن لا محالة. # وأما قوله: إن في التدبير معنى الوصية. # فنعم، لكن هذه وصية لازمة لثبوتها في ضمن أمر لازم وهو اليمين، فلا يحتمل ~~الفسخ، ولهذا لا يحتمل الرجوع، بخلاف الوصية بالإعتاق. # فإن قيل: هذا يشكل بالتدبير المقيد. # فإنه يتضمن معنى الوصية اللازمة ومع هذا يجوز بيعه قيل معنى الوصية للحال ~~متردد لتردد موته على تلك الصفة، فلا يصير العبد موصى له قبل الموت بتلك ~~الصفة، وههنا بخلافه وإذا ثبت حق الحرية للمدبر المطلق في الحال فكل تصرف ~~فيه يبطل هذا الحق لا يجوز، وما لا يبطله يجوز، وعلى هذا تخريج المسائل لا ~~يجوز بيعه وهبته والتصدق به والوصاية به؛ لأنه تصرف تمليك الرقبة فيبطل حق ~~الحرية ولا يجوز رهنه؛ لأن الرهن والارتهان من باب إيفاء الدين واستيفائه ~~عندنا. # فكان من باب تمليك العين وتملكها، ويجوز إجارته؛ لأنها لا تبطل هذا الحق؛ ~~لأنها تصرف في المنفعة بالتمليك لا في العين، والمنافع على ملك المدبر، وقد ~~روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه باع خدمة المدبر ولم يبع ~~رقبته، وبيع خدمة المدبر بيع منفعته، وهو معنى الإجارة، ويجوز الاستخدام، ~~وكذا الوطء والاستمتاع في الأمة؛ لأنها استيفاء المنافع، ويجوز تزويجها لأن ~~التزويج تمليك المنافع وعن عبد الله بن عمر أنه كان يطأ مدبرته؛ ولأن ~~الاستيلاد آكد من التدبير؛ لأنه يوجب الحرمة من جميع المال، والتدبير من ~~الثلث، # PageV04P121 # ثم الاستيلاد لا يمنع من الإجارة والاستخدام ولا يمنع من الاستمتاع ~~والوطء والتزويج في الأمة، فالتدبير أولى، والأجرة ms2367 والمهر والعقر والكسب ~~والغلة للمولى؛ لأنها بدل المنافع، والمنافع ملكه والأرش له لأنه بدل جزء ~~فات على ملكه، ولا يتعلق الدين برقبته؛ لأن رقبته لا تحتمل البيع لما بينا، ~~ويتعلق بكسبه ويسعى في ديونه بالغة ما بلغت، وجنايته على المولى وهو الأقل ~~من قيمته ومن أرش الجناية، ولا يضمن المولى أكثر من قيمة واحدة، وإن كثرت ~~الجنايات لما نذكر في كتاب الجنايات إن شاء الله تعالى ويجوز إعتاقه؛ لأنه ~~إيصاله إلى حقيقة الحرية معجلا، ولأن المنع من البيع ونحوه، لما فيه من ~~منعه من وصوله إلى هذا المقصود. # فمن المحال أن يمنع من إيصاله إليه، ولهذا جاز إعتاقه أم الولد كذا ~~المدبر، ويجوز مكاتبته؛ لأنه يريد تعجيل الحرية إليه والمولى يملك ذلك كما ~~يملك مكاتبة أم الولد، وولد المدبرة من غير سيدها بمنزلتها لإجماع الصحابة ~~- رضي الله عنهم - على ذلك، فإنه روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه ~~قال: ولد المدبرة بمنزلتها يعتق بعتقها ويرق برقها وروي أن عثمان - رضي ~~الله عنه - خوصم إليه في أولاد مدبرة، فقضى أن ما ولدته قبل التدبير عبد ~~وما ولدته بعد التدبير مدبر وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد ~~منهم. # فيكون إجماعا، وهو قول شريح ومسروق وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير ~~والحسن وقتادة - رضي الله عنهم - ولا يعرف في السلف خلاف ذلك، وإنما قال به ~~بعض أصحاب الشافعي فلا يعتد بقوله؛ لمخالفة الإجماع ولأن حق الحرية يسري ~~إلى الولد كولد أم الولد، وما ولدته قبل التدبير فهو من أقضية عثمان - رضي ~~الله عنه - بحضرة الصحابة - رضي الله عنهم - ولأن حق الحرية لم يكن ثابتا ~~في الأم وقت الولادة حتى يسري إلى الولد، ولو اختلف المولى والمدبرة في ~~ولدها فقال المولى: ولدتيه قبل التدبير. # فهو رقيق وقالت هي: ولدته بعد التدبير فهو مدبر، فالقول قول المولى مع ~~يمينه على علمه، والبينة بينة المدبرة؛ لأن المدبرة تدعي سراية التدبير إلى ~~الولد، والمولى ينكر. # فكان القول قوله مع اليمين ويحلف على علمه؛ ms2368 لأن الولادة ليست فعله، ~~والبينة بينة المدبرة؛ لأن فيهما إثبات التدبير ولو كان مكان التدبير عتق ~~فقال المولى للمعتقة: ولدتيه قبل العتق وهو رقيق، وقالت: بل ولدته بعد ~~العتق وهو حر يحكم فيه الحال إن كان الولد في يدها فالقول قولها، وإن كان ~~في يد المولى فالقول قوله؛ لأنه إذا كان في يدها كان الظاهر شاهدا لها وإذا ~~كان في يده كان الظاهر شاهدا له بخلاف المدبرة لأنها في يد المولى فكذا ~~ولدها، فكان الظاهر شاهدا له على كل حال، وكان القول قوله، ولو قال لأمة لا ~~يملكها: إن ملكتك فأنت مدبرة، وإن اشتريتك فأنت مدبرة فولدت ولدا ثم ~~اشتراهما جميعا فالأم مدبرة والولد رقيق؛ لأن الأم إنما صارت مدبرة بالشرط ~~ولم يوجد الشرط في حق الولد، وإنه منفصل فلا يسري إليه تدبير الأم، والله ~~عز وجل أعلم. # وأما الذي يرجع إلى ما بعد موت المدبر فمنها عتق المدبر؛ لأن عتقه كان ~~معلقا بموت المولى والمعلق بالشرط ينزل عند وجود الشرط، ويستوي فيه المدبر ~~المطلق والمقيد؛ لأن عتق كل واحد منهما معلق بالشرط. # إلا أن الشرط في المقيد الموت الموصوف بصفة، فإذا وجد ذلك فقد وجد الشرط ~~فينزل المعلق وسواء كان الموت حقيقة أم حكما بالردة، بأن ارتد المولى عن ~~الإسلام والعياذ بالله ولحق بدار الحرب؛ لأن الردة مع اللحاق بدار الحرب ~~تجري مجرى الموت في زوال الأملاك. # وكذا المستأمن إذا اشترى عبدا في دار الإسلام فدبره ولحق بدار الحرب ~~فاسترق الحربي عتق مدبره؛ لأن الاسترقاق أوجب زوال ملكه عن أمواله حكما ~~فكان بمنزلة الموت، وكذا ولد المدبرة الذي ليس من مولاها؛ لأنه تبعها في حق ~~الحرية، فكذا في حقيقة الحرية، ويستوي فيه المطلق والمقيد؛ لأن معنى ~~التبعية لا يوجب الفصل، ومنها أن عتقه يحسب من ثلث مال المولى، وهذا قول ~~عامة العلماء وعامة الصحابة - رضي الله عنهم - وهو قول سعيد بن جبير وشريح ~~والحسن وابن سيرين - رضي الله عنهم - وروي عن عبد الله بن مسعود أن عتقه من ~~جميع ms2369 المال، وهو قول إبراهيم النخعي وحماد وجعلوه كأم الولد ولنا ما روينا ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «المدبر لا يباع ولا يوهب وهو ~~حر من الثلث» ولأن التدبير وصية، والوصية تعتبر من ثلث المال كسائر الوصايا ~~وسواء كان التدبير في المرض، أو في الصحة؛ لأنه وصية في الحالين، وسواء كان ~~التدبير مطلقا أو مقيدا لعموم الحديث، إلا أنه خص منه # PageV04P122 # المقيد في حق البيع والهبة فيعمل بعمومه في حق الاعتبار من الثلث، ولأن ~~معنى الوصية يوجد في النوعين، وأنه يقتضي اعتباره من الثلث، ويعتبر ثلث ~~المال يوم موت المولى؛ لأن في الوصايا هكذا يعتبر، وإذا كان اعتبار عتقه من ~~ثلث المال فإن كان كله يخرج من ثلث مال المولى بأن كان له مال آخر سواه ~~يعتق كله، ولا سعاية عليه، وإن لم يكن له مال آخر غيره عتق ثلثه، ويسعى في ~~الثلثين للورثة. # هذا إذا لم يكن على المولى دين فإن كان عليه دين يسعى في جميع قيمته في ~~قضاء ديون المولى؛ لأن الدين مقدم على الوصية ومنها أن ولاء المدبر للمدبر؛ ~~لأنه المعتق وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «الولاء لمن أعتق» ولا ~~ينتقل هذا الولاء عن المدبر وإن عتق المدبر من جهة غيره كمدبرة بين اثنين، ~~جاءت بولد فادعاه أحدهما. # ثبت نسبه منه وعتق عليه وغرم نصيب شريكه من الولد، والولاء بينهما؛ لأن ~~حق الحرية ثابت في الحال عندنا، وأنه يثبت حق الولاء وهو لا يحتمل الفسخ، ~~وكذا المدبر بين شريكين أعتقه أحدهما وهو موسر فضمن عتق بالضمان ولم يتغير ~~الولاء عن الشركة في قول أبي حنيفة لما ذكرنا فيما تقدم وعلى قول أبي يوسف ~~ومحمد إذا أعتق أحدهما نصيبه عتق جميعه والولاء بينهما. ### | [فصل في بيان ما يظهر به التدبير] # (فصل) : # وأما بيان ما يظهر به التدبير، فالتدبير يظهر بما يظهر به الإعتاق البات ~~وهو الإقرار والبينة؛ لأنه إثبات حق الحرية في الحال فيعتبر الحق بالحقيقة ~~وهو إثبات حقيقة الحرية بعد الموت، ms2370 فيعتبر بالإثبات بالحال، وذا يظهر بأحد ~~هذين فكذا هذا، إذ عرف هذا فنقول: إذا ادعى المملوك التدبير وأنكر المولى ~~فأقام البينة. # قبلت بينته بلا خلاف، فإن لم يدع وأنكر التدبير مع المولى لا تقبل البينة ~~على التدبير من غير دعوى العبد في قول أبي حنيفة. # وعندهما يقبل والحجج على نحو ما ذكرنا في الإعتاق البات إلا أن الشهادة ~~على عتق الأمة تقبل من غير دعواه بالإجماع، والشهادة على تدبير الأمة على ~~الاختلاف؛ لأن تدبير الأمة لا يوجب تحريم الفرج، فلم تكن الشهادة قائمة على ~~حق الله تعالى، ولو شهدا أنه دبر أحد عبديه بغير عينه في الصحة فالشهادة ~~باطلة في قول أبي حنيفة؛ لأن المدعي مجهول، وعندهما يقبل، ولو شهدا أن ذلك ~~كان في المرض يقبل عنده استحسانا، والقياس أن لا يقبل وقد ذكرنا وجه القياس ~~والاستحسان في كتاب العتاق ولو شهد أنه قال: هذا حر وهذا مدبر بعد موتي فقد ~~صار مدبرا. # لم تجز شهادتهما في قول أبي حنيفة لجهالة المدعي، ولو شهدا أنه قال: هذا ~~حر بعد موتي لا بل هذا كانا جميعا مدبرين ويعتقان بعد موته من ثلثه؛ لأنه ~~لما قال: هذا حر بعد موتي. # فقد صار مدبرا، فلما قال: لا بل هذا فقد رجع عن الأول وتدارك بالثاني، ~~ورجوعه لا يصح وتداركه صحيح، كما إذا قال لإحدى امرأتيه: هذه طالق، لا بل ~~هذه، ولو شهدا أنه قال: هذا حر ألبتة لا بل هذا مدبر. # جازت الشهادة لهما؛ لأنه أعتق الأول ثم رجع وتدارك بالثاني فالرجوع لا ~~يصح ويصح التدارك، فصار الأول حرا والثاني مدبرا، ولو شهد أحدهما أنه دبره ~~وشهد الآخر أنه أعتقه ألبتة فالشهادة باطلة؛ لأن كل واحد منهما شهد بغير ما ~~شهد به الآخر لفظا ومعنى أما اللفظ فلا شك فيه، وأما المعنى فلأن الإعتاق ~~البات إثبات العتق بعد موت المولى، وهما متغايران وليس على كل واحد منهما ~~إلا شاهد واحد، وكذلك لو شهدا بالتدبير واختلفا في شرطه؛ لأنهما شهدا على ~~شيئين مختلفين كما ms2371 في الإعتاق البات، والله عز وجل أعلم وهو الموفق. ### | [كتاب الاستيلاد] ### | [تفسير الاستيلاد] # (كتاب الاستيلاد) : # الكلام في هذا الكتاب في مواضع في تفسير الاستيلاد لغة وعرفا، وفي بيان ~~شرطه، وفي بيان صفته، وفي بيان حكمه، وفي بيان ما يظهر به. # أما تفسيره لغة فالاستيلاد في اللغة: هو طلب الولد، كالاستيهاب ~~والاستئناس، أنه طلب الهبة والأنس، وفي العرف هو تصيير الجارية أم ولد ~~يقال: فلان استولد جاريته إن صيرها أم ولده، وعلى هذا قلنا: إنه يستوي في ~~صيرورة الجارية أم ولد الولد الحي والميت؛ لأن الميت ولد بدليل أنه يتعلق ~~به أحكام الولادة حتى تنقضي به العدة وتصير المرأة به نفساء، وكذا لو أسقطت ~~سقطا قد استبان خلقه أو بعض خلقه، وأقر به فهو بمنزلة الولد الحي الكامل # PageV04P123 # الخلق في تصيير الجارية أم ولد؛ لأن أحكام الولادة تتعلق بمثل هذا السقط ~~وهو ما ذكرنا، وإن لم يكن استبان شيء من خلقه، فألقت مضغة أو علقة أو نطفة ~~فادعاه المولى، فإنها لا تصير أم ولد، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة؛ لأنه ما ~~لم يستبن خلقه لا يسمى ولدا، وصيرورة الجارية أم ولد بدون الولد محال، ~~ولأنه يحتمل أن يكون ولدا، ويحتمل أن يكون دما جامدا أو لحما فلا يثبت به ~~الاستيلاد مع الشك، وهذا الذي ذكرنا قول أصحابنا وللشافعي فيه قولان، في ~~قول قال: يصب عليه الماء الحار فإن ذاب فهو دم، وإن لم يذب فهو ولد، وفي ~~قول قال: يرجع فيه إلى قول النساء، والقولان فاسدان لما ذكرنا في كتاب ~~الطلاق. # ولو أقر المولى فقال لجاريته: حمل هذه الجارية مني. # صارت أم ولد له؛ لأن الإقرار بالحمل إقرار بالولد، إذ الحمل عبارة عن ~~الولد، وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا قال: حمل هذه الجارية مني أو قال: هي ~~حبلى مني أو قال ما في بطنها من ولد فهو مني ثم قال بعد ذلك: لم تكن حاملا ~~وإنما كان ريحا وصدقته الأمة، فإنهما لا يصدقان وهي أم ولد؛ لأنه أقر ms2372 ~~بحملها والحمل عبارة عن الولد وذلك يثبت لها حرية الاستيلاد. # فإذا رجع لم يصح رجوعه ولا يلتفت إلى تصديقها؛ لأن في الحرية حق الله ~~تعالى فلا يحتمل السقوط بإسقاط العبد، ولو قال: ما في بطنها مني ولم يقل من ~~حمل أو ولد، ثم قال بعد ذلك: كان ريحا وصدقته، لم تصر أم ولد؛ لأن قوله ما ~~في بطنها يحتمل الولد والريح فقد تصادقا على اللفظ المحتمل فلم يثبت ~~الاستيلاد. # ولو قال المولى: إن كانت هذه الجارية حبلى فهو مني فأسقطت سقطا قد استبان ~~خلقه أو بعض خلقه صارت أم ولد لما بينا فإن ولدت ولدا لأقل من ستة أشهر، ~~صارت أم ولد له، ولأن الطريق إلى ثبوت نسب الحمل منه هذا لأن معنى قوله: إن ~~كانت حبلى فهو مني أي إني وطئتها، فإن حبلت من وطء فهو مني. # فإذا أتت بعد هذه المقابلة بولد لأقل من ستة أشهر تيقنا أنها كانت حاملا ~~حينئذ فثبت النسب والاستيلاد فإن أنكر المولى الولادة، فشهدت عليها امرأة، ~~لزمه النسب؛ لأن الزوج إذا كان أقر بالحمل تقبل شهادة امرأته على الولادة ~~على ما ذكرنا في كتاب الطلاق فإن جاءت لستة أشهر فصاعدا لم يلزمه ولم تصر ~~الجارية أم ولد؛ لأنا نعلم وجود هذا الحمل في ذلك الوقت لجواز أنها حملت ~~بعد ذلك، فلا يثبت النسب والاستيلاد بالشك. ### | [فصل في سبب الاستيلاد] # (فصل) : # وأما سبب الاستيلاد وهو صيرورة الجارية أم ولد له فقد اختلف فيه، قال ~~أصحابنا: سببه هو ثبوت نسب الولد. # وقال الشافعي علوق الولد حرا على الإطلاق بعد اتفاقهم على أن حكم ~~الاستيلاد في الحال هو ثبوت حق الحرية، وثبوت حقيقة الحرية بعد موت المولى، ~~والأصل فيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في جاريته مارية القبطية لما ~~ولدت إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعتقها ولدها والمراد منه ~~التسبيب أي ولدها سبب عتقها. # غير أنهم اختلفوا في جهة التسبيب فقال أصحابنا: هي ثبوت نسب الولد وقال ~~الشافعي: هي علوق الولد حرا مطلقا. ms2373 # (وجه) قوله إن الولد حر بلا شك وإنه جزء الأم، وحرية الجزء تقتضي حرية ~~الكل إذ لا يحتمل أن يكون الكل رقيقا والجزء حرا، كان ينبغي أن تعتق الأم ~~للحال إلا أنه إنما لا تعتق؛ لأن الولد انفصل منها، وحريته على اعتبار ~~الانفصال لا توجب حرية الأم، كما لو أعتق الجنين فقلنا بثبوت حق الحرية في ~~الحال وتأخر الحقيقة إلى بعد الموت عملا بالشبهين، ولنا أن الوطء المعلق ~~أوجب الجزئية بين المولى والجارية بواسطة الولد لاختلاط الماءين وصيرورتهما ~~شيئا واحدا وانخلاق الولد منه، فكان الولد جزءا لهما، وبعد الانفصال عنها ~~إن لم يبق جزءا لها على الحقيقة فقد بقي حكما لثبوت النسب، ولهذا تنسب كل ~~الأم إليه بواسطة الولد يقال: أم ولده. # فلو بقيت حقيقة الحرية لثبتت حقيقة الحرية للحال فإذا بقيت حكما ثبت الحق ~~على ما عليه وضع مأخذ الحجج في ترتيب الأحكام على قدر قوتها وضعفها، وإلى ~~هذا المعنى أشار عمر - رضي الله عنه - فقال: أبعدما اختلطت لحومكم بلحومهن ~~ودماؤكم بدمائهن تريدون بيعهن ثم اختلف أصحابنا في كيفية هذا السبب فقال ~~علماؤنا الثلاثة: السبب هو ثبوت النسب شرعا، وقال زفر: هو ثبوت النسب مطلقا ~~سواء ثبت شرعا أو حقيقة. # وبيان هذه الجملة في مسائل إذا تزوج جارية إنسان فاستولدها ثم ملكها صارت ~~أم ولد له عند أصحابنا؛ لأن سبب الاستيلاد هو ثبوت النسب وقد ثبت فتحقق ~~السبب، إلا أنه توقف الحكم على وجود الملك فتعذر إثبات حكمه # PageV04P124 # وهو حق الحرية في غير الملك، كما يتعذر إثبات الحقيقة في غيره فتأخر ~~الحكم إلى وقت الملك، وعند الشافعي لا تصير أم ولد له، وهو قول إبراهيم ~~النخعي لأن السبب عنده علوق الولد حرا على الإطلاق ولم يوجد؛ لأن الولد ~~رقيق في حق مولاه، وإذا ملك ولده الذي استولده عتق عليه بالإجماع أما عندنا ~~فلأنه ملك ذا رحم محرم منه فيعتق. # وأما عنده فلأنه ملك ولدا ثابت النسب منه شرعا، وكذلك إذا ثبت النسب من ~~غير مالك الجارية بوطء بشبهة، ثم ms2374 ملكها فقد صارت أم ولد له حين ملكها عندنا ~~لوجود السبب، وعنده لا؛ لانعدام السبب، ولو ملك الولد عتق لما قلنا، ولو ~~زنى بجارية فاستولدها بأن قال: زنيت بها أو فجرت بها أو قال: هو ابني من ~~زنا أو فجور. # وصدقته وصدقه مولاها فولدت ثم ملكها لم تصر أم ولد له عند أصحابنا ~~الثلاثة، وهو استحسان، والقياس أن تصير أم ولد له وهو قول زفر بناء على أن ~~السبب عنده ثبوت النسب مطلقا، وقد ثبت النسب حقيقة بدليل أنه لو تملك الولد ~~عتق عليه بلا خلاف بين أصحابنا، والسبب عند أصحابنا الثلاثة هو ثبوت نسب ~~الولد شرعا ولم يثبت. ### | [فصل في شرط الاستيلاد] # وأما شرطه فما هو شرط ثبوت النسب شرعا، وهو الفراش ولا فراش إلا بملك ~~اليمين، أو شبهة، أو تأويل الملك أو ملك النكاح، أو شبهته. # ولا تصير الأمة فراشا في ملك اليمين بنفس الوطء بل بالوطء مع قرينة ~~الدعوى عندنا، وهي من مسائل كتاب الدعوى، فلا يثبت الاستيلاد بدون الدعوة، ~~ويستوي في الاستيلاد ملك القنة والمدبرة لاستوائهما في إثبات النسب إلا أن ~~المدبرة إذا صارت أم ولد بطل التدبير؛ لأن أمية الولد أنفع لها. # ألا ترى أن أم الولد لا تسعى لغريم ولا لوارث، والمدبرة تسعى ويستوي في ~~ثبات النسب ملك كل الجارية وبعضها، وكذا في الاستيلاد حتى لو أن جارية بين ~~اثنين علقت في ملكهما فجاءت بولد فادعاه أحدهما، يثبت نسبه منه وصارت ~~الجارية كلها أم ولد له بالضمان، وهو نصف قيمة الجارية، ويستوي في هذا ~~الضمان اليسار والإعسار ويغرم نصف العقر لشريكه، ولا يضمن من قيمة الولد ~~شيئا. # أما ثبوت النسب فلحصول الوطء في محل له فيه ملك؛ لأن ذلك القدر من الملك ~~أوجب ثبوت النسب بقدره، والنسب لا يتجزأ وإذا ثبت في بعضه ثبت في كله ضرورة ~~عدم التجزؤ، ولأن النسب ثبت بشبهة الملك فلأن يثبت بحقيقة الملك أولى. # وأما صيرورة الجارية كلها أم ولد له، فالنصف قضية للتسبب؛ لأن نصف ~~الجارية مملوك له، ms2375 والنصف الآخر إما باعتبار أن الاستيلاد لا يتجزأ فيما ~~يمكن نقل الملك فيه، فإذا ثبت في البعض يثبت في الكل لضرورة عدم التجزؤ ~~وإما باعتبار أنه وجد سبب التكامل، وهو النسب على كونه متجزئا في نفسه؛ لأن ~~سبب الاستيلاد هو ثبوت النسب، والنسب لا يتجزأ والحكم على وفق العلة فثبت ~~الاستيلاد، وفي نصيبه قضية للسبب ثم يتكامل في الباقي بسبب النسب، وإما ~~باعتبار سبب آخر أوجب التكامل على ما عرف في الخلافيات، ثم لا سبيل إلى ~~التكامل بدون ملك نصيب شريكه فيصير متملكا نصيب شريكه ضرورة صحة الاستيلاد ~~في ذلك النصيب، ولا سبيل إلى تملك مال الغير من غير بدل، فيتملكه بالبدل ~~وهو نصف قيمتها، وإنما استوى في هذا الضمان حالة اليسار والإعسار؛ لأنه ~~ضمان ملك كضمان المبيع. # وأما وجوب نصف العقر فلوجود الإقرار منه بوطء ملك الغير، وأنه حرام إلا ~~أن الحد لم يجب لمكان شبهة لحصول الوطء في ملكه وملك شريكه فلا بد من وجوب ~~العقر ولا يدخل العقر في ضمان القيمة؛ لأن ضمان نصف القيمة ضمان الجزء، ~~وضمان البضع ضمان الجزء، ولأن منافع البضع لها حكم الأجزاء، وضمان الجزء لا ~~يدخل في مثله. # وأما عدم وجوب نصف قيمة الولد فلأنه يملك نصيب شريكه بالعلوق السابق فصار ~~الولد جاريا على ملكه فلا يكون مضمونا عليه، ولأن الولد في حال العلوق لا ~~قيمة له فلا يقابل بالضمان، ولأنه كان بمنزلة الأوصاف فلا يفرد بالضمان، ~~ويستوي في ثبوت النسب وصيرورة الجارية أم ولد ملك الذات وملك اليد كالمكاتب ~~إذا استولد جارية من إكسابه على ما نذكر في كتاب الدعوى إن شاء الله تعالى ~~ويستوي في دعوة النسب حالة الصحة والمرض؛ لأن النسب من الحوائج الأصلية، ~~وكذلك إذا ادعاه أحدهما وأعتقه الآخر وخرج القول منهما معا، فعتقه باطل ~~ودعوة صاحبه أولى؛ لأن الدعوة استندت إلى حالة متقدمة، وهي # PageV04P125 # العلوق والعتق وقع في الحال فصارت الدعوة أسبق من الإعتاق فكانت أولى، ~~وإن ادعياه جميعا فهو ابنهما، والجارية أم ولد لهما تخدم لهذا ms2376 يوما، ولذاك ~~يوما، ولا يضمن واحد منهما من قيمة الأم لصاحبه شيئا، ويضمن كل واحد منهما ~~نصف العقر فيكون قصاصا أما ثبوت النسب منهما فمذهبنا، وعند الشافعي يثبت من ~~أحدهما ويتعين بقول القافة وهي من مسائل كتاب الدعوى. # وأما صيرورة نصيب كل واحد منهما من الجارية أم ولد فلثبوت نسب ولدها منه، ~~فصار كأنه انفرد بالدعوة، وإنما لا يضمن أحدهما للآخر شيئا من قيمة الأم؛ ~~لأن نصيب كل واحد منهما لم ينتقل إلى شريكه، وإنما ضمن كل واحد منهما ~~لصاحبه نصف العقر لوجود سبب وجوب الضمان، وهو الإقرار بالوطء في ملك الغير ~~فيصير أحدهما قصاصا للآخر لعدم الفائدة في الاستيفاء، وكذلك لو كانت ~~الجارية بين ثلاثة أو أربعة أو خمسة فادعوه جميعا معا يثبت نسبه منهم، ~~وتصير الجارية أم ولدهم في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف لا يثبت النسب من ~~أكثر من اثنين، وعند محمد من أكثر من ثلاثة، ونذكر الحجج في كتاب الدعوى إن ~~شاء الله تعالى، وإن كانت الأنصباء مختلفة بأن كان لأحدهم السدس، والآخر ~~الربع، والآخر الثلث، ولآخر ما بقي يثبت نسبه منهم ويصير نصيب كل واحد منهم ~~من الجارية أم ولد له، لا يتعدى إلى نصيب صاحبه حتى تكون الخدمة والكسب ~~والغلة بينهم على قدر أنصبائهم؛ لأن كل واحد منهم ثبت الاستيلاد منه في ~~نصيبه، فلا يجوز أن يثبت فيه استيلاد غيره، ولو كانت الأمة بين الأب والابن ~~فجاءت بولد فادعياه جميعا معا، أو كانت بين حر وعبد فادعياه، أو بين حر ~~ومكاتب، أو بين مكاتب وعبد، أو بين مسلم وذمي، أو بين كتابي ومجوسي، أو بين ~~عبد مسلم أو مكاتب مسلم وبين حر كافر، أو بين ذمي ومرتد، فحكمه يذكر في ~~كتاب الدعوى، هذا إذا كان العلوق في ملك المدعيين، فإن لم يكن بأن اشترياها ~~وهي حامل فجاءت بولد فادعاه أحدهما أو كلاهما فهو من مسائل الدعوى نذكره ~~هناك إن شاء الله تعالى وكذا إذا ولدت الجارية المشتركة بين اثنين ولدين، ~~فادعى كل واحد ms2377 منهما ولدا ولدتهما في بطن أو بطنين والدعوتان خرجتا معا أو ~~على التعاقب، وكذا إذا ولدت جارية لإنسان ثلاثة أولاد فادعى أحدهم وهم ~~ولدوا في بطن واحد أو في بطون مختلفة وادعى المولى أحدهم بعينه أو بغير ~~عينه فحكم هذه الجملة في كتاب الدعوى وكذا دعوة الأب نسب ولد جارية ابنه مع ~~فروعها، ودعوة اللقيط مع فصولها تذكر ثمة إن شاء الله تعالى. # أمة بين رجلين أقر أحدهما أنها أم ولد لصاحبه وأنكر ذلك صاحبه. # قال أبو حنيفة: يبطل حق الشاهد في رقبتها موسرا كان المشهود عليه أو ~~معسرا، وتخدم المشهود عليه يوما، ويرفع عنها يوما، فإن مات المشهود عليه ~~سعت لورثته، وكانت في حال السعاية كالمكاتبة، فإن أدت عتقت وكان نصف ولائها ~~للمشهود عليه والنصف لبيت المال. # وهو قول أبي يوسف الآخر، وقال محمد: يسعى الساعة في نصف قيمتها للمشهود ~~عليه فإذا أدت فهي حرة لا سبيل لأحد عليها. # وجه قوله: إن المقر قد أفسد على شريكه ملكه بإقراره؛ لأنه لما لم يصدقه ~~الشريك انقلب إقراره على نفسه، فمن اشترى عبدا ثم أقر أن البائع كان قد ~~أعتقه وأنكر البائع أنه ينقلب إقراره عليه ويجعل معتقا كذا ههنا، وإذا ~~انقلب إقراره على نفسه صار مقرا بالاستيلاد في نصيبه، ومتى ثبت في نصيبه ~~ثبت في نصيب صاحبه؛ لأنه لم يتجزأ، فقد أفسد نصيب صاحبه لكن لا سبيل إلى ~~تضمينه؛ لأن شريكه قد كذبه في إقراره، فكان لشريكه السعاية كما لو أعتق ~~المقر نصيبه وهو معسر، وإذا سعت في نصيبه وعتق نصيبه يعتق الكل لعدم تجزؤ ~~العتق عنده، ولهما أن المقر بهذا الإقرار يدعي الضمان على المنكر بسبب ~~الجارية؛ لأن الاستيلاد لا يتجزأ فيما يحتمل النقل والملك ويجب الضمان فيه ~~على الشريك في حالة اليسار والإعسار، ودعوى الضمان توجب براءة الأمة عن ~~السعاية فبطل حقه في رقبتها وبقي حق المنكر في نصيبه كما كان، ولأن المقر ~~لا يخلو إما إن كان صادقا في الإقرار، وإما إن كان فيه كاذبا. # فإن كان ms2378 صادقا كانت الجارية كلها أم ولد لصاحبه، فيسلم له كمال ~~الاستخدام، وإن كان كاذبا كانت الجارية بينهما على ما كانت قبل الإقرار، ~~فنصف الخدمة ثابتة للمنكر بيقين، واعتبار هذا المعنى يوجب أن لا سعاية ~~عليها أيضا. # فأما المقر فقد أسقط حق نفسه عن الخدمة لزعمه أن كل الخدمة أن لشريكه، ~~إلا شريكه لما رد عليه بطلت خدمة اليوم، وبيع # PageV04P126 # هذه الجارية متعذر؛ لأن الشاهد أقر أنها أم ولد، وحينما أقر كان له ملك ~~فيها في الظاهر فينفذ إقراره في حقه، وإذا مات المشهود عليه فإنها تسعى في ~~نصف قيمتها لورثته؛ لأن في زعم الشاهد أنها عتقت بموت صاحبه لزعمه أنها أم ~~ولد صاحبه، والأمة المشتركة بين اثنين إذا أقر أحدهما على شريكه بالعتق كان ~~له عليها السعاية وإن كذبه صاحبه في الإقرار، كذلك ههنا ونصف الولاء ~~للمشهود عليه لأنها عتقت على ملكه ووقف النصف الآخر؛ لأن المقر أقر أنه ~~للمشهود عليه، والمشهود عليه رد عليه إقراره فلا يعرف لهذا النصف مستحق ~~معلوم فيكون لبيت المال فإن جاءت بولد فقال أحدهما: هو ابن الشريك وأنكر ~~الشريك فالجواب في الأم كذلك. # وأما الولد فيعتق ويسعى في نصف قيمته للمشهود عليه؛ لأن الشريك المقر أقر ~~بحرية الولد من جهة شريكه، وأحد الشريكين إذا شهد على الآخر بالعتق وأنكر ~~الآخر يسعى العبد للمشهود عليه، وفي مسألتنا لا يسعى للشاهد؛ لأنه أقر أنه ~~حر الأصل وأنه لا سعاية عليه، ونظير هذه المسألة ما روى بشر عن أبي يوسف في ~~جارية بين شريكين ادعى أحدهما أن شريكه دبرها وأنكر الشريك فإن أبا حنيفة ~~قال: الشاهد بالخيار إن شاء دبر فخدمته يوما والآخر يوما، وإن شاء أمسك ولم ~~يدبر فخدمته يوما والآخر يوما، وإن شاء استسعاها في نصف قيمتها فسعت له ~~يوما وخدمت الآخر يوما، فإذا أدت فعتقت سعت للآخر، وكان قول أبي يوسف في ~~ذلك أنها كأم الولد ثم رجع، وقال: توقف كما قال أبو حنيفة، إلا في تبعيض ~~التدبير، وقال محمد: تسعى الساعة، وجه قول ms2379 محمد على نحو ما ذكرنا في ~~الاستيلاد، وهو أن الشريك لما لم يصدقه في إقراره انقلب عليه إقراره وثبت ~~التدبير في نصيبه، وإنه يتعدى إلى نصيب المنكر لعدم تجزؤ التدبير عنده، فقد ~~أفسد نصيب المنكر وتعذر إيجاب الضمان عليه للمنكر لتكذيبه إياه فتسعى ~~الجارية له، كما لو أنشأ التدبير في نصيبه، ومن أصل أبي حنيفة أن التدبير ~~يتجزأ فلا يصير نصيبه بإقراره بالتدبير على صاحبه مدبرا كما لو دبر أحد ~~الشريكين نصيبه، أنه يبقى نصيب الآخر على حاله وله التدبير والاستسعاء ~~والترك على حاله، إلا أن ههنا لو اختار السعاية فإنما يستسعاها يوما ~~ويتركها يوما؛ لأنه لا يملك جميع منافعها فلا يملك أن يستسعي إلا على مقدار ~~حقه، فإذا أدت عتق نصيبه ويسعى للمنكر في نصيبه؛ لأنه فسد نصيبه وتعذر ~~تضمين المقر، فكان له أن يستسعي وأبو يوسف وافق أبا حنيفة إلا أنه يقول: إن ~~التدبير يتجزأ فهو بدعوى التدبير على شريكه، يدعي الضمان عليه موسرا كان أو ~~معسرا فكان مبرئا للأمة عن السعاية فلم يبق له حق الاستسعاء ولا حق ~~الاستخدام فيتوقف نصيبه، والله عز وجل أعلم. # وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه إذا شهد كل واحد منهما بالتدبير على ~~صاحبه، أو شهد كل واحد منهما على صاحبه بالاستيلاد، فلا سبيل لواحد منهما ~~على صاحبه، ولا على الأمة موسرين كانا أو معسرين؛ لأن كل واحد منهما يدعي ~~حق الحرية من جهته، والإبراء للأمة من السعاية ويدعي الضمان على شريكه، ~~وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، فأما محمد فوافق أبا حنيفة في هذا الفصل؛ ~~لأن كل واحد من الشريكين ههنا أبرأ الأمة من السعاية وادعى الضمان على ~~شريكه. # وروى المعلى عن أبي يوسف في عبد بين شريكين قال أحدهما للآخر: هذا ابني ~~وابنك أو ابنك وابني فقال الآخر: صدقت. # فهو ابن المقر خاصة دون المصدق. # وكذلك قال محمد في الزيادات في صبي لا يعقل في يد رجلين قال أحدهما ~~للآخر: هو ابني وابنك، وصدقه صاحبه وإنما كان كذلك؛ لأنه ms2380 لما قال هو ابني ~~فكما قال ذلك ثبت نسبه منه لوجود الإقرار منه بالنسب في ملكه، فلا يحتمل ~~الثبوت من غيره. # بعد ذلك قال محمد: لو قال هذا ابنك، وسكت فلم يصدقه صاحبه حتى قال هو ~~ابني معك، فهو موقوف. # فإن قال صاحبه: هو ابني دونك فهو كما قال؛ لأنه أقر له بالنسب ابتداء ~~وسكت فقد استقر إقراره ووقف على التصديق فقوله بعد ذلك هو ابني يتضمن إبطال ~~الإقرار فلا يسمع فإذا وجد التصديق من المقر له ثبت النسب منه قال: فإن قال ~~المقر له: ليس بابني ولكنه ابنك أو قال: ليس بابني ولا ابنك أو قال: ليس ~~بابني، وسكت فليس بابن لواحد منهما، في قياس قول أبي حنيفة، وقال محمد إن ~~صدقه فهو ابن المقر له وإن كذبه فهو ابن المقر. # فهذا فرع اختلافهم فيمن أقر بعبد أنه ابن فلان وكذبه المقر له وادعاه ~~المولى أنه لم تصح دعوته في قول أبي حنيفة، وفي قولهما تصح، وجه قولهما أنه ~~لما كذبه المقر له فقد بطل إقراره كما في الإقرار بالمال # PageV04P127 # وإذا بطل إقراره التحق بالعدم فجاز أن يدعيه لنفسه ولأبي حنيفة أنه لما ~~أقر بالنسب لغيره فقد زعم أنه ثابت النسب منه، فتكذيبه ينفي ثبوت النسب منه ~~في حقه لا في حق الشريك بل بقي ثابت النسب منه في حقه. # فإذا ادعى ولدا هو ثابت النسب من الغير في حقه فلا تسمع دعواه، ولو قال: ~~هو ابني وابنك فهو من الثاني؛ لأنه لما قال هو ابني فقد صدقه، فقد ثبت نسبه ~~منه فإقراره بعد ذلك بقوله وابنك لم يصح. # قال محمد: فإن كان هذا الغلام يعقل فالمرجع إلى تصديقه؛ لأنه إذا كان ~~عاقلا كان في يد نفسه، فلا تقبل دعوى النسب عليه من غير تصديقه. # قال: وإن كان الولد من أمة ولدته في ملكهما، فالجواب كالأول في النسب إن ~~على قول أبي حنيفة لا يثبت من المقر بعد اعترافه لشريكه، وعلى قولهما يثبت ~~قال: والأمة أم ولد لمن ثبت ms2381 النسب منه؛ لأن الاستيلاد يتبع النسب، ومن هذا ~~النوع ما إذا اشترى رجلان جارية فجاءت بولد في ملكهما لستة أشهر فصاعدا، ~~وادعى أحدهما أن الولد ابنه وادعى الآخر أن الجارية بنته وخرجت الدعوتان ~~معا. # فالدعوة دعوة من يدعي الولد، ودعوة مدعي الأم باطلة؛ لأن مدعي الولد ~~دعوته دعوة الاستيلاد، والاستيلاد يستند إلى وقت العلوق، ومدعي الأم دعوة ~~تحرير والتحرير يثبت في الحال ولا يستند، فكانت دعوة مدعي الولد سابقة، ~~فثبت نسب الولد منه ويصير نصيبه من الجارية أم ولد له، وينتقل نصيب شريكه ~~منها إليه فكان دعوى الشريك دعوى فيما لا يملك فلا يسمع، وهل يضمن مدعي ~~الولد بنصف قيمة الأم ونصف عقرها؟ قال محمد: يضمن، وذكر في الجامع الكبير ~~أن هذا قياس قول أبي حنيفة، وهي رواية بشر بن الوليد عن أبي يوسف، وروى ابن ~~سماعة عن أبي يوسف أنه لا شيء على مدعي الولد من قيمة الأم ولا من العقر، ~~ولا شيء له أيضا على مدعي الأم، فإن أكذب مدعي الأم نفسه فله نصف قيمة ~~الأم، ونصف عقرها على مدعي الولد، وذكر الكرخي أن هذا القول أقيس ووجهه أن ~~مدعي الأم أقر أنها حرة الأصل. # فكان منكرا ضمان القيمة، فلا يثبت له حق التضمين، فإن رجع عن دعواه وأكذب ~~نفسه ثبت له حق الضمان الذي اعترف به له شريكه، وجه قول أبي حنيفة ومحمد ~~وإحدى الروايتين عن أبي يوسف أنه لما ثبت نسب الولد من المدعي، فقد صار ~~نصيبه من الجارية أم ولد فكذا نصيب شريكه لعدم تجزؤ الجارية في حق ~~الاستيلاد فيما يحتمل النقل، فصار متلفا نصيب شريكه عليه، ولا يجوز تملك ~~مال الغير إلا بعوض فيضمن لشريكه نصف قيمة الأم، ويضمن له نصف عقر الجارية ~~أيضا؛ لأن الوطء لاقاها، ونصفها مملوك للشريك، فما صادف ملك غيره يجب به ~~العقر. # وأما قوله أن مدعي الأم أقر أنها حرة الأصل. # فالجواب من وجهين: أحدهما أنه لما قضى بكونها أم ولد للمدعي فقد صار ~~مكذبا شرعا، فبطل كما لو ms2382 ادعى المشتري أنه اشترى الدار بألف وادعى البائع ~~البيع بألفين وأقام البائع البينة، وقضى القاضي بألفين على المدعى عليه، أن ~~الشفيع يأخذها بالألفين من المشتري وإن سبق من المشتري الإقرار بالشراء ~~بألف لما أنه كذبه شرعا كذا هذا، والثاني أن إقراره بحريتها وجد بعد ما حكم ~~بزوالها عن ملكه؛ لأنها جعلت زائلة عنه من وقت العلوق فلم يصح إقراره، فلم ~~يصر إقراره إبراء إياه عن الضمان كما في مسألة الشفيع. # ومن مسائل دعوى الولد إذا كاتب الرجل أمته فجاءت بولد ليس له نسب معروف ~~فادعاه المولى ثبت نسبه منه صدقته أم كذبته، وسواء جاءت بالولد لستة أشهر ~~أو لأكثر أو لأقل فإن نسب الولد يثبت على كل حال إذا ادعاه؛ لأن المكاتبة ~~باقية على ملك المولى فكان ولدها مملوكا له، ودعوة المولى ولد أمته لا تقف ~~صحتها على التصديق وعتق الولد؛ لأن نسبه ثبت من المولى ولا ضمان عليه فيه؛ ~~لأن غرض المكاتبة من الكتابة عتقها وعتق أولادها وقد حصل لها هذا الغرض فلا ~~يضمن لها شيئا، ثم إن جاءت بالولد لأكثر من ستة أشهر فعليه العقر؛ لأنه ~~تبين أن الوطء حصل في حال الكتابة، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر منذ ~~كاتبها فلا عقر عليه؛ لأنه علم أنه وطئها قبل الكتابة، والمكاتبة بالخيار ~~إن شاءت مضت على كتابتها، وإن شاءت عجزت؛ لأن الحرية توجهت إليها من جهتين ~~ولها في كل واحدة منهما غرض صحيح؛ لأن بالكتابة تتعجل لها الحرية ~~وبالاستيلاد تسقط عنها السعاية، فكان التخيير مفيدا فكان لها أن تختار ~~أيهما شاءت. # وإن ادعى المولى ولد جارية المكاتب له وقد علقت به في ملك المكاتب، فإنه ~~يرجع إلى تصديق المكاتب، فإن كذب المولى لم يثبت نسب # PageV04P128 # الولد ولا تصير الجارية أم ولد له، وكانت الجارية وولدها مملوكين، وإن ~~صدقه كان الولد ابن المولى وعليه قيمته يوم ولد. # وذكر محمد في الزيادات ولم يحك خلافا، وكذا ذكر في الدعاوى إلا أنه قال: ~~أستحسن ذلك إذا كان الحبل في ملك ms2383 المكاتب، وهذا يشير إلى أن القياس أن لا ~~يعتق الولد وإن صدقه المكاتب، وهو رواية عن أبي يوسف، وروى ابن سماعة في ~~نوادره عن أبي يوسف أن المولى يصدق بغير تصديق المكاتب. # وجه القياس أنه لما لم يقبل قوله بغير تصديق، فكذا مع التصديق؛ لأن ~~المكاتب لا يملك التحرير بنفسه فلا يملك التصديق بالحرية أيضا، وجه الرواية ~~الأخرى لأبي يوسف أن حق الرجل في مال مكاتبه أقوى من حقه في مال ولده، فلما ~~ثبت النسب في جارية الابن من غير تصديق فههنا أولى، وجه ظاهر الرواية أن حق ~~المكاتب في كسبه أقوى من حق المولى بدليل أنه لا يملك النزع من يده فكان ~~المولى في حق ملك التصرف في مال المكاتب بمنزلة الأجنبي، فتقف صحة دعوته ~~على تصديق المكاتب فإن صدقه كان الولد ابن المولى وعليه قيمته يوم ولد؛ ~~لأنه يشبه ولد المغرور لثبوت الملك في الأم من وجه دون وجه؛ لأن ملك الذات ~~في المكاتب للمولى وملك التصرفات للمكاتب كالمغرور، أنه يثبت الملك في الأم ~~ظاهرا وللمستحق حقيقة، وولد المغرور حر بالقيمة. # قال محمد في الزيادات: إذا اشترى المكاتب أمة حاملا فادعى مولاها ولدها، ~~أو اشترى عبدا صغيرا فادعاه لم يجز دعوته إلا بالتصديق كما في المسألة ~~الأولى، إلا أن هناك إذا صدقه يثبت النسب ويعتق وههنا إن صدقه المكاتب ثبت ~~نسبه ولا يعتق؛ لأن تلك الدعوة دعوة استيلاد لعدم العلوق في الملك فكانت ~~دعوة تحرير، والمولى لا يملك تحريره. # ألا ترى أنه لو أعتقه لا تصح؟ إلا أن النسب يثبت، وليس من ضرورة ثبوت ~~النسب ثبوت العتق ألا ترى أن من ادعى ولد أمة أجنبي فصدقه مولاه يثبت النسب ~~ولا يعتق في الحال؟ كذا ههنا. ### | [فصل في صفة الاستيلاد] # (فصل) : # وأما صفة الاستيلاد فالاستيلاد لا يتجزأ عند أبي يوسف ومحمد كالتدبير ~~وعند أبي حنيفة هو متجزئ إلا أنه قد يتكامل عند وجود سبب التكامل وشرطه، ~~وهو إمكان التكامل، وقيل: إنه لا يتجزأ عنده أيضا لكن فيما يحتمل نقل ms2384 الملك ~~فيه. # وأما فيما لا يحتمل فهو متجزئ عنده. # وبيان هذا ما ذكرنا فيما تقدم في الأمة القنة بين اثنين، جاءت بولد ~~فادعاه أحدهما أن كلها صارت أم ولد له، وإن ادعياه جميعا صارت أم ولد لهما ~~جميعا ثم أم الولد الخالصة إذا أعتق المولى نصفها عتق كلها بالإجماع، وكذا ~~إذا كانت بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه عتق جميعها بلا خلاف، لكن عندهما ~~لعدم تجزؤ الإعتاق، وعنده لعدم الفائدة في بقاء حكم الاستيلاد في الباقي لا ~~بإعتاقه كما في الطلاق والعفو عن القصاص على ما بينا في كتاب العتاق. # ولا ضمان على الشريك المعتق ولا سعاية عليها في قول أبي حنيفة وستأتي ~~المسألة في موضعها، والفرق بين المدبر وأم الولد في هذا الحكم إن شاء الله ~~تعالى، ولو كانت مدبرة صار نصيب المدعي أم ولد له، ونصيب الآخر بقي مدبرا ~~على حاله، وإن كانت مكاتبة بين اثنين صار نصيب المدعي أم ولد عند أبي ~~حنيفة، وتبقى الكتابة، وعندهما يصير الكل أم ولد للمدعي، وتفسخ الكتابة في ~~النصف وهي من مسائل كتاب المكاتب. ### | [فصل في حكم الاستيلاد] # وأما حكم الاستيلاد فنوعان أيضا: كحكم التدبير أحدهما، يتعلق بحال حياة ~~المستولد، والثاني، يتعلق بما بعد موته. # أما الأول فما ذكرنا في التدبير وهو ثبوت حق الحرية عند عامة العلماء. # وقال بشر بن غياث المريسي وداود بن علي الأصفهاني إمام أصحاب الظاهر لا ~~حكم له في الحال، وعلى هذا تبتنى جملة من الأحكام؛ فلا يجوز بيع أم الولد ~~عند العامة، وعندهما يجوز. # واحتجا بما روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: «كنا نبيع أمهات الأولاد ~~على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» ولأنها مملوكة له، بدليل أنه ~~يحل له وطؤها، ولا يحل الوطء إلا في الملك، وكذا تصح إجارتها وكتابتها، فدل ~~أنها مملوكة له فيجوز بيعها كبيع القنة، ولنا ما روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «أم الولد لا تباع ولا توهب وهي حرة من جميع ~~المال» وهذا ms2385 نص في الباب. # وروي عن ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال في أم ~~إبراهيم - عليه السلام -: أعتقها ولدها» فظاهره يقتضي ثبوت حقيقة الحرية ~~للحال، أو الحرية من كل وجه، إلا أنه تأخر ذلك إلى ما بعد الموت بالإجماع، ~~فلا أقل من انعقاد سبب الحرية، أو الحرية من وجه، وكل ذلك عدم # PageV04P129 # يمنع جواز البيع. # وروي أن سعيد بن المسيب سئل عن بيع أمهات الأولاد فقال: إن الناس يقولون ~~إن أول من أمر بعتق أمهات الأولاد عمر بن الخطاب وليس كذلك، لكن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أول من أعتقهن ولا يجعلن في الثلث، ولا يستسعين في ~~دين، وعن سعيد بن المسيب «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بعتق ~~أمهات الأولاد وأن لا يبعن في الدين ولا يجعلن في الثلث» وكذا جميع ~~التابعين على أنه لا يجوز بيع أم الولد، فكان قول بشر وأصحاب الظواهر ~~مخالفا للإجماع فيكون باطلا، ومن مشايخنا من قال: عليه إجماع الصحابة أيضا ~~لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه سئل عن بيع أمهات الأولاد فقال: كان ~~رأيي ورأي عمر أن لا يبعن، ثم رأيت بيعهن فقال له عبيدة السلماني: رأيك مع ~~الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك،. # وفي رواية أخرى عن علي - رضي الله عنه -: اجتمع رأيي ورأي عمر في ناس من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عتق أمهات الأولاد، ثم رأيت ~~بعد ذلك أن يبعن في الدين، فقال عبيدة رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من ~~رأيك في الفرقة فقول عبيدة في الجماعة إشارة إلى سبق الإجماع من الصحابة - ~~رضي الله عنهم - ثم بدا لعلي - رضي الله عنه - فيحمل خلافه على أنه كان لا ~~يرى استقرار الإجماع ما لم ينقرض العصر، ومنهم من قال: كانت المسألة مختلفة ~~بين الصحابة - رضي الله عنهم - فكان علي وجابر - رضي الله عنهما - يريان ~~بيع أم الولد، لكن التابعين أجمعوا على أنه لا يجوز، والإجماع المتأخر يرفع ms2386 ~~الخلاف المتقدم عند أصحابنا لما عرف في أصول الفقه، ولأن أم الولد تعتق عند ~~موت السيد بالإجماع، ولا سبب سوى الاستيلاد السابق، فعلم أنه انعقد سببا ~~للحال لثبوت الحرية بعد الموت وأنه يمنع جواز البيع لما بينا في التدبير. # وأما حديث جابر - رضي الله عنه - فيحتمل أنه أراد بالبيع الإجارة؛ لأنها ~~تسمى بيعا في لغة أهل المدينة، ولأنها بيع في الحقيقة لكونها مبادلة شيء ~~مرغوب بشيء مرغوب، ويحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام حينما كان بيع الحر ~~مشروعا ثم انتسخ بانتساخه، فلا يكون حجة مع الاحتمال. # وأما قوله: إنها مملوكة للمستولد. # فنعم، لكن هذا لا يمنع انعقاد سبب الحرية من غير حرية أصلا ورأسا، وهذا ~~القدر يكفي للمنع من جواز البيع لما ذكرنا في كتاب التدبير وسواء كان ~~المستولد مسلما أو كافرا، مرتدا أو ذميا أو مستأمنا، خرج إلى ديارنا ومعه ~~أم ولده لا يجوز له بيعها؛ لأنها أم ولد؛ لأن أمية الولد تتبع ثبات النسب، ~~والكفر لا يمنع ثبوت النسب، ولما دخل المستأمن دار الإسلام بأمان فقد رضي ~~بحكم الإسلام، ومن حكم الإسلام أن لا يجوز بيع أم الولد، وكذلك كل تصرف ~~يوجب بطلان حق الحرية الثابتة لها بالاستيلاد لا يجوز، كالهبة والصدقة ~~والوصية والرهن؛ لأن هذه التصرفات توجب زوال ملك العين فيوجب بطلان هذا ~~الحق، وما لا يوجب بطلان هذا الحق فهو جائز؛ كالإجارة والاستخدام ~~والاستسعاء والاستغلال والاستمتاع والوطء؛ لأنها تصرف في المنفعة لا في ~~العين، والمنافع مملوكة له والأجرة والكسب والغلة والعقر والمهر للمولى؛ ~~لأنها بدل المنفعة، والمنافع على ملكه، وكذا ملك العين قائم؛ لأن العارض ~~وهو التدبير لم يؤثر إلا في ثبوت حق الحرية من غير حرية، فكان ملك اليمين ~~قائما، وإنما الممنوع منه تصرف يبطل هذا الحق، وهذه التصرفات لا تبطله، ~~وكذا الأرش له بدل جزء هو ملكه، وله أن يزوجها؛ لأن التزويج تمليك المنفعة، ~~ولا ينبغي أن يزوجها حتى يستبرئها بحيضة؛ لاحتمال أنها حملت منه فيكون ~~النكاح فاسدا، ويصير الزوج بالوطء ساقيا ماءه زرع ms2387 غيره، فكان التزويج ~~تعريضا للفساد فينبغي أن يتحرز من ذلك بالاستبراء، لكن هذا الاستبراء ليس ~~بواجب بل هو مستحب كاستبراء البائع، ولو زوجها فولدت لأقل من ستة أشهر فهو ~~من المولى والنكاح فاسد؛ لأنه تبين أنه زوجها وفي بطنها ولد ثابت النسب ~~منه، وإن ولدت لأكثر من ستة أشهر فهو ولد الزوج؛ لأن الزوج له فراش، والولد ~~للفراش على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا فراش للمولى لزوال ~~فراشه بالنكاح، فإن ادعاه المولى وقال: هذا ابني لا يثبت نسبه منه لسبق ~~ثبوته من غيره، وهو الزوج، فلا يتصور ثبوته فلا تصح دعوته لكنه يعتق عليه؛ ~~لأنه في ملكه وقد أقر بحريته فيعتق عليه، وإن لم يثبت نسبه منه كما إذا قال ~~لعبده: هذا ابني، وهو معروف النسب من الغير، ونسب ولد أم الولد يثبت من ~~المولى من غير دعوة عند عدم الحرية، إلا إذا حرمت عليه حرمة مؤبدة، فجاءت ~~بولد لستة أشهر من وقت # PageV04P130 # الحرمة، أو زوجها فجاءت بولد لستة أشهر من وقت التزويج فلا يثبت نسبه إلا ~~بالدعوة، وإنما قلنا إنه يثبت نسب ولدها من المولى من غير دعوة عند عدم ~~الحرمة المؤبدة والنكاح؛ لأنها صارت فراشا بثبوت نسب ولدها، والولد المولود ~~على الفراش يثبت نسبه من غير دعوة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «الولد ~~للفراش» بخلاف الأمة القنة أو المدبرة؛ لأنه لا يثبت نسب ولدها، وإن حصنها ~~المولى وطلب ولدها بدون الدعوة عندنا، فلا تصير فراشا بدون الدعوة، ثم إنما ~~يثبت نسب ولد أم الولد بدون الدعوة دون ولد القنة والمدبرة؛ لأن الظاهر أن ~~ولد أم الولد من المولى؛ لأنه لا يتحرز عن الإعلاق، إذ التحرز لخوف فوات ~~ماليتها وقد حصل ذلك منه، فالظاهر أن لا يعزل عنها بل يعلقها فكان الولد ~~منه من حيث الظاهر فلا تقع الحاجة إلى الدعوة، بخلاف القنة والمدبرة، فإن ~~هناك الظاهر أنه لا يعلقها بل يعزل عنها تحرزا عن إتلاف المالية، فلا يعلم ~~أنه منه إلا بالدعوة، فلا يثبت ms2388 النسب إلا بالدعوة، فهو الفرق - والله عز ~~وجل أعلم. # فإن صارت أم الولد محرمة على المولى على التأبيد بأن وطئها ابن المولى أو ~~أبوه أو وطئ المولى أمها أو بنتها فجاءت بولد؛ لأكثر من ستة أشهر لم يثبت ~~نسب الولد الذي أتت به بعد التحريم من غير دعوة؛ لأن الظاهر أنه ما وطئها ~~بعد الحرمة فكانت حرمة الوطء كالنفي دلالة، وإن ادعى يثبت النسب؛ لأن ~~الحرمة لا تزيل الملك، وذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي أصلا فقال: إذا ~~حرمت أم الولد بما يقطع نكاح الحرة ويزيل فراشها مثل المسائل التي ذكرنا لا ~~يثبت نسب ولدها من مولاها إلا أن يدعيه؛ لأن فراش الزوجة أقوى من فراش أم ~~الولد، وهذه المعاني تقطع فراش الزوجة، فلأن تقطع فراش أم الولد أولى، ~~وكذلك إذا زوجها فجاءت بولد لأكثر من ستة أشهر؛ لأنها صارت فراشا للزوج ~~فيستحيل أن تصير فراشا لغيره إلا أنه إذا ادعى يعتق عليه، كما إذا قال ~~لعبده وهو معروف النسب من الغير: هذا ابني، وإن حرمت عليه بما لا يقطع نكاح ~~الحرة ولا يزيل فراشها مثل الحيض والنفاس والإحرام والصوم يثبت نسب ولدها ~~منه؛ لأنه تحريم عارض لا يغير حكم الفراش، وللمولى أن ينفي ولد أم الولد من ~~غير لعان أما النفي فلأنه يملك العزل عنها بغير رضاها، فإذا أخبر عن ذلك ~~فقد أخبر عما يملك فكان مصدقا. # وأما النفي من غير لعان فلأن فراش أم الولد أضعف من فراش الحرة وهذا أصل ~~يذكر في كتاب الدعوى أن الفرش ثلاثة: قوي وضعيف ووسط. # فالقوي: هو فراش النكاح حتى يثبت النسب فيه من غير دعوة ولا ينتفي إلا ~~باللعان، والضعيف فراش الأمة حتى لا يثبت النسب فيه من غير دعوة، والوسط ~~فراش أم الولد حتى يثبت النسب فيه من غير دعوة، وينتفي من غير لعان؛ لأنه ~~يحتمل الانتقال بالتزويج فيحتمل الانتفاء بالنفي بخلاف فراش الزوج، ثم إنما ~~ينتفي بالنفي إذا لم يقض به القاضي أو لم تتطاول المدة، فأما إذا قضى ms2389 ~~القاضي به أو تطاولت المدة فلا ينتفي؛ لأنه يتأكد بقضاء القاضي فلا يحتمل ~~النفي بعد ذلك وكذا تطاول المدة من غير ظهور النفي إقرار منه دلالة، والنسب ~~المقر به لا ينتفي بالنفي ولم يقدر أبو حنيفة لتطاول المدة تقديرا، وأبو ~~يوسف ومحمد قدراه بمدة النفاس أربعين يوما وقد ذكرناه في كتاب اللعان وولد ~~أم الولد من غير مولاها بمنزلة الأم بأن زوج أم ولده فولدت ولدا لستة أشهر ~~فصاعدا من وقت التزويج؛ لأن الولد يتبع الأم في الرق والحرية وقد ثبت حق ~~الحرية في الأم فيسري إلى الولد، فكان حكمه حكم الأم في جميع الأحكام، هذا ~~إذا استولد جارية في ملكه فإن كان استولدها في ملك غيره بنكاح حتى يثبت نسب ~~ولدها منه، ثم ملكها ولها ولد من زوج آخر بأن استولدها، ثم فارقها فزوجها ~~المولى من آخر فجاءت بولد ثم ملكها يوما من الدهر وولدها، صارت الجارية أم ~~ولده عند أصحابنا، ولا يصير ولدها ولد أم ولد حتى يجوز بيعه في قول أصحابنا ~~الثلاثة، وقال زفر: إذا ملك من ولدته بعد ثبوت نسب ولدها منه، فهو ولد أم ~~ولده يثبت فيه حكم الأم، وجه قوله أن الاستيلاد وإن كان في ملك الغير لكنه ~~لما ملكها فقد صارت أم ولد عند أصحابنا، وإنما صارت أم ولد بالعلوق السابق، ~~والولد حدث بعد ذلك فيحدث على وصف الأم، فإذا ملكه يثبت فيه الحكم الذي ~~يثبت في الأم، ولنا أن الاستيلاد في الأم وهو أمية الولد شرعا إنما تثبت ~~وقت ملك الأم، والولد منفصل في ذلك الوقت، والسراية لا تثبت في الولد ~~المنفصل، ويتعلق الدين بكسبها لا برقبتها؛ لأنها لا تقبل البيع لما ذكرنا ~~وتسعى # PageV04P131 # في ديونها بالغة ما بلغت؛ لأن الدين عليها لا في رقبتها، وأرش جنايتها ~~على المولى وهو الأقل من قيمتها، ومن الأرش وليس على المولى إلا قدر قيمتها ~~وإن كثرت الجنايات كالمدبر، ويجوز إعتاقها لما فيه من استعجال مقصودها وهو ~~الحرية، ولو أعتق المولى نصفها يعتق كلها، وكذا إذا ms2390 كانت مشتركة بين اثنين ~~فأعتق أحدهما نصيبه عتق جميعها لما ذكرنا ولا ضمان على المعتق، ولا سعاية ~~عليها عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد إن كان المعتق موسرا ضمن لشريكه، ~~وإن كان معسرا سعت في نصف قيمتها للشريك الذي لم يعتق، ولو مات عن أم ولد ~~بينه وبين شريكه عتق جميعها ولا ضمان عليه بالإجماع؛ لأنه لا صنع له في ~~الموت، ويقع الاختلاف في السعاية؛ عند أبي حنيفة لا سعاية عليها، وعندهما ~~عليها السعاية، وعلى هذا الخلاف الغصب والقبض في البيع الفاسد، إنها لا ~~تضمن في قول أبي حنيفة، وعندهما تضمن، ولا خلاف في المدبرة أنها تضمن بهذه ~~الأسباب، ولقب المسألة أن أم الولد هل هي متقومة من حيث أنها مال أم غير ~~متقومة؟ عنده غير متقومة من هذه الجهة، وعندهما متقومة، وأجمعوا على أنها ~~متقومة من حيث إنها نفس، ولا خلاف في أن المدبر متقوم من حيث إنه مال، ~~وربما تلقب المسألة بأن رق أم الولد هل له قيمة أم لا؟ ذكر محمد في ~~الإملاء: أنها تضمن في الغصب عند أبي حنيفة كما يضمن الصبي الحر إذا غصب ~~يعني إذا مات عن سبب حادث بأن عقره سبع أو نهشته حية أو نحو ذلك، وجه ~~قولهما أن أم الولد مملوكة للمولى ولا شك، ولهذا يحل له وطؤها وإجارتها ~~واستخدامها وكتابتها، وملكه فيها معصوم لأن الاستيلاد له لم يوجب زوال ~~العصمة، فكانت مضمونة بالغصب والإعتاق والقبض في البيع الفاسد كالمدبر، ~~والدليل على أن رقها متقوم: أن أم ولد النصراني إذا أسلمت تخرج إلى العتاق ~~بالسعاية، فلولا أن ماليتها متقومة لعتقت مجانا، ولم يكن للمولى أخذ ~~السعاية بدلا عن ماليتها، وكذا يجوز للمولى أن يكاتبها، والاعتياض إنما ~~يجوز عن مال متقوم، والدليل عليه أنها تضمن بالقتل بالإجماع ولأبي حنيفة ~~«قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمارية لما ولدت إبراهيم - عليه السلام ~~- أعتقها ولدها» فظاهر الحديث يقتضي ثبوت العتق في الحال في حق جميع ~~الأحكام، إلا أنه خص منه الاستمتاع والاستخدام بالإجماع، ms2391 ولا إجماع في ~~التقويم، فكانت حرة في حق التقويم بظاهر الحديث، وكذا سبب العتق للحال ~~موجود وهو ثبوت نسب الولد؛ لأن ذلك يوجب الاتحاد بين الواطئ والموطوءة ~~ويجعلهما نفسا واحدة، فقضيته ثبوت العتق للحال في جميع الأحكام إلا أنه لم ~~يظهر في سائر الأحكام بالإجماع فيظهر في حق سقوط التقوم بخلاف المدبر؛ لأن ~~هناك السبب وهو التدبير أضيف إلى ما بعد الموت؛ لأن التدبير إثبات العتق عن ~~دبر إلا أنه جعل سببا للحال لضرورة ذكرناها في بيع المدبر والثابت بالضرورة ~~يتقيد بقدر الضرورة والضرورة في حرمة البيع لا في سقوط التقوم، وههنا الأمر ~~على القلب من ذلك؛ لأن السبب يقتضي الحكم للحال، والتأخير على خلاف الأصل، ~~والدليل على أنها غير متقومة من حيث إنها مال؛ لأنها لا تسعى لغريم ولا ~~لوارث، ولو كانت متقومة من حيث إنها مال لثبت للغريم حق فيها وللوارث في ~~ثلثها، فيجب أن يسعى في ذلك كالمدبر، والسعاية مبنية على هذا الأصل؛ لأن ~~استسعاء العبد يكون بقيمته، ولا قيمة لأم الولد فلا سعاية عليها. # وأما قوله: إن ملك المولى فيها قائم بعد الاستيلاد، والعصمة قائمة. # فمسلم، لكن قيام الملك والعصمة لا يقتضي التقوم كملك القصاص وملك النكاح ~~وملك الخمر وجلد الميتة، وأما أم ولد النصراني إذا أسلمت فالجواب من وجهين: ~~أحدهما: أنها متقومة في زعمهم واعتقادهم، ونحن أمرنا بتركهم وما يدينون، ~~فإذا دانوا تقويمها يتركون وذلك، ولذلك جعلت خمورهم متقومة كذا هذا، ~~والثاني: أن أم ولد النصراني إذا أسلمت تجعل مكاتبة للضرورة إذ لا يمكن ~~القول بعتقها؛ لأن ملك الذمي ملك محترم فلا يجوز إبطاله عليه، ولا سبيل إلى ~~إبقائها على ملكه يستمتع بها ويستخدمها لما فيه من الاستذلال بالمسلمة، ولا ~~وجه إلى دفع المذلة عنها بالبيع من المسلم لخروجها بالاستيلاد عن محلية ~~البيع، فتجعل مكاتبة وضمان الكتابة ضمان شرط، ولأنه لا يوقف على كون ما ~~يقابله مالا متقوما كما في النكاح والخلع ثم إذا سعت تسعى وهي رقيقة عند ~~أصحابنا الثلاثة وعند زفر تسعى وهي ms2392 حرة، وجه قوله: إن الاستسعاء استذلال ~~بها وهذا لا يجوز، ولنا ما ذكرنا أن في الحكم بعتقها إبطال ملك الذمي عليه، ~~وتتعلق ديونه بذمة المفلس، وملكه معصوم، # PageV04P132 # والاستذلال في الاستمتاع والاستخدام لا في نفس الملك. # ألا ترى أن أمة النصراني إذا أسلمت فكاتبها المولى لا تجبر على البيع؟ ~~وقد خرج الجواب عن الكتابة، وإنما ضمنت بالقتل؛ لأن ضمان القتل ضمان الدم ~~والنفس، وإنها متقومة من هذه الجهة وما ذكر محمد في الإملاء عن أبي حنيفة ~~فذلك ضمان القتل؛ لأنه إذا لم يحفظها حتى هلكت بسبب حادث، فقد تسبب لقتلها، ~~وتجوز كتابتها كما يجوز إعتاقها لما فيه من تعجيل العتق إليها، ولا تشكل ~~الكتابة على أصل أبي حنيفة، أنها معاوضة، ورق أم الولد لا قيمة له، فلا ~~يجوز أن يستحق المولى عليه عوضا؛ لأن صحة المعاوضة لا تقف على كون المعوض ~~مالا أصلا فضلا عن كونه متقوما كما في النكاح والخلع، فإن مات المولى قبل ~~أن تؤدي بدل الكتابة عتقت ولا شيء عليها، أما العتق فلأنها كانت أم ولد، ~~وقد مات مولاها. # وأما العتق بغير شيء فلأن الكتابة قد بطلت؛ لأن الحرية توجهت إليها من ~~وجهين: الاستيلاد، والكتابة فإذا ثبت العتق بأحدهما بطل حكم الآخر، وكذا ~~يجوز إعتاقها على مال وبيعها نفسها حتى إذا قبلت عتقت والمال دين عليها؛ ~~لأن الإعتاق على مال من باب تعجيل الحرية. # وأما الذي يتعلق بما بعد موت المولى فمنها عتقها؛ لأن عتقها كان معلقا ~~شرعا بموت المولى لما روى عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أيما رجل ولدت أمته منه فهي معتقة ~~عن دبر منه» . # وقد روينا عن ابن عباس - رضي الله عنهما - «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال حين ولدت أم إبراهيم - عليه السلام - أعتقها ولدها» ومعلوم أنه ~~لا يثبت حقيقة العتق في حال الحياة، فلو لم يثبت بعد الموت لتعطل الحديث، ~~ولأن سبب ثبوت العتق قد وجد وهو ثبوت نسب الولد ms2393 ولم يعمل في حال الحياة فلو ~~لم يعمل بعد الموت لبطل السبب، ويستوي فيه الموت الحقيقي والحكمي بالردة ~~واللحوق بدار الحرب لما ذكرنا في كتاب التدبير. # وكذا الحربي والمستأمن إذا اشترى جارية في دار الإسلام واستولدها ثم يرجع ~~إلى دار الحرب فاسترق الحربي عتقت الجارية لما ذكرنا في المدبر، وكذا يعتق ~~ولدها الذي ليس من مولاها إذ سرت أمومية الولد إليها على ما بينا؛ لأن ~~الولد يتبع الأم في الرق والحرية. # ومنها أنها تعتق من جميع المال ولا تسعى للوارث ولا للغريم بخلاف المدبرة ~~لما روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «أم الولد لا تباع ~~ولا توهب وهي حرة من جميع المال» وهذا نص، وروينا عن سعيد بن المسيب أنه ~~قال: «أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعتق أمهات الأولاد من غير ~~الثلث، ولا يبعن في دين ولا يجعلن في الثلث» وفي بعض الروايات: «ولا يجعلن ~~في الثلث ولا يستسعين في دين» ، وفي بعضها «أمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بعتق أمهات الأولاد من غير الثلث ولا يبعن في دين» ولأن سبب ثبوت ~~حرية أم الولد هو ثبوت نسب الولد والنسب لا تجامعه السعاية، كذا حرية ~~الاستيلاد ومنها أن ولاءها للمولى؛ لأن الإعتاق منه لما بينا. ### | [فصل في بيان ما يظهر به الاستيلاد] # وأما بيان ما يظهر به الاستيلاد. # فظهوره بإقرار المولى، ثم إن أقر به في حال الصحة أن هذه الجارية قد ولدت ~~منه فقد صارت أم ولده سواء كان معها ولد أو لم يكن؛ لأن الإقرار في حال ~~الصحة لا تهمة فيه فيصح سواء كان معها ولد أو لم يكن، ولهذا لو أعتقها في ~~الصحة يعتبر من جميع المال، وإن كان الإقرار به في مرض موته، فإن كان معها ~~ولد صارت أم ولده أيضا وتعتق من جميع المال إذا مات المولى؛ لأن كون الولد ~~معها دليل الاستيلاد فكان الظاهر شاهدا له فيصح إقراره، ولأن التسبب من ~~الحوائج الأصلية، وتصرف المريض في مرض ms2394 الموت فيما يحتاج إليه حاجة أصلية ~~نافذ كشراء الطعام والكسوة ونحو ذلك، وإن لم يكن معها ولد عتقت من الثلث؛ ~~لأنه متهم في إقراره في حق سائر الورثة، ولم يوجد ما ينفي التهمة وهو الولد ~~وكذا إذا لم يكن معها ولد لا تحتاج إلى التسبب فيصير قوله: هذه أم ولدي ~~كقوله هذه حرة بعد موتي فتعتق بعد موته من الثلث. ### | [كتاب المكاتب] ### | [بيان جواز المكاتبة] # (كتاب المكاتب) : # الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان جواز المكاتبة، وفي بيان ركن ~~المكاتبة، وفي بيان شرائط # PageV04P133 # الركن، وفي بيان ما يملكه المكاتب من التصرفات وما لا يملكه، وفي بيان ما ~~يملكه المولى من التصرف في المكاتب وما لا يملكه، وفي بيان صفة المكاتبة، ~~وفي بيان حكم المكاتبة، وفي بيان ما تنفسخ به المكاتبة. # أما الأول: فالقياس أن لا تجوز المكاتبة لما فيها من إيجاب الدين للمولى ~~على عبده، وليس يجب للمولى على عبده دين، وفي الاستحسان جائز بالكتاب ~~والسنة وإجماع الأمة. # أما الكتاب فقوله عز وجل {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] ~~وأدنى درجات الأمر الندب. # فكانت الكتابة مندوبا إليها فضلا عن الجواز، وقوله عز وجل {إن علمتم فيهم ~~خيرا} [النور: 33] أي رغبة في إقامة الفرائض، وقيل: وفاء لأمانة الكتابة، ~~وقيل: حرفة. # وروي هذا «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في قوله عز وجل ~~خيرا أي حرفة» ولا ترسلوهم كلابا على الناس. # وأما السنة فما روى محمد بن الحسن بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن ~~جده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «أيما عبد كوتب على مائة ~~أوقية فأداها كلها إلا عشر أواق فهو رقيق» وقال - صلى الله عليه وسلم - ~~«المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» وروي «أن عائشة - رضي الله عنها - كاتبت ~~بريرة بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر عليها» وعليه إجماع ~~الأمة، وبه تبين أن قول داود بن علي الأصفهاني أن الكتابة واجبة قول مخالف ~~للإجماع، وإن تعلقه بظاهر ms2395 الأمر لا يصح؛ لأن الأمة من لدن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا يتركون مماليكهم بعد موتهم ميراثا لورثتهم ~~من غير نكير، فعلم أن ليس المراد من هذا الأمر الوجوب. # وأما الجواب عن وجه القياس إن المولى لا يجب له على عبده دين. # فهذا على الإطلاق ممنوع، وإنما نسلم ذلك في العبد القن لا في المكاتب ~~والمستسعى؛ لأن كسب القن ملك المولى، وكسب المكاتب والمستسعى ملكهما لا حق ~~للمولى فيه؛ فكان المولى كالأجنبي عن كسب المكاتب، فأمكن إيجاب الدين ~~للمولى عليه. ### | [فصل في بيان ركن المكاتبة] # (فصل) : # وأما ركن المكاتبة فهو الإيجاب من المولى والقبول من المكاتب أما ~~الإيجاب: فهو اللفظ الدال على المكاتبة، نحو قول المولى لعبده: كاتبتك على ~~كذا. # سواء ذكر فيه حرف التعليق بأن يقول: على أنك إن أديت إلي فأنت حر أو لم ~~يذكر عندنا وعند الشافعي لا يتحقق الركن بدون حرف التعليق، وهو أن يقول: ~~كاتبتك على كذا على أنك إن أديت إلي فأنت حر. # بناء على أن معنى المعاوضة أصل في الكتابة، ومعنى التعليق فيها ثابت ~~عندنا، والعتق عنده الأداء يثبت من حيث المعاوضة لا من حيث التعليق بالشرط، ~~وعنده معنى التعليق فيها أصل أيضا، والعتق ثبت من حيث التعليق فلا بد من ~~حرف التعليق، وما قلناه أولى بدليل أنه لو أبرأه عن بدل الكتابة يعتق، ولو ~~كان ثبوت العتق فيها من طريق التعليق بالشرط لما عتق لعدم الشرط، وهو ~~الأداء، وكذا لو قال لعبده: أنت حر على ألف تؤديها إلي نجوما في كل شهر كذا ~~فقبل أو قال: إذا أديت لي ألف درهم كل شهر منها كذا فأنت حر. # فقبل أو قال: جعلت عليك ألف درهم تؤديها إلي نجوما كل نجم كذا، فإذا أديت ~~فأنت حر، وإن عجزت فأنت رقيق وقبل ونحو ذلك من الألفاظ؛ لأن العبرة في ~~العقود إلى المعاني لا للألفاظ وأما القبول فهو أن يقول العبد: قبلت أو ~~رضيت، وما أشبه ذلك فإذا وجد الإيجاب والقبول فقد ms2396 تم الركن ثم الحاجة إلى ~~الركن فيمن يثبت حكم العقد فيه مقصودا لا تبعا؛ كالولد المولود في الكتابة ~~والولد المشترى والوالدين على ما نذكر؛ لأن الاتباع كما لا يفرد بالشروط لا ~~يفرد بالأركان لما فيه من قلب الحقيقة، وهو جعل التبع متبوعا وهذا لا يجوز. ### | [فصل في شرائط ركن المكاتبة وبعضها يرجع إلى المولى] # (فصل) : # وأما شرائط الركن فأنواع: بعضها يرجع إلى المولى، وبعضها يرجع إلى ~~المكاتب، وبعضها يرجع إلى بدل الكتابة، وبعضها يرجع إلى نفس الركن ثم بعضها ~~شرط الانعقاد، وبعضها شرط النفاذ، وبعضها شرط الصحة أما. # الذي يرجع إلى المولى فمنها العقل، وأنه شرط الانعقاد، فلا تنعقد ~~المكاتبة من الصبي الذي لا يعقل والمجنون. # ومنها البلوغ وهي شرط النفاذ حتى لا تنفذ الكتابة من الصبي العاقل، وإن ~~كان حرا أو مأذونا في التجارة من قبل المولى أو الوصي؛ لأن المكاتبة ليست ~~بتجارة إذ التجارة مبادلة المال بالمال، والمكاتبة ليست كذلك، وليست من ~~توابع التجارة ولا من ضروراتها، ولهذا لا يملكها العبد المأذون، والشريك ~~شركة العنان لما قلنا. # وله أن يكاتب عبده بإذن أبيه أو وصيه # PageV04P134 # لأن الأب والوصي يملكان العقد بأنفسهما فيملكان الإذن به للصبي إذا كان ~~عاقلا. # ومنها الملك والولاية، وهذا شرط نفاذ؛ لأن المكاتبة فيها معنى المعاوضة ~~والتعليق. # وكل واحد منهما عند الانفراد لا يصح بدون الملك والولاية فكذا عند ~~الاجتماع، فلا تنفذ المكاتبة من الفضولي لانعدام الملك والولاية، وتنفذ من ~~الوكيل؛ لأنه نائب الموكل فكان تصرفه تصرف الموكل، وكذا من الأب والوصي ~~استحسانا والقياس أن لا تنفذ، وجه القياس أن المكاتبة تصرف يفضي إلى العتق، ~~وهما لا يملكان الإعتاق لا بغير بدل ولا ببدل كالإعتاق على مال، وبيع نفس ~~العبد منه، وجه الاستحسان أن المكاتبة من باب اكتساب المال، ولهما ولاية ~~اكتساب المال كالبيع والإجارة بخلاف الإعتاق على مال وبيع نفس العبد منه؛ ~~لأن ذلك ليس من باب الاكتساب بل هو من باب الإعتاق؛ لأن العبد يعتق بنفس ~~القبول فيبقى المال دينا في ذمة المفلس، ms2397 فإن أقر الأب أو الوصي بقبض بدل ~~الكتابة، فإن كانت الكتابة معروفة ظاهرة بمحضر الشهود يصدق ويعتق المكاتب؛ ~~لأنه أمين في قبض الكتابة، فكان مصدقا؛ كالوكيل بالبيع إذا باع ثم أقر بقبض ~~الثمن، وإن لم تكن معروفة لم يجز إقراره، ولا يعتق العبد؛ لأن الكتابة إذا ~~لم تكن ظاهرة كان ذلك منه إقرارا بالعتق، وإقرار الأب أو الوصي بعتق عبد ~~اليتيم لا يجوز، وإذا كانت الكتابة ظاهرة كان ذلك منه إقرارا باستيفاء ~~الدين، فيصح إقراره ولو كاتب الأب أو الوصي ثم أدرك الصبي فلم يرض بالكتابة ~~فالمكاتبة ماضية إلا أنه ليس للوصي ولا للأب أن يقبض بدل الكتابة؛ لأنه ~~إنما كان يملك القبض بولايته لا بمباشرة العقد؛ لأن حقوق العقد في المكاتبة ~~يرجع إلى من عقد له لا إلى العاقد، وقد زالت ولايته بالبلوغ، بخلاف الوصي ~~إذا باع شيئا ثم أدرك اليتيم أن له أن يقبض؛ لأن حقوق البيع وكل عقد هو ~~مبادلة المال بالمال يرجع إلى العاقد، هذا إذا كانت الورثة صغارا، فإن ~~كانوا كبارا لا يجوز للوصي أن يكاتب ولا للأب؛ لزوال ولايتهما بالبلوغ سواء ~~كانوا حضورا أو غيبا؛ لأن الموجب لزوال الولاية لا يختلف، وهذا بخلاف ~~البيع؛ لأن الوارث الكبير إذا كان غائبا أن للأب والوصي أن يبيع المنقول؛ ~~لأن بيع المنقول من باب الحفظ؛ لأن حفظ ثمنه أيسر من حفظ عينه، ولهما ولاية ~~الحفظ وليس في الكتابة حفظ فلا يملكانها، وإن كان الورثة صغارا وكبارا ذكر ~~في الأصل أنه لا يجوز، ثم اختلف في هذا الإطلاق قال بعضهم: معناه أنه لا ~~يجوز في نصيب الكبار. # وأما في نصيب الصغار فجائز وقال بعضهم: معناه أنه لا يجوز في نصيب الكبار ~~والصغار جميعا؛ لأنه إذا لم يجز في نصيب الكبار لم يكن في جوازه في نصيب ~~الصغار فائدة؛ لأن لهم أن يفسخوا العقد وصار كعبد بين اثنين أنه يمنع ~~أحدهما عن كتابة نصيبه إلا برضا شريكه؛ لأنه لو فعل بغير إذن شريكه كان ~~لشريكه أن يفسخ فلم يكن ms2398 فيه فائدة كذا هذا، ولو كان على الميت دين فكاتب ~~الوصي عبده من تركته لم يجز كذا ذكر في الأصل ولم يفصل بين ما إذا كان ~~الدين محيطا بالتركة وبين ما إذا لم يكن محيطا بها، منهم من أجرى المذكور ~~في الأصل على إطلاقه وقال: لا تجوز مكاتبته، سواء كان الدين محيطا بالتركة ~~أو لم يكن أما إذا كان محيطا بالتركة فلأن حق الغرماء يكون متعلقا بها، ~~والمكاتبة تتضمن إبطال حقهم؛ لأنها لو صحت لصارت حقوقهم منجمة مؤجلة، ~~وحقوقهم معجلة فلا يملك تأجيلها بالكتابة، وإن كان غير محيط بالتركة فكذلك؛ ~~لأن ذلك القدر من الدين يتعلق بالتركة مطلقا وتبطل الكتابة؛ لأن ذلك القدر ~~من الدين يتأجل تسليمه فيتضرر به الغريم إلا أن يختار استيفاءه من غيرها ~~فيجوز؛ لأن عدم الجواز لحق الغريم، فإذا استوفى من محل آخر فقد زال حقه ~~فزال المانع بين الجواز، وذكر القدوري أن المسألة محمولة على ما إذا كان ~~للميت غير العبد أو غير القدر الذي يقضي به الدين. # فأما إذا لم يكن الدين محيطا بالتركة يجوز له ذلك؛ لأنه إذا كان هناك مال ~~آخر يقضي به الدين فحق الغرماء لا يتعلق بعين العبد؛ لأن التعليق بحاجتهم ~~إلى استيفاء دينهم، وأنه يحصل بدونه؛ لأنه لو تعلق قليل الدين بجملة التركة ~~لأدى إلى الحرج؛ لأن التركة قلما تخلو عن قليل الدين ولا يجوز لأحد الوصيين ~~أن يكاتب بغير إذن صاحبه في قول أبي حنيفة ومحمد ويجوز في قول أبي يوسف، ~~وأصل المسألة أنه هل لأحد الوصيين أن يتصرف في مال اليتيم بغير إذن صاحبه؟ ~~فهو على الخلاف الذي ذكرنا، وهي من مسائل كتاب الوصايا ولوصي الوصي أن ~~يكاتب # PageV04P135 # لأنه قائم مقام الوصي وسواء كان المملوك محجورا أو مأذونا بالتجارة وعليه ~~دين أو لا دين عليه؛ لأن الدين لا يوجب زوال الملك عنه، فتنفذ المكاتبة إلا ~~أنه إذا كان عليه دين محيط أو غير محيط فللغرماء أن يردوا المكاتبة؛ لأن ~~لهم حق الاستيفاء من رقبته، وهو بالمكاتبة أراد ms2399 إبطال حقهم فكان لهم أن ~~ينقضوا كما لو باعه وعليه دين محيط أو غير محيط أن البيع ينفذ لكن للغرماء ~~أن ينقضوا إلا إذا كان قضى المولى دينهم من مال آخر قبل أن ينقضوا، فليس ~~لهم أن ينقضوا، ومضت المكاتبة؛ لأنها وقعت جائزة لوقوعها في الملك إلا أنه ~~كان للغرماء النقض لقيام حقهم فإذا قضى دينهم فقد زال حقهم فبقيت جائزة، ~~ولا يرجع المولى بما قضى من الدين على المكاتب؛ لأنه بقضاء الدين أصلح ~~مكاتبته فكان عاملا لنفسه، وكذا لو أبى المولى أن يؤدي الدين، وأداه الغلام ~~عاجلا مضت المكاتبة لما قلنا، ولا يرجع العبد على المولى بما أدى لما قلنا، ~~فإن كان المولى أخذ البدل ثم علم الغرماء بذلك فلهم أن يأخذوا من المولى ما ~~أخذ من بدل الكتابة؛ لأنه كسب العبد المديون وأنه يؤخذ من المولى، والعتق ~~واقع إما من طريق المعاوضة لسلامة العوض للمولى، وإما من طريق التعليق ~~بالشرط لوجود الشرط وهو أداء بدل الكتابة، والعتق بعد وقوعه لا يحتمل النقض ~~فإن بقي من دينهم شيء كان لهم أن يضمنوا المولى قيمته؛ لأنه أبطل حقهم في ~~قدر قيمة العبد حيث منعهم عن بيعه بوقوع العتق، ولهم أن يبيعوا العبد ببقية ~~دينهم؛ لأن الدين كان ثابتا في ذمته متعلقا برقبته وقد بطلت الرقبة بالحرية ~~فبقيت الذمة، فكان لهم أن يبيعوه ولا يرجع المولى على العبد بما أخذ منه من ~~بدل الكتابة؛ لأن المولى حين كاتبه كانت رقبته مشغولة بالدين فكانت مكاتبته ~~إياه مع علمه أن الغرماء أحق منه بكسبه دلالة الرضا بما أخذ منه، ولو كان ~~العبد مرهونا أو مؤاجرا فكاتبه، وقفت المكاتبة على إجازة المرتهن ~~والمستأجر، فإن أجازا جاز، وإن فسخا هل تنفسخ بفسخهما؟ فهو على ما نذكر في ~~البيوع والإجارات إن شاء الله تعالى وسواء كان المملوك قنا أو غيره، حتى لو ~~كانت مدبرة أو أم ولد، جازت المكاتبة لقيام الملك، إذ التدبير والاستيلاد ~~لا يزيلان الملك وهما من باب استعجال الحرية فإن أديا وعتقا فقد ms2400 مضى الأمر، ~~وإن مات المولى قبل الأداء عتقا؛ لأنهما يعتقان بموت السيد هذا إذا كانا ~~يخرجان من الثلث فإن كانا لا يخرجان من الثلث فأم الولد تعتق من غير اعتبار ~~الثلث ولا تسعى. # وأما المدبر فله الخيار في قول أبي حنيفة إن شاء سعى في جميع الكتابة وإن ~~شاء سعى في ثلثي القيمة، إذا كان لا مال له غيره، فإن اختار الكتابة سعى ~~على النجوم، وإن اختار السعاية في ثلثي قيمته يسعى حالا، وعند أبي يوسف ~~ومحمد لا خيار له، لكن عند أبي يوسف يسعى في الأقل من جميع الكتابة ومن ~~ثلثي القيمة، وعند محمد يسعى في الأقل من ثلثي الكتابة ومن ثلثي القيمة وقد ~~ذكرنا المسألة في كتاب الاستيلاد. # ومنها الرضا وهو من شرائط الصحة فلا تصح المكاتبة مع الإكراه والهزل ~~والخطأ؛ لأنها من التصرفات التي تحتمل الفسخ فيفسدها الكره والهزل والخطأ؛ ~~كالبيع ونحوه. # وأما حرية المكاتب فليست من شرائط جواز المكاتبة، فتصح مكاتبة المكاتب ~~لما نذكر إن شاء الله تعالى وكذا إسلامه فتجوز مكاتبة الذمي عبده الكافر؛ ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - «فإذا قبلوا عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما ~~للمسلمين وعليهم ما على المسلمين» وللمسلمين أن يكاتبوا عبيدهم، فكذا لأهل ~~الذمة، ولأن المكاتبة مشتملة على معنى المعاوضة والتعليق، وكل واحد منهما ~~يملكه الذمي حالة الانفراد، وكذا عند الاجتماع، والذمي إذا ابتاع عبدا ~~مسلما فكاتبه فهو جائز، وهذا فرع أصلنا في شراء الكافر العبد المسلم أنه ~~جائز إلا أنه يجبر على بيعه # صيانة له # عن الاستذلال باستخدام الكافر إياه، والصيانة تحصل بالكتابة لزوال ولاية ~~الاستخدام بزوال يده عنه بالمكاتبة. # وأما مكاتبة المرتد فموقوفة في قول أبي حنيفة، فإن قتل أو مات على الردة ~~أو لحق بدار الحرب بطلت، وإن أسلم نفذت، وعندهما هي نافذة وهي من مسائل ~~السير، والله عز وجل الموفق. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى المكاتبة] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المكاتبة فأنواع أيضا منها: أن لا يكون فيه خطر العدم ~~وقت المكاتبة، وهو شرط ms2401 الانعقاد، حتى لو كاتب ما في بطن جاريته لم ينعقد؛ ~~لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع فيه غرر والمكاتبة فيها معنى ~~البيع. # ومنها أن يكون عاقلا، وهو من شرائط الانعقاد حتى لو كاتب عبدا له مجنونا ~~أو صغيرا لا يعقل لا تنعقد مكاتبته # PageV04P136 # لأن القبول أحد شطري الركن، وأهلية القبول لا تثبت بدون العقل؛ لأن ما هو ~~المقصود من هذا العقد وهو الكسب لا يحصل منه. # فإن كاتبه فأدى البدل عنه رجل فقبله المولى لا يعتق؛ لأن العتق لا ينعقد ~~بدون القبول، ولم يوجد، فكان أداء الأجنبي أداء من غير عقد فلا يعتق وله أن ~~يسترد ما أدى؛ لأنه أداه بدلا عن العتق ولم يسلم العتق، ولو قبل عنه الرجل ~~الكتابة ورضي المولى لم يجز أيضا؛ لأن الرجل قبل الكتابة من غيره، من غير ~~رضاه، ولا يجوز قبول الكتابة من غيره بغير رضاه، وهل يتوقف على إجازة العبد ~~بعد البلوغ؟ ذكر القدوري أنه لا يتوقف، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي ~~أنه يتوقف والصحيح ما ذكره القدوري؛ لأن تصرف الفضولي إنما يتوقف على ~~الإجازة إذا كان له مجيز وقت التصرف، وههنا لا مجيز له وقت وجوده إذ الصغير ~~ليس من أهل الإجازة فلا يتوقف بخلاف ما إذا كان العبد كبيرا غائبا فجاء رجل ~~وقبل الكتابة عنه ورضي المولى، أن الكتابة تتوقف على إجازة العبد؛ لأنه من ~~أهل الإجازة وقت قبول الفضولي عنه، فكان له مجيزا وقت التصرف فتوقف. # فلو أدى القابل عن الصغير إلى المولى، ذكر في الأصل أنه يعتق استحسانا، ~~وجعله بمنزلة قوله: إذا أديت إلي كذا فعبدي حر. # وقال: وهذا والكبير سواء والقياس أن لا يعتق؛ لأن المكاتبة على الصغير لم ~~تنعقد؛ لأنه ليس من أهل القبول فيبقى الأداء بغير مكاتبة، فلا يعتق، وجه ~~الاستحسان أن المكاتبة فيها معنى المعاوضة ومعنى التعليق، والمولى إن كان ~~لا يملك إلزام العبد العوض يملك تعليق عتقه بالشرط، فيصح من هذا الوجه. # ويتعلق العتق بوجود الشرط، وكذا إذا كان العبد ms2402 كبيرا غائبا فقبل الكتابة ~~عنه فضولي وأداها إلى المولى يعتق استحسانا، وليس للقابل استرداد المؤدى، ~~والقياس أن لا يعتق وله أن يسترد لما قلنا، هذا إذا أدى الكل فإن أدى البعض ~~فله أن يسترد قياسا واستحسانا؛ لأنه إنما أدى ليسلم العتق، والعتق لا يسلم ~~بأداء بعض بدل الكتابة فكان له أن يسترد إلا إذا بلغ العبد فأجاز قبل أن ~~يسترد القابل فليس له أن يسترد بعد ذلك؛ لأن بالإجازة استند جواب العقد إلى ~~وقت وجوده والأداء حصل عن عقد جائز فلا يكون له الاسترداد، فلو أن العبد ~~عجز عن أداء الباقي ورد في الرق فليس له أن يسترد أيضا، وإن رد العبد في ~~الرق؛ لأن المكاتبة لا تنفسخ بالرد في الرق بل تنتهي في المستقبل فكان حكم ~~العقد قائما في القدر المؤدى فلا يكون له الاسترداد، بخلاف باب البيع بأن ~~من باع شيئا ثم تبرع إنسان بأداء الثمن ثم فسخ البيع بالرد بالعيب أو بوجه ~~من الوجوه أن للمتبرع أن يسترد ما دفع؛ لأن الدفع كان بحكم العقد وقد انفسخ ~~ذلك العقد، وكذلك لو تبرع رجل بأداء المهر عن الزوج ثم ورد الطلاق قبل ~~الدخول أنه يسترد منها النصف؛ لأن الطلاق قبل الدخول فسخ من وجه، ولو كانت ~~الفرقة من قبلها قبل الدخول بها فله أن يسترد منها كل المهر، ولا يكون ~~المهر للزوج بل يكون للمتبرع لانفساخ النكاح، هذا كله إذا أدى القابل فلو ~~امتنع القابل عن الأداء لا يطالب بالأداء إلا إذا ضمن، فحينئذ يؤخذ به بحكم ~~الضمان. # فأما بلوغه فليس بشرط حتى لو كاتبه وهو يعقل البيع والشراء جازت المكاتبة ~~ويكون كالكبير في جميع أحكامه عندنا، خلافا للشافعي؛ لأن المكاتبة إذن في ~~التجارة وإذن الصبي العاقل بالتجارة صحيح عندنا خلافا له، وهي من مسائل ~~المأذون. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى بدل الكتابة] # وأما الذي يرجع إلى بدل الكتابة فمنها أن يكون مالا، وهو شرط الانعقاد ~~فلا تنعقد المكاتبة على الميتة والدم؛ لأنهما ليسا بمال في حق ms2403 أحد، لا في ~~حق المسلم ولا في حق الذمي. # ألا ترى أن المشتري بهما لا يملك وإن قبض؟ ولا تنعقد عليهما المكاتبة حتى ~~لا يعتق، وإن أدى لأن التصرف الباطل لا حكم له فكان ملحقا بالعدم إلا إذا ~~كان قال: علي أنك إن أديت إلي فأنت حر فأدى فإنه يعتق بالشرط، وإذا عتق ~~بالشرط لا يرجع المولى عليه بقيمته؛ لأن هذا ليس بمكاتبة إنما هو إعتاق ~~معلق بالشرط بمنزلة قوله: إن دخلت الدار فأنت حر. # ومنها أن يكون متقوما، وأنه من شرائط الصحة فلا تصح مكاتبة المسلم عبده ~~المسلم أو الذمي على الخمر أو الخنزير، ولا مكاتبة الذمي عبده المسلم على ~~الخمر والخنزير؛ لأن الخمر وإن كان مالا في حق المسلمين فهي غير متقومة في ~~حقهم، فانعقدت المكاتبة على الفساد، فإن أدى يعتق وعليه قيمة نفسه؛ لأن هذا ~~حكم المكاتبة الفاسدة على ما نذكر في بيان حكم المكاتبة. # أما الذمي فتجوز مكاتبته عبده الكافر على # PageV04P137 # خمر أو خنزير؛ لأن ذلك مال متقوم عندهم كالخل والشاة عندنا، فإن كاتب ذمي ~~عبدا له كافرا على خمر فأسلم أحدهما، فالمكاتبة ماضية وعلى العبد قيمة ~~الخمر؛ لأن المكاتبة وقعت صحيحة لكون الخمر مالا متقوما في حقهم إلا أنه ~~إذا أسلم أحدهما فقد تعذر التسليم أو التسلم؛ لأن المسلم منهي عن ذلك فتجب ~~قيمتها، ولا ينفسخ العقد بخلاف ما إذا اشترى الذمي من ذمي شيئا بخمر ثم ~~أسلم أحدهما قبل قبض ثمن الخمر أن البيع يبطل، وههنا لا تبطل المكاتبة؛ لأن ~~عقد المكاتبة مبناه على المساهلة والمسامحة نظرا للعبيد إيصالا لهم إلى شرف ~~الحرية، فلا ينفسخ بتعذر تسليم المسمى أو تسلمه بل يصار إلى بدله. # فأما البيع فعقد مماكسة ومضايقة لا تجري فيه من السهولة ما يجري في ~~المكاتبة فينفسخ عند تعذر تسليم عين المسمى ويرتفع، وإذا ارتفع لا يتصور ~~تسليم القيمة مع ارتفاع سبب الوجوب. # ومنها أن يكون معلوم النوع والقدر وسواء كان معلوم الصفة أو لا، وهو من ~~شرائط الانعقاد، فإن كان مجهول ms2404 القدر أو مجهول النوع لم ينعقد. # وإن كان معلوم النوع والقدر مجهول الصفة جازت المكاتبة، والأصل أن ~~الجهالة متى فحشت منعت جواز المكاتبة، وإلا فلا، وجهالة النوع والقدر جهالة ~~فاحشة، وجهالة الصفة غير فاحشة، فإنه روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه أجاز ~~المكاتبة على الوصفاء بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - فيكون إجماعا على ~~الجواز. # والإجماع على الجواز إجماع على سقوط اعتبار هذا النوع من الجهالة في باب ~~الكتابة، وبيان هذا الأصل في مسائل: إذا كاتب عبده على ثوب أو دابة أو ~~حيوان أو دار لم تنعقد حتى لا يعتق، وإن أدى؛ لأن الثوب والدار والحيوان ~~مجهول النوع لاختلاف أنواع كل جنس وأشخاصه اختلافا متفاحشا، وكذا الدور ~~تجري مجرى الأجناس المختلفة لتفاحش التفاوت بين دار ودار في الهيئة ~~والتقطيع وفي القيمة باختلاف المواضع من البلدان والمحال والسكك، ولهذا ~~منعت هذه الجهالة صحة التسمية والإعتاق على مال والنكاح والخلع والصلح عن ~~دم العمد فصارت هذه الأشياء لكثرة التفاوت في أنواعها وأشخاصها بمنزلة ~~الأجناس المختلفة، فيصير كأنه كاتبه على ثوب أو دابة أو حيوان أو دار فأدى ~~طعاما، ولو كان كذلك لا يعتق، وإن أدى أعلى الثياب والدواب والدور بخلاف ما ~~إذا كاتبه على قيمة فأدى القيمة أنه يعتق؛ لأن التفاوت بين القيمتين لا ~~يلحقهما بجنسين فكانت جهالة القيمة مفسدة للعقد لا مبطلة له، وإن كاتبه على ~~ثوب هروي أو عبد أو جارية أو فرس جازت المكاتبة؛ لأن الجهالة ههنا جهالة ~~الوصف، أنه جيد أو رديء أو وسط، وأنها لا تمنع صحة التسمية كما في النكاح ~~والخلع، والأصل أن الحيوان يثبت دينا في الذمة في مبادلة المال بغير المال ~~كما في النكاح ونحوه، فتصح التسمية ويقع على الوسط كما في باب الزكاة ~~والدية والنكاح، وكذا لو كاتبه على وصيف يجوز، ويقع على الوسط، ولو جاء ~~العبد بقيمة الوسط في هذه المواضع يجبر المولى على القبول كما في النكاح ~~والخلع ونحوهما، ولو كاتبه على لؤلؤة أو ياقوتة لم ينعقد؛ لأن الجهالة ~~متفاحشة، ms2405 ولو كاتبه على كر حنطة أو ما أشبه ذلك من المكيل والموزون ولم يصف ~~يجوز وعليه الوسط من جنسه؛ لأنه ثبت دينا في الذمة في مبادلة المال بالمال ~~إذا كان موصوفا، ويثبت في مبادلة ما ليس بمال بمال وإن لم يكن موصوفا ~~كالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد والإعتاق على مال، والمكاتبة معاوضة ما ~~ليس بمال بمال في جانب المولى فتجوز المكاتبة عليه، ويجب الوسط، ولو كاتبه ~~على حكمه أو على حكم نفسه لم تنعقد؛ لأن الجهالة ههنا أفحش من جهالة النوع ~~والقدر؛ لأن البدل هناك مسمى، ولا تسمية للبدل ههنا رأسا فكانت الجهالة ~~أكثر، وإلى هذا أشار في الأصل فقال: أرأيت لو حكم المولى عليه بملء الأرض ~~ذهبا كان يلزمه؟ أو حكم العبد على نفسه بفلس هل كان يعتق؟ فلم ينعقد العقد ~~أصلا فلا يعتق بالحكم، وإن كاتب على ألف درهم إلى العطاء أو إلى الدياس أو ~~إلى الحصاد أو نحو ذلك مما يعرف من الأجل جاز استحسانا، والقياس أن لا ~~يجوز؛ لأن الأجل مجهول وجهالة الأجل تبطل البيع فتبطل المكاتبة، وجه ~~الاستحسان أن الجهالة لم تدخل في صلب العقد؛ لأنها لا ترجع إلى البدل وإنما ~~دخلت في أمر زائد، ثم هي غير متفاحشة فلا توجب فساد المكاتبة كجهالة الوصف ~~بخلاف البيع إلى هذه الأوقات، أنه يفسد؛ لأن الجهالة لا توجب فساد العقد ~~لذاتها بل لإفضائها إلى المنازعة، والمنازعة قلما تجري في هذا القدر في ~~المكاتبة؛ لأن مبناها على المسامحة، # PageV04P138 # بخلاف البيع فإن مبناه على المماكسة فيفضي إلى المنازعة، ولهذا جازت ~~الكفالة إلى هذه الأوقات، ولم يجز تأجيل الثمن إليها في البيع، بخلاف ~~المكاتبة إلى مجيء المطر وهبوب الريح؛ لأنه ليس لذلك وقت معلوم ففحشت ~~الجهالة. # فإن كاتبه إلى العطاء فأخر العطاء فإن الأجل يحل في مثل الوقت الذي كان ~~يخرج فيه العطاء؛ لأن المراد به العرف والعادة وقت العطاء لا عين العطاء، ~~وكذا في الحصاد والدياس، ولو كاتبه على قيمته فالمكاتبة فاسدة؛ لأن القيمة ~~تختلف بتقويم المقومين فكان ms2406 البدل مجهول القدر، وإنه مجهول جهالة فاحشة، ~~ولهذا منعت صحة التسمية في باب النكاح حتى عدل إلى مهر المثل فتمنع صحة ~~المكاتبة بل أولى؛ لأن النكاح يجوز بدون تسمية البدل ولا جواز للمكاتبة من ~~غير تسمية البدل، فلما لم تصح تسمية القيمة هناك فلأن لا تصح ههنا أولى، ~~ولأن جهالة القيمة موجب للعقد الفاسد فكان ذكرها نصا على الفساد، بخلاف ما ~~إذا كاتبه على عبد؛ لأن جهالة العبد جهالة الوصف، أي جيد أو رديء أو وسط، ~~فعند الإطلاق يقع على الوسط والوسط معلوم عندهم، ألا ترى أن أبا حنيفة جعل ~~قيمة الوسط أربعين دينارا. # فأما المكاتبة على القيمة فليست بمكاتبة على بدل معلوم عند الناس عند ~~إطلاق الاسم، فصار كما لو كاتبه على ألف أو على ألفين. # غير أنه إذا أدى القيمة عتق؛ لأن العقد الفاسد له حكم في الجملة عندنا ~~كالبيع الفاسد إذا اتصل به القبض، والنكاح الفاسد إذا اتصل به الدخول، حتى ~~يثبت الملك في البيع، وتجب العدة والعقر ويثبت النسب في النكاح، وكذا ~~المكاتبة الفاسدة، ولو قال كاتبتك على دراهم فالمكاتبة باطلة ولو أدى ثلاثة ~~دراهم لا يعتق؛ لأن البدل مجهول جهالة متفاحشة وليس للدراهم وسط معلوم حتى ~~يقع عليه الاسم بخلاف ما إذا قال أعتقتك على دراهم فقبل العبد عتق وتلزمه ~~قيمة نفسه؛ لأن العتق هناك وقع بالقبول، والجهالة متفاحشة فلزمه قيمة نفسه، ~~ولو كاتبه على أن يخدمه شهرا فهو جائز استحسانا، والقياس أن لا يجوز، وجه ~~القياس أن الخدمة مجهولة؛ لأنها مختلفة ولا يدري في أي شيء يستخدمه وأنه ~~يستخدمه في الحضر أو في السفر، وجهالة البدل تمنع صحة الكتابة، وجه ~~الاستحسان أن الخدمة المطلقة تنصرف إلى الخدمة المعهودة فتصير معلومة ~~بالعادة، وبحال المولى أنه في أي شيء يستخدمه وبحال العبد أنه لأي شيء يصلح ~~فصار كما لو عينها نصا، ولهذا جازت الإجارة على هذا الوجه فالمكاتبة أولى؛ ~~لأنها أقبل للجهالة من الإجارة ولو كاتبه على أن يخدم رجلا شهرا فهو جائز ~~في القياس، كذا ms2407 ذكره في الأصل ولم يرد به قياس الأصل؛ لأن ذلك يقتضي أن لا ~~يجوز لما ذكرنا وإنما أراد به القياس على الاستحسان الذي ذكرنا ويجوز ~~القياس على موضع الاستحسان، إذا كان الحكم في الاستحسان معقول المعنى كقياس ~~الجماع ناسيا على قياس الأكل والشرب ناسيا، ولأن المنافع أموال في العقود، ~~وأنها تصير معلومة بذكر المدة، فلا فرق بين أن يستأجر رجلا ليخدمه أو ليخدم ~~غيره، وكذلك لو كاتبه على أن يحفر بئرا قد سمى له طولها وعمقها ومكانها، أو ~~على أن يبني له دارا آجرها وجصها وما يبني بها؛ لأنه كاتبه على بدل معلوم، ~~ألا ترى أن الإجارة عليه جائزة؟ فالكتابة أولى، ولو كاتبه على أن يخدمه ولم ~~يذكر الوقت فالكتابة فاسدة؛ لأن البدل مجهول. # ومنها ألا يكون البدل ملك المولى وهو شرط الانعقاد حتى لو كاتبه على عين ~~من أعيان مال المولى لم يجز؛ لأنه يكون مكاتبة بغير بدل في الحقيقة فلا ~~يجوز، كما إذا باع داره من إنسان بعبد هو لصاحب الدار، أنه لا يجوز البيع؛ ~~لأنه يكون بيعا بغير ثمن في الحقيقة كذا هذا. # وكذا لو كاتبه على ما في يد العبد من الكسب وقت المكاتبة؛ لأن ذلك مال ~~المولى فيكون مكاتبة على مال المولى فلم يجز. # وأما كون البدل دينا فهل هو شرط جواز الكتابة بأن كاتبه على شيء بعينه من ~~عبد أو ثوب أو دار أو غير ذلك مما يتعين بالتعيين وهو ليس من أعيان مال ~~المولى ولا كسب العبد ولكنه ملك أجنبي وهو معين مشار إليه. # ذكر في كتاب المكاتب إذا كاتب عبده على عبد بعينه لرجل لم يجز، ولم يذكر ~~الخلاف وذكر في كتاب الشرب إذا كاتبه على أرض لرجل جاوز ولم يذكر الخلاف، ~~وذكر ابن سماعة الخلاف فقال: لا يجوز عند أبي حنيفة، ويجوز عند أبي يوسف، ~~وعند محمد: إن أجاز صاحبه جاز وإلا لم يجز، وإطلاق رواية كتاب المكاتب ~~يقتضي أن لا يجوز أجاز أو لم يجز، وإطلاق رواية كتاب الشرب يقتضي ms2408 الجواز ~~أجاز أو لم يجز، ولأنه لما جاز عند عدم الإجازة فعند الإجازة أولى ويجوز أن ~~يكون قول محمد # PageV04P139 # تفسيرا للروايتين المبهمتين، فتحمل رواية كتاب المكاتب على حال عدم ~~الإجازة ورواية كتاب الشرب على حال الإجازة، وجه رواية كتاب المكاتب أنه ~~كاتبه على مال لا يملك؛ لأنه كاتبه على عبد هو ملك الغير فلا يجوز، وبه علل ~~في الأصل فقال: لأنه كاتبه على ما لا يملك؛ لأنه كاتبه على ملك الغير، وشرح ~~هذا التعليل أن المكاتبة عقد وضع لإكساب المال، والعبد لا يقدر على إكساب ~~هذا العين لا محالة؛ لأن مالك العبد قد يبيعه وقد لا يبيعه، فلا يحصل ما ~~وضع له العقد، ولأنا لو قضينا بصحة هذه المكاتبة لفسدت من حيث تصح؛ لأنه ~~إذا كاتبه على عبد هو ملك الغير ولم يجز المالك فقد تعذر عليه التسليم فكان ~~موجبها وجوب قيمة العبد، فيصير كأنه كاتبه على قيمة عبد فيفسد من حيث يصح، ~~وما كان في تصحيحه إفساده فيقضي بفساده من الأصل أو يقال إذا تعذر عليه ~~التسليم فإما أن تجب على قيمة العبد أو قيمة نفسه، وكل ذلك فاسد، وجه رواية ~~كتاب الشرب وهو المروي عن أبي يوسف أيضا أن المكاتبة في معنى الإعتاق على ~~مال، ثم لو أعتق عبده على عبد بعينه لرجل فقبل العبد جاز، وجه ما روي عن ~~محمد من التوقف على الإجازة أن هذا عقد له مجيز حال وقوعه، فيتوقف على ~~الإجازة كالمبيع، وكذلك كل ما عينه من مال غيره من عرض أو مكيل أو موزون؛ ~~لأن هذه الأشياء كلها تتعين في العقود بالتعيين فكانت كالعبد، ولو قال ~~كاتبتك على ألف فلان هذه جازت المكاتبة؛ لأن الدراهم لا تتعين بالتعيين في ~~عقود المعاوضات فيقع العقد على مثلها في الذمة لا على عينها فيجوز وإن أدى ~~غيرها عتق؛ لأن المكاتبة وقعت على ما في الذمة، وسواء كان البدل قليلا أو ~~كثيرا؛ لأن دلائل جواز المكاتبة لا يفصل بين القليل والكثير، وسواء كان ~~مؤجلا أو غير مؤجل ms2409 عندنا وعند الشافعي لا يجوز إلا مؤجلا، وهو على قلب ~~الاختلاف في السلم، أنه لا يجوز إلا مؤجلا عندنا وعنده يجوز مؤجلا وغير ~~مؤجل. # فالحاصل أنه لا خلاف في جواز المكاتبة على بدل مؤجل. # واختلف في الجواز على بدل غير مؤجل قال أصحابنا: يجوز، وقال الشافعي لا ~~يجوز إلا مؤجلا منجما بنجمين فصاعدا، وجه قوله إن العبد عاجز عن تسليم ~~البدل عند العقد؛ لأنه معسر لا مال له والعجز عن التسليم عند العقد يمنع ~~انعقاده، بدليل أنه لو طرأ على العقد يرفعه. # فإذا قارنه يمنعه من الانعقاد من طريق الأولى؛ لأن المنع أسهل من الرفع، ~~وكذا مأخذ الاسم يدل على ما قلنا، فإن الكتابة مأخوذة من الكتاب، والكتاب ~~يذكر بمعنى الأجل قال الله عز وجل {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب ~~معلوم} [الحجر: 4] أي أجل لا يتقدم ولا يتأخر فسمي هذا عقد كتابة لكون ~~البدل فيه مؤجلا ويذكر بمعنى الكتاب المعروف، وهو المكتوب سمي العقد بذلك ~~لأن البدل يكتب في الديوان، والحاجة إلى الكتابة للمؤجل لا للحال، فكان ~~الأجل فيه شرطا كالمسلم لما كان مأخوذا من التسليم، كان تسليم رأس المال ~~فيه شرطا؛ لجواز السلم، وكذا الصرف لما كان ينبئ عن نقل البدل من يد إلى يد ~~كان القبض فيه من الجانبين شرطا كذا هذا، ولنا قوله عز وجل {فكاتبوهم إن ~~علمتم فيهم خيرا} [النور: 33] من غير فصل بين الحال والمؤجل، ولأن بدل ~~الكتابة دين يجوز الاستبدال به قبل القبض فلا يشترط فيه التأجيل كسائر ~~الديون بخلاف بدل الصرف والسلم وأما قوله: إن العبد عاجز عن تسليم البدل ~~عند العقد. # فمسلم لكن الأداء يكون بعد العقد ويحتمل حدوث القدرة بعده، بأنه يكتب ~~مالا بقبول هبة أو صدقة فيؤدي بدل الكتابة. # وأما مأخذ الاسم فالكتابة تحتمل معاني يقال: كتب أي أوجب قال الله تعالى ~~{كتب على نفسه الرحمة} [الأنعام: 12] وكتب أي ثبت قال الله تعالى {كتب في ~~قلوبهم الإيمان} [المجادلة: 22] وكتب أي حكم وقضى، قال الله تعالى {كتب ~~الله لأغلبن ms2410 أنا ورسلي} [المجادلة: 21] وشيء من هذه المعاني لا ينبئ عن ~~التأجيل ثم إذا كانت المكاتبة حالة فإن أدى البدل حين طالبه المولى بها ~~وإلا يرد في الرق سواء شرط ذلك في العقد أو لم يشرط بأن قال له: إن لم ~~تؤدها إلي حالة فأنت رقيق أو لم يقل؛ لأنه كاتبه على بدل موصوف بصفة الحلول ~~فلم يكن راضيا بدون تلك الصفة، وكذلك إذا كانت منجمة بنجوم معلومة فعجز عن ~~أول نجم منها يرد إلى الرق في قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يرد ~~حتى يتوالى عليه نجمان. # احتج أبو يوسف بما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: المكاتب إذا ~~توالى عليه نجمان رد في الرق فقد شرط حلول # PageV04P140 # نجمين للرد في الرق، ولأن العجز لا يتحقق إلا عند حلول نجمين لجواز أن ~~يقرضه إنسان، أو يحصل له مال من موضع آخر فيؤدي، فإذا اجتمع عليه مال نجمين ~~فقد تحقق عجزه، ولهما ما روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه ~~كاتب عبدا له فعجز عن نجم واحد فرده إلى الرق والظاهر أن ذلك كان على علم ~~من الصحابة - رضي الله عنهم - ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد فيكون إجماعا ~~ولأن المولى شرط عليه في كل نجم قدرا من المال وأنه شرط معتبر مفيد من ~~شرائط الكتابة فكان له أن يرده إلى الرق عند فواته، كما لو عجز عن نجمين. # وأما احتجاجه بقول علي - رضي الله عنه - فغير سديد؛ لأنه احتجاج بالسكوت؛ ~~لأن فيه أنه إذا توالى عليه نجمان يرد إلى الرق وليس فيه أنه إذا كسر نجما ~~واحدا ماذا حكمه؟ أو يحمل على الندب، وبه نقول: إن المكاتب إذا كسر نجما ~~يندب مولاه إلى أن لا يرده إلى الرق ما لم يتوال عليه نجمان رفقا به، ~~ونظرا؛ فإن عجز عن نجمين على أصله أو عن نجم على أصلهما، فإن كان له مال ~~حاضر أو غائب مرجو حضوره بأن قال: لي مال على إنسان أو ms2411 حال يجيء في القافلة ~~فإن القاضي ينتظر فيه يومين أو ثلاثة استحسانا؛ لأن هذا القدر من التأخير ~~ما لا ضرر فيه على المولى وفيه رجاء وصول كل واحد منهما إلى حقه فيفعل ~~القاضي ذلك عند رجاء الوصول. # ولو اختلف المولى والمكاتب في قدر البدل أو جنسه، بأن قال المولى: كاتبتك ~~على ألفين أو على الدنانير، وقال العبد: كاتبتني على ألف أو على الدراهم. # فالقول قول المكاتب في قول أبي حنيفة الآخر، سواء كان قد أدى عن بدل ~~الكتابة شيئا أو كان لم يؤد وكان يقول أولا يتحالفان ويترادان كالبيع؛ لأن ~~في المكاتبة معنى المبادلة، ثم رجع وقال: القول قول المكاتب؛ لأنه المستحق ~~عليه ومتى وقع الاختلاف في قدر المستحق أو جنسه فالقول قول المستحق عليه في ~~الشرع كما في سائر الديون، ولأن القياس يمنع التحالف لما نذكر في كتاب ~~البيوع إن شاء الله تعالى إلا أن الشرع ورد بخلاف القياس في البيع وأنه ~~مبادلة المال بالمال مطلقا والكتابة بخلافه فلم تكن في معنى البيع فلا يقاس ~~عليه، والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى نفس الركن] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى نفس الركن من شرائط الصحة فخلوه عن شرط فاسد وهو ~~الشرط المخالف لمقتضى العقد الداخل في صلب العقد من البدل فإن لم يخالف ~~مقتضى العقد جاز الشرط والعقد، وإن خالف مقتضى العقد لكنه لم يدخل في صلبه ~~يبطل الشرط ويبقى العقد صحيحا، وإنما كان كذلك؛ لأن عقد الكتابة في جانب ~~المعقود عليه وهو العبد بمنزلة الإعتاق لما فيه من فك الحجر وإسقاطه، ~~والإعتاق مما لا يبطله الشروط الفاسدة وفيما يرجع إلى البدل، وجانب المولى ~~بمنزلة البيع؛ لأن المولى عقد عقدا يئول إلى زوال ملكه عنه فكان كالبيع، ~~والبيع مما يفسده الشروط الفاسدة لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ~~وشرط فيجعل من الشروط الداخلة في صلب العقد كالبيع فيعمل فيه الشرط الفاسد، ~~وفيما لا يدخل في صلب العقد من الشروط يجعل كالإعتاق فلا يؤثر فيه ms2412 الشرط ~~الفاسد عملا بالمعنيين جميعا بقدر الإمكان، وعلى هذا مسائل إذا كاتب جارية ~~على ألف درهم على أن يطأها ما دامت مكاتبة أو على أن يطأها مرة فالكتابة ~~فاسدة؛ لأنه شرط فاسد لكونه مخالفا مقتضى العقد؛ لأن عقد المكاتبة يوجب ~~حرمة الوطء، وأنه دخل في صلب العقد لدخوله في البدل، حيث جعل بدل الكتابة ~~بألف درهم ووطئها ففسدت المكاتبة. # ولو كاتبه على ألف درهم على أن لا تخرج من المصر أو على أن لا يسافر ~~فالشرط فاسد؛ لأنه يخالف مقتضى العقد؛ لأن العقد يقتضي انفكاك الحجر ~~وانفتاح طريق الإطلاق له إلى أي بلد ومكان شاء فيفسد الشرط لكن لا يفسد عقد ~~الكتابة؛ لأنه شرط لا يرجع إلى صلب العقد، ومثله من الشروط لا يوجب فساد ~~العقد لما بينا من الفقه، فلو أنها أدت الألف في المسألة الأولى عتقت في ~~قول عامة العلماء. # وقال بشر بن غياث المريسي: لا تعتق، وجه قوله إن المولى جعل شرط العتق ~~شيئين الألف ووطأها، والمعلق بشرطين لا ينزل عند وجود أحدهما، كما إذا ~~كاتبها على ألف ورطل من خمر فأدت الألف دون الخمر ولنا أن الوطء لا يصلح ~~عوضا في المكاتبة فلا يتعلق العتق به فألحق ذكره بالعدم، بخلاف الخمر فإنه ~~يصلح عوضا في الجملة لكونه مالا مقدور التسليم فلم يلحق بالعدم وتعلق العتق ~~بأدائها، ثم إذا أدت فعتقت ينظر إلى قيمتها فإن كانت قيمتها ألف درهم فلا ~~شيء للمولى عليها، # PageV04P141 # ولا لها على المولى؛ لأنها مضمونة بالقيمة لكونها مقبوضة بحكم عقد فاسد، ~~والمقبوض بحكم عقد فاسد مضمون؛ لأنه يجب عليه رده وهو عاجز عن رد عينه فيرد ~~القيمة لقيامها مقام العين، كذا ههنا وجب عليها رد نفسها وقد عجزت لنفوذ ~~العتق فيها فترد القيمة وهي ألف درهم وقد وصل بتمامه إلى المولى، فلا يكون ~~لأحدهما بعد ذلك على صاحبه سبيل كما لو باع رجل من آخر عبده بألف درهم، ~~ورطل من خمر، وقبض البائع الألف وسلم العبد إلى المشتري وهلك في يده، لا ~~يرجع ms2413 أحدهما على صاحبه لوصول ما يستحقه البائع على المشتري إليه فكذا ههنا، ~~وإن كانت قيمة الجارية أكثر من ألف رجع المولى عليها بما زاد على الألف؛ ~~لأنها مضمونة بكمال قيمتها، وما أدت إليه كمال قيمتها فيرجع عليها وصار هذا ~~كما إذا باع عبده من ذمي بألف ورطل من خمر وقبض الألف وسلم العبد وهلك في ~~يد المشتري، وقيمته أكثر من ألف أنه يرجع بما زاد لما قلنا كذا هذا، وإن ~~كانت قيمة المكاتبة أقل من الألف وأدت الألف وعتقت هل ترجع على المولى بما ~~أخذ من الزيادة على قيمتها؟ قال أصحابنا الثلاثة: ليس لها أن ترجع، وقال ~~زفر لها أن ترجع بالزيادة على المولى، وجه قوله أن المولى أخذ منها زيادة ~~على ما يستحقه عليها فكانت الزيادة مأخوذة بغير حق فيجب ردها كما في البيع ~~الفاسد إذا استهلك المشتري المبيع أنه إن كانت قيمته أكثر من الثمن يرجع ~~البائع على المشتري بالزيادة، وإن كانت قيمته أقل يرجع المشتري على البائع ~~بفضل الثمن كذا ههنا، ولنا أنها لو رجعت عليه لأدى إلى إبطال العتق؛ لأنها ~~عتقت بأداء الكتابة فلو لم يسلم المؤدى للمولى لا يسلم العتق للمكاتبة، ~~والعتق سالم لها فيسلم المؤدى للمولى؛ لأن عقد المكاتبة مشتمل على المعاوضة ~~وعلى التعليق، واعتبار جانب المعاوضة يوجب لها حق الرجوع عليه بما زاد على ~~القيمة، واعتبار معنى التعليق لا يوجب لها حق الرجوع، كما لو قال لها: إن ~~أديت إلي ألفا فأنت حرة فأدت ألفا وخمسمائة، وقيمتها ألف عتقت ولا ترجع ~~عليه بشيء، فيقع الشك في ثبوت حق الرجوع فلا يثبت مع الشك. # وكذا لو كاتبها وهي حامل على ألف أن ما في بطنها من ولد فهو له وليس في ~~المكاتبة، أو كاتب أمة على ألف درهم على أن كل ولد تلده فهو للسيد ~~فالمكاتبة فاسدة؛ لأنه شرط شرطا مخالفا لموجب العقد؛ لأن موجبه أن يكون كل ~~ولد تلده يكون مكاتبا تبعا لها فكان هذا شرطا فاسدا وإنه داخل في صلب ~~العقد؛ لأنه ms2414 يرجع إلى البدل فيوجب فساد العقد وإن أدت الألف عتقت لما قلنا، ~~ثم إذا عتقت ينظر إلى قيمتها وإلى المؤدى على ما ذكرنا. # وكذا لو كاتب عبده على ألف درهم، وعلى أن يخدمه ولم يبين مقدار الخدمة ~~فأدى الألف عتق لما قلنا، ثم ينظر إلى قيمته وإلى الألف على ما وصفنا. # ولو كاتبه على ألف منجمة على أنه إن عجز عن نجم منها فمكاتبته ألفا درهم ~~لم تجز هذه المكاتبة لتمكن العذر في البدل؛ لأنه لا يدري أنه يعجز أو لا ~~يعجز، ويمكن الجهالة فيه جهالة فاحشة فيفسد العقد ولنهي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن صفقتين في صفقة، وهذا كذلك. # ولو كاتبه على ألف يؤديها إلى غريم له فهو جائز وكذا إذا كاتبه على ألف ~~يضمنها لرجل عن سيده فالمكاتبة والضمان جائزان، بخلاف البيع إذا باع عبدا ~~بألف درهم يؤديها إلى فلان أو على أن يضمنها المشتري عن البائع لفلان، إن ~~البيع فاسد؛ لأن البيع يفسد بالشرط الفاسد، وهو الشرط المخالف لمقتضى ~~العقد، والكتابة لا تفسد بالشروط الفاسدة إذا لم تكن في صلب العقد، كما لو ~~كاتبه على ألف على أن لا يخرج من المصر أو لا يسافر، إلا أن هناك شرط ~~الضمان باطل وههنا جائز؛ لأن ضمان المكاتب عن سيده وكفالته عنه بما عليه ~~مقيدا جائز؛ لأن ذلك واجب عليه فلا يكون متبرعا في الضمان، وضمان المكاتب ~~عن الأجنبي إنما لا يصح لكونه متبرعا ولم يوجد. # فإن كاتبه على ألف درهم منجمة على أن يؤدي إليه مع كل نجم ثوبا، وسمى ~~نوعه جاز؛ لأن مكاتبته على بدل معلوم حيث سمى نوع الثوب، فصار الألف مع ~~الثوب بدلا كاملا وكل واحد منهما معلوم. # ألا ترى أن كل واحد منهما لو انفرد في العقد جاز؟ وكذا إذا جمع بينهما ~~وقد قال أصحابنا: إنه لو ذكر مثل ذلك في البيع جاز بأن يقول: بعتك هذا ~~العبد بألف درهم على أن تعطيني معه مائة دينار وتصير الألف والمائة دينار ~~ثمنا لما قلنا ms2415 كذا ههنا، وكذلك إن قال على أن تعطيني مع كل نجم عشرة دراهم، ~~وكذلك لو قال على أن تؤدي مع مكاتبتك ألف درهم؛ لأن الكل صار بدلا في ~~العقد. # ولو كاتبه على ألف درهم وهي قيمته على أنه إذا أدى وعتق عليه، فعليه ألف ~~أخرى جاز وكان الأمر على ما قاله، # PageV04P142 # إذا أدى الألف عتق وعليه ألف أخرى بعد العتق؛ لأنه لو جعل الألفين جميعا ~~بدل الكتابة لجاز ولو جعلهما جميعا بعد العتق لجاز، كذا إذا جعل البعض قبل ~~العتق والبعض بعده اعتبارا للجزء بالكل. # وإن كاتبه على ألف درهم على نفسه وماله يعني على أن يكون المكاتب أحق ~~بنفسه وماله فهو جائز، وإن كان للعبد ألف أو أكثر ولا يدخل بينه وبين عبده ~~ربا، كذا ذكر في الأصل وفرق بينه وبين البيع، إذا باع عبده مع ماله بألف ~~درهم، ومال العبد ألف درهم أنه لا يجوز البيع؛ لأن الألف يقابل الألف فيبقى ~~العبد زيادة في عقد المعاوضة لا يقابلها عوض فيكون ربا ولا يتحقق الربا ~~ههنا؛ لأن الربا لا يجري بين العبد وسيده. # هذا معنى ما أشار إليه في الأصل ثم مال العبد ما يحصل بعد العقد بتجارته ~~أو بقبول الهبة والصدقة لأن ذلك ينسب إلى العبد ولا يدخل فيه ما كان من مال ~~المولى في يد العبد وقت العقد؛ لأن ذلك لا ينسب إلى العبد ولا يدخل فيه ~~الأرش والعقر، وإن حصلا بعد العقد يكن للمولى؛ لأنه لا ينسب إلى العبد ~~بخلاف بيع الدرهم بالدرهمين أنه لا يجوز ويكون ربا؛ لأن مراد محمد في قوله ~~أنه لا يجري الربا بين العبد وسيده فيما ليس بمعاوضة مطلقة، والكتابة وإن ~~كان فيها معنى المعاوضة فليست بمعاوضة مطلقة، وجريان الربا يختص بالمعاوضات ~~المطلقة بخلاف بيع الدرهم بالدرهمين؛ لأن ذاك معاوضة مطلقة؛ لأن المولى ~~كالأجنبي عن كسب المكاتب فهو الفرق، ولو اختلفا فقال المولى: كان هذا قبل ~~عقد المكاتبة، وقال المكاتب: كان ذلك بعد العقد فالقول قول المكاتب؛ لأن ~~الشيء في يده ms2416 فكان الظاهر شاهدا له فكان القول قوله. # ولو قال العبد: كاتبني على ألف درهم على أن أعطيها من مال فلان فكاتبه ~~على ذلك جازت الكتابة؛ لأن هذا شرط فاسد، والشروط الفاسدة لا تبطل الكتابة ~~إذا لم تكن داخلة في صلب العقد، فلو كاتبه على ألف درهم على أنه بالخيار أو ~~على أن العبد بالخيار يوما أو يومين أو ثلاثة أيام جاز؛ لأن دلائل جواز ~~الكتابة لا توجب الفصل ولأن الحاجة قد تدعو إلى شرط الخيار في المكاتبة كما ~~تدعو إليه في البيع وهو الحاجة إلى التأمل، ولأن الكتابة عقد قابل للفسخ ~~ولا يعتبر فيه القبض في المجلس فجاز أن يثبت فيه خيار الشرط كالبيع فإن قيل ~~ثبوت الخيار في البيع استحسان عندكم فلا يجوز قياس غيره عليه، فالجواب ما ~~ذكرنا أن عندنا يجوز القياس على موضع الاستحسان بشرطه وهو أن يكون الحكم في ~~موضع الاستحسان معقول المعنى، ويكون مثل ذلك المعنى موجودا في موضع القياس، ~~وقد وجد ههنا على ما ذكرنا ولا يجوز شرط الخيار فيه أكثر من ثلاثة أيام في ~~قول أبي حنيفة فإن أبطل خياره في الأيام الثلاثة جاز كالبيع وإن لم يبطل ~~حتى مضت ثلاثة أيام يتمكن الفساد كما في البيع، وعندهما يجوز قلت المدة أو ~~كثرت بعد أن كانت معلومة من شهر أو نحو ذلك كما في البيع. ### | [فصل في بيان ما يملك المكاتب من التصرفات وما لا يملكه] # (فصل) : # وأما بيان ما يملك المكاتب من التصرفات وما لا يملكه فله أن يبيع ويشتري؛ ~~لأنه صار مأذونا في التجارة والبيع والشراء من باب التجارة، وله أن يبيع ~~بقليل الثمن وكثيره وبأي جنس كان وبالنقد وبالنسيئة في قول أبي حنيفة. # وعندهما لا يملك البيع إلا بما يتغابن الناس في مثله وبالدراهم والدنانير ~~وبالنقد لا بالنسيئة؛ كالوكيل بالبيع المطلق وهي من مسائل كتاب الوكالة. # وله أن يبيع ويشتري من مولاه؛ لأن المكاتب فيما يرجع إلى مكاسبه ومنافعه ~~كالحر فكان فيها بمنزلة الأجنبي، فيجوز بيعه من مولاه وشراؤه منه ms2417 كما يجوز ~~ذلك من الأجنبي إلا أنه لا يجوز له أن يبيع ما اشترى من مولاه مرابحة إلا ~~أن يبين، وكذلك المولى فيما اشترى منه؛ لأن بيع المرابحة بيع أمانة فيجب ~~صيانته عن الخيانة وشبهة الخيانة ما أمكن، وكسب المكاتب مال المولى من وجه ~~فيجب أن يبين حتى ترتفع الشبهة، ولا يجوز له أن يبيع من مولاه درهما ~~بدرهمين؛ لأنه بعقد المكاتبة صار أحق بمكاسبه فصار كالأجنبي في المعاوضة ~~المطلقة وكذا لا يجوز ذلك للمولى لما بينا، وله أن يأذن لعبده في التجارة؛ ~~لأن الإذن في التجارة وسيلة إلى الاكتساب، والمكاتب مأذون في الاكتساب فإن ~~لحقه دين بيع فيه إلا أن يؤدي عنه المكاتب؛ لأن إذنه قد صح فصحت استدانته ~~فيباع فيه كما في عبد الحر، وله أن يحط شيئا بعد البيع لعيب ادعي عليه أو ~~يزيد في ثمن شيء قد اشتراه؛ لأنه بالكتابة صار مأذونا بالتجارة وهذا من عمل ~~التجارة وليس له أن يحط بعد # PageV04P143 # البيع بغير عيب ولو فعل لم يجز؛ لأنه من باب التبرع وهو لا يملك التبرع، ~~وله أن يرد ما اشترى بالعيب إذا لم يرض به سواء اشترى من أجنبي أو من ~~مولاه؛ لأنه أولى بكسبه من مولاه فصار كالعبد المأذون إذا كان عليه دين، ~~وله الشفعة فيما اشتراه المكاتب؛ لأن أملاكهما متميزة ولهذا جاز بيع أحدهما ~~من صاحبه فصارا كالأجنبيين وله أن يأذن لعبده في التجارة؛ لأنه من باب ~~الاكتساب. # ولا تجوز هبة المكاتب شيئا من ماله، ولا إعتاقه، سواء عجز بعد ذلك أو عتق ~~وترك وفاء؛ لأن هذا كله تبرع، وكسب المكاتب لا يحتمل التبرع. # وحكي عن ابن أبي ليلى أنه قال: عتقه وهبته موقوفان فإن عتق يوما مضى ذلك ~~عليه، وإن رجع مملوكا بطل ذلك وجه قوله: إن حال المكاتب موقوف بين أن يعتق ~~وبين أن يعجز فكذا حال عتقه وهبته، والجواب أن العقد عندنا إنما يتوقف إذا ~~كان له مجيز حال وقوعه، وههنا لا مجيز لعتقه حال وقوعه فلا يتوقف، فإذا ms2418 وهب ~~هبة أو تصدق ثم عتق ردت إليه الهبة والصدقة حيث كانت؛ لأن هذا عقد لا مجيز ~~له حال وقوعه فلا يتوقف، وسواء كان الإعتاق بغير بدل أو ببدل، أما بغير بدل ~~فلما قلنا. # وأما ببدل فلأن الإعتاق ببدل ليس من باب الاكتساب؛ لأن العتق فيه يثبت ~~بنفس القبول، ويبقى البدل في ذمة المفلس، ولا يملك التعليق كما لا يملك ~~التنجيز كما لو قال له: إن دخلت الدار فأنت حر لا يصح، وكذا إذا قال: إن ~~أديت إلي ألفا فأنت حر لا يصح؛ لأن ذلك تعليق وليس بمكاتبة لما ذكرنا في ~~كتاب العتاق. # وللمكاتب أن يكاتب عبدا من أكسابه استحسانا، والقياس أن لا يجوز؛ لأنه ~~عقد يفضي إلى العتق فلا يجوز، كما لو أعتقه على مال، وجه الاستحسان أن ~~المكاتبة نوع اكتساب المال، والمكاتب يملك اكتساب المال، ولهذا ملك البيع ~~وكذا المكاتبة، بخلاف الإعتاق على مال فإن ذلك ليس باكتساب المال ألا ترى ~~أن المكتسب بعد الإعتاق لا يكون له بل يكون للعبد؟ وإنما المكاتب له دين ~~تعلق بذمة المفلس فكان ذلك إعتاقا بغير بدل من حيث المعنى، وفي المكاتبة ~~المكسب يكون للمكاتب فلم يكن إعتاقا بغير بدل فافترقا. # وكذا لو اشترى المكاتب ذا رحم محرم منه لا يعتق؛ لأن شراء القريب إعتاق ~~وهو لا يملك، الإعتاق ولو اشترى ذا رحم محرم من مولاه لا يعتق على مولاه؛ ~~لأن هذا كسب المكاتب، والمولى لو أعتق عبدا من أكسابه صريحا لا يعتق ~~فبالشراء أولى فإن أدى الأعلى أولا عتق وثبت ولاؤه من المولى؛ لأن العتق ~~حصل منه، فإذا أدى الأسفل بعد ذلك يثبت ولاؤه من الأعلى لأنه بالعتق صار من ~~أهل ثبوت الولاء منه وإن أدى الأسفل أولا يعتق ويثبت ولاؤه من المولى ولا ~~يثبت من الأعلى لأنه ليس من أهل ثبوت الولاء، فإن عتق بعد ذلك لا يرجع إليه ~~الولاء؛ لأن ولاء العتاقة متى ثبت لا يحتمل الانتقال بحال وإن أديا جميعا ~~معا ثبت ولاؤهما معا من المولى. # وليس للمكاتب ms2419 أن يكاتب ولده ولا والده والأصل أن كل من لا يجوز له أن ~~يبيعه لا يجوز له أن يكاتبه إلا أم ولده؛ لأن هؤلاء يعتقون بعتقه فلا يجوز ~~أن يسبق عتقهم عتقه، ولأنهم قد دخلوا في كتابة المكاتب فلا يجوز أن يكاتبوا ~~ثانيا، بخلاف أم الولد. # ولا يملك التصدق إلا بشيء يسير حتى لا يجوز له أن يعطي فقيرا درهما ولا ~~أن يكسوه ثوبا، وكذا لا يجوز أن يهدي إلا بشيء قليل من المأكول وله أن يدعو ~~إلى الطعام؛ لأن ذلك عمل التجار، وقد روي أن سلمان - رضي الله عنه - أهدى ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان مكاتبا فقبل ذلك منه، وكذا روي ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجيب دعوة المملوك» ولأن ذلك ~~وسيلة إلى أداء مال الكتابة لأنه يجذب قلوب الناس فيحملهم ذلك على الإهداء ~~إليه فيمكن من أداء بدل الكتابة. # ويملك الإجارة والإعارة والإيداع؛ لأن الإجارة من التجارة ولهذا ملكها ~~المأذون بالتجارة والإعارة والإيداع من عمل التجار وضرورات التجارة. # ولا يجوز له أن يقرض؛ لأن القرض تبرع بابتدائه، وقيل معنى قوله: لا يجوز ~~أي لا يطيب للمستقرض أكله، لا أن لا يملكه المستقرض، حتى لو تصرف فيه نفذ ~~تصرفه؛ لأنه تصرف في ملكه ويكون المستقرض مضمونا عليه، وهذا كما قلنا في حق ~~الإعتاق أنه لا يجوز، ومعناه أنه لا يطيب له أكله لكنه يكون مضمونا عليه، ~~حتى لو كان عبدا فأعتقه نفذ إعتاقه لأنه أعتق ملك نفسه كذا قرض المكاتب. # ولا تجوز وصيته؛ لأنها تبرع. # ولا تجوز كفالة المكاتب بالمال ولا بالنفس بإذن المولى، ولا بغير إذنه؛ ~~لأنها تبرع أما الكفالة بالنفس فلأنها التزام تسليم النفس من غير عوض، ~~والكفالة بالمال التزام تسليم المال من # PageV04P144 # غير عوض إن كانت بغير إذن المكفول عنه، وإن كانت بإذنه فهي، وإن كانت ~~مبادلة في الانتهاء فهي تبرع في الابتداء، والمكاتب ليس من أهل التبرع، ~~وسواء أذن المولى فيها أو لم يأذن؛ لأن المولى لا يملك كسبه ms2420 فلا يصح إذنه ~~بالتبرع. # ويجوز له أن يتوكل بالشراء وإن كان ذلك يوجب ضمانا عليه للبائع وهو ~~الثمن؛ لأن عند بعض مشايخنا: ملك المبيع يثبت له أولا ثم ينتقل منه إلى ~~الموكل، فصار كالبيع منه وعند بعضهم: إن كان لا يثبت له لكن الوكالة من ~~ضرورات التجارة فإن أدى فعتق لزمته الكفالة؛ لأن الكفالة وقعت صحيحة في ~~حقه؛ لأنه أهل إلا أنه لا يطالب به في الحال لأنه لم يصح في حق المولى، ~~فإذا عتق فقد زال حق المولى فيطالب به كالعبد المحجور إذا كفل ثم عتق، ~~بخلاف الصبي إذا كفل ثم بلغ؛ لأن الصبي ليس من أهل الكفالة؛ لأنه ليس له ~~قول صحيح في نفسه، بخلاف العبد تصرف في ملكه. # وتجوز كفالته عن سيده؛ لأن بدل الكتابة واجب عليه فلم يكن متبرعا بها، ~~والأداء إليه وإلى غيره سواء. # وهل يجوز له قبول الحوالة فهذا على وجهين، إن كان عليه دين لإنسان وعلى ~~صاحب الدين دين لآخر فأحاله على المكاتب فهو جائز؛ لأنه ضمن مالا كان واجبا ~~عليه فلم يكن متبرعا ولا فرق بين أن يؤدي إلى هذا أو إلى غيره، وإن كان ~~لإنسان على آخر دين فأحاله على المكاتب وقبل الحوالة وليس عليه دين للذي ~~أحال عليه لا يجوز؛ لأنه تبرع وله أن يشارك حرا شركة عنان، وليس له أن ~~يشاركه شركة مفاوضة؛ لأن مبنى المفاوضة على الكفالة، وهو ليس من أهل ~~الكفالة وشركة العنان غير مبنية على الكفالة بل على الوكالة، والمكاتب من ~~أهل الوكالة. # ولو كاتب الرجل عبدين له مكاتبة واحدة على ألف درهم على أن كل واحد منهما ~~كفيل عن صاحبه فهذه المسألة على ثلاثة أوجه: إما إن كاتبهما على مال وجعل ~~كل واحد منهما كفيلا عن صاحبه. # وإما إن كاتبهما على مال ولم يجعل كل واحد منهما كفيلا عن صاحبه، ولكنه ~~قال: إن أديا عتقا، وإن عجزا ردا في الرق، وإما إن كاتبهما على مال ولم ~~يكفل كل واحد منهما عن صاحبه ولم يقل أيضا ms2421 إن أديا عتقا وإن عجزا ردا في ~~الرق، أما إذا كاتبهما على أن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه فالقياس أن لا ~~تجوز هذه الكتابة وفي الاستحسان تجوز إذا قبلا. # وجه القياس أن هذه كتابة بشرط الكفالة، وكفالة المكاتب عن غير المولى لا ~~تصح ولأنه كفالة ببدل الكتابة، والكفالة ببدل الكتابة باطلة، وجه الاستحسان ~~أن هذا ليس بكفالة في الحقيقة بل هو تعليق العتق بالأداء، والمولى يملك ~~تعليق عتقهما بأداء كل واحد منهما ولو فعل هكذا كان جائزا كذلك هذا. # وأما إذا كاتبهما على ألف درهم على أنهما إن أديا عتقا وإن عجزا ردا في ~~الرق فكذلك الجواب في قول علمائنا الثلاثة، وعند زفر كل واحد منهما مكاتب ~~على حدة فأيهما أدى حصته يعتق، وجه قوله: إن كل واحد منهما يلزمه كتابة ~~نفسه خاصة فلا يجب عليه كتابة غيره، ما لم يشترطا ولم يوجد الشرط، ولنا أن ~~المولى علق عتقهما بأداء الألف فما لم يوجد لا يقع العتق، كما إذا قال ~~لعبدين له إن دخلتما هذه الدار فأنتما حران، فدخل أحدهما لا يعتق ما لم ~~يدخلا جميعا، فكذلك ههنا لا يعتق واحد منهما إلا بأداء الألف، وإذا لم يعتق ~~واحد منهما إلا بأداء الألف صار جميع الألف على كل واحد منهما فصار كما إذا ~~كفل كل واحد منهما عن صاحبه، ونظير هذا الاختلاف ما قالوا في كتاب الطلاق ~~والعتاق: إن من قال لامرأتين له: إن شئتما فأنتما طالقان أو قال لعبدين له: ~~إن شئتما فأنتما حران أنه على قول زفر أيهما شاء يعتق، وانصرف مشيئة كل ~~واحد منهما إلى عتق نفسه، وطلاق نفسها، وفي قول علمائنا الثلاثة ما لم توجد ~~مشيئتهما جميعا في طلاقيهما جميعا أو في عتقيهما جميعا لا يعتق واحد منهما ~~كذلك ههنا. # وأما الفصل الثالث، وهو ما إذا كاتبهما على ألف درهم ولم يقل إن أديا ~~عتقا وإن عجزا ردا في الرق فأيهما أدى حصته فإنه يعتق في قولهم جميعا؛ لأنه ~~لم يعلق عتقهما بأدائهما جميعا فانصرف ms2422 نصيب كل واحد منهما إليه خاصة، وصار ~~كل واحد منهما مكاتبا على حدة ثم إذا كاتبهما كتابة واحدة فأدى أحدهما شيئا ~~منه كان له أن يرجع على صاحبه بنصفه، بخلاف ما إذا كان الدين على رجلين وكل ~~واحد منهما كفيل عن صاحبه فأدى أحدهما شيئا، أنه لا يرجع على صاحبه ما لم ~~يجاوز النصف فإذا جاوز النصف يرجع على صاحبه بالزيادة، وجه الفرق أن في ~~مسألتنا هذه لو جعلنا أداء عن نفسه أدى ذلك إلى تغيير شرط المولى؛ لأنه ~~يعتق، ومن شرط # PageV04P145 # المولى عتقهما جميعا. # فإذا كان الأمر هكذا فكان أداؤه عن نفسه وعن صاحبه حتى لا يؤدي إلى تغير ~~شرط المولى، وهذا المعنى لم يوجد في تلك المسألة، فإن أداءه عن نفسه لا ~~يؤدي إلى تغير شرط المولى فكان أداؤه عن نفسه إلى النصف؛ لأن نصف الدين ~~عليه فإن مات أحد المكاتبين لا يسقط شيء من الكتابة ويؤخذ من الحي جميع ~~الكتابة، وبمثله لو أعتق أحدهما سقطت حصته، ووجه الفرق بينهما أن الميت من ~~أهل أن تكون عليه الكتابة ألا ترى أن المكاتب إذا مات عن وفاء يؤدى كتابته؟ ~~وكذا لو ترك ولدا تؤخذ منه الكتابة؟ فأما المعتق فليس من أهل أن تجب عليه ~~الكتابة ألا ترى أن المكاتب لو كان واحدا فأعتقه المولى بطلت عنه الكتابة، ~~وكذلك ههنا تبطل حصته والمولى بالخيار إن شاء أخذ بحصته المكاتب، وإن شاء ~~أخذ المعتق بحق الكفالة، فإن أخذ المكاتب لا يرجع عليه؛ لأنه أدى دين نفسه ~~وإن أخذ المعتق وأدى رجع على المكاتب؛ لأنه كفيله. # ولا يجوز للمكاتب أن يتزوج بغير إذن مولاه وكذا المكاتبة؛ لأن المكاتب ~~عبد ما بقي عليه درهم وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أيما عبد ~~تزوج بغير إذن مولاه، فهو عاهر» ولأن المولى يملك رقبة المكاتب، والمكاتب ~~يملك منافعه ومكاسبه فصار بمنزلة عبد مشترك بين اثنين، أنه لا ينفرد أحدهما ~~بالنكاح ولا يزوج ابنه وابنته؛ لأن جواز الإنكاح يعتمد الولاية ولا ولاية ~~له إذ ms2423 هو عبد ولا يزوج عبده لما قلنا ويزوج أمته ومكاتبته؛ لأن تزويجهما من ~~باب الاكتساب، وعقد الكتابة عقد اكتساب المال، بخلاف تزويج العبد؛ لأنه ~~يتعلق المهر برقبته فلم يكن اكتسابا. # ويجوز إقراره بالدين واستيفاؤه؛ لأن ذلك من ضرورات التجارة، والمكاتبة ~~إذن بالتجارة فكان هو إذنا بما هو من ضرورات التجارة. # ولا تجوز وصية المكاتب في ماله وإن ترك وفاء، أما إذا لم يترك وفاء فلا ~~شك فيه؛ لأنه مات عبدا فلا تجوز وصيته. # وأما إذا ترك وفاء فلأنا وإن حكمنا بعتقه فإنما حكمنا به قبيل الموت بلا ~~فصل، وتلك الساعة لطيفة لا تتسع للفظ الوصية، ولو أوصى ثم أدى الكتابة في ~~حال حياته وعتق فإن وصيته على ثلاثة أوجه: في وجه لا تجوز بالإجماع، وفي ~~وجه تجوز بالإجماع، وفي وجه اختلفوا فيه. # فأما الوجه الذي تجوز بالإجماع فهو أن يقول: إذا أعتقت فثلث ما لي وصية ~~فأدى فعتق ثم مات صحت وصيته بالإجماع؛ لأنه أضاف الوصية إلى حال الحرية، ~~والحر من أهل الوصية. # وأما الوجه الذي لا تجوز بالإجماع وهو أن يوصي بعين ماله لرجل فأدى فعتق ~~ثم مات لا يجوز؛ لأنه ما أضاف الوصية إلى حال الحرية وإنما أوصى بعين ماله ~~فيتعلق بملكه في ذلك الوقت وهو ملك المكاتب، وملك المكاتب لا يحتمل التبرع ~~فلا يجوز إلا إذا أجاز تلك الوصية بعد العتق فتجوز؛ لأن الوصية مما يجوز ~~الإجازة، بدليل أن رجلا لو قال لورثته: أجزت لكم أن تعطوا ثلث مالي فلانا ~~كان ذلك منه وصية. # وأما الوجه الذي اختلفوا فيه، فهو ما إذا أوصى بثلث ماله ثم أدى وعتق ثم ~~مات، قال أبو حنيفة: لا تجوز الوصية إلا أن يحددها بعد العتق؛ لأنها تعلقت ~~بملك المكاتب، وملكه لا يحتمل المعروف، وقال أبو يوسف ومحمد: تجوز وهذا ~~نظير ما ذكرنا في كتاب العتاق أنه إذا قال العبد أو المكاتب: كل مملوك ~~أملكه إذا أعتقت فهو حر. # فأعتق ثم ملك مملوكا يعتق بالإجماع ولو لم يقل: إذا أعتقت لا يعتق ms2424 ~~بالإجماع، ولو قال: كل مملوك أملكه فيما أستقبل فهو حر فعتق وملك مملوكا لا ~~يعتق في قول أبي حنيفة، وعندهما يعتق، والحجج على نحو ما ذكرنا في العتاق. # ويجوز للمكاتب قبول الصدقات؛ لقوله تعالى في آية الصدقات {وفي الرقاب} ~~[التوبة: 60] قيل في التفسير ما أداها المكاتبون ويحل للمولى أن يأخذ ذلك ~~من قضاء من المكاتبة، ويحل له تناوله بعد العجز، وإن كان المولى غنيا؛ لأن ~~العين تختلف باختلاف أسباب الملك حكما وإن كانت عينا واحدة حقيقة والأصل ~~فيه ما روي «أن بريرة - رضي الله عنها - كانت يتصدق عليها وكانت تهدي ذلك ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان يأكل منه ويقول: هو لها صدقة، ~~ولنا هدية» وكذلك الفقير إذا مات وترك مالا جمعه من الصدقات، ووارثه غني ~~يحل له أكله لما قلنا. # ولو أوصى المكاتب إلى رجل أي جعله وصيا ثم مات فإن مات من غير وفاء بطل ~~إيصاؤه؛ لأنه مات عبدا والعبد ليس من أهل الإيصاء وإن مات بعد ما أدى بدل ~~الكتابة جاز الإيصاء وتكون وصيته كوصية الحر؛ لأن الولاية إنما تنتقل إليه ~~عند الموت، وعند الموت كان حرا فتنتقل الولاية إليه فصار كوصي الحر، # PageV04P146 # وإن مات عن وفاء ولم يؤد في حال حياته فإن وصيه يكون وصيا على أولاده ~~الذين دخلوا في كتابته دون الأولاد الأحرار الذين ولدوا من امرأة حرة، ~~ويكون أضعف الأوصياء كوصي الأم فيكون له ولاية الحفظ ولا يكون له ولاية ~~البيع والشراء على رواية الزيادات، وعلى رواية كتاب القسمة جعل كوصي الأب ~~حيث أجاز قسمته في العقارات، والقسمة تمنع البيع، والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في بيان ما يملك المولى من التصرف في المكاتب وما لا يملكه] # (فصل) : # وأما بيان ما يملك المولى من التصرف في المكاتب، وما لا يملكه فيشتمل ~~عليه حكم المكاتبة نذكره في فصل الحكم إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في صفة المكاتبة] # (فصل) : # وأما صفة المكاتبة فنوعان: أحدهما أنها عقد لازم من جانب المولى إذا كان ~~صحيحا حتى ms2425 لا يملك فسخه من غير رضا المكاتب، إذا لم يحل نجم أو نجمان على ~~الخلاف غير لازم في جانب المكاتب حتى ينفرد بفسخه من غير رضا المولى؛ لأنه ~~عقد شرع نظرا للعبيد، وتمام نظرهم أن لا يلزم في حقهم، ويجوز رد المكاتب ~~إلى الرق وفسخ الكتابة دون قضاء القاضي عند عامة العلماء وقال ابن أبي ~~ليلى: لا يجوز رده إلا عند القاضي لأن العقد قد صح فلا ينفسخ إلا بقضاء ~~القاضي ولنا ما روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه أجاز ذلك ~~ولم ينقل عن غيره خلافه، وإليه أشار في الأصل فقال: بلغنا ذلك عن ابن عمر - ~~رضي الله عنهما - ولأن المكاتب قد ثبت له الخيار في عقد الكتابة؛ لأن له أن ~~يعجز نفسه، ومن له الخيار في العقد إذا فسخ العقد يصح فسخه دون القاضي ~~كالبيع بشرط الخيار وغيره، فأما الفاسد منه فغير لازم من الجانبين حتى ~~ينفرد كل واحد منهما بالفسخ من غير رضا الآخر؛ لأن العقد الفاسد واجب ~~النقض، والفسخ حق للشرع رفعا للفساد كالبيع الفاسد وغيره. # والثاني أنها متجزئة في قول أبي حنيفة. # وعندهما غير متجزئة؛ لأنها عقد يفضي إلى العتق والعتق متجزئ عنده وعندهما ~~لا يتجزأ كذا المكاتبة، وعلى هذا يخرج ما إذا كاتب رجل نصف عبده أنه جازت ~~الكتابة في النصف، وصار نصفه مكاتبا عند أبي حنيفة؛ لأن الكتابة متجزئة ~~عنده فصحت في ذلك النصف لا غير، وصار في النصف الآخر مأذونا بالتجارة؛ لأن ~~الكتابة تقتضي وجوب أداء بدل الكتابة ولا يمكنه الأداء إلا بالإذن، والإذن ~~لا يتجزأ فصار الإذن في قدر الكتابة إذنا في الكل فصار مأذونا في الكل، ~~ونصفه مكاتب. # فإن أدى عتق نصفه وصار النصف الآخر مستسعى فإن شاء أعتق وإن شاء استسعى ~~غير مشقوق عليه، بمنزلة رجل أعتق نصف عبده فإن اكتسب العبد مالا قبل الأداء ~~فنصفه له ونصفه للمولى في قول أبي حنيفة؛ لأن نصفه مكاتب ونصفه رقيق في ~~قولهما، والكسب كله للمكاتب؛ لأنه كله صار ms2426 مكاتبا وما اكتسب بعد الأداء ~~فكله للمكاتب بالإجماع وليس للمولى فيه شيء، أما على قولهما فلا يشكل؛ لأنه ~~حر عليه دين. # وأما على أصل أبي حنيفة فلأن المستسعى كالمكاتب وكسب المكاتب له، وإذا ~~كاتب نصف عبده ثم أراد أن يحول بينه وبين الكسب لم يكن له ذلك؛ لأنه لما ~~كاتب نصفه فقد أذن له بالاكتساب؛ لأنه لا يتوصل إلى أداء بدل الكتابة إلا ~~بالكسب فلا يملك الحجر عليه إلا بعد فسخ الكتابة، ولا يفسخ إلا برضاه، ~~بخلاف العبد المأذون له إنه يملك حجره ومنعه من الاكتساب؛ لأنه إنما صار ~~مأذونا بالقول فيصير محجوزا عليه بحجره، والإذن ههنا لا يثبت بالقبول بل ~~مقتضى الكتابة فلا يصير محجورا عليه إلا بفسخ الكتابة، فإن أراد أن يخرج من ~~المصر فله منعه بالقياس ولكن استحسن أن لا يمنعه، وكذلك إذا أراد أن ~~يستخدمه يوما أو يستسعيه يوما ويخلي عنه يوما للكسب له ذلك في القياس، ولكن ~~استحسن أن لا يتعرض له في شيء حتى يؤدي أو يعجز، كذا ذكر في الأصل، وجه ~~القياس أن نصفه رقيق لم تزل يده عنه فله أن يمنعه من الخروج من المصر لأجل ~~النصف فيقول له إن كان نصفك مكاتبا فالنصف الآخر غير مكاتب فلي المنع فكان ~~له أن يمسكه ويستخدمه يوما كالعبد المشترك، وجه الاستحسان أنه بعقد الكتابة ~~صار مأذونا بالاكتساب وذلك بالخروج إلى الأمصار فلا يجوز له منعه وأن يحول ~~بينه وبين الاكتساب بالاستخدام، ولا يمكنه أن يخرج بالنصف دون النصف أو ~~يستخدم النصف دون النصف. # فإما أن يجعل النصف الذي هو مكاتب تبعا # PageV04P147 # للنصف الذي ليس بمكاتب، أو يجعل النصف الذي هو غير مكاتب تبعا للنصف الذي ~~هو مكاتب، وهذا الثاني أولى؛ لأن الحرية والرق إذا اجتمعا غلبت الحرية ~~الرق، وفي الكتابة شعبة من العتق؛ لأنها تعقد للعتق في المستقبل وهي سبب من ~~أسبابه. # وإذا كاتب نصف عبده ثم أراد أن يبيع الباقي فإن باعه من غير العبد لا ~~يجوز؛ لأن حق الحرية تعلق بالرقبة، فلا ms2427 يجوز بيعه من غيره كما لو أعتق نصفه ~~أو دبر نصفه ثم باعه إنه لا يجوز كذا هذا، ولأن المكاتب له أن يكتب ويخرج ~~من المصر بغير إذن المولى فصار كأنه باعه بشرط أن لا يسلم إلى المشتري، ولو ~~فعل هكذا كان البيع فاسدا كذلك هذا. # ولو باع نصف نفسه من العبد لا يجوز؛ لأن بيع العبد من نفسه بيع في ~~الحقيقة، بل هو إعتاق بمال بدليل أن الولاء يثبت منه بدليل أنه لو باع نفس ~~المدبر من المدبر يجوز ولو كان بيعا لما جاز، وإذا أعتق نصفه فالعبد ~~بالخيار إن شاء أدى الكتابة وعتق وإن شاء عجز ويسعى في نصف قيمته؛ لأنه ~~يوجه إليها وجها عتق في ذلك النصف عتق بأداء الكتابة، وعتق بالسعاية، فله ~~أن يميل إلى أي الوجهين شاء. # عبد بين رجلين كاتبه أحدهما فالأمر لا يخلو إما إن كاتب نصفه أو كله، وكل ~~ذلك لا يخلو إما أن يكون بإذن شريكه أو بغير إذنه، وإذا أذن فلا يخلو إما ~~إن أذن له بقبض بدل الكتابة أو لم يأذن، فإن كاتب نصفه بغير إذن شريكه صار ~~نصيبه مكاتبا لكن لشريكه أن ينقض الكتابة؛ لأنه يتضرر به في الحال وفي ثاني ~~الحال؛ لأنه لا يجوز بيعه في الحال؛ لأن نصفه مكاتب وفي الثاني يصير مستسعى ~~فكان له حق الفسخ. # والكتابة تحتمل الفسخ ولا يصح فسخه إلا بقضاء القاضي؛ لأن الشريك الذي ~~كاتب تصرف في ملك نفسه فلا يفسخ تصرفه إلا بقضاء القاضي أو برضا العبد، فإن ~~لم يعلم به الشريك حتى أدى عتق نصفه؛ لأن الكتابة نفذت في نصيبه فإذا وجد ~~شرط العتق عتق، ثم الذي لم يكاتب له أن يرجع على الشريك فيقبض منه نصف ما ~~أخذ لأن ما أخذه كان كسب عبد بينهما فكان له أن يشاركه في المأخوذ، ثم الذي ~~كاتب له أن يرجع على العبد بما قبض شريكه منه لأنه كاتبه على بدل ولم يسلم ~~له إلا نصفه، فكان له أن يرجع عليه إلى ms2428 تمام البدل وما يكون من الكسب في يد ~~العبد له نصفه بالكتابة ونصفه لشريكه الذي لم يكاتب، هذا في الكسب الذي ~~اكتسبه قبل الأداء. # وأما ما اكتسبه بعد الأداء فهو له خاصة؛ لأنه بعد الأداء يصير مستسعى ~~والمستسعى أحق بمنافعه ومكاسبه من السيد. # فإن اختلف العبد والمولى، فقال العبد: هذا كسب اكتسبته بعد الأداء وقال ~~المولى: بل اكتسبته قبل الأداء. # فالقول قول العبد لأن الكسب شيء حادث فيحال حدوثه إلى أقرب الأوقات، وصار ~~الحكم بعد كعبد بين اثنين أعتقه أحدهما، فإن كان موسرا فللشريك ثلاثة ~~اختيارات، وإن كان معسرا فخياران. # هذا إذا كان بغير إذن الشريك فإذا كان بإذنه فإن كان لم يأذن له بقبض ~~الكتابة فهذا والأول سواء إلا في فصلين، أحدهما إنه لا يكون له حق الفسخ ~~ههنا لوجود الرضا، والثاني أنه ليس له أن يضمنه نصف قيمة العبد بعد ما عتق ~~لأنه رضي بالعتاق حيث أذن له في الكتابة، وإن كان أذن له بقبض بدل الكتابة ~~فهذا والأول سواء إلا في ثلاثة فصول اثنان قد ذكرناهما، والثالث أن ما قبض ~~ليس له أن يشاركه هذا إذا كاتب النصف، فأما إذا كاتب الكل فهذا والأول سواء ~~إلا في فصل واحد وهو أنه إذا أخذ الشريك منه نصف ما قبض من الكتابة لا يرجع ~~بذلك على المكاتب هذا إذا كان بغير إذن الشريك، فأما إذا كان بإذنه وأجاز ~~قبل أن يؤدي صار مكاتبا بينهما فلا يعتق جميعه إلا بأداء الألف إليهما ~~جميعا فإذا أدى إليهما معا عتق، وإن أدى إلى أحدهما أولا لا يعتق؛ لأن ~~المكاتبة وقعت بصيغة واحدة هذا إذا لم يأذن له بقبض الكتابة، فإن أذن له ~~بقبض الكتابة فإن أدى إليهما عتق كله، وإن أدى جميعه إلى الذي كاتب عتق ~~كله، والألف بينهما وإن أدى كله إلى الشريك لا يعتق حتى يصل نصفه إلى ~~شريكه، وهذا كله قول أبي حنيفة وأما على قولهما فإن كتابة النصف وكتابة ~~الجميع سواء؛ لأن الكتابة عندهما لا تتجزأ فإن لم ms2429 يجز صاحبه حتى أدى عتق ~~كله، ويأخذ الشريك منه نصف ما قبض ولا يرجع هو على العبد بما قبض منه شريكه ~~ونصف الكسب الفاضل للمكاتب، ونصفه للذي لم يكاتب، والولاء كله للذي كاتبه ~~ويضمن حصة شريكه إن كان موسرا ويسعى العبد إن كان معسرا، وإن أجاز شريكه ~~صار مكاتبا بينهما فإن أدى إليهما معا # PageV04P148 # عتق، والولاء بينهما، وجميع الكسب للمكاتب، وإن أدى إلى أحدهما لا يعتق ~~حتى يصل نصفه إلى الآخر إلا إذا أذن لشريكه بقبض الكتابة فإن أدى كله إلى ~~المأمور عتق، وإن أدى كله إلى الآمر لا يعتق حتى يصل نصفه إلى المأمور. # ولو كان عبد بين رجلين كاتب كل واحد منهما نصيبه على الانفراد، بأن كاتب ~~أحدهما نصيبه على ألف درهم ثم كاتب الآخر نصيبه على مائة دينار، صار نصيب ~~كل واحد منهما مكاتبا له فإذا أدى إليهما معا عتق، وإن أدى إلى أحدهما عتق ~~نصيبه ولا يشاركه الآخر فيما قبض؛ لأنه لما كاتب صار راضيا بكتابته ~~وللمكاتب أن يقضي غريما دون غريم، ونصيب الآخر مكاتب على حاله فإذا أدى ~~نصيب الآخر عتق والولاء بينهما، وإن لم يؤد نصيب الآخر ولكنه عجز صار كعبد ~~بين اثنين أعتقه أحدهما والجواب فيه معروف. # وكذلك لو كاتب كل واحد جميع العبد صار نصيب كل واحد منهما مكاتبا له ~~بالبدل الذي سمى، فما لم يوجد جميع المسمى لا يعتق والحكم فيه ما ذكرنا أن ~~لو كاتب كل واحد منهما نصيبه، وهذا قول أبي حنيفة وأما على قولهما فكتابة ~~البعض وكتابة الكل سواء فإن أدى إليهما عتق والولاء بينهما، وإن أدى إلى ~~أحدهما أولا عتق كله من المؤدى إليه وثبت الولاء منه ويضمن إن كان موسرا ~~ويسعى العبد إن كان معسرا، إلا أن على قول محمد يضمن أو يسعى العبد في نصف ~~القيمة أو في كتابة الآخر في الأقل منهما وقال أبو يوسف: بطلت كتابة الآخر، ~~وإنما يضمن العبد أو يسعى في نصف قيمته لا غير. # ولو كان عبد بين اثنين فكاتباه ms2430 جميعا مكاتبة واحدة، فأدى إلى أحدهما حصته ~~لم يعتق حصته منه ما لم يؤد جميع الكتابة إليهما؛ لأنهما جعلا شرط عتقه ~~أداء جميع المكاتبة فلا يعتق إلا بوجود الشرط، بخلاف ما إذا كان لكل واحد ~~منهما عبد فكاتباهما جميعا مكاتبة واحدة إن كل واحد منهما يكون مكاتبا على ~~حدة حتى لو أدى حصته يعتق؛ لأن ههنا لو جعل كل نصف مكاتبا على حدة لأدى إلى ~~تغيير شرطهما؛ لأن شرطهما أن يعتق بأداء الكل فلا يعتق أحدهما إلا بأداء ~~جميع الكتابة حتى لا يؤدي إلى تغيير الشرط، وهذا المعنى لم يوجد هناك؛ لأن ~~عتق أحدهما لا يؤثر في الآخر فكان الشرط فيه لغوا. # مكاتب بين رجلين أعتقه أحدهما قال أبو حنيفة: لا ضمان عليه في ذلك لشريكه ~~موسرا كان أو معسرا؛ لأن نصيب الآخر مكاتب على حاله لكون العتق متجزئا عنده ~~فإن أدى عتق، والولاء بينهما لوجود الإعتاق منهما، وإن عجز صار كعبد بين ~~اثنين أعتقه أحدهما والحكم فيه ما ذكرنا في كتاب العتاق وعلى قولهما عتق ~~كله؛ لأن الإعتاق لا يتجزأ عندهما والولاء له، إلا أن على قول أبي يوسف صار ~~حكمه حكم عبد بين اثنين أعتقه أحدهما، وعلى قول محمد إن كان المعتق موسرا ~~ينظر إلى قدر نصيب شريكه وإلى باقي الكتابة فأيهما كان أقل ضمن ذلك، وإن ~~كان معسرا سعى العبد في الأقل فإن لم يعتقه أحدهما ولكن دبره صار نصيبه ~~مدبرا ويكون مكاتبا على حاله؛ لأن التدبير لا ينافي الكتابة، فإن أدى الكل ~~عتق والولاء يثبت منهما، وإن عجز صار كعبد بين اثنين دبره أحدهما صار نصيبه ~~مدبرا، ولشريكه خمس خيارات إن كان موسرا، وإن كان معسرا فأربع خيارات، وهذا ~~قول أبي حنيفة وفي قولهما صار كله مدبرا؛ لأن التدبير لا يتجزأ فبطلت ~~الكتابة ويضمن لشريكه نصف القيمة موسرا كان أو معسرا في قول أبي يوسف، وعلى ~~قياس قول محمد وجب أن يضمن الأقل من نصف القيمة، ومن جميع ما بقي من ~~الكتابة، ولو لم يدبره. # ولكن ms2431 كاتب جارية فجاءت بولد فادعاه أحدهما ثبت نسب الولد منه، وصار نصيبه ~~أم ولد له أما ثبوت النسب فلا خلاف فيه؛ لأن المولى إذا ادعى ولد مكاتبته ~~ثبت النسب؛ لأن فيه تأويل الملك، ثم المكاتبة بالخيار إن شاءت مضت على ~~الكتابة وإن شاءت عجزت نفسها؛ لأنه قد ثبت لها حق الحرية من وجهين، فلها أن ~~تختار أيهما شاءت ولا تصير كلها أم ولد؛ لأن الاستيلاد عندنا يتجزأ فيما لا ~~يمكن نقل الملك فيه، فإن مضت على الكتابة أخذت منه عقرها واستعانت به على ~~أداء بدل الكتابة، وإن عجزت نفسها وردت إلى الرق، فإنها تصير أم ولد ~~للمستولد؛ لأن المعنى المانع من نقل الملك فيها قد زال ويضمن للشريك نصف ~~قيمتها مكاتبة ونصف عقرها، ولا يغرم من قيمة الولد شيئا، وهذا قول أبي ~~حنيفة، وعلى قولهما: صارت الجارية كلها أم ولد؛ لأن الاستيلاد لا يتجزأ ~~وبطلت الكتابة # PageV04P149 # فيغرم للشريك نصف القيمة ونصف العقر موسرا كان أو معسرا، وعلى قول محمد ~~وجب أن يضمن الأقل من نصف العقر. # ومن كتابة شريكه عبد كافر بين مسلم وذمي، كاتب الذمي نصيبه بإذن شريكه ~~على خمر جازت الكتابة في قول أبي حنيفة، ولا تجوز في قول أبي يوسف ومحمد، ~~ولا شركة للمسلم فيما أخذ النصراني منه من الخمر بناء على أن الكتابة ~~متجزئة عند أبي حنيفة كالعتق، فلما كاتب الذمي نصيبه على خمر بإذن شريكه ~~وقعت المكاتبة على نصيب نفسه خاصة، والذمي إذا كاتب نصيبه على خمر جاز، كما ~~لو باع نصيبه بخمر. # وأما عندهما فالكتابة فاسدة؛ لأن من أصلهما أن العقد انعقد لهما حيث كانت ~~بإذن شريكه فلما بطل نصيب المسلم بطل نصيب الذمي؛ لأنها كتابة واحدة فإذا ~~بطل بعضها بطل كلها، ولا شركة للمسلم فيما أخذ النصراني من الخمر؛ لأن ~~المسلم ممنوع من قبض الخمر. # وإن كاتباه جميعا على خمر مكاتبة واحدة لم يجز في نصيب واحد منهما أما في ~~نصيب المسلم فلا يشكل. # وأما في نصيب الذمي فلأن المكاتبة واحدة فإذا بطل ms2432 بعضها بطل الكل ولو أدى ~~إليهما عتق وعليه قيمته للمسلم، وللذمي نصف الخمر وإنما عتق بالأداء ~~إليهما؛ لأن الكتابة فاسدة وهذا حكم الكتابة الفاسدة أنه إذا أدى يعتق كما ~~إذا كاتب المسلم عبده على خمر فأدى، إلا أنه لا يسعى في نصف قيمته للمسلم ~~ولا يسعى في نصيب الذمي؛ لأن الذمي قد سلم له شرطه؛ لأن الخمر مال متقوم في ~~حق المسلم فيسعى في نصف قيمته له، والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في حكم المكاتبة] # (فصل) : # وأما حكم المكاتبة ويندرج فيها بيان ما يملكه المولى من التصرف في ~~المكاتب وما لا يملكه فنقول وبالله التوفيق: المكاتبة أنواع ثلاثة: صحيحة، ~~وفاسدة، وباطلة. # أما الصحيحة فلها أحكام بعضها يتعلق بما قبل أداء بدل الكتابة، وبعضها ~~يتعلق بأداء بدل الكتابة. # أما الأول فزوال يد المولى عن المكاتب وصيرورة المكاتب أحق بمنافعه ~~ومكاسبه، وصيرورة المولى كالأجنبي عنها، وثبوت حق المطالبة للمولى ببدل ~~الكتابة وثبوت حق الحرية للمكاتب؛ لأن ما هو المقصود من هذا العقد لا من ~~الجانبين لا يحصل بدونها وهل تزول رقبة المكاتب عن ملك المولى بالكتابة ~~اختلف المشايخ فيه قال عامتهم: لا تزول، وقال بعضهم: تزول عن ملك المولى ~~ولا يملكها العبد بمنزلة البيع بشرط الخيار للمشتري. # على أصل أبي حنيفة إن المبيع يزول عن ملك البائع ولا يدخل في ملك المشتري ~~وهذا غير سديد؛ لأن الملك صفة إضافية فيستحيل وجوده بدون المضاف إليه كسائر ~~الأوصاف الإضافية من الأبوة والبنوة والأخوة والشركة ونحوها، فلا يتصور ~~وجود مملوك لا مالك له. # وهكذا نقول في باب البيع؛ لأن البيع في الحقيقة ملك البائع أو ملك ~~المشتري إلا أنا لا نعلم ذلك في الحال؛ لأنا لا نعلم أن العقد يجاز أو يفسخ ~~فيتوقف في علمنا بجهلنا بعاقبة الأمر وعند الإجازة أو الفسخ يتبين أنه كان ~~ثابتا للمشتري أو للبائع من وقت البيع حتى يظهر في حق الرواية هذا معنى قول ~~أبي حنيفة في تلك المسألة. # وبيان هذه الجملة في مسائل إذا كاتب عبده كتابة صحيحة ms2433 صار مأذونا في ~~التجارة؛ لأنه وجب عليه أداء بدل الكتابة ولا يتمكن من الأداء إلا بالكسب، ~~والتجارة كسب وليس له أن يمنعه من الكسب ولا من السفر ولو شرط عليه أن لا ~~يسافر كان الشرط باطلا والكتابة صحيحة لما مر، وليس له أن يأخذ الكسب من ~~يده؛ لأن كسبه له. # ولا يجوز له إجارته ورهنه؛ لأن الإجارة تمليك المنفعة ومنافع المكاتب له، ~~والرهن إثبات ملك اليد للمرتهن وملك اليد للمكاتب. # ولا يجوز استخدامه واستغلاله؛ لأن ذلك تصرف في المنفعة والمنافع له. # ويجوز إعتاقه ابتداء بلا خلاف؛ لأن جوازه يعتمد ملك الرقبة وأنه قائم ~~سواء كان المولى صحيحا أو مريضا غير أنه إن كان صحيحا يعتق مجانا، وإن كان ~~مريضا والعبد يخرج من الثلث فكذلك، وكذلك إذا كان لا يخرج من الثلث لكن ~~أجازت الورثة، وإن لم تجز الورثة فله الخيار في قول أبي حنيفة إن شاء سعى ~~في ثلثي القيمة حالا وإن شاء سعى في ثلثي الكتابة مؤجلا، وعند أبي يوسف ~~ومحمد لا خيار له، ويسعى في الأقل؛ لأن الكتابة سبقت الإعتاق والإعتاق في ~~المرض بمنزلة التدبير ولو دبره كان حكمه هذا على ما ذكرنا في كتاب التدبير ~~كذا إذا أعتقه في المرض، ويجوز له إعتاقه عن الكفارة عندنا، خلافا للشافعي ~~والمسألة تذكر في كتاب الكفارات. # ولو أعتق الولد المولود أو المشترى في # PageV04P150 # الكتابة جاز ولا يسقط شيء من بدل الكتابة والقياس أن لا يجوز إعتاقه وهو ~~قول زفر، وجه القياس أن في إعتاقه الولد إبطال حق المكاتب؛ لأنه يملك كسب ~~ولده المولود والمشترى، وبالإعتاق يبطل، وإليه أشار في الأصل فقال؛ لأن ~~للمكاتب أن يستخدمهم، وجه الاستحسان أن المكاتب إنما يسعى في حرية نفسه ~~وأولاده، وقد نال هذا المقصود، وإنما لا يسقط من بدل الكتابة شيء؛ لأن ~~البدل كله على المكاتب فلا يسقط شيء منه بعتق الولد. # ولو أعتق أم ولد المكاتبة لم يجز؛ لأن المكاتب لو عتق كانت هي أم ولد على ~~حالها؛ لأنها لم تصر مكاتبة بكتابته فلا ms2434 تعتق بعتق المكاتب. # ولا يجوز له بيع المكاتب بغير رضاه بلا خلاف؛ لأن فيه إبطال حق المكاتب ~~من غير رضاه وهو حق الحرية فلا يجوز بيعه كالمدبر وأم الولد، وإن رضي به ~~المكاتب جاز ويكون ذلك فسخا للكتابة؛ لأن امتناع الجواز كان لحق المكاتب ~~فإذا رضي فقد زال المانع، وذكر ابن سماعة عن محمد أن المولى والمكاتب إذا ~~اجتمعا في البيع قال: البيع لا يجوز والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأنه لما ~~باعه المولى برضاه فقد تراضيا على الفسخ فيكون إقالة، والكتابة تحتمل ~~الإقالة، وما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها اشترت بريرة وكانت ~~مكاتبة فمحمول على أن ذلك كان برضاها، وعلى هذا الهبة والصدقة والوصية. # ولو كاتب جارية لا يحل له وطؤها والاستمتاع بها؛ لأن ذلك انتفاع بها، ~~والمولى كالأجنبي في منافعها، ولو وطئها غرم العقر لها تستعين به على أداء ~~بدل الكتابة؛ لأنه بدل منفعة مملوكة لها، ولو وطئها فعلقت منه ثبت نسب ~~الولد إذا ادعاه؛ لأن النسب يثبت بشبهة الملك، وتأويل الملك، فلأن يثبت ~~بحقيقته أولى، صدقته المكاتبة أو كذبته لما مر، ثم إن جاءت بولد لأكثر من ~~ستة أشهر فعليه العقر وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر فلا عقر عليه، ~~والمكاتبة بالخيار إن شاءت مضت على كتابتها فأدت وعتقت وأخذت العقر إذا كان ~~العلوق في حال الكتابة، وإن شاءت عجزت نفسها وصارت أم ولد، وسقط العقر لما ~~ذكرنا في كتاب الاستيلاد. # ولو جنى المولى على المكاتب غرم الأرش ليستعين به على الكتابة، ولو ~~استهلك شيئا من كسبه فهو دين عليه؛ لأنه أحق بكسبه من المولى فكان في ~~مكاسبه كالحر، وكذا ما استهلك المكاتب من مال المولى لما قلنا. # ولو اشترى المكاتب امرأته0 لا ينفسخ النكاح، وكذا إذا اشترت المكاتبة ~~زوجها؛ لأن الثابت للمكاتب حق الملك لا حقيقة الملك، وحق الملك يمنع ابتداء ~~النكاح ولا يمنع البقاء كالعدة إنها تمنع من إنشاء النكاح وإذا طرأت على ~~النكاح لا تبطله، ولهذا قال أصحابنا: إن المولى إذا زوج ms2435 ابنته من مكاتبه لا ~~يبطل النكاح بموت الأب؛ لأن البنت لا تملك المكاتب حقيقة الملك، بل يثبت ~~لها حق الملك فيمنع ذلك من الابتداء ولا يمنع من البقاء فكذا هذا. # ولو سرق منه يجب القطع على السارق؛ لأن المكاتب أحق بمنافعه ومكاسبه، ~~فكان له حق الخصومة فيه كالحر فيقطع بخصومته. # ولو جنى المكاتب على إنسان خطأ فإنه يسعى في الأقل من قيمته ومن أرش ~~الجناية؛ لأن رقبته مملوكة للمولى إلا أنه تعذر الدفع من غير اختيار بسبب ~~الكتابة، فصار كالعبد القن إذا جنى جناية ثم أعتقه المولى من غير علمه ~~بالجناية. # والحكم هناك ما ذكرنا فكذا ههنا، فينظر إن كان أرش الجناية أقل من قيمته ~~فعليه أرش الجناية؛ لأن المجني عليه لا يستحق أكثر من ذلك، فإذا دفع ذلك ~~فقد سقط حقه، وإن كانت قيمته أقل من أرش الجناية فعليه قيمته؛ لأن حكم ~~الجناية تعلق بالرقبة لكون الرقبة ملك المولى، وهي لا تحتمل أكثر من قيمتها ~~فلا يلزمه أكثر من ذلك. # وكذلك لو جنى جنايات خطأ قبل أن يحكم عليه بالجناية الأولى لا يجب عليه ~~إلا قيمة واحدة وإن كثرت جناياته في قول أصحابنا الثلاثة. # وعند زفر يجب عليه في كل جناية الأقل من أرشها ومن قيمته، وهذا فرع ~~اختلافهم في أن جناياته تتعلق بالرقبة أو بذمته، فعندنا تتعلق برقبته، ~~والرقبة لا تتسع لأكثر من قيمة واحدة، وعنده تتعلق بذمته، والذمة متسعة ~~والصحيح قولنا لما ذكرنا إن رقبته مملوكة للمولى، فإنها مقدور الدفع في ~~الجملة بأن يعجز فيدفع إلا أنه تعذر الدفع بالمنع السابق، وهو الكتابة من ~~غير اختيار فصار كما لو جنى جنايات ثم أعتقه المولى من غير علمه بها، وهناك ~~لا يلزمه إلا قيمة واحدة كذلك ههنا، هذا إذا جنى ثانيا قبل أن يحكم عليه ~~الحاكم بالأولى. # فأما إذا حكم الحاكم بالأولى ثم جنى ثانيا فإنه يلزمه قيمة أخرى بالجناية ~~الثانية؛ لأنها لما حكم الحاكم فقد انتقلت الجناية من رقبته إلى ذمته # PageV04P151 # فحصلت الجناية الثانية، والرقبة فارغة عن ms2436 جنايته متعلقة بها فصار بمنزلة ~~الجناية المبتدأة. # فرق بين هذا وبين ما إذا حفر المكاتب بئرا على قارعة الطريق فوقع فيها ~~إنسان، ووجب عليه أن يسعى في قيمته يوم حفر، ثم وقع فيها آخر أنه لا يلزمه ~~أكثر من قيمة واحدة سواء حكم الحاكم بالأولى أو لم يحكم. # ووجه الفرق أن هناك الجناية واحدة، وهي حفر البئر فالضمان الذي يلزمه ~~إنما يلزمه بسبب واحد فوقوع الثاني وإن كان بعد حكم الحاكم لكن بسبب سابق ~~على حكمه، فصار كأنه قتلهما دفعة واحدة فلا يلزمه إلا قيمة واحدة. # فأما ههنا فقد تعددت الجناية، والثانية حصلت بعد فراغ رقبته عن الأولى ~~وانتقالها إلى ذمته فيتعدد السبب فيتعدد الحكم، ولو سقط حائط مائل أشهد ~~عليه على إنسان فقتله فعليه أن يسعى في قيمته؛ لأن المكاتب يملك النقض فيصح ~~الإشهاد عليه كما في الحر، ويجب عليه قيمة نفسه كما لو قتل آخر خطأ، وكذلك ~~إذا وجد في دار المكاتب قتيل فعليه أن يسعى في قيمته إذا كانت قيمته أكثر ~~من الدية فينتقص منها عشرة دراهم. # فإن جنى جنايات ثم عجز قبل أن يقضى بها دفعه مولاه بها أو فداه، وإن قضى ~~عليه بالسعاية ثم عجز فهي دين في رقبته يباع فيه؛ لأنه إذا لم يقض عليه لم ~~تصر القيمة دينا في رقبته فهو كعبد قن جنى جناية، أنه يخاطب مولاه بالدفع ~~أو الفداء وإذا قضى عليه بالقيمة صار ذلك دينا في رقبته فإذا عجز صار حكمه ~~حكم عبد لحقه الدين أنه يباع أو يقضي السيد دينه، هذا إذا كانت جنايته عمدا ~~بأن قتل رجلا عمدا قتل به؛ لأنه لو كان حرا لقتل به فالمكاتب أولى، هذا إذا ~~جنى المكاتب على غيره. # فأما إذا جنى غيره عليه فإن كان خطأ فالأرش له وأرشه أرش العبد. # أما كون الأرش له فلأن أجزاءه ملحقة بالمنافع وهو أحق بمنافعه. # وأما كون أرشه أرش العبد فلأنه عبد ما بقي عليه درهم بالحديث فكانت ~~الجناية عليه جناية على العبد فكان أرشها ms2437 أرش العبيد، وإن كان عمدا ~~فالمسألة على ثلاثة أوجه: في وجه يجب القصاص في قولهم، وفي وجه لا يجب ~~القصاص، وفي وجه اختلفوا فيه. # أما الأول فهو أن يقتله رجل عمدا ولم يترك وفاء فللمولى أن يقتل القاتل؛ ~~لأنه لم يترك وفاء فقد مات عاجزا فمات عبدا والعبد إذا قتل عمدا يجب القصاص ~~على قاتله إن كان عبدا بالإجماع، وإن كان حرا عندنا كذلك ههنا. # وأما الوجه الثاني فهو أن يقتل عمدا ويترك وفاء ويترك ورثة أحرارا سوى ~~المولى فلا يجب القصاص لاشتباه ولي القصاص لاختلاف الصحابة - رضي الله عنهم ~~- في أنه يموت حرا أو عبدا على ما نذكر إن شاء الله تعالى فمن قال: مات حرا ~~قال: ولاية الاستيفاء للورثة، ومن قال: مات عبدا قال: الولاية للمولى. # فاشتبه المولى فلم يجب القصاص، فإن قيل قياس هذه النكتة أنه إذا اجتمع ~~المولى والورثة ينبغي أن يجب القصاص لارتفاع الاشتباه عند الاجتماع كالعبد ~~الموصى برقبته لإنسان وبخدمته لآخر إذا قتل، أن لهما أن يجتمعا فيقتلا، ~~وكذا العبد المرهون إذا قتل فاجتمع الراهن والمرتهن على القصاص أن لهما أن ~~يستوفياه كذلك ههنا، فالجواب أن المانع هو اشتباه المولى وهذا الاشتباه لا ~~يزول بالاجتماع؛ لأن الولاية لأحدهما وهو المولى أو الوارث وهذا النوع من ~~الاشتباه لا يزول باجتماعهما، بخلاف مسألة الوصية؛ لأن هناك لا اشتباه. # فإن الولاية لصاحب الرقبة؛ لأن الملك له وإنما لصاحب الخدمة فيها حق، ~~فإذا اجتمعا في الاستيفاء فقد رضي بإسقاط حقه، ويقول لصاحب الخدمة حقي قوي ~~لشبهة الملك، فصار بمنزلة عبد بين اثنين قتل فاجتمع الوليان على الاستيفاء، ~~وبخلاف مسألة الرهن فإن المستحق للقصاص هناك هو الراهن إذ الملك له إلا أن ~~للمرتهن فيه حقا فإذا رضي بالاستبقاء فقد رضي بسقوط حقه، وههنا بخلافه على ~~ما بيناه. # وأما الوجه الثالث فهو أن يقتل عمدا أو يترك وفاء ولا وارث له سوى ~~المولى. # فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف يجب القصاص للمولى؛ لأنه لا اشتباه ههنا ~~لأن القصاص يكون للمولى ms2438 كيفما كان سواء مات حرا أو عبدا، وقال محمد: لا يجب ~~لأن المولى إن لم يشتبه فسبب ثبوت الولاية قد اشتبه؛ لأنه إن مات حرا ~~فالولاية تثبت بالإرث، وإن مات عبدا فالولاية تثبت بالملك، والجواب عن هذا ~~من وجهين: أحدهما أن السبب لم يشتبه؛ لأن المسبب واحد وهو الملك والولاء ~~أثر من آثار الملك، والثاني: إن سلمنا أن السبب قد اشتبه لكن لا اشتباه في ~~الحكم وهو الولاية؛ لأنها ثابتة بيقين فتثبت بأي سبب كان. # فإن قتل ابن المكاتب أو عبده عمدا، فلا قود عليه؛ لأن المكاتب وهو أبو ~~المقتول أو مولى العبد لو عتق كان القصاص له، ولو # PageV04P152 # عجز كان القصاص للمولى فاشتبه الولي، وبهذا علل في الأصل فقال: لأني لا ~~أدري أنه للمولى أو للمكاتب، ومعناه ما ذكرنا وإن اجتمعا على ذلك لم يقتص ~~أيضا؛ لأن الولاية لأحدهما وهو غير معلوم فإن عفوا فعفوهما باطل، والقيمة ~~واجبة للمكاتب أما بطلان العفو. # فأما عفو المولى فلأنه لا يملك كسب المكاتب، فلا يصح عفوه وإما عفو ~~المكاتب فلأن القيمة قد وجبت على القاتل فكان إبراء المكاتب تبرعا منه، ~~وإنه لا يملك التبرع. # فإن قتل مولى مكاتبه عمدا أو خطأ فلا قصاص عليه في العمد بلا شك؛ لأن ~~رقبته مملوكة له فيصير شبهة سواء ترك وفاء أو لم يترك لا يجب القصاص لما ~~قلنا غير أنه إن ترك وفاء فعلى المولى قيمته يقضي بها كتابته، وكذلك لو قتل ~~ابنه؛ لأن القصاص قد سقط بالشبهة فيجب الدية فسقط عنه قدر ماله من الكتابة؛ ~~لأن الأصل أن كل ديتين التقيا من جنس واحد في الذمة، وليس في إسقاطه إبطال ~~العقد، ولا استحق قبضه في المجلس، فإنه يصير أحدهما بالآخر قصاصا وما بقي ~~يكون لوارثه لا للمولى؛ لأنه قاتله فلا يرثه وإنما يصير ذلك قصاصا إذا حل ~~أجل الدية؛ لأن القيمة وجبت عليه بالقتل مؤجلة. # ولو قتل عبد المكاتبة رجلا خطأ يقال للمكاتب ادفعه أو افده بالدية؛ لأن ~~العبد من تجارته وكسبه فكان التدبير ms2439 إليه. # كعبد المأذون جنى جناية خطأ أنه يخير المأذون بين الدفع والفداء، ~~فالمكاتب أولى بخلاف نفس المكاتب إذا جنى أنه يلزمه الأقل من قيمته ومن أرش ~~الجناية؛ لأن نفس المكاتب لا تحتمل النقل بخلاف كسبه، وإذا لم يحتمل النقل ~~فتعذر الدفع من غير اختيار فصار كما لو أعتق نفس العبد الجاني من غير علمه ~~بالجناية، وثمة يلزمه الأقل من قيمته، ومن أرش الجناية كذا ههنا. # ويؤخذ المكاتب بأسباب الحدود الخالصة ونحوها؛ كالزنا والسرقة والشرب ~~والسكر والقذف لا القن؛ لأنه مأخوذ بها فالمكاتب أولى. # ولا يقطع في سرقته من مولاه؛ لأنه عبده وكذا لا يقطع في سرقته من ابن ~~مولاه، ولا من امرأة مولاه، ولا من كل ذي رحم محرم من مولاه؛ لأن واحدا من ~~هؤلاء لو سرق حق المولى لا يقطع فكذا مكاتبه وكذا لو سرق واحد من هؤلاء من ~~المكاتب لا يقطع؛ لأن واحدا منهم لو سرق من المولى لا يقطع، فكذا إذا سرق ~~من المكاتب. # ولو سرق منه أجنبي يقطع بخصومته؛ لأن المكاتب أحق بمكاسبه ومنافعه فكان ~~له حق الخصومة كالحر فيقطع بخصومته. # ويصح من المولى وغيره نسب ولد أمته المكاتبة إذا لم يكن له نسب معروف ~~صدقته المكاتبة أو كذبته جاءت به لأقل من ستة أشهر أو لأكثر لما ذكرنا فيما ~~تقدم أنه ادعى نسب ولد جارية مملوكة له رقبة فكان ولدها مملوكا له أيضا، ~~ونسب ولد الجارية المملوكة يثبت بالدعوة من غير حاجة إلى التصديق، ثم الأمة ~~بالخيار إن شاءت عجزت نفسها وإن شاءت مضت على الكتابة، فإن مضت على الكتابة ~~فلها العقر إن كان العلوق في حال الكتابة بأن جاءت به لأقل من ستة أشهر من ~~وقت الكتابة؛ لأنها أحق بمنافعها ومكاسبها، والمولى كالأجنبي عنها، والعقر ~~بدل منافع بضعها فيكون لها، وإن عجزت نفسها وصارت أم ولد له سقط العقر، هذا ~~إذا استولد مكاتبته. # فإن دبر مكاتبته فكذلك هو بالخيار إن شاء نقض الكتابة، وإن شاء مضى عليها ~~لتوجه العتق إليه من جهتين، فكان له ms2440 الخيار فإن مات مولاه وهو لا يخرج من ~~الثلث فقد ذكرنا الاختلاف فيما تقدم. # ولو ادعى نسب ولد جارية المكاتب وليس له نسب معروف، وقد علقت به في ملك ~~المكاتب صحت دعوته لما قلنا ويحتاج فيه إلى تصديق المكاتب استحسانا وقد ~~ذكرنا هذا في كتاب الاستيلاد. # ولا يحبس المكاتب ببدل الكتابة؛ لأنه دين قاصر حتى لا تجوز الكفالة عند ~~عامة العلماء، خلافا لابن أبي ليلى هو يقول بأنه دين فتصح الكفالة كسائر ~~الديون ولنا أن حكم الكفالة ثبوت حق المطالبة للكفيل بمثل ما في ذمة ~~الأصيل، وهذا لا يتحقق ههنا؛ لأن الثابت في ذمة الأصيل دين يحبس به ودين لا ~~يحبس به، فلو جوزنا الكفالة به لم يكن الثابت بها حق المطالبة بمثل ما في ~~ذمة المكفول عنه، فلا يتحقق حكم الكفالة بخلاف سائر الديون. # وأما الذي يتعلق بأداء بدل الكتابة فهو عتق المكاتب ولا يعتق إلا بأداء ~~جميع بدل الكتابة عند عامة العلماء، وهو قول زيد بن ثابت - رضي الله عنه - ~~وقال علي - رضي الله تعالى عنه -: يعتق بقدر ما أدى ويبقى الباقي رقيقا. # وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: إذا أعطى مقدار قيمته عتق ثم يصير ~~بمنزلة الغريم وقال عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: إذا كاتب العبد ~~مولاه فهو غريم من الغرماء. # وهذا يدل على # PageV04P153 # أن مذهبه أن المكاتب يعتق بنفس الكتابة، وقد روى محمد بن الحسن عن شريح ~~مثل ذلك، وجه قول علي كرم الله وجهه إن المكاتبة عقد معاوضة فإذا أدى العبد ~~بعض بدل الكتابة إلى المولى فقد ملك المولى ذلك القدر، فلو لم يملك من نفسه ~~ذلك القدر لاجتمع للمولى ملك البدل والمبدل وهذا لا يجوز، وجه قول ابن ~~مسعود - رضي الله عنه - إن قيمة العبد مالية فلو عتق بأداء ما هو أقل من ~~قيمته لتضرر به المولى، وإذا أدى قدر قيمته فلا ضرر على المولى، وجه قول ~~ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه لو لم يعتق بنفس العقد لوجب للمولى على ~~عبده ms2441 دين، ولا يجب للمولى على عبده دين، ولأن الكتابة إعتاق على مال، ومن ~~أعتق عبده على مال وقبل العبد عتق، والمال دين عليه، كذلك ههنا، وجه قول ~~زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «المكاتب ~~عبد ما بقي عليه درهم» وهذا نص في الباب، ولأن المولى علق عتقه بأداء جميع ~~بدل الكتابة فلا يعتق ما لم يؤد جميعه، كما لو قال لعبده: إذا أديت إلي ~~ألفا فأنت حر أنه لا يعتق ما لم يؤد جميع الألف، كذا ههنا ثم العتق كما ~~يثبت بأداء بدل الكتابة يثبت بأداء العوض عن بدل الكتابة؛ لأن عوض الشيء ~~يقوم مقامه ويسد مسده كأنه هو، كما في البيع وغيره على أن بدل الكتابة دين ~~في ذمة العبد، وقضاء الديون يكون بأعواضها لا بأعيانها، وكذا يثبت بالإبراء ~~لما نذكر. # ثم إذا أدى بدل الكتابة وعتق يعتق ولده المولود في الكتابة بأن ولد ~~للمكاتب ولد من أمة اشتراها؛ لأنه صار مكاتبا تبعا للأب، فيثبت فيه حكم ~~الأصل إلا أن للمولى أن يطالب الأب دون الولد؛ لأنه لم يدخل في العقد ~~مقصودا بل تبعا، فلا يملك مطالبة التبع حال قيام المتبوع. # وكما يعتق المكاتب بالأداء من كسبه يعتق بالأداء من كسب ولده؛ لأن كسب ~~الولد كسبه. # فإذا أدى يعتق هو وولده، وكذا ولده المشترك في الكتابة، وولد ولده وإن ~~سفل، والوالدون وإن علوا، إذا اشتراهم المكاتب يدخلون في الكتابة كالولد ~~المولود سواء، لا فرق بينهم إلا في فصل واحد، وهو أنه إذا مات المكاتب من ~~غير مال يقال للولد المشترى وللوالدين: إما أن تؤدوا الكتابة حالا، وإلا ~~رددناكم في الرق، بخلاف الولد المولود في الكتابة لما نذكر وأما ما سوى ~~الوالدين والمولودين من ذوي الرحم المحرم؛ كالأخ والعم والخال ونحوهم فهل ~~يدخلون في الكتابة؟ قال أبو حنيفة: لا يدخلون، وقال أبو يوسف ومحمد: يدخلون ~~ويسعون على النجوم بمنزلة الوالدين والمولودين، والأصل عندهما أن كل من إذا ~~ملكه الحر يعتق عليه، فإذا ملكه المكاتب ms2442 يتكاتب عليه ويقوم مقامه، وجه ~~قولهما إن المكاتبة عقد يفضي إلى العتق فيعتبر بحقيقة العتق، والحكم في ~~الحقيقة هذا. # فكذا في كسب الكسب المفضي إليه، ولهذا اعتبر بحقيقة العتق في الوالدين ~~والمولودين كذا ههنا ولأبي حنيفة إن الأصل أن لا يثبت التكاتب رأسا؛ لأن ~~ملك المكاتب ملك ضروري لكونه مملوكا ما بقي عليه درهم، فلا يظهر في حق ~~التبرع والعتق وإنما يظهر في حق حرية نفسه، إلا أن حرية ولده وأبويه في ~~معنى حرية نفسه لمكان الحرية، ولم يوجد في سائر ذوي الرحم فبقي الأمر فيهم ~~على الأصل، وبدل القياس من وجه آخر يقتضي أن لا يدخل الولد؛ لأنه كسبه، وحق ~~الحرية لا يسري للإكساب؛ ككسب أم الولد والمدبر، وإنما استحسنا الولاد بحكم ~~الحرية ولم يوجد والولد المنفصل قبل العقد لا يدخل في الكتابة، ويكون ~~للمولى. # ولو اختلفا فقال المولى: ولد قبل العقد وقالت المكاتبة: بعد العقد ينظر ~~إن كان الولد في يد المولى فالقول قوله إنه انفصل قبل العقد، وإن كان في يد ~~الأمة فالقول قولها، ويحكم فيه الحال؛ كمن استأجر عبدا أو مضت مدة الإجارة، ~~ثم اختلفا فادعى المستأجر الإباق والمؤاجر ينكر أنه ينظر إن كان في الحال ~~آبقا فالقول قول المستأجر، وإن لم يكن في الحال آبقا فالقول قول المؤاجر، ~~وكذلك هذا في الطاحونة إذا اختلفا في انقطاع الماء وجريانه، فإن كان في ~~الحال منقطعا، فالقول قول المستأجر وإن كان جاريا فالقول قول المؤاجر، ولو ~~تصادقا في الإباق والانقطاع واختلفا في مدة الإباق والانقطاع فالقول قول ~~المستأجر؛ لأنه منكر وجوب الزيادة وسواء كان الأداء في حال حياة العاقدين، ~~أو بعد موتهما حتى لو مات المولى فأدى المكاتب إلى ورثته عتق؛ لأن العقد لا ~~ينفسخ بموت المولى بلا خلاف. # وكذا لو مات المكاتب عن وفاء يؤدى بدل الكتابة إلى المولى ويحكم بعتقه ~~عندنا. # وعند الشافعي لا يعتق ويسلم البدل للمولى بناء على أن عقد الكتابة لا ~~ينفسخ بموت المكاتبة عندنا، كما لا ينفسخ بموت المولى. # وعنده ينفسخ بموت ms2443 # PageV04P154 # المكاتب، وقد اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - في المكاتب إذا مات عن ~~وفاء أنه يموت حرا أو عبدا، قال علي - رضي الله عنه - وعبد الله بن مسعود - ~~رضي الله عنه -: يموت حرا فيؤدى بدل كتابته ويحكم بحريته، وبه أخذ أصحابنا، ~~وعن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أنه يموت عبدا والمال كله للمولى، وبه ~~أخذ الشافعي. # وجه قول الشافعي أنه لو عتق لا يخلو إما أن يعتق قبل موته، وإما أن يعتق ~~بعد موته، لا سبيل إلى الأول؛ لأن العتق معلق بأداء البدل، والأداء لم يوجد ~~قبل الموت، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأن محل العتق قد فات؛ لأن محله الرق، وقد ~~فات بالموت، وإثبات الشيء في غير محله محال، فامتنع القول بالعتق، ولا ~~يقال: إنه يعتق مستندا إلى آخر جزء من أجزاء حياته، وهو قابل للعتق في ذلك ~~الوقت؛ لأن الأصل فيما يثبت مستندا أنه يثبت للحال، ثم يستند. # ألا ترى أن من باع مال الغير توقف على إجازة المالك عندكم، فإن هلك ~~المال، ثم أجاز المالك لا تلحقه الإجازة؛ لأن الحكم يثبت عند الإجازة ~~مستندا، فيراعى قيام محل الحكم للحال، والمحل ههنا لا يحتمل العتق للحال، ~~فلا يستند، ولنا ما روي عن قتادة أنه قال: قلت لسعيد بن المسيب: إن شريحا ~~قال في المكاتب إذا مات عن وفاء وعليه دين بدئ بدين الكتابة، ثم بالدين. # فقال سعيد: أخطأ شريح، وإن كان قاضيا، فإن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - ~~يقول: إن المكاتب إذا مات عن وفاء وعليه دين بدئ بالدين، ثم بالكتابة، ~~فاختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - في الترتيب والميل على اتفاقهم على بقاء ~~عقد الكتابة بعد الموت، فرواية قتادة تشير إلى إجماع الصحابة - رضي الله ~~عنهم - على ما قلنا، ومثله لا يكذب فلا يعتد بخلاف الشافعي؛ لأن العتق في ~~الحقيقة معلق بسلامة البدل للمولى إما صورة ومعنى بالاستيفاء، وإما معنى لا ~~صورة بأخذ العوض أو الإبراء لا بصورة الأداء من المكاتب؛ لأن العتق يثبت من ~~غير أداء أصلا ms2444 بأخذ المولى وبالإبراء، وقد سلم البدل للمولى إما صورة ومعنى ~~بالاستيفاء وإما معنى لا صورة بالإبراء أما طريق الاستيفاء فلأن هذا عقد ~~معاوضة بين المولى والمكاتب، وحكمه في جانب المولى ملك البدل وسلامته، وفي ~~جانب المكاتب سلامة رقبته بالحرية وسلامة أولاده وأكسابه حال سلامة البدل ~~للمولى، وفي الحال زوال يد المولى عنه وصيرورته أحق بمنافعه ومكاسبه، وقد ~~ثبت الملك في المبدل للمولى في ذمة العبد للحال، حتى لو تبرع عنه إنسان ~~بالأداء وقبل المولى صح، ولو أبرأه جاز الإبراء ويعتق. # ولو أحال المكاتب على غريم له عليه دين من أكسابه وقبل المولى صح وعتق. # وإذا ثبت الملك للمولى في البدل كان ينبغي أن يزول المبدل من ملكه، وهو ~~رقبة المكاتب، وتسلم له رقبته تحقيقا للمساواة في عقد المعاوضة، إذ ~~المعاوضة في الحقيقة بين البدل والرقبة كما في سائر المعاوضات من البيع ~~والإجارة، كما في الخلع والإعتاق على مال. # إلا أن الزوال لو ثبت ههنا للحال بقي الدين في ذمة المفلس، ويتكامل في ~~الأداء فيتضرر به المولى فيمتنع الناس عن الكتابة، فشرع هذا العقد على خلاف ~~موجب المعاوضات في ثبوت السلامة وزوال المبدل عن المولى إلا بسلامة البدل ~~له على الكمال، نظرا للموالي وترغيبا لهم في عقد الكتابة، ونظرا للعبيد ~~ليتوصلوا إلى العتق، فإذا جاء آخر حياته وعجز عن الكسب انتقل الدين من ذمته ~~إلى أكسابه كما في الحر، إلا أن الكسب قد لا يسلم له إما بالهلاك، أو بأخذ ~~الورثة، فإذا أدى ذلك إلى المولى فقد وجد الشرط، وهو سلامة البدل للمولى ~~فيسلم المبدل للمكاتب، وهو رقبته له. # وأما الإبراء فهو أنه لما بلغ آخر حياته يسقط عنه المطالبة بأداء البدل ~~لعجزه عن الأداء بنفسه، وانتقل إلى المال خلفا عن المطالبة عنه، فيطالب به ~~وصيه، أو وارثه، أو وصي القاضي، فإذا أدى النائب سقطت المطالبة عن النائب ~~في آخر حياته، فيبرأ عن بدل الكتابة، وتسقط عنه المطالبة في ذلك الوقت ~~فيعتق في ذلك الوقت، وقد خرج الجواب عما ذكره الشافعي ms2445 لما ذكرنا أن الشرط ~~ليس هو من صورة الأداء، بل سلامة البدل صورة ومعنى بالاستيفاء أو معنى ~~بالإبراء وقد حصل، ومن أصحابنا من قال: إن العتق يثبت بعد الأداء مقصورا ~~عليه ويبقى حيا تقديرا لإحراز شرف الحرية، كما يبقى المولى حيا بعد الموت ~~تقديرا لإحراز شرف الكتابة، ويثبت العتق فيه، وهو مثبت حقيقة ويقدر حيا على ~~اختلاف طريق أصحابنا في ذلك على ما عرف في الخلافيات. # ولو مات المكاتب وترك وفاء وأولادا أحرارا بأن ولدوا من امرأة حرة، يؤدى ~~بدل كتابته وما فضل يكون ميراثا بين أولاده الأحرار؛ لأن المكاتب يعتق في ~~آخر جزء # PageV04P155 # من حياته، ثم يموت فيموت حرا فيرث منه أولاده الأحرار، وكذلك أولاده ~~الذين ولدوا في الكتابة؛ لأنهم صاروا مكاتبين تبعا له، فإذا عتق هو في آخر ~~حياته يعتقون هم أيضا تبعا له، فإذا مات هو فقد مات حرا وهم أحرار فيرثونه، ~~وكذا أولاده الذين اشتراهم في الكتابة وولداه لما قلنا، وكذا ولده الذي ~~كوتب معه كتابة واحدة؛ لأنه عتق معه في آخر حياته فيرثه، وأما ولده الذي ~~كاتبه كتابة على حدة لا يرثه؛ لأنه لا يعتق بعتقه فيموت حرا وولده مكاتب، ~~والمكاتب لا يرث الحر. # ولو مات وترك وفاء وعليه دين أجنبي، ودين المولى غير الكتابة، وله وصايا ~~من تدبيره وغير ذلك، وترك ولدا حرا، أو ولدا ولد له في الكتابة من أمته، ~~يبدأ بدين الأجانب، ثم بدين المولى، ثم بالكتابة، والباقي ميراث بين سائر ~~أولاده، وبطلت وصاياه. # أما بطلان وصاياه فلوجهين: أحدهما يخص التدبير، والثاني يعم سائر الوصايا ~~أما الأول: فلأن المدبر يعتق بموت السيد، والمكاتب ليس من أهل الإعتاق. # وأما الثاني: فلأنه إذا أدى عنه بعد الموت، فإنه يحكم بعتقه في آخر جزء ~~من أجزاء حياته، وذلك زمان لطيف لا يسع الوصية، ثم انتقل الملك إلى الوارث، ~~والملك للموصى له يثبت بعقد الوصية الذي هو فعله، فإذا لم يتسع الوقت له لا ~~يمكن إثباته بخلاف الميراث؛ لأن الملك ينتقل إلى الورثة من غير صنع ms2446 العبد، ~~وإذا بطلت الوصايا بقيت الديون. # وأما ترتيب الديون فيبدأ بدين الأجنبي؛ لأن الأصل في الديون المتعلقة ~~بالتركة أنه يبدأ بالأقوى فالأقوى، كما في دين الصحة مع دين المرض، ودين ~~الأجنبي أقوى من دين المولى؛ لأنه يبطل بالرق دين المولى، ولا يبطل دين ~~الأجنبي بل يباع فيه، فيبدأ بدين الأجنبي، ثم ينظر في بقية التركة، فإن كان ~~فيها وفاء بدين المولى وبالكتابة بدئ بدين المولى، ثم بالكتابة؛ لأن دين ~~المولى أقوى من دين الكتابة، بدليل أنه تصح الكفالة به، ولا تصح بدين ~~الكتابة، وكذا المكاتب يملك إسقاط دين المكاتبة عن نفسه قصدا بأن يعجز ~~نفسه، ولا يملك إسقاط دين المولى قصدا بل يسقط ضرورة بسقوط الكتابة، فكان ~~دين المولى أقوى فيقدم على دين الكتابة، وإن لم يكن في التركة وفاء بالديون ~~جميعا بدئ بدين الكتابة؛ لأنه لو بدئ بقضاء دين المولى لبطل القضاء؛ لأنه ~~إذا قضى ذلك فقد صار عاجزا، فيكون قد مات عاجزا، فتبطل الكتابة، فلم يصح ~~القضاء؛ لأنه بالعجز صار قنا، ولا يجب للمولى على عبده القن دين، وليس في ~~البداءة بقضاء دين الكتابة إبطال القضاء، فيكون أولى، فيبدأ بالكتابة حتى ~~يعتق، ويكون دين المولى في ذمته، فربما يستوفى منه إذا ظهر له مال، وما فضل ~~عن هذه الديون فهو ميراث لأولاده الأحرار من امرأة حرة، ولأولاده المولودين ~~في الكتابة؛ لأنهم عتقوا بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته فيرثون كالحر ~~الأصل. # ولو مات وترك وفاء وعليه دين وجناية ومكاتبة ومهر، وأولاد أحرار من امرأة ~~حرة، وأولاد ولدوا في الكتابة من أمته، وأولاد اشتراهم، يبدأ بالدين، ثم ~~بالجناية، ثم بالكتابة، ثم يكون الباقي ميراثا لجميعهم؛ لأن الدين أقوى من ~~الكتابة لما بينا، ثم ينظر إلى ما بقي من المال، فإن كان فيه وفاء بالكتابة ~~فإنه يبدأ بالجناية؛ لأنه إذا كان به وفاء بالجناية صار كأن المكاتب قن، ~~فيقضى عليه بالجناية. # ومتى قضي عليه بالجناية يصير عاجزا إذا لم يكن في الباقي وفاء، وإن لم ~~يكن في المال وفاء ms2447 بالكتابة، وكان فيه وفاء بالخيار، أو لم يكن فقد مات ~~المكاتب عبدا وبطلت الجناية؛ لأنه لا حق لصاحب الجناية في مال العبد، وإنما ~~كان حقه في الرقبة، وقد فاتت الرقبة، وهذا إذا كان القاضي لم يقض بالجناية ~~في حال حياته، فإن كان القاضي قضى عليه بالجناية صار حكمه حكم سائر الديون. # وأما المهر، فإن كان تزوج نكاحا صحيحا بإذن المولى فحكمه حكم سائر ~~الديون، وإن كان النكاح بغير إذن المولى لا يجب للمرأة شيء ما لم يقض سائر ~~الديون والجناية والكتابة، فإن فضل شيء يصرف إلى المهر؛ لأن في النكاح ~~الفاسد إنما يتبع بالمهر بعد العتاق؛ لأنه لا يصح في حق المولى، فإذا زال ~~حق المولى فحينئذ يؤاخذ به، فإن أديت كتابته وحكم بحريته وحرية أولاده صار ~~الباقي ميراثا لأولاده كلهم؛ لأنهم عتقوا بعتقه، وكذلك إن كان الابن مكاتبا ~~معه؛ لأنهم عتقوا في زمان واحد، وإن كاتب الابن مكاتبة على حدة لا يرث منه؛ ~~لأنه لا يعتق بعتقه ولا يستند عتقه في حقه، فلا يرث منه. # وإن مات المكاتب من غير وفاء وترك ولدا مولودا في الكتابة، بأن ولدت أمته ~~التي اشتراها، بأن كان المكاتب تزوج أمة إنسان بإذن # PageV04P156 # مولاه، فولدت منه، ثم اشتراها المكاتب وولدها، أو المكاتبة ولدت من غير ~~مولاها، فإنه يسعى في الكتابة على نجوم أبيه ولا يبطل الأجل؛ لأنه إذا مات ~~لا عن وفاء فقد مات عاجزا، فقام الولد مقامه كأنه حي. # ولو كان حيا حقيقة لكان يسعى على نجومه، فكذا ولده، بخلاف ما إذا مات عن ~~وفاء؛ لأنه مات قادرا فيؤدى بدل الكتابة للحال ولا يؤخر إلى أجله، بل يبطل ~~الأجل؛ لأن موت من عليه الدين يبطل الأجل في الأصل كما في سائر الديون، ~~وليس ههنا أحد يقوم مقامه حتى يجعل كأنه حي، وإذا أدى السعاية عتق أبوه ~~وهو. # وأما ولده المشترى في الكتابة فإنه لا يسعى على نجومه، بل يقال: له إما ~~أن تؤدي السعاية حالا أو ترد إلى الرق، ولا يقال ذلك للمولود ms2448 في الكتابة، ~~بل يسعى على نجوم أبيه ولا يرد إلى الرق، إلا إذا أخل بنجم أو بنجمين على ~~الاختلاف، وإنما كان ذلك؛ لأن دخول الولد في الكتابة بطريق التبعية، وتبعية ~~الولد المولود في الكتابة أشد من تبعية المشترى في الكتابة؛ لأن تبعيته ~~باعتبار الجزئية، والجزئية في الولد المولود في الكتابة حصلت في العقد، ~~فكان بمنزلة المكاتب نفسه، والحكم في المكاتب على ما ذكرنا فكذا فيه، ولا ~~كذلك الولد المشترى؛ لأن جزئية ما حصلت في العقد فانحطت درجته عنه، فلا بد ~~من إظهار ذلك في الحكم ترتيبا للأحكام على مراتب الحجج في القوة والضعف، ~~وذكر القاضي في شرح الكافي الخلاف في المسألة، وجعل ما ذكرنا قول أبي ~~حنيفة. # وأما على قولهما فالولد المشترى، والولد المولود سواء، وجه قولهما أن ~~التكاتب على الولد المولود لمكان التبعية، وهي موجودة في المشترى، وجواب ~~أبي حنيفة عن هذا أن معنى التبعية في المولود أقوى منه في المشترى فلا يصح ~~القياس، ولو مات من غير وفاء وترك الديون التي ذكرنا فالخيار في ذلك إلى ~~الولد يبدأ بأي ذلك شاء؛ لأن المكاتب إذا لم يترك وفاء صار التدبير إلى ~~الولد؛ لأنه يقضي من كسبه فيبدأ بأي ذلك شاء، فإن أخل بنجم، أو بنجمين على ~~الاختلاف يرد في الرق، ولو كان بعض أولاده غائبا وبعضهم حاضرا فعجز الحاضر ~~لا يرد في الرق حتى يحضر الغائب؛ لجواز أن الغائب يحضر فيؤدي. # ولو مات المكاتب ولم يترك وفاء لكنه ترك أم ولد، فإن لم يكن معها ولد ~~بيعت في المكاتبة، وإن كان معها ولد استسعت فيها على الأجل الذي كان ~~للمكاتب صغيرا كان ولدها أو كبيرا، بناء على أن المكاتب إذا اشترى أم ولد ~~وليس معها ولد فإنها لا تدخل في مكاتبته، وكان له أن يبيعها عند أبي حنيفة، ~~وكذا الموالاة عندهما تدخل في مكاتبته، فكذلك بعد موته تكون بمنزلته لما ~~دخلت في الكتابة، وإذا كان معها فإنها تتبع ولدها في الكتابة عند أبي ~~حنيفة، ولا يجوز بيعها، فكذا بعد ms2449 الموت إذا كان معها ولد ولدته في الكتابة، ~~ويصير كأنه قائم؛ لأن الابن قام مقامه، وعلى قولهما لا فرق بين وجود الولد ~~وعدمه، وجه قولهما أنها إنما تسعى؛ لأن عتاق الاستيلاد بمنزلة عتاق النسب، ~~فلا يبطل بموت الولد، فكان حالها بعد موت الولد وقبله واحدا. # ولأبي حنيفة أنه لا وراثة بينه وبينها، وإنما دخلت في كتابته لكتابة ~~ولدها تبعا، فإذا مات الولد بطلت كتابتها؛ لأن كتابة الولد بطلت بموته ~~فيبطل ما كان تبعا له، والله - عز وجل - أعلم. # ولو ولدت المكاتبة ولدا واشترت ولدا، ثم ماتت سعيا في الكتابة على النجوم ~~والذي يلي الأداء المولود في الكتابة، وهذا بناء على أن المولود في الكتابة ~~يقوم مقام المكاتب، والولد المشترى لا يقوم مقامه على الاتفاق، أو على ~~الاختلاف، إلا أنه يسعى تبعا للولد المولود في الكتابة فلا تجب عليه ~~السعاية. # ألا ترى أن محمدا ذكر في الأصل، فإن قلت: فلا يجب على الآخر شيء من ~~السعاية، قال: لأنها لو لم تدع غيره بيع، إلا أن يؤدي الكتابة عاجلا، وإنما ~~قلنا: إن الذي يلي الأداء هو الولد المولود في الكتابة؛ لما ذكرنا أن الولد ~~المشترى لا يقوم مقام المكاتب على الاتفاق، أو على أصل أبي حنيفة، ~~والمكاتبة ولو كاتب حية لكانت تملك كسب ولدها المشترى، فكذا الذي يقوم ~~مقامها، وإن سعى المشترى فأدى الكتابة لم يرجع على أخيه بشيء؛ لأنه أدى ~~الكتابة من كسب الأم؛ لأن كسب أم الولد المشترى للأم، فإذا أدى الكتابة من ~~كسبه فقد أدى كتابة الأم، وكسبه لها، فلا يرجع، ولما ذكرنا أن الولد ~~المولود قائم مقامها. # ولو كانت الأم باقية فأدى الولد المشترى فعتقت الأم لم يرجع عليه بشيء ~~كذا هذا، وكذا الولد المولود في الكتابة لو سعى وأدى لم يرجع على المشترى ~~بشيء من هذا المعنى، وقال # PageV04P157 # بعضهم: هذا إذا أدى المولود في الكتابة من مال تركته الأم، فأما إذا أدى ~~من كسب اكتسبه بنفسه فإنه يرجع بنصفه على المشترى، ولم يذكر في الأصل حكم ~~المولود ms2450 في الكتابة، وإنما ذكر حكم المشترى: إنه إذا أدى لا يرجع، ولو ~~اكتسب هذا الابن المشترى كسبا كان لأخيه أن يأخذه ويستعين به في كتابته؛ ~~لما ذكرنا أن الولد المولود قائم مقام الأم، وهي لو كانت قائمة لكانت تملك ~~أخذ كسب المشترى، وكذا من يقوم مقامها، وكذا إذا أراد أن يسلمه في عمل ~~ليأخذ كسبه فيستعين به في مكاتبته كان له ذلك، وكذلك لو أمره القاضي أن ~~يؤاجر نفسه، أو أمر أخاه أن يؤاجره ويستعين بأجره على أداء الكتابة كان ذلك ~~جائزا؛ لأنه بمنزلتها، وما اكتسب الولد المولود في الكتابة بعد موت أمه قبل ~~الأداء فهو له خاصة؛ لأنه داخل في كتابة الأم وقائم مقامها فما اكتسبه يكون ~~له وما يكتسب أخوه حسب من التركة، فتقضى منه المكاتبة والباقي منه ميراث ~~بينهما، والفرق بينهما أن الولد المولود في الكتابة قام مقامها، فكان حكمها ~~كحكمه وكسب المكاتبة لها، كذا كسب ولدها. # وأما الولد المشترى فلم يقم مقامها غير أنه كسبها بجميع ما اكتسبه، فيصير ~~كأنها ماتت عن مال، ولو ماتت عن مال تؤدى منه كتابتها، والباقي ميراث ~~بينهما كذا هذا، وقيل: هذا كله قول أبي حنيفة، فأما على قولهما فالولدان ~~يقومان مقامها ولا يملك كل واحد منهما كسب صاحبه؛ لأن كل واحد منهما لو كان ~~منفردا لقام مقام المكاتبة ويسعى على النجوم عندهما، فكذا إذا اجتمعا لم ~~يكن أحدهما بأولى من الآخر، والله - عز وجل - الموفق. # وأما الفاسدة وهي التي فاتها شيء من شرائط الصحة وهي ما ذكرنا فيما تقدم، ~~فلا يثبت بها شيء من الأحكام المتعلقة بما قبل الأداء؛ لأن الكتابة الفاسدة ~~لا توجب زوال شيء مما كان للمالك عنه إلى المكاتب. # فكان الحال بعد العقد كالحال قبله. # وأما الحكم المتعلق بالأداء، وهو العتق فالفاسد فيه كالصحيح، حتى لو أدى ~~يعتق؛ لأن الفاسد من العقد عند اتصال القبض كالصحيح على أصل أصحابنا. # ونفس المكاتب في قبضته، إلا أن في الكتابة الفاسدة إذا أدى يلزمه قيمة ~~نفسه، وفي الكتابة الصحيحة يلزمه ms2451 المسمى؛ لما عرف أن الأصل أن يكون الشيء ~~مضمونا بالمثل، والقيمة هي المثل؛ لأنها مقدار ماليته، وإنما المصير إلى ~~المسمى عند صحة التسمية تحرزا عن الفساد لجهالة القيمة، فإذا فسدت فلا معنى ~~للتحرز، فوجب الرجوع إلى الأصل، وهو القيمة كما في البيع ونحوه، وكذا في ~~الكتابة الفاسدة للمولى أن يفسخ الكتابة بغير رضا العبد ويرده إلى الرق، ~~وليس له أن يفسخ في الصحيحة إلا برضا العبد، وللعبد أن يفسخ في الصحيح ~~والفاسد جميعا بغير رضا المولى؛ لما ذكرنا أن الفاسدة غير لازمة في حقهما ~~جميعا، والصحيحة لازمة في حق المولى غير لازمة في حق العبد، ثم إذا أدى في ~~الكتابة الفاسدة ينظر إلى المسمى وإلى قيمة العبد أيهما أكثر على ما ذكرنا ~~الكلام فيه فيما تقدم، وسواء كان الأداء في حياة المولى أو بعد موته إلى ~~ورثته استحسانا، والقياس أن لا يعتق بالأداء إلى الورثة، وجه القياس: أن ~~العتق في الكتابة الفاسدة يقع من طريق التعليق بالشرط؛ لأن في الكتابة معنى ~~المعاوضة ومعنى اليمين، فإذا فسدت بطل معنى المعاوضة فبقي معنى اليمين، ~~واليمين تبطل بموت الحالف، ولأن الكتابة الفاسدة لا توجب زوال ملك المولى، ~~وإذا بقي ملكه، فإذا مات قبل الأداء انتقل إلى ورثته، فلا يعتق بالأداء، ~~وجه الاستحسان: أنها مع كونها فاسدة فيها معنى المعاوضة، والعتق فيها يثبت ~~من طريق المعاوضة لا من طريق التعليق بالشرط، بدليل أنه يجب فيها القيمة، ~~ولو كان العتق فيها بمحض اليمين لكان لا يجب فيها شيء؛ لأن القيمة لم تدخل ~~تحت اليمين، وكذا الولد المنفصل، ومعلوم أن الولد المنفصل عند الشرط لا ~~يدخل تحت اليمين، فثبت أن فساد الكتابة لا يوجب زوال معنى المعاوضة عنها، ~~فثبت العتق فيها من طريق المعاوضة، وأما قوله: إن ملك المولى لا يزول في ~~الكتابة الفاسدة، فنعم لكن قبل قبض البدل، فأما بعد القبض فإنه يزول ذلك ~~عند الأداء. # ولو كاتب أمته كتابة فاسدة فولدت ولدا، ثم أدت عتقت وعتق ولدها معها؛ لما ~~ذكرنا أن الكتابة الفاسدة تعمل ms2452 عمل الصحيح عند اتصال القبض به، والأولاد ~~يدخلون في الكتابة الصحيحة كذا في الفاسدة، فإن ماتت الأم قبل أن تؤدي لم ~~يكن عمل ولدها أن يسعى؛ لأن الولد قائم مقام الأم، ثم الأم لا تجبر على ~~السعاية كذلك الولد، لكنه إذا سعى فيما على أمه يعتق استحسانا، والقياس أن ~~لا يعتق، وهو على ما ذكرنا فيما إذا مات المولى فأدت المال إلى # PageV04P158 # ورثته تعتق استحسانا، والقياس أن لا تعتق. # وأما الباطلة وهي التي فاتها شرط من شرائط الانعقاد فلا يثبت بها شيء من ~~الأحكام؛ لأن التصرف الباطل لا وجود له إلا من حيث الصورة كالبيع الباطل ~~ونحوه، فلا يعتق بالأداء إلا إذا نص على التعليق، بأن قال: إن أديت إلي ~~ألفا فأنت حر، فأدى يعتق لكن لا بالمكاتبة، بل بالتعليق بالشرط، ولا يلزمه ~~شيء كما في التعليق بسائر الشروط. ### | [فصل في بيان ما تنفسخ به الكتابة] # (فصل) : # وأما بيان ما تنفسخ به الكتابة: فإنها تنفسخ بالإقالة؛ لأنها من التصرفات ~~المحتملة للفسخ لكون المعاوضة فيها أصلا، فتجوز إقالتها كسائر المعاوضات. # وكذا تنفسخ بفسخ العبد من غير رضا المولى، بأن يقول: فسخت المكاتبة، أو ~~كسرتها سواء كانت فاسدة أو صحيحة، لما ذكرنا أنها وإن كانت صحيحة فإنها غير ~~لازمة في جانب العبد نظرا له، فيملك الفسخ من غير رضا المولى، والمولى لا ~~يملك الفسخ من غير رضا المكاتب؛ لأنها عقد لازم في جانبه. # ، وهل تنفسخ بالموت أما بموت المولى فلا تنفسخ بالإجماع؛ لأنه إن كان له ~~كسب فيؤدى إلى ورثة المولى، وإن لم يكن في يده كسب فيكتسب ويؤدي فيعتق، ~~فكان في بقاء العقد فائدة فيبقى، وإن عجز عن الكسب يزول إلى الرق كما لو ~~كان المولى حيا، وإذا مات المولى فأدى المكاتب مكاتبته، أو بقية منها إلى ~~ورثته وعتق، فولاؤه يكون لعصبة المولى؛ لأن الولاء لا يورث من المعتق بعد ~~موته؛ لما نذكر في كتاب الولاء إن شاء الله تعالى، وإن عجز بعد موت المولى ~~فرد إلى الرق، ثم كاتبه الورثة ms2453 كتابة أخرى فأدى إليهم وعتق، فولاؤه للورثة ~~على قدر مواريثهم؛ لأنه عتق بإعتاقهم، فكان ماله ميراثا بينهم، إذ الولاء ~~يورث به إن كان لا يورث نفسه. # وأما بموت المكاتب فينظر إن مات عن وفاء لا ينفسخ عندنا خلافا للشافعي، ~~وإن مات لا عن وفاء ينفسخ بالإجماع؛ لأنه مات عاجزا فلا فائدة في بقاء ~~العقد فينفسخ ضرورة. # ولا ينفسخ بردة المولى بأن كاتب مسلم عبده، ثم ارتد المولى؛ لأنها لا ~~تبطل بموت المولى حقيقة فبموته حكما أولى أن لا ينفسخ، ولهذا لا تبطل سائر ~~عقوده بالردة كذا المكاتبة، فإن أقر بقبض بدل الكتابة، وهو مرتد، ثم أسلم ~~جاز إقراره في قولهم. # وإن قتل، أو مات على الردة لم يجز في قول أبي حنيفة إذا لم يعلم ذلك إلا ~~بقوله بناء على أن تصرفات المرتد غير نافذة عنده، بل هي موقوفة. # وإن علم ذلك بشهادة الشهود جاز قبضه، وكذا يجوز للمرتد أخذ الدين بشهادة ~~الشهود في كل ما وليه من التصرفات كذا ذكر في الأصل؛ لأن ردته بمنزلة عزل ~~الوكيل فيملك قبض الديون التي وجبت بعقده، كالوكيل المعزول في باب البيع ~~أنه يملك قبض الثمن بعد العزل، وذكر في موضع آخر، ولا يجوز قبض المرتد؛ ~~لأنه إنما يملك لكونه من حقوق العقد، وحقوق هذا العقد وهو المكاتبة لا ~~يتعلق بالعاقد، فلا يملك القبض بخلاف البيع. # وأما على أصلهما فإقراره بالقبض جائز؛ لأن تصرفاته نافذة عندهما، فإن لم ~~يقبض شيئا حتى لحق بدار الحرب، فجعل القاضي ماله ميراثا بين ورثته فأخذوا ~~الكاتبة، ثم رجع مسلما فولاء العبد له؛ لأن ردته مع لحوقه بدار الحرب ~~بمنزلة موته، ولو دفع إلى الورثة بعد موته كان الولاء له كذلك هذا، ويأخذ ~~من الورثة ما قبضوه منه إن وجد بعينه، كما في سائر أملاكه التي وجدها مع ~~الورثة بأعيانها؛ لأن الوارث إنما قبض بتسليط المورث فصار بمنزلة الوكيل ~~والله - عز وجل - أعلم. ### | [كتاب الولاء] ### | [ولاء العتاقة] # (كتاب الولاء) : # الولاء نوعان: ولاء عتاقة، وولاء موالاة أما ولاء العتاقة: ms2454 فلا خلاف في ~~ثبوته شرعا، عرفنا ذلك بالسنة وإجماع الأمة والمعقول. # أما السنة فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء لمن أعتق» وهذا ~~نص، وروي «أن رجلا اشترى عبدا فأعتقه فجاء به إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إني اشتريت هذا فأعتقته فقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: هو أخوك ومولاك، فإن شكرك فهو خير له وشر لك، وإن كفرك فهو ~~خير لك وشر له، وإن مات ولم يترك وارثا كنت أنت عصبته» . # والاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنه جعله عصبة إذا لم يترك وارثا آخر. # والثاني: أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل المعتق مولى المعتق، بقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: هو أخوك ومولاك، ولا يكون مولاه إلا وأن يكون ولاؤه ~~له # PageV04P159 # ونظير هذا الاستدلال استدلالنا بقوله عز وجل: {والله خلقكم وما تعملون} ~~[الصافات: 96] على تقدير تسليم إرادة المعمول من قوله - سبحانه وتعالى - ~~وما تعملون في إثبات خلق الأفعال من الله تبارك وتعالى، أخبر سبحانه أنه ~~خلقهم وخلق معمولهم، ولا معمول بدون العمل فيدل على كون المعمول مخلوق الله ~~عز وجل، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: إن شكرك فهو خير له؛ لأن المعتق لما ~~أنعم الله عليه بالإعتاق فقد وجب عليه الشكر، فإذا شكره فقد أدى ما وجب ~~عليه، فكان خيرا له، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: وشر لك؛ لأنه قد وصل ~~إليه شيء من العوض فأوجب ذلك نقصانا في الثواب؛ لأنه يصير كأنه أعتقه على ~~عوض، فكان ثوابه أقل ممن أعتق ولم يصل إليه على إعتاقه عوض دنيوي أصلا ~~ورأسا، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: وإن كفرك فهو خير لك؛ لأن إعتاقه إذا ~~خلا عن عوض دنيوي يتكامل ثوابه في الآخرة، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~وشر له؛ لأن شكر النعمة واجب عقلا وشرعا، فإذا لم يشكره فقد ترك الواجب، ~~فكان شرا له. # وروي أن معتق بنت حمزة - رضي الله عنه - مات وترك بنتا، فجعل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - نصف ماله لابنته، والنصف ms2455 لابنة حمزة. # وروي عن عمر - رضي الله عنه - وعلي وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد ~~بن ثابت وأبي مسعود الأنصاري وأسامة بن زيد - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: ~~الولاء للكبر، فاتفاق هؤلاء النجباء من الصحابة - رضي الله عنهم - على لفظ ~~واحد بدليل سماعهم ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع ما إن هذا ~~حكم لا يدرك بالقياس، فالظاهر قول السماع، وسيأتي تفسير هذا الحديث في ~~أثناء المسائل إن شاء الله تعالى. # وأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على ثبوت هذا الولاء. # وأما المعقول فمن وجوه: أحدها: أن الإعتاق إنعام إذ المعتق أنعم على ~~المعتق بإيصاله إلى شرف الحرية، ولهذا سمي المولى الأسفل مولى النعمة في ~~عرف الشرع، وكذا سماه الله تعالى إنعاما، فقال - عز وجل - في زيد مولى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه} ~~[الأحزاب: 37] قيل في التفسير أنعم الله عليه بالإسلام وأنعمت عليه ~~بالإعتاق، فجعل كسبه عند استغنائه عنه لمولاه شكرا لإنعامه السابق، ولهذا ~~لا يرث المعتق من المعتق، والثاني: أن المعتق في نصرة المعتق حال حياته، ~~ولهذا كان عقله عليه وعليه أن ينصره بدفع الظلم عنه وبكفه عن الظلم على ~~غيره، فإذا جنى فقد قصر في أحد نوعي النصرة، وهو كفه عن الظلم على غيره ~~فجعل عليه ضمانا للتقصير، فإذا مات جعل ولاؤه لمعتقه جزاء للنصرة السابقة، ~~والثالث أن الإعتاق كالإيلاد من حيث المعنى؛ لأن كل واحد منهما إحياء معنى، ~~فإن المعتق سبب لحياة المعتق باكتساب سبب الأهلية والمالكية والولاية التي ~~يمتاز بها الآدمي عن البهائم، كما أن الأب سبب حياة الولد باكتساب سبب ~~وجوده عادة، وهو الإيلاد، ثم الإيلاد سبب لثبوت النسب، فالإعتاق يكون سببا ~~لثبوت الولاء كالإيلاد، وهذا معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«الولاء لحمة كلحمة النسب» والله - عز وجل - أعلم. # فبعد هذا يقع الكلام في مواضع في بيان سبب ثبوته وفي بيان شرائط الثبوت ~~وفي بيان صفة الثابت وكيفيته وفي بيان قدره ms2456 وفي بيان حكمه وفي بيان ما يظهر ~~له أما. # سبب ثبوته فالعتق سواء كان العتق حاصلا بصنعه، وهو الإعتاق، أو ما يجري ~~مجرى الإعتاق شرعا كشراء القريب وقبول الهبة والصدقة والوصية أو بغير صنعه ~~بأن ورث قريبه وسواء أعتقه لوجه الله، أو لوجه الشيطان وسواء أعتقه تطوعا، ~~أو عن واجب عليه كالإعتاق عن كفارة القتل والظهار والإفطار والإيلاء ~~واليمين والنذر وسواء كان الإعتاق بغير بدل أو ببدل، وهو الإعتاق على مال ~~وسواء كان منجزا أو معلقا بشرط، أو مضافا إلى وقت وسواء كان صريحا أو يجري ~~مجرى الصريح أو كناية أو يجري مجرى الكناية. # وكذا العتق الحاصل بالتدبير والاستيلاد ويستوي فيه صريح التدبير والإعتاق ~~والاستيلاد والكتابة والأصل فيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الولاء ~~لمن أعتقه» من غير فصل وعلى هذا إذا أمر المولى غيره بالإعتاق في حال ~~حياته، أو بعد وفاته أن الولاء للآمر؛ لأن العتق يقع عنه ولو قال لآخر أعتق ~~عبدك عني على ألف درهم فأعتق فالولاء للآمر؛ لأن العتق يقع عنه استحسانا ~~والقياس أن يكون الولاء للمأمور؛ لأن العتق يقع عن المأمور، وهو قول زفر ~~وجه القياس أنه أمر بإعتاق عبد الغير عن نفسه، وهذا لا يصح؛ لأن العتق لا ~~يقع بدون الملك ولا ملك للآمر، بل # PageV04P160 # للمأمور، فكان العتق عنه ولنا أن الأمر بالفعل أمر بما لا وجود للفعل ~~بدونه كالأمر بصعود السطح يكون أمرا بنصب السلم والأمر بالصلاة يكون أمرا ~~بالطهارة ونحو ذلك ولا وجود للعتق عن الآمر بدون ثبوت الملك، فكان أمر ~~المالك بإعتاق عبده عنه بالبدل المذكور أمرا بتمليكه منه بذلك البدل، ثم ~~بإعتاقه عنه تصحيحا لتصرفه كأنه صرح بذلك فقال بعه مني وأعتقه عني ففعل ولو ~~قال أعتق عبدك عني ولم يذكر البدل فأعتق فالولاء للمأمور في قول أبي حنيفة ~~ومحمد؛ لأن العتق عنه، وعند أبي يوسف هذا والأول، سواء وجه قوله على نحو ما ~~ذكرنا في المسألة الأولى ولهما الفرق بين المسألتين، وهو أنه في المسألة ~~الأولى أمكن إثبات ms2457 الملك للآمر بالبدل المذكور بمقتضى الأمر بالإعتاق؛ لأن ~~الملك في البيع الصحيح لا يقف على القبض، بل يثبت بنفس العقد فصار المأمور ~~بائعا عبده منه بالبدل المذكور، ثم معتقا عنه بأمره وتوكيله وأما في ~~المسألة الثانية فلا يمكن إثبات الملك بالتمليك الثابت بطريق الاقتضاء؛ لأن ~~التمليك من غير عوض يكون هبة والملك في باب الهبة لا يثبت بدون القبض، فإذا ~~أعتق فقد أعتق ملك نفسه لا ملك الآمر فيقع عن نفسه، فكان الولاية له فهو ~~الفرق. # ولو قال أعتق عبدك ولم يقل شيئا آخر فأعتق فالولاء للمأمور؛ لأن العتق ~~عنه؛ لأنه عتق عن نفسه لا عن الآمر لعدم الطلب من الآمر بالإعتاق عنه. # ولو قال أعتق عبدك على ألف درهم ولم يقل عني فأعتق توقف على قبول العبد ~~إذا كان من أهل القبول، فإن قبل في مجلس علمه يعتق ويلزمه المال وإلا فلا؛ ~~لأنه لم يطلب إعتاق العبد لنفسه، وإنما طلب إعتاق العبد للعبد، وهو فضولي ~~فيه، فإذا عتق المالك توقف إعتاقه على إجازة العبد كما إذا قال لغيره بع ~~عبدك هذا من فلان على ألف درهم فباعه أنه يتوقف على إجازة فلان كذا هذا ~~وسواء كان المعتق ذكرا أو أنثى لوجود السبب منهما ولعموم قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - «الولاء لمن أعتق، وقال - صلى الله عليه وسلم - ليس للنساء من ~~الولاء إلا ما أعتقن» الحديث والمستثنى من المنفي مثبت ظاهرا، وسواء كان ~~المعتق والمعتق مسلمين أو كافرين، أو كان أحدهما مسلما والآخر كافرا لوجود ~~السبب ولعموم الحديث حتى لو أعتق مسلم ذميا، أو ذمي مسلما فولاء المعتق ~~منهما للمعتق لما قلنا إلا أنه لا يرثه لانعدام شرط الإرث، وهو اتحاد الملة ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا يتوارث أهل ملتين بشيء» ، وقال - صلى ~~الله عليه وسلم - «لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن» ويجوز أن يكون ~~الولاء ثابتا لإنسان ولا يرث به لانعدام شرط الإرث به على ما نذكر حتى لو ~~أسلم الذمي منهما قبل موت المعتق، ثم ms2458 مات المعتق يرث به لتحقيق الشرط، وكذا ~~لو كان للذمي الذي هو معتق العبد المسلم عصبة من المسلمين بأن كان له عم ~~مسلم، أو ابن عم مسلم فإنه يرث الولاء؛ لأن الذمي يجعل بمنزلة الميت، وإن ~~لم يكن له عصبة من المسلمين يرد إلى بيت المال. # ولو كان عبد مسلم بين مسلم وذمي فأعتقاه، ثم مات العبد فنصف ولائه ~~للمسلم؛ لأن المسلم يرث المسلم والنصف الآخر لأقرب عصبة الذمي من المسلمين ~~إن كان له عصبة مسلم، وإن لم يكن يرد إلى بيت المال. # ولو أعتق حربي عبده الحربي في دار الحرب لم يصر بذلك مولاه حتى لو خرجا ~~إلى دار الإسلام مسلمين لا ولاء له، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه لا ~~يعتق عندهما؛ لأنه لا يعتق بكلام الإعتاق، وإنما يعتق بالتخلية والعتق ~~الثابت بالتخلية لا يوجب الولاء، وعند أبي يوسف يصير مولاه ويكون له ولاؤه؛ ~~لأن إعتاقه بالقول قد صح في دار الحرب، وكذلك لو دبره في دار الحرب فهو على ~~هذا الاختلاف ولا خلاف في أن استيلاده جائز وتصير الجارية أم ولد له لا ~~يجوز بيعها لما ذكرنا فيما تقدم أن مبنى الاستيلاد على ثبوت النسب والنسب ~~يثبت في دار الحرب. # ولو أعتق مسلم عبدا له مسلما أو ذميا في دار الحرب فولاؤه له؛ لأن إعتاقه ~~جائز بالإجماع. # وإن أعتق عبدا له حربيا في دار الحرب لا يصير مولاه عند أبي حنيفة؛ لأنه ~~لا يعتق بالقول، وإنما يعتق بالتخلية. # وعند أبي يوسف يصير مولاه لثبوت العتق بالقول وقول محمد فيه مضطرب حتى لو ~~أسلم العبد في دار الحرب وخرجا مسلمين إلى دار الإسلام فلا ولاء للمعتق على ~~المعتق وللمعتق أن يوالي من شاء عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف يرث المعتق ~~من المعتق وله ولاؤه إذا خرجا مسلمين، وإن سبي العبد المعتق كان مملوكا ~~للذي سباه في قولهم جميعا ولا يخلو إما أن يكون مملوكا، أو حرا، فإن كان ~~مملوكا # PageV04P161 # كان محلا للاستيلاد والتملك، وكذا إن كان حرا؛ ms2459 لأن الحربي الحر محل ~~للاستيلاد والتملك وعلى هذا يخرج ما إذا دخل رجل من أهل الحرب دار الإسلام ~~بأمان، فإن اشترى عبدا فأعتقه، ثم رجع إلى دار الحرب فسبي فاشتراه عبده ~~المعتق فأعتقه إن كل واحد منهما يكون مولى صاحبه حتى إن أيهما مات ولم يترك ~~عصبة من النسب ورثه صاحبه لوجود سبب الإرث من كل واحد منهما، وهو الإعتاق ~~وشرطه، وكذا الذمي إذا أعتق عبدا له ذميا فأسلم العبد، ثم هرب الذمي المعتق ~~ناقضا للعهد إلى دار الحرب فسبي وأسلم فاشتراه العبد الذي كان أعتقه فأعتقه ~~فكل واحد منهما مولى صاحبه لما قلنا، وكذلك المرأة إذا أعتقت عبدا لها، ثم ~~ارتدت المرأة ولحقت بدار الحرب، ثم سبيت فاشتراها الذي كانت المرأة أعتقته ~~فأعتقها كان الرجل مولى المرأة والمرأة مولاة الرجل لوجود الإعتاق من كل ~~واحد منهما، ثم العتق كما هو سبب ثبوت الولاء للمعتق فهو سبب وجوب العقل ~~عليه حتى لو جنى المعتق كان عقله على المعتق لما ذكرنا أن عليه حفظه، فإذا ~~جنى فقد قصر في الحفظ. # وأما شرط ثبوته. # فلثبوت الولاية شرائط بعضها يعم ولاء العتاقة وولاء ولد العتاقة وبعضها ~~يخص ولاء ولد العتاقة، فأما الذي يعمهما جميعا فهو أن لا يكون للعبد ~~المعتق، أو لولده عصبة من جهة النسب، فإن كان لا يرثه المعتق؛ لأنه يرثه من ~~طريق التعصيب وفي العصبات يعتبر الأقوى فالأقوى ولا شك أن العصبة من جهة ~~النسب أقوى، فكان أولى، وهذا؛ لأن الولاء، وإن كان لحمة كلحمة النسب كما ~~نطق به الحديث لكنه لا يكون مثل حقيقة النسب، فكان اعتبار حقيقة النسب ~~أولى، فإن لم يكن له عصبة من جهة النسب وله أصحاب الفرائض، أو ذوو الأرحام ~~فحكمه يذكر في موضعين إن شاء الله تعالى. # وأما الذي يخص ولد العتاقة فمنها أن تكون الأم معتقة، فإن كانت مملوكة ~~فلا ولاء لأحد عليه ما دام مملوكا سواء كان الأب حرا أو مملوكا؛ لأن الولد ~~يتبع الأم في الرق والحرية، فكان مملوكا لمولى أمه ms2460 فلا يتصور الولاء ومنها ~~أن لا تكون الأم حرة أصلية، فإن كانت فلا ولاء لأحد على ولدها، وإن كان ~~الأب معتقا لما ذكرنا أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية ولا ولاء لأحد ~~على أمه فلا ولاء على ولدها، فإن كانت الأم معتقة والأب معتقا فالولد يتبع ~~الأب في الولاء ويكون ولاؤه لمولى الأب لا لمولى الأم؛ لأن الولاء كالنسب ~~والأصل في النسب هو الأب ومنها أن لا يكون الأب عربيا، فإن كان الأب عربيا ~~والأم مولاة لقوم فالولد تابع للأب ولا ولاء عليه؛ لأن الولاء أثر من آثار ~~الرق ولا رق على عربي ولو كان الأب نبطيا، وهو حر مسلم لم يعتق وله ولاء ~~موالاة، أو لم يكن فالولد يتبع الأم في ولاء العتاقة عند أبي حنيفة ومحمد، ~~وعند أبي يوسف يكون تبعا للأب كما في العربي. # (وجه) قول أبي يوسف إن النسب يشبه النسب والنسب إلى الآباء، وإن كان ~~أضعف. # ألا ترى أن الأم لو كانت من العرب والأب من الموالي فالولد يكون تابعا ~~لقوم الأب ولهما أن ولاء الأم لمواليها لأجل النصرة فيثبت للولد هذه النصرة ~~ولا نصرة له من جهة الأب؛ لأن من سوى العرب لا يتناصرون بالقبائل فصار ~~كمعتقة تزوجت عبدا فيكون ولاء أولادها لمواليها ومنها أن لا يكون للأب مولى ~~عربي، فإن كان لا ولاية لأحد عليه؛ لأن حكمه حكم العربي لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «إن مولى القوم منهم» ومنها أن لا يكون الولد معتقا، فإن ~~كان لا يكون ولاؤه لموالي الأب ولا لموالي الأم، بل يكون لمن أعتقه؛ لأنه ~~إذا أعتق صار له ولاء نفسه لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الولاء لمن أعتق» ~~فلا يكون تبعا لغيره في الولاء، وبيان هذا الأصل يذكر في بيان صفة الولاء. # وأما صفته فله صفات منها أن الإرث به عند وجود سبب ثبوته وشرطه من طريق ~~التعصيب ومعنى هذا الكلام أن المعتق إنما يرث بالولاء مال المعتق بطريق ~~العصوبة ويكون المعتق آخر عصبات المعتق مقدما ms2461 على ذوي الأرحام وعلى أصحاب ~~الفرائض في استحقاق ما فضل من سهامهم حتى إنه لو لم يكن للمعتق وارث أصلا، ~~أو كان له ذو الرحم كان الولاء للمعتق، وإن كان له أصحاب الفرائض فإنه يعطى ~~فرائضهم أولا، فإن فضل شيء يعطى المعتق وإلا فلا شيء له ولا يرد الفاضل على ~~أصحاب الفرائض، وإن كانوا ممن يحتمل الرد عليه، وهذا قول عامة العلماء، وهو ~~قول علي وابن عباس وزيد - رضي الله عنهم -. # وروي عن عمر وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما - أنه لا يرث بطريق ~~التعصيب، وهو مؤخر عن أصحاب الفرائض في # PageV04P162 # استحقاق الفاضل، وعن ذوي الأرحام أيضا واحتجوا بظاهر قوله تعالى {وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض} [الأحزاب: 6] فظاهره يقتضي أن يكون ذو الرحم أولى ~~من العتق. # (وجه) قول الأولين ما روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه جعل ~~ولاء مولى بنت حمزة - رضي الله عنه - بينها وبين بنت معتقها نصفين فقد أقام ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنت حمزة - رضي الله عنه - مقام العصبات ~~حيث جعل النصف الآخر لها ولم يأمر برده على بنت المعتق ولو كان الأمر كما ~~زعموا لأمر - صلى الله عليه وسلم - بالرد كما في سائر المواريث إذا لم يكن ~~هناك عصبة، وقال - صلى الله عليه وسلم - «ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت ~~فلأولى رجل ذكر» وأولى رجل ذكر ههنا هو المولى. # وروي «فلأولى عصبة ذكر، وهو المولى ههنا» . # وأما الآية الكريمة فقال بعضهم في تأويلها أي ذوو الأرحام من العصبة ~~بعضهم أولى ببعض أي الأقرب من ذوي الأرحام من العصبات بعضهم أولى ببعض من ~~الأبعد كالابن مع ابن الابن والأخ لأب وأم مع الأخ لأب ونحو ذلك، وإذا عرف ~~هذا الأصل فبيانه في مسائل إذا مات المعتق وترك أما ومولى فللأم الثلث ~~والباقي للمولى عند الأولين؛ لأنه عصبة، وعند الآخرين الثلث للأم بالفرض ~~والباقي ردا عليها أيضا، وإن ترك بنتا ومولى فللبنت فرضها، وهو النصف ~~والباقي للمولى عند الأولين؛ لأنه عصبة، وعند الآخرين ms2462 النصف للبنت بالفرض ~~والباقي ردا عليها ولو ترك ثلاث أخوات متفرقات وأما وترك مولاه فللأخت للأب ~~والأم النصف وللأخت للأب السدس تكملة الثلثين وللأخت للأم السدس وللأم ~~السدس فقد استغرقت سهامهم الميراث فلم يبق شيء للمولى، وإن ترك امرأة ومولى ~~فللمرأة فرضها، وهو الربع والباقي للمولى بلا خلاف. # وكذا إذا كان المعتق أمة فتركت زوجها ومولى فللزوج فرضه، وهو النصف ~~والباقي للمولى أما على قول الأولين فلأن المولى عصبة، فكان الباقي له. # وأما على قول الآخرين فلأنه لا سبيل إلى الرد إذ لا يرد على الزوج ~~والزوجة. # فإن ترك المعتق عمة وخالة ومولاه فالمال للمولى في قول الأولين؛ لأنه آخر ~~العصبات يقدم على ذوي الأرحام وفي قول الآخرين للعمة الثلثان وللخالة الثلث ~~لتقدم ذوي الأرحام عليه وقس على هذا نظائره وعلى هذا يخرج ما إذا اشترت ~~المرأة عبدا فأعتقته، ثم مات العبد المعتق وترك ابنته فللابنة النصف وما ~~بقي فلمولاته؛ لأنها عصبة، وهذا قول الأولين. # وأما على قول الآخرين فالباقي يرد عليها بالقرابة، وإذا اشترت أباها ~~فعتق، ثم مات الأب وليس له عصبة فلابنته النصف بالنسب وما بقي فلابنته أيضا ~~بحق الولاء بالرد؛ لأنها عصبة الأب في الولاء وعلى قول الآخرين ما بقي يرد ~~عليها بالقرابة، فإن كان الأب أعتق عبدا قبل أن يموت، ثم مات الأب، ثم مات ~~العبد المعتق ولم يترك عصبة فإنها ترثه؛ لأنه معتق معتقها، فكان ولاؤه لها ~~لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن، أو ~~أعتق من أعتقن» الحديث والاستثناء من النفي إثبات ظاهرا، فإن اشترت أختان ~~لأب وأم أباهما، ثم مات الأب ولم يترك عصبة وترك ابنتيه هاتين فللابنتين ~~الثلثان بالنسب وما بقي فلهما أيضا بلا خلاف ولكن عند الأولين بطريق ~~العصوبة لأنهما عصبة وعند الآخرين بطريق الرد، وإن اشترت إحداهما آباهما، ~~ثم مات الأب ولم يترك عصبة وترك ابنتيه هاتين فللابنتين الثلثان بالنسب ~~وللتي اشترت الأب الثلث والباقي خاصة بالولاء في قول الأولين لأنها عصبة ~~وفي قول ms2463 الآخرين الباقي يرد عليهما نصفين فإن اشترتا آباهما، ثم إن إحداهما ~~والأب اشتريا أخا لهما من الأب، ثم مات الأب فإن المال بين الابنتين وبين ~~الابن للذكر مثل حظ الأنثيين لأنه مات حرا عن ابن حر، وعن ابنتين حرتين، ~~فكان الميراث لهم بالقرابة فلا عبرة للولاء في ذلك فإن مات الابن بعد ذلك ~~فلأختيه الثلثان بالنسب والثلث الباقي نصفه للتي اشترته مع الأب خاصة لأن ~~لها نصف ولاء الأخ لأنه عتق بشرائها وشراء الأب، فكان ولاؤه بينهما وما بقي ~~فبينهما نصفان لأنهما مشتركتان في ولاء الأب فصار حصة الأب بينهما نصفين، ~~وهو سدس جميع المال وتخرج المسألة من اثنتي عشر للأختين الثلثان لكل واحدة ~~منهما أربعة أسهم ونصف ثلث الباقي وذلك سهمان للتي اشترته مع الأب بالولاء ~~ونصف الثلث بينهما نصفان بولاء الأب لكل واحدة منهما سهم فصار للتي اشترته ~~سبعة أسهم وللأخرى خمسة أسهم، وهذا على قياس قول علي # PageV04P163 # وابن عباس وزيد - رضي الله عنهم -. # وأما على قياس قول عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما - إذا مات الابن بعد ~~موت الأب فلأختيه الثلثان بالنسب كما قالوا والثلث الباقي يرد عليهما، فإن ~~اشترت إحداهما الأب واشترت الأخرى والأب أخا لهما، ثم مات الأب فالمال بين ~~الابن والابنتين للذكر مثل حظ الأنثيين لما قلنا، فإن مات الأخ بعد ذلك ~~فللأختين الثلثان بالنسب ونصف الثلث الباقي للتي اشترت الأخ مع الأب وما ~~بقي فهو للتي اشترت الأب خاصة فيصير المال بينهما نصفين، وهذا على قول علي ~~وابن عباس وزيد - رضي الله عنهم -، وأما على قول عمر وابن مسعود - رضي الله ~~عنهما - فالثلث الباقي يرد عليهما والله عز وجل الموفق. # ومنها أنه لا يورث من المعتق بعد موته ولا يكون سبيله سبيل الميراث، ~~وإنما يستحقه عصبة المعتق بنفسها وهم الذكور من عصبته لا الإناث ولا الذكور ~~من أصحاب الفرائض والأصل فيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الولاء ~~لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب ولا يورث» أي لا يورث من المعتق ~~لإجماعنا ms2464 على أنه يورث من المعتق ولأن الولاء لما كان سببه النسب، ثم النسب ~~لا يورث نفسه، وإن كان يورث به فكذا الولاء وروينا عن النجباء السبعة - رضي ~~الله عنهم - أنهم قالوا بلفظ واحد الولاء للكبر فالظاهر هو السماع. # فإن لم يكن فقد ظهرت الفتوى بينهم ولم يظهر لهم فيها مخالف فيكون إجماعا ~~ومعنى قولهم الولاء للكبر أي للأقرب، وهو أقرب العصبة إلى المعتق يقال فلان ~~أكبر قومه إذا كان أقربهم إلى الأصل الذي ينسبون إليه. # وإنما شرطنا الذكورة في هذه العصوبة؛ لأن الأصل في العصبة هم الذكور إذ ~~العصبة عبارة عن الشدة والقوة قال الله تبارك وتعالى خبرا عن بني يعقوب - ~~عليهم الصلاة والسلام - {إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن ~~عصبة} [يوسف: 8] أي جماعة أقوياء أشداء قادرون على النفع والدفع، وهذا قول ~~عامة العلماء، وعن إبراهيم النخعي وشريح أن الولاء يجري مجرى المال فيورث ~~من المعتق كما يورث سائر أمواله إلا أنه إنما يرث منه الرجال لا النساء ~~بالنص، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «ليس للنساء إلا ما أعتقن» ~~الخبر وكان شريح يقول من أحرز شيئا في حياته فهو لورثته بعد موته واحتجا ~~بما روي عن الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم قالوا من أحرز المال أحرز ~~الولاء فقد أنزلوه منزلة المال فدل على أن حكمه حكم المال والجواب أن معنى ~~قولهم من أحرز المال أحرز الولاء أي من أحرز المال من عصبة المعتق يوم موت ~~المعتق أحرز الولاء أيضا بدليل أن المرأة تحرز المال ولا تحرز الولاء ~~بالإجماع وبالحديث فعلم أن المراد منع العصبات وبه نقول ولأن في الحمل على ~~ما قلنا عملا بالدلائل بقدر الإمكان فهو أولى، ثم بيان هذا في الأصل في ~~مسائل في رجل أعتق عبدا له، ثم مات المعتق وترك ابنين، ثم مات أحد الابنين ~~وترك ابنا، ثم مات العبد المعتق فولاؤه لابن المعتق لصلبه لا لابن ابنه؛ ~~لأنه الأكبر إذ هو أقرب عصبات المعتق بنفسها والأصل أنه يعتبر كون المستحق ms2465 ~~عصبة يوم موت المعتق لا يوم موت المعتق ويعتبر له الكبر من حيث القرب لا من ~~حيث السن ألا ترى أن الابن قد يكون أكبر سنا من عمه الذي هو ابن المعتق، ~~وهذا على قول عامة العلماء. # وأما على قول إبراهيم وشريح فالمال بين ابن المعتق وبين ابن ابنه نصفين؛ ~~لأنه يجري مجرى الميراث عندهما فكما مات المعتق فقد ورثاه جميعا فانتقل ~~الولاء إليهما، ثم إذا مات أحدهما انتقل نصيبه إلى ولده كما في ميراث ~~المال، فإن مات الابن الباقي وترك ابنا، ثم مات المعتق فالولاء بين ابن هذا ~~الميت وبين ابن الميت الأول نصفين بلا خلاف أما على قول عامة العلماء ~~فلاستوائهما في العصوبة. # وأما على قول إبراهيم النخعي وشريح فلانتقال نصيب كل واحد منهما إلى ولده ~~ولو كان الأول حين مات ترك ابنين، ثم مات الباقي وترك ابنا واحدا، ثم مات ~~المعتق فالولاء بين ابن هذا وابني الأول يكون ثلاثا عندنا لاستواء الكل في ~~العصوبة، وعندهما الولاء بينهما نصفين النصف لابن هذا والنصف الآخر بين ~~ابني الأول نصفين؛ لأنهما يجعلان لكل ولد واحد حصة أبيه، فإن مات المعتق ~~وترك ثلاثة بنين فمات البنون وترك أحدهم ابنا واحدا وترك الآخر خمسة بنين ~~وترك الثالث عشرة بنين، ثم مات العبد المعتق وترك مالا فماله بين أولاد ~~البنين بالسوية على عدد الرءوس في قول عامة العلماء لاستوائهم في العصوبة ~~والقرب من المعتق وعلى قول إبراهيم وشريح المال بينهم أثلاثا ثلث لابن # PageV04P164 # الابن الواحد والثلث الآخر بين الخمسة بني الابن والثلث الآخر بين العشرة ~~بني الابن فتصح فريضتهم من ثلاثين سهما لابن الابن الواحد عشرة وعشرة بين ~~بني الابن الآخر على خمسة وعشرة بين بني الابن الآخر، وهو الثالث على عشرة، ~~ولو أعتق رجل هو وابنه عبدا، ثم مات الرجل وترك ابنين أحدهما شريكه في ~~الإعتاق، ثم مات العبد المعتق فنصف الولاء لابنه الذي هو شريك أبيه خاصة؛ ~~لأنه شريكه في الإعتاق والنصف الباقي بينهما نصفان؛ لأن ذلك حصة أبيه فيكون ~~بينهما ms2466 بالسوية فيصير الولاء بينهما على أربعة أسهم ثلاثة أرباعه للابن ~~الذي كان شريك أبيه والربع للآخر، فإن مات شريك أبيه قبل العبد وترك ابنا، ~~ثم مات العبد المعتق فلابن الابن نصف الولاء الذي كان لأبيه خاصة والنصف ~~الآخر للابن وحده؛ لأنه الكبر من عصبة الأب، فكان أحق بنصيبه من الولاء ~~فيصير نصف الولاء للعم ونصفه لابن أخيه، فإن مات العم وترك ابنين، ثم مات ~~العبد المعتق فنصف الولاء لابن شريك أبيه خاصة والنصف الآخر بينه وبين ابني ~~عمه أثلاثا لكل واحد منهم الثلث فيصير لابن شريك أبيه الثلثان ويصير لابني ~~عمه الثلث لكل واحد منهما السدس، فإن مات المعتق وترك ابنا وأبا، ثم مات ~~العبد المعتق فالولاء للابن وابن الابن، وإن سفل لا للأب في قول أبي حنيفة ~~ومحمد وعامة الفقهاء، وعند أبي يوسف سدسا الولاء للأب والباقي للابن، وهو ~~قول إبراهيم النخعي وشريك، وهذا على أصلهما صحيح؛ لأنهما ينزلان الولاء ~~منزلة الميراث والحكم في الميراث هذا، وإنما المشكل قول أبي يوسف؛ لأنه لا ~~يحل ما يتركه المعتق بعد موته محل الإرث، بل يجعله لعصبة المعتق بنفسها ~~والأب لا عصوبة له مع الابن، بل هو صاحب فريضة كما في ميراث المال، فكان ~~الابن هو العصبة، فكان الولاء له. # فإن مات المعتق وترك أبا وثلاثة إخوة متفرقين أخا لأب وأم وأخا لأب وأخا ~~لأم، ثم مات العبد المعتق فالولاء للأب خاصة؛ لأنه العصبة، فإن مات الأب، ~~ثم مات العبد المعتق فالولاء للأخ من الأب والأم؛ لأنه أقرب العصبات إلى ~~المعتق، فإن مات الأخ من الأب والأم وترك ابنا فإن الولاء يرجع إلى الأخ ~~لأب؛ لأنه الكبر، فإن مات الأخ من الأب وترك ابنا فإن الولاء يرجع إلى ابن ~~الأخ للأب والأم؛ لأنه أقرب، فإن مات ابن الأخ من الأب والأم وترك ابنا فإن ~~الولاء يرجع إلى ابن الأخ من الأب؛ لأنه أقرب، فإن مات ابن الأخ من الأب ~~وترك ابنا فإن الولاء يرجع إلى ابن ابن الأخ من الأب والأم؛ لأنه ms2467 أقرب ولا ~~يرث الأخ من الأم ولا أحد من ذوي الأرحام شيئا من الولاء لما بينا فيما ~~تقدم ولو مات المعتق وترك جده أبا أبيه وأخاه لأبيه وأمه أو لأبيه فالولاء ~~للجد لا للأخ في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد الولاء بين الجد والأخ ~~نصفان بناء على أنه لا ميراث للأخ مع الجد عنده، وعندهما يورثان الأخ مع ~~الجد بالتعصيب، فإن مات المعتق وترك ابنا وبنتا، ثم مات العبد المعتق ~~فالولاء للابن لا للبنت؛ لأن الابن هو العصبة بنفسه لا البنت ولقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من ~~أعتقن، أو كاتبن، أو كاتب من كاتبن» ولم يوجد ههنا المستثنى فبقي استحقاقها ~~الولاء على أصل النفي وجملة الكلام فيه أن النساء لا يرثن بالولاء إلا ما ~~أعتقن، أو أعتق من أعتقن، أو كاتبن، أو كاتب من كاتبن أو دبرن، أو دبر من ~~دبرن وأولادهم وأولاد أولادهم، وإن سفلوا إذا كانوا من امرأة معتقة، أو ما ~~جر معتقهن من الولاء إليهن، وبيان هذه الجملة امرأة أعتقت عبدا لها، ثم مات ~~العبد ولا وارث له فولاؤه للمرأة لقوله - صلى الله عليه وسلم - خاصة في ~~النساء «ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن» ، وهذا معتقها ولعموم قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - «الولاء لمن أعتق» ومن تعم الذكر والأنثى فلو أن ~~معتقها أعتق عبدا له، ثم مات العبد الأسفل ولم يترك وارثا فولاؤه لمولاه ~~الذي أعتقه ولا يرث مولاه منه شيئا؛ لأنه معتق مولاه وليس بمعتقها حقيقة، ~~بل معتق معتقها، فكان إثبات الولاء للمعتق حقيقة أولى، فإن مات العبد ~~الأعلى ولم يترك عصبة، ثم مات العبد الأسفل فولاؤه للمرأة المعتقة؛ لأنه ~~معتق معتقها فيدخل تحت قوله - صلى الله عليه وسلم - «أو أعتق» من أعتقن ولو ~~ترك العبد الأعلى عصبة فماله لعصبته لما ذكرنا أن شرط الإرث بالولاء أن لا ~~يكون للمعتق عصبة من النسب، وكذلك لو أن المعتق الثاني أعتق ثالثا والثالث ~~أعتق رابعا ms2468 فميراثهم كلهم إذا ماتوا لها إذا لم يخلف من مات منهم مولى أقرب ~~إليه منها ولا عصبة ولو كاتبت # PageV04P165 # المرأة عبدا لها فأدى فعتق ثم مات العبد المكاتب فولاؤه لها؛ لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - «أو كاتبن» وكذا لو كان العبد المكاتب كاتب عبدا له ~~من أكسابه فأدى الأسفل أولا فعتق، كان ولاؤه لها؛ لأن الأعلى ليس من أهل ~~الولاء لأنه عبد مملوك بعد، وكذا إذا أديا جميعا معا فعتقا فولاؤهما لها ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - «أو كاتب» من كاتبن وكذا إذا دبرت امرأة عبدا ~~لها فماتت ثم مات العبد، كان ولاؤها منها حتى يكون للذكور من عصبتها وكذا ~~إذا ماتت المرأة حتى عتق المدبر بموتها فدبر عبدا له فولاؤه يكون لعصبتها، ~~وكذا ولاء أولادها وولاء أولاد أولادهم الذين ولدوا من امرأة معتقة يكون ~~لها؛ لأن ولاءهم يثبت لآبائهم، وولاء آبائهم لها، كذا ولاء أولادهم. # امرأة زوجت عبدها بمولاة قوم فولدت ولدا فولاء الولد يكون لمولى أمه ولا ~~يكون للمرأة منه شيء، وهذا مما لا يشك فيه؛ لأن أبا الولد ليس بمعتق بل هو ~~عبد مملوك ولا يتصور ولاء العتاقة بدون العتق فلو أعتقت المرأة عبدها جر ~~العبد المعتق ولاء الولد إلى مولاته حتى لو مات الولد ولا وارث له كان ماله ~~لأبيه، فإن لم يكن له أب فإن كان مات فولاؤه للمرأة التي أعتقت أباه، هذا ~~تفسير جر موالي النساء الولاء إليهن والله عز وجل أعلم. # امرأة أعتقت عبدا لها ثم ماتت ثم مات العبد المعتق فولاء معتقها لولدها ~~الذكور إن كانوا من عصبتها، وعقله عليهم أيضا بلا خلاف، وإن كانوا من غير ~~عصبتها فولاء معتقها لولدها الذكور الذين هم من غير عصبتها، وعقله على سائر ~~عصبتها دون ولدها فإن انقرض ولدها وخلفوا عصبة لهم ليسوا من قوم المرأة ~~المعتقة ولها عصبة كان لعصبتها دون عصبة ابنها؛ لأن الولاء للكبر، وأنه لا ~~يورث، وكذلك ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: يرجع الولاء إلى ~~عصبتها ms2469 إذا انقطع ولدها الذكور وهو قول عامة العلماء، وإذا لم يكن لها عصبة ~~من نسب وكان لها موال أعتقوها فالولاء لمواليها، وكان شريح يجعل الولاء بعد ~~بنيها لعصبة البنين دون عصبتها؛ لأنه يجعل الولاء ميراثا كالمال، وبيان هذه ~~الجملة امرأة أعتقت عبدا ثم ماتت وتركت ابنا وأخا لها، ثم مات العبد ~~المعتق، فماله لابنها لا لأخيها بلا خلاف، فإن مات ابنها وترك أخا له وأباه ~~فإن الولاء للخال دون الأب؛ لأن الخال أخ المعتقة وهو عصبتها والأب لا ~~قرابة بينه وبين المعتقة، وعلى قول شريح الولاء الذي للأخ ينبغي أن يكون ~~للأب لا للخال؛ لأن الأب عصبة الابن، وكذلك إذا مات الابن وترك أخا لأب أو ~~عما أو جدا من قبل أبيه أو ترك ابن عم أو ترك موالي أبيه فهذا كله سواء، ~~والولاء يرجع إلى عصبة الأم، الأقرب منهم فالأقرب إن كان لها بنو عم يرجع ~~إليهم، وإن لم يكن وكان لها موال أعتقوها يرجع الولاء إليهم، وفي قول شريح ~~لا يرجع الولاء، ويمضي على جهته، وعن الشعبي وابن أبي ليلى إن الولاء ~~للذكور من ولدها، والعقل عليهم أيضا دون سائر عصبة المعتقة، وقالا كما ~~يرثونه كذلك يعقلون عنه؛ لأن الخراج بالضمان والصحيح قول العامة لما أن ~~عليا والزبير - رضي الله عنهما - اختصما إلى عمر - رضي الله عنه - في ولاء ~~مولى صفية بنت عبد المطلب فقال الزبير: هي أمي فأنا أرثها ولي ولاؤها، وقال ~~علي: هي عمتي وأنا عصبتها، وأنا أعقل عنها فلي ولاؤها فقضى عمر - رضي الله ~~عنه - بالولاء للزبير، وبالعقل على علي - رضي الله عنه -. # والمعنى فيه أن استحقاق الميراث بالعصوبة، والابن في ذلك مقدم على الأخ ~~وابن العم وأما العقل فبالتناصر. # ألا ترى أن أهل الديوان يتعاقلون بالتناصر ولا ميراث بينهم ولا عصوبة، ~~والتناصر لها ولمولاها بقوم أبيها لا بابنها؟ كذلك كان العقل عليهم واعتبار ~~العقل بالميراث غير سديد؛ لأن العقل ليس يتبع الميراث لا محالة ألا ترى أن ~~الرجل يرثه ولده الذكور والإناث وأخواته ولو ms2470 جنى جناية لها عقل كان عقلها ~~على عصبته دون ولده وأخواته؟ ولو أعتق أمة له ثم غرقا جميعا ولا يدري أيهما ~~مات أولا، لم يرث المولى منها وكان ميراثه لعصبة المولى إن لم يكن لها ~~وارث، وأصل المسألة أن الغرقى والهدمى لا يرث بعضهم بعضا عندنا، وهو قول ~~عامة الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لأن كل أمرين حادثين لا يعرف تاريخهما ~~يجعل كأنهما وقعا معا والمسألة تعرف في كتاب الفرائض. # ومنها أنه لازم حتى لا يقدر المعتق على إبطاله حتى لو أعتق عبده سائبة، ~~بأن أعتقه وشرط أن يكون سائبة لا ولاية له عليه، كان شرطه باطلا وولاؤه له ~~عند عامة العلماء وقال مالك: ولاؤه لجميع المسلمين والصحيح قول العامة؛ ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الولاء لمن أعتق» . # وكذا لا يملك نقله إلى غيره حتى لا يجوز بيعه # PageV04P166 # وهبته والتصدق به، والوصية وهذا قول عامة العلماء. # وقال بعضهم: يملك نقله بالبيع وغيره واحتجوا بما روي أن أسماء - رضي الله ~~عنها - أعتقت عبدا فوهبت الولاء لابن مسعود - رضي الله عنهما -. # ولنا قوله - صلى الله عليه وسلم - «: الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ~~ولا يوهب» . # ولأن محل هذه التصرفات المال، والولاء ليس بمال فلا يجوز بيعه كالنسب. # وأما ما روي عن أسماء - رضي الله عنها - فيحتمل أن يكون معناه وهبت له ما ~~استحقت بالولاء وهو المال فرواه الراوي ولاء لكونه مستحقا بالولاء أو يحمل ~~على هذا توفيقا بين الدلائل، وكذا إذا باع عبدا وشرط على المشتري أن يكون ~~ولاؤه له فالشرط باطل ويكون ولاؤه للمشتري إذا أعتق عبده وشرط أن يكون ~~ولاؤه لجماعة المسلمين لم يصح، ويكون ولاؤه له لما روي «أن عائشة - رضي ~~الله عنها - لما اشترت بريرة شرط عليها أن يكون ولاؤها لمواليها فخطب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقال في خطبته ما بال أقوام يشترطون شروطا ~~ليست في كتاب الله تعالى كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وإن كان ~~مائة شرط» وهل يحتمل الولاء التحول من ms2471 محل إلى محل؟ ينظر فيه إن ثبت بإيقاع ~~العتق فيه لا يتحول أبدا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الولاء لمن أعتق» ~~ألزم الولاء المعتق وإن ثبت بحصول العتق لغيره، تبعا يتحول إذا قام دليل ~~التحول، وبيان هذه الجملة عند تزوج أمة لقوم فولدت منه ولدا فأعتقها مولاها ~~وولدها أو كانت حبلى به حين أعتقها أو أعتقها فولدت بعد العتق لأقل من ستة ~~أشهر، أو كانت معتدة من طلاق أو موت فولدت لتمام سنتين من يوم الموت أو ~~الطلاق وقد أعتق الأب رجل آخر كان ولاء الولد للذي أعتقه مع أمه، ولا يتحول ~~إلى مولى أبيه وإن أعتق أبوه بعد ذلك؛ لأنه لما أعتقهما فقد ثبت ولاء الولد ~~بإيقاع العتق فيه فلا يحتمل التحول، وكذا إذا أعتقها وهي حبلى لما قلنا، ~~وكذا إذا أعتقها ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت الإعتاق لأنا تيقنا ~~بكونه في البطن وقت الإعتاق؛ لأن الولد يولد لأقل من ستة أشهر فيثبت ولاؤه ~~بالإعتاق فلا يتحول، ولو جاءت بولد لستة أشهر فصاعدا يتحول ولاؤه إلى موالي ~~الأب؛ لأنا لم نعلم يقينا أنه كان في البطن وقت إعتاق الأم فيجعل كأنها ~~حبلت بعد العتق فيكون حرا تبعا للأم، ويثبت له الولاء من موالي أمه على جهة ~~التبعية، وولاء الولد إذا ثبت لموالي الأم على وجه التبعية يتحول إلى موالي ~~الأب إذا أعتق الأب لما نذكر إن شاء الله عز وجل وإذا كانت الأم معتدة من ~~طلاق أو موت فإن نسب الولد يثبت إلى سنتين؛ لأن الوطء كان حراما فيجعل مدة ~~الحمل سنتين ويحكم بكون الولد في البطن يوم الإعتاق، فإذا حكمنا بوجوده يوم ~~الإعتاق يثبت الولاء بالإعتاق فلا يتحول إلى غيره وإذا كانت المعتقة تحت ~~مملوك فولدت عتق الولد بعتقها؛ لأن الولد يتبع الأم في الرق والحرية فإن ~~أعتق أبوه جر ولاء الولد إلى مولاه. # هكذا روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: إذا كانت الحرة تحت ~~مملوك فولدت عتق الولد بعتقها، ms2472 فإذا أعتق أبوه جر الولاء. # وعن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - أنه أبصر فتية لعساء أعجبه ظرفهم، ~~وأمهم مولاة لرافع بن خديج - رضي الله عنه - وأبوهم عبد لبعض (الحرقة) من ~~جهينة أو لبعض أشجع فاشترى الزبير أباهم فأعتقه، ثم قال: انتسبوا إلي، وقال ~~رافع: بل هم موالي فاختصما إلى عثمان - رضي الله عنه - في ولاء الولد فقضى ~~بولائهم للزبير. # يعني أن الأب جر ولاء ولده إلى مولاهم وهو الزبير حين أعتقه الزبير وكان ~~ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد فيكون ~~إجماعا ولأن الأصل في الولاء هو الأب لأن الولاء لحمة كلحمة النسب، والأب ~~هو الأصل في النسب حتى ينسب الولد إلى الأب ولا ينسب إلى الأم إلا عند تعذر ~~النسبة إلى الأب، وكذا في اعتبار الولاء وإنما يعتبر جانب الأم عند تعذر ~~الاعتبار من جانب الأب بأن لم يكن من أهل الولاء ولا تعذر ههنا فيعتبر ~~جانبه، ولأن الإرث بالولاء من طريق العصوبة، والتعصيب من قبل الأب أقوى ~~فكان أولى، ولو مات الأب عبدا ولم يعتق كان ولاء ولده لموالي الأم أبدا ~~لتعذر اعتبار جانب الأب. # وأما الجد فهل يجر ولاء الحافد بأن كان للأب الذي هو عبد أب عبد، وهو جد ~~الصبي فأعتق الجد، والأب عبد على حاله قال عامة العلماء: لا يجر ولا يكون ~~مسلما بإسلام الجد، وولاء أولاد ابنه العبد لموالي الأم لا لموالي الجد، ~~وقال الشعبي: يجر، ويكون مسلما بإسلام الجد، وجه قوله: إن الجد يقوم مقام ~~الأب في الولاية فإن الأب إذا كان عبدا تتحول الولاية إلى الجد، فكذا يقوم ~~مقامه في جر الولاء والإسلام، ولنا أن الأب # PageV04P167 # فاصل بين الابن والجد، فلا يكون الابن تابعا له في الولاء والإسلام، لأن ~~الجد لو جر الولاء لكان لا يثبت الولاء لموالي الأم رأسا، إذ لا شك أن أصله ~~يكون حرا أما من الجد أي لأبيه أو من قبله من الأجداد إلى آدم - صلى الله ~~عليه وسلم - فلما ثبت ms2473 الولاء لموالي الأم في الجملة ثبت أن الجد لا يجر، ~~وكذا لا يصير مسلما بإسلام الجد؛ لأنه لو صار مسلما بإسلامه لصار مسلما ~~بإسلام جد الجد، ولكان الناس كلهم مسلمين بإسلام آدم - صلى الله عليه وسلم ~~- وينبغي أن لا يجوز استرقاق أحد، والمعلوم بخلافه فثبت أن القول بجعل ~~الولد تابعا للجد في الولاء باطل. # وأما بيان قدره فالولاء يثبت بقدر العتق؛ لأن سبب ثبوته العتق، والحكم ~~يتقدر بقدر السبب، وبيانه في العبد المشترك بين اثنين أعتق أحدهما نصيبه ~~وهو موسر أو معسر وقد ذكرنا الاختلاف فيه في كتاب العتاق بناء على تجزؤ ~~العتق وعدم تجزئه والله أعلم. # وأما بيان حكم الولاء فله أحكام: منها الميراث وهو أن يرث المعتق مال ~~المعتق لما ذكرنا من الأدلة، ويرث مال أولاده عند وجود شرط الإرث وهو ما ~~ذكرنا. # ومنها تحمل العقل للتقصير في النصرة والحفظ، ومنها ولاية الإنكاح؛ لأنه ~~آخر العصبات، ثم إذا ورث المعتق مال المعتق فإن كان العتق معلوما يدفع ~~إليه، وإن لم يعلم توقف الولاء؛ كما إذا اشترى رجل عبدا ثم إن المشتري أقر ~~أن البائع كان قد أعتقه قبل أن يبيعه فهو حر وولاؤه موقوف إذا جحد البائع ~~ذلك، فإن صدقه بعد ذلك لزمه الولاء وعليه أن يرد الثمن على المشتري، وكذا ~~إن صدقه ورثته بعد موته. # أما حرية العبد فإن إعتاق البائع إن لم يثبت في حق البائع بإقرار المشتري ~~لتكذيب البائع إياه فقد ثبت في حقه؛ لأنه في إقراره على نفسه مصدق إن لم ~~يصدق على غيره، فيثبت إعتاق البائع حقه، فيثبت حرية العبد في حقه لكن ليس ~~له أن يرجع بالثمن على البائع؛ لأن إقراره بالإعتاق لم ينفذ في حقه لتكذيبه ~~إياه، فلم يثبت عتق العبد في حقه. # وأما كون الولاء موقوفا فلأنه لا يمكن إثباته للمشتري؛ لأنه لم يوجد منه ~~الإقرار بإعتاق العبد عن نفسه، ولا يمكن إثباته للبائع؛ لأن إقرار المشتري ~~لم ينفذ عليه فلم يكن العتق معلوما، فبقي ولاء العبد موقوفا على تصديق ms2474 ~~البائع له وورثته، فإن صدقه البائع لزمه الولاء؛ لوجود الإعتاق منه ~~بإقراره، ولزمه رد الثمن إلى المشتري، لأنه تبين أنه باع حرا، وكذا إذا مات ~~البائع فصدقه ورثة المشتري؛ لأن ورثته قاموا مقام الميت فصار تصديقهم ~~كتصديق الميت، هذا إذا أقر المشتري بإعتاق البائع فإنه أقر بتدبيره وأنكر ~~البائع فمات البائع عتق العبد؛ لأن إقرار المشتري بالتدبير من البائع إقرار ~~منه بإعتاقه العبد بعد موته، فإذا مات نفذ إقراره في حقه إن لم ينفذ في حق ~~البائع لما قلنا، فيحكم بحرية العبد على المشتري، وولاؤه يكون موقوفا لما ~~قلنا إلا إذا صدقه ورثة البائع بعد موته فيلزم الولاء البائع استحسانا، ~~والقياس أن لا يلزمه في هذا، وفي الوجه الأول أيضا، وجه القياس أن ولاء ~~الميت لم يثبت فالورثة بالتصديق يريدون إثبات ولاء لم يثبت فلا يملكون ذلك ~~كما لا يملكون إثبات النسب، وجه الاستحسان: أن تصديقهم إقرار منهم بما ~~يملكون إنشاء سببه في الحال؛ لأنهم يملكون إعتاق العبد للحال فكان إقرارا ~~على أنفسهم بثبوت الولاء لهم في الحقيقة فيصح إقرارهم في حق أنفسهم بثبوت ~~الولاء، وكذلك أمة بين رجلين شهد كل واحد منهما أنها أم ولد من صاحبه، ~~وصاحبه ينكر، فإذا مات أحدهما عتقت الجارية، وولاؤها موقوف أما العتق فلأن ~~كل واحد منهما أقر على صاحبه بعتقها عند موت صاحبه، فيصح إقرار كل واحد ~~منهما في حق نفسه ويكون ولاؤها موقوفا؛ لأن كل واحد منهما نفى الولاء عن ~~نفسه وألحقه بصاحبه فانتفى عن نفسه ولم يلحق بصاحبه فبقي موقوفا، وكذلك عبد ~~بين رجلين، قال كل واحد منهما لصاحبه: إنك قد أعتقت هذا العبد وجحد الآخر ~~فالعبد حر وولاؤه موقوف، حتى لو مات وترك مالا لم يرثه واحد منهما، ويوقف ~~في بيت المال إلى أن يصدق أحدهما صاحبه لما قلنا، وعلى هذا مسائل ثم كل ~~ولاء موقوف فميراثه يوقف في بيت المال، وجناية العبد على نفسه لا يعقل عنه ~~بيت المال، وإنما يوقف ميراثه ببيت المال؛ لأن ولاءه موقوف لا يعرف ms2475 لمن هو ~~فكان ميراثه موقوفا أيضا؛ لأنه يثبت به فيوقف في بيت المال كاللقطة. # وأما جنايته فإنما لا تتحمل عنه ببيت المال؛ لأن له عاقلة غير بيت المال ~~وهو نفسه، فلا يجوز حمل عقله على بيت المال ويصير هو عاقلة نفسه في هذه ~~الحالة لجهالة مولاه، بخلاف # PageV04P168 # الميراث فإنه لا يمكن إثباته لغير مستحقه، ولا يستحق إلا أحدهما وهو غير ~~معلوم فيوضع في بيت المال ضرورة، وهذا بخلاف اللقيط إنه يرثه بيت المال ~~ويعقل عنه أيضا؛ لأن ههنا ولاءه كان ثابتا من إنسان إلا أنه لا يعرف، وإنما ~~يجعل العقل على بيت المال إذا لم يكن له ولاء ثابت إلا أن ميراثه يوضع في ~~بيت المال؛ لأنه مال ضائع ولا يثبت ولاء اللقيط من أحد فكان عقله على بيت ~~المال، كما أن ميراثه لبيت المال والله عز وجل أعلم. # وأما بيان ما يظهر به الولاء. # فالولاء يظهر بالبينة مرة، وبالإقرار أخرى. # أما البينة فنحو أن يدعي رجل أنه وارثه بولاء العتاقة فيشهد له شاهدان أن ~~هذا الحي أعتق هذا الحي أو أعتق الميت، وهو يملكه وهو وارثه، ولا يعلمون له ~~وارثا غيره جازت الشهادة؛ لأنهم شهدوا شهادة مفسرة، لا جهالة فيها. # فقبلت ولو شهدا أن الميت مولاه، وأنه وارثه لا وارث له غيره لم تجز ~~الشهادة حتى يفسر الولاء؛ لأن الولاء يختلف، قد يكون ولاء عتاقة، وقد يكون ~~ولاء موالاة، وأحكامها تختلف، فما لم يفسر كان مجهولا فلا يقبل الشهادة ~~عليه، وكذلك لو شهدوا أن الميت مولاه مولى العتاقة أيضا لم يجز؛ لأن مولى ~~العتاقة نوعان أعلى وأسفل، واسم المولى يستعمل في كل واحد منهما على ~~السواء، فلا تقبل الشهادة إلا بالبيان والتفسير، ولو ادعى رجلان ولاءه ~~بالعتق، وأقام كل واحد منهما بينة جعل ميراثه بينهما؛ لأنهما استويا في سبب ~~الاستحقاق وهو الدعوى والحجة فيستويان في الاستحقاق، ولو وقتا وقتا فالسابق ~~وقتا أولى؛ لأنه أثبت العتق في وقت لا ينازعه فيه صاحبه وكان الثاني مستحقا ~~عليه ولو كان هذا في ms2476 ولاء الموالاة كان صاحب الوقت الآخر أولى؛ لأن ولاء ~~الموالاة يحتمل النقض والفسخ، فكان عقد الثاني نقضا للأول إلا أن يشهد شهود ~~صاحب الوقت الأول أنه كان قد عقل عنه؛ لأنه حينئذ لا يحتمل النقض فأشبه ~~ولاء العتاقة، وإن أقام رجل البينة أنه أعتقه وهو يملكه لا يعلمون له وارثا ~~سواه فقضى له القاضي بميراثه وولائه، ثم أقام آخر البينة على مثل ذلك لم ~~يقبل، إلا أن يشهدوا أنه اشترى من الأول قبل أن يعتقه ثم أعتقه وهو يملكه ~~فيبطل قضاء الأول؛ لأن الأصل أن القاضي إذا قضى بقضية فإنه لا يسمع ما ~~ينافيها إلا إذا تبين أن القضاء الأول كان باطلا وإذا لم يشهدوا أنه اشتراه ~~من الأول قبل أن يعتقه ثم يتبين بطلان القضاء الأول فلا تقبل البينة من ~~الثاني إلا إذا قامت على الشراء من الأول قبل أن يعتقه فيقبل، ويقضي للثاني ~~ويبطل قضاؤه للأول؛ لأنه تبين بهذه الشهادة أن الأول أعتق ما لا يملك فتبين ~~أنه وقع باطلا وصح الثاني. # وأما الإقرار فنحو أن يقر رجل أنه مولى لفلان، مولى عتاقة من فوق أو تحت ~~وصدقه الآخر، وهو مولاه يرثه ويعقل عنه قومه؛ لأن الولاء سبب يتوارث به ~~فيصح الإقرار به كالنسب والنكاح فإن كان له أولاد كبار فأنكروا ذلك وقالوا: ~~أبونا مولى العتاقة لفلان آخر، فالأب مصدق على نفسه، وأولاده مصدقون على ~~أنفسهم؛ لأنه لا ولاية للأب على الأولاد الكبار، فلا ينفذ إقراره عليهم، ~~ويصح إقرارهم على أنفسهم؛ لأن لهم ولاية على أنفسهم وإن كان الأولاد صغارا ~~كان الأب مصدقا؛ لأنه له ولاية على أولاده الصغار. # ألا ترى أنه لو عقد مع إنسان عقد الولاء تبعه أولاده الصغار؟ وإن كذبته ~~الأم ونفت ولاءه لم يلتفت إلى قولها، ويؤخذ بقول الأب؛ لأن الأب إذا كان ~~حيا كانت الولاية له، والولاء يشبه النسب، والنسب إلى الآباء وكذلك إن ~~قالت: هم ولدي من غيرك لم تصدق؛ لأنهم في يد الأب دون الأم، فلا تصدق الأم ~~أنهم لغيره. # فإن ms2477 قالت ولدته بعد عتقي بخمسة أشهر فهو مولى الموالي، وقال الزوج: ~~ولدتيه بعد عتقك بستة أشهر. # فالقول قول الزوج؛ لأن الولد ظهر في حال يكون ولاؤه لمولى الأب، والمرأة ~~تدعي أنها ولدت في حال يكون ولاؤه لمولى الأم فكان الحال شاهدا للزوج، فلا ~~يقبل قولها إلا ببينة، ونظير هذا الزوج والمرأة، إذا اختلفا فقال أحدهما: ~~كان النكاح قبل ستة أشهر والولد من الزوج، وقال الآخر: كان النكاح منذ ~~أربعة أشهر. # فالقول قول الذي يدعي أن النكاح قبل ستة أشهر؛ لأن الولد ظهر في حال ~~إثبات النسب من الزوج، وهو حال قيام النكاح ويصح الإقرار بولاء العتاقة في ~~الصحة والمرض؛ لأنه سبب التوارث فيستوي فيه الصحة والمرض، كالنسب والنكاح، ~~ولو قال: أعتقني فلان أو فلان وادعاه كل واحد منهما على صاحبه فهذا الإقرار ~~باطل؛ لأنه إقرار بمجهول، فإن أقر بعد ذلك لأحدهما أو لغيره أنه مولاه # PageV04P169 # جاز؛ لأن إقراره الأول وقع باطلا لجهالة المقر له، والولاء لا يثبت من ~~المجهول كالنسب، فبطل والتحق بالعدم فبعد ذلك له أن يقر لمن شاء والله عز ~~وجل أعلم. ### | [فصل في ولاء الموالاة وثبوت حكمها] # (فصل) : # وأما ولاء الموالاة فالكلام فيه في مواضع في بيان ثبوته شرعا، وفي. # بيان سبب الثبوت وفي بيان شرائط الثبوت، وفي بيان صفة السبب، وفي بيان ~~حكمه وفي بيان صفة الحكم، وفي بيان ما يظهر به أما الأول فقد اختلف في ثبوت ~~هذا الولاء. # قال أصحابنا: إنه ثابت ويقع به التوارث، وهو قول عمر وعلي وعبد الله بن ~~مسعود - رضي الله عنهم -، وهو قول إبراهيم النخعي، وقال زيد بن ثابت: - رضي ~~الله عنه - إنه يورث به ويوضع في بيت المال، وبه أخذ مالك والشافعي، وجه ~~قولهما: إن في عقد الولاء إبطال حق جماعة المسلمين؛ لأنه إذا لم يكن للعاقد ~~وارث كان ورثته جماعة المسلمين ألا ترى أنهم يعقلون عنه فقاموا مقام الورثة ~~المعينين، وكما لا يقدر على إبطال حقهم لا يقدر على إبطال حق من قام ~~مقامهم، ولهذا قالا: إذا ms2478 أوصى بجميع ماله لإنسان، ولا وارث له لم يصح؛ لأنه ~~إذا لم يكن له وارث معين كان وارثه جماعة المسلمين، فلا يملك إبطال حقهم ~~كذا هذا والصحيح قولنا بالكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب الكريم فقوله عز ~~وجل {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] والمراد من النصيب ~~الميراث؛ لأنه سبحانه وتعالى أضاف النصيب إليهم، فيدل على قيام حق لهم مقدر ~~في التركة وهو الميراث؛ لأن هذا معطوف على قوله {ولكل جعلنا موالي مما ترك ~~الوالدان والأقربون} [النساء: 33] لكن عند عدم ذوي الأرحام عرفناه بقوله عز ~~وجل {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأحزاب: 6] . # وأما السنة فما روي عن تميم الداري - رضي الله عنه - أنه قال: «سألت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عمن أسلم على يدي رجل، ووالاه فقال - صلى الله ~~عليه وسلم - هو أحق الناس به محياه ومماته» أي حال حياته وحال موته، أراد ~~به - صلى الله عليه وسلم - محياه في العقل ومماته في الميراث. # وأما المعقول فهو أن بيت المال إنما يرث بولاء الإيمان فقط؛ لأنه بيت مال ~~المؤمنين قال الله عز وجل {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} [التوبة: ~~71] وللمولى هذا الولاء وولاء المعاقدة، فكان أولى من عامة المؤمنين ألا ~~ترى أن مولى العتاقة أولى من بيت المال للتساوي في ولاء الإيمان؟ والترجيح ~~لولاء العتق كذا هذا، إلا أن مولى الموالاة يتأخر عن سائر الأقارب، ومولى ~~العتاقة يتقدم على ذوي الأرحام؛ لأن الولاء بالرحم فوق الولاء بالعقد. # فيخلف عن ذوي الأرحام، وولاء العتاقة بما تقدم من النعمة بالإعتاق الذي ~~هو إحياء وإيلاد معنى ألحق بالتعصيب من حيث المعنى، ولذلك قال - صلى الله ~~عليه وسلم - «الولاء لحمة كلحمة النسب» وأما قولهما إن جماعة المسلمين ~~ورثته فلا يقدر على إبطال حقهم بالعقد. # فنقول: إنما يصيرون ورثته إذا مات قبل المعاقدة فأما بعد المعاقدة فلا، ~~والدليل على بطلان هذا الكلام أنه تصح وصيته بالثلث، ولو كان كذلك لما صحت ~~لكونها وصية للوارث. # وأما سبب ثبوته فالعقد وهو الإيجاب والقبول، وهو ms2479 أن يقول الذي أسلم على ~~يد إنسان له أو لغيره: أنت مولاي ترثني إذا مت وتعقل عني إذا جنيت فيقول: ~~قبلت سواء قال ذلك للذي أسلم على يديه أو لآخر بعد أن ذكر الإرث والعقل في ~~العقد، ولو أسلم على يد رجل ولم يواله ووالى غيره فهو مولى للذي والاه عند ~~عامة العلماء، وعند عطاء هو مولى للذي أسلم على يده والصحيح قول العامة؛ ~~لقوله عز وجل {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] جعل الولاء ~~للعاقد، وكذا لم ينقل أن الصحابة أثبتوا الولاء بنفس الإسلام، وكل الناس ~~كانوا يسلمون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة ~~والتابعين، وكان لا يقول أحد لمن أسلم على يد أحد أنه ليس له أن يوالي غير ~~الذي أسلم على يده، فثبت أن نفس الإسلام على يد رجل ليس سببا لثبوت الولاء ~~له، بل السبب هو العقد فما لم يوجد لا يثبت الإرث والعقل. # وأما شرائط العقد فمنها عقل العاقد، إذ لا صحة للإيجاب والقبول بدون ~~العقل، وأما البلوغ فهو شرط الانعقاد في جانب الإيجاب، فلا ينعقد الإيجاب ~~من الصبي وإن كان عاقلا، حتى لو أسلم الصبي العاقل على يد رجل والاه لم ~~يجز، وإن أذن أبوه الكافر بذلك؛ لأن هذا عقد وعقود الصبي العاقل إنما يقف ~~على إذن وليه، ولا ولاية للأب الكافر على ولده المسلم، فكان إذنه والعدم ~~بمنزلة واحدة، ولهذا لا تجوز سائر عقوده بإذنه كالبيع ونحوه، كذا عقد ~~الموالاة. # وأما من جانب # PageV04P170 # القبول فهو شرط النفاذ حتى لو والى بالغ صبيا فقبل الصبي ينعقد موقوفا ~~على إجازة أبيه أو وصيه، فإن أجاز جاز؛ لأن هذا نوع عقد فكان قبول الصبي ~~فيه بمنزلة قبوله في سائر العقود، فيجوز بإذن وليه ووصيه كسائر العقود، ~~وللأب والوصي أن يقبلا عنه كما في البيع ونحوه، وكذلك لو والى رجل عبدا ~~فقبل العبد وقف على إجازة المولى، فإذا أجاز جاز، إلا أن في العبد إذا أجاز ~~المولى فالولاء من المولى، وفي الصبي إذا أجاز ms2480 الأب والوصي فيكون الولاء من ~~الصبي، وإنما كان كذلك؛ لأن العبد لا يملك شيئا فوقع قبوله لمولاه. # ألا ترى أنه لو اشترى شيئا كان المشترى لمولاه؟ فأما الصبي فهو من أهل ~~الملك، ألا ترى أنه لو اشترى شيئا كان المشترى له؟ ولو والى رجل مكاتبا جاز ~~وكان مولى لمولى المكاتب؛ لأن قبول المكاتب صحيح ألا ترى أنه يملك الشراء ~~فجاز قبوله؟ إلا أن الولاء يكون للمولى؟ لأن المكاتب ليس من أهل الولاء، ~~ألا ترى أنه لو كاتب عبدا فأدى وعتق كان الولاء للمولى؟ بخلاف الصبي فإنه ~~من أهل الولاء، ألا ترى أن الأب لو كاتب عبد ابنه الصغير فأدى فعتق ثبت ~~الولاء من الابن؟ . # وأما الإسلام فليس بشرط لصحة هذا العقد، فيصح فتجوز موالاة الذمي الذمي، ~~والذمي المسلم، والمسلم الذمي؛ لأن الموالاة بمنزلة الوصية بالمال، ولو ~~أوصى ذمي لذمي أو لمسلم، أو مسلم لذمي بالمال جازت الوصية، كذا الموالاة، ~~وكذا الذمي إذا والى ذميا، ثم أسلم الأسفل جاز لما قلنا، وكذا الذكورة ليست ~~بشرط، فتجوز موالاة الرجل امرأة، والمرأة رجلا، وكذا دار الإسلام، حتى لو ~~أسلم حربي فوالى مسلما في دار الإسلام أو في دار الحرب فهو مولاه؛ لأن ~~الموالاة عقد من العقود فلا يختلف بالذكورة والأنوثة وبدار الإسلام وبدار ~~الحرب والله عز وجل أعلم. # ومنها أن لا يكون للعاقد وارث وهو أن لا يكون له من أقاربه من يرثه فإن ~~كان لم يصح العقد؛ لأن القرابة أقوى من العقد ولقوله - عز وجل {وأولو ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله} [الأحزاب: 6] وإن كان له زوج أو ~~زوجة يصح العقد وتعطى نصيبها والباقي للمولى. # ومنها أن لا يكون من العرب حتى لو والى عربي رجلا من غير قبيلته لم يكن ~~مولاه ولكن ينسب إلى عشيرته وهم يعقلون عنه؛ لأن جواز الموالاة للتناصر، ~~والعرب يتناصرون بالقبائل، وإنما تجوز موالاة العجم؛ لأنهم ليس لهم قبيلة ~~فيتناصرون بها، فتجوز موالاتهم لأجل التناصر. # وأما الذي هو من العرب فله قبيلة ينصرونه، والنصرة بالقبيلة أقوى ms2481 فلا ~~يصير مولى، ولهذا لم يثبت عليه ولاء العتاقة وكذا ولاء الموالاة، ولأنه لما ~~لم يثبت عليه ولاء العتاقة مع أنه أقوى فولاء الموالاة أولى، وكذا لو والت ~~امرأة من العرب رجلا من غير قبيلتها لما بينا. # ومنها أن لا يكون من موالي العرب؛ لأن مولاهم منهم؛ لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - وإن «مولى القوم منهم» . # ومنها أن لا يكون معتق أحد فإن كان، لا يصح منه عقد الموالاة؛ لأن ولاء ~~العتاقة أقوى من ولاء الموالاة؛ لأنه لا يلحقه الفسخ، وولاء الموالاة يلحقه ~~الفسخ فلا يجوز رفع الأقوى بالأضعف. # ومنها أن لا يكون قد عقل عنه بيت المال؛ لأنه لما عقل عنه بيت المال فقد ~~صار ولاؤه لجماعة المسلمين، فلا يجوز تحويله إلى واحد منهم بعينه، فإن كان ~~قد عقل عنه لم يجز أبدا؛ لأنه سواء كان عاقد غيره فعقل عنه أو عقل عنه بيت ~~المال حتى لو مات فإن ميراثه لمن عاقده أولا فعقل عنه أو لبيت المال؛ لأنه ~~لما عاقد غيره فعقل عنه، فقد تأكد عقده ولزم وخرج عن احتمال النقض والفسخ ~~لما يذكر فلا يصح معاقدته غيره، وكذا إذا عقل عن الذي يواليه، وإن كان عاقد ~~غيره ولم يعقل عنه جاز عقده مع آخر؛ لأن مجرد العقد بدون العقل غير لازم ~~فكان إقدامه على الثاني فسخا للأول. # وأما صفة العقد فهو أنه عقد جائز غير لازم حتى لو والى رجلا كان له أن ~~يتحول عنه بولائه إلى غيره؛ لأنه عقد لا يملك به شيئا فلم يكن لازما ~~كالوكالة والشركة؛ لأنه بمنزلة الوصية بالمال، والوصية غير لازمة، فكذا عقد ~~الموالاة، إلا إذا عقل عنه لأنه إذا عقل عنه فقد تأكد العقل بقضاء القاضي ~~وفي التحول به إلى غيره فسخ قضائه فلا يملك فسخ القضاء، وكذا له أن يفسخه ~~صريحا قبل أن يعقل عنه؛ لأن كل عقد غير لازم لكل واحد من العاقدين فسخه، ~~كسائر العقود التي هي غير لازمة، ولأن كل عقد يجوز لأحد العاقدين فسخه يجوز ~~للآخر، ms2482 كسائر العقود القابلة للفسخ. # وها هنا يجوز لأحد العاقدين فسخه وهو القابل، فكذا الآخر إلا أنه ليس له ~~أن يفسخه إلا بحضرة الآخر أي بعلمه؛ لأنه تعلق به حق الآخر فلا يملك إسقاطه ~~مقصورا من غير علمه كعزل الوكيل مقصورا من غير علمه، # PageV04P171 # إلا أن يوالي الأسفل آخر فيكون ذلك نقضا دلالة، وإن لم يحضر صاحبه أو ~~انتقاضا ضرورة؛ لأنه لا يملك موالاة غيره إلا بانفساخ الأول، فينفسخ الأول ~~دلالة وضرورة، وقد يثبت الشيء دلالة أو ضرورة، وإن كان لا يثبت قصدا كمن ~~وكل رجلا ببيع عبده ثم عزله، والوكيل غائب لم يعلم به لم يصح عزله، ولو باع ~~العبد أو أعتقه انعزل الوكيل علم أو لم يعلم كذا هذا والله الموفق. # وأما حكم العقد. # فالعقل في حال الحياة، والإرث بعد الموت وهو أن المولى الأعلى يعقل عنه ~~في حال حياته، ويرثه بعد موته فيرث الأعلى من الأسفل عندنا لما ذكرنا من ~~الدلائل، فيما تقدم ويرث الأسفل من الأعلى أيضا إذا شرطا ذلك في المعاقدة، ~~بخلاف ولاء العتاقة أن هناك يرث الأعلى من الأسفل ولا يرث الأسفل من ~~الأعلى؛ لأن سبب الإرث هناك وجد من الأعلى لا من الأسفل وهو العتق. # والسبب ههنا العقد وقد شرط فيه التوارث من الجانبين، فيعتبر ذلك؛ قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - «المسلمون عند شروطهم» وكما يثبت حكم الولاء في ~~الرجال يثبت في أولادهم الصغار تبعا لهم، حتى لو والى إنسانا وله أولاد ~~صغار صاروا موالي للذي والاه الأب، وكذا إذا والى إنسانا ثم ولد له أولاد ~~دخلوا في ولاء الأب بطريق التبعية، ولأن للأب ولاية على ولده الصغير فينفذ ~~عقده عليه، ولا يصير أولاده الكبار موالي بموالاة الأب لانقطاع التبعية ~~والولاية بالبلوغ، حتى لو والى الأب إنسانا وله ابن كبير فوالى رجلا آخر ~~فولاؤه له لا لمولى أبيه، ولو كبر بعض أولاده الصغار فأراد التحول عنه إلى ~~غيره فإن كان المولى قد عقل عنه أو عن أبيه أو عن أحد إخوته لم يكن له ms2483 أن ~~يتحول، وإن لم يكن عقل عن أحد منهم كان له ذلك أما جواز التحول عند عدم ~~العقل، فلأنه لو كان كبيرا وقت عقد الأب لجاز له التحول، وكذا إذا كبر في ~~العقد؛ لأن المانع من السراية في الحالين واحد وهو عدم التبعية والولاية. # وأما عدم الجواز عند العقل فلما ذكرنا من اتصال قضاء القاضي به وفي ~~التحول فسخه وهذا لا يجوز فيلزم ضرورة، ولو عاقدت امرأة عقد الولاء ولها ~~أولاد صغار لا يصيرون موالي للذي والته أمهم ولا تشبه الأم في هذا الباب ~~الأب؛ لأنه ليس للمرأة ولاية على أولادها الصغار. # ألا ترى أنها لا تشتري لهم ولا تبيع عليهم وللأب أن يفعل ذلك؟ ، وذكر ~~القاضي في شرحه مختصر الطحاوي الخلاف في المسألة فقال: يثبت حكم ولائها في ~~أولادها الصغار في قول أبي حنيفة، وعندهما لا يثبت، ولو والى رجل رجلا، ثم ~~ولد من امرأة قد والت رجلا فولاء الولد لمولى الأب؛ لأنه اجتمع ولاءان؛ ~~ولاء الأب وولاء الأم فترجح جانب الأب؛ لأن للأب ولاية عليهم ولا ولاية ~~للأم ألا ترى أن للأب أن يعقد على ولده عقد البيع والنكاح وليس للأم ذلك؟ ~~فكذا عقد الولاء وكذا لو والت وهي حبلى ولا يشبه هذا ولاء العتاقة؛ لأن في ~~ولاء العتاقة إذا أعتقها وهي حبلى يثبت الولاء بالعتق، والعتق يثبت في ~~الولد كما يثبت في الأم، فكان للولد ولاء نفسه لكونه أصلا في العتق. # فأما ولاء الموالاة فبالعقد، وعقدها لا يجوز على ما في بطنها فلم يصر ~~الولد أصلا في الولاء فكان تبعا للأب في الولاء كما في المسألة الأولى، ~~وكذلك لو كان لهما أولاد صغار فوالت الأم إنسانا ثم والى الأب آخر فولاء ~~الأولاد لموالي الأب لما قلنا ذمية أسلمت فوالت رجلا ولها ولد صغير من ذمي ~~لم يكن ولاء ولدها لمولاها في قول أبي يوسف ومحمد، وفي قياس قول أبي حنيفة ~~يكون ولاء ولدها لمولاها بمنزلة العتاقة، وجه قولهما أن الأم لا ولاية لها ~~على الولد بدليل أنه ms2484 لا يجوز لها أن تعقد على ولدها عقد البيع والنكاح، ~~فكذلك عقد الولاء. # ولأبي حنيفة أن الذمي لا ولاية له على ولده المسلم فتعذر إثبات الولاء من ~~الأب، والولاء إذا تعذر إثباته من جهة الأب يثبت من جهة الأم، كما إذا كان ~~الأب عبدا وكما في ولاء العتاقة إذا كان الأب عبدا، ولو قدم حربي إلينا ~~بأمان فأسلم ووالى رجلا ثم سبي ابنه فأعتق لم يجز ولاء الأب، وإن سبي أبوه ~~فأعتق جر ولاء ابنه إلى مولاه؛ لأن الابن يتبع الأب في الولاء لما ذكرنا ~~فأما الأب فلا يتبع الابن؛ لأنه لا ينسب إليه وإنما ينسب الابن إلى أبيه ~~فإن كان ابن الابن أسلم ووالى رجلا لم يجر الجد ولاءه، وذكر في الأصل وقال ~~لأن الجد لا يجر الولاء إلا أن يجر ولاء ابنه فيجر بجره ولاء ابنه ولاءه، ~~وقال الحاكم الشهيد: وجه هذه المسألة أن يكون الأسفل مواليا، والأوسط حربيا ~~والجد معتقا فلا يجر ولاء الأسفل إلا أن يسلم الأوسط ويوالي، فيجر الجد ~~ولاءه وولاء الأسفل بجر ولائه، ولو أسلم حربي أو ذمي على يدي # PageV04P172 # رجل ووالاه ثم أسلم ابنه الكبير على يدي رجل آخر ووالاه كان كل واحد ~~منهما مولى للذي والاه ولا يجر بعضهم إلى بعض، وليس هذا كالعتاق أنه إذا ~~أعتق أبوه جر ولاء الولد إلى نفسه؛ لأن ههنا ولاء كل واحد منهما ثبت ~~بالعقد، وعقد كل واحد منهما يجوز على نفسه، ولا يجوز على غيره، وهناك ولاء ~~الولد ثبت بالعقد وولاء الأب ثبت بالعتق وولاء العتق أقوى من ولاء الموالاة ~~فيستتبع الأقوى الأضعف، وههنا بخلافه؛ لأن ولاء كل واحد منهما ليس أقوى من ~~ولاء صاحبه لثبوت كل واحد منهما بالعقد، فهو الفرق. ### | [فصل في صفة حكم ولاء الموالاة] # (فصل) : # وأما صفة الحكم فهو أن الولاء الثابت بهذا العقد لا يحتمل التمليك بالبيع ~~والهبة والصدقة والوصية؛ لأنه ليس بمال فلا يكون محلا للبيع كالنسب وولاء ~~العتاقة، ولقوله - صلى الله عليه وسلم - «الولاء لا يباع ولا يوهب» ms2485 حتى لو ~~باع رجل ولاء موالاة أو عتاقة بعبد وقبضه ثم أعتقه كان إعتاقه باطلا؛ لأنه ~~قبضه بغير بدل إذ الولاء ليس بمال فلم يملكه فلم يصح إعتاقه، كما لو اشترى ~~عبدا بميتة أو دم أو بحر وقبضه ثم أعتقه، ولو باع المولى الأسفل ولاءه من ~~آخر، أو وهبه لا يكون بيعا أيضا ولا هبة لما قلنا لكنه يكون نقضا لولاء ~~الأول وموالاة لهذا الثاني؛ لأن الولاء لا يعتاض منه فبطل العوض وبقي قوله: ~~الولاء لك فيكون موالاة بينه وبين الثاني، كما لو سلم الشفعة بمال صح ~~التسليم لكن لا يجب المال. ### | [فصل في بيان ما يظهر به ولاء الموالاة] # (فصل) : # وأما بيان ما يظهر به فإنه يظهر بما ظهر به ولاء العتاقة وهو الشهادة ~~المفسرة، أو الإقرار سواء كان الإقرار في الصحة أو المرض؛ لأنه غير متهم في ~~إقراره إذا لم يكن له وارث معلوم فيصح إقراره كما تصح وصيته بجميع ماله إذا ~~لم يكن له وارث معلوم، ولو مات رجل فأخذ رجل ماله وادعى أنه وارثه وليس ~~للقاضي أن يمنع منه إذا لم يخاصمه أحد؛ لأن القاضي لا يدري، ألبيت المال أو ~~لغيره، وهو يدعي أنه له ولا مانع عنه فلا يتعرض له، فإن خاصمه أحد سأله ~~القاضي البينة؛ لأنه لا يد له، وكان مدعيا فعليه البينة. ### | [كتاب الإجارة] ### | [جواز الإجارة] # (كتاب الإجارة) : # الكلام في هذا الكتاب يقع في سبع مواضع: في بيان جواز الإجارة، وفي بيان ~~ركن الإجارة، ومعناها، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان صفة الإجارة، وفي ~~بيان حكم الإجارة، وفي بيان حكم اختلاف العاقدين في عقد الإجارة، وفي بيان ~~ما ينتهي به عقد الإجارة أما الأول فالإجارة جائزة عند عامة العلماء. # وقال أبو بكر الأصم: إنها لا تجوز، والقياس ما قاله؛ لأن الإجارة بيع ~~المنفعة والمنافع للحال معدومة، والمعدوم لا يحتمل البيع فلا يجوز إضافة ~~البيع إلى ما يؤخذ في المستقبل كإضافة البيع إلى أعيان تؤخذ في المستقبل ~~فإذا لا سبيل إلى تجويزها لا باعتبار ms2486 الحال، ولا باعتبار المآل فلا جواز ~~لها رأسا لكنا استحسنا الجواز بالكتاب العزيز، والسنة، والإجماع. # أما الكتاب العزيز فقوله عز وجل خبرا عن أب المرأتين اللتين سقى لهما ~~موسى - عليه الصلاة والسلام - {قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على ~~أن تأجرني ثماني حجج} [القصص: 27] أي على أن تكون أجيرا لي أو على أن تجعل ~~عوضي من إنكاحي ابنتي إياك رعي غنمي ثماني حجج، يقال: آجره الله تعالى أي ~~عوضه، وأثابه، وقوله عز وجل خبرا عن تينك المرأتين {قالت إحداهما يا أبت ~~استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} [القصص: 26] وما قص الله علينا من ~~شرائع من قبلنا من غير نسخ يصير شريعة لنا مبتدأة ويلزمنا على أنه شريعتنا ~~لا على أنه شريعة من قبلنا لما عرف في أصول الفقه، وقوله عز وجل {فإذا قضيت ~~الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} [الجمعة: 10] والإجارة ~~ابتغاء الفضل، وقوله عز وجل {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} ~~[البقرة: 198] وقد قيل نزلت الآية في حج المكاري فإنه روي أن رجلا جاء إلى ~~ابن عمر - رضي الله عنهما - فقال: إنا قوم نكرى، ونزعم أن ليس لنا حج فقال: ~~ألستم تحرمون، وتقفون، وترمون؟ فقال: نعم، فقال - رضي الله عنه -: أنتم ~~حجاج، ثم قال: سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما سألتني فلم ~~يجبه حتى أنزل الله عز وجل {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} ~~[البقرة: 198] فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنتم حجاج، وقوله عز ~~وجل في استئجار الظئر {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم} ~~[البقرة: 233] # PageV04P173 # نفى سبحانه وتعالى الجناح عمن يسترضع ولده، والمراد منه الاسترضاع ~~بالأجرة، دليله قوله تعالى {إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} [البقرة: 233] ~~قيل أي الأجر الذي قبلتم، وقوله {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] ~~وهذا نص وهو في المطلقات. # وأما السنة فما روى محمد في الأصل عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة - رضي ~~الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله ms2487 عليه وسلم - أنه قال: «لا يستام ~~الرجل على سوم أخيه ولا ينكح على خطبته، ولا تناجشوا، ولا تبيعوا بإلقاء ~~الحجر، ومن استأجر أجيرا فليعلمه أجره» وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - ~~تعليم شرط جواز الإجارة وهو إعلام الأجر فيدل على الجواز. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أعطوا الأجير أجره قبل ~~أن يجف عرقه» أمر - صلى الله عليه وسلم - بالمبادرة إلى إعطاء أجر الأجير ~~قبل فراغه من العمل من غير فصل، فيدل على جواز الإجارة، وعن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه ~~خصمته رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا ~~فاستوفى منه، ولم يعطه أجره» ، وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: ~~«استأجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر - رضي الله عنه - رجلا ~~من بني الديل هاديا خريتا، وهو على دين كفار قريش فدفعا إليه راحلتيهما ~~وواعداه غار ثور بعد ثلاث فأتاهما فارتحلا، وانطلق معهما عامر بن فهيرة، ~~والدليل الديلي فأخذ بهم طريق الساحل» وأدنى ما يستدل بفعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الجواز. # وروي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على رافع بن خديج، وهو في ~~حائطه فأعجبه فقال: لمن هذا الحائط فقال: لي يا رسول الله استأجرته فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تستأجره بشيء منه» خص - صلى الله ~~عليه وسلم - النهي باستئجاره ببعض الخارج منه ولو لم تكن الإجارة جائزة ~~أصلا لعم النهي إذ النهي عن المنكر واجب، وكذا بعث رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - والناس يؤاجرون ويستأجرون فلم ينكر عليهم فكان ذلك تقريرا منه ~~والتقرير أحد وجوه السنة. # وأما الإجماع فإن الأمة أجمعت على ذلك قبل وجود الأصم حيث يعقدون عقد ~~الإجارة من زمن الصحابة - رضي الله عنهم - إلى يومنا هذا من غير نكير، فلا ~~يعبأ بخلافه إذ هو خلاف الإجماع، وبه تبين أن القياس متروك لأن الله تعالى ~~إنما ms2488 شرع العقود لحوائج العباد، وحاجتهم إلى الإجارة ماسة؛ لأن كل واحد لا ~~يكون له دار مملوكة يسكنها أو أرض مملوكة يزرعها أو دابة مملوكة يركبها وقد ~~لا يمكنه تملكها بالشراء لعدم الثمن، ولا بالهبة والإعارة؛ لأن نفس كل واحد ~~لا تسمح بذلك فيحتاج إلى الإجارة فجوزت بخلاف القياس لحاجة الناس كالسلم ~~ونحوه، تحقيقه أن الشرع شرع لكل حاجة عقدا يختص بها فشرع لتمليك العين بعوض ~~عقدا وهو البيع، وشرع لتمليكها بغير عوض عقدا وهو الهبة، وشرع لتمليك ~~المنفعة بغير عوض عقدا وهو الإعارة، فلو لم يشرع الإجارة مع امتساس الحاجة ~~إليها لم يجد العبد لدفع هذه الحاجة سبيلا وهذا خلاف موضوع الشرع. ### | [فصل في ركن الإجارة ومعناها] # (فصل) : # وأما ركن الإجارة، ومعناها أما ركنها فالإيجاب والقبول وذلك بلفظ دال ~~عليها وهو لفظ الإجارة، والاستئجار، والاكتراء، والإكراء فإذا وجد ذلك فقد ~~تم الركن. # والكلام في صيغة الإيجاب والقبول وصفتهما في الإجارة كالكلام فيهما في ~~البيع، وقد ذكرنا ذلك في كتاب البيوع. # وأما معنى الإجارة فالإجارة بيع المنفعة لغة ولهذا سماها أهل المدينة ~~بيعا وأرادوا به بيع المنفعة ولهذا سمي البدل في هذا العقد أجرة، وسمى الله ~~بدل الرضاع أجرا بقوله {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6] والأجرة ~~بدل المنفعة لغة ولهذا سمي المهر في باب النكاح أجرا بقوله عز وجل ~~{فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن} [النساء: 25] أي مهورهن لأن المهر بدل ~~منفعة البضع، وسواء أضيف إلى الدور، والمنازل، والبيوت والحوانيت، ~~والحمامات، والفساطيط، وعبيد الخدمة، والدواب، والثياب، والحلي والأواني، ~~والظروف، ونحو ذلك أو إلى الصناع من القصار، والخياط، والصباغ والصائغ، ~~والنجار والبناء ونحوهم، والأجير قد يكون خاصا وهو الذي يعمل لواحد وهو ~~المسمى بأجير الواحد، وقد يكون مشتركا وهو الذي يعمل لعامة الناس وهو ~~المسمى بالأجير المشترك، وذكر بعض المشايخ أن الإجارة نوعان إجارة على ~~المنافع، وإجارة على الأعمال، وفسر النوعين بما ذكرنا وجعل المعقود عليه في ~~أحد النوعين المنفعة وفي الآخر العمل وهي في الحقيقة نوع واحد لأنها بيع ~~المنفعة فكان ms2489 المعقود عليه # PageV04P174 # المنفعة في النوعين جميعا، إلا أن المنفعة تختلف باختلاف محل المنفعة ~~فيختلف استيفاؤها باستيفاء منافع المنازل بالسكنى، والأراضي بالزراعة، ~~والثياب والحلل وعبيد الخدمة، بالخدمة والدواب بالركوب والحمل، والأواني ~~والظروف بالاستعمال، والصناع بالعمل من الخياطة، والقصارة ونحوهما، وقد ~~يقام فيه تسليم النفس مقام الاستيفاء كما في أجير الواحد حتى لو سلم نفسه ~~في المدة ولم يعمل يستحق الأجر، وإذا عرف أن الإجارة بيع المنفعة فنخرج ~~عليه بعض المسائل فنقول: لا تجوز إجارة الشجر والكرم للثمر؛ لأن الثمر عين ~~والإجارة بيع المنفعة لا بيع العين، ولا تجوز إجارة الشاة للبنها أو سمنها ~~أو صوفها أو ولدها؛ لأن هذه أعيان فلا تستحق بعقد الإجارة، وكذا إجارة ~~الشاة لترضع جديا أو صبيا لما قلنا، ولا تجوز إجارة ماء في نهر أو بئر أو ~~قناة أو عين لأن الماء عين فإن استأجر القناة والعين، والبئر مع الماء لم ~~يجز أيضا؛ لأن المقصود منه الماء وهو عين، ولا يجوز استئجار الآجام التي ~~فيها الماء للسمك، وغيره من القصب والصيد؛ لأن كل ذلك عين فإن استأجرها مع ~~الماء فهو أفسد وأخبث؛ لأن استئجارها بدون الماء فاسد فكان مع الماء أفسد ~~ولا تجوز إجارة المراعي؛ لأن الكلأ عين فلا تحتمل الإجارة، ولا تجوز إجارة ~~الدراهم، والدنانير ولا تبرهما وكذا تبر النحاس والرصاص ولا استئجار ~~المكيلات والموزونات؛ لأنه لا يمكن الانتفاع إلا بعد استهلاك أعيانها، ~~والداخل تحت الإجارة المنفعة لا العين حتى لو استأجر الدراهم والدنانير ~~ليعبر بها ميزانا أو حنطة ليعبر بها مكيالا أو زيتا ليعبر به أرطالا أو ~~أمنانا أو وقتا معلوما ذكر في الأصل أنه يجوز؛ لأن ذلك نوع انتفاع بها مع ~~بقاء عينها فأشبه استئجار سنجات الميزان، وذكر الكرخي أنه لا يجوز لفقد شرط ~~آخر وهو كون المنفعة مقصودة والانتفاع بهذه الأشياء من هذه الجهة غير مقصود ~~عادة، ولا يجوز استئجار الفحل للضراب؛ لأن المقصود منه النسل وذلك بإنزال ~~الماء وهو عين، وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «أنه نهى ms2490 عن ~~عسب الفحل» أي كرائه لأن العسب في اللغة وإن كان اسما للضراب لكن لا يمكن ~~حمله عليه؛ لأن ذلك ليس بمنهي لما في النهي عنه من قطع النسل، فكان المراد ~~منه كراء عسب الفحل إلا أنه حذف الكراء وأقام العسب مقامه كما في قوله عز ~~وجل {واسأل القرية} [يوسف: 82] ونحو ذلك، ولو استأجر كلبا معلما ليصيد به ~~أو بازيا لم يجز؛ لأنه استئجار على العين وهو الصيد وجنس هذه المسائل تخرج ~~على الأصل، فإن قيل أليس إن استئجار الظئر جائز وأنه استئجار على العين وهي ~~اللبن بدليل أنها لو أرضعته بلبن شاة لم تستحق الأجرة؟ فالجواب أنه روي عن ~~محمد أن العقد يقع على خدمة الصبي واللبن يدخل على طريق التبع فكان ذلك ~~استئجارا على المنفعة، أيضا واستيفاؤها بالقيام بخدمة الصبي من غسله وغسل ~~ثيابه وإلباسها إياه وطبخ طعامه ونحو ذلك، واللبن يدخل فيه تبعا كالصبغ في ~~استئجار الصباغ وإذا أرضعته بلبن الشاة فلم تأت بما دخل تحت العقد فلا ~~تستحق الأجرة كالصباغ إذا صبغ الثوب لونا آخر غير ما وقع عليه العقد أنه لا ~~يستحق الأجر، وذا لا يدل على أن المعقود عليه ليس هو المنفعة كذا ههنا، ومن ~~مشايخنا من قال: إن المعقود عليه هناك العين وهي اللبن مقصودا والخدمة ~~تتبع؛ لأن المقصود تربية الصبي ولا يتربى إلا باللبن فأجري اللبن مجرى ~~المنافع ولهذا لا يجوز بيعه، وعلى هذا يخرج استئجار الأقطع، والأشل للخياطة ~~بنفسه، والقصارة، والكتابة وكل عمل لا يقوم إلا باليدين، واستئجار الأخرس ~~لتعليم الشعر والأدب، والأعمى لنقط المصاحف أنه غير جائز؛ لأن الإجارة بيع ~~المنفعة والمنفعة لا تحدث عادة إلا عند سلامة الآلات والأسباب، وكذا ~~استئجار الأرض السبخة والنزة للزراعة وهي لا تصلح لها؛ لأن منفعة الزراعة ~~لا يتصور حدوثها منها عادة فلا تقع الإجارة ببيع المنفعة فلم تجز، وعلى هذا ~~يخرج استئجار المصحف أنه لا يجوز؛ لأن منفعة المصحف النظر فيه والقراءة منه ~~والنظر في مصحف الغير والقراءة منه مباح، والإجارة بيع المنفعة ms2491 والمباح لا ~~يكون محلا للبيع كالأعيان المباحة من الحطب، والحشيش، وكذا استئجار كتب ~~ليقرأ فيها شعرا أو فقها؛ لأن منافع الدفاتر النظر فيها والنظر في دفتر ~~الغير مباح من غير أجر فصار كما لو استأجر ظل حائط خارج داره ليقعد فيه، ~~ولو استأجر شيئا من الكتب ليقرأ فقرأ لا أجر عليه لانعدام عقد المعاوضة، ~~وعلى هذا أيضا تخرج إجارة الآجام للسمك والقصب وإجارة المراعي # PageV04P175 # للكلأ وسائر الأعيان المباحة إنها غير جائزة لما بينا والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في أنواع شرائط ركن الإجارة] # (فصل) : # وأما شرائط الركن فأنواع بعضها شرط الانعقاد وبعضها شرط النفاذ وبعضها ~~شرط الصحة وبعضها شرط اللزوم أما شرط الانعقاد فثلاثة أنواع نوع يرجع إلى ~~العاقد، ونوع يرجع إلى نفس العقد، ونوع يرجع إلى مكان العقد. # أما الذي يرجع إلى العاقد فالعقل وهو أن يكون العاقد عاقلا حتى لا تنعقد ~~الإجارة من المجنون والصبي الذي لا يعقل، كما لا ينعقد البيع منهما. # وأما البلوغ فليس من شرائط الانعقاد ولا من شرائط النفاذ عندنا، حتى إن ~~الصبي العاقل لو أجر ماله أو نفسه فإن كان مأذونا ينفذ وإن كان محجورا يقف ~~على إجازة الولي عندنا خلافا للشافعي وهي من مسائل المأذون. # ولو أجر الصبي المحجور نفسه وعمل وسلم من العمل يستحق الأجر ويكون الأجر ~~له، أما استحقاق الأجر فلأن عدم النفاذ كان نظرا له والنظر بعد الفراغ من ~~العمل سليما في النفاذ فيستحق الأجرة ولا يهدر سعيه فيتضرر به، وكان الولي ~~أذن له بذلك دلالة بمنزلة قبول الهبة من الغير. # وأما كون الأجرة المسماة له فلأنها بدل منافع وهي حقه، وكذا حرية العاقد ~~ليست بشرط لانعقاد هذا العقد ولا لنفاذه عندنا، فينفذ عقد المملوك إن كان ~~مأذونا ويقف على إجازة مولاه إن كان محجورا، وعند الشافعي لا يقف بل يبطل، ~~وإذا سلم من العمل في إجارة نفسه أو إجارة مال المولى وجب الأجر المسمى لما ~~ذكرنا في الصبي إلا أن الأجر هنا يكون للمولى؛ لأن العبد ملك المولى، ms2492 ~~والأجر كسبه، وكسب المملوك للمالك، ولو هلك الصبي أو العبد في يد المستأجر ~~في المدة ضمن؛ لأنه صار غاصبا حيث استعملهما من غير إذن المولى ولا يجب ~~الأجر؛ لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان، ولو قتل العبد أو الصبي خطأ فعلى ~~عاقلته الدية أو القيمة وعليه الأجر في ماله؛ لأن إيجاب الأجرة ههنا لا ~~يؤدي إلى الجمع لاختلاف من عليه الواجب، وللمكاتب أن يؤاجر ويستأجر؛ لأنه ~~في مكاسبه كالحر. # وأما كون العاقد طائعا جادا عامدا فليس بشرط لانعقاد هذا العقد ولا ~~لنفاذه عندنا لكنه من شرائط الصحة كما في بيع العين، وإسلامه ليس بشرط أصلا ~~فتجوز الإجارة والاستئجار من المسلم، والذمي، والحربي المستأمن لأن هذا من ~~عقود المعاوضات فيملكه المسلم، والكافر جميعا كالبياعات، غير أن الذمي إن ~~استأجر دارا من مسلم في المصر فأراد أن يتخذها مصلى للعامة ويضرب فيها ~~بالناقوس له ذلك، ولرب الدار وعامة المسلمين أن يمنعوه من ذلك على طريق ~~الحسبة لما فيه من إحداث شعائر لهم وفيه تهاون بالمسلمين، واستخفاف بهم كما ~~يمنع من إحداث ذلك في دار نفسه في أمصار المسلمين ولهذا يمنعون من إحداث ~~الكنائس في أمصار المسلمين قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا خصاء في ~~الإسلام ولا كنيسة» أي لا يجوز إخصاء الإنسان ولا إحداث الكنيسة في دار ~~الإسلام في الأمصار، ولا يمنع أن يصلي فيها بنفسه من غير جماعة؛ لأنه ليس ~~فيه ما ذكرناه من المعنى ألا ترى أنه لو فعل ذلك في دار نفسه لا يمنع منه، ~~ولو كانت الدار بالسواد ذكر في الأصل أنه لا يمنع من ذلك لكن قيل إن أبا ~~حنيفة إنما أجاز ذلك في زمانه؛ لأن أكثر أهل السواد في زمانه كانوا أهل ~~الذمة من المجوس فكان لا يؤدي ذلك إلى الإهانة، والاستخفاف بالمسلمين. # وأما اليوم فالحمد لله عز وجل فقد صار السواد كالمصر فكان الحكم فيه ~~كالحكم في المصر، وهذا إذا لم يشرط ذلك في العقد فأما إذا شرط بأن استأجر ~~ذمي دارا من مسلم ms2493 في مصر من أمصار المسلمين ليتخذها مصلى للعامة لم تجز ~~الإجارة؛ لأنه استئجار على المعصية وكذا لو استأجر ذمي من ذمي ليفعل ذلك ~~لما قلنا، ولا بأس باستئجار ظئر كافرة، والتي ولدت من فجور؛ لأن الكفر ~~والفجور لا يؤثران في اللبن؛ لأن لبنهما لا يضر بالصبي، ويكره استئجار ~~الحمقاء لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا ترضع لكم الحمقاء فإن اللبن ~~يفسد» والظاهر أن المراد منه غير الأم؛ لأن الولادة أبلغ من الرضاع، نهى ~~وعلل بالإفساد؛ لأن حمقها لمرض بها عادة ولبن المريضة يضر بالصبي ويحتمل أن ~~النهي عن ذلك لئلا يتعود الصبي بعادة الحمقى؛ لأن الصبي يتعود بعادة ظئره ~~والله أعلم، وأما الذي يرجع إلى نفس العقد، ومكانه فما ذكرنا في كتاب ~~البيوع. # وأما شرط النفاذ فأنواع منها خلو العاقد عن الردة إذا كان ذكرا في قول ~~أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد ليس بشرط بناء على أن تصرفات المرتد موقوفة ~~عند أبي حنيفة، وعندهما نافذة، وتصرفات المرتدة نافذة # PageV04P176 # في قولهم جميعا وهي من مسائل كتاب السير. # ومنها الملك والولاية فلا تنفذ إجارة الفضولي لعدم الملك، والولاية لكنه ~~ينعقد موقوفا على إجازة المالك عندنا خلافا للشافعي كالبيع، والمسألة ~~ذكرناها في كتاب البيوع. # ثم الإجازة إنما تلحق الإجارة الموقوفة بشرائط ذكرناها في البيوع منها ~~قيام المعقود عليه، وعلى هذا يخرج ما إذا أجر الفضولي فأجاز المالك العقد ~~أنه لو أجاز قبل استيفاء المنفعة جازت وكانت الأجرة للمالك؛ لأن المعقود ~~عليه ما فات. # ألا ترى أنه لو عقد عليه ابتداء بأمره جاز فإذا كان محلا لإنشاء العقد ~~عليه كان محلا للإجازة، إذ الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة، وإن أجاز بعد ~~استيفاء المنفعة لم تجز إجازته وكانت الأجرة للعاقد؛ لأن المنافع المعقود ~~عليها قد انعدمت، ألا ترى أنها قد خرجت عن احتمال إنشاء العقد عليها فلا ~~تلحقها الإجازة. # وقد قالوا فيمن غصب عبدا فأجره سنة للخدمة وفي رجل آخر غصب غلاما أو دارا ~~فأقام البينة رجل أنه له فقال المالك: قد أجزت ما أجرت ms2494 إن مدة الإجارة إن ~~كانت قد انقضت فللغاصب الأجر لما ذكرنا أن المعقود عليه قد انعدم، والإجازة ~~لا تلحق المعدوم، وإن كان في بعض المدة فالأجر الماضي والباقي لرب الغلام ~~في قول أبي يوسف، وقال محمد: أجر ما مضى للغاصب، وأجر ما بقي للمالك، فأبو ~~يوسف نظر إلى المدة فقال: إذا بقي بعض المدة لم يبطل العقد فبقي محلا ~~للإجازة، ومحمد نظر إلى المعقود عليه فقال: كل جزء من أجزاء المنفعة معقودا ~~عليه بحياله كأنه عقد عليه عقدا مبتدأ بالمنافع في الزمان الماضي وانعدمت ~~فانعدم شرط لحوق الإجازة العقد فلا تلحقه الإجازة، وقد خرج الجواب عما ذكره ~~أبو يوسف، وقد قال محمد فيمن غصب أرضا فأجرها للزراعة فأجاز صاحب الأرض ~~الإجارة: إن أجرة ما مضى للغاصب، وأجرة ما بقي للمالك، وهو على ما ذكرنا من ~~الاختلاف قال: فإن أعطاها مزارعة فأجازها صاحب الأرض جازت وإن كان الزرع قد ~~سنبل ما لم يسمن، ولا شيء للغاصب من الزرع لأن المزارعة بمنزلة شيء واحد لا ~~يفرد بعضها من بعض، فكان إجازة العقد قبل الاستيفاء بمنزلة ابتداء العقد. # وأما إذا سمن الزرع فقد انقضى عمل المزارعة فلا يلحق العقد الإجازة. # وأما الاستئجار من الفضولي فهو كشرائه فإنه أضاف العقد إلى نفسه كان ~~المستأجر له؛ لأن العقد وجد نفاذا على العاقد فينفذ عليه، وإن أضاف العقد ~~إلى من استأجر له ينظر إن وقعت الإضافة إليه في الإيجاب والقبول جميعا ~~يتوقف على إجازته، وإن وقعت الإضافة إليه في أحدهما دون الآخر لا يتوقف بل ~~ينفذ على العاقد لما ذكرنا في البيوع، بخلاف الوكيل بالاستئجار أنه يقع ~~استئجاره للموكل وإن أضاف العقد إلى نفسه والفرق على نحو ما ذكرنا في كتاب ~~البيوع، وعلى هذا تخرج إجارة الوكيل أنها نافذة لوجود الولاية بإنابة ~~المالك إياه مناب نفسه فينفذ كما لو فعله الموكل بنفسه، وله أن يؤاجر من ~~ابن الموكل وأبيه؛ لأن للموكل ذلك لاختلاف ملكيهما، كذا للوكيل، وله أن ~~يؤاجر من مكاتبه؛ لأن للمولى أن يؤاجر منه؛ ms2495 لأنه لا يملك ما في يده فكذا ~~لوكيله. # وأما العبد المأذون فإن لم يكن عليه دين فلا يملك أن يؤاجر منه لأن ~~المولى لا يجوز له ذلك؛ لأن كسبه ملكه فكذا الوكيل وإن كان عليه دين فله ~~ذلك، أما عند أبي حنيفة فلأن المولى لا يملك ما في يده وكان بمنزلة المكاتب ~~فيجوز لوكيله أن يؤاجر منه. # وأما على قولهما فكسبه وإن كان ملك المولى لكن تعلق به حق الغير فجعل ~~المالك كالأجنبي، ولا يجوز له أن يؤاجر من أبيه وابنه وكل من لا تقبل ~~شهادته له في قول أبي حنيفة، وعندهما تجوز بأجر مثله كما في بيع العين وهو ~~من مسائل كتاب الوكالة، وله أن يؤاجر بمثل أجر الدار وبأقل عند أبي حنيفة ~~وعندهما ليس له أن يؤاجر بالأقل، وهو على الاختلاف في البيع، ولو آجر إجارة ~~فاسدة نفذت ولأن مطلق العقد يتناول الصحيح والفاسد كما في البيع ولا ضمان ~~عليه؛ لأنه لم يصر مخالفا، وعلى المستأجر أجر المثل إذا انتفع؛ لأنه استوفى ~~المنافع بالعقد الفاسد، ولو لم يؤاجر الموكل الدار لكنه وهبها من رجل أو ~~أعارها إياه فسكنها سنين ثم جاء صاحبها فلا أجر له على الوكيل ولا على ~~الساكن؛ لأن المنافع على أصل أصحابنا لا تضمن إلا بالعقد الصحيح أو الفاسد ~~ولم يوجد ههنا، وكذلك الإجارة من الأب والوصي والقاضي وأمينه نافذة لوجود ~~الإنابة من الشرع، فللأب أن يؤاجر ابنه الصغير في عمل من الأعمال؛ لأن ~~ولايته على الصغير كولايته على نفسه؛ لأن شفقته عليه كشفقته على نفسه، وله ~~أن يؤاجر نفسه # PageV04P177 # فكذا؛ ابنه ولأن فيها نظرا للصغير من وجهين: أحدهما أن المنافع في الأصل ~~ليست بمال خصوصا منافع الحر وبالإجارة تصير مالا، وجعل ما ليس بمال مالا من ~~باب النظر، والثاني: أن إيجاره في الصنائع من باب التهذيب والتأديب ~~والرياضة وفيه نظر للصبي فيملكه الأب، وكذا وصي الأب لأنه مرضي الأب، والجد ~~أبو الأب لقيامه مقام الأب عند عدمه، ووصيه لأنه مرضيه، والقاضي لأنه نصب ~~ناظرا، ms2496 وأمينه لأنه مرضيه، ولا تجوز إجارة غير الأب، ووصيه، والجد، ووصيه ~~من سائر ذوي الرحم المحرم إذا كان له أحد ممن ذكرنا؛ لأن من سواهم لا ولاية ~~له على الصغير. # ألا ترى أنه لا يملك التصرف في ماله ففي نفسه أولى، إلا إذا كان في حجره ~~فتجوز إجارته إياه في قولهم؛ لأنه إذا كان في حجره كان له عليه ضرب من ~~الولاية لأنه يربيه ويؤدبه، واستعماله في الصنائع نوع من التأديب فيملكه من ~~حيث إنه تأديب، فإن كان في حجر ذي رحم محرم منه فأجره ذو رحم محرم آخر هو ~~أقرب إليه من الذي هو في حجره بأن كان الصبي في حجر عمه وله أم فأجرته قال ~~أبو يوسف: تجوز إجارتها إياه، وقال محمد: لا تجوز،. # (وجه) قول محمد أن هؤلاء لا ولاية لهم على الصبي أصلا ومقصودا، وإنما ~~يملكون الإجارة ضمنا لولاية التربية وأنها تثبت لمن كان في حجره، فإذا لم ~~يكن في حجره كان بمنزلة الأجانب، ولأبي يوسف إن ذا الرحم إنما يلي عليه هذا ~~النوع من الولاية بسبب الرحم فمن كان أقرب إليه في الرحم كان أولى كالأب مع ~~الجد، وللذي في حجره أن يقبض الأجرة؛ لأن قبض الأجرة من حقوق العقد وهو ~~العاقد فكان ولاية القبض له، وليس له أن ينفقها عليه؛ لأن الأجرة ماله ~~والإنفاق عليه تصرف في ماله، وليس له ولاية التصرف في المال، وكذا إذا وهب ~~له هبة فله أن يقبضها وليس له أن ينفقها؛ لأن قبض الهبة منفعة محض للصغير، ~~ألا ترى أن الصغير يملك قبضها بنفسه. # وأما الإنفاق فهو من باب الولاية فلا يملكه من لا يملك التصرف في ماله، ~~ولو بلغ الصبي في هذا كله قبل انقضاء مدة الإجارة فله الخيار إن شاء أمضى ~~الإجارة وإن شاء فسخ؛ لأن في استيفاء العقد إضرارا به لأنه بعد البلوغ ~~تلحقه الأنفة من خدمة الناس، وإلى هذا أشار أبو حنيفة فقال: أرأيت لو تفقه ~~فولي القضاء أكنت أتركه يخدم الناس وقد أجره أبوه ms2497 هذا قبيح؛ ولأن المنافع ~~تحدث شيئا فشيئا والعقد ينعقد على حسب حدوث المنافع فإذا بلغ فيصير كأن ~~الأب عقد ما يحدث من المنافع بعد البلوغ ابتداء فكان له خيار الفسخ ~~والإجارة كما إذا عقد ابتداء بعد البلوغ، وكذا الأب والجد ووصيهما والقاضي ~~ووصيه في إجارة عبد الصغير وعقاره؛ لأن لهم ولاية التصرف في ماله بالبيع ~~كذا بالإجارة؛ ولو بلغ قبل انتهاء المدة فلا خيار له بخلاف إجارة النفس وقد ~~ذكرنا الفرق بينهما في كتاب البيوع وليس للأب ومن يملك إجارة مال الصبي ~~ونفسه وماله أن يؤجره بأقل من أجر المثل قدر ما لا يتغابن الناس في مثله ~~عادة، ولو فعل لا ينفذ؛ لأنه ضرر في حقه وهذه ولاية نظر فلا تثبت مع الضرر، ~~وليس لغير هؤلاء ممن هو في حجره أن يؤاجر عبده أو داره؛ لأن ذلك تصرف في ~~المال فلا يملكه إلا من يملك التصرف في المال كبيع المال، وقال ابن سماعة ~~عن محمد: أستحسن أن يؤاجروا عبده؛ لأنهم يملكون إجارة نفسه فإجارة ماله ~~أولى، وكذا أستحسن أن ينفقوا عليه ما لا بد منه لأن في تأخير ذلك ضررا ~~عليه، وكذلك أحد الوصيين يملك أن يؤاجر اليتيم في قول أبي حنيفة ولا يؤاجر ~~عبده، وقال محمد: يؤاجر عبده، والصحيح قول أبي حنيفة؛ لأن لكل واحد من ~~الوصيين التصرف فيما يخاف الضرر بتأخيره، وفي ترك إجارة الصبي ضرر منه بترك ~~تأديبه، ولا ضرر في ترك إجارة العبد، ولا تجوز إجارة الوصي نفسه منه للصبي، ~~وهذا على أصل محمد لا يشكل؛ لأن الوصي لا يملك بيع ماله من الصبي أصلا فلا ~~يملك إجارة نفسه منه، أما على أصل أبي حنيفة فيحتاج إلى الفرق بين البيع ~~والإجارة حيث يملك البيع ولا يملك الإجارة، ووجه الفرق أنه إنما يملك بيع ~~ماله منه إذا كان فيه نظر للصغير، ولا نظر للصغير في إجارة نفسه منه؛ لأن ~~فيها جعل ما ليس بمال مالا فلم يجز للوصي أن يعمل في مال الصبي مضاربة، ~~والفرق بين الإجارة ms2498 والمضاربة أن الوصي بعقد المضاربة لا يوجب حقا في مال ~~المضاربة، وإنما يوجب حقا في الربح وإنه قد يكون، وقد لا يكون فلا يلحقه ~~تهمة بخلاف الإجارة؛ لأنها توجب حقا في مال الصبي لا محالة وهو متهم فيه ~~لما بينا. # (وأما) استئجار الصغير لنفسه فينبغي أن # PageV04P178 # يجوز على قول أبي حنيفة إذا كان بأجرة لا يتغابن في مثلها؛ لأنه يملك بيع ~~ماله من نفسه إذا كان فيه نظر له، وفي استئجاره إياه لنفسه نظر له لما فيه ~~من جعل ما ليس بمال مالا ويجوز للأب أن يؤاجر نفسه للصغير أو يستأجر الصغير ~~لنفسه؛ لأن بيع مال الأب من الصغير وشراء ماله لنفسه لا يتقيد بشرط النظر، ~~بدليل أنه لو باع ماله منه بمثل قيمته أو اشترى مال الصغير لنفسه بمثل ~~قيمته يجوز، فكذا الإجارة. # ومنها تسليم المستأجر في إجارة المنازل، ونحوها إذا كان العقد مطلقا عن ~~شرط التعجيل بأن لم يشترط تعجيل الأجرة في العقد ولم يوجد التعجيل أيضا من ~~غير شرط عندنا، خلافا للشافعي، بناء على أن الحكم في الإجارة المطلقة لا ~~يثبت بنفس العقد عندنا؛ لأن العقد في حق الحكم ينعقد على حسب حدوث المنفعة ~~فكان العقد في حق الحكم مضافا إلى حين حدوث المنفعة فيثبت حكمه عند ذلك. # وعنده تجعل منافع المدة موجودة في الحال تقديرا كأنها عين قائمة فيثبت ~~الحكم بنفس العقد، كما في بيع العين، وهذا أصل نذكره في بيان حكم الإجارة ~~وكيفية انعقادها في حق الحكم إن شاء الله تعالى ونعني بالتسليم التخلية ~~والتمكين من الانتفاع برفع الموانع في إجارة المنازل ونحوها وعبيد الخدمة ~~وأجير الوحد، حتى لو انقضت المدة من غير تسليم المستأجر على التفسير الذي ~~ذكرنا لا يستحق شيئا من الأجر؛ لأن المستأجر لم يملك من المعقود عليه شيئا ~~فلا يملك هو أيضا شيئا من الأجر؛ لأنه معاوضة مطلقة، ولو مضى بعد العقد مدة ~~ثم سلم فلا أجر له فيما مضى لعدم التسليم فيه، ولو أجر المنزل فارغا وسلم ~~المفتاح إلى المستأجر ms2499 فلم يفتح الباب حتى مضت المدة لزمه كل الأجر لوجود ~~التسليم وهو التمكين من الانتفاع برفع الموانع في جميع المدة فحدثت المنافع ~~في ملك المستأجر فهلكت على ملكه فلا يسقط عنه الأجر، كالبائع إذا سلم ~~المبيع إلى المشتري بالتخلية فهلك في يد البائع كان الهلاك على المشتري؛ ~~لأنه هلك على ملكه، كذا هذا، وإن لم يسلم المفتاح إليه لكنه أذن له بفتح ~~الباب فقال: مر، وافتح الباب فإن كان يقدر على فتح الباب بالمعالجة لزمه ~~الكراء لوجود التسليم وإن لم يقدر لا يلزمه؛ لأن التسليم لم يوجد، ولو ~~استأجر دارا ليسكنها شهرا أو عبدا يستخدمه شهرا أو دابة ليركبها إلى الكوفة ~~فسكن واستخدم في بعض الوقت وركب في بعض المسافة ثم حدث بها مانع يمنع من ~~الانتفاع من غرق أو مرض أو إباق أو غصب أو كان زرعا فقطع شربه أو رحى ~~فانقطع ماؤه لا تلزمه أجرة تلك المدة؛ لأن المعقود عليه المنفعة في تلك ~~المدة؛ لأنها تحدث شيئا فشيئا فلا تصير منافع المدة مسلمة بتسليم محل ~~المنفعة؛ لأنها معدومة، والمعدوم لا يحتمل التسليم، وإنما يسلمها على حسب ~~وجودها شيئا فشيئا، فإذا اعترض منع فقد تعذر تسليم المعقود عليه قبل القبض ~~فلا يجب البدل كما لو تعذر تسليم المبيع قبل القبض بالهلاك والله عز وجل ~~أعلم. # ومنها أن يكون العقد مطلقا عن شرط الخيار فإن كان فيه خيار لا ينفذ في ~~مدة الخيار؛ لأن الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم ما دام الخيار ~~قائما، لحاجة من له الخيار إلى دفع العين عن نفسه كما في بيع العين وهذا ~~لأن شرط الخيار وإن كان شرطا مخالفا لمقتضى العقد والقياس يأباه لما مر لكن ~~تركنا اعتبار القياس لحاجة الناس، ولهذا جاز في بيع العين كذا في الإجارة ~~والله عز وجل الموفق. # وأما شرط الصحة فلصحة هذا العقد شرائط: بعضها يرجع إلى العاقد، وبعضها ~~يرجع إلى المعقود عليه، وبعضها يرجع إلى محل المعقود عليه، وبعضها يرجع إلى ~~ما يقابل المعقود عليه وهو ms2500 الأجرة وبعضها يرجع إلى نفس العقد أعني الركن. # أما الذي يرجع إلى العاقد فرضا المتعاقدين لقوله عز وجل {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} ~~[النساء: 29] والإجارة تجارة؛ لأن التجارة تبادل المال بالمال والإجارة ~~كذلك، ولهذا يملكها المأذون، وإنه لا يملك ما ليس بتجارة، فثبت أن الإجارة ~~تجارة فدخلت تحت النص، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل مال ~~امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه» فلا يصح مع الكراهة والهزل والخطأ؛ لأن هذه ~~العوارض تنافي الرضا فتمنع صحة الإجارة؛ ولهذا منعت صحة البيع. # وأما إسلام العاقد فليس بشرط فيصح من المسلم، والكافر، والحربي المستأمن ~~كما يصح البيع منهم، وكذا الحرية، فيصح من المملوك المأذون، وينفذ من ~~المحجور، وينعقد ويتوقف على ما بينا والله عز وجل أعلم. # وأما الذي يرجع إلى المعقود عليه فضروب: منها: أن يكون المعقود عليه وهو ~~المنفعة معلوما علما يمنع من المنازعة، فإن # PageV04P179 # كان مجهولا ينظر إن كانت تلك الجهالة مفضية إلى المنازعة تمنع صحة العقد، ~~وإلا فلا؛ لأن الجهالة المفضية إلى المنازعة تمنع من التسليم والتسلم فلا ~~يحصل المقصود من العقد فكان العقد عبثا لخلوه عن العاقبة الحميدة. # وإذا لم تكن مفضية إلى المنازعة يوجد التسليم والتسلم فيحصل المقصود، ثم ~~العلم بالمعقود عليه وهو المنفعة يكون ببيان أشياء منها: بيان محل المنفعة ~~حتى لو قال: أجرتك إحدى هاتين الدارين أو أحد هذين العبدين، أو قال: ~~استأجرت أحد هذين الصانعين لم يصح العقد؛ لأن المعقود عليه مجهول لجهالة ~~محله جهالة مفضية إلى المنازعة فتمنع صحة العقد، وعلى هذا قال أبو حنيفة: ~~إذا باع نصيبا له من دار غير مسمى ولا يعرفه المشتري أنه لا يجوز لجهالة ~~النصيب، وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز إذا علم به بعد ذلك، وإن كان عرفه ~~المشتري وقت العقد أو عرفه في المجلس جاز، سواء كان البائع يعرفه، أو لا ~~يعرفه بعد أن صدق المشتري فيما قال: وجواب أبي حنيفة مبني على أصلين ms2501 ~~أحدهما: أن بيع النصيب لا يجوز عنده، وهو قول محمد، وعند أبي يوسف جائز، ~~والثاني: أن إجارة المشاع غير جائزة عنده، وإن كان المستأجر معلوما من نصف ~~أو ثلث أو غير ذلك فالمجهول أولى، وعندهما إجارة المشاع جائزة، وإنما فرق ~~محمد بين الإجارة والبيع حيث جوز إجارة النصيب ولم يجوز بيع النصيب؛ لأن ~~الأجرة لا تجب بنفس العقد على أصل أصحابنا، وإنما تجب عند استيفاء المعقود ~~عليه وهو المنفعة، والنصيب عند الاستيفاء معلوم بخلاف البيع فإن البدل فيه ~~يجب بنفس العقد، وعند العقد النصيب مجهول، وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة ما ~~إذا استأجر من عقار مائة ذراع أو استأجر من أرض جريبا أو جريبين أنه لا ~~يجوز، كما لا يجوز البيع؛ لأن اسم الذراع عنده يقع على القدر الذي يحله ~~الذراع من البقعة المعينة وذلك للحال مجهول، وكذا إجارة المشاع لا تجوز ~~عنده وإن كان معلوما فالمجهول أولى، وعندهما الذراع كالسهم وتجوز إجارة ~~السهم كذا إجارة الذراع، وقد ذكرنا المسألة في كتاب البيوع، وعلى هذا تخرج ~~إجارة المشاع من غير الشريك عند أبي حنيفة أنها لا تجوز، لأن المعقود عليه ~~مجهول لجهالة محله، إذ الشائع اسم لجزء من الجملة غير عين من الثلث والربع ~~ونحوهما وإنه غير معلوم فأشبه إجارة عبد من عبدين، وعندهما جائز كبيع ~~الشائع، وبه أخذ الشافعي، وتخرج المسألة على أصل آخر هو أولى بالتخريج عليه ~~ونذكر الدلائل هناك إن شاء الله تعالى، وإن استأجر طريقا من دار ليمر فيها ~~وقتا معلوما لم يجز في قياس قول أبي حنيفة؛ لأن البقعة المستأجرة غير ~~معلومة من بقية الدار فكان إجارة المشاع فلا يجوز عنده وعندهما يجوز، ولو ~~استأجر ظهر بيت ليبيت عليه شهرا أو ليضع متاعه عليه اختلف المشايخ فيه ~~لاختلاف نسخ الأصل ذكر في بعضها أنه لا يجوز، وفي بعضها أنه يجوز وهو ~~الصحيح؛ لأن المعقود عليه معلوم، وذكر في الأصل إذا استأجر علو منزل ليبني ~~عليها لا يجوز في قياس قول أبي حنيفة؛ لأن البناء ms2502 عليه يختلف في الخفة ~~والثقل، والثقيل منه يضر بالعلو، والضرر لا يدخل في العقد؛ لأن الأجير لا ~~يرضى به فكان مستثنى من العقد دلالة ولا ضابط له فصار محل المعقود عليه ~~مجهولا، بخلاف ما إذا استأجر أرضا ليبني عليها أنه يجوز؛ لأن الأرض لا ~~تتأثر لثقل البناء وخفته، ويجوز في قياس قول أبي يوسف ومحمد؛ لأن البناء ~~المذكور ينصرف إلى المتعارف، والجواب ما ذكرنا أنه ليس لذلك حد معلوم، وعلى ~~هذا يخرج ما إذا استأجر شربا من نهر أو مسيل ماء في أرض أنه لا يجوز؛ لأن ~~قدر ما يشغل الماء من النهر والأرض غير معلوم، ولو استأجر نهرا ليسوق منه ~~الماء إلى أرض له فيسقيها لم يجز، وذكر في الأصل إذا استأجر نهرا يابسا ~~يجري فيه الماء إلى أرضه أو رحى لا يجوز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ~~وقال: أرأيت لو استأجر ميزابا ليسيل فيه ماء المطر على سطح المؤاجر ألم يكن ~~هذا فاسدا؟ ، وذكر هشام عن محمد فيمن استأجر موضعا معلوما من أرض مؤقتا ~~بوقت معلوم يسيل فيه ماءه أنه يجوز، فصار عن محمد روايتان، وجه هذه الرواية ~~أن المانع جهالة البقعة وقد زالت الجهالة بالتعيين، وجه الرواية المشهورة ~~وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف أن مقدار ما يسيل من الماء في النهر والمسيل ~~مختلف والكثير منه مضر بالنهر والسطح، والمضر منه مستثنى من العقد دلالة، ~~وغير المضر غير مضبوط، فصار محل المعقود عليه مجهولا، ولو استأجر ميزابا ~~ليركبه في داره كل شهر بشيء مسمى جاز؛ لأن الميزاب المركب في داره لا تختلف ~~منفعته بكثرة ما يسيل فيه وقلته، # PageV04P180 # فكان محل المعقود عليه معلوما، ولو استأجر بالوعة ليصب فيها وضوءا لم يجز ~~لأن مقدار ما يصب فيها من الماء مجهول، والضرر يختلف فيه بقلته وكثرته، ~~فكان محل المعقود عليه مجهولا وعلى هذا يخرج أيضا ما إذا استأجر حائطا ليضع ~~عليه جذوعا أو يبني عليه سترة أو يضع فيه ميزابا أنه لا يجوز؛ لأن وضع ~~الجذع وبناء ms2503 السترة يختلف باختلاف الثقل والخفة، والثقيل منه يضر بالحائط ~~والضرر مستثنى من العقد دلالة وليس لذلك المضر حد معلوم فيصير محل المعقود ~~عليه مجهولا، وكذلك لو استأجر من الحائط موضع كوة ليدخل عليه الضوء، أو ~~موضعا من الحائط ليتد فيه وتدا لم يجز لما قلنا، فإن قيل أليس أنه لو ~~استأجر دابة بغير عينها يجوز وإن كان المعقود عليه مجهولا لجهالة محله؟ ~~فالجواب: إن هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة لحاجة الناس إلى سقوط ~~اعتبارها؛ لأن المسافر لو استأجر دابة بعينها فربما تموت الدابة في الطريق ~~فتبطل الإجارة بموتها، ولا يمكنه المطالبة بدابة أخرى، فيبقى في الطريق ~~بغير حمولة فيتضرر به، فدعت الضرورة إلى الجواز وإسقاط اعتبار هذه الجهالة ~~لحالة الناس، فلا تكون الجهالة مفضية إلى المنازعة كجهالة المدة وقدر الماء ~~الذي يستعمل في الحمام، وقال هشام: سألت محمدا عن الاطلاء بالنورة بأن قال: ~~أطليك بدانق ولا يعلم بما يطليه من غلظه ونحافته، قال: هو جائز؛ لأن مقدار ~~البدن معلوم بالعادة والتفاوت فيه يسير لا يفضي إلى المنازعة؛ ولأن الناس ~~يتعاملون ذلك من غير نكير فسقط اعتبار هذه الجهالة بتعامل الناس. # ومنها: بيان المدة في إجارة الدور والمنازل، والبيوت، والحوانيت، وفي ~~استئجار الظئر؛ لأن المعقود عليه لا يصير معلوم القدر بدونه، فترك بيانه ~~يفضي إلى المنازعة، وسواء قصرت المدة أو طالت من يوم أو شهر أو سنة أو أكثر ~~من ذلك بعد أن كانت معلومة، وهو أظهر أقوال الشافعي. # وفي بعضها أنه لا يجوز أكثر من سنة، وفي بعضها أنه لا يجوز أكثر من ~~ثلاثين سنة، والقولان لا معنى لهما؛ لأن المانع إن كان هو الجهالة فلا ~~جهالة، وإن كان عدم الحاجة فالحاجة قد تدعو إلى ذلك، وسواء عين اليوم أو ~~الشهر أو السنة أو لم يعين. # ويتعين الزمان الذي يعقب العقد لثبوت حكمه، وقال الشافعي: لا يصح العقد ~~ما لم يعين الوقت الذي يلي العقد نصا. # (وجه) قوله إن قوله يوما أو شهرا أو سنة مجهول؛ لأنه اسم لوقت ms2504 منكر، ~~وجهالة الوقت توجب جهالة المعقود عليه، وليس في نفس العقد ما يوجب تعيين ~~بعض الأوقات دون بعض فيبقى مجهولا، فلا بد من التعيين، ولنا إن التعيين قد ~~يكون نصا وقد يكون دلالة، وقد وجد ههنا دلالة التعيين من وجهين: أحدهما: أن ~~الإنسان إنما يعقد عقد الإجارة للحاجة، والحاجة عقيب العقد قائمة، والثاني: ~~إن العاقد يقصد بعقده الصحة ولا صحة لهذا العقد إلا بالصرف في الشهر الذي ~~يعقب العقد، فيتعين، بخلاف ما إذا قال: " لله علي أن أصوم شهرا أو أعتكف ~~شهرا " أن له أن يصوم ويعتكف أي شهر أحب ولا يتعين الشهر الذي يلي النذر؛ ~~لأن تعين الوقت ليس بشرط لصحة النذر فوجب المنذور به في شهر منكر، فله أن ~~يعين أي شهر شاء، ولو آجر داره شهرا أو شهورا معلومة فإن وقع العقد في غرة ~~الشهر يقع على الأهلة، بلا خلاف حتى لو نقص الشهر يوما كان عليه كمال ~~الأجرة لأن الشهر اسم للهلال، وإن وقع بعد ما مضى بعض الشهر ففي إجارة ~~الشهر يقع على ثلاثين يوما بالإجماع لتعذر اعتبار الأهلة فتعتبر بالأيام. # وأما في إجارة الشهر ففيها روايتان عن أبي حنيفة في رواية اعتبر الشهور ~~كلها بالأيام، وفي رواية اعتبر تكميل هذا الشهر بالأيام من الشهر الأخير ~~والباقي بالأهلة، وهكذا ذكر في الأصل فقال: إذا استأجر سنة أولها هذا اليوم ~~وهذا اليوم لأربعة عشر من الشهر فإنه يسكن بقية هذا الشهر، وأحد عشر شهرا ~~بالأهلة، وستة عشر يوما من الشهر الأخير، وهذا غلط وقع من الكاتب، والصحيح ~~أن يقال: وأربعة عشر يوما؛ لأن ستة عشر يوما قد سكن فلم يبق لتمام الشهر ~~بالأيام إلا أربعة عشر يوما، وهكذا ذكر في بعض النسخ، وإنما يسكن ستة عشر ~~يوما إذا كان سكن أربعة عشر يوما، وهو قول أبي يوسف ومحمد،، ووجهه ما ذكرنا ~~في كتاب الطلاق؛ لأن اسم الشهور للأهلة إذ الشهر اسم للهلال لغة، إلا أنه ~~لا يمكن اعتبار الأهلة في الشهر الأول فاعتبر فيه الأيام ويمكن ms2505 فيما بعده ~~فيعمل بالأصل؛ ولأن كل جزء من أجزاء المنفعة معقود عليه؛ لأنه يتجدد ويحدث ~~شيئا فشيئا فيصير عند تمام الشهر الأول كأنه عقد الإجارة ابتداء فيعتبر ~~بالأهلة بخلاف العدة أنه يعتبر فيها الأيام على إحدى # PageV04P181 # الروايتين؛ لأن كل جزء من أجزاء العدة ليس بعدة؛ ولأن العدة فيها حق الله ~~تعالى فاعتبر فيها زيادة العدد احتياطا، والإجارة حق العبد فلا يدخله ~~الاحتياط، وجه الرواية الأخرى أن الشهر الأول يكمل بالأيام بلا خلاف، وإنما ~~يكمل بالأيام من الشهر الثاني فإذا كمل بالأيام من الشهر الثاني يصير أول ~~الشهر الثاني بالأيام، فيكمل من الشهر الثالث وهكذا إلى آخر الشهور، ولو ~~قال: أجرتك هذه الدار سنة كل شهر بدرهم جاز بالإجماع؛ لأن المدة معلومة ~~والأجرة معلومة فلا يجوز - ولا يملك أحدهما - الفسخ قبل تمام السنة من غير ~~عذر، ولو لم يذكر السنة فقال: أجرتك هذه الدار كل شهر بدرهم جاز في شهر ~~واحد عند أبي حنيفة وهو الشهر الذي يعقب العقد كما في بيع العين بأن قال: ~~بعت منك هذه الصبرة كل قفيز منها بدرهم أنه لا يصح إلا في قفيز واحد عنده؛ ~~لأن جملة الشهور مجهولة، فأما الشهر الأول فمعلوم وهو الذي يعقب العقد، ~~وذكر القدوري أن الصحيح من قول أبي يوسف ومحمد أنه لا يجوز أيضا، وفرقا بين ~~الإجارة وبيع العين من حيث إن كل شهر لا نهاية له فلا يكون المعقود عليه ~~معلوما بخلاف الصبرة؛ لأنه يمكن معرفة الجملة بالكيل، وعامة مشايخنا قالوا ~~تجوز هذه الإجارة على قولهما كل شهر بدرهم كما في بيع الصبرة كل قفيز بدرهم ~~وفي بيع المذروع كل ذراع بدرهم، وعند أبي حنيفة لا يجوز البيع في المذروع ~~في الكل لا في ذراع واحد ولا في الباقي، وفي المكيل والموزون يجوز في واحد ~~ولا يجوز في الباقي في الحال، إلا إذا علم المشتري جملته في المجلس؛ لأن ~~بيع قفيز من صبرة جائز؛ لأن الجهالة لا تفضي إلى المنازعة لعدم التفاوت بين ~~قفيز وقفيز فأما بيع ذراع ms2506 من ثوب فلا يجوز لتفاوت في أجزاء الثوب فيفضي إلى ~~المنازعة، وقال الشافعي: هذه الإجارة فاسدة واعتبرها ببيع كل ثوب من هذه ~~الأثواب بدرهم، وهذا الاعتبار غير سديد لأن الثياب تختلف في أنفسها اختلافا ~~فاحشا، ولا يمكن تعيين واحد منها لاختلافها، فأما الشهور فإنها لا تختلف ~~فيتعين واحد منها للإجارة عند أبي حنيفة وهو الشهر الأول لما بينا، وإذا ~~جاز في الشهر الأول لا غير عند أبي حنيفة فلكل واحد منهما أن يترك الإجارة ~~عند تمام الشهر الأول، فإذا دخل الشهر الثاني ولم يترك أحدهما انعقدت ~~الإجارة في الشهر الثاني؛ لأنه إذا مضى الشهر الأول ولم يترك أحدهما فقد ~~تراضيا على انعقاد العقد في الشهر الثاني فصارا كأنهما جددا العقد، وكذا ~~هذا عند مضي كل شهر بخلاف ما إذا أجر شهرا، وسكت ولم يقل كل شهر؛ لأن هناك ~~لم يسبق منه شيء يبنى عليه العقد في الشهر الثاني، ثم اختلف مشايخنا في وقت ~~الفسخ وكيفيته قال بعضهم: إذا أهل الهلال يقول أحدهما على الفور: فسخت ~~الإجارة فإذا قال ذلك لا ينعقد في الشهر الثاني، وإن سكتا عنه انعقدت، وقال ~~بعضهم: يفسخ أحدهما الإجارة في الحال، فإذا جاء رأس الشهر عمل ذلك الفسخ ~~السابق، وقال بعضهم: يفسخ أحدهما ليلة الهلال أو يومها وإن سكتا حتى غربت ~~الشمس من اليوم الأول انعقدت الإجارة في الشهر الثاني، وهذا أصح الأقاويل، ~~ومعنى الفسخ ههنا هو منع انعقاد الإجارة في الشهر الثاني؛ لأنه رفع العقد ~~الموجود من الأصل. # ولو استأجر دلوا وبكرة ليسقي غنمه ولم يذكر المدة لم يجز؛ لأن قدر الزمان ~~الذي يسقي فيه الغنم غير معلوم فكان قدر المعقود عليه مجهولا وإن بين المدة ~~جاز؛ لأنه صار معلوما ببيان المدة والله عز وجل أعلم. # وأما بيان ما يستأجر له في هذا النوع من الإجارة أعني إجارة المنازل ~~ونحوها فليس بشرط، حتى لو استأجر شيئا من ذلك ولم يسم ما يعمل فيه جاز، وله ~~أن يسكن فيه نفسه ومع غيره، وله أن يسكن فيه ms2507 غيره بالإجارة والإعارة، وله ~~أن يضع فيه متاعا، وغيره غير أنه لا يجعل فيه حدادا، ولا قصارا، ولا طحانا، ~~ولا ما يضر بالبناء ويوهنه. # وإنما كان كذلك لأن الإجارة شرعت للانتفاع، والدور والمنازل والبيوت ~~ونحوها معدة للانتفاع بها بالسكنى، ومنافع العقار المعدة للسكنى متقاربة؛ ~~لأن الناس لا يتفاوتون في السكنى، فكانت معلومة من غير تسمية، وكذا المنفعة ~~لا تتفاوت بكثرة السكان وقلتهم إلا تفاوتا يسيرا، وأنه ملحق بالعدم ووضع ~~المتاع من توابع السكنى، وذكر في الأصل أن له أن يربط في الدار دابته، ~~وبعيره، وشاته؛ لأن ذلك من توابع السكنى، وقيل إن هذا الجواب على عادة أهل ~~الكوفة، والجواب فيه يختلف باختلاف العادة، فإن كان في موضع جرت العادة ~~بذلك فله ذلك وإلا فلا، وإنما لم يكن له أن يقعد فيه من يضر بالبناء ويوهنه ~~من القصار والحداد # PageV04P182 # والطحان؛ لأن ذلك إتلاف العين، وأنه لم يدخل تحت العقد، إذ الإجارة بيع ~~المنفعة لا بيع العين؛ ولأن مطلق العقد ينصرف إلى المعتاد، والظاهر أن ~~الحانوت الذي يكون في صف البزازين أنه لا يؤاجر لعمل الحداد والقصار ~~والطحان؛ فلا ينصرف مطلق العقد إليه، إذ المطلق محمول على العادة فلا يدخل ~~غيره في العقد إلا بالتسمية أو بالرضا، حتى لو آجر حانوتا في صف الحدادين ~~من حداد يدخل عمل الحدادة فيه من غير تسمية للعادة، وإنما كان له أن يؤاجر ~~من غيره ويعير؛ لأنه ملك المنفعة فكان له أن يؤاجر من غيره بعوض وبغير عوض. # وأما في إجارة الأرض فلا بد فيها من بيان ما تستأجر له من الزراعة والغرس ~~والبناء وغير ذلك، فإن لم يبين كانت الإجارة فاسدة، إلا إذا جعل له أن ~~ينتفع بها بما شاء، وكذا إذا استأجرها للزراعة فلا بد من بيان ما يزرع فيها ~~أو يجعل له أن يزرع فيها ما شاء، وإلا فلا يجوز العقد؛ لأن منافع الأرض ~~تختلف باختلاف البناء والغرس والزراعة، وكذا المزروع يختلف، منه ما يفسد ~~الأرض، ومنه ما يصلحها، فكان المعقود عليه مجهولا ms2508 جهالة مفضية إلى المنازعة ~~فلا بد من البيان بخلاف السكنى فإنها لا تختلف # وأما في إجارة الدواب فلا بد فيها من بيان أحد الشيئين: المدة أو المكان ~~فإن لم يبين أحدهما فسدت؛ لأن ترك البيان يفضي إلى المنازعة، وعلى هذا يخرج ~~ما إذا استأجر دابة يشيع عليها رجلا أو يتلقاه إن الإجارة فاسدة، إلا أن ~~يسمي موضعا معلوما لما قلنا، وكذا إذا استأجرها إلى الجبانة؛ لأن الجبانة ~~تختلف أولها وأوسطها وآخرها؛ لأنها موضع واسع تتباعد أطرافها وجوانبها، ~~بخلاف ما إذا استأجر دابة إلى الكوفة أنه يصح العقد وإن كان أطرافها ~~وجوانبها متباعدة؛ لأن المكان هناك معلوم بالعادة وهو منزله الذي بالكوفة؛ ~~لأن الإنسان إذا استأجر إلى بلده فإنما يستأجر إلى بيته، ألا ترى أنه ما ~~جرت العادة بين المكارين بطرح الحمولات على أول جزء من البلد؟ فصار منزله ~~بالكوفة مذكورا دلالة والمذكور دلالة، كالمذكور نصا، ولا عادة في الجبانة ~~على موضع بعينه حتى يحمل العقد عليه، حتى لو كان في الجبانة موضع لا يركب ~~إلا إليه يصح العقد وينصرف إليه كما يصح إلى الكوفة، ولو تكاراها بدرهم ~~يذهب عليها إلى حاجة له لم يجز ما لم يبين المكان؛ لأن الحوائج تختلف، منها ~~ما ينقضي بالركوب إلى موضع. # ومنها ما لا ينقضي إلا بقطع مسافة بعيدة فكانت المنافع مجهولة فتفسد ~~الإجارة، وذكر في الأصل إذا تكارى دابة من الفرات إلى جعفي وجعفي قبيلتان ~~بالكوفة ولم يسم إحداهما، أو إلى الكناسة وفيها كناستان ولم يسم إحداهما، ~~أو إلى بجيلة وبها بجيلتان الظاهرة والباطنة ولم يسم إحداهما، إن الإجارة ~~فاسدة؛ لأن المكان مجهول ولا بد فيها من بيان ما يستأجر له في الحمل ~~والركوب؛ لأنهما منفعتان مختلفتان وبعد بيان ذلك لا بد من بيان ما يحمل ~~عليها ومن يركبها؛ لأن الحمل يتفاوت بتفاوت المحمول والناس يتفاوتون في ~~الركوب فترك البيان يفضي إلى المنازعة، وذكر في الأصل إذا استأجر بعيرين من ~~الكوفة إلى مكة فحمل على أحدهما محملا فيه رجلان وما يصلح لهما من ms2509 الوطاء ~~والدثر وقد رأى الرجلين ولم ير الوطاء والدثر، وأحدهما زاملة يحمل عليها ~~كذا كذا محتوما من السويق، والدقيق وما يصلحهما من الزيت والخل والمعاليق ~~ولم يبين ذلك، واشترط عليه ما يكتفي به من الماء ولم يبين، ذلك فهذا كله ~~فاسد بالقياس، ولكن قال أبو حنيفة: أستحسن ذلك، وجه القياس أنه شرط عملا ~~مجهولا؛ لأن قدر الكسوة والدثار يختلف باختلاف الناس فصارت المنافع مجهولة، ~~وجه الاستحسان إن الناس يفعلون ذلك من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إلى يومنا هذا فكان ذلك إسقاطا منهم اعتبار هذه الجهالة فلا يفضي إلى ~~المنازعة، وإن اشترط المستأجر أن يحمل عليه من هدايا مكة من صالح ما يحمل ~~الناس فهو جائز؛ لأن قدر الهدايا يعلم بالعادة وهذا مما يفعله الناس في ~~سائر الأعصار من غير نكير، وإن بين وزن المعاليق ووصف ذلك، والهدايا أحب ~~إلينا؛ لأنه يجوز قياسا واستحسانا وذلك يكون أبعد من الخصومة لذلك قال: أحب ~~إلينا، ولكل محل قربتين من ماء وإداوتين من أعظم ما يكون لأن هذا كله يصير ~~معلوما بالعادة وذكره أفضل، وكذا الخيمة والقبة وذكره أفضل لما قلنا، وفي ~~استئجار العبد للخدمة، والثوب للبس، والقدر للطبخ لا بد من بيان المدة لما ~~قلنا، والقياس أن يشترط بيان نوع الخدمة في استئجار العبد للخدمة؛ لأن ~~الخدمة تختلف فكانت مجهولة، وفي الاستحسان لا يشترط وينصرف إلى المتعارف ~~وليس له أن # PageV04P183 # يسافر به فلا بد من بيان ما يلبس وما يطبخ في القدر؛ لأن اللبس يختلف ~~باختلاف اللابس، والقدر يختلف باختلاف المطبوخ فلا بد من البيان ليصير ~~المعقود عليه معلوما فإن اختصما حين وقعت الإجارة في هذه الأشياء قبل أن ~~يزرع أو يبني أو يغرس أو قبل أن يحمل على الدابة أو يركبها أو قبل أن يلبس ~~الثوب أو يطبخ في القدر فإن القاضي يفسخ الإجارة؛ لأن العقد وقع فاسدا، ~~ورفع الفساد واجب حقا للشرع، فإن زرع الأرض وحمل على الدابة ولبس الثوب، ~~وطبخ في القدر فمضت المدة فله ما سمي ms2510 استحسانا، والقياس أن يكون له أجر ~~المثل؛ لأنه استوفى المنفعة بعقد فاسد، واستيفاء المنفعة بعقد فاسد يوجب ~~أجر المثل لا المسمى، وجه الاستحسان أن المفسد جهالة المعقود عليه، ~~والمعقود عليه قد تعين بالزراعة، والحمل واللبس والطبخ فزالت الجهالة، فقد ~~استوفي المعقود عليه في عقد صحيح فيجب كمال المسمى كما لو كان متعينا في ~~الابتداء، ولو فسخ القاضي الإجارة ثم زرع أو حمل أو لبس أو غير ذلك لا يجب ~~شيء؛ لأن القاضي لما نقض العقد فقد بطل العقد فصار مستعملا مال الغير من ~~غير عقد فصار غاصبا، والمنافع على أصلنا لا تتقوم إلا بالعقد الصحيح أو ~~الفاسد، ولم يوجد، ومنها: بيان العمل في استئجار الصناع والعمال؛ لأن جهالة ~~العمل في الاستئجار على الأعمال جهالة مفضية إلى المنازعة فيفسد، العقد حتى ~~لو استأجر عاملا ولم يسم له العمل من القصارة والخياطة والرعي ونحو ذلك لم ~~يجز العقد، وكذا بيان المعمول فيه في الأجير المشترك، إما بالإشارة ~~والتعيين، أو ببيان الجنس والنوع والقدر والصفة في ثوب القصارة والخياطة ~~وبيان الجنس والقدر في إجارة الراعي من الخيل أو الإبل أو البقر أو الغنم ~~وعددها؛ لأن العمل يختلف باختلاف المعمول، وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر ~~حفارا ليحفر له بئرا أنه لا بد من بيان مكان الحفر وعمق البئر وعرضها؛ لأن ~~عمل الحفر يختلف باختلاف عمق المحفور وعرضه ومكان الحفر من الصلابة ~~والرخاوة فيحتاج إلى البيان ليصير المعقود عليه معلوما، وهل يشترط فيه بيان ~~المدة؟ أما في استئجار الراعي المشترك فيشترط؛ لأن قدر المعقود عليه لا ~~يصير معلوما بدونه. # وأما في استئجار القصار المشترك والخياط المشترك فلا يشترط حتى لو دفع ~~إلى خياط أو قصار أثوابا معلومة ليخيطها أو ليقصرها جاز من غير بيان المدة؛ ~~لأن المعقود عليه يصير معلوما بدونه. # وأما في الأجير الخاص فلا يشترط بيان جنس المعمول فيه ونوعه وقدره وصفته، ~~وإنما يشترط بيان المدة فقط وبيان المدة في استئجار الظئر شرط جوازه بمنزلة ~~استئجار العبد للخدمة؛ لأن المعقود عليه هو ms2511 الخدمة، فما جاز فيه جاز في ~~الظئر وما لم يجز فيه لم يجز فيها، إلا أن أبا حنيفة استحسن في الظئر أن ~~تستأجر بطعامها وكسوتها لما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، ولو استأجر ~~إنسانا ليبيع له ويشتري ولم يبين المدة لم يجز لجهالة قدر منفعة البيع ~~والشراء، ولو بين المدة بأن استأجره شهرا ليبيع له ويشتري جاز؛ لأن قدر ~~المنفعة صار معلوما ببيان المدة، وما روي عن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - ~~قال: «كنا نبيع في أسواق المدينة ونسمي أنفسنا السماسرة فخرج علينا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وسمانا بأحسن الأسماء فقال - صلى الله عليه ~~وسلم -: يا معشر التجار إن بيعكم هذا يحضره اللغو والكذب فشوبوه بالصدقة» ~~والسمسار هو الذي يبيع أو يشتري لغيره بالأجرة فهو محمول على ما إذا كانت ~~المدة معلومة، وكذا إذا قال: بع لي هذا الثوب ولك درهم وبين المدة وإن لم ~~يبين فباع واشترى فله أجر مثل عمله؛ لأنه استوفى منفعته بعقد فاسد، قال ~~الفضل بن غانم: سمعت أبا يوسف قال: لا بأس أن يستأجر القاضي رجلا مشاهرة ~~على أن يضرب الحدود بين يديه، وإن كان غير مشاهرة فالإجارة فاسدة؛ لأنها ~~إذا كانت مشاهرة كان المعقود عليه معلوما ببيان المدة ويستحق الأجرة فيها ~~بتسليم النفس عمل أو لم يعمل، وإذا لم يذكر الوقت بقي المعقود عليه مجهولا؛ ~~لأن قدر الحدود التي سماها غير معلوم وكذا محل الإقامة مجهول. # وذكر محمد في السير الكبير إذا استأجر الإمام رجلا ليقتل المرتدين ~~والأسارى لم يجز عند أصحابنا، وإن استأجره لقطع اليد جاز، ولا فرق بينهما ~~عندي، والإجارة جائزة فيهما. # هكذا ذكر محمد وأراد بقوله: " أصحابنا " أبا يوسف وأبا حنيفة، وعلى هذا ~~الخلاف إذا استأجر رجل رجلا لاستيفاء القصاص في النفس، وجه قوله أنه ~~استأجره لعمل معلوم، وهو القتل ومحله معلوم وهو العنق إذ لا يباح له العدول ~~عنه فيجوز كما لو استأجره لقطع اليد وذبح الشاة، ولهما أن محله من العنق ~~ليس بمعلوم # PageV04P184 # بخلاف القطع ms2512 فإن محله من اليد معلوم وهو المفصل، وكذا محل الذبح الحلقوم ~~والودجان وذلك معلوم، وقال ابن رستم عن محمد في رجل قال لرجل اقتل هذا ~~الذئب أو هذا الأسد ولك درهم وهما صيد ليسا للمستأجر فقتله: فإن له أجر ~~مثله لا أجاوز به درهما؛ لأن الأسد والذئب إذا لم يكونا في يده فيحتاج في ~~قتلهما إلى المعالجة فكان العمل مجهولا، وإنما وجب عليه أجر المثل؛ لأنه ~~استوفى المنفعة بعقد فاسد ويكون الصيد للمستأجر؛ لأن قتل الصيد سبب لتملكه ~~وعمل الأجير يقع للمستأجر فصار كأنه قتله بنفسه، وعلى هذا يخرج ما إذا قال ~~لرجل: استأجرتك لتخيط هذا الثوب اليوم، أو لتقصر هذا الثوب اليوم، أو لتخبز ~~قفيز دقيق اليوم، أو قال: استأجرتك هذا اليوم لتخيط هذا الثوب، أو لتقصر، ~~أو لتخبز قدم اليوم أو أخره أن الإجارة فاسدة في قول أبي حنيفة، وعند أبي ~~يوسف ومحمد جائزة، وعلى هذا الخلاف إذا استأجر الدابة إلى الكوفة أياما ~~مسماة فالإجارة فاسدة عنده، وعندهما جائزة، وجه قولهما إن المعقود عليه هو ~~العمل؛ لأنه هو المقصود والعمل معلوم، فأما ذكر المدة فهو التعجيل فلم تكن ~~المدة معقودا عليها، فذكرها لا يمنع جواز العقد، وإذا وقعت الإجارة على ~~العمل فإن فرغ منه قبل تمام المدة أي اليوم فله كمال الأجر، وإن لم يفرغ ~~منه في اليوم فعليه أن يعمله في الغد، كما إذا دفع إلى خياط ثوبا ليقطعه ~~ويخيطه قميصا على أن يفرغ منه في يومه هذا، أو اكترى من رجل إبلا إلى مكة ~~على أن يدخله إلى عشرين ليلة كل بعير بعشرة دنانير مثلا ولم يزد على هذا أن ~~الإجارة جائزة، ثم إن وفى بالشرط أخذ المسمى وإن لم يف به فله أجر مثله لا ~~يزاد على ما شرطه. # ولأبي حنيفة أن المعقود عليه مجهول؛ لأنه ذكر أمرين كل واحد منهما يجوز ~~أن يكون معقودا عليه، أعني العمل والمدة أما العمل فظاهر، وكذا ذكر المدة ~~بدليل أنه لو استأجره يوما للخبازة من غير بيان قدر ms2513 ما يخبز جاز وكان ~~الجواب باعتبار أنه جعل المعقود عليه المنفعة، والمنفعة مقدرة بالوقت، ولا ~~يمكن الجمع بينهما في كون كل واحد منهما معقودا عليه لأن حكمهما مختلف؛ لأن ~~العقد على المدة يقتضي وجوب الأجر من غير عمل؛ لأنه يكون أجيرا خالصا، ~~والعقد على العمل يقتضي وجوب الأجر بالعمل؛ لأنه يصير أجيرا مشتركا، فكان ~~المعقود عليه أحدهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر فكان مجهولا، وجهالة ~~المعقود عليه توجب فساد العقد بخلاف تلك المسألة؛ لأن قوله " على أن يفرغ ~~منه في يومي هذا ليس جعل الوقت معقودا عليه بل هو بيان صفة العمل، بدليل ~~أنه لو لم يعمل في اليوم وعمل في الغد يستحق أجر المثل، ولو قال: أجرتك هذه ~~الدار شهرا بخمسة دراهم، أو هذه الأخرى شهرا بعشرة دراهم، أو كان هذا القول ~~في حانوتين أو عبدين أو مسافتين مختلفتين بأن قال: أجرتك هذه الدابة إلى ~~واسط بكذا أو إلى مكة بكذا فذلك جائز عند أصحابنا الثلاثة استحسانا، وعند ~~زفر والشافعي لا يجوز قياسا، وعلى هذا إذا خيره بين ثلاثة أشياء، وإن ذكر ~~أربعة لم يجز وعلى هذا أنواع الخياطة والصبغ أنه إن ذكر ثلاثة جاز عندنا، ~~ولا يجوز ما زاد عليها كما في بيع العين، وجه القياس أنه أضاف العقد إلى ~~أحد المذكورين وهو مجهول فلا يصح؛ ولهذا لم يصح إذا أضيف إلى أحد الأشياء ~~الأربعة، ولنا أنه خيره بين عقدين معلومين في محلين متقومين ببدلين معلومين ~~كما لو قال: إن رددت الآبق من موضع كذا فلك كذا، وإن رددته من موضع كذا فلك ~~كذا، وكما لو قال: إن خطت هذا الثوب فبدرهم، وإن خطت هذا الآخر فبدرهم، ~~وعملهما سواء، وكما لو قال: إن سرت على هذه الدابة إلى موضع كذا فبدرهم، ~~وإن سرت إلى موضع كذا فبدرهم، والمسافة سواء. # وأما قولهما إن العقد أضيف إلى أحد المذكورين من غير عين فنعم لكن فوض ~~خيار التعيين إلى المستأجر، ومثل هذه الجهالة لا تفضي إلى المنازعة كجهالة ~~قفيز من الصبرة؛ ms2514 ولهذا جاز البيع فالإجارة أولى؛ لأنها أوسع من البيع. # ألا ترى أنها تقبل من الخطر ما لا يقبله البيع؛ ولهذا جوزوا هذه الإجارة ~~من غير شرط الخيار ولم يجوزوا البيع إلا بشرط الخيار، وكذلك إذا دفع إلى ~~خياط ثوبا فقال له: إن خطته فارسيا فلك درهم، وإن خطته روميا فلك درهمان، ~~أو قال لصباغ: إن صبغت هذا الثوب بعصفر فلك درهم، وإن صبغته بزعفران فلك ~~درهمان فذلك جائز؛ لأنه خيره بين إيفاء منفعتين معلومتين فلا جهالة؛ ولأن ~~الأجر على أصل أصحابنا لا يجب إلا بالعمل، وحين يأخذ في أحد العملين تعين ~~ذلك الأجر، وهذا عند أصحابنا الثلاثة، فأما عند زفر فالإجارة فاسدة؛ لأن ~~المعقود عليه مجهول، والجواب ما ذكرناه ولو # PageV04P185 # قال: أجرتك هذه الدار شهرا على أنك إن قعدت فيها حدادا فأجرها عشرة، وإن ~~بعت فيها الخز فخمسة فالإجارة جائزة في قول أبي حنيفة الأخير، وقال أبو ~~يوسف ومحمد: الإجارة فاسدة، وجه قولهما إن الأجر لا يجب بالسكنى وإنما يجب ~~بالتسليم وهو التخلية، وحالة التخلية لا يدري ما يسكن فكان البدل عنده ~~مجهولا بخلاف الرومي، والفارسي؛ لأن البدل هناك يجب بابتداء العمل، ولا بد ~~وأن يبتدئ بأحد العملين، وعند ذلك يتعين البدل ويصير معلوما عند وجوده ~~ولأبي حنيفة أنه خير بين منفعتين معلومتين فيجوز كما في خياطة الرومية ~~والفارسية، وهذا لأن السكنى وعمل الحدادة مختلفان، والعقد على واحد منهما ~~صحيح على الانفراد فكذا على الجمع، وقولهما بأن الأجر ههنا يجب بالتسليم من ~~غير عمل مسلم، لكن العمل يوجد ظاهرا وغالبا؛ لأن الانتفاع عند التمكين من ~~الانتفاع هو الغالب فلا يجب الاحتراز عنه، على أن بالتخلية وهو التمكن من ~~الانتفاع يجب أقل الأجرين؛ لأن الزيادة تجب بزيادة الضرر، ولم توجد زيادة ~~الضرر وأقل الأجرين معلوم فلا يؤدي إلى الجهالة، وهذا جواب إمام الهدى ~~الشيخ أبي منصور الماتريدي، وعلى هذا الخلاف كل ما كان أجره يجب بالتسليم ~~ولا يعلم الواجب به وقت التسليم فهو باطل عندهما، وعند أبي حنيفة العقد ~~جائز، وأي ms2515 التعيين استوفي وجب أجر ذلك كما سمي وإن أمسك الدار ولم يسكن ~~فيها حتى مضت المدة فعليه أقل المسميين لما ذكرنا أن الزيادة إنما تجب ~~باستيفاء منفعة زائدة ولم يوجد ذلك فلا يجب بالتسليم وهو التخلية إلا أقل ~~الأجرين، وعلى هذا الخلاف إذا استأجر دابة إلى الحيرة على أنه إن حمل عليها ~~شعيرا فبنصف درهم وإن حمل عليها حنطة فبدرهم فهو جائز على قول أبي حنيفة ~~الآخر، وعلى قولهما لا يجوز، وكذلك إن استأجر دابة إلى الحيرة بدرهم وإلى ~~القادسية بدرهمين فهو جائز عنده، وعلى قولهما ينبغي أن لا يجوز لما ذكرنا، ~~ولو استأجر دابة من بغداد إلى القصر بخمسة وإلى الكوفة بعشرة قال محمد: لو ~~كانت المسافة إلى القصر النصف من الطريق إلى الكوفة فالإجارة جائزة، وإن ~~كانت أقل أو أكثر فهي فاسدة على أصلهما؛ لأن المسافة إذا كانت النصف فحال ~~ما يسير يصير البدل معلوما؛ لأنه إن سار إلى القصر أو إلى الكوفة فالأجرة ~~إلى القصر خمسة، فأما إذا كانت المسافة إلى القصر أقل من النصف (1) أو أكثر ~~فالأجرة حال ما يسير مجهولة؛ لأنه إن سار إلى القصر فالأجرة خمسة وإن سار ~~إلى الكوفة فالأجرة إلى القصر بحصته من المسافة وجهالة الأجرة عند وجود سبب ~~وجوبها تفسد العقد عندهما، فأما على قول أبي حنيفة فالعقد جائز؛ لأنه سمى ~~منفعتين معلومتين؛ لأن كل واحد منهما بدل معلوم ولو أعطى خياطا ثوبا فقال: ~~إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصف درهم قال أبو حنيفة: الشرط ~~الأول صحيح والثاني فاسد، حتى لو خاطه اليوم فله درهم وإن خاطه غدا فله أجر ~~مثله على ما نذكر تفسيره، وقال أبو يوسف ومحمد: الشرطان جائزان، وقال زفر: ~~الشرطان باطلان، وبه أخذ الشافعي، فنتكلم مع زفر والشافعي في اليوم الأول ~~لأنهما خالفا أصحابنا الثلاثة فيه، والوجه لهما أن المعقود عليه مجهول، ~~ولنا أنه سمى في اليوم الأول عملا معلوما وبدلا معلوما، وفساد الشرط الثاني ~~لا يؤثر في الشرط الأول كمن عقد إجارة ms2516 صحيحة وإجارة فاسدة. # وأما اليوم الثاني فوجه قول أبي يوسف ومحمد على نحو ما ذكرنا في اليوم ~~الأول أنه سمي في اليوم الثاني عملا معلوما وبدلا معلوما كما في الأول فلا ~~معنى لفساد العقد به، كما لا يفسد في اليوم الأول. # ولأبي حنيفة أنه اجتمع في اليوم الثاني بدلان متفاوتان في القدر؛ لأن ~~البدل المذكور في اليوم الأول جعل مشروطا في اليوم الثاني، بدليل أنه لو لم ~~يذكر لليوم الثاني بدلا آخر وعمل في اليوم الثاني يستحق المسمى في الأول، ~~فلو لم يجعل المذكور من البدل في اليوم الأول مشروطا في الثاني لما استحق ~~المسمى، وإذا اجتمع بدلان في اليوم الثاني صار كأنه قال: في اليوم الثاني ~~فلك درهم أو نصف درهم فكان الأجر مجهولا فوجب فساد العقد، فإذا خاطه في ~~اليوم الثاني فله أجر مثله لا يزاد على درهم ولا ينقص من نصف درهم، هكذا ~~ذكر في الأصل، وفي الجامع الصغير، وذكر محمد في الإملاء، وهو إحدى روايتي ~~ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف، وإحدى روايتي ابن سماعة في نوادره عن ~~محمد، وروى ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في رواية أخرى أن ~~له في اليوم الثاني أجر مثله لا يزاد على نصف درهم # PageV04P186 # وذكر القدوري أن هذه الرواية هي الصحيحة، ووجهها أن الواجب في الإجارة ~~الفاسدة أجر المثل لا يزاد على المسمى، والمسمى في اليوم الثاني نصف درهم ~~لا درهم إنما الدرهم مسمى في اليوم الأول وذلك عقد آخر فلا يعتبر فيه، وجه ~~رواية الأصل أنه اجتمع في الغد تسميتان؛ لأن التسمية الأولى عند مجيء الغد ~~قائمة لما ذكرنا فيعمل بهما فتعتبر الأولى لمنع الزيادة، والثانية لمنع ~~النقصان، فإن خاط نصفه في اليوم الأول ونصفه في الغد فله نصف المسمى لأجل ~~خياطته في اليوم وأجر المثل لأجل خياطته في الغد لا يزاد على درهم ولا ينقص ~~عن نصف درهم، فإن خاطه في اليوم الثالث فقد روى ابن سماعة عن محمد عن أبي ~~حنيفة ms2517 أن له أجر مثله لا يجاوز به نصف درهم؛ لأن صاحب الثوب لم يرض بتأخيره ~~إلى الغد بأكثر من النصف، فبتأخيره إلى اليوم الثالث أولى، فإن قال: إن ~~خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلا أجر لك، ذكر محمد في إملائه أنه إن ~~خاطه في اليوم الأول، فله درهم وإن خاطه في اليوم الثاني فله أجر مثله لا ~~يزاد على درهم؛ لأن إسقاطه في اليوم الثاني لا ينفي وجوبه في اليوم الأول ~~ونفي التسمية في اليوم الثاني لا ينفي أصل العقد فكان في اليوم الثاني عقد ~~لا تسمية فيه، ويجب أجر المثل ولو قال: إن خطته أنت فأجرك درهم، وإن خاطه ~~تلميذك فأجرك نصف درهم فهذا والخياطة الرومية، والفارسية سواء، ولو استأجر ~~دارا شهرا بعشرة دراهم على أنه إن سكنها يوما ثم خرج فعليه عشرة دراهم فهو ~~فاسد؛ لأن المعقود عليه مجهول وهو سكنى شهر أو يوم والله عز وجل أعلم. # ومنها أن يكون مقدور الاستيفاء حقيقة وشرعا؛ لأن العقد لا يقع وسيلة إلى ~~المعقود بدونه، فلا يجوز استئجار الآبق؛ لأنه لا يقدر على استيفاء منفعته ~~حقيقة لكونه معجوز التسليم حقيقة؛ ولهذا لم يجز بيعه، ولا تجوز إجارة ~~المغصوب من غير الغاصب، كما لا يجوز بيعه من غيره؛ لما قلنا. # وعلى هذا تخرج إجارة المشاع من غير الشريك أنها غير جائزة عند أبي حنيفة ~~وزفر، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: إنها جائزة. # وجه قولهم إن الإجارة أحد نوعي البيع فيعتبر بالنوع الآخر وهو بيع العين ~~وإنه جائز في المشاع، كذا هذا، فلو امتنع إنما يمتنع لتعذر استيفاء منفعة ~~بسبب الشياع، والمشاع مقدور الانتفاع بالمهايأة ولهذا جاز بيعه، وكذا يجوز ~~من الشريك أو من الشركاء في صفقة واحدة فكذا من الأجنبي، والدليل عليه أن ~~الشيوع الطارئ لا يفسد الإجارة فكذا المقارن؛ لأن الطارئ في باب الإجارة ~~مقارن؛ لأن المعقود عليه المنفعة وأنها تحدث شيئا فشيئا فكان كل جزء يحدث ~~معقودا عليه مبتدأ. # ولأبي حنيفة أن منفعة المشاع غير مقدورة الاستيفاء؛ ms2518 لأن استيفاءها بتسليم ~~المشاع والمشاع غير مقدور بنفسه؛ لأنه اسم لسهم غير معين، وغير المعين لا ~~يتصور تسليمه بنفسه حقيقة وإنما يتصور تسليمه بتسليم الباقي، وذلك غير ~~معقود عليه فلا يتصور تسليمه شرعا. # وأما قولهما إنه يمكن استيفاء منفعة المشاع بالتهايؤ فنقول لا يمكن على ~~الوجه الذي يقتضيه العقد وهو الانتفاع بالنصف في كل المدة؛ لأن التهايؤ ~~بالزمن انتفاع بالكل في نصف المدة وهذا ليس بمقتضى العقد والتهايؤ بالمكان ~~انتفاع برفع المستأجر في كل المدة؛ لأن نصف هذا النصف له بالملك ونصفه على ~~طريق البدل عما في يد صاحبه وأنه ليس بمقتضى العقد أيضا فإذا لا يمكن تسليم ~~المعقود عليه على الوجه الذي يقتضيه العقد أصلا ورأسا فلا يكون المعقود ~~عليه مقدور الاستيفاء حقيقة وشرعا ولأن تجويز هذا العقد بالمهايأة يؤدي إلى ~~الدور؛ لأنه لا مهايأة إلا بعد ثبوت الملك ولا ملك إلا بعد وجود العقد، ولا ~~عقد إلا بعد وجود شرطه وهو القدرة على التسليم فيتعلق كل واحد بصاحبه فلا ~~يتصور وجوده بخلاف البيع؛ لأن كون المبيع مقدور الانتفاع ليس بشرط لجواز ~~البيع فإن بيع المهر والجحش والأرض السبخة جائز وإن لم يكن منتفعا بها ~~ولهذا يدخل الشرب والطريق في الإجارة من غير تسمية ولا يدخلان في البيع إلا ~~بالتسمية؛ لأن كون المستأجر منتفعا به بنفسه شرط صحة الإجارة ولا يمكن ~~الانتفاع بدون الشرب والطريق بخلاف البيع. # وأما الإجارة من الشريك فعن أبي حنيفة فيه روايتان ولئن سلمنا على ~~الرواية المشهورة فلأن المعقود عليه هناك مقدور الاستيفاء بدون المهايأة ~~لأن منفعة كل الدار تحدث على ملك المستأجر لكن بسببين مختلفين بعضها بسبب ~~الملك وبعضها بسبب الإجارة وكذا الشيوع الطارئ فيه روايتان عن أبي حنيفة في ~~رواية تفسد الإجارة كالمقارن # PageV04P187 # وفي رواية لا تفسد وهي الرواية المشهورة عنه، ووجهها أن عدم الشيوع عنده ~~شرط جواز هذا العقد وليس كل ما يشترط لابتداء العقد يشترط لبقائه كالخلو عن ~~العدة فإن العدة تمنع ابتداء العقد ولا تمنع البقاء كذا هذا وسواء كانت ms2519 ~~الدار كلها لرجل فأجر نصفها من رجل أو كانت بين اثنين فأجر أحدهما نصيبه من ~~رجل كذا ذكر الكرخي في جامعه نصا عن أبي حنيفة أن الإجارة لا تجوز في ~~الوجهين جميعا ذكر أبو طاهر الدباس أن إجارة المشاع إنما لا تجوز عند أبي ~~حنيفة إذا أجر الرجل بعض ملكه فأما إذا أجر أحد الشريكين نصيبه فالعقد جائز ~~بلا خلاف؛ لأن في الصورة الأولى تقع المهايأة بين المستأجر، وبين المؤاجر ~~مدة ولا يجوز أن يستحق المؤاجر الأجر مع كون الدار في يده والمهايأة في ~~الصورة الثانية إنما تقع بين المستأجر وبين غير المؤاجر وهذا لا يمنع ~~استحقاق الأجر لجواز أن تكون الدار في يد غير المستأجر وأجرتها عليه كما لو ~~أعارها ثم أجرها والصحيح ما ذكره الكرخي؛ لأن ما ذكرنا من المانع يعم ~~الوجهين جميعا وسواء كان المستأجر محتملا للقسمة أو لا؛ لأن المانع من ~~الجواز لا يوجب الفصل بينهما بخلاف الهبة فإن المانع ثمة خص المحتمل للقسمة ~~وهو ما ذكرنا في كتاب الهبة ولو آجر مشاعا يحتمل القسمة فقسم وسلم جاز؛ لأن ~~المانع قد زال كما لو باع الجذع في السقف ثم نزع وسلم وكما لو وهب مشاعا ~~يحتمل القسمة ثم قسم وسلم فإن اختصما قبل القسمة فأبطل الحاكم الإجارة ثم ~~قسم وسلم بعد ذلك لم يجز العقد؛ لأن العقد انفسخ من الأصل بإبطال الحاكم ~~فلا يحتمل الجواز إلا بالاستئناف ويجوز إجارة الاثنين من واحد؛ لأن المنافع ~~تدخل في يد المستأجر جملة واحدة من غير شيوع ويستوفيها من غير مهايأة ولو ~~مات أحد المؤاجرين حتى انقضت الإجارة في حصته لا تنقض في حصة الحي وإن صارت ~~مشاعة، وهو المسمى بالشيوع الطارئ لما ذكرنا وكذا يجوز رهن الاثنين من واحد ~~وهبة الاثنين من واحد لعدم الشيوع عند القبض، وكذا تجوز إجارة الواحد من ~~الاثنين؛ لأن المنافع تخرج من ملك الآجر جملة واحدة من غير شياع ثم ثبت ~~الشياع لضرورة تفرق ملكيهما في المنفعة وأنه يوجب قسمة المنفعة بالتهايؤ ~~فينعدم الشيوع ms2520 ولو مات أحد المستأجرين حتى انتقضت الإجارة في حصته بقيت في ~~حصة الحي كما كانت، ويجوز رهن الواحد من اثنين أيضا؛ لأن الرهن شرع وثيقة ~~بالدين فجميع الرهن يكون وثيقة لكل واحد من المرتهنين. # ألا ترى أنه لو قضى الراهن دين أحدهما لم يكن له أن يأخذ بعض الرهن. # وأما هبة الواحد من اثنين فإنما لا تجوز عند أبي حنيفة؛ لأن الملك في باب ~~الهبة يقع بالقبض والشيوع ثابت عند القبض وأنه يمنع من القبض فيمنع من وقوع ~~الملك على ما نذكر في كتاب الهبة وإن استأجر أرضا فيها زرع للآجر أو شجر أو ~~قصب أو كرم أو ما يمنع من الزراعة لم تجز؛ لأنها مشغولة بمال المؤاجر فلا ~~يتحقق تسليمه فلا يكون المعقود عليه مقدور الاستيفاء شرعا فلم تجز كما لو ~~اشترى جذعا في سقف، وكذا لو استأجر أرضا فيها رطبة فالإجارة فاسدة؛ لأنه لا ~~يمكن تسليمها إلا بضرر وهو قلع الرطبة فلا يجبر على الإضرار بنفسه فلم تكن ~~المنفعة مقدورة الاستيفاء شرعا فلم تجز كما لو اشترى جذعا في سقف فإن قلع ~~رب الأرض الرطبة فقال للمستأجر: اقبض الأرض فقبضها فهو جائز؛ لأن المانع قد ~~زال فصار كشراء الجذع في السقف إذا نزعه البائع وسلمه إلى المشتري فإن ~~اختصما قبل ذلك فأبطل الحاكم الإجارة ثم قلع الرطبة بعد ذلك لم يصح العقد؛ ~~لأن العقد قد بطل بإبطال الحاكم فلا يحتمل العود فإن مضى من مدة الإجارة ~~يوم أو يومان قبل أن يختصما ثم قلع الرطبة فالمستأجر بالخيار إن شاء قبضها ~~على تلك الإجارة وطرح عنه ما لم يقبض وإن شاء لم يقبض فرقا بين هذا وبين ~~الدار إذا سلمها المؤاجر في بعض المدة أن المستأجر لا يكون له خيار الترك، ~~ووجه الفرق أن المقصود من إجارة الأرض الزراعة، والزراعة لا تمكن في جميع ~~الأوقات بل في بعض الأوقات دون بعض وتختلف بالتقديم، والتأخير فالمدة ~~المذكورة فيها يقف بعضها على بعض ويكون الكل كمدة واحدة فإذا مضى بعضها فقد ms2521 ~~تغير عليه صفة العقد لاختلاف المعقود فكان له الخيار بخلاف إجارة الدار؛ ~~لأن المقصود منها السكنى وسكنى كل يوم لا تعلق له بيوم آخر فلا يقف بعض ~~المدة فيها على بعض فلا يوجب خللا في المقصود من الباقي فلا يثبت الخيار ~~ولو اشترى أطراف رطبة ثم استأجر الأرض لتبقية ذلك لم تجز # PageV04P188 # الإجارة؛ لأن أصل الرطبة ملك المؤاجر فكانت الأرض مشغولة بملك المؤاجر ~~واستئجار بقعة مشغولة بمال المؤاجر لم تصح؛ لأن كونها مشغولة بملكه يمنع ~~التسليم فيمنع استيفاء المعقود عليه كاستئجار أرض فيها زرع المؤاجر ولو ~~اشترى الرطبة بأصلها ليقلعها ثم استأجر الأرض مدة معلومة لتبقيتها جاز؛ لأن ~~الأرض ههنا مشغولة بمال المستأجر وذا لا يمنع الإجارة كما لو استأجر ما هو ~~في يده وكذلك إذا اشترى شجرة فيها ثمر بثمرها على أن يقلعها ثم استأجر ~~الأرض فبقاها فيها جاز لما قلنا قال محمد: وإن استعار الأرض في ذلك كله فهو ~~جائز؛ لأن المالك بالإعارة أباح الانتفاع بملكه فيجوز، وعلى هذا يخرج ما ~~ذكرنا أيضا من استئجار الفحل للإنزاء واستئجار الكلب المعلم والبازي المعلم ~~للاصطياد أنه لا يجوز لأن المنفعة المطلوبة منه غير مقدورة الاستيفاء إذ لا ~~يمكن إجبار الفحل على الضراب والإنزال ولا إجبار الكلب والبازي على الصيد ~~فلم تكن المنفعة التي هي معقود عليها مقدورة الاستيفاء في حق المستأجر فلم ~~تجز وعلى هذا يخرج استئجار الإنسان للبيع، والشراء أنه لا يجوز؛ لأن البيع، ~~والشراء لا يتم بواحد بل بالبائع والمشتري فلا يقدر الأجير على إيفاء ~~المنفعة بنفسه فلا يقدر المستأجر على الاستيفاء فصار كما لو استأجر رجلا ~~ليحمل خشبة بنفسه وهو لا يقدر على حملها بنفسه ولو ضرب لذلك مدة بأن ~~استأجره شهرا ليبيع له ويشتري جاز لما مر وعلى هذا يخرج الاستئجار على ~~تعليم القرآن والصنائع أنه لا يجوز؛ لأن الأجير لا يقدر على إيفاء العمل ~~بنفسه فلا يقدر المستأجر على الاستيفاء وإن شئت أفردت لجنس هذه المسائل ~~شرطا فقلت ومنها أن يكون العمل المستأجر له مقدور ms2522 الاستيفاء من العامل ~~بنفسه ولا يحتاج فيه إلى غيره وخرجت المسائل عليه والأول أقرب إلى الصناعة ~~فافهم. # وعلى هذا يخرج الاستئجار على المعاصي أنه لا يصح لأنه استئجار على منفعة ~~غير مقدورة الاستيفاء شرعا كاستئجار الإنسان للعب واللهو، وكاستئجار ~~المغنية، والنائحة للغناء، والنوح بخلاف الاستئجار لكتابة الغناء والنوح ~~أنه جائز؛ لأن الممنوع عنه نفس الغناء، والنوح لا كتابتهما وكذا لو استأجر ~~رجلا ليقتل له رجلا أو ليسجنه أو ليضربه ظلما وكذا كل إجارة وقعت لمظلمة؛ ~~لأنه استئجار لفعل المعصية فلا يكون المعقود عليه مقدور الاستيفاء شرعا فإن ~~كان ذلك بحق بأن استأجر إنسانا لقطع عضو جاز. # لأنه مقدور الاستيفاء؛ لأن محله معلوم فيمكنه أن يضع السكين عليه فيقطعه ~~وإن استأجره لقصاص في النفس لم يجز عند أبي حنيفة وأبي يوسف وتجوز عند محمد ~~هو يقول استيفاء القصاص بطريق مشروع هو حز الرقبة والرقبة معلومة فكان ~~المعقود عليه مقدور الاستيفاء فأشبه الاستئجار لذبح الشاة وقطع اليد وهما ~~يقولان إن القتل بضرب العنق يقع على سبيل التجافي عن المضروب فربما يصيب ~~العنق وربما يعدل عنه إلى غيره فإن أصاب كان مشروعا وإن عدل كان محظورا؛ ~~لأنه يكون مثلة وإنها غير مشروعة بخلاف الاستئجار على تشقيق الحطب؛ لأنه ~~وإن كان ذلك يقع على سبيل التجافي فكله مباح وههنا بخلافه فلم يكن هذا ~~النوع من المنفعة مقدور الاستيفاء وليس كذلك القطع والذبح لأن القطع يقع ~~بوضع السكين على موضع معلوم من اليد وهو المفصل وإمراره عليه وكذلك الذبح ~~فهو الفرق ولو استأجر ذمي من مسلم بيعة ليصلي فيها لم يجز؛ لأنه استئجار ~~لفعل المعصية وكذا لو استأجر ذمي من ذمي لما قلنا ولو استأجر الذمي دارا من ~~مسلم وأراد أن يصلي فيها من غير جماعة أو يتخذها مصلى للعامة فقد ذكرنا ~~حكمه فيما تقدم ولو استأجر ذمي مسلما ليخدمه ذكر في الأصل أنه يجوز وأكره ~~للمسلم خدمة الذمي أما الكراهة فلأن الاستخدام استذلال فكأن إجارة المسلم ~~نفسه منه إذلالا لنفسه وليس للمسلم أن يذل ms2523 نفسه خصوصا بخدمة الكافر. # وأما الجواز فلأنه عقد معاوضة فيجوز كالبيع وقال أبو حنيفة: أكره أن ~~يستأجر الرجل امرأة حرة يستخدمها ويخلو بها وكذلك الأمة وهو قول أبي يوسف ~~ومحمد أما الخلوة فلأن الخلوة بالمرأة الأجنبية معصية. # وأما الاستخدام فلأنه لا يؤمن معه الاطلاع عليها والوقوع في المعصية ~~ويجوز الاستئجار لنقل الميتات والجيف والنجاسات؛ لأن فيه # رفع أذيتها # عن الناس فلو لم تجز لتضرر بها الناس وقال ابن رستم عن محمد أنه قال: لا ~~بأس بأجرة الكناس # PageV04P189 # أرأيت لو استأجره ليخرج له حمارا ميتا، أما يجوز ذلك، ويجوز الاستئجار ~~على نقل الميت الكافر إلى المقبرة؛ لأنه جيفة فيدفع أذيتها عن الناس كسائر ~~الأنجاس. # وأما الاستئجار على نقله من بلد إلى بلد فقد قال محمد: ابتلينا بمسألة ~~ميت مات من المشركين فاستأجروا له من يحمله إلى موضع فيدفنه في غير الموضع ~~الذي مات فيه أراد بذلك: إذا استأجروا له من ينقله من بلد إلى بلد فقال أبو ~~يوسف: لا أجر له وقلت أنا: إن كان الحمال الذي حمله يعلم أنه جيفة؛ فلا أجر ~~له، وإن لم يعلم فله الأجر، وجه قول محمد إن الأجير إذا علم أنه جيفة فقد ~~نقل ما لا يجوز له نقله؛ فلا يستحق الأجر، وإذا لم يعلم فقد غروه بالتسمية، ~~والغرور يوجب الضمان ولأبي يوسف إن الأصل أن لا يجوز نقل الجيفة وإنما رخص ~~في نقلها للضرورة وهي ضرورة رفع أذيتها، ولا ضرورة في النقل من بلد إلى بلد ~~فبقي على أصل الحرمة كنقل الميتة من بلد إلى بلد، ومن استأجر حمالا يحمل له ~~الخمر فله الأجر في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف، ومحمد لا أجر له كذا ذكر ~~في الأصل، وذكر في الجامع الصغير أنه يطيب له الأجر في قول أبي حنيفة، ~~وعندهما يكره لهما أن هذه إجارة على المعصية؛ لأن حمل الخمر معصية لكونه ~~إعانة على المعصية، وقد قال الله عز وجل {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ~~[المائدة: 2] ولهذا لعن الله تعالى عشرة: منهم ms2524 حاملها والمحمول إليه ولأبي ~~حنيفة إن نفس الحمل ليس بمعصية بدليل أن حملها للإراقة والتخليل مباح وكذا ~~ليس بسبب للمعصية وهو الشرب؛ لأن ذلك يحصل بفعل فاعل مختار وليس الحمل من ~~ضرورات الشرب فكانت سببا محضا فلا حكم له كعصر العنب وقطفه والحديث محمول ~~على الحمل بنية الشرب وبه نقول: إن ذلك معصية، ويكره أكل أجرته، ولا تجوز ~~إجارة الإماء للزنا؛ لأنها إجارة على المعصية وقيل: فيه نزل قوله تعالى ~~{ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} ~~[النور: 33] . # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى عن مهر البغي» وهو ~~أجر الزانية على الزنا وتجوز الإجارة للحجامة وأخذ الأجرة عليها؛ لأن ~~الحجامة أمر مباح وما ورد من النهي عن كسب الحجام في الحديث عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من السحت عسب التيس وكسب الحجام» ؛ فهو ~~محمول على الكراهة لدناءة الفعل والدليل عليه ما روي «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لما قال ذلك أتاه رجل من الأنصار فقال: إن لي حجاما ~~وناضحا فأعلف ناضحي من كسبه قال - صلى الله عليه وسلم -: نعم» . # وروي «أنه - صلى الله عليه وسلم - احتجم وأعطى الحجام دينارا» ولا يجوز ~~استئجار الرجل أباه ليخدمه؛ لأنه مأمور بتعظيم أبيه وفي الاستخدام استخفاف ~~به فكان حراما فكان هذا استئجارا على المعصية وسواء كان الأب حرا أو عبدا ~~استأجره ابنه من مولاه ليخدمه لأنه لا يجوز استئجار الأب حرا كان أو عبدا ~~وسواء كان الأب مسلما أو ذميا؛ لأن تعظيم الأب واجب وإن اختلف الدين قال ~~الله تعالى {وصاحبهما في الدنيا معروفا} [لقمان: 15] وهذا في الأبوين ~~الكافرين؛ لأنه معطوف على قوله: - عز وجل {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ~~ليس لك به علم فلا تطعهما} [لقمان: 15] ، وإن شئت أفردت لجنس هذه المسائل ~~شرطا وخرجتها عليه فقلت: ومنها أن تكون المنفعة مباحة الاستيفاء فإن كانت ~~محظورة الاستيفاء لم تجز الإجارة لكن في هذا شبهة التداخل في الشروط ms2525 ~~والصناعة تمنع من ذلك. # وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر رجلا على العمل في شيء هو فيه شريكه نحو ما ~~إذا كان بين اثنين طعام فاستأجر أحدهما صاحبه على أن يحمل نصيبه إلى مكان ~~معلوم والطعام غير مقسوم فحمل الطعام كله أو استأجر غلام صاحبه أو دابة ~~صاحبه على ذلك؛ أنه لا تجوز هذه الإجارة عند أصحابنا وإذا حمل لا أجر له ~~وعند الشافعي: هذه الإجارة جائزة وله الأجر إذا حمل. # وجه قوله: إن الأجر تابع نصف منفعة الحمل الشائعة من شريكه؛ لأن الإجارة ~~بيع المنفعة فتصح في الشائع كبيع العين وهذا؛ لأن عمله - وهو الحمل - وإن ~~صادف محلا مشتركا وهو لا يستحق الأجرة بالعمل في نصيب نفسه فيستحقها بالعمل ~~في نصيب شريكه. # ولنا أنه أجر ما لا يقدر على إيفائه لتعذر تسليم الشائع بنفسه فلم يكن ~~المعقود عليه مقدور الاستيفاء وإنما لا يجب الأجر أصلا؛ لأنه لا يتصور ~~استيفاء المعقود عليه إذ لا يتصور حمل نصف الطعام تبايعا ووجوب أجر المثل ~~يقف على استيفاء المعقود عليه ولم يوجد فلا يجب بخلاف ما إذا استأجر من رجل ~~بيتا له ليضع فيه طعاما مشتركا بينهما أو سفينة أو جوالقا أن الإجارة ~~جائزة؛ لأن التسليم ثمة يتحقق بدون الوضع # PageV04P190 # بدليل أنه لو سلم السفينة والبيت والجوالق ولم يضع وجب الأجر وههنا لا ~~يتحقق بدون العمل وهو الحمل والمشاع غير مقدور الحمل بنفسه، وذكر ابن سماعة ~~عن محمد في طعام بين رجلين ولأحدهما سفينة وأرادا أن يخرجا الطعام من ~~بلدهما إلى بلد آخر فاستأجر أحدهما نصف السفينة من صاحبه أو أراد أن يطحنا ~~الطعام فاستأجر أحدهما نصف الرحى الذي لشريكه أو استأجر أنصاف جوالقه ليحمل ~~عليه الطعام إلى مكة فهو جائز وهذا على قول من يجيز إجارة المشاع والأصل ~~فيه أن كل موضع لا يستحق فيه الأجرة إلا بالعمل لا تجوز الإجارة فيه على ~~العمل في الحمل مشتركة وما يستحق فيه الأجرة من غير عمل تجوز الإجارة فيه ~~لوضع العين المشتركة في المستأجر ms2526 وفقه هذا الأصل ما ذكرنا أن ما لا تجب ~~الأجرة فيه إلا بالعمل فلا بد من إمكان إيفاء العمل، ولا تمكين من العين ~~المشتركة فلا يكون المعقود عليه مقدور التسليم فلا يكون مقدور الاستيفاء ~~فلم تجز الإجارة وما لا يقف وجوب الأجرة فيه على العمل كان المعقود عليه ~~مقدور التسليم والاستيفاء بدونه؛ فتجوز الإجارة. # وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر رجلا على أن يحمل له طعاما بعينه إلى مكان ~~مخصوص بقفيز منه أو استأجر غلامه أو دابته على ذلك أنه لا يصح؛ لأنه لو صح ~~لبطل من حيث صح؛ لأن الأجير يصير شريكا بأول جزء من العمل وهو الحمل فكان ~~عمله بعد ذلك فيما هو شريك فيه وذلك لا يجوز لما بينا وإذا حمل فله أجر ~~مثله؛ لأنه استوفى المنافع بعقد فاسد فيجب أجر المثل ولا يتجاوز به قفيزا؛ ~~لأن الواجب في الإجارة الفاسدة الأقل من المسمى ومن أجر المثل لما نذكر في ~~بيان حكم الإجارة الفاسدة إن شاء الله تعالى. # ومنها أن لا يكون العمل المستأجر له فرضا ولا واجبا على الأجير قبل ~~الإجارة فإن كان فرضا أو واجبا عليه قبل الإجارة لم تصح الإجارة؛ لأن من ~~أتى بعمل يستحق عليه لا يستحق الأجرة كمن قضى دينا عليه ولهذا قلنا: إن ~~الثواب على العبادات والقرب والطاعات أفضال من الله سبحانه غير مستحق عليه ~~لأن وجوبها على العبد بحق العبودية لمولاه؛ لأن خدمة المولى على العبد ~~مستحقة ولحق الشكر للنعم السابقة. # لأن شكر النعمة واجب عقلا وشرعا ومن قضى حقا مستحقا عليه لغيره لا يستحق ~~قبله الأجر كمن قضى دينا عليه في الشاهد وعلى هذا يخرج الاستئجار على الصوم ~~والصلاة والحج أنه لا يصح؛ لأنها من فروض الأعيان ولا يصح الاستئجار على ~~تعليم العلم؛ لأنه فرض عين ولا على تعليم القرآن عندنا وقال الشافعي: ~~الإجارة على تعليم القرآن جائزة؛ لأنه استئجار لعمل معلوم ببدل معلوم ~~فيجوز. # ولنا أنه استئجار لعمل مفروض فلا يجوز كالاستئجار للصوم والصلاة ولأنه ~~غير مقدور الاستيفاء ms2527 في حق الأجير لتعلقه بالمتعلم فأشبه الاستئجار لحمل ~~خشبة لا يقدر على حملها بنفسه وقد روي «أن أبي بن كعب - رضي الله عنه - ~~أقرأ رجلا فأعطاه قوسا فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: أتحب أن يقوسك الله بقوس من نار قال: لا فقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: فرده» ، ولا على الجهاد؛ لأنه فرض عين عند عموم النفير ~~وفرض كفاية في غير تلك الحال وإذا شهد الوقعة فتعين عليه فيقع عن نفسه. # وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مثل من يغزو في أمتي ~~ويأخذ الجعل عليه كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ عليه أجرا» ، ولا على ~~الأذان والإقامة والإمامة؛ لأنها واجبة وقد روي عن عثمان بن أبي العاص ~~الثقفي أنه قال: «آخر ما عهد إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أصلي ~~بالقوم صلاة أضعفهم وأن أتخذ مؤذنا لا يأخذ على الأذان أجرا ولأن» ~~الاستئجار على الأذان، والإقامة، والإمامة، وتعليم القرآن والعلم سبب ~~لتنفير الناس عن الصلاة بالجماعة وعن تعليم القرآن والعلم؛ لأن ثقل الأجر ~~يمنعهم عن ذلك وإلى هذا أشار الرب - جل شأنه - في قوله عز وجل: {أم تسألهم ~~أجرا فهم من مغرم مثقلون} [الطور: 40] فيؤدي إلى الرغبة عن هذه الطاعات ~~وهذا لا يجوز وقال - تعالى {وما تسألهم عليه من أجر} [يوسف: 104] أي على ما ~~تبلغ إليهم أجرا وهو كان - صلى الله عليه وسلم - يبلغ بنفسه وبغيره بقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «ألا فليبلغ الشاهد الغائب» فكان كل معلم مبلغا فإن ~~لم يجز له أخذ الأجر على ما يبلغ بنفسه لما قلنا؛ فكذا لمن يبلغ بأمره؛ لأن ~~ذلك تبليغ منه معنى ويجوز الاستئجار على تعليم اللغة والأدب لأنه ليس بفرض ~~ولا واجب وكذا يجوز الاستئجار على بناء المساجد، والرباطات والقناطر لما ~~قلنا ولا يجوز الاستئجار على غسل # PageV04P191 # الميت ذكره في الفتاوى؛ لأنه واجب ويجوز على حفر القبور. # وأما على حمل الجنازة فذكر في بعض الفتاوى أنه جائز على الإطلاق ms2528 وفي ~~بعضها أنه إن كان يوجد غيرهم يجوز وإن كان لا يوجد غيرهم لا يجوز؛ لأن ~~الحمل عليهم واجب وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر الرجل ابنه وهو حر بالغ ~~ليخدمه أنه لا يجوز؛ لأن خدمة الأب الحر واجبة على الابن الحر فإن كان ~~الولد عبدا والأب حرا فاستأجر ابنه من مولاه جاز؛ لأنه إذا كان عبدا لا يجب ~~عليه خدمة الأب وكذلك إن كان الابن مكاتبا؛ لأنه لا يلزمه خدمة أبيه فكان ~~كالأجنبي ولو استأجر امرأته لتخدمه كل شهر بأجر مسمى لم يجز؛ لأن خدمة ~~البيت عليها فيما بينها وبين الله تعالى لما روي أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «قسم الأعمال بين علي، وفاطمة - رضي الله عنهما - فجعل ما كان ~~داخل البيت على فاطمة - رضي الله عنها - وما كان خارج البيت على علي - رضي ~~الله عنه -» فكان هذا استئجارا على عمل واجب فلم يجز ولأنها تنتفع بخدمة ~~البيت والاستئجار على عمل ينتفع به الأجير غير جائز، ولا يجوز استئجار ~~الزوجة على رضاع ولده منها؛ لأن ذلك استئجار على خدمة الولد وإنما اللبن ~~يدخل فيه تبعا على ما ذكرنا فكان الاستئجار على أمر عليها فيما بينها وبين ~~الله تعالى ولأن الزوجة مستحقة للنفقة على زوجها وأجرة الرضاع تجري مجرى ~~النفقة فلا تستحق نفقتين على زوجها حتى لو كان للولد مال فاستأجرها لإرضاع ~~ولدها منه من مال الولد جاز كذا روى ابن رستم عن محمد؛ لأنه لا نفقة لها ~~على الولد فلا يكون فيه استحقاق نفقتين ولو استأجر لولده من ذوات الرحم ~~المحرم اللاتي لهن حضانته جاز؛ لأنه ليس عليهن خدمة البيت ولا نفقة لهن على ~~أب الولد ويجوز استئجار الزوجة لترضع ولده من غيرها لأنه ليس عليها خدمة ~~ولد غيرها ولو استأجر على إرضاع ولده خادم أمه فخادمها بمنزلتها فما جاز ~~فيها جاز في خادمها وما لم يجز فيها لم يجز في خادمها؛ لأنها هي المستحقة ~~لمنفعة خادمها فصار كنفقتها وكذا مدبرتها؛ لأنها تملك منافعها فإن استأجر ~~مكاتبتها ms2529 جاز؛ لأنها لا تملك منافع المكاتبة فكانت كالأجنبية، ولو استأجرت ~~المرأة زوجها ليخدمها في البيت بأجر مسمى فهو جائز؛ لأن خدمة البيت غير ~~واجبة على الزوج فكان هذا استئجارا على أمر غير واجب على الأجير وكذا لو ~~استأجرته لرعي غنمها؛ لأن رعي الغنم لا يجب على الزوج وإن شئت عبرت عن هذا ~~الشرط فقلت: ومنها أن لا ينتفع الأجير بعمله فإن كان ينتفع به لم يجز؛ لأنه ~~حينئذ يكون عاملا لنفسه فلا يستحق الأجر ولهذا قلنا: إن الثواب على الطاعات ~~من طريق الإفضال لا الاستحقاق؛ لأن العبد فيما يعمله من القربات، والطاعات ~~عامل لنفسه قال سبحانه وتعالى {من عمل صالحا فلنفسه} [فصلت: 46] ومن عمل ~~لنفسه لا يستحق الأجر على غيره وعلى هذه العبارة أيضا يخرج الاستئجار على ~~الطاعات فرضا كانت أو واجبة أو تطوعا؛ لأن الثواب موعود للمطيع على الطاعة ~~فينتفع الأجير بعمله فلا يستحق الأجر وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر رجلا ~~ليطحن له قفيزا من حنطة بربع من دقيقها أو ليعصر له قفيزا من سمسم بجزء ~~معلوم من دهنه أنه لا يجوز؛ لأن الأجير ينتفع بعمله من الطحن والعصر فيكون ~~عاملا لنفسه وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى عن قفيز ~~الطحان» ولو دفع إلى حائك غزلا لينسجه بالنصف فالإجارة فاسدة؛ لأن الحائك ~~ينتفع بعمله وهو الحياكة وكذا هو في معنى قفيز الطحان فكان الاستئجار عليه ~~منهيا وإذا حاكه فللحائك أجر مثل عمله لاستيفائه المنفعة بأجرة فاسدة وبعض ~~مشايخنا ببلخ جوز هذه الإجارة وهو محمد بن سلمة، ونصر بن يحيى. # ومنها أن تكون المنفعة مقصودة يعتاد استيفاؤها بعقد الإجارة ويجري بها ~~التعامل بين الناس؛ لأنه عقد شرع بخلاف القياس لحاجة الناس ولا حاجة فيما ~~لا تعامل فيه للناس فلا يجوز استئجار الأشجار لتجفيف الثياب عليها ~~والاستظلال بها؛ لأن هذه منفعة غير مقصودة من الشجر ولو اشترى ثمرة شجرة ثم ~~استأجر الشجرة لتبقية ذلك فيه لم يجز؛ لأنه لا يقصد من الشجر هذا النوع من ms2530 ~~المنفعة وهو تبقية الثمر عليها فلم تكن منفعة مقصودة عادة وكذا لو استأجر ~~الأرض التي فيها ذلك الشجر يصير مستأجرا باستئجار الأرض، ولا يجوز استئجار ~~الشجر وقال أبو يوسف: إذا استأجر ثيابا ليبسطها ببيت ليزين بها ولا يجلس ~~عليها فالإجارة فاسدة؛ لأن بسط الثياب من غير استعمال # PageV04P192 # ليس منفعة مقصودة عادة وقال عمرو عن محمد في رجل استأجر دابة ليجنبها ~~يتزين بها: فلا أجر عليه؛ لأن قود الدابة للتزين ليس بمنفعة مقصودة ولا ~~يجوز استئجار الدراهم والدنانير ليزين الحانوت، ولا استئجار المسك، والعود ~~وغيرهما من المشمومات للشم؛ لأنه ليس بمنفعة مقصودة ألا ترى أنه لا يعتاد ~~استيفاؤها بعقد الإجارة والله عز وجل الموفق. # وأما الذي يرجع إلى محل المعقود عليه فهو أن يكون مقبوض المؤاجر إذا كان ~~منقولا فإن لم يكن في قبضه فلا تصح إجارته «لنهي النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن بيع ما لم يقبض» والإجارة نوع بيع فتدخل تحت النهي ولأن فيه غرر ~~انفساخ العقد لاحتمال هلاك المبيع قبل القبض فينفسخ البيع فلا تصح الإجارة ~~وقد «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع فيه غرر» وإن لم يكن ~~منقولا فهو على الاختلاف المعروف في بيع العين أنها تجوز عند أبي حنيفة ~~وأبي يوسف ولا تجوز عند محمد وقيل في الإجارة لا تجوز بالإجماع. # وأما الذي يرجع إلى ما يقابل المعقود عليه وهو الأجرة والأجرة في ~~الإجارات معتبرة بالثمن في البياعات لأن كل واحد من العقدين معاوضة المال ~~بالمال فما يصلح ثمنا في البياعات يصلح أجرة في الإجارات وما لا فلا وهو أن ~~تكون الأجرة مالا متقوما معلوما وغير ذلك مما ذكرناه في كتاب البيوع. # والأصل في شرط العلم بالأجرة قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «من ~~استأجر أجيرا فليعلمه أجره» والعلم بالأجرة لا يحصل إلا بالإشارة والتعيين ~~أو بالبيان وجملة الكلام فيه أن الأجر لا يخلو إما إن كان شيئا بعينه وإما ~~إن كان بغير عينه فإن كان بعينه فإنه يصير معلوما بالإشارة ولا يحتاج ms2531 فيه ~~إلى ذكر الجنس والصفة والنوع والقدر سواء كان مما يتعين بالتعيين أو مما لا ~~يتعين كالدراهم والدنانير ويكون تعيينها كناية عن ذكر الجنس والصفة والنوع، ~~والقدر على أصل أصحابنا؛ لأن المشار إليه إذا كان مما له حمل ومؤنة؛ يحتاج ~~إلى بيان مكان الإيفاء عند أبي حنيفة وإن كان بغير عينه فإن كان مما يثبت ~~دينا في الذمة في المعاوضات المطلقة كالدراهم، والدنانير والمكيلات، ~~والموزونات، والمعدودات المتقاربة، والثبات لا يصير معلوما إلا ببيان ~~الجنس، والنوع من ذلك الجنس، والصفة والقدر إلا أن في الدراهم، والدنانير ~~إذا لم يكن في البلد إلا نقد واحد لا يحتاج فيها إلى ذكر النوع، والوزن ~~ويكتفى بذكر الجنس ويقع على نقد البلد، ووزن البلد وإن كان في البلد نقود ~~مختلفة يقع على النقد الغالب وإن كان فيه نقود غالبة لا بد من البيان فإن ~~لم يبين فسد العقد ولا بد من بيان مكان الإيفاء فيما له حمل ومؤنة في قول ~~أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا يشترط ذلك ويتعين مكان العقد للإيفاء وقد ~~ذكرنا المسألة في كتاب البيوع وهل يشترط الأجل؟ ففي المكيلات، والموزونات، ~~والعدديات المتقاربة لا يشترط؛ لأن هذه الأشياء كما تثبت دينا في الذمة ~~مؤجلا بطريق السلم تثبت دينا في الذمة مطلقا لا بطريق السلم بل بطريق القرض ~~فكان لثبوتها أجلان فإن ذكر الأجل جاز وثبت الأجل كالسلم وإن لم يذكر جاز ~~كالقرض. # وأما في الثياب فلا بد من الأجل؛ لأنها لا تثبت دينا في الذمة إلا مؤجلا ~~فكان لثبوتها أجل واحد وهو السلم فلا بد فيها من الأجل كالسلم وإن كان مما ~~لا يثبت دينا في الذمة في عقود المعاوضات المطلقات كالحيوان فإنه لا يصير ~~معلوما بذكر الجنس والنوع والصفة والقدر. # ألا ترى أنه لا يصلح ثمنا في البياعات فلا يصلح أجرة في الإجارات وحكم ~~التصرف في الأجرة قبل القبض إذا وجبت في الذمة حكم التصرف في الثمن قبل ~~القبض إذا كان دينا وقد بينا ذلك في كتاب البيوع وإذا لم ms2532 يجب بأن لم يشترط ~~فيها التعجيل فحكم التصرف فيها نذكره في بيان حكم الإجارة إن شاء الله عز ~~وجل وما كان منها عينا مشارا إليها فحكمه حكم الثمن إذا كان عينا حتى لو ~~كان منقولا لا يجوز التصرف فيه قبل القبض وإن كان عقارا فعلى الاختلاف ~~المعروف في كتاب البيوع أنه يجوز عند أبي حنيفة، وأبي يوسف وعند محمد لا ~~يجوز وهي من مسائل البيوع ولو استأجر عبدا بأجر معلوم وبطعامه أو استأجر ~~دابة بأجر معلوم وبعلفها لم يجز؛ لأن الطعام أو العلف يصير أجرة وهو مجهول ~~فكانت الأجرة مجهولة والقياس في استئجار الظئر بطعامها وكسوتها أنه لا يجوز ~~وهو قول أبي يوسف ومحمد لجهالة الأجرة وهي الطعام والكسوة إلا أن أبا حنيفة ~~استحسن الجواز بالنص وهو قوله عز وجل {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف} [البقرة: 233] من غير فصل بين ما إذا كانت # PageV04P193 # الوالدة منكوحة أو مطلقة وقوله عز وجل {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: ~~233] أي: الرزق والكسوة وذلك يكون بعد موت المولود، وقوله تعالى {وإن أردتم ~~أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} [البقرة: ~~233] نفى الله - سبحانه وتعالى - الجناح عن الاسترضاع مطلقا وقولهما: ~~الأجرة مجهولة مسلم لكن الجهالة لا تمنع صحة العقد لعينها بل لإفضائها إلى ~~المنازعة وجهالة الأجرة في هذا الباب لا تفضي إلى المنازعة؛ لأن العادة جرت ~~بالمسامحة مع الأظآر، والتوسيع عليهن شفقة على الأولاد فأشبهت جهالة القفيز ~~من الصبرة ولو استأجر دارا بأجرة معلومة وشرط الآجر تطيين الدار ومرمتها أو ~~تعليق باب عليها أو إدخال جذع في سقفها على المستأجر فالإجارة فاسدة؛ لأن ~~المشروط يصير أجرة وهو مجهول فتصير الأجرة مجهولة وكذا إذا آجر أرضا وشرط ~~كري نهرها أو حفر بئرها أو ضرب مسناة عليها؛ لأن ذلك كله على المؤاجر فإذا ~~شرط على المستأجر فقد جعله أجرة وهو مجهول فصارت الأجرة مجهولة ومنها أن لا ~~تكون الأجرة منفعة هي من جنس المعقود عليه كإجارة السكنى بالسكنى، والخدمة ~~بالخدمة، والركوب بالركوب والزراعة ms2533 بالزراعة حتى لا يجوز شيء من ذلك عندنا، ~~وعند الشافعي ليس بشرط وتجوز هذه الإجارة وإن كانت الأجرة من خلاف الجنس ~~جاز كإجارة السكنى بالخدمة والخدمة بالركوب، ونحو ذلك والكلام فيه فرع في ~~كيفية انعقاد هذا العقد فعندنا ينعقد شيئا فشيئا على حسب حدوث المنفعة فلم ~~تكن كل واحدة من المنفعتين معينة بل هي معدومة وقت العقد فيتأخر قبض أحد ~~المستأجرين فيتحقق ربا النساء، والجنس بانفراده يحرم النساء عندنا كإسلام ~~الهروي في الهروي، وإلى هذا أشار محمد فيما حكي أن ابن سماعة كتب يسأله عن ~~هذه المسألة أنه كتب إليه في الجواب: إنك أطلت الفكرة فأصابتك الحيرة ~~وجالست الجبائي فكانت منك زلة أما علمت أن بيع السكنى بالسكنى كبيع الهروي ~~بالهروي بخلاف ما إذا اختلف جنس المنفعة؛ لأن الربا لا يتحقق في جنسين، ~~وعند الشافعي: منافع المدة تجعل موجودة وقت العقد كأنها أعيان قائمة فلا ~~يتحقق معنى النسبة ولو تحقق فالجنس بانفراده لا يحرم النساء عنده وتعليل من ~~علل في هذه المسألة أن هذا في معنى بيع الدين بالدين؛ لأن المنفعتين ~~معدومتان وقت العقد فكان بيع الكالئ بالكالئ غير سديد؛ لأن الدين اسم ~~لموجود في الذمة أخر بالأجل المضروب بتغيير مقتضى مطلق العقد فأما ما لا ~~وجود له وتأخر وجوده إلى وقت فلا يسمى دينا وحقيقة الفقه في المسألة ما ~~ذكره الشيخ أبو منصور الماتريدي هي أن الإجارة عقد شرع بخلاف القياس لحاجة ~~الناس ولا حاجة تقع عند اتحاد الجنس فبقي على أصل القياس والحاجة تتحقق عند ~~اختلاف الجنس فيجوز ويستوي في ذلك العبد والأمة حتى لو استأجر عبدا يخدمه ~~شهرا بخدمة أمة كان فاسدا لاتحاد جنس المنفعة ثم في إجارة الخدمة بالخدمة ~~إذا خدم أحدهما ولم يخدم الآخر روي عن أبي يوسف أنه لا أجرة عليه وذكر ~~الكرخي وقال: الظاهر أن له أجر المثل، وجه رواية أبي يوسف أنه لما قابل ~~المنفعة بجنسها ولم تصح هذه المقابلة فقد جعل بإزاء المنفعة ما لا قيمة له ~~فكان راضيا ببذل المنفعة ms2534 بلا بدل، وجه ما ذكره الكرخي أنه استوفى المنافع ~~بعقد فاسد والمنافع تتقوم بالعقد الصحيح والفاسد لما نذكر تحقيقه أنها تقوم ~~بالعقد الفاسد الذي لم يذكر فيه بدل رأسا بأن استأجر شيئا ولم يسم عوضا ~~أصلا فإذا سمى العوض وهو المنفعة أولى وقالوا في عبد مشترك تهايأ الشريكان ~~فيه فخدم أحدهما يوما ولم يخدم الآخر أنه لا أجر له لأن هذا ليس بمبادلة بل ~~هو إفراز ويجوز استئجار العبدين لعملين مختلفين كالخياطة، والصياغة؛ لأن ~~الجنس قد اختلف وذكر الكرخي في الجامع إذا كان عبد بين اثنين أجر أحدهما ~~نصيبه من صاحبه يخيط معه شهرا على أن يصوغ نصيبه معه في الشهر الداخل أن ~~هذا لا يجوز في العبد الواحد وإن اختلف العمل وإنما يجوز في العملين ~~المختلفين إذا كانا في عبدين؛ لأن هذا مهايأة منهما؛ لأنهما فعلا ما يستحق ~~عليهما من غير إجارة والمهايأة من شرط جوازها أن تقع على المنافع المطلقة ~~فأما أن يعين أحد الشريكين على الآخر المنفعة فلا يجوز والله عز وجل أعلم. # وأما الذي يرجع إلى ركن العقد فخلوه عن شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ~~حتى لو أجره داره على أن يسكنها شهرا ثم يسلمها إلى المستأجر أو أرضا على ~~أن يزرعها ثم يسلمها # PageV04P194 # إلى المستأجر أو دابة على أن يركبها شهرا أو ثوبا على أن يلبسه شهرا ثم ~~يسلمه إلى المستأجر فالإجارة فاسدة لأن هذا شرط لا يقتضيه العقد وأنه شرط ~~لا يلائم العقد، وزيادة منفعة مشروطة في العقد لا يقابلها عوض في معاوضة ~~المال بالمال. # يكون ربا أو فيها شبهة الربا وكل ذلك مفسد للعقد وعلى هذا يخرج أيضا شرط ~~تطيين الدار وإصلاح ميزابها وما وهى منها وإصلاح بئر الماء والبالوعة ~~والمخرج وكري الأنهار وفي إجارة الأرض وطعام العبد وعلف الدابة في إجارة ~~العبد، والدابة، ونحو ذلك؛ لأن ذلك كله شرط يخالف مقتضى العقد ولا يلائمه ~~وفيه منفعة لأحد العاقدين، وذكر في الأصل إذا استأجر دارا مدة معلومة بأجرة ~~مسماة على أن لا ms2535 يسكنها فالإجارة فاسدة ولا أجرة على المستأجر إذا لم ~~يسكنها وإن سكنها فعليه أجر مثلها لا ينقص مما سمي أما فساد العقد فظاهر؛ ~~لأن شرطه أن لا يسكن نفى موجب العقد وهو الانتفاع بالمعقود عليه وأنه شرط ~~يخالف مقتضى العقد، ولا يلائم العقد فكان شرطا فاسدا. # وأما عدم وجوب الأجر رأسا إن لم يسكن ووجوب أجر المثل إن سكن فظاهر أيضا؛ ~~لأن أجر المثل في الإجارات الفاسدة إنما يجب باستيفاء المعقود عليه لا بنفس ~~التسليم وهو التخلية كما في النكاح الفاسد؛ لأن التخلية هي التمكين ولا ~~يتحقق مع الفساد لوجود المنع من الانتفاع به شرعا فأشبه المنع الحسي من ~~العباد وهو الغصب بخلاف الإجارة الصحيحة؛ لأنه لا منع هناك فتحقق التسليم ~~فلئن لم ينتفع به المستأجر فقد أسقط حق نفسه في المنفعة فلا يسقط حق الآجر ~~في الأجرة وإذا سكن فقد استوفى المعقود عليه بعقد فاسد وأنه يوجب أجر ~~المثل. # وأما قوله لا ينتقص من المسمى ففيه إشكال؛ لأنه قد صح من مذهب أصحابنا ~~الثلاثة أن الواجب في الإجارة الفاسدة بعد استيفاء المعقود عليه؛ الأقل من ~~المسمى ومن أجر المثل إذا كان الأجر مسمى وقد قال في هذه المسألة: إنه لا ~~ينقص من المسمى، من المشايخ من قال المسألة مؤولة تأويلها: إنه لا ينقص من ~~المسمى إذا كان أجر المثل والمسمى واحدا، ومنهم من أجرى الرواية على الظاهر ~~فقال: إن العاقدين لم يجعلا المسمى بمقابلة المنافع حيث شرط المستأجر أن لا ~~يسكن، ولا بمقابلة التسليم لما ذكرنا أنه لا يتحقق مع فساد العقد فإذا سكن ~~فقد استوفى منافع ليس في مقابلتها بدل فيجب أجر المثل بالغا ما بلغ كما إذا ~~لم يذكر في العقد تسمية أصلا إلا أنه قال: لا ينقص من المسمى؛ لأن المستأجر ~~رضي بالمسمى بدون الانتفاع فعند الانتفاع أولى ولو آجره داره أو أرضه أو ~~عبده أو دابته وشرط تسليم المستأجر جاز؛ لأن تسليم المستأجر من مقتضيات ~~العقد. # ألا ترى أنه يثبت بدون الشرط فكان هذا شرطا ms2536 مقررا مقتضى العقد لا مخالفا ~~له فصار كما لو أجره على أن يملك المستأجر منفعة المستأجر ولو آجر بشرط ~~تعجيل الأجرة أو شرط على المستأجر أن يعطيه بالأجرة رهنا أو كفيلا جاز إذا ~~كان الرهن معلوما والكفيل حاضرا؛ لأن هذا شرط يلائم العقد وإن كان لا ~~يقتضيه كما ذكرنا في البيوع فيجوز كما في بيع العين. # وأما شرط اللزوم فنوعان نوع هو شرط انعقاد لازما من الأصل، ونوع هو شرط ~~بقائه على اللزوم أما الأول فأنواع منها: أن يكون العقد صحيحا؛ لأن العقد ~~الفاسد غير لازم بل هو مستحق النقض والفسخ رفعا للفساد حقا للشرع، فضلا عن ~~الجواز. # ومنها: أن لا يكون بالمستأجر عيب في وقت العقد أو وقت القبض يخل ~~بالانتفاع به فإن كان؛ لم يلزم العقد حتى قالوا في العبد المستأجر للخدمة ~~إذا ظهر أنه سارق له أن يفسخ الإجارة؛ لأن السلامة مشروطة دلالة فتكون ~~كالمشروط نصا كما في بيع العين. # ومنها أن يكون المستأجر مرئي المستأجر حتى لو استأجر دارا لم يرها ثم ~~رآها فلم يرض بها أنه يردها؛ لأن الإجارة بيع المنفعة فيثبت فيها خيار ~~الرؤية كما في بيع العين فإن رضي بها بطل خياره كما في بيع العين. # وأما الثاني: فنوعان أحدهما: سلامة المستأجر عن حدوث عيب به يخل ~~بالانتفاع به فإن حدث به عيب يخل بالانتفاع به لم يبق العقد لازما حتى لو ~~استأجر عبدا يخدمه أو دابة يركبها أو دارا يسكنها فمرض العبد أو عرجت ~~الدابة أو انهدم بعض بناء الدار فالمستأجر بالخيار إن شاء مضى على الإجارة ~~وإن شاء فسخ بخلاف البيع إذا حدث بالمبيع عيب بعد القبض أنه ليس للمشتري أن ~~يرده. # لأن الإجارة بيع المنفعة والمنافع تحدث شيئا فشيئا فكان كل جزء من أجزاء ~~المنافع معقودا مبتدأ فإذا حدث العيب # PageV04P195 # بالمستأجر كان هذا عيبا حدث بعد العقد قبل القبض وهذا يوجب الخيار في بيع ~~العين كذا في الإجارة فلا فرق بينهما من حيث المعنى وإذا ثبت الخيار ~~للمستأجر فإن لم ms2537 يفسخ ومضى على ذلك إلى تمام المدة فعليه كمال الأجرة؛ لأنه ~~رضي بالمعقود عليه مع العيب فيلزمه جميع البدل كما في بيع العين إذا اطلع ~~المشتري على عيب فرضي به وإن زال العيب قبل أن يفسخ بأن صح العبد، وزال ~~العرج عن الدابة، وبنى المؤاجر ما سقط من الدار بطل خيار المستأجر؛ لأن ~~الموجب للخيار قد زال والعقد قائم فيزول الخيار هذا إذا كان العيب مما يضر ~~بالانتفاع بالمستأجر فإن كان لا يضر بالانتفاع به بقي العقد لازما ولا خيار ~~للمستأجر كالعبد المستأجر إذا ذهبت إحدى عينيه وذلك لا يضر بالخدمة أو سقط ~~شعره أو سقط من الدار المستأجرة حائط لا ينتفع به في سكناها؛ لأن العقد ورد ~~على المنفعة لا على العين إذ الإجارة بيع المنفعة لا بيع العين ولا نقصان ~~في المنفعة بل في العين والعين غير معقود عليها في باب الإجارة وتغير عين ~~المعقود عليه لا يوجب الخيار بخلاف ما إذا كان العيب الحادث مما يضر ~~بالانتفاع؛ لأنه إذا كان يضر بالانتفاع فالنقصان يرجع إلى المعقود عليه ~~فأوجب الخيار فله أن يفسخ ثم إنما يلي الفسخ إذا كان المؤاجر حاضرا فإن كان ~~غائبا فحدث بالمستأجر ما يوجب حق الفسخ فليس للمستأجر أن يفسخ؛ لأن فسخ ~~العقد لا يجوز إلا بحضور العاقدين أو من يقوم مقامهما وقال هشام عن محمد في ~~رجل استأجر أرضا سنة يزرعها شيئا ذكره فزرعها فأصاب الزرع آفة من برد أو ~~غيره فذهب به وتأخر وقت زراعة ذلك النوع فلا يقدر أن يزرع قال: إن أراد أن ~~يزرع شيئا غيره مما ضرره على الأرض أقل من ضرره أو مثل ضرره فله ذلك وإلا ~~فسخت عليه الإجارة وألزمته أجر ما مضى؛ لأنه إذا عجز عن زراعة ذلك النوع ~~كان استيفاء الإجارة إضرارا به قال: وإذا نقص الماء عن الرحى حتى صار يطحن ~~أقل من نصف طحنه فذلك عيب؛ لأنه لا يقدر على استيفاء العقد إلا بضرر وهو ~~نقصان الانتفاع ولو انهدمت الدار كلها أو انقطع ms2538 الماء عن الرحى أو انقطع ~~الشرب عن الأرض فقد اختلفت إشارة الروايات فيه ذكر في بعضها ما يدل على أن ~~العقد ينفسخ فإنه ذكر في إجارة الأصل إذا سقطت الدار كلها فله أن يخرج كان ~~صاحب الدار شاهدا أو غائبا فهذا دليل الانفساخ حيث جوز للمستأجر الخروج من ~~الدار مع غيبة المؤاجر ولو لم تنفسخ توقف جواز الفسخ على حضوره والوجه فيه ~~أن المنفعة المطلوبة من الدار قد بطلت بالسقوط إذ المطلوب منها الانتفاع ~~بالسكنى وقد بطل ذلك فقد هلك المعقود عليه فينفسخ العقد وذكر في بعضها ما ~~يدل على أن العقد لا ينفسخ لكن يثبت حق الفسخ ذكر في كتاب الصلح إذا صالح ~~على سكنى دار فانهدمت لم ينفسخ الصلح، وروى هشام عن محمد فيمن استأجر بيتا، ~~وقبضه ثم انهدم فبناه الآجر فقال المستأجر بعد ما بناه: لا حاجة لي فيه قال ~~محمد: ليس للمستأجر ذلك وكذلك لو قال المستأجر: آخذه، وأبى الآجر ليس للآجر ~~ذلك وهذا يجرى مجرى النص على أن الإجارة لم تنفسخ ووجهه أن الدار بعد ~~الانهدام بقيت منتفعا بها منفعة السكنى في الجملة بأن يضرب فيها خيمة فلم ~~يفت المعقود عليه رأسا فلا ينفسخ العقد على أنه إن فات كله لكن فات على وجه ~~يتصور عوده وهذا يكفي لبقاء العقد كمن اشترى عبدا فأبق قبل القبض والأصل ~~فيه أن العقد المنعقد بيقين يبقى لتوهم الفائدة؛ لأن الثابت بيقين لا يزال ~~بالشك كما أن غير الثابت بيقين لا يثبت بالشك، وذكر القدوري وقال: الصحيح ~~أن العقد ينفسخ لما ذكرنا أن المنفعة المطلوبة من الدار قد بطلت وضرب ~~الخيمة في الدار ليس بمنفعة مطلوبة من الدار عادة فلا يعتبر بقاؤه لبقاء ~~العقد وقال فيما ذكره محمد في البيت إذا بناه المؤاجر: إنه لما بناه تبين ~~أن العقد لم ينفسخ حقيقة وإن حكم بفسخه ظاهرا فيجبر على التسليم والقبض ~~وليس يمتنع الحكم بانفساخ عقد في الظاهر مع التوقف في الحقيقة اشترى شاة ~~فماتت في يد البائع فدبغ جلدها ms2539 أنه يحكم ببقاء العقد بعد الحكم بانفساخه ~~ظاهرا بموت الشاة كذا ههنا وإذا بقي العقد يجبر على التسليم والتسلم وقبل ~~البناء لا يعلم أن العقد لم ينفسخ حقيقة فيجب العمل بالظاهر، وذكر محمد في ~~السفينة إذا نقضت وصارت ألواحا ثم بناها المؤاجر أنه لا يجبر على تسليمها ~~إلى المستأجر فقد فرق بين السفينة وبين البيت، ووجه الفرق أن العقد في ~~السفينة قد انفسخ حقيقة؛ لأن الأصل فيها الصناعة وهي التركيب # PageV04P196 # والألواح تابعة للصناعة بدليل أن من غصب خشبة فعملها سفينة ملكها فكان ~~تركيب الألواح بمنزلة اتخاذ سفينة أخرى فلم يجبر على تسليمها إلى المستأجر ~~بخلاف الدار؛ لأن عرصة الدار ليست بتابعة للبناء بل العرصة فيها أصل فإذا ~~بناها فقد بنى تلك الدار بعينها فيجبر على التسليم وقال محمد فيمن استأجر ~~رحى ماء سنة فانقطع الماء بعد ستة أشهر فأمسك الرحى حتى مضت المدة فعليه ~~أجر للستة أشهر الماضية ولا شيء عليه لما بقي؛ لأن منفعة الرحى قد بطلت ~~فانفسخ العقد قال: فإن كان البيت ينتفع به لغير الطحن فعليه من الأجر ~~بحصته؛ لأنه بقي شيء من المعقود عليه له حصة في العقد فإذا استوفى لزمه ~~حصته فإن سلم المؤاجر الدار إلا بيتا منها ثم منعه رب الدار أو غيره بعد ~~ذلك من البيت فلا أجر على المستأجر في البيت؛ لأنه استوفى بعض المعقود عليه ~~دون بعض فلا يكون عليه حصة ما لم يستوف وللمستأجر أن يمتنع من قبول الدار ~~بغير البيت وأن يفسخ الإجارة إذا حدث ذلك بعد قبضه؛ لأن الصفقة تفرقت في ~~المعقود عليه وهو المنافع وتفرق الصفقة يوجب الخيار ولو استأجر دارا أشهرا ~~مسماة فلم تسلم إليه الدار حتى مضى بعض المدة ثم أراد أن يتسلم الدار فيما ~~بقي من المدة فله ذلك وليس للمستأجر أن يأبى ذلك وكذلك لو كان المستأجر ~~طلبها من المؤاجر فمنعه إياها ثم أراد أن يسلمها فذلك له وليس للمستأجر أن ~~يمتنع؛ لأن الخيار إنما يثبت بحدوث تفرق الصفقة بعد حصولها مجتمعة والصفقة ms2540 ~~ههنا حينما وقعت وقعت متفرقة لأن المنافع تحدث شيئا فشيئا فكان كل جزء من ~~المنافع كالمعقود عليه عقدا مبتدأ فكان أول جزء من المنفعة مملوكا بعقد ~~والثاني مملوكا بعقد آخر وما ملك بعقدين فتعذر التسليم في أحدهما لا يؤثر ~~في الآخر فإن استأجر دارين فسقطت إحداهما أو منعه مانع من إحداهما أو حدث ~~في إحداهما عيب فله أن يتركهما جميعا؛ لأن العقد وقع عليهما صفقة واحدة وقد ~~تفرقت عليه فيثبت له الخيار والله عز وجل أعلم. # والثاني عدم حدوث عذر بأحد العاقدين أو بالمستأجر فإن حدث بأحدهما أو ~~بالمستأجر عذر لا يبقى العقد لازما وله أن يفسخ وهذا عند أصحابنا وعند ~~الشافعي هذا ليس بشرط بقاء العقد لازما ولقب المسألة أن الإجارة تفسخ ~~بالأعذار عندنا خلافا له. # (وجه) قوله أن الإجارة أحد نوعي البيع فيكون لازما كالنوع الآخر وهو بيع ~~الأعيان والجامع بينهما أن العقد انعقد باتفاقهما فلا ينفسخ إلا باتفاقهما ~~ولنا أن الحاجة تدعو إلى الفسخ عند العذر؛ لأنه لو لزم العقد عند تحقق ~~العذر؛ للزم صاحب العذر ضرر لم يلتزمه بالعقد لما يذكر في تفصيل الأعذار ~~الموجبة للفسخ فكان الفسخ في الحقيقة امتناعا من التزام الضرر وله ولاية ~~ذلك وقد خرج الجواب عن قوله: إن هذا بيع؛ لأنا نقول نعم لكنه عجز عن المضي ~~في موجبه إلا بضرر يلحقه لم يلتزمه بالعقد فكان محتملا للفسخ في هذه الحالة ~~كما في بيع العين إذا اطلع المشتري على عيب بالمبيع وكما لو حدث عيب ~~بالمستأجر وكذا عن قوله: العقد انعقد باتفاقهما فلا ينفسخ إلا باتفاقهما إن ~~هذا هكذا إذا لم يعجز عن المضي على موجب العقد إلا بضرر غير مستحق بالعقد ~~وقد عجز ههنا فلا يشترط التراضي على الفسخ كما في بيع العين وحدوث العيب ~~بالمستأجر ثم إنكار الفسخ عند تحقق العذر خروج عن العقل والشرع؛ لأنه يقتضي ~~أن من اشتكى ضرسه فاستأجر رجلا ليقلعه فسكن الوجع يجبر على القلع ومن وقعت ~~في يده أكلة فاستأجر رجلا ليقطعها فسكن الوجع ms2541 ثم برئت يده يجبر على القطع ~~وهذا قبيح عقلا وشرعا وإذا ثبت أن الإجارة تفسخ بالأعذار فلا بد من بيان ~~الأعذار المثبتة للفسخ على التفصيل فنقول - وبالله التوفيق. # : إن العذر قد يكون في جانب المستأجر وقد يكون في جانب المؤاجر وقد يكون ~~في جانب المستأجر أما الذي في جانب المستأجر: فنحو أن يفلس فيقوم من السوق ~~أو يريد سفرا أو ينتقل من الحرفة إلى الزراعة أو من الزراعة إلى التجارة أو ~~ينتقل من حرفة إلى حرفة؛ لأن المفلس لا ينتفع بالحانوت فكان في إبقاء العقد ~~من غير استيفاء المنفعة إضرار به ضررا لم يلتزمه العقد فلا يجبر على عمله. # وإذا عزم على السفر ففي ترك السفر مع العزم عليه ضرر به وفي إبقاء العقد ~~مع خروجه إلى السفر ضرر به أيضا لما فيه من لزوم الأجرة من غير استيفاء ~~المنفعة، والانتقال من عمل لا يكون إلا للإعراض عن الأول ورغبته عنه فإن ~~منعناه عن الانتقال أضررنا به وإن أبقينا العقد بعد الانتقال لألزمناه ~~الأجرة من غير استيفاء المنفعة وفيه ضرر به ولو أراد # PageV04P197 # أن ينتقل من حانوت إلى حانوت ليعمل ذلك العمل بعينه في الثاني لما أن ~~الثاني أرخص وأوسع عليه؛ لم يكن ذلك عذرا؛ لأنه يمكنه استيفاء المنفعة من ~~الأول من غير ضرر وإنما بطلت زيادة المنفعة - وقد رضي بالقدر الموجود منها ~~- في الأول وعلى هذا إذا استأجر رجلا لما لا يصل إلى الانتفاع به من غير ~~ضرر يدخل في ملكه أو بدنه ثم بدا له أن يفسخ الإجارة بأن استأجر رجلا ليقصر ~~له ثيابا أو ليقطعها أو يخيطها أو يهدم دارا له أو يقطع شجرا له أو ليقلع ~~ضرسه أو ليحجم أو ليفصد أو ليزرع أرضا أو يحدث في ملكه شيئا من بناء أو ~~تجارة أو حفر ثم بدا له أن لا يفعل؛ فله أن يفسخ الإجارة ولا يجبر على شيء ~~من ذلك؛ لأن القصارة والقطع نقصان عاجل في المال بالغسل والقطع وفيه ضرر، ~~وهدم الدار وقطع الشجر ms2542 إتلاف المال، والزراعة إتلاف البذور وفي البناء ~~إتلاف الآلة، وقلع الضرس والحجامة والفصد إتلاف جزء من البدن، وفيه ضرر به ~~إلا أنه استأجره لها لمصلحة تأملها تربو على المضرة فإذا بدا له؛ علم أنه ~~لا مصلحة فيه فبقي الفعل ضررا في نفسه فكان له الامتناع من الضرر بالفسخ إذ ~~الإنسان لا يجبر على الإضرار بنفسه وكذلك لو استأجر إبلا إلى مكة ثم بدا ~~للمستأجر أن لا يخرج فله ذلك ولا يجبر على السفر؛؛ لأنه لما بدا له علم أن ~~السفر ضرر فلا يجبر على تحمل الضرر وكذا كل من استأجر دابة ليسافر ثم قعد ~~عن السفر فله ذلك لما قلنا وقد قالوا: إن الجمال إذا قال للحاكم: إن هذا لا ~~يريد أن يترك السفر وإنما يريد أن يفسخ الإجارة قال له الحاكم: انتظره فإن ~~خرج ثم قفل الجمال معه فإذا فعلت ذلك؛ فلك الأجر فإن قال صاحب الدار ~~للحاكم: إن هذا لا يريد سفرا وإنما يقول ذلك ليفسخ الإجارة استحلفه الحاكم ~~بالله عز وجل أنه يريد السفر الذي عزم عليه؛ لأنه يدعي سبب الفسخ وهو إرادة ~~السفر ولا يمكنه إقامة البينة عليه فلا يقبل قوله إلا مع يمينه، وقالوا: لو ~~خرج من المصر فراسخ ثم رجع فقال صاحب الدار: إنما أظهر الخروج لفسخ الإجارة ~~وقد عاد استحلفه الحاكم بالله عز وجل لقد خرج قاصدا إلى الموضع الذي ذكر؛ ~~لأن المؤاجر يدعي أن الفسخ وقع بغير عذر وهو عزم السفر إلى موضع معلوم ولا ~~يمكنه إقامة البينة عليه؛ لأن عزم المستأجر لا يعلم إلا من جهته فكان القول ~~قوله مع يمينه. # وأما الجمال إذا بدا له من الخروج فليس له أن يفسخ الإجارة؛ لأن خروج ~~الجمال مع الجمال ليس بمستحق بالعقد فإن له أن يبعث غيره مع الجمال فلا ~~يكون قعوده عذرا بخلاف خروج المستأجر؛ لأن غرضه يتعلق بخروجه بنفسه فكان ~~قعوده عذرا ولو استأجر رجلا ليحفر له بئرا فحفر بعضها فوجدها صلبة أو خرج ~~حجرا أو وجدها رخوة بحيث يخاف ms2543 التلف كان عذرا؛ لأنه يعجز عن المضي في موجب ~~العقد إلا بضرر لم يلتزمه وقال هشام عن أبي يوسف في امرأة ولدت يوم النحر ~~قبل أن تطوف فأبى الجمال أن يقيم قال: هذا عذر؛ لأنه لا يمكنها الخروج من ~~غير طواف ولا سبيل إلى إلزام الجمال للإقامة مدة النفاس؛ لأنه يتضرر به إذ ~~هي مدة ما جرت العادة بإقامة القافلة قدرها فيجعل عذرا في فسخ الإجارة وإن ~~كانت قد ولدت قبل ذلك وقد بقي من مدة نفاسها كمدة الحيض أو أقل أجبر الجمال ~~على المقام معها؛ لأن هذه المدة قد جرت العادة بمقام الحاج فيها بعد الفراغ ~~من الحج. # وأما الذي هو في جانب المؤاجر فنحو أن يلحقه دين فادح لا يجد قضاءه إلا ~~من ثمن المستأجر من الإبل والعقار ونحو ذلك إذا كان الدين ثبت قبل عقد ~~الإجارة بالبينة أو بالإقرار أو ثبت بالبينة بعد عقد الإجارة ولو ثبت بعد ~~عقد الإجارة بالإقرار فكذلك عند أبي حنيفة. # وأما عندهما فالدين الثابت بالإقرار بعد عقد الإجارة لا تفسخ به الإجارة؛ ~~لأنه متهم في هذا الإقرار. # ولأبي حنيفة أن الظاهر أن الإنسان لا يقر بالدين على نفسه كاذبا وهذا ~~العذر من جانب المؤاجر بناء على أن بيع المؤاجر لا ينفذ عندنا من غير إجازة ~~المستأجر خلافا للشافعي على ما نذكره وإذا لم يجز البيع مع عقد الإجارة جعل ~~الدين عذرا في فسخ الإجارة؛ لأن إبقاء الإجارة مع لحوق الدين الفادح العاجل ~~إضرار بالمؤاجر؛ لأنه يحبس به ولا يجوز الجبر على تحمل ضرر غير مستحق ~~بالعقد فإن قيل كيف يحبسه القاضي وهو غير قادر على قضاء الدين بالمؤاجر ~~لتعلق حق المستأجر به فينبغي أن لا يحبسه القاضي فالجواب أن القاضي لا ~~يصدقه أنه لا مال له سوى المؤاجر فيحبسه إلى أن يظهر حاله، وفي الحبس ضرر ~~على أنه إن لم يكن له مال آخر غير المؤاجر لكن حق المستأجر إنما يتعلق ~~بالمنفعة لا بالعين وقضاء الدين يكون من # PageV04P198 # بدل العين وهو الثمن، ms2544 فيحبس حتى يبيع، وكذلك لو اشترى شيئا فأجره ثم اطلع ~~على عيب به له أن يفسخ الإجارة ويرده بالعيب على بائعه - وإن رضي المستأجر ~~بالعيب - ويجعل حق الرد بالعيب عذرا له في فسخ الإجارة؛ لأنه لا يقدر على ~~استيفائها إلا بضرر وهو التزام المبيع المعيب، ولو أراد المؤاجر السفر أو ~~النقلة عن البلد وقد أجر عقارا له فليس ذلك بعذر؛ لأن استيفاء العقار مع ~~غيبته لا ضرر عليه فيه، قال أبو يوسف: إن مرض المؤاجر أو أصاب إبله داء؛ ~~فله أن يفسخ إذا كانت بعينها، أما إذا أصاب الإبل داء فلأن استعمال الدابة ~~مع ما بها من الداء إجحاف بها وفيه ضرر بصاحبها، والضرر لا يستحق بالعقد ~~فيثبت له حق الفسخ، وكذا المستأجر؛ لأن المنافع تنقص بمرض الإبل، فصار ذلك ~~عيبا فيها. # وأما مرض الجمال فظاهر رواية الأصل يقتضي أن لا يكون عذرا؛ لأن أثر المرض ~~في المنع من الخروج، وخروج الجمال بنفسه مع الجمال غير مستحق بالعقد، وأما ~~وجه رواية أبي يوسف وهو الفرق بين مرض الجمال وبين قعوده أن الجمال يقوم ~~على جماله بنفسه فإذا مرض لا يقوم غيره مقامه إلا بضرر، وليس كذلك إذا بدا ~~له من الخروج؛ لأنه يقدر على الخروج، فإذا ترك ذلك باختياره كان عليه أن ~~يقيم غيره مقامه، ولو أجر صانع من الصناع أو عامل من العمال نفسه لعمل أو ~~صناعة ثم قال: " بدا لي أن أترك هذا العمل وأنتقل منه إلى غيره " قال محمد: ~~إن كان ذلك من عمله بأن كان حجاما فقال: " قد أنفت من عملي وأريد تركه " لم ~~يكن له ذلك، ويقال: أوف العمل ثم انتقل إلى ما شئت من العمل؛ لأن العقد قد ~~لزمه، ولا عار عليه فيه؛ لأنه من أهل تلك الحرفة، فهو بقوله: " أريد أن ~~أتركه " يريد أن يدفع عنه في الحال، ويقدر على ذلك بعد انقضاء العمل، وإن ~~كان ذلك العمل ليس من عمله، وصنعته بل أسلم نفسه فيها، وذلك مما يعاب به، ~~أو كانت امرأة ms2545 أجرت نفسها ظئرا وهي ممن تعاب بذلك فلأهلها أن يخرجوها، ~~وكذلك إن أبت هي أن ترضعه؛ لأنه من لا يكون من أهل الصنائع الدنيئة إذا دخل ~~فيها يلحقه العار، فإذا أراد الترك فهو لا يقدر على إيفاء المنافع إلا ~~بضرر، وكذلك الظئر إذا لم تكن ممن يرضع مثلها فلأهلها الفسخ؛ لأنهم يعيرون ~~بذلك، وفي المثل السائر (تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها) . # فإن لم يمكن إيفاء العقد إلا بضرر فلا يقدر على تسليم المنفعة إلا بضرر، ~~بخلاف ما إذا زوجت نفسها من غير كفء أنه لا يثبت لها حق الفسخ، ويثبت ~~للأولياء؛ لأن النكاح لا يفسخ بالعذر فقد لزمها العقد، والإجارة تنفسخ ~~بالعذر وإن وقعت لازمة. # ولو انهدم منزل المؤاجر ولم يكن له منزل آخر سوى المنزل المؤاجر فأراد أن ~~ينقض الإجارة ويسكنها ليس له ذلك؛ لأنه يمكنه أن يستأجر منزلا آخر أو يشتري ~~فلا ضرورة إلى فسخ الإجارة، وكذا إذا أراد التحول من هذا المصر؛ لأنه يمكنه ~~أن يترك المنزل في الإجارة ويخرج، بخلاف المستأجر إذا أراد أن يخرج؛ لما ~~ذكرنا، ولو اشترى المستأجر منزلا فأراد التحول إليه لم يكن ذلك عذرا؛ لأنه ~~يمكنه أن يؤاجر دار نفسه، فشراؤه دارا أخرى أو وجود دار أخرى لا يوجب عذرا ~~في الدار المستأجرة والله عز وجل أعلم. # وأما الذي هو في جانب المستأجر فمنها عتق العبد المستأجر فإنه عذر في فسخ ~~الإجارة، حتى لو أجر رجل عبده سنة فلما مضت ستة أشهر أعتقه فهو بالخيار: إن ~~شاء مضى على الإجارة، وإن شاء فسخ. # أما العتق فلا شك في نفاذه لصدور الإعتاق من الأهل في المحل المملوك ~~المرقوق، والعارض وهو حق المستأجر لا يؤثر إلا في المنع من التسليم، ونفاذ ~~العتق لا يقف على إمكان التسليم، بدليل أن إعتاق الآبق نافذ. # وأما الخيار فلأن العقد على المنافع ينعقد شيئا فشيئا على حسب حدوثها، ~~فيصير بعد الحرية كأنه عقد عليه ابتداء فكان له خيار الإجارة والفسخ، فإن ~~فسخ بطل العقد فيما بقي وسقط عن ms2546 المستأجر الأجر فيما بقي وكان أجر ما مضى ~~للمولى؛ لأنها بدل منفعة استوفيت على ملك المولى بعقده، وإن أجاز ومضى على ~~الإجارة فالأجرة فيما يستقبل إلى تمام السنة تكون للعبد؛ لأنها بدل منفعة ~~استوفيت بعد الحرية فكانت له، كما لو أجر نفسه من إنسان بغير إذن مولاه ~~فأعتقه المولى في المدة فلا خيار له، بخلاف العبد المأذون إذا أجر نفسه بعد ~~الحرية، فإن اختار الإجارة لم يكن له أن ينقضها بعد ذلك؛ لأنه باختيار ~~الإجارة أبطل حق الفسخ فلا يحتمل العود، وقبض الأجرة كلها للمولى، وليس ~~للعبد أن يقبض الأجرة إلا بوكالة من المولى؛ لأن العاقد هو المولى، وحقوق ~~العقد ترجع إلى العاقد، هذا إن لم يكن المستأجر عجل الأجرة، ولا شرط المولى ~~عليه # PageV04P199 # التعجيل، فإن كان عجل أو شرط عليه التعجيل فأعتق العبد واختار المضي على ~~الإجارة؛ فالأجرة كلها للمولى؛ لأنه ملكها بالتعجيل أو باشتراط التعجيل، ~~وإن اختار الفسخ؛ يرد النصف إلى المستأجر؛ لأن الأجرة بمقابلة المنفعة ولم ~~يسلم له إلا منفعة نصف المدة، وسواء كان المولى أجره بنفسه أو أذن للعبد أن ~~يؤاجر نفسه سنة فأجر ثم أعتقه المولى في نصف المدة؛ لأن عقده بإذن المولى ~~كعقد المولى بنفسه، إلا إن قبض الأجرة ثم أعتقه المولى في المدة؛ لأن إجارة ~~المحجور وقعت فاسدة، وخيار الإمضاء في العقد الفاسد لا يثبت شرعا، فبطل ~~العقد بنفس الإعتاق بخلاف المأذون، ومنها: بلوغ الصبي المستأجر آجره أبوه ~~أو وصي أبيه أو جده أو وصي جده أو القاضي أو أمينه فبلغ في المدة فهو عذر، ~~إن شاء أمضى الإجارة، وإن شاء فسخ؛ لأن في إبقاء العقد بعد البلوغ ضررا ~~بالصبي لما بينا فيما تقدم فيعجز عن المضي في موجب العقد إلا بضرر لم ~~يلتزمه فكان عذرا، ولو أجر واحد من هؤلاء شيئا من ماله فبلغ قبل تمام المدة ~~لا خيار له والفرق بين إجارة النفس والمال ذكره في كتاب البيوع إن إجارة ~~ماله تصرف نظر في حقه فلا يملك إبطاله بالبلوغ، فأما إجارة ms2547 النفس فهو في ~~وضعها إضرار، وإنما يملكها الولي أو الوصي من حيث هي تأديب، وقد انقطعت ~~ولاية التأديب بالبلوغ، فأما غلاء أجر المثل فليس بعذر تنفسخ به الإجارة ~~إلا في إجارة الوقف، حتى لو آجر دارا هي ملكه ثم غلا أجر مثل الدار فليس له ~~أن يفسخ العقد، إلا في الوقف فإنه يفسخ نظرا للوقف ويجدد العقد في المستقبل ~~على أجرة معلومة، وفيما مضى يجب المسمى بقدره وقيل: هذا إذا ازداد أجر مثل ~~الدور، فأما إذا جاء واحد وزاد في الأجرة تعنتا على المستأجر الأول فلا ~~يعتبر ذلك، إنما تفسخ هذه الإجارة إذا أمكن الفسخ، فأما إذا لم يمكن فلا ~~تفسخ بأن كان في الأرض زرع لم يستحصد؛ لأن في القلع ضررا بالمستأجر فلا ~~تفسخ بل تترك إلى أن يستحصد الزرع بأجر المثل، فإلى وقت الزيادة يجب المسمى ~~بقدره، وبعد الزيادة إلى أن يستحصد يجب أجر المثل، هذا إذا غلا أجر مثل ~~الوقف. # فأما إذا رخص فإن الإجارة لا تفسخ؛ لأن المستأجر رضي بذلك القدر وزيادة؛ ~~ولأن الفسخ في الوقف عند الغلاء لمعنى النظر للوقف، وفي هذا ضرر فلا تفسخ. # وأما العذر في استئجار الظئر فنحو أن لا يأخذ الصبي من لبنها؛ لأنه لم ~~يحصل بعض ما دخل تحت العقد أو بقي من لبنها؛ لأن الصبي يتضرر به، أو تحبل ~~الظئر؛ لأن لبن الحامل يضر بالصبي، أو تكون سارقة؛ لأنهم يخافون على ~~متاعهم، أو تكون فاجرة بينة الفجور؛ لأنها تتشاغل بالفجور عن حفظ الصبي، أو ~~أرادوا أن يسافروا بصبيهم وأبت الظئر أن تخرج معهم؛ لأن في إلزامهم ترك ~~المسافرة إضرارا بهم، وفي إبقاء العقد بعد السفر إضرارا أيضا، أو تمرض ~~الظئر؛ لأن الصبي يتضرر بلبن المريضة، والمرأة تتضرر بالإرضاع في المرض ~~أيضا فيثبت حق الفسخ من الجانبين، فإن كانوا يؤذونها بألسنتهم أمروا أن ~~يكفوا عنها، فإن لم يكفوا كان لها أن تخرج؛ لأن الأذية محظورة، فعليهم ~~تركها، فإن لم يتركوها كان في إبقاء العقد ضرر غير ملتزم بالعقد فكان عذرا ms2548 ~~وللزوج أن يخرجها من الرضاع إن لم تكن الإجارة برضاه، وقيل: هو على التفصيل ~~إن كان ممن يشينه أن ترضع زوجته فله الفسخ؛ لأنه يعير بذلك فيتضرر به، وإن ~~كان ممن لا يشينه ذلك لم يكن له أن يفسخ؛ لأن المملوك له بالنكاح منافع ~~بضعها لا منافع ثديها، فكانت هي بالإجارة متصرفة في حقها، وقيل: له الفسخ ~~في الوجهين؛ لأنها إن أرضعت الصبي في بيتهم فللزوج أن يمنعها من الخروج من ~~منزله، وإن أرضعت في بيته فله أن يمنعها من إدخال الصبي إلى بيته، ثم إذا ~~اعترض شيء من هذه الأعذار التي وصفناها فالإجارة تنفسخ بنفسها أو تحتاج إلى ~~الفسخ، قال بعض مشايخنا: تنفسخ بنفسها، وقال بعضهم: لا تنفسخ، والصواب أنه ~~ينظر إلى العذر إن كان يوجب العجز عن المضي في موجب العقد شرعا بأن كان ~~المضي فيه حراما فالإجارة تنتقض بنفسها، كما في الإجارة على قلع الضرس إذا ~~اشتكت ثم سكنت، وعلى قطع اليد المتأكلة إذا برئت ونحو ذلك، وإن كان العذر ~~بحيث لا يوجب العجز عن ذلك لكنه يتضمن نوع ضرر لم يوجبه العقد لا ينفسخ إلا ~~بالفسخ، وهل يحتاج فيه إلى فسخ القاضي أو التراضي؟ ذكر في الأصل وفي الجامع ~~الصغير أنه لا يحتاج إليه بل للعاقد فسخها، وذكر في الزيادات أنها لا تفسخ ~~إلا بفسخ القاضي أو التراضي، وجه ما ذكر في الزيادات أن هذا خيار ثبت بعد ~~تمام العقد فأشبه الرد بالعيب بعد القبض # PageV04P200 # وجه المذكور في الأصل والجامع الصغير أن المنافع في الإجارة لا تملك جملة ~~واحدة بل شيئا فشيئا، فكان اعتراض العذر فيها بمنزلة عيب حدث قبل القبض، ~~والعيب الحادث قبل القبض في البيع يوجب للعاقد حق الفسخ، ولا يقف ذلك على ~~القضاء والرضا، كذا هذا، ومن مشايخنا من فصل فيه تفصيلا فقال: إن كان العذر ~~ظاهرا لا حاجة إلى القضاء، وإن كان خفيا كالدين يشترط القضاء ليظهر العذر ~~فيه ويزول الاشتباه، وهذا حسن، وينبغي أن يبيع المستأجر ثم يفسخ الإجارة. ### | [فصل في ms2549 صفة الإجارة] # (فصل) : # وأما صفة الإجارة فالإجارة عقد لازم إذا وقعت صحيحة عرية عن خيار الشرط ~~والعيب والرؤية عند عامة العلماء، فلا تفسخ من غير عذر وقال شريح: إنها غير ~~لازمة وتفسخ بلا عذر؛ لأنها إباحة المنفعة فأشبهت الإعارة، ولنا أنها تمليك ~~المنفعة بعوض فأشبهت البيع وقال - سبحانه وتعالى - {أوفوا بالعقود} ~~[المائدة: 1] والفسخ ليس من الإيفاء بالعقد وقال عمر: - رضي الله عنه - " ~~البيع صفقة أو خيار " جعل البيع نوعين: نوعا لا خيار فيه، ونوعا فيه خيار، ~~والإجارة بيع فيجب أن تكون نوعين، نوعا ليس فيه خيار الفسخ، ونوعا فيه خيار ~~الفسخ؛ ولأنها معاوضة عقدت مطلقة فلا ينفرد أحد العاقدين فيها بالفسخ إلا ~~عند العجز عن المضي في موجب العقد من غير تحمل ضرر كالبيع. ### | [فصل في حكم الإجارة] # (فصل) : # وأما حكم الإجارة فالإجارة لا تخلو: إما إن كانت صحيحة وإما إن كانت ~~فاسدة وإما إن كانت باطلة. # أما الصحيحة: فلها أحكام، بعضها أصلي وبعضها من التوابع أما الحكم الأصلي ~~فالكلام فيه في ثلاثة مواضع: في بيان أصل الحكم، وفي بيان وقت ثبوته، وفي ~~بيان كيفية ثبوته. # أما الأول: فهو ثبوت الملك في المنفعة للمستأجر، وثبوت الملك في الأجرة ~~المسماة للآجر؛ لأنها عقد معاوضة إذ هي بيع المنفعة، والبيع عقد معاوضة، ~~فيقتضي ثبوت الملك في العوضين. # وأما وقت ثبوته فالعقد لا يخلو إما إن كان عقد مطلقا عن شرط تعجيل ~~الأجرة، وإما أن شرط فيه تعجيل الأجرة أو تأجيلها. # فإن عقد مطلقا؛ فالحكم يثبت في العوضين في وقت واحد، فيثبت الملك للمؤاجر ~~في الأجرة وقت ثبوت الملك للمستأجر في المنفعة، وهذا قول أصحابنا، وقال ~~الشافعي: حكم الإجارة المطلقة هو ثبوت الملك في العوضين عقيب العقد بلا ~~فصل. # وأما كيفية ثبوت حكم العقد فعندنا: يثبت شيئا فشيئا على حسب حدوث محله، ~~وهو المنفعة؛ لأنها تحدث شيئا فشيئا، وعنده تجعل المدة موجودة تقديرا كأنها ~~أعيان قائمة ويثبت الحكم فيها في الحال، وعلى هذا يبنى أن الأجرة لا تملك ~~بنفس العقد المطلق عندنا، وعنده ms2550 تملك. # (وجه) قوله أن الإجارة عقد معاوضة وقد وجدت مطلقة، والمعاوضة المطلقة ~~تقتضي ثبوت الملك في العوضين عقيب العقد كالبيع، إلا أن الملك لا بد له من ~~محل تثبت فيه منافع المدة المعلومة في الحال حقيقة، فتجعل موجودة حكما ~~تصحيحا للعقد، وقد يجعل المعدوم حقيقة موجودا تقديرا عند تحقق الحاجة ~~والضرورة، ولنا أن المعاوضة المطلقة إذا لم يثبت الملك فيها في أحد العوضين ~~لا يثبت في العوض الآخر، إذ لو ثبت لا يكون معاوضة حقيقة؛ لأنه لا يقابله ~~عوض؛ ولأن المساواة في العقود المطلقة مطلوب العاقدين، ولا مساواة إذا لم ~~يثبت الملك في أحد العوضين والملك لم يثبت في أحد العوضين، وهو منافع ~~المدة؛ لأنها معلومة حقيقة فلا تثبت في الأجرة في الحال تحقيقا للمعاوضة ~~المطلقة في أي وقت تثبت؟ فقد كان أبو حنيفة أولا يقول: إن الأجرة لا تجب ~~إلا بعد مضي المدة مثل استئجار الأرض سنة أو عشر سنين، وهو قول زفر، ثم رجع ~~هنا فقال: تجب يوما فيوما وفي الإجارة على المسافة مثل إن استأجر بعيرا إلى ~~مكة ذاهبا وجائيا كان قوله الأول: إنه لا يلزمه تسليم الأجر حتى يعود، وهو ~~قول زفر، ثم رجع وقال: يسلم حالا فحالا، وذكر الكرخي أنه يسلم أجرة كل ~~مرحلة إذا انتهى إليها، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وجه قول أبي حنيفة الأول ~~أن منافع المدة أو المسافة من حيث إنها معقود عليها شيء واحد، فما لم ~~يستوفها كلها لا يجب شيء من بدلها، كمن استأجر خياطا يخيط ثوبا فخاط بعضه ~~أنه لا يستحق الأجرة حتى يفرغ منه، وكذا القصار، والصباغ. # (وجه) قوله الثاني - وهو المشهور - أنه ملك البدل وهو المنفعة، وأنها ~~تحدث شيئا فشيئا على حسب حدوث الزمان فيملكها شيئا فشيئا على حسب حدوثها، ~~فكذا ما يقابلها، فكان ينبغي أن يجب عليه تسليم الأجرة # PageV04P201 # ساعة فساعة، إلا أن ذلك متعذر فاستحسن، فقال: يوما فيوما ومرحلة فمرحلة؛ ~~لأنه لا يعذر فيه. # وروي عن أبي يوسف فيمن استأجر بعيرا إلى مكة أنه ms2551 إذا بلغ ثلث الطريق أو ~~نصفه أعطى من الأجر بحسابه استحسانا، وذكر الكرخي أن هذا قول أبي يوسف ~~الأخير، ووجهه أن السير إلى ثلث الطريق أو نصفه منفعة مقصودة في الجملة، ~~فإذا وجد ذلك القدر يلزمه تسليم بدله، وعلى هذا يخرج ما إذا أبرأ المؤاجر ~~المستأجر من الأجر أو وهبه له أو تصدق به عليه أن ذلك لا يجوز في قول أبي ~~يوسف الأخير عينا كان الأجر أو دينا، وقال محمد: إن كان دينا جاز، وجه قول ~~أبي يوسف ظاهر خارج على الأصل، وهو أن الأجرة لم يملكها المؤاجر في العقد ~~المطلق عن شرط التعجيل، والإبراء عما ليس بمملوك المبرئ لا يصح، بخلاف ~~الدين المؤجل؛ لأنه مملوك، وإنما التأجيل لتأخير المطالبة فيصح الإبراء ~~عنه، وهبة غير المملوك لا تصح، وجه قول محمد أن الإبراء لا يصح إلا ~~بالقبول، فإذا قبل المستأجر فقد قصدا صحة تصرفهما، ولا صحة إلا بالملك، ~~فيثبت الملك مقتضى التصرف تصحيحا له كما في قول الرجل لغيره: أعتق عبدك عني ~~على ألف درهم، فقال: أعتقت، والإبراء إسقاط، وإسقاط الحق بعد وجود سبب ~~الوجوب جائز، كالعفو عن القصاص بعد الجرح قبل الموت، وسبب الوجوب ههنا ~~موجود وهو العقد المنعقد، والجواب أنه إن كان يعني بالانعقاد في حق الحكم ~~فهو غير منعقد في حق الحكم بلا خلاف بين أصحابنا، وإن كان يعني شيئا آخر ~~فهو غير معقول، ولو أبرأه عن بعض الأجرة أو وهب منه جاز في قولهم جميعا، ~~أما على أصل محمد فظاهر؛ لأنه يجوز ذلك عنده في الكل فكذا في البعض. # وأما على أصل أبي يوسف؛ فلأن ذلك حط بعض الأجرة فيلحق الحط بأصل العقد ~~فيصير كما لو وجد في حال العقد بمنزلة هبة بعض الثمن في البيع، وحط الكل لا ~~يمكن إلحاقه بأصل العقد، ولا سبيل إلى تصحيحه للحال لعدم الملك. # وأما إذا كانت الأجرة عينا من الأعيان فوهبها المؤاجر للمستأجر قبل ~~استيفاء المنافع فقد قال أبو يوسف: إن ذلك لا يكون نقضا للإجارة، وقال ~~محمد: ms2552 إن قبل المستأجر الهبة بطلت الإجارة، وإن ردها لم تبطل، أما أبو يوسف ~~فقد مر على الأصل أن الهبة لم تصح لعدم الملك فالتحقت بالعدم كأنها لم توجد ~~رأسا، بخلاف المشتري إذا وهب المبيع من بائعه قبل القبض وقبله البائع إن ~~ذلك يكون نقضا للبيع؛ لأن الهبة هناك قد صحت لصدورها من المالك فثبت الملك ~~للبائع فانفسخ البيع. # وأما محمد فإنه يقول: الأجرة إذا كانت عينا كانت في حكم المبيع؛ لأن ما ~~يقابلها هو في حكم الأعيان، والمشتري إذا وهب المبيع قبل القبض من البائع ~~فقبله البائع؛ يبطل البيع، كذا هذا، وإذا رد المستأجر الهبة لا تبطل ~~الإجارة؛ لأن الهبة لا تتم إلا بالقبول، فإذا رد بطلت والتحقت بالعدم، وعلى ~~هذا إذا صارف المؤاجر المستأجر بالأجرة فأخذ بها دينارا بأن كانت الأجرة ~~دراهم أن العقد باطل عند أبي يوسف في قوله الأخير، وكان قوله الأول: إنه ~~جائز، وهو قول محمد، فأبو يوسف مر على الأصل فقال: الأجرة لم تجب بعقد ~~الإجارة، وما وجب بعقد الصرف لم يوجد فيه التقابض في المجلس فيبطل العقد ~~فيه كمن باع دينارا بعشرة فلم يتقابضا؛ ولأنه يشتري الدينار بدراهم في ذمته ~~ثم يجعلها قصاصا بالأجرة، ولا أجرة له، فيبقى ثمن الصرف في ذمته، فإذا ~~افترقا قبل القبض بطل الصرف، ومحمد يقول: إذا لم يجز الصرف إلا ببدل واجب - ~~ولا وجوب إلا بشرط التعجيل - ثبت الشرط مقتض إقدامهما على الصرف، ولو شرطا ~~تعجيل الأجرة ثم تصارفا جاز، كذا هذا، ولو اشترى المؤاجر من المستأجر عينا ~~من الأعيان بالأجرة جاز في قولهم؛ لأن العقد على الأعيان والهبة جائزان، ~~فالرهن والكفالة أولى. # وأما على أصل أبي يوسف فأما الكفالة فلأن جوازها لا يستدعي قيام الدين ~~للحال، بدليل أنه لو كفل بما يذوب له على فلان جازت، وكذلك الكفالة بالدرك ~~جائزة، وكذلك الرهن بدين لم يجب جائز، كالرهن بالثمن في البيع المشروط فيه ~~الخيار؛ ولأن الكفالة والرهن شرعا للتوثق، والتوثق ملائم للأجر. # هذا إذا وقع العقد مطلقا عن شرط ms2553 تعجيل الأجرة، فأما إذا شرط في تعجيلها ~~ملكت بالشرط وجب تعجيلها، فالحاصل أن الأجرة لا تملك عندنا إلا بأحد معان ~~ثلاثة: أحدها: شرط التعجيل في نفس العقد، والثاني: التعجيل من غير شرط: ~~والثالث: استيفاء المعقود عليه أما ملكها بشرط التعجيل فلأن ثبوت الملك في ~~العوضين في زمان واحد لتحقيق # PageV04P202 # معنى المعاوضة المطلقة وتحقيق المساواة التي هي مطلوب العاقدين، ومعنى ~~المعاوضة والمساواة لا يتحقق إلا في ثبوت الملك فيهما في زمان واحد، فإذا ~~شرط التعجيل فلم توجد المعاوضة المطلقة بل المقيدة بشرط التعجيل فيجب ~~اعتبار شرطهما لقوله - صلى الله عليه وسلم - «المسلمون عند شروطهم» . # فيثبت الملك في العوض قبل ثبوته في المعوض؛ ولهذا صح التعجيل في ثمن ~~المبيع وإن كان إطلاق العقد يقتضي الحلول، كذا هذا وللمؤجر حبس ما وقع عليه ~~العقد حتى يستوفي الأجرة، كذا ذكر الكرخي في جامعه؛ لأن المنافع في باب ~~الإجارة كالمبيع في باب البيع، والأجرة في الإجارات كالثمن في البياعات، ~~وللبائع حبس المبيع إلى أن يستوفي الثمن، فكذا للمؤاجر حبس المنافع إلى أن ~~يستوفي الأجرة المعجلة، فإن قيل لا فائدة في هذا الحبس؛ لأن الإجارة إذا ~~وقعت على مدة فإذا حبس المستأجر مدة بطلت الإجارة في تلك المدة، ولا شيء ~~فيها من الأجرة، فلم يكن الحبس مفيدا، فالجواب: إن الحبس مفيد؛ لأنه يحبس ~~ويطالب بالأجرة، فإن عجل وإلا فسخ العقد فكان في الحبس فائدة على أن هذا لا ~~يلزم في الإجارة على المسافة بأن أجر دابة مسافة معلومة؛ لأن العقد ههنا لا ~~يبطل بالحبس، وكذا هذا، ويبطل ببيع ما يتسارع إليه الفساد كالسمك الطري ~~ونحوه إذ للبائع حبسه حتى يستوفي الثمن، وإن كان يؤدي إلى إبطال البيع ~~بهلاك المبيع قبل القبض، وإن وقع الشرط في عقد الإجارة على أن لا يسلم ~~المستأجر الأجر إلا بعد انقضاء مدة الإجارة فهو جائز. # وأما على قول أبي حنيفة الأول فظاهر؛ لأن الأجرة لا تجب إلا في آخر ~~المدة، فإذا شرط كان هذا شرطا مقررا مقتضى العقد فكان جائزا. # وأما ms2554 على قوله الآخر فالأجرة وإن كانت تجب شيئا فشيئا فقد شرط تأجيل ~~الأجرة، والأجرة كالثمن فتحتمل التأجيل كالثمن. # وأما إذا عجل الأجرة من غير شرط فلأنه لما عجل الأجرة فقد غير مقتضى مطلق ~~العقد وله هذه الولاية؛ لأن التأخير ثبت حقا له فيملك إبطاله بالتعجيل، كما ~~لو كان عليه دين مؤجل فعجله؛ ولأن العقد سبب استحقاق الأجرة فالاستحقاق وإن ~~لم يثبت فقد انعقد سببه، وتعجيل الحكم قبل الوجوب بعد وجود سبب الوجوب ~~جائز، كتعجيل الكفارة بعد الجرح قبل الموت. # وأما إذا استوفي المعقود عليه فلأنه يملك المعوض فيملك المؤاجر العوض في ~~مقابلته تحقيقا للمعاوضة المطلقة، وتسوية بين العاقدين في حكم العقد ~~المطلق، وعلى هذا الأصل تبنى الإجارة المضافة إلى زمان في المستقبل بأن ~~قال: أجرتك هذه الدار غدا أو رأس شهر كذا، أو قال: أجرتك هذه الدار سنة ~~أولها غرة شهر رمضان أنها جائزة في قول أصحابنا، وعند الشافعي لا تجوز، وجه ~~البناء أن الإجارة بيع المنفعة وطريق جوازها عنده أن يجعل منافع المدة ~~موجودة تقديرا عقيب العقد تصحيحا له إذ لا بد وأن يكون محل حكم العقد ~~موجودا ليمكن إثبات حكمه فيه، فجعلت المنافع موجودة حكما كأنها أعيان قائمة ~~بنفسها، وإضافة البيع إلى عين ستوجد لا تصح كما في بيع الأعيان حقيقة. # وأما عندنا فالعقد ينعقد شيئا فشيئا على حسب حدوث المعقود عليه شيئا ~~فشيئا وهو المنفعة فكان العقد مضافا إلى حين وجود المنفعة من طريق الدلالة، ~~فالتنصيص على الإضافة يكون مقررا مقتضى العقد، إلا أنا جوزنا الإضافة في ~~الإجارة دون البيع للضرورة؛ لأن المنفعة حال وجودها لا يمكن إنشاء العقد ~~عليها، فدعت الضرورة إلى الإضافة، ولا ضرورة في بيع العين لإمكان إيقاع ~~العقد عليها بعد وجودها؛ لكونها محتملة للبقاء فلا ضرورة إلى الإضافة، ~~وطريقنا أولى؛ لأن جعل المعدوم موجودا تقدير للمحال، وتقدير المحال محال ~~ولا إحالة في الإضافة إلى زمان في المستقبل، فإن كثيرا من التصرفات تصح ~~مضافة إلى المستقبل كالطلاق والعتاق ونحوهما، فكان الصحيح ما قلنا. # وأما ms2555 الأحكام التي هي من التوابع فكثيرة، بعضها يرجع إلى الآجر والمستأجر ~~مما عليهما ولهما، وبعضها يرجع إلى صفة المستأجر والمستأجر فيه. # أما الأول: فجملة الكلام فيه أن عقد الإجارة لا يخلو إما أن شرط فيه ~~تعجيل البدل أو تأجيله. # وأما إن كان مطلقا عن شرط التعجيل والتأجيل، فإن شرط فيه تعجيل البدل ~~فعلى المستأجر تعجيلها والابتداء بتسليمها، سواء كان ما وقع عليه الإجارة ~~شيئا ينتفع بعينه كالدار والدابة وعبد الخدمة، أو كان صانعا أو عاملا ينتفع ~~بصنعته أو عمله كالخياط والقصار والصياغ والإسكاف؛ لأنهما لما شرطا تعجيل ~~البدل لزم اعتبار شرطهما لقوله - صلى الله عليه وسلم - «المسلمون عند ~~شروطهم» . # وملك # PageV04P203 # الآجر البدل حتى تجوز له هبته، والتصدق به، والإبراء عنه، والشراء، ~~والرهن، والكفالة، وكل تصرف يملك البائع في الثمن في باب البيع، وللمؤاجر ~~أن يمتنع عن تسليم المستأجر في الأشياء المنتفع بأعيانها حتى يستوفي ~~الأجرة، وكذا للأجير الواحد أن يمتنع عن تسليم النفس، وللأجير المشترك أن ~~يمتنع عن إيفاء العمل قبل استيفاء الأجرة في الإجارة كالثمن في البياعات، ~~وللبائع حبس المبيع إلى أن يستوفي الثمن إذا لم يكن مؤجلا، كذا ههنا، وإن ~~شرط فيه تأجيل الأجرة يبتدأ بتسليم المستأجر وإيفاء العمل وإنما يجب بتسليم ~~البدل عند انقضاء الأجل؛ لأن الأصل في الشروط اعتبارها؛ للحديث الذي روينا، ~~وإن كان العقد مطلقا عن شرط التعجيل والتأجيل يبتدأ بتسليم ما وقع عليه ~~العقد في نوعي الإجارة، فيجب على المؤاجر تسليم المستأجر، وعلى الأجير ~~تسليم النفس أو إيفاء العمل أولا عندنا، خلافا للشافعي؛ لأن الأجرة لا تجب ~~عندنا بالعقد المطلق، وعنده تجب، والمسألة قد مرت، غير أن في النوع الأول ~~وهو الإجارة على الأشياء المنتفع بأعيانها إذا سلم المستأجر لا يجب على ~~المستأجر تسليم البدل كله للحال، بل على حسب استيفاء المنفعة شيئا فشيئا ~~حقيقة أو تقديرا بالتمكن من الاستيفاء في قول أبي حنيفة الآخر، وللمؤاجر أن ~~يطالبه بالأجرة بمقدار ذلك يوما فيوما في الإجارة على العقار ونحوه، ومرحلة ~~مرحلة في الإجارة على المسافة، ms2556 ولكن يخير المكاري على الحمل إلى المكان ~~المشروط، إذ لو لم يخير لتضرر المستأجر، وفي قوله الأول وهو قول أبي يوسف ~~ومحمد لا يجب تسليم شيء من البدل إلا عند انتهاء المدة، أو قطع المسافة ~~كلها في الإجارة على قطع المسافة، وقد ذكرنا وجه القولين فيما تقدم. # وأما في النوع الآخر وهو استئجار الصناع، والعمال فلا يجب تسليم شيء من ~~البدل إلا عند انتهاء المدة أو قطع المسافة بعد الفراغ من العمل بلا خلاف، ~~حتى قالوا في الحمال ما لم يحط المتاع من رأسه لا يجب الأجر؛ لأن الحط من ~~تمام العمل، وهكذا قال أبو يوسف في الحمال يطلب الأجرة بعد ما بلغ المنزل ~~قبل أن يضعه: إنه ليس له ذلك؛ لأن الوضع من تمام العمل، والفرق أن كل جزء ~~من العمل في هذا النوع غير مقصود؛ لأنه لا ينتفع ببعضه دون بعض، فكان الكل ~~كشيء واحد، فما لم يوجد لا يقابله البدل بلا خلاف، بخلاف النوع الأول على ~~قول أبي حنيفة الآخر؛ لأن كل جزء من السكنى وقطع المسافة مقصود فيقابل ~~بالأجرة # ثم في النوع الآخر إذا. أراد الأجير حبس العين بعد الفراغ من العمل ~~لاستيفاء الأجرة هل له ذلك؟ ينظر إن كان لعمله أثر ظاهر في العين كالخياط ~~والقصار والصباغ والإسكاف له ذلك؛ لأن ذلك الأثر هو المعقود عليه وهو ~~صيرورة الثوب مخيطا مقصورا. # وإنما العمل يحصل ذلك الأثر عادة، والبدل يقابل ذلك الأثر، فكان كالمبيع، ~~فكان له أن يحبسه لاستيفاء الأجرة، كالمبيع قبل القبض أنه يحبس لاستيفاء ~~الثمن إذا لم يكن الثمن مؤجلا، ولو هلك قبل التسليم تسقط الأجرة؛ لأنه مبيع ~~هلك قبل القبض، وهل يجب الضمان؟ فعند أبي حنيفة لا يجب، وعندهما يجب؛ لأنه ~~يجب قبل الحبس عندهما، فبعد الحبس أولى. # والمسألة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى، وإن لم يكن لعمله أثر ظاهر ~~في العين كالحمال والملاح والمكاري ليس له أن يحبس العين؛ لأن ما لا أثر له ~~في العين فالبدل إنما يقابل نفس ms2557 العمل، إلا أن العمل كله كشيء واحد، إذ لا ~~ينتفع ببعضه دون بعض، فكما فرغ حصل في يد المستأجر فلا يملك حبسه عنه بعد ~~طلبه كاليد المودعة؛ ولهذا لا يجوز حبس الوديعة بالدين، ولو حبسه فهلك قبل ~~التسليم لا تسقط الأجرة؛ لما ذكرنا أنه كما وقع في العمل حصل مسلما إلى ~~المستأجر لحصوله في يده، فتقررت عليه الأجرة فلا تحتمل السقوط بالهلاك، ~~ويضمن؛ لأنه حبسه بغير حق فصار غاصبا بالحبس، ونص محمد على الغصب فقال: فإن ~~حبس الحمال المتاع في يده فهو غاصب. # ووجهه ما ذكرنا أن العين كانت أمانة في يده، فإذا حبسها بدينه فقد صار ~~غاصبا، كما لو حبس المودع الوديعة بالدين. # هذا الذي ذكرنا أن العمل لا يصير مسلما إلى المستأجر إلا بعد الفراغ منه؛ ~~حتى لا يملك الأجير المطالبة بالأجرة قبل الفراغ إذا كان المعمول فيه في يد ~~الأجير. # ، فإن كان في يد المستأجر فقدر ما أوقعه من العمل فيه يصير مسلما إلى ~~المستأجر قبل الفراغ منه؛ حتى يملك المطالبة بقدره من المدة بأن استأجر ~~رجلا ليبني له بناء في ملكه، أو فيما في يده، بأن استأجره ليبني له بناء في ~~داره، أو يعمل له ساباطا أو جناحا، أو يحفر له بئرا أو قناة # PageV04P204 # أو نهرا أو ما أشبه ذلك في ملكه أو فيما في يده، فعمل بعضه، فله أن ~~يطالبه بقدره من الأجرة. # لكنه يجبر على الباقي، حتى لو انهدم البناء، أو انهارت البئر، أو وقع ~~فيها الماء والتراب وسواها مع الأرض، أو سقط الساباط فله أجر ما عمله ~~بحصته؛ لأنه إذا كان في ملك المستأجر أو في يده فكما عمل شيئا حصل في يده ~~قبل هلاكه وصار مسلما إليه فلا يسقط بدله بالهلاك. # ولو كان غير ذلك في غير ملكه ويده ليس له أن يطلب شيئا من الأجرة قبل ~~الفراغ من عمله، وتسليمه إليه، حتى لو هلك قبل التسليم لا يجب شيء من ~~الأجرة؛ لأنه إذا لم يكن في ملكه، ولا في يده، توقف ms2558 وجوب الأجرة فيه على ~~الفراغ والتمام، وقال الحسن بن زياد: إذا أراه موضعا من الصحراء يحفر فيه ~~بئرا فهو بمنزلة ما هو في ملكه ويده، وقال في آخر الكلام: وهذا قياس قول ~~أبي حنيفة، وقال محمد: لا يكون قابضا إلا بالتخلية وإن أراه الموضع وهو ~~الصحيح؛ لأن ذلك الموضع بالتعيين لم يصر في يده فلا يصير عمل الأجير فيه ~~مسلما له، وإن كان ذلك في غير ملك المستأجر ويده فعمل الأجير بعضه، ~~والمستأجر قريب من العامل، فخلى الأجير بينه وبينه، فقال المستأجر: لا ~~أقبضه منك حتى يفرغ، فله ذلك؛ لأن قدر ما عمل لم يصر مسلما إذا لم يكن في ~~ملك المستأجر ولا في يده؛ لأنه لا ينتفع ببعض عمله دون بعض، فكان للمستأجر ~~أن يمتنع من التسليم حتى يتمه. # ولو استأجر لبانا ليضرب له لبنا في ملكه أو فيما في يده لا يستحق الأجرة ~~حتى يجف اللبن وينصبه في قول أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف ومحمد: حتى يجف أو ينصبه ويشرجه، ولا خلاف في أنه إذا ضربه ~~ولم يقمه أنه لا يستحق الأجرة؛ لأنه ما لم يقلبه عن مكانه فهو أرض. # فلا يتناوله اسم اللبن، والخلاف بينهم يرجع إلى أنه: هل يصير قابضا له ~~بالإقامة أو لا يصير إلا بالتشريج؟ فعلى قول أبي حنيفة يصير قابضا له بنفس ~~الإقامة؛ لأن نفس الإقامة من تمام هذا العمل فيصير اللبن مسلما إليه بها، ~~وعلى قولهما لا يصير قابضا ما لم يشرج؛ لأن تمام العمل به حتى لو هلك قبل ~~النصب في قول أبي حنيفة وقبل التشريج في قولهما فلا أجر له؛ لأنه هلك قبل ~~تمام العمل على اختلاف الأصلين، ولو هلك بعده فله الأجر؛ لأن العمل قد تم ~~فصار مسلما إليه لكونه في ملكه أو في يده، فهلاكه بعد ذلك لا يسقط البدل، ~~وجه قولهما أن الأمن عن الفساد يقع بالتشريح؛ ولهذا جرت العادة بين الناس ~~أن اللبان هو الذي يشرج ليؤمن عليه الفساد، فكان ذلك من تمام العمل كإخراج ~~الخبز ms2559 من التنور، ولأبي حنيفة أن المستأجر له ضرب اللبن، ولما جف ونصبه فقد ~~وجد ما ينطلق عليه اسم اللبن وهو في يده أو في ملكه فصار قابضا له، فأما ~~التشريج فعمل زائد لم يلزمه العامل؛ بمنزلة النقل من مكان إلى مكان، فلا ~~يلزمه ذلك، وإن كان ذلك في غير ملكه ويده لم يستحق الأجرة حتى يسلمه، وهو ~~أن يخلي الأجير بين اللبن وبين المستأجر، لكن ذلك بعد ما نصبه عند أبي ~~حنيفة، وعندهما بعد ما شرجه. # وروى ابن سماعة عن محمد في رجل استأجر خبازا ليخبز له قفيزا من دقيق ~~بدرهم، فخبز، فاحترق الخبز في التنور قبل أن يخرجه، أو ألزقه في التنور ثم ~~أخذه ليخرجه فوقع من يده في التنور فاحترق، فلا أجرة له؛ لأنه هلك قبل تمام ~~العمل؛ لأنه عمل الخبز لا يتم إلا بالإخراج من التنور، فلم يكن قبل الإخراج ~~خبز فصار كهلاك اللبن قبل أن يتمه، قال: ولو أخرجه من التنور ووضعه وهو ~~يخبز في منزل المستأجر فاحترق من غير جنايته فله الأجر، ولا ضمان عليه في ~~قول أبي حنيفة. # أما استحقاق الأجر فلأنه فرغ من العمل بإخراج الخبز من التنور، وحصل ~~مسلما إلى المستأجر لكونه في ملك المستأجر. # وأما عدم وجوب الضمان فلأن الهلاك من غير صنع الأجير المشترك لا يتعلق به ~~الضمان عنده. # وأما على قول من يضمن الأجير المشترك فإنه ضامن له دقيقا مثل الدقيق الذي ~~دفعه إليه، ولا أجر له، وإن شاء ضمنه قيمة الخبز مخبوزا وأعطاه الأجر؛ لأن ~~قبض الأجير قبض مضمون عندهما فلا يبرأ عن الضمان بوضعه في منزل مالكه، ~~وإنما يبرأ بالتسليم كالغاصب إذا وجب الضمان عليه عندهما، فصاحب الدقيق ~~بالخيار إن شاء ضمنه دقيقا وأسقط الأجر؛ لأنه لم يسلم إليه العمل، وإن شاء ~~ضمنه خبزا فصار العمل مسلما إليه، فوجب الأجر عليه قال: ولا أضمنه القصب ~~ولا الملح؛ لأن ذلك صار مستهلكا قبل وجوب الضمان عليه، وحين وجب الضمان ~~عليه لا قيمة له؛ لأن القصب صار رمادا والملح ms2560 صار ماء وكذلك الخياط الذي ~~يخيط له في منزله قميصا، فإن خاط له بعضه لم يكن له أجرته؛ لأن هذا العمل ~~لا ينتفع ببعضه دون بعضه فلا تلزم الأجرة # PageV04P205 # إلا بتمامه، فإذا فرغ منه ثم هلك فله الأجرة في قول أبي حنيفة؛ لأن العمل ~~حصل مسلما إليه لحصوله في ملكه. # وأما على قولهما فالعين مضمونة فلا يبرأ عن ضمانها إلا بتسليمها إلى ~~مالكها، فإن هلك الثوب فإن شاء ضمنه قيمته صحيحا ولا أجر له، وإن شاء ضمنه ~~قيمته مخيطا وله الأجر؛ لما بينا، ولو استأجر حمالا ليحمل له دنا من السوق ~~إلى منزله فحمله حتى إذا بلغ باب درب الذي استأجره كسره إنسان فلا ضمان على ~~الحامل في قول أبي حنيفة، وله الأجر، وهو على ما ذكرنا أن العمل إذا لم يكن ~~له أثر ظاهر في العين كما وقع يحصل مسلما إلى المستأجر، وذكر ابن سماعة عن ~~محمد في رجل دفع ثوبا إلى خياط يخيطه بدرهم، فمضى، فخاطه، ثم جاء رجل ففتقه ~~قبل أن يقبضه رب الثوب فلا أجر للخياط؛ لأن المنافع هلكت قبل التسليم فسقط ~~بدلها قال: ولا أجبر الخياط على أن يعيد العمل؛ لأنه لما فرغ من العمل فقد ~~انتهى العقد، فلا يلزمه العمل ثانيا، وإن كان الخياط هو الذي فتق الثوب ~~عليه أن يعيده؛ لأنه لما فتقه فقد فسخ المنافع التي عملها، فكأنه لم يعمل ~~رأسا، وإذا فتقه الأجنبي فقد أتلف المنافع بدليل أنه يجب عليه الضمان. # وقالوا في الملاح إذا حمل الطعام إلى موضع فرد السفينة إنسان فلا أجر ~~للملاح، وليس عليه أن يعيد السفينة، فإن كان الملاح هو الذي ردها لزمه ~~إعادة الحمل إلى الموضع الذي شرط عليه لما قلنا، وإن كان الموضع الذي رجعت ~~إليه السفينة لا يقدر رب الطعام على قبضه فعلى الملاح أن يسلمه في موضع ~~يقدر رب الطعام على قبضه، ويكون له أجر مثله فيما سار في هذا المسير؛ لأنا ~~لو جوزنا للملاح تسليمه في مكان لا ينتفع به لتلف المال ms2561 على صاحبه. # ولو كلفناه حمله بالأجر إلى أقرب المواضع التي يمكن القبض فيه فقد راعينا ~~الحقين. # قالوا ولو اكترى بغلا إلى موضع يركبه فلما سار إلى بعض الطريق جمح به ~~فرده إلى موضعه الذي خرج منه فعليه الكراء بقدر ما سار؛ لأنه استوفى ذلك ~~القدر من المنافع فلا يسقط عنه الضمان، وقال في الجامع الصغير عن أبي حنيفة ~~في رجل استأجر رجلا يذهب إلى البصرة فيجيء بعياله فذهب فوجد فلانا قد مات ~~فجاء بمن بقي قال: له من الأجر بحسابه، وعن أبي حنيفة في رجل استأجر رجلا ~~يذهب بكتابه إلى البصرة إلى فلان ويجيء بجوابه، فذهب، فوجد فلانا قد مات، ~~فرد الكتاب فلا أجر له، وهو قول أبي يوسف، وقال محمد: له الأجر في الذهاب، ~~أما في المسألة الأولى فلأن مقصوده حمل العيال، فإذا حمل بعضهم دون بعض كان ~~له من الأجر بحساب ما حمل. # وأما في الثانية فوجه قول محمد أن الأجر مقابل بقطع المسافة لا بحمل ~~الكتاب؛ لأنه لا حمل له ولا مؤنة، وقطع المسافة في الذهاب وقع على الوجه ~~المأمور به فيستحق حصته من الأجر، وفي العود لم يقع على الوجه المأمور به ~~فلا يجب به شيء، ولهما أن المقصود من حمل الكتاب إيصاله إلى فلان ولم يوجد ~~فلا يجب شيء، على أن المقصود وإن كان نقل الكتاب لكنه إذا رده فقد نقص تلك ~~المنافع فبطل الأجر، كما لو استأجره ليحمل طعاما إلى البصرة إلى فلان فحمله ~~فوجده قد مات فرده أنه لا أجر له؛ لما قلنا، كذا هذا. # ، وللمستأجر في إجارة الدار وغيرها من العقار أن ينتفع بها كيف شاء ~~بالسكنى، ووضع المتاع، وأن يسكن بنفسه، وبغيره، وأن يسكن غيره بالإجارة، ~~والإعارة. # إلا أنه ليس له أن يجعل فيها حدادا، ولا قصارا، ونحو ذلك مما يوهن البناء ~~لما بينا فيما تقدم، ولو أجرها المستأجر بأكثر من الأجرة الأولى فإن كانت ~~الثانية من خلاف جنس الأولى طابت له الزيادة، وإن كانت من جنس الأولى لا ~~تطيب له ms2562 حتى يزيد في الدار زيادة من بناء أو حفر أو تطيين أو تجصيص. # فإن لم يزد فيه شيئا فلا خير في الفضل ويتصدق به، لكن تجوز الإجارة، أما ~~جواز الإجارة فلا شك فيه؛ لأن الزيادة في عقد لا تعتبر فيه المساواة بين ~~البدل والمبدل لا تمنع صحة العقد، وههنا كذلك، فيصح العقد. # وأما التصدق بالفضل إذا كانت الأجرة الثانية من جنس الأولى فلأن الفضل ~~ربح ما لم يضمن؛ لأن المنافع لا تدخل في ضمان المستأجر، بدليل أنه لو هلك ~~المستأجر فصار بحيث لا يمكن الانتفاع به كان الهلاك على المؤاجر، وكذا لو ~~غصبه غاصب فكانت الزيادة ربح ما لم يضمن، ونهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن ذلك فإن كان هناك زيادة كان الربح في مقابلة الزيادة، فيخرج من ~~أن يكون ربحا، ولو كنس البيت فلا يعتبر ذلك؛ لأنه ليس بزيادة، فلا تطيب به ~~زيادة الأجر، وكذا في إجارة الدابة إذا زاد في الدابة جوالق أو لجاما أو ما ~~أشبه ذلك يطيب له الفضل؛ لما بينا، فإن علفها لا يطيب له؛ لأن الأجرة لا ~~يصير # PageV04P206 # شيء منها مقابلا بالعلف، فلا يطيب له الفضل، ولو استأجر دابة ليركبها ليس ~~له أن يركب غيره، وإن فعل ضمن، وكذا إذا استأجر ثوبا ليلبسه ليس له أن ~~يلبسه غيره، وإن فعل، ضمن؛ لأن الناس متفاوتون في الركوب واللبس، فإن أعطاه ~~غيره فلبسه ذلك اليوم ضمنه إن أصابه شيء؛ لأنه غاصب في إلباسه غيره، وإن لم ~~يصبه شيء فلا أجر له؛ لأن المعقود عليه ما يصير مستوفيا بلبسه، فما يكون ~~مستوفى بلبس غيره لا يكون معقودا عليه، واستيفاء غير المعقود عليه لا يوجب ~~اليد. # ألا يرى أنه لو استأجر ثوبا بعينه ثم غصب منه ثوبا آخر فلبسه لم يلزمه ~~الأجر، فكذلك إذا ألبس ذلك الثوب غيره؛ لأن تعيين اللابس كتعيين الملبوس، ~~فإن قيل هو قد تمكن من استيفاء المعقود عليه وذلك لا يكفي لوجوب الأجر عليه ~~كما لو وضعه في بيته ولم يلبسه، قلنا ms2563 تمكنه من الاستيفاء باعتبار يده، فإذا ~~وضعه في بيته فيده عليه معتبرة؛ ولهذا لو هلك لم يضمن، فأما إذا ألبسه غيره ~~فيده عليه معتبرة حكما، ألا ترى أنه ضامن، وإن هلك من غير اللبس فإن يد ~~اللابس عليه معتبرة حتى يكون لصاحبه أن يضمن غير اللابس، ولا يكون إلا ~~بطريق تفويت يده حكما فلهذا لا يلزمه الأجرة وإن سلم، وإن كان استأجره ~~ليلبس يوما إلى الليل ولم يسم من يلبسه فالعقد فاسد لجهالة المعقود عليه، ~~فإن اللبس يختلف باختلاف اللابس وباختلاف الملبوس، وكما أن ترك التعيين في ~~الملبوس عند العقد يفسد العقد فكذلك ترك تعيين اللابس، وهذه جهالة تفضي إلى ~~المنازعة؛ لأن صاحب الثوب يطالبه بإلباس أرفق الناس في اللبس، وصيانة ~~الملبوس، وهو يأبى أن يلبس إلا أحسن الناس في ذلك، ويحتج كل واحد منهما ~~بمطلق التسمية، ولا تصح التسمية مع فساد العقد، وإن اختصما فيه قبل اللبس ~~فسدت الإجارة، وإن لبسه هو وأعطاه غيره فلبسه إلى الليل فهو جائز، وعليه ~~الأجر استحسانا، والقياس: عليه أجر المثل، وكذلك لو استأجر دابة للركوب ولم ~~يبين من يركبها، أو للعمل ولم يسم من يعمل عليها، فعمل عليها إلى الليل ~~فعليه المسمى استحسانا، وفي القياس: عليه أجر المثل؛ لأنه استوفى المنفعة ~~بحكم عقد فاسد، ووجوب المسمى باعتبار صحة التسمية، ولا تصح التسمية مع فساد ~~العقد، وجه الاستحسان أن المفسد وهو الجهالة التي تفضي إلى المنازعة قد ~~زال، وبانعدام العلة المفسدة ينعدم الفساد، وهذا لأن الجهالة في المعقود ~~عليه، وعقد الإجارة في حق المعقود عليه كالمضاف، وإنما يتجدد انعقادها عند ~~الاستيفاء، ولا جهالة عند ذلك، ووجوب الأجر عند ذلك أيضا فلهذا أوجبنا ~~المسمى وجعلنا التعيين في الانتهاء كالتعيين في الابتداء، ولا ضمان عليه إن ~~ضاع منه؛ لأنه غير مخالف سواء لبس بنفسه أو ألبس غيره، بخلاف الأول فقد عين ~~هناك لبسه عند العقد فيصير مخالفا بإلباس غيره، وإذا استأجر قميصا ليلبسه ~~يوما إلى الليل فوضعه في منزله حتى جاء الليل فعليه الأجر كاملا؛ لأن ms2564 صاحبه ~~مكنه من استيفاء المعقود عليه بتسليم الثوب إليه، وما زاد على ذلك ليس في ~~وسعه، وليس له أن يلبسه بعد ذلك؛ لأن العقد انتهى بمضي المدة، والإذن في ~~اللبس كان بحكم العقد، ولو استأجر دابة ليركبها أو ثوبا ليلبسه لا يجوز له ~~أن يؤاجر غيره للركوب واللبس لما قلنا. # ولو باع المؤاجر الدار المستأجرة بعد ما أجرها من غير عذر ذكر في الأصل ~~أن البيع لا يجوز، وذكر في بعض المواضع أن البيع موقوف، وذكر في بعضها أن ~~البيع باطل، والتوفيق ممكن؛ لأن في معنى قوله: " لا يجوز " أي لا ينفذ، ~~وهذا لا يمنع التوقف. # وقوله: " باطل " أي ليس له حكم ظاهر للحال، وهو تفسير التوقف، والصحيح ~~أنه جائز في حق البائع والمشتري، موقوف في حق المستأجر، حتى إذا انقضت ~~المدة يلزم المشتري البيع، وليس له أن يمتنع من الأخذ، وليس للبائع أن يأخذ ~~المبيع من يد المستأجر من غير إجازة البيع، فإن أجاز؛ جاز، وإن أبى؛ ~~فللمشتري أن يفسخ البيع، ومتى فسخ لا يعود جائزا بعد انقضاء مدة الإجارة. # وهل يملك المستأجر فسخ هذا البيع؟ ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يملك ~~الفسخ، حتى لو فسخ لا ينفسخ حتى إذا مضت مدة الإجارة كان للمشتري أن يأخذ ~~الدار، وروى الطحاوي عن أبي حنيفة ومحمد أن له أن ينقض البيع، وإذا نقضه لا ~~يعود جائزا،. # وروي عن أبي يوسف أنه ليس للمستأجر نقض البيع، والإجارة كالعيب، فإن كان ~~المشتري عالما بها وقت الشراء وقعت الإجارة لازمة، وإن لم يكن عالما بها ~~وقت الشراء فهو بالخيار: إن شاء نقض البيع لأجل العيب وهو الإجارة، وإن شاء ~~أمضاه، وهذا كله مذهب أصحابنا، وقال الشافعي: البيع نافذ من غير إجازة ~~المستأجر، وجه قوله: إن البيع صادف # PageV04P207 # محله؛ لأن الرقبة ملك المؤاجر، وإنما حق المستأجر في المنفعة، ومحل البيع ~~العين، ولا حق للمستأجر فيها ولنا أن البائع غير قادر على تسليمه لتعلق حق ~~المستأجر به، وحق الإنسان يجب صيانته عن الإبطال ما أمكن، ms2565 وأمكن ههنا ~~بالتوقف في حقه، فقلنا بالجواز في حق المشتري، وبالتوقف في حق المستأجر ~~صيانة للحقين ومراعاة للجانبين، وعلى هذا إذا أجر داره ثم أقر بها لإنسان ~~إن إقراره ينفذ في حق نفسه ولا ينفذ في حق المستأجر، بل يتوقف إلى أن تمضي ~~مدة الإجارة، فإذا مضت نفذ الإقرار في حقه أيضا، فيقضى بالدار للمقر له، ~~وهذا بخلاف ما إذا أجر داره من إنسان ثم أجر من غيره إن الإجارة الثانية ~~تكون موقوفة على إجازة المستأجر الأول، فإن أجازها جازت، وإن أبطلها بطلت، ~~وههنا ليس للمستأجر أن يبطل البيع. # ووجه الفرق أن عقد الإجارة يقع على المنفعة إذ هو تمليك المنفعة، ~~والمنافع ملك المستأجر الأول، فتجوز بإجازته، وتبطل بإبطاله، فأما الإقرار ~~فإنما يقع على العين، والعين ملك المؤاجر لكن للمستأجر فيها حق فإذا زال ~~حقه بتقديم المستأجر الأول إذا أجاز الإجارة الثانية حتى نفذت كانت الأجرة ~~له لا لصاحب الدار، وفي البيع يكون الثمن لصاحب الملك. # ووجه الفرق على نحو ما ذكرنا؛ لأن الإجارة وردت على المنفعة وأنها ملك ~~المستأجر الأول، فإذا أجاز كان بدلها له، فأما الثمن فإنه بدل العين والعين ~~ملك المؤاجر فكان بدلها له، وبالإجارة لا ينفسخ عقد المستأجر الأول ما لم ~~تمض مدة الإجارة الثانية، فإذا مضت فإن كانت مدتهما واحدة تنقضي المدتان ~~جميعا، وإن كانت مدة الثانية أقل فللأول أن يسكن حتى تتم المدة، وكذلك لو ~~رهنها المؤاجر قبل انقضاء مدة الإجارة أن العقد جائز فيما بينه وبين ~~المرتهن، موقوف في حق المستأجر لتعلق حقه بالمستأجر، وله أن يحبس حتى تنقضي ~~مدته، وعلى هذا بيع المرهون من الراهن أنه جائز بين البائع والمشتري، موقوف ~~في حق المرتهن، وله أن يحبسه حتى يستوفي ماله، فإذا افتكها الراهن يجب عليه ~~تسليم الدار إلى المشتري كما في الإجارة، إلا أن ههنا إذا أجاز المرتهن ~~البيع حتى جاء وسلم الدار إلى المشتري فالثمن يكون رهنا عند المرتهن قائما ~~مقام الدار؛ لأن حق حبس العين كان ثابتا له ما دامت ms2566 في يده، وبدل العين ~~قائم مقام العين فثبت له حق حبسه، وفرق القدوري بين الرهن والإجارة فقال في ~~الرهن: للمرتهن أن يبطل البيع وليس للمستأجر ذلك؛ لأن حق المستأجر في ~~المنفعة لا في العين، فكان الفسخ منه تصرفا في محل حق الغير فلا يملكه. # وأما حق المرتهن فتعلق بغير المرهون، ألا ترى أنه يصير به مستوفيا للدين ~~فكان الفسخ منه تصرفا في محل حقه فيملك؟ والله - عز وجل - أعلم. # وللأجير أن يعمل بنفسه وأجرائه إذا لم يشترط عليه في العقد أن يعمل بيده؛ ~~لأن العقد وقع على العمل، والإنسان قد يعمل بنفسه وقد يعمل بغيره؛ ولأن عمل ~~أجرائه يقع له فيصير كأنه عمل بنفسه، إلا إذا شرط عليه عمله بنفسه؛ لأن ~~العقد وقع على عمل من شخص معين، والتعيين مفيد؛ لأن العمال متفاوتون في ~~العمل فيتعين فلا يجوز تسليمها من شخص آخر من غير رضا المستأجر، كمن استأجر ~~جملا بعينه للحمل لا يجبر على أخذ غيره، ولو استأجر على الحمل ولم يعين ~~جملا كان للمكاري أن يسلم إليه أي جمل شاء، كذا ههنا. # وتطيين الدار، وإصلاح ميزابها، وما وهى من بنائها على رب الدار دون ~~المستأجر، لأن الدار ملكه وإصلاح الملك على المالك، لكن لا يجبر على ذلك؛ ~~لأن المالك لا يجبر على إصلاح ملكه، وللمستأجر أن يخرج إن لم يعمل المؤاجر ~~ذلك؛ لأنه عيب بالمعقود عليه، والمالك لا يجبر على إزالة العيب عن ملكه، ~~لكن للمستأجر أن لا يرضى بالعيب حتى لو كان استأجر وهي كذلك ورآها فلا خيار ~~له؛ لأنه رضي بالمبيع المعيب، وإصلاح دلو الماء والبالوعة والمخرج على رب ~~الدار ولا يجبر على ذلك وإن كان امتلأ من فعل المستأجر لما قلنا، وقالوا في ~~المستأجر إذا انقضت مدة الإجارة وفي الدار تراب من كنسه فعليه أن يرفعه؛ ~~لأنه حدث بفعله فصار كتراب وضعه فيها، وإن امتلأ خلاها ومجراها من فعله ~~فالقياس أن يكون عليه نقله؛ لأنه حدث بفعله فيلزمه نقله، كالكناسة، ~~والرماد، إلا أنهم استحسنوا وجعلوا نقل ms2567 ذلك على صاحب الدار للعرف والعادة ~~إذ العادة بين الناس أن ما كان مغيبا في الأرض فنقله على صاحب الدار، ~~فحملوا ذلك على العادة فإن أصلح المستأجر شيئا من ذلك # PageV04P208 # لم يحتسب له بما أنفق؛ لأنه أصلح ملك غيره بغير أمره ولا ولاية عليه، ~~فكان متبرعا. # وقبض المستأجر على المؤاجر، حتى لو استأجر دابة ليركبها في حوائجه في ~~المصر وقتا معلوما فمضى الوقت فليس عليه تسليمها إلى صاحبها بأن يمضي بها ~~إليه، وعلى الذي أجرها أن يقبض من منزل المستأجر؛ لأن المستأجر وإن انتفع ~~بالمستأجر لكن هذه المنفعة إنما حصلت له بعوض حصل للمؤجر فبقيت العين أمانة ~~في يده كالوديعة، ولهذا لا يلزمه نفقتها فلم يكن عليه ردها كالوديعة، حتى ~~لو أمسكها أياما فهلكت في يده لم يضمن شيئا سواء طلب منه المؤاجر أم لم ~~يطلب؛ لأنه لم يلزمه الرد إلى بيته بعد الطلب، فلم يكن متعديا في الإمساك ~~فلا يضمن. # كالمودع إذا امتنع عن رد الوديعة إلى بيت المودع حتى هلكت، وهذا بخلاف ~~المستعار أن رده على المستعير؛ لأن نفعه له على الخلوص فكان رده عليه لقوله ~~- صلى الله عليه وسلم - «الخراج بالضمان» ؛ ولهذا كانت نفقته عليه، فكذا ~~مؤنة الرد. # فإن كان استأجرها من موضع مسمى في المصر ذاهبا وجائيا فإن على المستأجر ~~أن يأتي بها إلى ذلك الموضع الذي قبضها فيه، لا لأن الرد واجب عليه بل لأجل ~~المسافة التي تناولها العقد؛ لأن عقد الإجارة لا ينتهي إلا برده إلى ذلك ~~الموضع، فإن حملها إلى منزله فأمسكها حتى عطبت ضمن قيمتها؛ لأنه تعدى في ~~حملها إلى غير موضع العقد، فإن قال المستأجر: " اركبها من هذا الموضع إلى ~~موضع كذا وارجع إلى منزلي " فليس على المستأجر ردها إلى منزل المؤاجر؛ لأنه ~~لما عاد إلى منزله فقد انقضت مدة الإجارة، فبقيت أمانة في يده، ولم يتبرع ~~المالك بالانتفاع بها فلا يلزم ردها كالوديعة. # وليس للظئر أن تأخذ صبيا آخر فترضعه مع الأول، فإن أخذت صبيا آخر فأرضعته ~~مع الأول فقد ms2568 أساءت وأثمت إن كانت قد أضرت بالصبي، ولها الأجر على الأول ~~والآخر، (أما) الإثم فلأنه قد استحق عليها كمال الرضاع، ولما أرضعت صبيين ~~فقد أضرت بأحدهما لنقصان اللبن،. # (وأما) استحقاق الأجرة فلأن الداخل تحت العقد الإرضاع مطلقا وقد وجد. # وللمسترضع أن يستأجر ظئرا آخر لقوله - عز وجل -: {وإن أردتم أن تسترضعوا ~~أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} [البقرة: 233] . # نفى الجناح عن المسترضع مطلقا، فإن أرضعته الأخرى فلها الأجرة أيضا، فإن ~~استأجرت الظئر ظئرا أخرى فأرضعته أو دفعت الصبي إلى جاريتها فأرضعته فلها ~~الأجر استحسانا، والقياس أن لا يكون لها الأجر، وجه القياس أن العقد وقع ~~على عملها فلا تستحق الأجر بعمل غيرها، كمن استأجر أجيرا ليعمل بنفسه فأمر ~~غيره فعمل لم يستحق الأجرة، فكذا هذا، وجه الاستحسان أن إرضاعها قد يكون ~~بنفسها وقد يكون بغيره؛ لأن الإنسان تارة يعمل بنفسه، وتارة بغيره؛ ولأن ~~الثانية لما عملت بأمر الأولى وقع عملها للأولى فصار كأنها عملت بنفسها. # هذا إذا أطلق، فأما إذا قيد ذلك بنفسها ليس لها أن تسترضع أخرى؛ لأن ~~العقد أوجب الإرضاع بنفسها، فإن استأجرت أخرى فأرضعته لا تستحق الأجر كما ~~قلنا في الإجارة على الأعمال، وليس للمسترضع أن يحبس الظئر في منزله إذا لم ~~يشترط ذلك عليها، ولها أن تأخذ الصبي إلى منزلها؛ لأن المكان لم يدخل تحت ~~العقد، وليس على الظئر طعام الصبي ودواؤه؛ لأن ذلك لم يدخل في العقد، وما ~~ذكره في الأصل أن على الظئر ما يعالج به الصبيان من الريحان والدهن فذلك ~~محمول على العادة. # وقد قالوا في توابع العقود التي لا ذكر لها في العقود: إنها تحمل على ~~عادة كل بلد، حتى قالوا فيمن استأجر رجلا يضرب له لبنا: إن الزنبيل والملبن ~~على صاحب اللبن، وهذا على عادتهم. # وقالوا فيمن استأجر على حفر قبر: إن حثي التراب عليه إن كان أهل تلك ~~البلاد يتعاملون به، وتشريج اللبن على اللبان، وإخراج الخبز من التنور على ~~الخباز؛ لأن ذلك من تمام العمل. # وقالوا ms2569 في الخياط: إن السلوك عليه؛ لأن عادتهم جرت بذلك، وقالوا في ~~الدقيق الذي يصلح به الحائك الثوب: إنه على صاحب الثوب، فإن كان أهل بلد ~~تعاملوا بخلاف ذلك فهو على ما يتعاملون، وقالوا في الطباخ إذا استأجر في ~~عرس: إن إخراج المرق عليه ولو طبخ قدرا خاصة ففرغ منها فله الأجر، وليس ~~عليه من إخراج المرق شيء، وهو مبني على العادة يختلف باختلاف العادة، ~~وقالوا فيمن تكارى دابة يحمل عليها حنطة إلى منزله فلما انتهى إليه أراد ~~صاحب الحنطة أن يحمل المكاري ذلك فيدخله منزله وأبى المكاري، قالوا: قال ~~أبو حنيفة: عليه ما يفعله الناس ويتعاملون عليه # PageV04P209 # وإن أراد أن يصعد بها إلى السطح والغرفة فليس عليه ذلك إلا أن يكون ~~اشترطه، ولو كان حمالا على ظهره فعليه إدخال ذلك، وليس عليه أن يصعد به إلى ~~علو البيت إلا أن يشترطه، وإذا تكارى دابة فالإكاف على صاحب الدابة، فأما ~~الحبال والجوالق فعلى ما تعارفه أهل الصنعة، وكذلك اللجام. # وأما السرج فعلى رب الدابة إلا أن تكون سنة البلد بخلاف ذلك فيكون على ~~سنتهم، وعلى هذا مسائل، ولو التقط رجل لقيطا فاستأجر له ظئرا فالأجرة عليه ~~وهو متطوع في ذلك، أما لزوم الأجرة إياه فلأنه التزم ذلك فيلزمه، وأما كونه ~~متطوعا فيه فلأنه لا ولاية له على اللقيط فلا يملك إيجاب الدين في ذمته، ~~ورضاعه على بيت المال؛ لأن ميراثه لبيت المال. # وأما الثاني وهو الذي يرجع إلى صفة المستأجر والمستأجر فيه فالكلام فيه ~~في موضعين: أحدهما: في بيان صفة المستأجر والمستأجر فيه، والثاني في بيان ~~ما يغير تلك الصفة. # أما الأول فنقول - وبالله التوفيق -: لا خلاف في أن المستأجر أمانة في يد ~~المستأجر كالدار، والدابة، وعبد الخدمة، ونحو ذلك، حتى لو هلك في يده بغير ~~صنعه لا ضمان عليه؛ لأن قبض الإجارة قبض مأذون فيه، فلا يكون مضمونا كقبض ~~الوديعة والعارية. # وسواء كانت الإجارة صحيحة أو فاسدة لما قلنا. # وأما المستأجر فيه كثوب القصارة، والصباغة، والخياطة، والمتاع المحمول في ~~السفينة، ms2570 أو على الدابة، أو على الجمال، ونحو ذلك، فالأجير لا يخلو إما إن ~~كان مشتركا أو خاصا وهو المسمى أجير الوحد، فإن كان مشتركا فهو أمانة في ~~يده، في قول أبي حنيفة، وزفر، والحسن بن زياد، وهو أحد قولي الشافعي، وقال ~~أبو يوسف ومحمد: هو مضمون عليه إلا حرق غالب أو غرق غالب أو لصوص مكابرين، ~~ولو احترق بيت الأجير المشترك بسراج؛ يضمن الأجير كذا روي عن محمد؛ لأن هذا ~~ليس بحريق غالب، وهو الذي يقدر على استدراكه لو علم به؛ لأنه لو علم به ~~لأطفأه فلم يكن موضع العذر، وهو استحسان، ثم إن هلك قبل العمل يضمن قيمته ~~غير معمول ولا أجر له، وإن هلك بعد العمل فصاحبه بالخيار: إن شاء ضمنه ~~قيمته معمولا، وأعطاه الأجر بحسابه، وإن شاء ضمنه قيمته غير معمول ولا أجر ~~له، واحتجا بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «على ~~اليد ما أخذت حتى ترده» ، وقد عجز عن رد عينه بالهلاك فيجب رد قيمته قائما ~~مقامه. # وروي أن عمر - رضي الله عنه - كان يضمن الأجير المشترك # احتياطا # لأموال الناس، وهو المعنى في المسألة، وهو أن هؤلاء الأجراء الذين يسلم ~~المال إليهم من غير شهود تخاف الخيانة منهم، فلو علموا أنهم لا يضمنون؛ ~~لهلكت أموال الناس؛ لأنهم لا يعجزون عن دعوى الهلاك، وهذا المعنى لا يوجد ~~في الحرق الغالب، والغرق الغالب، والسرق الغالب. # ولأبي حنيفة أن الأصل أن لا يجب الضمان إلا على المتعدي لقوله عز وجل: ~~{فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: 193] ، ولم يوجد التعدي من الأجير؛ ~~لأنه مأذون في القبض، والهلاك ليس من صنعه فلا يجب الضمان عليه؛ ولهذا لا ~~يجب الضمان على المودع، والحديث لا يتناول الإجارة؛ لأن الرد في باب ~~الإجارة لا يجب على المستأجر فكان المراد منه الإعارة والغصب، وفعل عمر - ~~رضي الله عنه - يحتمل أنه كان في بعض الأجراء، وهو المتهم بالخيانة، وبه ~~نقول ثم عندهما إنما يجب الضمان على الأجير إذا هلك في يده؛ ms2571 لأن العين إنما ~~تدخل في الضمان عندهما بالقبض كالعين المغصوبة، فما لم يوجد القبض لا يجب ~~الضمان، حتى لو كان صاحب المتاع معه راكبا في السفينة أو راكبا على الدابة ~~التي عليها الحمل فعطب الحمل من غير صنع الأجير لا ضمان عليه؛ لأن المتاع ~~في يد صاحبه، وكذلك إذا كان صاحب المتاع، والمكاري راكبين على الدابة أو ~~سائقين أو قائدين؛ لأن المتاع في أيديهما، فلم ينفرد الأجير باليد، فلا ~~يلزمه ضمان اليد، وروى بشر عن أبي يوسف أنه إن سرق المتاع من رأس الحمال، ~~وصاحب المتاع يمشي معه لا ضمان عليه؛ لأن المتاع لم يصر في يده، حيث لم يخل ~~صاحب المتاع بينه وبين المتاع، وقالوا في الطعام إذا كان في سفينتين وصاحبه ~~في إحداهما، وهما مقرونتان أو غير مقرونتين إلا أن سيرهما جميعا وحبسهما ~~جميعا فلا ضمان على الملاح فيما هلك من يده؛ لأنه هلك في يد صاحبه، وكذلك ~~القطار إذا كان عليه حمولة، ورب الحمولة على بعير فلا ضمان على الجمال؛ لأن ~~المتاع في يد صاحبه؛ لأنه هو الحافظ له، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف في رجل ~~استأجر حمالا ليحمل عليه زقا من سمن فحمله صاحب الزق والحمال جميعا ليضعاه ~~على رأس الحمال فانخرق الزق، وذهب ما فيه قال أبو يوسف: لا يضمن الحمال؛ ~~لأنه لم يسلم إلى # PageV04P210 # الحمال بل هو في يده قال: وإن حمله إلى بيت صاحبه ثم أنزله الحمال من ~~رأسه وصاحب الزق فوقع من أيديهما فالحمال ضامن، وهو قول محمد الأول، ثم رجع ~~وقال: لا ضمان عليه لأبي يوسف أن المحمول داخل في ضمان الحمالة بثبوت يده ~~عليه فلا يبرأ إلا بالتسليم إلى صاحبه، فإذا أخطئوا جميعا فيد الحمال لم ~~تزل فلا يزول الضمان، ولمحمد أن الشيء قد وصل إلى صاحبه بإنزاله فخرج من أن ~~يكون مضمونا، كما لو حملاه ابتداء إلى رأس الحمال فهلك، وروى هشام عن محمد ~~فيمن دفع إلى رجل مصحفا يعمل فيه، ودفع الغلاف معه، أو دفع سيفا إلى ms2572 صيقل ~~يصقله بأجر، ودفع الجفن معه فضاعا، قال محمد: يضمن المصحف، والغلاف، والسيف ~~والجفن؛ لأن المصحف لا يستغني عن الغلاف، والسيف لا يستغني عن الجفن، فصار ~~كشيء واحد، قال: فإن أعطاه مصحفا يعمل له غلافا أو سكينا يعمل له نصالا ~~فضاع المصحف أو ضاع السكين لم يضمن؛ لأنه لم يستأجره على أن يعمل فيهما بل ~~في غيرهما، ولو اختلف الأجير، وصاحب الثوب فقال الأجير: رددت، وأنكر صاحبه ~~فالقول قول الأجير في قول أبي حنيفة؛ لأنه أمين عنده في القبض، والقول قول ~~الأمين مع اليمين، ولكن لا يصدق في دعوى الأجر، وعندهما: القول قول صاحب ~~الثوب؛ لأن الثوب قد دخل في ضمانه عندهما فلا يصدق على الرد إلا ببينة، وإن ~~كان الأجير خاصا فما في يده يكون أمانة في قولهم جميعا، حتى لو هلك في يده ~~بغير صنعه لا يضمن، أما على أصل أبي حنيفة فلأنه لم يوجد منه صنع يصلح سببا ~~لوجوب الضمان؛ لأن القبض حصل بإذن المالك. # وأما على أصلهما فلأن وجوب الضمان في الأجير المشترك ثبت استحسانا صيانة ~~لأموال الناس، ولا حاجة إلى ذلك في الأجير الخالص؛ لأن الغالب أنه يسلم ~~نفسه، ولا يتسلم المال فلا يمكنه الخيانة، والله - عز وجل - أعلم. # وأما الثاني وهو بيان ما يغيره من صفة الأمانة إلى الضمان فالمغير له ~~أشياء منها: ترك الحفظ؛ لأن الأجير لما قبض المستأجر فيه فقد التزم حفظه، ~~وترك الحفظ الملتزم سبب لوجوب الضمان، كالمودع إذا ترك حفظ الوديعة حتى ~~ضاعت على ما نذكره في كتاب الوديعة إن شاء الله تعالى. # ومنها الإتلاف والإفساد إذا كان الأجير متعديا فيه بأن تعمد ذلك أو عنف ~~في الدق، سواء كان مشتركا أو خاصا، وإن لم يكن متعديا في الإفساد بأن أفسد ~~الثوب خطأ بعمله من غير قصده فإن كان الأجير خاصا لم يضمن بالإجماع، وإن ~~كان مشتركا كالقصار إذا دق الثوب فتخرق، أو ألقاه في النورة فاحترق، أو ~~الملاح غرقت السفينة من عمله، ونحو ذلك فإنه يضمن في قول أصحابنا ms2573 الثلاثة، ~~وقال زفر: لا يضمن، وهو أحد قولي الشافعي، وجه قول زفر إن الفساد حصل بعمل ~~مأذون فيه فلا يجب الضمان كالأجير الخاص، والمعين، والدليل على أنه حصل ~~بعمل مأذون فيه أنه حصل بالدق، والدق مأذون فيه، ولئن لم يكن مأذونا فيه ~~لكن لا يمكنه التحرز عن هذا النوع من الفساد؛ لأنه ليس في وسعه الدق المصلح ~~فأشبه الحجام والبزاغ، ولئن كان ذلك في وسعه لكنه لا يمكنه تحصيله إلا ~~بحرج، والحرج منفي فكان ملحقا بما ليس في الوسع، ولنا أن المأذون فيه الدق ~~المصلح لا المفسد؛ لأن العاقل لا يرضى بإفساد ماله، ولا يلتزم الأجرة ~~بمقابلة ذلك فيتقيد الأمر بالمصلح دلالة، وقوله: لا يمكنه " التحرز عن ~~الفساد " ممنوع، بل في وسعه ذلك بالاجتهاد في ذلك، وهو بذل المجهود في ~~النظر في آلة الدق ومحله، وإرسال المدقة على المحل على قدر ما يحتمله مع ~~الحذاقة في العمل، والمهارة في الصنعة، وعند مراعاة هذه الشرائط لا يحصل ~~الفساد، فلما حصل دل أنه قصر كما نقول في الاجتهاد في أمور الدين، إلا أن ~~الخطأ في حقوق العباد ليس بعذر حتى يؤاخذ الخاطئ والناسي بالضمان، وقوله: " ~~لا يمكنه التحرز عن الفساد إلا بحرج " مسلم لكن الحرج إنما يؤثر في حقوق ~~الله - عز وجل - بالإسقاط لا في حقوق العباد، وبهذا فارق الحجام والبزاغ؛ ~~لأن السلامة والسراية هناك مبنية على قوة الطبيعة، وضعفها، ولا يوقف على ~~ذلك بالاجتهاد، فلم يكن في وسعه الاحتراز عن السراية، فلا يتقيد العقد بشرط ~~السلامة. # وأما الأجير الخاص فهناك وإن وقع عمله إفسادا حقيقة إلا أن عمله يلتحق ~~بالعدم شرعا؛ لأنه لا يستحق الأجرة بعمله بل بتسليم نفسه إليه في المدة، ~~فكأنه لم يعمل، وعلى هذا الخلاف الحمال إذا زلقت رجله في الطريق أو عثر ~~فسقط وفسد حمله، ولو زحمه الناس حتى فسد لم يضمن بالإجماع؛ لأنه لا يمكنه ~~حفظ نفسه عن ذلك فكان بمعنى الحرق الغالب، والغرق الغالب، ولو كان الحمال ~~هو الذي زاحم الناس # PageV04P211 # حتى انكسر يضمن عند ms2574 أصحابنا الثلاثة، وكذلك الراعي المشترك إذا ساق ~~الدواب على السرعة فازدحمن على القنطرة أو على الشط فدفع بعضها بعضا فسقط ~~في الماء فعطب فعلى هذا الخلاف، ولو تلفت دابة بسوقه أو ضربه إياها فإن ساق ~~سوقا معتادا أو ضرب ضربا معتادا فعطبت فهو على الاختلاف، وإن ساق أو ضرب ~~سوقا، وضربا بخلاف العادة يضمن بلا خلاف؛ لأن ذلك إتلاف على طريق التعدي، ~~ثم إذا تخرق الثوب من عمل الأجير حتى ضمن لا يستحق الأجرة؛ لأنه ما أوفى ~~المنفعة بل المضرة؛ لأن إيفاء المنفعة بالعمل المصلح دون المفسد، وفي ~~الحمال إذا وجب ضمان المتاع المحمول فصاحبه بالخيار: إن شاء ضمنه قيمته في ~~الموضع الذي سلمه إليه، وإن شاء في الموضع الذي فسد أو هلك، وأعطاه الأجر ~~إلى ذلك الموضع. # وروي عن أبي حنيفة أنه لا خيار له بل يضمنه قيمته محمولا في الموضع الذي ~~فسد أو هلك، أما التخيير على أصل أبي يوسف ومحمد فظاهر؛ لأنه وجد جهتا ~~الضمان: القبض والإتلاف، فكان له أن يضمنه بالقبض يوم القبض، وله أن يضمنه ~~بالإتلاف يوم الإتلاف، أما على أصل أبي حنيفة ففيه إشكال؛ لأن عنده الضمان ~~يجب بالإتلاف لا بالقبض فكان لوجوب الضمان سبب واحد، وهو الإتلاف، فيجب أن ~~تعتبر قيمة يوم الإتلاف، ولا خيار له فيما يروى عنه، والجواب عنه من وجهين: ~~أحدهما: أنه وجد ههنا سببان لوجوب الضمان: أحدهما: الإتلاف، والثاني: ~~العقد؛ لأن الأجير بالعقد السابق التزم الوفاء بالمعقود عليه وذلك بالعمل ~~المصلح وقد خالف، والخلاف من أسباب وجوب الضمان فثبت له الخيار: إن شاء ~~ضمنه بالعقد، وإن شاء بالإتلاف والثاني أنه لما لم يوجد منه إيفاء المنفعة ~~في القدر التالف فقد تفرقت عليه الصفقة في المنافع فيثبت له الخيار: إن شاء ~~رضي بتفريقها، وإن شاء فسخ العقد، ولا يكون ذلك إلا بالتخيير، ولو كان ~~المستأجر على حمله عبيدا صغارا أو كبارا فلا ضمان على المكاري فيما عطب من ~~سوقه، ولا قوده، ولا يضمن بنو آدم من وجه الإجارة، ولا يشبه ms2575 هذا المتاع؛ ~~لأن ضمان بني آدم ضمان جناية، وضمان الجناية لا يجب بالعقد، دلت هذه ~~المسألة على أن ما يضمنه الأجير المشترك يضمنه بالعقد لا بالإفساد، ~~والإتلاف؛ لأن ذلك يستوي فيه المتاع والآدمي، وأن وجوب الضمان فيه بالخلاف ~~لا بالإتلاف، وذكر بشر في نوادره عن أبي يوسف في القصار إذا استعان بصاحب ~~الثوب ليدق معه فتخرق، ولا يدرى من أي الدق تخرق وقد كان صحيحا قبل أن ~~يدقاه، قال: على القصار نصف القيمة، وقال ابن سماعة عن محمد: إن الضمان كله ~~على القصار حتى يعلم أنه تخرق من دق صاحبه أو من دقهما، فمحمد مر على ~~أصلهما أن الثوب دخل في ضمان القصار بالقبض بيقين فلا يخرج عن ضمانه إلا ~~بيقين مثله، وهو أن يعلم أن التخرق حصل بفعل غيره، ولأبي يوسف أن الفساد ~~احتمل أن يكون من فعل القصار، واحتمل أنه من فعل صاحب الثوب، فيجب الضمان ~~على القصار في حال، ولا يجب في حال فلزم اعتبار الأحوال فيه، فيجب نصف ~~القيمة، وقالوا في تلميذ الأجير المشترك إذا، وطئ ثوبا من القصارة فخرقه ~~يضمن؛ لأن وطء الثوب غير مأذون فيه ولو، وقع من يده سراج فأحرق ثوبا من ~~القصارة فالضمان على الأستاذ، ولا ضمان على التلميذ؛ لأن الذهاب، والمجيء ~~بالسراج عمل مأذون فيه فينتقل عمله إلى الأستاذ كأنه فعله بنفسه، فيجب ~~الضمان عليه، ولو دق الغلام فانقلب الكودين من غير يده فخرق ثوبا من ~~القصارة فالضمان على الأستاذ؛ لأن هذا من عمل القصارة فكان مضافا إلى ~~الأستاذ، فإن كان ثوبا وديعة عند الأستاذ فالضمان على الغلام؛ لأن عمله ~~إنما يضاف إلى الأستاذ فيما يملك تسليطه عليه واستعماله فيه، وهو إنما يملك ~~ذلك في ثياب القصارة لا في ثوب الوديعة، فبقي مضافا إليه، فيجب عليه الضمان ~~كالأجنبي، وكذلك لو وقع من يده سراج على ثوب الوديعة فأحرقه فالضمان على ~~الغلام لما قلنا، وذكر في الأصل لو أن رجلا دعا قوما إلى منزله فمشوا على ~~بساطه فتخرق لم يضمنوا، وكذلك لو ms2576 جلسوا على وسادة؛ لأنه مأذون في المشي على ~~البساط والجلوس على الوسادة، فالمتولد منه لا يكون مضمونا، ولو وطئوا آنية ~~من الأواني ضمنوا؛ لأن هذا مما لا يؤذن في وطئه، فكذلك إذا وطئوا ثوبا لا ~~يبسط مثله، ولو قلبوا إناء بأيديهم فانكسر لم يضمنوا؛ لأن ذلك عمل مأذون ~~فيه، ولو كان رجل منهم مقلدا سيفا فخرق السيف الوسادة لم يضمن؛ لأنه مأذون ~~في الجلوس على هذه الصفة، ولو جفف القصار ثوبا على حبل في الطريق فمرت عليه ~~حمولة فخرقته فلا ضمان # PageV04P212 # على القصار، والضمان على سائق الحمولة؛ لأن الجناية من السائق؛ لأن المشي ~~في الطريق مقيد بالسلامة، فكان التلف مضافا إليه، فكان الضمان عليه. # ولو تكارى رجل دابة ليركبها فضربها فعطبت أو كبحها باللجام فعطبها ذلك ~~فإنه ضامن، إلا أن يأذن له صاحب الدابة في ذلك عند أبي حنيفة، وقال أبو ~~يوسف ومحمد: نستحسن أن لا نضمنه إذا لم يتعد في الضرب المعتاد، والكبح ~~المعتاد، وجه قولهما إن ضرب الدابة وكبحها معتاد متعارف، والمعتاد ~~كالمشروط، ولو شرط ذلك لا يضمن، كذا هذا. # ولأبي حنيفة أن كل واحد منهما من الضرب والكبح مأذون فيه؛ لأن العقد لا ~~يوجب الإذن بذلك لإمكان استيفاء المنافع بدونه، فصار كما لو كان ذلك من ~~أجنبي، على أنا إن سلمنا أنه مأذون فيه لكنه مقيد بشرط السلامة؛ لأنه يفعله ~~لمنفعة نفسه مع كونه مخيرا فيه فأشبه ضربه لزوجته، ودعوى العرف في غير ~~الدابة المملوكة ممنوعة، على أن كونه مأذونا فيه لا يمنع وجوب الضمان إذا ~~كان بشرط السلامة على ما ذكرنا، والله - عز وجل - أعلم. # ومنها الخلاف، وهو سبب لوجوب الضمان إذا وقع غصبا؛ لأن الغصب سبب لوجوب ~~الضمان، وجملة الكلام فيه أن الخلاف قد يكون في الجنس، وقد يكون في القدر، ~~وقد يكون في الصفة، وقد يكون في المكان، وقد يكون في الزمان. # والخلاف من هذه الوجوه قد يكون في استئجار الدواب، وقد يكون في استئجار ~~الصناع كالحائك، والصباغ، والخياط خلا المكان. # أما استئجار الدواب ms2577 فالمعتبر في الخلاف فيه في الجنس والقدر، والصفة في ~~استئجار الدواب ضرر الدابة، فإن كان الخلاف فيه في الجنس ينظر: إن كان ضرر ~~الدابة فيه بالخفة والثقل يعتبر الخلاف فيه من جهة الخفة والثقل، فإن كان ~~الضرر في الثاني أكثر يضمن كل القيمة إذا عطبت الدابة؛ لأنه يصير غاصبا ~~لكلها، وإن كان الضرر في الثاني مثل الضرر في الأول أو أقل لا يضمن عندنا؛ ~~لأن الإذن بالشيء إذن بما هو مثله أو دونه فكان مأذونا بالانتفاع به من هذه ~~الجهة دلالة، فلا يضمن وإن كان ضرر الدابة فيه لا من حيث الخفة والثقل بل ~~من وجه آخر لا يعتبر فيه الخلاف من حيث الخفة، والثقل، وإنما يعتبر من ذلك ~~الوجه؛ لأن ضرر الدابة من ذلك الوجه، وإن كان الخلاف في القدر، والضرر فيه ~~من حيث الخفة والثقل يعتبر الخلاف في ذلك القدر، ويجب الضمان بقدره؛ لأن ~~الغصب يتحقق بذلك القدر، وإن كان الضرر فيه من جهة أخرى تعتبر تلك الجهة في ~~الضمان لا الخفة، والثقل، وإن كان الخلاف في الصفة، وضرر الدابة ينشأ منها ~~يعتبر الخلاف فيها، ويبنى الضمان عليها. # وبيان هذه الجملة في مسائل: إذا استأجر دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم ~~شعير فحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة فعطبت يضمن قيمتها؛ لأن الحنطة أثقل من ~~الشعير وليس من جنسه، فلم يكن مأذونا فيه أصلا، فصار غاصبا كل الدابة ~~متعديا عليها فيضمن كل قيمتها، ولا أجر عليه؛ لأن الأجر مع الضمان لا ~~يجتمعان؛ لأن وجوب الضمان لصيرورته غاصبا، ولا أجرة على الغاصب على أصلنا، ~~ولأن المضمونات تملك على أصل أصحابنا، وذا يمنع وجوب الأجرة عليه. # ولو استأجرها ليحمل عليها حنطة فحمل عليها مكيلا آخر ثقله كثقل الحنطة ~~وضرره كضررها فعطبت لا يضمن، وكذلك من استأجر أرضا ليزرع فيها نوعا سماه ~~فزرع غيره وهما متساويان في الضرر بالأرض، وكذلك إن استأجرها ليحمل عليها ~~قفيزا من حنطة فحمل عليها قفيزا من شعير. # وكذا إذا استأجر أرضا ليزرع فيها نوعا آخر ضرره أقل من ms2578 ضرر المسمى، وهذا ~~كله استحسان، وهو قول أصحابنا الثلاثة، والقياس أن يضمن، وهو قول زفر؛ لأن ~~الخلاف قد تحقق فتحقق الغصب، ولنا أن الخلاف إلى مثله أو إلى ما هو دونه في ~~الضرر لا يكون خلافا معنى؛ لأن رضا الثاني إذا كان مثله في الضرر كان الرضا ~~بالأول رضا بالثاني، وإذا كان دونه في الضرر فإذا رضي بالأول كان بالثاني ~~أرضى فصار كما لو استأجرها ليحمل عليها حنطة نفسه فحمل عليها حنطة غيره، ~~وهما متساويان في الكيل، أو ليحمل عليها عشرة فحمل عليها تسعة أنه لا يصير ~~مخالفا، كذا هذا. # ، ولو استأجرها ليحمل عليها عشرة أقفزة حنطة فحمل عليها أحد عشر فإن سلمت ~~فعليه ما سمى من الأجرة، ولا ضمان عليه. # وإن عطبت ضمن جزءا من أحد عشر جزءا من قيمة الدابة، وهو قول عامة ~~العلماء. # وقال زفر وابن أبي ليلى: يضمن قيمة كل الدابة؛ لأن التلف حصل بالزيادة ~~فكانت الزيادة علة التلف، ولنا أن تلف الدابة حصل بالثقل، والثقل بعضه ~~مأذون فيه، وبعضه غير مأذون فيه، فيقسم التلف أحد عشر # PageV04P213 # جزءا فيضمن بقدر ذلك، ونظير هذا ما قال أصحابنا في حائط بين شريكين ~~أثلاثا مال إلى الطريق فأشهد على أحدهما دون الآخر فسقط الحائط على رجل ~~فقتله فعلى الذي أشهد عليه قدر نصيبه؛ لأنه مات من ثقل الحائط، وثقل الحائط ~~أثلاث، كذا هذا، وعليه الأجر؛ لأنه استوفى المعقود عليه، وهو حمل عشرة ~~مخاتيم، وإنما خالف في الزيادة، وأنها استوفيت من غير عقد فلا أجر لها، ~~وكذا لو استأجر سفينة ليطرح فيها عشرة أكرار فطرح فيها أحد عشر فغرقت ~~السفينة أنه يجب الضمان بقدر الزيادة عند عامة العلماء، وعند زفر وابن أبي ~~ليلى يضمن قيمة كل السفينة؛ لأن التلف حصل بقدر الزيادة فهي علة التلف. # ألا ترى أنه لو لم يزد لما حصل التلف؟ والجواب أن هذا ممنوع بل التلف حصل ~~بالكل، ألا ترى أن الكر الزائد لو انفرد لما حصل به التلف؟ فثبت أن التلف ~~حصل بالكل، والبعض مأذون ms2579 فيه، والبعض غير مأذون فيه فما هلك بما هو مأذون ~~فيه لا ضمان عليه فيه، وما هلك بما هو غير مأذون فيه ففيه الضمان، وصار ~~كمسألة الحائط. # ولو استأجر دابة ليحمل عليها مائة رطل من قطن فحمل عليها مثل وزنه حديدا ~~أو أقل من وزنه فعطبت الدابة لا يضمن قيمتها؛ لأن ضرر الدابة ههنا ليس ~~للثقل بل للانبساط والاجتماع؛ لأن القطن ينبسط على ظهر الدابة والحديد ~~يجتمع في موضع واحد فيكون أنكى لظهر الدابة، وأعقر لها فلم يكن مأذونا فيه ~~فصار غاصبا فيضمن، ولا أجرة عليه لما قلنا، وكذلك إذا استأجرها ليحملها ~~حنطة فحمل عليها حطبا أو خشبا أو آجرا أو حديدا أو حجارة أو نحو ذلك مما ~~يكون أنكى لظهر الدابة أو أعقر له حتى عطبت يضمن كل القيمة، ولا أجر عليه ~~لما قلنا. # ولو استأجرها ليركبها فحمل عليها، أو استأجرها ليحمل عليها فركبها حتى ~~عطبت ضمن؛ لأن الجنس قد اختلف، وقد يكون الضرر في أحدهما أكثر، ولو ~~استأجرها ليركبها فأركبها من هو مثله في الثقل أو أخف منه ضمن؛ لأن الخلاف ~~ههنا ليس من جهة الخفة والثقل بل من حيث الحزق والعلم، فإن خفيف البدن إذا ~~لم يحسن الركوب يضر بالدابة، والثقيل الذي يحسن الركوب لا يضر بها، فإذا ~~عطبت علم أن التلف حصل من حزقه بالركوب فضمن، ولا أجر عليه لما قلنا. # ولو استأجر دابة ليركبها بنفسه فأركب معه غيره فعطبت فهو ضامن لنصف ~~قيمتها، ولا يعتبر الثقل ههنا؛ لأن تلف الدابة ليس من ثقل الراكب بل من قلة ~~معرفته بالركوب، فصار تلفها بركوبها بمنزلة تلفها بجراحتها، وركوب أحدهما ~~مأذون فيه، وركوب الآخر غير مأذون فيه فيضمن نصف قيمتها، وصار كحائط بين ~~شريكين أثلاثا أشهد على أحدهما فوقعت منه آجرة فقتلت رجلا فعلى الذي أشهد ~~عليه نصف ديته، وإن كان نصيبه من الحائط أقل من النصف؛ لأن التلف ما حصل ~~بالثقل بل بالجرح، والجراحة اليسيرة كالكثيرة في حكم الضمان كمن جرح إنسانا ~~جراحة، وجرحه آخر جراحتين فمات ms2580 من ذلك كان الضمان عليهما نصفين، كذا ههنا، ~~وعليه الأجرة؛ لأنه استوفى المعقود عليه، وزيادة على ذلك، وهو إركاب الغير، ~~غير أن الزيادة استوفيت من غير عقد فلا يجب بها الأجر، هذا إذا كانت الدابة ~~تطيق اثنين فإن كانت لا تطيقهما فعليه جميع قيمتها؛ لأنه أتلفها بإركاب ~~غيره. # ولو استأجر حمارا بإكاف فنزعه منه وأسرجه فعطب فلا ضمان عليه؛ لأن ضرر ~~السرج أقل من ضرر الإكاف؛ لأنه يأخذ من ظهر الدابة أقل مما يأخذ الإكاف. # ولو استأجر حمارا بسرج فنزع منه السرج، وأوكفه فعطب ذكر في الأصل أنه ~~يضمن قدر ما زاد الإكاف على السرج، ولم يذكر الاختلاف، وذكر في الجامع ~~الصغير أنه يضمن كل القيمة في قول أبي حنيفة، وفي قولهما يضمن بحساب ~~الزيادة. # وجه قولهما أن الإكاف والسرج كل واحد منهما يركب به عادة، وإنما يختلفان ~~بالثقل، والخفة؛ لأن الإكاف أثقل فيضمن بقدر الثقل كما لو استأجره بسرج ~~فنزعه وأسرجه بسرج آخر أثقل من الأول فعطب أنه يضمن بقدر الزيادة، كذا هذا. # ولأبي حنيفة أن الإكاف لا يخالف السرج في الثقل، وإنما يخالفه من وجه ~~آخر، وهو أنه يأخذ من ظهر الدابة أكثر مما يأخذ السرج ولأن الدابة التي لم ~~تألف الإكاف يضر بها الإكاف، والخلاف إذا لم يكن للثقل يجب به جميع الضمان ~~كما إذا حمل مكان القطن الحديد، ونحو ذلك، بخلاف ما إذا بدل السرج بسرج ~~أثقل منه، والإكاف بإكاف أثقل منه؛ لأن التفاوت هناك من ناحية الثقل فيضمن ~~بقدر الزيادة كما في الزيادة على المقدرات من جنسها على ما مر، ولو استأجر ~~حمارا عاريا فأسرجه ثم ركب # PageV04P214 # فعطب كان ضامنا؛ لأن السرج أثقل على الدابة، وقيل: هذا إذا استأجره ~~ليركبه في المصر، وهو من غرض الناس ممن يركب في المصر بغير سرج، فأما إذا ~~استأجره ليركبه خارج المصر أو هو من ذوي الهيئات لا يضمن؛ لأن الحمار لا ~~يركب من بلد إلى بلد بغير سرج، ولا إكاف، وكذا ذو الهيئة فكان الإسراج ~~مأذونا فيه دلالة ms2581 فلا يضمن، وإن استأجر حمارا بسرج فأسرجه بغيره فإن كان ~~سرجا يسرج بمثله الحمر فلا ضمان عليه، وإن كان لا يسرج بمثله الحمر فهو ~~ضامن؛ لأن الثاني إذا كان مما يسرج به الحمر لا يتفاوتان في الضرر فكان ~~الإذن بأحدهما إذنا بالآخر دلالة، وإذا كان لا يسرج بمثله الحمر بأن كان ~~سرجا كبيرا كسروج البراذين كان ضرره أكثر، فكان إتلافا للدابة فيضمن، وكذلك ~~إن لم يكن عليه لجام فألجمه فلا ضمان عليه إذا كان مثله يلجم بمثل ذلك ~~اللجام، وكذلك إن أبدله؛ لأن الحمار لا يتلف بأصل اللجام فإذا كان الحمار ~~قد يلجم بمثله أو أبدله بمثله لم يوجد منه الإتلاف، ولا الخلاف فلا يضمن. # وأما الخلاف في المكان فنحو أن يستأجر دابة للركوب أو للحمل إلى مكان ~~معلوم فجاوز ذلك المكان، وحكمه أنه كما جاوز المكان المعلوم دخل المستأجر ~~في ضمانه حتى لو عطب قبل العود إلى المكان المأذون فيه يضمن كل القيمة. # ولو عاد إلى المكان المأذون فيه هل يبرأ عن الضمان؟ كان أبو حنيفة أولا ~~يقول: يبرأ كالمودع إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق وهو قول زفر، وعيسى بن أبان ~~من أصحابنا، ثم رجع، وقال: لا يبرأ حتى يسلمها إلى صاحبها سليمة وكذلك ~~العارية بخلاف الوديعة. # وجه قوله الأول أن الشيء أمانة في يده ألا ترى أنه لو هلك في يده قبل ~~الخلاف لا ضمان عليه، فكانت يده يد المالك، فالهلاك في يده كالهلاك في يد ~~المالك، فأشبه الوديعة؛ ولهذا لو هلك في يده ثم استحق بعد الهلاك، وضمنه ~~المستحق يرجع على المؤاجر كالمودع سواء، بخلاف المستعير فإنه لا يرجع. # (وجه) قوله الآخر إن يد المستأجر يد نفسه؛ لأنه قبض الشيء لمنفعة نفسه ~~فكانت يده يد نفسه لا يد المؤاجر، وكذا يد المستعير لما قلنا، وإذا كانت ~~يده يد نفسه فإذا ضمن بالتعدي لا يبرأ من ضمانه إلا برده إلى صاحبه؛ لأنه ~~لا تكون الإعادة إلى المكان المأذون فيه ردا إلى يد نائب المالك فلا يبرأ ~~من ms2582 الضمان، بخلاف الوديعة؛ لأن يد المودع يد المالك لا يد نفسه ألا ترى أنه ~~لا ينتفع الوديعة فكان العود إلى الوفاق ردا إلى يد نائب المالك فكان ردا ~~إلى المالك معنى فهو الفرق. # وأما الرجوع على المؤاجر بالضمان فليس ذلك لكون يده يد المؤاجر، بل لأنه ~~صار مغرورا من جهته كالمشتري إذا استحق المبيع من يده أنه يرجع على البائع ~~بسبب الغرور، كذا هذا، ولو استأجرها ليركبها إلى مكان عينه فركبها إلى مكان ~~آخر يضمن إذا هلكت، وإن كان الثاني أقرب من الأول؛ لأنه صار مخالفا لاختلاف ~~الطرق إلى الأماكن فكان بمنزلة اختلاف الجنس، ولا أجرة عليه لما قلنا، ولو ~~ركبها إلى ذلك المكان الذي عينه لكن من طريق آخر ينظر: إن كان الناس يسلكون ~~ذلك الطريق لا يضمن؛ لأنه لم يصر مخالفا، وإن كانوا لا يسلكونه يضمن إذا ~~هلكت لصيرورته مخالفا غاصبا بسلوكه، وإن لم تهلك، وبلغ الموضع المعلوم ثم ~~رجع، وسلم الدابة إلى صاحبها فعليه الأجر، ولو استأجرها ليركبها أو ليحمل ~~عليها إلى مكان معلوم فذهب بها، ولم يركبها، ولم يحمل عليها شيئا فعليه ~~الأجر؛ لأنه سلم المنافع إليه بتسليم محلها إلى المكان المعلوم، فصار كما ~~لو استأجر دارا ليسكنها فسلم المفتاح إليه فلم يسكن حتى مضت المدة أنه يجب ~~الأجرة لما قلنا، كذا هذا، ولو أمسك الدابة في الموضع الذي استأجرها، ولم ~~يذهب بها إلى الموضع الذي استأجرها إليه فإن أمسكها على قدر ما يمسك الناس ~~إلى أن يرتحل فهلك فلا ضمان عليه؛ لأن حبس الدابة ذلك القدر مستثنى عادة ~~فكان مأذونا فيه دلالة، وإن حبس مقدار ما لا يحبس الناس مثله يومين أو ~~ثلاثة فعطب يضمن؛ لأنه خالف في المكان بالإمساك الخارج عن العادة فصار ~~غاصبا فيضمن إذا هلك، ولا أجرة عليه لما قلنا، وإن لم تهلك فأمسكها في بيته ~~فلا أجر عليه لما مر أن الأجر بمقابلة تسليم الدابة في جميع الطريق ولم ~~يوجد، بخلاف ما إذا استأجرها عشرة أيام ليركبها فحبسها، ولم يركبها حتى ms2583 ~~ردها يوم العاشر أن عليه الأجرة، ويسع لصاحبها أن يأخذ الكراء، وإن كان ~~يعلم أنه لم يركبها؛ لأن استحقاق الأجرة في الإجارات على الوقت بالتسليم في ~~الوقت، وقد وجد فتجب الأجرة كما في إجارة الدار، ونحوها بخلاف الإجارة على ~~المسافة فإن الاستحقاق هناك بالتسليم # PageV04P215 # في جميع الطريق، ولم يوجد فلا يجب. # وأما الخلاف في الزمان فنحو أن يستأجر دابة ليركبها، أو يحمل عليها مدة ~~معلومة فانتفع بها زيادة على المدة فعطبت في يده ضمن؛ لأنه صار غاصبا ~~بالانتفاع بها فيما وراء المدة المذكورة. # وأما استئجار الصناع من الحائك، والخياط والصباغ، ونحوهم. # فالخلاف إن كان في الجنس بأن دفع ثوبا إلى صباغ ليصبغه لونا فصبغه لونا ~~آخر فصاحب الثوب بالخيار: إن شاء ضمنه قيمة ثوب أبيض، وسلم الثوب للأجير، ~~وإن شاء أخذ الثوب، وأعطاه ما زاد الصبغ فيه إن كان الصبغ مما يزيد. # أما خيار التضمين فلفوات غرضه؛ لأن الأغراض تختلف باختلاف الألوان فله أن ~~يضمنه قيمة ثوب أبيض لتفويته عليه منفعة مقصودة، فصار متلفا الثوب عليه، ~~فكان له أن يضمنه، وإن شاء أخذ الثوب؛ لأن الضمان وجب حقا له فله أن يسقط ~~حقه، ولا أجر له؛ لأنه لم يأت بما وقع عليه العقد رأسا حيث لم يوف العمل ~~المأذون فيه أصلا، فلا يستحق الأجر، كالغاصب إذا صبغ الثوب المغصوب، ويعطيه ~~ما زاد الصبغ فيه إن كان الصبغ مما يزيد كالحمرة، والصفرة ونحوهما؛ لأنه ~~عين مال قائم بالثوب فلا سبيل إلى أخذه مجانا بلا عوض فيأخذه، ويعطيه ما ~~زاد الصبغ فيه رعاية للحقين ونظرا من الجانبين كالغاصب، وإن كان الصبغ مما ~~لا يزيد كالسواد على أصل أبي حنيفة فاختار أخذ الثوب لا يعطيه شيئا بل ~~يضمنه نقصان الثوب في قول أبي حنيفة، بناء على أن السواد لا قيمة له عنده ~~فلا يزيد بل ينقص، وعندهما له قيمة فكان حكمه حكم سائر الألوان، ولو استأجر ~~أرضا ليزرعها حنطة فزرعها رطبة ضمن ما نقصها؛ لأن الرطبة مع الزرع جنسان ~~مختلفان إذ الرطبة ليست ms2584 لها نهاية معلومة، بخلاف الزرع، وكذا الرطبة تضر ~~بالأرض ما لا يضرها الزرع، فصار بالاشتغال بزراعة الرطبة غاصبا إياها بل ~~متلفا، ولا أجر له؛ لأن الأجر مع الضمان لا يجتمعان، وقال هشام عن محمد في ~~رجل أمر إنسانا أن ينقش في فضة اسمه، فنقش اسم غيره أنه يضمن الخاتم؛ لأنه ~~فوت الغرض المطلوب من الخاتم، وهو الختم به فصار كالمتلف إياه قال: وإذا ~~أمر رجلا أن يحمر له بيتا فخضره قال محمد: أعطيه ما زادت الخضرة فيه، ولا ~~أجرة له؛ لأنه لم يعمل ما استأجره عليه رأسا فلا يستحق الأجرة، ولكن يستحق ~~قيمة الصبغ الذي زاد في البيت لما مر، ولو دفع إلى خياط ثوبا ليخيطه قميصا ~~بدرهم فخاطه قباء فإن شاء ضمنه قيمة الثوب، وإن شاء أخذ القباء، وأعطاه أجر ~~مثله لا يجاوز به ما سمي؛ لأن القباء، والقميص مختلفان في الانتفاع فصار ~~مفوتا منفعة مقصودة فصار متلفا الثوب عليه فله أن يضمنه، وله أن يأخذه، ~~ويعطيه أجر مثله لما قلنا. # ، وإذا كان الخلاف في الصفة نحو أن دفع إلى صباغ ثوبا ليصبغه بصبغ مسمى ~~فصبغه بصبغ آخر لكنه من جنس ذلك اللون فلصاحب الثوب أن يضمنه قيمته أبيض، ~~ويسلم إليه الثوب، وإن شاء أخذ الثوب، وأعطاه أجر مثله لا يجاوز به ما سمي. # أما ثبوت الخيار فلما ذكرنا من الخلاف في الجنس، وإنما، وجب الأجر ههنا؛ ~~لأن الخلاف في الصفة لا يخرج العمل من أن يكون معقودا عليه، فقد أتى بأصل ~~المعقود عليه إلا أنه لم يأت بوصفه، فمن حيث إنه لم يأت بوصفه المأذون فيه ~~لم يجب المسمى، ومن حيث إنه أتى بالأصل، وجب أجر المثل، ولا يجاوز به ~~المسمى؛ لأن هذا شأن أجر المثل لما نذكر إن شاء الله تعالى. # وروى هشام عن محمد فيمن دفع إلى رجل شبها ليضرب له طشتا موصوفا معروفا ~~فضرب له كوزا قال: إن شاء ضمنه مثل شبهه ويصير الكوز للعامل، وإن شاء أخذه ~~أعطاه أجر مثل عمله لا يجاوز به ms2585 ما سمي؛ لأن العقد وقع على الضرب والصناعة ~~صفة، فقد فعل المعقود عليه بأصله، وخالف في، وصفه فيثبت للمستعمل الخيار، ~~وعلى هذا إذا دفع إلى حائك غزلا ليحوك له ثوبا صفيقا فحاك له ثوبا رقيقا أو ~~شرط عليه أن يحوك له ثوبا رقيقا فحاكه صفيقا إن صاحب الغزل بالخيار: إن شاء ~~ضمنه غزله، وإن شاء أخذ الثوب، وأعطاه مثل أجر عمله لا يجاوز ما سمي، وذكر ~~في الأصل إذا دفع خفه إلى خفاف لينعله فأنعله بنعل لا ينعل بمثله الخفاف، ~~فصاحب الخف بالخيار: إن شاء ضمنه خفه، وإن شاء أخذه، وأعطاه أجر مثله في ~~عمله، وقيمة النعل، لا يجاوز به ما سمي، وإن كان ينعل بمثله الخفاف فهو ~~جائز، وإن لم يكن جيدا. # وأما ثبوت الخيار إذا أنعله بما لا ينعل بمثله الخفاف فلأنه لم يأت ~~بالمأمور به رأسا بل أتى بالمأمور به ابتداء فصار كالغاصب إذا أنعل الخف # PageV04P216 # المغصوب فكان للمالك أن يضمنه كالغاصب، وله أن يأخذ الخف؛ لأن ولاية ~~التضمين تثبت لحق المالك فإذا رضي بالأخذ كان له ذلك، وإذا أخذ أعطاه أجر ~~مثله؛ لأنه مأذون في العمل، وقد أتى بأصل العمل، وإنما خالف في الصفة فله ~~أن يختاره ويعطيه أجر المثل، ولا يعطيه المسمى؛ لأن ذلك بمقابلة عمل موصوف ~~ولم يأت بالصفة، ويعطيه ما زاد النعل؛ لأنه عين مال قائم للخفاف فصار ~~بمنزلة الصبغ في الثوب، وإنما جعل الخيار في هذه المسائل إلى صاحب الخف، ~~والثوب؛ لأنه صاحب متبوع والنعل، والصبغ تبع فكان إثبات الخيار لصاحب الأصل ~~أولى، وإن كان يفعل بمثله الخفاف فهو جائز، وإن لم يكن جيدا؛ لأن الإذن ~~يتناول أدنى ما يقع عليه الاسم وقد وجد، ولو شرط عليه جيدا فأنعله بغير جيد ~~فإن شاء ضمنه قيمة الخف، وإن شاء أخذ الخف وأعطاه أجر مثل عمله، وقيمة ما ~~زاد فيه، ولا يجاوز به ما سمي؛ لأن الرديء من جنس الجيد، ويثبت الخيار ~~لفوات الوصف المشروط. # وإن كان الخلاف في القدر نحو ما ذكر في ms2586 الأصل في رجل دفع غزلا إلى حائك ~~ينسجه له سبعا في أربع فخالف بالزيادة أو بالنقصان، فإن خالف بالزيادة على ~~الأصل المذكور فإن الرجل بالخيار: إن شاء ضمنه مثل غزله، وسلم الثوب، وإن ~~شاء أخذ الثوب، وأعطاه الأجر المسمى. # أما ثبوت الخيار فلأنه لم يحصل له غرضه لأن الزيادة في قدر الذراع توجب ~~نقصانا في الصفة، وهي الصفاقة، فيفوت غرضه فيثبت له الخيار، وإن شاء ضمنه ~~مثل غزله لتعديه عليه بتفويت منفعة مقصودة، وإن شاء أخذه، وأعطاه الأجر ~~الذي سماه؛ لأنه أتى بأصل العمل الذي هو معقود عليه، وإنما خالف في الصفة، ~~والخلاف في صفة العمل لا يخرج العمل من أن يكون معقودا عليه، كمن اشترى ~~شيئا فوجده معيبا حتى كان له أن يأخذه مع العيب. # وإن كان الخلاف في النقصان ففيه روايتان: ذكر في الأصل أن له أن يأخذه ~~ويعطيه من الأجر بحسابه، وذكر في رواية أخرى أن عليه أجر المثل، وجه هذه ~~الرواية أنه لما نقص في القدر فقد فوت الغرض المطلوب من الثوب فصار كأنه ~~عمل بحكم إجارة فاسدة ليس فيها أجر مسمى، وجه رواية الأصل أن العقد وقع على ~~عمل مقدر، ولم يأت بالمقدر فصار كما لو عقد على نقل كر من طعام إلى موضع ~~كذا بدرهم فنقل بعضه أنه يستحق من الأجر بحسابه، فكذا ههنا، وإن أوفاه ~~الوصف، وهو الصفاقة والذراع، وزاد فيه فقد روى هشام عن محمد أن صاحب الثوب ~~بالخيار: إن شاء ضمنه مثل غزله، وصار الثوب للصانع، وإن شاء أخذ الثوب، ~~وأعطاه المسمى، ولا يزيد للذراع الزائد شيئا، أما ثبوت الخيار فلتغير الصفة ~~إذ الإنسان قد يحتاج إلى الثوب القصير، ولا يحتاج إلى الطويل، فيثبت له ~~الخيار، ولأنه إذا زاد في طوله فقد استكثر من الغزل، فإن أخذه فلا أجر له ~~في الزيادة لأنه مقطوع فيها حيث عملها بغير إذن صاحب الثوب فكان متبرعا فلا ~~يستحق الأجر عليها، وذكر في الأصل إذا أعطى صباغا ثوبا ليصبغه بعصفر ربع ~~الهاشمي بدرهم فصبغه بقفيز ms2587 عصفر، وأقر رب الثوب بذلك، فإن رب الثوب ~~بالخيار: إن شاء ضمنه قيمة ثوبه، وإن شاء أخذ الثوب، وأعطاه ما زاد العصفر ~~فيه مع الأجر، وذكر القدوري أن مشايخنا ذكروا تفصيلا فقالوا: إن هذا على ~~وجهين: إن كان صبغه أولا بربع الهاشمي ثم صبغه بثلاثة أرباع القفيز فصاحب ~~الثوب بالخيار: إن شاء ضمنه قيمة ثوبه وإن شاء أخذه، وأعطاه الأجر المسمى، ~~وما زاد لثلاثة أرباع القفيز في الثوب؛ لأنه لما أفرده بالصبغ المأذون فيه ~~أولا وهو ربع الهاشمي فقد أوفاه المعقود عليه، وصار متعديا بالصبغ الثاني ~~كأنه غصب ثوبا مصبوغا بالربع ثم صبغه بثلاثة أرباع فيثبت له الخيار: إن شاء ~~أخذ الثوب، وأعطاه المسمى؛ لأنه سلم له الصبغ المعقود عليه فيلزمه المسمى، ~~ويعطيه ما زاد الصبغ الثاني فيه؛ لأنه عين مال قائمة للصباغ في الثوب، وإن ~~شاء ضمنه قيمة الثوب مصبوغا بربع القفيز، ووجب له الأجر؛ لأن الصبغ في حكم ~~المقبوض من وجه لحصوله في ثوبه لكن يكمل القبض فيه؛ لأنه لم يصل إلى يده ~~فكان مقبوضا من وجه دون وجه فكان له فسخ القبض لتغير الصفة المقصودة، وله ~~أن يضمنه، ويضمن الأجر، وإن كان صبغه ابتداء بقفيز فله ما زاد الصبغ ولا ~~أجر له؛ لأنه لم يوف بالعمل المأذون فيه فلم يعمل المعقود عليه، فيصير كأنه ~~غصب ثوبا، وصبغه بعصفر، وروى ابن سماعة عن محمد خلاف ذلك، وهو أن له أن ~~يأخذ الثوب، ويغرم الأجر، وما زاد العصفر فيه مجتمعا كان أو متفرقا؛ لأن ~~الصبغ لا يتشرب # PageV04P217 # في الثوب دفعة، واحدة بل شيئا فشيئا فيستوي فيه الاجتماع، والافتراق. # وأما الإجارة الفاسدة، وهي التي فاتها شرط من شروط الصحة فحكمها الأصلي ~~هو ثبوت الملك للمؤاجر في أجر المثل لا في المسمى بمقابلة استيفاء المنافع ~~المملوكة ملكا فاسدا؛ لأن المؤاجر لم يرض باستيفاء المنافع إلا ببدل. # ولا وجه إلى إيجاب المسمى لفساد التسمية فيجب أجر المثل، ولأن الموجب ~~الأصلي في عقود المعاوضات هو القيمة؛ لأن مبناها على المعادلة، والقيمة هي ~~العدل ms2588 إلا أنها مجهولة؛ لأنها تعرف بالحزر والظن، وتختلف باختلاف المقومين، ~~فيعدل منها إلى المسمى عند صحة التسمية، فإذا فسدت وجب المصير إلى الموجب ~~الأصلي، وهو أجر المثل ههنا؛ لأنه قيمة المنافع المستوفاة، إلا أنه لا يزاد ~~على المسمى في عقد فيه تسمية عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر يزاد، ويجب ~~بالغا ما بلغ، بناء على أن المنافع عند أصحابنا الثلاثة غير متقومة شرعا ~~بأنفسها، وإنما تتقوم بالعقد بتقويم العاقدين، والعاقدان ما قوماها إلا ~~بالقدر المسمى فلو وجبت الزيادة على المسمى لوجبت بلا عقد وإنها لا تتقوم ~~بلا عقد، بخلاف البيع الفاسد فإن المبيع بيعا فاسدا مضمون بقيمته بالغا ما ~~بلغ لأن الضمان هناك بمقابلة العين، والأعيان متقومة بأنفسها فوجب كل ~~قيمتها، وفي قول زفر - وبه أخذ الشافعي - هي متقومة بأنفسها بمنزلة الأعيان ~~فكانت مضمونة بجميع قيمتها كالأعيان. # هذا إذا كان في العقد تسمية فأما إذا لم يكن فيه تسمية فإنه يجب أجر ~~المثل بالغا ما بلغ بالإجماع؛ لأنه إذا لم يكن فيه تسمية الأجر لا يرضى ~~باستيفاء المنافع من غير بدل كان ذلك تمليكا بالقيمة التي هي الموجب الأصلي ~~دلالة، فكان تقويما للمنافع بأجر المثل إذ هو قيمة المنافع في الحقيقة، ولا ~~يثبت في هذه الإجارة شيء من الأحكام التي هي من التوابع إلا ما يتعلق بصفة ~~المستأجر له فيه، وهي كونه أمانة في يد المستأجر حتى لو هلك لا يضمن ~~المستأجر لحصول الهلاك في قبض مأذون فيه من قبل المؤاجر. # وأما الإجارة الباطلة، وهي التي فاتها شرط من شرائط الانعقاد فلا حكم لها ~~رأسا؛ لأن ما لا ينعقد فوجوده في حق الحكم وعدمه بمنزلة واحدة، وهو تفسير ~~الباطل من التصرفات الشرعية كالبيع، ونحوه، والله أعلم. ### | [فصل في حكم اختلاف العاقدين في عقد الإجارة] # (فصل) : # وأما حكم اختلاف العاقدين في عقد الإجارة فإن اختلفا في مقدار البدل أو ~~المبدل، والإجارة وقعت صحيحة ينظر: إن كان اختلافهما قبل استيفاء المنافع ~~تحالفا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا اختلف المتبايعان تحالفا ~~وترادا» ms2589 والإجارة نوع بيع فيتناولها الحديث، والرواية الأخرى وهي قوله: " ~~والسلعة قائمة بعينها " يتناول بعض أنواع الإجارة. # وهو ما إذا باع عينا بمنفعة، واختلفا فيها، وإذا ثبت التحالف في نوع ~~بالحديث ثبت في الأنواع كلها بنتيجة الإجماع؛ لأن أحدا لا يفصل بينهما، ~~ولأن التحالف قبل استيفاء المنفعة موافق الأصول؛ لأن اليمين في أصول الشرع ~~على المنكر، وكل واحد منهما منكر من وجه ومدع من وجه؛ لأن المؤاجر يدعي على ~~المستأجر زيادة الأجرة، والمستأجر منكر، والمستأجر يدعي على المؤاجر وجوب ~~تسليم المستأجر بما يدعي من الأجرة، والمؤاجر ينكر، فكان كل واحد منهما ~~منكرا من وجه، واليمين وظيفة المنكر في أصول الشرع. # ولهذا جرى التحالف قبل القبض، فبيع العين والتحالف ههنا قبل القبض؛ ~~لأنهما اختلفا قبل استيفاء المنفعة، ثم إن كان الاختلاف في قدر البدل يبدأ ~~بيمين المستأجر؛ لأنه منكر وجوب الأجرة الزائدة، وإن كان في قدر المبدل ~~يبدأ بيمين المؤاجر؛ لأنه منكر وجوب تسليم زيادة المنفعة، وإذا تحالفا تفسخ ~~الإجارة، وأيهما نكل لزمه دعوى صاحبه، لأن النكول بذل أو إقرار، والبدل ~~والمبدل كل واحد منهما يحتمل البذل والإقرار، وأيهما أقام البينة يقضى ~~ببينته؛ لأن الدعوى لا تقابل الحجة، وإن أقاما جميعا البينة فإن كان ~~الاختلاف في البدل فبينة المؤاجر أولى؛ لأنها تثبت زيادة الأجرة، وإن كان ~~الاختلاف في المبدل فبينة المستأجر أولى؛ لأنها تثبت زيادة المنفعة، فإن ~~ادعى المؤاجر فضلا فيما يستحقه من الأجر وادعى المستأجر فضلا فيما يستحق من ~~المنفعة بأن قال: المؤاجر أجرتك هذه الدابة إلى القصر بعشرة، وقال ~~المستأجر: إلى الكوفة بخمسة، أو قال المؤاجر: أجرتك شهرا بعشرة، وقال ~~المستأجر: لشهرين بخمسة فالأمر في التحالف والنكول وإقامة أحدهما البينة ~~على ما ذكرنا، ولو أقاما جميعا البينة قبلت بينة كل واحد منهما على الفعل ~~الذي يستحقه بعقد الإجارة، فيكون إلى الكوفة بعشرة، وشهرين بعشرة؛ لأن # PageV04P218 # بينة كل واحد منهما تثبت زيادة؛ لأن بينة المؤاجر تثبت زيادة الأجر، ~~وبينة المستأجر تثبت زيادة المنفعة فتقبل كل واحدة منهما على الزيادة التي ~~تثبتها. ms2590 # ، وإن كان اختلافهما بعد ما استوفى المستأجر بعض المنفعة بأن سكن الدار ~~المستأجرة بعض المدة أو ركب الدابة المستأجرة بعض المسافة ثم اختلفوا ~~فالقول قول المستأجر فيما مضى مع يمينه، ويتحالفان وتفسخ الإجارة فيما بقي؛ ~~لأن العقد على المنافع ساعة فساعة على حسب حدوثها شيئا فشيئا، فكان كل جزء ~~من أجزاء المنفعة معقودا عليه مبتدأ، فكان ما بقي من المدة والمسافة منفردا ~~فيتحالفان فيه، بخلاف ما إذا هلك بعض المبيع على قول أبي حنيفة أنه لا يثبت ~~التحالف عنده؛ لأن البيع ورد على جملة واحدة، وهي العين القائمة للحال، وكل ~~جزء من المبيع ليس بمعقود عليه مبتدأ إنما الجملة معقود عليها بعقد واحد ~~فإذا تعذر الفسخ في قدر الهالك يسقط في الباقي. # ، وإن كان اختلافهما بعد مضي وقت الإجارة أو بعد بلوغ المسافة التي ~~استأجر إليها لا يتحالفان فيه، والقول قول المستأجر في مقدار البدل مع ~~يمينه، ولا يمين على المؤاجر لأن التحالف يثبت الفسخ، والمنافع المنعدمة لا ~~تحتمل فسخ العقد فلا يثبت التحالف، وهذا على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف ظاهر؛ ~~لأن قيام المبيع في باب البيع شرط جريان التحالف في المبيع الهالك، ~~والمنافع ههنا هالكة فلا يثبت فيها التحالف. # وأما محمد فيحتاج إلى الفرق بين المبيع الهالك وبين المنافع الهالكة، ~~ووجه الفرق له أن المنافع غير متقومة بأنفسها على أصلنا، وإنما تتقوم ~~بالعقد فإذا فسخت الإجارة بالتحالف تبقى المنافع مستوفاة من غير عقد فلا ~~تتقوم فلا يثبت التحالف، بخلاف الأعيان فإنها متقومة بأنفسها، فإذا فسخ ~~البيع بالتحالف يبقى العقد متقوما بنفسه في يد المشتري فيجب عليه قيمته، ~~وإنما كان القول قول المستأجر؛ لأنه المستحق عليه، والخلاف متى وقع في ~~الاستحقاق كان القول قول المستحق، والله عز وجل أعلم. # وإن كان الاختلاف في جنس الأجر بأن قال المستأجر: استأجرت هذه الدابة إلى ~~موضع كذا بعشرة دراهم، وقال الآخر: بدينار، فالحكم في التحالف والنكول ~~وإقامة أحدهما البينة ما وصفنا. # فإن أقاما البينة فالبينة بينة المؤاجر؛ لأنها تثبت الأجرة حقا له، ms2591 وبينة ~~المستأجر لا تثبت الأجرة حقا له فكانت بينة المؤاجر أولى بالقبول. # ولو اختلفا فقال المؤاجر: أجرتك هذه الدابة إلى القصر بدينار، وقال ~~المستأجر: إلى الكوفة بعشرة دراهم، وأقاما البينة فهي إلى الكوفة بدينار، ~~وخمسة دراهم؛ لأن الاختلاف إلى القصر، وقع في البدل فكانت بينة المؤاجر ~~أولى لما قلنا، وتثبت الإجارة إلى القصر بدينار، ثم المستأجر يدعي من القصر ~~إلى الكوفة بخمسة؛ لأن القصر نصف الطريق، والمؤاجر يجحد هذه الإجارة، ~~فالبينة المثبتة للإجارة أولى من النافية، وقد روى ابن سماعة عن أبي يوسف ~~في رجل استأجر من رجل دارا سنة فاختلفا فأقام المستأجر البينة أنه استأجر ~~أحد عشر شهرا منها بدرهم، وشهرا بتسعة، وأقام البينة رب الدار أنه أجرها ~~بعشرة قال: فإني آخذ ببينة رب الدار؛ لأنه يدعي فضل أجرة في أحد عشر شهرا، ~~وقد أقام على ذلك بينة فتقبل بينته، فأما الشهر الثاني عشر فقد أقر ~~المستأجر للمؤاجر فيه بفضل الأجرة فيما ادعى، فإن صدقه على ذلك وإلا سقط ~~الفضل بتكذيبه، ولو اختلف الخياط، ورب الثوب فقال رب الثوب: أمرتك أن تقطعه ~~قباء، وقال الخياط: أمرتني أن أقطعه قميصا، فالقول قول رب الثوب مع يمينه ~~عندنا، والخياط ضامن قيمة الثوب، وإن شاء رب الثوب أخذ الثوب، وأعطاه أجر ~~مثله، وقال ابن أبي ليلى: القول قول الخياط مع يمينه، واختلف قول الشافعي ~~فقال في موضع مثل قولهما، وقال في موضع: يتحالفان فإذا حلفا سقط الضمان عن ~~الخياط، وسقط الأجر، وجه قول ابن أبي ليلى أن صاحب الثوب أقر بالإذن ~~بالقطع، غير أنه يدعي زيادة صفة توجب الضمان، وتسقط الأجر، والخياط ينكر، ~~فكان القول قوله، ولنا أن الإذن مستفاد من قبل صاحب الثوب فكان القول في ~~صفة الإذن قوله، ولهذا لو وقع الخلاف في أصل الإذن بالقطع فقال صاحب الثوب: ~~لم آذن بالقطع، كان القول قوله، وكذا إذا قال: لم آذن بقطعه قميصا، وقد خرج ~~الجواب عن قول ابن أبي ليلى؛ لأن المأذون فيه قطع القباء لا مطلق القطع، ~~ولا معنى ms2592 لأحد قولي الشافعي؛ لأن التحالف وضع للفسخ، ولا يمكن الفسخ ههنا ~~فلا يثبت التحالف؛ لأن صاحبه يدعي على الخياط الغصب، والخياط يدعي الأجر ~~وذلك مما لا يثبت فيه التحالف، وإن كان له تضمين الخياط قيمة الثوب؛ لأن ~~صاحب # PageV04P219 # الثوب لما حلف على دعوى الخياط فقد صار الخياط بقطعه الثوب لا على الصفة ~~المأذون فيها متصرفا في ملك غيره بغير إذنه، فصار متلفا الثوب عليه فيضمن ~~قيمته، وإن شاء رب الثوب أخذ الثوب، وأعطاه أجر مثله، أما اختيار أخذ الثوب ~~فلأنه أتى بأصل المعقود عليه مع تغير الصفة فكان لصاحب الثوب الرضا به، ~~وإعطاؤه أجر المثل لا المسمى؛ لأنه لم يأت بالمأمور به على الوصف الذي أمر ~~به، وطريقة أخرى لبعض مشايخنا أن منفعة القباء والقميص متقاربة لأنه يمكن ~~أن ينتفع بالقباء انتفاع القميص بأن يسد وسطه وأزراره، وإنما يفوت بعض ~~الأغراض، فقد وجد المعقود عليه مع العيب فيستحق الأجرة حتى قالوا: لو قطعه ~~سراويل لم تجب له الأجرة لاختلاف منفعة القباء والسراويل، فلم يأت المعقود ~~عليه رأسا قال القدوري: والرواية بخلاف هذا فإن هشاما روى أن محمدا قال في ~~رجل دفع إلى رجل شبها ليضرب له طشتا موصوفا فضربه كوزا: إن صاحبه بالخيار: ~~إن شاء ضمنه مثل شبهه، والكوز للعامل، وإن شاء أخذه وأعطاه أجر مثله لا ~~يجاوز ما سمي، ففي السراويل يجب أن يكون كذلك، ووجهه ما مر أن العقد وقع ~~على الضرب، والصناعة صفة له فقد وافق في أصل المعقود عليه، وخالف في الصفة، ~~فيثبت للمستعمل الخيار، وروى ابن سماعة، وبشر عن أبي يوسف في رجل أمر رجلا ~~أن ينزع له ضرسا متآكلا فنزع ضرسا متآكلا فقال الآمر: أمرتك بغير هذا بهذا ~~الأجر، وقال المأمور: أمرتني بالذي نزعت فإن أبا حنيفة قال في ذلك: القول ~~قول الآمر مع يمينه لما بينا أن الأمر يستفاد من قبله خاصة، فكان القول في ~~المأمور به قوله، وذكر في الأصل في رجل دفع إلى صباغ ثوبا ليصبغه أحمر ~~فصبغه أحمر على ما ms2593 وصف له بالعصفر ثم اختلفا في الأجر، فقال الصباغ: عملته ~~بدرهم، وقال رب الثوب: بدانقين، فإن قامت لهما بينة أخذت بينة الصباغ، وإن ~~لم يقم لهما بينة فإني أنظر إلى ما زاد العصفر في قيمة الثوب فإن كان درهما ~~أو أكثر أعطيته درهما بعد أن يحلف الصباغ ما صبغته بدانقين، وإن كان ما زاد ~~في الثوب من العصفر أقل من دانقين أعطيته دانقين بعد أن يحلف صاحب الثوب ما ~~صبغته إلا بدانقين، أما إذا قامت لهما بينة فلأن بينة الصباغ تثبت زيادة ~~الأجرة فكانت أولى بالقبول. # وأما إذا لم تقم لهما بينة فلأن ما زاد العصفر في قيمة الثوب إذا كان ~~درهما أو أكثر كان الظاهر شاهدا للصباغ، إلا أنه لا يزاد على درهم؛ لأنه ~~رضي بسقوط الزيادة، وإذا كان ما زاد العصفر دانقين كان الظاهر شاهدا لرب ~~الثوب، إلا أنه لا ينقص من دانقين؛ لأنه رضي بذلك وإن كان يزيد في الثوب ~~نصف درهم قال: أعطيت الصباغ ذلك بعد أن يحلف ما صبغته بدانقين؛ لما ذكرنا ~~أن الدعوى إذا سقطت للتعارض بحكم الصبغ فوجب قيمة الصبغ، وهذا بخلاف القصار ~~مع رب الثوب إذا اختلفا في مقدار الأجرة، ولا بينة لهما إن القول قول رب ~~الثوب مع يمينه؛ لأنه ليس في الثوب عين مال قائم للقصار، فلم يوجد ما يصلح ~~حكما فيرجع إلى قول صاحب الثوب؛ لأن القصار يدعي عليه زيادة ضمان، وهو ~~ينكر، فكان القول قوله مع يمينه، وكذلك كل صبغ له قيمة فإن كان الصبغ أسود ~~فالقول قول رب الثوب مع يمينه على أصل أبي حنيفة أن السواد نقصان عنده، ~~وكذلك كل صبغ ينقص الثوب؛ لأنه تعذر القضاء بالدعوى للتعارض، ولا سبيل إلى ~~الرجوع إلى قيمة الصبغ؛ لأنه لا قيمة له، فيرجع إلى قول المستحق عليه، ولو ~~اختلف الصباغ ورب الثوب فقال رب الثوب: أمرتك بالعصفر، وقال الصباغ: ~~بالزعفران، فالقول قول رب الثوب في قولهم جميعا؛ لأن الأمر يستفاد من قبله، ~~ومن هذا النوع ما إذا أمر المستعمل ms2594 الصانع بالزيادة من عنده ثم اختلفا فقال ~~في الأصل في رجل دفع غزلا إلى حائك ينسجه ثوبا وأمره أن يزيد في الغزل رطلا ~~من عنده مثل غزله على أن يعطيه ثمن الغزل وأجرة الثوب دراهم مسماة، فاختلفا ~~بعد الفراغ من الثوب، فقال الحائك: قد زدت، وقال رب الثوب: لم تزد فالقول ~~قول رب الغزل مع يمينه على عمله؛ لأن الصانع يدعي على صاحب الثوب الضمان ~~وهو ينكر، فكان القول قول المنكر مع يمينه على عمله؛ لأنه يمين على فعل ~~الغير، فإن حلف برئ، وإن نكل عن اليمين لزمه مثل الغزل؛ لأن النكول حجة ~~يقضى بها في هذا الباب فإن أقام الصانع بينة قبلت بينته، ولو اتفقا أن غزل ~~المستعمل كان منا، وقال الصانع: قد زدت فيه رطلا فوزن الثوب فوجد زائدا على ~~ما دفع إليه زيادة لم يعلم أن مثلها يكون من الدقيق، وادعى رب الثوب أن ~~الزيادة من الدقيق، فالقول قول الصانع؛ لأن رب الثوب يدعي # PageV04P220 # خلاف الظاهر، وإن كان الثوب مستهلكا قبل أن يعلم وزنه، ولم يقر المستعمل ~~أن فيه ما قال الصانع، فالقول قول رب الثوب؛ لأن الصانع يدعي عليه الضمان، ~~ولا ظاهر ههنا يشهد له فلم يقبل قوله، وقال هشام عن محمد في رجل دفع إلى ~~صائغ عشرة دراهم فضة، وقال: زد عليها درهمين قرضا علي فصغه قلبا، وأجرك ~~درهم فصاغه وجاء به محشوا فاختلفا، فقال الصائغ: قد زدت عليه درهمين، وقال ~~رب القلب: لم تزد شيئا قال محمد: يتحالفان ثم الصائغ بالخيار إن شاء دفع ~~القلب، وأخذ منه أجرة خمسة دوانيق، وإن شاء دفع إليه عشرة دراهم فضة، وأخذ ~~القلب، أما التحالف فلأن الصائغ يدعي على صاحب القلب القرض، وهو ينكر ~~فيستحلف، وصاحب القلب يدعي على الصائغ استحقاق القلب بغير شيء، وهو ينكر، ~~فيستحلف، وإذا بطل دعوى الصائغ في القلب علم أن الوزن عشرة وإنما بذل صاحب ~~القلب للصائغ درهما لصياغته اثني عشر درهما، فإذا لم تثبت الزيادة تلزمه ~~للعشرة خمسة دوانيق، وإنما كان للصائغ ms2595 أن يحبس القلب، ويعطي صاحب القلب مثل ~~فضته؛ لأن عنده أن الزيادة ثابتة، وأنه يتقرر ببطلان حقه عليها من غير عوض ~~القرض، فلا يجوز استحقاقها من غير رضاه، ولا ضرر على صاحب القلب؛ لأنه وصل ~~إليه مثل حقه، وقال ابن سماعة عن محمد في رجل دفع إلى نداف ثوبا، وقطنا ~~يندف عليه، وأمره أن يزيد من عنده ما رأى، ثم إن صاحب الثوب أتاه وقد ندف ~~على الثوب عشرين أستارا من قطن، فاختلفا، فقال صاحب الثوب: دفعت إليك خمسة ~~عشر أستارا من قطن، وأمرتك أن تزيد عليه عشرة وتنقص إن رأيت فلم تزد إلا ~~خمسة أساتير، وقال النداف: دفعت إلي عشرة وأمرتني أن أزيد عشرة فزدتها، ~~فالقول قول النداف، وعلى صاحب الثوب أن يدفع إليه عشرة أساتير من قطن كما ~~ادعى؛ لأن صاحب الثوب لا يدعي على النداف مخالفة ما أمره به، وإنما يدعي ~~أنه دفع إليه خمسة عشر أستارا، فكان القول قول النداف في مقداره فتبقى ~~العشرة زيادة فيضمنها صاحب الثوب، وإن كان صاحب الثوب قال: دفعت إليك خمسة ~~عشر، وأمرتك أن تزيد عليه خمسة عشر، وقال النداف: دفعت إلي عشرة وأمرتني أن ~~أزيد عليه عشرة فزدت عليه عشرة، فصاحب الثوب في هذا بالخيار: إن شاء صدقه ~~ودفع إليه عشرة أساتير وأخذ ثوبه وإن شاء أخذ قيمة ثوبه، ومثل عشرة أساتير ~~قطن، وكان الثوب للنداف؛ لأن النداف يزعم أنه فعل ما أمره به، وصاحب الثوب ~~يدعي الخلاف، فكان القول قوله فيما أمر به، والقول قول النداف في مقدار ما ~~قبض، وقال بشر عن أبي يوسف في رجل أعطى رجلا ثوبا ليقطعه قباء محشوا، ودفع ~~إليه البطانة، والقطن فقطعه وخاطه، وحشاه، واتفقا على العمل، والأجرة: فإن ~~الثوب ثوب رب الثوب والقطن قطنه، غير أن رب الثوب إن قال: إن البطانة ليست ~~بطانتي، فالقول في ذلك قول الخياط مع يمينه ألبتة أن هذا بطانته، ويلزم رب ~~الثوب، ويسع رب الثوب أن يأخذ البطانة فيلبسها لأن البطانة أمانة في يد ~~الخياط، فكان ms2596 القول قوله فيها ثم إن كانت بطانة صاحب الثوب؛ حل له لبسها، ~~وإن كانت غيرها فقد رضي الخياط بدفعها إليه بدل بطانته؛ فحل له لبسها، وروى ~~بشر وابن سماعة عن أبي يوسف فيمن أعطى حمالا متاعا ليحمله من موضع بأجر ~~معلوم، فحمله ثم اختلفا، فقال رب المتاع: ليس هذا متاعي، وقال الحمال: هو ~~متاعك، فالقول قول الحمال مع يمينه، ولا ضمان عليه، ولا يلزم الآمر الأجر ~~إلا أن يصدقه، ويأخذه؛ لأن المتاع أمانة في يد الحمال فكان القول قوله، ولا ~~يلزم صاحب المتاع؛ لأنه لم يعترف باستيفاء المنافع، فإن صدقه فقد رجع عن ~~قوله فوجب عليه الأجر، قال: والنوع الواحد والنوعان في هذا سواء، إلا أنه ~~في النوع الواحد أفحش وأقبح يريد بهذا لو حمله طعاما أو زيتا، وقال: الأجير ~~هذا طعامك بعينه، وقال رب الطعام: كان طعامي أجود من هذا، فإن هذا يفحش أن ~~يكون القول فيه قول رب الطعام، ويبطل الأجر، ويحسن أن يكون القول قول ~~الحمال، ويأخذ الأجر إن كان قد حمله، فأما إذا كانا نوعين مختلفين بأن جاء ~~بشعير وقال رب الطعام: كان طعامي حنطة فلا أجر للحمال حتى يصدقه ويأخذه، ~~وإنما قال: يقبح في الجنس الواحد؛ لأن عند اتحاد الجنس يملك صاحب الطعام أن ~~يأخذ الشعير عوضا عن طعامه؛ لأن الحمال قد بذل له ذلك فإذا أخذ العوض سلمت ~~له المنفعة فأما في النوعين فلا يسعه أن يأخذ النوع الآخر إلا بالتراضي ~~بالبيع، فما لم يصدقه لا يستحق عليه الأجر، ولو اختلف الصانع والمستأجر في ~~أصل الأجر كالنساج والقصار، والخفاف # PageV04P221 # والصباغ فقال رب الثوب والخف: عملته لي بغير شرط، وقال الصانع: لا؛ بل ~~عملته بأجرة درهم، أو اختلف رب الدار مع المستأجر فقال رب الدار: أجرتها ~~منك بدرهم، وقال الساكن بل سكنتها عارية، فالقول قول صاحب الثوب، والخف، ~~وساكن الدار في قول أبي حنيفة مع يمينه، ولا أجر عليه، وقال أبو يوسف: إن ~~كان الرجل حرا ثقة فعليه الأجر، وإلا فلا، وقال محمد: إن كان ms2597 الرجل انتصب ~~للعمل فالقول قوله، وإن لم يكن انتصب للعمل فالقول قول صاحبه، وعلى هذا ~~الخلاف إذا اتفقا على أنهما لم يشترطا الأجر لكن الصانع قال: إني إنما عملت ~~بالأجر، وقال رب الثوب: ما شرطت لك شيئا، فلا يستحق شيئا. # (وجه) قولهما اعتبار العرف والعادة فإن انتصابه للعمل، وفتحه الدكان لذلك ~~دليل على أنه لا يعمل إلا بالأجرة، وكذا إذا كان حريفه فكان العقد موجودا ~~دلالة، والثابت دلالة كالثابت نصا. # ولأبي حنيفة أن المنافع على أصلنا لا تتقوم إلا بالعقد، ولم يوجد، أما ~~إذا اتفقا على أنهما لم يشترطا الأجر فظاهر، وكذا إذا اختلفا في الشرط؛ لأن ~~العقد لا يثبت مع الاختلاف للتعارض فلا تجب الأجرة، ثم إن كان في المصنوع ~~عين قائمة للصانع كالصبغ الذي يزيد، والنعل يغرم رب الثوب والخف للصانع ما ~~زاد الصبغ والنعل فيه لا يجاوز به درهما، وإلا فلا والله - عز وجل - أعلم. ### | [فصل في بيان ما ينتهي به عقد الإجارة] # (فصل) : # وأما بيان ما ينتهي به عقد الإجارة فعقد الإجارة ينتهي بأشياء منها ~~الإقالة؛ لأنه معاوضة المال بالمال فكان محتملا للإقالة كالبيع. # ومنها موت من وقع له الإجارة إلا لعذر عندنا، وعند الشافعي لا يبطل ~~بالموت كبيع العين، والكلام فيه على أصل ذكرناه في كيفية انعقاد هذا العقد، ~~وهو أن الإجارة عندنا تنعقد ساعة فساعة على حسب حدوث المنافع شيئا فشيئا. # وإذا كان كذلك فما يحدث من المنافع في يد الوارث لم يملكها المورث ~~لعدمها، والملك صفة الموجود لا المعدوم فلا يملكها الوارث، إذ الوارث إنما ~~يملك ما كان على ملك المورث، فما لم يملكه يستحيل وراثته، بخلاف بيع العين؛ ~~لأن العين ملك قائم بنفسه ملكه المورث إلى وقت الموت، فجاز أن ينتقل منه ~~إلى الوارث؛ لأن المنافع لا تملك إلا بالعقد وما يحدث منها في يد الوارث لم ~~يعقد عليه رأسا؛ لأنها كانت معدومة حال حياة المورث، والوارث لم يعقد عليها ~~فلا يثبت الملك فيها للوارث، وعند الشافعي منافع المدة تجعل موجودة للحال ms2598 ~~كأنها أعيان قائمة، فأشبه بيع العين، والبيع لا يبطل بموت أحد المتبايعين، ~~كذا الإجارة، وعلى هذا يخرج ما إذا أجر رجلان دارا من رجل ثم مات أحد ~~المؤاجرين أن الإجارة تبطل في نصيبه عندنا، وتبقى في نصيب الحي على حالها؛ ~~لأن هذا شيوع طارئ، وإنه لا يؤثر في العقد في الرواية المشهورة لما بينا ~~فيما تقدم، وكذلك لو استأجر رجلان من رجل دارا فمات أحد المستأجرين فإن رضي ~~الوارث بالبقاء على العقد، ورضي العاقد أيضا جاز، ويكون ذلك بمنزلة عقد ~~مبتدإ، ولو مات الوكيل بالعقد لا تبطل الإجارة؛ لأن العقد لم يقع له، وإنما ~~هو عاقد، وكذا لو مات الأب أو الوصي لما قلنا، وكذا لو مات أبو الصبي في ~~استئجار الظئر لا تنقض الإجارة؛ لأن الإجارة وقعت للصبي والظئر وهما ~~قائمان، ولو مات الظئر انتقضت الإجارة وكذا لو مات الصبي؛ لأن كل واحد ~~منهما معقود له، والأصل أن الإجارة تبطل بموت المعقود له، ولا تبطل بموت ~~العاقد، وإنما كان كذلك لأن استيفاء العقد بعد موت من وقع له العقد يوجب ~~تغيير موجب العقد؛ لأن من وقع له إن كان هو المؤاجر فالعقد يقتضي استيفاء ~~المنافع من ملكه، ولو بقيناه بعد موته لاستوفيت المنافع من ملك غيره، وهذا ~~خلاف مقتضى العقد، وإن كان هو المستأجر فالعقد يقتضي استحقاق الأجرة من ~~ماله، ولو بقينا العقد بعد موته لاستحقت الأجرة من مال غيره، وهذا خلاف ~~موجب العقد، بخلاف ما إذا مات من لم يقع العقد له كالوكيل، ونحوه؛ لأن ~~العقد منه لا يقع مقتضيا استحقاق المنافع، ولا استحقاق الأجرة من ملكه، ~~فإبقاء العقد بعد موته لا يوجب تغيير موجب العقد، وكذلك الولي في الوقف إذا ~~عقد ثم مات لا تنتقض الإجارة؛ لأن العقد لم يقع له فموته لا يغير حكمه. # ولو استأجر دابة إلى مكة فمات المؤاجر في بعض المفازة فله أن يركبها أو ~~يحمل عليها إلى مكة أو إلى أقرب الأماكن من المصر؛ لأن الحكم ببطلان ~~الإجارة ههنا يؤدي إلى الضرر ms2599 بالمستأجر لما فيه من تعريض ماله، ونفسه إلى ~~التلف، فجعل # PageV04P222 # ذلك عذرا في بقاء الإجارة وهذا معنى قولهم إن الإجارة كما تفسخ بالعذر ~~تبقى بالعذر. # وقالوا فيمن اكترى إبلا إلى مكة ذاهبا، وجائيا فمات الجمال في بعض الطريق ~~فللمستأجر أن يركبها إلى مكة أو يحمل عليها، وعليه المسمى؛ لأن الحكم ~~بانفساخ الإجارة في الطريق إلحاق الضرر بالمستأجر؛ لأنه لا يجد ما يحمله ~~ويحمل قماشه، وإلحاق الضرر بالورثة إذا كانوا غيبا؛ لأن المنافع تفوت من ~~غير عوض، فكان في استيفاء العقد نظر من الجانبين فإذا، وصل إلى مكة رفع ~~الأمر إلى الحاكم؛ لأنه لا ضرر عليه في فسخ الإجارة عند ذلك؛ لأنه يقدر على ~~أن يستأجر من جمال آخر، ثم ينظر الحاكم في الأصلح فإن رأى بيع الجمال وحفظ ~~الثمن للورثة أصلح فعل ذلك، وإن رأى إمضاء الإجارة إلى الكوفة أصلح فعل ~~ذلك؛ لأنه نصب ناظرا محتاطا، وقد يكون أحد الأمرين أحوط فيختار ذلك، قالوا: ~~والأفضل إذا كان المستأجر ثقة أن يمضي القاضي الإجارة، والأفضل إذا كان غير ~~ثقة أن يفسخها فإن فسخها وقد كان المستأجر عجل الأجرة سمع القاضي بينته ~~عليها، وقضاه من ثمنها؛ لأن الإجارة إذا انفسخت فللمستأجر إمساك العين حتى ~~يستوفي جميع الأجرة، وقام القاضي مقام الغائب فنصب له خصما، وسمع عليه ~~البينة. # ولو مات أحد ممن وقع له عقد الإجارة قبل انقضاء المدة، وفي الأرض ~~المستأجرة زرع لم يستحصد يترك ذلك في الأرض إلى أن يستحصد، ويكون على ~~المستأجر أو على ورثته ما سمي من الأجر لأن في الحكم بالانفساخ وقلع الزرع ~~ضررا بالمستأجر، وفي الإبقاء من غير عوض ضررا بالوارث، ويمكن توفير الحقين ~~من غير ضرر بإبقاء الزرع إلى أن يستحصد بالأجر فيجب القول به، وإنما وجب ~~المسمى استحسانا، والقياس أن يجب أجر المثل؛ لأن العقد انفسخ حقيقة بالموت، ~~وإنما بقيناه حكما، فأشبه شبهة العقد، واستيفاء المنافع بشبهة العقد توجب ~~أجر المثل، كما لو استوفاها بعد انقضاء المدة، وجه الاستحسان أن التسمية ~~تناولت هذه المدة فإذا ms2600 مست الضرورة إلى الترك بعوض كان إيجاب العوض المسمى ~~أولى لوقوع التراضي، بخلاف الترك بعد انقضاء المدة؛ لأن التسمية لم تتناول ~~ما بعد انقضاء المدة فتعذر إيجاب المسمى فوجب أجر المثل. # ومنها هلاك المستأجر، والمستأجر فيه لوقوع اليأس عن استيفاء المعقود عليه ~~بعد هلاكه فلم يكن في بقاء العقد فائدة، حتى لو كان المستأجر عبدا أو ثوبا ~~أو حليا أو ظرفا أو دابة معينة فهلك أو هلك الثوب المستأجر فيه للخياطة أو ~~للقصارة؛ بطلت الإجارة لما قلنا، وإن كانت الإجارة على دواب بغير أعيانها ~~فسلم إليه دواب فقبضها فماتت لا تبطل الإجارة، وعلى المؤاجر أن يأتيه بغير ~~ذلك؛ لأنه هلك ما لم يقع عليه العقد؛ لأن الدابة إذا لم تكن معينة فالعقد ~~يقع على منافع في الذمة، وإنما تسلم العين ليقيم منافعها مقام ما في ذمته، ~~فإذا هلك بقي ما في الذمة بحاله فكان عليه أن يعين غيرها، وقد ذكرنا اختلاف ~~إشارة الروايات في الدار إذا انهدم كلها أو انقطع الماء عن الرحى أو الشرب ~~من الأرض أن الإجارة تنفسخ أو يثبت حق الفسخ فيما تقدم، وعلى هذا أيضا يخرج ~~موت الظئر أن الإجارة تبطل به؛ لأنها مستأجرة. # ومنها انقضاء المدة إلا لعذر؛ لأن الثابت إلى غاية ينتهي عند وجود الغاية ~~فتنفسخ الإجارة بانتهاء المدة، إلا إذا كان ثمة عذر بأن انقضت المدة وفي ~~الأرض زرع لم يستحصد فإنه يترك إلى أن يستحصد بأجر المثل، بخلاف ما إذا ~~انقضت المدة وفي الأرض رطبة أو غرس أنه يؤمر بالقلع؛ لأن في ترك الزرع إلى ~~أن يدرك مراعاة الحقين، والنظر من الجانبين؛ لأن لقطعه غاية معلومة، فأما ~~الرطبة فليس لقطعها غاية معلومة فلو لم تقطع لتعطلت الأرض على صاحبها ~~فيتضرر به، وبخلاف الغاصب إذا زرع الأرض المغصوبة أنه يؤمر بالقلع، ولا ~~يترك إلى وقت الحصاد بأجر؛ لأن الترك في الإجارة لدفع الضرر عن المستأجر ~~نظر له، وهو مستحق للنظر؛ لأنه زرع بإذن المالك فأما الغاصب فظالم متعد في ~~الزرع فلا يستحق النظر ms2601 بالترك مع أنه هو الذي أضر بنفسه حيث زرع أراضي غيره ~~بغير حق فكان مضافا إليه. # ومنها عجز المكاتب بعد ما استأجر شيئا أنه يوجب بطلان الإجارة بلا خلاف؛ ~~لأن الأجرة استحقت من كسب المكاتب، وبالعجز يبطل كسبه فتبطل الإجارة إذ لا ~~سبيل إلى إيجابها من مال المولى، فإن عجز بعد ما استأجر فالإجارة باقية في ~~قول أبي يوسف، وقال محمد: تبطل، والكلام فيه راجع إلى أصل نذكره في كتاب ~~الهبة في كيفية ملك المولى كسب المكاتب عند عجزه أن عند # PageV04P223 # أبي يوسف كسب المكاتب موقوف ملكه في الحقيقة على عجزه أو عتقه، فإن عجز ~~ملكه المولى من الأصل، وإن عتق ملكه المكاتب من الأصل، وعند محمد هو ملك ~~المكاتب، ثم إذا عجز انتقل إلى المولى كما ينتقل الملك من الميت إلى ورثته ~~بالموت،، ووجه البناء على هذا الأصل أن عند أبي يوسف لما وقع الملك للمولى ~~في الكسب من حين وجوده صار كأن الإجارة وجدت من المولى فلا تنتقض بعجز ~~المكاتب، ولما كان الملك للمولى فيه من طريق الانتقال من المكاتب عند عجزه ~~- على أصل محمد - صار بمنزلة انتقال الملك من الميت إلى وارثه عند عجزه، ~~وذلك يوجب انتقاض الإجارة، كذا هذا، وأصل هذه المسألة في المكاتب إذا وهبت ~~له هبة ثم عجز أن للواهب أن يرجع في قول أبي يوسف، وعند محمد لا يرجع، ~~وسنذكره في كتاب الهبة، والله - عز وجل - أعلم. # PageV04P224 ### | [كتاب الاستصناع] ### | [فصل في صورة الاستصناع ومعناه] # يحتاج لمعرفة مسائل هذا الكتاب إلى بيان صورة الاستصناع ومعناه، وإلى ~~بيان جوازه، وإلى بيان حكمه، وإلى بيان صفته. # (فصل) : # أما صورة الاستصناع فهي أن يقول إنسان لصانع - من خفاف أو صفار أو غيرهما ~~-: اعمل لي خفا، أو آنية من أديم أو نحاس، من عندك بثمن كذا، ويبين نوع ما ~~يعمل وقدره وصفته، فيقول الصانع: نعم. # وأما معناه: فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: هو مواعدة وليس ببيع، ~~وقال بعضهم: هو بيع، لكن للمشتري فيه خيار، وهو الصحيح؛ بدليل ms2602 أن محمدا - ~~رحمه الله - ذكر في جوازه القياس والاستحسان، وذلك لا يكون في العدات، وكذا ~~أثبت فيه خيار الرؤية، وأنه يختص بالبياعات، وكذا يجري فيه التقاضي، وإنما ~~يتقاضى فيه الواجب - لا الموعود - ثم اختلفت عباراتهم عن هذا النوع من ~~البيع. # قال بعضهم: هو عقد على مبيع في الذمة، وقال بعضهم: هو عقد على مبيع في ~~الذمة شرط فيه العمل. # وجه القول الأول: أن الصانع لو أحضر عينا، كان عملها قبل العقد، ورضي به ~~المستصنع؛ لجاز، ولو كان شرط العمل من نفس العقد؛ لما جاز؛ لأن الشرط يقع ~~على عمل في المستقبل - لا في الماضي - والصحيح هو القول الأخير؛ لأن ~~الاستصناع طلب الصنع، فما لم يشترط فيه العمل لا يكون استصناعا؛ فكان مأخذ ~~الاسم دليلا عليه؛ ولأن العقد على مبيع في الذمة يسمى سلما، وهذا العقد ~~يسمى استصناعا، واختلاف الأسامي دليل اختلاف المعاني في الأصل وأما إذا أتى ~~الصانع بعين صنعها قبل العقد، ورضي به المستصنع؛ فإنما جاز لا بالعقد ~~الأول، بل بعقد آخر، وهو التعاطي بتراضيهما. ### | [فصل في جواز الاستصناع] # (فصل) : # وأما جوازه، فالقياس: أن لا يجوز؛ لأنه بيع ما ليس عند الإنسان، لا على ~~وجه السلم، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ما ليس عند ~~الإنسان، ورخص في السلم، ويجوز استحسانا؛ لإجماع الناس على ذلك؛ لأنهم ~~يعملون # PageV05P002 # ذلك في سائر الأعصار من غير نكر، وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: «لا ~~تجتمع أمتي على ضلالة» وقال - عليه الصلاة والسلام -: «ما رآه المسلمون ~~حسنا؛ فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا؛ فهو عند الله قبيح» ~~والقياس يترك بالإجماع، ولهذا ترك القياس في دخول الحمام بالأجر، من غير ~~بيان المدة، ومقدار الماء الذي يستعمل، وفي قطعه الشارب للسقاء، من غير ~~بيان قدر المشروب، وفي شراء البقل، وهذه المحقرات كذا هذا؛ ولأن الحاجة ~~تدعو إليه؛ لأن الإنسان قد يحتاج إلى خف، أو نعل من جنس مخصوص، ونوع مخصوص، ~~على قدر مخصوص وصفة مخصوصة، وقلما يتفق وجوده مصنوعا؛ فيحتاج ms2603 إلى أن ~~يستصنع، فلو لم يجز؛ لوقع الناس في الحرج وقد خرج الجواب عن قوله: إنه ~~معدوم؛ لأنه ألحق بالموجود لمساس الحاجة إليه، كالمسلم فيه: فلم يكن بيع ما ~~ليس عند الإنسان على الإطلاق؛ ولأن فيه معنى عقدين جائزين، - وهو السلم ~~والإجارة -؛ لأن السلم عقد على مبيع في الذمة، واستئجار الصناع يشترط فيه ~~العمل، وما اشتمل على معنى عقدين جائزين؛ كان جائزا. ### | [فصل في شرائط جواز الاستصناع] # (فصل) : # وأما شرائط جوازه (فمنها) : بيان جنس المصنوع، ونوعه وقدره وصفته؛ لأنه ~~لا يصير معلوما بدونه. # (ومنها) : أن يكون مما يجري فيه التعامل بين الناس - من أواني الحديد ~~والرصاص، والنحاس والزجاج، والخفاف والنعال، ولجم الحديد للدواب، ونصول ~~السيوف، والسكاكين والقسي، والنبل والسلاح كله، والطشت والقمقمة، ونحو ذلك ~~- ولا يجوز في الثياب؛ لأن القياس يأبى جوازه، وإنما جوازه - استحسانا - ~~لتعامل الناس، ولا تعامل في الثياب. # (ومنها) : أن لا يكون فيه أجل، فإن ضرب للاستصناع أجلا؛ صار سلما حتى ~~يعتبر فيه شرائط السلم، وهو قبض البدل في المجلس، ولا خيار لواحد منهما إذا ~~سلم الصانع المصنوع على الوجه الذي شرط عليه في السلم (وهذا) قول أبي حنيفة ~~- رحمه الله - وقال أبو يوسف ومحمد: هذا ليس بشرط، وهو استصناع على كل حال ~~- ضرب فيه أجلا أو لم يضرب - ولو ضرب للاستصناع فيما لا يجوز فيه الاستصناع ~~- كالثياب ونحوها - أجلا؛ ينقلب سلما في قولهما جميعا (وجه) قولهما: أن ~~العادة جارية بضرب الأجل في الاستصناع، وإنما يقصد به تعجيل العمل لا تأخير ~~المطالبة؛ فلا يخرج به عن كونه استصناعا، أو يقال: قد يقصد بضرب الأجل ~~تأخير المطالبة، وقد يقصد به تعجيل العمل؛ فلا يخرج العقد عن موضوعه، مع ~~الشك والاحتمال، بخلاف ما لا يحتمل الاستصناع؛ لأن ما لا يحتمل الاستصناع ~~لا يقصد بضرب الأجل فيه تعجيل العمل؛ فتعين أن يكون لتأخير المطالبة ~~بالدين، وذلك بالسلم ولأبي حنيفة: - رضي الله عنه - أنه إذا ضرب فيه أجلا؛ ~~فقد أتى بمعنى السلم؛ إذ هو عقد على مبيع في الذمة مؤجلا، والعبرة ms2604 في ~~العقود لمعانيها لا لصور الألفاظ ألا ترى أن البيع ينعقد بلفظ التمليك، ~~وكذا الإجارة، وكذا النكاح على أصلنا (ولهذا) صار سلما فيما لا يحتمل ~~الاستصناع - كذا هذا - ولأن التأجيل يختص بالديون؛ لأنه وضع لتأخير ~~المطالبة وتأخير المطالبة إنما يكون في عقد فيه مطالبة، وليس ذلك إلا ~~السلم؛ إذ لا دين في الاستصناع ألا ترى أن لكل واحد منهما خيار الامتناع من ~~العمل قبل العمل بالاتفاق؟ ثم إذا صار سلما؛ يراعى فيه شرائط السلم، فإن ~~وجدت صح، وإلا فلا. ### | [فصل في حكم الاستصناع] # (فصل) : # وأما حكم الاستصناع: فهو ثبوت الملك للمستصنع في العين المبيعة في الذمة، ~~وثبوت الملك للصانع في الثمن ملكا غير لازم، على ما سنذكره إن شاء الله ~~تعالى ### | [فصل في صفة الاستصناع] # (فصل) : # وأما صفة الاستصناع: فهي أنه عقد غير لازم قبل العمل في الجانبين جميعا، ~~بلا خلاف، حتى كان لكل واحد منهما خيار الامتناع قبل العمل، كالبيع المشروط ~~فيه الخيار للمتبايعين: أن لكل واحد منهما الفسخ؛ لأن القياس يقتضي أن لا ~~يجوز؛ لما قلنا. # وإنما عرفنا جوازه استحسانا؛ لتعامل الناس، فبقي اللزوم على أصل القياس. # (وأما) بعد الفراغ من العمل قبل أن يراه المستصنع، فكذلك، حتى كان للصانع ~~أن يبيعه ممن شاء. # كذا ذكر في الأصل؛ لأن العقد ما وقع على عين المعمول، بل على مثله في ~~الذمة؛ لما ذكرنا أنه لو اشترى من مكان آخر، وسلم إليه؛ جاز، ولو باعه ~~الصانع، وأراد المستصنع أن ينقص البيع؛ ليس له ذلك، ولو استهلكه قبل ~~الرؤية؛ فهو كالبائع إذا استهلك المبيع قبل التسليم، كذا قال أبو يوسف فأما ~~إذا أحضر الصانع العين على الصفة المشروطة؛ فقد سقط خيار الصانع، وللمستصنع ~~الخيار؛ لأن # PageV05P003 # الصانع بائع ما لم يره؛ فلا خيار له. # وأما المستصنع فمشتري ما لم يره؛ فكان له الخيار، وإنما كان كذلك؛ لأن ~~المعقود عليه، وإن كان معدوما حقيقة، فقد ألحق بالموجود، ليمكن القول بجواز ~~العقد؛ ولأن الخيار كان ثابتا لهما قبل الإحضار؛ لما ذكرنا أن العقد غير ms2605 ~~لازم، فالصانع بالإحضار أسقط خيار نفسه؛ فبقي خيار صاحبه على حاله - كالبيع ~~الذي فيه شرط الخيار للعاقدين إذا أسقط أحدهما خياره أنه يبقى خيار الآخر - ~~كذا هذا (هذا) جواب ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - رضي الله ~~عنهم -. # وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله - أن لكل واحد منهما الخيار، وروي عن أبي ~~يوسف أنه لا خيار لهما جميعا. # (وجه) رواية أبي يوسف: أن الصانع قد أفسد متاعه وقطع جلده، وجاء بالعمل ~~على الصفة المشروطة، فلو كان للمستصنع الامتناع من أخذه؛ لكان فيه إضرار ~~بالصانع، بخلاف ما إذا قطع الجلد ولم يعمل، فقال المستصنع: لا أريد؛ لأنا ~~لا ندري أن العمل يقع على الصفة المشروطة أولا، فلم يكن الامتناع منه ~~إضرارا بصاحبه؛ فثبت الخيار (وجه) رواية أبي حنيفة - رحمه الله - أن في ~~تخيير كل واحد منهما دفع الضرر عنه، وأنه واجب والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ ~~لأن في إثبات الخيار للصانع ما شرع له الاستصناع، وهو دفع حاجة المستصنع؛ ~~لأنه متى ثبت الخيار للصانع؛ فكل ما فرع عنه يتبعه من غير المستصنع؛ فلا ~~تندفع حاجة المستصنع وقول أبي يوسف أن الصانع يتضرر بإثبات الخيار للمستصنع ~~مسلم، ولكن ضرر المستصنع بإبطال الخيار فوق ضرر الصانع بإثبات الخيار ~~للمستصنع؛ لأن المصنوع إذا لم يلائمه وطولب بثمنه؛ لا يمكنه بيع المصنوع من ~~غيره بقيمة مثله، ولا يتعذر ذلك على الصانع؛ لكثرة ممارسته وانتصابه لذلك؛ ~~ولأن المستصنع إذا غرم ثمنه ولم تندفع حاجته؛ لم يحصل ما شرع له الاستصناع ~~- وهو اندفاع حاجته - فلا بد من إثبات الخيار له، والله - سبحانه وتعالى - ~~الموفق فإن سلم إلى حداد حديدا ليعمل له إناء معلوما بأجر معلوم، أو جلدا ~~إلى خفاف ليعمل له خفا معلوما بأجر معلوم؛ فذلك جائز ولا خيار فيه؛ لأن هذا ~~ليس باستصناع، بل هو استئجار؛ فكان جائزا فإن عمل كما أمر؛ استحق الأجر، ~~وإن أفسد؛ فله أن يضمنه حديدا مثله؛ لأنه لما أفسده، فكأنه أخذ حديدا له ~~واتخذ منه آنية من غير إذنه، والإناء ms2606 للصانع؛ لأن المضمونات تملك بالضمان. ### | [كتاب الشفعة] ### | [سبب ثبوت حق الشفعة] # (كتاب الشفعة) : # الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع: في بيان سبب ثبوت حق الشفعة، وفي ~~بيان شرائط ثبوت حق الشفعة، وفي بيان ما يتأكد به حق الشفعة ويستقر، وفي ~~بيان ما يبطل به حق الشفعة بعد ثبوته، وفي بيان ما يملك به المشفوع فيه، ~~وفي بيان طريق التمليك، وبيان كيفيته، وفي بيان شرط التملك، وفي بيان ما ~~يتملك به، وفي بيان المتملك، وفي بيان المتملك منه، وفي بيان حكم اختلاف ~~الشفيع والمشتري، وفي بيان الحيلة في إبطال الشفعة، وفي بيان أنها مكروهة ~~أم لا. # (أما) سبب وجوب الشفعة فالكلام فيه في موضعين: أحدهما: في بيان ماهية ~~السبب، والثاني: في بيان كيفيته. # (أما) الأول فسبب وجوب الشفعة أحد الأشياء الثلاثة الشركة في ملك المبيع، ~~والخلطة وهي الشركة في حقوق الملك والجوار، وإن شئت قلت أحد الشيئين الشركة ~~والجوار، ثم الشركة نوعان شركة في ملك المبيع وشركة في حقوقه كالشرب ~~والطريق وهذا عند أصحابنا - رضي الله عنهم - وقال الشافعي: السبب هو الشركة ~~في ملك المبيع لا غير فلا تجب الشفعة عنده بالخلطة، ولا بالجوار احتج بما ~~روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إنما الشفعة في ما لم ~~يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» فصدر الحديث إثبات الشفعة في ~~غير المقسوم ونفيها في المقسوم؛ لأن كلمة إنما لإثبات المذكور ونفي ما ~~عداه، وآخره نفي الشفعة عند وقوع الحدود وصرف الطرق، والحدود بين الجارين ~~واقعة، والطرق مصروفة فكانت الشفعة منفية؛ ولأن الأخذ بالشفعة تملك مال ~~المشتري من غير رضاه، وعصمة ملكه، وكون التملك إضرارا يمنع من ذلك فكان ~~ينبغي أن لا يثبت حق الأخذ أصلا إلا أنا عرفنا ثبوته فيما لم يقسم بالنص ~~غير معقول المعنى فبقي الأمر في المقسوم على الأصل، أو ثبت معلولا بدفع ضرر ~~خاص، وهو ضرر القسمة لكونه ضررا لازما ما لا يمكن دفعه إلا # PageV05P004 # بالشفعة. # فأما ضرر الجوار فليس بلازم، بل ms2607 هو ممكن الدفع بالرفع إلى السلطان، ~~والمقابلة بنفسه فلا حاجة إلى دفعه بالشفعة (ولنا) ما روي أنه سئل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن أرض بيعت، وليس لها شريك، ولها جار فقال - ~~عليه الصلاة والسلام -: «الجار أحق بشفعتها» وهذا نص في الباب وروي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الجار أحق بصقبه» والصقب الملاصق ~~أي: أحق بما يليه وبما يقرب منه وروي «الجار أحق بشفعته» وهذا نص في الباب ~~ولأن حق الشفعة بسبب الشركة إنما يثبت لدفع أذى الدخيل، وضرره وذلك متوقع ~~الوجود عند المجاورة فورود الشرع هناك يكون ورودا هنا دلالة، وتعليل النص ~~بضرر القسمة غير سديد لأن القسمة ليست بضرر بل هي تكميل منافع الملك، وهي ~~ضرر غير واجب الدفع لأن القسمة مشروعة ولهذا لم تجب الشفعة بسبب الشركة في ~~العروض دفعا لضرر القسمة. # (وأما) قوله: يمكن دفع الضرر بالمقابلة بنفسه، والمرافعة إلى السلطان ~~فنقول وقد لا يندفع بذلك ولو اندفع فالمقابلة، والمرافعة في نفسها ضرر، ~~وضرر الجار السوء يكثر وجوده في كل ساعة فيبقى في ضرر دائم وأما الحديث ~~فليس في صدره نفي الشفعة عن المقسوم لأن كلمة إنما لا تقتضي نفي غير ~~المذكور قال الله تبارك وتعالى {إنما أنا بشر مثلكم} [الكهف: 110] وهذا لا ~~ينفي أن يكون غيره - عليه الصلاة والسلام - بشرا مثله، وآخره حجة عليه لأنه ~~علق - عليه الصلاة والسلام - سقوط الشفعة بشرطين: وقوع الحدود، وصرف الطرق، ~~والمعلق بشرطين لا يترك عند وجود أحدهما، وعنده يسقط بشرط واحد وهو وقوع ~~الحدود، وإن لم تصرف الطرق ثم هو مؤول وتأويله فإذا وقعت الحدود فتباينت ~~وصرفت الطرق فتباعدت فلا شفعة أو لا شفعة مع وجود من لم ينفصل حده، وطريقه ~~أو فلا شفعة بالقسمة، كما لا شفعة بالرد بخيار الرؤية؛ لأن في القسمة معنى ~~المبادلة فكان موضع الإشكال فأخبر أنه لا شفعة ليزول الإشكال والله سبحانه ~~وتعالى أعلم بالصواب. # (وأما) بيان كيفية السبب فالكلام فيه في موضعين: أحدهما: يعم حال انفراد ~~الأسباب واجتماعها، ms2608 والثاني: يخص حالة الاجتماع (أما) الذي يعم الحالين ~~جميعا فهو أن السبب أصل الشركة لا قدرها، وأصل الجوار لا قدره حتى لو كان ~~للدار شريك واحد، أو جار واحد أخذ كل الدار بالشفعة كثر شركته وجواره، أو ~~قل، وعلى هذا يخرج قول أصحابنا - رضي الله عنهم - في قسمة الشفعة بين ~~الشركاء عند اتحاد السبب وهو الشركة، أو الجوار أنها تقسم على عدد الرءوس ~~لا على قدر الشركة وعند الشافعي - رحمه الله - على قدر الشركة في ملك ~~المبيع حتى لو كانت الدار بين ثلاثة نفر، لأحدهم نصفها، وللآخر ثلثها، ~~ولآخر سدسها، فباع صاحب النصف نصيبه كانت الشفعة بين الباقين نصفين عندنا ~~على عدد الرءوس، وعنده أثلاثا ثلثاه لصاحب الثلث، وثلثه لصاحب السدس على ~~قدر الشركة. # (وجه) قوله أن حق الشفعة من حقوق الملك؛ لأنه ثبت لتكميل منافع الملك ~~فيتقدر بقدر الملك كالثمرة والغلة. # (ولنا) أن السبب في موضع الشركة أصل الشركة وقد استويا فيه فيستويان في ~~الاستحقاق والدليل على أن السبب أصل الشركة دلالة الإجماع، والمعقول، أما ~~دلالة الإجماع؛ فلأن الشفيع إذا كان واحدا يأخذ كل الدار بالشفعة، ولو كان ~~السبب قدر الشركة لتقدر حق الأخذ بقدرها، وأما المعقول؛ فلأن حق الشفعة ~~إنما يثبت لدفع أذى الدخيل وضرره، والضرر لا يندفع إلا بأخذ كل الدار ~~بالشفعة فدل أن سبب الاستحقاق في الشركة هو أصل الشركة وقد استويا فيه فبعد ~~ذلك لا يخلو إما أن يأخذ أحدهما الكل دون صاحبه، وإما أن يأخذ كل واحد ~~منهما الكل لا سبيل إلى الأول؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من صاحبه، ولا سبيل ~~إلى الثاني لاستحالة تملك دار واحدة في زمان واحد من اثنين على الكمال ~~فتنصف بينهما عملا بكمال السبب بقدر الإمكان. # ومثل هذا جائز فإن من هلك عن ابنين كان ميراثه بينهما نصفين؛ لأن بنوة كل ~~واحد منهما سبب لاستحقاق كل الميراث إلا أنه لا يمكن إثبات الملك في مال ~~واحد لكل واحد منهما على الكمال لتضايق المحل فينصف بينهما فكذا هذا، وكذلك ~~إذا ms2609 كان لدار واحدة شفيعان جاران جوارهما على التفاوت بأن كان جوار أحدهما ~~بخمسة أسداس الدار، وجوار الآخر لسدسها كانت الشفعة بينهما نصفين ~~لاستوائهما في سبب الاستحقاق وهو أصل الجوار، وعلى هذا يخرج ما إذا كان ~~للدار شفيعان فأسقط أحدهما الشفعة أن للآخر أن يأخذ كل الدار # PageV05P005 # بالشفعة لوجود سبب الاستحقاق للكل في حق كل واحد منهما، وإنما القسمة ~~للتزاحم والتعارض على ما بينا، فإذا أسقط أحدهما زال التزاحم، والتعارض ~~فظهر حق الآخر في الكل، فيأخذ الكل. # وكذلك لو كان الشفعاء جماعة فأسقط بعضهم حقه فللباقين أن يأخذوا الكل ~~بالشفعة لما قلنا ولو كان للدار شفيعان وأحدهما غائب، فللحاضر أن يأخذ كل ~~الدار بالشفعة؛ لأن سبب ثبوت الحق على الكمال وجد في حقه وقد تأكد حقه ~~بالطلب ولم يعرف تأكد حق الغائب؛ لأنه محتمل يحتمل أن يطلب، ويحتمل أن لا ~~يطلب، أو يعرض فلم يقع التعارض، والتزاحم فلا يمنع الحاضر من استيفاء حقه ~~الثابت المتأكد بحق يحتمل التأكد، والعدم بل يقضى له بالكل عملا بكمال ~~السبب من غير تعارض بخلاف ما إذا كان لرجلين على رجل ألف درهم فهلك الرجل ~~وترك ألف درهم، وأحد صاحبي الدين غائب أنه لا يسلم إلى الحاضر إلا خمسمائة، ~~لأن هناك حق كل واحد منهما يساوي حق الآخر في التأكد فيقسم بينهما على ~~السوية لوقوع التعارض، والتزاحم. # وكذلك لو كان للدار شفعاء بعضهم غائب، وبعضهم حاضر يقضى بالدار بين ~~الحضور على عدد رءوسهم لما قلنا ولو جعل بعضهم نصيبه لبعض، لم يصح جعله في ~~حق غيره وسقط حق الجاعل، وقسمت على عدد رءوس من بقي؛ لأن حق الشفعة مما لا ~~يحتمل النقل؛ لأنه ليس بأمر ثابت في المحل فبطل الجعل في حق غيره، وسقط حقه ~~لكون الجعل دليل الإعراض وبقي كل الدار بين الباقين فيقسمونها على عدد ~~الرءوس لما ذكرنا، ولو كان أحدهم حاضرا فقضي له بكل الدار، ثم جاء آخر يقضى ~~له بنصف ما في يد الحاضر، فإن جاء ثالث يقضى له بثلث ما في ms2610 يد كل منهما ~~لوقوع التعارض، والتزاحم، لاستواء الكل في سبب ثبوت الحق وتأكده فيقسم ~~بينهم على السوية. # ولو أخذ الحاضر الكل، ثم قدم الغائب وأراد أن يأخذ النصف فقال له الحاضر: ~~أنا أسلم لك الكل فإما أن تأخذ، أو تدع فليس له ذلك، وللذي قدم أن يأخذ ~~النصف؛ لأن القاضي لما قضى للحاضر بكل الدار تضمن قضاؤه بطلان حق الغائب عن ~~النصف، وصار الغائب مقضيا عليه في ضمن القضاء للحاضر بالكل فبعد ذلك، وإن ~~بطل القضاء لكن الحق بعدما بطل لا يتصور عوده، ولو قضى بالدار للحاضر ثم ~~وجد به عيبا فرده ثم قدم الغائب فليس له أن يأخذ بالبيع الأول إلا نصف ~~الدار سواء كان الرد بالعيب بقضاء، أو بغير قضاء وسواء كان قبل القبض أو ~~بعده لما ذكرنا أنه لما قضى القاضي للحاضر بكل الدار بالشفعة فقد أبطل حق ~~الغائب عن النصف وصار هو مقضيا عليه ضرورة القضاء على المشتري فبطلت شفعته ~~في هذا النصف فلا يحتمل العود سواء كان الرد بالعيب بقضاء، أو بغير قضاء؛ ~~لأنه إنما بطل حقه في النصف بالقضاء بالشفعة، وبالرد بالعيب لا يتبين أن ~~القضاء بالشفعة لم يكن، وكذا يستوي فيه الرد قبل القبض وبعده لما قلنا # ولو أراد الغائب أن يأخذ كل الدار بالشفعة برد الحاضر بالعيب ويدع البيع ~~الأول، ينظر إن كان الرد بغير قضاء فله ذلك؛ لأن الرد بغير قضاء بيع مطلق ~~فكان بيعا جديدا في حق الشفعة فيأخذ الكل بالشفعة كما يأخذ بالبيع المبتدإ ~~هكذا ذكر محمد وأطلق الجواب ولم يفصل بينما إذا كان الرد بالعيب قبل القبض ~~أو بعده من مشايخنا من قال: ما ذكر من الجواب محمول على ما بعد القبض؛ لأن ~~الرد قبل القبض بغير قضاء بيع جديد، وبيع العقار قبل القبض لا يجوز على ~~أصله وإنما يستقيم إطلاق الجواب على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. # (ومنهم) من قال: يستقيم على مذهب الكل؛ لأن رضا الشفيع ههنا غير معتبر ~~لكونه مجبورا في التمليك فكان ms2611 رضاه ملحقا بالعدم، وإن كان بقضاء فليس له أن ~~يأخذ؛ لأنه فسخ مطلق، ورفع العقد من الأصل كأنه لم يكن، والأخذ بالشفعة ~~يختص بالبيع ولو اطلع الحاضر على عيب قبل أن يقضى له بالشفعة فسلم الشفعة ~~ثم قدم الغائب فإن شاء أخذ الكل، وإن شاء ترك؛ لأن القاضي إذا لم يقض ~~بالشفعة للحاضر لم يبطل حق الغائب بل بقي في كل الدار لوجود سبب استحقاق ~~الكل إلا أنه لم يظهر لمزاحمة الحاضر في الكل وبالتسليم زالت المزاحمة فظهر ~~حق الغائب في كل الدار، ولو رد الحاضر الدار بالعيب بعد ما قضي له بالشفعة ~~ثم حضر شفيعان أخذا ثلثي الدار بالشفعة، والحكم في الاثنين والثلاث سواء ~~يسقط حق الغائب بقدر حصة الحاضر لما قلنا، وكذا لو كان الشفيع الحاضر اشترى ~~الدار من المشتري ثم حضر الغائب فإن شاء أخذ كل الدار بالبيع الأول، وإن ~~شاء أخذ كلها بالبيع # PageV05P006 # الثاني. # (أما) الأخذ بالبيع الأول؛ فلأن حق الحاضر في الشفعة قد بطل بالشراء من ~~المشتري لكون الشراء منه دليل الإعراض فزالت المزاحمة الموجبة للقسمة فبقي ~~حق الغائب في كل الدار فيأخذ الكل بالبيع الأول إن شاء بخلاف الشفيع إذا ~~اشترى الدار المشفوعة من صاحبها أنه لا تبطل شفعته؛ لأن البطلان بالإقدام ~~على الشراء ولا حق له قبل الشراء ليبطل به. # (وأما) الأخذ بالبيع الثاني؛ فلأن البيع الثاني وجد ولا حق للحاضر في ~~الشفعة لصيرورته معرضا بالشراء، فيظهر حق الأخذ بالكل، ولو كان المشتري ~~الأول شفيعا للدار فاشتراها الشفيع الحاضر منه ثم قدم الغائب فإن شاء أخذ ~~نصف الدار بالبيع الأول، وإن شاء أخذ كلها بالبيع الثاني. # (أما) أخذ النصف بالبيع الأول؛ فلأن المشتري الأول لم يثبت له حق قبل ~~الشراء حتى يكون بشرائه معرضا عنه، فإذا باعه من الشفيع الحاضر لم يثبت ~~للغائب إلا مقدار ما كان يخصه بالمزاحمة مع الأول وهو النصف وأما أخذ الكل ~~بالعقد الثاني؛ فلأن السبب عند البيع الأول أوجب الشفعة للكل في الدار وقد ~~بطل حق الشفيع الحاضر ms2612 بالشراء لكون الشراء دليل الإعراض فبقي حق المشتري ~~الأول، والغائب في كل الدار فيقسم بينهما للتزاحم فيأخذ الغائب نصف الدار ~~بالبيع الأول إن شاء، وإن شاء أخذ الكل بالعقد الثاني؛ لأن السبب عند العقد ~~الثاني أوجب للشفيع حق الشفعة ثم بطل حق الشفيع الحاضر عند العقد الأول ولم ~~يتعلق بإقدامه على الشراء الثاني بعقده حق لإعراضه فكان للغائب أن يأخذ كل ~~الدار بالعقد الثاني. # ولو كان المشتري الأول أجنبيا اشتراها بألف فباعها من أجنبي بألفين ثم ~~حضر الشفيع، فالشفيع بالخيار إن شاء أخذ بالبيع الأول وإن شاء أخذ بالبيع ~~الثاني لوجود سبب الاستحقاق، وشرطه عند كل واحد من البيعين فكان له الخيار ~~فإن أخذ بالبيع الأول سلم الثمن إلى المشتري الأول، والعهدة عليه وينفسخ ~~البيع الثاني ويسترد المشتري الثاني الثمن من الأول، وإن أخذ بالبيع الثاني ~~تم البيعان جميعا والعهدة على الثاني غير أنه إن وجد المشتري الثاني، ~~والدار في يده فله أن يأخذ بالبيع الثاني سواء كان المشتري الأول حاضرا، أو ~~غائبا، وإن أراد أن يأخذ بالبيع الأول فليس له ذلك حتى يحضر المشتري الأول ~~والثاني هكذا، ذكر القاضي الإمام الإسبيجابي - عليه الرحمة - في شرحه مختصر ~~الطحاوي ولم يحك خلافا، وذكر الكرخي - عليه الرحمة - أن هذا قول أبي حنيفة، ~~ومحمد - عليهما الرحمة -. # وعند أبي يوسف - رحمه الله -: حضرة الأول ليست بشرط وللشفيع أن يأخذ من ~~الذي في يده ويدفع إليه ألفا ويقال له: اتبع الأول وخذ منه ألفا، وإن كان ~~الثاني اشتراه بألف يؤخذ منه ويدفع إليه ألفا. # (وجه) قول أبي يوسف أن حق الشفعة حق متعلق بعين الدار فلا يشترط ~~لاستيفائه حضرة المشتري. # (وجه) قولهما أن الأخذ من غير حضرة المشتري الأول يكون قضاء على الغائب، ~~لأن الأخذ بالبيع الأول يوجب انفساخ البيع الأول على المشتري الأول على ما ~~نذكره في موضعه إن شاء الله تبارك وتعالى، فيكون قضاء على الغائب من غير أن ~~يكون عنه خصم حاضر وأنه لا يجوز، وقوله: حق الشفعة متعلق بالعين ممنوع بل ms2613 ~~لا حق في العين وإنما الثابت حق التمليك على المشتري فلا بد من حضرته ولو ~~كان المشتري باع نصف الدار ولم يبع جميعها، فجاء الشفيع وأراد أن يأخذ ~~بالبيع الأول أخذ جميع الدار ويبطل البيع في النصف الثاني من المشتري ~~الثاني؛ لأن سبب استحقاق الجميع، وشرطه موجود عند البيع الأول فإذا أخذ ~~الكل بالبيع الأول انفسخ البيع في النصف الثاني من المشتري؛ لأنه تبين أنه ~~تقدم على حق الشفيع في قدر النصف وإن أراد أن يأخذ النصف بالبيع الثاني فله ~~ذلك؛ لأن شرط الاستحقاق وهو البيع وجد في النصف، وبطلت شفعته في النصف الذي ~~في يد المشتري الأول لوجود دليل الإعراض. # ولو كان المشتري لم يبع الدار ولكنه وهبها من رجل، أو تصدق بها على رجل ~~وقبضها الموهوب له أو المتصدق عليه، ثم حضر الشفيع والمشتري والموهوب له ~~حاضران، أخذها الشفيع بالبيع لا بالهبة؛ لأن كون العقد معاوضة من شرائط ~~الاستحقاق على ما نذكره إن شاء الله تعالى ولا بد من حضرة المشتري حتى لو ~~حضر الشفيع ووجد الموهوب له فلا خصومة معه حتى يجد المشتري فيأخذها بالبيع ~~الأول، والثمن للمشتري وتبطل الهبة كذا ذكر القاضي من غير خلاف وأما الكرخي ~~فقد جعله على الخلاف الذي ذكرنا أن الذي في يده الدار وهو الموهوب له # PageV05P007 # لم يكن خصما عندهما، وعند أبي يوسف يكون خصما كما في البيع. # ولو وهب المشتري نصف الدار مقسوما وسلمه إلى الموهوب له ثم حضر الشفيع ~~وأراد أن يأخذ النصف الباقي بنصف الثمن ليس له ذلك ولكنه يأخذ جميع الدار ~~بجميع الثمن، أو يدع؛ لأن في أخذ البعض دون البعض تفريق الصفقة على ~~المشتري، وإذا أخذ الكل بطلت الهبة وكان الثمن كله للمشتري لا للموهوب له، ~~ولو اشترى دارا بألف ثم باعها بألفين فعلم الشفيع بالبيع الثاني ولم يعلم ~~بالبيع الأول فأخذها بقضاء، أو بغير قضاء، ثم علم أن البيع الأول كان بألف ~~فليس له أن ينقض أخذه؛ لأنه لما أخذها بالبيع الثاني فقد ملكها، وحق ms2614 ~~التمليك بالبيع الأول بعد ثبوت الملك له لا يتصور فسقط حقه في الشفعة في ~~البيع الأول ضرورة ثبوت الملك له، والثابت ضرورة يستوي فيه العلم والجهل، ~~فإن اشتراها بألف ثم زاده في الثمن ألفا فعلم الشفيع بالألفين ولم يعلم أن ~~الألف زيادة فأخذها بألفين فإذا أخذ بقضاء القاضي أبطل القاضي الزيادة وقضى ~~له بالألف؛ لأن الزيادة غير ثابتة شرعا في حق الشفيع فكان القضاء بالزيادة ~~قضاء بما ليس بثابت فيبطلها القاضي وإن أخذها بغير قضاء فليس له أن ينقض ~~أخذه؛ لأن الأخذ بغير قضاء بمنزلة شراء مبتدإ فسقط حقه في الشفعة ولو كان ~~المشتري حين اشتراه بألف ناقضه البيع ثم اشتراه بألفين فأخذ الشفيع بألفين ~~ولم يعلم بالبيع الأول، ثم علم به لم يكن له أن ينقضه سواء كان بقضاء، أو ~~بغير قضاء؛ لأنه اجتمع بيعان لا يمكن الأخذ بهما فإذا أخذ بأحدهما انتقض ~~الآخر والله عز وجل أعلم. # وإذا كان للدار جاران أحدهما غائب والآخر حاضر فخاصم الحاضر إلى قاض لا ~~يرى الشفعة بالجوار فأبطل شفعته ثم حضر الغائب فخاصمه إلى قاض يرى الشفعة ~~قضى له بجميع الدار، لأن قضاء القاضي الأول صادف محل الاجتهاد فنفذ، وبطلت ~~شفعة الحاضر فبقي حق الغائب في كل الدار لوجود سبب استحقاق الكل فيأخذ الكل ~~بالشفعة ولو كان القاضي الأول قال: أبطلت كل الشفعة التي تتعلق بهذا البيع ~~لم تبطل شفعة الغائب كذا قاله محمد وهو صحيح؛ لأنه قضاء على الغائب وأنه لا ~~يجوز والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) الذي يخص حالة الاجتماع فهو أن أسباب استحقاق الشفعة إذا اجتمعت ~~يراعى فيها الترتيب فيقدم الأقوى، فالأقوى فيقدم الشريك على الخليط، ~~والخليط على الجار لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«الشريك أحق من الخليط، والخليط أحق من غيره» ولأن المؤثر في ثبوت حق ~~الشفعة هو دفع ضرر الدخيل، وأذاه، وسبب وصول الضرر والأذى هو الاتصال، ~~والاتصال على هذه المراتب، فالاتصال بالشركة في عين المبيع أقوى من الاتصال ~~بالخلط، والاتصال ms2615 بالخلط أقوى من الاتصال بالجوار، والترجيح بقوة التأثير ~~ترجيح صحيح، فإن سلم الشريك وجبت للخليط وإن اجتمع خليطان يقدم الأخص على ~~الأعم، وإن سلم الخليط وجبت للجار لما قلنا وهذا جواب ظاهر الرواية وروي عن ~~أبي يوسف أنه إذا سلم الشريك فلا شفعة لغيره. # (وجه) رواية أبي يوسف أن الحق عند البيع كان للشريك لا لغيره ألا ترى أن ~~غيره لا يملك المطالبة؟ فإذا سلم سقط الحق أصلا؟ والصحيح جواب ظاهر ~~الرواية؛ لأن كل واحد من هذه الأشياء الثلاثة سبب صالح للاستحقاق إلا أنه ~~يرجح البعض على البعض لقوة في التأثير على ما بينا، فإذا سلم الشريك التحقت ~~شركته بالعدم وجعلت كأنها لم تكن فيراعى الترتيب في الباقي، كما لو اجتمعت ~~الخلطة والجوار ابتداء، وبيان هذا في مسائل: دار بين رجلين في سكة غير ~~نافذة طريقها من هذه السكة باع أحدهما نصيبه، فالشفعة لشريكه؛ لأن شركته في ~~عين الدار، وشركة أهل السكة في الحقوق فكان الشريك في عين الدار أولى ~~بالشفعة فإذا سلم فالشفعة لأهل السكة كلهم يستوي فيه الملاصق، وغير ~~الملاصق؛ لأنهم كلهم خلطاء في الطريق فإن سلموا فالشفعة للجار الملاصق. # وعلى ما روي عن أبي يوسف إذا سلم الشريك سقطت الشفعة، أصلا ولو انشعبت من ~~هذه السكة سكة أخرى غير نافذة، فبيعت دار فيها فالشفعة لأهل هذه السكة ~~خاصة؛ لأن خلطة أهل هذه السكة السفلى أخص من خلطة أهل السكة العليا، ولو ~~بيعت دار في السكة العليا استوى في شفعتها أهل السكة العليا، وأهل السكة ~~السفلى؛ لأن خلطتهم في السكة العليا سواء، فيستوون في الاستحقاق وقال محمد ~~- رحمه الله - أهل الدرب يستحقون الشفعة بالطريق إذا كان ملكهم أو كان فناء ~~غير مملوك، أما إذا كان ملكا لهم فظاهر # PageV05P008 # لوجود الخلطة وهي الشركة في الطريق. # وأما إذا كان فناء غير مملوك؛ فلأنهم أخص به من غيرهم فكان في معنى ~~المملوك، وإن كانت السكة نافذة فبيعت دار فيها فلا شفعة إلا للجار الملاصق؛ ~~لأن الشركة العامة إباحة معنى، لما قلنا ms2616 وإن كان مملوكا فهو في حكم غير ~~النافذ، والطريق النافذ الذي لا يستحق به الشفعة ما لا يملك أهله سده؛ لأنه ~~إذا كان كذلك يتعلق به حق جميع المسلمين فكانت شركته عامة فيشبه الإباحة. # وعلى هذا يخرج النهر إذا كان صغيرا يسقى منه أراضي معدودة أو كروم معدودة ~~فبيع أرض منها أو كرم أن الشركاء في النهر كلهم شفعاء، يستوي الملاصق وغير ~~الملاصق لاستوائهم في الخلطة وهي الشركة في الشرب وإن كان النهر كبيرا ~~فالشفعة للجار الملاصق بمنزلة الشوارع، واختلف في الحد الفاصل بين الصغير، ~~والكبير قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إذا كان تجري فيه السفن فهو كبير، ~~وإن كان لا تجري فهو صغير وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه قال لا ~~أستطيع أن أحد هذا بحد هو عندي على ما أرى حين يقع ذلك وروي عن أبي يوسف - ~~رحمه الله - رواية أخرى أنه إن كان يسقى منه مراحان، أو ثلاثة، أو بستانان، ~~أو ثلاثة ففيه الشفعة وما زاد على ذلك فلا، كذا ذكر الكرخي - رضي الله عنه ~~- الاختلاف بين أصحابنا. # والقاضي لم يذكر خلافهم وإنما ذكر اختلاف المشايخ - رحمهم الله - قال ~~بعضهم إن كان شركاء النهر بحيث يحصون فهو صغير، وإن كانوا لا يحصون فهو ~~كبير، وقال بعضهم: إن كانوا مائة فما دونهم فهو صغير، وإن كانوا أكثر من ~~مائة فهو كبير، وقال بعضهم: هو مفوض إلى رأي القاضي فإن رآه صغيرا قضى ~~بالشفعة لأهله، وإن رآه كبيرا قضى بها للجار الملاصق، ولو نزع من هذا النهر ~~نهر آخر فيه أرضون، أو بساتين، وكروم فبيع أرض، أو بستان شربه من هذا النهر ~~النازع فأهل هذا النهر أحق بالشفعة من أهل النهر الكبير ألا ترى أنهم ~~مختصون بشرب النهر النازع؟ فكانوا أولى كما في السكة المنشعبة من سكة غير ~~نافذة، ولو بيعت أرض على النهر الكبير كان أهله، وأهل النهر النازع في ~~الشفعة سواء لاستوائهم في الشرب. # قال محمد - رحمه الله - في قراح واحد في وسط ساقية جارية ms2617 شرب هذا القراح ~~منها من الجانبين فبيع القراح فجاء شفيعان أحدهما يلي هذه الناحية في ~~القراح، والآخر يلي الجانب الآخر قال هما شفيعان في القراح وليست الساقية ~~بحائلة؛ لأن الساقية من حقوق هذا القراح فلا يعتبر فاصلا كالحائط الممتد، ~~ولو كانت هذه الساقية بجوار القراح ويشرب منها ألف جريب من هذا القراح، ~~فأصحاب الساقية أحق بالشفعة من الجار؛ لأنهم شركاء في الشرب، والشريك مقدم ~~على الجار لما مر، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وعلى هذا يخرج ما روي عن أبي يوسف أنه قال في دار بين رجلين ولرجل فيها ~~طريق فباع أحدهما نصيبه من الدار أن الشريك أحق بالشفعة من صاحب الطريق؛ ~~لأن الشريك في عين العقار أحق من الخليط، وكذلك إذا كانت الدار بين رجلين ~~ولأحدهما حائط بأرضه في الدار بينه وبين آخر فباع الذي له شركة في الحائط ~~نصيبه من الدار والحائط، فالشريك في الدار أحق بشفعة الدار، والشريك في ~~الحائط أولى بالحائط؛ لأن الشريك في الحائط ليس بشريك في الدار بل هو جار ~~لبقية الدار، والشريك مقدم على الجار. # وكذلك دار بين رجلين ولأحدهما بئر في الدار بينه وبين آخر فباع الذي له ~~شركة في البئر نصيبه من الدار والبئر فالشريك في الدار أحق بشفعة الدار، ~~والشريك في البئر أحق بالبئر لما ذكرنا أن الشريك في البئر جار لبقية ~~الدار، والشريك مقدم على الجار، وكذلك سفل بين رجلين ولأحدهما علو عليه ~~بينه وبين آخر فباع الذي له نصيب في السفل والعلو نصيبه فلشريكه في السفل ~~الشفعة في السفل، ولشريكه في العلو الشفعة في العلو ولا شفعة لشريكه في ~~السفل في العلو، ولا لشريكه في العلو في السفل؛ لأن شريكه في السفل جار ~~العلو، وشريكه في حقوق العلو - وإن كان طريق العلو فيه ليس بشريك له في ~~العلو - والشريك في عين البقعة أو ما هو في معنى البقعة مقدم على الجار، ~~والشريك في الحقوق وشريكه في العلو جار للسفل، أو شريكه في الحقوق إذا كان ~~طريق العلو في تلك ms2618 الدار ولا شركة له في عين البقعة فكان الشريك في عين ~~البقعة أولى. # ولو كان لرجل علو على دار وطريقه فيها وبقية الدار لآخر فباع صاحب العلو ~~العلو بطريقه، فالقياس أن لا شفعة لصاحب السفل في العلو وفي الاستحسان تجب. # (وجه) القياس أن من شرائط وجوب الشفعة أن يكون المبيع عقارا والعلو # PageV05P009 # منقول فلا تجب فيه الشفعة كما لا تجب في سائر المنقولات. # (وجه) الاستحسان أن العلو في معنى العقار؛ لأن حق البناء على السفل حق ~~لازم لا يحتمل البطلان فأشبه العقار الذي لا يحتمل الهلاك فكان ملحقا ~~بالعقار فيعطى حكمه ولو كان طريق هذا العلو في دار رجل آخر فبيع العلو ~~فصاحب الدار التي فيها الطريق أولى بشفعة العلو من صاحب الدار التي عليها ~~العلو؛ لأن صاحب الدار التي فيها الطريق شريك في الحقوق وصاحب الدار التي ~~عليها العلو جار، والشريك مقدم على الجار فإن سلم صاحب الطريق الشفعة فإن ~~لم يكن للعلو جار ملاصق أخذه صاحب الدار التي عليها العلو بالجوار؛ لأنه ~~جاره، وإن كان للعلو جار ملاصق أخذه بالشفعة مع صاحب السفل لأنهما جاران ~~وإن لم يكن جار العلو ملاصقا وبين العلو وبين مسكنه طائفة من الدار فلا ~~شفعة له؛ لأنه ليس بجار ولو باع صاحب السفل السفل كان صاحب العلو شفيعا؛ ~~لأنه جاره وليس شريكه وهو كدارين متجاورتين لأحدهما خشب على حائط الآخر أن ~~صاحب الخشب لا يستحق إلا بالجوار ولا يستحق بالخشب شيئا ولو بيعت الدار ~~التي فيها طريق العلو فصاحب العلو أولى بشفعة الدار من الجار؛ لأنه شريك في ~~الحقوق فكان مقدما على الجار. # وروي عن أبي يوسف أنه قال في بيت عليه غرفتان إحداهما فوق الأخرى ولكل ~~غرفة طريق في دار أخرى وليس بينهما شركة في الطريق فباع صاحب البيت الأوسط ~~بيته وسلم صاحب الطريق فالشفعة لصاحب العلو ولصاحب السفل جميعا لاستوائهما ~~في الجوار فإن باع صاحب العلو كانت الشفعة للأوسط دون الأسفل؛ لأن الجوار ~~له لا للأسفل وعلى هذا يخرج ما روي ms2619 عن أبي يوسف أنه قال في دار فيها مسيل ~~ماء لرجل آخر فبيعت الدار كانت له الشفعة بالجوار لا بالشركة وليس المسيل ~~كالشرب؛ لأن صاحب المسيل مختص بمسيل الماء لا شركة للآخر فيه فصار كحائط ~~لصاحب إحدى الدارين في الأخرى ولو أن حائطا بين داري رجلين والحائط بينهما ~~فصاحب الشرك في الحائط أولى بالحائط من الجار وبقية الدار يأخذها بالجوار ~~مع الجار بينهما هكذا روي عن أبي يوسف وزفر رحمهما الله وروي عن أبي يوسف ~~رواية أخرى أن الشريك في الحائط أولى بجميع الدار. # (وجه) هذه الرواية أن الشريك في الحائط شريك في بعض المبيع فكان أولى من ~~الجار الذي لا شركة له كالشريك في الشرب والطريق. # (وجه) الرواية الأولى أن الشريك في الحائط شريك لكن في بقعة معينة وهي ما ~~تحت الحائط لا في بقية الدار بل هو جار في بقية الدار فكان أولى بما هو ~~شريك فيه وبقية الدار بينه وبين الجار الآخر لاستوائهما في الجوار وكذلك ~~الدار لرجل فيها بيت بينه وبين غيره فباع الرجل الدار وطلب الجار الشفعة ~~وطلبها الشريك في البيت فصاحب الشركة في البيت أولى بالبيت وبقية الدار ~~بينهما نصفان قال الكرخي عليه الرحمة وأصح الروايات عن أبي يوسف أن الشريك ~~في الحائط أولى ببقية الدار من الجار لما ذكرنا من تحقيق الشركة في نفس ~~المبيع والشريك مقدم على الجار قال وعن محمد مسألة تدل على أن الشريك في ~~الحائط أولى فإنه قال في حائط بين دارين لكل واحد منهما عليه خشبة ولا يعلم ~~أن الحائط بينهما إلا بالخشبة فبيعت إحدى الدارين قال فإن أقام الآخر بينة ~~أن الحائط بينهما فهو أحق من الجار؛ لأنه شريك وإن لم يقم بينة لم أجعله ~~شريكا وقوله أحق من الجار أي: أحق بالجميع لا بالحائط خاصة وهذا هو مقتضى ~~ظاهر هذا الإطلاق. # وروي عن أبي يوسف فيمن اشترى حائطا بأرضه ثم اشترى ما بقي من الدار ثم ~~طلب جار الحائط الشفعة فله الشفعة في الحائط ولا شفعة ms2620 له فيما بقي من ~~الدار؛ لأنه لم يكن جارا لبقية الدار وقت البيع إذ الحائط حائل بين ملكه ~~وبقية الدار فلا تجب الشفعة له وروي عن أبي يوسف في دار بين رجلين لرجل ~~فيها طريق فباع أحدهما نصيبه من الدار فشريكه في الدار أحق بالشفعة في ~~الدار ولصاحب الطريق الشفعة في الطريق؛ لأن الطريق إذا كان معينا كان ~~بمنزلة الحائط على ما ذكرنا وهذا على الرواية التي تقول الشريك في الحائط ~~جار في بقية الدار على ما ذكرنا فيما تقدم والله أعلم. ### | [فصل في شرائط وجوب الشفعة] # (فصل) : # وأما شرائط وجوب الشفعة فأنواع:. # (منها) عقد المعاوضة وهو البيع أو ما هو في معناه فلا تجب الشفعة # PageV05P010 # فيما ليس ببيع ولا بمعنى البيع حتى لا تجب بالهبة والصدقة والميراث ~~والوصية؛ لأن الآخذ بالشفعة يملك على المأخوذ منه بمثل ما ملك هو فإذا ~~انعدم معنى المعاوضة فلو أخذ الشفيع فإما أن يأخذ بالقيمة وإما أن يأخذ ~~مجانا بلا عوض لا سبيل إلى الأول؛ لأن المأخوذ منه لم يملكه بالقيمة ولا ~~سبيل إلى الثاني؛ لأن الحد على التبرع ليس بمشروع فامتنع الأخذ أصلا. # وإن كانت الهبة بشرط العوض فإن تقابضا وجبت الشفعة لوجود معنى المعاوضة ~~عند التقابض وإن قبض أحدهما دون الآخر فلا شفعة عند أصحابنا الثلاثة وعند ~~زفر تجب الشفعة بنفس العقد وهذا بناء على أصل وهو أن الهبة بشرط العوض ~~عندنا تبرع ابتداء معاوضة انتهاء وعنده معاوضة ابتداء وانتهاء ودلائل هذا ~~الأصل في كتاب الهبة نذكرها هناك إن شاء الله تعالى. # ولو وهب عقارا من غير شرط العوض ثم إن الموهوب له عوضه من ذلك دارا فلا ~~شفعة في الدارين لا في دار الهبة ولا في دار العوض؛ لأن إعطاء دار العوض ~~هبة مبتدأة إلا أنها اختصت بالمنع من الرجوع إلا أن تكون عوضا حقيقة بدليل ~~أنه لو وهب عشرة دراهم فعوضه بخمسة جاز ولو كان عوضا حقيقة لما جاز؛ لأنه ~~يكون ربا دل أن الثاني ليس بعوض عن الأول حقيقة ms2621 فلم يكن هذا معاوضة بل كان ~~هبة مبتدأة فلم تجب به الشفعة وتجب الشفعة في الدار التي هي بدل الصلح سواء ~~كان الصلح على الدار عن إقرار أو إنكار أو سكوت لوجود معنى المعاوضة. # (أما) في الصلح عن إقرار فظاهر؛ لأن المدعي ملك المدعى في حق المدعي ~~والمدعى عليه فكانت الدار التي هي بدل الصلح عوضا عن ملك ثابت في حقهما ~~جميعا فيتحقق معنى المعاوضة في هذا الصلح. # (وأما) في الصلح عن إنكار فلان عند المدعي أنه أخذ الدار عوضا عن ملكه ~~الثابت فكان الصلح معاوضة في حقه وكان للشفيع فيها حق الشفعة وكذا في الصلح ~~عن سكوت المدعى عليه؛ لأن المدعي إن كان محقا في دعواه كان بدل الصلح عوضا ~~عن ملكه حقيقة وإن كان مبطلا كان عوضا عن ملكه في زعمه فيتحقق معنى ~~المعاوضة في زعمه وكذا تجب الشفعة في الدار المصالح عنها عن إقرار لوجود ~~معنى المعاوضة في هذا الصلح من الجانبين جميعا. # (وأما) عن إنكار فلا تجب به الشفعة؛ لأن في زعم المدعى عليه أن الدار ~~المدعاة ملكه وإنما بذل المال لدفع الخصومة الباطلة فلا يتحقق معنى ~~المعاوضة في حقه فلم يكن للشفيع أن يأخذها منه بالشفعة للحال ولكنه يقوم ~~مقام المدعي في إقامة الحجة فإن أقام البينة على صاحب اليد أن الدار كانت ~~للمدعي أو حلف المدعى عليه فنكل فله الشفعة؛ لأنه تبين أن الصلح وقع معاوضة ~~حقيقة وإن لم تقم له الحجة فلا شفعة له وكذلك لا تجب الشفعة في الدار ~~المصالح عنها عن سكوت؛ لأن المدعي إن كان محقا في دعواه كان الصلح معاوضة ~~فتجب الشفعة وإن كان مبطلا لم يكن معاوضة في حق المدعى عليه فلا تجب الشفعة ~~مع الاحتمال؛ لأن الحكم كما لا يثبت بدون شرطه لا يثبت مع وجود الشك في ~~شرطه؛ لأن غير الثابت بيقين لا يثبت بالشك ولو كان بدل الصلح منافع فلا ~~شفعة في الدار المصالح عنها سواء كان الصلح عن إنكار أو إقرار؛ لأن بدل ~~الصلح ms2622 ليس بعين مال فلم يكن هذا الصلح معاوضة عين المال بعين المال وهذا من ~~شرائط ثبوت الشفعة على ما نذكره إن شاء الله تعالى. # ولو اصطلحا على أن يأخذ المدعى عليه الدار ويعطيه دارا أخرى فإن كان ~~الصلح عن إنكار تجب في كل واحدة من الدارين الشفعة بقيمة الدار الأخرى؛ لأن ~~الصلح إذا كان عن إنكار كان الصلح على معاوضة دار بدار وإن كان عن إقرار لا ~~يصح الصلح ولا تجب الشفعة في الدارين جميعا؛ لأنهما جميعا ملك المدعي ولو ~~اشترى دارا فسلم الشفيع الشفعة ثم رد المشتري الدار بخيار رؤية أو شرط قبل ~~القبض أو بعده فأراد الشفيع أن يأخذ الدار بالشفعة بسبب الرد لم يكن له ~~ذلك؛ لأن الرد بخيار الرؤية والشرط ليس في معنى البيع ألا ترى أنه يرد من ~~غير رضا البائع بل هو فسخ محض في حق الكل ورفع العقد من الأصل كأنه لم يكن ~~فيعود إليه قديم ملكه فلم يتحقق معنى البيع فلا تجب الشفعة وكذا لو رد عليه ~~بعيب قبل القبض أو بعده بقضاء القاضي؛ لأن الرد بقضاء القاضي فسخ مطلق وإن ~~كان بغير قضاء القاضي فللشفيع الشفعة؛ لأن الرد بغير قضاء بيع جديد في حق ~~ثالث. # وكذا الإقالة قبل القبض أو بعده؛ لأنها بيع جديد في حق ثالث ولا تجب ~~الشفعة في القسمة وإن كان فيها معنى المعاوضة؛ لأنها ليست # PageV05P011 # بمعاوضة محضة بل فيها معنى الإقرار والتمييز ألا ترى أنه يجرى فيها الجبر ~~فلم تكن معاوضة مطلقة فلا تجب فيها الشفعة كما إذا صالح عن دم عمد على دار ~~أنه لا تجب الشفعة. # (ومنها) معاوضة المال بالمال فلا تجب في معاوضة المال بغير المال؛ لأن ~~الأخذ بالشفعة تملك بمثل ما تملك به المشتري فلو وجبت في معاوضة المال بغير ~~المال فإما أن يأخذ بما تملك به المشتري ولا سبيل إليه؛ لأنه تملك بالقصاص ~~وإما أن يأخذ بقيمة الدار ولا سبيل إليه أيضا؛ لأن المشتري لم يتملك به ~~فامتنع التملك أصلا وعلى هذا ms2623 يخرج ما إذا صالح عن دم العمد على دار أنه لا ~~تجب الشفعة؛ لأن القصاص ليس بمال فلم توجد معاوضة المال بالمال وكذا لو ~~صالح من جناية توجب القصاص فيما دون النفس على دار لما قلنا ولو صالح من ~~جناية توجب الأرش دون القصاص على دار تجب فيها الشفعة بالأرش لوجود معاوضة ~~المال بالمال وكذا لو أعتق عبدا على دار؛ لأن العتق ليس بمال فلم توجد ~~معاوضة المال بالمال. # (ومنها) معاوضة عين المال بعين المال فلا تجب في معاوضة عين المال بما ~~ليس بعين المال لما ذكرنا أن التملك بما تملكه به المشتري غير ممكن والتملك ~~بعين المال ليس تملكا بما تملك به المشتري فامتنع أصلا وعلى هذا يخرج ما ~~إذا جعل الدار مهرا بأن تزوج على دار أو جعلها بدل الخلع بأن خالع امرأته ~~على دار أو جعلها أجرة في الإجارات بأن استأجر بدار؛ لأن هذا معاوضة المال ~~بالمنفعة؛ لأن حكم الإجارة ثبت في المنفعة وكذا حكم النكاح وهو الصحيح على ~~ما عرف في مسائل النكاح من الخلاف والمنفعة ليست بمال وهذا عند أصحابنا - ~~رحمهم الله - وقال الشافعي - رحمه الله - هذا ليس بشرط وتجب الشفعة في هذه ~~المواضع فيأخذها الشفيع بقيمة البضع وهي مهر المثل في النكاح والخلع وفي ~~الإجارة بأجرة المثل. # (وجه) قوله أن الأخذ بالشفعة تملك بمثل ما تملك به المشتري عند الإمكان ~~وعند التعذر تقام قيمته مقامه ألا ترى أنه لو اشترى دارا بعبد فالشفيع ~~يأخذها بقيمة العبد لتعذر الأخذ بمثله إذ لا مثل له فتقوم قيمته مقامه كذا ~~ههنا والمنافع تتقوم بالعقد بلا خلاف فتقام قيمة العوض مقامه. # (ولنا) أن المنافع في الأصل لا قيمة لها على أصول أصحابنا والأصل فيها أن ~~لا تكون مضمونة؛ لأن الشيء يضمن بمثله في الأصل والعرض لا يماثل العين ~~ولهذا قالوا إنها لا تضمن بالغصب والإتلاف إلا أنها تتقوم بالعقد بطريق ~~الضرورة ولحاجة الناس فبقي ما وراء ذلك على الأصل فلا يظهر تقومها في حق ~~الشفيع ولو تزوج امرأة ms2624 على دار على أن ترد المرأة عليه ألفا فلا شفعة في ~~شيء من الدار عند أبي حنيفة - رحمه الله - وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله ~~تجب الشفعة في حصة الألف. # (وجه) قولهما أن الدار بعضها مهر وبعضها مبيع فلئن تعذر إيجاب الشفعة في ~~حصة المهر أمكن إيجابها في حصة المبيع فتجب في حصته. # (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - أنه لا يمكن إيجاب الشفعة في حصة ~~المبيع إلا بعد قسمة الدار وفي قسمتها تقويم المنافع ولا قيمة لها إلا عند ~~الضرورة على ما بينا ولأن المهر في الدار هو الأصل؛ لأنها إنما دفعت الألف ~~لتسلم لها الدار فإذا لم تثبت الشفعة في الأصل فكيف تجب في التابع؟ ولو ~~تزوجها على مهر مسمى ثم باع داره من المرأة بذلك المهر أو تزوجها بغير مهر ~~مسمى ثم باع داره من المرأة بمهر المثل تجب فيها الشفعة؛ لأن هذا مبيع ~~مبتدأ فتجب به الشفعة ولو تزوجها على دار أو تزوجها على غير مسمى ثم فرض ~~لها داره مهرا لا تجب فيها الشفعة؛ لأن الغرض منه ليس ببيع بل هو تقدير ~~المهر فلا تجب الشفعة. # (ومنها) أن يكون المبيع عقارا وما هو بمعناه فإن كان غير ذلك فلا شفعة ~~فيه عند عامة العلماء - رضي الله عنهم - وقال مالك - رضي الله عنه - هذا ~~ليس بشرط وتجب الشفعة في السفن. # (وجه) قوله أن السفينة أحد المسكنين فتجب فيها الشفعة كما تجب في المسكن ~~الآخر وهو العقار ولنا ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«لا شفعة إلا في ربع أو حائط» ؛ لأن الشفعة في العقار ما وجبت لكونه مسكنا ~~وإنما وجبت لخوف أذى الدخيل وضرره على سبيل الدوام وذلك لا يتحقق إلا في ~~العقار ولا تجب إلا في العقار أو ما في معناه وهو العلو على ما نذكره إن ~~شاء الله تعالى سواء كان العقار مما يحتمل القسمة أو لا يحتملها كالحمام ~~والرحا والبئر والنهر والعين والدور الصغار عند أصحابنا - رحمهم الله ms2625 -. # وقال الشافعي - رحمه الله - لا تجب الشفعة إلا في عقار يحتمل القسمة ~~والكلام فيه يرجع إلى أصل تقدم ذكره وهو # PageV05P012 # أن الشفعة عندنا وجبت معلولة بدفع ضرر الدخيل وأذاه على سبيل اللزوم وذلك ~~يوجد فيما يحتمل القسمة وفيما لا يحتمل القسمة على السواء وعنده وجبت ~~معلولة بدفع ضرر خاص وهو ضرر القسمة فلا يتعدى إلى ما لا يحتمل القسمة وهذا ~~مع أنه تعليل لمنع التعدية قد أبطلناه فيما تقدم وروي عن النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - أنه قال «إنما الشفعة فيما لم يقسم من غير فصل» وإذا بيع ~~سفل عقار دون علوه أو علوه دون سفله أو بيعا جميعا وجبت الشفعة أما السفل ~~فلا شك فيه؛ لأنه عقار وأما العلو بدون السفل فتجب فيه الشفعة إذا كان ~~العلو قائما استحسانا؛ لأن حق البناء على السفل متعلق به على سبيل التأبيد ~~فصار بمعنى العقار فتجب فيه الشفعة ولو انهدم العلو ثم بيع السفل وجبت ~~الشفعة لصاحب العلو عند أبي يوسف وعند محمد لا شفعة له ذكره محمد في ~~الزيادات. # (وجه) قول أبي يوسف أن البناء وإن بطل فحق البناء قائم وأنه حق متعلق ~~بالبقعة على سبيل الاستقرار والتأبيد فكان بمنزلة البقعة. # (وجه) قول محمد أن الشفعة إنما تجب إما بالشركة في الملك أو الحقوق أو ~~بجوار الملك ولم يوجد شيء من ذلك أما الشركة فظاهر الانتفاء وكذا الجوار؛ ~~لأن الجوار كان بالبناء وقد زال البناء فلا تجب الشفعة وذكر في الزيادات ~~فيمن باع علوا فاحترق قبل التسليم بطل البيع هكذا ذكر ولم يحك خلافا من ~~مشايخنا - رحمهم الله - من قال هذا قوله. # (فأما) على أصل أبي يوسف ينبغي أن لا يبطل؛ لأنه يجعل في حق البناء ~~بمنزلة العرصة فصار كأنه باع العرصة مع البناء فاحترق البناء. # (ومنها) زوال ملك البائع عن المبيع؛ لأن الشفيع يملك المبيع على المشتري ~~بمثل ما ملك به فإذا لم يزل ملك البائع استحال تملك المشتري فاستحال تملك ~~الشفيع فلا تجب الشفعة في المبيع بشرط خيار البائع؛ لأن ms2626 خياره يمنع زوال ~~المبيع عن ملكه حتى لو أسقط خياره وجبت الشفعة؛ لأنه تبين أن المبيع زال عن ~~ملكه من حين وجود المبيع ولو كان الخيار للمشتري تجب الشفعة؛ لأن خياره لا ~~يمنع زوال المبيع عن ملك البائع وحق الشفعة يقف عليه ولو كان الخيار لهما ~~لم تجب الشفعة لأجل خيار البائع ولو شرط البائع الخيار للشفيع فلا شفعة له؛ ~~لأن شرط الخيار للشفيع شرط لنفسه وأنه يمنع وجوب الشفعة فإن أجاز الشفيع ~~البيع جاز البيع ولا شفعة له؛ لأن البيع تم من جهته فصار كأنه باع ابتداء ~~وإن فسخ البيع فلا شفعة له؛ لأن ملك البائع لم يزل والحيلة للشفيع في ذلك ~~أن لا يفسخ ولا يجيز حتى يجيز البائع أو يجوز هو بمضي المدة فتكون له ~~الشفعة وخيار العيب والرؤية لا يمنع وجوب الشفعة؛ لأنه لا يمنع زوال ملك ~~البائع. # (ومنها) زوال حق البائع فلا تجب الشفعة في المشترى شراء فاسدا؛؛ لأن ~~للبائع حق النقض والرد إلى ملكه ردا للفساد، وفي إيجاب الشفعة تقرير الفساد ~~حتى لو سقط حق الفسخ بأسباب مسقطة للفسخ كالزيادة وزوال ملك المشتري ونحو ~~ذلك كان للشفيع أن يأخذ بالشفعة؛ لأن المانع قيام الفسخ وقد زال كما لو باع ~~بشرط الخيار له ثم أسقط الخيار وجبت الشفعة لزوال المانع من الوجوب وهو ~~الخيار فكذا هذا ولو باعها المشتري شراء فاسدا بيعا صحيحا فجاء الشفيع فهو ~~بالخيار؛ إن شاء أخذها بالبيع الأول وإن شاء أخذها بالبيع الثاني؛ لأن حق ~~الشفيع ثابت عند كل واحد من البيعين لوجود سبب الثبوت عند كل واحد منهما ~~وشرائطه فكان له الخيار. # غير أنه إن أخذ بالبيع الثاني أخذ بالثمن وإن أخذ بالبيع الأول أخذ بقيمة ~~المبيع يوم القبض؛ لأن الشفيع يتملك بما تملك به المشتري، والمشتري الثاني ~~تملك بالثمن؛ لأن البيع الثاني صحيح، والبيع الصحيح يفيد الملك بالمسمى وهو ~~الثمن، والمشتري الأول تملك المبيع بقيمته؛ لأن البيع الفاسد يفيد الملك ~~بقيمة المبيع لا بالثمن وإنما تعتبر قيمته يوم القبض؛ ms2627 لأن المبيع بيعا ~~فاسدا مضمون بالقبض كالمغصوب؛ وعلى هذا الأصل يخرج قول أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه - فيمن اشترى أرضا شراء فاسدا فبنى عليها أنه يثبت للشفيع حق ~~الشفعة؛ لأن حق البائع في القبض قد زال بالبناء وبطل فزال المانع من وجوب ~~الشفعة. # وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يثبت؛ لأن حق البائع لم يبطل بالبناء ~~فكان المانع قائما، وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة - رحمه الله - في المريض ~~إذا باع الدار من وارثه بمثل قيمتها وشفيعها أجنبي أنه لا شفعة له؛ لأن بيع ~~المريض مرض الموت عينا من أعيان ماله لوارثه فاسد عنده إلا إذا أجاز ~~الورثة، وإن كان بمثل القيمة ولا شفعة له في البيع الفاسد إلا إذا أجاز ~~فتجب الشفعة. # ولو باعها من أجنبي بمثل قيمتها والوارث شفيعها لا شفعة للوارث عنده # PageV05P013 # أيضا؛ لأنه يصير كأنه باعها من الوارث ابتداء لتحول ملك الصفقة إليه أو ~~لتقدير صفقة أخرى مع الوارث وذلك فاسد عنده، وعندهما تجب الشفعة للوارث؛ ~~لأن العقد جائز، هذا إذا باع بمثل القيمة فأما إذا باع وحابى بأن باعها ~~بألفين وقيمتها ثلاثة آلاف؛ فإن باعها من الوارث وشفيعها أجنبي فلا شك أنه ~~لا شفعة عند أبي حنيفة عليه الرحمة؛ لأن بيعها من الوارث بمثل القيمة فاسد ~~عنده فبالمحاباة أولى ولا شفعة في البيع الفاسد، وعندهما البيع جائز ولكن ~~يدفع قدر المحاباة فتجب الشفعة. # ولو باع من أجنبي فكذلك لا شفعة للوارث عند أبي حنيفة - رحمه الله -؛ لأن ~~الشفيع يأخذها بتلك الصفقة بالتحول إليه أو بصفقة مبتدأة مقدرة بينهما فكان ~~بيعا من الوارث بالمحاباة، وسواء أجازت الورثة أو لم يجيزوا؛ لأن الإجازة ~~محلها العقد الموقوف، والشراء وقع نافذا من المشتري؛ لأن المحاباة قدر ~~الثلث وهي نافذة من الأجنبي فلغت الإجازة في حق المشتري فتلغو في حق الشفيع ~~أيضا. # وأما عندهما فقد اختلفت الروايات فيه؛ في رواية كتاب الشفعة من الأصل ~~والجامع لا شفعة له، وفي رواية كتاب الوصايا له الشفعة، وهي من مسائل ~~الجامع تعرف ms2628 ثمة إن شاء الله تعالى. # (ومنها) ملك الشفيع وقت الشراء في الدار التي يأخذها بالشفعة؛ لأن سبب ~~الاستحقاق جوار الملك، والسبب إنما ينعقد سببا عند وجود الشرط، والانعقاد ~~أمر زائد على الوجود فإذا لم يوجد عند البيع كيف ينعقد سببا؟ فلا شفعة له ~~بدار يسكنها بالإجارة والإعارة، ولا بدار باعها قبل الشراء، ولا بدار جعلها ~~مسجدا، ولا بدار جعلها وقفا، وقضى القاضي بجوازه أو لم يقض على قول من يجيز ~~الوقف؛ لأنه زال ملكه عنها لا إلى أحد. # ومنها ظهور ملكه للمشتري عند الإنكار بحجة مطلقة؛ وهي البينة وهذا في ~~الحقيقة شرط ظهور الحق لا شرط ثبوته، وعلى هذا يخرج ما إذا أنكر المشتري ~~كون الدار التي يشفع بها مملوكة للشفيع أنه ليس له أن يأخذ بالشفعة حتى ~~يقيم البينة أنها داره، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وإحدى الروايتين عن أبي ~~يوسف. # وروي عنه رواية أخرى أن هذا ليس بشرط، والقول قول الشفيع ولا يحتاج إلى ~~إقامة البينة وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله. # (وجه) هذه الرواية أن الملك كان ثابتا للشفيع في هذه الدار لوجود سبب ~~الثبوت، وما ثبت يبقى إلى أن يوجد المزيل ولأن اليد دليل الملك، ألا ترى أن ~~من رأى شيئا في يد إنسان حل له أن يشهد له بالملك دل أن اليد دليل الملك من ~~حيث الظاهر فكان الملك ثابتا للشفيع ظاهرا. # (وجه) ظاهر الرواية أن سبب ثبوت الحكم لا يوجب بقاءه وإنما البقاء بحكم ~~استصحاب الحال لا يصلح للإلزام على الغير؛ كحياة المفقود وحرية الشهود ونحو ~~ذلك، والحاجة ههنا إلى إلزام المشتري فلا يظهر الملك في حق المشتري. # وقوله: اليد دليل الملك قلنا: إن سلم ذلك فالثابت باليد ملك يظهر في حق ~~الدفع لا في حق الاستحقاق على الغير، والحاجة ههنا إلى الاستحقاق على ~~المشتري فلا يكفي الملك الثابت بظاهر اليد، وذكر عن أبي يوسف فيمن ادعى على ~~آخر دارا وأقام البينة على أن هذه الدار كانت في يد أبيه مات وهي في يده ms2629 ~~أنه يقضى له بالدار فإن جاء يطلب بها شفعة دار أخرى إلى جنبها لم يقض له ~~بالشفعة حتى يقيم البينة على الملك لم يجعل القضاء باليد قضاء بالملك على ~~الإطلاق حيث لم يوجب به الشفعة، وعلى هذا يخرج ما ذكر عن محمد أنه قال في ~~حائط بين دارين لكل واحد منهما عليه خشبة ولا يعلم أن الحائط بينهما إلا ~~بالخشبة فبيعت إحدى الدارين أنه إن أقام الآخر بينة أن الحائط بينهما فهو ~~أحق من الجار؛ لأنه شريك، وإن لم يقم بينة لم أجعله شريكا؛ لأن ملك الحائط ~~بينهما لم يثبت إلا بظاهر الاستعمال بالخشبة، والملك الثابت بمثل هذا ~~الظاهر لا يكفي لاستحقاق الشفعة، قال: ولو أقر البائع قبل البيع أن الحائط ~~بينهما لم أجعل له بهذا شفعة بمنزلة دار في يد رجل أقر أنها لآخر فبيعت إلى ~~جنبها دار فطلب المقر له الشفعة فلا شفعة له حتى يقيم البينة أن الدار ~~داره؛ لأن الملك في الموضعين جميعا ثبت بالإقرار وأنه حجة قاصرة، فيظهر في ~~حق المقر في المسألة الأولى، وفي المسألة الثانية يظهر في حق المقر له خاصة ~~ولا يتعدى إلى المشتري. # وذكر في المنتقى عن أبي يوسف في رجل في يده دار عرف القاضي أنها له، ~~فبيعت دار إلى جنب داره فقال - الشفيع بعد بيع الدار التي فيها الشفعة -: ~~داري هذه لفلان وقد بعتها منه منذ سنة، وقال: هذا في وقت يقدر على الأخذ ~~بالشفعة، أو طلبها لنفسه، قال: لا شفعة له في الدار حتى يقيم المقر له بينة ~~على المشتري. # (أما) المقر فلا شك أنه لا شفعة له # PageV05P014 # لأنه لا ملك له وقت البيع في الدار بإقراره بالبيع قبله. # (وأما) المقر له فلما ذكرنا أن الملك الثابت بالإقرار ليس بثابت بحجة ~~مطلقة لكون الإقرار حجة قاصرة فلا يظهر في حق الاستحقاق على المشتري. # وذكر الخصاف في إسقاط الشفعة أن البائع إذا أقر بسهم من الدار للمشتري ثم ~~باع منه بقية الدار أن الجار لا يستحق الشفعة؛ لأن المشتري ms2630 صار شريك البائع ~~في ذلك السهم، والشريك مقدم على الجار، ومن أصحابنا من خطأ الخصاف في هذا ~~وقال: تجب الشفعة للجار؛ لأن شركة المشتري لم تثبت إلا بالإقرار من البائع، ~~والإقرار حجة قاصرة فلا يظهر في حق الجار فكان على شفعته، وكان يستدل ~~بمسألة الحائط والله سبحانه وتعالى أعلم. # (ومنها) أن لا تكون الدار المشفوعة ملكا للشفيع وقت البيع، فإن كانت لم ~~تجب الشفعة لاستحالة تملك الإنسان مال نفسه، وعلى هذا يخرج ما إذا باع ~~المأذون دارا والمولى شفيعها أنه إن لم يكن عليه دين فلا شفعة للمولى؛ ~~لأنها ملك المولى، والعبد كالوكيل عنه بالبيع فلا تثبت له الشفعة. # وإن كان عليه دين فله الشفعة؛ لأن المولى لا يملك كسب عبده المأذون ~~المديون فكان بمنزلة الأجنبي وكذا إذا باع المولى دارا والمأذون شفيعها ~~وعليه دين فله الشفعة؛ لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء من المشتري، وشراء ~~كل واحد منهما من صاحبه جائز، وإن لم يكن عليه دين فلا يتصور الأخذ ~~بالشفعة؛ لأن الأخذ يقع تملكا للمولى، وتملك المولى محال. # ولو اشترى المأذون دارا والمولى شفيعها؛ فإن كان عليه دين فلمولاه ~~الشفعة؛ لأن الملك بالشراء لم يقع للمولى وإن لم يكن عليه دين فلا يستحق ~~الأخذ بالشفعة؛ لأن الملك يقع له وكذا إذا اشترى المولى دارا والمأذون ~~شفيعها فإن كان عليه دين فله الشفعة وإن لم يكن فلا يتصور الأخذ بالشفعة ~~لما قلنا. # (وأما) المكاتب إذا باع أو اشترى دارا والمولى شفيعها فله أن يأخذ ~~بالشفعة سواء كان عليه دين أو لم يكن؛ لأنه فيما يبيع ويشتري مع المولى ~~بمنزلة الأجنبي؛ لأنه حر يدا ألا ترى أنه لا سبيل لمولاه على ما في يده ~~فكان في حق ما في يده ملحقا بسائر الأجانب، والله سبحانه وتعالى أعلم. # (ومنها) عدم الرضا من الشفيع بالبيع وحكمه، فإن رضي بالبيع أو بحكمه فلا ~~شفعة له؛ لأن حق الشفعة إنما يثبت له دفعا لضرر المشتري، فإذا رضي بالشراء ~~أو بحكمه فقد رضي بضرر جواره فلا يستحق ms2631 الدفع بالشفعة، ثم الرضا قد يكون ~~صريحا وقد يكون دلالة. # (أما) الصريح فلا يشكل. # (وأما) الدلالة فنحو أن يبيع الشفيع الدار المشفوع فيها بأن وكله صاحب ~~الدار ببيعها فباعها فلا شفعة له؛ لأن بيع الشفيع دلالة الرضا بالعقد، ~~وثبوت حكمه وهو الملك للمشتري، وكذلك المضارب إذا باع دارا من مال المضاربة ~~ورب المال شفيعها بدار له أخرى فلا شفعة لرب الدار سواء كان في الدار ربح ~~أو لم يكن. # (أما) إذا لم يكن فيها ربح؛ فلأن المضارب وكيله بالبيع والرضا بالتوكيل ~~بالبيع رضا بالبيع وحكمه ضرورة وأنه يمنع وجوب الشفعة وإن كان فيها ربح. # (أما) في حصة رب المال فلما ذكرنا من وجود دلالة الرضا بالبيع في حصته. # (وأما) في حصة المضارب؛ فلأنه متى امتنع الوجوب في حصة رب المال - فلو ~~ثبت في حصة المضارب - لأدى إلى تفريق الصفقة على المشتري وأنه لا يجوز، ~~ولأن المشتري صار شريكا للمضارب، والشريك مقدم على الجار، ولو كان الشفيع ~~وكيلا بشراء الدار المشفوع فيها فاشترى لموكله فللشفيع الشفعة؛ لأن الشراء ~~لغيره لا يكون فوق الشراء لنفسه، والشراء لنفسه لا يمنع وجوب الشفعة حتى لو ~~اشترى الدار المشفوع فيها ثم حضر شفيع آخر كان له أن يأخذ النصف بالشفعة، ~~فالشراء لغيره لأن لا يمنع الوجوب أولى ولو باع رب المال دارا لنفسه - ~~والمضارب شفيعها - بدار من المضاربة فإن كان في يده من مال المضاربة وفاء ~~بثمن الدار لم تجب الشفعة؛ لأن الأخذ إذ ذاك يقع لرب المال وقد وجد منه ~~دلالة الرضا بثبوت الملك للمشتري وأنه يمنع وجوب الشفعة، ولو لم يكن في يده ~~وفاء؛ فإن لم يكن في الدار ربح فلا شفعة أيضا؛ لأن الأخذ يقع لرب المال، ~~وإن كان فيها ربح فللمضارب أن يأخذها بالشفعة لنفسه؛ لأن له نصيبا في ذلك ~~ولم يوجد منه الرضا بسقوط حقه. # ولو اشترى أجنبي دارا إلى جنب دار المضاربة؛ فإن كان في يد المضارب وفاء ~~بالثمن فله أن يأخذها بالشفعة للمضاربة وله أن يسلم الشفعة؛ لأن ms2632 حق الأخذ ~~له فيملك تسليمه، وإن لم يكن في يده وفاء؛ فإن كان في الدار ربح فالشفعة ~~لرب المال والمضارب جميعا؛ لأن الدار مشتركة بينهما، وإن لم يكن فيها ربح ~~فالشفعة لرب # PageV05P015 # المال خاصة؛ لأن الدار ملكه خاصة والشفعة من حقوق الملك. # وعلى هذا يخرج ما إذا باع الدار على أن يضمن له الشفيع الثمن من المشتري ~~فضمن وهو حاضر حتى جاز البيع أنه لا شفعة للشفيع؛ لأن ضمان الثمن من ~~المشتري دلالة الرضا بالشراء وحكمه؛ لأن تمام العقد وإبرامه يتعلق به فكان ~~دليل الرضا وكذا لو اشترى المشتري الدار على أن يضمن الشفيع الدرك عن ~~البائع فضمن وهو حاضر حتى جاز البيع أنه لا شفعة للشفيع؛ لأنه لما ضمن ~~الدرك فقد صار راضيا بالعقد وحكمه، وهو الملك للمشتري فلم تجب الشفعة، وأما ~~إسلام الشفيع فليس بشرط لوجوب الشفعة فتجب لأهل الذمة فيما بينهم، وللذمي ~~على المسلم؛ لأن هذا حق التملك على المشتري بمنزلة الشراء منه، والكافر ~~والمسلم في ذلك سواء؛ لأنه من الأمور الدنيوية. # وروي عن شريح أنه قضى بالشفعة لذمي على مسلم فكتب إلى سيدنا عمر - رضي ~~الله تعالى عنه - فأجازه وكان ذلك بمحضر من الصحابة الكرام - رضي الله ~~تعالى عنهم - فيكون ذلك إجماعا. # ولو اشترى ذمي من ذمي دارا بخمر أو خنزير وشفيعها ذمي أو مسلم وجبت ~~الشفعة عند أصحابنا - رحمهم الله -، وقال الشافعي - رحمه الله -: لا تجب؛ ~~بناء على أن ذلك ليس بمال عنده أصلا حتى لم يكن مضمونا بالإتلاف أصلا، ومن ~~شرط وجوب الشفعة معاوضة المال بالمال، وعندنا هو مال متقوم في حق أهل الذمة ~~بمنزلة الخل والشاة لنا، ثم إذا وجبت الشفعة - فإن كان الشفيع ذميا أخذ ~~الدار بمثل الخمر وبقيمة الخنزير؛ لأن الخمر عندهم من ذوات الأمثال كالخل، ~~والخنزير ليس من ذوات الأمثال بل من ذوات القيم كالشاة، وإن كان مسلما ~~أخذها بقيمة الخمر والخنزير؛ لأن الأخذ تملك والمسلم ليس من أهل تملك الخمر ~~والخنزير ومتى تعذر عليه التملك بالعين تملك بالقيمة؛ كما ms2633 لو كان الشراء ~~بالعرض أنه يأخذها بقيمة العرض كذا هذا. # وكذا الحرية والذكورة والعقل والبلوغ والعدالة فتجب الشفعة للمأذون ~~والمكاتب ومعتق البعض والنسوان والصبيان والمجانين وأهل البغي؛ لأنه حق ~~مبني على الملك، وهؤلاء من أهل ثبوت الملك لهم إلا أن الخصم فيما يجب للصبي ~~أو عليه وليه الذي يتصرف في ماله من الأب ووصيه، والجد لأب ووصيه، والقاضي ~~ووصي القاضي، فإذا بيعت دار والصبي شفيعها كان لوليه أن يطالب بالشفعة ~~ويأخذ له؛ لأن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء من المشتري، والولي يملك ذلك ~~كما يملك الشراء فإن سلم الشفعة صح التسليم ولا شفعة للصبي إذا بلغ عند أبي ~~حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهما -، وعند محمد وزفر رحمهما الله لا يصح ~~تسليمه والصبي على شفعته إذا بلغ. # (وجه) قوله أن هذا حق ثبت للصبي نظرا فإبطاله لا يكون نظرا في حقه، ومثل ~~هذا لا يدخل تحت ولاية الولي كالعفو عن قصاص وجب للصبي على إنسان والإبراء ~~عن كفالته بنفس أو مال ولأبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ما ذكرنا أن ~~الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء فتسليمه امتناع من الشراء، وللولي ولاية ~~الامتناع من الشراء، ألا ترى أن من قال: بعت هذا الشيء لفلان الصبي لا يلزم ~~الولي القبول؛ وهذا لأن الولي يتصرف في مال الصبي على وجه المصلحة، ~~والمصلحة قد تكون في الشراء وقد تكون في تركه والولي أعلم بذلك فيفوض إليه، ~~وعلى هذا الخلاف إذا سكت الولي أو الوصي عن الطلب أنه يبطل حق الشفعة عند ~~أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعند محمد وزفر رحمهما الله لا يبطل. # وذكر في نوادر أبي يوسف - رحمه الله - فيمن اشترى دارا وابنه الصغير ~~شفيعها كان له أن يأخذ لابنه الصغير بالشفعة، فإن لم يأخذ وسلم لنفسه جاز؛ ~~لأن الشراء لا ينافي الأخذ بالشفعة؛ لأن كل واحد منهما تملك بعوض ولهذا لو ~~كان وكيلا بالشراء لغيره كان له أن يأخذ بالشفعة لنفسه فلأن يملك الأخذ ~~لابنه أولى، وإذا ملك الأخذ ملك التسليم؛ لأنه امتناع ms2634 عن الأخذ، ولو باع ~~دارا لنفسه وابنه شفيعها لم يكن له أن يأخذ بالشفعة؛ لأن الأخذ بالشفعة ~~تملك والبيع تمليك فينافي التملك، ولهذا لا يملك الوكيل بالبيع لغيره أن ~~يأخذ بالشفعة وإذا لم يملك الأخذ لم يملك التسليم فلم يصح تسليمه وتوقف إلى ~~حين بلوغ الصبي كما إذا لم يكن له ولي. # وأما الوصي إذا اشترى دارا لنفسه والصبي شفيعها لم يكن له أن يأخذ ~~بالشفعة للصغير ولو سلم الشفعة؛ فالصغير على شفعته وكذا إذا باع؛ لأنه ملك ~~الدار بالشراء لنفسه فبالأخذ بالشفعة للصغير يريد تمليك ما ملكه من الصغير. # والوصي لا يملك تمليك مال الصغير إلا إذا كان فيه نفع ظاهر له، وإذا لم ~~يملك الأخذ بالشفعة لم يكن سكوته عن الطلب تسليما للشفعة فبقي حق الصغير # PageV05P016 # في الشفعة يأخذه إذا بلغ، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في بيان ما يتأكد به حق الشفعة ويستقر] # (فصل) : # وأما بيان ما يتأكد به حق الشفعة ويستقر فنقول - وبالله تعالى التوفيق - ~~أنه يتأكد ويستقر بالطلب، والكلام في الطلب في مواضع في بيان وقت الطلب وفي ~~بيان شروطه وفي بيان كيفيته وفي بيان حكمه. # (أما) وقته فالطلب نوعان: طلب مواثبة وطلب تقرير. # (أما) طلب المواثبة فوقته وقت علم الشفيع بالبيع حتى لو سكت عن الطلب بعد ~~البيع قبل العلم به لم تبطل شفعته؛ لأنه ترك الطلب قبل وقت الطلب فلا يضره ~~ثم علمه بالبيع قد يحصل بسماعه بالبيع بنفسه وقد يحصل بإخبار غيره، لكن هل ~~يشترط فيه العدد والعدالة؟ اختلف أصحابنا - رحمهم الله - فيه فقال أبو ~~حنيفة: - رضي الله عنه - يشترط أحد هذين إما العدد في المخبر رجلان أو رجل ~~وامرأتان وإما العدالة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يشترط فيه العدد ولا ~~العدالة حتى لو أخبره واحد بالشفعة عدلا كان أو فاسقا، حرا أو عبدا مأذونا، ~~بالغا أو صبيا، ذكرا أو أنثى، فسكت ولم يطلب على فور الخبر على رواية الأصل ~~أو لم يطلب في المجلس على رواية محمد بطلت شفعته عندهما إذا ms2635 ظهر كون الخبر ~~صدقا، وهذا على اختلافهم عن عزل الوكيل وعن جناية العبد وعن عجز المولى على ~~ما نذكر في كتاب الوكالة، فهما يقولان: العدد والعدالة ساقطا الاعتبار شرعا ~~في المعاملات، وهذا من باب المعاملة فلا يشترط فيه العدد ولا العدالة. # ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أن هذا إخبار فيه معنى الإلزام ألا ترى أن ~~حق الشفيع يبطل لو لم يطلب بعد الخبر فأشبه الشهادة فيعتبر فيه أحد شرطي ~~الشهادة وهو العدد أو العدالة، ولو أخبر المشتري الشفيع بنفسه فقال قد ~~اشتريته فلم يطلب شفعته وإن لم يكن المشتري عدلا كذا روي عن أبي حنيفة؛ لأن ~~المشتري خصم، وعدالة الخصم ليست بشرط في الخصومات. # وقالوا في المخيرة إذا بلغها التخيير أنه لا يشترط في المخبر العدد ولا ~~العدالة، والفرق لأبي حنيفة - رحمه الله - أن الإخبار عن التخيير ليس في ~~معنى الشهادة؛ لخلوه عن إلزام حكم فلم يعتبر فيه أحد شرطي الشهادة، بخلاف ~~الإخبار عن البيع في باب الشفعة على ما بينا، والله سبحانه وتعالى أعلم ~~وأما شرطه فهو أن يكون على فور العلم بالبيع إذا كان قادرا عليه، حتى لو ~~علم بالبيع وسكت عن الطلب مع القدرة عليه بطل حق الشفعة في رواية الأصل ~~وروي عن محمد - رحمه الله - أنه على المجلس كخيار المخيرة وخيار القبول ما ~~لم يقم عن المجلس أو يتشاغل عن الطلب بعمل آخر لا تبطل شفعته وله أن يطلب، ~~وذكر الكرخي - رحمه الله - أن هذا أصح الروايتين. # (وجه) هذه الرواية أن حق الشفعة ثبت نظرا للشفيع دفعا للضرر عنه فيحتاج ~~إلى التأمل أن هذه الدار هل تصلح بمثل هذا الثمن؟ وأنه هل يتضرر بجوار هذا ~~المشتري فيأخذ بالشفعة؟ أو لا يتضرر فيترك؟ وهذا لا يصح بدون العلم بالبيع؟ ~~والحاجة إلى التأمل شرط المجلس في جانب المخيرة والقبول كذا ههنا. # (وجه) رواية الأصل ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«الشفعة لمن واثبها» وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «إنما ~~الشفعة كنشط ms2636 عقال إن قيد مكانه ثبت وإلا ذهب» وفي بعض الروايات: «إنما ~~الشفعة كحل عقال إن قيد مكانه ثبت وإلا فاللوم عليه» ولأنه حق ضعيف متزلزل ~~لثبوته على خلاف القياس؛ إذ الأخذ بالشفعة تملك مال معصوم بغير إذن مالكه؛ ~~لخوف ضرر يحتمل الوجود والعدم فلا يستقر إلا بالطلب على المواثبة. # (وأما) الإشهاد فليس بشرط لصحة الطلب حتى لو طلب على المواثبة ولم يشهد ~~صح طلبه فيما بينه وبين الله سبحانه وتعالى - جلت عظمته - وإنما الإشهاد ~~للإظهار عند الخصومة على تقدير الإنكار؛ لأن من الجائز أن المشتري لا يصدق ~~الشفيع في الطلب أو لا يصدق في الفور ويكون القول قوله، فيحتاج إلى الإظهار ~~بالبينة عند القاضي على تقدير عدم التصديق؛ لأنه شرط صحة الطلب. # ونظيره من أخذ لقطة ليردها على صاحبها فهلكت في يده لا ضمان عليه فيما ~~بينه وبين الله تبارك وتعالى، وإنما الحاجة إلى الإشهاد عند أبي حنيفة - ~~رضي الله عنه - لتوثيق الأخذ للرد على تقدير الإنكار؛ إلا أنه شرط البراءة ~~عن الضمان حتى لو صدقه صاحبها في ذلك ثم طلب منه الضمان ليس له ذلك ~~بالإجماع كذا هذا وإذا طلب على المواثبة؛ فإن كان هناك شهود أشهدهم وتوثق ~~الطلب، وإن لم يكن بحضرته من يشهده فبعث في طلب شهود لم تبطل شفعته لما ~~قلنا أن الإشهاد لإظهار الطلب عند الحاجة، لكن يصح الإشهاد على الطلب على ~~رواية الفور # PageV05P017 # فبطلت الشهادة على الفور ضرورة. # وعلى رواية المجلس إذا قال - وهو في المجلس -: ادعوا لي شهودا أشهدهم ~~فجاء الشهود فأشهدهم صح وتوثق الطلب؛ لأن المجلس قائم، ولو أخبر ببيع الدار ~~فقال: الحمد لله قد ادعيت شفعتها، أو سبحان الله قد ادعيت شفعتها فهو على ~~شفعته على رواية محمد؛ لأن هذا يذكر لافتتاح الكلام تبركا به فلا يكون دليل ~~الإعراض عن الطلب. # وكذا إذا سلم أو شمت العاطس؛ لأن ذلك ليس بعمل يدل على الإعراض؛ ولهذا لم ~~يبطل به خيار المخيرة، وكذلك إذا قال من ابتاعها وبكم بيعت؟ لأن الإنسان قد ~~يرضى ms2637 بمجاورة إنسان دون غيره وقد تصلح له الدار بثمن دون غيره فكان السؤال ~~عن حال الجار ومقدار الثمن من مقدمات الطلب لا إعراضا عنه، وهذا كله على ~~رواية اعتبار المجلس، فأما على رواية اعتبار الفور تبطل شفعته في هذه ~~المواضع لانقطاع الفور من غير ضرورة، ولو أخبر بالبيع وهو في الصلاة فمضى ~~فيها فالشفيع لا يخلو من أن يكون في الفرض أو في الواجب أو في السنة أو في ~~النفل المطلق فإن كان في الفرض لا تبطل شفعته؛ لأن قطعها حرام فكان معذورا ~~في ترك الطلب، وكذا إذا كان في الواجب؛ لأن الواجب ملحق بالفرض في حق ~~العمل، وإن كان في السنة فكذلك؛ لأن هذه السنن الراتبة في معنى الواجب سواء ~~كانت السنة ركعتين أو أربعا كالأربع قبل الظهر حتى لو أخبر بعدما صلى ~~ركعتين فوصل بهما الشفع الثاني لم تبطل شفعته؛ لأنها بمنزلة صلاة واحدة ~~واجبة. # وقال محمد: إذا بلغ الشفيع البيع فصلى بعد الجمعة أربعا لم تبطل شفعته، ~~وإن صلى أكثر من ذلك بطلت شفعته؛ لأن الأربع بتسليمة واحدة سنة فصار ~~كالركعتين والزيادة عليها ليست بسنة، وذكر محمد - رحمه الله - في المخيرة ~~إذا كانت في صلاة النفل فزادت على ركعتين بطل خيارها؛ لأن كل شفع من التطوع ~~صلاة على حدة، والغائب إذا علم بالشفعة فهو مثل الحاضر في الطلب والإشهاد؛ ~~لأنه قادر على الطلب الذي يتأكد به الحق وعلى الإشهاد الذي يتوثق به الطلب. # ولو وكل الغائب رجلا ليأخذ له بالشفعة فذلك طلب منه؛ لأن في التوكيل طلبا ~~وزيادة، وإذا طلب الغائب على المواثبة وأشهد فله بعد ذلك من الأجل مقدار ~~المسافة التي يأتي إلى حيث البائع أو المشتري أو الدار لا زيادة عليه؛ لأن ~~تأجيل هذا القدر للضرورة ولا ضرورة للزيادة. # (أما) طلب التقرير فشرطه أن يكون على فور الطلب الأول والإشهاد عليه، ~~فإذا طلب على المواثبة وأشهد على فوره ذلك شخصا إلى حيث البائع أو المشتري ~~أو الدار إذا كان قادرا عليه، وتفصيل الكلام فيه أن ms2638 المبيع إما أن يكون في ~~يد البائع وإما أن يكون في يد المشتري، فإن كان في يد البائع فالشفيع ~~بالخيار إن شاء طلب من البائع وإن شاء طلب من المشتري وإن شاء طلب عند ~~الدار. # (أما) الطلب من البائع والمشتري؛ فلأن كل واحد منهما خصم البائع باليد ~~والمشتري بالملك، فكان كل واحد منهما خصما فصح الطلب من كل واحد منهما. # (وأما) الطلب عند الدار؛ فلأن الحق متعلق بها فإن سكت عن الطلب من أحد ~~المتبايعين وعند الدار مع القدرة عليه بطلت شفعته؛ لأنه فرط في الطلب. # وإن كان في يد المشتري فإن شاء طلب من المشتري وإن شاء عند الدار، ولا ~~يطلب من البائع؛ لأنه خرج من أن يكون خصما لزوال يده ولا ملك له فصار ~~بمنزلة الأجنبي، ولو لم يطلب من المشتري ولا عند الدار وشخص إلى البائع ~~للطلب منه والإشهاد بطلت شفعته؛ لوجود دليل الإعراض، وفي الحقيقة لوجود ~~دليل الرضا ولو تعاقد البائع والمشتري في غير الموضع الذي فيه الدار فليس ~~على الشفيع أن يأتيهما ولكنه يطلب عند الدار ويشهد عليه؛ لأن الشفيع إذا ~~كان بجنب الدار - والعاقدان غائبان - تعينت الدار للطلب عندها والإشهاد، ~~فإن لم يطلب عندها وشخص إلى العاقدين بطلت شفعته لوجود الإعراض عن الطلب، ~~هذا إذا كان قادرا على الطلب من المشتري أو البائع أو عند الدار، فأما إذا ~~كان هناك حائل بأن كان بينهما نهر مخوف أو أرض مسبعة أو غير ذلك من الموانع ~~- لا تبطل شفعته بترك المواثبة إلى أن يزول الحائل. # (وأما) الإشهاد على هذا الطلب فليس بشرط لصحته كما ليس بشرط لصحة طلب ~~المواثبة، وإنما هو لتوثيقه على تقدير الإنكار كما في الطلب الأول، وكذا ~~تسمية المبيع وتحديده ليس بشرط لصحة الطلب والإشهاد في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه شرط؛ لأن الطلب لا يصح إلا بعد العلم، والعقار لا ~~يصير معلوما إلا بالتحديد فلا يصح الطلب والإشهاد بدونه. # (وأما) بيان كيفية الطلب فقد اختلف فيه # PageV05P018 # عبارات المشايخ؛ عن محمد ms2639 بن مقاتل الرازي - رحمه الله - أن الشفيع يقول ~~طلبت الشفعة وأطلبها وأنا طالبها، وعن محمد بن سلمة - رضي الله عنه - أنه ~~كان يقول طلبت الشفعة فحسب، وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني - رحمه الله - ~~أنه لا يراعى فيه ألفاظ الطلب بل لو أتى بلفظ يدل على الطلب أي لفظ كان ~~يكفي، نحو أن يقول ادعيت الشفعة أو سألت الشفعة ونحو ذلك مما يدل على ~~الطلب، وهو الصحيح؛ لأن الحاجة إلى الطلب ومعنى الطلب يتأدى بكل لفظ يدل ~~عليه سواء كان بلفظ الطلب أو بغيره. # (وأما) حكم الطلب فهو استقرار الحق فالشفيع إذا أتى بطلبين صحيحين استقر ~~الحق على وجه لا يبطل بتأخير المطالبة بالأخذ بالشفعة أبدا حتى يسقطها ~~بلسانه، وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وفي رواية أخرى ~~قال: إذا ترك المخاصمة إلى القاضي في زمان يقدر فيه على المخاصمة بطلت ~~شفعته، ولم يوقت فيه وقتا. # وروي عنه أنه قدره بما يراه القاضي، وقال محمد وزفر رحمهما الله: إذا مضى ~~شهر بعد الطلب ولم يطلب من غير عذر بطلت شفعته، وهو رواية عن أبي يوسف ~~أيضا. # (وجه) قول محمد وزفر أن حق الشفعة ثبت لدفع الضرر عن الشفيع، ولا يجوز ~~دفع الضرر عن الإنسان على وجه يتضمن الإضرار بغيره، وفي إبقاء هذا الحق بعد ~~تأخير الخصومة أبدا إضرار بالمشتري؛ لأنه لا يبني ولا يغرس خوفا من النقض ~~والقلع فيتضرر به فلا بد من التقدير بزمان لئلا يتضرر به، فقدرنا بالشهر؛ ~~لأنه أدنى الآجال، فإذا مضى شهر ولم يطلب من غير عذر فقد فرط في الطلب ~~فتبطل شفعته. # (وجه) قول أبي حنيفة - عليه الرحمة - أن الحق للشفيع قد ثبت بالطلبين، ~~والأصل أن الحق متى ثبت لإنسان لا يبطل إلا بإبطال ولم يوجد؛ لأن تأخير ~~المطالبة منه لا يكون إبطالا كتأخير استيفاء القصاص وسائر الديون، وقوله " ~~يتضرر المشتري " ممنوع فإنه إذا علم أن للشفيع أن يأخذ بالشفعة فالظاهر أن ~~يمتنع من البناء والغرس خوفا من النقض والقلع، فلئن فعل فهو ms2640 الذي أضر بنفسه ~~فلا يضاف ذلك إلى الأخذ بالشفعة؛ ولهذا لم يبطل حق الشفعة بغيبة الشفيع ولا ~~يقال أن فيه ضررا بالمشتري بالامتناع من البناء والغرس لما قلنا، كذا هذا. ### | [فصل في بيان ما يبطل به حق الشفعة بعد ثبوته] # (فصل) : # وأما بيان ما يبطل به حق الشفعة بعد ثبوته فنقول - وبالله التوفيق -: ما ~~يبطل به حق الشفعة بعد ثبوته في الأصل نوعان: اختياري وضروري؛ والاختياري ~~نوعان: صريح وما يجري مجرى الصريح دلالة؛ أما الأول فنحو أن يقول الشفيع: ~~أبطلت الشفعة أو أسقطتها أو أبرأتك عنها أو سلمتها ونحو ذلك؛ لأن الشفعة ~~خالص حقه فيملك التصرف فيها استيفاء وإسقاطا كالإبراء عن الدين والعفو عن ~~القصاص ونحو ذلك؛ سواء علم الشفيع بالبيع أو لم يعلم بعد أن كان بعد البيع؛ ~~لأن هذا إسقاط الحق صريحا وصريح الإسقاط يستوي فيه العلم والجهل كالطلاق ~~والإبراء عن الحقوق، بخلاف الإسقاط من طريق الدلالة فإنه لا يسقط حقه ثمة ~~إلا العلم، والفرق يذكر بعد هذا. # ولا يصح تسليم الشفعة قبل البيع؛ لأنه إسقاط الحق، وإسقاط الحق - قبل ~~وجوبه ووجود سبب وجوبه - محال ولو أخبر بالبيع بقدر من الثمن أو جنس منه أو ~~من فلان فسلم فظهر بخلافه هل يصح تسليمه؟ فالأصل في جنس هذه المسائل أنه ~~ينظر إن كان لا يختلف غرض الشفيع في التسليم صح التسليم وبطلت شفعته، وإن ~~كان يختلف غرضه لم يصح وهو على شفعته؛ لأن غرضه في التسليم إذا لم يختلف ~~بين ما أخبر به وبين ما بيع به وقع التسليم محصلا لغرضه فصح، وإذا اختلف ~~غرضه في التسليم لم يقع التسليم محصلا لغرضه فلم يصح التسليم وبيان هذا في ~~مسائل: إذا أخبر أن الدار بيعت بألف درهم فسلم ثم تبين أنها بيعت بألفين ~~فلا شفعة له؛ لأن تسليمه كان لاستكثاره الثمن فإذا لم تصلح له بأقل الثمنين ~~فبأكثرهما أولى، فحصل غرضه بالتسليم فبطلت شفعته. # ولو أخبر أنها بيعت بألف فسلم ثم تبين أنها بيعت بخمسمائة فله الشفعة؛ ~~لأن التسليم عند ms2641 كثرة الثمن لا يدل على التسليم عند قلته فلم يحصل غرضه ~~بالتسليم فبقي على شفعته. # ولو أخبر أنها بيعت بألف درهم ثم تبين أنها بيعت بمائة دينار فإن كانت ~~قيمتها ألفا أو أكثر فلا شفعة له وإن كانت أقل فهو على شفعته عند أصحابنا ~~الثلاثة - رضي الله عنهم - وقال زفر - رحمه الله -: له الشفعة في الوجهين ~~جميعا. # (وجه) قول زفر أن الدراهم والدنانير جنسان مختلفان حقيقة، واعتبار ~~الحقائق هو الأصل، والغرض يختلف باختلاف الجنس؛ لأنه قد يتيسر عليه جنس ~~ويتعذر عليه الآخر فلم يقع # PageV05P019 # التسليم محصلا لغرضه فيبقى على شفعته؛ كما لو أخبر أنها بيعت بحنطة فسلم ~~ثم تبين أنها بيعت بشعير قيمته مثل قيمة الحنطة. # (ولنا) أن الدراهم والدنانير في حق الثمنية كجنس واحد؛ لأنها أثمان ~~الأشياء، وقيمتها تقوم الأشياء بها تقويما واحدا أعني أنها تقوم بهذا مرة ~~وبذاك أخرى، وإنما يختلفان في القدر لا غير فوجب اعتبار قدر قيمتهما في ~~الكثرة والقلة، كما إذا أخبر أنها بيعت بألف درهم أو بمائة دينار فسلم ثم ~~تبين أنها بيعت بأكثر أو بأقل على ما بينا، كذا هذا بخلاف ما إذا أخبر أنها ~~بيعت بحنطة فسلم ثم تبين أنها بيعت بشعير قيمته مثل قيمة الحنطة أو أقل أو ~~أكثر؛ لأن هناك اختلف؛ إذ الحنطة والشعير جنسان مختلفان على الإطلاق، ~~واختلاف الجنس يوجب اختلاف الغرض فلم يصح التسليم. # ولو أخبر أنها بيعت بألف درهم فسلم ثم تبين أنها بيعت بمكيل أو بموزون ~~سوى الدراهم والدنانير أو عددي متقارب فالشفعة قائمة؛ لأن الثمن الذي وقع ~~به البيع إذا كان من ذوات الأمثال فالشفيع يأخذ بمثله، وأنه جنس آخر غير ~~الجنس الذي أخبر به الشفيع فاختلف الغرض. # ولو أخبر أنها بيعت بألف فسلم ثم تبين أنها بيعت بعرض وما ليس من ذوات ~~الأمثال؛ فإن كانت قيمته مثل الألف أو أكثر صح تسليمه، وإن كانت أقل لم يصح ~~تسليمه وله الشفعة؛ لأن الشفيع ههنا يأخذ الدار بقيمة العرض؛ لأنه لا مثل ~~له وقيمته دراهم أو ms2642 دنانير، فكان الاختلاف راجعا إلى القدر فأشبه الألف ~~والألفين والألف وخمسمائة على ما مر. # ولو أخبر بشراء نصف الدار فسلم ثم تبين أنه اشترى الجميع فله الشفعة ولو ~~أخبر بشراء الجميع فسلم ثم تبين أنه اشترى النصف فالتسليم جائز ولا شفعة ~~له. # هذا هو الرواية المشهورة في الفصلين وقد روي الجواب فيهما على القلب وهو ~~أن التسليم في النصف يكون تسليما في الكل، والتسليم في الكل لا يكون تسليما ~~في النصف. # (وجه) هذه الرواية أن تسليم النصف لعجزه عن الثمن، ومن عجز عن القليل كان ~~عن الكثير أعجز، فأما العجز عن الكثير لا يدل على العجز عن القليل. # (وجه) الرواية المشهورة أن التسليم في النصف للاحتراز عن الضرر وهو ضرر ~~الشركة، وهذا لا يوجد في الكل فاختلف الغرض فلم يصح التسليم فبقي على ~~شفعته، وإذا صح تسليم الكل فقد سلم البعض ضرورة؛ لأنه داخل في الكل، فصار ~~بتسليم الكل مسلما للنصف؛ لأن الشركة عيب فكان التسليم بدون العيب تسليما ~~مع العيب من طريق الأولى أخبر أن المشتري زيد فسلم ثم تبين أنه عمرو فهو ~~على شفعته؛ لأن التسليم للأمن عن الضرر، والأمن عن ضرر زيد لا يدل على ~~الأمن عن ضرر عمرو؛ لتفاوت الناس في الجوار ولو أخبر أن المشتري زيد فسلم ~~ثم تبين أنه زيد وعمرو كان له أن يأخذ نصيب عمرو؛ لأنه سلم نصيب زيد لا ~~نصيب عمرو فبقي له الشفعة في نصيبه. # ولو أخبر أن الدار بيعت بألف درهم فسلم ثم إن البائع حط عن المشتري ~~خمسمائة وقبل المشتري الحط كان له الشفعة؛ لأن الحط يلتحق بأصل العقد فتبين ~~أن البيع كان بخمسمائة فصار، كما إذا أخبر أنها بيعت بألف فسلم ثم تبين ~~أنها بيعت بخمسمائة ولو لم يقبل الحط لم تجب الشفعة؛ لأن الحط لم يصح إذا ~~لم يقبل فلم يتبين أنها بيعت بأنقص من ألف فلم تجب الشفعة. # ولو باع الشفيع داره التي يشفع بها بعد شراء المشتري هل تبطل شفعته؟ فهذا ~~لا يخلو إما ms2643 إن كان البيع باتا وإما إن كان فيه شرط الخيار؛ فإن كان باتا ~~لا يخلو إما إن باع كل الدار وإما إن باع جزءا منها، فإن باع كلها بطلت ~~شفعته؛ لأن سبب الحق هو جوار الملك وقد زال سواء علم بالشراء أو لم يعلم؛ ~~لأن هذا في معنى صريح الإسقاط؛ لأن إبطال سبب الحق إبطال الحق فيستوي فيه ~~العلم والجهل، فإن رجعت الدار إلى ملكه بعيب بقضاء أو بغير قضاء أو بخيار ~~رؤية أو بخيار شرط للمشتري فليس له أن يأخذ بالشفعة؛ لأن الحق قد بطل فلا ~~يعود إلا بسبب جديد. # وكذلك لو باعها الشفيع بيعا فاسدا وقبضها المشتري بطلت شفعته؛ لزوال سبب ~~الحق وهو جواز الملك، فإن نقض البيع فلا شفعة له؛ لما ذكرنا أن الحق بعدما ~~بطل لا يعود إلا بسبب جديد. # وإن باع جزءا من داره فإن باع جزءا شائعا منها فله الشفعة بما بقي؛ لأن ~~ما بقي يصلح لاستحقاق الشفعة ابتداء فأولى أن يصلح للبقاء؛ لأن البقاء أسهل ~~من الابتداء وإن باع جزءا معينا بيتا أو حجرة فإن كان ذلك لا يلي الدار ~~التي فيها الشفعة فكذلك؛ لأن السبب وهو جوار الملك قائم وإن كان مما يلي ~~تلك الدار؛ فإن استغرق حدود الدار التي فيها الشفعة بطلت الشفعة؛ لأن ~~الجوار قد زال، وإن بقي من حدها شيء ملاصق لما بقي من الدار فهو على شفعته؛ ~~لما ذكرنا أن # PageV05P020 # هذا القدر يصلح للاستحقاق ابتداء فلأن يصلح لبقاء المستحق أولى، وإن كان ~~فيه خيار الشرط فإن كان الخيار للبائع وهو الشفيع فهو على شفعته ما لم يوجب ~~البيع؛ لأن السبب وهو جوار الملك قائم لأن خيار البائع يمنع زوال المبيع عن ~~ملكه، فإن طلب الشفعة في مدة الخيار كان ذلك منه نقضا للبيع؛ لأن طلب ~~الشفعة دليل استبقاء الملك في المبيع وذلك إسقاط للخيار ونقض للبيع. # وإن كان الخيار للمشتري بطلت شفعته؛ لأن الدار خرجت عن ملكه بلا خلاف ~~فزال سبب الحق وهو جوار الملك، وإن كان الشفيع ms2644 شريكا وجارا فباع نصيبه الذي ~~يشفع به كان له أن يطلب الشفعة بالجوار؛ لأنه إن بطل أحد السببين - وهو ~~الشركة - فقد بقي الآخر - وهو الجوار - ولهذا استحق به ابتداء، فلأن يبقى ~~به الاستحقاق أولى. # ولو صالح المشتري الشفيع من الشفعة على مال لم يجز الصلح ولم يثبت العوض ~~وبطل حق الشفعة؛ أما بطلان الصلح فلانعدام ثبوت الحق في المحل؛ لأن الثابت ~~للشفيع حق التملك وأنه عبارة عن ولاية التملك وأنها معنى قائم بالشفيع فلم ~~يصح الاعتياض عنه فبطل الصلح ولم يجب العوض وأما بطلان حق الشفيع في ~~الشفعة؛ فلأنه أسقطه بالصلح، فالصلح وإن لم يصح فإسقاط حق الشفعة صحيح؛ لأن ~~صحته لا تقف على العوض بل هو شيء من الأموال لا يصلح عوضا عنه فالتحق ذكر ~~العوض بالعدم فصار كأنه سلم بلا عوض، وعلى هذا إذا قال الزوج للمخيرة: ~~اختاريني بألف درهم، فقالت: اخترتك، لم يجب العوض وبطل خيارها. # وكذلك العنين إذا قال لامرأته - بعدما أخبرت بسبب العنة -: اختاري ترك ~~الفسخ بالعنة بألف، فقالت: اخترت، بطل خيارها ولم يجب العوض. # وفي الكفالة بالنفس إذا أسقطها بعوض روايتان: في رواية لا يجب العوض ~~وتبطل الكفالة كما في الشفعة، وفي رواية لا تبطل الكفالة. # (وجه) الرواية الأولى أنه أسقط الكفالة بعوض، فالاعتياض إن لم يصح ~~فالإسقاط صحيح؛ لأن صحته لا تقف على العوض. # (وجه) الرواية الأخرى أنه ما رضي بالسقوط إلا بعوض ولم يثبت العوض فلا ~~يسقط. # وأما بطلان الشفعة من طريق الدلالة فهو أن يوجد من الشفيع ما يدل على ~~رضاه بالعقد وحكمه للمشتري وهو ثبوت الملك له؛ لأن حق الشفعة مما يبطل ~~بصريح الرضا فيبطل بدلالة الرضا أيضا؛ وذلك نحو ما إذا علم بالشراء فترك ~~الطلب على الفور من غير عذر أو قام عن المجلس أو تشاغل عن الطلب بعمل آخر ~~على اختلاف الروايتين؛ لأن ترك الطلب مع القدرة عليه دليل الرضا بالعقد ~~وحكمه للدخيل، وكذا إذا ساوم الشفيع الدار من المشتري أو سأله أن يوليه ~~إياها أو استأجرها الشفيع ms2645 من المشتري أو أخذها مزارعة أو معاملة، وذلك كله ~~بعد علمه بالشراء؛ لأن ذلك كله دليل الرضا، أما المساومة؛ فلأنها طلب تمليك ~~بعقد جديد وأنه دليل الرضا بملك المتملك، وكذلك التولية؛ لأنها تملك بمثل ~~الثمن الأول من غير زيادة ولا نقصان وأنها دليل الرضا بملك المتملك. # وأما الاستئجار والأخذ معاملة أو مزارعة؛ فلأنها تقرير لملك المشتري ~~فكانت دليل الرضا بملكه، فرق بين هذا وبين الفصل الأول حيث شرط ههنا علم ~~الشفيع بالشراء لبطلان حق الشفعة وهناك لم يشترط وإنما كان كذلك؛ لأن ~~السقوط في الفصل الأول بصريح الإسقاط، والإسقاط تصرف في نفس الحق فيستدعى ~~ثبوت الحق لا غير كالطلاق والعتاق والإبراء عن الديون، والسقوط ههنا بطريق ~~الدلالة وهي دلالة الرضا لا بالتصرف في محل الحق بل في محل آخر، والتصرف في ~~محل آخر لا يصلح دليل الرضا إلا بعد العلم بالبيع؛ إذ الرضا بالشيء بدون ~~العلم به محال، والله عز وجل أعلم. # ولو سلم الشفعة في النصف بطلت في الكل؛ لأنه لما سلم في النصف بطل حقه في ~~النصف المسلم فيه بصريح الإسقاط وبطل حقه في النصف الباقي؛ لأنه لا يملك ~~تفريق الصفقة على المشتري فبطلت شفعته في الكل. # ولو طلب نصف الدار بالشفعة هل يكون ذلك تسليما منه للشفعة في الكل؟ اختلف ~~فيه أبو يوسف ومحمد؛ قال أبو يوسف: لا يكون تسليما، وقال محمد: يكون تسليما ~~في الكل إلا أن يكون سبق منه طلب الكل بالشفعة فلم يسلم له المشتري فقال له ~~حينئذ أعطني نصفها على أن أسلم لك النصف الباقي فإن هذا لا يكون تسليما. # (وجه) قول محمد أنه لما طلب النصف بالشفعة فقد أبطل حقه في النصف الآخر؛ ~~لأنه ترك الطلب فيه مع القدرة عليه وذا دليل الرضا فبطل حقه فيه فيبطل حقه ~~في النصف المطلوب ضرورة تعذر تفريق الصفقة على المشتري بخلاف ما إذا كان ~~سبق منه الطلب في الكل؛ لأنه لما طلب # PageV05P021 # في الكل فقد تقرر حقه في الكل ولم يكن قوله بعد ذلك أعطني ms2646 النصف على أن ~~أسلم لك النصف الباقي تسليما، بخلاف ما إذا قال ابتداء؛ لأن الحق لم يتقرر ~~بعد. # (وجه) قول أبي يوسف أن الحق ثبت له في كل الدار، والحق إذا ثبت لا يسقط ~~إلا بالإسقاط ولم يوجد فبقي كما كان إن شاء أخذ الكل بالشفعة وإن شاء ترك، ~~وجواب محمد - رحمه الله - عن هذا أنه وجد منه الإسقاط في النصف الذي لم ~~يطلبه من طريق الدلالة على ما بينا، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وأما الضروري فنحو أن يموت الشفيع بعد الطلبين قبل الأخذ بالشفعة فتبطل ~~شفعته، وهذا عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - لا تبطل ولوارثه حق الأخذ، ~~ولغب المسألة أن خيار الشفعة هل يورث؟ عندنا لا يورث، وعنده يورث والكلام ~~فيه من الجانبين على نحو الكلام في خيار الشرط، وسيأتي ذكره في كتاب ~~البيوع. # ولا يبطل بموت المشتري وللشفيع أن يأخذ من وارثه لأن الشفعة حق على ~~المشتري؛ ألا ترى أنه مجبور عليه في التملك فلا يسقط بموته كحق الرد ~~بالعيب؟ ، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في بيان ما يملك به المشفوع فيه] # (فصل) : # وأما بيان ما يملك به المشفوع فيه فنقول - وبالله التوفيق -: المشفوع فيه ~~يملك بالتملك وهو تفسير الأخذ بالشفعة فلا ملك للشفيع قبل الأخذ بل له حق ~~الأخذ والتملك قبل الأخذ للمشتري؛ لوجود سبب الملك فيه وهو الشراء، فله أن ~~يبني ويغرس ويهدم ويقلع ويؤاجر ويطيب له الأجر ويأكل من ثمار الكرم ونحو ~~ذلك، وكذا له أن يبيع ويهب ويوصي، وإذا فعل ينفذ إلا أن للشفيع أن ينقض ذلك ~~بالأخذ بالشفعة؛ لأن حقه سابق على تصرف المشتري فيمتنع اللزوم، ولو جعل ~~المشتري الدار مسجدا أو مقبرة فللشفيع أن يأخذها بالشفعة وينقض ما صنع ~~المشتري، كذا ذكر في الأصل، وقال الحسن بن زياد: بطلت شفعته. # (وجه) قوله أن المشتري تصرف في ملك نفسه فينفذ كما لو باع إلا أن البيع ~~ونحوه مما يحتمل النقض بعد وجوده فنفذ ولم يلزم، وهذه التصرفات مما لا ~~يحتمل الانتقاض كالإعتاق فكان ms2647 نفاذها لزومها، ولنا أن تعلق حق الشفيع ~~بالمبيع يمنع من صيرورته مسجدا؛ لأن المسجد ما يكون خالصا لله تعالى، وتعلق ~~حق العبد به يمنع خلوصه لله عز وجل فيمنع صيرورته مسجدا، وله أن يأخذ الدار ~~المشتراة بالشفعة لوجود السبب وهو جوار الملك أو الشركة في ملك المبيع وعلى ~~هذا يخرج ما إذا اشترى دارا ولها شفيع فبيعت دار إلى جنب هذه الدار فطالب ~~المشتري بالشفعة وقضي له بها ثم حضر الشفيع يقضى له بالدار التي بجواره ~~ويمضي القضاء في الثانية للمشتري، أما للشفيع فظاهر وأما للمشتري؛ فلأن ~~الجوار كان ثابتا له وقت البيع والقضاء بالشفعة إلا أنه بطل بعد ذلك بأخذ ~~الشفيع للدار بالشفعة وهذا لا يوجب بطلان القضاء؛ لأنه تبين أن جوار الملك ~~لم يكن ثابتا كمن اشترى دارا ولها شفيع فقضي له بالشفعة ثم باع داره التي ~~بها يشفع أنه لا يبطل القضاء بالشفعة لما قلنا، كذا هذا. # ولو كان الشفيع جارا للدارين فالمسألة بحالها فيقضى له بكل الدار الأولى ~~وبالنصف من الثانية؛ لأنه جار خاص للدار الأولى فيختص بشفعتها، وهو مع ~~المشتري جاران للدار الثانية فيشتركان في شفعتها، وشراء المشتري لا يبطل ~~حقه في الشفعة ولأنه لا ينافيه بل يقرره على ما بينا فيما تقدم. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - فيمن اشترى نصف دار ثم اشترى رجل آخر ~~نصفها الآخر فخاصمه المشتري الأول فيقضى له بالشفعة بالشركة، ثم خاصمه ~~الجار في الشفعتين جميعا أن الجار أحق بشفعة النصف الأول ولا حق له في ~~النصف الثاني لأنه جار للنصف الأول فيأخذه بالجوار والمشتري شريك عند بيع ~~النصف الثاني لثبوت الملك له في النصف الأول بسبب الشراء، وثبوت الحق ~~للشفيع في النصف الأول لا يمنع ثبوت الملك للمشتري فيه فكان شريكا عند بيع ~~النصف الثاني، والشريك مقدم على الجار. # وكذلك لو اشترى نصفها ثم اشترى نصفها الآخر رجل آخر فلم يخاصمه فيه حتى ~~أخذ الجار النصف الأول فالجار أحق بالنصف الثاني؛ لأن الملك - وإن ثبت ~~للمشتري الأول في ms2648 النصف الأول لكنه قد بطل بأخذ الجار بالشفعة فبطل حقه في ~~الشفعة. # ولو ورث رجل دارا فبيعت دار الأول بجنبها فأخذها بالشفعة ثم بيعت دار إلى ~~جنب الثانية فأخذها بالشفعة ثم استحقت الدار الموروثة وطلب المستحق الشفعة ~~فإن المستحق يأخذ الدار الثانية، والوارث أحق بالثالثة؛ لأن بالاستحقاق ~~تبين أن الدار التي يشفع بها الوارث كانت ملك المستحق فتبين أنه أخذ ~~الثانية بغير حق إذ تبين أنه لم يكن جارا فكانت الشفعة في الثانية للمستحق، ~~والوارث # PageV05P022 # يكون أحق بالثالثة؛ لأن الملك كان ثابتا للوارث عند بيع الثالثة فكان ~~السبب - وهو جوار الملك - ثابتا له عنده ثم بطل الاستحقاق، وبطلان الملك لا ~~يوجب بطلان الشفعة. # وليس للشفيع أن ينقض قسمة المشتري حتى لو اشترى نصف دار من رجل مشاعا ~~وقاسم المشتري البائع ثم حضر الشفيع فالقسمة ماضية ليس للشفيع أن ينقضها ~~ليأخذ نصفها مشاعا سواء كانت قسمته بقضاء أو بغير قضاء؛ لأن القسمة من تمام ~~القبض ولهذا لم تصح هبة المشاع فيما يحتمل القسمة؛ لأن القبض شرط صحة ~~الهبة، والقبض على التمام لا يتحقق مع الشياع. # وإذا كانت القسمة من تمام القبض فالشفيع لا يملك نقض القبض بأن اشترى ~~دارا وقبضها ثم حضر الشفيع وأراد أن ينقض قبضه ليأخذها من البائع لم يملك ~~ذلك، وإذا لم يملك نقض القبض لا يملك نقض ما به تمام القبض وهو القسمة، ~~بخلاف ما إذا كانت الدار مشتركة بين اثنين باع أحدهما نصيبه من رجل فقاسم ~~المشتري الشريك الذي لم يبع ثم حضر الشفيع له أن ينقض القسمة؛ لأن القسمة ~~هناك ليست من جملة القبض؛ لأنها من حكم البيع الأول؛ إذ البيع الأول كما ~~أوجب الملك أوجب القسمة في المشاع، والبيع الأول لم يقع مع هذا المشتري ~~الذي قاسم فلم تكن هذه القسمة بحكم العقد بل بحكم الملك، والتصرف بحكم ~~الملك يملك الشفيع نقضه كالبيع والهبة، وللشفيع أن يأخذ النصف الذي أصاب ~~المشتري بالشفعة سواء وقع نصيب المشتري من جانب الشفيع أو من جانب آخر؛ لأن ms2649 ~~الشفعة وجبت له في النصف المشترى، والنصف الذي أصاب المشتري هو المشترى؛ ~~لأن القسمة إفراز. # ولو وقع نصيب البائع من جانب الشفيع فباعه بعد القسمة قبل طلب الشفيع ~~الشفعة الأولى ثم طلب الشفيع فإن قضى القاضي بالشفعة الأخيرة - جعل نصف ~~البائع بين الشفيع وبين المشتري وقضى بالشفعة الأولى - وهي نصف المشتري - ~~للشفيع؛ لأن الشفيع مع المشتري جاران لنصف البائع، والشفيع جار خاص لنصف ~~المشتري، ولو بدأ فقضى للشفيع بالشفعة الأولى قضى له بالأخيرة أيضا؛ لأنه ~~لما قضى له بالشفعة الأولى بطل حق جوار المشتري فلم يبق له حق الأخذ ~~بالشفعة، وللشفيع أن يرد المشفوع فيه بخيار الرؤية والعيب وللمشتري حق ~~الحبس لاستيفاء الثمن؛ لأن الملك فيه لما كان يثبت بالتملك ببدل كان الأخذ ~~بالشفعة شراء فيراعى فيه أحكام البيع والشراء، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في بيان طريق التملك بالشفعة وبيان كيفيته] # (فصل) : # وأما بيان طريق التملك بالشفعة وبيان كيفيته فالتملك بالشفعة يكون بأحد ~~طريقين: إما بتسليم المشتري وإما بقضاء القاضي؛ أما التملك بالتسليم بالبيع ~~فظاهر؛ لأن الأخذ بتسليم المشتري برضاه ببدل يبدله الشفيع وهو الثمن يفسر ~~الشراء، والشراء تملك وأما بقضاء القاضي فالكلام فيه في ثلاثة مواضع في ~~بيان كيفية التملك بالقضاء بالشفعة وفي بيان شرط جواز القضاء بالشفعة، وفي ~~بيان وقت القضاء بالشفعة، أما الأول فالمبيع لا يخلو إما أن يكون في يد ~~البائع وإما أن يكون في يد المشتري فإن كان في يد البائع ذكر الكرخي - رحمه ~~الله - أن القاضي إذا قضى بالشفعة ينتقض البيع الذي كان بين البائع وبين ~~المشتري في المشهور من قولهم وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه لا ينقض، ~~واختلف المشايخ فيه قال بعضهم: البيع لا ينتقض بل تتحول الصفقة إلى الشفيع ~~وقال بعضهم: ينتقض البيع الذي جرى بين البائع والمشتري وينعقد للشفيع بيع ~~آخر كأنه كان من البائع إيجابان أحدهما مع المشتري والآخر مع الشفيع، فإذا ~~قضى القاضي بالشفعة فقد قبل الشفيع الإيجاب الذي أضيف إليه وانتقض ما أضيف ~~إلى المشتري ms2650 سواء قبل المشتري الإيجاب المضاف إليه أو لم يقبل. # (وجه) قول من قال بالتحول لا بالانتقاض أن البيع لو انتقض لتعذر الأخذ ~~بالشفعة؛ لأنه من شرائط وجوب الشفعة فإذا انتقض لم يجب فتعذر الأخذ. # (وجه) قول من قال أنه ينتقض نص محمد، والمعقول والأحكام؛ أما الأول فقد ~~ذكر محمد - رحمه الله - وقال انتقض البيع فيما بين البائع والمشتري، وهذا ~~نص في الباب. # وأما المعقول فمن وجهين: أحدهما: أن القاضي إذا قضى بالشفعة قبل القبض ~~فقد عجز المشتري عن قبض المبيع؛ والعجز عن قبض المبيع يوجب بطلان البيع ~~لخلوه عن الفائدة؛ كما إذا هلك المبيع قبل القبض، والثاني: أن الملك قبل ~~الأخذ بالشفعة للمشتري لوجود آثار الملك في حقه على ما بينا فيما تقدم ولو ~~تحول الملك إلى الشفيع لم يثبت الملك للمشتري. # وأما الأحكام # PageV05P023 # فإن للشفيع أن يرد الدار على من أخذها منه بخيار الرؤية وإذا رد عليه لا ~~يعود شراء المشتري ولو تحولت الصفقة إلى الشفيع لعاد شراء المشتري؛ لأن ~~التحول كان لضرورة مراعاة حق الشفيع ولما رد فقد زالت الضرورة فينبغي أن ~~يعود الشراء، ولأنها لو تحولت إليه لصار المشتري وكيلا للشفيع؛ لأن عقده ~~يقع له، ولو كان كذلك لما ثبت للشفيع خيار الرؤية إذا كان المشتري رآها قبل ~~ذلك ورضي بها؛ لأن خيار الرؤية يبطل برؤية الوكيل ورضاه، وكذلك لو كان ~~الشراء بثمن مؤجل فأراد الشفيع أن يأخذها للحال يأخذ بثمن حال، ولو تحولت ~~الصفقة إليه لأخذها بثمن مؤجل، وكذا لو اشتراها على أن البائع بريء من كل ~~عيب بها عند البيع ثم أخذها الشفيع فوجد بها عيبا فله أن يردها على من ~~أخذها منه ولو تحولت تلك الصفقة إلى الشفيع لما ثبت له حق الرد كما لم يثبت ~~للمشتري، فدلت هذه المسائل على أن شراء المشتري ينتقض ويأخذها الشفيع بشراء ~~مبتدإ بعد إيجاب مبتدإ مضاف إليه. # وقد خرج الجواب عن قولهم أن البيع لو انتقض لتعذر الأخذ بالشفعة؛ لأنه لا ~~يأخذ بذلك العقد لانتقاضه بل بعقد ms2651 مبتدإ مقرر بين البائع وبين الشفيع على ~~ما بينا تقريره والله سبحانه وتعالى أعلم. # وإن كان المبيع في يد المشتري أخذه منه ودفع الثمن إلى المشتري، والبيع ~~الأول صحيح؛ لأن التملك وقع على المشتري فيجعل كأنه اشترى منه ثم إذا أخذ ~~الدار من يد البائع يدفع الثمن إلى البائع وكانت العهدة عليه ويسترد ~~المشتري الثمن من البائع إن كان قد نقد، وإن أخذها من يد المشتري دفع الثمن ~~إلى المشتري وكانت العهدة عليه؛ لأن العهدة هي حق الرجوع بالثمن عند ~~الاستحقاق، فيكون على من قبض الثمن. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أن المشتري إذا كان نقد الثمن ولم يقبض ~~الدار حتى قضي للشفيع بمحضر منهما - أن الشفيع يأخذ الدار من البائع وينقد ~~الثمن للمشتري والعهدة على المشتري، وإن كان لم ينقد دفع الشفيع الثمن إلى ~~البائع والعهدة على البائع؛ لأنه إذا كان نقد الثمن للبائع فالملك لا يقع ~~على البائع أصلا؛ لأنه لا ملك له، ولا بد أيضا لبطلان حق الحبس بنقد الثمن ~~بل يقع على المشتري فيكون الثمن له والعهدة عليه، وإذا كان لم ينقد فللبائع ~~حق الحبس فلا يتمكن الشفيع من قبض الدار إلا بدفع الثمن إلى البائع فكانت ~~العهدة على البائع. # وأما شرط جواز القضاء بالشفعة فحضرة المقضي عليه؛ لأن القضاء على الغائب ~~لا يجوز، وجملة الكلام فيه أن المبيع إما أن يكون في يد البائع وإما أن ~~يكون في يد المشتري؛ فإن كان في يد البائع فلا بد من حضرة البائع والمشتري ~~جميعا؛ لأن كل واحد منهما خصم؛ أما البائع فباليد وأما المشتري فبالملك ~~فكان كل واحد منهما مقضيا عليه فيشترط حضرتهما لئلا يكون قضاء على الغائب ~~من غير أن يكون عنه خصم حاضر. # وأما إن كان في يد المشتري فحضرة البائع ليست بشرط ويكتفى بحضرة المشتري؛ ~~لأن البائع خرج من أن يكون خصما لزوال ملكه ويده عن المبيع فصار كالأجنبي، ~~وكذا حضرة الشفيع أو وكيله شرط جواز القضاء له بالشفعة؛ لأن القضاء على ~~الغائب ms2652 كما لا يجوز فالقضاء للغائب لا يجوز أيضا، ثم القاضي إذا قضى ~~بالشفعة يثبت الملك للشفيع ولا يقف ثبوت الملك له على التسليم؛ لأن الملك ~~للشفيع يثبت بمنزلة الشراء، والشراء الصحيح يوجب الملك بنفسه. # وأما وقت القضاء بالشفعة فوقته وقت المنازعة والمطالبة بها؛ فإذا طالبه ~~بها الشفيع يقضي القاضي له بالشفعة سواء حضر الثمن أو لا؛ في ظاهر الرواية، ~~وللمشتري أن يحبس الدار حتى يستوفي الثمن من الشفيع وكذا الورثة؛ لأن ~~التملك بالشفعة بمنزلة الشراء من المشتري وللبائع حق حبس المبيع لاستيفاء ~~الثمن فإن أبى أن ينقد حبسه القاضي لأنه ظهر ظلمه بالامتناع من إيفاء حق ~~واجب عليه فيحبسه ولا ينقض الشفعة؛ كالمشتري إذا امتنع من إيفاء الثمن أنه ~~يحبس ولا ينقض البيع. # وإن طلب أجلا لنقد الثمن أجله يوما أو يومين أو ثلاثة أيام؛ لأنه لا ~~يمكنه النقد للحال فيحتاج إلى مدة يتمكن فيها من النقد فيمهله ولا يحبسه؛ ~~لأن الحبس جزاء الظلم بالمطل ولم يظهر مطله؛ فإن مضى الأجل ولم ينقد حبسه ~~وقال محمد - رحمه الله - ليس ينبغي للقاضي أن يقضي بالشفعة حتى يحضر الشفيع ~~المال؛ فإن طلب أجلا أجله يوما أو يومين أو ثلاثة أيام ولم يقض له بالشفعة، ~~فإن قضى بالشفعة ثم أبى الشفيع أن ينقد حبسه، وهذا عندي ليس باختلاف على ~~الحقيقة وللقاضي أن يقضي بالشفعة قبل إحضار الثمن بلا خلاف؛ لأن لفظ محمد - ~~رحمه الله -: " ليس ينبغي للقاضي أن يقضي بالشفعة حتى يحضر الشفيع المال " ~~لا يدل على أنه ليس له أن يقضي بل هو إشارة إلى نوع احتياط محل # PageV05P024 # واختيار الأول، لا تستعمل لفظة " لا ينبغي " إلا في مثله؛ ولهذا لو قضى ~~جاز ونفذ قضاؤه، نص عليه محمد؛ وليس ذلك لكونه محل الاجتهاد ولأن القضاء ~~بمذهب المخالف في المجتهدات إنما ينفذ بشريطة اعتقاد إصابته فيه وإفضاء ~~اجتهاده إليه، وقد أطلق القضية في النفاذ من غير هذا الشرط فدل أنه لا خلاف ~~في المسألة على التحقيق، ثم إن ثبت الخلاف. # (فوجه) قول محمد أن ms2653 حق الشفعة إنما يثبت لدفع ضرر الدخيل عن الشفيع، ~~والقضاء قبل إحضار الثمن يتضمن الضرر بالمشتري لاحتمال إفلاس الشفيع ودفع ~~الضرر عن الإنسان بإضرار غيره متناقض فلا يقضى قبل الإحضار ولكن يؤجله ~~يومين أو ثلاثة إن طلب التأجيل تمكينا له من نقد الثمن. # (وجه) ظاهر الرواية أن الشفيع يصير متملكا المشفوع فيه بمقتضى القضاء ~~بالشفعة كأن اشتراه منه، والتملك بالشراء لا يقف على إحضار الثمن كما في ~~الشراء المبتدإ وقال محمد - رحمه الله - لو ضرب له القاضي أجلا فقال له إن ~~لم تأت بالثمن إلى وقت كذا فلا شفعة لك فلم يأت به بطلت شفعته، وكذا إذا ~~قال الشفيع إن لم أعطك الثمن إلى وقت كذا فأنا بريء من الشفعة؛ لأن هذا ~~تعليق إسقاط حق الشفعة بالشرط والإسقاطات مما يحتمل التعليق بالشرط كالطلاق ~~والعتاق ونحو ذلك. ### | [فصل في بيان شرط التملك في الشفعة] # (فصل) : # وأما بيان شرط التملك فالتملك بالشفعة له شرطان: أحدهما: رضا المشتري أو ~~قضاء القاضي؛ لأن تملك مال الغير مما لا سبيل إليه في الشرع إلا بالتراضي ~~أو بقضاء القاضي فلا يثبت التملك بدونهما، والثاني: أن لا يتضمن التملك ~~تفريق الصفقة على المشتري؛ فإن تضمن ليس له أن يتملك؛ لأن في التفريق ضررا ~~بالمشتري وهو ضرر الشركة، ودفع الضرر بالضرر متناقض. # وعلى هذا يخرج ما إذا أراد الشفيع أن يأخذ بعض المشترى بالشفعة دون بعضه ~~أنه هل يملك ذلك؟ فجملة الكلام فيه أن المشترى لا يخلو إما أن يكون بعضه ~~ممتازا عن البعض وإما أن لا يكون؛ فإن لم يكن بأن اشترى دارا واحدة فأراد ~~الشفيع أن يأخذ بعضها بالشفعة دون البعض أو يأخذ الجانب الذي يلي الدار دون ~~الباقي ليس له ذلك بلا خلاف بين أصحابنا، ولكن يأخذ الكل أو يدع؛ لأنه لو ~~أخذ البعض دون البعض لتفرقت الصفقة على المشتري؛ لأن الملك له في كل الدار ~~ثبت بقول واحد فكان أخذ البعض تفريقا فلا يملكه الشفيع؛ وسواء اشترى واحد ~~من واحد أو واحد من اثنين ms2654 أو أكثر، حتى لو أراد الشفيع أن يأخذ نصيب أحد ~~البائعين ليس له؛ لما قلنا، سواء كان المشتري قبض أو لم يقبض في ظاهر ~~الرواية عن أصحابنا، وروي عنهم أن للشفيع أن يأخذ نصيب أحد البائعين قبل ~~القبض وليس له أن يأخذ من المشتري نصيب أحدهما بعد القبض. # (وجه) هذه الرواية أن التملك قبل القبض لا يتضمن معنى التفريق؛ لأن ~~التملك يقع على البائع وقد خرج نصيبه عن ملكه فلا يلزمه ضرر التفريق؛ وهو ~~ضرر الشركة، بخلاف ما بعد القبض؛ لأن التملك بعد القبض يقع على المشتري، ~~ألا ترى أن العهدة عليه وفيه تفرق ملكه؟ والصحيح جواب الرواية لأن الملك ~~قبل القبض للمشتري بصفقة واحدة؛ فبملك نصيب أحد البائعين تفريق ملكه فيلزمه ~~ضرر الشركة. # ولو اشترى رجلان من رجل دارا فللشفيع أن يأخذ نصيب أحد المشتريين في ~~قولهم جميعا؛ لأن الأخذ هنا لا يتضمن التفريق لأن الصفقة حصلت متفرقة وقت ~~وجودها؛ إذ الملك في نصيب كل واحد منهما ثبت بقوله فلم تتحد الصفقة فلا يقع ~~الأخذ تفريقا؛ لحصول التفريق قبله، وسواء كان بعد القبض أو قبله في ظاهر ~~الرواية وروي أنه ليس للشفيع أن يأخذ قبل القبض إلا الكل وبعد القبض له أن ~~يأخذ نصيب أحد المشتريين. # (وجه) هذه الرواية أن أخذ البعض قبل القبض يتضمن تفريق اليد على البائع، ~~والتملك قبل القبض لا يتضمن التفريق؛ لأن التملك يقع على البائع وأنه لا ~~يجوز، ألا ترى أن أحد المشتريين لو أراد أن يقبض حصته دون صاحبه ليس له ~~ذلك. # (وجه) ظاهر الرواية ما ذكرنا أن الصفقة حصلت متفرقة من الابتداء فلا يكون ~~أخذ البعض تفريقا لحصول التفريق قبل الأخذ وقوله فيه تفريق اليد - وهو ~~القبض - ممنوع فالشفيع يتملك نصيب أحد المشتريين بالشفعة ولكنه لا يفرق ~~اليد حتى لو نقد الثمن، ليس له أن يقبض أحد النصفين ما لم ينقد الآخر كي لا ~~يتفرق القبض، وسواء سمى لكل نصف ثمنا على حدة أو سمى للجملة ثمنا واحدا ~~فالعبرة لاتحاد الصفقة وتعددها ms2655 لا لاتحاد الثمن وتعدده؛ لأن المانع من ~~التفريق هو الضرر، والضرر # PageV05P025 # ينشأ عن اتحاد الصفقة لا عن اتحاد الثمن، وسواء كان المشتري عاقدا لنفسه ~~أو لغيره في الفصلين جميعا حتى لو وكل رجلان جميعا رجلا واحدا بالشراء ~~فاشترى الوكيل من رجلين فجاء الشفيع ليس له أن يأخذ نصيب أحد البائعين ~~بالشفعة. # ولو وكل رجل واحد رجلين فاشتريا من واحد فللشفيع أن يأخذ ما اشتراه أحد ~~الوكيلين، وكذا لو كان الوكلاء عشرة اشتروا لرجل واحد فللشفيع أن يأخذ من ~~واحد أو من اثنين أو من ثلاثة قال محمد - رحمه الله - وإنما أنظر في هذا ~~إلى المشتري ولا أنظر إلى المشترى له، وهو نظر صحيح؛ لأن الأخذ بالشفعة من ~~حقوق البيع وأنها راجعة إلى الوكيل فكانت العبرة لاتحاد الوكيل وتعدده دون ~~الموكل، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وإن كان المشترى بعضه ممتازا عن البعض بأن اشترى دارين صفقة واحدة فأراد ~~الشفيع أن يأخذ إحداهما دون الأخرى فإن كان شفيعا لهما جميعا فليس له ذلك ~~ولكن يأخذهما جميعا أو يدعهما، وهذا قول أصحابنا الثلاثة - رضي الله تعالى ~~عنهم - وقال زفر - رحمه الله -: له أن يأخذ إحداهما بحصتها من الثمن. # (وجه) قوله أن المانع من أخذ البعض دون البعض هو لزوم ضرر الشركة ولم ~~يوجد ههنا لانفصال كل واحدة من الدارين عن الأخرى. # (ولنا) أن الصفقة وقعت مجتمعة لأن المشتري ملك الدارين بقبول واحد فلا ~~يملك الشفيع تفريقها كما في الدار الواحدة، وقوله: " ليس فيه ضرر الشركة " ~~مسلم لكن فيه ضرر آخر وهو أن الجمع بين الجيد والرديء في الصفقة معتاد فيما ~~بين الناس فلو ثبت له حق أخذ أحدهما لأخذ الجيد فيتضرر له المشتري؛ لأن ~~الرديء لا يشترى وحده بمثل ما يشترى مع الجيد فيتضرر به وسواء كانت الداران ~~متلاصقتين أو متفرقتين في مصر واحد أو مصرين فهو على الاختلاف لما ذكرنا من ~~المعنى في الجانبين، فإن كان الشفيع شفيعا لإحداهما دون الأخرى ووقع البيع ~~صفقة واحدة فهل له أن يأخذ الكل بالشفعة؟ روي ms2656 عن أبي حنيفة أنه ليس له أن ~~يأخذ إلا التي تجاوره بالحصة، وكذا روي عن محمد في الدارين المتلاصقين إذا ~~كان الشفيع جارا لإحداهما أنه ليس له الشفعة إلا فيما يليه، وكذا قال محمد ~~في الأقرحة المتلاصقة؛ وواحد منها يلي أرض إنسان وليس بين الأقرحة طريق ولا ~~نهر إنما هي منساة أنه لا شفعة له إلا في القراح الذي يليه خاصة وكذلك في ~~القرية إذا بيعت بدورها وأراضيها أن لكل شفيع أن يأخذ القراح الذي يليه ~~خاصة، وروى الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن للشفيع أن يأخذ الكل في ~~ذلك كله بالشفعة قال الكرخي: رواية الحسن تدل على أن قول أبي حنيفة كان مثل ~~قول محمد - رحمه الله - ثم رجع عن ذلك فجعله كالدار الواحدة. # (وجه) الرواية الأولى أن سبب ثبوت الحق - وهو الجوار - وجد في أحدهما وهو ~~ما يليه فلا يملك إلا أخذ أحدهما، والصفقة - وإن وقعت مجتمعة ولكنها أضيفت ~~إلى شيئين أحدهما ثبت فيه حق الشفعة والآخر لم يثبت فيه حق الشفعة فله أن ~~يأخذ ما ثبت فيه الحق؛ كما إذا اشترى عقارا أو منقولا صفقة واحدة أنه يأخذ ~~العقار خاصة، كذا هذا. # (وجه) الرواية الأخرى أن سبب الوجوب - وإن وجد فيما يليه دون الباقي لكن ~~لا سبيل إلى أخذه خاصة بدون الباقي لما فيه من تفريق الصفقة فيأخذ ما يليه ~~قضية للسبب ويأخذ الباقي ضرورة التحرز عن تفريق الصفقة. ### | [فصل في بيان ما يتملك به الأخذ بالشفعة] # (فصل) : # وأما بيان ما يتملك به. # فنقول وبالله التوفيق ثمن المشترى لا يخلو إما أن يكون مما له مثل ~~كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة وإما أن يكون مما لا مثل له ~~كالمزروعات والمعدودات المتفاوتة كالثوب والعبد ونحو ذلك؛ فإن كان مما له ~~مثل فالشفيع يأخذ بمثله؛ لأن فيه تحقيق معنى الأخذ بالشفعة إذ هو تمليك ~~بمثل ما تملك به المشتري، وإن كان مما لا مثل له يأخذ بقيمته عند عامة ~~العلماء، وقال أهل المدينة يأخذ بقيمة المشترى. # (وجه) قولهم ms2657 أن المصير إلى قيمة المبيع عند تعذر إيجاب المسمى من الثمن ~~هو الأصل في الشريعة كما في البيع الفاسد، وههنا تعذر الأخذ بالمسمى فصار ~~إلى قيمة الدار والعقار. # ولنا أن الأخذ بالشفعة يملك بمثل ما تملك به المشتري فإن كان الثمن الذي ~~تملك به المشتري من ذوات الأمثال كان الأخذ به تملكا بالمثل صورة ومعنى، ~~وإن لم يكن من ذوات الأمثال كان الأخذ بقيمته تملكا بالمثل معنى؛ لأن قيمته ~~مقدار ماليته بتقويم المقومين؛ لهذا سميت قيمته لقيامه مقامه فكان مثله ~~معنى. # وأما قيمة الدار فلا تكون مثل العبد والثوب لا صورة ولا معنى فالتملك بها ~~لا يكون تملكا بالمثل فلا # PageV05P026 # يتحقق معنى الأخذ بالشفعة. # ولو تبايعا دارا بدار فلشفيع كل واحدة من الدارين أن يأخذها بقيمتها؛ لأن ~~الدار ليست من ذوات الأمثال فلا يمكن الأخذ بمثلها فيأخذ بقيمتها كالعبد ~~والثوب، وعلى هذا يخرج ما لو اشترى دارا بعرض ولم يتقابضا حتى هلك العرض ~~بطل البيع فيما بين البائع والمشتري وللشفيع الشفعة، وكذلك لو كان المشتري ~~قبض الدار ولم يسلم العرض حتى هلك؛ أما بطلان البيع فيما بين البائع ~~والمشتري؛ فلأن العرض مبيع إذ المبيع في الأصل ما يتعين بالتعيين في البيع، ~~والعرض يتعين بالتعيين في البيع فكان مبيعا، وهلاك المبيع قبل القبض يوجب ~~بطلان البيع لتعذر التسليم بعد الهلاك فلم يكن في إبقاء العقد فائدة فيبطل. # وأما بقاء الشفعة للشفيع؛ فلأن الواجب عليه قيمة العرض لا عينه، والقيمة ~~مقدور التسليم في حقه فكان بقاء العرض في حق الشفيع وهلاكه بمنزلة واحدة. # ثم الشفيع إنما يأخذ بما وجب بالعقد لا بما أعطى بدلا من الواجب لما ~~ذكرنا أن الأخذ بالشفعة يملك بمثل ما تملك به المشتري، والمشتري تملك ~~المبيع بالمسمى - وهو الواجب بالعقد - فيأخذه الشفيع به حتى لو اشترى الدار ~~بالدراهم والدنانير ثم دفع مكانها عرضا فالشفيع يأخذ بالدراهم والدنانير لا ~~بالعرض؛ لأن الدراهم والدنانير هي الواجبة بالعقد وأما العرض فإنما أخذه ~~البائع بعقد آخر وهو الاستبدال فلم يكن واجبا بالعقد ms2658 فصار كأن البائع اشترى ~~بالثمن عرضا ابتداء ثم حضر الشفيع، ولو كان كذلك لكان يأخذ بالثمن لا ~~بالعرض، كذا هذا، والله عز وجل أعلم. # ولو زاد المشتري البائع في الثمن فالزيادة لا تلزم الشفيع لأن الشفيع ~~إنما يأخذ بما وجب بالعقد، والزيادة ما وجبت بالعقد في حق الشفيع لانعدامها ~~وقت العقد حقيقة إلا أنها جعلت موجودة عند العقد في حق المتعاقدين تصحيحا ~~لتصرفهما فلا يظهر الوجود في حق الشفيع فلم تكن الزيادة ثمنا في حقه بل ~~كانت هبة مبتدأة فلا تتعلق بها الشفعة كالهبة المبتدأة ولو حط البائع عن ~~المشتري أو أبرأه عن البعض فالشفيع يأخذ بما بقي؛ لأن حط بعض الثمن يلتحق ~~بأصل العقد ويظهر في حق الشفيع كأن العقد ما ورد إلا على هذا القدر بخلاف ~~الزيادة فإن التحاقها لا يظهر في حق الشفيع لما بينا ولأن في تصحيح الزيادة ~~ثمنا في حق الشفيع ضررا به ولا ضرر عليه في الحط، ولو حط جميع الثمن يأخذ ~~الشفيع بجميع الثمن ولا يسقط عنه شيء لأن حط كل الثمن لا يلتحق بأصل العقد؛ ~~لأنه لو التحق لبطل البيع لأنه يكون بيعا بلا ثمن فلم يصح الحط في حق ~~الشفيع والتحق في حقه بالعدم فيأخذ بجميع الثمن ولا يسقط عنه شيء؛ لأن حط ~~كل الثمن لا يلتحق بأصل العقد وصح في حق المشتري وإن كان إبراء له عن ~~الثمن. # ولو اشترى دارا بثمن مؤجل فالشفيع بالخيار إن شاء أخذها بثمن حال وإن شاء ~~انتظر مضي الأجل فأخذ عند ذلك، وليس له أن يأخذها للحال بثمن مؤجل؛ لأن ~~الشفيع إنما يأخذ بما وجب بالبيع، والأجل لم يجب بالبيع وإنما وجب بالشرط ~~والشرط لم يوجد في حق الشفيع ولهذا لم يثبت خيار المشتري للشفيع بأن اشترى ~~على أنه بالخيار؛ لأن ثبوته بالشرط ولم يوجد من الشفيع، وكذا البراءة عن ~~العيب لا تثبت في حق الشفيع؛ لأن ثبوتها بالشرط ولم يوجد مع الشفيع، كذا ~~هذا. # وله أن يمتنع من الأخذ في الحال؛ لأن الشفيع ms2659 غير مجبور على الأخذ ~~بالشفعة، ولو اختار الشفيع أخذ الدار بثمن حال كان الثمن للبائع على ~~المشتري إلى أجل لأن الأخذ من المشتري تملك منه بمنزلة التملك المبتدإ كأنه ~~اشترى منه فلا يوجب بطلان البيع الأول فبقي الأول على حاله فكان الثمن على ~~حاله إلى أجله. # وروي عن أبي يوسف في شراء الدار بثمن مؤجل أنه يجب على الشفيع أن يطلب ~~عند علمه بالبيع فإن سكت إلى حين محل الأجل فذلك تسليم منه ثم رجع وقال إذا ~~طلب عند حل الأجل فله الشفعة وإن لم يطلب عند علمه بالبيع. # (وجه) قوله الأول أن وقت الطلب هو وقت العلم بالبيع لا وقت حل الأجل فقد ~~أخره عن وقته من غير عذر فبطل الحق. # (وجه) قوله الآخر أن الطلب لا يراد لعينه بل لتأكيد الحق واستقراره، ~~والتأكيد لا يراد لنفسه بل لإمكان الأخذ، وله أن لا يأخذ قبل حل الأجل فله ~~أن لا يطلب قبل حله أيضا والله تعالى أعلم. ### | [فصل في بيان ما يتملك بالشفعة] # (فصل) : # وأما بيان ما يتملك بالشفعة فالذي يتملكه الشفيع بالشفعة هو الذي ملكه ~~المشتري بالشراء سواء ملكه أصلا أو تبعا بعد أن يكون متصلا وقت التملك ~~بالشفعة، وذلك نحو البناء والغرس والزرع والثمر وهذا استحسان # PageV05P027 # والقياس أن لا يؤخذ البناء والغرس والزرع والثمر بالشفعة. # (وجه) القياس أن الشفيع إنما يتملك ما يثبت له فيه حق الشفعة وأنه يثبت ~~في العقار لا في المنقول وهذه الأشياء منقولة فلم يثبت فيها الحق فلا تتملك ~~بالشفعة وخاصة الزرع والثمر؛ لأنهما مبيعان ومقصودان لا يدخلان في العقد من ~~غير تسمية فلم يثبت الحق فيهما لا أصلا ولا تبعا، ولنا أن الحق إذا ثبت في ~~العقار يثبت فيما هو تبع له؛ لأن حكم التبع حكم الأصل، وهذه الأشياء تابعة ~~للعقار حالة الاتصال أما البناء والغرس فظاهران؛ لأن قيامهما بالأرض وكذلك ~~الزرع والثمر؛ لأن قيام الزرع وقيام الثمر بالشجر وقيام الشجر بالأرض فكان ~~تبعا للأرض بواسطة الشجر فيثبت الحق فيهما تبعا فيملكهما ms2660 بالشفعة بطريق ~~التبعية إلا أنهما لا يدخلان في العقد إلا بالتسمية مع وجود التبعية حقيقة ~~بالنص وهو ما سنروي في كتاب البيوع عن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال «من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها ~~المبتاع» . # فما دام البناء والشجر متصلا بالأرض فللشفيع أن يأخذ الأرض معه بالثمن ~~الأول وكذا له أن يأخذ الأرض مع الثمر والزرع بالثمن الأول بقلا كان الزرع ~~أو مستحصدا إذا كان متصلا، فأما إذا زال الاتصال ثم حضر الشفيع فلا سبيل ~~للشفيع عليه، وإن كان عينه قائمة سواء كان الزوال بآفة سماوية أو بصنع ~~المشتري أو الأجنبي؛ لأن حق الشفعة في هذه الأشياء إنما ثبت معدولا به عن ~~القياس معلولا بالتبعية وقد زالت التبعية بزوال الاتصال فيرد الحكم فيه إلى ~~أصل القياس، وهل يسقط عن الشفيع حصته من الثمن؟ هذا لا يخلو إما إن كان مما ~~يدخل في العقد من غير تسمية وإما إن كان مما لا يدخل فيه إلا بالتسمية فإن ~~كان مما يدخل في العقد من غير تسمية كالبناء والشجر ينظر؛ إن كان زوال ~~الاتصال بآفة سماوية بأن احترق البناء أو غرق أو جف شجر البستان لا يسقط ~~شيء من الثمن والشفيع يأخذ الأرض بجميع الثمن إن شاء أخذ وإن شاء ترك. # وكذلك لو انهدمت الدار سواء بقي عين النقض أو هلك كذا ذكر القدوري - رحمه ~~الله - في مختصره وسوى بينه وبين الغرق والحرق، وفرق الكرخي - رحمه الله - ~~فقال: إن احترق أو غرق ولم يبق منه شيء لا يسقط شيء من الثمن، وإن انهدم ~~يسقط عن الشفيع حصته من الثمن، وسوى بينه وبين ما إذا انهدم بفعل المشتري ~~أو الأجنبي لكنه فرق بينهما من وجه آخر وهو أن هناك تعتبر قيمته متصلا ~~فيقسم الثمن على قيمة البناء مبنيا وعلى قيمة الأرض فيأخذ الأرض بحصتها من ~~الثمن وههنا يعتبر منفصلا ساقطا ويسقط ذلك القدر من الثمن. # والصحيح ما ذكره القدوري - رحمه الله -؛ لأن البناء تبع والأتباع لا ms2661 حصة ~~لها من الثمن إلا أن تصير مقصودة بالفعل وهو الإتلاف والقبض ولم يوجد؛ ~~ولهذا لو احترق أو غرق لا يسقط شيء من الثمن، كذا هذا وإن كان زوال الاتصال ~~بفعل المشتري أو أجنبي بأن انهدم البناء أو قطع الشجر تسقط حصته من الثمن؛ ~~لأنه صار مقصودا بالإتلاف فصار له حصة من الثمن كأطراف العبد ويقسم الثمن ~~على البناء مبنيا وعلى قيمة الأرض؛ لأنه إنما يسقط حصة البناء فصار مضمونا ~~عليه بفعله وهو الهدم والهدم صادفه وهو مبني فتعتبر قيمته مبنيا بخلاف ما ~~إذا انهدم بنفسه على رواية الكرخي - رحمه الله -؛ لأنه انهدم لا بصنع أحد ~~فيعتبر حاله يوم الانهدام، ولو لم يهدم المشتري البناء لكنه باعه بغير أرض ~~ثم حضر الشفيع كان أحق بالبناء والأرض فيأخذ وينتقض البيع في البناء؛ لأنه ~~باع البناء. # وحق الشفيع متعلق به تبعا للأرض لوجود الاتصال فكان سبيلا من إبطال البيع ~~كما لو باع الأصل - وهو الأرض - ثم حضر الشفيع أن له أن يأخذ، وينتقض البيع ~~كما قلنا، كذا هذا. # وإن كان مما لا يدخل في العقد إلا بالتسمية كالثمر والزرع يسقط عن الشفيع ~~حصته من الثمن سواء كان زوال الاتصال بصنع العبد أو بآفة سماوية بخلاف ~~الفصل الأول إذا احترق البناء أو غرق أو انهدم على رواية القدوري - رحمه ~~الله - أنه لا يسقط شيء من الثمن؛ لأن البناء مبيع تبعا لا مقصودا لثبوت ~~حكم البيع فيها تبعا لا مقصودا بالتسمية، والأتباع ما لها حصة من الثمن إلا ~~إذا صارت مقصودة بالفعل ولم يوجد، فأما الثمر والزرع فكل واحد منهما مبيع ~~مقصود ألا يرى أنه لا يدخل في العقد من غير تسمية؟ فلا بد وأن يخصه شيء من ~~الثمن فإن هلك يهلك بحصته من الثمن سواء هلك بنفسه أو بالاستهلاك لما قلنا، ~~وتعتبر قيمته يوم العقد؛ لأنه أخذ الحصة بالعقد فتعتبر قيمته يوم العقد ~~فيقسم الثمن على قيمة # PageV05P028 # الأرض وعلى قيمة الزرع وقت العقد لكنه كيف تعتبر قيمتها يوم العقد مفصولا ~~مجذوذا أم قائما؟ ms2662 روي عن أبي يوسف أنه تعتبر قيمة الزرع وهو بقل مفصول ~~ومجذوذ فيسقط عنه ذلك القدر. # وروي عن محمد في النوادر أنه يعتبر قيمته قائما فتقوم الأرض وفيها الزرع ~~والثمر وتقوم وليس فيها الزرع والثمر فيسقط عن الشفيع ما بين ذلك. # (وجه) قول محمد أن الزرع دخل في العقد وهو متصل ويثبت الحق فيه وهو ~~منفصل، وكذا الثمر فتعتبر قيمتها على صفة الاتصال على أن في اعتبار حالة ~~الانفصال إضرارا بالشفيع إذ ليس للمفصول والثمر المجذوذ كثير قيمة فيتضرر ~~به الشفيع. # (وجه) قول أبي يوسف إن حق الشفيع إنما سقط بعد زوال الاتصال فتعتبر ~~قيمتها منفصلا لا متصلا. # وكذا لو كانت الأرض مبذورة ولم يطلع الزرع بعد ثم طلع فقصله المشتري عند ~~أبي يوسف يقسم الثمن على قيمة البذر وعلى قيمة الأرض فيسقط قدر قيمة البذر ~~عن الثمن وعند محمد تقوم الأرض مبذورة وغير مبذورة فيسقط عنه ما بين ذلك ~~إذا آجر الشفيع الأرض مع الشجر بحصتها من الثمن وبقيت الثمرة في يد البائع ~~هل يثبت الخيار للمشتري؟ ذكر محمد أن الثمرة لازمة للمشتري ولا خيار له. # ولو كان البائع أتلف الثمرة قبل أن يأخذ الشفيع الأرض بالشفعة فالمشتري ~~بالخيار إن شاء أخذ الأرض بحصتها من الثمن وإن شاء ترك؛ لأنه لما أتلف ~~الثمرة فقد فرق الصفقة على المشتري قبل التمام من غير رضاه وأنه يوجب ~~الخيار، بخلاف ما إذا كان الشفيع أخذ الأرض بالشفعة؛ لأن التفريق هناك حصل ~~برضا المشتري؛ لأن حق الشفيع كان ثابتا في المأخوذ وأنه حق لازم فكان ~~التفريق هناك لضرورة حق ثابت لازم شرعا فكان المشتري راضيا به، والتفريق ~~المرضي به لا يوجب الخيار والله سبحانه وتعالى أعلم. # هذا إذا كانت هذه الأشياء موجودة عند العقد متصلة بالعقار ودام الاتصال ~~إلى وقت التملك بالشفعة أو زال ثم حضر الشفيع. # فأما إذا لم تكن موجودة عند العقد ووجدت بعده ثم حضر الشفيع فإن كان ~~الحادث مما يثبت حكم البيع فيه تبعا وهو الثمر بأن وقع البيع ms2663 ولا ثمر في ~~الشجر ثم أثمر بعده ثم حضر الشفيع فما دام متصلا يأخذه الشفيع مع الأرض ~~بالثمن الأول استحسانا؛ لأنه ثبت حكم البيع فيه تبعا لثبوته في الأرض ~~بواسطة الشجر فكان مبيعا تبعا فيثبت حق الشفعة تبعا سواء حدث في يد المشتري ~~أو في يد البائع؛ لأن الشفعة موجودة في الحالين فإن زال الاتصال فحضر ~~الشفيع؛ فإن كان حدث في يد المشتري فالشفيع يأخذ الأرض والشجر بالثمن الأول ~~إن شاء، وإن شاء ترك ولا يسقط شيء من الثمن، وسواء كان زواله بآفة سماوية ~~وهو قائم بعد الزوال أو هالك أو كان زواله بفعل أحد؛ أما إذا كان بآفة ~~سماوية وهو قائم أو هالك؛ لأنه كان تبعا حالة الاتصال ولم يرد عليه فعل ~~يصير به مقصودا، والتبع لا يصير له حصة من الثمن بدونه، وأما إذا كان ~~الزوال بصنع العبد بأن جذه المشتري وهو قائم أو هالك؛ فلأنه لم يرد عليه ~~العقد ولا القبض. # وإن كان حدث في يد البائع فإن كان الزوال بآفة سماوية وهو قائم أو هالك ~~فكذلك أخذ الشفيع الأرض والشجر بجميع الثمن إن شاء؛ لأنه لم يوجد فعل يصير ~~به مقصودا فيقابله الثمن، وإن كان بفعل البائع بأن استهلكه يسقط عن الشفيع ~~حصته من الثمن لصيرورته مقصودا بالإتلاف، وإن كان الحادث مما لم يثبت فيه ~~حكم البيع رأسا لا أصلا ولا تبعا بأن بنى المشتري بناء أو غرس أو زرع ثم ~~حضر الشفيع يقضى له بشفعة الأرض ويجبر المشتري على قلع البناء والغرس ~~وتسليم الساحة إلى الشفيع إلا إذا كان في القلع نقصان الأرض فللشفيع ~~الخيار؛ إن شاء أخذ الأرض بالثمن، والبناء والغرس بقيمته مقلوعا وإن شاء ~~أجبر المشتري على القلع وهذا جواب ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه لا يجبر المشتري على قلع البناء والغرس ولكنه يأخذ ~~الأرض بثمنها والبناء والغرس بقيمته قائما غير مقلوع إن شاء وإن شاء ترك ~~وبه أخذ الشافعي - رضي الله عنه - وأجمعوا على أن المشتري لو زرع في الأرض ms2664 ~~ثم حضر الشفيع أنه لا يجبر المشتري على قلعه ولكنه ينتظر إدراك الزرع ثم ~~يقضى له بالشفعة فيأخذ الأرض بجميع الثمن. # (وجه) رواية أبي يوسف - رحمه الله - أن في الجبر على النقض ضررا بالمشتري ~~وهو إبطال تصرفه في ملكه وفيما قلنا مراعاة الجانبين. # (أما) جانب المشتري فظاهر؛ لأن فيه صيانة حقه عن الإبطال. # (وأما) جانب الشفيع؛ فلأنه يأخذ البناء بقيمته، وأخذ الشيء بقيمته لا ضرر ~~فيه على أحد. # (وجه) ظاهر # PageV05P029 # الرواية أن حق الشفيع كان متعلقا بالأرض قبل البناء ولم يبطل ذلك بالبناء ~~بل بقي فإذا قضي له بالشفعة فقد صار ذلك الحق ملكا له فيؤمر بتسليم ملكه ~~إليه ولا يمكنه التسليم إلا بالنقض فيؤمر بالنقض ولهذا أمر الغاصب والمشتري ~~عند الاستحقاق بالنقض كذا هذا قوله: في النقض ضرر بالمشتري؛ قلنا إن كان ~~فيه ضرر به فهو الذي أضر بنفسه حيث بنى على محل تعلق به حق غيره، ولو أخذ ~~الشفيع الأرض بالشفعة وبنى عليها ثم استحقت وأمر الشفيع بنقض البناء فإن ~~الشفيع يرجع على المشتري بالثمن ولا يرجع عليه بقيمة البناء - إن كان أخذ ~~منه - ولا على البائع أيضا - إن كان أخذ منه - في ظاهر الرواية وروي عن أبي ~~يوسف - رحمه الله - أنه يرجع عليه. # (وجه) هذه الرواية أن الأخذ بالشفعة بمنزلة الشراء من المشتري ولو كان ~~اشتراه لرجع عليه كذا إذا أخذه بالشفعة له الرجوع بقيمة البناء في الشراء ~~لوجود الغرور من البائع وضمان السلامة للمشتري؛ لأن كل بائع مخير للمشتري ~~أنه يبيع ملك نفسه وشارط سلامة ما يبنى فيه دلالة فإذا لم يسلم يدفع بحكم ~~الضمان المشروط دلالة؛ إذ ضمان الغرور ضمان الكفالة في الحقيقة ولا غرور من ~~المشتري في حق الشفيع؛ لأنه مجبور على التملك منه، وحق الرجوع بضمان الغرور ~~على المختار لا على المجبور؛ كالجارية المأسورة إذا اشتراها رجل فأخذها ~~المالك القديم بالثمن واستولدها ثم استحقت من يده وقضي عليه بالعقر وقيمة ~~الولد فإنه يرجع على المشتري بالثمن الذي دفعه إليه ولا يرجع عليه بقيمة ms2665 ~~الولد، ومثله إذا استولد جارية بالشراء ثم استحقت فإن المشتري يرجع على ~~بائعه بالثمن وبقيمة الولد؛ لصيرورته مغرورا من جهته ولا غرور من المشتري ~~من الحربي لكونه مجبورا في التملك عليه بما أخذه من الحربي، كذا هذا. # والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في بيان من يتملك منه الشقص المشفوع فيه] # (فصل) : # وأما بيان من يتملك منه الشقص المشفوع فيه فالشفيع يتملك من الذي في يده؛ ~~إن كان في يد البائع أخذه منه ونقده الثمن والعهدة عليه، وإن كان في يد ~~المشتري أخذه ودفع الثمن إليه والعهدة عليه سواء كان المشتري عاقدا لنفسه ~~أو لغيره؛ بأن كان وكيلا بالشراء وقبض الدار ثم حضر الشفيع. # وهذا جواب ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه لا يأخذها من ~~يد الوكيل. # (وجه) هذه الرواية أن الوكيل لم يشتر لنفسه وإنما اشترى لموكله فلم يكن ~~هو خصما بل الخصم الموكل فلا يأخذ منه ولكن يقال له سلم الدار إلى الموكل، ~~فإذا سلم يأخذها الشفيع منه. # (وجه) ظاهر الرواية أن الشفعة من حقوق العقد وأنها راجعة إلى الوكيل، ~~والوكيل في الحقوق أصل بمنزلة المشتري لنفسه فكان خصم الشفيع فيأخذ الدار ~~منه بالثمن وكانت العهدة عليه وإن كان الوكيل سلم الدار إلى الموكل ثم حضر ~~الشفيع فإنه يأخذ الدار من الموكل ويدفع الثمن إليه وكانت العهدة عليه، ولا ~~خصومة للشفيع مع الوكيل؛ لأنه بالتسليم إلى الموكل زالت يده عن الدار فخرج ~~من أن يكون خصما بمنزلة البائع إذا سلم الدار إلى المشتري أنه لا خصومة ~~للشفيع مع البائع لما قلنا، كذا هذا غير أن الدار إذا كانت في يد البائع لم ~~يكن خصما ما لم يحضر المشتري، وإذا كانت في يد الوكيل يكون خصما وإن لم ~~يحضر الموكل؛ لأن الوكيل بالتوكيل قائم مقام الموكل والبائع ليس بقائم مقام ~~المشتري لانعدام ما يوجب ذلك. # ولو قال المشتري قبل أن يخاصمه الشفيع في الشفعة إنما اشتريت لفلان، وسلم ~~إليه ثم حضر الشفيع فلا خصومة بينه وبين المشتري؛ ms2666 لأنه أقر قبل أن يكون ~~خصما للشفيع فصح إقراره لانعدام التهمة، فصار كما لو كانت الوكالة معلومة. # ولو أقر بذلك بعدما خاصمه الشفيع لم تسقط الخصومة عنه؛ لأنه متهم في هذا ~~الإقرار لصيرورته خصما للشفيع فلا يقبل في إبطال حقه ولو أقام بينة أنه قال ~~قبل الشراء إنما اشترى لفلان لم تقبل بينته؛ لأن هذه البينة لو صدقت لم ~~تدفع الخصومة عنه؛ لأنه لا يثبت بها إلا الشراء لفلان وبهذا لا تندفع عنه ~~الخصومة وروي عن محمد أنها لا تقبل لإثبات الملك للغائب وتقبل لدفع الخصومة ~~بينه وبين الشفيع حتى يحضر المقر له. ### | [فصل في بيان حكم اختلاف الشفيع والمشتري] # وأما بيان حكم اختلاف الشفيع والمشتري فاختلافهما لا يخلو إما أن يرجع ~~إلى الثمن، وإما أن يرجع إلى المبيع، وإما أن يرجع إلى صفة المبيع؛ أما. # الذي يرجع إلى الثمن فلا يخلو. # إما أن يقع الاختلاف في جنس الثمن وإما أن يقع في قدره وإما أن يقع في ~~صفته وإن وقع في الجنس بأن قال المشتري: اشتريت بمائة دينار، وقال الشفيع: ~~لا بل # PageV05P030 # بألف درهم فالقول قول المشتري؛ لأن الشفيع يدعي عليه التملك بهذا الجنس ~~وهو ينكر فكان القول قول المنكر مع يمينه ولأن المشتري أعرف بجنس الثمن من ~~الشفيع؛ لأن الشراء وجد منه لا من الشفيع فكان أعرف به من الشفيع فيرجع في ~~معرفة الجنس إليه. # وإن وقع الاختلاف في قدر الثمن بأن قال المشتري: اشتريت بألفين وقال ~~الشفيع: بألف، فالقول قول المشتري مع يمينه وعلى الشفيع البينة أنه اشتراه ~~بألف؛ لأن الشفيع يدعي التملك على المشتري بهذا القدر من الثمن والمشتري ~~ينكر فكان القول قول المنكر ولو صدق البائع الشفيع بأن قال: بعت بألف ينظر ~~في ذلك إن كان البائع ما قبض الثمن فالقول قول البائع والشفيع يأخذ بالألف ~~سواء كان المبيع في يد البائع أو في يد المشتري إذا لم يكن نقد الثمن؛ لأن ~~البائع إذا لم يكن قبض الثمن فالتملك يقع عليه بتمليكه فيرجع في مقدار ms2667 ما ~~ملك به إلى قوله ولأن الشراء لو وقع بألف كما قاله البائع أخذ الشفيع به ~~وإن وقع بألفين كما قاله المشتري كان قول البائع بعت بألف حط بعض الثمن عن ~~المشتري، وحط بعض الثمن يصح ويظهر في حق الشفيع على ما مر. # وإن كان البائع قبض الثمن لا يلتفت إلى تصديقه والقول قول المشتري؛ لأنه ~~إذا قبض الثمن لم يبق له حق في المبيع أصلا وصار أجنبيا فالتحق تصديقه ~~بالعدم، وقيل إنه يراعى التقديم والتأخير في تصديق البائع فإن بدأ بالإقرار ~~بالبيع بأن قال: بعت الدار بألف وقبضت الثمن فالشفيع يأخذها بألف، وإن بدأ ~~بالإقرار بقبض الثمن بأن قال: قبضت الثمن وهو الألف لا يلتفت إلى قوله؛ ~~لأنه لما بدأ بالإقرار بالبيع فقال بعت بألف فقد تعلق به حق الشفعة فهو ~~بقوله قبضت الثمن يريد إسقاط حق متعلق بقوله فلا يصدق، وإذا بدأ بالإقرار ~~بقبض الثمن فقد صار أجنبيا فلا يقبل قوله في مقدار الثمن. # وروى الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما - أن المبيع إذا كان في يد ~~البائع فأقر بقبض الثمن وزعم أنه ألف فالقول قوله؛ لأن المبيع إذا كان في ~~يد البائع فالتملك يقع عليه فكان القول قوله في مقدار الثمن، ولو اختلف ~~البائع مع المشتري والشفيع والدار في يد البائع أو المشتري لكنه لم ينقد ~~الثمن فالقول في ذلك قول البائع، والبائع مع المشتري يتحالفان ويترادان، ~~والشفيع يأخذ الدار بما قال البائع إن شاء، أما التحالف والتراد فيما بين ~~البائع والمشتري فلقوله - عليه الصلاة والسلام - «إذا اختلف المتبايعان ~~تحالفا وترادا» . # وأما أخذ الشفيع بقول البائع " إن شاء "؛ فلأنه إذا لم يقبض الثمن ~~فالتملك يقع عليه فكان القول في مقدار الثمن في حق الشفيع قوله، وإن كان ~~البائع قد قبض الثمن فلا يلتفت إلى قوله؛ لأنه صار أجنبيا على ما بينا هذا ~~إذا لم يكن لأحدهما بينة لا للشفيع ولا للمشتري، فإن قامت لأحدهما بينة ~~قبلت بينته وإن أقاما جميعا البينة فالبينة بينة الشفيع عند أبي ms2668 حنيفة ~~ومحمد، وعند أبي يوسف البينة بينة المشتري. # (وجه) قوله أن بينة المشتري تظهر زيادة فكانت أولى بالقبول كما إذا اختلف ~~البائع والمشتري في مقدار الثمن فقال البائع بعت بألفين وقال المشتري بألف، ~~وأقاما جميعا البينة فالبينة بينة البائع لما قلنا، والجامع بينهما من ~~وجهين: أحدهما: أن الزيادة التي تظهرها إحدى البينتين لا معارض لها فتقبل ~~في قدر الزيادة لخلوها عن المعارض ولا يمكن إلا بالقبول في الكل فتقبل في ~~الكل ضرورة، والثاني: أن البينة المظهرة للزيادة مثبتة والأخرى نافية، ~~والمثبت يترجح على النافي. # ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - طريقتان؛ إحداهما ذكرها أبو يوسف لأبي ~~حنيفة ولم يأخذ بها، والثانية ذكرها محمد وأخذ بها أما الأولى فهي أن ~~البينة جعلت حجة للمدعي قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: «البينة على ~~المدعي» والمدعي ههنا هو الشفيع؛ لأنه غير مجبور على الخصومة في الشفعة بل ~~إذا تركها ترك والمشتري مجبور على التملك عليه، بحيث لو ترك الخصومة لا ~~يترك فكان المدعي منهما هو الشفيع فكانت البينة حجته. # وأما الثانية فهي أن البينة حجة من حجج الشرع فيجب العمل بها ما أمكن ~~وههنا أمكن العمل بالبينتين في حق الشفيع بأن يجعل كأنه وجد عقدان أحدهما ~~بألف والآخر بألفين؛ لأن البيع الثاني لا يوجب انفساخ البيع الأول في حق ~~الشفيع وإن كان يوجب ذلك في حق العاقدين؛ ألا ترى أنه لو باع بألف ثم باع ~~بألفين ثم حضر الشفيع كان له أن يأخذ الدار بألف دل أن البيعين قائمان في ~~حق الشفيع وأن الفسخ الأول في حقهما فأمكن تقدير عقدين، بخلاف ما إذا اختلف ~~البائع والمشتري في مقدار الثمن وأقاما البينة أن البينة بينة البائع أما ~~على الطريق الأولى؛ فلأن البائع هناك هو # PageV05P031 # المدعي فكانت البينة حجته؛ ألا ترى أنه لا يجبر على الخصومة والمشتري ~~مجبور عليها، وههنا بخلافه على ما بينا. # وأما على الطريق الثانية؛ فلأن تقدير عقدين هنا متعذر؛ لأن البيع الثاني ~~يوجب انفساخ الأول في حق العاقدين فكان العقد واحدا، والترجيح بجانب ms2669 البائع ~~لانفراد بينته بإظهار فضل فكانت أولى بالقبول والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو اشترى دارا بعرض ولم يتقابضا حتى هلك العرض وانتقض البيع فيما بين ~~البائع والمشتري أو كان المشتري قبض الدار ولم يسلم العرض حتى هلك وانتقض ~~البيع فيما بينهما وبقي للشفيع حق الشفعة بقيمة العرض على ما بينا فيما ~~تقدم ثم اختلف الشفيع والبائع في قيمة العرض فالقول قول البائع مع يمينه؛ ~~لأن الشفيع يدعي عليه التملك بهذا القدر من الثمن وهو ينكر، فإن أقام ~~أحدهما بينة قبلت بينته وإن أقاما جميعا البينة فالقول قول البائع عند أبي ~~يوسف ومحمد، وهو قول أبي حنيفة على قياس العلة التي ذكرها محمد لأبي حنيفة ~~- رحمه الله - في تلك المسألة، أما عند أبي حنيفة فظاهر؛ لأن بينة البائع ~~انفردت بإثبات زيادة وكذلك عند محمد على قياس ما ذكره لأبي حنيفة في تلك ~~المسألة وأخذ به؛ لأن تقدير عقدين ههنا غير ممكن؛ لأن العقد وقع على عرض ~~بعينه وإنما اختلفا في قيمة ما وقع عليه العقد فكان العقد واحدا فلا يمكن ~~العمل بالبينتين فيعمل بالراجح منهما وهو بينة البائع لانفرادها بإظهار ~~الفضل، وكذلك عند أبي حنيفة على قياس ما علل له محمد. # وأما على قياس ما علل له أبو يوسف فينبغي أن تكون البينة بينة الشفيع؛ ~~لأنه هو المدعي وهكذا ذكر الطحاوي - رحمه الله - والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو هدم المشتري بناء الدار حتى سقط عن الشفيع قدر قيمته من الثمن ثم ~~اختلفا في قيمة البناء فهذا لا يخلو. # (إما) أن اختلفا في قيمة البناء واتفقا على قيمة الساحة وإما أن اختلفا ~~في قيمة البناء والساحة جميعا؛ فإن اختلفا في قيمة البناء لا غير فالقول ~~قول المشتري مع يمينه؛ لأن الشفيع يدعي على المشتري زيادة في السقوط وهو ~~ينكر، وإن اختلفا في قيمة البناء والساحة جميعا فإن الساحة تقوم الساعة ~~والقول في قيمة البناء قول المشتري. # (أما) تقوم الساحة الساعة؛ فلأنه يمكن معرفة قيمتها للحال فيستدل بالحال ~~على الماضي ولا يمكن تحكيم ms2670 الحال في البناء؛ لأنه تغير عن حاله، والقول قول ~~المشتري لما قلنا، فإن قامت لأحدهما بينة قبلت بينته وإن أقاما جميعا ~~البينة؛ قال أبو يوسف: البينة بينة الشفيع على قياس قول أبي حنيفة - رحمه ~~الله - وقال محمد البينة بينة المشتري على قياس قول أبي حنيفة وقال أبو ~~يوسف من تلقاء نفسه البينة بينة المشتري؛ لأنها تظهر زيادة وإنما اختلفا في ~~القياس على قول أبي حنيفة لاختلاف الطريقين اللذين ذكرناهما له في تلك ~~المسألة؛ فطريق أبي يوسف أن الشفيع هو المدعي والبينة حجة المدعي، وهذا ~~موجود ههنا وطريق محمد - رحمه الله - العمل بالبينتين بتقدير عقدين، وهذا ~~التقدير منعدم هنا فيعمل بإحدى البينتين وهي بينة المشتري لانفرادها بإظهار ~~زيادة والله سبحانه وتعالى أعلم. # وإن اختلفا في صفة الثمن بأن قال المشتري اشتريت بثمن معجل، وقال الشفيع ~~لا بل اشتريته بثمن مؤجل فالقول قول المشتري؛ لأن الحلول في الثمن أصل ~~والأجل عارض فالمشتري يتمسك بالأصل فيكون القول قوله؛ ولأن العاقد أعرف ~~بصفة الثمن من غيره ولأن الأجل يثبت بالشرط فالشفيع يدعي عليه شرط التأجيل ~~وهو ينكر فكان القول قوله. # (وأما) الذي يرجع إلى المبيع فهو أن يختلفا فيما وقع عليه البيع أنه وقع ~~عليه بصفقة واحدة أم بصفقتين نحو ما إذا اشترى دارا فقال المشتري اشتريت ~~العرصة على حدة بألف والبناء بألف، وقال الشفيع لا بل اشتريتهما جميعا ~~بألفين والدار لي ببنيانها، فالقول قول الشفيع؛ لأن إفراد كل واحد منهما ~~بالصفقة حالة الاتصال ليس بمعتاد بل العادة بيعهما صفقة واحدة فكان الظاهر ~~شاهدا للشفيع فكان القول قوله؛ ولأن سبب وجوب الشفعة في العرصة يقتضي ~~الوجوب في البناء تبعا له حالة الاتصال، وشرط الوجوب هو الشراء وقد أقر ~~المشتري بالشراء إلا أنه يدعي زيادة أمر وهو تفريق الصفقة فلا يصدق إلا ~~بتصديق الشفيع أو ببينة ولم توجد، وأيهما أقام البينة قبلت بينته وإن أقاما ~~جميعا البينة ولم يوقتا وقتا فالبينة بينة المشتري عند أبي يوسف، وعند محمد ~~البينة بينة الشفيع. # (وجه) قول محمد أن ms2671 بينة الشفيع أكثر إثباتا؛ لأنها تثبت زيادة استحقاق ~~وهو استحقاق البناء فكانت أولى بالقبول؛ ولأن العمل بالبينتين ههنا ممكن ~~بأن يجعل كأنه باعهما بصفقتين ثم باعهما # PageV05P032 # بصفقة واحدة فكان للشفيع أن يأخذها بأيهما شاء. # (وجه) قول أبي يوسف أن بينة المشتري أكثر إثباتا؛ لأنها تثبت زيادة صفقة ~~فكانت أولى بالقبول فأبو يوسف نظر إلى زيادة الصفقة ومحمد نظر إلى زيادة ~~الاستحقاق، وقال أبو يوسف: إذا ادعى المشتري أنه أحدث البناء في الدار وقال ~~الشفيع لا بل اشتريتها والبناء فيها - أن القول قول المشتري؛ لأنه لم يوجد ~~من المشتري الإقرار بشراء البناء والشفيع يدعي عليه استحقاق البناء وهو ~~ينكر. # ولو اشترى دارين ولهما شفيع ملاصق فقال المشتري: اشتريت واحدة بعد واحدة ~~وأنا شريكك في الثانية، وقال الشفيع: لا بل اشتريتهما صفقة واحدة ولي ~~الشفعة فيهما جميعا، فالقول قول الشفيع؛ لأن سبب الاستحقاق ثابت فيهما ~~جميعا وهو الجوار على سبيل الملاصقة وقد أقر المشتري بشرط الاستحقاق وهو ~~شراؤهما إلا أنه بدعوى تفريق الصفقة يدعي البطلان بعد وجود السبب وشرطه من ~~حيث الظاهر فلا يصدق إلا ببينة، وأيهما أقام بينة قبلت بينته وإن أقاما ~~جميعا البينة فهو على الاختلاف الذي ذكرنا بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ~~ولو قال المشتري: وهب لي هذا البيت مع طريقه من هذه الدار ثم اشتريت ~~بقيتها، وقال الشفيع: لا بل اشتريت الكل فللشفيع الشفعة فيما أقر أنه اشترى ~~ولا شفعة له فيما ادعى من الهبة؛ لأنه وجد سبب الاستحقاق وهو الجوار ووجد ~~شرطه وهو الشراء بإقرار، فهو بدعوى الهبة يريد بطلان حق الشفيع فلا يصدق، ~~وللشفيع الشفعة فيما أقر بشرائه ولا شفعة له في الموهوب؛ لأنه لم يوجد من ~~المشتري الإقرار بشرط الاستحقاق على الموهوب وأيهما أقام البينة قبلت ~~بينته، وإن أقاما جميعا البينة فالبينة بينة المشتري عند أبي يوسف - رحمه ~~الله -؛ لأنها تثبت زيادة الهبة، وينبغي أن تكون البينة بينة الشفيع عند ~~محمد - رحمه الله -؛ لأنها تثبت زيادة الاستحقاق. # وروي عن محمد فيمن اشترى دارا وطلب ms2672 الشفيع الشفعة فقال المشتري: اشتريت ~~نصفا ثم نصفا فلك النصف الأول، وقال الشفيع: لا بل اشتريت الكل صفقة واحدة ~~ولي الكل فالقول قول الشفيع؛ لأن سبب ثبوت الحق في الكل كان موجودا وقد أقر ~~بشرط الثبوت؛ وهو الشراء، ولكنه يدعي أمرا زائدا وهو تفريق الصفقة فلا يقبل ~~ذلك منه إلا ببينة، فإن قال المشتري: اشتريت ربعا ثم ثلاثة أرباع فلك الربع ~~فقال الشفيع: لا بل اشتريت ثلاثة أرباع ثم ربعا فالقول قول الشفيع؛ لأن ~~السبب كان موجودا وقد أقر المشتري بشراء ثلاثة أرباع إلا أنه يدعي أمرا ~~زائدا وهو سبق الشراء في الربع فلا يثبت إلا ببينة فإن قال المشتري: اشتريت ~~صفقة واحدة وقال الشفيع: اشتريت نصفا ثم نصفا فأنا آخذ النصف فالقول قول ~~المشتري يأخذ الشفيع الكل أو يدع؛ لأن الشفيع يريد تفريق الصفة وفيه ضرر ~~الشركة فلا يقبل قوله إلا ببينة، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وأما الذي يرجع إلى صفة البيع فهو أن يختلفا في البتات والخيار أو في ~~الصحة والفساد بأن اشترى دارا بألف درهم وتقابضا فأراد الشفيع أخذها ~~بالشفعة فقال البائع والمشتري البيع كان بخيار البائع ولو يمض فلا شفعة لك، ~~وأنكر الشفيع الخيار فالقول قول البائع والمشتري وعلى الشفيع البينة أن ~~البيع كان باتا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وهو إحدى الروايتين عن أبي ~~يوسف - رحمه الله -. # وروي عن أبي يوسف رواية أخرى أن القول قول الشفيع. # (وجه) هذه الرواية أن الظاهر شاهد للشفيع؛ لأن البتات أصل في البيع ~~والخيار فيه عارض فكان القول قول من يتمسك بالأصل. # (وجه) ظاهر الرواية أن الشفيع يدعي ثبوت حق الشفعة وهما ينكران ذلك ~~بقولهما كان فيه خيار؛ لأن حق الشفعة لا يجب في بيع فيه خيار فكان القول ~~قول المنكر؛ ولأن البيع يقوم بالعاقدين فكانا أعرف بصفقته من الشفيع، ~~والرجوع في كل باب إلى من هو أعرف به، ولهذا لو تصادقا على أن الثمن كان ~~دنانير والشفيع يدعي أنه كان دراهم كان القول قولهما، كذا هذا ولو ms2673 كان ~~البائع غائبا والدار في يد المشتري فأراد الشفيع أن يأخذ منه فقال المشتري ~~كان للبائع فيه خيار وكذبه الشفيع فالقول قول المشتري أيضا لما ذكرنا من ~~المعنيين. # وإن اختلف العاقدان فيما بينهما فادعى البائع الخيار وقال المشتري لم يكن ~~فيه خيار كان القول قول المشتري ويأخذ الشفيع الدار في الرواية المشهورة ~~وروي عن أبي يوسف أن القول قول البائع. # (وجه) هذه الرواية أن البائع بدعوى الخيار منكر للبيع حقيقة؛ لأن البيع ~~بشرط الخيار غير منعقد في حق الحكم، وخيار البائع يمنع زوال المبيع # PageV05P033 # عن ملكه والمشتري والشفيع يدعيان الزوال عن ملكه فكان القول قول البائع، ~~كما لو وقع الاختلاف بينهم في أصل العقد. # (وجه) ظاهر الرواية أن الخيار لا يثبت إلا باشتراطهما فالبائع بدعوى ~~الخيار يدعي الاشتراط على المشتري وهو ينكر فكان القول قوله كما لو ادعى ~~المشتري الشراء بثمن مؤجل وادعى البائع التعجيل فالقول قول البائع لما أن ~~التأجيل لا يثبت إلا بشرط يوجد من البائع وهو منكر للشرط فكان القول قوله، ~~كذا هذا بخلاف ما لو أنكر البائع البيع والمشتري يدعيه أن القول قول البائع ~~لأنه أنكر زوال ملكه ولم يدع على المشتري فعلا فكان القول قوله. # ولو أراد الشفيع أن يأخذ الدار المشتراة بالشفعة فقال البائع والمشتري ~~كان البيع فاسدا فلا شفعة لك، وقال الشفيع كان جائزا ولي الشفعة فهو على ~~اختلافهم في شرط الخيار للبائع؛ في قول أبي حنيفة ومحمد وإحدى الروايتين عن ~~أبي يوسف: القول قول العاقدين ولا شفعة للشفيع. # وفي رواية عن أبي يوسف: القول قول الشفيع وله الشفعة، فأبو يوسف يعتبر ~~الاختلاف بينهم في الصحة والفساد باختلاف المتعاقدين فيما بينهما، ولو ~~اختلفا فيما بينهما في الصحة والفساد كان القول قول من يدعي الصحة، كذا ~~هذا، والجامع أن الصحة أصل في العقد، والفساد عارض وهما يعتبران اختلافهم ~~في هذا باختلافهم في البتات والخيار للبائع، والجامع أن الشفيع بدعوى ~~البتات والصحة يدعي عليهما حق التمليك وهما بدعوى الخيار والفساد ينكران ~~ذلك فكان القول قولهما، ms2674 وكذا هما أعرف بصفة العقد الواقع منهما لقيامه بهما ~~فكان القول في ذلك قولهما، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في بيان الحيلة في إسقاط الشفعة] # (فصل) : # وأما بيان الحيلة في إسقاط الشفعة فقد ذكروا لإسقاط الشفعة حيلا بعضها ~~يعم الشفعاء كلهم وبعضها يخص البعض دون البعض أما الذي يعم كل الشفعاء فنحو ~~أن يشتري الدار بأكثر من قيمتها بأن كانت قيمتها ألفا فيشتريها بألفين ~~وينقد من الثمن ألفا إلا عشرة ثم يبيع المشتري من البائع عرضا قيمته عشرة ~~بألف درهم وعشرة فتحصل الدار للمشتري بألف لا يأخذها الشفيع إلا بألفين، ~~وهذه الحيلة ليست بمسقطة للشفعة شرعا لكنها مانعة من الأخذ بالشفعة عادة ~~ألا ترى أن للشفيع أن يأخذها بألفين ويلتزم الضرر. # (وأما) الذي يخص بعض الشفعاء دون بعض فأنواع منها أن يبيع دارا إلا ذراعا ~~منها في طول الحد الذي يلي دار الشفيع، فالشفيع لا يستحق الشفعة؛ أما في ~~قدر الذراع فلانعدام الشرط وهو البيع وأما فيما وراء ذلك فلانعدام السبب ~~وهو الجوار، ومنها أن يهب البائع الحائط الذي بينه وبين الجار مع أصله ~~للمشتري مقسوما ويسلمه إليه أو يهب له من الأرض قدر ذراع من الجانب الذي ~~يلي دار الشفيع ويسلمه إليه ثم يبيع منه البقية بالثمن فلا شفعة للجار لا ~~في الموهوب ولا في المبيع. # (أما) في الموهوب فلانعدام شرط وجوب الشفعة - وهو البيع - وأما في المبيع ~~فلانعدام سبب الوجوب وهو الجوار، ومنها أن يبيع الدار نصفين فيبيع الحائط ~~بأصله أولا بثمن كثير ثم يبيع بقية الدار بثمن قليل فلا شفعة للشفيع شرعا ~~فيما وراء الحائط لانعدام السبب وهو الجوار ولا يأخذ الحائط عادة لكثرة ~~الثمن. # ومنها أن يبيع الدار والأرض في صفقتين فيبيع من الدار بناها ومن الأرض ~~أشجارها أولا بثمن قليل ثم يبيع الأرض بثمن كثير فلا شفعة للشفيع في البناء ~~والشجر شرعا لانفرادهما بالصفقة، ولا يأخذ الأرض بذلك الثمن عادة ليضمن ~~تكثير الثمن ومنها أن يبيع الدار نصفين فيبيع عشرا منها بثمن كثير ثم يبيع ms2675 ~~البقية بثمن قليل فلا يأخذ الشفيع العشر بثمنه عادة لما فيه من الضرر، ولا ~~شفعة له في تسعة أعشارها شرعا لأنه حين اشترى البقية كان شريك البائع ~~بالعشر، والشريك في البقعة مقدم على الجار والخليط، وهذا النوع من الحيلة ~~لا يصلح للشريك؛ لأن الشفيع إذا كان شريكا له أن يأخذ نصف البقعة بقليل ~~الثمن أيضا. # ولو كانت الدار لصغير فلا تباع بقية الدار بقليل الثمن لأنه لا يجوز إذ ~~هو بيع مال الصغير بأقل من قيمته مقدار ما يتغابن الناس في مثله عادة. # والولي لا يملك ذلك فالسبيل فيه أن تباع بقية الدار بثمن مثله. # (ومنها) ما ذكره الخصاف - رحمه الله - أن يقر البائع بسهم من الدار ~~للمشتري ثم يبيع بقية الدار منه فلا يستحق الشفيع الشفعة، أما في القدر ~~المقر به فلانعدام شرط الاستحقاق وهو البيع. # وأما فيما وراء ذلك؛ فلأن المشتري صار شريك البائع في ذلك السهم، والشريك ~~في البقعة مقدم على الجار والخليط، ومن # PageV05P034 # مشايخنا من كان يفتي بوجوب الشفعة في هذه الصورة ويخطئ الخصاف؛ لأن ~~الشركة في السهم المقر به لم تثبت إلا بإقرار فلا يظهر في حق الشفيع على ما ~~بينا فيما تقدم والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في كراهة الحيلة لإسقاط الشفعة] # (فصل) : # وأما الكلام في كراهة الحيلة للإسقاط وعدمها فالحيلة إما إن كانت بعد ~~وجوب الشفعة وإما إن كانت قبل الوجوب؛ فإن كانت بعد الوجوب قيل إنها مكروهة ~~بلا خلاف وذلك بأن يقول المشتري للشفيع صالحتك على كذا كذا درهما على أن ~~تسلم لي شفعتك فيقبل فتبطل شفعته ولا يستحق بدل الصلح، أو يقول له اشتر ~~الدار مني بكذا فيقول اشتريت فتبطل شفعته ونحو ذلك، وإن كانت قبل الوجوب ~~فقد اختلف فيه قال أبو يوسف - رحمه الله - لا تكره، وقال محمد - رحمه الله ~~- تكره. # (وجه) قول محمد أن شرع الحيلة يؤدي إلى سد باب الشفعة وفيه إبطال هذا ~~الحق أصلا ورأسا. # (وجه) قول أبي يوسف إن الحيلة قبل الوجوب منع من الوجوب بمباشرة ms2676 سبب ~~الامتناع شرعا وهذا جائز كالشراء والهبة وسائر التمليكات فإن المشتري يمنع ~~حدوث الملك للبائع في المبيع بمباشرة سبب الامتناع شرعا وهو الشراء، وكذا ~~الهبة والصدقة وسائر التمليكات. # وقد خرج الجواب عن قول محمد - رحمه الله - أن هذا إبطال لحق الشفعة؛ لأن ~~إبطال الشيء بعد ثبوته ضرر والحق ههنا لم يثبت بعد ذلك فلا تكون الحيلة ~~إبطالا له بل هو منع من الثبوت بمباشرة سبب الامتناع شرعا وأنه جائز، فما ~~ذكره أبو يوسف - رحمه الله - هو الحكم المروي وما ذكره محمد - رحمه الله - ~~احتياطا والأصل في شرع الحيلة قوله سبحانه وتعالى في قصة سيدنا أيوب - عليه ~~الصلاة والسلام - {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} [ص: 44] والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | [كتاب الذبائح والصيود] ### | [المأكول وغير المأكول من الحيوانات] # (كتاب الذبائح والصيود) # نحتاج في هذا الكتاب إلى بيان المأكول وغير المأكول من الحيوانات، وإلى ~~بيان المكروه منها، وإلى بيان شرائط حل الأكل في المأكول، وإلى بيان ما ~~يحرم أكله من أجزاء الحيوان المأكول أما الأول فالحيوان في الأصل نوعان: ~~نوع يعيش في البحر، ونوع يعيش في البر أما الذي يعيش في البحر فجميع ما في ~~البحر من الحيوان محرم الأكل إلا السمك خاصة فإنه يحل أكله إلا ما طفا منه ~~وهذا قول أصحابنا - رضي الله عنهم -، وقال بعض الفقهاء وابن أبي ليلى - ~~رحمهم الله - إنه يحل أكل ما سوى السمك من الضفدع، والسرطان، وحية الماء ~~وكلبه وخنزيره، ونحو ذلك لكن بالذكاة، وهو قول الليث بن سعد - رحمه الله - ~~إلا في إنسان الماء وخنزيره أنه لا يحل، وقال الشافعي - رحمه الله -: يحل ~~جميع ذلك من غير ذكاة وأخذه ذكاته، ويحل أكل السمك الطافي. # أما الكلام في المسألة الأولى فهم احتجوا بظاهر قوله تبارك وتعالى {أحل ~~لكم صيد البحر} [المائدة: 96] واسم الصيد يقع على ما سوى السمك من حيوان ~~البحر فيقتضي أن يكون الكل حلالا، وبقول النبي - عليه الصلاة والسلام - حين ~~«سئل عن البحر فقال: هو الطهور ماؤه والحل ميتته» وصف ميتة البحر ms2677 بالحل من ~~غير فصل بين السمك وغيره، ولنا قوله تبارك وتعالى {حرمت عليكم الميتة والدم ~~ولحم الخنزير} [المائدة: 3] من غير فصل بين البري والبحري، وقوله عز شأنه ~~{ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] والضفدع والسرطان والحية ونحوها من ~~الخبائث وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «سئل عن ضفدع يجعل شحمه ~~في الدواء فنهى - عليه الصلاة والسلام - عن قتل الضفادع» وذلك نهي عن أكله. # وروي أنه لما سئل عنه فقال - عليه الصلاة والسلام -: «خبيثة من الخبائث» ~~ولا حجة لهم في الآية؛ لأن المراد من الصيد المذكور هو فعل الصيد وهو ~~الاصطياد؛ لأنه هو الصيد حقيقة لا المصيد؛ لأنه مفعول فعل الصيد، وإطلاق ~~اسم الفعل يكون مجازا ولا يجوز العدول عن حقيقة اللفظ من غير دليل؛ ولأن ~~الصيد اسم لما يتوحش ويمتنع ولا يمكن أخذه إلا بحيلة إما لطيرانه أو لعدوه ~~وهذا إنما يكون حالة الاصطياد لا بعد الأخذ؛ لأنه صار لحما بعده ولم يبق ~~صيدا حقيقة لانعدام معنى الصيد وهو التوحش والامتناع، والدليل عليه أنه عطف ~~عليه قوله عز شأنه {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] ~~والمراد منه الاصطياد من المحرم لا أكل الصيد؛ لأن ذلك مباح للمحرم إذا لم ~~يصطده بنفسه ولا غيره بأمره فثبت أنه لا دليل في الآية # PageV05P035 # على إباحة الأكل بل خرجت للفصل بين الاصطياد في البحر وبين الاصطياد في ~~البر للمحرم. # والمراد من قول النبي - عليه الصلاة والسلام - والحل ميتته السمك خاصة ~~بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - «أحلت لنا ميتتان ودمان: الميتتان السمك ~~والجراد، والدمان الكبد والطحال» فسر - عليه الصلاة والسلام - بالسمك ~~والجراد فدل أن المراد منها السمك ويحمل الحديث على السمك وتخصيصه بما ~~تلونا من الآية وروينا من الخبر. # (وأما) المسألة الثانية وهي مسألة الطافي فالشافعي - رحمه الله - احتج ~~بقوله تعالى {وطعامه متاعا لكم} [المائدة: 96] معطوفا على قوله {أحل لكم ~~صيد البحر} [المائدة: 96] أي: أحل لكم طعامه وهذا يتناول ما صيد منه وما لم ~~يصد والطافي لم يصد فيتناوله بقوله - عليه الصلاة ms2678 والسلام - في صفة البحر ~~«هو الطهور ماؤه والحل ميتته» وأحق ما يتناوله اسم الميتة الطافي؛ لأنه ~~الميت حقيقة وبقوله - عليه الصلاة والسلام - «أحلت لنا ميتتان ودمان ~~الميتتان السمك والجراد» فسر النبي - عليه الصلاة والسلام - الميتة بالسمك ~~من غير فصل بين الطافي وغيره. # ولنا ما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله عنه - عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى عن أكل الطافي» وعن سيدنا علي - رضي الله ~~عنه - أنه قال: لا تبيعوا في أسواقنا الطافي، وعن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - أنه قال: ما دسره البحر فكله وما وجدته يطفو على الماء فلا تأكله. # وأما الآية فلا حجة له فيها؛ لأن المراد من قوله تعالى: {وطعامه} ~~[المائدة: 96] ما قذفه البحر إلى الشط فمات كذا قال أهل التأويل وذلك حلال ~~عندنا؛ لأنه ليس بطاف إنما الطافي اسم لما مات في الماء من غير آفة وسبب ~~حادث وهذا مات بسبب حادث وهو قذف البحر فلا يكون طافيا والمراد من الحديثين ~~غير الطافي لما ذكرنا ثم السمك الطافي الذي لا يحل أكله عندنا هو الذي يموت ~~في الماء حتف أنفه بغير سبب حادث منه سواء علا على وجه الماء أو لم يعل بعد ~~أن مات في الماء حتف أنفه من غير سبب حادث، وقال بعض مشايخنا: هو الذي يموت ~~في الماء بسبب حادث ويعلو على وجه الماء فإن لم يعل يحل، والصحيح هو الحد ~~الأول وتسميته طافيا لعلوه على وجه الماء عادة. # وروى هشام عن محمد رحمهما الله في السمك إذا كان بعضها في الماء وبعضها ~~على الأرض إن كان رأسها على الأرض أكلت وإن كان رأسها أو أكثره في الماء لم ~~تؤكل؛ لأن رأسها موضع نفسها فإذا كان خارجا من الماء فالظاهر أنه مات بسبب ~~حادث وإذا كان في الماء أو أكثره فالظاهر أنه مات في الماء بغير سبب وقالوا ~~في سمكة ابتلعت سمكة أخرى أنها تؤكل؛ لأنها ماتت بسبب حادث. # ولو مات من الحر والبرد وكدر الماء ms2679 ففيه روايتان: في رواية لا يؤكل؛ لأن ~~الحر والبرد وكدر الماء ليس من أسباب الموت ظاهرا فلم يوجد الموت بسبب حادث ~~يوجب الموت ظاهرا أو غالبا فلا يؤكل وفي رواية يؤكل؛ لأن هذه أسباب الموت ~~في الجملة فقد وجد الموت بسبب حادث فلم يكن طافيا فيؤكل ويستوي في حل الأكل ~~جميع أنواع السمك من الجريث والمارماهي وغيرهما؛ لأن ما ذكرنا من الدلائل ~~في إباحة السمك لا يفصل بين سمك وسمك إلا ما خص بدليل، وقد روي عن سيدنا ~~علي وابن عباس - رضي الله عنهما - إباحة الجريث والسمك الذكر ولم ينقل عن ~~غيرهما خلاف ذلك فيكون إجماعا. # (وأما) الذي يعيش في البر فأنواع ثلاثة: ما ليس له دم أصلا، وما ليس له ~~دم سائل، وما له دم سائل مثل الجراد والزنبور والذباب والعنكبوت والعضابة ~~والخنفساء والبغاثة والعقرب. # ونحوها لا يحل أكله إلا الجراد خاصة؛ لأنها من الخبائث لاستبعاد الطباع ~~السليمة إياها وقد قال الله تبارك وتعالى {ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: ~~157] إلا أن الجراد خص من هذه الجملة بقوله - عليه الصلاة والسلام - «أحلت ~~لنا ميتتان» فبقي على ظاهر العموم. # وكذلك ما ليس له دم سائل مثل الحية والوزغ وسام أبرص وجميع الحشرات وهوام ~~الأرض من الفأر والقراد والقنافذ والضب واليربوع وابن عرس ونحوها، ولا خلاف ~~في حرمة هذه الأشياء إلا في الضب فإنه حلال عند الشافعي، واحتج بما روى ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: «أكلت على مائدة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لحم ضب» وعن ابن سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنهما - عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنه لم يكن بأرض قومي فأجد نفسي تعافه ~~فلا آكله ولا أحرمه» وهذا نص على عدم الحرمة الشرعية وإشارة إلى الكراهة ~~الطبيعية. # (ولنا) قوله تبارك وتعالى {ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] والضب من ~~الخبائث وروي عن سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - «أن النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - # PageV05P036 # أهدي إليه لحم ضب فامتنع أن يأكله فجاءت سائلة فأرادت سيدتنا عائشة - رضي ~~الله ms2680 عنها - أن تطعمها إياه فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~أتطعمين ما لا تأكلين؟» ولا يحتمل أن يكون امتناعه لما أن نفسه الشريفة ~~عافته؛ لأنه لو كان كذلك لما منع من التصدق به كشاة الأنصار إنه لما امتنع ~~من أكلها أمر بالتصدق بها؛ ولأن الضب من جملة المسوخ والمسوخ محرمة كالدب ~~والقرد والفيل فيما قيل والدليل عليه ما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - سئل عن الضب فقال - عليه الصلاة والسلام - إن أمة مسخت في الأرض ~~وإني أخاف أن يكون هذا منها» وهكذا روي «عن بعض أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: كنا في بعض المغازي فأصابتنا مجاعة فنزلنا في أرض ~~كثيرة الضباب فنصبنا القدور وكانت القدور تغلي إذ جاء النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - فقال: ما هذا؟ قلنا الضب يا رسول الله فقال - عليه الصلاة ~~والسلام -: إن أمة مسخت فأخاف أن يكون هذا منها فأمر بإلقاء القدور» ، وما ~~روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وما روينا فهو خاطر والعمل بالخاطر ~~أولى. # وما له دم سائل نوعان: مستأنس ومستوحش أما المستأنس من البهائم فنحو ~~الإبل والبقر والغنم بالإجماع وبقوله تبارك وتعالى {والأنعام خلقها لكم ~~فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} [النحل: 5] ، وقوله سبحانه وتعالى {الله ~~الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون} [غافر: 79] واسم الأنعام ~~يقع على هذه الحيوانات بلا خلاف بين أهل اللغة ولا تحل البغال والحمير عند ~~عامة العلماء - رحمهم الله تعالى -. # وحكي عن بشر المريسي - رحمه الله - أنه قال: لا بأس بأكل الحمار واحتج ~~بظاهر قوله عز وجل {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} [الأنعام: 145] ولم يذكر الحمير ~~الإنسية. # وروي «أن رجلا جاء إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - وقال: إنه فني مالي ~~ولم يبق لي إلا الحمر الأهلية، فقال - عليه الصلاة والسلام -: كل من سمين ~~مالك فإني إنما كنت نهيتكم عن جلال القرية» . # وروي " عن ms2681 جوال القرى " بتشديد اللام وروي «فإنما قذرت لكم جالة القرية» ~~. # (ولنا) قوله تبارك وتعالى {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} ~~[النحل: 8] ، وسنذكر وجه الاستدلال بالآية إن شاء الله تعالى. # وروى أبو حنيفة عن نافع عن ابن سيدنا عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: ~~«نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة خيبر عن لحوم الحمر الأهلية ~~وعن متعة النساء» . # وروي «أن سيدنا عليا - رضي الله عنه - قال لابن عباس - رضي الله عنهما - ~~وهو يفتي الناس في المتعة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر فرجع ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - عن ذلك» وروي أنه «قيل للنبي - عليه الصلاة والسلام - يوم خيبر ~~أكلت الحمر فأمر أبا طلحة - رضي الله عنه - ينادي: إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجز» وروي فإنها رجس وهذه أخبار ~~مستفيضة عرفها الخاص والعام وقبلوها وعملوا بها وظهر العمل بها. # وأما الآية فقد اختص منها أشياء غير مذكورة فيها فيختص المتنازع فيه بما ~~ذكرنا من الدلائل مع أن ما روينا من الأخبار مشهورة ويجوز نسخ الكتاب ~~بالخبر المشهود وعلى أن في الآية الشريفة أنه لا يحل سوى المذكور فيها وقت ~~نزولها؛ لأن الأصل في الفعل هو الحال فيحتمل أنه لم يكن وقت نزول الآية ~~تحريم سوى المذكور فيها، ثم حرم ما حرم بعد على أنا نقول بموجب الآية: لا ~~محرم سوى المذكور فيها ونحن لا نطلق اسم المحرم على لحوم الحمر الأهلية إذ ~~المحرم المطلق ما تثبت حرمته بدليل مقطوع به، فأما ما كانت حرمته محل ~~الاجتهاد فلا يسمى محرما على الإطلاق بل نسميه مكروها فنقول بوجوب الامتناع ~~عن أكلها عملا مع التوقف في اعتقاد الحل والحرمة. # وأما الحديث فيحتمل أن يكون المراد من قوله - عليه الصلاة والسلام - «كل ~~من سمين مالك» أي: من أثمانها كما يقال فلان أكل عقاره أي: ثمن عقاره ~~ويحتمل أن يكون ذلك إطلاقا للانتفاع بظهورها بالإكراء كما ms2682 يحمل على شيء مما ~~ذكرنا عملا بالدلائل كلها ويحتمل أنه كان قبل التحريم فانفسخ بما ذكرنا وإن ~~جهل التاريخ فالعمل بالخاطر أولى احتياطا، فإن قيل ما رويتم يحتمل أيضا أنه ~~- عليه الصلاة والسلام - «نهى عن أكل الحمر يوم خيبر» ؛ لأنها كانت غنيمة ~~من الخمس أو لقلة الظهر أو؛ لأنها كانت جلالة فوقع التعارض والجواب أن شيئا ~~من ذلك لا يصلح محملا. # (أما) الأول؛ فلأن ما يحتاج إليه الجند لا يخرج منه الخمس كالطعام ~~والعلف. # (وأما) الثاني؛ فلأن المروي أن رسول الله # PageV05P037 # - صلى الله عليه وسلم - أمر بإكفاء القدور يوم خيبر ومعلوم أن ذلك مما لا ~~ينتفع به في الظهر. # (وأما) الثالث؛ فلأنه - عليه الصلاة والسلام - خص النهي بالحمر الأهلية ~~وهذا المعنى لا يختص بالحمر بل يوجد في غيرها. # (وأما) لحم الخيل فقد قال أبو حنيفة - رضي الله عنه -: يكره وقال أبو ~~يوسف ومحمد رحمهما الله: لا يكره، وبه أخذ الشافعي - رحمه الله - واحتجا ~~بما روي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: «أكلنا لحم فرس على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» وروي عن جابر - رضي الله عنه - أنه قال: ~~«نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في ~~الخيل» وروي أنه قال: «أطعمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحوم الخيل ~~ونهانا عن لحوم الحمر» وروي عنه أنه قال: «كنا قد جعلنا في قدورنا لحم ~~الخيل ولحم الحمار فنهانا النبي - عليه الصلاة والسلام - أن نأكل لحم ~~الحمار وأمرنا أن نأكل لحم الخيل» ، وعن سيدتنا أسماء بنت سيدنا أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنهما - أنها قالت: «نحرنا فرسا على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فأكلناه» ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - الكتاب والسنة ~~ودلالة الإجماع. # (أما) الكتاب العزيز فقوله جل شأنه {والخيل والبغال والحمير لتركبوها ~~وزينة} [النحل: 8] . # (ووجه) الاستدلال به ما حكي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - فإنه روي أنه ~~سئل عن لحم الخيل فقرأ بهذه الآية الشريفة وقال: ولم يقل ms2683 تبارك وتعالى ~~لتأكلوها فيكره أكلها وتمام هذا الاستدلال أن الله تبارك وتعالى ذكر ~~الأنعام فيما تقدم ومنافعها وبالغ في ذلك بقوله تعالى {والأنعام خلقها لكم ~~فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} [النحل: 5] . # وكذا ذكر فيما بعد هذه الآية الشريفة متصلا بها منافع الماء المنزل من ~~السماء، والمنافع المتعلقة بالليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، والمنافع ~~المتعلقة بالبحر على سبيل المبالغة بيان شفاء لا بيان كفاية، وذكر في هذه ~~الآية أنه سبحانه وتعالى خلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة، ذكر ~~منفعة الركوب والزينة ولم يذكر سبحانه وتعالى منفعة الأكل فدل أنه ليس فيها ~~منفعة أخرى سوى ما ذكرناه ولو كان هناك منفعة أخرى سوى ما ذكرنا لم يحتمل ~~أن لا نذكرها عند ذكر المنافع المتعلقة بها على سبيل المبالغة والاستقصاء، ~~وقوله عز وجل {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] ولحم ~~الخيل ليس بطيب بل هو خبيث؛ لأن الطباع السليمة لا تستطيبه بل تستخبثه حتى ~~لا تجد أحدا ترك بطبعه إلا ويستخبثه وينقي طبعه عن أكله وإنما يرغبون في ~~ركوبه ألا يرغب طبعه فيما كان مجبولا عليه، وبه تبين أن الشرع إنما جاء ~~بإحلال ما هو مستطاب في الطبع لا بما هو مستخبث ولهذا لم يجعل المستخبث في ~~الطبع غذاء اليسر وإنما جعل ما هو مستطاب بلغ في الطيب غايته. # (وأما) السنة فما روي عن جابر - رضي الله عنه - أنه قال: «لما كان يوم ~~خيبر أصاب الناس مجاعة فأخذوا الحمر الأهلية فذبحوها فحرم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لحوم الحمر الإنسية، ولحوم الخيل والبغال، وكل ذي ناب من ~~السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وحرم الخلسة والنهبة» وعن خالد بن الوليد - ~~رضي الله عنه - أنه قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل ~~لحوم الخيل والبغال والحمير» ، وعن المقدام بن معدي كرب أن النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - قال «حرم عليكم الحمار الأهلي وخيلها» وهذا نص على ~~التحريم، وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الخيل لثلاثة فهي ~~لرجل ms2684 ستر، ولرجل أجر، ولرجل وزر» صلحت للأكل لقال - عليه الصلاة والسلام -: ~~الخيل لأربعة لرجل ستر، ولرجل أجر، ولرجل وزر ولرجل طعام. # (وأما) دلالة الإجماع فهي أن البغل حرام بالإجماع وهو ولد الفرس فلو كانت ~~أمه حلالا لكان هو حلالا أيضا؛ لأن حكم الولد حكم أمه؛ لأنه منها وهو ~~كبعضها. # ألا ترى أن حمار وحش لو نزي على حمارة أهلية فولدت لم يؤكل ولدها؟ ، ولو ~~نزا حمار أهلي على حمارة وحشية وولدت يؤكل ولدها؟ ليعلم أن حكم الولد حكم ~~أمه في الحل والحرمة دون الفحل فلما كان لحم الفرس حراما كان لحم البغل ~~كذلك، وما روي في بعض الروايات عن جابر وما في رواية سيدتنا أسماء - رضي ~~الله عنها - يحتمل أنه كان ذلك في الحال التي كان يؤكل فيها الحمر؛ لأن ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - إنما نهى عن أكل لحوم الحمر يوم خيبر وكانت ~~الخيل تؤكل في ذلك الوقت ثم حرمت يدل عليه ما روي عن الزهري أنه قال: ما ~~علمنا الخيل أكلت إلا في حصار، وعن الحسن - رضي الله عنه - أنه قال # PageV05P038 # كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأكلون لحوم الخيل في ~~مغازيهم فهذا يدل على أنهم كانوا يأكلونها في حال الضرورة كما قال الزهري - ~~رحمه الله -، أو يحمل على هذا عملا بالدليل صيانة لها عن التناقض أو يترجح ~~الحاظر على المبيح احتياطا وهذا الذي ذكرنا حجج أبي حنيفة - رضي الله عنه - ~~على رواية الحسن أنه يحرم أكل لحم الخيل. # (وأما) على ظاهر الرواية عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه يكره أكله ~~ولم يطلق التحريم لاختلاف الأحاديث المروية في الباب واختلاف السلف فكره ~~أكل لحمه احتياطا لباب الحرمة. # وأما المتوحش منها نحو الظباء وبقر الوحش وحمر الوحش وإبل الوحش فحلال ~~بإجماع المسلمين ولقوله تبارك وتعالى {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم ~~الطيبات} [المائدة: 4] وقوله عز شأنه {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث} [الأعراف: 157] ، وقوله سبحانه وتعالى {كلوا من طيبات ما رزقناكم} ~~[البقرة: 57] ولحوم هذه الأشياء من ms2685 الطيبات فكان حلالا وروي أنه لما «سئل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر عن لحوم الحمر فقال: الأهلية؟ ~~فقيل: نعم» فدل قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على اختلاف حكم ~~الأهلية والوحشية، وقد ثبت أن الحكم في الأهلية الحرمة لما ذكرنا من ~~الدلائل فكان حكم الوحشية الحل ضرورة وروي «أن رجلا من فهر جاء إلى النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - وهو بالروحاء ومع الرجل حمار وحشي عقره فقال: هذه ~~رميتي يا رسول الله وهي لك فقبله النبي - عليه الصلاة والسلام - وأمر سيدنا ~~أبا بكر - رضي الله عنه - فقسمه بين الرفاق» ، والحديث وإن ورد في حمار ~~الوحش لكن إحلال الحمار الوحشي إحلال للظبي والبقر الوحشي والإبل الوحشي من ~~طريق الأولى؛ لأن الحمار الوحشي ليس من جنسه من الأهلي ما هو حلال بل هو ~~حرام وهذه الأشياء من جنسها من الأهلي ما هو حلال فكانت أولى بالحل. # وأما المستأنس من السباع وهو الكلب والسنور الأهلي فلا يحل وكذلك المتوحش ~~منها المسمى بسباع الوحش والطير وهو كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من ~~الطير لما روي في الخبر المشهور عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~«نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير» ، وعن الزهري - رضي ~~الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كل ذي ناب من ~~السباع حرام» فذو الناب من سباع الوحش مثل الأسد والذئب والضبع والنمر ~~والفهد والثعلب والسنور البري والسنجاب والفنك والسمور والدلق والدب والقرد ~~والفيل ونحوها فلا خلاف في هذه الجملة أنها محرمة إلا الضبع فإنه حلال عند ~~الإمام الشافعي - رحمه الله - واحتج بما روي عن عطاء عن جابر - رضي الله ~~عنهما - أنه «قال: في الضبع كبش، فقلت له: أهو صيد؟ فقال: نعم، فقلت: يؤكل؟ ~~فقال: نعم، فقلت: أسمعته من رسول الله؟ - صلى الله عليه وسلم - فقال: نعم» ~~. # (ولنا) أن الضبع سبع ذو ناب فيدخل تحت الحديث المشهور وما روي ليس بمشهور ~~فالعمل بالمشهور ms2686 أولى على أن ما روينا محرم وما رواه محلل والمحرم يقضي على ~~المبيح احتياطا ولا بأس بأكل الأرنب لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما ~~- أنه قال: «كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهدى له أعرابي ~~أرنبة مشوية فقال: لأصحابه كلوا» ، وعن محمد بن صفوان أو صفوان بن محمد أنه ~~قال: «أصبت أرنبتين فذبحتهما بمروة وسألت عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأمرني بأكلهما» . # وذو المخلب من الطير كالبازي والباشق والصقر والشاهين والحدأة والنعاب ~~والنسر والعقاب وما أشبه ذلك فيدخل تحت نهي النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~عن كل ذي مخلب من الطير وروي أنه «نهى عن كل ذي خطفة ونهبة ومجثمة وعن كل ~~ذي ناب من الطير والمجثمة» روي بكسر الثاء وفتحها من الجثوم وهو تلبد ~~الطائر الذي من عادته الجثوم على غيره ليقتله وهو السباع من الطير فيكون ~~نهيا على أكل كل طير هذا عادته وبالفتح هو الصيد الذي يجثم عليه طائر ~~فيقتله فيكون نهيا عن أكل كل طير قتله طير آخر بجثومه عليه وقيل بالفتح هو ~~الذي يرمى حتى يجثم فيموت، وما لا مخلب له من الطير فالمستأنس منه كالدجاج ~~والبط والمتوحش كالحمام والفاختة والعصافير والقبج والكركي والغراب الذي ~~يأكل الحب والزرع والعقعق ونحوها حلال بالإجماع. ### | [فصل في بيان ما يكره من الحيوانات] # (فصل) : # وأما بيان ما يكره من الحيوانات فيكره أكل لحوم الإبل الجلالة وهي التي ~~الأغلب من أكلها النجاسة لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى ~~عن أكل لحوم الإبل الجلالة ولأنه إذا كان الغالب من أكلها النجاسات # PageV05P039 # يتغير لحمها وينتن فيكره أكله كالطعام المنتن. وروي «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى عن الجلالة أن تشرب ألبانها» ؛ لأن لحمها إذا تغير ~~يتغير لبنها، وما روي «أنه - عليه الصلاة والسلام - نهى عن أن يحج عليها ~~وأن يعتمر عليها وأن يغزى وأن ينتفع بها فيما سوى ذلك» فذلك محمول على أنها ~~أنتنت في نفسها فيمتنع من استعمالها حتى ms2687 لا يتأذى الناس بنتنها كذا ذكره ~~القدوري - رحمه الله - في شرحه مختصر الكرخي، وذكر القاضي في شرحه مختصر ~~الطحاوي أنه لا يحل الانتفاع بها من العمل وغيره إلا أن تحبس أياما وتعلف ~~فحينئذ تحل. # وما ذكر القدوري - رحمه الله - أجود؛ لأن النهي ليس لمعنى يرجع إلى ذاتها ~~بل لعارض جاورها فكان الانتفاع بها حلالا في ذاته إلا أنه يمنع عنه لغيره ~~ثم ليس لحبسها تقدير في ظاهر الرواية هكذا روي عن محمد - رحمه الله - أنه ~~قال: كان أبو حنيفة - رضي الله عنه - لا يوقت في حبسها وقال تحبس حتى تطيب ~~وهو قولهما أيضا، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة عليه الرحمة أنها تحبس ثلاثة ~~أيام، وروى ابن رستم - رحمه الله - عن محمد في الناقة الجلالة أو الشاة ~~والبقر الجلال أنها إنما تكون جلالة إذا تفتتت وتغيرت ووجد منها ريح منتنة ~~فهي الجلالة حينئذ لا يشرب لبنها ولا يؤكل لحمها، وبيعها وهبتها جائز، هذا ~~إذا كانت لا تخلط ولا تأكل إلا العذرة غالبا فإن خلطت فليست جلالة فلا ~~تكره؛ لأنها لا تنتن. # ولا يكره أكل الدجاج المحلي وإن كان يتناول النجاسة؛ لأنه لا يغلب عليه ~~أكل النجاسة بل يخلطها بغيرها وهو الحب فيأكل ذا وذا، وقيل إنما لا يكره؛ ~~لأنه لا ينتن كما ينتن الإبل والحكم متعلق بالنتن؛ ولهذا قال أصحابنا في ~~جدي ارتضع بلبن خنزير حتى كبر: إنه لا يكره أكله؛ لأن لحمه لا يتغير ولا ~~ينتن فهذا يدل على أن الكراهة في الجلالة لمكان التغير والنتن لا لتناول ~~النجاسة ولهذا إذا خلطت لا يكره وإن وجد تناول النجاسة؛ لأنها لا تنتن فدل ~~أن العبرة للنتن لا لتناول النجاسة، والأفضل أن تحبس الدجاج حتى يذهب ما في ~~بطنها من النجاسة لما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحبس ~~الدجاج ثلاثة أيام ثم يأكله» وذلك على طريق التنزه وهو رواية أبي يوسف عن ~~أبي حنيفة عليهما الرحمة أنها تحبس ثلاثة أيام كأنه ذهب إلى ذلك للخبر ولما ~~ذكرنا ms2688 أن ما في جوفها من النجاسة يزول في هذه المدة ظاهرا وغالبا. # الغراب الأسود الكبير لما روي عن عروة عن أبيه أنه سئل عن أكل الغراب ~~فقال: من يأكل بعد ما سماه الله تبارك وتعالى فاسقا عنى بذلك قول رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - «خمس من الفواسق يقتلهن المحرم في الحل والحرم» ؛ ~~ولأن غالب أكلها الجيف فيكره أكلها كالجلالة، ولا بأس بغراب الزرع؛ لأنه ~~يأكل الحب والزرع ولا يأكل الجيف هكذا روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال: ~~سألت أبا حنيفة - عليه الرحمة - عن أكل الغراب فرخص في غراب الزرع وكره ~~الغداف فسألته عن الأبقع فكره ذلك. # وإن كان غرابا يخلط فيأكل الجيف ويأكل الحب لا يكره في قول أبي حنيفة ~~عليه الرحمة قال: وإنما يكره من الطير ما لا يأكل إلا الجيف. # ولا بأس بالعقعق؛ لأنه ليس بذي مخلب ولا من الطير الذي لا يأكل إلا الحب ~~كذا روى أبو يوسف أنه قال: سألت أبا حنيفة - رحمه الله - في أكل العقعق ~~فقال: لا بأس به، فقلت: إنه يأكل الجيف فقال: إنه يخلط. # فحصل من قول أبي حنيفة أن ما يخلط من الطيور لا يكره أكله كالدجاج، وقال ~~أبو يوسف - رحمه الله -: يكره؛ لأن غالب أكله الجيف. ### | [فصل في بيان شرط حل الأكل في الحيوان المأكول] # وأما بيان شرط حل الأكل في الحيوان المأكول فشرط حل الأكل في الحيوان ~~المأكول البري هو الذكاة فلا يحل أكله بدونها؛ لقوله تبارك وتعالى {حرمت ~~عليكم الميتة والدم} [المائدة: 3] إلى قوله عز شأنه {وما أكل السبع إلا ما ~~ذكيتم} [المائدة: 3] استثنى سبحانه وتعالى الذكي من المحرم والاستثناء من ~~التحريم إباحة. # ثم الكلام في الذكاة في الأصل في ثلاثة مواضع:. # في بيان ركن الذكاة، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان ما يستحب من الذكاة ~~وما يكره منها. # فالذكاة نوعان: اختيارية، وضرورية. # أما الاختيارية فركنها الذبح فيما يذبح من الشاة والبقرة ونحوهما، والنحر ~~فيما ينحر وهو الإبل عند القدرة على الذبح، والنحر لا يحل ms2689 بدون الذبح ~~والنحر؛ لأن الحرمة في الحيوان المأكول لمكان الدم المسفوح وأنه لا يزول ~~إلا بالذبح والنحر؛ ولأن الشرع إنما ورد بإحلال الطيبات. # قال الله تبارك وتعالى {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} ~~[المائدة: 4] ، وقال سبحانه وتعالى {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} ~~[الأعراف: 157] ولا يطيب إلا بخروج الدم المسفوح وذلك بالذبح والنحر # PageV05P040 # ولهذا حرمت الميتة؛ لأن المحرم وهو الدم المسفوح فيها قائم ولذا لا يطيب ~~مع قيامه ولهذا يفسد في أدنى مدة ما يفسد في مثلها المذبوح، وكذا المنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة لما قلنا. # والذبح هو فري الأوداج ومحله ما بين اللبة واللحيين؛ لقول النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - «الذكاة ما بين اللبة واللحية» أي محل الذكاة ما بين ~~اللبة واللحيين وروي الذكاة في الحلق واللبة والنحر فري الأوداج ومحله آخر ~~الحلق، ولو نحر ما يذبح وذبح ما ينحر يحل لوجود فري الأوداج ولكنه يكره؛ ~~لأن السنة في الإبل النحر وفي غيرها الذبح. # ألا ترى أن الله تعالى ذكر في الإبل النحر وفي البقر والغنم الذبح فقال ~~سبحانه وتعالى {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2] قيل في التأويل أي: انحر ~~الجزور، وقال الله عز شأنه {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] ~~وقال تعالى {وفديناه بذبح عظيم} [الصافات: 107] والذبح بمعنى المذبوح ~~كالطحن بمعنى المطحون وهو الكبش الذي فدي به سيدنا إسماعيل أو سيدنا إسحاق ~~- صلوات الله عليهما - على اختلاف أصل القصة في ذلك وكذا «النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - نحر الإبل وذبح البقر والغنم» فدل أن ذلك هو السنة، وذكر ~~محمد - رحمه الله - في الأصل وقال: بلغنا أن أصحاب النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - ورضي الله عنهم كانوا ينحرون الإبل قياما معقولة اليد اليسرى فدل ~~ذلك على أن النحر في الإبل هو السنة؛ لأن الأصل في الذكاة إنما هو الأسهل ~~على الحيوان وما فيه نوع راحة له فيه فهو أفضل لما روي عن النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - قال: «إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم ~~فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم ms2690 فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ~~ذبيحته» . # والأسهل في الإبل النحر لخلو لبتها عن اللحم واجتماع اللحم فيما سواه من ~~خلفها، والبقر والغنم جميع حلقها لا يختلف. # فإن قيل: أليس أنه روي عن جابر - رضي الله عنه - أنه قال: «نحرنا مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» ؟ أي: ونحرنا ~~البقرة عن سبعة؛ لأنه معطوف على الأول فكان خبر الأول خبرا للثاني كقولنا: ~~جاءني زيد وعمرو فالجواب أن الذبح مضمر فيه ومعناه وذبحنا البقرة على عادة ~~العرب في الشيء إذا عطف على غيره وخبر المعطوف عليه لا يحتمل الوجود في ~~المعطوف أو لا يوجد عادة أن يضمر المتعارف المعتاد كما قال الشاعر: # ولقيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا # أي متقلدا سيفا ومعتقلا رمحا، وقال آخر: # علفتها تبنا وماء باردا # أي: علفتها تبنا وسقيتها ماء باردا؛ لأن الرمح لا يحتمل التقلد أو لا ~~يتقلد عادة، والماء لا يعلف بل يسقى كذا ههنا الذبح في البقر هو المعتاد ~~فيضمر فيه فصار كأنه قال: نحرنا البدنة وذبحنا البقرة، وهذا الذي ذكرنا قول ~~عامة العلماء - رضي الله تعالى عنهم -. # وقال مالك - رحمه الله -: إذا ذبح البدنة لا تحل؛ لأن الله تبارك وتعالى ~~أمر في البدنة بالنحر بقوله عز شأنه {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2] فإذا ذبح ~~فقد ترك المأمور به فلا يحل. # ولنا ما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «ما أنهر الدم ~~وفرى الأوداج فكل» ، وبه تبين أن الأمر بالنحر في البدنة ليس لعينه بل ~~لإنهار الدم وإفراء الأوداج وقد وجد ذلك ولا بأس في الحلق كله أسفله أو ~~أوسطه أو أعلاه؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - «الذكاة ما بين اللبة ~~واللحيين» ، وقوله - عليه الصلاة والسلام - «الذكاة في الحلق واللبة» من ~~غير فصل؛ ولأن المقصود إخراج الدم المسفوح وتطييب اللحم، وذلك يحصل بقطع ~~الأوداج في الحلق كله. # ثم الأوداج أربعة: الحلقوم، والمريء، والعرقان اللذان بينهما الحلقوم ~~والمريء، فإذا فرى ذلك كله فقد أتى بالذكاة بكمالها وسننها وإن ms2691 فرى البعض ~~دون البعض فعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - إذا قطع أكثر الأوداج وهو ثلاثة ~~منها أي ثلاثة كانت وترك واحدا يحل، وقال أبو يوسف - رحمه الله -: لا يحل ~~حتى يقطع الحلقوم والمريء وأحد العرقين، وقال محمد - رحمه الله -: لا يحل ~~حتى يقطع من كل واحد من الأربعة أكثره، وقال الشافعي - رحمه الله -: إذا ~~قطع الحلقوم والمريء حل إذا استوعب قطعهما. # (وجه) قول الشافعي - رضي الله عنه - أن الذبح إزالة الحياة والحياة لا ~~تبقى بعد قطع الحلقوم والمريء عادة وقد تبقى بعد قطع الودجين إذ هما عرقان ~~كسائر العروق، والحياة تبقى بعد قطع عرقين من سائر العروق. # (ولنا) أن المقصود من الذبح إزالة المحرم وهو الدم المسفوح ولا يحصل إلا ~~بقطع الودج. # (وجه) قول محمد عليه الرحمة أنه إذا قطع الأكثر من كل واحد من الأربعة ~~فقد حصل المقصود بالذبح وهو خروج الدم؛ لأنه يخرج ما يخرج # PageV05P041 # بقطع الكل. # (وجه) قول أبي يوسف إن كل واحد من العروق يقصد بقطعه غير ما يقصد به ~~الآخر؛ لأن الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام، والودجين مجرى الدم ~~فإذا قطع أحد الودجين حصل بقطعه المقصود منهما وإذا ترك الحلقوم لم يحصل ~~بقطع ما سواه المقصود منه، ولذلك اختلفا ولأبي حنيفة - عليه الرحمة - أنه ~~قطع الأكثر من العروق الأربعة وللأكثر حكم الكل فيما بني على التوسعة في ~~أصول الشرع، والذكاة بنيت على التوسعة حيث يكتفى فيها بالبعض بلا خلاف بين ~~الفقهاء وإنما اختلفوا في الكيفية فيقام الأكثر فيها مقام الجميع. # ولو ضرب عنق جزور أو بقرة أو شاة بسيفه وأبانها وسمى فإن كان ضربها من ~~قبل الحلقوم تؤكل وقد أساء. # أما حل الأكل؛ فلأنه أتى بفعل الذكاة وهو قطع العروق. # وأما الإساءة؛ فلأنه زاد في ألمها زيادة لا يحتاج إليها في الذكاة فيكره ~~ذلك. # وإن ضربها من القفا فإن ماتت قبل القطع بأن ضرب على التأني والتوقف لا ~~تؤكل؛ لأنها ماتت قبل الذكاة فكانت ميتة وإن قطع العروق قبل موتها تؤكل ~~لوجود فعل ms2692 الذكاة وهي حية إلا أنه يكره ذلك؛ لأنه زاد في ألمها من غير حاجة ~~وإن أمضى فعله من غير توقف تؤكل؛ لأن الظاهر أن موتها بالذكاة. # وعلى هذا يخرج ما إذا ذبح بالمروة أو بليطة القصب أو بشقة العصا أو غيرها ~~من الآلات التي تقطع أنه يحل لوجود معنى الذبح وهو فري الأوداج، وجملة ~~الكلام فيه أن الآلة على ضربين: آلة تقطع، وآلة تفسخ. # والتي تقطع نوعان: حادة، وكليلة. # أما الحادة فيجوز الذبح بها حديدا كانت أو غير حديد والأصل في جواز الذبح ~~بدون الحديد ما روي عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - أنه قال: «قلت يا رسول ~~الله، أرأيت أحدنا أصاب صيدا وليس معه سكين أيذكي بمروة أو بشقة العصا؟ ~~فقال - عليه الصلاة والسلام - أنهر الدم بما شئت واذكر اسم الله تعالى» . # وروي «أن جارية لكعب بن مالك - رضي الله عنه - ذبحت شاة بمروة فسأل كعب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فأمر بأكلها» ؛ ولأنه يجوز ~~بالحديد والجواز ليس لكونه من جنس الحديد بل لوجود معنى الحديد بدليل أنه ~~لا يجوز بالحديد الذي لا حد له فإذا وجد معنى الحد في المروة والليطة جاز ~~الذبح بهما وأما الكليلة فإن كانت تقطع يجوز لحصول معنى الذبح لكنه يكره ~~لما فيه من زيادة إيلام لا حاجة إليها، ولهذا أمر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بتحديد الشفرة وإراحة الذبيحة. # وكذلك إذا جرح بظفر منزوع أو سن منزوع جاز الذبح بهما ويكره، وقال ~~الشافعي - رحمه الله -: لا يجوز واحتج بما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «أنهر الدم بما شئت إلا ما كان من سن أو ظفر فإن ~~الظفر مدى الحبشة والسن عظم من الإنسان» استثنى - عليه الصلاة والسلام - ~~الظفر والسن من الإباحة، والاستثناء من الإباحة يكون حظرا وعلل - عليه ~~الصلاة والسلام - بكون الظفر مدى الحبشة وكون السن عظم الإنسان، وهذا خرج ~~مخرج الإنكار ولنا أنه لما قطع الأوداج فقد وجد الذبح بهما فيجوز كما ms2693 لو ~~ذبح بالمروة وليطة القصب. # وأما الحديث فالمراد السن القائم والظفر القائم؛ لأن الحبشة إنما كانت ~~تفعل ذلك لإظهار الجلادة وذاك بالقائم لا بالمنزوع والدليل عليه أنه روي في ~~بعض الروايات إلا ما كان قرضا بسن أو حزا بظفر والقرض إنما يكون بالسن ~~القائم. # وأما الآلة التي تفسخ فالظفر القائم والسن القائم ولا يجوز الذبح بهما ~~بالإجماع ولو ذبحهما كان ميتة للخبر الذي روينا ولأن الظفر والسن إذا لم ~~يكن منفصلا فالذابح يعتمد على الذبيح فيخنق وينفسخ فلا يحل أكله حتى قالوا: ~~لو أخذ غيره يده فأمر يده كما أمر السكين وهو ساكت يجوز ويحل أكله. # وعلى هذا يخرج الجنين إذا خرج بعد ذبح أمه إن خرج حيا فذكي يحل وإن مات ~~قبل الذبح لا يؤكل بلا خلاف وإن خرج ميتا فإن لم يكن كامل الخلق لا يؤكل ~~أيضا في قولهم جميعا؛ لأنه بمعنى المضغة، وإن كان كامل الخلق اختلف فيه قال ~~أبو حنيفة - رضي الله عنه -: لا يؤكل وهو قول زفر والحسن بن زياد - رحمهم ~~الله -، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي - رحمهم الله -: لا بأس بأكله ~~واحتجوا بقول النبي - عليه الصلاة والسلام - «ذكاة الجنين بذكاة أمه» ~~فيقتضي أنه يتذكى بذكاة أمه ولأنه تبع لأمه حقيقة وحكما. # (أما) الحقيقة فظاهر. # وأما الحكم؛ فلأنه يباع ببيع الأم ويعتق بعتقها والحكم في التبع يثبت ~~بعلة الأصل ولا يشترط له علة على حدة لئلا ينقلب التبع أصلا، ولأبي حنيفة ~~قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة والدم} [المائدة: 3] والجنين ميتة؛ لأنه لا ~~حياة فيه والميتة ما لا حياة فيه فيدخل تحت النص فإن قيل الميتة اسم لزائل ~~الحياة # PageV05P042 # فيستدعي تقدم الحياة وهذا لا يعلم في الجنين فالجواب أن تقدم الحياة ليس ~~بشرط لإطلاق اسم الميت، قال الله تبارك وتعالى {وكنتم أمواتا فأحياكم ثم ~~يميتكم} [البقرة: 28] على أنا إن سلمنا ذلك فلا بأس به؛ لأنه يحتمل أنه كان ~~حيا فمات بموت الأم ويحتمل أنه لم يكن فيحرم احتياطا؛ ولأنه أصل في الحياة ~~فيكون له أصل في ms2694 الذكاة، والدليل على أنه أصل في الحياة أنه يتصور بقاؤه ~~حيا بعد ذبح الأم. # ولو كان تبعا للأم في الحياة لما تصور بقاؤه حيا بعد زوال الحياة عن الأم ~~وإذا كان أصلا في الحياة يكون أصلا في الذكاة؛ لأن الذكاة تفويت الحياة ~~ولأنه إذا تصور بقاؤه حيا بعد ذبح الأم لم يكن ذبح الأم سببا لخروج الدم ~~عنه إذ لو كان لما تصور بقاؤه حيا بعد ذبح الأم إذ الحيوان الدموي لا يعيش ~~بدون الدم عادة فبقي الدم المسفوح فيه ولهذا إذا جرح يسيل منه الدم، وأنه ~~حرم بقوله سبحانه وتعالى {دما مسفوحا} [الأنعام: 145] وقوله عز شأنه {حرمت ~~عليكم الميتة والدم} [المائدة: 3] ولا يمكن التمييز بين لحمه ودمه فيحرم ~~لحمه أيضا. # وأما الحديث فقد روي بنصب الذكاة الثانية معناه كذكاة أمه إذ التشبيه قد ~~يكون بحرف التشبيه وقد يكون بحذف حرف التشبيه، قال الله تعالى {وهي تمر مر ~~السحاب} [النمل: 88] ، وقال عز شأنه {ينظرون إليك نظر المغشي عليه من ~~الموت} [محمد: 20] أي كنظر المغشي عليه وهذا حجة عليكم؛ لأن تشبيه ذكاة ~~الجنين بذكاة أمه يقتضي استواءهما في الافتقار إلى الذكاة. # ورواية الرفع تحتمل التشبيه أيضا قال الله سبحانه وتعالى {وجنة عرضها ~~السماوات والأرض} [آل عمران: 133] أي: عرضها كعرض السموات فيكون حجة عليكم ~~ويحتمل الكناية كما قالوا فلا تكون حجة مع الاحتمال مع أنه من أخبار الآحاد ~~ورد فيما تعم به البلوى وأنه دليل عدم الثبوت إذ لو كان ثابتا لاشتهر. # وإذا خرجت من الدجاجة الميتة بيضة تؤكل عندنا سواء اشتد قشرها أو لم يشتد ~~وعند الشافعي - رحمه الله - إن اشتد قشرها تؤكل وإلا فلا. # (وجه) قوله أنه إذا لم يشتد قشرها فهي من أجزاء الميتة فتحرم بتحريم ~~الميتة وإذا اشتد قشرها فقد صار شيئا آخر وهو منفصل عن الدجاجة فيحل. # (ولنا) أنه شيء طاهر في نفسه مودع في الطير منفصل عنه ليس من أجزائه ~~فتحريمها لا يكون تحريما له كما إذا اشتد قشرها. # ولو ماتت شاة وخرج من ضرعها لبن ms2695 يؤكل عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد ~~لا يؤكل وهو قول الشافعي - رحمهم الله - جميعا إلا أن عند الشافعي لا يؤكل ~~لكونه ميتة وعندهما لا يؤكل لنجاسة الوعاء ولأبي حنيفة عليه الرحمة قوله ~~تبارك وتعالى {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ~~ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} [النحل: 66] والاستدلال بالآية من وجوه: ~~أحدها: أنه وصفه بكونه خالصا فيقتضي أن لا يشوبه شيء من النجاسة، والثاني: ~~أنه سبحانه وتعالى وصفه بكونه سائغا للشاربين والحرام لا يسوغ للمسلم، ~~والثالث: أنه سبحانه وتعالى من علينا بذلك إذ الآية خرجت مخرج المنة، ~~والمنة بالحلال لا بالحرام وعلى هذا الخلاف الإنفحة إذا كانت مائعة وإن ~~كانت صلبة فعند أبي حنيفة - رحمه الله -: تؤكل وتستعمل في الأدوية كلها ~~وعندهما يغسل ظاهرها وتؤكل، وعند الشافعي لا تؤكل أصلا. # (وأما) الاضطرارية فركنها العقر وهو الجرح في أي موضع كان وذلك في الصيد ~~وما هو في معنى الصيد وإنما كان كذلك؛ لأن الذبح إذا لم يكن مقدورا ولا بد ~~من إخراج الدم لإزالة المحرم وتطييب اللحم وهو الدم المسفوح على ما بينا ~~فيقام سبب الذبح مقامه وهو الجرح على الأصل المعهود في الشرع من إقامة ~~السبب مقام المسبب عند العذر والضرورة كما يقام السفر مقام المشقة، والنكاح ~~مقام الوطء، والنوم مضطجعا أو متوركا مقام الحدث، ونحو ذلك. # وكذلك ما ند من الإبل والبقر والغنم بحيث لا يقدر عليها صاحبها؛ لأنها ~~بمعنى الصيد وإن كان مستأنسا وقد روي «أن بعيرا ند على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فرماه رجل فقتله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش فإذا غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا» ~~وسواء ند البعير والبقر في الصحراء أو في المصر فذكاتهما العقر كذا روي عن ~~محمد؛ لأنهما يدفعان عن أنفسهما فلا يقدر عليهما قال محمد: والبعير الذي ند ~~على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بالمدينة فدل أن ند البعير ~~في ms2696 الصحراء والمصر سواء في هذا الحكم. # (وأما) الشاة فإن ندت في الصحراء فذكاتها العقر؛ لأنه لا يقدر عليها وإن ~~ندت في المصر لم يجز عقرها؛ لأنه يمكن أخذها إذ هي لا تدفع عن نفسها فكان ~~الذبح مقدورا عليه فلا يجوز العقر وهذا؛ لأن العقر خلف من الذبح والقدرة ~~على الأصل تمنع المصير إلى الخلف كما في التراب مع الماء والأشهر # PageV05P043 # مع الأقراء وغير ذلك، وكذلك ما وقع منها في قليب فلم يقدر على إخراجه ولا ~~على مذبحه ولا منحره فإن ذكاته ذكاة الصيد لكونه في معناه لتعذر الذبح ~~والنحر، وذكر في المنتقى في البعير إذا صال على رجل فقتله وهو يريد الذكاة ~~حل أكله إذا كان لا يقدر على أخذه وضمن قيمته؛ لأنه إذا كان لا يقدر على ~~أخذه صار بمنزلة الصيد فجعل الصيال منه كنده؛ لأنه يعجز عن أخذه فيعجز عن ~~نحره فيقام الجرح فيه مقام النحر كما في الصيد ثم لا خلاف في الاصطياد ~~بالسهم والرمح والحجر والخشب ونحوها أنه إذا لم يجرح لا يحل، وأصله ما روي ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن صيد المعراض فقال - عليه ~~الصلاة والسلام - إذا خرق فكل وإن أصابه بعرض فلا تأكل فإنه وقيذ» . # (وأما) الاصطياد بالجوارح من الحيوانات إما بناب كالكلب والفهد ونحوهما، ~~وإما بالمخلب كالبازي والشاهين ونحوهما فكذلك في الرواية المشهورة أنه إذا ~~لم يجرح لا يحل حتى لو خنق أو صدم ولم يجرح ولم يكسر عضوا منه لا يحل في ~~ظاهر الرواية وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يحل. # (وجه) هذه الرواية أن الكلب يأخذ الصيد على حسب ما يتفق له فقد يتفق له ~~الأخذ بالجرح وقد يتفق بالخنق والصدم والحال حال الضرورة فيوسع الأمر فيه ~~ويجعل الخنق والصدم كالجرح كما وسع في الذبح. # (وجه) ظاهر الرواية قوله تعالى {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات ~~وما علمتم من الجوارح} [المائدة: 4] وهي من الجراحة فيقتضي اعتبار الجرح ~~ولأن الركن هو إخراج الدم وذلك بالذبح ms2697 في حال القدرة وفي حال العجز أقيم ~~الجرح مقامه؛ لكونه سببا في خروج الدم ولا يوجد ذلك في الخنق وقد روي «عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صيد المعراض إذا خرق فكل، وإن أصاب ~~بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ» . # وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: «ما أصبت بعرضه فلا تأكل فهو وقيذ ~~وما أصبت بحده فكل» أراد - عليه الصلاة والسلام - الحل والحرمة على الجرح ~~وعدم الجرح، وسمى - عليه الصلاة والسلام - غير المجروح وقيذا أو أنه حرام ~~بقوله تبارك وتعالى {والموقوذة} [المائدة: 3] ولأنها منخنقة وأنها محرمة ~~بقوله عز وجل {والمنخنقة} [المائدة: 3] فإن لم يجرحه ولم يخنقه ولكنه كسر ~~عضوا منه فمات فقد ذكر الكرخي - رحمه الله - أنه لم يحك عن أبي حنيفة - ~~رحمه الله - فيه شيء مصرح. # وذكر محمد في الزيادات وأطلق أنه إذا لم يجرح لم يؤكل وهذا الإطلاق يقتضي ~~أنه لا يحل بالكسر وقال أبو يوسف: إذا جرح بناب أو مخلب أو كسر عضوا فقتله ~~فلا بأس بأكله فقد جعل الكسر جراحة باطنه فيلحق بالجراحة لظاهره في حكم بني ~~على الضرورة والعذر. # (وجه) رواية محمد - رحمه الله - وهي الصحيحة أن الأصل هو الذبح وإنما ~~أقيم الجرح مقامه في كونه سببا لخروج الدم وذلك لا يوجد في الكسر فلا يقام ~~مقامه؛ ولهذا لم يقم الخنق مقامه وقد قالوا: إذا أصاب السهم ظلف الصيد فإن ~~وصل إلى اللحم فأدماه حل وإلا فلا وهذا تفريع على رواية اعتبار الجرح. # ولو ذبح شاة ولم يسل منها دم قيل: وهذا قد يكون في شاة اعتلفت العناب ~~اختلف المشايخ فيه قال أبو القاسم الصفار - رحمه الله -: لا تؤكل لقوله - ~~عليه الصلاة والسلام - «ما فرى الأوداج وأنهر الدم فكل» يؤكل بشرط إنهار ~~الدم ولم يوجد؛ ولأن الذبح لم يشرط لعينه بل لإخراج الدم المحرم وتطييب ~~اللحم ولم يوجد فلا يحل، وقال أبو بكر الإسكاف، والفقيه أبو جعفر الهندواني ~~رحمهما الله: يؤكل لوجود الذبح وهو فري الأوداج وإنه سبب لخروج الدم عادة ~~لكنه امتنع لعارض ms2698 بعد وجود السبب فصار كالدم الذي احتبس في بعض العروق عن ~~الخروج بعد الذبح وذا لا يمنع الحل كذا هذا. # وعلى هذا يخرج ما إذا قطع من ألية الشاة قطعة أو من فخذها أنه لا يحل ~~المبان وإن ذبحت الشاة بعد ذلك؛ لأن حكم الذكاة لم يثبت في الجزء المبان ~~وقت الإبانة لانعدام ذكاة الشاة لكونها حية وقت الإبانة، وحال فوات الحياة ~~كان الجزء منفصلا وحكم الذكاة لا يظهر في الجزء المنفصل وروي أن أهل ~~الجاهلية كانوا يقطعون قطعة من ألية الشاة ومن سنام البعير فيأكلونها فلما ~~بعث النبي المكرم - عليه الصلاة والسلام - نهاهم عن ذلك فقال - عليه الصلاة ~~والسلام - «ما أبين من الحي فهو ميت» والجزء المقطوع مبان من حي وبائن منه ~~فيكون ميتا وكذلك إذا قطع ذلك من صيد لم يؤكل المقطوع، وإن مات الصيد بعد ~~ذلك لما قلنا. # وقال الشافعي - رحمه الله -: يؤكل إذا مات الصيد بذلك وسنذكر المسألة إن ~~شاء الله تعالى وإن قطع فتعلق العضو بجلده لا يؤكل؛ لأن ذلك القدر من ~~التعلق لا يعتبر # PageV05P044 # فكان وجوده والعدم بمنزلة واحدة وإن كان متعلقا باللحم يؤكل الكل؛ لأن ~~العضو المتعلق باللحم من جملة الحيوان، وذكاة الحيوان تكون لما اتصل به. # ولو ضرب صيدا بسيف فقطعه نصفين يؤكل النصفان عندنا جميعا، وهو قول ~~إبراهيم النخعي؛ لأنه وجد قطع الأوداج لكونها متصلة من القلب بالدماغ فأشبه ~~الذبح فيؤكل الكل، وإن قطع أقل من النصف فمات فإن كان مما يلي العجز لا ~~يؤكل المبان عندنا، وقال الشافعي: يؤكل. # (وجه) قوله أن الجرح في الصيد إذا اتصل به الموت فهو ذكاة اضطرارية وإنها ~~سبب الحل كالذبح. # (ولنا) قول النبي - عليه الصلاة والسلام - «ما أبين من الحي فهو ميت» ~~والمقطوع مبان من الحي فيكون ميتا وأما قوله: إن الجرح الذي اتصل به الموت ~~ذكاة في الصيد فنعم لكن حال فوات الحياة عن المحل وعند الإبانة المحل كان ~~حيا فلم يقع الفعل ذكاة له وعندما صار ذكاة كان الجزء منفصلا وحكم الذكاة ms2699 ~~لا يلحق الجزء المنفصل، وإن كان مما يلي الرأس يؤكل الكل لوجود قطع الأوداج ~~فكان الفعل حال وجوده ذكاة حقيقة فيحل به الكل وإن ضرب رأس صيد فأبانه ~~نصفين طولا أو عرضا يؤكل كله في قول أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف ~~الأول، ثم رجع وقال: لا يؤكل النصف البائن ويؤكل ما بقي من الصيد والأصل ~~فيه ما ذكرنا أن الأوداج متصلة بالدماغ فتصير مقطوعة بقطع الرأس وكان أبو ~~يوسف على هذا ثم ظن أنها لا تكون إلا فيما يلي البدن من الرأس وإن كان ~~المبان أكثر من النصف فكذلك يؤكل الكل لأنه إذا قطع العروق فلم يكن ذلك ~~ذبحا بل كان جرحا وأنه لا يبيح المبان لما ذكرنا. # (وأما) شرائط ركن الذكاة فأنواع بعضها يعم نوعي الذكاة الاختيارية، ~~والاضطرارية وبعضها يخص أحدهما دون الآخر أما الذي يعمهما فمنها أن يكون ~~عاقلا فلا تؤكل ذبيحة المجنون والصبي الذي لا يعقل والسكران الذي لا يعقل ~~لما نذكر أن القصد إلى التسمية عند الذبح شرط ولا يتحقق القصد الصحيح ممن ~~لا يعقل فإن كان الصبي يعقل الذبح ويقدر عليه تؤكل ذبيحته وكذا السكران. # (ومنها) أن يكون مسلما أو كتابيا فلا تؤكل ذبيحة أهل الشرك والمجوسي ~~والوثني وذبيحة المرتد أما ذبيحة أهل الشرك فلقوله تعالى {وما أهل لغير ~~الله} [المائدة: 3] وقوله عز وجل {وما ذبح على النصب} [المائدة: 3] أي ~~للنصب وهي الأصنام التي يعبدونها. # وأما ذبيحة المجوس فلقوله - عليه الصلاة والسلام - «سنوا بالمجوس سنة أهل ~~الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» ولأن ذكر اسم الله تعالى على ~~الذبيحة من شرائط الحل عندنا لما نذكر ولم يوجد. # وأما المرتد؛ فلأنه لا يقر على الدين الذي انتقل إليه فكان كالوثني الذي ~~لا يقر على دينه ولو كان المرتد غلاما مراهقا لا تؤكل ذبيحته عند أبي حنيفة ~~ومحمد وعند أبي يوسف تؤكل بناء على أن ردته صحيحة عندهما وعنده لا تصح، ~~وتؤكل ذبيحة أهل الكتاب لقوله تعالى {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} ~~[المائدة: ms2700 5] والمراد منه ذبائحهم إذ لو لم يكن المراد ذلك لم يكن للتخصيص ~~بأهل الكتاب معنى؛ لأن غير الذبائح من أطعمة الكفرة مأكول ولأن مطلق اسم ~~الطعام يقع على الذبائح كما يقع على غيرها؛ لأنه اسم لما يتطعم والذبائح ~~مما يتطعم فيدخل تحت إطلاق اسم الطعام فيحل لنا أكلها ويستوي فيه أهل الحرب ~~منهم وغيرهم لعموم الآية الكريمة، وكذا يستوي فيه نصارى بني تغلب وغيرهم؛ ~~لأنهم على دين النصارى إلا أنهم نصارى العرب فيتناولهم عموم الآية الشريفة. # وقال سيدنا علي - رضي الله عنه -: لا تؤكل ذبائح نصارى العرب؛ لأنهم ~~ليسوا بأهل الكتاب، وقرأ قوله عز شأنه {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني} [البقرة: 78] ، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: تؤكل وقرأ قوله ~~عز وجل {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] والآية الكريمة التي ~~تلاها سيدنا علي - رضي الله عنه - دليل على أنهم من أهل الكتاب؛ لأنه قال ~~عز وجل {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب} [البقرة: 78] أي: من أهل الكتاب ~~وكلمة من للتبعيض إلا أنهم يخالفون غيرهم من النصارى في بعض شرائعهم وذا ~~يخرجهم عن كونهم نصارى كسائر النصارى. # فإن انتقل الكتابي إلى دين أهل الكتاب من الكفرة لا تؤكل ذبيحته؛ لأن ~~المسلم لو انتقل إلى ذلك الدين لا تؤكل ذبيحته فالكتابي أولى، ولو انتقل ~~غير الكتابي من الكفرة إلى دين أهل الكتاب تؤكل ذبيحته والأصل أنه ينظر إلى ~~حاله ودينه في وقت ذبيحته دون ما سواه وهذا أصل أصحابنا أن من انتقل من ملة ~~يقر عليها يجعل كأنه من أهل تلك الملة من الأصل على ما ذكرنا في كتاب # PageV05P045 # النكاح. # والمولود بين كتابي وغير كتابي تؤكل ذبيحته أيهما كان الكتابي الأب أو ~~الأم عندنا، وقال مالك: يعتبر الأب فإن كان كتابيا تؤكل وإلا فلا، وقال ~~الشافعي: لا تؤكل ذبيحته رأسا. # والصحيح قولنا؛ لأن جعل الولد تبعا للكتابي منهما أولى؛ لأنه خيرهما دينا ~~بالنسبة فكان باتباعه إياه أولى. # وأما الصابئون فتؤكل ذبائحهم في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعند أبي ms2701 ~~يوسف ومحمد لا تؤكل واختلاف الجواب لاختلاف تفسيرهم في الصابئين أنهم ممن ~~هم وقد ذكرنا ذلك في كتاب النكاح ثم إنما تؤكل ذبيحة الكتابي إذا لم يشهد ~~ذبحه ولم يسمع منه شيء أو سمع وشهد منه تسمية الله تعالى وحده؛ لأنه إذا لم ~~يسمع منه شيئا يحمل على أنه قد سمى الله تبارك وتعالى وجرد التسمية تحسينا ~~للظن به كما بالمسلم، ولو سمع منه ذكر اسم الله تعالى لكنه عنى بالله عز ~~وجل المسيح - عليه الصلاة والسلام - قالوا: تؤكل؛ لأنه أظهر تسمية هي تسمية ~~المسلمين إلا إذا نص فقال: بسم الله الذي هو ثالث ثلاثة فلا تحل. # وقد روي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه سئل عن ذبائح أهل الكتاب وهم ~~يقولون ما يقولون فقال: - رضي الله عنه - قد أحل الله ذبائحهم وهو يعلم ما ~~يقولون فأما إذا سمع منه أنه سمى المسيح - عليه الصلاة والسلام - وحده أو ~~سمى الله سبحانه وتعالى وسمى المسيح لا تؤكل ذبيحته كذا روى سيدنا علي - ~~رضي الله عنه - ولم يرو عن غيره خلافه فيكون إجماعا ولقوله عز وجل {وما أهل ~~لغير الله} [المائدة: 3] وهذا أهل لغير الله عز وجل به فلا يؤكل ومن أكلت ~~ذبيحته ممن ذكرنا أكل صيده الذي صاده بالسهم أو بالجوارح ومن لا فلا؛ لأن ~~أهلية المذكي شرط في نوعي الذكاة الاختيارية والاضطرارية جميعا. # (ومنها) التسمية حالة الذكر عندنا، وعند الشافعي ليست بشرط أصلا، وقال ~~مالك - رحمه الله -: إنها شرط حالة الذكر والسهو حتى لا يحل متروك التسمية ~~ناسيا عنده، والمسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -. # أما الكلام مع الشافعي - رحمه الله - فإنه احتج بقوله تبارك وتعالى {قل ~~لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما ~~مسفوحا أو لحم خنزير} [الأنعام: 145] أمر النبي - عليه الصلاة والسلام - أن ~~يقول أنه لا يجد فيما أوحي إليه محرما سوى الأشياء الثلاثة، ومتروك التسمية ~~لم يدخل فيها فلا يكون محرما، ولا يقال: يحتمل أنه ms2702 لم يكن المحرم وقت نزول ~~الآية الكريمة سوى المذكور فيها ثم حرم بعد ذلك متروك التسمية بقوله عز وجل ~~{ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] ؛ لأنه قيل: إن ~~سورة الأنعام نزلت جملة واحدة، ولو كان متروك التسمية محرما لكان واجدا له ~~فيجب أن يستثنيه كما استثنى الأشياء الثلاثة. # (ولنا) قوله عز وجل {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق} ~~[الأنعام: 121] والاستدلال بالآية من وجهين: أحدهما أن مطلق النهي للتحريم ~~في حق العمل، والثاني أنه سمى كل ما لم يذكر اسم الله عليه فسقا بقوله عز ~~وجل {وإنه لفسق} [الأنعام: 121] ولا فسق إلا بارتكاب المحرم ولا تحمل إلا ~~على الميتة وذبائح أهل الشرك بقول بعض أهل التأويل في سبب نزول الآية ~~الكريمة؛ لأن العام لا يخص بالسبب عندنا بل يعمل بعموم اللفظ لما عرف في ~~أصول الفقه مع ما أن الحمل على ذلك حمل على التكرار؛ لأن حرمة الميتة ~~وذبائح أهل الشرك ثبتت بنصوص أخر وهي قوله عز وجل {حرمت عليكم الميتة} ~~[المائدة: 3] ، وقوله عز وجل {وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] ، وقوله ~~عز وجل {وما ذبح على النصب} [المائدة: 3] فالحمل على ما قاله يكون حملا على ~~ما قلنا ويكون حملا على فائدة جديدة فكان أولى، وقوله عز وجل {فاذكروا اسم ~~الله عليها صواف} [الحج: 36] ومطلق الأمر للوجوب في حق العمل ولو لم يكن ~~شرطا لما وجب. # وروى الشعبي عن عدي بن حاتم - رضي الله عنهما - قال: «سألت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن صيد الكلب فقال: ما أمسك عليك ولم يأكل منه فكله ~~فإن أخذه ذكاته فإن وجدت عند كلبك غيره فحسبت أن يكون أخذه معه وقد قتله ~~فلا تأكل؛ لأنك إنما ذكرت اسم الله تعالى على كلبك ولم تذكره على كلب غيرك» ~~نهى النبي - عليه الصلاة والسلام - عن الأكل وعلل بترك التسمية فدل أنها ~~شرط. # (وأما) الآية الكريمة ففيها أنه كان يجد وقت نزول الآية الشريفة محرما ~~سوى المذكور فيها فاحتمل أنه ms2703 كان كذلك وقت نزول الآية الشريفة وجد تحريم ~~متروك التسمية بعد ذلك لما تلونا كما كان لا يجد تحريم كل ذي ناب من السباع ~~وكل ذي مخلب من الطير وتحريم الحمار والبغل عند نزولها ثم وجد بعد ذلك بوحي ~~متلو أو غير متلو على ما ذكرنا. # (وأما) ما يروى أن سورة الأنعام نزلت كلها جملة واحدة فمروي على طريق ~~الآحاد فلا يقبل # PageV05P046 # في إبطال حرمة ثبتت بالكتاب على أن المذكور فيها من جملة المستثنى الميتة ~~فما الدليل على أن متروك التسمية عمدا ليس بميتة بل هو ميتة عندنا مع أنه ~~لا يجد فيما أوحي إليه محرما سوى المذكور ونحن لا نطلق اسم المحرم على ~~متروك التسمية إذ المحرم المطلق ما ثبتت حرمته بدليل مقطوع به ولم يوجد ذلك ~~في محل الاجتهاد إذا كان الاختلاف بين أهل الديانة وإنما نسميه مكروها أو ~~محرما في حق الاعتقاد قطعا على طريق التعيين بل على الإبهام أن ما أراد ~~الله عز وجل من هذا النهي فهو حق لكنا نمتنع عن أكله احتياطا وهو تفسير ~~الحرمة في حق العمل. # (وأما) الكلام مع مالك - رحمه الله - فهو احتج بعموم قوله تبارك وتعالى ~~{ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] من غير فصل بين ~~العمد والسهو، ولأن التسمية لما كانت واجبة حالة العمد فكذا حالة النسيان؛ ~~لأن النسيان لا يمنع الوجوب والحظر كالخطأ حتى كان الناسي والخاطئ جائز ~~المؤاخذة عقلا ولهذا استوى العمد والسهو في ترك تكبيرة الافتتاح والطهارة ~~وغيرها من الشرائط والكلام في الصلاة عمدا أو سهوا عندكم كذا ههنا. # (ولنا) ما روي عن راشد بن سعد عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ~~«ذبيحة المسلم حلال سمى أو لم يسم ما لم يتعمد» وهذا نص في الباب. # وأما الآية فلا تتناول متروك التسمية لوجهين: أحدهما: أنه قال عز وجل ~~{وإنه لفسق} [الأنعام: 121] أي: ترك التسمية عند الذبح فسق، وترك التسمية ~~سهوا لا يكون فسقا وكذا كل متروك التسمية سهوا لا يلحقه سمة الفسق؛ ms2704 لأن ~~المسألة اجتهادية وفيها اختلاف الصحابة فدل أن المراد من الآية الكريمة ~~متروك التسمية عمدا لا سهوا، والثاني: أن الناسي لم يترك التسمية بل ذكر ~~اسم الله عز وجل والذكر قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب قال الله تعالى ~~{ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} [الكهف: 28] والناسي ذاكر بقلبه لما روي ~~عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن رجل ذبح ونسي أن يذكر اسم الله ~~عليه فقال - رضي الله عنه -: اسم الله عز وجل في قلب كل مسلم فليأكل. # وعنه في رواية أخرى قال: إن المسلم ذكر الله في قلبه، وقال: كما لا ينفع ~~الاسم في الشرك لا يضر النسيان في الإسلام، وعنه - رضي الله عنه - في رواية ~~أخرى قال: في المسلم اسم الله تعالى فإذا ذبح ونسي أن يسمي فكل وإذا ذبح ~~المجوسي وذكر اسم الله تعالى فلا تطعمه، وعن سيدنا علي - رضي الله عنه - ~~سئل عن هذا فقال: إنما هي علة المسألة فثبت أن الناسي ذاكر فكانت ذبيحته ~~مذكور التسمية فلا تتناولها الآية الكريمة. # وأما قوله إن النسيان لا يدفع التكليف ولا يدفع الحظر حتى لم يجعل عذرا ~~في بعض المواضع على ما ضرب من الأمثلة فنقول: النسيان جعل عذرا مانعا من ~~التكليف والمؤاخذة فيما يغلب وجوده ولم يجعل عذرا فيما لا يغلب وجوده؛ لأنه ~~لو لم يجعل عذرا فيما يغلب وجوده لوقع الناس في الحرج والحرج مدفوع. # والأصل فيه أن من لم يعود نفسه فعلا يعذر في تركه واشتغاله بضده سهوا؛ ~~لأن حفظ النفس عن العادة التي هي طبيعة خامسة خطب صعب وأمر أمر فيكون ~~النسيان فيه غالب الوجود فلو لم يعذر للحقه الحرج وليس كذلك إذا لم يعود ~~نفسه مثاله أن الأكل والشرب من الصائم سهوا جعل عذرا في الشرع حتى لا يفسد ~~صومه؛ لأنه عود نفسه ذلك ولم يعودها ضده وهو الكف عن الأكل والشرب ولم يجعل ~~ذلك عذرا في المصلي؛ لأنه لم يعود نفسه ذلك في كل زمان بل في وقت ms2705 معهود وهو ~~الغداة والعشي خصوصا في حال الصلاة التي تخالف أوقات الأكل والشرب فكان ~~الأكل والشرب فيها في غاية الندرة فلم يجعل عذرا. # والكلام في الصلاة من هذا القبيل؛ لأن حالة الصلاة تمنع من ذلك عادة فكان ~~النسيان فيها نادرا فلم يجعل عذرا وكذلك ترك تكبيرة الافتتاح سهوا؛ لأن ~~الشروع في الصلاة يكون بها وتركها سهوا عند تصميم العزم على الشروع فيها ~~مما يندر فلم يعذر، وكذا ترك الطهارة عند حضور وقت الصلاة سهوا؛ لأن المسلم ~~على استعداد الصلاة عند هجوم وقتها عادة فالشروع في الصلاة من غير طهارة ~~سهوا يكون نادرا فلا يعذر ويلحق بالعدم، فأما ذكر اسم الله تعالى فأمر لم ~~يعوده الذابح نفسه؛ لأن الذبح على مجرى العادة يكون من القصابين ومن ~~الصبيان الذين لم يعودوا أنفسهم ذكر الله عز وجل فترك التسمية منهم سهوا لا ~~يندر وجوده بل يغلب فجعل عذرا دفعا للحرج فهو الفرق بين هذه الجملة، والله ~~سبحانه وتعالى هو الموفق. # وإذا ثبت أن التسمية حالة الذكر من شرائط الحل عندنا فبعد ذلك يقع الكلام ~~في بيان ركن التسمية وفي بيان شرائط الركن وفي بيان وقت التسمية. # أما ركنها فذكر اسم الله عز وجل أي اسم كان # PageV05P047 # لقوله تبارك وتعالى {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين ~~- وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله} [الأنعام: 118 - 119] من غير فصل ~~بين اسم واسم، وقوله عز شأنه {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} ~~[الأنعام: 121] ؛ لأنه إذا ذكر اسما من أسماء الله تبارك وتعالى لم يكن ~~المأكول مما لم يذكر اسم الله عليه فلم يكن محرما، وسواء قرن بالاسم الصفة ~~بأن قال الله أكبر الله أجل الله، أعظم الله الرحمن الله الرحيم ونحو ذلك، ~~أو لم يقرن بأن قال: الله أو الرحمن أو الرحيم أو غير ذلك؛ لأنه المشروط ~~بالآية عز شأنه وقد وجد. # وكذا في حديث عدي بن حاتم - رضي الله عنهما - «إذا أرسلت كلبك المعلم ~~وذكرت اسم الله عليه ms2706 فكل» من غير فصل بين اسم واسم وكذا التهليل والتحميد ~~والتسبيح سواء كان جاهلا بالتسمية المعهودة أو عالما بها لما قلنا، وهذا ~~ظاهر على أصل أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما - في تكبيرة الافتتاح أنه ~~يصير شارعا في الصلاة بلا إله إلا الله أو الحمد لله أو سبحان الله فههنا ~~أولى. # وأما على أصل أبي يوسف - رحمه الله - فلا يصير شارعا بهذه الألفاظ وتصح ~~بها عنده فيحتاج هو إلى الفرق والفرق له أن الشرع ما ورد هناك إلا بلفظ ~~التكبير وههنا ورد بذكر اسم الله تعالى، وسواء كانت التسمية بالعربية أو ~~بالفارسية أو أي لسان كان وهو لا يحسن العربية أو يحسنها. # كذا روى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله لو أن رجلا سمى على الذبيحة ~~بالرومية أو بالفارسية وهو يحسن العربية أو لا يحسنها أجزأه ذلك عن ~~التسمية؛ لأن الشرط في الكتاب العزيز والسنة ذكر اسم الله تعالى مطلقا عن ~~العربية والفارسية وهذا ظاهر على أصل أبي حنيفة - رحمه الله - في اعتباره ~~المعنى دون اللفظ في تكبيرة الافتتاح فيستوي في الذبح التكبيرة العربية ~~والعجمية من طريق الأولى فأما على أصلهما فهما يحتاجان إلى الفرق بين ~~التكبير والتسمية حيث قالا في التسمية: إنها جائزة بالعجمية سواء كان يحسن ~~العربية أو لا يحسن. # وفي التكبير لا يجوز بالعجمية إلا إذا كان لا يحسن العربية؛ لأن المشروط ~~ههنا ذكر اسم الله تعالى وأنه يوجد بكل لسان والشرط هناك لفظة التكبير؛ ~~لقوله - عليه الصلاة والسلام - «لا تقبل صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه ~~ويستقبل القبلة ويقول الله أكبر» نفى - عليه الصلاة والسلام - القبول بدون ~~لفظ التكبير ولا يوجد ذلك بغير لفظ العربية. # وأما شرائط الركن فمنها أن تكون التسمية من الذابح حتى لو سمى غيره ~~والذابح ساكت وهو ذاكر غير ناس لا يحل؛ لأن المراد من قوله تبارك وتعالى ~~{ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] أي: لم يذكر اسم ~~الله عليه من الذابح فكانت مشروطة فيه. # (ومنها) أن يريد بها ms2707 التسمية على الذبيحة فإن من أراد بها التسمية ~~لافتتاح العمل لا يحل؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر بذكر اسم الله تعالى ~~عليه في الآيات الكريمة ولا يكون ذكر اسم الله عليه إلا وأن يراد بها ~~التسمية على الذبيحة، وعلى هذا إذا قال: الحمد لله ولم يرد به الحمد على ~~سبيل الشكر لا يحل، وكذا لو سبح أو هلل أو كبر ولم يرد به التسمية على ~~الذبيحة وإنما أراد به وصفه بالوحدانية والتنزه عن صفات الحدوث لا غير لا ~~يحل لما قلنا. # (ومنها) تجريد اسم الله سبحانه وتعالى عن اسم غيره وإن كان اسم النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - حتى لو قال بسم الله واسم الرسول لا يحل؛ لقوله ~~تعالى {وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] وقول النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - «موطنان لا أذكر فيهما: عند العطاس، وعند الذبح» ، وقول عبد الله ~~بن مسعود - رضي الله عنهما - جردوا التسمية عند الذبح؛ ولأن المشركين ~~يذكرون مع الله سبحانه وتعالى غيره فتجب مخالفتهم بالتجريد، ولو قال: بسم ~~الله ومحمد رسول الله فإن قال: ومحمد بالجر لا يحل؛ لأنه أشرك في اسم الله ~~عز شأنه اسم غيره، وإن قال: محمد بالرفع يحل؛ لأنه لم يعطفه بل استأنف فلم ~~يوجد الإشراك إلا أنه يكره لوجود الوصل من حيث الصورة فيتصور بصورة الحرام ~~فيكره، وإن قال: ومحمدا بالنصب اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: يحل؛ لأنه ما ~~عطف بل استأنف إلا أنه أخطأ في الإعراب، وقال بعضهم: لا يحل؛ لأن انتصابه ~~بنزع الحرف الخافض كأنه قال: ومحمد فيتحقق الإشراك فلا يحل. # هذا إذا ذكر الواو فإن لم يذكر بأن قال: بسم الله محمد رسول الله فإنه ~~يحل كيفما كان لعدم شركه. # (ومنها) أن يقصد بذكر اسم الله تعالى تعظيمه على الخلوص ولا يشوبه معنى ~~الدعاء حتى لو قال: اللهم اغفر لي لم يكن ذلك تسمية؛ لأنه دعاء والدعاء لا ~~يقصد به التعظيم المحض فلا يكون تسمية كما لا يكون تكبيرا، وفي قوله اللهم ~~اختلف المشايخ كما في التكبير. ms2708 # (أما) وقت التسمية فوقتها في الذكاة الاختيارية وقت الذبح لا يجوز ~~تقديمها عليه إلا بزمان قليل لا يمكن # PageV05P048 # التحرز عنه لقوله تبارك وتعالى {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} ~~[الأنعام: 121] والذبح مضمر فيه معناه ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله ~~تعالى عليه من الذبائح ولا يتحقق ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة إلا وقت ~~الذبح وكذا قيل في تأويل الآيتين الأخريين: إن الذبح مضمر فيهما أي: فكلوا ~~مما ذبح بذكر اسم الله عليه وما لكم ألا تأكلوا مما ذبح بذكر اسم الله ~~تعالى عليه فكان وقت التسمية الاختيارية وقت الذبح. # (وأما) الذكاة الاضطرارية فوقتها وقت الرمي والإرسال لا وقت الإصابة؛ ~~لقول النبي - عليه الصلاة والسلام - «لعدي بن حاتم - رضي الله عنه - حين ~~سأله عن صيد المعراض والكلب إذا رميت بالمعراض وذكرت اسم الله عليه فكل وإن ~~أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل» وقوله عليه أي: على المعراض ~~والكلب ولا تقع التسمية على السهم والكلب إلا عند الرمي والإرسال فكان وقت ~~التسمية فيها هو وقت الرمي والإرسال، والمعنى هكذا يقتضي وهو أن التسمية ~~شرط والشرائط يعتبر وجودها حال وجود الركن؛ لأن عند وجودها يصير الركن علة ~~كما في سائر الأركان مع شرائطها هو المذهب الصحيح على ما عرف في أصول ~~الفقه. # والركن في الذكاة الاختيارية هو الذبح وفي الاضطرارية هو الجرح وذلك مضاف ~~إلى الرامي والمرسل وإنما السهم والكلب آلة الجرح والفعل يضاف إلى مستعمل ~~الآلة لا إلى الآلة لذلك اعتبر وجود التسمية وقت الذبح والجرح وهو وقت ~~الرمي والإرسال ولا يعتبر وقت الإصابة في الذكاة الاضطرارية؛ لأن الإصابة ~~ليست من صنع العبد لا مباشرة ولا سببا بل محض صنع الله عز وجل يعني به ~~مصنوعه، هو مذهب أهل السنة والجماعة وهي المسألة المعروفة بالمتولدات وهذا؛ ~~لأن فعل العبد لا بد وأن يكون مقدور العبد، ومقدور العبد ما يقوم بمحل ~~قدرته وهو نفسه وذلك هو الرمي السابق والإرسال السابق فتعتبر التسمية ~~عندهما على أن الإصابة قد ms2709 تكون وقد لا تكون فلا يمكن إيقاع التسمية عليها. # وعلى هذا يخرج ما روى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله تعالى أنه قال: لو أن ~~رجلا أضجع شاة ليذبحها وسمى ثم بدا له فأرسلها وأضجع أخرى فذبحها بتلك ~~التسمية لم يجزه ذلك ولا تؤكل لعدم التسمية على الذبيحة عند الذبح، ولو رمى ~~صيدا فسمى فأخطأ وأصاب آخر فقتله فلا بأس بأكله وكذلك إذا أرسل كلبا على ~~صيد فأخطأ فأخذ غير الذي أرسله عليه فقتله لوجود التسمية على السهم والكلب ~~عند الرمي والإرسال وذكر في الأصل أرأيت الذابح يذبح الشاتين والثلاثة ~~فيسمي على الأولى ويدع التسمية على غير ذلك عمدا قال: يأكل الشاة التي سمى ~~عليها ولا يأكل ما سوى ذلك لما بينا. # ولو أضجع شاة ليذبحها وسمى عليها ثم ألقى السكين وأخذ سكينا آخر فذبح به ~~يؤكل؛ لأن التسمية في الذكاة الاختيارية تقع على المذبوح لا على الآلة ~~والمذبوح واحد فلا يعتبر اختلاف الآلة بخلاف ما إذا سمى على سهم ثم رمى ~~بغيره أنه لا يؤكل؛ لأن التسمية في الذكاة الاضطرارية تقع على السهم لا على ~~المرمي إليه وقد اختلف السهم فالتسمية على أحدهما لا تكون تسمية على الآخر. # ولو أضجع شاة ليذبحها وسمى عليها فكلمه إنسان فأجابه أو استسقى ماء فشرب ~~أو أخذ السكين فإن كان قليلا ولم يكثر ذلك منه ثم ذبح على تلك التسمية تؤكل ~~وإن تحدث وأطال الحديث أو أخذ في عمل آخر أو حد شفرته أو كانت الشاة قائمة ~~فصرعها ثم ذبح لا تؤكل؛ لأن زمان ما بين التسمية والذبح إذا كان يسيرا لا ~~يعتد به؛ لأنه لا يمكن التحرز عنه فيلحق بالعدم ويجعل كأنه سمى مع الذبح ~~وإذا كان طويلا يقع فاصلا بين التسمية والذبح فيصير كأنه سمى في يوم وذبح ~~في يوم آخر فلم توجد التسمية عند الذبح متصلة به. # ولو سمى ثم انقلبت الشاة وقامت من مضجعها ثم أعادها إلى مضجعها فقد ~~انقطعت التسمية، وعلى هذا يخرج ما إذا رمى صيدا ولم ms2710 يسم متعمدا ثم سمى بعد ~~ذلك أو أرسل كلبا وترك التسمية متعمدا فلما مضى الكلب في تبع الصيد سمى أنه ~~لا يؤكل؛ لأن التسمية لم توجد وقت الرمي والإرسال وكذا لو مضى الكلب إلى ~~الصيد فزجره وسمى وانزجر بزجره إنه لا يؤكل أيضا، وفرق بين هذا وبين ما إذا ~~اتبع الكلب الصيد بنفسه من غير أن يرسله أحد ثم زجره مسلم أنه إن انزجر ~~بزجره فأخذ الصيد فقتله يؤكل وإن لم ينزجر لا يؤكل. # (ووجه) الفرق نذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. # ولو رمى أو أرسل وهو مسلم ثم ارتد أو كان حلالا فأحرم قبل الإصابة وأخذ ~~الصيد يحل ولو كان مرتدا ثم أسلم وسمى لا يحل؛ لأن المعتبر وقت الرمي # PageV05P049 # والإرسال كما بينا فتراعى الأهلية عند ذلك. # وعلى هذا الأصل ينبني شرط تعيين المحل بالتسمية في الذكاة الاختيارية وهو ~~بيان القسم الثاني من الشرائط التي تخص أحد النوعين دون الآخر وهي أنواع: ~~يرجع بعضها إلى المذكي، وبعضها يرجع إلى محل الذكاة، وبعضها يرجع إلى آلة ~~الذكاة. # أما الذي يرجع إلى المذكي فهو أن يكون حلالا وهذا في الذكاة الاضطرارية ~~دون الاختيارية حتى أن المحرم إذا قتل صيد البر وسمى لا يؤكل؛ لأنه ممنوع ~~عن قتل الصيد لحق الإحرام؛ لقوله تبارك وتعالى {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] أي: وأنتم محرمون، وقوله جل شأنه ~~{أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم} ~~[المائدة: 1] معناه والله سبحانه وتعالى أعلم أحلت لكم بهيمة الأنعام ~~والصيد إلا ما يتلى عليكم من الميتة والدم ولحم الخنزير إلى آخره غير محلي ~~الصيد وأنتم حرم؛ لأنه استثنى سبحانه وتعالى الصيد بقوله تبارك وتعالى {غير ~~محلي الصيد} [المائدة: 1] وإنما يستثنى الشيء من الجملة المذكورة فجعل ~~مذكورا بطريق الإضمار، والاستثناء من الإباحة تحريم فكان اصطياد المحرم ~~محرما فكان صيده ميتة كصيد المجوسي سواء اصطاد بنفسه أو اصطيد له بأمره؛ ~~لأن ما صيد له بأمره فهو صيده معنى وتحل ms2711 ذبيحة المستأنس؛ لأن التحريم خص ~~بالصيد فبقي غيره على عموم الإباحة، ويحل له صيد البحر لقوله تبارك وتعالى ~~{أحل لكم صيد البحر وطعامه} [المائدة: 96] وقد مر ذلك. # وأما الذي يرجع إلى محل الذكاة فمنها تعيين المحل بالتسمية في الذكاة ~~الاختيارية ولا يشترط ذلك في الذكاة الاضطرارية وهي الرمي والإرسال إلى ~~الصيد؛ لأن الشرط في الذكاة الاختيارية ذكر اسم الله تبارك وتعالى على ~~الذبيح لما تلونا من الآيات ولا يتحقق ذلك إلا بتعيين الذبيح بالتسمية ولأن ~~ذكر الله تبارك وتعالى لما كان واجبا فلا بد وأن يكون مقدورا، والتعيين في ~~الصيد ليس بمقدور؛ لأن الصائد قد يرمي ويرسل على قطيع من الصيد وقد يرمي ~~ويرسل على حس الصيد فلا يكون التعيين واجبا والمستأمن مقدور فيكون واجبا. # وعلى هذا يخرج ما إذا ذبح شاة وسمى ثم ذبح شاة أخرى يظن أن التسمية ~~الأولى تجزي عنهما لم تؤكل ولا بد من أن يجدد لكل ذبيحة تسمية على حدة، ولو ~~رمى سهما فقتل به من الصيد اثنين لا بأس بذلك، وكذلك لو أرسل كلبا أو بازيا ~~وسمى فقتل من الصيد اثنين فلا بأس بذلك؛ لأن التسمية تجب عند الفعل وهو ~~الذبح فإذا تجدد الفعل تجدد التسمية، فأما الرمي والإرسال فهو فعل واحد وإن ~~كان يتعدى إلى مفعولين فتجزي فيه تسمية واحدة. # ووزان الصيد من المستأنس ما لو أضجع شاتين وأمر السكين عليهما معا أنه ~~تجزئ في ذلك تسمية واحدة كما في الصيد فإن قيل هلا جعل ظنه أن التسمية على ~~الشاة الأولى تجزئ عن الثانية عذرا كنسيان التسمية؟ فالجواب أن هذا ليس من ~~باب النسيان بل من الجهل بحكم الشرع والجهل بحكم الشرع ليس بعذر والنسيان ~~عذر. # ألا ترى أن من ظن أن الأكل لا يفطر الصائم فأكل بطل صومه ولو أكل ناسيا ~~لا يبطل. # فإن نظر إلى جماعة من الصيد فرمى بسهم وسمى وتعمدها ولم يتعمد واحدا ~~بعينه فأصاب منها صيدا فقتله لا بأس بأكله وكذلك الكلب والبازي. # ولو أن رجلا نظر إلى ms2712 غنمه فقال: بسم الله، ثم أخذ واحدة فأضجعها وذبحها ~~وترك التسمية عامدا وظن أن تلك التسمية تجزيه لا تؤكل؛ لأنه لم يسم عند ~~الذبح والشرط هو التسمية على الذبيحة وذلك بالتسمية عند الذبح نفسه لا عند ~~النظر، وتعيين الذبيحة مقدور فيمكن أن يجعل شرطا وتعيين الصيد بالرمي ~~والإرسال متعذر لما بينا فلم يمكن أن يجعل شرطا. # ولو رمى صيدا بعينه أو أرسل الكلب أو البازي على صيد بعينه فأخطأ فأصاب ~~غيره يؤكل، وكذا لو رمى ظبيا فأصاب طيرا أو أرسل على ظبي فأخذ طيرا؛ لأن ~~التعيين في الصيد ليس بشرط. # (ومنها) قيام أصل الحياة في المستأمن وقت الذبح قلت أو كثرت في قول أبي ~~حنيفة - رحمه الله - وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يكتفى بقيام أصل ~~الحياة بل تعتبر حياة مقدورة كالشاة المريضة والوقيذة والنطيحة وجريحة ~~السبع إذا لم يبق فيها إلا حياة قليلة عرف ذلك بالصياح أو بتحريك الذنب أو ~~طرف العين أو التنفس وأما خروج الدم فلا يدل على الحياة إلا إذا كان يخرج ~~كما يخرج من الحي المطلق فإذا ذبحها وفيها قليل حياة على الوجه الذي ذكرنا ~~تؤكل عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -. # وعن أبي يوسف روايتان في ظاهر الرواية عنه أنه إن كان يعلم أنها لا تعيش ~~مع ذلك فذبحها لا تؤكل وإن كان # PageV05P050 # يعلم أنها تعيش مع ذلك فذبحها تؤكل، وفي رواية قال: إن كان لها من الحياة ~~مقدار ما تعيش به أكثر من نصف يوم فذبحها تؤكل وإلا فلا، وقال محمد - رحمه ~~الله -: إن كان لم يبق من حياتها إلا قدر حياة المذبوح بعد الذبح أو أقل ~~فذبحها لا تؤكل وإن كان أكثر من ذلك تؤكل، وذكر الطحاوي قول محمد مفسرا ~~فقال: إن على قول محمد إن لم يبق معها إلا الاضطراب للموت فذبحها فإنها لا ~~تحل وإن كانت تعيش مدة كاليوم أو كنصفه حلت. # (وجه) قولهما إنه إذا لم يكن لها حياة مستقرة على الوجه الذي ذكرنا كانت ~~ميتة معنى فلا ms2713 تلحقها الذكاة كالميتة حقيقة، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - ~~قوله تعالى {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] إلى قوله تعالى {والمنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم} [المائدة: 3] ~~استثنى سبحانه وتعالى المذكى من الجملة المحرمة، والاستثناء من التحريم ~~إباحة وهذه مذكاة لوجود فري الأوداج مع قيام الحياة فدخلت تحت النص. # وأما الصيد إذا جرحه السهم أو الكلب فأدركه صاحبه حيا فإن ذكاه يؤكل بلا ~~خلاف بين أصحابنا كيف ما كان سواء كانت فيه حياة مستقرة أو لم تكن، وخرج ~~الجرح من أن يكون ذكاة في حقه وصار ذكاته الذبح في الحياة المستقرة ذكاة ~~مطلقة فيدخل تحت النص، وإن لم يكن فيه حياة مستقرة فعلى أصل أبي حنيفة - ~~رحمه الله - ذكاته الذبح وقد وجد لوجود أصل الحياة فصار مذكى، وعلى أصلهما ~~لا حاجة إلى الذبح؛ لأنه صار مذكى بالجرح فالذبح بعد ذلك لا يضر إن كان لا ~~ينفع وإن لم يذكه وهو قادر على ذبحه فتركه حتى مات فإن كانت فيه حياة ~~مستقرة لا يؤكل؛ لأن ذكاته تحولت من الجرح إلى الذبح فإذا لم يذبح كان ميتة ~~وإن كانت حياته غير مستقرة يؤكل عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - وإن قلت من ~~غير ذكاة بخلاف المستأنس عنده، والفرق له أن الرمي والإرسال إذا اتصل به ~~الجرح كان ذكاة في الصيد فلا تعتبر هذه الحياة بعد وجود الذكاة ولم تتقوم ~~ذكاة في المستأنس فلا بد من اعتبار هذا القدر من الحياة لتحقق الذكاة. # وأما عندهما فكذلك لكن على اختلاف تفسيرهما للحياة المستقرة وغير ~~المستقرة على ما ذكرنا في المستأمن هكذا ذكر عامة المشايخ - رحمهم الله -، ~~وذكر الجصاص - رحمه الله - وقال: يجب أن يكون قول أبي حنيفة - رحمه الله - ~~في الصيد مثل قوله في المستأنس على أن قوله: يجب الذبح في جميع الأحوال لا ~~يحل بدونه سواء كانت الحياة مستقرة أو غير مستقرة، وقد ذكرنا وجه الفرق له ~~على قول عامة المشايخ - رحمهم الله -. # وإن مات قبل أن يقدر على ذبحه لضيق ms2714 الوقت أو لعدم آلة الذكاة ذكر القدوري ~~عليه الرحمة أنه لا يؤكل عندنا وعند محمد بن شجاع البلخي ومحمد بن مقاتل ~~الرازي رحمهما الله يؤكل استحسانا أشار إلى أن القول بالحرمة قياس، ومن ~~مشايخنا - رحمهم الله - من جعل جواب الاستحسان مذهبنا أيضا وتركوا القياس. # (وجه) القياس أنه لما ثبتت يده عليه فقد خرج من أن يكون صيدا لزوال معنى ~~الصيد وهو التوحش والامتناع فيزول الحكم المختص بالصيد وهو اعتبار الجرح ~~ذكاة وصار كالشاة إذا مرضت وماتت في وقت لا يتسع لذبحها أنها لا تؤكل كذا ~~هذا. # (وجه) الاستحسان أن الذبح هو الأصل في الذكاة وإنما يقام الجرح مقامه ~~خلفا عنه وقد وجد شرط بخلافه وهو العجز عن الأصل فيقام الخلف مقامه كما في ~~سائر الأخلاف مع أصولها، وقال أصحابنا - رحمهم الله - لو جرحه السهم أو ~~الكلب فأدركه لكن لم يأخذه حتى مات فإن كان في وقت لو أخذه يمكنه ذبحه فلم ~~يأخذه حتى مات لم يؤكل؛ لأن الذبح صار مقدورا عليه فخرج الجرح من أن يكون ~~ذكاة، وإن كان لا يمكنه ذبحه أكل؛ لأنه إذا لم يأخذه ولا يتمكن من ذبحه لو ~~أخذه بقي ذكاته الجرح السابق، ودلت هذه المسألة على أن جواب الاستحسان في ~~المسألة المتقدمة مذهب أصحابنا جميعا؛ لأنه لا فرق بين المسألتين سوى أن ~~هناك أخذ وههنا لم يأخذ، وما يصنع بالأخذ إذا لم يقدر على ذكاته؟ وجواب ~~القياس عن هذا أن حقيقة القدرة والتمكن لا عبرة بها؛ لأن الناس مختلفون في ~~ذلك فإن منهم من يتمكن من الذبح في زمان قليل لهدايته في ذلك ومنهم من لا ~~يتمكن إلا في زمان طويل لقلة هدايته فيه فلا يمكن بناء الحكم على حقيقة ~~القدرة والتمكن فيقام السبب الظاهر وهو ثبوت اليد مقامها كما في السفر مع ~~المشقة وغير ذلك. # وذكر ابن سماعة في نوادره - رحمه الله - عن أبي يوسف لو أن رجلا قطع شاة ~~نصفين ثم إن رجلا فرى أوداجها والرأس يتحرك أو شق بطنها فأخرج ما في ms2715 جوفها ~~وفرى رجل آخر الأوداج فإن هذا لا يؤكل؛ لأن # PageV05P051 # الأول قاتل، وذكر القدوري - رحمه الله - أن هذا على وجهين إن كانت الضربة ~~مما يلي العجز لم تؤكل الشاة وإن كانت مما يلي الرأس أكلت؛ لأن العروق ~~المشروطة في الذبح متصلة من القلب إلى الدماغ فإذا كانت الضربة مما يلي ~~الرأس فقد قطعها فحلت وإن كانت مما يلي العجز فلم يقطعها فلم تحل. # وأما خروج الدم بعد الذبح فيما لا يحل إلا بالذبح فهل هو من شرائط الحل؟ ~~فلا رواية فيه واختلف المشايخ على ما ذكرنا فيما تقدم، وكذا التحرك بعد ~~الذبح هل هو شرط ثبوت الحل؟ فلا رواية فيه أيضا عن أصحابنا وذكر في بعض ~~الفتاوى أنه لا بد من أحد شيئين: إما التحرك، وإما خروج الدم. # فإن لم يوجد لا يحل كأنه جعل وجود أحدهما بعد الذبح علامة الحياة وقت ~~الذبح فإذا لم يوجد لم تعلم حياته وقت الذبح فلا يحل، وقال بعضهم: إن علم ~~حياته وقت الذبح بغير التحرك يحل وإن لم يتحرك بعد الذبح ولا خرج منه الدم ~~والله أعلم. # (ومنها) ما يخص الذكاة الاضطرارية وهو أن لا يكون صيد الحرم فإن كان لا ~~يؤكل ويكون ميتة سواء كان المذكي محرما أو حلالا؛ لأن التعرض لصيد الحرم ~~بالقتل والدلالة والإشارة محرم حقا لله تعالى قال الله تعالى {أولم يروا ~~أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} [العنكبوت: 67] وقال النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - في صفة الحرم: «ولا ينفر صيده» والفعل في المحرم ~~شرعا لا يكون ذكاة وسواء كان مولده الحرم أو دخل من الحل إليه؛ لأنه يضاف ~~إلى الحرم في الحالين فيكون صيد الحرم. # وأما الذي يرجع إلى آلة الذكاة. # (فمنها) : أن يكون ما يصطاد به من الجوارح من الحيوانات من ذي الناب من ~~السباع وذي المخلب من الطير معلما؛ لقوله تعالى {وما علمتم من الجوارح} ~~[المائدة: 4] معطوفا على قوله سبحانه وتعالى {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل ~~لكم الطيبات} [المائدة: 4] أي أحل لكم الطيبات وأحل ms2716 لكم ما علمتم من ~~الجوارح أي الاصطياد بما علمتم من الجوارح كأنهم سألوا النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - عما يحل لهم الاصطياد به من الجوارح أيضا مع ما ذكر في بعض القصة ~~أن النبي - عليه الصلاة والسلام - لما أمر بقتل الكلاب أتاه ناس فقالوا: ~~ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزل قوله تعالى جل شأنه ~~{يسألونك} [المائدة: 4] الآية. # ففي الآية الكريمة اعتبار الشرطين وهما الجرح والتعليم حيث قال عز شأنه ~~{وما علمتم من الجوارح} [المائدة: 4] ؛ لأن الجوارح هي التي تجرح مأخوذ من ~~الجرح، وقيل: الجوارح الكواسب، قال الله عز شأنه {ويعلم ما جرحتم بالنهار} ~~[الأنعام: 60] أي كسبتم والحمل على الأول أولى؛ لأنه حمل على المعنيين؛ ~~لأنها بالجراحة تكسب وقوله تعالى {مكلبين} [المائدة: 4] قرئ بالخفض والنصب، ~~وقيل: بالخفض صاحب الكلب يقال: كلاب ومكلب، وبالنصب الكلب المعلم، وقيل: ~~المكلبين بالخفض الكلاب التي يكالبن الصيد أي يأخذنه عن شدة فالكلب هو ~~الآخذ عن شدة، ومنه الكلوب للآلة التي يؤخذ بها الحديد، وقوله: جلت عظمته ~~{تعلمونهن} [المائدة: 4] أي تعلمونهن ليمسكن الصيد لكم ولا يأكلن منه وهذا ~~حد التعليم في الكلب عندنا على ما نذكره إن شاء الله تعالى فدلت الآية ~~الكريمة على أن كون الكلب معلما شرط لإباحة أكل صيده فلا يباح أكل صيد غير ~~المعلم. # وإذا ثبت هذا الشرط في الكلب بالنص ثبت في كل ما هو في معناه من كل ذي ~~ناب من السباع كالفهد وغيره مما يحتمل التعلم بدلالة النص؛ لأن فعل الكلب ~~إنما يضاف إلى المرسل بالتعليم إذ المعلم هو الذي يعمل لصاحبه فيأخذ لصاحبه ~~ويمسك على صاحبه فكان فعله مضافا إلى صاحبه فأما غير المعلم فإنما يعمل ~~لنفسه لا لصاحبه فكان فعله مضافا إليه لا إلى المرسل لذلك شرط كونه معلما ~~ثم لا بد من معرفة حد التعليم في الجوارح من ذي الناب كالكلب ونحوه وذي ~~المخلب كالبازي ونحوه. # أما تعليم الكلب فهو أنه إذا أرسل اتبع الصيد وإذا أخذه أمسكه على صاحبه ~~ولا يأكل منه شيئا ms2717 وهذا قول عامة العلماء. # وقال مالك - رحمه الله -: تعليمه أن يتبع الصيد إذا أرسل ويجيب إذا دعي ~~وهو أحد قولي الشافعي - رحمه الله - حتى لو أخذ صيدا فأكل منه لا يؤكل ~~عندنا وعنده يؤكل. # (وجه) قوله إن كونه معلما إنما شرط للاصطياد فيعتبر حالة الاصطياد وهي ~~حالة الاتباع، فأما الإمساك على صاحبه وترك الأكل يكون بعد الفراغ عن ~~الاصطياد فلا يعتبر في الحد، ولنا الكتاب والسنة والمعقول. # أما الكتاب فقوله عز وجل {تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن ~~عليكم} [المائدة: 4] في الآية الكريمة إشارة إلى أن حد تعليم الكلب وما هو ~~في معناه ما قلنا وهو الإمساك على صاحبه وترك الأكل منه؛ لأنه شرط التعليم ~~ثم أباح أكل ما أمسك علينا فكان هذا إشارة إلى أن # PageV05P052 # التعليم هو أن يمسك علينا الصيد ولا يأكل منه يقرره أن الله تعالى إنما ~~أباح أكل صيد المعلم من الجوارح الممسك على صاحبه، ولو لم يكن ترك الأكل من ~~حد التعليم وكان ما أكل منه حلالا لاستوى فيه المعلم وغير المعلم والممسك ~~على صاحبه وعلى نفسه؛ لأن كل كلب يطلب الصيد ويمسكه لنفسه حتى يموت إن ~~أرسلت عليه وأغريته إلا المعلم. # وأما السنة فما روي عن عدي بن حاتم الطائي أنه قال: «قلت يا رسول الله ~~إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب والبزاة فما يحل لنا منها؟ فقال - عليه الصلاة ~~والسلام -: يحل لكم ما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله ~~فكلوا مما أمسكن عليكم مما علمتموهن من كلب أو باز وذكرتم اسم الله عليه ~~قلت: فإن قتل؟ قال - عليه الصلاة والسلام -: إذا قتله ولم يأكل منه فكل ~~فإنما أمسك عليك وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه فقلت يا رسول الله: ~~أرأيت إن خالط كلابنا كلاب أخرى؟ قال - عليه الصلاة والسلام -: إن خالطت ~~كلابك كلاب أخرى فلا تأكل فإنك إنما ذكرت اسم الله تعالى على كلبك ولم ~~تذكره على كلب غيرك» ، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: إذا أكل ms2718 ~~الكلب من الصيد فليس بمعلم، وعنه أيضا أنه قال: إذا أكل الكلب فلا تأكل ~~وإذا أكل الصقر فكل؛ لأن الكلب تستطيع أن تضربه والصقر لا، وعن ابن سيدنا ~~عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: إذا أكل الكلب من الصيد فلا تأكل واضربه # وأما المعقول فمن وجهين: أحدهما أن أخذ الصيد وقتله مضاف إلى المرسل ~~وإنما الكلب آلة الأخذ والقتل وإنما يكون مضافا إليه إذا أمسك لصاحبه لا ~~لنفسه؛ لأن العامل لنفسه يكون عمله مضافا إليه لا إلى غيره والإمساك على ~~صاحبه أن يترك الأكل منه وهو حد التعليم، والثاني أن تعليم الكلب ونحوه هو ~~تبديل طبعه وفطامه عن العادة المألوفة ولا يتحقق ذلك إلا بإمساك الصيد ~~لصاحبه وترك الأكل منه؛ لأن الكلب ونحوه من السباع من طباعهم أنهم إذا ~~أخذوا الصيد فإنما يأخذونه لأنفسهم ولا يصبرون على أن لا يتناولوا منه فإذا ~~أخذ واحد منهم الصيد ولم يتناول منه دل أنه ترك عادته حيث أمسك لصاحبه ولم ~~يأكل منه فإذا أكل منه دل أنه على عادته سواء اتبع الصيد إذا أغري واستجاب ~~إذا دعي أو لا؛ لأنه ألوف في الأصل يجيب إذا دعي ويتبع إذا أغري فلا يصلح ~~ذلك دليلا على تعلمه فثبت أن معنى التعليم لا يتحقق إلا بما قلنا وهو أن ~~يمسك الصيد على صاحبه ولا يأكل منه. # ثم في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - لا توقيت في تعليمه ~~أنه إذا أخذ صيدا ولم يأكل منه هل يصير معلما أم يحتاج فيه إلى التكرار، ~~وكان يقول: إذا كان معلما فكل كذا ذكر في الأصل، وهكذا روى بشر بن الوليد - ~~رحمه الله - عن أبي يوسف قال: سألت أبا حنيفة - رحمه الله - ما حد تعليم ~~الكلب؟ قال: أن يقول أهل العلم بذلك أنه معلم، وذكر الحسن بن زياد في ~~المجرد عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه قال: لا يأكل ما يصيد أولا ولا ~~الثاني ولو أكل الثالث وما بعده وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله قدراه بالثلاث ~~فقالا: ms2719 إذا أخذ صيدا فلم يأكل، ثم صاد ثانيا فلم يأكل، ثم صاد ثالثا فلم ~~يأكل فهذا معلم. # فأبو حنيفة - رضي الله عنه - على الرواية المشهورة عنه إنما رجع في ذلك ~~إلى أهل الصناعة ولم يقدر فيه تقديرا؛ لأن حال الكلب في الإمساك وترك الأكل ~~يختلف فقد يمسك للتعليم وقد يمسك للشبع ففوض ذلك إلى أهل العلم بذلك، وعلى ~~الرواية الأخرى جعل أصل التكرار دلالة التعلم؛ لأن الشبع لا يتفق في كل مرة ~~فدل تكرار الترك على التعليم، وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله قدرا التكرار ~~بثلاث مرات لما أن الثلاث موضوعة لإبداء الأعذار أصله قضية سيدنا موسى عليه ~~وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام مع العبد الصالح حيث قال له في المرة ~~الثالثة: {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا} ~~[الكهف: 76] وروي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قال: من اتجر في شيء ~~ثلاث مرات فلم يربح فلينتقل إلى غيره ثم إذا صار معلما في الظاهر على ~~اختلاف الأقاويل وصاد به صاحبه ثم أكل بعد ذلك فما صاد قبل ذلك لا يؤكل شيء ~~منه إن كان باقيا في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وعند أبي يوسف ومحمد ~~رحمهما الله يؤكل كله. # (وجه) قولهما إن أكل الكلب يحتمل أن يكون لعدم التعلم ويحتمل أن يكون مع ~~التعلم لفرط الجوع ويحتمل أن يكون للنسيان؛ لأن المعلم قد ينسى فلا يحرم ما ~~تقدم من الصيود بالشك والاحتمال ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن علامة التعلم ~~لما كانت ترك الأكل فإذا أكل بعد ذلك علم أنه لم يكن معلما وأن إمساكه لم ~~يكن لصيرورته معلما بل # PageV05P053 # لشبعه في الحال إذ غير المعلم قد يمسكه بشبعه للحال إلى وقت الحاجة ~~فاستدللنا بأكله بعد ذلك على أن إمساكه في الوقت الذي قبله كان على غير ~~حقيقة التعليم أو يحتمل ذلك فلا تحل مع الاحتمال احتياطا. # ومن المشايخ من حمل جواب أبي حنيفة - رحمه الله - على ما إذا كان زمان ~~الأكل قريبا من زمان ms2720 التعليم؛ لأنه إذا كان كذلك فالأكل يدل على عدم التعلم ~~وأنه إنما ترك الأكل فيما تقدم للشبع لا للتعليم؛ لأن المدة القصيرة لا ~~تتحمل النسيان في مثلها فإذا طالت المدة فيجوز أن يقال: إنه يؤكل ما بقي من ~~الصيود المتقدمة؛ لأنه يحتمل أن يكون الأكل للنسيان لا لعدم التعلم لوجود ~~مدة لا يندر النسيان في مثلها إلا أن ظاهر الرواية عنه مطلق عن هذا التفصيل ~~وإطلاق الرواية يقتضي أنه لا يؤكل على كل حال والوجه ما ذكرنا. # وأما قولهم: إن النسيان لا يندر عند طول المدة، فنقول: من تعلم حرفة ~~بتمامها وكمالها فالظاهر أنه لا ينساها بالكلية وإن طالت مدة عدم الاستعمال ~~لكن ربما يدخلها خلل كصنعة الكتابة والخياطة والرمي إذا تركها صاحبها مدة ~~طويلة فلما أكل وحرفته ترك الأكل دل أنه لم يكن تعلم الحرفة من الأصل وأنه ~~إنما لم يأكل قبل ذلك لا للتعلم بل لشبعه في الحال فلا تحل صيوده المتقدمة ~~وأما في المستقبل فلا يحل صيده إلا بتعليم مستأنف بلا خلاف فأما على قول ~~أبي حنيفة - رضي الله عنه - فلأنه تبين بالأكل أنه لم يكن معلما وأن ترك ~~الأكل لم يكن للتعلم بل لشبعه للحال وأما على قولهما فلأنه يحتمل أن يكون ~~لم يتعلم كما قال أبو حنيفة - رحمه الله -، ويحتمل أنه نسي وكيف ما كان لا ~~يحل صيده في المستقبل إلا بتعليم مبتدأ وتعليمه في الثاني بما به تعليمه في ~~الأول وقد ذكرنا الاختلاف فيه. # ولو جرح الكلب الصيد وولغ في دمه يؤكل؛ لأنه قد أمسك الصيد على صاحبه ~~وإنما لو ولغ فيما أمسك على صاحبه لكان لا يأكله صاحبه وذلك من غاية تعلمه ~~حيث تناول الخبيث وأمسك الطيب على صاحبه، وذكر في الأصل في رجل أرسل كلبه ~~على صيد وهو معلم فأخذ صيدا فقتله وأكل منه ثم اتبع آخر فقتله ولم يأكل منه ~~قال: لا يؤكل واحد منهما؛ لأنه لما أكل دل على عدم التعلم أو على النسيان ~~فلا يحل صيده بعد ذلك فإن ms2721 أخذ الكلب المعلم صيدا فأخذه منه صاحبه وأخذ صاحب ~~الكلب من الصيد قطعة فألقاها إلى الكلب فأكلها الكلب فهو على تعلمه؛ لأن ~~ترك الأكل إنما يعتبر حال أخذه الصيد فأكله بإطعام صاحبه بعد الأخذ لا يقدح ~~في التعلم مع ما أن من عادة الصائد بالكلب أنه إذا أخذ الكلب الصيد أن ~~يطعمه من لحمه ترغيبا له على الصيد فلا يكون أكله بإطعامه دليلا على عدم ~~التعلم. # وكذلك لو كان صاحب الكلب أخذ الصيد من الكلب ثم وثب الكلب على الصيد فأخذ ~~منه قطعة فأكلها وهو في يد صاحبه فإنه على تعلمه؛ لأن الأكل بعد ثبوت يد ~~الآدمي عليه بمنزلة الأكل من غيره فلا يقدح في التعليم، وكذلك قالوا: لو ~~سرق الكلب من الصيد بعد دفعه إلى صاحبه؛ لأنه إنما يفعل ذلك للجوع؛ لأن هذا ~~الأكل لم يدخل في التعليم. # وإن أرسل الكلب المعلم على صيد فتبعه فنهشه فقطع منه قطعة فأكلها ثم أخذ ~~الصيد بعد ذلك فقتله ولم يأكل منه شيئا لا يؤكل؛ لأن الأكل منه في حال ~~الاصطياد دليل على عدم التعلم فإن نهشه فألقى منه بضعة والصيد حي ثم اتبع ~~الصيد بعد ذلك فأخذه فقتله ولم يأكل منه شيئا يؤكل؛ لأنه لم يوجد منه ما ~~يدل على عدم التعليم؛ لأنه إنما قطع قطعة منه ليثخنه فيتوصل به إلى أخذه ~~فكان بمنزلة الجرح وإن أخذ صاحب الكلب الصيد من الكلب بعد ما قطعه ثم رجع ~~الكلب بعد ذلك فمر بتلك القطعة فأكلها يؤكل صيده؛ لأنه لو أكل من نفس الصيد ~~في هذه الحالة لا يضر فإذا أكل مما بان منه أولى، وإن اتبع الصيد فنهشه ~~فأخذ منه بضعة فأكلها وهو حي فانفلت الصيد منه ثم أخذ الكلب صيدا آخر في ~~فوره فقتله ولم يأكل منه ذكر في الأصل وقال: أكره أكله؛ لأن الأكل في حالة ~~الاصطياد يدل على عدم التعليم فلا يؤكل ما اصطاده بعده والله تعالى عز شأنه ~~أعلم. # وأما تعليم ذي المخلب كالبازي أو نحوه فهو أن ms2722 يجيب صاحبه إذا دعاه ولا ~~يشترط فيه الإمساك على صاحبه حتى لو أخذ الصيد فأكل منه فلا بأس بأكل صيده ~~بخلاف الكلب ونحوه، والفرق من وجوه: أحدها أن التعلم بترك العادة والطبع، ~~والبازي من عادته التوحش من الناس والتنفر منهم بطبعه فإلفه بالناس وإجابته ~~صاحبه إذا دعاه يكفي دليلا على تعلمه بخلاف الكلب فإنه ألوف بطبعه يألف ~~بالناس ولا يتوحش منهم فلا يكفي هذا القدر دليل التعلم في حقه فلا بد من ~~زيادة أمر وهو ترك # PageV05P054 # الأكل، والثاني أن البازي إنما يعلم بالأكل فلا يحتمل أن يخرج بالأكل عن ~~حد التعليم بخلاف الكلب والثالث أن الكلب يمكن تعليمه بترك الأكل بالضرب؛ ~~لأن جثته تتحمل الضرب والبازي لا؛ لأن جثته لا تتحمل، وقد روي عن سيدنا علي ~~وابن عباس وسلمان الفارسي - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: إذا أكل الصقر فكل ~~وإن أكل الكلب فلا تأكل. # ومنها الإرسال أو الزجر عند عدمه على وجه ينزجر بالزجر فيما يحتمل ذلك ~~وهو الكلب وما في معناه حتى لو ترسل بنفسه ولم يزجره صاحبه فيما ينزجر ~~بالزجر لا يحل صيده الذي قتله؛ لأن الإرسال في صيد الجوارح أصل ليكون القتل ~~والجرح مضافا إلى المرسل إلا أن عند عدمه يقام الزجر مقام الانزجار فيما ~~يحتمل قيام ذلك مقامه فإذا لم يوجد فلا تثبت الإضافة فلا يحل، ولو أرسل ~~مسلم كلبه وسمى فزجره مجوسي فانزجر يؤكل صيده. # ولو أرسل مجوسي كلبه فزجره مسلم فانزجر لا يؤكل صيده وكذلك لو أرسل مسلم ~~كلبه وترك التسمية عمدا فاتبع الصيد ثم زجره فانزجر لا يؤكل صيده ولو لم ~~يرسله أحد وانبعث بنفسه فاتبع الصيد فزجره مسلم وسمى فانزجر يؤكل صيده وإن ~~لم ينزجر لا يؤكل، وإنما كان كذلك؛ لأن الإرسال هو الأصل والزجر كالخلف عنه ~~والخلف يعتبر حال عدم الأصل لا حال وجوده. # ففي المسائل الثلاث وجد الأصل فلا يعتبر الخلف إلا أن في المسألة الأولى ~~المرسل من أهل الإرسال فيؤكل صيده وفي المسألة الثانية لا فلا يؤكل، وفي ~~المسألة ms2723 الثالثة لم يوجد الأصل فيعتبر الخلف فيؤكل صيده إن انزجر وإن لم ~~ينزجر لا يؤكل؛ لأن الزجر بدون الانزجار لا يصلح خلفا عن الإرسال فكان ~~ملحقا بالعدم فيصير كأنه يرسل بنفسه من غير إرسال ولا زجر ولو أرسله مسلم ~~وسمى وزجره رجل ولم يسم على زجره فأخذ الصيد وقتله يؤكل لما ذكرنا أن ~~العبرة للإرسال فيعتبر وجود التسمية عنده. # وأصل آخر لتخريج هذه المسائل ما ذكره بعض مشايخنا أن الدلالة لا تعتبر ~~إذا وجد الصريح وإذا لم يوجد تعتبر ففي المسائل الثلاث وجد من الكلب صريح ~~الطاعة بالإرسال حيث عدا بإرساله، وانزجاره طاعة للزاجر بطريق الدلالة فلا ~~يعتبر في مقابلة الصريح وفي المسألة الرابعة لم يوجد الصريح فاعتبرت ~~الدلالة وعلى هذا يخرج بقية المسائل. # ومنها بقاء الإرسال وهو أن يكون أخذ الكلب أو البازي الصيد في حال فور ~~الإرسال لا في حال انقطاعه حتى لو أرسل الكلب أو البازي على صيد وسمى فأخذ ~~صيدا وقتله ثم أخذ آخر على فوره ذلك وقتله ثم وثم يؤكل ذلك كله؛ لأن ~~الإرسال لم ينقطع فكان الثاني كالأول مع ما بينا أن التعيين ليس بشرط في ~~الصيد؛ لأنه لا يمكن فكان أخذ الكلب أو البازي الصيد في فور الإرسال كوقوع ~~السهم بصيدين، فإن أخذ صيدا وجثم عليه طويلا ثم مر به آخر فأخذه وقتله لم ~~يؤكل إلا بإرسال مستقبل أو بزجره وتسمية على وجه ينزجر فيما يحتمل الزجر ~~لبطلان الفور، وكذلك إن أرسل كلبه أو بازه على صيد فعدل عن الصيد يمنة أو ~~يسرة وتشاغل بغير طلب الصيد وفتر عن سننه ذلك ثم تبع صيدا آخر فأخذه وقتله ~~لا يؤكل إلا بإرسال مستأنف أو أن يزجره صاحبه ويسمي فينزجر فيما يحتمل ~~الزجر؛ لأنه لما تشاغل بغير طلب الصيد فقد انقطع حكم الإرسال فإذا صاد صيدا ~~بعد ذلك فقد ترسل بنفسه فلا يحل صيده إلا أن يزجره صاحبه فيما يحتمل الزجر ~~لما بينا. # وإن كان الذي أرسل فهدا والفهد إذا أرسل كمن ولا يتبع حتى ms2724 يستمكن فيمكث ~~ساعة ثم يأخذ الصيد فيقتله فإنه يؤكل، وكذلك الكلب إذا أرسل فصنع كما يصنع ~~الفهد فلا بأس بأكل ما صاد؛ لأن حكم الإرسال لم ينقطع بالكمون؛ لأنه إنما ~~يكمن ليتمكن من الصيد فكان ذلك من أسباب الاصطياد ووسيلة إليه فلا ينقطع به ~~حكم الإرسال كالوثوب والعدو، وكذلك البازي إذا أرسل فسقط على شيء ثم طار ~~فأخذ الصيد فإنه يؤكل؛ لأنه إنما يسقط على شيء ليتمكن من الصيد فكان سقوطه ~~بمنزلة كمون الفهد. # وكذلك الرامي إذا رمى صيدا بسهم فما أصابه في سننه ذلك ووجهه أكل؛ لأنه ~~إذا مضى في سننه فلم ينقطع حكم الرمي فكان ذهابه بقوة الرامي فكان قتله ~~مضافا إليه فيحل، فإن أصاب واحدا ثم نفذ إلى آخر وآخر أكل الكل لما قلنا مع ~~ما أن تعيين الصيد ليس بشرط فإن أمالت الريح السهم إلى ناحية أخرى يمينا أو ~~شمالا فأصاب صيدا آخر لم يؤكل؛ لأن السهم إذا تحول عن سننه فقد انقطع حكم ~~الرمي فصارت الإصابة بغير فعل الرامي فلا يحل كما لو كان على جبل سيف ~~فألقته الريح على صيد فقتله أنه # PageV05P055 # لا يؤكل كذا هذا فإن لم ترده الريح عن وجهه ذلك أكل الصيد؛ لأنه إذا مضى ~~في وجهه كان مضيه بقوة الرامي وإنما الريح أعانته ومعونة الريح السهم مما ~~لا يمكن الاحتراز عنه فكان ملحقا بالعدم فإن أصابت الريح السهم وهي ريح ~~شديدة فدفعته لكنه لم يتغير عن وجهه فأصاب السهم الصيد فإنه يؤكل؛ لأنه مضى ~~في وجهه ومعونة الريح إذا لم تعدل السهم عن وجهه لا يمكن التحرز عنه فلا ~~يعتبر. # أصاب السهم حائطا أو صخرة فرجع فأصاب صيدا فإنه لا يؤكل؛ لأن فعل الرامي ~~انقطع وصارت الإصابة في غير جهة الرمي فإن مر السهم بين الشجر فجعل يصيب ~~الشجر في ذلك الوجه لكن السهم على سننه فأصاب صيدا فقتله فإنه يؤكل فإن رده ~~شيء من الشجر يمنة أو يسرة لا يؤكل لما بينا، فإن مر السهم فجحشه حائط وهو ~~على ms2725 سننه ذلك فأصاب صيدا فقتله أكل؛ لأن فعل الرامي لم ينقطع وإنما أصاب ~~السهم الصيد والحائط وذلك لا يمنع الحل، وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أن ~~حكم الإرسال لا ينقطع بالتغير عن سننه يمينا وشمالا إلا إذا رجع من ورائه. # ولو أن رجلا رمى بسهم وسمى ثم رمى رجل آخر بسهم وسمى فأصاب السهم الأول ~~السهم الثاني قبل أن يصيب الصيد فرده عن وجهه ذلك فأصاب صيدا فقتله فإنه لا ~~يؤكل؛ لأنه لما رده السهم الثاني عن سننه انقطع حكم الرمي فلا يتعلق به ~~الحل، قال القدوري: وهذا محمول على أن الرامي الثاني لم يقصد الاصطياد؛ لأن ~~القتل حصل بفعله وهو لم يقصد الاصطياد فلا يحل فأما إذا كان الثاني رمى ~~للاصطياد فيحل أكل الصيد وهو للثاني؛ لأنه مات بفعله وإن لم يقصده بالرمي ~~وتعيين المرمي إليه ليس بشرط. # ولو أن رجلين رمى كل واحد منهما صيدا بسهم فأصابا الصيد جميعا ووقعت ~~الرميتان بالصيد معا فمات فإنه لهما ويؤكل. # (أما) حل الأكل فظاهر. # (وأما) كون الصيد لهما فلأنهما اشتركا في سبب الاستحقاق وتساويا فيه ~~فيتساويان في الاستحقاق فإن أصابه سهم الأول فوقذه ثم أصابه سهم الآخر ~~فقتله قال أبو يوسف - رحمه الله -: يؤكل والصيد للأول، وقال زفر - رحمه ~~الله -: لا يؤكل وهذا فرع اختلافهم في أن المعتبر في الرمي حال الرمي أو ~~حال الإصابة فعند أصحابنا الثلاثة المعتبر حال الرمي، وعند زفر حال ~~الإصابة. # (ووجه) البناء على هذا الأصل أن المعتبر لما كان حال الرمي عندنا فقد وجد ~~الرمي منهما والصيد ممتنع فلا يتعلق بالسهم الثاني حظر إلا أن الملك للأول؛ ~~لأن سهمه أخرجه من حيز الامتناع فصار السهم الثاني كأنه وقع بصيد مملوك فلا ~~يستحق به شيء فكان الاعتبار بحال الرمي في حق الحل والإصابة في حق الملك؛ ~~لأن الحل يتعلق بالفعل والملك يتعلق بالمحل ولما كان الاعتبار بحال الإصابة ~~عنده فقد أصابه الثاني والصيد غير ممتنع فصار كمن رمى إلى شاة فقتلها. # (وجه) قول زفر - رحمه الله ms2726 - الاعتبار حال الإصابة أن الملك يقف ثبوته ~~على الإصابة فإنه لو لم يصب لا يملك فدل أن المعتبر هو وقت الإصابة، ولنا ~~أن حال الرمي هو الذي يفعله والتسمية معتبرة عند فعله فكان الاعتبار بحال ~~الرمي وكذلك إن رمى أحدهما بعد الآخر قبل إصابة الأول فهو كرميهما معا في ~~القولين؛ لأن رمي الثاني وجد والصيد ممتنع فصار كما لو رميا معا فإن أصابه ~~سهم الأول ولم يخرجه من الامتناع فأصابه الثاني فقتله فهو للثاني؛ لأن ~~الأول إذا لم يخرجه عن حد الامتناع ففعل الاصطياد وجد من الثاني وللأول ~~تسبب في الصيد فصار كمن أثار صيدا وأخذه غيره أن الصيد يكون للآخذ لا ~~للمثير كذا هذا. # وإن كان سهم الأول وقذه وأخرجه عن الامتناع ثم أصابه سهم الثاني فهذا على ~~وجوه: إن مات من الأول أكل وعلى الثاني ضمان ما نقصته جراحته؛ لأن السهم ~~الأول وقع به وهو صيد فإذا قتله حل وقد ملكه الأول بالإصابة فالجراحة ~~الثانية نقص في ملك الأول فيضمنها الثاني، وإن مات من الجراحة الثانية لم ~~يؤكل؛ لأن الثاني رمى إليه وهو غير ممتنع فصار كالرمي إلى الشاة ويضمن ~~الثاني ما نقصته جراحته؛ لأنه نقص دخل في ملك الغير بفعله ثم يضمن قيمته ~~مجروحا بجراحتين؛ لأنه أتلف بفعله إلا أنه غرم نقصان الجرح الثاني فلا ~~يضمنه ثانيا والجرح الأول نقص حصل بفعل المالك للصيد فلا يضمنه الثاني. # وإن مات من الجراحتين لم يؤكل؛ لأن أحد الرميين حاظر والآخر مبيح فالحكم ~~للحاظر احتياطا والصيد للأول لانفراده بسبب ملكه وهو الجراحة المخرجة له من ~~الامتناع وعلى الثاني للأول نصف قيمته مجروحا بالجراحتين ويضمن نصف ما ~~نقصته الجراحة الثانية؛ لأنه مات بفعلها فسقط نصف # PageV05P056 # الضمان وثبت نصفه والجراحة الثانية يضمنها الثاني؛ لأنها حصلت في ملك ~~غيره ولأنه أتلف على شريكه نصيبه حين أخرجه من الإباحة إلى الحظر فيلزمه ~~الضمان وإن لم يعلم بأي الجراحتين مات فهو كما لو علم أنه مات منهما؛ لأن ~~كل واحدة من الجراحتين سبب القتل في ms2727 الظاهر والله جل وعز أعلم. # ولو أرسل كلبا على صيد وسمى فأدرك الكلب الصيد فضربه فوقذه ثم ضربه ثانيا ~~فقتله أكل، وكذلك لو أرسل كلبين على صيد فضربه أحدهما فوقذه ثم ضربه الكلب ~~الآخر فقتله فإنه يؤكل؛ لأن هذا لا يدخل في تعليم الكلب إذ لا يمكن أن يعلم ~~بترك الجرح بعد الجرح الأول فلا يعتبر فكأنه قتله بجرح واحد. # ولو أرسل رجلان كل واحد منهما كلبه على صيد فضربه كلب أحدهما فوقذه ثم ~~ضربه كلب الآخر فقتله فإنه يؤكل لما ذكرنا أن جرح الكلب بعد الجرح مما لا ~~يمكن التحفظ عنه فلا يوجب الحظر فيؤكل ويكون الصيد لصاحب الأول لأن جراحة ~~كلبه أخرجته عن حد الامتناع فصار ملكا له فجراحة كلب الثاني لا تزيل ملكه ~~عنه. # ومنها أن يكون الإرسال والرمي على الصيد وإليه حتى لو أرسل على غير صيد ~~أو رمى إلى غير صيد فأصاب صيدا لا يحل؛ لأن الإرسال إلى غير الصيد والرمي ~~إلى غيره لا يكون اصطيادا فلا يكون قتل الصيد وجرحه مضافا إلى المرسل ~~والرامي فلا تتعلق به الإباحة. # وعلى هذا يخرج ما إذا سمع حسا فظنه صيدا فأرسل عليه كلبه أو بازه أو رماه ~~بسهم فأصاب صيدا أو بان له أن الحس الذي سمعه لم يكن حس صيد وإنما كان شاة ~~أو بقرة أو آدميا أنه لا يؤكل الصيد الذي أصابه في قولهم جميعا؛ لأنه تبين ~~أنه أرسل على ما ليس بصيد ورمى إلى ما ليس بصيد فلا يتعلق به الحل لما بينا ~~من الفقه وصار كأنه رمى إلى آدمي أو شاة أو بقرة وهو يعلم به فأصاب صيدا ~~أنه لا يؤكل كذا هذا، وإن كان الحس حس صيد فأصاب صيدا يؤكل سواء كان ذلك ~~الحس حس صيد مأكول أو غير مأكول بعد أن كان المصاب صيدا مأكولا وهذا قول ~~أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: إن كان ذلك الحس حس صيد لا يؤكل لحمه كالسباع ~~ونحوها لا يؤكل. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - الله ms2728 أنه إن كان حس ضبع يؤكل الصيد وإن ~~كان حس خنزير لا يؤكل الصيد. # (وجه) قول زفر إن السبع غير مأكول فالرمي إليه لا يثبت به حل الصيد ~~المأكول كما لو كان حس آدمي فرمى إليه فأصاب صيدا ولنا أن الإرسال إلى ~~الصيد اصطياد مباح مأكولا كان الصيد أو غير مأكول فتتعلق به إباحة الصيد ~~المأكول؛ لأن حل الصيد المأكول يتعلق بالإرسال فإذا كان الإرسال حلالا يثبت ~~حله إلا أنه لا يثبت بحل الإرسال حل حكم المرسل إليه؛ لأن حرمته ثبتت لمعنى ~~يرجع إلى المحل فلا تتبدل بالفعل ولأن المعتبر في الإرسال هو قصد الصيد ~~فأما التعيين فليس بشرط لما بينا فيما تقدم وقد قصد الصيد حلالا كان أو ~~حراما بخلاف ما إذا كان الحس حس آدمي؛ لأن الإرسال على الآدمي ليس باصطياد ~~فضلا عن أن يكون حلالا إذ لا يتعلق حل الصيد بما ليس باصطياد وعلى الوجه ~~الثاني لم يوجد منه قصد الصيد فلا يتعلق به الحل. # (وجه) رواية أبي يوسف - رحمه الله - في فصله بين سائر السباع وبين ~~الخنزير أن الخنزير محرم العين حتى لا يجوز الانتفاع به بوجه فسقط اعتبار ~~الإرسال عليه والتحق بالعدم، فأما سائر السباع فجائز الانتفاع بها في غير ~~جهة الأكل فكان الإرسال إليها معتبرا وإن سمع حسا ولكنه لا يعلم أنه حس صيد ~~أو غيره فأرسل فأصاب صيدا لم يؤكل؛ لأنه إذا لم يعلم استوى الحظر والإباحة ~~فكان الحكم للحظر احتياطا. # وذكر في الأصل فيمن رمى خنزيرا أهليا فأصاب صيدا قال: لا يؤكل؛ لأن ~~الخنزير الأهلي ليس بصيد لعدم التوحش والامتناع فكان الرمي إليه كالرمي إلى ~~الشاة فلا يتعلق به حل الصيد وإن أصاب صيدا مأكولا. # وقد قالوا فيمن سمع حسا فظنه آدميا فرماه فأصاب الحس نفسه فإذا هو صيد ~~أكل؛ لأنه رمى إلى المحسوس المعين وهو الصيد فصح ونظيره ما إذا قال: ~~لامرأته وأشار إليها هذه الكلبة طالق أنها تطلق وبطل الاسم وقالوا: لو رمى ~~طائرا فأصاب صيدا وذهب المرمي إليه ولم ms2729 يعلم أوحشي أو مستأنس أكل الصيد؛ ~~لأن الأصل في الطير التوحش فيجب التمسك بالأصل حتى يعلم الاستئناس ولو علم ~~أن المرمي إليه داجن تأوي البيوت لا يؤكل الصيد؛ لأن الداجن يأويه البيت ~~وتثبت اليد عليه فكان الرمي إليه كالرمي إلى الشاة وذلك لا يتعلق به الحل ~~كذا هذا. # وقالوا لو رمى بعيرا فأصاب صيدا # PageV05P057 # وذهب البعير فلم يعلم أناد أو غير ناد لم يؤكل الصيد حتى يعلم أن البعير ~~كان نادا؛ لأن الأصل في الإبل الاستئناس فيتمسك بالأصل حتى يظهر الأمر ~~بخلافه. # واختلفت الرواية عن أبي يوسف - رحمه الله - فيمن رمى سمكة أو جرادة فأصاب ~~صيدا فقال في رواية: لا يؤكل؛ لأن السمك والجراد لا ذكاة لهما وروي عنه أنه ~~يؤكل؛ لأن المرمي إليه من جملة الصيد وإن كان لا ذكاة له. # وقالوا لو أرسل كلبه على ظبي موثق فأصاب صيدا لم يؤكل؛ لأن الموثق ليس ~~بصيد لعدم معنى الصيد فيه وهو الامتناع فأشبه شاة ولو أرسل بازه على ظبي ~~وهو لا يصيد الظبي فأصاب صيدا لم يؤكل؛ لأن هذا إرسال لم يقصد به الاصطياد ~~فصار كمن أرسل كلبا على قتل رجل فأصاب صيدا. # (ومنها) أن لا يكون ذو الناب الذي يصطاد به من الجوارح محرم العين فإن ~~كان محرم العين وهو الخنزير فلا يؤكل صيده؛ لأن محرم العين محرم الانتفاع ~~به، والاصطياد به انتفاع به فكان حراما فلا يتعلق به الحل. # (وأما) ما سواه من ذي الناب جميعا: كل ذي مخلب وذي ناب علم فتعلم ولم يكن ~~محرم العين فصيد به كان صيده حلالا لعموم قوله عز شأنه {وما علمتم من ~~الجوارح} [المائدة: 4] وقالوا في الأسد والذئب: إنه لا يجوز الصيد بهما لا ~~لمعنى يرجع إلى ذاتهما بل لعدم احتمال التعلم؛ لأن التعلم بترك العادة وذلك ~~بترك الأكل، وقيل: إن من عادتهما أنهما إذا أخذا صيدا لا يأكلانه في الحال ~~فلا يمكن الاستدلال بترك الأكل فيهما على التعلم حتى لو تصور تعليمهما يجوز ~~وذكر هشام وقال: سألت محمدا عن ms2730 الذئب إذا علم فصاد، فقال: هذا أرى أنه لا ~~يكون فإن كان فلا بأس به وقال: سألته عن صيد ابن عرس فأخبرني أن أبا حنيفة ~~- رحمه الله - قال: إذا علم فتعلم فكل مما صاد فصاد الأصل ما ذكرنا أن ما ~~لا يكون محرم العين من الجوارح إذا علم فتعلم يؤكل صيده والله جل شأنه ~~أعلم. # (ومنها) أن يعلم أن تلف الصيد بإرسال أو رمي هو سبب الحل من حيث الظاهر ~~فإن شاركهما معنى أو سبب يحتمل حصول التلف به والتلف به مما لا يفيد الحل ~~لا يؤكل إلا إذا كان ذلك المعنى مما لا يمكن الاحتراز عنه؛ لأنه إذا احتمل ~~حصول التلف بما لا يثبت به الحل فقد احتمل الحل والحرمة فيرجح جانب الحرمة ~~احتياطا؛ لأنه إن أكل عسى أنه أكل الحرام فيأثم وإن لم يأكل فلا شيء عليه ~~والتحرز عن الضرر واجب عقلا وشرعا والأصل فيه ما روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال لوابصة بن معبد - رضي الله عنه -: «الحلال بين ~~والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ، وقال ~~عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما -: ما اجتمع الحلال والحرام في شيء إلا ~~وقد غلب الحرام الحلال. # وعلى هذا يخرج ما إذا رمى صيدا وهو يطير فأصابه فسقط على جبل ثم سقط منه ~~على الأرض فمات أنه لا يؤكل وهو تفسير المتردي؛ لأنه يحتمل أنه مات من ~~الرمي ويحتمل أنه مات بسقوطه عن الجبل، وكذلك لو كان على جبل فأصابه فسقط ~~منه شيء على الجبل ثم سقط على الأرض فمات أو كان على سطح فأصابه فهوى فأصاب ~~حائط السطح ثم سقط على الأرض فمات، أو كان على نخلة، أو شجرة فسقط منها على ~~جذع النخلة، أو ند من الشجرة ثم سقط على الأرض فمات، أو وقع على رمح مركوز ~~في الأرض وفيه سنان فوقع على السنان ثم وقع على الأرض فمات، أو نشب فيه ~~السنان فمات عليه، أو أصاب سهمه ms2731 صيدا فوقع في الماء فمات فيه لا يحل؛ لأنه ~~يحتمل أنه مات بالرمي ويحتمل أنه مات بهذه الأسباب الموجودة بعده، وقد روي ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «وإن وقع في الماء فلا تأكله ~~فلعل الماء قتله» بين - عليه الصلاة والسلام - الحكم وعلل بما ذكرنا من ~~احتمال موته بسبب آخر وهو وقوعه في الماء، والحكم المعلل بعلة يتعمم بعموم ~~العلة. # ولو أصابه السهم فوقع على الأرض فمات فالقياس أن لا يؤكل لجواز موته بسبب ~~وقوعه على الأرض وفي الاستحسان يؤكل؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عن وقوع المرمي ~~إليه على الأرض فلو اعتبر هذا الاحتمال لوقع الناس في الحرج، وذكر في ~~المنتقى في الصيد إذا وقع على صخرة فانشق بطنه أو انقطع رأسه أنه لا يؤكل ~~قال الحاكم الجليل الشهيد المروزي وهذا خلاف جواب الأصل قال القدوري - رحمه ~~الله - وعنى به أنه خلاف عموم جواب الأصل؛ لأنه ذكر في الأصل لو وقع على ~~آجرة موضوعة في الأرض أكل ولم يفصل بين أن يكون انشق بطنه أو لم ينشق فهذا ~~يقتضي أن يؤكل في الحالين فيجوز أن يجعل في المسألة روايتان ويجوز أن يفرق ~~بين الحالين من حيث إن # PageV05P058 # لو انشق بطنه أو انقطع رأسه فالظاهر أن موته بهذا السبب لا بالرمي فكان ~~احتمال موته بالرمي احتمال خلاف الظاهر فلا يعتبر، وإذا لم ينشق ولم ينقطع ~~فموته بكل واحد من السببين محتمل احتمالا على السواء إلا أن التحرز غير ~~ممكن فسقط اعتبار موته بسبب العارض. # ويجوز أن يكون المذكور في المنتقى تفسيرا لما ذكر في الأصل فيكون معناه ~~أنه يؤكل إذا لم ينشق بطنه أو لم ينقطع رأسه فيحمل المطلق على المقيد ويجعل ~~المقيد بيانا للمطلق عند تعذر العمل بهما ولو وقع على حرف آجرة أو حرف حجر ~~ثم وقع على الأرض فمات لم يؤكل لما قلنا ولو كانت الآجرة منطرحة على الأرض ~~فوقع عليها ثم مات أكل؛ لأن الآجرة المنطرحة كالأرض فوقوعه عليها كوقوعه ~~على الأرض، ولو وقع ms2732 على جبل فمات عليه أكل؛ لأن استقراره على الجبل ~~كاستقراره على الأرض. # وذكر في المنتقى عن أبي يوسف - رحمه الله - لو رمى صيدا على قمة جبل ~~فأثخنه حتى صار لا يتحرك ولم يستطع أن يأخذه فرماه فقتله ووقع لم يأكله؛ ~~لأنه خرج عن كونه صيدا بالرمي الأول لخروجه عن حد الامتناع فالرمي الثاني ~~لم يصادف صيدا فلم يكن ذكاة له فلا يؤكل. # وعلى هذا يخرج ما إذا اجتمع على الصيد معلم وغير معلم أو مسمى عليه وغير ~~مسمى أنه لا يؤكل لاجتماع سببي الحظر والإباحة ولم يعلم أيهما قتله. # ولو أرسل مسلم كلبه فاتبع الكلب كلب آخر غير معلم لكنه لم يرسله أحد ولم ~~يزجره بعد انبعاثه أو سبع من السباع أو ذو مخلب من الطير مما يجوز أن يعلم ~~فيصاد به فرد الصيد عليه ونهشه أو فعل ما يكون معونة للكلب المرسل فأخذه ~~الكلب المرسل وقتله لا يؤكل؛ لأن رد الكلب ونهشه مشاركة في الصيد فأشبه ~~مشاركة المعلم غير المعلم والمسمى عليه غير المسمى عليه بخلاف ما إذا رد ~~عليه آدمي أو بقرة أو حمار أو فرس أو ضب؛ لأن فعل هؤلاء ليس من باب ~~الاصطياد فلا يزاحم الاصطياد في الإباحة فكان ملحقا بالعدم فإن تبع الكلب ~~الأول كلب غير معلم ولم يرد عليه ولم يهيب الصيد ولكنه اشتد عليه وكان الذي ~~أخذ وقتل الكلب المعلم لا بأس بأكله؛ لأنهما ما اشتركا في الاصطياد لعدم ~~المعاونة فيحل أكله والله جل شأنه أعلم. # (ومنها) أن يلحق المرسل أو الرامي الصيد أو من يقوم مقامه قبل التواري عن ~~عينه أو قبل انقطاع الطلب منه إذا لم يدرك ذبحه فإن توارى عن عينه وقعد عن ~~طلبه ثم وجده لم يؤكل، فأما إذا لم يتوار عنه أو توارى لكنه لم يقعد عن ~~الطلب حتى وجده يؤكل استحسانا والقياس أنه لا يؤكل. # (وجه) القياس أنه يحتمل أن الصيد مات من جراحة كلبه أو من سهمه ويحتمل ~~أنه مات بسبب آخر فلا يحل أكله بالشك. ms2733 # (وجه) الاستحسان ما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر ~~بالروحاء على حمار وحش عقير فتبادر أصحابه إليه فقال دعوه فسيأتي صاحبه ~~فجاء رجل من فهر فقال: هذه رميتي يا رسول الله وأنا في طلبها وقد جعلتها لك ~~فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيدنا أبا بكر - رضي الله عنه - ~~فقسمه بين الرفاق» ولأن الضرورة توجب ذلك؛ لأن هذا مما لا يمكن الاحتراز ~~عنه في الصيد فإن العادة أن السهم إذا وقع بالصيد تحامل فغاب وإذا أصاب ~~الكلب الخوف منه غاب فلو اعتبرنا ذلك لأدى ذلك إلى انسداد باب الصيد ووقوع ~~الصيادين في الحرج فسقط اعتبار الغيبة التي لا يمكن التحرز عنها إذا لم ~~يوجد من الصائد تفريط في الطلب لمكان الضرورة والحرج وعند قعوده عن الطلب ~~لا ضرورة فيعمل بالقياس. # وقد روي «أن رجلا أهدى إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - صيدا فقال: له ~~من أين لك هذا؟ فقال: رميته بالأمس وكنت في طلبه حتى هجم علي الليل فقطعني ~~عنه ثم وجدته اليوم ومزراقي فيه فقال: - عليه الصلاة والسلام - إنه غاب عنك ~~ولا أدري لعل بعض الهوام أعانك عليه لا حاجة لي فيه» بين - عليه الصلاة ~~والسلام - الحكم وعلة الحكم وهو ما ذكرنا من احتمال موته بسبب آخر وهذا ~~المعنى لا يتحقق فيه إذا لم يقعد عن الطلب وروي عن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - أنه سئل عن ذلك فقال: كل ما أصميت ودع ما أنميت قال أبو يوسف - ~~رحمه الله -: الإصماء ما عاينه والإنماء ما توارى عنه، وقال هشام عن محمد - ~~رحمه الله - الإصماء ما لم يتوار عن بصرك والإنماء ما توارى عن بصرك إلا ~~أنه أقيم الطلب مقام البصر للضرورة ولا ضرورة عند عدم الطلب ولأنه إذا قعد ~~عن طلبه فمن الجائز أنه لو كان طلبه لأدركه حيا فيخرج الجرح من أن يكون ~~ذكاة فلا يحل بالشك بخلاف ما إذا لم يقعد عن طلبه؛ لأنه لم يدركه حيا فبقي ~~الجرح ذكاة له والله تعالى عز ms2734 وجل أعلم. # وأما # PageV05P059 # ما يستحب من الذكاة وما يكره منها (فمنها) أن المستحب أن يكون الذبح ~~بالنهار ويكره بالليل والأصل فيه ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- «أنه نهى عن الأضحى ليلا وعن الحصاد ليلا» وهو كراهة تنزيه ومعنى الكراهة ~~يحتمل أن يكون لوجوه: أحدها أن الليل وقت أمن وسكون وراحة فإيصال الألم في ~~وقت الراحة يكون أشد، والثاني أنه لا يأمن من أن يخطئ فيقطع يده ولهذا كره ~~الحصاد بالليل، والثالث أن العروق المشروطة في الذبح لا تتبين في الليل ~~فربما لا يستوفي قطعها. # (ومنها) أنه يستحب في الذبح حالة الاختيار أن يكون ذلك بآلة حادة من ~~الحديد كالسكين والسيف ونحو ذلك ويكره بغير الحديد وبالكليل من الحديد؛ لأن ~~السنة في ذبح الحيوان ما كان أسهل على الحيوان وأقرب إلى راحته والأصل فيه ~~ما روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله تعالى عز ~~شأنه كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا ~~الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» وفي بعض الروايات «وليشد قوائمه ~~وليلقه على شقه الأيسر وليوجهه نحو القبلة وليسم الله تعالى عليه» ، والذبح ~~بما قلنا أسهل على الحيوان وأقرب إلى راحته. # (ومنها) التذفيف في قطع الأوداج ويكره الإبطاء فيه لما روينا عن النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «وليرح ذبيحته» والإسراع نوع راحة له. # (ومنها) الذبح في الشاة والبقرة والنحر في الإبل، ويكره القلب من ذلك لما ~~ذكرنا فيما تقدم والله عز شأنه أعلم ومنها أن يكون ذلك من قبل الحلقوم ~~ويكره من قبل القفا لما مر. # (ومنها) قطع الأوداج كلها ويكره قطع البعض دون البعض لما فيه من إبطاء ~~فوات حياته. # (ومنها) الاكتفاء بقطع الأوداج ولا يبلغ به النخاع وهو العرق الأبيض الذي ~~يكون في عظم الرقبة، ولا يبان الرأس ولو فعل ذلك يكره لما فيه من زيادة ~~إيلام من غير حاجة إليها، وفي الحديث «ألا لا تنخعوا الذبيحة» والنخع القتل ~~الشديد حتى يبلغ ms2735 النخاع. # (ومنها) أن يكون الذابح مستقبل القبلة والذبيحة موجهة إلى القبلة لما ~~روينا ولما روي أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا إذا ذبحوا استقبلوا ~~القبلة فإنه روي عن الشعبي أنه قال: كانوا يستحبون أن يستقبلوا بالذبيحة ~~القبلة، وقوله: " كانوا " كناية عن الصحابة - رضي الله عنهم - ومثله لا ~~يكذب ولأن المشركين كانوا يستقبلون بذبائحهم إلى الأوثان فتستحب مخالفتهم ~~في ذلك باستقبال القبلة التي هي جهة الرغبة إلى طاعة الله عز شأنه. # ويكره أن يقول عند الذبح: اللهم تقبل من فلان، وإنما يقول ذلك بعد الفراغ ~~من الذبح أو قبل الاشتغال بالذبح هكذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما ~~الله عن حماد عن إبراهيم، وكذلك قال أبو يوسف: ادع بالتقبل قبل الذبح إن ~~شئت أو بعده، وقد روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«موطنان لا أذكر فيهما عند العطاس وعند الذبح» ، وروينا عن ابن مسعود - رضي ~~الله عنهما - أنه قال: جردوا التسمية عند الذبح، ولو قال ذلك لا تحرم ~~الذبيحة؛ لأنه ما ذكر اسم غير الله عز شأنه على سبيل الإشراك لكنه يكره ~~لتركه التجريد من حيث الصورة، فإن قيل: أليس أنه روي «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته» ؟ . # فالجواب أنه ليس فيه أنه ذكر مع اسم الله تعالى جل شأنه نفسه - عليه ~~الصلاة والسلام - أو أمته فيحتمل أنه ضحى أحدهما وذكر اسم الله تعالى ونوى ~~بقلبه أن يكون عنه وضحى الآخر وذكر اسم الله تعالى ونوى بقلبه أن يكون عن ~~أمته وهذا لا يوجب الكراهة، ويكره له بعد الذبح قبل أن تبرد أن ينخعها أيضا ~~وهو أن ينحرها حتى يبلغ النخاع وأن يسلخها قبل أن تبرد؛ لأن فيه زيادة ~~إيلام لا حاجة إليها، فإن نخع أو سلخ قبل أن تبرد فلا بأس بأكلها لوجود ~~الذبح بشرائطه، ويكره جرها برجلها إلى المذبح؛ لأنه إلحاق زيادة ألم بها من ~~غير حاجة إليها في الذكاة. # وروي عن ابن سيرين ms2736 عن سيدنا عمر - رضي الله عنهما - أنه رأى رجلا يسوق ~~شاة له ليذبحها سوقا عنيفا فضربه بالدرة ثم قال له سقها إلى الموت سوقا ~~جميلا لا أم لك، ويكره أن يضجعها ويحد الشفرة بين يديها لما روي «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا أضجع شاة وهو يحد الشفرة وهي تلاحظه ~~فقال - عليه الصلاة والسلام -: أوددت أن تميتها موتات ألا حددت الشفرة قبل ~~أن تضجعها» . # وروي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه رأى رجلا وقد أضجع شاة ووضع رجله ~~على صفحة وجهها وهو يحد الشفرة فضربه # PageV05P060 # بالدرة فهرب الرجل وشردت الشاة ولأن البهيمة تعرف الآلة الجارحة كما تعرف ~~المهالك فتتحرز عنها فإذا أحد الشفرة وقد أضجعها يزداد ألمها وهذا كله لا ~~تحرم به الذبيحة؛ لأن النهي عن ذلك ليس لمعنى في المنهي بل لما يلحق ~~الحيوان من زيادة ألم لا حاجة إليه فكان النهي عنه لمعنى في غير المنهي ~~وأنه لا يوجب الفساد كالذبح بسكين مغصوب والاصطياد بقوس مغصوب ونحو ذلك. ### | [فصل في بيان ما يحرم أكله من أجزاء الحيوان المأكول] # (فصل) : # وأما بيان ما يحرم أكله من أجزاء الحيوان المأكول فالذي يحرم أكله منه ~~سبعة: الدم المسفوح، والذكر، والأنثيان، والقبل، والغدة، والمثانة، ~~والمرارة لقوله عز شأنه {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: ~~157] وهذه الأشياء السبعة مما تستخبثه الطباع السليمة فكانت محرمة. # وروي عن مجاهد - رضي الله عنه - أنه قال: كره رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من الشاة الذكر والأنثيين والقبل والغدة والمرارة والمثانة والدم ~~فالمراد منه كراهة التحريم بدليل أنه جمع بين الأشياء الستة وبين الدم في ~~الكراهة، والدم المسفوح محرم، والمروي عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه قال: ~~الدم حرام وأكره الستة أطلق اسم الحرام على الدم المسفوح وسمى ما سواه ~~مكروها؛ لأن الحرام المطلق ما ثبتت حرمته بدليل مقطوع به، وحرمة الدم ~~المسفوح قد ثبتت بدليل مقطوع به وهو النص المفسر من الكتاب العزيز قال الله ~~تعالى عز شأنه {قل لا أجد ms2737 في ما أوحي إلي محرما} [الأنعام: 145] إلى قوله ~~عز شأنه {أو دما مسفوحا أو لحم خنزير} [الأنعام: 145] وانعقاد الإجماع أيضا ~~على حرمته فأما حرمة ما سواه من الأشياء الستة فما ثبتت بدليل مقطوع به بل ~~بالاجتهاد أو بظاهر الكتاب العزيز المحتمل للتأويل أو الحديث لذلك فصل ~~بينهما في الاسم فسمى ذلك حراما وذا مكروها والله عز اسمه أعلم. ### | [كتاب الاصطياد] ### | [ما يباح اصطياده وما لا يباح ومن يباح له الاصطياد ومن لا يباح له] # (كتاب الاصطياد) # قد بينا في كتاب الذبائح والصيود ما يؤكل من الحيوانات وما يحرم أكله ~~منها وما يكره، والآن نبين في كتاب الاصطياد ما يباح اصطياده وما لا يباح ~~ومن يباح له الاصطياد ومن لا يباح له فقط؛ أما الأول فيباح اصطياد ما في ~~البحر والبر مما يحل أكله وما لا يحل أكله، غير أن ما يحل أكله يكون ~~اصطياده للانتفاع بلحمه وما لا يحل أكله يكون اصطياده للانتفاع بجلده وشعره ~~وعظمه أو لدفع أذيته إلا صيد الحرم فإنه لا يباح اصطياده إلا المؤذي منه؛ ~~لقوله عز شأنه {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا} [العنكبوت: 67] وقول النبي ~~- عليه الصلاة والسلام - في صيد الحرم في حديث فيه طول «ولا ينفر صيده» ، ~~وخص منه المؤذيات بقوله - عليه الصلاة والسلام -: «خمس من الفواسق يقتلن في ~~الحل والحرم» . # وأما الثاني فيباح اصطياد ما في البحر للحلال والمحرم ولا يباح اصطياد ما ~~في البر للمحرم خاصة لقوله تعالى {أحل لكم صيد البحر} [المائدة: 96] إلى ~~قوله تعالى {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] والفصل بين ~~صيد البر والبحر وغير ذلك من المسائل بيناه في كتاب الحج والله عز شأنه ~~الموفق ### | [كتاب التضحية] ### | [صفة التضحية] # (كتاب التضحية) # يحتاج لمعرفة مسائل هذا الكتاب إلى بيان صفة التضحية أنها واجبة أو لا، ~~وإلى بيان شرائط الوجوب لو كانت واجبة وإلى بيان وقت الوجوب وإلى بيان ~~كيفية الوجوب وإلى بيان محل إقامة الواجب وإلى بيان شرائط جواز إقامة ~~الواجب وإلى بيان ما يستحب أن ms2738 يفعل قبل التضحية وعندها وبعدها وما يكره ~~كراهة تحريم أو تنزيه. # أما صفة التضحية فالتضحية نوعان: واجب وتطوع؛ والواجب منها أنواع: منها ~~ما يجب على الغني والفقير ومنها ما يجب على الفقير دون الغني ومنها ما يجب ~~على الغني دون الفقير أما الذي يجب على الغني والفقير فالمنذور به؛ بأن ~~قال: لله علي أن أضحي شاة أو بدنة أو هذه الشاة أو هذه البدنة أو قال: جعلت ~~هذه الشاة ضحية أو أضحية وهو غني أو فقير؛ لأن هذه قربة لله تعالى عز شأنه ~~من جنسها إيجاب وهو هدي المتعة والقران والإحصار وفداء إسماعيل - عليه ~~الصلاة والسلام - وقيل هذه القربة تلزم بالنذر كسائر القرب التي لله تعالى ~~عز شأنه من جنسها إيجاب من الصلاة والصوم ونحوهما، والوجوب بسبب # PageV05P061 # النذر يستوي فيه الفقير والغني وإن كان الواجب يتعلق بالمال كالنذر بالحج ~~أنه يصح من الغني والفقير جميعا. # وأما الذي يجب على الفقير دون الغني فالمشتري للأضحية إذا كان المشتري ~~فقيرا بأن اشترى فقير شاة ينوي أن يضحي بها، وقال الشافعي - رحمه الله -: ~~لا تجب وهو قول الزعفراني من أصحابنا وإن كان غنيا لا يجب عليه بالشراء شيء ~~بالاتفاق (وجه) قول الشافعي - رحمه الله - إن الإيجاب من العبد يستدعي لفظا ~~يدل على الوجوب، والشراء بنية الأضحية لا يدل على الوجوب فلا يكون إيجابا ~~ولهذا لم يكن إيجابا من الغني. # (ولنا) أن الشراء للأضحية ممن لا أضحية عليه يجري مجرى الإيجاب وهو النذر ~~بالتضحية عرفا؛ لأنه إذا اشترى للأضحية مع فقره فالظاهر أنه يضحي فيصير ~~كأنه قال: جعلت هذه الشاة أضحية، بخلاف الغني؛ لأن الأضحية واجبة عليه ~~بإيجاب الشرع ابتداء فلا يكون شراؤه للأضحية إيجابا بل يكون قصدا إلى تفريغ ~~ما في ذمته ولو كان في ملك إنسان شاة فنوى أن يضحي بها أو اشترى شاة ولم ~~ينو الأضحية وقت الشراء ثم نوى بعد ذلك أن يضحي بها لا يجب عليه سواء كان ~~غنيا أو فقيرا؛ لأن النية لم تقارن الشراء فلا تعتبر. # (وأما) ms2739 الذي يجب على الغني دون الفقير فما يجب من غير نذر ولا شراء ~~للأضحية بل شكرا لنعمة الحياة وإحياء لميراث الخليل - عليه الصلاة والسلام ~~- حين أمره الله تعالى عز اسمه بذبح الكبش في هذه الأيام فداء عن ولده ~~ومطية على الصراط ومغفرة للذنوب وتكفيرا للخطايا على ما نطقت بذلك ~~الأحاديث، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد وزفر والحسن بن زياد وإحدى الروايتين ~~عن أبي يوسف - رحمهم الله -. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنها لا تجب، وبه أخذ الشافعي - رحمه ~~الله -، وحجة هذه الرواية ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم الوتر والضحى والأضحى» . # وروي: «ثلاث كتبت علي وهي لكم سنة وذكر - عليه الصلاة والسلام - الأضحية» ~~. # والسنة غير الواجب في العرف، وروي أن سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر - رضي ~~الله عنهما - كانا لا يضحيان السنة والسنتين. # وروي عن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - أنه قال: قد يروح علي ألف ~~شاة ولا أضحي بواحدة مخافة أن يعتقد جاري أنها واجبة ولأنها لو كانت واجبة ~~لكان لا فرق فيها بين المقيم والمسافر لأنهما لا يفترقان في الحقوق ~~المتعلقة بالمال كالزكاة وصدقة الفطر ثم لا تجب على المسافر فلا تجب على ~~المقيم. # (ولنا) قوله عز وجل {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2] قيل في التفسير: صل ~~صلاة العيد وانحر البدن بعدها، وقيل: صل الصبح بجمع وانحر بمنى ومطلق الأمر ~~للوجوب في حق العمل ومتى وجب على النبي - عليه الصلاة والسلام - يجب على ~~الأمة لأنه قدوة للأمة، فإن قيل: قد قيل في بعض وجوه التأويل لقوله عز شأنه ~~{وانحر} [الكوثر: 2] أي ضع يديك على نحرك في الصلاة، وقيل: استقبل القبلة ~~بنحرك في الصلاة فالجواب أن الحمل على الأول أولى لأنه حمل اللفظ على فائدة ~~جديدة، والحمل على الثاني حمل على التكرار؛ لأن وضع اليد على النحر من ~~أفعال الصلاة عندكم يتعلق به كمال الصلاة، واستقبال القبلة من شرائط الصلاة ~~لا وجود للصلاة شرعا بدونه فيدخل تحت ms2740 الأمر بالصلاة، فكان الأمر بالصلاة ~~أمرا به فحمل قوله عز شأنه " وانحر " عليه يكون تكرارا والحمل على ما قلناه ~~يكون حملا على فائدة جديدة فكان أولى. # وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «ضحوا فإنها سنة أبيكم ~~إبراهيم، - عليه الصلاة والسلام -» أمر - عليه الصلاة والسلام - بالتضحية ~~والأمر المطلق عن القرينة يقتضي الوجوب في حق العمل وروي عنه - عليه الصلاة ~~والسلام - أنه قال: «على أهل كل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة» و " على " ~~كلمة إيجاب، ثم نسخت العتيرة فثبتت الأضحاة وروي عنه - عليه الصلاة والسلام ~~- أنه قال: «من لم يضح فلا يقربن مصلانا» وهذا خرج مخرج الوعيد على ترك ~~الأضحية، ولا وعيد إلا بترك الواجب وقال - عليه الصلاة والسلام -: «من ذبح ~~قبل الصلاة فليعد أضحيته ومن لم يذبح فليذبح بسم الله» أمر - عليه الصلاة ~~والسلام - بذبح الأضحية وإعادتها إذا ذبحت قبل الصلاة، وكل ذلك دليل الوجوب ~~ولأن إراقة الدم قربة والوجوب هو القربة في القربات. # (وأما) الحديث فنقول بموجبه إن الأضحية ليست بمكتوبة علينا ولكنها واجبة، ~~وفرق ما بين الواجب والفرض كفرق ما بين السماء والأرض على ما عرف في أصول ~~الفقه، وقوله: " هي لكم سنة " إن ثبت لا ينفي الوجوب؛ إذ السنة تنبئ عن ~~الطريقة أو السيرة وكل ذلك لا ينفي الوجوب. # (وأما) حديث سيدنا أبي بكر # PageV05P062 # وسيدنا عمر - رضي الله عنهما - فيحتمل أنهما كانا لا يضحيان السنة ~~والسنتين لعدم غناهما لما كان لا يفضل رزقهما الذي كان في بيت المال عن ~~كفايتهما، والغنى شرط الوجوب في هذا النوع وقول أبي مسعود - رضي الله عنه - ~~لا يصلح معارضا للكتاب الكريم والسنة مع ما أنه يحتمل أنه كان عليه دين ~~فخاف على جاره لو ضحى أن يعتقد وجوب الأضحية مع قيام الدين ويحتمل أنه أراد ~~بالوجوب الفرض إذ هو الواجب المطلق فخاف على جاره اعتقاد الفرضية لو ضحى ~~فصان اعتقاده بترك الأضحية فلا يكون حجة مع الاحتمال أو يحمل على ما قلنا ~~توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض ms2741 والاستدلال بالمسافر غير سديد لأن ~~فيه ضرورة لا توجد في حق المقيم على ما نذكر في بيان الشرائط إن شاء الله ~~تعالى عز شأنه. # ولو نذر أن يضحي بشاة - وذلك في أيام النحر - وهو موسر فعليه أن يضحي ~~بشاتين عندنا؛ شاة لأجل النذر وشاة بإيجاب الشرع ابتداء إلا إذا عنى به ~~الإخبار عن الواجب عليه بإيجاب الشرع ابتداء فلا يلزمه إلا التضحية بشاة ~~واحدة. # ومن المشايخ من قال لا يلزمه إلا التضحية بشاة واحدة؛ لأن هذه الصيغة ~~حقيقتها للإخبار فيكون إخبارا عما وجب عليه بإيجاب الشرع فلا يلزمه التضحية ~~بأخرى، ولنا أن هذه الصيغة في عرف الشرع جعلت إنشاء كصيغة الطلاق والعتاق ~~لكنها تحتمل الإخبار فيصدق في حكم بينه وبين ربه عز شأنه، ولو قال ذلك قبل ~~أيام النحر يلزمه التضحية بشاتين بلا خلاف؛ لأن الصيغة لا تحتمل الإخبار عن ~~الواجب إذ لا وجوب قبل الوقت، والإخبار عن الواجب - ولا واجب - يكون كذبا ~~فتعين الإنشاء مرادا بها. # وكذلك لو قال ذلك وهو معسر ثم أيسر في أيام النحر فعليه أن يضحي بشاتين؛ ~~لأنه لم يكن وقت النذر أضحية واجبة عليه فلا يحتمل الإخبار فيحمل على ~~الحقيقة الشرعية وهو الإنشاء فوجب عليه أضحية بنذره وأخرى بإيجاب الشرع ~~ابتداء لوجود شرط الوجوب وهو الغنى. # (وأما) التطوع فأضحية المسافر والفقير الذي لم يوجد منه النذر بالتضحية ~~ولا الشراء للأضحية لانعدام سبب الوجوب وشرطه. ### | [فصل في شرائط وجوب في الأضحية] # وأما شرائط الوجوب؛ فأما في النوعين الأولين فشرائط أهلية النذر وقد ~~ذكرناها في كتاب النذر وأما في النوع الثالث فمنها الإسلام فلا تجب على ~~الكافر لأنها قربة والكافر ليس من أهل القرب، ولا يشترط وجود الإسلام في ~~جميع الوقت من أوله إلى آخره؛ حتى لو كان كافرا في أول الوقت ثم أسلم في ~~آخره تجب عليه؛ لأن وقت الوجوب يفضل عن أداء الواجب فيكفي في وجوبها بقاء ~~جزء من الوقت كالصلاة. # ومنها الحرية فلا تجب على العبد وإن كان مأذونا في التجارة أو مكاتبا؛ ms2742 ~~لأنه حق مالي متعلق بملك المال ولهذا لا تجب عليه زكاة ولا صدقة الفطر ولا ~~يشترط أن يكون حرا من أول الوقت إلى آخره بل يكتفى بالحرية في آخر جزء من ~~الوقت حتى لو أعتق في آخر الوقت وملك نصابا تجب عليه الأضحية لما قلنا في ~~شرط الإسلام. # ومنها الإقامة فلا تجب على المسافر؛ لأنها لا تتأدى بكل مال ولا في كل ~~زمان بل بحيوان مخصوص في وقت مخصوص والمسافر لا يظفر به في كل مكان في وقت ~~الأضحية فلو أوجبنا عليه لاحتاج إلى حمله مع نفسه وفيه من الحرج ما لا يخفى ~~أو احتاج إلى ترك السفر وفيه ضرر فدعت الضرورة إلى امتناع الوجوب بخلاف ~~الزكاة؛ لأن الزكاة لا يتعلق وجوبها بوقت مخصوص بل جميع العمر وقتها فكان ~~جميع الأوقات وقتا لأدائها، فإن لم يكن في يده شيء للحال يؤديها إذا وصل ~~إلى المال، وكذا تتأدى بكل مال فإيجابها عليه لا يوقعه في الحرج، وكذلك ~~صدقة الفطر لأنها تجب وجوبا موسعا كالزكاة، وهو الصحيح. # وعند بعضهم وإن كانت تتوقف بيوم الفطر لكنها تتأدى بكل مال فلا يكون في ~~الوجوب عليه حرج وذكر في الأصل وقال: ولا تجب الأضحية على الحاج؛ وأراد ~~بالحاج المسافر فأما أهل مكة فتجب عليهم الأضحية وإن حجوا؛ لما روى نافع عن ~~ابن سيدنا عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يخلف لمن لم يحج من أهله أثمان ~~الضحايا ليضحوا عنه تطوعا ويحتمل أنه ليضحوا عن أنفسهم لا عنه فلا يثبت ~~الوجوب مع الاحتمال. # ولا تشترط الإقامة في جميع الوقت حتى لو كان مسافرا في أول الوقت ثم أقام ~~في آخره تجب عليه؛ لما بينا في شرط الحرية والإسلام، ولو كان مقيما في أول ~~الوقت ثم سافر في آخره لا تجب عليه لما ذكرنا هذا إذا سافر قبل أن يشتري ~~أضحية؛ فإن اشترى شاة للأضحية ثم سافر ذكر في المنتقى أن له بيعها ولا يضحي ~~بها، وهكذا # PageV05P063 # روي عن محمد - رحمه الله - أنه يبيعها، من المشايخ من ms2743 فصل بين الموسر ~~والمعسر فقال: إن كان موسرا فالجواب كذلك لأنه ما أوجب بهذا الشراء شيئا ~~على نفسه وإنما قصد به إسقاط الواجب عن نفسه، فإذا سافر تبين أنه لا وجوب ~~عليه فكان له أن يبيعها كما لو شرع في العبادة على ظن أنها عليه ثم تبين ~~أنها ليست عليه أنه لا يلزمه الإتمام، وإن كان معسرا ينبغي أن تجب عليه ولا ~~تسقط عنه بالسفر؛ لأن هذا إيجاب من الفقير بمنزلة النذر فلا يسقط بالسفر؛ ~~كما لو شرع في التطوع أنه يلزمه الإتمام والقضاء بالإفساد، كذا ههنا وإن ~~سافر بعد دخول الوقت قالوا: ينبغي أن يكون الجواب كذلك لما ذكرنا. # ومنها الغنى لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ~~وجد سعة فليضح» شرط - عليه الصلاة والسلام - السعة وهي الغنى ولأنا ~~أوجبناها بمطلق المال ومن الجائز أن يستغرق الواجب جميع ماله فيؤدي إلى ~~الحرج فلا بد من اعتبار الغنى وهو أن يكون في ملكه مائتا درهم أو عشرون ~~دينارا أو شيء تبلغ قيمته ذلك سوى مسكنه وما يتأثث به وكسوته وخادمه وفرسه ~~وسلاحه وما لا يستغني عنه وهو نصاب صدقة الفطر، وقد ذكرناه وما يتصل به من ~~المسائل في صدقة الفطر. # ولو كان عليه دين بحيث لو صرف إليه بعض نصابه لا ينقص نصابه لا تجب لأن ~~الدين يمنع وجوب الزكاة فلأن يمنع وجوب الأضحية أولى؛ لأن الزكاة فرض ~~والأضحية واجبة والفرض فوق الواجب. # وكذا لو كان له مال غائب لا يصل إليه في أيام النحر لأنه فقير وقت غيبة ~~المال حتى تحل له الصدقة بخلاف الزكاة فإنها تجب عليه؛ لأن جميع العمر وقت ~~الزكاة وهذه قربة موقتة فيعتبر الغنى في وقتها ولا يشترط أن يكون غنيا في ~~جميع الوقت حتى لو كان فقيرا في أول الوقت ثم أيسر في آخره يجب عليه لما ~~ذكرنا، ولو كان له مائتا درهم فحال عليها الحول فزكاها بخمسة دراهم ثم حضرت ~~أيام النحر وماله مائة وخمسة وتسعون لا رواية ms2744 فيه، وذكر الزعفراني أنه تجب ~~عليه الأضحية لأن النصاب وإن انتقص لكنه انتقص بالصرف إلى جهة هي قربة ~~فيجعل قائما تقديرا حتى لو صرف خمسة منها إلى النفقة لا تجب لانعدام الصرف ~~إلى جهة القربة فكان النصاب ناقصا حقيقة وتقديرا فلا يجب. # ولو اشترى الموسر شاة للأضحية فضاعت حتى انتقص نصابه وصار فقيرا فجاءت ~~أيام النحر فليس عليه أن يشتري شاة أخرى لأن النصاب ناقص وقت الوجوب فلم ~~يوجد شرط الوجوب وهو الغنى، فلو أنه وجدها وهو معسر - وذلك في أيام النحر - ~~فليس عليه أن يضحي بها لأنه معسر وقت الوجوب ولو ضاعت ثم اشترى أخرى وهو ~~موسر فضحى بها ثم وجد الأولى وهو معسر لم يكن عليه أن يتصدق بشيء لما قلنا. # وجميع ما ذكرنا من الشروط يستوي فيها الرجل والمرأة؛ لأن الدلائل لا تفصل ~~بينهما. # وأما البلوغ والعقل فليسا من شرائط الوجوب في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ~~وعند محمد وزفر هما من شرائط الوجوب حتى تجب الأضحية في مال الصبي والمجنون ~~إذا كانا موسرين عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله حتى لو ضحى الأب أو ~~الصبي من مالهما لا يضمن عندهما وعند محمد وزفر رحمهما الله يضمن، وهو على ~~الاختلاف الذي ذكرنا في صدقة الفطر والحج ذكرت هنالك، ومن المتأخرين من قال ~~لا خلاف بينهم في الأضحية أنها لا تجب في مالهما؛ لأن القربة في الأضحية هي ~~إراقة الدم وأنها إتلاف ولا سبيل إلى إتلاف مال الصغير، والتصدق باللحم ~~تطوع ولا يجوز ذلك في مال الصغير، والصغير في العادة لا يقدر على أن يأكل ~~جميع اللحم ولا يجوز بيعه ولا سبيل للوجوب رأسا والصحيح أنه على الاختلاف، ~~وتجب الأضحية عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ولا يتصدق باللحم لما ~~قلنا لكن يأكل منها الصغير ويدخر له قدر حاجته ويبتاع بالباقي ما ينتفع ~~بعينه كابتياع البالغ بجلد الأضحية ما ينتفع بعينه. # والذي يجن ويفيق يعتبر حاله في الجنون والإفاقة؛ فإن كان مجنونا في أيام ~~النحر فهو ms2745 على الاختلاف، وإن كان مفيقا يجب بلا خلاف، وقيل إن حكمه حكم ~~الصحيح كيفما كان، من بلغ من الصغار في أيام النحر وهو موسر يجب عليه ~~بإجماع بين أصحابنا؛ لأن الأهلية من الحر في آخر الوقت لا في أوله، كما لا ~~يشترط إسلامه وحريته وإقامته في أول الوقت لما بينا. # ولا يجب على الرجل أن يضحي عن عبده ولا عن ولده الكبير وفي وجوبها عليه ~~من ماله لولده الصغير روايتان، كذا ذكره القدوري - رحمه الله - وذكر القاضي ~~في شرحه مختصر الطحاوي أنها لا تجب في ظاهر الرواية، ولكن الأفضل أن يفعل ~~ذلك وأطلق # PageV05P064 # الطحاوي - رحمه الله - ما يدل على الوجوب فإنه قال: ويجب على الرجل أن ~~يضحي عن أولاده الصغار. # (وجه) رواية الوجوب أن ولد الرجل جزؤه فإذا وجب عليه أن يضحي عن نفسه ~~فكذا عن ولده؛ ولهذا وجب عليه أن يؤدي عنه صدقة الفطر، ولأن له على ولده ~~الصغير ولاية كاملة فيجب كصدقة الفطر؛ بخلاف الكبير فإنه لا ولاية له عليه. # (وجه) ظاهر الرواية أن الأصل أن لا يجب على الإنسان شيء على غيره خصوصا ~~في القربات؛ لقول الله تعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39] ~~وقوله جل شأنه {لها ما كسبت} [البقرة: 286] ولهذا لم تجب عليه عن عبده وعن ~~ولده الكبير، إلا أن صدقة الفطر خصت عن النصوص فبقيت الأضحية على عمومها ~~ولأن سبب الوجوب هناك رأس يمونه ويلي عليه وقد وجد في الولد الصغير وليس ~~السبب الرأس ههنا؛ ألا ترى أنه يجب بدونه وكذا لا يجب بسبب العبد. # وأما الوجوب عليه من ماله لولد ولده إذا كان أبوه ميتا فقد روى الحسن عن ~~أبي حنيفة - رحمه الله - أن عليه أن يضحي عنه، قال القدوري - رحمه الله -: ~~ويجب أن يكون هذا على روايتين كما قالوا في صدقة الفطر، وقد مر وجه ~~الروايتين في صدقة الفطر. # وأما المصر فليس بشرط الوجوب فتجب على المقيمين في الأمصار والقرى ~~والبوادي؛ لأن دلائل الوجوب لا توجب الفصل والله أعلم. ### | [فصل في ms2746 وقت وجوب الأضحية] # فصل وأما وقت الوجوب فأيام النحر فلا تجب قبل دخول الوقت؛ لأن الواجبات ~~المؤقتة لا تجب قبل أوقاتها كالصلاة والصوم ونحوهما، وأيام النحر ثلاثة: ~~يوم الأضحى - وهو اليوم العاشر من ذي الحجة - والحادي عشر، والثاني عشر ~~وذلك بعد طلوع الفجر من اليوم الأول إلى غروب الشمس من الثاني عشر، وقال ~~الشافعي - رحمه الله تعالى -: أيام النحر أربعة أيام؛ العاشر من ذي الحجة ~~والحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، والصحيح قولنا لما روي عن سيدنا ~~عمر وسيدنا علي وابن عباس وابن سيدنا عمر وأنس بن مالك - رضي الله تعالى ~~عنهم - أنهم قالوا: أيام النحر ثلاثة أولها أفضلها، والظاهر أنهم سمعوا ذلك ~~من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن أوقات العبادات والقربات لا تعرف ~~إلا بالسمع فإذا طلع الفجر من اليوم الأول فقد دخل وقت الوجوب فتجب عند ~~استجماع شرائط الوجوب، ثم لجواز الأداء بعد ذلك شرائط أخر نذكرها في موضعها ~~إن شاء الله تعالى فإن وجدت يجوز وإلا فلا، كما تجب الصلاة بدخول وقتها ثم ~~إن وجدت شرائط جواز أدائها جازت وإلا فلا والله تعالى أعلم. ### | [فصل في أنواع كيفية الوجوب] # (فصل) : # وأما كيفية الوجوب فأنواع. # (منها) أنها تجب في وقتها وجوبا موسعا؛ ومعناه أنها تجب في جملة الوقت ~~غير عين كوجوب الصلاة في وقتها ففي أي وقت ضحى من عليه الواجب كان مؤديا ~~للواجب سواء كان في أول الوقت أو وسطه أو آخره كالصلاة، والأصل أن ما وجب ~~في جزء من الوقت غير عين يتعين الجزء الذي أدى فيه الوجوب أو آخر الوقت كما ~~في الصلاة وهو الصحيح من الأقاويل على ما عرف في أصول الفقه، وعلى هذا يخرج ~~ما إذا لم يكن أهلا للوجوب في أول الوقت ثم صار أهلا في آخره بأن كان كافرا ~~أو عبدا أو فقيرا أو مسافرا في أول الوقت ثم أسلم أو أعتق أو أيسر أو أقام ~~في آخره أنه يجب عليه، ولو كان أهلا في أوله ثم لم يبق ms2747 أهلا في آخره بأن ~~ارتد أو أعسر أو سافر في آخره لا يجب عليه، ولو ضحى في أول الوقت وهو فقير ~~ثم أيسر في آخر الوقت فعليه أن يعيد الأضحية عندنا، وقال بعض مشايخنا ليس ~~عليه الإعادة. # والصحيح هو الأول؛ لأنه لما أيسر في آخر الوقت تعين آخر الوقت للوجوب ~~عليه وتبين أن ما أداه وهو فقير كان تطوعا فلا ينوب عن الواجب، وما روي عن ~~الكرخي - رحمه الله - في الصلاة المؤداة في أول الوقت أنها نفل مانع من ~~الوجوب في آخر الوقت فاسد عرف فساده في أصول الفقه. # ولو كان موسرا في جميع الوقت فلم يضح حتى مضى الوقت ثم صار فقيرا صار ~~قيمة شاة صالحة للأضحية دينا في ذمته يتصدق بها متى وجدها؛ لأن الوجوب قد ~~تأكد عليه بآخر الوقت فلا يسقط بفقره بعد ذلك؛ كالمقيم إذا مضى عليه وقت ~~الصلاة ولم يصل حتى سافر لا يسقط عنه شطر الصلاة؛ وكالمرأة إذا مضى عليها ~~وقت الصلاة وهي طاهرة ثم حاضت لا يسقط عنها فرض الوقت حتى يجب عليها القضاء ~~إذا طهرت من حيضها، كذا ههنا ولو مات الموسر في أيام النحر قبل أن يضحي ~~سقطت عنه الأضحية وفي الحقيقة لم تجب لما ذكرنا أن الوجوب عند الأداء أو في ~~آخر الوقت فإذا مات قبل الأداء مات قبل أن تجب عليه؛ كمن مات في وقت الصلاة ~~قبل أن # PageV05P065 # يصليها أنه مات ولا صلاة عليه، كذا ههنا. # وعلى هذا تخرج رواية الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله - أن الرجل الموسر ~~إذا ولد له ولد في آخر أيام النحر أنه يجب عليه أن يذبح عنه، وهي إحدى ~~الروايتين اللتين ذكرناهما أنه كما يجب على الإنسان إذا كان موسرا أن يذبح ~~عن نفسه يجب عليه أن يذبح عن ولده الصغير؛ لأنه ولد وقت تأكد الوجوب بخلاف ~~صدقة الفطر أنه إذا ولد له ولد بعد طلوع الفجر من يوم الفطر أنه لا تجب ~~عليه صدقة فطره؛ لأن الوجوب هناك تعلق بأول اليوم فلا ms2748 يجب بعد مضي جزء منه ~~وههنا بخلافه. # وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى شاة للأضحية وهو موسر، ثم إنها ماتت أو سرقت ~~أو ضلت في أيام النحر أنه يجب عليه أن يضحي بشاة أخرى؛ لأن الوجوب في جملة ~~الوقت والمشترى لم يتعين للوجوب والوقت باق - وهو من أهل الوجوب - فيجب إلا ~~إذا كان عينها بالنذر بأن قال لله تعالى علي أن أضحي بهذه الشاة - وهو موسر ~~أو معسر - فهلكت أو ضاعت أنه تسقط عنه التضحية بسبب النذر؛ لأن المنذور به ~~معين لإقامة الواجب فيسقط الواجب بهلاكه؛ كالزكاة تسقط بهلاك النصاب عندنا ~~غير أنه إن كان الناذر موسرا تلزمه شاة أخرى بإيجاب الشرع ابتداء لا بالنذر ~~وإن كان معسرا فاشترى شاة للأضحية فهلكت في أيام النحر أو ضاعت سقطت عنه ~~وليس عليه شيء آخر لما ذكرنا أن الشراء من الفقير للأضحية بمنزلة النذر ~~فإذا هلكت فقد هلك محل إقامة الواجب فيسقط عنه وليس عليه شيء آخر بإيجاب ~~الشرع ابتداء لفقد شرط الوجوب وهو اليسار. # ولو اشترى الموسر شاة للأضحية فضلت فاشترى شاة أخرى ليضحي بها ثم وجد ~~الأولى في الوقت فالأفضل أن يضحي بهما؛ فإن ضحى بالأولى أجزأه ولا تلزمه ~~التضحية بالأخرى ولا شيء عليه غير ذلك؛ سواء كانت قيمة الأولى أكثر من ~~الثانية أو أقل، والأصل فيه ما روي عن سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - أنها ~~ساقت هديا فضاع فاشترت مكانه آخر ثم وجدت الأول فنحرتهما ثم قالت: " الأول ~~كان يجزئ عني " فثبت الجواز بقولها والفضيلة بفعلها - رضي الله عنها -. # ولأن الواجب في ذمته ليس إلا التضحية بشاة واحدة وقد ضحى، وإن ضحى ~~بالثانية أجزأه وسقطت عنه الأضحية وليس عليه أن يضحي بالأولى؛ لأن التضحية ~~بها لم تجب بالشراء بل كانت الأضحية واجبة في ذمته بمطلق الشاة فإذا ضحى ~~بالثانية فقد أدى الواجب بها، بخلاف المتنفل بالأضحية إذا ضحى بالثانية أنه ~~يلزمه التضحية بالأولى أيضا؛ لأنه لما اشتراها للأضحية فقد وجب عليه ~~التضحية بالأولى أيضا بعينها فلا يسقط بالثانية بخلاف ms2749 الموسر فإنه لا يجب ~~عليه التضحية بالشاة المشتراة بعينها وإنما الواجب في ذمته - وقد أداه ~~بالثانية - فلا تجب عليه التضحية بالأولى. # وسواء كانت الثانية مثل الأولى في القيمة أو فوقها أو دونها لما قلنا، ~~غير أنها إن كانت دونها في القيمة يجب عليه أن يتصدق بفضل ما بين القيمتين؛ ~~لأنه بقيت له هذه الزيادة سالمة من الأضحية فصار كاللبن ونحوه ولو لم يتصدق ~~بشيء ولكنه ضحى بالأولى أيضا - وهو في أيام النحر - أجزأه وسقطت عنه ~~الصدقة؛ لأن الصدقة إنما تجب خلفا عن فوات شيء من شاة الأضحية فإذا أدى ~~الأصل في وقته سقط عنه الخلف وأما على قول أبي يوسف - رحمه الله - فإنه لا ~~تجزيه التضحية إلا بالأولى؛ لأنه يجعل الأضحية كالوقف ولو لم يذبح الثانية ~~حتى مضت أيام النحر ثم وجد الأولى ذكر الحسن بن زياد في الأضاحي أن عليه أن ~~يتصدق بأفضلهما ولا يذبح وذكر فيها أنه قول زفر وأبي يوسف والحسن بن زياد - ~~رحمهم الله -؛ لأنه لم يجب عليه في آخر الوقت إلا التضحية بشاة، فإذا خرج ~~الوقت تحول الواجب من الإراقة إلى التصدق بالعين. # ولو اشترى شاة للأضحية وهو معسر أو كان موسرا فانتقص نصابه بشراء الشاة ~~ثم ضلت فلا شيء عليه ولا يجب عليه شيء آخر؛ أما الموسر فلفوات شرط الوجوب ~~وقت الوجوب وأما المعسر فلهلاك محل إقامة الواجب فلا يلزمه شيء آخر. # (ومنها) أن لا يقوم غيرها مقامها حتى لو تصدق بعين الشاة أو قيمتها في ~~الوقت لا يجزيه عن الأضحية؛ لأن الوجوب تعلق بالإراقة والأصل أن الوجوب إذا ~~تعلق بفعل معين أنه لا يقوم غيره مقامه كما في الصلاة والصوم وغيرهما، ~~بخلاف الزكاة فإن الواجب أداء جزء من النصاب، ولو أدى من مال آخر جاز؛ لأن ~~الواجب هناك ليس جزءا من النصاب عند أصحابنا، بل الواجب مطلق المال وقد ~~أدي، وعند بعضهم وإن كان الواجب أداء جزء من النصاب لكن من حيث إنه مال لا ~~من حيث إنه جزء من النصاب؛ لأن مبنى ms2750 وجوب # PageV05P066 # الزكاة على التيسير، والتيسير في الوجوب من حيث إنه مال لا من حيث إنه ~~العين والصورة، وههنا الواجب في الوقت إراقة الدم، شرعا غير معقول المعنى ~~فيقتصر الوجوب على مورد الشرع، وبخلاف صدقة الفطر أنها تتأدى بالقيمة ~~عندنا؛ لأن الواجب هناك معلول بمعنى الإغناء؛ قال النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - «أغنوهم عن المسألة في مثل هذا اليوم» والإغناء يحصل بأداء ~~القيمة والله عز شأنه أعلم. # (ومنها) أنه تجزئ فيها النيابة فيجوز للإنسان أن يضحي بنفسه وبغيره ~~بإذنه؛ لأنها قربة تتعلق بالمال فتجزئ فيها النيابة كأداء الزكاة وصدقة ~~الفطر؛ ولأن كل أحد لا يقدر على مباشرة الذبح بنفسه خصوصا النساء، فلو لم ~~تجز الاستنابة لأدى إلى الحرج، وسواء كان المأذون مسلما أو كتابيا، حتى لو ~~أمر مسلم كتابيا أن يذبح أضحيته يجزيه؛ لأن الكتابي من أهل الذكاة إلا أنه ~~يكره؛ لأن التضحية قربة والكافر ليس من أهل القربة لنفسه فتكره إنابته في ~~إقامة القربة لغيره، وسواء كان الإذن نصا أو دلالة؛ حتى لو اشترى شاة ~~للأضحية فجاء يوم النحر فأضجعها وشد قوائمها فجاء إنسان وذبحها من غير أمره ~~أجزأه استحسانا، والقياس أنه لا يجوز وأن يضمن الذابح قيمتها، وهو قول زفر ~~- رحمه الله -. # وقال الشافعي: يجزيه عن الأضحية ويضمن الذابح، أما الكلام مع زفر فوجه ~~القياس أنه ذبح شاة غيره بغير أمره فلا يجزي عن صاحبها ويضمن الذابح؛ كما ~~لو غصب شاة وذبحها، وهو وجه الشافعي في وجوب الضمان على الذابح، وجه ~~الاستحسان أنه لما اشتراها للذبح وعينها لذلك فإذا ذبحها غيره فقد حصل غرضه ~~وأسقط عنه مؤنة الذبح، فالظاهر أنه رضي بذلك فكان مأذونا فيه دلالة فلا ~~يضمن ويجزيه عن الأضحية كما لو أذن له بذلك نصا، وبه تبين وهي قول الشافعي ~~- رحمه الله - أنه يجزيه عن الأضحية ويضمن الذابح؛ لأن كون الذبح مأذونا ~~فيه يمنع وجوب الضمان؛ كما لو نص على الإذن؛ وكما لو باعها بإذن صاحبها ولو ~~لم يرض به وأراد الضمان يقع عن المضحي، وليس للوكيل أن ms2751 يضحي ما وكل بشرائه ~~بغير أمر موكله؛ ذكره أبو يوسف - رحمه الله - في الإملاء. # فإن ضحى جاز استحسانا؛ لأنه أعانه على ذلك فوجد الإذن منه دلالة إلا أن ~~يختار أن يضمنه فلا يجزي عنه، وعلى هذا إذا غلط رجلان فذبح كل واحد منهما ~~أضحية صاحبه عن نفسه أنه يجزي كل واحد منهما أضحيته عنه استحسانا ويأخذها ~~من الذابح لما بينا أن كل واحد منهما يكون راضيا بفعل صاحبه فيكون مأذونا ~~فيه دلالة فيقع الذبح عنه، ونية صاحبه تقع لغوا حتى لو تشاحا وأراد كل واحد ~~منهما الضمان تقع الأضحية له وجازت عنه؛ لأنه ملكه بالضمان على ما نذكره في ~~الشاة المغصوبة إن شاء الله تعالى. # وذكر هشام عن أبي يوسف رحمهما الله في نوادره في رجلين اشتريا أضحيتين ~~فذبح كل منهما أضحية صاحبه غلطا عن نفسه وأكلها قال: يجزي كل واحد منهما في ~~قول أبي حنيفة - رحمه الله - وقولنا، ويحلل كل واحد منهما صاحبه، فإن تشاحا ~~ضمن كل واحد منهما لصاحبه قيمة شاته، فإن كان قد انقضت أيام النحر يتصدق ~~بتلك القيمة، أما جواز إحلالهما فلأنه يجوز لكل واحد منهما أن يطعمها ~~لصاحبه ابتداء قبل الأكل، فيجوز أن يحلله بعد الأكل، وله أن يضمنه؛ لأن من ~~أتلف لحم الأضحية يضمن ويتصدق بالقيمة؛ لأن القيمة بدل عن اللحم فصار كما ~~لو باعه. # قال: وسألت أبا يوسف - رحمه الله - عن البقرة إذا ذبحها سبعة في الأضحية ~~أيقتسمون لحمها جزافا أو وزنا؟ قال: بل وزنا، قال: قلت فإن اقتسموها مجازفة ~~وحلل بعضهم بعضا؟ قال: أكره ذلك، قال: قلت فما تقول في رجل باع درهما بدرهم ~~فرجح أحدهما فحلل صاحبه الرجحان؟ قال: هذا جائز؛ لأنه لا يقسم معناه أنه ~~هبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة وهو الدرهم الصحيح، أما عدم جواز القسمة ~~مجازفة فلأن فيها معنى التمليك، واللحم من الأموال الربوية فلا يجوز تمليكه ~~مجازفة كسائر الأموال الربوية وأما عدم جواز التحليل فلأن الربوي لا يحتمل ~~الحل بالتحليل ولأنه في معنى الهبة، وهبة المشاع ms2752 فيما يحتمل القسمة لا تصح ~~بخلاف ما إذا رجح الوزن. # (ومنها) أنها تقضى إذا فاتت عن وقتها والكلام فيه في موضعين: أحدهما في ~~بيان أنها مضمونة بالقضاء في الجملة والثاني في بيان ما تقضى به؛ أما الأول ~~فلأن وجوبها في الوقت إما لحق العبودية أو لحق شكر النعمة أو لتكفير ~~الخطايا؛ لأن العبادات والقربات إنما تجب لهذه المعاني وهذا لا يوجب ~~الاختصاص بوقت دون وقت فكان الأصل فيها أن تكون واجبة في جميع الأوقات وعلى ~~الدوام بالقدر الممكن، إلا # PageV05P067 # أن الأداء في السنة مرة واحدة في وقت مخصوص أقيم مقام الأداء في جميع ~~السنة تيسيرا على العباد فضلا من الله - عز وجل - ورحمة، كما أقيم صوم شهر ~~في السنة مقام جميع السنة، وأقيم خمس صلوات في يوم وليلة مقام الصلاة آناء ~~الليل وأطراف النهار، فإذا لم يؤد في الوقت بقي الوجوب في غيره لقيام ~~المعنى الذي له وجبت في الوقت. # وأما الثاني فنقول إنها لا تقضى بالإراقة؛ لأن الإراقة لا تعقل قربة ~~وإنما جعلت قربة بالشرع في وقت مخصوص فاقتصر كونها قربة على الوقت المخصوص ~~فلا تقضى بعد خروج الوقت، ثم قضاؤها قد يكون بالتصدق بعين الشاة حية وقد ~~يكون بالتصدق بقيمة الشاة؛ فإن كان أوجب التضحية على نفسه بشاة بعينها فلم ~~يضحها حتى مضت أيام النحر يتصدق بعينها حية؛ لأن الأصل في الأموال التقرب ~~بالتصدق بها لا بالإتلاف وهو الإراقة إلا أنه نقل إلى الإراقة مقيدا في وقت ~~مخصوص حتى يحل تناول لحمه للمالك والأجنبي والغني والفقير؛ لكون الناس ~~أضياف الله - عز شأنه - في هذا الوقت، فإذا مضى الوقت عاد الحكم إلى الأصل ~~وهو التصدق بعين الشاة سواء كان موسرا أو معسرا لما قلنا. # وكذلك المعسر إذا اشترى شاة ليضحي بها فلم يضح حتى مضى الوقت؛ لأن الشراء ~~للأضحية من الفقير كالنذر بالتضحية وأما الموسر إذا اشترى شاة للأضحية ~~فكذلك الجواب، ومن المشايخ من قال هذا الجواب في المعسر؛ لأن الشاة ~~المشتراة للأضحية من المعسر تتعين للأضحية؛ فأما من ms2753 الموسر فلا تتعين بدليل ~~أنه يجوز له التضحية بشاة أخرى في الوقت مع بقاء الأولى وتسقط عنه الأضحية، ~~والصحيح أنها تتعين من الموسر أيضا بلا خلاف بين أصحابنا، فإن محمدا - رحمه ~~الله - ذكر عقيب جواب المسألة، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ~~وقولنا. # (ووجهه) أن نية التعيين قارنت الفعل وهو الشراء فأوجبت تعيين المشتري ~~للأضحية، إلا أن تعيينه للأضحية لا يمنع جواز التضحية بغيرها كتعيين النصاب ~~لأداء الزكاة منه لا يمنع جواز الأداء بغيره وتسقط عنه الزكاة، وهذا لأن ~~المتعين لا يزاحمه غيره، فإذا ضحى بغيره أو أدى الزكاة من غير النصاب لم ~~يبق الأول متعينا، فكانت الشاة متعينة للتضحية ما لم يضح بغيرها كالزكاة. # وإن كان لم يوجب على نفسه ولا اشترى وهو موسر حتى مضت أيام النحر تصدق ~~بقيمة شاة تجوز في الأضحية؛ لأنه إذا لم يوجب ولم يشتر لم يتعين شيء ~~للأضحية وإنما الواجب عليه إراقة دم شاة فإذا مضى الوقت قبل أن يذبح - ولا ~~سبيل إلى التقرب بالإراقة بعد خروج الوقت لما قلنا - انتقل الواجب من ~~الإراقة والعين أيضا لعدم التعيين إلى القيمة وهو قيمة شاة يجوز ذبحها في ~~الأضحية ولو صار فقيرا بعد مضي أيام النحر لا يسقط عنه التصدق بعين الشاة ~~أو بقيمتها؛ لأنه إذا مضى الوقت صار ذلك دينا في ذمته فلا يسقط عنه لفقره ~~بعد ذلك، ولو وجب عليه التصدق بعين الشاة فلم يتصدق ولكن ذبحها يتصدق ~~بلحمها ويجزيه ذلك إن لم ينقصها الذبح وإن نقصها يتصدق باللحم وقيمة ~~النقصان، ولا يحل له أن يأكل منها وإن أكل منها شيئا غرم قيمته ويتصدق بها ~~لما يذكر في موضعه وكذلك لو أوجب على نفسه أن يتصدق بها لا يأكل منها إذا ~~ذبحها بعد وقتها أو في وقتها فهو سواء. # ومن وجبت عليه الأضحية فلم يضح حتى مضت أيام النحر ثم حضرته الوفاة فعليه ~~أن يوصي بأن يتصدق عنه بقيمة شاة من ثلث ماله؛ لأنه لما مضى الوقت فقد وجب ~~عليه التصدق ms2754 بقيمة شاة فيحتاج إلى تخليص نفسه عن عهدة الواجب، والوصية طريق ~~التخليص فيجب عليه أن يوصي كما في الزكاة والحج وغير ذلك. # ولو أوصى بأن يضحى عنه ولم يسم شاة ولا بقرة ولا غير ذلك ولم يبين الثمن ~~أيضا جاز ويقع على الشاة، بخلاف ما إذا وكل رجلا أن يضحي عنه ولم يسم شيئا ~~ولا ثمنا أنه لا يجوز، والفرق أن الوصية تحتمل من الجهالة شيئا لا تحتمله ~~الوكالة فإن الوصية بالمجهول وللمجهول تصح ولا تصح الوكالة. # ولو أوصى بأن يشتري له شاة بعشرين درهما فيضحي عنه إن مات فمات - وثلثه ~~أقل من ذلك - فإنه يضحي عنه بما يبلغ الثلث، على قياس الحج إذا أوصى بأن ~~يحج عنه بمائة - وثلثه أقل من مائة - فإنه يحج بمائة بخلاف العتق إذا أوصى ~~بأن يعتق عنه عبد بمائة - وثلثه أقل - إن عند أبي حنيفة - رحمه الله - تبطل ~~الوصية، وعندهما يعتق عنه بما بقي؛ لأنه أوصى بمال مقدر فيما هو قربة فتنفذ ~~الوصية فيما أمكن كما في الحج. # (ووجه) الفرق لأبي حنيفة - رحمه الله - أن مصرف الوصية في العتق هو العبد ~~فكأنه أوصى بعبد موصوف بصفة وهو أن يكون ثمنه مائة فإذا اشترى بأقل # PageV05P068 # كان هذا غير ما أوصى به فلا يجوز، بخلاف الحج والأضحية فإن المصرف ثمة هو ~~الله عز شأنه، فسواء كان قيمة الشاة أقل أو مثل ما أوصى به يكون المصرف ~~واحدا والمقصود بالكل واحد وهو القربة، وذلك حاصل فيجوز. # (ومنها) أن وجوبها نسخ كل دم كان قبلها من العقيقة والرجبية والعتيرة، ~~كذا حكى أبو بكر الكيساني عن محمد - رحمه الله - أنه قال: قد كانت في ~~الجاهلية ذبائح يذبحونها. # (منها) العقيقة كانت في الجاهلية ثم فعلها المسلمون في أول الإسلام ~~فنسخها ذبح الأضحية فمن شاء فعل ومن شاء لم يفعل. # (ومنها) شاة كانوا يذبحونها في رجب تدعى الرجبية كان أهل البيت يذبحون ~~الشاة فيأكلون ويطبخون ويطعمون فنسخها ذبح الأضحية. # (ومنها) العتيرة كان الرجل إذا ولدت له الناقة أو الشاة ذبح أول ms2755 ولد تلده ~~فأكل وأطعم قال محمد - رحمه الله -: هذا كله كان يفعل في الجاهلية فنسخه ~~ذبح الأضحية، وقيل في تفسير العتيرة: كان الرجل من العرب إذا نذر نذرا أنه ~~إذا كان كذا أو بلغ شاة كذا فعليه أن يذبح من كل عشر منها كذا في رجب. # والعقيقة: الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه وإنما عرفنا انتساخ ~~هذه الدماء بما روي عن سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: نسخ صوم ~~رمضان كل صوم كان قبله ونسخت الأضحية كل ذبح كان قبلها ونسخ غسل الجنابة كل ~~غسل كان قبله والظاهر أنها قالت ذلك سماعا من رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لأن انتساخ الحكم مما لا يدرك بالاجتهاد. # ومنهم من روى هذا الحديث مرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ونسخت الزكاة كل صدقة كانت قبلها، وكذا قال أهل التأويل في قوله عز شأنه ~~{أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ~~فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [المجادلة: 13] إن ما أمروا به من تقديم ~~الصدقة على النجوى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نسخ بقوله جل شأنه ~~{وآتوا الزكاة} [المجادلة: 13] . # وذكر محمد - رحمه الله - في العقيقة فمن شاء فعل ومن شاء لم يفعل، وهذا ~~يشير إلى الإباحة فيمنع كونه سنة وذكر في الجامع الصغير ولا يعق عن الغلام ~~ولا عن الجارية وأنه إشارة إلى الكراهة؛ لأن العقيقة كانت فضلا ومتى نسخ ~~الفضل لا يبقى إلا الكراهة بخلاف الصوم والصدقة فإنهما كانا من الفرائض لا ~~من الفضائل فإذا نسخت منهما الفرضية يجوز التنفل بهما، وقال الشافعي - رحمه ~~الله -: " العقيقة سنة عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة " واحتج بما روي ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عق عن الحسن والحسين - رضي الله ~~عنهما - كبشا كبشا» وإنا نقول إنها كانت ثم نسخت بدم الأضحية بحديث سيدتنا ~~عائشة، - رضي الله عنها - وكذا روي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال: ~~نسخت الأضحية كل دم كان قبلها، ms2756 والعقيقة كانت قبلها كالعتيرة وروي «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن العقيقة فقال: إن الله تعالى لا يحب ~~العقوق؛ من شاء فليعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة» وهذا ينفي كون ~~العقيقة سنة؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - علق العق بالمشيئة وهذا أمارة ~~الإباحة والله عز شأنه أعلم. ### | [فصل في محل إقامة الواجب في الأضحية] # (فصل) : # وأما محل إقامة الواجب فهذا الفصل يشتمل على بيان جنس المحل الذي يقام ~~منه الواجب ونوعه وجنسه وسنه وقدره وصفته؛ أما جنسه فهو أن يكون من الأجناس ~~الثلاثة الغنم أو الإبل أو البقر، ويدخل في كل جنس نوعه والذكر والأنثى منه ~~والخصي والفحل لانطلاق اسم الجنس على ذلك، والمعز نوع من الغنم، والجاموس ~~نوع من البقر بدليل أنه يضم ذلك إلى الغنم والبقر في باب الزكاة ولا يجوز ~~في الأضاحي شيء من الوحش؛ لأن وجوبها عرف بالشرع والشرع لم يرد بالإيجاب ~~إلا في المستأنس؛ فإن كان متولدا من الوحشي والإنسي فالعبرة بالأم فإن كانت ~~أهلية يجوز وإلا فلا حتى إن البقرة الأهلية إذا نزا عليها ثور وحشي فولدت ~~ولدا فإنه يجوز أن يضحى به، وإن كانت البقرة وحشية والثور أهليا لم يجز؛ ~~لأن الأصل في الولد الأم؛ لأنه ينفصل عن الأم وهو حيوان متقوم تتعلق به ~~الأحكام وليس ينفصل من الأب إلا ماء مهين لا حظر له ولا يتعلق به حكم ولهذا ~~يتبع الولد الأم في الرق والحرية، إلا أنه يضاف إلى الأب في بني آدم تشريفا ~~للولد وصيانة له عن الضياع وإلا فالأصل أن يكون مضافا إلى الأم. # وقيل إذا نزا ظبي على شاة أهلية فإن ولدت شاة تجوز التضحية بها وإن ولدت ~~ظبيا لا تجوز، وقيل إن ولدت الرمكة من حمار وحشي حمارا لا يؤكل، وإن ولدت ~~فرسا فحكمه حكم الفرس، وإن ضحى بظبية وحشية ألفت أو ببقرة وحشية ألفت لم ~~يجز؛ لأنها # PageV05P069 # وحشية في الأصل والجوهر فلا يبطل حكم الأصل بعارض نادر والله عز شأنه ~~الموفق. # وأما سنه فلا ms2757 يجوز شيء مما ذكرنا من الإبل والبقر والغنم من الأضحية إلا ~~الثني من كل جنس إلا الجذع من الضأن خاصة إذا كان عظيما؛ لما روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «ضحوا بالثنايا إلا أن يعز على أحدكم ~~فيذبح الجذع في الضأن» وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال «يجزي ~~الجذع من الضأن عما يجزي فيه الثني من المعز» . # وروي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى المصلى فشم قتارا ~~فقال: ما هذا؟ فقالوا: أضحية أبي بردة فقال - عليه الصلاة والسلام - تلك ~~شاة لحم، فجاء أبو بردة فقال: يا رسول الله عندي عناق خير من شاتي لحم، ~~فقال - عليه الصلاة والسلام - تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك» . # وروي عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما - أنه قال: «خطب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم عيد فقال: إن أول نسككم هذه الصلاة ثم الذبح، ~~فقام إليه خالي أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله كان يومنا نشتهي فيه ~~اللحم فعجلنا فذبحنا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبدلها، فقال: ~~يا رسول الله عندي ماعز جذع فقال: هي لك وليست لأحد بعدك» وروي «أن رجلا ~~قدم المدينة بغنم جذاع فلم تنفق معه فذكر ذلك لأبي هريرة - رضي الله عنه - ~~فقال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: نعمت الأضحية الجذع من ~~الضأن» وروي: الجذع السمين من الضأن؛ فلما سمع الناس هذا الحديث انتهبوها ~~أي تبادروا إلى شرائها وتخصيص هذه القربة بسن دون سن أمر لا يعرف إلا ~~بالتوقيف فيتبع ذلك. # (وأما) معاني هذه الأسماء فقد ذكر القدوري - رحمه الله - أن الفقهاء ~~قالوا: الجذع من الغنم ابن ستة أشهر والثني منه ابن سنة، والجذع من البقر ~~ابن سنة والثني ابن سنتين، والجذع من الإبل ابن أربع سنين والثني منها ابن ~~خمس وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي في الثني من الإبل ما تم له أربع ~~سنين وطعن في الخامسة وذكر الزعفراني في الأضاحي: ms2758 الجذع ابن ثمانية أشهر أو ~~تسعة أشهر، والثني من الشاة والمعز ما تم له حول وطعن في السنة الثانية، ~~ومن البقر ما تم له حولان وطعن في السنة الثالثة، ومن الإبل ما تم له خمس ~~سنين وطعن في السنة السادسة، وتقدير هذه الأسنان بما قلنا لمنع النقصان لا ~~لمنع الزيادة؛ حتى لو ضحى بأقل من ذلك سنا لا يجوز ولو ضحى بأكثر من ذلك ~~سنا يجوز ويكون أفضل، ولا يجوز في الأضحية حمل ولا جدي ولا عجل ولا فصيل؛ ~~لأن الشرع إنما ورد بالأسنان التي ذكرناها وهذه لا تسمى بها. # وأما قدره فلا يجوز الشاة والمعز إلا عن واحد وإن كانت عظيمة سمينة تساوي ~~شاتين مما يجوز أن يضحى بهما؛ لأن القياس في الإبل والبقر أن لا يجوز فيهما ~~الاشتراك؛ لأن القربة في هذا الباب إراقة الدم وأنها لا تحتمل التجزئة؛ ~~لأنها ذبح واحد وإنما عرفنا جواز ذلك بالخبر فبقي الأمر في الغنم على أصل ~~القياس. # فإن قيل: أليس أنه روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين ~~أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عمن لا يذبح من أمته فكيف ضحى بشاة واحدة عن ~~أمته؟ - عليه الصلاة والسلام -. # (فالجواب) أنه - عليه الصلاة والسلام - إنما فعل ذلك لأجل الثواب؛ وهو ~~أنه جعل ثواب تضحيته بشاة واحدة لأمته لا للإجزاء وسقوط التعبد عنهم ولا ~~يجوز بعير واحد ولا بقرة واحدة عن أكثر من سبعة ويجوز ذلك عن سبعة أو أقل ~~من ذلك، وهذا قول عامة العلماء. # وقال مالك - رحمه الله -: يجزي ذلك عن أهل بيت واحد - وإن زادوا على سبعة ~~- ولا يجزي عن أهل بيتين - وإن كانوا أقل من سبعة - والصحيح قول العامة؛ ~~لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «البدنة تجزي عن سبعة والبقرة ~~تجزي عن سبعة» وعن جابر - رضي الله عنه - قال: «نحرنا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة من غير فصل بين أهل بيت ~~وبيتين» ولأن القياس يأبى جوازها ms2759 عن أكثر من واحد لما ذكرنا أن القربة في ~~الذبح وأنه فعل واحد لا يتجزأ؛ لكنا تركنا القياس بالخبر المقتضي للجواز عن ~~سبعة مطلقا فيعمل بالقياس فيما وراءه؛ لأن البقرة بمنزلة سبع شياه ثم جازت ~~التضحية بسبع شياه عن سبعة سواء كانوا من أهل بيت أو بيتين فكذا البقرة. # ومنهم من فصل بين البعير والبقرة فقال البقرة لا تجوز عن أكثر من سبعة ~~فأما البعير فإنه يجوز عن عشرة، ورووا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «البدنة تجزي عن عشرة» ونوع من القياس يؤيده؛ وهو أن الإبل أكثر ~~قيمة من البقر؛ ولهذا فضلت الإبل على البقر # PageV05P070 # في باب الزكاة والديات فتفضل في الأضحية أيضا. # (ولنا) أن الأخبار إذا اختلفت في الظاهر يجب الأخذ بالاحتياط وذلك فيما ~~قلنا؛ لأن جوازه عن سبعة ثابت بالاتفاق وفي الزيادة اختلاف فكان الأخذ ~~بالمتفق عليه أخذا بالمتيقن، وأما ما ذكروا من القياس فقد ذكرنا أن ~~الاشتراك في هذا الباب معدول به عن القياس، واستعمال القياس فيما هو معدول ~~به عن القياس ليس من الفقه، ولا شك في جواز بدنة أو بقرة عن أقل من سبعة ~~بأن اشترك اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة في بدنة أو بقرة؛ لأنه ~~لما جاز السبع فالزيادة أولى، وسواء اتفقت الأنصباء في القدر أو اختلفت؛ ~~بأن يكون لأحدهم النصف وللآخر الثلث ولآخر السدس بعد أن لا ينقص عن السبع ~~ولو اشترك سبعة في خمس بقرات أو في أكثر فذبحوها أجزأهم؛ لأن لكل واحد منهم ~~في كل بقرة سبعها، ولو ضحوا ببقرة واحدة أجزأهم فالأكثر أولى ولو اشترك ~~ثمانية في سبع بقرات لم يجزهم؛ لأن كل بقرة بينهم على ثمانية أسهم فيكون ~~لكل واحد منهم أنقص من السبع، وكذلك إذا كانوا عشرة أو أكثر فهو على هذا. # ولو اشترك ثمانية في ثمانية من البقر فضحوا بها لم تجزهم؛ لأن كل بقرة ~~تكون بينهم على ثمانية أسهم، وكذلك إذا كان البقر أكثر لم تجزهم، ولا رواية ms2760 ~~في هذه الفصول وإنما قيل إنه لا يجوز بالقياس. # ولو اشترك سبعة في سبع شياه بينهم فضحوا بها - القياس أن لا تجزئهم؛ لأن ~~كل شاة تكون بينهم على سبعة أسهم وفي الاستحسان يجزيهم. # وكذلك لو اشترى اثنان شاتين للتضحية فضحيا بهما بخلاف عبدين بين اثنين ~~عليهما كفارتان فأعتقاهما عن كفارتيهما أنه لا يجوز؛ لأن الأنصباء تجتمع في ~~الشاتين ولا تجتمع في الرقيق بدليل أنه يجبر على القسمة في الشاة ولا يجبر ~~في الرقيق، ألا ترى أنها لا تقسم قسمة جمع في قول أبي حنيفة؟ - رضي الله ~~عنه - وعلى هذا ينبغي أن يكون في الأول قياس واستحسان، والمذكور جواب ~~القياس وأما صفته فهي أن يكون سليما عن العيوب الفاحشة وسنذكرها في بيان ~~شرائط الجواز بعون الله تعالى، والله الموفق. ### | [فصل في شرائط جواز إقامة الواجب في الأضحية] # (فصل) : # وأما شرائط جواز إقامة الواجب؛ وهي التضحية فهي في الأصل نوعان: نوع يعم ~~ذبح كل حيوان مأكول ونوع يخص التضحية؛ أما الذي يعم ذبح كل حيوان مأكول فقد ~~ذكرناه في كتاب الذبائح، وأما الذي يخص التضحية فأنواع: بعضها يرجع إلى من ~~عليه التضحية، وبعضها يرجع إلى وقت التضحية، وبعضها يرجع إلى محل التضحية. # أما الذي يرجع إلى من عليه التضحية فمنها نية الأضحية لا تجزي الأضحية ~~بدونها؛ لأن الذبح قد يكون للحم وقد يكون للقربة والفعل لا يقع قربة بدون ~~النية؛ قال النبي - عليه الصلاة والسلام - «لا عمل لمن لا نية له» والمراد ~~منه عمل هو قربة؛ وللقربة جهات من المتعة والقران والإحصار وجزاء الصيد ~~وكفارة الحلق وغيره من المحظورات فلا تتعين الأضحية إلا بالنية؛ وقال النبي ~~- عليه الصلاة والسلام - «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» ~~ويكفيه أن ينوي بقلبه ولا يشترط أن يقول بلسانه ما نوى بقلبه كما في ~~الصلاة؛ لأن النية عمل القلب، والذكر باللسان دليل عليها. # ومنها أن لا يشارك المضحي - فيما يحتمل الشركة - من لا يريد القربة رأسا، ~~فإن شارك لم يجز عن الأضحية، وكذا هذا في ms2761 سائر القرب سوى الأضحية إذا شارك ~~المتقرب من لا يريد القربة لم يجز عن القربة كما في دم المتعة والقران ~~والإحصار وجزاء الصيد وغير ذلك، وهذا عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - ~~هذا ليس بشرط حتى لو اشترك سبعة في بعير أو بقرة كلهم يريدون القربة؛ ~~الأضحية أو غيرها من وجوه القرب إلا واحد منهم يريد اللحم - لا يجزي واحدا ~~منهم من الأضحية ولا من غيرها من وجوه القرب عندنا، وعنده يجزي. # (وجه) قوله أن الفعل إنما يصير قربة من كل واحد بنيته لا بنية صاحبه، ~~فعدم النية من أحدهم لا يقدح في قربة الباقين. # (ولنا) أن القربة في إراقة الدم وأنها لا تتجزأ؛ لأنها ذبح واحد فإن لم ~~يقع قربة من البعض لا يقع قربة من الباقين ضرورة عدم التجزؤ ولو أرادوا ~~القربة؛ الأضحية أو غيرها من القرب أجزأهم سواء كانت القربة واجبة أو تطوعا ~~أو وجبت على البعض دون البعض، وسواء اتفقت جهات القربة أو اختلفت بأن أراد ~~بعضهم الأضحية وبعضهم جزاء الصيد وبعضهم هدي الإحصار وبعضهم كفارة شيء ~~أصابه في إحرامه وبعضهم هدي التطوع وبعضهم دم المتعة والقران وهذا قول ~~أصحابنا الثلاثة وقال # PageV05P071 # زفر - رحمه الله -: لا يجوز إلا إذا اتفقت جهات القربة بأن كان الكل بجهة ~~واحدة. # (وجه) قوله إن القياس يأبى الاشتراك؛ لأن الذبح فعل واحد لا يتجزأ فلا ~~يتصور أن يقع بعضه عن جهة وبعضه عن جهة أخرى؛ لأنه لا بعض له إلا عند ~~الاتحاد، فعند الاتحاد جعلت الجهات كجهة واحدة وعند الاختلاف لا يمكن فبقي ~~الأمر فيه مردودا إلى القياس. # (ولنا) أن الجهات - وإن اختلفت صورة - فهي في المعنى واحد؛ لأن المقصود ~~من الكل التقرب إلى الله - عز شأنه - وكذلك إن أراد بعضهم العقيقة عن ولد ~~ولد له من قبل؛ لأن ذلك جهة التقرب إلى الله تعالى - عز شأنه - بالشكر على ~~ما أنعم عليه من الولد، كذا ذكر محمد - رحمه الله - في نوادر الضحايا ولم ~~يذكر ما إذا أراد أحدهم الوليمة - وهي ضيافة التزويج ms2762 - وينبغي أن يجوز؛ ~~لأنها إنما تقام شكرا لله تعالى - عز شأنه - على نعمة النكاح وقد وردت ~~السنة بذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «أولم ولو بشاة» ~~فإذا قصد بها الشكر أو إقامة السنة فقد أراد بها التقرب إلى الله - عز شأنه ~~- وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله - كره الاشتراك عند اختلاف الجهة وروي عنه ~~أنه قال: لو كان هذا من نوع واحد لكان أحب إلي، وهكذا قال أبو يوسف - رحمه ~~الله -. # ولو كان أحد الشركاء ذميا كتابيا أو غير كتابي وهو يريد اللحم أو أراد ~~القربة في دينه - لم يجزهم عندنا؛ لأن الكافر لا تتحقق منه القربة فكانت ~~نيته ملحقة بالعدم فكان مريدا للحم، والمسلم لو أراد اللحم لا يجوز عندنا ~~فالكافر أولى إذا كان أحدهم عبدا أو مدبرا ويريد الأضحية؛ لأن نيته باطلة؛ ~~لأنه ليس من أهل هذه القربة فكان نصيبه لحما فيمتنع الجواز أصلا وإن كان ~~أحد الشركاء ممن يضحي عن ميت جاز. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه لا يجوز، وذكر في الأصل إذا اشترك ~~سبعة في بدنة فمات أحدهم قبل الذبح فرضي ورثته أن يذبح عن الميت جاز ~~استحسانا والقياس أن لا يجوز. # (وجه) القياس أنه لما مات أحدهم فقد سقط عنه الذبح، وذبح الوارث لا يقع ~~عنه؛ إذ الأضحية عن الميت لا تجوز فصار نصيبه اللحم، وأنه يمنع من جواز ذبح ~~الباقين من الأضحية كما لو أراد أحدهم اللحم في حال حياته. # (وجه) الاستحسان أن الموت لا يمنع التقرب عن الميت بدليل أنه يجوز أن ~~يتصدق عنه ويحج عنه، وقد صح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحى ~~بكبشين أحدهما عن نفسه والآخر عمن لا يذبح من أمته - وإن كان منهم من قد ~~مات قبل أن يذبح - فدل أن الميت يجوز أن يتقرب عنه فإذا ذبح عنه صار نصيبه ~~للقربة فلا يمنع جواز ذبح الباقين. # ولو اشترى رجل بقرة يريد أن يضحي بها ثم أشرك فيها بعد ذلك قال ms2763 هشام: ~~سألت أبا يوسف فأخبرني أن أبا حنيفة - رحمه الله - قال: أكره ذلك ويجزيهم ~~أن يذبحوها عنهم، قال: وكذلك قول أبي يوسف، قال: قلت لأبي يوسف ومن نيته أن ~~يشرك فيها؟ قال: لا أحفظ عن أبي حنيفة - رحمه الله - فيها شيئا ولكن لا أرى ~~بذلك بأسا وقال في الأصل: قال أرأيت في رجل اشترى بقرة يريد أن يضحي بها عن ~~نفسه فأشرك فيها بعد ذلك ولم يشركهم حتى اشتراها فأتاه إنسان بعد ذلك ~~فأشركه حتى استكمل؛ يعني أنه صار سابعهم هل يجزي عنهم؟ قال: نعم استحسن وإن ~~فعل ذلك قبل أن يشتريها كان أحسن، وهذا محمول على الغني إذا اشترى بقرة ~~لأضحيته؛ لأنها لم تتعين لوجوب التضحية بها وإنما يقيمها عند الذبح مقام ما ~~يجب عليه أو واجب عليه فيخرج عن عهدة الواجب بالفعل فيما يقيمه فيه فيجوز ~~اشتراكهم فيها وذبحهم إلا أنه يكره؛ لأنه لما اشتراها ليضحي بها فقد وعد ~~وعدا فيكره أن يخلف الوعد، فأما إذا كان فقيرا فلا يجوز له أن يشرك فيها؛ ~~لأنه أوجبها على نفسه بالشراء للأضحية فتعينت للوجوب فلا يسقط عنه ما أوجبه ~~على نفسه. # وقد قالوا في مسألة الغني إذا أشرك بعدما اشتراها للأضحية أنه ينبغي أن ~~يتصدق بالثمن وإن لم يذكر ذلك محمد - رحمه الله - لما روي «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - دفع إلى حكيم بن حزام دينارا وأمره أن يشتري له أضحية ~~فاشترى شاة فباعها بدينارين واشترى بأحدهما شاة وجاء إلى النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - بشاة ودينار وأخبره بما صنع فقال - عليه الصلاة والسلام - ~~بارك الله في صفقة يمينك وأمر - عليه الصلاة والسلام - أن يضحى بالشاة ~~ويتصدق بالدينار» لما أنه قصد إخراجه للأضحية كذا ههنا. # (ومنها) أن تكون نية الأضحية مقارنة للتضحية كما في باب الصلاة؛ لأن ~~النية معتبرة في الأصل فلا يسقط اعتبار القران إلا لضرورة كما في باب ~~الصوم؛ لتعذر قران النية لوقت الشروع لما فيه من الحرج. # (ومنها) إذن صاحب # PageV05P072 # الأضحية بالذبح إما نصا أو دلالة ms2764 إذا كان الذابح غيره، فإن لم يوجد لا ~~يجوز؛ لأن الأصل فيما يعمله الإنسان أن يقع للعامل، وإنما يقع لغيره بإذنه ~~وأمره فإذا لم يوجد لا يقع له. # وعلى هذا يخرج ما إذا غصب شاة إنسان فضحى بها عن صاحبها من غير إذنه ~~وإجازته أنه لا يجوز. # ولو اشترى شاة للأضحية فأضجعها وشد قوائمها في أيام النحر فجاء إنسان ~~فذبحها جاز استحسانا لوجود الإذن منه دلالة لما بينا فيما تقدم. # وأما الذي يرجع إلى وقت التضحية فهو أنها لا تجوز قبل دخول الوقت؛ لأن ~~الوقت كما هو شرط الوجوب فهو شرط جواز إقامة الواجب كوقت الصلاة، فلا يجوز ~~لأحد أن يضحي قبل طلوع الفجر الثاني من اليوم الأول من أيام النحر ويجوز ~~بعد طلوعه سواء كان من أهل المصر أو من أهل القرى، غير أن للجواز في حق أهل ~~المصر شرطا زائدا وهو أن يكون بعد صلاة العيد، لا يجوز تقديمها عليه عندنا. # وقال الشافعي - رحمه الله -: إذا مضى من الوقت مقدار ما صلى فيه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العيد جازت الأضحية وإن لم يصل الإمام، ~~والصحيح قولنا؛ لما روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من ~~ذبح قبل الصلاة فليعد أضحيته» وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال ~~«أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح» وروي عنه - عليه الصلاة والسلام ~~- أنه قال في حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه -: «من كان منكم ذبح قبل ~~الصلاة فإنما هي غدوة أطعمه الله تعالى إنما الذبح بعد الصلاة» فقد رتب ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - الذبح على الصلاة وليس لأهل القرى صلاة ~~العيد فلا يثبت الترتيب في حقهم. # وإن أخر الإمام صلاة العيد فليس للرجل أن يذبح أضحيته حتى يتنصف النهار، ~~فإن اشتغل الإمام فلم يصل العيد أو ترك ذلك متعمدا حتى زالت الشمس فقد حل ~~الذبح بغير صلاة في الأيام كلها؛ لأنه لما زالت الشمس فقد فات وقت الصلاة ~~وإنما يخرج الإمام في اليوم ms2765 الثاني والثالث على وجه القضاء، والترتيب شرط ~~في الأداء لا في القضاء، كذا ذكره القدوري - رحمه الله -. # وإن كان يصلي في المصر في موضعين بأن كان الإمام قد خلف من يصلي بضعفة ~~الناس في الجامع وخرج هو بالآخرين إلى المصلى - وهو الجبانة - ذكر الكرخي - ~~رحمه الله - أنه إذا صلى أهل أحد المسجدين أيهما كان جاز ذبح الأضاحي، وذكر ~~في الأصل إذا صلى أهل المسجد فالقياس أن لا يجوز ذبح الأضحية وفي الاستحسان ~~يجوز. # (وجه) القياس أن صلاة العيد لما كانت شرطا لجواز الأضحية في حق أهل المصر ~~فاعتبار صلاة أهل أحد الموضعين يقتضي أن يجوز، واعتبار صلاة أهل الموضع ~~الآخر يقتضي أن لا يجوز فلا يحكم بالجواز بالشك بل يحكم بعدم الجواز ~~احتياطا. # (وجه) الاستحسان أن الشرط صلاة العيد، والصلاة في المسجد الجامع تجزي عن ~~صلاة العيد؛ بدليل أنهم لو اقتصروا عليها جاز ويقع الاكتفاء بذلك فقد وجد ~~الشرط فجاز، وكذا في الحديث الذي روينا ترتيب الذبح على الصلاة مطلقا وقد ~~وجدت ولو سبق أهل الجبانة بالصلاة قبل أهل المسجد لم يذكر هذا في الأصل، ~~وقيل لا رواية في هذا وذكر الكرخي - رحمه الله - أن هذا كصلاة أهل المسجد، ~~فعلى قوله يكون فيه قياس واستحسان كما إذا صلى أهل المسجد. # واختلف المتأخرون؛ منهم من قال: يجب أن يكون هذا جائزا قياسا واستحسانا؛ ~~لأن الأصل في صلاة العيد صلاة من في الجبانة وإنما يصلي من يصلي في المسجد ~~لعذر فوجب اعتبار الأصل دون غيرهم. # ومنهم من أثبت فيه القياس والاستحسان كما في المسألة الأولى ووجهها ما ~~ذكرنا. # ومنهم من قال: لا تجوز الأضحية بصلاة أهل الجبانة حتى يصلي أهل المسجد؛ ~~لأن الصلاة في المسجد هي الأصل بدليل سائر الصلوات وإنما يخرج الإمام إلى ~~الجبانة لضرورة أن المسجد لا يتسع لهم فيجب اعتبار الأصل. # ولو ذبح والإمام في خلال الصلاة لا يجوز وكذا إذا ضحى قبل أن يقعد قدر ~~التشهد، ولو ذبح بعدما قعد قدر التشهد قبل السلام قالوا - على قياس قول ms2766 أبي ~~حنيفة - رحمه الله - لا يجوز كما لو كان في خلال الصلاة وعلى قياس قول أبي ~~يوسف ومحمد رحمهما الله الله - يجوز بناء على أن خروج المصلي من الصلاة ~~بصفة فرض عنده وعندهما ليس بفرض. # ولو ضحى قبل فراغ الإمام من الخطبة أو قبل الخطبة جاز؛ لأن النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - رتب الذبح على الصلاة لا على الخطبة فيما روينا من ~~الأحاديث فدل أن العبرة للصلاة لا للخطبة. # ولو صلى الإمام صلاة العيد وذبح رجل أضحيته ثم تبين أنه يوم عرفة فعلى ~~الإمام أن يعيد # PageV05P073 # الصلاة من الغد وعلى الرجل أن يعيد الأضحية؛ لأنه تبين أن الصلاة ~~والأضحية وقعتا قبل الوقت فلم يجز، وإن تبين أن الإمام كان على غير وضوء ~~فإن علم ذلك قبل أن يتفرق الناس يعيد بهم الصلاة باتفاق الروايات، وهل يجوز ~~ما ضحى قبل الإعادة؟ ذكر في بعض الروايات أنه يجوز؛ لأنه ذبح بعد صلاة ~~يجيزها بعض الفقهاء وهو الشافعي - رحمه الله -؛ لأن فساد صلاة الإمام لا ~~يوجب فساد صلاة المقتدي عنده فكانت تلك صلاة معتبرة عنده، فعلى هذا يعيد ~~الإمام وحده ولا يعيد القوم وذلك استحسانا وذكر في اختلاف زفر - رحمه الله ~~- أنه يعيد بهم الصلاة ولا يجوز ما ضحى قبل إعادة الصلاة. # وإن تفرق الناس عن الإمام ثم علم بعد ذلك فقد ذكر في بعض الروايات أن ~~الصلاة لا تعاد، وقد جازت الأضحية عن المضحي؛ لأنها صلاة قد جازت في قول ~~بعض الفقهاء فترك إعادتها بعد تفرق الناس أحسن من أن ينادي الناس أن ~~يجتمعوا ثانيا، وهو أيسر من أنه تبطل أضاحيهم. # وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه تعاد الأضحية ولا تعاد بهم الصلاة؛ ~~لأن إعادة الأضحية أيسر من إعادة الصلاة. # وروي أيضا أنه ينادي بهم حتى يجتمعوا ويعيد بهم الصلاة، قال البلخي - ~~رحمه الله -: فعلى هذا القياس لا تجزي ذبيحة من ذبح قبل إعادة الصلاة إلا ~~أن تكون الشمس قد زالت فتجزي ذبيحة من ذبح في قولهم جميعا وسقطت عنهم ~~الصلاة، ولو ms2767 شهد ناس عند الإمام - بعد نصف النهار وبعدما زالت الشمس - أن ~~ذلك اليوم هو العاشر من ذي الحجة جاز لهم أن يضحوا ويخرج الإمام من الغد ~~فيصلي بهم صلاة العيد، وإن علم في صدر النهار أنه يوم النحر فشغل الإمام عن ~~الخروج أو غفل فلم يخرج ولم يأمر أحدا يصلي بهم فلا ينبغي لأحد أن يضحي حين ~~يصلي الإمام إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت قبل أن يخرج الإمام ضحى الناس، ~~وإن ضحى أحد قبل ذلك لم يجز. # ولو صلى الإمام صلاة العيد وذبح رجل أضحيته ثم تبين للإمام أن يوم العيد ~~كان بالأمس جازت الصلاة وجاز للرجل أضحيته. # ولو وقعت فتنة في مصر ولم يكن لها إمام من قبل السلطان يصلي بهم صلاة ~~العيد فالقياس في ذلك أن يكون وقت النحر في ذلك المصر بعد طلوع الفجر يوم ~~النحر بمنزلة القرى التي لا يصلى فيها، ولكن يستحسن أن يكون وقت نحرهم بعد ~~زوال الشمس من يوم النحر؛ لأن الموضع موضع الصلاة، ألا ترى أن الإمام لو ~~كان حاضرا كان عليهم أن يصلوا إلا أنه امتنع أداؤها العارض فلا يتغير حكم ~~الأصل؛ كما لو كان الإمام حاضرا فلم يصل لعارض أسباب من مرض أو غير ذلك، ~~وهناك لا يجوز الذبح إلا بعد الزوال كذا ههنا. # ولو ذبح أضحيته بعد الزوال من يوم عرفة ثم ظهر أن ذلك اليوم كان يوم ~~النحر جازت الأضحية عندنا؛ لأن الذبح حصل في وقته فيجزيه والله - عز شأنه - ~~أعلم. # هذا إذا كان من عليه الأضحية في المصر والشاة في المصر؛ فإن كان هو في ~~المصر والشاة في الرستاق أو في موضع لا يصلى فيه وقد كان أمر أن يضحوا عنه ~~فضحوا بها بعد طلوع الفجر قبل صلاة العيد فإنها تجزيه، وعلى عكسه لو كان هو ~~في الرستاق والشاة في المصر وقد أمر من يضحي عنه فضحوا بها قبل صلاة العيد ~~فإنها لا تجزيه وإنما يعتبر في هذا مكان الشاة لا مكان من عليه، هكذا ذكر ms2768 ~~محمد - عليه الرحمة - في النوادر وقال: إنما أنظر إلى محل الذبح ولا أنظر ~~إلى موضع المذبوح عنه، وهكذا روى الحسن عن أبي يوسف - رحمه الله -: يعتبر ~~المكان الذي يكون فيه الذبح ولا يعتبر المكان الذي يكون فيه المذبوح عنه، ~~وإنما كان كذلك؛ لأن الذبح هو القربة فيعتبر مكان فعلها لا مكان المفعول ~~عنه. # وإن كان الرجل في مصر وأهله في مصر آخر فكتب إليهم أن يضحوا عنه روي عن ~~أبي يوسف أنه اعتبر مكان الذبيحة فقال: ينبغي لهم أن لا يضحوا عنه حتى يصلي ~~الإمام الذي فيه أهله، وإن ضحوا عنه قبل أن يصلي لم يجزه، وهو قول محمد - ~~عليه الرحمة - وقال الحسن بن زياد: انتظرت الصلاتين جميعا وإن شكوا في وقت ~~صلاة المصر الآخر انتظرت به الزوال فعنده لا يذبحون عنه حتى يصلوا في ~~المصرين جميعا، وإن وقع لهم الشك في وقت صلاة المصر الآخر لم يذبحوا حتى ~~تزول الشمس فإذا زالت ذبحوا عنه. # (وجه) قول الحسن أن فيما قلنا اعتبار الحالين حال الذبح وحال المذبوح عنه ~~فكان أولى ولأبي يوسف ومحمد رحمهما الله أن القربة في الذبح، والقربات ~~المؤقتة يعتبر وقتها في حق فاعلها لا في حق المفعول عنه، ويجوز الذبح في ~~أيام النحر نهرها ولياليها؛ وهما ليلتان: ليلة اليوم الثاني وهي ليلة ~~الحادي عشر، وليلة اليوم الثالث وهي ليلة الثاني # PageV05P074 # عشر، ولا يدخل فيها ليلة الأضحى وهي ليلة العاشر من ذي الحجة لقول جماعة ~~من الصحابة - رضي الله عنهم -: أيام النحر ثلاثة، وذكر الأيام يكون ذكر ~~الليالي لغة، قال الله - عز شأنه - في قصة زكريا - عليه الصلاة والسلام - ~~{ثلاثة أيام إلا رمزا} [آل عمران: 41] وقال عز شأنه في موضع آخر {ثلاث ليال ~~سويا} [مريم: 10] والقصة قصة واحدة إلا أنه لم يدخل فيها الليلة العاشرة من ~~ذي الحجة؛ لأنه استتبعها النهار الماضي وهو يوم عرفة؛ بدليل أن من أدركها ~~فقد أدرك الحج، كما لو أدرك النهار وهو يوم عرفة فإذا جعلت تابعة للنهار ~~الماضي لا تتبع النهار المستقبل ms2769 فلا تدخل في وقت التضحية وتدخل الليلتان ~~بعدها، غير أنه يكره الذبح بالليل لا لأنه ليس بوقت للتضحية بل لمعنى آخر ~~ذكرناه في كتاب الذبائح، والله - عز شأنه - أعلم. # وأما الذي يرجع إلى محل التضحية فنوعان: أحدهما: سلامة المحل عن العيوب ~~الفاحشة؛ فلا تجوز العمياء ولا العوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها ~~وهي التي لا تقدر تمشي برجلها إلى المنسك، والمريضة البين مرضها والعجفاء ~~التي لا تنقي وهي المهزولة التي لا نقي لها وهو المخ، ومقطوعة الأذن ~~والألية بالكلية، والتي لا أذن لها في الخلقة. # وسئل محمد - رحمه الله - عن ذلك فقال: أيكون ذلك فإن كان لا يجزي ويجزي ~~السكاء وهي صغيرة الأذن، ولا يجوز مقطوعة إحدى الأذنين بكمالها، والتي لها ~~أذن واحدة خلقة. # والأصل في اعتبار هذه الشروط ما روي عن البراء بن عازب - رضي الله عنهما ~~- أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول «لا تجزي من ~~الضحايا أربع العوراء البين عورها والعرجاء البين عرجها والمريضة البين ~~مرضها والعجفاء التي لا تنقي» وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه ~~قال «استشرفوا العين والأذن» أي تأملوا سلامتهما عن الآفات. # وروي «أنه - عليه الصلاة والسلام - نهى أن يضحى بعضباء الأذن» ، ولو ذهب ~~بعض هذه الأعضاء دون بعض من الأذن والألية والذنب والعين، ذكر في الجامع ~~الصغير ينظر فإن كان الذاهب كثيرا يمنع جواز التضحية وإن كان يسيرا لا ~~يمنع؛ لأن اليسير مما لا يمكن التحرز عنه إذ الحيوان لا يخلو عنه عادة، فلو ~~اعتبر مانعا لضاق الأمر على الناس ووقعوا في الحرج. # واختلف أصحابنا في الحد الفاصل بين القليل والكثير فعن أبي حنيفة - رحمه ~~الله - أربع روايات، روى محمد - رحمه الله - عنه في الأصل، وفي الجامع ~~الصغير أنه إن كان ذهب الثلث أو أقل جاز وإن كان أكثر من الثلث لا يجوز، ~~وروى أبو يوسف - رحمه الله - أنه إن كان ذهب الثلث لا يجوز وإن كان أقل من ~~ذلك جاز وقال أبو يوسف - رحمه الله -: ذكرت قولي لأبي ms2770 حنيفة - رحمه الله - ~~فقال: قولي مثل قولك، وقول أبي يوسف أنه إن كان الباقي أكثر من الذاهب يجوز ~~وإن كان أقل منه أو مثله لا يجوز. # وروى أبو عبد الله البلخي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه إذا ذهب ~~الربع لم يجزه، وذكر الكرخي قول محمد مع قول أبي حنيفة في روايته عنه في ~~الأصل، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي قوله مع قول أبي يوسف. # (وجه) قول أبي يوسف وهو إحدى الروايات عن أبي حنيفة أن القليل والكثير من ~~الأسماء الإضافية فما كان مضافه أقل منه يكون كثيرا وما كان أكثر منه يكون ~~قليلا إلا أنه قد قال بعدم الجواز إذا كانا سواء احتياطا لاجتماع جهة ~~الجواز وعدم الجواز إلا أنه يعتبر بقاء الأكثر للجواز ولم يوجد. # وروي «عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه نهى عن العضباء» قال سعيد بن ~~المسيب: العضباء التي ذهب أكثر أذنها، فقد اعتبر النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - الأكثر، وأما وجه رواية اعتبار الربع كثيرا فلأنه يلحق بالكثير ~~في كثير من المواضع كما في مسح الرأس والحلق في حق المحرم ففي موضع ~~الاحتياط أولى. # وأما وجه رواية اعتبار الثلث كثيرا فلقول النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~في باب الوصية «الثلث والثلث كثير» جعل - عليه الصلاة والسلام - الثلث ~~كثيرا مطلقا، وأما وجه رواية اعتباره قليلا فاعتباره بالوصية؛ لأن الشرع ~~جوز الوصية بالثلث ولم يجوز بما زاد على الثلث فدل أنه إذا لم يزد على ~~الثلث لا يكون كثيرا وأما الهتماء وهي التي لا أسنان لها فإن كانت ترعى ~~وتعتلف جازت وإلا فلا، وذكر في المنتقى عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه إن ~~كان لا يمنعها عن الاعتلاف تجزيه وإن كان يمنعها عن الاعتلاف إلا أن يصب في ~~جوفها صبا لم تجزه، وقال أبو يوسف في قول لا تجزي سواء اعتلفت أو لم تعتلف، ~~وفي قول إن ذهب أكثر أسنانها لا تجزي كما قال في الأذن والألية والذنب، وفي ~~قول إن بقي من أسنانها قدر ما تعتلف ms2771 تجزي وإلا فلا. # وتجوز الثولاء وهي المجنونة إلا إذا كان ذلك يمنعها عن الرعي والاعتلاف ~~فلا تجوز لأنه يفضي إلى # PageV05P075 # هلاكها فكان عيبا فاحشا وتجوز الجرباء إذا كانت سمينة فإن كانت مهزولة لا ~~تجوز وتجزي الجماء وهي التي لا قرن لها خلقة، وكذا مكسورة القرن تجزي لما ~~روي أن سيدنا «عليا - رضي الله عنه - سئل عن القرن فقال: لا يضرك أمرنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستشرف العين والأذن» وروي أن «رجلا ~~من همذان جاء إلى سيدنا علي - رضي الله عنه - فقال: يا أمير المؤمنين ~~البقرة عن كم؟ قال: عن سبعة ثم قال: مكسورة القرن؟ قال: لا ضير ثم قال: ~~عرجاء؟ فقال: إذا بلغت المنسك، ثم قال سيدنا علي - كرم الله وجهه -: أمرنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستشرف العين والأذن» . # فإن بلغ الكسر المشاش لا تجزيه، والمشاش: رءوس العظام مثل الركبتين ~~والمرفقين وتجزي الشرقاء وهي مشقوقة الأذن طولا؛ وما روي «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - نهى أن يضحى بالشرقاء والخرقاء والمقابلة والمدابرة» ~~فالخرقاء هي مشقوقة الأذن والمقابلة هي التي يقطع من مقدم أذنها شيء ولا ~~يبان بل يترك معلقا والمدابرة أن يفعل ذلك بمؤخر الأذن من الشاة، فالنهي في ~~الشرقاء والمقابلة والمدابرة محمول على الندب، وفي الخرقاء على الكثير، على ~~اختلاف الأقاويل في حد الكثير على ما بينا ولا بأس بما فيه سمة في أذنه؛ ~~لأن ذلك لا يعد عيبا في الشاة، ولأنه عيب يسير أو لأن السمة لا يخلو عنها ~~الحيوان ولا يمكن التحرز عنها. # ولو اشترى رجل أضحية وهي سمينة فعجفت عنده حتى صارت بحيث لو اشتراها على ~~هذه الحالة لم تجزه إن كان موسرا، وإن كان معسرا أجزأته؛ لأن الموسر تجب ~~عليه الأضحية في ذمته وإنما أقام ما اشترى لها مقام ما في الذمة فإذا نقصت ~~لا تصلح أن تقام مقام ما في الذمة فبقي ما في ذمته بحاله. # وأما الفقير فلا أضحية في ذمته فإذا اشتراها للأضحية فقد تعينت ms2772 الشاة ~~المشتراة للقربة فكان نقصانها كهلاكها حتى لو كان الفقير أوجب على نفسه ~~أضحية لا تجوز هذه لأنها وجبت عليه بإيجابه فصار كالغني الذي وجبت عليه ~~بإيجاب الله - عز شأنه -. # ولو اشترى أضحية وهي صحيحة ثم أعورت عنده وهو موسر أو قطعت أذنها كلها أو ~~أليتها أو ذنبها أو انكسرت رجلها فلم تستطع أن تمشي لا تجزي عنه، وعليه ~~مكانها أخرى لما بينا بخلاف الفقير. # وكذلك إن ماتت عنده أو سرقت، ولو قدم أضحية ليذبحها فاضطربت في المكان ~~الذي يذبحها فيه فانكسرت رجلها ثم ذبحها على مكانها أجزأه، وكذلك إذا ~~انقلبت منه الشفرة فأصابت عينها فذهبت والقياس أن لا يجوز. # (وجه) القياس أن هذا عيب دخلها قبل تعيين القربة فيها فصار كما لو كان ~~قبل حال الذبح. # (وجه) الاستحسان أن هذا مما لا يمكن الاحتراز عنه لأن الشاة تضطرب ~~فتلحقها العيوب من اضطرابها. # وروي عن أبي يوسف أنه قال: لو عالج أضحية ليذبحها فكسرت أو أعورت فذبحها ~~ذلك اليوم أو من الغد فإنها تجزي؛ لأن ذلك النقصان لما لم يعتد به في الحال ~~لو ذبحها فكذا في الثاني كالنقصان اليسير، والله - عز شأنه - أعلم. # والثاني ملك المحل؛ وهو أن يكون المضحى ملك من عليه الأضحية، فإن لم يكن ~~لا تجوز لأن التضحية قربة ولا قربة في الذبح بملك الغير بغير إذنه، وعلى ~~هذا يخرج ما إذا اغتصب شاة إنسان فضحى بها عن نفسه أنه لا تجزيه لعدم الملك ~~ولا عن صاحبها لعدم الإذن ثم إن أخذها صاحبها مذبوحة وضمنه النقصان فكذلك ~~لا تجوز عن التضحية وعلى كل واحد منهما أن يضحي بأخرى لما قلنا، وإن ضمنه ~~صاحبها قيمتها حية فإنها تجزي عن الذابح لأنه ملكها بالضمان من وقت الغصب ~~بطريق الظهور والاستناد فصار ذابحا شاة هي ملكه فتجزيه لكنه يأثم؛ لأن ~~ابتداء فعله وقع محظورا فتلزمه التوبة والاستغفار، وهذا قول أصحابنا ~~الثلاثة. # وقال زفر: لا تجزي عن الذابح أيضا بناء على أن المضمونات تملك بالضمان ~~عندنا وعند زفر لا تملك، ms2773 وبه أخذ الشافعي وأصل المسألة في كتاب الغصب. # وكذلك إذا اغتصب شاة إنسان كان اشتراها للأضحية فضحاها عن نفسه بغير أمره ~~لما قلنا وكذلك الجواب في الشاة المستحقة بأن اشترى شاة ليضحي بها فضحى بها ~~ثم استحقها رجل بالبينة أنه إن أخذها المستحق مذبوحة لا تجزي عن واحد ~~منهما، وعلى كل واحد منهما أن يضحي بشاة أخرى ما دام في أيام النحر، وإن ~~مضت أيام النحر فعلى الذابح أن يتصدق بقيمة شاة وسط ولا يلزمه التصدق بقيمة ~~تلك الشاة المشتراة؛ لأنه بالاستحقاق تبين أن شراءه إياها للأضحية والعدم ~~بمنزلة، بخلاف ما إذا اشترى شاة للأضحية ثم باعها حيث يلزمه التصدق بقيمتها ~~لأن شراءه إياها للأضحية قد صح لوجود الملك فيجب عليه # PageV05P076 # التصدق بقيمتها وإن تركها عليه وضمنه قيمتها جاز الذبح عندنا كما في ~~الغصب. # ولو أودع رجل رجلا شاة يضحي بها المستودع عن نفسه يوم النحر فاختار ~~صاحبها القيمة ورضي بها فأخذها فإنها لا تجزي المستودع من أضحيته، بخلاف ~~الشاة المغصوبة والمستحقة، ووجه الفرق أن سبب وجوب الضمان ههنا هو الذبح ~~والملك ثبت بعد تمام السبب - وهو الذبح - فكان الذبح مصادفا ملك غيره فلا ~~يجزيه، بخلاف الغاصب فإنه كان ضامنا قبل الذبح لوجود سبب وجوب الضمان وهو ~~الغصب السابق، فعند اختيار الضمان أو أدائه يثبت الملك له من وقت السبب وهو ~~الغصب فالذبح صادف ملك نفسه فجاز، وكل جواب عرفته في الوديعة فهو الجواب في ~~العارية والإجارة بأن استعار ناقة أو ثورا أو بعيرا أو استأجره فضحى به أنه ~~لا يجزيه عن الأضحية سواء أخذها المالك أو ضمنه القيمة؛ لأنها أمانة في يده ~~وإنما يضمنها بالذبح فصار كالوديعة، ولو كان مرهونا ينبغي أن يجوز لأنه ~~يصير ملكا له من وقت القبض كما في الغصب بل أولى. # ومن المشايخ من فصل في الرهن تفصيلا لا بأس به فقال: إن كان قدر الرهن ~~مثل الدين أو أقل منه يجوز، فأما إذا كانت قيمته أكثر من الدين فينبغي أن ~~لا يجوز لأنه إذا ms2774 كان كذلك كان بعضه مضمونا وبعضه أمانة، ففي قدر الأمانة ~~إنما يضمنه بالذبح فيكون بمنزلة الوديعة ولو اشترى شاة بيعا فاسدا فقبضها ~~فضحى بها جاز لأنه يملكها بالقبض وللبائع أن يضمنه قيمتها حية، إن شاء وإن ~~شاء أخذها مذبوحة لأن الذبح لا يبطل حقه في الاسترداد؛ فإن ضمنه قيمتها حية ~~فلا شيء على المضحي وإن أخذها مذبوحة فعلى المضحي أن يتصدق بقيمتها مذبوحة ~~لأنه بالرد أسقط الضمان عن نفسه فصار كأنه باعها بمقدار القيمة التي وجبت ~~عليه، وكذلك لو وهب له شاة هبة فاسدة فضحى بها فالواهب بالخيار إن شاء ضمنه ~~قيمتها حية وتجوز الأضحية ويأكل منها وإن شاء استردها واسترد قيمة النقصان ~~ويضمن الموهوب له قيمتها فيتصدق بها إذا كان بعد مضي وقت الأضحية. # وكذلك المريض مرض الموت لو وهب شاة من رجل في مرضه وعليه دين مستغرق فضحى ~~بها الموهوب له فالغرماء بالخيار إن شاءوا استردوا عينها وعليه أن يتصدق ~~بقيمتها وإن شاءوا ضمنوه قيمتها فتجوز الأضحية؛ لأن الشاة كانت مضمونة عليه ~~فإذا ردها فقد أسقط الضمان عن نفسه كما قلنا في البيع الفاسد. # ولو اشترى شاة بثوب فضحى بها المشتري ثم وجد البائع بالثوب عيبا فرده فهو ~~بالخيار إن شاء ضمنه قيمة الشاة ولا يتصدق المضحي ويجوز له الأكل وإن شاء ~~استردها ناقصة مذبوحة، فبعد ذلك ينظر إن كانت قيمة الثوب أكثر يتصدق بالثوب ~~كأنه باعها بالثوب، وإن كانت قيمة الشاة أكثر يتصدق بقيمة الشاة لأن الشاة ~~كانت مضمونة عليه فيرد ما أسقط الضمان عن نفسه كأنه باعها بثمن ذلك القعد ~~من قيمتها فيتصدق بقيمتها، ولو وجد بالشاة عيبا فالبائع بالخيار إن شاء ~~قبلها ورد الثمن ويتصدق المشتري بالثمن إلا حصة النقصان لأنه لم يوجب حصة ~~النقصان على نفسه، وإن شاء لم يقبل ورد حصة العيب ولا يتصدق المشتري بها ~~لأن ذلك النقصان لم يدخل في القربة وإنما دخل في القربة ما ذبح وقد ذبح ~~ناقصا إلا في جزاء الصيد فإنه ينظر إن لم يكن مع هذا ms2775 العيب عدلا للصيد ~~فعليه أن يتصدق بالفضل لما نذكر. # ولو وهب لرجل شاة فضحى بها الموهوب له أجزأته عن الأضحية لأنه ملكها ~~بالهبة والقبض فصار كما لو ملكها بالشراء، فلو أنه ضحى بها ثم أراد الواهب ~~أن يرجع له أجزأته عن الأضحية لأنه ملكها بالهبة والقبض فصار كما لو ملكها ~~بالشراء فلو أنه ضحى بها ثم أراد الواهب أن يرجع في هبته فعند أبي يوسف - ~~رحمه الله - ليس له ذلك بناء على أن الأضحية بمنزلة الوقف عنده فإذا ذبحها ~~الموهوب له عن أضحيته أو أوجبها أضحية لا يملك الرجوع فيها؛ كما لو أعتق ~~الموهوب له العبد أنه ينقطع حق الواهب عن الرجوع، كذا ههنا، وعند محمد - ~~عليه الرحمة - له ذلك لأن الذبح نقصان والنقصان لا يمنع الرجوع، ولا يجب ~~على المضحي أن يتصدق بشيء لأن الشاة لم تكن مضمونة عليه فصار في الحكم ~~بمنزلة ابتداء الهبة، ولو وهبها أو استهلكها لا شيء عليه. # هذا ولو كان هذا في جزاء الصيد أو في كفارة الحلق أو في موضع يجب عليه ~~التصدق باللحم فإذا رجع الواهب في الهبة فعليه أن يتصدق بقيمتها؛ لأن ~~التصدق واجب عليه فصار كما إذا استهلكها ولأنه ذبح شاة لغيره حق الرجوع ~~فيها فصار كأنه هو الذي دفع إليه، والرجوع في الهبة بقضاء وبغير قضاء سواء ~~في هذا الفصل يفترق الجواب بين ما يجب صدقة وبين ما لا يجب # PageV05P077 # وفي الفصول الأول يستوي الجواب بينهما. # ولو وهب المريض مرض الموت شاة لإنسان وقبضها الموهوب له فضحاها ثم مات ~~الواهب من مرضه ذلك ولا مال له غيرها فالورثة بالخيار إن شاءوا ضمنوا ~~الموهوب له ثلثي قيمتها حية وإن شاءوا أخذوا ثلثيها مذبوحة فإن ضمنوه ثلثي ~~قيمتها حية فلا شيء على الموهوب له؛ لأنها لو كانت مغصوبة فضمن قيمتها لا ~~شيء عليه غير ذلك فهذه أولى، وإن أخذوا ثلثيها اختلف المشايخ فيه؛ قال ~~بعضهم: القياس أن يتصدق بثلثي قيمتها حية لأن الموهوب له قد ضمن ثلثي ~~قيمتها حية ثم سقط ms2776 عنه ثلث قيمتها حية يأخذ الورثة منه ثلثي الشاة مذبوحة ~~فصار كأنه باعها بذلك وقضى دينا عليه بثلثي الشاة فعليه أن يتصدق بذلك ~~القدر، وقال بعضهم: لا شيء عليه إلا ثلثي قيمتها مذبوحة لأن الورثة لما ~~أخذوا ثلثيها مذبوحة فقد أبرءوا الموهوب له من فضل ما بين ثلثي قيمتها حية ~~إلى ثلثي قيمتها مذبوحة فلا يجب على الموهوب له إلا ثلثا قيمتها مذبوحة. # وهكذا ذكر في نوادر الضحايا عن محمد - عليه الرحمة - في هذه المسألة أن ~~الورثة بالخيار إن شاءوا ضمنوا ثلثي قيمة الشاة وسلموا له لحمها وإن شاءوا ~~أخذوا ثلثي لحمها وكانوا شركاءه فيها، فإن ضمنوا ثلثي القيمة أجزأت عنه ~~الأضحية وإن شاركوه فيها وأخذوا ثلثي لحمها فعليه أن يتصدق بثلثي قيمتها ~~مذبوحة وقد أجزأت عنه من قبل أنه ذبحها وهو يملكها والله - عز شأنه - أعلم. ### | [فصل في بيان ما يستحب قبل التضحية وبعدها وما يكره] # (فصل) : # وأما بيان ما يستحب قبل التضحية وعندها وبعدها وما يكره أما الذي هو قبل ~~التضحية فيستحب أن يربط الأضحية قبل أيام النحر بأيام لما فيه من الاستعداد ~~للقربة وإظهار الرغبة فيها فيكون له فيه أجر وثواب وأن يقلدها ويجللها ~~اعتبارا بالهدايا، والجامع أن ذلك يشعر بتعظيمها قال الله تعالى {ذلك ومن ~~يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32] وأن يسوقها إلى المنسك ~~سوقا جميلا لا عنيفا وأن لا يجر برجلها إلى المذبح كما ذكرنا في كتاب ~~الذبائح. # ولو اشترى شاة للأضحية فيكره أن يحلبها أو يجز صوفها فينتفع به لأنه ~~عينها للقربة فلا يحل له الانتفاع بجزء من أجزائها قبل إقامة القربة فيها، ~~كما لا يحل له الانتفاع بلحمها إذا ذبحها قبل وقتها ولأن الحلب والجز يوجب ~~نقصا فيها وهو ممنوع عن إدخال النقص في الأضحية، ومن المشايخ من قال هذا في ~~الشاة المنذور بها بعينها من المعسر أو الموسر أو الشاة المشتراة للأضحية ~~من المعسر فأما المشتراة من الموسر للأضحية فلا بأس أن يحلبها ويجز صوفها؛ ~~لأن في الأول تعينت ms2777 الشاة لوجوب التضحية بها بدليل أنه لا تقوم التضحية ~~بغيرها مقامها وإذا تعينت لوجوب التضحية بها بتعيينه لا يجوز له الرجوع في ~~جزء منها، وفي الثاني لم تتعين للوجوب بل الواجب في ذمته وإنما يسقط بها ما ~~في ذمته بدليل أن غيرها يقوم مقامها فكانت جائزة الذبح لا واجبة الذبح، ~~والجواب على نحو ما ذكرنا فيما تقدم أن المشتراة للأضحية متعينة للقربة إلى ~~أن يقام غيرها مقامها فلا يحل الانتفاع بها ما دامت متعينة ولهذا لا يحل له ~~لحمها إذا ذبحها قبل وقتها، فإن كان في ضرعها لبن - وهو يخاف عليها إن لم ~~يحلبها - نضح ضرعها بالماء البارد حتى يتقلص اللبن لأنه لا سبيل إلى الحلب ~~ولا وجه لإبقائها كذلك لأنه يخاف عليها الهلاك فيتضرر به فتعين نضح الضرع ~~بالماء البارد لينقطع اللبن فيندفع الضرر فإن حلب تصدق باللبن لأنه جزء من ~~شاة متعينة للقربة ما أقيمت فيها القربة فكان الواجب هو التصدق به، كما لو ~~ذبحت قبل الوقت فعليه أن يتصدق بمثله لأنه من ذوات الأمثال، وإن تصدق ~~بقيمته جاز لأن القيمة تقوم مقام العين، وكذلك الجواب في الصوف والشعر ~~والوبر. # ويكره له بيعها لما قلنا، ولو باع جاز في قول أبي حنيفة ومحمد - عليهما ~~الرحمة - لأنه بيع مال مملوك منتفع به مقدور التسليم وغير ذلك من الشرائط ~~فيجوز، وعند أبي يوسف - رحمه الله - لا يجوز؛ لما روي عنه أنه بمنزلة الوقف ~~ولا يجوز بيع الوقف ثم إذا جاز بيعها على أصلهما فعليه مكانها مثلها أو ~~أرفع منها فيضحي بها فإن فعل ذلك فليس عليه شيء آخر، وإن اشترى دونها فعليه ~~أن يتصدق بفضل ما بين القيمتين ولا ينظر إلى الثمن وإنما ينظر إلى القيمة ~~حتى لو باع الأولى بأقل من قيمتها واشترى الثانية بأكثر من قيمتها وثمن ~~الثانية أكثر من ثمن الأولى يجب عليه أن يتصدق بفضل قيمة الأولى، فإن ولدت ~~الأضحية ولدا يذبح ولدها مع الأم كذا ذكر في الأصل. # وقال أيضا: وإن باعه يتصدق بثمنه؛ لأن ms2778 الأم تعينت للأضحية، والولد يحدث ~~على وصف الأم في الصفات الشرعية فيسري إلى # PageV05P078 # الولد كالرق والحرية، ومن المشايخ من قال هذا في الأضحية الموجبة بالنذر ~~كالفقير إذا اشترى شاة للأضحية، فأما الموسر إذا اشترى شاة للأضحية فولدت ~~لا يتبعها ولدها؛ لأن في الأول تعين الوجوب فيسري إلى الولد وفي الثاني لم ~~يتعين لأنه لا تجوز التضحية بغيرها فكذا ولدها. # وذكر القدوري - رحمه الله - وقال: كان أصحابنا يقولون يجب ذبح الولد، ولو ~~تصدق به جاز؛ لأن الحق لم يسر إليه ولكنه متعلق به فكان كجلالها وخطامها ~~فإن ذبحه تصدق بقيمته وإن باعه تصدق بثمنه، ولا يبيعه ولا يأكله، وقال ~~بعضهم: لا ينبغي له أن يذبحه، وقال بعضهم: إنه بالخيار إن شاء ذبحه أيام ~~النحر وأكل منه كالأم وإن شاء تصدق به، فإن أمسك الولد حتى مضت أيام النحر ~~تصدق به؛ لأنه فات ذبحه فصار كالشاة المنذورة. # وذكر في المنتقى: إذا وضعت الأضحية فذبح الولد يوم النحر قبل الأم أجزأه، ~~فإن تصدق به يوم الأضحى قبل أن يعلم فعليه أن يتصدق بقيمته، قال القدوري - ~~رحمه الله -: وهذا على أصل محمد - عليه الرحمة - أن الصغار تدخل في الهدايا ~~ويجب ذبحها، ولو ولدت الأضحية تعلق بولدها من الحكم ما يتعلق بها فصار كما ~~لو فات بمضي الأيام. # ويكره له ركوب الأضحية واستعمالها والحمل عليها، فإن فعل فلا شيء عليه ~~إلا أن يكون نقصها ذلك فعليه أن يتصدق بنقصانها، ولو آجرها صاحبها ليحمل ~~عليها قال بعض المشايخ: ينبغي أن يغرم ما نقصها الحمل فإنه ذكر في المنتقى ~~في رجل أهدى ناقة ثم آجرها ثم حمل عليها فإن صاحبها يغرم ما نقصها ذلك ~~ويتصدق بالكراء كذا ههنا. # (وأما) الذي هو في حال التضحية فبعضها يرجع إلى نفس التضحية وبعضها يرجع ~~إلى من عليه التضحية وبعضها يرجع إلى الأضحية وبعضها يرجع إلى وقت التضحية ~~وبعضها يرجع إلى آلة التضحية: أما الذي يرجع إلى نفس التضحية فما ذكرنا في ~~كتاب الذبائح وهو أن المستحب هو الذبح في الشاة ms2779 والبقر والنحر في الإبل ~~ويكره القلب من ذلك وقطع العروق الأربعة كلها والتذفيف في ذلك وأن يكون ~~الذبح من الحلقوم لا من القفا. # (وأما) الذي يرجع إلى من عليه التضحية فالأفضل أن يذبح بنفسه إن قدر عليه ~~لأنه قربة فمباشرتها بنفسه أفضل من توليتها غيره كسائر القربات، والدليل ~~عليه ما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساق مائة بدنة فنحر منها ~~نيفا وستين بيده الشريفة - عليه الصلاة والسلام - ثم أعطى المدية سيدنا ~~عليا - رضي الله عنه - فنحر الباقين» وهذا إذا كان الرجل يحسن الذبح ويقدر ~~عليه، فأما إذا لم يحسن فتوليته غيره فيه أولى، وقد روي عن أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه - أنه قال: نحرت بدنة قائمة معقولة فلم أشق عليها فكدت أهلك ناسا ~~لأنها نفرت فاعتقدت أن لا أنحرها إلا باركة معقولة وأولي من هو أقدر على ~~ذلك مني. # وفي حديث أنس - رضي الله عنه - «أن النبي - عليه الصلاة والسلام - ضحى ~~بكبشين أملحين أقرنين قال أنس: فرأيت النبي - عليه الصلاة والسلام - واضعا ~~قدمه على صفاحهما أي على جوانب عنقهما وهو يذبحهما بيده - عليه الصلاة ~~والسلام - مستقبل القبلة فذبح الأول فقال بسم الله والله أكبر اللهم هذا عن ~~محمد وعن آل محمد ثم ذبح الآخر وقال - عليه الصلاة والسلام - اللهم هذا عمن ~~شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ» ويستحب أن يكون الذابح حال الذبح متوجها ~~إلى القبلة لما روينا وإذا لم يذبح بنفسه يستحب له أن يأمر مسلما فإن أمر ~~كتابيا يكره لما قلنا ويستحب أن يحضر الذبح لما روي عن سيدنا علي - رضي ~~الله عنه - أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال لسيدتنا فاطمة - رضي الله ~~عنها - «يا فاطمة بنت محمد قومي فاشهدي ضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر ~~من دمها مغفرة لكل ذنب أما إنه يجاء بدمها ولحمها فيوضع في ميزانك وسبعون ~~ضعفا فقال أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - يا نبي الله هذا لآل محمد خاصة ~~فإنهم أصل لما خصوا به من الخير أم لآل ms2780 محمد وللمسلمين عامة فقال: هذا لآل ~~محمد خاصة وللمسلمين عامة» . # وفي حديث عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من ~~دمها كل ذنب عملتيه وقولي إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا ~~شريك له» وأن يدعو فيقول: اللهم منك ولك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين لما روينا، وأن يقول ذلك ~~قبل التسمية أو بعدها لما روي عن جابر - رضي الله عنه - قال: «ضحى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بكبشين فقال حين وجههما: وجهت وجهي للذي فطر # PageV05P079 # السموات والأرض حنيفا مسلما اللهم منك ولك عن محمد وأمته بسم الله والله ~~أكبر» . # وروي عن الحسن بن المعتم الكناني قال: خرجت مع سيدنا علي بن أبي طالب - ~~رضي الله عنه - يوم الأضحى إلى عيد فلما صلى قال يا قنبر أدن مني أحد ~~الكبشين فأخذ بيده فأضجعه ثم قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا ~~وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك ~~له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين بسم الله اللهم منك ولك بسم الله والله ~~أكبر اللهم تقبل من علي فذبحه ثم دعا بالثاني ففعل به مثل ذلك ويستحب أن ~~يجرد التسمية عن الدعاء فلا يخلط معها دعاء وإنما يدعو قبل التسمية أو ~~بعدها، ويكره حالة التسمية. # (وأما) الذي يرجع إلى الأضحية فالمستحب أن يكون أسمنها وأحسنها وأعظمها ~~لأنها مطية الآخرة قال - عليه الصلاة والسلام - «عظموا ضحاياكم فإنها على ~~الصراط مطاياكم» ومهما كانت المطية أعظم وأسمن كانت على الجواز على الصراط ~~أقدر، وأفضل الشاء أن يكون كبشا أملح أقرن موجوءا؛ لما روى جابر - رضي الله ~~عنه - «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين أملحين أقرنين ~~موجوءين عظيمين سمينين» والأقرن: العظيم القرن، والأملح: الأبيض. # وروي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال «دم العفراء يعدل ms2781 عند الله مثل دم ~~السوداوين وإن أحسن اللون عند الله البياض، والله خلق الجنة بيضاء» ~~والموجوء: قيل هو مدقوق الخصيتين، وقيل: هو الخصي، كذا روي عن أبي حنيفة - ~~رحمه الله - فإنه روي عنه أنه سئل عن التضحية بالخصي فقال: ما زاد في لحمه ~~أنفع مما ذهب من خصيتيه. # (وأما) الذي يرجع إلى وقت التضحية فالمستحب هو اليوم الأول من أيام النحر ~~لما روينا عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم قالوا: أيام النحر ~~ثلاثة؛ أولها أفضلها ولأنه مسارعة إلى الخير وقد مدح الله - جل شأنه - ~~المسارعين إلى الخيرات السابقين لها بقوله - عز شأنه - {أولئك يسارعون في ~~الخيرات وهم لها سابقون} [المؤمنون: 61] وقال - عز شأنه - {وسارعوا إلى ~~مغفرة من ربكم} [آل عمران: 133] أي إلى سبب المغفرة ولأن الله - جل شأنه - ~~أضاف عباده في هذه الأيام بلحوم القرابين فكانت التضحية في أول الوقت من ~~باب سرعة الإجابة إلى ضيافة الله - جل شأنه -، والمستحب أن تكون بالنهار ~~ويكره أن تكون بالليل لما ذكرنا في كتاب الذبائح والصيود، وأفضل وقت ~~التضحية لأهل السواد ما بعد طلوع الشمس؛ لأن عنده يتكامل آثار أول النهار ~~والله - عز وجل - أعلم. # (وأما) الذي يرجع إلى آلة التضحية فما ذكرنا في كتاب الذبائح وهو أن تكون ~~آلة الذبح حادة من الحديد. # (وأما) الذي هو بعد الذبح فالمستحب أن يتربص بعد الذبح قدر ما يبرد ويسكن ~~من جميع أعضائه وتزول الحياة عن جميع جسده ويكره أن ينخع ويسلخ قبل أن يبرد ~~لما ذكرنا في كتاب الذبائح ولصاحب الأضحية أن يأكل من أضحيته لقوله تعالى ~~{فكلوا منها} [الحج: 28] ولأنه ضيف الله - جل شأنه - في هذه الأيام كغيره ~~فله أن يأكل من ضيافة الله - عز شأنه - وجملة الكلام فيه أن الدماء أنواع ~~ثلاثة:. # نوع يجوز لصاحبه أن يأكل منه بالإجماع، ونوع لا يجوز له أن يأكل منه ~~بالإجماع، ونوع اختلف فيه، الأول دم الأضحية نفلا كان أو واجبا منذورا كان ~~أو واجبا مبتدأ، والثاني دم الإحصار وجزاء الصيد ودم الكفارة الواجبة ms2782 بسبب ~~الجناية على الإحرام كحلق الرأس ولبس المخيط والجماع بعد الوقوف بعرفة وغير ~~ذلك من الجنايات، ودم النذر بالذبح، والثالث دم المتعة والقران، فعندنا ~~يؤكل وعند الشافعي - رحمه الله - لا يؤكل، وهي من مسائل المناسك ثم كل دم ~~يجوز له أن يأكل منه لا يجب عليه أن يتصدق به بعد الذبح؛ إذ لو وجب عليه ~~التصدق لما جاز له أن يأكل منه، وكل دم لا يجوز له أن يأكل منه يجب عليه أن ~~يتصدق به بعد الذبح إذ لو لم يجب لأدى إلى التسييب. # ولو هلك اللحم بعد الذبح لا ضمان عليه في النوعين جميعا أما في النوع ~~الأول فظاهر وأما في الثاني فلأنه هلك عن غير صنعه فلا يكون مضمونا عليه ~~وإن استهلكه بعد الذبح إن كان من النوع الثاني يغرم قيمته لأنه أتلف مالا ~~متعينا للتصدق به فيغرم قيمته ويتصدق بها، وإن كان من النوع الأول لا يغرم ~~شيئا ولو باعه نفذ بيعه سواء كان من النوع الأول أو الثاني فعليه أن يتصدق ~~بثمنه ويستحب له أن يأكل من أضحيته لقوله تعالى - عز شأنه - {فكلوا منها ~~وأطعموا البائس الفقير} [الحج: 28] وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~أنه قال «إذا ضحى أحدكم فليأكل من أضحيته ويطعم منه غيره» . # وروي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال لغلامه قنبر - حين ضحى ~~بالكبشين # PageV05P080 # يا قنبر خذ لي من كل واحد منهما بضعة وتصدق بهما بجل ودهما وبرءوسهما ~~وبأكارعهما، والأفضل أن يتصدق بالثلث ويتخذ الثلث ضيافة لأقاربه وأصدقائه ~~ويدخر الثلث لقوله تعالى {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} [الحج: 36] ~~وقوله - عز شأنه - {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} [الحج: 28] وقول ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - «كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فكلوا منها ~~وادخروا» فثبت بمجموع الكتاب العزيز والسنة أن المستحب ما قلنا ولأنه يوم ~~ضيافة الله - عز وجل - بلحوم القرابين فيندب إشراك الكل فيها ويطعم الفقير ~~والغني جميعا لكون الكل أضياف الله تعالى - عز شأنه - في هذه الأيام وله أن ~~يهبه منهما جميعا، ولو ms2783 تصدق بالكل جاز ولو حبس الكل لنفسه جاز؛ لأن القربة ~~في الإراقة. # (وأما) التصدق باللحم فتطوع وله أن يدخر الكل لنفسه فوق ثلاثة أيام؛ لأن ~~النهي عن ذلك كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ بما روي عن النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - أنه قال «إني كنت نهيتكم عن إمساك لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام ~~ألا فأمسكوا ما بدا لكم» وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال «إنما ~~نهيتكم لأجل الرأفة دون حضرة الأضحى» ألا إن إطعامها والتصدق أفضل إلا أن ~~يكون الرجل ذا عيال وغير موسع الحال فإن الأفضل له حينئذ أن يدعه لعياله ~~ويوسع به عليهم؛ لأن حاجته وحاجة عياله مقدمة على حاجة غيره قال النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - «ابدأ بنفسك ثم بغيرك» . # ولا يحل بيع جلدها وشحمها ولحمها وأطرافها ورأسها وصوفها وشعرها ووبرها ~~ولبنها الذي يحلبه منها بعد ذبحها بشيء لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاك ~~عينه من الدراهم والدنانير والمأكولات والمشروبات، ولا أن يعطي أجر الجزار ~~والذابح منها؛ لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من ~~باع جلد أضحيته فلا أضحية له» وروي أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال ~~لعلي - رضي الله عنه -: " تصدق بجلالها وخطامها، ولا تعطي أجرا لجزار منها ~~" وروي عن سيدنا علي - كرم الله وجهه - أنه قال: إذا ضحيتم فلا تبيعوا لحوم ~~ضحاياكم ولا جلودها وكلوا منها وتمتعوا ولأنها من ضيافة الله - عز شأنه - ~~التي أضاف بها عباده وليس للضيف أن يبيع من طعام الضيافة شيئا فإن باع شيئا ~~من ذلك نفذ عند أبي حنيفة ومحمد. # وعند أبي يوسف لا ينفذ لما ذكرنا فيما قبل الذبح ويتصدق بثمنه؛ لأن ~~القربة ذهبت عنه فيتصدق به ولأنه استفاده بسبب محظور وهو البيع فلا يخلو عن ~~خبث فكان سبيله التصدق وله أن ينتفع بجلد أضحيته في بيته بأن يجعله سقاء أو ~~فروا أو غير ذلك؛ لما روي عن سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - أنها اتخذت من ~~جلد أضحيتها سقاء ولأنه يجوز الانتفاع بلحمها فكذا بجلدها، ms2784 وله أن يبيع هذه ~~الأشياء بما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه من متاع البيت كالجراب والمنخل؛ ~~لأن البدل الذي يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه يقوم مقام المبدل فكان ~~المبدل قائما معنى فكان الانتفاع به كالانتفاع بعين الجلد بخلاف البيع ~~بالدراهم والدنانير؛ لأن ذلك مما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه فلا ~~يقوم مقام الجلد فلا يكون الجلد قائما معنى والله تعالى - عز شأنه - أعلم. ### | [كتاب النذر] ### | [بيان ركن النذر وشرائطه] # (كتاب النذر) # الكلام في هذا الكتاب في الأصل في ثلاثة مواضع: في بيان ركن النذر، وفي ~~بيان شرائط الركن، وفي بيان حكم النذر أما الأول: فركن النذر هو الصيغة ~~الدالة عليه وهو قوله: " لله عز شأنه علي كذا، أو علي كذا، أو هذا هدي، أو ~~صدقة، أو مالي صدقة، أو ما أملك صدقة، ونحو ذلك. # (فصل) : # وأما شرائط الركن فأنواع: بعضها يتعلق بالناذر، وبعضها يتعلق بالمنذور ~~به، وبعضها يتعلق بنفس الركن. # أما الذي يتعلق بالناذر فشرائط الأهلية:. # (منها) العقل. # (ومنها) البلوغ، فلا يصح نذر المجنون والصبي الذي لا يعقل، لأن حكم النذر ~~وجوب المنذور به، وهما ليسا من أهل الوجوب، وكذا الصبي العاقل؛ لأنه ليس من ~~أهل وجوب الشرائع، ألا ترى أنه لا يجب عليهما شيء من الشرائع بإيجاب الشرع ~~ابتداء؟ فكذا بالنذر، إذ الوجوب عند # PageV05P081 # وجود الصيغة من الأهل في المحل بإيجاب الله - تعالى - لا بإيجاب العبد، ~~إذ ليس للعبد ولاية الإيجاب، وإنما الصيغة علم على إيجاب الله - تعالى -. # (ومنها) الإسلام فلا يصح نذر الكافر، حتى لو نذر ثم أسلم لا يلزمه الوفاء ~~به، وهو ظاهر مذهب الشافعي - رحمه الله -؛ لأن كون المنذور به قربة شرط صحة ~~النذر، وفعل الكافر لا يوصف بكونه قربة. # (وأما) حرية الناذر فليست من شرائط الصحة؛ فيصح نذر المملوك، ثم إن كان ~~المنذور به من القرب الدينية كالصلاة والصوم ونحوهما يجب عليه للحال، ولو ~~كان من القرب المالية كالإعتاق والإطعام ونحو ذلك يجب عليه بعد العتاق؛ ~~لأنه ليس من أهل الملك ms2785 للحال ولو قال: إن اشتريت هذه الشاة فهي هدي، أو إن ~~اشتريت هذا العبد فهو حر، فعتق لم يلزمه حتى يضيفه إلى ما بعد العتق في ~~قياس قول أبي حنيفة، وقد ذكرناه في كتاب العتاق. # (وأما) الطواعية فليست بشرط عندنا خلافا للشافعي - رحمه الله - كما في ~~اليمين، وكذا الجد والهزل والله - عز شأنه - أعلم. # (وأما) الذي يرجع إلى المنذور به فأنواع:. # (منها) أن يكون متصور الوجود في نفسه شرعا، فلا يصح النذر بما لا يتصور ~~وجوده شرعا كمن قال: لله - تعالى - علي أن أصوم ليلا أو نهارا أكل فيه، ~~وكالمرأة إذا قالت: لله علي أن أصوم أيام حيضي؛ لأن الليل ليس محل الصوم، ~~والأكل مناف للصوم حقيقة والحيض مناف له شرعا؛ إذ الطهارة عن الحيض والنفاس ~~شرط وجود الصوم الشرعي ولو قالت: لله علي أن أصوم غدا فحاضت في غد، أو ~~قالت: لله علي أن أصوم يوم يقدم فلان فقدم في يوم حاضت فيه لا شيء عليها ~~عند محمد، وعند أبي يوسف عليها قضاء ذلك اليوم، وهي من مسائل الصوم. # وعلى هذا يخرج ما إذا قال: لله - تعالى - علي أن أصوم اليوم الذي يقدم ~~فيه فلان، فقدم في النهار - أنه إن قدم قبل الزوال أو قبل أن يتناول شيئا ~~من المفطرات يلزمه صومه، وإن قدم بعد الزوال أو بعد ما تناول شيئا من ~~المفطرات لا يلزمه شيء؛ لأنه أوجب على نفسه صوم يوم موصوف بأنه يوجد فيه ~~قدوم فلان ولا علم له بهذا اليوم قبل القدوم ولا دليل العلم، ولا وجوب لهذا ~~الصوم بدون العلم؛ أو دليله؛ لأن ما ثبت أداؤه على قصد المؤدي في تحصيله لا ~~يجب أداؤه إلا بعد العلم بوجوبه أو دليل العلم، فلم يجب الصوم ما لم يوجد ~~اليوم الموصوف، ولا وجود إلا بالقدوم، فصار الوجوب على هذا التخريج متعلقا ~~بالقدوم، ووجوب صوم يوم لم تزل فيه الشمس، ولم يتناول شيئا من المفطرات ~~متصور، كما لو أنشأ النذر فوجب عليه للحال، ولا تصور له بعد التناول ms2786 وبعد ~~الزوال فلا يجب عليه شيء، بخلاف اليمين بأن قال: والله لأصومن اليوم الذي ~~يقدم فيه فلان فقدم بعد ما أكل، أو بعد الزوال - حنث في يمينه، والفرق أن ~~في باب النذر يجب الفعل حقا لله - تعالى -؛ لأن الوجوب بإيجاب الله - تعالى ~~- عند مباشرة سبب الوجوب من العبد فصار هذا وسائر العبادات المقصودة على ~~السواء. # (وأما) في باب اليمين: فالفعل في نفسه غير واجب، بل الواجب هو الامتناع ~~عن هتك حرمة اسم الله - تعالى عز شأنه - وإنما وجب الفعل لضرورة حصول البر، ~~وحصول البر أيضا لضرورة الامتناع عن الهتك فوجوبه لا يفتقر إلى العلم، فكان ~~وجوب تحصيل البر والامتناع ثابتا قبل وجود دليل الوجوب وهو القدوم، فوجب ~~عليه البر من أول وجود هذا اليوم الذي حلف أن يصومه وإن لم يكن له به علم، ~~فإذا لم يصم: بأن أكل أو امتنع من النذر حتى زالت الشمس حنث في يمينه لفوات ~~البر والله - عز شأنه - أعلم. # (ومنها) أن يكون قربة فلا يصح النذر بما ليس بقربة رأسا كالنذر بالمعاصي ~~بأن يقول: لله - عز شأنه - علي أن أشرب الخمر أو أقتل فلانا أو أضربه أو ~~أشتمه ونحو ذلك، لقوله - عليه الصلاة والسلام - «لا نذر في معصية الله ~~تعالى» ، وقوله: - عليه الصلاة والسلام - «من نذر أن يعصي الله - تعالى - ~~فلا يعصه» ، ولأن حكم النذر وجوب المنذور به، ووجوب فعل المعصية محال وكذا ~~النذر بالمباحات من الأكل والشرب والجماع ونحو ذلك لعدم وصف القربة ~~لاستوائهما فعلا وتركا، وكذا لو قال: علي طلاق امرأتي؛ لأن الطلاق ليس ~~بقربة فلا يلزم بالنذر، وهل يقع الطلاق به؟ فيه كلام نذكره إن شاء الله ~~تعالى. # (ومنها) أن يكون قربة مقصودة، فلا يصح النذر بعيادة المرضى وتشييع ~~الجنائز والوضوء والاغتسال ودخول المسجد ومس المصحف والأذان وبناء الرباطات ~~والمساجد وغير ذلك وإن كانت قربا؛ لأنها ليست بقرب مقصودة ويصح النذر ~~بالصلاة والصوم والحج والعمرة والإحرام بهما والعتق والبدنة والهدي ~~والاعتكاف ونحو ذلك؛ لأنها قرب مقصودة # PageV05P082 # وقد قال النبي - عليه الصلاة ms2787 والسلام -: «من نذر أن يطيع الله - تعالى - ~~فليطعه» ، وقال - عليه الصلاة والسلام -: «من نذر وسمى فعليه وفاؤه بما ~~سمى» ؛ إلا أنه خص منه المسمى الذي ليس بقربة أصلا، والذي ليس بقربة مقصودة ~~فيجب العمل بعمومه فيما وراءه ومن مشايخنا من أصل في هذا أصلا فقال: ما له ~~أصل في الفروض يصح النذر به ولا شك أن ما سوى الاعتكاف من الصلاة والصوم ~~وغيرهما له أصل في الفروض، والاعتكاف له أصل أيضا في الفروض وهو الوقوف ~~بعرفة، وما لا أصل له في الفروض لا يصح النذر به كعيادة المرضى وتشييع ~~الجنازة ودخول المسجد ونحوها وعلل بأن النذر إيجاب العبد فيعتبر بإيجاب ~~الله تعالى. # ولو قال: لله علي أن أصوم يوم النحر، أو أيام التشريق يصح نذره عند ~~أصحابنا الثلاثة، ويفطر ويقضي وقال زفر - رحمه الله - والشافعي: لا يصح ~~نذره لهما لأنه نذر بما هو معصية؛ لكون الصوم في أيام التشريق منهيا عنه، ~~لقوله - عليه الصلاة والسلام -: «ألا لا تصوموا في هذه الأيام؛ فإنها أيام ~~أكل وشرب» والمنهي عنه يكون معصية، والنذر بالمعاصي لا يصح لما بينا ~~والدليل عليه أن الصوم في هذه الأيام لا يلزم بالشروع، ولا يضمن بالقضاء ~~عند الإفساد بأن أصبح صائما ثم أفطر. # (ولنا) أنه نذر بقربة مقصودة فيصح النذر، كما لو نذر بالصوم في غير هذه ~~الأيام، ودلالة الوصف النص والمعقول. # (أما) النص فقوله - عليه الصلاة والسلام - خبرا عن الله - تعالى جل شأنه ~~- «الصوم لي وأنا أجزي به» . # (وأما) المعقول فهو أنه سبب التقوى والشكر ومواساة الفقراء؛ لأن الصائم ~~في زمان الصوم يتقي الحلال، فالحرام أولى، ويعرف قدر نعم الله - تعالى جل ~~شأنه - عليه بما تجشم من مرارة الجوع والعطش؛ فيحمله ذلك على الشكر، وعلى ~~الإحسان إلى الفقراء؛ لما عرف قدر مقاساة المبتلى بالجوع والفقر وهذه ~~المعاني موجودة في الصوم في هذه الأيام، وإنها معان مستحسنة عقلا، والنهي ~~لا يرد عما عرف حسنه عقلا لما فيه من التناقض فيحمل على غير مجاور له صيانة ~~لحجج الله - تعالى ms2788 - عن التناقض عملا بالدلائل بقدر الإمكان. # (وأما) فصل الشروع والقضاء فممنوع عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، وعند ~~أبي حنيفة - عليه الرحمة - إنما يلزم بالشروع، ولا يجب القضاء بالإفطار؛ ~~لأن لزوم الإتمام في صوم التطوع لضرورة صيانة المؤدى عن الإبطال؛ لأن إبطال ~~العمل حرام، وههنا صاحب الحق وهو الله - تعالى جلت عظمته - رضي بإبطال حقه، ~~فلا يحرم الإبطال فلا يلزم الإتمام ووجوب القضاء ضرورة لزوم الإتمام فإذا ~~لم يلزم لا يجب. # ولو قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى أو إلى الكعبة أو إلى مكة أو إلى ~~بكة فعليه حجة أو عمرة ماشيا وإن شاء ركب وعليه ذبح شاة لركوبه وجملة ~~الكلام فيه أن المكان نوعان: مكان يصح الدخول فيه بغير إحرام، وهو ما سوى ~~الحرم: كمسجد المدينة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ومسجد بيت المقدس ~~وغيرهما من سائر المساجد والأماكن ومكان لا يصح الدخول فيه بغير إحرام وهو، ~~الحرم والحرم مشتمل على مكة، ومكة على المسجد الحرام، والمسجد الحرام على ~~الكعبة، فالناذر إما أن يسمى في النذر الكعبة، أو بيت الله - تعالى - أو ~~مكة أو بكة أو الحرم أو المسجد الحرام # والأفعال التي يوجبها على نفسه شبه ألفاظ المشي والخروج والسفر والركوب ~~والذهاب والإياب فإن أوجب على نفسه شيئا من هذه الأفعال وأضافه إلى مكان ~~يصح دخوله فيه بغير إحرام لا يصح إيجابه، لأنه أوجب على نفسه التحول من ~~مكان إلى مكان، وذا ليس بقربة مقصودة، ولا يصح النذر بما ليس بقربة، ~~والدليل عليه ما روي «أن امرأة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالت: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح لك مكة أن أصلي مائتي ركعة في مائة ~~مسجد فقال - عليه الصلاة والسلام -: صلي في مسجد واحد» ، فلم يصحح - عليه ~~الصلاة والسلام - نذرها بالصلاة في كل مسجد والنذر بخلاف اليمين، فإن ~~اليمين تنعقد بهذه الألفاظ، بأن يقول: والله لأذهبن إلى موضع كذا، أو ~~لأسافرن، أو غيرهما من الألفاظ؛ لأن اليمين لا يقف انعقادها على كون ms2789 ~~المحلوف عليه قربة، بل ينعقد على القربة وغيرها، بخلاف النذر. # وإن أضاف إيجاب شيء من هذه الأفعال إلى المكان الذي لا يصح الدخول فيه ~~بغير إحرام ينظر: فإن أضاف إيجاب ما سوى المشي إليه لا يصح، ولا يلزمه شيء ~~لما ذكرنا أن التحول من مكان إلى مكان ليس بقربة في نفسه وإن أضاف إيجاب ~~المشي إليه فإن ذكر سوى ما ذكرنا من الأمكنة من الكعبة وبيت الله - تعالى - ~~ومكة وبكة # PageV05P083 # والمسجد الحرام والحرم، بأن أوجب على نفسه المشي إلى الصفا والمروة ومسجد ~~الخيف وغيرها من المساجد التي في الحرم لا يصح نذره بلا خلاف وإن ذكر ~~الكعبة وبيت الله - عز شأنه - أو مكة أو بكة، يصح نذره ويلزمه حجة أو عمرة ~~ماشيا، وإن شاء ركب وذبح لركوبه شاة، وهذا استحسان، والقياس أن لا يصح ولا ~~يلزمه شيء. # (وجه) القياس أن من شرط صحة النذر أن يكون المنذور به قربة مقصودة، ولا ~~قربة في نفس المشي، وإنما القربة في الإحرام وإنه ليس بمذكور؛ ولهذا لم يصح ~~بسائر الألفاظ سوى لفظ المشي. # (وجه) الاستحسان: أن هذا الكلام عندهم كناية عن التزام الإحرام، ~~يستعملونه لالتزام الإحرام بطريق الكناية من غير أن يعقل فيه وجه الكناية، ~~بمنزلة قوله: لله علي أن أضرب بثوبي حطيم الكعبة كناية عن التزام الصدقة ~~باصطلاحهم، والإحرام يكون بالحجة أو بالعمرة فيلزمه أحدهما بخلاف سائر ~~الألفاظ، فإنها ما جرت عادتهم بالتزام الإحرام بها، والمعتبر في الباب ~~عرفهم وعادتهم، ولا عرف هناك فيلزمه ذلك ماشيا؛ لأنه التزم المشي، وفيه ~~زيادة قربة، قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: «من حج ماشيا فله بكل خطوة ~~حسنة من حسنات الحرم قيل: وما حسنات الحرم قال - عليه الصلاة والسلام -: ~~واحدة بسبعمائة» ، فجاز التزامه بالنذر كصفة التتابع في الصوم، فيمشي حتى ~~يطوف طواف الزيارة؛ لأن بذلك يقع الفراغ من أركان الحج، إلا أن له أن يركب ~~ويذبح لركوبه شاة لما روي: «أن أخت أبي سعيد الخدري - رضي الله عنهما - ~~نذرت أن تحج ماشية، فقال النبي - عليه الصلاة ms2790 والسلام - لأبي سعيد الخدري: ~~إن الله - تعالى - غني عن تعذيب أختك: مرها فلتركب ولترق دما» . # وما روي في بعض الروايات «أن عقبة بن عامر الجهني سأل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: إن أختي نذرت أن تحج البيت ماشية غير مختمرة، فقال ~~- عليه الصلاة والسلام -: إن الله غني عن تعذيب أختك فلتركب ولتهد شاة وفي ~~بعضها أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى بيت الله - تعالى - حافية ~~حاسرة، فذكر ذلك عقبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال - عليه ~~الصلاة والسلام -: إن الله - تعالى - غني عن عناء أختك مرها فلتركب ولتهد ~~شاة وتحرم إن شاءت بحجة وإن شاءت بعمرة» . # وروي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال: من جعل على نفسه الحج ماشيا ~~حج وركب وذبح لركوبه شاة رواه في الأصل وإنما استوى فيه لفظ الكعبة وبيت ~~الله ومكة وبكة؛ لأن كل واحد من هذه الألفاظ يستعمل عند استعمال الأخر، ~~يقال: فلان مشى إلى بيت الله وإلى الكعبة وإلى مكة، وإلى بكة ولا يقال مشى ~~إلى الصفا والمروة، وإن ذكر المسجد الحرام أو الحرم. # قال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا يصح نذره ولا يلزمه شيء وقال أبو يوسف ~~ومحمد رحمهما الله: يلزمه حجة أو عمرة. # (وجه) قولهما إن الحرم مشتمل على البيت وعلى مكة فصار كأنه قال علي المشي ~~إلى بيت الله وإلى مكة ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن القياس أن لا يجب شيء ~~بإيجاب المشي المضاف إلى مكان ما، لما ذكر أن المشي ليس بقربة مقصودة، إذ ~~هو انتقال من مكان إلى مكان، فليس في نفسه قربة، ولهذا لا يجب بسائر ~~الألفاظ إلا أنا أوجبنا عليه الإحرام في لفظ المشي إلى بيت الله أو إلى ~~الكعبة أو إلى مكة أو إلى بكة للعرف، حيث تعارفوا استعمال ذلك كناية عن ~~التزام الإحرام، ولم يتعارفوا استعمال غيرها من الألفاظ، ألا ترى أنه يقال ~~مشى إلى مكة والكعبة وبيت الله ولا يقال مشى إلى الحرم أو المسجد الحرام؟ ms2791 ~~كما يقال مشى إلى الصفا والمروة، والكناية يتبع فيها عين اللفظ لا المعنى، ~~بخلاف المجاز فإنه يراعى فيه المعنى اللازم المشهور في محل الحقيقة؛ لأن ~~الكناية ثابتة بالاصطلاح كالأسماء الموضوعة، فيتبع فيها العرف، واستعمال ~~اللفظ بخلاف المجاز. # ولو قال: علي المشي إلى بيت الله وهو ينوي مسجدا من مساجد الله سوى ~~المسجد الحرام لم يلزمه شيء؛ لأنه نوى ما يحتمله لفظه؛ لأن كل مسجد بيت ~~الله - تعالى - فصحت نيته، على أن الظاهر إن كانت إرادة الكعبة من هذا ~~الكلام لا غير لكن هذا أمر بينه وبين الله - تعالى - فيكتفي فيه باحتمال ~~اللفظ إياه في الجملة. # ولو قال: أنا أحرم أو أنا محرم أو أهدي أو أمشي إلى البيت، فإن نوى به ~~الإيجاب يكون إيجابا؛ لأنه يذكر ويراد به الإيجاب، كقولنا: أشهد أن لا إله ~~إلا الله إنه يكون توحيدا، وكقول الشاهد عند القاضي: أشهد أنه يكون شهادة، ~~فقد نوى ما يحتمله لفظه، وإن نوى أن يعد من نفسه عدة ولا يوجب شيئا كان عدة ~~ولا شيء عليه؛ لأن اللفظ يحتمل العدة؛ لأنه يستعمل في العدات. # وإن لم يكن له نية # PageV05P084 # فهو على الوعد؛ لأنه غلب استعماله فيه، فعند الإطلاق يحمل عليه، هذا إذا ~~لم يعلقه بالشرط، فإن علقه بالشرط بأن قال إن فعلت كذا فأنا أحرم فهو على ~~الوجوه التي بينا أنه إن نوى الإيجاب يكون إيجابا، وإن نوى الوعد يكون وعدا ~~لما قلنا، وإن لم يكن له نية فهو على الإيجاب بخلاف الفصل الأول؛ لأن ~~العدات لا تتعلق بالشروط، وإن الواجبات تتعلق بها، فالمعرفة إلى الإيجاب ~~بقرينة التعليق بالشرط ولم توجد القرينة في الفصل الأول فصار الحاصل أن هذا ~~اللفظ في غير المعين بالشرط على الوعد إلا أن ينوي به الإيجاب، وفي المعلق ~~يقع على الإيجاب إلا أن ينوي به الوعد. # ولو قال: لله تعالى علي أن أنحر ولدي أو أذبح ولدي يصح نذره ويلزمه الهدي ~~وهو نحر البدنة أو ذبح الشاة، والأفضل هو الإبل ثم البقر ثم الشاة، ms2792 وإنما ~~ينحر أو يذبح في أيام النحر سواء كان في الحرم أو لا، وهذا استحسان وهو قول ~~أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله والقياس أن لا يصح نذره وهو قول أبي يوسف وزفر ~~والشافعي - رحمهم الله -. # (وجه) القياس: أنه نذر بما هو معصية، والنذر بالمعاصي غير صحيح، ولهذا لم ~~يصح بلفظ القتل. # (وجه) الاستحسان: قول النبي - عليه الصلاة والسلام -: «من نذر أن يطيع ~~الله فليطعه» وقوله - عليه الصلاة والسلام - «من نذر وسمى فعليه الوفاء بما ~~سمى» ، والمراد من الحديثين النذر بما هو طاعة مقصودة وقربة مقصودة، وقد ~~نذر بما هو طاعة مقصودة وقربة مقصودة؛ لأنه نذر بذبح الولد تقديرا بما هو ~~خلف عنه وهو ذبح الشاة، فيصح النذر بذبح الولد على وجه يظهر أثر الوجوب في ~~الشاة التي هي خلف عنه، كالشيخ الفاني إذا نذر أن يصوم رجب أنه يصح نذره ~~وتلزمه الفدية خلفا عن الصوم، ودليل ما قلنا الحديث وضرب من المعقول. # (أما) الحديث فقول النبي - عليه الصلاة والسلام -: «أنا ابن الذبيحين» ~~أراد أول آبائه من العرب وهو سيدنا إسماعيل - عليه الصلاة والسلام - وآخر ~~آبائه حقيقة وهو عبد الله بن عبد المطلب، سماهما - عليه الصلاة والسلام - ~~ذبيحين ومعلوم أنهما ما كانا ذبيحين حقيقة فكانا ذبيحين تقديرا بطريق ~~الخلافة لقيام الخلف مقام الأصل. # (وأما) المعقول فلأن المسلم إنما يقصد بنذره التقرب إلى الله تعالى، إلا ~~أنه عجز عن التقرب بذبح الولد تحقيقا، فلم يكن ذلك مرادا من النذر، وهو ~~قادر على ذبحه تقديرا بذبح الخلف وهو ذبح الشاة فكان هذا نذرا بذبح الولد ~~تقديرا بذبح ما هو خلف عنه حقيقة، كالشيخ الفاني إذا نذر بالصوم وإنما لا ~~يصح بلفظ القتل؛ لأن التعيين بالنذر وقع للواجب على سيدنا إبراهيم - عليه ~~الصلاة والسلام - والواجب هناك بالإيجاب المضاف إلى ذبح الولد بقوله - ~~تعالى عز شأنه -: {إني أرى في المنام أني أذبحك} [الصافات: 102] على أن هذا ~~حكم ثبت استحسانا بالشرع، والشرع إنما ورد بلفظ الذبح لا بلفظ القتل، ولا ~~يستقيم القياس؛ لأن لفظ القتل لا ms2793 يستعمل في تفويت الحياة على سبيل القربة، ~~والذبح يستعمل في ذلك. # ألا ترى أنه لو نذر بقتل شاة لا يلزمه، ولو نذر بذبحها لزمه. # ولو نذر بنحر نفسه لم يذكر في ظاهر الروايات، وذكر في نوادر هشام أنه على ~~الاختلاف الذي ذكرنا، ولو نذر بنحر ولد ولده ذكر في شرح الآثار أنه على ~~الاختلاف. # ولو نذر بنحر والديه أو جده أو جدته - يصح نذره عند أبي حنيفة - رحمه ~~الله -، وعند الباقين لا يصح. # ولو نذر بذبح عبده: عند محمد - رحمه الله - يصح، وعند الباقين لا يصح، ~~وإنما اختلف أبو حنيفة ومحمد فيما بينهما مع اتفاقهما في الولد لاختلافهما ~~في المعنى في الولد، فالمعنى في الولد عند أبي حنيفة - رحمه الله - هو أنه ~~نذر بالتقرب إلى الله - تعالى - بذبح ما هو أعز الأشياء عنده، وهذا المعنى ~~يوجد في الوالدين ولا يوجد في العبد، وعند محمد - رحمه الله - المعنى في ~~الولد أن النذر بذبحه تقرب إلى الله - تعالى - بما هو من مكاسبه، والولد في ~~معنى المملوك له شرعا، قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: «إن أطيب ما أكل ~~الرجل من كسبه» وإن ولده من كسبه، فعدى الحكم إلى المملوك حقيقة وهو العبد ~~وإلى النفس وولد ولده لكونهما في معنى المملوك له، ولم يعد إلى الوالدين ~~لانعدام هذا المعنى، وعلى هذا القياس ينبغي أن يصح نذر الجد بذبح الحافد، ~~وعند محمد لا يصح. # وإذا أوجب على نفسه الهدي فهو بالخيار بين الأشياء الثلاثة: إن شاء أهدي ~~شاة، وإن شاء بقرة، وإن شاء إبلا وأفضلها أعظمها؛ لأن اسم الهدي يقع على كل ~~واحد منهم، ولو أوجب على نفسه بدنة فهو بالخيار بين شيئين: الإبل والبقر، ~~والإبل أفضل؛ لأن اسم البدانة يقع على كل واحد منهما؛ ولو أوجب جزورا فعليه ~~الإبل خاصة؛ لأن اسم الجزور يقع عليه خاصة، ولا يجوز فيهما إلا ما يجوز في ~~الأضاحي وهو الثني من الإبل والبقر، والجذع من # PageV05P085 # الضأن إذا كان ضخما، ولا يجوز ذبح الهدي الذي أوجب إلا في الحرم ms2794 لقوله ~~تعالى: {ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33] ولم يرد به نفس البيت بل ~~البقعة التي هو فيها، وهي الحرم؛ لأن الدم لا يراق في البيت، والمراد من ~~قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] نفس البيت؛ لأنه هناك ذكر ~~الطواف بالبيت وههنا أضافه إلى البيت، لذلك افترقا؛ ولأن الهدي اسم لما ~~يهدى إلى مكان الهدايا، ومكان الهدايا هو الحرم ولا يحل له الانتفاع بها ~~ولا بشيء منها إلا في حال الضرورة، فإن اضطر إلى ركوبها ركبها، ويضمن ما ~~نقص ركوبه عليها، وهذه من مسائل المناسك. # ولو أوجب على نفسه أن يهدي مالا بعينه، فإن كان مما لا يحتمل الذبح يلزمه ~~أن يتصدق به، أو بقيمته على فقراء مكة، وإن كان مما يذبح ذبحه في الحرم ~~وتصدق بلحمه على فقراء مكة، ولو تصدق به على فقراء الكوفة جاز كذا ذكر في ~~الأصل. # ولو أوجب بدنة فذبحها في الحرم وتصدق على الفقراء جاز بالإجماع، ولو ذبح ~~في غير الحرم وتصدق باللحم على الفقراء جاز عن نذره في قول أبي حنيفة ومحمد ~~رحمهما الله، وعند أبي يوسف - رحمه الله - لا يجوز ولو أوجب جزورا فله أن ~~ينحره في الحل والحرم، ويتصدق بلحمه وهذه من مسائل الحج. # ولو قال ما أملك هدي أو قال ما أملك صدقة يمسك بعض ماله ويمضي الباقي؛ ~~لأنه أضاف الهدي والصدقة إلى جميع ما يملكه فيتناول كل جنس من جنس أمواله، ~~ويتناول القليل والكثير إلا أنه يمسك بعضه؛ لأنه لو تصدق بالكل لاحتاج إلى ~~أن يتصدق عليه فيتضرر بذلك، وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: «ابدأ بنفسك ~~ثم بمن تعول» فكان له أن يمسك مقدار ما يعلم أنه يكفيه إلى أن يكتسب، فإذا ~~اكتسب مالا تصدق بمثله؛ لأنه انتفع به مع كونه واجب الإخراج عن ملكه لجهة ~~الصدقة، فكان عليه عوضه، كمن أنفق ماله بعد وجوب الزكاة عليه. # ولو قال مالي صدقة فهذا على الأموال التي فيها الزكاة من الذهب والفضة ~~وعروض التجارة والسوائم، ولا يدخل فيه ما لا زكاة ms2795 فيه، فلا يلزم أن يتصدق ~~بدور السكنى وثياب البدن والأثاث والعروض التي لا يقصد بها التجارة ~~والعوامل وأرض الخراج؛ لأنه لا زكاة فيها، ولا فرق بين مقدار النصاب وما ~~دونه؛ لأنه مال الزكاة. # ألا ترى أنه إذا انضم إليه غيره تجب فيه الزكاة، ويعتبر فيه الجنس لا ~~القدر؟ ولهذا قالوا: إذا نذر أن يتصدق بماله وعليه دين محيط أنه يلزمه أن ~~يتصدق به؛ لأنه جنس مال تجب فيه الزكاة وإن لم تكن واجبة، فإن قضى دينه به ~~لزمه التصدق بمثله لما ذكرنا فيما تقدم، وهذا الذي ذكرنا استحسان والقياس ~~أن يدخل فيه جميع الأموال كما في فصل الملك؛ لأن المال اسم لما يتمول كما ~~أن الملك اسم لما يملك، فيتناول جميع الأموال كالملك. # (وجه) الاستحسان أن النذر يعتبر بالأمر؛ لأن الوجوب في الكل بإيجاب الله ~~- جل شأنه - وإنما وجد من العبد مباشرة السبب الدال على إيجاب الله تعالى، ~~ثم الإيجاب المضاف إلى المال من الله - تعالى - في الأمر وهو الزكاة في ~~قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103] ، وقوله - عز شأنه -: ~~{والذين في أموالهم حق معلوم} [المعارج: 24] ونحو ذلك تعلق بنوع دون نوع ~~فكذا في النذر وقد قال أبو يوسف - رحمه الله -: قياس قول أبي حنيفة - عليه ~~الرحمة - إذا حلف لا يملك مالا، ولا نية، له وليس له مال تجب فيه الزكاة ~~يحنث؛ لأن إطلاق اسم المال لا يتناول ذلك، وقال أبو يوسف ولا أحفظ عن أبي ~~حنيفة إذا نوى بهذا النذر جميع ما يملك - داره تدخل في نذره؛ لأن اللفظ ~~يحتمله، وفيه تشديد على نفسه، وقال أبو يوسف: ويجب عليه أن يتصدق بما دون ~~النصاب ولا أحفظه عن أبي حنيفة - رحمه الله - والوجه ما ذكرنا. # وإذا كانت له ثمرة عشرية أو غلة عشرية تصدق بها في قولهم؛ لأن هذا مما ~~يتعلق به حق الله - تعالى - وهو العشر وقال أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - ~~لا تدخل الأرض في النذر، وقال أبو يوسف: يتصدق بها لأبي يوسف أنها من جملة ~~الأموال ms2796 النامية التي يتعلق حق الله - تعالى - بها فتدخل في النذر، ولأبي ~~حنيفة - رضي الله عنه - أن حق الله - تعالى - لا يتعلق بها، وإنما يتعلق ~~بالخارج منها فلا تدخل. # قال بشر عن أبي يوسف: إذا جعل الرجل على نفسه أن يطعم عشرة مساكين ولم ~~يسم فعليه ذلك، فإن أطعم خمسة لم يجزه؛ لأن النذر يعتبر بأصل الإيجاب، ~~ومعلوم أن ما أوجبه ينبغي أن يكون لعدد من المساكين لا يجوز دفعه إلى بعضهم ~~إلا على التفريق في الأيام فكذا النذر. # ولو قال: لله علي أن أتصدق بهذه الدراهم على المساكين فتصدق بها على واحد ~~أجزأه؛ لأنه يجوز دفع الزكاة إلى مسكين واحد وإن كان المذكور فيها جميع ~~المساكين لقول الله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة: 60] ~~، كذلك النذر. # ولو قال: لله علي أن أطعم هذا المسكين هذا # PageV05P086 # الطعام بعينه فأعطى ذلك الطعام غيره أجزأه؛ لأن الصدقة المتعلقة بمال ~~متعين لا يتعين فيها المسكين؛ لأنه لما عين المال صار هو المقصود فلا يعتبر ~~تعيين الفقير، والأفضل أن يعطي الذي عينه. # ولو قال: لله علي أن أطعم هذا المسكين شيئا سماه ولم يعينه، فلا بد أن ~~يعطيه الذي سماه؛ لأنه إذا لم يعين المنذور صار تعيين الفقير مقصودا، فلا ~~يجوز أن يعطي غيره. # ولو قال: لله علي إطعام عشرة مساكين وهو لا ينوي أن يطعم عشرة مساكين، ~~إنما نوى أن يطعم واحدا ما يكفي عشرة أجزأه؛ لأن الطعام اسم للمقدار، فكأنه ~~أوجب مقدار ما يطعم عشرة، فيجوز أن يطعم بعضهم. # ولو قال: لله علي أن أتصدق بهذه الدراهم يوم يقدم فلان، ثم قال: إن كلمت ~~فلانا فعلي أن أتصدق بهذه الدراهم، فكلم فلانا وقدم فلان - أجزأه أن يتصدق ~~بتلك الدراهم عنهما جميعا، ولا يلزمه غير ذلك وكذلك الصيام إذا سمى يوما ~~بعينه؛ لأنه علق وجوب شيء واحد بشرطين لكل واحد منهما بحياله، فإن وجد ~~الشرطان معا وجبت بالإيجابين جميعا؛ لأن اجتماع سببين على حكم واحد جائز، ~~فإن وجدا على التعاقب وجب بالأول، ولا يتعلق ms2797 بالثاني حكم. # نظيره إذا قال لعبده: إن دخل زيد هذه الدار فأنت حر، ثم قال إن دخلها ~~عمرو فأنت حر فإن دخلا معا عتق العبد بالإيجابين، وإن دخلا على التعاقب عتق ~~بالأول ولا يتعلق بالثاني حكم كذا هذا. # ولو قال: إن كلمت فلانا فعلي أن أتصدق بهذه الدراهم فكلم فلانا - وجب ~~عليه أن يتصدق بها؛ لأنه أوجب على نفسه التصدق بها، فيجب عليه ذلك، فإن ~~أعطى ذلك من كفارة يمينه أو من زكاة ماله فعليه لنذره مثل ما أعطى؛ لأنه ~~لما أعطى تعين للإخراج بجهة النذر، ولم يتعين للإخراج بجهة الزكاة، فإذا ~~أخرجه بحق لم يتعين فيه صار مستهلكا له فيضمن مثله، كما لو أنفقه بخلاف ~~الفصل الأول؛ لأن مثال الواجب تعين لكل واحد عن النذرين فجاز عنهما. # ولو قال: إن قدم فلان فلله علي أن أصوم يوم الخميس ثم صام يوم الخميس عن ~~قضاء رمضان، أو كفارة يمين أو تطوعا فقدم فلان يومئذ بعد ارتفاع النهار - ~~فعليه يوم مكانه لقدوم فلان؛ لأنه وجب عليه صوم ذلك اليوم عن جهة النذر، ~~لوجود شرط وجوبه وهو قدوم فلان فيه؛ فإذا صام عن غيره فقد منع وقوعه عن ~~النذر فصار كأنه قدم بعدما أكل، فيلزمه صوم يوم آخر مكانه لقدوم فلان، ولو ~~كان أراد بهذا القول اليمين لم يحنث في يمينه؛ لوجود شرط البر وهو صوم ~~اليوم الذي حلف على صومه، وجهات الصوم لم تتناولها اليمين، ولو كان قدم ~~فلان بعد الظهر لم يكن عليه قضاؤه؛ لأنه لما قدم بعد الظهر لم يجب الصوم عن ~~النذر، كما لو أنشأ النذر بعد الزوال فقال: لله علي أن أصوم هذا اليوم فلا ~~يجب قضاؤه، وإن قدم فلان قبل الزوال في يوم قد أكل فيه فعليه أن يقضي؛ لأن ~~القدوم حصل في زمان يصح ابتداء النذر فيه، وإنما امتنع الصوم لوجود المنافي ~~له وهو الأكل، فلا يمنع صحة النذر كما لو أوجب ثم أكل. # ولو قال: لله علي أن أصوم الشهر الذي يقدم فيه فلان، ms2798 فقدم في رمضان فصامه ~~في رمضان - أجزأ عن رمضان، ولا يلزمه صوم آخر بالنذر؛ لأن شهر رمضان في حال ~~الصحة والإقامة يتعين لصومه لا يحتمل غيره، فلم يتعلق بهذا النذر حكم، ولا ~~كفارة عليه إن كان أراد به اليمين لتحقق البر وهو الصوم، واليمين انعقدت ~~على الصوم دون غيره وقد صام. # ولو قال: لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان شكرا لله تطوعا ~~لقدومه، ونوى به اليمين فصامه عن كفارة يمين، ثم قدم فلان ذلك اليوم عند ~~ارتفاع النهار - فعليه قضاؤه والكفارة:. # (أما) القضاء فلأنه نذر أن يصوم ذلك اليوم للقدوم وذلك اليوم غير متعين ~~لصوم الكفارة، فإذا صام عن جهة يتعين الوقت لها لزمه القضاء. # (وأما) الكفارة؛ فلأنه لم يحلف على مطلق الصوم، بل على أن يصوم عن ~~القدوم، فإذا صام عن غيره لم يوجد البر فيحنث، ولو كان في رمضان فلا قضاء ~~عليه، وعليه الكفارة. # (أما) عدم وجوب القضاء فلأن زمان رمضان يتعين لصوم رمضان، فلا يصح إيجاب ~~الصوم فيه لغيره. # (وأما) وجوب الكفارة فيه؛ فلأنه لم يصم لما حلف عليه، فلم يوجد البر وإن ~~صامه ينوي الشكر على قدوم فلان ولا ينوي رمضان بر في يمينه وأجزأه عن ~~رمضان. # (أما) الجواز عن رمضان؛ فلأن صوم رمضان لا يعتبر فيه تعيين النية، لكون ~~الزمان متعينا له فوقع عنه. # (وأما) بره في يمينه فلأنه حلف على الصوم بجهة، وقد قصد تلك الجهة إلا ~~أنه وقع عن غيره حكما من غير قصد. # ولو قال: لله علي أن أصوم هذا اليوم شهرا فإنه يصوم ذلك اليوم، حتى ~~يستكمل منه ثلاثين يوما فإنه تعذر حمله على ظاهره، إذ اليوم الواحد لا يوجد ~~شهرا، لأنه إذا مضى لا يعود ثانيا، فيحمل على التزام صوم اليوم المسمى # PageV05P087 # بذلك اليوم الذي هو فيه من الاثنين أو الخميس كلما تجدد إلى أن يستكمل ~~شهرا ثلاثين يوما، حملا للكلام على وجه الصحة. # ولو قال: لله علي أن أصوم هذا الشهر يوما نظر إلى ذلك الشهر ms2799 أنه رجب أو ~~شعبان أو غيره، ويصير كأنه قال: لله علي أن أصوم رجبا أو شعبان في وقت من ~~الأوقات، إذ الشهر لا يوجد في يوم واحد، فلا يمكن حمله على ظاهره، وقد قصد ~~تصحيح نذره، فيحمل على وجه يصح وهو حمل اليوم على الوقت. # وقد يذكر اليوم ويراد به مطلق الوقت، قال الله تعالى: {وتلك الأيام ~~نداولها بين الناس} [آل عمران: 140] وقال تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره} ~~[الأنفال: 16] ، ويقال في العرف: يوما لنا ويوما علينا على إرادة مطلق ~~الوقت. # ولو قال: لله علي أن أصوم هذا اليوم غدا فعليه أن يصوم اليوم الذي قال ~~فيه هذا القول؛ إن قال ذلك قبل الزوال وقبل أن يتناول ما ينقض صومه، ويبطل ~~قوله غدا؛ لأنه ركب اسما على اسم لا بحرف النسق، فبطل التركيب؛ لأنه يكون ~~إيجاب صوم هذا اليوم غدا، وهذا اليوم لا يوجد في غد، فلا يكون الغد ظرفا ~~له، بطل قوله غدا وبقي قوله لله علي أن أصوم هذا اليوم، فينظر في ذلك ~~اليوم، فإن كان قابلا للإيجاب صح، وإلا بطل بخلاف الفصل الأول؛ لأن اليوم ~~قد يعتد به عن مطلق الوقت. # (وأما) الغد فلا يصلح عبارة عن مطلق الوقت، ولا يعبر به إلا عن عين الغد ~~ولو قال: لله علي أن أصوم غدا اليوم فعليه أن يصوم غدا وقوله: اليوم حشو من ~~كلامه؛ لأنه أوجب على نفسه صوم الغد وذلك صحيح، ولم يصح قوله اليوم؛ لأنه ~~ركبه على الغد لا بحرف النسق فبطل؛ لأن صوم غد لا يتصور وجوده في اليوم، ~~فلغي قوله: اليوم، وبقي قوله: لله علي أن أصوم غدا. # ولو قال: لله علي صوم أمس غدا لم يلزمه شيء؛ لأن أمس لا يمكن أن يصام ~~فيه؛ لأنه لا يعود ثانيا فبطل الالتزام فيه فلا يلزمه بقوله: غدا؛ لأنه لم ~~يوجب صوم غد، وإنما جعل الغد ظرفا للأمس؛ وإنه لا يصلح ظرفا له، فلغيت ~~تسمية الغد أيضا، والأصل في هذا النوع أن اللفظ الثاني يبطل في الأحوال ms2800 ~~كلها؛ لما ذكرنا؛ وإذا بطل هذا ينظر إلى اللفظ الأول فإن صلح صح النذر به ~~وإلا بطل. # ولو قال: لله علي صوم كذا كذا يوما، ولا نية له - فعليه صوم أحد عشر ~~يوما؛ لأنه جمع بين عددين مفردين مجملين لا بحرف النسق، فانصرف إلى أقل ~~عددين مفردين يجمع بينهما لا بحرف النسق وذلك أحد عشر؛ لأن الأقل متيقن به، ~~والزيادة مشكوك فيها، وإن نوى شيئا فهو على ما نوى يوما كان أو أكثر؛ لأن ~~حمل هذا اللفظ على التكرار جائز في اللغة؛ يقال: صوم يوم يوم ويراد به ~~تكرار يوم، وإذا جاز هذا فقد نوى ما يحتمله كلامه فعملت نيته. # ولو قال: لله علي صوم كذا وكذا يوما فعليه صوم أحد وعشرين يوما إن لم يكن ~~له نية؛ لأنه جمع بين عددين مفردين على الإكمال بحرف النسق، فحمل على أقل ~~ذلك، وأقله أحد وعشرون يوما، وإن كانت له نية فهو على ما نوى، واحدا أو ~~أكثر؛ لأن هذا مما يحتمل التكرار، يقال: صوم يوم يوم ويراد به تكرار يوم ~~واحد. # ولو قال: لله علي صوم بضعة عشر يوما ولا نية له كان عليه صوم ثلاثة عشر ~~يوما؛ لأن البضع عند العرب عبارة عن ثلاثة فما فوقها إلى تمام العقد وهو ~~عشرة وعشرون وثلاثون وأربعون ونحو ذلك. # فإذا لم يكن له نية صرف إلى أقله وذلك ثلاثة عشر؛ إذ الأقل متيقن. # ولو قال: لله علي صوم سنين فهو على ثلاث سنين؛ لأن الثلاث مستحقة هذا ~~الاسم بيقين، ولو قال: السنين فهو على عشر سنين في قول أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه - وعندهما على الأبد. # ولو قال: علي صوم الشهور فهو على عشرة أشهر عند أبي حنيفة - رحمه الله - ~~إذا لم يكن له نية، وعندهما على اثني عشر شهرا. # ولو قال صوم شهور فهو على ثلاثة أشهر بلا خلاف، وكذا هذا في الأيام، ~~وأياما منكرا ومعرفا، وعندهما المعرف يقع على الأيام السبعة، وقد ذكرناه في ~~كتاب الأيمان. # ولو قال لله علي صوم ms2801 جمع هذا الشهر فعليه صوم كل يوم جمعة في ذلك الشهر ~~إذا لم يكن له نية، لأن هذا اللفظ يراد به في ظاهر العادة عين يوم الجمعة. # ولو قال لله علي صوم أيام الجمعة فعليه صوم سبعة أيام؛ لأن أيام الجمعة ~~سبعة في تعارف الناس. # ولو قال لله علي صوم جمعة فإن كانت له نية فهو على ما نوى إن نوى عين يوم ~~الجمعة، أو نوى أيامها؛ لأن ظاهر لفظه يحتمل كليهما، وإن لم يكن له نية فهو ~~على أيامها؛ لأنه يراد به في أغلب العادات أيامها والله - عز شأنه - أعلم. # ولو نذر بقربة مقصودة من صلاة أو صوم، فقال رجل آخر: علي مثل ذلك يلزمه ~~وكذا إذا قال علي المشي إلى بيت الله - عز شأنه -، وكل مملوك لي حر، وكل ~~امرأة لي طالق إذا دخلت الدار، فقال رجل آخر: علي مثل ذلك إن دخلت الدار، ~~ثم # PageV05P088 # دخل الثاني الدار فإنه يلزمه المشي، ولا يلزمه العتاق والطلاق، ثم: قال ~~ألا ترى أنه لو قال: علي طلاق امرأتي فإن الطلاق لا يقع عليها؟ وهذا يدل ~~على أن من قال: الطلاق علي واجب أنه لا يقع طلاقه. # قال القدوري - رحمه الله -: وكان أصحابنا بالعراق يقولون فيمن قال: ~~الطلاق لي لازم يقع الطلاق لعرف الناس أنهم يريدون به الطلاق وكان محمد بن ~~سلمة يقول: إن الطلاق يقع بكل حال. # وحكى الفقيه أبو جعفر الهندواني عن علي بن أحمد بن نصر بن يحيى عن محمد ~~بن مقاتل - رحمهم الله - أنه قال: المسألة على الخلاف، قال أبو حنيفة - ~~عليه الرحمة -: إذا قال الطلاق لي لازم أو علي واجب - لم يقع وقال محمد: ~~يقع في قوله لازم ولا يقع في قوله واجب، وحكى ابن سماعة في نوادره عن أبي ~~يوسف في رجل قال: ألزمت نفسي طلاق امرأتي هذه أو ألزمت نفسي عتق عبدي هذا ~~قال: إن نوى به الطلاق والعتاق فهو واقع، وإلا لم يلزمه؛ وكذلك لو قال ~~ألزمت نفسي طلاق امرأتي هذه إن دخلت الدار ms2802 أو عتق عبدي هذا؛ فدخل الدار - ~~وقع الطلاق والعتاق إن نوى ذلك، وإن لم ينو فليس بشيء جعله بمنزلة كنايات ~~الطلاق. # وجه قول محمد - عليه الرحمة - أن الوقوع للعادة، والعادة في اللزوم؛ ~~لأنهم يذكرونه على إرادة الإيقاع، ولا عادة في الإيجاب فلا يقع به شيء ~~ولأبي يوسف - رحمه الله - أن الظاهر الإلزام والإيجاب للنذر، ويحتمل أن ~~يراد به التزام حكم الطلاق الواقع فيقف على النية كسائر كنايات الطلاق ~~ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن الطلاق لا يحتمل الإيجاب والإلزام؛ لأنه ليس ~~بقربة فبطل. # وروى ابن سماعة عن أبي يوسف إذا قال رجل: امرأة زيد طالق ثلاثا ورقيقه ~~أحرار، وعليه المشي إلى بيت الله - جل شأنه - إن دخل هذه الدار؛ فقال زيد: ~~نعم - كان كأنه قد حلف بذلك كله؛ لأن نعم جواب لا يستقل بنفسه، فيتضمن ~~إضمار ما خرج جوابا له، كما في قوله - عز شأنه -: {فهل وجدتم ما وعد ربكم ~~حقا قالوا نعم} [الأعراف: 44] ، تقديره: نعم وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، ~~وكالشهود إذا قرءوا على المشهود عليه كتاب الوثيقة، فقالوا: نشهد عليك بما ~~فيه؟ فقال: نعم إن لهم أن يشهدوا؛ لأن تقديره نعم اشهدوا علي بما في الكتاب ~~ولو لم يكن قال نعم ولكنه قال أجزت ذلك، فهذا لم يحلف على شيء؛ لأن قوله: ~~أجزت ليس بإيجاب والتزام، فلا يلزمه شيء، فإن قال: قد أجزت ذلك علي إن دخلت ~~الدار، أو قال: قد ألزمت نفسي ذلك إن دخلت الدار، كان لازما له؛ لأنه التزم ~~ما قاله، فلزمه. # ولو أن رجلا قال: امرأة زيد طالق، فقال زيد: قد أجزت لزمه الطلاق، وكذلك ~~لو قال: قد رضيت ما قال أو ألزمته نفسي؛ لأن هذا ليس بيمين، بل هو إيقاع، ~~فيقف على الإجازة، فأما اليمين فيحتاج إلى الالتزام، ليجوز على الحالف ~~وينفذ عليه، فلا بد من لفظ الالتزام. # ولو أن رجلا قال: إن بعت هذا المملوك من زيد فهو حر؛ فقال زيد قد أجزت ~~ذلك أو رضيت ذلك ثم اشتراه - لم يعتق؛ لأن الحالف ms2803 أعتق عبده بشرط، فوجد ~~الشرط في غير ملكه فلم يحنث، ولا يتعلق بالإجازة حكم؛ لأن البائع لم يوقت ~~اليمين، وإنما حلف في ملك نفسه، ولو كان البائع قال: إن اشترى زيد هذا ~~العبد فهو حر، فقال: نعم ثم اشتراه عتق عليه، لأن البائع لم يعقد اليمين في ~~ملك نفسه، وإنما أضافها إلى ملك المشتري، فصار عاقدا ليمين موقوفة، وقد ~~أجازها من وقفت عليه فتعلق الحكم بها. # وقال ابن سماعة عن أبي يوسف لو أن رجلا طلق امرأته، فقال آخر: علي مثل ~~ذلك - فإن هذا لا يلزم الثاني، وكذلك لو قال علي مثل هذا الطلاق؛ لأن قوله: ~~علي مثل ذلك، إيجاب الطلاق على نفسه، والطلاق لا يحتمل الإيجاب. # ولو حلف رجل بطلاق امرأته لا يدخل هذه الدار فقال آخر: علي مثل ذلك إن ~~دخلتها - فإن دخلها الثاني، لم يلزمه طلاق امرأته؛ لأنه أوجب على نفسه ~~الطلاق إن دخل الدار والطلاق لا يحتمل الإيجاب والإلزام؛ لأنه ليس بقربة، ~~فإن أراد بهذا الإيجاب اليمين فليست بطلاق حتى تطلق، فإن لم يفعل حتى مات ~~أحدهما حنث؛ لأن النذر إذا أريد به اليمين صار كأنه قال: لأطلقنها ولو قال ~~ذلك لا يحنث حتى يموت أحدهما كذا هذا. # ولو قال: عبدي هذا حر إن دخلت هذه الدار، فقال آخر: علي مثل ذلك إن دخلت ~~هذه الدار، فدخل الثاني - لم يعتق عبده؛ لأنه أوجب على نفسه بدخول الدار ~~عتقا غير معين، فكان له أن يخرج منه بشراء عبد يعتقه فلا يتعلق العتق ~~بعبيده الموجودين لا محالة، وإذا لم يتعلق بهم لا يلزمه عتق في ذمته؛ لأنه ~~لو لزمه لم يكن ذلك مثل ما فعله الحالف. # ولو أن رجلا قال: لله علي نسمة إن دخلت هذه الدار، فقال آخر: علي مثل ذلك ~~إن دخلت - فهذا لازم للأول ولازم للثاني؛ أيهما دخل لزمه نسمة؛ لأن الأول ~~أوجب # PageV05P089 # عتقا في ذمته، وذلك مما يجب بالنذر، وإذا أوجب آخر مثله وجب عليه، بخلاف ~~الفصل الأول؛ لأن ثمة ما أوجب العتق بل ms2804 علق، فلا يكون على الثاني إيجاب؛ ~~لأنه ليس بمثل. # ولو قال: كل ما لي هدي وقال: آخر وعلي مثل ذلك - فعليه أن يهدي جميع ~~ماله، سواء كان أقل من مال الأول أو أكثر؛ إلا أن يعني مثل قدره فيلزمه مثل ~~ذلك، إن كان مال الثاني أكثر، وإن كان مال الثاني أقل يلزمه في ذمته تمام ~~مال الأول؛ لأن مطلق الإيجاب يضاف إلى هدي جميع ماله كما أوجب الأول، فإذا ~~أراد القدر فقد نوى ما يحتمله الكلام، فيحمل عليه. # فإن قال رجل: كل مال أملك إلى سنة فهو هدي، فقال آخر: علي مثل ذلك - لم ~~يلزمه شيء؛ لأن الثاني لم يضف الهدي إلى الملك، فلا تثبت الإضافة بالإضمار. # والله - عز شأنه - أعلم. # (ومنها) أن يكون المنذور به إذا كان مالا مملوك الناذر وقت النذر، أو كان ~~النذر مضافا إلى الملك، أو إلى سبب الملك، حتى لو نذر بهدي ما لا يملكه، أو ~~بصدقة ما لا يملكه للحال - لا يصح، لقوله: - عليه الصلاة والسلام - «لا نذر ~~فيما لا يملكه ابن آدم» إلا إذا أضاف إلى الملك، أو إلى سبب الملك بأن قال: ~~كل مال أملكه فيما أستقبل فهو هدي، أو قال فهو صدقة، أو قال: كلما اشتريته ~~أو أرثه فيصح عند أصحابنا خلافا للشافعي - رحمه الله -، والصحيح: قولنا ~~لقوله - عز وجل -: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن ~~من الصالحين} [التوبة: 75] إلى قوله تعالى: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى ~~يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} [التوبة: 77] . # دلت الآية الشريفة على صحة النذر المضاف؛ لأن الناذر بنذره عاهد الله ~~تعالى الوفاء بنذره، وقد لزمه الوفاء بما عهد، والمؤاخذة على ترك الوفاء ~~به، ولا يكون ذلك إلا في النذر الصحيح. # (ومنها) أن لا يكون مفروضا ولا واجبا، فلا يصح النذر بشيء من الفرائض ~~سواء كان فرض عين كالصلوات الخمس وصوم رمضان، أو فرض كفاية كالجهاد وصلاة ~~الجنازة، ولا بشيء من الواجبات سواء كان عينا كالوتر وصدقة الفطر ms2805 والعمرة ~~والأضحية، أو على سبيل الكفاية كتجهيز الموتى وغسلهم ورد السلام ونحو ذلك؛ ~~لأن إيجاب الواجب لا يتصور. # (وأما) الذي يرجع إلى نفس الركن فخلوه عن الاستثناء فإن دخله أبطله. ### | [فصل في حكم النذر] # (فصل) : # (وأما) حكم النذر فالكلام فيه في مواضع: الأول في بيان أصل الحكم، ~~والثاني في بيان وقت ثبوته، والثالث في بيان كيفية ثبوته. # - أما أصل الحكم فالناذر لا يخلو من أن يكون نذر وسمى، أو نذر ولم يسم، ~~فإن نذر وسمى فحكمه وجوب الوفاء بما سمى، بالكتاب العزيز والسنة والإجماع ~~والمعقول. # (أما) الكتاب الكريم فقوله - عز شأنه - {وليوفوا نذورهم} [الحج: 29] ، ~~وقوله تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} [الإسراء: 34] ، وقوله - ~~سبحانه -: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} [النحل: 91] ، والنذر نوع عهد من ~~الناذر مع الله - جل وعلا - فيلزمه الوفاء بما عهد، وقوله - جلت عظمته - ~~{أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] أي العهود، وقوله - عز شأنه -: {ومنهم من ~~عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن} [التوبة: 75] إلى قوله تعالى: {بما ~~أخلفوا الله ما وعدوه} [التوبة: 77] ألزم الوفاء بعهده حيث أوعد على ترك ~~الوفاء. # (وأما) السنة فقول النبي - عليه الصلاة والسلام -: «من نذر أن يطيع الله ~~تعالى فليطعه» ، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: «من نذر وسمى فعليه الوفاء ~~بما سمى» ، وعلى كلمة إيجاب، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: «المسلمون عند ~~شروطهم» ، والناذر شرط الوفاء بما نذر فيلزمه مراعاة شرطه، وعليه إجماع ~~الأمة. # (وأما) المعقول فهو أن المسلم يحتاج إلى أن يتقرب إلى الله - سبحانه ~~وتعالى - بنوع من القرب المقصودة التي له رخصة تركها لما يتعلق به من ~~المعاقبة الحميدة، وهي نيل الدرجات العلى، والسعادة العظمى في دار الكرامة، ~~وطبعه لا يطاوعه على تحصيله، بل يمنعه عنه؛ لما فيه من المضرة الحاضرة وهي ~~المشقة، ولا ضرورة في الترك فيحتاج إلى اكتساب سبب يخرجه عن رخصة الترك، ~~ويلحقه بالفرائض الموظفة، وذلك يحصل بالنذر؛ لأن الوجوب يحمله على التحصيل؛ ~~خوفا من مضرة الترك فيحصل مقصوده، فثبت أن حكم النذر الذي فيه تسمية هو ~~وجوب الوفاء بما سمى، ms2806 وسواء كان النذر مطلقا أو مقيدا معلقا بشرط بأن قال: ~~إن فعلت كذا فعلي لله حج أو عمرة أو صوم أو صلاة أو ما أشبه ذلك من ~~الطاعات، حتى لو فعل ذلك يلزمه الذي جعله على نفسه، ولم يجز عنه كفارة، ~~وهذا قول أصحابنا - رضي الله عنهم -. # وقال الشافعي - رحمه الله -: إن علقه بشرط يريد كونه لا يخرج عنه ~~بالكفارة، كما إذا قال: إن شفى الله مريضي، أو إن قدم غائبي - فعلي كذا، ~~وإن علقه بشرط لا يريد كونه بأن قال: إن كلمت فلانا، أو قال: إن دخلت الدار ~~فلله علي # PageV05P090 # كذا - يخرج عنه بالكفارة، وهو بالخيار إن شاء وفى بالنذر، وإن شاء كفر ~~وأصحاب الشافعي - رحمه الله - يسمون هذا يمين الغصب. # وروى عامر عن علي بن معبد عن محمد - رحمهم الله -: أنه رجع عن ذلك وقال ~~يجزئ فيه كفارة اليمين وروى عبد الله بن المبارك وغيره عن أبي حنيفة - رحمه ~~الله -: أنه يجزيه كفارة اليمين. # وروي أن أبا حنيفة - عليه الرحمة - رجع إلى الكفارة في آخر عمره، فإنه ~~روي عن عبد العزيز بن خالد أنه قال: قرأت على أبي حنيفة - رحمه الله - كتاب ~~الأيمان، فلما انتهيت إلى هذه المسألة قال: قف فإن من رأيي أن أرجع إلى ~~الكفارة، قال: فخرجت حاجا فلما رجعت وجدت أبا حنيفة - عليه الرحمة - قد ~~مات، فأخبرني الوليد بن أبان أن أبا حنيفة رجع عن الكفارة؛ والمسألة مختلفة ~~بين الصحابة: - رضي الله عنهم - روي عن علي وعبد الله بن عباس - رضي الله ~~عنهم - أن عليه الوفاء بما سمى، وعن سيدنا عمر وعبد الله ابن سيدنا عمر ~~وسيدتنا عائشة وسيدتنا حفصة - رضي الله عنهم - أن عليه الكفارة. # واحتج من قال بوجوب الكفارة بقوله - جلت عظمته -: {ولكن يؤاخذكم بما ~~عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] وقوله - جل شأنه -: {ذلك كفارة أيمانكم} ~~[المائدة: 89] وهذا يمين؛ لأن اليمين بغير الله - تعالى جل شأنه - شرط ~~وجزاء، وهذا كذلك. # وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «النذر يمين وكفارته ~~كفارة اليمين» ms2807 ، وهذا نص، ولأن هذا في معنى اليمين بالله - تعالى جل شأنه ~~-؛ لأن المقصد من اليمين بالله - تعالى - الامتناع من المحلوف عليه، أو ~~تحصيله خوفا من لزوم الحنث، وهذا موجود ههنا؛ لأنه إن قال: إن فعلت كذا ~~فعلي حجة، فقد قصد الامتناع من تحصيل الشرط، وإن قال: إن لم أفعل كذا فعلي ~~حجة، فقد قصد تحصيل الشرط، وكل ذلك خوفا من الحنث فكان في معنى اليمين ~~بالله - تعالى - فتلزمه الكفارة عند الحنث. # (ولنا) قوله - جل شأنه -: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} ~~[التوبة: 75] الآية، وغيرها من نصوص الكتاب العزيز والسنة المقتضية لوجوب ~~الوفاء بالنذر عاما مطلقا من غير فصل بين المطلق والمعلق بالشرط، والوفاء ~~بالنذر هو فعل ما تناوله النذر لا الكفارة؛ ولأن الأصل اعتبار التصرف على ~~الوجه الذي أوقعه المتصرف تنجيزا كان أو تعليقا بشرط؛ والمتصرف أوقعه نذرا ~~عليه عند وجود الشرط وهو إيجاب الطاعة المذكورة لا إيجاب الكفارة، واحتج ~~أبو يوسف - رحمه الله - في ذلك وقال: القول بوجوب الكفارة يؤدي إلى وجوب ~~القليل بإيجاب الكثير، ووجوب الكثير بإيجاب القليل؛ لأنه لو قال: إن فعلت ~~كذا فعلي صوم سنة، أو إطعام ألف مسكين - لزمه صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ~~عشرة مساكين، ولو قال: إن فعلت كذا فعلي صوم يوم، أو إطعام مسكين - لزمه ~~إطعام عشرة مساكين، أو صوم ثلاثة، ولا حجة لهم بالآية الكريمة؛ لأن المراد ~~بها اليمين بالله - عز شأنه -؛ لأن الله - تعالى - أثبت باليمين المعقودة ~~ما نفاه بيمين اللغو بقوله - تعالى جلت كبرياؤه -: {لا يؤاخذكم الله باللغو ~~في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] ، والمراد من ~~النفي اليمين بالله - تعالى - كذا في الإثبات، والحديث محمول على النذر ~~المبهم توفيقا بين الدلائل، صيانة لها عن التناقض. # وأما قولهم: إن هذا في معنى اليمين بالله - تعالى - ممنوع بأن النذر ~~المعلق بالشرط صريح في الإيجاب عند وجود الشرط، واليمين بالله - تعالى - ~~ليس بصحيح في الإيجاب، وكذا الكفارة في اليمين بالله - تعالى - تجب جبرا ~~لهتك حرمة اسم الله - عز ms2808 اسمه - الحاصل بالحنث، وليس في الحنث ههنا هتك ~~حرمة اسم الله تعالى، وإنما فيه إيجاب الطاعة، فلم يكن في معنى اليمين ~~بالله - تعالى -، ثم الوفاء بالمنذور به نفسه حقيقة، إنما يجب عند الإمكان، ~~فأما عند التعذر فإنما يجب الوفاء به تقديرا بخلفه؛ لأن الخلف يقوم مقام ~~الأصل، كأنه هو، كالتراب حال عدم الماء، والأشهر حال عدم الإقراء، حتى لو ~~نذر الشيخ الفاني بالصوم، يصح نذره، وتلزمه الفدية؛ لأنه عاجز عن الوفاء ~~بالصوم حقيقة فيلزمه الوفاء به تقديرا بخلفه، ويصير كأنه صام، وعلى هذا ~~يخرج أيضا النذر بذبح الولد، أنه يصح عند أبي حنيفة - عليه الرحمة - ومحمد ~~- رحمه الله - ويجب ذبح الشاة؛ لأنه إن عجز عن تحقيق القربة بذبح الولد ~~حقيقة لم يعجز عن تحقيقها بذبحه تقديرا بذبح خلفه وهو الشاة، كما في الشيخ ~~الفاني إذا نذر بالصوم. # (وأما) وجوب الكفارة عند فوات المنذور به إذا كان معينا، بأن نذر صوم شهر ~~بعينه، ثم أفطر فهل هو من حكم النذر؟ فجملة الكلام فيه: أن الناذر لا يخلو ~~إما إن قال ذلك ونوى النذر ولم يخطر بباله اليمين أو نوى النذر ونوى أن لا ~~يكون يمينا، أو لم يخطر بباله شيء لا النذر ولا اليمين، أو نوى اليمين ولم ~~يخطر بباله النذر، أو نوى اليمين ونوى أن لا يكون # PageV05P091 # نذرا، أو نوى النذر واليمين جميعا فإن لم يخطر بباله شيء لا النذر ولا ~~اليمين، أو نوى النذر ولم يخطر بباله اليمين، أو نوى النذر ونوى أن لا يكون ~~يمينا - يكون نذرا بالإجماع. # وإن نوى اليمين ونوى أن لا يكون نذرا يكون يمينا ولا يكون نذرا بالاتفاق، ~~وإن نوى اليمين ولم يخطر بباله النذر، أو نوى النذر واليمين جميعا - كان ~~نذرا ويمينا في قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يكون يمينا ولا يكون ~~نذرا، والأصل عند أبي يوسف: لا يتصور أن يكون الكلام الواحد نذرا ويمينا، ~~بل إذا بقي نذرا لا يكون يمينا، وإذا صار يمينا لم يبق نذرا وعند أبي حنيفة ms2809 ~~ومحمد رحمهما الله يجوز أن يكون الكلام الواحد نذرا ويمينا. # (وجه) قول أبي يوسف أن الصيغة للنذر حقيقة وتحتمل اليمين مجازا لمناسبة ~~بينهما بكون كل واحد منهما سببا لوجوب الكف عن فعل، أو الإقدام عليه، فإذا ~~بقيت الحقيقة معتبرة لم يثبت المجاز، وإذا انقلب مجازا لم تبق الحقيقة؛ لأن ~~الكلام الواحد لا يشتمل على الحقيقة والمجاز لما بينهما من التنافي، إذ ~~الحقيقة من الأسامي ما تقرر في المحل الذي وضع له، والمجاز ما جاوز محل ~~وضعه وانتقل عنه إلى غيره لضرب مناسبة بينهما، ولا يتصور أن يكون الشيء ~~الواحد في زمان واحد متقررا في محله، ومنتقلا عنه إلى غيره. # (ولهما) أن النذر فيه معنى اليمين؛ لأن النذر وضع لإيجاب الفعل مقصودا ~~تعظيما لله تعالى، وفي اليمين وجوب الفعل المحلوف عليه، إلا أن اليمين ما ~~وضعت لذلك، بل لتحقيق الوعد والوعيد، ووجوب الفعل لضرورة تحقق الوعد ~~والوعيد لا أنه يثبت مقصودا باليمين، لأنها ما وضعت لذلك، وإذا كان وجوب ~~الفعل فيها لغيره لم يكن الفعل واجبا في نفسه، ولهذا تنعقد اليمين في ~~الأفعال كلها، واجبة كانت أو محظورة أو مباحة. # ولا ينعقد النذر إلا فيما لله - تعالى - من جنسه إيجاب، ولهذا لم يصح ~~اقتداء الناذر بالناذر لتغاير الواجبين؛ لأن صلاة كل واحد منهما وجبت ~~بنذره، فتتغاير الواجبات، ولم يصح الاقتداء، ويصح اقتداء الحالف بالحالف؛ ~~لأن المحلوف عليه إذا لم يكن واجبا في نفسه كان في نفسه نفلا كأن اقتدى ~~المتنفل بالمتنفل فصح، وإذا ثبت أن المنذور واجب في نفسه، والمحلوف واجب ~~لغيره، فلا شك أن ما كان واجبا في حق نفسه كان في حق غيره واجبا، فكان معنى ~~اليمين - وهو الوجوب لغيره - موجودا في النذر، فكان كل نذر فيه معنى ~~اليمين، إلا أنه لا يعتبر لوقوع النسبة بوجوبه في حق نفسه عن وجوبه في حق ~~غيره، فإذا نواه فقد اعتبره فصار نذرا ويمينا. # وبه تبين أن ليس هذا من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد؛ لأن ~~المجاز ما جاوز ms2810 محل الحقيقة إلى غيره لنوع مناسبة بينهما، وهذا ليس من هذا ~~القبيل بل هو من جعل ما ليس بمعتبر في محل الحقيقة مع وجوده وتقرره معتبرا ~~بالنسبة، فلم يكن من باب المجاز، والدليل على أنه يجوز اشتمال لفظ واحد على ~~معنيين مختلفين كالكتابة، والإعتاق على مال - أن كل واحد منهما يشتمل على ~~معنى اليمين، ومعنى المعاوضة على ما ذكرنا في كتاب العتاق والمكاتب. # (وأما) النذر الذي لا تسمية فيه فحكمه وجوب ما نوى إن كان الناذر نوى ~~شيئا سواء كان مطلقا عن شرط، أو معلقا بشرط، بأن قال: لله علي نذر أو قال: ~~إن فعلت كذا فلله علي نذر، فإن نوى صوما أو صلاة أو حجا أو عمرة، لزمه ~~الوفاء به في المطلق للحال، وفي المعلق بالشرط عند وجود الشرط، ولا تجزيه ~~الكفارة في قول أصحابنا على ما بينا، وإن لم تكن له نية فعليه كفارة ~~اليمين، غير أنه إن كان مطلقا يحنث للحال، وإن كان معلقا بشرط يحنث عند ~~الشرط، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: «النذر يمين وكفارته كفارة اليمين» ~~، والمراد منه النذر المبهم الذي لا نية للناذر فيه، وسواء كان الشرط الذي ~~علق به هذا النذر مباحا أو معصية، بأن قال: إن صمت أو صليت فلله علي نذر - ~~ويجب عليه أن يحنث نفسه، ويكفر عن يمينه لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ~~«من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن ~~يمينه» . # ولو نوى في النذر المبهم صياما ولم ينو عددا؛ فعليه صيام ثلاثة أيام في ~~المطلق للحال، وفي المعلق إذا وجد الشرط، وإن نوى طعاما ولم ينو عددا؛ ~~فعليه طعام عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع من حنطة؛ لأنه لو لم يكن له نية ~~لكان عليه كفارة اليمين؛ لما ذكرنا أن النذر المبهم يمين، وأن كفارته كفارة ~~يمين بالنص، فلما نوى به الصيام انصرف إلى صيام الكفارة، وهو صيام ثلاثة ~~أيام، وانصرف الإطعام إلى طعام الكفارة، وهو إطعام عشرة مساكين ولو قال: ~~لله علي صدقة، ms2811 فعليه نصف صاع، ولو قال: لله علي صوم فعليه صوم يوم؛ ولو ~~قال: لله علي صلاة، فعليه ركعتان؛ لأن ذلك أدنى ما ورد # PageV05P092 # الأمر به، والنذر يعتبر بالأمر فإذا لم ينو شيئا ينصرف إلى أدنى ما ورد ~~به الأمر في الشرع. # (وأما) وقت ثبوت هذا الحكم فالنذر لا يخلو إما أن يكون مطلقا، وإما أن ~~يكون معلقا بشرط أو مقيدا بمكان أو مضافا إلى وقت، والمنذور لا يخلو أما إن ~~كان قربة بدنية كالصوم والصلاة. # وأما إن كان مالية كالصدقة فإن كان النذر مطلقا عن الشرط والمكان ~~والزمان، فوقت ثبوت حكمه وهو وجوب المنذور به هو وقت وجود النذر، فيجب عليه ~~في الحال مطلقا عن الشرط والمكان والزمان، لأن سبب الوجوب وجد مطلقا، فيثبت ~~الوجوب مطلقا، وإن كان معلقا بشرط نحو أن يقول: إن شفى الله مريضي، أو إن ~~قدم فلان الغائب فلله علي أن أصوم شهرا، أو أصلي ركعتين، أو أتصدق بدرهم، ~~ونحو ذلك فوقته وقت الشرط، فما لم يوجد الشرط لا يجب بالإجماع. # ولو فعل ذلك قبل وجود الشرط يكون نفلا؛ لأن المعلق بالشرط عدم قبل وجود ~~الشرط، وهذا لأن تعليق النذر بالشرط هو إثبات النذر بعد وجود الشرط كتعليق ~~الحرية بالشرط إثبات الحرية بعد وجود الشرط، فلا يجب قبل وجود الشرط، ~~لانعدام السبب قبله وهو النذر فلا يجوز تقديمه على الشرط؛ لأنه يكون أداء ~~قبل الوجوب وقبل وجود سبب الوجوب، فلا يجوز كما لا يجوز التكفير قبل الحنث؛ ~~لأنه شرط أن يؤديه بعد وجود الشرط، فيلزمه مراعاة شرطه لقوله: - عليه ~~الصلاة والسلام - «المسلمون عند شروطهم» وإن كان مقيدا بمكان بأن قال: لله ~~علي أن أصلي ركعتين في موضع كذا، أو أتصدق على فقراء بلد كذا - يجوز أداؤه ~~في غير ذلك المكان عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله -، وعند زفر - رحمه ~~الله - لا يجوز إلا في المكان المشروط. # (وجه) قوله أنه أوجب على نفسه الأداء في مكان مخصوص، فإذا أدى في غيره لم ~~يكن مؤديا ما عليه، فلا يخرج ms2812 عن عهدة الواجب؛ ولأن إيجاب العبد يعتبر ~~بإيجاب الله تعالى، وما أوجبه الله - تعالى - مقيدا بمكان لا يجوز أداؤه في ~~غيره كالنحر في الحرم والوقوف بعرفة، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا ~~والمروة كذا ما أوجبه العبد. # (ولنا) أن المقصود والمبتغى من النذر هو التقرب إلى الله - عز وجل -، فلا ~~يدخل تحت نذره إلا ما هو قربة، وليس في عين المكان وإنما هو محل أداء ~~القربة فيه، فلم يكن بنفسه قربة فلا يدخل المكان تحت نذره، فلا يتقيد به ~~فكان ذكره والسكوت عنه بمنزلة وإن كان مضافا إلى وقت بأن قال لله علي أن ~~أصوم رجبا، أو أصلي ركعتين يوم كذا، أو أتصدق بدرهم في يوم كذا - فوقت ~~الوجوب في الصدقة هو وقت وجود النذر في قولهم جميعا، حتى يجوز تقديمها على ~~الوقت بلا خلاف بين أصحابنا، واختلف في الصوم والصلاة، قال أبو يوسف: وقت ~~الوجوب فيهما وقت وجود النذر، وعند محمد - عليه الرحمة - وقت مجيء الوقت ~~حتى يجوز تقديمه على الوقت في قول أبي يوسف، ولا يجوز في قول محمد - رحمه ~~الله -. # (وجه) قول محمد أن النذر إيجاب ما شرع في الوقت نفلا، ألا ترى أن النذر ~~بما ليس بمشروع نفلا وفي وقت لا يتصور، كصوم الليل وغيره لا يصح؟ والناذر ~~أوجب على نفسه الصوم في وقت مخصوص، فلا يجب عليه قبل مجيئه، بخلاف الصدقة؛ ~~لأنها عبادة مالية لا تعلق لها بالوقت؛ بل بالمال فكان ذكر الوقت فيه لغوا، ~~بخلاف العبادة البدنية. # (وجه) قول أبي يوسف أن الوجوب ثابت قبل الوقت المضاف إليه النذر، فكان ~~الأداء قبل الوقت المذكور أداء بعد الوجوب فيجوز، والدليل على تحقق الوجوب ~~قبل الوقت المعين وجهان: - أحدهما أن العبادات واجبة على الدوام بشرط ~~الإمكان وانتفاء الحرج بالنصوص والمعقول. # (أما) النصوص فقوله - عز شأنه -: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا ~~واعبدوا ربكم وافعلوا الخير} [الحج: 77] وقوله تعالى: {واعبدوا الله ولا ~~تشركوا به شيئا} [النساء: 36] ونحو ذلك. # (وأما) المعقول فهو أن العبادة ليست إلا خدمة المولى؛ وخدمة ms2813 المولى على ~~العبد مستحقة، والتبرع من العبد على المولى محال، والعبودية دائمة فكان ~~وجوب العبادة عليه دائما؛ ولأن العبادات وجبت شكرا للنعمة، والنعمة دائمة، ~~فيجب أن يكون شكرها دائما حسب دوام النعمة، إلا أن الشرع رخص للعبد تركها ~~في بعض الأوقات، فإذا نذر فقد اختار العزيمة، وترك الرخصة، فيعود حكم ~~العزيمة كالمسافر إذا اختار صوم رمضان فصام، سقط عنه الفرض؛ لأن الواجب ~~عليه هو الصوم، إلا أنه رخص له تركه لعذر السفر، فإذا صام فقد اختار ~~العزيمة وترك الرخصة فعاد حكم العزيمة، لهذا المعنى كان الشروع في نفل ~~العبادة اللزوم في الحقيقة بما ذكرنا من الدلائل بالشروع، إلا أنه لما شرع ~~فقد اختار العزيمة وترك الرخص، فعاد حكم العزيمة كذا في النذر. # والثاني أنه وجد سبب الوجوب للحال وهو # PageV05P093 # النذر، وإنما الأجل ترفيه يترفه به في التأخير، فإذا عجل فقد أحسن في ~~إسقاط الأجل فيجوز كما في الإقامة في حق المسافر لصوم رمضان، وهذا لأن ~~الصيغة صيغة إيجاب، أعني قوله: لله علي أن أصوم والأصل في كل لفظ موجود في ~~زمان اعتباره فيه فيما يقتضيه في وضع اللغة، ولا يجوز إبطاله ولا تغييره ~~إلى غير ما وضع له إلا بدليل قاطع أو ضرورة داعية، ومعلوم أنه لا ضرورة إلى ~~إبطال هذه الصيغة، ولا إلى تغييرها، ولا دليل سوى ذكر الوقت، وأنه محتمل قد ~~يذكر للوجوب فيه، كما في باب الصلاة، وقد يذكر لصحة الأداء كما في الحج ~~والأضحية، وقد يذكر للترفيه والتوسعة كما في وقت الإقامة للمسافر، والحول ~~في باب الزكاة، فكان ذكر الوقت في نفسه محتملا، فلا يجوز إبطال صيغة ~~الإيجاب الموجود للحال مع الاحتمال، فبقيت الصيغة موجبة وذكر الوقت للترفيه ~~والتوسعة؛ كي لا يؤدي إلى إبطال الثابت بيقين إلى أمر محتمل، وبه تبين أن ~~هذا ليس بإيجاب صوم رجب عينا؛ بل هو إيجاب صوم مقدر بالشهر، أي شهر كان، ~~فكان ذكر رجب لتقرير الواجب لا للتعيين، فأي شهر اتصل الأداء به تعين ذلك ~~الشهر للوجوب فيه، وإن لم ms2814 يتصل به الأداء إلى رجب تعين رجب، لوجوب الأداء ~~فيه، فكان تعيين كل شهر قبل رجب باتصال الأداء به، وتعيين رجب بمجيئه قبل ~~اتصال الأداء بشهر قبله كما في باب الصلاة أنها تجب في جزء من الوقت غير ~~معين. # وإنما يتعين الوجوب بالشروع إن شرع فيها، وإن لم يشرع إلى آخر الوقت تعين ~~آخر الوقت للوجوب وهو الصحيح من الأقاويل على ما عرف في أصول الفقه، وكما ~~في النذر المطلق عن الوقت، وسائر الواجبات المطلقة عن الوقت من قضاء رمضان ~~والكفارة وغيرهما، أنها تجب في مطلق الوقت في غير تعيين، وإنما يتعين ~~الوجوب إما باتصال الأداء به، وإما بآخر العمر إذا صار إلى حال لو لم يؤد ~~لفات بالموت. # (وأما) كيفية ثبوته فالنذر لا يخلو إما إن أضيف إلى وقت مبهم، وإما إن ~~أضيف إلى وقت معين، فإن أضيف إلى وقت مبهم بأن قال: لله علي أن أصوم شهرا ~~ولا نية له، فحكمه هو حكم الأمر المطلق عن الوقت، واختلف أهل الأصول في ذلك ~~أن حكمه وجوب الفعل على الفور أم على التراخي، حكى الكرخي - رحمه الله - عن ~~أصحابنا أنه على الفور، وروى ابن شجاع البلخي عن أصحابنا أنه يجب وجوبا ~~موسعا، فظهر الاختلاف بين أصحابنا في الحج، فعند أبي يوسف يجب على الفور، ~~وعند محمد على التراخي. # وروي عن أبي حنيفة - عليه الرحمة - مثل قول أبي يوسف، وقال عامة مشايخنا ~~بما وراء النهر أنه على التراخي، وتفسير الواجب على التراخي عندهم أنه يجب ~~في جزء من عمره غير معين وإليه خيار التعيين، ففي أي وقت شرع فيه تعين ذلك ~~الوقت للوجوب، وإن لم يشرع يتضيق الوجوب في آخر عمره إذا بقي من آخر عمره ~~قدر ما يمكنه الأداء فيه بغالب ظنه، حتى لو مات قبل الأداء يأثم بتركه، وهو ~~الصحيح؛ لأن الأمر بالفعل مطلق عن الوقت، فلا يجوز تقييده إلا بدليل، فكذلك ~~النذر؛ لأن النصوص المقتضية لوجوب الوفاء بالنذر مطلقة عن الوقت، فلا يجوز ~~تقييدها إلا بدليل، وكذا سبب ms2815 الوجوب وهو النذر وجد مطلقا عن الوقت، والحكم ~~يثبت على وفق السبب، فيجب عليه أن يصوم شهرا من عمره غير معين، وخيار ~~التعيين إليه إلى أن يغلب على ظنه الفوت لو لم يصم فيضيق الوقت حينئذ. # وكذا حكم الاعتكاف المضاف إلى وقت مبهم، بأن قال: لله علي أن أعتكف شهرا، ~~ولا نية له، وهذا بخلاف اليمين بالكلام، بأن قال: والله لا أكلم فلانا ~~شهرا؛ أنه يتعين الشهر الذي يلي اليمين، وكذا الإجارة بأن أجر داره، أو ~~عبده شهرا، فإنه يتعين الشهر الذي يلي العقد؛ لأنه أضاف النذر إلى شهر ~~منكر، والصرف إلى الشهر الذي يلي النذر يعين المنكر، ولا يجوز تعيين المنكر ~~إلا بدليل هو الأصل، وقد قام دليل التعيين في باب اليمين والإجارة؛ لأن غرض ~~الحالف منع نفسه عن الكلام، والإنسان إنما يمنع نفسه عن الكلام مع غيره؛ ~~لإهانته والاستخفاف به لداع يدعوه إلى ذلك الحال، والإجارة تنعقد للحاجة ~~إلى الانتفاع بالمستأجر، والحاجة قائمة عقيب العقد، فيتعين الزمان المتعقب ~~للعقد لثبوت حكم الإجارة، ويجوز تعيين المبهم عند قيام الدليل المعين. # ولو نوى شهرا معينا صحت نيته؛ لأنه نوى ما يحتمله لفظه، وفيه تشديد عليه، ~~ثم في النذر المضاف إلى وقت مبهم إذا عين شهرا للصوم فهو بالخيار: إن شاء ~~تابع، وإن شاء فرق، بخلاف الاعتكاف إنه إذا عين شهرا للاعتكاف فلا بد وأن ~~يعتكف متتابعا في النهار والليالي جميعا؛ لأن الإيجاب في النوعين حصل مطلقا ~~عن صفة التتابع، إلا أن في # PageV05P094 # ذات الاعتكاف ما يوجب التتابع، وهو كونه لبثا على الدوام فكان مبناه على ~~الاتصال، والليالي والنهر قابلة لذلك، فلا بد من التتابع ومبنى الصوم ليس ~~على التتابع بل على التفريق لما بين كل يومين ما لا يصلح له وهو الليل، ~~فبقي له الخيار. # وإن أضيف إلى وقت معين بأن قال: لله علي أن أصوم غدا يجب عليه صوم الغد ~~وجوبا مضيقا، ليس له رخصة التأخير من غير عذر. # وكذا إذا قال لله علي صوم رجب فلم يصم فيما ms2816 سبق من الشهور على رجب حتى ~~هجم رجب لا يجوز له التأخير من غير عذر؛ لأنه إذا لم يصم قبله حتى جاء رجب ~~تعين رجب لوجوب الصوم فيه على التضييق، فلا يباح له التأخير، ولو صام رجبا ~~وأفطر منه يوما لا يلزمه الاستقبال، ولكنه يقضي ذلك اليوم من شهر آخر، ~~بخلاف ما إذا قال: لله علي أن أصوم شهرا متتابعا، أو قال: أصوم شهرا ونوى ~~التتابع فأفطر يوما - أنه يستقبل؛ لأن هناك أوجب على نفسه صوما موصوفا بصفة ~~التتابع، وصح الإيجاب؛ لأن صفة التتابع زيادة قربة لما يلحقه بمراعاتها من ~~زيادة مشقة، وهي صفة معتبرة شرعا ورد الشرع بها في كفارة القتل، والظهار، ~~والإفطار، واليمين عندنا، فيصح التزامه بالنذر، فيلزمه كما التزم، فإذا ترك ~~فلم يأت بالملتزم؛ فيستقبل كما في صوم كفارة الظهار والقتل. # فأما ههنا فما أوجب على نفسه صوما متتابعا، وإنما وجب عليه التتابع ~~لضرورة تجاور الأيام؛ لأن أيام الشهر متجاورة، فكانت متتابعة فلا يلزمه إلا ~~قضاء ما أفطر، كما لو أفطر يوما من رمضان لا يلزمه إلا قضاؤه، وإن كان صوم ~~شهر رمضان متتابعا لما قلنا كذا هذا؛ ولأنا لو ألزمناه الاستقبال لوقع أكثر ~~الصوم في غير ما أضيف إليه النذر، ولو أتم وقضى يوما لكان مؤديا أكثر الصوم ~~في الوقت المعين، فكان هذا أولى، ولو أفطر رجبا كله قضى في شهر آخر؛ لأنه ~~فوت الواجب عن وقته فصار دينا عليه، والدين مقضي على لسان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولهذا وجب قضاء رمضان إذا فات عن وقته؛ ولأن الوجوب عند ~~النذر بإيجاب الله - عز شأنه - فيعتبر بالإيجاب المبتدأ وما أوجبه الله - ~~تعالى عز شأنه - على عباده ابتداء لا يسقط عنه إلا بالأداء أو بالقضاء كذا ~~هذا والله - تعالى عز شأنه - أعلم. ### | [كتاب الكفارات] ### | [فصل في أنواع الكفارات وبيان وجوب كل نوع] # (كتاب الكفارات) # الكلام في الكفارات في مواضع: في. # بيان أنواعها، وفي بيان وجوب كل نوع، وفي بيان كيفية وجوبه، وفي بيان شرط ~~وجوبه، وفي ms2817 بيان شرط جوازه، (أما) الأول: فالكفارات المعهودة في الشرع خمسة ~~أنواع: كفارة اليمين، وكفارة الحلق، وكفارة القتل، وكفارة الظهار، وكفارة ~~الإفطار، والكل واجبة إلا أن أربعة منها عرف وجوبها بالكتاب العزيز، وواحدة ~~منها عرف وجوبها بالسنة، (أما) الأربعة التي عرف وجوبها بالكتاب العزيز ~~فكفارة اليمين وكفارة الحلق وكفارة القتل وكفارة الظهار، قال الله - تعالى ~~عز شأنه - في كفارة اليمين: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: 89] . # والكفارة في عرف الشرع اسم للواجب، وقال - جل شأنه - في كفارة الحلق: ~~{فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} ~~[البقرة: 196] ، أي فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك، وقال تعالى في ~~كفارة القتل {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] إلى قوله ~~تعالى {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد ~~فصيام شهرين متتابعين توبة من الله} [النساء: 92] أي فعليه تحرير رقبة ~~مؤمنة وعليه ذلك وعليه صوم شهرين متتابعين لأن صيغته وإن كانت صيغة الخبر ~~لكن لو حمل على الخبر لأدى إلى الخلف في خبر من لا يحتمل خبره الخلف، فيحمل ~~على الإيجاب، والأمر بصيغة الخبر كثير النظير في القرآن، قال الله - تعالى: ~~{والوالدات يرضعن أولادهن} [البقرة: 233] أي ليرضعن، وقال عز شأنه: ~~{والمطلقات يتربصن بأنفسهن} [البقرة: 228] أي ليتربصن، ونحو ذلك. # وقال الله - تعالى - في كفارة الظهار: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم ~~يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} [المجادلة: 3] إلى قوله ~~تعالى: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع ~~فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] ، # PageV05P095 # أي فعليهم ذلك لما قلنا (وأما) كفارة الإفطار فلا ذكر لها في ms2818 الكتاب ~~العزيز وإنما عرف وجوبها بالسنة وهو ما روي «أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وقال: يا رسول الله هلكت وأهلكت فقال له رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: ماذا صنعت؟ فقال واقعت امرأتي في شهر رمضان متعمدا ~~فقال النبي - عليه الصلاة والسلام -: أعتق رقبة قال: ليس عندي ما أعتق فقال ~~له - عليه الصلاة والسلام -: صم شهرين متتابعين قال: لا أستطيع فقال له - ~~عليه الصلاة والسلام -: أطعم ستين مسكينا فقال: لا أجد ما أطعم، فأمر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه خمسة عشر صاعا من تمر فقال: خذها ~~وفرقها على المساكين، فقال: أعلى أهل بيت أحوج مني، والله ما بين لابتي ~~المدينة أحد أحوج مني ومن عيالي فقال له النبي - عليه الصلاة والسلام -: ~~كلها وأطعم عيالك تجزيك ولا تجزي أحدا بعدك» وفي بعض الروايات «أن الأعرابي ~~لما قال ذلك تبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه ثم قال ~~- عليه الصلاة والسلام -: كلها وأطعم عيالك تجزيك ولا تجزي أحدا بعدك» فقد ~~أمر - عليه الصلاة والسلام - بالإعتاق ثم بالصوم ثم بالإطعام، ومطلق الأمر ~~محمول على الوجوب والله عز شأنه أعلم. ### | [فصل في بيان كيفية وجوب هذه الأنواع] # (فصل) : # وأما بيان كيفية وجوب هذه الأنواع فلوجوبها كيفيتان: إحداهما أن بعضها ~~واجب على التعيين مطلقا، وبعضها على التخيير مطلقا، وبعضها على التخيير في ~~حال والتعيين في حال. # (أما) الأول فكفارة القتل والظهار والإفطار؛ لأن الواجب في كفارة القتل ~~التحرير على التعيين، لقوله عز شأنه: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة ~~مؤمنة} [النساء: 92] إلى قوله جل شأنه: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} ~~[النساء: 92] والواجب في كفارة الظهار والإفطار ما هو الواجب في كفارة ~~القتل وزيادة الإطعام إذا لم يستطع الصيام، لقوله عز شأنه: {فمن لم يستطع ~~فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] ، وكذا الواجب في كفارة الإفطار لما ~~روينا من الحديث. # (وأما) الثاني فكفارة الحلق لقوله عز شأنه {ففدية من صيام أو صدقة أو ~~نسك} [البقرة: 196] . # وأما ms2819 الثالث فهو كفارة اليمين لأن الواجب فيها أحد الأشياء الثلاثة ~~باختياره فعلا غير عين، وخيار التعيين إلى الحالف يعين أحد الأشياء الثلاثة ~~باختياره فعلا، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة في الأمر بأحد الأشياء أنه ~~يكون أمرا بواحد منها غير عين، وللمأمور خيار التعيين وقالت المعتزلة يكون ~~أمرا بالكل على سبيل البدل. # وهذا الاختلاف بناء على أصل مختلف بيننا وبينهم معروف يذكر في أصول ~~الفقه، والصحيح قولنا، لأن كلمة " أو " إذا دخلت بين أفعال - يراد بها واحد ~~منها لا الكل في الإخبار والإيجاب جميعا، يقال جاءني زيد أو عمرو ويراد به ~~مجيء أحدهما، ويقول الرجل لآخر بع هذا أو هذا ويكون توكيلا ببيع أحدهما، ~~فالقول بوجوب الكل يكون عدولا عن مقتضى اللغة، ولدلائل أخر عرفت في أصول ~~الفقه فإن لم يجد شيئا من ذلك فعليه صيام ثلاثة أيام على التعيين لقوله عز ~~شأنه {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: ~~89] . # والثانية أن الكفارات كلها واجبة على التراخي هو الصحيح من مذهب أصحابنا ~~في الأمر المطلق عن الوقت حتى لا يأثم بالتأخير عن أول أوقات الإمكان ويكون ~~مؤديا لا قاضيا. # ومعنى الوجوب على التراخي هو أن يجب في جزء من عمره غير عين، وإنما يتعين ~~بتعيينه فعلا، أو في آخر عمره؛ بأن أخره إلى وقت يغلب على ظنه أنه لو لم ~~يؤد فيه لفات، فإذا أدى فقد أدى الواجب، وإن لم يؤد حتى مات أثم لتضييق ~~الوجوب عليه في آخر العمر، وهل يؤخذ من تركته؟ ينظر إن كان لم يوص لا يؤخذ ~~ويسقط في حق أحكام الدنيا عندنا كالزكاة والنذر، ولو تبرع عنه ورثته جاز ~~عنه في الإطعام والكسوة، وأطعموا في كفارة اليمين عشرة مساكين أو كسوتهم، ~~وفي كفارة الظهار والإفطار أطعموا ستين مسكينا ولا يجبرون عليه، ولا يجوز ~~أن يعتقوا عنه لأن التبرع بالإعتاق عن الغير لا يصح، ولا أن يصوموا عنه ~~لأنه عبادة بدنية محضة فلا تجري فيه النيابة. # وقد روي عن النبي - عليه الصلاة ms2820 والسلام - أنه قال «لا يصوم أحد عن أحد، ~~ولا يصلي أحد عن أحد» ، وإن كان أوصى بذلك يؤخذ من ثلث ماله فيطعم الوصي في ~~كفارة اليمين عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة لأنه لما أوصى فقد بقي ~~ملكه في ثلث ماله، وفي كفارة القتل والظهار والإفطار تحرير رقبة إن بلغ ثلث ~~ماله قيمة الرقبة، وإن لم يبلغ أطعم ستين مسكينا في كفارة الظهار والإفطار، ~~ولا يجب الصوم فيها وإن أوصى لأن الصوم نفسه لا يحتمل النيابة، # PageV05P096 # ولا يجوز الفداء عنه بالطعام لأنه في نفسه بدل والبدل لا يكون له بدل، ~~ولو أوصى أن يطعم عنه عشرة مساكين عن كفارة يمينه ثم مات فغدى الوصي عشرة ~~ثم ماتوا يستأنف فيغدي ويعشي غيرهم لأنه لا سبيل إلى تفريق الغداء والعشاء ~~على شخصين لما نذكر، ولا يضمن الوصي شيئا لأنه غير متعد إذ لا صنع له في ~~الموت، ولو قال أطعموا عني عشرة مساكين غداء وعشاء ولم يسم كفارة فغدوا ~~عشرة ثم ماتوا يعشوا عشرة غيرهم لأنه لم يأمر بذلك على وجه الكفارة، ألا ~~ترى أنه لم يسم كفارة فكان سببه النذر فجاز التفريق والله - تعالى عز شأنه ~~- أعلم. ### | [فصل في شرائط وجوب كل نوع] # (فصل) : # وأما شرائط وجوب كل نوع فكل ما هو شرط انعقاد سبب وجوب هذه الكفارة من ~~اليمين والظهار والإفطار والقتل فهو شرط وجوبها؛ لأن الشروط كلها شروط ~~العلل عندنا، وقد ذكرنا ذلك في كتاب الأيمان والظهار والصوم والجنايات، ومن ~~شرائط وجوبها القدرة على أداء الواجب، وهذا شرط معقول لاستحالة وجوب فعل ~~بدون القدرة عليه، غير أن الواجب إذا كان معينا تشترط القدرة على أدائه ~~عينا كما في كفارة القتل والظهار والإفطار، فلا يجب التحرير فيها إلا إذا ~~كان واجدا للرقبة، وهو أن يكون له فضل مال على كفايته يؤخذ به رقبة صالحة ~~للتكفير. # فإن لم يكن لا يجب عليه التحرير لقوله جل وعلا {فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين} [المجادلة: 4] شرط سبحانه وتعالى عدم وجدان الرقبة لوجوب ms2821 الصوم، ~~فلو لم يكن الوجود شرطا لوجوب التحرير وكان يجب عليه وجد أو لم يجد لم يكن ~~لشرط عدم وجدان الرقبة لوجوب الصوم معنى، فدل أن عدم الوجود شرط الوجوب ~~فإذا كان في ملكه رقبة صالحة للتكفير يجب عليه تحريرها سواء كان عليه دين ~~أو لم يكن لأنه واجد حقيقة، فكذا إذا لم يكن في ملكه عين رقبة وله فضل مال ~~على كفايته يجب رقبة صالحة للتكفير لأنه يكون واجدا من حيث المعنى. # فأما إذا لم يكن له فضل مال على قدر كفاية ما يتوصل به إلى الرقبة ولا في ~~ملكه عين الرقبة لا يجب عليه التحرير لأن قدر الكفارة مستحق الصرف إلى ~~حاجته الضرورية، والمستحق كالمصروف فكان ملحقا بالعدم، كالماء المحتاج إليه ~~للشرب في السفر حتى يباح له التيمم، ويدخل تحت قوله عز شأنه: {وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا صعيدا طيبا} [المائدة: 6] ، وإن كان موجودا حقيقة لكنه لما كان ~~مستحق الصرف إلى الحاجة الضرورية ألحق بالعدم شرعا، كذا هذا. # وإن كان الواجب واحدا منها كما في كفارة اليمين تشترط القدرة على أداء ~~الواجب على الإبهام، وهو أن يكون في ملكه فضل على كفاية ما يجد به أحد ~~الأشياء الثلاثة لأنه يكون واجدا معنى، أو يكون في ملكه واحد من المنصوص ~~عليه عينا من عبد صالح للتكفير، أو كسوة عشرة مساكين، أو إطعام عشرة ~~مساكين؛ لأنه يكون واجدا حقيقة، وكذا لا يجب الصيام ولا الإطعام فيما ~~للطعام فيه مدخل إلا على القادر عليهما، لأن إيجاب الفعل على العاجز ممتنع ~~ولقوله - عز اسمه - في كفارة الظهار {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} ~~[المجادلة: 4] شرط سبحانه وتعالى عدم استطاعة الصيام لوجوب الإطعام فدل أن ~~استطاعة الصوم شرط لوجوبه، ولا يجب على العبد في الأنواع كلها إلا الصوم ~~لأنه لا يقدر إلا عليه؛ لأنه ليس من أهل ملك المال، لأنه مملوك في نفسه فلا ~~يملك شيئا، ولو أعتق عنه ms2822 مولاه أو أطعم أو كسا لا يجوز لأنه لا يملك وإن ~~ملك، وكذا المكاتب لأنه عبد ما بقي عليه درهم، وكذا المستسعى في قول أبي ~~حنيفة - رضي الله عنه - لأنه بمنزلة المكاتب. # (ومنها) : العجز عن التحرير عينا في الأنواع الثلاثة شرط لوجوب الصوم ~~فيها، لقوله - عز شأنه - في كفارة القتل والظهار {فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين} [المجادلة: 4] أي من لم يجد رقبة، شرط - سبحانه وتعالى - عدم ~~وجود الرقبة لوجوب الصوم فلا يجب الصوم مع القدرة على التحرير. # (وأما) في كفارة اليمين فالعجز عن الأشياء الثلاثة شرط لوجوب الصوم فيها ~~لقوله تعالى {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} [البقرة: 196] أي فمن لم يجد ~~واحدا منها فعليه صيام ثلاثة أيام فلا يجب الصوم مع القدرة على واحد منها، ~~(وأما) العجز عن الصيام فشرط لوجوب الإطعام فيما للإطعام فيه مدخل لقوله جل ~~وعلا {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] أي من لم يستطع ~~الصيام فعليه إطعام ستين مسكينا فلا يجب الإطعام مع استطاعة الصيام، ثم ~~اختلف في أن المعتبر هو القدرة والعجز وقت الوجوب أم وقت الأداء، قال: ~~أصحابنا - رحمهم الله -: وقت الأداء، وقال الشافعي - رحمه الله -: وقت ~~الوجوب، حتى لو كان # PageV05P097 # موسرا وقت الوجوب ثم أعسر جاز له الصوم عندنا وعنده لا يجوز، ولو كان على ~~القلب لا يجوز عندنا وعنده يجوز (وجه) قوله إن الكفارة وجبت عقوبة فيعتبر ~~فيها وقت الوجوب كالحد فإن العبد إذا زنى ثم أعتق يقام عليه حد العبيد. # (والدليل) على أنها وجبت عقوبة أن سبب وجوبها الجناية من الظهار والقتل ~~والإفطار والحنث، وتعليق الوجوب بالجناية تعليق الحكم بوصف مناسب مؤثر ~~فيحال عليه، وربما قالوا هذا ضمان يختلف باليسار والإعسار فيعتبر فيه حال ~~الوجوب كضمان الإعتاق. # (ولنا) أن الكفارة عبادة لها بدل ومبدل فيعتبر فيها وقت الأداء لا وقت ~~الوجوب كالصلاة بأن فاتته صلاة في الصحة فقضاها في المرض قاعدا أو بالإيماء ~~أنه يجوز (والدليل) على أنها عبادة وأن لها بدلا أن الصوم بدل عن التكفير ms2823 ~~بالمال، والصوم عبادة، وبدل العبادة عبادة، وكذا يشترط فيها النية وإنها لا ~~تشترط إلا في العبادات، وإذا ثبت أنها عبادة لها بدل ومبدل فهذا يوجب أن ~~يكون المعتبر فيها وقت الأداء لا وقت الوجوب، لأنه إذا أيسر قبل الشروع في ~~الصيام أو قبل تمامه فقد قدر على المبدل قبل حصول المقصود بالبدل فيبطل ~~البدل، وينتقل الأمر إلى المبدل كالمتيمم إذا وجد الماء قبل الشروع في ~~الصلاة أو بعده قبل الفراغ منها عندنا، وكالصغيرة إذا اعتدت بشهر ثم حاضت ~~إنه يبطل الاعتداد بالأشهر وينتقل الحكم إلى الحيض، وإذا أعسر قبل التكفير ~~بالمال فقد عجز عن المبدل قبل حصول المقصود به وقدر على تحصيله بالبدل ~~كواجد الماء إذا لم يتوضأ حتى مضى الوقت ثم عدم الماء ووجد ترابا نظيفا أنه ~~يجوز له أن يتيمم ويصلي، بل يجب عليه ذلك كذا ههنا، بخلاف الحدود لأن الحد ~~ليس بعبادة مقصودة بل هو عقوبة ولهذا لا يفتقر إلى النية، وكذا لا بدل له ~~لأن حد العبيد ليس بدلا عن حد الأحرار بل هو أصل بنفسه، ألا ترى أنه يحد ~~العبيد مع القدرة على حد الأحرار، ولا يجوز المصير إلى البدل مع القدرة على ~~المبدل كالتراب مع الماء وغير ذلك، بخلاف الصلاة إذا وجبت على الإنسان وهو ~~مقيم ثم سافر، أو مسافر ثم أقام إنه يعتبر في قضائها وقت الوجوب، لأن صلاة ~~المسافر ليست بدلا عن صلاة المقيم، ولا صلاة المقيم بدل عن صلاة المسافر، ~~بل صلاة كل واحد منهما أصل بنفسها، ألا ترى أنه يصلي إحداهما مع القدرة على ~~الأخرى؟ وبخلاف ضمان الإعتاق لأنه ليس بعبادة، وكذا السعاية ليست ببدل عن ~~الضمان على أصل أبي حنيفة - رحمه الله - لأن الشريك مخير عندهم بين التضمين ~~والاستسعاء ولا يخير بين البدل والمبدل في الشريعة (وأما) قوله إن سبب وجوب ~~الكفارة الجناية فممنوع، بل سبب وجوبها ما هو سبب وجوب التوبة، إذ هي أحد ~~نوعي التوبة، وإنما الجناية شرط كما في التوبة، هذا قول المحققين من ~~مشايخنا، وعلى ms2824 هذا يخرج ما إذا وجب عليه التحرير، أو أحد الأشياء الثلاثة ~~بأن كان موسرا ثم أعسر أنه يجزئه الصوم، ولو كان معسرا ثم أيسر لم يجزه ~~الصوم عندنا، وعند الشافعي لا يجزئه في الأول ويجزئه في الثاني، لأن ~~الاعتبار لوقت الأداء عندنا لا لوقت الوجوب، وهو في الأول يعتبر وقت الأداء ~~فوجد شرط جواز الصوم ووجوبه وهو عدم الرقبة فجاز بل وجب، وفي الثاني لم ~~يوجد الشرط فلم يجز، وعنده لما كان المعتبر وقت الوجوب فيراعى وجود الشرط ~~للجواز وعدمه وقت الوجوب، ولم يوجد في الأول ووجد في الثاني، ولو شرع في ~~الصوم ثم أيسر قبل تمامه لم يجز صومه، ذكر هذا في الأصل، بلغنا ذلك عن عبد ~~الله بن عباس وإبراهيم لما ذكرنا أنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود ~~بالبدل فلا يعتبر البدل، والأفضل أن يتم صوم ذلك اليوم فلو أفطر لا يلزمه ~~القضاء عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله -، وعند زفر - رحمه الله - يقضي، ~~وأصل هذه المسألة في كتاب الصوم، وهو من شرع في صوم على ظن أنه عليه ثم ~~تبين أنه ليس عليه فالأفضل له أن يتم الصوم، ولو أفطر فهو على الاختلاف ~~الذي ذكرنا، وعلى قياس قول الشافعي - رحمه الله - يمضي على صومه لأن العبرة ~~في باب الكفارات لوقت الوجوب عنده، ووقت الوجوب كان معسرا، ولو أيسر بعد ~~الإتمام جاز صومه لأنه قدر على المبدل بعد حصول المقصود بالبدل فلا يبطل ~~البدل، بخلاف الشيخ الفاني إذا فدى ثم قدر على الصوم إنه تبطل الفدية ~~ويلزمه الصوم لأن الشيخ الفاني هو الذي لا ترجى له القدرة على الصوم، فإذا ~~قدر تبين أنه لم يكن شيخا فانيا، ولأن الفدية ليست ببدل مطلق لأنها ليست ~~بمثل للصوم صورة ومعنى فكانت بدلا ضروريا، وقد ارتفعت الضرورة فبطلت ~~القدرة، # PageV05P098 # فأما الصوم فبدل مطلق فلا يبطل بالقدرة على الأصل بعد حصول المقصود به ~~والله - عز شأنه - أعلم. ### | [فصل في شرط جواز كل نوع] # (فصل) : # وأما شرط جواز كل نوع فلجواز هذه الأنواع ms2825 شرائط، بعضها يعم الأنواع كلها، ~~وبعضها يخص البعض دون البعض، (أما) الذي يعم الكل فنية الكفارة حتى لا ~~تتأدى بدون النية، والكلام في النية في موضعين: أحدهما في بيان أن نية ~~الكفارة شرط جوازها # والثاني في بيان شرط صحة النية، (أما) الأول فلأن مطلق الفعل يحتمل ~~التكفير ويحتمل غيره فلا بد من التعيين، وذلك بالنية، ولهذا لا يتأدى صوم ~~الكفارة بمطلق النية لأن الوقت يحتمل صوم الكفارة وغيره فلا يتعين إلا ~~بالنية كصوم قضاء رمضان وصوم النذر المطلق، ولو أعتق رقبة واحدة عن كفارتين ~~فلا شك أنه لا يجوز عنهما جميعا لأن الواجب عن كل كفارة منهما إعتاق رقبة ~~كاملة ولم يوجد، وهل يجوز عن إحداهما؟ فالكفارتان الواجبتان لا يخلو. # (أما) إن وجبتا بسببين من جنسين مختلفين وأما إن وجبتا بسببين من جنس ~~واحد؛ (فإن) وجبتا بسببين من جنسين مختلفين كالقتل والظهار فأعتق رقبة ~~واحدة ينوي عنهما جميعا لا يجوز عن إحداهما بلا خلاف بين أصحابنا، وعند ~~الشافعي - رحمه الله - يجوز، (وإن) وجبتا بسببين من جنس واحد كظهارين أو ~~قتلين يجوز عن إحداهما عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله - استحسانا، وهو ~~قول الشافعي - رحمه الله -، والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر - رحمه الله -، ~~وهذا الاختلاف مبني على أن نية التعيين والتوزيع هل تقع معتبرة أم تقع ~~لغوا، فعند أصحابنا معتبرة في الجنسين المختلفين، وعند الشافعي - رحمه الله ~~- لغو فيهما جميعا، (وأما) في الجنس الواحد فهي لغو عند أصحابنا الثلاثة - ~~رضي الله عنهم - وعند زفر معتبرة قياسا. # (أما) الكلام مع الشافعي فوجه قوله إن الكفارات على اختلاف أسبابها جنس ~~واحد، ونية التعيين في الجنس الواحد لغو لما ذكر. # (ولنا) أن التعيين في الأجناس المختلفة محتاج إليه، وذلك بالنية فكان نية ~~التعيين محتاجا إليها عند اختلاف الجنس، فصادفت النية محلها فصحت، ومتى صحت ~~أوجبت انقسام عين رقبة واحدة على كفارتين فيقع عن كل واحد منهما عتق نصف ~~رقبة فلا يجوز لا عن هذه ولا عن تلك (وأما) قوله الكفارتان جنس واحد فنعم ms2826 ~~من حيث هما كفارة لكنهما اختلفا سببا وقدرا وصفة، (أما) السبب فلا شك فيه، ~~(وأما) القدر فإن الطعام يدخل في إحداهما وهي كفارة الظهار ولا يدخل في ~~الأخرى وهي كفارة القتل، (وأما) الصفة فإن الرقبة في كفارة الظهار مطلقة عن ~~صفة الإيمان وفي كفارة القتل مقيدة بها، وإذا اختلفا من هذه الوجوه كان ~~التعيين بالنية محتاجا إليه فصادفت النية محلها فصحت فانقسم عتق رقبة ~~بينهما فلم يجز عن إحداهما؛ حتى لو كانت الرقبة كافرة وتعذر صرفها إلى ~~الكفارة للقتل انصرفت بالكلية إلى الظهار وجازت عنه، كذا قال بعض مشايخنا ~~بما وراء النهر (ونظيره) ما إذا جمع بين امرأة وابنتها أو أمها أو أختها ~~وتزوجهما في عقدة واحدة فإن كانتا فارغتين لا يجوز، وإن كانت إحداهما ~~منكوحة والأخرى فارغة يجوز نكاح الفارغة. # (وأما) الكلام بين أصحابنا فوجه القياس في ذلك أنه أوقع عتق رقبة واحدة ~~عن كفارتين على التوزيع والانقسام فيقع عن كل واحدة منهما عتق نصف رقبة فلا ~~يجوز عن واحدة منهما، لأن المستحق عليه عن كل واحدة منهما إعتاق رقبة كاملة ~~ولم يوجد، وبهذا لم يجز عن إحداهما عند اختلاف الجنس. # (ولنا) أن نية التعيين لم تصادف محلها لأن محلها الأجناس المختلفة إذ لا ~~تقع الحاجة إلى التعيين إلا عند اختلاف الجنس، فإذا اتحد الجنس لم تقع ~~الحاجة إليها فلغت نية التعيين وبقي أصل النية وهي نية الكفارة فتقع عن ~~واحدة منهما، كما في قضاء صوم رمضان إذا كان عليه صوم يومين فصام يوما ينوي ~~قضاء صوم يومين تلغو نية التعيين وبقيت نية ما عليه، كذا هذا، بخلاف ما إذا ~~اختلف الجنس لأن باختلاف الجنس تقع الحاجة إلى التعيين فلا تلغو نية ~~التعيين بل تعتبر ومتى اعتبرت يقع عن كل جنس نصف رقبة فلا يجوز عنه. # كما إذا كان عليه صوم يوم من قضاء رمضان وصوم يوم من كفارة اليمين فنوى ~~من الليل أن يصوم غدا عنهما كانت نية التوزيع معتبرة حتى لا يصير صائما عن ~~أحدهما لأن الانقسام ms2827 يمنع من ذلك والله تعالى أعلم ولو أطعم ستين مسكينا كل ~~مسكين صاعا من حنطة عن ظهارين لم يجز إلا عن أحدهما في قول أبي حنيفة وأبي ~~يوسف رحمهما الله، وقال محمد - رحمه الله - يجزئه عنهما، وقال زفر - رحمه ~~الله - لا يجزئه # PageV05P099 # عنهما، وكذلك لو أطعم عشرة مساكين كل مسكين صاعا عن يمينين فهو على هذا ~~الاختلاف، ولو كانت الكفارتان من جنسين مختلفين جاز فيهما بالإجماع. # (وأما) وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله فلما ذكرنا أن من أصل ~~أصحابنا الثلاثة أن الكفارتين إذا كانتا من جنس واحد لا يحتاج فيهما إلى ~~نية التعيين بل تلغو نية التعيين ههنا ويبقى أصل النية وهو نية الكفارة ~~يدفع ستين صاعا إلى ستين مسكينا من غير تعيين أن نصفه عن هذا ونصفه عن ذاك، ~~ولو لم يعين لم يجز إلا عن أحدهما كذا هذا، إلا أن محمدا يقول: إن نية ~~التعيين إنما تبطل لأنه لا فائدة فيها، وههنا في التعيين فائدة وهي جواز ~~ذلك عن الكفارتين فوجب اعتبارها، ويقول: إطعام ستين مسكينا يكون عن كفارة ~~واحدة والكفارة الواحدة منهما مجهول، ولهذا قال إذا أعتق رقبة واحدة عنهما ~~لا يجوز عن واحدة منهما، بخلاف ما إذا كانت الكفارتان من جنسين لأنه قد صح ~~من أصل أصحابنا جميعا أن نية التعيين عند اختلاف الجنس معتبرة، وإذا صح ~~التعيين والمؤدى يصلح عنهما جميعا وقع المؤدى عنهما فجاز عنهما جميعا والله ~~تعالى أعلم. # (وأما) شرط جواز النية فهو أن تكون النية مقارنة لفعل التكفير، فإن لم ~~تقارن الفعل رأسا، أو لم تقارن فعل التكفير بأن تأخرت عنه لم يجز؛ لأن ~~اشتراط النية لتعيين المحتمل وإيقاعه على بعض الوجوه، ولن يتحقق ذلك إلا ~~إذا كانت مقارنة للفعل، ولأن النية هي الإرادة، والإرادة مقارنة للفعل ~~كالقدرة الحقيقية لأن بها يصير الفعل اختياريا، وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى ~~أباه أو ابنه ينوي به العتق عن كفارة يمينه أو ظهاره أو إفطاره أو قتله ~~أجزأه عندنا استحسانا. # والقياس أن ms2828 لا يجزيه، وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله بناء على أن شراء ~~القريب إعتاق عندنا، فإذا اشتراه ناويا عن الكفارة فقد قارنت النية الإعتاق ~~فجاز، وعندهما العتق يثبت بالقرابة والشراء شرط فلم تكن النية مقارنة لفعل ~~الإعتاق فلا يجوز (وجه) القياس أن الشراء ليس بإعتاق حقيقة ولا مجازا، أما ~~الحقيقة فلا شك في انتفائها لأن واضع اللغة ما وضع الشراء للإعتاق، (وأما) ~~المجاز فلأن المجاز يستدعي المشابهة في المعنى اللازم المشهور في محل ~~الحقيقة ولا مشابهة ههنا أصلا، لأن الشراء تملك والإعتاق إزالة الملك، ~~وبينهما مضادة. # (ولنا) ما روى أبو داود في سننه بإسناد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لن يجزي ولد والدا إلا أن يجده ~~مملوكا فيشتريه فيعتقه» سماه معتقا عقيب الشراء ولا فعل منه بعد الشراء، ~~فعلم أن الشراء وقع إعتاقا منه عقلنا وجه ذلك أو لم نعقل، فإذا نوى عند ~~الشراء الكفارة فقد اقترنت النية بفعل الإعتاق فجاز، وقولهما " الشراء ليس ~~بإعتاق حقيقة " ممنوع بل هو إعتاق حقيقة لكن حقيقة شرعية لا وضعية، ~~والحقائق أنواع: وضعية وشرعية وعرفية على ما عرف في أصول الفقه، وكذلك إذا ~~وهب له أو أوصى له به فقبله لأنه يعتق بالقبول فقارنت النية فعل الإعتاق، ~~وإن ورثه ناويا عن الكفارة لم يجز لأن العتق ثبت من غير صنعه رأسا فلم يوجد ~~قران النية الفعل فلا يجوز. # وعلى هذا يخرج ما إذا قال لعبد الغير: إن اشتريتك فأنت حر فاشتراه ناويا ~~عن الكفارة لم يجز لأن العتق عند الشراء يثبت بالكلام السابق ولم تقارنه ~~النية، حتى لو قال: إن اشتريت فلانا فهو حر عن كفارة يميني أو ظهاري أو غير ~~ذلك يجزيه لقران النية كلام الإعتاق ولو قال: إن اشتريت فلانا فهو حر عن ~~ظهاري، ثم قال بعد ذلك: ما اشتريته فهو حر عن كفارة قتلي، ثم اشتراه فهو حر ~~عن الظهار؛ لأنه لما قال إن اشتريته فهو حر عن كفارة قتلي فقد ms2829 أراد فسخ ~~الأول، واليمين لا تحتمل الفسخ، وكذلك لو قال: إن اشتريته فهو حر تطوعا، ثم ~~قال: إن اشتريته فهو حر عن ظهاري، ثم اشتراه كان تطوعا لأنه بالأول علق ~~عتقه تطوعا بالشراء، ثم أراد بالثاني فسخ الأول، واليمين لا يلحقها الفسخ ~~والله - عز شأنه - أعلم. # (وأما) الذي يخص البعض دون البعض فأما كفارة اليمين فيبدأ بالإطعام ثم ~~بالكسوة ثم بالتحرير لأن الله - تعالى عز شأنه - بدأ بالإطعام في كتابه ~~الكريم وقد قال النبي - عليه الصلاة والسلام - «ابدءوا بما بدأ الله به» ~~فنقول: لجواز الإطعام شرائط بعضها يرجع إلى صفة الإطعام، وبعضها يرجع إلى ~~مقدار ما يطعم، وبعضها يرجع إلى محل المصروف إليه الطعام، أما الذي يرجع ~~إلى صفة الإطعام فقد قال أصحابنا: إنه يجوز فيه التمليك وهو طعام الإباحة ~~وهو مروي عن سيدنا علي - كرم الله وجهه - وجماعة من التابعين مثل محمد بن ~~كعب والقاسم وسالم والشعبي وإبراهيم وقتادة ومالك والثوري والأوزاعي - رضي ~~الله عنهم -، وقال الحكم وسعيد بن جبير # PageV05P100 # لا يجوز إلا التمليك وبه أخذ الشافعي - رحمه الله -. # فالحاصل أن التمليك ليس بشرط لجواز الإطعام عندنا بل الشرط هو التمكين، ~~وإنما يجوز التمليك من حيث هو تمكين لا من حيث هو تمليك، وعند الشافعي - ~~رحمه الله - التمليك شرط الجواز، لا يجوز بدونه. # (وجه) قوله إن التكفير مفروض فلا بد وأن يكون معلوم القدر ليتمكن المكلف ~~من الإتيان به لئلا يكون تكليف ما لا يحتمله الوسع، وطعام الإباحة ليس له ~~قدر معلوم وكذا يختلف باختلاف حال المسكين من الصغر والكبر والجوع والشبع ~~يحققه أن المفروض هو المقدر، إذ الفرض هو التقدير، يقال: فرض القاضي النفقة ~~أي قدر، قال الله سبحانه وتعالى: {فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] أي قدرتم ~~فطعام الإباحة ليس بمقدر، ولأن المباح له يأكل على ملك المبيح فيهلك ~~المأكول على ملكه، ولا كفارة بما يهلك في ملك المكفر، وبهذا شرط التمليك في ~~الزكاة والعشر وصدقة الفطر. # (ولنا) أن النص ورد بلفظ الإطعام، قال الله - عز شأنه -: {فكفارته إطعام ms2830 ~~عشرة مساكين} [المائدة: 89] ، والإطعام في متعارف اللغة اسم للتمكين من ~~المطعم لا التمليك، قال الله - عز شأنه -: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ~~ويتيما وأسيرا} [الإنسان: 8] ، والمراد بالإطعام الإباحة لا التمليك، وقال ~~النبي - عليه الصلاة والسلام -: «أفشوا السلام وأطعموا الطعام» والمراد منه ~~الإطعام على وجه الإباحة وهو الأمر المتعارف بين الناس، يقال: فلان يطعم ~~الطعام أي يدعو الناس إلى طعامه والدليل عليه قوله - سبحانه وتعالى -: {من ~~أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] ، وإنما يطعمون على سبيل الإباحة دون ~~التمليك، بل لا يخطر ببال أحد في ذلك التمليك؛ فدل أن الإطعام هو التمكين ~~من التطعم إلا أنه إذا ملك جاز لأن تحت التمليك تمكينا لأنه إذا ملكه فقد ~~مكنه من التطعم والأكل فيجوز من حيث هو تمكين، وكذا إشارة النص دليل على ما ~~قلنا لأنه قال: " إطعام عشرة مساكين " والمسكنة هي الحاجة، واختصاص المسكين ~~للحاجة إلى أكل الطعام دون تملكه تعم المسكين وغيره، فكان في إضافة الإطعام ~~إلى المساكين إشارة إلى أن الإطعام هو الفعل الذي يصير المسكين به متمكنا ~~من التطعم لا التمليك، بخلاف الزكاة وصدقة الفطر والعشر أنه لا يجوز فيه ~~طعام الإباحة لأن الشرع هناك لم يرد بلفظ الإطعام وإنما ورد بلفظ الإيتاء ~~والأداء. # قال الله - تعالى - في الزكاة: {وآتوا الزكاة} [البقرة: 43] ، وقال - ~~تعالى - في العشر: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141] ، وقال النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - في صدقة الفطر: «أدوا عن كل حر وعبد» الحديث، ~~والإيتاء والأداء يشعران بالتمليك، على أن المراد من الإطعام المذكور في ~~النص إن كان هو التمليك كان النص معلولا بدفع حاجة المسكين، وهذا يقتضي ~~جواز التمكين على طريق الإباحة، بل أولى من وجهين: أحدهما أنه أقرب إلى دفع ~~الجوع وسد المسكنة من التمليك لأنه لا يحصل معنى الدفع والسد بتمليك الحنطة ~~إلا بعد طول المدة، وإلا بعد تحمل مؤن، فكان الإطعام على طريق الإباحة أقرب ~~إلى حصول المقصود من التمليك فكان أحق بالجواز. # والثاني أن الكفارة جعلت مكفرة للسيئة بما أعطى نفسه من الشهوة التي ms2831 لم ~~يؤذن له فيها، حيث لم يف بالعهد الذي عهد مع الله - تعالى عز شأنه - فخرج ~~فعله مخرج ناقض العهد ومخلف الوعد؛ فجعلت كفارته بما تنفر عنه الطباع ~~وتتألم ويثقل عليها ليذوق ألم إخراج ماله المحبوب عن ملكه فيكفر ما أعطى ~~نفسه من الشهوة، لأنه من وجه أذن له فيها، ومعنى تألم الطبع فيما قلنا أكثر ~~لأن دعاء المساكين وجمعهم على الطعام وخدمتهم والقيام بين أيديهم أشد على ~~الطبع من التصدق عليهم لما جبل طبع الأغنياء على النفرة من الفقراء ومن ~~الاختلاط معهم والتواضع لهم فكان هذا أقرب إلى تحقيق معنى التكفير فكان ~~تجويز التمليك تكفيرا تجويز لطعام الإباحة تكفيرا من طريق الأولى (وأما) ~~قوله: " إن الكفارة مفروضة فلا بد وأن تكون معلومة القدر " فنقول: هي مقدرة ~~بالكفارة، لأن الله - عز شأنه - فرض هذا الإطعام وعرف المفروض بإطعام الأهل ~~بقوله - عز شأنه -: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] فلا بد وأن ~~يكون الأهل معلوما، والمعلوم من طعام الأهل هو طعام الإباحة دون التمليك، ~~فدل على أن طعام الإباحة معلوم القدر وقدره الكفارة بطعام الأهل، فجاز أن ~~يكون مفروضا كطعام الأهل فيمكنه الخروج عن عهدة الفرض وأما قوله: " إن ~~الطعام يهلك على ملك المكفر فلا يقع عن التكفير " فممنوع بل كما صار مأكولا ~~فقد زال ملكه عنه، إلا أنه يزول لا إلى أحد وهذا يكفي لصيرورته كفارة ~~كالإعتاق. # (وأما) الذي يرجع إلى مقدار ما يطعم فالمقدار في التمليك هو نصف صاع # PageV05P101 # من حنطة أو صاع من شعير أو صاع من تمر كذا روي عن سيدنا عمر وسيدنا علي ~~وسيدتنا عائشة، وذكر في الأصل بلغنا عن سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه ~~- أنه قال ليرفأ مولاه: إني أحلف على قوم لا أعطيهم ثم يبدو لي فأعطيهم، ~~فإذا أنا فعلت ذلك فأط عم عشرة مساكين كل مسكين نصف صاع من حنطة أو صاعا من ~~تمر، وبلغنا عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال في كفارة اليمين: إطعام ~~عشرة مساكين نصف صاع ms2832 من حنطة، وبه قال جماعة من التابعين: سعيد بن المسيب ~~وسعيد بن جبير وإبراهيم ومجاهد والحسن وهو قول أصحابنا - رضي الله عنهم -. # وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وابن سيدنا عمر وزيد بن ثابت - رضي ~~الله عنهم -، ومن التابعين عطاء وغيره: لكل مسكين مد من حنطة، وبه أخذ مالك ~~والشافعي رحمهما الله. # والترجيح لقول سيدنا عمر وسيدنا علي وسيدتنا عائشة - رضوان الله عليهم ~~لقوله - تعالى عز اسمه -: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] ، ~~والمد ليس من الأوسط بل أوسط طعام الأهل يزيد على المد في الغالب، ولأن هذه ~~صدقة مقدرة بقوت مسكين ليوم فلا تنقص عن نصف صاع كصدقة الفطر والأذى، فإن ~~أعطى عشرة مساكين كل مسكين مدا من حنطة فعليه أن يعيد عليهم مدا مدا، فإن ~~لم يقدر عليهم استقبل الطعام لأن المقدار أن لكل مسكين في التمليك مدا فلا ~~يجوز أقل من ذلك، ويجوز في التمليك الدقيق والسويق، ويعتبر فيه تمام الكيل ~~ولا يعتبر فيه القيمة كالحنطة لأنه حنطة إلا أنه فرقت أجزاؤها بالطحن. # وهذا التفريق تقريب إلى المقصود منها فلا تعتبر فيه القيمة، ويعتبر في ~~تمليك المنصوص عليه تمام الكيل ولا يقوم البعض مقام بعض باعتبار القيمة إذا ~~كان أقل من كيله حتى لو أعطى نصف صاع من تمر تبلغ قيمته قيمة نصف صاع من ~~حنطة لا يجوز لأنه منصوص عليه فيقع عن نفسه لا عن غيره فأما الأرز والذرة ~~والجاروس فلا يقوم مقام الحنطة والشعير في الكيل لأنه غير منصوص عليه، ~~وإنما جوازه باعتبار القيمة فتعتبر قيمته كالدراهم والدنانير وهذا عند ~~أصحابنا - رحمهم الله - وعند الشافعي - رحمه الله - لا يجوز إلا إذا عين ~~المنصوص عليه. # ولا يجوز دفع القيم والأبدال كما في الزكاة، وعندنا يجوز (وجه) قوله إن ~~الله - تعالى - أمر بالإطعام بقوله جل شأنه {فكفارته إطعام عشرة مساكين} ~~[المائدة: 89] ، فالقول بجواز أداء القيمة يكون تغييرا لحكم النص وهذا لا ~~يجوز. # (ولنا) ما ذكرنا أن إطعام المسكين اسم لفعل يتمكن المسكين به من التطعم ~~في ms2833 متعارف اللغة لما ذكرنا فيما تقدم. # وهذا يحصل بتمليك القيمة فكان تمليك القيمة من الفقير إطعاما له؛ فيتناول ~~النص جواز التمليك من حيث هو تمكين لا من حيث هو تمليك على ما مر أن ~~الإطعام إن كان اسما للتمليك فجوازه معلول بدفع الحاجة وهو المسألة، عرفنا ~~ذلك بإشارة النص وضرب من الاستنباط على ما بينا، والقيمة في دفع الحاجة مثل ~~الطعام فورود الشرع بجواز الطعام يكون ورودا بجواز القيمة بل أولى، لأن ~~تمليك الثمن أقرب إلى قضاء حاجة المسكين من تمليك عين الطعام؛ لأنه به ~~يتوصل إلى ما يختاره من الغذاء الذي اعتاد الاغتذاء به فكان أقرب إلى قضاء ~~حاجته فكان أولى بالجواز، ولما ذكرنا أن التكفير بالإطعام يحمل مكروه الطبع ~~بإزاء ما نال من الشهوة، وذلك المعنى يحصل بدفع القيمة، ولأن الكفارة جعلت ~~حقا للمسكين، فمتى أخرج من عليه الطعام إلى المستحق بدله وقبله المستحق عن ~~طوع فقد استبدل حقه به فيجب القول بجواز هذا الاستبدال بمنزلة التناول في ~~سائر الحقوق. # (وأما) المقدار في طعام الإباحة فأكلتان مشبعتان غداء وعشاء، وهذا قول ~~عامة العلماء. # وعن ابن سيرين وجابر بن زيد ومكحول وطاوس والشعبي أنه يطعمهم أكلة واحدة، ~~وقال الحسن وجبة واحدة، والصحيح قول العامة لأن الله - عز وجل - عرف هذا ~~الإطعام بإطعام الأهل بقوله تعالى: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: ~~89] ، وذلك أكلتان مشبعتان غداء وعشاء كذا هذا، ولأن الله - جل شأنه - ذكر ~~الأوسط. # والأوسط ما له حاشيتان متساويتان، وأقل عدد له حاشيتان متساويتان ثلاثة، ~~وذلك يحتمل أنواعا ثلاثة: أحدها الوسط في صفات المأكول من الجودة والرداءة. # والثاني الوسط من حيث المقدار من السرف والقتر. # والثالث الوسط من حيث أحوال الأكل من مرة ومرتين وثلاث مرات في يوم واحد، ~~ولم يثبت بدليل عقلي ولا بسمعي تعيين بعض هذه الأنواع فيحمل على الوسط من ~~الكل احتياطا ليخرج عن عهدة الفرض بيقين وهو أكلتان في يوم بين الجيد ~~والرديء، والسرف والقتر، ولأن # PageV05P102 # أقل الأكل في يوم مرة واحدة وهو المسمى بالوجبة، ms2834 وهو في وقت الزوال إلى ~~زوال يوم الثاني منه. # والأكثر ثلاث مرات غداء وعشاء وفي نصف اليوم، والوسط مرتان غداء وعشاء ~~وهو الأكل المعتاد في الدنيا وفي الآخرة أيضا، قال الله - سبحانه وتعالى - ~~في أهل الجنة {ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} [مريم: 62] ، فيحمل مطلق ~~الإطعام على المتعارف، وكذلك إذا غداهم وسحرهم، أو عشاهم وسحرهم، أو غداهم ~~غداءين، أو عشاهم عشاءين، أو سحرهم سحورين لأنهما أكلتان مقصودتان، فإذا ~~غداهم في يومين أو عشاهم في يومين كان كأكلتين في يوم واحد معنى إلا أن ~~الشرط أن يكون ذلك في عدد واحد، حتى لو غدى عددا وعشى عددا آخر لم يجزه ~~لأنه لم يوجد في حق كل مسكين أكلتان. # ولهذا لم يجز مثله في التمليك بأن فرق حصة مسكين على مسكينين فكذا في ~~التمكين، وسواء كان الطعام مأدوما أو غير مأدوم، حتى لو غداهم وعشاهم خبزا ~~بلا إدام أجزأه لقول الله تبارك وتعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} ~~[المائدة: 89] مطلقا من غير فصل بين المأدوم وغيره وقد أطعم، ولأن الله - ~~عز شأنه - عرف الإطعام على وجه الإباحة بإطعام الأهل. # وذلك قد يكون مأدوما وقد يكون غير مأدوم فكذا هذا، وكذلك لو أطعم خبز ~~الشعير أو سويقا أو تمرا أجزأه لأن ذلك قد يؤكل وحده في طعام الأهل، وروى ~~ابن سماعة عن أبي يوسف أنه: قال إذا أطعم مسكينا واحدا غداء وعشاء أجزأه من ~~إطعام مساكين وإن لم يأكل إلا رغيفا واحدا، لأن المعتبر هو الكفاية ~~والكفاية قد تحصل برغيف واحد فلا يعتبر القلة والكثرة، فإن ملكه الخبز بأن ~~أعطاه أربعة أرغفة فإن كان يعدل ذلك قيمة نصف صاع من حنطة أجزأه، وإن لم ~~يعدل لم يجزه لأن الخبز غير منصوص عليه فكان جوازه باعتبار القيمة وقال أبو ~~يوسف - رحمه الله -: لو غدى عشرة مساكين في يوم ثم أعطاهم مدا مدا أجزأه ~~لأنه جمع بين التمليك والتمكين وكل واحد منهما جائز حال الانفراد كذا حال ~~الاجتماع، ولأن الغداء مقدر بنصف كفاية المسكين والمد مقدر بنصف ms2835 كفايته فقد ~~حصلت له كفاية يوم فيجوز، فإن أعطى غيرهم مدا مدا لم يجز لأنه فرق طعام ~~العشرة على عشرين فلم يحصل لكل واحد منهم مقدار كفايته، ولو غداهم وأعطى ~~قيمة العشاء فلوسا ودراهم أجزأه عندنا خلافا للشافعي - رحمه الله - لأن ~~القيمة في الكفارة تقوم مقام المنصوص عليه عندنا وعنده لا تقوم. # (وأما) الذي يرجع إلى المحل المصروف إليه الطعام فمنها أن يكون فقيرا، ~~فلا يجوز إطعام الغني عن الكفارة تمليكا وإباحة لأن الله - تبارك وتعالى - ~~أمر بإطعام عشرة مساكين بقوله - سبحانه -: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} ~~[المائدة: 89] ، ولو كان له مال وعليه دين له مطالب من جهة العباد يجوز ~~إطعامه لأنه فقير بدليل أنه يجوز إعطاء الزكاة إياه فالكفارة أولى. # ومنها أن يكون ممن يستوفي الطعام، وهذا في إطعام الإباحة حتى لو غدى عشرة ~~مساكين وعشاهم وفيهم صبي أو فوق ذلك لم يجز وعليه إطعام مسكين واحد لقوله - ~~جل جلاله -: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] وذلك ليس من أوسط ما ~~يطعم، حتى لو كان مراهقا جاز لأن المراهق يستوفي الطعام فيحصل الإطعام من ~~أوسط ما يطعم ومنها أن لا يكون مملوكه لأن الصرف إليه صرف إلى نفسه فلم يجز ~~ومنها أن لا يكون من الوالدين والمولودين فلا يجوز إطعامهم تمليكا وإباحة ~~لأن المنافع بينهم متصلة فكان الصرف إليهم صرفا إلى نفسه من وجه، ولهذا لم ~~يجز صرف الزكاة إليهم، ولا تقبل شهادة البعض للبعض، ولما ذكرنا أن الواجب ~~بحق التكفير لما اقترف من الذنب بما أعطى نفسه مناها وأوصلها إلى هواها ~~بغير إذن من الآذن وهو الله - سبحانه جلت عظمته - ففرض عليهم الخروج عن ~~المعصية بما تتألم به النفس وينفر عنه الطبع ليذيق نفسه المرارة بمقابلة ~~إعطائها من الشهوة. # وهذا المعنى لا يحصل بإطعام هؤلاء لأن النفس لا تتألم به بل تميل إليه ~~لما جعل الله - سبحانه - الطبائع بحيث لا تحتمل نزول البلاء والشدة بهم، ~~وبحيث يجتهد كل في دفع الحاجة عنهم مثل الدفع عن نفسه، ولو أطعم أخاه ms2836 أو ~~أخته وهو فقير جاز لأن هذا المعنى لا يوجد في الأخ والأخت فدخل تحت عموم ~~قوله تعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89] ، ولو أطعم ولده أو ~~غنيا على ظن أنه أجنبي أو فقير ثم تبين أجزأه في قول أبي حنيفة ومحمد، وعند ~~أبي يوسف لا يجوز، وهو على الاختلاف الذي ذكرنا في الزكاة وقد مر الكلام ~~فيه. # ومنها أن لا يكون هاشميا لأن الله - تبارك وتعالى - كره لهم غسالة أيدي ~~الناس وعوضهم بخمس الخمس من الغنيمة، ولو دفع إليه على ظن أنه ليس # PageV05P103 # بهاشمي ثم ظهر أنه هاشمي فهو على الاختلاف. # ومنها أن لا يكون زوجا أو زوجة له لأن ما شرع له الكفارة وهو تألم الطبع ~~ونفاره بالبذل والإخراج لا يوجد بين الزوجين لما يوجد البذل بينهما شهوة ~~وطبيعة ويكون التناكح لمثله في العرف والشرع على ما روي «تنكح المرأة ~~لمالها وجمالها» ، وعلى ما وضع النكاح للمودة والمحبة ولا يتحقق ذلك إلا ~~بالبذل ودفع الشح، ولهذا لا تقبل شهادة أحدهما للآخر لأن أحدهما ينتفع بمال ~~صاحبه فتتمكن التهمه في الشهادة. # ومنها أن لا يكون حربيا وإن كان مستأمنا لأن الله - تعالى عز شأنه - ~~نهانا عن البر بهم والإحسان إليهم بقوله تعالى: {إنما ينهاكم الله عن الذين ~~قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم} [الممتحنة: 9] ولأن في الدفع إلى ~~الحربي إعانة له على الحراب مع المسلمين وقد قال الله سبحانه وتعالى: {ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2] ويجوز إعطاء فقراء أهل الذمة من ~~الكفارات والنذور وغير ذلك إلا الزكاة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، ~~وقال أبو يوسف - رحمه الله - لا يجوز إلا النذور والتطوع ودم المتعة (وجه) ~~قوله أن هذه صدقة وجبت بإيجاب الله - عز شأنه - فلا يجوز صرفها إلى الكافر ~~كالزكاة بخلاف النذر لأنه وجب بإيجاب العبد، والتطوع ليس بواجب أصلا، ~~والتصدق بلحم المتعة غير واجب لأن معنى القربة في الإراقة. # (ولهما) عموم قوله تعالى {فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89] من ~~غير فصل بين المؤمن والكافر إلا ms2837 أنه خص منه الحربي بما تلونا فبقي الذمي ~~على عموم النص فكان ينبغي أن يجوز صرف الزكاة إليه إلا أن الزكاة خصت «بقول ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن خذها من أغنيائهم ~~وردها في فقرائهم» ، أمر - عليه الصلاة والسلام - برد الزكاة إلى من أمر ~~بالأخذ من أغنيائهم، والمأخوذ منه المسلمون فكذا المردود عليهم. # وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال «أمرت أن آخذ الصدقة من ~~أغنيائهم وأردها في فقرائهم» . # (ووجه) الاستدلال ما ذكرنا، ولأن الكفارة وجبت لدفع المسكنة والمسكنة ~~موجودة في الكفرة فيجوز صرف الصدقة إليهم كما يجوز صرفها إلى المسلم بل ~~أولى لأن التصدق عليهم بعض ما يرغبهم إلى الإسلام ويحملهم عليه، ولما ذكرنا ~~أن الكفارات وجبت بما اختار من إعطاء النفس شهوتها فيما لا يحل له فتكون ~~كفارتها بكف النفس عن شهوتها فيما يحل له وبذل ما كان في طبعه منعه، وهذا ~~المعنى يحصل بالصرف إلى الكافر بخلاف الزكاة لأنها ما وجبت بحق التكفير بل ~~بحق الشكر، ألا ترى أنها تجب بلا كسب من جهة العبد؟ وحق الشكر الإنفاق في ~~طاعة المنعم، والصرف إلى المؤمن إنفاق على من يصرفه إلى طاعة الله - جل ~~شأنه - فيخرج مخرج المعونة على الطاعة فيحصل معنى الشكر على الكمال والكافر ~~لا يصرفه إلى طاعة الله - عز شأنه - فلا يتحقق معنى الشكر على التمام، فأما ~~الكفارات فما عرف وجوبها شكرا بل تكفيرا لإعطاء النفس شهوتها بإخراج ما في ~~شهوتها المنع وهذا المعنى في الصرف إلى الكافر موجود على الكمال والتمام ~~لذلك افترقا. # وهل يشترط عدد المساكين صورة في الإطعام تمليكا وإباحة؟ قال أصحابنا: ليس ~~بشرط وقال الشافعي - رحمه الله -: شرط، حتى لو دفع طعام عشرة مساكين وذلك ~~خمسة أصوع إلى مسكين واحد في عشرة أيام كل يوم نصف صاع، أو غدى مسكينا ~~واحدا أو عشاه عشرة أيام أجزأ عندنا. # وعنده لا يجزيه إلا عن واحد، واحتج بظاهر قوله - جل شأنه -: {فكفارته ~~إطعام عشرة مساكين} [المائدة: 89] نص على عدد العشرة فلا يجوز ms2838 الاقتصار على ~~ما دونه كسائر الأعداد المذكورة في القرآن العظيم كقوله - عز شأنه -: ~~{فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] وقوله - جل شأنه -: {يتربصن بأنفسهن ~~أربعة أشهر وعشرا} [البقرة: 234] ، ونحو ذلك والدليل عليه أنه لو دفع طعام ~~عشرة مساكين إلى مسكين واحد دفعة واحدة في يوم واحد لا يجوز. # (ولنا) أن في النص إطعام عشرة مساكين، وإطعام عشرة مساكين قد يكون بأن ~~يطعم عشرة مساكين، وقد يكون بأن يكفي عشرة مساكين سواء أطعم عشرة مساكين أو ~~لا، فإذا أطعم مسكينا واحدا عشرة أيام قدر ما يكفي عشرة مساكين فقد وجد ~~إطعام عشرة مساكين فخرج عن العهدة على أن معنى إطعام مساكين إن كان هو بأن ~~يطعم عشرة مساكين، لكن إطعام عشرة مساكين على هذا التفسير قد يكون صورة ~~ومعنى بأن يطعم عشرة من المساكين عددا في يوم واحد أو في عشرة أيام، وقد ~~يكون معنى لا صورة وهو أن يطعم مسكينا واحدا في عشرة أيام لأن الإطعام لدفع ~~الجوعة وسد المسكنة، وله كل يوم جوعة ومسكنة على حدة لأن الجوع يتجدد، ~~والمسكنة تحدث في كل يوم، ودفع عشر جوعات عن مسكين # PageV05P104 # واحد في عشرة أيام في معنى دفع عشر جوعات عن عشرة مساكين في يوم واحد أو ~~في عشرة أيام، فكان هذا إطعام عشرة مساكين معنى فيجوز. # ونظير هذا ما روي في الاستنجاء بثلاثة أحجار ثم لو استنجى بالمدر أو بحجر ~~له ثلاثة أحرف جاز لحصول المقصود منه وهو التطهير كذا هذا، ولأن ما وجبت له ~~هذه الكفارة يقتضي سقوط اعتبار عدد المساكين وهو ما ذكرنا من إذاقة النفس ~~مرارة الدفع وإزالة الملك لابتغاء وجه الله - سبحانه وتعالى - لتكفير ما ~~أتبعها هواها وأوصلها إلى مناها، كما خالف الله - عز وجل - في فعله بترك ~~الوفاء بعهد الله سبحانه وتعالى وهذا المعنى في بذل هذا القدر من المال ~~تمليكا وإباحة لا في مراعاة عدد المساكين صورة بخلاف ذكر العدد في باب الحد ~~والعدة، لأن اشتراط العدد هناك ثبت نصا غير معقول المعنى فلا يحتمل التعدية ms2839 ~~وههنا معقول على ما بينا، وبخلاف الشهادات حيث لا تجوز إقامة الواحد فيها ~~في يومين أو في دفعتين مقام شهادة شاهدين لأن هناك المعنى الذي يحصل بالعدد ~~لا يحصل بالواحد وهو انتفاء التهمة ومنفعة التصديق ونفاذ القول على ما ~~نذكره في كتاب الشهادات - إن شاء الله تعالى، وههنا معنى التكفير ودفع ~~الحاجة وسد المسكنة لا يختلف لما بينا. # (وأما) إذا دفع طعام عشرة مساكين إلى مسكين واحد في يوم واحد دفعة واحدة ~~أو دفعات فلا رواية فيه، واختلف مشايخنا: قال بعضهم: يجوز. # وقال عامة مشايخنا: لا يجوز إلا عن واحد؛ لأن ظاهر النص يقتضي الجواز على ~~الوجه الذي بينا إلا أنه مخصوص في حق يوم واحد لدليل كما صار مخصوصا في حق ~~بعض المساكين من الوالدين والمولودين ونحوهم، فيجب العمل به فيما وراء ~~المخصوص، ولما ذكرنا أن الأصل في الطعام هو طعام الإباحة إذ هو المتعارف في ~~اللغة وهو التغدية والتعشية لدفع الجوع وإزالة المسكنة وفي الحاصل دفع عشر ~~جوعات وهذا في واحد في حق مسكين واحد لا يكون فلا بد من تفريق الدفع على ~~الأيام، ويجوز أن يختلف حكم التفريق المجتمع كما في رمي الجمار أنه إذا رمى ~~بالحصى متفرقا جاز، ولو رمى مجتمعا دفعة واحدة لا يجوز إلا عن واحدة ووجد ~~في مسألتنا فجاز وكذلك لو غدى رجلا واحدا عشرين يوما أو عشى رجلا واحدا في ~~رمضان عشرين يوما أجزأه عندنا لما ذكرنا وعند الشافعي لا يجوز لأن عدد ~~المساكين عنده شرط ولم يوجد والله سبحانه - وتعالى - أعلم. # (وأما) الكسوة فالكلام فيها في ثلاثة مواضع: في بيان قدرها، وفي بيان ~~صفتها، وفي بيان مصرفها (أما) الأول فأدنى الكسوة ثوب واحد جامع لكل مسكين ~~قميص أو رداء أو كساء أو ملحفة أو جبة أو قباء أو إزار كبير وهو الذي يستر ~~البدن لأن الله تعالى ذكر الكسوة ولم يذكر فيه التقدير فكل ما يسمى لابسه ~~مكتسيا يجزي وما لا فلا ولابس ما ذكرنا يسمى مكتسيا فيجزي عن الكفارة ولا ms2840 ~~تجزي القلنسوة والخفان والنعلان لأن لابسهما لا يسمى مكتسيا إذا لم يكن ~~عليه ثوب ولا هي تسمى كسوة في العرف. # وأما السراويل والعمامة فقد اختلفت الروايات فيها، روى الحسن بن زياد عن ~~أبي حنيفة - رحمهم الله - أنه إذا أعطى مسكينا قباء أو كساء أو سراويل أو ~~عمامة سابغة يجوز وروي عن أبي يوسف أنه لا تجزي السراويل والعمامة، وهو ~~رواية عن محمد في الإملاء. # وروى هشام - رحمه الله - عنه: أن السراويل تجزيه وهذا لا يوجب اختلاف ~~الرواية في العمامة، لأن في رواية الحسن شرط في العمامة أن تكون سابغة، ~~فتحمل رواية عدم الجواز فيها على ما إذا لم تكن سابغة وهي أن لا تكفي تقميص ~~واحد (وأما) السراويل (فوجه) رواية الجواز تجوز فيه الصلاة فيجزي عن ~~الكفارة كالقميص (ووجه) رواية عدم الجواز وهي التي صححها القدوري - رحمه ~~الله - أن لابس السراويل لا يسمى مكتسيا عرفا وعادة بل يسمى عريانا فلا ~~يدخل تحت مطلق الكسوة وذكر الطحاوي أنه إذا كسا امرأة فإنه يزيد فيه الخمار ~~وهذا اعتبار جواز الصلاة في الكسوة على ما روي عن محمد لأن رأسها عورة لا ~~تجوز صلاتها مع انكشافها ولو أعطى كل مسكين نصف ثوب لم يجزه من الكسوة ~~ولكنه يجزي من الطعام عندنا إذا كان يساوي نصف صاع من حنطة (أما) عدم جوازه ~~من الكسوة فلأن الواجب هو الكسوة ونصف ثوب لا يسمى كسوة، لا يجوز أن تعتبر ~~قيمته عن كسوة رديئة؛ لأن الشيء لا يكون بدلا عن نفسه. # (وأما) جوازه عن الطعام إذا بلغ قيمته نصف صاع فلأن القيمة تجوز بدلا عن ~~الكسوة عندنا كما تجوز بدلا # PageV05P105 # عن الطعام والوجه فيه على نحو ما ذكرنا في الطعام وهل تشترط نية البدلية؟ ~~قال أبو يوسف: تشترط ولا تجزي الكسوة عن الطعام إلا بالنية وقال محمد: لا ~~تشترط، ونية التكفير كافية. # (وجه) قول محمد إن الواجب عليه ليس إلا التكفير فيستدعي نية التكفير وقد ~~وجدت فيجزيه، كما لو أعطى المساكين دراهم بنية الكفارة وهي لا تبلغ ms2841 قيمة ~~الكسوة وتبلغ قيمة الطعام جازت عن الطعام، ولو كانت لا تبلغ قيمة الطعام ~~وتبلغ قيمة الكسوة جازت عن الكسوة من غير نية البدلية كذا هذا (وجه) قول ~~أبي يوسف إن المؤدى يحتمل الجواز عن نفسه لأنه يمكن تكميله بضم الباقي إليه ~~فلا يصير بدلا إلا بجعله بدلا وذلك بالنية، بخلاف الدراهم لأنه لا جواز لها ~~عن نفسها لأنها غير منصوص عليها فكانت متعينة للبدلية فلا حاجة إلى التعيين ~~وكذلك لو كسا كل مسكين قلنسوة أو خفين أو نعلين لم يجزه في الكسوة وأجزأه ~~في الطعام إذا كان يساويه في القيمة عند أصحابنا لما قلنا، وكذا لو أعطى ~~عشرة مساكين ثوبا واحدا بينهم كثير القيمة، نصيب كل مسكين منهم أكثر من ~~قيمة ثوب لم يجزه في الكسوة وأجزأه في الطعام لما ذكرنا أن الكسوة منصوص ~~عليها فلا تكون بدلا عن نفسها وتصلح بدلا عن غيرها كما لو أعطى كل مسكين ~~ربع صاع من حنطة وذلك يساوي صاعا من تمر أنه لا يجزي عن الطعام. # وإن كان مد من حنطة يساوي ثوبا يجزي عن الكسوة لأن الطعام يجوز أن يكون ~~قيمة عن الثوب ولا يجوز أن يكون قيمة عن الطعام، لأن الطعام كله شيء واحد ~~لأن المقصود منه واحد فلا يجوز بعضه عن بعض بخلاف الطعام مع الكسوة لأنهما ~~متغايران ذاتا ومقصودا فجاز أن يقوم أحدهما مقام الآخر وكذا لو أعطى عشرة ~~مساكين دابة أو عبدا وقيمته تبلغ عشرة أثواب جاز في الكسوة وإن لم تبلغ ~~قيمته عشرة أثواب وبلغت قيمة الطعام أجزأه عنه عندنا لأن دفع البدل في باب ~~الكفارة جائز عندنا قال أبو يوسف: لو أن رجلا عليه كفارة يمين فأعطى عشرة ~~مساكين مسكينا نصف صاع من حنطة ومسكينا صاعا من شعير ومسكينا ثوبا وغدى ~~مسكينا وعشاه لم يجزه ذلك حتى يكمل عشرة من أحد النوعين لأن الله - تبارك ~~وتعالى - جعل الكفارة أحد الأنواع الثلاثة من الإطعام أو الكسوة أو التحرير ~~بقوله تبارك وتعالى: {فكفارته إطعام عشرة مساكين} [المائدة: ms2842 89] إلى قوله ~~تعالى: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] وأو تتناول أحدها فلا تجوز الجمع بينها ~~لأنه يكون نوعا رابعا وهذا لا يجوز، لكنه إذا اختار الطعام جاز له أن يعطي ~~مسكينا حنطة ومسكينا شعيرا ومسكينا تمرا لأن اسم الطعام يتناول الكل، ولو ~~أعطى نصف صاع من تمر جيد يساوي نصف صاع من بر لم يجز إلا عن نفسه بقدره لأن ~~التمر منصوص عليه في الإطعام كالبر فلا يجزي أحدهما عن الآخر كما لا يجوز ~~الثمن عن التمر، ويجزي التمر عن الكسوة لأن المقصود من كل واحد منهما غير ~~المقصود من الآخر فجاز إخراج أحدهما عن الآخر بالقيمة والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # (وأما) صفة الكسوة فهي أنها لا تجوز إلا على سبيل التمليك بخلاف الإطعام ~~عندنا؛ لأن الكسوة لدفع حاجة الحر والبرد وهذه الحاجة لا تندفع إلا بتمليك ~~لأنه لا ينقطع حقه إلا به، فأما الإطعام فلدفع حاجة الجوع وذلك يحصل بالطعم ~~لأن حقه ينقطع به، ويجوز أداء القيمة عن الكسوة كما يجوز عن الطعام عندنا ~~خلافا للشافعي - رحمه الله - ولو دفع كسوة عشرة مساكين إلى مسكين واحد في ~~عشرة أيام جاز عندنا، وعند الشافعي لا يجوز إلا عن مسكين واحد كما في ~~الإطعام، ولو أطعم خمسة مساكين على وجه الإباحة وكسا خمسة مساكين، فإن أخرج ~~ذلك على وجه المنصوص عليه لا يجوز لما ذكرنا أن الله - تبارك وتعالى - أوجب ~~أحد شيئين، فلا يجمع بينهما وإن أخرجه على وجه القيمة فإن كان الطعام أرخص ~~من الكسوة أجزأه وإن كانت الكسوة أرخص من الطعام لم يجزه لأن الكسوة تمليك ~~فجاز أن تكون بدلا عن الطعام ثم إذا كانت قيمة الكسوة مثل قيمة الطعام فقد ~~أخرج الطعام، وإن كانت أغلى فقد أخرج قيمة الطعام وزيادة فجاز، وصار كما لو ~~أطعم خمسة مساكين طعام الإباحة، وأدى قيمة طعام خمسة مساكين طعام الإباحة، ~~وأداء قيمة طعام خمسة مساكين أو أكثر جائز عندنا كذا هذا وإذا كانت قيمة ~~الكسوة أرخص من قيمة الطعام، لا يكون الطعام بدلا عنه ms2843 لأن طعام الإباحة ليس ~~بتمليك فلا يقوم مقام التمليك، وهو الكسوة؛ لأن الشيء لا يقوم مقام ما هو ~~فوقه، ولو أعطى خمسة مساكين وكسا خمسة جاز، وجعل أغلاهما ثمنا بدلا عن ~~أرخصهما ثمنا أيهما كان؛ لأن كل واحد منهما تمليك فجاز أن # PageV05P106 # يكون أحدهما بدلا عن الآخر (وأما) مصرف الكسوة فمصرفها هو مصرف الطعام، ~~وقد ذكرناه. # (وأما) التحرير فلجوازه عن التكفير شرائط تختص به، (فمنها) : ملك الرقبة ~~حتى لو أعتق إنسان عبده عن كفارة الغير لا يجوز وإن أجاز ذلك الغير؛ لأن ~~الإعتاق وقع عنه فلا توقف على غيره، وكذا لو قال لغيره أعتق عبدك عن ~~كفارتي، فأعتق لم يجز عن كفارته وعتق العبد، ولو قال أعتق عبدك على ألف ~~درهم عن كفارة يميني، فأعتقه أجزأه عند أصحابنا الثلاثة؛ لأن العتق يقع عن ~~الآخر، وعند زفر - رحمه الله - لا يجزيه؛ لأن العتق عن المأمور ولو قال: ~~أعتق عبدك عني عن كفارة يميني ولم يذكر البدل لم يجزه عن الكفارة في قول ~~أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله؛ لأن العتق يقع عن الآمر. # والمسألة قد مرت في كتاب الولاء، فرق بين هذا وبين الكسوة والإطعام: أن ~~هناك يجزيه عن الكفارة وإن لم يذكر البدل، وعن الإعتاق لا يجوز عندهما ~~(ووجهه) أن التمليك بغير بدل هبة، ولا جواز لها بدون القبض، ولم يوجد القبض ~~في الإعتاق، ووجد في الإطعام، والكسوة؛ لأن قبض الفقير يقوم مقام قبض ~~المكفر. # (ومنها) أن تكون الرقبة كاملة للمعتق، وهو أن تكون كلها ملك المعتق، وإن ~~شئت قلت: ومنها حصول كمال العتق للرقبة بالإعتاق؛ لأن التحرير المطلق مضافا ~~إلى الرقبة لا يتحقق بدونه، وعلى هذا يخرج ما إذا أعتق عبدين بينه وبين رجل ~~أنه لا يجزئه عن الكفارة لأن إعتاق عبدين بين رجلين يوجب تفريق العتق في ~~شخصين، فلا يحصل لكل واحد منهما عتق كامل لانعدام كمال الملك له في كل واحد ~~منهما فالواجب عليه صرف عتق كامل إلى شخص واحد، فإذا فرقه لا يجوز، كما لو ~~أعطى طعام ms2844 مسكين واحد إلى مسكينين، بخلاف شاتين بين رجلين ذكياهما عن ~~نسكيهما أجزأهما؛ لأن الشركة في النسك جائزة إذا صاب كل واحد منهما مقدار ~~شاة، بدليل أنه يجوز بدنة واحدة لسبعة فكان الشرط في باب النسك أن يكون ~~مقدار شاة وقد وجد، وعلى هذا يخرج ما إذا أعتق عبدا بينه وبين غيره وهو ~~موسر أو معسر أنه لا يجوز عن الكفارة عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - ~~لنقصان الملك والعتق لأن العتق يتجزأ عنده، وعندهما إن كان موسرا يجوز وإن ~~كان معسرا لا يجوز؛ لأنه تجب السعاية على العبد إذا كان معسرا فيكون إعتاقا ~~بعوض، وإذا كان موسرا، لا سعاية على العبد. # (ومنها) أن تكون الرقبة كاملة الرق؛ لأن المأمور به تحرير رقبة مطلقا، ~~والتحرير تخليص عن الرق فيقتضي كون الرقبة مرقوقة مطلقة، ونقصان الرق فوات ~~جزء منه، فلا تكون الرقبة مرقوقة مطلقة فلا يكون تحريرها مطلقا، فلا يكون ~~آتيا بالواجب، وعلى هذا يخرج تحرير المدبر وأم الولد عن الكفارة أنه لا ~~يجوز؛ لنقصان رقهما لثبوت الحرية من وجه، أو حق الحرية بالتدبير ~~والاستيلاد، حتى امتنع تمليكها بالبيع والهبة وغيرهما. # (وأما) تحرير المكاتب عن الكفارة فجائز استحسانا، إذا كان لم يؤد شيئا من ~~بدل الكتابة، والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله ولو كان ~~أدى شيئا من بدل الكتابة، لا يجوز تحريره عن الكفارة في ظاهر الرواية، وروى ~~الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما - أنه يجوز، ولو عجز عن أداء بدل ~~الكتابة، ثم أعتقه جاز بلا خلاف، سواء كان أدى شيئا من بدل الكتابة أو لم ~~يؤد. # (وجه) القياس أن الإعتاق إزالة الملك، وملك المولى من المكاتب زائل إذ ~~الملك عبارة عن القدرة الشرعية على التصرفات الحسية والشرعية من الاستخدام، ~~والاستفراش، والبيع، والهبة، والإجارة، ونحوها، وهذه القدرة زائلة عن ~~المولى في حق المكاتب، فإنه لا يملك شيئا من ذلك عليه، والدليل أنه لو قال: ~~كل مملوك لي حر لا يدخل فيه المكاتب، وكذا لو وطئت المكاتبة بشبهة ms2845 كان ~~العقر لها لا للمولى وإذا جنى على المكاتب كان الأرش له لا للمولى فدل أن ~~ملكه زائل، فلا يجوز إعتاقه عن الكفارة، ولهذا تسلم له الأولاد والإكساب، ~~ولا يسلم ذلك بالإعتاق المبتدأ فدل أن العتق يثبت بجهة الكتابة (ولنا) ~~لبيان أن الملك ملك المولى النص، ودلالة الإجماع، والمعقول. # (أما) النص فقول النبي: - عليه الصلاة والسلام - «المكاتب عبد ما بقي ~~عليه درهم» والعبد المضاف إلى العباد اسم للمملوك من بني آدم في عرف اللغة ~~والشرع، ولهذا لو قال: كل عبد لي فهو حر دخل فيه المكاتب، والله - جل وعلا ~~- أعلم (وأما) دلالة الإجماع فإنه لو أدى بدل الكتابة أو أبرأه المولى عن ~~البدل يعتق ولا عتق فيما لا يملكه ابن آدم على لسان رسول الله. # - صلى الله عليه وسلم - # PageV05P107 # وأما) المعقول: فهو أن الملك كان ثابتا له فيه قبل العقد، والعارض ليس ~~إلا لفظ الكتابة، وليس فيه ما ينبئ عن زوال الملك؛ لأن الكتابة تستعمل في ~~الفرض والتقدير، وفي الكتابة المعروفة وشيء من ذلك لا ينبئ عن زوال الملك ~~فيبقى الملك على ما كان قبل العقد. # (وأما) قوله: إن الملك هو القدرة الشرعية على التصرفات الحسية والشرعية، ~~وهي غير ثابتة للمولى فممنوع أن الملك هو القدرة، بل هو اختصاص المالك ~~بالمملوك فملك العين هو اختصاص المالك بالعين، وكونه أحق بالعين من غيره، ~~ثم قد يظهر أثره في جواز التصرفات، وقد لا يظهر مع قيامه في نفسه لقيام حق ~~الغير في المحل حقا محترما كالمرهون والمستأجر، وإنما لا يدخل في إطلاق ~~قوله: كل مملوك لي فهو حر لا لخلل في الملك؛ لأنه لا خلل فيه كما بينا بل ~~لخلل في الإضافة؛ لكونه حرا يدا، فلم يدخل تحت مطلق الإضافة حتى لو نوى ~~يدخل. # وسلامة الأولاد، والإكساب ممنوعة في الفرع، والرواية فيما أدى بدل ~~الكتابة، أو أبرأه عنها، كذا قال أستاذ أستاذي الشيخ الإمام فخر الإسلام ~~علي بن محمد البزدوي ولئن سلمنا سلامة الإكساب، والأولاد، ولكن لم قلتم: إن ~~السلامة تثبت حكما ms2846 لثبوت العتق بجهة الكتابة السابقة، بل تثبت حكما لثبوت ~~العتق بالإعتاق الموجود في حال الكتابة بدليل أنه يسقط عنه بدل الكتابة، ~~وبدل الكتابة لا يسقط بثبوت العتق بجهة الكتابة بل يتقرر به (وأما) إذا كان ~~أدى بعض بدل الكتابة فأعتقه عن الكفارة فممنوع على رواية الحسن عن أبي ~~حنيفة - رضي الله عنه - (وأما) التخريج على ظاهر الرواية فظاهر أيضا؛ لأنه ~~لما أدى بعض بدل الكتابة فقد حصل للمولى عوضا عن بعض رقبته فيكون في معنى ~~الإعتاق بعوض، وذا لا يجزئ عن التكفير، كذا هذا والله - عز وجل - أعلم وعلى ~~هذا يخرج ما إذا أعتق نصف عبده عن كفارة، ثم أعتق النصف الآخر عنها أنه ~~يجزئه (أما) على أصل أبي يوسف ومحمد رحمهما الله فظاهر؛ لأن إعتاق النصف ~~إعتاق الكل؛ لأن العتق لا يتجزأ فلم يتطرق إلى الرق نقصان (وأما) على أصل ~~أبي حنيفة - رضي الله عنه - فالعتق وإن كان متجزئا وحصل بإعتاق النصف الأول ~~نقصان لكن النقصان حصل مصروفا إلى الكفارة في رق النصف الآخر لاستحقاقه حق ~~الحرية بتخريجه إلى الإعتاق؛ لأنه حين ما أعتق النصف الأول كان النصف الآخر ~~على ملكه، فأمكن صرف النقصان إلى الكفارة، فصار كأنه أعتق النصف وبعض النصف ~~الكامل وهو ما انتقص منه، ثم أعتق البقية في المرة الثانية، بخلاف ما إذا ~~أعتق نصف عبد بينه وبين آخر وهو موسر، فضمنه صاحبه نصف قيمته، ثم أعتق ~~النصف الآخر إنه لا يجوز عند أبي حنيفة؛ - رضي الله عنه - لأن إعتاق النصف ~~الأول أوجب نقصانا في النصف الباقي، ولا يمكن أن يجعل كأنه صرف ذلك النقصان ~~إلى الكفارة لأنه لا ملك له في ذلك النصف فبطل قدر النقصان، ولم يقع عن ~~الكفارة، ثم بعد أداء النصف الباقي صرفه إلى الكفارة، وهو ناقص فيصير في ~~الحقيقة معتقا عن الكفارة عبدا إلا قدر النقصان (وأما) على أصلهما فيجوز في ~~المسألتين لأن العتق عندهما لا يتجزأ فكان إعتاق البعض إعتاق الكل دفعة ~~واحدة، فلا يتمكن نقصان الرق في الرقبة فيجوز، ms2847 ولو أعتق عبدا حلال الدم جاز ~~لأن حل الدم لا يوجب نقصانا في الرق فكان كامل الرق، وإنما وجب عليه حق ~~فأشبه العبد المديون. # (ومنها) أن تكون كاملة الذات، وهو أن لا يكون جنس من أجناس منافع أعضائها ~~فائتا؛ لأنه إذا كان كذلك كانت الذات هالكة من وجه، فلا يكون الموجود تحرير ~~رقبة مطلقة فلا يجوز عن الكفارة، وعلى هذا يخرج ما إذا أعتق عبدا مقطوع ~~اليدين أو الرجلين أو مقطوع يد واحدة ورجل واحدة من جانب واحد، أو يابس ~~الشق مفلوجا أو مقعدا، أو زمنا أو أشل اليدين، أو مقطوع الإبهامين من ~~اليدين أو مقطوع ثلاثة أصابع من كل يد سوى الإبهامين، أو أعمى أو مفقود ~~العينين، أو معتوها مغلوبا، أو أخرس، أن لا يجوز عن الكفارة لفوات جنس من ~~أجناس المنفعة، وهي منفعة البطش بقطع اليدين وشللهما، وقطع الإبهامين لأن ~~قطع الإبهامين يذهب بقوة اليد فكان كقطع اليدين وقطع ثلاثة أصابع من كل يد؛ ~~لأن منفعة البطش تفوت به، ومنفعة المشي بقطع الرجلين وبقطع يد ورجل من ~~جانب، والزمانة والفلج ومنعه النظر بالعمى وفقء العينين، ومنفعة الكلام ~~بالخرس ومنفعة العقل بالجنون. # ويجوز إعتاق الأعور، ومفقود إحدى العينين، والأعشى # PageV05P108 # ومقطوع يد واحدة أو رجل واحدة، ومقطوع يد ورجل من خلاف وأشل يد واحدة ~~ومقطوع الأصبعين من كل يد سوى الإبهامين، والعينين، والخصي، والمجبوب ~~والخنثى، والأمة الرتقاء والقرناء، وما يمنع من الجماع؛ لأن منفعة الجنس في ~~هذه الأعضاء قائمة، ويجوز مقطوع الأذنين؛ لأن منفعة السمع قائمة، وإنما ~~الأذن الشاخصة للزينة، وكذا مقطوع الأنف؛ لأن الفائت هو الجمال، (وأما) ~~منفعة الشم فقائمة، وكذا ذاهب شعر الرأس، واللحية والحاجبين؛ لأن الشعر ~~للزينة، وكذا مقطوع الشفتين إذا كان يقدر على الأكل؛ لأن منفعة الجنس ~~قائمة، وإنما عدمت الزينة، ولا يجزئ ساقط الأسنان؛ لأنه لا يقدر على الأكل ~~ففاتت منفعة الجنس. # (وأما) الأصم فالقياس أن لا يجوز لفوات جنس المنفعة، وهي منفعة السمع ~~فأشبه الأعمى، ويجوز استحسانا، لأن أصل المنفعة لا يفوت بالصمم، وإنما ms2848 ~~ينتقص؛ لأن ما من أصم إلا ويسمع إذا بولغ في الصياح إلا إذا كان أخرس كذا ~~قيل، فلا يفوت بالصمم أصل المنفعة بل ينتقص، ونقصان منفعة الجنس لا يمنع ~~جواز التكفير، وقيل هذا إذا كان في أذنه وقر، فأما إذا كان بحال لو جهر ~~بالصوت في أذنه لا يسمع لا يجوز، ولو أعتق جنينا لم يجزه عن الكفارة وإن ~~كان ولد بعد يوم جنايته؛ لأن المأمور به تحرير رقبة، والجنين لا يسمى رقبة ~~ولأنه لا يبصر فأشبه الأعمى. # (ومنها) أن يكون الإعتاق بغير عوض فإن كان بعوض لا يجوز؛ لأن الكفارة ~~عبارة عما يكون شاقا على البدن، فإذا قابله عوض لا يشق عليه إخراجه عن ~~ملكه، ولما ذكرنا أن كفارة اليمين إنما تجب لإذاقة النفس مرارة زوال الملك ~~بمقابلة ما استوفت من الشهوات في غير حلها. # وهذا المعنى لا يحصل إذا كان بعوض؛ لأن الزائل إلى عوض قائم معنى، فلا ~~يتحقق ما وضعت له هذه الكفارة، وعلى هذا يخرج ما إذا أعتق عبده على مال عن ~~كفارته إنه لا يجوز، وإن أبرأه بعد ذلك عن العوض، لا يجوز أيضا؛ لأنه وقع ~~لا عن جهة التكفير، ومضى على وجه، فلا ينقلب كفارة بعد ذلك، كما لو أعتق ~~بغير نية الكفارة، ثم نوى بعد العتق ولو كان العبد بين رجلين، أعتقه أحدهما ~~- وهو معسر - عن كفارته لا يجزيه؛ لأن للشريك أن يستسعي العبد في نفسه ~~بالاتفاق، فيصير في معنى الإعتاق بعوض، ولو كان في رقبة العبد دين فأعتقه ~~المولى عن كفارته، فاختار الغرماء استسعاء العبد، أجزأه عن الكفارة؛ لأن ~~السعاية ليست بعوض عن الرق، وإنما هي لدين لزم العبد قبل الحرية، فيسعى وهو ~~حر فلا يمنع جواز الإعتاق عن الكفارة، وكذا لو أعتق عبدا رهنا فسعى العبد ~~في الدين فإنه يرجع على المولى، ويجوز عن الكفارة؛ لأن السعاية ليست بدل ~~الرق؛ لأنها ما وجبت للتخريج إلى الإعتاق لحصول العتق بالإعتاق السابق، ~~وإنما هي لدين لزمه عن المولى، وإن كان موسرا لا يجوز ms2849 عند أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه - لنقصان الملك والرق أيضا على ما بينا. # ألا ترى أنه لا يعتق إلا نصفه عنده لتجزي العتق عنده؟ وعندهما لا يجوز؛ ~~لأن العتق لا يتجزأ عندهما فيتكامل، ولا يتكامل الملك، فيتملك نصيب الشريك ~~بمقتضى الإعتاق، ويسار المعتق يمنع استسعاء العبد عندهما فعري الإعتاق عن ~~العوض فجاز، ولو أعتق عبدا في مرض موته عن الكفارة وليس له مال غيره لم ~~يجزه عن الكفارة؛ لأنه يعتق ثلثه ويسعى في ثلثيه، فيصير بعضه ببدل وبعضه ~~بغير بدل، فلم يجز والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (ومنها) الحنث في كفارة اليمين فلا يجوز تكفير اليمين قبل الحنث وهو قول ~~الشافعي - رحمه الله - في التكفير بالصوم (وأما) التكفير بالمال فجائز عنده ~~والمسألة مرت في كتاب الأيمان (وأما) الموت فليس بشرط في كفارة القتل حتى ~~يجوز التكفير فيها بعد الجرح قبل الموت وقد ذكرنا وجه الفرق بين الكفارتين ~~في كتاب الإيمان والله - عز وجل - الموفق ويستوي في التحرير الرقبة الكبيرة ~~والصغيرة، والذكر والأنثى لإطلاق اسم الرقبة في النصوص فإن قيل: الصغير لا ~~منافع لأعضائه، فينبغي أن لا يجوز إعتاقه عن الكفارة كالذمي، وكذا لا يجزي ~~إطعامه عن الكفارة فكذا إعتاقه، فالجواب عن الأول: أن أعضاء الصغير سليمة ~~لكنها ضعيفة، وهي بغرض أن تصير قوية فأشبه المريض، وهذا لأن سلامة الأعضاء ~~إذا كانت ثابتة يشق عليه إخراجه عن ملكه أكثر مما يشق عليه إخراج فائت جنس ~~المنفعة، وذا جائز فهذا أولى (وأما) إطعامه عن الكفارة فجائز على طريق ~~التمليك وإنما لا يجوز على سبيل الإباحة؛ لأنه لا يأكل أكلا معتادا ويستوي ~~فيه الرقبة المؤمنة، # PageV05P109 # والكافرة، وكذا في كفارة الظهار عندنا. # (وأما) في كفارة القتل فلا يجوز فيها إلا المؤمنة بالإجماع وقال الشافعي: ~~- رضي الله عنه - لا يجوز في الكفارات كلها إلا المؤمنة، والأصل فيه أن ~~النص الوارد في كفارة اليمين وكفارة الظهار مطلق عن قيد أيمان الرقبة، ~~والنص الوارد في كفارة القتل مقيد بقيد الأيمان فحمل الشافعي - رحمه الله - ~~المطلق على المقيد، ونحن ms2850 أجرينا المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده. # (وجه) قوله: إن المطلق في معنى المجمل والمقيد في معنى المفسر، والمجمل ~~يحمل على المفسر، ويصير النصان في معنى؛ كنص المجمل والمفسر، ولهذا حمل ~~المطلق على المقيد في باب الشهادة والزكاة وكفارة اليمين، حتى شرطت العدالة ~~لوجوب قبول الشهادة والإسامة لوجوب الزكاة، وشرط التتابع في صوم كفارة ~~اليمين كذا ههنا. # (ولنا) وجهان أحدهما: طريق مشايخنا بسمرقند، وهو أن حمل المطلق على ~~المقيد، ضرب النصوص بعضها في بعض وجعل النصين كنص واحد مع إمكان العمل بكل ~~واحد منهما وهذا لا يجوز، بخلاف المجمل؛ لأنه غير ممكن العمل بظاهره. # والثاني طريق مشايخ العراق وهو: أن حمل المطلق على المقيد نسخ للإطلاق؛ ~~لأن بعد ورود النص المقيد لا يجوز العمل بالمطلق، بل ينسخ حكمه، وليس النسخ ~~إلا بيان منتهى مدة الحكم الأول، ولا يجوز نسخ الكتاب بالقياس، ولا بخبر ~~الواحد. # وقوله: المطلق في معنى المجمل ممنوع؛ لأن المجمل لا يمكن العمل بظاهره، ~~والمطلق يمكن العمل بظاهره، إذ هو اسم لما يتعرض للذات دون الصفات، فيمكن ~~العمل بإطلاقه من غير الحاجة إلى البيان فلا ضرورة إلى حمل المطلق على ~~المقيد، وفي الموضع الذي حمل إنما حمل لضرورة عدم الإمكان، وذلك عند اتحاد ~~السبب والحكم لاستحالة ثبوت حكم واحد في زمان واحد مطلقا ومقيدا، فيخرج على ~~البيان وعلى الناسخ، وعلى الاختلاف المعروف بين مشايخنا أن تقييد المطلق ~~بيان أو نسخ، وعند اختلاف السبب لا ضرورة فلا يحمل والله - عز وجل - أعلم. # وبه تبين أن شرط الأيمان في كفارة القتل ثبت نصا غير معقول المعنى، ~~فيقتصر على مورد النص ويمكن أن يقال: إن تحرير رقبة موصوفة بصفة الإيمان في ~~باب القتل ما وجب بطريق التكفير؛ لأن الكفارة كاسمها ستارة للذنوب ~~والمؤاخذات في الآخرة والله - سبحانه وتعالى - وضع المؤاخذة في الخطأ بدعاء ~~النبي - عليه أشرف التحية {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: ~~286] وقال النبي: - عليه الصلاة والسلام - «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه» وإنما وجبت بطريق ms2851 الشكر لسلامة نفسه في الدنيا عن القصاص، ~~وفي الآخرة عن العقاب؛ لأن حفظ النفس عن الوقوع في الخطأ، مقدور في الجملة ~~بالجهد والجد والتكلف، فجعل الله - سبحانه وتعالى - تحرير رقبة موصوفة ~~بكونها مؤمنة شكرا لتلك النعمة، والتحرير في اليمين والظهار يجب بطريق ~~التكفير، إذا لم يعرف ارتفاع المؤاخذة الثابتة ههنا، فوجب التحرير فيهما ~~تكفيرا فلا يستقيم القياس، فإن قيل: إذا حنث في يمينه خطأ كان التحرير شكرا ~~على ما قلتم، فينبغي أن يقاس على القتل في إيجاب تحرير رقبة مؤمنة، فالجواب ~~أنه لا يمكن القياس في هذه الصورة أيضا؛ لما ذكرنا أن تحرير المؤمن جعل ~~شكرا لنعمة خاصة، وهي سلامة الحياة في الدنيا مع ارتفاع المؤاخذة في ~~الآخرة، وفي باب اليمين النعمة هي ارتفاع المؤاخذة في الآخرة فحسب إذ ليس ~~ثمة موجب دنيوي يسقط عنه، فكانت النعمة في باب القتل فوق النعمة في باب ~~اليمين، وشكر النعمة يجب على قدر النعمة؛ كالجزاء على قدر الجناية ولا يعلم ~~مقدار الشكر إلا من علم مقدار النعمة، وهو الله - سبحانه وتعالى - فلا تمكن ~~المقايسة في هذه الصورة أيضا والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) كفارة الظهار والإفطار والقتل، فأما التحرير، فجميع ما ذكرنا أنه ~~شرط جوازه في كفارة اليمين، فهو شرط جوازه في كفارة الظهار، والإفطار، ~~والقتل وما ليس بشرط لجواز التحرير في كفارة اليمين، فليس بشرط لجوازه في ~~تلك الكفارات، إلا أيمان الرقبة خاصة، فإنه شرط الجواز في كفارة القتل ~~بالإجماع، وكذا كمال العتق قبل المسيس في كفارة الظهار، وهذا تفريع على ~~مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - خاصة، حتى لو أعتق نصف عبده ثم وطئ ثم ~~أعتق ما بقي فعليه أن يستقبل عتق الرقبة في قول أبي حنيفة - رحمه الله ~~تعالى -؛ لأن العتق يتجزأ عند أبي حنيفة - عليه الرحمة - فلم يوجد تحرير ~~كامل قبل المسيس فيلزمه الاستقبال. # (وأما) الصوم فقدر الصوم في كفارة اليمين ثلاثة أيام لقوله: - سبحانه ~~وتعالى - {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} [البقرة: 196] وكذا # PageV05P110 # في كفارة الحلق؛ لحديث كعب ms2852 بن عجرة - رضي الله عنه - ذكرناه في كتاب ~~الحج، وفي القتل، والظهار، والإفطار صوم شهرين لورود النص به (وأما) شرط ~~جواز هذه الصيامات فلجواز صيام الكفارة شرائط مخصوصة منها: النية من الليل ~~حتى لا يجوز بنية من النهار بالإجماع؛ لأنه صوم غير عين، فيستدعي وجوب ~~النية من الليل لما ذكرنا في كتاب الصوم. # (ومنها) التتابع في غير موضع الضرورة في صوم كفارة الظهار والإفطار ~~والقتل بلا خلاف؛ لأن التتابع منصوص عليه في هذه الكفارات الثلاثة قال الله ~~- تبارك وتعالى - في كفارتي القتل والإفطار: {فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين} [النساء: 92] «وقال النبي - عليه الصلاة والسلام - للأعرابي: صم ~~شهرين متتابعين» بخلاف صوم قضاء رمضان؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - أمر به ~~من غير شرط التتابع بقوله - تبارك وتعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] . # (وأما) صوم كفارة اليمين فيشترط فيه التتابع أيضا عندنا. # وعند الشافعي لا يشترط بل هو بالخيار إن شاء تابع وإن شاء فرق، واحتج ~~بظاهر قوله تبارك وتعالى {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام} [البقرة: 196] من ~~غير شرط التتابع. # (ولنا) قراءة عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما - فصيام ثلاثة أيام ~~متتابعات، وقراءته كانت مشهورة في الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - فكانت ~~بمنزلة الخبر المشهور لقبول الصحابة - رضي الله عنهم - إياها تفسيرا للقرآن ~~العظيم، إن لم يقبلوها في كونها قرآنا، فكانت مشهورة في حق حكم الصحابة - ~~رضي الله عنهم - إياها في حق وجوب العمل، فكانت بمنزلة الخبر المشهور ~~والزيادة على الكتاب الكريم بالخبر المشهور جائزة بلا خلاف، ويجوز بخبر ~~الواحد، وكذا عند بعض مشايخنا على ما عرف في أصول الفقه وعلى هذا يخرج ما ~~إذا أفطر في خلال الصوم أنه يستقبل الصوم، سواء أفطر لغير عذر أو لعذر مرض، ~~أو سفر؛ لفوت شرط التتابع، وكذلك لو أفطر يوم الفطر أو يوم النحر أو أيام ~~التشريق، فإنه يستقبل الصيام سواء أفطر في هذه الأيام أو لم يفطر؛ لأن ~~الصوم في هذه الأيام لا يصلح ms2853 لإسقاط ما في ذمته؛ لأن ما في ذمته كامل ~~والصوم في هذه الأيام ناقص لمجاورة المعصية إياه، والناقص لا ينوب عن ~~الكامل ولو كانت امرأة فصامت عن كفارة الإفطار في رمضان، أو عن كفارة ~~القتل، فحاضت في خلال ذلك لا يلزمها الاستقبال؛ لأنها لا تجد صوم شهرين لا ~~تحيض فيهما فكانت معذورة، وعليها أن تصلي أيام القضاء بعد الحيض بما قبله ~~حتى لو لم تصلي وأفطرت يوما بعد الحيض استقبلت؛ لأنها تركت التتابع من غير ~~ضرورة، ولو نفست تستقبل لعدم الضرورة؛ لأنها تجد شهرين لا نفاس فيهما، ولو ~~كانت في صوم كفارة اليمين، فحاضت في خلال ذلك تستقبل؛ لأنها تجد ثلاثة أيام ~~لا حيض فيها فلا ضرورة إلى سقوط اعتبار الشرط ولو جامع امرأته التي لم ~~يظاهر منها بالنهار ناسيا، أو بالليل عامدا أو ناسيا، أو أكل بالنهار ~~ناسيا، لا يستقبل؛ لأن الصوم لم يفسد فلم يفت شرط التتابع (ومنها) عدم ~~المسيس في الشهرين في صوم كفارة الظهار، سواء فسد الصوم أو لا في قول أبي ~~حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف: الشرط عدم فساد الصوم حتى لو جامع امرأته التي ~~ظاهر منها بالليل عامدا أو ناسيا، أو بالنهار ناسيا، استقبل عندهما وعند ~~أبي يوسف: يمضي على صومه وبه أخذ الشافعي (وجه) قول أبي يوسف أن هذا الجماع ~~لا ينقطع به التتابع؛ لأنه لا يفسد الصوم فلا يجب الاستقبال، كما لو جامع ~~امرأة أخرى، ثم ظاهر منها والصحيح قولنا؛ لأن المأمور به صوم شهرين ~~متتابعين لا مسيس فيهما، بقوله {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن ~~يتماسا} [المجادلة: 4] ، فإذا جامع في خلالهما، فلم يأت بالمأمور به، ولو ~~جامعها بالنهار عامدا استقبل بالاتفاق (أما) عندهما فلوجود المسيس، (وأما) ~~عنده فلانقطاع التتابع لوجود فساد الصوم (وأما) وجوب كفارة الحلق، فصاحبه ~~بالخيار إن شاء فرق لإطلاق قوله تبارك وتعالى {ففدية من صيام أو صدقة أو ~~نسك} [البقرة: 196] من غير فصل. # (وأما) الإطعام في كفارتي الظهار والإفطار فالكلام في جوازه صفة وقدرا ~~ومحلا ms2854 كالكلام في كفارة اليمين وقد ذكرناه وعدم المسيس في خلال الإطعام في ~~كفارة الظهار ليس بشرط حتى لو جامع في خلال الإطعام لا يلزمه الاستئناف لأن ~~الله تبارك وتعالى لم يشترط ذلك في هذه الكفارة لقوله سبحانه وتعالى {فمن ~~لم يستطع فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4] من غير شرط ترك المسيس، إلا ~~أنه منع من الوطء قبله؛ لجواز أن يقدر على الصوم أو الاعتكاف، فتنتقل ~~الكفارة إليهما، فيتبين أن الوطء كان حراما على ما ذكرنا في كتاب الظهار. # PageV05P111 # والكلام في الإطعام في كفارة الحلق، كالكلام في كفارة اليمين، إلا في عدد ~~من يطعم وهم ستة مساكين؛ لحديث كعب بن عجرة - رضي الله عنه - فأما في الصفة ~~والقدر والمحل، فلا يختلفان حتى يجوز فيه التمليك والتمكين وهذا قول أبي ~~يوسف وقال محمد: لا يجوز فيها إلا التمليك، كذا حكى الشيخ القدوري - رحمه ~~الله - الخلاف، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي - رحمه الله - قول أبي ~~حنيفة مع أبي يوسف. # (وجه) قول محمد - رحمه الله - أن جواز التمكين في طعام كفارة اليمين؛ ~~لورود النص بلفظ الإطعام، إذ هو في عرف اللغة اسم لتقديم الطعام على وجه ~~الإباحة، والنص ورد ههنا بلفظ الصدقة، وإنها تقتضي التمليك، لكنه معلل بدفع ~~الحاجة، والتصدق تمليك فأشبه الزكاة والعشر، (ولهما) أن النص وإن ورد بلفظ ~~الصدقة، وإنها تقتضي التمليك، لكنه معلل بدفع الحاجة، وذا يحصل بالتمكين ~~فوق ما يحصل بالتمليك على ما بينا، ولهذا جاز دفع القيمة وإن فسرت الصدقة ~~بثلاث أصوع في حديث كعب بن عجرة - رضي الله عنه -. # ولو وجب عليه كفارة يمين فلم يجد ما يعتق، ولا ما يكسو، ولا ما يطعم عشرة ~~مساكين، وهو شيخ كبير لا يقدر على الصوم فأراد أن يطعم ستة مساكين عن صيام ~~ثلاثة أيام، لم يجز إلا أن يطعم عشرة مساكين؛ لأن الصوم بدل والبدل لا يكون ~~له بدل، فإذا عجز عن البدل تأخر وجوب الأصل، وهو أحد الأشياء الثلاثة إلى ~~وقت القدرة، وإن كان عليه كفارة القتل أو الظهار ms2855 أو الإفطار ولم يجد ما ~~يعتق، وهو شيخ كبير لا يقدر على الصوم ولا يجد ما يطعم في كفارة الظهار ~~والإفطار، يتأخر الوجوب إلى أن يقدر على الإعتاق في كفارة القتل، وعلى ~~الإعتاق أو الإطعام في كفارة الظهار والإفطار؛ لأن إيجاب الفعل على العاجز ~~محال والله أعلم. ### | [كتاب الأشربة] ### | [بيان أسماء الأشربة المعروفة المسكرة وفي بيان معانيها] # (كتاب الأشربة) # الكلام في هذا الكتاب في مواضع في. # بيان أسماء الأشربة المعروفة المسكرة، وفي بيان معانيها، وفي بيان ~~أحكامها، وفي بيان حد السكر. # (أما) أسماؤها: فالخمر، والسكر، والفضيخ، ونقيع الزبيب، والطلاء، ~~والباذق، والمنصف، والمثلث والجمهوري، وقد يسمى أبو سقيا والخليطان والمزر ~~والجعة والبتع. # (أما) بيان معاني هذه الأسماء أما الخمر فهو اسم للنيء من ماء العنب إذا ~~غلى واشتد وقذف بالزبد، وهذا عند أبي حنيفة عليه الرحمة وعند أبي يوسف ~~ومحمد عليهما الرحمة ماء العنب إذا غلى واشتد فقد صار خمرا وترتب عليه ~~أحكام الخمر قذف بالزبد أو لم يقذف به (وجه) قولهما أن الركن فيها معنى ~~الإسكار وذا يحصل بدون القذف بالزبد (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن ~~معنى الإسكار لا يتكامل إلا بالقذف بالزبد فلا يصير خمرا بدونه (وأما) ~~السكر فهو اسم للنيء من ماء الرطب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد أو لم يقذف ~~على الاختلاف. # وأما الفضيخ فهو اسم للنيء من ماء البسر المنضوخ وهو المدقوق إذا غلى ~~واشتد وقذف بالزبد أو لا على الاختلاف. # (وأما) نقيع الزبيب فهو اسم للنيء من ماء الزبيب المنقوع في الماء حتى ~~خرجت حلاوته إليه واشتد وقذف بالزبد أو لا على الخلاف. # (وأما) الطلاء فهو اسم للمطبوخ من ماء العنب إذا ذهب أقل من الثلثين وصار ~~مسكرا ويدخل تحت الباذق والمنصف لأن الباذق هو المطبوخ أدنى طبخة من ماء ~~العنب والمنصف هو المطبوخ من ماء العنب إذا ذهب نصفه وبقي النصف، وقيل ~~الطلاء هو المثلث وهو المطبوخ من ماء العنب حتى ذهب ثلثاه وبقي معتقا وصار ~~مسكرا. # (وأما) الجمهوري فهو المثلث يصب ms2856 الماء بعد ما ذهب ثلثاه بالطبخ قدر ~~الذاهب وهو الثلثان ثم يطبخ أدنى طبخة ويصير مسكرا (وأما) الخليطان فهما ~~التمر والزبيب أو البسر والرطب إذا خلطا ونبذا حتى غليا واشتدا (وأما) ~~المزر فهو اسم لنبيذ الذرة إذا صار مسكرا (وأما) الجعة فهو اسم لنبيذ ~~الحنطة والشعير إذا صار مسكرا (وأما) البتع فهو اسم لنبيذ العسل إذا صار ~~مسكرا هذا بيان معاني هذه الأسماء. ### | [بيان أحكام الأشربة] # (وأما) بيان أحكام هذه الأشربة: - أما الخمر فيتعلق بها أحكام؛ (منها) ~~أنه يحرم شرب قليلها وكثيرها إلا عند الضرورة لأنها محرمة العين فيستوي في ~~الحرمة قليلها وكثيرها (والدليل) على أنها محرمة العين قوله سبحانه وتعالى ~~{رجس من عمل الشيطان} [المائدة: 90] ، وصف سبحانه وتعالى الخمر بكونها رجسا # PageV05P112 # وغير المحرم لا يوصف به فهذا يدل على كونها محرمة في نفسها، وقوله عز من ~~قائل {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة} [المائدة: 91] الآية فدل ~~على حرمة السكر فحرمت عينها والسكر منها وقال: - عليه الصلاة والسلام - ~~«حرمت الخمر لعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب» إلا أنه رخص شربها ~~عند ضرورة العطش أو لإكراه قدر ما تندفع به الضرورة ولأن حرمة قليلها ثبتت ~~بالشرع المحض فاحتمل السقوط بالضرورة كحرمة الميتة ونحو ذلك، وكذا لا يجوز ~~الانتفاع بها للمداواة وغيرها لأن الله تعالى لم يجعل شفاءنا فيما حرم ~~علينا ويحرم على الرجل أن يسقي الصغير الخمر فإذا سقاه فالإثم عليه دون ~~الصغير لأن خطاب التحريم يتناوله. # (ومنها) أنه يكفر مستحلها لأن حرمتها ثبتت بدليل مقطوع به وهو نص الكتاب ~~الكريم فكان منكر الحرمة منكرا للكتاب. # (ومنها) أنه يحد شاربها قليلا أو كثيرا لإجماع الصحابة - رضي الله تعالى ~~عنهم - على ذلك ولو شرب خمرا ممزوجا بالماء إن كانت الغلبة للخمر يجب الحد، ~~وإن غلب الماء عليها حتى زال طعمها وريحها لا يجب لأن الغلبة إذا كانت ~~للخمر فقد بقي اسم الخمر ومعناها وإذا كانت الغلبة للماء فقد زال الاسم ~~والمعنى إلا أنه يحرم شرب الماء الممزوج بالخمر لما فيه ms2857 من أجزاء الخمر ~~حقيقة وكذا يحرم شرب الخمر المطبوخ لأن الطبخ لا يحل حراما ولو شربها يجب ~~الحد لبقاء الاسم والمعنى بعد الطبخ ولو شرب دردي الخمر لا حد عليه إلا إذا ~~سكر لأنه لا يسمى خمرا ومعنى الخمرية فيه ناقص لكونه مخلوطا بغيره فأشبه ~~المنصف وإذا سكر منه يجب حد السكر كما في المنصف ويحرم شربه لما فيه من ~~أجزاء الخمر ومن وجد منه رائحة الخمر أو قاء خمرا لا حد عليه لأنه يحتمل ~~أنه شربها مكرها فلا يجب مع الاحتمال، ولا حد على أهل الذمة وإن سكروا من ~~الخمر لأنها حلال عندهم، وعن الحسن بن زياد - رحمه الله - أنهم يحدون إذا ~~سكروا لأن السكر حرام في الأديان كلها. ### | [حد شرب الخمر وحد السكر] # (ومنها) أن حد شرب الخمر وحد السكر مقدر بثمانين جلدة في الأحرار لإجماع ~~الصحابة - رضي الله عنهم - وقياسهم على حد القذف حتى قال سيدنا علي - رضي ~~الله عنه - إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وحد المفترين ثمانون وبأربعين في ~~العبيد لأن الرق منصف للحد كحد القذف والزنا قال الله تعالى جل وعلا {فإن ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} [النساء: 25] . # (ومنها) أنه يحرم على المسلم تمليكها وتملكها بسائر أسباب الملك من البيع ~~والشراء وغير ذلك؛ لأن كل ذلك انتفاع بالخمر وإنها محرمة الانتفاع على ~~المسلم وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال «يا أهل المدينة إن ~~الله تبارك وتعالى قد أنزل تحريم الخمر فمن كتب هذه الآية وعنده شيء منها ~~فلا يشربها ولا يبعها فسكبوها في طرق المدينة» إلا أنها تورث لأن الملك في ~~الموروث ثبت شرعا من غير صنع العبد فلا يكون ذلك من باب التمليك والتملك، ~~والخمر إن لم تكن متقومة فهي مال عندنا فكانت قابلة للملك في الجملة. # (ومنها) أنه لا يضمن متلفها إذا كانت لمسلم لأنها ليست متقومة في حق ~~المسلم وإن كانت مالا في حقه وإتلاف مال غير متقوم لا يوجب الضمان، وإن ~~كانت لذمي يضمن ms2858 عندنا خلافا للشافعي - رحمه الله -، وهي من مسائل الغصب. # (ومنها) أنها نجسة غليظة حتى لو أصاب ثوبا أكثر من قدر الدرهم يمنع جواز ~~الصلاة لأن الله تبارك وتعالى سماها رجسا في كتابه الكريم بقوله {رجس من ~~عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] ولو بل بها الحنطة فغسلت وجففت وطحنت، ~~فإن لم يوجد منها طعم الخمر ورائحتها يحل أكله وإن وجد لا يحل لأن قيام ~~الطعم والرائحة دليل بقاء أجزاء الخمر، وزوالها دليل زوالها ولو سقيت بهيمة ~~منها ثم ذبحت فإن ذبحت ساعة ما سقيت به تحل من غير كراهة لأنها في أمعائها ~~بعد فتطهر بالغسل وإن مضى عليها يوم أو أكثر تحل مع الكراهة لاحتمال أنها ~~تفرقت في العروق والأعصاب. # (ومنها) إذا تخللت بنفسها يحل شرب الخل بلا خلاف لقوله: - عليه الصلاة ~~والسلام - «نعم الإدام الخل» وإنما يعرف التخلل بالتغير من المرارة إلى ~~الحموضة بحيث لا يبقى فيها مرارة أصلا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - حتى ~~لو بقي فيها بعض المرارة لا يحل وعند أبي يوسف ومحمد تصير خلا بظهور قليل ~~الحموضة فيها لأن من أصل أبي حنيفة - رحمه الله - أن العصير من ماء العنب ~~لا يصير خمرا إلا بعد تكامل معنى الخمرية فيه فكذا الخمر لا يصير خلا إلا ~~بعد تكامل معنى الخلية فيه وعندهما يصير خمرا بظهور دليل الخمرية ويصير خلا ~~بظهور دليل الخلية فيه هذا إذا تخللت بنفسها، فأما إذا خللها # PageV05P113 # صاحبها بعلاج من خل أو ملح أو غيرهما، فالتخليل جائز والخل حلال عندنا. # وعند الشافعي لا يجوز التخليل ولا يحل الخل وإن خللها بالنقل من موضع إلى ~~موضع فلا شك أنه يحل عندنا، وللشافعي - رحمه الله - قولان واحتج بما روي أن ~~بعد نزول تحريم الخمر «كانت عند أبي طلحة الأنصاري - رحمه الله - خمور ~~لأيتام فجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: ما نصنع بها يا ~~رسول الله فقال: - عليه الصلاة والسلام - أرقها فقال أبو طلحة أفلا أخللها ~~قال - عليه الصلاة والسلام - لا» نص - عليه الصلاة ms2859 والسلام - على النهي عن ~~التخليل وحقيقة النهي للتحريم ولأن في الاشتغال بالتخليل احتمال الوقوع في ~~الفساد ويتنجس الظاهر منه ضرورة، وهذا لا يجوز بخلاف ما إذا تخللت بنفسها. # (ولنا) ما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «أيما إهاب دبغ ~~فقد طهر» كالخمر إذا تخلل فيحل فحقق - عليه الصلاة والسلام - التخليل وأثبت ~~حل الخل شرعا ولأن التخليل سبب لحصول الحل فيكون مباحا استدلالا بما إذا ~~أمسكها حتى تخللت، والدليل على أنه سبب لحصول الحل أن بهذا الصنع صار ~~المائع حامضا بحيث لا يبين في الذوق أثر المرارة فلا يخلو إما إن كان ذلك ~~لغلبة الحموضة المرارة مع بقائها في ذاتها، وإما إن كان لتغير الخمر من ~~المرارة إلى الحموضة لا سبيل إلى الأول لأنه لا حموضة في الملح لتغلب ~~المرارة وكذا بإلقاء حلو قليل يصير حامضا في مدة قليلة لا تتخلل بنفسها ~~عادة، والقليل لا يغلب الكثير فتعين أن ظهور الحموضة بإجراء الله تعالى ~~العادة على أن مجاوزة الخل يغيرها من المرارة إلى الحموضة في مثل هذا ~~الزمان فثبت أن التخليل سبب لحصول الحل فيكون مباحا لأنه حينئذ يكون اكتساب ~~مال متقوم عندنا وعنده يكون اكتساب المال وكل ذلك مشروع. # (وأما) الحديث فقد روي «أن أبا طلحة - رحمه الله - لما قال: أفلا أخللها؟ ~~قال: - عليه الصلاة والسلام - نعم» فتعارضت الروايتان فسقط الاحتجاج على ~~أنه يحمل على النهي عن التخليل لمعنى في غيره وهو دفع عادة العامة، لأن ~~القوم كانوا حديثي العهد بتحريم الخمر فكانت بيوتهم لا تخلو عن خمر وفي ~~البيت غلمان وجوار وصبيان، وكانوا ألفوا شرب الخمر وصار عادة لهم وطبيعة، ~~والنزوع عن العادة أمر صعب فقيم البيت إن كان ينزجر عن ذلك ديانة فقل ما ~~يسلم الأتباع عنها لو أمر بالتخليل إذ لا يتخلل من ساعتها بل بعد وقت معتبر ~~فيؤدي إلى فساد العامة وهذا لا يجوز، وقد انعدم ذلك المعنى في زماننا ليقرر ~~التحريم ويألف الطبع تحريمها؛ حملناه على هذا دفعا للتناقض عن الدليل، وبه ~~تبين ms2860 أن ليس فيما قلناه احتمال الوقوع في الفساد. # وقوله: تنجيس الظاهر من غير ضرورة نعم لكن لحاجة وإنه لجائز كدبغ جلد ~~الميتة والله سبحانه وتعالى أعلم، ثم لا فرق في ظاهر الرواية بين ما إذا ~~ألقى فيها شيئا قليلا من الملح أو السمك أو الخل أو كثيرا حتى تحل في ~~الحالين جميعا. # وروي عن أبي يوسف أنه إن كان الخل كثيرا لا يحل، (وجه) رواية أبي يوسف - ~~رحمه الله - أن الملقى من الخل إذا كان قليلا فهذا تخليل لظهور الحموضة ~~فيها بطريق التغيير، فأما إذا كان كثيرا فهذا ليس بتخليل بل هو تغليب لغلبة ~~الحموضة المرارة، فصار كما لو ألقى فيها كثيرا من الحلاوات حتى صار حلوا، ~~أنه لا يحل بل يتنجس الكل فكذا هذا. # (وجه) ظاهر الرواية أن كل ذلك تخليل؛ أما إذا كان قليلا فظاهر وكذلك إذا ~~كان كثيرا لما ذكرنا أن ظهور الحموضة عند إلقاء الملح والسمك لا يكون بطريق ~~التغليب لانعدام الحموضة فيهما فتعين أن يكون بطريق التغيير، وفي الكثير ~~يكون أسرع والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) السكر والفضيخ ونقيع الزبيب فيحرم شرب قليلها وكثيرها لما روي عن ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: - «الخمر من هاتين الشجرتين وأشار ~~- عليه الصلاة والسلام - إلى النخلة والكرمة» والتي ههنا هو المستحق لاسم ~~الخمر فكان حراما وسئل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن التداوي ~~بالسكر فقال إن الله تبارك وتعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم وعن ابن ~~عباس - رضي الله عنهما - أنه قال السكر هي الخمر ليس لها كنية وروي أنه لما ~~سئل عن نقيع الزبيب قال الخمر أحيتها أشار إلى علة الحرمة وهي أن إيقاع ~~الزبيب في الماء إحياء للخمر لأن الزبيب إذا نقع في الماء يعود عنبا فكان ~~نقيعه كعصير العنب، ولأن هذا لا يتخذ إلا للسكر فيحرم شرب قليلها وكثيرها ~~فإن قيل أليس أن الله تبارك وتعالى قال {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون ~~منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] وهذا خرج مخرج تذكير النعمة ms2861 والتنبيه على # PageV05P114 # شكرها فيدل على حلها فالجواب قيل إن الآية منسوخة بآية تحريم الخمر فلا ~~يصح الاحتجاج بها، والثاني إن لم تكن منسوخة فيحتمل أن ذلك خرج مخرج ~~التغيير أي إنكم تجعلون ما أعطاكم الله تعالى من ثمرات النخيل والأعناب ~~التي هي حلال بعضها حراما وهو الشراب والبعض حلالا وهو الدبس والزبيب والخل ~~ونحو ذلك نظيره قوله تعالى {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه ~~حراما وحلالا} [يونس: 59] . # وعلى هذا كانت الآية حجة عليكم لأن التغيير على الحرام لا على الحلال، ~~ولا يكفر مستحلها ولكن يضلل لأن حرمتها دون حرمة الخمر لثبوتها بدليل غير ~~مقطوع به من أخبار الآحاد وآثار الصحابة - رضي الله عنهم - على ما ذكرنا ~~ولا يحد بشرب القليل منها لأن الحد إنما يجب بشرب القليل من الخمر ولم يوجد ~~بالسكر لأن حرمة السكر من كل شراب كحرمة الخمر لثبوتها بدليل مقطوع به، وهو ~~نص الكتاب العزيز قال الله تعالى جل شأنه في الآية الكريمة {إنما يريد ~~الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] وهذه المعاني تحصل بالسكر ~~من كل شراب فكانت حرمة السكر من كل شراب ثابتة بنص الكتاب العزيز كحرمة ~~الخمر ولهذا جمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الحرمتين في قوله - ~~عليه الصلاة والسلام - «حرمت عليكم الخمر لعينها قليلها وكثيرها والسكر من ~~كل شراب» . # ومعلوم أنه - عليه الصلاة والسلام - ما أراد به أصل الحرمة لأن ذلك لا ~~يقف على السكر في كل شراب دل أن المراد منه الحرمة الكاملة التي لا شبهة ~~فيها كحرمة الخمر وكذا جمع سيدنا علي - رضي الله عنه - بينهما في الحد فقال ~~فيما أسكر من النبيذ ثمانون وفي الخمر قليلها وكثيرها ثمانون ويجوز بيعها ~~عند أبي حنيفة مع الكراهة وعند أبي يوسف ومحمد لا يجوز أصلا (وجه) قولهما ~~إن محل البيع هو المال وإنه اسم لما يباح الانتفاع به حقيقة وشرعا ولم يوجد ~~فلا يكون ms2862 مالا فلا يجوز بيعها كبيع الخمر. # (وجه) قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - إن البيع مبادلة شيء مرغوب فيه ~~بشيء مرغوب فيه قال الله تبارك وتعالى {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ~~فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} [البقرة: 16] وقد وجد ههنا لأن الأشربة ~~مرغوب فيها، والمال اسم لشيء مرغوب فيه إلا أن الخمر مع كونها مرغوبا فيها ~~لا يجوز بيعها بالنص الذي روينا والنص ورد باسم الخمر فيقتصر على مورد النص ~~وعلى هذا الخلاف إذا أتلفها إنسان يضمن عنده وعندهما لا يضمن. # (ومنها) حكم نجاستها فقد روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنها لو ~~أصابت الثوب أكثر من قدر الدرهم تمنع جواز الصلاة لأنه يحرم شرب قليلها ~~وكثيرها كالخمر فكانت نجاستها غليظة كنجاسة الخمر وروي أنها لا تمنع أصلا ~~لأن نجاسة الخمر إنما ثبتت بالشرع بقوله عز شأنه {رجس من عمل الشيطان} ~~[المائدة: 90] فيختص باسم الخمر وعن أبي يوسف - رحمه الله - أنه اعتبر فيها ~~الكثير الفاحش كما في النجاسة الحقيقية لأنها وإن كانت محرمة الانتفاع لكن ~~حرمتها دون حرمة الخمر حتى لا يكفر مستحلها ولا يحد بشرب القليل منها فأوجب ~~ذلك خفة في نجاستها هذا الذي ذكرنا حكم النيء من عصير العنب ونبيذ التمر ~~ونقيع الزبيب. # (وأما) حكم المطبوخ منها أما عصير العنب إذا طبخ أدنى طبخة وهو الباذق أو ~~ذهب نصفه وبقي النصف وهو المنصف فيحرم شرب قليله وكثيره عند عامة العلماء - ~~رضي الله عنهم - وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله الأول: أنه مباح وهو قول ~~حماد بن أبي سليمان ويصح قول العامة لأنه إذا ذهب أقل من الثلثين بالطبخ ~~فالحرام فيه بان، وهو ما زاد على الثلث والدليل على أن الزائد على الثلث ~~حرام ما روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه كتب إلى عمار بن ياسر - رضي ~~الله عنه - إني أتيت بشراب من الشام طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يبقى ~~حلاله ويذهب حرامه وريح جنونه فمر من قبلك فليتوسعوا من أشربتهم نص على ms2863 أن ~~الزائد على الثلث حرام وأشار إلى أنه ما لم يذهب ثلثاه فالقوة المسكرة فيه ~~قائمة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة الكرام - رضي الله عنهم -، ولم ينقل عنهم ~~خلافه فكان إجماعا منهم. # ولا يحد شاربه ما لم يسكر وإذا سكر حد ولا يكفر مستحله لما مر، ويجوز ~~بيعه عند أبي حنيفة وإن كان لا يحل شربه، وعندهما لا يحل شربه ولا يجوز ~~بيعه على ما ذكرنا هذا إذا طبخ عصير العنب، فأما إذا طبخ العنب كما هو فقد ~~حكى أبو يوسف عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما - أن حكمه حكم العصير لا يحل ~~حتى يذهب ثلثاه # PageV05P115 # وروى الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما - أن حكمه حكم الزبيب حتى لو ~~طبخ أدنى طبخة يحل بمنزلة الزبيب. # (وأما) المطبوخ من نبيذ التمر ونقيع الزبيب أدنى طبخة، والمنصف منهما ~~فيحل شربه ولا يحرم إلا السكر منه وهو طاهر يجوز بيعه ويضمن متلفه، وهذا ~~قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهما -، وعن محمد - رحمه الله - ~~روايتان: في رواية لا يحل شربه لكن لا يجب الحد إلا بالسكر، وفي رواية قال ~~لا أحرمه ولكن لا أشرب منه، والحجج تذكر في المثلث، فأبو حنيفة وأبو يوسف ~~رحمهما الله يحتاجان إلى الفرق بين المطبوخ أدنى طبخة والمنصف من عصير ~~العنب، (ووجه) الفرق لهما أن طبخ العصير على هذا الحد وهو أن يذهب أقل من ~~ثلثيه لا أثر له في العصر؛ لأن بعد الطبخ بقيت فيه قوة الإسكار بنفسه. # ألا ترى أنه لو ترك يغلي ويشتد من غير أن يخلط بغيره كما كان قبل الطبخ ~~لم يعمل فيه هذا النوع من الطبخ فبقي على حاله بخلاف نبيذ التمر ونقيع ~~الزبيب؛ لأنه ليس فيه قوة الإسكار بنفسه، ألا ترى أنه لو ترك على حاله ولا ~~يخلط به الماء لم يحتمل الغليان أصلا، كعصير العنب إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ~~وبقي ثلثه والماء يغلي، ويسكر إذا خلط فيه الماء وإذا لم يكن مسكرا بنفسه ~~بل بغيره جاز أن ms2864 يتغير حاله بالطبخ بخلاف العصير على ما ذكرنا، وإلى هذا ~~أشار سيدنا عمر - رضي الله عنه - فيما روينا عنه من قوله يذهب حرامه وريح ~~جنونه، يعني إذا كان يغلي بنفسه من غير صب الماء عليه فقد بقي سلطانه وإذا ~~صار بحيث لا يغلي بنفسه بأن طبخ حتى ذهب ثلثاه فقد ذهب سلطانه، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # هذا إذا نقع الزبيب المدقوق في الماء ثم طبخ نقيعه أدنى طبخة، فأما إذا ~~نقع الزبيب كما هو وصفي ماؤه ثم طبخ أدنى طبخة فقد روى محمد عن أبي حنيفة ~~وأبي يوسف - رحمهم الله - أنه لا يحل حتى يذهب بالطبخ ثلثاه ويبقى ثلثه، ~~ووجهه ما ذكرنا أن إنقاع الزبيب إحياء للعنب، فلا يحل به عصيره إلا بما يحل ~~به عصير العنب. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه يعتبر في ذلك أدنى طبخة لأنه زبيب ~~انتفخ بالماء فلا يتغير حكمه، والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) المثلث فنقول: لا خلاف في أنه ما دام حلوا لا يسكر يحل شربه. # (وأما) المعتق المسكر فيحل شربه للتداوي واستمراء الطعام والتقوي على ~~الطاعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهما - وروى محمد - رحمه الله ~~- أنه لا يحل، وهو قول الشافعي - رحمه الله - وأجمعوا على أنه لا يحل شربه ~~للهو والطرب كذا روى أبو يوسف - رحمه الله - في الأمالي وقال لو أراد أن ~~يشرب المسكر فقليله وكثيره حرام وقعوده لذلك والمشي إليه حرام. # (وجه) قول محمد والشافعي رحمهما الله ما روي عن سيدتنا عائشة - رضي الله ~~عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «ما أسكر كثيره فقليله ~~حرام» وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال «كل مسكر من عصير العنب» ~~إنما سمي خمرا لكونه مخامرا للعقل، ومعنى المخامرة يوجد في سائر الأشربة ~~المسكرة وأبو حنيفة وأبو يوسف - رضي الله عنهما - احتجا بحديث رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وآثار الصحابة الكرام - رضي الله عنهم -. # (أما) الحديث فما ذكره الطحاوي - رحمه الله - في شرح الآثار عن عبد ms2865 الله ~~ابن سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنهما - «أن النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~أتي بنبيذ فشمه فقطب وجهه لشدته، ثم دعا بماء فصبه عليه وشرب منه» (وأما) ~~الآثار فمنها ما روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه كان يشرب النبيذ ~~الشديد، ويقول: " إنا لننحر الجزور وإن العتق منها لآل عمر ولا يقطعه إلا ~~النبيذ الشديد. # (ومنها) ما روينا عنه أنه كتب إلى عمار بن ياسر - رضي الله عنهما - إني ~~أتيت بشراب من الشام طبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يبقى حلاله ويذهب حرامه ~~وريح جنونه، فمر من قبلك فليتوسعوا من أشربتهم، نص على الحل ونبه على ~~المعنى وهو زوال الشدة المسكرة بقوله " ويذهب ريح جنونه "، وندب إلى الشرب ~~بقوله " فليتوسعوا من أشربتهم (ومنها) ما روي عن سيدنا علي - رضي الله عنه ~~- أنه أضاف قوما فسقاهم فسكر بعضهم فحده فقال الرجل: " تسقيني ثم تحدني "، ~~فقال سيدنا علي - رضي الله عنه -: " إنما أحدك للسكر وروي هذا المذهب عن ~~عبد الله بن عباس وعبد الله ابن سيدنا عمر - رضي الله عنهما - أنه قال حين ~~سئل عن النبيذ: اشرب الواحد والاثنين والثلاثة، فإذا خفت السكر فدع، وإذا ~~ثبت الإحلال من هؤلاء الكبار من الصحابة الكرام - رضي الله تعالى عنهم - ~~فالقول بالتحريم يرجع إلى تفسيقهم، وأنه بدعة ولهذا عد أبو حنيفة - رضي ~~الله عنه - إحلال المثلث من شرائط مذهب السنة والجماعة، فقال في # PageV05P116 # بيانها: " أن يفضل الشيخين، ويحب الختنين، وأن يرى المسح على الخفين، وأن ~~لا يحرم نبيذ الخمر " لما أن في القول بتحريمه تفسيق كبار الصحابة - رضي ~~الله تعالى عنهم -، والكف عن تفسيقهم، والإمساك عن الطعن فيهم من شرائط ~~السنة والجماعة. # (وأما) ما ورد من الأخبار ففيها طعن، ثم بها تأويل، ثم قول بموجبها (أما) ~~الطعن فإن يحيى بن معين - رحمه الله - قد ردها، وقال: " لا تصح عن النبي " ~~- عليه الصلاة والسلام - وهو من نقلة الأحاديث، فطعنه يوجب جرحا في ~~الحديثين (وأما) التأويل فهو أنها محمولة على الشرب للتلهي توفيقا بين ~~الدلائل صيانة ms2866 لها عن التناقض (وأما) القول بالموجب فهو أن المسكر عندنا ~~حرام، وهو القدح الأخير؛ لأن المسكر ما يحصل به الإسكار، وإنه يحصل بالقدح ~~الأخير، وهو حرام قليله وكثيره، وهذا قول بموجب الأحاديث إن ثبتت بحمد الله ~~تعالى. # (وأما) قولهم: إن هذه الأشربة خمر لوجود معنى الخمر فيها، وهو صفة مخامرة ~~العقل قلنا: اسم الخمر للنيء من ماء العنب إذا صار مسكرا حقيقة، ولسائر ~~الأشربة مجاز؛ لأن معنى الإسكار والمخامرة فيه كامل، وفي غيره من الأشربة ~~ناقص فكان حقيقة له مجازا لغيره، وهذا لأنه لو كان حقيقة لغيره لكان الأمر ~~لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون اسما مشتركا، وإما أن يكون اسما عاما ~~ولا سبيل إلى الأول؛ لأن شرط الاشتراك اختلاف المعنى، فالاسم المشترك ما ~~يقع على مسميات مختلفة الحدود والحقائق، كاسم العين ونحوها، وههنا ما ~~اختلف، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأن من شرط العموم: أن تكون أفراد العموم ~~متساوية في قبول المعنى الذي وضع له اللفظ لا متفاوتة، ولم يوجد التساوي ~~ههنا، وإذا لم يكن بطريق الحقيقة تعين أنه بطريق المجاز فلا يتناولها مطلق ~~اسم الخمر، والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) الجمهوري فحكمه حكم المثلث؛ لأنه مثلث يرق بصب الماء عليه ثم يطبخ ~~أدنى طبخة لئلا يفسد. # (وأما) الخليطان فحكمهما عند الاجتماع ما هو حكمهما عند الانفراد من ~~النيء عنهما والمطبوخ، وقد ذكرناه وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه نهى عن شرب التمر والزبيب جميعا والزهو والرطب جميعا، وهو محمول ~~على النيء والسكر منه، والله عز وجل أعلم وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - ~~نهى عن نبيذ البسر والتمر والزبيب جميعا ولو طبخ أحدهما، ثم صب قدح من ~~النيء فيه أفسده، سواء كان من جنسه أو خلاف جنسه؛ لأنه اجتمع الحلال ~~والحرام فيغلب الحرام الحلال ولو خلط العصير بالماء فإن ترك حتى اشتد، لا ~~شك أنه لا يحل، وإن طبخ حتى ذهب ثلثاه ففيه نظر: إن كان الماء هو الذي يذهب ~~أولا بالطبخ يطبخ حتى ms2867 يذهب قدر الماء، ثم يطبخ العصير حتى يذهب ثلثاه فيحل، ~~وإن كان الماء والعصير يذهبان معا بالطبخ حتى يذهب ثلثا الجملة فلا يحل، ~~والله عز وجل أعلم. # (وأما) المزر والجعة والبتع وما يتخذ من السكر والتين ونحو ذلك فيحل شربه ~~عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - قليلا كان أو كثيرا، مطبوخا كان أو نيئا، ~~ولا يحد شاربه وإن سكر. # وروي عن محمد - رحمه الله - أنه حرام بناء على أصله، وهو أن ما أسكر ~~كثيره فقليله حرام كالمثلث وقال أبو يوسف - رحمه الله -: ما كان من هذه ~~الأشربة يبقى بعدما يبلغ عشرة أيام ولا يفسد فإني أكرهه، وكذا روي عن محمد، ~~ثم رجع أبو يوسف عن ذلك إلى قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - (وجه) قول أبي ~~يوسف الأول أن بقاءه وعدم فساده بعد هذه المدة دليل شدته، وشدته دليل ~~حرمته، (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن الحرمة متعلقة بالخمرية لا ~~تثبت إلا بشدة، والشدة لا توجد في هذه الأشربة فلا تثبت الحرمة، والدليل ~~على انعدام الخمرية أيضا ما روينا عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه ~~قال «الخمر من هاتين الشجرتين» ذكر - عليه الصلاة والسلام - الخمر فاللام ~~الجنس فاقتضى اقتصار الخمرية على ما يتخذ من الشجرتين وإنما لا يجب الحد ~~وإن سكر منه؛ لأنه سكر حصل بتناول شيء مباح، وأنه لا يوجب الحد كالسكر ~~الحاصل من تناول البنج والخبز في بعض البلاد بخلاف ما إذا سكر بشرب المثلث ~~أنه يجب الحد؛ لأن السكر هناك حصل بتناول المحظور وهو القدح الأخير. # (وأما) ظروف الأشربة المحرمة فيباح الشرب منها إذا غسلت إلا الخزف الجديد ~~الذي يتشرب فيها على الاختلاف الذي عرف في كتاب الصلاة، والأصل فيه قول ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - «إني كنت نهيتكم عن الشرب في الدباء والحنتم ~~والمزفت، ألا فاشربوا في كل ظرف» فإن الظروف لا تحل شيئا ولا تحرمه # (وأما) بيان حد السكر الذي يتعلق به وجوب الحد فقد اختلف في حده، قال # PageV05P117 # أبو حنيفة - رضي الله عنه - السكران ms2868 الذي يحد هو الذي لا يعقل قليلا ولا ~~كثيرا، ولا يعقل الأرض من السماء والرجل من المرأة، وقال أبو يوسف - رحمه ~~الله تعالى - ومحمد - رحمه الله - السكران هو الذي يغلب على كلامه الهذيان. # وروي عن أبي يوسف أنه يمتحن ب {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] ~~فيستقرأ، فإن لم يقدر على قراءتها فهو سكران، لما روي أن رجلا صنع طعاما ~~فدعا سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا عليا وسيدنا سعد بن أبي ~~وقاص - رضي الله تعالى عنهم - فأكلوا وسقاهم خمرا وكان قبل تحريم الخمر ~~فحضرتهم صلاة المغرب فأمهم واحد منهم فقرأ {قل يا أيها الكافرون} ~~[الكافرون: 1] على طرح {لا أعبد ما تعبدون} [الكافرون: 2] فنزل قوله - ~~تبارك وتعالى - {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] . # وهذا الامتحان غير سديد؛ لأن من السكارى من لم يتعلم هذه السورة من ~~القرآن أصلا، ومن تعلم فقد يتعذر عليه قراءتها في حالة الصحو خصوصا من لا ~~اعتناء له بأمر القرآن فكيف في حالة السكر؟ وقال الشافعي - رحمه الله -: ~~إذا شرب حتى ظهر أثره في مشيه وأطرافه وحركاته، فهو سكران، وهذا أيضا غير ~~سديد؛ لأن هذا أمر لا ثبات له؛ لأنه يختلف باختلاف أحوال الناس، منهم من ~~يظهر ذلك منه بأدنى شيء، ومنهم من لا يظهر فيه وإن بلغ به السكر غايته. # (وجه) قولهما: شهادة العرف والعادة فإن السكران في متعارف الناس اسم لمن ~~هذى وإليه أشار سيدنا علي - رضي الله عنه - بقوله: إذا سكر هذى، وإذا هذى ~~افترى، وحد المفتري ثمانون وأبو حنيفة عليه الرحمة يسلم ذلك في الجملة، ~~فيقول: أصل السكر يعرف بذلك لكنه اعتبر في باب الحدود ما هو الغاية في ~~الباب احتيالا للدرء المأمور به بقوله - صلى الله عليه وسلم - «ادرءوا ~~الحدود ما استطعتم» ولا يعرف بلوغ السكر غايته إلا بما ذكر، والله عز وجل ~~أعلم. ### | [كتاب الاستحسان] # وقد يسمى كتاب الحظر والإباحة وقد يسمى كتاب الكراهة والكلام في هذا ~~الكتاب في الأصل في ms2869 موضعين في بيان معنى اسم الكتاب وفي بيان أنواع ~~المحظورات والمباحات المجموعة فيه (أما) الأول فالاستحسان يذكر ويراد به ~~كون الشيء على صفة الحسن ويذكر ويراد به فعل المستحسن وهو رؤية الشيء حسنا ~~يقال استحسنت كذا أي رأيته حسنا فاحتمل تخصيص هذا الكتاب بالتسمية ~~بالاستحسان لاختصاص عامة ما أورد فيه من الأحكام بحسن ليس في غيرها ولكونها ~~على وجه يستحسنها العقل والشرع (وأما) التسمية بالحظر والإباحة فتسمية ~~طابقت معناها ووافقت مقتضاها لاختصاصه ببيان جملة من المحظورات والمباحات ~~وكذا التسمية بالكراهة لأن الغالب فيه بيان المحرمات وكل محرم مكروه في ~~الشرع لأن الكراهة ضد المحبة والرضا قال الله تبارك وتعالى {وعسى أن تكرهوا ~~شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} [البقرة: 216] والشرع لا ~~يحب الحرام ولا يرضى به إلا أن ما تثبت حرمته بدليل مقطوع به من نص الكتاب ~~العزيز أو غير ذلك فعادة محمد أنه يسميه حراما على الإطلاق وما تثبت حرمته ~~بدليل غير مقطوع به من أخبار الآحاد وأقاويل الصحابة الكرام - رضي الله ~~عنهم - وغير ذلك يسميه مكروها وربما يجمع بينهما فيقول حرام مكروه إشعارا ~~منه أن حرمته ثبتت بدليل ظاهر لا بدليل قاطع. # (وأما) بيان أنواع المحرمات والمحللات المجموعة فيه فنقول وبالله تعالى ~~التوفيق المحرمات المجموعة في هذا الكتاب في الأصل نوعان نوع ثبتت حرمته في ~~حق الرجال والنساء جميعا ونوع ثبتت حرمته في حق الرجال دون النساء (أما) ~~الذي ثبتت حرمته في حق الرجال والنساء جميعا فبعضها مذكور في مواضعه في ~~الكتب فلا نعيده ونذكر ما لا ذكر له في الكتب ونبدأ بما بدأ به محمد - رحمه ~~الله - الكتاب وهو حرمة النظر والمس والكلام فيها في ثلاث مواضع أحدها في ~~بيان ما يحل من ذلك ويحرم للرجل من المرأة والمرأة من الرجل والثاني في ~~بيان ما يحل ويحرم للرجل من الرجل والثالث في بيان ما يحل ويحرم للمرأة من ~~المرأة. # (أما) الأول فلا يمكن الوصول إلى معرفته إلا بعد معرفة أنواع النساء ~~فنقول ms2870 وبالله تعالى التوفيق النساء في هذا الباب سبعة أنواع نوع منهن ~~المنكوحات ونوع منهن المملوكات ونوع منهن ذوات الرحم المحرم # PageV05P118 # وهو الرحم المحرم للنكاح كالأم والبنت والعمة والخالة ونوع منهن ذوات ~~الرحم بلا محرم وهن المحارم من جهة الرضاع والمصاهرة ونوع منهن مملوكات ~~الأغيار ونوع منهن من لا رحم لهن أصلا ولا محرم وهن الأجنبيات الحرائر ونوع ~~منهن ذوات الرحم بلا محرم وهو الرحم الذي لا يحرم النكاح كبنت العم والعمة ~~والخال والخالة (أما) النوع الأول وهن المنكوحات فيحل للزوج النظر إلى ~~زوجته ومسها من رأسها إلى قدمها لأنه يحل له وطؤها لقوله تعالى {والذين هم ~~لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم ~~غير ملومين} [المؤمنون: 6] وأنه فوق النظر والمس فكان إحلالا لهما من طريق ~~الأولى إلا أنه لا يحل له وطؤها في حالة الحيض لقوله تبارك وتعالى ~~{ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن} [البقرة: 222] فصارت حالة الحيض مخصوصة عن عموم النص الذي تلونا. # وهل يحل الاستمتاع بها فيما دون الفرج؟ اختلف فيه قال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف - رضي الله عنهما - لا يحل الاستمتاع بما فوق الإزار وقال محمد - رحمه ~~الله - يجتنب شعار الدم وله ما سوى ذلك واختلف المشايخ في تفسير قولهما بما ~~فوق الإزار قال بعضهم المراد منه ما فوق السرة فيحل الاستمتاع بما فوق ~~سرتها ولا يباح بما تحتها إلى الركبة وقال بعضهم المراد منه مع الإزار فيحل ~~الاستمتاع بما تحت سرتها سوى الفرج لكن مع المئزر لا مكشوفا ويمكن العمل ~~بعموم قولهما بما فوق الإزار لأنه يتناول ما فوق السرة وما تحتها سوى الفرج ~~مع المئزر إذ كل ذلك فوق الإزار فيكون عملا بعموم اللفظ والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # (وجه) قول محمد ظاهر قوله تبارك وتعالى {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} ~~[البقرة: 222] جعل الحيض أذى فتختص الحرمة بموضع الأذى وقد روي أن سيدتنا ~~عائشة - رضي الله عنها - سئلت عما يحل للرجل من امرأته ms2871 الحائض فقالت يتقي ~~شعار الدم وله ما سوى ذلك (ووجه) قولهما ما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال «لنا ما تحت السرة وله ما فوقها» وروي «أن أزواج النبي ~~- عليه الصلاة والسلام - كن إذا حضن أمرهن أن يتزرن ثم يضاجعهن» ولأن ~~الاستمتاع بها بما يقرب من الفرج سبب الوقوع في الحرام قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «ألا إن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه فمن حام حول ~~الحمى يوشك أن يقع فيه» وفي رواية «من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» ~~والمستمتع بالفخذ يحوم حول الحمى ويرتع حوله فيوشك أن يقع فيه دل أن ~~الاستمتاع به سبب الوقوع في الحرام. # وسبب الحرام حرام أصله الخلوة بالأجنبية (وأما) الآية الكريمة فحجة عليه ~~لأن ما حول الفرج لا يخلو عن الأذى عادة فكان الاستمتاع به استعمال الأذى ~~وقول سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - له ما سوى ذلك أي مع الإزار فحمل على ~~هذا توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض وكذلك المرأة يحل لها النظر ~~إلى زوجها واللمس من فرقه إلى قدمه لأنه حل لها ما هو أكثر من ذلك وهو ~~التمكين من الوطء فهذا أولى ويحل النظر إلى عين فرج المرأة المنكوحة لأن ~~الاستمتاع به حلال فالنظر إليه أولى إلا أن الأدب غض البصر عنه من الجانبين ~~لما روي عن سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت قبض رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وما نظرت إلى ما منه ولا نظر إلى ما مني ولا يحل إتيان ~~الزوجة في دبرها لأن الله تعالى عز شأنه نهى عن قربان الحائض ونبه على ~~المعنى وهو كون المحيض أذى والأذى في ذلك المحل أفحش وأذم فكان أولى ~~بالتحريم وروي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال «من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو أتى كاهنا فصدقه فيما يقول ~~فهو كافر بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم ms2872 -» «نهى عن إتيان النساء ~~في محاشهن» أي أدبارهن. # وعلى ذلك جاءت الآثار من الصحابة الكرام - رضي الله تعالى عنهم - أنها ~~سميت اللوطية الصغرى ولأن حل الاستمتاع في الدنيا لا يثبت لحق قضاء الشهوات ~~خاصة لأن لقضاء الشهوات خاصة دارا أخرى وإنما يثبت لحق قضاء الحاجات وهي ~~حاجة بقاء النسل إلى انقضاء الدنيا إلا أنه ركبت الشهوات في البشر للبعث ~~على قضاء الحاجات وحاجة النسل لا تحتمل الوقوع في الأدبار فلو ثبت الحل ~~لثبت لحق قضاء الشهوة خاصة والدنيا لم تخلق له. # (وأما) النوع الثاني وهن المملوكات فحكمهن حكم المنكوحات فيحل للمولى ~~النظر إلى سائر بدن جاريته ومسها من رأسها إلى قدمها لأنه حل له ما هو أكثر ~~منه لقوله عز وجل {أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] الآية إلا أن حالة ~~الحيض صارت # PageV05P119 # مخصوصة فلا يقربها في حالة الحيض ولا يأتي في دبرها لما ذكرنا من الدلائل ~~وفي الاستمتاع بها فيما دون الفرج على الاختلاف وكذا إذا ملكها بسائر أسباب ~~الملك لا يحل له أن يقربها قبل أن يستبرئها والأصل فيه ما روي عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه «قال في سبايا أوطاس ألا لا توطأ الحبالى حتى ~~يضعن ولا الحيالى حتى يستبرأن بحيضة» ولأن فيه خوف اختلاط المياه وقد قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ~~يسقين ماءه زرع غيره» وكذا فيه وهم ظهور الحبل بها فيدعيه ويستحقها فيتبين ~~أنه يستمتع بملك الغير. # (وأما) الدواعي من القبلة والمعانقة والنظر إلى الفرج عن شهوة فلا يحل ~~عند عامة العلماء إلا في المسبية وقال مكحول - رحمه الله - يحل (وجه) قوله ~~أن الملك في الأصل مطلق التصرف ولهذا لم تحرم الدواعي في المسبية ولا على ~~الصائم فكان ينبغي أن لا يحرم القربان أيضا إلا أن الحرمة عرفناها بالنص ~~فتقتصر الحرمة على مورد النص على أن النص إن كان معلولا بخوف اختلاط المياه ~~فهذا معنى لا يحتمل التعدية إلى الدواعي فلا يتعدى إليها. # (وجه) قول ms2873 العامة أن حرمة القربان إنما تثبت خوفا عن توهم العلوق وظهور ~~الحبل وعند الدعوة والاستحقاق يظهر أن الاستمتاع صادف ملك الغير وهذا ~~المعنى موجود في الدواعي من المستبرأة ونحوها فيتعدى إليها ولا يتعدى في ~~المسبية فيقتصر الحكم فيها على مورد النص ولأن الاستمتاع بالدواعي وسيلة ~~إلى القربان والوسيلة إلى الحرام حرام أصله الخلوة وهذا أولى لأن الخلوة في ~~التوسل إلى الحرام دون المس فكان تحريمها تحريما للمس بطريق الأولى كما في ~~تحريم التأفيف من الضرب والشتم ومن اعتمد على هذه النكتة منع فضل المسبية ~~وزعم أن لا نص فيها عن أصحابنا وهو غير سديد فإن حل الدواعي من المسبية ~~منصوص عليه من محمد - رحمه الله - فلا يستقيم المنع فكان الصحيح هو العلة ~~الأولى وحرمة الدواعي في باب الظهار والإحرام ثبت لمعنى آخر ذكرناه في كتاب ~~الحج والظهار. # (وأما) النوع الثالث وهو ذات الرحم المحرم فيحل للرجل النظر من ذوات ~~محارمه إلى رأسها وشعرها وأذنيها وصدرها وعضدها وثديها وساقها وقدمها لقوله ~~تبارك وتعالى {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن} [النور: 31] الآية ~~نهاهن سبحانه وتعالى عن إبداء الزينة مطلقا واستثنى سبحانه إبداءها ~~للمذكورين في الآية الكريمة منهم ذو الرحم المحرم والاستثناء من الحظر ~~إباحة في الظاهر والزينة نوعان ظاهرة وهو الكحل في العين والخاتم في الأصبع ~~والفتخة للرجل وباطنة وهو العصابة للرأس والعقاص للشعر والقرط للأذن ~~والحمائل للصدر والدملوج للعضد والخلخال للساق والمراد من الزينة مواضعها ~~لا نفسها لأن إبداء نفس الزينة ليس بمنهي. # وقد ذكر سبحانه وتعالى الزينة مطلقة فيتناول النوعين جميعا فيحل النظر ~~إليها بظاهر النص ولأن المخالطة بين المحارم للزيارة وغيرها ثابتة عادة فلا ~~يمكن صيانة مواضع الزينة عن الكشف إلا بحرج وأنه مدفوع شرعا وكل ما جاز ~~النظر إليه منهن من غير حائل جاز مسه لأن المحرم يحتاج إلى إركابها ~~وإنزالها في المسافرة معها وتتعذر صيانة هذه المواضع عن الانكشاف فيتعذر ~~على المحرم الصيانة عن مس المكشوف ولأن حرمة النظر إلى هذه المواضع ومسها ~~من الأجنبيات إنما ms2874 ثبت خوفا عن حصول الشهوة الداعية إلى الجماع والنظر إلى ~~هذه الأعضاء ومسها في ذوات المحارم لا يورث الشهوة لأنهما لا يكونان للشهوة ~~عادة بل للشفقة ولهذا جرت العادة فيما بين الناس بتقبيل أمهاتهم وبناتهم. # وقد روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قدم من الغزو قبل ~~رأس السيدة فاطمة - رضي الله عنها -» وهذا إذا لم يكن النظر والمس عن شهوة ~~ولا غلب على ظنه أنه لا يشتهي فأما إذا كان يشتهي أو كان غالب ظنه وأكبر ~~رأيه أنه لو نظر أو مس اشتهى لم يجز له النظر والمس لأنه يكون سببا للوقوع ~~في الحرام فيكون حراما ولا بأس أن يسافر بها إذا أمن الشهوة لما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا يحل لامرأة تؤمن بالله ~~واليوم الآخر أن تسافر ثلاثا فما فوقها إلا ومعها زوجها أو ذو رحم محرم ~~منها» ولأن الذي يحتاج المحرم إليه في السفر مسها في الحمل والإنزال ويحل ~~له مسها فتحل المسافرة معها وكذا لا بأس أن يخلو بها إذا أمن على نفسه لأنه ~~لما حل المس فالخلوة أولى فإن خاف على نفسه لم يفعل لما روي عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - # PageV05P120 # أنه قال «لا يخلون الرجل بمغيبة وإن قيل حموها ألا حموها الموت» وهو ~~محمول على حالة الخوف أو يكون نهي ندب وتنزيه والله سبحانه وتعالى أعلم ولا ~~يحل النظر إلى بطنها وظهرها وإلى ما بين السرة والركبة منها ومسها لعموم ~~قوله تبارك وتعالى {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} [النور: 30] الآية إلا ~~أنه سبحانه وتعالى رخص النظر للمحارم إلى مواضع الزينة الظاهرة والباطنة ~~بقوله عز شأنه {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن} [النور: 31] ~~الآية فبقي غض البصر عما وراءها مأمورا به. # وإذا لم يحل النظر فالمس أولى لأنه أقوى ولأن رخصة النظر إلى مواضع ~~الزينة للحاجة التي ذكرناها ولا حاجة إلى النظر إلى ما وراءها فكان النظر ~~إليها بحق الشهوة وأنه حرام ولأن ms2875 الله تبارك وتعالى جعل الظهار منكرا من ~~القول وزورا والظهار ليس إلا تشبيه المنكوحة بظهر الأم في حق الحرمة ولو لم ~~يكن ظهر الأم حرام النظر والمس لم يكن الظهار منكرا من القول وزورا فيؤدي ~~إلى الخلف في خبر من يستحيل عليه الخلف هذا إذا كانت هذه الأعضاء مكشوفة ~~فأما إذا كانت مستورة بالثياب واحتاج ذو الرحم المحرم إلى إركابها وإنزالها ~~فلا بأس بأن يأخذ بطنها أو ظهرها أو فخذها من وراء الثوب إذا كان يأمن على ~~نفسه لما ذكرنا أن مس ذوات الرحم المحرم لا يورث الشهوة عادة خصوصا من وراء ~~الثوب حتى لو خاف الشهوة في المس لا يمسه وليجتنب ما استطاع وكل ما يحل ~~للرجل من ذوات الرحم المحرم منه من النظر والمس يحل للمرأة ذلك من ذي رحم ~~محرم منها وكل ما يحرم عليه يحرم عليها والله عز وجل أعلم. # (وأما) النوع الرابع وهو ذوات المحرم بلا رحم فحكمهن حكم ذوات الرحم ~~المحرم وقد ذكرناه والأصل فيه قول النبي - عليه الصلاة والسلام - «يحرم من ~~الرضاع ما يحرم من النسب» وروي أن أفلح بن أبي القعيس - رحمه الله - استأذن ~~أن يدخل على سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - فسألت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن ذلك فقال - عليه الصلاة والسلام - «ليلج عليك فإنه عمك ~~أرضعتك امرأة أخيه» . # (وأما) النوع الخامس وهو مملوكات الأغيار فحكمهن أيضا في حل النظر والمس ~~وحرمتهما حكم ذوات الرحم المحرم فيحل النظر إلى مواضع الزينة منهن ومسها ~~ولا يحل ما سوى ذلك. # والأصل فيه ما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مس ناصية أمة ~~ودعا لها بالبركة» وروي أن سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنه - رأى أمة ~~متقنعة فعلاها بالدرة وقال ألقي عنك الخمار يا دفار أتتشبهين بالحرائر فدل ~~على حل النظر إلى رأسها وشعرها وأذنها وروي عن سيدنا عمر - رضي الله تعالى ~~عنه - أنه مر بجارية تعرض على البيع فضرب بيده على صدرها وقال اشتروا ولو ~~كان حراما لم يتوهم ms2876 منه - رضي الله عنه - أن يمسها ولأن بالناس حاجة إلى ~~النظر إلى هذه المواضع ومسها عند البيع والشراء لمعرفة بشرتها من اللين ~~والخشونة ونحو ذلك لاختلاف قيمتها باختلاف أطرافها فألحقت بذوات الرحم ~~المحرم دفعا للحرج عن الناس ولهذا يحل بهن المسافرة بلا محرم ولا حاجة إلى ~~المس والنظر إلى غيرها لأنها تصير معلومة بالنظر إلى الأطراف ومسها وهذا ~~إذا أمن على نفسه الشهوة فإن لم يأمن وخاف على نفسه أن يشتهي لو نظر أو مس ~~فلا بأس أن ينظر إليها وإن اشتهى إذا أراد أن يشتريها فلا بد له من النظر ~~لما قلنا فيحتاج إلى النظر فصار النظر من المشتري بمنزلة النظر من الحاكم ~~والشاهد والمتزوج فلا بأس بذلك وإن كان عن شهوة فكذا هذا وكذا لا بأس له أن ~~يمس. # وإن اشتهى إذا أراد أن يشتريها عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - وروي عن ~~محمد - رحمه الله - أنه يكره للشاب مس شيء من الأمة والصحيح قول أبي حنيفة ~~- رضي الله عنه - لأن المشتري يحتاج إلى العلم ببشرتها ولا يحصل ذلك إلا ~~باللمس فرخص للضرورة وكذا يحل للأمة النظر والمس من الرجل الأجنبي ما فوق ~~السرة ودون الركبة إلا أن تخاف الشهوة فتجتنب كالرجل وكل جواب عرفته في ~~القنة فهو الجواب في المدبرة وأم الولد لقيام الرق فيهما. # (وأما) النوع السادس وهو الأجنبيات الحرائر فلا يحل النظر للأجنبي من ~~الأجنبية الحرة إلى سائر بدنها إلا الوجه والكفين لقوله تبارك وتعالى {قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} [النور: 30] إلا أن النظر إلى مواضع الزينة ~~الظاهرة وهي الوجه والكفان رخص بقوله تعالى {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر ~~منها} [النور: 31] والمراد من الزينة مواضعها ومواضع الزينة الظاهرة الوجه ~~والكفان فالكحل زينة الوجه والخاتم زينة الكف ولأنها تحتاج إلى البيع ~~والشراء والأخذ والعطاء ولا يمكنها # PageV05P121 # ذلك عادة إلا بكشف الوجه والكفين فيحل لها الكشف وهذا قول أبي حنيفة - ~~رضي الله عنه - وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه يحل النظر إلى ~~القدمين أيضا. ms2877 # (وجه) هذه الرواية ما روي عن سيدتنا عائشة - رضي الله تعالى عنها - في ~~قوله تبارك وتعالى {إلا ما ظهر منها} [النور: 31] القلب والفتخة وهي خاتم ~~أصبع الرجل فدل على جواز النظر إلى القدمين ولأن الله تعالى نهى عن إبداء ~~الزينة واستثنى ما ظهر منها والقدمان ظاهرتان ألا ترى أنهما يظهران عند ~~المشي؟ فكانا من جملة المستثنى من الحظر فيباح إبداؤهما (وجه) ظاهر الرواية ~~ما روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال في قوله جل شأنه ~~{إلا ما ظهر منها} [النور: 31] أنه الكحل والخاتم وروي عنه في رواية أخرى ~~أنه قال الكف والوجه فيبقى ما وراء المستثنى على ظاهر النهي ولأن إباحة ~~النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها للحاجة إلى كشفها في الأخذ والعطاء ولا حاجة ~~إلى كشف القدمين فلا يباح النظر إليهما ثم إنما يحل النظر إلى مواضع الزينة ~~الظاهرة منها من غير شهوة فأما عن شهوة فلا يحل لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «العينان تزنيان» وليس زنا العينين إلا النظر عن شهوة ولأن النظر ~~عن شهوة سبب الوقوع في الحرام فيكون حراما إلا في حالة الضرورة بأن دعي إلى ~~شهادة أو كان حاكما فأراد أن ينظر إليها ليجيز إقرارها عليها فلا بأس أن ~~ينظر إلى وجهها. # وإن كان لو نظر إليها لاشتهى أو كان أكبر رأيه ذلك لأن الحرمات قد يسقط ~~اعتبارها لمكان الضرورة ألا ترى أنه خص النظر إلى عين الفرج لمن قصد إقامة ~~حسبة الشهادة على الزنا؟ ومعلوم أن النظر إلى الفرج في الحرمة فوق النظر ~~إلى الوجه ومع ذلك سقطت حرمته لمكان الضرورة فهذا أولى وكذا إذا أراد أن ~~يتزوج امرأة فلا بأس أن ينظر إلى وجهها وإن كان عن شهوة لأن النكاح بعد ~~تقديم النظر أدل على الألفة والموافقة الداعية إلى تحصيل المقاصد على ما ~~قال النبي - عليه الصلاة والسلام - «للمغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - حين ~~أراد أن يتزوج امرأة اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» دعاه - ~~عليه الصلاة والسلام ms2878 - إلى النظر مطلقا وعلل - عليه الصلاة والسلام - بكونه ~~وسيلة إلى الألفة والموافقة. # (وأما) المرأة فلا يحل لها النظر من الرجل الأجنبي ما بين السرة إلى ~~الركبة ولا بأس أن تنظر إلى ما سوى ذلك إذا كانت تأمن على نفسها والأفضل ~~للشاب غض البصر عن وجه الأجنبية وكذا الشابة لما فيه من خوف حدوث الشهوة ~~والوقوع في الفتنة يؤيده المروي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما - ~~أنه قال في قوله تبارك وتعالى {إلا ما ظهر منها} [النور: 31] أنه الرداء ~~والثياب فكان غض البصر وترك النظر أزكى وأطهر وذلك قوله عز وجل {قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم} [النور: 30] وروي ~~«أن أعميين دخلا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده بعض أزواجه ~~سيدتنا عائشة - رضي الله تعالى عنها - وأخرى فقال لهما قوما فقالتا إنهما ~~أعميان يا رسول الله فقال لهما أعمياوان أنتما» إلا إذا لم يكونا من أهل ~~الشهوة بأن كانا شيخين كبيرين لعدم احتمال حدوث الشهوة فيهما. # والعبد فيما ينظر إلى مولاته كالحر الذي لا قرابة بينه وبينها سواء وكذا ~~الفحل والخصي والعنين والمخنث إذا بلغ مبلغ الرجال سواء لعموم قوله تبارك ~~وتعالى {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} [النور: 30] وإطلاق قوله عز شأنه ~~{ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31] ولأن الرق والخصاء لا ~~يعدمان الشهوة وكذا العنة والخنوثة (أما) الرق فظاهر (وأما) الخصاء فإن ~~الخصي رجل إلا أنه مثل به إلى هذا أشارت سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - ~~فقالت إنه رجل مثل به أفتحل له المثلة ما حرم الله تبارك وتعالى على غيره. # (وأما) العنة والخنوثة فالعنين والمخنث رجلان فإن قيل أليس أن المملوك ~~بملك اليمين للمرأة مستثنى من قوله جل وعلا {ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن} [النور: 31] إلى قوله عز شأنه {أو ما ملكت أيمانهن} [النور: 31] ~~من غير فصل بين العبد والأمة. # والاستثناء من الحظر إباحة فالجواب أن قوله سبحانه وتعالى {أو ما ملكت ~~أيمانهن} [النور: 31] ينصرف إلى الإماء لأن حكم ms2879 العبيد صار معلوما بقوله ~~سبحانه وتعالى {أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال} [النور: 31] إذ ~~العبد من جملة التابعين من الرجال فكان قوله عز شأنه {أو ما ملكت أيمانهن} ~~[النور: 31] مصروفا إلى الإماء لئلا يؤدي إلى التكرار فإن قيل حكم الإماء ~~صار معلوما بقوله تبارك وتعالى {أو التابعين} [النور: 31] فالصرف إليهن ~~يؤدي إلى التكرار أيضا فالجواب أن المراد بالنساء الحرائر فوقعت الحاجة إلى ~~تعريف حكم الإماء فأبان بقوله جل شأنه {أو ما ملكت أيمانهن} [النور: 31] أن ~~حكم الحرة والأمة فيه سواء # PageV05P122 # وروي عن سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت «كان يدخل على نساء ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخنث فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة ~~فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم وهو ينعت امرأة فقال لا أرى ~~هذا يعلم ما ههنا لا يدخل عليكن فحجبوه» وكذا روي «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - دخل على أم سلمة - رضي الله عنها - وعندها مخنث فأقبل على أخي ~~أم سلمة فقال يا عبد الله إن فتح الله عليكم غدا الطائف دللتك على بنت ~~غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال - عليه الصلاة والسلام - لا أرى ~~يعرف هذا ما ههنا لا يدخلن عليكم» هذا إذا بلغ الأجنبي مبلغ الرجال فإن كان ~~صغيرا لم يظهر على عورات النساء ولا يعرف العورة من غير العورة فلا بأس لهن ~~من إبداء الزينة لهم لقوله جل وعلا {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النساء} [النور: 31] مستثنى من قوله عز شأنه {ولا يبدين زينتهن} [النور: ~~31] إلا لمن ذكر والطفل في اللغة الصبي ما بين أن يولد إلى أن يحتلم وأما ~~الذي يعرف التمييز بين العورة وغيرها وقرب من الحلم فلا ينبغي لها أن تبدي ~~زينتها له ألا ترى أن مثل هذا الصبي أمر بالاستئذان في بعض الأوقات بقوله ~~تبارك وتعالى {والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات} [النور: 58] إلا إذا ~~لم يكونا من أهل الشهوة بأن كانا شيخين كبيرين لعدم احتمال حدوث ms2880 الشهوة ~~فيهما وروي «أن أعميين دخلا على سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وعنده بعض أزواجه سيدتنا عائشة وأخرى فقال لهما قوما فقالتا إنهما أعميان ~~يا رسول الله فقال أعمياوان أنتما» هذا حكم النظر إلى الوجه والكفين وأما ~~حكم مس هذين العضوين فلا يحل مسهما لأن حل النظر للضرورة التي ذكرناها ولا ~~ضرورة إلى المس مع ما أن المس في بعث الشهوة وتحريكها فوق النظر وإباحة ~~أدنى الفعلين لا يدل على إباحة أعلاهما هذا إذا كان شابين فإن كانا شيخين ~~كبيرين فلا بأس بالمصافحة لخروج المصافحة منهما من أن تكون مورثة للشهوة ~~لانعدام الشهوة وقد روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصافح ~~العجائز» ثم إنما يحرم النظر من الأجنبية إلى سائر أعضائها سوى الوجه ~~والكفين أو القدمين أيضا على اختلاف الروايتين إذا كانت مكشوفة فأما إذا ~~كانت مستورة بالثوب فإن كان ثوبها صفيقا لا يلتزق ببدنها فلا بأس أن ~~يتأملها ويتأمل جسدها لأن المنظور إليه الثوب دون البدن وإن كان ثوبها ~~رقيقا يصف ما تحته ويشف أو كان صفيقا لكنه يلتزق ببدنها حتى يستبين له ~~جسدها فلا يحل له النظر لأنه إذا استبان جسدها كانت كاسية صورة عارية حقيقة ~~وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «لعن الله الكاسيات العاريات» وروي ~~عن سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت دخلت علي أختي السيدة أسماء ~~وعليها ثياب شامية رقاق وهي اليوم عندكم صفاق فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «هذه ثياب تمجها سورة النور فأمر بها فأخرجت فقلت يا رسول الله ~~زارتني أختي فقلت لها ما قلت فقال يا عائشة إن المرأة إذا حاضت لا ينبغي أن ~~يرى منها إلا وجهها وكفاها» فإن ثبت هذا من النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~كان تفسيرا لقوله عز وجل {إلا ما ظهر منها} [النور: 31] فدل على صحة ظاهر ~~الرواية أن الحرة لا يحل النظر منها إلا إلى وجهها وكفيها والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # (وأما) النوع السابع وهو ذوات الرحم بلا ms2881 محرم فحكمهن حكم الأجنبيات ~~الحرائر لعموم الأمر بغض البصر والنهي عن إبداء زينتهن إلا للمذكورين في ~~محل الاستثناء وذو الرحم بلا محرم غير مذكور في المستثنى فبقيت منهية عن ~~إبداء الزينة له والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) الثاني وهو ما يحل من ذلك ويحرم للرجل من الرجل فنقول وبالله ~~التوفيق يحل للرجل أن ينظر من الرجل الأجنبي إلى سائر جسده إلا ما بين ~~السرة والركبة إلا عند الضرورة فلا بأس أن ينظر الرجل من الرجل إلى موضع ~~الختان ليختنه ويداويه بعد الختن وكذا إذا كان بموضع العورة من الرجل قرح ~~أو جرح أو وقعت الحاجة إلى مداواة الرجل ولا ينظر إلى الركبة ولا بأس ~~بالنظر إلى السرة فالركبة عورة والسرة ليست بعورة عندنا وعند الشافعي على ~~العكس من ذلك والصحيح قولنا لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال «ما تحت السرة عورة» والركبة ما تحتها فكانت عورة إلا أن ما تحت ~~الركبة صار مخصوصا فبقيت الركبة تحت العموم ولأن الركبة عضو مركب من عظم ~~الساق والفخذ على وجه يتعذر تمييزه والفخذ من العورة والساق ليس من العورة ~~فعند الاشتباه يجب العمل بالاحتياط وذلك فيما قلنا بخلاف السرة لأنه اسم ~~لموضع # PageV05P123 # معلوم لا اشتباه فيه وقد روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه كان إذا ~~اتزر أبدى سرته ولو كانت عورة لما احتمل منه كشفها هذا حكم النظر. # (وأما) حكم المس فلا خلاف في أن المصافحة حلال لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «تصافحوا تحابوا» وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال «إذا ~~لقي المؤمن أخاه فصافحه تناثرت ذنوبه» ولأن الناس يتصافحون في سائر الأعصار ~~في العهود والمواثيق فكانت سنة متوارثة واختلف في القبلة والمعانقة قال أبو ~~حنيفة - رضي الله عنه - ومحمد - رحمه الله - يكره للرجل أن يقبل فم الرجل ~~أو يده أو شيئا منه أو يعانقه وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه لا بأس ~~به (ووجهه) ما روي أنه «لما قدم جعفر بن أبي طالب - رضي ms2882 الله عنه - من ~~الحبشة عانقه سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبل بين عينيه» ~~وأدنى درجات فعل النبي الحل وكذا روى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كانوا إذا رجعوا من أسفارهم كان يقبل بعضهم بعضا ويعانق بعضهم بعضا ~~واحتجا بما روي أنه سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل «أيقبل ~~بعضنا بعضا فقال لا فقيل أيعانق بعضنا بعضا فقال - عليه الصلاة والسلام - ~~لا فقيل أيصافح بعضنا بعضا فقال - عليه الصلاة والسلام - نعم» وذكر الشيخ ~~أبو منصور - رحمه الله - أن المعانقة إنما تكره إذا كانت شبيهة بما وضعت ~~للشهوة في حالة التجرد فأما إذا قصد بها المبرة والإكرام فلا تكره وكذا ~~التقبيل الموضوع لقضاء الوطر والشهوة هو المحرم فإذا زال عن تلك الحالة ~~أبيح وعلى هذا الوجه الذي ذكره الشيخ يحمل الحديث الذي احتج به أبو يوسف - ~~رحمه الله - والله أعلم بالصواب. # (وأما) الثالث وهو بيان ما يحل من ذلك وما يحرم للمرأة من المرأة فكل ما ~~يحل للرجل أن ينظر إليه من الرجل يحل للمرأة أن تنظر إليه من المرأة وكل ما ~~لا يحل له، لا يحل لها، فتنظر المرأة من المرأة إلى سائر جسدها إلا ما بين ~~السرة والركبة لأنه ليس في نظر المرأة إلى المرأة خوف الشهوة والوقوع في ~~الفتنة كما ليس ذلك في نظر الرجل إلى الرجل حتى لو خافت ذلك تجتنب عن النظر ~~كما في الرجل ولا يجوز لها أن تنظر ما بين سرتها إلى الركبة إلا عند ~~الضرورة بأن كانت قابلة فلا بأس لها أن تنظر إلى الفرج عند الولادة. # وكذا لا بأس أن تنظر إليه لمعرفة البكارة في امرأة العنين والجارية ~~المشتراة على شرط البكارة إذا اختصما وكذا إذا كان بها جرح أو قرح في موضع ~~لا يحل للرجال النظر إليه فلا بأس أن تداويها إذا علمت المداواة فإن لم ~~تعلم تتعلم ثم تداويها فإن لم توجد امرأة تعلم المداواة ولا امرأة تتعلم ~~وخيف عليها الهلاك أو بلاء أو وجع ms2883 لا تحتمله يداويها الرجل لكن لا يكشف ~~منها إلا موضع الجرح ويغض بصره ما استطاع لأن الحرمات الشرعية جاز أن يسقط ~~اعتبارها شرعا لمكان الضرورة كحرمة الميتة وشرب الخمر حالة المخمصة ~~والإكراه لكن الثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة لأن علة ثبوتها الضرورة ~~والحكم لا يزيد على قدر العلة هذا الذي ذكرنا حكم النظر والمس. # (وأما) حكم الدخول في بيت الغير فالداخل لا يخلو إما أن يكون أجنبيا أو ~~من محارمه فإن كان أجنبيا فلا يحل له الدخول فيه من غير استئذان لقوله ~~تبارك وتعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها} [النور: 27] قيل تستأنسوا أي تستأذنوا وقيل ~~تستعلموا وهما متقاربان لأن الاستئذان طلب الإذن والاستعلام طلب العلم ~~والإذن إعلام وسواء كان السكن في البيت أو لم يكن لقوله تعالى {فإن لم ~~تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم} [النور: 28] . # وهذا يدل على أن الاستئذان ليس للسكان أنفسهم خاصة بل لأنفسهم ولأموالهم ~~لأن الإنسان كما يتخذ البيت سترا لنفسه يتخذه سترا لأمواله وكما يكره اطلاع ~~الغير على نفسه يكره اطلاعه على أمواله وفي بعض الأخبار أن «من دخل بيتا ~~بغير إذن قال له الملك الموكل به عصيت وآذيت فيسمع صوته الخلق كلهم إلا ~~الثقلين فيصعد صوته إلى السماء الدنيا فتقول ملائكة السماء أف لفلان عصى ~~ربه وأذى» وإذا استأذن فأذن له حل له الدخول يدخل ثم يسلم ولا يقدم التسليم ~~على الدخول كما قال بعض الناس لقوله سبحانه وتعالى {فإذا دخلتم بيوتا ~~فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة} [النور: 61] ولأنه لو سلم ~~قبل الدخول فإذا دخل يحتاج إلى التسليم ثانيا وإن لم يؤذن له بالدخول وقيل ~~له ارجع فليرجع ويكره له أن يقعد على الباب لقوله عز وجل {وإن قيل لكم ~~ارجعوا فارجعوا} [النور: 28] وفي بعض الأخبار «الاستئذان ثلاث مرات من لم ~~يؤذن له فيهن فليرجع أما الأول فيسمع الحي وأما الثاني فيأخذوا حذرهم وأما # PageV05P124 # الثالث فإن شاءوا أذنوا ms2884 وإن شاءوا ردوا» فإذا استأذن ثلاث مرات ولم يؤذن ~~له ينبغي أن يرجع ولا يقعد على الباب لينتظر لأن للناس حاجات وأشغالا في ~~المنازل فلو قعد على الباب وانتظر لضاق ذرعهم وشغل قلوبهم ولعل لا تلتئم ~~حاجاتهم فكان الرجوع خيرا له من القعود وذلك قوله تعالى {هو أزكى لكم} ~~[النور: 28] هذا إذا كان الدخول للزيارة ونحوها فأما إذا كان الدخول لتغيير ~~المنكر بأن سمع في دار صوت المزامير والمعازف فليدخل عليهم بغير إذنهم لأن ~~تغيير المنكر فرض فلو شرط الإذن لتعذر التغيير والله سبحانه وتعالى أعلم. # وإن كان من محارمه فلا يدخل بغير استئذان أيضا، وإن كان يجوز له النظر ~~إلى مواضع الزينة الظاهرة والباطنة لعموم النص الذي تلونا ولو دخل عليها من ~~غير استئذان فربما كانت مكشوفة العورة فيقع بصره عليها فيكرهان ذلك وهكذا ~~روي «أن رجلا سأل النبي - عليه الصلاة والسلام - وقال أنا أخدم أمي وأفرشها ~~ألا أستأذن عليها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعم فسأله ثلاثا ~~فقال - عليه الصلاة والسلام - يسرك أن تراها عريانة؟ فقال لا قال استأذن ~~عليها» وكذا روي عن حذيفة - رضي الله عنه - أن رجلا سأله فقال أستأذن على ~~أختي؟ فقال - رضي الله عنه - إن لم تستأذن رأيت ما يسوءك إلا أن الأمر في ~~الاستئذان على المحارم أيسر وأسهل لأن المحرم مطلق النظر إلى موضع الزينة ~~منها شرعا هذا الذي ذكرنا حكم الأحرار البالغين. # (وأما) حكم المماليك والصبيان أما المملوك فيدخل في بيت سيده من غير ~~استئذان إلا في ثلاثة أوقات؛ قبل صلاة الفجر وعند الظهر وبعد صلاة العشاء ~~الآخرة لقوله تبارك وتعالى {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم} [النور: 58] إلى قوله تعالى {ليس عليكم ~~ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض} [النور: 58] ولأن هذه ~~أوقات التجرد وظهور العورة في العادة (أما) قبل صلاة الفجر فوقت الخروج من ~~ثياب النوم ووقت الظهيرة وقت وضع الثياب للقيلولة وأما بعد صلاة العشاء ~~فوقت وضع ثياب النهار ms2885 للنوم ولا كذلك بعد هذه الأوقات الثلاث لأن العورات ~~بعدها تكون مستورة عادة. # والعبد والأمة في ذلك سواء وسواء كان المملوك صغيرا أو كبيرا بعد أن كان ~~يعرف العورة من غير العورة لأن هذه أوقات غرة وساعات غفلة فربما يكون على ~~حالة يكره أن يراه أحد عليها وهذا المعنى يستوي فيه الذكر والأنثى والكبير ~~والصغير بعد أن يكون من أهل التمييز ويكون الخطاب في الصغار للسادات ~~بالتعليم والتأديب كما في الآباء مع الأبناء الصغار (وأما) الصبيان فإن كان ~~الصغير ممن لا يميز بين العورة وغيرها فيدخل في الأوقات كلها وإن كان من ~~أهل التمييز بأن قرب من البلوغ يمنعه الأب من الدخول في الأوقات الثلاثة ~~تأديبا وتعليما لأمور الدين كالأمر بالصلاة إذا بلغ سبعا وضربه عليها إذا ~~بلغ عشرا والتفريق بينهم في المضاجع والله عز وجل أعلم هذا إذا كان البيت ~~مسكونا بأن كان له ساكن وأما إذا لم يكن كالخانات والرباطات التي تكون ~~للمارة والخربات التي تقضى فيها حاجة البول والغائط فلا بأس أن يدخله من ~~غير استئذان لقوله سبحانه وتعالى {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير ~~مسكونة فيها متاع لكم} [النور: 29] أي منفعة لكم وهي منفعة دفع الحر والبرد ~~في الخانات والرباطات ومنفعة قضاء الحاجة من البول والغائط في الخربات ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # وروي في الخبر أنه «لما نزلت آية الاستئذان قال سيدنا أبو بكر - رضي الله ~~عنه - يا رسول الله فكيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة وبين المدينة ~~والشام ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله تعالى عز وجل قوله {ليس عليكم جناح أن ~~تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم} [النور: 29] » والله عز وجل الموفق ~~هذا الذي ذكرنا حكم الدخول. # (وأما) حكم ما بعد الدخول وهو الخلوة فإن كان في البيت امرأة أجنبية أو ~~ذات رحم محرم لا يحل للرجل أن يخلو بها لأن فيه خوف الفتنة والوقوع في ~~الحرام وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا يخلون رجل ~~بامرأة فإن ms2886 ثالثهما الشيطان» وإن كانت المرأة ذات رحم محرم منه فلا بأس ~~بالخلوة والأفضل أن لا يفعل لما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما ~~- أنه قال ما خلوت بامرأة قط مخافة أن أدخل في نهي النبي - عليه الصلاة ~~والسلام -. # ويكره للمرأة أن تصل شعر غيرها من بني آدم بشعرها لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «لعن الله الواصلة والمستوصلة» ولأن الآدمي بجميع أجزائه مكرم ~~والانتفاع بالجزء المنفصل منه إهانة له ولهذا كره بيعه ولا بأس بذلك من شعر ~~البهيمة وصوفها لأنه # PageV05P125 # انتفاع بطريق التزين بما يحتمل ذلك ولهذا احتمل الاستعمال في سائر وجوه ~~الانتفاع فكذا في التزين. # ولا بأس للرجل أن يعزل عن أمته بغير إذنها (وأما) المنكوحة فإن كانت حرة ~~يكره له العزل من غير إذنها بالإجماع لأن لها في الولد حقا وفي العزل فوت ~~الولد ولا يجوز تفويت حق الإنسان من غير رضاه فإذا رضيت جاز وإن كانت أمة ~~فلا بد من الإذن أيضا بلا خلاف لكن الكلام في أن الإذن بذلك إلى المولى أم ~~إليها قال أبو حنيفة - رحمه الله - الإذن فيها إلى مولاها وقال أبو يوسف ~~ومحمد رحمهما الله إليها (وجه) قولهما أن لها حقا في قضاء الشهوة والعزل ~~يوجب نقصانا فيه ولا يجوز إبطال حق الإنسان من غير رضاه (وجه) قول أبي ~~حنيفة - رضي الله عنه - أن الكراهة في الحرة لمكان خوف فوت الولد الذي لها ~~فيه حق والحق ههنا في الولد للمولى لا للأمة وقولهما فيه نقصان قضاء الشهوة ~~فنعم لكن حقها في أصل قضاء الشهوة لا في وصف الكمال ألا ترى أن من الرجال ~~من لا ماء له وهو يجامع امرأته من غير إنزال ولا يكون لها حق الخصومة دل أن ~~حقها في أصل قضاء الشهوة لا في وصف الكمال والله سبحانه وتعالى أعلم. # ويكره للرجل أن يقول في دعائه أسألك بحق أنبيائك ورسلك وبحق فلان لأنه لا ~~حق لأحد على الله سبحانه وتعالى جل شأنه وكذا يكره أن يقول في دعائه أسألك ms2887 ~~بمعقد العز من عرشك وروي عن أبي يوسف أنه لا بأس بذلك لورود الحديث وهو ما ~~روي «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول في دعائه اللهم إني ~~أسألك بمعقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وباسمك الأعظم وجدك ~~الأعلى وكلماتك التامة» (وجه) ظاهر الرواية أن ظاهر هذا اللفظ يوهم التشبيه ~~لأن العرش خلق من خلائق الله تبارك وتعالى جل وعلا فاستحال أن يكون عز الله ~~تبارك وتعالى معقودا به وظاهر الخبر الذي هو في حد الآحاد إذا كان موهما ~~للتشبيه فالكف عن العمل به أسلم. # ويكره حمل الخرقة لمسح العرق والامتخاط ترفعا بها وتكبرا لأن التكبر من ~~المخلوق مذموم وكذا هو تشبيه بزي العجم وقال سيدنا عمر - رضي الله عنه - ~~إياكم وزي العجم فأما الحاجة فلا بأس به لأنه لو لم يحمل لاحتاج إلى الأخذ ~~بالكم والذيل وفيه إفساد ثوبه. # ولا بأس بربط الخيط في الأصبع أو الخاتم للحاجة لأن فيه استعانة على قضاء ~~حاجة المسلم بالتذكير ودفع النسيان وأنه أمر مندوب إليه وروي أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أمر بعض الصحابة بذلك. # ويكره استقبال القبلة بالفرج في الخلاء لما روي عن النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - أنه قال «إذا أتيتم الغائط فعظموا قبلة الله تبارك وتعالى فلا ~~تستقبلوها ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا» وهذا بالمدينة. # (وأما) الاستدبار فعن أبي حنيفة - رضي الله عنه - فيه روايتان في رواية ~~يكره وفي رواية لا يكره لما روى عبد الله ابن سيدنا عمر - رضي الله تعالى ~~عنهما - أنه «رأى النبي - عليه الصلاة والسلام - مستقبل الشام مستدبر ~~القبلة» ولأن فرجه لا يوازي القبلة حالة الاستدبار وإنما يوازي الأرض بخلاف ~~حالة الاستقبال هذا إذا كان في الفضاء فإن كان في البيوت فكذلك عندنا وعند ~~الشافعي عليه الرحمة لا بأس بالاستقبال في البيوت واحتج بما روى عبد الله ~~ابن سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنهما - سئل عن ذلك فقال إنما ذلك في ~~الفضاء # (ولنا) ما روينا من حديث رسول ms2888 الله - صلى الله عليه وسلم - مطلقا من غير ~~فصل بين الفضاء والبيوت والعمل بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى ~~من العمل بقول الصحابي ولأن الفارق بين الفضاء وبين البيوت إن كان وجود ~~الحائل من الجدار ونحوه فقد وجد الحائل في الفضاء وهو الجبال وغيرها ولم ~~يمنع الكراهة فكذا هذا. # ويكره أن تكون قبلة المسجد إلى متوضأ أو مخرج أو حمام لأن فيه ترك تعظيم ~~المسجد وأما مسجد البيت وهو الموضع الذي عينه صاحب البيت للصلاة فلا بأس ~~بذلك لأنه ليس بمسجد حقيقة فلا يكون له حكم المسجد. # وتكره التصاوير في البيوت لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن سيدنا جبريل - عليه الصلاة والسلام - أنه قال «لا ندخل بيتا فيه كلب أو ~~صورة» ولأن إمساكها تشبه بعبدة الأوثان إلا إذا كانت على البسط أو الوسائد ~~الصغار التي تلقى على الأرض ليجلس عليها فلا تكره لأن دوسها بالأرجل إهانة ~~لها فإمساكها في موضع الإهانة لا يكون تشبها بعبدة الأصنام إلا أن يسجد ~~عليها فيكره لحصول معنى التشبه ويكره على الستور وعلى الأزر المضروبة على ~~الحائط وعلى الوسائد الكبار وعلى السقف لما فيه من تعظيمها # PageV05P126 # ولو لم يكن لها رأس فلا بأس لأنها لا تكون صورة بل تكون نقشا فإن قطع ~~رأسه بأن خاط على عنقه خيطا فذاك ليس بشيء لأنها لم تخرج عن كونها صورة بل ~~ازدادت حلية كالطوق لذوات الأطواق من الطيور ثم المكروه صورة ذي الروح فأما ~~صورة ما لا روح له من الأشجار والقناديل ونحوها فلا بأس به. # ويكره التعشير والنقط في المصحف لقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهما ~~- جردوا مصاحفكم وذلك في ترك التعشير والنقط ولأن ذلك يؤدي إلى الخلل في ~~تحفظ القرآن لأنه يتكل عليه فلا يجتهد في التحفظ بل يتكاسل لكن قيل هذا في ~~بلادهم فأما في بلاد العجم فلا يكره لأن العجم لا يقدرون على تعلم القرآن ~~بدونه ولهذا جرى التعارف به في عامة البلاد من غير نكير ms2889 فكان مسنونا لا ~~مكروها. # ولا بأس بنقش المسجد بالجص والساج وماء الذهب لأن تزيين المسجد من باب ~~تعظيمه لكن مع هذا تركه أفضل لأن صرف المال إلى الفقراء أولى وإليه أشار ~~عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنهما - حين رأى مالا ينقل إلى المسجد الحرام ~~فقال المساكين أحوج من الأساطين وكان لمسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- جريد النخل وهذا إذا نقش من مال نفسه فأما من مال المسجد فلا ينبغي أن ~~يفعل ولو فعل القيم من مال المسجد قيل إنه يضمن. # ولا يعق عن الغلام والجارية عندنا وعند الشافعي - رحمه الله - العقيقة ~~سنة واحتج بما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عق عن سيدنا الحسن ~~وسيدنا الحسين - رضي الله عنهما - كبشا كبشا» . # (ولنا) ما روي عن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «نسخت ~~الأضحية كل دم كان قبلها ونسخ صوم رمضان كل صوم كان قبله ونسخت الزكاة كل ~~صدقة كانت قبلها» والعقيقة كانت قبل الأضحية فصارت منسوخة بها كالعتيرة ~~والعقيقة ما كانت قبلها فرضا بل كانت فضلا وليس بعد نسخ الفضل إلا الكراهة ~~بخلاف صوم عاشوراء وبعض الصدقات المنسوخة حيث لا يكره التنفل بها بعد النسخ ~~لأن ذلك كان فرضا وانتساخ الفرضية لا يخرجه عن كونه قربة في نفسه والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # ويكره للرجل أن يجعل الراية في عنق عبده ولا بأس بأن يقيده أما الراية ~~وهي الغل فلأنه شيء أحدثته الجبابرة وقد قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» فأما التقييد ~~فليس بمحدث بل كان يستعمله الصحابة الكرام - رضي الله تعالى عنهم - روي أن ~~عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قيد عبدا له يعلمه تأويل القرآن وبه ~~جرت العادة في سائر الأعصار من غير نكير فيكون إجماعا ولأن ضرب الراية على ~~العبد لإبقاء التمكن من الانتفاع مع الأمن عن الإباق إلا أن لا يحصل ~~بالراية لأن كل أحد إذا رآه ms2890 يمشي مع الراية يظنه آبقا فيصرفه عن وجهه ويرده ~~إلى مولاه فلا يمكنه الانتفاع به فلم يكن ضرب الراية عليه مفيدا. # ولا بأس بالحقنة لأنها من باب التداوي وأنه أمر مندوب إليه قال النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - «تداووا فإن الله تعالى لم يخلق داء إلا وقد خلق له ~~دواء إلا السام والهرم» . # ويكره اللعب بالنرد والشطرنج والأربعة عشر وهي لعب تستعمله اليهود لأنه ~~قمار أو لعب وكل ذلك حرام (أما) القمار فلقوله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا ~~إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس} [المائدة: 90] وهو القمار كذا ~~روى ابن عباس وابن سيدنا عمر - رضي الله عنهم - وروي عن مجاهد وسعيد بن ~~جبير والشعبي وغيرهم - رضي الله عنهم - أنهم قالوا الميسر القمار كله حتى ~~الجوز الذي يلعب به الصبيان وعن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال ~~الشطرنج ميسر الأعاجم وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «ما ألهاكم ~~عن ذكر الله فهو ميسر» (وأما) اللعب فلقوله - عليه الصلاة والسلام - «كل ~~لعب حرام إلا ملاعبة الرجل امرأته وقوسه وفرسه» وقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «ما أنا من دد ولا دد مني» وحكي عن الشافعي - رحمه الله - أنه ~~رخص في اللعب بالشطرنج وقال لأن فيه تشحيذ الخاطر وتذكية الفهم والعلم ~~بتدابير الحرب ومكايده فكان من باب الأدب فأشبه الرماية والفروسية وبهذا لا ~~يخرج عن كونه قمارا ولعبا وكل ذلك حرام لما ذكرنا وكره أبو يوسف التسليم ~~على اللاعبين بالشطرنج تحقيرا لهم لزجرهم عن ذلك ولم يكرهه أبو حنيفة - رضي ~~الله عنه - لأن ذلك يشغلهم عما هم فيه فكان التسليم بعض ما يمنعهم عن ذلك ~~فلا يكره. # ولا بأس بعيادة اليهود والنصارى لما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عاد يهوديا فقال له قل لا إله إلا الله محمد رسول الله فنظر إلى ~~أبيه # PageV05P127 # فقال له أبوه أجب محمدا فأسلم ثم مات فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الحمد لله الذي أنقذ بي نسمة من النار» ولأن عيادة الجار ms2891 قضاء حق ~~الجوار وأنه مندوب إليه قال الله تبارك وتعالى {والجار الجنب} [النساء: 36] ~~من غير فصل مع ما في العيادة من الدعوة إلى الإيمان رجاء الإيمان فكيف يكون ~~مكروها؟ . # ويكره الابتداء بالتسليم على اليهودي والنصراني لأن السلام اسم لكل بر ~~وخير ولا يجوز مثل هذا الدعاء للكافر إلا أنه إذا سلم لا بأس بالرد عليه ~~مجازاة له ولكن لا يزيد على قوله وعليك لما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال «إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول السام ~~عليكم فقولوا وعليك» . # ولا بأس بدخول أهل الذمة المساجد عندنا وقال مالك - رحمه الله - والشافعي ~~لا يحل لهم دخول المسجد الحرام احتج مالك - رحمه الله - بقوله عز وجل {إنما ~~المشركون نجس} [التوبة: 28] وتنزيه المسجد عن النجس واجب يحققه أنه يجب ~~تنزيه المسجد عن بعض الطاهرات كالنخامة ونحوها قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - «إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة من النار» فعن ~~النجاسة أولى واحتج الشافعي - رحمه الله - بقوله جل وعلا {فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28] خص المسجد الحرام بالنهي عن ~~قربانه فيدل على اختصاص حرمة الدخول به ليكون التخصيص مفيدا. # (ولنا) أن المشركين من وفود العرب وغيرهم كانوا يدخلون المسجد على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه روي أن أبا سفيان دخل المسجد عام ~~الحديبية وكذا وفد ثقيف دخلوا المسجد «وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يوم فتح مكة من دخل المسجد فهو آمن» جعل - عليه الصلاة والسلام - المسجد ~~مأمنا ودعاهم إلى دخوله وما كان - عليه الصلاة والسلام - ليدعو إلى الحرام ~~(وأما) الآية الكريمة فالمراد أنهم نجس الاعتقاد والأفعال لا نجس الأعيان ~~إذ لا نجاسة على أعيانهم حقيقة وقوله عز وجل {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا} [التوبة: 28] نهي عن دخول مكة للحج لا عن دخول المسجد الحرام ~~نفسه لقوله تعالى {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} ~~[التوبة: 28] . # ومعلوم أن خوف العيلة إنما ms2892 يتحقق بمنعهم عن دخول مكة لا عن دخول المسجد ~~الحرام نفسه لأنهم إذا دخلوا مكة ولم يدخلوا المسجد الحرام لا يتحقق خوف ~~العيلة ولما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث سيدنا عليا - ~~رضي الله عنه - ينادي ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك» فثبت أن هذا نهي عن ~~دخول مكة للحج إلا أنه سبحانه وتعالى ذكر المسجد الحرام لما أن المقصد من ~~إتيان مكة البيت والبيت في المسجد والله سبحانه وتعالى أعلم. # ومسلم باع خمرا وأخذ ثمنها وعليه دين يكره لصاحب الدين أن يأخذه منه ولو ~~كان البائع نصرانيا فلا بأس بأخذه (ووجه) الفرق أن بيع الخمر من المسلم ~~باطل لأنها ليست بمتقومة في حق المسلم فلا يملك ثمنها فبقي على حكم ملك ~~المشتري فلا يصح قضاء الدين به وإن كان البائع نصرانيا فالبيع صحيح لكونها ~~مالا متقوما في حقه فملك ثمنها فصح قضاء الدين منه والله عز وجل أعلم. # رجل دعي إلى وليمة أو طعام وهناك لعب أو غناء جملة الكلام فيه أن هذا في ~~الأصل لا يخلو من أحد وجهين إما أن يكون عالما أن هناك ذاك وإما إن لم يكن ~~عالما به فإن كان عالما فإن كان من غالب رأيه أنه يمكنه التغيير يجيب لأن ~~إجابة الدعوى مسنونة قال النبي - عليه الصلاة والسلام - «إذا دعي أحدكم إلى ~~وليمة فليأتها» وتغيير المنكر مفروض فكان في الإجابة إقامة الفرض ومراعاة ~~السنة وإن كان في غالب رأيه أنه لا يمكنه التغيير لا بأس بالإجابة لما ~~ذكرنا أن إجابة الدعوة مسنونة ولا تترك السنة لمعصية توجد من الغير ألا ترى ~~أنه لا يترك تشييع الجنازة وشهود المأتم وإن كان هناك معصية من النياحة وشق ~~الجيوب ونحو ذلك؟ كذا ههنا. # وقيل هذا إذا كان المدعو إماما يقتدى به بحيث يحترم ويحتشم منه فإن لم ~~يكن فترك الإجابة والقعود عنها أولى وإن لم يكن عالما حتى ذهب فوجد هناك ~~لعبا أو غناء فإن أمكنه التغيير غير وإن لم يمكنه ذكر ms2893 في الكتاب وقال لا ~~بأس بأن يقعد ويأكل قال أبو حنيفة - رضي الله عنه - ابتليت بهذا مرة لما ~~ذكرنا أن إجابة الدعوة أمر مندوب إليه فلا يترك لأجل معصية توجد من الغير ~~هذا إذا لم يعلم به حتى دخل فإن علمه قبل الدخول يرجع ولا يدخل وقيل هذا ~~إذا لم يكن إماما يقتدى به فإن كان لا يمكث بل يخرج لأن في المكث استخفافا ~~بالعلم والدين وتجرئة لأهل الفسق على الفسق وهذا لا يجوز وصبر أبي حنيفة - ~~رحمه الله - محمول على وقت لم يصر فيه مقتدى به على الإطلاق ولو صار لما ~~صبر ودلت المسألة على أن مجرد الغناء # PageV05P128 # معصية وكذا الاستماع إليه وكذا ضرب القصب والاستماع إليه ألا ترى أن أبا ~~حنيفة - رضي الله عنه - سماه ابتلاء. # ويكره الاحتكار والكلام في الاحتكار في موضعين أحدهما في تفسير الاحتكار ~~وما يصير به الشخص محتكرا والثاني في بيان حكم الاحتكار. # (أما) الأول فهو أن يشتري طعاما في مصر ويمتنع عن بيعه وذلك يضر بالناس ~~وكذلك لو اشتراه من مكان قريب يحمل طعامه إلى المصر وذلك المصر صغير وهذا ~~يضر به يكون محتكرا وإن كان مصرا كبيرا لا يضر به لا يكون محتكرا ولو جلب ~~إلى مصر طعاما من مكان بعيد وحبسه لا يكون احتكارا. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه يكون احتكارا لأن كراهة الاحتكار ~~بالشراء في المصر والامتناع عن البيع لمكان الإضرار بالعامة وقد وجد ههنا ~~ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - قول النبي - عليه الصلاة والسلام - «الجالب ~~مرزوق» وهذا جالب ولأن حرمة الاحتكار بحبس المشترى في المصر لتعلق حق ~~العامة به فيصير ظالما بمنع حقهم على ما نذكر ولم يوجد ذلك في المشتري خارج ~~المصر من مكان بعيد لأنه متى اشتراه ولم يتعلق به حق أهل المصر فلا يتحقق ~~الظلم ولكن مع هذا الأفضل له أن لا يفعل ويبيع لأن في الحبس ضررا بالمسلمين ~~وكذلك ما حصل له من ضياعه بأن زرع أرضه فأمسك طعامه فليس ذلك باحتكار لأنه ms2894 ~~لم يتعلق به حق أهل المصر لكن الأفضل أن لا يفعل ويبيع لما قلنا ثم ~~الاحتكار يجري في كل ما يضر بالعامة عند أبي يوسف - رحمه الله - قوتا كان ~~أو لا وعند محمد - رحمه الله - لا يجري الاحتكار إلا في قوت الناس وعلف ~~الدواب من الحنطة والشعير والتبن والقت. # (وجه) قول محمد - رحمه الله - أن الضرر في الأعم الأغلب إنما يلحق العامة ~~بحبس القوت والعلف فلا يتحقق الاحتكار إلا به (وجه) قول أبي يوسف - رحمه ~~الله - إن الكراهة لمكان الإضرار بالعامة وهذا لا يختص بالقوت والعلف ~~(وأما) حكم الاحتكار فنقول يتعلق بالاحتكار أحكام (منها) الحرمة لما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «المحتكر ملعون والجالب مرزوق» ~~ولا يلحق اللعن إلا بمباشرة المحرم وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه ~~قال «من احتكر طعاما أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه» ومثل هذا ~~الوعيد لا يلحق إلا بارتكاب الحرام ولأن الاحتكار من باب الظلم لأن ما بيع ~~في المصر فقد تعلق به حق العامة فإذا امتنع المشتري عن بيعه عند شدة حاجتهم ~~إليه فقد منعهم حقهم ومنع الحق عن المستحق ظلم وأنه حرام وقليل مدة الحبس ~~وكثيرها سواء في حق الحرمة لتحقق الظلم. # (ومنها) أن يؤمر المحتكر بالبيع إزالة للظلم لكن إنما يؤمر ببيع ما فضل ~~عن قوته وقوت أهله فإن لم يفعل وأصر على الاحتكار ورفع إلى الإمام مرة أخرى ~~وهو مصر عليه فإن الإمام يعظه ويهدده فإن لم يفعل ورفع إليه مرة ثالثة ~~يحبسه ويعزره زجرا له عن سوء صنعه ولا يجبر على البيع وقال محمد يجبر عليه ~~وهذا يرجع إلى مسألة الحجر على الحر لأن الجبر على البيع في معنى الحجر ~~وكذا لا يسعر لقوله عز وجل {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] وقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه» وروي «أن السعر علا في ~~المدينة ms2895 وطلبوا التسعير من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يسعر وقال ~~إن الله تبارك وتعالى هو المسعر القابض الباسط» . # (ومنها) أنه إذا خاف الإمام الهلاك على أهل المصر أخذ الطعام من ~~المحتكرين وفرقه عليهم فإذا وجدوا ردوا عليهم مثله لأنهم اضطروا إليه ومن ~~اضطر إلى مال الغير في مخمصة كان له أن يتناوله بالضمان لقوله تعالى {فمن ~~اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} [المائدة: 3] . # وكذا يكره تلقي الركبان إذا كان يضر بأهل المصر لما روي أن النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - نهى عن تلقي الركبان ولأن فيه إضرارا بالعامة فيكره كما ~~يكره الاحتكار. # ويكره خرق الزق الذي فيه خمر لمسلم عند أبي حنيفة - رحمه الله - ولو خرق ~~يضمن وعند أبي يوسف ومحمد لا يكره ولا يضمن وعلى هذا الخلاف كسر آلات ~~الملاهي من البربط والعود والزمارة ونحوها والمسألة تعرف في كتاب البيوع ~~رجل ابتلع درة رجل فمات المبتلع فإن ترك مالا كانت قيمة الدرة في تركته وإن ~~لم يترك مالا لا يشق بطنه لأن الشق حرام وحرمة النفس أعظم من حرمة المال ~~وعليه قيمة الدرة لأنه استهلكها وهي ليست من ذوات الأمثال فكانت مضمونة ~~بالقيمة فإن ظهر له مال في الدنيا قضى منه وإلا فهو # PageV05P129 # مأخوذ به في الآخرة. # حامل ماتت فاضطرب في بطنها ولد فإن كان في أكبر الرأي أنه حي يشق بطنها ~~لأنا ابتلينا ببليتين فنختار أهونهما وشق بطن الأم الميتة أهون من إهلاك ~~الولد الحي. # رجل له ورثة صغار فأراد أن يوصي نظر في ذلك فإن كان أكبر رأيه أنه تقع ~~الكفاية لهم بما سوى ثلث الوصية من المتروك فالوصية بالثلث أفضل لأن فيه ~~رعاية الجانبين وإن كان أكبر رأيه أنه لا تقع الكفاية لهم إلا بكل المتروك ~~فالمتروك لهم أفضل من الوصية لما روي «أن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - ~~سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال بكم يوصي الرجل من ماله؟ فقال - ~~عليه الصلاة والسلام - بالثلث والثلث كثير ms2896 لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من ~~أن تدعهم عالة يتكففون الناس» . # رجل رأى رجلا قتل أباه وادعى القاتل أنه قتله بقصاص أو ردة ولم يعلم ~~الابن من ذلك شيئا وسع الابن أن يقتله لأنه عاين السبب الموجب للقصاص في ~~الأصل وهو القتل العمد لقوله - عليه الصلاة والسلام - «العمد قود إلا أن ~~يعفى أو يفادى» والقاتل يدعي أمرا عارضا فلا يسمع إلا بحجة وكذلك إذا أقر ~~بالقتل في السر ثم ادعى أنه قتله بقصاص أو بردة كان الابن في سعة من قتله ~~لأن الإقرار بالقتل العمد إقرار بالسبب الموجب للقصاص في الأصل على ما بينا ~~ولو لم يعاين القتل ولا أقر به عنده ولكن شهد عنده شاهدان عدلان على معاينة ~~القتل أو على الإقرار به لم يسعه قتله حتى يقضي القاضي بشهادتهما فرقا بين ~~الإقرار وبين الشهادة. # ووجه الفرق بينهما ظاهر لأن الشهادة ليست بحجة بنفسها بل بقضاء القاضي ~~لما فيها من تهمة جر النفع فلا تندفع التهمة إلا بقضاء القاضي (فأما) ~~الإقرار فحجة بنفسه إذ الإنسان غير متهم في الإقرار على نفسه فهو الفرق ~~وكذلك يحل لمن عاين القتل أو سمع إقراره به أن يعين الولي على قتله لأنه ~~إعانة لصاحب الحق على استيفاء حقه ظاهرا ولو شهد عند الابن اثنان بما يدعيه ~~القاتل مما يحل دمه من القتل والردة فإن كانا ممن يقضي القاضي بشهادتهما لو ~~شهدا عنده لا ينبغي للابن أن يعجل بالقتل لجواز أن يتصل القضاء بشهادتهما ~~فيتبين أنه قتله بغير حق والامتناع عن المباح أولى من ارتكاب المحظور. # وإن كانا ممن لا يقضي القاضي بشهادتهما لو شهدا عنده كالمحدودين في القذف ~~والنساء وحدهن كان في سعة من قتله لما ذكرنا أن الشهادة ليست بحجة بنفسها ~~بل بقضاء القاضي فإن كانت ممن لا يتصل بها القضاء كان وجودها وعدمها بمنزلة ~~واحدة ولكن مع هذا إن توقف في ذلك فهو أفضل لاحتمال اتصال القضاء به في ~~الجملة أو لاحتمال أن يكون صدقا حقيقة عند الله عز وجل ms2897 ولو شهد عنده رجل ~~واحد عدل غير محدود في القذف ينبغي أن يتوقف في القتل لجواز أن ينضم إليه ~~شاهد آخر ولهذا لو شهد عند القاضي لتوقف أيضا فكان الانتظار أفضل ولو لم ~~ينتظر واستعجل في قتله كان في سعة منه لأن الموجود أحد شطري الشهادة وأنه ~~لا يعتبر بدون الشطر الآخر. # ولو عاين الوارث رجلا أخذ مالا من أبيه أو أقر عنده أنه أخذ مالا من أبيه ~~وادعى أنه كان وديعة له عند أبيه أو كان دينا له عليه اقتضاه منه وسعه أن ~~يأخذه منه لأنه لما عاين أخذ المال منه فقد عاين السبب الموجب للضمان في ~~الأصل وهو الأخذ لأن الأخذ في الأصل سبب لوجوب ضمان المأخوذ وهو رد عينه إن ~~كان قائما ورد بدله إن كان هالكا لقوله - عليه الصلاة والسلام - «على اليد ~~ما أخذت حتى ترده» ودعوى الإيداع والدين أمر عارض فلا يسمع إلا بحجة وله أن ~~يأخذ منه ولو امتنع عن الدفع يقاتله عليه لقوله - عليه الصلاة والسلام - ~~«قاتل دون مالك» وكذا إذا أقر بذلك لأنه أقر بالسبب الموجب للضمان على ما ~~بينا فله أن يأخذ منه وكذلك يسع لمن عاين ذلك أو سمع إقراره أن يعينه على ~~الأخذ منه لكونه إعانة على استيفاء الحق ظاهرا ولو لم يعاين ذلك ولا أقر به ~~عنده ولكن شهد شاهدان عدلان عنده أن هذا الشيء الذي في يد فلان ملك ورثته ~~عن أبيك لا يسعه أخذه منه حتى يقضي القاضي بخلاف الإقرار وقد مر الفرق ~~بينهما في فصل القتل والله عز وجل أعلم. # (وأما) . # الذي ثبت حرمته في حق الرجال دون النساء فثلاثة أنواع منها لبس الحرير ~~المصمت من الديباج والقز لما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج ~~وبإحدى يديه حرير وبالأخرى ذهب فقال هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإناثها» ~~وروي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى سيدنا عمر - رضي الله ~~تعالى عنه - حلة فقال يا رسول الله كسوتني حلة # PageV05P130 # وقد قلت ms2898 في حلة عطارد إنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إني لم أكسكها لتلبسها وفي رواية إنما أعطيتك لتكسو ~~بعض نسائك» فإن قيل أليس روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج ~~وعليه قباء من ديباج؟» قيل نعم ثم نسخ لما روي عن أنس - رضي الله عنه - أنه ~~قال «لبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جبة حريرا أهداها له أكيدر دومة ~~وذلك قبل أن ينهي عنه» كذا قال أنس وهذا في غير حال الحرب. # (وأما) في حال الحرب فكذلك عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا يكره ~~لبس الحرير في حال الحرب وجه قولهما أن في لبس الحرير في حال الحرب ضرورة ~~لأنه يحتاج إلى دفع ضرر السلاح عنه والحرير أدفع له وأهيب للعدو وأيضا فرخص ~~للضرورة ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - إطلاق التحريم الذي روينا من غير فصل ~~بين حال الحرب وغيرها. # وما ذكراه من الضرورة يندفع بلبس ما لحمته حرير وسداه غير حرير لأن دفع ~~ضرر السلاح وتهيب العدو يحصل به فلا ضرورة إلى لبس الحرير الخالص فلا تسقط ~~الحرمة من غير ضرورة ولا فرق بين الكبير والصغير في الحرمة بعد أن كان ذكرا ~~لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - أدار هذا الحكم على الذكورة بقوله - ~~عليه الصلاة والسلام - «هذان حرامان على ذكور أمتي» إلا أن اللابس إذا كان ~~صغيرا فالإثم على من ألبسه لا عليه لأنه ليس من أهل التحريم عليه كما إذا ~~سقي خمرا فشربها كان الإثم على الساقي لا عليه كذا ههنا هذا إذا كان كله ~~حريرا وهو المصمت فإن كانت لحمته حريرا وسداه غير حرير لا يكره لبسه في حال ~~الحرب بالإجماع لما ذكرنا من ضرورة دفع مضرة السلاح وتهيب العدو فأما في ~~غير حال الحرب فمكروه لانعدام الضرورة وإن كان سداه حريرا ولحمته غير حرير ~~لا يكره في حال الحرب وغيرها وههنا نكتتان إحداهما أن الثوب يصير ثوبا ~~للحمة لأنه إنما يصير ثوبا ms2899 بالنسج. # والنسج تركيب اللحمة بالسدى فكانت اللحمة كالوصف الأخير فيضاف الحكم إليه ~~وهذه النكتة تقتضي إباحة لبس الثياب العتابي والنكتة الثانية وهي نكتة ~~الشيخ أبي منصور أن السدى إذا كان حريرا واللحمة غير حرير يصير السدى ~~مستورا باللحمة فأشبه الحشو وهذه النكتة تقتضي أن لا يباح لبس العتابي لأن ~~سداه ظاهر غير مستور والصحيح هو النكتة الأولى لأن رواية الإباحة في لبس ~~مطلق ثوب سداه حرير ولحمته غير حرير منصوصة فتجري على إطلاقها فلا تناسبها ~~إلا النكتة الأولى ولو جعل حشو القباء حريرا أو قزا لا يكره لأنه مستور ~~بالظهارة فلم يحصل معنى التزين والتنعم ألا يرى أن لابس هذا الثوب لا يسمى ~~لابس الحرير والقز ولو جعل الحرير بطانة يكره لأنه لابس الحرير حقيقة وكذا ~~معنى التنعم حاصل للتزين بالحرير ولطفه. # هذا إذا كان الحرير كثيرا فإن كان قليلا كأعلام الثياب والعمائم قدر ~~أربعة أصابع فما دونها لا يكره وكذا العلم المنسوج بالذهب لأنه تابع ~~والعبرة للمتبوع ألا ترى أن لابسه لا يسمى لابس الحرير والذهب وكذا جرت ~~العادة بتعمم العمائم ولبس الثياب المعلمة بهذا القدر في سائر الأعصار من ~~غير نكير فيكون إجماعا وكذا الثوب والقلنسوة الذي جعل على أطرافها حرير لا ~~يكره إذا كان قدر أربعة أصابع فما دونها لما قلنا. # وروي «أن النبي - عليه الصلاة والسلام - لبس فروة وعلى أطرافها حرير» وعن ~~محمد أنه لا يسع ذلك في القلنسوة وإن كان أقل من أربعة أصابع وإنما رخص أبو ~~حنيفة - رضي الله عنه - إذا كان في عرض الثوب وذكر في نوادر هشام عن محمد - ~~رحمه الله - أنه يكره تكة الديباج والإبريسم لأنه استعمال الحرير مقصودا لا ~~بطريق التبعية فيكره وإن قل بخلاف العلم ونحوه هذا الذي ذكرنا حكم لبس ~~الحرير. # (فأما) حكم التوسد به والجلوس والنوم عليه فغير مكروه عند أبي حنيفة عليه ~~الرحمة وعند أبي يوسف ومحمد مكروه (لهما) إطلاق التحريم الذي روينا من غير ~~فصل بين اللبس وغيره ولأن معنى التزين والتنعم كما يحصل باللبس ms2900 يحصل ~~بالتوسد والجلوس والنوم ولأبي حنيفة ما روي أنه كان على بساط عبد الله بن ~~عباس - رضي الله عنهما - مرفقة من حرير وروي أن أنسا - رضي الله عنه - حضر ~~وليمة فجلس على وسادة حرير عليها طيور فدل فعله - رضي الله عنه - على رخصة ~~الجلوس على الحرير وعلى الوسادة الصغيرة التي عليها صورة وبه تبين أن ~~المراد من التحريم في الحديث تحريم اللبس فيكون فعل الصحابي مبينا لقول ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - لا مخالفا له والقياس باللبس غير # PageV05P131 # سديد لأن التزين بهذه الجهات دون التزين باللبس لأنه استعمال فيه إهانة ~~المستعمل بخلاف اللبس فيبطل الاستدلال به. # (وأما) المرأة فيحل لها لبس الحرير المصمت والديباج والقز لأن النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - أحل هذا للإناث بقوله - عليه الصلاة والسلام - «حل ~~لإناثها» . # (ومنها) الذهب لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - جمع بين الذهب وبين ~~الحرير في التحريم على الذكور بقوله - عليه الصلاة والسلام - «هذان حرامان ~~على ذكور أمتي» فيكره للرجل التزين بالذهب كالتختم ونحوه ولا يكره للمرأة ~~لقوله - عليه الصلاة والسلام - «حل لإناثها» وروي عن «النعمان بن بشير - ~~رضي الله عنه - أنه قال اتخذت خاتما من ذهب فدخلت على سيدنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال مالك اتخذت حلي أهل الجنة قبل أن تدخلها؟ فرميت ~~ذلك واتخذت خاتما من حديد فدخلت عليه فقال مالك اتخذت حلي أهل النار؟ ~~فاتخذت خاتما من نحاس فدخلت عليه فقال إني أجد منك ريح الأصنام فقلت كيف ~~أصنع يا رسول الله؟ فقال - عليه الصلاة والسلام - اتخذه من الورق ولا تزد ~~على المثقال» . # والأصل أن استعمال الذهب فيما يرجع إلى التزين مكروه في حق الرجل دون ~~المرأة لما قلنا واستعماله فيما ترجع منفعته إلى البدن مكروه في حق الرجل ~~والمرأة جميعا حتى يكره الأكل والشرب والأدهان والتطيب من مجامر الذهب ~~للرجل والمرأة لقول النبي - عليه الصلاة والسلام - «إن الذي يشرب من آنية ~~الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» ومعلوم أن الذهب أشد حرمة من الفضة ألا ~~يرى أنه رخص ms2901 - عليه الصلاة والسلام - التختم بالفضة للرجال ولا رخصة في ~~الذهب أصلا فكان النص الوارد في الفضة واردا في الذهب دلالة من طريق الأولى ~~كتحريم التأفيف مع تحريم الضرب والشتم وكذلك الاكتحال بمكحلة الذهب أو بميل ~~من ذهب مكروه للرجل والمرأة جميعا لأن منفعته عائدة إلى البدن فأشبه الأكل ~~والشرب. # (وأما) الإناء المضبب بالذهب فلا بأس بالأكل والشرب فيه عند أبي حنيفة - ~~رضي الله عنه - وهو قول محمد ذكره في الموطإ وعند أبي يوسف يكره (وجه) قول ~~أبي يوسف أن استعمال الذهب حرام بالنص وقد حصل باستعمال الإناء فيكره (وجه) ~~قولهما أن هذا القدر من الذهب الذي عليه هو تابع له والعبرة للمتبوع دون ~~التابع كالثوب المعلم والجبة المكفوفة بالحرير وعلى هذا الخلاف الجلوس على ~~السرير المضبب والكرسي والسرج واللجام والركاب والثفر المضببة وكذا المصحف ~~المضبب على هذا الخلاف وكذا حلقة المرأة إذا كانت من الذهب ولبس ثوب فيه ~~كتابة بذهب على هذا الاختلاف. # (وأما) السيف المضبب والسكين فلا بأس به بالإجماع وكذلك المنطقة المضببة ~~لورود الآثار بالرخصة بذلك في السلاح ولا بأس بشد الفص بمسمار الذهب لأنه ~~تبع للفص والعبرة للأصل دون التبع كالعلم للثوب ونحوه. # (وأما) شد السن المتحرك بالذهب فقد ذكر الكرخي - رحمه الله - أنه يجوز ~~ولم يذكر خلافا وذكر في الجامع الصغير أنه يكره عند أبي حنيفة وعند محمد ~~رحمهما الله لا يكره ولو شدها بالفضة لا يكره بالإجماع وكذا لو جدع أنفه ~~فاتخذ أنفا من ذهب لا يكره بالاتفاق لأن الأنف ينتن بالفضة فلا بد من ~~اتخاذه من ذهب فكان فيه ضرورة فسقط اعتبار حرمته. # وقد روي «أن عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن فأمره ~~سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتخذ أنفا من ذهب» وبهذا الحديث ~~يحتج محمد على ما ذكر في الجامع لجواز تضبيب السن بالذهب ولأنه يباح له أن ~~يشده بالفضة فكذا بالذهب لأنهما في حرمة الاستعمال على السواء ولأنه تبع ~~للسن والتبع حكمه حكم الأصل وهذا ms2902 يوافق أصل أبي حنيفة - رضي الله عنه - ~~وحجة ما ذكر أبو حنيفة - رضي الله عنه - في الجامع إطلاق التحريم من غير ~~فصل ولا يرخص مباشرة المحرم إلا لضرورة وهي تندفع بالأدنى وهو الفضة فبقي ~~الذهب على أصل التحريم والاستدلال بالفضة غير سديد لتفاوت بين الحرمتين على ~~ما مر. # ولو سقط سنه يكره أن يأخذ سن ميت فيشدها مكان الأولى بالإجماع وكذا يكره ~~أن يعيد تلك السن الساقطة مكانها عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ولكن ~~يأخذ سن شاة ذكية فيشدها مكانها وقال أبو يوسف - رحمه الله - لا بأس بسنه ~~ويكره سن غيره قال ولا يشبه سنه سن ميت استحسن ذلك وبينهما عندي فصل ولكن ~~لم يحضرني (ووجه) الفصل له من وجهين أحدهما أن سن نفسه جزء منفصل للحال عنه ~~لكنه يحتمل أن يصير متصلا في الثاني بأن يلتئم فيشتد # PageV05P132 # بنفسه فيعود إلى حالته الأولى وإعادة جزء منفصل إلى مكانه ليلتئم جائز ~~كما إذا قطع شيء من عضوه فأعاده إلى مكانه فأما سن غيره فلا يحتمل ذلك. # والثاني أن استعمال جزء منفصل عن غيره من بني آدم إهانة بذلك الغير ~~والآدمي بجميع أجزائه مكرم ولا إهانة في استعمال جزء نفسه في الإعادة إلى ~~مكانه (وجه) قولهما أن السن من الآدمي جزء منه فإذا انفصل استحق الدفن كله ~~والإعادة صرف له عن جهة الاستحقاق فلا تجوز وهذا لا يوجب الفصل بين سنه وسن ~~غيره. # (ومنها) الفضة لأن النص الوارد بتحريم الذهب على الرجال يكون واردا ~~بتحريم الفضة دلالة فيكره للرجال استعمالها في جميع ما يكره استعمال الذهب ~~فيه إلا التختم به إذا ضرب على صيغة ما يلبسه الرجال ولا يزيد على المثقال ~~لما روينا من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - وكذا المنطقة وحلية ~~السيف والسكين من الفضة لما مر وما لا يكره استعمال الذهب فيه لا يكره ~~استعمال الفضة من طريق الأولى لأنها أخف حرمة من الذهب وقد ذكرنا جميع ذلك ~~على الاتفاق والاختلاف فلا نعيده. # (وأما) التختم بما سوى ms2903 الذهب والفضة من الحديد والنحاس والصفر فمكروه ~~للرجال والنساء جميعا لأنه زي أهل النار لما روينا من الحديث. # (وأما) الأواني المموهة بماء الذهب والفضة الذي لا يخلص منه شيء فلا بأس ~~بالانتفاع بها في الأكل والشرب وغير ذلك بالإجماع وكذا لا بأس بالانتفاع ~~بالسرج والركاب والسلاح والسرير والسقف المموه لأن التمويه ليس بشيء ألا ~~يرى أنه لا يخلص؟ والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ### | [كتاب البيوع] ### | [بيان ركن البيع] # (كتاب البيوع) # الكلام في هذا الكتاب في الأصل في مواضع في بيان ركن البيع، وفي بيان ~~شرائط الركن، وفي بيان أقسام البيع، وفي بيان ما يكره من البياعات وما يتصل ~~بها، وفي بيان حكم البيع، وفي بيان ما يرفع حكم البيع. # (وأما) ركن البيع: فهو مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب، وذلك قد يكون ~~بالقول، وقد يكون بالفعل (أما) القول فهو المسمى بالإيجاب، والقبول في عرف ~~الفقهاء والكلام في الإيجاب، والقبول في موضعين: أحدهما في صيغة الإيجاب ~~والقبول، والثاني في صفة الإيجاب والقبول، (أما) الأول فنقول - وبالله ~~التوفيق - الإيجاب والقبول قد يكون بصيغة الماضي، وقد يكون بصيغة الحال ~~(أما) بصيغة الماضي فهي أن يقول البائع: بعت ويقول المشتري: اشتريت، فيتم ~~الركن؛ لأن هذه الصيغة وإن كانت للماضي وضعا، لكنها جعلت إيجابا للحال في ~~عرف أهل اللغة والشرع، والعرف قاض على الوضع وكذا إذا قال البائع: خذ هذا ~~الشيء بكذا أو أعطيتكه بكذا أوهو لك بكذا أو بذلتكه بكذا وقال المشتري: ~~قبلت أو أخذت أو رضيت أو هويت ونحو ذلك، فإنه يتم الركن؛ لأن كل واحد من ~~هذه الألفاظ يؤدي معنى البيع وهو المبادلة، والعبرة للمعنى لا للصورة. # (وأما) صيغة الحال فهي أن يقول البائع للمشتري: أبيع منك هذا الشيء بكذا ~~ونوى الإيجاب فقال المشتري: اشتريت، أو قال المشتري أشتري منك هذا الشيء ~~بكذا ونوى الإيجاب وقال البائع: أبيعه منك بكذا، وقال المشتري: أشتريه ~~ونويا الإيجاب؛ يتم الركن وينعقد وإنما اعتبرنا النية ههنا وإن كانت صيغة ~~أفعل للحال هو الصحيح؛ لأنه غلب استعمالها للاستقبال ms2904 إما حقيقة أو مجازا ~~فوقعت الحاجة إلى التعيين بالنية. # ولا ينعقد بصيغة الاستفهام بالاتفاق بأن يقول المشتري للبائع: أتبيع مني ~~هذا الشيء بكذا أو أبعته مني بكذا فقال البائع: بعت، لا ينعقد ما لم يقل ~~المشتري: اشتريت، وكذا إذا قال البائع للمشتري: اشتر مني هذا الشيء بكذا ~~فقال: اشتريت، لا ينعقد ما لم يقل البائع: بعت. # وهل ينعقد بصيغة الاستقبال وهي صيغة الأمر بأن يقول المشتري للبائع: بع ~~عبدك هذا مني بكذا فيقول البائع بعت قال أصحابنا - رحمهم الله - ولا ينعقد ~~ما لم يقل المشتري: اشتريت وكذا إذا قال البائع للمشتري: اشتر مني هذا ~~الشيء بكذا، فقال: اشتريت، لا ينعقد ما لم يقل البائع: بعت عندنا. # وقال الشافعي - رحمه الله - ينعقد (وجه) قوله أن هذه الصيغة تصلح شطر ~~العقد في الجملة، ألا ترى أن من قال لآخر: تزوج ابنتي، فقال المخاطب: ~~تزوجت، أو قال زوج ابنتك مني، فقال: زوجت، ينعقد النكاح؟ فإذا # PageV05P133 # صلحت هذه الصيغة شطرا في النكاح صلحت شطرا في البيع؛ لأن الركن في كل ~~واحد منهما هو الإيجاب والقبول، ولنا أن قوله: بع أو اشتر طلب الإيجاب ~~والقبول وطلب الإيجاب والقبول لا يكون إيجابا وقبولا، فلم يوجد إلا أحد ~~الشطرين فلا يتم الركن، ولهذا لا ينعقد بلفظ الاستفهام لكون الاستفهام سؤال ~~الإيجاب والقبول لا إيجابا وقبولا، كذا هذا وهذا هو القياس في النكاح إلا ~~أنا استحسنا في النكاح بنص خاص وهو ما روى أبو يوسف أن «بلالا خطب إلى قوم ~~من الأنصار فأبوا أن يزوجوه فقال: لولا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أمرني أن أخطب إليكم لم أخطب فقالوا له: أملكت» ولم ينقل أن بلالا - رضي ~~الله عنه - قال: قبلت فتركنا القياس هناك بالنص، ولا نص في البيع، فوجب ~~العمل بالقياس؛ ولأن هذه الصيغة مساومة حقيقة فلا تكون إيجابا وقبولا ~~حقيقة، بل هي طلب الإيجاب والقبول، فلا بد للإيجاب والقبول من لفظ؛ آخر يدل ~~عليهما. # ولا يمكن حمل هذه الصيغة على المساومة في باب النكاح؛ لأن ms2905 المساومة لا ~~توجد في النكاح عادة، فحملت على الإيجاب والقبول على أن الضرورة توجب أن ~~يكون قول القائل زوج ابنتك مني شطر العقد، فلو لم تجعل شطر العقد، لتضرر به ~~الولي لجواز أن يزوج ولا يقبل المخاطب فيلحقه الشين فجعلت شطرا لضرورة دفع ~~الضرر عن الأولياء، وهذا المعنى في باب البيع منعدم فبقيت سؤالا فلا يتم به ~~الركن ما لم يوجد الشطر الآخر. # (وأما) صفة الإيجاب والقبول فهو أن أحدهما لا يكون لازما قبل وجود الآخر، ~~فأحد الشطرين بعد وجوده لا يلزم قبل وجود الشطر الآخر حتى إذا وجد أحد ~~الشطرين من أحد المتبايعين، فللآخر خيار القبول، وله خيار الرجوع قبل قبول ~~الآخر؛ لما روي عن أبي هريرة عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ~~«البيعان بالخيار ما لم يفترقا عن بيعهما» ، والخيار الثابت لهما قبل ~~التفرق عن بيعهما هو خيار القبول، وخيار الرجوع؛ ولأن أحد الشطرين لو لزم ~~قبل وجود الآخر لكان صاحبه مجبورا على ذلك الشطر، وهذا لا يجوز. # (وأما) المبادلة بالفعل فهي التعاطي ويسمى هذا البيع بيع المراوضة وهذا ~~عندنا وقال الشافعي - رحمه الله - لا يجوز البيع بالتعاطي؛ لأن البيع في ~~عرف الشرع كلام إيجاب وقبول، فأما التعاطي فلم يعرف في عرف الشرع بيعا، ~~وذكر القدوري أن التعاطي يجوز في الأشياء الخسيسة، ولا يجوز في الأشياء ~~النفيسة، ورواية الجواز في الأصل مطلق عن هذا التفصيل وهي الصحيحة؛ لأن ~~البيع في اللغة والشرع اسم للمبادلة، وهي مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب، ~~وحقيقة المبادلة بالتعاطي وهو الأخذ والإعطاء، وإنما قول البيع والشراء ~~دليل عليهما، والدليل عليه قوله - عز وجل - {إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم} [النساء: 29] ، والتجارة عبارة عن جعل الشيء للغير ببدل وهو تفسير ~~التعاطي وقال - سبحانه وتعالى - {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ~~ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} [البقرة: 16] ، أطلق - سبحانه وتعالى - اسم ~~التجارة على تبادل ليس فيه قول البيع وقال الله - عز وجل - إن الله {اشترى ~~من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة: 111] سمى ms2906 - سبحانه ~~وتعالى - مبادلة الجنة بالقتال في سبيل الله - تعالى - اشتراء وبيعا لقوله ~~تعالى في آخر الآية {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به} [التوبة: 111] ، وإن ~~لم يوجد لفظ البيع، وإذا ثبت أن حقيقة المبادلة بالتعاطي وهو الأخذ ~~والإعطاء، فهذا يوجد في الأشياء الخسيسة والنفيسة جميعا، فكان التعاطي في ~~كل ذلك بيعا، فكان جائزا. ### | [فصل في شرائط ركن البيع] # (فصل) : # وأما شرائط الركن فلا يمكن الوصول إلى معرفتها إلا بعد معرفة أقسام ~~البياعات؛ لأن منها ما يعم البياعات كلها، (ومنها) ما يخص البعض دون البعض، ~~فنقول: البيع في القسمة الأولى ينقسم: قسمين قسم يرجع إلى البدل، وقسم يرجع ~~إلى الحكم. # (أما) الذي يرجع إلى البدل فينقسم قسمين آخرين: أحدهما يرجع إلى البدلين. # والآخر يرجع إلى أحدهما وهو الثمن، أما الأول فنقول: البيع في حق البدلين ~~ينقسم أربعة أقسام: بيع العين بالعين وهو بيع السلع بالسلع، ويسمى بيع ~~المقايضة، وبيع العين بالدين وهو بيع السلع بالأثمان المطلقة وهي الدراهم ~~والدنانير وبيعها بالفلوس النافقة وبالمكيل الموصوف في الذمة والموزون ~~الموصوف والعددي المتقارب الموصوف، وبيع الدين بالعين وهو السلم، وبيع ~~الدين بالدين وهو بيع الثمن المطلق بالثمن المطلق وهو الصرف. # (فأما) الذي يرجع إلى أحد البدلين وهو الثمن فينقسم في حق البدل، وهو ~~الثمن خمسة أقسام: بيع المساومة وهو مبادلة المبيع بأي ثمن اتفق # PageV05P134 # ، وبيع المرابحة وهو مبادلة المبيع بمثل الثمن الأول وزيادة ربح، وبيع ~~التولية وهو المبادلة بمثل الثمن الأول من غير زيادة ولا نقصان، وبيع ~~الاشتراك وهو التولية، لكن في بعض المبيع ببعض الثمن، وبيع الوضيعة وهو ~~المبادلة بمثل الثمن الأول مع نقصان شيء منه، وأما القسم الذي يرجع إلى ~~الحكم فنذكره في باب حكم البيع إن شاء الله - تعالى -. # وإذا عرفت أقسام البياعات، فنذكر شرائطها وهي أنواع بعضها شرط الانعقاد، ~~وبعضها شرط النفاذ وهو ما لا يثبت الحكم بدونه، وإن كان قد ينعقد التصرف ~~بدونه وبعضها شرط الصحة وهو ما لا صحة له بدونه، وإن كان قد ينعقد وينفذ ~~بدونه، وبعضها شرط اللزوم، ms2907 وهو ما لا يلزم البيع بدونه، وإن كان قد ينعقد ~~وينفذ بدونه (أما) شرائط الانعقاد فأنواع: بعضها يرجع إلى العاقد، وبعضها ~~يرجع إلى نفس العقد، وبعضها يرجع إلى مكان العقد، وبعضها يرجع إلى المعقود ~~عليه، (أما) الذي يرجع إلى العاقد فنوعان: أحدهما أن يكون عاقلا، فلا ينعقد ~~بيع المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأن أهلية المتصرف شرط انعقاد التصرف ~~والأهلية لا تثبت بدون العقل فلا يثبت الانعقاد بدونه، فأما البلوغ فليس ~~بشرط لانعقاد البيع عندنا، حتى لو باع الصبي العاقل مال نفسه؛ ينعقد عندنا ~~موقوفا على إجازة وليه، وعلى إجازة نفسه بعد البلوغ، وعند الشافعي شرط فلا ~~تنعقد تصرفات الصبي عنده أصلا وكذا ليس بشرط النفاذ في الجملة، حتى لو توكل ~~عن غيره بالبيع والشراء؛ ينفذ تصرفه، وعنده لا ينفذ، وهي مسألة كتاب ~~المأذون، وكذا الحرية ليست بشرط لانعقاد البيع ولا لنفاذه حتى ينفذ بيع ~~العبد المأذون بالإجماع، وينعقد بيع العبد المحجور إذا باع مال مولاه ~~موقوفا على إجازته عندنا، وكذا الملك أو الولاية ليس بشرط لانعقاد البيع ~~عندنا، بل هو شرط النفاذ حتى يتوقف بيع الفضولي، وعنده شرط حتى لا يتوقف ~~أصلا، والمسألة تأتي في موضعها. # وكذا إسلام البائع ليس بشرط لانعقاد البيع ولا لنفاذه ولا لصحته ~~بالإجماع، فيجوز بيع الكافر وشراؤه: وقال الشافعي إسلام المشتري شرط جواز ~~شراء الرقيق المسلم والمصحف، حتى لا يجوز ذلك من الكافر. # (وجه) قوله أن في تملك الكافر المسلم إذلالا بالمسلم، وهذا لا يجوز ولهذا ~~يجبر على بيعه عندكم، ولنا عمومات البيع من غير فصل بين بيع العبد المسلم ~~من المسلم، وبين بيعه من الكافر فهو على العموم، إلا حيث ما خص بدليل؛ ولأن ~~الثابت للكافر بالشراء ليس إلا الملك في المسلم والكافر من أهل أن يثبت ~~الملك له على المسلم، ألا ترى أن الكافر يرث العبد المسلم من أبيه؟ ، وكذا ~~إذا كان له عبد كافر فأسلم بقي ملكه فيه، وهو في الحقيقة ملك مبتدأ؛ لأن ~~الملك عرض لا بقاء له فدل أن ms2908 الكافر من أهل ثبوت الملك له في المسلم، وقوله ~~فيه إذلال بالمسلم، قلنا: الملك عندنا لا يظهر فيما فيه إذلال بالمسلم، ~~فإنه لا يظهر في حق الاستخدام والوطء والاستمتاع بالجارية المسلمة، وإنما ~~يظهر فيما لا ذل فيه من الإعتاق والتدبير والكتابة والبيع، وبه تبين أن ~~الجبر على البيع ليس لدفع الذل، إذ لا ذل على ما بينا، ولكن لاحتمال وجود ~~فعل لا يحل ذلك في الإسلام لعداوة بين المسلم والكافر. # وإذا جاز شراء الذمي العبد المسلم، فيجوز إعتاقه وتدبيره واستيلاده ~~وكتابته؛ لأن جواز هذه التصرفات مبني على الملك، وقد وجد إلا أنه إذا دبره ~~يسعى العبد في قيمته؛ لأنه لا سبيل إلى إبقائه على ملكه، ولا سبيل إلى ~~الإزالة بالبيع؛ لأنه بيع المدبر؛ وأنه لا يجوز فتعينت الإزالة بالسعاية، ~~وكذا إذا كانت أمة فاستولدها؛ فإنها تسعى في قيمتها لما قلنا، ويوجع الذمي ~~ضربا لوطئه المسلمة؛ لأنه حرام عليه، فيستحق التعزير، وإذا كاتبه لا يعترض ~~عليه؛ لأنه أزال يده عنه، حتى لو عجز ورد في الرق يجبر على بيعه، وكذا ~~الذمي إذا ملك شقصا فالحكم في البعض كالحكم في الكل، ولو اشتراه مسلم من ~~الكافر شراء فاسدا؛ فإنه يجبر على الرد؛ لأن رد الفساد واجب حقا للشرع، ثم ~~يجبر الكافر على بيعه والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # النطق ليس بشرط، لانعقاد البيع والشراء ولا لنفاذهما وصحتهما، فيجوز بيع ~~الأخرس وشراؤه إذا كانت الإشارة مفهومة في ذلك؛ لأنه إذا كانت الإشارة ~~مفهومة في ذلك، قامت الإشارة مقام عبارته، هذا إذا كان الخرس أصليا بأن ولد ~~أخرس، فأما إذا كان عارضا بأن طرأ عليه الخرس فلا، إلا إذا دام به حتى وقع ~~اليأس من كلامه وصارت الإشارة مفهومة فيلحق بالأخرس الأصلي. # والثاني العدد في العاقد فلا يصلح الواحد عاقدا من الجانبين في باب البيع ~~إلا الأب فيما يبيع مال نفسه من ابنه الصغير بمثل # PageV05P135 # قيمته أو بما يتغابن الناس فيه عادة، أو يشتري مال الصغير لنفسه بذلك عند ~~أصحابنا الثلاثة استحسانا، والقياس أن لا ms2909 يجوز ذلك أيضا وهو قول زفر - رحمه ~~الله - وجه القياس أن الحقوق في باب البيع ترجع إلى العاقد وللبيع حقوق ~~متضادة مثل التسليم والتسلم والمطالبة، فيؤدي إلى أن يكون الشخص الواحد في ~~زمان واحد مسلما ومتسلما طالبا ومطالبا، وهذا محال ولهذا لم يجز أن يكون ~~الواحد وكيلا من الجانبين في باب البيع لما ذكرنا من الاستحالة. # ويصلح رسولا من الجانبين؛ لأن الرسول لا تلزمه الحقوق، فلا يؤدي إلى ~~الاستحالة، وكدا القاضي يتولى العقد من الجانبين؛ لأن الحقوق لا ترجع إليه ~~فكان بمنزلة الرسول وبخلاف الوكيل في باب النكاح؛ لأن الحقوق لا ترجع إليه ~~فكان سفيرا محضا بمنزلة الرسول وجه الاستحسان قوله - تبارك وتعالى - {ولا ~~تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152] فيملكه الأب، وكذا ~~البيع والشراء بمثل قيمته وبما يتغابن الناس فيه عادة قد يكون قربانا على ~~وجه الأحسن بحكم الحال. # والظاهر أن الأب لا يفعل ذلك إلا في تلك الحال؛ لكمال شفقته فكان البيع ~~والشراء بذلك قربانا على وجه الأحسن، وقوله يؤدي إلى الاستحالة قلنا: ~~ممنوع، فإنه يجعل كأن الصبي باع أو اشترى بنفسه، وهو بالغ، فتعدد العاقد ~~حكما، فلا يؤدي إلى الاستحالة. # (وأما) الوصي إذا باع مال نفسه من الصغير أو اشترى مال الصغير لنفسه، فإن ~~لم يكن فيه نفع ظاهر؛ لا يجوز بالإجماع، وإن كان فيه نفع ظاهر؛ جاز عند أبي ~~حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد لا يجوز؛ لأن القياس يأبى جوازه أصلا من الأب ~~والوصي جميعا؛ لما ذكرنا من الاستحالة إلا أن الأب لكمال شفقته جعل شخصه ~~المتحد حقيقة متعددا ذاتا ورأيا وعبارة، والوصي لا يساويه في الشفقة فبقي ~~الأمر فيه على أصل القياس، ولأبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهما - أن ~~تصرف الوصي إذا كان فيه نفع ظاهر لليتيم قربان ماله على وجه الأحسن فيملكه ~~بالنص. # قوله لا يمكن إلحاق الوصي بالأب لقصور شفقته، قلنا: الوصي له شبهان: شبه ~~بالأب، وشبه بالوكيل، أما شبهه بالوكيل فلكونه أجنبيا، وشبهه بالأب لكونه ~~مرضي الأب فالظاهر أنه ms2910 ما رضي به إلا لوفور شفقته على الصغير فأثبتنا له ~~الولاية عند ظهور النفع عملا بشبه الأب وقطعنا ولايته عند عدمه عملا بشبه ~~الوكيل عملا بالشبهين بقدر الإمكان. ### | [فصل في الشرط الذي يرجع إلى نفس العقد] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى نفس العقد فهو أن يكون القبول موافقا للإيجاب، بأن ~~يقبل المشتري ما أوجبه البائع وبما أوجبه، فإن خالفه بأن قبل غير ما أوجبه ~~أو بعض ما أوجبه أو بغير ما أوجبه أو ببعض ما أوجبه؛ لا ينعقد من غير إيجاب ~~مبتدإ موافق بيان هذه الجملة إذا أوجب البيع في العبد فقبل في الجارية، لا ~~ينعقد، وكذا إذا أوجب في العبدين فقبل في أحدهما بأن قال: بعت منك هذين ~~العبدين بألف درهم فقال المشتري: قبلت في هذا العبد وأشار إلى واحد معين لا ~~ينعقد؛ لأن القبول في أحدهما تفريق الصفقة على البائع، والصفقة إذا وقعت ~~مجتمعة من البائع لا يملك المشتري تفريقها قبل التمام؛ لأن من عادة التجار ~~ضم الرديء إلى الجيد ترويجا للرديء بواسطة الجيد فلو ثبت للمشتري ولاية ~~التفريق لقبل في الجيد دون الرديء فيتضرر به البائع، والضرر منفي؛ ولأن غرض ~~الترويج لا يحصل إلا بالقبول فيهما جميعا فلا يكون راضيا بالقبول في ~~أحدهما؛ ولأن القبول في أحدهما يكون إعراضا عن الجواب بمنزلة القيام عن ~~المجلس، وكذا لو أوجب البيع في كل العبد، فقبل المشتري في نصفه، لا ينعقد؛ ~~لأن البائع يتضرر بالتفريق؛ لأنه يلزمه عيب الشركة، ثم إذا قبل المشتري بعض ~~ما أوجبه البائع؛ كان هذا شراء مبتدأ من البائع، فإن اتصل به الإيجاب من ~~البائع في المجلس فينظر إن كان للبعض الذي قبله المشتري حصة معلومة من ~~الثمن جاز، وإلا فلا بيانه إذا قال: بعت منك هذين الكرين بعشرين درهما فقبل ~~المشتري في أحدهما وأوجب البائع؛ جاز؛ لأن الثمن ينقسم على المبيع باعتبار ~~الأجزاء فيما له مثل، فكان بيع الكرين بعشرين بيع كل كر بعشرة لتماثل قفزان ~~الكرين، وكذلك إذا قال: بعت منك هذين العبدين بألف ms2911 درهم، فقبل المشتري في ~~أحدهما، وبين ثمنه فقال البائع: بعت يجوز، فأما إذا لم يبين ثمنه لا يجوز، ~~وإن ابتدأ البائع الإيجاب، بخلاف مسألة الكرين وسائر الأشياء المتماثلة، ~~لما ذكرنا أن الثمن في المثليات ينقسم على المبيع باعتبار الأجزاء فكان حصة ~~كل واحد معلوما، وفيما لا مثل له لا ينقسم الثمن على المبيع باعتبار ~~الأجزاء لانعدام تماثل الأجزاء وإذا لم # PageV05P136 # ينقسم بقيت حصة كل واحد منهما من الثمن مجهولة، وجهالة الثمن تمنع صحة ~~البيع، هذا إذا لم يبين البائع حصة كل واحد من العبدين بأن قال: بعت منك ~~هذين العبدين بألف درهم، فأما إذا بين بأن قال: بعت منك هذين العبدين هذا ~~بألف، وهذا بخمسمائة، فقبل المشتري في أحدهما دون الآخر؛ جاز البيع لانعدام ~~تفريق الصفقة من المشتري، بل البائع هو الذي فرق الصفقة حيث سمى لكل واحد ~~منهما ثمنا على حدة وعلم أنه لا ضرر له فيه، ولو كان فهو ضرر مرضي به، وأنه ~~غير مدفوع، وكذا إذا أوجب البيع في شيء بألف فقبل فيه بخمسمائة لا ينعقد، ~~وكذا لو أوجب بجنس ثمن فقبل بجنس آخر، إلا إذا رضي البائع به في المجلس ~~وعلى هذا إذا خاطب البائع رجلين فقال: بعتكما هذا العبد، أو هذين العبدين، ~~فقبل أحدهما دون الآخر، لا ينعقد؛ لأنه أضاف الإيجاب في العبدين أو عبد ~~واحد إليهما جميعا فلا يصلح جواب أحدهما جوابا للإيجاب، وكذا لو خاطب ~~المشتري رجلين فقال: اشتريت منكما هذا العبد بكذا، فأوجب في أحدهما لم ~~ينعقد لما قلنا. ### | [فصل في الشرط الذي يرجع إلى مكان العقد] # (فصل) : # في الشرط الذي يرجع إلى مكان العقد وأما الذي يرجع إلى مكان العقد فواحد ~~وهو اتحاد المجلس. # بأن كان الإيجاب والقبول في مجلس واحد، فإن اختلف المجلس لا ينعقد حتى لو ~~أوجب أحدهما البيع فقام الآخر عن المجلس قبل القبول أو اشتغل بعمل آخر يوجب ~~اختلاف المجلس ثم قبل لا ينعقد؛ لأن القياس أن لا يتأخر أحد الشطرين عن ~~الآخر في المجلس؛ لأنه كما ms2912 وجد أحدهما انعدم في الثاني من زمان وجوده فوجد ~~الثاني، والأول منعدم فلا ينتظم الركن إلا أن اعتبار ذلك يؤدي إلى انسداد ~~باب البيع فتوقف أحد الشطرين على الآخر حكما وجعل المجلس جامعا للشطرين مع ~~تفرقهما للضرورة، وحق الضرورة يصير مقضيا عند اتحاد المجلس، فإذا اختلف لا ~~يتوقف، وهذا عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - الفور مع ذلك شرط لا ينعقد ~~الركن بدونه. # (وجه) قوله ما ذكرنا أن القياس أن لا يتأخر أحد الشطرين عن الآخر، ~~والتأخير لمكان الضرورة، وأنها تندفع بالفور. # (ولنا) أن في ترك اعتبار الفور ضرورة؛ لأن القابل يحتاج إلى التأمل، ولو ~~اقتصر على الفور لا يمكنه التأمل، وعلى هذا إذا تبايعا وهما يمشيان أو ~~يسيران على دابتين أو دابة واحدة في محمل واحد، فإن خرج الإيجاب والقبول ~~منهما متصلين انعقد، وإن كان بينهما فصل وسكوت وإن قل لا ينعقد؛ لأن المجلس ~~تبدل بالمشي والسير وإن قل، ألا ترى أنه لو قرأ آية سجدة وهو يمشي على ~~الأرض، أو يسير على دابة لا يصلى عليها مرارا يلزمه لكل قراءة سجدة؟ ، وكذا ~~لو خير امرأته وهي تمشي على الأرض أو تسير على دابة لا يصلى عليها فمشت أو ~~سارت؛ يبطل خيارها لتبدل المجلس وإن اختارت نفسها متصلا بتخيير الزوج صح ~~اختيارها؛ لأن المجلس لم يتبدل فكذا ههنا، ولو تبايعا وهما واقفان انعقد ~~لاتحاد المجلس ولو أوجب أحدهما وهما واقفان فسار الآخر قبل القبول أو سارا ~~جميعا ثم قبل لا ينعقد؛ لأنه لما سارا وسارا فقد تبدل المجلس قبل القبول، ~~فلم يجتمع الشطران في مجلس واحد، ولو وقفا فخير امرأته، ثم سار الزوج وهي ~~واقفة فالخيار في يدها، ولو سارت هي والزوج واقف؛ بطل خيارها، فالعبرة ~~لمجلسها لا لمجلس الزوج. # وفي باب البيع يعتبر مجلسهما جميعا؛ لأن التخيير من قبل الزوج لازم، ألا ~~ترى: أنه لا يملك الرجوع عنه، فلا يبطل بالإعراض وأحد الشطرين في باب البيع ~~لا يلزم قبل قبول الآخر، فاحتمل البطلان بالإعراض، ولو تبايعا وهما في ~~سفينة؛ ms2913 ينعقد سواء كانت واقفة أو جارية، خرج الشطران متصلين أو منفصلين، ~~بخلاف المشي على الأرض والسير على الدابة؛ لأن جريان السفينة بجريان الماء ~~لا بإجرائه ألا ترى: أن راكب السفينة لا يملك، وقفها، فلم يكن جريانها ~~مضافا إليه، فلم يختلف المجلس فأشبه البيت، بخلاف المشي، والسير، أما المشي ~~فظاهر؛ لأنه فعله، وكذا سير الدابة مضاف إليه ألا ترى: أنه لو سيرها سارت، ~~ولو، وقفها، وقفت فاختلف المجلس بسيرها، ولهذا لو كرر آية السجدة في ~~السفينة، وهي جارية لا يلزمه إلا سجدة، واحدة كما لو كررها في بيت، واحد. # وكذا لو خير امرأته في السفينة، وهي جارية فهي على خيارها ما لم يوجد ~~منها دليل الإعراض، وعلى هذا إذا أوجب أحدهما البيع، والآخر غائب فبلغه ~~فقبل لا ينعقد بأن قال: بعت عبدي هذا من فلان الغائب بكذا فبلغه فقبل، ولو ~~قبل عنه قابل ينعقد، والأصل في هذا أن أحد الشطرين من أحد العاقدين في باب ~~البيع يتوقف على الآخر في المجلس، ولا يتوقف على الشطر الآخر من العاقد ~~الآخر فيما، وراء المجلس بالإجماع، إلا إذا # PageV05P137 # كان عنه قابل، أو كان بالرسالة أو بالكتابة أما الرسالة فهي أن يرسل ~~رسولا إلى رجل، ويقول للرسول: إني بعت عبدي هذا من فلان الغائب بكذا، فاذهب ~~إليه، وقل له: إن فلانا أرسلني إليك، وقال لي: قل له: إني قد بعت عبدي هذا ~~من فلان بكذا فذهب الرسول، وبلغ الرسالة فقال المشتري في مجلسه ذلك: قبلت ~~انعقد البيع؛ لأن الرسول سفير، ومعبر عن كلام المرسل ناقل كلامه إلى المرسل ~~إليه فكأنه حضر بنفسه فأوجب البيع، وقبل الآخر في المجلس. # وأما الكتابة فهي أن يكتب الرجل إلى رجل أما بعد فقد بعت عبدي فلانا منك ~~بكذا فبلغه الكتاب فقال في مجلسه: اشتريت؛ لأن خطاب الغائب كتابه فكأنه حضر ~~بنفسه، وخاطب بالإيجاب، وقبل الآخر في المجلس، ولو كتب شطر العقد ثم رجع صح ~~رجوعه؛ لأن الكتاب لا يكون فوق الخطاب، ولو خاطب ثم رجع قبل قبول الآخر صح ms2914 ~~رجوعه فههنا أولى، وكذا لو أرسل رسولا ثم رجع؛ لأن الخطاب بالرسالة لا يكون ~~فوق المشافهة، وذا محتمل للرجوع فههنا أولى، وسواء علم الرسول رجوع المرسل ~~أو لم يعلم به بخلاف ما إذا وكل إنسانا ثم عزله بغير علمه لا يصح عزله؛ لأن ~~الرسول يحكي كلام المرسل، وينقله إلى المرسل إليه فكان سفيرا، ومعبرا محضا ~~فلم يشترط علم الرسول بذلك. # فأما الوكيل فإنما يتصرف عن تفويض الموكل إليه فشرط علمه بالعزل صيانة له ~~عن التعزير على ما نذكره في كتاب الوكالة، وكذا هذا في الإجارة، والكتابة ~~أن اتحاد المجلس شرط للانعقاد، ولا يتوقف أحد الشطرين من أحد العاقدين على ~~وجود الشطر الآخر إذا كان غائبا؛ لأن كل، واحد منهما عقد معاوضة إلا إذا ~~كان عن الغائب قابل أو بالرسالة أو بالكتابة كما في البيع. # وأما في النكاح فهل يتوقف بأن يقول رجل للشهود: اشهدوا أني قد تزوجت ~~فلانة بكذا، وبلغها فأجازت أو قالت امرأة: اشهدوا أني زوجت نفسي من فلان ~~بكذا فبلغه فأجاز عند أبي حنيفة، ومحمد لا يتوقف أيضا إلا إذا كان عن ~~الغائب قابل، وعند أبي يوسف يتوقف، وإن لم يقبل عنه أحد، وكذا الفضولي من ~~الجانبين بأن قال: زوجت فلانة من فلان وهما غائبان فبلغهما فأجازا لم يجز ~~عندهما، وعند أبي يوسف يجوز، وهذه مسألة كتاب النكاح. # ، والفضولي من الجانبين في باب البيع إذا بلغهما فأجازا لم يجز بالإجماع، ~~والله - سبحانه، وتعالى - أعلم. # وأما الشطر في باب الخلع فمن جانب الزوج يتوقف بالإجماع حتى لو قال: ~~خالعت امرأتي الغائبة على كذا فبلغها الخبر فقبلت جاز. # وأما من جانب المرأة فلا يتوقف بالإجماع، حتى لو قالت: اختلعت من زوجي ~~فلان الغائب على كذا، فبلغه الخبر فأجاز لم يجز، ووجه الفرق أن الخلع في ~~جانب الزوج يمين؛ لأنه تعليق الطلاق بقبول المال فكان يمينا، ولهذا لا يملك ~~الرجوع عنه، وتصح فيه الإضافة إلى الوقت، والتعليق بالشرط بأن يقول الزوج: ~~خالعتك غدا، وإن قدم فلان فقد خالعتك على كذا، وإذا ms2915 كان يمينا فغيبة المرأة ~~لا تمنع صحة اليمين كما في التعليق بدخول الدار، وغير ذلك. # وأما من جانب المرأة فهو معاوضة، ولهذا لا يصح تعليقه بالشرط من جانبها، ~~ولا تصح إضافته إلى، وقت، وتملك الرجوع قبل إجازة الزوج، وإذا كان معاوضة ~~فالشطر في المعاوضات لا يتوقف كما في البيع، وغيره. # وكذا الشطر في إعتاق العبيد على مال من جانب المولى يتوقف إذا كان العبد ~~غائبا، ومن جانب العبد لا يتوقف إذا كان المولى غائبا؛ لأنه من جانبه تعليق ~~العتق بالشرط، ومن جانب العبد معاوضة والأصل أن في كل موضع لا يتوقف الشطر ~~على ما، وراء المجلس؛ يصح الرجوع عنه، ولا يصح تعليقه بالشرط، وإضافته إلى ~~الوقت كما في البيع، والإجارة، والكتابة، وفي كل موضع يتوقف الشطر على ما ~~وراء المجلس لا يصح الرجوع عنه، ويصح تعليقه بالشرط، وإضافته إلى الوقت كما ~~في الخلع من جانب الزوج، والإعتاق على مال من جانب المولى، والله - سبحانه، ~~وتعالى - أعلم. ### | [فصل في الشرط الذي يرجع إلى المعقود عليه] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المعقود عليه فأنواع (منها) : أن يكون موجودا فلا ~~ينعقد بيع المعدوم، وماله خطر العدم كبيع نتاج النتاج بأن قال: بعت ولد ولد ~~هذه الناقة وكذا بيع الحمل؛ لأنه إن باع الولد فهو بيع المعدوم، وإن باع ~~الحمل فله خطر المعدوم، وكذا بيع اللبن في الضرع؛ لأنه له خطر لاحتمال ~~انتفاخ الضرع. # ، وكذا بيع الثمر، والزرع قبل ظهوره؛ لأنهما معدوم، وإن كان بعد الطلوع ~~جاز، وإن كان قبل بدو صلاحهما إذا لم يشترط الترك، ومن مشايخنا من قال: لا ~~يجوز # PageV05P138 # إلا إذا صار بحال ينتفع به بوجه من الوجوه فإن كان بحيث لا ينتفع به أصلا ~~لا ينعقد. # واحتجوا بما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه «نهى عن بيع ~~الثمار قبل بدو صلاحها» ، ولأنه إذا لم يبد صلاحها لم تكن منتفعا بها فلا ~~تكون مالا فلا يجوز بيعها، وهذا خلاف الرواية فإن محمدا ذكر في كتاب الزكاة ~~في باب العشر أنه ms2916 لو باع الثمار في أول ما تطلع، وتركها بأمر البائع حتى ~~أدركت فالعشر على المشتري، ولو لم يجز بيعها حين ما طلعت لما وجب عشرها على ~~المشتري، والدليل على جواز بيعه ما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~أنه قال: «من باع نخلا مؤبرة فثمرته للبائع إلا أن يشترطها المبتاع» جعل ~~الثمرة للمشتري بالشرط من غير فصل بين ما إذا بدا صلاحها أو لا، دل أنها ~~محل البيع كيف ما كان، والمعنى فيه، وهو أنه باع ثمرة موجودة، وهي بعرض أن ~~تصير منتفعا بها في الثاني، وإن لم يكن منتفعا بها في الحال فيجوز بيعها ~~كبيع جرو الكلب على أصلنا، وبيع المهر، والجحش، والأرض السبخة، والنهي ~~محمول على بيع الثمار مدركة قبل إدراكها بأن باعها ثمرا، وهي بسر أو باعها ~~عنبا، وهي حصرم دليل صحة هذا التأويل قوله - عليه الصلاة والسلام - في سياق ~~الحديث: «أرأيت إن منع الله الثمرة بم يستحل أحدكم مال صاحبه؟» ولفظة المنع ~~تقتضي أن لا يكون ما، وقع عليه البيع موجودا؛ لأن المنع منع الوجود، وما ~~يوجد من الزرع بعضه بعد بعض كالبطيخ، والباذنجان فيجوز بيع ما ظهر منه، ولا ~~يجوز بيع ما لم يظهر، وهذا قول عامة العلماء - رضي الله عنهم -. # وقال مالك - رحمه الله - إذا ظهر فيه الخارج الأول يجوز بيعه؛ لأن فيه ~~ضرورة؛ لأنه لا يظهر الكل دفعة، واحدة بل على التعاقب بعضها بعد بعض فلو لم ~~يجز بيع الكل عند ظهور البعض لوقع الناس في الحرج. # (ولنا) أن ما لم يظهر منه معدوم فلا يحتمل البيع، ودعوى الضرورة، والحرج ~~ممنوعة فإنه يمكنه أن يبيع الأصل بما فيه من الثمر، وما يحدث منه بعد ذلك ~~يكون ملك المشتري. # وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع الحبل، وحبل ~~الحبل، وروي حبل الحبلة» ، وهي بمعنى الأول، وإنما زيادة الهاء للتأكيد، ~~والمبالغة، وروي حبل الحبلة بحفظ الهاء من الكلمة الأخيرة والحبلة هي ~~الحبلى فكان نهيا عن بيع، ولد الحبلى. # وروي عنه ms2917 - عليه الصلاة والسلام - أنه «نهى عن بيع اللبن في الضرع، وبيع ~~عسب الفحل» ؛ لأن عسب الفحل ضرابه، وهو عند العقد معدوم، وقد روي أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن عسب الفحل» ، ولا يمكن حمل النهي على ~~نفس العسب، وهو الضراب؛ لأن ذلك جائز بالإعارة فيحمل على البيع، والإجارة ~~إلا أنه حذف ذلك، وأضمره فيه كما في قوله تعالى {واسأل القرية} [يوسف: 82] ~~، وغير ذلك. # ولا يجوز بيع الدقيق في الحنطة، والزيت في الزيتون، والدهن في السمسم، ~~والعصير في العنب، والسمن في اللبن، ويجوز بيع الحنطة، وسائر الحبوب في ~~سنابلها؛ لأن بيع الدقيق في الحنطة، والزيت في الزيتون، ونحو ذلك بيع ~~المعدوم؛ لأنه لا دقيق في الحنطة، ولا زيت في الزيتون؛ لأن الحنطة اسم ~~للمركب والدقيق اسم للمتفرق، فلا دقيق في حال كونه حنطة، ولا زيت حال كونه ~~زيتونا، فكان هذا بيع المعدوم، فلا ينعقد بخلاف بيع الحنطة في سنبلها؛ لأن ~~ما في السنبل حنطة، إذ هي اسم للمركب. # وهي في سنبلها على تركيبها فكان بيع الموجود حتى لو باع تبن الحنطة في ~~سنبلها دون الحنطة لا ينعقد؛ لأنه لا يصير تبنا إلا بالعلاج، وهو الدق، فلم ~~يكن تبنا قبله فكان بيع المعدوم، فلا ينعقد، وبخلاف بيع الجذع في السقف، ~~والآجر في الحائط، وذراع من كرباس أو ديباج أنه ينعقد حتى لو نزع، وقطع، ~~وسلم إلى المشتري يجبر على الأخذ، وههنا لا ينعقد أصلا حتى لو طحن أو عصر، ~~وسلم لا يجبر المشتري على القبول؛ لأن عدم النفاذ هناك ليس لخلل في الركن، ~~ولا في العاقد، والمعقود عليه بل لمضرة تلحق العاقد بالنزع، والقطع فإذا ~~نزع، وقطع فقد زال المانع فنفذ أما ههنا فالمعقود عليه معدوم حالة العقد. # ولا يتصور انعقاد العقد بدونه فلم ينعقد أصلا فلا يحتمل النفاذ فهو ~~الفرق، وكذا بيع البزر في البطيخ الصحيح؛ لأنه بمنزلة الزيت في الزيتون، ~~وبيع النوى في التمر، وكذلك بيع اللحم في الشاة الحية؛ لأنها إنما تصير ~~لحما بالذبح، والسلخ فكان ms2918 بيع المعدوم فلا ينعقد، وكذا بيع الشحم الذي ~~فيها، وأليتها وأكارعها، ورأسها لما قلنا، وكذا بيع البحير في السمسم؛ لأنه ~~إنما يصير بحيرا بعد العصر. # وعلى هذا يخرج ما إذا قال: بعتك هذا الياقوت بكذا فإذا هو زجاج أو قال: ~~بعتك هذا الفص على أنه ياقوت بكذا فإذا هو زجاج # PageV05P139 # أو قال: بعتك هذا الثوب الهروي بكذا فإذا هو مروي، أو قال: بعتك هذا ~~الثوب على أنه مروي فإذا هو هروي لا ينعقد البيع في هذه المواضع؛ لأن ~~المبيع معدوم، والأصل في هذا أن الإشارة مع التسمية إذا اجتمعتا في باب ~~البيع فيما يصلح محل البيع ينظر إن كان المشار إليه من خلاف جنس المسمى، ~~فالعبرة للتسمية، ويتعلق العقد بالمسمى، وإن كان من جنسه لكن يخالفه في ~~الصفة فإن تفاحش التفاوت بينهما، فالعبرة للتسمية أيضا عندنا، ويلحقان ~~بمختلفي الجنس، وإن قل التفاوت فالعبرة للمشار إليه، ويتعلق العقد به، وإذا ~~عرف هذا فنقول: الياقوت مع الزجاج جنسان مختلفان، وكذا الهروي مع المروي ~~نوعان مختلفان؛ فيتعلق العقد فيه بالمسمى وهو معدوم فيبطل ولا ينعقد. # قال: بعتك هذا العبد فإذا هو جارية لا ينعقد عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم ~~الله - وعند زفر - رحمه الله - يجوز. # (وجه) قوله أن المسمى ههنا من جنس المشار إليه أعني العبد والجارية، ~~وإنما يختلفان في صفة الذكورة، والأنوثة، وهذا لا يمنع تعلق العقد بالمشار ~~إليه كما إذا قال: بعتك هذه الشاة على أنها نعجة، فإذا هي كبش. # (ولنا) أنهما جنسان مختلفان في المعنى؛ لاختلاف جنس المنفعة المطلوبة ~~اختلافا فاحشا فالتحقا بمختلفي الجنس حقيقة بخلاف النعجة مع الكبش؛ لأنهما ~~اتفقا جنسا ذاتا ومعنى أما ذاتا فظاهر؛ لأن اسم الشاة يتناولهما. # وأما معنى؛ فلأن المطلوب من كل واحد منهما منفعة الأكل فتجانسا ذاتا ~~ومنفعة فتعلق العقد بالمشار إليه، وهو موجود محل للبيع، فجاز بيعه، ولكن ~~المشتري بالخيار؛ لأنه فاتته صفة مرغوبة فأوجب ذلك خللا في الرضا فيثبت له ~~الخيار # وكذا لو باع دارا على أن بناءها آجر، فإذا هو لبن لا ms2919 ينعقد؛ لأنهما ~~يتفاوتان في المنفعة تفاوتا فاحشا فكانا كالجنسين المختلفين، وكذا لو باع ~~ثوبا على أنه مصبوغ بعصفر، فإذا هو مصبوغ بزعفران لا ينعقد؛ لأن العصفر مع ~~الزعفران يختلفان في اللون اختلافا فاحشا، وكذا لو باع حنطة في جولق فإذا ~~هو دقيق أو شرط الدقيق فإذا هو خبز لا ينعقد؛ لأن الحنطة مع الدقيق جنسان ~~مختلفان وكذا الدقيق مع الخبز ألا ترى: أن من غصب من آخر حنطة وطحنها ينقطع ~~حق الملك دل أنها تصير بالطحن شيئا آخر فكان بيع المعدوم فلا ينعقد. # وإن قال: بعتك هذه الشاة على أنها ميتة فإذا هي ذكية جاز بالإجماع؛ لأن ~~الميتة ليست بمحل للبيع فلغت التسمية، وبقيت الإشارة إلى الذكية. # ولو قال: بعتك هذا الثوب القز فإذا هو ملحم ينظر إن كان سداه من القز، ~~ولحمته من غيره لا ينعقد، وإن كان لحمته من القز، فالبيع جائز؛ لأن الأصل ~~في الثوب هو اللحمة؛ لأنه إنما يصير ثوبا بها فإذا كانت لحمته من غير القز ~~فقد اختلف الجنس فكانت العبرة للتسمية، والمسمى معدوم فلم ينعقد البيع وإذا ~~كانت من القز فالجنس لم يختلف فتعتبر الإشارة، والمشار إليه موجود فكان ~~محلا للبيع إلا أنه يثبت الخيار للمشتري؛ لأن كون السدى منه أمر مرغوب فيه، ~~وقد فات فوجب الخيار، وكذلك إذا قال: بعتك هذا الثوب الخز بكذا، فإذا هو ~~ملحم فهو على التفصيل إلا أن لحمته إذا كانت خزا وسداه من غيره حتى جاز ~~البيع فقد قيل: إنه ينبغي أن لا يثبت الخيار للمشتري ههنا؛ لأن الخز هكذا ~~ينسج بخلاف القز. # ولو باع جبة على أن بطانتها وظهارتها كذا، وحشوها كذا فإن كانت الظهارة ~~من غير ما شرط لا ينعقد البيع، وإن كانت البطانة والحشو مما شرط، وإن كانت ~~الظهارة مما شرط جاز البيع وإن كانت البطانة، والحشو من غير ما شرط؛ لأن ~~الأصل هو الظهارة ألا ترى أنه ينسب الثوب إليها، ويختلف الاسم باختلافها؟ ~~وإنما البطانة تجري مجرى التابع لها وكذا الحشو فكان المعقود عليه ms2920 هو ~~الظهارة، وما سواها جاريا مجرى الوصف لها ففواته لا يمنع الجواز، ولكنه ~~يوجب الخيار لأنه فات شيء مرغوب فيه. # ولو قال: بعتك هذه الدار على أن فيها بناء فإذا لا بناء فيها فالبيع ~~جائز، والمشتري بالخيار إن شاء أخذ بجميع الثمن، وإن شاء ترك فرق بين هذا، ~~وبين ما إذا قال: بعتك هذه الدار على أن بناءها آجر، فإذا هو لبن أنه لا ~~ينعقد. # (ووجه) الفرق أن الآجر مع اللبن يتفاوتان في المنفعة تفاوتا فاحشا ~~فالتحقا بمختلفي الجنس على ما بينا فيما تقدم. # (ومنها) أن يكون مالا لأن البيع مبادلة المال بالمال، فلا ينعقد بيع ~~الحر؛ لأنه ليس بمال، وكذا بيع أم الولد؛ لأنها حرة من وجه لما روي عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أعتقها ولدها» وروي عنه - عليه ~~الصلاة والسلام - أنه قال في أم الولد: «لا تباع ولا توهب وهي حرة من ~~الثلث» نفى - عليه الصلاة والسلام - جواز بيعها مطلقا وسماها حرة فلا تكون ~~مالا على الإطلاق خصوصا على أصل # PageV05P140 # أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأن الاستيلاد يوجب سقوط المالية عنده حتى ~~لا تضمن بالغصب، والبيع الفاسد والإعتاق، وإنما تضمن بالقتل لا غير؛ لأن ~~ضمان القتل ضمان الدم لا ضمان المال والمسألة تأتي في موضعها إن شاء الله ~~تعالى # ولا بيع المدبر المطلق - عندنا - وقال الشافعي - عليه الرحمة -: " بيع ~~المدبر جائز " واحتج بما روي عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - أجاز بيع المدبر وعن سيدتنا عائشة - رضي ~~الله عنها - أنها دبرت مملوكة لها فغضبت عليها فباعتها؛ ولأن التدبير تعليق ~~العتق بالموت، والمعلق بالشرط عدم قبل وجود الشرط، فلم يكن العتق ثابتا ~~أصلا قبل الموت، فيجوز بيعه كما إذا علق عتق عبده بدخول الدار، ونحو ذلك ثم ~~باعه قبل أن يدخل الدار، وكما في المدبر المقيد. # (ولنا) ما روى أبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله الأنصاري - رضي الله ~~عنهما - أن النبي - عليه الصلاة والسلام - «نهى عن بيع ms2921 المدبر» ومطلق النهي ~~محمول على التحريم وروي عن عبد الله ابن سيدنا عمر - رضي الله عنهما - أن ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - قال: «المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من ~~الثلث» . # وهذا نص في الباب؛ ولأنه حر من وجه، فلا يجوز بيعه كأم الولد، والدليل ~~على أنه حر من وجه: الاستدلال بضرورة الإجماع، وهو أنه يعتق بعد الموت ~~بالإجماع، والحرية لا بد لها من سبب، وليس ذلك إلا الكلام السابق، وليس هو ~~بتحرير بعد الموت؛ لأن التحرير فعل اختياري، وأنه لا يتحقق من الميت فكان ~~تحريرا من حين وجوده، فكان ينبغي أن تثبت به الحرية من كل وجه للحال إلا ~~أنها تأخرت من وجه إلى آخر جزء من أجزاء حياته بالإجماع، ولا إجماع على ~~التأخير من وجه فبقيت الحرية من وجه ثابتة للحال فلا يكون مالا مطلقا، فلا ~~يجوز بيعه. # وحديث جابر وسيدتنا عائشة - رضي الله عنهما - حكاية فعل يحتمل أنه - أجاز ~~- عليه الصلاة والسلام - بيع مد مقيدا أو باع مدبرا مقيدا، ويحتمل أن يكون ~~المراد منه الإجارة؛ لأن الإجارة بلغة أهل المدينة تسمى بيعا ويحتمل أنه ~~كان في ابتداء الإسلام حين كان بيع المدبر مشروعا ثم نسخ فلا يكون حجة مع ~~الاحتمال. # (وأما) المدبر المقيد فهناك لا يمكن أن يجعل الكلام السابق إيجابا من حين ~~وجوده؛ لأنه علق عتقه بموت موصوف بصفة، واحتمل أن يموت من ذلك المرض والسفر ~~أو لا، فكان الخطر قائما فكان تعليقا، فلم يكن إيجابا ما دام الخطر قائما ~~ومتى اتصل به الموت يظهر أنه كان تحريرا من وجه من حين وجوده لكن لا يتعلق ~~به حكم والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # ولا بيع المكاتب لأنه حر يدا فلا تثبت يد تصرف الغير عليه ولا بيع معتق ~~البعض موسرا كان المعتق أو معسرا عند أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم -؛ ~~لأنه بمنزلة المكاتب عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعندهما هو حر عليه ~~دين. # (وأما) عند الشافعي - رضي الله عنه - فإن كان المعتق معسرا فلشريكه ~~الساكت أن ms2922 يبيع نصيبه بناء على أصله أن المعتق إن كان معسرا فالإعتاق منجز ~~فبقي نصيب شريكه على ملكه، فيجوز له بيعه، وكل جواب عرفته في هؤلاء فهو ~~الجواب في الأولاد من هؤلاء؛ لأن الولد يحدث على وصف الأم، ولهذا كان ولد ~~الحرة حرا، وولد الأمة رقيقا وكما لا ينعقد بيع المكاتب، وولده المولود في ~~الكتابة لا ينعقد بيع ولده المشترى في الكتابة، ووالدته؛ لأنهم تكاتبوا ~~بالشراء. # (وأما) من سواهم من ذوي الأرحام إذا اشتراهم يجوز بيعهم عند أبي حنيفة - ~~رضي الله عنه -؛ لأنهم لم يتكاتبوا بالشراء وعند أبي يوسف ومحمد: لا يجوز ~~لأنهم تكاتبوا وهي مسألة كتاب المكاتب. # ولا ينعقد بيع الميتة والدم؛ لأنه ليس بمال، وكذلك ذبيحة المجوسي ~~والمرتد، والمشرك؛ لأنها ميتة، وكذا متروك التسمية عمدا - عندنا - خلافا ~~للشافعي وهي مسألة. # (كتاب الذبائح) وكذا ذبيحة المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأنها في معنى ~~الميتة، وكذا ما ذبح من صيد الحرم محرما كان الذابح، أو حلالا، وما ذبحه ~~المحرم من الصيد سواء كان صيد الحرم أو الحل؛ لأن ذلك ميتة. # ولا ينعقد بيع صيد الحرم محرما كان البائع أو حلالا؛ لأنه حرام الانتفاع ~~به شرعا، فلم يكن مالا، ولا بيع صيد المحرم سواء كان صيد الحرم أو الحل؛ ~~لأنه حرام الانتفاع به في حقه، فلا يكون مالا في حقه، ولو وكل محرم حلالا ~~ببيع صيد فباعه فالبيع جائز عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد: باطل، وهو ~~على اختلافهم في مسلم وكل ذميا ببيع خمر فباعها. # (وجه) قولهما أن البائع هو الموكل معنى؛ لأن حكم البيع يقع له، والمحرم ~~ممنوع عن تمليك الصيد، وتملكه. # (وجه) قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن البائع في الحقيقة هو الوكيل؛ ~~لأن بيعه كلامه القائم به حقيقة # PageV05P141 # ولهذا ترجع حقوق العقد إليه إلا أن الموكل يقوم مقامه شرعا في نفس الحكم ~~مع اقتصار نفس التصرف على مباشرته حقيقة، والمحرم من أهل ثبوت الملك له في ~~الصيد حكما لا يتملكه حقيقة ألا يرى أنه يرثه؟ وهذا؛ ms2923 لأن المنع إنما يكون ~~عما للعبد فيه صنع، ولا صنع له فيما يثبت حكما فلا يحتمل المنع ولو باع ~~حلال حلالا صيدا ثم أحرم أحدهما قبل القبض يفسخ البيع؛ لأن الإحرام كما ~~يمنع البيع والشراء يمنع التسليم والقبض؛ لأنه عقد من وجه على ما عرف فيلحق ~~به في حق الحرمة احتياطا ولو وكل حلال حلالا ببيع صيد فباعه ثم أحرم الموكل ~~قبل قبض المشتري فعلى قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - جاز البيع وعلى ~~قياس قولهما: يبطل لأن الإحرام القائم لا يمنع من جواز التوكيل عنده، ~~فالطارئ لا يبطله، وعندهما القائم يمنع، فالطارئ يبطله حلالان تبايعا صيدا ~~في الحل، وهما في الحرم جاز عند أبي حنيفة وعند محمد: لا يجوز. # (وجه) قول محمد أن كون الحرم مأمنا يمنع من التعرض للصيد سواء كان ~~المتعرض في الحرم أو الحل بعد أن كان المتعرض في الحرم ألا ترى: أنه لا يحل ~~للحلال الذي في الحرم أن يرمي إلى الصيد الذي في الحل، كما لا يحل له أن ~~يرمي إليه إذا كان في الحرم؟ . # (وجه) قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن كونه في الحرم يمنع من التعرض ~~لصيد الحل لكن حسا لا شرعا بدليل أن الحلال في الحرم إذا أمر حلالا آخر ~~بذبح صيد في الحل جاز ولو ذبح حل أكله، ومعلوم أن الأمر بالذبح في معنى ~~التعرض للصيد فوق البيع والشراء فلما لم يمنع من ذلك، فلأن لا يمنع من هذا ~~أولى، وهذا لأن المنع من التعرض إنما كان احتراما للحرم فكل ما فيه ترك ~~احترامه يجب صيانة الحرم عنه وذلك بمباشرة سبب الإيذاء في الحرم ولم يوجد ~~في البيع والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # ولا بيع لحم السبع؛ لأنه لا يباح الانتفاع به شرعا فلم يكن مالا وروي عن ~~أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه يجوز بيعه إذا ذبح؛ لأنه صار طاهرا بالذبح. # وأما جلد السبع، والحمار، والبغل فإن كان مدبوغا أو مذبوحا يجوز بيعه؛ ~~لأنه مباح الانتفاع به شرعا فكان ms2924 مالا، وإن لم يكن مدبوغا ولا مذبوحا لا ~~ينعقد بيعه؛ لأنه إذا لم يدبغ ولم يذبح بقيت رطوبات الميتة فيه فكان حكمه ~~حكم الميتة. # ولا ينعقد بيع جلد الخنزير كيف ما كان؛ لأنه نجس العين بجميع أجزائه، ~~وقيل: إن جلده لا يحتمل الدباغ، وأما عظم الميتة وعصبها، وشعرها، وصوفها، ~~ووبرها، وريشها، وخفها وظلفها، وحافرها فيجوز بيعها، والانتفاع بها - عندنا ~~وعند الشافعي - رحمه الله - لا يجوز بناء على أن هذه الأشياء طاهرة - عندنا ~~- وعنده نجسة، واحتج بقوله - سبحانه وتعالى - {حرمت عليكم الميتة} ~~[المائدة: 3] وهذه من أجزاء الميتة فتكون حراما فلا يجوز بيعها وقال - عليه ~~الصلاة والسلام -: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» # (ولنا) قوله - سبحانه وتعالى -: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا} [النحل: ~~80] قوله - عز وجل - {ومن أصوافها وأوبارها} [النحل: 80] الآية أخبر - ~~سبحانه وتعالى - أنه جعل هذه الأشياء لنا ومن علينا بذلك من غير فصل بين ~~الذكية والميتة فيدل على تأكد الإباحة؛ ولأن حرمة الميتة ليست لموتها فإن ~~الموت موجود في السمك، والجراد، وهما حلالان قال - عليه الصلاة والسلام -: ~~«أحل لنا ميتتان ودمان» بل لما فيها من الرطوبات السيالة، والدماء النجسة؛ ~~لانجمادها بالموت، ولهذا يطهر الجلد بالدباغ حتى يجوز بيعه لزوال الرطوبة ~~عنه ولا رطوبة في هذه الأشياء، فلا تكون حراما، ولا حجة له في هذا الحديث؛ ~~لأن الإهاب اسم لغير المدبوغ لغة، والمراد من العصب حال الرطوبة يحمل عليه ~~توفيقا بين الدلائل. # وأما عظم الخنزير، وعصبه فلا يجوز بيعه، لأنه نجس العين وأما شعره فقد ~~روي: أنه طاهر يجوز بيعه والصحيح أنه نجس لا يجوز بيعه؛ لأنه جزء منه إلا ~~أنه رخص في استعماله للخرازين للضرورة وأما عظم الآدمي وشعره، فلا يجوز ~~بيعه لا لنجاسته؛ لأنه طاهر في الصحيح من الرواية لكن احتراما له والابتذال ~~بالبيع يشعر بالإهانة، وقد روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ~~«لعن الله الواصلة، والمستوصلة» وأما عظم الكلب، وشعره فقد اختلف المشايخ ~~فيه على الأصل الذي ذكرنا. # وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ms2925 رحمهما الله أنه لا بأس ببيع عظم الفيل، ~~والانتفاع به وقال محمد - رحمه الله - عظم الفيل نجس لا يجوز بيعه ولا ~~الانتفاع به ذكره في العيون. # ويجوز بيع كل ذي مخلب من الطير معلما كان أو غير معلم بلا خلاف. # وأما بيع كل ذي ناب من السباع سوى الخنزير كالكلب، والفهد، والأسد ~~والنمر، والذئب، والهر، ونحوها فجائز عند أصحابنا، وعند الشافعي # PageV05P142 # - رحمه الله -: لا يجوز ثم عندنا: لا فرق بين المعلم، وغير المعلم في ~~رواية الأصل فيجوز بيعه كيف ما كان وروي عن أبي يوسف - رحمه الله -: أنه لا ~~يجوز بيع الكلب العقور، واحتج الشافعي - رحمه الله - بما روي عن النبي ~~المكرم - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «ومن السحت مهر البغي، وثمن ~~الكلب» ولو جاز بيعه لما كان ثمنه سحتا، ولأنه نجس العين، فلا يجوز بيعه ~~كالخنزير إلا أنه رخص الانتفاع به بجهة الحراسة، والاصطياد للحاجة، ~~والضرورة، وهذا لا يدل على جواز البيع كما في شعر الخنزير. # (ولنا) : أن الكلب مال، فكان محلا للبيع كالصقر، والبازي، والدليل على ~~أنه مال أنه منتفع به حقيقة مباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق فكان مالا، ~~ولا شك أنه منتفع به حقيقة، والدليل على أنه مباح الانتفاع به شرعا على ~~الإطلاق أن الانتفاع به بجهة الحراسة، والاصطياد مطلق شرعا في الأحوال كلها ~~فكان محلا للبيع؛ لأن البيع إذا صادف محلا منتفعا به حقيقة مباح الانتفاع ~~به على الإطلاق مست الحاجة إلى شرعه؛ لأن شرعه يقع سببا، ووسيلة للاختصاص ~~القاطع للمنازعة إذ الحاجة إلى قطع المنازعة فيما يباح الانتفاع به شرعا ~~على الإطلاق لا فيما يجوز. # (وأما) الحديث فيحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام؛ لأنهم كانوا ألفوا ~~اقتناء الكلاب فأمر بقتلها، ونهى عن بيعها مبالغة في الزجر أو يحمل على هذا ~~توفيقا بين الدلائل قوله: أنه نجس العين، قلنا: هذا ممنوع فإنه يباح ~~الانتفاع به شرعا على الإطلاق اصطيادا، وحراسة. # ونجس العين لا يباح الانتفاع به شرعا إلا في حالة الضرورة كالخنزير. # ولا ينعقد بيع ms2926 الخنزير من المسلم؛ لأنه ليس بمال في حق المسلمين فأما أهل ~~الذمة فلا يمنعون من بيع الخمر، والخنزير أما على قول بعض مشايخنا فلأنه ~~مباح الانتفاع به شرعا لهم كالخل، وكالشاة لنا فكان مالا في حقهم فيجوز ~~بيعه. # وروي عن سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتب إلى عشاره بالشام أن ~~ولوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها، ولو لم يجز بيع الخمر منهم لما أمرهم ~~بتوليتهم البيع، وعن بعض مشايخنا: حرمة الخمر، والخنزير ثابتة على العموم ~~في حق المسلم، والكافر؛ لأن الكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات هو الصحيح من ~~مذهب أصحابنا فكانت الحرمة ثابتة في حقهم لكنهم لا يمنعون عن بيعها؛ لأنهم ~~لا يعتقدون حرمتها، ويتمولونها. # ونحن أمرنا بتركهم، وما يدينون، ولو باع ذمي من ذمي خمرا، أو خنزيرا ثم ~~أسلما أو أسلم أحدهما قبل القبض يفسخ البيع؛ لأنه بالإسلام حرم البيع، ~~والشراء، فيحرم القبض، والتسليم أيضا؛ لأنه يشبه الإنشاء أو إنشاء من وجه ~~فيلحق به في باب الحرمات احتياطا، وأصله قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 278] والأمر ~~بترك ما بقي من الربا هو النهي عن قبضته يؤيده قوله تعالى في آخر الآية ~~الشريفة: {وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} [البقرة: 279] ~~وإذا حرم القبض، والتسليم لم يكن في بقاء العقد فائدة، فيبطله القاضي كمن ~~باع عبدا فأبق قبل القبض، ولو كان إسلامهما أو إسلام أحدهما بعد القبض مضى ~~البيع؛ لأن الملك قد ثبت على الكمال بالعقد، والقبض في حالة الكفر، وإنما ~~يوجد بعد الإسلام دوام الملك. # والإسلام لا ينافي ذلك فإن من تخمر عصيره لا يؤمر بإبطال ملكه فيها، ولو ~~أقرض الذمي ذميا خمرا ثم أسلم أحدهما فإن أسلم المقرض سقطت الخمر، ولا شيء ~~له من قيمة الخمر على المستقرض أما سقوط قيمة الخمر، فلأن العجز عن قبض ~~المثل جاء من قبله فلا شيء له، وإن أسلم المستقرض. # روي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ms2927 - رحمه الله - أنه تسقط الخمر، وليس عليه ~~قيمة الخمر أيضا كما لو أسلم المقرض، وروى محمد، وزفر، وعافية بن زياد ~~القاضي عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم - أن عليه قيمة الخمر، وهو قول محمد - ~~رحمه الله -. # (وجه) هذه الرواية أن امتناع التسليم من المستقرض إنما جاء لمعنى من ~~قبله، وهو إسلامه فكأنه استهلك عليه خمره، والمسلم إذا استهلك خمر الذمي ~~يضمن قيمته. # (وجه) رواية أبي يوسف - رحمه الله - أنه لا سبيل إلى تسليم المثل؛ لأنه ~~يمنع منه، ولا إلى القيمة؛ لأن ذلك يوجب ملك المستقرض، والإسلام يمنع منه، ~~والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # وأما القرد. # فعن أبي حنيفة - رضي الله عنه - روايتان. # (وجه) رواية عدم الجواز أنه غير منتفع به شرعا فلا يكون مالا كالخنزير. # (وجه) رواية الجواز: أنه إن لم يكن منتفعا به بذاته يمكن الانتفاع بجلده، ~~والصحيح هو الأول؛ لأنه لا يشترى للانتفاع بجلده عادة بل للهو به، وهو حرام ~~فكان هذا بيع الحرام للحرام، وأنه لا يجوز. # ويجوز بيع الفيل # PageV05P143 # بالإجماع؛ لأنه منتفع به حقيقة مباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق فكان ~~مالا. # ولا ينعقد بيع الحية، والعقرب، وجميع هوام الأرض كالوزغة، والضب، ~~والسلحفاة، والقنفذ، ونحو ذلك؛ لأنها محرمة الانتفاع بها شرعا؛ لكونها من ~~الخبائث فلم تكن أموالا فلم يجز بيعها، وذكر في الفتاوى أنه يجوز بيع الحية ~~التي ينتفع بها للأدوية، وهذا غير سديد؛ لأن المحرم شرعا لا يجوز الانتفاع ~~به للتداوي كالخمر، والخنزير وقال النبي - عليه الصلاة والسلام -: «لم يجعل ~~شفاؤكم فيما حرم عليكم» فلا تقع الحاجة إلى شرع البيع. # ولا ينعقد بيع شيء مما يكون في البحر كالضفدع، والسرطان إلا السمك، وما ~~يجوز الانتفاع بجلده، أو عظمه؛ لأن ما لا يجوز الانتفاع بجلده، ولا به، ولا ~~بعظمه لا يكون مالا فلا يكون محلا للبيع، وقد روي أن النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - «سئل عن الضفدع يجعل في دواء فنهى عنه، وقال: خبيثة من الخبائث» ~~، وذكر أبو بكر الإسكافي - رحمه الله -: أنه لا يجوز، وذكر في الفتاوى: ms2928 أنه ~~يجوز؛ لأن الناس ينتفعون به. # ولا ينعقد بيع النحل إلا إذا كان في كوارته عسل فباع الكوارة بما فيها من ~~العسل، والنحل، وروى هشام عن محمد أنه يجوز بيعه منفردا من غير كوارته إذا ~~كان مجموعا، وهو قول الشافعي - رحمه الله -؛ لأن النحل حيوان منتفع به ~~فيجوز بيعه. # (ولنا) : أنه ليس بمنتفع به فلم يكن مالا بنفسه بل بما يحدث منه، وهو ~~معدوم حتى لو باعه مع الكوارة، وفيها عسل يجوز بيعه تبعا للعسل، ويجوز أن ~~لا يكون الشيء محلا للبيع بنفسه مفردا، ويكون محلا للبيع مع غيره كالشرب، ~~وأنكر الكرخي - رحمه الله - هذا فقال: إنما يدخل فيه تبعا إذا كان من حقوقه ~~كما في الشرب مع الأرض، وهذا ليس من حقوقه، وعلى هذا بيع دود القز لا ينعقد ~~إلا إذا كان معه قز، وروى محمد أنه يجوز بيعه مفردا، والحجج على نحو ما ~~ذكرنا في النحل، ولا ينعقد بيع بذر الدود عند أبي حنيفة - رحمه الله - كما ~~لا ينعقد بيع الدود، وعندهما يجوز بيعه. # (ووجه) الكلام فيه على نحو ما ذكرنا في بيع النحل، والدود. # ويجوز بيع السرقين، والبعر؛ لأنه مباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق فكان ~~مالا، ولا ينعقد بيع العذرة الخالصة؛ لأنه لا يباح الانتفاع بها بحال، فلا ~~تكون مالا إلا إذا كان مخلوطا بالتراب، والتراب غالب فيجوز بيعه؛ لأنه يجوز ~~الانتفاع به. # وروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه قال: " كل شيء أفسده الحرام، ~~والغالب عليه الحلال فلا بأس ببيعه " ونبين ذلك، وما كان الغالب عليه ~~الحرام لم يجز بيعه، ولا هبته كالفأرة إذا وقعت في العجين، والسمن المائع، ~~وكذلك قال محمد في الزيت إذا وقع فيه ودك الميتة: " إنه إن كان الزيت غالبا ~~يجوز بيعه، وإن كان الودك غالبا لا يجوز بيعه " لأن الحلال إذا كان هو ~~الغالب يجوز الانتفاع به استصحابا، ودبغا على ما ذكرنا في. # (كتاب الطهارات) فكان مالا فيجوز بيعه، وإذا كان الحرام هو الغالب لم يجز ~~الانتفاع به بوجه ms2929 فلم يكن مالا فلا يجوز بيعه. # ويجوز بيع آلات الملاهي من البربط، والطبل، والمزمار، والدف، ونحو ذلك ~~عند أبي حنيفة لكنه يكره وعند أبي يوسف، ومحمد: لا ينعقد بيع هذه الأشياء؛ ~~لأنها آلات معدة للتلهي بها موضوعة للفسق، والفساد فلا تكون أموالا فلا ~~يجوز بيعها ولأبي حنيفة - رحمه الله - أنه يمكن الانتفاع بها شرعا من جهة ~~أخرى بأن تجعل ظروفا لأشياء، ونحو ذلك من المصالح فلا تخرج عن كونها ~~أموالا، وقولهما: إنها آلات التلهي، والفسق بها قلنا نعم لكن هذا لا يوجب ~~سقوط ماليتها كالمغنيات، والقيان، وبدن الفاسق، وحياته، وماله، وهذا؛ لأنها ~~كما تصلح للتلهي تصلح لغيره على ماليتها بجهة إطلاق الانتفاع بها لا بجهة ~~الحرمة، ولو كسرها إنسان ضمن عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما لا يضمن، ~~وعلى هذا الخلاف بيع النرد، والشطرنج، والصحيح قول أبي حنيفة - رضي الله ~~عنه -؛ لأن كل واحد منهما منتفع به شرعا من، وجه آخر بأن يجعل صنجات ~~الميزان فكان مالا من هذا الوجه فكان محلا للبيع مضمونا بالإتلاف # ويجوز بيع ما سوى الخمر من الأشربة المحرمة كالسكر، ونقيع الزبيب، ~~والمنصف، ونحوها عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف، ومحمد: لا يجوز؛ لأنه إذا ~~حرم شربها لم تكن مالا فلا تكون محلا للبيع كالخمر، ولأن ما حرم شربه لا ~~يجوز بيعه لما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «لعن الله ~~اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها، وباعوها، وإن الله إذا حرم شيئا حرم ~~بيعه، وأكل ثمنه» ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن حرمة هذه الأشربة ما ثبتت ~~بدليل متيقن مقطوع به لكونها محل الاجتهاد # PageV05P144 # والمالية قبل حدوث الشدة كانت ثابتة بيقين فلا تبطل بحرمة ثابتة ~~بالاجتهاد فبقيت أموالا، وبه تبين أن المراد من الحديث محرم، ثبتت حرمته ~~بدليل مقطوع به، ولم يوجد ههنا بخلاف الخمر؛ لأن حرمتها ثبتت بدليل مقطوع ~~به فبطلت ماليتها، والله - سبحانه، وتعالى - أعلم. # ولا ينعقد بيع الملاقيح، والمضامين الذي، ورد النهي عنه؛ لأن المضمون ما ~~في صلب الذكر، والملقوح ما في ms2930 رحم الأنثى، وذلك ليس بمال، وعلى هذا أيضا ~~يخرج بيع عسب الفحل؛ لأن العسب هو الضراب، وأنه ليس بمال، وقد يخرج على هذا ~~بيع الحمل أنه لا ينعقد؛ لأن الحمل ليس بمال. # ولا ينعقد بيع لبن المرأة في قدح عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله - يجوز ~~بيعه. # (وجه) قوله أن هذا مشروب طاهر فيجوز بيعه كلبن البهائم، والماء. # (ولنا) أن اللبن ليس بمال فلا يجوز بيعه، والدليل على أنه ليس بمال إجماع ~~الصحابة - رضي الله عنهم -، والمعقول. # أما إجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - عنهم فما روي عن سيدنا عمر، ~~وسيدنا علي - رضي الله تعالى عنهما - أنهما حكما في، ولد المغرور بالقيمة، ~~وبالعقر بمقابلة الوطء، وما حكما بوجوب قيمة اللبن بالاستهلاك، ولو كان ~~مالا لحكما؛ لأن المستحق يستحق بدل إتلاف ماله بالإجماع، ولكان إيجاب ~~الضمان بمقابلته أولى من إيجاب الضمان بمقابلة منافع البضع؛ لأنها ليست ~~بمال فكانت حاجة المستحق إلى ضمان المال أولى، وكان ذلك بمحضر من الصحابة - ~~رضي الله عنهم -، ولم ينكر عليهما أحد فكان إجماعا. # (وأما) المعقول فهو؛ لأنه لا يباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق بل ~~لضرورة تغذية الطفل، وما كان حرام الانتفاع به شرعا إلا لضرورة لا يكون ~~مالا كالخمر، والخنزير، والدليل عليه أن الناس لا يعدونه مالا، ولا يباع في ~~سوق ما من الأسواق دل أنه ليس بمال فلا يجوز بيعه، ولأنه جزء من الآدمي، ~~والآدمي بجميع أجزائه محترم مكرم، وليس من الكرامة، والاحترام ابتذاله ~~بالبيع، والشراء، ثم لا فرق بين لبن الحرة، وبين لبن الأمة في ظاهر ~~الرواية، وعند أبي يوسف - رحمه الله - أنه يجوز بيع لبن الأمة؛ لأنه جزء من ~~آدمي هو مال فكان محلا للبيع كسائر أجزائه. # (ولنا) أن الآدمي لم يجعل محلا للبيع إلا بحلول الرق فيه، والرق لا يحل ~~إلا في الحي، واللبن لا حياة فيه فلا يحله الرق فلا يكون محلا للبيع سفل، ~~وعلو بين رجلين انهدما فباع صاحب العلو علوه لم يجز؛ لأن الهواء ليس بمال. # ولو جمع بين ms2931 ما هو مال، وبين ما ليس بمال في البيع بأن جمع بين حر، وعبد ~~أو بين عصير، وخمر أو بين ذكية، وميتة، وباعهما صفقة واحدة، فإن لم يبين ~~حصة كل، واحد منهما من الثمن لم ينعقد العقد أصلا بالإجماع، وإن بين فكذلك ~~عند أبي حنيفة، وعندهما يجوز في العصير، والعبد، والذكية، ويبطل في الحر، ~~والخمر، والميتة، ولو جمع بين قن، ومدبر أو أم ولد، ومكاتب أو بين عبده، ~~وعبد غيره، وباعهما صفقة واحدة؛ جاز البيع في عبده بلا خلاف. # (وجه) قولهما أن الفساد بقدر المفسد؛ لأن الحكم يثبت بقدر العلة، والمفسد ~~خص أحدهما، فلا يتعمم الحكم مع خصوص العلة، فلو جاء الفساد إنما يجيء من ~~قبل جهالة الثمن، فإذا بين حصة كل، واحد منهما من الثمن؛ فقد زال هذا ~~المعنى أيضا، ولهذا جاز بيع القن إذا جمع بينه، وبين المدبر أو المكاتب أو ~~أم الولد، وباعهما صفقة واحدة، كذا هذا، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أن ~~الصفقة واحدة، وقد فسدت في أحدهما فلا تصح في الآخر. # والدليل على أن الصفقة واحدة أن لفظ البيع والشراء لم يتكرر، والبائع، ~~واحد، والمشتري واحد، وتفريق الثمن وهو التسمية لكل واحد منهما لا يمنع ~~اتحاد الصفقة، دل أن الصفقة واحدة، وقد فسدت في أحدهما بيقين لخروج الحر ~~والخمر والميتة عن محلية البيع بيقين، فلا يصح في الآخر لاستحالة كون ~~الصفقة الواحدة صحيحة وفاسدة، ولهذا لم يصح إذا لم يسم لكل واحد منهما ثمنا ~~فكذا إذا سمى؛ لأن التسمية وتفريق الثمن لا يوجب تعدد الصفقة لاتحاد البيع ~~والعاقدين بخلاف الجمع بين العبد والمدبر؛ لأن هناك الصفقة ما فسدت في ~~أحدهما بيقين بل بالاجتهاد الذي يحتمل الصواب والخطأ فاعتبر هذا الاحتمال ~~في تصحيح الإضافة إلى المدبر؛ ليظهر في حق القن إن لم يمكن إظهاره في حقه، ~~ولأنه لما جمع بينهما في الصفقة قد جعل قبول العقد في أحدهما شرط القبول في ~~الآخر بدليل أنه لو قبل العقد في أحدهما دون الآخر لا يصح، والحر لا يحتمل ms2932 ~~قبول العقد فيه، فلا يصح القبول في الآخر بخلاف المدبر؛ لأنه محل لقبول ~~العقد فيه في الجملة، فصح قبول العقد فيه إلا أنه تعذر إظهاره فيه بنوع ~~اجتهاد فيجب إظهاره في القن؛ ولأن في تصحيح العقد في # PageV05P145 # أحدهما تفريق الصفقة على البائع قبل التمام؛ لأنه أوجب البيع فيهما، ~~فالقبول في أحدهما يكون تفريقا، وهذا لا يجوز بخلاف ما إذا جمع بين القن ~~والمدبر، لأن المدبر محل لقبول البيع فيه لكونه مملوكا له إلا أنه لم ينفذ ~~للحال مع احتمال النفاذ في الجملة بقضاء القاضي لحق المدبر. # وهذا يمنع محلية القبول في حق نفسه لا في صاحبه فيجعل محلا في حق صاحبه، ~~والدليل على التفرقة بين الفصلين أن الحكم ههنا يختلف بين أن يسمي لكل واحد ~~منهما ثمنا أو لا يسمي، وهناك لا يختلف دل أن الفرق بينهما لما ذكرنا، وعلى ~~هذا الخلاف إذا جمع بين شاة ذكية، وبين متروك التسمية عمدا ثم إذا جاز ~~البيع في أحدهما عندهما فهل يثبت الخيار فيه إن علم بالحرام؟ يثبت؛ لأن ~~الصفقة تفرقت عليه، وإن لم يعلم لا؛ لأنه رضي بالتفريق، والله - سبحانه، ~~وتعالى - أعلم. # (ومنها) أن يكون مملوكا. # لأن البيع تمليك فلا ينعقد فيما ليس بمملوك كمن باع الكلأ في أرض مملوكة، ~~والماء الذي في نهره أو في بئره؛ لأن الكلأ وإن كان في أرض مملوكة فهو ~~مباح، وكذلك الماء ما لم يوجد الإحراز قال النبي: - صلى الله عليه وسلم - ~~«الناس شركاء في ثلاث» ، والشركة العامة هي الإباحة، وسواء خرج الكلأ بماء ~~السماء من غير مؤنة أو ساق الماء إلى أرض ولحقه مؤنة؛ لأن سوق الماء إليه ~~ليس بإحراز فلم يوجد سبب الملك فيه فبقي مباحا كما كان، وكذا بيع الكمأة، ~~وبيع صيد لم يوجد في أرضه لا ينعقد؛ لأنه مباح غير مملوك لانعدام سبب الملك ~~فيه، وكذا بيع الحطب والحشيش والصيود التي في البراري، والطير الذي لم يصد ~~في الهواء، والسمك الذي لم يوجد في الماء. # وعلى هذا يخرج بيع رباع مكة، ms2933 وإجارتها أنه لا يجوز عند أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه - وروي عنه أنه يجوز، وبه أخذ الشافعي - رحمه الله - لعمومات ~~البيع من غير فصل بين أرض الحرم، وغيرها، ولأن الأصل في الأراضي كلها أن ~~تكون محلا للتمليك إلا أنه امتنع تملك بعضها شرعا لعارض الوقف كالمساجد، ~~ونحوها، ولم يوجد في الحرم فبقي محلا للتمليك. # (ولنا) ما روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - أنه قال: «إن الله - تبارك وتعالى - حرم مكة يوم خلقها لم ~~تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار لا يختلى ~~خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يحتش حشيشها» أخبر - عليه ~~الصلاة والسلام - أن مكة حرام، وهي اسم للبقعة، والحرام لا يكون محلا ~~للتمليك. # وروي عن عبد الله ابن سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنهما - عن النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «مكة حرام، وبيع رباعها حرام» ، وهذا نص في ~~الباب، ولأن الله - تبارك وتعالى - وضع للحرم حرمة، وفضيلة، ولذلك جعله - ~~سبحانه وتعالى - مأمنا قال الله - تبارك وتعالى جل شأنه - {أولم يروا أنا ~~جعلنا حرما آمنا} [العنكبوت: 67] . # فابتذاله بالبيع، والشراء، والتمليك، والتملك امتهان، وهذا لا يجوز بخلاف ~~سائر الأراضي، وقيل: إن بقعة مكة وقف حرم سيدنا إبراهيم - عليه الصلاة ~~والسلام - ولا حجة في العمومات؛ لأنه خص منها الحرم بالحديث المشهور، ويجوز ~~بيع بناء بيوت مكة؛ لأن الحرم للبقعة لا للبناء. # وروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه قال: كره إجارة بيوت مكة في ~~الموسم من الحاج، والمعتمر، فأما من المقيم والمجاور فلا بأس بذلك، وهو قول ~~محمد - رحمه الله -. # ويجوز بيع أراضي الخراج، والقطيعة، والمزارعة، والإجارة، والإكارة، ~~والمراد من الخراج أرض سواد العراق التي فتحها سيدنا عمر - رضي الله تعالى ~~عنه -؛ لأنه من عليهم، وأقرهم على أراضيهم فكانت مبقاة على ملكهم فجاز لهم ~~بيعها وأرض القطيعة هي الأرض التي قطعها الإمام لقوم، وخصهم بها فملكوها ~~بجعل الإمام لهم فيجوز بيعها وأرض المزارعة أن ms2934 يدفع الإنسان أرضه إلى من ~~يزرعها، ويقوم بها، وبهذا لا تخرج عن كونها مملوكة، وأرض الإجارة هي الأرض ~~التي يأخذها الإنسان من صاحبها ليعمرها، ويزرعها، وأرض الإكارة التي في ~~أيدي الأكرة فيجوز بيع هذه الأرض؛ لأنها مملوكة لأصحابها. # وأما أرض الموات التي أحياها رجل بغير إذن الإمام فلا يجوز بيعها عند أبي ~~حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنها لا تملك بدون إذن الإمام، وعندهما يجوز ~~بيعها؛ لأنها تملك بنفس الإحياء، والمسألة تذكر في كتاب إحياء الموات. # وذكر القدوري - رحمه الله - أنه لا يجوز بيع دور بغداد، وحوانيت السوق ~~التي للسلطان عليها غلة؛ لأنها ليست بمملوكة لما روي أن المنصور أذن للناس ~~في بنائها، ولم يجعل البقعة ملكا لهم، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (ومنها) وهو شرط انعقاد البيع للبائع أن يكون مملوكا للبائع عند # PageV05P146 # البيع فإن لم يكن لا ينعقد، وإن ملكه بعد ذلك بوجه من الوجوه إلا السلم ~~خاصة، وهذا بيع ما ليس عنده «، ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~بيع ما ليس عند الإنسان، ورخص في السلم» ، ولو باع المغصوب فضمنه المالك ~~قيمته نفذ بيعه؛ لأن سبب الملك قد تقدم فتبين أنه باع ملك نفسه، وههنا تأخر ~~سبب الملك فيكون بائعا ما ليس عنده فدخل تحت النهي، والمراد منه بيع ما ليس ~~عنده ملكا؛ لأن قصة الحديث تدل عليه فإنه روي أن «حكيم بن حزام كان يبيع ~~الناس أشياء لا يملكها، ويأخذ الثمن منهم ثم يدخل السوق فيشتري، ويسلم ~~إليهم فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لا تبع ما ليس عندك» ~~، ولأن بيع ما ليس عنده بطريق الأصالة عن نفسه تمليك ما لا يملكه بطريق ~~الأصالة، وأنه محال. # وهو الشرط فيما يبيعه بطريق الأصالة عن نفسه فأما ما يبيعه بطريق النيابة ~~عن غيره ينظر إن كان البائع وكيلا وكفيلا فيكون المبيع مملوكا للبائع ليس ~~بشرط، وإن كان فضوليا فليس بشرط للانعقاد عندنا بل هو من شرائط النفاذ فإن ~~بيع الفضولي عندنا منعقد موقوف على إجازة ms2935 المالك، فإن أجاز نفذ، وإن رد ~~بطل، وعند الشافعي - رحمه الله - هو شرط الانعقاد لا ينعقد بدونه، وبيع ~~الفضولي باطل عنده، وسيأتي إن شاء الله - تعالى -. # (ومنها) أن يكون مقدور التسليم عند العقد، فإن كان معجوز التسليم عنده لا ~~ينعقد، وإن كان مملوكا له كبيع الآبق في جواب ظاهر الروايات حتى لو ظهر ~~يحتاج إلى تجديد الإيجاب والقبول إلا إذا تراضيا فيكون بيعا مبتدأ بالتعاطي ~~فإن لم يتراضيا وامتنع البائع من التسليم لا يجبر على التسليم، ولو سلم ~~وامتنع المشتري من القبض لا يجبر على القبض وذكر الكرخي - رحمه الله - أنه ~~ينعقد بيع الآبق حتى لو ظهر وسلم يجوز، ولا يحتاج إلى تجديد البيع إلا إذا ~~كان القاضي فسخه بأن رفعه المشتري إلى القاضي فطالبه بالتسليم وعجز عن ~~التسليم ففسخ القاضي البيع بينهما ثم ظهر العبد. # وجه قول الكرخي - رحمه الله - أن الإباق لا يوجب زوال الملك ألا ترى أنه ~~لو أعتقه أو دبره ينفذ، ولو، وهبه من ولده الصغير يجوز وكان ملكا له فقد ~~باع مالا مملوكا له إلا أنه لم ينفذ للحال للعجز عن التسليم فإن سلم زال ~~المانع فينفذ، وصار كبيع المغصوب الذي في يد الغاصب إذا باعه المالك لغيره ~~أنه ينعقد موقوفا على التسليم لما قلنا كذا هذا وجه ظاهر الروايات أن ~~القدرة على التسليم لذا العاقد شرط انعقاد العقد؛ لأنه لا ينعقد إلا ~~لفائدة، ولا يفيد إذا لم يكن قادرا على التسليم، والعجز عن التسليم ثابت ~~حالة العقد، وفي حصول القدرة بعد ذلك شك، واحتمال قد يحصل وقد لا يحصل، وما ~~لم يكن منعقدا بيقين لا ينعقد لفائدة تحتمل الوجود والعدم على الأصل ~~المعهود أن ما لم يكن ثابتا بيقين أنه لا يثبت بالشك، والاحتمال بخلاف ما ~~إذا أبق بعد البيع قبل القبض أنه لا ينفسخ؛ لأن القدرة على التسليم كانت ~~ثابتة لذا العقد فانعقد ثم زالت على وجه يحتمل عودها فيقع الشك في زوال ~~المنعقد بيقين. # والثابت باليقين لا يزول بالشك فهو الفرق، بخلاف ms2936 بيع المغصوب من غير ~~الغاصب أنه ينعقد موقوفا على التسليم حتى لو سلم ينفذ، ولأن هناك المالك ~~قادر على التسليم بقدرة السلطان والقاضي وجماعة المسلمين إلا أنه ينفذ ~~للحال لقيام يد الغاصب صورة فإذا سلم زال المانع فينفذ بخلاف الآبق؛ لأنه ~~معجوز التسليم على الإطلاق إذ لا تصل إليه يد أحد لما أنه لا يعرف مكانه ~~فكان العجز متقررا والقدرة محتملة موهومة فلا ينعقد مع الاحتمال فأشبه بيع ~~الآبق بيع الطير الذي لم يوجد في الهواء، وبيع السمك الذي لم يوجد في ~~الماء، وذلك باطل كذا هذا، ولو جاء إنسان إلى مولى العبد فقال: إن عبدك عند ~~فلان فبعه مني، وأنا أقبضه منه فصدقه، وباعه منه لا ينفذ لما فيه من عذر ~~القدرة على القبض لكنه ينعقد حتى لو قبضه ينفذ بخلاف الفصل المتقدم؛ لأن ~~القدرة على القبض ههنا ثابتة في زعم المشتري إلا أن احتمال المنع قائم ~~فانعقد موقوفا على قبضه، فإذا قبضه تحقق ما زعمه فينفذ بخلاف الفصل الأول؛ ~~لأن العجز عن التسليم للحال متحقق فيمنع الانعقاد. # ولو أخذه رجل فجاء إلى مولاه فاشتراه منه جاز الشراء؛ لأن المانع هو ~~العجز عن التسليم، ولم يوجد في حقه، وهذا البيع لا يدخل تحت النهي؛ لأن ~~النهي عن بيع الآبق، وهذا ليس بآبق في حقه ثم إذا اشترى منه لا يخلو إما إن ~~أحضر العبد مع نفسه، وإما إن لم يحضره فإن أحضره صار قابضا له عقيب العقد ~~بلا فصل، وإن لم يحضره مع نفسه ينظر إن كان أخذه ليرده على صاحبه، وأشهد ~~على ذلك لا يصير قابضا له ما لم يصل إليه؛ لأن قبضه قبض أمانة، وقبض ~~الأمانة # PageV05P147 # لا ينوب عن قبض الضمان فلا بد من التجديد بالوصول إليه حتى لو هلك العبد ~~قبل الوصول يهلك على البائع، ويبطل العقد؛ لأنه مبيع هلك قبل القبض، وإذا ~~وصل إليه صار قابضا له بنفس الوصول، ولا يشترط القبض بالبراجم؛ لأن معنى ~~القبض هو التمكين، والتخلي، وارتفاع الموانع عرفا وعادة حقيقة، وإن ms2937 كان ~~أخذه لنفسه لا ليرده على صاحبه صار قابضا له عقيب العقد بلا فصل حتى لو هلك ~~قبل الوصول إليه يهلك على المشتري؛ لأن قبضه قبض ضمان، وقبض الشراء أيضا ~~قبض الضمان فتجانس القبضان فتناوبا، ولو كان أخذه ليرده، ولكنه لم يشهد على ~~ذلك فهو على الاختلاف المعروف بين أبي حنيفة، وصاحبيه عند أبي حنيفة - عليه ~~الرحمة - يصير قابضا له عقيب العقد؛ لأن هذا قبض ضمان عنده، وعندهما لا ~~يصير قابضا إلا بعد الوصول إليه؛ لأن هذا قبض أمانة عندهما، وهي من مسائل ~~كتاب الإباق واللقطة. # وعلى هذا بيع الطائر الذي كان في يده، وطار أنه لا ينعقد في ظاهر ~~الرواية، وعلى قياس ما ذكره الشافعي - رحمه الله - ينعقد، وعلى هذا بيع ~~السمكة التي أخذها ثم ألقاها في حظيرة سواء استطاع الخروج عنها أو لا بعد ~~أن كان لا يمكنه أخذها بدون الاصطياد، وإن كان يمكنه أخذها من غير اصطياد ~~يجوز بيعها بلا خلاف؛ لأنه مقدور التسليم كذا البيع، وعلى هذا يخرج بيع ~~اللبن في الضرع؛ لأن اللبن لا يجتمع في الضرع دفعة واحدة بل شيئا فشيئا ~~فيختلط المبيع بغيره على وجه يتعذر التمييز بينهما فكان المبيع معجوز ~~التسليم عند البيع فلا ينعقد، وكذا بيع الصوف على ظهر الغنم في ظاهر ~~الرواية؛ لأنه ينمو ساعة فساعة فيختلط الموجود عند العقد بالحادث بعده على ~~وجه لا يمكن التمييز بينهما فصار معجوز التسليم بالجز والنتف واستخراج ~~أصله، وهو غير مستحق بالعقد، وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي ~~- عليه الصلاة والسلام - «أنه نهى عن بيع الصوف على ظهر الغنم» . # وروي عن أبي يوسف أنه جوز بيعه، والصلح عليه؛ لأنه يجوز جزه قبل الذبح ~~فيجوز بيعه كبيع القصيل في الأرض. # (ووجه) الفرق بين القصيل، والصوف لظاهر الرواية أن الصوف لا يمكن جزه من ~~أصله من غير ضرر يلحق الشاة بخلاف القصيل. # ولا ينعقد بيع الدين من غير من عليه الدين؛ لأن الدين إما أن يكون عبارة ~~عن مال حكمي في الذمة، ms2938 وإما أن يكون عبارة عن فعل تمليك المال وتسليمه، وكل ~~ذلك غير مقدور التسليم في حق البائع، ولو شرط التسليم على المديون لا يصح ~~أيضا؛ لأنه شرط التسليم على غير البائع فيكون شرطا فاسدا فيفسد البيع، ~~ويجوز بيعه ممن عليه؛ لأن المانع هو العجز عن التسليم، ولا حاجة إلى ~~التسليم ههنا، ونظير بيع المغصوب أنه يصح من الغاصب، ولا يصح من غيره إذا ~~كان الغاصب منكرا، ولا بينة للمالك. # ولا يجوز بيع المسلم فيه؛ لأن المسلم فيه مبيع، ولا يجوز بيع المبيع قبل ~~القبض. # ، وهل يجوز بيع المجمد؟ فنقول: لا خلاف في أنه إذا سلم المجمدة أولا إلى ~~المشتري أنه يجوز أما إذا باع ثم سلم قال بعض مشايخنا: لا يجوز؛ لأنه إلى ~~أن يسلم بعضه يذوب فلا يقدر على تسليم جميعه إلى المشتري، وقال بعضهم: ~~يجوز، وقال الفقيه أبو جعفر الهندواني - رحمه الله - إذا باعه، وسلمه من ~~يومه ذلك يجوز، وإن سلمه بعد أيام لا يجوز، وبه أخذ الفقيه أبو الليث عليه ~~الرحمة؛ لأنه في اليوم لا ينقص نقصانا له حصة من الثمن. # (وأما) الذي يرجع إلى النفاذ فنوعان أحدهما الملك أو الولاية أما الملك. # فهو أن يكون المبيع مملوكا للبائع فلا ينفذ بيع الفضولي لانعدام الملك، ~~والولاية لكنه ينعقد موقوفا على إجازة المالك، وعند الشافعي - رحمه الله - ~~هو شرط الانعقاد أيضا حتى لا ينعقد بدونه، وأصل هذا أن تصرفات الفضولي التي ~~لها مجيز حالة العقد منعقدة موقوفة على إجازة المجيز من البيع، والإجارة، ~~والنكاح، والطلاق، ونحوها فإن أجاز ينفذ، وإلا فيبطل، وعند الشافعي - رحمه ~~الله - تصرفاته باطلة. # (وجه) قول الشافعي - رحمه الله - أن صحة التصرفات الشرعية بالملك أو ~~بالولاية، ولم يوجد أحدهما فلا تصح، وهذا؛ لأن صحة التصرف الشرعي هو ~~اعتباره في حق الحكم الذي، وضع له شرعا لا يعقل للصحة معنى سوى هذا. # (فأما) الكلام الذي لا حكم له لا يكون صحيحا شرعا، والحكم الذي وضع له ~~البيع شرعا وهو الملك لا يثبت حال وجوده لعدم شرطه، ms2939 وهو الملك أو الولاية ~~فلم يصح، ولهذا لم يصح شراؤه فكذا بيعه. # (ولنا) عمومات البيع من نحو قوله - تبارك، وتعالى - {وأحل الله البيع} ~~[البقرة: 275] ، وقوله - عز شأنه - {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] # PageV05P148 # وقوله - سبحانه وتعالى - {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من ~~فضل الله} [الجمعة: 10] شرع - سبحانه وتعالى - البيع والشراء والتجارة ~~وابتغاء الفضل من غير فصل بين ما إذا وجد من المالك بطريق الأصالة، وبين ما ~~إذا وجد من الوكيل في الابتداء أو بين ما إذا، وجدت الإجارة من المالك في ~~الانتهاء وبين وجود الرضا في التجارة عند العقد أو بعده فيجب العمل ~~بإطلاقها إلا ما خص بدليل. # وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - «أنه دفع دينارا إلى حكيم بن حزام ~~- رضي الله عنه - وأمره أن يشتري له أضحية فاشترى شاتين، ثم باع إحداهما ~~بدينار، وجاء بدينار وشاة إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - فدعا له ~~بالبركة، وقال: - عليه الصلاة والسلام - بارك الله في صفقة يمينك» ، ومعلوم ~~أنه لم يكن حكيم مأمورا ببيع الشاة فلو لم ينعقد تصرفه لما باع، ولما دعا ~~له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخير، والبركة على ما فعل، ولأنكر ~~عليه؛ لأن الباطل ينكر، ولأن تصرف العاقل محمول على الوجه الأحسن ما أمكن، ~~وقد أمكن حمله على الأحسن ههنا، وقد قصد البر به والإحسان إليه بالإعانة ~~على ما هو خير للمالك في زعمه لعلمه بحاجته إلى ذلك لكن لم يتبين إلى هذه ~~الحالة لموانع، وقد يغلب على ظنه زوال المانع فأقدم عليه نظرا لصديقه، ~~وإحسانا إليه لبيان المحمدة والثناء لتحمل مؤنة مباشرة التصرف الذي هو ~~محتاج إليه والثواب من الله - عز وجل - بالإعانة على البر والإحسان قال ~~الله - تبارك وتعالى - {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2] ، وقال - ~~تعالى جل شأنه - {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} [البقرة: 195] إلا أن في ~~هذه التصرفات ضررا في الجملة؛ لأن للناس رغائب في الأعيان، وقد يقدم الرجل ~~على شيء ms2940 ظهرت له الحاجة عنه بإزالته عن ملكه لحصول غرضه بدون ذلك ونحو ذلك ~~فيتوقف على إجازة المالك حتى لو كان الأمر على ما ظنه مباشر التصرف إجازة ~~وحصل له النفع من جهته، فينال الثواب والثناء وإلا فلا يجيزه، ويثني عليه ~~بقصد الإحسان وإيصال النفع إليه فلا يجوز القول بإهدار هذا التصرف، وإلحاق ~~كلامه، وقصده بكلام المجانين، وقصدهم مع ندب الله - عز وجل - إلى ذلك، وحثه ~~عليه لما تلونا من الآيات، وقوله صحة التصرف عبارة عن اعتباره في حق الحكم ~~قلنا نعم، وعندنا هذا التصرف مفيد في الجملة، وهو ثبوت الملك فيما يتضرر ~~المالك بزواله موقوفا على الإجازة إما من كل وجه أو من بوجه لكن لا يظهر ~~شيء من ذلك عند العقد، وإنما يظهر عند الإجازة، وهو تفسير التوقف عندنا أن ~~يتوقف في الجواب في الحال أنه صحيح في حق الحكم أم لا، ولا يقطع القول به ~~للحال، ولكن يقطع القول بصحته عند الإجازة، وهذا جائز، وله نظائر في الشرع، ~~وهو البيع بشرط الخيار للبائع أو المشتري على ما عرف. # (وأما) شراء الفضولي ففيه تفصيل نذكره إن شاء الله تعالى في موضعه. # ثم الإجازة إنما تلحق تصرف الفضولي عندنا بشرائط. # (منها) أن يكون له مجيز عند وجوده فما لا مجيز له عند وجوده لا تلحقه ~~الإجازة؛ لأن ما له مجيز متصور منه الإذن للحال، وبعد وجود التصرف فكان ~~الانعقاد عند الإذن القائم مفيدا فينعقد، وما لا مجيز له لا يتصور الإذن به ~~للحال، والإذن في المستقبل قد يحدث، وقد لا يحدث فإن حدث كان الانعقاد ~~مفيدا، وإن لم يحدث لم يكن مفيدا فلا ينعقد مع الشك في حصول الفائدة على ~~الأصل المعهود أن ما لم يكن ثابتا بيقين لا يثبت مع الشك، وإذا لم ينعقد لا ~~تلحقه الإجازة؛ لأن الإجازة للمنعقد، وعلى هذا يخرج ما إذا طلق الفضولي ~~امرأة البالغ، أو أعتق عبده أو وهب ماله أو تصدق به أنه ينعقد موقوفا على ~~الإجازة؛ لأن البالغ يملك هذه التصرفات بنفسه ms2941 فكان لها مجيزا حال وجودها ~~فيتوقف على إجازة المالك، وبمثله لو فعل ذلك على الصبي لا ينعقد؛ لأن الصبي ~~ليس من أهل هذه التصرفات بنفسه ألا ترى لو فعل ذلك بنفسه لا تنعقد؟ فلم يكن ~~لها مجيز حال وجودها فلم تنعقد. # وكذلك الصبي المحجور عليه إذا باع مال نفسه أو اشترى أو تزوج امرأة أو ~~زوج أمته أو كاتب عبده أو فعل بنفسه ما لو فعل عليه، وليه لجاز عليه يتوقف ~~على إجازة، وليه ما دام صغيرا أو على إجازته بنفسه بعد البلوغ إن لم يوجد ~~من وليه في حال صغره حتى لو بلغ الصبي قبل إجازة الولي فأجاز بنفسه جاز، ~~ولا يتوقف على نفس البلوغ من غير إجازة؛ لأن هذه التصرفات لها مجيز حال، ~~وجودها ألا ترى أنه لو فعلها، وليه جازت فاحتمل التوقف على الإجازة، وإنما ~~يتوقف على إجازته بنفسه أيضا بعد البلوغ كما يتوقف على إجازة، وليه في حال ~~صغره؛ لأنه لما بلغ فقد ملك الإنشاء فأولى أن يملك الإجازة، ولأن، ولايته ~~على نفسه فوق، ولاية، وليه عليه في حال صغره فلما # PageV05P149 # جاز بإجازة وليه فلأن يجوز بإجازة نفسه أولى، ولا يجوز بمجرد البلوغ؛ لأن ~~الإجازة لها حكم الإنشاء من وجه، وأنه فعل فاعل مختار، والبلوغ ليس صنعه، ~~فلا يعقل إجازة، وكذا إذا وكل الصبي، وكيلا بهذه التصرفات ففعل الوكيل قبل ~~بلوغ الصبي أو بعده توقف على إجازته بعد البلوغ إلا التوكيل بالشراء فإنه ~~لا يتوقف بل ينفذ على الوكيل؛ لأن الشراء وجد نفاذا على الوكيل فلا يتوقف ~~إلا إذا بلغ الصبي قبل أن يشتري الوكيل فأجاز التوكيل، ثم اشترى الوكيل بعد ~~ذلك فيكون الشراء للصبي لا للوكيل؛ لأن إجازة الوكالة منه بعد البلوغ ~~بمنزلة إنشاء التوكيل. # ولو وكله ابتداء لكان الشراء له لا للوكيل كذا هذا، وبمثله إذا طلق الصبي ~~امرأته أو خالعها أو أعتق عبده على غير مال أو على مال أو وهب ماله أو تصدق ~~به أو زوج عبده امرأة أو باع ماله بمحاباة ms2942 أو اشترى شيئا بأكثر من قيمته ~~قدر ما لا يتغابن الناس في مثله عادة أو غير ذلك من التصرفات مما فعله، ~~وليه في حال صغره لا يجوز عليه لا ينعقد حتى لو أجاز وليه أو الصبي بعد ~~البلوغ لا يحل؛ لأن هذه التصرفات ليس لها مجيز حال وجودها، فلا تحتمل ~~التوقف على الإجازة، إلا إذا أجازه الصبي بعد البلوغ بلفظ يصلح للإنشاء بأن ~~يقول بعد البلوغ: أوقعت ذلك الطلاق، أو ذلك العتاق فيجوز، ويكون ذلك إنشاء ~~الإجازة ولو وكل الصبي وكيلا بهذه التصرفات، ففعل الوكيل ينظر، إن فعل قبل ~~البلوغ لا يتوقف، وهو باطل؛ لأن فعل الوكيل كفعل الموكل، ولو فعل الصبي ~~بنفسه لا يتوقف، فكذا إذا فعله الوكيل، وإن فعل بعد البلوغ يتوقف على ~~إجازته بمنزلة الفضولي على البائع، وإن بلغ الصبي فأجاز التوكيل بعد البلوغ ~~قبل أن يفعل الوكيل شيئا ثم فعل جاز؛ لأن إجازة التوكيل منه بمنزلة إنشائه، ~~وكذا وصية الصبي لا تنعقد؛ لأنها تصرف لا مجيز له حال وجوده. # ألا ترى: أنه لو فعل الولي لا يجوز عليه؟ فلا يتوقف، وسواء أطلق الوصية ~~أو أضافها إلى حال البلوغ؛ لما قلنا حتى لو أوصى ثم مات قبل البلوغ، أو ~~بعده لا تجوز وصيته إلا إذا بلغ، وأجاز تلك الوصية بعد البلوغ فتجوز؛ لأن ~~الإجازة منه بمنزلة إنشاء الوصية، ولو أنشأ الوصية بعد البلوغ صح كذا هذا. # وعلى هذا تصرف المكاتب والعبد المأذون أن ما له مجيز حال وجوده يتوقف على ~~إجازة المولى، وما لا مجيز له حالة وجوده يبطل، ولا يتوقف لما ذكرنا من ~~الفقه إلا أن بين المكاتب، والعبد المأذون، والصبي فرقا من وجه، وهو أن ~~المكاتب أو المأذون إذا فعل ما يتوقف على الإجازة بأن زوج نفسه امرأة ثم ~~عتق ينفذ بنفس الإعتاق، وفي الصبي لا ينفذ بنفس البلوغ ما لم توجد الإجارة. # (ووجه) الفرق أن العبد بعد الإذن يتصرف بمالكية نفسه على ما عرف، فكان ~~ينبغي أن ينفذ للحال، إلا أنه توقف لحق المولى، ms2943 فإذا عتق فقد زال المانع ~~فنفذ، بخلاف الصبي فإن في أهليته قصورا لقصور عقله فانعقد موقوفا على ~~الإجازة، والبلوغ ليس بإجازة على ما مر. # (وأما) حكم شراء الفضولي فجملة الكلام فيه أن الفضولي إذا اشترى شيئا ~~لغيره فلا يخلو إما إن أضاف العقد إلى نفسه، وإما إن أضافه إلى الذي اشترى ~~له فإن أضافه إلى نفسه كان المشترى له سواء وجدت الإجازة من الذي اشترى له ~~أو لم توجد؛ لأن الشراء إذا وجد نفاذا على العاقد نفذ عليه، ولا يتوقف؛ لأن ~~الأصل أن يكون تصرف الإنسان لنفسه لا لغيره قال الله - تعالى عز من قائل - ~~{لها ما كسبت} [البقرة: 286] . # وقال - عز من قائل - {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39] ، وشراء ~~الفضولي كسبه حقيقة، فالأصل أن يكون له إلا إذا جعله لغيره أو لم يجد نفاذا ~~عليه لعدم الأهلية فيتوقف على إجازة الذي اشترى له بأن كان الفضولي صبيا ~~محجورا أو عبدا محجورا فاشترى لغيره يتوقف على إجازة ذلك الغير؛ لأن الشراء ~~لم يجد نفاذا عليه فيتوقف على إجازة الذي اشترى له ضرورة فإن أجاز نفذ، ~~وكانت العهدة عليه لا عليهما؛ لأنهما ليسا من أهل لزوم العهدة، وإن أضاف ~~العقد إلى الذي اشترى له بأن قال الفضولي للبائع: بع عبدك هذا من فلان ~~بكذا، فقال: بعت، وقبل الفضولي البيع فيه لأجل فلان أو قال البائع: بعت هذا ~~العبد من فلان بكذا، وقبل المشتري الشراء منه لأجل فلان فإنه يتوقف على ~~إجازة المشتري له؛ لأن تصرف الإنسان، وإن كان له على اعتبار الأصل إلا أن ~~له أن يجعله لغيره بحق الوكالة، وغير ذلك، وههنا جعله لغيره فينعقد موقوفا ~~على إجازته. # ولو قال الفضولي للبائع: اشتريت منك هذا العبد بكذا لأجل فلان، فقال: بعت ~~أو قال البائع للفضولي: بعت منك هذا العبد بكذا لفلان فقال: اشتريت لا ~~يتوقف، وينفذ الشراء عليه؛ لأنه لم توجد الإضافة إلى فلان # PageV05P150 # في الإيجاب والقبول، وإنما وجدت في أحدهما، وأحدهما شطر العقد فلا يتوقف ~~لما ذكرنا أن ms2944 الأصل أن لا يتوقف (،) ، وإنما توقف لضرورة الإضافة من ~~الجانبين فإذا لم يوجد يجب العمل بالأصل، وهذا بخلاف الوكيل بالشراء أنه ~~إذا اشترى شيئا يقع شراؤه للموكل، وإن أضاف العقد إلى نفسه لا إلى الموكل؛ ~~لأنه لما أمره بالشراء فقد أنابه مناب نفسه فكان تصرف الوكيل كتصرفه بنفسه، ~~ولو اشترى بنفسه كان المشترى له كذا هذا، والله - تعالى أعلم -، ولو اشترى ~~الفضولي شيئا لغيره، ولم يضف المشترى إلى غيره حتى لو كان الشراء له فظن ~~المشتري، والمشترى له أن المشترى يكون للمشترى له فسلم إليه بعد القبض ~~بالثمن الذي اشتراه به، وقبل المشترى له صح ذلك. # ويجعل ذلك تولية كأنه ولاه منه بما اشترى، ولو علم المشتري بعد ذلك أن ~~الشراء نفذ عليه والمشترى له فأراد أن يسترد من صاحبه بغير رضاه لم يكن له ~~ذلك؛ لأن التولية منه قد صحت، فلا يملك الرجوع كمن اشترى منقولا، فطلب جاره ~~الشفعة، فظن المشتري أن له شفعة فسلم إليه، ثم أراد أحدهما أن ينقض ذلك من ~~غير رضا الآخر لم يكن له ذلك؛ لأنه لما سلم إليه صار ذلك بيعا بينهما، ولو ~~اختلفا فقال المشترى له: كنت أمرتك بالشراء، وقال المشتري: اشتريته لك بغير ~~أمرك فالقول قول المشترى له؛ لأن المشتري لما قال: اشتريته لك كان ذلك ~~إقرارا منه بأنه اشتراه بأمره؛ لأن الشراء له لا يكون إلا بأمره عادة فكان ~~القول قوله ثم إن أخذه بقضاء القاضي لا يحل له ذلك إلا إذا كان صادقا في ~~كلامه فيما بينه وبين الله - جل شأنه - وإن أخذه بغير قضاء طاب له؛ لأنه ~~أخذه برضاه فصار ذلك بيعا منهما بتراضيهما (ومنها) قيام البائع والمشتري ~~حتى لو هلك أحدهما قبل الإجازة من المالك لا تلحقه الإجازة. # (ومنها) قيام المالك حتى لو هلك المالك قبل إجازته لا يجوز بإجازة ورثته. # (ومنها) قيام المبيع حتى لو هلك قبل إجازة المالك لا يجوز بإجازة المالك ~~غير أنه إن هلك في يد المالك يملك بغير شيء، وإن هلك بعد ms2945 التسليم إلى ~~المشتري فالمالك بالخيار إن شاء ضمن البائع، وإن شاء ضمن المشتري لوجود سبب ~~الضمان من كل واحد منهما، وهو التسليم من البائع والقبض من المشتري؛ لأن ~~تسليم مال الغير وقبضه بغير إذن صاحبه كل واحد منهما سبب لوجوب الضمان، ~~وأيهما اختار تضمينه برئ الآخر، ولا سبيل عليه بحال؛ لأنه لما ضمن أحدهما ~~فقد ملك المضمون فلا يملك تمليكه من غيره لما فيه من الاستحالة، وهو تمليك ~~شيء واحد في زمان واحد من اثنين على الكمال، فإن اختار تضمين المشتري رجع ~~المشتري بالثمن على البائع، وبطل البيع، وليس له أن يرجع عليه بما ضمن كما ~~في المشتري من الغاصب، وإن اختار تضمين البائع ذكر الطحاوي - رحمه الله - ~~أنه ينظر إن كان قبض البائع قبض ضمان بأن كان مغصوبا في يده نفذ بيعه؛ لأنه ~~لما ضمنه فقد ملك المغصوب من وقت الغصب فتبين أنه باع ملك نفسه فينفذ، وإن ~~كان قبضه قبض أمانة بأن كان وديعة عنده فباعه وسلمه إلى المشتري لا ينفذ ~~بيعه؛ لأن الضمان إنما وجب عليه بسبب متأخر عن البيع، وهو التسليم فيملك ~~المضمون من ذلك الوقت لا من وقت البيع فيكون بائعا مال غيره بغير إذنه فلا ~~ينفذ، وذكر محمد - رحمه الله - في ظاهر الرواية. # وقال: يجوز البيع بتضمين البائع وقيل: هذا محمول على ما إذا سلمه البائع، ~~أولا، ثم باعه؛ لأنه إذا سلمه أولا فقد صار مضمونا عليه بالتسليم فتقدم سبب ~~الضمان البيع فتبين أنه باع مال نفسه فينفذ، ثم إن كان قيام الأربعة التي ~~ذكرنا شرطا للحوق الإجازة؛ لأن الإجازة إنما تلحق القيام، وقيام العقد بهذه ~~الأربعة، ولأن الإجازة لها حكم الإنشاء من وجه، ولا يتحقق الإنشاء بدون ~~العاقدين والمعقود عليه لذلك كان قيامها شرطا للحوق الإجازة فإن وجد صحت ~~الإجازة، وصار البائع بمنزلة الوكيل إذ الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة ~~السابقة، ويكون الثمن للمالك إن كان قائما؛ لأنه بدل ملكه، وإن هلك في يد ~~البائع يهلك أمانة كما إذا كان وكيلا في الابتداء، وهلك ms2946 الثمن في يده، ولو ~~فسخه البائع قبل الإجازة انفسخ واسترد المبيع إن كان قد سلم، ويرجع المشتري ~~بالثمن على البائع إن كان قد نقده، وكذا إذا فسخه المشتري ينفسخ، وكذا إذا ~~فسخه الفضولي فمحمد يحتاج إلى الفرق بين البيع، والنكاح فإن الفضولي من ~~جانب الرجل في باب النكاح إذا زوجت المرأة نفسها لا يملك الفسخ عنده. # (ووجه) الفرق له أن البيع الموقوف لو اتصلت به الإجازة فالحقوق ترجع إلى ~~العاقد فهو بالفسخ يدفع العهدة عن نفسه فله ذلك، بخلاف # PageV05P151 # النكاح؛ لأن الحقوق في باب النكاح لا ترجع إلى العاقد، بل هو سفير ومعبر، ~~فإذا فرغ عن السفارة والعبارة التحق بالأجانب، وأما قيام الثمن في يد ~~البائع هل هو شرط لصحة الإجازة أم لا فالأمر لا يخلو إما إن كان الثمن دينا ~~كالدراهم، والدنانير، والفلوس النافقة، والموزون الموصوف، والمكيل الموصوف ~~في الذمة، وإما إن كان عينا كالعروض فإن كان دينا فقيامه في يد البائع ليس ~~بشرط للحوق الإجازة؛ لأن الدين لا يتعين بالتعيين فكان قيامه بقيام الذمة، ~~وإن كان عينا فقيامه شرط للحوق الإجازة فصار الحاصل أن قيام الأربعة شرط ~~صحة الإجازة إذا كان الثمن دينا وإذا كان عينا فقيام الخمس شرط فإن وجدت ~~الإجازة عند قيام الخمس جاز، ويكون الثمن للبائع لا للمالك؛ لأن الثمن إذا ~~كان عينا كان البائع مشتريا من وجه، والشراء لا يتوقف على الإجازة بل ينفذ ~~على المشتري إذا وجد نفاذا عليه بأن كان أهلا، وهو أهل، والمالك يرجع عليه ~~بقيمة ماله إن لم يكن له مثل، وبمثله إن كان له مثل؛ لأنه عقد لنفسه، ونفذ ~~الثمن من مال غيره فيتوقف النقد على الإجازة فإذا جازه مالكه بعد النقد ~~فيرجع عليه بمثله، أو بقيمته، بخلاف ما إذا كان الثمن دينا؛ لأنه إذا كان ~~دينا كان العاقد بائعا من كل وجه، ولا يكون مشتريا لنفسه أصلا فتوقف على ~~إجازة المالك، فإذا أجاز كان مجيزا للعقد فكان بدله له، ولو هلكت العين في ~~يد الفضولي بطل العقد، ولا ms2947 تلحقه الإجازة، ويرد المبيع إلى صاحبه، ويضمن ~~للمشتري مثله إن كان له مثل وقيمته إن لم يكن له مثل؛ لأنه قبضه بعقد فاسد، ~~ولو تصرف الفضولي في العين قبل الإجازة ينظر إن تصرف فيه قبل القبض فتصرفه ~~باطل؛ لأن الملك في العقد الفاسد يقف على القبض، وإن تصرف فيه بعد ما قبض ~~بإذن المشتري صريحا أو دلالة يصح تصرفه؛ لأنه تصرف في ملك نفسه، وعليه مثله ~~أو قيمته؛ لأن المقبوض بالبيع الفاسد مضمون به، ولا تلحقه الإجازة؛ لأنه ~~ملك بجواز تصرفه فيه فلا يحتمل الإجازة بعد ذلك، ولو تصرف المشتري في ~~المبيع قبل الإجازة، لا يجوز تصرفه سواء كان قبض المبيع أو لم يقبضه؛ لعدم ~~إذن مالكه - والله تعالى - أعلم # (وأما) الولاية. # فالولاية في الأصل نوعان: نوع يثبت بتولية المالك، ونوع يثبت شرعا لا ~~بتولية المالك، أما الأول فهو ولاية الوكيل فينفذ تصرف الوكيل، وإن لم يكن ~~المحل مملوكا له لوجود الولاية المستفادة من الموكل. # وأما الثاني فهو ولاية الأب، والجد أب الأب، والوصي، والقاضي، وهو نوعان: ~~أيضا ولاية النكاح، وولاية غيره من التصرفات أما ولاية النكاح فموضع بيانها ~~كتاب النكاح. # وأما ولاية غيره من المعاملات فالكلام فيه في مواضع: في بيان سبب هذه ~~الولاية، وفي بيان شرائطها، وفي بيان ترتيب الولاية أما الأول: فسبب هذا ~~النوع من الولاية في التحقيق شيئان: أحدهما الأبوة، والثاني القضاء؛ لأن ~~الجد من قبل الأب أب لكن بواسطة، ووصي الأب والجد استفاد الولاية منهما، ~~فكان ذلك ولاية الأبوة من حيث المعنى، ووصي القاضي يستفيد الولاية من ~~القاضي فكان ذلك ولاية القضاء معنى، أما الأبوة فلأنها داعية إلى كمال ~~النظر في حق الصغير لوفور شفقة الأب، وهو قادر على ذلك لكمال رأيه وعقله، ~~والصغير عاجز عن النظر لنفسه بنفسه، وثبوت ولاية النظر للقادر على العاجز ~~عن النظر أمر معقول مشروع؛ لأنه من باب الإعانة على البر، ومن باب الإحسان، ~~ومن باب إعانة الضعيف، وإغاثة اللهفان، وكل ذلك حسن عقلا، وشرعا، ولأن ذلك ~~من باب شكر ms2948 النعمة، وهي نعمة القدرة إذ شكر كل نعمة على حسب النعمة فشكر ~~نعمة القدرة معونة العاجز، وشكر النعمة واجب عقلا، وشرعا فضلا عن الجواز، ~~ووصي الأب قائم مقامه؛ لأنه رضيه واختاره فالظاهر أنه ما اختاره من بين ~~سائر الناس إلا لعلمه بأن شفقته على ورثته مثل شفقته عليهم، ولولا ذلك لما ~~ارتضاه من بين سائر الناس فكان الوصي خلفا عن الأب، وخلف الشيء قائم مقامه ~~كأنه هو، والجد له كمال الرأي، ووفور الشفقة إلا أن شفقته دون شفقة الأب ~~فلا جرم تأخرت ولايته عن ولاية الأب وولاية وصيه، ووصي وصيه أيضا؛ لأن تلك ~~ولاية الأب من حيث المعنى على ما ذكرنا، ووصي الجد قائم مقامه؛ لأنه استفاد ~~الولاية من جهته، وكذا وصي وصيه، وأما القضاء فلأن القاضي لاختصاصه بكمال ~~العلم والعقل والورع والتقوى والخصال الحميدة أشفق الناس على اليتامى فصلح ~~وليا، وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: «السلطان ولي من لا، ولي له» إلا ~~أن شفقته دون شفقة الأب والجد؛ لأن شفقتهما تنشأ عن القرابة، وشفقته لا، ~~وكذا وصيه # PageV05P152 # فتأخرت ولايته عن ولايتهما. ### | [فصل في شرائط النفاذ ومنها الولاية] # (فصل) : # وأما شرائطها فأنواع: بعضها يرجع إلى الولي، وبعضها يرجع إلى المولى ~~عليه، وبعضها يرجع إلى المولى فيه أما الذي يرجع إلى الولي فأشياء. # (منها) أن يكون حرا فلا تثبت له ولاية العبد لقوله - سبحانه وتعالى - ~~{ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} [النحل: 75] ، ولأنه لا ولاية ~~له على نفسه فكيف تثبت له الولاية على غيره؟ . # (ومنها) أن يكون عاقلا. # فلا ولاية للمجنون لما قلنا. # (ومنها) إسلام الولي إذا كان المولى عليه مسلما، فإن كان كافرا لا تثبت ~~له عليه الولاية لقوله -: عز وجل - {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين ~~سبيلا} [النساء: 141] ، ولأن تنفيذ الولاية للكافر على المسلم يشعر بالذل ~~به، وهذا لا يجوز. # (وأما) الذي يرجع إلى المولى عليه. # فالصغر فلا تثبت الولاية على الكبير؛ لأنه يقدر على دفع حاجة نفسه، فلا ~~حاجة إلى إثبات الولاية عليه لغيره، وهذا؛ ms2949 لأن الولاية على الحر تثبت مع ~~قيام المنافي للضرورة ولا ضرورة حالة القدرة فلا تثبت. # (وأما) الذي يرجع إلى المولى فيه فهو أن لا يكون من التصرفات الضارة ~~بالمولى عليه لقوله - عليه الصلاة والسلام -: «لا ضرر، ولا ضرار في ~~الإسلام» ، وقال - عليه الصلاة والسلام -: «من لم يرحم صغيرنا فليس منا» ، ~~والإضرار بالصغير ليس من المرحمة في شيء فليس له أن يهب مال الصغير من غيره ~~بغير عوض؛ لأنه إزالة ملكه من غير عوض فكان ضررا محضا، وكذا ليس له أن يهب ~~بعوض عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، وعند محمد له ذلك. # (وجه) قوله أن الهبة بعوض معاوضة المال بالمال فكان في معنى البيع فملكها ~~كما يملك البيع. # (ولهما) أنها هبة ابتداء بدليل أن الملك فيها يقف على القبض، وذلك من ~~أحكام الهبة، وإنما تصير معاوضة في الانتهاء، وهو لا يملك الهبة فلم تنعقد ~~هبته فلا يتصور أن تصير معاوضة، بخلاف البيع؛ لأنه معاوضة ابتداء وانتهاء، ~~وهو يملك المعاوضة، وليس له أن يتصدق بماله، ولا أن يوصي به؛ لأن التصدق ~~والوصية إزالة الملك من غير عوض مالي، فكان ضررا فلا يملكه، وليس له أن ~~يطلق امرأته؛ لأن الطلاق من التصرفات الضارة المحضة، وليس له أن يعتق عبده ~~سواء كان بعوض أو بغير عوض، أما بغير عوض؛ فلأنه ضرر محض، وكذا بعوض؛ لأنه ~~لا يقابله العوض للحال؛ لأن العتق معلق بنفس القبول، وإذا أعتق بنفس القبول ~~يبقى الدين في ذمة المفلس، وقد يحصل، وقد لا يحصل فكان الإعتاق ضررا محضا ~~للحال، وكذا ليس له أن يقرض ماله؛ لأن القرض إزالة الملك من غير عوض للحال، ~~وهو معنى قولهم: القرض تبرع، وهو لا يملك سائر التبرعات، كذا هذا، بخلاف ~~القاضي فإنه يقرض مال اليتيم. # (ووجه) الفرق أن الإقراض من القاضي من باب حفظ الدين؛ لأن توى الدين ~~بالإفلاس أو بالإنكار، والظاهر أن القاضي يختار أملى الناس، وأوثقهم، وله ~~ولاية التفحص عن أحوالهم فيختار من لا يتحقق إفلاسه ظاهرا وغالبا، وكذا ~~القاضي يقضي بعلمه ms2950 فلا يتحقق التوى بالإنكار، وليس لغير القاضي هذه الولاية ~~فبقي الإقراض منه إزالة الملك من غير أن يقابله عوض للحال فكان ضررا فلا ~~يملكه، وله أن يدين ماله من غيره، وصورة الاستدانة أن يطلب إنسان من غير ~~الأب أو الوصي أن يبيعه شيئا من أموال الصغير بمثل قيمته حتى يجعل أصل ~~الشيء ملكه، وثمن المبيع دينا عليه ليرده، فإن باعه منه بزيادة على قيمته ~~فهو عينه، وإنما ملك الإدانة، ولم يملك القرض؛ لأن الإدانة بيع ماله بمثل ~~قيمته، وليس له أن يزوج عبده؛ لأنه يتعلق المهر برقبته، وفيه ضرر، وليس له ~~أن يبيع ماله بأقل من قيمته قدر ما لا يتغابن الناس فيه عادة، ولو باع لا ~~ينفذ بيعه؛ لأنه ضرر في حقه، وكذا ليس له أن يؤاجر نفسه أو ماله بأقل من ~~أجرة المثل قدر ما لا يتغابن الناس فيه عادة، وليس له أن يشتري بماله شيئا ~~بأكثر من قيمته قدر ما لا يتغابن الناس فيه عادة لما قلنا، ولو اشترى ينفذ ~~عليه، ويكون المشترى له؛ لأن الشراء وجد نفاذا على المشتري، وله أن يقبل ~~الهبة والصدقة والوصية؛ لأن ذلك نفع محض فيملكه الولي، وقال - عليه الصلاة ~~والسلام -: «خير الناس من ينفع الناس» ، وهذا يجري مجرى الحث على النفع، ~~والحث على النفع ممن لا يملك النفع عبث، وله أن يزوج أمته؛ لأنه نفع، وله ~~أن يبيع ماله بأكثر من قيمته ويشتري له شيئا بأقل من قيمته لما قلنا، وله ~~أن يبيعه بمثل قيمته، وبأقل من قيمته مقدار ما يتغابن الناس فيه عادة، وله ~~أن يشتري له شيئا بمثل قيمته وبأكثر من قيمته قدر ما يتغابن الناس فيه ~~عادة، وكذا له أن يؤاجر نفسه وماله بأكثر من أجر مثله أو بأجر مثله أو بأقل ~~منه قدر ما يتغابن الناس # PageV05P153 # فيه عادة، وكذا له أن يستأجر له شيئا بأقل من أجر المثل أو بأجر المثل أو ~~بأكثر منه قدر ما يتغابن الناس فيه عادة، ولو آجر نفسه أو ماله ثم بلغ ms2951 ~~الصبي في المدة فله الخيار في إجارة النفس إن شاء مضى عليها، وإن شاء ~~أبطلها، ولا خيار له في إجارة المال. # (ووجه) الفرق أن إجارة مال الصغير تصرف في ماله على وجه النظر فيقوم الأب ~~فيه مقامه، فلا يثبت له خيار الإبطال بالبلوغ، فأما إجارة نفسه فتصرف على ~~نفسه بالأضرار، وكان ينبغي أن لا يملكه الأب إلا أنه ملكها من حيث إنها نوع ~~رياضة، وتهذيب للصغير، وتأديب له، والأب يلي تأديب الصغير فوليها على أنها ~~تأديب فإذا بلغ فقد انقطعت ولاية التأديب، وهو الفرق، وله أن يسافر بماله ~~وله أن يدفع ماله مضاربة، وله أن يبضع، وله أن يوكل بالبيع والشراء ~~والإجارة والاستئجار؛ لأن هذه الأشياء من توابع التجارة، فكل من ملك ~~التجارة يملك ما هو من توابعها، ولهذا ملكها المأذون، وله أن يعير ماله ~~استحسانا والقياس أن لا يجوز. # (وجه) القياس أن الإعارة تمليك المنفعة بغير عوض فكان ضررا. # (وجه) الاستحسان أن هذا من توابع التجارة، وضروراتها فتملك بملك التجارة، ~~ولهذا ملكها المأذون، وله أن يودع ماله؛ لأن الإيداع من ضرورات التجارة، ~~وله أن يأذن له بالتجارة عندنا إذا كان يعقل البيع، والشراء؛ لأن الإذن ~~بالتجارة دون التجارة فإذا ملك التجارة بنفسه فلأن يملك الإذن بالتجارة ~~أولى، وله أن يكاتب عبده؛ لأن المكاتبة عقد معاوضة فكان في معنى البيع، وله ~~أن يرهن ماله بدينه؛ لأن الرهن من توابع التجارة لأن التاجر يحتاج إليه، ~~ولأنه قضاء الدين، وهو يملك قضاء دينه من ماله فيملك الرهن بدينه أيضا، وله ~~أن يرهن ماله بدين نفسه أيضا؛ لأن عين المرهون تحت يد المرتهن إلا أنه إذا ~~هلك يضمن مقدار ما صار مؤديا من ذلك دين نفسه، وله أن يجعل ماله مضاربة عند ~~نفسه، وينبغي أن يشهد على ذلك في الابتداء، ولو لم يشهد يحل له الربح فيما ~~بينه، وبين الله - تعالى -، ولكن القاضي لا يصدقه، وكذلك إذا شارك ورأس ~~ماله أقل من مال الصغير، فإن أشهد فالربح على ما شرط، وإن لم يشهد ms2952 يحل فيما ~~بينه وبين الله - تعالى -، ولكن القاضي لا يصدقه، ويجعل الربح على قدر رأس ~~مالهما، وما عرفت من الجواب في الأب فهو الجواب في وصيه حال عدمه، وفي الجد ~~ووصيه حال عدمه إلا أن بين الأب ووصيه، وبين الجد ووصيه فرقا من وجوه ~~مخصوصة. # (منها) : أن الأب أو الجد إذا اشترى مال الصغير لنفسه أو باع مال نفسه من ~~الصغير بمثل قيمته أو بأقل جاز، ولو فعل الوصي ذلك لا يجوز عند محمد أصلا، ~~وعند أبي حنيفة، وأبي يوسف إن كان خيرا لليتيم جاز، وإلا فلا. # (ومنها) أن لهما ولاية الاقتصاص لأجل الصغير في النفس وما دونها، وللوصي ~~ولاية الاقتصاص فيما دون النفس، وليس له ولاية الاقتصاص في النفس. # (ومنها) أن له ولاية الصلح في النفس وما دونها على قدر الدية من غير حط ~~بلا خلاف، وليس لهما ولاية العفو، وفي جواز الصلح من الوصي روايتان، وقد ~~ذكرنا الوجه في ذلك في كتاب الصلح. # ثم، ولي اليتيم هل يأكل من مال اليتيم؟ فنقول: لا خلاف في أنه إذا كان ~~غنيا لا يأكل لقوله تعالى {ومن كان غنيا فليستعفف} [النساء: 6] فأما إذا ~~كان فقيرا فهل له أن يأكل على سبيل الإباحة أو ليس له أن يأكل إلا قرضا؟ ~~اختلف فيه الصحابة - رضي الله عنهم - روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله ~~عنهما - أن له أن يأكل على سبيل الإباحة لكن بالمعروف من غير إسراف، وهو ~~قول سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - وروي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - ~~أنه يأكل قرضا فإذا أيسر قضى، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس - رضي الله ~~عنهما - احتج هؤلاء بقوله - تعالى - {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا ~~عليهم} [النساء: 6] أمر سبحانه وتعالى - بالإشهاد على الأيتام عند دفع ~~المال إليهم. # ولو كان المال في أيدي الأولياء بطريق الأمانة لكان لا حاجة إلى الإشهاد؛ ~~لأن القول قول الولي إذا قال: دفعت المال إلى اليتيم عند إنكاره، وإنما ~~الحاجة إلى الإشهاد عند الأخذ قرضا ليأكل منه؛ لأن ms2953 في قضاء الدين القول قول ~~صاحب الدين لا قول من يقضي الدين، وعن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - أنه ~~فسر قوله - عز وجل - {ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} [النساء: 6] قال: ~~قرضا احتج الأولون بظاهر قوله - عز شأنه - {ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان ~~فقيرا فليأكل بالمعروف} [النساء: 6] أطلق الله - عز شأنه - لولي اليتيم أن ~~يأكل من مال اليتيم بالمعروف، وهو الوسط من غير إسراف. # وروي «أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ليس لي مال، ~~ولي يتيم فقال - عليه الصلاة والسلام -: كل من مال يتيمك # PageV05P154 # غير مسرف ولا متأثل مالك بماله» وذكر محمد ومالك في الموطإ أن الأفضل هو ~~الاستعفاف من ماله؛ لما روي أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه ~~- فقال له: أوصي إلي يتيم فقال عبد الله: لا تشتر من ماله شيئا، ولا تستقرض ~~من ماله شيئا والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في ترتيب الولاية] # (فصل) : # وأما ترتيب الولاية فأولى الأولياء الأب ثم وصيه ثم وصي وصيه ثم الجد ثم ~~وصيه ثم وصي وصيه ثم القاضي ثم من نصبه القاضي وهو وصي القاضي وإنما تثبت ~~الولاية على هذا الترتيب؛ لأن الولاية على الصغار باعتبار النظر لهم لعجزهم ~~عن التصرف بأنفسهم، والنظر على هذا الترتيب؛ لأن ذلك مبني على الشفقة وشفقة ~~الأب فوق شفقة الكل، وشفقة وصيه فوق شفقة الجد؛ لأنه مرضي الأب ومختاره ~~فكان خلف الأب في الشفقة وخلف الشيء قائم مقامه كأنه هو، وشفقة الجد فوق ~~شفقة القاضي؛ لأن شفقته تنشأ عن القرابة والقاضي أجنبي ولا شك أن شفقة ~~القريب على قريبه فوق شفقة الأجنبي، وكذا شفقة وصيه؛ لأنه مرضي الجد وخلفه ~~فكان شفقته مثل شفقته، وإذا كان ما جعل له الولاية على هذا الترتيب كانت ~~الولاية على هذا الترتيب ضرورة؛ لأن ترتيب الحكم على حسب ترتيب العلة والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # وليس لمن سوى هؤلاء من الأم والأخ والعم وغيرهم ولاية التصرف على الصغير ~~في ماله؛ لأن الأخ والعم ms2954 قاصرا الشفقة وفي التصرفات تجري جنايات لا يهتم ~~لها إلا ذو الشفقة الوافرة، والأم وإن كانت لها وفور الشفقة لكن ليس لها ~~كمال الرأي لقصور عقل النساء عادة فلا تثبت لهن ولاية التصرف في المال ولا ~~لوصيهن؛ لأن الوصي خلف الموصي قائم مقامه فلا يثبت له إلا قدر ما كان ~~للموصي وهو قضاء الدين والحفظ لكن عند عدم هؤلاء. # ولوصي الأم والأخ أن يبيع المنقول والعقار لقضاء دين الميت، والباقي ~~ميراث للصغير ثم ينظر إن كان واحد ممن ذكرنا حيا حاضرا فليس له ولاية ~~التصرف أصلا في ميراث الصغير؛ لأن الموصي لو كان حيا لا يملكه في حال حياته ~~فكذا الوصي، وإن لم يكن فله ولاية الحفظ لا غير إلا أنه يبيع المنقول لما ~~أن بيع المنقول من باب الحفظ؛ لأن حفظ الثمن أيسر وليس له أن يبيع العقار ~~لاستغنائه عن الحفظ لكونه محفوظا بنفسه وكذا لا يبيع الدراهم والدنانير؛ ~~لأنها محفوظة وليس له أن يشتري شيئا على سبيل التجارة وله أن يشتري ما لا ~~بد منه للصغير من طعامه وكسوته وما استفاد الصغير من المال من جهة أخرى سوى ~~الإرث بأن وهب له شيء أو أوصي له به فليس له ولاية التصرف فيه أصلا عقارا ~~كان أو منقولا؛ لأنه لم يكن للموصى عليه ولاية فكذا الوصي. # (وأما) وصي المكاتب فله أن يبيع المنقول والعقار لقضاء دين المكاتب ~~ولقضاء دين الكتابة؛ لأن المكاتب كان يملكه بنفسه فكذا وصيه، وما فضل من ~~كسبه يكون ميراثا لورثته. # (أما) الأحرار منهم: فلا شك، وكذا الولد المولود في الكتابة ومن كوتب ~~معه؛ لأنه عتق في آخر جزء من أجزاء حياته بعتق أبيه، وإذا صار الفاضل من ~~كسبه ميراثا لورثته فهل يملك التصرف في مالهم؟ ذكر في الزيادات: أنه لا ~~يملك إلا الحفظ، وجعله بمنزلة وصي الأم والأخ والعم، وفي كتاب القسمة: ~~ألحقه بوصي الأب فإنه أجاز قسمته في العقارات، والقسمة في معنى البيع فمن ~~جازت قسمته يجوز بيعه فكان فيه روايتان وهذا إذا مات ms2955 قبل أداء بدل الكتابة ~~فأما إذا أدى بدل الكتابة في حال حياته وعتق ثم مات كان وصيه كوصي الحر بلا ~~خلاف. # والثاني: أن لا يكون في المبيع حق لغير البائع فإن كان لا ينعقد كالمرهون ~~والمستأجر؛ لأن فيه إبطال حق المرتهن والمستأجر وهذا لا يجوز. # وقد اختلفت عبارات الكتب في هذه المسألة في بعضها أن البيع فاسد، وفي ~~بعضها أنه موقوف وهو الصحيح؛ لأن ركن البيع صدر من أهله مضافا إلى مال ~~متقوم مملوك له مقدور التسليم من غير ضرر يلزمه. # والدليل على أنه مقدور التسليم أنه يمكنه أن يفتك الرهن بقضاء الدين ~~فيسلمه إلى المدين وكذا احتمال الإجازة من المرتهن والمستأجر ثابت في ~~البابين جميعا إلا أنه لم ينفذ للحال لتعلق حقهما فتوقف ويمكن التوفيق بين ~~الروايتين بأن يحمل قوله: فاسد على أنه لا حكم له ظاهر وهو تفسير الموقوف ~~عندنا فإذا توقف على إجازتهما فإن أجازا جاز ونفذ، وهل يملكان المطالبة ~~بالفسخ؟ ذكره القدوري - رحمه الله - في شرحه وقال: أما المستأجر: فلا يملك. # وأما المرتهن: فيجوز أن يقال: يملك فرق بينهما من حيث إن حق المستأجر في # PageV05P155 # المنفعة لا في العين، إذ الإجارة عقد على المنفعة لا على العين والبيع ~~عقد على العين فلم يكن البيع تصرفا في محل حق المستأجر، فلا يثبت له ~~الخيار، وحق المرتهن في العين؛ لأنه يستوفي الدين من بدل العين بالبيع عند ~~عدم الافتكاك من الرهن ولهذا لو أجاز البيع كان الثمن رهنا عنده فكان البيع ~~تصرفا في محل حقه فيثبت له الخيار. # وهل يثبت للمشتري خيار الفسخ؟ فإن لم يعلم أنه مرهون أو مؤجر يثبت؛ لأن ~~العقد المطلق يقتضي التسليم للحال وقد فات فيثبت له خيار الفسخ، وإن علم ~~فلا خيار له؛ لأنه رضي بالتسليم في الجملة. # ولو باع عبده الذي وجب عليه القود نفذ؛ لأنه لا حق لولي القتيل في نفس ~~القاتل وإنما له ولاية استيفاء القصاص وأنها لا تبطل بالبيع فيجوز البيع، ~~ولا يصير المولى بالبيع مختارا للفداء سواء علم ms2956 بالجناية أو لم يعلم؛ لأن ~~حق الولي في القصاص والبيع لا يبطل القصاص، وكذلك لو أعتقه أو دبره أو كاتب ~~أمه فاستولدها لما قلنا، وكذا لو باع عبده الذي هو حلال الدم بالردة؛ لأن ~~الردة توجب إباحة الدم لا غير والبيع لا يبطلها، وكذا لو أعتقه أو دبره، ~~وكذا لو باع عبده الذي وجب قطع يده بالسرقة أو وجب عليه حد من الحدود كحد ~~الزنا والقذف والشرب؛ لأن الواجب بهذه الجنايات ولاية استيفاء القطع، والحد ~~والبيع لا يبطلها. # ولو باع عبده الذي وجب دفعه بالجناية يجوز علم المولى بالجناية أو لا ولا ~~سبيل لولي الجناية على العبد ولا على المشتري؛ لأنه لا حق له في نفس العبد ~~وإنما يخاطب المولى بالدفع إلا أن يختار الفداء، غير أنه إن كان عالما ~~بالجناية يلزمه أرش الجناية بالغا ما بلغ؛ لأن إقدامه على البيع بعد العلم ~~بالجناية اختيار للفداء إذ لو لم يختر لما باعه لما فيه من إبطال حق ولي ~~الجناية في الدفع. # والظاهر أنه لا يرضى به وعلى تقدير الاختيار كان البيع إبطالا لحقهم إلى ~~بدل وهو الفداء فكان الإقدام على البيع اختيارا للفداء بخلاف ما إذا كان ~~عليه قتل أو قطع بسبب السرقة أو حد؛ لأن البيع لا يوجب بطلان هذه الحقوق ~~فلم يكن الإقدام على البيع اختيارا للفداء فلا تسقط هذه الحقوق بل بقيت على ~~حالها، وإن كان عالما بالجناية يلزمه الأقل من قيمته ومن أرش الجناية؛ لأنه ~~إذا لم يكن عالما بالجناية كان البيع استهلاكا للعبد من غير اختياره فعليه ~~الأقل من قيمته ومن أرش الجناية؛ لأنه ما أتلف على ولي الجناية إلا قدر ~~الأرش إلا إذا كان أقلهما عشرة آلاف درهم فينقص منها عشرة دراهم؛ لأن قيمة ~~قتل العبد خطأ إذا بلغ عشرة آلاف درهم ينقص منها عشرة دراهم، وكذلك لو ~~أعتقه المولى أو دبره أو كاتب أمه فاستولدها جاز ولا سبيل لولي الجناية على ~~العبد والمدبر وأم الولد، غير أنه إن علم بالجناية كان ذلك اختيارا ms2957 منه ~~للفداء. # وإن لم يعلم فعليه الأقل من قيمته ومن الدين، وما زاد على هذا نذكره في ~~كتاب جنايات العبيد في آخر كتاب الجنايات إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في شرائط الصحة في البيوع] # (فصل) : # وأما شرائط الصحة فأنواع: بعضها يعم البياعات كلها، وبعضها يخص البعض دون ~~البعض أما الشرائط العامة. # (فمنها) : ما ذكرنا من شرائط الانعقاد والنفاذ. # لأن ما لا ينعقد ولا ينفذ البيع بدونه لا يصح بدونه ضرورة، إذ الصحة أمر ~~زائد على الانعقاد والنفاذ، فكل ما كان شرط الانعقاد والنفاذ كان شرط الصحة ~~ضرورة، وليس كل ما يكون شرط الصحة يكون شرط النفاذ والانعقاد عندنا فإن ~~البيع الفاسد ينعقد وينفذ عند اتصال القبض به عندنا وإن لم يكن صحيحا. # (ومنها) أن يكون المبيع معلوما وثمنه معلوما علما يمنع من المنازعة. # فإن كان أحدهما مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة فسد البيع، وإن كان ~~مجهولا جهالة لا تفضي إلى المنازعة لا يفسد؛ لأن الجهالة إذا كانت مفضية ~~إلى المنازعة كانت مانعة من التسليم والتسلم فلا يحصل مقصود البيع، وإذا لم ~~تكن مفضية إلى المنازعة لا تمنع من ذلك؛ فيحصل المقصود وبيانه في مسائل: ~~إذا قال: بعتك شاة من هذا القطيع أو ثوبا من هذا العدل فالبيع فاسد؛ لأن ~~الشاة من القطيع والثوب من العدل مجهول جهالة مفضية إلى المنازعة لتفاحش ~~التفاوت بين شاة وشاة، وثوب وثوب، فيوجب فساد البيع، فإن عين البائع شاة أو ~~ثوبا وسلمه إليه ورضي به جاز ويكون ذلك ابتداء بيع بالمراضاة؛ ولأن ~~البياعات للتوسل إلى استيفاء النفوس إلى انقضاء آجالها والتنازع يفضي إلى ~~التفاني فيتناقض؛ ولأن الرضا شرط البيع والرضا لا يتعلق إلا بالمعلوم ~~والكلام في هذا الشرط في موضعين أحدهما: أن العلم بالمبيع والثمن علما ~~مانعا من المنازعة شرط صحة البيع، والثاني: في بيان ما يحصل به العلم بهما. # (أما) الأول: فبيانه في مسائل، وكذا إذا قال: بعتك أحد هذه الأثواب ~~الأربعة # PageV05P156 # بكذا وذكر خيار التعيين أو سكت عنه أو قال: بعتك أحد هذين ms2958 الثوبين أو أحد ~~هذه الأثواب الثلاثة بكذا وسكت عن الخيار، فالبيع فاسد؛ لأن المبيع مجهول، ~~ولو ذكر الخيار بأن قال: على أنك بالخيار تأخذ أيها شئت بثمن كذا وترد ~~الباقي فالقياس أن يفسد البيع وفي الاستحسان لا يفسد. # (وجه) القياس أن المبيع مجهول؛ لأنه باع أحدهما غير عين وهو غير معلوم ~~فكان المبيع مجهولا فيمنع صحة البيع، كما لو باع أحد الأثواب الأربعة وذكر ~~الخيار. # (وجه) الاستحسان الاستدلال بخيار الشرط والجامع بينهما مساس الحاجة إلى ~~دفع الغبن، وكل واحد من الخيارين طريق إلى دفع الغبن، وورود الشرع هناك ~~يكون ورودا ههنا، والحاجة تندفع بالتحري في ثلاثة لاقتصار الأشياء على ~~الجيد والوسط والرديء فيبقى الحكم في الزيادة مردودا إلى أصل القياس؛ ولأن ~~الناس تعاملوا هذا البيع لحاجتهم إلى ذلك فإن كل أحد لا يمكنه أن يدخل ~~السوق فيشتري ما يحتاج إليه خصوصا الأكابر والنساء فيحتاج إلى أن يأمر غيره ~~ولا تندفع حاجته بشراء شيء واحد معين من ذلك الجنس لما عسى لا يوافق الآمر ~~فيحتاج إلى أن يشتري أحد اثنين من ذلك الجنس فيحملهما جميعا إلى الآمر ~~فيختار أيهما شاء بالثمن المذكور ويرد الباقي، فجوزنا ذلك لتعامل الناس ولا ~~تعامل فيما زاد على الثلاثة فبقي الحكم فيه على أصل القياس وقوله: المعقود ~~عليه مجهول قلنا: هذا ممنوع فإنه إذا شرط الخيار بأن قال: على أن تأخذ ~~أيهما شئت فقد انعقد البيع موجبا للملك عند اختياره لا للحال، والمعقود ~~عليه عند اختياره معلوم مع أن هذه جهالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأنه فوض ~~الأمر إلى اختيار المشتري يأخذ أيهما شاء فلا تقع المنازعة. # وهل يشترط بيان المدة في هذا الخيار؟ اختلف المشايخ فيه لاختلاف ألفاظ ~~محمد في هذه المسألة في الكتب فذكر في الجامع الصغير: على أن يأخذ المشتري ~~أيهما شاء وهو فيه بالخيار ثلاثة أيام وذكر في الأصل: على أن يأخذ أيهما ~~شاء بألف ولم يذكر الخيار فقال بعضهم: لا يجوز هذا البيع إلا بذكر مدة خيار ~~الشرط وهو ثلاثة أيام ms2959 فما دونها عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما: ~~الثلاث وما زاد عليها بعد أن يكون معلوما، وهو قول الكرخي والطحاوي رحمهما ~~الله وقال بعضهم يصح من غير ذكر المدة. # (وجه) قول الأولين: أن المبيع لو كان ثوبا واحدا معينا وشرط فيه الخيار ~~كان بيان المدة شرط الصحة بالإجماع، فكذا إذا كان واحدا غير معين، والجامع ~~بينهما أن ترك التوقيت تجهيل لمدة الخيار وأنه مفسد للبيع؛ لأن للمشتري أن ~~يردهما جميعا، والثابت بخيار التعيين رد أحدهما وهذا حكم خيار الشرط فلا بد ~~من ذكر مدة معلومة. # (وجه) قول الآخرين: إن توقيت الخيار في المعين إنما كان شرطا؛ لأن الخيار ~~فيه يمنع ثبوت الحكم للحاجة إلى دفع الغبن بواسطة التأمل فكان في معنى ~~الاستثناء فلا بد من التوقيت ليصح استثناء ذلك في الوقت عن ثبوت حكم البيع ~~فيه، وخيار التعيين لا يمنع ثبوت الحكم بل يثبت الحكم في أحدهما غير عين، ~~وإنما يمنع تعين المبيع لا غير، فلا يشترط له بيان المدة والله سبحانه ~~وتعالى أعلم والدليل على التفرقة بينهما أن خيار الشرط لا يورث على أصل ~~أصحابنا، وخيار التعيين يورث بالإجماع، إلا أن للمشتري أن يردهما جميعا لا ~~حكما لخيار الشرط المعهود ليشترط له بيان المدة بل لأن البيع المضاف إلى ~~أحدهما غير لازم فكان محلا للفسخ كالبيع بشرط خيار معهود على ما نذكر إن ~~شاء الله تعالى. # هذا يخرج ما إذا اشترى ثوبين أو عبدين أو دابتين على أن المشتري أو ~~البائع بالخيار في أحدهما ثلاثة أيام ولم يعين الذي فيه الخيار من الذي لا ~~خيار فيه ولا بين حصة كل واحد منهما من الثمن أن البيع فاسد فيهما جميعا ~~لجهالة المبيع والثمن. # (أما) جهالة المبيع: فلأن العقد في أحدهما بات وفي الآخر خيار ولم يعين ~~أحدهما من الآخر فكان المبيع مجهولا، وأما جهالة الثمن: فلأنه إذا لم يسم ~~لكل واحد منهما ثمنا فلا يعرف ذلك إلا بالحزر والظن فكان الثمن مجهولا ~~والمبيع مجهولا وجهالة أحدهما تمنع صحة البيع فجهالتهما ms2960 أولى. # وكذا إذا عين الذي فيه الخيار لكن لم يبين حصة كل واحد منهما من الثمن؛ ~~لأن الثمن مجهول، وكذا إذا بين ثمن كل واحد منهما لكن لم يعين الذي فيه ~~الخيار من صاحبه؛ لأن المبيع مجهول ولو عين وبين جاز البيع فيهما جميعا؛ ~~لأن المبيع والثمن معلومان ويكون البيع في أحدهما باتا من غير خيار وفي ~~الآخر فيه خيار؛ لأنه هكذا فعل فإذا أجاز من له الخيار البيع فيما له فيه ~~الخيار أو مات أو مضت مدة الخيار من غير فسخ حتى تم البيع ولزم # PageV05P157 # المشتري ثمنهما ليس له أن يأخذ أحدهما أو كلاهما ما لم ينقد ثمنهما ~~جميعا؛ لأن الخيار لما سقط ولزم العقد صار كأنه اشتراهما جميعا شراء باتا، ~~ولو كان كذلك كان الأمر على ما وصفنا، فكذا هذا ولو اشترى ثوبا واحدا أو ~~دابة واحدة بثمن معلوم على أن المشتري أو البائع بالخيار في نصفه ونصفه بات ~~جاز البيع؛ لأن النصف معلوم وثمنه معلوم أيضا والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو باع عددا من جملة المعدودات المتفاوتة كالبطيخ والرمان بدرهم والجملة ~~أكثر مما سمى فالبيع فاسد لجهالة المبيع جهالة مفضية إلى المنازعة، فإن عزل ~~ذلك القدر من الجملة بعد ذلك أو تراضيا عليه فهو جائز؛ لأن ذلك بيع مبتدأ ~~بطريق التعاطي وإليه أشار في الكتاب فقال: وإنما وقع البيع على هذا المعزول ~~حين تراضيا وهذا نص على جواز البيع بالمراوضة، ولو قال بعت هذا العبد ~~بقيمته فالبيع فاسد؛ لأنه جعل ثمنه قيمته وإنها تختلف باختلاف تقويم ~~المقومين فكان الثمن مجهولا، وكذلك إذا اشترى من هذا اللحم ثلاثة أرطال ~~بدرهم ولم يبين الموضع فالبيع فاسد. # وكذلك إذا بين الموضع بأن قال زن لي من هذا الجنب رطلا بكذا أو من هذا ~~الفخذ على قياس قول أبي حنيفة في السلم وعلى قياس قولهما يجوز، وكذا روي عن ~~محمد - رحمه الله - أنه يجوز وكذا إذا باع بحكم المشتري أو بحكم فلان؛ لأنه ~~لا يدري بماذا يحكم فلان فكان الثمن مجهولا ms2961 وكذا إذا قال بعتك هذا بقفيز ~~حنطة أو بقفيزي شعير؛ لأن الثمن مجهول. # وقيل: هو البيعان في بيع وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«نهى عن بيعين في بيع» وكذا إذا قال: بعتك هذا العبد بألف درهم إلى سنة أو ~~بألف وخمسمائة إلى سنتين؛ لأن الثمن مجهول، وقيل: هو الشرطان في بيع وقد ~~روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن شرطين في بيع» ولو باع ~~شيئا بربح ده يازده ولم يعلم المشتري رأس ماله فالبيع فاسد حتى يعلم فيختار ~~أو يدع هكذا روى ابن رستم عن محمد؛ لأنه إذا لم يعلم رأس ماله كان ثمنه ~~مجهولا وجهالة الثمن تمنع صحة البيع فإذا علم ورضي به جاز البيع؛ لأن ~~المانع من الجواز هو الجهالة عند العقد وقد زالت في المجلس وله حكم حالة ~~العقد فصار كأنه كان معلوما عند العقد وإن لم يعلم به حتى إذا افترقا تقرر ~~الفساد. # ولو هلك المبيع قبل العلم بعد القبض فعليه قيمته؛ لأن هذا حكم البيع ~~الفاسد وقد تقرر الفساد بالهلاك؛ لأن بالهلاك خرج البيع عن احتمال الإجازة ~~والرضا؛ لأن الإجازة إنما تلحق القائم دون الهالك فتقرر الفساد فلزمته ~~القيمة، وروى ابن شجاع عن محمد أن البيع جائز ومعناه أنه موقوف على الإجازة ~~وإليه أشار أبو يوسف - رحمه الله - فإنه قال: صح وهذه أمارة البيع الموقوف ~~فإن مات البائع قبل أن يرضى المشتري وقد قبض أو لم يقبض انتقض البيع ولو ~~كان المبيع عبدا فقبضه ثم أعتقه أو باعه أو مات قبل العلم جاز العتق والبيع ~~وعليه قيمته؛ لوجود الهلاك حقيقة بالموت وبالإعتاق في المبيع فخرج البيع عن ~~احتمال الإجازة فتأكد الفساد فيلزمه القيمة، ولو أعتقه بعد ما علم برأس ~~المال فعليه الثمن؛ لأن إقدامه على الإعتاق دليل الإجازة، ولو عتق بالقرابة ~~قبل العلم بالثمن بعد القبض فعليه قيمته؛ لأنه لا صنع له في القرابة فلم ~~يوجد دليل الإجازة فكان العتق بها بمنزلة هلاك العبد قبل العلم وهناك تجب ms2962 ~~القيمة كذا ههنا # وكذا إذا باع الشيء برقمه أو رأس ماله ولم يعلم المشتري رقمه ورأس ماله ~~فهو كما إذا باع شيئا بربح ده يازده ولم يعلم ما اشترى به. # ولو قال: بعتك قفيزا من هذه الصبرة صح وإن كان قفيزا من صبرة مجهولا لكن ~~هذه جهالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأن الصبرة الواحدة متماثلة القفزان بخلاف ~~الشاة من القطيع وثوب من الأربعة؛ لأن بين شاة وشاة تفاوتا فاحشا وكذا بين ~~ثوب وثوب والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو باع شيئا بعشرة دراهم أو بعشرة دنانير وفي البلد نقود مختلفة انصرف ~~إلى النقد الغالب؛ لأن مطلق الاسم ينصرف إلى المتعارف خصوصا إذا كان فيه ~~صحة العقد وإن كان في البلد نقود غالبة فالبيع فاسد؛ لأن الثمن مجهول إذ ~~البعض ليس بأولى من البعض وعلى هذا يخرج أصل أبي حنيفة عليه الرحمة أن جملة ~~الثمن إذا كانت مجهولة عند العقد في بيع مضاف إلى جملة فالبيع فاسد إلا في ~~القدر الذي جهالته لا تفضي إلى المنازعة، وجملة الكلام فيه أن المبيع لا ~~يخلو إما إن كان من المثليات من المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة ~~وإما أن يكون من غيرها من الذرعيات والعدديات المتفاوتة ولا يخلو إما إن ~~سمى جملة الكيل والوزن والعدد والذرع في البيع وإما إن لم يسم، أما ~~المكيلات: فإن لم يسم جملتها بأن قال بعت منك هذه الصبرة كل قفيز منها # PageV05P158 # بدرهم لم يجز البيع إلا في قفيز منها بدرهم ويلزم البيع فيه عند أبي ~~حنيفة ولا يجوز في الباقي إلا إذا علم المشتري جملة القفزان قبل الافتراق ~~بأن كالها فله الخيار إن شاء أخذ كل قفيز منها بدرهم وإن شاء ترك، وإن لم ~~يعلم حتى افترقا عن المجلس تقرر الفساد، وعند أبي يوسف ومحمد يلزمه البيع ~~في كل الصبرة كل قفيز منها بدرهم سواء علم أو لم يعلم، وعلى هذا الخلاف إذا ~~قال: كل قفيز منها بدرهمين أو كل ثلاثة أقفزة منها بثلاثة دراهم، وعلى هذا ~~الخلاف الوزن الذي ms2963 لا ضرر في تبعيضه كالزيت وتبر الذهب والفضة، والعددي ~~المتقارب كالجوز واللوز إذا لم يسم جملتها. # (وأما) الذرعيات: فإن لم يسم جملة الذرعان بأن قال بعت منك هذا الثوب أو ~~هذه الأرض أو هذه الخشبة كل ذراع منها بدرهم فالبيع فاسد في الكل عند أبي ~~حنيفة - رحمه الله - إلا إذا علم المشتري جملة الذرعان في المجلس فله ~~الخيار إن شاء أخذ وإن شاء ترك، وإن لم يعلم حتى إذا تفرقا تقرر الفساد، ~~وعند أبي يوسف ومحمد يجوز البيع في الكل ويلزمه كل ذراع منه بدرهم، وعلى ~~هذا الخلاف إذا قال: كل ذراعين بدرهمين أو كل ثلاثة أذرع بثلاثة دراهم، ~~وعلى هذا الخلاف العدديات المتفاوتة كالأغنام والعبيد بأن قال: بعت منك هذا ~~القطيع من الغنم كل شاة منها بعشرة دراهم ولم يسم جملة الشياه، وعلى هذا ~~الخلاف الوزني الذي في تبعيضه ضرر كالمصوغ من الأواني والقلب ونحو ذلك. # (وجه) قولهما في مسائل الخلاف أن جملة البيع معلومة وجملة الثمن ممكن ~~الوصول إلى العلم بالكيل والوزن والعدد والذرع فكانت هذه جهالة ممكنة الرفع ~~والإزالة ومثل هذه الجهالة لا تمنع صحة البيع كما إذا باع بوزن هذا الحجر ~~ذهبا، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن جملة الثمن مجهولة حالة العقد جهالة ~~مفضية إلى المنازعة فتوجب فساد العقد كما إذا باع الشيء برقمه ولا شك أن ~~جهالة الثمن حالة العقد مجهولة؛ لأنه باع كل قفيز من الصبرة بدرهم وجملة ~~القفزان ليست بمعلومة حالة العقد فلا تكون جملة الثمن معلومة ضرورة، وكذلك ~~هذا في الموزون والمعدود والمذروع. # وقولهما يمكن رفع هذه الجهالة مسلم لكنها ثابتة للحال إلى أن ترتفع، ~~وعندنا إذا ارتفعت في المجلس ينقلب العقد إلى الجواز؛ لأن المجلس وإن طال ~~فله حكم ساعة العقد، والبيع بوزن هذا الحجر ذهبا ممنوع على أصل أبي حنيفة - ~~رحمه الله - وإنما اختلف جواب أبي حنيفة بين المثليات وغيرها من وجه حيث ~~جوز البيع في واحد في باب الأمثال ولم يجز في غيرها أصلا؛ لأن المانع من ~~الصحة جهالة ms2964 الثمن لكونها مفضية إلى المنازعة، وجهالة قفيز من صبرة غير ~~مانعة مع الصحة؛ لأنها لا تفضي إلى المنازعة ألا ترى لو اشترى قفيزا من هذه ~~الصبرة ابتداء جاز؟ فإذا تعذر العمل بعموم كلمة. # (كل) صرفت إلى الخصوص؛ لأنه ممكن على الأصل المعهود في صيغة العام إذا ~~تعذر العمل بعمومها أنها تصرف إلى الخصوص عند إمكان الصرف إليه بخلاف ~~الأشياء المتفاوتة؛ لأن جهالة شاة من قطيع وذراع من ثوب جهالة مفضية إلى ~~المنازعة ألا ترى أن بيع ذراع من ثوب وشاة من قطيع لا يجوز ابتداء فتعذر ~~العمل بعموم كلمة (كل) ففسد البيع في الكل، ولو قال: بعت منك هذا القطيع من ~~الغنم كل شاتين بعشرين درهما فالبيع فاسد في الكل بالإجماع، وإن علم ~~المشتري عدد الجملة في المجلس واختار البيع فرق بين المعدود المتفاوت وبين ~~المذروع والمكيل والموزون والمعدود المتقارب أن الواحد والاثنين هناك على ~~الاختلاف، وإذا علم في المجلس واختار البيع يجوز بلا خلاف، وههنا لا يجوز ~~في الاثنين بلا خلاف، وإن علم واختار البيع. # (ووجه) الفرق أن المانع هناك جهالة الثمن وهي محتملة الارتفاع والزوال ~~ثمة بالعلم في المجلس فكان المانع يحتمل الزوال، والجهالة ههنا لا تحتمل ~~الارتفاع أصلا؛ لأن ثمة كل واحد منهما مجهول لا يدرى كم هو، ولو قال: بعت ~~منك هذه الصبرة بمائة درهم كل قفيز بدرهم ولم يسم جملة الصبرة ولكنه سمى ~~جملة الثمن، لم يذكر هذا في الأصل وذكر الطحاوي - رحمه الله - أنه يجوز وهو ~~صحيح؛ لأن المانع جهالة الثمن ولم توجد حيث سماها وصارت تسمية جملة الثمن ~~بمنزلة تسمية جملة المبيع، ولو سمى جملة المبيع لجاز على ما نذكره كذا هذا ~~الذي ذكرنا إذا لم يسم جملة المبيع من المكيلات والموزونات والمذروعات ~~والمعدودات، فأما إذا أسماها بأن قال: بعت منك هذه الصبرة على أنها مائة ~~قفيز كل قفيز بدرهم، أو قال على أنها مائة قفيز بمائة درهم سمى لكل واحد من ~~القفزان ثمنا على حدة أو سمى للكل ثمنا واحدا هما سواء، ms2965 فلا شك في جواز ~~البيع؛ لأن جملة المبيع معلومة وجملة الثمن # PageV05P159 # معلومة ثم إن وجدها كما سمى فالأمر ماض ولا خيار للمشتري وإن وجدها أزيد ~~من مائة قفيز فالزيادة لا تسلم للمشتري بل ترد إلى البائع ولا يكون للمشتري ~~إلا قدر ما سمى وهو مائة قفيز ولا خيار له وإن وجدها أقل من مائة قفيز ~~فالمشتري بالخيار إن شاء أخذها بحصتها من الثمن وطرح حصة النقصان وإن شاء ~~تركها وأصل هذا أن الزيادة فيما لا ضرر في تبعيضه لا تجري مجرى الصفة بل هي ~~أصل فلا بد وأن يقابله الثمن، ولا ثمن للزيادة فلا يدخل في البيع فكان ملك ~~البائع فيرد إليه، والنقصان فيه نقصان الأصل لا نقصان الصفة فإذا وجدها ~~أنقص مما سمى؛ نقص من الثمن حصة النقصان وإن شاء ترك؛ لأن الصفقة تفرقت ~~عليه؛ لأنها وقعت على مائة قفيز ولم تسلم له فأوجب خللا في الرضا فيثبت له ~~خيار الترك وكذا الجواب في الموزونات التي ليس في تنقيصها ضرر؛ لأن الزيادة ~~فيها لا تجري مجرى الصفة بل هي أصل بنفسها وكذلك المعدودات المتقاربة. # (وأما) المذروعات من الثوب والأرض والخشب وغيرها فإن سمى لجملة الذرعان ~~ثمنا واحدا ولم يسم لكل ذراع منها على حدة بأن قال: بعت منك هذا الثوب على ~~أنه عشرة أذرع بعشرة دراهم فالبيع جائز؛ لأن المبيع وثمنه معلومان ثم إن ~~وجده مثل ما سمى لزمه الثوب بعشرة دراهم ولا خيار له، وإن وجده أحد عشر ~~ذراعا فالزيادة سالمة للمشتري، وإن وجده تسعة أذرع لا يطرح لأجل النقصان ~~شيئا من الثمن وهو بالخيار: إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء ترك، فرق ~~بينهما وبين المكيلات والموزونات التي ليس في تنقيصها ضرر والعدديات ~~المتقاربة. # (ووجه) الفرق أن زيادة الذرع في الذرعيات جارية مجرى الصفة كصفة الجودة ~~والكتابة والخياطة ونحوها والثمن يقابل الأصل لا الصفة؛ والدليل على أنها ~~جارية مجرى الصفة أن وجودها يوجب جودة في الباقي وفواتها يسلب صفة الجودة ~~ويوجب الرداءة فتلحق الزيادة بالجودة والنقصان بالرداءة ms2966 حكما والجودة ~~والرداءة صفة، والصفة ترد على الأصل دون الصفة، إلا أن الصفة تملك تبعا ~~للموصوف لكونها تابعة قائمة به فإذا زاد صار كأنه اشتراه رديئا فإذا هو ~~جيد، كما إذا اشترى عبدا على أنه ليس بكاتب أو ليس بخياط فوجده كاتبا أو ~~خياطا أو اشترى عبدا على أنه أعور فوجده سليم العينين أو اشترى جارية على ~~أنها ثيب فوجدها بكرا؛ تسلم له ولا خيار للبائع كذا هذا وإذا نقص صار كأنه ~~اشتراه على أنه جيد فوجده رديئا أو اشترى عبدا على أنه كاتب أو خباز أو ~~صحيح العينين فوجده غير كاتب ولا خباز ولا صحيح العينين أو اشترى جارية على ~~أنها بكر فوجدها ثيبا؛ لا يطرح شيئا من الثمن لكن يثبت له الخيار كذا هذا ~~بخلاف المكيلات والموزونات التي لا ضرر فيها إذا نقصت والمعدودات ~~المتقاربة؛ لأن الزيادة فيها غير ملحقة بالأوصاف؛ لأنها أصل بنفسها حقيقة. # والعمل بالحقيقة واجب ما أمكن إلا أنها ألحقت بالصفة في المذروعات ~~ونحوها؛ لأن وجودها يوجب الجودة والكمال للباقي وفواتها يوجب النقصان ~~والرداءة له، وهذا المعنى ههنا منعدم فبقيت أصلا بنفسها حقيقة وإن سمى لكل ~~ذراع منها ثمنا على حدة بأن قال: بعت منك هذا الثوب على أنه عشرة أذرع كل ~~ذراع بدرهم فالبيع جائز لما قلنا، ثم إن وجده مثل ما سمى فالأمر ماض ولزمه ~~الثوب كل ذراع بدرهم وإن وجده أحد عشر ذراعا فهو بالخيار: إن شاء أخذ كله ~~بأحد عشر درهما، وإن شاء ترك وإن وجده تسعة أذرع فهو بالخيار: إن شاء طرح ~~حصة النقصان درهما وأخذه بتسعة دراهم، وإن شاء ترك؛ لتفرق الصفقة عليه وهذا ~~يشكل على الأصل الذي ذكرنا أن زيادة الذرع في المذروعات تجري مجرى الصفة ~~لها؛ لأن الثمن يقابل الأصل دون الوصف فينبغي أن تكون الزيادة سالمة ~~للمشتري ولا خيار له ولا يطرح لأجل النقصان شيئا كما في الفصل الأول؛ لأن ~~الثمن يقابل الأصل دون الصفة بمنزلة زيادة الجودة ونقصان الرداءة على ما ~~ذكرنا. # وحل هذا الإشكال ms2967 أن الذرع في المذروعات إنما يجري مجرى الصفة على الإطلاق ~~إذا لم يفرد كل ذراع بثمن على حدة. # (فأما) إذا أفرد به فلا يجري مجرى الصفة مطلقا بل يكون أصلا من وجه وصفة ~~من وجه: فمن حيث إن التبعيض فيها يوجب تعييب الباقي؛ كانت الزيادة صفة ~~بمنزلة صفة الجودة، ومن حيث إنه سمى لكل ذراع ثمنا على حدة؛ كان كل ذراع ~~معقودا عليه فكانت الزيادة أصلا من وجه صفة من وجه: فمن حيث إنها صفة كانت ~~للمشتري؛ لأن الثمن يقابل الأصل # PageV05P160 # لا الصفة وإنما يدخل في البيع تبعا على ما بينا ومن حيث إنها أصل لا يسلم ~~له إلا بزيادة ثمن اعتبارا للجهتين جميعا بقدر الإمكان فله الخيار في أخذ ~~الزيادة وتركها؛ لأنه لو لزمه الأخذ، لا محالة يلزمه زيادة ثمن؛ لم يكن ~~لزومها ظاهرا عند العقد واختل رضاه فوجب الخيار وفي النقصان إن شاء طرح قدر ~~النقصان وأخذ الباقي اعتبارا لجهة الأصالة وإن شاء ترك؛ لأن الصفقة تفرقت ~~عليه وأوجب خللا في الرضا وذا يوجب الخيار هذا إذا كانت الزيادة والنقصان ~~ذراعا تاما فأما إذا كانت دون ذراع لم يذكر هذا في ظاهر الروايات وذكر في ~~غير رواية الأصول اختلاف أقاويل أصحابنا الثلاثة في كيفية الخيار فيه: فأبو ~~حنيفة ومحمد رحمهما الله فرقا بين الزيادة والنقصان غير أن أبا حنيفة جعل ~~زيادة نصف ذراع بمنزلة زيادة ذراع كامل فقال: إن شاء أخذه بأحد عشر درهما ~~وإن شاء ترك، وجعل نقصان نصف ذراع كلا نقصان لكن جعل له الخيار فقال: إن ~~شاء أخذه بعشرة دراهم وإن شاء ترك ولا يطرح من الثمن شيئا لأجل النقصان ~~ومحمد جعل على القلب من ذلك فجعل زيادة نصف ذراع كلا زيادة فقال: يأخذ ~~المشتري بجميع الثمن ولا خيار له، وجعل نقصان نصف ذراع كنقصان ذراع كامل ~~وقال: إن شاء أخذ بتسعة دراهم، وإن شاء ترك. # (وأما) أبو يوسف - رحمه الله - فسوى بين الزيادة والنقصان فقال في زيادة ~~نصف ذراع: يزاد على الثمن نصف درهم ms2968 وله الخيار: إن شاء أخذه بعشرة دراهم ~~ونصف، وإن شاء ترك وقال في نقصان نصف ذراع: ينقص من الثمن نصف درهم وله ~~الخيار: إن شاء أخذه بتسعة دراهم ونصف، وإن شاء ترك والقياس ما قاله أبو ~~يوسف وهو اعتبار الجزء بالكل إلا أنهما كأنهما استحسنا لتعامل الناس؛ فجعل ~~أبو حنيفة زيادة نصف ذراع بمنزلة ذراع تام ونقصان نصف ذراع كلا نقصان؛ لأن ~~الناس في العادات في بياعاتهم وأشريتهم لا يعدون نقصان نصف ذراع نقصانا بل ~~يحسبونه ذراعا تاما، فبنى الأمر في ذلك على تعامل الناس وجعل محمد الأمر في ~~ذلك على القلب من ذلك لما أن الباعة يسامحون في زيادة نصف على القدر المسمى ~~في البيع عادة ولا يعدونه زيادة؛ فكانت تلك الزيادة ملحقة بالعدم عادة كأنه ~~لم يزد وكذا يسامحون فيعدون نقصان نصف ذراع في العادات نقصان ذراع كامل؛ ~~فتركنا القياس بتعامل الناس، ويجوز أن يكون اختلاف جوابهما لاختلاف عادات ~~الناس والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا جميع المذروعات من الأرض والخشب ~~وغيرهما أنه إن لم يسم لكل ذراع ثمنا بأن قال: بعت منك هذه الأرض على أنها ~~ألف ذراع بألف درهم فالبيع جائز؛ لما قلنا ثم إن وجدها مثل ما سمى فالأمر ~~ماض ويلزمه الأرض كل ذراع بدرهم وإن وجدها أزيد فالزيادة سالمة له ولا خيار ~~وإن وجدها أنقص فهو بالخيار إن شاء أخذها بجميع الثمن وإن شاء ترك لما ~~ذكرنا أن زيادة الذرع في الذرعيات جارية مجرى الصفات والثمن يقابل الأصل ~~دون الصفة وإن سمى لكل ذراع ثمنا على حدة بأن قال: كل ذراع بكذا؛ فالبيع ~~جائز لما ذكرنا ثم إن وجدها مثل ما سمى فالأمر ماض، وإن وجدها أزيد فهو ~~بالخيار: إن شاء أخذ الزيادة بثمنها، وإن شاء ترك؛ لأنه يلزمه زيادة ثمن لم ~~يلتزمه لذا العقد وإن وجده أنقص تسقط حصته من الثمن وله الخيار لتفرق ~~الصفقة على ما ذكرنا في الثوب وعلى هذا الخشب وغيره من الذرعيات وعلى هذا ~~الموزونات التي في تبعيضها ضرر ms2969 بأن قال: بعت منك هذه السبيكة من الذهب على ~~أنها مثقالان بكذا فالبيع جائز ثم إن وجد على ما سمى فالأمر ماض وإن وجده ~~أزيد أو أنقص فهو على التفصيل الذي ذكرنا في الذرعيات وعلى هذا إذا باع ~~مصوغا من نحاس أو صفر أو ما أشبه ذلك على أن فيه كذا منا بكذا درهما فوجده ~~أكثر أو أقل فهو على التفصيل الذي ذكرنا؛ لأن الوزن في مثله يكون ملحقا ~~بالصفة بمنزلة الذرع في الذرعيات؛ لأن تبعيضه يوجب تعييب الباقي وهذا حد ~~الصفة في هذا الباب ولو باع مصوغا من الفضة على أن وزنه مائة بعشرة دنانير ~~ولم يسم لكل عشرة ثمنا على حدة بأن قال: بعشرة دنانير ولم يقل: كل وزن عشرة ~~بدينار وتقابضا وافترقا؛ فالبيع جائز ثم إن وجده على ما سمى؛ فالأمر ماض ~~ولا خيار وإن وجده أزيد بأن كان مائتي درهم مثلا فالكل للمشتري بعشرة ~~دنانير ولا يزاد في الثمن شيء؛ لأن الزيادة فيه بمنزلة الصفة والصفات ~~المحضة لا يقابلها الثمن، وإن وجده تسعين أو ثمانين فهو بالخيار على ما ~~ذكرنا وإن سمى لكل عشرة ثمنا على حدة بأن قال: بعت منك على أن وزنه مائة ~~بعشرة دنانير، كل # PageV05P161 # وزن عشرة بدينار وتقابضا فالبيع جائز، ثم إن وجده على ما سمى فالأمر ماض ~~ولا خيار، وإن وجد وزنه أزيد بأن كان مائة وخمسين؛ نظر في ذلك إن علم ذلك ~~قبل التفرق فله الخيار: إن شاء زاد في الثمن خمسة دنانير وأخذ كله بخمسة ~~عشر دينارا، وإن شاء ترك؛ لأن ساعات المجلس لها حكم ساعة العقد، وإن علم ~~بعد التفرق بطل البيع في ثلث المصوغ لانعدام التقابض فيه وله الخيار في ~~الباقي: إن شاء رضي به بعشرة دنانير، وإن شاء رد الكل واسترد الدنانير؛ لأن ~~الشركة في الأعيان عيب وإن وجد وزنه خمسين وعلم ذلك قبل التفرق أو بعده فله ~~الخيار: إن شاء رده، وإن شاء رضي به واسترد من الثمن خمسة دنانير وكذلك لو ~~باع مصوغا من ms2970 ذهب بدراهم فهو على هذا التفصيل ولو باع مصوغا من الفضة ~~بجنسها أو باع مصوغا من الذهب بجنسه مثل وزنه على أن وزنه مائة بمائة ثم ~~وجده أزيد مما سمى فإن علم بالزيادة قبل التفرق؛ فله الخيار: إن شاء زاد في ~~الثمن قدر وزن الزيادة وأخذ الكل، وإن شاء ترك؛ لأن المجلس له حكم حالة ~~العقد، وإن علم بها بعد التفرق بطل البيع في الزيادة؛ لأن التقابض شرط بقاء ~~الصرف على الصحة ولم يوجد في قدر الزيادة وإن وجد أقل مما سمى فله الخيار: ~~إن شاء رضي بحصته من الثمن واسترد فضل الثمن، وإن شاء رد الكل واسترد جميع ~~الثمن سواء سمى الجملة أو سمى لكل وزن درهما درهما؛ لأن عند اتحاد الوزن ~~والجنس لا يجوز البيع إلا سواء بسواء فصار كأنه سمى ذلك وإن لم يسم حقيقة ~~إلا الجملة. # (وأما) العدديات المتفاوتة كالغنم والعبيد ونحوها بأن قال: بعت منك هذا ~~القطيع من الغنم على أنها مائة شاة بكذا فإن وجده على ما سمى؛ فالبيع جائز، ~~وإن وجده أزيد فالبيع فاسد في الكل سواء ذكر للكل ثمنا واحدا بأن قال: بعت ~~منك هذا القطيع على أنها مائة شاة بألف درهم أو ذكر لكل شاة فيها ثمنا على ~~حدة بأن قال: كل شاة بعشرة دراهم؛ لأن كل شاة أصل في كونها معقودا عليها ~~والزيادة لم تدخل تحت العقد؛ لأنه لا يقابلها ثمن؛ فلم تكن مبيعة وهي ~~مجهولة فكان الباقي مجهولا ضرورة جهالة الزيادة فيصير بائعا مائة شاة من ~~مائة شاة وواحدة فكان المبيع مجهولا، وجهالة المبيع تمنع صحة البيع سمى له ~~ثمنا أو لم يسم. # وإن وجده أقل مما سمى: فإن كان لم يسم لكل واحدة منها ثمنا فالبيع فاسد؛ ~~لأن الثمن مجهول؛ لأنه يحتاج إلى طرح ثمن شاة واحدة من جملة الثمن المسمى ~~وهو مجهول التفاوت فاحش بين شاة وشاة فصار ثمن الباقي مجهولا ضرورة جهالة ~~حصة الشاة الناقصة، وإن سمى لكل واحدة منها ثمنا على حدة؛ فالبيع جائز بحصة ms2971 ~~الباقي منها؛ لأن حصته الزائدة معلومة وحصة الباقي معلومة فالفساد من أين؟ ~~من أصحابنا من قال: هذا مذهبهما، فأما عند أبي حنيفة عليه الرحمة فالبيع ~~فاسد في الكل بناء على أن المذهب عنده أن الصفقة إذا أضيفت إلى ما يحتمل ~~العقد وإلى ما لا يحتمله؛ فالفساد يشيع في الكل، وأكثر أصحابنا على أن هذا ~~بلا خلاف وهكذا ذكر في الأصل ولم يذكر الخلاف وهو الصحيح؛ لأن العقد المضاف ~~إلى موجود يجوز أن يفسد لمعنى يوجب الفساد ثم يتعدى الفساد إلى غيره. # وأما المعدوم فلا يحتمل العقد أصلا؛ لأنه ليس بشيء فلا يوصف العقد المضاف ~~إليه بالفساد ليتعدى إلى غيره، بل لم تصح الإضافة إليه فيبقى مضافا إلى ~~الموجود فيصح لكن للمشتري الخيار إن شاء أخذ الباقي بما سمى من الثمن وإن ~~شاء ترك لتفرق الصفقة عليه وعلى هذا جميع العدديات المتفاوتة ولو قال: بعت ~~منك هذا القطيع من الغنم على أنها مائة، كل شاتين منها بعشرين درهما فالبيع ~~فاسد. # وإن وجده على ما سمى؛ لأن ثمن كل واحدة من الشاتين مجهول؛ لأنه لا يعرف ~~حصة كل شاة منها من الثمن إلا بعد ضم شاة أخرى إليها ولا يعلم أية شاة يضم ~~إليها ليعلم حصتها؛ لأنه إن ضم إليها أردأ منها كانت حصتها أكثر وإن ضم ~~إليها أجود منها كانت حصتها أقل لذلك فسد البيع والله سبحانه وتعالى أعلم ~~وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة - رحمه الله - فيمن باع عشرة أذرع من مائة ~~ذراع من هذه الدار أو من هذا الحمام أو من هذه الأرض أن البيع فاسد وقال ~~أبو يوسف ومحمد: جائز ولو باع عشرة أسهم من مائة سهم؛ جاز بالإجماع والكلام ~~فيه يرجع إلى معرفة معنى الذراع فقالا: إنه اسم في العرف للسهم الشائع ولو ~~باع عشرة أسهم من مائة سهم من هذه الأشياء؛ جاز فكذا هذا وأبو حنيفة - رحمه ~~الله - يقول: الذراع في الحقيقة اسم لما يذرع به وإنما سمي المذروع ذراعا ~~مجازا إطلاقا لاسم الفعل على المفعول. ms2972 # فكان # PageV05P162 # بيع عشرة أذرع من دار معناه: بيع قدر عشرة أذرع مما يحله الذراع الحقيقي؛ ~~لأنه لا يحل إلا محلا معينا فكان المبيع قدر عشرة أذرع، معين من الدار وهو ~~الذي يحله الذراع الحقيقي وذلك مجهول في نفسه قبل الحلول فكان المبيع ~~مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة فيوجب فساد البيع بخلاف السهم؛ لأنه اسم ~~للشائع وهو جزء معلوم من الثلث والربع والعشر ونحو ذلك، فبيع عشرة أسهم من ~~مائة سهم من الدار هو بيع عشرة أجزاء من مائة جزء منها وهو عشرها، فقد باع ~~جزءا معلوما منها فيجوز بخلاف الذراع فإن قدر عشرة أذرع لا يصير معلوما إلا ~~بالحلول على ما مر فقبله يكون مجهولا فكان المبيع مجهولا فلم يصح فوضح ~~الفرق بينهما لأبي حنيفة. # وعلى هذا يخرج ضربة الغائص وهو أن يقول الغائص للتاجر: أغوص لك غوصة فما ~~أخرجته فهو لك بكذا وهو فاسد؛ لأن المبيع مجهول وروي أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - «نهى عن ضربة الغائص» وعلى هذا يخرج أجناس هذه المسائل ~~وبيع رقبة الطريق وهبته منفردا جائز وبيع مسيل الماء وهبته منفردا فاسد. # (ووجه) الفرق أن الطريق معلوم الطول والعرض؛ فكان المبيع معلوما فجاز ~~بيعه بخلاف المسيل فإنه مجهول القدر؛ لأن القدر الذي يشغل الماء من النهر ~~غير معلوم؛ فكان المبيع مجهولا فلم يجز. # (وأما) العلم بأوصاف المبيع والثمن فهل هو شرط لصحة البيع بعد العلم ~~بالذات والجهل بها هل هو مانع من الصحة؟ قال أصحابنا: ليس بشرط الصحة، ~~والجهل بها ليس بمانع من الصحة لكنه شرط اللزوم فيصح بيع ما لم يره المشتري ~~لكنه لا يلزم وعند الشافعي - رحمه الله - كون المبيع معلوم الذات والصفة من ~~شرائط الصحة حتى لا يجوز بيع ما لم يره المشتري عنده. # (وجه) قوله أن جهالة الذات إنما منعت صحة العقد لإفضائها إلى المنازعة؛ ~~لأن الأعيان تختلف رغبات الناس فيها لاختلاف ماليتها فالبائع إذا سلم عينا ~~فمن الجائز أن يطلب المشتري عينا أخرى أجود منها باسم الأولى فيتنازعان ~~وجهالة ms2973 الوصف مفضية إلى المنازعة أيضا؛ لأن الغائب عن المجلس إذا أحضره ~~البائع فمن الجائز أن يقول المشتري: هذا ليس عين المبيع بل مثله من جنسه ~~فيقعان في المنازعة بسبب عدم الرؤية ولأن عدم الرؤية يوجب تمكن الغرر في ~~البيع «ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع فيه غرر» وبيان تمكن ~~الغرر أن الغرر هو الخطر وفي هذا البيع خطر من وجوه: أحدها: في أصل المعقود ~~عليه، والثاني: في وصفه؛ لأن دليل الوجود إذا كان غائبا هو الخبر، وخبر ~~الواحد يحتمل الصدق والكذب فيتردد المعقود عليه بأصله ووصفه بين الوجود ~~والعدم، والثالث في وجود التسليم وقت وجوبه؛ لأن وقت الوجوب وقت نقد الثمن ~~وقد يتفق النقد وقد لا يتفق، والغرر من وجه واحد يكفي لفساد العقد فكيف من ~~وجوه ثلاثة؟ وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «لا تبع ما ~~ليس عندك» وعند كلمة حضرة والغيبة تنافيها، والخلاف في البيع والشراء خلاف ~~واحد. # (ولنا) عمومات البيع من غير فصل ونص خاص وهو ما روي عن النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - أنه قال «من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه» ولا ~~خيار شرعا إلا في بيع مشروع ولأن ركن البيع صدر من أهله مضافا إلى محل هو ~~خالص ملكه فيصح كشراء المرئي؛ وهذا لأن وجود التصرف حقيقة بوجود ركنه، ~~ووجوده شرعا لصدوره من أهله وحلوله في محله، وقوله: جهالة الوصف تفضي إلى ~~المنازعة ممنوع؛ لأنه صدقه في خبره حيث اشتراه فالظاهر أنه لا يكذبه ودعوى ~~الغرر ممنوعة فإن الغرر هو الخطر الذي استوى فيه طرف الوجود والعدم بمنزلة ~~الشك، وههنا ترجح جانب الوجود على جانب العدم بالخبر الراجح صدقه على كذبه؛ ~~فلم يكن فيه غرر على أنا إن سلمنا أن الغرر اسم لمطلق الخطر لكن لم قلتم: ~~إن كل غرر يفسد العقد؟ وأما الحديث فيحتمل أن يكون الغرر هو الخطر ويحتمل ~~أن يكون من الغرر فلا يكون حجة مع الاحتمال أو نحمله على الغرر في صلب ~~العقد بالتعليق ms2974 بشرط أو بالإضافة إلى وقت عملا بالدلائل كلها. # وأما الحديث الثاني فيحتمل أن يكون المراد منه بيع ما ليس بمملوك له عن ~~نفسه لا بطريق النيابة عن مالكه أو بيع شيء مباح على أن يستولي عليه فيملكه ~~فيسلمه وهذا يوافق ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«بيع السمك في الماء غرر» . # وعلى هذا الخلاف: إذا باع شيئا لم يره البائع أنه يجوز عندنا، وعنده لا ~~يجوز، وإذا جاز عندنا فهل يثبت الخيار للبائع؟ فعن أبي حنيفة روايتان نذكر ~~ذلك في موضعه إن شاء الله # PageV05P163 # تعالى. # وعلى هذا الخلاف شراء الأعمى وبيعه جائز عندنا، وقال الشافعي: إذا ولد ~~أعمى لا يجوز بيعه وشراؤه، وإن كان بصيرا فرأى الشيء ثم عمي فاشتراه جاز ~~وما قاله مخالف للحديث والإجماع. # (أما) الأول: فإنه روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أن النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - حين قال لحبان بن منقذ «إذا بايعت فقل: لا خلابة ولي ~~الخيار ثلاثة أيام» وكان حبان ضريرا. # (وأما) الإجماع فإن العميان في كل زمان من لدن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يمنعوا من بياعاتهم وأشريتهم بل بايعوا في سائر الأعصار من غير ~~إنكار وإذا جاز شراؤه وبيعه فله الخيار فيما اشترى ولا خيار له فيما باع في ~~أصح الروايتين كالبصير ثم بماذا يسقط خياره؟ نذكره في موضعه وعلى هذا ~~الخلاف إذا اشترى شيئا مغيبا في الأرض كالجزر والبصل والفجل ونحوها أنه ~~يجوز عندنا، وعنده لا يجوز ويثبت له الخيار إذا قلعه، وعنده لا يجوز أصلا. # وأما بيان ما يحصل به العلم بالمبيع والثمن فنقول: العلم بالمبيع لا يحصل ~~إلا بالإشارة إليه؛ لأن التعين لا يحصل إلا بها إلا إذا كان دينا كالمسلم ~~فيه فيحصل العلم به بالتسمية، والعلم بالثمن لا يحصل إلا بالتسمية، ~~والإشارة إليه عندنا مجاز عن تسمية جنس المشار إليه ونوعه وصفته وقدره على ~~ما يعرف في موضعه إن شاء الله تعالى غير أن المبيع إن كان أصلا لا بد ms2975 من ~~الإشارة إليه بطريق الأصالة ليصير معلوما، وإن كان تبعا يصير معلوما ~~بالإشارة إلى الأصل؛ لأن البيع كما لا يفرد بعلة على حدة، لا يفرد بشرط على ~~حدة إذ لو أفرد؛ لانقلب أصلا وهذا قلب الحقيقة، وبيان ذلك في مسائل: إذا ~~باع جارية حاملا من غير مولاها أو بهيمة حاملا؛ دخل الحمل في البيع تبعا ~~للأم كسائر أطرافها، وإن لم يسمه ولا أشار إليه، ولو باع عقارا دخل ما فيها ~~من البناء والشجر بنفس البيع ولا يدخل الزرع والثمر إلا بقرينة، وجملة ~~الكلام في بيع العقار أن المبيع لا يخلو من أن يكون أرضا أو كرما أو دارا ~~أو منزلا أو بيتا، وكل ذلك لا يخلو: إما إن لم يذكر في بيعه الحقوق ولا ~~المرافق ولا ذكر كل قليل وكثير منها، وإما إن ذكر شيئا من ذلك فإن كان ~~المبيع أرضا ولم يذكر شيئا من القرائن؛ دخل ما فيها من الأبنية والأشجار ~~ولم يدخل الزرع والثمار عند عامة العلماء، وقال مالك - رحمه الله -: ثمار ~~سائر الأشجار كذلك وكذلك ثمر النخل إذا أبر فأما إذا لم يؤبر؛ يدخل. # واحتج بما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «من باع نخلا ~~قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع» قيد - عليه الصلاة والسلام ~~- ملك البائع في الثمرة بوصف التأبير ولو لم يكن يختلف الحكم؛ لم يكن ~~للتقييد فائدة. # (ولنا) ما روي عن محمد - رحمه الله - في كتاب الشفعة عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «من اشترى أرضا فيها نخل فالثمرة للبائع إلا أن ~~يشترطها المبتاع» جعل - عليه الصلاة والسلام - الثمرة للبائع مطلقا عن وصف ~~وشرط فدل أن الحكم لا يختلف بالتأبير وعدمه ولأن النخل اسم لذات الشجرة فلا ~~يدخل ما عداه إلا بقرينة زائدة ولهذا لم يدخل ثمار سائر الأشجار ولا حجة له ~~فيما روي؛ لأن تقييد الحكم بوصف لا يدل على أن الحكم في غير الموصوف ~~بخلافه، بل يكون الحكم فيه مسكوتا موقوفا على قيام الدليل وقد ms2976 قام، وهو ما ~~روينا ولا يحمل المطلق على المقيد عندنا؛ لما فيه من ضرب النصوص بعضها في ~~بعض وهذا لا يجوز لما عرف في أصول الفقه. # وكذلك إن كان كرما يدخل في بيعه ما فيه من الزراعة والعرائش والحوائط من ~~غير ذكر قرينة، ولا تدخل الفواكه والبقول والأصل أن كل ما ركب في الأرض ~~يدخل وما لم يركب فيها أو ركب لا للبقاء بل لوقت معلوم لا يدخل، وكذا يدخل ~~الطريق إلى الطريق الأعظم والطريق إلى سكة غير نافذة من غير ذكر قرينة. # وإن ذكر شيئا من القرائن فإن ذكر الحقوق أو المرافق دخل فيها الشرب ومسيل ~~الماء والطريق الخاص الذي يكون في ملك إنسان وهو حق المرور في ملكه ولا ~~يدخل الزرع والثمر؛ لأنها أعيان قائمة بنفسها فلا يتناولها اسم الحقوق ~~والمرافق بخلاف الشرب والمسيل والتطرق فإنها عبارة عن حق الشرب والسقي ~~والتسييل والمرور؛ فيتناولها الاسم، وإن ذكر القليل والكثير بأن قال: بعتها ~~منك بكل قليل وكثير هو فيها ومنها فهل يدخل الزرع والثمر؟ ينظر: إن قال في ~~آخره: من حقوقها؛ فلا يدخلان؛ لأن قوله: من حقوقها خرج تفسيرا لأول الكلام ~~فكأنه نص على البيع بحقوقها، وإن لم يقل في آخره من حقوقها؛ دخل فيه الزرع ~~والثمر وكل ما كان متصلا به؛ لأن اسم القليل والكثير فيه ومنه يتناول ذلك. # وأما المنفصل عنها كالثمار المجذوذة والزرع المحصود والحطب # PageV05P164 # واللبن والقصب الموضوع فلا يدخل في البيع إلا بالتسمية، فرق بين البيع ~~والإجارة أن الشرب والمسيل والطريق الخاص في ملك إنسان يدخل في الإجارة من ~~غير ذكر الحقوق والمرافق وفي البيع لا يدخل بدونه. # والقياس أن لا يدخل في البابين جميعا إلا بالتسمية إلا أنهم استحسنوا في ~~الإجارة؛ لأنها تعقد للانتفاع بالمستأجر ولا يمكن الانتفاع به بدون الحقوق ~~فصارت الحقوق مذكورة بذكر المستأجر دلالة بخلاف البيع فإنه يعقد للملك، ~~والانتفاع ليس من ضرورات الملك فإنه يثبت الملك فيما لا ينتفع به، وكذا فرق ~~بين البيع والرهن: فإن من رهن عند رجل ms2977 أرضا فيها زرع وأشجار عليها ثمار ~~وسلمها إليه أنه يدخل في الرهن كل ما كان متصلا بها من غير تسمية الحقوق ~~والقليل والكثير. # (ووجه) الفرق أن تمييز الرهن من غيره شرط صحة الرهن على ما نذكر في كتابه ~~فمتى أقدما على عقد الرهن فقد قصدا صحته ولا صحة له إلا بدخول ما كان متصلا ~~بالمرهون فدخل فيه تصحيحا للتصرف؛ إذ لا صحة بدونه بخلاف البيع فإن تمييز ~~المبيع من غيره ليس بشرط لصحة البيع، فلا ضرورة في الدخول بغير التسمية فلا ~~يدخل بدونها هذا إذا كان المبيع أرضا أو كرما. # فإن كان دارا يدخل في بيعها جميع ما كان منها من بيت ومنزل وعلو وسفل ~~وجميع ما تجمعه الحدود الأربعة من غير ذكر قرينة، وتدخل أغاليق الدار ~~ومفاتيح أغاليقها، أما الأغاليق فلأنها ركبت للبقاء لا لوقت معلوم فتدخل ~~كالميزاب وأما المفاتيح فلأن مفتاح الغلق من الغلق؛ ألا ترى أنه لو اشترى ~~الغلق دخل المفتاح فيه من غير تسمية فيدخل في البيع بدخول الغلق ويدخل ~~طريقها إلى طريق العامة وطريقها إلى سكة غير نافذة، كما يدخل في الأرض ~~والكرم ويدخل الكنيف والشارع والجناح؟ كل ذلك يدخل من غير قرينة وهل تدخل ~~الظلة؟ ينظر إن لم يكن مفتحها إلى الدار؛ لا تدخل بالاتفاق، وإن كان مفتحها ~~إلى الدار؛ لا تدخل أيضا عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعند أبي يوسف ومحمد ~~رحمهما الله تدخل. # (وجه) قولهما أن الظلة إذا كانت مفتحها إلى الدار كانت من أجزاء الدار ~~فتدخل ببيع الدار كالجناح والكنيف ولأبي حنيفة أن ظلة الدار خارجة عن ~~حدودها فإنها اسم لما يظل عند باب الدار خارجا منها فلا تدخل تحت بيع الدار ~~كالطريق الخارج وبهذا لو حلف لا يدخل هذه الدار فدخل ظلتها لا يحنث وأما ما ~~كان لها من بستان فينظر إن كان داخل حد الدار يدخل وإن كان يلي الدار لا ~~يدخل من غير تسمية، وقال بعضهم: إن كانت الدار صغيرة يدخل وإن كانت كبيرة ~~لا يدخل؛ لأنها إذا ms2978 كانت صغيرة يمكن أن يجعل تبعا للدار وإذا كانت كبيرة لا ~~يمكن، وقال بعضهم: يحكم الثمن فإن صلح لهما يدخل وإلا فلا يدخل وأما مسيل ~~الماء والطريق الخاص في ملك إنسان وحق إلقاء الثلج فإن ذكر الحقوق والمرافق ~~يدخل، وكذا إن ذكر كل قليل وكثير هو فيها ومنها سواء ذكر في آخره من حقوقها ~~أو لم يذكر وتدخل الظلة أيضا بلا خلاف إذا كان مفتحها إلى الدار. # وإذا كان المبيع بيتا فيدخل في بيعه حوائطه وسقفه وبابه والطريق إلى ~~الطريق العامة والطريق إلى سكة غير نافذة من غير ذكر قرينة وأما الطريق ~~الخاص في ملك إنسان فلا يدخل إلا بذكر أحد القرائن الثلاث ولا يدخل بيت ~~العلو إن كان على علوه بيت وإن ذكر القرائن؛ لأن العلو بيت مثله فكان أصلا ~~بنفسه فلا يكون تبعا له وإن لم يكن على علوه بيت؛ كان له أن يبني على علوه ~~وإن كان البيت في داره فباعه من رجل لا يدخل في البيع طريقه في الدار إلا ~~بذكر الحقوق ثم إن كان البيت يلي الطريق الأعظم يفتح له بابا إليه. # وإن كان لا يلي الطريق الأعظم لا يبطل البيع وله أن يستأجر الطريق إليه ~~أو يستعير من صاحب الدار فرق بين هذا وبين القسمة إذا أصاب أحد الشريكين في ~~الدار بيت أو منزل أو ناحية منها بغير طريق أنه ينظر إن أمكنه فتح الباب ~~إلى الطريق ليس له أن يتطرق في نصيب شريكه سواء ذكروا في القسمة الحقوق ~~والمرافق أو لا وكذا إذا كان مسيل مائه في نصيب شريكه قبل القسمة انقطع ذلك ~~الحق إن أمكنه تسييل في نصيب نفسه؛ ليس له أن يسيل في نصيب شريكه، وإن لم ~~يمكنه تسييل الماء ولا فتح الباب في نصيب نفسه ويمكنه ذلك في نصيب شريكه ~~فإنه ينظر إن ذكروا في القسمة الحقوق أو المرافق فالطريق والمسيل يدخلان في ~~القسمة ولا تبطل القسمة وإن لم يذكروا ذلك فلا يدخلان وتبطل القسمة. # (ووجه) الفرق أن القسمة لتتميم ms2979 المنفعة وتكميلها # PageV05P165 # فإذا أدت إلى تفويتها بطلت، والبيع للملك لا للانتفاع بالمملوك على ما ~~ذكرنا ويجوز بيع بيت العلو دون السفل إذا كان على العلو بناء، وإن لم يكن ~~عليه بناء لا يجوز؛ لأنه بيع الهواء على الانفراد وإنه لا يجوز ثم إذا باع ~~العلو وعليه بناء حتى جاز البيع فطريقه في الدار لا يدخل الطريق إلا بذكر ~~الحقوق ويجوز بيع السفل سواء كان مبنيا أو غير مبني؛ لأنه بيع الساحة وذلك ~~جائز وإن لم يكن عليه بناء، وإن كان المبيع منزلا يدخل في بيعه بيت السفل ~~ولا يدخل بيت العلو ولا الطريق الخاص إلا بذكر الحقوق أو المرافق أو بذكر ~~القليل والكثير؛ لأن المنزل أعم من البيت وأخص من الدار فكان بين الدار ~~والبيت فيعطى له حكم بين حكمين فلم يدخل العلو في بيع المنزل من غير قرينة ~~اعتبارا للخصوص ويدخل فيه بقرينة اعتبارا للعموم عملا بالجهتين بقدر ~~الإمكان والله سبحانه وتعالى أعلم. # ثم إذا لم تدخل الثمرة بنفس البيع؛ يجبر البائع على قطعها من الشجرة وليس ~~له أن يتركها على الشجرة إلى وقت الإدراك وكذا الزرع عندنا، وعند الشافعي ~~لا يجبر وله أن يترك الثمرة على الشجرة إلى وقت الإدراك ويترك الزرع إلى أن ~~يستحصد. # (وجه) قوله أن الجبر على القطع والقلع لوجوب التسليم، ووقت وجوب التسليم ~~هو وقت الإدراك؛ لأنه لا يقطع ولا يقلع إلا بعد الإدراك عادة فلا يجب عليه ~~التسليم قبله كما إذا انقضت مدة الإجارة والزرع لم يستحصد أنه لا يجبر على ~~القلع بل يترك إلى أن يستحصد. # (ولنا) أن البيع يوجب تسليم المبيع عقيبه بلا فصل؛ لأنه عقد معاوضة تمليك ~~بتمليك وتسليم بتسليم فالقول بتأخير التسليم يغير مقتضى العقد وقوله: ~~العادة أن الثمرة تترك على الشجرة إلى وقت الإدراك، قلنا: العادة هذا قبل ~~البيع أما بعده فممنوع بل تقطع بعده ولا تترك؛ لأن ملك المشتري مشغول بملك ~~البائع فلا بد من إزالة الشغل وذلك بقطع الثمرة هكذا نقول في مسألة ~~الإجارة: إنه يجب ms2980 تسليم الأرض عند انتهاء المدة وإنما تترك بإجارة جديدة ~~بأجرة أخرى وهذا حجة عليه؛ لأنه لو ترك بالعقد الأول لما وجبت أجرة أخرى ~~وسواء أبر أو لم يؤبر بأن كان المبيع نخلا بعد أن ظهرت الثمرة من الشجرة ~~وبانت منها؛ ليس له أن يتركها على شجرة المشتري إلا برضاه لما قلنا ولو ~~تركها على الشجرة إلى أن أدركت فإن كان الترك بإذن المشتري طاب له الفضل، ~~وإن كان بغير إذن المشتري ينظر إن كان قد تناهى عظمها يطيب له الفضل أيضا؛ ~~لأنها لا تزداد بعد ذلك بل تنتقص وإن كان صغارا لم يتناه عظمها لا يطيب له ~~الفضل؛ لأنه تولد من أصل مملوك لغيره ولو استأجر البائع الشجرة ليترك الثمر ~~عليها إلى وقت الجذاذ؛ لم تجز هذه الإجارة؛ لأن جواز الإجارة مع أن القياس ~~يأباها لكونها بيع المعدوم لتعامل الناس والناس ما تعاملوا هذا النوع من ~~الإجارة كما لم يتعاملوا استئجار الأشجار لتجفيف الثياب وتجفيف اللحم، لكن ~~لو فعل يطيب له الفضل؛ لأنه ترك بإذن المشتري وهذا بخلاف الإجارة إذا انقضت ~~مدتها والزرع بقل لم يستحصد بعد أن يترك فيه إلى وقت الحصاد بالأجرة؛ لأن ~~الترك بالأجرة هناك مما جرى به التعامل فكان جائزا هذا إذا لم يسم الثمرة ~~في بيع الشجر. # فأما إذا سمى دخل الثمر مع الشجر في البيع وصار للثمرة حصة من الثمن ~~وينقسم الثمن عليها يوم العقد؛ لأنه لما سماها فقد صارت مبيعا مقصودا لورود ~~فعل البيع عليه حتى لو هلك التمر قبل القبض بآفة سماوية أو بفعل البائع ~~تسقط حصته من الثمن عن المشتري كما لو هلك الشجر قبل القبض والمشتري ~~بالخيار: إن شاء أخذ الشجر بحصته من الثمن، وإن شاء ترك؛ لأن الصفقة تفرقت ~~عليه ولو جذه البائع والمجذوذ قائم بعينه ينظر إن جذه في حينه ولم ينقصه ~~الجذاذ فلا خيار للمشتري ويقبضهما بجميع الثمن. # ولو قبضهما بعد جذاذ البائع ثم وجد بأحدهما عيبا؛ له أن يرد المعيب خاصة؛ ~~لأنه قبضهما وهما متفرقان وقت ms2981 القبض فصارا كأنهما كانا متفرقين وقت العقد ~~بخلاف ما إذا جذه المشتري بعد القبض ثم وجد بأحدهما عيبا؛ أنه ليس له أن ~~يرد المعيب خاصة بل يردهما جميعا أو يمسكهما؛ لأنهما كانا مجتمعين عند ~~البيع وعند القبض جميعا، فإفراد أحدهما بالرد يكون تفريق الصفقة بعد وقوعها ~~مجتمعة وهذا لا يجوز هذا إذا لم ينقصه الجذاذ بأن جذه البائع في حينه ~~وأوانه فأما إذا أنقصه بأن جذه في غير حينه تسقط عن المشتري حصة النقصان؛ ~~لأنه لما نقصه الجذاذ فقد أتلف بعض المبيع قبل القبض فتسقط عن المشتري حصته ~~من الثمن وله الخيار في الباقي لتفرق الصفقة عليه وإذا قبضهما المشتري بعد ~~جذاذ البائع ثم # PageV05P166 # وجد بأحدهما عيبا له أن يرد المعيب خاصة؛ لأنه قبضهما وهما متفرقان فصارا ~~كأنهما كانا متفرقين عند العقد. # وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى شجرة: أنه هل يدخل في شرائها أصلها وعروقها ~~وأرضها؟ فجملة الكلام فيه أن هذا لا يخلو من ثلاثة أوجه. # (إما) إن اشتراها بغير أرضها للقلع (وإما) إن اشتراها بقرارها من الأرض ~~للترك لا للقلع (وإما) إن اشتراها ولم يذكر شيئا فإن اشتراها بغير أرضها ~~للقلع دخل فيها أصلها ويجبر المشتري على القلع وله أن يقلعها بأصلها لكن ~~قلعا معتادا متعارفا وليس له أن يحفر الأرض إلى ما يتناهى إليه العروق؛ لأن ~~المعروف بالعرف كالمشروط بالشرط إلا إذا شرط البائع القطع على وجه الأرض ~~فلا يدخل فيه أصلها، أو لم يشترط لكن في القطع من أصلها ضرر بالبائع بأن ~~كان بقرب حائطه أو على حافة نهره فيخاف الخلل على الحائط أو الشق في النهر ~~فقطعها على وجه الأرض دون أصلها؛ لأن الضرر لا يستحق بالعقد فإن قلع أو قطع ~~ثم نبت من أصلها أو عروقها شجرة أخرى فهي للبائع لا للمشتري؛ لأنه رضي أن ~~يكون المبيع القدر المقطوع فيكون الباقي للبائع إلا إذا قطع من أعلى الشجرة ~~فالنابت يكون للمشتري؛ لأنه نماء ملكه وإن اشتراها بقرارها من الأرض للترك ~~لا للقلع؛ فيدخل فيها ms2982 أرضها ولا يجبر على القلع؛ لأنه ملك الشجرة مع موضعها ~~فلم يكن ملك البائع مشغولا به فلا يملك إجباره على القلع وله أن يغرس ~~مكانها أخرى؛ لأنه يغرس في ملك نفسه. # (وأما) إذا اشتراها من غير شرط القلع ولا الترك. # لم يذكر هذا في ظاهر الرواية وذكر في غير رواية الأصول اختلافا بين أبي ~~يوسف ومحمد رحمهما الله فقال: على قول أبي يوسف لا تدخل الأرض في البيع ~~وعلى قول محمد تدخل. # (وجه) قول محمد أن المسمى في البيع هو الشجرة وهي اسم للقائم على أرضها ~~بعروقها فأما بعد القلع فهي خشب لا شجر فلا بد وأن تدخل الأرض فيه؛ ولهذا ~~دخلت في الإقرار بالإجماع بأن أقر لرجل بشجر في أرضه حتى كانت الشجرة مع ~~أرضها للمقر له كذا هذا ولأبي يوسف أن الأرض أصل والشجرة تابعة لها؛ ألا ~~ترى أنها تدخل في بيع الأرض من غير شرط تبعا للأرض؟ فلو دخلت في بيع الشجرة ~~لاستتبع التبع الأصل وهذا قلب الحقيقة وإنما دخلت في الإقرار بالشجرة؛ لأن ~~الإقرار إخبار عن كائن فلا بد من كون سابق على الإقرار وهو قيامها في الأرض ~~التي هي قرارها وذلك دليل كون الأرض للمقر له بسبب سابق فكان الإقرار بكون ~~الشجرة له إقرارا بكون الأرض له أيضا، ومثل هذه الدلالة لم توجد في البيع ~~فلا يدخل والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو اشترى صدفة فوجد فيها لؤلؤة فهي للمشتري؛ لأنها تتولد من الصدفة ~~بمنزلة البيضة تتولد من الدجاجة فكانت بمنزلة أجزائها فتدخل في بيعها كما ~~تدخل البيضة في بيع الدجاجة وكذلك إذا اشترى سمكة فوجد فيها لؤلؤة؛ لأن ~~السمك يأكل الصدفة فصار كما لو اشترى سمكة فوجد فيها سمكة أخرى؛ أن الثانية ~~تكون له، ولو اشترى دجاجة فوجد فيها لؤلؤة فهي للبائع؛ لأن اللؤلؤ لا يتولد ~~من الدجاج ولا هو من علفها فلا يدخل في بيعها. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أن كل شيء يوجد في حوصلة الطير إن كان ~~مما يأكله الطير فهو ms2983 للمشتري؛ لأنه يكون بمنزلة العلف له. # وإن كان مما لا يأكله الطير فهو للبائع وعلى هذا يخرج ما إذا باع رقيقا ~~وله مال أن ماله لا يدخل في البيع ويكون للبائع إلا أن يشترطه المبتاع؛ لما ~~روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال «من باع عبدا وله مال فماله ~~للبائع إلا أن يشترط المبتاع» وهذا نص في الباب ولأن العبد وما في يده ~~لمولاه؛ لأنه مملوك لا يقدر على شيء والمولى ما باع ما في يد العبد؛ لأن ~~الداخل تحت البيع هو العبد فلا يدخل في بيعه ما ليس منه والقياس أن لا تدخل ~~ثياب بدنه كما لا يدخل اللجام والسرج والعذار في بيع الدابة؛ لما قلنا ~~لكنهم استحسنوا في ثياب البذلة والمهنة وهي التي يلبسها في اليوم والليلة ~~لتعامل الناس وتعارفهم وأما الثياب النفيسة التي لا يلبسها إلا وقت العرض ~~للبيع فلا تدخل في البيع لانعدام التعارف في ذلك فبقي على أصل القياس وهذا ~~مما يختلف باختلاف عرف الناس وعاداتهم في كل بلد فبني الأمر فيه على ذلك، ~~وكذا لو أعتق عبده على مال فماله لمولاه لما قلنا وكذا لو أعتق مدبره أو أم ~~ولده؛ لأنه مرقوق مملوك فلا يكون له مال ولو كاتب عبده فما كان له من المال ~~وقت الكتابة يكون لمولاه؛ لأنه كسب القن وما اكتسب بعد الكتابة يكون له؛ ~~لأنه كسب المكاتب ولأنه حر يدا فكان كسبه له والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV05P167 # ومنها) : أن يكون مقدور التسليم من غير ضرر يلحق البائع فإن لم يمكن ~~تسليمه إلا بضرر يلزمه فالبيع فاسد؛ لأن الضرر لا يستحق بالعقد ولا يلزم ~~بالتزام العاقد إلا ضرر تسليم المعقود عليه، فأما ما وراءه فلا، وعلى هذا ~~يخرج ما إذا باع جذعا له في سقف أو آجرا له في حائط أو ذراعا في ديباج أو ~~كرباس أنه لا يجوز؛ لأنه لا يمكنه تسليمه إلا بالنزع والقطع وفيه ضرر ~~بالبائع والضرر غير مستحق بالعقد فكان هذا على هذا التقدير بيع ما ms2984 لا يجب ~~تسليمه شرعا فيكون فاسدا فإن نزعه البائع أو قطعه وسلمه إلى المشتري قبل أن ~~يفسخ المشتري البيع؛ جاز البيع حتى يجبر المشتري على الأخذ؛ لأن المانع من ~~الجواز ضرر البائع بالتسليم فإذا سلم باختياره ورضاه فقد زال المانع فجاز ~~البيع ولزم، وفرق بين هذا وبين بيع الألية في الشاة الحية والنوى في التمر ~~والزيت في الزيتون والدقيق في الحنطة والبزر في البطيخ. # ونحوها أنه لا ينعقد أصلا حتى لو سلم؛ لم يجز وقد ذكرنا وجه الفرق فيما ~~تقدم والأصل المحفوظ أن ما لا يمكن تسليمه إلا بضرر يرجع إلى قطع اتصال ~~ثابت بأصل الخلقة فبيعه باطل وما لا يمكن تسليمه إلا بضرر يرجع إلى قطع ~~اتصال عارض فبيع فاسد إلا أن يقطع باختياره ويسلم فيجوز والقياس على هذا ~~الأصل أن يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم؛ لأنه يمكن تسليمه من غير ضرر يلزمه ~~بالجز إلا أنهم استحسنوا عدم الجواز للنص وهو ما روي عن عبد الله بن عباس - ~~رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأن الجز من أصله ~~لا يخلو عن الإضرار بالحيوان وموضع الجز فيما فوق ذلك غير معلوم فتجري فيه ~~المنازعة فلا يجوز ولو باع حلية سيف فإن كان يتخلص من غير ضرر يجوز وإن كان ~~لا يتخلص إلا بضرر فالبيع فاسد إلا إذا فصل وسلم، وعلى هذا: بناء بين رجلين ~~والأرض لغيرهما فباع أحدهما نصيبه من البناء لغير شريكه لم يجز؛ لأنه لا ~~يمكن تسليمه إلا بضرر وهو نقض البناء، وكذا زرع بين رجلين أو ثمار بينهما ~~في أرض لهما حق الترك فيها إلى وقت الإدراك فباع أحدهما نصيبه قبل الإدراك ~~لم يجز؛ لأنه لا يمكن تسليمه إلا بضرر صاحبه؛ لأنه يجبر على القلع للحال ~~وفيه ضرر به، ولو باع بعد الإدراك جاز لانعدام الضرر وكذا إذا كان الزرع ~~كله لرجل ولم يدرك فباع الزرع لم يجز؛ لأنه لا يمكن تسليمه إلا بقطع الكل ~~وفيه ضرر، ولو كان بعد الإدراك جاز ms2985 لانعدام الضرر، دار أو أرض بين رجلين ~~مشاع غير مقسوم فباع أحدهما بيتا منها بعينه قبل القسمة أو باع قطعة من ~~الأرض بعينها قبل القسمة لم يجز لا في نصيبه ولا في نصيب صاحبه. # أما في نصيبه خاصة فظاهر، وأما في نصيب صاحبه فلأن فيه إضرارا بصاحبه ~~بإحداث زيادة شركة ولو باع جميع نصيبه من الدار والأرض جاز؛ لأنه لم يحدث ~~زيادة شركة، وإنما قام المشتري مقام البائع، ولو باع اللؤلؤة في الصدفة ذكر ~~الكرخي - رحمه الله - أنه لا يجوز؛ لأنه لا يمكن تسليمها إلا بشق الصدفة ~~وإنه ضرر فيما وراء المعقود فصار كبيع الجذع في السقف. # وروي عن أبي يوسف أنه يجوز؛ لأنه لا يتضرر بشق الصدفة؛ لأن الصدف لا ~~ينتفع به إلا بالشق ولو باع قفيزا من هذه الصبرة أو عشرة دراهم من هذه ~~النقرة جاز؛ لأنه لا يتضرر بالفصل والتمييز وكذا لو باع القوائم على رءوس ~~الأشجار أو باع الثمار على رءوس الأشجار بشرط القطع أو مطلقا جاز لما قلنا ~~وكذا لو باع بناء الدار دون العرصة أو الأشجار القائمة على الأرض دون الأرض ~~أو الزرع أو البقول القائمة قبل الجذ أنه يجوز؛ لأنه يمكنه تسليم هذه ~~الأشياء من غير ضرر والله سبحانه وتعالى أعلم. # (ومنها) الخلو عن الشروط الفاسدة وهي أنواع. # منها: شرط في وجوده غرر نحو ما إذا اشترى ناقة على أنها حامل؛ لأن ~~المشروط لا يحتمل الوجود والعدم ولا يمكن الوقوف عليه للحال؛ لأن عظم البطن ~~والتحرك يحتمل أن يكون لعارض داء أو غيره فكان في وجوده غرر فيوجب فساد ~~البيع لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى عن بيع وغرر» ~~والمنهي عنه فاسد وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما - أن ~~البيع بهذا الشرط جائز؛ لأن كونها حاملا بمنزلة شرط كون العبد كاتبا أو ~~خياطا ونحو ذلك وذا جائز فكذا هذا ولو اشترى جارية على أنها حامل إلا رواية ~~فيه عن أصحابنا واختلف المشايخ فيه قال ms2986 بعضهم: لا يجوز البيع قياسا على ~~البهائم وإليه أشار محمد - رحمه الله - في البيوع فإنه قال: لو باع وتبرأ ~~من حملها؛ جاز البيع وليس هذا كالشرط وظاهر قوله: وليس هذا كالشرط يشير إلى ~~أن شرط الخيار فيه مفسد. # وقال بعضهم: يجوز؛ لأن الحبل في الجواري عيب بدليل أنه لو اشترى # PageV05P168 # جارية فوجدها حاملا له أن يردها فكان ذكر الحبل في الجواري إبراء عن هذا ~~العيب بخلاف البهائم؛ لأن الحبل فيها زيادة؛ ألا ترى أنه لو اشترى بهيمة ~~فوجدها حاملا ليس له حق الرد فكان ذكر الحبل فيها شرطا، في وجوده غرر؛ ~~فيفسد البيع وبعضهم فصل فيه تفصيلا فقال: إن اشتراها ليتخذها ظئرا فالبيع ~~فاسد؛ لأنه شرط زيادة في وجودها خطر وهي مجهولة أيضا فأشبه اشتراط الحبل في ~~بيع الناقة وإن لم يرد بالشراء ذلك جاز البيع؛ لأن ذكره يكون إبراء عن هذا ~~العيب على ما بينا. # ولو اشترى ناقة وهي حامل على أنها تضع حملها إلى شهر أو شهرين فالبيع ~~فاسد؛ لأن في وجود هذا الشرط غررا، وكذا لو اشترى بقرة على أنها تحلب كذا ~~كذا رطلا لما قلنا ولو اشترى بقرة على أنها حلوبة لم يذكر هذا في ظاهر ~~الرواية، وروى الحسن في المجرد عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه يجوز وهو ~~قياس روايته في شرط الحبل. # (ووجهه) أن شرط كونها حلوبة شرط زيادة صفة فأشبه شرط الطبخ والخبز في ~~الجواري، وروى ابن سماعة في نوادره عن محمد رحمهما الله أنه لا يجوز وهو ~~اختيار الكرخي - رحمه الله -. # (ووجهه) أن هذا شرط زيادة فيجري في وجودها غرر وهو مجهول وهو اللبن فلا ~~يصلح شرطا في البيع، وكونها حلوبة إن كان صفة لها لكنها لا توصف به إلا ~~بوجود اللبن وفي وجوده غرر وجهالة على ما ذكرنا فيوجب فساد البيع، ولو ~~اشترى بقرة على أنها لبون ذكر الطحاوي أن هذا الشرط لا يفسد البيع والجواب ~~فيه كالجواب في الحلوبة والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو اشترى قمرية على أنها تصوت أو ms2987 طيرا على أنه يجيء من مكان بعيد أو ~~كبشا على أنه نطاح أو ديكا على أنه مقاتل فالبيع فاسد عند أبي حنيفة - رحمه ~~الله - وهو إحدى الروايتين عن محمد - رحمه الله -؛ لأنه شرط فيه غرر ~~والوقوف عليه غير ممكن؛ لأنه لا يحتمل الجبر عليه فصار كشرط الحبل ولأن هذه ~~صفات يتلهى بها عادة والتلهي محظور فكان هذا شرطا محظورا فيوجب فساد البيع ~~وروي عن محمد - رحمه الله - أنه إذا باع قمرية على أنها تصوت فإذا صوتت جاز ~~البيع؛ لأنها لما صوتت علم أنها مصوتة فلم يتحقق غرر العدم، وعلى هذه ~~الرواية قالوا في المحرم إذا قتل قمرية مصوتة: إنه يضمن قيمتها مصوتة. # ولو اشترى جارية على أنها مغنية على سبيل الرغبة فيها فالبيع فاسد؛ لأن ~~التغنية صفة محظورة لكونها لهوا فشرطها في البيع يوجب فساده، ولو اشترى ~~جارية على أنها مغنية على وجه إظهار العيب جاز البيع؛ لأن هذا بيع بشرط ~~البراءة عن هذا العيب فصار كما لو باعها بشرط البراءة عن عيب آخر فإن وجدها ~~لا تغني لا خيار له؛ لأن الغناء في الجواري عيب فصار كما لو اشترى على أنه ~~معيب فوجده سليما. # ولو اشترى كلبا أو فهدا على أنه معلم قال أبو يوسف: يجوز البيع وهو إحدى ~~الروايتين عن محمد؛ لأن هذا شرط يمكن الوقوف عليه بأن يأخذ المصيد فيمسكه ~~على صاحبه وذا ليس بشرط محظور؛ لأن تعليم الكلب والاصطياد به مباح فأشبه ~~شرط الكتابة في العبد والطبخ في الجارية. # وروي عن محمد أن البيع فاسد؛ لأنه شرط فيه غرر؛ إذ لا يمكن الوقوف عليه ~~إلا بالاصطياد والجبر عليه غير ممكن. # ولو اشترى برذونا على أنه هملاج فالبيع جائز؛ لأنه شرط يمكن الوقوف عليه ~~بالتسيير فلم يكن في وجوده غرر ولا خطر أيضا، وإن شئت أفردت لجنس هذه ~~المسائل شرطا على حدة وخرجتها إليه فقلت: ومنها أن لا يكون المشروط محظورا ~~فافهم. # (ومنها) شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة للبائع أو للمشتري أو للمبيع إن ~~كان من ms2988 بني آدم كالرقيق وليس بملائم للعقد ولا مما جرى به التعامل بين ~~الناس نحو ما إذا باع دارا على أن يسكنها البائع شهرا ثم يسلمها إليه أو ~~أرضا على أن يزرعها سنة أو دابة على أن يركبها شهرا أو ثوبا على أن يلبسه ~~أسبوعا أو على أن يقرضه المشتري قرضا أو على أن يهب له هبة أو يزوج ابنته ~~منه أو يبيع منه كذا ونحو ذلك أو اشترى ثوبا على أن يخيطه البائع قميصا أو ~~حنطة على أن يطحنها أو ثمرة على أن يجذها أو ربطة قائمة على الأرض على أن ~~يجذها أو شيئا له حمل ومؤنة على أن يحمله البائع إلى منزله ونحو ذلك؛ ~~فالبيع في هذا كله فاسد؛ لأن زيادة منفعة مشروطة في البيع تكون ربا لأنها ~~زيادة لا يقابلها عوض في عقد البيع وهو تفسير الربا. # والبيع الذي فيه الربا فاسد أو فيه شبهة الربا، وإنها مفسدة للبيع كحقيقة ~~الربا على ما نقرره إن شاء الله تعالى وكذا لو باع جارية على أن يدبرها ~~المشتري أو على أن يستولدها فالبيع فاسد؛ لأنه شرط فيه منفعة للمبيع وإنه ~~مفسد، وكذا لو باعها بشرط أن يعتقها # PageV05P169 # المشتري فالبيع فاسد في ظاهر الرواية عن أصحابنا، وروى الحسن عن أبي ~~حنيفة - رضي الله عنهما - أنه جائز وبه أخذ الشافعي - رحمه الله -. # (ووجه) هذه الرواية أن شرط الاعتقاد مما يلائم العقد؛ لأن الإعتاق إنهاء ~~الملك وإنهاء الملك تقرير له فكان ملائما والدليل على أن الإعتاق إنهاء ~~للملك أن البيع ثبت مقتضى الأمر بالإعتاق في قول الرجل: أعتق عبدك عني على ~~ألف درهم فأعتق حتى يقع العتق عن الآمر ولا عتق إلا بالملك ولا ملك إلا ~~بالتمليك فلو كان الإعتاق إزالة الملك لما تصور وجود الإعتاق مقتضاه؛ لأنه ~~ضده والشيء لا يقتضي ضده، وإذا كان إنهاء الملك؛ كان تقريرا له فكان ملائما ~~للعقد فلا يوجب فساده ولظاهر الرواية وجهان: أحدهما: يعم الكل والثاني يخص ~~أبا حنيفة عليه الرحمة أما الأول: فهو أن شرط ms2989 العتق شرط لا يلائمه العقد؛ ~~لأن العقد يقتضي الملك، والملك يقتضي إطلاق التصرف في المملوك تحصيلا ~~وتركا. # وشرط الإعتاق يقتضي الاستحقاق واللزوم لا محالة فلا يلائمه بل يضاده وأما ~~الثاني: فلأن هذا الشرط يلائم العقد من وجه ولا يلائمه من وجه وهذا يوجب ~~الفساد على ما نذكر تقريره ثم إذا باع بهذا الشرط فأعتقه المشتري؛ انقلب ~~العقد جائزا بالإعتاق عند أبي حنيفة استحسانا حتى يجب على المشتري الثمن ~~سواء أعتقه بعد القبض أو قبله هكذا روى ابن شجاع عن أبي حنيفة رحمهما الله ~~وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا ينقلب جائزا حتى تلزمه قيمة الجارية ~~وهو القياس، وهكذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة - رحمه الله - تعالى. # (ووجهه) ظاهر؛ لأن البيع وقع فاسدا من حين وجوده وبالإعتاق لا ينعدم ~~الفساد بل يتقرر؛ لأنه إنهاء للملك وإنه تقرير فيوجب تقرر الفساد للفاسد، ~~والفاسد يفيد الملك بالقيمة لا بالثمن ولهذا لو هلك العبد في يده قبل ~~الإعتاق تلزمه القيمة وكذا لو باعه من رجل أو وهبه فعليه قيمته كذا ههنا ~~ولأبي حنيفة - رحمه الله - ما ذكرنا أن شرط الإعتاق يلائم العقد من وجه ولا ~~يلائمه من وجه؛ لأنه إنهاء من وجه وإزالة من وجه: فمن حيث إنه إنهاء كان ~~يلائمه؛ لأنه تقرير لكن من حيث إنه إزالة لا يلائمه؛ لأنه تغيير موجب العقد ~~فيجب العمل بالشبهين فعملنا بشبه الإزالة، فقلنا بفساد العقد في الابتداء ~~وعملنا بشبه الإنهاء فقلنا بجوازه في الانتهاء عملا بالشبهين بقدر الإمكان، ~~فإن قيل: لم لا يعمل بهما على القلب مما قلتم؟ قيل: لأنه لا يمكن؛ لأنا لم ~~نجد جائزا انقلب فاسدا في أصول الشريعة ووجدنا فاسدا انقلب جائزا كما في ~~بيع الرقم ونحوه بخلاف ما إذا باع أو وهب؛ لأن ذلك ليس إنهاء الملك وبخلاف ~~ما إذا باع بشرط التدبير أو الاستيلاد فدبرها المشتري أو استولدها أن البيع ~~لا ينقلب إلى الجواز؛ لأن التدبير والاستيلاد لا يوجبان إنهاء الملك بيقين ~~لاحتمال قضاء القاضي بجواز بيع المدبر وبجواز ms2990 بيع أم الولد في الجملة فكان ~~ذلك شرطا لا يلائم العقد أصلا؛ فأوجب لزوم الفساد وكذا لو باع عبدا أو ~~جارية بشرط أن لا يبيعه وأن لا يهبه وأن لا يخرجه عن ملكه فالبيع فاسد؛ لأن ~~هذا شرط ينتفع به العبد والجارية بالصيانة عن تداول الأيدي فيكون مفسدا ~~للبيع. # (وأما) فيما سوى الرقيق إذا باع ثوبا على أن لا يبيعه المشتري أو لا يهبه ~~أو دابة على أن لا يبيعها أو يهبها أو طعاما على أن يأكله ولا يبيعه: ذكر ~~في المزارعة ما يدل على جواز البيع فإنه قال: لو شرط أحد المزارعين في ~~المزارعة على أن لا يبيع الآخر نصيبه ولا يهبه فالمزارعة جائزة والشرط ~~باطل، وهكذا روى الحسن في المجرد عن أبي حنيفة - رحمه الله - وفي الإملاء ~~عن أبي يوسف أن البيع بهذا الشرط فاسد. # (ووجهه) أنه شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه ولا جرى به التعارف بين ~~الناس فيكون مفسدا كما في سائر الشرائط المفسدة والصحيح ما ذكر في ~~المزارعة؛ لأن هذا الشرط لا منفعة فيه لأحد فلا يوجب الفساد وهذا لأن فساد ~~البيع في مثل هذه الشروط لتضمنها الربا وذلك بزيادة منفعة مشروطة في العقد ~~لا يقابلها عوض ولم يوجد في هذا الشرط؛ لأنه لا منفعة فيه لأحد إلا أنه شرط ~~فاسد في نفسه لكنه لا يؤثر في العقد فالعقد جائز والشرط باطل، ولو باع ثوبا ~~على أن يحرقه المشتري أو دارا على أن يخربها فالبيع جائز والشرط باطل؛ لأن ~~شرط المضرة لا يؤثر في البيع على ما ذكرنا ولو باع جارية على أن لا يطأها ~~المشتري: ذكر ذلك في الاختلاف بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله اختلافا ولم ~~يذكر قول أبي حنيفة عليه الرحمة فقال: البيع فاسد والشرط باطل عند أبي ~~يوسف. # وعند محمد البيع جائز والشرط باطل ولو باع بشرط أن # PageV05P170 # يطأها جاز البيع والشرط في قولهم جميعا. # وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله - أن البيع فاسد في الموضعين جميعا. # (وجه) قول محمد أن ms2991 هذا شرط لا منفعة فيه لأحد فلا يؤثر في فساد البيع كما ~~لو باع ما سوى الرقيق على أن لا يبيع أو لا يهب إلا أنه نوى مضرة للمشتري ~~فكان باطلا والبيع صحيحا. # (وجه) قول أبي يوسف إن هذا شرط يخالف مقتضى العقد؛ لأن حل الوطء أمر ~~يقتضيه العقد وهذا الشرط ينفيه بخلاف ما إذا باع بشرط أن يطأها؛ لأن ذلك ~~شرط يقرر مقتضى العقد؛ لأن إباحة الوطء مما يقتضيه العقد ولأبي حنيفة - ~~رحمه الله - على ما روي عنه أن شرط الوطء مما لا يقتضيه العقد أيضا بل ~~ينفيه؛ لأن البيع يقتضي الحل لا الاستحقاق وقضية الشرط الاستحقاق واللزوم ~~وهما مما لا يقتضيه العقد بل ينفيه. # (وأما) الشرط الذي يقتضيه العقد فلا يوجب فساده كما إذا اشترى بشرط أن ~~يتملك المبيع أو باع بشرط أن يتملك الثمن أو باع بشرط أن يبخس المبيع أو ~~اشترى على أن يسلم المبيع أو اشترى جارية على أن تخدمه أو دابة على أن ~~يركبها أو ثوبا على أن يلبسه أو حنطة في سنبلها وشرط الحصاد على البائع ~~ونحو ذلك فالبيع جائز؛ لأن البيع يقتضي هذه المذكورات من غير شرط فكان ~~ذكرها في معرض الشرط تقريرا لمقتضى العقد فلا توجب فساد العقد. # ولو اشترى شيئا بشرط أن يوفيه في منزله فهذا لا يخلو: إما أن يكون ~~المشتري والبائع بمنزلهما في المصر وإما أن يكون أحدهما في المصر والآخر ~~خارج المصر فإن كان كلاهما في المصر فالبيع بهذا الشرط جائز عند أبي حنيفة ~~وأبي يوسف استحسانا إلا إذا كان في تصحيح هذا الشرط تحقيق الربا، كما إذا ~~تبايعا حنطة بحنطة وشرط أحدهما على صاحبه الإيفاء في منزله، وعند محمد ~~البيع بهذا الشرط فاسد وهو القياس؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة ~~للمشتري فأشبه ما إذا اشترى بشرط الحمل إلى منزله أو بشرط الإيفاء في منزله ~~وأحدهما في المصر والآخر خارج المصر. # (ولهما) أن الناس تعاملوا البيع بهذا الشرط إذا كان المشتري في المصر ~~فتركنا القياس ms2992 لتعامل الناس ولا تعامل فيما إذا لم يكونا في المصر ولا في ~~شرط الحمل إلى المنزل فعملنا بالقياس فيه وكذلك الشرط الذي لا يقتضيه العقد ~~لكنه ملائم للعقد لا يوجب فساد العقد أيضا لأنه مقرر لحكم العقد من حيث ~~المعنى مؤكدا إياه على ما نذكر إن شاء الله تعالى فيلحق بالشرط الذي هو من ~~مقتضيات العقد وذلك نحو ما إذا باع على أن يعطيه المشتري بالثمن رهنا أو ~~كفيلا والرهن معلوم والكفيل حاضر فقبل. # وجملة الكلام في البيع بشرط إعطاء الرهن أن الرهن لا يخلو: إما أن يكون ~~معلوما أو مجهولا فإن كان معلوما فالبيع جائز استحسانا والقياس أن لا يجوز؛ ~~لأن الشرط الذي يخالف مقتضى العقد مفسد في الأصل وشرط الرهن والكفالة مما ~~يخالف مقتضى العقد؛ فكان مفسدا إلا أنا استحسنا الجواز؛ لأن هذا الشرط لو ~~كان مخالفا مقتضى العقد صورة فهو موافق له معنى؛ لأن الرهن بالثمن شرع ~~توثيقا للثمن وكذا الكفالة فإن حق البائع يتأكد بالرهن والكفالة فكان كل ~~واحد منهما مقررا لمقتضى العقد معنى فأشبه اشتراط صفة الجودة للثمن وأنه لا ~~يوجب فساد العقد فكذا هذا ولو قبل المشتري المبيع على هذا الشرط ثم امتنع ~~من تسليم الرهن لا يجبر على التسليم عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يجبر ~~عليه. # (وجه) قوله إن الرهن إذا شرط في البيع فقد صار حقا من حقوقه والجبر على ~~التسليم من حقوق البيع فيجبر عليه. # (ولنا) أن الرهن عقد تبرع في الأصل واشتراطه في البيع لا يخرجه عن أن ~~يكون تبرعا والجبر على التبرع ليس بمشروع فلا يجبر عليه ولكن يقال له: إما ~~أن تدفع الرهن أو قيمته أو تؤدي الثمن أو يفسخ البائع البيع؛ لأن البائع لم ~~يرض بزوال المبيع عن ملكه إلا بوثيقة الرهن أو بقيمته؛ لأن قيمته تقوم ~~مقامه ولأن الدين يستوفى من مالية الرهن وهي قيمته وإذا أدى الثمن فقد حصل ~~المقصود فلا معنى للفسخ ولو امتنع المشتري من هذه الوجوه؛ فللبائع أن يفسخ ~~البيع لفوات الشرط ms2993 والغرض وإن كان الرهن مجهولا فالبيع فاسد؛ لأن جواز هذا ~~الشرط مع أن القياس يأباه لكونه ملائما للعقد مقررا لمقتضاه معنى لحصول ~~التوثق والتأكد للثمن ولا يحصل ذلك إلا بالتسليم وأنه لا يتحقق في المجهول. # ولو اتفقا على تعيين رهن في المجلس جاز البيع؛ لأن المانع هو جهالة الرهن ~~وقد زال فكأنه كان معلوما معينا من الابتداء؛ لأن المجلس له حكم حالة واحدة ~~وإن افترقا عن المجلس؛ تقرر الفساد، وكذا إذا لم يتفقا على تعيين الرهن ~~ولكن المشتري نقد الثمن؛ جاز # PageV05P171 # البيع أيضا؛ لأن المقصود من الرهن هو الوصول إلى الثمن وقد حصل فيسقط ~~اعتبار الوثيقة. # وكذلك البيع بشرط إعطاء الكفيل أن الكفيل إن كان حاضرا في المجلس وقبل؛ ~~جاز البيع استحسانا وإن كان غائبا فالبيع فاسد وكذا إذا كان حاضرا ولم ~~يقبل؛ لأن الجواز على مخالفة القياس ثبت لمعنى التوثيق وتوكيد الثمن لما ~~فيه من تقرير موجب العقد على ما بينا فإذا كان الكفيل غائبا أو حاضرا ولم ~~يقبل؛ لم تصح الكفالة فلم يحصل معنى التوثيق فبقي الحكم على ما يقتضيه ~~القياس، وكذا إذا كان الكفيل مجهولا فالبيع فاسد؛ لأن كفالة المجهول لا تصح ~~ولو كان الكفيل معينا وهو غائب ثم حضر وقبل الكفالة في المجلس جاز البيع؛ ~~لأنه جازت الكفالة بالقبول في المجلس، وإذا حضر بعد الافتراق تأكد الفساد. # ولو شرط المشتري على البائع أن يحيله بالثمن على غريم من غرمائه أو على ~~أن يضمن الثمن لغريم من غرماء البائع فالبيع فاسد؛ لأن شرط الحوالة والضمان ~~شرط لا يقتضيه العقد والشرط الذي لا يقتضيه العقد مفسد في الأصل إلا إذا ~~كان فيه تقرير موجب العقد وتأكيده، والحوالة إبراز عن الثمن وإسقاط له فلم ~~يكن ملائما للعقد بخلاف الكفالة والرهن وكذلك إن كان مما لا يقتضيه العقد ~~ولا يلائم العقد أيضا لكن للناس فيه تعامل فالبيع جائز كما إذا اشترى نعلا ~~على أن يحدوه البائع أو جرابا على أن يخرزه له خفا أو ينعل خفه والقياس أن ~~لا يجوز، ms2994 وهو قول زفر - رحمه الله - (وجه) القياس أن هذا شرط لا يقتضيه ~~العقد وفيه منفعة لأحد العاقدين وإنه مفسد كما إذا اشترى ثوبا بشرط أن ~~يخيطه البائع له قميصا ونحو ذلك. # (ولنا) أن الناس تعاملوا هذا الشرط في البيع كما تعاملوا الاستصناع فسقط ~~القياس بتعامل الناس كما سقط في الاستصناع، ولو اشترى جارية على أنها بكر ~~أو طباخة أو خبازة، أو غلاما على أنه كاتب أو خياط، أو باع عبدا بألف درهم ~~على أنها صحاح أو على أنها جياد نقد بيت المال أو اشترى على أنها مؤجلة ~~فالبيع جائز؛ لأن المشروط صفة للمبيع أو الثمن صفة محضة لا يتصور انقلابها ~~أصلا ولا يكون لها حصة من الثمن بحال، ولو كان موجودا عند العقد يدخل فيه ~~من غير تسمية وإنها صفة مرغوب فيها لا على وجه التلهي، والمشروط إذا كان ~~هذا سبيله؛ كان من مقتضيات العقد، واشتراط شرط يقتضيه العقد لا يوجب فساد ~~العقد كما إذا اشترى بشرط التسليم وتملك المبيع والانتفاع به ونحو ذلك ~~بخلاف ما إذا اشترى ناقة على أنها حامل أن البيع يفسد في ظاهر الرواية؛ لأن ~~الشرط هناك عين وهو الحمل فلا يصلح شرطا. # وكون الناقة حاملا وإن كان صفة لها لكن لا تحقق له إلا بالحمل وهو عين في ~~وجوده غرر، ومع ذلك مجهول فأوجب ذلك فساد البيع ويخرج على هذا أيضا ما ~~ذكرنا من مسائل إذا اشترى ناقة على أنها تحلب كذا وكذا رطلا أو على أنها ~~حلوبة أو على أنها لبون أن البيع بهذه الشروط فاسد؛ لأن المشروط في هذه ~~المواضع عين فلا يصلح شرطا وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى جارية على أنها ~~مغنية على سبيل الرغبة فيها؛ لأن جهة الغناء جهة التلهي فاشتراطها في البيع ~~يوجب الفساد وكذا إذا اشترى قمرية على أنها تصوت أو طوطيا على أنه يتكلم أو ~~حمامة على أنها تجيء من مكان بعيد أو كبشا على أنه نطاح أو ديكا على أنه ~~مقاتل؛ لأن هذه الجهات كلها جهات ms2995 التلهي، بخلاف ما إذا اشترى كلبا على أنه ~~معلم أو اشترى دابة على أنها هملاج؛ لأنه صفة لا حظر فيها بوجه والله عز ~~شأنه الموفق. # ويجوز البيع بشرط البراءة عن العيب عندنا سواء عم العيوب كلها بأن قال: ~~بعت على أني بريء من كل عيب أو خص بأن سمى جنسا من العيوب وقال الشافعي - ~~رحمه الله - تعالى: إن خص صح وإن عم لا يصح وإذا لم يصح الإبراء عنده هل ~~يصح العقد؟ له فيه قولان: في قول يبطل العقد أيضا، وفي قول يصح العقد ويبطل ~~الشرط وعلى هذا الخلاف الإبراء عن الحقوق المجهولة، ولو شرط: على أني بريء ~~من العيب الذي يحدث روي عن أبي يوسف - رحمه الله - أن البيع بهذا الشرط ~~فاسد. # (وجه) قول الشافعي - رحمه الله - أن الإبراء عن كل عيب إبراء عن المجهول ~~فلا يصح، ولا شك أنه إبراء عن المجهول والدليل على أن الإبراء عن كل عيب ~~إبراء عن المجهول غير صحيح أن الإبراء إسقاط فيه معنى التمليك بدليل أنه ~~يرتد بالرد وهذا آية التمليك؛ إذ الإسقاط لا يحتمل ذلك وتمليك المجهول لا ~~يصح كالبيع ونحوه. # (ولنا) أن الإبراء، وإن كان فيه معنى التمليك لكن الجهالة لا تمنع صحة ~~التمليك لعينها بل لإفضائها إلى المنازعة؛ ألا ترى أنها لا تمنع في موضع لا ~~يفضي إلى المنازعة؟ كما # PageV05P172 # إذا باع قفيزا من هذه الصبرة أو عشرة دراهم من هذه النقرة، وهذا النوع من ~~الجهالة ههنا لا يفضي إلى المنازعة؛ لأن قوله: كل عيب يتناول العيوب كلها ~~فإذا سمى جنسا من العيوب لا جهالة له أصلا مع ما أن التمليك في الإبراء؛ ~~يثبت ضمنا وتبعا للإسقاط؛ لأن اللفظ ينبئ عن الإسقاط لا عن التمليك فيعتبر ~~التصرف إسقاطا لا تمليكا، والجهالة لا تمنع صحة الإسقاطات. # والدليل على جواز الإبراء عن الحقوق المجهولة ما روي «أن رجلين اختصما ~~إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - في مواريث قد درست فقال لهما - عليه ~~الصلاة والسلام -: استهما وأوجبا الحق وليحلل كل واحد منكما صاحبه» ms2996 وعلى ~~هذا إجماع المسلمين من استحلال معاملاتهم في آخر أعمارهم في سائر الأعصار ~~من غير إنكار. # وأما بيع الثمر على الشجر بعد ظهوره وبيع الزرع في الأرض بشرط الترك ~~فجملة الكلام فيه أنه لا يخلو: إما إن كان لم يبد صلاحه بعد أن صار منتفعا ~~به بوجه من الوجوه، وإما إن كان قد بدا صلاحه بأن صار منتفعا به وكل ذلك لا ~~يخلو من أن يكون بشرط القطع أو مطلقا، أو بشرط الترك حتى يبلغ فإن كان لم ~~يبد صلاحه فباع بشرط القطع جاز وعلى المشتري أن يقطع للحال وليس له أن يترك ~~من غير إذن البائع ومن مشايخنا من قال: لا يجوز بيعه قبل بدو صلاحه وهو ~~خلاف ظاهر الرواية على ما ذكرنا ولو باع مطلقا عن شرط جاز أيضا عندنا، وعند ~~الشافعي - رحمه الله - لا يجوز. # (وجه) قوله أن المطلق ينصرف إلى المتعارف والمتعارف هو الترك فكان هذا ~~بيعا بشرط الترك دلالة فصار كما لو شرط الترك نصا. # (ولنا) أن الترك ليس بمشروط نصا؛ إذ العقد مطلق عن الشرط أصلا فلا يجوز ~~تقييده بشرط الترك من غير دليل خصوصا إذا كان في التقييد فساد العقد، وإن ~~اشترى بشرط الترك؛ فالعقد فاسد بالإجماع؛ لأنه شرط لا يقتضيه العقد وفيه ~~منفعة لأحد المتعاقدين ولا يلائم العقد ولا جرى به التعامل بين الناس، ومثل ~~هذا الشرط مفسد للبيع لما ذكرنا ولأنه لا يتمكن من الترك إلا بإعارة الشجرة ~~والأرض وهما ملك البائع فصار بشرط الترك شارطا الإعارة فكان شرطه صفقة في ~~صفقة وإنه منهي هذا إذا لم يبد صلاحه وكذا إذا بدا صلاحه فباع بشرط القطع ~~أو مطلقا. # فأما إذا باع بشرط الترك فإن لم يتناه عظمه فالبيع فاسد بلا خلاف؛ لما ~~قلنا وكذا إذا تناهى عظمه فالبيع فاسد عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد: ~~يجوز استحسانا لتعارف الناس وتعاملهم ذلك، ولهما ما ذكرنا أن شرط الترك شرط ~~فيه منفعة للمشتري والعقد لا يقتضيه وليس بملائم للعقد أيضا ومثل هذا ms2997 الشرط ~~يكون مفسدا كما إذا اشترى حنطة على أن يتركها في دار البائع شهرا قوله: ~~الناس تعاملوا ذلك قلنا: دعوى تعامل الناس شرط الترك في المبيع ممنوعة، ~~وإنما التعامل بالمسامحة بالترك من غير شرط في عقد البيع ولو اشترى مطلقا ~~عن شرط فترك فإن كان قد تناهى عظمه ولم يبق إلا النضج لم يتصدق بشيء سواء ~~ترك بإذن البائع أو بغير إذنه لأنه لا يزداد بعد التناهي وإنما يتغير إلى ~~حال النضج وإن كان لم يتناه عظمه ينظر إن كان الترك بإذن البائع؛ جاز وطاب ~~له الفضل، وإن كان بغير إذنه؛ تصدق بما زاد في إذنه على ما كان عند العقد؛ ~~لأن الزيادة حصلت بجهة محظورة فأوجبت خبثا فيها فكان سبيلها التصدق، فإن ~~استأجر المشتري من البائع الشجر للترك إلى وقت الإدراك طاب له الفضل؛ لأن ~~الترك حصل بإذن البائع ولكن لا تجب الأجرة؛ لأن هذه الإجارة باطلة؛ لأن ~~جوازها ثبت على خلاف القياس لتعامل الناس فما لم يتعاملوا فيه لا تصح فيه ~~الإجارة؛ ولهذا لم تصح إجارة الأشجار لتجفيف الثياب وإجارة الأوتاد لتعليق ~~الأشياء عليها وإجارة الكتب للقراءة ونحو ذلك حتى لم تجب الأجرة؛ لما قلنا ~~كذا هذا، ولو أخرجت الشجرة في مدة الترك ثمرة أخرى فهي للبائع سواء كان ~~الترك بإذنه أو بغير إذنه؛ لأنه نماء ملك البائع فيكون له ولو حللها له ~~البائع جاز وإن اختلط الحادث بعد العقد بالموجودة عنده حتى لا يعرف ينظر إن ~~كان قبل التخلية بطل البيع؛ لأن المبيع صار معجوز التسليم بالاختلاط ~~للجهالة وتعذر التمييز فأشبه العجز عن التسليم بالهلاك وإن كان بعد التخلية ~~لم يبطل؛ لأن التخلية قبض، وحكم البيع يتم ويتناهى بالقبض والثمرة تكون ~~بينهما لاختلاط ملك أحدهما بالآخر اختلاطا لا يمكن التمييز بينهما فكان ~~الكل مشتركا بينهما والقول قول المشتري في المقدار؛ لأنه صاحب يد لوجود ~~التخلية فكان الظاهر شاهدا له فكان القول قوله، ولو اشترى ثمرة بدا صلاح # PageV05P173 # بعضها دون بعض بأن أدرك البعض دون البعض بشرط الترك ms2998 فالبيع فاسد على ~~أصلهما؛ لأنه لو كان أدرك الكل فاشتراها بشرط الترك؛ فالبيع فاسد عندهما ~~فبإدراك البعض أولى. # (وأما) على أصل محمد - رحمه الله - وهو اختيار العادة فإن كان صلاح ~~الباقي متقاربا جاز؛ لأن العادة في الثمار أن لا يدرك الكل دفعة واحدة بل ~~يتقدم إدراك البعض على البعض ويلحق بعضها بعضا فصار كأنه اشتراها بعد إدراك ~~الكل ولو كان كذلك؛ لصح الشراء عنده بشرط الترك كذا هذا، وإن كان يتأخر ~~إدراك البعض عن البعض تأخيرا فاحشا كالعنب ونحوه يجوز البيع فيما أدرك ولا ~~يجوز فيما لم يدرك؛ لأن عند التأخر الفاحش يلتحقان بجنسين مختلفين. # (ومنها) : شرط الأجل في المبيع العين والثمن العين وهو أن يضرب لتسليمها ~~أجل؛ لأن القياس يأبى جواز التأجيل أصلا؛ لأنه تغيير مقتضى العقد؛ لأنه عقد ~~معاوضة تمليك بتمليك وتسليم بتسليم والتأجيل ينفي وجوب التسليم للحال فكان ~~مغيرا مقتضى العقد إلا أنه شرط نظر لصاحب الأجل لضرورة العدم ترفيها له ~~وتمكينا من اكتساب الثمن في المدة المضروبة ولا ضرورة في الأعيان فبقي ~~التأجيل فيها تغييرا محضا لمقتضى العقد فيوجب فساد العقد، ويجوز في المبيع ~~الدين وهو السلم بل لا يجوز بدونه عندنا على ما نذكره في موضعه وكذا يجوز ~~في الثمن الدين وهو بيع الدين بالدين؛ لأن التأجيل يلائم الديون ولا يلائم ~~الأعيان؛ لمساس حاجة الناس إليه في الديون لا في الأعيان على ما بينا. # (ومنها) : شرط خيار مؤبد في البيع. # (ومنها) : شرط خيار مؤقت بوقت مجهول جهالة متفاحشة كهبوب الريح ومجيء ~~المطر وقدوم فلان وموت فلان ونحو ذلك أو متقاربة كالحصاد والدياس وقدوم ~~الحاج ونحوها. # (ومنها) : شرط خيار غير مؤقت أصلا والأصل فيه أن شرط الخيار يمنع انعقاد ~~العقد في حق الحكم للحال فكان شرطا مغيرا مقتضى العقد وإنه مفسد للعقد في ~~الأصل وهو القياس إلا أنا عرفنا جوازه استحسانا بخلاف القياس بالنص وهو ما ~~روي «أن حبان بن منقذ كان يغبن في التجارات فشكا أهله إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال له ms2999 إذا بايعت فقل: لا خلابة ولي الخيار ثلاثة أيام» ~~فبقي ما وراء المنصوص عليه على أصل القياس. # (ومنها) شرط خيار مؤقت بالزائد على ثلاثة أيام عند أبي حنيفة وزفر، وقال ~~أبو يوسف ومحمد: هذا الشرط ليس بمفسد واحتجا بما روي أن عبد الله ابن سيدنا ~~عمر - رضي الله عنهما - شرط الخيار شهرين ولأن النص الوارد في خيار ثلاثة ~~أيام معلول بالحاجة إلى دفع الغبن بالتأمل لدفع الغبن والناس يتفاوتون في ~~البصارة بالسلع فمن الجائز أن يكون المشروط له الخيار أبصر منه ففوض الخيار ~~إليه للتأمل والنظر وهذا لا يوجب الاقتصار على الثلاث كالحاجة إلى التأجيل، ~~ولأبي حنيفة أن هذا الشرط في الأصل مما يأباه القياس، والنص أما القياس فما ~~ذكرنا أنه شرط مغير مقتضى العقد ومثل هذا الشرط مفسد للعقد في الأصل. # وأما النص فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى عن بيع ~~الغرر» وهذا بيع الغرر؛ لأنه تعلق انعقاد العقد على غرر سقوط الخيار إلا ~~أنه ورد نص خاص بجوازه فيتبع مورد النص، وإنه ورد بثلاثة أيام فصار ذلك ~~مخصوصا عن النص العام وترك القياس فيه فيعمل بعموم النص ومقتضى القياس فيما ~~وراء هذا والعمل بقول سيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام أولى من العمل ~~بقول عبد الله ابن سيدنا عمر وقولهما: النص معلول بالحاجة إلى دفع الغبن ~~قلنا: لو كان كذلك فالثلاث مدة صالحة لدفع الغبن لكونها صالحة للتأمل، وما ~~وراء ذلك لا نهاية له. # (وأما) شرط خيار مؤقت بالثلاث فما دونها فليس بمفسد استحسانا لحديث حبان ~~بن منقذ ولمساس الحاجة إليه لدفع الغبن والتدارك عند اعتراض الندم وسواء ~~كان الشرط للعاقد أو لغيره بأن شرط الخيار لثالث عند أصحابنا الثلاثة - ~~رحمهم الله - وقال زفر - رحمه الله -: لا يجوز شرط الخيار لغير العاقد. # (وجه) قوله أن اشتراط الخيار للعاقد. # مع أن القياس يأباه ثبت بالنص فبقي اشتراطه لغيره على أصل القياس. # (ولنا) أن النص معلول بالحاجة إلى التأمل في ذلك فإن صلح؛ أجازه وإلا ms3000 ~~فسخ، وإذا جاز هذا الشرط ثبت الخيار للمشروط له وللعاقد أيضا ولما نذكر ~~ولكل واحد منهما ولاية الإجازة والفسخ وسواء كان العاقد مالكا أو وصيا أو ~~وليا أو وكيلا فيجوز شرط الخيار فيه لنفسه أو لصاحبه الذي عاقده. # (أما) الأب أو الوصي فلأن اشتراط الخيار منهما من باب النظر للصغير ~~فيملكانه. # (وأما) # PageV05P174 # الوكيل؛ فلأنه يتصرف بأمر الموكل وقد أمره بالبيع، والشراء مطلقا فيجري ~~على إطلاقه، وكذلك المضارب، أو الشريك شركة عنان، أو مفاوضة يملك شرط ~~الخيار؛ لما قلنا. # ولو اشترى شيئا على أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما ~~فالقياس أن لا يجوز هذا البيع، وهو قول زفر - رحمه الله - وفي الاستحسان ~~جائز. # (وجه) القياس: أن هذا بيع علقت إقالته بشرط عدم نقد الثمن إلى ثلاثة ~~أيام، وتعليق الإقالة بالشرط فاسد، فكان هذا بيعا دخله شرط فاسد؛ فيكون ~~فاسدا كسائر الأنواع التي دخلتها شروط فاسدة. # (وجه) الاستحسان: أن هذا البيع في معنى البيع بشرط الخيار؛ لوجود التعليق ~~بشرط في كل واحد منهما، وتحقق الحاجة المستدعية للجواز، أما التعليق فإنه ~~علق إقالة هذا البيع وفسخه بشرط عدم النقد إلى ثلاثة أيام، وفي البيع بشرط ~~الخيار علق انعقاده في حق الحكم بشرط سقوط الخيار. # وأما الحاجة فإن المشتري كما يحتاج إلى التأمل في المبيع أنه هل يوافقه ~~أم لا؟ فالبائع يحتاج إلى التأمل أنه هل يصل الثمن إليه في الثلاث أم لا؟ ~~وكذا المشتري يحتاج إلى التأمل أنه هل يقدر على النقد في الثلاث أم لا؟ ~~فكان هذا بيعا مست الحاجة إلى جوازه في الجانبين جميعا فكان أولى بالجواز ~~من البيع بشرط الخيار، فورود الشرع بالجواز هناك يكون ورودا ههنا دلالة. # ولو اشترى على أنه إن لم ينقد الثمن إلى أربعة أيام لم يجز عند أبي ~~حنيفة، كما لا يجوز شرط الخيار أربعة أيام، أو أكثر بعد أن يكون معلوما إلا ~~أن أبا يوسف يقول ههنا: لا يجوز كما قال أبو حنيفة فأبو حنيفة مر على أصله، ~~ولم ms3001 يجز في الموضعين، ومحمد مر على أصله وأجاز فيهما، وأبو يوسف فرق ~~بينهما. # (ووجه) الفرق له: أن القياس يأبى الجواز في الموضعين جميعا إلا أن الجواز ~~في شرط الخيار عرفناه بأثر ابن سيدنا عمر - رضي الله عنهما - فبقي هذا على ~~أصل القياس والله - سبحانه عز شأنه - أعلم. # ويتصل بالشروط المفسدة ما إذا باع حيوانا واستثنى ما في بطنه من الحمل: ~~إن البيع فاسد؛ لأن بيع الحمل بانفراده لا يجوز؛ فكان استثناؤه بمنزلة شرط ~~فاسد أدخل في البيع فوجب فساد البيع، وكذلك هذا في عقد الإجارة والكتابة ~~والرهن، بخلاف النكاح والخلع، والصلح عن دم العمد، والهبة، والصدقة؛ لأن ~~استثناء الحمل في هذه العقود لا يبطلها، وكذلك في الإعتاق؛ لما أن استثناء ~~ما في البطن بمنزلة شرط فاسد، والبيع وأخواته تبطلها الشروط الفاسدة؛ فكان ~~الشرط فاسدا، والعقد فاسدا فأما النكاح ونحوه فلا تبطله الشروط الفاسدة ~~فجاز العقد وبطل الشرط؛ فيدخل في العقد الأم والولد جميعا، وكذا في العتق، ~~وكذا إذا باع حيوانا واستثنى شيئا من أطرافه؛ فالبيع فاسد. # ولو باع صبرة واستثنى قفيزا منها؛ فالبيع جائز في المستثنى منه، وكذا إذا ~~باع صبرة واستثنى جزءا شائعا منها: ثلثها، أو ربعها، أو نحو ذلك، ولو باع ~~قطيعا من الغنم واستثنى شاة منها بغير عينها؛ فالبيع فاسد، ولو استثنى شاة ~~منها بعينها؛ فالبيع جائز، والأصل في هذا أن من باع جملة واستثنى منها شيئا ~~فإن استثنى ما يجوز إفراده بالبيع؛ فالبيع في المستثنى منه جائز، وإن ~~استثنى ما لا يجوز إفراده بالبيع؛ فالبيع في المستثنى منه فاسد. # ولو باع الثمرة على رءوس النخل واستثنى منها صاعا ذكر القاضي في شرحه ~~مختصر الطحاوي أنه يجوز؛ لأنه استثنى ما يجوز إفراده بالبيع فأشبه ما إذا ~~باع جزءا مشاعا منه من الثلث والربع، وكذا لو كان الثمر مجذوذا فباع الكل ~~واستثنى صاعا يجوز، وأي فرق بين المجذوذ وغير المجذوذ؟ وذكر الطحاوي في ~~مختصره أنه لا يجوز، وإليه أشار محمد في الموطإ، فإنه قال: لا بأس بأن يبيع ms3002 ~~الرجل ثمرة ويستثني منها بعضها إذا استثنى شيئا في جملته ربعا، أو خمسا، أو ~~سدسا قيد الجواز بشرط أن يكون المستثنى مشاعا في الجملة، فلو ثبت الجواز في ~~المعين لم يكن لتقييده بهذا الشرط معنى، وكذا روى الحسن بن زياد أنه قال: ~~لا يجوز، وكذا ذكر القدوري - رحمه الله - في مختصره ثم فساد العقد بما ~~ذكرنا من الشروط مذهب أصحابنا، وقال ابن أبي ليلى: البيع جائز، والشرط ~~باطل. # وقال ابن شبرمة: البيع جائز والشرط جائز، والصحيح قولنا؛ لما روى أبو ~~حنيفة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«نهى عن بيع وشرط» والنهي يقتضي فساد المنهي فيدل على فساد كل بيع وشرط إلا ~~ما خص عن عموم النص؛ ولأن هذه الشروط بعضها فيه منفعة زائدة ترجع إلى ~~العاقدين، أو إلى غيرهما، وزيادة منفعة مشروطة في عقد البيع تكون ربا ~~والربا حرام، والبيع الذي فيه ربا فاسد وبعضها فيه غرر «، ونهى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - # PageV05P175 # عن بيع فيه غرر» والمنهي عنه فاسد، وبعضها شرط التلهي وأنه محظور، وبعضها ~~يغير مقتضى العقد وهو معنى الفساد، إذ الفساد هو التغيير والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # ثم قران الشرط الفاسد بالعقد وإلحاقه به سواء عند أبي حنيفة - رحمه الله ~~- حتى لو باع بيعا صحيحا، ثم ألحق به شيئا من هذه الشروط المفسدة يلتحق به ~~ويفسد العقد، وعندهما لا يلتحق به، ولا يفسد العقد، وأجمعوا على أنه لو ~~ألحق بالعقد الصحيح شرطا صحيحا كالخيار الصحيح في البيع البات ونحو ذلك ~~يلتحق به. # (وجه) قولهما: إن إلحاق الشرط الفاسد بالعقد يغير العقد من الصحة إلى ~~الفساد فلا يصح؛ فبقي العقد صحيحا كما كان؛ لأن العقد كلام لا بقاء له، ~~والالتحاق بالمعدوم لا يجوز فكان ينبغي أن لا يصح الإلحاق أصلا، إلا أن ~~إلحاق الشرط الصحيح بأصل العقد ثبت شرعا للحاجة إليه حتى صح قرانه بالعقد؛ ~~فيصح إلحاقه به فلا حاجة إلى إلحاق الشرط الفاسد ليفسد العقد، ولهذا ms3003 لم يصح ~~قرانه بالعقد، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن اعتبار التصرف على الوجه الذي ~~أوقعه المتصرف واجب إذا كان هو أهلا والمحل قابلا، وقد أوقعه مفسدا للعقد، ~~إذ الإلحاق لفساد العقد فوجب اعتباره كما أوقعه فاسدا في الأصل، وقولهما ~~الإلحاق تغيير للعقد؛ قلنا: إن كان تغييرا فلهما ولاية التغيير، ألا ترى أن ~~لهما ولاية التغيير بالزيادة في الثمن، والمثمن، والحط عن الثمن وبإلحاق ~~الشرط الصحيح وإن كان تغييرا؛ ولأنهما يملكان الفسخ فالتغيير أولى؛ لأن ~~التغيير تبديل الوصف، والفسخ رفع الأصل والوصف، والله - سبحانه وتعالى - ~~أعلم. # (ومنها) الرضا لقول الله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} ~~[النساء: 29] عقيب قوله - عز اسمه - {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل} [النساء: 29] وقال - عليه الصلاة والسلام -: «لا ~~يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه» فلا يصح بيع المكره إذا باع مكرها ~~وسلم مكرها؛ لعدم الرضا، فأما إذا باع مكرها وسلم طائعا فالبيع صحيح على ما ~~نذكره في كتاب الإكراه؛ ولا يصح بيع الهازل؛ لأنه متكلم بكلام البيع لا على ~~إدارة حقيقته فلم يوجد الرضا بالبيع، فلا يصح بخلاف طلاق الهازل أنه واقع؛ ~~لأن الفائت بالإكراه ليس إلا الرضا، والرضا ليس بشرط لوقوع الطلاق، بخلاف ~~البيع على أن الهزل في باب الطلاق ملحق بالجد شرعا قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق، والنكاح والعتاق» ألحق الهازل ~~بالجاد فيه. # ومثل هذا لم يرد في البيع، وعلى هذا يخرج بيع المنابذة، والملامسة، ~~والحصاة الذي كان يفعله أهل الجاهلية: كان الرجلان يتساومان السلعة فإذا ~~أراد أحدهما إلزام البيع نبذ السلعة إلى المشتري؛ فيلزم البيع رضي المشتري ~~أم سخط، أو لمسها المشتري، أو وضع عليها حصاة فجاء الإسلام فشرط الرضا ~~وأبطل ذلك كله، وعلى هذا يخرج بيع التلجئة وهي ما لجأ الإنسان إليه بغير ~~اختياره اختيار الإيثار وجملة الكلام فيه: أن التلجئة في الأصل لا تخلو إما ~~أن تكون في نفس البيع، وإما أن تكون في الثمن فإن كانت في ms3004 نفس البيع، فإما ~~أن تكون في إنشاء البيع، وإما أن تكون في الإقرار به، فإن كانت في إنشاء ~~البيع بأن تواضعوا في السر لأمر ألجأهم إليه على أن يظهر البيع، ولا بيع ~~بينهما حقيقة وإنما هو رياء وسمعة نحو أن يخاف رجل السلطان فيقول الرجل: ~~إني أظهر أني بعت منك داري وليس ببيع في الحقيقة وإنما هو تلجئة فتبايعا؛ ~~فالبيع باطل في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف، ومحمد؛ ~~لأنهما تكلما بصيغة البيع لا على قصد الحقيقة، وهو تفسير الهزل، والهزل ~~يمنع جواز البيع؛ لأنه يعدم الرضا بمباشرة السبب فلم يكن هذا بيعا منعقدا ~~في الحكم. # وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة أن البيع جائز؛ لأن ما شرطاه في السر لم ~~يذكراه في العقد، وإنما عقدا عقدا صحيحا بشرائطه فلا يؤثر فيه ما تقدم من ~~الشرط، كما إذا اتفقا على أن يشترطا شرطا فاسدا عند البيع، ثم باعا من غير ~~شرط، والجواب أن الحكم ببطلان هذا البيع لمكان الضرورة، فلو اعتبرنا وجود ~~الشرط عند البيع لا تندفع الضرورة، ولو أجاز أحدهما دون الآخر لم يجز، وإن ~~أجازاه جاز كذا ذكر محمد؛ لأن الشرط السابق وهو: المواضعة منعت انعقاد ~~العقد في حق الحكم بمنزلة شرط خيار المتبايعين، فلا يصح إلا بتراضيهما، ولا ~~يملكه المشتري بالقبض حتى لو كان المشترى عبدا فقبضه وأعتقه لا ينفذ ~~إعتاقه، بخلاف المكره على البيع والتسليم إذا باع وسلم فأعتقه المشتري أنه ~~ينفذ إعتاقه؛ لأن بيع المكره انعقد سببا للحكم؛ لوجود الرضا بمباشرة السبب ~~عقلا؛ لما فيه من صيانة نفسه عن الهلاك فانعقد السبب إلا أنه فسد؛ لانعدام # PageV05P176 # الرضا طبعا فتأخر الملك فيه إلى وقت القبض، أما ههنا فلم يوجد الرضا ~~بمباشرة السبب في الجانبين أصلا؛ فلم ينعقد السبب في حق الحكم فتوقف على ~~أحدهما فأشبه البيع بشرط خيار المتبايعين، هذا إذا كانت التلجئة في إنشاء ~~البيع، فأما إذا كانت في الإقرار به فإن اتفقا على أن يقرا ببيع لم يكن ~~فأقرا بذلك ثم ms3005 اتفقا على أنه لم يكن فالبيع باطل حتى لا يجوز بإجازتهما؛ ~~لأن الإقرار إخبار، وصحة الإخبار بثبوت المخبر به حال وجود الإخبار، فإن ~~كان ثابتا كان الإخبار صدقا وإلا فيكون كذبا، والمخبر به ههنا وهو البيع ~~ليس بثابت فلا يحتمل الإجازة؛ لأنها تلحق الموجود لا المعدوم، هذا كله إذا ~~كانت التلجئة في نفس البيع إنشاء كان، أو إقرارا. # فأما إذا كانت في الثمن فهذا أيضا لا يخلو من أحد وجهين: إما إن كانت في ~~قدر الثمن، وإما إن كانت في جنسه فإن كانت في قدره بأن تواضعا في السر ~~والباطن على أن يكون الثمن ألفا ويتبايعان في الظاهر بألفين فإن لم يقولا ~~عند المواضعة ألف منهما رياء وسمعة فالثمن ما تعاقدا عليه؛ لأن الثمن اسم ~~للمذكور عند العقد، والمذكور عند العقد ألفان، فإن لم يذكرا أن أحدهما رياء ~~وسمعة صحت تسمية الألفين، وإن قالا عند المواضعة ألف منهما رياء وسمعة ~~فالثمن ثمن السر، والزيادة باطلة في ظاهر الرواية عند أبي حنيفة، وهو قول ~~أبي يوسف ومحمد. # وروي عن أبي يوسف أن الثمن ثمن العلانية، وجه هذه الرواية: أن الثمن هو ~~المذكور في العقد، والألفان مذكوران في العقد وما ذكرا في المواضعة لم ~~يذكراه في العقد فلا يعتبر. # (وجه) ظاهر الرواية: أن ما تواضعا عليه في السر هو ما تعاقدا عليه في ~~العلانية إلا أنهما زادا عليه ألفا أخرى، والمواضعة السابقة أبطلت الزيادة؛ ~~لأنهما في هزلانها حيث لم يقصداها فلم يصح ذكر الزيادة في البيع؛ فيبقى ~~البيع بما تواضعا عليه وهو الألف، وإن كانت في جنسه بأن اتفقا في السر على ~~أن الثمن ألف درهم لكنهما يظهرا أن البيع بمائة دينار، فإن لم يقولا في ~~المواضعة: إن ثمن العلانية رياء وسمعة فالثمن ما تعاقدا عليه؛ لما قلنا، ~~وإن قالا ذلك فالقياس: أن يبطل العقد، وفي الاستحسان يصح بمائة دينار. # (وجه) القياس: أن ثمن السر لم يذكراه في العقد، وثمن العلانية لم يقصداه ~~فقد هزلا به فسقط، وبقي بيعا بلا ثمن فلا ms3006 يصح. # (وجه) الاستحسان: أنهما لم يقصدا بيعا باطلا، بل بيعا صحيحا فيجب حمله ~~على الصحة ما أمكن، ولا يمكن حمله على الصحة إلا بثمن العلانية فكأنهما ~~انصرفا عما شرطاه في الباطن؛ فتعلق الحكم بالظاهر كما لو اتفقا على أن ~~يبيعاه بيع تلجئة فتواهبا بخلاف الألف، والألفين؛ لأن الثمن المذكور ~~المشروط في السر مذكور في العقد، وزيادة فتعلق العقد به هذا إذا تواضعا في ~~السر، ولم يتعاقدا في السر فأما إذا تعاقدا في السر بثمن ثم تواضعا على أن ~~يظهرا العقد بأكثر منه أو بجنس آخر، فإن لم يقولا: إن العقد الثاني رياء، ~~وسمعة فالعقد الثاني يرفع العقد الأول، والثمن هو المذكور في العقد الثاني؛ ~~لأن البيع يحتمل الفسخ والإقالة فشروعهما في العقد الثاني إبطال للأول فبطل ~~الأول، وانعقد الثاني بما سمي عنده، وإن قالا: رياء، وسمعة فإن كان الثمن ~~من جنس آخر فالعقد هو العقد الأول؛ لأنهما لم يذكرا الرياء، والسمعة فقد ~~أبطلا المسمى في العقد الثاني فلم يصح العقد الثاني فبقي العقد الأول، وإن ~~كان من جنس الأول فالعقد هو العقد الثاني؛ لأن البيع يحتمل الفسخ فكان ~~العقد هو العقد الثاني، لكن بالثمن الأول والزيادة باطلة؛ لأنهما أبطلاها ~~حيث هزلا بها هذا إذا تواضعا، واتفقا في التلجئة في البيع فتبايعا وهما ~~متفقان على ما تواضعا، فأما إذا اختلفا فادعى أحدهما التلجئة، وأنكر الآخر، ~~وزعم أن البيع بيع رغبة فالقول قول منكر التلجئة؛ لأن الظاهر شاهد له فكان ~~القول قوله مع يمينه على ما يدعيه صاحبه من التلجئة إذا طلب الثمن، وإن ~~أقام المدعي البينة على التلجئة تقبل بينته؛ لأنه أثبت الشرط بالبينة فتقبل ~~بينته كما لو أثبت الخيار بالبينة، ثم هذا التفريع على ظاهر الرواية عن أبي ~~حنيفة - رحمه الله -؛ لأنه يعتبر المواضعة السابقة، فأما على رواية أبي ~~يوسف عنه فلا يجيء هذا التفريع؛ لأنه يعتبر العقد الظاهر فلا يلتفت إلى هذه ~~الدعوى؛ لأنها - وإن صحت - لا تؤثر في البيع الظاهر، وذكر القاضي في شرحه ~~مختصر الطحاوي الخلاف بين ms3007 أبي حنيفة، وصاحبيه فقال على قول أبي حنيفة: ~~القول قول من يدعي جواز البيع، وعلى قولهما القول قول من يدعي التلجئة، ~~والعقد فاسد، ولو اتفقا على التلجئة ثم قالا عند البيع: كل شرط كان بيننا ~~فهو باطل تبطل التلجئة، ويجوز البيع؛ لأنه شرط فاسد زائد فاحتمل السقوط ~~بالإسقاط، ومتى سقط صار العقد جائزا، إلا إذا اتفقا عند المواضعة، وقالا: ~~إن ما نقوله عند البيع أن # PageV05P177 # كل شرط بيننا فهو باطل فذلك القول منا باطل، فإذا قالا ذلك لا يجوز ~~العقد؛ لأنهما اتفقا على أن ما يبطلانه من الشرط عند العقد باطل إلا إذا ~~حكيا في العلانية ما قالا في السر فقالا: إنا شرطنا كذا، وكذا، وقد أبطلنا ~~ذلك ثم تبايعا فيجوز البيع، ثم كما لا يجوز بيع التلجئة لا يجوز الإقرار ~~بالتلجئة بأن يقول لآخر: إني أقر لك في العلانية بمالي، أو بداري، وتواضعا ~~على فساد الإقرار لا يصح إقراره حتى لا يملكه المقر له، والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # (وأما) الذي يخص بعض البياعات دون بعض فأنواع أيضا: (منها) أن يكون الأجل ~~معلوما في بيع فيه أجل فإن كان مجهولا يفسد البيع سواء كانت الجهالة ~~متفاحشة: كهبوب الريح، ومطر السماء، وقدوم فلان، وموته، والميسرة، ونحو ~~ذلك، أو متقاربة: كالحصاد، والدياس، والنيروز، والمهرجان، وقدوم الحاج، ~~وخروجهم، والجذاذ، والجزار، والقطاف، والميلاد، وصوم النصارى، وفطرهم قبل ~~دخولهم في صومهم، ونحو ذلك؛ لأن الأول فيه غرر الوجود، والعدم، والنوع ~~الثاني مما يتقدم، ويتأخر فيؤدي إلى المنازعة فيوجب فساد البيع، ولو باع ~~العين بثمن دين إلى أجل مجهول جهالة متقاربة، ثم أبطل المشتري الأجل قبل ~~محله، وقبل أن يفسخ العقد بينهما لأجل الفساد جاز العقد عند أصحابنا ~~الثلاثة. # وعند زفر لا يجوز، ولو لم يبطل حتى حل الأجل، وأخذ الناس في الحصاد، ثم ~~أبطل لا يجوز العقد بالإجماع، وإن كانت الجهالة متفاحشة فأبطل المشتري ~~الأجل قبل الافتراق، ونقد الثمن جاز البيع عندنا، وعند زفر لا يجوز، ولو ~~افترقا قبل الإبطال لا يجوز بالإجماع، وعلى هذا ms3008 إذا باع بشرط الخيار، ولم ~~يوقت للخيار وقتا معلوما بأن قال: أبدا، أو أياما، أو لم يذكر الوقت حتى ~~فسد البيع بالإجماع، ثم إن صاحب الخيار أبطل خياره قبل مضي ثلاثة أيام قبل ~~أن يفسد العقد بينهما جاز البيع عندنا خلافا لزفر - رحمه الله -، وإن أبطل ~~بعد مضي الأيام الثلاثة لا يجوز العقد عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وزفر، ~~وعند أبي يوسف، ومحمد يجوز، وإن وقت وقتا معلوما بأن قال: أربعة أيام، أو ~~شهر فأبطل الخيار قبل مضي ثلاثة أيام، وقبل أن يفسخ العقد بينهما لأجل ~~الفساد جاز عندنا. # وعند زفر لا يجوز، وعندهما هذا الخيار جائز، ولو مضت الأيام الثلاثة، ثم ~~أبطل صاحب الخيار خياره لا يجوز البيع بالإجماع، وعلى هذا لو عقدا عقد ~~السلم بشرط الخيار حتى فسد السلم، ثم إن صاحب الخيار أبطل خياره قبل ~~الافتراق جاز السلم عندنا إذا كان رأس المال قائما في يده، ولو افترقا قبل ~~الإبطال، ثم أبطل لا يجوز بالإجماع، وعلى هذا إذا اشترى ثوبا برقمه، ولم ~~يعلم المشتري رقمه حتى فسد البيع، ثم علم رقمه. # فإن علم قبل الافتراق واختار البيع جاز البيع عندنا، وعند زفر لا يجوز، ~~وإن كان بعد الافتراق لا يجوز بالإجماع، والأصل عند زفر: أن البيع إذا ~~انعقد على الفساد لا يحتمل الجواز بعد ذلك برفع المفسد، والأصل عندنا: أنه ~~ينظر إلى الفساد، فإن كان قويا بأن دخل في صلب العقد وهو البدل، أو المبدل ~~لا يحتمل الجواز برفع المفسد كما قال زفر: إذا باع عبدا بألف درهم ورطل من ~~خمر فحط الخمر عن المشتري وإن كان ضعيفا لم يدخل في صلب العقد بل في شرط ~~جائز يحتمل الجواز برفع المفسد كما في البيع بشرط خيار لم يوقت أو وقت إلى ~~وقت مجهول كالحصاد، والدياس أو لم يذكر الوقت، وكما في بيع الدين بالدين ~~إلى أجل مجهول على ما ذكرنا، ثم اختلف مشايخنا في العبارة عن هذا العقد. # قال مشايخ العراق: إنه انعقد فاسدا لكن فسادا غير ms3009 متقرر، فإن أبطل الشرط ~~قبل تقرره بأن لم يدخل وقت الحصاد، أو اليوم الرابع ينقلب إلى الجواز، وإن ~~لم يبطل حتى دخل تقرر الفساد، وهو قول بعض مشايخنا بما وراء النهر، وقال ~~مشايخ خراسان، وبعض مشايخنا: بما وراء النهر العقد موقوف إن أسقط الشرط قبل ~~وقت الحصاد، واليوم الرابع تبين أنه كان جائزا من الأصل، وإن لم يسقط حتى ~~دخل اليوم الرابع، أو أوان الحصاد تبين أنه وقع فاسدا من حين وجوده، وذكر ~~عن الحسن بن زياد - رحمه الله - أنه قال: قال أبو حنيفة: لو أن رجلا اشترى ~~عبدا على أنه بالخيار أكثر من ثلاثة أيام فالبيع موقوف. # فإن قال المشتري قبل مضي الثلاث أنا أبطل خياري واستوجب المبيع قبل أن ~~يقول البائع شيئا كان له ذلك وتم البيع، وعليه الثمن، ولم يكن للبائع أن ~~يبطل البيع، وإن قال البائع قد أبطلت البيع قبل أن يبطل المشتري خياره بطل ~~البيع، ولم يكن للمشتري أن يستوجبه بعد ذلك، وأن يبطل خياره فقد نص على ~~التوقف، وفسره حيث جعل للبائع حق الفسخ قبل إجازة المشتري، وهذا أمارة ~~البيع الموقوف: أن يكون لكل # PageV05P178 # واحد من العاقدين حق الفسخ، (وجه) قول زفر أن هذا بيع انعقد بوصف الفساد ~~من حين وجوده فلا يتصور أن ينقلب جائزا؛ لما فيه من الاستحالة، ولهذا لم ~~ينقلب إلى الجواز إذا دخل اليوم الرابع، أو وقت الحصاد، والدياس. # (ولنا) طريقان أحدهما أن هذا العقد موقوف للحال لا يوصف بالفساد، ولا ~~بالصحة؛ لأن الشرط المذكور يحتمل أن يكون مفسدا حقيقة، ويحتمل أن لا يكون، ~~فإذا سقط قبل دخول أوان الحصاد، واليوم الرابع تبين أنه ليس بمفسد؛ لأنه ~~تبين أنه ما شرط الأجل، والخيار إلا إلى هذا الوقت فتبين أن العقد وقع ~~صحيحا مفيدا للملك بنفسه من حين وجوده كما لو أسقط الأجل الصحيح، والخيار ~~الصحيح، وهو خيار ثلاثة أيام بعد مضي يوم، وإن لم يسقط حتى مضت الأيام ~~الثلاثة، ودخل الحصاد تبين أن الشرط كان إلى هذا الوقت، وأنه شرط ms3010 مفسد، ~~والثاني أن العقد في نفسه مشروع، لا يحتمل الفساد على ما عرف، وكذا أصل ~~الأجل، والخيار؛ لأنه ملائم للعقد، وأنه يوصف العقد بالفساد للحال لا لعينه ~~بل لمعنى مجاور له زائد عليه، وعلى أصل الأجل، والخيار، وهو الجهالة، ~~وزيادة الخيار على المدة المشروعة فإن سقط قبل دخول، وقت الحصاد أو اليوم ~~الرابع فقد أسقط المفسد قبل تقرره فزال الفساد؛ فبقي العقد مشروعا كما كان ~~من غير، وصف الفساد، وإذا دخل الوقت فقد تقرر المفسد، فتقرر الفساد، ~~والفساد بعد تقرره لا يحتمل الزوال وقوله: العقد ما وقع فاسدا من حين وجوده ~~قلنا على الطريق الأول: ممنوع بل هو موقوف، وعلى الطريق الثاني: مسلم لكن ~~لا لعينه بل لغيره، وهو الشرط المجاور المفسد، وقد أسقط المفسد قبل تقرره ~~فزال الفساد الثابت؛ لمعنى في غيره فبقي مشروعا، والله - سبحانه وتعالى ~~الموفق -. # ولو باع بثمن حال، ثم أخر إلى الآجال المتقاربة جاز التأخير، ولو أخر إلى ~~الآجال المتفاحشة لم يجز، والدين على حاله حال فرق بين التأجيل، والتأخير، ~~ولم يجوز التأجيل إلى هذه الآجال أصلا، وجوز التأخير إلى المتقارب منها، ~~ووجه الفرق: أن التأجيل في العقد جعل الأجل شرطا في العقد، وجهالة الأجل ~~المشروط في العقد، وإن كانت متقاربة توجب فساد العقد؛ لأنها تفضي إلى ~~المنازعة، فأما التأخير إلى الآجال المجهولة متقاربة فلا تفضي إلى ~~المنازعة؛ لأن الناس يؤخرون الديون إلى هذه الآجال عادة، ومبنى التأخير على ~~المسامحة، فالظاهر أنهم يسامحون، ولا ينازعون، وما جرت العادة منهم ~~بالتأخير إلى آجال تفحش جهالتها بخلاف التأجيل؛ لأن ما جعل شرطا في البيع ~~مبناه على المضايقة، فالجهالة فيها وإن قلت تفضي إلى المنازعة؛ ولهذا لا ~~يجوز البيع إلى الآجال المتقاربة، وجازت الكفالة إليها؛ لأن مبنى الكفالة ~~على المسامحة، فإن المكفول له لا يضيق الأمر على الكفيل عادة؛ لأن له سبيل ~~الوصول إلى الدين من جهة الأصيل فالتأجيل إليها لا يفضي إلى المنازعة بخلاف ~~البيع، فإن الجهالة في باب البيع مفضية إلى المنازعة فكانت مفسدة للبيع. # ولو ms3011 اشترى عينا بثمن دين على أن يسلم إليه الثمن في مصر آخر فهذا لا يخلو ~~إما أن يكون الثمن مما حمل له، ولا مؤنة، وإما أن يكون مما له حمل، ومؤنة، ~~وعلى كل ذلك لا يخلو من أن ضرب له الأجل أو لم يضرب فإن لم يضرب له الأجل ~~فالبيع فاسد سواء كان الثمن له حمل، ومؤنة أو لم يكن؛ لأنه إذا لم يضرب له ~~الأجل كان شرط التسليم في موضع على سبيل التأجيل، وأنه أجل مجهول فيوجب ~~فساد العقد. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أن الثمن إذا كان لا حمل له، ولا مؤنة ~~فالبيع جائز؛ لأن شرط التأجيل في مكان آخر ليس بتأجيل حقيقة، بل هو تخصيص ~~التسليم بمكان آخر فيجوز البيع، ويجبر المشتري على تسليم الثمن في أي موضع ~~طالبه، وإن ضرب له أجلا على أن يسلم إليه الثمن بعد محل الأجل في مصر آخر ~~فإن كان الأجل مقدار ما لا يمكن الوصول إلى الموضع المشروط في قدر تلك ~~المدة فالبيع فاسد أيضا؛ لأنه إذا كان لا يمكن الوصول فيه إلى الموضع ~~المشروط صار كأن لم يضرب، وإن كان ضرب أجلا يمكن الوصول فيه إلى المكان ~~المشروط فالبيع صحيح، والتأجيل صحيح؛ لأنه إذا ضرب له أجلا يمكن الوصول فيه ~~إلى ذلك المكان علم أن شرط التسليم في ذلك المكان لم يكن على سبيل التأجيل، ~~بل على تخصيص ذلك المكان بالتسليم فيه. # فإذا حل الأجل وطالبه البائع بالثمن في غير المكان المشروط ينظر إن كان ~~الثمن مما ليس له حمل، ولا مؤنة يجبر المشتري على تسليمه في أي موضع طالبه ~~البائع بعد حل الأجل، وإن كان الثمن له حمل، ومؤنة لا يجبر على تسليمه إلا ~~في الموضع المشروط، وكذلك لو أراد المشتري أن يسلمه في # PageV05P179 # غير المكان المشروط، وأبى البائع ذلك إلا في الموضع المشروط فهو على هذا ~~التفصيل، ولو كان الثمن عينا فشرط تسليمه في مصر آخر فالبيع فاسد سواء شرط ~~الأجل، أو لم يشرط؛ لأن فيه ms3012 غررا، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (ومنها) القبض في بيع المشتري المنقول فلا يصح بيعه قبل القبض؛ لما روي ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع ما لم يقبض» ، والنهي يوجب ~~فساد المنهي؛ ولأنه بيع فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه؛ لأنه إذا هلك ~~المعقود عليه قبل القبض يبطل البيع الأول فينفسخ الثاني؛ لأنه بناه على ~~الأول، وقد «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع فيه غرر» ، وسواء ~~باعه من غير بائعه، أو من بائعه؛ لأن النهي مطلق لا يوجب الفصل بين البيع ~~من غير بائعه وبين البيع من بائعه، وكذا معنى الغرر لا يفصل بينهما فلا يصح ~~الثاني، والأول على حاله. # ولا يجوز إشراكه، وتوليته؛ لأن كل ذلك بيع، ولو قبض نصف المبيع دون النصف ~~فأشرك رجلا لم يجز فيما لم يقبض، وجاز فيما قبض؛ لأن الإشراك نوع بيع، ~~والمبيع منقول فلم يكن غير المقبوض محلا له شرعا فلم يصح في غير المقبوض، ~~وصح في قدر المقبوض، وله الخيار؛ لتفرق الصفقة عليه، ولا تجوز إجارته؛ لأن ~~الإجارة تمليك المنفعة بعوض، وملك المنفعة تابع لملك العين، ولا يجوز فيه ~~تمليك العين فلا يجوز تمليك المنفعة؛ ولأن الإجارة عقد يحتمل الفسخ فيتمكن ~~فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه، ولأن ما روينا من النهي يتناول ~~الإجارة؛ لأنها نوع بيع، وهو بيع المنفعة. # ويجوز إعتاقه بعوض، وغير عوض، وكذا تدبيره، واستيلاده بأن كانت أمة فأقر ~~أنها كانت ولدت له؛ لأن جواز هذه التصرفات يعتمد قيام ملك الرقبة، وقد وجد ~~بخلاف البيع فإن صحته تفتقر إلى ملك الرقبة واليد جميعا؛ لافتقاره إلى ~~التسليم، وكذا الإجارة بخلاف الإعتاق، والتدبير، ولأن المانع هو القبض، ~~وبهذه التصرفات يصير قابضا على ما نذكره في موضعه - إن شاء الله تعالى -، ~~ولأن الفساد لتمكن الغرر، وهو غرر انفساخ العقد بهلاك المعقود عليه؛ لما ~~نذكره، وهذه التصرفات مما لا يحتمل الانفساخ فلم يوجد فلزم الجواز بدليله، ~~وهل تجوز كتابته؟ لا رواية فيه عن أصحابنا فاحتمل أن يقال: لا ms3013 يجوز قياسا ~~على البيع؛ لأن كل، واحد منهما مما يحتمل الفسخ، والإقالة، وجائز أن يقال: ~~يجوز فرقا بينها، وبين البيع؛ لأنها أوسع إضرارا من البيع. # وروي عن أبي يوسف إذا كاتبه المشتري قبل القبض فللبائع أن يبطله فإن لم ~~يبطله حتى نقد المشتري الثمن جازت الكتابة ذكرها في العيون، ولو وهبه من ~~البائع فإن لم يقبله لم تصح الهبة والبيع على حاله؛ لأن الهبة لا تصح بدون ~~القبول فإن قبله البائع لم تجز الهبة؛ لأنها تمليك المبيع قبل القبض، وأنه ~~لا يجوز كالبيع، وانفسخ البيع بينهما، ويكون إقالة للبيع فرق بين الهبة من ~~البائع، وبين البيع منه حيث جعل الهبة منه إقالة دون البيع منه. # (ووجه) الفرق: أن بين الهبة، والإقالة مقاربة فإن كل واحد منهما يستعمل ~~في إلحاق ما سلف بالعدم يقال: وهبت منك جريمتك كما يقال: أقلت عثرتك، أو ~~جعلت ذلك كالعدم في حق المؤاخذة به، ألا ترى أنه يستعمل كل واحد منهما مكان ~~الآخر؟ فأمكن جعل الهبة مجازا عن الإقالة عند تعذر العمل بالحقيقة، بخلاف ~~البيع فإنه لا مقاربة بينه وبين الإقالة؛ فتعذر جعله مجازا عنها فوقع لغوا، ~~وكذلك لو تصدق به عليه فهو على التفصيل الذي ذكرنا. # ولو وهب لغير البائع، أو تصدق به على غير البائع، وأمر بالقبض من البائع، ~~أو رهنه عند آخر، وأمره أن يقبض من البائع فقبضه بأمره، وأقرضه، وأمره ~~بالقبض لم تجز هذه العقود كلها عند أبي يوسف، وعند محمد جازت. # (وجه) قول محمد: إن صحة هذه العقود بالقبض، فإذا أمره بالقبض فقد أنابه ~~مناب نفسه في القبض فصار بمنزلة الوكيل له، فإذا قبض بأمره يصير قابضا عنه ~~أولا بطريق النيابة، ثم لنفسه فيصح، ولأبي يوسف أن جواز هذه العقود مبني ~~على الملك المطلق، وهو ملك الرقبة واليد جميعا؛ لأن به يقع الأمن عن غرر ~~الانفساخ بهلاك المعقود عليه، وغرر الانفساخ ههنا ثابت فلم يكن الملك مطلقا ~~فلم يجز، ولو أوصى به لرجل قبل القبض، ثم مات جازت الوصية؛ لأن الوصية ms3014 أخت ~~الميراث، ولو مات قبل القبض صار ذلك ميراثا لورثته، كذا الوصية، ولو قال ~~المشتري للبائع: بعه لي لم يكن نقضا بالإجماع، وإن باعه لم يجز بيعه، ولو ~~قال: بعه لنفسك كان نقضا بالإجماع، ولو قال: بعه مطلقا كان نقضا عند أبي ~~حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف لا يكون نقضا. # (وجه) قوله: أن إطلاق الأمر بالبيع ينصرف إلى البيع للآمر # PageV05P180 # لا للمأمور؛ لأن الملك له لا للمأمور فصار كأنه قال له: بعه لي، ولو نص ~~عليه لا يكون نقضا للبيع؛ لأنه أمره ببيع فاسد فكذا هذا، ولهما أن مطلق ~~الأمر بالبيع يحمل على بيع صحيح صح، ولو حملناه على البيع للآمر لما صح؛ ~~لأنه يكون أمرا ببيع من لا يملك بنفسه فلا يصح؛ فيحمل على البيع لنفسه كأنه ~~نص عليه فقال: بعه لنفسك، ولا يتحقق البيع لنفسه إلا بعد انفساخ البيع ~~الأول فيتضمن الأمر بالبيع لنفسه انفساخ البيع الأول فينفسخ مقتضى الأمر ~~كما في قول الرجل لغيره: أعتق عبدك عني على ألف درهم، ولو قال المشتري ~~للبائع أعتقه فأعتقه البائع فإعتاقه جائز عن نفسه عند أبي حنيفة وعند أبي ~~يوسف إعتاقه باطل. # (وجه) قول أبي يوسف أن مطلق الأمر بالإعتاق ينصرف إلى الإعتاق عن الآمر ~~لا عن نفسه؛ لأن الملك للآمر، والإعتاق عنه بمنزلة القبض، والبائع لا يصلح ~~نائبا عن المشتري في القبض عنه، فلا يصلح نائبا عنه في الإعتاق، ولأبي ~~حنيفة - رحمه الله -: أن الأمر بالإعتاق يحمل على، وجه يصح، ولو حمل على ~~الإعتاق عن الآمر لم يصح؛ لما ذكرتم فيحمل على الإعتاق عن نفسه، فإذا أعتق ~~يقع عنه. # (وأما) بيع المشتري العقار قبل القبض فجائز عنه عند أبي حنيفة، وأبي يوسف ~~استحسانا، وعند محمد، وزفر، والشافعي - رحمهم الله - لا يجوز قياسا، ~~واحتجوا بعموم النهي الذي روينا؛ ولأن القدرة على القبض عند العقد شرط صحة ~~العقد لما ذكرنا، ولا قدرة إلا بتسليم الثمن، وفيه غرر، ولهما عمومات ~~البياعات من الكتاب العزيز من غير تخصيص، ولا يجوز تخصيص عموم الكتاب ms3015 بخبر ~~الواحد عندنا، أو نحمله على المنقول توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن ~~التناقض؛ ولأن الأصل في ركن البيع إذا صدر من الأهل في المحل هو الصحة، ~~والامتناع لعارض الغرر، وهو غرر انفساخ العقد بهلاك المعقود عليه. # ولا يتوهم هلاك العقار فلا يتقرر الغرر فبقي بيعه على حكم الأصل، وكما لا ~~يجوز بيع المشتري المنقول قبل القبض لا يجوز بيع الأجرة المنقولة قبل القبض ~~إذا كانت عينا، وبدل الصلح المنقول إذا كان عينا، والأصل أن كل عوض ملك ~~بعقد ينفسخ فيه العقد بهلاكه قبل القبض لا يجوز التصرف فيه كالمبيع، ~~والأجرة، وبدل الصلح إذا كان منقولا معينا، وكل عوض ملك بعقد لا ينفسخ ~~العقد فيه بهلاكه قبل القبض يجوز التصرف فيه كالمهر، وبدل الخلع، وبدل ~~العتق، وبدل الصلح عن دم العمد، وفقه هذا الأصل ما ذكرنا: أن الأصل هو ~~الصحة في التصرف الصادر من الأهل المضاف إلى المحل، والفساد بعارض غرر ~~الانفساخ، ولا يتوهم ذلك في هذه التصرفات؛ لأنها لا تحتمل الفسخ فكان القول ~~بجواز هذه التصرفات عملا بالأصل، وأنه واجب. # وكذلك الميراث يجوز التصرف فيه قبل القبض؛ لأن معنى الغرر لا يتقرر فيه؛ ~~ولأن الوارث خلف الميت في ملك الموروث، وخلف الشيء قائم مقامه كأنه هو فكأن ~~المورث قائم، ولو كان قائما لجاز تصرفه فيه كذا الوارث، وكذلك الموصى به ~~بأن أوصى إلى إنسان بشيء، ثم مات الموصي فللموصى له أن يتصرف قبل القبض؛ ~~لأن الوصية أخت الميراث، ويجوز التصرف في الميراث قبل القبض فكذا في الموصى ~~به. # وهل يجوز بيع المقسوم بعد القسمة قبل القبض؟ ينظر إن كان ما وقع عليه ~~القسمة مما يجبر عليه الشركاء إذا طلبها واحد منهم جاز لواحد منهم أن يبيع ~~نصيبه بعد القسمة قبل القبض سواء كان منقولا، أو غير منقول؛ لأن القسمة في ~~مثله إفراز، وإن كان مما لا يجبر عليه الشركاء عند طلب واحد منهم كالأشياء ~~المختلفة، والرقيق على قول أبي حنيفة لا يجوز بيعه قبل القبض إن كان ~~منقولا، وإن ms3016 كان عقارا فعلى الاختلاف الذي ذكرنا؛ لأن قسمة هذه الأشياء ~~فيها معنى المبادلة فتشبه البيع، والله عز اسمه أعلم. # (وأما) بيع الدين قبل القبض فنقول، - وبالله التوفيق -: الديون أنواع. # (منها) ما لا يجوز بيعه قبل القبض، ومنها ما يجوز أما الذي لا يجوز بيعه ~~قبل القبض فنحو رأس مال السلم لعموم النهي؛ ولأن قبضه في المجلس شرط، ~~وبالبيع يفوت القبض حقيقة، وكذا المسلم فيه؛ لأنه مبيع لم يقبض، وكذا لو ~~باع رأس مال السلم بعد الإقالة قبل القبض لا يجوز استحسانا، والقياس: أن ~~يجوز وهو قول زفر. # (وجه) القياس: أن عقد السلم ارتفع بالإقالة؛ لأنها فسخ، وفسخ العقد رفعه ~~من الأصل، وجعله كأنه لم يكن، وإذا ارتفع العقد من الأصل عاد رأس المال إلى ~~قديم ملك رب المال فكان محلا للاستبدال كما كان قبل السلم؛ ولهذا يجب قبل ~~قبض رأس المال بعد # PageV05P181 # الإقالة في مجلس الإقالة. # (وجه) الاستحسان: عموم النهي الذي روينا إلا من حيث خص بدليل، وفي الباب ~~نص خاص، وهو ما روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - أنه قال لرب السلم «لا تأخذ إلا سلمك، أو رأس مالك» ، وفي ~~رواية «خذ سلمك، أو رأس مالك» نهى النبي - عليه الصلاة والسلام - رب السلم ~~عن الأخذ عاما، واستثنى أخذ السلم، أو رأس المال فبقي أخذ ما وراءهما على ~~أصل النهي، وكذا إذا انفسخ السلم بعد صحته لمعنى عارض نحو ذمي أسلم إلى ذمي ~~عشرة دراهم في خمر، ثم أسلما، أو أسلم أحدهما قبل قبض الخمر حتى بطل السلم، ~~ووجب على المسلم إليه رد رأس المال لا يجوز لرب السلم الاستبدال استحسانا ~~لما روينا، ولو كان السلم فاسدا من الأصل ووجب على المسلم إليه رد رأس ~~المال لفساد السلم يجوز الاستبدال؛ لأن السلم إذا كان فاسدا في الأصل لا ~~يكون له حكم السلم فكان رأس مال السلم بمنزلة سائر الديون من القرض، وثمن ~~المبيع، وضمان الغصب، والاستهلاك. # (وأما) بدل الصرف فلا يجوز بيعه قبل القبض ms3017 في الابتداء، وهو حال بقاء ~~العقد، ويجوز في الانتهاء، وهو ما بعد الإقالة، بخلاف رأس مال السلم فإنه ~~لا يجوز بيعه في الحالين. # (ووجه) الفرق: أن القياس جواز الاستبدال بعد الإقالة في الناس جميعا؛ لما ~~ذكرنا أن الإقالة فسخ، وفسخ العقد رفعه من الأصل كأن لم يكن، ولو لم يكن ~~العقد لجاز الاستبدال فكذا إذا رفع، وألحق بالعدم فكان ينبغي أن يجوز ~~الاستبدال فيهما جميعا إلا أن الحرمة في باب السلم ثبتت نصا بخلاف القياس، ~~وهو ما روينا، والنص ورد في السلم فبقي جواز الاستبدال بعد الإقالة في ~~الصرف على الأصل، وكذا الثياب الموصوفة في الذمة المؤجلة لا يجوز بيعها قبل ~~القبض للنهي سواء كان ثبوتها في الذمة بعقد السلم، أو غيره؛ لأن الثياب كما ~~تثبت في الذمة مؤجلة بطريق السلم تثبت دينا في الذمة مؤجلة لا بطريق السلم ~~بأن باع عبدا بثوب موصوف في الذمة مؤجل فإنه يجوز بيعه، ولا يكون جوازه ~~بطريق السلم بدليل أن قبض العبد ليس بشرط، وقبض رأس مال السلم شرط جواز ~~السلم، وكذا إذا أجر داره بثوب موصوف في الذمة مؤجل جازت الإجارة، ولا يكون ~~سلما، وكذا لو ادعى عينا في يد رجل فصالحه من دعواه على ثوب موصوف في الذمة ~~مؤجل جاز الصلح، ولا يكون هذا سلما، ولا يجوز الاستبدال به كما لا يجوز ~~بالمسلم فيه، وإن لم يكن ثبوته بعقد السلم فهذه جملة الديون التي لا يجوز ~~بيعها قبل القبض، وما سواها من ثمن المبيع، والقرض، وقيمة المغصوب، ~~والمستهلك، ونحوها فيجوز بيعها ممن عليه قبل القبض، وقال الشافعي - رحمه ~~الله -: ثمن المبيع إذا كان عينا لا يجوز بيعه قبل القبض قولا واحدا، وإن ~~كان دينا لا يجوز في أحد قوليه أيضا بناء على أن الثمن والمثمن عنده من ~~الأسماء المترادفة يقعان على مسمى واحد فكان كل واحد منهما مبيعا فكان بيع ~~المبيع قبل القبض، وكذا النهي عن بيع ما لم يقبض عام لا يفصل بين المبيع، ~~والثمن وأما على أصلنا فالمبيع، والثمن ms3018 من الأسماء المتباينة في الأصل ~~يقعان على معنيين متباينين على ما نذكره - إن شاء الله تعالى - في موضعه، ~~ولا حجة له في عموم النهي؛ لأن بيع ثمن المبيع ممن عليه صار مخصوصا بحديث ~~عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - على ما نذكره. # (وأما) بيع هذه الديون من غير من عليه، والشراء بها من غير من عليه ~~فينظر: إن أضاف البيع والشراء إلى الدين لم يجز بأن يقول لغيره: بعت منك ~~الدين الذي في ذمة فلان بكذا، أو يقول: اشتريت منك هذا الشيء بالدين الذي ~~في ذمة فلان؛ لأن ما في ذمة فلان غير مقدور التسليم في حقه، والقدرة على ~~التسليم شرط انعقاد العقد على ما مر، بخلاف البيع، والشراء بالدين ممن عليه ~~الدين؛ لأن ما في ذمته مسلم له، وإن لم يضف العقد إلى الدين الذي عليه جاز، ~~ولو اشترى شيئا بثمن دين، ولم يضف العقد إلى الدين حتى جاز، ثم أحال البائع ~~على غريمه بدينه الذي له عليه جازت الحوالة سواء كان الدين الذي أحيل به ~~دينا يجوز بيعه قبل القبض، أو لا يجوز كالسلم ونحوه، وذكر الطحاوي - رحمه ~~الله - أنه لا تجوز الحوالة بدين لا يجوز بيعه قبل القبض، وهذا غير سديد؛ ~~لأن هذا توكيل بقبض الدين فإن المحال له يصير بمنزلة الوكيل للمحيل بقبض ~~دينه من المحتال له. # والتوكيل بقبض الدين جائز أي دين كان، ويكون قبض وكيله كقبض موكله، ولو ~~باع هذا الدين ممن عليه الدين جاز بأن اشترى منه شيئا بعينه بدينه الذي له ~~في ذمته؛ لأنه باع ما هو مقدور التسليم عند الشراء؛ لأن ذمته في # PageV05P182 # يده، بخلاف الأول، وكذا إذا صالح معه من دينه على شيء بعينه جاز الصلح، ~~والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (ومنها) أن يكون البدل منطوقا به في أحد نوعي المبادلة، وهي المبادلة ~~القولية فإن كان مسكوتا عنه فالبيع فاسد بأن قال: بعت منك هذا العبد، وسكت ~~عن ذكر الثمن فقال المشتري: اشتريت لما ذكرنا أن البيع في اللغة: مبادلة ms3019 ~~شيء مرغوب بشيء مرغوب، وفي الشرع: مبادلة المال بالمال، فإذا لم يكن البدل ~~منطوقا به، ولا بيع بدون البدل إذ هو مبادلة كان بدله قيمته فكان هذا بيع ~~العبد بقيمته، وأنه فاسد، وهكذا السبيل في البياعات الفاسدة أنها تكون بيعا ~~بقيمة المبيع على ما نذكر في موضعه، هذا إذا سكت عن ذكر الثمن فأما إذا ما ~~نفاه صريحا بأن قال: بعتك هذا العبد بغير ثمن، أو بلا ثمن فقال المشتري: ~~اشتريت اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: هذا والسكوت عن الثمن سواء، والبيع ~~فاسد، وقال بعضهم: البيع باطل. # (وجه) قول الأولين: أن قوله بلا ثمن باطل؛ لأن البيع عقد مبادلة فكان ~~ذكره ذكرا للبدل، فإذا قال بغير ثمن فقد نفى ما أثبته فبطل قوله بلا ثمن، ~~وبقي قوله بعت مسكوتا عن ذكر الثمن فكأنه باع وسكت عن ذكر الثمن. # (وجه) قول الآخرين: أن عند السكوت عن ذكر الثمن يصير البدل مذكورا بطريق ~~الدلالة، فإذا نص على نفي الثمن بطلت الدلالة فلم يكن هذا بيعا أصلا، والله ~~- سبحانه وتعالى - أعلم. # (ومنها) الخلو عن الربا، وإن شئت قلت: ومنها المماثلة بين البدلين في ~~أموال الربا حتى لو انتفت فالبيع فاسد؛ لأنه بيع ربا، والبيع الذي فيه ربا ~~فاسد؛ لأن الربا حرام بنص الكتاب الكريم قال الله - عز وجل: - {وحرم الربا} ~~[البقرة: 275] . # والكلام في مسائل الربا في الأصل في ثلاثة مواضع: أحدها في بيان الربا في ~~عرف الشرع أنه ما هو؟ ، والثاني: في بيان علته أنها ما هي؟ ، والثالث: في ~~بيان شرط جريان الربا (أما) الأول فالربا في عرف الشرع نوعان: ربا الفضل، ~~وربا النساء. # (أما) ربا الفضل فهو: زيادة عين مال شرطت في عقد البيع على المعيار ~~الشرعي، وهو الكيل، أو الوزن في الجنس عندنا وعند الشافعي هو: زيادة مطلقة ~~في المطعوم خاصة عند اتحاد الجنس خاصة. # (وأما) ربا النساء فهو فضل الحلول على الأجل، وفضل العين على الدين في ~~المكيلين، أو الموزونين عند اختلاف الجنس، أو في غير المكيلين، أو ~~الموزونين عند ms3020 اتحاد الجنس عندنا وعند الشافعي - رحمه الله - هو فضل الحلول ~~على الأجل في المطعومات، والأثمان خاصة، والله تعالى أعلم. # (وأما) الثاني، وهو بيان العلة فنقول: الأصل المعلول في هذا الباب بإجماع ~~القائسين الحديث المشهور، وهو ما روى أبو سعيد الخدري، وعبادة بن الصامت - ~~رضي الله عنهما - عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «الحنطة ~~بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد، والفضل ربا، والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا ~~بيد، والفضل ربا، والتمر بالتمر مثلا بمثل يدا بيد، والفضل ربا، والملح ~~بالملح مثلا بمثل يدا بيد، والفضل ربا، والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد، ~~والفضل ربا، والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد، والفضل ربا» أي: بيعوا ~~الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد. # وروي مثل بمثل بالرفع أي: بيع الحنطة بالحنطة مثل بمثل يد بيد جائز فهذا ~~النص معلول باتفاق القائسين غير أنهم اختلفوا في العلة. # قال أصحابنا: علة ربا الفضل في الأشياء الأربعة المنصوص عليها الكيل مع ~~الجنس، وفي الذهب، والفضة الوزن مع الجنس فلا تتحقق العلة إلا باجتماع ~~الوصفين، وهما القدر، والجنس، وعلة ربا النساء هي أحد، وصفي علة ربا الفضل ~~إما الكيل، أو الوزن المتفق، أو الجنس، وهذا عندنا، وعند الشافعي علة ربا ~~الفضل في الأشياء الأربعة الطعم، وفي الذهب، والفضة الثمنية في قول، وفي ~~قول هما غير معلولين، وعلة ربا النساء ما هو علة ربا الفضل، وهي الطعم في ~~المطعومات، والثمنية في الأثمان دون الجنس إذ الأصل عنده حرمة بيع المطعوم ~~بجنسه. # (وأما) التساوي في المعيار الشرعي مع اليد مخلص من الحرمة بطريق الرخصة، ~~احتج الشافعي لإثبات هذا الأصل بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء» هذا الأصل يدل على ~~أن الأصل حرمة بيع المطعوم بجنسه، وإنما الجواز بعارض التساوي في المعيار ~~الشرعي؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - نهى عن بيع الطعام بالطعام مطلقا، ~~واستثنى حالة المساواة فيدل على أن الحرمة هي الأصل في بيع المطعوم ~~بالمطعوم من غير فصل ms3021 بين القليل والكثير، وفيه دليل أيضا على جعل الطعم ~~علة؛ لأنه أثبت الحكم عقيب اسم مشتق من معنى، والأصل: أن الحكم إذا ثبت ~~عقيب اسم مشتق من معنى # PageV05P183 # يصير موضع الاشتقاق علة للحكم المذكور كقوله تعالى - جل، وعلا - {والسارق ~~والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ، وقوله - سبحانه وتعالى -: ~~{الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] والطعام اسم ~~مشتق من الطعم فيدل على كون الطعم علة، ولأن العلة اسم لوصف مؤثر في الحكم، ~~ووصف الطعم مؤثر في حرمة بيع المطعوم، والحكم متى ثبت عقيب وصف مؤثر يحال ~~إليه كما في الزنا، والسرقة، ونحو ذلك، وبيان تأثير الطعم أنه وصف ينبئ عن ~~العزة، والشرف؛ لكونه متعلق البقاء، وهذا يشعر بعزته وشرفه، فيجب إظهار ~~عزته وشرفه، وذلك في تحريم بيع المطعوم بجنسه، وتعليق جوازه بشرطي التساوي ~~في المعيار الشرعي، واليد؛ لأن في تعلقه بشرطين تضييق طريق إصابته، وما ضاق ~~طريق إصابته يعز وجوده فيعز إمساكه، ولا يهون في عين صاحبه فكان الأصل فيه ~~هو الحظر؛ ولهذا كان الأصل في الأبضاع الحرمة، والحظر، والجواز بشرطي ~~الشهادة، والولي إظهارا لشرفها لكونها منشأ البشر الذين هم المقصودون في ~~العالم، وبهم قوامها، والأبضاع وسيلة إلى وجود الجنس، والقوت وسيلة إلى ~~بقاء الجنس فكان الأصل فيها الحظر، والجواز بشرطين ليعز وجوده، ولا تتيسر ~~إصابته فلا يهون إمساكه فكذا هذا، وكذا الأصل في بيع الذهب، والفضة بجنسهما ~~هو الحرمة؛ لكونهما أثمان الأشياء فيها وعليها، فكان قوام الأموال، والحياة ~~بها فيجب إظهار شرفها في الشرع بما قلنا. # (ولنا) في إثبات الأصل إشارات النصوص من الكتاب العزيز، والسنة، ~~والاستدلال. # (أما) الكتاب فقوله تعالى {أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين} ~~[الشعراء: 181] {وزنوا بالقسطاس المستقيم} [الشعراء: 182] {ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [الشعراء: 183] وقال سبحانه ~~وتعالى: {ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ~~ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [هود: 85] جعل حرمة الربا بالمكيل، والموزون ~~مطلقا عن شرط الطعم فدل على أن العلة هي الكيل، والوزن، وقال - سبحانه ms3022 ~~وتعالى - {ويل للمطففين} [المطففين: 1] {الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون} [المطففين: 2] {وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} [المطففين: 3] ألحق ~~الوعيد الشديد بالتطفيف في الكيل، والوزن مطلقا من غير فصل بين المطعوم ~~وغيره. # (وأما) السنة فما روي أن «عامل خيبر أهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - تمرا جنيبا فقال: أوكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا، ولكني أعطيت صاعين، ~~وأخذت صاعا فقال - عليه الصلاة والسلام -: أربيت هلا بعت تمرك بسلعة، ثم ~~ابتعت بسلعتك تمرا» ؟ وكذلك الميزان وأراد به الموزون بطريق الكناية ~~لمجاورة بينهما مطلقا من غير فصل بين المطعوم، وغير المطعوم، وكذا روى مالك ~~بن أنس، ومحمد بن إسحاق الحنظلي بإسنادهما الحديث المشهور الذي رواه محمد ~~في كتاب البيوع عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال في آخره: «وكذلك ~~كل ما يكال، أو يوزن» . # (وأما) الاستدلال فهو: أن الفضل على المعيار الشرعي من الكيل، والوزن في ~~الجنس إنما كان ربا في المطعومات، والأثمان من الأشياء الستة المنصوص عليها ~~لكونه فضل مال خال عن العوض يمكن التحرز عنه في عقد المعاوضة، وقد وجد في ~~الجص، والحديد، ونحوهما فورود الشرع ثمة يكون ورودا هنا دلالة، وبيان ذلك ~~أن البيع لغة، وشرعا مبادلة المال بالمال، وهذا يقتضي التساوي في البدلين ~~على وجه لا يخلو كل جزء من البدل من هذا الجانب عن البدل من ذلك الجانب؛ ~~لأن هذا هو حقيقة المبادلة؛ ولهذا لا يملك الأب، والوصي بيع مال اليتيم ~~بغبن فاحش، ولا يصح من المريض إلا من الثلث، والقفيز من الحنطة مثل القفيز ~~من الحنطة صورة، ومعنى، وكذلك الدينار مع الدينار. # (أما) الصورة فلأنهما متماثلان في القدر، وأما معنى فإن المجانسة في ~~الأموال عبارة عن تقارب المالية فكان القفيز مثلا للقفيز، والدينار مثلا ~~للدينار؛ ولهذا لو أتلف على آخر قفيزا من حنطة يلزمه قفيز مثله، ولا يلزمه ~~قيمته، وإذا كان القفيز من الحنطة مثلا للقفيز من الحنطة كان القفيز الزائد ~~فضل مال خال عن العوض يمكن التحرز عنه في عقد المعاوضة فكان ربا، وهذا ms3023 ~~المعنى لا يخص المطعومات، والأثمان بل يوجد في كل مكيل بجنسه، وموزون بمثله ~~فالشرع الوارد هناك يكون، واردا ههنا دلالة. # (وأما) قوله: الأصل حرمة بيع المطعوم بجنسه فممنوع، ولا حجة له في ~~الحديث؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - ما اقتصر على النهي عن بيع الطعام ~~بالطعام ليجعل الحظر فيه أصلا، بل قرن به الاستثناء فقال - عليه الصلاة ~~والسلام -: إلا سواء بسواء فلا يدل على كون الحرمة فيه أصلا، وقوله: جعل ~~الطعم علة دعوى ممنوعة أيضا، والاسم # PageV05P184 # المشتق من معنى إنما يجعل علة للحكم المذكور عقيبه عندنا إذا كان له أثر ~~كالزنا، والسرقة، ونحوهما فلم قلتم بأن للطعم أثرا؟ وكونه متعلق البقاء لا ~~يكون أثره في الإطلاق أولى من الحظر فإن الأصل فيه هو التوسيع دون التضييق ~~على ما عرف، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # وعلى هذا الأصل تبنى مسائل الربا نقدا، ونسيئة، وفروع الخلاف بيننا وبين ~~الشافعي أما ربا النقد ففائدة الخلاف فيه تظهر في موضعين: أحدهما في بيع ~~مكيل بجنسه غير مطعوم، أو موزون بجنسه غير مطعوم، ولا ثمن كبيع قفيز جص ~~بقفيزي جص، وبيع من حديد بمنوي حديد عندنا لا يجوز؛ لأنه بيع ربا لوجود علة ~~الربا، وهو الكيل مع الجنس، أو الوزن مع الجنس، وعنده يجوز؛ لأن العلة هي ~~الطعم، أو الثمنية، ولم يوجد، وعلى هذا الخلاف بيع كل مقدر بجنسه من ~~المكيلات، والموزونات غير المطعومات، والأثمان: كالنورة، والزرنيخ، والصفر، ~~والنحاس، ونحوها. # (وأما) بيع المكيل المطعوم بجنسه متفاضلا، وبيع الموزون المطعوم بجنسه ~~متفاضلا كبيع قفيز أرز بقفيزي أرز، وبيع من سكر بمنوي سكر فلا يجوز ~~بالإجماع، أما عندنا فلوجود القدر، والجنس، وعنده لوجود الطعم، والجنس، ~~وكذا كل موزون هو مأكول، أو مشروب كالدهن، والزيت، والخل، ونحوها. # ويجوز بيع المكيل بغير جنسه متفاضلا مطعوما كان، أو غير مطعوم بعد أن ~~يكون يدا بيد كبيع قفيز حنطة بقفيزي شعير، وبيع قفيز جص بقفيزي نورة، ونحو ~~ذلك؛ لأن علة الربا الفضل مجموع الوصفين، وقد انعدم أحدهما، وهو الجنس، ~~وكذا بيع الموزون بغير ms3024 جنسه متفاضلا جائز ثمنين كانا، أو مثمنين بعد أن ~~يكون يدا بيد كبيع دينار بمائة درهم، وبيع من حديد بمنوي نحاس، أو رصاص، ~~ونحو ذلك لما قلنا. # ويجوز بيع المذروعات، والمعدودات المتفاوتة، واحدا باثنين يدا بيد كبيع ~~ثوب بثوبين، وعبد بعبدين، وشاة بشاتين، ونصل بنصلين، ونحو ذلك بالإجماع، ~~أما عندنا فلانعدام أحد الوصفين، وهو الكيل، والوزن، وعنده لانعدام الطعم، ~~والثمنية. # (وأما) بيع الأواني الصفرية واحدا باثنين كبيع قمقمة بقمقمتين، ونحو ذلك ~~فإن كان مما يباع عددا يجوز؛ لأن العد في العدديات ليس من أوصاف علة الربا ~~فلا يتحقق الربا، وإن كان مما يباع، وزنا لا يجوز؛ لأنه بيع مال الربا ~~بجنسه مجازفة. # ويجوز بيع المعدودات المتقاربة من غير المطعومات بجنسها متفاضلا عند أبي ~~حنيفة، وأبي يوسف بعد أن يكون يدا بيد كبيع الفلس بالفلسين بأعيانهما، وعند ~~محمد لا يجوز. # (وجه) قوله: إن الفلوس أثمان فلا يجوز بيعها بجنسها متفاضلا كالدراهم، ~~والدنانير، ودلالة الوصف عبارة عما تقدر به مالية الأعيان، ومالية الأعيان ~~كما تقدر بالدراهم، والدنانير تقدر بالفلوس فكانت أثمانا؛ ولهذا كانت ~~أثمانا عند مقابلتها بخلاف جنسها، وعند مقابلتها بجنسها حالة المساواة، وإن ~~كانت ثمنا فالثمن لا يتعين، وإن عين كالدراهم، والدنانير فالتحق التعين ~~فيهما بالعدم فكان بيع الفلس بالفلسين بغير أعيانهما، وذا لا يجوز؛ ولأنها ~~إذا كانت أثمانا فالواحد يقابل الواحد فبقي الآخر فضل مال لا يقابله عوض في ~~عقد المعاوضة، وهذا تفسير الربا. # (ولهما) أن علة ربا الفضل هي القدر مع الجنس، وهو الكيل، أو الوزن المتفق ~~عند اتحاد الجنس، والمجانسة إن وجدت ههنا فلم يوجد القدر فلا يتحقق الربا، ~~وقوله: الفلوس أثمان قلنا: ثمنيتها قد بطلت في حقهما قبل البيع، فالبيع ~~صادفها، وهي سلع عددية فيجوز بيع الواحد بالاثنين كسائر السلع العددية ~~كالقماقم العددية، وغيرها إلا أنها بقيت أثمانا عند مقابلتها بخلاف جنسها، ~~وبجنسها حالة المساواة؛ لأن خروجها عن، وصف الثمنية كان لضرورة صحة العقد، ~~وجوازه؛ لأنهما قصدا الصحة، ولا صحة إلا بما قلنا، ولا ضرورة ثمة؛ لأن ms3025 ~~البيع جائز في الحالين بقيت على صفة الثمنية، أو خرجت عنها. # والثاني في بيع مطعوم بجنسه ليس بمكيل، ولا موزون كبيع حفنة حنطة بحفنتين ~~منها، أو بطيخة ببطيختين، أو تفاحة بتفاحتين، أو بيضة ببيضتين، أو جوزة ~~بجوزتين يجوز عندنا؛ لعدم العلة وبقي الكيل مع الجنس، أو الوزن، وعنده لا ~~يجوز؛ لوجود الطعم، والجنس، وكذا لو باع حفنة بحفنة، أو تفاحة بتفاحة، أو ~~بيضة ببيضة يجوز عندنا؛ لما قلنا، وعنده لا يجوز؛ لوجود الطعم؛ لأن حرمة ~~بيع المطعوم بجنسه هو العزيمة عنده، والتساوي في الكيل، أو الوزن مخلص عن ~~الحرمة بطريق الرخصة، ولم يوجد المخلص فبقي على أصل الحرمة. # (وأما) ربا النساء، وفروعه، وفائدة الاختلاف فيه فالأصل فيه ما روي عن ~~إبراهيم النخعي أنه قال: أسلم # PageV05P185 # ما يكال فيما يوزن، وأسلم ما يوزن فيما يكال، ولا تسلم ما يكال فيما ~~يكال، ولا ما يوزن فيما يوزن، وإذا اختلف النوعان مما يكال، أو يوزن فلا ~~بأس به اثنان بواحد يدا بيد ولا خير فيه نسيئة، ولا بد من شرح هذه الجملة، ~~وتفصيل ما يحتاج منها إلى التفصيل؛ لأنه - رحمه الله - أجرى القضية فيها ~~عامة، ومنها ما يحتمل العموم، ومنها ما لا يحتمل فلا بد من بيان ذلك فنقول ~~- وبالله التوفيق -: لا يجوز إسلام المكيلات في المكيلات على العموم، سواء ~~كانا مطعومين كالحنطة في الحنطة، أو في الشعير، أو غير مطعومين كالجص في ~~الجص، أو في النورة، وكذلك بيع المكيل بالمكيل حالا لا سلما، لكن دينا ~~موصوفا في الذمة لا يجوز سواء كانا من جنس واحد، أو من جنسين مطعومين كانا، ~~أو غير مطعومين عندنا؛ لأن أحد وصفي علة ربا الفضل جمعهما، وهو الكيل، وعند ~~الشافعي - رحمه الله - إن كانا مطعومين فكذلك، وإن لم يكونا مطعومين جاز؛ ~~لأن العلة عنده الطعم. # (وأما) إسلام الموزونات في الموزونات ففيه تفصيل إن كانا جميعا مما ~~يتعينان في العقد لا يجوز أيضا سواء كانا مطعومين كالسكر في الزعفران، أو ~~غير مطعومين كالحديد في النحاس لوجود أحد، وصفي ms3026 علة ربا الفضل الذي هو علة ~~تامة لربا النساء، وعند الشافعي يجوز في غير المطعوم، ولا يجوز في المطعوم؛ ~~لما قلنا، وإن كانا مما لا يتعينان في العقد كالدراهم في الدنانير، ~~والدنانير في الدراهم، أو الدراهم في الدراهم، والدنانير في الدنانير، أو ~~لا يتعين المسلم فيه كالحديد في الدراهم، والدنانير لا يجوز؛ لأن المسلم ~~فيه مبيع؛ لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع ما ليس ~~عند الإنسان، ورخص في السلم» فهذا يقتضي أن يكون السلم بيع ما ليس عند ~~الإنسان؛ لأنه رخص في بعض ما دخل تحت النهي. # والداخل تحت النهي هو البيع دل أن السلم نوع بيع ليستقيم إثبات الرخصة ~~فيه فكان المسلم فيه مبيعا، والمبيع مما يتعين بالتعيين، والدراهم، ~~والدنانير لا يحتملان التعيين شرعا في عقود المعاوضات فلم يكونا متعينين ~~فلا يصلحان مسلما فيهما، وإن كان رأس المال مما لا يتعين، والمسلم فيه مما ~~يتعين كما لو أسلم الدراهم، أو الدنانير في الزعفران، أو في القطن، أو ~~الحديد، وغيرها من سائر الموزونات فإنه يجوز؛ لانعدام العلة، وهي القدر ~~المتفق، أو الجنس. # أما المجانسة فظاهرة الانتفاء. # وأما القدر المتفق؛ فلأن وزن الثمن يخالف وزن المثمن، ألا ترى أن الدراهم ~~توزن بالمثاقيل؟ ، والقطن، والحديد يوزنان بالقبان فلم يتفق القدر فلم توجد ~~العلة فلا يتحقق الربا هذا إذا أسلم الدراهم، أو الدنانير في سائر ~~الموزونات، فأما إذا أسلم نقرة فضة، أو تبر ذهب، أو المصوغ فيها فهل يجوز؟ ~~ذكر الاختلاف فيه بين أبي يوسف، وزفر؟ على قول أبي يوسف يجوز، وعلى قول زفر ~~لا يجوز. # (وجه) قول زفر: أنه وجد علة ربا النساء وهي أحد وصفي علة ربا الفضل، وهو ~~الوزن في المالين فيتحقق الربا. # (وجه) قول أبي يوسف: أن أحد الوصفين الذي هو علة القدر المتفق لا مطلق ~~القدر، ولم يوجد؛ لأن النقرة، أو التبر من جنس الأثمان، وأصل الأثمان، ووزن ~~الثمن يخالف وزن المثمن على ما ذكرنا، فلم يتفق القدر فلم توجد العلة؛ فلا ms3027 ~~يتحقق الربا كما إذا أسلم فيها الدراهم، والدنانير، ولو أسلم فيها الفلوس ~~جاز؛ لأن الفلس عددي، والعدد في العدديات ليس من، أوصاف العلة، ولو أسلم ~~فيها الأواني الصفرية ينظر إن كانت تباع وزنا لم يجز؛ لوجود الوزن الذي هو ~~أحد وصفي علة ربا الفضل، وإن كانت تباع عددية جاز؛ لانعدام العلة. # وأما إسلام المكيلات في الموزونات فهو أيضا على التفصيل فإن كان الموزون ~~مما يتعين بالتعيين يجوز سواء كانا مطعومين كالحنطة في الزيت، أو الزعفران، ~~أو غير مطعومين كالجص في الحديد عندنا؛ لعدم العلة، وعند الشافعي لا يجوز ~~في المطعومين؛ لوجود العلة، وإن كان مما لا يتعين بالتعيين، وهو الدراهم، ~~والدنانير لا يجوز؛ لما مر أن شرط جواز السلم أن يكون المسلم فيه مبيعا، ~~والدراهم، والدنانير أثمان أبدا، بخلاف سائر الموزونات، ثم إذا لم يجز هذا ~~العقد سلما هل يجوز بيعا ينظر إن كان بلفظ البيع يجوز ويكون بيعا بثمن ~~مؤجل؛ لأنه إن تعذر تصحيحه أمكن تصحيحه سلما بيعا بثمن مؤجل فيجعل بيعا به، ~~وإن كان بلفظ السلم اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: لا يجوز؛ لأن السلم يخالف ~~مطلق البيع في الأحكام، والشرائط فإذا لم يصح سلما بطل رأسا. # وقال بعضهم يجوز؛ لأن السلم نوع بيع ألا ترى أن النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - سماه بيعا حين «نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان، ورخص في السلم» ، ~~ولهذا ينعقد بلفظ البيع، إلا أنه أختص بشرائط مخصوصة فإذا تعذر تصحيحه بيعا ~~هو سلم يصحح بيعا بثمن # PageV05P186 # مؤجل تصحيحا للتصرف بالقدر الممكن. # وأما إسلام الموزونات في المكيلات فجائز على العموم سواء كان الموزون ~~الذي جعله رأس المال عرضا يتعين بالتعيين، أو ثمنا لا يتعين بالتعيين، وهو ~~الدراهم، والدنانير؛ لأنه لم يجمعها أحد الوصفين، وهو القدر المتفق، أو ~~الجنس فلم توجد العلة، ولو أسلم جنسا في جنسه، وغير جنسه كما إذا أسلم ~~مكيلا في مكيل، وموزون لم يجز السلم في جميعه عند أبي حنيفة - رحمه الله -. # وعند أبي يوسف، ومحمد رحمهما الله يجوز في ms3028 حصة خلاف الجنس، وهو الموزون، ~~وهو على اختلافهم فيمن جمع بين حر وعبد، وباعهما صفقة واحدة، وقد ذكرناه ~~فيما تقدم. # (وأما) إسلام غير المكيل، والموزون في جنسه من الذرعيات، والعدديات ~~كالهروي في الهروي، والمروي في المروي، والحيوان في الحيوان فلا يجوز ~~عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - يجوز ولقب هذه المسألة أن الجنس ~~بانفراده يحرم النساء عندنا، وعنده لا يحرم. # فلا يجوز إسلام الجوز في الجوز، والبيض في البيض، والتفاح في التفاح، ~~والحفنة في الحفنة بالإجماع؛ لوجود الجنس عندنا، ولوجود الطعم عنده. # وأجمعوا على أنه يجوز إسلام الهروي في المروي؛ لانعدام أحد الوصفين ~~عندنا، وعنده؛ لانعدام الطعم، والثمنية. # ويجوز إسلام الجوز في البيض، والتفاح في السفرجل، والحيوان في الثوب ~~عندنا؛ لما قلنا، وعنده لا يجوز في المطعوم؛ لوجود الطعم. # ولو أسلم الفلوس في الفلوس لا يجوز عندنا؛ لوجود الجنس، وعنده؛ لوجود ~~الثمنية. # وكذا إذا أسلم الأواني الصفرية في جنسها، وهي تباع عددا لا يجوز عندنا؛ ~~لوجود المجانسة، وعنده لوجود الثمنية، والكلام في مسألة الجنس بانفراده ~~مبني على الكلام في مسألة الربا، وأصل الشافعي فيها ما ذكرنا أن حرمة بيع ~~المطعوم بجنسه، وحرمة بيع الأثمان بجنسها هي الأصل، والتساوي في المعيار ~~الشرعي مع اليد مخلص عن الحرمة بطريق الرخصة، أو ربا النساء عنده، وهو فضل ~~الحلول على الأجل في المطعومات، والثمنية في الأثمان، وقد ذكرنا ما له من ~~الدليل على صحة هذا الأصل فيما تقدم، والكلام لأصحابنا في هذه المسألة على ~~نحو ما ذكرنا في علة ربا الفضل. # وهو أن السلم في المطعومات، والأثمان إنما كان ربا؛ لكونه فضلا خاليا عن ~~العوض يمكن التحرز عنه في عقد المعاوضة؛ لأن البيع عقد مبادلة على طريق ~~المقابلة، والمساواة في البدلين؛ ولهذا لو كانا نقدين يجوز، ولا مساواة بين ~~النقد، والنسيئة؛ لأن العين خير من الدين، والمعجل أكثر قيمة من المؤجل ~~فكان ينبغي أن يكون كل فضل مشروط في البيع ربا سواء كان الفضل من حيث ~~الذات، أو من حيث الأوصاف إلا مالا يمكن التحرز ms3029 عنه دفعا للحرج، وفضل ~~التعيين يمكن التحرز عنه بأن يبيع عينا بعين، وحالا غير مؤجل، وهذا المعنى ~~موجود في غير المطعوم والأثمان، فورود الشرع ثمة يكون ورودا ههنا دلالة، ~~وابتداء الدليل لنا في المسألة ما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~أنه قال: «لا ربا إلا في النسيئة» . # وروي «إنما الربا في النسيئة» حقق - عليه الصلاة والسلام - الربا في ~~النسيئة من غير فصل بين المطعوم، والأثمان، وغيرها فيجب القول بتحقيق الربا ~~فيها على الإطلاق، والعموم إلا ما خص، أو قيد بدليل، والربا حرام بنص ~~الكتاب العزيز. # وإذا كان الجنس أحد، وصفي علة ربا الفضل، وعلة ربا النسيئة عندنا، وشرط ~~علة ربا الفضل عنده فلا بد من معرفة الجنس من كل ما يجري فيه الربا فنقول - ~~وبالله التوفيق -: الحنطة كلها على اختلاف أنواعها، وأوصافها، وبلدانها ~~أنها جنس واحد، وكذلك الشعير، وكذلك دقيقهما، وكذا سويقهما، وكذلك التمر، ~~وكذلك الملح، وكذلك العنب، وكذلك الزبيب، وكذلك الذهب، والفضة فلا يجوز بيع ~~كل مكيل من ذلك بجنسه متفاضلا في الكيل، وإن تساويا في النوع، والصفة بلا ~~خلاف، وأما متساويا في الكيل متفاضلا في النوع والصفة فنقول: لا خلاف في ~~أنه يجوز بيع الحنطة بالحنطة السقية بالسقية والنحسية بالنحسية، وإحداهما ~~بالأخرى، والجيدة بالجيدة، والرديئة بالرديئة وإحداهما بالأخرى، والجديدة ~~بالجديدة، والعتيقة بالعتيقة وإحداهما بالأخرى، والمقلوة بالمقلوة. # وكذلك الشعير على هذا، وكذلك دقيق الحنطة، ودقيق الشعير فيجوز بيع دقيق ~~الحنطة بدقيق الحنطة، وسويق الحنطة بسويق الحنطة، وكذا دقيق الشعير، ~~وسويقه، وكذا التمر بالتمر البرني بالمعقلي، والجيد بالرديء، والجديد ~~بالجديد، والعتيق بالعتيق، وأحدهما بالآخر، وكذلك العنب بالعنب، والزبيب ~~اليابس بالزبيب اليابس، ولا خلاف في أنه لا يجوز بيع حنطة مقلية بحنطة غير ~~مقلية، والمطبوخة بغير مطبوخة. # وبيع # PageV05P187 # الحنطة بدقيق الحنطة، وبسويق الحنطة، وبيع تمر مطبوخ بتمر غير مطبوخ ~~متفاضلا في الكيل، أو متساويا فيه؛ لأن المقلية ينضم بعض أجزائها إلى بعض ~~يعرف ذلك بالتجربة؛ فيتحقق الفضل من حيث القدر في الكيل فيتحقق الربا، وكذا ~~المطبوخة بغير المطبوخة؛ لأن المطبوخ ms3030 ينتفخ بالطبخ فكان غير المطبوخة أكثر ~~قدرا عند العقد فيتحقق الفضل، وكذلك بيع الحنطة بدقيق الحنطة؛ لأن في ~~الحنطة دقيقا إلا أنه مجتمع؛ لوجود المانع من التفرق، وهو التركيب، وذلك ~~أكثر من الدقيق المتفرق عرف ذلك بالتجربة إلا أن الحنطة إذا طحنت ازداد ~~دقيقها على المتفرق. # ومعلوم أن الطحن لا أثر له في زيادة القدر فدل أنه كان أزيد في الحنطة؛ ~~فيتحقق الفضل من حيث القدر بالتجربة عند العقد فيتحقق الربا. # وأما بيع الحنطة المبلولة بالمبلولة، أو الندية بالندية، أو الرطبة ~~بالرطبة، أو المبلولة، أو اليابسة باليابسة، وبيع التمر بالرطب، والرطب ~~بالرطب، أو بالتمر، والمنقع بالمنقع، والعنب بالزبيب اليابس، واليابس ~~بالمنقع، والمنقع بالمنقع متساويا في الكيل فهل يجوز؟ قال أبو حنيفة - رحمه ~~الله -: كل ذلك جائز، وقال أبو يوسف - رحمه الله -: كله جائز إلا بيع التمر ~~بالرطب، وقال محمد - رحمه الله -: كله فاسد إلا بيع الرطب بالرطب، والعنب ~~بالعنب، وقال الشافعي - رحمه الله -: كله باطل. # ويجوز بيع الكفرى بالتمر، والرطب بالبسر متساويا، ومتفاضلا بالإجماع؛ ~~لعدم الجنس، والكيل إذ هو اسم لوعاء الطلع فأبو حنيفة - رحمه الله - يعتبر ~~المساواة في الحال عند العقد، ولا يلتفت إلى النقصان في المآل، ومحمد - ~~رحمه الله - يعتبرها حالا ومآلا، واعتبار أبي يوسف مثل اعتبار أبي حنيفة ~~إلا في الرطب بالتمر فإنه يفسده بالنص، وأصل الشافعي - رحمه الله - ما ~~ذكرنا في مسألة علة الربا أن حرمة بيع المطعوم بجنسه هي الأصل، والتساوي في ~~المعيار الشرعي مع اليد مخلص إلا أنه يعتبر التساوي ههنا في المعيار الشرعي ~~في أعدل الأحوال، وهي حالة الجفاف، واحتج أبو يوسف، ومحمد بما روي عن سعد ~~بن أبي، وقاص - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى ~~عن بيع الرطب بالتمر، وقال - عليه الصلاة والسلام - إنه ينقص إذا جف» بين - ~~عليه الصلاة والسلام - الحكم، وعلته، وهي النقصان عند الجفاف فمحمد عدى هذا ~~الحكم إلى حيث تعدت العلة، وأبو يوسف قصره على محل النص؛ لكونه حكما ثبت ~~على خلاف القياس، ms3031 ولأبي حنيفة - رحمه الله - الكتاب الكريم، والسنة ~~المشهورة أما الكتاب: فعمومات البيع من نحو قوله تعالى {وأحل الله البيع} ~~[البقرة: 275] ، وقوله - عز شأنه - {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] فظاهر النصوص ~~يقتضي جواز كل بيع إلا ما خص بدليل، وقد خص البيع متفاضلا على المعيار ~~الشرعي؛ فبقي البيع متساويا على ظاهر العموم وأما السنة المشهورة فحديث أبي ~~سعيد الخدري، وعبادة بن الصامت - رضي الله عنهما - حيث «جوز رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بيع الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر ~~مثلا بمثل» عاما مطلقا من غير تخصيص، وتقييد، ولا شك أن اسم الحنطة، ~~والشعير يقع على كل جنس الحنطة، والشعير على اختلاف أنواعهما وأوصافهما، ~~وكذلك اسم التمر يقع على الرطب، والبسر؛ لأنه اسم لتمر النخل لغة فيدخل فيه ~~الرطب، واليابس، والمذنب والبسر، والمنقع. # وروي أن «عامل خيبر أهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمرا ~~جنيبا فقال - عليه الصلاة والسلام - أوكل تمر خيبر هكذا؟ وكان أهدى إليه ~~رطبا» فقد أطلق - عليه الصلاة والسلام - اسم التمر على الرطب. # وروي أنه «نهى - عليه الصلاة والسلام - عن بيع التمر حتى يزهو أي: يحمر، ~~أو يصفر، وروي حتى يحمار، أو يصفار» ، والاحمرار، والاصفرار من، أوصاف ~~البسر فقد أطلق - عليه الصلاة والسلام - اسم التمر على البسر فيدخل تحت ~~النص. # وأما الحديث فمداره على زيد بن عياش، وهو ضعيف عند النقلة فلا يقبل في ~~معارضة الكتاب والسنة المشهورة؛ ولهذا لم يقبله أبو حنيفة - رحمه الله - في ~~المناظرة في معارضة الحديث المشهور مع أنه كان من صيارفة الحديث، وكان من ~~مذهبه تقديم الخبر، وإن كان في حد الآحاد على القياس بعد أن كان راويه عدلا ~~ظاهر العدالة، أو بأدلة فيحمله على بيع الرطب بالتمر نسيئة، أو تمرا من مال ~~اليتيم توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض، والله - سبحانه وتعالى - ~~أعلم وكذلك الذهب، والفضة لا يجوز بيع كل بجنسه متفاضلا في الوزن سواء ~~اتفقا في ms3032 النوع، والصفة بأن كانا مضروبين دراهم، أو دنانير، أو مصوغين، أو ~~تبرين جيدين، أو رديئين، أو اختلفا للحديث المشهور «مثلا بمثل، والفضل # PageV05P188 # ربا» . # وأما متساويا في الوزن متفاضلا في النوع، والصفة كالمصوغ بالتبر، والجيد ~~بالرديء فيجوز عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله -: لا يجوز بيع الجيد ~~بالرديء، واحتج بالحديث المشهور مثلا بمثل، ولا مماثلة بين الجيد، والرديء ~~في القيمة. # وأما الحديث المشهور مثلا بمثل فالمراد منه المماثلة في الوزن، وكذا روي ~~في بعض الروايات «وزنا بوزن» ، وقوله - عليه الصلاة والسلام - «جيدها، ~~ورديئها سواء» ، وبه تبين أن الجودة عند المقابلة بجنسها لا قيمة لها شرعا ~~فلا يظهر الفضل. # واللحوم معتبرة بأصولها فإن تجانس الأصلان تجانس اللحمان فتراعى فيه ~~المماثلة، ولا يجوز إلا متساويا، وإن اختلف الأصلان اختلف اللحمان فيجوز ~~بيع أحدهما بالآخر متساويا، ومتفاضلا بعد أن يكون يدا بيد، ولا يجوز نسيئة ~~لوجود أحد، وصفي علة ربا الفضل، وهو الوزن، إذا عرف هذا فنقول: لحوم الإبل ~~كلها على اختلاف أنواعها من لحوم العراب، والبخاتي، والهجين، وذي السنامين، ~~وذي سنام واحد جنس واحد؛ لأن الإبل كلها جنس واحد فكذا لحومها، وكذا لحوم ~~البقر، والجواميس، كلها جنس واحد، ولحوم الغنم من الضأن، والنعجة، والمعز، ~~والتيس جنس واحد اعتبارا بالأصول، وهذا عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله - ~~اللحوم كلها جنس واحد اتحدت أصولها، أو اختلفت حتى لا يجوز بيع لحم الإبل ~~بالبقر، والبقر بالغنم متفاضلا. # (وجه) قوله: أن اللحمين استويا اسما، ومنفعة، وهي التغذي، والتقوي فاتحد ~~الجنس فلزم اعتبار المماثلة في بيع بعضها ببعض. # (ولنا) أن أصول هذه اللحوم مختلفة الجنس فكذا اللحوم؛ لأنها فروع تلك ~~الأصول، واختلاف الأصل يوجب اختلاف الفرع قوله الاسم شامل، والمقصود متحد ~~قلنا: المعتبر في اتحاد الجنس اتحاد المقصود الخاص لا العام، ألا ترى أن ~~المطعومات كلها في معنى الطعم متحدة، ثم لا يجعل كلها جنسا واحدا كالحنطة ~~مع الشعير، ونحو ذلك حتى يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا مع اتحادهما في ~~معنى الطعم لكن لما كان ذلك معنى عاما لم يوجب ms3033 اتحاد الجنس كذا هذا. # وروي عن أبي يوسف أنه يجوز بيع الطير بعضه ببعض متفاضلا، وإن كانا من جنس ~~واحد؛ لأنه لا يوزن عادة، وعلى هذا الباب هذه الحيوانات حكمها حكم أصولها ~~عند الاتحاد والاختلاف؛ لأنها متفرعة من الأصول فكانت معتبرة بأصولها، وكذا ~~خل الدقل مع خل العنب جنسان مختلفان اعتبارا بأصلهما، واللحم مع الشحم ~~جنسان مختلفان لاختلاف الاسم، والمنافع، وكذا مع الألية، والألية مع الشحم ~~جنسان مختلفان؛ لما قلنا، وشحم البطن مع شحم الظهر جنسان مختلفان، وكذا مع ~~الألية بمنزلة اللحم مع شحم البطن، والألية؛ لأنه لحم سمين، وصوف الشاة مع ~~شعر المعز جنسان مختلفان؛ لاختلاف الاسم، والمنفعة، وكذا غزل الصوف مع غزل ~~الشعر، والقطن مع الكتان جنسان مختلفان، وكذا غزل القطن مع غزل الكتان، ولا ~~يجوز بيع غزل القطن بالقطن متساويا؛ لأن القطن ينقص بالغزل فلا يجوز بيع ~~أحدهما بالآخر كبيع الدقيق بالحنطة. # (وأما) الحيوان مع اللحم فإن اختلف الأصلان فهما جنسان مختلفان كالشاة ~~الحية مع لحم الإبل، والبقر فيجوز بيع البعض بالبعض مجازفة نقدا، ونسيئة؛ ~~لانعدام الوزن، والجنس فلا يتحقق الربا أصلا، وإن اتفقا كالشاة الحية مع ~~لحم الشاة، من مشايخنا من اعتبرهما جنسين مختلفين، وبنوا عليه جواز بيع لحم ~~الشاة بالشاة الحية مجازفة عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، وعللوا لهما بأنه باع ~~الجنس بخلاف الجنس. # (ومنهم) من اعتبرهما جنسا واحدا، وبنوا مذهبهما على أن الشاة ليست ~~بموزونة، وجريان ربا الفضل يعتمد اجتماع الوصفين: الجنس مع القدر فيجوز بيع ~~أحدهما بالآخر مجازفة، ومفاضلة بعد أن يكون يدا بيد، وهو الصحيح على ما عرف ~~في الخلافيات، وقال محمد: لا يجوز إلا على، وجه الاعتبار على أن يكون وزن ~~اللحم الخالص أكثر من اللحم الذي في الشاة الحية بالحزر والظن فيكون اللحم ~~بإزاء اللحم، والزيادة بإزاء خلاف الجنس من الأطراف، والسقط من الرأس، ~~والأكارع، والجلد، والشحم فإن كان اللحم الخالص مثل قدر اللحم الذي في ~~الشاة الحية، أو أقل، أو لا يدرى لا يجوز. # وعلى هذا الخلاف إذا باع ms3034 الشاة الحية بشحم الشاة، أو بأليتها، وهذا مذهب ~~أصحابنا، وقال الشافعي - رحمه الله -: اللحوم كلها جنس واحد فلا يجوز بيع ~~اللحم بالحيوان كيف ما كان سواء اتفق الأصلان، أو اختلفا باع مجازفة، أو ~~على طريق الاعتبار، وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الشاة بلحم الشاة نسيئة ~~لوجود الجنس المحرم للنساء؛ لأن اللحم الخالص من جنس اللحم الذي في الشاة # PageV05P189 # وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع دهن السمسم بالسمسم إلا على طريق الاعتبار، ~~وهو أن يكون الدهن الخالص أكثر من الدهن الذي في السمسم حتى يكون الدهن ~~بإزاء الدهن والزائد بإزاء الزائد خلاف جنسه وهو الكسب، وكذلك دهن الجوز ~~بلب الجوز. # (وأما) دهن الجوز بالجوز فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: يجوز مجازفة، ~~وقال بعضهم: لا يجوز إلا على طريق الاعتبار، وأجمعوا على أن بيع النصال ~~بالحديد غير المصنوع جائز مجازفة بعد أن يكون يدا بيد، أما الكلام مع ~~الشافعي - رحمه الله - فهو بنى مذهبه على أصل له ذكرناه غير مرة، وهو أن ~~حرمة بيع مأكول بجنسه هو العزيمة، والجواز عند التساوي في المعيار الشرعي ~~رخصة، ولا يعرف التساوي بين اللحم الخالص وبين اللحم الذي في الشاة فيبقى ~~على أصل الحرمة، وقد أبطلنا هذا الأصل في علة الربا. # (وأما) الكلام مع أصحابنا (فوجه) قول محمد - رحمه الله - أن في تجويز ~~المجازفة ههنا احتمال الربا؛ فوجب التحرز عنه ما أمكن، وأمكن بمراعاة طريق ~~الاعتبار فلزم مراعاته قياسا على بيع الدهن بالسمسم، والدليل على أن فيه ~~الربا أن اللحم موزون، فيحتمل أن يكون اللحم المنزوع أقل من اللحم الذي في ~~الشاة وزنا، فيكون شيء من اللحم مع السقط زيادة، ويحتمل أن يكون مثله في ~~الوزن فيكون السقط زيادة فوجب مراعاة طريق الاعتبار تحرزا عن الربا عند ~~الإمكان، ولهذا لم يجز بيع الدهن بالسمسم، والزيت بالزيتون إلا على طريق ~~الاعتبار كذا هذا، ولهذا قلنا: إن هذا بيع الموزون بما ليس بموزون يدا بيد ~~فيجوز مجازفة ومفاضلة، استدلالا ببيع الحديد الغير المصنوع بالنصال مجازفة، ~~يدا ms3035 بيد، ودلالة الوصف أن اللحم المنزوع وإن كان موزونا - فاللحم الذي في ~~الشاة ليس بموزون؛ لأن الموزون ما له طريق إلى معرفة مقدار ثقله، ولا طريق ~~إلى معرفة ثقل اللحم الذي في الشاة؛ لأن الطريق إما أن يكون الوزن بالقبان، ~~وإما أن يكون الاستدلال بالتجربة، وإما أن يكون بالحزر والتخمين من غير ~~تفاوت فاحش، وشيء من ذلك لا يصلح طريقا لمعرفة مقدار اللحم الذي في الشاة. # (أما) الوزن بالقبان فلأن الشاة لا توزن بالقبان عرفا ولا عادة، ولو صلح ~~الوزن طريقا لوزن؛ لأن إمكان الوزن ثابت، والحاجة إلى معرفة مقدار اللحم ~~الذي فيها ماسة حتى يتعرف المشتري ذلك بالجس والمس باليد، والرفع من الأرض ~~ونحو ذلك، ولأن الحي يثقل بنفسه مرة ويخف أخرى فيختلف وزنه، فدل أن الوزن ~~لا يصلح طريق المعرفة. # (وأما) التجربة فإن ذلك بالذبح، ووزن المذبوح ليعرف اللحم الذي كان فيها ~~عند العقد بطريق الظهور - لا يمكن؛ لأن الشاة تحتمل الزيادة والنقصان ~~والسمن والهزال ساعة فساعة، فلا يعرف به مقدار ثقله حالة العقد بالتجربة. # (وأما) الحزر والظن فإنه لا حزر لمن لا بصارة له في هذا الباب، بل يخطئ ~~لا محالة، ومن له بصارة يغلط أيضا ظاهرا وغالبا، ويظهر تفاوت فاحش، فدل أنه ~~لا طريق لمعرفة اللحم الذي في الشاة الحية، فلم يكن موزونا، فلا يكون محلا ~~لربا الفضل، بخلاف بيع دهن السمسم بالسمسم؛ لأن ذلك بيع الموزون بالموزون؛ ~~لأنه يمكن معرفة مقدار الدهن في السمسم بالتجربة، بأن يوزن قدر من السمسم ~~فيستخرج دهنه فيظهر وزن دهنه الذي في الجملة بالقياس عليه، أو يعصر الجملة ~~فيظهر قدر الدهن الذي كان فيها حالة العقد، أو يعرف بالحزر والتخمين أنه كم ~~يخرج من الدهن من هذا القدر من غير تفاوت فاحش يلحق الضرر بأحد العاقدين؟ ~~فكان ذلك بيع الموزون بالموزون مجازفة، فلم يجز لاحتمال الربا والله سبحانه ~~وتعالى أعلم ولو باع شاة مذبوحة غير مسلوخة بلحم شاة - لا يجوز إلا على ~~طريق الاعتبار بالإجماع؛ لأن اللحم الذي في الشاة ms3036 المذبوحة موزون، فقد باع ~~الموزون بجنسه وبخلاف جنسه، فيراعى فيه طريق الاعتبار، بخلاف اللحم الذي في ~~الشاة الحية فإنه غير موزون لما قلنا، فلم يتحقق الربا، فجازت المجازفة فيه ~~ولو باع شاة حية بشاة مذبوحة غير مسلوخة مجازفة جاز بالإجماع، أما عندهما ~~فظاهر؛ لأنه باع الموزون بما ليس بموزون فلا يتحقق الربا، كما لو باع شاة ~~حية بلحم الشاة وأما عند محمد فلأن اللحم يقابل اللحم، وزيادة اللحم في ~~إحداهما مع سقطها يكون بمقابلة سقط الأخرى، فلا يتحقق الربا وكذلك لو باع ~~شاتين حيتين بشاة واحدة مذبوحة غير مسلوخة جاز بالإجماع على اختلاف الأصلين ~~ولو باع شاتين مذبوحتين غير مسلوختين بشاة واحدة مذبوحة غير مسلوخة يجوز ~~ويكون اللحم بمقابلة اللحم، وزيادة اللحم في أحد الجانبين مع السقط يكون ~~بمقابلة سقط # PageV05P190 # الأخرى ولو باع شاتين مذبوحتين بشاة واحدة مذبوحة غير مسلوخة يجوز، ~~ويقابل اللحم باللحم، ومقابلة اللحم من المسلوختين بمقابلة سقط الأخرى ولو ~~باع شاتين مذبوحتين غير مسلوختين بشاة مذبوحة مسلوخة لا يجوز؛ لأن زيادة ~~اللحم من غير المسلوختين مع السقط لا يقابله عوض فيكون ربا ولو باع شاتين ~~مسلوختين بشاة مسلوخة لا يجوز؛ لأنهما مالان جمعهما الوزن فلا يجوز بيع ~~أحدهما بالآخر مفاضلة ومجازفة، حتى لو كانا مستويين في الوزن يجوز يدا بيد. # ولا يجوز بيع الزيت بالزيتون، ودهن الكتان بالكتان، والعصير بالعنب، ~~والسمن بلبن فيه سمن، والصوف بشاة على ظهرها صوف، واللبن بحيوان في ضرعه ~~لبن من جنسه، والتمر بأرض ونخل عليه تمر، والحنطة بأرض فيها زرع قد أدرك، ~~ونحو ذلك من أموال الربا حتى يكون المفرد أكثر من المجموع ليكون المثل ~~بالمثل، والزيادة بمقابلة خلاف الجنس وسنذكر أجناس هذه المسائل في مواضعها ~~إن شاء الله تعالى هذا إذا قوبل بدل من جنس ببدل من جنسه، أو ببدلين من ~~جنسه، أو من خلاف جنسه. # فأما إذا قوبل أبدال من جنسين مختلفين بأبدال من جنسين مختلفين فإن كان ~~من غير أموال الربا فلا شك أنه يجوز، وتقسم الأبدال من أحد ms3037 الجانبين ~~بالأبدال من الجانب الآخر قسمة توزيع وإشاعة من حيث التقويم، وإن كان من ~~أموال الربا فيجوز أيضا عند أصحابنا الثلاثة، ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس ~~فيقسم قسمة تصحيح لا قسمة إشاعة وتوزيع، وعند زفر والشافعي لا يجوز، ويقسم ~~قسمة توزيع وإشاعة من حيث القيمة كما في غير أموال الربا، وبيان ذلك في ~~مسائل: إذا باع كر حنطة وكر شعير بكري حنطة وكري شعير جاز عند علمائنا ~~الثلاثة، وتصرف الحنطة إلى الشعير، والشعير إلى الحنطة، وعندهما لا يجوز ~~وكذلك إذا باع درهما ودينارا بدرهمين ودينارين يصرف الدرهم إلى الدينارين، ~~والدينار إلى الدرهمين. # (وجه) قول زفر والشافعي أن هذا بيع ربا فلا يجوز كبيع الدرهم بالدرهمين، ~~والدينار بالدينارين، ودلالة الوصف أنه قابل الجملة بالجملة مطلقا، ومطلق ~~مقابلة الجملة بالجملة يقتضي انقسام كل بدل من أحد الجانبين بجميع الأبدال ~~من الجانب الآخر على سبيل الشيوع من حيث القيمة إذا كانت الأبدال مختلفة ~~القيم، استدلالا بسائر البياعات في غير أموال الربا، فإنه إذا باع عبدا ~~وجارية بفرس وثوب وقيمتهما مختلفة يقسم العبد على قيمة الفرس والثوب، وكذا ~~الجارية، حتى لو وجد بواحد من الجملة عيبا يرده بحصته من البدلين، وكذا لو ~~استحق واحد منهما يرده بحصته من البدلين على البائع، وكذا لو كان أحد ~~البدلين دارا فالشفيع يأخذها بحصتها من البدلين، فكان التقسيم على الوجه ~~الذي قلنا هو الموجب الأصلي في البياعات كلها، والانقسام على هذا الوجه في ~~أموال الربا يحقق الربا؛ لأنه يصير بائعا كر حنطة وكري شعير بكري شعير وبكر ~~حنطة، فيتحقق الربا، على أنه إن لم يتحقق الربا ففيه احتمال الربا، وأنه ~~مفسد للعقد كبيع الصبرة بالصبرة مجازفة. # (ولنا) عمومات البيع من غير فصل، فمن ادعى التخصيص فعليه الدليل، ولأن ~~المتعاقدين أطلقا مقابلة الجملة بالجملة، والمطلق يتعرض للذات لا للصفات ~~والجهات فلا يكون مقابلة الجنس بالجنس عينا، ولا مقابلة الجنس بخلاف الجنس ~~عينا، فلا يتحقق الربا؛ لأنه اسم لفضل مال في مقابلة الجنس بالجنس عينا، ~~ولم يوجد، أو نقول: مطلق ms3038 المقابلة تحتمل مقابلة الجنس بالجنس على سبيل ~~الشيوع من حيث القيمة كما قلتم، وتحتمل مقابلة الجنس بخلاف الجنس؛ لأن كل ~~ذلك مقابلة الجملة بالجملة، إلا أنا لو حملناه على الأول يفسد العقد، ولو ~~حملناه على الثاني لصح، فالحمل على ما فيه الصحة أولى وقوله: موجب البيع ~~المطلق المشتمل على أبدال من الجانبين انقسام كل بدل من أحد الجانبين على ~~جميع الأبدال من الجانب الآخر على الشيوع من حيث التقويم قلنا: ممنوع؛ لأن ~~هذا موجب العقد المطلق في موضع في مسائل البياعات في غير أموال الربا ما ~~ثبت الانقسام موجبا له، بل بحكم المعاوضة والمساواة في الأبدال لأنهما لما ~~أطلقا البيع وهو يشتمل على أبدال من الجانبين من غير تعيين مقابلة البعض ~~بالبعض، وليس البعض بأولى من البعض في التعيين فلزم القول بالإشاعة ~~والتقسيم من حيث القيمة حكما للمعاوضة والمساواة، وعند تحقق الضرورة وهي ~~ضرورة الرد بالعيب بالإشاعة، والرجوع عند الاستحقاق ونحو ذلك، فلا يثبت ~~الانقسام عند القيمة قبل تحقق الضرورة على # PageV05P191 # ما عرف. # وقوله: فيه احتمال الربا، قلنا: احتمال الربا ههنا يوجب فساد العقد عند ~~مقابلة الجنس بالجنس عينا، كما في بيع الصبرة بالصبرة لا على الإطلاق؛ لأن ~~عند مقابلة الجنس بالجنس يلزم رعاية المماثلة المشروطة، ولم توجد ههنا فلا ~~توجب الفساد وعلى هذا إذا باع دينارا ودرهمين بدرهمين ودينارين أنه يجوز ~~عندنا، ويكون الدينار بالدرهمين، والدرهمان بالدينارين وكذا إذا باع درهمين ~~ودينارا بدينارين ودرهم يجوز عندنا بأن يجعل الدرهمان بالدينارين، والدينار ~~بالدرهم وكذا إذا باع عشرة دراهم بخمسة دراهم ودينار أنه جائز عندنا، وتكون ~~الخمسة بمقابلة الخمسة، والخمسة الأخرى بمقابلة الدينار وكذلك إذا باع أحد ~~عشر درهما بعشرة دراهم ودينار جاز عندنا، وكانت العشرة بمثلها، ودينار ~~بدرهم وكذلك قال أبو حنيفة: عليه الرحمة إنه إذا باع مائة درهم ودينار بألف ~~درهم يجوز ولا بأس به، وتكون المائة بمقابلة المائة، والتسعمائة بمقابلة ~~الدينار، فلا يتحقق الربا، وكذا روي عن محمد أنه قال: إذا باع الدراهم ~~بالدراهم، وفي أحدهما فضل من ms3039 حيث الوزن، وفي الجانب الذي لا فضل فيه فلوس ~~فهو جائز في الحكم، ولكني أكرهه، فقيل: كيف تجده في قلبك؟ قال: أجده مثل ~~الجبل والحاصل أنه ينظر إلى ما يقابل الزيادة من حيث الوزن من خلاف الجنس، ~~إن بلغت قيمته قيمة الزيادة، أو كانت أقل منها مما يتغابن الناس فيه عادة ~~جاز البيع من غير كراهة، وإن كانت شيئا قليل القيمة كفلس وجوزة ونحو ذلك ~~يجوز مع الكراهة، وإن كان شيئا لا قيمة له أصلا ككف من تراب ونحوه لا يجوز ~~البيع أصلا؛ لأن الزيادة لا يقابلها عوض فيتحقق الربا. ### | [فصل في شرائط جريان الربا في البيع] # (فصل) : # وأما شرائط جريان الربا (فمنها) أن يكون البدلان معصومين، فإن كان أحدهما ~~غير معصوم لا يتحقق الربا عندنا، وعند أبي يوسف هذا ليس بشرط، ويتحقق ~~الربا، وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا دخل مسلم دار الحرب تاجرا فباع حربيا ~~درهما بدرهمين، أو غير ذلك من سائر البيوع الفاسدة في حكم الإسلام أنه يجوز ~~عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يجوز، وعلى هذا الخلاف المسلم ~~الأسير في دار الحرب، أو الحربي الذي أسلم هناك ولم يهاجر إلينا فبايع أحدا ~~من الحرب. # (وجه) قول أبي يوسف أن حرمة الربا كما هي ثابتة في حق المسلمين فهي ثابتة ~~في حق الكفار؛ لأنهم مخاطبون بالحرمات في الصحيح من الأقوال، فاشتراطه في ~~البيع يوجب فساده كما إذا بايع المسلم الحربي المستأمن في دار الإسلام. # (ولهما) أن مال الحربي ليس بمعصوم بل هو مباح في نفسه، إلا أن المسلم ~~المستأمن منع من تملكه من غير رضاه لما فيه من الغدر والخيانة، فإذا بدله ~~باختياره ورضاه فقد زال هذا المعنى، فكان الأخذ استيلاء على مال مباح غير ~~مملوك، وإنه مشروع مفيد للملك كالاستيلاء على الحطب والحشيش، وبه تبين أن ~~العقد ههنا ليس بتملك بل هو تحصيل شرط التملك وهو الرضا؛ لأن ملك الحربي لا ~~يزول بدونه، وما لم يزل ملكه لا يقع الأخذ تملكا، لكنه إذا زال ms3040 فالملك ~~للمسلم يثبت بالأخذ والاستيلاء لا بالعقد، فلا يتحقق الربا؛ لأن الربا اسم ~~لفضل يستفاد بالعقد، بخلاف المسلم إذا باع حربيا دخل دار الإسلام بأمان؛ ~~لأنه استفاد العصمة بدخوله دار الإسلام بأمان. # والمال المعصوم لا يكون محلا للاستيلاء، فتعين التملك فيه بالعقد. # وشرط الربا في العقد مفسد، وكذلك الذمي إذا دخل دار الحرب فباع حربيا ~~درهما بدرهمين، أو غير ذلك من البيوع الفاسدة في الإسلام فهو على هذا ~~الخلاف الذي ذكرنا؛ لأن ما جاز من بيوع المسلمين جاز من بيوع أهل الذمة، ~~وما يبطل أو يفسد من بيوع المسلمين يبطل أو يفسد من بيوعهم إلا الخمر ~~والخنزير، على ما نذكر إن شاء الله تعالى. # (ومنها) أن يكون البدلان متقومين شرعا، وهو أن يكونا مضمونين حقا للعبد، ~~فإن كان أحدهما غير مضمون حقا للعبد لا يجري فيه الربا، وعلى هذا الأصل ~~يخرج ما إذا دخل المسلم دار الحرب، فبايع رجلا أسلم في دار الحرب ولم يهاجر ~~إلينا درهما بدرهمين، أو غير ذلك من البيوع الفاسدة في دار الإسلام أنه ~~يجوز عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز؛ لأن العصمة وإن كانت ثابتة فالتقوم ~~ليس بثابت عنده، حتى لا يضمن نفسه بالقصاص ولا بالدية عنده، وكذا ماله لا ~~يضمن بالإتلاف؛ لأنه تابع للنفس، وعندهما نفسه وماله معصومان متقومان. # والمسألة تأتي في كتاب السير ولو دخل مسلمان دار الحرب فتبايعا درهما ~~بدرهمين أو غيره من البيوع الفاسدة في دار الإسلام # PageV05P192 # لا يجوز؛ لأن مال كل واحد منهما معصوم متقوم، فكان التملك بالعقد فيفسد ~~بالشرط الفاسد. # ولو أسلم الحربي الذي بايع المسلم ودخل دار الإسلام، أو أسلم أهل الدار ~~فما كان من ربا مقبوض أو بيع فاسد مقبوض فهو جائز ماض، وما كان غير مقبوض ~~يبطل لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ~~إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 278] ، أمرهم سبحانه وتعالى بترك ما بقي من ~~الربا، والأمر بترك ما بقي من الربا نهي عن قبضه، فكأنه تعالى قال: اتركوا ~~قبضه ms3041 فيقتضي حرمة القبض. # وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «كل ربا في الجاهلية فهو ~~موضوع تحت قدمي» ، والوضع عبارة عن الحط والإسقاط، وذلك فيما لم يقبض، ولأن ~~بالإسلام حرم ابتداء العقد فكذا القبض بحكم العقد؛ لأنه تقرير العقد ~~وتأكيده فيشبه العقد فيلحق به، إذ هو عقد من وجه فيلحق بالثابت من كل وجه ~~في باب الحرمات احتياطا، ومتى حرم القبض لم يكن في بقاء العقد فائدة. # (ومنها) أن لا يكون البدلان ملكا لأحد المتبايعين، فإن كان لا يجري ~~الربا، وعلى هذا يخرج العبد المأذون إذا باع مولاه درهما بدرهمين، وليس ~~عليه دين أنه يجوز؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين فما في يده لمولاه، فكان ~~البدلان ملك المولى، فلا يكون هذا بيعا، فلا يتحقق الربا، إذ هو مختص ~~بالبياعات وكذلك المتعاوضان إذا تبايعا درهما بدرهمين يجوز؛ لأن البدل من ~~كل واحد منهما مشترك بينهما، فكان مبادلة ماله، فلا يكون بيعا ولا مبادلة ~~حقيقة وكذلك الشريكان شركة العنان إذا تبايعا درهما بدرهمين من مال الشركة ~~جاز لما قلنا، ولو تبايعا من غير مال الشركة لا يجوز؛ لأنهما في غير مال ~~الشركة أجنبيان ولو كان على العبد المأذون دين فباعه مولاه درهما بدرهمين ~~لا يجوز بالإجماع. # (أما) عند أبي حنيفة - رحمه الله - فظاهر؛ لأن المولى لا يملك كسب عبده ~~المأذون المديون عنده، فلم يجتمع البدلان في ملك واحد وعندهما وإن كان يملك ~~لكن ملكا محجورا عن التصرف فيه؛ لتعلق حق الغرماء به، فكان المولى كالأجنبي ~~عنه وكذلك المولى إذا عاقد مكاتبه عقد الربا لم يجز؛ لأن المكاتب في حق ~~الاكتساب ملحق بالأحرار لانقطاع تصرف المولى عنها، فأشبه الأجانب. # (وأما) إسلام المتبايعين فليس بشرط لجريان الربا، فيجري الربا بين أهل ~~الذمة، وبين المسلم والذمي؛ لأن حرمة الربا ثابتة في حقهم؛ لأن الكفار ~~مخاطبون بشرائع هي حرمات إن لم يكونوا مخاطبين بشرائع هي عبادات عندنا، قال ~~الله تعالى: {وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل} ~~[النساء: 161] . # وروي أن رسول الله ms3042 - صلى الله عليه وسلم - «كتب إلى مجوس هجر: إما أن ~~تذروا الربا، أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله» ، وهذا في نهاية الوعيد فيدل ~~على نهاية الحرمة والله سبحانه وتعالى أعلم. # (ومنها) الخلو عن احتمال الربا، فلا تجوز المجازفة في أموال الربا بعضها ~~ببعض؛ لأن حقيقة الربا كما هي مفسدة للعقد فاحتمال الربا مفسد له أيضا، ~~لقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: ما اجتمع الحلال والحرام في شيء ~~إلا وقد غلب الحرام الحلال والأصل فيه أن كل ما جازت فيه المفاضلة جاز فيه ~~المجازفة، وما لا فلا؛ لأن التماثل والخلو عن الربا فيما يجري فيه الربا ~~لما كان شرط الصحة فلا يعلم تحقيق المماثلة بالمجازفة، فيقع الشك في وجود ~~شرط الصحة، فلا تثبت الصحة على الأصل المعهود في الحكم المعلق على شرط إذا ~~وقع الشك في وجود شرطه أنه لا يثبت؛ لأن غير الثابت بيقين لا يثبت بالشك، ~~كما أن الثابت بيقين لا يزول بالشك. # وبيان هذا الأصل في مسائل: إذا تبايعا حنطة بحنطة مجازفة فإن لم يعلما ~~كيلهما، أو علم أحدهما دون الآخر، أو علما كيل أحدهما دون الآخر لا يجوز ~~لما قلنا، وإن علم استواؤهما في الكيل، فإن علم في المجلس جاز البيع؛ لأن ~~المجلس وإن طال فله حكم حالة العقد فكأنه عند العقد، وإن علم بعد الافتراق ~~لم يجز وقال زفر: يجوز، علم قبل الافتراق أو بعده. # (وجه) قوله أن الحاجة إلى الكيل عند العقد لتحقق المساواة المشروطة، وقد ~~تبين أنها كانت ثابتة عنده. # (ولنا) أن علم المتعاقدين بالمساواة عند العقد شرط الصحة، ولم يوجد ~~والدليل على أن العلم عند العقد شرط الصحة - أن الشرع ألزم رعاية المماثلة ~~عند البيع بقوله - عليه الصلاة والسلام -: «الحنطة بالحنطة مثلا بمثل» ، ~~أي: بيعوا الحنطة بالحنطة مثلا بمثل، أمر المتبايعين بالبيع بصفة المماثلة، ~~فلا بد وأن تكون المماثلة معلومة لهما عند البيع لتمكنهما من رعاية هذا ~~الشرط وكذا لو كان بين رجلين حنطة فاقتسماها مجازفة لا يجوز؛ لأن القسمة ~~فيها ms3043 معنى المبادلة، فيشبه البيع، ولا يجوز البيع فيها مجازفة فكذا القسمة. # ولو تبايعا حنطة بحنطة، # PageV05P193 # وزنا بوزن متساويا في الوزن لم يجز؛ لأن الحنطة مكيلة، والتساوي في الكيل ~~شرط جواز البيع في المكيلات، ولا تعلم المساواة بينهما في الكيل، فكان بيع ~~الحنطة بالحنطة مجازفة وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه إذا غلب استعمال ~~الوزن فيها تصير وزنية، ويعتبر التساوي فيها بالوزن، وإن كانت في الأصل ~~كيلية وعلى هذا تخرج المزابنة والمحاقلة أنهما لا يجوزان؛ لأن المزابنة بيع ~~التمر على رءوس النخل بمثل كيله من التمر خرصا لا يدرى أيهما أكثر، والزبيب ~~بالعنب لا يدرى أيهما أكثر والمحاقلة بيع الحب في السنبل بمثل كيله من ~~الحنطة خرصا لا يدرى أيهما أكثر. # فكان هذا بيع مال الربا مجازفة؛ لأنه لا يعرف المساواة بينهما في الكيل، ~~وقد روي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «نهى عن بيع المزابنة والمحاقلة» ، وفسر محمد - رحمه الله - ~~المزابنة والمحاقلة في الموطإ بما قلنا، وهو كان إماما في اللغة كما كان ~~إماما في الشريعة، وقال: كذلك الجواب إذا كان أكثر من خمسة أوسق، فأما ما ~~دون خمسة أوسق فلا بأس به لما روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «رخص في بيع العرايا بالتمر فيما دون خمسة أوسق» ، فقد رخص رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من جملة ما حرم من المزابنة ما دون خمسة، ~~والمرخص من جملة ما حرم يكون مباحا وتفسير العرية - عندنا - ما ذكره مالك ~~بن أنس في الموطإ - رضي الله عنه - وهو أن يكون لرجل نخيل فيعطي رجلا منها ~~ثمرة نخلة أو نخلتين يلقطهما لعياله، ثم يثقل عليه دخوله حائطه، فيسأله أن ~~يتجاوز له عنها على أن يعطيه بمكيلتها تمرا عند إصرام النخل - وذلك ما لا ~~بأس به عندنا؛ لأنه لا بيع هناك، بل التمر كله لصاحب النخل، فإن شاء سلم له ~~ثمر النخل وإن شاء أعطاه بمكيلتها من التمر، إلا أنه ms3044 سماه الراوي بيعا ~~لتصوره بصور البيع، لا أن يكون بيعا حقيقة، بل هو عطية، ألا ترى أنه لم ~~يملكه المعرى له لانعدام القبض؟ فكيف يجعل بيعا؟ ولأنه لو جعل بيعا لكان ~~بيع التمر بالتمر إلى أجل - وإنه لا يجوز بلا خلاف، دل أن العرية المرخص ~~فيها ليست ببيع حقيقة، بل هي عطية، ولأن العرية هي العطية لغة، قال حسان بن ~~ثابت - رضي الله عنه -: # ليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السنين الجوائح. # ولو اشترى بكر من تمر نخلا عليها ثمر، وسمى التمر أو ذكر كل قليل وكثير ~~هو منه حتى دخل في البيع يراعى في جوازه طريق الاعتبار، وهو أن يكون كيل ~~التمر أكثر من كيل الثمر؛ ليكون الثمر بمثله والزيادة بإزاء النخل، فإن كان ~~أقل لا يجوز؛ لأن التمر يكون بمثل كيله، وزيادة التمر مع النخل تكون زيادة ~~لا يقابلها عوض، فيكون ربا. # وكذا إذا كان مثله؛ لأن النخل يكون فضلا لا يقابله عوض في عقد المعاوضة ~~وكذا إذا كان لا يدرى عندنا، خلافا لزفر وسنذكر المسألة - إن شاء الله ~~تعالى - ثم إنما يجوز على طريق الاعتبار إذا كان التمر نقدا، فإن كان نسيئة ~~لم يجز لتحقق ربا النساء هذا إذا كان ثمر النخل بسرا أو رطبا أو تمرا يابسا ~~عند العقد فإن كان كفرى جاز البيع كيف ما كان من غير شرط الاعتبار؛ لأنه ~~بيع الكفرى بالتمر، وأنه جائز كيف ما كان. # ولو لم يكن التمر موجودا عند العقد، ثم أثمر النخل قبل القبض كرا أو أكثر ~~من الكر - لا يفسد البيع، بخلاف ما إذا كان التمر موجودا عند العقد، ثم ~~أثمر النخل قبل القبض، فباعه مع النخل بالتمر، وكيل التمر مثل كيل ثمر ~~النخل، أو أقل - حيث يفسد البيع؛ لأن العاقدين أدخلا الربا في العقد؛ ~~لأنهما قابلا الثمن بكل المبيع فانقسم الثمن عليهما، وبعض المبيع مال ~~الربا، فدخل الربا في العقد باشتراطهما، واشتراط الربا في العقد مفسد له، ~~وههنا البيع كان صحيحا في الأصل؛ لأن الثمن ms3045 خلاف جنس المبيع، إذ المبيع هو ~~النخل وحده إلا أنه إذا زاد فقد صار مبيعا في حال البقاء لا بصنعهما، فبقي ~~البيع صحيحا، والزيادة ملك المشتري، وينقسم الثمن على قيمة النخل وقيمة ~~الزيادة، لكن تعتبر قيمة النخل وقت العقد، وقيمة الزيادة وقت القبض، فيطيب ~~له من التمر قدر حصته من الثمن؛ لأنه فضل له ذلك القدر ببدل، ولا يطيب له ~~الفضل ويتصدق به؛ لأنه ربح ما لم يضمن. # ولو قضى الثمن من التمر الحادث ينظر، إن قضاه منه قبل القبض فقضاؤه باطل؛ ~~لأن القضاء منه تصرف في المبيع قبل القبض، وإنه لا يجوز، وجعل كأنه لم ~~يقبض، حتى لو هلك الثمن في يد البائع بآفة سماوية لا يسقط شيء من الثمن، ~~وإن أكله البائع تسقط حصته من الثمن، وإن كان المشتري قبض الثمن، ثم قضى ~~منه جاز # PageV05P194 # القضاء؛ لأنه تصرف في المبيع بعد القبض - وإنه جائز، وعليه أن يتصدق بما ~~زاد على حصته من الثمن والله - سبحانه وتعالى - أعلم وعلى هذا بيع الذهب ~~بالذهب، والفضة بالفضة - والقيمة فيهما - مجازفة ولو تبايعا حنطة بشعير، أو ~~ذهبا بفضة مجازفة جاز؛ لأن المماثلة في بيع الجنس بخلاف الجنس غير مشروطة، ~~ولهذا جازت المفاضلة فيه، فالمجازفة أولى، وكذلك القيمة. # وعلى هذا يخرج بيع الموزون بجنسه وغير جنسه، كما إذا اشترى فضة مع غيرها ~~بفضة مفردة، بأن اشترى سيفا محلى بفضة مفردة، أو منطقة مفضضة، أو لجاما أو ~~سرجا أو سكينا مفضضا، أو جارية في عنقها طوق من فضة، أو اشترى ذهبا وغيره ~~بذهب مفرد، كما إذا اشترى ثوبا منسوجا بالذهب بذهب مفرد، أو جارية مع ~~حليتها - وحليها ذهب - بذهب مفرد، ونحو ذلك - أنه لا يجوز مجازفة عندنا، بل ~~يراعى فيه طريق الاعتبار، وهو أن يكون وزن الفضة المفردة، أو الذهب المفرد ~~أكثر من المجموع مع غيره؛ ليكون قدر وزن المفرد بمثله من المجموع، والزيادة ~~بخلاف جنسه، فلا يتحقق الربا، فإن كان وزن المفرد أقل من وزن المجموع لم ~~يجز - لأن زيادة وزن المجموع مع ms3046 خلاف الجنس لا يقابله عوض في عقد البيع، ~~فيكون ربا وكذلك إذا كان مثله في الوزن؛ لأنه يكون الفضة بمثلها، والذهب ~~بمثله، فالفضل يكون ربا وإن كان من خلاف جنسه وكذلك إذا كان لا يعلم وزنه ~~أنه أكثر أو مثله أو أقل، أو اختلف أهل النظر فيه، فقال بعضهم: الثمن أكثر ~~وقال بعضهم: هو مثله - لا يجوز عندنا، وعند زفر يجوز. # (وجه) قوله: إن الأصل في البيع جوازه، والفساد بعارض الربا، وفي وجوده ~~شك، فلا يثبت الفساد بالشك؛ لأن جهة الفساد في هذا العقد أكثر من جهة ~~الجواز؛ لأن وزن المفرد لو كان أقل يفسد، وكذلك لو كان مثله، ولو كان أكثر ~~يجوز، فجاز من وجه وفسد من وجهين، فكانت الغلبة لجهة الفساد، والحكم ~~للغالب، ثم إذا كان وزن المفرد أكثر حتى جاز البيع، فيجتمع في هذا العقد ~~صرف - وهو بيع الفضة بالفضة، أو الذهب بالذهب -، وبيع مطلق - وهو بيع الذهب ~~أو الفضة بخلاف جنسها - فيراعى في الصرف شرائطه وسنذكر شرائط الصرف في ~~موضعه إن شاء الله تعالى. # وإذا فات شيء من الشرائط حتى فسد الصرف هل يتعدى الفساد إلى البيع ~~المطلق؟ فيه تفصيل نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى هذا إذا اشترى فضة مع ~~غيرها بفضة مفردة، أو ذهبا مع غيره بذهب مفرد، فأما إذا اشترى ذهبا مع غيره ~~بفضة مفردة، أو فضة مع غيرها بذهب مفرد فالبيع جائز؛ لأنه لا ربا عند ~~اختلاف الجنس، غير أنه يقسم المفرد على قيمة المجموع وقيمة ذلك الغير، فما ~~كان بمقابلة الذهب أو الفضة يكون صرفا؛ فيراعى فيه شرائط الصرف، وما كان ~~بمقابلة غيره يكون بيعا مطلقا، على ما نذكره في بيان شرائط الصرف وعلى هذا ~~الأصل يخرج بيع تراب معدن الفضة والذهب، أما تراب معدن الفضة فلا يخلو إما ~~أن يكون باعه بفضة، وإما أن يكون باعه بغيرها، فإن باعه بفضة لم يجز؛ لأن ~~البيع يقع على ما في التراب من الفضة لا على التراب؛ لأنه لا قيمة له، ~~والمماثلة ms3047 بين الفضتين ليست بمعلومة، فكان هذا البيع بيع الفضة بالفضة - ~~مجازفة - فلا يجوز. # وإن باعه بذهب جاز؛ لأن الربا لا يتحقق عند اختلاف الجنس، ويراعى فيه ~~شرائط الصرف، ثم ينظر إن لم يخلص منه شيء تبين أن البيع كان فاسدا؛ لأنه ~~تبين أنه باع ما ليس بمال، فصار كما لو اشترى شخصا على أنه عبد ثم تبين أنه ~~حر، أو اشترى شاة مسلوخة على أنها مذبوحة ثم تبين أنها ميتة، فإن خلص منه ~~شيء فالأمر ماض، والمشتري بالخيار؛ لأنه اشترى شيئا لم يره، فأشبه ما لو ~~اشترى ثوبا في سقط، أو سمكة في جب، ولو باعه بعوض جاز أيضا لما قلنا، ثم ~~ينظر إن خلص منه شيء أو لم يخلص على ما ذكرنا، ولو باعه بتراب معدن مثله من ~~الفضة لم يجز؛ لأن البيع يقع على ما فيها من الفضة، ولا يعلم تساويهما في ~~الوزن، فكان بيع الفضة بالفضة مجازفة، ولو باعه بتراب معدن الذهب جاز؛ ~~لاختلاف الجنس، ويراعى فيه شرائط الصرف، ثم إن لم يخلص منه شيء تبين أن ~~البيع كان فاسدا؛ لأنه تبين أنه باع ما ليس بمال. # وكذا إن خلص من أحدهما ولم يخلص من الآخر؛ لأنه تبين أنه باع المال بما ~~ليس بمال، وإن خلص من كل واحد منهما فالأمر ماض، ولهما خيار الرؤية؛ لأن كل ~~واحد منهما مشتر ما لم يره وكذلك لو كان تراب معدن الفضة بين رجلين ~~فاقتسماه - لم يجز؛ لأن القسمة فيها معنى البيع فلا يحتمل المجازفة كالبيع ~~ولو باع منه قفيزا بغير عينه بذهب أو بعرض لم يجز؛ لأن المبيع ما في التراب ~~من الفضة، وإنه # PageV05P195 # مجهول القدر؛ لأنه متفاوت: منه قفيز يخلص منه خمسة، ومنه قفيز يخلص منه ~~عشرة، فكان المبيع مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة، بخلاف بيع القفيز من ~~صبرة؛ لأن قفزان الصبرة الواحدة متماثلة فلم يكن المبيع مجهولا جهالة مفضية ~~إلى المنازعة. # ولو باع نصف جملة التراب، أو ثلثها، أو ربعها شائعا بذهب أو عرض جاز؛ لأن ~~الجنس ms3048 مختلف فلا يتحقق الربا إلا إذا لم يخلص منه شيء، فتبين أن البيع كان ~~فاسدا لما قلنا، وإن خلص منه شيء فيكون ما خلص مشتركا بينها، وله الخيار ~~إذا رآه ولو استقرض تراب المعدن جاز، وعلى المستقرض مثل ما خلص منه وقبض؛ ~~لأن القرض وقع على ما يخلص منه، والقول قول القابض في قدر ما قبض وخلص ولو ~~استأجره بنصف هذا التراب أو بثلثه أو بربعه - يجوز إن خلص منه شيء، كما ~~يجوز لو بيع منه شيء فتبين أن البيع كان فاسدا لما قلنا، وإن خلص منه شيء ~~فيكون أجره مما خلص ولو استأجر أجيرا بتراب المعدن بعينه جازت الإجارة إن ~~خلص منه شيء؛ لأنه استأجره بمال، والأجير بالخيار؛ لأنه آجر نفسه بما لم ~~يره، فإن شاء رضي به ولا شيء له غيره، وإن شاء رده ورجع على المستأجر بأجر ~~مثله بالغا ما بلغ. # ولو استأجره بقفيز من تراب بغير عينه لا تجوز الإجارة؛ لأن الأجرة ما في ~~التراب من الفضة، وإنه مجهول القدر، ولهذا لم يجز بيعه، ويكون بينهما وله ~~الخيار، وإن لم يخلص لا يجوز وله أجر مثله وعلى هذا حكم تراب معدن الذهب في ~~جميع ما ذكرنا والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) تراب الصاغة فإن كان فيه فضة خالصة فحكمه حكم تراب معدن الفضة، ~~وإن كان فيه ذهب خالص فحكمه حكم تراب معدن الذهب، وإن كان فيه ذهب وفضة، ~~فإن اشتراه بذهب أو فضة لم يجز؛ لاحتمال أن يكون ما فيه من الذهب أو الفضة ~~أكثر أو أقل أو مثله - فيتحقق الربا ولو اشتراه بذهب وفضة جاز؛ لأنه اشترى ~~ذهبا وفضة بذهب وفضة فيجوز، ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس، ويراعى فيه شرائط ~~الصرف ولو اشتراه بعرض جاز؛ لانعدام احتمال الربا، وهذا كله إذا خلص منه ~~شيء، فإن لم يخلص تبين أن البيع كان فاسدا، وعلى هذا الأصل يخرج بيع ~~الدراهم المغشوشة التي الغش فيها هو الغالب بفضة خالصة أنه لا يجوز إلا على ~~طريق الاعتبار. # وجملة الكلام ms3049 فيه أن الدراهم المضروبة أقسام ثلاثة: إما أن تكون الفضة ~~فيها هي الغالبة، وإما أن يكون الغش فيها هو الغالب، وإما أن يكون الفضة ~~والغش فيها على السواء: فإن كانت الفضة فيها هي الغالبة بأن كان ثلثاها فضة ~~وثلثها صفرا، أو كانت ثلاثة أرباعها فضة وربعها صفرا، ونحو ذلك - فحكمها ~~حكم الفضة الخالصة، لا يجوز بيعها بالفضة الخالصة إلا سواء بسواء، وكذا بيع ~~بعضها ببعض لا يجوز إلا مثلا بمثل؛ لأن اعتبار الغالب وإلحاق المغلوب ~~بالعدم هو الأصل في أحكام الشرع، ولأن الدراهم الجياد لا تخلو عن قليل غش؛ ~~لأن الفضة لا تنطبع بدونه على ما قيل، فكان قليل الغش مما لا يمكن التحرز ~~عنه، فكانت العبرة للغلبة وإن كان الغش فيها هو الغالب فإن كانت الفضة لا ~~تخلص بالذوب والسبك بل تحترق ويبقى النحاس - فحكمها حكم النحاس الخالص؛ لأن ~~الفضة فيها إذا كانت مستهلكة كانت ملحقة بالعدم، فيعتبر كله نحاسا لا يباع ~~بالنحاس إلا سواء بسواء، يدا بيد. # وإن كانت تخلص من النحاس ولا تحترق، ويبقى النحاس على حاله أيضا - فإنه ~~يعتبر فيه كل واحد منهما على حاله، ولا يجعل أحدهما تبعا للآخر، كأنهما ~~منفصلان، ممتازان أحدهما عن صاحبه؛ لأنه إذا أمكن تخليص أحدهما من صاحبه ~~على وجه يبقى كل واحد منهما بعد الذوب والسبك - لم يكن أحدهما مستهلكا - ~~فلا يجوز بيعها بفضة خالصة إلا على طريق الاعتبار، وهو أن تكون الفضة ~~الخالصة أكثر من الفضة المخلوطة، يصرف إلى الفضة المخلوطة مثلها من الفضة ~~الخالصة، والزيادة إلى الغش، كما لو باع فضة وصفرا ممتازين بفضة خالصة، فإن ~~كانت الفضة الخالصة أقل من المخلوطة لم يجز؛ لأن زيادة الفضة المخلوطة مع ~~الصفر يكون فضلا خاليا من العوض في عقد المعاوضة، فيكون ربا، وكذا إذا كانت ~~مثلها، لأن الصفر يكون فضلا لا يقابله عوض، وكذا إذا كان لا يدرى قدر ~~الفضتين أيهما أكثر، أو هما سواء - لا يجوز عندنا. # وعند زفر يجوز، وقد ذكرنا الحجج فيما قبل وذكر في الجامع إذا ms3050 كانت ~~الدراهم ثلثاها صفرا وثلثها فضة، ولا يقدر أن يخلص الفضة من الصفر، ولا ~~يدرى إذا خلصت أيبقى الصفر أم يحترق، أنه يراعى في بيع هذه الدراهم بفضة ~~خالصة طريق الاعتبار، ثم إذا كانت الفضة الخالصة أكثر حتى جاز البيع - يكون ~~هذا صرفا وبيعا # PageV05P196 # مطلقا، فيراعى في الصرف شرائطه، وإذا فسد بفوات شرط منه يفسد البيع في ~~الصفر؛ لأنه لا يمكن تميزه إلا بضرر، وبيع ما لا يمكن تمييزه عن غيره إلا ~~بضرر فاسد على ما ذكرنا ولو بيعت هذه الدراهم بذهب جاز؛ لأن المانع هو ~~الربا، واختلاف الجنس يمنع تحقيق الربا، لكن يراعى فيه شرائط الصرف؛ لأنه ~~صرف، وإذا فات شرط منه حتى فسد يفسد البيع في الصفر أيضا لما قلنا ولو بيعت ~~بجنسها من الدراهم المغشوشة جاز متساويا ومتفاضلا، نص عليه محمد في الجامع. # ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس، كما لو باع فضة منفصلة وصفرا منفصلا بفضة ~~وصفر منفصلين، وقالوا في الستوقة إذا بيع بعضها ببعض متفاضلا: إنه يجوز، ~~ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس، ومشايخنا لم يفتوا في ذلك إلا بالتحريم ~~احترازا عن فتح باب الربا، وقالوا في الدراهم القطر يفنيه يجوز بيع واحد أو ~~اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة منها بدرهم فضة؛ لأن ما فيها من الفضة ~~يكون بمثل وزنها من الفضة الخالصة، وزيادة الفضة تكون بمقابلة الصفر، ولا ~~يجوز بيع ستة منها بدرهم فضة؛ لأن الصفر الذي فيها يبقى فضلا خاليا عن ~~العوض في عقد المعاوضة فيكون ربا، وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل ~~- رحمه الله - لا يفتي بجواز هذا. # وإن كانت الفضة والغش فيها سواء فلم يقطع محمد الجواب فيه في الجامع، ~~لكنه بناه على قول الصيارفة، وحكى عنهم أنهم قالوا: إن الفضة والصفر إذا ~~خلطا لا تتميز الفضة من الصفر حتى يحترق الصفر؛ لأنهما لا يتميزان إلا ~~بذهاب أحدهما، والصفر أسرعهما ذهابا، فقال في هذه الدراهم: إن كانت الفضة ~~هي الغالبة، أي: على ما يقوله الصيارفة أن الصفر يتسارع إليه ms3051 الاحتراق عند ~~الإذابة والسبك - فلا يجوز بيعها بالفضة الخالصة، ولا بيع بعضها ببعض إلا ~~سواء بسواء كبيع الزيوف بالجياد؛ لأن الصفر إذا كان يتسارع إليه الاحتراق ~~كان مغلوبا مستهلكا فكان ملحقا بالعدم، وإن لم يغلب أحدهما على الآخر وبقيا ~~على السواء - يعتبر كل واحد منهما على حياله كأنهما منفصلان، ويراعى في ~~بيعهما بالفضة الخالصة طريق الاعتبار كما في النوع الأول، ويجوز بيع بعضها ~~ببعض متساويا ومتفاضلا، ويصرف الجنس إلى خلاف الجنس كما في النوع الأول ~~والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # وهل يجوز استقراض الدراهم المغشوشة عددا؟ . # (أما) النوع الأول وهو ما كانت فضته غالبة على غشه فلا يجوز استقراضه إلا ~~وزنا؛ لأن الغش إذا كان مغلوبا فيه كان بمنزلة الدراهم الزائفة، ولا يجوز ~~بيع الدراهم الزائفة بعضها ببعض عددا؛ لأنها وزنية فلم يعتبر العدد فيها، ~~فكان بيع بعضها ببعض مجازفة فلم يجز فلا يجوز استقراضها أيضا؛ لأنها مبادلة ~~حقيقة، أو فيها شبهة المبادلة فيجب صيانتها عن الربا وعن شبهة الربا، ولهذا ~~لم يجز استقراض الكيلي وزنا لما أن الوزن في الكيلي غير معتبر، فكان إقراضه ~~مبادلة الشيء بمثله مجازفة، أو شبهة المبادلة فلم يجز، كذا هذا وكذلك النوع ~~الثالث وهو ما إذا كان نصفه فضة ونصفه صفرا؛ لأن الغلبة إذا كانت الفضة على ~~اعتبار بقائها وذهاب الصفر في المآل - على ما يقوله أهل الصنعة - كان ملحقا ~~بالدراهم الزيوف، فلا يجوز استقراضه عددا. # وإن كان لا يغلب أحدهما على الآخر، ويبقيان بعد السبك على حالهما كان كل ~~واحد منهما أصلا بنفسه، فيعتبر كل واحد منهما على حياله، فكان استقراض ~~الفضة والصفر جملة عددا وهذا لا يجوز؛ لأن اعتبار الصفران كان يوجب الجواز؛ ~~لأن الفلس عددي، فاعتبار الفضة يمنع الجواز؛ لأن الفضة وزنية، فالحكم ~~بالفساد عند تعارض جهتي الجواز، والفساد أحوط وأما النوع الثاني ما كان ~~الغش فيه غالبا والفضة مغلوبة فإنه ينظر إن كان الناس يتعاملون به وزنا لا ~~عددا لا يجوز استقراضه عددا؛ لأن العدد في الموزون باطل فكان استقراضه ~~مبادلة ms3052 الموزون بجنسه مجازفة، أو شبهة المبادلة - وإنه لا يجوز. # وإن كانوا يتعاملون به عددا يجوز استقراضه عددا؛ لأنهم إذا تعاملوا به ~~عددا فقد ألحقوه بالفلوس، وجعلوا الفضة التي فيه تبعا للصفر، وإنه ممكن؛ ~~لأنها قليلة، وقد يكون في الفلوس في الجملة قليل فضة فثبتت التبعية بدلالة ~~التعامل، ومثل هذه الدلالة لم توجد فيما إذا تعاملوا بها وزنا لا عددا، ~~فبقيت وزنية، فلا يجوز استقراضه عددا، وإن تعامل الناس بها عددا؛ لأن هناك ~~لا يمكن جعل الفضة تبعا للغش؛ لأنها أكثر منه أو مثله، والكثير لا يكون ~~تبعا للقليل، ومثل هذا الشيء لا يكون تبعا أيضا، فبقيت على الصفة الأصلية ~~الثابتة لها شرعا، وهي كونها وزنية، فلا يجوز استقراضها مجازفة، كما لا ~~يجوز بيع بعضها ببعض مجازفة وكذا الشراء بالدراهم المغشوشة من الأنواع ~~الثلاثة عددا حكمه حكم الاستقراض سواء، # PageV05P197 # فلا يجوز الشراء بالنوع الأول إلا وزنا؛ لأنها في حكم الجياد، وأنها ~~وزنية - فلم يجز الشراء بها إلا وزنا إذا لم يكن مشارا إليها. # وكذلك بالنوع الثالث لما ذكرنا في الاستقراض وأما النوع الثالث فالأمر ~~فيه على التفصيل الذي ذكرناه في الاستقراض أن الناس إن كانوا يتبايعون بها ~~وزنا لا عددا لا يجوز لأحد أن يبتاع بها عددا؛ لأن الوزن صفة أصلية ~~للدراهم، وإنما تصير عددية بتعامل الناس، فإن جرى التعامل بها وزنا لا عددا ~~فقد تقررت الصفة الأصلية وبقيت وزنية، فإذا اشترى بها عددا على غير وزن - ~~والعدد هدر ولم توجد الإشارة - فقد بقي الثمن مجهولا جهالة مفضية إلى ~~المنازعة؛ لأنه لا يدرى ما وزن هذا القدر من العدد المسمى فيوجب فساد ~~العقد، بخلاف ما إذا اشترى بها عددا على غير وزن ولكن أشار إليها فيما ~~يكتفى فيه بالإشارة حيث يجوز؛ لأن مقدار وزنها. # وإن كان مجهولا بعد الإشارة إليها لكن هذه جهالة لا تفضي إلى المنازعة؛ ~~لأنه يمكن معرفة مقدار المشار إليه بالوزن إذا كان قائما، فلا يمنع جواز ~~العقد وإن كانوا يتبايعون بها عددا جاز؛ لأنها صارت عددية بتعامل ms3053 الناس، ~~وصارت كالفلوس الرائجة، هذا إذا اشترى بالأنواع الثلاثة عددا على وزن ولم ~~يعينها فأما إذا عينها واشترى بها عرضا بأن قال: اشتريت هذا العرض بهذه ~~الدراهم، وأشار إليها - فلا شك في جواز الشراء بها، ولا تتعين بالإشارة ~~إليها، ولا يتعلق العقد بعينها، حتى لو هلكت قبل أن ينقدها المشتري لا يبطل ~~البيع، ويعطى مكانها مثلها من جنسها ونوعها وقدرها وصفتها. # (أما) النوع الأول فلأنها بمنزلة الدراهم الجياد، وأنها لا تتعين ~~بالإشارة إليها، ولا يبطل البيع بهلاكها فكذا هذه. # (وأما) النوع الثاني فلأن الصفة فيها إن كانت هي الغالبة على ما يقوله ~~السباكون - فهي في حكم النوع الأول. # وإن لم يغلب أحدهما على الآخر يعتبر كل واحد منهما بحياله، فلا يبطل ~~البيع أيضا؛ لأن اعتبار الفضة لا يوجب البطلان؛ لأنها لا تتعين، واعتبار ~~الصفر يوجب؛ لأنه يتعين فلا يبطل بالشك. # (وأما) النوع الثالث فلأن الناس إن كانوا يتعاملون بها وزنا فهي وسائر ~~الدراهم سواء، فلا تتعين بالإشارة، ويتعلق العقد بمثلها في الذمة لا ~~بعينها، فلا يبطل البيع بهلاكها وإن كانوا يتعاملون بها عددا فهي بمنزلة ~~الفلوس الرائجة، وإنها إذا قوبلت بخلاف جنسها في المعاوضات لا تتعين ولا ~~يتعلق العقد بعينها بل بمثلها عددا، ولا يبطل بهلاكها، كذا هذا ولو كسد هذا ~~النوع من الدراهم وصارت لا تروج بين الناس - فهي بمنزلة الفلوس الكاسدة ~~والستوق والرصاص حتى تتعين بالإشارة إليها، ويتعلق العقد بعينها حتى يبطل ~~العقد بهلاكها قبل القبض؛ لأنها صارت سلعة، لكن قالوا: هذا إذا كان ~~العاقدان عالمين بحال هذه، ويعلم كل واحد منهما أن الآخر يعلم بذلك. # فأما إذا كانا لا يعلمان، أو يعلم أحدهما ولم يعلم الآخر، أو يعلمان لكن ~~لا يعلم كل واحد منهما أن صاحبه يعلم - فإن العقد لا يتعلق بالمشار إليه ~~ولا بجنسها، وإنما يتعلق بالدراهم الرائجة التي عليها تعامل الناس في تلك ~~البلد هذا إذا صارت بحيث لا تروج أصلا، فأما إذا كانت يقبلها البعض دون ~~البعض فحكمها حكم الدراهم الزائفة، فيجوز الشراء بها، ms3054 ولا يتعلق العقد ~~بعينها، بل يتعلق بجنس تلك الدراهم الزيوف إن كان البائع يعلم بحالها خاصة؛ ~~لأنه رضي بجنس الزيوف، وإن كان البائع لا يعلم لا يتعلق العقد بجنس المشار ~~إليه، وإنما يتعلق بالجيد من نقد تلك البلد؛ لأنه لم يرض إلا به إذا كان لا ~~يعلم بحالها والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # ثم إنما لا يبطل البيع بهلاك الدراهم في الأنواع الثلاثة بعد الإشارة ~~إليها إذا كان علم عددها أو وزنها قبل الهلاك؛ لأنه إذا كان علم ذلك يمكن ~~إعطاء مثلها بعد هلاكها، فأما إذا كان لم يعلم لا عددها ولا وزنها حتى هلكت ~~- يبطل البيع؛ لأن الثمن صار مجهولا، إذ المشتري لا يمكنه إعطاء مثل ~~الدراهم المشار إليها. # (ومنها) الخلو من شبهة الربا لأن الشبهة ملحقة بالحقيقة في باب الحرمات ~~احتياطا، وأصله ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لوابصة ~~بن معبد - رضي الله عنه -: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، ~~فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ، وعلى هذا يخرج ما إذا باع رجل شيئا نقدا ~~أو نسيئة، وقبضه المشتري ولم ينقد ثمنه - أنه لا يجوز لبائعه أن يشتريه من ~~مشتريه بأقل من ثمنه الذي باعه منه عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - ~~يجوز. # (وجه) قوله أن هذا بيع استجمع شرائط جوازه، وخلا عن الشروط المفسدة إياه، ~~فلا معنى للحكم بفساده، كما إذا اشتراه بعد نقد الثمن ولنا ما روي أن امرأة ~~جاءت إلى سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - وقالت: إني ابتعت # PageV05P198 # خادما من زيد بن أرقم بثمانمائة، ثم بعتها منه بستمائة فقالت سيدتنا ~~عائشة - رضي الله عنها -: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدا أن الله ~~- تعالى - قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لم يتب. # (ووجه) الاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنها ألحقت بزيد وعيدا لا يوقف ~~عليه بالرأي، وهو بطلان الطاعة بما سوى الردة، فالظاهر أنها قالته سماعا من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا ms3055 يلتحق الوعيد إلا بمباشرة المعصية، ~~فدل على فساد البيع؛ لأن البيع الفاسد معصية. # والثاني: أنها - رضي الله عنها - سمت ذلك بيع سوء وشراء سوء، والفاسد هو ~~الذي يوصف بذلك لا الصحيح، ولأن في هذا البيع شبهة الربا؛ لأن الثمن الثاني ~~يصير قصاصا بالثمن الأول، فبقي من الثمن الأول زيادة لا يقابلها عوض في عقد ~~المعاوضة، وهو تفسير الربا، إلا أن الزيادة ثبتت بمجموع العقدين فكان ~~الثابت بأحدهما شبهة الربا، والشبهة في هذا الباب ملحقة بالحقيقة، بخلاف ما ~~إذا نقد الثمن؛ لأن المقاصة لا تتحقق بعد الثمن فلا تتمكن الشبهة بالعقد، ~~ولو نقدا الثمن كله إلا شيئا قليلا فهو على الخلاف، ولو اشترى ما باع بمثل ~~ما باع قبل نقد الثمن جاز بالإجماع لانعدام الشبهة، وكذا لو اشتراه بأكثر ~~مما باع قبل نقد الثمن، ولأن فساد العقد معدول به عن القياس، وإنما عرفناه ~~بالأثر، والأثر جاء في الشراء بأقل من الثمن الأول، فبقي ما وراءه على أصل ~~القياس. # هذا إذا اشتراه بجنس الثمن الأول، فإن اشتراه بخلاف الجنس جاز؛ لأن الربا ~~لا يتحقق عند اختلاف الجنس إلا في الدراهم والدنانير خاصة استحسانا، ~~والقياس أن لا يجوز؛ لأنهما جنسان مختلفان حقيقة فالتحقا بسائر الأجناس ~~المختلفة. # (وجه) الاستحسان أنهما في الثمنية كجنس واحد فيتحقق الربا بمجموع ~~العقدين، فكان في العقد الثاني شبهة الربا، وهي الربا من وجه ولو تعيب ~~المبيع في يد المشتري فباعه من بائعه بأقل مما باعه - جاز؛ لأن نقصان الثمن ~~يكون بمقابلة نقصان العيب، فيلتحق النقصان بالعدم كأنه باعه بمثل ما ~~اشتراه، فلا تتحقق شبهة الربا ولو خرج المبيع من ملك المشتري فاشتراه ~~البائع من المالك الثاني بأقل مما باعه قبل نقد الثمن - جاز؛ لأن اختلاف ~~الملك بمنزلة اختلاف العين فيمنع تحقق الربا. # ولو مات المشتري فاشتراه البائع من وارثه بأقل مما باع قبل نقد الثمن - ~~لم يجز؛ لأن الملك هناك لم يختلف، وإنما قام الوارث مقام المشتري، بدليل ~~أنه يرد بالعيب ويرد عليه وكذا لو كان المبيع جارية فاستولدها ms3056 الوارث، أو ~~كان دارا فبنى عليها، ثم ورد الاستحقاق فأخذ منه قيمة الولد، ونقض عليه ~~البناء - كان للوارث أن يرجع على بائع المورث بقيمة الولد وقيمة البناء كما ~~كان يرجع المشتري لو كان حيا؛ لأن الوارث قائم مقام المشتري، فكان الشراء ~~منه بمنزلة الشراء من المشتري فرق بين هذا وبين ما إذا مات البائع فاشترى ~~وارثه من المشتري بأقل مما باع قبل نقد الثمن - أنه يجوز إذا كان الوارث ~~ممن تجوز شهادته للبائع في حال حياته. # (ووجه) الفرق أن الوارث يقوم مقام المورث فيما ورثه، ووارث المشتري ورث ~~عين المبيع فقام مقامه في عينه، فكان الشراء منه كالشراء من المشتري فلم ~~يجز، ووارث البائع ورث الثمن والثمن في ذمة المشتري، وما عين في ذمة ~~المشتري لا يحتمل الإرث، فلم يكن ذلك عين ما ورثه عن البائع، فلم يكن وارث ~~البائع مقامة فيما ورثه. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه لا يجوز الشراء من وارث البائع، كما ~~لا يجوز الشراء من وارث المشتري؛ لأن الوارث خلف المورث، فالمشتري قائم ~~مقامه كأنه هو ولو باعه المشتري من غيره فعاد المبيع إلى ملكه فاشتراه بأقل ~~مما باع - فهذا لا يخلو إما إن عاد إليه بملك جديد، وإما إن عاد إليه على ~~حكم الملك الأول فإن عاد إليه بملك جديد كالشراء والهبة والميراث والإقالة ~~قبل القبض وبعده، والرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء القاضي، ونحو ذلك من ~~أسباب تجديد الملك - جاز الشراء منه بأقل مما باع؛ لأن اختلاف الملك بمنزلة ~~اختلاف العين. # وإن عاد إليه على حكم الملك الأول كالرد بخيار الرؤية، والرد بخيار الشرط ~~قبل القبض وبعده، بقضاء القاضي وبغير قضاء القاضي، والرد بخيار العيب قبل ~~القبض بقضاء القاضي وبغير قضاء القاضي، وبعد القبض بقضاء القاضي - لا يجوز ~~الشراء منه بأقل مما باع؛ لأن الرد في هذه المواضع يكون فسخا، والفسخ يكون ~~رفعا من الأصل وإعادة إلى قديم الملك كأنه لم يخرج عن ملكه أصلا، ولو كان ~~كذلك لكان لا يجوز له ms3057 الشراء، فكذا هذا. # ولو لم يشتره البائع لكن اشتراه بعض من لا تجوز شهادته له كالوالدين ~~والمولودين والزوج والزوجة # PageV05P199 # لا يجوز عند أبي حنيفة - رحمه الله - كما لا يجوز من البائع، وعند أبي ~~يوسف ومحمد يجوز كما يجوز من الأجنبي. # (وجه) قولهما إن كل واحد منهما أجنبي عن ملك صاحبه لانفصال ملكه عن ملك ~~صاحبه فيقع عقد كل واحد منهما له لا لصاحبه كسائر الأجانب، ثم شراء الأجنبي ~~لنفسه جائز فكذا شراؤه لصاحبه ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن كل واحد منهما ~~يبيع بمال صاحبه عادة حتى لا تقبل شهادة أحدهما لصاحبه فكان معنى ملك كل ~~واحد منهما ثابتا لصاحبه فكان عقده واقعا لصاحبه من وجه فيؤثر في فساد ~~العقد احتياطا في باب الربا ولو باع المولى ثم اشتراه مدبره أو مكاتبه أو ~~بعض مماليكه ولا دين عليه أو عليه دين بأقل مما باع المولى لا يجوز كما لا ~~يجوز عن المولى. # وكذا لو باع المدبر أو المكاتب أو بعض مماليكه ثم اشتراه المولى لا يجوز ~~لأن عقد هؤلاء يقع للمولى من وجه، ولو كان وكيلا فباع واشترى بأقل مما باع ~~قبل نقد الثمن لا يجوز كما لو باع واشترى الموكل لنفسه لأن المانع تمكن ~~شبهة الربا وأن لا يفصل بين الوكيل والموكل ولذا سيدتنا عائشة - رضي الله ~~عنها - لم تستفسر السائلة أنها مالكة أو وكيلة ولو كان الحكم يختلف ~~لاستفسرت، وكذا لو باع الوكيل ثم اشتراه الموكل لم يجز؛ لأنه لو اشتراه ~~وكيله لم يجز فإذا اشتراه بنفسه أولى أن لا يجوز وكذا لو باعه الوكيل، ثم ~~اشتراه بعض من لا تجوز شهادة الوكيل له أو بعض من لا تجوز شهادة الموكل له ~~لم يجز عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما يجوز على ما مر. # ولو باع، ثم وكل بنفسه إنسانا بأن يشتري له ذلك الشيء بأقل مما باع قبل ~~نقد الثمن فاشتراه الوكيل فهو جائز للوكيل، والثمنان يلتقيان قصاصا، ~~والزيادة من الثمن الأول ولا تطيب للبائع ويكون ملكا له، ms3058 وهذا قول أبي ~~حنيفة وقال أبو يوسف: التوكيل فاسد ويكون الوكيل مشتريا لنفسه وقال محمد: ~~التوكيل صحيح إلا أنه إذا اشتراه الوكيل يكون مشتريا للبائع شراء فاسدا ~~ويملكه البائع ملكا فاسدا وهذا بناء على أصل لهم فأصل أبي حنيفة أنه ينظر ~~إلى العاقد ويعتبر أهليته ولا يعتبر أهلية من يقع له حكم العقد؛ ولهذا قال: ~~إن المسلم إذا وكل ذميا بشراء الخمر أو بيعها أنه يجوز، وكذا المحرم إذا ~~وكل حلالا ببيع صيد له أو بشراء صيد جاز التوكيل عنده، وتعتبر أهلية ~~الوكيل. # وأصل أبي يوسف ومحمد أنهما يعتبران أهلية العقد للعقد والمعقود له جميعا ~~حتى لم يجز التوكيل عندهما في المسألتين، إلا أن محمدا خالف أبا يوسف في ~~هذه المسألة وترك أصله حيث قال بصحة التوكيل ولم ينظر إلى الموكل، وعلى هذا ~~الخلاف إذا وكل المسلم ذميا بأن يشتري له من ذمي عبده بخمر وغير ذلك العبد ~~ففعل الوكيل صح الشراء عند أبي حنيفة ويكون العبد للموكل وعلى الوكيل ~~للبائع الخمر، وهو يرجع بقيمة الخمر على موكله، وعند أبي يوسف التوكيل فاسد ~~ويكون الوكيل مشتريا لنفسه، وعند محمد التوكيل صحيح ويكون مشتريا للموكل ~~شراء فاسدا ولو باع بألف درهم حالة، ثم اشتراه بألف درهم مؤجلة فالشراء ~~فاسد لأنه اشترى ما باع بأقل مما باع من حيث المعنى، لأن الحالة خير من ~~المؤجلة وكذا لو باع بألف مؤجلة، ثم اشتراه بألف مؤجلة إلى أبعد من ذلك ~~الأجل فهو فاسد لما قلنا. # ولو باع عبدا بألف وقبضه المشتري ثم اشتراه البائع وعبدا آخر قبل نقد ~~الثمن فإن الثمن يقسم عليهما على قدر قيمتيهما ثم ينظر فإن كانت حصة العبد ~~الذي باعه مثل ثمنه أو أكثر جاز الشراء فيهما جميعا، أما في الذي لم يبعه ~~فظاهر وكذا في الذي باعه، لأنه اشترى ما باع بمثل ما باع أو بأكثر مما باع ~~قبل نقد الثمن وإنه جائز وإن كان أقل من ثمنه يفسد البيع فيه ولا يفسد في ~~الآخر، لأن الفساد لكونه شراء ms3059 ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن وذلك وجد ~~في أحدهما دون الآخر وهذا على أصلهما ظاهر، وكذا على أصل أبي حنيفة فكان ~~ينبغي أن يفسد فيهما، لأن من أصله أن الصفقة متى اشتملت على إبدال وفسدت في ~~بعضها أن يتعدى الفساد إلى الكل كما إذا جمع بين حر وعبد وباعهما جميعا ~~صفقة واحدة. # وإنما لم يفسد فيهما، لأن الفساد هناك باعتبار أنه لما جمع بين الحر ~~والعبد وباعهما صفقة واحدة فقد جعل قبول العقد في أحدهما شرطا لقبول العقد ~~في الآخر، والحر ليس بمحل لقبول العقد فيه بيقين فلا يصح القبول فيه فلا ~~يصح في الآخر فلم ينعقد العقد أصلا والفساد ههنا باعتبار شراء ما باع بأقل ~~مما باع وذلك وجد في أحدهما دون الآخر، فيفسد في أحدهما دون الآخر لأن ~~الأصل اقتصار الفساد على قدر المفسد، ولهذا لو جمع بين عبدين وباع أحدهما ~~إلى الحصاد أو الدياس أن البيع يفسد فيما # PageV05P200 # في بيعه أجل ولا يفسد في الآخر، وكذا لو جمع بين قن ومدبر وباعهما صفقة ~~واحدة يصح البيع في القن ويفسد في المدبر لوجود المفسد في أحدهما دون الآخر ~~كذا هذا. # (ومنها) قبض رأس المال في بيع الدين بالعين. # وهو السلم، والكلام في السلم في الأصل في ثلاثة مواضع. # أحدها: في بيان ركنه، والثاني: في بيان شرائط الركن، والثالث: في بيان ما ~~يجوز من التصرف في المسلم فيه وما لا يجوز. # أما ركن السلم فهو لفظ السلم والسلف والبيع بأن يقول رب السلم: أسلمت ~~إليك في كذا أو أسلفت؛ لأن السلم والسلف مستعملان بمعنى واحد، يقال: سلفت ~~وأسلفت وأسلمت بمعنى واحد فإذا قال المسلم إليه: قبلت فقد تم الركن، وكذا ~~إذا قال المسلم إليه: بعت منك كذا وذكر شرائط السلم، فقال رب السلم: قبلت، ~~وهذا قول علمائنا الثلاثة، وقال زفر: لا ينعقد إلا بلفظ السلم، لأن القياس ~~أن لا ينعقد أصلا، لأنه بيع ما ليس عند الإنسان وأنه منهي عنه إلا أن الشرع ~~ورد بجوازه بلفظ ms3060 السلم بقوله: ورخص في السلم. # (ولنا) أن السلم بيع فينعقد بلفظ البيع، والدليل على أنه بيع ما روي أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في ~~السلم» نهى - عليه الصلاة والسلام - عن بيع ما ليس عند الإنسان عاما، ورخص ~~السلم بالرخصة فيه فدل أن السلم بيع ما ليس عند الإنسان ليستقيم تخصيصه عن ~~عموم النهي بالترخص فيه. ### | [فصل في شرائط الركن وهي نوعان نوع يرجع إلى نفس العقد ونوع يرجع إلى البدل] # (فصل) : # وأما شرائط الركن فهي في الأصل نوعان: نوع يرجع إلى نفس العقد، ونوع يرجع ~~إلى البدل. # (أما) الذي يرجع إلى نفس العقد فواحد وهو أن يكون العقد باتا عاريا عن ~~شرط الخيار للعاقدين أو لأحدهما، لأن جواز البيع مع شرط الخيار في الأصل ~~ثبت معدولا به عن القياس، لأنه شرط يخالف مقتضى العقد بثبوت الحكم للحال، ~~وشرط الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم، ومثل هذا الشرط مفسد للعقد في ~~الأصل إلا أنا عرفنا جوازه بالنص، والنص ورد في بيع العين فبقي ما وراءه ~~على أصل القياس، خصوصا إذا لم يكن في معناه، والسلم ليس في معنى بيع العين ~~فيما شرع له الخيار، لأنه شرع لدفع الغبن، والسلم مبناه على الغبن ووكس ~~الثمن، لأنه بيع المفاليس فلم يكن في معنى مورد النص فورود النص هناك لا ~~يكون ورودا ههنا دلالة فبقي الحكم فيه للقياس، ولأن قبض رأس المال من شرائط ~~الصحة على ما نذكره، ولا صحة للقبض إلا في الملك. # وخيار الشرط يمنع ثبوت الملك فيمنع المستحق صحة القبض بخلاف المستحق أنه ~~لا يبطل السلم حتى لو استحق رأس المال وقد افترقا عن القبض وأجاز المستحق ~~فالسلم صحيح؛ لأنه لما أجاز تبين أن العقد وقع صحيحا من حين وجوده، وكذا ~~القبض إذ الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة وبخلاف خيار الرؤية ~~والعيب؛ لأنه لا يمنع ثبوت الملك فلا يمنع صحة القبض، ولو أبطل صاحب الخيار ~~خياره قبل الافتراق بأبدانهما. # ورأس ms3061 المال قائم في يد المسلم إليه ينقلب العقد جائزا عندنا خلافا لزفر، ~~وقد مرت المسألة، وإن كان هالكا أو مستهلكا لا ينقلب إلى الجواز بالإجماع؛ ~~لأن رأس المال يصير دينا على المسلم إليه، والسلم لا ينعقد برأس مال دين ~~فلا ينعقد عليه أيضا. # (وأما) الذي يرجع إلى البدل فأنواع ثلاثة: نوع يرجع إلى رأس المال خاصة، ~~ونوع يرجع إلى المسلم فيه خاصة، ونوع يرجع إليهما جميعا (أما) الذي يرجع ~~إلى رأس المال. # فأنواع. # (منها) بيان جنسه كقولنا: دراهم أو دنانير أو حنطة أو تمر. # (ومنها) بيان نوعه إذا كان في البلد نقود مختلفة كقولنا: دراهم فتحية أو ~~دنانير نيسابورية أو حنطة سقية أو تمر برني. # (ومنها) بيان صفته كقولنا: جيد أو وسط أو رديء؛ لأن جهالة الجنس والنوع ~~والصفة مفضية إلى المنازعة، وإنها مانعة صحة البيع لما ذكرنا من الوجوه ~~فيما تقدم. # (ومنها) بيان قدره. # إذا كان مما يتعلق العقد بقدره من المكيلات والموزونات والمعدودات ~~المتقاربة، ولا يكتفى بالإشارة إليه، وهذا قول أبي حنيفة وسفيان الثوري ~~وأحد قولي الشافعي، وقال أبو يوسف ومحمد: ليس بشرط، والتعيين بالإشارة كاف ~~وهو أحد قولي الشافعي - رحمه الله -. # ولو كان رأس المال مما لا يتعلق العقد بقدره من الذرع يات والعدديات ~~المتفاوتة. # لا يشترط إعلام قدره ويكتفى بالإشارة بالإجماع، وكذا إعلام قدر الثمن في ~~بيع العين ليس بشرط، والإشارة كافية بالإجماع وصورة المسألة إذا قال: أسلمت ~~إليك هذه الدراهم أو هذه الدنانير ولا يعرف وزنها أو هذه الصبرة ولم يعرف ~~كيلها لا يجوز عند أبي حنيفة وعندهما يجوز، ولو قال # PageV05P201 # أسلمت إليك هذا الثوب ولم يعرف ذرعه أو هذا القطيع من الغنم ولم يعرف ~~عدده جاز بالإجماع. # (وجه) قولهما: أن الحاجة إلى تعيين رأس المال وأنه حصل بالإشارة إليه فلا ~~حاجة إلى إعلام قدره، ولهذا لم يشترط إعلام قدر الثمن في بيع العين ولا في ~~السلم إذا كان رأس المال مما يتعلق العقد بقدره ولأبي حنيفة - رحمه الله - ~~أن جهالة قدر رأس المال تؤدي ms3062 إلى جهالة قدر المسلم فيه وأنها مفسدة للعقد ~~فيلزم إعلام قدره صيانة للعقد عن الفساد ما أمكن كما إذا أسلم في المكيل ~~بمكيال نفسه بعينه، ودلالة أنها تؤدي إلى ما قلنا: إن الدراهم على ما عليه ~~العادة لا تخلو عن قليل زيف، وقد يرد الاستحقاق على بعضها فإذا رد الزائف ~~ولم يستبدل في مجلس الرد ولم يتجوز المستحق ينفسخ السلم في المسلم فيه بقدر ~~المردود والمستحق ويبقى في الباقي، وذلك غير معلوم فيصير المسلم فيه مجهول ~~القدر؛ ولهذا لم يصح السلم في المكيلات بقفيز بعينه؛ لأنه يحتمل هلاك ~~القفيز، فيصير المسلم فيه مجهول القدر فلم يصح، كذا هذا بخلاف بيع العين ~~فإن الزيف والاستحقاق هناك لا يؤثر في العقد؛ لأن قبض الثمن غير مستحق، ~~وبخلاف الثياب والعدديات المتفاوتة؛ لأن القدر فيها ملحق بالصفة، ألا ترى ~~أنه لو قال: أسلمت إليك هذا الثوب على أنه عشرة أذرع فوجده المسلم إليه أحد ~~عشر سلمت الزيادة له فثبت أن الزيادة فيها تجري مجرى الصفة، وإعلام صفة رأس ~~المال ليس بشرط لصحة السلم إذا كان معينا مشارا إليه، وعلى هذا الخلاف إذا ~~كان رأس المال جنسا واحدا مما يتعلق العقد على قدره فأسلمه في جنسين ~~مختلفين كالحنطة والشعير أو نوعين مختلفين من جنس واحد كالهروي والمروي ولم ~~يبين حصة كل واحد منهما فالسلم فاسد عند أبي حنيفة وعندهما جائز. # ولو كان جنسا واحدا مما لا يتعلق العقد على قدره كالثوب والعددي المتفاوت ~~فأسلمه في شيئين مختلفين ولم يبين حصة كل واحد منهما من ثمن رأس المال، ~~فالثمن جائز بالإجماع، ولو كان رأس المال من جنسين مختلفين أو نوعين ~~مختلفين فأسلمهما في جنس واحد فهو على الاختلاف، والكلام في هذه المسألة ~~بناء على الأصل الذي ذكرنا أن كون رأس المال معلوم القدر شرط لصحة السلم ~~عند أبي حنيفة وعندهما ليس بشرط. # (ووجه) البناء على هذا الأصل أن إعلام القدر لما كان شرطا عنده فإذا كان ~~رأس المال واحدا وقوبل بشيئين مختلفين كان انقسامه عليهما من ms3063 حيث القيمة لا ~~من حيث الأجزاء، وحصة كل واحد منهما من رأس المال لا تعرف إلا بالحزر والظن ~~فيبقى قدر حصة كل واحد منهما من رأس المال مجهولا، وجهالة قدر رأس المال ~~مفسدة للسلم عنده وعندهما إعلام قدره ليس بشرط فجهالته لا تكون ضارة. # ولو أسلم عشرة دراهم في ثوبين جنسهما واحد ونوعهما واحد وصفتهما واحدة ~~وطولهما واحد ولم يبين حصة كل واحد منهما من العشرة فالسلم جائز بالإجماع. # (أما عندهما) فظاهر؛ لأن إعلام قدر رأس المال ليس بشرط، وأما عنده فلأن ~~حصة كل واحد منهما من رأس المال تعرف من غير حزر وظن فكان قدر رأس المال ~~معلوما وصار كما إذا أسلم عشرة دراهم في قفيزي حنطة ولم يبين حصة كل قفيز ~~من رأس المال أنه يجوز لما قلنا كذا هذا، ولو قبض الثوبين بعد محل الأجل ~~ليس له أن يبيع أحدهما مرابحة على خمسة دراهم عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ~~ومحمد له ذلك وله أن يبيعهما جميعا مرابحة على عشرة بالإجماع، وكذا لو كان ~~بين حصة كل ثوب خمسة دراهم له أن يبيع أحدهما على خمسة مرابحة بلا خلاف، ~~ونذكر دلائل هذه الجملة في مسائل المرابحة إن شاء الله تعالى. # ؛ (ومنها) أن يكون مقبوضا في مجلس السلم لأن المسلم فيه دين، والافتراق ~~لا عن قبض رأس المال يكون افتراقا عن دين بدين وإنه منهي عنه لما روي أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» أي النسيئة ~~بالنسيئة، ولأن مأخذ هذا العقد دليل على هذا الشرط فإنه يسمى سلما وسلفا ~~لغة وشرعا، تقول العرب: أسلمت وأسلفت بمعنى واحد، وفي الحديث «من أسلم ~~فليسلم في كيل معلوم» وروي «من سلف فليسلف في كيل معلوم» والسلم ينبئ عن ~~التسليم، والسلف ينبئ عن التقدم فيقتضي لزوم تسليم رأس المال ويقدم قبضه ~~على قبض المسلم فيه، فإن قيل: شرط الشيء يسبقه أو يقارنه، والقبض يعقب ~~العقد فكيف يكون شرطا؟ فالجواب أن القبض شرط بقاء العقد على الصحة ms3064 لا شرط ~~الصحة فإن العقد ينعقد صحيحا بدون قبض، ثم يفسد بالافتراق لا عن قبض وبقاء ~~العقد صحيحا يعقب # PageV05P202 # العقد ولا يتقدمه فيصلح القبض شرطا له، وسواء كان رأس المال دينا أو عينا ~~عند عامة العلماء استحسانا. # والقياس أن لا يشترط قبضه في المجلس إذا كان عينا، وهو قول مالك - رحمه ~~الله -. # (وجه) القياس أن اشتراط القبض للاحتراز عن الافتراق عن دين بدين، وهذا ~~افتراق عن عين بدين وإنه جائز. # (وجه) الاستحسان أن رأس مال السلم يكون دينا عادة ولا تجعل العين رأس مال ~~السلم إلا نادرا، والنادر حكمه حكم الغائب فيلحق بالدين على ما هو الأصل في ~~الشرع في إلحاق المفرد بالجملة، ولأن مأخذ العقد في الدلالة على اعتبار هذا ~~الشرط لا يوجب الفصل بين الدين والعين على ما ذكرنا، وسواء قبض في أول ~~المجلس أو في آخره فهو جائز؛ لأن ساعات المجلس لها حكم ساعة واحدة، وكذا لو ~~لم يقبض حتى قاما يمشيان فقبض قبل أن يفترقا بأبدانهما. # جاز؛ لأن ما قبل الافتراق بأبدانهما له حكم المجلس وعلى هذا يخرج الإبراء ~~عن رأس مال السلم أنه لا يجوز بدون قبول رب السلم؛ لأن قبض رأس المال شرط ~~صحة السلم فلو جاز الإبراء من غير قبوله وفيه إسقاط هذا الشرط أصلا لكان ~~الإبراء فسخا معنى، وأحد العاقدين لا ينفرد بفسخ العقد فلا يصح الإبراء ~~وبقي عقد السلم على حاله، وإذا قبل جاز الإبراء؛ لأن الفسخ حينئذ يكون ~~بتراضيهما وإنه جائز. # وإذا جاز الإبراء وإنه في معنى الفسخ انفسخ العقد ضرورة بخلاف الإبراء عن ~~المسلم فيه أنه جائز من غير قبول المسلم إليه؛ لأنه ليس في الإبراء عنه ~~إسقاط شرط؛ لأن قبض المسلم فيه ليس بشرط فيصح من غير قبول وبخلاف الإبراء ~~عن ثمن المبيع أنه يصح من غير قبول المشتري، إلا أنه يرتد بالرد؛ لأن قبض ~~الثمن ليس بشرط لصحة البيع إلا أنه يرتد بالرد، لأن في الإبراء معنى ~~التمليك على سبيل التبرع فلا يلزم دفعا لضرر المنة، ولا ms3065 يجوز الإبراء عن ~~المبيع؛ لأنه عين. # والإبراء إسقاط، وإسقاط الأعيان لا يعقل وعلى هذا يخرج الاستبدال برأس ~~مال السلم في مجلس العقد أنه لا يجوز وهو أن يأخذ برأس مال السلم شيئا من ~~غير جنسه؛ لأن قبض رأس المال لما كان شرطا فبالاستبدال يفوت قبضه حقيقة، ~~وإنما يقبض بدله وبدل الشيء غيره، وكذلك الاستبدال ببدل الصرف لما قلنا، ~~فإن أعطي رب السلم من جنس رأس المال أجود أو أردأ، ورضي المسلم إليه ~~بالأردإ: جاز، لأنه قبض جنس حقه، وإنما اختلف الوصف، فإن كان أجود فقد قضى ~~حقه وأحسن في القضاء، وإن كان أردأ فقد قضى حقه أيضا، لكن على وجه النقصان ~~فلا يكون أخذ الأجود، والأردإ استبدالا، إلا أنه لا يجبر على أخذ الأردإ؛ ~~لأن فيه فوات حقه عن صفة الجودة فلا بد من رضاه، وهل يجبر على الأخذ إذا ~~أعطاه أجود من حقه؟ قال علماؤنا الثلاثة - رحمهم الله -: يجبر عليه، وقال ~~زفر لا: يجبر. # (وجه) قوله: إن رب السلم في إعطاء الزيادة على حقه متبرع، والمتبرع عليه ~~لا يجبر على قبول التبرع لما فيه من إلزام المنة فلا يلزمه من غير التزامه. # (ولنا) أن إعطاء الأجود مكان الجيد في قضاء الديون لا يعد فضلا وزيادة في ~~العادات، بل يعد من باب الإحسان في القضاء ولواحق الإيفاء فإذا أعطاه ~~الأجود فقد قضى حق صاحب الحق وأجمل في القضاء فيجبر على الأخذ. # (وأما) الاستبدال بالمسلم فيه بجنس آخر فلا يجوز أيضا لكن بناء على أصل ~~آخر ذكرناه فيما تقدم، وهو أن المسلم فيه مبيع منقول، وبيع المبيع المنقول ~~قبل القبض لا يجوز، وإن أعطى أجود أو أردأ فحكمه حكم رأس المال، وقد ~~ذكرناه. # (وأما) استبدال رأس مال السلم بجنس آخر بعد الإقالة أو بعد انفساخ السلم ~~العارض فلا يجوز عندنا خلافا لزفر، ويجوز استبدال بدل الصرف بعد الإقالة ~~بالإجماع، وقد مر الكلام فيه، والفرق فيما تقدم، وتجوز الحوالة برأس مال ~~السلم على رجل حاضر، والكفالة به لوجود ركن هذه العقود مع ms3066 شرائطه فيجوز كما ~~في سائر العقود فلو امتنع الجواز فإنما يمتنع لمكان الخلل في شرط عقد السلم ~~وهو القبض، وهذه العقود لا تخل بهذا الشرط، بل تحققه لكونها وسائل إلى ~~استيفاء الحق فكانت مؤكدة له هذا مذهب أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله - وقال ~~زفر: لا يجوز؛ لأن هذه العقود شرعت لتوثيق حق يحتمل التأخر عن المجلس فلا ~~يحصل ما شرع له العقد فلا يصح. # وهذا غير سديد، لأن معنى التوثيق يحصل في الحقين جميعا فجاز العقد فيهما ~~جميعا، ثم إذا جازت الحوالة والكفالة، فإن قبض المسلم إليه رأس مال السلم ~~من المحال عليه أو الكفيل أو من رب السلم فقد تم العقد بينهما إذا كانا في ~~المجلس، سواء بقي الحويل والكفيل أو افترقا بعد أن كان العاقدان في المجلس، ~~وإن افترقا العاقدان بأنفسهما قبل القبض # PageV05P203 # بطل السلم وبطلت الحوالة والكفالة، وإن بقي المحال عليه والكفيل في ~~المجلس، فالعبرة لبقاء العاقدين وافتراقهما لا لبقاء الحويل والكفيل ~~وافتراقهما؛ لأن القبض من حقوق العقد، وقيام العقد بالعاقدين، فكان المعتبر ~~مجلسهما، وعلى هذا الحوالة والكفالة ببدل الصرف أنهما جائزان لما قلنا، لكن ~~التقابض من الجانبين قبل تفرق العاقدين بأبدانهما شرط، وافتراق المحال عليه ~~والكفيل لا يضر لما ذكرنا، فإن افترق العاقدان بأبدانهما قبل التقابض من ~~الجانبين بطل الصرف وبطلت الحوالة والكفالة كما في السلم. # (وأما) الرهن برأس مال السلم فإن هلك الرهن في المجلس، وقيمته مثل رأس ~~المال أو أكثر فقد تم العقد بينهما؛ لأنه حصل مستوفيا لرأس المال؛ لأن قبض ~~الرهن قبض استيفاء؛ لأنه قبض مضمون، وقد تقرر الضمان بالهلاك وعلى الراهن ~~مثله من جنسه في المالية فيتقاصان فحصل الافتراق عن قبض رأس المال فتم عقد ~~السلم، وإن كانت قيمته أقل من رأس المال تم العقد بقدره ويبطل في الباقي؛ ~~لأنه استوفى من رأس المال بقدره، وإن لم يهلك الرهن حتى افترقا بطل السلم ~~لحصول الافتراق لا عن قبض رأس المال، وعليه رد الرهن على صاحبه، وكذا هذا ~~الحكم في بدل الصرف إذا أخذ ms3067 به رهنا أنه إن هلك الرهن قبل افتراق العاقدين ~~بأبدانهما تم عقد الصرف؛ لأنه بالهلاك صار مستوفيا، وإن لم يهلك حتى افترقا ~~بطل الصرف لفوات شرط الصحة وهو القبض كما في السلم، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # وعلى هذا يخرج ما إذا كان رأس المال دينا على المسلم إليه أو على غيره ~~فأسلمه: أنه لا يجوز؛ لأن القبض شرط ولم يوجد حقيقة فيكون افتراقا عن دين ~~بدين وإنه منهي. # فإن نقده في المجلس جاز إن كان الدين على المسلم إليه، ولأن المانع ههنا ~~ليس إلا انعدام القبض حقيقة، وقد زال، وإن كان على غيره لا يجوز، وإن نقده ~~في المجلس لكن هناك مانع آخر وهو العجز عن التسليم؛ لأن ما في ذمة الغير لا ~~يكون مقدور التسليم، والقدرة على التسليم عند العقد من شرائط الصحة على ما ~~مر، وهذا المانع منعدم في الفصل الأول؛ لأن ذمة المسلم إليه في يده فكان ~~قادرا على التسليم عند العقد. # وإنما لم يجز لعدم القبض وإذا وجد جاز، ولو أسلم دينا وعينا وافترقا جاز ~~في حصة العين وبطل في حصة الدين؛ لأن الأصل أن الفساد بقدر المفسد. # والمفسد عدم القبض وإنه يخص الدين فيفسد السلم بقدره كما لو اشترى عبدين ~~ولم يقبضهما حتى هلك أحدهما قبل القبض أنه يبطل العقد في الهالك ويبقى في ~~الآخر لما قلنا كذا هذا، وعلى هذا يخرج ما إذا قبض رأس المال ثم انتقص ~~القبض فيه بمعنى أوجب انتقاصه أنه يبطل السلم. # وبيان ذلك أن جملة رأس المال لا تخلو إما أن تكون عينا وهو ما يتعين ~~بالتعيين، وإما أن تكون دينا وهو ما لا يتعين بالتعيين، والعين لا تخلو إما ~~أن توجد مستحقا أو معيبا، والدين لا يخلو إما أن يوجد مستحقا أو زيوفا أو ~~نبهرجة أو ستوقا أو رصاصا، وكل ذلك لا يخلو إما أن يكون قبل الافتراق أو ~~بعده، وجد كله كذلك أو بعضه دون بعض، وكذلك أحد المتصارفين إذا وجد بدل ~~الصرف كذلك فهو على التفاصيل ms3068 التي ذكرنا، فإن كان رأس المال عينا فوجده ~~المسلم إليه مستحقا أو معيبا. # فإن لم يجز المستحق ولم يرض المسلم إليه بالعيب يبطل السلم، سواء كان بعد ~~الافتراق أو قبله؛ لأنه انتقض القبض فيه بالاستحقاق، والرد بالعيب، ولا ~~يمكن إقامة غيره مقامه في القبض؛ لأنه معين فيحصل الافتراق لا عن قبض رأس ~~المال في المجلس فيبطل السلم. # وإن أجاز المستحق ورضي المسلم إليه بالعيب جاز السلم، سواء كان قبل ~~الافتراق أو بعده؛ لأنه تبين أن قبضه وقع صحيحا فحصل الافتراق عن قبض رأس ~~المال أولا، ولا سبيل للمستحق على المقبوض؛ لأنه لما أجاز فقد صار المقبوض ~~ملكا للمسلم إليه، وله أن يرجع على الناقد بمثله إن كان مثليا وبقيمته إن ~~لم يكن مثليا؛ لأنه أتلف عليه ماله بالتسليم، وكذا في الصرف، غير أن هناك ~~إذا كان البدل المستحق أو المعيب عينا كالتبر، والمصوغ من الفضة ولم يجز ~~المستحق، ولا رضي القابض بالمعيب حتى بطل الصرف يرجع على قابض الدينار بعين ~~الدينار إن كان قائما وبمثله إن كان هالكا، ولا خيار لقابض الدينار في ظاهر ~~الرواية كما في بيع العين إذا استحق المبيع وأخذه المستحق. # ولو كان قابض الدينار تصرف فيه وأخرجه من ملكه لا يفسخ عليه تصرفه، وعليه ~~مثله كما في المقبوض بعقد فاسد. # هذا إذا كان رأس المال عينا فأما إذا كان دينا، فإن وجده مستحقا وأجاز ~~المستحق فالسلم ماض، سواء كان قبل الافتراق أو بعده؛ لأنه ظهر أن القبض كان ~~صحيحا، ولا # PageV05P204 # سبيل للمشتري على المقبوض ويرجع على الناقد بمثله؛ لأنه أتلفه بالتسليم ~~وهو مثلي فيرجع عليه بمثله، وإن لم يجز فإن كان قبل الافتراق واستبدل في ~~المجلس فالسلم ماض؛ لأن رأس المال إذا كان دينا كان الواجب في ذمة رب السلم ~~مثل المستحق لا عينه، فقبض المستحق إن لم يصح أو انتقض بالاستحقاق وعدم ~~الإجازة، يقوم قبض مثله مقامه فيرجع عليه بمثله ويلحق ذلك الذي كان بالعدم ~~كأنه لم يقبض وأخر القبض فيه إلى آخر المجلس، بخلاف ms3069 ما إذا كان عينا؛ لأن ~~المستحق هناك قبض العين. # وقد انتقض القبض فيه بالاستحقاق وتعذر إقامة قبض غيره مقامه فجعل ~~الافتراق لا عن قبض فيبطل العقد، وإن كان بعد الافتراق يبطل السلم؛ لأنه ~~تبين أن الافتراق حصل لا عن قبض رأس المال. # هذا إذا وجده مستحقا، فأما إذا وجده زيوفا أو نبهرجة، فإن تجوز المسلم ~~إليه فالسلم ماض على الصحة، سواء وجده قبل الافتراق أو بعده؛ لأن الزيوف من ~~جنس حقه؛ لأنها دراهم لكنها معيبة بالزيافة وفوات صفة الجودة، فإذا تجوز به ~~فقد أبرأه عن العيب ورضي بقبض حقه مع النقصان، بخلاف الستوق فإنه لا يجوز ~~وإن تجوز به؛ لأنه ليس من جنس الدراهم على ما نذكره، وإن لم يتجوز به ورده، ~~فإن كان قبل الافتراق واستبدله في المجلس، فالعقد ماض وجعل كأنه أخر القبض ~~إلى آخر المجلس، وإن كان بعد الافتراق بطل السلم عند أبي حنيفة وزفر، سواء ~~استبدل في مجلس الرد أو لا، وعند أبي يوسف ومحمد إن لم يستبدل في مجلس الرد ~~فكذلك، وإن استبدل لا يبطل السلم. # (وجه) قولهما: أن قبض الزيوف وقع صحيحا؛ لأنه قبض جنس الحق، ألا يرى أنه ~~لو تجوز بها جاز ولو لم يكن من جنس حقه لما جاز كالستوق، إلا أنه فاتته صفة ~~الجودة بالزيافة فكانت من جنس حقه أصلا لا وصفا فكانت الزيافة فيها عيبا، ~~والمعيب لا يمنع صحة القبض كما في بيع العين إذا كان المبيع معيبا وبالرد ~~ينتقض القبض لكن مقصورا على حالة الرد ولا يستند الانتقاض إلى وقت القبض ~~فيبقى القبض صحيحا، كان ينبغي أن لا يشترط قبض بدله في مجلس الرد؛ لأن ~~المستحق بعقد السلم القبض مرة واحدة، إلا أنه شرط؛ لأن للرد شبها بالعقد ~~حيث لا يجب القبض في مجلس الرد، إلا بالرد كما لا يجب القبض في مجلس العقد، ~~إلا بالعقد فألحق مجلس الرد بمجلس العقد. # (وجه) قول أبي حنيفة وزفر رحمهما الله أن الزيوف من جنس حق المسلم إليه ~~لكن أصلا لا وصفا، ms3070 ولهذا ثبت له حق الرد بفوات حقه عن الوصف فكان حقه في ~~الأصل والوصف جميعا فصار بقبض الزيوف قابضا حقه من حيث الأصل لا من حيث ~~الوصف، إلا أنه إذا رضي به فقد أسقط حقه عن الوصف وتبين أن المستحق هو قبض ~~الأصل دون الوصف لإبرائه إياه عن الوصف، فإذا قبضه فقد قبض حقه فيبطل ~~المستحق، وإن لم يرض به تبين أنه لم يقبض حقه؛ لأن حقه في الأصل والوصف ~~جميعا فتبين أن الافتراق حصل لا عن قبض رأس مال السلم. # هذا إذا وجده زيوفا أو نبهرجة، فأما إذا وجده ستوقا أو رصاصا، فإن وجده ~~بعد الافتراق بطل السلم؛ لأن الستوق ليس من جنس الدراهم، ألا يرى أنها لا ~~تروج في معاملات الناس فلم تكن من جنس حقه أصلا ووصفا فكان الافتراق عن ~~المجلس لا عن قبض رأس المال فيبطل السلم، وسواء تجوز به أو لا؛ لأنه إذا لم ~~يكن من جنس حقه كان التجوز به استبدالا برأس مال السلم قبل القبض وإنه لا ~~يجوز، بخلاف الزيوف فإنها من جنس حقه على ما بينا، وإن وجده في المجلس ~~فاستبدل فالسلم ماض؛ لأن قبضه. # وإن لم يصح فقد بقي الواجب في ذمة رب السلم دراهم هي حق المسلم إليه، ~~فإذا قبضها فقد قبض حقه في المجلس، والتحق قبض الستوق بالعدم كأنه لم يقبض ~~أصلا وأخر قبض رأس المال إلى آخر المجلس، وكذا في الصرف غير أن هناك إذا ~~ظهر أن الدراهم ستوقة أو رصاص بعد الافتراق عن المجلس حتى بطل الصرف فقابض ~~الدينار يسترد دراهمه الستوقة وقابض الدراهم يسترد من قابض الدينار عين ~~ديناره إن كان قائما ومثله إن كان هالكا، ولا خيار لقابض الدينار كذا ذكر ~~محمد في الأصل؛ لأنه إذا ظهر أن المقبوض ستوقة أو رصاص فقد ظهر أن قبضه لم ~~يصح فتبين أن الافتراق حصل لا عن قبض فيبطل السلم وبقي الدينار في يده من ~~غير سبب شرعي فأشبه يد الغصب واستحقاق المبيع في بيع العين، وهناك يسترد ms3071 ~~عينه إن كان قائما كذا ههنا وطعن عيسى بن أبان # وقال: ينبغي أن يكون قابض الدينار بالخيار، إن شاء رد عين الدينار. # وإن شاء # PageV05P205 # رد مثله ولا يستحق عليه رد عين الدينار، وإن كان قائما؛ لأنه لم يكن ~~متعينا في العقد، فلا يكون متعينا في الفسخ، والاعتبار باستحقاق المبيع غير ~~سديد؛ لأن هناك ظهر بطلان العقد من الأصل؛ لأنه إذا لم يجز المستحق تبين أن ~~العقد وقع باطلا من حين وجوده وهناك العقد وقع صحيحا وإنما بطل في المستقبل ~~لعارض طرأ عليه بعد الصحة فلا يظهر بطلانه من الأصل، وبعض مشايخنا أخذوا ~~بقول عيسى ونصروه وحملوا جواب الكتاب على ما إذا اختار قابض الدينار رد عين ~~الدينار، والله سبحانه وتعالى أعلم. # هذا الذي ذكرنا إذا وجد المسلم إليه كان رأس المال مستحقا أو معيبا أو ~~زيوفا أو ستوقا، فأما إذا وجد بعضه دون بعض ففي الاستحقاق إذا لم يجز ~~المستحق ينقص العقد بقدر المستحق، سواء كان رأس المال عينا أو دينا بلا ~~خلاف؛ لأن القبض انتقص فيه بقدره، وكذا في الستوق، والرصاص فبطل العقد ~~بقدره قليلا كان أو كثيرا بالإجماع لما قلنا، وكذا هذا في الصرف غير أن ~~هناك قابض الستوقة يصير شريكا لقابض الدينار في الدينار الذي دفعه بدلا عن ~~الدراهم فيرجع عليه بعينه وعلى قول عيسى: قابض الدينار بالخيار على ما ~~ذكرنا. # وأما في الزيوف، والنبهرجة فقياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن ينقص ~~العقد بقدره إذا لم يتجوز، ورده - استبدل في مجلس الرد أو لا - وهو قول ~~زفر؛ لأنه تبين أن قبض المردود لم يصح فتبين أن الافتراق حصل لا عن قبض رأس ~~المال في قدر المردود فيبطل السلم بقدره، إلا أنه استحسن في القليل، وقال: ~~إن كان قليلا فرده واستبدل في ذلك المجلس فالعقد ماض في الكل، وإن كان ~~كثيرا يبطل العقد بقدر المردود؛ لأن الزيافة في القليل مما لا يمكن التحرز ~~عنه؛ لأن الدراهم لا تخلو عن ذلك فكانت ملحقة بالعدم، بخلاف الكثير واختلفت ~~الرواية ms3072 عن أبي حنيفة في الحد الفاصل بين القليل والكثير مع اتفاق الروايات ~~على أن الثلث قليل وفي رواية عنه أن ما زاد على الثلث يكون كثيرا، وفي ~~رواية النصف، وفي رواية عنه الزائد على النصف، وكذا هذا في الصرف غير أن ~~هناك إذا كثرت الزيوف فرد حتى بطل العقد في قدر المردود عند أبي حنيفة يصير ~~شريكا لقابض الدينار فيسترد منه عينه. # وعلى قول عيسى: قابض الدينار بالخيار على ما بينا ولو كان تصرف فيه أو ~~أخرجه عن ملكه لا يفسخ عليه تصرفه وعليه مثله كما في البيع الفاسد على ما ~~مر، وكل جواب عرفته في السلم والصرف فهو الجواب في عقد تتعلق صحته بالقبض ~~قبل الافتراق مما سوى الصرف والسلم كمن كان له على آخر دنانير فصالح منها ~~على دراهم، أو كان له على آخر مكيل، أو موزون موصوف في الذمة، أو غيرهما ~~مما يثبت مثله في الذمة دينا فصالح منها على دراهم، أو نحو ذلك من العقود ~~مما يكون قبض الدراهم فيه قبل الافتراق عن المجلس شرطا لصحة العقد، فقبض ~~الدراهم، ثم وجدها مستحقة، أو زيوفا، أو نبهرجة، أو ستوقة، أو رصاصا كلها، ~~أو بعضها قبل الافتراق، أو بعده، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وعلى هذا تخرج مقاصة رأس مال السلم بدين آخر على المسلم إليه بأن وجب على ~~المسلم إليه دين مثل رأس المال أنه هل يصير رأس المال قصاصا بذلك الدين أم ~~لا؟ فهذا لا يخلو إما إن وجب دين آخر بالعقد. # وإما إن وجب بعقد متقدم على عقد السلم، وإما إن وجب بعقد متأخر عنه، فإن ~~وجب بعقد متقدم على السلم بأن كان رب السلم باع المسلم إليه ثوبا بعشرة ~~دراهم ولم يقبض العشرة حتى أسلم إليه عشرة دراهم في كر حنطة، فإن جعلا ~~الدينين قصاصا، أو تراضيا بالمقاصة يصير قصاصا، وإن أبى أحدهما لا يصير ~~قصاصا وهذا استحسان، والقياس أن لا يصير قصاصا كيف ما كان، وهو قول زفر. # (وجه) قوله: أن قبض رأس المال ms3073 شرط، والحاصل بالمقاصة ليس بقبض حقيقة فكان ~~الافتراق حاصلا لا عن قبض رأس المال فبطل السلم. # (ولنا) أن العقد ينعقد موجبا للقبض حقيقة لولا المقاصة، فإذا تقاصا تبين ~~أن العقد انعقد موجبا قبضا بطريق المقاصة، وقد وجد. # ونظيره ما قلنا في الزيادة في الثمن والمثمن أنها جائزة استحسانا وتلتحق ~~بأصل العقد؛ لأن بالزيادة تبين أن العقد وقع على المزيد عليه وعلى الزيادة ~~جميعا كذا هذا، وإن وجب بعقد متأخر عن السلم لا يصير قصاصا وإن جعلاه ~~قصاصا، إلا رواية عن أبي يوسف شاذة؛ لأن بالمقاصة لا يتبين أن العقد وقع ~~موجبا قبضا بطريق المقاصة من حين وجوده؛ لأن المقاصة تستدعي قيام دينين ولم ~~يكن عند عقد السلم، إلا دين واحد فانعقد موجبا حقيقة القبض وإنه لا يحصل ~~بالمقاصة. # هذا إذا وجب الدين بالعقد، فأما إذا وجب بالقبض كالغصب # PageV05P206 # والقرض فإنه يصير قصاصا، سواء جعلاه قصاصا، أو لا بعد أن كان وجوب الدين ~~الآخر متأخرا عن العقد؛ لأن العقد إن انعقد موجبا قبضا حقيقة فقد وجد ههنا ~~لكن قبض الغصب والقرض قبض حقيقة فيجعل عن قبض رأس المال؛ لأنه واجب، وقبض ~~الغصب محظور وقبض القرض ليس بواجب فكان إيقاعه عن الواجب أولى، بخلاف ما ~~تقدم؛ لأن هناك لم يوجد القبض حقيقة، والقبض بطريق المقاصة يمكن في أحد ~~الفصلين دون الآخر على ما بينا، والله عز وجل أعلم. # هذا إذا تساوى الدينان، فأما إذا تفاضلا بأن كان أحدهما أفضل، والآخر ~~أدون فرضي أحدهما بالقصاص وأبى الآخر فإنه ينظر إن أبى صاحب الأفضل لا يصير ~~قصاصا؛ لأن حقه في الجودة معصوم محترم فلا يجوز إبطاله عليه من غير رضاه، ~~وإن أبى صاحب الأدون يصير قصاصا؛ لأنه لما رضي به صاحب الأفضل فقد أسقط حقه ~~عن الفضل كأنه قضى دينه فأعطاه أجود مما عليه وهناك يجبر على الأخذ كذا ~~هذا، والله سبحانه وتعالى أعلم وكذلك المقاصة في ثمن الصرف تخرج على هذه ~~التفاصيل التي ذكرناها في رأس مال السلم، فافهم والله الموفق للصواب. # ثم ms3074 ما ذكرنا من اعتبار هذا الشرط، وهو قبض رأس المال حال بقاء العقد، ~~فأما بعد ارتفاعه بطريق الإقالة، أو بطريق آخر فقبضه ليس بشرط في مجلس ~~الإقالة، بخلاف القبض في مجلس العقد وقبض بدل الصرف في مجلس الإقالة أنه ~~شرط لصحة الإقالة كقبضهما في مجلس العقد. # (ووجه) الفرق أن القبض في مجلس العقد في البابين ما هو شرط لعينه، وإنما ~~هو شرط للتعيين، وهو أن يصير البدل معينا بالقبض صيانة عن الافتراق عن دين ~~بدين على ما بينا ولا حاجة إلى التعيين في مجلس الإقالة في السلم؛ لأنه لا ~~يجوز استبداله فيعود إليه عينه فلا تقع الحاجة إلى التعيين بالقبض فكان ~~الواجب نفس القبض فلا يراعى له المجلس، بخلاف الصرف؛ لأن التعيين لا يحصل، ~~إلا بالقبض؛ لأن استبداله جائز فلا بد من شرط القبض في المجلس ليتعين، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في الشرط الذي يرجع إلى المسلم] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المسلم فيه فأنواع أيضا. # (منها) أن يكون معلوم الجنس كقولنا: حنطة أو شعير أو تمر. # (ومنها) أن يكون معلوم النوع. # كقولنا: حنطة سقية أو نحسية، تمر برني أو فارسي هذا إذا كان مما يختلف ~~نوعه، فإن كان مما لا يختلف فلا يشترط بيان النوع. # (ومنها) أن يكون معلوم الصفة. # كقولنا: جيد أو وسط أو رديء. # (ومنها) أن يكون معلوم القدر بالكيل أو الوزن أو العد أو الذرع؛ لأن ~~جهالة النوع، والجنس، والصفة، والقدر جهالة مفضية إلى المنازعة وأنها مفسدة ~~للعقد، وقال النبي: - عليه الصلاة والسلام - «من أسلم منكم فليسلم في كيل ~~معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» . # (ومنها) أن يكون معلوم القدر بكيل، أو وزن، أو ذرع يؤمن عليه فقده عن ~~أيدي الناس، فإن كان لا يؤمن فالسلم فاسد بأن أعلم قدره بمكيال لا يعرف ~~عياره بأن قال: بهذا الإناء ولا يعلم كم يسع فيه، أو بحجر لا يعرف عياره ~~بأن قال: بهذا الحجر ولا يعلم كم وزنه، أو بخشبة لا يعرف قدرها بأن قال: ~~بهذه الخشبة ms3075 ولا يعرف مقدارها، أو بذراع يده، ولو كان هذا في بيع العين بأن ~~قال: بعتك من هذه الصبرة ملء هذا الإناء بدرهم، أو من هذا الزيت وزن هذا ~~الحجر بدرهم: يجوز في ظاهر الرواية وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله ~~أنه لا يجوز في بيع العين أيضا كما لا يجوز في السلم، وروي عن أبي يوسف أنه ~~كان يقول أولا: لا يجوز، ثم رجع، وقال: يجوز. # (وجه) هذه الرواية أن هذا البيع مكايلة، والعلم بمقدار المبيع في بيع ~~المكايلة شرط الصحة ولم يوجد فيفسد كما لو باع قفزانا من هذه الصبرة ولظاهر ~~الرواية الفرق بين السلم وبين بيع العين. # (ووجه) الفرق بينهما من وجهين: أحدهما - أن التسليم في باب السلم لا يجب ~~عقيب العقد، وإنما يجب بعد محل الأجل فيحتمل أن يملك الإناء قبل محل الأجل، ~~وهذا الاحتمال إن لم يكن غالبا فليس بنادر أيضا وإذا هلك يصير المسلم فيه ~~مجهول القدر، بخلاف بيع العين؛ لأنه يوجب التسليم عقيب العقد، وهلاك القفيز ~~عقيب العقد بلا فصل نادر، والنادر ملحق بالعدم فلا يصير المبيع مجهول ~~القدر، والثاني - أن القدرة على تسليم المبيع شرط انعقاد العقد وصحته، ~~والقدرة على التسليم عند العقد فائتة في باب السلم؛ لأن السلم بيع ~~المفاليس، وفي ثبوت القدرة عند محل الأجل شك، قد تثبت وقد لا تثبت؛ لأنه إن ~~بقي المكيال والحجر والخشبة تثبت. # وإن لم يبق لا يقدر فوقع # PageV05P207 # الشك في ثبوت القدرة فلا تثبت بالشك على الأصل المعهود في غير الثابت ~~بيقين إذا وقع الشك في ثبوته أنه لا يثبت، بخلاف بيع العين؛ لأن هناك ~~القدرة على التسليم ثابتة عند العقد، وفي فواتها بالهلاك شك فلا تفوت بالشك ~~على الأصل المعهود في الثابت بيقين إذا وقع الشك في زواله أنه لا يزول ~~بالشك. # وأما قوله: إن العلم بمقدار المبيع في بيع المكايلة شرط الصحة فنقول: ~~العلم بذلك لا يشترط لعينه بل لصيانة العقد عن الجهالة المفضية إلى ~~المنازعة، وهذا النوع من الجهالة لا يفضي ms3076 إلى المنازعة لإمكان الوصول إلى ~~العلم بقدر المبيع بالكيل للحال، بخلاف بيع قفزان من الصبرة؛ لأن هناك لا ~~طريق للوصول إلى العلم بمقدار المبيع فالمشتري يطالبه بزيادة، والبائع لا ~~يعطيه فيتنازعان فكانت الجهالة مفضية إلى المنازعة فهو الفرق بين الفصلين. # وقيل: إنما يجوز هذا في بيع العين إذا كان الإناء من خزف أو خشب أو حديد ~~أو نحو ذلك؛ لأنه لا يحتمل الزيادة والنقصان. # وأما إذا كان مثل الزنبيل، والجوالق، والغرارة ونحو ذلك فلا يجوز؛ لأنه ~~يحتمل الزيادة والنقصان، والله سبحانه وتعالى أعلم ولو كان المسلم فيه ~~مكيلا فعلم قدره بالوزن المعلوم أو كان موزونا فعلم قدره بالكيل المعلوم: ~~جاز؛ لأن الشرط كونه معلوم القدر بمعيار يؤمن فقده، وقد وجد، بخلاف ما إذا ~~باع المكيل بالمكيل وزنا بوزن متساويا في الوزن، أو باع الموزون بالموزون ~~كيلا بكيل متساويا في الكيل أنه لا يجوز ما لم يتساويا في الكيل أو الوزن؛ ~~لأن شرط جواز السلم كون المسلم فيه معلوم القدر، والعلم بالقدر كما يحصل ~~بالكيل يحصل بالوزن. # فأما شرط الكيل والوزن في الأشياء التي ورد الشرع فيها باعتبار الكيل ~~والوزن في بيع العين ثبت نصا فكان بيعها بالكيل أو الوزن مجازفة فلا يجوز، ~~أما في باب السلم فاعتبار الكيل والوزن لمعرفة مقدار المسلم فيه وقد حصل، ~~والله عز وجل أعلم. # (ومنها) أن يكون مما يمكن أن يضبط قدره وصفته بالوصف على وجه لا يبقى بعد ~~الوصف إلا تفاوت يسير، فإن كان مما لا يمكن ويبقى بعد الوصف تفاوت فاحش لا ~~يجوز السلم فيه؛ لأنه إذا لم يمكن ضبط قدره وصفته بالوصف يبقى مجهول القدر ~~أو الوصف جهالة فاحشة مفضية إلى المنازعة وإنها مفسدة للعقد، وبيان ذلك أنه ~~يجوز السلم في المكيلات، والموزونات التي تحتمل التعيين والعدديات ~~المتقاربة، أما المكيلات والموزونات؛ فلأنها ممكنة الضبط قدرا وصفة على وجه ~~لا يبقى بعد الوصف بينه وبين جنسه ونوعه إلا تفاوت يسير؛ لأنها من ذوات ~~الأمثال، وكذلك العدديات المتقاربة من الجوز والبيض؛ لأن الجهالة فيها ms3077 ~~يسيرة لا تفضي إلى المنازعة، وصغير الجوز والبيض وكبيرهما سواء؛ لأنه لا ~~يجري التنازع في ذلك القدر من التفاوت بين الناس عادة فكان ملحقا بالعدم ~~فيجوز السلم فيها عددا وكذلك كيلا، وهذا عندنا، وقال زفر: لا يجوز. # (وجه) قوله: إن الجوز والبيض مما يختلف ويتفاوت في الصغر والكبر حتى ~~يشترى الكبير منها بأكثر مما يشترى الصغير فأشبه البطيخ، والرمان. # (ولنا) أن التفاوت بين صغير الجوز وكبيره يسير أعرض الناس عن اعتباره ~~فكان ساقط العبرة ولهذا كان مضمونا بالمثل عند الإتلاف، بخلاف الرمان ~~والبطيخ فإن التفاوت بين آحاده تفاوت فاحش ولهذا كان مضمونا بالقيمة. # (وأما) السلم في الفلوس عددا فجائز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد ~~لا يجوز بناء على أن الفلوس أثمان عنده فلا يجوز السلم فيها، كما لا يجوز ~~السلم في الدراهم والدنانير، وعندهما ثمنيتها ليست بلازمة بل تحتمل الزوال؛ ~~لأنها ثبتت بالاصطلاح فتزول بالاصطلاح، وإقدام العاقدين على عقد السلم فيها ~~مع علمهما أنه لا صحة للسلم في الأثمان اتفاق منهما على إخراجها عن صفة ~~الثمنية فتبطل ثمنيتها في حق العاقدين سابقا على العقد وتصير سلعا عددية ~~فيصح السلم فيها كما في سائر السلع العددية كالنصال ونحوها. # (وأما) الذرعيات كالثياب، والبسط، والحصير، والبواري ونحوها فالقياس أن ~~لا يجوز السلم فيها؛ لأنها ليست من ذوات الأمثال لتفاوت فاحش بين ثوب وثوب، ~~ولهذا لم تضمن بالمثل في ضمان العدديات بل بالقيمة فأشبه السلم في اللآلئ ~~والجواهر، إلا أنا استحسنا الجواز لقوله عز وجل في آية الدين: {ولا تسأموا ~~أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله} [البقرة: 282] ، والمكيل والموزون لا ~~يقال: فيه الصغير والكبير، وإنما يقال ذلك في الذرعيات، والعدديات، ولأن ~~الناس تعاملوا السلم في الثياب لحاجتهم إلى ذلك فيكون إجماعا منهم على ~~الجواز فيترك القياس بمقابلته، ولأنه إذا بين جنسه وصفته ونوعه # PageV05P208 # ورفعته وطوله وعرضه يتقارب التفاوت فيلحق بالمثل في باب السلم شرعا لحاجة ~~الناس، ولا حاجة إلى الإلحاق بالمثل في باب الاستهلاك مع ما أن هذا ~~الاعتبار غير سديد؛ ms3078 لأنه قد يحتمل في المعاملات من التفاوت اليسير ما لا ~~يحتمل مثله في الإتلافات فإن الأب إذا باع مال ولده بغبن يسير جاز ولا ~~يضمن، ولو أتلف عليه شيئا يسيرا من ماله يضمن فلا يستقيم الاستبدال. # هذا إذا أسلم في ثوب الكرباس أو الكتان، فأما إذا أسلم في ثوب الحرير فهل ~~يشترط فيه بيان الوزن بعد بيان الجنس والنوع والصفة والرفعة والطول والعرض؟ ~~إن كان مما تختلف قيمته باختلاف وزنه من القلة والكثرة بعد التساوي في ~~الجنس والنوع والصفة والرفعة والطول والعرض يشترط؛ لأن بعد بيان هذه ~~الأشياء تبقى جهالته مفضية إلى المنازعة، وإن كان مما لا يختلف يجوز؛ لأن ~~جهالة الوزن فيه لا تفضي إلى المنازعة ولا يجوز السلم في العدديات ~~المتفاوتة من الحيوان، والجواهر، واللآلئ، والجوز، والجلود، والأدم، ~~والرءوس، والأكارع، والبطيخ، والقثاء، والرمان، والسفرجل ونحوها من ~~العدديات المتفاوتة؛ لأنه لا يمكن ضبطها بالوصف إذ يبقى بعد بيان جنسها ~~ونوعها وصفتها وقدرها جهالة فاحشة مفضية إلى المنازعة لتفاوت فاحش بين جوهر ~~وجوهر، ولؤلؤ ولؤلؤ، وحيوان وحيوان، وكذا بين جلد وجلد، ورأس ورأس في ~~الصغر، والكبر، والسمن، والهزال، وقال الشافعي - رحمه الله -: يجوز السلم ~~في الحيوان. # (وجه) قوله: أن المانع من الجواز هنا جهالة المسلم فيه، وقد زالت ببيان ~~الجنس، والنوع، والصفة، والسن؛ لأن الحيوان معلوم الجنس والنوع والصفة فكان ~~مضبوط الوصف، والتفاوت فيما وراء ذلك لا يعتبر، ولهذا وجب دينا في الذمة في ~~النكاح فأشبه الثياب. # (ولنا) أن بعد بيان هذه الأشياء يبقى بين فرس وفرس تفاوت فاحش في المالية ~~فتبقى جهالة مفضية إلى المنازعة، وإنها مانعة صحة العقد لما ذكرنا من ~~الوجوه فيما قبل، وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - «نهى عن السلف في الحيوان» ، والسلف والسلم واحد في ~~اللغة، والاعتبار بالنكاح غير سديد؛ لأنه يتحمل جهالة لا يتحملها البيع، ~~ألا ترى أنه يصح من غير ذكر البدل وببدل مجهول، وهو مهر المثل ولا يصح ~~البيع، إلا ببدل معلوم ms3079 فلا يستقيم الاستدلال ولا يجوز السلم في التبن ~~أحمالا أو أوقارا؛ لأن التفاوت بين الحمل والحمل، والوقر والوقر مما يفحش، ~~إلا إذا أسلم فيه بقبان معلوم من قبابين التجار فلا يختلف فيجوز، ولا يجوز ~~السلم في الحطب حزما ولا أوقارا للتفاوت الفاحش بين حزمة وحزمة، ووقر ووقر، ~~وكذا في القصب، والحشيش، والعيدان، إلا إذا وصفه بوصف يعرف ويتقارب التفاوت ~~فيجوز، ويجوز السلم في اللبن، والآجر إذا سمى ملبنا معلوما لا يختلف ولا ~~يتفاوت إلا يسيرا. # وكذا في الطوابيق إذا وصفها بوصف يعرف على وجه لا يبقى بعد الوصف جهالة ~~مفضية إلى المنازعة؛ لأن الفساد للجهالة، فإذا صار معلوما بالوصف جاز، وكذا ~~في طشت أو قمقمة أو خفين أو نحو ذلك إن كان يعرف يجوز، وإن كان لا يعرف لا ~~يجوز؛ لأن المسلم فيه دين حقيقة، والدين يعرف بالوصف، فإن كان مما يحصل ~~تمام معرفته بالوصف بأن لم تبق فيه جهالة مفضية إلى المنازعة جاز السلم ~~فيه، وإلا فلا، ولو استصنع رجل شيئا من ذلك بغير أجل جاز استحسانا. # والكلام في الاستصناع في مواضع: في بيان جوازه أنه جائز أم لا؟ وفي بيان ~~شرائط جوازه، وفي بيان كيفية جوازه، وفي بيان حكمه. # (أما) الأول: فالقياس يأبى جواز الاستصناع؛ لأنه بيع المعدوم كالسلم بل ~~هو أبعد جوازا من السلم؛ لأن المسلم فيه تحتمله الذمة؛ لأنه دين حقيقة، ~~والمستصنع عين توجد في الثاني، والأعيان لا تحتملها الذمة فكان جواز هذا ~~العقد أبعد عن القياس عن السلم وفي الاستحسان جاز؛ لأن الناس تعاملوه في ~~سائر الأعصار من غير نكير فكان إجماعا منهم على الجواز فيترك القياس، ثم هو ~~بيع عند عامة مشايخنا، وقال بعضهم: هو عدة وليس بسديد؛ لأن محمدا ذكر ~~القياس والاستحسان في جوازه، وذكر القياس والاستحسان لا يليق بالعدات، وكذا ~~ثبت خيار الرؤية للمستصنع وإنه من خصائص البيوع، وكذا من شرط جوازه أن يكون ~~فيما للناس فيه تعامل، والعدات لا يتقيد جوازها بهذه الشرائط فدل أن جوازه ~~جواز البياعات لا جواز العدات، ms3080 والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) شرائط جوازه. # (فمنها) بيان جنس المستصنع ونوعه وقدره وصفته؛ لأنه مبيع فلا بد وأن يكون ~~معلوما، والعلم إنما يحصل بأشياء. # (منها) أن يكون ما للناس فيه تعامل كالقلنسوة # PageV05P209 # والخف والآنية ونحوها فلا يجوز فيما لا تعامل لهم فيه كما إذا أمر حائكا ~~أن يحيك له ثوبا بغزل نفسه ونحو ذلك مما لم تجر عادات الناس بالتعامل فيه؛ ~~لأن جوازه مع أن القياس يأباه ثبت بتعامل الناس فيختص بما لهم فيه تعامل، ~~ويبقى الأمر فيها وراء ذلك موكولا إلى القياس. # (وأما) كيفية جوازه فهي أنه عقد غير لازم في حق كل واحد منهما قبل رؤية ~~المستصنع والرضا به حتى كان للصانع أن يمتنع من الصنع وأن يبيع المصنوع قبل ~~أن يراه المستصنع، وللمستصنع أن يرجع أيضا؛ لأن القياس أن لا يجوز أصلا، ~~إلا أن جوازه ثبت استحسانا بخلاف القياس لحاجة الناس، وحاجتهم قبل الصنع أو ~~بعده قبل رؤية المستصنع والرضا به أقرب إلى الجواز دون اللزوم فيبقى اللزوم ~~قبل ذلك على أصل القياس. # (وأما) حكم الاستصناع فحكمه في حق المستصنع - إذا أتى الصانع بالمستصنع ~~على الصفة المشروطة - ثبوت ملك غير لازم في حقه حتى يثبت له خيار الرؤية ~~إذا رآه، إن شاء أخذه وإن شاء تركه، وفي حق الصانع ثبوت ملك لازم إذا رآه ~~المستصنع ورضي به، ولا خيار له، وهذا جواب ظاهر الرواية. # وروي عن أبي حنيفة أنه غير لازم في حق كل واحد منهما حتى يثبت لكل واحد ~~منهما الخيار. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه لازم في حقهما حتى لا خيار لأحدهما ~~لا للصانع ولا للمستصنع أيضا (وجه) رواية أبي يوسف أن في إثبات الخيار ~~للمستصنع إضرارا بالصانع؛ لأنه قد أفسد متاعه وفرى جلده وأتى بالمستصنع على ~~الصفة المشروطة فلو ثبت له الخيار لتضرر به الصانع فيلزم دفعا للضرر عنه. # (وجه) الرواية الأولى أن في اللزوم إضرارا بهما جميعا، أما إضرار الصانع ~~فلما قال أبو يوسف: وأما ضرر المستصنع فلأن الصانع متى ms3081 لم يصنعه، واتفق له ~~مشتر يبيعه فلا تندفع حاجة المستصنع فيتضرر به فوجب أن يثبت الخيار لهما ~~دفعا للضرر عنهما. # (وجه) ظاهر الرواية، وهو إثبات الخيار للمستصنع لا للصانع أن المستصنع ~~مشتر شيئا لم يره؛ لأن المعقود عليه، وهو المستصنع، وإن كان معدوما حقيقة ~~لكنه جعل موجودا شرعا حتى جاز العقد استحسانا ومن اشترى شيئا لم يره فهو ~~بالخيار إذا رآه، والصانع بائع شيئا لم يره فلا خيار له، ولأن إلزام حكم ~~العقد في جانب المستصنع إضرار؛ لأن من الجائز أن لا يلائمه المصنوع ولا ~~يرضى به فلو لزمه، وهو مطالب بثمنه فيحتاج إلى بيعه من غيره ولا يشترى منه ~~بمثل قيمته فيتضرر به، وليس في الإلزام في جانب الصانع ضرر؛ لأنه إن لم يرض ~~به المستصنع يبيعه من غيره بمثل قيمته وذلك ميسر عليه لكثرة ممارسته، هذا ~~إذا استصنع شيئا ولم يضرب له أجلا، فأما إذا ضرب له أجلا فإنه ينقلب سلما ~~عند أبي حنيفة فلا يجوز إلا بشرائط السلم، ولا خيار لواحد منهما كما في ~~السلم وعندهما هو على حاله استصناع وذكره الأجل للتعجيل، ولو ضرب الأجل ~~فيما لا تعامل فيه ينقلب سلما بالإجماع. # (وجه) قولهما: أن هذا استصناع حقيقة فلو صار سلما إنما يصير بذكره المدة ~~وأنه قد يكون للاستعجال كما في الاستصناع فلا يخرج عن كونه استصناعا مع ~~الاحتمال، ولأبي حنيفة أن الأجل في البيع من الخصائص اللازمة للسلم فذكره ~~يكون ذكرا للسلم معنى، وإن لم يذكره صريحا كالكفالة بشرط براءة الأصيل أنها ~~حوالة معنى، وإن لم يأت بلفظ الحوالة، وقوله: ذكر الوقت قد يكون للاستعجال، ~~قلنا: لو حمل على الاستعجال لم يكن مفيدا؛ لأن التعجيل غير لازم، ولو حمل ~~على حقيقة التأجيل لكان مفيدا؛ لأنه لازم فكان الحمل عليه أولى. # ولا يجوز السلم في اللحم في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز ~~إذا بين جنسه ونوعه وصفته وقدره وسنه وموضعه؛ لأن الفساد لمكان الجهالة، ~~وقد زالت ببيان هذه الأشياء؛ ولهذا كان مضمونا بالمثل ms3082 في ضمان العدوان، ~~ولأبي حنيفة أن الجهالة تبقى بعد بيان ما ذكرناه من وجهين. # (أحدهما) - من جهة الهزال والسمن. # (والثاني -) من جهة قلة العظم وكثرته، وكل واحدة منهما مفضية إلى ~~المنازعة، وقياس الوجه الثاني أنه لو أسلم في منزوع العظم يجوز، وهو رواية ~~الكرخي عن أبي حنيفة رحمهما الله وقياس الوجه الأول أنه لا يجوز كيف ما ~~كان، وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وهو الصحيح؛ لأنه إن زالت الجهالة من ~~إحدى الجهتين بقيت من جهة أخرى وهي جهالة السمن والهزال فكان المسلم فيه ~~مجهولا فلا يصح السلم، إلا أنه جعل مثلا في ضمان العدوان وسقط اعتبار ~~التفاوت فيه شرعا تحقيقا لمعنى الزجر من وجه؛ لأن ذلك لا يحصل بالقيمة؛ لأن ~~للناس رغائب في الأعيان ما ليس في قيمتها، ويجوز السلم في الألية # PageV05P210 # والشحم وزنا؛ لأنه لا تختلف بالسمن والهزال إلا يسيرا بخلاف اللحم، فإن ~~التفاوت بين غير السمين والسمين، والمهزول وغير المهزول تفاوت فاحش. # (وأما) السلم في السمك فقد اختلفت عبارات الأصل في ذلك، والصحيح أنه يجوز ~~السلم في الصغار منه كيلا ووزنا، مالحا كان أوطريا بعد أن كان في حيزه؛ لأن ~~الصغار منه لا يتحقق فيه اختلاف السمن والهزال ولا اختلاف العظم بخلاف ~~اللحم عند أبي حنيفة، وفي الكبار عن أبي حنيفة روايتان: في رواية لا يجوز ~~طريا كان أو مالحا كالسلم في اللحم لاختلافها بالسمن والهزال كاللحم، وفي ~~رواية يجوز كيف ما كان وزنا؛ لأن التفاوت بين سمينه ومهزوله لا يعد تفاوتا ~~عادة لقلته، وعند أبي حنيفة ومحمد لا يجوز بخلاف اللحم عندهما، والفرق لهما ~~أن بيان الموضع من اللحم شرط الجواز عندهما، وذلك لا يتحقق في السمك فأشبه ~~السلم في المساليخ، والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) السلم في الخبز عددا فلا يجوز بالإجماع لتفاوت فاحش بين خبز وخبز ~~في الصغر والكبر. # (وأما) وزنا فقد ذكر الكرخي أن السلم في الخبز لا يجوز في قولهم لتفاوت ~~فاحش بين خبز وخبز في الخبز والخفة والثقل فتبقى جهالة مفضية ms3083 إلى المنازعة؛ ~~ولأن جواز السلم ثبت بخلاف القياس بتعامل الناس، ولا تعامل في الخبز، وذكر ~~في نوادر ابن رستم أنه لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يجوز. # (ومنها) أن يكون موجودا من وقت العقد إلى وقت الأجل فإن لم يكن موجودا ~~عند العقد أو عند محل الأجل، أو كان موجودا فيهما لكنه انقطع من أيدي الناس ~~فيما بين ذلك كالثمار والفواكه واللبن وأشباه ذلك لا يجوز السلم، وهذا ~~عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله -: الشرط وجوده عند محل الأجل لا غير. # (وجه) قوله: إن اعتبار هذا الشرط - وهو الوجود - ليس لعينه بل للقدرة على ~~التسليم فيعتبر وقت وجوب التسليم وذلك عند محل الأجل، فأما قبل ذلك فالوجود ~~فيه والعدم بمنزلة واحدة، ونظير هذا في العقليات ما قلنا في استطاعة الفعل ~~أنها مع الفعل لا تتقدمه؛ لأن وجودها للفعل فيجب وجودها عند الفعل لا سابقا ~~عليه كذا هذا. # (ولنا) أن القدرة على التسليم ثابتة للحال، وفي وجودها عند المحل شك ~~لاحتمال الهلاك، فإن بقي حيا إلى وقت المحل ثبتت القدرة، وإن هلك قبل ذلك ~~لا تثبت، والقدرة لم تكن ثابتة فوقع الشك في ثبوتها فلا تثبت مع الشك، ولو ~~كان موجودا عند العقد ودام وجوده إلى محل الأجل فحل الأجل ولم يقبضه حتى ~~انقطع عن أيدي الناس لا ينفسخ السلم بل هو على حاله صحيح؛ لأن السلم وقع ~~صحيحا لثبوت القدرة على التسليم لكون المسلم فيه موجودا وقت العقد ودام ~~وجوده إلى محل الأجل، إلا أنه عجز عن التسليم للحال لعارض الانقطاع مع ~~عرضية حدوث القدرة ظاهرا بالوجود فكان في بقاء العقد فائدة، والعقد إذا ~~انعقد صحيحا يبقى لفائدة محتملة الوجود والعدم على السواء كبيع الآبق إذا ~~أبق قبل القبض فلأن يبقى لفائدة عود القدرة في الثاني ظاهرا أولى، لكن يثبت ~~الخيار لرب السلم، إن شاء فسخ العقد وإن شاء انتظر وجوده؛ لأن الانقطاع قبل ~~القبض بمنزلة تغير المعقود عليه قبل القبض وأنه يوجب الخيار. # ولو أسلم في حنطة ms3084 حديثة قبل حدوثها لا يصح عندنا؛ لأنه أسلم في المنقطع، ~~وعلى هذا يخرج ما إذا أسلم في حنطة موضع أنه إن كان مما لا يتوهم انقطاع ~~طعامه جاز السلم فيه كما إذا أسلم في حنطة خراسان والعراق أو فرغانة؛ لأن ~~كل واحد منها اسم لولاية فلا يتوهم انقطاع طعامها، وكذا إذا أسلم في طعام ~~بلدة كبيرة كسمرقند وبخارى أو كاشان جاز؛ لأنه لا ينفد طعام هذه البلاد إلا ~~على سبيل الندرة، والنادر ملحق بالعدم ومن مشايخنا من قال: لا يجوز إلا في ~~طعام ولاية؛ لأن وهم الانقطاع فيما وراء ذلك ثابت. # والسلم عقد جوز بخلاف القياس لكونه بيع المعدوم فتجب صيانته عن غرر ~~الانقطاع ما أمكن، والصحيح أن الموضع المضاف إليه الطعام، وإن كان مما لا ~~ينفد طعامه غالبا: يجوز السلم فيه، سواء كان ولاية أو بلدة كبيرة؛ لأن ~~الغالب في أحكام الشرع ملحق بالمتيقن، وإن كان مما لا يحتمل أن ينقطع طعامه ~~فلا يجوز فيه السلم كأرض بعينها أو قرية بعينها؛ لأنه إذا احتمل الانقطاع ~~لا على سبيل الندرة لا تثبت القدرة على التسليم لما ذكرنا أنه لا قدرة له ~~للحال؛ لأنه بيع المفاليس، وفي ثبوت القدرة عند محل الأجل شك لاحتمال ~~الانقطاع فلا تثبت القدرة مع الشك. # وقد روي أن زيد بن شعبة «لما أراد أن يسلم إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال أسلم إليك في تمر نخلة بعينها فقال - عليه الصلاة والسلام -: ~~أما في تمر نخلة # PageV05P211 # بعينها فلا» وذكر في الأصل إذا أسلم في حنطة هراة لا يجوز وأراد قرية من ~~قرى الفرات المسماة بهراة؛ لأنه مما يحتمل انقطاع طعامه، ثم لو أسلم في ثوب ~~هراة وذكر شرائط السلم يجوز. # (ووجه) الفرق بينهما ظاهر؛ لأن إضافة الثوب إلى هراة ذكر شرط من شرائط ~~السلم لا جواز له بدونه، وهو بيان النوع لا تخصيص الثوب بالمكان المذكور ~~بدليل أن المسلم إليه لو أتى بثوب نسج في غير هراة لكن على صفة ثوب هراة ~~يجبر رب السلم ms3085 على القبول، فإذا ذكر النوع وذكر الشرائط الأخر كان هذا عقدا ~~استجمع شرائطه فيجوز، فأما إضافة الطعام إلى هراة فليس يفيد شرطا - لا جواز ~~للسلم بدونه -، ألا ترى أنه لو ترك الإضافة أصلا جاز السلم فبقيت الإضافة ~~لتخصيص الطعام بموضع معين يحتمل انقطاع طعامه فلم يجز، والله عز وجل أعلم. # (ومنها) أن يكون مما يتعين بالتعيين، فإن كان مما لا يتعين بالتعيين ~~كالدراهم والدنانير لا يجوز السلم فيه؛ لأن المسلم فيه بيع لما روينا أن ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في ~~السلم، سمى السلم بيعا فكان المسلم فيه مبيعا، والمبيع مما يتعين بالتعيين، ~~والدراهم والدنانير لا تتعين في عقود المعاوضات فلم تكن مبيعة فلا يجوز ~~السلم فيها، وهل يجوز السلم في التبر والنقرة والمصوغ؟ فعلى رواية كتاب ~~الصرف لا يجوز؛ لأنه جعلها بمنزلة الدراهم والدنانير المضروبة، وعلى رواية ~~كتاب المضاربة يجوز؛ لأنه جعلها بمنزلة العروض حيث لم يجوز المضاربة بها ~~فتتعين بالتعيين فكانت مبيعة فيجوز السلم فيها وعلى هذا أيضا يخرج السلم في ~~الفلوس عددا أنه جائز عند أبي حنيفة - رحمه الله - وأبي يوسف؛ لأن الفلوس ~~مما تتعين بالتعيين في الجملة عندهما حتى جوز بيع فلس بفلس بأعيانهما، وعند ~~محمد لا يجوز السلم فيها كما لا يجوز في الدراهم والدنانير؛ لأنها أثمان ~~عنده؛ ولهذا لم يجز بيع واحد منها باثنين بأعيانهما، ويجوز السلم في ~~القماقم والأواني الصفرية التي تباع عددا، لأنها تتعين بالتعيين فكانت ~~مبيعة، وإن كانت تباع وزنا لا يجوز السلم فيها ما لم يعرف وزنها؛ لأنها ~~مجهولة القدر، والله عز وجل أعلم. # (ومنها) أن يكون مؤجلا عندنا حتى لا يجوز السلم في الحال، وعند الشافعي ~~هذا ليس بشرط، وسلم الحال جائز. # (وجه) قوله: أن الأجل شرع نظرا للمسلم إليه تمكينا له من الاكتساب فلا ~~يكون لازما كما في بيع العين. # (ولنا) ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من أسلم ~~فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى ms3086 أجل معلوم» أوجب - عليه الصلاة والسلام ~~- مراعاة الأجل في السلم كما أوجب مراعاة القدر فيه فيدل على كونه شرطا فيه ~~كالقدر؛ ولأن السلم حالا يفضي إلى المنازعة؛ لأن السلم بيع المفاليس، ~~فالظاهر أن يكون المسلم إليه عاجزا عن تسليم المسلم فيه، ورب السلم يطالب ~~بالتسليم فيتنازعان على وجه تقع الحاجة إلى الفسخ، وفيه إلحاق الضرر برب ~~السلم؛ لأنه سلم رأس المال إلى المسلم إليه وصرفه في حاجته فلا يصل إلى ~~المسلم فيه ولا إلى رأس المال فشرط الأجل حتى لا يملك المطالبة إلا بعد حل ~~الأجل، وعند ذلك يقدر على التسليم ظاهرا فلا يؤدي إلى المنازعة المفضية إلى ~~الفسخ والإضرار برب السلم، ولأنه عقد لم يشرع إلا رخصة لكونه بيع ما ليس ~~عند الإنسان لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع ما ليس ~~عند الإنسان ورخص في السلم» فهذا الحديث يدل على أن بيع ما ليس عند الإنسان ~~لم يشرع إلا رخصة وأن السلم بيع ما ليس عند الإنسان أيضا على ما ذكرنا من ~~قبل. # والرخصة في عرف الشرع اسم لما يغير عن الأمر الأصلي بعارض عذر إلى تخفيف ~~ويسر كرخصة تناول الميتة وشرب الخمر بالإكراه والمخمصة ونحو ذلك فالترخص في ~~السلم هو تغيير الحكم الأصلي، وهو حرمة بيع ما ليس عند الإنسان إلى الحل ~~بعارض عذرا لعدم ضرورة الإفلاس، فحالة الوجود والقدرة لا يلحقها اسم قدرة ~~الرخصة فيبقى الحكم فيها على العزيمة الأصلية فكانت حرمة السلم الحال على ~~هذا التقرير مستفادة من النص، كان ينبغي أن لا يجوز السلم من القادر على ~~تسليم المسلم فيه للحال، إلا أنه صار مخصوصا عن النهي العام فألحق بالعاجز ~~عن التسليم للحال على اعتبار الأصل وإلحاق النادر بالعدم في أحكام الشرع، ~~والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب. # (ومنها) أن يكون مؤجلا بأجل معلوم. # فإن كان مجهولا فالسلم فاسد، سواء كانت الجهالة متفاحشة أو متقاربة؛ لأن ~~كل ذلك يفضي إلى المنازعة # PageV05P212 # وإنها مفسدة للعقد لجهالة القدر، وغيرها على ما ذكرنا. # (وأما) ms3087 مقدار الأجل فلم يذكر في الأصل وذكر الكرخي أن تقدير الأجل إلى ~~العاقدين حتى لو قدرا نصف يوم جاز، وقال بعض مشايخنا: أقله ثلاثة أيام ~~قياسا على خيار الشرط، وهذا القياس غير سديد؛ لأن أقل مدة الخيار ليس ~~بمقدر، والثلاث أكثر المدة على أصل أبي حنيفة فلا يستقيم القياس. # وروي عن محمد أنه قدر بالشهر، وهو الصحيح؛ لأن الأجل إنما شرط في السلم ~~ترفيها وتيسيرا على المسلم إليه ليتمكن من الاكتساب في المدة، والشهر مدة ~~معتبرة يمكن فيها من الاكتساب فيتحقق معنى الترفيه، فأما ما دونه ففي حد ~~القلة فكان له حكم الحلول، والله عز وجل أعلم ولو مات المسلم إليه قبل ~~الأجل حل الدين، وكذلك كل دين مؤجل سواه إذا مات من عليه الدين والأصل في ~~هذا أن موت من عليه الدين يبطل الأجل وموت من له الدين لا يبطل؛ لأن الأجل ~~حق المديون لا حق صاحب الدين فتعتبر حياته وموته في الأجل وبطلانه، والله ~~عز وجل أعلم. # (ومنها) بيان مكان إيفائه إذا كان له حمل ومؤنة عند أبي حنيفة، وعند أبي ~~يوسف ومحمد ليس بشرط وعلى هذا الخلاف بيان مكان الأجرة في الإجارات إذا كان ~~لها حمل ومؤنة وعلى هذا الخلاف إذا جعل المكيل الموصوف أو الموزون الموصوف ~~ثمنا في بيع العين أنه لا بد من بيان مكان التسليم عنده خلافا لهما، كذا ~~أطلقه الكرخي ولم يفصل بين ما إذا كان مؤجلا أو غير مؤجل، ومن أصحابنا من ~~فرقوا فقالوا إذا كان حالا يتعين مكان العقد للتسليم بالإجماع، وحاصل ~~الاختلاف راجع إلى مكان العقد، هل يتعين للإيفاء؟ عنده لا يتعين، وعندهما ~~يتعين؛ لأنه إذا لم يتعين مكان العقد للإيفاء عنده ولم يوجد منهما تعيين ~~مكان آخر بقي مكان الإيفاء مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة فيفسد العقد، ~~ولما تعين مكان العقد للإيفاء عندهما صار مكان الإيفاء معلوما فيصح. # (وجه) قولهما: أن سبب وجوب الإيفاء هو العقد، والعقد وجد في هذا المكان ~~فيتعين مكان العقد لوجوب الإيفاء فيه كما في ms3088 بيع العين إذا كان المسلم فيه ~~شيئا له حمل ومؤنة فإنه يتعين مكان العقد لوجوب الإيفاء فيه لما قلنا كذا ~~هذا. # (ولأبي حنيفة - رحمه الله -) أن العقد وجد مطلقا عن تعيين مكان فلا يتعين ~~مكان العقد للإيفاء، والدليل على إطلاق العقد عن تعيين مكان الحقيقة ~~والحكم. # (أما) الحقيقة فلأنه لم يوجد ذكر المكان في العقد نصا فالقول بتعيين مكان ~~العقد شرعا من غير تعيين العاقدين تقييد المطلق فلا يجوز إلا بدليل. # (وأما) الحكم فإن العاقدين لو عينا مكانا آخر جاز، ولو كان تعيين مكان ~~العقد من مقتضيات العقد شرعا لكان تعيين مكان آخر تغييرا لمقتضى العقد وإنه ~~يعتبر فيه حكم الشرع فينبغي أن لا يجوز، وإذا لم يتعين مكان العقد للإيفاء ~~بقي مكان الإيفاء مجهولا جهالة مفضية إلى المنازعة؛ لأن في الأشياء التي ~~لها حمل ومؤنة تختلف باختلاف الأمكنة لما يلزم في حملها من مكان إلى مكان ~~آخر من المؤنة فيتنازعان. # (وأما) قولهما: سبب وجوب التسليم هو العقد في هذا المكان قلنا: ليس كذلك ~~فإن العقد قائم بالعاقدين لا بالمكان فلم يوجد العقد في هذا المكان، وإنما ~~هذا مكان المتعاقدين على أن العقد ليس بسبب لوجوب التسليم للحال، وإنما ~~يصير سببا عند حل الأجل مقصورا عليه، وعند ذلك مكان العاقدين ليس بمتحد بل ~~مختلف فيتنازعان. # (وأما) المسلم فيه إذا لم يكن له حمل ومؤنة فعن أبي حنيفة فيه روايتان: ~~في رواية لا يتعين مكان العقد هناك أيضا، وهو رواية كتاب الإجارات ويوفيه ~~في أي مكان شاء، وهذا لا يوجب الفساد؛ لأن الفساد ههنا لمكان الجهالة ~~المفضية إلى المنازعة لاختلاف القيمة باختلاف الأمكنة، وما لا حمل له ولا ~~مؤنة لا تختلف قيمته باختلاف الأماكن فلم تكن جهالة مكان الإيفاء مفضية إلى ~~المنازعة، وفي رواية يتعين مكان العقد للإيفاء، وهو قول أبي يوسف ومحمد، ~~وهو رواية الجامع الصغير ورواية البيوع من الأصل، ومن مشايخنا من أول هذه ~~الرواية، وقال: هي معنى قوله: يوفيه في المكان الذي أسلم فيه إذا لم ~~يتنازعا فإذا ms3089 تنازعا يأخذه بالتسليم حيث ما لقيه، ولو شرط رب السلم التسليم ~~في بلد أو قرية فحيث سلم إليه في ذلك الموضع فهو جائز وليس لرب السلم أن ~~يتخير مكانا؛ لأن المشروط هو التسليم في مكان منه مطلقا، وقد وجد، وإن سلم ~~في غير المكان المشروط فلرب السلم أن يأبى لقوله: - عليه الصلاة والسلام - ~~«المسلمون عند شروطهم» ، فإن أعطاه على ذلك أجرا لم يجز له أخذ الأجر عليه؛ ~~لأنه لما قبض المسلم فيه فقد تعين ملكه في المقبوض فتبين أنه أخذ الأجر على # PageV05P213 # نقل ملك نفسه فلم يجز فيرد الأجر، وله أن يرد المسلم فيه حتى يسلم في ~~المكان المشروط؛ لأن حقه في التسليم فيه ولم يرض ببطلان حقه إلا بعوض ولم ~~يسلم له فبقي حقه في التسليم في المكان المشروط، وهذا بخلاف ما إذا صالح ~~الشفيع من الشفعة التي وجبت له على مال أنه لا يصح الصلح ويسقط حقه في ~~الشفعة وعليه رد بدل الصلح، وإذا رده لا يعود حقه في الشفعة؛ لأنه ليس ~~للشفيع حق ثابت في المحل قبل التمليك بالشفعة، وإنما له حق أن يتملك، وهذا ~~ليس بحق ثابت في المحل فلا يحتمل الاعتياض وبطل حقه من الشفعة بإعراضه عن ~~الطلب بإسقاطه صريحا، ولرب السلم حق ثابت في التسليم في المكان المشروط ~~فإذا لم يصح الاعتياض عنه التحق الاعتياض بالعدم وبقي الحق على ما كان، ~~والذي يدل على التفرقة بينهما أنه لو قال: أسقطت حقي في الشفعة يسقط، ولو ~~قال: أسقطت حقي في التسليم في ذلك المكان لا يسقط، والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في الشرط الذي يرجع إلى البدلين جميعا] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى البدلين جميعا فهو أن لا يجمعهما أحد وصفي علة ربا ~~الفضل، وذلك إما الكيل، وإما الوزن، وإما الجنس؛ لأن أحد وصفي علة ربا ~~الفضل هو علة ربا النساء، فإذا اجتمع أحد هذين الوصفين في البدلين يتحقق ~~ربا النساء، والعقد الذي فيه ربا فاسد، وعلى هذا يخرج إسلام المكيل في ~~المكيل، أو الموزون ms3090 في الموزون، والمكيل في الموزون، والموزون في المكيل، ~~وغير المكيل والموزون بجنسهما من الثياب والعدديات المتقاربة، وقد ذكرنا ~~جملة ذلك وتفصيله فيما تقدم في مسائل ربا النساء، والله تعالى الموفق. ### | [فصل في بيان ما يجوز من التصرف في المسلم فيه وما لا يجوز] # (فصل) : # وأما بيان ما يجوز من التصرف في المسلم فيه وما لا يجوز. # فنقول - وبالله التوفيق -: لا يجوز استبدال المسلم فيه قبل قبضه بأن يأخذ ~~رب السلم مكانه من غير جنسه لما ذكرنا أن المسلم فيه، وإن كان دينا فهو ~~مبيع ولا يجوز بيع المبيع المنقول قبل القبض، ويجوز الإبراء عنه؛ لأن قبضه ~~ليس بمستحق على رب السلم فكان هو بالإبراء متصرفا في خالص حقه بالإسقاط فله ~~ذلك بخلاف الإبراء عن رأس المال؛ لأنه مستحق القبض حقا للشرع فلا يملك ~~إسقاطه بنفسه بالإبراء على ما ذكرنا، وتجوز الحوالة بالمسلم فيه لوجود ركن ~~الحوالة مع شرائطه، وكذلك الكفالة به. # لما قلنا، إلا أن في الحوالة يبرأ المسلم إليه وفي الكفالة لا يبرأ، ورب ~~السلم بالخيار إن شاء طالب المسلم إليه وإن شاء طالب الكفيل؛ لأن الحوالة ~~مبرئة والكفالة ليست بمبرئة إلا إذا كانت بشرط براءة المكفول عنه؛ لأنها ~~حوالة معنى على ما ذكرنا، ولا يجوز لرب السلم الاستبدال مع الكفيل كما لا ~~يجوز ذلك مع المسلم إليه؛ لأنه كفيل بما على المسلم إليه لا بدين آخر؛ إذ ~~الدين واحد، وإنما تعددت المطالبة بالكفالة، وهو الصحيح على ما يجيء في ~~كتاب الكفالة، ويجوز للكفيل أن يستبدل مع المسلم إليه عند الرجوع فيأخذ بدل ~~ما أدى إلى رب السلم؛ لأن الكفالة إذا كانت بأمر المكفول عنه كانت إقراضا ~~واستقراضا، كأن الكفيل أقرض المسلم إليه واستبدال القرض قبل القبض جائز، ~~ويجوز الرهن بالمسلم فيه؛ لأنه دين حقيقة، والرهن بالدين أي دين كان جائز. # والإقالة جائزة في المسلم فيه كما تجوز في بيع العين لقوله: - عليه ~~الصلاة والسلام - «من أقال نادما أقال الله عثراته يوم القيامة» مطلقا من ~~غير فصل، ولأن الإقالة ms3091 في بيع العين إنما شرعت نظرا للعاقدين دفعا لحاجة ~~الندم، واعتراض الندم في السلم ههنا أكثر؛ لأنه بيع بأوكس الأثمان فكان ~~أدعى إلى شرع الإقالة فيه، ثم جملة الكلام في الإقالة في السلم أنه لا يخلو ~~إما إن تقايلا السلم في كل المسلم فيه، وإما إن تقايلا في بعض دون بعض، فإن ~~تقايلا في كل المسلم فيه جازت الإقالة لما قلنا، سواء كانت الإقالة بعد حل ~~الأجل أو قبله؛ لأن نص الإقالة مطلق لا يفصل بين حال وحال. # وكذا جواز اعتراض الندم قائم في الحالين، وسواء كان رأس المال قائما في ~~يد المسلم إليه أو هالكا، أما إذا كان قائما فلا شك فيه، وكذا إذا كان ~~هالكا؛ لأن رأس مال السلم ثمن والمبيع هو المسلم فيه، وقيام الثمن ليس بشرط ~~لصحة الإقالة إنما الشرط قيام المبيع، وقد وجد، ثم إذا جازت الإقالة، فإن ~~كان رأس المال مما يتعين بالتعيين وهو قائم فعلى المسلم إليه رد عينه إلى ~~رب السلم لقوله: - عليه الصلاة والسلام - «من وجد عين ماله فهو أحق به» ، ~~وإن كان هالكا، فإن كان مما له مثل فعليه رد مثله، وإن كان مما لا مثل له ~~فعليه رد قيمته. # وإن كان رأس المال مما لا يتعين بالتعيين فعليه رد مثله هالكا # PageV05P214 # كان أو قائما؛ لأنه قبضه عن عقد صحيح، وكذلك إذا قبض رب السلم المسلم فيه ~~ثم تقايلا والمقبوض قائم في يده جازت الإقالة، وعلى رب السلم رد عين ما ~~قبض؛ لأن المقبوض في يده بعد السلم كأنه عين ما ورد عليه عقد السلم ألا ترى ~~أنه يجوز لرب السلم أن يبيع المقبوض مرابحة على رأس المال؟ وإن تقايلا ~~السلم في بعض المسلم فيه فإن كان بعد حل الأجل جازت الإقالة فيه بقدره إذا ~~كان الباقي جزءا معلوما من النصف والثلث ونحو ذلك من الأجزاء المعلومة؛ لما ~~ذكرنا أن الإقالة شرعت نظرا وفي إقالة البعض دون البعض ههنا نظر من ~~الجانبين؛ لأن السلم بيع بأبخس الأثمان لهذا سماه ابن ms3092 عباس - رضي الله ~~عنهما - حسنا جميلا فقال - رضي الله عنه -: ذلك المعروف الحسن الجميل، ~~والسلم في الباقي إلى أجله عند عامة العلماء، وقال ابن أبي ليلى: ينفسخ ~~العقد في الكل، والصحيح قول العامة؛ لأن الإقالة وجدت في البعض لا في الكل ~~فلا توجب انفساخ العقد في الكل؛ لأن الحكم يثبت بقدر العلة هذا هو الأصل. # وإن كان قبل حل الأجل ينظر إن لم يشترط في الإقالة تعجيل الباقي من ~~المسلم جازت الإقالة أيضا والسلم في الباقي إلى أجله وإن اشترط فيها تعجيل ~~الباقي لم يصح الشرط، والإقالة صحيحة. # (أما) فساد الشرط؛ فلأنه اعتياض عن الأجل وأنه لا يجوز؛ لأن الأجل ليس ~~بمال فلا يجوز الاعتياض عنه. # (وأما) صحة الإقالة فلأن الإقالة لا تبطلها الشروط الفاسدة فبطل الشرط ~~وصحت الإقالة وهذا على قياس قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الإقالة عندهما فسخ. # (وأما) على قياس قول أبي يوسف فتبطل الإقالة والسلم على حاله إلى أجله؛ ~~لأن الإقالة عنده بيع جديد والبيع تبطله الشروط الفاسدة والله عز وجل أعلم. ### | [الصرف وتفسيره] # (ومنها) قبض البدلين في بيع الدين بالدين وهو عقد الصرف والكلام في الصرف ~~في الأصل في موضعين: أحدهما في تفسير الصرف في عرف الشرع، والثاني في بيان ~~شرائطه (أما) الأول فالصرف في متعارف الشرع " اسم لبيع الأثمان المطلقة ~~بعضها ببعض وهو بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة وأحد الجنسين بالآخر " ~~فاحتمل تسمية هذا النوع من البيع صرفا لمعنى الرد والنقل، يقال: صرفته عن ~~كذا إلى كذا، سمي صرفا لاختصاصه برد البدل ونقله من يد إلى يد، ويحتمل أن ~~تكون التسمية لمعنى الفضل، إذ الصرف يذكر بمعنى الفضل، كما روي في الحديث ~~«من فعل كذا لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» فالصرف الفضل وهو النافلة ~~والعدل الفرض، سمي هذا العقد صرفا لطلب التاجر الفضل منه عادة لما يرغب في ~~عين الذهب والفضة. ### | [فصل في شرائط الصرف] # (فصل) : # وأما الشرائط (فمنها) قبض البدلين قبل الافتراق لقوله: - عليه الصلاة ~~والسلام - في الحديث المشهور «والذهب بالذهب ms3093 مثلا بمثل يدا بيد والفضة ~~بالفضة مثلا بمثل يدا بيد» . # وروي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ~~تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا ~~منها شيئا غائبا بناجز» . # وروي عن عبد الله ابن سيدنا عمر عن أبيه - رضي الله عنهما - أنه قال: لا ~~تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ~~ولا تبيعوا الذهب بالورق أحدهما غائب والآخر ناجز، وإن استنظرك حتى يلج ~~بيته فلا تنظره إني أخاف عليكم الرماء أي: الربا، فدلت هذه النصوص على ~~اشتراط قبض البدلين قبل الافتراق، وتفسير الافتراق هو أن يفترق العاقدان ~~بأبدانهما عن مجلسهما فيأخذ هذا في جهة وهذا في جهة أو يذهب أحدهما ويبقى ~~الآخر حتى لو كانا في مجلسهما لم يبرحا عنه لم يكونا مفترقين وإن طال ~~مجلسهما؛ لانعدام الافتراق بأبدانهما وكذا إذا ناما في المجلس أو أغمي ~~عليهما؛ لما قلنا وكذا إذا قاما عن مجلسهما فذهبا معا في جهة واحدة وطريق ~~واحدة ومشيا ميلا أو أكثر ولم يفارق أحدهما صاحبه فليسا بمفترقين؛ لأن ~~العبرة لتفرق الأبدان ولم يوجد فرق بين هذا وبين خيار المخيرة إذا قامت عن ~~مجلسها أو اشتغلت بعمل آخر يخرج الأمر من يدها؛ لأن خيار المخيرة يبطل ~~بالإعراض عما فوض إليها والقيام عن المجلس أو الاشتغال بعمل آخر دليل ~~الإعراض، وههنا لا عبرة بالإعراض إنما العبرة للافتراق بالأبدان ولم يوجد، ~~وروي عن محمد أنه ألحق هذا بخيار المخيرة، حتى لو نام طويلا أو وجد ما يدل ~~على الإعراض يبطل الصرف كالخيار. # وروي عن محمد في رجل له على إنسان ألف درهم وكذلك الرجل عليه خمسون ~~دينارا فأرسل إليه رسولا فقال # PageV05P215 # بعتك الدنانير التي لي عليك بالدراهم التي لك علي، وقال: قبلت فهو باطل؛ ~~لأن حقوق العقد لا تتعلق بالرسول بل بالمرسل وهما مفترقان بأبدانهما، وكذلك ~~لو نادى أحدهما صاحبه من وراء جدار أو ناداه من بعيد لم يجز؛ لأنهما ~~مفترقان ms3094 بأبدانهما عند العقد بخلاف البيع المطلق إذا أرسل رسولا إلى إنسان ~~فقال: بعت عبدي الذي في مكان كذا منك بكذا فقبل ذلك الرجل فالبيع جائز؛ لأن ~~التقابض في البيع المطلق ليس بشرط لصحة العقد ولا يكون الافتراق مفسدا له، ~~ثم المعتبر افتراق المتعاقدين، سواء كانا مالكين أو نائبين عنهما كالأب ~~والوصي والوكيل؛ لأن القبض من حقوق العقد، وحقوق العقد تتعلق بالعاقدين ~~فيعتبر افتراقهما، ثم إنما يعتبر التفرق بالأبدان في موضع يمكن اعتباره. # فإن لم يمكن اعتباره يعتبر المجلس دون التفرق بالأبدان بأن قال الأب: ~~اشهدوا أني اشتريت هذا الدينار من ابني الصغير بعشرة دراهم، ثم قام قبل أن ~~يزن العشرة فهو باطل، كذا روي عن محمد؛ لأن الأب هو العاقد فلا يمكن اعتبار ~~التفرق بالأبدان فيعتبر المجلس والله سبحانه وتعالى أعلم. # ثم بيع الجنس بالجنس وبخلاف الجنس كالذهب بالفضة سواء لا يختلفان في حكم ~~القبض؛ لأن كل ذلك صرف فيشترط فيه التقابض، وإنما يختلفان في جواز التفاضل ~~وعدمه فلا يجوز التفاضل عند اتحاد الجنس، ويجوز عند الاختلاف ولكن يجب ~~التقابض اتحد الجنس أو اختلف لما ذكرنا من الدلائل. # ولو تصارفا ذهبا بذهب أو فضة بفضة مثلا بمثل وتقابضا وتفرقا ثم زاد ~~أحدهما صاحبه شيئا أو حط عنه شيئا وقبل الآخر فسد البيع عند أبي حنيفة وأبي ~~يوسف والحط باطلان، والعقد الأول صحيح. # وعند محمد الزيادة باطلة والحط جائز بمنزلة الهبة المستقبلة واختلافهم في ~~هذه المسألة فرع اختلافهم في أصل ذكرناه فيما تقدم وهو أن الشرط الفاسد ~~المتأخر عن العقد في الذكر إذا ألحق به، هل يلتحق به أم لا؟ فمن أصل أبي ~~حنيفة فيه أنه يلتحق بأصل العقد ويفسد العقد، والزيادة والحط يلتحقان بأصل ~~العقد على أصل أصحابنا كأن العقد ورد على المزيد عليه والزيادة جميعا ~~فيتحقق التفاضل، والجنس متحد فيتحقق الربا، فكانت الزيادة والحط بمنزلة شرط ~~فاسد ملتحق بالعقد فيتأخر عنه فيلتحق به ويوجب فساده. # ومن أصل أبي يوسف ومحمد أن الشرط الفاسد المتأخر عن العقد لا يلتحق ~~بالعقد ms3095 فطرد أبو يوسف هذا الأصل، وقال: تبطل الزيادة والحط جميعا ويبقى ~~البيع الأول صحيحا ومحمد فرق بين الزيادة والحط، وقال: الزيادة باطلة والحط ~~جائز؛ لأن الزيادة لو صحت لالتحقت بأصل العقد فيوجب فساده فبطلت الزيادة ~~وليس من شرط صحة الحط أن يلتحق بالعقد ألا ترى أنه لو حط جميع الثمن صح ولا ~~يلتحق؟ إذ لو التحق لكان البيع واقعا بلا ثمن فيجعل حطا للحال بمنزلة هبة ~~مستأنفة. # ولو تبايعا الجنس بخلاف الجنس بأن تصارفا دينارا بعشرة دراهم ثم زاد ~~أحدهما صاحبه درهما وقبل الآخر أو حط عنه درهما من الدينار جازت الزيادة ~~والحط بالإجماع؛ لأن المانع من الجواز والالتحاق تحقق الربا، واختلاف الجنس ~~يمنع تحقق الربا إلا أن في الزيادة يشترط قبضها قبل الافتراق حتى لو افترقا ~~قبل القبض بطل البيع في حصة الزيادة؛ لأن الزيادة لما التحقت بأصل العقد ~~صار كأن العقد ورد على الزيادة والأصل جميعا إلا أنه جاز التفاضل؛ لاختلاف ~~الجنس فإذا لم يقبض الزيادة قبل الافتراق بطل العقد بقدرها. # (وأما) الحط فجائز، سواء كان قبل التفرق أو بعده؛ لأن الحط وإن كان يلتحق ~~بأصل العقد فيؤدي إلى التفاضل، لكن التفاضل عند اختلاف الجنس جائز ولا ~~زيادة ههنا حتى يشترط قبضها فصح الحط ووجب عليه رد المحطوط؛ لأن الحط لما ~~التحق بأصل العقد تبين أن العقد لم يقع على قدر المحطوط من الابتداء فيجب ~~رده، ولو حط مشتري الدينار قيراطا منه فبائع الدينار يكون شريكا له في ~~الدينار؛ لأنه تبين أن العقد وقع على ما سوى القيراط، ولو اشترى سيفا محلى ~~بفضة وحليته خمسون درهما بمائة درهم وتقابضا ثم زاده دينارا في الثمن دفعه ~~إليه قبل أن يفارقه أو بعد ما فارقه يجوز، كذا روي عن محمد وتصرف الزيادة ~~إلى النصل والجفن والحمائل؛ لأنها تلحق بأصل العقد فصار كأن العقد ورد على ~~الأصل والزيادة جميعا. # ولو كان كذلك لكان الأمر على ما وصفنا كذا هذا بخلاف بيع المرابحة فإنه ~~يقسم على جميع الثمن لما نذكر في مسائل ms3096 المرابحة، وسواء كان دينا بدين وهو ~~الدراهم والدنانير أو عينا بعين وهو التبر والمصوغ أو دينا بعين وهو ~~الدراهم والدنانير بالتبر والمصوغ؛ لأن ما ذكرنا من الدلائل لا يوجب الفصل ~~بين الدين والعين # PageV05P216 # وسواء كان مفردا أو مجموعا مع غيره كما إذا باع ذهبا وثوبا بفضة مفردة؛ ~~لأن الفضة تنقسم على الذهب والثوب فما قابل الذهب يكون صرفا فيشترط فيهما ~~القبض وما يقابل الثوب يكون بيعا مطلقا فلا يشترط فيه القبض، وكذا إذا باع ~~ذهبا وثوبا بذهب والذهب أكثر حتى جاز البيع أنه في حصة الذهب يكون صرفا وفي ~~حصة الثوب يكون بيعا مطلقا، وكذا إذا باع سيفا محلى بالفضة مفردة، أو منطقة ~~مفضضة، أو لجاما، أو سرجا، أو سكينا مفضضة، أو جارية على عنقها طوق فضة ~~بفضة مفردة والفضة المفردة أكثر حتى جاز البيع كان بحصة الفضة صرفا. # ويراعى فيه شرائط الصرف وبحصة الزيادة التي هي من خلاف جنسها بيعا مطلقا ~~فلا يشترط له ما يشترط للصرف، فإن وجد التقابض وهو القبض من الجانبين قبل ~~التفرق بالأبدان تم الصرف والبيع جميعا، وإن لم يوجد أو وجد القبض من أحد ~~الجانبين دون الآخر بطل الصرف لوجود الافتراق من غير قبض، وهل يبطل البيع ~~المطلق؟ ينظر إن كانت الفضة المجموعة مع غيرها يمكن فصلها وتخليصها من غير ~~ضرر كالجارية مع الطوق وغير ذلك، فالبيع جائز، وفساد الصرف لا يتعدى إلى ~~البيع؛ لأنه إذا أمكن تخليصها من غير ضرر جاز؛ لأنهما شيئان منفصلان، ولهذا ~~جاز بيع أحدهما دون الآخر ابتداء فلأن يبقى جائزا انتهاء أولى؛ لأن البقاء ~~أسهل من الابتداء. # وإن كان لا يمكن فصلها وتخليصها إلا بضرر بطل البيع أيضا؛ لأنه بيع ما لا ~~يمكن تسليمه إلا بضرر، وأنه لا يجوز ابتداء كبيع الجذع في السقف ونحو ذلك ~~فكذا في حالة البقاء، فإذا بطل العقد في قدر الصرف يبطل في البيع أيضا ~~والله عز وجل أعلم هذا إذا انعقد العقد على الصحة ثم فسد في قدر الصرف ~~بطريان المفسد عليه وهو ms3097 الافتراق من غير تقابض. # فأما إذا انعقد على الفساد من الابتداء بأن شرطا الخيار أو أدخلا الأجل ~~فيه لم يصح الصرف بالإجماع وهل يصح البيع المطلق؟ اختلف فيه قال أبو حنيفة ~~عليه الرحمة: لا يصح سواء كان يتخلص من غير ضرر أو لا يتخلص إلا بضرر، وقال ~~أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: هذا والأول سواء، إن كان يتخلص من غير ضرر ~~يصح. # وإن كان لا يتخلص إلا بضرر لا يصح، وكذا إذا اشترى دينارا بعشرة دراهم ~~نسيئة ثم نقد بعض العشرة دون البعض في المجلس فسد الصرف في الكل عنده، ~~وعندهما يصح بقدر ما قبض، وهذا بناء على أصل مختلف بينهم وهو أن الصفقة إذا ~~اشتملت على الصحيح والفاسد يتعدى الفساد إلى الكل عنده، وعندهما لا يتعدى ~~فهما سويا بين الفساد الطارئ والمقارن، وأبو حنيفة فرق بينهما. # (ووجه) الفرق ما ذكرنا من قبل أن الفساد إذا كان مقارنا يصير قبول العقد ~~في الفاسد شرط قبول العقد في الآخر، وهذا شرط فاسد، فيؤثر في الكل، ولم ~~يوجد هذا المعنى في الطارئ فاقتصر الفساد فيه على قدر المفسد، ثم إذا كانت ~~الفضة المفردة فيه أكثر ولم يوجد فيه شرط الخيار ولا الأجل حتى جاز العقد، ~~ثم نقد قدر الفضة المجموعة من المفردة دون غيرها وتفرقا عن قبض من الجانبين ~~بأن باع سيفا محلى بمائة درهم وحليته خمسون فنقده المشتري خمسين فالقدر ~~المنقود من الفضة المفردة يقع عن الصرف حتى لا يبطل بالافتراق، أو عن البيع ~~حتى يبطل الصرف بالافتراق من غير قبض فهذا لا يخلو من خمسة أوجه، إما إن ~~ذكر أن المنقود من ثمن الحلية، وإما إن ذكر أنه من ثمن الجفن والنصل، وإما ~~إن ذكر أنه من ثمنهما جميعا وإما إن ذكر أنه من ثمن السيف، وإما إن سكت ولم ~~يذكر شيئا فإن ذكر أنه من ثمن الحلية يقع عنها ويجوز الصرف والبيع جميعا. # وهذا ظاهر، وكذا إذا ذكر أنه من ثمنهما فإنه يقع عن الحلية أيضا وجاز ~~البيع والصرف؛ ms3098 لأن قبض التصرف مستحق حقا للشرع وقبض البيع ليس بمستحق فيصرف ~~إلى جهة الاستحقاق ويمكن إيقاع المنقود كله عن هذه الجهة وإن أضافه إليهما؛ ~~لأن ذكر شيئين على إرادة أحدهما جائز في اللغة، قال الله تعالى: {يخرج ~~منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن: 22] وإنما يخرج من أحدهما وهو المالح، ~~وكذا إذا لم يذكر شيئا يقع عن الصرف؛ لأن أمور المسلمين محمولة على الصحة ~~والسداد ما أمكن وذلك فيما قلنا؛ لأن قبض حصة الحلية مستحق فعند الإطلاق ~~يصرف إلى جهة الاستحقاق، وكذا إذا ذكر أنه من ثمن السيف يقع عن الحلية؛ لأن ~~الحلية تدخل في اسم السيف. # وإن ذكر أنه من ثمن الجفن والنصل ينظر إن أمكن تخليص الفضة من غيرها من ~~غير ضرر يقع عن ثمن المذكور، ويبطل الصرف بالافتراق قبل القبض؛ لأنه قصد ~~جواز البيع وصرف بفساد الصرف وإذا أمكن # PageV05P217 # تخليصها من غير ضرر أمكن القول بجواز البيع مع فساد الصرف ألا ترى أنه ~~يجوز بيع السيف بانفراده؟ فيجوز البيع ويبطل الصرف، وإن لم يكن تخليصها إلا ~~بضرر فالمنقود يقع عن ثمن الصرف ويجوز البيع والصرف جميعا؛ لأنه قصد جواز ~~البيع ولا يجوز إلا بجواز الصرف؛ لأن بيع السيف بدون الحلية لا يجوز إذا لم ~~يمكن تخليصها من غير ضرر فإن أمكن تخليصها من غير ضرر فيجوزان جميعا والله ~~عز وجل أعلم، وكذلك في السيف المحلى إذا لم يكن من جنس الحلية فإن كانت ~~حلية السيف ذهبا اشتراه مع حليته بفضة مفردة فحكمه وحكم الجنس سواء في جميع ~~ما وصفنا؛ لأنهما في حكم القبض، وما يتعلق به لا يختلفان وقد ذكرنا جملة ~~ذلك وتفصيله على الاتفاق والاختلاف. # وعلى هذا يخرج الإبراء عن بدل الصرف وهبته ممن عليه، والتصدق به عليه أنه ~~لا يصح بدون قبوله وإن قبل انتقض الصرف وإن لم يقبل لم يصح ويبقى الصرف على ~~حاله؛ لأن قبض البدل مستحق، والإبراء عن الدين إسقاطه، والدين بعدما سقط لا ~~يتصور قبضه فكان الإبراء عن البدل جعل البدل بحال لا يتصور ms3099 قبضه، فكان في ~~معنى الفسخ فلا يصح إلا بتراضيهما كصريح الفسخ، وإذا لم يصح بقي عقد الصرف ~~على حاله فيتم بالتقابض قبل الافتراق بأبدانهما، ولو أبى المبرئ أو الواهب ~~أو المتصدق أن يأخذ ما أبرأ أو وهبه أو تصدق يجبر على القبض؛ لأنه ~~بالامتناع عن القبض يريد فسخ العقد، وأحد العاقدين لا ينفرد بالفسخ. # وعلى هذا يخرج الاستبدال ببدل الصرف أنه لا يجوز، والصرف على حاله يقبض ~~البدل قبل الافتراق ويتم العقد؛ لأن قبض البدل شرط بقاء العقد على الصحة، ~~وبالاستبدال يفوت قبضه حقيقة؛ لأنه يقبض بدله وبدله غيره، وقال زفر: إن ~~الاستبدال جائز؛ لأن الشراء لا يقع بعين ما في الذمة؛ لأن ما في الذمة من ~~الدراهم لا يحتمل التعيين بلا خلاف فكان مشتريا بمثل ما في الذمة فيجب لمن ~~عليه الدين في ذمة المشتري دراهم مثل ما في ذمته في النوع والصفة فلا يفوت ~~قبض البدل بالاستبدال بل يصير قابضا بطريق المعاوضة فيصح الاستبدال. # (والجواب) عنه أن الدراهم والدنانير وإن كانت لا تتعين بالعقد ولكنها ~~تتعين بالقبض وقبضها واجب، وبالمقاصة يفوت القبض حقيقة، فلم تصح المقاصة ~~فبقي الشراء بها إسقاطا للقبض المستحق حقا للشرع فلا يصح الشراء وبقي الصرف ~~صحيحا موقوفا بقاؤه على الصحة على القبض قبل الافتراق، وإن أعطاه صاحبه ~~دراهم أجود أو أردأ من حقه فرضي به، والمقبوض مما يجري مجرى الدراهم ~~الواجبة بالعقد في المعاوضات بين الناس جاز؛ لأن المقبوض من جنسه أصلا ~~وإنما يخالفه في الوصف فإذا رضي به فقد أسقط حقه فكان استيفاء لا استبدالا. # وتجوز الحوالة ببدل الصرف إذا كان المحتال عليه حاضرا وكذلك الكفالة ~~وكذلك الرهن به والصرف على حاله فإن قبض من المحتال عليه أو من الكفيل أو ~~هلك الرهن في يد المرتهن في المجلس فالصرف ماض على الصحة، وإن افترق ~~المتصارفان قبل القبض وهلك الرهن بطل الصرف، وعند زفر لا تجوز الحوالة ~~والكفالة ببدل الصرف، وقد مرت المسألة في السلم. # والعبرة لبقاء العاقدين في المجلس وافتراقهما عنه لا لبقاء ms3100 المحال عليه ~~والكفيل وافتراقهما لما ذكرنا أن القبض من حقوق العقد فيتعلق بالعاقدين ~~فيعتبر مجلسهما، وكذلك لو وكل كل واحد من العاقدين رجلا أن ينقد عنه يعتبر ~~مجلس الموكلين بقاء وافتراقا لا مجلس الوكيل لما قلنا والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # وعلى هذا تخرج المقاصة في ثمن الصرف إذا وجب الدين بعقد متأخر عن عقد ~~الصرف أنه لا يصير قصاصا ببدل الصرف وإن تراضيا بذلك وقد ذكرنا جملة الكلام ~~في ذلك وتفصيله في السلم، وعلى هذا يخرج ما إذا قبض بدل الصرف ثم انتقض بدل ~~الصرف ثم انتقض القبض فيه بمعنى أوجب انتقاضه أنه يبطل الصرف وقد مر الكلام ~~فيه جملة وتفصيلا في السلم. # ثم قبض الصرف في المجلس كما هو شرط بقاء العقد على الصحة فقبضهما في مجلس ~~الإقالة شرط بقاء الإقالة على الصحة أيضا حتى لو تقايلا الصرف وتقابضا قبل ~~الافتراق مضت الإقالة على الصحة وإن افترقا قبل التقابض بطلت الإقالة، أما ~~على أصل أبي يوسف فظاهر؛ لأن الإقالة على أصله بيع جديد فكانت مصارفة ~~مبتدأة فلا بد من التقابض في المجلس وعلى أصلهما إن كانت فسخا في حق ~~المتعاقدين فهي بيع جديد في حق ثالث. # واستحقاق القبض حق للشرع، ههنا ثالث فيعتبر بيعا جديدا في حق هذا الحكم ~~فيشترط فيه التقابض بخلاف السلم # PageV05P218 # فإن قبض رأس مال السلم في مجلس الإقالة ليس بشرط لصحة الإقالة، وقد ذكرنا ~~وجه الفرق بينهما فيما تقدم، ولو وجد ببدل الصرف عيبا وهو عين كما إذا ~~اشترى قلب فضة بذهب فرده ثم افترقا قبل قبض الثمن إن رده عليه بقضاء القاضي ~~فالرد صحيح على حاله، وإن كان بغير قضاء القاضي فلا ينبغي أن يفارقه حتى ~~يقبض الثمن؛ لأن القبض بغير قضاء يكون فسخا في حق الكل ورفعا للعقد عن ~~الأصل كأنه لم يكن، وإعادة المالك إلى قديم ملكه كأنه لم يزل عن ملكه فلا ~~حاجة إلى القبض، والرد بغير قضاء يكون فسخا في حق المتعاقدين بيعا جديدا في ~~حق ثالث، وحق الشرع وهو ms3101 القبض يعتبر ثالثا فيجعل بيعا جديدا في حق هذا ~~الحكم. # وأما التقابض في بيع المطعوم بالمطعوم بجنسه أو بغير جنسه بأن باع قفيز ~~حنطة بقفيز حنطة أو بقفيزي شعير وعينا البدلين بالإشارة إليهما، فهل هو ~~شرط؟ اختلف فيه قال أصحابنا: ليس بشرط، وقال الشافعي - رحمه الله -: شرط ~~حتى لو افترقا من غير قبض، عندنا يثبت الملك، وعنده لا يثبت ما لم يتقابضا ~~في المجلس، احتج بقوله - عليه الصلاة والسلام - في الحديث المشهور: «الحنطة ~~بالحنطة مثلا بمثل يدا بيد» ، وبقوله: - عليه الصلاة والسلام - «لا تبيعوا ~~الطعام بالطعام إلا سواء بسواء يدا بيد» ؛ ولأن الافتراق من غير تقابض في ~~بيع المطعوم بجنسه لا يخلو عن الربا لجواز أن يقبض أحد المتعاقدين دون ~~الآخر فيتحقق الربا؛ لأن للمقبوض فضلا على غير المقبوض فأشبه فضل الحلول ~~على الأجل، وإنما يقع التحرز عنه بوجوب التقابض ولهذا صار شرطا في الصرف ~~كذا هذا. # (ولنا) عمومات البيع من نحو قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] ، ~~وقوله عز شأنه: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة: 275] وغير ذلك نهى ~~عن الأكل بدون التجارة عن تراض، واستثنى التجارة عن تراض فيدل على إباحة ~~الأكل في التجارة عن تراض من غير شرط القبض، وذلك دليل ثبوت الملك بدون ~~التقابض؛ لأن أكل مال الغير ليس بمباح. # وأما الحديث فظاهر قوله: - عليه الصلاة والسلام - «يدا بيد» غير معمول ~~به؛ لأن اليد بمعنى الجارحة ليس بمراد بالإجماع فلإن حملها على القبض؛ ~~لأنها آلة القبض فنحن نحملها على التعيين؛ لأنها آلة التعيين؛ لأن الإشارة ~~باليد سبب التعيين. # وعندنا التعيين شرط فسقط احتجاجه بالحديث بحمد الله تعالى على أن الحمل ~~على ما قلنا أولى؛ لأن فيه توفيقا بين الكتاب والسنة، وهكذا نقول في الصرف: ~~إن الشرط هناك هو التعيين لا نفس القبض إلا أنه قام الدليل عندنا أن ~~الدراهم والدنانير لا تتعين بالتعيين وإنما تتعين بالقبض فشرطنا التقابض ~~للتعيين لا للقبض، وههنا ms3102 التعيين حاصل من غير تقابض فلا يشترط التقابض ~~والله عز وجل أعلم، وقوله: المقبوض خير من غير المقبوض، فيتحقق الربا قلنا: ~~هذا إنما يستقيم أن لو قلنا بوجوب تسليم أحدهما دون الآخر وليس كذلك. # (ومنها) أن يكون خاليا عن شرط الخيار. # فإن شرط الخيار فيه لهما أو لأحدهما فسد الصرف؛ لأن القبض في هذا العقد ~~شرط بقائه على الصحة، وخيار العقد يمنع انعقاد العقد في حق الحكم فيمنع صحة ~~القبض، ولو أبطل صاحب الخيار خياره قبل الافتراق ثم افترقا عن تقابض ينقلب ~~إلى الجواز عندنا خلافا لزفر ولو لم يبطل حتى افترقا تقدر الفساد، وقد ~~ذكرنا جنس هذه المسائل بدلائلها فيما تقدم. # (ومنها) أن يكون خاليا عن الأجل لهما أو لأحدهما. # فإن شرطاه لهما أو لأحدهما فسد الصرف؛ لأن قبض البدلين مستحق قبل ~~الافتراق، والأجل يعدم القبض فيفسد العقد، فإن أبطل صاحب الأجل أجله قبل ~~الافتراق فنقد ما عليه ثم افترقا عن تقابض ينقلب جائزا عندنا خلافا لزفر ~~وهاتان الشريطتان على الحقيقة فرعيتان لشريطة القبض إلا أن إحداهما تؤثر في ~~نفس القبض والأخرى في صحته على ما بينا. # وأما خيار العيب وخيار الرؤية فيثبتان في هذا العقد؛ لأنهما لا يمنعان ~~حكم العقد فلا يمنعان صحة القبض؛ لأن خيار الرؤية يثبت في العين وهو التبر ~~والنقرة والمصوغ. # ولا يثبت في الدين وهو الدراهم والدنانير المضروبة؛ لأنه لا فائدة في ~~الرد إذ العقد لا ينفسخ بالرد؛ لأنه ما ورد على عين المردود، وقيام العقد ~~يقتضي ولاية المطالبة بمثله، فإذا قبض يرده فيطالبه بآخر هكذا إلى ما لا ~~يتناهى، وكذا خيار الرؤية؛ لأنه لا يثبت في سائر الديون في سائر العقود لما ~~قلنا بخلاف ما إذا كان ثمن الصرف عينا؛ لأن هناك ينفسخ العقد بالرد فلا ~~يملك المطالبة بعين أخرى فكان الرد مفيدا، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وأما خيار العيب فيثبت في الوجهين جميعا # PageV05P219 # لأن السلامة عن العيب مطلوبة عادة ففواتها يوجب الخيار كما في سائر ~~البياعات إلا أن بدل الصرف إذا كان ms3103 عينا فرده بالعيب يفسخ العقد، سواء رده ~~في المجلس أو بعد الافتراق، ويرجع على البائع بما نقد، وإن كان دينا بأن ~~وجد الدراهم المقبوضة زيوفا أو كاسدة أو وجدها رائجة في بعض التجارات دون ~~البعض، وذلك عيب عند التجار فردها في المجلس ينفسخ العقد بالرد حتى لو ~~استبدل مكانه مضى الصرف. # وإن ردها بعد الافتراق بطل الصرف عند أبي حنيفة وزفر لحصول الافتراق لا ~~عن قبض، وعند أبي يوسف ومحمد لا يبطل إذا استبدل في مجلس الرد على ما ذكرنا ~~في السلم، وخيار المستحق لا يبطل الصرف أيضا؛ ولأنه لا يمنع صحة القبض على ~~تقدير الإجازة، واحتمال الإجازة قائم فلا يبطل العقد المنعقد ظاهرا بالشك، ~~ثم إذا استحق أحد بدلي الصرف بعد الافتراق، فإن كان أجاز المستحق والبدل ~~قائم، أو ضمن الناقد وهو هالك جاز الصرف؛ لأنه إذا كان قائما كان بمحل ~~الإجازة، والإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة، وإذا كان هالكا ضمن ~~الناقد المضمون بالضمان فتبين أنه سلم ملك نفسه، وإن استرده وهو قائم أو ~~ضمن القابض قيمته وهو هالك بطل الصرف؛ لأنه نقض قبضه أو تبين أنه لم يصح ~~بخلاف الأول؛ لأنه سلم له القبض فجاز الصرف والله سبحانه وتعالى أعلم. # (ومنها) أن يكون الثمن الأول معلوما في بيع المرابحة والتولية والإشراك ~~والوضيعة، والأصل في هذه العقود عمومات البيع من غير فصل بين بيع وبيع، ~~وقال الله عز شأنه: {وابتغوا من فضل الله} [الجمعة: 10] ، وقال عز وجل: ~~{ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} [البقرة: 198] والمرابحة ابتغاء ~~للفضل من البيع نصا وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لما أراد ~~الهجرة اشترى سيدنا أبو بكر - رضي الله عنه - بعيرين فقال له رسول الله: - ~~صلى الله عليه وسلم - ولي أحدهما؟ فقال سيدنا أبو بكر - رضي الله عنه -: هو ~~لك بغير شيء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما بغير ثمن فلا» ~~فدل طلب التولية على جوازها. # وروي «أن سيدنا أبا بكر - رضي الله عنه - اشترى بلالا فأعتقه ms3104 فقال له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الشركة يا أبا بكر فقال: يا رسول الله ~~قد أعتقته» لو لم تكن الشركة مشروعة لم يكن ليطلبها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وكذا الناس توارثوا هذه البياعات في سائر الأعصار من غير نكير ~~وذلك إجماع على جوازها. ### | [المرابحة وتفسيرها وشرائطها] # ثم الكلام في المرابحة في مواضع، في تفسير بيع المرابحة، وفي بيان ~~شرائطه، وفي بيان رأس المال أنه ما هو، وفي بيان ما يلحق برأس المال وما لا ~~يلحق به، وفي بيان ما يجب بيانه عند المرابحة مما ترك بيانه يكون خيانة، ~~وما لا يجب بيانه وترك بيانه لا يكون خيانة، وفي بيان حكم الخيانة إذا ظهرت ~~أما تفسيره فقد ذكرناه في أول الكتاب وهو أنه بيع بمثل الثمن الأول مع ~~زيادة ربح. # وأما شرائطه (فمنها) ما ذكرنا وهو أن يكون الثمن الأول معلوما للمشتري ~~الثاني؛ لأن المرابحة بيع بالثمن الأول مع زيادة ربح، والعلم بالثمن الأول ~~شرط صحة البياعات كلها لما ذكرنا فيما تقدم فإن لم يكن معلوما له، فالبيع ~~فاسد إلى أن يعلم في المجلس فيختار إن شاء فيجوز أو يترك فيبطل أما الفساد ~~للحال فلجهالة الثمن؛ لأن الثمن للحال مجهول. # وأما الخيار فللخلل في الرضا؛ لأن الإنسان قد يرضى بشراء شيء بثمن يسير ~~ولا يرضى بشرائه بثمن كثير فلا يتكامل الرضا إلا بعد معرفة مقدار الثمن، ~~فإذا لم يعرف اختل رضاه، واختلال الرضا يوجب الخيار، ولو لم يعلم حتى ~~افترقا عن المجلس بطل العقد لتقرر الفساد، وقد ذكرنا اختلاف عبارات الرواية ~~عن أصحابنا عن هذا النوع من البيع كبيع الشيء برقمه ونحو ذلك، في بعضها أنه ~~فاسد وفي بعضها أنه موقوف على الإجازة والاختيار إذا علم، وكذلك التولية، ~~والإشراك، والوضيعة في اعتبار هذا الشرط، والمرابحة سواء؛ لأن التولية بيع ~~بمثل الثمن الأول فلا بد أن يكون الثمن الأول معلوما والإشراك تولية لكنه ~~تولية بعض المبيع ببعض الثمن والعلم بالثمن كله شرط صحة البيع، والوضيعة ~~بيع بمثل الثمن ms3105 الأول مع نقصان شيء معلوم منه فلا بد وأن يكون الثمن الأول ~~معلوما ليعلم قدر النقصان منه. # وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى رجلان جملة مما له مثل فاقتسماها ثم أراد كل ~~واحد منهما أن يبيع حصته مرابحة أنه يجوز؛ لأن القسمة وإن كانت لا تخلو عن ~~معنى المبادلة حقيقة لكن معنى المبادلة في قسمة المتماثلات ساقط شرعا بل ~~بعد القسمة فيها تمييزا للنصيب وإفرازا محضا وإذا كان كذلك فما يصل إلى كل ~~واحد منهما كأنه عين ما كان له قبل القسمة فكان يجوز له أن يبيع له نصيبه ~~مرابحة قبل القسمة كذا بعدها، وإن اشتريا # PageV05P220 # جملة مما لا مثل له فاقتسماه لا يجوز لأحدهما أن يبيع حصته مرابحة؛ لأن ~~معنى المبادلة في قسمة هذا النوع معتبرة إذ الأصل اعتبار الحقيقة فكان ما ~~يصيب كل واحد منهما بالقسمة نصفه ملكه ونصفه بدل ملكه كأنه اشتراه به فلا ~~يجوز بيعه مرابحة كما إذا اشترى عرضا بعرض ثم أراد أن يبيعه مرابحة، الله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # ولو أسلم عشرة دراهم في ثوبين متفقين من جنس واحد ونوع واحد وصفة واحدة ~~وطول واحد حتى جاز السلم بالإجماع ولم يبين حصة كل واحد منهما من رأس المال ~~فحل الأجل له أن يبيعهما جميعا مرابحة على العشرة بلا خلاف، فإن باع أحدهما ~~مرابحة على خمسة لم يجز عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يجوز ولو كان ~~بين حصة كل واحد من الثوبين من رأس المال جاز أن يبيع أحدهما مرابحة على ~~خمسة بالإجماع لهما أن المقبوض هو المسلم فيه، والملك في المسلم فيه يثبت ~~بعقد السلم، وعقد السلم أوجب انقسام الثمن وهو رأس المال على الثوبين ~~المقبوضين على السواء لاتفاقهما في الجنس والنوع والصفة والقدر فكانت حصة ~~كل واحد منهما معلومة فتجوز المرابحة عليهما كما إذا أسلم عشرة دراهم في ~~كري حنطة فحل السلم وقبضهما ثم باع أحدهما مرابحة، ولأبي حنيفة أن المقبوض ~~ليس عين المسلم فيه؛ لأن المسلم فيه دين حقيقة، وقبض الدين ms3106 لا يتصور فلم ~~يكن المقبوض مملوكا بعقد السلم بل بالقبض فكان القبض بمنزلة إنشاء العقد ~~كأنه اشتراهما جميعا ابتداء ولم يبين حصة كل واحد منهما ثم أراد أن يبيع ~~أحدهما مرابحة، وذلك لا يجوز فيما لا مثل له ويجوز فيما له مثل على ما ~~ذكرنا كذا هذا. # (ومنها) أن يكون الربح معلوما لأنه بعض الثمن والعلم بالثمن شرط صحة ~~البياعات. # (ومنها) أن يكون رأس المال من ذوات الأمثال. # وهو شرط جواز المرابحة على الإطلاق وكذلك التولية وبيان ذلك أن رأس المال ~~لا يخلو إما أن يكون مما له مثل كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة، ~~وإما أن يكون مما لا مثل له من الذرعيات والمعدودات المتفاوتة، فإن كان مما ~~له مثل يجوز بيعه مرابحة على الثمن الأول وتولية مطلقا، سواء باعه من بائعه ~~أو من غيره، وسواء جعل الربح من جنس رأس المال في المرابحة أو من خلاف جنسه ~~بعد أن كان الثمن الأول معلوما والربح معلوما، وإن كان مما لا مثل له من ~~العروض لا يجوز بيعه مرابحة ولا تولية ممن ليس ذلك العرض في ملكه؛ لأن ~~المرابحة بيع بمثل الثمن الأول وكذلك التولية، فإذا لم يكن الثمن الأول مثل ~~جنسه فإما أن يقع البيع على غير ذلك العرض، وإما أن يقع على قيمته، وعينه ~~ليس في ملكه وقيمته مجهولة تعرف بالحزر والظن لاختلاف أهل التقويم فيها، ~~ويجوز بيعه تولية ممن العرض في ملكه ويده. # وأما بيعه مرابحة ممن العرض في ملكه ويده فينظر إن جعل الربح شيئا مفردا ~~عن رأس المال معلوما كالدراهم وثوب معين ونحو ذلك جاز؛ لأن الثمن الأول ~~معلوم والربح معلوم، وإن جعل الربح جزءا من رأس المال بأن قال: بعتك الثمن ~~الأول بربح ده يازده لا يجوز؛ لأنه جعل الربح جزءا من العرض والعرض ليس ~~متماثل الأجزاء وإنما يعرف ذلك بالتقوم، والقيمة مجهولة؛ لأن معرفتها ~~بالحزر والظن. # وأما بيعه مواضعة ممن العرض في يده وملكه، فالجواب فيها على العكس من ~~المرابحة وهو أنه إن جعل الوضيعة ms3107 شيئا منفردا عن رأس المال معلوما كالدراهم ~~ونحوه لا يجوز؛ لأنه يحتاج إلى وضع ذلك القدر عن رأس المال وهو مجهول، وإن ~~جعلها من جنس رأس المال بأن باعه بوضع ده يازده جاز البيع بعشرة أجزاء من ~~أحد عشر جزءا من رأس المال؛ لأن الموضوع جزء شائع من رأس مال معلوم. # (ومنها) أن لا يكون الثمن في العقد الأول مقابلا بجنسه من أموال الربا، ~~فإن كان بأن اشترى المكيل أو الموزون بجنسه مثلا بمثل لم يجز له أن يبيعه ~~مرابحة؛ لأن المرابحة بيع بالثمن الأول وزيادة، والزيادة في أموال الربا ~~تكون ربا لا ربحا وكذا لا يجوز بيعه مواضعة لما قلنا، وله أن يبيعه تولية؛ ~~لأن المانع هو تحقق الربا ولم يوجد في التولية؛ ولأنه بيع بالثمن الأول من ~~غير زيادة ولا نقصان، وكذا الإشراك؛ لأنه تولية لكن ببعض الثمن والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) عند اختلاف الجنس فلا بأس بالمرابحة حتى لو اشترى دينارا بعشرة ~~دراهم فباعه بربح درهم أو ثوب بعينه جاز؛ لأن المرابحة بيع بالثمن الأول ~~وزيادة، ولو باع دينارا بأحد عشر درهما أو بعشرة دراهم وثوب كان جائزا كذا ~~هذا، ولو باع الدينار بربح ذهب بأن قال: بعتك هذا الدينار الذي اشتريته ~~بربح قيراطين لم يجز عند أبي يوسف، وعند محمد جاز (وجه) قوله: أن المرابحة ~~بيع بالثمن # PageV05P221 # الأول وزيادة كأنه باع دينارا بعشرة دراهم وقيراطين، وذلك جائز وطريق ~~جوازه أن يكون القيراطان بمثلهما من الدينار والعشرة ببقية الدينار كذا هذا ~~ولأبي يوسف أن في تجويز هذا تغيير المرابحة؛ لأن المتصارفين جعلا العشرة ~~رأس المال والدراهم ربحا فلو جوزنا على ما قاله محمد لصار القيراط رأس مال ~~وبعض العشرة ربحا وفيه تغيير المقابلة وإخراجها عن كونها مرابحة فلا يصح ~~ولو اشترى سيفا محلى بفضة وحليته خمسون بمائة درهم ثم باعه مرابحة بربح ~~درهم أو بربح دينار أو بربح ثوب بعينه لا يجوز؛ لأن المرابحة بيع بالثمن ~~الأول وزيادة ربح، والربح ينقسم على كل الثمن؛ لأنه جعل ms3108 ربح كل الثمن فلا ~~بد وأن ينقسم على كله ليكون مرابحة على كل الثمن، ومتى انقسم على الكل كان ~~للحلية حصة من الربح لا محالة فيتحقق الربا ولا يصح العقد والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # (ومنها) أن يكون العقد الأول صحيحا فإن كان فاسدا لم يجز بيع المرابحة؛ ~~لأن المرابحة بيع بالثمن الأول مع زيادة ربح والبيع الفاسد وإن كان يفيد ~~الملك في الجملة لكن بقيمة المبيع أو بمثله لا بالثمن لفساد التسمية والله ~~عز وجل أعلم. ### | [فصل في بيان رأس المال] # (فصل) : # وأما بيان رأس المال فرأس المال ما لزم المشتري بالعقد لا ما نقده بعد ~~العقد؛ لأن المرابحة بيع بالثمن الأول، والثمن الأول هو ما وجب بالبيع فأما ~~ما نقده بعد البيع فذلك وجب بعقد آخر، وهو الاستبدال فيأخذ من المشتري ~~الثاني الواجب بالعقد لا المنقود بعده، وكذلك التولية، وبيان هذا الأصل إذا ~~اشترى ثوبا بعشرة دراهم ونقد مكانها دينارا أو ثوبا فرأس المال هو العشرة ~~لا الدينار والثوب؛ لأن العشرة هي التي وجبت بالعقد وإنما الدينار أو الثوب ~~بدل الثمن الواجب، وكذلك لو اشترى ثوبا بعشرة دراهم جياد ونقد مكانها ~~الزيوف وتجوز بها البائع الأول فعلى المشتري نقد الجياد لما قلنا ولو اشترى ~~ثوبا بعشرة هي خلاف نقد البلد ثم باعه مرابحة فإن ذكر الربح مطلقا بأن قال: ~~أبيعك بالثمن الأول وربح درهم كان على المشتري الثاني عشرة من جنس ما نقد، ~~والربح من دراهم نقد البلد؛ لأن المرابحة بيع بالثمن الأول. # والثمن الأول هو الواجب بالعقد الأول وهو عشرة، وهي خلاف نقد البلد فيجب ~~بالعقد الثاني مثلها، والربح من نقد البلد؛ لأنه أطلق الربح وما أضافه إلى ~~رأس المال، والمطلق ينصرف إلى المتعارف وهو نقد البلد، وإن أضاف الربح إلى ~~العشرة بأن قال: أبيعك بربح العشرة أو بربح ده يازده فالعشرة والربح من جنس ~~الثمن الأول أما إذا قال: بربح العشرة فلأنه أضاف الربح إلى تلك العشرة إذا ~~كان من جنسها. # وأما إذا قال: بربح ده يازده ms3109 فلأنه جعل الربح جزءا من العشرة فكان من ~~جنسها ضرورة وعلى هذا يخرج ما إذا زاد المشتري البائع الأول في الثمن الأول ~~وقبل أنه يبيعه مرابحة وتولية على الأصل والزيادة جميعا؛ لأن الزيادة تلتحق ~~بأصل العقد فيصير في التقدير كأن العقد على الأصل والزيادة جميعا فكان ~~الأصل مع الزيادة رأس المال لوجوبهما بالعقد تقديرا فيبيعه مرابحة عليهما. # وكذا لو حط البائع الأول عن المشتري بعض الثمن فإنه يبيعه مرابحة على ~~الثاني بعد الحط؛ لأن الحط أيضا يلتحق بأصل العقد فكان الباقي بعد الحط رأس ~~المال وهو الثمن الأول فيبيعه مرابحة عليه ولو حط البائع الأول عن المشتري ~~بعد ما باعه المشتري حط المشتري الأول ذلك القدر عن المشتري الثاني مع حصته ~~من الربح لما ذكرنا أن الحط يلتحق بأصل العقد فيصير رأس المال. # وهو الثمن الأول ما وراء قدر المحطوط فيحط المشتري الأول عن المشتري ~~الثاني ذلك القدر ويحط حصته من الربح أيضا؛ لأن قدر الربح ينقسم على جميع ~~الثمن، فإذا حط شيئا من ذلك الثمن لا بد من حط حصته من الربح بخلاف ما إذا ~~باع مساومة ثم حط عن المشتري الأول شيئا من الثمن أنه لا يحط ذلك عن ~~المشتري الثاني؛ لأن الثمن الأول أصل في بيع المرابحة ولا عبرة به في بيع ~~المساومة ألا ترى أنه لو اشترى عبدين قيمتهما سواء أحدهما بألف والآخر ~~بخمسمائة ثم باعهما مساومة انقسم الثمن عليهما على القيمة نصفين؟ ولو ~~باعهما مرابحة أو تولية انقسم الثمن عليهما على قدر الثمن الأول أثلاثا لا ~~على قدر القيمة دل أن الأول أصل في بيع المرابحة ولا عبرة به في بيع ~~المساومة فالحط عن الثمن الأول في بيع المرابحة يوجب الحط عن الثمن الثاني ~~ولا يوجب في المساومة، وهذا الذي ذكرنا على أصل أصحابنا الثلاثة؛ لأن ~~الزيادة على الثمن تلتحق بأصل العقد وكذا الحط عنه ويصير كأن العقد في ~~الابتداء وقع على هذا القدر # PageV05P222 # (فأما) على أصل زفر والشافعي فالزيادة والحط كل واحد منهما لا ms3110 يصح زيادة ~~في الثمن وحطا عنه، وإنما يصح هبة مبتدأة، والمسألة تأتي في موضعها إن شاء ~~الله تعالى. ### | [فصل بيان ما يلحق برأس المال وما لا يلحق به في المرابحة] # (فصل) : # وأما بيان ما يلحق برأس المال وما لا يلحق به. # فنقول: لا بأس بأن يلحق برأس المال أجرة القصار والصباغ والغسال والفتال ~~والخياط والسمسار وسائق الغنم، والكراء، ونفقة الرقيق من طعامهم وكسوتهم ~~وما لا بد لهم منه بالمعروف، وعلف الدواب، ويباع مرابحة وتولية على الكل ~~اعتبارا للعرف؛ لأن العادة فيما بين التجار أنهم يلحقون هذه المؤن برأس ~~المال ويعدونها منه، وعرف المسلمين وعادتهم حجة مطلقة قال النبي: - عليه ~~الصلاة والسلام - «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» إلا أنه لا يقول ~~عند البيع: اشتريته بكذا ولكن يقول: قام علي بكذا؛ لأن الأول كذب والثاني ~~صدق. # وأما أجرة الراعي والطبيب والحجام والختان والبيطار، وجعل الآبق، والفداء ~~عن الجناية، وما أنفق على نفسه وعلى الرقيق من تعليم صناعة أو قرآن أو شعر ~~فلا يلحق برأس المال، ويباع مرابحة وتولية على الثمن الأول الواجب بالعقد ~~الأول لا غير؛ لأن العادة ما جرت من التجار بإلحاق هذه المؤن برأس المال، ~~وقال: - عليه الصلاة والسلام - «ما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح» ~~. # وكذا المضارب ما أنفق على الرقيق من طعامهم وكسوتهم وما لا بد لهم منه ~~بالمعروف يلحق برأس المال لجريان العادة بذلك وما أنفق على نفسه في سفره لا ~~يلحق به؛ لأنه لا عادة فيه، والتعويل في هذا الباب على العادة والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | [فصل في بيان ما يجب بيانه في المرابحة وما لا يجب] # (فصل) : # وأما بيان ما يجب بيانه في المرابحة وما لا يجب فالأصل فيه أن بيع ~~المرابحة والتولية بيع أمانة؛ لأن المشتري ائتمن البائع في إخباره عن الثمن ~~الأول من غير بينة ولا استحلاف فتجب صيانتها عن الخيانة وعن سبب الخيانة ~~والتهمة؛ لأن التحرز عن ذلك كله واجب ما أمكن قال الله تعالى عز شأنه: {يا ms3111 ~~أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} ~~[الأنفال: 27] ، وقال: - عليه الصلاة والسلام - «ليس منا من غشنا» ، وقال - ~~عليه الصلاة والسلام - لوابصة بن معبد: - رضي الله عنه - «الحلال بين ~~والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك» . # وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «ألا إن لكل ملك حمى وإن حمى ~~الله محارمه فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» وقال: - عليه الصلاة ~~والسلام - «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم» ~~والاحتراز عن الخيانة وعن شبهة الخيانة والتهمة إنما يحصل ببيان ما يجب ~~بيانه فلا بد من بيان ما يجب بيانه وما لا يجب فنقول: وبالله التوفيق. # : إذا حدث بالسلعة عيب في يد البائع أو في يد المشتري فأراد أن يبيعها ~~مرابحة ينظر إن حدث بآفة سماوية له أن يبيعها مرابحة بجميع الثمن من غير ~~بيان عندنا، وقال زفر والشافعي رحمهما الله: لا يبيعها مرابحة حتى يبين وإن ~~حدث بفعله أو بفعل أجنبي لم يبعه مرابحة حتى يبين بالإجماع. # (وجه) قولهما: أن البيع من غير بيان حدوث العيب لا يخلو من شبهة الخيانة؛ ~~لأن المشتري لو علم أن العيب حدث في يد المشتري لكان لا يربحه فيه؛ ولأنه ~~لما باعه بعد حدوث العيب في يده فقد احتبس عنده جزءا منه فلا يملك بيع ~~الباقي من غير بيان كما لو احتبس بفعله أو بفعل أجنبي. # (ولنا) أن الفائت جزء لا يقابله ثمن بدليل أنه لو فات بعد العقد قبل ~~القبض لا يسقط بحصته شيء من الثمن فكان بيانه والسكوت عنه بمنزلة واحدة، ~~وما يقابله الثمن قائم بالكلية فله أن يبيعه مرابحة من غير بيان؛ لأنه يكون ~~بائعا ما بقي بجميع الثمن بخلاف ما إذا فات بفعله أو بفعل أجنبي؛ لأن ~~الفائت صار مقصودا بالفعل وصار مقابله الثمن فقد حبس المشتري جزءا يقابله ~~الثمن فلا يملك بيع الباقي مرابحة إلا ببيان والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو حدث من المبيع زيادة كالولد ms3112 والثمرة والصوف واللبن والعقر لم يبعه ~~مرابحة حتى يبين؛ لأن الزيادة المتولدة من المبيع مبيعة عندنا حتى تمنع ~~الرد بالعيب وإن لم يكن لها حصة من الثمن للحال فهذا حبس بعض المبيع وباع ~~الباقي فلا يجوز من غير بيان. # وكذا لو هلك بفعله أو بفعل أجنبي ووجب الأرش؛ لأنه صار مبيعا مقصودا ~~يقابله الثمن ثم المبيع بيعا غير مقصود لم يبعه مرابحة من غير بيان فالمبيع ~~مقصودا أولى، ولو هلك بآفة سماوية له أن يبيعه مرابحة من غير بيان؛ لأنه إن ~~هلك طرف من أطرافه بآفة سماوية باعه مرابحة من غير # PageV05P223 # بيان على ما مر فالولد أولى؛ لأنه ملحق بالطرف، ولو استغل الولد والأرض ~~جاز له أن يبيعه مرابحة من غير بيان؛ لأن الزيادة التي ليست بمتولدة من ~~المبيع لا تكون مبيعة بالإجماع ولهذا لا يمنع الرد بالعيب فلم يكن ببيع ~~الدار أو الأرض حابسا جزءا من المبيع فكان له أن يبيعه مرابحة من غير بيان. # وكذلك لو كان المشترى جارية ثيبا فوطئها جاز له أن يبيعها مرابحة من غير ~~بيان فإن الوطء استيفاء المنفعة حقيقة، والمنفعة ليست بجزء لها حقيقة ~~فاستيفاؤها لا يوجب نقصانا في الذات إلا أنه ألحق بالجزء عند عدم الملك ~~إظهارا لخطر الأبضاع ولا حاجة إلى ذلك في الملك فبقيت مبيعة حقيقة، ووطء ~~الثيب إنما منع الرد بالعيب عندنا لا لأنه إتلاف جزء من العين بل لمعنى آخر ~~نذكره في موضعه، ولو كانت الجارية بكرا فافتضها المشتري لم يبعها مرابحة ~~حتى يبين؛ لأن الافتضاض إزالة العذرة وهي عضو منها فكان إتلافا لجزئها ~~فأشبه إتلاف سائر الأجزاء، ولو أتلف منها جزءا آخر لكان لا يبيعها مرابحة ~~حتى يبين كذا هذا. # ولو اشترى شيئا نسيئة لم يبعه مرابحة حتى يبين؛ لأن للأجل شبهة المبيع ~~وإن لم يكن مبيعا حقيقة؛ لأنه مرغوب فيه ألا ترى أن الثمن قد يزاد لمكان ~~الأجل فكان له شبهة أن يقابله شيء من الثمن فيصير كأنه اشترى شيئين ثم باع ~~أحدهما مرابحة على ثمن ms3113 الكل؛ لأن الشبهة ملحقة بالحقيقة في هذا الباب فيجب ~~التحرز عنها بالبيان. # ولو اشترى من إنسان شيئا بدين له عليه له أن يبيعه مرابحة من غير بيان ~~ولو أخذ شيئا صلحا من دين له على إنسان لا يبيعه مرابحة حتى يبين. # (ووجه) الفرق أن مبنى الصلح على الحط والإغماض والتجوز بدون الحق فلا بد ~~من البيان ليعلم المشتري أنه سامح أم لا فيقع التحرز عن التهمة ومبنى ~~الشراء على المضايقة والمماكسة فلا حاجة إلى البيان، وفرق آخر أن في الشراء ~~لا تتصور الخيانة؛ لأن الشراء لا يقع بذلك الدين بعينه بل بمثله، وهو أن ~~يجب على المشتري مثل ما في ذمة المديون فيلتقيان قصاصا لعدم الفائدة، ~~والدليل على أنه كذلك أنه لو اشترى ثم تصادقا على أنه لم يكن عليه دين لم ~~يبطل الشراء، ولو وقع الشراء بذلك الدين بعينه لبطل الشراء وإذا لم يقع ~~الشراء بذلك الدين بعينه لا تتقدر الخيانة كما إذا اشترى منه ثوبا بعشرة ~~دراهم ابتداء بخلاف الصلح فإنه يقع بما في الذمة على البدل المذكور ألا ترى ~~أنهما لو تصادقا بعد عقد الصلح على أنه لم يكن عليه دين يبطل الصلح، فاحتمل ~~تهمة المسامحة والتجوز بدون الحق فوجب التحرز عن ذلك بالبيان. # ولو اشترى ثوبا بعشرة دراهم، ورقمه اثني عشر فباعه مرابحة على الرقم من ~~غير بيان جاز إذا كان الرقم معلوما والربح معلوما ولا يكون خيانة؛ لأنه ~~صادق لكن لا يقول: اشتريته بكذا؛ لأنه يكون كاذبا فيه. # وروي عن أبي يوسف أن المشتري إذا كان لا يعلم عادة التجار وعنده أن الرقم ~~هو الثمن لم يبعه مرابحة على ذلك من غير بيان. # وكذلك لو ورث مالا فرقمه ثم باعه مرابحة على رقمه يجوز لما قلنا. # ولو اشترى شيئا ثم باعه بربح ثم اشتراه فأراد أن يبيعه مرابحة فإنه يطرح ~~كل ربح كان قبل ذلك فيبيعه مرابحة على ما يبقى من رأس المال بعد الطرح فإن ~~لم يبق منه شيء بأن استغرق الربح الثمن لم ms3114 يبعه مرابحة، وهذا عند أبي حنيفة ~~(وأما) عند أبي يوسف ومحمد يبيعه مرابحة على الثمن الأخير من غير بيان، ولا ~~عبرة بالعقود المتقدمة ربح فيها أو خسر، وبيان ذلك إذا اشترى ثوبا بعشرة ~~فباعه بخمسة عشر ثم اشتراه بعشرة فإنه يبيعه مرابحة على خمسة عنده، وعندهما ~~على عشرة، ولو باعه بعشرين، ثم اشتراه بعشرة لم يبعه مرابحة أصلا، وعندهما ~~يبيعه مرابحة على عشرة. # (وجه) قولهما: أن العقود المتقدمة لا عبرة بها؛ لأنها ذهبت وتلاشت بنفسها ~~وحكمها، فأما العقد الأخير، فحكمه قائم وهو الملك فكان هذا المعتبر فيبيعه ~~مرابحة على الثمن الأخير ولأبي حنيفة عليه الرحمة أن الشراء الأخير كما ~~أوجب ملك الثوب فقد أكد الربح وهو خمسة؛ لأنه كان يحتمل البطلان بالرد ~~بالعيب أو بغيره من أسباب الفسخ فإذا اشترى فقد خرج عن احتمال البطلان ~~فتأكد وللتأكد شبهة الإثبات فكان مشتريا للثوب وخمسة الربح بعشرة من وجه ~~فكان فيه شبهة أنه اشترى شيئين ثم باع أحدهما مرابحة على ثمن الكل، وذا لا ~~يجوز من غير بيان؛ لأن الشبهة في هذا الباب لها حكم الحقيقة ألا ترى أنه لو ~~اشترى ثوبا بعشرة نسيئة ثم أراد أن يبيعه مرابحة على عشرة نقدا لم يبعه ~~مرابحة من غير بيان احترازا عن الشبهة؛ لأن للأجل شبهة أن يقابله الثمن على ~~ما مر فوجب التحرز عنه بالبيان كذا هذا فإذا باعه # PageV05P224 # بعشرين ثم اشتراه بعشرة صار كأنه اشترى ثوبا وعشرة بعشرة فيكون العشرة ~~بالعشرة ويبقى الثوب خاليا عن العوض في عقد المعاوضة فيتمكن فيه شبهة الربا ~~فلم يبعه مرابحة والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو اشترى ممن لا تجوز شهادته له كالوالدين والمولودين والزوج والزوجة لم ~~يجز له أن يبيعه مرابحة حتى يبين عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: له ~~ذلك من غير بيان ولو اشترى من مكاتبه أو عبده المأذون وعليه دين أو لا دين ~~عليه لم يبعه مرابحة من غير بيان بالإجماع # (وجه) قولهما: أنه لا خلل في الشراء الأول؛ لأن ملك كل ms3115 واحد منهما ممتاز ~~عن ملك صاحبه منفصل عنه فصح الشراء الأول فلا يجب البيان كما إذا اشترى من ~~الأجنبي ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن تهمة المسامحة في الشراء الأول ~~قائمة؛ لأن الناس في العادات لا يماكسون في الشراء من هؤلاء فكانت التهمة، ~~وهي الشراء بزيادة الثمن قائمة فلا بد من البيان كما في المكاتب والمأذون؛ ~~ولأن للشراء من هؤلاء شبهة عدم الصحة؛ لأن كل واحد منهما يبيع بمال صاحبه ~~عادة ولهذا لا تقبل شهادة أحدهما لصاحبه؛ لكونها شهادة لنفسه من وجه فكان ~~مال كل واحد منهما بعد البيع والشراء قائما معنى فكان لهذا الشراء شبهة عدم ~~الصحة، والشبهة في هذا الباب ملحقة بالحقيقة فتؤثر في المرابحة كما في ~~المكاتب والعبد المأذون. # ولو اشترى سلعة من رجل بألف درهم ثم اشترى منه من لا تقبل شهادته له بألف ~~درهم وخمسمائة فإنه يبيعه مرابحة على أقل الثمنين وذلك ألف، ولا يبيعه ~~مرابحة على ألف وخمسمائة إلا ببيان عند أبي حنيفة وعندهما يبيعه مرابحة على ~~ألف وخمسمائة من غير بيان لما ذكرنا. # وأجمعوا على أنه لو اشترى عبدا بخمسمائة فباعه من المكاتب المديون أو لا ~~دين عليه بألف أنه لا يبيعه مرابحة على أكثر الثمنين، وكذا لو اشترى ~~المكاتب أو المأذون عبدا بخمسمائة فباعه من المولى بألف لما قلنا. # ولو اشترى من مضاربه أو اشترى مضاربة منه فإنه يبيعه مرابحة على أقل ~~الثمنين، وحصة المضارب من الربح إن كان فيه ربح، وإن لم يكن ربح يبيعه ~~مرابحة على أقل الثمنين، بيان ذلك إذا دفع ألفا مضاربة فاشترى رب المال ~~عبدا بخمسمائة فباعه من المضارب بألف فإن المضارب يبيعه مرابحة على ~~خمسمائة؛ لأن جواز بيع رب المال من المضارب، والمضارب من رب المال ليس ~~بمقطوع به، بل هو محل الاجتهاد فإن عند زفر لا يجوز وهو القياس؛ لأنه بيع ~~مال نفسه على نفسه والشراء من الإنسان بماله إلا أنا استحسنا الجواز ~~بالاجتهاد مع احتمال الخطأ فكان شبهة عدم الجواز قائمة فتلتحق بالحقيقة في ~~المنع ms3116 من المرابحة من غير بيان؛ ولأنه يحتمل أن رب المال باعه من المضارب ~~بأكثر من قيمته لكن ساهله المضارب؛ لأنه ما اشتراه بمال نفسه، بل بمال رب ~~المال فتمكنت التهمة في هذا البيع فلا يبيعه مرابحة بأوفر الثمنين إلا ~~ببيان. # ولو اشترى المضارب عبدا بألف فباعه من رب المال بألف ومائتين فإن لرب ~~المال بيعه مرابحة على ألف ومائة إن كانت المضاربة بالنصف؛ لأن المائتين ~~ربح وهي بينهما إلا أن حصة رب المال فيها شبهة وتهمة على ما ذكرنا فيطرح ~~ذلك القدر من بيع المرابحة، وأما حصة المضارب فلا شبهة فيها ولا تهمة إذ لا ~~حق فيها لرب المال فيبيعه مرابحة على ألف ومائة. # وكذلك لو اشترى رب المال عبدا بألف فباعه من المضارب بمائة باعه المضارب ~~مرابحة على مائة، وكذلك لو اشترى المضارب بألف فباعه من رب المال بمائة ~~باعه رب المال مرابحة على مائة وهي أقل الثمنين؛ لأنه لا تهمة في الأقل وفي ~~الأكثر تهمة على ما بينا. # ولو اشترى رب المال بخمسمائة فباعه من المضارب بألف ومائة باعه المضارب ~~مرابحة على خمسمائة وخمسين؛ لأن الخمسمائة أقل الثمنين، والخمسون قدر حصة ~~المضارب من الربح فتضم إلى الخمسمائة والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في حكم الخيانة في المرابحة] # (فصل) : # وأما حكم الخيانة إذا ظهرت. # فنقول وبالله التوفيق: إذا ظهرت الخيانة في المرابحة لا يخلو إما أن ظهرت ~~في صفة الثمن وإما أن ظهرت في قدره فإن ظهرت في صفة الثمن بأن اشترى شيئا ~~بنسيئة ثم باعه مرابحة على الثمن الأول ولم يبين أنه اشتراه بنسيئة أو باعه ~~تولية ولم يبين ثم علم المشتري فله الخيار بالإجماع إن شاء أخذه وإن شاء ~~رده؛ لأن المرابحة عقد بني على الأمانة؛ لأن المشتري اعتمد البائع وائتمنه ~~في الخبر عن الثمن الأول فكانت الأمانة مطلوبة في هذا العقد فكانت صيانته ~~عن الخيانة مشروطة دلالة ففواتها يوجب الخيار كفوات السلامة عن العيب وكذا ~~لو صالح من دين # PageV05P225 # ألف له على إنسان على عبد ثم ms3117 باعه مرابحة على الألف ولم يبين للمشتري أنه ~~كان بدل الصلح فله الخيار لما قلنا. # وإن ظهرت الخيانة في قدر الثمن في المرابحة والتولية بأن قال: اشتريت ~~بعشرة وبعتك بربح ده يازده أو قال: اشتريت بعشرة ووليتك بما توليت، ثم تبين ~~أنه كان اشتراه بتسعة فقد اختلف في حكمه، قال أبو حنيفة عليه الرحمة: ~~المشتري بالخيار في المرابحة إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء ترك، وفي ~~التولية لا خيار له لكن يحط قدر الخيانة ويلزم العقد بالثمن الباقي، وقال ~~أبو يوسف: لا خيار له ولكن يحط قدر الخيانة فيهما جميعا، وذلك درهم في ~~التولية، ودرهم في المرابحة، وحصة من الربح، وهو جزء من عشرة أجزاء من ~~درهم، وقال محمد - رحمه الله -: له الخيار فيهما جميعا إن شاء أخذه بجميع ~~الثمن وإن شاء رده على البائع. # (وجه) قول محمد - رحمه الله -: أن المشتري لم يرض بلزوم العقد إلا بالقدر ~~المسمى من الثمن فلا يلزم بدونه ويثبت له الخيار لفوات السلامة عن الخيانة ~~كما يثبت الخيار بفوات السلامة عن العيب إذا وجد المبيع معيبا (وجه) قول ~~أبي يوسف - رحمه الله -: أن الثمن الأول أصل في بيع المرابحة والتولية فإذا ~~ظهرت الخيانة تبين أن تسمية قدر الخيانة لم تصح فلغت تسميته وبقي العقد ~~لازما بالثمن الباقي، ولأبي حنيفة الفرق بين المرابحة والتولية وهو أن ~~الخيانة في المرابحة لا توجب خروج العقد عن كونه مرابحة؛ لأن المرابحة بيع ~~بالثمن الأول وزيادة ربح، وهذا قائم بعد الخيانة؛ لأن بعض الثمن رأس مال ~~وبعضه ربح فلم يخرج العقد عن كونه مرابحة، وإنما أوجب تغييرا في قدر الثمن. # وهذا يوجب خللا في الرضا فيثبت الخيار كما إذا ظهرت الخيانة في صفة الثمن ~~بأن ظهر أن الثمن كان نسيئة ونحو ذلك على ما ذكرنا بخلاف التولية؛ لأن ~~الخيانة فيها تخرج العقد عن كونه تولية؛ لأن التولية بيع بالثمن الأول من ~~غير زيادة ولا نقصان، وقد ظهر النقصان في الثمن الأول فلو أثبتنا الخيار ~~لأخرجناه عن كونه تولية ms3118 وجعلناه مرابحة، وهذا إنشاء عقد آخر لم يتراضيا ~~عليه وهذا لا يجوز فحططنا قدر الخيانة وألزمنا العقد بالثمن الباقي والله ~~سبحانه وتعالى أعلم، هذا إذا كان المبيع عند ظهور الخيانة بمحل الفسخ، فأما ~~إذا لم يكن بأن هلك أو حدث به ما يمنع الفسخ بطل خياره ولزمه جميع الثمن؛ ~~لأنه إذا لم يكن بمحل الفسخ لم يكن في ثبوت الخيار فائدة فيسقط كما في خيار ~~الشرط وخيار الرؤية والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في حكم الإشراك في المرابحة] # (فصل) : # وأما الإشراك فحكمه حكم التولية لا أنه تولية حقيقة لكنه تولية بعض ~~المبيع ببعض الثمن وقد ذكرنا ما يتعلق بالتولية من الشرائط والأحكام. # والذي يختص بالإشراك بيان القدر الذي تثبت فيه الشركة فنقول وبالله ~~التوفيق: المشترى لا يخلو إما أن يكون لواحد وإما أن يكون لاثنين أو أكثر ~~فإن كان لواحد فأشرك فيه غيره فلا يخلو إما أن يشركه في قدر معلوم كالنصف ~~والثلث والربع ونحو ذلك، وإما أن أطلق الشركة فإن أشركه في قدر معلوم فله ~~ذلك القدر لا شك فيه؛ لأن حكم التصرف فيه يثبت في قدر ما أضيف إليه هو ~~الأصل فإن أطلق الشركة بأن قال أشركتك في هذا الكر فله نصف الكر كما لو ~~قال: أشركتك في نصف الكر؛ لأن الشركة المطلقة تقتضي المساواة فتقتضي أن ~~يكون نصيب الرجل مثل نصيبه. # ولو أشرك رجلا في نصفه فلم يقبضه حتى هلك نصفه فالرجل بالخيار إن شاء أخذ ~~نصف ما بقي وهو ربع الكر وإن شاء ترك؛ لأنه كان له نصف شائع من ذلك فما هلك ~~هلك على الشركة وما بقي بقي على الشركة وله الخيار إذا كان قبل القبض؛ لأن ~~الصفقة قد تفرقت عليه، وكذلك لو باع رجل نصف الكر ثم هلك نصفه قبل القبض ~~لما قلنا ولو كان مكان الهلاك استحقاق بأن استحق نصف الكر فههنا يختلف حكم ~~الشركة والبيع فيكون النصف الباقي للمشتري خاصة في البيع وفي الشركة يكون ~~بينهما وإنما كان كذلك؛ لأن البيع أضيف ms3119 إلى نصف شائع وتعذر تنفيذه في النصف ~~المستحق لانعدام الملك وأمكن تنفيذه في نصف المملوك فيجب تنفيذه فيه وكذلك ~~في الشركة إلا أن تنفيذه في النصف المملوك يقتضي المساواة بينهما في ذلك ~~النصف، وذلك بأن يكون نصفه للرجل ونصفه له، ولو اشترى عبدا فقال له رجل: ~~أشركني في هذا العبد فقال: قد أشركتك ثم قال له رجل آخر: مثل ذلك فأشركه ~~فيه إن كان الثاني علم بمشاركة الأول فله الربع وللمشتري الربع والنصف ~~للأول. # وإن كان لم يعلم بمشاركته فالنصف له والنصف للأول ولا شيء للمشتري؛ لأنه ~~إذا علم الثاني بمشاركة الأول فلم يطلب الشركة منه إلا في نصيبه خاصة # PageV05P226 # والشركة في نصيبه تقتضي المساواة بين النصيبين، وهي أن يكون لكل واحد ~~منهما الربع، وإذا لم يعلم بالشركة فقوله: أشركني طلب الشركة في الكل، ~~والإشراك في الكل أن يكون نصفه له والأول قد استحق النصف بالمشاركة فيستحق ~~الثاني النصف الباقي تحقيقا للشركة المقتضية للمساواة، ولو قال لرجل: اشتر ~~جارية فلان بيني وبينك، فقال المأمور: نعم ثم لقيه غيره فقال له: مثل ما ~~قال الأول فقال المأمور: نعم، ثم اشترى الجارية فالجارية بين الآمرين ولا ~~شيء منها للمأمور؛ لأن الأول وكله بشراء نصف الجارية وبقبول الوكالة ~~الثانية لا يخرج عن كونه وكيلا للأول؛ لأنه لا يمكن إخراج نفسه عن الوكالة ~~من غير محضر من الموكل فبقي وكيلا له بشراء النصف. # فإذا قبل الوكالة من الثاني صار وكيلا في شراء النصف الآخر فإذا اشترى ~~الجارية فقد اشتراها لموكليه فكانت بينهما، ولو لقيه ثالث فقال له: مثل ما ~~قال الأولان فقال: نعم، ثم اشتراها كانت الجارية للأولين ولا شيء للثالث؛ ~~لأنه قد بقي وكيلا للأولين إذ لا يملك إخراج نفسه عن وكالتهما حال غيبتهما ~~فلم يصح قبوله الوكالة من الثالث شريكان شركة عنان في الرقيق أمر أحدهما ~~صاحبه أن يشتري عبد فلان بينه وبين المأمور ثم أمره آخر بمثل ذلك فاشتراه، ~~فالنصف للأجنبي والنصف للشريكين؛ لأن كل واحد من الشريكين يملك شراء الرقيق ms3120 ~~بعقد الشركة من غير أمر فكان الأمر سفها فلم يصح وصح من الأجنبي فاستحق ~~النصف، واستحقاق النصف تقتضيه الشركة والله عز وجل أعلم. # هذا إذا كان المشترى لواحد فأشركه فإن كان لاثنين فلا يخلو إما أن يكون ~~أشرك أحدهما رجلا، وإما أن أشركاه جميعا، فإن أشركه أحدهما، فإما أن أشركه ~~في نصيبه خاصة بأن قال: أشركتك في نصيبي، وإما أن أشركه في نصفه بأن قال: ~~أشركتك في نصفي، وإما أن أشركه مطلقا بأن قال: أشركتك في هذا العبد، وإما ~~أن أشركه في نصيبه ونصيب صاحبه، وإما أن أشركه في نصفه بأن قال: أشركتك في ~~نصف هذا العبد فإن أشركه في نصيبه خاصة فله النصف من نصيبه؛ لأن الشركة ~~المطلقة في نصيبه تقتضي أن يكون نصيبه فيه مثل نصيبه؛ لأنها تقتضي ~~المساواة، وكذا لو أشركه في نصفه؛ لأن الشركة المطلقة في نصفه تقتضي ~~المساواة فيه، وإن أشركه مطلقا فإن أجاز شريكه فله النصف كاملا، والنصف ~~لهما وإن لم يجز فالربع له لما ذكرنا أن الشركة المطلقة تقتضي المساواة ~~فتقتضي أن يكون نصيبه وحده مثل نصيبهما جميعا إلا أنه إذا لم يجز تعذر ~~تنفيذ الإشراك في نصيبه فينفذ في نصيب صاحبه فيكون له الربع. # وإذا أجاز أمكن إجراء الشركة على إطلاقها وهي بإطلاقها تقتضي المساواة، ~~وذلك في أن يكون له النصف ولكل واحد منهما الربع وإن أشركه في نصيبه ونصيب ~~صاحبه فكذلك في ظاهر الرواية أنه إن أجاز صاحبه فله النصف، والنصف الآخر ~~لهما وإن لم يجز فله الربع وروي عن أبي يوسف في النوادر أنه إن أجاز كان ~~بينهما أثلاثا، وإن أبى أن يجيز كان له ثلث ما في يد الذي أشركه وهو سدس ~~الكل. # (وجه) هذه الرواية أن إشراك أحدهما وإجازة الآخر بمنزلة إشراكهما معا؛ ~~لأن الإجازة تستند إلى حال العقد فكأنهما أشركاه معا؛ ولأن الإجازة اللاحقة ~~بمنزلة الوكالة السابقة فصار كأن العاقد أشرك بوكالة صاحبه (وجه) ظاهر ~~الرواية أن الإشراك والإجازة تثبت على التعاقب لوجود الإشراك والإجازة على ~~التعاقب، ms3121 والحكم يثبت على وفق العلة فصار كما لو أشرك كل واحد منهما على ~~التعاقب، قوله الإجازة: تستند إلى حالة العقد قلنا: نعم، لكن الثابت بطريق ~~الاستناد يثبت للحال ثم يستند فكان حكم الإجازة متأخرا عن حكم الإشراك ~~ثبوتا، وإن أشركه في نصف العبد فأجاز شريكه فله نصف ما في يد هذا ونصف ما ~~في يد الآخر، وإن لم يجز فله نصف ما في يد الذي أشركه لما قلنا هذا إذا ~~أشركه أحدهما، فأما إذا أشركاه جميعا فلا يخلو إما أن أشركاه معا. # وإما أن أشركاه على التعاقب، فإن أشركاه معا فالقياس أن يكون له النصف ~~كاملا ولكل واحد منهما الربع وفي الاستحسان يكون بينهم أثلاثا وإن أشركاه ~~على التعاقب مطلقا ولم يبينا قدر الشركة أو أشركاه في نصيبهما بأن قال كل ~~واحد منهما: أشركتك في نصيبي ولم يبين في كم أشركه كان له النصف وللأولين ~~النصف (وجه) القياس أنه لما أشركه كل واحد منهما فقد استحق نصف نصيبه فكان ~~النصف له والنصف لهما جميعا كما لو أشركاه على التعاقب. # (وجه) الاستحسان وهو الفرق بين حالة الاجتماع والافتراق أن الإشراك ~~المطلق من كل واحد منهما إياه في زمان واحد يقتضي المساواة في # PageV05P227 # أنصباء الكل، وهو أن يكون نصيب كل واحد منهم مثل نصيب الآخر في أن يكون ~~المشترى بينهم أثلاثا بخلاف الإشراك على التعاقب؛ لأن الإشراك من أحدهما ~~مطلقا في زمان يقتضي أن يكون نصيبه مثل نصيبه، وكذلك الإشراك الآخر في ~~الزمان الثاني فيجتمع له ربعان وهو النصف لكل واحد منهما الربع والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في المواضعة] # (فصل) : # وأما المواضعة فهي بيع بمثل الثمن الأول مع نقصان شيء معلوم منه، ويعتبر ~~لها من الشرائط والأحكام ما يعتبر للمرابحة، وقد ذكرنا ذلك كله، والأصل في ~~معرفة مقدار الثمن في المواضعة أن يضم قدر الوضيعة إلى رأس المال ثم يطرح ~~منه فما بقي بعد الطرح فهو الثمن مثاله إذا قال: اشتريت هذا بعشرة وبعتك ~~بوضيعة ده يازده فإذا أردت أن تعرف ms3122 الثمن أنه كم هو فسبيلك أن تجعل كل درهم ~~من العشرة التي هي رأس المال أحد عشر جزءا فيكون الكل أحد عشر، اطرح منهما ~~درهما يكون الثمن تسعة دراهم وجزءا من أحد عشر جزءا من درهم، وعلى هذا ~~القياس تجري مسائل المواضعة والله الموفق للصواب. ### | [فصل في شرائط لزوم البيع بعد انعقاده] # (فصل) : # وأما شرائط لزوم البيع بعد انعقاده ونفاذه وصحته فواحد وهو أن يكون خاليا ~~عن خيارات أربعة خيار التعيين وخيار الشرط وخيار العيب وخيار الرؤية فلا ~~يلزم مع أحد هذه الخيارات وهذا عندنا وقال الشافعي - رحمه الله - افتراق ~~العاقدين مع الخلو عن الخيارين وهو خيار الشرط وخيار العيب شرط أيضا ولقب ~~المسألة أن خيار المجلس ليس بثابت عندنا، وعنده ثابت احتج الشافعي - رحمه ~~الله - بقوله: - عليه الصلاة والسلام - «المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا» ~~وهذا نص في الباب؛ ولأن الإنسان قد يبيع شيئا ويشتري ثم يبدو له فيندم ~~فيحتاج إلى التدارك بالفسخ فكان ثبوت الخيار في المجلس من باب النظر ~~للمتعاقدين. # (ولنا) ظاهر قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] أباح الله - سبحانه ~~وتعالى - الأكل بالتجارة عن تراض مطلقا عن قيد التفرق عن مكان العقد، وعنده ~~إذا فسخ أحدهما العقد في المجلس لا يباح الأكل فكان ظاهر النص حجة عليه؛ ~~ولأن البيع من العاقدين صدر مطلقا عن شرط، والعقد المطلق يقتضي ثبوت الملك ~~في العوضين في الحال فالفسخ من أحد العاقدين يكون تصرفا في العقد الثابت ~~بتراضيهما أو في حكمه بالرفع والإبطال من غير رضا الآخر، وهذا لا يجوز ~~ولهذا لم ينفرد أحدهما بالفسخ والإقالة بعد الافتراق كذا هذا. # (وأما) الحديث فإن ثبت مع كونه في حد الآحاد مخالفا لظاهر الكتاب، ~~فالخيار المذكور فيه محمول على خيار الرجوع والقبول ما داما في التبايع، ~~وهو أن البائع إذا قال لغيره: بعت منك كذا فله أن يرجع ما لم يقل المشتري ~~اشتريت وللمشتري أن لا يقبل أيضا، وإذا ms3123 قال: المشتري اشتريت منك بكذا كان ~~له أن يرجع ما لم يقل البائع: بعت، وللبائع أن لا يقبل أيضا، وهذا النوع من ~~التأويل للخبر نقله محمد في الموطأ عن إبراهيم النخعي رحمهما الله وإنه ~~موافق لرواية أبي حنيفة لما روي عن ابن سيدنا عمر - رضي الله عنهما - ~~«البيعان بالخيار ما لم يتفرقا عن بيعهما» حملناه على هذا توفيقا بين ~~الدلائل بقدر الإمكان والله تعالى جل شأنه أعلم. ### | [فصل في بيان ما يكره من البياعات وما يتصل بها] # (فصل) : # وأما بيان ما يكره من البياعات وما يتصل بها. # فأما البياعات المكروهة (فمنها) التفريق بين الرقيق في البيع، والأصل فيه ~~ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا توله والدة عن ~~ولدها» والتفرق بينهما توليه فكان منهيا. # وروي أن «النبي - عليه الصلاة والسلام - رأى امرأة والهة في السبي فسأل ~~عن شأنها فقيل: قد بيع ولدها فأمر بالرد» وقال - عليه الصلاة والسلام -: ~~«من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» وهذا خرج ~~مخرج الوعيد. # وروي أنه قال - عليه الصلاة والسلام -: «لا يجتمع عليهم السبي والتفريق ~~حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية ونهى عن التفريق في حال الصغر» . # وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - «وهب من سيدنا علي - رضي الله عنه - ~~غلامين صغيرين فباع أحدهما فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهما ~~فقال: بعت أحدهما فقال - عليه الصلاة والسلام -: بعهما أو رد» ، والأمر ~~بالجمع بينهما في البيع أو رد البيع فيهما دليل على كراهة التفريق؛ ولأن ~~التفريق بين الصغير والكبير نوع إضرار بهما؛ لأن الصغير ينتفع بشفعة الكبير ~~ويسكن إليه والكبير يستأنس بالصغير، وذا يفوت # PageV05P228 # بالتفريق فيلحقهما الوحشة فكان التفريق إضرارا بهما بإلحاق الوحشة، وكذا ~~بين الصغيرين؛ لأنهما يأتلفان ويسكن قلب أحدهما بصاحبه فكان التفريق بينهما ~~إيحاشا بهما فكره ولأن الصبا من أسباب الرحمة قال - عليه الصلاة والسلام -: ~~«من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا فليس منا» وفي التفريق ترك الرحمة فكان ~~مكروها. ### | [كراهة التفريق في البيع] ms3124 # ثم الكلام في كراهة التفريق في مواضع، في بيان شرائط الكراهة، وفي بيان ~~ما يحصل به التفريق، وفي بيان صفة ما يحصل به التفريق أنه جائز أم لا. # (أما) شرائط الكراهة (فمنها) صغر أحدهما وهو أن يكون أحدهما صغيرا أو ~~يكونا صغيرين فإن كانا كبيرين لا يكره التفريق بينهما لما روي عن النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «لا يجتمع عليهم السبي والتفريق حتى يبلغ ~~الغلام وتحيض الجارية» مد - عليه الصلاة والسلام - النهي عن التفريق إلى ~~غاية البلوغ فدل على اختصاص الكراهة بحالة الصغر وزوالها بعد البلوغ؛ ولأن ~~الكراهة معلولة بالإضرار بزوال الاستئناس والشفقة وترك الرحم، وكل ذلك يختص ~~بحالة الصغر. # ، (ومنها) الرحم وهو القرابة فإن كانا أجنبيين لم يكره التفريق بينهما. # ، (ومنها) المحرمية وهو أن يكونا ذوي رحم محرم بأن كان بينهما قرابة ~~محرمة للنكاح فلا يكره التفريق بين ابني العم ونحو ذلك؛ لأن القربة المحرمة ~~للنكاح محرمة القطع مفترضة الوصل فكانت منشأ الشفقة والأنس بخلاف سائر ~~القرابات وكذا المحرمية بدون الرحم لا تحرم التفريق كحرمة الرضاع والمصاهرة ~~لانعدام معنى الشفقة والأنس لعدم دليلهما وهو القرابة. # (ومنها) أن يكون مالكهما واحدا بأي سبب ملكهما بشراء أو هبة أو ميراث أو ~~صدقة أو وصية حتى لو كان أحدهما في ملكه والآخر في ملك ولده الصغير فلا بأس ~~أن يبيع أحدهما دون الآخر وكذا لو كان له ولدان صغيران أحد المملوكين في ~~ملك أحدهما والآخر في ملك الآخر لا بأس للأب أن يبيع أحدهما؛ لأن الكراهة ~~في التفريق أن يكونا في ملك واحد وإن لم يجمعهما ملك مالك واحد لا يقع ~~البيع تفريقا؛ لأنهما كانا متفرقين قبل البيع وكذا إذا كان أحدهما في ملكه ~~والآخر في ملك مكاتبه؛ لأنهما لم يجتمعا في ملك شخص واحد؛ لأن المكاتب فيما ~~يرجع إلى الكسب ملحق بالأحرار فاختلف المالك وإن كان أحدهما في ملكه والآخر ~~في ملك عبده المأذون، فإن كان عليه دين مستغرق فلا بأس للمولى أن يبيع ~~العبد الذي عنده. # فأما على أصل ms3125 أبي حنيفة فظاهر؛ لأن المولى لا يملك كسب المأذون المديون ~~فلم يوجد بالاجتماع في ملك مالك واحد، وعندهما وإن كان يملكه لكنه ملك تعلق ~~به حق الغرماء فكان كالأجنبي عنه فلم يوجد الاجتماع معنى، وإن لم يكن عليه ~~دين يكره للمولى أن يبيع أحدهما لوجود الاجتماع في ملك شخص واحد، ولو كان ~~أحدهما في ملكه والآخر في ملك مضاربه فلا بأس بالتفريق؛ لأن مال المضارب ~~وإن لم يكن ملك المضارب لكن له حق قوي فيه حتى جاز بيع المضارب من رأس ~~المال وبيع رأس المال من المضارب استحسانا فكان رأس المال بمنزلة الأجنبي ~~فلم يوجد الاجتماع في ملك رجل واحد. # وعلى هذا يخرج ما إذا باع جارية كبيرة على أنه بالخيار فيها ثلاثة أيام ~~ثم ملك ولدها الصغير في مدة الخيار أنه يكره إيجاب البيع في الجارية ~~بالإجازة أو بالترك حتى تمضي المدة بل يفسخ البيع حتى لا يحصل التفريق؛ لأن ~~خيار البائع يمنع زوال السلعة عن ملكه فكانت الجارية على ملكه فإذا ملك ~~ولدها الصغير فقد اجتمعا في ملك شخص واحد فكانت الإجازة تفريقا فيكره ولو ~~باع الجارية على أن المشتري بالخيار ثلاثة أيام ثم ملك البائع ولدها الصغير ~~في المدة فلا بأس للمشتري أن يجيز البيع أو يفسخ؛ لأن الجارية خرجت عن ملك ~~البائع بلا خلاف؛ لأن خيار المشتري لا يمنع خروج السلعة عن ملك البائع بلا ~~خلاف بين أصحابنا، وإنما الخلاف في دخولها في ملك المشتري فلم يجتمع ~~المملوكان في ملك شخص واحد فلم تكن الإجازة تفريقا ولو كان الخيار للمشتري ~~ولها ابن عند المشتري لا تكره الإجازة بلا إشكال؛ لأن الإجازة لا تكون ~~تفريقا بل تكون جمعا (وأما) الفسخ فكذلك لا يكره أيضا (أما) على أصل أبي ~~حنيفة - رحمه الله - الله فلا يشكل أيضا؛ لأن الجارية لم تدخل في ملك ~~المشتري؛ لأن خيار المشتري يمنع دخول السلعة في ملكه على أصله فلم يقع ~~الفسخ تفريقا لانعدام الاجتماع في ملكه. # (وأما) عندهما فالجارية وإن دخلت في ملكه ms3126 لكن الفسخ حقه فالإجبار # PageV05P229 # على الإجازة إبطال لحقه وهذا لا يجوز فكان له أن يفسخ والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # (ومنها) أن يملكهما على الكمال فإن ملك من كل واحد منهما شقصا منه لم ~~يكره أن يبيع نصيبه من أحدهما دون الآخر؛ لأن البيع ههنا لا يقع تفريقا ~~مطلقا لحصول التفريق قبله من وجه فلا يدخل تحت النهي عن التفريق على ~~الإطلاق. # (ومنها) أن يكون كل واحد منهما محلا للبيع عند البيع فإن خرج أحدهما عن ~~محلية البيع بالتدبير أو الاستيلاد فلا بأس من بيع الآخر وإن كان فيه ~~تفريق؛ لأنه تعذر عليه بيعهما جميعا فلو منع عن بيع الآخر لتضرر به المالك، ~~وكراهة التفريق شرعا لدفع ضرر زائد فلا يجوز دفعه بإلحاق ضرر فوقه بالمالك. # (ومنها) أن لا يتعلق بأحدهما حق، فإن تعلق بأن لحق أحدهما دين بأن استهلك ~~مال إنسان أو جنى جناية على بني آدم أو اشتراهما رجل فوجد بأحدهما عيبا لم ~~يكره التفريق بل يباع بالدين ويدفع بالجناية ويرد بالعيب؛ لأن في المنع من ~~التفريق دفع ضرر زائد بضرر أقوى منه، وهو إبطال الحق وهذا لا يجوز. # وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه إذا جنى أحدهما يستحب للمالك أن ~~يفدي لما فيه من مراعاة الحقين ودفع الضرر من الجانبين وأنه حسن عقلا ~~وشرعا. # وروي عن أبي يوسف أنه إذا اشتراهما رجل فوجد بأحدهما عيبا يردهما جميعا ~~أو يمسكهما وليس له أن يرد المعيب خاصة؛ لأن رده خاصة تفريق، وأنه إضرار ~~فصار كما إذا اشترى مصراعي باب أو زوجي خف أو نعل ثم وجد بأحدهما عيبا أنه ~~ليس له أن يرد المعيب خاصة لكونه إضرارا بالبائع خاصة كذا هذا. # (ومنها) أن يكون مالكهما مسلما فإن كان كافرا لا يكره التفريق، وسواء كان ~~المالك حرا أو مكاتبا أو مأذونا عليه دين أو لا دين عليه صغيرا أو كبيرا، ~~وسواء كان المملوكان مسلمين أو كافرين أو أحدهما مسلما والآخر كافرا؛ لأن ~~ما ذكرنا من الدلائل الموجبة لكراهة التفريق من ms3127 النصوص والمعقول لا يوجب ~~الفصل ولو دخل حربي دار الإسلام بأمان ومعه عبدان صغيران أو أحدهما صغير ~~والآخر كبير وهما ذوا رحم محرم أو اشتراهما في دار الإسلام من صاحبه الذي ~~دخل معه بأمان فأراد أن يبيع أحدهما فلا بأس للمسلم أن يشتريه، ولو ~~اشتراهما من مسلم في دار الإسلام أو ذمي أو حربي دخل بأمان من ولاية أخرى ~~لا من ولايته يكره للمسلم أن يشتري أحدهما (ووجه) الفرق أن الضرورة دفعت ~~الكراهة في الفصل الأول؛ لأنه لو لم يشتر لأدخلهما دار الحرب فيصير عونا ~~لهم على المسلمين، وهذه الضرورة تنعدم في هذا الفصل؛ لأنه يجبر على بيعهما ~~ولا يمكن من إلحاقهما بدار الحرب فلم تتحقق الضرورة. # (ومنها) أن لا يرضيا بالتفريق فإن رضيا لا يكره بأن كان الصبي مراهقا ~~ورضي بالبيع ورضيت أمه فبيع برضاهما؛ لأن كراهة التفريق لمكان الضرر فإذا ~~رضيا به علم أنه لا ضرر فلا يكره والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا اجتمع ~~مع الصغير في ملك شخص واحد قريب واحد هو ذو رحم محرم منه. # فأما إذا كان معه عدد من الأقارب كل واحد ذو رحم محرم من الصغير فلا يخلو ~~إما أن كانا أبوين أو غيرهما من ذوي الأرحام فإن كانا أبوين يكره التفريق ~~بينه وبين أحدهما بلا خلاف، وإن كانا ممن سواهما من ذوي الرحم المحرم، فإما ~~أن كان أحدهما أقرب من الصغير والآخر أبعد منه، وإما أن كانا في القرب منه ~~على السواء فإن كان أحدهما أقرب لا بأس بالتفريق بين الصغير وبين الأبعد ~~منهما؛ لأن شفقة الأقرب تغني عن شفقة الأبعد فلم يكن التفريق إضرارا ~~بالصغير سواء اتفقت قرابة الكبيرين كالأب مع الجد والأم مع الجدة أو الخالة ~~أو الخال أو اختلفت كالأم مع العمة أو العم. # وروي عن أبي يوسف أنه يكره التفريق بينه وبين أحدهما كيف ما كان؛ لأن كل ~~واحد منهما له شفقة على الصغير وتزول بالتفريق. # وإن كان الكبيران في القرب من الصغير شرعا سواء ينظر إن ms3128 اتفقت جهة ~~قرابتهما كالعمتين والخالتين والأخوين لأب وأم أو لأب، فالقياس أن يكره ~~التفريق بين الصغيرين وبين أحدهما، وكذا روي عن أبي يوسف وفي الاستحسان لا ~~يكره إذا بقي مع الصغير قريب واحد؛ لأن لكل واحد منهما شفقة على حدة على ~~الصغير فلا تقوم شفقة أحدهما مقام الآخر، وكذا قد يختص أحدهما بزيادة شفقة ~~ليست في الآخر فكان التفريق إضرارا بتفويت شفقته من حيث الأصل أو من حيث ~~القدر فيكره. # (وجه) الاستحسان أن كراهة التفريق للإضرار بالصغير بتفويت النظر وعند ~~اتحاد جهة القرابة والتساوي في القرب من الصغير كان معنى # PageV05P230 # النظر حاصلا ببقاء أحدهما بخلاف ما إذا اختلفت الجهة؛ لأن عند اختلاف جهة ~~القرابة تختلف الشفقة فيحصل من كل واحد منهما ما لا يحصل بالآخر فكان ~~التفريق إضرارا، وكذلك لو ملك ستة إخوة أو ستة أخوات ثلاثة منهم كبار ~~وثلاثة صغار لا بأس ببيع كل صغير مع كل كبير لما قلنا ولو كان مع الصغير ~~أبوان حكما بأن ادعياه حتى ثبت نسبه منهما ثم اجتمعوا في ملك شخص واحد، ~~فالقياس أن لا يكره بيع أحدهما لاتحاد جهة القرابة، وهي قرابة الأبوة ~~كالعمين والخالين ونحو ذلك وفي الاستحسان يكره؛ لأن أباه أحدهما حقيقة فكان ~~الثابت قرابة أحدهما حقيقة إلا أنا حكمنا بثبات نسبه منهما لاستوائهما في ~~الدعوة، ولكن الأب في الحقيقة أحدهما. # فلو باع أحدهما لاحتمل أنه باع الأب فيتحقق التفريق بخلاف ما إذا كان ~~للصغير أب وأم حيث يكره بيع أحدهما؛ لأن قرابة كل واحد منهما متحققة فكان ~~البيع تفريقا بين الصغير وبين أحد أبويه بيقين فيكره، وإن اختلفت جهة قرابة ~~الكبيرين كالعمة مع الخالة والعم مع الخال والأخ لأب مع الأخ لأم وما أشبه ~~ذلك يكره التفريق؛ لأن من يدلي بقرابة الأب إلى الصغير يقوم مقام الأب، ~~والذي يدلي إليه بقرابة الأم يقوم مقام الأم فصار كما لو كان مع الصغير أبا ~~وأما، ولو كان كذلك يكره التفريق كذا هذا. # امرأة سبيت وفي حجرها بنت صغيرة وقعتا في سهم ms3129 رجل واحد والمرأة تزعم أنها ~~ابنتها يكره التفريق بينهما وإن كان لا يثبت نسبها بمجرد دعواها في سائر ~~الأحكام؛ لأن الأخبار في كراهة التفريق وردت في حق السبايا ولا يظهر كون ~~الصغير ولد المسبية إلا بقولها: فيدل على قبول قولها في حق كراهة التفريق؛ ~~ولأن هذا من باب الديانة، وقول المرأة الواحدة في الديانات مقبول خصوصا ~~فيما يسلك فيه طريق الاحتياط ولو كبرت الصغيرة في يد السابي وقد كان وطئ ~~الكبيرة ولم يعلم من المرأة المسبية إرضاع الصغيرة لا ينبغي له أن يقرب ~~البنت، وإن لم يثبت نسبها منها لدعوتها لاحتمال أنها بنتها من النسب أو ~~الرضاع فلا يقربها احتياطا ولكن لا يمنع من قربانها في الحكم؛ لأن قول ~~المرأة الواحدة في حقوق العباد غير مقبول، وإن لم تكن الصغيرة في حجرها وقت ~~السبي فلا بأس بالتفريق والجمع بينهما في الوطء؛ لأنه إذا لم تكن في حجرها ~~عند السبي فلا دليل على كونها ولدا لها في حق الحكم فلا يقبل قولها أصلا. # ولو ادعى رجل من السبايا صغيرا أو صغيرة أنه ولده قبل قوله: ويثبت نسبه ~~منه، سواء كان قبل الإحراز بدار الإسلام أو بعده بعد أن يكون قبل القسمة أو ~~قبل الدخول في ملك خاص بالبيع وغيره؛ لأن دعوى الرجل صحيحة ألا ترى أنه ~~يثبت نسبه منه فيظهر في حق كراهة التفريق، سواء كان الولد وقت السبي في يده ~~أو لم يكن بخلاف دعوة المرأة وكذلك لو ادعت المرأة أن الولد معها من هذا ~~الرجل وهو زوجها وصدقها تثبت بينهما الزوجية بتصادقهما ويثبت نسب الولد ~~منهما، ويكره التفريق بين الصغير وبين أحدهما؛ لأنه ولدهما بإقرارهما ولو ~~ادعى واحد من الغانمين ولدا صغيرا من السبي أنه ولده قبل القسمة أو البيع ~~صحت دعوته ويكون ولده، ثم ينظر إن كان معه علامة الإسلام كان مسلما ولا ~~يسترق. # وإن لم يكن معه علامة الإسلام يثبت نسبه من الداعي ولكنه يسترق؛ لأن ~~دعوته وإن صحت في حق ثبات النسب واستندت إلى وقت العلوق ms3130 لكنها لم تصح ولم ~~تستند في حق الاسترقاق؛ لأن فيه إبطال حق الغانمين فلا يصدق في إبطال حق ~~الغير ويجوز أن يصدق الإنسان في إقراره في حق نفسه ولا يصدق في حق غيره إذا ~~تضمن إبطال حق الغير كمن أقر بحرية عبد إنسان ثم اشتراه صح الشراء وعتق ~~عليه، وكذا لو اشتراه ثم أقر بحريته صح إقراره في حقه حتى يعتق عليه ولا ~~يصح في حق بائعه حتى لم يكن له أن يرجع بالثمن على بائعه ولهذا نظائر والله ~~عز وجل أعلم. ### | [فصل في ما يحصل به التفريق في البيع] # (فصل) : # وأما ما يحصل به التفريق فهو التمليك بالبيع؛ لأنه تنقطع به منفعة الأنس ~~والشفقة، وكذا القسمة في الميراث والغنائم؛ لأن القسمة لا تخلو عن معنى ~~التمليك خصوصا فيما لا مثل له فيحصل بها التفريق فيكره ولا بأس أن يعتق ~~أحدهما أو يكاتبه؛ لأن الإعتاق ليس بتمليك، بل هو إزالة الملك أو إنهاؤه ~~فلا يتحقق به التفريق؛ لأنه إذا أعتق يمكنه الاستئناس بصاحبه والإحسان إليه ~~فلم يكن الإعتاق تفريقا وكذلك الكتابة؛ لأن المكاتب حر يدا فلا تنقطع بها ~~منفعة الأنس ونحو ذلك فلا يكون تفريقا والله عز وجل أعلم ولئن كان تفريقا ~~فيقع الإعتاق فوق ضرر التفريق فلا # PageV05P231 # يكون ضررا معنى ولو باع أحدهما نسمة للعتق يكره عند أبي حنيفة وعند محمد ~~لا يكره. # (وجه) قوله: أن الوفاء بالوعد من مكارم الأخلاق فالظاهر من حالة المشتري ~~إنجاز ما وعد فيخرج التفريق من أن يكون ضررا؛ لأنه يقابله نفع أعظم منه وهو ~~العتق. # (وجه) قول أبي حنيفة عليه الرحمة أن العتق ليس بمشروط في البيع ولو كان ~~مشروطا لأوجب فساد البيع فبقي قصد الإعتاق وتنفيذ هذا القصد ليس بلازم فبقي ~~البيع تفريقا فيكره حتى لو كان قال المشتري: إن اشتريته فهو حر ثم اشتراه، ~~قالوا: لا يكره بالإجماع؛ لأنه يعتق بعد الشراء لا محالة فيخرج البيع من أن ~~يكون ضررا. ### | [فصل في صفة البيع الذي يحصل به التفريق] # (فصل) : # وأما صفة ms3131 البيع الذي يحصل به التفريق أنه جائز أم لا فقد اختلف العلماء ~~فيه فقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: البيع جائز مفيد للحكم بنفسه لكنه ~~مكروه والبائع بالتفريق آثم، وقال أبو يوسف - رحمه الله - البيع فاسد في ~~الوالدين والمولودين وفي سائر ذوي الأرحام جائز، وقال الشافعي - رحمه الله ~~-: البيع باطل في الكل، واحتج بما روينا من الأحاديث الواردة للنهي عن ~~التفريق أو ما يجري مجرى النهي، والبيع تفريق فكان منهيا، والنهي لا يصلح ~~سببا لثبوت الملك كسائر البياعات التي ورد النهي عنها على أصله فأبو يوسف ~~إنما خص البيع في الوالدين والمولودين بالفساد لورود الشرع بتغليظ الوعيد ~~بالتفريق فيهم وهو ما روينا، ولهما أن قوله تعالى: {وأحل الله البيع} ~~[البقرة: 275] ونحوه من نصوص البيع يقتضي شرعية البيع على العموم والإطلاق ~~فمن ادعى التخصيص أو التقييد فعليه الدليل. # وأما الأحاديث فهي محمولة على النهي عن غير البيع وهو الإضرار فلا يخرج ~~البيع عن أن يكون مشروعا كالنهي عن البيع وقت النداء، وإنما حملناه على غير ~~البيع إما حملا لخبر الواحد على موافقة الكتاب الكريم، وإما لأن النهي لا ~~يرد عما عرف حسنه عقلا على ما عرف. # (ومنها) البيع وقت النداء وهو أذان الجمعة لقوله تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} ~~[الجمعة: 9] أمر بترك البيع عند النداء نهيا عن البيع لكن لغيره وهو ترك ~~السعي فكان البيع في ذاته مشروعا جائزا لكنه يكره؛ لأنه اتصل به غير مشروع ~~وهو ترك السعي. # (ومنها) بيع الحاضر للباد وهو أن يكون لرجل طعام وعلف لا يبيعهما إلا ~~لأهل البادية بثمن غال؛ لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» ولو باع جاز ~~البيع؛ لأن النهي لمعنى في غير البيع وهو الإضرار بأهل المصر فلا يوجب فساد ~~البيع كالبيع وقت النداء وهذا إذا كان ذلك يضر بأهل البلد بأن كان أهله ms3132 في ~~قحط من الطعام والعلف، فإن كانوا في خصب وسعة فلا بأس به لانعدام الضرر. # (ومنها) بيع متلقي السلع واختلف في تفسيره قال بعضهم: هو أن يسمع واحد ~~خبر قدوم قافلة بميرة عظيمة فيتلقاهم الرجل ويشتري جميع ما معهم من الميرة ~~ويدخل المصر فيبيع على ما يشاء من الثمن، وهذا الشراء مكروه لما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تتلقوا السلع حتى تبسط ~~الأسواق» ، وهذا إذا كان يضر بأهل البلد بأن كان أهله في جدب وقحط فإن كان ~~لا يضرهم لا بأس وقال بعضهم: تفسيره هو أن يتلقاهم فيشتري منهم بأرخص من ~~سعر البلد وهم لا يعلمون سعر البلد وهذا أيضا مكروه سواء تضرر به أهل البلد ~~أم لا؛ لأنه غرهم، والشراء جائز في الصورتين جميعا؛ لأن البيع مشروع في ~~ذاته والنهي في غيره وهو الإضرار بالعامة على التفسير الأول وتغرير أصحاب ~~السلع على التفسير الثاني. # (ومنها) بيع المستام على سوم أخيه وهو أن يساوم الرجلان فطلب البائع ~~بسلعته ثمنا ورضي المشتري بذلك الثمن فجاء مشتر آخر ودخل على سوم الأول ~~فاشتراه بزيادة أو بذلك الثمن؛ لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «لا يستام الرجل على سوم أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه» . # وروي «لا يسوم الرجل على سوم أخيه» والنهي لمعنى في غير البيع وهو ~~الإيذاء فكان نفس البيع مشروعا فيجوز شراؤه ولكنه يكره، وهذا إذا جنح ~~البائع للبيع بالثمن الذي طلبه المشتري الأول فإن كان لم يجنح له فلا بأس ~~للثاني أن يشتريه؛ لأن هذا ليس استياما على سوم أخيه فلا يدخل تحت النهي، ~~ولانعدام معنى الإيذاء أيضا، بل هو بيع من يزيد وأنه ليس بمكروه؛ لما روي ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «باع قدحا وحلسا له ببيع من يزيد» وما ~~كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليبيع بيعا مكروها، وكذا في النكاح ~~إذا خطب رجل امرأة وركن قلبها # PageV05P232 # إليه يكره لغيره أن يخطبها لما ms3133 روينا وإن لم يركن فلا بأس به. # (ومنها) بيع السلاح من أهل الفتنة وفي عساكرهم؛ لأن بيعه منهم من باب ~~الإعانة على الإثم والعدوان وأنه منهي، ولا يكره بيع ما يتخذ منه السلاح ~~منهم كالحديد وغيره؛ لأنه ليس معدا للقتال فلا يتحقق معنى الإعانة، ونظيره ~~بيع الخشب الذي يصلح لاتخاذ المزمار فإنه لا يكره وإن كره بيع المزامير. # (وأما) ما يكره مما يتصل بالبيوع. # (فمنها) الاحتكار وقد ذكرنا جملة الكلام فيه في باب الكراهية وإلحاقه ~~بهذا الموضع أولى. # (ومنها) النجش وهو أن يمدح السلعة ويطلبها بثمن ثم لا يشتريه بنفسه ولكن ~~ليسمع غيره فيزيد في ثمنه وإنه مكروه لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه «نهى عن النجش» ؛ ولأنه احتيال للإضرار بأخيه المسلم وهذا إذا ~~كان المشتري يطلب السلعة من صاحبها بمثل ثمنها، فأما إذا كان يطلبها بأقل ~~من ثمنها فنجش رجل سلعة حتى تبلغ إلى ثمنها فهذا ليس بمكروه وإن كان الناجش ~~لا يريد شراءها والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في حكم البيع] # (فصل) : # وأما حكم البيع فلا يمكن الوقوف عليه إلا بعد الوقوف على تسمية البياعات ~~في حق الحكم فنقول - وبالله التوفيق -: البيع في حق الحكم لا يخلو إما أن ~~يكون صحيحا، وإما أن يكون فاسدا، وإما أن يكون باطلا، وإما أن يكون موقوفا، ~~والصحيح لا يخلو إما. # أن يكون فيه خيار أو لا خيار فيه أما البيع الصحيح الذي لا خيار فيه فله ~~أحكام لكن بعضها أصل، وبعضها من التوابع. # (أما) الحكم الأصلي، فالكلام فيه في موضعين: في بيان أصل الحكم، وفي بيان ~~صفته. # (أما) الأول: فهو ثبوت الملك للمشتري في المبيع، وللبائع في الثمن للحال ~~فلا بد من معرفة المبيع والثمن لمعرفة حكم البيع، والأحكام المتعلقة بهما ~~فيقع الكلام في موضعين: أحدهما في. # تفسير المبيع، والثمن والثاني: في بيان الأحكام المتعلقة بهما (أما) ~~الأول فنقول: - ولا قوة إلا بالله تعالى - المبيع والثمن على أصل أصحابنا ~~من الأسماء المتباينة الواقعة على معان مختلفة، فالمبيع ms3134 في الأصل اسم لما ~~يتعين بالتعيين، والثمن في الأصل ما لا يتعين بالتعيين، وإن احتمل تغير هذا ~~الأصل بعارض بأن يكون ما لا يحتمل التعيين مبيعا كالمسلم فيه، وما يحتمله ~~ثمنا كرأس مال السلم إذا كان عينا على ما نذكره إن شاء الله - تعالى - ~~(وأما) على أصل زفر - رحمه الله - وهو قول الشافعي - رحمه الله - فالمبيع ~~والثمن من الأسماء المترادفة الواقعة على مسمى واحد، وإنما يتميز أحدهما عن ~~الآخر في الأحكام بحرف الباء، وإذا عرف هذا فالدراهم، والدنانير على أصل ~~أصحابنا أثمان لا تتعين في عقود المعاوضات في حق الاستحقاق، وإن عينت حتى ~~لو قال: بعت منك هذا الثوب بهذه الدراهم، أو بهذه الدنانير كان للمشتري أن ~~يمسك المشار إليه، ويرد مثله ولكنها تتعين في حق ضمان الجنس، والنوع ~~والصفة، والقدر حتى يجب عليه رد مثل المشار إليه جنسا، ونوعا، وقدرا، وصفة، ~~ولو هلك المشار إليه لا يبطل العقد، وعلى أصلهما يتعين حتى يستحق البائع ~~على المشتري الدراهم المشار إليها كما في سائر الأعيان المشار إليها، ولو ~~هلك قبل القبض يبطل العقد كما لو هلك سائر الأعيان. # (وجه) قولهما: إن المبيع والثمن يستعملان استعمالا واحدا قال الله - ~~تعالى - {ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} [البقرة: 41] سمى - سبحانه وتعالى ~~- المشترى وهو المبيع ثمنا دل على أن الثمن مبيع، والمبيع ثمن، ولهذا جاز ~~أن يذكر الشراء بمعنى البيع يقال: شريت الشيء بمعنى بعته قال الله - تعالى ~~-: {وشروه بثمن بخس دراهم} [يوسف: 20] أي، وباعوه، ولأن ثمن الشيء قيمته، ~~وقيمة الشيء ما يقوم مقامه، ولهذا سمي قيمة لقيامه مقام غيره، والثمن ~~والمثمن كل واحد منهما يقوم مقام صاحبه فكان كل واحد منهما ثمنا ومبيعا دل ~~أنه لا فرق بين الثمن والمبيع في اللغة، والمبيع يحتمل التعين بالتعيين ~~فكذا الثمن إذ هو مبيع على ما بينا. # (ولنا) أن الثمن في اللغة اسم لما في الذمة، هكذا نقل عن الفراء وهو إمام ~~في اللغة، ولأن أحدهما يسمى ثمنا والآخر مبيعا في عرف اللغة والشرع، ~~واختلاف الأسامي دليل ms3135 اختلاف المعاني في الأصل إلا أنه يستعمل أحدهما مكان ~~صاحبه توسعا؛ لأن كل واحد منهما يقابل صاحبه فيطلق اسم أحدهما على الآخر ~~لوجود معنى المقابلة كما يسمى جزاء السيئة سيئة، وجزاء الاعتداء اعتداء. # (فأما) الحقيقة فما ذكرنا، وإذا كان الثمن اسما لما في الذمة لم يكن ~~محتملا للتعيين بالإشارة فلم يصح التعيين حقيقة في حق استحقاق العين فجعل ~~كناية عن بيان الجنس المشار إليه ونوعه وصفته وقدره تصحيحا لتصرف العاقل ~~بقدر الإمكان ولأن التعيين غير مفيد؛ لأن كل عوض يطلب من المعين في ~~المعاوضات يمكن استيفاؤه من # PageV05P233 # مثله فلم يكن التعيين في حق استحقاق العين مفيدا فيلغو في حقه، ويعتبر في ~~بيان حق الجنس والنوع والصفة والقدر؛ لأن التعيين في حقه مفيد ثم الدراهم ~~والدنانير عندنا أثمان على كل حال أي شيء كان في مقابلتها، وسواء دخله حرف ~~الباء فيهما أو فيما يقابلهما؛ لأنهما لا تتعين بالتعيين بحال فكانت أثمانا ~~على كل حال. # (وأما) ما سواهما من الأموال فإن كان مما لا مثل له من العدديات ~~المتفاوتة والذرعيات فهو مبيع على كل حال؛ لأنها تتعين بالتعيين بل لا يجوز ~~بيعها إلا عينا إلا الثياب الموصوفة المؤجلة سلما فإنها تثبت دينا في الذمة ~~مبيعة بطريق السلم استحسانا بخلاف القياس لحاجة الناس إلى السلم فيها، وكذا ~~الموصوف المؤجل فيها لا بطريق السلم يثبت دينا في الذمة ثمنا استحسانا، وإن ~~كان مما له مثل كالمكيلات، والموزونات والعدديات المتقاربة. # فإن كان في مقابلة المكيل أو الموزون دراهم أو دنانير فهو مبيع، وإن كان ~~في مقابلته ما لا مثل له من الأعيان التي ذكرنا فإنه ينظر إن كان المكيل أو ~~الموزون معينا فهو مبيع، وإن لم يكن معينا يحكم فيه حرف الباء فما دخله فهو ~~ثمن، والآخر مبيع، وإن كان أحدهما معينا، والآخر موصوفا أو كان كل واحد ~~منهما موصوفا فإنه يحكم فيه حرف الباء فما صحبه فهو الثمن، والآخر المبيع ~~(وأما) الفلوس الرائجة فإن قوبلت بخلاف جنسها فهي أثمان وكذا إن قوبلت ~~بجنسها متساوية ms3136 في العدد، وإن قوبلت بجنسها متفاضلة في العدد فهي مبيعة عند ~~أبي حنيفة، وأبي يوسف، وعند محمد هي أثمان على كل حال، والله - عز وجل - ~~أعلم. # (وأما) بيان ما يتعلق بهما من الأحكام. # (فمنها) : أنه لا يجوز التصرف في المبيع المنقول قبل القبض بالإجماع، وفي ~~العقار اختلاف. # ويجوز التصرف في الأثمان قبل القبض إلا الصرف، والسلم، وقال الشافعي - ~~رحمه الله -: إن كان الثمن عينا لا يجوز التصرف فيها قبل القبض، وهذا على ~~أصله مستقيم؛ لأن الثمن والمبيع عنده من الأسماء المترادفة الواقعة على ~~مسمى واحد فكان كل واحد منهما مبيعا ولا يجوز بيع المبيع قبل القبض، وإن ~~كان دينا فله فيه قولان: في قول لا يجوز أيضا لما روي عن النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - أنه «نهى عن بيع ما لم يقبض» فيتناول العين والدين. # (ولنا) ما روي عن عبد الله ابن سيدنا عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: ~~«يا رسول الله إنا نبيع الإبل بالبقيع، ونأخذ مكان الدراهم الدنانير، ومكان ~~الدنانير الدراهم فقال - عليه الصلاة والسلام -: لا بأس إذا كان بسعر ~~يومهما، وافترقتما وليس بينكما شيء» ، وهذا نص على جواز الاستبدال من ثمن ~~المبيع، ولأن قبض الدين بقبض العين؛ لأن قبض نفس الدين لا يتصور؛ لأنه ~~عبارة عن مال حكمي في الذمة أو عبارة عن الفعل، وكل ذلك لا يتصور فيه قبضه ~~حقيقة فكان قبضه بقبض بدله، وهو قبض العين فتصير العين المقبوضة مضمونة على ~~القابض، وفي ذمة المقبوض منه مثلها في المالية فيلتقيان قصاصا هذا هو طريق ~~قبض الديون، وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين أن يكون المقبوض من جنس ما عليه ~~أو من خلاف جنسه؛ لأن المقاصة إنما تتحقق بالمعنى، وهو المالية، والأموال ~~كلها في معنى المالية جنس واحد، وبه تبين أن المراد من الحديث العين لا ~~الدين؛ لأن النهي عن بيع ما لم يقبض يقتضي أن يكون المبيع شيئا يحتمل ~~القبض، ونفس الدين لا يحتمل القبض على ما بينا فلا يتناوله النهي بخلاف ~~السلم، والصرف. # (أما) الصرف ms3137 فلأن كل واحد من بدلي الصرف مبيع من وجه، وثمن من وجه لأن ~~البيع لا بد له من مبيع إذ هو من الأسماء الإضافية، وليس أحدهما بجعله ~~مبيعا أولى من الآخر فيجعل كل واحد منهما مبيعا من وجه، وثمنا من وجه فمن ~~حيث هو ثمن يجوز التصرف فيه قبل القبض كسائر الأثمان، ومن حيث هو مبيع لا ~~يجوز فرجحنا جانب الحرمة احتياطا (وأما) المسلم فيه؛ فلأنه مبيع بالنص، ~~والاستبدال بالمبيع المنقول قبل القبض لا يجوز، ورأس المال ألحق بالمبيع ~~العين في حق حرمة الاستبدال شرعا فمن ادعى الإلحاق في سائر الأموال فعليه ~~الدليل. # وكذا يجوز التصرف في القرض قبل القبض، وذكر الطحاوي - رحمه الله - أنه لا ~~يجوز وفرق بين القرض، وسائر الديون (ووجه) الفرق له أن الإقراض إعارة لا ~~مبادلة ألا ترى أنه لا يلزم الأجل فيه كما في العارية؟ ، ولو كان مبادلة ~~للزم فيه الأجل، وكذا لا يملكه الأب والوصي والمكاتب، والمأذون، وهؤلاء ~~يملكون المبادلة ولأنه لو جعل مبادلة لما جاز؛ لأنه يتمكن فيه الربا، وهو ~~فضل العين على الدين دل أنه إعارة، والواجب في العارية رد العين، وأنه لا ~~يحصل بالاستبدال (وجه) ظاهر الرواية أن الإقراض في الحقيقة مبادلة الشيء ~~بمثله فإن # PageV05P234 # الواجب على المستقرض مثل ما استقرض دينا في ذمته لا عينه فكان محتملا ~~للاستبدال كسائر الديون، ولهذا اختص جوازه بما له مثل من المكيلات، ~~والموزونات، والعدديات المتقاربة دل أن الواجب على المستقرض تسليم مثل ما ~~استقرض لا تسليم عينه إلا أنه أقيم تسليم المثل فيه مقام تسليم العين كأنه ~~انتفع بالعين مدة ثم ردها إليه فأشبه دين الاستهلاك وغيره، والله - عز وجل ~~- أعلم. # (ومنها) أنه لا يجوز بيع ما ليس عند البائع إلا السلم خاصة لما روي أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في ~~السلم» . # ويجوز الشراء بثمن ليس عند المشتري لما روي أن «النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - اشترى من يهودي طعاما بثمن ليس عنده، ورهنه درعه» ms3138 ، وعلى هذا ~~يخرج ما إذا قال: اشتريت منك هذه الحنطة بدرهم أو دينار إلى شهر أو قال: ~~اشتريت منك درهما أو دينارا إلى شهر بهذه الحنطة أنه يجوز لما ذكرنا أن ~~الدراهم، والدنانير أثمان على كل حال فكان ما يقابلها مبيعا فيكون مشتريا ~~بثمن ليس عنده، وأنه جائز. # ولو قال: بعت منك قفيز حنطة بهذا الدرهم أو بهذا الدينار ووصف الحنطة ~~لكنه لم يذكر شرائط السلم، أو قال: بعت منك هذا الدرهم أو هذا الدينار ~~بقفيز من حنطة، ووصفها، ولم يذكر شرائط السلم لا يجوز لأن الدراهم، ~~والدنانير أثمان بأي شيء قوبلت فكان ما في مقابلتها مبيعا فيكون بائعا ما ~~ليس عنده، ولا يجوز بيع ما ليس عند الإنسان إلا السلم خاصة، ولم يذكر شرائط ~~السلم فلو ذكر في هذا البيع شرائط السلم جاز عند أصحابنا الثلاثة، وإن لم ~~يذكر لفظ السلم وعند زفر لا يجوز ما لم يذكر لفظ السلم، والصحيح قولنا لما ~~ذكرنا أن السلم نوع بيع إلا أنه بيع اختص بشرائط فإذا أتي بها فقد أتي ~~بالسلم، وإن لم يتلفظ به. # ولو تصارفا دينارا بدينار أو عشرة دراهم بعشرة دراهم أو دينارا بعشرة ~~بغير أعيانها، وليس عندهما شيء من ذلك فاستقرضا في المجلس ثم تقابضا، ~~وافترقا جاز؛ لأن الدراهم، والدنانير أثمان على كل حال فكان كل، واحد منهما ~~مشتريا بثمن ليس عنده لا بائعا، وأنه جائز إلا أنه لا بد من التقابض؛ لأنه ~~صرف ولو تبايعا تبرا بتبر بغير أعيانهما وليس عندهما شيء من ذلك ثم استقرضا ~~قبل الافتراق فتقابضا ثم افترقا ففيه روايتان: ذكر في الصرف أنه يجوز، ~~وجعله بمنزلة الدراهم والدنانير المضروبة، وذكر في المضاربة، وجعله بمنزلة ~~العروض حيث قال: لا تجوز المضاربة فعلى هذه الرواية لا يجوز البيع، ويحتمل ~~أن يوفق بين الروايتين بأن تحمل رواية كتاب الصرف على موضع يروج التبر فيه ~~رواج الدراهم والدنانير المضروبة، ورواية كتاب المضاربة على موضع لا يروج ~~رواجها. # وعلى هذا يخرج ما إذا قال: بعت منك هذا ms3139 العبد بكذا كر حنطة ووصفها أنه ~~يجوز؛ لأنه جعل الحنطة الموصوفة ثمنا حيث أدخل فيها حرف الباء فيكون الآخر ~~مبيعا، فكان هذا بيع العبد بحنطة موصوفة في الذمة فيجوز ولو قال: اشتريت ~~منك كذا كر حنطة، ووصفها بهذا العبد لا يجوز إلا بطريق السلم؛ لأنه جعل ~~العبد ثمنا بدلالة حرف الباء، فكانت الحنطة مبيعة، فكان بائعا ما ليس عنده، ~~فلا يجوز إلا بشرائط السلم من الأجل وبيان مكان الإيفاء، وقبض رأس المال، ~~ونحو ذلك عندنا، وعند زفر لا يجوز ما لم يذكر لفظ السلم على ما مر. # وعلى هذا يخرج ما إذا قال: بعت منك هذه الحنطة على أنها قفيز بقفيز حنطة، ~~ووصفها أو قال: بعت منك هذه الحنطة على أنها قفيز بقفيزي شعير، ووصفهما أن ~~البيع جائز؛ لأنه جعل العين منهما مبيعا والدين الموصوف في الذمة ثمنا ~~بإدخال حرف الباء عليه فيجوز لكن قبض الدين منهما قبل الافتراق يشرط؛ لأن ~~من شرط جواز البيع أن يكون الافتراق فيه عن عين بعين، وذلك بقبض الدين ~~منهما؛ لأن الدين لا يتعين إلا بالقبض، ولو قبض الدين منهما ثم افترقا عن ~~المجلس قبل قبض العين جاز؛ لأنهما افترقا عن عين بعين ولو قال: اشتريت منك ~~قفيز حنطة ووصفها بهذا القفيز من الحنطة أو قال: اشتريت منك قفيزي شعير، ~~ووصفهما بهذه الحنطة على أنها قفيز لا يجوز، وإن أحضر الموصوف في المجلس ~~لأنه جعل الموصوف منهما مبيعا، والآخر ثمنا بقرينة حرف الباء فيكون بائعا ~~ما ليس عنده وبيع ما ليس عند الإنسان لا يكون إلا بطريق السلم، ولا سبيل ~~إلى تجويزه سلما؛ لأن إسلام المكيل في المكيل لا يجوز. # ولو تبايعا مكيلا موصوفا بمكيل موصوف أو موزونا موصوفا بموزون موصوف مما ~~يتعين بالتعيين بأن قال: بعت منك قفيز حنطة، ووصفها بقفيز حنطة، ووصفها أو ~~بقفيزي شعير، ووصفهما أو قال: بعت منك من سكر، ووصفه بمن سكر، ووصفه، وليس # PageV05P235 # عندهما شيء من ذلك ثم استقرضا، وتقابضا ثم افترقا لا يجوز البيع؛ لأن ~~الذي صحبه ms3140 منهما حرف الباء يكون ثمنا، والآخر مبيعا فيكون بائعا ما ليس ~~عنده فلا يجوز إلا سلما، والسلم في مثله لا يجوز لأنه إسلام المكيل في ~~المكيل، وإسلام الموزون الذي يتعين في الموزون الذي يتعين، وكل ذلك لا ~~يجوز، والله - عز وجل أعلم. # وعلى هذا يخرج الشراء بالدين ممن عليه الدين شيئا بعينه أو بغير عينه ~~قبضه أو لم يقبضه، وجملة الكلام فيه أن الدين لا يخلو من أن يكون دراهم أو ~~دنانير أو فلوسا أو مكيلا أو موزونا أو قيمة المستهلك، فإن كان دراهم أو ~~دنانير فاشترى به شيئا بعينه جاز الشراء، وقبض المشترى ليس بشرط؛ لأنه يكون ~~افتراقا عن عين بدين، وأنه جائز فيما لا يتضمن ربا النساء، ولا يتضمن ههنا، ~~وكذلك إن كان الدين مكيلا أو موزونا أو قيمة المستهلك لما قلنا ولو اشترى ~~بدينه، وهو دراهم شيئا بغير عينه بأن اشترى بها دينارا أو فلوسا أو هو فلوس ~~فاشترى بها دراهم أو دنانير أو فلوسا جاز الشراء لكن يشترط قبض المشترى في ~~المجلس حتى لا يحصل الافتراق عن دين بدين؛ لأن المشترى لا يتعين إلا بالقبض ~~ولو كان دينه دراهم أو دنانير أو فلوسا فاشترى بها مكيلا موصوفا أو موزونا ~~موصوفا أو ثيابا موصوفة مؤجلة لم يجز الشراء؛ لأن الدراهم، والدنانير أثمان ~~على كل حال، وكذا الفلوس عند المقابلة بخلاف جنسها فلم تكن مبيعة فكان ~~الآخر مبيعا بيع ما ليس عند الإنسان ولا يجوز بيع ما ليس عند الإنسان إلا ~~بطريق السلم، ولا سبيل إلى تجويزه بطريق السلم؛ لأن رأس المال دين بخلاف ~~الفصل الأول؛ لأن كل واحد منهما ثمنا فكان مشتريا بثمن ليس عنده وأنه جائز ~~لكن لا بد من التسليم كي لا يكون الافتراق عن دين بدين. # وإن كان الدين مكيلا أو موزونا فباعه بدراهم أو بدنانير أو بفلوس أو ~~اشترى هذه الأشياء بدينه جاز؛ لأن الدراهم والدنانير أثمان على كل حال، ~~وكذا الفلوس عند مقابلتها بخلاف جنسها فكان من عليه الدين مشتريا بثمن ليس ms3141 ~~عنده، وذلك جائز، لكن يشترط القبض في المجلس لئلا يؤدي إلى الافتراق عن دين ~~بدين ولو اشترى بالدين الذي هو مكيل أو موزون مكيلا أو موزونا من خلاف جنسه ~~ينظر: إن جعل الدين منهما مبيعا، والآخر ثمنا بأن أدخل فيه حرف الباء، وإن ~~كان بغير عينه جاز؛ لأنه يكون مشتريا بثمن ليس عنده إلا أن القبض في المجلس ~~شرط فلا يكون افتراقا عن دين بدين، وإن جعل الدين منهما ثمنا بأن أدخل حرف ~~الباء فيه والآخر مبيعا لم يجز الشراء، وإن أحضر في المجلس لأنه بائع ما ~~ليس عنده، وبيع ما ليس عند الإنسان لا يجوز إلا بطريق السلم، وإذا كان رأس ~~المال دينا لا يجوز السلم، وإن كان الدين قيمة المستهلك فإن كان المستهلك ~~مما له مثل، فهذا والأول سواء؛ لأن الواجب باستهلاكه مثله. # فإذا اشترى به شيئا من خلاف جنسه فحكمه ما ذكرنا وإن كان مما لا مثل له ~~فاشترى به شيئا بعينه جاز، وقبض المشتري ليس بشرط؛ لأن الواجب باستهلاكه ~~القيمة، والقيمة دراهم أو دنانير فصار مشتريا بدين الدراهم والدنانير شيئا ~~بعينه فيجوز، ولا يشترط قبض المشترى؛ لأنه يحصل الافتراق عن عين بدين، ولا ~~بأس به فيما لا يتضمن ربا النساء، ولو اشترى به شيئا بغير عينه من المكيل ~~أو الموزون ينظر: إن جعل ما عليه مبيعا، وهذا ثمنا بأن أدخل عليه حرف ~~الباء؛ يجوز الشراء؛ لأنه اشترى بثمن ليس عنده فيجوز لكن لا بد من القبض في ~~المجلس، وإن جعل ما عليه ثمنا بأن صحبه حرف الباء لا يجوز، وإن أحضر في ~~المجلس؛ لأنه باع ما ليس عند الإنسان؛ فلا يجوز إلا بطريق السلم، ولا سبيل ~~إليه؛ لأن رأس ماله دين، ولو وقع الصلح عن المستهلك على الدراهم أو ~~الدنانير، وقضى به الحاكم جاز، ولا يكون القبض شرطا؛ لأن هذا ليس شراء ~~بالدين، بل هو نفس حقه ولو صالح على دراهم أو دنانير أكثر من قيمة ~~المستهلك؛ جاز الصلح عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف، ومحمد ms3142 يجوز بقدر ~~القيمة، والفضل على القيمة باطل، وهي من مسائل الغصب نذكرها إن شاء الله - ~~تعالى -. # ولو تبايعا عينا بفلوس بأعيانها بأن قال: بعت منك هذا الثوب أو هذه ~~الحنطة بهذه الفلوس جاز ولا يتعين، وإن عينت بالإشارة إليها حتى كان ~~للمشتري أن يمسكها، ويرد مثلها، ولو هلكت قبل القبض لا يبطل البيع؛ لأنها ~~وإن لم تكن في الوضع ثمنا فقد صارت ثمنا باصطلاح الناس، ومن شأن الثمن أن ~~لا يتعين بالتعيين وكذا إذا تبايعا درهما بعينه أو دينارا بعينه بفلوس ~~بأعيانها فإنها لا تتعين أيضا كما لا تتعين الدراهم والدنانير لما قلنا، ~~إلا أن القبض في المجلس ههنا شرط # PageV05P236 # بقاء العقد على الصحة حتى لو افترقا من غير تقابض أصلا يبطل العقد لحصول ~~الافتراق عن دين بدين، ولو لم يوجد القبض إلا من أحد الجانبين دون الآخر ~~فافترقا مضى العقد على الصحة؛ لأن المقبوض صار عينا بالقبض فكان افتراقا عن ~~عين بدين، وأنه جائز إذا لم يتضمن ربا النساء، ولم يتضمن ههنا لانعدام ~~القدر المتفق والجنس، وكذا إذا تبايعا فلسا بعينه بفلس بعينه فالفلسان لا ~~يتعينان، وإن عينا إلا أن القبض في المجلس شرط حتى يبطل بترك التقابض في ~~المجلس لكونه افتراقا عن دين بدين. # ولو قبض أحد البدلين في المجلس فافترقا قبل قبض الآخر ذكر الكرخي أنه لا ~~يبطل العقد؛ لأن اشتراط القبض من الجانبين من خصائص الصرف، وهذا ليس بصرف ~~فيكتفى فيه بالقبض من أحد الجانبين؛ لأن به يخرج عن كونه افتراقا عن دين ~~بدين، وذكر في بعض شروح مختصر الطحاوي - رحمه الله - أنه يبطل لا لكونه ~~صرفا بل لتمكن ربا النساء فيه لوجود أحد وصفي علة ربا الفضل وهو الجنس، وهو ~~الصحيح. # ولو تبايعا فلوسا بدراهم على أن كل واحد منهما بالخيار وتقابضا، وافترقا ~~بطل البيع؛ لأن الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم فيمنع صحة التقابض ~~فيحصل الافتراق لا عن قبض أصلا فيبطل البيع ولو كان الخيار لأحدهما، فكذلك ~~عند أبي حنيفة، وعندهما يجوز بناء ms3143 على أن شرط الخيار يعمل في الجانبين ~~جميعا عنده، وينعدم القبض من الجانبين، وعندهما لا يعمل إلا من جانب واحد ~~فينعدم القبض من أحد الجانبين، وهذا يمنع جواز العقد والأصل المحفوظ أن ~~العقد في حق القبض على مراتب منها ما يشترط فيه التقابض، وهو القبض من ~~الجانبين، وهو الصرف، ومنها ما لا يشترط فيه القبض أصلا كبيع العين بالعين ~~مما سوى الذهب والفضة، وبيع العين بالدين مما لا يتضمن ربا النساء كبيع ~~الحنطة بالدراهم ونحوها، ومنها ما يشترط فيه القبض من أحد الجانبين كبيع ~~الدراهم بالفلوس، وبيع العين بالدين مما لا يتضمن ربا النساء كبيع المكيل ~~بالمكيل والموزون بالموزون إذا كان الدين منهما ثمنا وبيع الدين بالعين، ~~وهو السلم. # ولو تبايعا فلسا بعينه بفلسين بأعيانهما جاز عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، ~~ويتعين كل، واحد منهما حتى لو هلك أحدهما قبل القبض بطل العقد، وكذا إذا رد ~~بالعيب أو استحق، ولو أراد أحدهما أن يدفع مثله ليس له ذلك، وعند محمد لا ~~يتعين، ولا يجوز البيع، وقد ذكرنا المسألة مع دلائلها فيما تقدم. # ولو تبايعا فلسا بغير عينه بفلسين بغير أعيانهما أو عين أحدهما، ولم يعين ~~الآخر لا يجوز، في الرواية المشهورة عنهم، وعن أبي يوسف أنه يجوز، والصحيح: ~~جواب ظاهر الرواية لأن الفلس في هذه الحالة لا يخلو من أن يكون من العروض ~~أو من الأثمان، فإن كان من العروض فالتعيين في العروض شرط الجواز، ولم ~~يوجد، وإن كان من الأثمان فالمساواة فيها شرط الجواز، ولم يوجد؛ ولأن تجويز ~~هذا البيع يؤدي إلى ربح ما لم يضمن؛ لأن مشتري الفلسين يقبضهما، وينقد ~~أحدهما، ويبقى الآخر عن غير ضمان فيكون ربح ما لم يضمن، وأنه منهي ولو ~~تبايعا فلسا بفلسين، وشرطا الخيار ينبغي أن يجوز على قولهما؛ لأن الفلوس في ~~هذه الحالة كالعروض، وعندهما لا يشترط فيها فلم يكن الخيار مانعا، والله - ~~عز وجل - أعلم. # ولو اشترى شيئا بفلوس كاسدة في موضع لا تنفق، فإن كانت بأعيانها جاز، وإن ~~لم تكن ms3144 معينة لم يجز؛ لأنها في ذلك الموضع عرض، والتعيين شرط الجواز في بيع ~~العروض. # ومنها أن للبائع حق حبس المبيع حتى يقبض الثمن إذا كان الثمن حالا، وليس ~~للمشتري أن يمتنع من تسليم الثمن إلى البائع حتى يقبض المبيع إذا كان ~~المبيع حاضرا لأن البيع عقد معاوضة، والمساواة في المعاوضات مطلوبة ~~المتعاوضين عادة، وحق المشتري في المبيع قد تعين بالتعيين في العقد، وحق ~~البائع في الثمن لم يتعين بالعقد؛ لأن الثمن في الذمة فلا يتعين بالتعيين ~~إلا بالقبض فيسلم الثمن أولا ليتعين فتتحقق المساواة، وإن كان المبيع غائبا ~~عن حضرتهما فللمشتري أن يمتنع عن التسليم حتى يحضر المبيع؛ لأن تقديم تسليم ~~الثمن لتتحقق المساواة، وإذا كان المبيع غائبا لا تتحقق المساواة بالتقديم، ~~بل يتقدم حق البائع، ويتأخر حق المشتري، حيث يكون الثمن بالقبض عينا مشارا ~~إليه، والمبيع لا؛ ولأن من الجائز أن المبيع قد هلك، وسقط الثمن عن المشتري ~~فلا يؤمر بالتسليم إلا بعد إحضار المبيع، سواء كان المبيع في ذلك المصر أو ~~في موضع آخر بحيث تلحقه المؤنة بالإحضار، فرق بين هذا وبين الرهن فإن ~~الراهن إذا # PageV05P237 # امتنع من قضاء الدين لإحضار الرهن ينظر في ذلك إن كان الرهن في ذلك المصر ~~بحيث لا يلحق المرتهن مؤنة في الإحضار يؤمر بإحضاره أولا كما في البيع ~~لجواز أن الرهن قد هلك، وسقط الدين عن الراهن بقدره. # وإن كان في موضع يلحقه المؤنة في الإحضار لا يؤمر المرتهن بالإحضار أولا، ~~بل يؤمر الراهن بقضاء الدين أولا إن كان مقرا أن الرهن قائم ليس بهالك، وإن ~~ادعى أنه هالك، وقال المرتهن: هو قائم فالقول قول المرتهن مع يمينه، فإذا ~~حلف يؤمر بقضاء الدين (ووجه) الفرق بينهما أن البيع عقد معاوضة، ومبنى ~~المعاوضة على المساواة، ولا تتحقق المساواة إلا بالإحضار على ما مر، بخلاف ~~الرهن فإنه عقد ليس بمعاوضة بل هو عقد أمانة بمنزلة عقد الوديعة كأن ~~المرهون أمانة في يد المرتهن إلا أنه إذا هلك يسقط الدين عن الراهن لا ~~لكونه مضمونا ms3145 بل لمعنى آخر على ما عرف، وإذا لم يكن معاوضة لم يكن الدين ~~عوضا عن الرهن فلا يلزم تحقيق المساواة بينهما بإحضار الرهن إذا كان بحيث ~~تلحقه المؤنة بالإحضار. # ولو تبايعا عينا بعين سلما معا لما ذكرنا أن المساواة في عقد المعاوضة ~~مطلوبة للمتعاوضين عادة، وتحقيق المساواة ههنا في التسليم معا، ولأن تسليم ~~المبيع مستحق، وليس أحدهما بتقديم التسليم أولى من الآخر؛ لأن كل واحد ~~منهما مبيع فيسلمان معا، وكذا لو تبايعا دينا بدين سلما تحقيقا للمساواة ~~التي هي مقتضى المعاوضات المطلقة ولاستواء كل واحد منهما في استحقاق ~~التسليم بخلاف ما إذا تبايعا عينا بدين؛ لأن الدين لا يصير عينا إلا بالقبض ~~فلا تتحقق المساواة إلا بتسليمه أولا على ما بينا، والله - عز وجل - أعلم. # (ومنها) أن هلاك المبيع قبل القبض يوجب انفساخ البيع، وجملة الكلام فيه: ~~أن المبيع لا يخلو إما أن يكون أصلا، وإما أن يكون تبعا، وهو الزوائد ~~المتولدة من المبيع، فإن كان أصلا فلا يخلو إما أن هلك كله وإما أن هلك ~~بعضه، ولا يخلو إما أن هلك قبل القبض، وإما أن هلك بعده، وكل ذلك لا يخلو ~~إما أن هلك بآفة سماوية، وإما أن هلك بفعل البائع أو بفعل المشتري أو بفعل ~~أجنبي فإن هلك كله قبل القبض بآفة سماوية انفسخ البيع؛ لأنه لو بقي أوجب ~~مطالبة المشتري بالثمن، وإذا طالبه بالثمن فهو يطالبه بتسليم المبيع، وأنه ~~عاجز عن التسليم فتمتنع المطالبة أصلا فلم يكن في بقاء البيع فائدة فينفسخ، ~~وإذا انفسخ البيع سقط الثمن عن المشتري، لأن انفساخ البيع ارتفاعه من ~~الأصل، كأن لم يكن، وكذا إذا هلك بفعل المبيع بأن كان حيوانا فقتل نفسه؛ ~~لأن فعله على نفسه هدر فكأنه هلك بآفة سماوية وكذا إذا هلك بفعل البائع ~~يبطل البيع، ويسقط الثمن عن المشتري عندنا، وقال الشافعي: - رحمه الله - لا ~~يبطل، وعلى البائع ضمان القيمة أو المثل. # (وجه) قوله أنه أتلف مالا مملوكا للغير بغير إذنه فيجب عليه ضمان المثل ~~أو القيمة كما ms3146 لو أتلفه بعد القبض، ولا فرق سوى أن المبيع قبل القبض في ~~يده، وهذا لا يمنع وجوب الضمان كالمرتهن إذا أتلف المرهون في يده. # (ولنا) أن المبيع في يد البائع مضمون بأحد الضمانين، وهو الثمن ألا ترى: ~~لو هلك في يده سقط الثمن عن المشتري فلا يكون مضمونا بضمان آخر إذ المحل ~~الواحد لا يقبل الضمانين، بخلاف الرهن فإن المضمون بالرهن على المرتهن معنى ~~المرهون لا عينه، بل عينه أمانة حتى كان كفنه ونفقته على الراهن، والمضمون ~~بالإتلاف عينه فإيجاب ضمان القيمة لا يؤدي إلى كون المحل الواحد مضمونا ~~بضمانين، لاختلاف محل الضمان بخلاف البيع وسواء كان البيع باتا أو بشرط ~~الخيار؛ لأن المبيع في يد البائع مضمون بالثمن في الحالين فيمنع كونه ~~مضمونا بضمان آخر، وإن هلك بفعل المشتري لا ينفسخ البيع، وعليه الثمن؛ لأنه ~~بالإتلاف صار قابضا كل المبيع؛ لأنه لا يمكنه إتلافه إلا بعد إثبات يده ~~عليه، وهو معنى القبض فيتقرر عليه الثمن، وسواء كان البيع باتا أو بشرط ~~الخيار للمشتري؛ لأن خيار المشتري لا يمنع زوال البيع عن ملك البائع بلا ~~خلاف فلا يمنع صحة القبض فلا يمنع تقرر الثمن. # وإن كان البيع بشرط الخيار للبائع أو كان البيع فاسدا فعليه ضمان مثله إن ~~كان مما له مثل، وإن كان مما لا مثل له فعليه قيمته؛ لأن خيار البائع يمنع ~~زوال السلعة عن ملكه بلا خلاف، فكان المبيع على حكم ملك البائع، وملكه ~~مضمون بالمثل أو القيمة، وكذا المبيع بيعا فاسدا مضمون بالمثل أو القيمة، ~~وإن هلك بفعل أجنبي فعليه ضمانه لا شك فيه؛ لأنه أتلف مالا مملوكا لغيره ~~بغير إذنه، ولا يد له عليه فيكون مضمونا عليه بالمثل أو القيمة، والمشتري ~~بالخيار إن شاء فسخ البيع فيعود المبيع إلى ملك البائع فيتبع الجاني فيضمنه # PageV05P238 # مثله إن كان من ذوات الأمثال، وقيمته إن لم يكن من ذوات الأمثال، وإن شاء ~~اختار البيع فاتبع الجاني بالضمان، واتبعه البائع بالثمن؛ لأن المبيع قد ~~تعين في ضمان البائع؛ لأنه ms3147 كان عينا فصار قيمة، وتعين المبيع في ضمان ~~البائع يوجب الخيار ثم إن اختار الفسخ، وفسخ، واتبع البائع الجاني بالضمان، ~~وضمنه ينظر إن كان الضمان من جنس الثمن، وفيه فضل على الثمن لا يطيب له ~~الفضل لأن الفضل ربح ما لم يملك لزوال المبيع عن ملكه بنفس البيع. # وربح ما لم يضمن لا يطيب لنهي النبي - عليه الصلاة والسلام - عن ربح ما ~~لم يضمن، ولما فيه من شبهة الربا فربح ما لم يضمن أولى، وإن كان الضمان من ~~خلاف جنس الثمن، طاب الفضل؛ لأن الربا لا يتحقق عند اختلاف الجنس، وإن ~~اختار البيع، واتبع الجاني بالضمان، وضمنه فإن كان الضمان من جنس الثمن لا ~~يطيب له الفضل؛ لأنه ربح ما لم يضمن في حقه لا ربح ما لم يملك؛ لأن المبيع ~~ملكه، وإن كان من خلاف جنسه طاب الفضل له لما قلنا ولو كان المشترى عبدا ~~فقتله أجنبي قبل القبض فإن كان القتل خطأ لا ينفسخ البيع، وللمشتري خيار ~~الفسخ والبيع لما قلنا؛ إلا أن ههنا إذا اختار الفسخ، وفسخ البيع اتبع ~~البائع عاقلة القاتل فأخذ قيمته في ثلاث سنين، وإن اختار المبيع اتبع ~~العاقلة بقيمته في ثلاث سنين. # ولو كان القتل عمدا اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: قال أبو حنيفة: - عليه ~~الرحمة - إن المشتري بالخيار إن شاء فسخ البيع، وللبائع أن يقتص القاتل ~~بعبده، وإن شاء اختار البيع وله أن يقتص القاتل بعبده، وعليه جميع الثمن ~~وقال أبو يوسف: - رحمه الله - المشتري بالخيار إن شاء فسخ البيع، ويعود ~~المبيع إلى ملك البائع، وليس للبائع أن يقتص ولكنه يأخذ من مال القاتل ~~القيمة في ثلاث سنين وإن شاء اختار البيع، وللمشتري أن يقتص، وعليه جميع ~~الثمن وقال محمد: لا قصاص على القاتل بحال، والمشتري بالخيار إن شاء فسخ ~~البيع والبائع يأخذ القيمة من القاتل في ثلاث سنين وإن شاء اختار البيع، ~~واتبع القاتل بالقيمة في ثلاث سنين. # (وجه) قول محمد - رحمه الله - أن العبد لم يكن على ملك البائع وقت ms3148 القتل، ~~بل كان على ملك المشتري فلم ينعقد السبب موجبا للقصاص للبائع، وملك المشتري ~~لم يكن مستقرا، بل كان محتملا للعود إلى ملك البائع بالفسخ فلا تثبت ولاية ~~الاقتصاص لأحدهما (وجه) قول أبي يوسف أنه لا سبيل إلى إثبات ولاية الاقتصاص ~~للبائع لما قاله محمد، وهو أن القتل صادف محلا ليس بمملوك للبائع عند القتل ~~فأما الملك فثابت للمشتري، وقت القتل، وقد لزم وتقرر باختيار المشتري فتثبت ~~له ولاية الاستيفاء، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه أمكن القول بثبوت ~~ولاية الاستيفاء لهما على اعتبار اختيار الفسخ، وعلى اعتبار اختيار البيع، ~~أما على اعتبار اختيار البيع فلما قاله أبو يوسف وأما على اعتبار اختيار ~~الفسخ؛ فلأن فسخ العقد رفعه من الأصل، وجعله كأن لم يكن، فتبين أن الجناية ~~وردت على ملك البائع فثبتت ولاية الاقتصاص، هذا إذا هلك المبيع كله قبل ~~القبض. # فأما إذا هلك كله بعد القبض، فإن هلك بآفة سماوية، أو بفعل المبيع أو ~~بفعل المشتري لا ينفسخ البيع، والهلاك على المشتري، وعليه الثمن؛ لأن البيع ~~تقرر بقبض المبيع، فتقرر الثمن، وكذلك إن هلك بفعل أجنبي لما قلنا، ويرجع ~~المشتري على الأجنبي بضمانه، ويطيب له الفضل؛ لأن هذا الفضل ربح ما قد ضمن، ~~وإن هلك بفعل البائع ينظر إن كان المشتري قبضه بإذن البائع أو بغير إذنه، ~~لكن الثمن منقود أو مؤجل فاستهلاكه واستهلاك الأجنبي سواء، وإن كان قبضه ~~بغير إذن البائع صار مستردا للبيع بالاستهلاك فحصل الاستهلاك في ضمانه ~~فيوجب بطلان البيع، وسقوط الثمن كما لو استهلك وهو في يده، والله - عز وجل ~~- أعلم هذا إذا هلك كل المبيع قبل القبض أو بعده. # فأما إذا هلك بعضه فإن كان قبل القبض، وهلك بآفة سماوية ينظر إن كان ~~النقصان نقصان قدر بأن كان مكيلا أو موزونا أو معدودا ينفسخ العقد بقدر ~~الهالك، وتسقط حصته من الثمن؛ لأن كل قدر من المقدرات معقود عليه فيقابله ~~شيء من الثمن، وهلاك كل المعقود عليه يوجب انفساخ البيع في الكل، وسقوط كل ~~الثمن، ms3149 فهلاك بعضه يوجب انفساخ البيع، وسقوط الثمن بقدره والمشتري بالخيار ~~في الباقي إن شاء أخذه بحصته من الثمن، وإن شاء ترك؛ لأن الصفقة قد تفرقت ~~عليه، وإن كان النقصان نقصان وصف، وهو كل ما يدخل في البيع من غير تسمية ~~كالشجر، والبناء في الأرض، وأطراف الحيوان، والجودة في المكيل والموزون لا ~~ينفسخ البيع # PageV05P239 # أصلا، ولا يسقط عن المشتري شيء من الثمن؛ لأن الأوصاف لا حصة لها من ~~الثمن إلا إذا ورد عليها القبض أو الجناية؛ لأنها تصير مقصودة بالقبض ~~والجناية فالمشتري بالخيار إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء ترك لتعيب ~~المبيع قبل القبض، وإن هلك بفعل المبيع بأن جرح نفسه لا ينفسخ البيع، ولا ~~يسقط عن المشتري شيء من الثمن؛ لأن جنايته على نفسه هدر، فصار كما لو هلك ~~بعضه بآفة سماوية، وهلاك بعضه نقصان الوصف، والأوصاف لا تقابل بالثمن فلا ~~يسقط شيء من الثمن، ولكن المشتري بالخيار إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء ~~ترك لتغير المبيع. # ولو كان المشترى حيوانين سوى بني آدم فقتل أحدهما صاحبه قبل القبض تسقط ~~حصته من الثمن، والمشتري بالخيار إن شاء أخذ الباقي بحصته من الثمن، وإن ~~شاء ترك؛ لأن فعل العجماء جبار فكأنه اشترى حيوانين، ثم مات أحدهما قبل ~~القبض حتف أنفه ولو كان المشترى عبدين فقتل أحدهما صاحبه قبل القبض، أو ~~كانت جارية فولدت قبل القبض فكبر الولد ثم قتل أحدهما صاحبه قبل القبض ~~فالمشتري بالخيار إن شاء فسخ البيع في الباقي، وبطلت الجناية؛ لأن الفسخ ~~إعادة إلى ملك البائع فتبين أن القتل حصل في ملك البائع فبطل، وإن شاء أخذ ~~القاتل منهما بجميع الثمن، ولا يسقط عن المشتري شيء من الثمن؛ لأنه لو أخذه ~~بحصته من الثمن لصار آخذا بجميع الثمن في الانتهاء فيخير في الابتداء قصرا ~~للمسافة إن شاء أخذ الحي منهما بجميع الثمن، وإن شاء ترك وبيان ذلك أنه لو ~~أخذ القاتل منهما بحصته من الثمن لا ينفسخ البيع في المقتول. # وانفساخ البيع ارتفاعه من الأصل وعوده ms3150 إلى ملك البائع فتبين أن عبد ~~المشتري قتل عبد البائع فيخاطب بالدفع أو بالفداء، وأيهما فعل قام مقام ~~المقتول فيحيا المقتول معنى فيأخذه ببقية الثمن، فصار في أخذ الباقي منهما ~~بحصته من الثمن في الحال آخذا بجميع الثمن في المآل فخيرناه في الابتداء ~~للأخذ بجميع الثمن والفسخ، هذا وإن هلك بفعل البائع يبطل البيع بقدره، ~~ويسقط عن المشتري حصة الهالك من الثمن، وهو قدر النقصان اعتبارا للبعض ~~بالكل، سواء كان النقصان نقصان قيمة أو نقصان وصف؛ لأن الأوصاف لها حصة من ~~الثمن عند ورود الجناية عليها؛ لأنها تصير أصلا بالفعل فتقابل بالثمن، ~~والمشتري بالخيار في الباقي إن شاء أخذه بحصته من الثمن، وإن شاء ترك لتفرق ~~الصفقة عليه، ولو اختار المشتري الأخذ فلم يقبضه حتى مات من تلك الجناية أو ~~من غيرها مات على البائع، ويسقط الثمن عن المشتري؛ لأن المبيع إنما يدخل في ~~ضمان المشتري بالقبض، ولم يوجد. # فإن قبضه المشتري فمات من جناية البائع أو غيرها سقطت عن المشتري حصة ~~جناية البائع، ولزمه ما بقي من الثمن أما إذا مات من الجناية فلأن قبض ~~الباقي وجد من المشتري فتقرر قبضه فتقرر عليه ثمنه، وكذا إذا مات من جناية ~~البائع؛ لأن المشتري قبض الباقي حقيقة، وقبض المبيع يوجب تقرر الثمن في ~~الأصل إلا إذا وجد من البائع ما ينقصه فيصير مستردا، والسراية ليست فعله ~~حقيقة، وإنما هي صنع الله - تعالى - يعني مصنوعة فبقي المقبوض على حكم قبض ~~المشتري فتقرر عليه ثمنه، ولأن قبض المشتري بمنزلة إنشاء العقد فيه؛ لأن ~~للقبض شبها بالعقد، وإنشاء الشراء قاطع للسراية كما لو اشتراه منه بعد ~~جنايته، وقبضه ثم سرت إلى النفس، ومات، فكذلك القبض، والله - عز وجل - ~~أعلم. # وإذا هلك بفعل المشتري؛ لا يبطل البيع، ولا يسقط عنه شيء من الثمن؛ لأنه ~~صار قابضا للكل بإتلاف البعض أو لا يتمكن من إتلاف البعض إلا بإثبات اليد ~~على الكل، وهو تفسير القبض أو صار قابضا قدر المتلف بالإتلاف، والباقي ~~بالتعييب، فتقرر عليه كل الثمن ms3151 ولو مات في يد البائع بعد جناية المشتري ~~ينظر إن مات من تلك الجناية مات على المشتري، وعليه الثمن؛ لأنه لما مات من ~~جنايته تبين أن فعله السابق وقع إتلافا للكل فتقرر عليه كل الثمن سواء منعه ~~البائع بعد جناية المشتري أو لم يمنعه؛ لأن منع البائع بعد وجود الإتلاف من ~~المشتري هدر، وإن مات من غير الجناية، فإن كان البائع لم يمنعه مات من مال ~~المشتري أيضا، وعليه كل الثمن لما ذكرنا أنه بالجناية صار قابضا لكل ~~المبيع، ولم يوجد ما ينقض قبضه فبقي حكم ذلك القبض، وإن كان منعه لزم ~~المشتري حصة ما استهلك، وسقط عنه ثمن ما بقي؛ لأن البائع لما منع فقد نقض ~~قبض المشتري في قدر القائم، فصار مستردا إياه. # فإذا هلك فقد هلك في ضمانه فيهلك عليه، ولو جنى عليه البائع ثم جنى عليه ~~المشتري سقط عن المشتري حصة جناية # PageV05P240 # البائع لما قلنا، ولزمه ثمن ما بقي؛ لأنه صار قابضا للباقي بجنايته فتقرر ~~عليه ثمنه؛ لأن جنايته دليل الرضا بتعييب البائع، فإن ابتدأ المشتري ~~بالجناية ثم جنى البائع قبل قبض الثمن فإن برئ العبد من الجنايتين فالمشتري ~~بالخيار إن شاء أخذه، وسقطت عنه حصة جناية البائع من الثمن، وإن شاء ترك؛ ~~لأن المشتري صار قابضا بالجناية، لكن الجناية فيه قبض بغير إذن البائع، ~~والثمن غير منقود، فلما جنى عليه البائع فقد استرد ذلك القدر، فحصلت جنايته ~~تعييبا للمبيع، وحدوث العيب في المبيع قبل القبض يوجب الخيار فإن شاء فسخ، ~~وإن شاء ترك، وعليه ثلاثة أرباع الثمن، وسقطت عنه جناية البائع من الثمن، ~~وهو الربع؛ لأن النصف هلك بجناية المشتري فتقرر عليه الثمن، وربع منه قائم ~~يأخذه بثمنه أيضا، والربع هلك بجناية البائع قبل القبض فيسقط عنه ثمنه. # وإن مات العبد في يد البائع بعد الجنايتين بأن كان المشتري قطع يده، ثم ~~قطع البائع رجله من خلاف ثم مات في يد البائع من الجنايتين فعلى المشتري ~~خمسة أثمان الثمن، وسقط عنه ثلاثة أثمان الثمن؛ لأن ms3152 المشتري لما قطع يده ~~فقد تقرر عليه نصف الثمن؛ لأنه صار قابضا بالقطع، ولما قطع البائع رجله فقد ~~استرد نصف القائم من العبد، وهو الربع، فبقي هناك ربع قائم من العبد، فإذا ~~سرت الجناية؛ فقد هلك ذلك الربع من سراية الجنايتين، فينقسم ذلك الربع ~~بينهما نصفين، فانكسر الحساب بالأرباع، فيجعل كل سهم أربعة، فيصير ثمانية، ~~فلذلك جعلنا الحساب من ثمانية فهلك بجناية المشتري النصف، وهو أربعة ~~وبسراية جنايته سهم فيتقرر عليهم ثمنه فذلك خمسة أثمان الثمن، وهلك بجناية ~~البائع سهمان وبسراية جنايته سهم فذلك ثلاثة أثمان الثمن يسقط عنه؛ لأن ~~هلاك هذا القدر يسقط عنه، والله - عز وجل - أعلم هذا إذا جنى المشتري أولا ~~ثم جنى البائع فبرأت الجراحة أو سرت. # (فأما) إذا جنى البائع أولا ثم المشتري فإن برئ العبد فلا خيار للمشتري ~~ههنا لما ذكرنا أن إقدامه على الجناية بعد جناية البائع دليل الرضا ~~بتعيينه، فبطل خياره، ويلزمه ثمن ما بقي؛ لأنه صار قابضا لما بقي، وإن مات ~~العبد من الجنايتين فالجواب ههنا على القلب من الجواب في المسألة المتقدمة، ~~وهو أن على المشتري ثلاثة أثمان، وسقط عنه خمسة أثمان الثمن، فحكم جناية ~~المشتري ههنا كحكم جناية البائع هناك لما ذكرنا فافهم. # ولو كان الثمن مقبوضا، والعبد في يد البائع فجنى عليه البائع يسقط عن ~~المشتري حصته من الثمن أيضا لما ذكرنا فإن كان المشتري جنى عليه أولا ثم ~~جنى البائع يلزم البائع من القيمة ما يلزم الأجنبي؛ لأن المشتري صار قابضا ~~بالجناية، ولا يملك البائع نقض القبض، والاسترداد ههنا؛ لأن الثمن مقبوض ~~فصارت جنايته وجناية الأجنبي سواء، ولو كان البائع جنى أولا، ثم جنى ~~المشتري فما هلك بجناية البائع سقط حصته من الثمن، وما هلك بسراية جنايته ~~فعليه قيمته؛ لأن ما هلك بجنايته بعد جناية المشتري تجب قيمته على ما ذكرنا ~~فكذا ما هلك بسراية جنايته، والله - عز وجل - أعلم وإن هلك بفعل أجنبي ~~فعليه ضمانه، لا شك فيه، والمشتري بالخيار إن شاء فسخ البيع، واتبع البائع ms3153 ~~الجاني بضمان ما جنى، وإن شاء اختار البيع، واتبع الجاني بالضمان، وعليه ~~جميع الثمن، وأيهما اختار، فالحكم فيه بعد ذلك على ما ذكرنا في إتلاف ~~الأجنبي كل المبيع، والله - عز وجل - أعلم هذا إذا هلك بعض المبيع قبل ~~القبض. # فأما إذا هلك بعض المبيع بعد القبض، فإن هلك بآفة سماوية أو بفعل المبيع ~~أو بفعل المشتري؛ فالهلاك على المشتري؛ لأن المبيع خرج عن ضمان البائع بقبض ~~المشتري، فتقرر عليه الثمن، وكذا إذا هلك بفعل أجنبي فالهلاك على المشتري ~~لما قلنا، ويرجع بالضمان على الأجنبي لا شك فيه، وإن هلك بفعل البائع ينظر ~~إن لم يكن له حق الاسترداد للحبس لاستيفاء الثمن بأن كان المشتري قبضه ~~بإذنه أو كان الثمن منقودا أو مؤجلا فهذا، وما لو أتلفه أجنبي سواء وقد ~~ذكرنا حكمه. # وإن كان له حق الاسترداد بأن كان قبضه بغير إذنه، والثمن حال غير منقود ~~ينفسخ البيع في قدر المتلف، ويسقط عن المشتري حصته من الثمن؛ لأنه صار ~~مستردا لذلك القدر بالإتلاف فتلف ذلك القدر في ضمانه فيسقط قدره من الثمن، ~~ولا يكون مستردا؛ لأنه لم يوجد منه إتلاف الباقي؛ لأنه لو هلك الباقي في يد ~~المشتري فعليه حصته من الثمن إلا إذا هلك الباقي من سراية جناية البائع ~~فيصير مستردا ويسقط عن المشتري جميع الثمن؛ لأن تلف الباقي حصل مضافا إلى ~~فعله فصار مستردا للكل فتلف الكل في ضمانه فيسقط كل الثمن. # ولو اختلف # PageV05P241 # البائع والمشتري في هلاك المبيع فقال البائع: هلك بعد القبض، ولي عليك ~~الثمن، وقال المشتري: هلك قبل القبض، ولا ثمن لك علي فالقول قول المشتري مع ~~يمينه؛ لأن البائع يدعي عليه القبض والثمن، وهو ينكر، ولأن الظاهر شاهد ~~للمشتري؛ لأن المبيع كان في يد البائع، والظاهر بقاء ما كان على ما كان، ~~والبائع يدعي أمرا عارضا، وهو الزوال، والانتقال فكان المشتري متمسكا ~~بالأصل الظاهر فكان القول قوله، وإن أقام أحدهما البينة قبلت بينته، ولو ~~أقاما جميعا البينة يقضى ببينة البائع؛ لأنها تثبت أمرا بخلاف الظاهر، ms3154 وما ~~شرعت البينات إلا لهذا؛ ولأنها أكثر إظهارا؛ لأنها تظهر القبض والثمن، ~~فكانت أولى بالقبول. # وكذلك لو اختلفا في الاستهلاك فادعى البائع على المشتري أنه استهلكه، ~~وادعى المشتري على البائع أنه استهلكه، فالقول قول المشتري لما قلنا، هذا ~~إذا لم يكن للبينتين تاريخ، فأما إذا كان لهما تاريخ، وتاريخ إحداهما أسبق ~~فالأسبق أولى بالهلاك والاستهلاك جميعا، هذا إذا لم يكن قبض المشتري المبيع ~~ظاهرا، فأما إذا كان ظاهرا فادعيا الاستهلاك، فإن لم يكن لهما بينة، فالقول ~~قول البائع؛ لأن الظاهر شاهد له؛ لأن المبيع في يد المشتري، وأيهما أقام ~~البينة قبلت بينته، وإن أقاما جميعا البينة فالبينة بينة المشتري، لأنه هو ~~المدعي، ألا ترى أنه يدعي أمرا باطنا ليزيل به ظاهرا، وهو الاستهلاك من ~~البائع، والمبيع في يده، وكذا المشتري لو ترك الدعوى يترك، ولا يجبر عليها، ~~والبائع لو ترك الدعوى لا يترك بل يجبر عليها، وهذه عبارة مشايخنا في تحديد ~~المدعي، والمدعى عليه. # وإذا قامت بينة المشتري ينظر إن كان في موضع للبائع حق الاسترداد للحبس ~~لاستيفاء الثمن بأن كان المشتري قبضه بغير إذن البائع، والثمن حال غير ~~منقود يسقط الثمن عن المشتري؛ لأنه بالاستهلاك صار مستردا، وانفسخ البيع، ~~وإن كان في موضع ليس له حق الاسترداد للحبس بأن كان المشتري قبض المبيع ~~بإذن البائع أو بغير إذنه لكن الثمن منقود أو مؤجل فللمشتري أن يضمن البائع ~~قيمة المبيع؛ لأنه إذا لم يكن له حق الاسترداد لم يكن بالاستهلاك مستردا، ~~ولا ينفسخ البيع، فلا يحصل الاستهلاك في ضمان البائع فتلزمه القيمة، كما لو ~~استهلكه أجنبي، والله - عز وجل - أعلم. # ولو اشترى بفلوس نافقة، ثم كسدت قبل القبض انفسخ عند أبي حنيفة - رحمه ~~الله - وعلى المشتري رد المبيع إن كان قائما، وقيمته أو مثله إن كان هالكا، ~~وعند أبي يوسف، ومحمد رحمهما الله لا يبطل البيع، والبائع بالخيار إن شاء ~~فسخ البيع، وإن شاء أخذ قيمة الفلوس (وجه) قولهما أن الفلوس في الذمة، وما ~~في الذمة لا يحتمل الهلاك، فلا ms3155 يكون الكساد هلاكا بل يكون عيبا، فيوجب ~~الخيار إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أخذ قيمة الفلوس، كما إذا كان الثمن رطبا ~~فانقطع قبل القبض، ولأبي حنيفة أن الفلوس بالكساد خرجت عن كونها ثمنا؛ لأن ~~ثمنيتها ثبتت باصطلاح الناس، فإذا ترك الناس التعامل بها عددا؛ فقد زال ~~عنها صفة الثمنية، ولا بيع بلا ثمن، فينفسخ ضرورة، ولو لم تكسد، ولكنها ~~رخصت قيمتها أو غلت لا ينفسخ البيع بالإجماع، وعلى المشتري أن ينقد مثلها ~~عددا، ولا يلتفت إلى القيمة ههنا؛ لأن الرخص أو الغلاء لا يوجب بطلان ~~الثمنية ألا ترى أن الدراهم قد ترخص، وقد تغلو وهي على حالها أثمان؟ ، ثم ~~اختلف أبو يوسف، ومحمد فيما بينهما في وقت اعتبار القيمة، فاعتبر أبو يوسف ~~وقت العقد؛ لأنه وقت وجوب الثمن، واعتبر محمد وقت الكساد، وهو آخر يوم ترك ~~الناس التعامل بها؛ لأنه وقت العجز عن التسليم. # ولو استقرض فلوسا نافقة، وقبضها فكسدت فعليه رد مثل ما قبض من الفلوس ~~عددا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي قول محمد عليه قيمتها (وجه) قولهما ~~أن الواجب بقبض القرض رد مثل المقبوض وبالكساد عجز عن رد المثل لخروجها عن ~~رد الثمنية، وصيرورتها سلعة فيجب عليه قيمتها، كما لو استقرض شيئا من ذوات ~~الأمثال، وقبضه ثم انقطع عن أيدي الناس، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن أثر ~~الكساد في بطلان الثمنية، وأنه لا يمنع جواز الرد بدليل أنه لو استقرضها ~~بعد الكساد جاز ثم اختلفا في وقت اعتبار القيمة على ما ذكرنا، ولو لم تكسد، ~~ولكنها رخصت أو غلت فعليه رد مثل ما قبض بلا خلاف لما ذكرنا أن صفة الثمنية ~~باقية. # ولو اشترى بدرهم فلوسا، وتقابضا وافترقا ثم استحقت الفلوس من يده، وأخذها ~~المستحق لا يبطل العقد؛ لأن بالاستحقاق، وإن انتقض القبض، والتحق بالعدم ~~فيصير كأن الافتراق حصل عن قبض الدراهم دون الفلوس، وهذا لا يوجب بطلان ~~العقد، وعلى # PageV05P242 # بائع الفلوس أن ينقد مثلها، وكذلك إن استحق بعضها، وأخذ قدر المستحق لا ~~يبطل البيع ms3156 لما قلنا، وعلى بائع الفلوس أن ينقد مثل القدر المستحق، وكذلك ~~إذا، وجد المشتري الفلوس من الفلوس الكاسدة لا يبطل البيع؛ لأن قبض أحد ~~البدلين فيما لا يتضمن يكفي لبقاء العقد على الصحة، وقد وجد قبض أحدهما، ~~وهو الدراهم، ولو كان المشتري قبض الفلوس، ولم ينقد الدراهم، وافترقا ثم ~~استحقت الفلوس فالمستحق بالخيار إن شاء أجاز نقد البائع، فيجوز العقد؛ لأن ~~الإجازة استندت إلى حالة العقد فجاز النقد والعقد، ويرجع المستحق على بائع ~~الفلوس بمثلها، وينقد المشتري الدراهم لبائع الفلوس. # وإن شاء لم يجز، وأخذ الفلوس، وبطل العقد؛ لأنه لما لم يجز، وأخذ الفلوس ~~فقد انتقض القبض، والتحق بالعدم فتبين أن افتراقهما حصل لا عن قبض أصلا ~~فبطل العقد، وكذلك لو استحق بعض الفلوس فحكم البعض كحكم الكل، وقد ذكرناه، ~~ولو وجد الفلوس كاسدة لا تروج بطل العقد؛ لأنه ظهر أنهما تفرقا من غير قبض، ~~وإن وجدها تروج في بعض التجارة، ولا تروج في البعض أو يأخذها البعض دون ~~البعض فحكمها حكم الدراهم الزائفة إن تجوز بها المشتري جاز؛ لأنها من جنس ~~حقه أصلا، وإن لم يتجوز بها فالقياس أن يبطل العقد في المردود قل أو كثر، ~~وهو قول زفر، وعند أبي يوسف، ومحمد إن لم يستبدل في مجلس الرد يبطل، وإن ~~استبدل لا يبطل، وعند أبي حنيفة إن كان قليلا فاستبدل لا يبطل، وإن كان ~~كثيرا يبطل على ما ذكرنا في السلم، والله - عز وجل - أعلم. # (وأما) بيان صفة الحكم فله صفتان: إحداهما اللزوم حتى لا ينفرد أحد ~~العاقدين بالفسخ، سواء كان بعد الافتراق عن المجلس أو قبله عندنا، وعند ~~الشافعي - رحمه الله - لا يلزم إلا بعد الافتراق عن المجلس، وقد ذكرنا ~~الكلام فيه من الجانبين فيما تقدم، والثانية: الحلول، وهو ثبوت الملك في ~~البدلين للحال؛ لأنه تمليك بتمليك، وهو إيجاب الملك من الجانبين للحال ~~فيقتضي ثبوت الملك في البدلين في الحال بخلاف البيع بشرط الخيار؛ لأن ~~الخيار يمنع انعقاد العقد في حق الحكم فيمنع وقوعه تمليكا للحال، وبخلاف ms3157 ~~البيع الفاسد فإن ثبوت الملك فيه موقوف على القبض فيصير تمليكا عنده، والله ~~- عز وجل - أعلم. # (وأما) الأحكام التي هي من التوابع للحكم الأصلي للبيع. # (فمنها) وجوب تسليم المبيع، والثمن، والكلام في هذا الحكم في مواضع. # أحدها في بيان وجوب تسليم البدلين، وما هو من توابع تسليمهما، والثاني: ~~في بيان، وقت وجوب تسليمهما، والثالث: في تفسير التسليم، والقبض، والرابع: ~~في بيان ما يصير به المشتري قابضا للمبيع من التصرفات، وما لا يصير (أما) ~~الأول فتسليم البدلين، واجب على العاقدين؛ لأن العقد أوجب الملك في ~~البدلين، ومعلوم أن الملك ما ثبت لعينه، وإنما ثبت، وسيلة إلى الانتفاع ~~بالمملوك، ولا يتهيأ الانتفاع به إلا بالتسليم فكان إيجاب الملك في البدلين ~~شرعا إيجابا لتسليمهما ضرورة، ولأن معنى البيع لا يحصل إلا بالتسليم ~~والقبض؛ لأنه عقد مبادلة، وهو مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب، وحقيقة ~~المبادلة في التسليم والقبض؛ لأنها أخذ بدل وإعطاء بدل وإنما قول البيع ~~والشراء، وهو الإيجاب والقبول جعل دليلا عليهما، ولهذا كان التعاطي بيعا ~~عندنا على ما ذكرنا، والله - عز وجل - أعلم. # وعلى هذا تخرج أجرة الكيال، والوزان، والعداد، والذراع في بيع المكيل، ~~والموزون، والمعدود، والمذروع مكايلة، وموازنة، ومعاددة، ومذارعة أنها على ~~البائع أما أجرة الكيال، والوزان فلأنها من مؤنات الكيل، والوزن، والكيل ~~والوزن فيما يباع مكايلة وموازنة من تمام التسليم على ما نذكر، والتسليم ~~على البائع فكانت مؤنة التسليم عليه، والعدد في المعدود الذي بيع عددا ~~بمنزلة الكيل والوزن في المكيل، والموزون عند أبي حنيفة فكان من تمام ~~التسليم فكانت على من عليه التسليم، وعندهما هو من باب تأكيد التسليم فكان ~~من توابعه كالذرع فيما بيع مذارعة، فكانت مؤنته على من عليه التسليم، وهو ~~البائع، وكذا أجرة وزان الثمن على المشتري لما قلنا (وأما) أجرة ناقد الثمن ~~فعن محمد فيه روايتان: روى إبراهيم بن رستم عنه أنها على البائع؛ لأن حقه ~~في الجيد، والنقد لتمييز حقه، فكانت مؤنته عليه، وروى ابن سماعة عنه أن ~~البائع إن كان لم يقبض الدراهم ms3158 فعلى المشتري؛ لأن عليه تسليم ثمن جيد، ~~فكانت مؤنة تسليمه عليه، ولو كان قد قبضها فعلى البائع؛ لأنه قبض حقه ظاهرا ~~فإنما يطلب بالنقد إذا أدى فكان الناقد عاملا له، فكانت أجرة عمله عليه. # (وأما) بيان وقت الوجوب فالوجوب على التوسع ثبت عقيب # PageV05P243 # العقد بلا فصل. # وأما على التضييق فإن تبايعا عينا بعين، وجب تسليمهما معا إذا طالب كل ~~واحد منهما صاحبه بالتسليم لما ذكرنا أن المساواة في عقد المعاوضة مطلوبة ~~المتعاقدين عادة، وتحقيق التساوي ههنا في التسليم معا لما ذكرنا أنه ليس ~~أحدهما بالتقديم أولى من الآخر، وكذلك إن تبايعا دينا بدين لما قلنا، وإن ~~تبايعا عينا بدين يراعى فيه الترتيب عندنا فيجب على المشتري تسليم الثمن ~~أولا إذا طالبه البائع ثم يجب على البائع تسليم المبيع إذا طالبه المشتري؛ ~~لأن تحقيق التساوي فيه على ما بينا فيما تقدم. # (وأما) تفسير التسليم، والقبض فالتسليم، والقبض عندنا هو التخلية، ~~والتخلي وهو أن يخلي البائع بين المبيع وبين المشتري برفع الحائل بينهما ~~على وجه يتمكن المشتري من التصرف فيه فيجعل البائع مسلما للمبيع، والمشتري ~~قابضا له، وكذا تسليم الثمن من المشتري إلى البائع، وقال الشافعي - رحمه ~~الله -: القبض في الدار والعقار والشجر بالتخلية. # وأما في الدراهم والدنانير فتناولهما بالبراجم، وفي الثياب بالنقل، وكذا ~~في الطعام إذا اشتراه مجازفة فإذا اشتراه مكايلة فبالكيل، وفي العبد ~~والبهيمة بالسير من مكانه. # (وجه) قوله أن الأصل في القبض هو الأخذ بالبراجم؛ لأنه القبض حقيقة إلا ~~أن فيما لا يحتمل الأخذ بالبراجم أقيم النقل مقامه فيما يحتمل النقل وفيما ~~لا يحتمله أقيم التخلية مقامه. # (ولنا) أن التسليم في اللغة عبارة عن جعله سالما خالصا يقال: سلم فلان ~~لفلان أي خلص له، وقال - الله تعالى - {ورجلا سلما لرجل} [الزمر: 29] أي ~~سالما خالصا لا يشركه فيه أحد فتسليم المبيع إلى المشتري هو جعل المبيع ~~سالما للمشتري أي: خالصا له بحيث لا ينازعه فيه غيره، وهذا يحصل بالتخلية ~~فكانت التخلية تسليما من البائع، والتخلي قبضا من المشتري، وكذا هذا ms3159 في ~~تسليم الثمن إلى البائع؛ لأن التسليم واجب، ومن عليه الواجب لا بد وأن يكون ~~له سبيل الخروج عن عهدة ما وجب عليه، والذي في وسعه هو التخلية ورفع ~~الموانع، فأما الإقباض فليس في وسعه؛ لأن القبض بالبراجم فعل اختياري ~~للقابض، فلو تعلق وجوب التسليم به لتعذر عليه الوفاء بالواجب، وهذا لا ~~يجوز. # ثم لا خلاف بين أصحابنا في أن أصل القبض يحصل بالتخلية في سائر الأموال، ~~واختلفوا في أنها هل هي قبض تام فيها أم لا؟ وجملة الكلام فيه أن المبيع لا ~~يخلو إما أن يكون مما له مثل، وإما أن يكون مما لا مثل له فإن كان مما لا ~~مثل له من المذروعات، والمعدودات المتفاوتة فالتخلية فيها قبض تام بلا ~~خلاف، حتى لو اشترى مذروعا مذارعة أو معدودا معاددة، ووجدت التخلية يخرج عن ~~ضمان البائع، ويجوز له بيعه، والانتفاع به قبل الذرع والعد بلا خلاف، وإن ~~كان مما له مثل فإن باعه مجازفة فكذلك؛ لأنه لا يعتبر معرفة القدر في بيع ~~المجازفة، وإن باع مكايلة أو موازنة في المكيل والموزون، وخلى فلا خلاف في ~~أن المبيع يخرج عن ضمان البائع، ويدخل في ضمان المشتري حتى لو هلك بعد ~~التخلية قبل الكيل والوزن يملك على المشتري. # وكذا لا خلاف في أنه لا يجوز للمشتري بيعه والانتفاع به قبل الكيل ~~والوزن، وكذا لو اكتاله المشتري أو اتزنه من بائعه، ثم باعه مكايلة أو ~~موازنة من غيره لم يحل للمشتري منه أن يبيعه أو يمتنع به حتى يكيله أو ~~يزنه، ولا يكتفى باكتيال البائع أو اتزانه من بائعه، وإن كان ذلك بحضرة هذا ~~المشتري لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى عن بيع ~~الطعام حتى يجرى فيه صاعان صاع البائع وصاع المشتري» . # وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - «نهى عن بيع الطعام حتى يكال» . # لكن اختلفوا في أن حرمة التصرف قبل الكيل أو الوزن لانعدام القبض بانعدام ~~الكيل أو الوزن أو شرعا غير معقول المعنى مع حصول القبض ms3160 بتمامه بالتخلية ~~قال بعض مشايخنا: إنها تثبت شرعا غير معقول المعنى، وقال بعضهم: الحرمة ~~لمكان انعدام القبض على التمام بالكيل أو الوزن، وكما لا يجوز التصرف في ~~المبيع المنقول بدون قبضه أصلا لا يجوز بدون قبضه بتمامه (وجه) قول الأولين ~~ما ذكرنا أن معنى التسليم والتسلم يحصل بالتخلية؛ لأن المشترى يصير سالما ~~خالصا للمشتري على وجه يتهيأ له تقليبه، والتصرف فيه على حسب مشيئته ~~وإرادته، ولهذا كانت التخلية تسليما وقبضا فيما لا مثل له وفيما له مثل إذا ~~بيع مجازفة، ولهذا يدخل المبيع في ضمان المشتري بالتخلية نفسها بلا خلاف دل ~~أن التخلية قبض إلا أن حرمة التصرف مع وجود القبض بتمامه ثبت تعبدا غير ~~معقول المعنى، والله - عز وجل - أعلم. # (وجه) قول الآخرين تعليل محمد - رحمه الله - في هذه المسألة في كتاب ~~البيوع فإنه قال: ولا يجوز للمشتري أن يتصرف فيه قبل الكيل؛ لأنه باعه قبل ~~أن # PageV05P244 # يقبضه، ولم يرد به أصل القبض؛ لأنه موجود، وإنما أراد به تمام القبض، ~~والدليل على أن الكيل، والوزن في المكيل، والموزون الذي بيع مكايلة، ~~وموازنة من تمام القبض أن القدر في المكيل، والموزون معقود عليه ألا ترى ~~أنه لو كيل فازداد لا تطيب له الزيادة بل ترد، أو يفرض لها ثمن؟ ، ولو نقص ~~يطرح بحصته شيء من الثمن، ولا يعرف القدر فيهما إلا بالكيل، والوزن لاحتمال ~~الزيادة، والنقصان، فلا يتحقق قبض قدر المعقود عليه إلا بالكيل، والوزن ~~فكان الكيل، والوزن فيه من تمام القبض. # ولا يجوز بيع المبيع المنقول قبل قبضه بتمامه كما لا يجوز قبل قبضه أصلا ~~ورأسا بخلاف المذروعات؛ لأن القدر فيها ليس معقودا عليه بل هو جار مجرى ~~الوصف، والأوصاف لا تكون معقودا عليها، ولهذا سلمت الزيادة للمشتري بلا ~~ثمن، وفي النقصان لا يسقط عنه شيء من الثمن فكانت التخلية فيها قبضا تاما ~~فيكتفى بها في جواز التصرف قبل الذرع بخلاف المكيلات، والموزونات على ما ~~بينا إلا أنه يخرج عن ضمان البائع بالتخلية نفسها لوجود القبض بأصله، ~~والخروج عن ms3161 ضمان البائع يتعلق بأصل القبض لا بوصف الكمال، فأما جواز التصرف ~~فيه فيستدعي قبضا كاملا لورود النهي عن بيع ما لم يقبض، والقبض المطلق هو ~~القبض الكامل، والله - عز وجل - أعلم. # (وأما) المعدودات المتقاربة إذا بيعت عددا لا جزافا فحكمها حكم المكيلات، ~~والموزونات عند أبي حنيفة حتى لا يجوز بيعها إلا بعد العد، وعند أبي يوسف، ~~ومحمد حكمها حكم المذروعات، فيجوز بيعها قبل العد (وجه) قولهما: أن العددي ~~ليس من أموال الربا كالذرع، ولهذا لم تكن المساواة فيها شرطا لجواز العقد ~~كما لا تشترط في المذروعات فكان حكمه حكم المذروع، ولأبي حنيفة - رحمه الله ~~- أن القدر في المعدود معقود عليه كالقدر في المكيل، والموزون ألا ترى: أنه ~~لو عده فوجده زائدا لا تطيب الزيادة له بلا ثمن بل يردها أو يأخذها بثمنها؟ ~~. # ولو وجده ناقصا يرجع بقدر النقصان كما في المكيل، والموزون دل أن القدر ~~فيه معقود عليه، واحتمال الزيادة، والنقصان في عدد المبيع ثابت، فلا بد من ~~معرفة قدر المعقود عليه، وامتيازه من غيره، ولا يعرف قدره إلا بالعد فأشبه ~~المكيل، والموزون، ولهذا كان العد فيه بمنزلة المكيل، والموزون في ضمان ~~العد، وإن لم يجز فيه الربا؛ لأن المساواة بين واحد، وواحد في العد ثبتت ~~باصطلاح الناس، وإهدارهم التفاوت بينهما في الصغر، والكبر لكن ما ثبت ~~باصطلاح الناس جاز أن يبطل باصطلاحهم، ولما تبايعا واحدا باثنين فقد أهدرا ~~اصطلاح الإهدار واعتبرا الكبر؛ لأنهما قصدا البيع الصحيح، ولا صحة إلا ~~باعتبار الكبر، وسقوط العد فكان أحدهما من أحد الجانبين بمقابلة الكبير من ~~الجانب الآخر فلا يتحقق الربا أما ههنا فلا بد من اعتبار العد إذا بيع ~~عددا، وإذا اعتبر العد لا يجوز التصرف فيه قبل القبض كما في المكيل، ~~والموزون بخلاف المذروع فإن القدر فيه ليس بمعقود عليه على ما بينا فكانت ~~التخلية فيه قبضا تاما فكان تصرفا في المبيع المنقول بعد القبض، وأنه جائز، ~~والله عز وجل أعلم. # ولو كاله البائع، أو وزنه بحضرة المشتري كان ذلك كافيا، ولا ms3162 يحتاج إلى ~~إعادة الكيل؛ لأن المقصود يحصل بكيله مرة واحدة بحضرة المشتري، وما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه ~~صاعان صاع البائع، وصاع المشتري» محمول على موضع مخصوص، وهو ما إذا اشترى ~~مكيلا مكايلة فاكتاله ثم باعه من غيره مكايلة لم يجز لهذا المشتري التصرف ~~فيه حتى يكيله، وإن كان هو حاضرا عند اكتيال بائعه فلا يكتفى بذلك، وكذلك ~~إذا أسلم إلى رجل في حنطة فلما حل الأجل اشترى المسلم إليه قدر المسلم فيه ~~من رجل مكايلة، وأمر رب السلم باقتضائه فإنه لا يجوز له التصرف فيه ما لم ~~يكله مرتين مرة للمسلم إليه، ومرة لنفسه بالنص، ولو كان مكان السلم قرض بأن ~~استقرض المستقرض كرا من إنسان، وأمر المقرض بقبض الكر فإنه يكتفى فيه بكيل، ~~واحد للمشتري، والمستقرض. # (ووجه) الفرق أن الكيل، والوزن فيما عقد بشرط الكيل، والوزن في المكيل ~~والموزون شرط جواز التصرف فيهما؛ لأنه من تمام القبض على ما بينا، والسلم ~~عقد بشرط الكيل، والمسلم إليه اشترى بشرط الكيل فلا بد من أن يكيل رب السلم ~~أولا للمسلم إليه ليصير قابضا له فيجعل كأن المسلم إليه قبضه بنفسه من ~~البائع ثم يكيل لنفسه ليصير قابضا لنفسه من المسلم إليه فأما قبض بدل القرض ~~فليس بشرط لجواز التصرف فيه؛ لأن # PageV05P245 # القبض بالكيل في باب البيع لاندفاع جهالة المعقود عليه بتميز حق المشتري ~~عن حق البائع، والقرض يقبل نوع جهالة فلا يشترط له القبض، ولأن الإقراض ~~إعارة عندنا فالمقبول من بدل القرض كأنه عين حقه فصار كما لو أعار عينا ثم ~~استردها فيصح قبضه بدون الكيل، وإنما يجب كيل، واحد للمشتري لا غير، والله ~~عز وجل أعلم. # (وأما) بيان ما يصير به المشتري قابضا للمبيع من التصرفات، وما لا يصير ~~به قابضا. # فنقول، وبالله التوفيق: المبيع لا يخلو إما أن يكون في يد البائع، وإما ~~أن يكون في يد المشتري فإن كان في يد البائع فأتلفه المشتري صار قابضا ms3163 له؛ ~~لأنه صار قابضا بالتخلية فبالإتلاف أولى؛ لأن التخلية تمكين من التصرف في ~~المبيع، والإتلاف تصرف فيه حقيقة، والتمكين من التصرف دون حقيقة التصرف، ~~وكذلك لو قطع يده، أو شج رأسه، وكل تصرف نقص شيئا؛ لأن هذه الأفعال في ~~الدلالة على التمكين فوق التخلية ثم بالتخلية صار قابضا فبها أولى، وكذلك ~~لو فعل البائع شيئا من ذلك بأمر المشتري؛ لأن فعله بأمر المشتري بمنزلة فعل ~~المشتري بنفسه، ولو أعتقه المشتري يصير قابضا؛ لأن الإعتاق إتلاف حكما ~~فيلحق بالإتلاف حقيقة، وكذا لو دبره، أو استولد الجارية أي: أقر أنها أم ~~ولد له؛ لأن التدبير، أو الاستيلاد تنقيص حكما فكان ملحقا بالتنقيص حقيقة، ~~ولو زوج المبيع بأن كان جارية، أو عبدا، فالقياس أن يصير قابضا، وهو رواية ~~عن أبي يوسف، وفي الاستحسان: لا يصير قابضا. # (وجه) القياس: أن التزوج تعييب ألا ترى أن الزوجية عيب يرد بها؟ وإذا ~~كانت الزوجية عيبا كان التزوج تعييبا، والتعييب قبض (وجه) الاستحسان: أنه ~~تعييب حكما لا حقيقة؛ لأنه لا يوجب نقصان المحل، ولا نقصان الملك فيه فلا ~~يصير به قابضا، وكذا لو أقر عليه بالدين فالقياس: أن يصير قابضا؛ لأن الدين ~~عيب حتى يرد به، وفي الاستحسان: لا يصير قابضا؛ لأنه تعييب حكمي، وأنه لا ~~يوجب النقصان فلا يكون قبضا، ولو وطئها الزوج في يد البائع صار المشتري ~~قابضا؛ لأن الوطء إثبات اليد على الموطوءة، وأنه حصل من الزوج بتسليط ~~المشتري فكان من حيث إنه إثبات اليد مضافا إلى المشتري فكان قابضا من ~~المشتري. # ولو أعار المشتري المبيع للبائع، أو أودعه، أو آجره لم يكن شيء من ذلك ~~قبضا؛ لأن هذه التصرفات لم تصح من المشتري؛ لأن يد الحبس بطريق الأصالة ~~ثابتة للبائع فلا يتصور إثبات يد النيابة له بهذه التصرفات فلم تصح، ~~والتحقت بالعدم. # ولو أعاره، أو أودعه أجنبيا صار قابضا؛ لأن الإعارة، والإيداع إياه صحيح ~~فقد أثبت يد النيابة لغيره فصار قابضا. # ولو أرسل المشتري العبد المبيع إلى حاجة صار قابضا؛ لأن إرساله في ms3164 الحاجة ~~استعمال له بدليل أنه صار راضيا به، واستعماله إياه إثبات يده عليه، وهو ~~معنى القبض. # ولو جنى أجنبي على المبيع فاختار المشتري اتباع الجاني بالضمان كان ~~اختياره بمنزلة القبض عند أبي يوسف، وعند محمد لا يكون حتى لو توى الضمان ~~على الجاني بأن مات مفلسا كان التوى على المشتري، ولا يبطل البيع عند أبي ~~يوسف، ويتقرر عليه الثمن، وعند محمد يبطل البيع، والتوى على البائع، ويسقط ~~الثمن عن المشتري وكذا لو استبدل المشتري الضمان ليأخذ مكانه من الجاني ~~شيئا آخر جاز عند أبي يوسف، وعند محمد لا يجوز؛ لأن هذا تصرف في العقود ~~عليه قبل القبض؛ لأن القيمة قائمة مقام العين المستهلكة، والتصرف في ~~المعقود عليه قبل القبض لا يجوز لا من البائع، ولا من غيره. # وكذا المبيع إذا كان مصوغا من فضة اشتراها بدينار فاستهلك المصوغ أجنبي ~~قبل القبض فاختار المشتري أن يتبع الجاني بالضمان، ونقد الدينار البائع ~~فافترقا قبل قبض ضمان المستهلك لا يبطل الصرف بينهما عند أبي يوسف؛ لأن ~~اختياره تضمين المستهلك بمنزلة القبض عنده، وعند محمد يبطل الصرف لعدم ~~القبض (وجه) قول محمد أن الضمان حكم العين؛ لأن قيمة العين قائمة مقامها، ~~ولهذا بقي العقد على القيمة بعد استهلاك العين ثم العين لو كانت قائمة ~~فهلكت قبل القبض كان الهلاك على البائع، ويبطل البيع، ويسقط الثمن عن ~~المشتري فكذا القيمة، ولأبي يوسف أن جناية الأجنبي حصلت بإذن المشتري، ~~وأمره دلالة فيصير قابضا كما لو فعل بنفسه، وبيان ذلك أن اختيار المشتري ~~اتباع الجاني بالضمان تمليك من المضمون؛ لأن المضمونات تملك باختيار الضمان ~~مستندا إلى وقت سبب الضمان فيصير كأن الجناية حصلت بأمر المشتري فيصير # PageV05P246 # قابضا؛ لأن فعل الأجنبي بأمر المشتري بمنزلة فعل المشتري بنفسه. # ولو أمر المشتري البائع أن يعمل في المبيع عملا فإن كان عملا لا ينقصه ~~كالقصارة، والغسل بأجر، أو بغير أجر لا يصير قابضا؛ لأن التصرف الذي لا ~~يوجب نقصان المحل مما يملكه البائع باليد الثابتة كما إذا نقله من مكان إلى ms3165 ~~مكان فكان الأمر به استيفاء لملك اليد فلا يصير به قابضا، وتجب الأجرة على ~~المشتري إن كان بأجر؛ لأن الإجارة قد صحت؛ لأن العمل على البائع ليس بواجب ~~فجاز أن تقابله الأجرة، وإن كان عملا ينقصه يصير قابضا؛ لأن تنقيصه إتلاف ~~جزء منه، وقد حصل بأمره فكان مضافا إليه كأنه فعله بنفسه، والله عز وجل ~~أعلم. # وعلى هذا يخرج ما إذا أسلم - في كر حنطة فلما حل الأجل أمر رب السلم ~~المسلم إليه أن يكيله في غرائر المسلم إليه، أو دفع إليه غرائره، وأمره أن ~~يكيله فيها ففعل أنه إن كان رب السلم حاضرا يصير قابضا بالتخلية، وإن كان ~~غائبا لا يصير قابضا؛ لأن الحنطة التي يكيلها المسلم إليه ملكه لا ملك رب ~~السلم؛ لأن حقه في الدين لا في العين فلم يصح أمر المشتري إياه بكيلها فلم ~~يصر، وكيلا له فلا تصير يده يد رب السلم، سواء كانت الغرائر للمسلم إليه، ~~أو لرب السلم؛ لأن يد رب السلم عن الغرائر قد زالت فإذا كال فيها الحنطة لم ~~تصر في يد رب السلم فلا يصير قابضا. # وكذا لو استقرض من رجل كرا، ودفع إليه غرائره ليكيله فيها ففعل، وهو غائب ~~لا يصير قابضا؛ لأن القرض لا يملك قبل القبض فكان الكر على ملك المقرض فلم ~~يصح أمر المستقرض إياه بكيله فلا يصير، وكيلا له فلا تصير يده يد المستقرض ~~كما في السلم، ولو اشترى من إنسان كرا بعينه، ودفع غرائره، وأمره بأن يكيل ~~فيها ففعل صار قابضا سواء كان المشتري حاضرا، أو غائبا؛ لأن المعقود عليه ~~معين، وقد ملكه المشتري بنفس العقد فصح أمر المشتري؛ لأنه تناول عينا هو ~~ملكه فصح أمره، وصار البائع، وكيلا له، وصارت يده يد المشتري. # وكذلك الطحن إذا طحنه المسلم إليه بأمر رب السلم لم يصر قابضا، ولو طحنه ~~البائع بأمر المشتري صار قابضا؛ لأن الطحن بمنزلة الكيل في الغرائر ولو ~~استعار المشتري من البائع غرائره، وأمره بأن يكيله فيها ففعل فإن كان ~~المشتري حاضرا ms3166 يصير قابضا بالتخلي بالإجماع، وإن كان غائبا لا يصير قابضا ~~عند محمد ما لم يسلم الغرائر إليه، سواء كانت الغرائر بغير عينها، أو ~~بعينها، وقال أبو يوسف إن كانت بعينها صار المشتري قابضا بنفس الكيل فيها، ~~وإن كانت بغير عينها بأن قال أعرني غرارة، وكل فيها لا يصير قابضا. # (وجه) قول محمد: أن الغرائر عارية في الوجهين جميعا، ولم يقبضها، ~~والعارية لا حكم لها بدون القبض فبقيت في يد البائع فبقي ما فيها في يد ~~البائع أيضا فلا يصير في يد المشتري قابضا إلا بتسليم الغرائر إليه، ولأبي ~~يوسف الفرق بين حالة التعيين، وعدم التعيين، وهو أن الغرائر إذا كانت معينة ~~مشارا إليها فإن لم يمكن تصحيح التعيين من حيث كونه استعارة يمكن تصحيحه من ~~حيث إقامتها مقام يده، وإذا لم تكن متعينة فلا، وجه للإعارة بوجه، وقول ~~محمد أظهر، والله عز وجل أعلم. # ولو اشترى كرا بعينه، وله على البائع كر دين فأعطاه جولقا، وقال له: ~~كلهما فيه ففعل صار قابضا لهما، سواء كان المبيع أولا، أو الدين، وهذا قول ~~أبي يوسف، وقال محمد إن كان المبيع أولا يصير قابضا لهما كما قال أبو يوسف، ~~وإن كان الدين أولا لم يصر قابضا للدين، وكان قابضا للعين، وكانا شريكين ~~فيه (وجه) قول محمد أن نفس الكيل في الدين ليس بقبض لما ذكرنا فإذا بدأ ~~بكيله لم يصر المشتري قابضا له فإذا كاله بعده فقد خلط ملك المشتري بملك ~~نفسه فيشتركان في المخلوط، ونفس الكيل في العين قبض فإذا بدأ بكيله صار ~~المشتري قابضا له ثم إذا كال الدين بعده فقد استهلك العين بالخلط فقام ذلك ~~الدين مقام العين فصار قابضا له (وجه) قول أبي يوسف أن البائع خلط ملك ~~المشتري بملك نفسه في الحال بأمر المشتري فكان مضافا إلى المشتري، والخلط ~~من أسباب التملك في الجملة فيملك المشتري الدين بالخلط، وقد جعله في غرائره ~~بأمره فصار قابضا له، والله عز وجل أعلم. # ولو باع قطنا في فراش، أو حنطة في ms3167 سنبل، وسلم كذلك فإن أمكن المشتري قبض ~~القطن، أو الحنطة من غير فتق الفراش، أو دق السنبل صار قابضا له لحصول معنى ~~القبض، وهو التخلي، والتمكن من التصرف، وإن لم يمكنه إلا بالفتق، والدق لم ~~يصر قابضا له؛ لأنه لا يملك الفتق، أو الدق؛ لأنه تصرف في ملك البائع، وهو ~~لا يملك التصرف في ملكه فلم يحصل التمكن، والتخلي فلا يصير قابضا، ولو باع ~~الثمرة على الشجرة، وسلم كذلك صار قابضا؛ لأنه يمكنه الجذاذ من غير تصرف في ~~ملك # PageV05P247 # البائع فحصل التخلي بتسليم الشجر فكان قبضا بخلاف بيع القطن في الفراش، ~~والحنطة في السنبل، ولهذا قالوا: إن أجرة الجذاذ على المشتري، وأجرة الفتق، ~~والدق على البائع إذا كان المشتري لا يمكنه القبض إلا به؛ لأنه صار قابضا ~~للثمن بتسليم الشجر فكان الجاذ عاملا للمشتري فكانت الأجرة عليه، ولم يحصل ~~القبض بتسليم الفراش، والسنبل فكان الفتق، والدق على البائع مما يتحقق به ~~التسليم فكانت أجرته عليه هذا إذا كان المبيع في يد البائع وقت البيع. # فأما إذا كان في يد المشتري فهل يصير قابضا للبيع بنفس العقد أم يحتاج ~~فيه إلى تجديد القبض فالأصل فيه أن الموجود وقت العقد إن كان مثل المستحق ~~بالعقد ينوب منابه، وإن لم يكن مثله فإن كان أقوى من المستحق ناب عنه، وإن ~~كان دونه لا ينوب؛ لأنه إذا كان مثله أمكن تحقيق التناوب؛ لأن المتماثلين ~~غيران ينوب كل واحد منهما مناب صاحبه، ويسد مسده، وإن كان أقوى منه يوجد ~~فيه المستحق، وزيادة، وإن كان دونه لا يوجد فيه إلا بعض المستحق فلا ينوب ~~عن كله، وبيان ذلك في مسائل، وجملة الكلام فيها أن يد المشتري قبل الشراء ~~إما أن كانت يد ضمان، وإما أن كانت يد أمانة فإن كانت يد ضمان فإما أن كانت ~~يد ضمان بنفسه، وإما أن كانت يد ضمان بغيره فإن كانت يد ضمان بنفسه كيد ~~الغاصب يصير المشتري قابضا للمبيع بنفس العقد، ولا يحتاج إلى تجديد القبض، ~~سواء كان المبيع حاضرا، ms3168 أو غائبا؛ لأن المغصوب مضمون بنفسه، والمبيع بعد ~~القبض مضمون بنفسه فتجانس القبضان فناب أحدهما عن الآخر؛ لأن التجانس يقتضي ~~التشابه، والمتشابهان ينوب كل واحد منهما مناب صاحبه، ويسد مسده سواء كان ~~المبيع حاضرا، أو غائبا؛ لأن يد الغاصب في الحالين يد ضمان. # وإن كانت يده يد ضمان لغيره كيد الرهن بأن باع الراهن المرهون من المرتهن ~~فإنه لا يصير قابضا إلا أن يكون الرهن حاضرا، أو يذهب إلى حيث الرهن، ~~ويتمكن من قبضه؛ لأن المرهون ليس بمضمون بنفسه بل بغيره، وهو الدين، ~~والمبيع مضمون بنفسه فلم يتجانس القبضان فلم يتشابها فلا ينوب أحدهما عن ~~الآخر، ولأن الرهن أمانة في الحقيقة فكان قبضه قبض أمانة، وإنما يسقط الدين ~~بهلاكه لمعنى آخر لا لكونه مضمونا على ما عرف، وإذا كان أمانة فقبض الأمانة ~~لا ينوب عن قبض الضمان كقبض العارية، الوديعة، وإن كانت يد المشتري يد ~~أمانة كيد الوديعة، والعارية لا يصير قابضا إلا أن يكون بحضرته، أو يذهب ~~إلى حيث يتمكن من قبضه بالتخلي؛ لأن يد الأمانة ليست من جنس يد الضمان فلا ~~يتناوبان، والله عز وجل أعلم. # ولو اختلف البائع، والمشتري في قبض المبيع فقال البائع: قبضته، وقال ~~المشتري: لم أقبضه فالقول قول المشتري؛ لأن البائع يدعي عليه وجود القبض، ~~وتقرر الثمن، وهو ينكر، ولأن عدم القبض أصل والوجود عارض فكان المشتري ~~متمسكا بالأصل، والبائع يدعي أمرا عارضا فكان الظاهر شاهدا للمشتري فكان ~~القول قوله مع يمينه، وكذا إذا قبض بعضه، واختلفا في قدر المقبوض، فالقول ~~قول المشتري لما قلنا. # ولو اختلفا في قبض الثمن، فالقول قول البائع لما قلنا في قبض المبيع، ~~والله عز وجل أعلم. # ولو اختلفا فقال البائع للمشتري: قطعت يده فصرت قابضا، وقال المشتري ~~للبائع: أنت قطعت يده، وانفسخ البيع فيه لم يقبل قول كل واحد منهما على ~~صاحبه، ويجعل كأن يده ذهبت بآفة سماوية لتعارض الدعوتين، وانعدام دليل ~~الترجيح لأحدهما فلا يكون قول أحدهما بالقبول على صاحبه أولى من قول الآخر ~~فلا يقبل، ويجعل ms3169 كأنها ذهبت بآفة سماوية، ويخير المشتري لتغير المبيع قبل ~~القبض فإن شاء أخذ الباقي بجميع الثمن، وإن شاء رده على البائع فإن اختار ~~الأخذ يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه، ويأخذ كذا ذكر القدوري - رحمه ~~الله - في شرحه أما تحليف البائع فلا إشكال فيه؛ لأن المشتري يدعي عليه ~~سقوط بعض الثمن، وهو ينكر فيحلف؛ لأنه إذا حلف لا يسقط عن المشتري شيء من ~~الثمن فكان تحليفه مفيدا (وأما) تحليف المشتري فمشكل؛ لأنه لا يفيد شيئا؛ ~~لأنه يأخذه بعد الحلف بكل الثمن، وهذا فيما إذا اختار المشتري الرد على ~~البائع؛ لأنه لا يحلف البائع بل يحلف المشتري، وحده؛ لأن تحليف البائع لا ~~يفيده شيئا حيث يرده عليه. # وكذلك لو كان المبيع مما يكال، أو يوزن فذهب بعضه فاختلفا فقال البائع ~~للمشتري: أنت أكلت، وقال المشتري للبائع: مثل ذلك أنه لا يقبل قول واحد ~~منهما على صاحبه، ويجعل كأنه ذهب بعضه بآفة سماوية لما قلنا، ويخير المشتري ~~لتفرق الصفقة إلا أن هناك إن اختار # PageV05P248 # الأخذ أخذ الباقي بما بقي من الثمن؛ لأن القدر في المكيل، والموزون معقود ~~عليه فكان له حصة من الثمن، والأطراف من الحيوان جارية مجرى الأوصاف فلا ~~يقابلها الثمن إلا إذا صارت مقصودة بالقبض أو بالجناية على ما بينا فيما ~~تقدم، وذكر القدوري - رحمه الله - ههنا أيضا أنه يحلف كل واحد منهما على ~~دعوى صاحبه، ويأخذ، ولا إشكال ههنا في تحليف المشتري؛ لأن التحليف مفيد في ~~حقه؛ لأن البائع يدعي عليه كل الثمن، وهو ينكر فيندفع عنه لزوم كل الثمن ~~بالحلف فكان مفيدا. # (وأما) تحليف البائع ففيه إشكال؛ لأن المشتري يدعي عليه سقوط بعض الثمن، ~~وذا حاصل له من غير تحليفه فلم يكن تحليفه مفيدا في حقه فينبغي أن لا يحلف، ~~وإن اختار الرد على البائع حلف المشتري وحده دون البائع لما قلنا فإن أقام ~~أحدهما البينة قبلت بينته؛ لأنها قامت على أمر جائز الوجود، وإن أقاما ~~البينة فالبينة بينة البائع؛ لأنها مثبتة ألا ترى أنها توجب دخول ms3170 السلعة في ~~ضمان المشتري، وتقرر الثمن عليه، وبينة المشتري نافية فالمثبتة أولى، والله ~~عز وجل أعلم. # (ومنها) ثبوت حق الحبس للمبيع لاستيفاء الثمن، وهذا عندنا، وقال الشافعي ~~- رحمه الله - في قول: يسلمان معا، وفي قول: يسلم المبيع أولا ثم يسلم ~~الثمن أما قوله الأول فبناء على أصله الذي ذكرنا فيما تقدم، وهو أن الثمن، ~~والمبيع من الأسماء المترادفة عنده، ويتعين كل واحد منهما بالتعيين فكان كل ~~ثمن مبيعا، وكل مبيع ثمنا (وأما) قوله الثاني، وهو أن في تقديم تسليم ~~المبيع صيانة العقد عن الانفساخ بهلاك المبيع، وليس ذلك في تقديم تسليم ~~الثمن؛ لأنه لو هلك المبيع قبل القبض ينفسخ العقد، وإن قبض الثمن فكان ~~تقديم تسليم المبيع أولى صيانة للعقد عن الانفساخ ما أمكن. # (ولنا) قوله - عليه الصلاة والسلام - «الدين مقضي» ، وصف - عليه الصلاة ~~والسلام - الدين بكونه مقضيا عاما أو مطلقا فلو تأخر تسليم الثمن عن تسليم ~~المبيع لم يكن هذا الدين مقضيا، وهذا خلاف النص. # وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «ثلاث لا يؤخرن: الجنازة ~~إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفئا، والدين إذا وجدت ما يقضيه» ، وتقديم ~~تسليم المبيع تأخير الدين، وأنه منفي بظاهر النص، ولأن المعاوضات مبناها ~~على المساواة عادة، وحقيقة، ولا تتحقق المساواة إلا بتقديم تسليم الثمن؛ ~~لأن المبيع متعين قبل التسليم، والثمن لا يتعين إلا بالتسليم على أصلنا فلا ~~بد من تسليمه أولا تحقيقا للمساواة، وقوله فيما قلته صيانة للعقد عن ~~الانفساخ بهلاك المبيع قلنا هلاكه قبل تسليم الثمن نادر، والنادر ملحق ~~بالعدم فيلزم اعتبار معنى المساواة. # ثم الكلام في هذا الحكم في موضعين:. # أحدهما في بيان شرط ثبوت هذا الحكم، والثاني في بيان ما يبطل به بعد ~~ثبوته أما شرط ثبوته فشيئان أحدهما: أن يكون أحد البدلين عينا، والآخر دينا ~~فإن كانا عينين، أو دينين فلا يثبت حق الحبس بل يسلمان معا لما ذكرنا فيما ~~تقدم. # والثاني أن يكون الثمن حالا فإن كان مؤجلا لا يثبت حق الحبس؛ لأن ولاية ~~الحبس تثبت ms3171 حقا للبائع لطلبه المساواة عادة لما بينا، ولما باع بثمن مؤجل ~~فقد أسقط حق نفسه فبطلت الولاية ولو كان الثمن مؤجلا في العقد فلم يقبض ~~المشتري المبيع حتى حل الأجل فله أن يقبضه قبل نقد الثمن، وليس للبائع حق ~~الحبس؛ لأنه أسقط حق نفسه بالتأجيل، والساقط متلاش فلا يحتمل العود، وكذلك ~~لو طرأ الأجل على العقد بأن أخر الثمن بعد العقد فلم يقبض البائع حتى حل ~~الأجل له أن يقبضه قبل نقد الثمن، ولا يملك البائع حبسه لما قلنا، ولو باع ~~بثمن مؤجل فلم يقبض المشتري حتى حل الأجل هل له أجل آخر في المستقبل؟ ينظر ~~إن ذكرا أجلا مطلقا بأن ذكرا سنة مطلقة غير معينة فله أجل آخر هو سنة أخرى ~~من حين يقبض المبيع عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف، ومحمد الثمن حال، وليس ~~له أجل آخر، وإن ذكرا أجلا بعينه بأن باعه إلى رمضان فلم يقبضه المشتري حتى ~~مضى رمضان صار الثمن حالا بالإجماع # (وجه) قولهما أن السنة المطلقة تنصرف إلى سنة تعقب العقد بلا فصل فإذا ~~مضت انتهى الأجل كما لو عين الأجل نصا، ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أن ~~الأصل في الثمن شرع نظرا للمشتري لينتفع بالمبيع في الحال مع تأخير ~~المطالبة بالثمن، ولن يحصل هذا الغرض له إلا وأن يكون اعتبار الأجل من، وقت ~~قبض المبيع فكان هذا تأجيلا من هذا الوقت دلالة بخلاف ما إذا عين الأجل؛ ~~لأنه نص على تعينه فوجب اعتبار المنصوص عليه إذ لا دلالة مع النص بخلافها، ~~ولو كان في البيع خيار الشرط لهما، أو لأحدهما، والأجل مطلق فابتداء الأجل ~~من حين وجوب العقد # PageV05P249 # وهو وقت سقوط الخيار لا من حين وجوده؛ لأن تأجيل الثمن هو تأخيره عن وقت ~~وجوبه، ووقت وجوبه هو وقت وجوب العقد وانبرامه لا قبله إذ لا وجوب للثمن ~~قبله، والله - عز وجل - أعلم. # (وأما) بيان ما يبطل به حق الحبس بعد ثبوته، وما لا يبطل فنقول وبالله ~~التوفيق: إذا أخر الثمن بعد العقد بطل حق ms3172 الحبس؛ لأنه أخر حق نفسه في قبض ~~الثمن فلا يتأخر حق المشتري في قبض المبيع، وكذا المشتري إذا نقد الثمن كله ~~أو أبرأه البائع عن كله بطل حق الحبس؛ لأن حق الحبس لاستيفاء الثمن، ~~واستيفاء الثمن ولا ثمن محال، ولو نقد الثمن كله إلا درهما كان له حق حبس ~~المبيع جميعه لاستيفاء الباقي؛ لأن المبيع في استحقاق الحبس بالثمن لا ~~يتجزأ فكان كل المبيع محبوسا بكل جزء من أجزاء الثمن، وكذلك لو باع شيئين ~~صفقة واحدة، وسمى لكل، واحد منهما ثمنا فنقد المشتري حصة أحدهما كان للبائع ~~حبسهما حتى يقبض حق الآخر لما قلنا، ولأن قبض أحدهما دون الآخر تفريق ~~الصفقة الواحدة في حق القبض، والمشتري لا يملك تفريق الصفقة الواحدة في حق ~~القبول بأن يقبل الإيجاب في أحدهما دون الآخر فلا يملك التفريق في حق القبض ~~أيضا؛ لأن للقبض شبها بالعقد، وكذلك لو أبرأه من حصة أحدهما فله حبس الكل ~~لاستيفاء الباقي لما ذكرنا. # وكذلك لو باع من اثنين فنقد أحدهما حصته كان له حق حبس المبيع حتى يقبض ~~ما على الآخر. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - في (النوادر) أنه إذا نقد أحدهما نصف ~~الثمن يأخذ نصف المبيع (ووجهه) أن الواجب على كل واحد منهما نصف الثمن فإذا ~~أدى النصف فقد أدى ما وجب عليه فلا معنى لتوقف حقه في قبض المبيع على أداء ~~صاحبه، ولأنه لو توقف، وصاحبه مختار في الأداء قد يؤدي، وقد لا يؤدي فيفوت ~~حقه أصلا، ورأسا، وهذا لا يجوز، ولهذا جعل التخلية، والتخلي تسليما، وقبضا ~~في الشرع على ما ذكرنا فيما تقدم. # (وجه) ظاهر الرواية على نحو ما ذكرنا أن المبيع في حق الاستحقاق لحبس ~~الثمن لا يحتمل التجزؤ فكان استحقاق بعضه استحقاق كله، وما ذكرنا أن الصفقة ~~واحدة فلا تحتمل التفريق في البعض كما لا تحتمله في القبول فإن غاب أحدهما ~~لم يجبر الآخر على تسليم كل الثمن؛ لأن الواجب على كل واحد منهما نصف الثمن ~~لا كله، فلا يؤاخذ بتسليم كله ms3173 فإن اختار الحاضر ذلك، ونقد كل الثمن، وقبض ~~المبيع هل يكون متبرعا فيما نقد أم لا؟ اختلف فيه قال أبو حنيفة، ومحمد ~~رحمهما الله لا يكون متبرعا فيما نقد، وله أن يحبسه عن الشريك الغائب حتى ~~يستوفي ما نقد عنه، وقال أبو يوسف - رحمه الله - هو متبرع في حصته (وجه) ~~قوله ظاهر؛ لأنه قضى دين غيره بغير أمره فكان متبرعا كما في سائر الديون. # ولهما أنه قضى دين صاحبه بأمره دلالة فلا يكون متبرعا كما لو قضاه بأمره ~~نصا، ودلالة ذلك أنه لما غاب قبل نقد الثمن مع علمه أن صاحبه استحق قبض ~~نصيبه من المبيع بتسليم حصته من الثمن، ولا يمكنه الوصول إليه إلا بتسليم ~~كل الثمن كان إذنا له بتسليم حصته من الثمن فكان قاضيا دينه بأمره دلالة ~~فلم يكن متطوعا، وصار هذا كمن أعار ماله إنسانا ليرهنه بدينه فرهن ثم افتكه ~~الغير من مال نفسه لا يكون متبرعا، ويرجع على الراهن؛ لأن الراهن لما علم ~~أنه علق مال الغير بدينه، ولا يزول العلوق إلا بانفكاكه فكان إذنا له ~~بالفكاك دلالة كذا هذا، وله حق حبس العبد إلى أن يستوفي ما نقد عنه كما لو ~~نقد بأمره نصا. # ولو أدى جميع الثمن، وقبض العبد ثم هلك في يده قبل الحبس يرجع على شريكه ~~بنصف الثمن؛ لأنه أدى عنه بأمره دلالة على ما ذكرنا، والله - عز وجل - ~~أعلم. # والرهن بالثمن، والكفالة به لا يبطلان حق الحبس؛ لأنهما لا يسقطان الثمن ~~عن ذمة المشتري، ولا حق المطالبة به فكانت الحاجة إلى تعيينه بالقبض قائمة ~~فيبقى حق الحبس لاستيفائه. # (وأما) الحوالة بالثمن فهل تبطل حق الحبس؟ قال أبو يوسف: تبطل سواء كانت ~~الحوالة من المشتري بأن أحال المشتري البائع بالثمن على إنسان، وقبل المحال ~~عليه الحوالة، أو من البائع بأن أحال البائع غريما له على المشتري، وقال ~~محمد: إن كانت الحوالة من المشتري لا تبطل، وللبائع أن يحبس المبيع حتى ~~يستوفي الثمن من المحال عليه، وإن كانت من البائع فإن كانت ms3174 مطلقة لا تبطل ~~أيضا، وإن كانت مقيدة بما عليه تبطل فأبو يوسف أراد بقاء الحبس على بقاء ~~الدين في ذمة المشتري، وذمته برئت من دين المحيل بالحوالة فيبطل حق الحبس، ~~ومحمد اعتبر بقاء حق المطالبة؛ لبقاء حق الحبس، وحق المطالبة لم يبطل ~~بحوالة # PageV05P250 # المشتري ألا ترى: أن له أن يطالب المحال عليه؟ فلم يبطل حق الحبس، وبطلت ~~حوالة البائع إذا كانت مقيدة بما على المحال عليه فبطل حق الحبس. # والصحيح اعتبار محمد؛ لأن حق الحبس في الشرع يدور مع حق المطالبة بالثمن ~~لا مع قيام الثمن في ذاته بدليل أن الثمن إذا كان مؤجلا لا يثبت حق الحبس، ~~والثمن في ذمة المشتري قائم، وإنما سقطت المطالبة دل أن حق الحبس يتبع حق ~~المطالبة بالثمن لا قيام الثمن في ذاته، وحق المطالبة في حوالة المشتري ~~وحوالة البائع إذا كانت مطلقة فكان حق الحبس ثابتا، وفي حوالة البائع إذا ~~كانت مقيدة ينقطع فلم ينقطع حق الحبس، وعلى هذا الخلاف إذا أحال الراهن ~~المرتهن بدينه على رجل أو أحال المرتهن غريما له بدينه على الراهن حوالة ~~مطلقة أو مقيدة أنه يبطل حق المرتهن في حق حبس الرهن عند أبي يوسف، وعند ~~محمد: لا يبطل في حوالة الراهن، وكذا في حوالة المرتهن إذا كانت مطلقة، وإن ~~كانت مقيدة تبطل. # ولو أعار البائع المبيع للمشتري أو أودعه بطل حق الحبس حتى لا يملك ~~استرداده في ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف: أنه لا يبطل، وللبائع أن يسترده (وجه) هذه الرواية: أن ~~عقد الإعارة، والإيداع ليس بعقد لازم، فكان له ولاية الاسترداد كالمرتهن ~~إذا أعار الرهن من الراهن أو أودعه إياه له أن يسترده لما قلنا كذا هذا ~~(وجه) ظاهر الرواية أن الإعارة، والإيداع أمانة في يد المشتري، وهو لا يصلح ~~نائبا عن البائع في اليد؛ لأنه أصل في الملك فكان أصلا في اليد، فإذا وقعت ~~العارية أو الوديعة في يده وقعت بجهة الأصالة، وهي يد الملك، ويد الملك يد ~~لازمة، فلا يملك إبطالها بالاسترداد، وبخلاف ms3175 الرهن فإن المرتهن في اليد ~~الثابتة بعقد الرهن بمنزلة الملك فيمكن تحقيق معنى الإنابة، ويد النيابة لا ~~تكون لازمة فملك الاسترداد. # ولو قبض المشتري المبيع بإذن البائع بطل حق الحبس حتى لا يملك الاسترداد؛ ~~لأنه أبطل حقه بالإذن بالقبض، ولو قبض بغير إذنه لم يبطل، وله أن يسترده؛ ~~لأن حق الإنسان لا يجوز إبطاله عليه من غير رضاه، ولو كان المشتري تصرف فيه ~~نظر في ذلك إن كان تصرفا يحتمل الفسخ كالبيع، والهبة، والرهن، والإجارة، ~~والإمهار فسخه، واسترده؛ لأنه تعلق به حقه، وإن كان تصرفا لا يحتمل الفسخ ~~كالإعتاق، والتدبير، والاستيلاد لا يملك الاسترداد؛ لأن الاسترداد، ~~والإعارة إلى الحبس إما أن كان مع نقض هذه التصرفات، وإما أن كان مع قيامها ~~لا سبيل إلى الأول؛ لأن هذه التصرفات لا تحتمل النقض، ولا سبيل إلى الثاني؛ ~~لأنها إذا بقيت كانت الإعادة إلى الحبس حبس الجزء من كل وجه أو من وجه دون ~~وجه، وكل ذلك لا يجوز فبطل حق الحبس أصلا. # ولو نقد المشتري الثمن فوجده البائع زيوفا أو ستوقا أو مستحقا أو وجد ~~بعضه كذلك فهذا لا يخلو إما أن يكون المشتري قبض المبيع، وإما أن يكون لم ~~يقبض، فإن كان لم يقبضه كان له حق الحبس في الفصول كلها؛ لأنه تبين أنه ما ~~استوفى حقه، وإن كان قبضه المشتري ينظر إن كان قبضه بغير إذن البائع ~~فللبائع أن يسترده في الفصول كلها لما قلنا، وكذلك إن كان المشتري تصرف في ~~المبيع فللبائع أن يفسخ تصرفه، ويسترد المبيع إلا إذا كان تصرفا لا يحتمل ~~الفسخ فلا يفسخ، ويطالب المشتري بالثمن فلو نقد المشتري الثمن قبل أن يفسخ ~~التصرف الذي يحتمل الفسخ لا يفسخ؛ لأنه لما نقد الثمن فقد بطل حقه في الحبس ~~فبطل حق الفسخ، والاسترداد، وإن كان قبضه بإذن البائع ينظر إن وجده زيوفا ~~فردها لا يملك استرداد المبيع عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر له أن يسترد، ~~وهو قول أبي يوسف. # (وجه) قول زفر: أن البائع ما رضي بزوال ms3176 حق الحبس إلا بوصول حقه إليه، ~~وحقه في الثمن السليم لا في المعيب فإذا وجده معيبا فلم يسلم له حقه فكان ~~له أن يسترد المبيع حتى يستوفي حقه كالراهن إذا قضى دين المرتهن، وقبض ~~الرهن ثم إن المرتهن وجد المقبوض زيوفا كان له أن يرده، ويسترد الرهن لما ~~قلنا كذا هذا. # (ولنا) : أن البائع يسلم المبيع بعد استيفاء جنس حقه فلا يملك الاسترداد ~~بعد ما استوفى حقه، ودلالة ذلك أن الزيوف جنس حقه من حيث الأصل، وإنما ~~الفائت صفة الجودة بدليل أنه لو تجوز به في الصرف، والسلم جاز، ولو لم يكن ~~من جنس حقه لما جاز؛ لأنه يكون استبدالا ببدل الصرف، والسلم، وأنه لا يجوز، ~~وإذا كان المقبوض جنس حقه فتسلم المبيع بعد استيفاء جنس الحق يمنع من ~~الاسترداد بخلاف الرهن؛ لأن الارتهان استيفاء لحقه من الرهن، والافتكاك ~~إيفاء من مال آخر فإذا وجد زيوفا تبين أنه استوفى حقه # PageV05P251 # فكان له ولاية الاسترداد. # والدليل على التفرقة بين الرهن، والبيع أنه لو أعار المبيع المشتري بطل ~~حق الحبس حتى لا يملك استرداده، ولو أعار المرهون الراهن لا يبطل حق الحبس، ~~وله أن يسترده فإن وجده ستوقا أو رصاصا أو مستحقا، وأخذ منه له أن يرد ~~بخلاف الزيوف؛ لأن البائع إنما أذن للمشتري بالقبض على أنه استوفى حقه، ~~وتبين أنه لم يستوف أصلا، ورأسا؛ لأن الستوق، والرصاص ليسا من جنس حقه ألا ~~ترى: أنه لو تجوز بها في الصرف، والسلم لا يجوز، وإن كان الإذن بالقبض على ~~تقدير استيفاء الحق وقد تبين أنه لم يستوف فتبين أنه لم يكن آذنا له ~~بالقبض، ولا راضيا به فكان له ولاية الاسترداد. # ولو كان المشتري تصرف فيه فلا سبيل للبائع عليه سواء كان تصرفا يحتمل ~~الفسخ كالبيع، والرهن، والإجارة، ونحوها أو لا يكون كالإعتاق، ونحوه، بخلاف ~~ما إذا قبضه بغير إذن البائع قبل نقد الثمن، وتصرف فيه تصرفا يحتمل الفسخ ~~أنه يفسخ، ويسترد؛ لأن هناك لم يوجد الإذن بالقبض فكان التصرف في المبيع ~~إبطالا ms3177 لحقه فيرد عليه إذا كان محتملا للرد، وههنا وجد الإذن بالقبض، فكان ~~تصرف المشتري حاصلا عن تسليط البائع فنفذ، وبطل حقه في الاسترداد كالمقبوض ~~على وجه البيع الفاسد إذا تصرف فيه المشتري أنه يبطل حق البائع في الفسخ ~~إلا أن في البيع الفاسد إذا أجر المبيع تفسخ الإجارة، وههنا لا تفسخ؛ لأن ~~الإجارة تفسخ بالعذر، وقد تحقق العذر في البيع الفاسد؛ لأنه مستحق الفسخ ~~حقا للشرع دفعا للفساد، فجعل استحقاق الفسخ بسبب الفساد عذرا في فسخ ~~الإجارة، ولا فساد ههنا فلا عذر في الفسخ فلا يفسخ. # ولو كان مكان البيع كتابة فأدى المكاتب بدل الكتابة فعتق ثم وجد المولى ~~المقبوض زيوفا أو مستحقا فالعتق ماض فإن وجده ستوقا أو رصاصا لا يعتق لما ~~ذكرنا أن الزيوف من جنس حقه فصار بقبضها قابضا أصل حقه، وكذا قبض الدراهم ~~المستحقة، وقع صحيحا ظاهرا، واحتمال الإجازة بعد ظهور الاستحقاق ثابت أيضا، ~~والعتق بعد ثبوته ظاهرا لا يحتمل الفسخ بخلاف ما إذا وجدها ستوقا أو رصاصا؛ ~~لأن ذلك ليس من جنس حقه أصلا، ورأسا فلم يوجد أو أبدل الكتابة فلا يعتق، ~~يحقق الفرق بينهما إذا حلف لا يفارق غريمة حتى يستوفي حقه فقبض ثم وجد ~~المقبوض بعد الافتراق زيوفا أو مستحقا فرد الزيوف أو أخذ المالك المستحقة ~~بر في يمينه، وإن وجده ستوقا أو رصاصا حنث في يمينه، والله - عز وجل - ~~أعلم. # ولو قبض المشتري المبيع بإذن البائع ثم أفلس أو مات قبل نقد الثمن أو بعد ~~ما نقد منه شيئا، وعليه ديون لأناس شتى هل يكون البائع أحق به من سائر ~~الغرماء؟ اختلف فيه قال أصحابنا: لا يكون له بل الغرماء كلهم أسوة فيه ~~فيباع، ويقسم ثمنه بينهم بالحصص، وقال الشافعي - رحمه الله -: البائع أحق ~~به، وإن لم يكن قبضه حتى أفلس أو مات فإن كان الثمن مؤجلا فهو على هذا ~~الاختلاف، وإن كان حالا فالبائع أحق به بالإجماع احتج الشافعي بما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا ms3178 أفلس المشتري فوجد البائع ~~متاعه عنده فهو أحق به» وهذا نص في الباب، ولأن العجز عن تسليم المبيع يوجب ~~حق الفسخ للمشتري بالإجماع فإن من باع عبدا فأبق قبل القبض أو غصب أو كانت ~~دابة فضلت للمشتري أن يفسخ البيع، والعجز عن تسليم الثمن يوجب الفسخ للبائع ~~أيضا؛ لأن البيع عقد معاوضة، ومبنى المعاوضات على المساواة. # (ولنا) : ما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «من باع بيعا ~~فوجده، وقد أفلس الرجل فهو ماله بين غرمائه» ، وهذا نص، وهو عين مذهبنا، ~~ولأن البائع لم يكن له حق حبس المبيع حال كون المشتري حيا مليا فلا يكون ~~أحق بثمنه بعد موته، وإفلاسه؛ لأن الثمن بدل المبيع قائم مقامه، واعتبار ~~الثمن بالمبيع غير سديد؛ لأن بينهما مفارقة في الأحكام ألا ترى: أن ملك ~~المبيع شرط جواز العقد، وملك الثمن ليس شرطا؟ فإنه لو اشترى شيئا بدراهم لا ~~يملكها جاز، ولو باع شيئا لا يملكه لا يجوز، وكذا لا يجوز التصرف في المبيع ~~المنقول قبل القبض، والتصرف في الثمن قبل القبض جائز، وغير ذلك من الأحكام ~~فكان اعتبار الثمن بالمبيع على الإطلاق فاسدا، والحديث محمول على ما إذا ~~قبض المبيع بغير إذن البائع، وعندنا: البائع أحق به في هذه الحالة إلا أنه ~~ذكر الإفلاس، وإن كان حق الاسترداد لا يتقيد به؛ لأن المليء يتمكن من دفع ~~الاسترداد بنقد الثمن، والمفلس لا يتمكن من ذلك فكان ذكر الإفلاس مقيدا ~~فحملناه على ما قلنا توفيقا بين الدلائل، والله - عز وجل - الموفق. # (ومنها) وجوب # PageV05P252 # الاستبراء في شراء الجارية، وجملة الكلام فيه أن الاستبراء نوعان. # نوع هو مندوب، ونوع هو واجب (أما) المندوب إليه فهو: استبراء البائع إذا ~~وطئ جارية، وأراد أن يبيعها أو يخرجها عن ملكه بوجه من الوجوه عند عامة ~~العلماء، وقال مالك - رحمه الله - هو واجب (وجه) قوله أنه يحتمل شغل الرحم ~~بماء البائع فيلزمه التعرف عن ذلك بالاستبراء كما في جانب المشتري. # (ولنا) أن سبب الوجوب لم يوجد في حق البائع على ms3179 ما نذكر، والاعتبار ~~بالمشتري غير سديد؛ لأن الوجوب عليه لصيانة مائه عن الاختلاط بماء البائع، ~~والخلط يحصل بفعل المشتري لا بفعل البائع فتجب الصيانة عليه بالاستبراء لا ~~على البائع إلا أنه يندب إليه لتوهم اشتغال رحمها بمائه، فيكون البيع قبل ~~الاستبراء مباشرة شرط الاختلاط فكان الاستبراء مستحبا، وكذا إذا وطئ أمته، ~~أو مدبرته، أو أم ولده ثم أراد أن يزوجها من غيره يستحب أن لا يفعل حتى ~~يستبرئها لما قلنا، وإذا زوجها قبل الاستبراء أو بعده فللزوج أن يطأها من ~~غير استبراء وقال محمد - رحمه الله - أحب إلي أن يستبرئها بحيضة، ولست ~~أوجبه عليه، وكذلك الرجل إذا رأى امرأة تزني ثم تزوجها له أن يطأها من غير ~~استبراء، وقال محمد أحب إلي أن لا يطأها حتى يستبرئها، ويعلم فراغ رحمها، ~~والله - عز وجل - أعلم. # (وأما) الاستبراء الواجب فهو استبراء المشتري، وكل من حدث له حل ~~الاستمتاع بالجارية بحدوث ملك اليمين مطلقا، والكلام فيه في مواضع في بيان ~~وجوب هذا النوع من الاستبراء، وفي بيان سبب وجوبه، وفي بيان ما يقع به ~~الاستبراء. # (أما) الأول فالأصل فيه ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال في سبايا أوطاس «ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن، ولا الحيالى حتى ~~يستبرأن بحيضة» ، والنص الوارد في السبي يكون واردا في سائر أسباب الملك ~~دلالة، ولأن الاستبراء طلب براءة الرحم، وأنه واجب على المشتري؛ لأن به يقع ~~الصيانة عن الخلط، والخلط حرام لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال «من كان يؤمن بالله، واليوم الآخر فلا يسقين ماءه زرع غيره» ~~والصيانة عن الحرام تكون واجبة، ولا تقع الصيانة إلا بالاستبراء فيكون ~~واجبا ضرورة فلا يحل له وطؤها قبل الاستبراء، ولا أن يلمسها بشهوة أو ينظر ~~إلى فرجها عن شهوة؛ لأن كل ذلك داع إلى الوطء، والوطء إذا حرم حرم بدواعيه ~~كما في باب الظهار، وغيره بخلاف الحائض حيث لم تحرم الدواعي منها؛ لأن ~~المحرم هناك ليس هو الوطء بل ms3180 استعمال الأذى، والوطء حرام لغيره، وهو ~~استعمال الأذى، ولا يجوز ذلك في الدواعي فلا يجوز، والله - عز وجل - أعلم. # (وأما) سبب وجوبه فهو حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين مطلقا يعني به ~~ملك الرقبة، واليد بأي سبب حدث الملك من الشراء، والسبي، والصدقة، والهبة، ~~والإرث، ونحوها فلا يجب الاستبراء على البائع؛ لانعدام السبب، وهو حدوث ~~الحل، ويجب على المشتري لوجود سببه سواء كان بائعه ممن يطأ أو ممن لا يطأ ~~كالمرأة، والصبي الذي لا يعقل، وسواء كانت الجارية بكرا أو ثيبا في ظاهر ~~الرواية لما قلنا. # وروي عن أبي يوسف: أنه إذا علم المشتري أنها لم توطأ لا يجب الاستبراء؛ ~~لأن الاستبراء طلب براءة الرحم، وفراغها عما يشغلها، ورحم البكر بريئة ~~فارغة عن الشغل فلا معنى لطلب البراءة، والفراغ. # (والجواب) : أن الوقوف على حقيقة الشغل، والفراغ متعذر فتعلق الحكم ~~بالسبب الظاهر، وهو حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين مطلقا، وقد وجد ولا ~~يجب على من حرم عليه فرج أمته بعارض الحيض، والنفاس، والردة، والكتابة، ~~والتزويج إذا زالت هذه العوارض بأن طهرت، وأسلمت، وعجزت فطلقها الزوج قبل ~~الدخول بها؛ لأن حل الاستمتاع لم يحدث بل كان ثابتا لكن منع منه لغيره، وقد ~~زال بزوال العوارض، وكذا لم يحدث ملك اليمين فلم يوجد السبب، ولا يجب بشراء ~~جارية لا يحل فرجها بملك اليمين بأن وطئها أبوه أو ابنه أو لمسها بشهوة، أو ~~نظر إلى فرجها لا بشهوة أو كان هو وطئ أمها، أو ابنتها، أو نظر إلى فرجها ~~عن شهوة، أو كانت مرتدة أو مجوسية، ونحو ذلك من الفروج التي لا تحل بملك ~~اليمين؛ لأن فائدة الاستبراء التمكن من الاستمتاع بعد حصول انعدام مانع ~~معين منه، وهو اختلاط الماءين. # والاستبراء في هذه المواضع لا يفيد التمكن من الاستمتاع لوجود مانع آخر، ~~وهو أن المحل لا يحتمل الحل، ولا يجب على العبد، والمكاتب، والمدبر؛ ~~لانعدام # PageV05P253 # حدوث حل الاستمتاع بملك اليمين لعدم الملك لهم قال النبي - عليه الصلاة ~~والسلام -: «لا يتسرى العبد، ولا يسريه ms3181 مولاه، ولا يملك العبد، ولا المكاتب ~~شيئا إلا الطلاق» . # ولو اشترى جارية من عبده المأذون ينظر إن لم يكن على العبد دين أصلا أو ~~عليه دين غير مستغرق لا يجب عليه أن يستبرئها إذا كانت حاضت عند العبد، ~~ويجتزئ بتلك الحيضة؛ لأن كسب المأذون الذي لا دين عليه أو عليه دين غير ~~مستغرق ملك المولى فقد حاضت في ملك نفسه فيجتزئ بها عن الاستبراء، وإن كان ~~عليه دين مستغرق رقبته، وكسبه يجب عليه الاستبراء عند أبي حنيفة - رحمه ~~الله -، وعند أبي يوسف، ومحمد رحمهما الله لا يجب عليه بناء على أن المولى ~~لا يملك كسب عبده المأذون المديون دينا مستغرقا عنده، وعندهما يملكه. # ولو تبايعا بيعا صحيحا ثم تقايلا فإن كانت الإقالة قبل القبض فالقياس أن ~~يجب الاستبراء على البائع، وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله ~~وفي الاستحسان: لا يجب، وهو رواية محمد عن أبي حنيفة رحمهما الله وهو قول ~~أبي يوسف، ومحمد رحمهما الله (وجه) القياس أنه وجد سبب الوجوب في حقه، وهو ~~حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين حقيقة، وإنكار الحقائق مكابرة. # (وجه) الاستحسان أن الإقالة قبل القبض فسخ، والفسخ رفع من الأصل، وإعادة ~~إلى قديم الملك كأنه لم يزل عن ملك البائع فلم يوجد السبب مع ما أن الملك ~~قبل القبض غير متأكد، والتأكيد إثبات من وجه فلم يتكامل الملك للمشتري فلم ~~يحدث ملك اليمين للبائع على الإطلاق فلم يتكامل السبب، وإن كانت الإقالة ~~بعد القبض يجب (أما) عند أبي يوسف فلأن الإقالة بيع جديد فكانت استحداثا ~~للملك مطلقا (وأما) عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله وإن كانت فسخا لكن في ~~حق العاقدين فأما في حق ثالث فبيع جديد، والاستبراء يجب حقا للشرع فاعتبر ~~حق الشرع ثالثا في حق وجوب الاستبراء احتياطا. # ولو رد الجارية بعيب أو خيار رؤية يجب الاستبراء على البائع؛ لوجود السبب ~~وهو حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين؛ لأن خيار الرؤية، وخيار العيب لا ~~يمنع ثبوت الملك للمشتري (وأما) الرد ms3182 بخيار الشرط فينظر فيه إن كان الخيار ~~للبائع فلا يجب الاستبراء بالإجماع؛ لأن خياره لا يمنع زوال السلعة عن ملكه ~~فلم يوجد حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين، وإن كان الخيار للمشتري لا ~~يجب الاستبراء على البائع عند أبي حنيفة - رحمه الله - سواء كان الرد قبل ~~القبض أو بعده بناء على أن خيار المشتري يمنع دخول السلعة في ملكه عند أبي ~~حنيفة، وإذا لم تدخل في ملك المشتري، وإن خرجت عن ملك البائع فلأنها لم ~~تخرج، وبقيت على ملكه فلم يوجد سبب الوجوب. # (وأما) عندهما فإن كان الرد قبل القبض فالقياس أن يجب؛ لأنها زالت عن ملك ~~البائع، ودخلت في ملك المشتري فإذا ردت عليه فقد وجد سبب الوجوب في حق ~~البائع، وفي الاستحسان: لا يجب؛ لأن الرد قبل القبض فسخ محض، ورفع للعقد من ~~الأصل كأنه لم يكن، وإن كان بعد القبض يجب الاستبراء قياسا، واستحسانا؛ ~~لأنها دخلت في ملك المشتري. # وإن كان المبيع فاسدا ففسخ، وردت الجارية إلى البائع فإن كان قبل القبض ~~فلا استبراء على البائع؛ لأنها على ملكه فلم يحدث له الحل، وإن كان بعده ~~فعليه الاستبراء بالإجماع لوجود السبب. # أسر العدو الجارية ثم عادت إلى المالك فإن كان قبل الإحراز بدار الحرب ~~فلا استبراء على المالك؛ لانعدام السبب، وهو حدوث الحل بحدوث الملك، وإن ~~كان بعد الإحراز بدارهم، وجب لوجود السبب، ولو أبقت من دار الإسلام إلى دار ~~الحرب، وأخذها الكفار ثم عادت إلى صاحبها بوجه من الوجوه فلا استبراء عليه ~~عند أبي حنيفة؛ لأنهم لم يملكوها فلم يوجد السبب، وعندهما عليه الاستبراء؛ ~~لأنهم ملكوها لوجود السبب. # ولو اشترى جارية مع غيره فلا استبراء عليهما؛ لانعدام السبب، وهو حدوث ~~الحل إذ لا تحل لأحدهما. # اشترى جارية، ولها زوج فقبضها، وطلقها الزوج قبل الدخول بها فلا استبراء ~~على المشتري؛ لأنه لم يوجد السبب، وهو حدوث حل الاستمتاع بحدوث ملك اليمين ~~وقت الشراء لقيام فراش الزوج، وبعد زوال الفراش لم يحدث سبب حدوث الحل، وهو ~~ملك اليمين، ms3183 وذكر الكرخي - رحمه الله - أن على قول أبي يوسف يجب الاستبراء ~~على المشتري، ومن هذا استخرجوا لإسقاط الاستبراء حيلة، وهي أن يزوج البائع ~~الجارية ممن يجوز له نكاحها، ولم يكن تحته حرة، ونحو ذلك من الشرائط ثم ~~يبيعها، ويسلمها إلى # PageV05P254 # المشتري ثم يطلقها الزوج قبل الدخول بها فتحل للمشتري من غير استبراء وإن ~~طلقها الزوج قبل القبض ثم قبضها المشتري لا يحل له وطؤها حتى يستبرئها، ~~وحيلة أخرى لإسقاط الاستبراء: أن يزوجها البائع من المشتري قبل الشراء، ~~والمشتري ممن يجوز له نكاحها بأن لم يكن تحته حرة ونحو ذلك ثم يشتريها ~~فيفسد النكاح ويحل له وطؤها من غير استبراء، وهذا الوجه الثاني أولى؛ لأنه ~~يسقط عنه جميع المهر وفي الوجه الأول على الزوج المطلق نصف المهر للبائع ~~فيحتاج إلى إبرائه عنه. # ولو كانت الجارية في عدة من زوجها عدة طلاق أو عدة وفاة فاشتراها وقبضها ~~ثم انقضت عدتها فلا استبراء عليه؛ لأن قيام العدة بمنزلة قيام النكاح، ولو ~~كانت منكوحة فطلقها قبل الدخول بها لم يجب الاستبراء كذا هذا، وعلى ما ذكره ~~الكرخي - رحمه الله - على قول أبي يوسف: يجب الاستبراء فإن انقضت عدتها قبل ~~القبض لم يعتد بذلك ولا تحل له حتى يستبرئها بعد القبض بحيضة أخرى في ظاهر ~~الرواية وروي عن أبي يوسف: أنه يعتد بذلك كما يعتد بالحيضة قبل القبض عنده. # وعلى هذا يخرج عدم وجوب الاستبراء في النكاح حتى إن من تزوج جارية فللزوج ~~أن يطأها من غير استبراء؛ لأن السبب لم يوجد وهو حدوث حل الاستمتاع بملك ~~اليمين، وقال محمد: أحب إلي أن يستبرئها بحيضة ولست أوجبها عليه وذكر ~~الكرخي - رحمه الله - وقال: لا استبراء عليه في قول أبي حنيفة - رضي الله ~~عنه - وقال أبو يوسف استبرأ بها الزوج استحسانا (وجه) قول أبي يوسف: أن ~~المعنى الذي له وجب الاستبراء في ملك اليمين موجود في ملك النكاح، وهو ~~التعرف عن براءة الرحم فوجب الاستبراء في الملكين ولأبي حنيفة: أن جواز ~~نكاحها دليل براءة رحمها شرعا ms3184 فلا حاجة إلى التعرف بالاستبراء، وما ذكره ~~محمد نوع احتياط وهو حسن. # وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى جارية فلم يقبضها حتى حاضت في يد البائع حيضة ~~أنه لا يجتزئ بها في الاستبراء في ظاهر الرواية حتى لو قبضها لا تحل له حتى ~~يستبرئها بحيضة أخرى؛ لأنه لم يحدث له حل الاستمتاع قبل القبض ولا حدث له ~~ملك اليمين على الإطلاق؛ لانعدام اليد، وهذا لأن الملك قبل القبض غير ~~متأكد، والتأكد إثبات من وجه فكان له حكم العدم من وجه فلم يجب به ~~الاستبراء وروي عن أبي يوسف: أنه يجتزئ بها ولا استبراء؛ لأن الحيضة قبل ~~القبض تصلح دليلا على فراغ رحمها فحصل المقصود من الاستبراء فيكتفى بها. # (وأما) بيان ما يقع به الاستبراء فنقول وبالله التوفيق: الجارية في الأصل ~~لا يخلو إما أن كانت ممن تحيض وإما أن كانت ممن لا تحيض فإن كانت ممن تحيض ~~فاستبراؤها بحيضة واحدة عند عامة العلماء، وعامة الصحابة - رضي الله عنهم - ~~وعن معاوية - رضي الله عنه -: أن استبراءها بحيضتين؛ لأن الاستبراء أخت ~~العدة وعدتها حيضتان والصحيح قول العامة لما روي عن النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - أنه قال في سبايا أوطاس «ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا ~~الحيالى حتى يستبرأن بحيضة» والفعلة للمرة، والتقدير الشرعي يمنع من ~~الزيادة عليه إلا بدليل ولأن ما شرع له الاستبراء، وهو حصول العلم بطهارة ~~الرحم يحصل بحيضة واحدة فكان ينبغي أن لا يشترط العدد في باب العدة أيضا ~~إلا أنا عرفنا ذلك نصا بخلاف القياس فيقتصر على مورد النص وإن كانت ممن لا ~~تحيض فلا يخلو إما أن كانت لا تحيض لصغر أو لكبر وإما أن كانت لا تحيض لعلة ~~وهي الممتد طهرها. # (وإما) أن كانت لا تحيض لحبل فإن كانت لا تحيض لصغر أو لكبر فاستبراؤها ~~بشهر واحد؛ لأن الأشهر أقيمت مقام الأقراء في حق الآيسة، والصغيرة في العدة ~~فكذا في باب الاستبراء، وإن كانت لا تحيض لعلة فقد اختلفوا فيه قال أبو ~~حنيفة - عليه الرحمة ms3185 -: " لا يطؤها حتى يعلم أنها غير حامل " ولم يوقت في ~~ذلك وقتا، وقال أبو يوسف: " يستبرئها بثلاثة أشهر، أو أربعة أشهر " وعن ~~محمد روايتان: في رواية قال: يستبرئها بشهرين، وخمسة أيام عدة الإماء، وفي ~~رواية قال: يستبرئها بأربعة أشهر وعشر مدة عدة الحرائر، وقال زفر: يستبرئها ~~بسنتين؛ لأن الولد الموجود في البطن لا يبقى أكثر من سنتين، فإذا مضت ~~سنتان، ولم يظهر بها حمل علم أنها غير حامل، ويحتمل أن يكون هذا تفسير قول ~~أبي حنيفة لا يطؤها حتى يعلم أنها غير حامل، وهو اختيار الطحاوي. # ويحتمل أن يكون ما قاله أبو يوسف تفسيرا لقوله: لأنها مدة يعلم فيها أنها ~~ليست بحامل؛ لأن الحبل يظهر في مثل هذه المدة لو كان لظهور آثاره من انتفاخ ~~البطن، وغير ذلك فيدل عدم الظهور على براءة رحمها، وإن كانت لا تحيض لحبل ~~بها فاستبراؤها بوضع الحمل بعد القبض # PageV05P255 # لأن وضع الحمل في الدلالة على فراغ رحمها فوق الحيضة، فإذا وضعت حملها حل ~~له أن يستمتع بها فيما سوى الجماع ما دامت في نفاسها كما في الحائض فإن ~~وضعت حملها قبل القبض ثم قبضها لا يطؤها حتى يستبرئها، ولا يجتزئ بوضع ~~الحمل قبل القبض كما يجتزئ بالحيضة قبل القبض، وعلى قياس ما روي عن أبي ~~يوسف يجتزئ به كما يجتزئ بالحيضة قبل القبض، والله عز وجل أعلم ثم ما ذكرنا ~~من الحكم الأصلي للبيع وما يجري مجرى التوابع للحكم الأصلي كما يثبت في ~~المبيع يثبت في زوائد المبيع عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - لا يثبت ~~شيء من ذلك في الزوائد، والكلام فيه مبني على أصل، وهو أن زوائد المبيع ~~مبيعة عندنا سواء كانت منفصلة أو متصلة متولدة من الأصل، أو غير متولدة منه ~~إلا الهبة، والصدقة والكسب وعنده ليست بمبيعة أصلا وإنما تملك بملك الأصل ~~لا بالبيع السابق (وجه) قول الشافعي - رحمه الله - في إثبات هذا الأصل أن ~~المبيع ما أضيف إليه البيع، ولم توجد الإضافة إلى الزوائد لكونها منعدمة ~~عند البيع، فلا يكون ms3186 مبيعة، ولهذا لم يكن الكسب مبيعا ولأن المبيع ما ~~يقابله ثمن إذ البيع مقابلة المبيع بالثمن. # والزيادة لا يقابلها ثمن؛ لأن كل الثمن مقابل بالأصل، فلم تكن مبيعة ~~كالكسب، ولهذا لم تجز الزيادة عنده في المبيع، والثمن. # (ولنا) أن المبيع ما يثبت فيه الحكم الأصلي للبيع والحكم الأصلي للبيع ~~يثبت في الزوائد بالبيع السابق فكانت مبيعة وبيان ذلك أن الحكم الأصلي ~~للبيع هو الملك، والزوائد مملوكة بلا خلاف، والدليل على أنها مملوكة بالبيع ~~السابق أن البيع السابق أوجب الملك في الأصل ومتى ثبت الملك في الأصل ثبت ~~في التبع فكان ملك الزيادة بواسطة ملك الأصل مضافا إلى البيع السابق، فكانت ~~الزيادة مبيعة ولكن تبعا لثبوت الحكم الأصلي فيها تبعا. # وعلى هذا الأصل مسائل بيننا وبين الشافعي - رحمه الله - (منها) أن للبائع ~~حق حبس الزوائد لاستيفاء الثمن كما له حق حبس الأصل عندنا وعنده ليس له أن ~~يحبس الزوائد. # (ومنها) أن البائع إذا أتلف الزيادة سقطت حصتها من الثمن عن المشتري ~~عندنا، كما لو أتلف جزءا من المبيع، وعنده لا يسقط شيء من الثمن وعليه ~~ضمانها كما لو أتلفها أجنبي ولا خيار للمشتري عند أبي حنيفة وعندهما يثبت ~~على ما مر، وكذا إذا أتلف الأرش أو العقر قبل القبض عندنا؛ لأنه بدل الجزء ~~الفائت فكان حكمه حكم الجزء ولو هلكت الزيادة بآفة سماوية لا يسقط شيء من ~~الثمن بالإجماع، وإن كانت مبيعة عندنا؛ لأنها مبيعة تبعا بمنزلة أطراف الأم ~~لا مقصودا والأطراف كالأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن إلا أن تصير مقصودة ~~بالفعل من القبض أو الجناية ولم يوجد ولا خيار للمشتري؛ لأن الصفقة لم ~~تتفرق عليه لأن العقد ما أضيف إليها وإنما يثبت حكم العقد فيها تبعا فلا ~~يثبت الخيار إلا في ولد الجارية إذا هلك قبل القبض بآفة سماوية، فإنه يثبت ~~الخيار للمشتري لا لهلاك الزيادة بل لحدوث نقصان في الأم بسبب الولادة وكذا ~~لا خيار بحدوث زيادة ما قبل القبض إلا في ولد الجارية لأجل نقصان الأم ~~بالولادة ms3187 لا لحدوث الزيادة. # (ومنها) أن المشتري إذا قبض الزوائد يصير لها حصة من الثمن بالقبض عندنا، ~~فيقسم الثمن على قيمة الأصل يوم العقد، وعلى قيمة الزيادة يوم القبض حتى لو ~~اطلع المشتري على عيب بالأصل فإنه يرده بحصته من الثمن لا بجميع الثمن ~~عندنا، وعنده لا حصة للزيادة من الثمن بحال، وعند ظهور العيب بالأصل يرد ~~بكل الثمن ولا يكون بإزاء الزيادة شيء، وكذا إذا وجد بالزيادة عيبا يردها ~~بحصتها من الثمن، وعنده لا يردها بالعيب أصلا وكذا المشتري إذا أتلف ~~الزيادة قبل القبض يصير لها حصة من الثمن عندنا؛ لأنه صار قابضا له ~~بالإتلاف، وبالقبض يصير لها حصة من الثمن على ما ذكرنا وعنده: لا حصة لها ~~من الثمن بحال، ولو هلك الأصل وبقيت الزيادة يبقى العقد في قدر الزيادة ~~عندنا، ويصير لها حصة من الثمن فينقسم الثمن على الأصل يوم العقد وعلى ~~الزيادة يوم الهلاك فيبطل ملك الثمن بقدر قيمة الأصل ويبقى بحصة الزيادة ~~بخلاف ما إذا هلك قبل حدوث الزيادة حيث ينفسخ العقد أصلا ورأسا، ويسقط كل ~~الثمن؛ لأن هناك لا فائدة في بقاء العقد إذ لو بقي لطلب البائع من المشتري ~~الثمن فيطلب المشتري منه تسليم المبيع ولا يمكنه تسليمه فينفسخ ضرورة؛ ~~لانعدام فائدة البقاء، وإذا بقيت الزيادة كان في بقاء العقد في الزيادة ~~فائدة لإمكان تسليمها فبقي العقد فيها وصار لها حصة من الثمن فينقسم على ~~الأصل والزيادة على ما ذكرنا، وعنده إذا هلك الأصل انفسخ العقد أصلا ورأسا. # (ومنها) # PageV05P256 # أنه إذا أتلفها أجنبي وضمنها بلا خلاف فالمشتري بالخيار عندنا إن شاء ~~اختار الفسخ، ويرجع البائع على الجاني بضمان الجناية، وإن شاء اختار ~~المبيع، واتبع الجاني بالضمان، وعليه جميع الثمن كما لو أتلف الأصل، وعنده ~~عليه الضمان ولا خيار للمشتري. # (ومنها) إذا اشترى نخلا بكر من تمر فلم يقبض النخل حتى أثمر النخل كرا ~~فقبض النخل مع الكر الحادث لا يطيب الكر، وعليه أن يتصدق به عندنا؛ لأن ~~التمر الحادث عندنا زيادة متولدة من المبيع ms3188 فكان مبيعا، وله عند القبض حصة ~~من الثمن كما لغيره من الزوائد، والثمر من جنسه زيادة عليه فلو قسم على ~~النخل والكر الحادث يصير ربا فيفسد البيع في الكر الحادث، ولا يفسد في ~~النخل بخلاف ما إذا باع نخلا وكرا من تمر بكر من تمر أن العقد يفسد في ~~التمر، والنخل جميعا لأن هناك الربا دخل في العقد باشتراطهما، وصنعهما؛ لأن ~~بعض المبيع مال الربا، وهو التمر، والتمر مقسوم عليهما، فيتحقق الربا، ~~وإدخال الربا في العقد يفسد العقد كله وههنا البيع كان صحيحا في الأصل؛ لأن ~~الثمن خلاف جنس المبيع، وهو النخل وحده إلا أنه لما زاد بعد العقد صار ~~مبيعا في حال البقاء لا بصنعهما، فيفسد في الكر الحادث، ويقتصر الفساد ~~عليه. # (ومنها) إذا اشترى عبدا بألف درهم يساوي ألفين فقتل قبل القبض فاختار ~~البيع وابتاع الجاني فأخذ قيمته ألفين يتصدق بالألف الزائد عندنا؛ لأنه ربح ~~ما لم يضمن، وعنده: لا يتصدق بشيء، والله - عز وجل - أعلم. # (ومنها) إذا غصب كر حنطة فابتلت في يد الغاصب وانتفخت حتى صارت كرا ونصف ~~كر ضمن للمالك كرا مثله، فإنه يملك ذلك الكر، ونصف الكر عندنا لكن يتصدق ~~بنصف الكر الزائد، وطاب له ما بقي؛ لأن الملك عندنا يثبت من وقت الغصب ~~بالضمان والزيادة بالانتفاخ حصلت بعد ذلك فتعتبر بالزيادة المتولدة، وعند ~~الشافعي - رحمه الله - في هذا الفصل يرد الكل؛ لأن المضمونات عنده لا تملك ~~بالضمان. # (ومنها) أن الزوائد الحادثة بعد القبض مبيعة أيضا عندنا حتى لو وجد ~~المشتري بالأصل عيبا، فالزيادة تمنع الرد والفسخ بالعيب، وبسائر أسباب ~~الفسخ على ما نذكره في خيار العيب في بيان الأسباب المانعة من الرد بالعيب ~~إن شاء الله تعالى - وعنده ليست بمبيعة في أي حال حدثت، ولا تمنع رد الأصل ~~بالعيب بكل الثمن. # ولو اشترى أرضا فيها أشجار مثمرة فإن كان عليها ثمر وسماه حتى دخل في ~~البيع فالثمر له حصة من الثمن بلا خلاف حتى لو كانت قيمة الأرض خمسمائة ~~وقيمة الشجر خمسمائة، وقيمة ms3189 الثمر كذلك، فإن الثمن يقسم على الكل أثلاثا ~~بالإجماع؛ لأن الكل معقود عليه مقصود لورود فعل العقد على الكل فإن كان ~~للثمر حصة من الثمن حتى لو هلك بآفة سماوية أو بفعل البائع بأن أكله يسقط ~~عن المشتري ثلث الثمن، وله الخيار إن شاء أخذ الأرض، والشجر بثلثي الثمن، ~~وإن شاء ترك؛ لأن الثمر لما كان مبيعا مقصودا بهلاكه تفرقت الصفقة على ~~المشتري قبل التمام، فيثبت الخيار وإن لم يكن الثمر موجودا وقت العقد وحدث ~~بعده قبل القبض فأكله البائع فقد صار له حصة من الثمن عندنا لصيرورته مبيعا ~~مقصورا بالإتلاف على ما بينا لكن الكلام في كيفية أخذ الحصة # فاختلف أصحابنا فيها قال أبو حنيفة ومحمد: يأخذ الحصة من الشجر والأرض ~~جميعا فيقسم الثمن على الشجر، والأرض، والثمر أثلاثا فيسقط ثلث الثمن ~~بإتلاف البائع، وقال أبو يوسف يأخذ الحصة من الشجر خاصة فيقسم الثمن على ~~قيمة الأرض، والشجر ثم ما أصاب الشجر يقسم عليه يوم العقد، وعلى قيمة الثمر ~~يوم الإتلاف فيسقط بيانه إذا كانت قيمة الأرض ألفا وقيمة الأشجار ألفا، ~~وقيمة الثمر كذلك فأكل البائع الثمر قبل القبض يسقط عن المشتري ثلث الثمن ~~عندهما ويأخذ الأرض، والأشجار بثلثي الثمن ولا خيار له عند أبي حنيفة خاصة، ~~وعند محمد له الخيار إن شاء أخذ الأرض، والشجر بثلثي القيمة وإن شاء ترك، ~~وعند أبي يوسف يسقط عن المشتري ربع الثمن، فيقسم الثمن على الأشجار، والأرض ~~نصفين ثم ما أصاب الشجر يقسم عليه وعلى الثمر نصفين، فكان حصة الثمر ربع ~~الثمن فيسقط ذلك كله وله الخيار إن شاء أخذ الأرض، والشجر بثلاثة أرباع ~~الثمن، وإن شاء ترك. # (وجه) قول أبي يوسف: أن الثمر تابع للشجر؛ لأن الثمر متولد منها، فيأخذ ~~الحصة منها كما لو اشترى جارية مع ولدها، فولدت مع ولدها ولدا آخر فالولد ~~الثاني يكون له حصة من الولد الأول، ولهما أن الشجر تابع للأرض في البيع ~~بدليل أنه يدخل في الأرض من غير تسمية ولو هلكت بعد ما دخلت ms3190 قبل القبض # PageV05P257 # لا يسقط شيء من الثمن دل أنها تابعة، وما كان تابعا لغيره في حكم لا ~~يستتبع غيره في ذلك الحكم، فكان نظير مسألتنا ما لو اشترى جارية، فولدت ~~ولدا قبل القبض ثم ولد ولدها ولدا لا يكون للولد الثاني حصة من الولد ~~الأول؛ لأن الأول في نفسه تابع فلا يستتبع غيره كذا ههنا والله - عز وجل - ~~أعلم. # ويتصل بما ذكرنا الزيادة في المبيع والثمن والحط عن الثمن والكلام فيهما ~~في ثلاثة مواضع: أحدهما في أصل الجواز أنهما جائزان أم لا، والثاني في ~~شرائط الجواز، والثالث في كيفية الجواز (أما) الأول فقد اختلف العلماء فيه ~~قال أصحابنا الثلاثة: الزيادة في المبيع والثمن جائزة مبيعا وثمنا كأن ~~العقد ورد على المزيد عليه والزيادة جميعا من الابتداء، وقال زفر: لا تجوز ~~الزيادة مبيعا وثمنا ولكن تكون هبة مبتدأة فإن قبضها صارت ملكا له وإلا ~~تبطل وأظهر أقوال الشافعي - رحمه الله - مثل قولنا إن كان في مجلس العقد ~~وإن كان بعد الافتراق فقوله مثل قول زفر وصورة المسألة إذا اشترى رجل عبدا ~~بألف درهم، وقال المشتري زدتك خمسمائة أخرى ثمنا وقبل البائع، أو قال ~~البائع: زدتك هذا العبد الآخر، أو قال هذا الثوب مبيعا وقبل المشتري جازت ~~الزيادة كان الثمن في الأصل ألفا وخمسمائة، والمبيع في الأصل عبدان، أو ~~عبد، وثوب سواء كان ذلك قبل القبض أو بعده. # وكذلك إذا اشترى عبدين بألف درهم ثم زاد المشتري في الثمن مائة درهم جازت ~~الزيادة كان الثمن في الأصل ألفا ومائة تنقسم الزيادة على قيمتهما، وكذلك ~~لو كان لعبد ثمن مسمى أو كان لكل واحد منهما ثمن مسمى وزاد المشتري في ~~الثمن مائة مطلقا انقسمت الزيادة على قدر القيمتين، وعلى هذا الخلاف ~~الزيادة في القيمتين من الوارثين بعد موت العاقدين لأن الوارث خلف المورث ~~في ملكه القائم بعد موته ألا ترى: أنه يرد بالعيب ويرد عليه كان الوارث حيا ~~قائما فزاد، وعلى هذا الخلاف الزيادة من الوكيل لأنه يتصرف بتولية مستفادة ~~من قبل الموكل. ms3191 # وأما الزيادة من الأجنبي فلا شك أن عندهما: لا تجوز وأما عندنا: فإن زاد ~~بأمر العاقد جاز لأنه وكيله في الزيادة، وإن زاد بغير أمره وقفت الزيادة ~~على إجازته إن أجاز جازت، وإن رد بطلت إلا أن يضمن الزائد الزيادة فيجوز، ~~ولا يتوقف على إجازة العاقد، وإن لم يحصل للأجنبي بمقابلة الزيادة شيء. # وعلى هذا قالوا فيمن اشترى عبدا بألف درهم على أن خمسمائة سوى الألف على ~~رجل ضمنه وقبل فالعبد للمشتري، والخمسمائة على الثالث من غير أن يستحق شيئا ~~بالخمسمائة، وذكر في الجامع الصغير إذا قال الرجل بع هذه الدار من فلان ~~بألف درهم على أني ضامن لك من الثمن خمسمائة أن البيع على هذا الشرط صحيح، ~~والخمسمائة على الأجنبي ولو قال: على أني ضامن لك خمسمائة ولم يقل من الثمن ~~كان باطلا لا يلزمه شيء، وعلى هذا الخلاف الزيادة في المهر المسمى في ~~النكاح. # وأما الزيادة في المنكوحة بالمهر الأول فلا تجوز بالإجماع، وعلى هذا ~~الخلاف الزيادة في رأس مال السلم وأما الزيادة في المسلم فيه فلا تجوز ~~بالإجماع، وعلى هذا الخلاف الزيادة في الرهن وأما الزيادة في الدين فلا ~~تجوز عند أبي حنيفة ومحمد استحسانا، وعند أبي يوسف جائز قياسا والفرق لأبي ~~حنيفة ومحمد بين الزيادة في الرهن وبين الزيادة في الدين نذكره في (كتاب ~~الرهن) . # وعلى هذا الخلاف حط بعض الثمن أنه جائز عندنا، ويلتحق بأصل العقد والثمن ~~هذا القدر من الابتداء حتى إن المبيع إذا كان دارا فالشفيع يأخذها بالشفعة ~~بما بقي بعد الحط، وعندهما هو هبة مبتدأة إلا أن قيام الدين عليه أو كونه ~~قابلا لاستئناف العقد ليس بشرط لصحة الحط بلا خلاف بين أصحابنا وفي الزيادة ~~خلاف نذكره إن شاء الله تعالى (وجه) قول زفر والشافعي رحمهما الله أن الثمن ~~والمبيع من الأسماء الإضافية المتقابلة، فلا يتصور مبيع بلا ثمن، ولا ثمن ~~بلا مبيع، فالقول بجواز المبيع، والثمن مبيعا وثمنا قول بوجود المبيع ولا ~~ثمن والثمن ولا مبيع؛ لأن المبيع اسم لمال يقابل ms3192 ملك المشتري وهو الثمن ~~والثمن اسم لمال يقابل ملك البائع وهو المبيع. # فالزيادة من البائع لو صحت مبيعا لا تقابل ملك المشتري بل تقابل ملك نفسه ~~لأنه ملك جميع الثمن، ولو صحت من المشتري ثمنا لا تقابل ملك البائع بل ~~تقابل ملك نفسه؛ لأنه ملك جميع المبيع فلا تكون الزيادة مبيعا وثمنا؛ ~~لانعدام حقيقة المبيع، والثمن فيجعل منه هبة مبتدأة، ولأن كل المبيع لما ~~صار مقابلا بكل الثمن، وكل الثمن مقابل بكل المبيع فالزيادة لو صحت مبيعا، ~~وثمنا لخلت عما يقابله، فكانت فضل مال خال عن العوض في عقد المعاوضة، وهذا ~~تفسير الربا. # (ولنا) # PageV05P258 # في الزيادة في المهر قوله تعالى: {فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم ~~فيما تراضيتم به من بعد الفريضة} [النساء: 24] أي من بعد تلك الفريضة؛ لأن ~~النكرة إذا أعيدت معرفة يراد بالثاني غير الأول أمر الله سبحانه وتعالى ~~بإيتاء المهور المسماة في النكاح وأزال الجناح في الزيادة على المسمى؛ لأن ~~ما يتراضاه الزوجان بعد التسمية هو الزيادة في المهر فيدل على جواز الزيادة ~~وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال للوازن: «زن وأرجح فإنا ~~معاشر الأنبياء هكذا نزن» وهذا زيادة في الثمن، وقد ندب - عليه الصلاة ~~والسلام - إليها بالقول، والفعل وأقل أحوال المندوب إليه الجواز. # وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «المسلمون عند شروطهم» ~~فظاهره يقتضي لزوم الوفاء بكل شرط إلا ما خص بدليل؛ لأنه يقتضي أن يكون كل ~~مسلم عند شرطه. # وإنما يكون كذلك إذا لزمه الوفاء به، وإنما يلزمه إذا صحت الزيادة مبيعا، ~~وثمنا فأما إذا كانت هبة مبتدأة فلا يلزمه الوفاء؛ لأن العاقدين أوقعا ~~الزيادة مبيعا وثمنا كما لو تبايعا ابتداء، وهذا لأن الأصل أن تصرف الإنسان ~~يقع على الوجه الذي أوقعه إذا كان أهلا للتصرف، والمحل قابلا، وله ولاية ~~عليه، وقد وجد وقولهما أن الثمن اسم لمال يقابل ملك البائع، والمبيع اسم ~~لمال يقابل ملك المشتري قلنا: هذا ممنوع بل الثمن اسم لما أزال المشتري ~~ملكه، ويده عنه بمقابلة مال ms3193 أزال البائع ملكه ويده عنه، فيملك كل واحد ~~منهما المال الذي كان ملك صاحبه بعد زوال ملكه عنه شرعا على ما عرف ثم ~~نقول: ما ذكراه حد المبيع، والثمن بطريق الحقيقة، والزيادة في المبيع، ~~والثمن مبيع، وثمن من حيث الصورة، والتسمية ربح بطريق الحقيقة؛ لأن الربح ~~حقيقة ما يملك بعقد المعاوضة لا بمقابلة ما هو مال حقيقة بل من حيث الصورة، ~~والتسمية والزيادة ههنا كذلك فكانت ربحا حقيقة فكان من شرطها أن لا تكون ~~مقابلة بملك البائع إلا تسمية، وشرط الشيء كيف يمنع صحته على أنه أمكن ~~تحقيق معنى المقابلة، والزيادة لأن الموجب الأصلي في البيع هو قيمة المبيع. # وهو ماليته؛ لأن البيع معاوضة بطريق المعادلة عرفا، وحقيقة، والمقابلة ~~عند التساوي في المالية؛ ولهذا لو فسدت التسمية تجب القيمة عندنا، والثمن ~~تقدير لمالية المبيع باتفاق العاقدين، وإذا زاد في المبيع أو الثمن علم ~~أيهما أخطأ في التقدير، وغلط فيه، وما هو الموجب الأصلي قد ثبت بالبيع، ~~فإذا بينا التقدير كان ذلك بيانا للموجب الأصلي إلا أنه ابتداء إيجاب فكان ~~عوضا عن ملك العين لا عن ملك نفسه، وهذا الكلام في المهر أغلب؛ لأن الموجب ~~الأصلي فيه هو مهر المثل على ما عرفت على أنه إن كان لا يمكن تحقيق معنى ~~المقابلة مع بقاء العقد على حاله يمكن تحقيقه مع تغيير العقد من حيث الوصف ~~بأن يجعل الألف بعد الزيادة بمقابلة نصف العبد ليخلو النصف عن الثمن، فتجعل ~~الألف الزيادة بمقابلة النصف الخالي. # وهذا وإن كان تغييرا، ولكنهما قصدا تصحيح التصرف ولا صحة إلا بالتغيير، ~~ولهما ولاية التغيير ألا ترى: أن لهما ولاية الفسخ وأنه فوق التغيير لأن ~~الفسخ رفع الأصل، والوصف، والتغيير تبديل الوصف مع بقاء أصل العقد فلما ثبت ~~لهما ولاية الفسخ فولاية التغيير أولى، ولهما حاجة إلى التغيير لدفع الغبن، ~~أو لمقصود آخر فمتى اتفقا على الزيادة، وقصدا الصحة ولا صحة إلا بهذا الشرط ~~يثبت هذا الشرط مقتضى تصرفهما تصحيحا له كما في قول الرجل لغيره: أعتق عبدك ms3194 ~~عني بألف درهم. # وأما شرائط الجواز فمنها القبول من الآخر حتى لو زاد أحدهما، ولم يقبل ~~الآخر لم تصح الزيادة. # (ومنها) المجلس حتى لو افترقا قبل القبول بطلت الزيادة؛ لأن الزيادة في ~~المبيع، والثمن إيجاب البيع فيهما فلا بد من القبول في المجلس كما في أصل ~~الثمن، والمبيع وأما الحط فلا يشترط له المجلس، ولا القبول؛ لأنه تصرف في ~~الثمن بالإسقاط والإبراء عن بعضه فيصح من غير قبول إلا أنه يرتد بالرد ~~كالإبراء عن الثمن كله وأما كون الزيادة والمزيد عليه من غير أموال الربا ~~فهل هو شرط لصحة الزيادة ثمنا ومبيعا؟ وكذا كون الحط من غير أموال الربا هل ~~هو شرط لصحته حطا؟ ، وهل يؤثران في فساد العقد؟ على قول أبي حنيفة ليس بشرط ~~ويؤثران فيه، وعلى قول أبي يوسف شرط فيبطلان ولا يؤثران في العقد وعلى قول ~~محمد شرط في الزيادة لا في الحط على ما نذكر ولا يشترط قبض المبيع، والثمن ~~لصحة الزيادة فتصح الزيادة سواء كانت قبل قبض المبيع، والثمن أو بعده وكذلك ~~الحط؛ لأن دليل جواز الزيادة والحط لا يوجب الفصل. # وأما قيام المبيع وقت الزيادة فهل هو شرط لصحة الزيادة؟ ذكر في الجامع ~~الكبير أنه # PageV05P259 # شرط ولم يذكر الخلاف، وروى أبو يوسف ومحمد عن أبي حنيفة رحمهما الله في ~~غير رواية الأصول: أنه ليس بشرط عنده حتى لو هلك المبيع في يد المشتري أو ~~استهلكه أو أعتقه أو دبره أو استولدها أو كان عصيرا فتخمر أو أخرجه المشتري ~~عن ملكه جازت الزيادة عنده، وعندهما لا تجوز (وجه) قولهما: أن الزيادة تصرف ~~في العقد بالتغيير، والعقد منعدم حقيقة إلا أنه يعطى له حكم القيام لقيام ~~أثره وهو الملك ولم يبق بهلاك العين حقيقة أو حكما فلم يبق العقد حقيقة ~~وحكما فلا يحتمل التغيير بالزيادة؛ لأن الزيادة تثبت عندنا بطريق الاستناد، ~~والمستند يثبت للحال ثم يستند فلا بد وأن يجعل شيئا من المبيع بمقابلة ~~الزيادة للحال، ولا يتصور ذلك بعد هلاك المبيع فلا يحتمل الاستناد؛ ولأن ms3195 ~~الزيادة لا بد وأن يكون لها حصة ولا يتحقق ذلك بعد الهلاك، ولأبي حنيفة ما ~~ذكرنا أن الزيادة في الثمن والمبيع لا تستدعي المقابلة؛ لأنها ربح في ~~الحقيقة، وإن كانت مبيعا وثمنا صورة وتسمية. # ومن شأن الربح أن لا يقابله شيء فلا يكون قيام المبيع شرطا لصحتها، ~~وقوله: العقد منعدم عند الزيادة قلنا: الزيادة عندنا تجعل كالموجود عند ~~العقد، والعقد عند وجوده يحتمل التغيير إن كانت الزيادة تغييرا، على أنا لا ~~نسلم أن قيام المبيع شرط لبقاء البيع، فإن البيع بعد هلاك المبيع يحتمل ~~الانتفاض في الجملة بالرد بالعيب، فإن المشتري إذا اطلع على عيب كان به قبل ~~الهلاك يرجع عليه بالنقصان، والرجوع بالنقصان فسخ للبيع في قدر الفائت ~~بالعيب بعد هلاكه وهلاك جميع المعقود عليه، دل أن العقد يجوز أن يبقى بعد ~~هلاك المعقود عليه في الجملة إذا كان في بقائه فائدة، وههنا في بقائه ~~فائدة، فيبقى في حقه كما في حق الرجوع بنقصان العيب. # وعلى هذا الخلاف الزيادة في مهر المرأة بعد موتها إنها جائزة عندنا، ~~وعنده لا تجوز، ولو اشترى عبدا بجارية وتقابضا ثم مات أحدهما ثم زاد أحدهما ~~صاحبه جازت الزيادة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، أما عند أبي حنيفة - رحمه ~~الله -: فظاهر؛ لأن هلاك المبيع عنده لا يمنع الزيادة. # وأما عند أبي يوسف: فلأنهما تبايعا عينا بعين، والعقد عنده إذا وقع على ~~عين بعين فهلاك أحد العينين لا يمنع صحة الإقالة فلا يمنع صحة الزيادة ولو ~~كان المبيع قائما لكن قطع رجل يده عند المشتري فأخذ أرشها ثم زاد المشتري ~~في الثمن شيئا جازت الزيادة. # (أما) عند أبي حنيفة: فظاهر؛ لأن هلاك جميع المعقود عليه لا يمنع ~~الزيادة، فهلاك البعض أولى (وأما) عندهما: فلأن المعقود عليه قائم فكان ~~العقد قائما فكان محتملا للتغيير بالزيادة، ولو رهن المبيع أو آجره ثم زاد ~~المشتري في الثمن جازت الزيادة بلا خلاف بين أصحابنا على اختلاف الأصلين ~~على ما ذكرنا، وقال محمد: لو اشترى جارية وقبضها فماتت في يده ms3196 وزاد البائع ~~المشتري جارية أخرى فالزيادة جائزة؛ لأن زيادة المبيع تثبت بمقابلة الثمن ~~والثمن قائم، ولو زاد المشتري البائع لم يجز؛ لأن زيادة الثمن تثبت مقابلة ~~بالمبيع وأنه هالك، وهذا على قياس قولهما " إن قيام المبيع شرط لجواز ~~الزيادة " فهلاكه يكون مانعا، أما على أصل أبي حنيفة: فالزيادة في الحالين ~~جائزة؛ لأن قيام المبيع عنده ليس بشرط لصحة الزيادة فلا يكون هلاكه مانعا ~~والله عز وجل أعلم. # (وأما) قيام المعقود عليه: فليس بشرط لصحة الحط بالإجماع (أما) عند أبي ~~حنيفة: فظاهر؛ لأنه ليس بشرط لصحة الزيادة، فالحط أولى (وأما) عندهما: ~~فلأنه ليس من شرط صحة الحط أن يلتحق بأصل العقد لا محالة، ألا ترى أنه يصح ~~الحط عن جميع الثمن فلا يلتحق، إذ لو التحق لعري العقد عن الثمن فلم يلتحق ~~واعتبر حطا للحال ولأن الحط ليس تصرف مقابلة ليشترط له قيام المحل القابل ~~بل هو تصرف في الثمن بإسقاط شطره، فلا يراعى له قيام المعقود عليه بخلاف ~~الزيادة، فلذلك اختلفا، ثم الزيادة مع الحط يختلفان في حكم آخر وهو أن ~~الزيادة تنقسم على قدر قيمة المبيع، والحط لا ينقسم كما لو اشترى عبدين من ~~رجل بألف درهم وزاده المشتري مائة درهم فإن الزيادة تنقسم على قدر قيمتهما ~~سواء اشترى ولم يسم لكل واحد منهما ثمنا أو سمى. # وإن حط البائع عن المشتري مائة درهم كان الحط نصفين وإنما كان كذلك؛ لأن ~~الثمن يقابل المبيع فإذا زاد في ثمن المبيعين مطلقا فلا بد وأن تقابلهما ~~الزيادة كأصل الثمن، والمقابلة في غير أموال الربا تقتضي الانفساخ من حيث ~~القيمة حكما للمعاوضة والمزاحمة كمقابلة أصل الثمن على ما بينا فيما تقدم ~~بخلاف الحط فإنه لا تعلق له بالمبيع؛ لأنه تصرف في المبيع خاصة بإسقاط ~~بعضه، فإذا حط من ثمنهما مطلقا فقد سوى بينهما في الحط فكان الحط بينهما ~~نصفين، وإن كان # PageV05P260 # ثمن أحدهما أكثر ولا يلتفت إلى زيادة قدر الثمن؛ لأن الحط غير مقابل ~~بالثمن حتى تعتبر قيمة القدر والله عز وجل ms3197 أعلم. # (وأما) كيفية الجواز: فالزيادة في المبيع والثمن عندنا تلتحق بأصل العقد، ~~كأن العقد من الابتداء ورد على الأصل والزيادة جميعا إذا لم يتضمن الالتحاق ~~فساد أصل العقد بلا خلاف بين أصحابنا، وكذلك الحط، فأما إذا تضمن ذلك بأن ~~كانت الزيادة في الأموال الربوية فهل يلتحق به ويفسده أم لا يلتحق به وكذلك ~~الحط؟ اختلف أصحابنا في ذلك قال أبو حنيفة: - رضي الله عنه - الزيادة والحط ~~يلتحقان بأصل العقد ويفسدانه وقال أبو يوسف: يبطلانه ولا يلتحقان بأصل، ~~وأصل العقد صحيح على حاله وقال محمد: الزيادة باطلة والعقد على حاله، والحط ~~جائز هبة مبتدأة وهذا بناء على أصل ذكرناه فيما تقدم أن الشرط الفاسد ~~المتأخر عن العقد الصحيح إذا ألحق به هل يلتحق به ويؤثر في فساده أم لا؟ ~~وهو على الاختلاف الذي ذكرنا أن الزيادة بمنزلة شرط فاسد متأخر عن العقد ~~الصحيح ألحق به، فأبو يوسف يقول: لا تصح الزيادة والحط في أموال الربا؛ لأن ~~ذلك لو صح لالتحق بأصل العقد. # ولو التحق بأصل العقد لأوجب فساد أصل العقد لتحقق الربا فلم يصح فبقي أصل ~~العقد صحيحا كما كان، ومحمد يقول: لا تصح الزيادة لما قاله أبو يوسف فلم ~~تؤثر في أصل العقد فبقي على حاله ويصح الحط؛ لأن الالتحاق من لوازم ~~الزيادة، فأما ما ليس من لوازم الزيادة فلا يصح الحط على ما ذكرنا فيما ~~تقدم وأبو حنيفة يقول: الزيادة والحط صحيحان زيادة وحطا؛ لأن العاقدين ~~أوقعاهما زيادة وحطا ولهما ولاية ذلك فيقعان زيادة وحطا، ومن شأن الزيادة ~~والحط الالتحاق بأصل العقد فيلتحقان به، فكانت الزيادة والحط ههنا إبطالا ~~للعقد السابق ولهما ولاية الإبطال بالفسخ وكذا بالزيادة والحط والله عز وجل ~~أعلم. # (وأما) البيع الذي فيه خيار فلا يمكن معرفة حكمه إلا بعد معرفة. # أنواع الخيارات فنقول وبالله التوفيق: الخيارات نوعان: نوع يثبت شرطا، ~~ونوع يثبت شرعا لا شرطا، والشرط لا يخلو إما أن يثبت نصا، وإما أن يثبت ~~دلالة. # (أما) الخيار الثابت بالشرط فنوعان: أحدهما يسمى خيار التعيين، ms3198 والثاني ~~خيار الشرط. # (أما) خيار التعيين: فالكلام فيه في جواز البيع الذي فيه خيار التعيين، ~~قد ذكرناه في موضعه، وإنما الحاجة ههنا إلى. # بيان حكم هذا البيع، وإلى بيان صفة الحكم، وإلى بيان ما يبطل به الخيار ~~بعد ثبوته ويلزم (أما) الأول: فحكمه ثبوت الملك للمشتري في أحد المذكورين ~~غير عين وخيار التعيين إليه، عرف ذلك بنص كلامهما حيث قال البائع: بعت منك ~~أحد هذين الثوبين أو هذين العبدين أو الدابتين أو غيرهما من الأشياء ~~المتفاوتة على أن تأخذ أيهما شئت وقبل المشتري، وهذا يوجب ثبوت الملك ~~للمشتري في أحدهما وثبوت خيار التعيين له، والآخر يكون ملك البائع أمانة في ~~يده إذا قبضه؛ لأنه قبضه بإذن المالك لا على وجه التمليك ولا على وجه ~~الثبوت فكان أمانة، وليس للمشتري أن يأخذهما جميعا؛ لأن المبيع أحدهما، ولو ~~هلك أحدهما قبل القبض لا يبطل البيع؛ لأنه يحتمل أن يكون الهالك هو المبيع ~~فيبطل البيع بهلاكه، ويحتمل أن يكون غيره فلا يبطل، والبيع قد صح بيقين ~~ووقع الشك في بطلانه فلا يبطل بالشك، ولكن المشتري بالخيار إن شاء أخذ ~~الباقي بثمنه وإن شاء ترك؛ لأن المبيع قد تغير قبل القبض بالتعيين فيوجب ~~الخيار. # وكذلك لو كان اشترى أحد الأثواب الثلاثة فهلك واحد منها وبقي اثنان لا ~~يبطل البيع لما قلنا، وللمشتري أن يأخذ أيهما شاء؛ لأن المالك إذا لم يعين ~~المبيع كان المبيع أحد الباقين فكان له أن يأخذ أيهما شاء وله أن يتركهما ~~كما لو اشترى أحدهما من الابتداء، ولو هلك الكل قبل القبض بطل البيع؛ لأن ~~المبيع قد هلك بيقين فيبطل البيع والله عز وجل أعلم. # (وأما) صفة هذا الحكم: فهو أن الملك الثابت بهذا البيع قبل الاختيار ملك ~~غير لازم وللمشتري أن يردهما جميعا؛ لأن خيار التعيين يمنع لزوم العقد ~~كخيار العيب وخيار الرؤية فيمنع لزوم الملك فكان محتملا للفسخ، وهذا لأن ~~جواز هذا النوع من البيع إنما يثبت بتعامل الناس لحاجتهم إلى ذلك لما بينا ~~فيما تقدم، ولا تنعدم ms3199 حاجتهم إلا بعد اللزوم؛ لأنه عسى لا يوافقه كلاهما ~~جميعا فيحتاج إلى ردهما. # (وأما) بيان ما يبطل به الخيار ويلزم البيع فنقول وبالله التوفيق: ما ~~يبطل به الخيار ويلزم البيع في الأصل نوعان: اختياري وضروري والاختياري ~~نوعان: أحدهما صريح الاختيار وما يجري مجرى الصريح، والثاني: الاختيار من ~~طريق الدلالة (أما) الصريح: فهو أن يقول # PageV05P261 # اخترت هذا الثوب أو شئته أو رضيت به أو اخترته وما يجري هذا المجرى؛ لأنه ~~لما اختار أحدهما فقد عين ملكه فيه فيسقط خيار التعيين ولزم البيع. # (وأما) الاختيار من طريق الدلالة: فهو أن يوجد منه فعل في أحدهما يدل على ~~تعيين الملك فيه، وهو كل تصرف هو دليل اختيار الملك في الشراء بشرط الخيار ~~وسنذكر ذلك في البيع بشرط الخيار إن شاء الله تعالى ولو تصرف البائع في ~~أحدهما فتصرفه موقوف إن تعين ما تصرف فيه للبيع لم ينفذ تصرفه؛ لأنه تبين ~~أنه تصرف في ملك غيره، وإن تعين ما تصرف فيه للأمانة نفذ تصرفه؛ لأنه ظهر ~~أنه تصرف في ملك نفسه فينفذ. # (وأما) الضروري: فنحو أن يهلك أحدهما بعد القبض فيبطل الخيار؛ لأن الهالك ~~منهما تعين للبيع ولزمه ثمنه وتعين الآخر للأمانة؛ لأن أحدهما مبيع والآخر ~~أمانة، والأمانة منهما مستحق الرد على البائع وقد خرج الهالك عن احتمال ~~الرد فيه فتعين الباقي للرد فتعين الهالك للبيع ضرورة، ولو هلكا جميعا قبل ~~القبض فلا يخلو إما أن هلكا على التعاقب وإما أن هلكا معا، فإن هلكا على ~~التعاقب فالأول يهلك مبيعا، والآخر أمانة لما ذكرنا، وإن هلكا معا لزمه ثمن ~~نصف كل واحد منهما؛ لأنه ليس أحدهما بالتعيين أولى من الآخر فشاع البيع ~~فيهما جميعا، ولو هلكا على التعاقب لكنهما اختلفا في ترتيب الهلاك فإن كان ~~ثمنهما متساويا فلا فائدة في هذا الاختلاف؛ لأن أيهما هلك أولا فثمن الآخر ~~مثله فلا يفيد الاختلاف، وإن كان متفاوتا بأن كان ثمن أحدهما أكثر فادعى ~~البائع هلاك أكثرهما ثمنا وادعى المشتري هلاك أقلهما ثمنا كان أبو يوسف ~~أولا ms3200 يقول: يتحالفان وأيهما نكل لزمه دعوى صاحبه، وإن حلفا جميعا يجعل ~~كأنهما هلكا معا ويلزمه ثمن نصف كل واحد منهما. # ثم رجع وقال: القول قول المشتري مع يمينه وهو قول محمد؛ لأنهما اتفقا على ~~أصل الدين واختلفا في قدره، والأصل أن الاختلاف متى وقع بين صاحب الدين ~~وبين المديون في قدر الدين أو في جنسه أو نوعه أو صفته كان القول قول ~~المديون مع يمينه؛ لأن صاحب الدين يدعي عليه زيادة وهو ينكر فكان القول ~~قوله مع يمينه؛ لأنه صاحب الدين، وأيهما أقام البينة قبلت بينته وسقطت ~~اليمين، وإن أقاما البينة فالبينة بينة البائع؛ لأنها تظهر زيادة، ولو تعيب ~~أحدهما فإن كان قبل القبض لا يتعين المعيب للبيع؛ لأن التعيين لم يوجد لا ~~نصا ولا دلالة، ولا ضرورة إلى التعيين أيضا لإمكان الرد والمشتري على ~~خياره، وإن شاء أخذ المعيب منهما وإن شاء أخذ الآخر وإن شاء تركهما كما لو ~~لم يتعيب أصلا، فإن أخذ المعيب منهما أخذه بجميع ثمنه؛ لأنه تبين أنه هو ~~المبيع من الأصل. # وكذلك لو تعيبا جميعا فالمشتري على خياره لما قلنا، وإن كان بعد القبض ~~تعين المعيب للبيع ولزمه ثمنه وتعين الآخر للأمانة كما إذا هلك أحدهما بعد ~~القبض؛ لأن تعيب المبيع هلاك بعضه فلهذا منع الرد ولزم البيع في المبيع ~~المعين، فكذا في غير المعين يمنع الرد وتعين المبيع، ولو تعيبا جميعا فإن ~~كان على التعاقب تعين الأول للبيع ولزمه ثمنه ويرد الآخر لما قلنا، ولا ~~يغرم بحدوث العيب شيئا لما قلنا إنه أمانة، وإن تعيبا معا لا يتعين أحدهما ~~للبيع؛ لأنه ليس أحدهما بالتعيين أولى من الآخر، وللمشتري أن يأخذ أيهما ~~شاء بثمنه؛ لأنه إذا لم يتعين أحدهما للبيع بقي المشتري على خياره إلا أنه ~~ليس له أن يردهما جميعا؛ لأن البيع قد لزم في أحدهما بتعيينهما في يد ~~المشتري وبطل خيار الشرط. # وهذا يؤيد قول من يقول من المشايخ: إن هذا البيع فيه خياران خيار التعيين ~~وخيار الشرط ولا بد له من ms3201 رتبة معلومة إذ لو لم يكن لملك ردهما جميعا كما ~~لو لم يتعيب أحدهما أصلا لكنه لم يملك؛ لأن ردهما جميعا قبل التعييب ثبت ~~حكما لخيار الشرط وقد بطل خيار الشرط بعد تعينهما معا فلم يملك ردهما وبقي ~~خيار التعيين فيملك رد أحدهما، ولو ازداد عيب أحدهما أو حدث معه غيره لزمه ~~ذلك؛ لأن عدم التعيين للمزاحمة وقد بطلت بزيادة عيب أحدهما أو حدوث عيب آخر ~~معه، ولا يبطل هذا الخيار بموت المشتري بل يورث بخلاف خيار الشرط؛ لأن خيار ~~التعيين إنما يثبت للمورث لثبوت الملك له في أحدهما غير عين وقد قام الوارث ~~مقامه في ذلك الملك فله أن يختار أيهما شاء دون الآخر إلا أنه ليس له أن ~~يردهما جميعا، وقد كان للمورث ذلك، وهذا يؤيد قول أولئك المشايخ أنه لا بد ~~من خيارين في هذا البيع، وقد بطل أحدهما " وهو خيار الشرط " بالموت؛ لأنه ~~لا يورث على أصل أصحابنا فبطل الحكم المختص به " وهو ولاية ردهما جميعا " ~~هذا إذا اشترى أحدهما شراء صحيحا. # PageV05P262 # فأما) إذا اشترى أحدهما شراء فاسدا بأن قال البائع: بعت منك أحد هذين ~~العبدين بكذا ولم يذكر الخيار أصلا فإن المشتري لا يملك واحدا منهما قبل ~~القبض؛ لأن البيع الفاسد لا يفيد الملك قبل القبض، فإن قبضهما ملك أحدهما ~~ملكا فاسدا، وأيهما هلك لزمته قيمته؛ لأنه تعين للبيع، والبيع الفاسد يوجب ~~الملك بالقيمة، ولو هلكا فإن كان على التعاقب لزمته قيمة الهالك الأول؛ ~~لأنه تعين للبيع وأنه بيع فاسد فيفيد الملك بالقيمة، وإن هلكا معا لزمه نصف ~~قيمة كل واحد منهما؛ لأنه ليس أحدهما بتعيينه للبيع أولى من الآخر فشاع ~~البيع فيهما، ولو تعيب أحدهما فعليه أن يردهما جميعا، أما غير المعيب؛ ~~فلأنه أمانة. # وأما المعيب؛ فلأنه تعين للبيع والمشتري شراء فاسدا واجب الرد فيردهما ~~ويرد معهما نصف نقصان العيب؛ لأن المتعيب يحتمل أن يكون هو المبيع فيجب ~~نقصان العيب، ويحتمل أن يكون هو الأمانة فلا يجب شيء، ولا دلالة على ~~التعيين فيتنصف الواجب ms3202 ولو تعيب الآخر بعد ذلك. # وكذا الجواب في نقصان الآخر؛ لأن أحدهما أمانة والآخر مضمون بالقيمة ولو ~~تعيبا معا، فكذلك يردهما مع نصف نقصان كل واحد منهما؛ لأن أحدهما ليس بأولى ~~من الآخر في التعيين للبيع، ولو تصرف المشتري في أحدهما يجوز تصرفه فيه ~~ولزمته قيمته ولا يجوز تصرفه في الآخر بعد ذلك؛ لأن المتصرف فيه تعين للبيع ~~ولو تصرف البائع في أحدهما فتصرفه موقوف إن رد ذلك عليه نفذ تصرفه فيه؛ ~~لأنه تبين أنه تصرف في ملك نفسه، وإن لم يرد عليه وتصرف فيه المشتري نفذ ~~تصرفه فيه ولزمته قيمته وبطل تصرف البائع فيه، وكذلك إذا هلك في يد ~~المشتري، والأصل أن في كل موضع يلزم المشتري الثمن في البيع الصحيح تلزمه ~~القيمة في البيع الفاسد والله عز وجل أعلم. # هذا إذا كان الخيار للمشتري، أما إذا كان الخيار للبائع فلا يزول أحدهما ~~عن ملكه بنفس البيع، وله أن يلزم المشتري أي ثوب شاء قبضه للخيار، وليس ~~للمشتري خيار الترك؛ لأن البيع بات في جانبه، وللبائع أن يفسخ البيع؛ لأنه ~~غير لازم، وليس للبائع أن يلزمهما المشتري؛ لأن المبيع أحدهما، ولو هلك ~~أحدهما قبل القبض لا يبطل البيع ويهلك أمانة لما ذكرنا في خيار المشتري، ~~وخيار البائع على حاله إن شاء ألزم المشتري الباقي منهما؛ لأنه تعين للبيع، ~~وإن شاء فسخ البيع فيه؛ لأنه غير لازم، وليس له أن يلزمه الهالك؛ لأنه هلك ~~أمانة، وإن هلكا جميعا قبل القبض بطل البيع بهلاك المبيع قبل القبض بيقين، ~~وإن هلك أحدهما بعد القبض كان الهالك أمانة أيضا كما لو هلك قبل القبض ~~وألزمه الباقي منهما إن شاء وإن شاء فسخ البيع فيه؛ لأن خيار البائع يمنع ~~زوال السلعة عن ملكه فيهلك على ملك البائع وله الخيار لما قلنا، وإن هلكا ~~جميعا فإن كان هلاكهما على التعاقب فالأول يهلك أمانة وعليه قيمة آخرهما ~~هلاكا؛ لأنه تعين للبيع، وأنه مبيع هلك في يد المشتري وفيه خيار للبائع ~~فتجب قيمته. # وإن هلكا معا لزمه ms3203 نصف قيمة كل واحد منهما؛ لأنه ليس أحدهما بالتعيين ~~أولى من الآخر، ولو تعيب أحدهما أو تعيبا معا قبل القبض أو بعده فخيار ~~البائع على حاله؛ لأن المعيب لم يتعين للعيب لانعدام المعين فكان البائع ~~على خياره له أن يلزم المشتري أيهما شاء كما قبل التعيب، ثم إذا لزمه ~~أحدهما ينظر إن كان ذلك غير المتعيب منهما لزمه ما لزمه ولا خيار للمشتري ~~في تركه لانعدام التعيين فيه، وإن كان ما لزمه هو المتعيب فإن تعيب قبل ~~القبض فالمشتري بالخيار؛ لأن المبيع قد تغير قبل القبض، وتغير المبيع قبل ~~القبض يوجب الخيار للمشتري، وإن تعيب بعد القبض فلا خيار له؛ لأن التعيب ~~بعد القبض لا يثبت الخيار، وإن شاء البائع فسخ البيع واستردهما؛ لأن البيع ~~غير لازم فله ولاية الفسخ، ثم ينظر إن كان تعيبهما في يد البائع فلا شيء ~~له؛ لأنهما تعيبا لا في ضمان المشتري. # وإن كان تعيبهما في يد المشتري فللبائع أن يأخذ من المشتري نصف نقصان كل ~~واحد منهما؛ لأن أحدهما مضمون عنده بالقيمة والآخر عنده أمانة ولا يعلم ~~أحدهما من الآخر، ولا يجوز للمشتري أن يتصرف فيهما أو في أحدهما؛ لأن ~~أحدهما ليس بمبيع بيقين والآخر مبيع لكن لبائعه فيه خيار، وخيار البائع ~~يمنع زوال المبيع عن ملكه، ولو تصرف البائع في أحدهما جاز تصرفه فيه ويتعين ~~الآخر للبيع، وله خيار الإلزام فيه والفسخ ولو تصرف فيهما جميعا جاز تصرفه ~~فيهما ويكون فسخا للبيع؛ لأن تصرفه فيهما دليل إقرار الملك فيهما فيضمن فسخ ~~البيع كما في المبيع المعين والله عز وجل أعلم. ### | [خيار الشرط] # (وأما) خيار الشرط: فالكلام في جواز البيع بشرط الخيار # PageV05P263 # وشرائه قد مر في موضعه وإنما الحاجة ههنا إلى بيان صفة هذا البيع وإلى ~~بيان حكمه وإلى بيان ما يسقط به الخيار ويلزم البيع وإلى بيان ما ينفسخ به ~~البيع. # (أما) صفته: فهي أنه بيع غير لازم؛ لأن الخيار يمنع لزوم الصفقة قال ~~سيدنا عمر: - رضي الله عنه - البيع صفقة أو خيار؛ ms3204 ولأن الخيار هو التخيير ~~بين البيع والإجازة وهذا يمنع اللزوم كخيار العيب وخيار الرؤية، ثم الخيار ~~كما يمنع لزوم الصفقة فعدم القبض يمنع تمام الصفقة؛ لأن الثابت بنفس البيع ~~ملك غير متأكد وإنما التأكد بالقبض،. # وعلى هذا يخرج ما إذا كان المبيع شيئا واحدا أو أشياء أنه ليس لمن له ~~الخيار أن يجيز البيع في البعض دون البعض من غير رضا الآخر سواء كان الخيار ~~للبائع أو للمشتري وسواء كان البيع مقبوضا أو غير مقبوض؛ لأن الإجازة في ~~البعض دون البعض تفريق الصفقة في اللزوم، وكما لا يجوز تفريق أصل الصفقة " ~~وهو الإيجاب والقبول " إلا برضا العاقدين بأن يقبل البيع في بعض المبيع دون ~~البعض بعد إضافة الإيجاب والقبول إلى الجملة ويوجب البيع بعد إضافة القبول ~~إلى جملته لا يجوز في وصفها وهو أن يلزم البيع في البعض دون البعض إلا ~~برضاهما. # ولو هلك أحد العبدين في يد البائع والخيار له لم يكن له أن يجيز البيع في ~~الباقي إلا برضا المشتري؛ لأن البيع انفسخ في قدر الهالك فالإجازة في ~~الباقي تكون تفريق الصفقة على المشتري فلا يجوز من غير رضاه ولو هلك أحدهما ~~في يد المشتري فللبائع أن يجيز البيع في الباقي في قياس قول أبي حنيفة وأبي ~~يوسف رحمهما الله، وقال محمد - رحمه الله -: ينتقض البيع وليس له أن يجيز ~~البيع في الباقي وإن كان المبيع مما له مثل من المكيل والموزون والعددي ~~المتقارب فهلك بعضه فللبائع أن يجيز البيع في الباقي بلا خلاف. # (وجه) قول محمد أن الإجازة ههنا بمنزلة إنشاء التمليك؛ لأن خيار البائع ~~يمنع خروج المبيع عن ملكه فكان للإجازة حكم الإنشاء، والهالك منهما خرج عن ~~احتمال الإنشاء، والإنشاء في الباقي تمليك بحصته من الثمن وهي مجهولة فيما ~~لا مثل له فلم يحتمل الإنشاء وفيما له مثل معلومة فاحتمل الإنشاء (وجه) ~~قولهما أن هذه الإجازة تظهر أن العقد من حين وجوده انعقد في حق الحكم فلم ~~يكن الهلاك مانعا من الإجازة، وقوله " الإجازة ههنا إنشاء ms3205 " قلنا ممنوع، ~~فإن العقد ينعقد في حق الحكم بدون الإجازة من انقضاء المدة وبموت من له ~~الخيار، ولو كانت الإجازة إنشاء لتوقف حكم العقد على وجودها وهذا بخلاف بيع ~~الفضولي إذا هلك المبيع قبل الإجازة ثم أجازه المالك لم يجز، وههنا جاز ~~فهلاك المبيع في بيع الفضولي يمنع من الإجازة وههنا لا يمنع. # (ووجه) الفرق أن بيع الفضولي يثبت بطريق الاستناد والمستند ظاهر من وجه ~~مقتصر من وجه، فكانت الإجازة إظهارا من وجه إنشاء من وجه، فمن حيث إنها ~~إظهار كان لا يقف صحته على قيام المحل، ومن حيث إنها إنشاء يقف عليه (فأما) ~~في البيع بشرط الخيار: فالحكم يثبت عند الإجازة بطريق الظهور المحض فكانت ~~الإجازة لإظهار أن العقد من وقت وجوده انعقد في حق الحكم والمحل كان قابلا ~~وقت العقد، فهلاكه بعد ذلك لا يمنع من الإجازة والله عز وجل أعلم. # وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة في رجلين اشتريا شيئا على أنهما بالخيار فيه ~~ثلاثة أيام فاختار أنه يلزم البيع حتى لا يملك الآخر الفسخ احترازا عن ~~تفريق الصفقة في اللزوم وسنذكر المسألة في خيار العيب إن شاء الله تعالى. # (وأما) حكم هذا البيع: فقد اختلف العلماء فيه، قال أصحابنا: لا حكم له ~~للحال، والخيار يمنع انعقاد العقد في الحكم للحال لمن له الخيار بل هو ~~للحال موقوف على معنى أنه لا يعرف حكمه للحال، وإنما يعرف عند سقوط الخيار؛ ~~لأنه لا يدري أنه يتصل به الفسخ أو الإجازة فيتوقف في الجواب للحال، وهذا ~~تفسير التوقف عندنا وقال الشافعي - رحمه الله - في قول مثل قولنا وفي قول " ~~هو منعقد مفيد للتملك لكن ملكا مسلطا على فسخه بالخيار (وجه) قوله أن البيع ~~بشرط الخيار لا يفارق البيع البات إلا في الخيار، والخيار لا يمنع ثبوت ~~الملك كخيار العيب بالإجماع وخيار الرؤية على أصلكم. # (ولنا) أن جواز هذا البيع مع أنه معدول به عن القياس للحاجة إلى دفع ~~الغبن ولا اندفاع لهذه الحاجة إلا بامتناع ثبوت الملك للحال؛ لأن ms3206 من الجائز ~~أن يكون المشترى قريب المشتري فلو ملكه للحال لعتق عليه للحال فلا تندفع ~~حاجته. # ثم الخيار لا يخلو إما إن كان للبائع والمشتري جميعا وإما إن كان للبائع ~~وحده وإما إن كان للمشتري وحده وإما إن كان لغيرهما بأن شرط أحدهما الخيار ~~لثالث فإن كان الخيار لهما فلا ينعقد العقد في حق الحكم في البدلين جميعا ~~فلا يزول المبيع عن # PageV05P264 # ملك البائع، ولا يدخل في ملك المشتري، وكذا لا يزول الثمن عن ملك ~~المشتري، ولا يدخل في ملك البائع؛ لأن المانع من الانعقاد في حق حكم موجود ~~في الجانبين جميعا، وهو الخيار، وإن كان للبائع وحده فلا ينعقد في حق الحكم ~~في حقه حتى لا يزول المبيع عن ملكه، ولا يجوز للمشتري أن يتصرف فيه، ويخرج ~~الثمن عن ملك المشتري؛ لأن البيع بات في حقه، وهل يدخل في ملك البائع؟ عند ~~أبي حنيفة لا يدخل وعند أبي يوسف، ومحمد: يدخل، وإن كان للمشتري وحده لا ~~ينعقد في حق الحكم في حقه حتى لا يزول الثمن عن ملكه. # ولا يجوز للبائع أن يتصرف فيه إذا كان عينا، ولا يستحقه على المشتري إذا ~~كان دينا، ويخرج المبيع عن ملك البائع حتى لا يجوز له التصرف فيه؛ لأن ~~البيع بات في حقه، وهل يدخل في ملك المشتري عند أبي حنيفة؟ لا يدخل، ~~وعندهما يدخل، وجه قولهما أن ثبوت الحكم عند وجود المستدعي هو الأصل، ~~والامتناع بعارض، والمانع ههنا هو الخيار وأنه وجد في أحد الجانبين لا غير، ~~فيعمل في المنع فيه لا في الجانب الآخر ألا ترى كيف خرج المبيع عن ملك ~~البائع إذا كان الخيار للمشتري، والثمن عن ملك المشتري إذا كان الخيار ~~للبائع؟ ، فدل أن البيع بات في حق من لا خيار له، فيعمل في بتات هذا الحكم ~~الذي وضع له. # (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - إن الخيار إذا كان للبائع، فالمبيع لم ~~يخرج عن ملكه، وإذا كان للمشتري، فالثمن لم يخرج عن ملكه، وهذا يمنع دخول ~~الثمن ms3207 في ملك البائع في الأول ودخول المبيع في ملك المشتري في الثاني؛ ~~لوجهين: أحدهما: أنه جمع بين البدل والمبدل في عقد المبادلة، وهذا لا يجوز، ~~والثاني: إن في هذا ترك التسوية بين العاقدين في حكم المعاوضة، وهذا لا ~~يجوز؛ لأنهما لا يرضيان بالتفاوت، وقولهما: البيع بات في حق من لا خيار له ~~قلنا هذا يوجب البتات في حق الزوال لا في حق الثبوت؛ لأن الخيار من أحد ~~الجانبين له أثر في المنع من الزوال، وامتناع الزوال من أحد الجانبين يمنع ~~الثبوت من الجانب الآخر إن كان لا يمنع الزوال لما ذكرنا من الوجهين. # ويتفرع على هذا الأصل بين أبي حنيفة، وصاحبيه مسائل: (منها) إذا اشترى ذا ~~رحم محرم منه على أنه بالخيار ثلاثة أيام لا يعتق عليه عند أبي حنيفة - ~~رحمه الله - لأنه لم يدخل في ملكه عنده، ولا عتق بدون الملك، وهو على خياره ~~إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أجازه، فإن فسخ لا يعتق؛ لأن العبد عاد إلى ملك ~~البائع، وإن أجازه عتق؛ لأنه سقط الخيار، ولزم العقد، فيلزمه الثمن، ~~وعندهما يعتق عليه بنفس الشراء، ويلزمه الثمن، ويبطل خياره؛ لأنه دخل في ~~ملكه. # ولو قال لعبد الغير إن اشتريتك، فأنت حر، فاشتراه على أنه بالخيار ثلاثة ~~أيام عتق عليه بالإجماع (أما) عندهما، فظاهر؛ لأنه ملكه بنفس الشراء، فوجد ~~شرط الحنث، فعتق (وأما) عند أبي حنيفة، فلأن المعلق بالشرط كالمنجز عند ~~وجود الشرط، ولو نجز عتقه بعد شرائه بشرط الخيار عتق، وسقط خياره؛ لكون ~~الإعتاق إجازة، واختيارا للملك على ما نذكر كذا هذا، والله عز وجل أعلم. # (ومنها) إذا اشترى جارية قد ولدت منه بالنكاح على أنه بالخيار ثلاثة أيام ~~لا تصير أم ولد له عند أبي حنيفة؛ لأنها لم تدخل في ملكه، وهو على خياره إن ~~شاء فسخ البيع، وعادت إلى ملك البائع، وإن شاء أجازه، وصارت أم ولد له، ~~ولزمه الثمن، وعندهما صارت أم ولده بنفس الشراء؛ لأنها دخلت في ملكه، فبطل ~~خياره، ولزمه الثمن. # (ومنها) إذا ms3208 اشترى زوجته بشرط الخيار ثلاثة أيام لا يفسد النكاح عند أبي ~~حنيفة؛ لأنها لم تدخل في ملكه عنده، وعندهما فسد؛ لدخولها في ملكه، وملك ~~أحد الزوجين رقبة صاحبه أو شقصا منها يرفع النكاح، فإن وطئها في مدة ~~الخيار، فإن كانت بكرا كان إجازة بالإجماع (أما) عند أبي حنيفة، فلأجل ~~النقصان بإزالة البكارة، وهي العذرة لا لأجل الوطء؛ لأن ملك النكاح قائم، ~~فكان حل الوطء قائما، فلا حاجة إلى ملك اليمين (وأما) عندهما، فلأجل ~~النقصان والوطء جميعا، فإن كانت ثيبا لا يبطل خياره عند أبي حنيفة؛ لأن ~~بطلان الخيار لضرورة حل الوطء، ولا ضرورة؛ لأن ملك النكاح قائم، فكان حل ~~الوطء ثابتا، فلا ضرورة إلى ملك اليمين بحل الوطء، فلم يبطل الخيار. # وأما عندهما يبطل خياره لضرورة حل الوطء بملك اليمين لارتفاع النكاح بنفس ~~الشراء بخلاف ما إذا لم تكن الجارية زوجة له ووطئها أنه يكون إجازة سواء ~~كانت بكرا أو ثيبا؛ لأن حل الوطء هناك لا يثبت إلا بملك اليمين لانعدام ~~النكاح، فكان إقدامه على الوطء اختيارا للملك، فيبطل الخيار. # (ومنها) إذا اشترى جارية على أنه بالخيار ثلاثة أيام، وقبضها فحاضت عنده ~~في مدة الخيار حيضة # PageV05P265 # كاملة أو بعض حيضة في مدة الخيار، فاختار البيع لا تجزئ تلك الحيضة في ~~الاستبراء عند أبي حنيفة، وعليه أن يستبرئها بحيضة أخرى لأنها لم تدخل في ~~ملكه عنده، ولم يوجد سبب وجوب الاستبراء، وعندهما يحتسب بها لأنها دخلت في ~~ملكه، فكانت الحيضة بعد وجود سبب وجوب الاستبراء، فكانت محسوبة منه، ولو ~~اختار فسخ البيع، ورد الجارية، فلا استبراء على البائع عند أبي حنيفة سواء ~~كان الرد قبل القبض أو بعده، وعندهما قبل القبض القياس أن يجب، وفي ~~الاستحسان لا يجب، وبعد القبض يجب قياسا، واستحسانا على ما ذكرنا في مسائل ~~الاستبراء، وإن كان الخيار للبائع، ففسخ العقد لا يجب عليه الاستبراء؛ ~~لأنها لم تخرج عن ملكه، وإن أجازه فعلى المشتري أن يستبرئها بعد الإجازة ~~والقبض بحيضة أخرى بالإجماع؛ لأنه ملكها بعد الإجازة، وبعد ms3209 القبض ملكا ~~مطلقا. # (ومنها) إذا اشترى شيئا بعينه على أنه بالخيار ثلاثة أيام، فقبضه بإذن ~~البائع، ثم أودعه البائع في مدة الخيار، فهلك في مدة الخيار أو بعدها يهلك ~~على البائع، ويبطل البيع عند أبي حنيفة؛ لأنه لم يدخل في ملك المشتري، ولما ~~دخل رده على البائع، فقد ارتفع قبضه، فهلك المبيع قبل القبض، وعندهما يهلك ~~على المشتري، ويلزمه الثمن؛ لأنه دخل في ملكه أعني المشتري، فقد أودع ملك ~~نفسه، ويد المودع يده، فهلاكه في يده كهلاكه في يد نفسه، ولو كان الخيار ~~للبائع، فسلمه إلى المشتري، ثم إن المشتري أودعه البائع في مدة الخيار، ~~فهلك في يد البائع قبل جواز البيع أو بعده بطل البيع بالإجماع. # ، ولو كان البيع باتا، فقبضه المشتري بإذن البائع أو بغير إذنه، والثمن ~~منقود أو مؤجل، وله خيار رؤية أو عيب، فأودعه البائع، فهلك عند البائع يهلك ~~على المشتري، ويلزمه الثمن بالإجماع؛ لأن خيار الرؤية والعيب لا يمنع ~~انعقاد العقد في حق الحكم، فكان مودعا ملك نفسه، والله عز وجل أعلم. # (ومنها) إذا اشترى ذمي من ذمي خمرا أو خنزيرا على أنه بالخيار ثلاثة ~~أيام، وقبضه، ثم أسلم المشتري بطل العقد عند أبي حنيفة؛ لأنه لم يدخل في ~~ملك المشتري، والمسلم ممنوع عن تملك الخمر بالبيع، وعندهما يلزم العقد، ولا ~~يبطل؛ لأنه دخل في ملك المشتري، والإسلام يمنع من إخراجه عن ملكه، ولو أسلم ~~البائع لا يبطل البيع بالإجماع؛ لأن البيع بات في جانبه، والإسلام في البيع ~~البات لا يوجب بطلانه إذا كان بعد القبض، والمشتري على خياره، فإن أجاز ~~البيع؛ جاز، ويلزمه الثمن، وإن فسخه انفسخ، وصار الخمر للبائع حكما، ~~والمسلم من أهل أن يتملك الخمر حكما ألا ترى أنه يتملكها بالميراث؟ ، ولو ~~كان الخيار للبائع، فأسلم البائع بطل الخيار؛ لأن خيار البائع يمنع خروج ~~السلعة عن ملكه، والإسلام يمنع إخراج الخمر عن ملكه بالعقد، فبطل العقد، ~~ولو أسلم المشتري لا يبطل البيع؛ لأن البيع بات في جانبه. # والبائع على خياره، فإن فسخ ms3210 البيع عادت الخمر إليه، وإن أجازه صار الخمر ~~للمشتري حكما، والمسلم من أهل أن يتملكها حكما، كما في الإرث، ولو كان ~~البيع باتا، فأسلما أو أسلم أحدهما لا يبطل البيع؛ لأن الإسلام متى ورد ~~والحرام مقبوض يلاقيه بالعفو؛ لأنه لم يثبت بعد الإسلام ملك مبتدأ؛ لثبوتها ~~بالعقد والقبض على الكمال، وإنما يوجد بعد الإسلام دوام الملك، والإسلام لا ~~ينافيه، فإن المسلم إذا تخمر عصيره، فلا يؤمر بإبطال حقه فيها هذا كله إذا ~~أسلما أو أسلم أحدهما بعد القبض، فأما إذا كان قبل القبض بطل البيع كيفما ~~كان سواء كان البيع باتا أو بشرط الخيار لهما أو لأحدهما؛ لأن الإسلام متى ~~ورد والحرام غير مقبوض يمنع من قبضه بحكم العقد لما في القبض من معنى إنشاء ~~العقد من وجه، فيلحق به في باب الحرمات احتياطا على ما ذكرنا فيما تقدم، ~~وقد تظهر فوائد هذا الأصل في فروع أخر يطول ذكرها. # ، وإن كان المبيع دارا، فإن كان الخيار للبائع لا يثبت للشفيع فيها حق ~~الشفعة؛ لأن المبيع لم يخرج عن ملك البائع، وإن كان للمشتري يثبت للشفيع حق ~~الشفعة بالإجماع (أما) على أصلهما، فظاهر؛ لأن المبيع في ملك المشتري ~~(وأما) على أصل أبي حنيفة فالمبيع وإن لم يدخل في ملك المشتري لكنه قد زال ~~عن ملك البائع بالإجماع، وحق الشفعة يعتمد زوال ملك البائع لا ثبوت ملك ~~المشتري، والله عز وجل أعلم. # ولو تبايعا عبدا بجارية، والخيار للبائع، فأعتق البائع العبد نفذ إعتاقه، ~~وانفسخ البيع؛ لأن خيار البائع يمنع زوال العبد عن ملكه، فقد أعتق ملك نفسه ~~فنفذ، وإن أعتق الجارية نفذ أيضا، ولزم البيع (أما) على أصلهما، فظاهر؛ ~~لأنه ملكها، فأعتق ملك نفسه (وأما) على أصل أبي حنيفة، وإن لم يملكها ~~بالعقد لكن الإقدام على الإعتاق دليل عقد الملك إذ لا وجود للعتق إلا ~~بالملك، ولا # PageV05P266 # ملك إلا بسقوط الخيار، فتضمن إقدامه على الإعتاق إسقاط الخيار، ولو ~~أعتقهما معا؛ نفذ إعتاقهما جميعا، وبطل البيع، وعليه قيمة الجارية، وعندهما ~~نفذ إعتاقهما، ولا ms3211 شيء عليه أما نفوذ إعتاقهما (أما) العبد، فلا شك فيه؛ ~~لأنه لم يخرج عن ملك البائع بلا خلاف (وأما) الجارية، فكذلك على أصلهما؛ ~~لأنها دخلت في ملكه، وعند أبي حنيفة وإن لم تدخل في ملكه بنفس العقد، فقد ~~دخلت بمقتضى الإقدام على إعتاقهما على ما بينا، فإعتاقهما صادف محلا مملوكا ~~للمعتق، فنفذ. # (وأما) لزوم قيمة الجارية عند أبي حنيفة، فلأن العبد بدل الجارية، وقد ~~هلك قبل التسليم بالإعتاق، وهلاك المبيع قبل التسليم يوجب بطلان البيع، ~~وإذا بطل البيع، وجب رد الجارية، وقد عجز عن ردها بسبب العتق، فيغرم ~~قيمتها، ولو أعتق المشتري العبد أو الجارية لم ينفذ إعتاقه (أما) العبد؛ ~~فلأنه لم يدخل في ملكه (وأما) الجارية؛ فلأنها خرجت عن ملكه، والله عز وجل ~~أعلم. # (وأما) بيان ما يسقط به الخيار، ويلزم البيع، فنقول وبالله التوفيق أما ~~خيار البائع، فما يسقط به خياره، ويلزم البيع نوعان في الأصل: أحدهما: ~~اختياري، والآخر ضروري أما الاختياري، فالإجازة؛ لأن الأصل هو لزوم البيع، ~~والامتناع بعارض الخيار، وقد بطل بالإجازة، فيلزم البيع، والإجازة نوعان: ~~صريح، وما هو في معنى الصريح، ودلالة (أما) الأول، فنحو أن يقول البائع: ~~أجزت البيع أو أوجبته أو أسقطت الخيار أو أبطلته، وما يجري هذا المجرى سواء ~~علم المشتري الإجازة، أو لم يعلم (وأما) الإجازة بطريق الدلالة فهي: أن ~~يوجد منه تصرف في الثمن يدل على الإجازة وإيجاب البيع، فالإقدام عليه يكون ~~إجازة للبيع دلالة، والأصل فيه ما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال لبريرة حين عتقت ملكت بضعك، فاختاري، وإن وطئك زوجك، فلا خيار لك» ، ~~فقد جعل النبي - عليه الصلاة والسلام - تمكينها من الوطء دليل بطلان ~~الخيار، فصار ذلك أصلا؛ لأن الخيار، كما يسقط بصريح الإسقاط يسقط بالإسقاط ~~من طريق الدلالة، وعلى هذا يخرج ما إذا كان الثمن عينا، فتصرف البائع فيه ~~تصرف الملاك بأن باعه أو ساومه أو أعتقه أو دبره أو كاتبه أو آجره أو رهنه، ~~ونحو ذلك لأن ذلك يكون إجازة للبيع. # (أما) ms3212 على أصلهما، فلأن الثمن دخل في ملك البائع، فكان التصرف فيه دليل ~~تقرر ملكه، وأنه دليل إجازة البيع (وأما) على أصل أبي حنيفة، فالإقدام على ~~التصرف يكون دليل اختيار الملك فيه، وذا دليل الإجازة. # وكذا لو كان الثمن دينا، فأبرأ البائع المشتري من الثمن أو اشترى به شيئا ~~منه أو وهبه من المشتري، فهو إجازة للبيع لما قلنا، ويصح شراؤه وهبته؛ لأن ~~هبة الدين والشراء به ممن عليه الدين، وأنه جائز، وكذا لو ساومه البائع ~~بالثمن الذي في ذمته شيئا؛ لأنه قصد تملك ذلك الشيء، ولا يمكنه التملك إلا ~~بثبوت ملكه في الثمن أو تقرره فيه، ولو اشترى بالثمن شيئا من غيره لم يصح ~~الشراء، وكان إجازة (أما) عدم صحة الشراء؛ فلأنه شراء بالدين من غير من ~~عليه الدين. # (وأما) كونه إجازة للبيع؛ فلأن الشراء به من غيره، وإن لم يصح لكنه قصد ~~التملك، وذا دليل الإجازة، كما إذا ساومه بل أولى؛ لأن الشراء به في ~~الدلالة على قصده التملك فوق المساومة، فلما كانت المساومة إجازة، فالشراء ~~أولى بخلاف ما إذا كان البائع قبض الثمن الذي هو دين، فاشترى به شيئا أنه ~~لا يكون إجازة للبيع؛ لأن عين المقبوض ليس بمستحق الرد عند الفسخ؛ لأن ~~الدراهم والدنانير لا يتعينان عندنا في الفسخ، كما لا يتعينان في العقد، ~~فلم يكن المقبوض فيه مستحق الرد، فلا يكون التصرف فيه دليل الإجازة بخلاف ~~ما إذا اشترى به قبل القبض؛ لأنه أضاف الشراء إلى عين ما هو مستحق بالعقد، ~~فكان دليل القصد إلى الملك أو تقرر الملك فيه على ما قلنا، ولو كان الخيار ~~للمشتري، فأبرأه البائع من الثمن قال أبو يوسف - رحمه الله -: لا يصح ~~الإبراء؛ لأن خيار المشتري يمنع وجوب الثمن، والإبراء إسقاط وإسقاط ما ليس ~~بثابت لا يتصور. # وروي عن محمد - رحمه الله - أنه إذا أجاز البيع نفذ الإبراء؛ لأن الملك ~~يثبت مستندا إلى وقت البيع، فتبين أن الثمن كان واجبا، فكان إبراؤه بعد ~~الوجوب، فينفذ، والله عز وجل أعلم. # (وأما) ms3213 الضروري، فثلاثة أشياء (أحدهما) مضي مدة الخيار؛ لأن الخيار مؤقت ~~به، والمؤقت إلى غاية ينتهي عند وجود الغاية لكن هل تدخل الغاية في شرط ~~الخيار بأن شرط الخيار إلى الليل أو إلى الغد هل يدخل الليل أو الغد؟ قال ~~أبو حنيفة عليه الرحمة: تدخل، وقال أبو يوسف ومحمد: لا تدخل (وجه) قولهما ~~إن الغاية لا تدخل تحت ما ضربت له الغاية، كما في قوله تعالى عز # PageV05P267 # شأنه {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187] حتى لا يجب الصوم في ~~الليل، وكما في التأجيل إلى غاية، أن الغاية لا تدخل تحت الأجل كذا هذا، ~~ولأبي حنيفة إن الغايات منقسمة: غاية إخراج، وغاية إثبات، فغاية الإخراج ~~تدخل تحت ما ضربت له الغاية، كما في قوله تعالى {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ~~إلى المرافق} [المائدة: 6] # والغاية ههنا في معنى غاية الإخراج ألا ترى أنه لو لم يذكر الوقت أصلا ~~لاقتضى ثبوت الخيار في الأوقات كلها حتى لم يصح؛ لأنه يكون في معنى شرط ~~خيار مؤبد بخلاف التأجيل إلى غاية، فإنه لولا ذكر الغاية لم يثبت الأجل ~~أصلا، فكانت الغاية غاية إثبات، فلم تدخل تحت ما ضربت له الغاية. # والثاني موت البائع في مدة الخيار عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله - لا ~~يبطل الخيار بموته، بل يقوم وارثه مقامه في الفسخ والإجازة، والله عز وجل ~~أعلم، ولقب هذه المسألة أن خيار الشرط هل يورث أم لا؟ عندنا يورث، وعنده لا ~~يورث، وأجمعوا على أن خيار القبول لا يورث، وكذا خيار الإجازة في بيع ~~الفضولي لا يورث بالإجماع، وكذا الأجل لا يورث بالاتفاق، وأجمعوا على أن ~~خيار العيب، وخيار التعيين يورث. # (وأما) خيار الرؤية، فلم يذكر في الأصل، وذكر في الحيل أنه لا يورث، وكذا ~~روى ابن سماعة عن محمد أنه لا يورث احتج الشافعي - رحمه الله - بظواهر آيات ~~المواريث حيث أثبت الله عز وجل الإرث في المتروك مطلقا، والخيار متروك، ~~فيجري فيه الإرث، وبما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال «من ~~ترك مالا أو حقا فلورثته» ms3214 والخيار حق تركه، فيكون لورثته؛ ولأنه حق ثبت ~~بالبيع، فيجري فيه الإرث كالملك الثابت وهذا؛ لأن الإرث، كما يثبت في ~~الأملاك يثبت في الحقوق الثابتة بالبيع؛ ولهذا يثبت في خيار العيب، وخيار ~~التعيين كذا هذا، ولنا أن الخيار لو ثبت للوارث لم يخل من أن يثبت ابتداء ~~أو بطريق الإرث لا سبيل إلى الأول؛ لأن الشرط لم يوجد من الوارث ابتداء، ~~وإثبات الخيار له من غير وجود شرط الخيار منه خلاف الحقيقة، ولا سبيل إلى ~~الثاني؛ لأن الوارث يعتمد الباقي بعد موت المورث، وخياره لا يبقى بعد موته؛ ~~لأن خياره يخيره بين الفسخ والإجازة، ولا يتصور ذلك منه بعد موته، فلا يورث ~~بخلاف خيار العيب والتعيين؛ لأن الموروث هناك محتمل للإرث، وهو العين ~~المملوكة (وأما) الآية، والحديث، فنقول: بموجبهما لكن لم قلتم إن الخيار ~~متروك؟ وهذا؛ لأن المتروك عين تبقى، والخيار عرض لا يبقى، فلم يكن متروكا، ~~فلا يورث، والله عز وجل أعلم. # (والثالث) إجازة أحد الشريكين عند أبي حنيفة - رحمه الله - بأن تبايعا ~~على أنهما بالخيار، فأجاز أحدهما بطل الخيار، ولزم البيع عنده حتى لا يملك ~~صاحبه الفسخ، وعندهما لا يبطل، وخيار الآخر على حاله، وسنذكر المسألة في ~~خيار العيب. # ، ولو بلغ الصبي في مدة خيار الشرط للأب أو الوصي لنفسه في بيع مال الصبي ~~هل يبطل الخيار؟ قال أبو يوسف: يبطل، ويلزم العقد، وقال محمد: تنقل الإجازة ~~إلى الصبي، فلا يملك الولي الإجازة لكنه يملك الفسخ (وجه) قول محمد إن ~~الولي يتصرف في مال الصغير بطريق النيابة عنه شرعا لعجزه عن التصرف بنفسه، ~~وقد زال العجز بالبلوغ، فتنتقل الإجازة إليه إلا أنه يملك الفسخ؛ لأنه من ~~باب دفع الحق، فيملكه كالفضولي في البيع إنه يملك الفسخ قبل إجازة المالك، ~~وإن لم يملك الإجازة (وجه) قول أبي يوسف إن الخيار يثبت للولي، وهو ولاية ~~الفسخ والإجازة، وقد بطل بالبلوغ، فلا يحتمل الانتقال إلى الصبي؛ ولهذا لم ~~ينتقل إلى الوارث بموت من له الخيار. # ولو عجز المكاتب في مدة خيار ms3215 شرطه لنفسه في البيع بطل الخيار، ولزم البيع ~~في قولهم جميعا؛ لأنه لما عجز، ورد إلى الرق لم يبق له ولاية الفسخ ~~والإجازة، فيسقط الخيار ضرورة كما يسقط بالموت، وكذا العبد المأذون إذا حجر ~~عليه المولى في مدة الخيار بطل عند أبي يوسف، وإحدى الروايتين عن محمد لما ~~قلنا. # ولو اشترى الأب أو الوصي شيئا بدين في الذمة، وشرط الخيار لنفسه، ثم بلغ ~~الصبي؛ جاز العقد عليهما، والصبي بالخيار إن شاء أجاز البيع، وإن شاء فسخ ~~(أما) الجواز عليهما؛ فلأن، ولايتهما قد انقطعت بالبلوغ، فلا يملكان التصرف ~~بالفسخ والإجازة، فيبطل خيارهما، وجاز العقد في حقهما (وأما) خيار الصبي؛ ~~فلأن الجواز واللزوم لم يثبتا في حقه، وإنما يثبت في حقهما، فكان له خيار ~~الفسخ والإجازة. # (وأما) خيار المشتري، فيسقط بما يسقط خيار البائع، وبغيره أيضا، فيسقط ~~بمضي المدة، وبموت من له الخيار عندنا، وإجازة أحد الشريكين عند أبي حنيفة، ~~والإجازة صريح، وما هو في معنى # PageV05P268 # الصريح، ودلالة، وهو أن يتصرف المشتري في المبيع تصرف الملاك كالبيع، ~~والمساومة، والإعتاق، والتدبير، والكتابة، والإجارة، والهبة، والرهن سلم أو ~~لم يسلم لأن جواز هذه التصرفات يعتمد الملك، فالإقدام عليها يكون دليل قصد ~~التملك أو تقرر الملك على اختلاف الأصلين، وذا دليل الإجازة، وكذا الوطء ~~منه والتقبيل بشهوة، والمباشرة لشهوة، والنظر إلى فرجها لشهوة يكون إجازة ~~منه، لأنه تصرف لا يحل إلا بملك اليمين. # وأما المس عن غير شهوة، والنظر إلى فرجها بغير شهوة، فلا يكون إجازة؛ لأن ~~ذلك مباح في الجملة بدون الملك للطبيب، والقابلة، وأما الاستخدام، فالقياس ~~أن يكون إجازة بمنزلة المس عن شهوة، والنظر إلى الفرج عن شهوة. # وفي الاستحسان لا يكون إجازة؛ لأنه لا يختص بالملك؛ ولأنه يحتاج إليه ~~للتجربة، والامتحان لينظر أنه يوافقه أم لا على أن فيه ضرورة؛ لأن الاحتراز ~~عن ذلك غير ممكن بأن يسأله ثوبه عند إرادة الرد، فيرده أو يستسرجه دابته؛ ~~ليركبها، فيرده، فسقط اعتباره لمكان الضرورة، ولو قبلت الجارية المشتري ~~بشهوة أو باشرته، فإن كان ذلك ms3216 بتمكين بأن علم ذلك منها، وتركها حتى فعلت ~~يسقط خياره، وكذا هذا في حق خيار الرؤية إذا قبلته بعد الرؤية، وكذا في ~~خيار العيب إذا، وجد بها عيبا ثم قبلته، وكذا في الطلاق إذا فعلت ذلك كان ~~رجعة، وإن اختلست اختلاسا من غير تمكين المشتري والزوج، وهو كاره لذلك، ~~فكذلك عند أبي حنيفة. # وروي عن أبي يوسف أنه لا يكون ذلك رجعة، ولا إجازة للبيع، وقال محمد: لا ~~يكون فعلها إجازة للبيع كيفما كان، وأجمعوا على أنها لو باضعته، وهو نائم ~~بأن أدخلت فرجه فرجها أنه يسقط الخيار، ويكون رجعة. # (وجه) قول محمد إن الخيار حق شرط له، ولم يوجد منه ما يبطله نصا، ولا ~~دلالة، وهو فعل يدل عليه، فلا يبطل، ولأبي حنيفة - رحمه الله - إن الاحتياط ~~يوجب سقوط الخيار إذ لو لم يسقط ومن الجائز أن يفسخ البيع لتبيين أن المس ~~عن شهوة، والتمكين من المس عن شهوة حصل في غير ملك، وكل ذلك حرام، فكان ~~سقوط الخيار، وثبوت الرجعة بطريق الصيانة عن ارتكاب الحرام، وأنه واجب؛ ~~ولأن المس عن شهوة يفضي إلى الوطء، والسبب المفضي إلى الشيء يقوم مقامه ~~خصوصا في موضع الاحتياط، فأقيم ذلك مقام الوطء من المشتري؛ ولهذا يثبت حرمة ~~المصاهرة بالمس عن شهوة من الجانبين؛ لكونه سببا مفضيا إلى الوطء، فأقيم ~~مقامه كذا هذا. # ولو قبل المشتري الجارية، ثم قال: قبلتها لغير شهوة، فالقول قوله كذا روي ~~عن محمد؛ لأن الخيار كان ثابتا له، فهو بقوله كان لغير شهوة ينكر سقوطه، ~~فكان القول قوله. # وكذلك قال أبو حنيفة: في الجارية إذا قبلت المشتري بشهوة إنه إنما يسقط ~~الخيار، ويلزمه العقد إذا أقر المشتري إنها، فعلت بشهوة (فأما) إذا أنكر أن ~~يكون ذلك بشهوة، فلا يسقط؛ لأن حكم فعلها يلزم المشتري بسقوط حقه، فيتوقف ~~على إقراره، ولو حدث في المبيع في يد المشتري ما يمنع الرد على البائع بطل ~~خياره؛ لأن فائدة الخيار هو التمكن من الفسخ والرد، فإذا خرج عن احتمال ~~الرد لم يكن ms3217 في بقاء الخيار فائدة، فلا يبقى، وذلك نحو ما إذا هلك في يده ~~أو انتقص بأن تعيب بعيب لا يحتمل الارتفاع سواء كان ذلك، فاحشا أو يسيرا، ~~وسواء كان ذلك بفعل المشتري أو بفعل البائع أو بآفة سماوية أو بفعل المبيع ~~أو بفعل أجنبي؛ لأن حدوث هذه المعاني في يد المشتري يمنع الرد. # (أما) الهلاك فظاهر، وكذا النقصان لفوات شرط الرد، وهو أن يكون ما قبض، ~~كما قبض؛ لأنه إذا انتقص شيء منه، فقد تعذر رد القدر الفائت، فتقرر على ~~المشتري حصته من الثمن؛ لأن فواته حصل في ضمان المشتري، فلو رد الباقي كان ~~ذلك تفريق الصفقة على البائع قبل التمام، وهذا لا يجوز، وإذا امتنع الرد ~~بطل الخيار لما قلنا، وهذا قول أبي حنيفة، ومحمد، وهو قول أبي يوسف أيضا ~~إلا في خصلة واحدة، وهي ما إذا انتقص بفعل البائع، فإن المشتري فيهما على ~~خياره عنده إن شاء رد عليه، وإن شاء أمسكه، وأخذ الأرش من البائع كذا ذكر ~~القاضي في شرحه مختصر الطحاوي الاختلاف، وذكر الكرخي - رحمه الله - ~~الاختلاف بين أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد - رحمهم الله -، وإن كان العيب ~~مما يحتمل الارتفاع كالمرض، فالمشتري على خياره إن شاء فسخ، وإن شاء أجاز؛ ~~لأن كل عارض على أصل إذا ارتفع يلحق بالعدم، ويجعل كأنه لم يكن هذا هو ~~الأصل، وليس له أن يفسخ إلا أن يرتفع العيب في مدة الخيار، فإن مضت المدة، ~~والعيب قائم بطل حق الفسخ، ولزم البيع لتعذر الرد والله عز وجل أعلم. # وعلى هذا يخرج ما إذا ازداد # PageV05P269 # المبيع زيادة متصلة غير متولدة من الأصل، كما إذا كان ثوبا فصبغه أو ~~سويقا فلته بسمن، أو كان أرضا، فبنى عليها أو غرس فيها أنه يبطل خياره؛ لأن ~~هذه الزيادة مانعة من الرد بالإجماع، فكانت مسقطة للخيار ولو كانت الزيادة ~~متصلة متولدة من الأصل كالحسن، والجمال، والسمن، والبرء من المرض، وانجلاء ~~البياض من العين، ونحو ذلك، فكذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد لا ~~يبطل ms3218 بناء على أن هذه الزيادة تمنع الرد عندهما، كما في العيب في المهر في ~~النكاح، وعنده لا تمنع، والمسألة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى وإن ~~كانت الزيادة منفصلة متولدة من الأصل كالولد والثمر واللبن ونحوها، أو كانت ~~غير متولدة من الأصل لكنها بدل الجزء الفائت كالأرش، أو بدل ما هو في معنى ~~الجزء كالعقر يبطل خياره؛ لأنها مانعة من الرد عندنا، وإن كانت منفصلة غير ~~متولدة من الأصل، ولا هي بدل الجزء الفائت أو ما هو في معنى الجزء كالصدقة ~~والكسب والغلة لا يبطل خياره؛ لأن هذه الزيادة لا تمنع الرد، فلا يبطل ~~الخيار. # فإن اختار البيع، فالزوائد له مع الأصل؛ لأنه تبين أنها كسب ملكه، فكانت ~~ملكه، وإن اختار الفسخ رد الأصل مع الزوائد عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ~~ومحمد الزوائد تكون له بناء على أن ملك المبيع كان موقوفا، فإذا فسخ تبين ~~أنه لم يدخل في ملكه، فتبين أن الزيادة حصلت على ملك البائع، فيردها إليه ~~مع الأصل، وعندهما المبيع دخل في ملك المشتري، فكانت الزوائد حاصلة على ~~ملكه، والفسخ يظهر في الأصل لا في الزيادة، فبقيت على حكم ملك المشتري. # ولو كان المبيع دابة، فركبها، فإن ركبها لحاجة نفسه كان إجازة، وإن ركبها ~~ليسقيها أو يشتري لها علفا أو ليردها على بائعها، فالقياس أن يكون إجازة؛ ~~لأنه يمكنه أن يفعل ذلك قودا، وفي الاستحسان لا يكون إجازة، وهو على خياره؛ ~~لأن ذلك مما لا بد منه خصوصا إذا كانت الدابة صعبة لا تنقاد بالقود، فكان ~~ذلك من ضرورات الرد، فلا يجعل إجازة، ولو ركبها؛ لينظر إلى سيرها لا يبطل ~~خياره؛ لأنه لا بد له من ذلك للاختيار بخلاف خيار العيب أنه إذا ركبها ~~بعدما علم بالعيب أنه يبطل خياره؛ لأن له منه بدا، ولا حاجة إلى الركوب ~~هناك لمعرفة سيرها، فكان دليل الرضا بالعيب. # ولو كان المبيع ثوبا، فلبسه؛ لينظر إلى قصره من طوله وعرضه لا يبطل ~~خياره؛ لأن ذلك مما يحتاج إليه للتجربة ms3219 والامتحان أنه يوافقه أم لا، فلم ~~يكن منه بد، ولو ركب الدابة؛ ليعرف سيرها ثم ركبها مرة أخرى ينظر إن ركبها ~~لمعرفة سير آخر غير الأول بأن ركبها مرة؛ ليعرف أنها هملاج، ثم ركبها ثانيا ~~ليعرف سرعة عدوها، فهو على خياره؛ لأن معرفة السيرين مقصودة تقع الحاجة ~~إليها في بعض الدواب، وإن ركبها لمعرفة السير الأول قالوا: يسقط خياره، ~~وكذا في استخدام الرقيق إذا استخدمه في نوع، ثم استخدمه في ذلك النوع ~~قالوا: يسقط خياره، وبعض مشايخنا قالوا: لا يسقط؛ لأن الاختبار لا يحصل ~~بالمرة الواحدة لجواز أن الأول، وقع اتفاقا، فيحتاج إلى التكرار لمعرفة ~~العادة، وفي الثوب إذا لبسه مرة لمعرفة الطول والعرض، ثم لبسه ثانيا يسقط ~~خياره؛ لأنه لا حاجة إلى تكرار اللبس في الثوب لحصول المقصود باللبس مرة ~~واحدة. # ولو حمل على الدابة علفا، فهو إجازة؛ لأنه يمكنه حمل العلف على غيرها، ~~ولو قص حوافرها أو أخذ من عرفها شيئا، فهو على خياره؛ لأنه تصرف لا يختص ~~بالملك إذ هو من باب إصلاح الدابة، فيملكه كل واحد، ويكون مأذونا فيه ~~دلالة، كما إذا علفها أو سقاها، ولو ودجها أو بزغها، فهو إجازة؛ لأنه تصرف ~~فيها بالتنقيص، فإن كان شاة، فحلبها أو شرب لبنها، فهو إجازة؛ لأنه لا يحل ~~إلا بالملك أو الإذن من المالك، ولم يوجد الإذن، فكان دليلا على قصد التملك ~~أو التقرير، فيكون إجازة. # ، ولو كان المبيع دارا، فسكنها المشتري، أو أسكنها غيره بأجر أو بغير ~~أجر، أو رم شيئا منها، أو جصصها، أو طينها، أو أحدث فيها شيئا، أو هدم فيها ~~شيئا، فذلك كله إجازة؛ لأنه دليل اختيار الملك أو تقريره، فكان إجازة ~~دلالة، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي في سكنى المشتري روايتان، ووفق ~~بينهما، فحمل إحداهما على ابتداء السكنى، والأخرى على الدوام عليه، ولو كان ~~فيها ساكن بأجر، فباعها البائع برضا المستأجر، وشرط الخيار للمشتري، فتركه ~~المشتري فيها أو استأوى الغلة، فهو إجازة؛ لأن الأجرة بدل المنفعة، فكان ~~أخذها دلالة قصد تملك ms3220 المنفعة أو تقرير ملك المنفعة، وذلك قصد تملك الدار ~~أو تقرر ملكه فيها، فكان إجازة. # ، ولو كان المبيع أرضا فيها حرث، فسقاه أو حصده أو قصل منه شيئا، فهو ~~إجازة؛ لأن السقي تصرف في الحرث بالتزكية، فكان في دليل اختيار البيع ~~وإيجابه # PageV05P270 # وكذلك القصل تصرف فيه بالتنقيص، فكان دليل قصد التملك أو التقرر، ولو شرب ~~من نهر تلك الأرض أو سقى منه دوابه لا يكون إجازة؛ لأن هذا تصرف لا يختص ~~بالملك؛ لأنه مباح. # ، ولو كان المبيع رحى، فطحن فيها، فإن هو طحن؛ ليعرف مقدار طحنها، فهو ~~على خياره؛ لأنه تحقق ما شرع له الخيار، ولو دام على ذلك كان إجازة؛ لأنه ~~لا حاجة إلى الزيادة للاختيار، فكان دليل الرضا بوجوب البيع. # (وأما) خيار البائع، والمشتري جميعا، فيسقط بما يسقط به حالة الانفراد، ~~فأيهما أجاز صريحا أو ما يجري مجرى الصريح أو فعل ما يدل على الإجازة بطل ~~خياره، ولزم البيع من جانبه، والآخر على خياره إن شاء أجاز، وإن شاء فسخ، ~~وأيهما فسخ صريحا أو ما يجري مجرى الصريح أو، فعل ما يدل على الفسخ انفسخ ~~أصلا ورأسا، ولا تلحقه الإجازة من صاحبه بعد ذلك، وإنما اختلف حكم الفسخ ~~والإجازة؛ لأن الفسخ تصرف في العقد بالإبطال، والعقد بعد ما بطل لا يحتمل ~~الإجازة؛ لأن الباطل متلاش (وأما) الإجازة، فهي تصرف في العقد بالتغيير، ~~وهو الإلزام لا بالإعدام، فلا يخرجه عن احتمال الفسخ، والإجازة، ولو أجاز ~~أحدهما، وفسخ الآخر انفسخ العقد سواء كان على التعاقب أو على القران؛ لأن ~~الفسخ أقوى من الإجازة ألا ترى أنه يلحق الإجازة، فإن المجاز يحتمل الفسخ، ~~فأما الإجازة، فلا تلحق الفسخ، فإن المفسوخ لا يحتمل الإجازة، فكان الفسخ ~~أقوى من الإجازة، فكان أولى. # ولو اختلفا في الفسخ، والإجازة، فقال أحدهما: فسخنا البيع، وقال الآخر: ~~لا بل أجزنا البيع جميعا، فاختلافهما لا يخلو من أن يكون في مدة الخيار أو ~~بعد مضي المدة، فإن كان في المدة، فالقول قول من يدعي الفسخ؛ لأن أحدهما ~~ينفرد ms3221 بالفسخ، وأحدهما لا ينفرد بالإجازة، ولو قامت لهما بينة، فالبينة ~~بينة من يدعي الإجازة؛ لأنه المدعي، وإن كان بعد مضي المدة، فقال أحدهما: ~~مضت المدة بعد الفسخ، وقال الآخر: بعد الإجازة، فالقول قول من يدعي ~~الإجازة؛ لأن الحال حال الجواز، وهو ما بعد انقضاء المدة، فترجح جانبه ~~بشهادة الحال، فكان القول قوله، ولو قامت لهما بينة، فالبينة بينة مدعي ~~الفسخ؛ لأنها تثبت أمرا بخلاف الظاهر، والبينات شرعت له. # وإن كان الخيار لأحدهما، واختلفا في الفسخ والإجازة في مدة الخيار، ~~فالقول قول من له الخيار سواء ادعى الفسخ أو الإجازة؛ لأنه يملك الأمرين ~~جميعا، والبينة بينة الآخر؛ لأنه هو المدعي، ولو كان اختلافهما بعد مضي مدة ~~الخيار، فالقول قول من يدعي الإجازة أيهما كان؛ لأن الحال حال الجواز، وهي ~~ما بعد مضي المدة، ولو أرخت البينات في هذا كله، فأسبقهما تاريخا أولى سواء ~~قامت على الفسخ أو على الإجازة، والله عز وجل أعلم، وإن كان خيار الشرط ~~لغير العاقدين بأن شرط أحدهما الخيار لأجنبي، فقد ذكرنا أن ذلك جائز، ~~وللشارط، والمشروط له خيار الفسخ والإجازة. # وأيهما أجاز جاز، وأيهما، فسخ انفسخ؛ لأنه صار شارطا لنفسه مقتضى الشرط ~~لغيره، وصار المشروط له بمنزلة الوكيل للشارط في الفسخ، والإجازة، فإن أجاز ~~أحدهما، وفسخ الآخر، فإن كانا على التعاقب، فأولهما أولى، فسخا كان أو ~~إجازة؛ لأن الثابت بالشرط أحد الأمرين، فأيهما سبق، وجوده بطل الآخر، وإن ~~كانا معا ذكر في البيوع أن تصرف المالك عن، ولاية الملك أولى نقضا كان أو ~~إجازة، وذكر في المأذون أن النقض أولى من أيهما كان (وجه) رواية البيوع أن ~~تصرف المالك صدر عن ولاية الملك، فلا يعارضه الصادر عن ولاية النيابة. # (وجه) رواية المأذون أن النقض أولى من الإجازة؛ لأن المجاز يحتمل الفسخ، ~~أما المفسوخ فلا يحتمل الإجازة، فكان الرجحان في المأذون للنقض من أيهما ~~كان، وقيل ما روي في البيوع قول محمد؛ لأنه يقدم ولاية الملك على ولاية ~~النيابة، وما ذكر في المأذون قول أبي يوسف؛ لأنه ms3222 لا يرى تقديم ولاية الملك، ~~وأصله ما ذكر في النوادر أن الوكيل بالبيع إذا باع من إنسان وباع المالك من ~~غيره، وخرج الكلامان مع أن بيع الموكل أولى عند محمد، وعند أبي يوسف يجعل ~~العبد بينهما نصفين، ويخير كل واحد من المشتريين، والله عز وجل أعلم. # (وأما) بيان ما ينفسخ به، فالكلام فيه في موضعين: أحدهما: في بيان ما ~~ينفسخ به، والثاني في بيان شرائطه، فنقول: وبالله التوفيق ما ينفسخ به في ~~الأصل نوعان: اختياري وضروري، والاختياري نوعان: أيضا صريح، وما هو في معنى ~~الصريح، ودلالة (أما) الأول: فنحو أن يقول من له الخيار، فسخت البيع أو ~~نقضته أو أبطلته، وما يجري هذا المجرى، فينفسخ البيع سواء كان الخيار ~~للبائع أو # PageV05P271 # للمشتري أو لهما أو لغيرهما، ولا يشترط له التراضي، ولا قضاء القاضي؛ لأن ~~الفسخ حصل بتسليط صاحبه عليه. # (وأما) الفسخ من طريق الدلالة، فهو أن يتصرف من له الخيار تصرف الملاك إن ~~كان الخيار للبائع، وفي الثمن إن كان عينا إذا كان الخيار للمشتري؛ لأن ~~الخيار إذا كان للبائع، فتصرفه في المبيع تصرف الملاك دليل استبقاء ملكه ~~فيه، وإذا كان للمشتري، فتصرفه في الثمن إذا كان عينا تصرف الملاك دليل ~~استبقاء ملكه فيه، ولا يكون ذلك إلا بالفسخ، فالإقدام عليه يكون فسخا للعقد ~~دلالة، والحاصل إن وجد من البائع في المبيع ما لو وجد منه في الثمن؛ لكان ~~إجازة للبيع يكون فسخا للبيع، وقد ذكرنا ذلك كله، وهذا النوع من الفسخ لا ~~يقف على علم صاحبه بلا خلاف بخلاف النوع الأول؛ لأن الانفساخ ههنا لا يثبت ~~بالفسخ مقصودا، وإنما يثبت ضمنا لغيره، فلا يشترط له ما يشترط للفسخ مقصودا ~~كبيع الشرب، والطريق أنه لا يجوز مقصودا، ويجوز تبعا للأرض والله عز وجل ~~أعلم. # (وأما) الضروري، فنحو أن يهلك المبيع قبل القبض، فيبطل البيع سواء كان ~~الخيار للبائع أو للمشتري أو لهما جميعا؛ لأنه لو كان باتا لبطل، فإذا كان ~~فيه خيار الشرط أولى؛ لأنه أضعف منه، وإن هلك بعد ms3223 القبض، فإن كان الخيار ~~للبائع، فكذلك يبطل البيع، ولكن تلزمه القيمة إن لم يكن له مثل، والمثل إن ~~كان له مثل إما بطلان البيع، فلأن المبيع صار بحال لا يحتمل إنشاء العقد ~~عليه، فلا يحتمل الإجازة، فينفسخ العقد ضرورة. # وأما لزوم القيمة، فقول عامة العلماء، وقال ابن أبي ليلى إنه يهلك أمانة ~~(وجه) قوله أن الخيار منع انعقاد العقد في حق الحكم، فكان المبيع على حكم ~~ملك البائع أمانة في يد المشتري، فيهلك هلاك الأمانات. # (ولنا) أن البيع، وإن لم ينعقد في حق الحكم لكن المبيع في قبض المشتري ~~على حكم البيع، فلا يكون دون المقبوض على سوم الشراء بل هو فوقه؛ لأن هناك ~~لم يوجد العقد لا بنفسه، ولا بحكمه، وههنا إن لم يثبت حكم العقد، فقد وجد ~~بنفسه، وذلك مضمون بالقيمة أو بالمثل، فهذا أولى، وإن كان الخيار للمشتري ~~لا يبطل البيع، ولكن يبطل الخيار، ويلزم البيع، وعليه الثمن إما على ~~أصلهما، فظاهر؛ لأن المشتري ملكه بالعقد، فإذا قبضه، فقد تقرر عليه الثمن، ~~فإذا هلك يهلك مضمونا بالثمن، كما كان في البيع البات. # (وإما) على أصل أبي حنيفة، فالمشتري، وإن لم يملكه، فقد اعترض عليه في ~~يده قبل القبض ما يمنع الرد، وهو التعيب بعيب لم يكن عند البائع؛ لأن ~~الهلاك في يده لا يخلو عن تقدم عيب عادة؛ لأنه لا يخلو عن سبب موته في ~~الهلاك عادة، وأنه يكون عيبا، وتعيب المبيع في يد المشتري يمنع الرد، ويلزم ~~البيع لما ذكرنا فيما تقدم، فإذا هلك يهلك بالثمن. # ولو استهلك المبيع أجنبي، والخيار للبائع لا ينفسخ البيع، والبائع على ~~خياره؛ لأنه يهلك إلى خلف، وهو الضمان لوجود سبب الوجوب للضمان، وهو إتلاف ~~مال متقوم مملوك لغيره؛ لأن خيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه، والهالك ~~إلى خلف قائم معنى، فكان المبيع قائما، فكان محتملا للإجازة سواء كان ~~المبيع في يد المشتري أو في يد البائع؛ لأنه مضمون بالإتلاف في الحالين ~~جميعا، فإن شاء، فسخ البيع، واتبع الجاني بالضمان، ms3224 وكذلك لو استهلكه ~~المشتري؛ لأنه وجب الضمان عليه بالاستهلاك لوجود سبب الوجوب، والضمان بدل ~~المضمون، فيقوم مقامه، فكان المبيع قائما معنى، فكان الخيار على حاله إن ~~شاء، فسخ البيع، واتبع المشتري بالضمان، وإن شاء أجازه، واتبعه بالثمن. # ولو تعيب المبيع في يد البائع، فإن كان بآفة سماوية أو بفعل المبيع لا ~~يبطل البيع، وهو على خياره؛ لأن ما انتقص منه من غير فعله، فهو غير مضمون ~~عليه حيث لا يسقط بحصته شيء من الثمن، فلا ينفسخ البيع في قدر الضمان ~~بإبقاء الخيار؛ لأنه يؤدي إلى تفريق الصفقة على المشتري، فإن شاء فسخ ~~البيع، وإن شاء أجازه، فإن أجازه، فالمشتري بالخيار إن شاء أخذه بجميع ~~الثمن، وإن شاء ترك لتغير المبيع قبل القبض، وإن كان بفعل البائع بطل ~~البيع؛ لأن ما انتقص بفعله، فهو مضمون عليه حتى يسقط عن المشتري حصة قدر ~~النقصان من الثمن، فالإجازة تتضمن تفريق الصفقة على المشتري قبل التمام، ~~وإن كان بفعل أجنبي لم يبطل البيع، وهو على خياره؛ لأن قدر النقصان هلك إلى ~~خلف، وهو الضمان، فكان قائما معنى، ولم يبطل البيع في قدر الهالك. # فكان البائع على خياره إن شاء؛ فسخ البيع، واتبع الجاني بالأرش، وإن شاء؛ ~~أجاز، واتبع المشتري بالثمن، والمشتري يتبع الجاني بالأرش، وكذلك لو تعيب ~~بفعل المشتري لا يبطل البيع، والبائع # PageV05P272 # على خياره؛ لأن المبيع على ملك البائع، فكان قدر النقصان مضمونا على ~~المشتري، فكان هلاكا إلى خلف، فكان البيع على حاله، والبائع على خياره إن ~~شاء؛ فسخ البيع، واتبع المشتري بالضمان، وإن شاء؛ أجازه، واتبع المشتري ~~بالثمن، وكذلك إذا تعيب في يد المشتري بفعل أجنبي أو بفعل المشتري أو بآفة ~~سماوية. # فالبائع على خياره، فإن شاء؛ أجاز البيع، وإن شاء فسخه، فإن أجاز؛ أخذ من ~~المشتري جميع الثمن سواء كان التعيب بفعل المشتري أو بفعل الأجنبي أو بآفة ~~سماوية؛ لأن البيع جاز في الكل، ولا يكون للمشتري خيار الرد بحدوث التغير ~~في المبيع؛ لأنه حدث في يده في ضمانه غير أنه ms3225 إن كان التعيب بفعل المشتري، ~~فلا سبيل له على أحد، وإن كان بفعل الأجنبي، فللمشتري أن يتبع الجاني ~~بالأرش؛ لأنه ملك العبد بإجازة البائع من وقت البيع، فتبين أن الجناية حصلت ~~على ملكه، وإن فسخ ينظر إن كان التعيب بفعل المشتري، فإن البائع يأخذ ~~الباقي، ويأخذ أرش الجناية من المشتري؛ لأن العبد كان مضمونا على المشتري ~~بالقيمة ألا ترى أنه لو هلك في يده لزمته قيمته، وبالفسخ وجب عليه رده، وقد ~~عجز عن رد قدر الفائت، فيلزمه رد قيمته. # وكذا إذا تعيب بآفة سماوية لما قلنا، وإن كان التعيب بفعل أجنبي، فالبائع ~~بالخيار إن شاء؛ اتبع الأجنبي بالأرش؛ لأن الجناية حصلت على ملكه، وإن شاء؛ ~~اتبع المشتري؛ لأن الجناية حصلت في ضمان المشتري، فإن اختار اتباع الأجنبي؛ ~~فالأجنبي لا يرجع على أحد؛ لأنه ضمن بفعل نفسه، وإن اختار اتباع المشتري، ~~فالمشتري يرجع بما ضمن من الأرش على الأجنبي؛ لأن المشتري قام مقام البائع ~~في حق ملك بدل الفائت، وإن لم يقم مقامه في حق ملك نفس الفائت كغاصب المدبر ~~إذا قتل المدبر في يده، وضمنه للمالك أن له أن يرجع بما ضمن على القاتل، ~~وإن لم يملك نفس المدبر كذا هذا والله عز وجل أعلم. # (وأما) شرائط جواز الفسخ، فمنها قيام الخيار؛ لأن الخيار إذا بطل، فقد ~~لزم البيع، فلا يحتمل الفسخ، ومنها علم صاحبه بالفسخ عند أبي حنيفة، ومحمد ~~حتى لو فسخ بغير علمه كان فسخه موقوفا عندهما إن علم صاحبه بفسخه في مدة ~~الخيار نفذ، وإن لم يعلم حتى مضت المدة لزم العقد، وكذا لو أجاز الفاسخ ~~العقد؛ نفذ فسخه قبل علم صاحبه وجازت إجازته، ولزم العقد وبطل فسخه، وهو ~~قول أبي يوسف الأول، ثم رجع، وقال: علم صاحبه ليس بشرط حتى لو فسخ يصح فسخه ~~علم صاحبه بالفسخ أو لا. # وروي عن أبي يوسف أنه، فصل بين خيار البائع، وخيار المشتري، فلم يشترط ~~العلم في خيار البائع، وشرط في خيار المشتري. # (وأما) خيار الرؤية، فهو على هذا ms3226 الاختلاف ذكره الكرخي، ولا خلاف بين ~~أصحابنا في خيار العيب أن العلم بالفسخ فيه شرط سواء كان بعد القضاء أو ~~قبله، وأجمعوا على أن عزل الموكل وكيله بغير علمه، وإن، فسخ أحد الشريكين ~~الشركة أو نهى رب المال المضارب عن التصرف بغير علمه لا يصح (وجه) قول أبي ~~يوسف أنه يملك الإجازة بغير علم صاحبه، فيملك الفسخ، والجامع بينهما أن كل ~~واحد منهما حصل بتسليط صاحبه عليه ورضاه، فلا معنى للتوقف على علمه كالوكيل ~~بالبيع إذا باع من غير علم الموكل. # (وجه) قولهما أن الفسخ لو نفذ بغير علم صاحبه لتضرر به صاحبه، فلا ينفذ ~~دفعا للضرر عنه كالموكل إذا عزل، وكيله بغير علمه، وبيان الضرر أن صاحبه ~~إذا لم يعلم بالفسخ، فتصرف في المبيع بعد مضي مدة الخيار على ظن أنه ملكه، ~~فلو جاز الفسخ من غير علمه؛ لتبين أنه تصرف في ملك غيره، وأنه سبب لوجوب ~~الضمان فيتضرر به؛ ولهذا لم يجز عزل الوكيل بغير علمه كذا هذا بخلاف ~~الإجازة أنه يصح من غير علمه؛ لأنه لا ضرر فيه، وكذا لا ضرر في بيع الوكيل ~~بغير علم الموكل، ومنها أن لا يكون في الفسخ تفريق الصفقة حتى لا يملك ~~الإجازة في البعض دون البعض؛ لأنه تفريق الصفقة قبل تمامها، وأنه باطل. # (وأما) الخيار الثابت بالشرط دلالة، فهو خيار العيب، والكلام في. # بيع المعيب في مواضع في بيان حكمه، وفي بيان صفة الحكم، وفي بيان تفسير ~~العيب الذي يوجب الخيار، وتفصيل المفسر، وفي بيان شرائط ثبوت الخيار، وفي ~~طريق إثبات العيب، وفي بيان كيفية الرد، والفسخ بالعيب بعد ثبوته، وفي بيان ~~من تلزمه الخصومة في العيب، ومن لا تلزمه، وفي بيان ما يمنع الرد بالعيب، ~~وفي بيان ما يسقط به الخيار بعد ثبوته، ويلزم البيع، وفي بيان ما يمنع ~~الرجوع بنقصان العيب، وما لا يمنع، وفي بيان طريق الرجوع. # (أما) حكمه، فهو ثبوت الملك للمشتري في المبيع للحال؛ لأن ركن البيع مطلق ~~عن الشرط، والثابت بدلالة # PageV05P273 # النص شرط السلامة ms3227 لا شرط السبب، ولا شرط الحكم، وأثره في منع اللزوم لا ~~في منع أصل الحكم بخلاف البيع بشرط الخيار؛ لأن الشرط المنصوص عليه هناك ~~دخل على السبب، فيمنع انعقاده في حق الحكم في مدة الخيار. # (وأما) صفته، فهي أنه ملك غير لازم؛ لأن السلامة شرط في العقد دلالة، فما ~~لم يسلم المبيع لا يلزم البيع، فلا يلزم حكمه، والدليل على أن السلامة ~~مشروطة في العقد دلالة أن السلامة في البيع مطلوبة المشتري عادة إلى آخره؛ ~~لأن غرضه الانتفاع بالمبيع، ولا يتكامل انتفاعه إلا بقيد السلامة، ولأنه لم ~~يدفع جميع الثمن إلا ليسلم له جميع المبيع، فكانت السلامة مشروطة في العقد ~~دلالة، فكانت كالمشروطة نصا، فإذا، فاتت المساواة كان له الخيار، كما إذا ~~اشترى جارية على أنها بكر أو على أنها طباخة، فلم يجدها كذلك، وكذا السلامة ~~من مقتضيات العقد أيضا؛ لأنه عقد معاوضة، والمعاوضات مبناها على المساواة ~~عادة وحقيقة، وتحقيق المساواة في مقابلة البدل بالمبدل، والسلامة بالسلامة، ~~فكان إطلاق العقد مقتضيا للسلامة، فإذا لم يسلم المبيع للمشتري يثبت له ~~الخيار؛ لأن المشتري يطالبه بتسليم قدر الفائت بالعيب بحكم العقد، وهو عاجز ~~عن تسليمه، فيثبت الخيار، ولأن السلامة لما كانت مرغوبة المشتري، ولم يحصل، ~~فقد اختل رضاه، وهذا يوجب الخيار؛ لأن الرضا شرط صحة البيع قال الله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم} [النساء: 29] ، فانعدام الرضا يمنع صحة البيع، واختلاله يوجب ~~الخيار فيه إثباتا للحكم على قدر الدليل، والأصل في شرعية هذا الخيار ما ~~روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من اشترى شاة محفلة، ~~فوجدها مصراة، فهو بخير النظرين ثلاثة أيام، وفي رواية، فهو بأحد النظرين ~~إلى ثلاثة إن شاء أمسك، وإن شاء رد، ورد معها صاعا من تمر» ، والنظران ~~المذكوران هما نظر الإمساك والرد، وذكر الثلاث في الحديث ليس للتوقيت؛ لأن ~~هذا النوع من الخيار ليس بموقت بل هو بناء الأمر على الغالب المعتاد؛ لأن ms3228 ~~المشترى إن كان به عيب يقف عليه المشتري في هذه المدة عادة، فيرضى به، ~~فيمسكه أو لا يرضى به، فيرده، والصاع من التمر كأنه قيمة اللبن الذي حلبه ~~المشتري علمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق المشاهدة، والله عز ~~وجل أعلم. # (وأما) تفسير العيب الذي يوجب الخيار، وتفصيل المفسر، فكل ما يوجب نقصان ~~الثمن في عادة التجار نقصانا فاحشا أو يسيرا، فهو عيب يوجب الخيار، وما لا ~~فلا نحو العمى والعور والحول والقبل، وهو نوع من الحول مصدر الأقبل، وهو ~~الذي كأنه ينظر إلى طرف أنفه، والسبل، وهو زيادة في الأجفان، والعشا مصدر ~~الأعشى، وهو الذي لا يبصر بالليل، والخوص مصدر الأخوص، وهو غائر العين، ~~والحوص مصدر الأحوص، وهو الضيق مؤخر العين، والغرب وهو ورم في الآماق، وهي ~~أطراف العين التي تلي الأنف، وقيل هو درور الدمع دائما، والظفرة، وهي التي ~~يقال لها بالفارسية ناخنه، والشتر، وهو انقلاب جفن العين والبرص والقرع، ~~والسلع والشلل والزمانة، والفدع، وهو اعوجاج في الرسغ من اليد أو الرجل ~~والفجج مصدر الأفجج، وهو الذي يتدانى عقباه، وينكشف ساقاه في المشي، والصكك ~~مصدر الأصك، وهو الذي تصطك ركبتاه. # والحنف مصدر الأحنف، وهو الذي أقبلت إحدى إبهام رجليه على الأخرى، والبزا ~~مصدر الأبزى، وهو خروج الصدر، والعسر مصدر الأعسر، وهو الذي يعمل بشماله، ~~والإصبع الزائدة والناقصة والسن الشاغية والسوداء والناقصة والظفر الأسود، ~~والبخر، وهو نتن الفم في الجواري لا في العبيد إلا أن يكون فاحشا؛ لأنه ~~حينئذ يكون عن داء، والزفر، وهو نتن الإبط في الجارية لا في الغلام إلا أن ~~يفحش، فيكون عيبا فيهما جميعا، والأدر مصدر الأدرة، وهو الذي به أدرة يقال ~~لها بالفارسية: فتح، والرتق وهو انسداد فرج الجارية والفتق وهو انفتاح ~~فرجها والقرن، وهو في النساء كالأدرة في الرجال والشمط، والشيب في الجواري ~~والعبيد والسلول والقروح والشجاج والأمراض كلها والحبل في الجواري لا في ~~البهائم؛ لأنه زيادة في البهيمة، وحذف الحروف في المصحف الكريم أو في بعضه، ~~والزنا في الجارية لا في ms3229 الغلام؛ لأنه يفسد الفراش، وقد يقصد الفراش في ~~الإماء بخلاف الغلام إلا إذا فحش. # وصار اتباع النساء عادة له، فيكون عيبا فيه أيضا؛ لأنه يوجب تعطيل منافعه ~~على المولى، وكذا إذا ظهر وجوب الحد عليه، فهو عيب، وقال بعض مشايخنا: ~~ببلخ: الزنا يكون عيبا في الغلام أيضا؛ لأنه لا يؤتمن على أهل البيت، فلا ~~يستخدم # PageV05P274 # وهذا ليس بسديد؛ لأن الغلام الكبير لا يشترى للاستخدام في البيت بل ~~للأعمال الخارجة، وكون المشترى ولد الزنا في الجارية لا في العبيد لما ~~ذكرنا أنه قد يقصد الفراش من الجواري، فإذا جاءت بولد يعير ولده بأمه بخلاف ~~الغلام؛ لأنه يشترى للخدمة عادة، والكفر في الجارية والغلام عيب؛ لأن الطبع ~~السليم ينفر عن صحبة الكافر. # (وأما) الإسلام، فليس بعيب بأن اشترى نصراني عبدا، فوجده مسلما؛ لأن ~~الإسلام زيادة، والنكاح في الجارية والغلام؛ لأن منافع البضع مملوكة للزوج، ~~والعبد يباع في المهر والنفقة، فيوجب ذلك نقصانا في ثمنهما، والعدة من طلاق ~~رجعي لا من طلاق بائن أو ثلاث؛ لأن الرجعي لا يوجب زوال الملك بخلاف ~~البائن، والثلاث، واحتباس الحيضة في الجارية البالغة مدة طويلة شهران ~~فصاعدا، والاستحاضة؛ لأن ارتفاع الحيض في أوانه لا يكون إلا لداء عادة، ~~وكذا استمرار الدم في أيام الطهر، والإحرام في الجارية ليس بعيب؛ لأن ~~المشتري يملك إزالته، فإن له أن يحللها، والحرمة بالرضاع أو الصهرية ليس ~~بعيب فيها؛ لأن الجواري لا يشترين للاستمتاع عادة بل للاستخدام في البيت، ~~وهذه الحرمة لا تقدح في ذلك بخلاف النكاح حيث يكون عيبا، وإن لم يثبت به ~~إلا حرمة الاستمتاع؛ لأنه يخل بالاستخدام. # والثيابة في الجارية ليس بعيب إلا أن يكون اشتراها على شرط البكارة، ~~فيردها بعد الشرط، والدين والجناية؛ لأنه يدفع بالجناية، ويباع بالدين، ~~والجهل بالطبخ والخبز في الجارية ليس بعيب؛ لأنه لا يوجب نقصان الثمن في ~~عادة التجار بل هو حرفة بمنزلة الخياطة ونحوها، فانعدامه لا يكون عيبا إلا ~~أن يكون ذلك مشروطا في العقد، فيردها لفوات الشرط لا للعيب، ولو كانت تحسن ms3230 ~~الطبخ والخبز في يد البائع، ثم نسيت في يده، فاشتراها فوجدها لا تحسن ذلك ~~ردها، وإن لم يكن ذلك مشروطا في العقد؛ لأنها إذا كانت تحسن ذلك في يد ~~البائع، وهي صفة مرغوبة تشترى لها الجارية عادة. # فالظاهر أنه إنما اشتراها رغبة فيها، فصارت مشروطة دلالة، فيردها لانعدام ~~المشروط، كما لو شرط ذلك نصا، وانعدام الختان في الغلام والجارية إذا كانا ~~مولودين كبيرين، فإن كانا مولودين صغيرين، فليس بعيب؛ لأن الختان في حالة ~~الكبر فيه زيادة ألم، وهذا الذي ذكر في الجارية في عرف بلادهم؛ لأنهم ~~يختنون الجواري، فأما في عرف ديارنا، فالجارية لا تختن، فعدم الختان فيها ~~لا يكون عيبا أصلا، وإن كان الغلام كبيرا حربيا لا يكون عيبا؛ لأنه فيه ~~ضرورة؛ لأن أكثر الرقيق يؤتى به من دار الحرب، وأهل الحرب لا ختان لهم، فلو ~~جعل ذلك عيبا يرد به لضاق الأمر على الناس، ولأن الختان إذا لم يكن من فعل ~~أهل دار الحرب وعادتهم، ومع ذلك اشتراه كان ذلك منه دلالة الرضا بالعيب، ~~والإباق والسرقة والبول في الفراش والجنون؛ لأن كل، واحد منها يوجب النقصان ~~في الثمن في عادة التجار نقصانا، فاحشا، فكان عيبا إلا أنه هل يشترط في هذه ~~العيوب الأربعة اتحاد الحالة؟ . # وهل يشترط ثبوتها عند المشتري بالحجة لثبوت حق الرد؟ فسنذكره في موضعه إن ~~شاء الله تعالى، والحنف مصدر الأحنف من الخيل، وهو الذي إحدى عينيه زرقاء، ~~والأخرى كحلاء، والصدف مصدر الأصدف، وهو الدابة التي يتدانى فخذاها، ~~ويتباعد حافراها، ويلتوي رسغاها، والعزل مصدر الأعزل، وهو من الدواب الذي ~~يقع ذنبه من جانب عادة لا خلقة، والمشش، وهو ارتفاع العظم لآفة أصابته، ~~والجرد مصدر الأجرد، وهو من الإبل الذي أصابه انقطاع عصب من يده أو رجله، ~~فهو ينقصها إذا سار، والحران، والحرون مصدر الحرون، وهو الذي يقف، ولا ~~ينقاد للسائق، ولا للقائد، والجماح والجموح مصدر الجموح، وهو أن يشتد ~~الفرس، فيغلب راكبه، وخلع الرسن ظاهر، وبل المخلاة كذلك، والهشم في ~~الأواني، والصدع في الحوائط والجذوع، ms3231 ونحوها من العيوب، فأنواع العيوب فيها ~~كثيرة لا وجه لذكرها ههنا كلها، والتعويل في الباب على عرف التجار، فما نقص ~~الثمن في عرفهم، فهو عيب يوجب الخيار، وما لا فلا، والله عز وجل أعلم. # ، وأما شرائط ثبوت الخيار (فمنها) ثبوت العيب عند البيع أو بعده قبل ~~التسليم حتى لو حدث بعد ذلك لا يثبت الخيار؛ لأن ثبوته لفوات صفة السلامة ~~المشروطة في العقد دلالة، وقد حصلت السلعة سليمة في يد المشتري (ومنها) ~~ثبوته عند المشتري بعد ما قبض المبيع، ولا يكتفى بالثبوت عند البائع لثبوت ~~حق الرد في جميع العيوب عند عامة المشايخ، وقال بعضهم: فيما سوى العيوب ~~الأربعة من الإباق، والسرقة، والبول في # PageV05P275 # الفراش، والجنون، فكذلك، فأما في العيوب الأربعة، فثبوتها عند المشتري ~~ليس بشرط بل الثبوت عند البائع كاف، وبعضهم فصل في العيوب الأربعة، فقال: ~~لا يشترط في الجنون، ويشترط في غيره من العيوب الثلاثة. # (وجه) قول من فصل هذه العيوب الأربعة من سائرها في اعتبار هذا الشرط أن ~~هذه العيوب عيوب لازمة لا زوال لها إذا ثبتت في شخص إلى أن يموت، فثبوتها ~~عند البائع يدل على بقائها عند المشتري، فكان له حق الرد من غير أن يظهر ~~عنده بخلاف سائر العيوب، فإنها ليست بلازمة (وجه) قول من فرق بين الجنون، ~~وغيره من الأنواع الثلاثة أن الجنون لفساد في محل العقد، وهو الدماغ، وهذا ~~مما لا زوال له عادة إذا ثبت، ولهذا قال محمد: إن الجنون عيب لازم بخلاف ~~الإباق، والبول في الفراش أنها ليست بلازمة بل تحتمل الزوال لزوال أسبابها. # (وجه) قول العامة قول محمد نصا في الجامع الصغير، فإنه ذكر فيه أنه لا ~~يثبت للمشتري حق الرد في هذه العيوب الأربعة إلا بعد ثبوتها عنده، فكان ~~المعنى فيه أن الثابت عند البائع محتمل الزوال قابل الارتفاع، فأما ما سوى ~~العيوب الأربعة لا شك فيه، وكذلك العيوب الأربعة؛ لأن حدوثها في الذات ~~للأسباب الموجبة للحدوث، وهي محتملة للزوال، فكانت هي محتملة للزوال ~~لاحتمال زوال أسبابها، فإن ms3232 بقيت يثبت حق الرد، وإن ارتفعت لا يثبت، فلا ~~يثبت حق الرد بالاحتمال، فلا بد من ثبوتها عند المشتري؛ ليعلم أنها قائمة، ~~وقول القائل الجنون إذا ثبت لا يزول عادة ممنوع، فإن المجنون قد يفيق، ~~ويزول جنونه بحيث لا يعود إليه، فما لم يوجد عند المشتري لا يعلم بقاؤه، ~~كما في الأنواع الأخر إلا أن الفرق بين الجنون وغيره من الأنواع الثلاثة من ~~وجه آخر، وهو أن هناك يشترط اتحاد الحالة لثبوت حق الرد. # وهو أن يكون وجودها عند البائع والمشتري في حالة الصغر أو في حال الكبر ~~حتى لو أبق أو سرق أو بال في الفراش عند البائع، وهو صغير عاقل، ثم كان ذلك ~~في يد المشتري بعد البلوغ لا يثبت له حق الرد، وفي الجنون اتحاد الحالة ليس ~~بشرط، وإنما كان كذلك؛ لأن اختلاف الحال في العيوب الثلاث يوجب اختلاف ~~السبب؛ لأن سبب البول على الفراش في حال الصغر هو ضعف في المثانة، وفي ~~الكبر هو داء في الباطن، والسبب في الإباق، والسرقة في الصغر هو الجهل، ~~وقلة التمييز، وفي الكبر الشرارة وخبث الطبيعة، واختلاف السبب يوجب اختلاف ~~الحكم، فكان الموجود في يد المشتري بعد البلوغ غير الموجود في يد البائع، ~~فكان عيبا حادثا، وأنه يمنع الرد بالعيب الحادث بخلاف الجنون؛ لأن سببه في ~~الحالين واحد لا يختلف، وهو فساد في محل العقل، وهو الدماغ، فكان الموجود ~~في حالة الكبر عين الموجود في حالة الصغر، وهذا والله عز وجل أعلم. # معنى قول محمد في الكتاب الجنون عيب لازم أبدا لا ما قاله أولئك، والله ~~عز وجل الموفق (ومنها) عقل الصبي في الإباق، والسرقة والبول على الفراش حتى ~~لو أبق أو سرق أو بال على الفراش في يد البائع، وهو صغير لا يعقل، ثم كان ~~ذلك في يد المشتري، وهو كذلك لا يثبت له حق الرد، وهذا إذا فعل ذلك في يد ~~البائع، وهو صغير لا يعقل، ثم وجد ذلك في يد المشتري بعد ما عقل؛ لأن ~~الموجود في ms3233 يد البائع ليس بعيب، ولا بد من وجود العيب في يده (ومنها) اتحاد ~~الحال في العيوب الثلاثة، فإن اختلف لم يثبت حق الرد بأن أبق أو سرق أو بال ~~على الفراش في يد البائع، وهو صغير عاقل، ثم كان ذلك في يد المشتري بعد ~~البلوغ؛ لأن اختلاف الحال دليل اختلاف سبب العيب على ما بينا، واختلاف سبب ~~العيب يوجب اختلاف العيب، فكان الموجود بعد البلوغ عيبا حادثا عند الرد، ~~والله عز وجل أعلم. # (ومنها) جهل المشتري بوجود العيب عند العقد والقبض، فإن كان عالما به عند ~~أحدهما، فلا خيار له؛ لأن الإقدام على الشراء مع العلم بالعيب رضا به ~~دلالة، وكذا إذا لم يعلم عند العقد، ثم علم بعده قبل القبض؛ لأن تمام ~~الصفقة متعلق بالقبض، فكان العلم عند القبض كالعلم عند العقد (ومنها) عدم ~~اشتراط البراءة عن العيب في البيع عندنا حتى لو شرط، فلا خيار للمشتري؛ لأن ~~شرط البراءة عن العيب في البيع عندنا صحيح، فإذا أبرأه، فقد أسقط حق نفسه، ~~فصح الإسقاط، فيسقط ضرورة. # ثم الكلام في البيع بشرط البراءة في الأصل في موضعين: أحدهما: في جوازه، ~~والثاني: في بيان ما يدخل تحت البراءة من العيب أما الكلام في جوازه، فقد ~~مر في موضعه، وإنما الحاجة ههنا إلى بيان ما يدخل تحت البراءة من العيب، ~~فنقول وبالله التوفيق البراءة لا تخلو إما أن كانت عامة بأن قال: بعت على ~~أني بريء من # PageV05P276 # العيوب أو قال: من كل عيب. # وأما أن كانت خاصة بأن قال: من عيب كذا، وسماه وكل ذلك لا يخلو من ثلاثة ~~أوجه إما أن قيد البراءة بعيب قائم حالة العقد، وإما أن أطلقها إطلاقا. # وإما أن أضافها إلى عيب يحدث في المستقبل، فإن قيدها بعيب قائم حالة ~~العقد لا يتناول العيب الحادث بعد البيع قبل القبض بلا خلاف سواء كانت ~~البراءة عامة بأن قال أبرأتك من كل عيب به أو خاصة بأن قال أبرأتك مما به ~~من عيب كذا؛ لأن اللفظ المقيد بوصف لا ms3234 يتناول غير الموصوف بتلك الصفة، وإن ~~أطلقها إطلاقا دخل فيه القائم، والحادث عند أبي يوسف، وعند محمد لا يدخل ~~فيه الحادث، وله أن يرده وهو قول زفر. # (وجه) قول محمد أن الإبراء عن العيب يقتضي، وجود العيب؛ لأن الإبراء عن ~~المعدوم لا يتصور، والحادث لم يكن موجودا عند البيع، فلا يدخل تحت الإبراء، ~~فلو دخل إنما يدخل بالإضافة إلى حالة الحدوث، والإبراء لا يحتمل الإضافة؛ ~~لأن فيه معنى التمليك حتى يرتد بالرد، ولهذا لم يدخل الحادث عند الإضافة ~~إليه نصا، فعند الإطلاق أولى (وجه) قول أبي يوسف أن لفظ الإبراء يتناول ~~الحادث نصا، ودلالة (أما) النص، فإنه عم البراءة عن العيوب كلها أو خصها ~~بجنس من العيوب على الإطلاق نصا، فتخصيصه أو تقييده بالموجود عند العقد لا ~~يجوز إلا بدليل (وأما) الدلالة، فهي أن غرض البائع من هذا الشرط هو انسداد ~~طريق الرد، ولا ينسد إلا بدخول الحادث، فكان داخلا فيه دلالة. # (وأما) قول محمد إن هذا إبراء عما ليس بثابت، فعبارة الجواب عن هذا الحرف ~~من وجهين أحدهما أن يقال: هذا ممنوع بل هو إبراء عن الثابت لكن تقديرا، ~~وبيانه من وجهين: أحدهما: أن العيب الحادث قبل القبض كالموجود عند العقد، ~~ولهذا يثبت حق الرد به، كما يثبت بالموجود عند العقد، ولما ذكرنا أن القبض ~~حكم العقد، فكان هذا إبراء عن حق ثابت تقديرا، والثاني: أن سبب حق الرد ~~موجود، وهو البيع؛ لأن البيع يقتضي تسليم المعقود عليه سليما عن العيب، ~~فإذا عجز عن تسليمه بصفة السلامة يثبت له حق الرد ليسلم له الثمن، فكان، ~~وجود تسليم المبيع سببا لثبوت حق الرد، والبيع سبب لوجود تسليم المبيع، ~~فكان ثبوت حق الرد بهذه الوسائط حكم البيع السابق، والبيع سبب، فكان هذا ~~إبراء عن حق الرد بعد، وجود سببه، وسبب الشيء إذا، وجد يجعل هو ثبوتا ~~تقديرا لاستحالة خلو الحكم عن السبب، فكان إبراء عن الثابت تقديرا. # ولهذا صح الإبراء عن الجراحة؛ لكون الجرح سبب السراية، فكان إبراء عما ~~يحدث من ms3235 الجرح تقديرا، وكذا الإبراء عن الأجرة قبل استيفاء المنفعة يصح، ~~وإن كانت الأجرة لا تملك عندنا بنفس العقد لما قلنا كذا هذا، والثاني: أن ~~هذا إبراء عن حق ليس بثابت لكن بعد وجود سببه، وهو البيع، وأنه صحيح ~~كالإبراء عن الجرح والإبراء عن الأجرة على ما بينا بخلاف الإبراء عن كل حق ~~له أنه لا يتناول الحادث؛ لأن الحادث معدوم للحال بنفسه وبسببه، فلو انصرف ~~إليه الإبراء؛ لكان ذلك إبراء عما ليس بثابت أصلا لا حقيقة، ولا تقديرا ~~لانعدام سبب الحق، فلم ينصرف إليه، وقوله لو تناول الحادث؛ لكان هذا تعليق ~~البراءة بشرط أو الإضافة إلى وقت ممنوع بل هذا إبراء عن حق ثابت، وقت ~~الإبراء تقديرا لما بينا من الوجهين، فلم يكن هذا تعليقا، ولا إضافة، فيصح ~~والله عز وجل أعلم، وإن أضافها إلى عيب حادث بأن قال: على أني بريء من كل ~~عيب يحدث بعد البيع، فالبيع بهذا الشرط فاسد عندنا؛ لأن الإبراء لا يحتمل ~~الإضافة؛ لأنه. # وإن كان إسقاطا، ففيه معنى التمليك؛ ولهذا لا يحتمل الارتداد بالرد، ولا ~~يحتمل الإضافة إلى زمان في المستقبل نصا، كما لا يحتمل التعليق بالشرط، ~~فكان هذا بيعا أدخل فيه شرطا فاسدا، فيوجب فساد البيع، ولو اختلفا في عيب، ~~فقال البائع: هو كان موجودا عند العقد، فدخل تحت البراءة، وقال المشتري: بل ~~هو حادث لم يدخل تحت البراءة، فإن كانت البراءة مطلقة، فهذا لا يتفرع على ~~قول أبي يوسف؛ لأن العيب الحادث داخل تحت البراءة المطلقة عنده، فأما على ~~قول محمد، فالقول قول البائع مع يمينه، وقال زفر، والحسن بن زياد القول قول ~~المشتري. # (وجه) قولهما أن المشتري هو المبرئ؛ لأن البراءة تستفاد من قبله، فكان ~~القول فيما أبرأ، قوله (وجه) قول محمد أن البراءة عامة، والمشتري يدعي حق ~~الرد بعموم البراءة عن حق الرد بالعيب، والبائع ينكر، فكان القول قوله، كما ~~لو أبرأه عن الدعاوى كلها، ثم ادعى شيئا مما في يده، وهو ينكر كان القول ~~قوله دون المشتري لما قلنا ms3236 كذا هذا، ولو كانت مقيدة بعيب يكون # PageV05P277 # عند العقد، فاختلف البائع، والمشتري على نحو ما ذكرنا، فالقول قول ~~المشتري؛ لأن البراءة المقيدة بحال العقد لا تتناول إلا الموجود حالة ~~العقد، والمشتري يدعي العيب لأقرب الوقتين، والبائع يدعيه لأبعدهما، فكان ~~الظاهر شاهدا للمشتري، وهذا؛ لأن عدم العيب أصل، والوجود عارض، فكان إحالة ~~الموجود إلى أقرب الوقتين أقرب إلى الأصل، والمشتري يدعي ذلك، فكان القول ~~قوله. # ولو اشترى عبدا، وقبضه فساومه رجل، فقال المشتري: اشتره، فإنه لا عيب به، ~~ثم لم يتفق البيع بينهما، ثم وجد المشتري به عيبا، وأقام البينة على أن هذا ~~العيب كان عند البائع، فقال له البائع: إنك أقررت أنه لا عيب به، فقد أكذبت ~~شهودك لا يبطل بهذا الكلام حقه في الرد بالعيب، وله أن يرده؛ لأن مثل هذا ~~الكلام في المتعارف لا يراد به حقيقة، وإنما يذكر لترويج السلعة، ولأن ~~ظاهره كذب؛ لأنه نفى عنه العيوب كلها، والآدمي لا يخلو عن عيب، فالتحق ~~بالعدم وصار كأنه لم يتكلم به، ولو عين نوعا من العيوب بأن قال: اشتره، ~~فإنه ليس به عيب كذا، ثم وجد به عيبا، وأراد الرد، فإن كان ذلك نوعا آخر ~~سوى النوع الذي عينه له أن يرده؛ لأنه لا إقرار منه بهذا النوع، وإن كان من ~~النوع الذي عين ينظر إن كان مما يحدث مثله في مثل تلك المدة ليس له حق ~~الرد؛ لأن مثل هذا الكلام يراد به التحقيق في المتعارف لا ترويج السلعة، ~~فصار مناقضا؛ ولأن الآدمي يخلو عن عيب معين، فلم يتعين بكذبه، وإن كان مما ~~لا يحدث مثله في مثل تلك المدة له حق الرد؛ لأنا تيقنا بكذبه حقيقة، فالتحق ~~كلامه بالعدم. # ولو أبرأه عن عيب، واحد شجة أو جرح، فوجد شجتين أو جرحين، فعلى قول أبي ~~يوسف الخيار للبائع يبرأ من أيهما شاء، وعلى قول محمد الخيار للمشتري يرد ~~أيهما شاء، وفائدة هذا الاختلاف إنما تظهر عند امتناع الرد باعتراض أسباب ~~الامتناع من هلاك المبيع أو حدوث عيب ms3237 آخر في يد المشتري أو غير ذلك من ~~الأسباب المانعة من الرد، وأراد الرجوع بنقصان العيب، فأما عند إمكان الرد، ~~فلا تظهر فائدة في هذا الاختلاف (وجه) قول محمد أن الإبراء يستفاد من قبل ~~المشتري، والاحتمال جاء من قبله حيث أطلق البراءة إلى شجة واحدة غير عين، ~~وإذا كان الإجمال منه كان البيان إليه. # (وجه) قول أبي يوسف أن الإبراء، وإن كان من المشتري لكن منفعة الإبراء ~~عائدة إلى البائع، فصار كأن المشتري، فوض التعيين إليه، فكان الخيار له، ~~ولو أبرأه من كل داء روى الحسن عن أبي حنيفة أنه يقع عن الباطن؛ لأن الظاهر ~~يسمى مرضا لا داء. # وروي عن أبي يوسف أنه يقع عن الظاهر والباطن جميعا؛ لأن الكل داء، ولو ~~أبرأه من كل غائلة، فهي على السرقة، والإباق والفجور وكل ما كان من فعل ~~الإنسان مما يعده التجار عيبا كذا روي عن أبي يوسف؛ لأن الغائلة هي ~~الجناية، وهي التي تكتب في عهدة المماليك لا داء، ولا غائلة على ما «كتب ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما اشترى عبدا أو أمة، وهذا ما اشترى ~~محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العداء بن خالد بن هوذة عبدا أو ~~أمة لا داء به، ولا غائلة بيع المسلم من المسلم» ، والله عز وجل أعلم. # (وأما) طريق إثبات العيب، فلا يمكن الوصول إلى معرفة أقسام العيوب؛ لأن ~~طريق إثبات العيب يختلف باختلاف العيب، فنقول وبالله التوفيق العيب لا يخلو ~~(إما) أن يكون ظاهرا شاهدا يقف عليه كل أحد كالإصبع الزائدة والناقصة والسن ~~الشاغية والساقطة وبياض العين والعور والقروح والشجاج ونحوها (وإما) أن ~~يكون باطنا خفيا لا يقف عليه إلا الخواص من الناس، وهم الأطباء، والبياطرة. # (وإما) أن يكون مما لا يقف عليه إلا النساء بأن كان على فرج الجارية أو ~~مواضع العورة منها، وإما أن يكون مما لا يقف عليه النساء بأن كان داخل ~~الفرج، وإما أن يكون مما لا يقف عليه إلا الجارية المشتراة كارتفاع الحيض ~~والاستحاضة، ms3238 وإما أن يكون مما لا يوقف عليه إلا بالتجربة والامتحان عند ~~الخصومة كالإباق والسرقة والبول على الفراش والجنون والمشتري لا يخلو إما ~~أن يريد إثبات كون العيب في يده للحال، وإما أن يريد إثبات كونه في يد ~~البائع عند البيع، والقبض فإن أراد إثبات كونه للحال، فإن كان يوقف عليه ~~بالحس والعيان، فإنه يثبت بنظر القاضي أو أمينه؛ لأن العيان لا يحتاج إلى ~~البيان، وإن كان لا يقف عليه إلا الأطباء والبياطرة، فيثبت لقوله عز وجل ~~{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] ، وهم في هذا الباب من ~~أهل الذكر فيسألون، وهل يشترط فيه العدد؟ . # ذكر الكرخي في مختصره أنه يشترط، فلا يثبت إلا بقول اثنين منهم من أهل # PageV05P278 # الشهادة، وهكذا ذكر القاضي الإسبيجابي في شرحه مختصر الطحاوي، وذكر شيخي ~~الإمام الزاهد علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي - رحمه الله - في بعض ~~مصنفاته أنه ليس بشرط، ويثبت بقول مسلم عدل منهم، وكذا ذكر الشيخ الإمام ~~الزاهد أبو المعين في الجامع الكبير من تصانيفه (وجه) هذا القول أن هذه ~~الشهادة لا يتصل بها القضاء، وإنما تصح بها الخصومة، فقط، فلا يشترط فيها ~~العدد، وهذا؛ لأن شرط العدد في الشهادة ثبت تعبدا غير معقول المعنى؛ لأن ~~رجحان جانب الصدق على جانب الكذب في خبر المسلم لا يقف على عدد بل يثبت ~~بنفس العدالة إلا أن الشرع، ورد به تعبدا، فيراعى فيه مورد التعبد، وهو ~~شهادة يتصل بها القضاء، وهذه شهادة لا يتصل بها القضاء، فبقيت على أصل ~~القياس. # وحجة القول الأول النصوص المقتضية لاعتبار العدد في عموم الشهادة، ~~والمعقول الذي ذكرناه في كتاب الشهادات؛ ولأن هذه الشهادة، وإن كان لا يتصل ~~بها القضاء لكنها من ضرورات القضاء لا وجود للقضاء بدونها ألا ترى أنه ما ~~لم يثبت العيب عند البائع والمشتري، فالقاضي لا يقضي بالرد، فكان من ضرورات ~~القضاء، فيشترط فيها العدد، كما يشترط في الشهادة على إثبات العيب عند ~~البائع، وإن كان مما لا يطلع عليه إلا النساء، فالقاضي يريهن ms3239 ذلك لقوله عز ~~وجل {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] ، والنساء فيما لا ~~يطلع عليه الرجال أهل الذكر، ولا يشترط العدد منهن بل يكتفى بقول امرأة ~~واحدة عدل، والثنتان أحوط؛ لأن قولهما فيما لا يطلع عليه الرجال حجة في ~~الشرع كشهادة القابلة في النسب. # لكن لا بد من العدالة؛ لأن هذا يرجح جانب الصدق على جانب الكذب في الخبر، ~~ولا يثبت بقول المشتري، وإن كان يطلع عليه؛ لأن النظر إلى موضع العيب مباح ~~له؛ لأنه متهم في هذا الباب، ولا تهمة فيهن، ورخصة النظر ثابتة لهن حالة ~~الضرورة على ما ذكرنا في كتاب الاستحسان، فيلحق هذا بما لا يطلع عليه إلا ~~النساء لما قلنا، وإن كان لا يطلع عليه إلا الجارية المشتراة، فلا يثبت ~~بقولها؛ لكونها متهمة، وإن كان في داخل فرجها، فلا طريق للوقوف عليه أصلا، ~~فكان الطريق في هذين النوعين هو استحلاف البائع بالله عز وجل ليس به للحال ~~هذا العيب. # (وأما) الإباق والسرقة والبول في الفراش، والجنون، فلا يثبت إلا بشهادة ~~رجلين أو رجل وامرأتين؛ لأن هذا مما لا يوقف عليه إلا بالخبر، ولا ضرورة ~~فيه، فلا بد من اعتبار العدد فيه، كما في سائر الشهادات، فإن لم يقم ~~للمشتري حجة على إثبات العيب للحال في هذه العيوب الأربعة هل يستحلف ~~البائع؟ لم يذكر في الأصل، وذكر في الجامع أنه يستحلف في قول أبي يوسف، ~~ومحمد، وسكت عن قول أبي حنيفة عن المشايخ من قال: يستحلف بلا خلاف بينهم، ~~والتنصيص على قولهما لا يدل على أن أبا حنيفة مخالفهما، ومنهم من قال: ~~المسألة على الاختلاف ذكرت في النوادر، وذكر الطحاوي أيضا أن عند أبي حنيفة ~~لا يستحلف، وعندهما يستحلف. # (وجه) قولهما أن المشتري يدعي حق الرد، ولا يمكنه الرد إلا بإثبات العيب ~~عند نفسه، وطريق الإثبات البينة أو نكول البائع، فإذا لم تقم له بينة ~~يستحلف لينكل البائع، فيثبت العيب عند نفسه، ولهذا يستحلف عند عدم البينة ~~على إثبات العيب عند البائع كذا هذا، ولأبي ms3240 حنيفة أن الاستحلاف يكون عقيب ~~الدعوى على البائع، ولا دعوى له على البائع إلا بعد ثبوت العيب عند نفسه، ~~ولم يثبت، فلم تثبت دعواه على البائع، فلا يستحلف، وقولهما له طريق ~~الإثبات، وهو النكول قلنا النكول بعد الاستحلاف وانعدام الدعوى يمنع ~~الاستحلاف؛ لأن استحلاف البائع في هذه العيوب على العلم لا على البتات ~~وبالله ما يعلم أن هذا العبد أبق عند المشتري، ولا سرق ولا بال على الفراش ~~ولا جن، ولا يحلف على البتات؛ لأنه حلف علي غير فعله. # ومن حلف على غير فعله يحلف على العلم؛ لأنه لا علم له بما ليس بفعله، ومن ~~حلف على فعل نفسه يحلف على البتات أصله خبر المثنوي، فإن حلف لم يثبت العيب ~~عند المشتري، وإن نكل يثبت عنده، فيحتاج إلى الإثبات عنده. # وإذا أراد إثبات العيب عند البائع، فينظر إن كان العيب مما لا يحتمل ~~الحدوث أصلا كالإصبع الزائدة، ونحوها أو لا يحتمل حدوث مثله في مثل تلك ~~المدة كالسن الشاغية، ونحوها ثبت كونه عند البائع بثبوت كونه عند المشتري؛ ~~لأنه إذا لم يحتمل الحدوث أولا يحتمل حدوث مثله في مثل تلك المدة، فقد ~~تيقنا بكونه عند البائع، وإن كان مما يحتمل حدوث مثله في مثل تلك المدة لا ~~يكتفى بثبوت كونه عند # PageV05P279 # المشتري بل يحتاج المشتري إلى إثبات كونه عند البائع؛ لأنه إذا احتمل ~~حدوث مثله في مثل تلك المدة احتمل أنه لم يكن عند البائع، وحدث عند ~~المشتري، فلا يثبت حق الرد بالاحتمال، فلا بد من إثباته عند البائع ~~بالبينة، وهي شهادة رجلين أو رجل وامرأتين طبيبتين كانا أو غير طبيبتين. # وإنما شرط العدد في هذه الشهادة؛ لأنها شهادة يقضى بها على الخصم، فكان ~~العدد فيها شرطا كسائر الشهادات التي يقضى بها على الخصوم. # وروي عن أبي يوسف أنه فيما لا يطلع عليه إلا النساء يرد بثبوته عند ~~المشتري، ولا يحتاج إلى الإثبات عند البائع، والمشهور من مذهب أبي يوسف، ~~ومحمد رحمهما الله أنه لا يكتفى بالثبوت عند المشتري بل ms3241 لا بد من إثباته ~~عند البائع، وهو الصحيح؛ لأن قول النساء في هذا الباب حجة ضرورة، والضرورة ~~في القبول في حق ثبوته عند المشتري لتوجه الخصومة وليس من ضرورة ثبوته عند ~~البائع لاحتمال الحدوث، فيقبل قولهما في حق توجه الخصومة؛ لأن حق الرد على ~~البائع، وإذا كان الثبوت عند البائع فيما يحدث مثله شرطا لثبوت حق الرد. # فيقول القاضي: هل كان هذا العيب عندك؟ فإن قال: نعم، رد عليه إلا أن يدعي ~~الرضا أو الإبراء، وإن قال: لا كان القول قوله إلا أن يقيم المشتري البينة؛ ~~لأن المشتري يدعي عليه حق الرد وهو ينكر، فإن أقام المشتري البينة على ذلك ~~رده على البائع، إلا أن يدعي البائع الدفع أو الإبراء ويقيم البينة على ذلك ~~فتندفع دعوى المشتري، وإن لم يكن له بينة فطلب يمين المشتري حلفه القاضي ~~بالله سبحانه وتعالى ما رضي بهذا العيب وإلا أبرأه عنه ولا عرضه على البيع ~~منذ رآه، وإن لم يدع الدفع بالرضا والإبراء فإن القاضي يقضي بفسخ العقد ولا ~~يستحلف المشتري على الرضا والإبراء والعرض على البيع عند أبي حنيفة ومحمد، ~~وعند أبي يوسف: لا يفسخ ما لم يستحلفه بالله تعالى ما رضي بهذا العيب ولا ~~أبرأه عنه ولا عرضه على البيع بعد ما علم به من العيب. # (وجه) قول أبي يوسف أن القاضي لو قضى بالفسخ قبل الاستحلاف فمن الجائز أن ~~يدعي البائع على المشتري بالدفع بدعوى الرضا والإبراء بعد القضاء بالفسخ ~~ويقيم البينة فيفسخ قضاؤه، فكان الاستحلاف قبل الفسخ فيه صيانة للقضاء عن ~~النقض وأنه واجب (وجه) قولهما أن البائع إذا لم يطلب يمين المشتري فتحليف ~~القاضي من غير طلب الخصم إنشاء الخصومة، والقاضي نصب لقطع الخصومة لا ~~لإنشائها، وقول أبي يوسف أن في هذا صيانة قضاء القاضي عن الفسخ فنقول: ~~الصيانة حاصلة بدونه؛ لأن الظاهر أن البائع لم يعلم بوجود الرضا من ~~المشتري، إذ لو علم لادعى الدفع بدعوى، ولما سكت عن دعوى الدفع عند قيام ~~البينة دل أنه لم يظهر ms3242 له الرضا من المشتري فلا يدعي الدفع بعد ذلك. # وإن لم يقم المشتري بينة على إثبات العيب عند البائع وطلب المشتري يمينه ~~ففيما سوى العيوب الأربعة يستحلف على البتات بالله تعالى لقد بعته وسلمته ~~وما به هذا العيب، وإنما يجمع بين البيع والتسليم في الاستحلاف؛ لأن ~~الاقتصار على البيع يوجب بطلان حق المشتري في بعض الأحوال لجواز أن يحدث ~~العيب بعد البيع قبل التسليم فيبطل حقه فكان الاحتياط هو الجمع بينهما، ~~ومنهم من قال: لا احتياط في هذا لأنه لو استحلف على هذا الوجه فمن الجائز ~~حدوث العيب بعد البيع قبل التسليم فيكون البائع صادقا في يمينه؛ لأن شرط ~~حنثه وجود العيب عند البيع والتسليم جميعا فلا يحنث بوجوده في أحدهما فيبطل ~~حق المشتري فكان الاحتياط في هذا الاستحلاف على حاصل الدعوى بالله عز وجل ~~ما له حق الرد بهذا العيب الذي ذكره، ومنهم من قال: يستحلف بالله تعالى لقد ~~سلمته وما به هذا العيب الذي يدعي وهو صحيح؛ لأنه يدخل فيه الموجود عند ~~البيع والحادث قبل التسليم. # وإنما لم يستحلف على البتات؛ لأنه استحلف على فعل نفسه " وهو البيع ~~والتسليم " بصفة السلامة ثم إذا حلف فإن حلف برئ ولا يرد عليه وإن نكل يرد ~~عليه ويفسخ العقد إلا إذا ادعى البائع على المشتري الرضا بالعيب أو الإبراء ~~عنه أو العرض على البيع بعد العلم به، ويقيم البينة فيبرأ ولا يرد عليه، ~~وإن لم يكن له بينة وطلب تحليف المشتري يحلف عليه، وإن لم يطلب يفسخ العقد، ~~ولا يحلفه عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف على ما تقدم. # (وأما) في العيوب الأربعة: ففي الثلاثة منها وهي الإباق والسرقة والبول ~~في الفراش يستحلف بالله تعالى ما أبق عندك منذ بلغ مبلغ الرجال، وفي الجنون ~~بالله عز وجل ما جن عندك قط، وإنما اختلفت هذه العيوب في كيفية # PageV05P280 # الاستحلاف لما ذكرنا فيما تقدم أن اتحاد الحالة في العيوب الثلاثة شرط ~~ثبوت حق الرد وليس بشرط في الجنون بل هو عيب لازم ms3243 أبدا. # وأما كيفية الرد والفسخ بالعيب بعد ثبوته: فالمبيع لا يخلو إما أن يكون ~~في يد البائع أو في يد المشتري، فإن كان في يد البائع ينفسخ البيع بقول ~~المشتري " رددت " ولا يحتاج إلى قضاء القاضي ولا إلى التراضي بالإجماع، وإن ~~كان في يد المشتري لا ينفسخ إلا بقضاء القاضي أو بالتراضي عندنا، وعند ~~الشافعي - رحمه الله - ينفسخ بقوله " رددت من غير الحاجة إلى القضاء ولا ~~إلى رضا البائع " وأجمعوا على أن الرد بخيار الشرط يصح من غير قضاء ولا ~~رضاء، وكذلك الرد بخيار الرؤية متصلا بلا خلاف بين أصحابنا (وجه) قول ~~الشافعي - رحمه الله - أن هذا نوع فسخ فلا تفتقر صحته إلى القضاء ولا إلى ~~الرضا كالفسخ بخيار الشرط بالإجماع وبخيار الرؤية على أصلكم، ولهذا لم ~~يفتقر إليه قبل القبض وكذا بعده. # (ولنا) أن الصفقة تمت بالقبض، وأحد العاقدين لا ينفرد بفسخ الصفقة بعد ~~تمامها كالإقالة؛ وهذا لأن الفسخ يكون على حسب العقد؛ لأنه يرفع العقد، ثم ~~العقد لا ينعقد بأحد العاقدين فلا ينفسخ بأحدهما من غير رضا الآخر ومن غير ~~قضاء القاضي بخلاف ما قبل القبض؛ لأن الصفقة قبل القبض ليست بتامة بل ~~تمامها بالقبض، فكان بمنزلة القبول كأنه لم يسترد بخلاف الرد بخيار الشرط؛ ~~لأن الصفقة غير منعقدة في حق الحكم مع بقاء الخيار فكان الرد في معنى الدفع ~~والامتناع من القبول، وبخلاف الرد بخيار الرؤية؛ لأن عدم الرؤية منع تمام ~~الصفقة؛ لأنه أوجب خللا في الرضا، فكان الرد كالدفع أما ههنا إذ الصفقة قد ~~تمت بالقبض فلا تحتمل الانفساخ بنفس الرد من غير قرينة القضاء أو الرضا ~~والله عز وجل أعلم. # بيان من تلزمه الخصومة في العيب. # فنقول وبالله التوفيق: الخصومة في البيع تلزم البائع سواء كان حكم العقد ~~له أو لغيره بعد أن كان من أهل أن تلزمه الخصومة إلا القاضي أو أمينه ~~كالوكيل والمضارب والشريك والمكاتب والمأذون والأب والوصي؛ لأن الخصومة في ~~العيب من حقوق العقد، وحقوق العقد في هذا الباب راجعة إلى العاقد ms3244 إذا كان ~~أهلا، فإن لم يكن بأن كان صبيا أو محجورا أو عبدا محجورا فالخصومة لا تلزمه ~~وإنما تلزم الموكل على ما ذكرنا في كتاب الوكالة وأما القاضي أو أمينه: ~~فالخصومة لا تلزمه؛ لأن الولاية للقاضي إنما ثبتت شرعا نظرا لمن وقع له ~~العقد، فلو لزمه العهدة لامتنع عن النظر خوفا من لزوم العهدة، فكان القاضي ~~في هذا الباب بمنزلة الرسول فيه والوكيل في باب النكاح، وما يلزم الوكيل من ~~العهدة يرجع بها على الموكل. # والمكاتب والمأذون لا يرجعان على المولى؛ لأن الوكيل يتصرف للموكل نيابة ~~عنه، وتصرف النائب كتصرف المنوب عنه وأما المكاتب والمأذون: فإنما يتصرفان ~~بطريق الأصالة لأنفسهما لا بطريق النيابة عن المولى لما عرف أن الإذن فك ~~الحجر وإزالة المانع، فإذا زال الحجر بالإذن فالعبد يتصرف بمالكية نفسه ~~فكان عاقدا لنفسه لا لمولاه، والذي يقع للمولى هو حكم التصرف لا غير، وإذا ~~كان عاقدا لنفسه كانت العهدة عليه، ولو رد المبيع على الوكيل هل له أن يرده ~~على موكله؟ فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه:. # (إما) أن يرده عليه ببينة قامت على العيب، وإما أن يرده عليه بنكوله، ~~وإما أن يرده عليه بإقراره بالعيب، فإن رده عليه ببينة قامت على العيب يرده ~~على الموكل؛ لأن البينة حجة مطلقة، وهو نائب عنه فيلزم الموكل، وإن رده ~~عليه بنكوله فكذلك؛ لأن نكوله مضاف إلى الموكل لكونه مضطرا ملجأ إليه، ألا ~~ترى أنه لا يملكه في الخصومة وإنما جاء هذا الاضطرار من ناحية الموكل، لأنه ~~هو الذي أوقعه فيه فكان مضافا إليه، وإن رده عليه بإقراره بالعيب ينظر إن ~~كان عيبا لا يحدث مثله يرد على الموكل؛ لأنه علم بثبوته عند البيع بيقين. # وأما إن كان عيبا يحدث مثله لا يرد على الموكل حتى يقيم البينة، فإن كان ~~رد عليه بقضاء القاضي بإقراره لا يرد؛ لأن إقرار المقر يلزمه دون غيره؛ ~~لأنه حجة قاصرة فكان حجة في حقه خاصة لا في حق موكله. # وإن رد عليه بغير قضاء لزم الوكيل ms3245 خاصة سواء كان العيب يحدث مثله أو لا ~~يحدث مثله؛ لأن الرد بغير قضاء وإن كان فسخا في حق العاقدين فهو بيع جديد ~~في حق غيرهما فلا يملك الرد على الموكل كما لو اشتراه، فأما المضارب ~~والشريك فبقبولهما يلزم رب المال والشريك الآخر؛ لأن حكم شركتهما تلزمهما ~~بخلاف الوكيل والله عز وجل أعلم. # وأما بيان ما يمنع الرد بالعيب ويسقط به الخيار بعد ثبوته ويلزم البيع ~~وما لا يسقط ولا يلزم. # فنقول وبالله التوفيق: الرد يمتنع بأسباب (منها) : # PageV05P281 # الرضا بالعيب بعد العلم به؛ لأن حق الرد لفوات السلامة المشروطة في العقد ~~دلالة ولما رضي بالعيب بعد العلم به دل أنه ما شرط السلامة؛ ولأنه ثبت نظرا ~~للمشتري دفعا للضرر عنه، فإذا رضي بالعيب فلم ينظر لنفسه ورضي بالضرر ثم ~~الرضا نوعان: صريح وما هو في معنى الصريح، ودلالة أما الأول: فنحو قوله " ~~رضيت بالعيب أو أجزت هذا البيع أو أوجبته " وما يجري هذا المجرى وأما ~~الثاني: فهو أن يوجد من المشتري بعد العلم بالعيب تصرف في المبيع يدل على ~~الرضا بالعيب نحو ما إذا كان ثوبا فصبغه أو قطعه أو سويقا فلته بسمن أو ~~أرضا فبنى عليها أو حنطة فطحنها أو لحما فشواه ونحو ذلك، أو تصرف تصرفا ~~أخرجه عن ملكه وهو عالم بالعيب أو ليس بعالم أو باعه المشتري أو وهبه وسلمه ~~أو أعتقه أو كاتبه أو دبره أو استولده؛ لأن الإقدام على هذه التصرفات مع ~~العلم بالعيب دليل الرضا بالعيب، ويكون العلم بالعيب وكل ذلك يبطل حق الرد. # ولو باعه المشتري ثم رد عليه بعيب فإن كان قبل القبض له أن يرده على ~~بائعه سواء كان الرد بقضاء القاضي أو بالتراضي بالإجماع، وإن كان بعد القبض ~~فإن كان بقضاء القاضي له أن يرده على بائعه بلا خلاف، وإن كان قبله البائع ~~بغير قضاء ليس له أن يرده عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - له أن يرده ~~(وجه) قوله أن المانع من الرد خروج السلعة عن ملكه فإذا عادت إليه ms3246 فقد زال ~~المانع وصار كأنه لم يخرج ولهذا إذا رد عليه بقضاء له أن يرده على بائعه، ~~وكذا إذا رد عليه بخيار شرط أو بخيار رؤية على أصلكم. # (ولنا) أن القبول بغير قضاء فسخ في حق العاقدين، بيع جديد في حق غيرهما، ~~فصار كما لو عاد إليه بشراء، ولو اشتراه لم يملك الرد على بائعه كذا هذا، ~~والدليل على أن القبول بغير قضاء بيع جديد في حق غير العاقدين أن معنى ~~البيع موجود فكان شبهة الشراء قائمة فكان الرد عند التراضي بيعا لوجود معنى ~~البيع فيه إلا أنه أعطي له حكم الفسخ في حق العاقدين فبقي بيعا جديدا في حق ~~غيرهما بمنزلة الشراء المبتدإ، ولهذا يثبت للشفيع حق الشفعة، وحق الشفعة ~~إنما يثبت بالبيع بخلاف الرد بقضاء القاضي؛ لأنه لم يوجد فيه معنى البيع ~~أصلا؛ لانعدام التراضي فكان فسخا والفسخ رفع العقد من الأصل وجعله كأن لم ~~يكن، ولهذا لم يثبت للشفيع حق الشفعة، وبخلاف ما قبل القبض؛ لأن الصفقة لا ~~تمام لها قبل القبض، ألا ترى أن حدوث العيب قبل القبض كوجوده قبل البيع؟ ، ~~فكان الرد قبل القبض في معنى الامتناع عن القبول، كأن المشتري رد إيجاب ~~البائع ولم يقبله. # ولهذا لم يفتقر الرد قبل القبض إلى القاضي، وبخلاف ما إذا رد عليه بخيار ~~شرط أو رؤية أنه يرده على بائعه؛ لأن معنى البيع لم يوجد في هذا الرد، ألا ~~ترى أنه يرد على بائعه من غير رضاه فكان فسخا ورفعا للعقد من الأصل كأنه لم ~~يكن، وكذا لو وطئ الجارية المشتراة أو لمسها لشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة ~~مع العلم بالعيب لما قلنا، وكذا بدون العلم بالعيب، وقال الشافعي - رحمه ~~الله -: إن كانت الجارية بكرا فوطئها المشتري فكذلك، وأما إذا كانت ثيبا ~~فوطئها بدون العلم بالعيب لا تمنع الرد بالعيب، وستأتي المسألة إن شاء الله ~~تعالى، ولو قبلت الجارية المشتري لشهوة فقد مر تفصيل الكلام فيه في شرط ~~الخيار، ولو استخدم المشتري بعد ما علم بالعيب فالقياس ms3247 أن يسقط خياره، وفي ~~الاستحسان لا يسقط، وقد ذكرنا وجه القياس والاستحسان في خيار الشرط. # ولو كان المشترى دابة فركبها بعد العلم بالعيب فإن ركبها لحاجة نفسه يسقط ~~خياره، وإن ركبها ليسقيها أو ليردها على البائع أو ليشتري لها علفا ففيه ~~قياس واستحسان كما في الاستخدام، وقد ذكرنا ذلك في خيار الشرط، ولو ركبها ~~لينظر إلى سيرها بعد العلم بالعيب يكون رضا يسقط خياره، وفي شرط الخيار لا ~~يسقط، والفرق بينهما قد تقدم في خيار الشرط، وكذا لو اشترى ثوبا فلبسه بعد ~~العلم لينظر إلى طوله وعرضه بطل خياره وفي خيار الشرط لا يبطل. # (ووجه) الفرق بينهما قد ذكرناه في شرط الخيار وإن كان المشترى دارا ~~فسكنها بعد ما علم بالعيب أو رم منها شيئا أو هدم يسقط خياره، وذكر في بعض ~~شروح مختصر الطحاوي في السكنى روايتان والحاصل أن كل تصرف يوجد من المشتري ~~في المشترى بعد العلم بالعيب يدل على الرضا بالعيب يسقط الخيار ويلزم البيع ~~والله عز وجل أعلم. # (ومنها) إسقاط الخيار صريحا أو ما هو في معنى الصريح نحو أن يقول ~~المشتري: أسقطت الخيار أو أبطلته أو ألزمت البيع أو أوجبته وما يجري هذا ~~المجرى؛ لأن خيار العيب حقه، والإنسان بسبيل من التصرف في حقه استيفاء ~~وإسقاطا. # (ومنها) إبراء المشتري عن العيب؛ # PageV05P282 # لأن الإبراء إسقاط، وله ولاية الإسقاط؛ لأن الخيار حقه والمحل قابل ~~للسقوط، ألا ترى كيف احتمل السقوط بالإسقاط صريحا؟ فإذا أسقطه يسقط. # (ومنها) هلاك المبيع لفوات محل الرد. # (ومنها) نقصانه، وجملة الكلام فيه أن نقصان المبيع لا يخلو إما أن يكون ~~قبل القبض وإما أن يكون بعده، وكل ذلك لا يخلو إما أن يكون بآفة سماوية أو ~~بفعل المشتري أو بفعل البائع أو بفعل المبيع أو بفعل أجنبي، فإن كان قبل ~~القبض بآفة سماوية أو بفعل المبيع فهذا وما إذا لم يكن به عيب سواء، وقد ~~ذكرنا حكمه في بيع البات فيما تقدم أن المشتري بالخيار، ثم إن كان النقصان ~~نقصان قدر فإن شاء ms3248 أخذ الباقي بحصته من الثمن وإن شاء ترك، وإن كان نقصان ~~وصف فإن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء ترك لما ذكرنا هنالك، وإن كان بفعل ~~البائع فكذلك الجواب فيه، وفيما إذا لم يكن به عيب سواء وهو أن المشتري ~~بالخيار إن شاء أخذه وطرح عنه قدر النقصان الذي حصل بفعل البائع من الثمن، ~~وإن شاء ترك كما إذا لم يجد به عيبا، وإن كان بفعل المشتري لا خيار له ~~ويصير قابضا بالجناية ويتقرر عليه جميع الثمن إن لم يجد به عيبا كان عند ~~البائع على ما ذكرنا فيما تقدم. # وإن وجد عيبا كان عند البائع فإن شاء رجع بنقصان العيب وإن شاء رضي به، ~~وإن قال البائع: أنا آخذه مع النقصان ليس للمشتري أن يحبسه ويرجع عليه ~~بالنقصان بل يرده عليه ويسقط جميع الثمن، وسنذكر الأصل في جنس هذه المسائل ~~في بيان ما يمنع الرجوع بنقصان العيب وما لا يمنع، هذا إذا لم يوجد من ~~البائع منع المبيع لاستيفاء الثمن بعد ما صار المشتري قابضا بالجناية، فأما ~~إذا وجد منه منع بعد ذلك ثم وجد المشتري به عيبا له أن يرده على البائع، ~~ويسقط عن المشتري جميع الثمن؛ لأنه بالمنع صار مستردا للمبيع ناقضا ذلك ~~القبض فانتقض وجعل كأن لم يكن له، فكان حق الرد على البائع ويسقط عنه جميع ~~الثمن إلا قدر ما نقص بفعله. # وإن كان بفعل أجنبي فالمشتري بالخيار إن شاء رضي به بجميع الثمن واتبع ~~الجاني بالأرش، وإن شاء ترك ويسقط عنه جميع الثمن واتبع البائع الجاني ~~بالأرش كما إذا لم يجد المشتري بها عيبا، هذا إذا حدث النقصان قبل القبض ثم ~~وجد به عيبا، فأما إذا حدث بعد القبض ثم وجد به عيبا فإن حدث بآفة سماوية ~~أو بفعل المبيع أو بفعل المشتري لم يكن له أن يرده بالعيب عند عامة ~~العلماء، وقال مالك - رحمه الله -: له أن يرده ويرد معه أرش العيب الحادث ~~(وجه) قوله أن حق الرد بالعيب ثبت نظرا للمشتري فلو ms3249 امتنع إنما يمتنع نظرا ~~للبائع والمشتري باستحقاق النظر أولى من البائع؛ لأنه لم يدلس العيب ~~والبائع قد دلس (ولنا) أن شرط الرد أن يكون المردود عند الرد على الصفة ~~التي كان عليها عند القبض ولم يوجد؛ لأنه خرج عن ملك البائع معيبا بعيب ~~واحد ويعود على ملكه معيبا بعيبين فانعدم شرط الرد فلا يرد. # ولو كان المبيع جارية فوطئها المشتري ثم اطلع على عيب بها فإن كانت بكرا ~~لم يردها بالإجماع، وإن كانت ثيبا فكذلك عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله ~~-: ترد. # (وجه) قوله: أنه وجد سبب ثبوت حق الرد مع شرطه وما بعد السبب وشرطه إلا ~~الحكم (أما) السبب فهو العيب وقد وجد (وأما) الشرط: فهو أن يكون المردود ~~وقت الرد كما كان وقت القبض وقد وجد؛ لأن الوطء لا يوجب نقصان العين إذ هو ~~استيفاء منافع البضع فأشبه الاستخدام، بخلاف وطء البكر؛ لأن العذرة عضو ~~منها وقد أزالها بالوطء، ولنا أن منافع البضع لها حكم الأجزاء والأعيان ~~بدليل أنها مضمونة بالعين، وغير العين لا يضمن بالعين هو الأصل، وإذ قام ~~الدليل على أن المنافع لا تضمن بالإتلاف عندنا أصلا فكان استيفاؤها في حكم ~~إتلاف الأجزاء والأعيان فانعدم شرط الرد فيمتنع الرد كما إذا قطع طرفا ~~منها، وكما في وطء البكر بخلاف الاستخدام؛ لأنه استيفاء منفعة محضة ما لها ~~حكم الجزء والعين ولأنه لو رد الجارية وفسخ العقد رفع من الأصل من كل وجه ~~أو من وجه فتبين أن الوطء صادف ملك البائع من كل وجه أو من وجه وأنه حرام، ~~فكان المنع من الرد طريق الصيانة عن الحرام وأنه واجب. # وعلى هذا يخرج ما قاله أبو حنيفة - رحمه الله - فيما إذا اشترط رجلان ~~شيئا ثم اطلعا على عيب به كان عند البائع أنه لا ينفرد أحدهما بالفسخ دون ~~صاحبه، وعند أبي يوسف ومحمد: ينفرد أحدهما بالفسخ، وعلى هذا الخلاف لو ~~اشتريا شيئا على أنهما بالخيار فيه ثلاثة أيام أو اشتريا شيئا لم يرياه ~~(وجه) قولهما أنه رد المشترى كما ms3250 اشترى فيصح، كما إذا اشترى عبدا على أنه ~~بالخيار في نصفه ثلاثة أيام فرد النصف، ودلالة الوصف أنه اشترى النصف؛ ~~لأنهما لما اشتريا العبد جملة # PageV05P283 # واحدة كان كل واحد منهما مشتريا نصفه، وقد رد النصف فقد رد ما اشترى كما ~~اشترى، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أنه لم يوجد شرط الرد. # وثبوت حق الرد عند انعدام شرطه ممتنع، والدليل على أنه لم يوجد شرط الرد ~~أن الشرط أن يكون المردود على الوصف الذي كان مقبوضا، ولم يوجد؛ لأنه قبضه ~~غير معيب بعيب زائد، فلو رده لرده وهو معيب بعيب زائد وهو عيب الشركة؛ لأن ~~الشركة في الأعيان عيب؛ لأن نصف العين لا يشترى بالثمن الذي يشترى به لو لم ~~يكن مشتركا فلم يوجد رد ما اشترى كما اشترى فلا يصح الرد دفعا للضرر عن ~~البائع، ولهذا لو أوجب البائع البيع في عبد لاثنين فقبل أحدهما دون الآخر ~~لم يصح؛ لأن البائع لم يرض بزوال ملكه إلا عن الجملة فإذا قبل أحدهما دون ~~الآخر فقد فرق الصفقة على البائع فلم يصح دفعا للضرر عنه كذا هذا، وكذلك لو ~~كان النقصان بفعل أجنبي أو بفعل البائع بأن قطع يده ووجب الأرش أو كانت ~~جارية فوطئها ووجب العقر لم يكن له أن يرد بالعيب لما قلنا ولمعنى آخر يختص ~~به وهو أن النقصان بفعل الأجنبي أو بفعل البائع يؤخذ الأرش والعقر للمشتري ~~وأنه زيادة ولهذا يمنع الرد بالعيب على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. # ولو اشترى مأكولا في جوفه كالبطيخ والجوز والقثاء والخيار والرمان والبيض ~~ونحوها فكسره فوجده فاسدا فهذا في الأصل لا يخلو عن أحد وجهين إما أن وجده ~~كله فاسدا، وإما أن وجد البعض فاسدا والبعض صحيحا، فإن وجده كله فاسدا فإن ~~كان مما لا ينتفع به أصلا فالمشتري يرجع على البائع بجميع الثمن؛ لأنه تبين ~~أن البيع وقع باطلا؛ لأنه بيع ما ليس بمال، وبيع ما ليس بمال لا ينعقد كما ~~إذا اشترى عبدا ثم تبين أنه حر، وإن كان ms3251 مما يمكن الانتفاع به في الجملة ~~ليس له أن يرده بالعيب عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - له أن يرده. # (وجه) قوله أنه لما باعه منه فقد سلطه على الكسر فكان الكسر حاصلا بتسليط ~~البائع فلا يمنع الرد، ولنا ما ذكرنا فيما تقدم أن شرط الرد أن يكون ~~المردود وقت الرد على الوصف الذي كان عليه وقت القبض ولم يوجد؛ لأنه تعيب ~~بعيب زائد بالكسر فلو رد عليه لرد معيبا بعيبين فانعدم شرط الرد وأما قوله ~~" البائع سلطه على الكسر " فنعم، لكن بمعنى أنه مكنه من الكسر بإثبات الملك ~~له فيكون هو بالكسر متصرفا في ملك نفسه لا في ملك البائع بأمره ليكون ذلك ~~منه دلالة الرضا بالكسر، وإن وجد بعضه فاسدا دون البعض ينظر إن كان الفاسد ~~كثيرا يرجع على البائع بجميع الثمن؛ لأنه ظهر أن البيع وقع في القدر الفاسد ~~باطلا؛ لأنه تبين أنه ليس بمال، وإذا بطل في ذلك القدر يفسد في الباقي كما ~~إذا جمع بين حر وعبد وباعهما صفقة واحدة، وإن كان قليلا فكذلك في القياس ~~وفي الاستحسان صح البيع في الكل وليس له أن يرد ولا أن يرجع فيه بشيء؛ لأن ~~قليل الفساد فيه مما لا يمكن التحرز عنه إذ هذه الأشياء في العادات لا تخلو ~~عن قليل فساد فكان فيه ضرورة فيلتحق ذلك القدر بالعدم، ومن مشايخنا من فصل ~~تفصيلا آخر فقال: إذا وجد كله فاسدا فإن لم يكن لقشره قيمة فالبيع باطل؛ ~~لأنه تبين أنه باع ما ليس بمال. # وإن كان لقشره قيمة كالرمان ونحوه فالبيع لا يبطل؛ لأنه إذا كان لقشره ~~قيمة كان القشر مالا، ولكن البائع بالخيار إن شاء رضي به ناقصا وقبل قشره ~~ورد جميع الثمن، وإن شاء لم يقبل؛ لأنه تعيب بعيب زائد، ورد على المشتري ~~حصة المعيب جبرا لحقه، وإن وجد بعضه فاسدا فعلى هذا التفصيل أيضا؛ لأنه إن ~~لم يكن لقشره قيمة رجع على البائع بحصته من الثمن، وإن كان لقشره قيمة رجع ~~بحصة العيب دون القشر ms3252 اعتبارا للبعض بالكل إلا إذا كان الفاسد منه قليلا ~~قدر ما لا يخلو مثله عن مثله فلا يرد ولا يرجع بشيء والله عز وجل أعلم. # (ومنها) الزيادة المنفصلة المتولدة من المبيع بعد القبض، وجملة الكلام في ~~الزيادة أنها لا تخلو إما أن حدثت قبل القبض، وإما أن حدثت بعده، وكل واحدة ~~من الزيادتين لا تخلو من أن تكون متصلة أو منفصلة، والمتصلة لا تخلو من أن ~~تكون متولدة من الأصل كالحسن والجمال والكبر والسمن والسمع وانجلاء بياض ~~إحدى العينين ونحو ذلك أو غير متولدة منه كالصبغ في الثوب والسمن أو العسل ~~الملتوت بالسويق والبناء في الأرض ونحوها، وكذلك المنفصلة لا تخلو من أن ~~تكون متولدة من الأصل كالولد والثمرة واللبن ونحوها، أو غير متولدة من ~~الأصل كالكسب والصدقة والغلة، والبيع لا يخلو إما أن يكون صحيحا أو فاسدا. # (أما) الزيادة في البيع الفاسد فحكمها نذكره في بيان حكم البيع الفاسد إن ~~شاء الله تعالى (وأما) في البيع الصحيح: فإن حدثت الزيادة قبل القبض فإن ~~كانت متصلة متولدة من الأصل # PageV05P284 # فإنها لا تمنع الرد بالعيب لأن هذه الزيادة تابعة للأصل حقيقة لقيامها ~~بالأصل فكانت مبيعة تبعا، والأصل أن ما كان تابعا في العقد يكون تابعا في ~~الفسخ؛ لأن الفسخ رفع العقد فينفسخ العقد في الأصل بالفسخ فيه مقصودا، ~~وينفسخ في الزيادة تبعا للانفساخ في الأصل وإن كانت متصلة غير متولدة من ~~الأصل فإنها تمنع الرد بالعيب؛ لأن هذه الزيادة ليست بتابعة بل هي أصل ~~بنفسها، ألا ترى أنه لا يثبت حكم البيع فيها أصلا ورأسا؟ فلو رد المبيع ~~لكان لا يخلو إما أن يرده وحده بدون الزيادة، وإما أن يرده مع الزيادة لا ~~سبيل إلى الأول؛ لأنه متعذر لتعذر الفصل ولا سبيل إلى الثاني؛ لأن الزيادة ~~ليست بتابعة في العقد فلا تكون تابعة في الفسخ ولأن المشتري صار قابضا ~~للمبيع بإحداث هذه الزيادة فصار كأنها حدثت بعد القبض، وحدوثها بعد القبض ~~يمنع الرد بالعيب، والله - عز وجل - أعلم. # وإن كانت منفصلة ms3253 متولدة من الأصل لا تمنع الرد فإن شاء المشتري ردهما ~~جميعا، وإن شاء رضي بهما بجميع الثمن بخلاف ما بعد القبض عندنا أنها تمنع ~~الرد بالعيب، وسنذكر الفرق إن شاء الله تعالى ولو لم يجد بالأصل عيبا ولكن ~~وجد بالزيادة عيبا ليس له أن يردها؛ لأن هذه الزيادة قبل القبض مبيعة تبعا، ~~والمبيع تبعا لا يحتمل فسخ العقد فيه مقصودا إلا إذا كان حدوث هذه الزيادة ~~قبل القبض مما يوجب نقصانا في المبيع كولد الجارية فله خيار الرد لكن لا ~~للزيادة بل للنقصان. # ولو قبض الأصل والزيادة جميعا ثم وجد بالأصل عيبا له أن يرده خاصة بحصته ~~من الثمن بعدما قسم الثمن على قدر الأصل وقت البيع وعلى قيمة الزيادة وقت ~~القبض؛ لأن الزيادة إنما تأخذ قسطا من الثمن بالقبض، كذلك يعتبر قبضها وقت ~~القبض ولو لم يجد بالأصل عيبا ولكنه وجد بالزيادة عيبا فله أن يردها خاصة ~~بحصتها من الثمن؛ لأنه صار لها حصة من الثمن بالقبض فيردها بحصتها من الثمن ~~فإن كانت الزيادة منفصلة من الأصل فإنها لا تمنع الرد بالعيب؛ لأن هذه ~~الزيادة ليست بمبيعة لانعدام ثبوت حكم البيع فيها، وإنما هي مملوكة بسبب ~~على حدة أو بملك الأصل فبالرد ينفسخ العقد في الأصل وتبقى الزيادة مملوكة ~~بوجود سبب الملك فيه مقصودا أو بملك الأصل لا بالبيع فكانت ربحا لا ربا ~~لاختصاص الربا بالبيع؛ لأنه فضل مال قصد استحقاقه بالبيع في عرف الشرع، ولم ~~يوجد ثم إذا رد الأصل فالزيادة تكون للمشتري بغير ثمن عند أبي حنيفة لكنها ~~لا تطيب له؛ لأنها حدثت على ملكه إلا أنها ربح ما لم يضمن فلا تطيب. # وعند أبي يوسف ومحمد الزيادة تكون للبائع لكنها لا تطيب له وهذا إذا ~~اختار المشتري الرد بالعيب فإن رضي بالعيب واختار البيع فالزيادة لا تطيب ~~له بلا خلاف؛ لأنها ربح ما لم يضمن ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن ذلك، ولأنها زيادة لا يقابلها عوض في عقد البيع وأنه تفسير الربا ولو ms3254 ~~قبض المشتري المبيع مع هذه الزيادة ثم وجد بالمبيع عيبا: فإن كانت الزيادة ~~هالكة له أن يرد المبيع خاصة بجميع الثمن بلا خلاف، وإن كانت قائمة فكذا ~~عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد يرد معه الزيادة. # (وجه) قولهما أن هذه زيادة حدثت قبل القبض فيردها مع الأصل ولأبي حنيفة ~~أن هذه الزيادة لا تتبع الأصل في حكم العقد فلا تتبعه في حكم الفسخ ولو وجد ~~بالزيادة عيبا ليس له أن يردها؛ لأنه لا حصة لهذه الزيادة من الثمن فلا ~~تحتمل الرد بالعيب؛ لأنها لو ردت لردت بغير شيء هذا إذا حدثت الزيادة قبل ~~القبض فأما إذا حدثت بعد القبض فإن كانت متصلة متولدة من الأصل فإنها لا ~~تمنع الرد إن رضي المشتري بردها مع الأصل بلا خلاف؛ لأنها تابعة حقيقة وقت ~~الفسخ، فبالرد ينفسخ العقد في الأصل مقصودا وينفسخ في الزيادة تبعا. # وإن أبى أن يرده وأراد أن يأخذ نقصان العيب من البائع وأبى البائع إلا ~~الرد مع العيب ودفع جميع الثمن اختلف فيه: قال أبو حنيفة - رحمه الله - ~~وأبو يوسف: للمشتري أن يأخذ نقصان العيب من البائع وليس للبائع أن يأبى ذلك ~~ويطلب الرد ويقول: لا أعطيك نقصان العيب ولكن رد علي المبيع معيبا لأدفع ~~إليك جميع الثمن وقال محمد - رحمه الله - ليس للمشتري أن يرجع بالنقصان على ~~البائع إذا أبى ذلك، وللبائع أن يقول له: رد علي المبيع حتى أرد إليك الثمن ~~كله ولقب المسألة أن الزيادة المتصلة المتولدة من الأصل بعد القبض هل تمنع ~~الرد بالعيب إذا لم يرض صاحب الزيادة - وهو المشتري - برد الزيادة ويريد ~~الرجوع بنقصان العيب؟ عندهما يمنع، وعنده لا يمنع. # وأصل المسألة في النكاح إذا ازداد المهر زيادة متصلة متولدة من الأصل بعد ~~القبض ثم ورد الطلاق قبل # PageV05P285 # الدخول أنها هل تمنع التنصيف؟ عندهما تمنع، وعليها نصف القيمة يوم قبضت، ~~وعنده لا تمنع ونذكر المسألة في النكاح وإن كانت متصلة غير متولدة من الأصل ~~تمنع الرد بالإجماع ويرجع بنقصان العيب لما ذكرنا ms3255 أنه لو رد الأصل فإما أن ~~يرده وحده وإما أن يرده مع الزيادة، والرد وحده لا يمكن والزيادة ليست ~~بتابعة في العقد فلا يمكن أن يجعلها تابعة في الفسخ إلا إذا تراضيا على ~~الرد؛ لأنه صار بمنزلة بيع جديد وإن كانت الزيادة منفصلة متولدة من الأصل ~~فإنها تمنع الرد بالعيب عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - لا تمنع، ويرد ~~الأصل بدون الزيادة وكذلك هذه الزيادة تمنع الفسخ عندنا من الإقالة، والرد ~~بخيار الشرط وخيار الرؤية، والكلام فيه مبني على أصل ذكرناه فيما تقدم وهو ~~أن الزيادة عندنا مبيعة تبعا لثبوت حكم الأصل فيه تبعا، وبالرد بدون ~~الزيادة ينفسخ العقد في الأصل مقصودا وتبقى الزيادة في يد المشتري مبيعا ~~مقصودا بلا ثمن ليستحق بالبيع، وهذا تفسير الربا في عرف الشرع. # بخلاف الزيادة قبل القبض؛ لأنها لا ترد بدون الأصل أيضا احترازا عن الربا ~~بل ترد مع الأصل، وردها مع الأصل لا يتضمن الربا ثم إنما لا يرد الأصل مع ~~الزيادة ههنا ورد هناك، أما امتناع رد الأصل بدون الزيادة فلما قلنا إنه ~~يؤدي إلى الربا (وأما) رده مع الزيادة فلأنه يؤدي إلى أن يكون الولد التابع ~~بعد الرد ربح ما لم يضمن؛ لأنه ينفسخ العقد في الزيادة، ويعود إلى البائع ~~ولم يصل إلى المشتري بمقابلة شيء من الثمن في الفسخ؛ لأنه لا حصة له من ~~الثمن فكان الولد للبائع ربح ما لم يضمن؛ لأنه حصل في ضمان المشتري فأما ~~الولد قبل القبض فقد حصل في ضمان البائع فلو انفسخ العقد فيه لا يكون ربح ~~ما لم يضمن بل ربح ما ضمن وإن كانت منفصلة غير متولدة من الأصل لا يمتنع ~~الرد بالعيب ويرد الأصل على البائع والزيادة للمشتري طيبة له؛ لما مر أن ~~هذه الزيادة ليست بمبيعة أصلا لانعدام ثبوت حكم البيع فيها بل ملكت بسبب ~~على حدة فأمكن إثبات حكم الفسخ فيه بدون الزيادة فيرد الأصل وينفسخ العقد ~~فيه وتبقى الزيادة مملوكة للمشتري بوجود سبب الملك فيها شرعا، فتطيب له. # هذا ms3256 إذا كانت الزيادة قائمة في يد المشتري فأما إذا كانت هالكة فهلاكها ~~لا يخلو من أن يكون بآفة سماوية أو بفعل المشتري أو بفعل أجنبي: فإن كان ~~بآفة سماوية له أن يرد الأصل بالعيب وتجعل الزيادة كأنها لم تكن، وإن كان ~~بفعل المشتري فالبائع بالخيار إن شاء قبل ورد جميع الثمن وإن شاء لم يقبل ~~ويرد نقصان العيب، سواء كان حدوث ذلك أوجب نقصانا في الأصل أو لم يوجب ~~نقصانا فيه؛ لأن إتلاف الزيادة بمنزلة إتلاف جزء متصل بالأصل لكونها متولدة ~~من الأصل، وذا يوجب الخيار للبائع وإن كان بفعل أجنبي ليس له أن يرد؛ لأنه ~~يجب ضمان الزيادة على الأجنبي فيقوم الضمان مقام العين فكأن عينه قائمة ~~فيمتنع الرد ويرجع بنقصان العيب، والله - عز وجل - أعلم. # (وأما) بيان ما يفسخ به العقد فالكلام ههنا يقع في موضعين: أحدهما في ~~بيان ما ينفسخ به، والثاني في بيان شرائط جواز الفسخ أما الأول فنوعان: ~~اختياري وضروري، فالاختياري نحو قوله فسخته أو نقضته أو رددته وما هو في ~~معناه، والضروري هلاك المعقود عليه قبل القبض. # (وأما) شرائط جواز الفسخ فمنها سقوط الخيار؛ لأن البيع يلزم بسقوط الخيار ~~فيخرج عن احتمال الفسخ ومنها علم صاحبه بالفسخ بلا خلاف بين أصحابنا سواء ~~كان بعد القضاء أو قبله بخلاف خيار الشرط والرؤية، وهل يشترط له القضاء أو ~~الرضا؟ إن كان قبل القبض لا يشترط له قضاء القاضي ولا رضا البائع، وإن كان ~~بعد القبض يشترط له القضاء أو الرضا، وقد ذكرنا الفرق فيما تقدم ومنها أن ~~لا يتضمن الفسخ تفريق الصفقة على البائع قبل التمام فإن تضمن لا يجوز إلا ~~أن يرضى به البائع؛ لأن تفريق الصفقة على البائع قبل التمام إضرار به على ~~ما نذكر، والضرر واجب الدفع ما أمكن إلا أن يرضى به البائع؛ لأن الضرر ~~المرضي به من جهة المتضرر ولا يجب دفعه. # وعلى هذا يخرج ما إذا وجد المشتري المبيع معيبا فأراد رد بعضه دون بعض ~~قبل القبض، وجملة الكلام فيه ms3257 أن المبيع لا يخلو إما أن يكون شيئا واحدا ~~حقيقة وتقديرا؛ كالعبد والثوب والدار والكرم والمكيل والموزون والمعدود ~~المتقارب في وعاء واحد أو صبرة واحدة وإما أن يكون أشياء متعددة كالعبدين ~~والثوبين والدابتين والمكيل والموزون والمعدود في وعاءين أو صبرتين وكل ~~شيئين ينتفع بأحدهما فيما وضع له بدون الآخر (وإما) أن يكون شيئين حقيقة ~~وشيئا واحدا تقديرا كالخفين والنعلين والمكعبين # PageV05P286 # ومصراعي الباب وكل شيء لا ينتفع بأحدهما فيما وضع له بدون الآخر فلا يخلو ~~إما أن يكون المشتري قبض كل المبيع وإما أن لم يقبض شيئا منه وإما أن قبض ~~البعض دون البعض. # والحادث في المبيع لا يخلو إما أن يكون عيبا أو استحقاقا: أما العيب فإن ~~وجده ببعض المبيع قبل القبض لشيء منه فالمشتري بالخيار إن شاء رضي بالكل ~~ولزمه جميع الثمن وإن شاء رد الكل، وليس له أن يرد المعيب خاصة بحصته من ~~الثمن، سواء كان المبيع شيئا واحدا أو أشياء؛ لأن الصفقة لا تمام لها قبل ~~القبض وتفريق الصفقة قبل تمامها باطل والدليل على أن الصفقة لا تتم قبل ~~القبض أن الموجود قبل القبض أصل العقد والملك لا صفة التأكيد، ألا ترى أنه ~~يحتمل الانفساخ بهلاك المعقود عليه وهو أنه عدم التأكيد وإذا قبض وقع الأمر ~~عن الانفساخ بالهلاك فكان حصول التأكيد بالقبض، والتأكيد إثبات من وجه أو ~~له شبهة الإثبات، وكذا ملك التصرف يقف على القبض فيدل على نقصان الملك قبل ~~القبض، ونقصان الملك دليل نقصان العقد وكذا المشترى إذا وجد بالمبيع عيبا ~~ينفسخ البيع بنفس الرد من غير الحاجة إلى قضاء القاضي ولا إلى التراضي. # ولو كانت الصفقة تامة قبل القبض لما احتمل الانفساخ بنفس الرد كما بعد ~~القبض فيثبت بهذه الدلائل أن الصفقة ليست بتامة قبل القبض، والدليل على أنه ~~لا يجوز تفريق الصفقة على البائع قبل تمامها أن التفريق إضرار بالبائع، ~~والضرر واجب الدفع ما أمكن، وبيان الضرر أن المبيع لا يخلو إما أن يكون ~~شيئا واحدا وإما أن يكون أشياء حقيقة شيئا ms3258 واحدا تقديرا، والتفريق تضمن ~~الشركة والشركة في الأعيان عيب فكان التفريق عيبا وأنه عيب زائد لم يكن عند ~~البائع فيتضرر به البائع. # وإن كان المبيع أشياء فالتفريق يتضمن ضررا آخر وهو لزوم البيع في الجيد ~~بثمن الرديء؛ لأن ضم الرديء إلى الجيد والجمع بينهما في الصفقة من عادة ~~التجار ترويجا للرديء بواسطة الجيد فمن الجائز أن يرى المشتري العيب ~~بالرديء فيرده فيلزم البيع في الجيد بثمن الرديء فيتضرر به البائع فدل أن ~~في التفريق ضررا فيجب دفعه ما أمكن ولهذا لم يجز التفريق في القبول بأن ~~أضاف الإيجاب إلى جملة فقبل المشتري في البعض دون البعض دفعا للضرر عن ~~البائع بلزوم حكم البيع في البعض من غير إضافة الإيجاب إليه؛ لأنه ما أوجب ~~البيع إلا في الجملة فلا يصح القبول إلا في الجملة لئلا يزول ملكه من غير ~~إزالته فيتضرر به، على أن تمام الصفقة لما تعلق بالقبض كان القبض في معنى ~~القبول من وجه فكان رد البعض وقبض البعض تفريقا في القبول ومن وجه فلا يملك ~~إلا أن يرضى البائع برد المعيب عليه فيأخذه ويدفع حصته من الثمن فيجوز ~~ويأخذ المشتري الباقي بحصته من الثمن؛ لأن امتناع الرد كان لدفع الضرر عنه ~~نظرا له فإذا رضي به فلم ينظر لنفسه. # وإن كان المشتري قبض بعض المبيع دون البعض فوجد ببعضه عيبا فكذلك لا يملك ~~رد المعيب خاصة بحصته من الثمن سواء كان المبيع شيئا واحدا أو أشياء، وسواء ~~وجد العيب بغير المقبوض أو بالمقبوض في ظاهر الرواية؛ لأن الصفقة لا تتم ~~إلا بقبض جميع المعقود عليه فكان رد البعض دون البعض تفريق الصفقة قبل ~~التمام وأنه باطل وروي عن أبي يوسف أنه إذا وجد العيب بغير المقبوض فكذلك ~~فأما إذا وجد بالمقبوض فله أن يرده خاصة بحصته من الثمن، فهو نظر إلى ~~المعيب منهما أيهما كان واعتبر الآخر به فإن كان المعيب غير المقبوض اعتبر ~~الآخر غير مقبوض فكأنهما لم يقبضا جميعا، وإن كان المعيب مقبوضا اعتبر ~~الآخر مقبوضا ms3259 فكأنه قبضهما جميعا لكن هذا الاعتبار ليس بسديد؛ لأنه في حد ~~التعارض إذ ليس اعتبار غير المعيب بالمعيب في القبض وعدمه أولى من اعتبار ~~المعيب بغير المعيب في القبض بل هذا أولى؛ لأن الأصل عدم القبض، والعمل ~~بالأصل عند التعارض أولى هذا إذا كان المشتري لم يقبض شيئا من المبيع أو ~~قبض البعض دون البعض. # فإن كان قبض الكل ثم وجد به عيبا فإن كان المبيع شيئا واحدا حقيقة ~~وتقديرا فكذلك الجواب أن المشتري إن شاء رضي بالكل بكل الثمن وإن شاء رد ~~الكل واسترد جميع الثمن، وليس له أن يرد قدر المعيب خاصة بحصته من الثمن ~~لما ذكرنا أن فيه إلزام عيب الشركة وأنها عيب حادث مانع من الرد وإن كان ~~أشياء حقيقة؛ شيئا واحدا تقديرا - فكذلك؛ لأن إفراد أحدهما بالرد إضرار ~~بالبائع إذ لا يمكن الانتفاع بأحدهما فيما وضع له بدون الآخر فكانا فيما ~~وضعا له من المنفعة كشيء واحد فكان المبيع شيئا # PageV05P287 # واحدا من حيث المعنى فبالرد تثبت الشركة من حيث المعنى، والشركة في ~~الأعيان عيب وإذا كان لا يمكن الانتفاع بأحدهما بدون صاحبه فيما وضع له كان ~~التفريق فيعود المبيع إلى البائع بعيب زائد حادث لم يكن عنده، وإن كان ~~أشياء حقيقة وتقديرا فليس له أن يرد الكل إلا عند التراضي وله أن يرد ~~المعيب خاصة بحصته من الثمن عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر والشافعي رحمهما ~~الله ليس له ذلك بل يردهما أو يمسكهما. # (وجه) قولهما أن في التفريق بينهما في الرد إضرارا بالبائع لما ذكرنا أن ~~ضم الرديء إلى الجيد في البيع من عادة التجار ليروج الرديء بواسطة الجيد، ~~وقد يكون العيب بالرديء فيرده على البائع ويلزمه البيع في الجيد بثمن ~~الرديء، وهذا إضرار بالبائع ولهذا امتنع الرد قبل القبض فكذا هذا. # (ولنا) أن ما ثبت له حق الرد وجد في أحدهما فكان له أن يرد أحدهما؛ وهذا ~~لأن حق الرد إنما يثبت لفوات السلامة المشروطة في العقد دلالة؛ والثابتة ~~مقتضى العقد على ما بينا، ms3260 والسلامة فاتت في أحدهما فكان له رده خاصة فلو ~~امتنع الرد إنما يمتنع لتضمنه تفريق الصفقة، وتفريق الصفقة باطل قبل التمام ~~لا بعده والصفقة قد تمت بقبضهما فزال المانع. # (وأما) قولهما: يتضرر البائع برد الرديء خاصة، فنعم لكن هذا ضرر مرضي به ~~من جهته؛ لأن إقدامه على بيع المعيب وتدليس العيب مع علمه أن الظاهر من حال ~~المشتري أنه لا يرضى بالعيب - دلالة الرضا بالرد، بخلاف ما قبل القبض؛ لأنه ~~لا تمام للعقد قبل القبض فلا يكون قبل القبض دلالة الرضا بالرد فكان الرد ~~ضررا غير مرضي به فيجب دفعه وهذا بخلاف خيار الشرط وخيار الرؤية أن المشتري ~~لا يملك رد البعض دون البعض سواء قبض الكل أو لم يقبض شيئا أو قبض البعض ~~دون البعض، وسواء كان المعقود عليه شيئا واحدا أو أشياء؛ لأن خيار الشرط ~~والرؤية يمنع تمام الصفقة بدليل أنه يرده بغير قضاء ولا رضا، سواء كان قبل ~~القبض أو بعده. # ولو تمت الصفقة لما احتمل الرد إلا بقضاء القاضي أو التراضي دل أن هذا ~~الخيار يمنع تمام الصفقة، ولا يجوز تفريق الصفقة قبل التمام، وههنا بخلافه ~~ولو قال المشتري: أنا أمسك المعيب وآخذ النقصان ليس له ذلك؛ لأن قوله: أمسك ~~المعيب - دلالة الرضا بالمعيب وأنه يمنع الرجوع بالنقصان وكذلك لو كان ~~المبيع أشياء فوجد بالكل عيبا فأراد رد البعض دون البعض أن المردود إن كان ~~مما لو كان العيب به وحده لكان له رده وحده كالعبدين والثوبين - فله ذلك؛ ~~لأنه إذا أمسك البعض فقد رضي بعينه فبطل حق الرد فيه؛ لأنه تبين أن صفة ~~السلامة لم تكن مشروطة ولا مستحقة بالعقد فيه فصار كأنه كان صحيحا في الأصل ~~ووجد بالآخر عيبا فيرده وإن كان المردود مما لو كان العيب به وحده لكان لا ~~يرده كالخفين والنعلين ونحوهما ليس له ذلك لما ذكرنا أن التفريق بينهما ~~تعييب. # ولو اشترى عبدين فوجد بأحدهما عيبا قبل القبض فقبض المعيب - وهو عالم ~~بالعيب - لم يكن له أن يرد وسقط خياره ms3261 ولزمه العبدان؛ لأن قبض المعيب مع ~~العلم بالعيب دليل الرضا وللقبض شبه بالعقد فكان الرضا به عند القبض كالرضا ~~به عند العقد ولو رضي به عند العقد يسقط خياره فلزماه جميعا، كذا هذا ولو ~~قبض الصحيح منهما، ولو كانا معيبين فقبض أحدهما لم يسقط خياره؛ لأنه قبض ~~بعض المعقود عليه، والصفقة لا تتم بقبض بعض المعقود عليه، وإنما تتم بقبض ~~الكل فلو لزمه العقد في المقبوض دون الآخر لتفرقت الصفقة على البائع قبل ~~التمام، وتفريق الصفقة قبل التمام باطل ولا يمكن إسقاط حقه عن غير المقبوض؛ ~~لأنه لم يرض به فبقي له الخيار على ما كان، والله - عز وجل - أعلم. # (وأما) الاستحقاق فإن استحق بعض المعقود عليه قبل القبض ولم يجز المستحق ~~بطل العقد في القدر المستحق؛ لأنه تبين أن ذلك القدر لم يكن ملك البائع، ~~ولم توجد الإجازة من المالك فبطل، وللمشتري الخيار في الباقي إن شاء رضي به ~~بحصته من الثمن وإن شاء رده سواء كان استحقاق ما استحقه يوجب العيب في ~~الباقي أو لا يوجب؛ لأنه إذا لم يرض المستحق فقد تفرقت الصفقة على المشتري ~~قبل التمام فصار كعيب ظهر بالسلعة قبل القبض وذلك يوجب الخيار فكذا هذا وإن ~~كان الاستحقاق بعد قبض البعض دون البعض فكذلك الجواب سواء ورد الاستحقاق ~~على المقبوض وعلى غير المقبوض. # فإن كان قبض الكل ثم استحق بعضه بطل البيع في القدر المستحق لما قلنا ثم ~~ينظر إن كان استحقاق ما استحق يوجب العيب في الباقي بأن كان المعقود عليه ~~شيئا واحدا حقيقة وتقديرا # PageV05P288 # كالدار والكرم والأرض والعبد ونحوها - فالمشتري بالخيار في الباقي إن شاء ~~رضي به بحصته من الثمن وإن شاء رد؛ لأن الشركة في الأعيان عيب، وكذلك إن ~~كان المعقود عليه شيئين من حيث الصورة شيئا واحدا من حيث المعنى فاستحق ~~أحدهما فله الخيار في الباقي وإن كان استحقاق ما استحق لا يوجب العيب في ~~الباقي بأن كان المعقود عليه شيئين صورة ومعنى كالعبدين فاستحق أحدهما أو ~~كان صبرة حنطة ms3262 أو جملة وزني فاستحق بعضه فإنه يلزم المشتري الباقي بحصته من ~~الثمن؛ لأنه لا ضرر في تبعيضه لم يكن له خيار الرد، والله - عز وجل - أعلم. # (وأما) بيان ما يمنع الرجوع بنقصان العيب وما لا يمنع. # فالكلام في حق الرجوع بالنقصان في موضعين: أحدهما في بيان شرائط ثبوت حق ~~الرجوع، والثاني في بيان ما يبطل به هذا الحق بعد ثبوته وما لا يبطل (أما) ~~الشرائط (فمنها) امتناع الرد وتعذره فلا يثبت مع إمكان الرد حتى لو وجد به ~~عيبا ثم أراد المشتري أن يمسك المبيع مع إمكان رده على البائع ويرجع ~~بالنقصان ليس له ذلك؛ لأن حق الرجوع بالنقصان كالخلف عن الرد، والقدرة على ~~الأصل تمنع المصير إلى الخلف ولأن إمساك المبيع المعيب مع علمه دلالة الرضا ~~بالعيب، والرضا بالعيب يمنع الرجوع بالنقصان كما يمنع الرد. # (ومنها) أن يكون امتناع الرد لا من قبل المشتري فإن كان من قبله لا يرجع ~~بالنقصان؛ لأنه يصير حابسا المبيع بفعله ممسكا عن الرد، وهذا يوجب بطلان ~~الحق أصلا ورأسا وعلى هذا يخرج ما إذا هلك المبيع أو انتقص بآفة سماوية أو ~~بفعل المشتري ثم علم أنه يرجع بالنقصان؛ لأن امتناع الرد في الهلاك لضرورة ~~فوات المحل، وفي النقصان لأمر يرجع إلى البائع وهو دفع ضرر زائد يلحقه ~~بالرد، ألا ترى أن للبائع أن يقول: أنا أقبله مع النقصان فأدفع إليك جميع ~~الثمن؟ وإذا كان امتناع الرد لأمر يرجع إليه وهو لزوم الضرر إياه بالرد ~~فإذا دفع الضرر عنه بامتناع الرد لا بد من دفع الضرر عن المشتري بالرجوع ~~بالنقصان، وسواء كان النقصان يرجع إلى الذات بفوات جزء من العين أو لا يرجع ~~إليه كما إذا كان المبيع جارية ثيبا فوطئها المشتري أو قبلها بشهوة ثم علم ~~بالعيب؛ لأن الرد امتنع لا من قبل المشتري بل من قبل البائع، ألا ترى أن له ~~أن يقبلها موطوءة؟ . # ولو كان لها زوج عند البائع فوطئها زوجها في يد المشتري فإن كان زوجها قد ~~وطئها في يد ms3263 البائع لم يرجع بالنقصان؛ لأن هذا الوطء لا يمنع الرد، وإمكان ~~الرد يمنع الرجوع بالنقصان وإن كان لم يطأها عند البائع فوطئها عند المشتري ~~فإن كانت بكرا يرجع بالنقصان؛ لأن وطء البكر يمنع الرد بالعيب؛ لأنه يوجب ~~نقصان العين بإزالة العذرة، والامتناع ههنا ليس لمعنى من قبل المشتري بل من ~~قبل البائع فلا يمنع الرجوع بالنقصان وإن كانت ثيبا لم يذكر في الأصل أنه ~~يمنع الرد أم لا؟ وقيل لا يمنع فلا يرجع بالنقصان مع إمكان الرد وكذا لو ~~كان المبيع قائما حقيقة هالكا تقديرا بأن أعطي له حكم الهلاك كما إذا كان ~~المبيع ثوبا فقطعه وخاطه، أو حنطة فطحنها، أو دقيقا فخبزه، أو لحما فشواه ~~فإنه يرجع بالنقصان؛ لأن امتناع الرد في هذه المواضع من قبل البائع ولو حدث ~~في المبيع أو بسببه زيادة مانعة من الرد كالولد والثمرة واللبن والأرش ~~والعقر يرجع بالنقصان؛ لأن امتناع الرد ههنا لا من قبل المشتري بل من قبل ~~الشرع لما ذكرنا فيما تقدم أنه لو رد الأصل بدون الزيادة لبقيت الزيادة ~~مبيعا مقصودا بلا ثمن، وهذا تفسير الربا في متعارف الشرع. # وحرمة الربا تثبت حقا للشرع ولهذا لو تراضيا على الرد لا يقضى بالرد؛ لأن ~~الحرمة الثابتة حقا للشرع لا تسقط برضا العبد وإذا كان امتناع الرد لمعنى ~~يرجع إلى الشرع لا إلى المشتري بقي حق المشتري في وصف السلامة واجب الرعاية ~~فكان له أن يرجع بالنقصان جبرا لحقه ولو كانت الزيادة المانعة سمنا أو عسلا ~~لته بسويق أو عصفرا أو زعفرانا صبغ به الثوب أو بناء على الأرض يرجع ~~بالنقصان؛ لأن التعذر ليس من قبل المشتري ولا من قبل البائع بل من قبل ~~الشرع، ألا ترى أنه ليس للبائع أن يقول أنا آخذه كذلك؟ وتعذر الرد لحق ~~الشرع لا يمنع الرجوع بالنقصان لما ذكرنا. # ولو باعه المشتري أو وهبه ثم علم بالعيب لم يرجع بالنقصان؛ لأن امتناع ~~الرد ههنا من قبل المشتري؛ لأنه بالبيع صار ممسكا عن الرد؛ لأن المشتري قام ms3264 ~~مقامه فصار مبطلا للرد الذي هو الحق فلا يرجع بشيء وكذلك لو كاتبه؛ لأنها ~~توجب صيرورة العبد حرا يدا فصار بالكتابة ممسكا عن الرد فأشبه البيع وكذلك ~~لو أعتقه على مال ثم وجد به عيبا؛ لأن # PageV05P289 # الإعتاق على مال في حق المعتق في معنى البيع لأنه أخذ العوض بمقابلته، ~~والبيع يمنع الرجوع بالنقصان، كذا هذا وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه ~~لا يمنع ولو أعتقه على غير مال ثم وجد به عيبا فالقياس أن لا يرجع، وهو قول ~~الشافعي - رحمه الله - وفي الاستحسان يرجع. # (وجه) القياس أن الرد امتنع بفعله وهو الإعتاق فأشبه البيع أو الكتابة ~~(وجه) الاستحسان أن تعذر الرد ههنا ليس من قبل المشتري لأن الإعتاق ليس ~~بإزالة الملك بل الملك ينتهي بالإعتاق؛ وهذا لأن الأصل في الآدمي عدم الملك ~~والمالية إذ الأصل فيه أن يكون حرا؛ لأن الناس كلهم أولاد آدم وحواء - ~~عليهما الصلاة والسلام -، والمتولد من الحرين يكون حرا إلا أن الشرع ضرب ~~الملك والمالية عليه بعارض الكفر مؤقتا إلى غاية الإعتاق، والمؤقت إلى غاية ~~ينتهي عند وجود الغاية فينتهي الملك والمالية عند الإعتاق فصار كما لو ~~انتهى بالموت، وبه تبين أن الإعتاق ليس بحبس بخلاف البيع؛ لأنه لما أخذ ~~العوض فقد أقام المشتري مقام نفسه فكأنه استبقاه على ملكه فصار حابسا إياه ~~بفعله ممسكا عن الرد فلم يرجع بالنقصان. # وكذلك لو دبره أو استولده ثم وجد به عيبا يرجع بالنقصان؛ لأن الرد لم ~~يمتنع من قبل المشتري بل من قبل الشرع ولو قتله المشتري لم يرجع بالنقصان ~~في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه يرجع؛ لأن المقتول ميت بأجله فتنتهي ~~حياته عند القتل كما تنتهي عند الموت، فصار كما لو مات حتف أنفه، وهناك ~~يرجع بالنقصان كذا ههنا (وجه) ظاهر الرواية أن فوات الحياة إن لم يكن أثر ~~فعل القاتل حقيقة فهو أثر فعله عادة فجعل في حق القاتل كأنه تفويت الحياة ~~حقيقة وإزالتها وإن كان انتهاء حقيقة كالإعتاق على مال أنه ألحق ms3265 بالبيع في ~~حق المعتق وإن لم يكن كذلك في حق العبد فصار حابسا للعبد بصنعه ممسكا. # ولو كان المبيع طعاما فأكله المشتري أو ثوبا فلبسه حتى تخرق لم يرجع ~~بالنقصان في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يرجع (وجه) قولهما أن أكل ~~الطعام ولبس الثوب استعمال الشيء فيما وضع له وأنه انتفاع لا إتلاف، بخلاف ~~القتل فإنه إزالة الحياة في حق القاتل فكان حبسا وإمساكا (وجه) قول أبي ~~حنيفة - عليه الرحمة - أن المشتري بأكل الطعام ولبس الثوب أخرجهما عن ملكه ~~حقيقة إذ الملك فيهما ثبت مطلقا لا مؤقتا بخلاف العبد فأشبه القتل ولو ~~استهلك الطعام أو الثوب بسبب آخر وراء الأكل واللبس ثم وجد به عيبا لم يرجع ~~بالنقصان بلا خلاف؛ لأن استهلاكهما في غير ذلك الوجه إبطال محض فيشبه القتل ~~ولو أكل بعض الطعام ثم وجد به عيبا ليس له أن يرد الباقي ولا أن يرجع ~~بالنقصان عند أبي حنيفة؛ لأن الطعام كله شيء واحد بمنزلة العبد، وقد امتنع ~~رد بعضه بمعنى من قبل المشتري فيبطل حقه أصلا في الرد والرجوع، كما لو باع ~~بعض الطعام دون بعض. # وروي عن أبي يوسف أنه قال: يرد الباقي ويرجع بأرش الكل المأكول والباقي ~~إلا إذا رضي البائع أن يأخذ الباقي بحصته من الثمن وروي عن محمد أنه قال: ~~يرد الباقي ويرجع بنقصان العيب فيما أكل؛ لأنه ليس في تبعيض الطعام ضرر ~~فيمكن رد البعض فيه دون البعض، وليس للبائع أن يمتنع عن ذلك، وبه كان يفتي ~~الفقيه أبو جعفر، وهو اختيار الفقيه أبي الليث باع بعض الطعام دون البعض لم ~~يرد الباقي ولا يرجع بالنقصان عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر يرد الباقي ~~ويرجع بنقصان العيب إلا إذا رضي البائع أن يأخذ الباقي بحصته من الثمن ~~(وجه) قول زفر أن امتناع الرد والرجوع بالنقصان لأجل البيع وأنه وجد في ~~البعض دون البعض فيمتنع في البعض دون البعض؛ لأن الأصل أن يكون الامتناع ~~بقدر المانع. # (ولنا) ما ذكرنا أن الطعام كله شيء ms3266 واحد كالعبد فالامتناع في البعض لمعنى ~~من قبل المشتري يوجب الامتناع في الكل. # ولو كان المبيع دارا فبناها مسجدا ثم اطلع على عيب لم يرجع بالنقصان؛ ~~لأنه لما بناها مسجدا فقد أخرجها عن ملكه فصار كما لو باعها. # ولو اشترى ثوبا وكفن به ميتا ثم اطلع على عيب به فإن كان المشتري وارث ~~الميت وقد اشترى من التركة يرجع بالنقصان؛ لأن الملك في الكفن لم يثبت ~~للمشتري وإنما يثبت للميت؛ لأن الكفن من الحوائج الأصلية للميت وقد امتنع ~~رده بالعيب لا من قبل المشتري فكان له أن يرجع بالنقصان، وإن كان المشتري ~~أجنبيا فتبرع بالكفن لم يرجع بالنقصان؛ لأن الملك في المشترى وقع له فإذا ~~كفن به فقد أخرجه عن ملكه بالتكفين فأشبه البيع، والله - عز وجل - أعلم. # (ومنها) # PageV05P290 # عدم وصول عوض المبيع إلى المشتري مع تعذر الرد في ظاهر الرواية فإن وصل ~~إليه عوضه بأن قتله أجنبي في يده خطأ لا يرجع بالنقصان وإن تعذر رده على ~~البائع وروي عن أبي يوسف ومحمد أنه يرجع بالنقصان؛ لأنه لم يصل إليه حقيقة ~~العيب وإنما وصل إليه قيمة المعيب فكان له أن يرجع بمقدار العيب والصحيح ~~جواب ظاهر الرواية؛ لأنه لما وصل إليه قيمته قامت القيمة مقام العين فكأنها ~~قائمة في يده لما وصل إليه عوضه فصار كأنه باعه ولو باعه المشتري ثم اطلع ~~على عيب به لم يرجع بالنقصان، كذا هذا. # ومنها عدم الرضا بالعيب صريحا ودلالة وهي أن يتصرف في المبيع بعد العلم ~~بالعيب تصرفا يدل على الرضا بالعيب فإن ذلك يمنع ثبوت حق الرد والرجوع ~~جميعا، وقد ذكرنا التصرفات التي هي دليل الرضا بالعيب بعد العلم بالعيب ~~فيما تقدم ولو لم يعلم بالعيب حتى تصرف فيه تصرفا يمنع الرد ثم علم فإن كان ~~التصرف ما لا يخرج السلعة عن ملكه يرجع بالنقصان إلا الكتابة لانعدام دلالة ~~الرضا، وفي الكتابة يرجع؛ لأنها في معنى البيع على ما مر وإن كان التصرف ~~مما يخرج السلعة عن ملكه كالبيع ونحوه لا ms3267 يرجع بالنقصان إلا الإعتاق لا على ~~مال استحسانا على ما ذكرنا فيما تقدم. # (وأما) بيان ما يبطل به حق الرجوع بعد ثبوته وما لا يبطل:. # فحق الرجوع يبطل بصريح الإبطال وما يجري مجرى الصريح نحو قوله: أبطلته أو ~~أسقطته أو أبرأتك عنه، وما يجري هذا المجرى؛ لأن خيار الرجوع حقه كخيار ~~الرد لثبوته بالشرط وهي السلامة المشروطة في العقد دلالة، بخلاف خيار ~~الرؤية، والإنسان بسبيل من التصرف في حقه استيفاء وإسقاطا ويسقط أيضا ~~بالرضا بالعيب، وهو نوعان: صريح، وما يجري مجرى الصريح، ودلالة فالصريح هو ~~أن يقول: رضيت بالعيب الذي به أو اخترت أو أجزت البيع وما يجري مجراه، ~~والدلالة هي أن يتصرف في المبيع بعد العلم بالعيب تصرفا يدل على الرضا ~~بالعيب، كما إذا انتقص المبيع في يد المشتري وامتنع الرد بسبب النقصان ووجب ~~الأرش ثم تصرف فيه تصرفا أخرجه عن ملكه بأن باعه أو وهب وسلم أو أعتق أو ~~دبر أو استولد مع العلم بالعيب؛ لأن التصرف المخرج عن الملك مع العلم ~~بالعيب دلالة الإمساك عن الرد، وذا دليل الرضا بالعيب فيبطل حق الرجوع ولو ~~امتنع الرد بسبب الزيادة المنفصلة المتولدة من الأصل كالولد وغيره، أو ~~الحاصلة بسبب الأصل غير المتولدة منه كالأرش والعقر، والزيادة المتصلة غير ~~المتولدة كالصبغ ونحو ذلك، ثم تصرف تصرفا أخرجه عن ملكه لا يبطل حق الرجوع ~~بالأرش بل يبقى الأرش على حاله؛ لأن التصرف في هذه الصورة لم يقع دلالة على ~~الإمساك عن الرد؛ لأن امتناع الرد كان ثابتا قبله، ألا ترى أنه ليس للبائع ~~خيار الاسترداد بأن يقول أنا أقبله كذلك مع العيب وأرد إليك جميع الثمن؟ ~~وإذا كان الرد ممتنعا قبل التصرف لم يكن هو بالتصرف ممسكا عن الرد فلا يكون ~~دليل الرضا فبقي الأرش واجبا كما كان. # بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك لم يكن الرد ممتنعا حتما، ألا ترى أن للبائع ~~أن يقبله ناقصا مع العيب؟ فكان المشتري بتصرفه مفوتا على نفسه حق الرد فكان ~~حابسا للمبيع بفعله ممسكا إياه ms3268 عن الرد وأنه دليل الرضا بالعيب فيبطل حق ~~الرجوع فصار الأصل في هذا الباب أن وجوب الأرش إذا لم يكن ثابتا على سبيل ~~الحتم والإلزام بل كان خيار الاسترداد للبائع مع العيب فتصرف المشتري بعد ~~ذلك تصرفا مخرجا عن الملك يوجب بطلان الأرش، وإن كان وجوبه ثابتا حتما بأن ~~لم يكن للبائع خيار الاسترداد فتصرف المشتري لا يبطل الأرش (وجه) الفرق بين ~~الفصلين على نحو ما بينا والله - عز وجل - أعلم. # وأما بيان طريق معرفة نقصان العيب فطريقه أن تقوم السلعة وليس بها ذلك ~~العيب وتقوم وبها ذلك؛ فينظر إلى نقصان ما بين القيمتين؛ فيرجع على بائعه ~~بقدر ما نقصه العيب من حصته من الثمن إن كانت قيمته مثل ثمنه، وإن اختلفا ~~فإن كان النقصان قدر عشر القيمة يرجع على بائعه بعشر الثمن، وإن كان قدر ~~خمسها يرجع بخمس الثمن مثاله: إذا اشترى ثوبا قيمته عشرة بعشرة فاطلع على ~~عيب به ينقصه عشر قيمته - وهو درهم - يرجع على بائعه بعشر الثمن وهو درهم ~~ولو اشترى ثوبا قيمته عشرون بعشرة فاطلع على عيب به ينقصه عشر القيمة - ~~وذلك درهمان - فإنه يرجع على البائع بعشر الثمن وذلك درهم واحد ولو كانت ~~قيمته عشرة وقد اشتراه بعشرين، والعيب ينقصه عشر القيمة - وذلك درهم واحد - ~~يرجع على بائعه بعشر الثمن وذلك درهمان على هذا القياس فافهم، والله - عز ~~وجل - أعلم. ### | [خيار الرؤية] # (وأما) الخيار # PageV05P291 # الثابت شرعا لا شرطا. # فهو خيار الرؤية، والكلام فيه في مواضع: في بيان شرعية البيع الذي فيه ~~خيار الرؤية، وفي بيان صفته، وفي بيان حكمه، وفي بيان شرائط ثبوت الخيار، ~~وفي بيان وقت ثبوته، وفي بيان كيفية ثبوته، وفي بيان ما يسقط به الخيار بعد ~~ثبوته ويلزم البيع وما لا يسقط ولا يلزم. # (وأما) الكلام في شرعيته فقد مر في موضعه. # (وأما) صفته فهي أن شراء ما لم يره المشتري غير لازم؛ لأن عدم الرؤية ~~يمنع تمام الصفقة لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «من ms3269 ~~اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه» ولأن جهالة الوصف تؤثر في الرضا ~~فتوجب خللا فيه، واختلاف الرضا في البيع يوجب الخيار، ولأن من الجائز ~~اعتراض الندم لما عسى لا يصلح له إذا رآه فيحتاج إلى التدارك فيثبت الخيار ~~لإمكان التدارك عند الندم نظرا له، كما ثبت خيار الرجعة شرعا نظرا للزوج ~~تمكينا له من التدارك عند الندم، كما قال تبارك وتعالى {لا تدري لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] (وأما) بيع ما لم يره البائع فهل يلزم؟ روي ~~عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه كان يقول أولا لا يلزم ويثبت له الخيار، ثم ~~رجع وقال يلزم ولا يثبت له الخيار. # (وجه) قوله الأول أن ما يثبت له في شراء ما لم يره المشتري - وهو ما ~~ذكرنا من المعاني - موجود في بيع ما لم يره البائع، فورود الشرع بالخيار ~~ثمة يكون ورودا ههنا دلالة (وجه) قوله الآخر ما روي أن سيدنا عثمان بن عفان ~~- رضي الله عنهما - باع أرضا له من طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنهما - ~~ولم يكونا رأياها، فقيل لسيدنا عثمان - رضي الله عنه -: غبنت، فقال: لي ~~الخيار لأني بعت ما لم أره، وقيل لطلحة مثل ذلك فقال: لي الخيار لأني ~~اشتريت ما لم أره، فحكما في ذلك جبير بن مطعم فقضى بالخيار لطلحة - رضي ~~الله عنه - وكان ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - ولم ينكر عليه أحد ~~منهم فكان إجماعا منهم على ذلك والاعتبار بجانب المشتري ليس بسديد؛ لأن ~~مشتري ما لم يره مشتر على أنه خير مما ظنه فيكون بمنزلة مشتر شيئا على أنه ~~جيد فإذا هو رديء، ومن اشترى شيئا على أنه جيد فإذا هو رديء فله الخيار، ~~وبائع شيء لم يره يبيع على أنه أدون مما ظنه فكان بمنزلة بائع شيء على أنه ~~رديء فإذا هو جيد، ومن باع شيئا على أنه رديء فإذا هو جيد لا خيار للبائع ~~فلهذا افترقا. # (وأما) حكمه فحكم المبيع الذي لا خيار فيه وهو ms3270 ثبوت الحل للمشتري في ~~المبيع وثبوت الملك للبائع في الثمن للحال؛ لأن ركن البيع صدر مطلقا عن شرط ~~كان ينبغي أن يلزم إلا أنه ثبت الخيار شرعا لا شرطا بخلاف البيع بشرط ~~الخيار؛ لأن الخيار ثبت بنص كلام العاقدين فأثر في الركن بالمنع من ~~الانعقاد في حق الحكم على ما مر، والله - عز وجل - أعلم. # (وأما) شرائط ثبوت الخيار. # (فمنها) أن يكون المبيع مما يتعين بالتعيين فإن كان مما لا يتعين ~~بالتعيين لا يثبت فيه الخيار حتى إنهما لو تبايعا عينا بعين يثبت الخيار ~~لكل واحد منهما، ولو تبايعا دينا بدين لا يثبت الخيار لواحد منهما. # ولو اشترى عينا بدين فللمشتري الخيار ولا خيار للبائع، وإنما كان كذلك؛ ~~لأن المبيع إذا كان مما لا يتعين بالتعيين لا ينفسخ العقد برده؛ لأنه إذا ~~لم يتعين للعقد لا يتعين للفسخ فيبقى العقد، وقيام العقد يقتضي ثبوت حق ~~المطالبة بمثله، فإذا قبض يرده هكذا إلى ما لا نهاية له، فلم يكن الرد ~~مفيدا بخلاف ما إذا كان عينا لأن العقد ينفسخ برده؛ لأنه يتعين بالعقد، ~~فيتعين في الفسخ أيضا، فكان الرد مفيدا، ولأن الفسخ إنما يرد على المملوك ~~بالعقد وما لا يتعين بالتعيين لا يملك بالعقد وإنما يملك بالقبض فلا يرد ~~عليه الفسخ، ولهذا يثبت خيار الرؤية في الإجارة والصلح عن دعوى المال ~~والقسمة ونحو ذلك؛ لأن هذه العقود تنفسخ برد هذه الأشياء فيثبت فيها خيار ~~الرؤية ولا يثبت في المهر وبدل الخلع والصلح عن دم العمد ونحو ذلك؛ لأن هذه ~~العقود لا تحتمل الانفساخ برد هذه الأموال فصار الأصل أن كل ما ينفسخ العقد ~~فيه برده يثبت فيه خيار الرؤية وما لا فلا، والفقه ما ذكرنا، والله - عز ~~وجل - أعلم. # (ومنها) عدم الرؤية فإن اشتراه وهو يراه فلا خيار له؛ لأن الأصل هو لزوم ~~العقد وانبرامه؛ لأن ركن العقد وجد مطلقا عن شرط إلا أنا عرفنا ثبوت الخيار ~~شرعا بالنص، والنص ورد بالخيار فيما لم يره المشتري لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم ms3271 - «من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه» ، فبقي الخيار عند ~~الرؤية مبقيا على الأصل وإن كان المشتري لم يره وقت الشراء، ولكن كان قد ~~رآه قبل ذلك نظر في ذلك إن كان المبيع وقت الشراء على حاله التي كان عليها ~~لم تتغير - فلا خيار له؛ لأن الخيار ثبت معدولا به عن الأصل بالنص الوارد ~~في شراء ما لم يره # PageV05P292 # وهذا قد اشترى شيئا قد رآه فلا يثبت له الخيار، وإن كان قد تغير عن حاله ~~فله الخيار؛ لأنه إذا تغير عن حاله فقد صار شيئا آخر فكان مشتريا شيئا لم ~~يره فله الخيار إذا رآه. # ولو اختلفا في التغير وعدمه فقال البائع: لم يتغير، وقال المشتري: قد ~~تغير، فالقول قول البائع؛ لأن الأصل عدم التغير والتغير عارض فكان البائع ~~متمسكا بالأصل والمشتري مدعيا أمرا عارضا، فكان القول قول البائع لكن مع ~~يمينه؛ لأن حق الرد أمر يجري فيه البدل والإقرار فيجري فيه الاستحلاف ولأن ~~المشتري بدعوى التغير يدعي حق الرد والبائع ينكر فكان القول قول المنكر ولو ~~اختلفا فقال البائع للمشتري: رأيته وقت الشراء وقال المشتري: لم أره، ~~فالقول قول المشتري؛ لأن عدم الرؤية أصل والرؤية عارض فكان الظاهر شاهدا ~~للمشتري فكان القول قوله مع يمينه؛ ولأن البائع بدعوى الرؤية يدعي عليه ~~إلزام العقد والمشتري ينكر فكان القول قوله. # ولو أراد المشتري الرد فاختلفا فقال البائع: ليس هذا الذي بعتك، وقال ~~المشتري: هو ذاك بعينه فالقول قوله أنه بعينه، وكذلك هذا في خيار الشرط ~~بخلاف خيار العيب فإن القول قول البائع (ووجه) الفرق أن المشتري في خيار ~~الرؤية والشرط بقوله: هذا مالك، لا يدعي ثبوت حق الرد عليه؛ لأن حق الرد ~~ثابت له حتى يرد عليه من غير قضاء ولا رضا، ولكنه يدعي أن هذا الذي قبضه ~~منه، فكان اختلافهما في الحقيقة راجعا إلى المقبوض، والاختلاف متى وقع في ~~تعيين نفس المقبوض فإن القول فيه قول القابض، وإن كان قبضه بغير حق كقبض ~~الغصب ففي القبض الحق أولى، ms3272 بخلاف العيب؛ لأن المشتري لا ينفرد بالرد في ~~خيار العيب، ألا ترى أنه لا يملك الرد إلا بقضاء القاضي أو التراضي؟ فكان ~~هو بقوله: هذا مالك بعينه، مدعيا حق الرد في هذا المعين، والبائع ينكر ثبوت ~~حق الرد فيه فكان القول قوله. # هذا إذا كان المشتري بصيرا، فأما إذا كان أعمى فشرط ثبوت الخيار له عدم ~~الحبس فيما يحبس والذوق فيما يذاق والشم فيما يشم والوصف فيما يوصف وقت ~~الشراء؛ لأن هذه الأشياء في حقه بمنزلة الرؤية في حق البصير، فكان انعدامها ~~شرطا لثبوت الخيار له، فإن وجد شيء منه وقت الشراء فاشتراه فلا خيار له، ~~وكذا إذا وجدت قبل القبض ثم قبض فلا خيار له؛ لأن وجود شيء من ذلك عند ~~القبض في حقه بمنزلة وجوده عند العقد كالرؤية في حق البصير بأن رآه قبل ~~القبض ثم قبضه؛ لأن كل ذلك دلالة الرضا بلزوم العقد على ما نذكره إن شاء ~~الله تعالى هذا الذي ذكرنا إذا رأى المشتري كل المبيع وقت الشراء. # (فأما) إذا رأى بعضه دون البعض فجملة الكلام في جنس هذه المسائل أن ~~المبيع لا يخلو إما أن يكون شيئا واحدا وإما أن يكون أشياء فإن كان شيئا ~~واحدا فرأى بعضه لا يخلو (إما) إن كان ما رآه منه مقصودا بنفسه وما لم يره ~~منه تبعا (وإما) إن كان كل واحد منهما مقصودا بنفسه فإن كان ما لم يره تبعا ~~لما رآه فلا خيار له، سواء كان رؤية ما رآه تفيد له العلم بحال ما لم يره ~~أو لا تفيد؛ لأن حكم التبع حكم الأصل فكان رؤية الأصل رؤية التبع، وإن كان ~~مقصودا بنفسه ينظر في ذلك إن كان رؤية ما رأى تفيد له العلم بحال ما لم يره ~~فلا خيار له؛ لأن المقصود العلم بحال الباقي فكأنه رأى الكل، وإن كان لا ~~يفيد له العلم بحال الباقي فله الخيار؛ لأن المقصود لم يحصل برؤية ما رأى ~~فكأنه لم ير شيئا منه أصلا. # فعلى هذا الأصل تخرج ms3273 المسائل: إذا اشترى عبدا أو جارية فرأى وجهه دون ~~سائر أعضائه لا خيار له، وإن كانت رؤية الوجه لا تفيد له العلم بما وراءه؛ ~~لأن الوجه أصل في الرؤية في بني آدم، وسائر الأعضاء تبع له فيها ولو رأى ~~سائر أعضائه دون الوجه فله الخيار؛ لأن رؤية التبع لا تكون رؤية الأصل ~~فكأنه لم ير شيئا منه. # ولو اشترى فرسا أو بغلا أو حمارا أو نحو ذلك فرأى وجهه لا غير روى ابن ~~سماعة عن محمد أنه يسقط خياره وسوى بينه وبين الرقيق. # وروي عن أبي يوسف أن له الخيار ما لم ير وجهه ومؤخره، وهو الصحيح؛ لأن ~~الوجه والكفل كل واحد منهما عضو مقصود في الرؤية في هذا الجنس فما لم يرهما ~~فهو على خياره. # وإن اشترى شاة فإن كانت نعجة حلوبا اشتراها للقنية أو اشترى بقرة حلوبا ~~أو ناقة حلوبا اشتراها للقنية لا بد من النظر إلى ضرعها، وإن اشترى شاة ~~للحم لا بد من الجس حتى لو رآها من بعيد فهو على خياره؛ لأن اللحم مقصود من ~~شاة اللحم والضرع مقصود من الحلوب، والرؤية من بعيد لا تفيد العلم بهذين ~~المقصودين، والله - عز وجل - أعلم (وأما) البسط فإن كان مما يختلف وجهه ~~وظهره فرأى وجهه دون ظهره كالمغافر ونحوها لا خيار له، وإن رأى الظهر دون ~~الوجه فله الخيار، كذا # PageV05P293 # روى الحسن عن أبي حنيفة. # ولو اشترى ثوبا واحدا فرأى ظاهره مطويا ولم ينشره فإن كان ساذجا ليس ~~بمنقش ولا بذي علم فلا خيار له؛ لأن رؤية ظاهره مطويا تفيد العلم بالباقي، ~~وإن كان منقشا فهو على خياره ما لم ينشره ويرى نقشه؛ لأن النقش في الثوب ~~المنقش مقصود، وإن لم يكن منقشا ولكنه ذو علم فرأى علمه فلا خيار له وإن لم ~~ير كله، ولو رأى كله إلا علمه فله الخيار؛ لأن العلم في الثوب المعلم مقصود ~~كالنقش في المنقش. # ولو - اشترى دارا فرأى خارجها أو بستانا فرأى خارجه ورءوس الأشجار فلا ~~خيار له، كذا ذكر ms3274 في ظاهر الرواية؛ لأن الدار شيء واحد وكذا البستان فكان ~~رؤية البعض رؤية الكل، إلا أن مشايخنا قالوا إن هذا مؤول وتأويله أن لا ~~يكون في داخل الدار بيوت وأبنية فيحصل المقصود برؤية الخارج، فأما إذا كان ~~داخلها أبنية فله الخيار ما لم ير داخلها؛ لأن الداخل هو المقصود من الدار ~~والخارج كالتابع له بمنزلة الثوب المعلم إذا رأى كله إلا علمه كان له ~~الخيار؛ لأن العلم هو المقصود منه وذكر الكرخي أن أبا حنيفة عليه الرحمة ~~أجاب على عادة أهل الكوفة في زمنه، فإن دورهم في زمنه كانت لا تختلف في ~~البناء، وكانت على تقطيع واحد وهيئة واحدة، وإنما كانت تختلف في الصغر ~~والكبر، والعلم به يحصل برؤية الخارج. # وأما الآن فلا بد من رؤية داخل الدار، وهو الصحيح لاختلاف الأبنية في ~~داخل الدور في زماننا اختلافا فاحشا فرؤية الخارج لا تفيد العلم بالداخل، ~~والله - عز وجل - أعلم هذا إذا كان المشترى شيئا واحدا فرأى بعضه. # فأما إن كان أشياء فرأى وقت الشراء بعضها دون البعض فلا يخلو إما إن كان ~~من المكيلات أو الموزونات فرأى بعضها وقت الشراء، فإن كان في وعاء واحد فلا ~~خيار له؛ لأن رؤية البعض فيها تفيد العلم بالباقي فكان رؤية البعض كرؤية ~~الكل إلا إذا وجد الباقي، بخلاف ما رأى فيثبت له الخيار لكن خيار العيب لا ~~خيار الرؤية. # وإن كان في وعاءين فإن كان الكل من جنس واحد وعلى صفة واحدة اختلف ~~المشايخ فيه؛ قال مشايخ بلخ: له الخيار؛ لأن اختلاف الوعاءين جعلهما ~~كجنسين، وقال مشايخ العراق: لا خيار له، وهو الصحيح؛ لأن رؤية البعض من هذا ~~الجنس تفيد العلم بالباقي سواء كان في وعاء واحد أو في وعاءين بعد أن كان ~~الكل من جنس واحد وعلى صفة واحدة، فإن كان من جنسين أو من جنس واحد على ~~صفتين فله الخيار بلا خلاف؛ لأن رؤية البعض من جنس وعلى وصف لا تفيد العلم ~~بجنس آخر وعلى وصف آخر، وإن كان من العدديات ms3275 المتفاوتة كالعبيد والدواب ~~والثياب بأن اشترى جماعة عبيد أو جوار أو إبل أو بقر أو قطيع غنم أو جراب ~~هروي فرأى بعضها أو كلها إلا واحدا فله الخيار بين أن يرد الكل أو يمسك ~~الكل؛ لأن رؤية البعض من هذا الجنس لا تفيد العلم بما وراءه فكأنه لم ير ~~شيئا منه بخلاف المكيل والموزون؛ لأن رؤية البعض منه تفيد العلم بالباقي. # ولو اشترى جماعة ثياب في جراب ورأى أطراف الكل أو طي الكل لا خيار له إلا ~~إذا كانت معلمة أو منقشة؛ لأنها إذا لم تكن معلمة ولا منقشة ولم يكن البعض ~~من كل واحد منها مقصودا والبعض تبعا، ورؤية البعض تفيد العلم بحال الباقي ~~فكان رؤية البعض رؤية الكل. # كما إذا اشترى البطيخ في السريجة والرمان في القفة فرأى البعض فله ~~الخيار؛ لأن البعض منها ليس تبعا للبعض بل كل واحد منها مقصود بنفسه فرؤية ~~البعض منها لا تفيد العلم بالباقي لكونها متفاوتة تفاوتا فاحشا فكان له ~~الخيار وإن كان من العدديات المتقاربة كالجوز والبيض فرأى البعض منها ذكر ~~الكرخي أن له الخيار وألحقه بالعدديات المتفاوتة لاختلافها في الصغر والكبر ~~كالبطيخ والرمان وذكر القاضي الإمام الإسبيجابي - رحمه الله - في شرحه ~~مختصر الطحاوي أنه لا خيار له، وهو الصحيح؛ لأن التفاوت بين صغير البيض ~~والجوز وكبيرهما متقارب ملحق بالعدم عرفا وعادة وشرعا، ولهذا ألحق بالعدم ~~في السلم حتى جاز السلم فيها عددا عند أصحابنا الثلاثة، خلافا لزفر فكان ~~رؤية بعضه معرفا حال الباقي ويحتمل أن يكون الجواب على ما ذكره الكرخي ~~ويفرق بين هذا وبين السلم وهو أن البيض والجوز مما يتفاوت في الصغر والكبر ~~حقيقة والأصل في الحقائق اعتبارها إلا أن الشرع أهدر هذا التفاوت وألحقه ~~بالعدم في السلم لحاجة الناس، ولا حاجة إلى الإهدار في إسقاط الخيار فبقي ~~التفاوت فيه معتبرا فرؤية البعض لا تحصل المقصود، وهو العلم بحال الباقي، ~~فبقي الخيار والله - عز وجل - أعلم. # ولو اشترى دهنا في قارورة فرأى خارج القارورة فعن محمد روايتان: روى ms3276 ابن ~~سماعة عنه أنه # PageV05P294 # لا خيار له؛ لأن الرؤية من الخارج تقيد العلم بالداخل، فكأنه رآه وهو ~~خارج. # وروي عنه أن له الخيار؛ لأن العلم بما في داخل القارورة لا يحصل بالرؤية ~~من خارج القارورة؛ لأن ما في الداخل يتلون بلون القارورة فلا يحصل المقصود ~~من هذه الرؤية، وقالوا في المشتري إذا رأى المبيع في المرآة: إن له الخيار، ~~وكذا في الماء. # وقالوا: لأنه لم ير عينه، وإنما رأى مثاله، والصحيح أنه رأى عين المبيع ~~لا إن غير المبيع في المرآة والماء بل يراه حيث هو لكن لا على الوجه ~~المعتاد بخلق الله - تعالى - فيه الرؤية، وهذا ليس ببعيد؛ لأن المقابلة ~~ليست من شرط الرؤية فإنا نرى الله - تعالى عز شأنه - بلا مقابلة، ولكن قد ~~لا يحصل له العلم بهيئته لتفاوت المرآة فيعلم بأصله لا بهيئته فلذلك يثبت ~~له الخيار لا لما قالوا، والله - عز وجل - أعلم على أن في العرف لا يشتري ~~الإنسان شيئا لم يره ليراه في المرآة أو في الماء ليحصل له العلم بهذا ~~الطريق، فلا تكون رؤيته في المرآة، وإن رأى عينه مسقطة للخيار، وعلى هذا ~~قالوا فيمن رأى فرج أم امرأته في الماء، أو في المرآة فنظر إليه بشهوة لا ~~تثبت له حرمة المصاهرة، وكذا لا يصير مراجعا للمرأة المطلقة طلاقا رجعيا ~~لما قلنا. # ولو اشترى سمكا في دائرة يمكن أخذه من غير اصطياد وحيلة حتى جاز البيع ~~فرآه في الماء ثم أخذه قال بعضهم: لا خيار له؛ لأنه رأى عين السمك في ~~الماء، وقال بعضهم: له الخيار؛ لأن ما رآه كما هو؛ لأن الشيء لا يرى في ~~الماء كما هو بل يرى أكثر مما هو، فلم يحصل المقصود بهذه الرؤية، وهو ~~معرفته كما هو فله الخيار. # (وأما) بيان وقت ثبوت الخيار. # فوقت ثبوت الخيار هو وقت الرؤية لا قبلها، حتى لو أجاز قبل الرؤية، ورضي ~~به صريحا بأن قال: أجزت أو رضيت أو ما يجري هذا المجرى، ثم رآه له أن يرده ~~لما روي ms3277 عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه أثبت الخيار للمشتري بعد ~~الرؤية، فلو ثبت له خيار الإجازة قبل الرؤية وأجاز لم يثبت له الخيار بعد ~~الرؤية، وهذا خلاف النص، ولأن المعقود عليه قبل الرؤية مجهول الوصف، والرضا ~~بالشيء قبل العلم به والعلم بوجود سببه محال، فكان ملحقا بالعدم (وأما) ~~الفسخ قبل الرؤية، فقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: لا يجوز؛ لأنه لا خيار ~~قبل الرؤية، ولهذا لم تجز الإجازة فلا يجوز الفسخ، وقال بعضهم: يجوز وهو ~~الصحيح؛ لأن هذا عقد غير لازم، فكان محل الفسخ كالعقد الذي فيه خيار العيب ~~وعقد الإعارة والإيداع، وقد خرج الجواب عن قولهم: إنه لا خيار قبل الرؤية؛ ~~لأن ملك الفسخ لم يثبت حكما للخيار، وإنما يثبت حكما لعدم لزوم العقد، ~~والله - عز وجل - أعلم. # (وأما) بيان كيفية ثبوت الخيار فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: إن ~~خيار الرؤية بعد الرؤية يثبت مطلقا في جميع العمر إلى أن يوجد ما يبطله، ~~فيبطل حينئذ، وإلا فيبقى على حاله، ولا يتوقف بإمكان الفسخ، وهو اختيار ~~الكرخي؛ لأن سبب ثبوت هذا الخيار هو اختلال الرضا، والحكم يبقى ما بقي ~~سببه، وقال بعضهم: إنه يثبت موقتا إلى غاية إمكان الفسخ بعد الرؤية حتى لو ~~رآه وأمكنه الفسخ ولم يفسخ يسقط خياره، وإن لم توجد الأسباب المسقطة للخيار ~~على ما نذكرها إن شاء الله - تعالى -؛ لأن من الأسباب المسقطة للخيار الرضا ~~والإجازة، والامتناع من الفسخ بعد الإمكان دليل الإجازة والرضا، والله - عز ~~وجل - أعلم. # (وأما) بيان ما يسقط به الخيار بعد ثبوته ويلزم البيع وما لا يسقط ولا ~~يلزم. # فنقول - وبالله التوفيق - ما يسقط به الخيار بعد ثبوته ويلزم البيع في ~~الأصل نوعان: اختياري، وضروري، والاختياري نوعان: صريح، وما يجري مجرى ~~الصريح دلالة (أما) الصريح وما في معناه فنحو أن يقول: أجزت البيع أو رضيت ~~أو اخترت، أو ما يجري هذا المجرى سواء علم البائع بالإجازة أو لم يعلم؛ لأن ~~الأصل في البيع المطلق هو اللزوم، والامتناع لخلل في الرضا فإذا ms3278 أجاز ورضي ~~فقد زال المانع فيلزم. # (وأما) الدلالة فهو أن يوجد من المشتري تصرف في المبيع بعد الرؤية يدل ~~على الإجازة والرضا نحو ما إذا قبضه بعد الرؤية؛ لأن القبض بعد الرؤية دليل ~~الرضا بلزوم البيع لأن للقبض شبها بالعقد فكان القبض بعد الرؤية كالعقد بعد ~~الرؤية، وذاك دليل الرضا كذا هذا، وسواء قبضه بنفسه أو وكيله بالقبض بأن ~~قبضه الوكيل، وهو ينظر إليه، وكانت رؤيته كرؤية الموكل عند أبي حنيفة، وعند ~~أبي يوسف ومحمد لا يسقط خياره بقبض الوكيل مع رؤيته، ولقب المسألة أن ~~الوكيل بالقبض يملك إسقاط خيار الرؤية عنده، وعندهما لا يملك، وأجمعوا على ~~أن الرسول بالقبض لا يملك، وأجمعوا على أن الوكيل بالشراء يملك، وكانت ~~رؤيته روية الموكل، وأجمعوا على أن الرسول بالشراء # PageV05P295 # لا يملك، ولا تكون رؤيته رؤية المرسل، ويثبت الخيار للمرسل إذا لم يره. # (وجه) قولهما أن الوكيل متصرف بحكم الأمر، والمتصرف بحكم الأمر لا يتعدى ~~إلى مورد الأمر، وهو وكيل بالقبض لا بإسقاط الخيار فلا يملك إسقاطه، ولهذا ~~لا يملك إسقاط خيار العيب ولا خيار الشرط، وكذا الرسول لا يملك فكذا الوكيل ~~ولأبي حنيفة أنه وكيل بالقبض لكن بقبض تام؛ لأن الوكيل بالشيء وكيل بإتمام ~~ذلك الشيء، ولهذا كان الوكيل بالخصومة وكيلا بالقبض، وتمام القبض بإسقاط ~~الخيار؛ لأن خيار الرؤية يمنع تمام القبض، ولهذا لا يملك التفريق بعد ~~القبض؛ لأنه غير مقبوض، وقد خرج الجواب عن قولهما أنه وكيل بالقبض لا ~~بإبطال الخيار؛ لأن الوكيل عنده لا يملك إبطال الخيار مقصودا؛ لأن الموكل ~~لا يملك ذلك فكيف يملكه الوكيل؟ وإنما يبطل في ضمن القبض بأن قبضه وهو ينظر ~~إليه حتى لو قبضه مستورا ثم أراد بطلان الخيار لا يملكه، والشيء قد يثبت ~~ضمنا لغيره. # وإن كان لا يثبت مقصودا كعزل الوكيل وغيره بخلاف خيار العيب؛ لأنه لا ~~يمنع تمام القبض ألا ترى أنه يملك التفريق بعد القبض؟ ، وكذا الرد بعد ~~القبض بغير قضاء لم يكن رفعا للعقد من الأصل، بخلاف الرد قبل القبض، ms3279 وبخلاف ~~خيار الشرط؛ لأنه يثبت للاختبار، والقبض وسيلة إلى الاختبار فلم يصلح القبض ~~دليل الرضا، وخيار الرؤية إنما يثبت بخلل في الرضا، والقبض مع الرؤية دليل ~~الرضا على الكمال، فأوجب بطلان الخيار، وبخلاف الرسول بالقبض؛ لأنه نائب في ~~القبض عن المرسل، فكان قبضه قبض المرسل، فكان إتمام القبض إلى المرسل. # (وأما) الوكيل فأصل في نفس القبض، وإنما الواقع للموكل حكم فعله، فكان ~~الإتمام إلى الوكيل، وكذا إذا تصرف فيه تصرف الملاك بأن كان ثوبا فقطعه أو ~~صبغه أحمر أو أصفر أو سويقا فلته بسمن أو عسل أو أرضا فبنى عليها أو غرس أو ~~زرع أو جارية فوطئها أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها عن شهوة أو دابة ~~فركبها لحاجة نفسه، ونحو ذلك؛ لأن الإقدام على هذه التصرفات دلالة الإجازة ~~والرضا بلزوم البيع والملك به إذ لو لم يكن به وفسخ البيع لتبين أنه تصرف ~~في ملك الغير من كل وجه أو من وجه، وأنه حرام فجعل ذلك إجازة منه صيانة له ~~عن ارتكاب الحرام، وكذا إذا عرضه على البيع باع أو لم يبع؛ لأنه لما عرضه ~~على البيع فقد قصد إثبات الملك اللازم للمشتري ومن ضرورته لزوم الملك له ~~ليمكنه إثباته لغيره، ولو عرض بعضه على البيع سقط خياره عند أبي يوسف، وعند ~~محمد لا يسقط، والصحيح قول أبي يوسف؛ لأن سقوط الخيار ولزوم البيع بالعرض ~~لكون العرض دلالة الإجازة والرضا، ودلالة الإجازة دون صريح الإجازة. # ثم لو صرح بالإجازة في البعض لم يجز، ولم يسقط خياره لما فيه من تفريق ~~الصفقة على البائع قبل التمام فلأن لا يسقط بدلالة الإجازة أولى، وكذا لو ~~وهبه سلم أو لم يسلم؛ لأن الثابت بالهبة لا يعود إليه إلا بقرينة القضاء أو ~~الرضا فكان الإقدام عليها دلالة قصد إثبات الملك اللازم فيقتضي لزوم الملك ~~للواهب، وكذا إذا رهنه وسلم أو آجره؛ لأن كل واحد منهما عقد لازم في نفسه، ~~والثابت بهما حق لازم للغير، وكذا إذا كاتبه؛ لأن الكتابة عقد لازم في ms3280 جانب ~~المكاتب، والثابت بها حق لازم في حقه، وكذا إذا باعه أو وهبه وسلم، وكذا ~~إذا أعتقه أو دبره أو استولده؛ لأن هذه تصرفات لازمة، والثابت بها ملك لازم ~~أو حق لازم، فالإقدام عليها يكون إجازة والتزاما للعقد دلالة. # ولو باع بشرط الخيار لنفسه لا يسقط خياره في رواية، وفي رواية يسقط، وهي ~~الصحيحة؛ لأن البيع بشرط الخيار لا يكون أدنى من العرض على البيع بل فوقه ~~ثم العرض على البيع يسقط الخيار، فهذا أولى، وكذا لو أخرج بعضه عن ملكه ~~يسقط خياره عن الباقي، ولزم البيع فيه؛ لأن رد الباقي تفريق الصفقة على ~~البائع قبل التمام؛ لأن خيار الرؤية يمنع تمام الصفقة؛ لأنه يمنع تمام ~~الرضا، وكذا إذا انتقص المعقود عليه بفعله، والله - عز وجل - أعلم (وأما) ~~الضروري فهو كل ما يسقط به الخيار، ويلزم البيع من غير صنعه نحو موت ~~المشتري عندنا خلافا للشافعي - رحمه الله -، والمسألة قد مرت في خيار ~~الشرط، وكذا إجازة أحد الشريكين فيما اشترياه، ولم يرياه دون صاحبه عند أبي ~~حنيفة، وقد ذكرنا المسألة في خيار العيب. # وكذا إذا هلك بعضه أو انتقص بأن تعيب بآفة سماوية أو بفعل أجنبي أو بفعل ~~البائع عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله أو زاد في يد المشتري زيادة ~~منفصلة أو متصلة متولدة # PageV05P296 # أو غير متولدة على التفصيل، والاتفاق، والاختلاف الذي ذكرنا في خيار ~~الشرط، والعيب، والأصل أن كل ما يبطل خيار الشرط والعيب يبطل خيار الرؤية ~~إلا أن خيار الشرط والعيب يسقط بصريح الإسقاط، وخيار الرؤية لا يسقط بصريح ~~الإسقاط لا قبل الرؤية ولا بعدها أما قبلها فلما ذكرنا فيما تقدم أنه لا ~~خيار قبل الرؤية؛ لأن أوان ثبوت الخيار هو أوان الرؤية فقبل الرؤية لا ~~خيار، وإسقاط الشيء قبل ثبوته وثبوت سببه محال. # وأما بعد الرؤية فلأن الخيار ما ثبت باشتراط العاقدين؛ لأن ركن العقد ~~مطلق عن الشرط نصا ودلالة، وإنما يثبت شرعا لحكمه فيه فكان ثابتا حقا لله - ~~تعالى -. # (وأما) خيار الشرط والعيب فثبت باشتراط ms3281 العاقدين أما خيار الشرط فظاهر؛ ~~لأنه منصوص عليه في العقد (وأما) خيار العيب فلأن السلامة مشروطة في العقد ~~دلالة، والثابت بدلالة النص كالثابت بصريح النص فكان ثابتا حقا للعبد، وما ~~ثبت حقا للعبد يحتمل السقوط بإسقاطه مقصودا؛ لأن الإنسان يملك التصرف في حق ~~نفسه مقصودا استيفاء وإسقاطا، فأما ما ثبت حقا - لله تعالى - فالعبد لا ~~يملك التصرف فيه إسقاطا مقصودا؛ لأنه لا يملك التصرف في حق غيره مقصودا، ~~لكنه يحتمل السقوط بطريق الضرورة بأن يتصرف في حق نفسه مقصودا، ويتضمن ذلك ~~سقوط حق الشرع، فيسقط حق الشرع في ضمن التصرف في حق نفسه كما إذا أجاز ~~المشتري البيع، ورضي به بعد الرؤية نصا أو دلالة بمباشرة تصرف يدل على ~~الرضا والإجازة؛ لأنه وإن ثبت حقا للشرع، لكن الشرع أثبته نظرا للعبد حتى ~~إذا رآه وصلح له أجازه. # وإن لم يصلح له رده إذ الخيار هو التخيير بين الفسخ والإجازة، فكان ~~المشتري بالإجازة والرضا متصرفا في حق نفسه مقصودا، ثم من ضرورة الإجازة ~~لزوم العقد، ومن ضرورة لزوم العقد سقوط الخيار، فكان سقوط الخيار من طريق ~~الضرورة لا بالإسقاط مقصودا، ويجوز أن يثبت الشيء بطريق الضرورة، وإن كان ~~لا يثبت مقصودا كالوكيل بالبيع إذا عزله الموكل، ولم يعلم به فإنه لا ~~ينعزل، ولو باع الموكل بنفسه ينعزل الوكيل كذا هنا. # ولو باع بشرط الخيار قبل الرؤية أو عرضه على البيع أو وهبه ولم يسلم أو ~~كان للمشتري دارا فبيعت دار بجنبها فأخذها بالشفعة فهو على خياره؛ لأن هذه ~~التصرفات دلالة الرضا، وهذا الخيار قبل الرؤية لا يسقط بصريح الرضا فبدلالة ~~الرضا أولى أن لا يسقط، وإنما يسقط بتعذر الفسخ بأن أعتق أو دبر أو باع أو ~~آجر أو رهن، وسلم أما الإعتاق والتدبير فلأن كل واحد منهما وقع صحيحا ~~لمصادفته محلا مملوكا، وكل واحد منهما تصرف لازم لا يحتمل النقض والفسخ ~~فتعذر فسخ البيع لتعذر فسخهما. # (وأما) البيع والإجارة والرهن فلأنها تصرفات لازمة أوجب بها ملكا لازما ~~أو حقا لازما للغير ms3282 على وجه لا يملك الاسترداد فتعذر الفسخ، وتعذر فسخ ~~العقد يوجب لزومه؛ لأن الفسخ إذا تعذر لم يكن في بقاء العقد فائدة فيسقط ~~ضرورة ولو باع أو رهن أو آجر ثم رد عليه بعيب بقضاء القاضي أو افتك الرهن ~~أو انقضت مدة الإجارة لا يعود الخيار كذا روي عن أبي يوسف؛ لأن خيار الرؤية ~~بعد ما سقط لا يعود إلا بسبب جديد بخلاف خيار العيب، وعلى هذا إذا كاتبه أو ~~وهبه وسلمه أو باعه بشرط الخيار للمشتري قبل الرؤية يلزم البيع؛ لأن هذه ~~عقود لازمة أوجبت حقوقا لازمة (أما) الكتابة فلأنها عقد لازم في حق المكاتب ~~حتى لا يملك الفسخ من غير رضا المكاتب، وكذا البيع بشرط الخيار للمشتري؛ ~~لأنه لازم في جانب البائع. # (وأما) الهبة فلأن الملك الثابت بها ملك لا يحتمل العود إليه إلا بقضاء ~~أو رضا، فكان في معنى اللزوم، وإذا تعذر الفسخ بسبب هذه التصرفات، وتعذر ~~الفسخ يوجب اللزوم ويسقط الخيار ضرورة عدم الفائدة بخلاف ما إذا باع بشرط ~~الخيار لنفسه؛ لأنه ليس بتصرف لازم في حقه، وكذا الهبة من غير تسليم، ~~والعرض على البيع، والله - عز وجل - أعلم ثم ما ذكرنا من سقوط الخيار ولزوم ~~البيع برضا المشتري إذا رأى كل المبيع فرضي به. # فأما إذا رأى بعضه دون بعض فهل يسقط خياره؟ فتفصيل الكلام فيه على النحو ~~الذي ذكرنا فيما إذا رأى بعض المبيع دون بعض وقت الشراء، فكل ما يمنع ثبوت ~~الخيار هناك يسقط بعد ثبوته ههنا، وما لا فلا، وفيما وراء ذلك لا يختلفان، ~~والله - عز وجل - أعلم. # وعلى ذلك يخرج ما إذا اشترى مغيبا في الأرض كالجزر والبصل والثوم والسلق ~~والفجل ونحوها من المغيبات في الأرض فقلع بعضه ورضي بالمقلوع أنه لا يسقط ~~خياره عند # PageV05P297 # أبي حنيفة حتى إنه إذا قلع الباقي كان على خياره إن شاء رد وإن شاء أمسك ~~الكل، وقال أبو يوسف، ومحمد: إذا قلع شيئا مما يستدل به على الباقي في ~~عظمه، ورضي به المشتري فهو لازم ms3283 (وجه) قولهما أنه إذا قلع ما يستدل به على ~~الباقي كان رؤية بعضه كرؤية كله فكأنه قلع الكل، ورضي به كما إذا اشترى ~~صبرة فرأى ظاهرها، يسقط خياره كذا هذا. # (وجه) قول أبي حنيفة أن هذه المغيبات مما تختلف بالصغر والكبر والجودة ~~والرداءة اختلافا فاحشا فرؤية البعض منها لا تفيد العلم بحال البقية فأشبه ~~الثياب وسائر العدديات المتفاوتة، ولو قطع المشتري الكل بغير إذن البائع ~~سقط خياره؛ لأنه نقص المعقود عليه بالقلع؛ لأنه كان ينمو في الأرض ويزيد، ~~ولا يتسارع إليه الفساد وبعد القلع لا ينمو، ويتسارع إليه الفساد، وانتقاص ~~المعقود عليه في يد المشتري بغير صنعه يسقط الخيار، ويلزم البيع فبصنعه ~~أولى، وكذا إذا قلع بعضه بغير إذنه؛ لأنه نقص بعض المبيع، وانتقاص بعض ~~المبيع بنفسه يمنع رد الباقي فبصنعه أولى، وإن قلع كله بإذن البائع أو بعضه ~~أو قلع الباقي بنفسه لم يذكر الكرخي هذا الفصل. # وينبغي أن لا يختلف الجواب فيه على قياس قول أبي حنيفة، ومحمد كما في ~~البيع بشرط الخيار للمشتري إذا انتقص المبيع بفعل البائع، أنه يسقط خيار ~~المشتري عندهما، وهو قول أبي يوسف الأول، وفي قوله الآخر لا يسقط، وروى بشر ~~عن أبي يوسف أن المشتري إذا قلع البعض بإذن البائع أو قلع البائع بعضه أنه ~~ينظر إن كان المغيب مما يباع بالكيل أو الوزن بعد القلع فقلع قدر ما يدخل ~~تحت الكيل أو الوزن، ورضي به يلزم البيع، ويسقط خياره؛ لأن الرضا ببعض ~~المكيل بعد رؤيته رضا بالكل؛ لأن رؤية بعضه تعرف حال الباقي إلا إذا كان ~~المقلوع قليلا لا يدخل تحت الكيل فلا يسقط خياره؛ لأن قلعه والترك بمنزلة ~~واحدة، فكأنه لم يقلع منه شيئا، وإن كان مما يباع عددا كالسلق، والفجل، ~~ونحوها فقلع بعضا منه فهو على خياره؛ لأن رؤية البعض منه لا تفيد العلم ~~بحال الباقي للتفاوت الفاحش بين الصغير والكبير من هذا الجنس فلا يحصل ~~المقصود برؤية البعض، فيبقى على خياره. # وقال أبو يوسف: إذا اختلف البائع والمشتري ms3284 في القلع، فقال المشتري: إني ~~أخاف إن قلعته لا يصلح لي ولا أقدر على الرد، وقال البائع: إني أخاف إن ~~قلعته لا ترضى به فمن تطوع منهما بالقلع جاز، وإن تشاحا على ذلك فسخ القاضي ~~العقد بينهما؛ لأنهما إذا تشاحا فلا سبيل إلى الإجبار لما في الإجبار من ~~الإضرار فتعذر التسليم فلم يكن في بقاء العقد فائدة فيفسخ، والله - عز وجل ~~- أعلم هذا الذي ذكرنا بيان ما يسقط به الخيار بعد ثبوته في حق البصير. # فأما الأعمى إذا اشترى شيئا، وثبت له الخيار فإن خياره يسقط بما ذكرنا من ~~الأسباب المسقطة لكن بعد ما وجد منه ما يقوم مقام الرؤية، وهو الجس فيما ~~يجس، والذوق فيما يذاق، والشم فيما يشم، والوصف فيما يوصف كالدار والعقار ~~والثمار على رءوس الأشجار، ونحوها إذا كان الموصوف على ما وصف، وكان ذلك في ~~حقه بمنزلة الرؤية في حق البصير. # وروي عن الحسن بن زياد أنه قال: يوكل بصيرا بالرؤية، وتكون رؤية الوكيل ~~قائمة مقام رؤيته، وروى هشام عن محمد أنه يقوم من المبيع في موضع لو كان ~~بصيرا لرآه ثم يوصف له؛ لأن هذا أقصى ما يمكن، ولو وصف له فرضي به ثم أبصر ~~لا يعود الخيار؛ لأن الوصف في حقه كالخلف عن الرؤية لعجزه عن الأصل، ~~والقدرة على الأصل بعد حصول المقصود بالخلف لا يبطل حكم الخلف كمن صلى ~~بطهارة التيمم ثم قدر على الماء، ونحو ذلك. # ولو اشترى البصير شيئا لم يره حتى ثبت له الخيار ثم عمي فهذا والأعمى عند ~~الشراء سواء؛ لأنه ثبت له خيار الرؤية، وهو أعمى، فكانت رؤيته رؤية ~~العميان، وهي ما ذكرنا، والله - عز وجل - أعلم. # (وأما) بيان ما ينفسخ به العقد. # فالكلام في هذا الفصل في موضعين: أحدهما في. # بيان ما ينفسخ به العقد، والثاني في بيان شرائط صحة الفسخ، أما الأول فما ~~ينفسخ به العقد نوعان: اختياري، وضروري، فالاختياري هو أن يقول فسخت العقد، ~~أو نقضته أو رددته، وما يجري هذا المجرى، والضروري أن يهلك ms3285 المبيع قبل ~~القبض. # (وأما) شرائط صحته فمنها قيام الخيار؛ لأن الخيار إذا سقط لزم العقد، ~~والعقد اللازم لا يحتمل الفسخ، ومنها أن لا يتضمن الفسخ تفريق الصفقة على ~~البائع، وإن تضمن بأن رد بعض المبيع دون البعض لم يصح، وكذا إذا رد البعض، ~~وأجاز البيع في البعض لم يجز سواء كان قبل قبض المعقود عليه أو بعده؛ لأن ~~خيار الرؤية يمنع تمام الصفقة فكان هذا تفريق الصفقة # PageV05P298 # على البائع قبل تمامها، وأنه باطل، ومنها علم البائع بالفسخ عند أبي ~~حنيفة، ومحمد، وعند أبي يوسف ليس بشرط، وقد ذكرنا دلائل المسألة في خيار ~~الشرط. # وأما قضاء القاضي أو التراضي فليس بشرط لصحة الفسخ بخيار الرؤية كما لا ~~يشترط لصحة الفسخ بخيار الشرط فيصح من غير قضاء ولا رضا قبل القبض وبعده، ~~بخلاف خيار العيب، وقد ذكرنا الفرق فيما تقدم، والله - عز وجل - أعلم. # (وأما) البيع الفاسد فهو كل بيع فاته شرط من شرائط الصحة، وقد ذكرنا ~~شرائط الصحة في مواضعها. # (وأما) حكمه فالكلام في حكمه يقع في ثلاث مواضع: أحدها في. # بيان أصل الحكم، والثاني في بيان صفته، والثالث في بيان شرائطه، أما أصل ~~الحكم فهو ثبوت الملك في الجملة عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله - لا حكم ~~للبيع الفاسد فالبيع عنده قسمان: جائز، وباطل لا ثالث لهما، والفاسد ~~والباطل سواء، وعندنا الفاسد قسم آخر وراء الجائز والباطل، وهذا على مثال ~~ما يقول في أقسام المشروعات أن الفرض والواجب سواء، وعندنا هما قسمان حقيقة ~~على ما عرف في أصول الفقه. # (وجه) قوله أن هذا بيع منهي عنه، فلا يفيد الملك قياسا على بيع الخمر ~~والخنزير والميتة والدم، ودلالة الوصف ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين» . # وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - «نهى عن بيع وشرط» وروي أنه - عليه ~~الصلاة والسلام - «قال لعتاب بن أسيد حين بعثه إلى مكة انههم عن أربع عن ~~بيع ما لم يقبضوا، وعن ربح ما لم يضمنوا ms3286 وعن شرطين في بيع، وعن بيع، وسلف» ~~. # وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال: «لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا ~~سواء بسواء» ، ونحو ذلك، والمنهي عنه يكون حراما، والحرام لا يصلح سببا ~~لثبوت الملك؛ لأن الملك نعمة، والحرام لا يصلح سببا لاستحقاق النعمة، ولهذا ~~بطل بيع الخمر والخنزير والميتة والدم فكذا هذا. # (ولنا) أن هذا بيع مشروع فيفيد الملك في الجملة استدلالا بسائر البياعات ~~المشروعة، والدليل على أنه بيع أن البيع في اللغة مبادلة شيء مرغوب بشيء ~~مرغوب مالا كان أو غير مال قال الله - سبحانه وتعالى - {أولئك الذين اشتروا ~~الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] سمى مبادلة الضلالة بالهدى اشتراء وتجارة ~~فقال - سبحانه وتعالى - {فما ربحت تجارتهم} [البقرة: 16] ، والتجارة مبادلة ~~المال بالمال قال الله - عز شأنه - {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة: 111] سمى - سبحانه وتعالى - مبادلة ~~الأنفس والأموال بالجنة اشتراء وبيعا حيث قال - تعالى - في آخر الآية ~~{فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به} [التوبة: 111] ، وفي عرف الشرع هو ~~مبادلة مال متقوم بمال متقوم، وقد وجد فكان بيعا. # والدليل على أنه مشروع النصوص العامة المطلقة في باب البيع من نحو قوله ~~تعالى عز وجل - {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] ، وقوله - عز شأنه - {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم} [النساء: 29] ، ونحو ذلك مما ورد من النصوص في هذا الباب عاما ~~مطلقا، فمن ادعى التخصيص والتقييد فعليه الدليل. # (ولنا) الاستدلال بدلالة الإجماع أيضا، وهو أنا أجمعنا على أن البيع ~~الخالي عن الشروط الفاسدة مشروع ومفيد للملك، وقران هذه الشروط بالبيع ذكرا ~~لم يصح، فالتحق ذكرها بالعدم، إذ الموجود الملحق بالعدم شرعا، والعدم ~~الأصلي سواء، وإذا ألحق بالعدم في نفس البيع خاليا عن المفسد والبيع الخالي ~~عن المفسد مشروع ومفيد للملك بالإجماع، وهذا استدلال قوي. # (وأما) النهي فالجواب عن التعلق به أن هذا نهي عن غير البيع لا عن عينه ~~لوجوه ثلاثة: أحدها أن شرعية أصل البيع وجنسه ثبت معقول المعنى، وهو أنه ~~سبب لثبوت ms3287 الاختصاص واندفاع المنازعة، وأنه سبب بقاء العالم إلى حين إذ لا ~~قوام للبشر إلا بالأكل والشرب والسكنى واللباس، ولا سبيل إلى استبقاء النفس ~~بذلك إلا بالاختصاص به واندفاع المنازعة، وذلك سبب الاختصاص واندفاع ~~المنازعة، وهو البيع، ولا يجوز ورود الشرع عما عرف حسنه أو حسن أصله ~~بالعقل؛ لأنه يؤدي إلى التناقض، ولهذا لم يجز النهي عن الإيمان بالله - عز ~~وجل - وشكر النعم، وأصل العبادات لثبوت حسنها بالعقل فيحمل النهي المضاف ~~إلى البيع على غيره ضرورة. # والثاني إن سلم جواز ورود النهي عن البيع في الجملة، لكن حمله على الغير ~~ههنا أولى من وجهين: أحدهما أنه عمل بالدلائل بقدر الإمكان، والثاني أن في ~~الحمل على البيع نسخ المشروعية، وفي الحمل على غيره ترك العمل بحقيقة ~~الكلام والحمل على المجاز، ولا شك أن الحمل على المجاز أولى من الحمل على ~~التناسخ؛ لأن الحمل على المجاز من باب نسخ # PageV05P299 # الكلام، ونسخ المشروعية نسخ الحكم والحكم هو المقصود، والكلام وسيلة ونسخ ~~الوسيلة أولى من نسخ المقصود والله عز وجل أعلم. # (وأما) صفة هذا الحكم فنقول له صفات منها أنه ملك غير لازم بل هو مستحق ~~الفسخ فيقع الكلام في هذه الصفة في مواضع، في بيان أن الثابت بهذا البيع ~~مستحق الفسخ، وفي بيان من يملك الفسخ، وفي بيان ما يكون فسخا، وفي بيان شرط ~~صحة الفسخ، وفي بيان ما يبطل به حق الفسخ بعد ثبوته أما بيان أن الثابت ~~بهذا البيع أوجب الفسخ فهو أن البيع وإن كان مشروعا في ذاته فالفساد مقترن ~~به ذكرا ودفع الفساد واجب ولا يمكن إلا بفسخ العقد فيستحق فسخه لكن لغيره ~~لا لعينه حتى لو أمكن دفع الفساد بدون فسخ البيع لا يفسخ كما إذا كان ~~الفساد لجهالة الأجل فأسقطاه يسقط ويبقى البيع مشروعا كما كان؛ ولأن اشتراط ~~الربا وشرط الخيار مجهول وإدخال الآجال المجهولة في البيع ونحو ذلك معصية، ~~والزجر عن المعصية واجب واستحقاق الفسخ يصلح زاجرا عن المعصية؛ لأنه إذا ~~علم أنه يفسخ فالظاهر أنه يمتنع ms3288 عن المباشرة. # (وأما) بيان من يملك الفسخ فنقول وبالله التوفيق: الفساد لا يخلو إما أن ~~يكون راجعا إلى البدل بأن باع بالخمر والخنزير وإما أن لم يكن راجعا إليه ~~كالبيع بشرط منفعة زائدة لأحد العاقدين أو إلى أجل مجهول، والحال لا يخلو ~~إما أن كان قبل القبض وإما أن كان بعده، فإن كان قبل القبض فكل واحد من ~~العاقدين يملك الفسخ من غير رضا الآخر كيف ما كان الفساد؛ لأن البيع الفاسد ~~لا يفيد الملك قبل القبض فكان الفسخ قبل القبض بمنزلة الامتناع عن القبول ~~والإيجاب فيملكه كل واحد منهما كالفسخ بخيار شرط العاقدين، وإن كان بعد ~~القبض فإن كان الفساد راجعا إلى البدل فالجواب فيه وفيما قبل القبض سواء؛ ~~لأن الفساد الراجع إلى البدل فساد في صلب العقد. # ألا ترى أنه لا يمكن تصحيحه بخلاف هذا المفسد؟ لما أنه لا قوام للعقد إلا ~~بالبدلين فكان الفساد قويا فيؤثر في صلب العقد بسلب اللزوم عنه فيظهر عدم ~~اللزوم في حقهما جميعا، ولو لم يكن راجعا إلى البدل فقد ذكر الإمام ~~الإسبيجابي في شرحه مختصر الطحاوي أن ولاية الفسخ لصاحب الشرط لا لصاحبه ~~ولم يحك خلافا؛ لأن الفساد الذي لا يرجع إلى البدل لا يكون قويا لكونه ~~محتملا للحذف والإسقاط فيظهر في حق صاحب الشرط لا غير ويؤثر في سلب اللزوم ~~في حقه لا في حق صاحبه، وذكر الكرخي الاختلاف في المسألة فقال في قول أبي ~~حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله يملك كل واحد منهما الفسخ وعلى قول محمد - ~~رحمه الله - حق الفسخ لمن شرط له المنفعة لا غير. # (وجه) قوله على نحو ما ذكرنا أن من له شرط المنفعة قادر على تصحيح العقد ~~بحذف المفسد وإسقاطه، فلو فسخه الآخر لأبطل حقه عليه وهذا لا يجوز (وجه) ~~قولهما أن العقد في نفسه غير لازم لما فيه من الفساد بل هو مستحق الفسخ في ~~نفسه رفعا للفساد، وقوله: المفسد ممكن الحذف فنعم لكنه إلى أن يحذف فهو ~~قائم وقيامه يمنع لزوم العقد ms3289 وبه تبين أن الفسخ من صاحبه ليس بإبطال لحق ~~صاحب الشرط؛ لأن إبطال الحق قبل ثبوته محال. # (وأما) بيان ما يكون فسخا لهذا العقد ففسخه بطريقين: قول وفعل، فالقول هو ~~أن يقول من يملك الفسخ: فسخت أو نقضت أو رددت ونحو ذلك، فينفسخ بنفس الفسخ ~~ولا يحتاج إلى قضاء القاضي ولا إلى رضا البائع سواء كان قبل القبض أو بعده؛ ~~لأن هذا البيع إنما استحق الفسخ حقا لله عز وجل لما في الفسخ من رفع ~~الفساد. # ورفع الفساد حق الله تعالى على الخلوص فيظهر في حق الكل فكان فسخا في حق ~~الناس كافة فلا تقف صحته على القضاء ولا على الرضا والفعل هو أن يرد المبيع ~~على بائعه على أي وجه ما رده ببيع أو هبة أو صدقة أو إعارة أو إيداع بأن ~~باعه منه أو وهبه أو تصدق عليه أو أعاره منه أو أودعه إياه يبرأ المشتري عن ~~الضمان؛ لأنه يستحق الرد على البائع فعلى أي وجه ما رده يقع عن جهة ~~الاستحقاق بمنزلة رد العارية الوديعة أنه يكون فسخا الوديعة بأي طريق كان ~~الرد لما قلنا كذا هذا، وكذا لو باعه المشتري من وكيل البائع وسلمه إليه؛ ~~لأن حكم البيع يقع لموكله وهو البائع فكأنه باعه للبائع، ولو باعه المشتري ~~من عبد بائعه وهو مأذون له في التجارة فإن لم يكن عليه دين كان فسخا للبيع ~~ولا يبرأ عن المشتري ضمانه حتى يصل إلى البائع؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين ~~فحكم تصرفه وقع للمولى فكان بيعا من المولى وإن كان عليه دين لا يكون فسخا ~~للبيع ويتقرر الضمان على المشتري؛ لأنه إذا كان عليه دين فحكم تصرفه # PageV05P300 # لا يقع للمولى فلم يكن ذلك بيعا من المولى فصار كما إذا باعه من أجنبي. # ولو اشترى من عبد مأذون لإنسان شيئا منه شراء فاسدا وقبضه، ثم إنه باعه ~~من مولاه فإن لم يكن عليه دين كان فسخا للبيع؛ لأنه يكون مشتريا من المولى ~~كأنه اشتراه من مولاه ثم باعه ms3290 منه فإن كان عليه دين لم يكن فسخا؛ لأنه يكون ~~مشتريا منه من مولاه فكأنه اشترى من أجنبي وباعه من مولاه، ولو باعه ~~المشتري من مضارب البائع لم يكن فسخا للبيع، وتقرر الضمان على المشتري ~~بخلاف ما إذا باعه من وكيل بائعه بالشراء أنه يكون فسخا. # (ووجه) الفرق أن الوكيل بالشراء يتصرف لموكله لا لنفسه ألا ترى أن حكم ~~تصرفه يقع لموكله لا له؟ فنزل منزلة البيع من الموكل وذلك فسخ فأما المضارب ~~فمتصرف لنفسه ألا ترى أن الربح مشترك بينهما؟ فكان بمنزلة الأجنبي ولو كان ~~البائع وكيلا لغيره بالشراء فاشترى المشتري شراء فاسدا لموكله لم يكن فسخا ~~للبيع؛ لأن حكم الشراء يقع لموكله لا له ووجب عليه الثمن للمشتري وتقرر على ~~المشتري ضمان القيمة، ويلتقيان قصاصا لعدم الفائدة في الاستيفاء ويترادان ~~الفضل إن كان في أحدهما فضل والله عز وجل أعلم. # (وأما) شرط صحة الفسخ فهو أن يكون الفسخ بمحضر من صاحبه ذكره الكرخي ولم ~~يذكر الاختلاف فيه وذكر القاضي الإمام الإسبيجابي - رحمه الله - في شرحه ~~مختصر الطحاوي أن هذا شرط عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف ليس بشرط ~~وجعله على الاختلاف في خيار الشرط والرؤية وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم. # (وأما) بيان ما يبطل به حق الفسخ ويلزم البيع ويتقرر الضمان وما لا يبطل ~~ولا يلزم ولا يتقرر. # فنقول وبالله التوفيق: الفسخ في البيع الفاسد يبطل بصريح الإبطال ~~والإسقاط بأن يقول: أبطلت أو أسقطت أو أوجبت البيع أو ألزمته؛ لأن وجوب ~~الفسخ عنه ثبت حقا لله تعالى دفعا للفساد وما ثبت حقا لله تعالى خالصا لا ~~يقدر العبد على إسقاطه مقصودا كخيار الرؤية لكن قد يسقط بطريق الضرورة بأن ~~يتصرف العبد في حق نفسه مقصودا فيتضمن ذلك سقوط حق الله عز وجل بطريق ~~الضرورة أو يفوت محل الفسخ أو غير ذلك. # وبيان ذلك في مسائل المشتري شراء فاسدا إذا باع المشتري أو وهبه أو تصدق ~~به بطل حق الفسخ، وعلى المشتري القيمة أو المثل؛ لأنه تصرف في ms3291 محل مملوك له ~~فنفذ تصرفه ولا سبيل للبائع على بعضه؛ لأنه حصل عن تسليط منه، ويطيب ~~للمشتري الثاني؛ لأنه ملكه بعقد صحيح بخلاف المشتري الأول؛ لأنه لا يطيب؛ ~~لأنه ملكه بعقد فاسد، فرق بين هذا وبين ما إذا دخل مسلم دار الحرب بأمان ~~فأخذ شيئا من أموالهم بغير إذنهم وأخرجه إلى دار الإسلام ثم باعه أنه يصح ~~بيعه لكن لا يطيب للمشتري كما لا يطيب للآخذ. # (ووجه) الفرق أن عدم الطيب في المأخوذ من الحربي بغير إذنه لكونه مأخوذا ~~على وجه الغدر والخيانة والمأخوذ على هذا الوجه واجب الرد على صاحبه ردا ~~للخيانة، وبالبيع لم يخرج عن استحقاق الرد على مالكه لحصوله لا بتسليط من ~~جهته فبقي واجب الرد كما كان وهذا يمنع الطيب بخلاف البيع الفاسد؛ لأن ~~انعدام الطيب للمشتري ههنا لقران الفساد به ذكرا لا حقيقة، ولم يوجد ذلك في ~~البيع الثاني وخرج المبيع من أن يكون مستحق الرد على البائع لحصول البيع من ~~المشتري بتسليطه والله عز وجل أعلم. # ولو باعه فرد عليه بخيار شرط أو رؤية أو عيب بقضاء قاض وعاد على حكم ~~الملك الأول عاد حق الفسخ؛ لأن الرد بهذه الوجوه فسخ محض فكان دفعا للعقد ~~من الأصل وجعلا له كأن لم يكن، ولو اشتراه ثانيا أو عاد إليه بسبب مبتدإ لا ~~يعود الفسخ؛ لأن الملك اختلف لاختلاف السبب فكان اختلاف الملكين بمنزلة ~~اختلاف العقدين. # ولو أعتقه المشتري أو دبره بطل حق الفسخ لما قلنا ولأن الإعتاق والتدبير ~~كل واحد منهما تصرف لا يحتمل الفسخ بعد صحته فيوجب بطلان حق الاسترداد، ~~والفسخ ضرورة، وكذلك لو استولدها؛ لما قلنا وتصير الجارية أم ولد المشتري؛ ~~لأن الاستيلاد قد صح لحصوله في ملكه، وعلى المشتري قيمة الجارية لتعذر الرد ~~بالاستيلاد فصار كما لو هلكت في يده، وهل يغرم العقر؟ ذكر في البيوع أنه لا ~~يغرم، وفي الشرب روايتان والصحيح أنه لا يضمن العقر؛ لأنه وطئ ملك نفسه، ~~وقد تقرر ملكه بالاستيلاد لتعذر الرد، ولو وطئها المشتري ولم يعلقها ms3292 لا ~~يبطل حق الفسخ وللبائع أن يسترد الجارية مع عقرها باتفاق الروايات، فرق بين ~~هذا وبين الجارية الموهوبة إذا وطئها الموهوب له وأعلقها ثم رجع الواهب في ~~هبته وأخذ الجارية أن الموهوب له لا # PageV05P301 # يضمن العقر. # (ووجه) الفرق أن الثابت بالهبة ملك محلل للوطء، وبالرجوع لم يتبين أن حل ~~الوطء لم يكن فكان مستمتعا بملك نفسه فلا عقر عليه بخلاف البيع الفاسد؛ لأن ~~الملك الثابت به لا يظهر في حق حل الوطء فكان الوطء حراما إلا أنه سقط عنه ~~الحد للشبهة فوجب العقد وكذلك لو كاتبه؛ لأن الكتابة قد صحت لوجودها في ~~الملك ولا سبيل للبائع إلى نقضها لحصولها من المشتري بتسليط البائع فلا ~~يكون له حق النقض عليه، وعلى المشتري قيمة العبد فإن أدى بدل الكتابة وعتق ~~تقرر على المشتري ضمان القيمة، وإن عجز ورد في الرق ينظر إن كان ذلك قبل ~~القضاء بالقيمة على المشتري فللبائع أن يسترده؛ لأنه كان مستحق الرد قبل ~~الكتابة لعدم لزوم الملك إلا أنه امتنع الرد لعارض الكتابة، فإن عجز ورد في ~~الرق قبل القضاء بالقيمة فقد زال العارض والتحق بالعدم كأنه لم يكن فعاد ~~مستحق الرد على المشتري كما كان. # وإن كان بعد ما قضى عليه بالقيمة لا سبيل للبائع على العبد؛ لأنه بالقضاء ~~بالقيمة تقرر ملك المشتري في العبد ولزم من وقت وجوده فيعود إليه لازما ~~والملك اللازم لا يحتمل الفسخ والله عز وجل أعلم وكذلك لو رهنه المشتري بطل ~~حق الفسخ وولاية الاسترداد لما ذكرنا، ولو افتكه المشتري فهو على التفصيل ~~الذي ذكرنا في الكتابة، ولو أجره صحت الإجارة لما قلنا، ولكن لا يبطل حق ~~الفسخ؛ لأن الإجارة وإن كانت عقدا لازما إلا أنها تفسخ بالعذر ولا عذر أقوى ~~من رفع الفساد فتنفسخ به وسلمت الأجرة للمشتري؛ لأن المنافع على أصل ~~أصحابنا لا تتقوم إلا بالعقد والعقد وجد من المشتري فكانت الأجرة له، وهل ~~تطيب له؟ ينظر إن كان قد أدى ضمان القيمة ثم آجر طابت الأجرة له؛ لأن ~~الضمان ms3293 بدل المضمون، قائم مقامه، فكانت الأجرة ربح ما قد ضمن، وإن آجر ثم ~~أدى الضمان لا تطيب له لأنها ربح ما لم يضمن، ولو أوصى به صحت الوصية لما ~~قلنا ثم إن كان الموصي حيا بعد فللبائع حق الاسترداد؛ لأن الوصية تصرف غير ~~لازم حال حياة الموصي بل محتمل. # وإن مات بطل حقه؛ لأن الثابت للموصى له ملك جديد بخلاف الثابت للوارث بأن ~~مات المشتري شراء فاسدا؛ لأنه لا يبطل حق الفسخ وللبائع أن يسترد من ورثته، ~~وكذا إذا مات البائع فلورثته ولاية الاسترداد؛ لأن الثابت للوارث عين ما ~~كان للمورث وإنما هو خلفه قائم مقامه ولهذا يرد الوارث بالعيب ويرد عليه، ~~وملك المورث مضمون الرد مستحق الفسخ بخلاف الموصى له فإن الثابت ملك جديد ~~حصل بسبب جديد ولهذا لم يرد بالعيب ولا يرد عليه وإنه لم يكن مستحق الفسخ. # ازداد المبيع في يد المشتري فإن كانت الزيادة متصلة متولدة من الأصل ~~كالسمن والجمال فإنها لا تمنع الفسخ؛ لأن هذه الزيادة تابعة للأصل حقيقة ~~والأصل مضمون الرد فكذلك التبع كما في الغصب، وإن كانت غير متولدة من الأصل ~~كما إذا كان المبيع سويقا فلته المشتري بعسل أو سمن فإنها تمنع الفسخ؛ لأنه ~~لو فسخ إما أن يفسخ على الأصل وحده وإما أن يفسخ على الأصل والزيادة جميعا، ~~لا سبيل إلى الأول لتعذر الفصل ولا سبيل إلى الثاني؛ لأن الزيادة لم تدخل ~~تحت البيع لا أصلا ولا تبعا فلا تدخل تحت الفسخ، وإن كانت منفصلة فإن كانت ~~متولدة من الأصل كالولد واللبن والثمرة لا تمنع الفسخ وللبائع أن يسترد ~~الأصل مع الزيادة؛ لأن هذه الزيادة تابعة للأصل لكونها متولدة منه. # والأصل مضمون الرد فكذا الزيادة كما في باب الغصب، وكذا لو كانت الزيادة ~~أرشا أو عقرا؛ لأن الأرش بدل جزء فائت من الأصل حقيقة كالمتولد من الأصل، ~~والعقر بدل حاله حكم الجزء والعين فكأنه متولد من العين ثم في فصل الولد ~~إذا كانت الجارية في يد المشتري فإن نقصتها الولادة وبالولد ms3294 وفاء بالنقصان؛ ~~ينجبر النقصان بالولد عند أصحابنا الثلاثة خلافا لزفر كما في الغصب، وسنذكر ~~المسألة في كتاب الغصب إن شاء الله تعالى. # وإن لم تنقصها الولادة استردها البائع ولا شيء على البائع وإن نقصتها ~~وليس بالولد وفاء بالنقصان ردها مع ضمان النقصان كما في الغصب، وإن هلك ~~الولد قبل الرد لا ضمان على المشتري بالزيادة كما في الغصب وعليه ضمان ~~نقصان الولادة كما في الغصب، ولو استهلك المشتري الزيادة؛ ضمن كما في ~~الغصب، ولو هلك المبيع والزيادة قائمة فللبائع أن يسترد الزيادة ويضمن قيمة ~~المبيع وقت القبض؛ لأنهما كانا مضموني الرد إلا أنه تعذر استرداد المبيع ~~لفوات المحل وصار مضمون القيمة فبقي الولد على حاله مضمون # PageV05P302 # الرد كما كان، وإن كانت الزيادة غير متولدة من الأصل كالهبة والصدقة ~~والكسب فإنها لا تمنع الرد، وللبائع أن يسترد الأصل مع الزيادة؛ لأن الأصل ~~مضمون الرد وبالرد ينفسخ العقد من الأصل فتبين أن الزيادة حصلت على ملكه ~~إلا أنها لا تطيب له؛ لأنها لم تحدث في ضمانه بل في ضمان المشتري فكانت في ~~معنى ربح ما لم يضمن. # ولو هلكت هذه الزيادة في يد المشتري؛ لا ضمان عليه؛ لأن المبيع بيعا ~~فاسدا مضمون بالقبض والقبض لم يرد على الزيادة لا أصلا ولا تبعا، أما أصلا ~~فلانعدامها عند القبض وأما تبعا فلأنها ليست بتابعة حقيقة بل هي أصل بنفسها ~~ملكت بسبب على حدة لا بسبب الأصل، وإن استهلكها المشتري فكذلك عند أبي ~~حنيفة لا ضمان عليه وعندهما يضمن، وأصل المسألة في الغصب أنه إذا استهلك ~~الغاصب هذه الزيادة هل يضمن؟ عنده لا يضمن، وعندهما يضمن، ونذكر المسألة في ~~كتاب الغصب إن شاء الله تعالى، ولو هلك المبيع وهذه الزيادة قائمة في يد ~~المشتري تقرر عليه ضمان قيمة المبيع والزيادة للمشتري تقرر ضمان القيمة ~~بخلاف المتولد كما في الغصب، والفرق بين الزيادتين يذكر في الغصب إن شاء ~~الله تعالى هذا إذا زاد المبيع في يد المشتري شراء فاسدا. # (فأما) إذا انتقص في يده فإن كان ms3295 النقصان بآفة سماوية فإنه لا يمنع ~~الاسترداد وللبائع أن يأخذه مع أرش النقصان؛ لأن المبيع بيعا فاسدا يضمن ~~بالقبض كالمغصوب والقبض ورد عليه بجميع أجزائه فصار مضمونا بجميع أجزائه، ~~والأوصاف تضمن بالقبض وإن كانت لا تضمن بالعقد كما في قبض المغصوب، وكذلك ~~إذا كان النقصان بفعل المبيع؛ لأن هذا والنقصان بآفة سماوية سواء، وإن كان ~~النقصان بفعل المشتري فكذلك؛ لأنه لو انتقص بغير صنعه؛ كان مضمونا عليه ~~فبصنعه أولى، وإن كان بفعل أجنبي فالبائع بالخيار إن شاء أخذ الأرش من ~~المشتري والمشتري يرجع به على الجاني وإن شاء اتبع الجاني وهو لا يرجع على ~~المشتري كما في الغصب؛ لأنه لما أخذ قيمة النقصان من المشتري فقد تقرر ملكه ~~في ذلك الجزء من وقت البيع فيه فتبين أن الجناية حصلت على ملك متقرر له ~~فيرجع عليه والأجنبي لم يملك فلا يرجع. # ولو قتله أجنبي فللبائع أن يضمن المشتري قيمته حالة القبض، ولا سبيل له ~~على القاتل، ويرجع المشتري على عاقلة القاتل بقيمته في ثلاث سنين، فرق ههنا ~~بين البيع وبين الغصب، فإنه لو قتل المغصوب في يد الغاصب قاتل فالمالك ~~بالخيار إن شاء ضمن الغاصب قيمته حالة الغصب، والغاصب يرجع على عاقلة ~~القاتل في ثلاث سنين، وإن شاء ضمن عاقلة القاتل قيمته في ثلاث سنين وهم لا ~~يرجعون على الغاصب. # (ووجه) الفرق أن الأجنبي جنى على ملك المشتري؛ لأنه ملك المبيع بالقبض، ~~وتقرر ملكه فيه بالجناية لا على ملك البائع فلا يملك البائع تضمينه بخلاف ~~الغصب فإن الغاصب لا يملك المغصوب إلا بتضمين المغصوب منه إياه فقبله لا ~~ملك له فيه فكان القتل جناية على ملك المالك، والقبض جناية على ملكه أيضا ~~فكان له خيار التضمين، وإن كان النقصان بفعل البائع لا شيء على المشتري؛ ~~لأنه صار مستردا بفعله حتى إنه لو هلك المبيع في يد المشتري ولم يوجد منه ~~حبس على البائع؛ يهلك على البائع. # وإن وجد منه حبس ثم هلك ينظر إن هلك من سراية جناية البائع لا ضمان ms3296 على ~~المشتري أيضا؛ لأنه صار مستردا بفعله، وإن هلك لا من سراية جناية البائع ~~فعلى المشتري ضمانه لكن يطرح منه حصة النقصان بالجناية؛ لأنه استرد ذلك ~~القدر بجنايته، ولو قتله البائع لا ضمان على المشتري؛ لأنه استرده بالقتل، ~~وكذلك لو حفر البائع بئرا فوقع فيه ومات؛ لأن ذلك في معنى القتل فيصير ~~مستردا والله عز وجل أعلم. # ولو كان المبيع ثوبا فقطعه المشتري وخاطه قميصا أو بطنه وحشاه بطل حق ~~الفسخ وتقرر عليه قيمته يوم القبض، والأصل في هذا أن المشتري إذا أحدث في ~~المبيع صنعا لو أحدثه الغاصب في المغصوب لا يقطع حق المالك؛ يبطل حق الفسخ ~~ويتقرر حقه في ضمان القيمة أو المثل، كما إذا كان المبيع قطنا فغزله، أو ~~غزلا فنسجه، أو حنطة فطحنها، أو سمسما أو عنبا فعصره، أو ساحة فبنى عليها، ~~أو شاة فذبحها وشواها أو طبخها ونحو ذلك، وإنما كان كذلك؛ لأن القبض في ~~البيع الفاسد كقبض الغصب ألا ترى أن كل واحد منهما مضمون الرد حال قيامه، ~~ومضمون القيمة أو المثل حال هلاكه؟ ، فكل ما يوجب انقطاع حق المالك هناك ~~يوجب انقطاع حق البيع للبائع ههنا. # ، ولو كان المبيع ثوبا فصبغه المشتري بصبع يزيد من الأحمر والأصفر ~~ونحوهما ذكر # PageV05P303 # الكرخي أنه ينقطع حق البائع عنه إلى القيمة ووري عن محمد أن البائع ~~بالخيار إن شاء أخذه وأعطاه ما زاد الصبغ فيه، وإن شاء ضمنه قيمته وهو ~~الصحيح؛ لأن القبض بحكم البيع الفاسد كقبض الغصب، ثم الجواب في الغصب هكذا ~~أن المالك بالخيار إن شاء أخذ الثوب وأعطى الغاصب ما زاد الصبغ فيه وإن شاء ~~ضمنه قيمته فكذا هذا والله عز وجل أعلم. # ولو كان المبيع أرضا فبنى عليها؛ بطل حق الفسخ عند أبي حنيفة وعلى ~~المشتري ضمان قيمتها وقت القبض وعندهما لا يبطل وينقض البناء (وجه) قولهما ~~أن هذا القبض معتبر بقبض الغصب ثم هناك ينقض البناء فكذا ههنا؛ ولأن البناء ~~ينقض بحق الشفيع بالإجماع، وحق البائع فوق حق الشفيع بدليل أن الشفيع ms3297 لا ~~يأخذ إلا بقضاء والبائع يأخذ من غير قضاء ولا رضا فلما نقض لحق الشفيع فلحق ~~البائع أولى (وجه) قول أبي حنيفة أنه لو ثبت للبائع حق الاسترداد؛ لكان لا ~~يخلو إما أن يسترده مع البناء أو بدون البناء لا سبيل إلى الثاني؛ لأنه لا ~~يمكن، ولا سبيل إلى الأول؛ لأن البناء من المشتري تصرف حصل بتسليط البائع ~~وأنه يمنع النقض، كتصرف البيع والهبة ونحو ذلك بخلاف الغصب والشفعة؛ لأن ~~هناك لم يوجد التسليط على البناء، وكذا لا يمنعان نقض البيع والهبة. # (ومنها) أن الثابت بالبيع الفاسد ملك مضمون بالقيمة أو بالمثل لا بالمسمى ~~بخلاف البيع الصحيح؛ لأن القيمة هي الموجب الأصلي في البياعات؛ لأنها مثل ~~المبيع في المالية إلا أنه يعدل عنها إلى المسمى إذا صحت التسمية فإذا لم ~~تصح وجب المصير إلى الموجب الأصلي خصوصا إذا كان الفساد من قبل المسمى؛ لأن ~~التسمية إذا لم تصح لم يثبت المسمى فصار كأنه باع وسكت عن ذكر الثمن، ولو ~~كان كذلك كان بيعا بقيمة المبيع؛ لأن البيع مبادلة بالمال فإذا لم يذكر ~~البدل صريحا صارت القيمة أو المثل مذكورا دلالة فكان بيعا بقيمة المبيع أو ~~بمثله إن كان من قبيل الأمثال. # (ومنها) أن هذا الملك يفيد المشتري انطلاق تصرف ليس فيه انتفاع بعين ~~المملوك بلا خلاف بين أصحابنا كالبيع والهبة والصدقة والإعتاق والتدبير ~~والكتابة والرهن والإجارة ونحو ذلك مما ليس فيه انتفاع بعين المبيع. # (وأما) التصرف الذي فيه انتفاع بعين المملوك كأكل الطعام ولبس الثوب ~~وركوب الدابة وسكنى الدار والاستمتاع بالجارية فالصحيح أنه لا يحل؛ لأن ~~الثابت بهذا البيع ملك خبيث والملك الخبيث لا يفيد إطلاق الانتفاع؛ لأنه ~~واجب الرفع وفي الانتفاع به تقرر له وفيه تقرير الفساد، ولهذا لم يفد الملك ~~قبل القبض تحرزا عن تقرير الفساد بالتسليم على ما نذكره في موضعه إن شاء ~~الله تعالى ولو كان المشترى دارا لا يثبت للشفيع فيها حق الشفعة، وإن كان ~~يفيد الملك للمشتري؛ لأن حق البائع لم ينقطع، والشفعة إنما ms3298 تجب بانقطاع حق ~~البائع لا بثبوت الملك للمشتري ألا ترى أن من أقر ببيع داره من فلان وفلان ~~منكر تثبت الشفعة؟ وإن لم يثبت الملك للمشتري لانقطاع حق البائع بإقراره ~~وههنا حق البائع غير منقطع فلا تثبت الشفعة حتى لو وجد ما يوجب انقطاع حقه ~~تجب الشفعة. # بيعت دار بجنب الدار المشتراة شراء فاسدا؛ تثبت الشفعة؛ لأن هذا الشراء ~~صحيح فيوجب انقطاع حق البائع فيثبت حق الشفعة والله عز وجل أعلم. # وطئ الجارية المشتراة شراء فاسدا فإن لم يعلقها؛ فلا عقر عليه قبل الفسخ ~~وإن فسخ العقد فعليه العقر وإن أعلقها وضمن قيمة الجارية ففي وجوب العقر ~~روايتان على ما ذكرنا. # (وأما) شرائطه فاثنان: أحدهما القبض فلا يثبت الملك قبل القبض؛ لأنه واجب ~~الفسخ رفعا للفساد وفي وجوب الملك قبل القبض تقرر الفساد؛ لأنه إذا ثبت ~~الملك قبل القبض يجب على البائع تسليمه إلى المشتري، وفي التسليم تقرير ~~الفساد وإيجاب رفع الفساد على وجه فيه رفع الفساد متناقض، والثاني أن يكون ~~القبض بإذن البائع فإن قبض بغير إذنه أصلا لا يثبت الملك بأن نهاه عن القبض ~~أو قبض بغير محضر منه من غير إذنه، فإن لم ينهه ولا أذن له في القبض صريحا ~~فقبضه بحضرة البائع ذكر في الزيادات أنه يثبت الملك، وذكر الكرخي في ~~الرواية المشهورة أنه لا يثبت. # (وجه) رواية الزيادات أنه إذا قبضه بحضرته ولم ينهه كان ذلك إذنا منه ~~بالقبض دلالة مع ما أن العقد الثابت دلالة الإذن بالقبض؛ لأنه تسليط له على ~~القبض فكأنه دليل الإذن بالقبض، والإذن بالقبض قد يكون صريحا وقد يكون ~~دلالة كما في باب الهبة إذا قبض الموهوب له بحضرة الواهب فلم ينهه صح قبضه ~~كذا ههنا # PageV05P304 # وجه) الرواية المشهورة أن الإذن بالقبض لم يوجد نصا ولا سبيل إلى إثباته ~~بطريق الدلالة لما ذكرنا أن في القبض تقرير الفساد فكان الإذن بالقبض إذنا ~~بما فيه تقرير الفساد فلا يمكن إثباته بطريق الدلالة، وبه تبين أن العقد ~~الفاسد لا يقع تسليطا علي ms3299 القبض لوجود المانع من القبض على ما بينا بخلاف ~~الهبة؛ لأن هناك لا مانع من القبض إن أمكن إثباته بطريق الدلالة ما دام ~~المجلس قائما وإنما شرط المجلس؛ لأن القبض في الهبة بمنزلة الركن فيشترط له ~~المجلس كما يشترط للقبول والله عز وجل أعلم. # (وأما) البيع الباطل فهو كل بيع فاته شرط من شرائط الانعقاد من الأهلية ~~والمحلية وغيرهما، وقد ذكرنا جملة ذلك في صدر الكتاب ولا حكم لهذا البيع ~~أصلا؛ لأن الحكم للموجود ولا وجود لهذا البيع إلا من حيث الصورة؛ لأن ~~التصرف الشرعي لا وجود له بدون الأهلية والمحلية شرعا كما لا وجود للتصرف ~~الحقيقي إلا من الأهل في المحل حقيقة، وذلك نحو بيع الميتة والدم والعذرة ~~والبول وبيع الملاقيح والمضامين وكل ما ليس بمال، وكذا بيع صيد الحرم ~~والإحرام؛ لأنه بمنزلة الميتة، وكذا بيع الحر؛ لأنه ليس بمال، وكذا بيع أم ~~الولد والمدبر والمكاتب والمستسعى لأن أم الولد حرة من وجه، وكذا المدبر ~~فلم يكن مالا مطلقا والمكاتب حر يدا فلم يكن مالا على الإطلاق، والمستسعى ~~عند أبي حنيفة بمنزلة المكاتب وعندهما حر عليه دين. # وكذا بيع الخنزير من المسلم؛ لأنه ليس بمال في حق المسلم وكذا بيع الخمر؛ ~~لأنها ليست بمتقومة في حق المسلم؛ لأن الشرع أسقط تقومها في حق المسلمين ~~حيث أهانها عليهم فيبطل ولا ينعقد؛ لأنه لو انعقد إما أن ينعقد بالمسمى ~~وإما أن ينعقد بالقيمة لا سبيل إلى الأول؛ لأن التسمية لم تصح ولا سبيل إلى ~~الثاني لأنه لا قيمة له إذ التقويم ينبني عن العزة، والشرع أهان المسمى على ~~المسلم فكيف ينعقد بقيمته؟ ولا قيمة له؟ ، وإذا لم ينعقد يبطل ضرورة، ومن ~~مشايخنا من فصل في بيع الخمر تفصيلا فقال: إن كان الثمن دينا بأن باعها ~~بدراهم فالبيع باطل. # وإن كان عينا بأن باعها بثوب ونحوه فالبيع فاسد في حق الثوب وينعقد بقيمة ~~الثوب؛ لأن مقصود العاقدين ليس هو تملك الخمر وتمليكها؛ لأنها لا تصلح ~~للتملك، والتمليك في حق المسلم مقصود بل ms3300 تمليك الثوب وتملكه؛ لأن الثوب ~~يصلح مقصودا بالتملك والتمليك، فالتسمية إن لم تظهر في حق الخمر تظهر في حق ~~الثوب ولا مقابل له فيصير كأن المشتري باع الثوب ولم يذكر الثمن فينعقد ~~بقيمته بخلاف ما إذا كان الثمن دينا؛ لأن الثمن يكون في الذمة وما في الذمة ~~لا يكون مقصودا بنفسه بل يكون وسيلة إلى المقصود فتصير الخمر مقصودة ~~بالتمليك والتملك فيبطل أصلا. # (وأما) بيع الخمر والخنزير فلا يبطل بل يفسد وينعقد بقيمة العبد؛ لأن ~~العبد مال متقوم، وكذا الخمر والخنزير في حق أهل الذمة، والخمر مال في حقنا ~~إلا أنه لا قيمة لها شرعا، فإذا جعل الخمر والخنزير ثمنا فقد ذكر ما هو ~~مال، وكون الثمن مالا في الجملة أو مرغوبا فيه عند الناس بحيث لا يؤخذ ~~مجانا بلا عوض يكفي لانعقاد العقد؛ لأن البيع مبادلة المال بالمال أو ~~مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب إلا أن كون المعقود عليه متقوما شرط الانعقاد، ~~وقد وجد، وكذا بيع العبد والمدبر وأم الولد والمكاتب والمستسعى؛ لأن هذه ~~الأموال في الجملة مرغوب فيها فينعقد العقد بقيمة العبد، وكذا بيع العبد ~~بما يرعى إبله من أرضه من الكلأ أو بما يشرب من ماء بئره؛ لأن المذكور ثمنا ~~مال متقوم إلا أنه مباح غير مملوك، وكذا هو مجهول أيضا فانعقد بوصف الفساد ~~بقيمة المبيع، واختلف مشايخنا في بيع العبد بالميتة والدم. # قال عامتهم: يبطل، وقال بعضهم: يفسد، والصحيح أنه يبطل؛ لأن المسمى ثمنا ~~ليس بمال أصلا، وكون الثمن مالا في الجملة شرط الانعقاد، وكذا اختلفوا فيما ~~إذا قال: بعت بغير ثمن، قال بعضهم: يبطل وإليه ذهب الكرخي من أصحابنا، وقال ~~بعضهم: يفسد ولا يبطل كما إذا باع وسكت عن ذكر الثمن، وقد ذكرنا وجه كل ~~واحد من القولين فيما تقدم، ثم إذا باع مالا بما ليس بمال حتى بطل البيع ~~فقبض المشتري المال بإذن البائع هل يكون مضمونا عليه أو يكون أمانة؟ اختلف ~~المشايخ فيه قال بعضهم: يكون أمانة؛ لأنه مال قبضه بإذن صاحبه في ms3301 عقد وجد ~~صورة لا معنى فالتحق العقد بالعدم وبقي إذنه بالقبض، وقال بعضهم: يكون ~~مضمونا عليه؛ لأن المقبوض على حكم هذا البيع لا يكون دون المقبوض بعلي سوم ~~الشراء وذلك مضمون فهذا أولى. # (وأما) البيع الموقوف فهو بيع مال الغير بغير إذن صاحبه وهو المسمى ببيع ~~الفضولي ولا حكم له يعرف للحال لاحتمال # PageV05P305 # الإجازة والرد من المالك فيتوقف في الجواب في الحال لا أن يكون التوقف ~~حكما شرعيا، وقد ذكرنا حكم تصرفات الفضولي ما يبطل منها وما يتوقف فيما ~~تقدم والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في بيان ما يرفع حكم البيع] # (فصل) : # وأما بيان ما يرفع حكم البيع فنقول وبالله التوفيق: # حكم البيع نوعان، نوع يرتفع بالفسخ وهو الذي يقوم برفعه أحد العاقدين وهو ~~حكم كل بيع غير لازم كالبيع الذي فيه أحد الخيارات الأربع والبيع الفاسد. # ونوع لا يرتفع إلا بإقالة وهو حكم كل بيع لازم وهو البيع الصحيح الخالي ~~عن الخيار. # والكلام في الإقالة في مواضع، في بيان ركن الإقالة، وفي بيان ماهية ~~الإقالة، وفي بيان شرائط صحة الإقالة، وفي بيان حكم الإقالة (أما) ركنها ~~فهو الإيجاب من أحد العاقدين والقبول من الآخر، فإذا وجد الإيجاب من أحدهما ~~والقبول من الآخر بلفظ يدل عليه فقد تم الركن، لكن الكلام في صيغة اللفظ ~~الذي ينعقد به الركن فنقول: لا خلاف أنه ينعقد بلفظين يعبر بهما عن الماضي ~~بأن يقول أحدهما: أقلت، والآخر: قبلت أو رضيت أو هويت ونحو ذلك، وهل ينعقد ~~بلفظين يعبر بأحدهما عن الماضي وبالآخر عن المستقبل؟ بأن قال أحدهما ~~لصاحبه: أقلني، فيقول: أقلتك، أو قال له: جئتك لتقيلني، فقال: أقلت فقال ~~أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: ينعقد كما في النكاح، وقال محمد - رحمه ~~الله -: لا ينعقد إلا بلفظين يعبر بهما عن الماضي كما في البيع. # (وجه) قوله أن ركن الإقالة هو الإيجاب والقبول كركن البيع، ثم ركن البيع ~~لا ينعقد إلا بلفظين يعبر بهما عن الماضي، فكذا ركن الإقالة ولهما الفرق ~~بين الإقالة وبين البيع ms3302 وهو أن لفظة الاستقبال للمساومة حقيقة والمساومة في ~~البيع معتادة، فكانت اللفظة محمولة على حقيقتها فلم تقع إيجابا بخلاف ~~الإقالة؛ لأن هناك لا يمكن حمل اللفظ بعلي حقيقتها؛ لأن المساومة فيها ليست ~~بمعتادة فيحمل على الإيجاب ولهذا حملناها على الإيجاب في النكاح كذا هذا. # (وأما) بيان ماهية الإقالة وعملها فقد اختلف أصحابنا في ماهيتها، قال أبو ~~حنيفة عليه الرحمة: الإقالة فسخ في حق العاقدين بيع جديد في حق ثالث سواء ~~كان قبل القبض أو بعده. # وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنها فسخ قبل القبض بيع بعده، وقال أبو ~~يوسف: إنها بيع جديد في حق العاقدين وغيرهما إلا أن لا يمكن أن تجعل بيعا ~~فتجعل فسخا، وقال محمد: إنها فسخ إلا أن لا يمكن أن تجعل فسخا فتجعل بيعا ~~للضرورة وقال زفر: إنها فسخ في حق الناس كافة (وجه) قول زفر إن الإقالة في ~~اللغة عبارة عن الرفع يقال في الدعاء: اللهم أقلني عثراتي أي ارفعها، وفي ~~الحديث «من أقال نادما أقال الله عثرته يوم القيامة» وعن النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - أنه قال: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا في حد» ، ~~والأصل أن معنى التصرف شرعا ما ينبئ عنه اللفظ لغة، ورفع العقد فسخه، ولأن ~~البيع والإقالة اختلفا اسما فيختلفان حكما، هذا هو الأصل فإذا كانت رفعا لا ~~تكون بيعا؛ لأن البيع إثبات والرفع نفي وبينهما تناف فكانت الإقالة على هذا ~~التقدير فسخا محضا فتظهر في حق كافة الناس. # (وجه) قول محمد أن الأصل فيها الفسخ، كما قال زفر: إلا أنه إذا لم يمكن ~~أن تجعل فسخا فتجعل بيعا ضرورة (وجه) قول أبي يوسف أن معنى البيع هو مبادلة ~~المال بالمال وهو أخذ بدل وإعطاء بدل وقد وجد فكانت الإقالة بيعا لوجود ~~معنى البيع فيها، والعبرة للمعنى لا للصورة، ولهذا أعطي حكم البيع في كثير ~~من الأحكام على ما نذكر، وكذا اعتبر بيعا في حق الثالث عند أبي حنيفة (وجه) ~~قول أبي حنيفة - رحمه الله - في تقرير معنى الفسخ ما ذكرناه ms3303 لزفر أنه رفع ~~لغة وشرعا، ورفع الشيء فسخه. # وأما تقرير معنى البيع فيه فما ذكرنا لأبي يوسف أن كل واحد يأخذ رأس ماله ~~ببدل وهذا معنى البيع إلا أنه لا يمكن إظهار معنى البيع في الفسخ في حق ~~العاقدين للتنافي فأظهرناه في حق الثالث فجعل فسخا في حقهما بيعا في حق ~~ثالث وهذا ليس بممتنع، ألا ترى أنه لا يمتنع أن يجعل الفعل الواحد من شخص ~~واحد طاعة من وجه ومعصية من وجه؟ فمن شخصين أولى، والدليل عليه أنها لا تصح ~~من غير تسمية، ولا صحة للبيع من غير تسمية الثمن. # ، وثمرة هذا الاختلاف إذا تقايلا ولم يسميا الثمن الأول أو سميا زيادة ~~على الثمن الأول أو أنقص من الثمن الأول، أو سميا جنسا آخر سوى الجنس الأول ~~قل أو كثر أو أجلا الثمن الأول فالإقالة على الثمن الأول في قول أبي حنيفة ~~- رحمه الله -: وتسمية الزيادة والنقصان والأجل والجنس الآخر باطلة سواء ~~كانت الإقالة قبل القبض أو بعدها، والمبيع منقول أو غير منقول # PageV05P306 # لأنها فسخ في حق العاقدين، والفسخ رفع العقد، والعقد رفع الثمن الأول ~~فيكون فسخه بالثمن الأول ضرورة؛ لأنه فسخ ذلك العقد، وحكم الفسخ لا يختلف ~~بين ما قبل القبض وبين ما بعده وبين المنقول وغير المنقول، وتبطل تسمية ~~الزيادة والنقصان والجنس الآخر والأجل، وتبقى الإقالة صحيحة؛ لأن إطلاق ~~تسمية هذه الأشياء لا يؤثر في الإقالة؛ لأن الإقالة لا تبطلها الشروط ~~الفاسدة وبخلاف البيع؛ لأن الشرط الفاسد إنما يؤثر في البيع؛ لأنه يمكن ~~الربا فيه. # والإقالة رفع البيع فلا يتصور تمكن الربا فيه فهو الفرق بينهما، وفي قول ~~أبي يوسف إن كان بعد القبض فالإقالة على ما سميا؛ لأنها بيع جديد كأنه باعه ~~فيه ابتداء، وإن كان قبل القبض والمبيع عقارا فكذلك؛ لأنه يمكن جعله بيعا؛ ~~لأن بيع العقار قبل القبض جائز عنده وإن كان منقولا فالإقالة فسخ؛ لأنه لا ~~يمكن جعلها بيعا لأن بيع المبيع المنقول قبل القبض لا يجوز. # وروي عن أبي يوسف أن الإقالة ms3304 بيع على كل حال فكل ما لا يجوز بيعه لا تجوز ~~إقالته فعلى هذه الرواية لا تجوز الإقالة عنده في المنقول قبل القبض؛ لأنه ~~لا يجوز بيعه، وعند محمد إن كان قبل القبض فالإقالة تكون على الثمن الأول، ~~وتبطل تسمية الزيادة على الثمن الأول، والجنس الآخر والنقصان والأجل يكون ~~فسخا كما قاله أبو حنيفة - رحمه الله -؛ لأنه لا يمكن جعلها قبل القبض بيعا ~~لكن بيع المبيع قبل القبض لا يجوز عنده منقولا كان أو عقارا. # وإن كان بعد القبض فإن تقايلا من غير تسمية الثمن أصلا، أو سميا الثمن ~~الأول من غير زيادة ولا نقصان أو نقصا عن الثمن الأول فالإقالة على الثمن ~~الأول وتبطل تسمية النقصان وتكون فسخا أيضا كما قال أبو حنيفة - رحمه الله ~~-: إنها فسخ في الأصل ولا مانع من جعلها فسخا فتجعل فسخا وإن تقايلا عن ~~الزيادة أو على الثمن الأول أو على جنس آخر سوى جنس الثمن الأول قل أو كثر ~~فالإقالة على ما سميا ويكون بيعا عنده؛ لأنه لا يمكن جعلها فسخا ههنا؛ لأن ~~من شأن الفسخ أن يكون بالثمن الأول وإذا لم يمكن جعلها فسخا تجعل بيعا بما ~~سميا بخلاف ما إذا تقايلا على أنقص من الثمن الأول أن الإقالة تكون بالثمن ~~الأول عنده، وتجعل فسخا ولا تجعل بيعا عنده لأن هذا سكوت عن نقص الثمن وذلك ~~نقص الثمن، والسكوت عن النقص لا يكون أعلى من السكوت عن الثمن الأول وهناك ~~يجعل فسخا لا بيعا فههنا أولى والله عز وجل أعلم. # وعلى هذا يخرج ما إذا كان المشترى دارا ولها شفيع فقضي له بالشفعة ثم طلب ~~منه المشتري أن يسلم الشفعة بزيادة على الثمن الأول أو بجنس آخر أن الزيادة ~~باطلة وكذا تسمية الجنس الآخر عند أبي حنيفة ومحمد وزفر - رحمهم الله -؛ ~~لأنه لما قضي للشفيع بالشفعة فقد انتقلت الصفقة إليه بالثمن الأول، ~~فالتسليم بالزيادة على الثمن الأول أو بجنس آخر يكون إقالة على الزيادة على ~~الثمن الأول أو على جنس آخر فتبطل ms3305 التسمية ويصح التسليم بالثمن الأول ~~عندهما، وإنما اتفق جوابهما ههنا على أصل محمد؛ لأنه لا يرى جواز بيع ~~المبيع العقار قبل القبض فيبقى فسخا على الأصل، وعند أبي يوسف الزيادة ~~صحيحة وكذا تسمية جنس آخر؛ لأن الإقالة عنده بيع ولا مانع من جعلها بيعا ~~فتبقى بيعا على الأصل. # ولو تقايلا البيع في المنقول ثم إن البائع باعه من المشتري ثانيا قبل أن ~~يسترده من يده يجوز البيع وهذا يطرد على أصل أبي حنيفة ومحمد وزفر، أما على ~~أصل زفر فلأن الإقالة فسخ مطلق في حق الكل، وعلى أصل أبي حنيفة فسخ في حق ~~العاقدين والمشتري أحد المتعاقدين وعلى أصل محمد فسخ عند عدم المانع من ~~جعله فسخا، ولا مانع ههنا من جعله فسخا بل وجد المانع من جعله بيعا؛ لأن ~~بيع المبيع المنقول قبل القبض لا يجوز فكانت الإقالة فسخا عندهم فلم يكن ~~هذا بيع المبيع المنقول قبل القبض فجاز، وأما على أصل أبي يوسف فلا يطرد؛ ~~لأن الإقالة عنده بعد القبض بيع مطلق. # وبيع المبيع المنقول قبل القبض لا يجوز بلا خلاف بين أصحابنا فكان هذا ~~الفعل حجة عليه، إلا أن يثبت عنه الخلاف فيه، ولو باعه من غير المشتري لا ~~يجوز وهذا على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف يطرد أما على أصل أبي يوسف فلأن ~~الإقالة بعد القبض بيع جديد في حق العاقدين وغيرهما إلا لمانع ولا مانع من ~~جعلها بيعا ههنا لأنا لو جعلناها بيعا لا تفسد الإقالة؛ لأنها حصلت بعد ~~القبض فتجعل بيعا فكان هذا بيع المنقول قبل القبض فلم يجز. # وأما على أصل أبي حنيفة فهي وإن كانت فسخا لكن في حق العاقدين. # وأما في حق غيرهما فهي بيع والمشتري غيرهما فكان بيعا في بيعه فيكون بيع # PageV05P307 # المبيع المنقول قبل القبض. # وأما على أصل محمد، وزفر فلا يطرد؛ لأنها عند زفر فسخ في حق العاقدين، ~~وغيرهما، وعند محمد الأصل فيها الفسخ إلا لمانع، ولم يوجد المانع فبقي فسخا ~~في حق الكل. # ولم يكن هذا بيع ms3306 المنقول قبل القبض فينبغي أن يجوز، وإن كان المبيع غير ~~منقول، والمسألة بحالها جاز بيعه، من غير المشتري أيضا على أصل أبي حنيفة، ~~وأبي يوسف، وكذا على قياس أصل محمد؛ لأن على أصله الإقالة بيع في حق الكل ~~إلا أن لا يمكن، وههنا، يمكن لما قلنا، وعلى أصل أبي حنيفة بيع في حق غير ~~العاقدين فكان هذا بيع المبيع العقار قبل القبض، وأنه جائز عندهما، وعلى ~~أصل محمد فسخ إلا عند التعذر، ولا تعذر ههنا؛ لأنها حصلت بعد القبض على ~~الثمن الأول فبقيت فسخا فلم يكن هذا بيع المبيع قبل القبض بل بيع المفسوخ ~~فيه البيع قبل القبض، وهذا جائز عنده منقولا كان أو غير منقول، وعند زفر هو ~~فسخ على الإطلاق فلم يكن بيعه بيع المبيع المنقول قبل القبض فيجوز. # وعلى هذا يخرج ما إذا اشترى دارا ولها شفيع فسلم الشفعة ثم تقايلا البيع ~~أو اشتراها، ولم يكن بجنبها دار ثم بنيت بجنبها دار، ثم تقايلا البيع فإن ~~الشفيع يأخذها بالشفعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الإقالة بيع جديد في ~~حق الكل على أصل أبي يوسف، ولا مانع من جعلها بيعا، وعلى أصل أبي حنيفة بيع ~~في حق غير العاقدين، والشفيع غيرهما فيكون بيعا في حقه فيستحق. # وأما على قياس أصل محمد وزفر لا يثبت حق الشفعة؛ لأنها فسخ مطلق، وعلى ~~أصل زفر، وعلى أصل محمد فسخ ما أمكن، وههنا ممكن، والشفعة تتعلق بالبيع لا ~~بالفسخ كالرد بخيار الشرط والرؤية، ونحو ذلك. # ولو تقايلا ثم وهب البائع المبيع، من المشتري قبل الاسترداد، وقبل ~~المشتري جازت الهبة، وملكه المشتري، ولا تنفسخ الإقالة، ولو كان هذا في ~~البيع لا تجوز الهبة، وينفسخ البيع بأن، وهب المشتري المبيع قبل القبض من ~~البائع وقبله البائع، وهذا يشكل على أصل أبي يوسف؛ لأنه أجرى الإقالة بعد ~~القبض مجرى البيع، ولو كانت كذلك لما جازت الهبة، ولكانت فسخا للإقالة كما ~~كانت فسخا للبيع ثم الفرق على أصل من يجعلها فسخا ظاهر؛ لأن الفسخ لا ms3307 يحتمل ~~الفسخ فلا يمكن جعل الهبة مجازا عن الإقالة، فلا تنفسخ الإقالة بخلاف البيع ~~فإنه يحتمل الفسخ فأمكن جعل الهبة مجازا عن إقالة البيع. # ، ولو كان المبيع مكيلا أو موزونا بيع مكايلة أو موازنة فتقايلا البيع ~~فاسترده البائع من غير كيل أو وزن صح قبضه، وهذا لا يطرد على أصل أبي يوسف؛ ~~لأن الإقالة لو كانت بيعا لما صح قبضه من غير كيل أو وزن كما في البيع. # ولو تقايلا قبل قبض المبيع أو بعده ثم وجد البائع به عيبا كان عند بائعه ~~ليس له أن يرده عليه، وهذا على أصل أبي حنيفة، وأبي يوسف يطرد لأن الإقالة ~~على أصل أبي يوسف بيع في حق الكل، وعلى أصل أبي حنيفة بيع في حق ثالث، فكان ~~بيعا في حقه فيصير كأنه اشتراه ثانيا أو ورثه من المشتري، وعلى أصل محمد، ~~وزفر يشكل؛ لأن الإقالة فسخ على أصلهما فينبغي أن لا يمنع الرد. # ، ولو اشترى شيئا وقبضه قبل نقد الثمن ثم باعه من أجنبي، ثم تقايلا وعاد ~~المبيع إلى المشتري، ثم إن بائعه اشتراه بأقل مما باعه بالثمن الأول قبل ~~النقد يجوز، وهذا على أصل أبي حنيفة، وأبي يوسف صحيح؛ لأن الإقالة على أصل ~~أبي يوسف بيع في حق العاقدين وغيرهما، وعلى أصل أبي حنيفة بيع في حق ثالث ~~والبائع الأول ههنا ثالث فكانت الإقالة بيعا في حقه كان المشتري الأول ~~اشتراه ثانيا، ثم باعه من بائعه بأقل من الثمن الأول قبل العقد وذلك جائز ~~كذا هذا. # وأما على أصل محمد، وزفر فلا يطرد؛ لأنهما يجعلان الإقالة فسخا فكانت ~~إعادة إلى قديم الملك فينبغي أن لا يجوز. # وأما شرائط صحة الإقالة (فمنها) رضا المتقايلين أما على أصل أبي يوسف ~~فظاهر؛ لأنه بيع مطلق، والرضا شرط صحة البياعات. # وأما على أصل أبي حنيفة ومحمد وزفر فلأنها فسخ العقد، والعقد لم ينعقد ~~على الصحة إلا بتراضيهما أيضا (ومنها) المجلس لما ذكرنا أن معنى البيع ~~موجود فيها فيشترط لها المجلس كما يشترط للبيع (ومنها) تقابض ms3308 بدلي الصرف في ~~إقالة الصرف، وهذا على أصل أبي يوسف ظاهر، وكذلك على أصل أبي حنيفة؛ لأن ~~قبض البدلين إنما، وجب حقا لله تعالى ألا ترى أنه لا يسقط بإسقاط العبد، ~~والإقالة على أصله، وإن كانت فسخا في حق العاقدين، فهي بيع جديد في حق ثالث ~~فكان حق الشرع في حكم ثالث فيجعل بيعا في حقه. # (ومنها) أن يكون المبيع بمحل الفسخ بسائر أسباب # PageV05P308 # الفسخ كالرد بخيار الشرط والرؤية والعيب عند أبي حنيفة، وزفر فإن لم يكن ~~بأن ازداد زيادة تمنع الفسخ بهذه الأسباب لا تصح الإقالة عندهما، وعند أبي ~~يوسف ومحمد هذا ليس بشرط أما على أصل أبي حنيفة وزفر فظاهر؛ لأن الإقالة ~~عندهما فسخ للعقد فلا بد وأن يكون المحل محتملا للفسخ فإذا خرج عن احتمال ~~الفسخ خرج عن احتمال الإقالة ضرورة (وأما) على أصل أبي يوسف فلأنها بعد ~~القبض بيع مطلق، وهو بعد الزيادة محتمل للبيع، فبقي محتملا للإقالة. # (وأما) على أصل محمد، وإن كانت فسخا لكن عند الإمكان، ولا إمكان ههنا؛ ~~لأنا لو جعلناها فسخا لم يصح، ولو جعلناها بيعا لصحت فجعل بيعا لضرورة ~~الصحة، فلهذا اتفق جواب محمد مع جواب أبي يوسف في هذا الفصل (ومنها) قيام ~~المبيع وقت الإقالة فإن كان هالكا، وقت الإقالة لم تصح، فأما قيام الثمن ~~وقت الإقالة فليس بشرط (ووجه) الفرق أن إقالة البيع رفعه، فكان قيامها ~~بالبيع، وقيام البيع بالمبيع لا بالثمن؛ لأنه هو المعقود عليه، على معنى أن ~~العقد ورد عليه، لا على الثمن؛ لأنه يرد على المعين، والمعين هو المبيع لا ~~الثمن؛ لأنه لا يحتمل التعيين، وإن عين؛ لأنه اسم لما في الذمة فلا يتصور ~~إيراد العقد عليه دل أن قيام البيع بالمبيع لا بالثمن فإذا هلك لم يبق محل ~~حكم البيع، فلا يبقى حكمه، فلا يتصور الإقالة التي هي رفع حكم البيع في ~~الحقيقة، وإذا هلك الثمن فمحل حكم البيع قائم فتصح الإقالة. # وعلى هذا يخرج ما إذا تبايعا عينا بدين كالدراهم والدنانير عينا أو لم ms3309 ~~يعينا والفلوس والمكيل والموزون والعدديات المتقاربة الموصوفة في الذمة، ثم ~~تقايلا أنهما إن تقايلا، والعين قائمة في يد المشتري صحت الإقالة، سواء كان ~~الثمن قائما في يده أو هالكا لقيام حكم البيع بقيام المعقود عليه، وإن ~~تقايلا بعد هلاك العين لم تصح، وكذا إن كانت قائمة وقت الإقالة ثم هلكت قبل ~~الرد على البائع بطلت الإقالة سواء كان الثمن قائما أو هالكا؛ لأن الإقالة ~~فيها معنى البيع ألا ترى أن بعد الإقالة وجب على كل واحد منهما رد ما في ~~يده على صاحبه فكان هلاك البيع بعد الإقالة قبل القبض كهلاكه بعد البيع قبل ~~القبض، فإنه يوجب بطلان البيع كذا هذا سواء بقي الثمن أو هلك؛ لأنه إذا لم ~~يتعين، فقيامه وهلاكه بمنزلة واحدة. # وكذا إذا كان المبيع عبدين، وتقابضا ثم هلكا ثم تقايلا أنه لا تصح ~~الإقالة لما ذكرنا أن المعقود عليه إذا هلك لم يبق محل الفسخ بالإقالة، ~~وكذا لو كان أحدهما هالكا وقت الإقالة والآخر قائما وصحت الإقالة، ثم هلك ~~القائم قبل الرد بطلت الإقالة؛ لأنه هلك المعقود عليه قبل القبض على ما ~~بينا. # ولو تبايعا عينا بعين، وتقابضا، ثم هلكت إحداهما في يد مشتريها، ثم ~~تقايلا صحت الإقالة، وعلى مشتري الهالك قيمة الهالك إن لم يكن له مثل ومثله ~~إن كان له مثل فيسلمه إلى صاحبه ويسترد منه العين؛ لأن كل واحد منهما مبيع ~~على حدة لقيام العقد في كل واحد منهما ثم خرج الهالك من أن يكون قيام العقد ~~به فيقوم بالآخر، وإذا بقي المبيع بقي محل الفسخ، فيصح أو نقول: المبيع ~~أحدهما والآخر ثمن إذ المبيع لا بد له من الثمن، فإذا هلك أحدهما تعين ~~الهالك للثمن، والقائم للمبيع لما فيه من تصحيح العقد، وفي القلب إفساده، ~~فكان التصحيح أولى فبقي البيع ببقاء المبيع، فاحتمل الإقالة. # وكذلك لو تقايلا، والعينان قائمتان ثم هلك أحدهما بعد الإقالة قبل الرد ~~لا تبطل الإقالة؛ لأن هلاك إحداهما قبل الإقالة لما لم يمنع صحة الإقالة ~~فهلاكها بعد الإقالة ms3310 لا يمنع بقاءها على الصحة من طريق الأولى؛ لأن البقاء ~~أسهل من الابتداء، وهذا بخلاف بيع العرض بالعرض أنه لا ينعقد بأحد العرضين ~~ابتداء، وإذا انعقد بهما ثم هلك أحدهما قبل القبض يبطل البيع؛ لأن البيع ~~مبادلة المال بالمال فلا ينعقد بأحد البدلين، ويبطل بهلاك أحد العرضين قبل ~~القبض؛ لأن كل واحد من العرضين مبيع، وهلاك المبيع قبل القبض يبطل البيع ~~(فأما) الإقالة فرفع البيع فتستدعي بقاء حكم البيع، وقد بقي ببقاء أحدهما. # وعلى هذا تخرج إقالة السلم قبل قبض المسلم فيه أنها جائزة سواء كان رأس ~~المال دينا أو عينا، وسواء كان قائما في يد المسلم إليه أو هالكا؛ لأن ~~المبيع هو المسلم فيه، وأنه قائم، وهذا؛ لأن المسلم فيه وإن كان دينا حقيقة ~~فله حكم العين حتى لا يجوز استبداله قبل القبض فكان كالمعقود عليه، وأنه ~~قائم فوجد شرط صحة الإقالة، وإذا صحت، فإن كان رأس المال عين مال قائمة رده ~~المسلم إليه بعينه، وإن كانت هالكة فإن كان مما له مثل رد مثله، وإن كان ~~مما لا مثل له رد قيمته، وإن كان دينا رد مثله قائما كان أو هالكا؛ لأنه لا ~~يتعين بالتعيين # PageV05P309 # فهلاكه وقيامه سواء، وكذلك لو كانت الإقالة بعد قبض المسلم فيه، وأنه ~~قائم في يد رب السلم أنه تصح الإقالة ثمة؛ لأنها صحت حال كونه دينا حقيقة ~~فحال صيرورته عينا بالقبض أولى، وإذا صحت فعلى رب السلم رد عين المقبوض؛ ~~لأن المقبوض بعقد السلم كأنه عين ما ورد عليه العقد بدليل أنه يجوز بيعه ~~مرابحة على رأس المال، والمرابحة بيع ما اشتراه البائع بمثل الثمن الأول مع ~~زيادة ربح. # وإذا كان المقبوض عين ما ورد عليه العقد في التقدير والحكم، وجب رد عينه ~~في الإقالة. # ولو اشترى عبدا بنقرة أو بمصوغ، وتقابضا ثم هلك العبد في يد المشتري، ثم ~~تقايلا والفضة قائمة في يد البائع صحت الإقالة؛ لأن كل واحد منهما مبيع ~~لتعينه بالتعيين فكان معقودا عليه فيبقى البيع ببقاء أحدهما، وعلى البائع ms3311 ~~رد عين الفضة، ويسترد من المشتري قيمة العبد لكن ذهبا لا فضة؛ لأن الإقالة ~~وردت لا على قيمة العبد فلو استرد قيمته فضة، والقيمة تختلف فتزداد أو تنقص ~~فيؤدي إلى الربا،. # ولو كان العبد قائما وقت الإقالة ثم هلك قبل الرد على البائع فعلى البائع ~~أن يرد الفضة، ويسترد قيمة العبد إن شاء ذهبا، وإن شاء فضة؛ لأن الإقالة ~~ههنا وردت على عين العبد ثم وجبت القيمة على المشتري بدلا للعبد، ولا ربا ~~بين العبد وقيمته، والله - تعالى - أعلم. # PageV05P310 ### | [كتاب الكفالة] # [ركن الكفالة] # الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان ### | ركن الكفالة # وفي بيان شرائط الركن وفي بيان حكم الكفالة وفي بيان ما يخرج به الكفيل ~~عن الكفالة وفي بيان الرجوع بعد الخروج أنه هل يرجع أم لا (أما) الركن فهو ~~الإيجاب والقبول الإيجاب من الكفيل والقبول من الطالب وهذا عند أبي حنيفة ~~ومحمد وهو قول أبي يوسف الآخر وفي قوله الأول الركن هو الإيجاب فحسب (فأما) ~~القبول فليس بركن وهو أحد قولي الشافعي - رحمه الله - لما روي «أن النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - أتي بجنازة رجل من الأنصار فقال هل على صاحبكم دين ~~فقيل نعم درهمان أو ديناران فامتنع من الصلاة عليها فقال سيدنا علي أو أبو ~~قتادة - رضي الله عنهما - هما علي يا رسول الله فصلى عليها» ولم ينقل قبول ~~الطالب ولأن الكفالة ضم لغة والتزام المطالبة بما على الأصيل شرعا لا ~~تمليك. # ألا يرى أنه يحتمل الجهالة والتعليق بالشرط والتمليك لا يحتمل ذلك ومعنى ~~الضم والالتزام يتم بإيجاب الكفيل فأشبه النذر والدليل عليه أن المريض إذا ~~قال عند موته لورثته اضمنوا عني ما علي من الدين لغرمائي وهم غيب فضمنوا ~~ذلك فهو جائز ويلزمهم وأي فرق بين المريض والصحيح ولهما أن الكفالة ليست ~~بالتزام محض بل فيها معنى التمليك لما نذكر والتمليك لا يتم إلا بالإيجاب ~~والقبول كالبيع والجواب عن مسألة المريض نذكره من بعد إن شاء الله تعالى ~~فإذا عرفت أن ركن الكفالة الإيجاب والقبول ms3312 فالإيجاب من الكفيل أن يقول أنا ~~كفيل أو ضمين أو زعيم أو غريم أو قبيل أو حميل أو لك علي أو لك قبلي أو لك ~~عندي. # (أما) لفظ الكفالة والضمان فصريحان وكذلك الزعامة بمعنى الكفالة والغرامة ~~بمعنى الضمان قال النبي - عليه الصلاة والسلام - «الزعيم غارم» أي الكفيل ~~ضامن وكذلك القبالة بمعنى الكفالة أيضا يقال قبلت به أقبل قبالة وتقبلت به ~~أي كفلت قال الله تعالى {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} [الإسراء: 92] أي ~~كفيلا يكفلوني بما يقول والحميل بمعنى # PageV06P002 # المحمول فعيل بمعنى المفعول كالقتيل بمعنى المقتول وأنه ينبئ عن تحمل ~~الضمان وقوله على كلمة إيجاب وكذا قوله إلي قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا فإلي وعلي» وقوله «قبلي ينبئ عن ~~القبالة» وهي الكفالة على ما ذكرنا وقوله عندي وإن كانت مطلقة للوديعة لكنه ~~بقرينة الدين يكون كفالة لأن قوله عندي يحتمل اليد ويحتمل الذمة لأنها كلمة ~~قرب وحضرة وذلك يوجد فيهما جميعا فعند الإطلاق يحمل على اليد لأنه أدنى ~~وعند قرينة الدين يحمل على الذمة أي في ذمتي لأن الدين لا يحتمله إلا ~~الذمة. # (وأما) القبول من الطالب فهو أن يقول قبلت أو رضيت أو هويت أو ما يدل على ~~هذا المعنى. # ثم ركن الكفالة. # في الأصل لا يخلو عن أربعة أقسام إما أن يكون مطلقا أو مقيدا بوصف أو ~~معلقا بشرط أو مضافا إلى وقت فإن كان مطلقا فلا شك في جوازه إذا استجمع ~~شرائط الجواز وهي ما نذكر إن شاء الله تعالى غير أنه إن كان الدين على ~~الأصيل حالا كانت الكفالة حالة وإن كان الدين عليه مؤجلا كانت الكفالة ~~مؤجلة لأن الكفالة بمضمون على الأصيل فتتقيد بصفة المضمون. # (وأما) المقيد فلا يخلو إما إن كان مقيدا بوصف التأجيل أو بوصف الحلول ~~فإن كانت الكفالة مؤجلة فإن كان التأجيل إلى وقت معلوم بأن كفل إلى شهر أو ~~سنة جاز ثم إن كان الدين على الأصيل مؤجلا إلى أجل مثله يتأجل إليه ms3313 في حق ~~الكفيل أيضا وإن سمى الكفيل أجلا أزيد من ذلك أو أنقص جاز لأن المطالبة حق ~~الطالب فله أن يتبرع على كل واحد منهما بتأخير حقه وإن كان الدين عليه حالا ~~جاز التأجيل إلى الأجل المذكور ويكون ذلك تأجيلا في حقهما جميعا في ظاهر ~~الرواية وروى ابن سماعة عن محمد أنه يكون تأجيلا في حق الكفيل خاصة (وجه) ~~هذه الرواية أن الطالب خص الكفيل بالتأجيل فيخص به كما إذا كفل حالا أو ~~مطلقا ثم أخر عنه بعد الكفالة. # (وجه) ظاهر الرواية أن التأجيل في نفس العقد يجعل الأجل صفة للدين والدين ~~واحد وهو على الأصيل فيصير مؤجلا عليه ضرورة بخلاف ما إذا كان بعد تمام ~~العقد لأن التأجيل المتأخر عن العقد يؤخر المطالبة وقد خص به الكفيل فلا ~~يتعدى إلى الأصيل ولو كان الدين على الأصيل مؤجلا إلى سنة فكفل به مؤجلا ~~إلى سنة أو مطلقا ثم مات الأصيل قبل تمام السنة يحل الدين في ماله وهو على ~~الكفيل إلى أجله وكذا لو مات الكفيل دون الأصيل يحل الدين في مال الكفيل ~~وهو على الأصيل إلى أجله لأن المبطل للأجل وجد في حق أحدهما دون الآخر وإن ~~كان التأجيل إلى وقت مجهول فإن كان يشبه آجال الناس كالحصاد والدياس ~~والنيروز ونحوه فكفل إلى هذه الأوقات جاز عند أصحابنا وعند الشافعي - رحمه ~~الله - لا يجوز. # (وجه) قوله أن هذا عقد إلى أجل مجهول فلا يصح كالبيع (ولنا) أن هذا ليس ~~بجهالة فاحشة فتحملها الكفالة وهذا لأن الجهالة لا تمنع من جواز العقد ~~لعينها بل لإفضائها إلى المنازعة بالتقديم والتأخير وجهالة التقديم ~~والتأخير لا تفضي إلى المنازعة في باب الكفالة لأنه يسامح في أخذ العقد ما ~~لا يسامح في غيره لإمكان استيفاء الحق من جهة الأصيل بخلاف البيع ولأن ~~الكفالة جوازها بالعرف والكفالة إلى هذه الآجال متعارفة. # ولو كانت الكفالة حالة فأخر إلى هذه الأوقات جاز أيضا لما ذكرنا وإن كان ~~لا يشبه آجال الناس كمجيء المطر وهبوب الريح فالأجل باطل ms3314 والكفالة صحيحة ~~لأن هذه جهالة فاحشة فلا تتحملها الكفالة فلم يصح التأجيل فبطل وبقيت ~~الكفالة صحيحة وكذا لو كان على رجل دين فأجله الطالب إلى هذه الأوقات جاز ~~وإن كان ثمن مبيع ولا يوجب ذلك فساد البيع لأن تأجيل الدين ابتداء بمنزلة ~~التأخير في الكفالة وذا لا يؤثر في البيع فكذا هذا، هذا إذا كانت الكفالة ~~مؤجلة فأما إذا كانت حالة فإن شرط الطالب الحلول على الكفيل جاز سواء كان ~~الدين على الأصيل حالا أو مؤجلا لما ذكرنا أن المطالبة حق المكفول له فيملك ~~التصرف فيه بالتعجيل والتأجيل. # ولو كفل حالا ثم أجله الطالب بعد ذلك يتأخر في حق الكفيل إذا قبل التأخير ~~دون الأصل بخلاف ما إذا كان التأجيل في العقد لما ذكرنا من الفرق ولو كان ~~الدين على الأصل حالا فأخره الطالب إلى مدة وقبله المطلوب جاز التأخير ~~ويكون تأخيرا في حق الكفيل هذا إذا كانت مقيدة بوصف. # فأما إذا كانت معلقة بشرط فإن كان المذكور شرطا سببا لظهور # PageV06P003 # الحق أو لوجوبه أو وسيلة إلى الأداء في الجملة جاز بأن قال إن استحق ~~المبيع فأنا كفيل لأن استحقاق المبيع سبب لظهور الحق وكذا إذا قال إذا قدم ~~زيد فأنا كفيل لأن قدومه وسيلة إلى الأداء في الجملة لجواز أن يكون مكفولا ~~عنه أو يكون مضاربة فإن لم يكن سببا لظهور الحق ولا لوجوبه ولا وسيلة إلى ~~الأداء في الجملة لا يجوز بأن قال إذا جاء المطر أو هبت الريح أو إن دخل ~~زيد الدار فأنا كفيل لأن الكفالة فيها معنى التمليك لما ذكرنا والأصل أن لا ~~يجوز تعليقها بالشرط إلا شرطا ألحق به تعلق بالظهور أو التوسل إليه في ~~الجملة فيكون ملائما للعقد فيجوز ولأن الكفالة جوازها بالعرف والعرف في مثل ~~هذا الشرط دون غيره. # ولو قال إن قتلك فلان أو إن شجك فلان أو إن غصبك فلان أو إن بايعت فلانا ~~فأنا ضامن لذلك جاز لأن هذه الأفعال سبب لوجوب الضمان ولو قال إن غصبك فلان ~~ضيعتك ms3315 فأنا ضامن لم يجز عند أبي حنيفة وأبي يوسف وجاز عند محمد بناء على أن ~~غصب العقار لا يتحقق عند أبي حنيفة وعند محمد يتحقق ولو قال من قتلك من ~~الناس أو من غصبك من الناس أو من شجك من الناس أو من بايعك من الناس لم يجز ~~لا من قبل التعليق بالشرط بل لأن المضمون عنه مجهول وجهالة المضمون عنه ~~تمنع صحة الكفالة. # ولو قال ضمنت لك ما على فلان إن نوى جاز لأن هذا شرط ملائم للعقد لأنه ~~مؤكد لمعنى التوسل إلى ما هو المقصود وكذا لو قال إن خرج من المصر ولم يعطك ~~فأنا ضامن لما ذكرنا ولو شرط في الكفالة بالنفس تسليم المكفول به في وقت ~~بعينه جاز لأن هذا تأجيل الكفالة بالنفس إلى وقت معلوم فيصح كالكفالة ~~بالمال وكذا سائر أنواع الكفالات في التعليق بالشرط والتأجيل والإضافة إلى ~~الوقت سواء؛ لأن الكل في معنى الكفالة على السواء. # ولو قال كفلت لك مالك على فلان حالا على أنك متى طلبته فلي أجل شهر جاز ~~وإذا طلبته منه فله أجل شهر ثم إذا مضى الشهر فله أن يأخذ متى شاء ولو شرط ~~ذلك بعد تمام الكفالة بالمال حالا لم يجز وله أن يطالبه متى شاء والفرق أن ~~الموجود ههنا كفالتان إحداهما حالة مطلقة والثانية مؤجلة إلى شهر، معلقة ~~بشرط الطلب فإذا وجد الشرط ثبت التأجيل إلى شهر فإذا مضى الشهر انتهى حكم ~~التأجيل فيأخذه بالكفالة الحالة هذا معنى قوله في الكتاب يأخذه متى شاء ~~بالطلب الأول بخلاف ما إذا كان التأجيل بالشرط بعد تمام العقد لأن ذلك ~~تعليق التأجيل بالشرط لا تعليق العقد المؤجل بالشرط والتأجيل نفسه لا يحتمل ~~التعليق بالشرط فبطل ألا ترى أنه إذا كفل إلى قدوم زيد جاز. # ولو كفل مطلقا ثم أخر إلى قدوم زيد لم يجز لما ذكرنا كذا هذا ولو كفل ~~بنفس المطلوب على أنه إن لم يواف به غدا فعليه ما عليه وهو الألف فمضى ~~الوقت ولم يواف به فالمال ms3316 لازم للكفيل لأن هنا كفالتان بالنفس وبالمال إلا ~~أنه كفل بالنفس مطلقا وعلق الكفالة بالمال بشرط عدم الموافاة بالنفس فكل ~~ذلك جائز. # (أما) الكفالة بالنفس فلا شك فيها وكذا الكفالة بالمال لأن هذا شرط ملائم ~~للعقد محقق لما شرع له وهو الوصول إلى الحق من جهة الكفيل عند تعذر الوصول ~~إليه من قبل الأصيل فإذا لم يوجد الشرط لزمه المال وإذا أداه لا يبرأ عن ~~الكفالة بالنفس لجواز أن يدعي عليه مالا آخر فيلزمه تسليم نفسه وكذا إذا ~~قال فعليه ما عليه وعليه ألف ولم يسم لأن جهالة قدر المكفول به لا تمنع صحة ~~الكفالة ويلزمه جميع الألف لأنه أضاف الكفالة إلى ما عليه والألف عليه وكذا ~~لو كفل لامرأة بصداقها إن لم يواف الزوج وصداقها وصيف فالوصف لازم للكفيل ~~لأن الكفالة بالوصيف كفالة بمضمون على الأصيل وهو الزوج لأن الحيوان يثبت ~~دينا في الذمة بدلا عما ليس بمال فيلزم الكفيل ولو كفل بنفس رجل وقال إن لم ~~أوافك به غدا فعلي ألف درهم ولم يقل الألف التي عليه أو الألف التي ادعيت ~~والمطلوب ينكر فالمال لازم للكفيل عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ~~وعند محمد - رحمه الله - لا يلزمه. # (وجه) قول محمد أن هذا إيجاب المال معلقا بالخطر ابتداء لأنه لم توجد ~~الإضافة إلى الواجب، ووجوب المال ابتداء لا يتعلق بالخطر فأما الكفالة بمال ~~ثابت فتتعلق بالخطر ولم يوجد. # (وجه) قولهما إن مطلق الألف ينصرف إلى الألف المعهودة وهي الألف المضمونة ~~مع ما أن في الصرف إلى ابتداء الإيجاب فساد العقد وفي الصرف إلى ما عليه ~~صحته فالصرف إلى ما فيه صحة العقد أولى ولو كفل بنفسه على أن يوافي به إذا ~~ادعى به فإن لم يفعل فعليه الألف التي عليه # PageV06P004 # جاز لأنه كفل بالنفس مطلقا وعلق الكفالة بالمال بشرط عدم الموافاة بالنفس ~~عند طلب الموافاة وهذا شرط ملائم للعقد لما ذكرنا فإذا طلب منه المكفول له ~~تسليم النفس فإن سلم مكانه برئ لأنه أتى بما التزم وإن ms3317 لم يسلم فعليه المال ~~لتحقق الشرط وهو عدم الموافاة بالنفس عند الطلب. # ولو قال ائتني به عشية أو غدوة وقال الكفيل أنا آتيك به بعد غد فإن لم ~~يأت به في الوقت الذي طلب المكفول له فعليه المال لوجود شرط اللزوم وإن أخر ~~المطالبة إلى ما بعد غد كما قاله الكفيل فأتى به فهو بريء من المال لأنه ~~بالتأخير أبطل الطلب الأول فلم يبق التسليم واجبا عليه وصار كأنه طلب منه ~~من الابتداء التسليم بعد غد وقد وجد وبرئ من المال. # ولو كفل بالمال وقال إن وافيتك به غدا فأنا بريء فوافاه من الغد يبرأ من ~~المال في رواية وفي رواية لا يبرأ. # (وجه) الرواية الأخيرة أن قوله إن وافيتك به غدا فأنا بريء تعليق البراءة ~~عن المال بشرط الموافاة بالنفس والبراءة لا تحتمل التعليق بالشرط لأن فيها ~~معنى التمليك والتمليكات لا يصح تعليقها بالشرط. # (وجه) الرواية الأولى أن هذا ليس بتعليق البراءة بشرط الموافاة بل هو جعل ~~الموافاة غاية للكفالة بالمال والشرط قد يذكر بمعنى الغاية لمناسبة بينهما ~~والأول أشبه. # ولو شرط في الكفالة بالنفس أن يسلمه إليه في مجلس القاضي جاز لأن هذا شرط ~~مفيد ويكون التسليم في المصر أو في مكان يقدر على إحضاره مجلس القاضي ~~تسليما إلى القاضي لما نذكر إن شاء الله تعالى. # ولو شرط أن يسلمه إليه في مصر معين يصح التقييد بالمصر بالإجماع إلا أنه ~~لا يصح التعيين عند أبي حنيفة وعندهما يصح على ما نذكر إن شاء الله تعالى. # ولو شرط أن يدفعه إليه عند الأمير لا يتقيد به حتى لو دفعه إليه عند ~~القاضي أو عزل الأمير وولي غيره فدفعه إليه عند الثاني جاز لأن التقييد غير ~~مفيد. # ولو كفل بنفسه فإن لم يواف به فعليه ما يدعيه الطالب فإن ادعى الطالب ~~ألفا فإن لم يكن عليه بينة لا يلزم الكفيل لأنه لا يلزم بنفس الدعوى شيء ~~فقد أضاف الالتزام إلى ما ليس بسبب اللزوم وكذا إذا أقر بها المطلوب لأن ms3318 ~~إقراره حجة عليه لا على غيره فلا يصدق على الكفيل. # ولو قامت البينة عليها أو أقر بها الكفيل فعليه الألف لأن البينة سبب ~~لظهور الحق وكذا إقرار الإنسان على نفسه صحيح فيؤاخذ به. # ولو كفل بنفسه على أنه إن لم يواف به إلى شهر فعليه ما عليه فمات الكفيل ~~قبل الشهر وعليه دين ثم مضى الشهر قبل أن يدفع ورثة الكفيل المكفول به إلى ~~الطالب فالمال لازم للكفيل ويضرب الطالب مع الغرماء أما لزوم المال فلأن ~~الحكم بعد الشرط يثبت مضافا إلى السبب السابق وهو عند مباشرة السبب صحيح ~~ولهذا لو كفل وهو صحيح ثم مرض تعتبر الكفالة من جميع المال لا من الثلث. # (وأما) الضرب مع الغرماء فلاستواء الدينين وكذا لو مات المكفول به ثم مات ~~الكفيل لأنه إذا مات فقد عجز الكفيل عن تسليم نفسه فوجد شرط لزوم المال ~~بالسبب السابق هذا إذا كانت الكفالة معلقة بالشرط. # فأما إذا كانت مضافة إلى وقت بأن ضمن ما ادان له على فلان أو ما قضى له ~~عليه أو ما داين فلانا أو ما أقرضه أو ما استهلك من ماله أو ما غصبه أو ثمن ~~ما بايعه صحت هذه الكفالة لأنها أضيفت إلى سبب الضمان وإن لم يكن الضمان ~~ثابتا في الحال والكفالة إن كان فيها معنى التمليك فليست بتمليك محض فجاز ~~أن يحتمل الإضافة. # ولو قال كلما بايعت فلانا فثمنه علي أو ما بايعت أو الذي بايعت يؤاخذ ~~الكفيل بجميع ما بايعه. # ولو قال إن بايعت أو إذا بايعت أو متى بايعت يؤاخذ بثمن أول المبايعة ولا ~~يؤاخذ بثمن ما بايعه بعدها لأن كلمة (كل) لعموم الأفعال وكذا كلمة (ما) ~~والذي للعموم وقد دخلت على المبايعة فيقتضي تكرار المبايعة ولم يوجد مثل ~~هذه الدلالة في قوله إن بايعت ونظائره والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في شرائط الكفالة] # ركن الكفالة وأما شرائط الكفالة. # فأنواع بعضها يرجع إلى الكفيل وبعضها يرجع إلى الأصيل وبعضها يرجع إلى ~~المكفول له وبعضها يرجع إلى المكفول ms3319 به ثم منها ما هو شرط الانعقاد ومنها ~~ما هو شرط النفاذ. # (أما) . # الذي يرجع إلى الكفيل. # فأنواع (منها) العقل ومنها البلوغ وإنهما من شرائط الانعقاد لهذا التصرف ~~فلا تنعقد كفالة الصبي والمجنون لأنها عقد تبرع فلا تنعقد ممن ليس من أهل ~~التبرع إلا أن الأب أو الوصي لو استدان دينا في نفقة اليتيم وأمر اليتيم أن ~~يضمن المال عنه جاز. # ولو أمره أن يكفل عنه النفس لم يجز لأن ضمان الدين قد لزمه من غير شرط ~~فالشرط # PageV06P005 # لا يزيده إلا تأكيدا فلم يكن متبرعا فأما ضمان النفس وهو تسليم نفس الأب ~~أو الوصي فلم يكن عليه فكان متبرعا فيه فلم يجز (ومنها) الحرية وهي شرط ~~نفاذ هذا التصرف فلا تجوز كفالة العبد محجورا كان أو مأذونا له في التجارة ~~لأنها تبرع والعبد لا يملكه بدون إذن مولاه ولكنها تنعقد حتى يؤاخذ به بعد ~~العتاق لأن امتناع النفاذ ما كان لانعدام الأهلية بل لحق المولى وقد زال ~~بخلاف الصبي لأنها غير منعقدة منه لعدم الأهلية فلا تحتمل النفاذ بالبلوغ. # ولو أذن له المولى بالكفالة فإن كان عليه دين لم يجز لأن إذنه بالتبرع لم ~~يصح وإن لم يكن عليه دين جازت كفالته وتباع رقبته في الكفالة بالدين إلا أن ~~يفديه المولى ولا تجوز كفالة المكاتب من الأجنبي لأن المكاتب عبد ما بقي ~~عليه درهم على لسان صاحب الشرع - عليه الصلاة والسلام - وسواء أذن له ~~المولى أو لم يأذن لأن إذن المولى لم يصح في حقه وصح في حق القن ولكنه ~~ينعقد حتى يطالب به بعد العتاق ولو كفل المكاتب أو المأذون عن المولى جاز ~~لأنهما يملكان التبرع عليه وأما صحة بدن الكفيل فليس بشرط لصحة الكفالة ~~فتصح كفالة المريض لكن من الثلث لأنها تبرع. # (وأما) الذي يرجع إلى الأصيل. # فنوعان أحدهما أن يكون قادرا على تسليم المكفول به إما بنفسه وإما بنائبه ~~عند أبي حنيفة فلا تصح الكفالة بالدين عن ميت مفلس عنده وعند أبي يوسف ~~ومحمد تصح. # (وجه) قولهما ms3320 أن الموت لا ينافي بقاء الدين لأنه مال حكمي فلا يفتقر ~~بقاؤه إلى القدرة ولهذا بقي إذا مات مليا حتى تصح الكفالة به وكذا بقيت ~~الكفالة بعد موته مفلسا وإذا مات عن كفيل تصح الكفالة عنه بالدين فكذا يصح ~~الإبراء عنه والتبرع. # (وجه) قول أبي حنيفة أن الدين عبارة عن الفعل والميت عاجز عن الفعل فكانت ~~هذه كفالة بدين ساقط فلا تصح كما كفل على إنسان بدين ولا دين عليه وإذا مات ~~مليا فهو قادر بنائبه وكذا إذا مات عن كفيل لأنه قائم مقامه في قضاء دينه. # (وأما) الإبراء والتبرع فهما في الحقيقة إبراء عن المؤاخذة بسبب المماطلة ~~في قضاء الدين والتبرع بتخليص الميت عن المؤاخذة بسبب التقصير بواسطة إرضاء ~~الخصم بهبة هذا القدر منه فإما أن يكون إبراء عن الدين وتبرعا بقضائه حقيقة ~~فلا على ما عرف في الخلافيات والثاني أن يكون معلوما بأن كفل ما على فلان ~~فأما إذا قال على أحد من الناس أو بعين أو بنفس أو بفعل فلا يجوز لأن ~~المضمون عليه مجهول ولأن الكفالة جوازها بالعرف والكفالة على هذا الوجه غير ~~معروفة فأما حرية الأصيل وعقله وبلوغه فليست بشرط لجواز الكفالة لأن ~~الكفالة بمضمون ما على الأصل مقدور الاستيفاء من الكفيل وقد وجد أما العبد ~~فلأن الدين واجب عليه ويطالب به في الجملة فأشبه الكفالة بالدين المؤجل ~~وأما الصبي والمجنون فلأن الدين في ذمتهما والولي مطالب به في الحال ~~ويطالبان أيضا في الجملة وهو ما بعد البلوغ والإفاقة فتجوز الكفالة عن ~~العبد وإن كان محجورا وعن الصبي والمجنون إلا أن الكفيل لا يملك الرجوع ~~عليهم بما أدى وإن كانت الكفالة بإذنهم لما نذكر في موضعه إن شاء الله ~~تعالى وكذا لا يشترط حضرته فتجوز الكفالة عن غائب أو محبوس لأن الحاجة إلى ~~الكفالة في الغالب في مثل هذه الأحوال فكانت الكفالة فيهما أجوز ما يكون. # (وأما) الذي يرجع إلى المكفول له. # فأنواع (منها) أن يكون معلوما حتى أنه إذا كفل لأحد من الناس لا ms3321 تجوز لأن ~~المكفول له إذا كان مجهولا لا يحصل ما شرع له الكفالة وهو التوثق (ومنها) ~~أن يكون في مجلس العقد وأنه شرط الانعقاد عند أبي حنيفة ومحمد إذا لم يقبل ~~عنه حاضر في المجلس حتى أن من كفل لغائب عن المجلس فبلغه الخبر فأجاز لا ~~تجوز عندهما إذا لم يقبل عنه حاضر وعن أبي يوسف روايتان وظاهر إطلاق محمد ~~في الأصل أنها جائزة على قوله الآخر يدل على أن المجلس عنده ليس شرطا أصلا ~~لا شرط النفاذ ولا شرط الانعقاد لأن محمدا ربما يطلق الجواز على النافذ ~~فأما الموقوف فنسميه باطلا إلا أن يجيز وهذا الإطلاق صحيح لأن الجائز هو ~~النافذ في اللغة يقال جاز السهم إذا نفذ. # (وجه) قول أبي يوسف الآخر ما ذكرنا في صدر الكتاب أن معنى هذا العقد لغة ~~وشرعا وهو الضم والالتزام يتم بإيجاب الكفيل فكان إيجابه كل العقد والدليل ~~عليه مسألة المريض. # (وجه) قولهما ما ذكرنا أن فيه معنى التمليك أيضا والتمليك لا يقوم إلا ~~بالإيجاب والقبول فكان الإيجاب وحده شطر العقد فلا يقف على غائب # PageV06P006 # عن المجلس كالبيع مع ما أنا نعمل بالشبهين جميعا فنقول لشبه الالتزام ~~يحتمل الجهالة والتعليق بالشرط والإضافة إلى الوقت ولشبه التمليك لا يقف ~~على غائب عن المجلس اعتبارا للشبهين بقدر الإمكان. # (وأما) مسألة المريض فقد قال بعض مشايخنا إن جواز الضمان هناك بطريق ~~الإيصاء بالقضاء عنه بعد موته لا بطريق الكفالة ويكون قوله اضمنوا عني ~~إيصاء منه إليهم بالقضاء عنه حتى لو مات ولم يترك شيئا لا يلزم الورثة شيء ~~فعلى هذا لا يلزم وبعضهم أجازوه على سبيل الكفالة ووجهه ما أشار إليه أبو ~~حنيفة عليه الرحمة في الأصل وقال هو بمنزلة المعبر عن غرمائه وشرح هذه ~~الإشارة والله عز وجل أعلم أن المريض مرض الموت يتعلق الدين بماله ويصير ~~بمنزلة الأجنبي عنه حتى لا ينفذ منه التصرف المبطل لحق الغريم. # ولو قال أجنبي للورثة اضمنوا لغرماء فلان عنه فقالوا ضمنا يكتفى به فكذا ~~المريض والله عز ms3322 وجل أعلم (ومنها) وهو تفريع على مذهبهما أن يكون عاقلا فلا ~~يصح قبول المجنون والصبي الذي لا يعقل لأنهما ليسا من أهل القبول ولا يجوز ~~قبول وليهما عنهما لأن القبول يعتبر ممن وقع له الإيجاب ومن وقع له الإيجاب ~~ليس من أهل القبول ومن قبل لم يقع الإيجاب له فلا يعتبر قبوله. # (وأما) حرية المكفول له فليست بشرط لأن العبد من أهل القبول. # (وأما) . # الذي يرجع إلى المكفول به. # فنوعان أحدهما أن يكون المكفول به مضمونا على الأصيل سواء كان دينا أو ~~عينا أو نفسا أو فعلا ليس بدين ولا عين ولا نفس عند أصحابنا إلا أنه يشترط ~~في الكفالة بالعين أن تكون مضمونة بنفسها وجملة الكلام فيه أن المكفول به ~~أربعة أنواع عين ودين ونفس وفعل ليس بدين ولا عين ولا نفس أما العين فنوعان ~~عين هي أمانة وعين هي مضمونة أما العين التي هي أمانة فلا تصح الكفالة بها ~~سواء كانت أمانة غير واجبة التسليم كالودائع ومال الشركات والمضاربات أو ~~كانت أمانة واجبة التسليم كالعارية والمستأجر في يد الأجير لأنه أضاف ~~الكفالة إلى عينها وعينها ليست بمضمونة. # ولو كفل بتسليم المستعار والمستأجر عن المستعير والمستأجر جاز لأنهما ~~مضمونا التسليم عليهما فالكفالة أضيفت إلى مضمون على الأصيل وهو فعل ~~التسليم فصحت (وأما) العين المضمونة فنوعان مضمون بنفسه كالمغصوب والمقبوض ~~بالبيع الفاسد والمقبوض على سوم الشراء ومضمون بغيره كالمبيع قبل القبض ~~والرهن فتصح الكفالة بالنوع الأول لأنه كفالة بمضمون بنفسه ألا ترى أنه يجب ~~رد عينه حال قيامه ورد مثله أو قيمته حال هلاكه فيصير مضمونا على الكفيل ~~على هذا الوجه أيضا ولا تصح بالنوع الثاني لأن المبيع قبل القبض مضمون ~~بالثمن لا بنفسه ألا ترى أنه إذا هلك في يد البائع لا يجب عليه شيء ولكن ~~يسقط الثمن عن المشتري وكذا الرهن غير مضمون بنفسه بل بالدين ألا ترى أنه ~~إذا هلك لا يجب على المرتهن شيء ولكن يسقط الدين عن الراهن بقدره. # (وأما) الفعل فهو فعل التسليم في ms3323 الجملة فتجوز الكفالة بتسليم المبيع ~~والرهن لأن المبيع مضمون التسليم على البائع والرهن مضمون التسليم على ~~المرتهن في الجملة بعد قضاء الدين فكان المكفول به مضمونا على الأصيل وهو ~~فعل التسليم فصحت الكفالة به لكنه إذا هلك لا شيء على الكفيل لأنه لم يبق ~~مضمونا على الأصيل فلا يبقى على الكفيل. # ولو استأجر دابة للحمل فكفل رجل بالحمل فإن كانت الدابة بعينها لم تجز ~~الكفالة بالحمل وإن كانت بغير عينها جازت لأن في الوجه الأول الواجب على ~~الآجر فعل تسليم الدابة دون الحمل، فلم تكن الكفالة بالحمل كفالة بمضمون ~~على الأصيل فلم تجز وفي الوجه الثاني الواجب عليه فعل الحمل دون تسليم ~~الدابة فكانت الكفالة بالحمل كفالة بفعل هو مضمون على الأصيل فجازت وعلى ~~هذا إذا كفل بنفس من عليه الحق جاز عند أصحابنا لأن الكفالة بالنفس كفالة ~~بالفعل وهو تسليم النفس وفعل التسليم مضمون على الأصيل فقد كفل بمضمون على ~~الأصيل فجاز وكذا إذا كفل برأسه أو بوجهه أو برقبته أو بروحه أو بنصفه ~~والأصل فيه أنه إذا أضاف الكفالة إلى جزء جامع كالرأس والوجه والرقبة ~~ونحوها جازت لأن هذه الأجزاء يعبر بها عن جملة البدن فكان ذكرها ذكرا للبدن ~~كما في باب الطلاق والعتاق وكذا إذا أضاف إلى جزء شائع كالنصف والثلث ~~ونحوهما جازت لأن حكم الكفالة بالنفس وجوب تسليم النفس بثبوت ولاية ~~المطالبة والنفس في حق وجوب التسليم لا # PageV06P007 # تتجزأ وذكر بعض ما لا يتجزأ شرعا ذكر لكله كما في الطلاق والعتاق وإذا ~~أضافها إلى اليد أو الرجل ونحوهما من الأجزاء المعينة لا تجوز لأن هذه ~~الأعضاء لا يعبر بها عن جميع البدن وهي في حكم الكفالة متجزئة فلا يكون ~~ذكرها ذكرا لجميع البدن كما في الطلاق والعتاق. # ولو قال في الكفالة بالنفس هو علي جاز لأن هذا صريح في التزام تسليم ~~النفس وكذا إذا قال أنا ضامن لوجهه لأن الوجه جزء جامع. # ولو قال أنا ضامن لمعرفته لا تصح لأن المعرفة لا تحتمل أن تكون مضمونة ms3324 ~~على الأصيل ولو قال للطالب أنا ضامن لك لم يصح لأن المضمون غير معلوم أصلا ~~ثم ما ذكرنا من الكفالة بالنفس والعين والفعل أنها صحيحة وما ذكرنا من ~~التفريعات عليها مذهب أصحابنا وقال الشافعي - رحمه الله - إنها غير صحيحة. # (وجه) قوله أن الكفالة أضيفت إلى غير محلها فلا تصح ودلالة ذلك أن ~~الكفالة التزام الدين فكان محلها الدين فلم توجد، والتصرف المضاف إلى غير ~~محله باطل ولأن القدرة على تسليم المكفول به شرط جواز الكفالة، والقدرة على ~~الإعتاق لا تتحقق. # (ولنا) قوله عز وجل {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} [يوسف: 72] أخبر ~~الله عز شأنه عن الكفالة بالعين عن الأمم السالفة ولم يغير والحكيم إذا حكى ~~عن منكر غيره ولأن هذا حكم لم يعرف له مخالف من عصر الصحابة والتابعين إلى ~~زمن الشافعي - رحمه الله - فكان الإنكار خروجا عن الإجماع فكان باطلا ولما ~~ذكرنا أن هذه الكفالة أضيفت إلى مضمون على الأصيل مقدور الاستيفاء من ~~الكفيل فتصح أصله الكفالة بالدين وقوله الكفالة التزام الدين ممنوع بل هي ~~التزام المطالبة بمضمون على الأصيل وقد يكون ذلك دينا وقد يكون عينا والعين ~~مقدورة التسليم في حق الأصيل كالدين عبد مقر بالرق في يد رجل فأخذ منه ~~المولى كفيلا بنفسه فأبق فهو باطل لأنه كفل بما ليس بمضمون وكذا لو كفل بعد ~~إباقه لما قلنا وكذا لو ادعى رجل على إنسان أنه عبده وأنكر المدعى عليه ~~وزعم أنه حر وكفل رجل بنفسه حتى لو أقام البينة على أنه عبده فمات المدعى ~~عليه لا شيء على الأصيل لما ذكرنا # ولو كان المدعى في يد ثالث فقال أنا ضامن لك قيمة هذا إن استحققته صحت ~~الكفالة حتى لو أقام البينة على أنه عبده فمات المدعى عليه فالكفيل ضامن كل ~~قيمته لأن بإقامة البينة تبين أنه كفل بمضمون صبي في يد رجل يدعي أنه ابنه ~~وادعى رجل آخر أنه عبده فضمن له إنسان فأقام المدعي البينة وقد مات الصبي ~~فالكفيل ضامن لما ذكرنا أنه ms3325 لما قامت البينة تبين أنه كفيل بمضمون وعن محمد ~~فيمن ادعى على إنسان أنه غصبه عبدا فقبل أن يقيم البينة قال رجل أنا ضامن ~~بالعبد الذي يدعي فهو ضامن حتى يأتي بالعبد فيقيم البينة عليه لأنه كفل ~~بمضمون على الأصيل وهو إحضاره مجلس القاضي فإن هلك واستحقه ببينة فهو ضامن ~~لقيمته لأنه تبين أنه كفل بمضمون بعين مضمونا بنفسه ولو ادعى أنه غضبه ألف ~~درهم واستهلكها أو عبدا ومات في يده فقال رجل خله فأنا ضامن المال أو لقيمة ~~العبد فهو ضامن يأخذه به من ساعته ولا يقف على إقامة البينة لأن بقوله أنا ~~ضامن لقيمة العبد أقر بكون القيمة واجبة على الأصيل فقد كفل بمضمون على ~~الأصيل فلا يقف على البينة بخلاف الفصل الأول لأن هناك ما عرف وجوب القيمة ~~بإقراره بل بإقامة البينة فتوقف عليها، والنوع الثاني أن يكون المكفول به ~~مقدور الاستيفاء على الكفيل ليكون العقد مفيدا فلا تجوز الكفالة بالحدود ~~والقصاص لتعذر الاستيفاء من الكفيل فلا تفيد الكفالة فائدتها وههنا شرط ~~ثالث لكنه يخص الدين وهو أن يكون لازما فلا تصح الكفالة عن المكاتب لمولاه ~~ببدل الكتابة لأنه ليس بدين لازم لأن المكاتب يملك إسقاط الدين عن نفسه ~~بالتعجيز لا بالكسب بمضمون وتجوز الكفالة بنفس من عليه القصاص في النفس وما ~~دونها وبحد القذف والسرقة إذا بذلها المطلوب فأعطاه بها كفيلا بلا خلاف بين ~~أصحابنا وهو الصحيح لأنه كفالة بمضمون على الأصيل مقدور الاستيفاء من ~~الكفيل فتصح كالكفالة بتسليم نفس من عليه الدين وإنما الخلاف أنه إذا امتنع ~~من إعطاء الكفيل عند الطلب هل يجبره القاضي عليه قال أبو حنيفة لا يجبره ~~وقال، أبو يوسف ومحمد يجبره. # (وجه) قولهما أن نفس من عليه القصاص والحد مضمون التسليم عليه عند الطلب ~~كنفس من عليه الدين ثم تصح الكفالة بنفس من عليه الدين ويجبر عليها عند ~~الطلب فكذا هذا ولأبي حنيفة أن الكفالة شرعت # PageV06P008 # وثيقة والحدود مبناها على الدرء فلا يناسبها التوثيق بالجبر على الكفالة ~~ولا يلزمه الحبس ms3326 في الحدود والقصاص قبل تزكية الشهود والحبس توثيق لأن ~~الحبس للتهمة لا للتوثيق لأن شهادة شاهدين أو شاهد واحد لا تخلو عن إيراث ~~تهمة فكان الحبس لأجل التهمة دون التوثيق ويجوز الجبر على إعطاء الكفيل في ~~التعزير لأنه لا يحتال لدرئه لكونه حق العبد. # (وأما) الدين فتصح الكفالة به بلا خلاف لأنه مضمون على الأصيل مقدور ~~الاستيفاء من الكفيل. # والنوع الثاني أن يكون المكفول به مقدور الاستيفاء من الكفيل ليكون العقد ~~مفيدا فلا تجوز الكفالة بالحدود والقصاص لتعذر الاستيفاء من الكفيل فلا ~~تفيد الكفالة فائدتها وههنا شرط ثالث لكنه يخص الدين وهو أن يكون لازما فلا ~~تصح الكفالة عن المكاتب لمولاه ببدل الكتابة لأنه ليس بدين لازم لأن ~~المكاتب يملك إسقاط الدين عن نفسه بالتعجيز لا بالكسب فلو أجزنا الكفالة ~~ببدل الكتابة لكان لا يخلو (إما) أن يملك الكفيل إسقاطه عن نفسه كما يملك ~~الأصيل (وإما) أن لا يملك فإن ملك لا تفيد الكفالة وإن لم يملك لم يكن هذا ~~التزام ما على الأصيل فلا يتحقق التصرف كفالة ولأنا لو أجزنا هذه الكفالة ~~لكان الدين على الكفيل ألزم منه على الأصيل لأن المكاتب إذا مات عاجزا بطل ~~عنه الدين. # ولو مات الكفيل عاجزا مفلسا لم يبطل عنه الدين فكان الحق على الكفيل ألزم ~~منه على الأصيل وهذا خلاف ما توجبه الأصول ولأن الكفالة جوازها بالعرف فلا ~~تجوز فيما لا عرف فيه ولا عرف في الكفالة ببدل الكتابة وكذا لا تجوز ~~الكفالة عن المكاتب لمولاه بسائر الديون سوى دين الكتابة لأن غيره من ~~الديون إنما وجب للمولى عليه بمشيئته ألا ترى أنه لولا لزوم الكتابة عليه ~~لما وجب عليه دين آخر فكان دين الكتابة أصلا لوجوب دين آخر عليه فلما لم ~~تجز الكفالة بالأصل فلأن لا تجوز بالفرع أولى وأحرى. # ولا تجوز الكفالة ببدل السعاية عند أبي حنيفة وعندهما تجوز بناء على أن ~~المستسعى بمنزلة المكاتب عنده وعندهما بمنزلة حر عليه دين وكون المكفول به ~~معلوم الذات في أنواع الكفالات أو ms3327 معلوم القدر في الدين ليس بشرط حتى لو ~~كفل بأحد شيئين غير عين بأن كفل بنفس رجل أو بما عليه وهو ألف جاز وعليه ~~أحدهما أيهما شاء لأن هذه جهالة مقدورة الدفع بالبيان فلا تمنع جواز ~~الكفالة وكذا إذا كفل بنفس رجل أو بما عليه أو بنفس رجل آخر أو بما عليه ~~جاز ويبرأ بدفع واحد منهما إلى الطالب. # ولو كفل عن رجل بما لفلان عليه أو بما يدركه في هذا البيع جاز لأن جهالة ~~قدر المكفول به لا تمنع صحة الكفالة قال الله تعالى جل شأنه {ولمن جاء به ~~حمل بعير وأنا به زعيم} [يوسف: 72] أجاز الله تعالى عز شأنه الكفالة بحمل ~~البعير مع أن الحمل يحتمل الزيادة والنقصان والله عز وجل أعلم ولو ضمن رجل ~~بالعهدة فضمانه باطل عند أبي حنيفة وعندهما صحيح. # (وجه) قولهما أن ضمان العهدة في متعارف الناس ضمان الدرك وهو ضمان الثمن ~~عند استحقاق المبيع وذلك جائز بلا خلاف بين أصحابنا ولأبي حنيفة - رحمه ~~الله - أن العهدة تحتمل الدرك وتحتمل الصحيفة وهو الصك وأحدهما وهو الصك ~~غير مضمون على الأصيل فدارت الكفالة بالعهدة بين أن تكون بمضمون وغير مضمون ~~فلا تصح مع الشك فلم يكن عدم الصحة عنده لجهالة المكفول به بل لوقوع الشك ~~في وجود شرط الجواز وهو كونه مضمونا على الأصيل وضمان الدرك هو ضمان الثمن ~~عند استحقاق المبيع وإذا استحق المبيع يخاصم المشتري البائع أولا فإذا قضى ~~عليه بالثمن يكون قضاء على الكفيل وله أن يأخذ من أيهما شاء وليس له أن ~~يخاصم الكفيل أولا في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه قال الكفيل يكون ~~خصما هذا إذا كان المبيع ما سوى العبد فإن كان عبدا فظهر أنه حر بالبينة ~~فللمشتري أن يخاصم أيهما شاء بالإجماع. # ولو انفسخ البيع بينهما بما سوى الاستحقاق بالرد بالعيب أو بخيار الشرط ~~أو بخيار الرؤية لا يؤاخذ به الكفيل لأن ذلك ليس من الدرك. # ولو أخذ المشتري رهنا بالدرك لا يصح بخلاف الكفالة بالدرك ms3328 والفرق عرف في ~~موضعه ولو بنى المشتري في الدار بناء ثم استحقت الدار ونقض عليه البناء ~~فللمشتري أن يرجع على بائعه بالثمن وبقيمة بنائه مبنيا إذا سلم النقض إلى ~~البائع وإن لم يسلم لا يرجع عليه إلا بالثمن خاصة في ظاهر الرواية وروي عن ~~أبي يوسف أنه يرجع عليه بالثمن وبقيمة البناء والتالف ولو سلم النقض # PageV06P009 # إلى البائع وقضى عليه بالثمن وقيمة البناء مبنيا له أن يأخذ أيهما شاء ~~بالثمن ويأخذ البائع بقيمة البناء في ظاهر الرواية وذكر الطحاوي أنه يأخذ ~~أيهما شاء بهما جميعا إن شاء أخذهما من البائع وإن شاء أخذهما من الكفيل ~~بالدرك ثم يرجع الكفيل على البائع إن كانت الكفالة بأمره جعل الطحاوي قيمة ~~البناء بمنزلة الثمن وهو غير سديد لأن المفهوم من الدرك ضمان المشتري في ~~متعارف الناس فلا تكون قيمة البناء داخلة تحت الكفالة بالدرك وكذلك لو كان ~~المبيع جارية فاستولدها المشتري ثم استحقها رجل وأخذ منه قيمة الجارية ~~وقيمة الولد والعقر فإن المشتري يأخذ الثمن من أيهما شاء ولا يؤاخذ الكفيل ~~بقيمة الولد وللمشتري أن يأخذ قيمة الولد من البائع خاصة لأنه لم يدخل تحت ~~الكفالة بالدرك والله عز وجل أعلم. # ولو كفل بما له على فلان فقامت البينة عليه بألف ضمنها الكفيل لأنه تبين ~~أنه كفل بمضمون على الأصيل وإن لم تقم البينة فالقول قول الكفيل مع يمينه ~~في مقدار ما يقر به أما القول قوله في المقر به لأنه مال لزم بالتزامه ~~فيصدق في القدر الملتزم كما إذا أقر على نفسه بمال مجهول وأما اليمين فلأنه ~~منكر الزيادة والقول قول المنكر مع يمينه في الشرع ولو أقر المكفول عنه ~~بأكثر مما أقر به لم يصدقه على كفيله لأن إقرار الإنسان حجة في حق نفسه لا ~~في حق غيره لأنه مقر في حق نفسه مدع في حق غيره ولا يظهر صدق المدعي إلا ~~بحجة. ### | [فصل في بيان حكم الكفالة] # (فصل) : # وأما بيان حكم الكفالة. # فنقول وبالله التوفيق للكفالة حكمان أحدهما ثبوت ولاية ms3329 مطالبة الكفيل بما ~~على الأصيل عند عامة مشايخنا ويطرد هذا الحكم في سائر أنواع الكفالات لأن ~~الكل في احتمال هذا الحكم على السواء وإنما يختلف محل الحكم من العين ~~والدين والفعل فيطالب الكفيل بالدين بدين واجب على الأصيل لا عليه فالدين ~~على واحد والمطالب به اثنان غير أن الكفيل إن كان واحدا يطالب بكل الدين ~~وإن كان به كفيلان والدين ألف يطالب كل واحد منهما بخمسمائة إذا لم يكفل كل ~~واحد منهما عن صاحبه لأنهما استويا في الكفالة والمكفول به يحتمل الانقسام ~~فينقسم عليهما في حق المطالبة كما في الشراء ويطالب الكفيل بالنفس بإحضار ~~المكفول بنفسه إن لم يكن غائبا وإن كان غائبا يؤخذ الكفيل إلى مدة يمكنه ~~إحضاره فيها فإن لم يحضر في المدة ولم يظهر عجزه للقاضي حبسه إلى أن يظهر ~~عجزه له فإذا علم القاضي ذلك بشهادة الشهود أو غيرها أطلقه وأنظره إلى حال ~~القدرة على إحضاره لأنه بمنزلة المفلس لكن لا يحول بين الطالب والكفيل بل ~~يلازمه من الطالب ولا يحول الطالب أيضا بينه وبين أشغاله ولا يمنعه من ~~الكسب وغيره ويطالب الكفيل بالعين بتسليم عينها إن كانت قائمة ومثلها أو ~~قيمتها إن كانت هالكة ويطالب الكفيل بتسليم العين وبالفعل بهما وقال بعض ~~مشايخنا إن حكم الكفالة بالدين وجوب أصل الدين على الكفيل والمطالبة مرتب ~~عليه فيطالب الكفيل بدين واجب عليه لا على الأصيل كما يطالب الأصيل بدين ~~عليه لا على الكفيل فيتعدد الدين حسب تعدد المطالبة وبه أخذ شيخه الإمام ~~الشافعي - رحمه الله - وزعم أن هذا يمنع من صحة الكفالة بالأعيان المضمونة ~~والنفس والفعل لأن هذا الحكم لا يتحقق في الكفالة بغير الدين وهذا غير سديد ~~لأن الكفالات أنواع لكل نوع حكم على حدة فانعدام حكم نوع منها لا يدل على ~~انعدام حكم نوع آخر فأما براءة الأصيل فليس حكم الكفالة عند عامة العلماء ~~والطالب بالخيار إن شاء طالب الأصيل وإن شاء طالب الكفيل إلا إذا كانت ~~الكفالة بشرط براءة الأصيل لأنها حوالة معنى أو ms3330 كانت مقيدة بما عليه من ~~الدين لأنها في معنى الحوالة أيضا. # وقال ابن أبي ليلى إن الكفالة توجب براءة الأصيل والصحيح قول العامة لأن ~~الكفالة تنبئ عن الضم وهو ضم ذمة إلى ذمة في حق المطالبة بما على الأصيل أو ~~في حق أصل الدين والبراءة تنافي الضم ولأن الكفالة لو كانت مبرئة لكانت ~~حوالة وهما متغايران لأن تغاير الأسامي دليل تغاير المعاني في الأصل وأيهما ~~اختار مطالبته لا يبرأ الآخر بل يملك مطالبته فرق بين هذا وبين غاصب الغاصب ~~أن للمالك أن يضمن أيهما شاء فإذا اختار تضمين أحدهما لا يملك اختيار تضمين ~~الآخر (ووجه) الفرق أن المضمونات تملك عند اختيار الضمان فإذا اختار تضمين ~~أحدهما فقد هلك المضمون فلا يملك الرجوع عنه وهذا المعنى هنا معدوم لأن ~~اختيار الطالب مطالبة أحدهما بالمضمون # PageV06P010 # لا يتضمن ملك المضمون فهو الفرق. # وكذا فرقوا بين هذا وبين العبد المشترك بين اثنين أعتقه أحدهما وهو موسر ~~حتى يثبت للشريك الساكت اختيار تضمين المعتق واستسعاء العبد فاختيار أحدهما ~~يبطل اختيار الآخر لأنه لما اختار الضمان صار نصيبه منقولا إلى المعتق عند ~~اختياره لأن المضمونات تملك عند اختيار الضمان فلو اختار الاستسعاء يسعى ~~وهو رقيق وإنما يعتق كله بأداء السعاية وبينهما تناف ولا تناف ههنا لأن ~~الطالب لا يملك المضمون باختيار المطالبة فيملك مطالبة الآخر. # والثاني ثبوت ولاية مطالبة الكفيل الأصيل إذا كانت الكفالة بأمره في ~~الأنواع كلها ثم إذا كانت الكفالة بالنفس فطالب الكفيل بتسليم نفسه إلى ~~الطالب إذا طالبه وإن كانت بالعين المضمونة يطالب بتسليم عينها إذا كانت ~~قائمة وتسليم مثلها أو قيمتها إذا كانت هالكة إذا طولب به وإن كانت بفعل ~~التسليم والحمل يطالب بهما وإن كانت بدين يطالبه بالخلاص إذا طولب فكما ~~طولب الكفيل طالب هو المكفول عنه بالخلاص وإن حبس فله أن يحبس المكفول عنه ~~لأنه هو الذي أوقعه في هذه العهدة فكان عليه تخليصه منها وإن كانت الكفالة ~~بغير أمره فليس للكفيل حق ملازمة الأصيل إذا لوزم ولا حق الحبس ms3331 إذا حبس ~~وليس له أن يطالب بالمال قبل أن يؤدي هو وإن كانت الكفالة بأمره لأن ولاية ~~المطالبة إنما تثبت بحكم القرض والتمليك على ما نذكره وكل ذلك يقف على ~~الأداء ولم يوجد بخلاف الوكيل بالشراء أن له ولاية مطالبة الموكل بالثمن ~~بعد الشراء قبل أن يؤدي هو من مال نفسه لأن هناك الثمن يقابل المبيع، ~~والملك في المبيع كما. # وقع وقع للموكل فكان الثمن عليه فكان له أن يطالبه به وهنا المطالبة بسبب ~~القرض أو التمليك ولم يوجد هنا وإذا أدى كان له أن يرجع عليه إذا كانت ~~الكفالة بأمره لأن الكفالة بالأمر في حق المطلوب استقراض وهو طلب القرض من ~~الكفيل والكفيل بأداء المال مقرض من المطلوب ونائب عنه في الأداء إلى ~~الطالب وفي حق الطالب تمليك ما في ذمة المطلوب من الكفيل بما أخذ منه من ~~المال والمقرض يرجع على المستقرض بما أقرضه والمشتري يملك الشراء بالبيع لا ~~غير هذا. ### | [فصل في بيان ما يخرج به الكفيل عن الكفالة] # (فصل) : # وأما بيان ما يخرج به الكفيل عن الكفالة. # فنقول وبالله التوفيق أما. # الكفيل بالمال. # فإنما يخرج عن الكفالة بأحد أمرين أحدهما أداء المال إلى الطالب أو ما هو ~~في معنى الأداء سواء كان الأداء من الكفيل أو من الأصيل لأن حق المطالبة ~~للتوسل إلى الأداء فإذا وجد فقد حصل المقصود فينتهي حكم العقد وكذا إذا وهب ~~الطالب المال من الكفيل أو من الأصيل لأن الهبة بمنزلة الأداء لما ذكرنا ~~وكذا إذا تصدق به على الكفيل أو على الأصيل لأن الصدقة تمليك كالهبة فكان ~~هو وأداء المال سواء كالهبة. # والثاني الإبراء وما هو في معناه فإذا أبرأ الطالب الكفيل أو الأصيل خرج ~~عن الكفالة غير أنه إذا أبرأ الكفيل لا يبرأ الأصيل وإذا أبرأ الأصيل يبرأ ~~الكفيل لأن الدين على الأصيل لا على الكفيل إنما عليه حق المطالبة فكان ~~إبراء الأصيل إسقاط الدين عن ذمته فإذا سقط الدين عن ذمته يسقط حق المطالبة ~~ضرورة لأن المطالبة بالدين ولا ms3332 دين محال فأما إبراء الكفيل فإبراؤه عن ~~المطالبة لا عن الدين إذ لا دين عليه وليس من ضرورة إسقاط حق المطالبة عن ~~الكفيل سقوط أصل الدين عن الأصيل لكن يخرج الكفيل عن الكفالة لأن حكم ~~الكفالة حق المطالبة عن الكفيل فإذا سقط تنتهي إلا أن إبراء الأصيل يرتد ~~بالرد وكذا الهبة منه أو التصدق عليه وإبراء الكفيل لا يرتد بالرد والهبة ~~منه والتصدق عليه والفرق بين هذه الجملة يعرف في موضعه إن شاء الله تعالى ~~وإذا ارتدت هذه التصرفات برد الأصيل عاد الدين إلى ذمته وهل تعود المطالبة ~~بالدين إلى الكفيل اختلف المشايخ فيه ولو أبرأ الأصيل أو وهب منه بعد موته ~~فرد ورثته يرتد عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعند محمد - رحمه الله ~~- لا يرتد. # (وجه) قوله أن هذا بمنزلة ما لو أبرأه حال حياته ثم مات قبل الرد وهناك ~~لا يرتد برد الورثة فكذا هذا ولهما أن إبراءه بعد موته إبراء لورثته لأنهم ~~يطالبون بدينه من ماله بعد موته وإبراء الورثة يرتد بردهم بخلاف حال الحياة ~~لأنهم لا يطالبون بدينه بوجه فاقتصر حكم الإبراء عليه فلا يرتد برد الورثة ~~وكذا لو قال الطالب للكفيل برئت إلي من المال لأن هذا إقرار بالقبض ~~والاستيفاء لأنه جعل نفسه غاية لبراءته والبراءة التي هي غايتها # PageV06P011 # نفسه هي براءة القبض والاستيفاء وبرئا جميعا لأن استيفاء الدين يوجب ~~براءتهما جميعا فيرجع الكفيل على الأصيل إذا كانت الكفالة بأمره لما ذكرنا ~~ولو قال برئت من المال ولم يقل إلي فكذلك عند أبي يوسف وهذا. # وقوله برئت إلي سواء عنده وعند محمد يبرأ الكفيل دون الأصيل وهذا. # وقوله أبرأتك سواء عنده. # (وجه) قول محمد أن البراءة عن المال قد تكون بالأداء وقد تكون بالإبراء ~~فلا تحمل على الأداء إلا بدليل زائد وقد وجد ذلك في الفصل الأول وهو قوله ~~إلي لأن ذلك ينبئ عن معنى الأداء لما ذكرنا ولم يوجد هنا فتحمل على الإبراء ~~لأن البراءة حكم الإبراء في الأصل. # (وجه) قول أبي ms3333 يوسف أن البراءة المضافة إلى المال تستعمل في الأداء عرفا ~~وعادة فتحمل عليه ولا يجوز تعليق البراءة من الكفالة بشرط لأن البراءة فيها ~~معنى التمليك والتمليك لا يحتمل التعليق بالشرط. # ولو أحال الكفيل الطالب بمال الكفالة على رجل وقبله الطالب فالمحتال عليه ~~يخرج عن الكفالة عند أصحابنا الثلاثة وكذا إذا أحاله المطلوب بمال الكفالة ~~على رجل وقبله لأن الحوالة مبرئة عن الدين والمطالبة جميعا عند عامة ~~مشايخنا وعند بعضهم مبرئة عن المطالبة وإبراء الكفيل والأصيل مخرج عن ~~الكفالة لما ذكرنا وعند زفر لا يخرج الكفيل عن الكفالة بالحوالة لأن ~~الحوالة عنده ليست بمبرئة أصلا لما يأتي في كتاب الحوالة إن شاء الله تعالى ~~وكذلك الكفيل يخرج عن الكفالة بالصلح كما يخرج بالحوالة بأن يصالح الكفيل ~~الطالب على بعض المدعى لأن الصلح على جنس المدعى إسقاط بعض الحق فكان فيه ~~معنى الإبراء وعلى خلاف الجنس معاوضة فكان في معنى الإبراء وكل ذلك يخرج عن ~~الكفالة غير أن في حالين يبرأ الكفيل والأصيل جميعا وفي حال يبرأ الكفيل ~~دون الأصيل. # (أما) الحالتان اللتان برئ فيهما الكفيل والأصيل جميعا إحداهما أن يقول ~~الكفيل للطالب صالحتك من الألف على خمسمائة على أني والمكفول منه برئان من ~~الخمسمائة الباقية ويكون الطالب في الخمسمائة التي وقع عليها الصلح بالخيار ~~إن شاء أخذها من الكفيل ثم الكفيل يرفع بها على الأصيل وإن شاء أخذها من ~~الأصيل والثانية أن يقول صالحتك على خمسمائة مطلقا عن شرط البراءة أصلا لما ~~ذكرنا قبل هذا أن الإبراء المضاف إلى المال المجرد عن شرط البراءة المضافة ~~إلى الكفيل إبراء عن الدين والدين واحد فإذا سقط عن الأصيل سقطت المطالبة ~~عن الكفيل. # (وأما) الحوالة التي يبرأ الكفيل فيها دون الأصيل فهي أن يقول الكفيل ~~للطالب صالحتك على أني بريء من الخمسمائة وقد بينا الفرق من قبل والطالب ~~بالخيار إن شاء أخذ جميع دينه من الأصيل وإن شاء أخذ من الكفيل خمسمائة ومن ~~الأصيل خمسمائة ثم يرجع الكفيل على الأصيل بما أدى إن كان ms3334 الصلح بأمره. # (وأما) الكفيل بالنفس فيخرج عن الكفالة بثلاثة أشياء إحداها تسليم النفس ~~إلى الطالب وهو التخلية بينه وبين المكفول بنفسه في موضع يقدر على إحضاره ~~مجلس القاضي لأن التسليم في مثل هذا الموضع محصل للمقصود من العقد وهو ~~إمكان استيفاء الحق بالمرافعة إلى القاضي فإذا حصل المقصود ينتهي حكمه ~~فيخرج عن الكفالة. # ولو سلمه في صحراء أو برية لا يخرج لأنه لم يحصل المقصود ولو سلم في ~~السوق أو في المصر يخرج سواء أطلق الكفالة أو قيدها بالتسليم في مجلس ~~القاضي أما إذا أطلق فظاهر لأنه يتقيد بمكان يقدر على إحضاره مجلس القاضي ~~بدلالة الغرض وكذا إذا قيد لأن التسليم في هذه الأمكنة تسليم في مجلس ~~القاضي بواسطة. # ولو شرط أن يسلمه في مصر معين فسلمه في مصر آخر يخرج عن الكفالة عند أبي ~~حنيفة وعندهما لا يخرج عنها إلا أن يسلمه في المصر المشروط. # (وجه) قولهما أن التقييد بالمصر مفيد لجواز أن يكون للطالب بينة يقدر على ~~إقامتها فيه دون غيره فكان التعيين مفيدا فيتقيد به. # (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - ما ذكرنا أن المقصود من تسليم النفس ~~هو الوصول إلى الحق بالمرافعة إلى القاضي وهذا الغرض ممكن الاستيفاء من كل ~~قاض فلا يصح التعيين ولو سلمه في السواد ولا قاضي فيه لا يخرج عن الكفالة ~~لأن التسليم في مثل هذا المكان لا يصلح وسيلة إلى المقصود فكان وجوده وعدمه ~~بمنزلة واحدة. # ولو شرط أن يدفعه إليه عند الأمير فدفعه إليه عند القاضي يخرج عن الكفالة ~~وكذا إذا عزل الأمير وولي غيره فدفعه إليه عند الثاني لأن التسليم عند كل ~~من ولي ذلك محصل للمقصود فلم يكن التقييد مفيدا فلا يتقيد ولو كفل جماعة ~~بنفس # PageV06P012 # رجل كفالة واحدة فأحضره أحدهم برئوا جميعا وإن كانت الكفالة متفرقة لم ~~يبرأ الباقون (ووجه) الفرق أن الداخل تحت الكفالة الواحدة فعل واحد وهو ~~الإحضار. # وقد حصل ذلك بواحد والداخل تحت الكفالات المتفرقة أفعال متفرقة فلا يحصل ~~بإحضار واحد الإبراء به فيبرأ ms3335 هو دون الباقين وليس هذا كما إذا كفل جماعة ~~بمال واحد كفالة واحدة أو متفرقة فأدى أحدهم برئ الباقون لأن الدين يسقط عن ~~الأصيل بأداء المال فلا يبقى على الكفيل لما مر والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو كفل بنفس رجل فإن لم يواف به غدا فعليه ما عليه وهو كذا فلقي الرجل ~~الطالب فخاصمه الطالب ولازمه فالمال على الكفيل وإن لازمه إلى آخر اليوم ~~لأنه لم يوجد من الكفيل الموافاة به. # ولو قال الرجل للطالب قد دفعت نفسي إليك عن كفالة فلأن يبرأ الكفيل من ~~المال سواء كانت الكفالة بالنفس بأمره أو لا لأنه أقام نفسه مقام الكفيل في ~~التسليم عنه فيصح التسليم كمن تبرع بقضاء دين غيره أن هناك لا يجبر على ~~القبول وهنا يجبر عليه والفرق أن انعدام الجبر على القبول في باب المال ~~للتحرز عن لحوق المنة المطلوبة من جهة المتبرع لأن نفسه ربما لا تطاوعه ~~بتحمل المنة فيتضرر به وهذا المعنى هنا معدوم لأن تسليم نفسه واجب عليه ولا ~~منة في أداء الواجب سواء كانت الكفالة بالنفس بأمره أو بغير أمره لأن نفسه ~~مضمون التسليم في الحالين والثاني الإبراء إذا أبرأ الطالب الكفيل من ~~الكفالة بالنفس خرج عن الكفالة لأن حكم الكفالة بالنفس حق المطالبة بتسليم ~~النفس. # وقد أسقط المطالبة عنه بالإبراء فينتهي الحق ضرورة ولا يكون هذا الإبراء ~~للأصيل لأنه أسقط المطالبة عنه دون الأصيل. # ولو أبرأ الأصيل برئا جميعا لأن الكفالة بمضمون على الأصيل وقد بطل ~~الضمان بالإبراء فينتهي حكم الكفالة والثالث موت المكفول بنفسه لأن الكفالة ~~بمضمون على الأصيل وقد سقط الضمان عنه فيسقط عن الكفيل والله عز وجل أعلم. # (وأما) . # الكفيل بالأعيان المضمونة بنفسها والأفعال المضمونة تخرج عن الكفالة بأحد ~~أمرين أحدهما تسليم العين المضمونة بنفسها إن كانت قائمة وتسليم مثلها أو ~~قيمتها إن كانت هالكة ويحصل الفعل المضمون وهو التسليم والحمل والثاني ~~الإبراء فلا يخرج بموت الغاصب والبائع والمكاري لأن نفس هؤلاء غير مكفول ~~بها حتى يسقط بموتهم والله تعالى أعلم. ms3336 ### | [فصل في رجوع الكفيل بعد الخروج عن الكفالة] # (فصل) : # وأما رجوع الكفيل فجملة الكلام في الرجوع في موضعين أحدهما في. # شرائط ولاية الرجوع. # والثاني في بيان ما يرجع به. # (أما) الشرط فأنواع (منها) أن تكون الكفالة بأمر المكفول عنه لأن معنى ~~الاستقراض لا يتحقق بدونه ولو كفل بغير أمره لا يرجع عليه عند عامة ~~العلماء. # وقال مالك - رحمه الله - يرجع والصحيح قول العامة لأن الكفالة بغير أمره ~~تبرع بقضاء دين الغير فلا يحتمل الرجوع (ومنها) أن يكون بإذن صحيح وهو إذن ~~من يجوز إقراره على نفسه بالدين حتى أنه لو كفل عن الصبي المحجور بإذنه ~~فأدى لا يرجع لأن إذنه بالكفالة لم يصح لأنه من المكفول عنه استقراض ~~واستقراض الصبي لا يتعلق به الضمان. # (وأما) العبد المحجور فإذنه بالكفالة صحيح في حق نفسه حتى يرجع عليه بعد ~~العتاق لكن لا يصح في حق المولى فلا يؤاخذ به في الحال والله عز وجل أعلم ~~(ومنها) إضافة الضمان إليه بأن يقول اضمن عني ولو قال اضمن كذا ولم يضف إلى ~~نفسه لا يرجع لأنه إذا لم يضف إليه فالكفالة لم تقع إقراضا إياه فلا يرجع ~~عليه (ومنها) أداء المال إلى الطالب أو ما هو في معنى الأداء إليه فلا يملك ~~الرجوع قبل الأداء لأن معنى الإقراض والتمليك لا يتحقق إلا بأداء المال فلا ~~يملك الرجوع قبله (ومنها) أن لا يكون للأصيل على الكفيل دين مثله فأما إذا ~~كان فلا يرجع لأنه إذا أدى الدين التقى الدينان قصاصا إذ لو ثبت للكفيل حق ~~الرجوع على الأصيل لثبت للأصيل أن يرجع عليه أيضا فلا يفيد فيسقطان جميعا. # ولو وهب صاحب الدين المال للكفيل يرجع على الأصيل لأن الهبة في معنى ~~الأداء لأنه لما وهب منه فقد ملك ما في ذمة الأصيل فيرجع عليه كما إذا ملكه ~~بالأداء وإذا وهب الدين من الأصيل برئ الكفيل لأن هذا وأداء المال سواء ~~لأنه لما وهبه منه فقد ملك ما في ذمته كما إذا أدى ومتى برئ الأصيل ms3337 برئ ~~الكفيل لأن براءة الأصيل توجب براءة الكفيل. # ولو مات الطالب فورثه الكفيل # PageV06P013 # يرجع على الأصيل ولو ورثه الأصيل يبرأ الكفيل لأن الإرث من أسباب الملك ~~فيملكه الأصيل ومتى ملكه برئ فيبرأ الكفيل كما إذا أدى ولو أبرأ الطالب ~~الكفيل لا يرجع على الأصيل لأن الإبراء إسقاط وهو في حق الكفيل إسقاط ~~المطالبة لا غير ولهذا لا توجب براءة الكفيل براءة الأصيل فلم يكن فيه معنى ~~تمليك الدين أصلا فلا يرجع ولو أبرأ الكفيل المكفول عنه مما ضمنه بأمره قبل ~~أدائه أو وهبه منه جاز حتى لو أداه الكفيل بعد ذلك لا يرجع عليه لأن سبب ~~وجوب الحق له على الأصيل وهو العقد بإذنه موجود والإبراء عن الحق بعد وجود ~~سبب الوجوب قبل الوجوب جائز كالإبراء عن الأجرة قبل مضي مدة الإجارة ولو لم ~~يؤد الكفيل ما كفل به حتى عجل الأصيل لما كفل عنه ودفع إلى الكفيل ينظر إن ~~دفعه إليه على وجه القضاء يجوز لأن ولاية الرجوع على الأصيل إن لم تكن ~~ثابتة له في الحال لكنها ثبتت بعد الأداء فأشبه الدين المؤجل إذا عجله ~~المطلوب قبل حل الأجل أنه يقبل منه ويكون قضاء كذا هذا وبرئ الأصيل من دين ~~الكفيل ولكن لا يبرأ عن دين المكفول له وله أن يطالب أيهما شاء فإن أخذ من ~~الأصيل كان له أن يرجع على الكفيل بما أدى لأنه تبين أنه لم يكن قضاء وإن ~~كان الكفيل تصرف في ذلك المعجل وربح هل يطيب له الربح ينظر إن كان الدين ~~دراهم أو دنانير يطيب بالإجماع لأنهما لا يتعينان في عقود المعاوضات فحصل ~~التمليك بإذن صاحبها فيطيب له الربح وإن كان الدين مكيلا أو موزونا مما ~~يتعين في العقد يطيب له الربح أيضا عند أبي يوسف ومحمد وعن أبي حنيفة - ~~رحمه الله - ثلاث روايات ذكر في كتاب البيوع أنه يطيب له الربح. # ولم يذكر الخلاف وفي رواية قال يتصدق وفي رواية قال أحب إلي أن يرد الربح ~~على المكفول عنه هذا إذا ms3338 دفعه إليه على وجه القضاء فأما إذا دفعه على وجه ~~الرسالة ليؤدي الدين مما دفعه إليه لا على وجه القضاء فتصرف فيه الوكيل ~~وربح لا يطيب له الربح سواء كان الدين دراهم أو دنانير أو غيرهما من ~~المكيلات والموزونات عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف يطيب وهو كاختلافهم ~~في المودع والغاصب إذا تصرف في الوديعة والمغصوب وربح فيهما أنه لا يطيب له ~~الربح عندهما وعند أبي يوسف يطيب والمسألة تأتى في موضعها إن شاء الله ~~تعالى ولو قال الطالب للكفيل برئت إلي من المال يرجع على الأصيل بالإجماع ~~لأن هذا إقرار بالقبض والاستيفاء لما نذكر وفي قوله برئت من المال اختلاف ~~نذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. # ولو كفل رجلان لرجل عن رجل بأمره بألف درهم حتى يثبت للطالب ولاية مطالبة ~~كل واحد منهما بخمسمائة فأدى أحدهما شيئا من مال الكفالة فأراد أن يرجع على ~~صاحبه فهذا لا يخلو إما إن كفل كل واحد منهما عن صاحبه بما عليه وقت العقد ~~أو بعده أو كفل واحد منهما عن صاحبه بما عليه دون الآخر أو لم يكفل واحد ~~منهما عن صاحبه أصلا فإن لم يكفل واحد منهما عن صاحبه أصلا لا يرجع على ~~صاحبه بشيء مما أدى لأنه أدى عن نفسه لا عن صاحبه أصلا لأنه لم يكفل عنه ~~ولكنه يرجع على الأصيل لأنه كفيل عنه بأمره وإن كفل واحد منهما عن صاحبه ~~بما عليه ولم يكفل عنه صاحبه بما عليه فالقول قول الكفيل فيما أدى أنه من ~~كفالة صاحبه إليه أو من كفالة نفسه لأنه لزمه المطالبة بالمال من وجهين ~~أحدهما من جهة كفالة نفسه عن الأصيل والثاني من جهة الكفالة عن صاحبه وليس ~~أحد الوجهين أولى من الآخر فكان له ولاية الأداء عن أيهما شاء فإذا قال ~~أديته عن كفالة صاحبي يصدق ويرجع عليه لأنه كفل عنه بأمره سواء أدى المال ~~إلى الطالب ثم قال ذلك أو قال ابتداء إني أؤدي عن كفالة صاحبي وكذا إذا قال ms3339 ~~أديته عن كفالة الأصيل فقبل منه ويرجع عليه لأنه كفل عنه بأمره سواء قال ~~ذلك بعد أداء المال إلى الطالب أو عنده ابتداء وإن كفل كل واحد منهما عن ~~صاحبه بما عليه فما أدى كل واحد منهما يكون عن نفسه إلى خمسمائة ولا يقبل ~~قوله فيه أنه أدى عن شريكه لا عن نفسه بل يكون عن نفسه إلى هذا القدر فلا ~~يرجع على شريكه. # وكذا إذا قال ابتداء إني أؤدي عن شريكي لا عن نفسي لا يقبل منه ويكون عن ~~نفسه إلى هذا القدر ولا يرجع على شريكه ما لم يزد المؤدى على خمسمائة لأن ~~المؤدي إلى خمسمائة له معارض والزيادة لا معارض لها فإذا زاد على خمسمائة ~~يرجع بالزيادة إن شاء على شريكه وإن شاء على الأصيل وكذا لو اشترى # PageV06P014 # رجلان عبدا بألف درهم وكفل كل واحد منهما عن صاحبه بحصته من الثمن فما ~~أدى أحدهما يقع عن نفسه ولا يرجع على شريكه حتى يزيد على النصف لما ذكرنا ~~وكذلك المتفاوضان إذا افترقا وعليهما دين فلصاحب الدين أن يطالب كل واحد ~~منهما. # وأيهما أدى شيئا لا يرجع على شريكه حتى يزيد المؤدى على النصف لما ذكرنا ~~هذا إذا كفلا كفالة واحدة ولم يكفل كل واحد منهما عن صاحبه بجميع المال ~~فأما إذا كفل كل واحد منهما كفالة متفرقة بجميع المال عن المطلوب ثم كفل كل ~~واحد منهما عن صاحبه بما عليه فما أدى أحدهما شيئا يرجع بكل المؤدى على ~~الأصيل إن شاء وإن شاء يرجع بنصفه على شريكه لأن حق المطالبة بجميع المال ~~لزم كل واحد منهما من وجهين الكفالة عن نفسه والكفالة عن صاحبه على السواء ~~فيقع المؤدى نصفه عن نفسه ونصفه عن صاحبه لتساويهما في الكفالتين بالمؤدى ~~وإذا وقع نصف المؤدى عن صاحبه فيرجع عليه ليساويه في الأداء كما ساواه في ~~الكفالة بالمؤدى بخلاف الفصل الأول لأن هناك كل واحد منهما أصيل في نصف ~~المال بالكفالة عن نفسه كفيل عن صاحبه بالكفالة عنه فيكون مؤديا عن نفسه ms3340 ~~إلى النصف وههنا بخلافه لما مر. ### | [فصل في بيان ما يرجع به الكفيل] # (فصل) : # وأما بيان ما يرجع به الكفيل فنقول وبالله التوفيق إن الكفيل يرجع بما ~~كفل لا بما أداه حتى لو كفل عن رجل بدراهم صحاح جياد فأعطاه مكسرة أو زيوفا ~~وتجوز به المطالبة يرجع عليه بالصحاح الجياد لأنه بالأداء ملك ما في ذمة ~~الأصيل فيرجع بالمؤدى وهو الصحاح الجياد وليس هذا كالمأمور بأداء الدين له ~~أن يرجع بالمؤدى لا بالدين لأنه بالأداء ما ملك الدين بل أقرض المؤدي من ~~الآمر فيرجع عليه بما أقرضه وكذلك لو أعطى بالدراهم دنانير أو شيئا من ~~المكيل أو الموزون فإنه يرجع عليه بما كفل لا بما أدى لما ذكرنا بخلاف ما ~~إذا صالح من الألف على خمسمائة أنه يرجع بالخمسمائة لا بالألف لأنه بأداء ~~الخمسمائة ما ملك ما في ذمة الأصيل وهو الألف لأنه لا يمكن إيقاع الصلح ~~تمليكا ههنا لأنه يؤدي إلى الربا فيقع إسقاطا لبعض الحق والساقط لا يحتمل ~~الرجوع به وعن محمد فيمن كفل بخمسة دنانير فصالح الطالب الكفيل على ثلاثة ~~ولم يقل أصالحك على أن تبرئني فالصلح واقع عن الأصيل والكفيل جميعا وبرئا ~~جميعا ويرجع الكفيل على الأصيل بثلاثة دنانير ولو قال أصالحك على ثلاثة على ~~أن تبرئني فهذا براءة عن الكفيل خاصة ويرجع الطالب على المطلوب بدينارين ~~لأن في الفصل الأول إيقاع الصلح على ثلاثة دنانير تصرف في نفس الحق بإسقاط ~~بعضه فكان الصلح واقعا عنهما جميعا فيبرآن جميعا ويرجع الكفيل على الأصيل ~~بثلاثة دنانير لأنه ملك هذا القدر بالأداء فيرجع به عليه. # (وأما) في الفصل الثاني فإضافة الصلح إلى ثلاثة مقرونا بشرط الإبراء ~~المضاف إلى الكفيل إبراء للكفيل عن المطالبة بدينارين وإبراء الكفيل لا ~~يوجب إبراء الأصيل فيبرأ الكفيل ويبقى الديناران على الأصيل فيأخذه الطالب ~~منهما وبالله التوفيق. ### | [كتاب الحوالة] ### | [بيان ركن الحوالة] # (كتاب الحوالة) # الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع: في بيان ركن الحوالة، وفي بيان شرائط ~~الركن، وفي بيان حكم الحوالة، وفي ms3341 بيان ما يخرج به المحال عليه عن الحوالة، ~~وفي بيان الرجوع بعد الخروج: أنه هل يرجع أم لا؟ . # (أما) ركن الحوالة. # فهو الإيجاب والقبول، الإيجاب من المحيل، والقبول من المحال عليه والمحال ~~جميعا، فالإيجاب: أن يقول المحيل للطالب: أحلتك على فلان هكذا، والقبول من ~~المحال عليه والمحال أن يقول كل واحد منهما: قبلت أو رضيت، أو نحو ذلك مما ~~يدل على القبول والرضا، وهذا عند أصحابنا. # وقال الشافعي - رحمه الله -: إن لم يكن للمحيل على المحال عليه دين ~~فكذلك، فأما إذا كان له عليه دين؛ فيتم بإيجاب المحيل وقبول المحتال. # (وجه) قوله أن المحيل في هذه الصورة مستوف حق نفسه بيد الطالب؛ فلا يقف ~~على قبول من عليه الحق، كما إذا وكله بالقبض، وليس هو كالمحال؛ لأن الحوالة ~~تصرف عليه بنقل حقه من ذمة إلى ذمة مع اختلاف الذمم؛ فلا يصح من غير رضا ~~صاحب الحق. # (ولنا) أن الحوالة تصرف على المحال # PageV06P015 # عليه، بنقل الحق إلى ذمته، فلا يتم إلا بقبوله ورضاه، بخلاف التوكيل بقبض ~~الدين؛ لأنه ليس تصرفا عليه بنقل الواجب إليه ابتداء؛ بل هو تصرف بأداء ~~الواجب؛ فلا يشترط قبوله ورضاه؛ ولأن الناس في اقتضاء الديون والمطالبة بها ~~على التفاوت: بعضهم أسهل مطالبة واقتضاء، وبعضهم أصعب، فلا بد من قبوله ~~ليكون لزوم ضرر الصعوبة مضافا إلى التزامه. ### | [شرائط الحوالة] # وأما الشرائط فأنواع: بعضها يرجع إلى المحيل، وبعضها يرجع إلى المحال، ~~وبعضها يرجع إلى المحال عليه، وبعضها يرجع إلى المحال به. # (أما) الذي يرجع إلى المحيل فأنواع: (منها) أن يكون عاقلا، فلا تصح حوالة ~~المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأن العقل من شرائط أهلية التصرفات كلها، ~~(ومنها) أن يكون بالغا، وهو شرط النفاذ دون الانعقاد، فتنعقد حوالة الصبي ~~العاقل؛ موقوفا نفاذه على إجازة وليه؛ لأن الحوالة إبراء بحالها، وفيها ~~معنى المعاوضة بما لها، خصوصا إذا كانت مقيدة؛ فتنعقد من الصبي كالبيع ~~ونحوه فأما حرية المحيل فليست بشرط لصحة الحوالة، حتى تصح حوالة العبد ~~مأذونا كان في التجارة أو محجورا، ms3342 لأنها ليست بتبرع بالتزام شيء كالكفالة؛ ~~فيملكها العبد، غير أنه إن كان مأذونا في التجارة؛ رجع عليه المحال عليه ~~للحال إذا أدى، ولم يكن للعبد عليه دين مثله، ويتعلق برقبته، وإن كان ~~محجورا؛ يرجع عليه بعد العتق، وكذا الصحة ليست بشرط لصحة الحوالة؛ لأنها من ~~قبل المحيل ليست بتبرع؛ فتصح من المريض. # (ومنها) : رضا المحيل حتى لو كان مكرها على الحوالة لا تصح؛ لأن الحوالة ~~إبراء، فيها معنى التمليك، فتفسد بالإكراه كسائر التمليكات. # (وأما) الذي يرجع إلى المحال فأنواع: (منها) العقل؛ لما ذكرنا؛ ولأن ~~قبوله ركن، وغير العاقل لا يكون من أهل القبول. # (ومنها) البلوغ وأنه شرط النفاذ، لا شرط الانعقاد، فينعقد احتياله موقوفا ~~على إجازة وليه إن كان الثاني أملأ من الأول، وكذا الوصي إذا احتال بمال ~~اليتيم؛ لا تصح إلا بهذه الشريطة؛ لأنه منهي عن قربان ماله، إلا على وجه ~~الأحسن؛ للآية الشريفة فيه {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} ~~[الأنعام: 152] . # (ومنها) : الرضا على لو احتال مكرها؛ لا تصح؛ لما ذكرنا. # (ومنها) : مجلس الحوالة وهو شرط الانعقاد عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي ~~يوسف شرط النفاذ، حتى أن المحتال لو كان غائبا عن المجلس، فبلغه الخبر ~~فأجاز؛ لا ينفذ عندهما، وعند أبي يوسف ينفذ، والصحيح: قولهما؛ لأن قبوله من ~~أحد الأركان الثلاثة؛ فكان كلامهما بدون شرط العقد؛ فلا يقف على غائب عن ~~المجلس - كما في البيع. # (وأما) الذي يرجع إلى المحال عليه. # فأنواع أيضا: (منها) : العقل، فلا يصح من المجنون والصبي الذي لا يعقل ~~قبول الحوالة أصلا؛ لما ذكرنا # (ومنها) البلوغ، وأنه شرط الانعقاد أيضا؛ فلا يصح من الصبي قبول الحوالة ~~أصلا؛ لما ذكرنا، وإن كان عاقلا، سواء كان محجورا عليه أو مأذونا في ~~التجارة، وسواء كانت الحوالة بغير أمر المحيل، أو بأمره. # (أما) إذا كانت بغير أمره فظاهر؛ لأنه لا يملك الرجوع على المحيل، فكان ~~تبرعا بابتدائه وانتهائه. # وكذلك إذا كانت بأمره؛ لأنه تبرع بابتدائه، فلا يملكه الصبي، محجورا كان ~~أو مأذونا في التجارة، كالكفالة، ms3343 وإن قبل عنه وليه لا يصح أيضا؛ لأنه من ~~التصرفات الضارة فلا يملكه الولي. # (ومنها) الرضا، حتى لو أكره على قبول الحوالة لا يصح. # (ومنها) المجلس، وأنه شرط الانعقاد عندهما؛ لما ذكرنا في جانب المحيل. # (وأما) الذي يرجع إلى المحال به. # فنوعان: أحدهما: أن يكون دينا؛ فلا تصح الحوالة بالأعيان القائمة؛ لأنها ~~نقل ما في الذمة، ولم يوجد، والثاني: أن يكون لازما؛ فلا تصح الحوالة بدين ~~غير لازم، - كبدل الكتابة وما يجري مجراه؛ لأن ذلك دين تسمية لا حقيقة؛ إذ ~~المولى لا يجب له على عبده دين، والأصل: أن كل دين لا تصح الكفالة به، لا ~~تصح الحوالة به. # (وأما) وجوب الدين على المحال عليه للمحيل قبل الحوالة؛ فليس بشرط لصحة ~~الحوالة، حتى تصح الحوالة، سواء كان للمحيل على المحال عليه دين، أو لم ~~يكن، وسواء كانت الحوالة مطلقة أو مقيدة، والجملة فيه أن الحوالة نوعان: ~~مطلقة، ومقيدة، فالمطلقة: أن يحيل بالدين على فلان، ولا يقيده بالدين الذي ~~عليه، والمقيدة: أن يقيده بذلك، والحوالة بكل واحدة من النوعين جائزة؛ ~~لقوله - عليه الصلاة والسلام -: «من أحيل على مليء فليتبع» من غير فصل. # إلا أن الحوالة المطلقة؛ تخالف الحوالة المقيدة في أحكام، (منها) : أنه ~~إذا أطلق الحوالة، ولم يكن له على المحال عليه دين، فإن المحال يطلب المحال ~~عليه بدين الحوالة لا غير، وإن كان له عليه دين؛ فإن المحال عليه يطالب ~~بدينين: دين الحوالة، ودين المحيل، فيطالبه # PageV06P016 # المحال بدين الحوالة، ويطالبه المحيل بالدين الذي له عليه، ولا ينقطع حق ~~المطالبة للمحيل بدينه بسبب الحوالة؛ لأن الحوالة لم تتقيد بالدين الذي ~~للمحال عليه؛ لأنها وجدت مطلقة عن هذه الشريطة، فيتعلق دين الحوالة بنعته، ~~ودين المحيل بقي على حاله، وإذا قيدها بالدين الذي عليه؛ ينقطع حق مطالبة ~~المحيل؛ لأنه قيد الحوالة بهذا الدين، فيتقيد به، ويكون ذلك الدين بمنزلة ~~الرهن عنده، وإن لم يكن رهنا على الحقيقة. # (ومنها) : أنه لو ظهرت براءة المحال عليه؛ من الدين الذي قيدت به ~~الحوالة، بأن كان الدين ms3344 ثمن مبيع فاستحق المبيع؛ تبطل الحوالة ولو سقط عنه ~~الدين لمعنى عارض، بأن هلك المبيع عند البائع قبل التسليم بعد الحوالة، حتى ~~سقط الثمن عنه؛ لا تبطل الحوالة عنه لكن إذا أدى الدين بعد سقوط الثمن يرجع ~~بما أدى على المحيل؛ لأنه قضى دينه بأمره. # ولو ظهر ذلك في الحوالة المطلقة؛ لا يبطل؛ لأنه لما قيد الحوالة به فقد ~~تعلق الدين به، فإذا ظهر أنه لا دين، فقد ظهر أنه لا حوالة؛ لأن الحوالة ~~بالدين، وقد تبين أنه لا دين، فتبين أنه لا حوالة ضرورة، وهذا لا يوجد في ~~الحوالة المطلقة؛ لأن تعلق الدين به يوجب تقييد الحوالة، ولم يوجد؛ فلا ~~يتعلق به الدين؛ فيتعلق بالذمة؛ فلا يظهر أن الحوالة كانت باطلة، وكذلك لو ~~قيد الحوالة بألف وديعة عند رجل، فهلكت الألف عند المودع؛ بطلت الحوالة. # ولو كانت الألف على المحال عليه مضمونة؛ لا تبطل الحوالة بالهلاك؛ لأنه ~~يجب عليه مثلها. # (ومنها) : أنه إذا مات المحيل في الحوالة المقيدة، قبل أن يؤدي المحال ~~عليه الدين إلى المحال، وعلى المحيل ديون سوى دين المحال، وليس له مال سوى ~~هذا الدين؛ لا يكون المحال أحق به من بين سائر الغرماء، عند أصحابنا ~~الثلاثة، وعند زفر: يكون أحق به من بين سائر الغرماء كالرهن. # (ولنا) الفرق بين الحوالة والرهن، وهو أن المرتهن اختص بغرم الرهن من بين ~~سائر الغرماء ألا ترى أنه لو هلك يسقط دينه خاصة؟ ولما اختص بغرمه اختص ~~بغنمه؛ لأن الخراج بالضمان، فأما المحال في الحوالة المقيدة، فلم يختص بغرم ~~ذلك المال؛ ألا ترى أنه لو توي لا يسقط دينه على المحيل، والتوى على المحيل ~~دونه، فلما لم يختص بغرمه لم يختص بغنمه أيضا، بل يكون هو وغرماء المحيل ~~أسوة في ذلك، وإذا أراد المحيل أن يأخذ المحال عليه ببقية دينه، فليس له ~~ذلك؛ لأن المال الذي قيدت به الحوالة استحق من المحال عليه؛ فبطلت الحوالة. # ولو كانت الحوالة مطلقة، والمسألة بحالها؛ يؤخذ من المحال عليه جميع ~~الدين الذي عليه، ms3345 ويقسم بين غرماء المحيل، ولا يدخل المحال في ذلك، وإنما ~~يؤخذ من المحال عليه؛ لأن الحوالة لم تتعلق به، فذلك ملك المحيل ولا ~~يشاركهم المحال في ذلك؛ لأن حقه ثبت على المحال عليه، ولا يعود إلى المحيل، ~~ولكن القاضي يأخذ من غرماء المحيل كفيلا؛ لأنه ثبت الرجوع إليهم لأحد ~~رجلين. # (أما) المحال، إذا توي ما على الآخر، وأما المحال عليه إذا أدى الدين؛ ~~فالقاضي نصب ناظرا لأمور المسلمين، فيحتاط في ذلك بأخذ الكفيل. ### | [فصل في بيان حكم الحوالة] # (فصل) : # وأما بيان حكم الحوالة. # فنقول وبالله التوفيق: الحوالة لها أحكام (منها) : براءة المحيل، وهذا ~~عند أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: الحوالة لا توجب براءة المحيل، والحق في ~~ذمته بعد الحوالة، على ما كان عليه قبلها، كالكفالة سواء. # (وجه) قوله أن الحوالة شرعت وثيقة للدين، كالكفالة، وليس من الوثيقة ~~براءة الأول، بل الوثيقة في مطالبة الثاني، مع بقاء الدين على حاله في ذمة ~~الأول من غير تغيير، كما في الكفالة سواء. # (ولنا) أن الحوالة مشتقة من التحويل وهو النقل، فكان معنى الانتقال لازما ~~فيها، والشيء إذا انتقل إلى موضع لا يبقى في المحل الأول ضرورة، ومعنى ~~الوثيقة يحصل بسهولة الوصول من حيث الملاءة والإنصاف. # ولو كفل بشرط براءة الأصيل؛ جاز وتكون حوالة؛ لأنه أتى بمعنى الحوالة، ~~واختلف مشايخنا المتأخرون في كيفية النقل، مع اتفاقهم على ثبوت أصله موجبا ~~للحوالة، قال بعضهم: إنها نقل المطالبة والدين جميعا، وقال بعضهم: إنها نقل ~~المطالبة فحسب، فأما أصل الدين فباق في ذمة المحيل. # (وجه) قول الأولين: دلالة الإجماع والمعقول (أما) دلالة الإجماع؛ فلأنا ~~أجمعنا على أنه لو أبرأ المحال عليه من الدين، أو وهب الدين منه؛ صحت ~~البراءة والهبة، ولو أبرأ المحيل من الدين أو وهب الدين منه؛ لا يصح. # ولولا أن الدين انتقل إلى ذمة المحال عليه، وفرغت ذمة المحيل عن الدين؛ ~~لما صح الأول؛ لأن الإبراء عن الدين، وهبة الدين ولا دين محال، ولصح ~~الثاني؛ لأن الإبراء عن دين ثابت، وهبته منه صحيح - وإن تأخرت ms3346 المطالبة - ~~كالإبراء عن الدين المؤجل. # (وأما) المعقول؛ فلأن الحوالة توجب النقل؛ لأنها # PageV06P017 # مشتقة من التحويل، وهو النقل؛ فيقتضي نقل ما أضيف إليه، وقد أضيف إلى ~~الدين لا إلى المطالبة؛ لأنه إذا قال: أحلت بالدين، أو أحلت فلانا بدينه؛ ~~فيوجب انتقال الدين إلى المحال عليه، إلا أنه إذا انتقل أصل الدين إليه؛ ~~تنتقل المطالبة؛ لأنها تابعة. # (وجه) قول الآخرين: دلالة الإجماع والمعقول (أما) دلالة الإجماع: فإن ~~المحيل إذا قضى دين الطالب بعد الحوالة قبل أن يؤدي المحال عليه؛ لا يكون ~~متطوعا، ويجبر على القبول. # ولو لم يكن عليه دين لكان متطوعا، فينبغي أن لا يجبر على القبول، كما إذا ~~تطوع أجنبي بقضاء دين إنسان على غيره، وكذلك المحال: لو أبرأ المحال عليه ~~عن دين الحوالة؛ لا يرتد برده. # ولو وهبه منه؛ يرتد برده، كما إذا أبرأ الطالب الكفيل، أو وهب منه. # ولو انتقل الدين إلى ذمة المحال عليه؛ لما اختلف حكم الإبراء والهبة، ولا ~~ارتدا جميعا بالرد، كما لو أبرأ الأصيل، أو وهب منه، وكذلك المحال لو أبرأ ~~المحال عليه عن دين الحوالة؛ لا يرجع على المحيل، وإن كانت الحوالة بأمره ~~كما في الكفالة. # ولو وهب الدين منه؛ له أن يرجع عليه؛ إذا لم يكن للمحيل عليه دين، كما في ~~الكفالة. # ولو كان له عليه دين؛ يلتقيان قصاصا كالكفالة سواء، فدلت هذه الأحكام على ~~التسوية بين الحوالة والكفالة، ثم إن الدين في باب الكفالة ثابت في ذمة ~~الأصيل، فكذا في الحوالة. # (وأما) المعقول: فهو أن الحوالة شرعت وثيقة للدين - بمنزلة الكفالة - ~~وليس من الوثيقة إبراء الأول، بل الوثيقة في نقل المطالبة مع قيام أصل ~~الدين في ذمة المحيل. # (ومنها) : ثبوت ولاية المطالبة للمحال على المحال عليه بدين في ذمته، أو ~~في ذمة المحيل على حسب ما ذكرنا من اختلاف المشايخ فيه؛ لأن الحوالة أوجبت ~~النقل إلى ذمة المحال عليه بدين في ذمته، إما نقل الدين والمطالبة جميعا، ~~وإما نقل المطالبة لا غير، وذلك يوجب حق المطالبة للمحال على المحال عليه. # (ومنها) ms3347 : ثبوت حق الملازمة للمحال عليه على المحيل إذا لازمه المحال ~~فكلما لازمه المحال؛ فله أن يلازم المحيل ليتخلص عن ملازمة المحال، وإذا ~~حبسه: له أن يحبسه إذا كانت الحوالة بأمر المحيل، ولم يكن على المحال عليه ~~دين مثله للمحيل؛ لأنه هو الذي أوقعه في هذه العهدة؛ فعليه تخليصه منها، ~~وإن كانت الحوالة بغير أمره، أو كانت بأمره، ولكن للمحيل على المحال عليه ~~دين مثله، والحوالة مقيدة؛ لم يكن للمحال عليه أن يلازم المحيل إذا لوزم، ~~ولا أن يحبسه إذا حبس؛ لأن الحوالة إذا كانت بغير أمر المحيل؛ كان المحال ~~عليه متبرعا، وإن كان للمحيل عليه دين مثله، وقيد الحوالة به فلو لازمه ~~المحال عليه؛ لكان للمحيل أن يلازمه أيضا؛ فلا يفيد، والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في بيان ما يخرج به المحال عليه من الحوالة] # (فصل) : # وأما بيان ما يخرج به المحال عليه من الحوالة فنقول وبالله التوفيق: إنه ~~يخرج من الحوالة بانتهاء حكم الحوالة، وحكم الحوالة ينتهي بأشياء (منها) : ~~فسخ الحوالة؛ لأن فيها معنى معاوضة المال بالمال، فكانت محتملة للفسخ، ومتى ~~فسخ تعود المطالبة إلى المحيل. # (ومنها) التوى عند علمائنا. # وعند الشافعي - رحمه الله - حكم الحوالة لا ينتهي بالتوى، ولا تعود ~~المطالبة إلى المحيل، واحتج بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «من أحيل على مليء فليتبع» ، ولم يفصل - عليه الصلاة والسلام -؛ ~~ولأن الحوالة مبرئة بلا خلاف، وقد عقدت مطلقة عن شريطة السلامة، فتفيد ~~البراءة مطلقا. # (ولنا) ما روي عن سيدنا عثمان - رضي الله عنه - أنه قال في المحال عليه: ~~إذا مات مفلسا عاد الدين إلى ذمة المحيل، وقال: لا توى على مال امرئ مسلم،. # وعن شريح مثل ذلك، ذكره محمد في الأصل، ولم ينقل عن أحد من الصحابة ~~خلافه؛ فكان إجماعا؛ ولأن الدين كان ثابتا في ذمة المحيل قبل الحوالة، ~~والأصل أن الدين لا يسقط إلا بالقضاء قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: ~~«الدين مقضي» إلا أنه ألحق الإبراء بالقضاء في السقوط، والحوالة ليست ~~بقضاء، ms3348 ولا إبراء، فبقي الدين في ذمته على ما كان قبل الحوالة، إلا أن ~~بالحوالة انتقلت المطالبة إلى المحال عليه، لكن إلى غاية التوى؛ لأن حياة ~~الدين بالمطالبة، فإذا توي؛ لم تبق وسيلة إلى الإحياء، فعادت إلى محلها ~~الأصلي، ولا حجة له في الحديث؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - علق الحكم ~~بشريطة الملاءة، وقد ذهبت بالإفلاس، ثم التوى عند أبي حنيفة - رحمه الله - ~~بشيئين لا ثالث لهما: أحدهما أن يموت المحال عليه مفلسا. # والثاني: أن يجحد الحوالة ويحلف، ولا بينة للمحال. # وقد قال أبو يوسف ومحمد بهما وبثالث، وهو أن يفلس المحال عليه حال حياته، ~~ويقضي القاضي بإفلاسه بناء على أن القاضي يقضي بالإفلاس حال # PageV06P018 # حياته عندهما، وعنده: لا يقضي به. # (ومنها) : أداء المحال عليه المال إلى المحال، فإذا أدى المال خرج عن ~~الحوالة؛ إذ لا فائدة في بقائها بعد انتهاء حكمها. # (ومنها) : أن يهب المحال المال للمحال عليه ويقبله. # (ومنها) : أن يتصدق به عليه، ويقبله؛ لأن الهبة والصدقة في معنى الإبراء. # (ومنها) : أن يموت المحال؛ فيرثه المحال عليه. # (ومنها) : أن يبرئه من المال، والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في الرجوع في الحوالة] # وأما بيان الرجوع، فجملة الكلام في الرجوع في موضعين: في بيان شرائط ~~الرجوع، وفي بيان ما يرجع به أما شرائطه فأنواع: (منها) : أن تكون الحوالة ~~بأمر المحيل، فإن كانت بغير أمره؛ لا يرجع، بأن قال رجل للطالب: إن لك على ~~فلان كذا وكذا من الدين، فاحتل بها علي، فرضي بذلك الطالب؛ جازت الحوالة، ~~إلا أنه إذا أدى لا يرجع على المحيل؛ لأن الحوالة إذا كانت بأمر المحيل صار ~~المحال مملكا الدين من المحال عليه بما أدى إليه من المال؛ فكان له أن يرجع ~~بذلك على المحيل، وإن كانت بغير أمره لا يوجد معنى التمليك؛ فلا تثبت ولاية ~~الرجوع. # (ومنها) : أداء مال الحوالة، أو ما هو في معنى الأداء - كالهبة والصدقة - ~~إذا قبل المحال عليه، وكذا إذا ورثه المحال عليه؛ لأن الإرث من أسباب الملك ~~فإذا ورثه فقد ملكه؛ فكان ms3349 له حق الرجوع. # ولو أبرأ المحال المحال عليه من الدين لا يرجع على المحيل؛ لأن الإبراء ~~إسقاط حقه؛ فلا يعتبر فيه جانب التمليك إلا عند اشتغاله بالرد، فإذا لم ~~يوجد بقي إسقاطا محضا، فلم يملك المحال عليه شيئا؛ فلا يرجع. # (ومنها) : أن لا يكون للمحيل على المحال عليه دين مثله، فإن كان: لا ~~يرجع؛ لأن الدينين التقيا قصاصا؛ لأنه لو رجع على المحيل لرجع المحيل عليه ~~أيضا، فلا يفيد فيتقاصا الدينين؛ فبطل حق الرجوع. # (وأما) بيان ما يرجع به فنقول وبالله التوفيق: إن المحال عليه يرجع ~~بالمحال به لا بالمؤدى، حتى لو كان الدين المحال به دراهم، فنقد المحال ~~عليه دنانير عن الدراهم، أو كان الدين دنانير، فنقده دراهم عن الدنانير ~~فتصارفا؛ جاز، ويراعى فيه شرائط الصرف، حتى لو افترقا قبل القبض، أو شرطا ~~فيه الأجل، والخيار يبطل الصرف، ويعود الدين إلى حاله، وإذا صحت المصارفة؛ ~~فالمحال عليه يرجع على المحيل بمال الحوالة، لا بالمؤدى؛ لأن الرجوع بحكم ~~الملك، وأنه يملك دين الحوالة لا المؤدى - بخلاف المأمور بقضاء الدين - لما ~~ذكرنا في كتاب الكفالة، وكذا إذا باعه بالدراهم، أو الدنانير عرضا؛ يرجع ~~بمال الحوالة؛ لما ذكرنا، وكذا إذا أعطاه زيوفا مكان الجياد وتجوز بها ~~المحال؛ رجع على المحيل بالجياد؛ لما قلنا. # ولو صالح المحال المحال عليه، فإن صالحه على جنس حقه وأبرأه عن الباقي؛ ~~يرجع على المحيل بالقدر المؤدى؛ لأنه ملك ذلك القدر من الدين؛ فيرجع به، ~~وإن صالح على خلاف جنس حقه، بأن صالحه من الدراهم على دنانير، أو على مال ~~آخر؛ يرجع على المحيل بكل الدين؛ لأن الصلح على خلاف جنس الحق معاوضة، ~~والمؤدى يصلح عوضا على كل الدين. # ولو قبض المحال مال الحوالة ثم اختلفا؛ فقال المحيل: لم يكن لك علي شيء، ~~وإنما أنت وكيلي في القبض، والمقبوض لي، وقال المحال: لا بل أحلتني بألف ~~كانت لي عليك: فالقول قول المحيل مع يمينه؛ لأن المحال يدعي عليه دينا وهو ~~ينكر، والقول قول المنكر عند عدم البينة مع ms3350 يمينه والله عز وجل أعلم. ### | [كتاب الوكالة] ### | [بيان معنى التوكيل] # (كتاب الوكالة) # الكلام في هذا الكتاب في مواضع: في بيان معنى التوكيل لغة وشرعا، وفي ~~بيان، ركن التوكيل، وفي بيان شرائط الركن، وفي حكم التوكيل، وفي بيان ما ~~يخرج به الوكيل عن الوكالة. # أما الأول:. # فالتوكيل:. # إثبات الوكالة والوكالة في اللغة تذكر ويراد بها: الحفظ، قال الله - عز ~~وجل: {وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] أي الحافظ، وقال - ~~تبارك وتعالى: {لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا} [المزمل: 9] قال الفراء أي ~~حفيظا، وتذكر ويراد بها: الاعتماد وتفويض الأمر قال الله تعالى: {وعلى الله ~~فليتوكل المتوكلون} [إبراهيم: 12] ، وقال الله - تعالى عز وجل - خبرا عن ~~سيدنا هود - عليه الصلاة والسلام -: {إني توكلت على الله ربي وربكم} [هود: ~~56] أي اعتمدت على الله وفوضت أمري إليه، وفي الشريعة يستعمل في هذين ~~المعنيين أيضا على تقرير الوضع اللغوي، وهو تفويض التصرف، والحفظ إلى ~~الوكيل؛ ولهذا قال أصحابنا: إن من قال لآخر " وكلتك في كذا " أنه يكون ~~وكيلا في الحفظ؛ # PageV06P019 # لأنه أدى ما يحتمله اللفظ فيحمل عليه. ### | [فصل في بيان ركن التوكيل] # (فصل) : # وأما بيان ركن التوكيل. # فهو الإيجاب والقبول فالإيجاب من الموكل أن يقول: " وكلتك بكذا " أو " ~~افعل كذا " أو " أذنت لك أن تفعل كذا " ونحوه. # والقبول من الوكيل أن يقول: " قبلت " وما يجري مجراه، فما لم يوجد ~~الإيجاب والقبول لا يتم العقد؛ ولهذا لو وكل إنسانا بقبض دينه فأبى أن ~~يقبل، ثم ذهب الوكيل فقبضه لم يبرأ الغريم؛ لأن تمام العقد بالإيجاب ~~والقبول، وكل واحد منهما يرتد بالرد قبل وجود الآخر، كما في البيع ونحوه. # ثم ركن التوكيل قد يكون مطلقا؛ وقد يكون معلقا بالشرط، نحو أن يقول: " إن ~~قدم زيد؛ فأنت وكيلي في بيع هذا العبد " وقد يكون مضافا إلى وقت بأن يقول: ~~" وكلتك في بيع هذا العبد غدا "، ويصير وكيلا في الغد فما بعده، ولا يكون ~~وكيلا قبل الغد؛ لأن التوكيل إطلاق التصرف، والإطلاقات مما يحتمل التعليق ~~بالشرط والإضافة إلى الوقت كالطلاق، ms3351 والعتاق وإذن العبد في التجارة، ~~والتمليكات كالبيع والهبة والصدقة والإبراء عن الديون، والتقييدات كعزل ~~الوكيل، والحجر على العبد المأذون، والرجعة، والطلاق الرجعي لا يحتمل ذلك. ### | [فصل في شرائط الوكالة] # (فصل) : # وأما الشرائط: فأنواع: بعضها يرجع إلى الموكل، وبعضها يرجع إلى الوكيل، ~~وبعضها يرجع إلى الموكل به، أما الذي يرجع إلى الموكل فهو أن يكون ممن يملك ~~فعل ما وكل به بنفسه؛ لأن التوكيل تفويض ما يملكه من التصرف إلى غيره، فما ~~لا يملكه بنفسه، كيف يحتمل التفويض إلى غيره؟ فلا يصح التوكيل من المجنون، ~~والصبي الذي لا يعقل أصلا؛ لأن العقل من شرائط الأهلية ألا ترى أنهما لا ~~يملكان التصرف بأنفسهما؟ وكذا من الصبي العاقل بما لا يملكه بنفسه، ~~كالطلاق، والعتاق، والهبة، والصدقة، ونحوها من التصرفات الضارة المحضة، ~~ويصح بالتصرفات النافذة: كقبول الهبة، والصدقة، من غير إذن المولى؛ لأنه ~~مما يملكه بنفسه بدون إذن وليه، فيملك تفويضه إلى غيره بالتوكيل. # وأما التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع: كالبيع، والإجارة؛ فإن كان ~~مأذونا له في التجارة يصح منه التوكيل بها؛ لأنه يملكها بنفسه وإن كان ~~محجورا ينعقد موقوفا على إجازة وليه، وعلى إذن وليه بالتجارة أيضا، كما إذا ~~فعل بنفسه؛ لأن في انعقاده فائدة، لوجود المجيز للحال، وهو الولي. # ولا يصح من العبد المحجور، ويصح من المأذون، والمكاتب؛ لأنهما يملكان ~~بأنفسهما، فيملكان بالتفويض إلى غيرهما بخلاف المحجور وأما التوكيل من ~~المرتد: فموقوف: إن أسلم ينفذ، وإن قتل، أو مات على الردة، أو لحق بدار ~~الحرب، يبطل عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد هو نافذ، بناء على أن ~~تصرفات المرتد موقوفة عنده لوقوف أملاكه، وعندهما نافذة لثبوت أملاكه ويجوز ~~التوكيل من المرتدة بالإجماع؛ لأن تصرفاتها نافذة بلا خلاف. # وأما الذي يرجع إلى الوكيل فهو أن يكون عاقلا، فلا تصح وكالة المجنون، ~~والصبي الذي لا يعقل، لما قلنا. # وأما البلوغ، والحرية، فليسا بشرط لصحة الوكالة، فتصح وكالة الصبي ~~العاقل، والعبد، مأذونين كانا أو محجورين وهذا عند أصحابنا. # وقال الشافعي - رحمه الله - وكالة الصبي ms3352 غير صحيحة؛ لأنه غير مكلف، ولا ~~تصح وكالة المجنون. # (ولنا) ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لما خطب أم سلمة ~~قالت: إن أوليائي غيب يا رسول الله فقال: - صلى الله عليه وسلم - ليس فيهم ~~من يكرهني ثم قال لعمرو ابن أم سلمة: قم فزوج أمك مني فزوجها من رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وكان صبيا» والاعتبار بالمجنون غير سديد؛ لأن العقل ~~شرط أهلية التصرفات الشرعية، وقد انعدم هناك ووجد هنا؛ فتصح وكالته كالبالغ ~~إلا أن حقوق العقد من البيع ونحوه، ترجع إلى الوكيل إذا كان بالغا، وإذا ~~كان صبيا ترجع إلى الموكل، لما نذكر في موضعه إن شاء الله تعالى. # وكذا ردة الوكيل: لا تمنع صحة الوكالة؛ فتجوز وكالة المرتد، بأن وكل مسلم ~~مرتدا؛ لأن وقوف تصرفات المرتد؛ لوقوف ملكه والوكيل يتصرف في ملك الموكل، ~~وإنه نافذ التصرفات. # وكذا لو كان مسلما وقت التوكيل، ثم ارتد، فهو على وكالته لما قلنا إلا أن ~~يلحق بدار الحرب، فتبطل وكالته لما نذكر في موضعه. # (وأما) علم الوكيل: فهل هو شرط لصحة الوكالة؟ لا خلاف في أن العلم ~~بالتوكيل في الجملة شرط، إما علم الوكيل، وإما علم من يعامله حتى أنه لو ~~وكل رجلا ببيع عبده، فباعه الوكيل من رجل قبل علمه، وعلم الرجل بالتوكيل، ~~لا يجوز بيعه حتى # PageV06P020 # يجيزه الموكل، أو الوكيل بعد علمه بالوكالة؛ لأن حكم الآمر لا يلزم إلا ~~بعد العلم بالمأمور به، أو القدرة على اكتساب سبب العلم بالمأمور به، كما ~~في أوامر الشرع. # (وأما) علم الوكيل على التعيين بالتوكيل: فهل هو شرط؟ ذكر في الزيادات ~~أنه شرط. # وذكر في الوكالة أنه ليس بشرط فإنه قال: إذا قال الموكل لرجل: اذهب بعبدي ~~هذا إلى فلان، فيبيعه فلان منك، فذهب الرجل بالعبد إليه، وأخبره أن صاحب ~~العبد أمره ببيعه منه، فاشتراه منه صح شراؤه، وإن لم يخبره بذلك فالبيع ~~جائز كذا ذكر محمد في كتاب الوكالة، وجعل علم المشتري بالتوكيل كعلم البائع ~~الوكيل. # وذكر في الزيادات ms3353 أنه لا يجوز البيع، وصورة المسألة في الصبي المأذون، ~~وذكر في المأذون الكبير ما يدل على جواز البيع، فإنه قال: إذا قال المولى ~~لقوم: بايعوا عبدي؛ فإني قد أذنت له في التجارة، فبايعوه جاز، وإن لم يعلم ~~العبد بإذن المولى لهم بالمبايعة. # وليس التوكيل كالوصاية، فإن من أوصى إلى رجل غائب، أي جعله وصيا بعد ~~موته، ثم مات الموصي، ثم إن الوصي باع شيئا من تركة الميت قبل علمه ~~بالوصاية والموت؛ فإن بيعه جائز استحسانا، ويكون ذلك قبولا منه للوصاية حتى ~~لا يملك إخراج نفسه منها، والقياس أن لا يجوز. # والفرق أن الوصي خلف عن الموصي، قائم مقامه، كالوارث يقوم مقام المورث. # ولو باع الوارث تركة الميت بعد موته وهو لا يعلم موته جاز بيعه فكذا ~~الوصي، بخلاف التوكيل؛ لأنه أمر من الموكل، وحكم الأمر لا يلزم إلا بعد ~~العلم، أو سببه على ما مر فإذا ثبت أن العلم بالتوكيل شرط، فإن كان التوكيل ~~بحضرة الموكل، أو كتب الموكل بذلك كتابا إليه، فبلغه وعلم ما فيه، أو أرسل ~~إليه رسولا فبلغ الرسالة، أو أخبره بالتوكيل رجلان أو رجل واحد عدل، صار ~~وكيلا بالإجماع، وإن أخبره بذلك رجل واحد غير عدل، فإن صدقه صار وكيلا ~~أيضا، وإن لم يصدقه ينبغي أن يكون على الاختلاف في العدل عند أبي حنيفة لا ~~يكون وكيلا، وعند أبي يوسف، ومحمد يكون وكيلا كما في العزل على ما نذكره في ~~موضعه إن شاء الله تعالى. # (وأما) الذي يرجع إلى الموكل، فإنه يرجع إلى الموكل به، فإنه يرجع إلى ~~بيان ما يجوز التوكيل به، وما لا يجوز، والجملة فيه أن التوكيل لا يخلو إما ~~أن يكون بحقوق الله - عز وجل - وهي الحدود، وإما أن يكون بحقوق العباد ~~والتوكيل بحقوق الله - عز وجل - نوعان، أحدهما بالإثبات، والثاني ~~بالاستيفاء، أما التوكيل بإثبات الحدود فإن كان حدا لا يحتاج فيه إلى ~~الخصومة كحد الزنا، وشرب الخمر، فلا يتقدر التوكيل فيه بالإثبات؛ لأنه يثبت ~~عند القاضي بالبينة، أو الإقرار من غير ms3354 خصومة، وإن كان مما يحتاج فيه إلى ~~الخصومة كحد السرقة وحد القذف، فيجوز التوكيل بإثباته عند أبي حنيفة ومحمد، ~~وعند أبي يوسف لا يجوز، ولا تقبل البينة فيهما إلا من الموكل، وكذلك الوكيل ~~بإثبات القصاص على هذا الخلاف. # (وجه) قول أبي يوسف: أنه كما يجوز التوكيل فيه بالاستيفاء فكذا بالإثبات؛ ~~لأن الإثبات وسيلة إلى الاستيفاء، ولهما الفرق بين الإثبات والاستيفاء، وهو ~~أن امتناع التوكيل في الاستيفاء لمكان الشبهة، وهي منعدمة في التوكيل ~~بالإثبات. # (وأما) التوكيل باستيفاء حد القذف والسرقة، فإن كان المقذوف والمسروق منه ~~حاضرا وقت الاستيفاء جاز؛ لأن ولاية الاستيفاء إلى الإمام، وأنه لا يقدر ~~على أن يتولى الاستيفاء بنفسه على كل حال، وإن كان غائبا اختلف المشايخ فيه ~~قال بعضهم: يجوز؛ لأن عدم الجواز لاحتمال العفو والصلح، وأنه لا يحتملهما. # وقال بعضهم: لا يجوز؛ لأنه إن كان لا يحتمل العفو والصلح فيحتمل الإقرار ~~والتصديق، وهذا عندنا. # وقال الشافعي: - رحمه الله - يجوز التوكيل باستيفاء حد القذف كيفما كان. # (وجه) قوله أن هذا حقه، فكان بسبيل من استيفائه بنفسه، وبنائبه كما في ~~سائر الحقوق. # (ولنا) الفرق على قول بعض المشايخ، وهو ما ذكرنا أنه يحتمل أنه لو كان ~~حاضرا لصدق الرامي فيما رماه، أو يترك الخصومة، فلا يجوز استيفاء الحد مع ~~الشبهة، والشبهة لا تمنع من استيفاء سائر الحقوق، ويجوز التوكيل بالتعزير ~~إثباتا واستيفاء بالاتفاق. # وللوكيل أن يستوفي، سواء كان الموكل غائبا، أو حاضرا؛ لأنه حق العبد ولا ~~يسقط بالشبهات، بخلاف الحدود، والقصاص، ولهذا ثبت بشهادة رجل وامرأتين، ~~فأشبه سائر الحقوق بخلاف الحد والقصاص. # (وأما) التوكيل باستيفاء القصاص فإن كان الموكل وهو المولى حاضرا جاز؛ ~~لأنه قد لا يقدر على الاستيفاء بنفسه، فيحتاج إلى التوكيل. # وإن كان غائبا لا يجوز؛ لأن احتمال العفو قائم لجواز أنه لو كان حاضرا # PageV06P021 # لعفا، فلا يجوز استيفاء القصاص مع قيام الشبهة، وهذا المعنى منعدم حالة ~~الحضرة، وعند الشافعي - رحمه الله - يجوز، وإن كان غائبا، والكلام في ~~الطرفين على نحو ما ذكرنا في حد القذف. ms3355 # (وأما) التوكيل بحقوق العباد فنقول - وبالله التوفيق: حقوق العباد على ~~نوعين، نوع لا يجوز استيفاؤه مع الشبهة، كالقصاص، وقد مر حكم التوكيل ~~بإثباته واستيفائه، ونوع يجوز استيفاؤه وأخذه مع الشبهة، كالديون والإعتاق، ~~وسائر الحقوق سوى القصاص، فنقول: لا خلاف أنه يجوز التوكيل بالخصومة في ~~إثبات الدين، والعين، وسائر الحقوق، برضا الخصم، حتى يلزم الخصم جواب ~~التوكيل. # والأصل فيه ما روي عن عبد الله بن جعفر - رضي الله عنهما - أن سيدنا عليا ~~- رضي الله عنه - كان لا يحضر الخصومة، وكان يقول: إن لها لحما يحضرها ~~الشياطين، فجعل الخصومة إلى عقيل - رضي الله عنه - فلما كبر ورق حولها إلي، ~~وكان علي يقول: ما قضي لوكيلي فلي وما قضي على وكيلي فعلي. # ومعلوم أن سيدنا عليا - رضي الله عنه - لم يكن ممن لا يرضى أحد بتوكيله، ~~فكان توكيله برضا الخصم، فدل على الجواز برضا الخصم، واختلف في جوازه بغير ~~رضا الخصم، قال أبو حنيفة - عليه الرحمة: لا يجوز من غير عذر المرض والسفر. # وقال أبو يوسف، ومحمد: يجوز في الأحوال كلها وهو قول الشافعي - رحمه الله ~~- وذكر الجصاص أنه لا فصل في ظاهر الرواية بين الرجل والمرأة، والبكر ~~والثيب لكن المتأخرين من أصحابنا استحسنوا في المرأة إذا كانت مخدرة غير ~~بريزة، فجوزوا توكيلها، وهذا استحسان في موضعه وقال ابن أبي ليلى: لا يجوز ~~إلا توكيل البكر، وهذا غير سديد لما يذكر. # (وجه) قولهم أن التوكيل بالخصومة صادف حق الموكل، فلا يقف على رضا الخصم، ~~كالتوكيل باستيفاء الدين، ودلالة ذلك أن الدعوى حق المدعي، والإنكار حق ~~المدعى عليه، فقد صادف التوكيل من المدعي والمدعى عليه حق نفسه، فلا يقف ~~على رضا خصمه، كما لو كان خاصمه بنفسه، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن الحق ~~هو الدعوى الصادقة، والإنكار الصادق، ودعوى المدعي خبر يحتمل الصدق، ~~والكذب، والسهو والغلط، وكذا إنكار المدعى عليه، فلا يزداد الاحتمال في ~~خبره بمعارضة خبر المدعي، فلم يكن كل ذلك حقا، فكان الأصل أن لا يلزم به ~~جواب إلا أن الشرع ألزم ms3356 الجواب لضرورة فصل الخصومات، وقطع المنازعات ~~المؤدية إلى الفساد، وإحياء الحقوق الميتة، وحق الضرورة يصير مقضيا بجواب ~~الموكل، فلا تلزم الخصومة عن جواب الوكيل من غير ضرورة، مع ما أن الناس في ~~الخصومات على التفاوت بعضهم أشد خصومة من الآخر، فربما يكون الوكيل ألحن ~~بحجته، فيعجز من يخاصمه عن إحياء حقه، فيتضرر به، فيشرط رضا الخصم، ليكون ~~لزوم الضرر مضافا إلى التزامه وإذا كان الموكل مريضا، أو مسافرا، فهو عاجز ~~عن الدعوى، وعن الجواب بنفسه، فلو لم يملك النقل إلى غيره بالتوكيل لضاعت ~~الحقوق، وهلكت، وهذا لا يجوز. # وكذلك إذا كانت المرأة مخدرة مستورة؛ لأنها تستحيي عن الحضور لمحافل ~~الرجال، وعن الجواب بعد الخصومة بكرا كانت أو ثيبا؛ فيضيع حقها. # (وأما) في مسألتنا فلا ضرورة، ولو وكل بالخصومة، واستثنى الإقرار وتزكية ~~الشهود في عقد التوكيل بكلام منفصل جاز، ويصير وكيلا بالإنكار، سواء كان ~~التوكيل من الطالب أو من المطلوب في ظاهر الرواية. # وروي عن محمد أنه إذا وكل الطالب، واستثنى الإقرار، يجوز، وإن وكل ~~المطلوب لا يجوز، والصحيح جواب؛ ظاهر الرواية؛ لأن استثناء الإقرار في عقد ~~التوكيل إنما جاز لحاجة الموكل إليه؛ لأن الوكيل بالخصومة يملك الإقرار على ~~موكله عند أصحابنا الثلاثة. # ولو أطلق التوكيل من غير استثناء لتضرر به الموكل، وهذا المعنى لا يوجب ~~الفصل بين التوكيل من الطالب والمطلوب؛ لأن كل واحد منهما يحتاج إلى ~~التوكيل بالخصومة، هذا إذا وكل بالخصومة، واستثنى الإقرار في العقد فأما ~~إذا وكل مطلقا، ثم استثنى الإقرار في كلام منفصل، يصح عند أبي يوسف، وعند ~~محمد لا يصح. # (وأما) التوكيل بالإقرار: فذكر في الأصل، أنه يجوز. # وذكر الطحاوي أنه لا يجوز ويجوز التوكيل بالخصومة من المضارب، والشريك ~~شركة العنان، والمفاوضة، والعبد المأذون، والمكاتب؛ لأنهم يملكون الخصومة ~~بأنفسهم، فيملكون تفويضها إلى غيرهم بالتوكيل. # ويجوز من الذمي كما يجوز من المسلم؛ لأن حقوقهم مصونة مرعية عن الضياع ~~كحقوقنا ويجوز التوكيل بقبض الدين؛ لأن الموكل قد لا يقدر على الاستيفاء ~~بنفسه فيحتاج # PageV06P022 # إلى التفويض إلى غيره ms3357 كالوكيل بالبيع والشراء وسائر التصرفات، إلا أن ~~التوكيل بقبض رأس مال السلم وبدل الصرف، إنما يجوز في المجلس؛ لأن الموكل ~~إنما يملك القبض فيه لا في غيره، وإذا قبض الدين من الغريم برئ الغريم؛ لأن ~~القبض الصحيح يوجب البراءة، وتجوز الوكالة بقضاء الدين؛ لأنه يملك القضاء ~~بنفسه وقد لا يتهيأ له القضاء بنفسه فيحتاج إلى التفويض إلى غيره سواء كان ~~الموكل حرا أو عبدا مأذونا أو مكاتبا؛ لأنهما يملكان القضاء بأنفسهما ~~فيملكان التفويض إلى غيرهما أيضا، ويجوز بطلب الشفعة وبالرد بالعيب ~~وبالقسمة؛ لأن هذه حقوق يتولاها المرء بنفسه، فيملك توليتها غيره. # ويجوز بالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد والكتابة والإعتاق على مال ~~والصلح على إنكار؛ لأنه يملك هذه التصرفات بنفسه فيملك تفويضها إلى غيره: ~~وتجوز الهبة والصدقة والإعارة والإيداع والرهن والاستعارة والاستيهاب ~~والارتهان، لما قلنا ويجوز بالشركة، والمضاربة لما قلنا. # ويجوز بالإقراض والاستقراض، إلا أن في التوكيل بالاستقراض لا يملك الموكل ~~ما استقرضه الوكيل، إلا إذا بلغ على وجه الرسالة بأن يقول: أرسلني فلان ~~إليك ليستقرض كذا ويجوز التوكيل بالصلح وبالإبراء ويجوز بالطلاق والعتاق ~~والإجارة والاستئجار لما قلنا ويجوز بالسلم والصرف؛ لأنه يملكهما بنفسه، ~~فيملك تفويضهما إلى غيره إلا أن قبض البدل في المجلس شرط بقاء العقد على ~~الصحة، والعبرة لبقاء العاقدين وافتراقهما؛ لأن حقوق العقد راجعة إليهما ~~لما نذكر فإذا تقابض الوكيلان في المجلس فقد وجد القبض المستحق قبل ~~الافتراق فيبقى العقد على الصحة بخلاف الرسولين إذا تقابضا في المجلس ثم ~~افترقا أنه يبطل العقد؛ لأن حقوق العقد لا ترجع إلى الرسول، فلا يقع قبضهما ~~عن المستحق بالعقد، فإذا افترقا، فقد حصل الافتراق لا عن قبض فيبطل العقد ~~بخلاف الوكيلين على ما مر ولا تعتبر مفارقة الموكل؛ لأن الحقوق لا ترجع ~~إليه، بل هو أجنبي عنها، فبقاؤه وافتراقه بمنزلة واحدة، ويجوز التوكيل ~~بالبيع والشراء؛ لأنهما مما يملك الموكل مباشرتهما بنفسه فيملك التفويض إلى ~~غيره إلا أن لجواز التوكيل بالشراء شرطا، وهو الخلو عن الجهالة الكثيرة في ~~أحد نوعي الوكالة ms3358 دون النوع الآخر وبيان ذلك أن التوكيل بالشراء نوعان: عام ~~وخاص فالعام: أن يقول له: اشتر لي ما شئت، أو ما رأيت، أو أي ثوب شئت، أو ~~أي دار شئت، أو ما تيسر لك من الثياب، ومن الدواب، ويصح مع الجهالة الفاحشة ~~من غير بيان النوع والصفة والثمن لأنه فوض الرأي إليه فيصح مع الجهالة ~~الفاحشة كالبضاعة، والمضاربة. # والخاص: أن يقول: اشتر لي ثوبا أو حيوانا أو دابة أو جوهرا أو عبدا أو ~~جارية أو فرسا أو بغلا، أو حمارا أو شاة والأصل فيه أن الجهالة إن كانت ~~كثيرة تمنع صحة التوكيل، وإن كانت قليلة لا تمنع وهذا استحسان. # والقياس أن يمنع قليلها وكثيرها، ولا يجوز إلا بعد بيان النوع والصفة ~~ومقدار الثمن؛ لأن البيع والشراء لا يصحان مع الجهالة اليسيرة، فلا يصح ~~التوكيل بهما أيضا. # (وجه) الاستحسان ما روي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «دفع ~~دينارا إلى حكيم بن حزام ليشتري له به أضحية» ولو كانت الجهالة القليلة ~~مانعة من صحة التوكيل بالشراء لما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~لأن جهالة الصفة لا ترتفع بذكر الأضحية، وبقدر الثمن؛ ولأن الجهالة القليلة ~~في باب الوكالة لا تفضي إلى المنازعة؛ لأن مبنى التوكيل على الفسحة ~~والمسامحة فالظاهر أنه لا تجوز المنازعة فيه عند قلة الجهالة بخلاف البيع ~~لأن مبناه على المضايقة، والمماكسة لكونه معاوضة المال بالمال فالجهالة فيه ~~وإن قلت تفضي إلى المنازعة فتوجب فساد العقد فهو الفرق. # وإذا ثبت أن الجهالة القليلة غير مانعة ففي كل موضع قلت الجهالة، صح ~~التوكيل بالشراء وإلا فلا، فينظر إن كان اسم ما وقع التوكيل بشرائه مما يقع ~~على أنواع مختلفة لا يجوز التوكيل به، إلا بعد بيان النوع وذلك نحو أن ~~يقول: اشتر لي ثوبا لأن اسم الثوب يقع على أنواع مختلفة من ثوب الإبريسم ~~والقطن والكتان وغيرهم، فكانت الجهالة كثيرة، فمنعت صحة التوكيل، فلا يصح. # وإن سمى الثمن؛ لأن الجهالة بعد بيان الثمن متفاحشة فلا تقل، إلا بذكر ms3359 ~~النوع: بأن يقول: اشتر لي ثوبا هرويا فإن سكت عنه كثرت الجهالة، فلم يصح ~~التوكيل، وكذا إذا قال: اشتر لي حيوانا، أو قال: اشتر لي دابة، أو أرضا أو ~~مملوكا أو جوهرا أو حبوبا؛ لأن كل واحد منها اسم جنس، يدخل تحته أنواع ~~مختلفة، فلا بد من ذكر النوع بأن يقول: ثوبا هرويا فإذا سكت عنه كثرت ~~الجهالة فلم يصح التوكيل، وكذا إذا قال: # PageV06P023 # اشتر لي دارا لا يصح؛ لأن بين الدار والدار تفاوتا فاحشا فإن عين الدار ~~يجوز وإن لم يعين، ولكنه بين الثمن جاز أيضا ويقع على دور المصر الذي وقع ~~فيه الوكيل؛ لأن الجهالة تقل بعد بيان الثمن. # وروي عن أبي يوسف أنه لا يصح التوكيل بعد بيان الثمن حتى يعين مصرا من ~~الأمصار ولو قال: اشتر لي دارا في موضع كذا، أو حبة لؤلؤ أو فص ياقوت أحمر ~~ولم يسم الثمن لا يجوز؛ لأن التفاوت متفاحش والصفة لا تصير معلومة بحال ~~الموكل فلا بد من بيان الثمن وإن كان اسم ما وقع التوكيل بشرائه لا يقع إلا ~~على نوع واحد يكتفى فيه بذكر أحد أمرين: إما الصفة بأن قال: اشتر لي عبدا ~~تركيا، أو مقدار الثمن بأن قال: اشتر لي عبدا بألف درهم؛ لأن الجهالة تقل ~~بذكر أحدهما، وبحال الموكل؛ لأن الصفة تصير معلومة بذكر الثمن وإن لم ~~يذكرها وإذا ذكر الصفة يصير الثمن معلوما بحال الآمر، فيما يشتريه أمثاله ~~عادة حتى إنه لو خرج المشتري عن عادة أمثاله لا يلزم الموكل. # كذا روي عن أبي يوسف فيمن قال: اشتر لي خادما من جنس كذا أن ذلك يقع على ~~ما يتعامله الناس من ذلك الجنس، فإن كان الثمن كثيرا، لا يتعامل الناس به ~~لم يجز على الآمر، وكذا البدوي إذا قال: اشتر لي خادما حبشيا فهو على ما ~~يعتاده أهل البادية، وهذا كله اعتبار حال الموكل فإن لم يذكر أحدهما أصلا ~~فالوكالة باطلة؛ لأن الجهالة فحشت بترك ذكرهما جميعا، فمنعت صحة الوكالة ~~ولو قال: اشتر لي ms3360 حمارا أو بغلا أو فرسا أو بعيرا ولم يذكر له صفة ولا ثمنا ~~قالوا إنه يجوز؛ لأن النوع صار معلوما بذكر الحمار والبغل والفرس والبعير، ~~والصفة تصير معلومة بحال الموكل وكذا الثمن فينظر إن اشترى حمارا بمثل ~~قيمته أو بأقل، أو بأكثر، قدر ما يتغابن الناس في مثله جاز على الموكل، إذا ~~كان الحمار مما يشتري مثله الموكل، وإن كان مما لا يشتري مثله الموكل لا ~~يجوز على الموكل، ويلزم الوكيل وإن اشتراه بمثل قيمته نحو أن يكون الموكل ~~مكاريا فاشترى الوكيل حمارا مصريا يصلح للركوب؛ لأن مثله يشتري الحمار ~~للعمل والحمل لا للركوب. # ولو قال: اشتر لي شاة، أو بقرة، ولم يذكر صفة ولا ثمنا لا يجوز؛ لأن ~~الشاة والبقرة لا تصير معلومة الصفة بحال الموكل ولا بد وأن يكون أحدهما ~~معلوما لما بينا. # ولو قال: اشتر لي حنطة لا يصح التوكيل ما لم يذكر أحد شيئين: إما: قدر ~~الثمن، وإما قدر المثمن وهو المكيل؛ لأن الجهالة لا تقل إلا بذكر أحدهما ~~وعلى هذا جميع المقدرات من المكيلات، والموزونات. # ولو وكله ليشتري له طيلسانا لا يصح إلا بعد بيان الثمن والنوع؛ لأن ~~الجهالة لا تقل إلا بعد بيان أحدهما والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في بيان حكم التوكيل] # (فصل) : # وأما بيان حكم التوكيل. # فنقول - وبالله التوفيق - حكم التوكيل صيرورة المضاف إليه وكيلا؛ لأن ~~التوكيل إثبات الوكالة وللوكالة أحكام (منها) : ثبوت ولاية التصرف الذي ~~تناوله التوكيل فيحتاج إلى بيان ما يملكه الوكيل من التصرف بموجب التوكيل ~~بعد صحته، وما لا يملكه فنقول - وبالله التوفيق -: الوكيل بالخصومة يملك ~~الإقرار على موكله في الجملة عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر، والشافعي - ~~رحمهما الله -: لا يملك، والأب والوصي وأمين القاضي لا يملك الإقرار على ~~الصغير بالإجماع. # (وجه) قولهما أن الوكيل بالخصومة وكيل بالمنازعة، والإقرار مسالمة فلا ~~يتناوله التوكيل بالخصومة فلا يملكه الوكيل. # (ولنا) : أن التوكيل بالخصومة وكيل بالجواب الذي هو حق عند الله - عز وجل ~~-، وقد يكون ذلك إنكارا، وقد يكون إقرارا، فإذا أقر ms3361 على موكله دل أن الحق ~~هو الإقرار فينفذ على الموكل كما إذا أقر على موكله وصدقه الموكل ثم اختلف ~~أصحابنا الثلاثة فيما بينهم قال: أبو حنيفة ومحمد، يصح إقراره في مجلس ~~القاضي لا في غيره وقال أبو يوسف: يصح فيه وفي غيره. # (وجه) قوله أن التوكيل تفويض ما يملكه الموكل إلى غيره، وإقرار الموكل لا ~~تقف صحته على مجلس القاضي، فكذا إقرار الوكيل ولهما أنه فوض الأمر إليه لكن ~~في مجلس القاضي؛ لأن التوكيل بالخصومة أو بجواب الخصومة، وكل ذلك يختص ~~بمجلس القاضي، ألا ترى أن الجواب لا يلزم في غير مجلس القاضي؟ وكذا الخصومة ~~لا تندفع باليمين في غير مجلس القاضي؛ فتتقيد بمجلس القاضي، إلا أنه إذا ~~أقر في غير مجلس القاضي يخرج عن الوكالة وينعزل؛ لأنه لو بقي وكيلا لبقي ~~وكيلا بالإقرار عينا؛ لأن الإنكار لا يسمع منه للتناقض، والإقرار عينا غير ~~موكل به، والوكيل بالخصومة في مال إذا قضى القاضي به يملك قبضه عند أصحابنا ~~الثلاثة وعند زفر لا يملك. # (وجه) قوله أن # PageV06P024 # المطلوب من الوكيل بالخصومة الاهتداء ومن الوكيل بالقبض الأمانة، وليس كل ~~من يهتدي إلى شيء يؤتمن عليه، فلا يكون التوكيل بالخصومة توكيلا بالقبض. # (ولنا) : أنه لما وكله بالخصومة في مال فقد ائتمنه على قبضه؛ لأن الخصومة ~~فيه لا تنتهي إلا بالقبض، فكان التوكيل بها توكيلا بالقبض، والوكيل بتقاضي ~~الدين يملك القبض في ظاهر الرواية؛ لأن حق التقاضي لا ينقطع إلا بالقبض، ~~فكان التوكيل به توكيلا بالقبض؛ ولأن التقاضي والاقتضاء والاستيفاء واحد ~~إلا أن المتأخرين من أصحابنا قالوا إنه لا يملك في عرف ديارنا؛ لأن الناس ~~في زماننا لا يرضون بقبض المتقاضي كالوكلاء على أبواب القضاة لتهمة الخيانة ~~في أموال الناس، والوكيل بقبض الدين يملك الخصومة في إثبات الدين إذا أنكر ~~الغريم عند أبي حنيفة وعندهما لا يملك وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة أيضا ~~فيملك إقامة البينة وكذا لو أقام المدعى عليه البينة أن صاحب الدين استوفى ~~منه، أو أبرأه عنه قبلت بينته عنده ms3362 وعندهما لا تقبل ولا يملك وأجمعوا في ~~الوكيل بقبض العين إذا أنكر من في يده أنه لا يملك الخصومة حتى لا يملك ~~إقامة البينة ولو أقام المدعى عليه البينة أنه اشتراها من الذي وكله بالقبض ~~لا تسمع منه بينته في إثبات الشراء، ولكنها تسمع لدفع خصومة الوكيل في ~~الحال إلى أن يحضر الموكل، وقالوا في الوكيل بطلب الشفعة وبالرد بالعيب ~~وبالقسمة إنه يملك الخصومة. # (وجه) قولهما: أن التوكيل بقبض الدين توكيل باستيفاء عين الحق، فلا يتعدى ~~إلى الخصومة كالتوكيل بقبض العين، ولأبي حنيفة أن التوكيل بقبض الدين توكيل ~~بالمبادلة، والحقوق في مبادلة المال بالمال تتعلق بالعاقد كما في البيع ~~والإجارة، ودلالة ذلك أن استيفاء عين الدين لا يتصور؛ لأن الدين إما أن ~~يكون عبارة عن الفعل وهو فعل تسليم المال، وإما أن يكون عبارة عن مال حكمي ~~في الذمة. # وكل ذلك لا يتصور استيفاؤه، ولكن استيفاء الدين عبارة عن نوع مبادلة، وهو ~~مبادلة المأخوذ العين بما في ذمة الغريم وتمليكه بهذا القدر المأخوذ من ~~المال فأشبه البيع والخصومة في حقوق مبادلة المال بالمال فيملكه الوكيل، ~~بخلاف الوكيل بقبض الثمن؛ لأن ذلك توكيل باستيفاء عين الحق لا بالمبادلة؛ ~~لأن عينه مقدور الاستيفاء فلا يملك الخصومة فيها إلا بأمر جديد فهو الفرق ~~بين الفصلين فإذا لم يملك الخصومة لا تسمع بينة المدعى عليه على الشراء من ~~الموكل بالقبض؛ لأنها بينة قامت لا على خصم، ولكنها تسمع في دفع قبض ~~الوكيل، ويجوز أن تكون البينة مسموعة من وجه دون وجه كمن وكل إنسانا بنقل ~~زوجته إلى حيث هو فطالبها الوكيل بالانتقال، فأقامت البينة على أن زوجها ~~طلقها ثلاثا، تسمع هذه البينة في اندفاع حق الوكيل في النقل ولا تسمع في ~~إثبات الحرمة. # كذا هذا وكذلك الوكيل بأخذ الدار بالشفعة وكيل بالمبادلة؛ لأن الأخذ ~~بالشفعة بمنزلة الشراء وكذا الرد بالعيب، والقسمة فيها معنى المبادلة، ~~فكانت الخصومة فيها من حقوقها فيملكها الوكيل كالوكيل بالبيع، والوكيل ~~بالقبض إذا أراد أن يوكل غيره هذا على وجهين: (إما) ms3363 أن كانت الوكالة عامة ~~بأن قال له وقت التوكيل بالقبض: اصنع ما شئت أو ما صنعت من شيء فهو جائز ~~علي أو نحو ذلك: (وإما) أن كانت خاصة بأن لم يقل ذلك عند التوكيل بالقبض؛ ~~فإن كانت عامة يملك أن يوكل غيره بالقبض لأن الأصل فيما يخرج مخرج العموم، ~~إجراؤه على عمومه، وإن كانت خاصة فليس له أن يوكل غيره بالقبض؛ لأن الوكيل ~~يتصرف بتفويض الموكل فيملك قدر ما فوض إليه فإن فعل ذلك وقبض الوكيل الثاني ~~لم يبرأ الغريم من الدين؛ لأن توكيله بالقبض إذا لم يصح فقبضه وقبض الأجنبي ~~سواء فإن وصل إلى يد الوكيل الأول برئ الغريم؛ لأنه وصل إلى يد من هو نائب ~~الموكل في القبض. # وإن هلك في يده قبل أن يصل إلى الوكيل الأول ضمن القابض للغريم؛ لأن قبضه ~~بجهة استيفاء الدين، والقبض بجهة استيفاء الدين قبض بجهة المبادلة على ما ~~مر، والمقبوض بجهة المبادلة مضمون على القابض كالمقبوض على سوم الشراء وكان ~~له أن يرجع بما ضمن على الوكيل الأول؛ لأنه صار مغرورا من جهته بتوكيله ~~بالقبض فيرجع عليه إذ كل غار ضامن للمغرور بما لحقه من العهدة فيرجع عليه ~~بضمان الكفالة. # ولا يبرأ الغريم من الدين لما قلنا إن توكيله بالقبض لم يصح فكان للطالب ~~أن يأخذ الغريم بدينه وإذا أخذ منه رجع الغريم على الوكيل الثاني لما قلنا، ~~ويرجع الوكيل الثاني على الأول بحكم الغرور لما قلنا إن الوكيل بقبض الدين ~~للموكل على إنسان معين أو في بلد # PageV06P025 # معين لا يملك أن يتعدى إلى غيره؛ لأن المتصرف بحكم الآمر لا يملك التعدي ~~عن موضع الأمر وليس للوكيل بقبض الدين أن يأخذ عوضا عن الدين؛ وهو أن يأخذ ~~عينا مكانه؛ لأن هذه معاوضة مقصودة، وأنها لا تدخل تحت التوكيل بقبض الدين ~~وهذا لما بينا أن قبض الدين حقيقة لا يتصور لما ذكرنا فلا يتصور التوكيل ~~بقبضه حقيقة إلا أن التوكيل بقبض الدين جعل توكيلا بالمعاوضة ضرورة تصحيح ~~التصرف ودفع الحاجة المعلقة بالتوكيل ms3364 بقبض الدين. # وحق الضرورة يصير مقضيا بثبوتها ضمنا للعقد فبقيت المعاوضة المقصودة ~~خارجة عن العقد أصلا فلا يملكها الوكيل. # ولو كان لرجل على رجل دين فجاء إنسان إلى الغريم وقال: إن الطالب أمرني ~~أن أقبضه منك، فإن صدقه الغريم وأراد أن يدفع إليه لا يمنع منه، وإن أبى أن ~~يدفع إليه يجبر على الدفع في الدين وفي العين لا يجبر عليه والفرق: أن ~~التصديق في الدين إقرار على نفسه، فكان مجبورا على التسليم، وفي العين ~~إقرار على غيره فلا يصح إلا بتصديق ذلك الغير، وإن لم يصدقه لم يجبر على ~~الدفع فإن دفعه إليه ثم جاء الطالب فإن صدقه مضى الأمر، وإن كذبه وأنكر أن ~~يكون وكله بذلك فهذا على وجوه ثلاثة: إما أن صدقه ودفعه إليه، وإما أن كذبه ~~ومع ذلك دفع إليه. # وأما إن لم يصدقه ولم يكذبه ودفع إليه، فإن صدقه في الوكالة ولم يضمنه ~~فجاء الطالب، يقال له: ادفع الدين إلى الطالب، ولا حق لك على الوكيل؛ لأنه ~~لما صدقه في الوكالة فقد أقر بوكالته، وإقراره صحيح في حق نفسه، فكأنه ~~يقول: إن الوكيل كان محقا في القبض، وإن الطالب ظالم فيما يقبض مني، وإن ~~ظلم على مبطل فلا أظلم على محق، وإن صدقه وضمنه ما دفع إليه ثم حضر الطالب ~~فأخذ منه يرجع هو على القابض؛ لأن الغريم وإن أقر أن القابض محق في القبض ~~بتصديقه إياه في الوكالة فعنده أن الطالب مبطل فيه ظالم فيما يقبض منه؛ ~~فإذا ضمنه فقد أضاف الضمان إلى ما يقبضه الطالب عنه بغير حق، وإضافة الضمان ~~إلى المقبوض المضمون صحيح كما إذا قال ما غصبك فلان فعلي، وإن كذبه في ~~الوكالة ومع ذلك دفع إليه له أن يضمن الوكيل؛ لأن عنده أنه مبطل في القبض ~~وإنما دفعه إليه على رجاء أن يجوزه الطالب وكذا إذا لم يصدق ولم يكذب؛ لأنه ~~لم يوجد منه الإقرار بكونه محقا في القبض فيملك الرجوع عليه، الوكيل بقبض ~~الدين إذا قبضه فوجده معيبا فما ms3365 كان للموكل رده فله رده وأخذ بدله؛ لأنه ~~قائم مقام الموكل فهو يملك قبض حقه أصلا ووصفا فكذا الوكيل ولو وكل رجلا ~~بقبض دين له على رجل وغاب الطالب فادعى الغريم أنه قد أوفاه الطالب لا ~~يحتاج الوكيل إلى إقامة البينة، ولا إلى إحضار الطالب ليحلفه، لكن يقال ~~للغريم: ادفع الدين إلى الوكيل، ثم اتبع الطالب وحلفه إن أردت يمينه فإن ~~حلف وإلا رجعت عليه؛ لأنه مقر بالدين، والدين مقضي على لسان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فلا يحكم بسقوطه بدعوى الإيفاء مع الاحتمال، بل يجبر ~~على التسليم إلى الوكيل، وكذلك الوكيل بطلب الشفعة إذا ادعى المشتري أن ~~الشفيع قد سلم للشفعة يؤمر بتسليم الدار إلى الوكيل، ثم يقال له: اتبع ~~الشفيع وحلفه إن أردت يمينه؛ لأن المشتري مقر بثبوت حق الشفعة؛ لأن تسليم ~~الشفعة بعد ثبوتها يكون فلا يبطل الحق الثابت بدعوى التسليم مع الاحتمال ~~فيؤمر بتسليم المشترى إلى الوكيل، وهذا بخلاف الوكيل بالرد بالعيب إذا ادعى ~~البائع أن المشتري قد رضي بالعيب أنه لا يكون للوكيل حق الرد حتى يحضر ~~الموكل فيحلف بالله تعالى ما رضي بهذا العيب؛ لأن البائع بقوله رضي المشتري ~~بالعيب، لم يقر بثبوت حق الرد بالعيب، إذ ليس كل عيب موجبا للرد، ألا ترى ~~أنه لو اشتراه وهو عالم بعيبه ليس له حق الرد مع وجود العيب، فيتوقف على ~~حضور الموكل ويمينه، فإن أراد الغريم أن يحلف الوكيل بالله - عز وجل - ما ~~يعلم أن الطالب قد استوفى الدين لم يكن له أن يحلفه عند أبي حنيفة: وأبي ~~يوسف. # وقال زفر: يحلفه على علمه، فإن أبى أن يحلف خرج عن الوكالة ولم يبرأ ~~الغريم وكان الطالب على حجته. # (وجه) قول زفر أن هذا أمر لو أقر به الوكيل للزمه، وسقط حقه من القبض، ~~فإذا أنكر يستحلف لجواز أنه ينكل عن اليمين، فيسقط حقه. # (ولنا) قول النبي: - عليه الصلاة والسلام - «واليمين على المدعى عليه» ~~والغريم ما ادعى على الوكيل شيئا وإنما ادعى على الموكل، فكانت ms3366 اليمين ~~عليه، واليمين مما لا تجري فيه النيابة، فلا يثبت للغريم ولاية استحلاف ~~الوكيل. # وهذا بخلاف ما إذا مات الطالب، فادعى الغريم أنه قد كان استوفاه حال ~~حياته، وأنكر الوارث: أن له أن يستحلف الوارث على علمه # PageV06P026 # بالله - تعالى - ما يعلم أن الطالب استوفى الدين؛ لأن هناك الوارث مدعى ~~عليه؛ لأن الغريم يدعي عليه بطلان حقه في الاستيفاء الذي هو حقه، فلم يكن ~~استحلافه بطريق النيابة عن المورث إلا أنه يستحلف على علمه؛ لأنه يستحلف ~~على فعل غيره. # وكل من يستحلف على فعل باشره غيره يستحلف على العلم لا البت؛ لأنه لا علم ~~له به أنه فعل ذلك أو لم يفعل. # فإن أقام الغريم البينة على الإيفاء سمعت بينته عند أبي حنيفة. # وعندهما لا تسمع وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة: بناء على أن الوكيل بقبض ~~الدين هل يكون وكيلا بالخصومة فيه؟ عنده يكون وعندهما لا يكون لما تقدم، ~~وكذلك على هذا الاختلاف إذا أقام الغريم البينة أنه أعطى الطالب بالدراهم ~~الدنانير أو باعه بها عرضا فبينته مسموعة عنده، وعندهما غير مسموعة؛ لأن ~~إيفاء الدين بطريقي المبادلة والمقاصة، ويستوي فيهما الجنس وخلاف الجنس ~~فكان الخلاف في الكل ثابتا. # (وأما) : الوكيل بالبيع فالتوكيل بالبيع لا يخلو إما أن يكون مطلقا، وإما ~~أن يكون مقيدا، فإن كان مقيدا يراعى فيه القيد بالإجماع، حتى إنه إذا خالف ~~قيده لا ينفذ على الموكل ولكن يتوقف على إجازته إلا أن يكون خلافه إلى خير ~~لما مر أن الوكيل يتصرف بولاية مستفادة من قبل الموكل، فيلي من التصرف قدر ~~ما ولاه، وإن كان الخلاف إلى خير فإنما نفذ؛ لأنه إن كان خلافا صورة فهو ~~وفاق معنى؛ لأنه آمر به دلالة فكان متصرفا بتولية الموكل، فنفذ بيان هذه ~~الجملة إذا قال: بع عبدي هذا بألف درهم فباعه بأقل من الألف لا ينفذ، وكذا ~~إذا باعه بغير الدراهم، لا ينفذ، وإن كانت قيمته أكثر من ألف درهم؛ لأنه ~~خلاف إلى شر؛ لأن أغراض الناس تختلف باختلاف الأجناس فكان ms3367 في معنى الخلاف ~~إلى شر وإن باعه بأكثر من ألف درهم نفذ؛ لأنه خلاف إلى خير، فلم يكن خلافا ~~أصلا، وكذلك على هذا لو وكله بالبيع بألف درهم حالة فباعه بألف نسيئة لم ~~ينفذ بل يتوقف لما قلنا، وإن وكله بأن يبيعه بألف - درهم نسيئة، فباعه بألف ~~حالة نفذ لما قلنا، وإن وكله بأن يبيع ويشترط الخيار للآمر، فباعه ولم ~~يشترط الخيار، لم يجز، بل يتوقف. # ولو باع وشرط الخيار للآمر ليس له أن يجيز؛ لأنه لو ملك الإجازة بنفسه لم ~~يكن للتقييد فائدة، هذا إذا كان التوكيل بالبيع مقيدا. # فأما: إذا كان مطلقا فيراعى فيه الإطلاق عند أبي حنيفة، فيملك البيع ~~بالقليل والكثير، وعندهما لا يملك البيع إلا بما يتغابن الناس في مثله، ~~وروى الحسن عن أبي حنيفة مثل قولهما. # (وجه) قولهما أن مطلق البيع ينصرف إلى البيع المتعارف، والبيع بغبن فاحش ~~ليس بمتعارف، فلا ينصرف إليه كالتوكيل بالشراء. # ولأبي حنيفة أن الأصل في اللفظ المطلق أن يجري على إطلاقه، ولا يجوز ~~تقييده إلا بدليل والعرف متعارض فإن البيع بغبن فاحش لغرض التوصل بثمنه إلى ~~شراء ما هو أربح منه متعارف أيضا فلا يجوز تقييد المطلق مع التعارض مع ما ~~أن البيع بغبن فاحش إن لم يكن متعارفا فعلا فهو متعارف ذكرا وتسمية؛ لأن كل ~~واحد منهما يسمى بيعا أو هو مبادلة شيء مرغوب بشيء مرغوب لغة وقد وجد، ~~ومطلق الكلام ينصرف إلى المتعارف ذكرا وتسمية من غير اعتبار الفعل، ألا ترى ~~أن من حلف لا يأكل لحما فأكل لحم الآدمي أو لحم الخنزير يحنث وإن لم يكن ~~أكله متعارفا لكونه متعارفا إطلاقا وتسمية كذا هذا. # : (وأما) التوكيل بالشراء فالجواب عنه من وجهين " أحدهما " أن جوازه ثبت ~~على خلاف القياس، لكونه أمرا بالتصرف في مال غيره، وذكر الثمن فيه تبع، ألا ~~ترى أنه يصح بدون ذكر الثمن، إلا أنه جوز باعتبار الحاجة إذ كل أحد لا ~~يتهيأ له أن يشتري بنفسه فيحتاج إلى من يوكل به غيره، والحاجة إلى ms3368 التوكيل ~~بالشراء بثمن جرى التعارف بشراء مثله بمثله فينصرف الأمر بمطلق الشراء إليه ~~ألبتة. # الثاني المشتري متهم بهذا الاحتمال: أنه يشتري لنفسه فلما تبين فيه الغبن ~~أظهر الشراء للموكل، ومثل هذه التهمة في البيع منعدمة فهو الفرق، وكذلك ~~يملك البيع بغير الأثمان المطلقة عنده، وعندهما لا يملك. # وهو قول الشافعي - رحمه الله -. # ويملك البيع بالنقد والنسيئة عنده، وعندهما لا يملك إلا بالنقد. # والحجج من الطرفين على نحو ما ذكرنا في البيع بغبن فاحش # ولو باع الوكيل بعض ما وكل ببيعه فهو على وجهين: إما أن كان ذلك مما لا ~~ضرر في تبعيضه، كالمكيل والموزون بأن كان وكيلا ببيع عبدين فباع أحدهما؛ ~~جاز بالإجماع وإن كان في تبعيضه ضرر بأن وكله ببيع عبد فباع نصفه جاز عند ~~أبي حنيفة: - رحمه الله -، وعندهما لا يجوز إلا بإجازة # PageV06P027 # الموكل أو ببيع النصف الباقي. # ولو كان وكيلا بالشراء فاشترى نصفه لم يلزم الآمر إجماعا. # إلا أنه يشتري الباقي ويجيزه الموكل. # (وجه) قولهما الجمع بين الشراء والبيع بجامع، وهو العرف والعادة ووجوب ~~دفع الضرر الحاصل بالشركة في الأعيان؛ ولأبي حنيفة الفرق بين البيع والشراء ~~على ما مر. # ألا يرى أن عنده لو باع الكل بهذا القدر من الثمن يجوز فلأن يجوز بيع ~~البعض به أولى؛ لأنه نفع موكله حيث أمسك البعض على ملكه وبهذا فارق الشراء؛ ~~لأن الوكيل بالشراء إذا اشترى النصف بثمن الكل لا يجوز، والوكيل بالبيع ~~يملك إبراء المشتري عن الثمن؛ وله أن يؤخره عنه، وله أن يأخذ به عوضا، وله ~~أن يصالح على شيء ويحتال به على إنسان، وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف، ~~ومحمد: لا يملك شيئا من ذلك. # (وجه) قولهما أن الوكيل بالإبراء، وأخواته تصرف في ملك الموكل من غير ~~إذنه فلا ينفذ عليه كما لو فعلها أجنبي (وجه) قوله أنه تصرف في حق نفسه ~~بالإبراء؛ لأن قبض الثمن حقه، فكان الإبراء عن الثمن إبراء عن قبضه تصحيحا ~~لتصرفه بقدر الإمكان. # ولو أسقط حق القبض لسقط الدين ضرورة؛ لأنه ms3369 لو بقي لبقي دينا لا يحتمل ~~القبض أصلا، وهذا مما لا نظير له في أصول الشرع؛ ولأن دينا لا يحتمل القبض، ~~والاستيفاء بوجه لا يفيد فيسقط ضرورة ويضمن الثمن للموكل؛ لأنه وإن تصرف في ~~حق نفسه، لكنه تعدى إلى ملك غيره بالإتلاف فيجب عليه الضمان، وكذا إذا أخذ ~~بالثمن عوضا عن المشتري؛ لأنه ملك منه القبض الذي هو حقه فيصح، ومتى ملك ~~ذلك فيملك رقبة الدين ضرورة بما أخذه من العوض؛ ويضمن لما ذكرنا؛ وكذا إذا ~~صالحه على شيء؛ لأن الصلح مبادلة؛ وكذا إذا أحاله المشتري بالثمن على إنسان ~~وقبل الوكيل الحوالة؛ لأنه بقبول الحوالة تصرف في حق نفسه بالإبراء عنه؛ ~~لأن الحوالة مبرئة وذلك يوجب سقوط الدين عن المحيل فيه لما ذكرنا ويضمن لما ~~قلنا وكذلك تأخير الدين من الوكيل، تأخير حق المطالبة والقبض وأنه صادف حق ~~نفسه فيصح لكنه تعدى إلى الموكل بثبوت الحيلولة بينه وبين ملكه فيضمن وليس ~~للوكيل بالبيع أن يوكل غيره؛ لأن مبنى الوكالة على الخصوص؛ لأن الوكيل ~~يتصرف بولاية مستفادة من قبل الموكل فيملك قدر ما أفاده، ولا يثبت العموم ~~إلا بلفظ يدل عليه، وهو قوله: اعمل فيه برأيك وغير ذلك مما يدل على العموم، ~~فإن وكل غيره بالبيع فباع الثاني بحضرة الأول جاز، وإن باع بغير حضرته لا ~~يجوز إلا أن يجيزه الأول أو الموكل، وكذا إذا باعه فضولي فبلغ الوكيل أو ~~الموكل، فأجاز يجوز هذا عند أصحابنا الثلاثة وقال زفر: لا يجوز بيع الوكيل ~~الثاني سواء كان بحضرة الوكيل الأول أو لم يكن بحضرته. # وقال ابن أبي ليلى: يجوز كيفما كان والصحيح قول أصحابنا الثلاثة؛ لأن ~~عبارة الوكيل ليست مقصود الموكل، بل المقصود رأيه. # فإذا باع الثاني بحضرته فقد حصل التصرف برأيه فنفذ وإذا باعه لا بحضرته ~~أو باع فضولي، فقد خلا التصرف عن رأيه فلا ينفذ ولكنه ينعقد موقوفا على ~~إجازة الوكيل أو الموكل لصدور التصرف من أهله في محله، وليس للوكيل بالبيع ~~أن يبيع من نفسه؛ لأن الحقوق تتعلق بالعاقد ms3370 فيؤدي إلى أن يكون الشخص الواحد ~~في زمان واحد مسلما ومتسلما، مطالبا ومطالبا وهذا محال، وكذا لا يبيع من ~~نفسه، وإن أمره الموكل بذلك لما قلنا؛ ولأنه متهم في ذلك وليس له أن يبيع ~~من أبيه وجده وولده وولد ولده الكبار وزوجته عند أبي حنيفة وعندهما يجوز ~~ذلك بمثل القيمة وأجمعوا على أنه لا يجوز أن يبيع من عبده ومكاتبه. # (وجه) قولهما أن البيع من هؤلاء ومن الأجنبي سواء؛ لأن كل واحد منهما ~~يملكه أجنبي من صاحبه ثم لا يملك البيع من نفسه ولأبي حنيفة أن البيع من ~~هؤلاء بيع من نفسه من حيث المعنى لاتصال منفعة ملك كل واحد منهما بصاحبه، ~~ثم لا يملك البيع من نفسه، فلا يملكه من هؤلاء بخلاف الأجنبي، ولهذا لا ~~يملك البيع من عبده ومكاتبه؛ لأن البيع من عبده بيع من نفسه؛ لأنه لا ملك ~~له، وكذا المكاتب؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم على لسان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # كذا هذا يحققه أن اتصال منافع الأملاك بينهما تورث التهمة، لهذا لم تقبل ~~شهادة أحدهما لصاحبه بخلاف الأجنبي ولو عمم التوكيل فقال: اصنع ما شئت، أو ~~بع من هؤلاء، أو أجاز ما صنعه الوكيل، جاز بيعه بالاتفاق. # ولا يجوز أن يبيع من نفسه أو من ولده الصغير أو من عبده إذا لم يكن عليه ~~دين يحال الوكيل بالبيع مطلقا يملك البيع الصحيح، والفاسد؛ لأن اسم البيع ~~يقع على كل واحد من النوعين إذ هو مبادلة شيء مرغوب # PageV06P028 # بشيء مرغوب، وقد وجد بخلاف الوكيل بالنكاح مطلقا، أنه لا يملك النكاح ~~الفاسد؛ لأن المقصود من النكاح الحل، والنكاح الفاسد لا يفيد الحل والمقصود ~~من البيع الملك، وأنه يثبت بالبيع الفاسد. # وأما: الوكيل: بالبيع الفاسد فهل يملك البيع الصحيح قال أبو حنيفة وأبو ~~يوسف - رحمهما الله - يملك وقال محمد: لا يملك وبه أخذ الشافعي - رحمه الله ~~-. # (وجه) قول محمد أن البيع الفاسد بيع لا يفيد الحكم بنفسه، والصحيح يفيد ~~الحكم بنفسه، فكانا مختلفين، فلا يكون ms3371 التوكيل بأحدهما توكيلا بالآخر. # فإذا باع بيعا صحيحا صار مخالفا (ولهما) أن هذا ليس بخلاف حقيقة؛ لأن ~~البيع الصحيح خير، وكل موكل بشيء موكل بما هو خير منه دلالة، والثابت دلالة ~~كالثابت نصا، فكان آتيا بما وكل به فلا يكون مخالفا. # (وأما) الوكيل بالشراء فالتوكيل بالشراء لا يخلو إما أن كان مطلقا أو كان ~~مقيدا، فإن كان مقيدا يراعى فيه القيد إجماعا لما ذكرنا، سواء كان القيد ~~راجعا إلى المشترى أو إلى الثمن، حتى إنه إذا خالف يلزم الشراء إلا إذا كان ~~خلافا إلى خير فيلزم الموكل، مثال الأول: إذا قال: اشتر لي جارية؛ أطؤها، ~~أو أستخدمها أو أتخذها أم ولد، فاشترى جارية مجوسية أو أخته من الرضاع أو ~~مرتدة أو ذات زوج، لا ينفذ على الموكل، وينفذ على الوكيل. # وكذلك إذا قال: اشتر لي جارية تخدمني، فاشترى جارية مقطوعة اليدين أو ~~الرجلين أو عمياء؛ لأن الأصل في كل مقيد اعتبار القيد فيه إلا قيدا لا يفيد ~~اعتباره، واعتبار هذا النوع من القيد مفيد وكذلك إذا قال: اشتر لي جارية ~~تركية، فاشترى جارية حبشية، لا يلزم الموكل ويلزم الوكيل لما ذكرنا. # ومثال الثاني إذا قال: له اشتر لي جارية بألف درهم، فاشترى جارية بأكثر ~~من الألف، تلزم الوكيل دون الموكل؛ لأنه خالف أمر الموكل، فيصير مشتريا ~~لنفسه. # ولو قال: اشتر لي جارية بألف درهم، أو بمائة دينار، فاشترى جارية بما سوى ~~الدراهم والدنانير، لا تلزم الموكل إجماعا؛ لأن الجنس مختلف، فيكون مخالفا ~~ولو قال: اشتر لي هذه الجارية بمائة دينار، فاشتراها بألف درهم، قيمتها ~~مائة دينار ذكر الكرخي أن المشهور من قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أنه لا ~~يلزم الموكل؛ لأن الدراهم والدنانير جنسان مختلفان حقيقة، فكان التقييد ~~بأحدهما مفيدا. # وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يلزم الموكل، كأنه اعتبرهما جنسا واحدا في ~~الوكالة كما اعتبرا جنسا واحدا في الشفعة، وهو أن الشفيع إذا أخبر أن الدار ~~بيعت بدنانير فسلم الشفعة، ثم ظهر أنها بيعت بدراهم وقيمتها مثل الدنانير، ms3372 ~~صح التسليم. # كذا ههنا فإن اشترى جارية بألف درهم، فإن كان مثلها يشترى بألف أو بأكثر ~~من ألف أو بأقل من ألف مقدار ما يتغابن الناس فيه فيلزم الموكل. # وإن كان النقصان مقدار ما لا يتغابن الناس فيه لزم الوكيل؛ لأن شراء ~~الوكيل معروف. # وإن اشترى جارية بثمانمائة درهم، ومثلها يشترى بألف، لزم الموكل؛ لأن ~~الخلاف إلى خير لا يكون خلافا معنى. # وكذا إذا وكله بأن يشتري له جارية بألف نسيئة، فاشترى جارية بألف حالة، ~~لزم الوكيل؛ لأنه خالف قيد الموكل. # ولو أمره أن يشتري بألف حالة فاشترى بألف نسيئة، لزم الموكل؛ لأنه وإن ~~خالف صورة فقد وافق معنى والعبرة للمعنى، لا للصورة. # ولو وكله أن يشتري ويشترط الخيار للموكل فاشترى بغير خيار، لزم الوكيل. # والأصل أن الوكيل بالشراء إذا خالف يكون مشتريا لنفسه، والوكيل بالبيع ~~إذا خالف يتوقف على إجازة الموكل، والفرق بينهما قد ذكرناه فيما تقدم أن ~~الوكيل بالشراء متهم؛ لأنه يملك الشراء لنفسه فأمكن تنفيذه عليه، حتى إنه ~~لو كان صبيا محجورا أو عبدا محجورا لا ينفذ عليه بل يتوقف على إجازة ~~الموكل؛ لأنهما لا يملكان الشراء لأنفسهما، فلا يمكن التنفيذ عليهما فتوقف، ~~وكذا إذا كان الوكيل مرتدا، أو كان وكيلا بشراء عبد بعينه، فاشترى نصفه ~~لعدم إمكان التنفيذ عليه، فاحتمل التوقف؛ ومعنى التهمة لا يتعذر من الوكيل ~~بالبيع فاحتمل التوقف على الإجازة. # ولو وكله بشراء عبد فاشتراه بعين من أعيان مال الموكل توقف على الإجازة؛ ~~لأنه لما اشتراه بعين من أعيان ماله، فقد باع العين، والبيع يقف على إجازة ~~الموكل هذا إذا كان التوكيل بالشراء مقيدا. # فأما إذا كان مطلقا فإنه يراعى فيه الإطلاق ما أمكن، إلا إذا قام دليل ~~التقييد من عرف أو غيره، فيتقيد به، وعلى هذا إذا وكل رجلا بشراء جارية ~~وسمى نوعها وثمنها حتى صحت الوكالة فاشترى جارية مقطوعة اليد والرجل من ~~خلاف، أو عوراء، لزم الموكل، وكذا إذا اشترى جارية مقطوعة اليدين أو ~~الرجلين أو عمياء عند أبي حنيفة، وعندهما يلزم ms3373 الوكيل (وجه) قولهما أن ~~الجارية تشترى للاستخدام عرفا وعادة # PageV06P029 # وغرض الاستخدام لا يحصل عند فوات جنس المنفعة، فيتقيد بالسلامة عن هذه ~~الصفة بدلالة العرف، ولهذا قلنا: لا يجوز تحريرها عن الكفارة وإن كان نص ~~التحرير مطلقا عن شرط السلامة لثبوتها دلالة كذا هذا. # (وجه) قول أبي حنيفة: أن اسم الجارية بإطلاقها يقع على هذه الجارية كما ~~يقع على سليمة الأطراف، فلا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل وقد وجد. # (وأما) في باب الكفارة فلأن الأمر تعلق بتحرير رقبة، والرقبة اسم لذات ~~مركب من هذه الأجزاء، فإذا فات ما يقوم به جنس من منافع الذات، انتقض الذات ~~فلا يتناوله مطلق اسم الرقبة فأما اسم الجارية فلا يدل على هذه الذات ~~باعتبار الأجزاء، فلا يقدح نقصانها في اسم الجارية، بخلاف اسم الرقبة حتى ~~إن التوكيل لو كان بشراء رقبة لا يجوز كما لا يجوز في الكفارة كذا قالوا. # ولو وكله أن يشتري له جارية وكالة صحيحة، ولم يسم ثمنا، فاشترى الوكيل ~~جارية، إن اشترى بمثل القيمة أو بأقل من القيمة أو بزيادة يتغابن في مثلها ~~جاز على الموكل، وإن اشترى بزيادة لا يتغابن الناس في مثلها يلزم الوكيل؛ ~~لأن الزيادة القليلة مما لا يمكن التحرز عنها فلو منعت النفاذ على الموكل ~~لضاق الأمر على الوكلاء ولامتنعوا عن قبول الوكالات وبالناس حاجة إليها، ~~فمست الحاجة إلى تحملها ولا ضرورة في الكثير لإمكان التحرز عنه، والفاصل ~~بين القليل والكثير إن كانت زيادة تدخل تحت تقويم المقومين فهي قليلة، وما ~~لا تدخل تحت تقويمهم فهي كثيرة؛ لأن ما يدخل تحت تقويم المقومين، لا يتحقق ~~كونه زيادة وما لا يدخل كانت زيادته متحققة، وقدر محمد الزيادة القليلة ~~التي يتغابن في مثلها في الجامع بنصف العشر فقال: إن كانت نصف العشر أو أقل ~~فهي مما يتغابن في مثلها، وإن كانت أكثر من نصف العشر فهي مما لا يتغابن في ~~مثلها، وقال الجصاص ما ذكره محمد، لم يخرج مخرج التقدير في الأشياء كلها؛ ~~لأن ذلك يختلف باختلاف السلع. # منها ms3374 ما يعد أقل من ذلك غبنا فيه، ومنها ما لا يعد أكثر من ذلك غبنا فيه، ~~وقدر نصر بن يحيى: القليل بالده ينم وفي الحيوان بالده يازده وفي العقار ~~بالده دوازده، والله - تعالى - أعلم. # الوكيل بشراء عبد بعينه إذا اشترى نصفه فالشراء موقوف إن اشترى باقيه قبل ~~الخصومة لزم الموكل عند أصحابنا الثلاثة؛ لأنه امتثل أمر الوكيل، وعند زفر ~~يلزم الوكيل ولو خاصم الموكل الوكيل إلى القاضي قبل أن يشتري الوكيل ~~الباقي، وألزم القاضي الوكيل ثم إن الوكيل اشترى الباقي بعد ذلك يلزم ~~الوكيل إجماعا؛ لأنه خالف. # وكذلك هذا في كل ما في تبعيضه ضرر وفي تشقيصه عيب، كالعبد والأمة والدابة ~~والثوب وما أشبه ذلك، وهذا بخلاف ما إذا وكله ببيع عبده، فباع نصفه أو جزءا ~~منه معلوما أنه يجوز عند أبي حنيفة سواء باع الباقي منه أو لا، والفرق له ~~على نحو ما ذكرنا في التوكيل بالبيع مطلقا. # ولو أعتقه بعد ما اشترى نصفه قبل أن يشتري الباقي قال أبو يوسف: إن أعتقه ~~الموكل جاز، وإن أعتقه الوكيل لم يجز، وقال محمد على القلب من ذلك. # (وجه) قول محمد: أن الوكيل قد خالف فيما وكل به فلم يكن مشتريا للموكل ~~فكيف ينفذ منه إعتاقه وهو في الظاهر مشتر لنفسه، فينفذ إعتاقه. # ولأبي يوسف أن إعتاق الموكل صادف عقدا موقوفا نفاذه على إجازته، فكان ~~الإعتاق إجازة منه، كما إذا صرح بالإجازة. # وإعتاق الوكيل لم يصادف عقدا موقوفا على إجازته؛ لأن الوكيل بشراء شيء ~~بعينه لا يملك الشراء لنفسه، فلم يحتمل التوقف على إجازته؛ فبطل. # وإن كان وكله بشراء شيء ليس في تبعيضه ضرر ولا في تشقيصه عيب فاشترى نصفه ~~يلزم الموكل، ولا يقف لزومه على شراء الباقي. # نحو إن وكله بشراء كر حنطة بمائة درهم، فاشترى نصف الكر بخمسين، وكذا لو ~~وكله بشراء عبدين بألف درهم، فاشترى أحدهما بخمسمائة، لزم الموكل إجماعا. # وكذا لو وكله بشراء جماعة من العبيد، فاشترى واحدا منها والله أعلم. # الوكيل بشراء عشرة أرطال لحم بدرهم ms3375 إذا اشترى عشرين رطلا بدرهم من لحم ~~يباع مثله عشرة أرطال بدرهم، لزم الموكل منه عشرة أرطال بنصف درهم عند أبي ~~حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف يلزمه العشرون بدرهم ولو اشترى عشرة أرطال ونصف ~~رطل بدرهم يلزم الموكل استحسانا. # (وجه) قول أبي يوسف: أن هذا خلاف صورة لا معنى لأنه خلاف إلى خير، وذا لا ~~يمنع النفاذ على الموكل. # كما إذا اشترى عشرة أرطال ونصفا بدرهم أنه يلزم الموكل كذا هذا. # (وجه) قولهما أن الوكيل يتصرف بحكم الآمر، فلا يتعدى تصرفه موضع الأمر، ~~وقد أمره بشراء عشرة أرطال فلا يلزمه الزيادة على ذلك. # بخلاف ما إذا اشترى عشرة أرطال ونصف رطل بدرهم؛ لأن الزيادة القليلة لا ~~تتحقق زيادة # PageV06P030 # لدخولها بين الوزنين. # ولو وكله بشراء عبد بمائة، فاشترى بها عبدين كل واحد منهما يساوي مائة ~~روي عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه لا يلزم الموكل واحد منهما. # وقال أبو حنيفة: إذا وكل رجلا بشراء عبدين بأعيانهما بألف درهم، وقيمتهما ~~سواء فاشترى أحدهما بستمائة درهم، لا يلزم الموكل إلا أن يشتري الثاني ~~ببقية الألف وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كانت الزيادة مما يتغابن الناس في ~~مثلها، يلزمه وهذا لا يتحقق خلافا والله - عز وجل - أعلم. # والوكيل بشراء شيء بعينه لا يملك أن يشتريه لنفسه، وإذا اشترى يقع الشراء ~~للموكل؛ لأن شراءه لنفسه عزل لنفسه عن الوكالة، وهو لا يملك ذلك إلا بمحضر ~~من الموكل، كما لا يملك الموكل عزله إلا بمحضر منه على ما نذكره في موضعه ~~إن شاء الله - تعالى -. # (وأما) الوكيل بشراء شيء بغير عينه إذا اشترى يكون مشتريا لنفسه، إلا أن ~~ينويه للموكل. # وجملة الكلام فيه: أنه إذا قال: اشتريته لنفسي، وصدقه الموكل، فالمشترى ~~له، وإذا قال الموكل: اشتريته لي وصدقه الوكيل، فالمشترى للموكل؛ لأن ~~الوكيل بشراء شيء بغير عينه يملك الشراء لنفسه، كما يملك للموكل، فاحتمل ~~شراؤه لنفسه، واحتمل شراؤه لموكله، فيحكم فيه التصديق، فيحمل على أحد ~~الوجهين بتصادقهما. # ولو اختلفا فقال الوكيل: اشتريته لنفسي، وقال الموكل: بل ms3376 اشتريته لي، ~~يحكم فيه الثمن، فإن أدى الوكيل الثمن من دراهم نفسه. # فالمشترى له، وإن أداه من دراهم موكله؛ فالمشترى لموكله؛ لأن الظاهر نقد ~~الثمن من مال من يشترى له، فكان الظاهر شاهدا للثمن، فكان صادقا في حكمه. # (وأما) إذا لم تحضره النية وقت الشراء، واتفقا عليه يحكم فيه الثمن أيضا ~~عند أبي يوسف. # وعند محمد يكون الشراء للوكيل. # (وجه) قول محمد أن الأصل أن يكون الإنسان متصرفا لنفسه لا لغيره، فكان ~~الظاهر شاهدا للوكيل فكان المشترى له. # (وجه) قول أبي يوسف: أن أمور المسلمين محمولة على الصلاح والسداد ما أمكن ~~وذلك في تحكيم الثمن على ما مر والله - تعالى - أعلم. # الوكيل بالشراء لا يملك الشراء من نفسه؛ لأن الحقوق في باب الشراء ترجع ~~إلى الوكيل، فيؤدي إلى الإحالة: وهو أن يكون الشخص الواحد في زمان واحد ~~مسلما ومتسلما مطالبا ومطالبا؛ ولأنه متهم في الشراء من نفسه. # ولو أمره الموكل بذلك لا يصح، لما ذكرنا وكذلك لو اشترى من ولده الصغير؛ ~~لأن ذلك شراء من نفسه. # وكذلك لو اشترى من عبده الذي لا دين عليه، أو مكاتبه. # وكذا الوكيل بالشراء لا يملك الشراء من أبيه، وجده، وولده، وولد ولده، ~~وزوجته، وكل من لا تقبل شهادته له عند أبي حنيفة. # وعندهما يجوز إذا اشترى بمثل القيمة، أو بأقل، أو بزيادة يتغابن في ~~مثلها. # وأجمعوا على أنه لا يملك الشراء من عبده الذي لا دين عليه، ومكاتبه، وقد ~~مرت المسألة بحججها من قبل. # ولو كانت الوكالة عامة، بأن قال له: اعمل ما شئت، أو قال له: بع من ~~هؤلاء، أو أجاز ما صنعه الوكيل، جاز؛ لأن المانع من الجواز التهمة وقد زالت ~~بالأمر والإجازة. # ولو دفع إليه دراهم، ووكله أن يشتري له بها طعاما، فهو على الحنطة ~~والدقيق لا على الفاكهة واللحم والخبز؛ لأن الطعام في الحقيقة وإن كان اسما ~~لما يطعم، لكنه ينصرف إلى الحنطة والدقيق بقرينة الشراء في العرف، ولهذا ~~سمي السوق الذي تباع فيه الحنطة والدقيق سوق الطعام دون ms3377 غيره، إلا إذا كان ~~المدفوع إليه قليلا، كالدراهم ونحوه، أو كان هناك وليمة فينصرف إلى الخبز، ~~وقيل: يحكم الثمن إن كان قليلا ينصرف إلى الخبز، وإن كان كثيرا ينصرف ~~إليهما. # ولو قال اشتر لي بدرهم لحما، ينصرف إلى اللحم الذي يباع في السوق، ويشتري ~~الناس منه في الأغلب من لحم الضأن والمعز والبقر والإبل إن جرت العادة ~~بشرائه. # ولا ينصرف إلى المشوي والمطبوخ، إلا إذا كان مسافرا ونزل خانا، ودفع إلى ~~إنسان درهما ليشتري به لحما ولا إلى لحم الطير والوحش والسمك ولا إلى شاة ~~حية ولا إلى مذبوحة غير مسلوخة؛ لانعدام جريان العادة باشترائه، وإن اشترى ~~مسلوخا جاز على الموكل؛ لأن المسلوخ يباع في الأسواق في العادة، ولا إلى ~~البطن والكرش والكبد والرأس والكراع؛ لأنها ليست بلحم، ولا يشترى مقصودا ~~أيضا بل تبعا للحم فلا ينصرف مطلق التوكيل إليه، بخلاف ما إذا حلف لا يأكل ~~لحما فأكل هذه الأشياء، أنه يحنث؛ لأن مبنى الأيمان على العرف ذكرا وتسمية، ~~ومبنى الوكالة على العرف عادة وفعلا ألا ترى أن حكم الحنث يلزم بأكل ~~القديد. # ولو اشترى الوكيل القديد لا يلزم الموكل؛ لانعدام العادة ببيع القديد في ~~الأسواق في الغالب. # ولا إلى شحم البطن والألية؛ لأنهما ليسا بلحم. # ولو وكله بشراء ألية لا يملك أن يشتري لحما؛ لأنهما مختلفان اسما ~~ومقصودا. # ولو وكله أن يشتري سمكا بدرهم فهو # PageV06P031 # على الطري الكبار دون المالح والصغار؛ لأن العادة شراء الطري الكبار منه ~~دون المالح ودون الصغار؛ ولو وكله بشراء الرأس فهو على النيء دون المطبوخ ~~والمشوي، وهو على رأس الغنم دون البقر، والإبل، إلا في موضع جرت العادة ~~بذلك، والمذكور من الخلاف في الجامع الصغير يرجع إلى اختلاف العصر والزمان ~~دون الحقيقة ودون رأس العصفور والسمك والجراد لانعدام العادة. # ولو وكله بشراء دهن، فله أن يشتري أي دهن شاء، وكذا إذا وكله بشراء فاكهة ~~له أن يشتري أي فاكهة تباع في السوق عادة؛ ولو وكله بشراء البيض فهو على ~~بيض الدجاج. # وإن كانت اليمين ms3378 المنعقدة عليه تقع على بيض الطيور كلها لما ذكرنا. # ولو وكله أن يشتري لبنا فهو على ما يباع في عادة البلد في السوق من الغنم ~~والبقر والإبل وكذا إذا وكله بشراء السمن فإن استويا فهو عليهما جميعا ~~بخلاف ما إذا حلف لا يذوق لبنا إن ذلك يقع على لبن الغنم والبقر والإبل لما ~~ذكرنا من العرف والله - تعالى - أعلم. # الوكيل بشراء الكبش لا يملك شراء النعجة حتى لو اشترى لا يلزم الموكل؛ ~~لأن الكبش اسم للذكر، والنعجة اسم للأنثى، وكذا لو وكله بشراء عناق، فاشترى ~~جديا، أو شراء فرس، أو برذون، فاشترى رمكة، لا يجوز على الموكل. # والبقر يقع على الذكر والأنثى، وكذا البقرة في رواية الجامع قال الله - ~~تعالى -: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} [البقرة: 67] قيل: إنها كانت ~~ذكرا وقال - سبحانه وتعالى -: {لا ذلول تثير الأرض} [البقرة: 71] وإثارة ~~الأرض عمل الثيران. # وذكر القدوري - رحمه الله - أنها تقع على الأنثى. # والصحيح رواية الجامع لما ذكرنا. # والدجاج يقع على الذكر والأنثى، والدجاجة على الأنثى، والبعير على الذكر، ~~والناقة على الأنثى، والبختي ضرب خاص من الإبل، والنجيبة ضرب معروف بسرعة ~~السير، وهي كالحمارة في عرف بلادنا، ولا يقع اسم البقر على الجاموس وإن كان ~~من جنس البقر حتى يتم به نصاب الزكاة لبعده عن أوهامهم لقلته فيهم والله - ~~تعالى - أعلم. # الوكيل بالشراء إذا أمر غيره، فاشترى إن فعله بحضرة الأول، أو بإجازته أو ~~بإجازة الموكل، جاز على الموكل، وإلا فلا إلا إذا كانت الوكالة عامة على ما ~~مر والله - عز وجل - أعلم. ### | [فصل في الوكيلان هل ينفرد أحدهما بالتصرف فيما وكلا به] # (فصل) : # الوكيلان هل ينفرد أحدهما بالتصرف فيما وكلا به؟ أما الوكيلان بالبيع فلا ~~يملك أحدهما التصرف بدون صاحبه. # ولو فعل لم يجز، حتى يجيز صاحبه أو الموكل؛ لأن البيع مما يحتاج فيه إلى ~~الرأي، والموكل إنما رضي برأيهما لا برأي أحدهما، واجتماعهما على ذلك ممكن ~~فلم يمتثل أمر الموكل فلا ينفذ عليه. # وكذا الوكيلان بالشراء، سواء كان الثمن مسمى، ms3379 أو لم يكن، وسواء كان ~~الوكيل الآخر غائبا أو حاضرا لما ذكرنا في البيع، إلا أن في الشراء إذا ~~اشترى أحدهما بدون صاحبه ينفذ على المشتري، ولا يقف على الإجازة، وفي البيع ~~يقف على الإجازة وقد مر الفرق. # وكذلك الوكيلان بالنكاح، والطلاق على مال، والعتق على مال والخلع، ~~والكتابة، وكل عقد فيه بدل هو مال؛ لأن كل ذلك مما يحتاج إلى الرأي، ولم ~~يرض برأي أحدهما بانفراده. # وكذا ما خرج مخرج التمليك بأن قال لرجلين: جعلت أمر امرأتي بيدكما، أو ~~قال لهما: طلقا امرأتي إن شئتما، لا ينفرد أحدهما بالتطليق؛ لأنه جعل أمر ~~اليد تمليكا ألا ترى أنه يقف على المجلس؟ والتمليكات هي التي تختص بالمجلس، ~~والتمليك على هذا الوجه مشروط بالمشيئة، كأنه قال: طلقا امرأتي إن شئتما ~~وهناك لا يملك أحدهما التطليق دون صاحبه؛ لأن المعلق بشرطين لا ينزل إلا ~~عند وجودهما فكذا هذا، وكذا الوكيلان بقبض الدين لا يملك أحدهما أن يقبض ~~دون صاحبه؛ لأن قبض الدين مما يحتاج إلى الرأي والأمانة، وقد فوض الرأي ~~إليهما جميعا لا إلى أحدهما ورضي بأمانتهما جميعا لا بأمانة أحدهما، فإن ~~قبض أحدهما لم يبرئه الغريم حتى يصل ما قبضه إلى صاحبه، فيقع في أيديهما ~~جميعا، أو يصل إلى الموكل؛ لأنه لما وصل المقبوض إلى صاحبه أو إلى الموكل ~~فقد حصل المقصود بالقبض فصار كأنهما قبضاه جميعا ابتداء. # (وأما) الوكيلان بالطلاق على غير مال، والعتق على غير مال والوكيلان ~~بتسليم الهبة ورد الوديعة وقضاء الدين، فينفرد أحدهما بالتصرف فيما وكلا ~~به؛ لأن هذه التصرفات مما لا تحتاج إلى الرأي، فكان إضافة التوكيل إليهما ~~تفويضا للتصرف إلى كل واحد منهما بانفراده. # (وأما) الوكيلان بالخصومة، فكل واحد منهما يتصرف بانفراده عند أصحابنا ~~الثلاثة، وعند زفر لا ينفرد. # (وجه) قوله أن الخصومة مما يحتاج، إلى الرأي، ولم يرض برأي أحدهما، فلا ~~يملكها أحدهما دون صاحبه. # (وجه) قول أصحابنا الثلاثة: أن الغرض من # PageV06P032 # الخصومة إعلام القاضي بما يملكه المخاصم، واستماعه واجتماع الوكيلين على ~~ذلك يخل بالإعلام ms3380 والاستماع؛ لأن ازدحام الكلام يخل بالفهم، فكان إضافة ~~التوكيل إليهما تفويضا للخصومة إلى كل واحد منهما، فأيهما خاصم كان تمثيلا، ~~إلا أنه لا يملك أحدهما القبض دون صاحبه وإن كان الوكيل بالخصومة يملك ~~القبض عندنا؛ لأن اجتماعهما على القبض ممكن فلا يكون راضيا بقبض أحدهما ~~بانفراده. # (وأما) المضاربان فلا يملك أحدهما التصرف بدون إذن صاحبه إجماعا. # وفي الوصيين خلاف بين أصحابنا نذكره في كتاب الوصية والله - تعالى - ~~أعلم. # الوكيل هل يملك الحقوق؟ جملة الكلام فيه: أن الموكل به نوعان: نوع لا ~~حقوق له، إلا ما أمر به الموكل، كالوكيل بتقاضي الدين، والتوكيل بالملازمة ~~ونحوه. # ونوع له حقوق كالبيع والشراء والنكاح والخلع ونحوه. # (أما) التوكيل بالبيع والشراء: فحقوقها ترجع إلى الوكيل، فيسلم المبيع، ~~ويقبضه ويقبض الثمن ويطالب به ويخاصم في العيب وقت الاستحقاق. # والأصل أن كل عقد لا يحتاج فيه إلى إضافته إلى الموكل ويكتفي فيه ~~بالإضافة إلى نفسه، فحقوقه راجعة إلى العاقد كالبياعات والأشربة. # والإجارات والصلح الذي هو في معنى البيع، فحقوق هذه العقود ترجع للوكيل ~~وعليه، ويكون الوكيل في هذه الحقوق كالمالك، والمالك كالأجنبي حتى لا يملك ~~الموكل مطالبة المشتري من الوكيل بالثمن ولو طالبه فأبى لا يجبر على تسليم ~~الثمن إليه. # ولو أمره الوكيل بقبض الثمن ملك المطالبة، وأيهما طالب المشتري بالثمن ~~يجبر على التسليم إليه. # ولو نهاه الوكيل عن قبض الثمن صح نهيه. # ولو نهى الموكل الوكيل عن قبض الثمن لا يعمل نهيه، غير أن المشتري إذا ~~نقد الثمن إلى الموكل يبرأ عن الثمن استحسانا، وكذا الوكيل هو المطالب ~~بتسليم المبيع إذا نقد المشتري الثمن ولا يطالب به الموكل. # وإذا استحق المبيع في يد المشتري يرجع بالثمن على الوكيل إن كان نقد ~~الثمن إليه، وإن كان نقده إلى الموكل يرجع بالثمن عليه، وكذا إذا وجد ~~المشتري بالمبيع عيبا، له أن يخاصم الوكيل، وإذا أثبت العيب عليه ورده عليه ~~بقضاء القاضي أخذ الثمن من الوكيل إن كان نقده الثمن، وإن كان نقده إلى ~~الموكل أخذه منه. # وكذا الوكيل ms3381 بالشراء هو المطالب بالثمن دون الموكل، وهو الذي يقبض المبيع ~~دون الموكل. # وإذا استحق المبيع في يده فهو الذي يتولى الرجوع بالثمن على بائعه دون ~~الموكل. # ولو وجد بالمبيع عيبا إن كان المبيع في يده، ولم يسلمه إلى الموكل بعد ~~فله أن يرده على بائعه بالعيب، وإن كان قد سلمه إلى موكله ليس له أن يرده ~~عليه إلا برضا موكله. # وكذلك هذا في الإجارة، والاستئجار وأخواتهما، وكل عقد يحتاج فيه إلى ~~إضافته إلى الموكل فحقوقه ترجع إلى الموكل كالنكاح والطلاق على مال، ~~والعتاق على مال والخلع والصلح عن دم العمد، والكتابة والصلح عن إنكار ~~المدعى عليه ونحوه، فحقوق هذه العقود تكون للموكل عليه، والوكيل فيها يكون ~~سفيرا ومعبرا محضا. # حتى إن وكيل الزوج في النكاح لا يطالب بالمهر، وإنما يطالب به الزوج إلا ~~إذا ضمن المهر، فحينئذ يطالب به لكن بحكم الضمان، ووكيل المرأة في النكاح ~~لا يملك قبض المهر. # وكذا الوكيل بالكتابة والخلع لا يملك قبض بدل الكتابة والخلع إن كان وكيل ~~الزوج، وإن كان وكيل المرأة لا يطالب ببدل الخلع، إلا بالضمان. # وكذا الوكيل بالصلح عن دم العمد وهذا الذي ذكرنا أن حقوق العقد في البيع، ~~والشراء وأخواتهما ترجع إلى الوكيل مذهب علمائنا، وقال الشافعي - رحمه الله ~~-: لا يرجع شيء من الحقوق إلى الوكيل، وإنما يرجع إلى الموكل. # (وجه) قوله أن الوكيل متصرف بطريق النيابة عن الموكل، وتصرف النائب تصرف ~~المنوب عنه ألا ترى أن حكم تصرفه يقع للموكل؟ فكذا حقوقه؛ لأن الحقوق تابعة ~~للحكم، والحكم هو المتبوع فإذا كان الأصل له فكذا التابع. # (ولنا) : أن الوكيل هو العاقد حقيقة، فكانت حقوق العقد راجعة إليه، كما ~~إذا تولى الموكل بنفسه، ولا شك أن الوكيل هو العاقد حقيقة؛ لأن عقده كلامه ~~القائم بذاته حقيقة ويستحيل أن يكون الإنسان فاعلا بفعل الغير حقيقة، وهذه ~~حقيقة مقررة بالشريعة قال الله - عز وجل -: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ~~[النجم: 39] وقال الله - عز شأنه -: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} ~~[البقرة: 286] وكان ms3382 ينبغي أن يكون أصل الحكم له أيضا؛ لأن السبب وجد منه ~~حقيقة وشرعا، إلا أن الشرع أثبت أصل الحكم للموكل؛ لأن الوكيل إنما فعله له ~~بأمره وإنابته، وفعل المأمور مضاف إلى الآمر، فتعارض الشبهان، فوجب ~~اعتبارهما بقدر الإمكان، فعملنا بشبه الآمر. # والإنابة بإيجاب أصل الحكم للموكل ونسبة الحقيقة المقررة بالشريعة # PageV06P033 # بإثبات توابع الحكم للوكيل توفيرا على الشبهين حظهما من الحكم، ولا يمكن ~~الحكم بالعكس، وهو إثبات أصل الحكم للوكيل، وإثبات التوابع للموكل؛ لأن ~~الأصل في نفاذ تصرف الوكيل هو الولاية؛ لأنها علة نفاذه إذ لا ملك له. # والموكل أصل في الولاية، والوكيل تابع له؛ لأنه لا يتصرف بولاية نفسه ~~لعدم الملك بل بولاية مستفادة من قبل الموكل، فكان إثبات أصل الحكم للموكل، ~~وإثبات التوابع للوكيل وضع الشيء في موضعه وهو حد الحكمة، وعكسه وضع الشيء ~~في غير موضعه، وهو حد السفه بخلاف النكاح وأخواته؛ لأن الوكيل هناك ليس ~~بنائب عن الموكل بل هو سفير ومعبر بمنزلة الرسول، ألا ترى أنه لا يضيف ~~العقد إلى نفسه، بل إلى موكله؟ فانعدمت النيابة، فبقي سفيرا محضا فاعتبر ~~العقد موجودا من الموكل من كل وجه، فترجع الحقوق إليه، ثم نقول: إنما تلزمه ~~العهدة، وترجع الحقوق إليه إذا كان من أهل العهدة، (فأما) إذا لم يكن بأن ~~كان صبيا محجورا ينفذ بيعه وشراؤه، وتكون العهدة على الموكل لا عليه؛ لأن ~~ذلك من باب التبرع؛ والصبي ليس من أهل التبرع، لكونه من التصرفات الضارة ~~المحضة، فيقع محضا لحصول التجربة والممارسة له في التصرفات، ولا خيار ~~للمشتري من الوكيل المحجور سواء علم أنه محجور أو لم يعلم في ظاهر الرواية، ~~وعن أبي يوسف أنه إن كان عالما فلا خيار له، فأما إذا كان جاهلا فله ~~الخيار، إن شاء فسخ العقد، وإن شاء أمضاه. # (وجه) قوله أن الرضا شرط جواز التجارة، وقد اختل الرضا؛ لأنه لما أقدم ~~على العقد، على أن تكون العهدة على العاقد، فإذا تبين أنها ليست عليه اختل ~~رضاه، فثبت له الخيار، كما إذا ظهر ms3383 به عيب (وجه) ظاهر الرواية: أن الجهل ~~بالحجر ليس بعذر؛ لأنه يمكنه الوصول إليه، خصوصا في حق الصبي؛ لأن الأصل ~~فيه هو الحجر، والإذن يعارض الرشد، فكان سبب الوصول إلى العلم قائما، ~~فالجهل به لتقصير من جهته فلا يعذر ويعتبر عالما. # ولو علم بالحجر حقيقة لما ثبت له الخيار كذا هذا والله - تعالى - أعلم. # الوكيل بالهبة والصدقة والإعارة والإيداع والرهن والقرض إذا فعل ما أمر ~~به وقبض لا يملك المطالبة برد شيء من ذلك إلى يده ولا أن يقبض الوديعة ~~والعارية والرهن ولا القرض ممن عليه؛ لأن الحكم في هذه العقود يقف على ~~القبض، ولا صنع للوكيل في القبض، بل هو صنع القابض في محل مملوك للمولى، ~~فكانت حقوق العقد راجعة إليه، وكان الوكيل سفيرا عنه بمنزلة الرسول. # بخلاف الوكيل بالبيع وأخواته؛ لأن الحكم فيها للعقد لا للقبض، وهو العاقد ~~حقيقة وشرعا على ما قررنا فكانت الحقوق عائدة إليه وكذا في التوكيل ~~بالاستعارة، والارتهان والاستيهاب، الحكم والحقوق ترجع إلى الموكل. # وكذا في التوكيل بالشركة، والمضاربة لما قلنا. # وللوكيل أن يوكل غيره في الحقوق؛ لأنه أصل في الحقوق، والمالك أجنبي عنها ~~فملك توكيل غيره فيها (ومنها) : أن المقبوض في يد الوكيل بجهة التوكيل ~~بالبيع والشراء وقبض الدين والعين وقضاء الدين - أمانة بمنزلة الوديعة، لأن ~~يده يد نيابة عن الموكل بمنزلة يد المودع، فيضمن بما يضمن في الودائع، ~~ويبرأ بما يبرأ فيها، ويكون القول قوله في دفع الضمان عن نفسه. # ولو دفع إليه مالا وقال: اقضه فلانا عن ديني فقال الوكيل: قد قضيت صاحب ~~الدين، فادفعه إلي وكذبه، صاحب الدين، فالقول قول الوكيل في براءة نفسه عن ~~الضمان، والقول قول الطالب في أنه لم يقبضه حتى لا يسقط دينه عن الموكل؛ ~~لأن الوكيل أمين فيصدق في دفع الضمان عن نفسه، ولا يصدق على الغريم في ~~إبطال حقه، وتجب اليمين على أحدهما لا عليهما؛ لأنه لا بد للموكل من تصديق ~~أحدهما، وتكذيب الآخر، فيحلف المكذب منهما دون المصدق. # فإن صدق الوكيل في الدفع، ms3384 يحلف الطالب بالله عز وجل ما قبضه، فإن حلف لم ~~يظهر قبضه، ولم يسقط دينه، وإن نكل ظهر قبضه وسقط دينه عن الموكل، وإن صدق ~~الطالب أنه لم يقبضه، وكذب الوكيل، يحلف بالله - تعالى - لقد دفعه إليه فإن ~~حلف برئ، وإن نكل لزمه ما دفع إليه، وكذلك لو أودع ماله رجلا، وأمره أن ~~يدفع الوديعة إلى فلان، فقال المودع: دفعت، وكذبه فلان فهو على التفصيل ~~الذي ذكرنا. # ولو دفع المودع الوديعة إلى رجل، وادعى أنه قد دفعها إليه بأمر صاحب ~~الوديعة، وأنكر صاحب الوديعة الأمر، فالقول قوله مع يمينه أنه لم يأمره ~~بذلك؛ لأن المودع يدعي عليه الأمر، وهو ينكر والقول قول المنكر مع يمينه. # ولو كان المال مضمونا على رجل كالمغصوب في يد الغاصب أو الدين على ~~الغريم، فأمر الطالب، أو المغصوب منه أن يدفعه إلى فلان، فقال المأمور: قد ~~دفعت إليه، وقال فلان: ما قبضت فالقول قول # PageV06P034 # فلان أنه لم يقبض. # ولا يصدق الوكيل على الدفع إلا ببينة أو بتصديق الموكل؛ لأن الضمان قد ~~وجب عليه، وهو يدعي الدفع إلى فلان يريد إبراء نفسه عن الضمان الواجب، فلا ~~يصدق إلا ببينة أو بتصديق الموكل. # فإن صدقه الموكل يبرأ أيضا؛ لأنه إذا صدقه فقد أبرأه عن الضمان، ولكنهما ~~لا يصدقان على القابض، ويكون القول قوله، أنه لم يقبضه مع يمينه؛ لأن ~~قولهما حجة في حق أنفسهما لا في إبطال حق الغير مع يمين الطالب؛ لأنه منكر ~~للقبض، والقول قول المنكر مع يمينه. # ولو كذبه الموكل في الدفع، وطلب الوكيل يمينه؛ فإنه يحلف على العلم بالله ~~- تعالى - ما يعلم أنه دفع، فإن حلف أخذ منه الضمان، وإن نكل سقط الضمان ~~عنه. # ولو أن الوكيل المدفوع إليه المال قضى الدين من مال نفسه، وأمسك ما دفع ~~إليه الموكل، جاز؛ لأنه لو لم يدفع إليه الدراهم أصلا وقضى الوكيل من مال ~~نفسه جاز على الموكل؛ لأن الوكيل بقضاء الدين في الحقيقة وكيل بشراء الدين ~~من الطالب، والوكيل بالشراء إذا نقد الثمن من ms3385 مال نفسه جاز فهذا أولى. # ولو لم يدفع إليه شيئا، ولكنه أمره بقضاء دينه فقال الوكيل قضيته، وكذبه ~~الطالب والموكل، فأقام الوكيل البينة أنه قد قضى صاحب الدين قبلت بينته، ~~وبرئ الموكل من الدين ويرجع الوكيل على الموكل بما قضى عنه؛ لأن الثابت ~~بالبينة كالثابت حسا، ومشاهدة، وقد ثبت قضاء الدين بالبينة فله أن يرجع ولو ~~لم تكن له بينة، وكذبه الطالب والموكل، فالقول قولهما مع اليمين؛ لأن ~~الوكيل بدعوى القبض يريد إيجاب الضمان على الطالب؛ لأنه يريد إسقاط الدين ~~عن الموكل، وذلك بطريق المقاصة: وهو أن يصير المقبوض مضمونا على القابض ~~الطالب دينا عليه، وله على الموكل دين مثله، فيلتقيان قصاصا، والطالب منكر. # وكذا الموكل منكر لوجوب الضمان عليه فكان القول قولهما مع اليمين. # أو يقال: إن الوكيل بقوله: قضيت يدعي على الطالب بيع دينه من الغريم، ~~وعلى المشتري الشراء منه وهما منكران فكان القول قولهما مع اليمين، ويحلف ~~الموكل على العلم؛ لأنه يحلف على فعل غيره، وهو قبض الطالب، وإن صدقه ~~الموكل في القضاء، وكذبه الطالب، يصدق على الموكل دون الطالب، حتى يرجع على ~~الموكل بما قضى، ويغرم ألفا أخرى للطالب؛ لأن الموكل صدقه في دعوى القضاء ~~عنه بأمره، وهو مصدق على نفسه في تصديقه فثبت القضاء في حقه، فكان القول ~~قوله مع يمينه هكذا ذكر القدوري - رحمه الله - وذكر في الجامع: أن الوكيل ~~لا يرجع على الموكل وإن صدقه الموكل؛ لأن حق الرجوع يعتمد وجود القضاء، ولم ~~يوجد؛ لأن الطالب منكر؛ إلا أنا نقول: إنكار الطالب يمنع وجود القضاء في ~~حقه؛ لأنه منكر ما لا يمنع وجوده في حق الموكل؛ لأنه مقر. # وإقرار كل مقر حجة في حقه، فكان الأول أشبه. # ولو دفع إلى إنسان مالا ليقضي دينه فقضاه الموكل بنفسه، ثم قضاه الوكيل ~~فإن كان الوكيل لم يعلم بما فعله الموكل فلا ضمان على الوكيل، ويرجع الموكل ~~على الطالب بما قبض من الوكيل. # وإن علم بأن الموكل قد قضاه بنفسه فهو ضامن؛ لأن الموكل لما قضاه ms3386 بنفسه، ~~فقد عزل الوكيل إلا أن عزل الوكيل لا يصح إلا بعد علمه به. # فإذا علم بفعل الموكل فقد علم بالعزل فصار متعديا في الدفع فيلزمه ~~الضمان. # وإذا لم يعلم فلم يوجد منه التعدي، فلا ضمان عليه وليس هذا كالوكيل بدفع ~~الزكاة إذا أدى الموكل بنفسه، ثم أدى الوكيل أنه يضمن الوكيل علم بأداء ~~الموكل أو لم يعلم عند أبي حنيفة - رحمه الله - لأن الوكيل بأداء الزكاة، ~~مأمور بأداء الزكاة وأداء الزكاة هو إسقاط الفرض بتمليك المال من الفقير، ~~ولم يوجد ذلك من الوكيل لحصوله من الموكل فبقي الدفع من الوكيل تعديا محضا، ~~فكان مضمونا عليه. # فأما قضاء الدين فعبارة عن أداء مال مضمون على القابض على ما ذكرنا. # والمدفوع إلى الطالب مقبوض عنه والمقبوض بجهة الضمان مضمون كالمقبوض على ~~سوم الشراء، لكونه مقبوضا بجهة القضاء، والمقبوض بجهة القضاء مضمون على ~~القابض. # ويقال: إن قضاء الدين عبارة عن نوع معاوضة، وهو نوع شراء الدين بالمال. # والمقبوض من الوكيل مقبوض بجهة الشراء، والمقبوض بجهة الشراء مضمون على ~~المشتري. # بخلاف ما إذا دفعه على علمه بدفع الموكل؛ لأن هناك لم يوجد القبض بجهة ~~الضمان، لانعدام القبض بجهة القضاء، فبقي تعديا، فيجب عليه ضمان التعدي. # والقول قول الوكيل في أنه لم يعلم بدفع الموكل؛ لأن القول قول الأمين في ~~دفع الضمان عن نفسه لكن مع اليمين. # وعلى هذا إذا مات الموكل ولم يعلم الوكيل بموته حتى قضى الدين، لا ضمان ~~عليه. # وإذا كان عالما بموته، ضمن لما قلنا - والله عز وجل - أعلم. # الوكيل ببيع العبد إذا قال: بعت # PageV06P035 # وقبضت الثمن وهلك هذا على وجهين. # (أما) إن كان الموكل سلم العبد إلى الوكيل. # أو كان لم يسلم إليه. # فإن لم يكن سلم العبد إليه فقال الوكيل: بعته من هذا الرجل وقبضت منه ~~الثمن وهلك الثمن في يدي. # أو قال دفعته إلى الموكل. # فهذا لا يخلو إما: أن صدقه في ذلك أو كذبه. # فإن كذبه بالبيع أو صدقه بالبيع وكذبه في قبض الثمن أو صدقه ms3387 فيهما وكذبه ~~في الهلاك، فإن صدقه في ذلك كله يهلك الثمن من مال الموكل ولا شيء على ~~الوكيل؛ لأنه يهلك أمانة في يده. # وإن كذبه في ذلك كله: بأن كذبه بالبيع، أو صدقه بالبيع وكذبه في قبض ~~الثمن، فإن الوكيل يصدق في البيع، ولا يصدق في قبض الثمن في حق الموكل؛ لأن ~~إقرار الوكيل في حق نفسه جائز عليه. # والمشتري بالخيار، إن شاء نقد الثمن ثانيا إلى الموكل، وأخذ منه المبيع، ~~وإن شاء فسخ البيع، وله أن يرجع في الحالين جميعا على الوكيل بما نقده. # كذا. # ولو أقر الوكيل بالبيع، وزعم أن الموكل قبض من المشتري الثمن، وأنكر ~~الموكل ذلك فإن الوكيل يصدق في البيع، ولا يصدق في إقراره على الموكل ~~بالقبض، لما ذكرنا. # ويجبر المشتري على ما ذكرنا. # إلا أن هناك لا يرجع على الوكيل بشيء؛ لأنه لم يوجد منه الإقرار بقبض ~~الثمن. # وإن صدقه الموكل في البيع وقبض الثمن وكذبه في الهلاك أو الدفع إليه ~~فالقول قول الوكيل في دعوى الهلاك، أو الدفع إليه مع يمينه؛ لأنه أمين. # ويجبر الموكل على تسليم العبد إلى المشتري؛ لأنه ثبت البيع وقبض الثمن ~~بتصديقه إياه. # ولا يؤمر المشتري بنقد الثمن ثانيا إلى الموكل؛ لأنه ثبت وصول الثمن إلى ~~يد وكيله بتصديقه، ووصول الثمن إلى يد وكيله كوصوله إلى يده. # هذا إذا لم يكن العبد مسلما إلى الوكيل. # فأما إذا كان مسلما إليه فقال الوكيل: بعته من هذا الرجل وقبضت منه الثمن ~~فهلك عندي أو قال: دفعته إلى الموكل، أو قال: قبض الموكل الثمن من المشتري، ~~فإن الوكيل يصدق في ذلك كله ويسلم العبد إلى المشتري، ويبرأ المشتري من ~~الثمن، ولا يمين عليه. # (أما) إذا صدقه الموكل في ذلك كله: فلا يشكل. # وكذا إذا كذبه في البيع أو صدقه فيه وكذبه في قبض الثمن؛ لأن الوكيل أقر ~~ببراءة المشتري عن الثمن، فلا يحلف. # ويحلف الوكيل. # فإن حلف على ما يدعيه برئ من الثمن. # وإن نكل عن اليمين لزمه ضمان الثمن للموكل. # فإن ms3388 استحق العبد بعد ذلك من يد المشتري - فإنه يرجع بالثمن على الوكيل. # إذا أقر بقبض الثمن منه. # والوكيل لا يرجع على الموكل بما ضمن من الثمن للمشتري؛ لأن الموكل لم ~~يصدقه على قبض الثمن فإقرار الوكيل في حقه جائز ولا يجوز في حقه الرجوع على ~~الموكل وله أن يحلف الموكل على العلم بقبض الوكيل. # فإن نكل رجع عليه بما ضمن. # ولو أقر الموكل بقبض الوكيل الثمن لكنه كذبه في الهلاك أو الدفع إليه، ~~فإن الوكيل يرجع بما ضمن عليه؛ لأن يد وكيله كيده. # ولو كان الوكيل لم يقر بقبض الثمن بنفسه، ولكنه أقر أن الموكل قبضه من ~~المشتري لا يرجع المشتري على الوكيل؛ لأنه لم يقبض منه الثمن، ولا يرجع على ~~الموكل أيضا؛ لأن إقرارهما على الموكل لا يجوز. # ولو لم يستحق المبيع، ولكنه وجد به عيبا، كان له أن يخاصم الوكيل، فإذا ~~رد عليه بقضاء القاضي، رجع عليه بالثمن إن أقر بقبض الثمن منه، وللوكيل أن ~~يرجع على الموكل بما ضمن، إذا أقر الموكل بقبض الوكيل الثمن، ويكون المبيع ~~للموكل. # وإن لم يقر الموكل بقبض الوكيل الثمن، لا يرجع الوكيل بما ضمن على ~~الموكل. # وله أن يحلف الموكل على العلم بقبضه. # فإن نكل رجع عليه، وإن حلف لا يرجع، ولكنه يبيع العبد فيستوفي ما ضمن من ~~ثمن العبد فإن كان فيه فضل رده على الموكل، وإن كان فيه نقصان فلا يرجع ~~بالنقصان على أحد ولو كان الوكيل لم يقر بقبض الثمن بنفسه، ولكنه أقر بقبض ~~الموكل، لا يرجع المشتري بالثمن على الوكيل؛ لأنه لم يدفعه إليه ولا يرجع ~~على الموكل أيضا لأنهما لا يصدقان عليه بالقبض وعلى الموكل اليمين على ~~البتات فإن نكل رجع عليه والمبيع له. # وإن حلف لا يرجع عليه بشيء ولكن المبيع يباع عليه. # وذكر الطحاوي في الفصل الأول: أن الوكيل يبيعه في قولهما. # وفي قول أبي حنيفة - رحمه الله -: لا يبيعه وجعل هذا كبيع مال المديون ~~المفلس. # ولكن الوكيل لو باعه يجوز بيعه؛ لأنه لما ms3389 رد عليه فسخا، عادت الوكالة. # فإذا بيع العبد يستوفي المشتري الثمن منه إن أقر الوكيل بقبض الموكل ولم ~~يقر بقبض نفسه، وإن أقر بقبض الثمن وضمن المشتري، يأخذ من الثمن مقدار ما ~~غرم فإن كان فيه فضل رده على الموكل، وإن كان فيه نقصان لا يرجع على أحد. # (ومنها) : أن الوكيل بقضاء الدين إذا لم يدفع الموكل إليه مالا ليقضي ~~دينه منه فقضاه من # PageV06P036 # مال نفسه، يرجع بما قضى على الموكل؛ لأن الآمر بقضاء الدين من مال غيره ~~استقراض منه، والمقرض يرجع على المستقرض بما أقرضه. # وكذلك الوكيل بالشراء من غير دفع الثمن إلى الوكيل توكيل بقضاء الدين وهو ~~الثمن والوكيل بقضاء الدين: إذا قضى من مال نفسه، يرجع على الموكل. # فكذا الوكيل بالشراء، وله أن يحبس المبيع؛ لاستيفاء الثمن من الموكل عند ~~أصحابنا الثلاثة، وعند زفر: ليس له حبسه. # (وجه) قوله أن المبيع أمانة في يد الوكيل، ألا ترى أنه لو هلك في يده ~~فالهلاك على الموكل حتى لا يسقط الثمن عنه وليس للأمين حبس الأمانة بعد طلب ~~أهلها، قال الله - تعالى -: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} ~~[النساء: 58] فصار كالوديعة. # (ولنا) أنه عاقد وجب الثمن له على من وقع له حكم البيع - ضمانا للمبيع، ~~فكان له حق حبس المبيع؛ لاستيفاء الثمن، كالبائع مع المشتري - وإذا طلب منه ~~الموكل، فحبسه حتى هلك كان مضمونا عليه بلا خلاف بين أصحابنا. # لكنهم اختلفوا في كيفية الضمان، قال أبو حنيفة ومحمد: يكون مضمونا ضمان ~~البيع. # وقال أبو يوسف: يكون مضمونا ضمان الرهن. # وقال زفر: يكون مضمونا ضمان الغصب. # (وجه) قول زفر ما ذكرنا أن المبيع أمانة في يده، والأمين لا يملك حبس ~~الأمانة عن صاحبها، فإذا حبسها فقد صار غاصبا، والمغصوب مضمون بقدره من ~~المثل أو بالقيمة بالغا ما بلغ. # (وجه) قول أبي يوسف أن هذه عين محبوسة بدين يسقط بهلاكها فكانت مضمونة ~~بالأقل من قيمتها ومن الدين كالرهن. # (وجه) قولهما أن هذه عين محبوسة بدين هو ثمن، فكانت مضمونة ms3390 ضمان البيع، ~~كالمبيع في يد البائع، وكذلك الوكيل بالبيع؛ إذا باع، وسلم، وقبض الثمن، ثم ~~استحق المبيع في يد المشتري؛ فإنه يرجع بالثمن على الوكيل؛ فيأخذ عينه إن ~~كان قائما، ومثله أو قيمته إن كان هالكا، والله - عز وجل - أعلم. ### | [فصل في بيان ما يخرج به الوكيل عن الوكالة] # (فصل) : # وأما بيان ما يخرج به الوكيل عن الوكالة: فنقول - وبالله التوفيق -: ~~الوكيل يخرج عن الوكالة بأشياء (منها) : عزل الموكل إياه ونهيه؛ لأن ~~الوكالة عقد غير لازم، فكان محتملا للفسخ بالعزل والنهي ولصحة العزل شرطان: ~~أحدهما علم الوكيل به؛ لأن العزل فسخ للعقد، فلا يلزم حكمه إلا بعد العلم ~~به، كالفسخ فإذا عزله وهو حاضر انعزل، - وكذا لو كان غائبا فكتب إليه كتاب ~~العزل، فبلغه الكتاب، وعلم بما فيه، انعزل؛ لأن الكتاب من الغائب كالخطاب ~~من الحاضر؛ وكذلك لو أرسل إليه رسولا، فبلغ الرسالة. # وقال: إن فلانا أرسلني إليك، ويقول: إني عزلتك عن الوكالة، فإنه ينعزل ~~كائنا ما كان الرسول عدلا كان أو غير عدل، حرا كان أو عبدا، صغيرا كان أو ~~كبيرا، بعد أن بلغ الرسالة على الوجه الذي ذكرنا؛ لأن الرسول قائم مقام ~~المرسل معبر وسفير عنه فتصح سفارته بعد أن صحت عبارته على أي صفة كان. # وإن لم يكتب كتابا، ولا أرسل رسولا، ولكن أخبره بالعزل رجلان عدلان كانا ~~أو غير عدلين أو رجل واحد عدل، ينعزل في قولهم جميعا، سواء صدقه الوكيل أو ~~لم يصدقه إذا ظهر صدق الخبر؛ لأن خبر الواحد مقبول في المعاملات. # فإن لم يكن عدلا فخبر العدلين أو العدل أولى، وإن أخبره واحد غير عدل: ~~فإن صدقه ينعزل بالإجماع، وإن كذبه لا ينعزل وإن ظهر صدق الخبر في قول أبي ~~حنيفة. # وعندهما ينعزل إذا ظهر صدق الخبر وإن كذبه. # (وجه) قولهما أن الإخبار عن العزل من باب المعاملات، فلا يشترط فيه ~~العدد، ولا العدالة كما في الإخبار في سائر المعاملات. # (وجه) قول أبي حنيفة أن الإخبار عن العزل له شبه الشهادة؛ لأن فيه ms3391 التزام ~~حكم المخبر به وهو العزل، وهو لزوم الامتناع من التصرف، ولزوم العهدة فيما ~~يتصرف فيه بعد العزل، فأشبه الشهادة؛ فيجب اعتبار أحد شروطها وهو العدالة ~~أو العدد - وعلى هذا الاختلاف: الشفيع إذا أخبره بالبيع واحد غير عدل فلم ~~يصدقه، ولم يطلب الشفعة حتى ظهر عنده صدق الخبر فهو على شفعته عند أبي ~~حنيفة # وعندهما بطلت شفعته، وعلى هذا الاختلاف إذا جنى العبد جناية في بني آدم، ~~ثم أخبر واحد غير عدل مولاه أن عبده قد جنى، فلم يصدقه حتى أعتقه، لا يصير ~~المولى مختارا للفداء عند أبي حنيفة وعندهما: يصير مختارا للفداء. # وعلى هذا الاختلاف: العبد المأذون إذا بلغه حجر المولى من غير عدل، فلم ~~يصدقه لا يصير محجورا عنده، وعندهما: يصير محجورا. # وإن عزله الموكل، وأشهد على عزله، وهو غائب، ولم يخبره بالعزل أحد، لا ~~ينعزل، ويكون تصرفه قبل العلم بعد العزل كتصرفه قبل العزل في جميع الأحكام ~~التي بيناها. # وعن أبي يوسف: في الموكل: إذا عزل الوكيل ولم يعلم به، فباع الوكيل وقبض ~~الثمن فهلك الثمن في يد الوكيل ومات # PageV06P037 # العبد قبل التسليم إلى المشتري، كان للمشتري أن يرجع بالثمن على الوكيل، ~~ويرجع الوكيل على الموكل كما قبل العزل سواء؛ لأن العزل لم يصح لانعدام شرط ~~صحته، وهو العلم. # والثاني - أن لا يتعلق بالوكالة حق الغير، فأما إذا تعلق بها حق الغير ~~فلا يصح العزل بغير رضا صاحب الحق؛ لأن في العزل إبطال حقه من غير رضاه ولا ~~سبيل إليه، وهو كمن رهن ماله عند رجل بدين له عليه أو وضعه على يدي عدل، ~~وجعل المرتهن أو العدل مسلطا على بيعه، وقبض ثمنه عند حل الأجل، فعزل ~~الراهن المسلط على البيع، لا يصح به عزله لما ذكرنا. # وكذلك إذا وكل المدعى عليه وكيلا بالخصومة مع المدعي بالتماس المدعي، ~~فعزله المدعى عليه بغير حضرة المدعي، لا ينعزل لما ذكرنا. # واختلف المشايخ فيمن وكل رجلا بطلاق امرأته إن غاب ثم عزله الزوج من غير ~~حضرة المرأة ثم غاب قال ms3392 بعضهم: لا يصح عزله؛ لأنه تعلق بهذه الوكالة حق ~~المرأة فأشبه الوكيل بالخصومة. # وقال بعضهم: يصح عزله؛ لأنه غير مجبور على الطلاق ولا على التوكيل به ~~وإنما فعله باختياره، فيملك عزله كما في سائر الوكالات. # ولو وكل وكالة غير جائز الرجوع، يعني بالفارسية وكيلي دماركست، هل يملك ~~عزله؟ اختلف المشايخ. # قال بعضهم: إن كان ذلك في الطلاق، والعتاق لا يملك؛ لأنه لما وكله وكالة ~~ثابتة غير جائز الرجوع عنها، فقد ألحق حكم هذا التوكيل بالأمر، ثم لو جعل ~~أمر امرأته إلى رجل يطلقها متى شاء، أو أمر عبده إلى رجل يعتقه متى شاء لا ~~يملك الرجوع عنه، وكذا إذا قال لرجل: طلق امرأتي - إن شئت أو أعتق عبدي إن ~~شئت - لا يملك عزله، كذا هذا، وإن كان في البيع والشراء والإجارة والنكاح ~~ونحوه يملك عزله، وقال بعضهم: إنه يملك العزل في الكل؛ لأن الوكالة ليست ~~بلازمة، بل هي إباحة، وللمبيح حق المنع عن المباح. # ولو قال وقت التوكيل: كلما عزلتك فأنت وكيلي وكالة مستقبلة فعزله ينعزل، ~~ولكنه يصير وكيلا ثانيا وكالة مستقبلة كما شرط؛ لأن تعليق الوكالة بالشرط ~~جائز. # ولو قال الموكل للوكيل: كنت وكلتك وقلت لك: كلما عزلتك فأنت وكيلي فيه ~~وقد عزلتك عن ذلك كله لا يصير وكيلا بعد ذلك إلا بتوكيل جديد؛ لأن من علق ~~التوكيل بشرط ثم عزله عن الوكالة قبل وجود الشرط ينعزل الوكيل، ولا يصير ~~وكيلا بعد ذلك بوجود الشرط. # وقال بعضهم في التوكيل المعلق: لا يملك العزل قبل وجود الشرط، ويكون ~~الوكيل على وكالته بعد العزل وكالة مستقبلة، والأول أصح؛ لأنه لما ملك ~~العزل في المرسل ففي المعلق أولى. # (ومنها) موت الموكل؛ لأن التوكيل بأمر الموكل وقد بطلت أهلية الآمر ~~بالموت فتبطل الوكالة علم الوكيل بموته أم لا (ومنها) جنونه جنونا مطبقا؛ ~~لأن الجنون المطبق مبطل لأهلية الآمر. # واختلف أبو يوسف ومحمد في حد الجنون المطبق فحده أبو يوسف بما يستوعب ~~الشهر، ومحمد بما يستوعب الحول. # (وجه) قول محمد أن المستوعب للحول هو ms3393 المسقط للعبادات كلها فكان التقدير ~~به أولى (وجه) قول أبي يوسف أن هذا القدر أدنى ما يسقط به عبادة الصوم، ~~فكان التقدير به أولى. # (ومنها) : لحاقه بدار الحرب مرتدا عند أبي حنيفة، وعندهما لا يخرج به ~~الوكيل عن الوكالة، بناء على أن تصرفات المرتد موقوفة عنده، فكانت وكالة ~~الوكيل موقوفة أيضا، فإن أسلم الموكل نفذت. # وإن قتل على الردة أو لحق بدار الحرب، بطلت. # وعندهما تصرفاته نافذة، فكذا الوكالة، وإن كان الموكل امرأة فارتدت، ~~فالوكيل على وكالته حتى تموت أو تلحق بدار الحرب إجماعا. # لأن ردة المرأة لا تمنع نفاذ تصرفها؛ لأنها لا تؤثر فيما رتب عليه النفاذ ~~وهو الملك. # (ومنها) عجز الموكل والحجر عليه بأن وكل المكاتب رجلا، فعجز الموكل، وكذا ~~إذا وكل المأذون إنسانا، فحجر عليه؛ لأنه بالعجز والحجر عليه بطلت أهلية ~~آمره بالتصرف في المال فيبطل الأمر، فتبطل الوكالة. # (ومنها) موت الوكيل لأن الموت مبطل لأهلية التصرف (ومنها) جنونه المطبق ~~لما ذكرنا، وإن لحق بدار الحرب مرتدا، لم يجز له التصرف إلا أن يعود مسلما؛ ~~لأن أمره قبل الحكم بلحاقه بدار الحرب كان موقوفا فإن عاد مسلما زال ~~التوقف، وصار كأنه لم يرتد أصلا. # وإن حكم بلحاقه بدار الحرب ثم عاد مسلما هل تعود الوكالة؟ قال أبو يوسف: ~~لا تعود. # وقال محمد تعود. # (وجه) قوله أن نفس الردة لا تنافي الوكالة، ألا ترى أنها لا تبطل قبل ~~لحاقه بدار الحرب؟ إلا أنه لم يجز تصرفه في دار الحرب؛ لتعذر التنفيذ ~~لاختلاف الدارين. # فإذا عاد زال المانع، فيجوز، ونظيره من وكل رجلا ببيع عبد بالكوفة، فلم ~~يبعه فيها حتى خرج إلى البصرة، لا يملك بيعه بالبصرة، ثم إذا عاد إلى ~~الكوفة ملك بيعه فيها، كذا هذا. # (وجه) # PageV06P038 # قول أبي يوسف أن الوكالة عقد، حكم ببطلانه بلحاقه بدار الحرب، فلا يحتمل ~~العود - كالنكاح. # (وأما) الموكل إذا ارتد ولحق بدار الحرب، ثم عاد مسلما، لا تعود الوكالة ~~في ظاهر الرواية. # وروي عن محمد أنها تعود: ووجهه: أن بطلان الوكالة لبطلان ms3394 ملك الموكل، ~~فإذا عاد مسلما، عاد ملكه الأول، فيعود بحقوقه. # (وجه) ظاهر الرواية أن لحوقه بدار الحرب بمنزلة الموت. # ولو مات لا يحتمل العود - فكذا - إذا لحق بدار الحرب -. # (ومنها) : أن يتصرف الموكل بنفسه فيما وكل به قبل تصرف الوكيل نحو ما إذا ~~وكله ببيع عبده، فباعه الموكل أو أعتقه أو دبره أو كاتبه أو وهبه وكذا إذا ~~استحق أو كان حر الأصل. # لأن الوكيل عجز عن التصرف؛ لزوال ملك الموكل؛ فينتهي حكم الوكالة. # كما إذا هلك العبد - ولو باعه الموكل بنفسه، ثم رد عليه بعيب بقضاء، هل ~~تعود الوكالة كما إذا هلك العبد؟ قال أبو يوسف: لا تعود. # وقال محمد: تعود؛ لأن العائد بالفسخ عين الملك الأول، فيعود بحقوقه -. # (وجه) قول أبي يوسف: أن تصرف الموكل نفسه يتضمن عزل الوكيل؛ لأنه أعجزه ~~عن التصرف فيما وكله به والوكيل بعد ما انعزل لا يعود وكيلا، إلا بتجديد ~~التوكيل. # ولو وكله أن يهب عبده، فوهبه الموكل بنفسه، ثم رجع في هبته، لا تعود ~~الوكالة؛ حتى لا يملك الوكيل أن يهبه. # فمحمد يحتاج إلى الفرق بين البيع وبين الهبة: (ووجه) الفرق له لم يتضح. # وكذلك لو وكله بشراء شيء، ثم اشتراه بنفسه، وكذا إذا وكله بتزويج امرأة، ~~فتزوجها؛ لأنه عجز عن تزويجها منه، فبطلت الوكالة. # وكذا إذا وكله بعتق عبده أو بالتدبير أو بالكتابة أو الهبة ففعل بنفسه ~~لما قلنا. # وكذا إذا وكله بخلع امرأته. # ثم خلعها؛ لأن المختلعة لا تحتمل الخلع. # وكذا إذا وكله بطلاق امرأته، فطلقها بنفسه ثلاثا أو واحدة وانقضت عدتها؛ ~~لأنها لا تحتمل الطلاق بعد الثلاث وانقضاء العدة حتى لو طلقها الزوج واحدة، ~~والعدة باقية فالوكالة قائمة؛ لأنها تحتمل الطلاق في العدة. # ولو وكله بالكتابة فكاتبه، ثم عجز لم يكن له أن يكاتبه مرة ثانية. # وكذا لو وكله أن يزوجه امرأة، فزوجه، وأبانها، لم يكن للوكيل أن يزوجه ~~مرة أخرى؛ لأن الأمر بالفعل لا يقتضي التكرار، فإذا فعل مرة حصل الامتثال، ~~فانتهى حكم الآمر كما في الأوامر الشرعية ms3395 بخلاف ما لو وكله ببيع عبده فباعه ~~الوكيل، ثم رد عليه بقضاء قاض، أن له أن يبيعه ثانيا؛ لأن الرد بقضاء ~~القاضي يوجب ارتفاع العقد من الأصل، ويجعله كأن لم يكن، فلم يكن هذا ~~تكرارا. # حتى لو رده عليه بغير قضاء قاض، لم يجز له أن يبيعه؛ لأن هذا بيع جديد ~~وقد انتهت الوكالة بالأول فلا يملك الثاني إلا بتجديد التوكيل. # (ومنها) : هلاك العبد الذي وكل ببيعه أو بإعتاقه أو بهبته أو بتدبيره أو ~~بكتابته، أو نحو ذلك؛ لأن التصرف في المحل لا يتصور بعد هلاكه. # والوكالة بالتصرف فيما لا يحتمل التصرف محال، فبطل - ثم هذه الأشياء التي ~~ذكرنا له أن يخرج بها الوكيل من الوكالة سوى العزل والنهي، لا يفترق الحال ~~فيها بين ما إذا علم الوكيل أو لم يعلم في حق الخروج عن الوكالة، لكن تقع ~~المفارقة فيما بين البعض والبعض من وجه آخر، وهو أن الموكل إذا باع العبد ~~الموكل ببيعه بنفسه، ولم يعلم به الوكيل، فباعه الوكيل، وقبض الثمن، فهلك ~~الثمن في يده، ومات العبد قبل التسليم إلى المشتري، ورجع المشتري على ~~الوكيل بالثمن، رجع الوكيل على الموكل. # وكذا لو دبره أو أعتقه، أو استحق أو كان حر الأصل. # وفيما إذا مات الموكل أو جن أو هلك العبد الذي وكل ببيعه ونحوه لا يرجع ~~الوكيل. # والفرق: - أن الوكيل هناك وإن صار معزولا بتصرف الموكل - لكنه صار مغرورا ~~من جهته بترك إعلامه إياه، فصار كفيلا له بما يلحقه من الضمان؛ فيرجع عليه ~~بضمان الكفالة؛ إذ ضمان الغرور في الحقيقة ضمان الكفالة - ومعنى الغرور لا ~~يتقدر في الموت وهلاك العبد والجنون وأخواتها، فهو الفرق ولو وكله بقبض دين ~~له على رجل، ثم إن الموكل وهب المال للذي عليه الدين، والوكيل لا يعلم بذلك ~~فقبض الوكيل المال، فهلك في يده كان لدافع الدين أن يأخذ به الموكل، ولا ~~ضمان على الوكيل؛ لأن يد الوكيل يد نيابة عن الموكل؛ لأنه قبضه بأمره. # وقبض النائب كقبض المنوب عنه، فكأنه قبضه بنفسه ms3396 بعد ما وهبه منه. # ولو كان كذلك لرجع عليه فكذا هذا والله - عز وجل - أعلم. ### | [كتاب الصلح] ### | [أنواع الصلح وبيان شرعية كل نوع] # (كتاب الصلح) # الكلام في كتاب الصلح يقع في مواضع في بيان أنواع الصلح، وفي بيان شرعية ~~كل نوع، وفي بيان ركن الصلح، وفي # PageV06P039 # بيان شرائط الركن، وفي بيان حكم الصلح، وفي بيان ما يبطل به عقد الصلح ~~بعد وجوده، وفي بيان حكمه إذا بطل، أو لم يصح من الأصل (أما) الأول فنقول ~~وبالله التوفيق. # الصلح في الأصل أنواع ثلاثة:. # صلح عن إقرار المدعى عليه، وصلح عن إنكاره، وصلح عن سكوته من غير إقرار، ~~ولا إنكار، وكل نوع من ذلك لا يخلو إما أن يكون بين المدعي، والمدعى عليه ~~وإما أن يكون بين المدعي، والأجنبي المتوسط فإن كان بين المدعي والمدعى ~~عليه فكل واحد من الأنواع الثلاثة مشروع عند أصحابنا، وقال ابن أبي ليلى: ~~المشروع هو الصلح عن إقرار وسكوت لا غيرهما، وقال الشافعي: - رحمه الله - ~~أما المشروع هو الصلح عن إقرار لا غير. # (وجه) قول الشافعي - رحمه الله - أن جواز الصلح يستدعي حقا ثابتا، ولم ~~يوجد في موضع الإنكار والسكوت أما في الإنكار؛ فلأن الحق لو ثبت فإنما يثبت ~~بالدعوى، وقد عارضها الإنكار، فلا يثبت الحق عند التعارض، فأما في السكوت ~~فلأن الساكت ينزل منكرا حكما حتى تسمع عليه البينة فكان إنكاره معارضا ~~لدعوى المدعي فلم يثبت الحق. # ولو بذل المال لبذله لدفع خصومة باطلة فكان في معنى الرشوة (ولنا) ظاهر ~~قوله تعالى {والصلح خير} [النساء: 128] ، وصف الله تعالى عز شأنه جنس الصلح ~~بالخيرية، ومعلوم أن الباطل لا يوصف بالخيرية، فكان كل صلح مشروعا بظاهر ~~هذا النص إلا ما خص بدليل، وعن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قال ردوا ~~الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن أمر - رضي الله عنه ~~- برد الخصوم إلى الصلح مطلقا، وكان ذلك بمحضر من الصحابة الكرام - رضي ~~الله عنهم -، ولم ينكر عليه أحد فيكون إجماعا من الصحابة فيكون حجة ms3397 قاطعة؛ ~~ولأن الصلح شرع للحاجة إلى قطع الخصومة، والمنازعة والحاجة إلى قطعها في ~~التحقيق عند الإنكار إذ الإقرار مسالمة، ومساعدة، فكان أولى بالجواز، ولهذا ~~قال أبو حنيفة - رحمه الله -: أجوز ما يكون الصلح على الإنكار، وقال الشيخ ~~أبو منصور الماتريدي السمرقندي: - رحمه الله - ما صنع الشيطان من إيقاع ~~العداوة والبغضاء في بني آدم ما صنع الشافعي - رحمه الله - في إنكاره الصلح ~~على الإنكار، وقوله أن الحق ليس بثابت قلنا هذا على الإطلاق ممنوع، بل الحق ~~ثابت في زعم المدعي، وحق الخصومة واليمين ثابتان له شرعا فكان هذا صلحا عن ~~حق ثابت فكان مشروعا. ### | [فصل في ركن الصلح] # (فصل) : # وأما ركن الصلح. # فالإيجاب والقبول وهو أن يقول المدعى عليه: صالحتك من كذا على كذا، أو من ~~دعواك كذا على كذا، ويقول الآخر: قبلت، أو رضيت، أو ما يدل على قبوله ~~ورضاه، فإذا وجد الإيجاب والقبول، فقد تم عقد الصلح. ### | [فصل في شرائط ركن الصلح وبعضها يرجع إلى المصالح] # (فصل) : # وأما شرائط الركن. # فأنواع بعضها يرجع إلى المصالح، وبعضها يرجع إلى المصالح عليه، وبعضها ~~يرجع إلى المصالح عنه. # (أما) . # الذي يرجع إلى المصالح. # فأنواع: (منها) أن يكون عاقلا، وهذا شرط عام في جميع التصرفات كلها فلا ~~يصح صلح المجنون والصبي الذي لا يعقل لانعدام أهلية التصرف بانعدام العقل. # (فأما) البلوغ، فليس بشرط حتى يصح صلح الصبي في الجملة، وهو الصبي ~~المأذون إذا كان له فيه نفع، أو لا يكون له فيه ضرر ظاهر بيان ذلك إذا وجب ~~للصبي المأذون على إنسان دين، فصالحه على بعض حقه فإن لم يكن له عليه بينة ~~جاز الصلح؛ لأن عند انعدام البينة لا حق له إلا الخصومة، والحلف والمال ~~أنفع له منهما، وإن كان له عليه بينة لا يجوز الصلح؛ لأن الحط تبرع، وهو لا ~~يملك التبرعات. # ولو أخر الدين جاز سواء كانت له بينة، أو لا فرقا بينه وبين الصلح؛ لأن ~~تأخير الدين من أعمال التجارة، والصبي المأذون في التجارات كالبالغ ألا ترى ~~أنه يملك ms3398 التأجيل في نفس العقد بأن يبيع بأجل، فيملكه متأخرا عن العقد أيضا ~~بخلاف الحط؛ لأنه ليس من التجارة، بل هو تبرع فلا يملكه إلا أنه يملك حط ~~بعض الثمن لأجل العيب؛ لأن حط بعض الثمن للعيب قد يكون أنفع من أخذ المبيع ~~المعيب فكان ذلك من باب التجارة، فيملكه ولو صالح الصبي المأذون من المسلم ~~فيه على رأس المال جاز؛ لأن الصلح من المسلم فيه على رأس المال إقالة للعقد ~~والإقالة من باب التجارة، وكذلك لو اشترى سلعة وظهر بها عيب فصالح البائع ~~على أن قبلها جاز؛ لأن الثمن أنفع من المبيع المعيب عادة. # ولو صالحه البائع، فحط عنه بعض الثمن لا شك فيه أنه يجوز؛ لأن الحط من ~~البائع تبرع منه على الصبي، فيصح. # ولو ادعى إنسان # PageV06P040 # عليه دينا فأقر به، فصالحه على أن حط عنه البعض جاز؛ لأن إقرار الصبي ~~المأذون بالدين صحيح، فكان الصلح تبرعا على الصبي بحط بعض الحق الواجب ~~عليه، والصبي من أهل أن يتبرع عليه، فيصح. # وكذلك حرية المصالح ليست بشرط لصحة الصلح، حتى يصح صلح العبد المأذون إذا ~~كان له فيه منفعة، أو كان من التجارة إلا أنه لا يملك الصلح على حط بعض ~~الحق إذا كان له عليه بينة، ويملك التأجيل كيف ما كان، ويملك حط بعض الثمن ~~لأجل العيب لما قلنا. # ولو صالحه البائع على حط بعض الثمن جاز لما ذكرنا في الصبي المأذون، ~~وكذلك لو ادعى على إنسان دينا، وهو مأذون فأقر به، ثم صالحه على أن حط بعضه ~~جاز؛ لأن إقرار العبد المأذون بالدين صحيح فكان الحط من المدعي تبرعا على ~~العبد ببعض الدين فيصح. # ولو حجر عليه المولى، ثم ادعى إنسان عليه دينا، فأقر به، وهو محجور، ثم ~~صالحه عنه على مال ضمنه بإقراره فإن لم يكن في يده مال لا ينفذ الصلح؛ لأن ~~إقرار المحجور لا ينفذ إذا لم يكن في يده مال وإذا لم ينفذ لم ينفذ الصلح ~~فلا يطالب به للحال ولكن يطالب به بعد ms3399 العتق لأن إقراره من نفسه صحيح ~~لصدوره من أهله إلا أنه إذا لم يظهر في حق المولى للحال لمانع، وهو حق ~~المولى، فإذا عتق زال المانع فيظهر حينئذ. # وأما إذا كان في يده مال فيجوز إقراره عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز. # (وجه) قولهما أن هذا إقرار المحجور لبطلان الإذن بالحجر، وإقرار المحجور ~~غير صحيح. # (وجه) قول أبي حنيفة أن إقرار المحجور إذا كان في يده مال صحيح؛ لأن ~~العبد المحجور من أهل الإقرار، وإنما المانع من ظهوره حق المولى فإذا كانت ~~يده ثابتة على هذا المال منع ظهور حق المولى لأنه يحتمل أن يكون صادقا في ~~إقراره فيمنع ظهور حق المولى فيه، ويحتمل أن يكون كاذبا فلا يظهر، فلا تبطل ~~يده الثابتة عليه بالشك بخلاف ما إذا لم يكن في يده مال؛ لأن يد المولى ~~ثابتة حقيقة، والإقرار في نفسه محتمل فلا يوجب بطلان يده الثابتة حقيقة مع ~~الشك والاحتمال، وكذلك المكاتب نظير العبد المأذون في جميع ما ذكرنا؛ لأنه ~~عبد ما بقي عليه درهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن عجز ~~المكاتب، فادعى رجل عليه دينا، فاصطلحا على أن يأخذ بعضه، ويؤخر بعضه فإن ~~لم يكن له عليه بينة لا يجوز؛ لأنه لما عجز، فقد صار محجورا عن التصرف، فلا ~~يصح صلحه، وإن كانت له عليه بينة جاز؛ لأنه، وإن عجز، فالخصم في ديونه هو ~~فيملك التصرف فيها لحط البعض بالصلح. # (ومنها) أن لا يكون المصالح بالصلح على الصغير مضرا به مضرة ظاهرة حتى أن ~~من ادعى على صبي دينا فصالح أب الوصي من دعواه على مال الصبي الصغير، فإن ~~كان للمدعي بينة، وما أعطى من المال مثل الحق المدعى، أو زيادة يتغابن في ~~مثلها، فالصلح جائز؛ لأن الصلح في هذه الصورة لمعنى المعاوضة لإمكان الوصول ~~إلى كل الحق بالبينة، والأب يملك المعاوضة من مال الصغير بالغبن اليسير، ~~وإن لم تكن له بينة لا يجوز؛ لأن عند انعدام البينة يقع الصلح تبرعا بمال ~~الصغير، وأنه ms3400 ضرر محض، فلا يملكه الأب. # ولو صالح من مال نفسه جاز؛ لأنه ما أضر بالصغير، بل نفعه حيث قطع الخصومة ~~عنه. # ولو ادعى أبو الصغير على إنسان دينا للصغير فصالح على أن حط بعضه، وأخذ ~~الباقي فإن كان له عليه بينة؛ لا يجوز؛ لأن الحط منه تبرع من ماله، وهو لا ~~يملك ذلك، وإن صالحه على مثل قيمة ذلك الشيء أو نقص منه شيئا يسيرا جاز؛ ~~لأن الصلح في هذه الصورة بمعنى البيع، وهو يملك البيع فيملك الصلح، وهل ~~يملك الأب الحط من دين وجب للصغير، والإبراء عنه هذا لا يخلو من أحد وجهين: ~~(إما) إن كان ولي ذلك العقد بنفسه (وإما) إن لم يكن وليه فإن لم يكن وليه ~~لا يجوز بالإجماع؛ لأن الحط، والإبراء من باب التبرع، والأب لا يملك ~~التبرع؛ لكونه مضرة محضة، وإن كان وليه بنفسه يجوز عند أبي حنيفة ومحمد ~~وعند أبي يوسف لا يجوز وهذا على اختلافهم في الوكيل بالبيع إذا أبرأ ~~المشتري عن الثمن، أو حط بعضه، وقد ذكرناه في كتاب الوكالة، ولا يجوز صلح ~~أحد على حمل أيا كان المصالح أو غيره، وإن خرج حيا بعد ذلك وورث وجازت ~~الوصايا؛ لأنه لو صح عليه؛ لكان لا يخلو إما أن يصح على اعتبار الحال، وإما ~~أن يصح على اعتبار الانفصال لا سبيل إلى الأول؛ لأن الصلح عليه من باب ~~تنفيذ الولاية، وهو للحال لا يوصف بكونه موليا عليه، ولا سبيل إلى الثاني؛ ~~لأن الصلح لا يحتمل الإضافة إلى الوقت، ويملك الأب استيفاء القصاص في النفس ~~وما دونها، ولا يملك الوصي استيفاء القصاص في النفس. # والفرق أن استيفاء القصاص تصرف # PageV06P041 # على نفس الصغير بالإحياء، وتحصيل التشفي قال الله تعالى عز شأنه {ولكم في ~~القصاص حياة} [البقرة: 179] ، وكذا منفعة التشفي راجعة إلى نفسه، وللأب، ~~ولاية على نفس الصغير، ولا ولاية للوصي عليها، ولهذا ملك إنكاحه دون الوصي ~~إلا أنه يملك القصاص فيما دون النفس؛ لأن ما دون النفس يسلك به مسلك ~~الأموال لشبهه بالأموال ألا ms3401 ترى أن القصاص لا يجري بين طرف الحر والعبد، ~~ولا بين طرف الذكر، والأنثى مع جريان القصاص بينهم في الأنفس، ويستوفى ~~القصاص فيما دون النفس في الحر كما يستوفى في سائر الحقوق المالية فيه، ولا ~~يستوفى القصاص في النفس فيه، ويقضى بالنكول في الأطراف، كما يقضى به في ~~الأموال عند أبي حنيفة، ولا يقضى به في الأنفس، وله ولاية التصرف في الحال، ~~والمآل فيلي التصرف فيما دون النفس، ويملك الأب الصلح عن القصاص في النفس، ~~وما دونه؛ لأنه لما ملك الاستيفاء، فلأن يملك الصلح أولى؛ لأنه أنفع من ~~الاستيفاء، وكذا الوصي يملك الصلح عن القصاص فيما دون النفس؛ لأنه يملك ~~الاستيفاء فيما دون النفس، فكذا الصلح عنه؛ لأنه أنفع، وهل يملك الصلح عن ~~القصاص في النفس ذكر في كتاب الصلح أنه لا يملك، وذكر في الجامع الصغير أنه ~~يملك، وكذا روى القدوري - رحمه الله - فعلى رواية الجامع يحتاج إلى الفرق ~~بين الاستيفاء وبين الصلح. # (ووجه) الفرق بينهما ظاهر لما ذكرنا أن القصاص تصرف في النفس بتحصيل ~~الحياة، والتشفي، ولا ولاية له على نفسه فلا يملك الاستيفاء، فأما الصلح ~~فتصرف في المال وله ولاية التصرف في المال، وأنه فرق واضح. # (وجه) رواية الصلح أن الصلح اعتياض عن القصاص فإذا لم يملك القصاص، فكيف ~~يملك الاعتياض عنه؟ ولو صالح الأب أو الوصي على أقل من الدية في الخطإ، ~~وشبه العمد لا يجوز؛ لأن الحط تبرع، وهما لا يملكان التبرع بمال اليتيم، ~~والحط القليل والكثير سواء بخلاف الغبن اليسير في البيع أنهما يملكانه، ~~والفرق أن الحط نقصان متحقق؛ لأن الدية مقدرة بمقدار معلوم فالنقصان عنه ~~متحقق وإن قل والنقصان في البيع غير متحقق؛ لأن العوض فيه غير مقدر ~~لاختلافه بتقويم المقومين فإذا لم يتقدر العوض لا يتحقق النقصان. # (ومنها) أن يكون المصالح عن الصغير ممن يملك التصرف في ماله كالأب والجد ~~والوصي؛ لأن الصلح تصرف في المال، فيختص بمن يملك التصرف فيه. # (ومنها) أن لا يكون مرتدا عند أبي حنيفة، وعندهما صلحه نافذ ms3402 بناء على أن ~~تصرفات المرتد موقوفة عنده، وعندهما نافذة لكن عند محمد نفاذ تصرف المريض، ~~وعند أبي يوسف نفاذ تصرف من عليه القصاص في النفس، والمسألة تعرف في موضعها ~~إن شاء الله تعالى. # وأما المرتدة فصلحها جائز بلا خلاف؛ لأن حكمها حكم الحربية إلا أنها إذا ~~التحقت بدار الحرب، وقضى القاضي بذلك بطل بعضه دون بعض كصلح الحربية لثبوت ~~أحكام أهل الحرب في حقها بالتحاقها بدار الحرب. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى المصالح عليه] # (فصل) : # وأما الشرائط التي ترجع إلى المصالح عليه. # فأنواع: (منها) أن يكون مالا فلا يصح الصلح على الخمر والميتة والدم وصيد ~~الإحرام والحرم وكل ما ليس بمال؛ لأن في الصلح معنى المعاوضة فما لا يصلح ~~عوضا في البياعات لا يصلح بدل الصلح، وكذا إذا صالح على عبد، فإذا هو حر؛ ~~لا يصح الصلح؛ لأنه تبين أن الصلح لم يصادف محله، وسواء كان المال عينا أو ~~دينا، أو منفعة ليست بعين ولا دين؛ لأن العوض في المعاوضات المطلقة قد يكون ~~عينا، وقد يكون دينا، وقد يكون منفعة إلا أنه يشترط القبض في بعض الأعواض ~~في بعض الأحوال دون بعض، وجملة الكلام فيه أن المدعى لا يخلو من أحد وجوه ~~(إما) أن يكون عينا، وهو ما يحتمل التعيين مطلقا جنسا ونوعا وقدرا وصفة ~~واستحقاقا كالعروض من الثياب والعقار من الأرضين والدور والحيوان من العبيد ~~والدواب والمكيل من الحنطة والشعير والموزون من الصفر والحديد (وإما) أن ~~يكون دينا، وهو ما لا يحتمل التعيين من الدراهم، والدنانير والمكيل الموصوف ~~في الذمة والموزون الموصوف سوى الدراهم، والدنانير والثياب الموصوفة ~~والحيوان الموصوف (وإما) أن يكون منفعة (وإما) أن يكون حقا ليس بعين، ولا ~~دين، ولا منفعة، وبدل الصلح لا يخلو من أن يكون عينا أو دينا أو منفعة ~~والصلح لا يخلو من أن يكون عن إقرار المدعى عليه، أو عن إنكاره، أو عن ~~سكوته، فإن كان المدعى عينا فصالح منها عن إقرار يجوز سواء كان بدل الصلح ~~عينا، أو دينا بعد ms3403 أن كان معلوم القدر والصفة إلا الحيوان، وإلا الثياب إلا ~~بجميع شرائط # PageV06P042 # السلم؛ لأن هذا الصلح من الجانبين جميعا في معنى البيع فكان بدل الصلح في ~~معنى الثمن، وهذه الأشياء تصلح ثمنا في البياعات عينا كانت، أو دينا إلا ~~الحيوان؛ لأنه يثبت دينا في الذمة بدلا عما هو مال أصلا، والثياب لا يثبت ~~دينا في الذمة إلا بشرائط السلم من بيان القدر، والوصف والأجل، والمكيل ~~والموزون يثبتان في الذمة مطلقا في المعاوضة المطلقة من غير أجل، ولا يشترط ~~قبضه في المجلس؛ لأنه ليس بصرف ولا في ترك قبضه افتراق عن دين بدين، بل هو ~~افتراق عن عين بعين، أو عين بدين، وكل ذلك جائز، وإن كان دينا فإن كان ~~دراهم أو دنانير، فصالح منها لا يخلو من أحد وجهين (إما) إن صالح منها على ~~خلاف جنسها، أو على جنسها، فإن صالح منها على خلاف جنسها فإن صالح منها على ~~عين جاز؛ لأن الصلح عليها في معنى بيع الدين بالعين، وأنه جائز، ولا يشترط ~~القبض، وإن صالح منها على دين سواه؛ لا يجوز؛ لأنه بائع ما ليس عنده؛ لأن ~~الدراهم والدنانير أثمان أبدا، وما وقع عليه الصلح مبيع فالصلح في هذه ~~الصورة يقع بيع ما ليس عند البائع، وأنه منهي عنه، وإن صالح منها على ~~جنسها، فإن صالح من دراهم على دراهم فهذا لا يخلو من ثلاثة، أوجه. # (إما) أن صالح على مثل حقه (وإما) أن صالح على أقل من حقه. # (وإما) أن صالح على أكثر من حقه، فإن صالح على مثل حقه قدرا أو وصفا بأن ~~صالح من ألف جياد على ألف جياد، فلا شك في جوازه، ولا يشترط القبض؛ لأن هذا ~~استيفاء عين حقه أصلا ووصفا. # ولو صالح على أقل من حقه قدرا ووصفا بأن صالح من الألف الجياد على ~~خمسمائة نبهرجة يجوز أيضا، ويحمل على استيفاء بعض عين الحق أصلا والإبراء ~~عن الباقي أصلا ووصفا؛ لأن أمور المسلمين محمولة على الصلاح والسداد ما ~~أمكن. # ولو حمل على المعاوضة؛ ms3404 يؤدى إلى الربا؛ لأنه يصير بائعا ألفا بخمسمائة، ~~وأنه ربا، فيحمل على استيفاء بعض الحق، والإبراء عن الباقي، ولا يشترط ~~القبض، ويجوز مؤجلا؛ لأن جوازه ليس بطريق المعاوضة؛ ليكون صرفا، وكذلك إن ~~صالح على أقل من حقه، وصفا لا قدرا بأن صالح عن ألف جياد على ألف نبهرجة، ~~أو صالح على أقل من حقه قدرا لا وصفا، بأن صالح من ألف جياد على خمسمائة ~~جيدة يجوز، ويحمل على استيفاء البعض، والحط والإبراء والتجوز بدون الحق ~~أصلا ووصفا؛ يجوز من غير قبض ومؤجلا. # ولو صالح على أكثر من حقه قدرا ووصفا بأن صالح من ألف نبهرجة على ألف ~~وخمسمائة جياد، أو صالح على أكثر من حقه قدرا لا وصفا بأن صالح من ألف جياد ~~على ألف وخمسمائة نبهرجة لا يجوز؛ لأنه ربا؛ لأنه يحمله على المعاوضة هنا ~~لتعذر حمله على استيفاء البعض وإسقاط الباقي، وإن صالح على أكثر من حقه ~~وصفا لا قدرا بأن صالح من ألف نبهرجة على ألف جياد جاز، ويشترط الحلول، أو ~~التقابض حتى لو كان الصلح مؤجلا إن لم يقبض في المجلس يبطل؛ لأنه صرف. # (وأما) إذا صالح على أكثر من حقه وصفا، وأقل منه قدرا بأن صالح من ألف ~~نبهرجة على خمسمائة جياد لا يجوز عند أبي حنيفة، ومحمد، وهو قول أبي يوسف ~~الآخر، وكان يقول أولا: يجوز، ثم رجع (وجه) قوله الأول أن هذا حط بعض حقه، ~~وهو خمسمائة نبهرجة، فيبقى عليه خمسمائة نبهرجة إلا أنه أحسن في القضاء ~~بخمسمائة جيدة فلا يمنع عنه حتى أنه لو امتنع؛ لا يكون عليه إلا خمسمائة ~~نبهرجة. # (وجه) ظاهر الرواية أن الصلح من الألف النبهرجة على الخمسمائة الجيدة ~~اعتياض عن صفة الجودة، وهذا لا يجوز؛ لأن الجودة في الأموال الربوية لا ~~قيمة لها عند مقابلتها بجنسها لقوله - عليه الصلاة والسلام - «جيدها، ~~ورديئها سواء» فلا يصح الاعتياض عنها لسقوط قيمتها شرعا، والساقط شرعا، ~~والعدم الأصلي سواء؛ ولأن الصلح على هذا الوجه لا يخلو إما أن يجعل استيفاء ~~لعين الحق، ms3405 أو يجعل معاوضة لا سبيل إلى الأول؛ لأن حقه في الرديء لا في ~~الجيد، فيحمل على المعاوضة فيصير بائعا ألفا نبهرجة بخمسمائة جيدة فيكون ~~ربا، وكذلك حكم الدنانير، والصلح منها على دنانير كحكم الدراهم في جميع ما ~~ذكرنا. # ولو صالح من دراهم على دنانير، أو من دنانير على دراهم؛ جاز، ويشترط ~~القبض في المجلس؛ لأنه صرف. # ولو ادعى ألف درهم، ومائة دينار، فصالحه على مائة درهم إلى شهر؛ جاز، ~~وطريق جوازه بأن يجعل حطا لا معاوضة؛ لأنه لو جعل معاوضة؛ لبطل؛ لأنه يصير ~~بعض المائة عوضا عن الدنانير، والبعض عوضا عن الدراهم، فيصير بائعا تسعمائة ~~بخمسين، فيكون ربا، وأمور المسلمين محمولة على الصلاح والسداد ما أمكن، ~~وأمكن أن يجعل حطا للدنانير أصلا، وبعض الدراهم # PageV06P043 # وذلك تسعمائة، وتأجيل البعض، وذلك مائة إلى شهر، وكذلك لو كان عليه ألف ~~درهم وكر، فصالحه على مائة جاز، وطريق جوازه أن يجعل حطا وإسقاطا للكر لا ~~معاوضة؛ لأن استبدال المسلم فيه لا يجوز. # ولو كان المالان عليه لرجلين لأحدهما دراهم والآخر دنانير فصالحه على ~~مائة درهم جاز، وطريقة جوازه أن يعتبر معاوضة في حق أحدهما وحطا، وإسقاطا ~~في حق الآخر، وذلك أن يقسم بدل الصلح على قدر قيمة دينهما من الدراهم، ~~والدنانير، فالقدر الذي أصاب الدنانير يكون عوضا عنها فيكون صرفا، فيراعى ~~فيه شرائط الصرف، فيشترط القبض في المجلس والقدر الذي أصاب الدراهم لا يجوز ~~أن يجعل عوضا؛ لأنه يؤدي إلى الربا، فيجعل الصلح في حقه استيفاء لبعض الحق ~~وإبراء عن الباقي، والأصل أن الصلح متى وقع على أقل من جنس حقه من الدراهم، ~~والدنانير يعتبر استيفاء لبعض الحق وإبراء عن الباقي، ومتى وقع على أكثر من ~~جنس حقه منها، أو وقع على جنس آخر من الدين، والعين يعتبر معاوضة؛ لأنه لا ~~يمكن حمله على استيفاء عين الحق، والإبراء عن الباقي؛ لأن استيفاء عين الحق ~~من جنسه يكون، ولم يوجد فيعتبر معاوضة فما جازت به المعاوضات يجوز هذا، وما ~~فسدت به تلك؛ يفسد به هذا، ms3406 وقد ذكرنا بعض مسائل هذا الأصل، وعلى هذا إذا ~~صالح من ألف حالة على ألف مؤجلة؛ جاز، ويعتبر حطا للحلول، وتأجيلا للدين، ~~وتجوزا بدون من حقه لا معاوضة. # ولو صالح من ألف حالة على خمسمائة قد ذكرنا أنه يجوز، ويعتبر استيفاء ~~لبعض حقه وإبراء عن الباقي. # وأما إذا صالح على خمسمائة أن يعطيها إياه فهذا لا يخلو من أحد وجهين ~~(إما) إن وقت لأداء الخمسمائة وقتا (وإما) إن لم يوقت فإن لم يوقت فالصلح ~~جائز، ويكون حطا للخمسمائة؛ لأن هذا الشرط لا يفيد شيئا لم يكن من قبل ألا ~~ترى أنه لو لم يذكر للزمه الإعطاء، فكان ذكره والسكوت عنه بمنزلة واحدة، ~~وكذلك الحط على هذا بأن قال للغريم حططت عنك خمسمائة على أن تعطيني خمسمائة ~~لما بينا، وإن وقت بأن قال: صالحتك على خمسمائة على أن تعطينيها اليوم، أو ~~على أن تعجلها اليوم فأما إن اقتصر على هذا القدر، ولم ينص على شرط العدم. # وأما إن نص عليه فقال: فإن لم تعطني اليوم، أو إن لم تعجل اليوم، أو على ~~أن تعجلها اليوم، فالألف عليك فإن نص عليه فإن أعطاه، وعجلت في اليوم، ~~فالصلح ماض، وبرئ عن خمسمائة، وإن لم يعطه حتى مضى اليوم، فالألف عليه بلا ~~خلاف، وكذلك الحط على هذا. # (وأما) إذا اقتصر عليه، ولم ينص على شرط العدم فإن أعطاه في اليوم برئ عن ~~خمسمائة بالإجماع، وأما إذا لم يعطه حتى مضى اليوم بطل الصلح، والألف عليه ~~عند أبي حنيفة، ومحمد، وعند أبي يوسف الصلح ماض، وعليه خمسمائة فقط. # (وجه) قوله أن شرط التعجيل ما أفاده شيئا لم يكن من قبل؛ لأن التعجيل كان ~~واجبا عليه بحكم العقد فكان ذكره والسكوت عنه بمنزلة واحدة. # ولو سكت عنه؛ لكان الأمر على ما وصفنا، فكذا هذا بخلاف ما إذا قال: فإن ~~لم نفعل فكذا؛ لأن التنصيص على عدم الشرط نفي للمشروط عند عدمه فكان مفيدا. # (وجه) قولهما أن شرط التعجيل في هذه الصورة شرط انفساخ العقد عند عدمه ms3407 ~~بدلالة حال تصرف العاقل؛ لأن العاقل يقصد بتصرفه الإفادة دون اللغو واللعب ~~والعبث. # ولو حمل المذكور على ظاهر شرط التعجيل للغا؛ لأن التعجيل ثابت بدونه ~~فيجعل ذكر شرط التعجيل ظاهرا شرطا لانفساخ العقد عند عدم التعجيل فصار كأنه ~~نص على هذا الشرط، فقال، فإن لم تعجل فلا صلح بيننا. # ولو كان كذلك؛ لكان الأمر على ما نص عليه فكذا هذا، وتبين بهذا أن هذا ~~تعليق الفسخ بالشرط لا تعليق العقد، كما إذا باع بألف على أن ينقد الثمن ~~إلى ثلاثة أيام فإن لم ينقده فلا بيع بينهما، وذلك جائز لدخول الشرط على ~~الفسخ لا على العقد فكذا هذا، وكذلك لو أخذ منه كفيلا، وشرط على الكفيل أنه ~~إن لم يوفه خمسمائة إلى رأس الشهر فعليه كل المال، وهو الألف فهو جائز، ~~والألف لازمة للكفيل إن لم يوفه؛ لأنه جعل عدم إيفاء الخمسمائة إلى رأس ~~الشهر شرطا للكفالة بألف فإذا وجد الشرط ثبت المشروط. # ولو ضمن الكفيل الألف، ثم قال: حططت عنك خمسمائة على أن توفيني رأس الشهر ~~خمسمائة فإن لم تفعل فالألف عليك فهذا أوثق من الباب الأول؛ لأن هذا هنا ~~علق الحط بشرط التعجيل، وهو إيفاء الخمسمائة رأس الشهر، وجعل عدم هذا الشرط ~~شرطا لانفساخ الحط، وفي الباب الأول جعل عدم التعجيل شرطا للعقد، وهو ~~الكفالة بالألف، والفسخ للشرط أقبل من العقد لذلك كان الثاني # PageV06P044 # أوثق من الأول، وكذلك لو جعل المال نجوما بكفيل، أو بغير كفيل، وشرط أنه ~~إن لم يوفه كل نجم عند محله، فالمال حال عليه فهو جائز على ما شرط؛ لأنه ~~جعل الإخلال بنجم شرطا لحلول كل المال عليه، وأنه صحيح. # ولو كان له عليه ألف فقال: أد إلي من الألف خمسمائة غدا على أنك بريء من ~~الباقي فإن أدى إليه خمسمائة غدا يبرأ من الباقي إجماعا، وإن لم يؤد، فعليه ~~الألف عند أبي حنيفة، ومحمد، وعند أبي يوسف ليس عليه إلا خمسمائة، وقد مرت ~~المسألة. # ولو قال: إن أديت إلي خمسمائة فأنت بريء من ms3408 الباقي، أو قال: متى أديت فأد ~~إليه خمسمائة لا يبرأ عن الخمسمائة الباقية حتى يبرئه، وكذلك إذا قال ~~لمكاتبه ذلك فأدى خمسمائة لا يبرأ عن الباقي حتى يبرئه؛ لأن هذا تعليق ~~البراءة بالشرط، وأنه باطل بخلاف ما إذا كان بلفظ الصلح أو الحط أو الأمر؛ ~~لأن ذلك ليس تعليق البراءة بالشرط على ما مر. # ولو قال لمكاتبه إن أديت إلي خمسمائة فأنت حر فأدى خمسمائة عتق؛ لأن هذا ~~تعليق العتق بالشرط، وذلك في حق المكاتب صحيح. # ولو كان له على إنسان ألف مؤجلة، فصالح منها فهذا لا يخلو من أحد وجهين، ~~إما أن صالح منها على أقل من حقه، أو على تمام حقه، وكل ذلك لا يخلو من أن ~~يشترط التعجيل، أو لم يشترط، فإن صالح على أقل من حقه قدرا أو وصفا أو قدرا ~~ووصفا، ولم يشترط التعجيل لما وقع عليه الصلح جاز، ويكون حطا، وتجوزا بدون ~~حقه، وله أن يأخذ الباقي بعد حل الأجل، وإن شرط التعجيل فالصلح باطل، وعليه ~~رد ما قبض والرجوع برأس ماله بعد حل الأجل؛ لأن فيه معاوضة الأجل، وهو ~~التعجيل بالحط، وهذا لا يجوز؛ لأن الأجل ليس بمال، وإن صالح على تمام حقه؛ ~~جاز، وإن شرط التعجيل فإن صالح من ألف مؤجلة على ألف معجلة لكن بشرط القبض ~~قبل الافتراق عن المجلس، وكذلك حكم الدنانير على هذا. # ولو كان الواجب عليه قيمة المستهلك فإن كان المستهلك من ذوات القيمة، ~~فصالح فإن صالح على الدراهم والدنانير حالة أو مؤجلة جاز الصلح؛ لأن الواجب ~~في ذمته قبل المتلف صورة ومعنى كذا الاستهلاك تحقيقا للماثلة المعلقة، ثم ~~يملكه بأداء الضمان فإذا صالح كان هذا الصلح على عين حقه فيجوز على أي وصف ~~كان، وإن صالح على غير الدراهم والدنانير إن كان عينا؛ جاز، ولا يشترط ~~القبض، وإن كان دينا موصوفا يجوز أيضا لكن القبض في المجلس شرط. # ولو كان الواجب عليه مثل المستهلك فإن كان من ذوات الأمثال كالمكيل ~~والموزون الذي ليس في تبعيضه ضرر فحكم ms3409 الصلح فيه كحكم الصلح في كر الحنطة ~~فنقول، وبالله التوفيق. # إذا كان المدعى دينا سوى الدراهم والدنانير فإن كان مكيلا بأن كان كر ~~حنطة مثلا، فصالح منه لا يخلو من أحد وجهين (أما) إن صالح على جنسه، أو على ~~خلاف جنسه فإن صالح على جنسه لا يخلو من ثلاثة أوجه. # (أما) إن صالح على مثل حقه. # (وأما) على أقل منه (وأما) إن صالح على أكثر منه، فإن صالح على مثل حقه ~~قدرا ووصفا جاز، ولا يشترط القبض؛ لأنه استوفى عين حقه، وإن صالح على أقل ~~من حقه قدرا ووصفا جاز، ويكون حطا لا معاوضة لما ذكرنا في الدراهم، ولا ~~يشترط القبض، ويكون مؤجلا، وإن صالح على أقل من حقه، وصفا لا قدرا؛ جاز ~~أيضا، ويكون استيفاء لعين حقه أصلا، وإبراء له عن الصفة فلا يشترط القبض، ~~ويجوز حتى لا يبطل بالتأجيل أو تركه، ويعتبر رضا بدون حقه. # ولو صالح على أكثر من حقه قدرا ووصفا، أو قدرا لا وصفا لا يجوز؛ لأنه ~~ربا، وإن صالح على أكثر منه وصفا لا قدرا بأن صالح من كر رديء على كر جيد ~~جاز ويعتبر معاوضة احترازا عن الافتراق عن دين بدين، ولو صالح منه على كر ~~مؤجل جاز؛ لأنه حط حقه في الحلول، ورضي بدون حقه كما في الدراهم والدنانير ~~هذا إذا كان أكثر الدين حالا، فإن كان مؤجلا فصالح على بعض حقه، أو على ~~تمام حقه فهو على التفصيل الذي ذكرنا في الصلح من الألف المؤجلة من غير ~~تفاوت هذا إذا صالح من الكر على جنسه فإن صالح على خلاف جنس حقه فإن كان ~~الكر الذي عليه سلما لا يجوز بحال؛ لأن الصلح على خلاف جنس المسلم فيه يكون ~~معاوضة، وفيه استبدال المسلم فيه قبل قبضه إلا أن يكون الصلح منه على رأس ~~المال يجوز؛ لأن الصلح من المسلم فيه على رأس المال يكون إقالة للمسلم، ~~وفسخا له وذلك جائز، وإن لم يكن سلما فصالح على خلاف جنس حقه فإن كان ذلك ms3410 ~~من الدراهم والدنانير؛ جاز، ويشترط القبض، وإن كان معينا مشارا إليه؛ لأنها ~~لا تتعين بالتعيين فكان ترك قبضه افتراقا عن دين بدين، وإن كان ذلك من ~~المكيلات # PageV06P045 # وهو عين جاز، ولا يشترط القبض، وإن كان موصوفا في الذمة جاز أيضا فرق بين ~~هذا وبين ما إذا كان عليه دراهم أو دنانير فصالح منها على مكيل أو موزون ~~موصوف في الذمة أنه لا يجوز؛ لأن ذلك مبيع ألا ترى أنه قوبل بالأثمان، ~~والمبيع ما يقابل بالثمن، وهذا لا يقابل بالثمن فلا يكون مبيعا إلا أنه لا ~~بد من القبض في المجلس احترازا من الافتراق عن دين بدين، وإن كان من العروض ~~والحيوان فإن كان عينا؛ جاز، وإن كان دينا يجوز في الثياب الموصوفة إذا أتى ~~بشرائط السلم لكن القبض في المجلس شرط احتراز عن الافتراق عن دين بدين، ولا ~~يجوز في الحيوان الموصوف بحال؛ لأنه لا يثبت دينا في الذمة بدلا عما هو ~~مال، وكذلك إذا كان المدعى موزونا دينا موصوفا في الذمة فصالح منه على جنسه ~~أو على خلاف جنسه إلى آخر ما ذكرنا في المكيل الموصوف هذا إذا كان المدعى ~~مكيلا أو موزونا دينا موصوفا في الذمة. # فإن كان ثوب السلم فصالح منه فهذا لا يخلو من أحد وجهين (إما) إن صالح ~~منه على جنسه، وإما إن صالح منه على خلاف جنسه فإن صالح على جنسه؛ فهو على ~~ثلاثة أوجه. # (إما) إن صالح على مثل حقه، أو أكثر منه، أو أقل فإن صالح على مثل حقه ~~قدرا ووصفا فإن صالح من ثوب هروي جيد على ثوب هروي جيد؛ جاز، ولا يشترط ~~القبض؛ لأنه استوفى عين حقه، وكذلك إن صالح على أقل من حقه قدرا ووصفا، أو ~~وصفا لا قدرا يجوز، ويكون هذا استيفاء لبعض عين حقه، وحطا للباقي، وإبراء ~~عنه أصلا ووصفا، والإبراء عن المسلم فيه صحيح؛ لأن قبضه ليس بواجب، وإن ~~صالح على أقل من حقه قدرا لا وصفا بأن صالح من ثوب رديء على نصف ثوب جيد؛ ms3411 ~~جاز بخلاف الدراهم والدنانير والمكيل والموزون الموصوفين بأن صالح من ألف ~~نبهرجة على خمسمائة جياد، أو صالح من كر رديء على نصف كر جيد، أو صالح من ~~حديد رديء على نصف من جيد أنه لا يجوز، والفرق أن المانع من الجواز هو ~~الاعتياض عن الجودة هنا جائز؛ لأن الجودة في غير الأموال الربوية عند ~~مقابلتها بجنسها لها قيمة بخلاف الأموال الربوية، وهذا؛ لأن الأصل أن تكون ~~الجودة متقومة في الأموال كلها؛ لأنها صفة مرغوبة يبذل العوض في مقابلتها ~~إلا أن الشرع أسقط اعتبارها في الأموال الربوية تعبدا بقوله جيدها، ورديئها ~~سواء، فبقيت متقومة في غيرها على الأصل فيصح الاعتياض عنها، وإن صالح على ~~أكثر من حقه قدرا ووصفا بأن صالح من ثوب هروي جيد على ثوبين هرويين جيدين ~~يجوز لكن يشترط القبض؛ لأن جوازه بطريق المعاوضة، والجنس بانفراده يحرم ~~النساء، فلا بد من القبض لئلا يؤدي إلى الربا، وكذلك إن صالح على أكثر من ~~حقه قدرا لا وصفا بأن صالح عن ثوب هروي جيد على ثوبين هرويين رديئين جاز، ~~والقبض شرط لما ذكرنا. # ولو صالح على أكثر من حقه، وصفا لا قدرا بأن صالح من ثوب رديء على ثوب ~~جيد؛ جاز؛ لأنه معاوضة إذ لا يمكن حمله على استيفاء عين الحق؛ لأن الزيادة ~~غير مستحقة له فيحمل على المعاوضة، ويشترط القبض لئلا يؤدي إلى الربا، وإن ~~صالح على خلاف جنس حقه كائنا ما كان لا يجوز دينا كان، أو عينا؛ لأن فيه ~~استبدال المسلم فيه قبل القبض، وإنه لا يجوز إلا على رأس مال السلم؛ لأن ~~الصلح عليه يكون إقالة، وفسخا لا استبدالا. # وإن كان المدعى حيوانا موصوفا في الذمة في قتل الخطإ، أو شبه العمد ~~فصالح، فنقول الجملة فيه أن هذا في الأصل لا يخلو من وجهين. # (إما) أن صالح على ما هو مفروض في باب الدية في الجملة. # (وإما) أن صالح على ما ليس بمفروض في الباب أصلا، وكل ذلك لا يخلو إما أن ~~صالح قبل تعيين القاضي ms3412 نوعا من الأنواع المفروضة، أو بعد تعيينه نوعا منها، ~~فإن صالح على المفروض قبل تعيين القاضي بأن صالح على عشرة آلاف درهم، أو ~~على ألف دينار، أو على مائة من الإبل، أو على مائة بقرة، أو على ألفي شاة، ~~أو على مائتي حلة؛ جاز الصلح، وهو في الحقيقة تعيين منها للواجب من أحد ~~الأنواع المفروضة بمنزلة تعيين القاضي فيجوز، ويكون استيفاء لعين حقه ~~الواجب عند اختياره ذلك فعلا برضا القاتل، وكذا إذا صالح على أقل من ~~المفروض يكون استيفاء لبعض عين الحق، وإبراء عن الباقي، وإن صالح على أكثر ~~من المفروض لا يجوز؛ لأنه ربا. # ولو صالح بعد ما عين القاضي نوعا منها فإن صالح على جنس حقه المعين جاز ~~إذا كان مثله، أو أقل منه، وإن كان أكثر لا يجوز؛ لأنه ربا، وإن صالح على ~~خلاف الجنس المعين فإن كان من جنس المفروض في الجملة بأن عين القاضي مائة ~~من الإبل فصالح على مائة من البقر، أو أكثر # PageV06P046 # جاز، وتكون معاوضة؛ لأن الإبل تعينت واجبة بتعيين القاضي، فلم يبق غيره ~~واجبا فكانت البقر بدلا عن الواجب في الذمة فكانت معاوضة، ولا بد من القبض ~~احترازا عن الافتراق عن دين بدين، وكذلك إذا كان من خلاف جنس المفروض بأن ~~صالح على مكيل أو موزون سوى الدراهم والدنانير؛ جاز، ويكون معاوضة، ويشترط ~~التقابض لما قلنا. # ولو صالح على قيمة الإبل أو أكثر مما يتغابن الناس فيه؛ جاز؛ لأن قيمة ~~الإبل دراهم ودنانير، وإنها ليست من جنس الإبل فكان الصلح عليها معاوضة ~~فيجوز قل أو كثر، ولا يشترط القبض، وكذلك إذا صالح من الإبل على دراهم في ~~الذمة، وافترقا من غير قبض؛ جاز، وإن كان هذا افتراقا عن دين بدين؛ لأن هذا ~~المعنى ليس بمعاوضة، بل هو استيفاء عين حقه؛ لأن الحيوان الواجب في الذمة، ~~وإن كان دينا لكنه ليس بدين لازم ألا ترى أن من عليه إذا جاء بقيمته يجبر ~~من له على القبول بخلاف سائر الديون فلا يكون افتراقا عن ms3413 دين بدين حقيقة ~~هذا إذا قضى القاضي عليه بالإبل فإن قضى عليه بالدراهم، والدنانير فصالح من ~~مكيل أو موزون سوى الدراهم والدنانير، أو بقر ليس عنده لا يجوز لأن ما ~~يقابل هذه الأشياء دراهم أو دنانير وأنها أثمان فتتعين هذه مبيعة وبيع ~~المبيع الذي ليس بمعين لا يجوز إلا بطريق السلم هذا إذا صالح على المفروض ~~في باب الدية فأما إذا صالح على ما ليس بمفروض أصلا كالمكيل والموزون سوى ~~الدراهم والدنانير ونحو ذلك مما لا يدخل له في الفرض قبل تعيين القاضي؛ ~~جاز، وإن كانت قيمته أكثر من المفروض لكن القبض في المجلس شرط؛ لأنه معاوضة ~~فيجوز، ولا بد من القبض لما قلنا، وإن كان بعد تعيين القاضي فهو على ما ~~ذكرنا من التفصيل. # وكذلك حكم الصلح عن إنكار المدعى عليه وسكوته بحكم الصلح عن إقراره في ~~جميع ما وصفنا هذا الذي ذكرنا إذا كان بدل الصلح مالا عينا أو دينا فأما ~~إذا كان منفعة بأن صالح على خدمة عبد بعينه، أو ركوب دابة بعينها، أو على ~~زراعة أرض، أو سكنى دار، وقتا معلوما جاز الصلح، ويكون في معنى الإجارة ~~سواء كان الصلح عن إقرار المدعى عليه، أو عن إنكاره، أو عن سكوته؛ لأن ~~الإجارة تمليك المنفعة بعوض، وقد وجد أما في موضع الإقرار فظاهر؛ لأن بدل ~~الصلح عوض عن المدعى، وكذا في موضع الإنكار في جانب المدعي، وفي جانب ~~المدعى عليه هو عوض عن الخصومة واليمين، وكذا في السكوت؛ لأن الساكت منكر ~~حكما سواء كان المدعى عينا، أو دينا لكن تمليك المنفعة قد يكون بالعين، وقد ~~يكون بالدين، كما في سائر الإجارات، وإن كان المدعى منفعة فإن كانت ~~المنفعتان من جنسين مختلفين، كما إذا صالح من سكنى دار على خدمة عبد يجوز ~~بالإجماع، وإن كانتا من جنس واحد لا يجوز عندنا، وأصل المسألة في كتاب ~~الإجارات، وإذا اعتبر الصلح على المنافع إجارة يصح بما تصح به الإجارات، ~~ويفسد بما تفسد به، ولصاحب العبد أن يعتقه؛ لأن صحة الإعتاق ms3414 يقف على قيام ~~ملك الرقبة، وإنه قائم فأشبه إعتاق المستأجر، والمرهون، وليس له أن يبيعه؛ ~~لأن جواز البيع بعد ملك اليد، ولم يوجد فلا يجوز بيعه كالعبد المستأجر ~~والمرهون. # وله أن يؤاجره من غيره؛ لأن منفعته صارت مملوكة له بالصلح فإن شاء ~~استوفاه بنفسه، وإن شاء ملكها من غيره كالعبد المستأجر، وله أن يؤاجره من ~~المدعى عليه في مدة الصلح عند أبي يوسف، ولا يبطل الصلح، كما لو آجره من ~~غيره، وعند محمد لا يجوز، ويبطل الصلح كما لو آجره من المؤاجر في مدة ~~الإجارة، وأنه لا يجوز بالإجماع، وتبطل الإجارة الأولى، ولا يجب على ~~المستأجر شيء من الأجرة كذا هذا، وله أن يسافر به، وذكر في الإجارة أن من ~~استأجر عبدا للخدمة لم يكن له أن يسافر به للتفاوت بين خدمتي السفر، ~~والحضر، والفرق أن المسافرة بالعبد المستأجر للخدمة إلحاق الضرر بالآجر؛ ~~لأن مؤنة الرد في باب الإجارة عليه، وربما يلزمه برده مؤنة تزيد على الأجرة ~~فيتضرر به فلم يملك المسافرة به دفعا للضرر عنه، وهذا المعنى ههنا منعدم؛ ~~لأن مؤنة الرد لا تلزم صاحب العبد فأشبه العبد الموصى بخدمته والعبد ~~المرهون، وهما يملكان المسافرة به كذا هذا. # ولو ادعى على رجل دارا في يده فأنكر المدعى عليه فصالحه على أن يسكن ~~المدعى عليه الذي في يده الدار سنة، ثم يدفعها إلى المدعي؛ جاز؛ لأن المدعي ~~متصرف في ملك نفسه ببدل المنفعة للمدعى عليه في زعمه سنة، والمدعى عليه ~~متصرف في ملك نفسه باستيفاء المنفعة لنفسه في المدة المشروطة، فكان كل واحد ~~منهما متصرفا في ملك نفسه في زعمه فيجوز، ومنها أن يكون متقوما، فلا يصح # PageV06P047 # الصلح على الخمر والخنزير من المسلم؛ لأنه ليس بمال متقوم في حقه، وكذا ~~إذا صالح على دن من خل فإذا هو خمر لم يصح؛ لأنه تبين أنه لم يصادف محله، ~~ومنها أن يكون مملوكا للمصالح حتى إنه إذا صالح على مال، ثم استحق من يد ~~المدعي لم يصح الصلح؛ لأنه تبين أنه ليس ms3415 مملوكا للمصالح فتبين أن الصلح لم ~~يصح، ومنها أن يكون معلوما؛ لأن جهالة البدل تؤدي إلى المنازعة فتوجب، فساد ~~العقد إلا إذا كان شيئا لا يفتقر إلى القبض والتسليم، كما إذا ادعى رجلان ~~كل واحد منهما على صاحبه حقا، ثم تصالحا على أن جعل كل واحد منهما ما ادعاه ~~على صاحبه صلحا مما ادعاه عليه صاحبه يصح الصلح، وإن كان مجهولا؛ لأن جهالة ~~البدل لا تمنع جواز العقد لعينها بل لإفضائها إلى المنازعة المانعة من ~~التسليم والتسلم فإذا كان مالا يستغنى عن التسليم والتسلم لا يفضي إلى ~~المنازعة فلا يمنع الجواز إلا أن الصلح من القصاص في النفس، وما دونه تتحمل ~~الجهالة القليلة في البدل، كما تتحمل في المهر في باب النكاح، والخلع، ~~والإعتاق على مال والكتابة لما علم ولو صالح على مسيل، أو شرب من نهر لا حق ~~له في رقبته، أو على أن يحمل كذا، وكذا جذعا على هذا الحائط، وعلى أن يسيل ~~ميزابه في داره أياما معلومة لا يجوز؛ لأن ما وقع عليه الصلح في هذه ~~المواضع مفتقر إلى القبض والتسليم فلم تكن جهالته محتملة لهذا لا يجوز ~~بيعها، فلا يصح الصلح عليها، والأصل أن كل ما يجوز بيعه وشراؤه يجوز الصلح ~~عليه، وما لا، فلا. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى المصالح عنه] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المصالح عنه. # فأنواع: أحدها: أن يكون حق العبد لا حق الله عز وجل سواء كان مالا عينا، ~~أو دينا، أو حقا ليس بمال عين، ولا دين حتى لا يصح الصلح من حد الزنا ~~والسرقة وشرب الخمر بأن أخذ زانيا أو سارقا من غيره أو شارب خمر، فصالحه ~~على مال أن لا يرفعه إلى ولي الأمر؛ لأنه حق الله تعالى جل شأنه، ولا يجوز ~~الصلح من حقوق الله تعالى عز شأنه؛ لأن المصالح بالصلح متصرف في حق نفسه ~~إما باستيفاء كل حقه، أو باستيفاء البعض، وإسقاط الباقي، أو بالمعاوضة وكل ~~ذلك لا يجوز في غير حقه، وكذا إذا صالح ms3416 من حد القذف بأن قذف رجلا فصالحه ~~على مال على أن يعفو عنه؛ لأنه، وإن كان للعبد فيه حق فالمغلب فيه حق الله ~~تعالى، والمغلوب ملحق بالعدم شرعا فكان في حكم الحقوق المتمحضة حقا لله ~~تعالى عز وجل وأنها لا تحتمل الصلح كذا هذا، وكذلك لو صالح شاهدا يريد أن ~~يشهد عليه على مال على أن لا يشهد عليه فهو باطل؛ لأن الشاهد في إقامة ~~الشهادة محتسب حقا لله تعالى عز شأنه قال الله سبحانه وتعالى، {وأقيموا ~~الشهادة لله} [الطلاق: 2] ، والصلح عن حقوق الله عز وجل باطل، ويجب عليه رد ~~ما أخذ؛ لأنه أخذه بغير حق. # ولو علم القاضي به أبطل شهادته؛ لأنه فسق إلا أن يحدث توبة فتقبل، ويجوز ~~الصلح عن التعزير؛ لأنه حق العبد، وكذا يصح عن القصاص في النفس، وما دونه؛ ~~لأن القصاص من حق العبد سواء كان البدل عينا، أو دينا إلا إذا كان دينا ~~يشترط القبض في المجلس احترازا عن الافتراق عن دين بدين، وسواء كان معلوما، ~~أو مجهولا جهالة غير متفاحشة حتى لو صالح من القصاص على عبد، أو ثوب هروي ~~جاز؛ لأن الجهالة قلت ببيان النوع؛ لأن مطلق العبد يقع على عبد وسط، ومطلق ~~الثوب الهروي يقع على الوسط منه، فتقل الجهالة فيصح الصلح، وله الخيار إن ~~شاء أعطى الوسط من ذلك، وإن شاء أعطى قيمته كما في النكاح فأما إذا صالح ~~على ثوب أو دابة أو دار لا يجوز؛ لأن الثياب والدواب أجناس تحتها أنواع ~~مختلفة، وجهالة النوع متفاحشة فتمنع الجواز، وكذا جهالة الدور لاختلاف ~~الأماكن ملحقة بجهالة الثوب، والدابة فتمنع الجواز كما في باب النكاح، ~~والأصل أن كل جهالة تمنع صحة التسمية في باب النكاح تمنع صحة الصلح من ~~القصاص، وما لا فلا؛ لأن ما وقع عليه الصلح، والمهر كل واحد منهما يجب بدلا ~~عما ليس بمال، والجهالة لا تمنع من الصحة لعينها ألا ترى أن الشرع ورد بمهر ~~المثل في باب النكاح مع أنه مجهول القدر، وإنما يمنع منها لإفضائها ms3417 إلى ~~المنازعة، ومبنى النكاح والصلح من القصاص على المسامحة كالإنسان يسامح ~~بنفسه ما لا يسامح بماله عادة فلا يكون القليل من الجهالة مفضيا إلى ~~المنازعة، فلا يمنع من الجواز بخلاف باب البيع؛ لأن مبناه على المعاكسة، ~~والمضايقة لكونه معاوضة مال بمال، والإنسان يضايق بماله ما لا يضايق بنفسه ~~فهو الفرق، والله عز وجل الموفق، وإذا لم يصح الصلح لتفاحش جهالة البدل ~~يسقط القصاص، وتجب الدية، وفي النكاح # PageV06P048 # يجب مهر المثل إلا أن بينهما فرقا من وجه، فإنه لو صالح عن القصاص على ~~خمر أو خنزير لا يصح، ولا يجب شيء آخر. # ولو تزوج امرأة على خمر أو خنزير؛ لا تصح التسمية ويجب مهر المثل. # (وجه) الفرق أن الخمر إذا لم تصلح بدل الصلح بطلت تسميته، وجعل لفظة ~~الصلح كناية عن العفو، وذلك جائز؛ لأن العفو الفضل، وفي الصلح معنى الفضل ~~فأمكن جعله كناية عنه، وبعد العفو لا يجب شيء آخر، فأما لفظ النكاح فلا ~~يحتمل العفو، ولو احتمله فالعفو عن حق الغير لا يصح فيبقى النكاح من غير ~~تسمية فيجب مهر المثل، كما إذا سكت عن المهر أصلا فهو الفرق، وسواء كان ~~البدل قدر الدية، أو أقل، أو أكثر لقوله تعالى {فمن عفي له من أخيه شيء ~~فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} [البقرة: 178] قوله عز وجل: {فمن عفي ~~له} [البقرة: 178] أي أعطي له كذا روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله ~~عنهما -، وقوله عز شأنه {فاتباع بالمعروف} [البقرة: 178] أي فليتبع: مصدر ~~بمعنى الأمر فقد أمر الله تبارك وتعالى الولي بالاتباع بالمعروف، إذا أعطي ~~له شيء، واسم الشيء يتناول القليل والكثير فدلت الآية على جواز الصلح من ~~القصاص على القليل، والكثير، وهذا بخلاف القتل الخطإ وشبه العمد أنه إذا ~~صالح على أكثر من الدية لا يجوز، والفرق أن بدل الصلح في باب الخطإ، وشبه ~~العمد عوض عن الدية، وإنها مقدرة بمقدار معلوم لا تزيد عليه، فالزيادة على ~~المقدر تكون ربا فأما بدل الصلح عن القصاص، فعوض عن القصاص، والقصاص ليس ms3418 من ~~جنس المال حتى يكون البدل عنه زيادة على المال المقدر فلا يتحقق الربا فهو ~~الفرق. # وأما كون المصالح عنه معلوما فليس بشرط لجواز الصلح حتى إن من ادعى على ~~آخر حقا في عين، فأقر به المدعى عليه؛ أو أنكر فصالح على مال معلوم؛ جاز؛ ~~لأن الصلح كما يصح بطريق المعاوضة يصح بطريق الإسقاط، ولا يمكن تصحيحه هنا ~~بطريق المعاوضة لجهالة أحد البدلين فيصحح بطريق الإسقاط فلا يؤدي إلى ~~المنازعة المانعة من التسليم والتسلم والقبض؛ لأن الساقط لا يحتمل ذلك، وقد ~~مر أن الجهالة فيما لا يحتمل التسليم، والقبض لا تمنع جواز الصلح. # والثاني أن يكون حق المصالح، والثالث أن يكون حقا ثابتا له في المحل فما ~~لا يكون حقا له، أو لا يكون حقا ثابتا له في المحل لا يجوز الصلح عنه حتى ~~لو أن امرأة طلقها زوجها ادعت عليه صبيا في يده أنه ابنه منها، وجحد الرجل ~~فصالحت عن النسب على شيء فالصلح باطل؛ لأن النسب حق الصبي لا حقها فلا تملك ~~الاعتياض عن حق غيرها؛ ولأن الصلح إما إسقاط أو معاوضة، والنسب لا ~~يحتملهما. # ولو صالح الشفيع من الشفعة التي وجبت له على شيء على أن يسلم الدار ~~للمشتري، فالصلح باطل؛ لأنه لا حق للشفيع في المحل إنما الثابت له حق ~~التمليك، وهو ليس لمعنى في المحل بل هو عبارة عن الولاية، وأنها صفة ~~الوالي، فلا يحتمل الصلح عنه بخلاف الصلح عن القصاص؛ لأن هناك المحل يصير ~~مملوكا في حق الاستيفاء فكان الحق ثابتا في المحل فملك الاعتياض عنه ~~بالصلح، فهو الفرق، وكذلك الكفيل بالنفس إذا صالح على مال على أن يبرئه من ~~الكفالة فالصلح باطل؛ لأن الثابت للطالب قبل الكفيل بالنفس حق المطالبة ~~بتسليم نفس المكفول بنفسه، وذلك عبارة عن ولاية المطالبة، وأنها صفة الوالي ~~فلا يجوز الصلح عنها فأشبه الشفعة، وهل تبطل الكفالة؟ فيه روايتان: في ~~رواية لا تبطل؛ لأنه ما رضي بسقوط حقه إلا بعوض، ولم يسلم له فلا يسقط حقه، ~~وفي رواية يسقط؛ ms3419 لأن الإبراء لا تقف صحته على العوض فيصح، وإن لم يسلم ~~العوض فإذا صح أنه إسقاط فالساقط لا يحتمل العود، وعلى هذا إذا كان لرجل ~~ظلة على طريق، أو كنيف شارعه، أو ميزابه فخاصمه رجل، وأراد أن يطرحه فصالحه ~~على مال، فهذا لا يخلو من وجهين إما أن يكون الطريق نافذا، وإما أن لا يكون ~~نافذا فإذا كان نافذا فخاصمه رجل من المسلمين، وأراد طرحه فصالحه على مال ~~فالصلح باطل؛ لأن رقبة الطريق النافذ لا تكون ملكا لأحد من المسلمين، وإنما ~~لهم حق المرور، وإنه ليس بحق ثابت في رقبة الطريق، بل هو عبارة عن ولاية ~~المرور، وإنه صفة المار فلا يجوز الصلح عنه مع ما أنه لا فائدة في هذا ~~الصلح؛ لأنه إن سقط حق هذا الواحد بالصلح، فللباقين حق القلع. # وكذا لو صالح الثاني مع هذا المتقدم إليه على مال يؤخذ من المتقدم إليه ~~الطرح فالصلح باطل لأن الطرح واجب عليه فأخذ المال عليه يكون رشوة هذا إذا ~~كان الطريق نافذا، فأما إذا لم يكن نافذا فصالحه رجل من أهل الطريق على مال ~~للترك فالصلح جائز؛ لأن رقبة الطريق هنا مملوكة لأهل السكة فكان لكل واحد ~~منهم فيها # PageV06P049 # ملكا فجاز الصلح عنه، وكذا إسقاط حق كل واحد منهم بالصلح مفيد لاحتمال ~~تحصيل رضا الباقين، ولا يحتمل ذلك في الوجه الأول؛ لأنهم لا يحصون، وكذا لو ~~صالح الثاني مع واحد منهم على مال للترك؛ جاز، ويطيب له المال؛ لأن رقبة ~~الطريق مملوكة لهم على الشركة فكان لكل واحد منهم فيها نصيب فكان الصلح ~~اعتياضا عن ملكه فصح، فأما في طريق المسلمين فلا ملك لأحد فيها ولا حق ثابت ~~في المحل فلم يكن الصلح اعتياضا عن ملك، ولا حق ثابت في المحل فبطل، وذكر ~~الجصاص أن جواز الصلح في طريق غير نافذ محمول على ما إذا بنى على الطريق، ~~فأما إذا شرع إلى الهواء فلا يجوز؛ لأنه اعتياض عن الهواء. # ولو ادعى على رجل مالا، وأنكر المدعى عليه، ولا بينة ms3420 للمدعي فطلب منه ~~اليمين فصالح عن اليمين على أن لا يستحلفه؛ جاز الصلح وبرئ من اليمين، وكذا ~~إذا قال المدعى عليه: صالحتك من اليمين التي وجبت لك علي، أو قال افتديت ~~منك يمينك بكذا، وكذا صح الصلح؛ لأن هذا صلح عن حق ثابت للمدعي؛ لأن اليمين ~~حق المدعي قبل المدعى عليه قال - عليه الصلاة والسلام - في قصة الحضرمي ~~والكندي: «ألك بينة؟ قال: لا، قال: إذا لك يمينه» جعل اليمين حق المدعي ~~فكان هذا صلحا عن حق ثابت شرعا للمدعي، وكذا الملك في المدعى ثابت في زعمه، ~~فكان الصلح عن حق ثابت في حقه وفي حق المدعى عليه، وهو بدل المال لإسقاط ~~الخصومة، والافتداء عن اليمين. # ولو قال المدعى عليه: اشتريت منك اليمين على كذا، وقال المدعي بعت منك ~~اليمين على كذا لا يصح فقد خالف الصلح البيع، حيث جاز بلفظ الصلح ~~والافتداء، ولم يجز بلفظ البيع والشراء. # ولو ادعى على رجل أنه عبده فأنكر فصالحه على مائة درهم، جاز؛ لأن هذا صلح ~~عن حق ثابت في حق المدعى؛ لأن الرق ثابت في حقه فكان الصلح في حقه إعتاقا ~~على مال فيصح إلا أن الولاء لا يكون له لإنكار المدعى عليه الرق فإن أقام ~~المدعي بعد ذلك بينة لا تقبل إلا في حق إثبات الولاء، وكذلك لو صالحه على ~~حيوان في الذمة إلى أجل كان جائزا؛ لأن الرق ثابت في حق المدعى فكان بدل ~~الصلح بدلا عن العتق في حقه فأشبه بدل الكتابة فيجوز على حيوان في الذمة. # ولو ادعى رجل على امرأة نكاحا فجحدته، فصالحته على مال بذلته حتى يترك ~~الدعوى جاز؛ لأن النكاح حق ثابت في حق المدعى فكان الصلح على حق ثابت فكان ~~في معنى الخلع إذ هو أخذ المال بالبضع، وقد وجد فكان جائزا، وفي حقها بدل ~~مال لإسقاط الخصومة، وإنه جائز أيضا للنص. # ولو ادعت امرأة على رجل نكاحا فجحد الرجل فصالحها على مال بذله لها لا ~~يجوز؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون النكاح ثابتا، ms3421 أو لم يكن ثابتا فإن لم يكن ~~ثابتا كان دفع المال إليها من الرجل في معنى الرشوة، وإن كان ثابتا لا تثبت ~~الفرقة بهذا الصلح؛ لأن العوض في الفرقة تعطيه المرأة لا الزوج فلا يكون ~~المال الذي تأخذه المرأة عوضا عن شيء، فلا يجوز. # ولو ادعى على إنسان مائة درهم؛ فأنكر المدعى عليه فتصالحا على أنه إن حلف ~~المدعى عليه فهو بريء فالصلح باطل، والمدعي على دعواه حتى لو أقام بينة ~~أخذه بها؛ لأن قوله على أنه إن حلف المدعى عليه، فهو بريء تعليق البراءة ~~بالشرط، وأنه باطل؛ لأن في الإبراء معنى التمليك، والأصل في التمليك أن لا ~~يحتمل التعليق بالشرط، وإن لم تكن له بينة، وأراد استحلافه؛ فهو على، وجهين ~~إن كان ذلك الحلف عند غير القاضي؛ فله أن يستحلفه عند القاضي مرة أخرى؛ لأن ~~تلك اليمين غير معتبرة؛ لأنها غير واجبة، ولا تنقطع بها خصومة، فلم يكن ~~معتدا بها، وإن كان عند القاضي لم يستحلفه ثانيا؛ لأن الحلف عند القاضي ~~معتد به فقد استوفى المدعي حقه مرة فلا يجب الإيفاء ثانيا. # ولو تصالحا على أن يحلف المدعى عليه فإذا حلف فالمال واجب على المدعى ~~عليه فهو باطل؛ لأن هذا تعليق وجوب المال بالشرط، وأنه باطل؛ لكونه قمارا. # ولو أودع إنسانا وديعة، ثم طلبها منه، فقال المودع: هلكت، أو قال: ~~رددتها، وكذبه المودع، وقال: استهلكتها فتصالحا على شيء، فالصلح باطل عند ~~أبي يوسف، وعند محمد صحيح. # (وجه) قول محمد أن هذا صلح وقع عن دعوى صحيحة، ويمين متوجهة، فيصح، كما ~~في سائر المواضع (وجه) قول أبي يوسف أن المدعي مناقض في هذه الدعوى؛ لأن ~~المودع أمين المالك، وقول الأمين قول المؤتمن، فكان إخباره بالرد، والهلاك ~~إقرارا من المودع، فكان مناقضا في دعوى الاستهلاك، والتناقض يمنع صحة ~~الدعوى إلا أنه يستحلف لكن لا لدفع الدعوى؛ لأنها مندفعة لبطلانها بل ~~للتهمة، وإذا لم تصح الدعوى لا يصح # PageV06P050 # الصلح. # ولو ادعى المودع الاستهلاك ولم يقل المودع إنها هلكت، أو رددتها فتصالحا ~~على ms3422 شيء جاز؛ لأن دعوى الاستهلاك صحيحة، واليمين متوجهة عليه فصح الصلح. # ولو طلب المودع الوديعة فجحدها المودع، وقال: لم تودعني شيئا، ثم قال: ~~هلكت، أو رددتها، وقال المودع: بل استهلكتها فتصالحا جاز؛ لأن المالك يدعي ~~عليه ضمان الغصب بالجحود إذ هو سبب لوجوب الضمان، وكل جواب عرفته في ~~الوديعة فهو الجواب في العارية والمضاربة؛ لأن كل ذلك أمانة. # ولو اشترى من رجل عبدا فطعن فيه بعيب، وخاصمه فيه، ثم صالحه على شيء، أو ~~حط من ثمنه شيئا، فإن كان العبد مما يجوز رده على البائع، وله المطالبة ~~بأرش العيب دون الرد، فالصلح جائز؛ لأن الصلح عن العيب صلح عن حق ثابت في ~~المحل، وهو صفة سلامة المبيع عن عيب، وأنها من قبيل الأموال، فكان عن العيب ~~معاوضة مال بمال، فصح، وكذا الصلح عن الأرش معاوضة مال بمال لا شك فيه، ~~وإذا صار المبيع بحال لا يملك رده على البائع، ولا المطالبة بأرشه بأن باع ~~العبد فالصلح باطل؛ لأن حق الدعوى، والخصومة فيهما قبل البيع قد بطل ~~بالبيع، فلا يجوز الصلح. # ولو صالح من العيب، ثم زال العيب بأن كان بياضا في عين العبد، فانجلى بطل ~~الصلح، ويرد ما أخذ؛ لأن المعوض، وهي صفة السلامة قد عادت فيعود العوض فبطل ~~الصلح. # ولو طعن المشتري بعيب، فصالحه البائع على أن يبرئه من ذلك العيب، ومن كل ~~عيب، فهو جائز؛ لأن الإبراء عن العيب إبراء عن صفة السلامة، وإسقاط لها، ~~وهي مستحقة على البائع فيصح الصلح عنها، والإبراء عن كل عيب، وإن كان إبراء ~~عن المجهول لكن جهالة المصالح عنه لا تمنع صحة الصلح فلا تمنع صحة الإبراء ~~للفقه الذي مر قبل هذا أن الجهالة لعينها غير مانعة بل لإفضائها إلى ~~المنازعة المانعة من التسليم والقبض والذي وقع الصلح والإبراء عنه لا يفتقر ~~إلى التسليم والقبض، فلا تضره الجهالة، وكذلك لو لم يطعن المشتري بعيب، ~~فصالحه البائع من كل عيب على شيء فالصلح جائز؛ لأنه وإن لم يطعن بعيب، فله ~~حق الخصومة فيصالحه ms3423 لإبطال هذا الحق. # ولو خاصمه في ضرب من العيوب نحو الشجاج والقروح، فصالحه على ذلك، ثم ظهر ~~عيب غيره كان له أن يخاصمه فيه؛ لأن الصلح وقع عن نوع خاص، فكان له حق ~~الخصومة في غيره. # ولو اشترى شيئا من امرأة فظهر به عيب، فصالحته على أن تتزوجه، فهو جائز، ~~وهذا إقرار منها بالعيب، فإن كان يبلغ أرش العيب عشرة دراهم فهو مهرها، وإن ~~كان أقل من ذلك يكمل لها عشرة دراهم؛ لأن أرش العيب لما صار مهرها، والنكاح ~~معاوضة البضع بالمهر فإذا نكحت نفسها، فقد أقرت بالعيب، وكذلك لو اشترى ~~شيئا بأرش عيب كان إقرارا بالعيب؛ لأن الشراء معاوضة فالإقدام عليه يكون ~~إقرارا بالعيب بخلاف الصلح حيث لا يكون إقرارا بالعيب؛ لأن الصلح مرة يصح ~~معاوضة، ومرة يصح إسقاطا، فلا يصح دليلا على الإقرار بالشك والاحتمال. # ولو اشترى ثوبين كل واحد بعشرة، فقبضهما، ثم وجد بأحدهما عيبا، فصالح على ~~أن يرده بالعيب على أن يزيده في ثمن الآخر درهما، فالرد جائز، وزيادة ~~الدرهم باطل عند أبي حنيفة، ومحمد، وعند أبي يوسف لا يجوز شيء من ذلك. # (وجه) قوله أن الرد بالعيب فسخ، والفسخ بيع جديد بمنزلة الإقالة، والبيع ~~تبطله الشروط الفاسدة. # (وجه) قولهما أن هذا تعليق الزيادة في الثمن بالشرط، وأنه باطل؛ لأن ~~الزيادة تلحق بأصل العقد، وأصل الثمن لا يحتمل التعليق بالشرط؛ لأنه في ~~معنى القمار فكذا الزيادة عليه فأما الرد ففسخ العقد، وأنه يحتمل الشرط ~~فجائز. # ولو ادعى على امرأة نكاحا، فجحدت فصالحها على مائة درهم على أن تقر له ~~بالنكاح، فأقرت، فهو جائز، وتجعل المائة من الزوج زيادة في مهرها؛ لأن ~~إقرارها بالنكاح محمول على الصحة. # ولو ادعى على إنسان ألفا، وأنكر المدعي، فصالحه على مائة درهم على أن يقر ~~له بالألف، فهو باطل؛ لأن المدعي لا يخلو إما أن يكون صادقا في دعواه الألف ~~وإما أن يكون كاذبا فيها فإن كان صادقا فيها فالألف واجبة على المدعى عليه ~~ويكون أخذ العوض عليه في معنى الرشوة ms3424 وأنه حرام وإن كان كاذبا في دعواه، ~~فإقرار المدعى عليه بالألف التزام المال ابتداء، وهذا لا يجوز. # ولو قال لامرأة: أعطيتك مائة درهم على أن تكوني امرأتي ففعلت ذلك، فهو ~~جائز إذا كان بمحضر من الشهود ويجعل كناية عن إنشاء النكاح، وكذا لو قال: ~~تزوجتك أمس على ألف درهم، فجحدت، فقال: أزيدك مائة درهم على أن تقري لي ~~بالنكاح، فأقرت؛ جاز، ولها ألف ومائة، ويحمل إقرارها على الصحة، والله عز ~~وجل # PageV06P051 # أعلم هذا الذي ذكرنا إذا كان الصلح بين المدعي، والمدعى عليه. # (وأما) إذا كان بين المدعي، والأجنبي المتوسط، أو المتبرع فلا يخلو إما ~~أن كان ذلك بأمر المدعى عليه، أو بغير أمره فإن كان بأمره يصح؛ لأنه وكيل ~~عنه، والصلح مما يحتمل التوكيل به، وإن كان بغير أمره، فهو صلح الفضولي، ~~وإنه على خمسة أوجه: أحدها أن يضيف الضمان إلى نفسه: بأن يقول للمدعي: ~~صالحتك، أو أصالحك من دعواك هذه على فلان على ألف درهم على أني ضامن لك ~~الألف، أو على أن علي الألف، والثاني: أن يضيف المال إلى نفسه بأن يقول على ~~ألفي هذه، أو على عبدي هذا، والثالث أن يعين البدل، وإن كان لا ينسبه إلى ~~نفسه بأن يقول على هذه الألف، أو على هذا العبد، والرابع: أن يسلم البدل، ~~وإن لم يعين، ولم ينسب بأن قال: صالحتك على ألف، وسلمها إليه، والخامس: أن ~~لا يفعل شيئا من ذلك بأن يقول صالحتك على ألف درهم، أو على عبد، وسط، ولم ~~يزد عليه ففي الوجوه الأربعة: يصح الصلح لقوله تعالى {إنما المؤمنون إخوة ~~فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10] ، وهذا خاص في صلح المتوسط، وقوله عز ~~شأنه {والصلح خير} [النساء: 128] ، وهذا عام في جميع أنواع الصلح لدخول ~~الألف واللام على الصلح، وأنهما لاستغراق الجنس؛ ولأنه بالصلح في هذه ~~الوجوه متصرف على نفسه بالتبرع بإسقاط الدين على الغير بالقضاء من مال نفسه ~~إن كان الصلح عن إقرار، وإن كان عن إنكار بإسقاط الخصومة فيصح تبرعه كما ~~إذا تبرع بقضاء دين ms3425 غيره من مال نفسه ابتداء، ومتى صح صلحه يجب عليه تسليم ~~البدل في الوجوه الثلاثة، وليس له أن يرجع على المدعى عليه؛ لأن التبرع ~~بقضاء الدين لا يطلق الرجوع على ما نذكره في فصل الحكم إن شاء الله تعالى. # (وأما) في الوجه الخامس فموقوف على إجازة المدعى عليه؛ لأن عند انعدام ~~الضمان والنسبة، وتعيين البدل، والتمكين لا يمكن حمله على التبرع بقضاء دين ~~غيره من مال نفسه، فلا يكن متصرفا على نفسه، بل على المدعى عليه، فيقف على ~~إجازته فإن أجاز نفذ، ويجب البدل عليه دون المصالح؛ لأن الإجازة اللاحقة ~~بمنزلة الوكالة السابقة. # ولو كان وكيلا من الابتداء لنفذ تصرفه على موكله فكذلك إذا التحق التوكيل ~~بالإجازة، وإن رده بطل؛ لأن التصرف على الإنسان لا يصح من غير إذنه ~~وإجازته، ثم إنما يصح صلح الفضولي إذا كان حرا بالغا فلا يصح صلح العبد ~~المأذون، والصبي؛ لأنهما ليسا من أهل التبرع، وكذا الخلع من الأجنبي على ~~هذه الفصول التي ذكرنا بأن كان بإذن الزوج أو المرأة يصير وكيلا، ويجب ~~المال على المرأة دون الوكيل، وإن كان بغير إذنهما؛ فهو على الفصول التي ~~ذكرنا في الصلح، وكذلك الزيادة في الثمن من الأجنبي على هذا التفصيل إن كان ~~بإذن المشتري يكون وكيلا، ويجب على المشتري، وإن كان بغير إذنه؛ فعلى ما ~~ذكرنا من الفصول، وكذلك العفو والصلح عن دم العمد من الأجنبي على هذه ~~الفصول، ثم لا يخلو إما إن صالح على المفروض، أو على غير المفروض بمقدار ~~المفروض، أو بأكثر منه قبل تعيين القاضي، أو بعده على ما تقدم، والأصل فيه ~~أنه يجوز من صلح الأجنبي ما يجوز من صلح القاتل وما لا فلا. # وبيان ذلك أنه إذا صالح الفضولي على خمسة عشر ألفا، أو على ألفي دينار، ~~وضمن قبل تعيين القاضي الواجب على العاقلة جاز الصلح على عشرة آلاف درهم، ~~وعلى ألف دينار، وتبطل الزيادة لما ذكرنا أن الفضولي بالصلح في مثل هذا ~~الموضع متبرع بقضاء دين على المتبرع عليه، وليس ms3426 عليه إلا هذا القدر، فلا ~~يصح تبرعه عليه بالزيادة كمن كان له على آخر ألف درهم دين فقضى عنه ألفين ~~بغير أمره له أن يسترد الزيادة هذا إذا صالح على المفروض، فإن صالح على جنس ~~آخر جاز؛ لأن المانع من الجواز هو الربا، ولا يجري في مختلفي الجنس، وكذلك ~~لو صالح على مائتي بعير بعينها، أو بغير عينها؛ جاز صلحه على المائة لما أن ~~القاتل لو فعل ذلك بنفسه لما جاز إلا على المائة فكذا الفضولي لما ذكرنا، ~~ثم إن كانت بغير أعيانها؛ فالواجب عليه مائة من الإبل على الأسنان الواجبة ~~في باب الدية؛ لأن مطلق الإبل في هذا الباب ينصرف إلى الواجب، وإن كانت ~~بأعيانها، فالواجب مائة منها، والخيار إلى الطالب؛ لأن الرضا بالكل يكون ~~رضا بالبعض، فإن كان في أسنان الإبل نقصان عن أسنان الإبل الواجبة في باب ~~الدية فللطالب أن يرد الصلح؛ لأن صلح الطالب على الزيادة على المفروض محمول ~~على أن غرضه أنه لو ظهر نقصان في السن لا يجبر بزيادة العدد، فإذا لم تحصل ~~له الزيادة لم يحصل غرضه فاختل رضاه بالنقصان فأوجب حق النقص. # ولو صالح على مائة على # PageV06P052 # أسنان الدية، وضمنها فهو جائز، ولا خيار للطالب؛ لأن الصلح على مائة على ~~أسنان الدية استيفاء عين الحق، وإن كان القاضي عين الواجب فقضى عليه ~~بالدراهم، فصالح المتوسط على ألفي دينار؛ جاز، ولا بد من القبض في المجلس، ~~كما لو فعله القاتل بنفسه؛ لأنه صرف، فيراعى له شرائطه، والله تعالى أعلم. ### | [فصل في بيان حكم الصلح] # (فصل) : # (وأما) بيان حكم الصلح. # فنقول، وبالله التوفيق إن للصلح أحكاما بعضها أصلي لا ينفصل عنه جنس ~~الصلح المشروع، وبعضها دخيل يدخل في بعض أنواع الصلح دون البعض أما الأصل، ~~فهو انقطاع الخصومة والمنازعة بين المتداعيين شرعا حتى لا تسمع دعواهما بعد ~~ذلك، وهذا حكم لازم جنس الصلح. # فأما. # الدخيل. # فأنواع: منها حق الشفعة للشفيع، وجملته أن المدعى لو كان دارا، وبدل ~~الصلح سوى الدار من الدراهم، والدنانير، وغيرهما، ms3427 فإن كان الصلح عن إقرار ~~المدعى عليه يثبت للشفيع فيها حق الشفعة؛ لأنه في معنى البيع من الجانبين ~~فيجب حق الشفعة، وإن كان الصلح عن إنكار لا يثبت؛ لأنه ليس في معنى البيع ~~من جانب المدعى عليه، بل هو بذل المال لدفع الخصومة، واليمين لكن للشفيع أن ~~يقوم مقام المدعي فيدلي بحجته على المدعى عليه، فإن كانت للمدعي بينة ~~أقامها الشفيع عليه، وأخذ الدار بالشفعة؛ لأن بإقامة البينة تبين له أن ~~الصلح كان في معنى البيع، وكذلك إن لم تكن له بينة فحلف المدعى عليه، فنكل، ~~وإن كان بدل الصلح دارا، والصلح عن إقرار المدعى عليه يثبت للشفيع حق ~~الشفعة في الدارين جميعا لما مر أن الصلح هنا في معنى البيع من الجانبين، ~~فصار كأنهما تبايعا دارا بدار، فيأخذ شفيع كل دار الدار المشفوعة بقيمة ~~الدار الأخرى، وإن تصالحا على أن يأخذ المدعي الدار المدعاة، ويعطي المدعى ~~عليه دارا أخرى، فإن كان الصلح عن إنكار وجبت فيهما الشفعة بقيمة كل واحدة ~~منهما لأن هذا الصلح في معنى البيع من الجانبين وإن كان الصلح عن إقرار لا ~~يصح؛ لأن الدارين جميعا ملك المدعي لاستحالة أن يكون ملكه بدلا عن ملكه، ~~وإذا لم يصح الصلح لا تجب الشفعة. # ولو صالح عن الدار على منافع لا تثبت الشفعة، وإن كان الصلح عن إقرار؛ ~~لأن المنفعة ليست بعين مال، فلا يجوز أخذ الشفعة بها، وإن كان الصلح عن ~~إنكار يثبت للشفيع حق الشفعة في الدار التي هي بدل الصلح، ولا يثبت في ~~الدار المدعاة؛ لأن الأخذ بالشفعة يستدعي كون المأخوذ مبيعا في حق من يأخذ ~~منه؛ لأن الصلح عن إنكار في جانب المدعي معاوضة فكان بدل الصلح بمعنى البيع ~~في حقه إذا كان عينا فكان للشفيع حق الأخذ منه بالشفعة، وفي جانب المدعى ~~عليه ليس بمعاوضة، بل هو إسقاط الخصومة، ودفع اليمين عن نفسه فلم يكن للدار ~~المدعاة حكم المبيع في حقه، فلم يكن للشفيع أن يأخذها بالشفعة إلا أن يدلي ~~بحجة المدعي فيقيم ms3428 البينة، أو يحلف المدعى عليه، فينكل على ما ذكرنا. # ومنها حق الرد بالعيب، وأنه يثبت من الجانبين جميعا إن كان الصلح عن ~~إقرار؛ لأنه بمنزلة البيع، وإن كان عن إنكار يثبت في جانب المدعي، ولا يثبت ~~في جانب المدعى عليه؛ لأن هذا بمنزلة البيع في حقه لا في حق المدعى عليه، ~~والعيب على المدعى عليه في دعواه فإن أقام البينة أخذ حصة العيب، وإن لم ~~يثبت للمدعى عليه حق الرد بالعيب لم يرجع في شيء، وكذا لو استحق عليه ~~الدار، وقد بنى فيها بناء فنقض لا يرجع على المدعي بقيمة البناء، وكذا لو ~~كان المدعى جارية، فاستولدها لم يكن مغرورا، ولا يرجع بقيمة الولد؛ لأن ما ~~أخذه المدعي ليس بدل المدعى في حقه إلا أنه إذا استحقت الدار المدعاة يرجع ~~على المدعي بما أدى إليه؛ لأن المؤدى بدل الخصومة في حقه، وقد تبين أنه لا ~~خصومة فيه فكان له حق الرجوع بالمؤدى. # ولو وجد ببدل الصلح عيبا فلم يقدر على رده للهلاك أو للزيادة أو للنقصان ~~في يد المدعي فإن كان الصلح عن إقرار يرجع على المدعى عليه بحصة العيب في ~~المدعى، وإن كان عن إنكار يرجع بحصة العيب على المدعى عليه في دعواه، فإن ~~أقام البينة أخذ حصة العيب، وكذا إذا حلفه فنكل، وإن حلف فلا شيء عليه. # ومنها الرد بخيار الرؤية في نوعي الصلح، وفرق الطحاوي بينهما، وألحق الرد ~~في الصلح عن إنكار ببدل الصلح عن القصاص وبالمهر، وبدل الخلع، والرد بخيار ~~الرؤية غير ثابت في تلك العقود، فكذا ههنا، وفي كتاب الصلح أثبت حق الرد في ~~النوعين جميعا من غير فصل هو الصحيح؛ لأن الخيار ثبت للمدعي فيستدعي كونه ~~معاوضة عن حقه، وقد وجد وكذلك الأحكام تشهد بصحة هذا # PageV06P053 # على ما نذكر. # ومنها أنه لا يجوز التصرف في بدل الصلح قبل القبض إذا كان منقولا في نوعي ~~الصلح، فلا يجوز للمدعي بيعه وهبته ونحو ذلك، وإن كان عقارا يجوز عند أبي ~~حنيفة، وأبي يوسف، وعند محمد لا ms3429 يجوز، ويجوز ذلك في الصلح عن القصاص ~~للمصالح أن يبيعه، ويبرأ عنه قبل القبض، وكذلك المهر والخلع والفرق أن ~~المانع من الجواز في سائر المواضع التحرز عن انفساخ العقد على تقدير ~~الهلاك، ولم يوجد هنا؛ لأن الصلح عن القصاص بما لا يحتمل الانفساخ، فلا ~~حاجة إلى الصيانة بالمنع كالموروث، وبذا تبين أن إلحاق العقد بالعقود التي ~~هي مبادلة مال بغير مال على ما ذكره الطحاوي غير سديد. # ولو صالح عن القصاص على عين، فهلكت قبل التسليم؛ فعليه قيمتها؛ لأن الصلح ~~لم ينفسخ فبقي وجوب التسليم، وهو عاجز عن تسليم العين للمصلح فيجب تسليم ~~القيمة. # (ومنها) أن الوكيل بالصلح إذا صالح ببدل الصلح يلزمه، أو يلزم المدعى ~~عليه، فهذا في الأصل لا يخلو من وجهين إما أن يكون الصلح في معنى المعاوضة، ~~وإما أن يكون في معنى استيفاء عين الحق فإن كان في معنى المعاوضة يلزمه دون ~~المدعى عليه؛ لأنه يكون جاريا مجرى البيع، وحقوق البيع راجعة إلى الوكيل، ~~وإن كان في معنى استيفاء عين الحق، فهذا على وجهين أيضا إما إن ضمن بدل ~~الصلح وإما إن لم يضمن، فإن لم يضمن لا يلزمه؛ لأنه يكون سفيرا بمنزلة ~~الرسول، فلا ترجع إليه الحقوق، وإن ضمن لزمه بحكم الكفالة لا بحكم العقد. # (وأما) الفضولي فإن نفذ صلحه فالبدل عليه، ولا يرجع به على المدعى عليه؛ ~~لأنه متبرع، وإن وقف صلحه فإن رده المدعى عليه بطل، ولا شيء على واحد ~~منهما، وإن أجازه جاز، والبدل عليه دون الفضولي. ### | [فصل في بيان ما يبطل به الصلح بعد وجوده] # (فصل) : # وأما بيان ما يبطل به الصلح بعد وجوده. # فنقول وبالله التوفيق ما يبطل به الصلح أشياء (منها) الإقالة فيما سوى ~~القصاص؛ لأن ما سوى القصاص لا يخلو عن معنى معاوضة المال بالمال، فكان ~~محتملا للفسخ كالبيع ونحوه (فأما) في القصاص فالصلح فيه إسقاط محض؛ لأنه ~~عفو، والعفو إسقاط فلا يحتمل الفسخ كالطلاق ونحوه (ومنها) لحاق المرتد بدار ~~الحرب، أو موته على الردة عند أبي حنيفة ms3430 بناء على أن تصرفات المرتد موقوفة ~~عنده على الإسلام أو اللحوق بدار الحرب والموت، فإن أسلم نفذ، وإن لحق بدار ~~الحرب، وقضى القاضي به، أو قتل، أو مات على الردة تبطل، وعندهما نافذة ~~والمرتدة إذا لحقت بدار الحرب يبطل من صلحها ما يبطل من صلح الحربية؛ لأن ~~حكمها حكم الحربية، والمسألة تعرف في موضعها، إن شاء الله تعالى (ومنها) ~~الرد بخيار العيب والرؤية؛ لأنه يفسخ العقد لما علم (ومنها) الاستحقاق، ~~وأنه ليس إبطالا حقيقة، بل هو بيان أن الصلح لم يصح أصلا لا أنه بطل بعد ~~الصحة إلا أنه إبطال من حيث الظاهر لنفاذ الصلح ظاهرا، فيجوز إلحاقه بهذا ~~القسم لكنه ليس بإبطال حقيقة، فكان إلحاقه بأقسام الشرائط على ما ذكرنا ~~أولى وأقرب إلى الصناعة والفقه، فكان أولى (ومنها) هلاك أحد المتعاقدين في ~~الصلح على المنافع قبل انقضاء المدة؛ لأنه بمعنى الإجازة، وإنما تبطل بموت ~~أحد المتعاقدين، وأما هلاك ما وقع الصلح على منفعته هل يوجب بطلان الصلح ~~فلا يخلو إما أن كان حيوانا كالعبد والدابة أو غير حيوان كالدار والبيت، ~~فإن كان حيوانا؛ لا يخلو إما أن هلك بنفسه، أو باستهلاك، فإن هلك بنفسه ~~يبطل الصلح إجماعا، وإن هلك باستهلاك، فلا يخلو من ثلاثة أوجه إما إن ~~استهلكه أجنبي، وإما إن استهلكه المدعى عليه، وإما إن استهلكه المدعي، فإن ~~استهلكه أجنبي بطل الصلح عند محمد، وقال أبو يوسف: لا يبطل ولكن للمدعي ~~الخيار إن شاء نقض الصلح، وإن شاء اشترى له بقيمته عبدا يخدمه إلى المدة ~~المضروبة. # (وجه) قول محمد إن الصلح على المنفعة بمنزلة الإجارة؛ لأن الإجارة تمليك ~~المنفعة بعوض، وقد وجد؛ ولهذا ملك إجارة العبد من غيره بمنزلة المستأجر في ~~باب الإجارة، والإجارة تبطل بهلاك المستأجر سواء هلك بنفسه، أو باستهلاك ~~كذا هذا. # (وجه) قول أبي يوسف إن هذا صلح فيه معنى الإجارة، وكما أن معنى المعاوضة ~~لازم في الإجارة فمعنى استيفاء عين الحق أصل في الصلح فيجب اعتبارهما جميعا ~~ما أمكن، ومعلوم أنه لا يمكن استيفاء ms3431 الحق من المنفعة؛ لأنها ليست من جنس ~~المدعى فيجب تحقيق معنى الاستيفاء من محل المنفعة، وهو الرقبة، ولا يمكن ~~ذلك إلا بعد ثبوت الملك له فيها فتجعل كأنها ملكه في حق استيفاء حقه منها ~~وبعد القتل إن تعذر الاستيفاء من عينها يمكن من بدلها، فكان له أن يستوفي ~~من البدل بأن يشتري له عبدا فيخدمه إلى # PageV06P054 # المدة المشروطة، وله حق النقض أيضا لتعذر محل الاستيفاء، وإن استهلكه ~~المدعى عليه بأن قتله، أو كان عبدا فأعتقه يبطل الصلح أيضا، وقيل هذا قول ~~محمد، فأما على أصل أبي يوسف فلا يبطل، وتلزمه القيمة ليشتري له بها عبدا ~~آخر يخدمه إلى المدة المشروطة، كما إذا قتله أجنبي، وكالراهن إذا قتل العبد ~~المرهون، أو أعتقه، وهذا لأن رقبة العبد، وإن كانت مملوكة للمدعى عليه ~~لكنها مشغولة بحق الغير، وهو المدعي لتعلق حقه بها، فتجب رعايتهما جميعا ~~بتنفيذ العتق، ويضمن القيمة، كما في الرهن، وكذا لو استهلكه المدعي بطل ~~الصلح عند محمد، وعند أبي يوسف لا يبطل، وتؤخذ من المدعي قيمة العبد، ~~ويشترى عبد آخر يخدمه، وهل يثبت الخيار للمدعي في نقض الصلح على مذهبه فيه ~~نظر هذا إذا كان الصلح على منافع الحيوان فأما إذا كان على سكنى بيت فهلك ~~بنفسه بأن انهدم، أو باستهلاك بأن هدمه غيره لا يبطل الصلح، ولكن لصاحب ~~السكنى، وهو المدعي الخيار إن شاء بناه صاحب البيت بيتا آخر يسكنه إلى ~~المدة المضروبة، وإن شاء نقض الصلح، ولا يتعذر هنا خلاف محمد؛ لأن إجارة ~~العبد تبطل بموته بالإجماع، وإجارة الدار لا تبطل بانهدامها، ولصاحب الدار ~~أن يبنيها مرة أخرى في بعض إشارات الروايات عن أصحابنا على ما مر في ~~الإجارات. # ولو تصالحا عن إنكار المدعى عليه على مال، ثم أقر المدعى عليه بعد الصلح ~~لا ينفسخ الصلح؛ لأن الإقرار مبين أن الصلح وقع معاوضة من الجانبين فكان ~~مقرا للصلح لا مبطلا له. # ولو أقام المدعي البينة بعد الصلح لا تسمع بينته إلا إذا ظهر ببدل الصلح ~~عيب، وأنكر المدعى ms3432 عليه، فأقام البينة ليرده بالعيب، فتسمع بينته، وتبين أن ~~للصلح الماضي حكم الصلح عن إقرار المدعى عليه فكل حكم ثبت في ذلك ثبت في ~~هذا. ### | [فصل في بيان حكم الصلح إذا بطل بعد صحته] # (فصل) : # وأما بيان حكم الصلح إذا بطل بعد صحته، أو لم يصح أصلا. # فهو أن يرجع المدعي إلى أصل دعواه إن كان الصلح عن إنكار، وإن كان عن ~~إقرار، فيرجع على المدعى عليه بالمدعى لا غيره إلا أن في الصلح عن قصاص إذا ~~لم يصح؛ كان له أن يرجع على القاتل بالدية دون القصاص إلا أن يصير مغرورا ~~من جهة المدعى عليه، فيرجع عليه بضمان الغرور أيضا، وبيان هذه الجملة أنهما ~~إذا تقايلا الصلح فيما سوى القصاص، أو رد البدل بالعيب، وخيار الرؤية يرجع ~~المدعي بالمدعى إن كان عن إقرار، وإن كان عن إنكار يرجع إلى دعواه؛ لأن ~~الإقالة والرد بالعيب، وخيار الرؤية فسخ للعقد، وإذا فسخ جعل كأن لم يكن ~~فعاد الأمر على ما كان من قبل، وكذا إذا استحق؛ لأن بالاستحقاق ظهر أنه لم ~~يصح لفوات شرط الصحة فكأنه لم يوجد أصلا، فكان وجوده وعدمه بمنزلة واحدة ~~إلا أن في الصلح عن القصاص عن إقرار لا يرجع بالمدعى، وإن فات شرط الصحة؛ ~~لأن صورة الصلح أورثت شبهة في درء القصاص والقصاص لا يستوفى مع الشبهة فسقط ~~لكن إلى بدل، وهو الدية، فأما المال، وما سوى القصاص من الحقوق والحدود ~~فيما يمكن استيفاؤه مع الشبهة فأمكن الرجوع بالمدعى، ولا يرجع بشيء آخر إلا ~~إذا صار مغرورا من جهة المدعى عليه بأن كان بدل الصلح جارية، فقبضها ~~واستولدها، ثم جاء مستحق فاستحقها وأخذها وأخذ عقرها وقيمة ولدها وقت ~~الخصومة، فإنه يرجع على المدعى عليه بالمدعى، وبما ضمن من قيمة الولد إن ~~كان الصلح عن إقرار؛ لأنه صار مغرورا من جهته، وإن كان الصلح عن إنكار يرجع ~~إلى دعواه لا غير، فإن أقام البينة على صحة دعواه، أو حلف المدعى عليه فنكل ~~حينئذ يرجع بما ادعى، وبقيمة ms3433 الولد؛ لأنه تبين أنه كان مغرورا، فيرجع عليه ~~بضمان الغرور، ولا يرجع بالعقر في نوعي الصلح؛ لأن العقر بدل لمنفعة ~~المستوفى، فكان عليه العقر، وإن كان الصلح عن القصاص في النفس، أو ما دونها ~~فصالح على جارية فاستولدها، ثم استحقت، فإنه يرجع على المدعى عليه بقيمة ~~الجارية، وبما ضمن من قيمة الولد إن كان الصلح عن إقرار، ولا يرجع بالعقر ~~لما ذكرنا، وإن كان الصلح عن إنكار؛ يرجع إلى دعواه لا غير فإن أقام ~~البينة، أو حلف المدعى عليه، فنكل يرجع بقيمة الجارية، وبما ضمن من قيمة ~~الولد لما قلنا، وإن حلف لا يرجع بشيء، أو صالح المتوسط على عبد معين ~~فاستحق العبد، أو وجد به عيبا فرده حتى بطل الصلح لا سبيل للمدعي على ~~المتوسط، ولكنه يرجع بالمدعى إن كان الصلح عن إقرار، وإن كان عن إنكار يرجع ~~إلى دعواه؛ لأن المتوسط بهذا الصلح لا يضمن سوى تسليم العبد المعين. # ولو صالح على دراهم مسماة، وضمنها # PageV06P055 # ودفعها إليه، ثم استحقت، أو وجدها زيوفا له أن يرجع على المصالح المتوسط؛ ~~لأنه بالضمان التزم تسليم الجارية، وسلامة المضمون. # ولو استحقت الدار المدعاة بعد الصلح عن إقرار، أو عن إنكار كان للمدعى ~~عليه أن يرجع بما دفع. # (أما) في موضع الإقرار، فلا شك فيه؛ لأن المأخوذ عوض في حقهما جميعا. # (وأما) في موضع الإنكار فلأن المأخوذ عوض في حق المدعي عن المدعى عليه، ~~وقد فات بالاستحقاق، فيجب عليه رد عوضه هذا إذا استحق كل الدار فأما إذا ~~استحق بعضها، فإن كان ادعى جميع الدار يرجع بحصة ما استحق لفوات بعض ما هو ~~عوض عن المستحق، وإن كان ادعى فيها حقا لم يرجع بشيء لجواز أن يكون المدعى ~~ما وراء المستحق، وإذا بطل الصلح على المنافع بموت أحد المتعاقدين، وغير ~~ذلك في أثناء المدة، فإن كان الصلح عن إقرار رجع بالمدعى بقدر ما لم يستوف ~~من المنفعة، وإن كان عن إنكار رجع إلى الدعوى في قدر ما لم يستوف من ~~المنفعة. # ولو صالح ms3434 عن القصاص على دن من خمر فإذا هو خل، أو على عبد؛ فإذا هو حر، ~~فهو على الاختلاف الذي عرف في باب النكاح إلا أن فيما يجب مهر المثل هناك ~~تجب الدية هنا، وفيما تجب القيمة لرجل مثله هناك يجب ذاك هنا، ولا يشبه هذا ~~ما إذا صالح عن القصاص على خمر، وهو يعلم بأنه خمر أنه لا يجب شيء، وههنا ~~يجب شيء؛ لأن هناك صار مغرورا من جهة المدعى عليه بتسمية العبد والخل، وكل ~~من غر غيره في شيء، يكون ملتزما ما يلحقه من العهدة فيه، فإذا ظهر الأمر ~~بخلافه كان له حق الرجوع عليه بحكم الكفالة والضمان، ومعنى الغرور، لا ~~يتقدر عند علمه بحال المسمى فتبقى لفظة الصلح كناية عن العفو، وأنه مسقط ~~للحق أصلا، فهو الفرق بين الأمرين، والله عز وجل أعلم. ### | [كتاب الشركة] ### | [أنواع الشركة] # (كتاب الشركة) # الشركة في الأصل نوعان: شركة الأملاك، وشركة العقود وشركة الأملاك نوعان: ~~نوع يثبت بفعل الشريكين، ونوع يثبت بغير فعلهما. # (أما) الذي يثبت بفعلهما فنحو أن يشتريا شيئا، أو يوهب لهما، أو يوصى ~~لهما، أو يتصدق عليهما، فيقبلا فيصير المشترى والموهوب والموصى به والمتصدق ~~به مشتركا بينهما شركة ملك. # (وأما) الذي يثبت بغير فعلهما فالميراث بأن ورثا شيئا فيكون الموروث ~~مشتركا بينهما شركة ملك. # (وأما) . # شركة العقود. # فالكلام فيها يقع في مواضع: في بيان أنواعها وكيفية كل نوع منها، وركنه، ~~وفي بيان شرائط ركنه، وفي بيان حكم الشركة، وفي بيان صفة عقد الشركة، وفي ~~بيان ما يبطل العقد. # أما الأول: فشركة العقود أنواع ثلاثة: شركة بالأموال، وشركة بالأعمال، ~~وتسمى شركة الأبدان وشركة الصانع، وشركة بالتقبل، وشركة بالوجوه (أما) ~~الأول: وهو الشركة بالأموال: فهو أن يشترك اثنان في رأس مال، فيقولان ~~اشتركنا فيه، على أن نشتري ونبيع معا، أو شتى، أو أطلقا على أن ما رزق الله ~~عز وجل من ربح، فهو بيننا على شرط كذا، أو يقول أحدهما: ذلك، ويقول الآخر: ~~نعم. # ولو ذكرا الشراء دون البيع، فإن ذكرا ما ms3435 يدل على شركة العقود، بأن قالا: ~~ما اشترينا فهو بيننا، أو ما اشترى أحدنا من تجارة فهو بيننا، يكون شركة؛ ~~لأنهما لما جعلا ما اشتراه كل واحد بينهما علم أنهما أرادا به الشركة، لا ~~الوكالة؛ لأن الوكيل لا يوكل موكله عادة، وإذا لم يكن وكالة لا تقف صحته ~~على ما تقف عليه صحة الوكالة، وهو التخصيص ببيان الجنس أو النوع أو قدر ~~الثمن بل يصح من غير بيان شيء من ذلك إن لم يذكرا الشراء، ولا البيع. # ولا ما يدل على شركة العقود، بأن قال رجل لغيره: ما اشتريت من شيء فبيني ~~وبينك، أو قال: فبيننا، وقال الآخر: نعم فإن أرادا بذلك أن يكونا بمعنى ~~شريكي التجارة، كان شركة حتى تصح من غير بيان جنس المشترى، ونوعه وقدر ~~الثمن، كما إذا نصا على الشراء والبيع. # وإن أرادا به أن يكون المشترى بينهما خاصة بعينه، ولا يكونا فيه كشريكي ~~التجارة بل يكون المشترى بينهما بعينه كما إذا أورثا أو وهب لهما، كان ~~وكالة لا شركة فإن وجد شرط صحة الوكالة جازت الوكالة، وإلا فلا، وهو بيان ~~جنس المشترى، وبيان نوعه، أو مقدار الثمن في الوكالة الخاصة وهي أن لا يفوض ~~الموكل الرأي إلى الوكيل، بأن يقول: ما اشتريت لي من عبد تركي، أو جارية ~~رومية، فهو جائز أو ما اشتريت لي من عبد أو جارية بألف درهم فهو جائز، أو ~~بيان الوقت أو قدر الثمن أو جنس المشترى في الوكالة العامة بأن يقول: ما ~~اشتريت لي من شيء اليوم # PageV06P056 # أو شهر كذا أو سنة كذا فهو جائز، أو قال: ما اشتريت لي من شيء بألف درهم ~~فهو جائز أو ما اشتريت لي من البز والخز، فهو جائز وإنما كان كذلك؛ لأن ~~مطلق هذا اللفظ يحتمل الشركة، ويحتمل الوكالة فلا بد من النية فإن نويا به ~~الشركة كان شركة في عموم التجارات؛ لأن الأصل في الشركة العموم؛ لأن ~~المقصود منها تحصيل الربح وهذا المقصود لا يحصل إلا بتكرار التجارة مرة بعد ~~أخرى، ms3436 ولا يشترط لها بيان شيء مما ذكرنا لأن ذلك ليس بشرط لصحة الشركة وإن ~~نويا به الوكالة كان وكالة ويقف صحتها على شرائطها من الخاصة أو العامة؛ ~~لأن مبنى الوكالة على الخصوص؛ لأن المقصود منها تملك العين لا تحصيل الربح ~~منها فلا بد فيها من التخصيص ببيان ما ذكرنا إلا أنه يكتفى في الوكالة ~~العامة ببيان أحد الأشياء التي وصفنا لأنه لما عممها بتفويض الرأي فيها إلى ~~الوكيل فقد شبهها بالشركة فكان في احتمال الجهالة الفاحشة كالشركة لكنها ~~وكالة والخصوص أصل في الوكالة فلا بد فيها من ضرب تخصيص فإن أتى بشيء مما ~~ذكرنا، جازت وإلا بطلت. # قال بشر: سمعت أبا يوسف يقول في رجل قال لرجل: ما اشتريت اليوم من شيء ~~فبيني وبينك نصفين فقال الرجل: نعم فإن أبا حنيفة - رحمه الله - قال: هذا ~~جائز. # وكذلك قال أبو يوسف. # وكذلك إن وقت مالا، ولم يوقت يوما، وكذا إن وقت صنفا من الثياب، وسمى ~~عددا، أو لم يسم ثمنا ولا يوما، وإن قال: ما اشتريت من شيء فهو بيني وبينك، ~~ولم يسم شيئا مما ذكرنا، فإن أبا حنيفة - رحمه الله - قال لا يجوز. # وكذلك قال أبو يوسف لما ذكرنا أنه لما لم يذكر البيع، ولا ما يدل على ~~شركة العقود، علم أنها وكالة، فلا تصح إلا بضرب من التخصيص على ما بينا. # وذكر محمد في الأصل: في رجلين اشتركا بغير مال على أن ما اشتريا اليوم ~~فهو بينهما خصا صنفا من الأصناف، أو عما ولم يخصا فهو جائز. # وكذلك إن لم يوقتا للشركة وقتا كان هذا جائزا؛ لأنهما لما جعلا ما يشتريه ~~كل واحد بينهما دل على أنها شركة وليست بوكالة؛ لأن الوكالة لا تكون من ~~الجانبين عادة، وإذا كان شركة فالشركة لا تحتاج إلى التخصيص. # قال وإن أشهد أحدهما أن ما يشتريه لنفسه بغير محضر من صاحبه فكلما اشتريا ~~شيئا، فهو بينهما؛ لأن الشركة لما صحت كان كل واحد منهما وكيل الآخر فيما ~~يشتريه، فهو بالإشهاد أنه يشتري لنفسه، ms3437 يريد إخراج نفسه من الوكالة بغير ~~محضر من الموكل، فلا يملك ذلك. # (وأما) الشركة بالأعمال: فهو أن يشتركا على عمل من الخياطة، أو القصارة، ~~أو غيرهما فيقولا: اشتركنا على أن نعمل فيه على أن ما رزق الله عز وجل من ~~أجرة فهي بيننا، على شرط كذا،. # (وأما) الشركة بالوجوه: فهو أن يشتركا وليس لهما مال، لكن لهما وجاهة عند ~~الناس فيقولا: اشتركنا على أن نشتري بالنسيئة، ونبيع بالنقد، على أن ما رزق ~~الله سبحانه وتعالى من ربح فهو بيننا على شرط كذا. # وسمي هذا النوع شركة الوجوه؛ لأنه لا يباع بالنسيئة إلا الوجيه من الناس ~~عادة أنه سمي بذلك؛ لأن كل واحد منهما يواجه صاحبه ينتظران من يبيعها ~~بالنسيئة ويدخل في كل واحد من الأنواع الثلاثة: العنان والمفاوضة ويفصل ~~بينهما بشرائط تختص بالمفاوضة نذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في بيان جواز أنواع الشركة] # (فصل) : # وأما بيان جواز هذه الأنواع الثلاثة فقد قال أصحابنا: إنها جائزة، عنانا ~~كانت أو مفاوضة، وقال الشافعي - رحمه الله -: شركة الأعمال والوجوه لا جواز ~~لها أصلا ورأسا. # (وأما) شركة الأموال: فتجوز فيها العنان، ولا تجوز فيها المفاوضة، وقال ~~مالك - رحمه الله -: لا أعرف المفاوضة. # وقيل في اشتقاق العنان: أنه مأخوذ من العن، وهو الإعراض يقال: عن لي، أي ~~اعترض وظهر. # قال امرؤ القيس: # فعن لنا سرب كأن نعاجه ... عذارى دوار في ملاء مذيل # سمي هذا النوع مثل الشركة عنانا؛ لأنه يقع على حسب ما يعن لهما في كل ~~التجارات، أو في بعضها دون بعض وعند تساوي المالين، أو تفاضلهما وقيل: هو ~~مأخوذ من عنان الفرس، أن يكون بإحدى يديه، ويده الأخرى مطلقة يفعل بها ما ~~يشاء، فسمي هذا النوع من الشركة له عنانا؛ لأنه لا يكون إلا في بعض الأموال ~~ويتصرف كل واحد منهما في الباقي كيف يشاء، أو لأن كل واحد منهما جعل عنان ~~التصرف في المال المشترك لصاحبه، وكان أهل الجاهلية يتعاطون هذه الشركة قال ~~النابغة # PageV06P057 # وشاركنا قريشا في تقاها ... وفي ms3438 أحسابها شرك العنان. # (وأما) . # المفاوضة: فقد قيل: إنها المساواة في اللغة قال القائل وهو العبدي: # تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت ... فإن تولت فبالأشرار تنقاد # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا # سمي هذا النوع من الشركة مفاوضة؛ لاعتبار المساواة فيه في رأس المال ~~والربح والتصرف وغير ذلك على ما نذكر. # وقيل هي من التفويض؛ لأن كل واحد منهما يفوض التصرف إلى صاحبه على كل ~~حال. # (وأما) الكلام في شركة الأعمال والوجوه (فوجه) قول الشافعي - رحمه الله - ~~أن الشركة تنبئ عن الاختلاط، ولهذا شرط الخلط لجواز الشركة؛ ولا يقع ~~الاختلاط إلا في الأموال، وكذا ما وضع له الشركة لا يتحقق في هذين النوعين؛ ~~لأنها وضعت لاستنماء المال بالتجارة؛ لأن نماء المال بالتجارة والناس في ~~الاهتداء إلى التجارة مختلفون، بعضهم أهدى من البعض، فشرعت الشركة؛ لتحصيل ~~غرض الاستنماء، ولا بد من أصل يستنمى، ولم يوجد في هذين النوعين فلا يحصل ~~ما وضع له الشركة فلا يجوز. # (ولنا) : أن الناس يتعاملون بهذين النوعين في سائر الأعصار من غير إنكار ~~عليهم من أحد. # وقال - عليه الصلاة والسلام -: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» ؛ ولأنهما ~~يشتملان على الوكالة والوكالة جائزة، والمشتمل على الجائز جائز وقوله: إن ~~الشركة شرعت لاستنماء المال فيستدعي أصلا يستنمى فنقول: الشركة بالأموال ~~شرعت لتنمية المال وأما الشركة بالأعمال، أو بالوجوه: فما شرعت لتنمية ~~المال، بل لتحصيل أصل المال، والحاجة إلى تحصيل أصل المال فوق الحاجة إلى ~~تنميته، فلما شرعت لتحصيل الوصف فلأن تشرع لتحصيل الأصل أولى. # (وأما) الكلام في الشركة بالأموال: فأما العنان فجائز بإجماع فقهاء ~~الأمصار؛ ولتعامل الناس ذلك في كل عصر من غير نكير، وما رآه المسلمون حسنا ~~فهو عند الله حسن ولما روي أن «أسامة بن شريك جاء إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: أتعرفني؟ فقال - عليه الصلاة والسلام -: وكيف لا أعرفك ~~وكنت شريكي ونعم الشريك، لا تداري، ولا تماري» ، وأدنى ما يستدل بفعله - ~~عليه الصلاة والسلام - الجواز، وكذا بعث رسول ms3439 الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والناس يتعاملون بهذه الشركة، فقررهم على ذلك، حيث لم ينههم ولم ينكر ~~عليهم، والتقرير أحد وجوه السنة ولأن هذه العقود شرعت لمصالح العباد، ~~وحاجتهم إلى استنماء المال متحققة. # وهذا النوع طريق صالح للاستنماء فكان مشروعا؛ ولأنه يشتمل على الوكالة، ~~والوكالة جائزة إجماعا. # (وأما) المفاوضة: (فأما) قول مالك - رحمه الله -: لا أعرف المفاوضة فإن ~~عنى به: لا أعرف معناها في اللغة فقد بينا معناها في اللغة أنها عبارة عن ~~المساواة، وإن عنى به: لا أعرف جوازها فقد عرفنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الجواز بقوله - عليه الصلاة والسلام -: تفاوضوا فإنه أعظم للبركة، ~~ولأنها مشتملة على أمرين جائزين وهما: الوكالة والكفالة؛ لأن كل واحدة ~~منهما جائزة حال الانفراد، وكذا حالة الاجتماع، كالعنان؛ ولأنها طريق ~~استنماء المال أو تحصيله، والحاجة إلى ذلك متحققة فكانت جائزة كالعنان. # (وأما) الكلام مع الشافعي - رحمه الله - فوجه قوله أن المفاوضة تتضمن ~~الكفالة عندكم، والكفالة التي تتضمنها المفاوضة كفالة بمجهول، وأنها غير ~~صحيحة حالة الانفراد فكذا التي تتضمنها المفاوضة ودليلنا على الجواز: ما ~~ذكرنا مع مالك - رحمه الله -. # (وأما) قوله: المكفول له مجهول فنعم، لكن هذا النوع من الجهالة في عقد ~~الشركة عفو وإن لم يكن عفوا حالة الانفراد كما في شركة العنان، فإنها تشتمل ~~على الوكالة العامة وإن كان لا يصح هذا التوكيل حالة الانفراد وكذا ~~المضاربة تتضمن وكالة عامة وأنها صحيحة وإن كانت الوكالة العامة لا تصح من ~~غير بيان حالة الانفراد، فكذا هذا وكان المعنى في ذلك الوكالة لا تثبت في ~~هذا العقد مقصودا، بل ضمنا للشركة وقد يثبت الشيء ضمنا وإن كان لا يثبت ~~قصدا، ويشترط للثابت مقصودا ما لا يشترط للثابت ضمنا وتبعا كعزل الوكيل ~~ونحو ذلك. ### | [فصل في بيان شرائط جواز أنواع الشركة] # (فصل) : # وأما بيان شرائط جواز هذه الأنواع فلجوازها شرائط: بعضها يعم الأنواع ~~كلها: وبعضها يخص البعض دون البعض. # (أما) الشرائط العامة فأنواع: (منها) أهلية الوكالة؛ لأن الوكالة لازمة ~~في الكل وهي أن يصير ms3440 كل واحد # PageV06P058 # منهما وكيل صاحبه في التصرف بالشراء والبيع وتقبل الأعمال؛ لأن كل واحد ~~منهما أذن لصاحبه بالشراء والبيع، وتقبل الأعمال مقتضى عقد الشركة والوكيل ~~هو المتصرف عن إذن فيشترط فيها أهلية الوكالة لما علم في كتاب الوكالة. # (ومنها) : أن يكون الربح معلوم القدر، فإن كان مجهولا تفسد الشركة؛ لأن ~~الربح هو المعقود عليه، وجهالته توجب فساد العقد كما في البيع والإجارة. # (ومنها) : أن يكون الربح جزءا شائعا في الجملة، لا معينا، فإن عينا عشرة، ~~أو مائة، أو نحو ذلك كانت الشركة فاسدة؛ لأن العقد يقتضي تحقق الشركة في ~~الربح والتعيين يقطع الشركة لجواز أن لا يحصل من الربح إلا القدر المعين ~~لأحدهما، فلا يتحقق الشركة في الربح. # (وأما) الذي يخص البعض دون البعض: فيختلف. # (أما) الشركة بالأموال فلها شروط: (منها) أن يكون رأس المال من الأثمان ~~المطلقة وهي التي لا تتعين بالتعيين في المفاوضات على كل حال، وهي الدراهم ~~والدنانير، عنانا كانت الشركة أو مفاوضة عند عامة العلماء، فلا تصح الشركة ~~في العروض، وقال مالك - رحمه الله -: هذا ليس بشرط وتصح الشركة في العروض، ~~والصحيح قول العامة؛ لأن معنى الوكالة من لوازم الشركة، والوكالة التي ~~يتضمنها الشركة لا تصح في العروض، وتصح في الدراهم، والدنانير. # فإن من قال لغيره: بع عرضك على أن يكون ثمنه بيننا لا يجوز وإذا لم تجز ~~الوكالة التي هي من ضرورات الشركة لم تجز الشركة. # ولو قال له: اشتر بألف درهم من مالك على أن يكون ما اشتريته بيننا جاز ~~ولأن الشركة في العروض تؤدي إلى جهالة الربح عند القسمة؛ لأن رأس المال ~~يكون قيمة العروض لا عينها، والقيمة مجهولة؛ لأنها تعرف بالحزر، والظن ~~فيصير الربح مجهولا؛ فيؤدي إلى المنازعة عند القسمة وهذا المعنى لا يوجد في ~~الدراهم والدنانير؛ لأن رأس المال من الدراهم والدنانير عند القسمة عينها، ~~فلا يؤدي إلى جهالة الربح؛ ولأن النبي - عليه الصلاة والسلام - نهى عن ربح ~~ما لم يضمن والشركة في العروض تؤدي إلى ربح ما لم يضمن؛ لأن ms3441 العروض غير ~~مضمونة بالهلاك فإن من اشترى شيئا بعرض بعينه، فهلك العرض قبل التسليم، لا ~~يضمن شيئا آخر؛ لأن العروض تتعين بالتعيين فيبطل البيع فإذا لم تكن مضمونة، ~~فالشركة فيها تؤدي إلى ربح ما لم يضمن، وأنه منهي بخلاف الدراهم والدنانير، ~~فإنها مضمونة بالهلاك؛ لأنها لا تتعين بالتعيين فالشركة فيها لا تؤدي إلى ~~ربح ما لم يضمن بل يكون ربح ما ضمن والحيلة في جواز الشركة في العروض وكل ~~ما يتعين بالتعيين أن يبيع كل واحد منهما نصف ماله بنصف مال صاحبه، حتى ~~يصير مال كل واحد منهما نصفين، وتحصل شركة ملك بينهما، ثم يعقدان بعد ذلك ~~عقد الشركة، فتجوز بلا خلاف ولو كان من أحدهما دراهم، ومن الآخر عروض، ~~فالحيلة في جوازه: أن يبيع صاحب العروض نصف عرضه بنصف دراهم صاحبه، ~~ويتقابضا، ويخلطا جميعا حتى تصير الدراهم بينهما، والعروض بينهما، ثم ~~يعقدان عليهما عقد الشركة فيجوز. # وأما التبر فهل يصلح رأس مال الشركة؟ ذكر في كتاب الشركة وجعله كالعروض ~~وفي كتاب الصرف جعله كالأثمان المطلقة؛ لأنه قال فيه: إذا اشترى به فهلك لا ~~ينفسخ العقد، والأمر فيه موكول إلى تعامل الناس، فإن كانوا يتعاملون به ~~فحكمه حكم الأثمان المطلقة، فتجوز الشركة بها وإن كانوا لا يتعاملون بها ~~فحكمها حكم العروض، ولا تجوز فيها الشركة. # (وأما) الفلوس: فإن كانت كاسدة فلا تجوز الشركة، ولا المضاربة بها؛ لأنها ~~عروض وإن كانت نافقة: فكذلك في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة، وأبي يوسف ~~وعند محمد تجوز والكلام فيها مبني على أصل وهو أن الفلوس الرائجة ليست ~~أثمانا على كل حال عند أبي حنيفة، وأبي يوسف؛ لأنها تتعين بالتعيين في ~~الجملة، وتصير مبيعا بإصلاح العاقدين حتى جاز بيع الفلس بالفلسين بأعيانها ~~عندهما، فأما إذا لم تكن أثمانا مطلقة؛ لاحتمالها التعيين بالتعيين في ~~الجملة في عقود المعاوضات، لم تصلح رأس مال الشركة كسائر العروض وعند محمد ~~الثمنية لازمة للفلوس النافقة، فكانت من الأثمان المطلقة، ولهذا أبى جواز ~~بيع الواحد منها باثنين، فتصلح رأس مال الشركة ms3442 كسائر الأثمان المطلقة من ~~الدراهم، والدنانير. # وروي عن أبي يوسف: أنه تجوز الشركة بالفلوس، ولا تجوز المضاربة ووجهه: أن ~~المانع من جواز المضاربة جهالة الربح عند القسمة على تقدير الكساد؛ لأنه لا ~~بد من تعيين رأس المال عند القسمة فإذا كسدت صار رأس المال قيمة، والقيمة ~~مجهولة؛ لأنها تعرف بالحزر والظن وهذا المعنى لا يوجد # PageV06P059 # في الشركة؛ لأنهما عند الكساد يأخذان رأس المال عددا لا قيمة، فكان الربح ~~معلوما. # (وأما) الشركة بالمكيلات، والموزونات التي ليست بأثمان مطلقة والعدديات ~~المتقاربة التي لا تتفاوت فلا تجوز قبل الخلط، في قولهم جميعا؛ لأنها إنما ~~تتعين بالتعيين، إذا كانت عينا فكانت كالعروض؛ ولأن الوكالة التي تتضمنها ~~الشركة فيها لا تصح قبل الخلط ألا يرى أنه لو قال آخر قبل الخلط: بع حنطتك ~~على أن يكون ثمنها بيننا لم يجز وسواء كانت الشركة من جنسين أو من جنس ~~واحد. # وأما بعد الخلط: فإن كانت الشركة في جنسين مختلفين لا تجوز في قولهم ~~جميعا؛ لأن الحنطة إذا خلطت بالشعير، خرجت من أن تكون ثمنا بدليل أن ~~مستهلكها يضمن قيمتها، لا مثلها وإن كانت من جنس واحد، فكذلك عند أبي يوسف: ~~لا تصح، وإنما تصير شركة ملك وعند محمد: تصح الشركة فيها بعد الخلط وفائدة ~~الاختلاف تظهر فيما إذا كان المكيل نصفين، وشرطا الربح أثلاثا، فخلطاه ~~واشتريا به فعلى قول أبي يوسف: الربح بينهما على قدر المالين نصفين وعلى ~~قول محمد: على ما شرطا فقول أبي يوسف مطرد على الأصل الذي ذكرنا، أن ~~المكيلات، والموزونات والمعدودات المتقاربة ليست أثمانا على كل حال، بل ~~تكون تارة ثمنا، وتارة مبيعا؛ لأنها تتعين بالتعيين في الجملة، فكانت ~~كالفلوس. # (ووجه) التخريج لمحمد: أن معنى الوكالة التي تتضمنها الشركة ثابت بعد ~~الخلط، فأشبهت الدراهم والدنانير بخلاف ما قبل الخلط؛ لأن الوكالة التي من ~~مقتضيات الشركة لا يصح فيها قبل الخلط، والحيلة في جواز الشركة بالمكيلات، ~~وسائر الموزونات، والعدديات المتقاربة على قول أبي يوسف أن يخلطا حتى تصير ~~شركة ملك بينهما، ثم يعقدا ms3443 عليها عقد الشركة، فيجوز عنده أيضا. # (ومنها) : أن يكون رأس مال الشركة عينا حاضرا لا دينا، ولا مالا غائبا، ~~فإن كان لا تجوز عنانا، كانت أو مفاوضة؛ لأن المقصود من الشركة الربح وذلك ~~بواسطة التصرف، ولا يمكن في الدين ولا المال الغائب، فلا يحصل المقصود ~~وإنما يشترط الحضور عند الشراء لا عند العقد؛ لأن عقد الشركة يتم بالشراء، ~~فيعتبر الحضور عنده حتى لو دفع إلى رجل ألف درهم، فقال له: أخرج مثلها، ~~واشتر بهما، وبع فما ربحت يكون بيننا، فأقام المأمور البينة، أنه فعل ذلك ~~جاز وإن لم يكن المال حاضرا من الجانبين عند العقد لما كان حاضرا عند ~~الشراء، وهل يشترط خلط المالين، وهو خلط الدراهم بالدنانير أو الدنانير ~~بالدراهم؟ قال أصحابنا الثلاثة: لا يشترط، وقال زفر: يشترط وبه أخذ الشافعي ~~- رحمه الله - وعلى هذا الأصل: يبنى ما إذا كان المالان من جنسين، بأن كان ~~لأحدهما دراهم، والآخر دنانير، أن الشركة جائزة عندنا خلافا لهما، وكذلك ~~إذا كانا من جنس واحد، لكن بصفتين مختلفتين كالصحاح مع المكسرة، أو كانت ~~دراهم أحدهما بيضاء، والآخر سوداء وعلة ذلك في شركة العنان فهو على هذا ~~الخلاف. # وروي عن زفر: أن الخلط شرط في المفاوضة، لا في العنان ولكن الطحاوي ذكر ~~أنه شرط فيهما عند زفر. # (وجه) قوله: أن الشركة تنبئ عن الاختلاط، والاختلاط لا يتحقق مع تميز ~~المالين، فلا يتحقق معنى الشركة، ولأن من أحكام الشركة أن الهلاك يكون من ~~المالين، وما هلك قبل الخلط من أحد المالين يهلك من مال صاحبه خاصة وهذا ~~ليس من مقتضى الشركة. # (ولنا) : أن الشركة تشتمل على الوكالة، فما جاز التوكيل به، جازت الشركة ~~فيه والتوكيل جائز في المالين قبل الخلط كذا الشركة. # (وأما) قوله: الشركة تنبئ عن الاختلاط فمسلم، لكن على اختلاط رأسي المال، ~~أو على اختلاط الربح فهذا مما لا يتعرض له لفظ الشركة، فيجوز أن يكون ~~تسميته شركة لاختلاط الربح، لا لاختلاط رأس المال، واختلاط الربح يوجد وإن ~~اشترى كل واحد منهما بمال ms3444 نفسه على حدة؛ لأن الزيادة وهي الربح تحدث على ~~الشركة. # (وأما) ما هلك من أحد المالين قبل الخلط: فإنما كان من نصيب صاحبه خاصة؛ ~~لأن الشركة لا تتم إلا بالشراء، فما هلك قبله هلك قبل تمام الشركة، فلا ~~تعتبر، حتى لو هلك بعد الشراء بأحدهما: كان الهالك من المالين جميعا؛ لأنه ~~هلك بعد تمام العقد. # (وأما) تسليم رأس مال كل واحد منهما إلى صاحبه وهو التخلية بين ماله وبين ~~صاحبه، فليس بشرط في العنان، والمفاوضة جميعا وأنه شرط لصحة المضاربة، ~~والفرق بينهما يذكر في كتاب المضاربة. # (ومنها) : ما هو مختص بالمفاوضة وهو أن يكون لكل من الشريكين أهلية ~~الكفالة، بأن يكونا حرين عاقلين؛ لأن من أحكام المفاوضة، أن كل ما يلزم ~~لأحدهما من حقوق ما يتجران فيه يلزم # PageV06P060 # الآخر، ويكون كل واحد منهما فيما وجب على صاحبه بمنزلة الكفيل عنه لما ~~نذكر، فلا بد من أهلية الكفالة، وشرائط أهلية الكفالة تطلب من كتاب الكفالة ~~(ومنها) المساواة في رأس المال قدرا وهي شرط صحة المفاوضة بلا خلاف، حتى لو ~~كان المالان متفاضلين قدرا لم تكن مفاوضة؛ لأن المفاوضة تنبئ عن المساواة، ~~فلا بد من اعتبار المساواة فيها ما أمكن، وكذا قيمة في الرواية المشهورة ~~حتى لو كان أحدهما صحاحا والآخر مكسرة، أو كان أحدهما ألفا بيضاء والآخر ~~ألفا سوداء وبينهما فضل قيمة في الصرف لم تجز المفاوضة في الرواية ~~المشهورة؛ لأن زيادة القيمة بمنزلة زيادة الوزن، فلا تثبت المساواة التي هي ~~من مقتضى العقد، وروى إسماعيل بن حماد عن أبي يوسف أن إحدى الألفين إذا ~~كانت أفضل من الأخرى جاز، وكانت مفاوضة لأن الجودة في أموال الربا لا قيمة ~~لها شرعا عند مقابلتها بجنسها، فسقط اعتبار الجودة فصار كأنهما على صفة ~~واحدة، وهل تشترط المجانسة في رأس المال بأن يكون كل واحد منهما دراهم أو ~~يكون كل واحد منهما دنانير؟ فعلى الرواية المشهورة لا تشترط حتى لو كان ~~أحدهما دراهم والآخر دنانير، جازت المفاوضة في الرواية المشهورة بعد أن ~~استويا في ms3445 القيمة، ولا خلاف في أنهما إذا لم يستويا في القيمة لم تكن ~~مفاوضة. # وروي عن أبي حنيفة عليه الرحمة أنه لا تكون مفاوضة وإن استويا في القيمة. # (وجه) هذه الرواية أن عند اختلاف الجنس لا تعرف المساواة بينهما في ~~القيمة؛ لأن القيمة تعرف بالحزر والظن، وتختلف باختلاف المقومين فلا تعرف ~~بالمساواة، والصحيح هو الرواية المشهورة لأنها من جنس الأثمان، فكانت ~~المجانسة ثابتة في الثمنية (ومنها) أن لا يكون لأحد المتفاوضين ما تصح فيه ~~الشركة، ولا يدخل في الشركة، فإن كان، لم تكن مفاوضة؛ لأن ذلك يمنع ~~المساواة وإن تفاضلا في الأموال التي لا تصح فيها الشركة كالعروض والعقار ~~والدين، جازت المفاوضة، وكذا المال الغائب لأن ما لا تنعقد عليه الشركة كان ~~وجوده والعدم بمنزلة، وكان التفاضل فيه كالتفاضل في الأزواج والأولاد، ~~(ومنها) المساواة في الربح في المفاوضة، فإن شرطا التفاضل في الربح؛ لم تكن ~~مفاوضة لعدم المساواة (ومنها) العموم في المفاوضة وهو أن يكون في جميع ~~التجارات، ولا يختص أحدهما بتجارة دون شريكه لما في الاختصاص من إبطال معنى ~~المفاوضة وهو المساواة، وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة ومحمد عليهما الرحمة ~~أنه لا تجوز المفاوضة بين المسلم وبين الذمي؛ لأن الذمي يختص بتجارة، لا ~~يجوز ذلك للمسلم، وهي التجارة في الخمر والخنزير، فلم يستويا في التجارة ~~فلا يتحقق معنى المفاوضة، وعند أبي يوسف يجوز لاستوائهما في أهلية الوكالة ~~والكفالة، وتجوز مفاوضة الذميين لاستوائهما في التجارة. # (وأما) مفاوضة المسلم والمرتد ذكر الكرخي أنها غير جائزة، وكذا روى عيسى ~~بن أبان عن أبي حنيفة - رحمهم الله - لأن تصرفات المرتد متوقفة عنده لوقوف ~~أملاكه فلا يساوي المسلم في التصرف، فلا تجوز كما لا تجوز بين المسلم ~~والذمي، وذكر محمد في الأصل وقال: قياس قول أبي يوسف، أنه يجوز يعني قياس ~~قوله في الذمي، ولأبي يوسف أنه يفرق بينهما من حيث إن ملك المرتد ناقص ~~لكونه على شرف الزوال، ألا ترى أن قاضيا لو قضى ببطلان تصرفه وزوال ملكه؛ ~~ينفذ قضاؤه؟ وإذا كان ناقص ms3446 الملك والتصرف نزل منزلة المكاتب بخلاف الذمي ~~ولو فاوض مسلم مرتدة، ذكر الكرخي أنها لا تجوز، وقال القدوري - رحمه الله ~~-: وهو ظاهر على أصل أبي حنيفة ومحمد لأن الكفر عندهما يمنع انعقاد ~~المفاوضة بين المسلم والكافر. # (وأما) أبو يوسف فالكفر عنده غير مانع، وإنما المانع نقصان الملك ~~والتصرف، وهذا لا يوجد في المرأة. # وأما مفاوضة المرتدين أو شركتهما شركة العنان فذلك موقوف عند أبي حنيفة ~~على ما أصله في عقود المرتد، أنها موقوفة، فإن أسلما جاز عقدهما وإن قتلا ~~على ردتهما أو ماتا أو لحقا بدار الحرب بطل. # (وأما) على قولهما، فشركة العنان جائزة؛ لأن عقودهما نافذة. # (وأما) مفاوضتهما فقد ذكر القدوري - رحمه الله - وقال: ينبغي أن لا يجوز، ~~أما عند أبي يوسف فلأن نقصان الملك يمنع المفاوضة كالمكاتب، وملكهما ناقص، ~~لما ذكرنا، فصارا كالمكاتبين. # (وأما) عند محمد فلأن المرتد عنده بمنزلة المريض مرض الموت، وكفالة ~~المريض مرض الموت لا تصح إلا من الثلث، والمفاوضة تقتضي جواز الكفالة على ~~الإطلاق، وإن شارك مسلم مسلما، ثم ارتد أحدهما، فإن قتل أو مات أو لحق بدار ~~الحرب؛ بطلت الشركة، وإن رجع قبل ذلك فهما # PageV06P061 # على الشركة؛ لأنه إذا قتل أو مات أو لحق بدار الحرب؛ زالت أملاكه عند أبي ~~حنيفة من حين ارتد، فكأنه مات؛ فبطلت شركته، وإن أسلم فقد زال التوقف، وجعل ~~كأن الردة لم تكن، ولهذا قال أبو حنيفة: إن المرتد منهما إذا أقر ثم قتل لم ~~يلزم إقراره شريكه؛ لأن الملك يحكم بزواله من وقت الردة، فقد أقر بعد بطلان ~~الشركة. # (وأما) على قولهما فإقراره جائز على شريكه، وكذا بيعه وشراؤه؛ لأن الشركة ~~عندهما إنما بطلت بالقتل أو باللحاق، فكانت باقية قبل ذلك، فنفذ تصرفه ~~وإقراره، ويكره للمسلم أن يشارك الذمي؛ لأنه يباشر عقودا لا تجوز في ~~الإسلام، فيحصل كسبه من محظور فيكره، ولهذا كره توكيل المسلم الذمي. # ولو شاركه شركة عنان، جاز كما لو وكله، (ومنها) لفظ المفاوضة في شركة ~~المفاوضة كذا روى الحسن عن أبي حنيفة أنه ms3447 لا تصح شركة المفاوضة إلا بلفظ ~~المفاوضة، وهو قول أبي يوسف ومحمد؛ لأن للمفاوضة شرائط لا يجمعها إلا لفظ ~~المفاوضة أو عبارة أخرى تقوم مقامها، والعوام قلما يقفون على ذلك، وهذه ~~العقود في الأعم الأغلب تجرى بينهم، فإن كان العاقد ممن يقدر على استيفاء ~~شرائطها بلفظ آخر يصح وإن لم يذكر لفظها؛ لأن العبرة في العقود لمعانيها لا ~~عين الألفاظ، وفي كل موضع فقد شرط من الشروط بالمفاوضة كانت الشركة عنانا؛ ~~لأن المفاوضة تضمنت العنان وزيادة، فبطلان المفاوضة لا يوجب بطلان العنان، ~~ولأن فقد شرط في عقد إنما يوجب بطلانه إذا كان العقد ما يقف صحته عليه ولا ~~يقف صحة العنان على هذه الشرائط ففقدانها لا يوجب بطلانه. # (وأما) شركة العنان فلا يراعى لها شرائط المفاوضة فلا يشترط فيها أهلية ~~الكفالة حتى تصح ممن لا تصح كفالته من الصبي المأذون والعبد المأذون ~~والمكاتب ولا المساواة بين رأسي المال، فيجوز مع تفاضل الشريكين في رأس ~~المال ومع أن يكون لأحدهما مال آخر يجوز عقد الشركة عليه سوى رأس ماله الذي ~~شاركه صاحبه فيه، ولا أن يكون في عموم التجارات بل يجوز عاما وهو أن يشتركا ~~في عموم التجارات، وخاصا وهو أن يشتركا في شيء خاص كالبز والخز والرقيق ~~والثياب ونحو ذلك؛ لأن اعتبار هذه الشرائط في المفاوضات لدلالة اللفظ عليها ~~وهو معنى المساواة ولم يوجد في العنان ولا لفظة المفاوضة؛ لأن اعتبارها في ~~المفاوضة لدلالتها على شرائط مختصة بالمفاوضة، ولم يشترط في العنان فلا ~~حاجة إلى لفظة المفاوضة ولا إلى لفظة العنان أيضا؛ لأن كل أحد يقدر على لفظ ~~يؤدي معناه بخلاف المفاوضة ولا المساواة في الربح، فيجوز متفاضلا ومتساويا ~~لما قلنا، والأصل أن الربح إنما يستحق عندنا إما بالمال وإما بالعمل وإما ~~بالضمان، أما ثبوت الاستحقاق بالمال فظاهر؛ لأن الربح نماء رأس المال فيكون ~~لمالكه، ولهذا استحق رب المال الربح في المضاربة وأما بالعمل، فإن المضارب ~~يستحق الربح بعمله فكذا الشريك. # وأما بالضمان فإن المال إذا صار مضمونا على المضارب ms3448 يستحق جميع الربح، ~~ويكون ذلك بمقابلة الضمان خراجا بضمان بقول النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~«الخراج بالضمان» ، فإذا كان ضمانه عليه كان خراجه له، والدليل عليه أن ~~صانعا تقبل عملا بأجر ثم لم يعمل بنفسه، ولكن قبله لغيره بأقل من ذلك طاب ~~له الفضل، ولا سبب لاستحقاق الفضل إلا الضمان، فثبت أن كل واحد منهما سبب ~~صالح لاستحقاق الربح، فإن لم يوجد شيء من ذلك لا يستحق بدليل أن من قال ~~لغيره: تصرف في ملكك على أن لي بعض ربحه؛ لم يجز، ولا يستحق شيئا من الربح ~~لأنه لا مال ولا عمل ولا ضمان، إذا عرف هذا فنقول: إذا شرطا الربح على قدر ~~المالين متساويا أو متفاضلا، فلا شك أنه يجوز ويكون الربح بينهما على الشرط ~~سواء شرطا العمل عليهما أو على أحدهما والوضيعة على قدر المالين متساويا ~~ومتفاضلا؛ لأن الوضيعة اسم لجزء هالك من المال فيتقدر بقدر المال، وإن كان ~~المالان متساويين فشرطا لأحدهما فضلا على ربح ينظر إن شرطا العمل عليهما ~~جميعا جاز، والربح بينهما على الشرط في قول أصحابنا الثلاثة، وعند زفر لا ~~يجوز أن يشترط لأحدهما أكثر من ربح ماله وبه أخذ الشافعي - رحمه الله - ولا ~~خلاف في شركة الملك أن الزيادة فيها تكون على قدر المال حتى لو شرط ~~الشريكان في ملك ماشية لأحدهما فضلا من أولادها وألبانها، لم تجز بالإجماع ~~والكلام بيننا وبين زفر بناء على أصل، وهو أن الربح عنده لا يستحق إلا ~~بالمال؛ لأنه نماء الملك فيكون على قدر المال كالأولاد والألبان. # (وأما) عندنا فالربح تارة يستحق بالمال وتارة بالعمل وتارة بالضمان على ~~ما بينا، وسواء عملا جميعا أو عمل أحدهما دون الآخر، فالربح بينهما يكون ~~على # PageV06P062 # الشرط؛ لأن استحقاق الربح في الشركة بالأعمال بشرط العمل لا بوجود العمل، ~~بدليل أن المضارب إذا استعان برب المال استحق الربح، وإن لم يوجد منه ~~العمل؛ لوجود شرط العمل عليه، والوضيعة على قدر المالين؛ لما قلنا، وإن ~~شرطا العمل على أحدهما، فإن شرطاه على الذي شرطا ms3449 له فضل الربح؛ جاز، والربح ~~بينهما على الشرط فيستحق ربح رأس ماله بماله والفضل بعمله، وإن شرطاه على ~~أقلهما ربحا لم يجز؛ لأن الذي شرطا له الزيادة ليس له في الزيادة مال. # ولا عمل ولا ضمان؛ وقد بينا أن الربح لا يستحق إلا بأحد هذه الأشياء ~~الثلاثة وإن كان المالان متفاضلين، وشرطا التساوي في الربح فهو على هذا ~~الخلاف أن ذلك جائز عند أصحابنا الثلاثة إذا شرطا العمل عليهما، وكان زيادة ~~الربح لأحدهما على قدر رأس ماله بعمله، وأنه جائز، وعلى قول زفر لا يجوز ~~ولا بد أن يكون قدر الربح على قدر رأس المالين عنده، وإن شرطا العمل على ~~أحدهما فإن شرطاه على الذي رأس ماله أقل؛ جاز، ويستحق قدر ربح ماله بماله ~~والفضل بعمله، وإن شرطاه على صاحب الأكثر لم يجز؛ لأن زيادة الربح في حق ~~صاحب الأقل لا يقابلها مال ولا عمل ولا ضمان. # (وأما) العلم بمقدار رأس المال وقت العقد فليس بشرط لجواز الشركة ~~بالأموال عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - شرط (وجه) قوله أن جهالة قدر ~~رأس المال تؤدي إلى جهالة الربح، والعلم بمقدار الربح شرط جواز هذا العقد، ~~فكان العلم بمقدار رأس المال شرطا. # (ولنا) أن الجهالة لا تمنع جواز العقد لعينها بل لإفضائها إلى المنازعة، ~~وجهالة رأس المال وقت العقد لا تفضي إلى المنازعة؛ لأنه يعلم مقداره ظاهرا ~~وغالبا؛ لأن الدراهم والدنانير توزنان وقت الشراء، فيعلم مقدارها فلا يؤدي ~~إلى جهالة مقدار الربح وقت القسمة. # (وأما) الشركة بالأعمال فأما المفاوضة منها (فمن) شرائطها أهلية الكفالة ~~(ومنها) التساوي في الأجر (ومنها) مراعاة لفظ المفاوضة لما ذكرنا في الشركة ~~بالأموال، أما العنان منها فلا يشترط لها شيء من ذلك وإنما تشترط أهلية ~~التوكيل فقط، كذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه قال: ما تجوز ~~فيه الوكالة تجوز فيه الشركة، وما لا تجوز فيه الوكالة لا تجوز فيه الشركة، ~~وعلى هذا تخرج الشركة بالأعمال في المباحات من الصيد والحطب والحشيش في ~~البراري وما يكون ms3450 في الجبال من الثمار وما يكون في الأرض من المعادن وما ~~أشبه ذلك بأن اشتركا على أن يصيدا أو يحتطبا أو يحتشا أو يستقيا الماء ~~ويبيعانه على أن ما أصاب من ذلك فهو بينهما، أن الشركة فاسدة؛ لأن الوكالة ~~لا تنعقد على هذا الوجه ألا ترى أنه لو وكل رجلا ليعمل له شيئا من ذلك لا ~~تصح الوكالة؟ كذا الشركة، فإن تشاركا فأخذ كل واحد منهما شيئا من ذلك ~~منفردا كان المأخوذ ملكا له؛ لأن سبب ثبوت الملك في المباحات الأخذ ~~والاستيلاء، وكل واحد منهما انفرد بالأخذ والاستيلاء فينفرد بالملك، وإن ~~أخذاه جميعا معا كان المأخوذ بينهما نصفين لاستوائهما في سبب الاستحقاق ~~فيستويان في الاستحقاق، فإن أخذ كل واحد منهما على الانفراد ثم خلطاه ~~وباعاه، فإن كان مما يكال أو يوزن يقسم الثمن بينهما على قدر الكيل والوزن، ~~وإن كان مما لا يكال ولا يوزن قسم الثمن بينهما بالقيمة، يضرب كل واحد ~~منهما بقيمة الذي له؛ لأن المكيل والموزون من الأشياء المتماثلة فتمكن قسمة ~~الثمن بينهما على قدر الكيل والوزن فأما غير المكيل والموزون من الأشياء ~~المتفاوتة فلا يمكن قسمة الثمن على عينها، فيقسم على قيمتها وإن لم يعلم ~~الكيل والوزن والقيمة؛ يصدق كل واحد منهما فيما يدعيه إلى النصف من ذلك مع ~~اليمين على دعوى صاحبه؛ لأن الشيء في أيديهما، واليد دليل الملك من حيث ~~الظاهر والتساوي في دليل الملك يوجب التساوي في الملك، فإن ادعى أكثر من ~~النصف لا يقبل قوله إلا ببينة فإن عمل أحدهما وأعانه الآخر في عمله بالجمع ~~والربط فذلك كله للعامل ولا شيء للمعين لوجود السبب من العامل دون المعين، ~~وللمعين أجر مثله لا يجاوز به قدر المسمى له من النصف والثلث ونحو ذلك في ~~قول أبي يوسف، وقال محمد له أجر مثله بالغا ما بلغ. # (أما) وجوب أجر المثل للمعين؛ فلأنه استوفى منفعته بعقد فاسد، وأنه يوجب ~~أجر المثل ثم قال أبو يوسف لا يجاوز به قيمة ما سمى وقاسه على سائر ~~الإجارات ms3451 الفاسدة؛ لأنه لا يزاد على المسمى هناك، كذا هذا هنا والجامع ~~بينهما أنه رضي بأنه لا يكون له زيادة على المسمى فلا يستحق وصار كمن قال ~~لرجل: بع هذا الثوب على أن لك نصف ثمنه فباعه كان له أجر المثل لا يجاوز به ~~نصف الثمن كذا هذا وفرق محمد بين هذا وبين سائر # PageV06P063 # الإجارات الفاسدة، بأن المسمى هناك قدر معلوم من الأجرة فكان الرضا به ~~إسقاطا لما زاد عليه والمسمى هنا ليس بمعلوم بل هو معدوم؛ لأنه ما سمى إلا ~~نصف الحطب أو ثلثه، والرضا بغير المعلوم لا يتحقق، فلم تكن هذه التسمية ~~مسقطة الزيادة على المسمى من أجر مثله، وعلى هذا الاختلاف المضاربة الفاسدة ~~إذا ربح المضارب فيها أن له أجر مثله لا يتجاوز به المسمى من الربح في قول ~~أبي يوسف وإن لم يكن له ربح فلا شيء له، وعند محمد له أجر مثله بالغا ما ~~بلغ ربح أو لم يربح، وستأتي المسألة في كتاب المضاربة. # ولو أن رجلا أجلس في دكانه رجلا يطرح عليه العمل بالنصف، فالقياس أن لا ~~تجوز هذه الشركة لأنها شركة العروض؛ لأن من أحدهما العمل ومن الآخر ~~الحانوت، والحانوت من العروض، وشركة العروض غير جائزة، وفي الاستحسان ~~جائزة؛ لأن هذه شركة الأعمال؛ لأنها شركة التقبل، وتقبل العمل من صاحب ~~الحانوت عمل، وشركة الأعمال جائزة بلا خلاف بين أصحابنا؛ لأن مبناها على ~~الوكالة والوكالة على هذا الوجه جائزة، بأن يوكل خياط أو قصار وكيلا يتقبل ~~له عمل الخياطة والقصارة، وكذا يجوز لكل صانع يعمل بأجر أن يوكل وكيلا ~~يتقبل العمل فإن كان لهما كلب فأرسلاه جميعا كان ما أصاب بينهما لاستوائهما ~~في سبب الاستحقاق. # ولو كان الكلب لأحدهما وكان في يده فأرسلاه جميعا فما أصاب الكلب فهو ~~لصاحبه خاصة؛ لأن إرسال الأجنبي لا عبرة به مع إرسال المالك فكان ملحقا ~~بالعدم كأن المالك أرسله وحده، وإن كان لكل واحد منهما كلب فأرسل كل واحد ~~منهما كلبه فأصابا صيدا واحدا كان بينهما نصفين؛ لأنهما تساويا ms3452 في سبب ~~الاستحقاق وإن أصاب كلب كل واحد منهما صيدا على حدة كان له خاصة؛ لأنه ملكه ~~بفعله فاختص به، وعلى هذا يخرج ما إذا اشترك رجلان ولأحدهما بغل وللآخر ~~بعير على أن يؤاجرا ذلك فما رزق الله تعالى من شيء فهو بينهما فآجراهما ~~بأجر معلوم في عمل معلوم وحمل معلوم إن هذه الشركة فاسدة ويقسم الأجر ~~بينهما على مثل أجر البغل ومثل أجر البعير، أما فساد الشركة فلأن الوكالة ~~على هذا الوجه لا تصح. # ألا ترى أن من قال لآخر: أجر بعيرك على أن تكون الأجرة بيننا؛ لا تصح ~~الوكالة كذا الشركة؛ ولأن الشركة لا تصح في أعيان الحيوان فكذا في منافعها. # وأما قسمة الأجر بينهما على مثل أجر البغل ومثل أجر البعير؛ فلأن الشركة ~~إذا فسدت فالإجارة صحيحة لأنها وقعت على منافع معلومة ببدل معلوم ومن حكم ~~الأجرة أن تقسم على قيمة المنافع كما يقسم الثمن على قيمة المبيعين ~~المختلفين، وإن لم يؤاجرا البغل والبعير ولكنهما تقبلا حمولة معلومة ببدل ~~معلوم فحملا الحمولة على ذلك، فالأجر بينهما نصفين لأن هذه شركة العمل؛ لأن ~~الحمل صار مضمونا عليهما بالعقد بمنزلة عمل الخياطة والقصارة، فكان البدل ~~بينهما على قدر الضمان وقد تساويا في الضمان فيتساويا في الأجرة، ولا عبرة ~~بزيادة حمل البعير على البغل كما لا عبرة بكثرة عمل أحد الشريكين في شركة ~~الصنائع؛ لأن البدل يقابل الضمان، والبغل والبعير هنا آلة إيفاء العمل ولو ~~آجر البعير بعينه، كانت أجرته لصاحبه لا لصاحب البغل، وكذا إذا آجر البغل ~~بعينه؛ كانت الأجرة لصاحب البغل لا لصاحب البعير؛ لأن العقد وقع على منافع ~~البعير والبغل بإذن مالكهما، فكانت الأجرة له، فإن كان الآجر أعانه على ~~الحمولة والنقلان؛ كان للذي أعانه أجر مثله؛ لأنه استوفى منفعة شريكه بعقد ~~فاسد، ثم عند أبي يوسف لا يجاوز به نصف الأجر الذي آجر به في قول أبي يوسف، ~~وقال محمد: له أجر مثله بالغا ما بلغ على ما ذكرنا في شركة الاحتطاب، ~~قصاران لأحدهما أداة القصارة، ms3453 وللآخر بيت اشتركا على أن يعملا بأداة هذا في ~~بيت هذا على أن الكسب بينهما نصفان كان ذلك جائزا، وكذلك الصاغة والخياطون ~~والصباغون؛ لأن الأجر هنا بدل عن العمل لا عن الآلة، وقد صار العمل مضمونا ~~عليهما فكان بدله لهما وكان أحدهما معينا للآخر بنصف الآلة، والآخر معينا ~~له بنصف الدكان وهو نظير المسألة المتقدمة وهي أن يتقبلا حمولة ويحملاها ~~على دابتهما. # ولو اشتركا ولأحدهما دابة وللآخر إكاف وجوالقان على أن يؤاجرا الدابة على ~~أن أجرهما بينهما نصفين؛ كانت الشركة فاسدة، وأجر الدابة لصاحبها وللآخر ~~معه أجر مثله في قولهم جميعا، أما فساد الشركة فلما ذكرنا أن الوكالة على ~~هذا الوجه لا تصح كذا الشركة. # وأما الأجر فلأنه بدل منافع الدابة فكانت لصاحبها وقد استوفى منافع آلة ~~الآخر بعقد فاسد فكان عليه أجر مثلها، # PageV06P064 # ولو دفع دابة إلى رجل ليؤاجرها على أن الأجر بينهما كان ذلك فاسدا، ~~والأجر لصاحب الدابة وللآجر أجر مثله وكذلك السفينة والبيت؛ لأن الوكالة ~~على هذا الوجه لا تصح فلا تصح الشركة والأجر لصاحب الدابة؛ لأن العاقد عقد ~~على ملك غيره بأمره وللرجل أجر مثله؛ لأن صاحب الدابة استوفى منافعها بعقد ~~فاسد ولو كان دفع إليه الدابة ليبيع عليها الطعام على أن الربح بينهما ~~نصفان؛ كان فاسدا، والربح لصاحب المتاع، ولصاحب الدابة أجر مثلها، وكذا ~~البيت؛ لأن الكسب حصل بعمله، وقد استوفى منفعة الدابة بعقد فاسد، فكان عليه ~~أجرها، ولا يشترط لصحة هذه الشركة اتفاق العمل، ويجوز إن اتفقت أعمالها أو ~~اختلفت كالخياط مع القصار ونحو ذلك وهذا قول أصحابنا، وقال زفر: لا تجوز ~~هذه الشركة إلا عند اتفاق الصنعة كالقصارين والخياطين بناء على أن الشركة ~~تجوز بالمالين المختلفين عندنا كذا بالعملين المختلفين، وعنده لا تجوز ~~بالمالين المختلفين فكذا بالعملين المختلفين، والصحيح قولنا؛ لأن استحقاق ~~الأجر في هذه الشركة بضمان العمل، والعمل مضمون عليهما اتفق العملان أو ~~اختلفا والله عز وجل أعلم. # (وأما) الشركة بالوجوه فشرط المفاوضة منها أن يكونا من أهل الكفالة. # (ومنها) أن يكون ms3454 الثمن بمشترك على كل واحد منهما نصفه، وأن يكون المشترى ~~بينهما نصفين وأن يكون الربح بينهما نصفين، (ومنها) أن يتلفظا بلفظ ~~المفاوضة لما فصلنا فيما تقدم بتمامه. # (وأما) شركة العنان منها فلا يشترط لها أهلية الكفالة ولا المساواة ~~بينهما في ملك المشترى حتى لو اشتركا بوجوههما على أن يكون ما اشتريا أو ~~أحدهما بينهما نصفين أو أثلاثا أو أرباعا وكيف ما شرطا على التساوي ~~والتفاضل؛ كان جائزا، وضمان ثمن المشترى بينهما على قدر ملكيهما في المشترى ~~والربح بينهما على قدر الضمان، فإن شرطا لأحدهما فضل ربح على حصته من ~~الضمان فالشرط باطل، ويكون الربح بينهما على قدر ضمانهما ثمن المشترى، لأن ~~الربح في هذه الشركة إنما يستحق بالضمان فيتقدر بقدر الضمان، فإذا شرط ~~لأحدهما أكثر من حصته من الضمان ونصيبه من الملك فهو شرط ملك من غير ربح، ~~ولا ضمان فلا يجوز، فإن قيل: الربح كما يستحق بالملك والضمان يستحق بالعمل ~~فجاز أن يستحق زيادة الربح بزيادة العمل كالمضارب والشريك شركة العنان، ~~فالجواب أن هذا مسلم إذا كان العمل في مال معلوم كما في المضاربة وشركة ~~العنان، ولم يوجد هنا، فلا يستحق كمن قال لآخر: أدفع إليك ألفا مضاربة على ~~أن تعمل فيها بالنصف ولم يعين الألف؛ أنه لا تجوز المضاربة؛ لأنه لم يشترط ~~العمل في مال معين. ### | [فصل في حكم الشركة] # (فصل) : # وأما حكم الشركة. # فأما شركة الأملاك فحكمها في النوعين جميعا واحد، وهو أن كل واحد من ~~الشريكين كأنه أجنبي في نصيب صاحبه، لا يجوز له التصرف فيه بغير إذنه لأن ~~المطلق للتصرف الملك أو الولاية ولا لكل واحد منهما في نصيب صاحبه ولاية ~~بالوكالة أو القرابة؛ ولم يوجد شيء من ذلك وسواء كانت الشركة في العين أو ~~الدين لما قلنا. # ولو كان بين رجلين دين على رجل من ثمن عبد باعاه إما بألف درهم أو ألف ~~بينهما أقرضاه إياه، أو استهلك الرجل عليهما شيئا قيمته ألف درهم أو ورثا ~~دينا لرجل واحد عليه، فقبض أحدهما نصيبه أو ms3455 بعض نصيبه فللآخر أن يشاركه ~~فيأخذ منه نصف ما قبضه، والأصل في هذا أن الدين المشترك الثابت للشريكين ~~بسبب واحد إذا قبض أحدهما شيئا منه فللآخر أن يشاركه في المقبوض؛ لأن ~~المقبوض مقبوض من النصيبين، إذ لو جعل لأحدهما لكان ذلك قسمة الدين قبل ~~القبض، وأنه غير جائز لأن معنى القسمة وهو التمييز لا يتحقق فيما في الذمة، ~~فلا يتصور فيه القسمة ولهذا لم تصح قسمة العين من غير تمييز كصبرة من طعام ~~بين شريكين قال أحدهما لصاحبه: خذ منها لك هذا الجانب، ولي هذا الجانب لا ~~يجوز لانعدام التمييز فإذا لم يصح في العين من غير تمييز ففي الدين أولى؛ ~~ولأن القسمة فيها معنى التمليك لأن ما من جزأين إلا وأحدهما ملكه والآخر ~~ملك صاحبه، فكان نصيب كل واحد منهما بعد القسمة بعض ملكه، وبعضه عوضا عن ~~ملكه، فكان قسمة الدين تمليك الدين من غير من عليه الدين، وأنه غير جائز ~~فجعل المقبوض من النصيبين جميعا لئلا يؤدي إلى ما قلنا وكان له أن يأخذ نصف ~~ما قبضه صاحبه بعينه ليس للقابض أن يمنعه عنه بأن يقول: أنا أعطيك مثل نصف ~~الدين؛ لأن نصف المقبوض مقبوض عن نصيبه، فكان عين حقه فلا يملك القابض ~~منعه، وسواء كان # PageV06P065 # المقبوض مثل حقه أو أجود أو أردأ، أما إذا كان أجود من حقه فلأن الجودة ~~لا عبرة بها في الجنس الواحد. # ألا ترى أن من عليه الرديء إذا أعطى الجيد يجبر صاحب الدين على القبول ~~فكان قبضه قبضا لعين الحق، وإن كان أردأ فقبض الرديء عن الجيد جائز؛ لأنه ~~من جنس حقه وما قبض الشريك من شريكه يكون قدر ذلك للقابض دينا على الغريم، ~~ويكون ما على الغريم بينهما على قدر ذلك من الدين حتى لو كان الدين ألف ~~درهم بينهما، فقبض أحدهما خمسمائة فجاء الشريك فأخذ نصفها كان للقابض ما ~~بقي له على الغريم وذلك مائتان وخمسون، وتكون الشركة باقية في الدين كما ~~كانت؛ لأنه لما أخذ شريكه نصف المقبوض انتقض ms3456 قبضه في نصف ما قبض وبقي ~~الباقي من دينه على حاله. # فإن أخرجه القابض عن يده بأن وهبه أو باعه أو قضى دينا عليه أو استهلكه ~~بوجه من الوجوه فلشريكه أن يضمنه نصف ما قبض؛ لأنه أتلف عليه ما قبضه من ~~نصيبه، فكان له أن يضمنه، فإن لم يقبض أحد الشريكين شيئا، ولكن أبرأ الغريم ~~من حصته، جازت البراءة، ولا يضمن لشريكه شيئا؛ لأنه لم يقبض شيئا من الدين ~~بل أتلف حصته لا غير، فلا يضمن فإن أبرأه أحدهما عن مائة درهم، ثم خرج من ~~الدين شيء اقتسماه بينهما على قدر مال كل واحد منهما على الغريم، فيكون ~~المقبوض بينهما على تسعة أسهم؛ لأن أحدهما لما أبرأ الغريم من مائة درهم ~~بقي له من الدين أربعمائة ولشريكه خمسمائة، فيضربان في قدر المقبوض بتسعة ~~أسهم، وكذلك إذا كانت البراءة بعد القبض قبل أن يقتسما لأن القسمة تقع على ~~قدر حقهما، فإن اقتسما المقبوض نصفين، ثم أبرأ أحدهما الغريم من مائة درهم، ~~فالقسمة ماضية ولا ينقض إبراؤه بعد القسمة شيئا مما اقتسماه، لأنهما اقتسما ~~وملكهما سواء، فزوال المساواة بعد ذلك لا يقدح في القسمة. # ولو لم يقبض أحدهما شيئا ولكن اشترى بنصيبه ثوبا من الغريم، فللشريك أن ~~يضمنه نصف ثمن الثوب ولا سبيل له على الثوب لأنه إنما اشترى الثوب بثمن في ~~ذمة الغريم لا بما له في ذمة الغريم، لأنه كما اشترى وجب ثمن الثوب في ذمته ~~وله في ذمة الغريم مثله، فصار ما في ذمته قصاصا بدينه، فصار كأنه قبض نصف ~~الدين فلا يكون له على الثوب سبيل، فإن اجتمعا جميعا على الشركة في الثوب ~~فهو جائز لأنه قد وجب عليه نصف ثمنه، فإذا سلم له نصفه بذلك ورضي شريكه به؛ ~~صار كأنه باع نصف الثوب منه فإن لم يشتر بحصته شيئا ولكن صالحه من حقه على ~~ثوب وقبضه، ثم طالبه شريكه بما قبض فإن القابض بالخيار إن شاء سلم إليه نصف ~~الثوب وإن شاء أعطاه مثل نصف حقه من ms3457 الدين، والخيار في ذلك إلى القابض؛ لأن ~~الصلح لم يوجب شيئا على المصالح؛ لأنه عقد تبرع بمنزلة الهبة، والإبراء ~~بخلاف الشراء، إلا أنه قبض ثوبا عن الدين المشترك، فكان له أن يسلم نصفه ~~إلى الشريك، وله أن يقول: أنا أعطيك نصف حقك من الدين لأنه لا حق لك فيما ~~زاد على ذلك، وللشريك في هذه الوجوه كلها أن يسلم للشريك ما قبضه ويرجع ~~بدينه على الغريم؛ لأن من حجته أن يقول: ديني قد ثبت عليك بعقد المداينة، ~~فتسليمك إلى غيري لا يسقط ما لي في ذمتك، فإن سلم للشريك ما قبض، ثم نوى ~~الذي على الغريم فله أن يرجع على الشريك ويكون الحكم في هذه الوجوه كلها ~~كالحكم فيما إذا لم يسلم إلا وجها واحدا وهو أنه إذا أراد أن يأخذ من يد ~~صاحبه بعد ما قبض من الدراهم بعينها لم يكن له ذلك، ولصاحبه أن يمنعه عنها، ~~ويعطيه مثلها لأن المقبوض في الأصل كان عن حق مشترك، وإنما سلم به الشريك ~~المقبوض للقابض ليسلم له ما في ذمة الغريم، فإذا لم يسلم بقي حقه في ~~المقبوض كما كان إلا أنه ليس له في هذا الوجه أن يرجع إلى عين تلك الدراهم؛ ~~لأنه أسقط حقه عن عينها بالتسليم، حيث أجاز تملك القابض لها فسقط حقه عن ~~عينها، وإنما تجدد له ضمان آخر بتواء ماله، فثبت ذلك في ذمة القابض كسائر ~~الديون. # فإن أخر أحدهما نصيبه لم يجز تأخيره في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ~~ويجوز عند أبي يوسف ومحمد ولا خلاف في أنه لا يجوز تأخيره في نصيب شريكه؛ ~~لأنه لم يملكه ولا تولى هذا العقد فيه، وأما في نصيب شريكه فهو على الخلاف. # (وجه) قولهما أن نصيبه ملكه فيملك التصرف فيه ولهذا ملك التصرف فيه ~~إسقاطا بالإبراء، فالتأخير أولى لأنه دونه ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن ~~تأخير نصيبه قسمة الدين قبل القبض، وأنها غير جائزة والدليل على أن التأخير ~~قسمة الدين أنه وجد أثر القسمة وهو انفراد كل واحد ms3458 من الشريكين بنصيبه على ~~وجه لا يكون للآخر فيه # PageV06P066 # حق، وقسمة الدين قبل القبض لا تجوز لأنه لا يحتمل معنى القسمة وهو ~~التمييز إذ هو اسم للفعل أو لمال حكمي في الذمة بخلاف الإبراء فإنه ليس فيه ~~أثر القسمة ومعناها، بل هو إتلاف لنصيبه فإن قيل: قسمة الدين تصرف في الدين ~~والتأخير ليس تصرفا في الدين بل في المطالبة بالإسقاط، فالجواب: أن التأخير ~~تصرف في الدين والمطالبة جميعا؛ لأنه يوجب تغيير الدين عما كان عليه؛ لأن ~~الدين قبله كان على صفة لو قبض أحدهما نصيبه كان للآخر أن يشاركه فيه، وبعد ~~التأخير لا يبقى له حق المشاركة ما دام الأجل قائما، ثم فرع على قولهما ~~فقال: إذا قبض الشريك الذي لم يؤخر نصيبه؛ لم يكن للذي أخر أن يشركه فيما ~~قبض حتى يحل دينه، فإن حل دينه فله أن يشركه إن كان قائما، وإن كان مستهلكا ~~ضمنه صاحبه؛ لأن الأجل يمنع ثبوت المطالبة فلا يكون له حق في المقبوض، فإذا ~~حل صار كأنه لم يزل حالا فتثبت له الشركة، فإن لم يقبض الآخر شيئا حتى حل ~~دين الذي أخر؛ عاد الأمر إلى ما كان فما قبض أحدهما من شيء يشركه الآخر ~~فيه؛ لأن الدين لما حل فقد سقط الأجل فصار كما كان قبل التأجيل ولو كان ~~الدين بين شريكين على امرأة فتزوجها أحدهما على نصيبه من الدين، فقد روى ~~بشر عن أبي يوسف أن لشريكه أن يرجع عليه بنصف حقه من ذلك، وروى بشر عنه ~~أيضا أنه لا يرجع وهو رواية محمد عن أبي يوسف. # (وجه) الرواية الأولى أن النكاح أوجب المهر في ذمته وله في ذمتها مثله ~~فصار قصاصا بدينه فصار كأنه قبض نصف الدين فكان له أن يرجع بنصف حقه كما لو ~~اشترى منها ثوبا بنصيبه من الدين. # (وجه) الرواية الأخرى: أن من شرط وجوب الضمان عليه لشريكه أن يسلم له ما ~~يحتمل المشاركة، ولم يوجد فلا يضمن لشريكه كما لو أبرأها عن نصيبه. # ولو استأجر أحد الشريكين ms3459 الغريم بنصيبه فإن شريكه يرجع عليه في قولهم ~~جميعا لأن الأجرة في مقابلتها بدل مضمون بالعقد فأشبه البيع، وكذا الذي سلم ~~له وهو المنفعة قابل للشركة فكان له أن يضمنه، وروى بشر عن أبي يوسف أن أحد ~~الطالبين إذا شج المطلوب موضحة عمدا فصالحه على حصته لا يلزمه شيء لشريكه؛ ~~لأنه لم يسلم له ما تمكن المشاركة فيه لأن الصلح عن جناية عمد ليس في ~~مقابلته بدل مضمون، فلم يسلم ما تصح المشاركة فيه فلا يلزمه شيء. # وأما إذا استهلك أحد الطالبين على المطلوب مالا، فصارت قيمته قصاصا بدينه ~~أو اقترض منه شيئا بقدر نصيبه من الدين فلشريكه أن يرجع عليه لأن قدر القرض ~~وقيمة المستهلك صار قصاصا بدينه، والاقتصاص استيفاء الدين من حيث المعنى ~~فصار كأنه استوفى حقه ولو كان وجب للمطلوب على أحد الطالبين دين بسبب قبل ~~أن يجب لهما عليه الدين فصار ما عليه قصاصا بما لأحد الطالبين؛ فلا ضمان ~~على الذي سقط عنه الدين لشريكه؛ لأنه ما استوفى الدين بل قضى دينا كان ~~عليه، إذ الأصل في الدينين إذا التقيا قصاصا أن يصير الأول مقضيا بالثاني؛ ~~لأنه كان واجب القضاء قبل الثاني، وإذا لم يكن مستوفيا للدين لم يكن له ~~المشاركة، إذ المشاركة في القدر المستوفى، وذكر ابن سماعة في نوادره عن ~~محمد لو أن أحد الغريمين اللذين لهما المال قتل عبد المطلوب فوجب عليه ~~القصاص فصالحه المطلوب على خمسمائة درهم، كان ذلك جائزا، وبرئ من حصة ~~القاتل من الدين، وكان لشريك القاتل أن يشركه فيأخذ منه نصف الخمسمائة، ~~وكذلك لو تزوج المرأة الغريمة على خمسمائة مرسلة، أو استأجر الغريم ~~بخمسمائة مرسلة، فرق بين هذا وبين ما إذا صالح على نفس الدين أو تزوج به. # (ووجه) الفرق أن العقد هنا وهو الصلح والنكاح وقع على ما في الذمة وأنه ~~يوجب المقاصة؛ فكان استيفاء الدين معنى بمنزلة الاستيفاء حقيقة، بخلاف ~~الصلح على نفس الدين والتزوج به فإن العقد هناك ما وقع على ما في الذمة ~~مطلقا ألا ms3460 ترى أن العقد هناك أضيف إلى نفس الدين، فلم تقع المقاصة، ولم ~~يسلم له أيضا ما يحتمل الاشتراك فيه فلا يرجع وذكر علي بن الجعد عن أبي ~~يوسف أنه لو مات المطلوب وأحد الشريكين وارثه وترك مالا ليس فيه وفاء ~~اشتركا بالحصص؛ لأن الدين يمنع انتقال الملك إلى الورثة لقوله تعالى: {من ~~بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء: 11] رتب الميراث على الدين فلم ينتقل ~~الملك إلى الوارث فلا يسقط دينه، وكان دين الوارث والأجنبي سواء ولو أعطي ~~المطلوب لأحدهما رهنا بحصته فهلك الرهن عنده فلشريكه أن يضمنه؛ لأن قبض ~~الرهن قبض استيفاء، وبهلاك الرهن يصير مستوفيا للدين حكما فكان كالاستيفاء ~~حقيقة، ولو غصب أحد الشريكين من # PageV06P067 # المطلوب عبدا فمات عنده فلشريكه أن يضمنه؛ لأنه صار ضامنا لقيمة العبد من ~~وقت الغصب فهلك المغصوب من ذلك الوقت بطريق الظهور والاستناد. # ولو ذهبت إحدى عيني العبد بآفة سماوية في ضمان الغاصب فرده لم يرجع شريكه ~~عليه بشيء؛ لأنه لم يسلم له ما يمكن المشاركة فيه لأنه لم يملك المضمون، ~~فلا يضمن لشريكه شيئا بخلاف نفس العبد لأنه ملكها بالضمان فسلم له ما يمكن ~~المشاركة فيه فيضمن لشريكه وكذلك العبد المرهون إذا ذهبت إحدى عينيه بآفة ~~سماوية، وكذا لو اشترى أحد الشريكين من الغريم عبدا بيعا فاسدا وقبضه فمات ~~في يده أو باعه أو أعتقه أنه يضمن لشريكه كما يضمن في الغاصب. # ولو ذهبت عينه بآفة سماوية فرده لم يضمن لشريكه شيئا ويجب ذلك عليه من ~~حصته من الدين خاصة والله عز وجل أعلم. # (وأما) شركة العقود فجملة الكلام فيها أنها لا تخلو من أن تكون فاسدة أو ~~صحيحة، أما الصحيحة، فأما الشركة بالأموال فنبين أحكام العنان منها ~~والمفاوضة وما يجوز لأحد شريكي العنان والمفاوضة أن يعمله في مال الشركة، ~~وما لا يجوز، أما العنان فلأحد شريكي العنان أن يبيع مال الشركة لأنهما ~~بعقد الشركة أذن كل واحد لصاحبه ببيع مال الشركة؛ ولأن الشركة تتضمن ~~الوكالة فيصير كل واحد منهما وكيل صاحبه ms3461 بالبيع؛ ولأن غرضهما من الشركة ~~الربح وذلك بالتجارة، وما التجارة إلا البيع والشراء، فكان إقدامهما على ~~العقد إذنا من كل واحد منهما لصاحبه بالبيع والشراء دلالة، وله أن يبيع مال ~~الشركة بالنقد والنسيئة؛ لأن الإذن بالبيع بمقتضى الشركة وجد مطلقا ولأن ~~الشركة تنعقد على عادة التجار، ومن عادتهم البيع نقدا ونسيئة وله أن يبيع ~~بقليل الثمن وكثيره لما قلنا إلا بما لا يتغابن الناس في مثله؛ لأن المقصود ~~من العقد وهو الاسترباح لا يحصل به فكان مستثنى من العقد دلالة، وذكر ~~القاضي في شرحه مختصر الطحاوي وجعله على الاختلاف في الوكالة بالبيع مطلقا ~~أنه يجوز عند أبي حنيفة وعندهما لا يجوز. # ولو باع أحدهما وأجل الآخر، لم يجز تأجيله في نصيب شريكه بالإجماع، وهل ~~يجوز في نصيب نفسه؟ فهو على الخلاف الذي ذكرنا في الدين المشترك إذا أخر ~~أحدهما نصيبه، هذا إذا عقد أحدهما وأجل الآخر، فأما إذا عقد أحدهما ثم أجل ~~العاقد، فلا خلاف في أنه يجوز تأجيله في نصيب نفسه؛ لأنه مالك وعاقد. # وأما في نصيب شريكه فيجوز تأجيله في قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف ~~لا يجوز والكلام فيه بناء على مسألة الوكيل بالبيع، أنه يملك تأخير الثمن ~~والإبراء عنه عندهما وعنده لا يملك. # (ووجه) البناء ظاهر لأن العاقد في نصيب الشريك وكيل عنه وهي من مسائل ~~كتاب الوكالة إلا أن هناك إذا أخر يضمن من ماله للموكل عندهما، وهنا لا ~~يضمن الشريك العاقد؛ لأن الشريك العاقد يملك أن يقايل البيع ثم يبيعه ~~بنسيئة، وإذا لم يقايل وأخر الدين جاز، والوكيل بالبيع لا يملك أن يقايل ~~ويبيع بالنسيئة، فإذا أخر يضمن، وله يشتري بالنقد والنسيئة؛ لما قلنا في ~~البيع، وهذا إذا كان في يده مال ناض للشركة وهو الدراهم والدنانير فاشترى ~~بالدراهم والدنانير شيئا نسيئة وكان عنده شيء من المكيل والموزون فاشترى ~~بذلك الجنس شيئا نسيئة فأما إذا لم يكن في يده دراهم ولا دنانير، فاشترى ~~بدراهم أو دنانير شيئا، كان المشترى له خاصة دون شريكه؛ ms3462 لأنا لو جعلنا ~~شراءه على الشركة لصار مستدينا على مال الشركة، والشريك لا يملك الاستدانة ~~على مال الشركة من غير أن يؤذن له بذلك كالمضارب؛ لأنه يصير مال الشركة ~~أكثر مما رضي الشريك بالمشاركة فيه، فلا يجوز من غير رضاه، وكذلك لو كان ~~عنده عروض فاشترى بالدراهم والدنانير نسيئة لأن العروض لا تصلح رأس مال ~~الشركة فكان الشراء بالأثمان استدانة بخلاف ما إذا اشترى بها وفي يده ~~مثلها؛ لأن ذلك ليس باستدانة وحكى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا كان ~~في يد أحد الشريكين دنانير، فاشترى بدراهم؛ جاز وقال زفر: لا يجوز بناء على ~~أن زفر يعتبر المجانسة في رأس مال الشركة حقيقة حتى أبى انعقاد الشركة في ~~الدراهم مع الدنانير لاختلاف الجنس حقيقة، فيصير كأنه اشترى بجنس ما في يده ~~صورة بالدراهم وعنده عروض، ونحن نعتبر المجانسة معنى وهو الثمنية، وقد ~~تجانسا في الثمنية فصار كأنه اشترى بجنس ما في يده صورة ومعنى، وله أن يبضع ~~مال الشركة؛ لأن الشركة تنعقد على عادة التجار، والإبضاع من عاداتهم، ولأن ~~له أن يستأجر من يعمل في البضاعة بعوض، فالإبضاع أولى، لأن استعمال البضع ~~في البضاعة بغير عوض وله أن يودع؛ لأن # PageV06P068 # الإيداع من عادة التجار ومن ضرورات التجارة أيضا؛ لأنه لا بد للتاجر منه؛ ~~لأنه يحتاج إلى ذلك عند اعتراض أحوال تقع عادة؛ لأن له أن يستحفظ المودع ~~بأجر فبغير أجر أولى، وليس له أن يشارك إلا أن يؤذن له بذلك؛ لأن الشيء لا ~~يستتبع مثله، فإن شارك رجلا شركة عنان، فما اشتراه الشريك فنصفه له، ونصفه ~~للشريكين، لأنه إن كان لا يملك الشركة في حق الشريك، يملك التوكيل، وعقد ~~الشركة يتضمن التوكيل، فكان نصف ما اشتراه بينهما، وإن اشترى الشريك الذي ~~لم يشارك فما اشتراه يكون بينه وبين شريكه نصفين، ولا شيء للأجنبي فيه؛ ~~لأنه لم يوكله فبقي ما اشتراه على حكم الشركة، وقال الحسن بن زياد: إذا ~~شارك أحد شريكي العنان رجلا شركة مفاوضة بغير محضر من ms3463 شريكه؛ لم تكن مفاوضة ~~وكانت شركة عنان؛ لأن المفاوضة تقتضي فسخ شركة العنان؛ لأن المفاوض يجب أن ~~يكون شريكه في كل المال، وذلك لا يصح في حق شريكه فكان ذلك فسخا للشركة، ~~وهو لا يملك الفسخ مع غيبته، وإن كان بمحضر من صاحبه صحت المفاوضة؛ وذلك ~~إبطال لشركة العنان؛ لأنه يملك فسخ الشركة مع حضور صاحبه؛ وليس له أن يخلط ~~مال الشركة بمال له خاصة؛ لأن الخلط إيجاب حق في المال؛ فلا يجوز إلا في ~~القدر الذي رضي به رب المال؛ وهل له أن يدفع مال الشركة مضاربة؟ ذكر محمد ~~في الأصل عن أبي حنيفة أنه له ذلك، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه ليس له ~~ذلك. # (وجه) رواية الحسن أن المضاربة نوع شركة؛ لأن رب المال مع المضارب ~~يشتركان في الربح وهو لا يملك الشركة بإطلاق العقد، فلا يملك المضاربة. # (وجه) ظاهر الرواية أنه يملك أن يستأجر أجيرا يعمل في مال الشركة؛ فلأن ~~يملك الدفع مضاربة أولى لأن الأجير يستحق الأجر، سواء حصل في الشركة ربح أو ~~لم يحصل، والمضارب لا يستحق شيئا بعمله إلا إذا كان في المضاربة ربح فلما ~~ملك الاستئجار، فلأن يملك الدفع مضاربة أولى، والاستدلال بالشركة غير سديد؛ ~~لأن الشركة فوق المضاربة؛ لأنها توجب الشركة في الأصل والفرع؛ والمضاربة ~~توجب الشركة في الفرع لا في الأصل، والشيء يستتبع ما هو دونه ولا يستتبع ما ~~هو فوقه أو مثله، ولهذا لا يملك المضارب أن يدفع المال مضاربة بمطلق العقد؛ ~~لأن المضاربة مثل المضاربة ويملك التوكيل؛ لأنه دون المضاربة، والوكيل لا ~~يملك أن يوكل غيره بإطلاق الوكالة؛ لأن الوكالة مثل الوكالة، وله أن يعمل ~~في مال الشركة كل ما للمضارب أن يعمله في مال المضاربة، وسنذكره في كتاب ~~المضاربة إن شاء الله تعالى؛ لأن تصرف الشريك أقوى من تصرف المضارب وأعم ~~منه، فما كان للمضارب أن يعمل فالشريك أولى، وله أن يأخذ مالا مضاربة، ~~ويكون ربحه له خاصة؛ لأن المضارب يستحق الربح بعمله، فيختص به كما لو ms3464 آجر ~~نفسه، وله أن يوكل بالبيع والشراء استحسانا، والقياس أن لا يجوز؛ لأن شريكه ~~رضي برأيه ولم يرض برأي غيره. # (وجه) الاستحسان أن الشركة تنعقد على عادة التجار، والتوكيل بالبيع ~~والشراء من عاداتهم؛ ولأنه من ضرورات التجارة؛ لأن التاجر لا يمكنه مباشرة ~~جميع التصرفات بنفسه، فيحتاج إلى التوكيل؛ فكان التوكيل من ضرورات التجارة ~~بخلاف الوكيل بالشراء؛ لأنه لا يملك أن يوكل غيره؛ لأنه لا يملك جميع ~~التصرفات بل لا يملك إلا الشراء فيمكنه مباشرته بنفسه، فلا ضرورة إلى أن ~~يوكل غيره؛ ولأن الشركة أعم من الوكالة، والوكالة أخص منها والشيء يستتبع ~~دونه ولا يستتبع مثله، وبخلاف ما إذا كانا شريكين في خادم أو ثوب خاصة أنه ~~ليس لأحدهما أن يوكل رجلا ببيعه وإن وكل لم يجز في حصة صاحبه؛ لأن ذلك شركة ~~ملك، وكل واحد من الشريكين في شركة الأملاك أجنبي عن صاحبه محجور عن التصرف ~~في نصيبه؛ لانعدام المطلق للتصرف وهو الملك والولاية على ما بينا فيما ~~تقدم، وله أن يوكل وكيلا، ويدفع إليه مالا ويأمره أن ينفق على شيء من ~~تجارتهما، والمال من الشركة، لما قلنا إن الشريك يملك التوكيل، فكان تصرفه ~~كتصرف الموكل فإن أخرج الشريك الآخر الوكيل يخرج من الوكالة إن كان في بيع ~~أو شراء أو إجارة؛ لأن كل واحد منهما لما ملك التوكيل على صاحبه ملك العزل ~~عليه؛ ولأن الموكل وكيل لشريكه، فإذا وكل كان للموكل أن يعزل وكيله، وإن ~~كان وكيلا في تقاضي ما داينه، فليس للآخر إخراجه، لأنه لا يملك أن يوكل ~~شريكه، فلا يملك أن يعزل وكيله عنه، وله أن يستأجر أجيرا لشيء من تجارتهما؛ ~~لأن الإجارة من التجارة حتى يملكها المأذون في التجارة، وهو من عادات ~~التجار # PageV06P069 # أيضا، ومن ضرورات التجارة أيضا؛ لأن التاجر لا يجد بدا منه؛ ولأن المنافع ~~عند إيراد العقد عليها تجري مجرى الأعيان، فكان الاستئجار بمنزلة الشراء، ~~وهو يملك الشراء فيملك الاستئجار، والأجر يكون على المستأجر يطالب به دون ~~شريكه؛ لأنه العاقد لا شريكه، وحقوق العقد ms3465 ترجع إلى العاقد ويرجع على شريكه ~~بنصف الأجرة؛ لأنه وكيله في العقد، وله أن يرهن متاعا من الشركة بدين وجب ~~بعقده وهو الشراء، وأن يرتهن بما باعه لأن الرهن إيفاء الدين والارتهان ~~استيفاؤه، وأنه يملك الإيفاء والاستيفاء فيملك الرهن والارتهان. # وذكر محمد في كتاب الرهن إذا رهن أحدهما متاعا من الشركة بدين عليها، لم ~~يجز وكان ضامنا للرهن ولو ارتهن بدين لهما أداناه وقبض، لم يجز على شريكه ~~وذلك محمول على ما إذا رهن أحدهما بدين عليهما وجب بعقدهما؛ لأن الرهن ~~إيفاء، وكل واحد منهما لا يملك أن يوفي دين الآخر من ماله إلا بأمره، فلا ~~يملك الرهن والارتهان، واستيفاء أحدهما لا يملك استيفاء ثمن ما عقده شريكه ~~لنفسه، فلا يملك ارتهانه، فإن هلك في يده وقيمته والدين سواء، ذهب بحصته؛ ~~لأنه قبض الرهن بعقد فاسد، والرهن الفاسد يكون مضمونا كالصحيح، فكان ~~مستوفيا حصته من الدين؛ لأنه كان يملك استيفاء حصته من الدين قبل الارتهان ~~وإن وليه غيره، فإذا ارتهنه بجميع ذلك صار مستوفيا لجميع الدين، فيصير ~~مستوفيا حصته صورة، فذهب الرهن بحصته، وشريكه بالخيار إن شاء رجع بحصته على ~~المطلوب، ويرجع المطلوب بنصف قيمة الرهن على المرتهن، وإن شاء ضمن شريكه ~~حصته من الدين؛ لأن قبض الرهن قبض استيفاء الدين، فإذا هلك في يده تقرر ~~استيفاء كل الدين، ومن استوفى كل الدين المشترك بغير إذن شريكه؛ كان لشريكه ~~أن يرجع على الغريم بحصته، ويرجع الغريم على القابض بما قبضه؛ لأنه إنما ~~سلم إليه ليملك ما في ذمته بما سلم، ولم يملك، فكان له أن يرجع، كذا هنا، ~~للمطلوب أن يرجع بنصف قيمة الرهن على المرتهن، وإن شاء الشريك رجع عليه ~~بنصف دينه؛ لما ذكرنا أن أحد الشريكين إذا استوفى الدين المشترك كله، كان ~~للشريك الآخر أن يرجع عليه بنصيبه، وطريق ذلك أن نصف المقبوض وقع للقابض ~~ولشريكه أن يشاركه فيه، ومتى شاركه فيه، فللقابض أن يرجع على المطلوب بذلك، ~~ثم يشاركه في ذلك أيضا، هكذا يستوفي هو ويشاركه الآخر ms3466 إلى أن يستوفيا ~~الدين، طعن عيسى بن أبان في هذه المسألة وقال: يجب أن لا يضمن الشريك نصيب ~~شريكه؛ لأن محمدا قال: لو قال رجل لرجل: أعطني رهنا بدين فلان الذي عليك ~~فإن أجازه جاز وإن لم يجزه فلا ضمان علي فأعطاه وهلك الرهن في يده لم يضمن، ~~وهذا الطعن في غير موضعه لأن ذلك الرجل جعل الرهن في يد العدل؛ لأنه لما ~~أخذ رهنا لغيره، وشرط أن لا ضمان عليه، فقد صار عدلا، وهلاك الرهن في يد ~~العدل لا يوجب الضمان؛ لأن قبضه ليس بقبض استيفاء، وههنا إنما قبضه ~~للاستيفاء، والرهن المقبوض للاستيفاء مضمون، فلم يصح الطعن، وله أن يحتال ~~لأن الحوالة من أعمال التجارة؛ لأن التاجر يحتاج إليها لاختلاف الناس في ~~الملاءة والإفلاس وكون بعضهم أملأ من بعض، وفي العادة يختار الأملأ ~~فالأملأ، فكانت الحوالة وسيلة إلى الاستيفاء فكانت في معنى الرهن في التوثق ~~للاستيفاء؛ ولأن الاحتيال تمليك ما في الذمة بمثله؛ فيجوز كالصرف، وحقوق ~~عقد تولاه أحدهما ترجع إلى العاقد حتى لو باع أحدهما لم يكن للآخر أن يقبض ~~شيئا من الثمن، وكذلك كل دين لزم إنسانا بعقد وليه أحدهما ليس للآخر قبضه، ~~وللمديون أن يمتنع من دفعه إليه كالمشتري من الوكيل بالبيع له أن يمتنع عن ~~دفع الثمن إلى الموكل لأن القبض من حقوق العقد، وحقوق العقد تعود إلى ~~العاقد؛ لأن المديون لم يلتزم الحقوق للمالك، وإنما التزمها العاقد، فلا ~~يلزمه ما لم يلتزمه إلا بتوكيل العاقد، فإن دفع إلى الشريك من غير توكيل ~~برئ من حصته، ولم يبرأ من حصة الدائن وهذا استحسان، والقياس أن لا يبرأ ~~الدافع. # (وجه) القياس أن حقوق العقد لا تتعلق بالقابض بل هو أجنبي عنها وإنما ~~تتعلق بالعاقد، فكان الدافع إلى القابض بغير حق، فلا يبرأ. # (وجه) الاستحسان أنه لا فائدة في نقض هذا القبض إذ لو نقضناه لاحتجنا إلى ~~إعادته لأن المديون يلزمه دفعه إلى العاقد، والعاقد يرد حصة الشريك إليه، ~~فلا يفيد القبض ثم الإعادة في الحال، وهذا ms3467 على القياس والاستحسان في الوكيل ~~بالبيع إذا دفع المشتري الثمن إلى الموكل من غير إذن الوكيل لا يطالب ~~الشريك بتسليم المبيع لما قلنا، وليس # PageV06P070 # لأحدهما أن يخاصم فيما أدانه الآخر أو باعه والخصومة للذي باع، وعليه ليس ~~على الذي لم يل من ذلك شيء، فلا يسمع عليه بينة فيه ولا يستحلف وهو ~~والأجنبي في هذا سواء؛ لأن الخصومة من حقوق العقد، وحقوق العقد تتعلق ~~بالعاقد ولو اشترى أحدهما شيئا لا يطالب الآخر بالثمن، وليس للشريك قبض ~~المبيع لما قلنا، وللعاقد أن يوكل وكيلا بقبض الثمن والمبيع فيما اشترى ~~وباع لما ذكرنا فيما تقدم، ولأحدهما أن يقايل فيما باعه الآخر لأن الإقالة ~~فيها معنى الشراء وأنه يملك الشراء على الشركة، فيملك الإقالة وما باعه ~~أحدهما أو اشترى فظهر عيب لا يرد الآخر بالعيب ولا يرد عليه لأن الرد ~~بالعيب من حقوق العقد، وإنها ترجع إلى العاقد والرجوع بالثمن عند استحقاق ~~المبيع على البائع؛ لأنه العاقد فإن أقر أحدهما بعيبه في متاع جاز إقراره ~~عليه وعلى صاحبه قال الكرخي: وهذا قياس قول أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف - ~~رحمهم الله - وفرق بين هذا وبين الوكيل إذا أقر بالعيب فرد القاضي المبيع ~~عليه أنه لا ينفذ إقراره على الموكل حتى يثبت، بالبينة؛ لأن موجب الإقرار ~~بالعيب ثبوت حق الرد عليه ولأحد الشريكين أن يقايل فيما باعه الآخر لأن ~~الإقالة فيها معنى الشراء وأنه يملك الشراء إلى أن يسترد المبيع ويقبل ~~العقد، والوكيل لا يملك ذلك فإن باع أحدهما متاعا من الشركة، فرد عليه ~~فقبله بغير قضاء القاضي جاز عليهما؛ لأن قبول المبيع بالتراضي من غير قضاء ~~بمنزلة شراء مبتدإ بالتعاطي، وكل واحد منهما يملك أن يشتري ما باعه على ~~الشركة وكذا القبول من غير قضاء القاضي بمنزلة الإقالة، وإقالة أحدهما تنفذ ~~على الآخر، وكذا لو حط من ثمنه أو أخر ثمنه لأجل العيب، فهو جائز؛ لأن ~~العيب يوجب الرد ومن الجائز أن يكون الصلح والحط أنفع من الرد، فكان له ذلك ~~وإن حط من ms3468 غير علة أو أمر يخاف منه جاز في حصته ولم يجز في حصة صاحبه؛ لأن ~~الحط من غير عيب تبرع، والإنسان يملك التبرع من مال نفسه لا من مال غيره، ~~وكذلك لو وهب؛ لأن الهبة تبرع ولكل واحد منهما أن يبيع ما اشتراه، وما ~~اشترى صاحبه مرابحة على ما اشترياه؛ لأن كل واحد منهما وكيل لصاحبه بالشراء ~~والبيع، والوكيل بالبيع يملك البيع مرابحة وهل لأحدهما أن يسافر بالمال من ~~غير رضا صاحبه؟ ذكر الكرخي أنه ليس له ذلك والصحيح من قول أبي يوسف ومحمد ~~أن له ذلك وكذا المضارب والمبضع والمودع لهم أن يسافروا. # وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه ليس للشريك والمضارب أن يسافر وهو ~~قول أبي يوسف، وروي عن أبي يوسف أن له المسافرة إلى موضع لا يبيت عن منزله، ~~وروي عنه يسافر أيضا بما لا حمل له ولا مؤنة ولا يسافر بما له حمل ومؤنة. # (وجه) ظاهر قول أبي يوسف أن السفر له خطر، فلا يجوز في ملك الغير إلا ~~بإذنه. # (وجه) الرواية التي فرق فيها بين القريب والبعيد، أنه إذا كان قريبا بحيث ~~لا يبيت عن منزله، كان في حكم المصر. # (وجه) الرواية التي فرق فيها بين ما له حمل ومؤنة، وما ليس له حمل ومؤنة، ~~أن ما له حمل إذا احتاج شريكه إلى رده، يلزمه مؤنة الرد فيتضرر به، ولا ~~مؤنة تلزمه فيما لا حمل له. # (وجه) قول أبي حنيفة ومحمد أن الإذن بالتصرف يثبت مقتضى الشركة، وأنها ~~صدرت مطلقة عن المكان، والمطلق يجري على إطلاقه إلا لدليل، ولهذا جاز ~~للمودع أن يسافر، على أنه في معنى المودع؛ لأنه مؤتمن في مال الشركة ~~كالمودع في مال الوديعة مع ما أن الشريك يملك أمرا زائدا لا يملكه المودع، ~~وهو التصرف، فلما ملك المودع السفر؛ فلأن يملكه الشريك أولى وقول أبي يوسف ~~إن المسافرة بالمال مخاطرة به، مسلم، إذا كان الطريق مخوفا (فأما) إذا كان ~~آمنا، فلا خطر فيه بل هو مباح؛ لأن الله سبحانه وتعالى ms3469 أمر بالابتغاء في ~~الأرض من فضل الله، ورفع الجناح عنه بقوله تعالى عز شأنه {فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} [الجمعة: 10] ، وقال عز شأنه {ليس ~~عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} [البقرة: 198] مطلقا من غير فصل وما ~~ذكر من لزوم مؤنة الرد فيما له حمل ومؤنة، فلا يعد ذلك غرامة في عادة ~~التجار؛ لأن كل مؤنة تلزم تلحق برأس المال، هذا إذا لم يقل كل واحد منهما ~~لصاحبه: اعمل في ذلك برأيك، فأما إذا قال ذلك، فإنه يجوز لكل واحد منهما ~~المسافرة والمضاربة والمشاركة، وخلط مال الشركة بمال له خاصة، والرهن ~~والارتهان مطلقا؛ لأنه فوض الرأي إليه في التصرف الذي اشتملت عليه الشركة ~~مطلقا، وإذا سافر أحدهما بالمال، وقد أذن له بالسفر، أو قيل له: اعمل ~~برأيك، أو عند إطلاق الشركة على الرواية الصحيحة عن أبي حنيفة ومحمد فله أن ~~ينفق من جملة المال على نفسه في # PageV06P071 # كرائه ونفقته وطعامه وإدامه من رأس المال، روى ذلك الحسن عن أبي حنيفة ~~وقال محمد وهذا استحسان، والقياس أن لا يكون له ذلك؛ لأن الإنفاق من مال ~~الغير، لا يجوز إلا بإذنه نصا. # (وجه) الاستحسان العرف والعادة؛ لأن عادة التجار الإنفاق من مال الشركة، ~~والمعروف كالمشروط؛ ولأن الظاهر هو التراضي بذلك؛ لأن الظاهر أن الإنسان لا ~~يسافر بمال الشركة، ويلتزم النفقة من مال نفسه لربح يحتمل أن يكون ويحتمل ~~أن لا يكون؛ لأنه التزام ضرر للحال لنفع يحتمل أن يكون ويحتمل أن لا يكون ~~فكان إقدامهما على عقد الشركة دليلا على التراضي بالنفقة من مال الشركة، ~~ولأن كل واحد منهما في مال صاحبه كالمضارب؛ لأن ما يحصل من الربح فهو فرع ~~جميع المال، وهو يستحق نصف الربح شائعا كالمضارب، فتكون النفقة من جميع ~~المال كالمضارب إذا سافر بمال نفسه وبمال المضاربة، كانت نفقته في جميع ~~ذلك، كذا هذا وقال محمد: فإن ربحت حسبت النفقة من الربح وإن لم يربح كانت ~~النفقة من رأس المال؛ لأن النفقة جزء تالف ms3470 من المال، فإن كان هناك ربح فهو ~~منه، وإلا فهو من الأصل كالمضارب، وما اشتراه أحدهما بغير مال الشركة، لا ~~يلزم صاحبه، لما ذكرنا أنه يصير مستدينا على مال الشركة، وصاحبه لم يأذن له ~~بالاستدانة، وليس لأحدهما أن يهب، ولا أن يقرض على شريكه؛ لأن كل واحد ~~منهما تبرع. # (أما) الهبة فلا شك فيها. # (وأما) القرض؛ فلأنه لا عوض له في الحال، فكان تبرعا في الحال، وهو لا ~~يملك التبرع على شريكه، وسواء قال: اعمل برأيك، أو لم يقل إلا أن ينص عليه ~~بعينه؛ لأن قوله اعمل برأيك تفويض الرأي إليه فيما هو من التجارة، وهذا ليس ~~من التجارة ولو استقرض مالا لزمهما جميعا؛ لأنه تملك مال بالعقد، فكان ~~كالصرف، فيثبت في حقه وحق شريكه؛ ولأنه إن كان الاستقراض استعارة في الحال، ~~فهو يملك الاستعارة، وإن كان تملكا يملكه أيضا، وليس له أن يكاتب عبدا من ~~تجارتهما، ولا أن يعتق على مال؛ لأن الشركة تنعقد على التجارة، والكتابة ~~والإعتاق ليسا من التجارة، ألا ترى أنه لا يملكهما المأذون في التجارة، ~~وسواء قال: اعمل برأيك، أو لا؛ لما قلنا وليس له أن يزوج عبدا من تجارتهما، ~~في قولهم جميعا؛ لأنه ليس من التجارة وهو ضرر محض، فلا يملكه إلا بإذن نصا، ~~وكذلك تزويج الأمة في قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه ليس من التجارة، ويجوز عند ~~أبي يوسف، والمسألة تقدمت في كتاب النكاح. # ولو أقر بدين لم يجز على صاحبه لأن الإقرار حجة قاصرة، فلا يصدق في إيجاب ~~الحق على شريكه بخلاف المفاوضة؛ لأن الجواز في المفاوضة بحكم الكفالة لا ~~بالإقرار، وهذه الشركة لا تتضمن الكفالة ولو أقر بجارية في يده من ~~تجارتهما، أنها لرجل لم يجز إقراره في نصيب شريكه، وجاز في نصيبه، لما ~~ذكرنا أن إقرار الإنسان ينفذ على نفسه لا على غيره؛ لأنه في حق غيره شهادة، ~~وسواء كان قال له: اعمل برأيك أو لا؛ لأن هذا القول يفيد العموم فيما ~~تتضمنه الشركة، والشركة لم تتضمن الإقرار، وما ضاع ms3471 من مال الشريك في يد ~~أحدهما، فلا ضمان عليه في نصيب شريكه، فيقبل قول كل واحد من الشريكين على ~~صاحبه في ضياع المال مع يمينه؛ لأنه أمين والله عز وجل أعلم. # وأما المفاوضة: فجميع ما ذكرنا أنه يجوز لأحد شريكي العنان أن يفعله، وهو ~~جائز على شريكه إذا فعله، فيجوز لأحد شريكي المفاوضة أن يفعله، وإذا فعله ~~فهو جائز على شريكه؛ لأن المفاوضة أعم من العنان، فلما جاز لشريك العنان ~~فجوازه للمفاوض أولى، وكذا كل ما كان شرطا لصحة شركة العنان فهو شرط لصحة ~~شركة المفاوضة؛ لأنها لما كانت أعم من العنان، فهو يقتضي شروط العنان، ~~وزيادة وكذا ما فسدت به شركة العنان، تفسد به شركة المفاوضة؛ لأن المفاوضة ~~يفسدها ما لا يفسد العنان، لاختصاصها بشرائط لم تشترط في العنان، وقد بينا ~~ذلك فيما تقدم، والآن نبين الأحكام المختصة بالمفاوضة التي تجوز للمفاوض، ~~ولا تجوز للشريك شركة العنان فنقول وبالله التوفيق: يجوز إقرار أحد شريكي ~~المفاوضة بالدين عليه وعلى شريكه، ويطالب المقر له أيهما شاء؛ لأن كل واحد ~~منهما كفيل عن الآخر؛ فيلزم المقر بإقراره، ويلزم شريكه بكفالته، وكذلك ما ~~وجب على كل واحد منهما من دين التجارة كثمن المشترى في البيع الصحيح وقيمته ~~في البيع الفاسد وأجرة المستأجر أو ما هو في معنى التجارة كالمغصوب والخلاف ~~في الودائع والعواري والإجارات والاستهلاكات، وصاحب الدين بالخيار، إن شاء ~~أخذ هذا بدينه، وإن شاء أخذ شريكه بحق الكفالة، أما دين التجارة # PageV06P072 # فلأنه دين لزمه بسبب الشركة؛ لأن البيع الصحيح اشتمل عليه عقد الشركة؛ ~~لأنه تجارة، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه، فيما يلزمه بسبب الشركة، ولهذا ~~قالوا: إن البينة تسمع في ذلك على الشريك الذي لم يعقد؛ لأن الدين لزمه كما ~~لزم شريكه؛ لأنه كفيل عن شريكه، والبينة بالدين تسمع على الكفيل كما تسمع ~~على المكفول عنه، وكذا البيع الفاسد بدليل أن الأمر بالبيع يتناول الصحيح ~~والفاسد، وكذا الأجرة لأن الإجارة تجارة. # (وأما) الغصب فلأن ضمانه في معنى ضمان التجارة؛ لأن تقرر ms3472 الضمان فيه يفيد ~~ملك المضمون، فكان في معنى ضمان البيع، والخلاف في الودائع والعواري ~~والإجارات في معنى الغصب؛ لأنه من باب التعدي على مال الغير بغير إذن مالكه ~~فكان في معنى الغصب، فكان ضمانه ضمان الغصب. # (وأما) أروش الجنايات والمهر والنفقة وبدل الخلع والصلح عن القصاص، فلا ~~يؤاخذ به شريكه؛ لأنه ليس بضمان التجارة ولا في معنى ضمان التجارة أيضا؛ ~~لانعدام معنى معاوضة المال بالمال رأسا. # وروي عن أبي يوسف أن ضمان الغصب والاستهلاك لا يلزم إلا فاعله؛ لأنه ضمان ~~جناية فأشبه ضمان الجناية على بني آدم، والجواب ما ذكرنا أن ضمان الغصب ~~وضمان الإتلاف في غير بني آدم ضمان معاوضة؛ لأنه ضمان يملك به المضمون عوضا ~~عنه بخلاف ضمان الجناية على بني آدم؛ لأنه لا يملك به المضمون فلم يوجد فيه ~~معنى المعاوضة أصلا. # ولو كفل أحدهما عن إنسان، فإن كفل عنه بمال، يلزم شريكه عند أبي حنيفة، ~~وعندهما لا يلزم، وإن كفل بنفس لا يؤخذ بذلك شريكه في قولهم جميعا. # (وجه) قولهما أن الكفالة تبرع، فلا تلزم صاحبه كالهبة والصدقة والكفالة ~~بالنفس، والدليل على أنها تبرع اختصاص جوازها بأهل التبرع، حتى لا تجوز من ~~الصبي والمكاتب والعبد المأذون، وكذا تعتبر من الثلث إذا كان في حال المرض ~~والشركة لا تنعقد على التبرع، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أن الكفالة تقع ~~تبرعا بابتدائها، ثم تصير معاوضة بانتهائها لوجود التمليك والتملك، حتى ~~يرجع الكفيل على المكفول عنه بما كفل، إذا كانت الكفالة بأمر المكفول عنه ~~فقلنا: لا تصح من الصبي والمأذون والمكاتب ويعتبر من الثلث عملا بالابتداء، ~~ويلزم شريكه عملا بالانتهاء، وحقوق عقد تولاه أحدهما ترجع إليهما جميعا، ~~حتى لو باع أحدهما شيئا من مال الشركة، يطالب غير البائع منهما بتسليم ~~المبيع، كما يطالب البائع، ويطالب غير البائع منهما المشتري بتسليم الثمن، ~~ويجب عليه تسليمه كالبائع. # ولو اشترى أحدهما شيئا يطالب الآخر بالثمن، كما يطالب المشتري، وله أن ~~يقبض المبيع كما للمشتري. # ولو وجد المشتري منهما عيبا بالمبيع، فلصاحبه أن ms3473 يرده بالعيب كما ~~للمشتري، وله الرجوع بالثمن عند الاستحقاق كالمشتري. # ولو باع أحدهما سلعة من شركتهما فوجد المشتري بها عيبا، فله أن يردها على ~~أيهما شاء. # ولو أنكر العيب، فله أن يحلف البائع على البتات، وشريكه على العلم. # ولو أقر أحدهما نفذ إقراره على نفسه وشريكه. # ولو باعا سلعة من شركتهما، ثم وجد المشتري بها عيبا، فله أن يحلف كل واحد ~~منهما على النصف الذي باعه على البتات، وعلى النصف الذي باعه شريكه على ~~العلم بيمين واحدة على العلم في قول محمد - رحمه الله -، وقال أبو يوسف: ~~يحلف كل واحد منهما على البتات فيما باع، ويسقط عن كل واحد منهما اليمين ~~على العلم، وهما جميعا في خراج التجارة وضمانها سواء، ففعل أحدهما فيها ~~كفعلهما، وقول أحدهما كقولهما، وهما في الحقيقة شخصان وفي أحكام التجارة ~~كشخص واحد ولأحدهما أن يكاتب عبد التجارة، أو يأذن له بالتجارة لأن تصرف كل ~~واحد منهما فيما يعود نفعه إلى مال الشركة عام، كتصرف الأب في مال ابنه ~~الصغير كذا روي عن محمد أنه قال: كل ما يجوز أن يفعله الإنسان فيما لا ~~يملكه فالمفاوض فيه أجوز أمرا، ومعناه أن الأب يملك كتابة عبد ابنه الصغير ~~وإذنه بالتجارة مع أنه لا ملك له فيه رأسا، فلأن يملك المفاوض أولى. # ولا يجوز له أن يعتق شيئا من عبيد التجارة على مال؛ لأنه في معنى التبرع؛ ~~لأنه يعتق بمجرد القول، ويبقى البدل في ذمة المفلس قد يسلم له وقد لا يسلم، ~~فكان في معنى التبرع، ولهذا لا يملكه الأب في مال ابنه، ولا يجوز له تزويج ~~العبد؛ لأنه ضرر محض؛ لأن المهر والنفقة يتعلقان برقبته، وتنقص به قيمته، ~~ويكون ولده لغيره، فكان التزويج ضررا محضا، فلا يملكه في ملك غيره، ويجوز ~~له أن يزوج الأمة؛ لأن تزويج الأمة نفع محض؛ لأنه يستحق المهر والولد ويسقط ~~عنه نفقتها، وتصرف المفاوض نافذ في كل ما يعود نفعه إلى مال الشركة، سواء # PageV06P073 # كان من باب التجارة أو لا، بخلاف الشريك شركة ms3474 العنان فإن نفاذ تصرفه يختص ~~بالتجارة على أصل أبي حنيفة ومحمد، وتزويج الأمة ليس من التجارة؛ لأن ~~التجارة معاوضة المال بالمال، ولم يوجد، فلا ينفذ، وعند أبي يوسف ينفذ ~~كتصرف المفاوض لوجود النفع، ويجوز له أن يدفع المال مضاربة، لما ذكرنا في ~~الشريك شركة عنان، أنه يجوز له أن يستأجر من يعمل في مال الشركة بمال ~~يستحقه الأجير بيقين، فالدفع مضاربة أولى؛ لأن المضارب لا يستحق الربح منها ~~بيقين لجواز أن يحصل، وأن لا يحصل، ويجوز له أن يشارك شركة عنان في قول أبي ~~يوسف ومحمد؛ لأن شركة العنان أخص من شركة المفاوضة، فكانت دونها، فجاز أن ~~تتضمنها المفاوضة كما تتضمن العنان المضاربة، لأنها دونها فتتبعها؛ ولأن ~~الأب يملك ذلك في مال ابنه، فيملك المفاوض على شريكه من طريق الأولى، وروى ~~الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يجوز له ذلك؛ لأنه يوجب للشريك الثالث حقا في ~~مال شريكه، وذلك لا يجوز إلا بإذنه، هذا إذا شارك رجلا شركة عنان، فأما إذا ~~فاوض جاز عليه وعلى شريكه، ذكره محمد في الأصل، وقال أبو يوسف: لا يجوز ~~وكذا في رواية الحسن عن أبي حنيفة. # (وجه) قول محمد أن عقد المفاوضة عام فيصير تصرف كل واحد منهما كتصرف ~~الآخر، ولأبي يوسف أن شركة العنان مثل المفاوضة والشيء لا يستتبع مثله، ~~ويجوز له أن يرهن ويرتهن على شريكه؛ لأن الرهن هو إيفاء، والارتهان ~~استيفاء، وكل واحد منهما يملك الإيفاء والاستيفاء فيما عقده صاحبه، ويجوز ~~لكل واحد منهما أن يقضي ما أداناه، أو ادانه صاحبه، أو ما يوجب لهما من غصب ~~على رجل أو كفالة؛ لأن كل واحد منهما كفيل الآخر، فيملك أن يستوفي حقوقه ~~بالوكالة، وما وجب على أحدهما فلصاحب الدين أن يأخذ كل واحد منهما؛ لأن كل ~~واحد منهما كفيل عن الآخر، وكل واحد منهما خصم عن صاحبه يطالب بما على ~~صاحبه، ويقام عليه البينة، ويستحلف على علمه فيما هو من ضمان التجارة؛ لأن ~~الكفيل خصم فيما يدعي على المكفول عنه ويستحلف على ms3475 علمه؛ لأنه يمين على فعل ~~الغير، وما اشتراه أحدهما من طعام لأهله أو كسوة أو ما لا بد له منه، فذلك ~~جائز، وهو له خاصة دون صاحبه، والقياس أن يكون المشترى مشتركا بينهما؛ لأن ~~هذا مما يصح الاشتراك فيه كسائر الأعيان، لكنهم استحسنوا أن يكون له خاصة ~~للضرورة؛ لأن ذلك مما لا بد منه، فكان مستثنى من المفاوضة فاختص به ~~المشتري، لكن للبائع أن يطالب بالثمن أيهما شاء، وإن وقع المشترى للذي ~~اشتراه خاصة؛ لأن هذا مما يجوز فيه الاشتراك، وكل واحد منهما كفيل عن الآخر ~~ببدل ما يجوز فيه الاشتراك، إلا أنهم قالوا: إن الشريك يرجع على شريكه بنصف ~~ثمن ذلك؛ لأنه قضى دينا عليه من ماله لا على وجه التبرع؛ لأنه التزم ذلك ~~فيرجع عليه، وليس له أن يشتري جارية للوطء أو للخدمة بغير إذن الشريك؛ لأن ~~الجارية مما يصح فيه الاشتراك، ولا ضرورة تدعو إلى الانفراد بملكها، فصارت ~~كسائر الأعيان بخلاف الطعام والكسوة، فإن ثمة ضرورة فأخرجا عن عموم الشركة ~~للضرورة، ولا ضرر في الجارية فبقيت داخلة تحت العموم، فإن اشترى ليس له أن ~~يطأها ولا لشريكه لأنها دخلت في الشركة؛ فكانت بينهما، فهذه جارية مشتركة ~~بين اثنين فلا يكون لأحدهما أن يطأها، فإن اشترى أحدهما جارية ليطأها بإذن ~~شريكه، فهي له خاصة ولم يذكر في كتاب الشركة، أن الشريك يرجع عليه بشيء أو ~~لا يرجع، وذكر في الجامع الصغير الخلاف فقال عند أبي حنيفة: لا يرجع عليه ~~بشيء من الثمن، وعندهما يرجع عليه بنصف الثمن. # (وجه) قولهما أن الحاجة إلى الوطء متحققة فتلحق بالحاجة إلى الطعام ~~والكسوة، فإذا اشتراها لنفسه خاصة وقعت له خاصة، وصارت مستثناة عن عقد ~~الشركة، فقد نقد ما ليس بمشترك من مال الشركة، فيرجع عليه شريكه بالنصف، ~~ولأبي حنيفة أن الأصل في كل ما يحتمل الشركة إذا اشتراه أحد الشريكين، أن ~~يقع المشترى مشتركا بينهما من غير إذن جديد من الشريك بالشراء إلا فيما فيه ~~ضرورة، وهو ما لا بد له منه ms3476 من الطعام والكسوة، ولا ضرورة في الوطء فوقع ~~المشترى على الشركة بالإذن الثابت بأصل العقد من غير الحاجة إلى إذن آخر، ~~فلم يكن الإذن الجديد من الشريك لوقوع المشترى على الشركة؛ لأنه وقع على ~~الشركة بدونه، فكان للتمليك كأنه قال: اشتر جارية بيننا، وقد ملكتك نصيبي ~~منها فكانت الهبة متعلقة بالشراء، فإذا اشترى وقبض، صحت الهبة، كما لو قال: ~~إن قبضت مالي على فلان، فقد وهبته لك، فقبضه، يملكه # PageV06P074 # كذا هو وإذا كان كذلك فقد نقد ثمن الواقع على الشركة من مال الشركة، فلا ~~يرجع على شريكه بشيء، فإن اشترى جارية للوطء بإذن شريكه فاستولدها ثم ~~استحقت، فعلى الواطئ العقر، يأخذ المستحق بالعقر أيهما شاء. # (وأما) وجوب العقر فلا شك فيه؛ لأن وطء ملك الغير في دار الإسلام لا يخلو ~~عن أحد الغرامتين، إما الحد وإما العقر، وقد تعذر إيجاب الحد لمكان الشبهة، ~~وهي صورة البيع، فيجب العقر. # وأما ولاية الأخذ من أيهما شاء؛ فلأن هذا ضمان وجب بسبب الشراء، والضمان ~~الواجب بسبب الشراء يلزم كل واحد منهما كالثمن؛ لأن الشراء من التجارة، ~~فكان هذا ضمان التجارة، بخلاف المهر في النكاح الصحيح والفاسد؛ لأنه مال ~~وجب بسبب النكاح والنكاح ليس من التجارة، فلا يدخل في الشركة. # ولو أقال أحدهما في بيع ما باعه الآخر، جازت الإقالة عليهما، لما ذكرنا ~~أن الإقالة في معنى الشراء، وهو يملك الشراء على الشركة فيملك الإقالة ولأن ~~الشريك شركة العنان يملك الإقالة فالمفاوض أولى، وإذا مات أحد المتفاوضين ~~أو تفرقا، لم يكن للذي لم يل المداينة أن يقبض الدين؛ لأن الشركة بطلت بموت ~~أحدهما؛ لأنها وكالة، والوكالة تبطل بموت الموكل لبطلان أمره بموته وتبطل ~~بموت الوكيل لتعذر تصرفه فتبطل الشركة فلا يجوز لأحدهما أن يقبض نصيب الآخر ~~إذا لم يكن هو الذي تولى العقد، ويجوز قبضه في نصيب نفسه؛ لأنه موكل فيه، ~~وقبض الوكيل جائز استحسانا. # (وأما) الذي ولي المداينة، فله أن يقبض الجميع؛ لأنه ملك ذلك بعقد ~~المداينة لكونه من حقوق العقد، فلا يبطل ms3477 بانفساخ الشركة بموت الشريك كما لا ~~يبطل بالعزل. # ولو آجر أحدهما نفسه في الخياطة أو عمل من الأعمال، فالأجر بينهما نصفان ~~وإن آجر نفسه للخدمة فالأجر له خاصة؛ لأن في الفصل الأول آجر نفسه في عمل ~~يملك أن يتقبل على نفسه وعلى صاحبه، فإذا عمل فقد أوفى ما عليهما، فكانت ~~الأجرة بينهما، وفي الثاني لا يملك التقبل على صاحبه، بل على نفسه خاصة، ~~فكانت الأجرة له خاصة، وقال أبو حنيفة إذا قضى أحدهما دينا كان عليه قبل ~~المفاوضة، فهو جائز؛ لأنه إذا قضى فقد صار المقضي دينا على القاضي أولا، ثم ~~يصير قصاصا بماله على القاضي، فكان هذا تمليكا بعوض فتناوله عقد الشركة، ~~فملكه فجاز القضاء، وليس لصاحبه سبيل على الذي قبض الدين لما ذكرنا أن قبضه ~~قبض مضمون؛ لأنه قبض ما للشريك أن يملكه إياه، ويرجع شريكه عليه بحصته منه؛ ~~لأنه قضى دين نفسه من مال غيره، ولا تنتقض المفاوضة، وإن ازداد مال أحد ~~الشريكين؛ لأن الواجب دين، وزيادة مال أحد الشريكين إذا كانت دينا، لا توجب ~~بطلان المفاوضة، كما لا تمنع انعقادها، لما مر أن الدين لا يصلح رأس مال ~~الشركة، فإذا استرجع ذلك بطلت المفاوضة؛ لأنه ازداد له مال صالح للشركة على ~~مال شريكه. # ولو رهن أمة من مال المفاوضة بخمسمائة، وقيمتها ألف، فماتت في يد ~~المرتهن، ذهبت بخمسمائة ولا يضمن ما بقي؛ لأن الزيادة أمانة في يد المرتهن ~~فكان مودعا في قدر الأمانة من الرهن، وللمودع والمفاوض أن يودع، وكذلك وصي ~~أيتام رهن أمة لهم بأربعمائة عليه، وقيمتها ألف فماتت في يد المرتهن، ذهبت ~~بأربعمائة، وذلك يكون دينا للورثة على الوصي، وهو أمين في الفضل، وكذلك ~~الأب يرهن أمة ابن له صغير بدين عليه؛ لأن الأب والوصي يملكان الإيداع ~~والزيادة على قدر الدين من الرهن أمانة فكانت وديعة قال الحسن بن زياد قال ~~أبو حنيفة - رحمه الله - لو أقرض أحد المتفاوضين مالا فأعطاه رجلا، ثم أخذ ~~به سفتجة كان ذلك جائزا عليهما، ولا يضمن؛ توى المال ms3478 أو لم يتو، وفي قياس ~~قول أبي يوسف أن الذي أقرض وأخذ السفتجة يضمن حصة شريكه من ذلك، وهذا فرع ~~اختلافهم في الكفالة أن الكفيل في حكم المقرض، فإذا جازت الكفالة عند أبي ~~حنيفة جاز القرض، وعند أبي يوسف لا تجوز الكفالة لما فيها من معنى التبرع، ~~فكذلك القرض وقالوا في أحد المتفاوضين، إذا استأجر إبلا إلى مكة ليحج ويحمل ~~عليها متاع بيته فللمؤاجر أن يطالب أيهما شاء بالأجر؛ لأن المعقود عليه ~~وهو، المنفعة؛ مما يجوز دخوله في الشركة، ألا ترى لو أبدله من حمل متاعه، ~~فحمل عليهما متاع الشركة جاز، وإذا دخل في الشركة كان البدل عليهما فيطالب ~~به شريكه بحكم الكفالة، وإن وقع ذلك له خاصة، كما لو اشترى طعاما لنفسه أن ~~المشترى يقع له ويطالب الشريك بالثمن، كذا هذا. # ولو آجر أحدهما عبدا له ورثه لم يكن لشريكه أن يقبض الإجارة؛ لأنها بدل ~~مال لم يدخل في الشركة؛ فلا يملك قبضه كالدين الذي وجب له بالميراث والله # PageV06P075 # عز وجل أعلم. # (وأما) الشركة بالأعمال فأما العنان منها فلكل واحد منهما أن يتقبل ~~العمل، ومتى تقبل يجب عليه، وعلى شريكه؛ لأن كل واحد منهما بعقد الشركة أذن ~~لصاحبه بتقبل العمل عليه، فصار وكيله فيه كأنه تقبل العمل بنفسه، ولصاحب ~~العمل أن يطالب بالعمل أيهما شاء لوجوبه على كل واحد منهما، ولكل واحد ~~منهما أن يطالب صاحب العمل بكل الأجرة؛ لأنه قد لزمه كل العمل، فكان له ~~المطالبة بكل الأجرة، وإلى أيهما دفع صاحب العمل برئ؛ لأنه دفع إلى من أمر ~~بالدفع إليه، وعلى أيهما وجب ضمان العمل، وهو جناية يده، كان لصاحب العمل ~~أن يطالب الآخر به استحسانا، كذا روى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة - رضي ~~الله عنهم - أنه قال: إذا جنت يد أحدهما فالضمان عليهما جميعا، يأخذ صاحب ~~العمل أيهما شاء بجميع ذلك، والقياس أن لا يكون له ذلك. # (وجه) القياس ظاهر لأن هذه شركة عنان لا شركة مفاوضة، وحكم الشرع في شركة ~~العنان أن ما ms3479 يلزم كل واحد منهما بعقده لا يطالب به الآخر. # (وجه) الاستحسان أن هذه شركة ضمان في حق وجوب العمل؛ لأن العمل الذي ~~يتقبله أحدهما يجب على الآخر حتى يستحق الأجر به فإذا كانت هذه الشركة ~~مقتضية وجوب العمل على كل واحد منهما، كانت مقتضية وجوب ضمان العمل، فكانت ~~في معنى المفاوضة في حق وجوب الضمان، وإن لم تكن مفاوضة حقيقة؛ حتى قالوا ~~في الدين: إذا أقر أحدهما بثمن صابون أو أشنان أو غيرهما أنه لا يصدق على ~~صاحبه إذا كان المبيع مستهلكا إلا بإقراره أو بالبينة، كذا إذا أقر أحدهما ~~بأجر أجير أو حانوت بعد مضي هذه الإجارة، وإن كان المبيع لم يستهلك ومدة ~~الإجارة لم تمض لزمهما جميعا بإقراره، وإن جحده شريكه كما في شركة العنان ~~فدل أنه ليس لها حكم المفاوضة من جميع الوجوه بل من الوجه الذي بينا خاصة، ~~وقال أبو يوسف إذا ادعى على أحدهما ثوبا عندهما فأقر به أحدهما وجحد الآخر، ~~جاز الإقرار على الآخر، ويدفع الثوب ويأخذ الأجرة، قال وهذا استحسان وليس ~~بقياس؛ لأنهما ليسا بمتفاوضين حتى يصدق كل واحد منهما على صاحبه بل هما ~~شريكان شركة عنان؛ فلا ينفذ إقراره على صاحبه فيما في يد صاحبه كشريكي ~~العنان في المال إذا أقر أحدهما بثوب من شركتهما وجحد الآخر أنه لا ينفذ ~~إقراره على صاحبه في نصيبه، كذا هذا، وقد روى ابن سماعة عن محمد أنه أخذ ~~بالقياس في هذه المسألة وقال: ينفذ إقراره في النصف الذي في يده ولا ينفذ ~~في النصف الذي في يد الشريك (ووجهه) ما ذكرنا أن الشيء في أيديهما، والشركة ~~شركة عنان وأحد شريكي العنان إذا أقر بثوب في أيديهما لا ينفذ على صاحبه ~~وإنما استحسنا، وألحقناها بالمفاوضة في حق وجوب العمل، والمطالبة بالأجرة ~~في حق وجوب ضمان العمل فبقي الأمر فيما وراء ذلك على أصل القياس. # (وجه) الاستحسان لأبي يوسف أنه لما ظهر حكم المفاوضة في هذه الشركة في حق ~~ضمان العمل وهو وجوبه حتى لزم كل واحد ms3480 منهما كل العمل؛ وجب له المطالبة بكل ~~الأجرة، وعليه بكل العمل، ولزمه ضمان ما حدث على شريكه يظهر في محل العمل ~~أيضا، فينفذ إقراره بمحل العمل على صاحبه وإن عمل أحدهما دون الآخر، بأن ~~مرض أو سافر، أو بطل فالأجر بينهما على ما شرطا؛ لأن الأجر في هذه الشركة ~~إنما يستحق بضمان العمل لا بالعمل لأن العمل قد يكون منه، وقد يكون من غيره ~~كالقصار والخياط إذا استعان برجل على القصارة والخياطة، أنه يستحق الأجر ~~وإن لم يعمل؛ لوجود ضمان العمل منه وههنا شرط العمل عليهما، فإذا عمل ~~أحدهما يصير الشريك القابل عاملا لنفسه في النصف، ولشريكه في النصف الآخر، ~~ويجوز شرط التفاضل في الكسب، إذا شرط التفاضل في الضمان، بأن شرطا لأحدهما ~~ثلثي الكسب، وهو الأجر، وللآخر الثلث وشرطا العمل عليهما كذلك، سواء عمل ~~الذي شرط له الفضل أو لم يعمل بعد أن شرطا العمل عليهما؛ لأن استحقاق ~~الأجرة في هذه الشركة بالضمان لا بالعمل بدليل أنه لو عمل أحدهما استحق ~~الآخر الأجر، وإذا كان استحقاق أصل الأجر بأصل ضمان العمل لا بالعمل، كان ~~استحقاق زيادة الأجر بزيادة الضمان، لا بزيادة العمل، وحكي عن الكرخي أنه ~~علل في هذه المسألة فقال: المنافع لا تتقوم إلا بالعقد، والشريك قد قومها ~~بمقدار ما شرط لنفسه، فلا يستحق الزيادة عليه، وهذا يشير إلى أن الاستحقاق ~~بالعمل، ورد عليه الجصاص وقال هذا لا يصح، بدليل أنه لو شرط فضل الأجر ~~لأقلهما عملا بأن شرطا ثلثا الأجرة له، جاز، فدل # PageV06P076 # أن استحقاق فضل الأجرة بفضل الضمان لا بفضل العمل. # ولو شرطا التفاضل في الأجرة فجعلاها أثلاثا، ولم ينسبا العمل إلى نصفين، ~~فهو جائز لأنهما لما شرطا التفاضل في الكسب، ولا يصح ذلك إلا بشرط التفاضل ~~في العمل، كان ذلك اشتراطا للتفاضل في العمل تصحيحا لتصرفهما عند إمكان ~~التصحيح. # ولو شرطا الكسب أثلاثا، وشرطا العمل نصفين، لم يجز؛ لأن فضل الأجرة لا ~~يقابلها مال، ولا عمل ولا ضمان، والربح لا يستحق إلا بأحد هذه الأشياء. ms3481 # (وأما) الوضيعة فلا تكون بينهما إلا على قدر الضمان حتى لو شرطا أن ما ~~يتقبلانه فثلثاه على أحدهما بعينه، وثلثه على الآخر، والوضيعة بينهما ~~نصفان، كانت الوضيعة باطلة والقبالة بينهما على ما شرطا على كل واحد منهما؛ ~~لأن الربح إذا انقسم على قدر الضمان كانت الوضيعة على قدر الضمان أيضا؛ ~~لأنه لا يجوز اشتراط زيادة الضمان في الوضيعة في موضع يجوز اشتراط زيادة ~~الربح فيه لأحدهما، وهو الشركة بالأموال حتى لا تكون الوضيعة فيها إلا بقدر ~~المال في موضع لا يجوز اشتراط زيادة الربح فيه لأحدهما، فلأن لا يجوز أن ~~تكون الوضيعة فيه إلا على قدر الضمان أولى. # (وأما) المفاوضة منهما فما لزم أحدهما بسبب هذه الشركة، يلزم صاحبه، ~~ويطالب به من ثمن صابون أو أشنان أو أجر أجير أو حانوت، ويجوز إقرار أحد ~~الشريكين عليه وعلى شريكه بالدين، وللمقر له أن يطالب به أيهما شاء؛ لأن كل ~~واحد منهما كفيل عن صاحبه فيلزم المقر بإقراره والشريك بكفالته. # ولو ادعى على أحدهما بثوب في أيديهما، فأقر به أحدهما، وجحد صاحبه، يصدق ~~على صاحبه وينفذ إقراره عليه. # (وأما) الشركة بالوجوه فالعنان منها والمفاوضة في جميع ما يجب لهما وما ~~يجب عليهما، وما يجوز فيه فعل أحدهما على شريكه، وما لا يجوز، بمنزلة شريك ~~العنان، والمفاوضة في الأموال. # (وأما) الشركة الفاسدة وهي التي فاتها شرط من شرائط الصحة، فلا تفيد شيئا ~~مما ذكرنا؛ لأن لأحد الشريكين أن يعمله بالشركة الصحيحة، والربح فيها على ~~قدر المالين؛ لأنه لا يجوز أن يكون الاستحقاق فيها بالشرط؛ لأن الشرط لم ~~يصح، فألحق بالعدم، فبقي الاستحقاق بالمال، فيقدر بقدر المال، ولا أجر ~~لأحدهما على صاحبه عندنا وقال الشافعي: له أجرة فيما عمل لصاحبه، وهذا غير ~~سديد، إلا أنه استحق الربح بعمله فلا يستحق الأجر والله عز وجل أعلم. ### | [فصل في صفة عقد الشركة] # (فصل) : # وأما صفة عقد الشركة. # فهي أنها عقد جائز غير لازم حتى ينفرد كل واحد منهما بالفسخ، إلا أن من ~~شرط جواز الفسخ أن ms3482 يكون بحضرة صاحبه، أي بعلمه، حتى لو فسخ بمحضر من صاحبه ~~جاز الفسخ، وكذا لو كان صاحبه غائبا، وعلم بالفسخ، وإن كان غائبا ولم يبلغه ~~الفسخ؛ لم يجز الفسخ ولم ينفسخ العقد؛ لأن الفسخ من غير علم صاحبه إضرار ~~بصاحبه، ولهذا لم يصح عزل الوكيل من غير علمه مع ما أن الشركة تتضمن ~~الوكالة، وعلم الوكيل بالعزل شرط جواز العزل، فكذا في الوكالة التي تضمنته ~~الشركة، وعلى هذا الأصل قال الحسن بن زياد: إذا شارك أحد شريكي العنان رجلا ~~شركة مفاوضة، أنه إن كان بغير محضر من شريكه لم تكن مفاوضة، وإن كان بمحضر ~~منه صحت المفاوضة؛ لأن المفاوضة مع غيره تتضمن فسخ العنان، وهو لا يملك ~~الفسخ عند غيبته، ويملك عند حضرته، وهل يشترط أن يكون مال الشركة عينا وقت ~~الشركة لصحة الفسخ، وهي أن يكون دراهم أو دنانير ذكر الطحاوي أنه شرط حتى ~~لو كان مال الشركة عروضا وقت الفسخ، لا يصح الفسخ، ولا تنفسخ الشركة ولا ~~رواية عن أصحابنا في الشركة وفي المضاربة رواية وهي أن رب المال إذا نهى ~~المضارب عن التصرف فإنه ينظر إن كان مال المضاربة وقت النهي دراهم أو ~~دنانير، صح النهي، لكن له أن يصرف الدراهم إلى الدنانير والدنانير إلى ~~الدراهم؛ لأنهما في الثمنية جنس واحد، فكأنه لم يشتر بها شيئا، وليس له أن ~~يشتري بها عروضا وإن كان رأس المال وقت النهي عروضا، فلا يصح نهيه؛ لأنه ~~يحتاج إلى بيعها ليظهر الربح، فكان الفسخ إبطالا لحقه في التصرف فجعل ~~الطحاوي الشركة بمنزلة المضاربة، وبعض مشايخنا فرق بين الشركة والمضاربة ~~فقال يجوز فسخ الشركة وإن كان رأس المال عروضا ولا يجوز فسخ المضاربة لأن ~~مال الشركة في يد الشريكين جميعا، ولهما جميعا ولاية التصرف فيملك كل واحد ~~منهما نهي صاحبه عينا كان المال أو عروضا، فأما مال المضاربة ففي يد ~~المضارب، وولاية التصرف له لا لرب المال، فلا يملك رب المال نهيه بعد ما ~~صار المال عروضا. # PageV06P077 ### | [فصل في بيان ما يبطل ms3483 به عقد الشركة] # فصل) : # وأما بيان ما يبطل به عقد الشركة. # فما يبطل به نوعان: (أحدهما) : يعم الشركات كلها (والثاني) : يخص البعض ~~دون البعض، أما الذي يعم الكل فأنواع: (منها) الفسخ من أحد الشريكين؛ لأنه ~~عقد جائز غير لازم، فكان محتملا للفسخ، فإذا فسخه أحدهما عند وجود شرط ~~الفسخ ينفسخ، (ومنها) موت أحدهما أيهما مات انفسخت الشركة لبطلان الملك ~~وأهلية التصرف بالموت، سواء علم بموت صاحبه أو لم يعلم؛ لأن كل واحد منهما ~~وكيل صاحبه، وموت الموكل يكون عزلا للوكيل علم به أو لم يعلم؛ لأنه عزل ~~حكمي، فلا يقف على العلم (ومنها) ردة أحدهما مع اللحاق بدار الحرب بمنزلة ~~الموت، (ومنها) جنونه جنونا مطبقا؛ لأن به يخرج الوكيل عن الوكالة، وجميع ~~ما يخرج به الوكيل عن الوكالة يبطل به عقد الشركة؛ لأن الشركة تتضمن ~~الوكالة على نحو ما فصلنا في كتاب الوكالة. # (وأما) الذي يخص البعض دون البعض فأنواع (منها) : هلاك المالين أو أحدهما ~~قبل الشراء في الشركة بالأموال، سواء كان المالان من جنسين، أو من جنس واحد ~~قبل الخلط؛ لأن الدراهم والدنانير يتعينان في الشركات، فإذا هلكت فقد هلك ~~ما تعلق العقد بعينه قبل انبرام العقد وحصول المعقود به، فيبطل العقد بخلاف ~~ما إذا اشترى شيئا بدراهم معينة، ثم هلكت الدراهم قبل القبض، أن العقد لا ~~يبطل؛ لأن الدراهم والدنانير لا يتعينان في المعاوضات، ويتعينان في ~~الشركات، ثم إنما لم تتعين الدراهم والدنانير في المعاوضات، وتتعين في ~~الشركات؛ لأنهما جعلا ثمنين شرعا، فلو تعينا في المعاوضات لانقلبا مثمنين، ~~إذ المثمن اسم لعين يقابلها عوض، فلو تعينت الدراهم والدنانير في المعاوضات ~~لكان عينا يقابلها عوض، فكان مثمنا، فلا يكون ثمنا، وفيه تغيير حكم الشرع، ~~فلم يتعين وليس في تعيينها في باب الشركة تغيير حكم الشرع؛ لأنها لا ~~يقابلها عند انعقاد الشركة عليهما عوض، ولهذا يتعينان في الهبات والوصايا ~~بخلاف المضاربة والوكالة المفردة عن الشركة، أنهما لا يتعينان في هذين ~~العقدين، وإن لم يكن التعيين فيهما تغييرا لحكم الشرع، وهو ms3484 جعلهما مثمنين ~~لما لا عوض للحال يقابلهما؛ لأن كل واحد من العقدين وضع وسيلة إلى الشركة، ~~والوسيلة إلى الشيء حكمه حكم ذلك الشيء، فجعل حكمهما في حق المنع من تعين ~~الدراهم والدنانير حكم الشراء، فلم يتعينا بالعقد والإشارة، بل يتعينان ~~بالقبض كما في الشراء، بخلاف الشركة، فإنها وإن وقعت وسيلة إلى الشراء لكن ~~لا بد مع هذا من سبب يوجب تعين رأس المال لما مر، ولا يمكن جعل القبض معينا ~~لرأس المال؛ لأنه لا وجه إلى إيجاب القبض فيهما ليتعين رأس المال؛ لأن ~~العمل فيهما مشروط من الشريكين، وكون العمل مشروطا من رب المال يوجب أن ~~يكون رأس المال في يده ليمكنه العمل، وكون عمل الآخر مشروطا يوجب التسليم ~~إليه، ليتمكن من العمل، فلا يجب التسليم للتعارض، ولا بد من سبب يوجب تعين ~~ما تعلق به العقد، وليس وراء القبض إلا العقد، فإذا لم يمكن إيجاب القبض ~~جعل العقد موجبا تعينهما، وإن كان وسيلة إلى الشراء، لكن هذه الضرورة أوجبت ~~استدراكه بحكم غير حكم ما جعل هو وسيلة له. # (فأما) في الوكالة المفردة والمضاربة فعمل رب المال ليس بمشروط، بل لو ~~شرط ذلك في المضاربة؛ لأوجب فسادها فأمكن جعل القبض سببا للتعيين، فلا حاجة ~~إلى جعل العقد سببا، فلم يوجب العقد التعيين إلحاقا له بالشراء، ثم إذا هلك ~~أحد المالين قبل الشراء هلك من مال صاحبه؛ لأن الهالك مال ملكه أحدهما ~~بيقين، وأنه أمانة في يد صاحبه، فيهلك على صاحبه خاصة، بخلاف ما إذا كان ~~رأس المالين من جنس واحد وخلطا، ثم هلك أنه يهلك مشتركا؛ لأنا لا نتيقن أن ~~الهالك مال أحدهما والله عز وجل الموفق. # (ومنها) فوات المساواة بين رأسي المال في شركة المفاوضة بالمال بعد ~~وجودها في ابتداء العقد لأن وجود المساواة بين المالين في ابتداء العقد كما ~~هو شرط انعقاد هذا العقد على الصحة، فبقاؤها شرط بقائها منعقدة؛ لأنها ~~مفاوضة في الحالين، فلا بد من معناها في الحالين وعلى هذا يخرج ما إذا ~~تفاوضا، والمال مستو، ms3485 ثم ورث أحدهما ما لا تصح فيه الشركة من الدراهم ~~والدنانير، وصار ذلك في يده، أنه تبطل المفاوضة؛ لبطلان المساواة التي هي ~~معنى العقد، وإن ورث عروضا لا تبطل، وكذا لو ورث ديونا لا تبطل، ما لم يقبض ~~الديون؛ لأنها قبل القبض، لا تصلح رأس مال الشركة، وكذا لو ازداد أحد ~~المالين على الآخر قبل الشراء، بأن كان # PageV06P078 # أحدهما دراهم والآخر دنانير، فإن زادت قيمة أحدهما قبل الشراء بطلت ~~المفاوضة؛ لما قلنا؛ لأن عقد الشركة يقف تمامه على الشراء فكان الموجود قبل ~~الشراء كالموجود وقت العقد، كالبيع لما كان تمامه بالقبض كان هلاك المبيع ~~قبل القبض كهلاكه وقت العقد، والزيادة وقت العقد تمنع من الانعقاد، فإذا ~~طرأ عليه يبطله قال محمد: وكذلك لو اشترى بأحد المالين، ثم ازداد الآخر؛ ~~لأن الشركة لا تتم ما لم يشتر بالمال، فصار كأن الزيادة كانت وقت العقد، ~~فإن زاد المال المشترى في قيمته كانت المفاوضة بحالها؛ لأن تلك الزيادة ~~تحدث على ملكها؛ لأنها ربح في المال المشترى فلا يفضل أحدهما على الآخر، ~~قال محمد - رحمه الله -: القياس إذا اشترى بأحد المالين قبل صاحبه أنه ~~تنتقض المفاوضة؛ لأن الألف التي لم يشتر بها بقيت على ملك صاحبها، وقد ملك ~~صاحبها نصف ما اشتراه الآخر، فصار ماله أكثر، فينبغي أن تبطل المفاوضة إلا ~~أنهم استحسنوا، وقالوا لا تبطل؛ لأن الذي اشترى وجب له على شريكه نصف الثمن ~~دينا، فلم يفضل المال، فلا تبطل المفاوضة والله عز وجل أعلم. ### | [كتاب المضاربة] ### | [جواز عقد المضاربة] # (كتاب المضاربة) # يحتاج في هذا الكتاب إلى معرفة جواز هذا العقد، وإلى معرفة ركنه، وإلى ~~معرفة شرائط الركن، وإلى معرفة حكمه، وإلى معرفة صفة العقد، وإلى معرفة ما ~~يبطل به، ومعرفة حكمه إذا بطل، وإلى بيان حكم اختلاف رب المال والمضارب. # (أما) الأول، فالقياس أنه لا يجوز؛ لأنه استئجار بأجر مجهول بل بأجر ~~معدوم، ولعمل مجهول، لكنا تركنا القياس بالكتاب العزيز والسنة والإجماع. # (أما) الكتاب الكريم فقوله عز شأنه {وآخرون يضربون في الأرض ms3486 يبتغون من ~~فضل الله} [المزمل: 20] والمضارب يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله عز وجل ~~وقوله سبحانه وتعالى {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل ~~الله} [الجمعة: 10] وقوله تعالى {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} ~~[البقرة: 198] # (وأما) السنة، فما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: «كان ~~سيدنا العباس بن عبد المطلب إذا دفع المال مضاربة، اشترط على صاحبه أن لا ~~يسلك به بحرا ولا ينزل به واديا، ولا يشتري به دابة ذات كبد رطبة، فإن فعل ~~ذلك ضمن فبلغ شرطه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجاز شرطه» وكذا بعث ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس يتعاقدون المضاربة فلم ينكر عليهم ~~وذلك تقرير لهم على ذلك؛ والتقرير أحد وجوه السنة. # (وأما) الإجماع، فإنه روي عن جماعة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ~~أنهم دفعوا مال اليتيم، مضاربة منهم سيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي ~~وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبيد الله بن عمر وسيدتنا عائشة - ~~رضي الله عنهم - ولم ينقل أنه أنكر عليهم من أقرانهم أحد، ومثله يكون ~~إجماعا. # وروي أن عبد الله وعبيد الله ابني سيدنا عمر قدما العراق وأبو موسى ~~الأشعري أمير بها فقال لهما: لو كان عندي فضل لأكرمتكما، ولكن عندي مال ~~لبيت المال أدفعه إليكما، فابتاعا به متاعا واحملاه إلى المدينة وبيعاه، ~~وادفعا ثمنه إلى أمير المؤمنين فلما قدما المدينة قال لهما سيدنا عمر - رضي ~~الله عنه -: هذا مال المسلمين فاجعلا ربحه لهم فسكت عبد الله، وقال عبيد ~~الله: ليس لك ذلك، لو هلك منا لضمنا فقال بعض الصحابة: يا أمير المؤمنين، ~~اجعلهما كالمضاربين في المال، لهما النصف ولبيت المال النصف فرضي به سيدنا ~~عمر - رضي الله عنه - وعلى هذا تعامل الناس من لدن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى يومنا هذا في سائر الأعصار من غير إنكار من أحد، وإجماع ~~أهل كل عصر حجة، فترك به القياس، ونوع من القياس يدل على الجواز ms3487 أيضا، وهو ~~أن الناس يحتاجون إلى عقد المضاربة؛ لأن الإنسان قد يكون له مال لكنه لا ~~يهتدي إلى التجارة، وقد يهتدي إلى التجارة لكنه لا مال له، فكان في شرع هذا ~~العقد دفع الحاجتين، والله تعالى ما شرع العقود إلا لمصالح العباد ودفع ~~حوائجهم. ### | [فصل في ركن عقد المضاربة] # (فصل) : # وأما ركن العقد فالإيجاب والقبول، وذلك بألفاظ تدل عليهما فالإيجاب هو ~~لفظ المضاربة والمقارضة والمعاملة، وما يؤدي معاني هذه الألفاظ، بأن يقول ~~رب المال: خذ هذا المال مضاربة، على أن ما رزق الله عز وجل # PageV06P079 # أو أطعم الله تعالى منه من ربح، فهو بيننا على كذا من نصف أو ربع أو ثلث ~~أو غير ذلك من الأجزاء المعلومة، وكذا إذا قال: مقارضة أو: معاملة ويقول ~~المضارب: أخذت أو: رضيت أو: قبلت ونحو ذلك فيتم الركن بينهما، أما لفظ ~~المضاربة فصريح مأخوذ من الضرب في الأرض، وهو السير فيها، سمي هذا العقد ~~مضاربة؛ لأن المضارب يسير في الأرض ويسعى فيها لابتغاء الفضل. # وكذا لفظ المقارضة صريح في عرف أهل المدينة؛ لأنهم يسمون المضاربة مقارضة ~~كما يسمون الإجارة بيعا، ولأن المقارضة مأخوذة من القرض، وهو القطع، سميت ~~المضاربة مقارضة لما أن رب المال يقطع يده عن رأس المال ويجعله في يد ~~المضارب، والمعاملة لفظ يشتمل على البيع والشراء، وهذا معنى هذا العقد، ولو ~~قال: خذ هذا المال واعمل به على أن ما رزق الله عز وجل من شيء فهو بيننا ~~على كذا ولم يزد على هذا فهو جائز؛ لأنه أتى بلفظ يؤدي معنى هذا العقد، ~~والعبرة في العقود لمعانيها لا لصور الألفاظ، حتى ينعقد البيع بلفظ التمليك ~~بلا خلاف، وينعقد النكاح بلفظ البيع والهبة والتمليك عندنا وذكر في الأصل ~~لو قال: خذ هذه الألف فابتع بها متاعا، فما كان من فضل فلك النصف ولم يزد ~~على هذا فقبل هذا كان مضاربة استحسانا، والقياس أن لا يكون مضاربة. # (وجه) القياس أنه ذكر الشراء ولم يذكر البيع، ولا يتحقق معنى المضاربة ~~إلا بالشراء والبيع. ms3488 # (وجه) الاستحسان أنه ذكر الفضل، ولا يحصل الفضل إلا بالشراء والبيع، فكان ~~ذكر الابتياع ذكرا للبيع، وهذا معنى المضاربة ولو قال: خذ هذه الألف بالنصف ~~ولم يزد عليه كان مضاربة استحسانا، والقياس أن لا يكون؛ لأنه لم يذكر ~~الشراء والبيع فلا يتحقق معنى المضاربة. # (وجه) الاستحسان أنه لما ذكر الأخذ، والأخذ ليس عملا يستحق به العوض، ~~وإنما يستحق بالعمل في المأخوذ وهو الشراء والبيع، فتضمن ذكره ذكر الشراء ~~والبيع ولو قال: خذ هذا المال فاشتر به هرويا بالنصف أو رقيقا بالنصف ولم ~~يزد على هذا شيئا، فاشترى كما أمره فهذا فاسد. # وللمشتري أجر مثل عمله فيما اشترى، وليس له أن يبيع ما اشترى إلا بأمر رب ~~المال؛ لأنه ذكر الشراء ولم يذكر البيع، ولا ذكر ما يوجب ذكر البيع؛ ليحمل ~~على المضاربة، فحمل على الاستئجار على الشراء بأجر مجهول، وذلك فاسد، فإذا ~~اشترى كما أمره فالمستأجر استوفى منافعه بعقد فاسد، فاستحق أجر مثل عمله، ~~وليس له أن يبيع ما اشترى من غير إذن الآمر؛ لأنه أمره بالشراء لا بالبيع ~~فكان المشترى له، فلا يجوز بيعه من غير إذنه، فإن باع منه شيئا لا ينفذ ~~بيعه من غير إجازة رب المال، ويضمن قيمته إن لم يقدر على عينه؛ لأنه صار ~~متلفا مال الغير بغير إذنه وإن أجاز رب المال البيع، والمتاع قائم جاز، ~~والثمن لرب المال؛ لأن عدم الجواز لحقه، فإذا أجاز فقد زال المانع، وكذلك ~~لو كان لا يدري أنه قائم أو هالك فأجاز؛ لأن الأصل هو بقاء المبيع حتى يعلم ~~هلاكه، وإنما شرط قيام المبيع؛ لأنه شرط صحة الإجازة لما عرف أن ما لا يكون ~~محلا لإنشاء العقد عليه، لا يكون محلا لإجازة العقد فيه، وإن علم أنه هلك، ~~فالإجازة باطلة لما ذكرناه. # وروى بشر عن أبي يوسف في رجل دفع إلى رجل ألف درهم؛ ليشتري بها ويبيع، ~~فما ربح فهو بينهما فهذه مضاربة ولا ضمان على المدفوع إليه المال ما لم ~~يخالف؛ لأنه لما ذكر الشراء والبيع فقد ms3489 أتى بمعنى المضاربة، وكذلك لو شرط ~~عليه أن الوضيعة علي وعليك، فهذه مضاربة والربح بينهما، والوضيعة على رب ~~المال؛ لأن شرط الوضيعة على المضارب شرط فاسد فيبطل الشرط، وتبقى المضاربة. # وروي عن علي بن الجعد عن أبي يوسف لو أن رجلا دفع إلى رجل ألف درهم ولم ~~يقل: مضاربة ولا بضاعة، ولا قرضا ولا شركة. # وقال: ما ربحت فهو بيننا فهذه مضاربة؛ لأن الربح لا يحصل إلا بالشراء ~~والبيع، فكان ذكر الربح ذكرا للشراء والبيع، وهذا معنى المضاربة. # ولو قال: خذ هذه الألف على أن لك نصف الربح، أو ثلثه ولم يزد على هذا ~~فالمضاربة جائزة قياسا واستحسانا، وللمضارب ما شرط، وما بقي فلرب المال، ~~والأصل في جنس هذه المسائل: أن رب المال إنما يستحق الربح؛ لأنه نماء ماله ~~لا بالشرط، فلا يفتقر استحقاقه إلى الشرط، بدليل أنه إذا فسد الشرط كان ~~جميع الربح له، والمضارب لا يستحق إلا بالشرط؛ لأنه إنما يستحق بمقابلة ~~عمله، والعمل لا يتقوم إلا بالعقد. # إذا عرف هذا، فنقول في هذه المسألة إذا سمي للمضارب جزءا معلوما من ~~الربح، فقد وجد في حقه ما يفتقر إلى استحقاقه الربح فيستحقه، والباقي ~~يستحقه رب المال بماله، ولو قال: خذ هذا المال # PageV06P080 # مضاربة على أن لي نصف الربح ولم يزد على هذا فالقياس أن تكون المضاربة ~~فاسدة، وهو قول الشافعي - رحمه الله -، ولكنها جائزة استحسانا، ويكون ~~للمضارب النصف. # (وجه) القياس أن رب المال لم يجعل للمضارب شيئا معلوما من الربح، وإنما ~~سمى لنفسه النصف فقط، وتسميته لنفسه لغو؛ لعدم الحاجة إليها، فكان ذكره ~~والسكوت عنه بمنزلة واحدة، وإنما الحاجة إلى التسمية في حق المضاربة، ولم ~~يوجد فلا تصح المضاربة. # (وجه) الاستحسان أن المضاربة تقتضي الشركة في الربح، فكان تسمية أحد ~~النصفين لنفسه تسمية الباقي للمضارب، كأنه قال: خذ هذا المال مضاربة على أن ~~لك النصف كما في ميراث الأبوين في قوله سبحانه وتعالى {فإن لم يكن له ولد ~~وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء: 11] لما كان ميراث الميت لأبويه ms3490 وقد جعل ~~الله تعالى عز وجل للأم منه الثلث كان ذلك جعل الباقي للأب كذا هذا. # ولو قال على أن لي نصف الربح ولك ثلثه ولم يزد على هذا، فالثلث للمضارب ~~والباقي لرب المال؛ لما ذكرنا أن استحقاق المضارب الربح بالشرط، واستحقاق ~~رب المال لكونه من نماء ماله، فإذا سلم المشروط للمضارب بالشرط يسلم ~~المسكوت عنه، وهو الباقي لرب المال؛ لكونه من نماء ماله. # ولو قال رب المال: على أن ما رزق الله عز وجل فهو بيننا جاز ذلك، وكان ~~الربح بينهما نصفين؛ لأن (البين) كلمة قسمة، والقسمة تقتضي المساواة إذا لم ~~يبين فيها مقدار معلوم قال الله تعالى عز شأنه: {ونبئهم أن الماء قسمة ~~بينهم} [القمر: 28] وقد فهم منها التساوي في الشرب قال الله سبحانه وتعالى: ~~{هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} [الشعراء: 155] هذا إذا شرط جزء من ~~الربح في عقد المضاربة لأحدهما، إما المضارب وإما رب المال، وسكت عن الآخر، ~~فأما إذا شرط لهما ولغيرهما، بأن شرط فيه الثلث للمضارب، والثلث لرب المال، ~~والثلث لثالث سواهما، فإن كان الثالث أجنبيا، أو كان ابن المضارب، وشرط ~~عليه العمل جاز، وكان الربح بينهم أثلاثا، وإن لم يشرط عليه العمل لم يجز، ~~وما شرط له يكون لرب المال؛ لأن الربح لا يستحق في المضاربة من غير عمل ولا ~~مال، وصار المشروط له كالمسكوت عنه وإن كان الثالث عبد المضارب، فإن كان ~~عليه دين فكذلك عند أبي حنيفة - رحمه الله - إن شرط عمله؛ لأن المضارب لا ~~يملك كسب عبده، فكان كالأجنبي، وإن لم يشترط عمله فما شرطه فهو لرب المال ~~لما ذكرنا في الأجنبي # وعند أبي يوسف ومحمد: المشروط له يكون للمضارب؛ لأن المولى يملك كسبه ~~عندهما، كما يملك لو لم يكن عليه دين وإن كان الثالث عبد رب المال، فهو على ~~هذا التفصيل أيضا أنه إن كان عليه دين، فإن شرط عمله فهو كالأجنبي عند أبي ~~حنيفة؛ لأن المولى لا يملك إكسابه، وإن لم يشترط عمله فما شرط له ms3491 فهو لرب ~~المال لما قلنا. # وعندهما ما شرط له فهو مشروط لمولاه، عمل أو لم يعمل؛ لأن المولى يملك ~~كسب عبده كان عليه دين أو لا فإن لم يكن على العبد دين ففي عبد المضارب ~~الثلثان للمضارب، والثلث لرب المال؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين، فالملك يثبت ~~للمولى، فكان المشروط له مشروطا للمولى، وصار كأنه شرط للمضارب الثلثين، ~~وفي عبد رب المال الثلث للمضارب، والثلثان لرب المال؛ لأن المشروط له يكون ~~مشروطا لمولاه إذا لم يكن عليه دين، فصار كأن رب المال شرط لنفسه الثلثين، ~~وعلى هذا قالوا: لو شرط ثلث الربح للمضارب، والثلث لقضاء دين المضارب، ~~والثلث لرب المال إن الثلثين للمضارب، والثلث لرب المال، وكذا لو شرط ثلث ~~الربح للمضارب، والثلث لرب المال، والثلث لقضاء دين رب المال إن الثلثين ~~لرب المال، والثلث للمضارب؛ لأن المشروط لقضاء دين كل واحد منهما مشروط له. ### | [فصل في شرائط ركن المضاربة] # (فصل) : # وأما شرائط الركن فبعضها يرجع إلى العاقدين، وهما رب المال والمضارب، ~~وبعضها يرجع إلى رأس المال، وبعضها يرجع إلى الربح. # (أما) الذي يرجع إلى العاقدين وهما رب المال والمضارب، فأهلية التوكيل ~~والوكالة؛ لأن المضارب يتصرف بأمر رب المال، وهذا معنى التوكيل، وقد ذكر ~~شرائط أهلية التوكيل والوكالة، في كتاب الوكالة ولا يشترط إسلامهما فتصح ~~المضاربة بين أهل الذمة وبين المسلم، والذمي والحربي المستأمن حتى لو دخل ~~حربي دار الإسلام بأمان، فدفع ماله إلى مسلم مضاربة، أو دفع إليه مسلم ماله ~~مضاربة فهو جائز لأن المستأمن في دارنا بمنزلة الذمي، والمضاربة مع الذمي ~~مضاربة جائزة، فكذلك مع الحربي المستأمن، فإن كان المضارب هو المسلم فدخل ~~دار الحرب بأمان فعمل بالمال فهو جائز؛ لأنه دخل دار رب المال فلم يوجد ~~بينهما اختلاف الدارين فصار كأنهما في دار واحدة. # وإن # PageV06P081 # كان المضارب هو الحربي، فرجع إلى داره الحربي، فإن كان بغير إذن رب المال ~~بطلت المضاربة، وإن كان بإذنه فذلك جائز ويكون على المضاربة، ويكون الربح ~~بينهما على ما شرطا إن ms3492 رجع إلى دار الإسلام مسلما أو معاهدا أو بأمان ~~استحسانا، والقياس أن تبطل المضاربة. # (وجه) القياس أنه لما عاد إلى دار الحرب بطل أمانه وعاد إلى حكم الحرب ~~كما كان، فبطل أمر رب المال عند اختلاف الدارين، فإذا تصرف فيه فقد تعدى ~~بالتصرف فملك ما تصرف فيه. # (وجه) الاستحسان أنه لما خرج بأمر رب المال صار كأن رب المال دخل معه. # ولو دخل رب المال معه إلى دار الحرب لم تبطل المضاربة، فكذا إذا دخل ~~بأمره بخلاف ما إذا دخل بغير أمره؛ لأنه لما لم يأذن له بالدخول انقطع حكم ~~رب المال عنه، فصار تصرفه لنفسه فملك الأمر به وقد قالوا في المسلم إذا دخل ~~دار الحرب بأمان، فدفع إليه حربي مالا مضاربة مائة درهم، أنه على قياس قول ~~أبي حنيفة ومحمد جائز، فإن اشترى المضارب على هذا وربح أو وضع فالوضيعة على ~~رب المال والربح على ما اشترط، ويستوفي المضارب مائة درهم والباقي لرب ~~المال، وإن لم يكن في المال ربح إلا مائة فهي كلها للمضارب، وإن كان أقل من ~~مائة فذلك للمضارب أيضا، ولا شيء للمضارب على رب المال؛ لأن رب المال لم ~~يشترط المائة إلا من الربح فأما على قول أبي يوسف فالمضاربة فاسدة، ~~وللمضارب أجر مثله، وهذا فرع اختلافهم في جواز الربا في دار الحرب لما علم. # (وأما) الذي يرجع إلى رأس المال فأنواع. # (منها) أن يكون رأس المال من الدراهم أو الدنانير عند عامة العلماء فلا ~~تجوز المضاربة بالعروض، وعند مالك - رحمه الله -: هذا ليس بشرط وتجوز ~~المضاربة بالعروض والصحيح قول العامة لما ذكرنا في كتاب الشركة أن ربح ما ~~يتعين بالتعيين ربح ما لم يضمن؛ لأن العروض تتعين عند الشراء بها، والمعين ~~غير مضمون، حتى لو هلكت قبل التسليم لا شيء على المضارب، فالربح عليها يكون ~~ربح ما لم يضمن. # «ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ربح ما لم يضمن» ، وما لا ~~يتعين يكون مضمونا عند الشراء به حتى لو هلكت العين ms3493 قبل التسليم، فعلى ~~المشتري به ضمانه، فكان الربح على ما في الذمة فيكون ربح المضمون، ولأن ~~المضاربة بالعروض تؤدي إلى جهالة الربح وقت القسمة؛ لأن قيمة العروض تعرف ~~بالحرز والظن، وتختلف باختلاف المقومين، والجهالة تفضي إلى المنازعة، ~~والمنازعة تفضي إلى الفساد، وهذا لا يجوز، وقد قالوا: إنه لو دفع إليه ~~عروضا، فقال له: بعها واعمل بثمنها مضاربة فباعها بدراهم أو دنانير وتصرف ~~فيها جاز؛ لأنه لم يضف المضاربة إلى العروض وإنما أضافها إلى الثمن، والثمن ~~تصح به المضاربة، فإن باعها بمكيل أو موزون جاز البيع عند أبي حنيفة بناء ~~على أصله في الوكيل بالبيع مطلقا، أنه يبيع بالأثمان وغيرها، إلا أن ~~المضاربة فاسدة؛ لأنها صارت مضافة إلى ما لا تصح المضاربة به، وهو الحنطة ~~والشعير. # وأما على أصلهما فالبيع لا يجوز؛ لأن الوكيل بالبيع مطلقا لا يملك البيع ~~بغير الأثمان، ولا تفسد المضاربة؛ لأنها لم تصر مضافة إلى ما لا يصلح به ~~رأس مال المضاربة. # (وأما) تبر الذهب والفضة فقد جعله في هذا الكتاب بمنزلة العروض، وجعله في ~~كتاب الصرف بمنزلة الدراهم والدنانير، والأمر فيه موكول إلى التعامل، فإن ~~كان الناس يتعاملون به فهو بمنزلة الدراهم والدنانير فتجوز المضاربة به، ~~وإن كانوا لا يتعاملون به فهو كالعروض فلا تجوز المضاربة به. # (وأما) الزيوف والنبهرجة فتجوز المضاربة بها، ذكره محمد - رحمه الله -؛ ~~لأنها تتعين بالعقد كالجياد. # (وأما) الستوقة فإن كانت لا تروج فهي كالعروض، وإن كانت تروج فهي ~~كالفلوس، وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف في الدراهم التجارية لا يجوز المضاربة ~~بها؛ لأنها كسدت عندهم وصارت سلعة. # قال: ولو أجزت المضاربة بها، أجزتها بمكة بالطعام؛ لأنهم يتبايعون ~~بالحنطة كما يتبايع غيرهم بالفلوس. # (وأما) الفلوس فقد ذكرنا الكلام فيها في كتاب الشركة، فالحاصل أن في جواز ~~المضاربة بها روايتين عن أبي حنيفة، ذكر محمد في المضاربة الكبيرة في ~~الجامع الصغير وقال: لا تجوز المضاربة إلا بالدراهم والدنانير عند أبي ~~حنيفة وروى الحسن عنه أنها تجوز، والصحيح من مذهب أبي يوسف أنها لا ms3494 تجوز، ~~وعند محمد تجوز بناء على أن الفلوس لا تتعين بالتعيين عنده، فكانت أثمانا ~~كالدراهم والدنانير، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف تتعين، فكانت كالعروض. # (ومنها) أن يكون معلوما فإن كان مجهولا لا تصح المضاربة؛ لأن جهالة رأس ~~المال تؤدي إلى جهالة الربح، وكون الربح معلوما شرط صحة المضاربة. # (ومنها) # PageV06P082 # أن يكون رأس المال عينا لا دينا، فإن كان دينا فالمضاربة فاسدة، وعلى هذا ~~يخرج ما إذا كان لرب المال على رجل دين، فقال له: اعمل بديني الذي في ذمتك ~~مضاربة بالنصف، إن المضاربة فاسدة بلا خلاف فإن اشترى هذا المضارب وباع، له ~~ربحه وعليه وضيعته، والدين في ذمته بحال عند أبي حنيفة. # وعندهما ما اشترى وباع لرب المال، له ربحه وعليه وضيعته بناء على أن من ~~وكل رجلا يشتري له بالدين الذي في ذمته لم يصح عند أبي حنيفة، حتى لو اشترى ~~لا يبرأ عما في ذمته عنده. # وإذا لم يصح الأمر بالشراء بما في الذمة لم تصح إضافة المضاربة إلى ما في ~~الذمة، وعندهما يصح التوكيل، ولكن لا تصح المضاربة؛ لأن الشراء يقع للموكل ~~فتصير المضاربة بعد ذلك مضاربة بالعروض؛ لأنه يصير في التقدير كأنه وكله ~~بشراء العروض، ثم دفعه إليه مضاربة فتصير مضاربة بالعروض فلا تصح. # ولو قال لرجل: اقبض مالي على فلان من الدين واعمل به مضاربة جاز؛ لأن ~~المضاربة هنا أضيفت إلى المقبوض، فكان رأس المال عينا لا دينا. # ولو أضاف المضاربة إلى عين هي أمانة في يد المضارب من الدراهم والدنانير، ~~بأن قال للمودع أو المستبضع: اعمل بما في يدك مضاربة بالنصف جاز ذلك بلا ~~خلاف وإن أضافها إلى مضمونة في يده كالدراهم والدنانير المغصوبة، فقال ~~للغاصب: اعمل بما في يدك مضاربة بالنصف جاز ذلك عند أبي يوسف والحسن بن ~~زياد. # وقال زفر: لا يجوز. # (وجه) قوله أن المضاربة تقتضي كون المال أمانة في يد المضارب، والمغصوب ~~مغصوب في يده، فلا يتحقق التصرف للمضاربة، فلا يصح ولأبي يوسف أن ما في يده ~~مضمون إلى أن ms3495 يأخذ في العمل، فإذا أخذ في العمل وهو الشراء تصير أمانة في ~~يده، فيتحقق معنى المضاربة فتصح وسواء كان رأس المال مفروزا أو مشاعا، بأن ~~دفع مالا إلى رجل، بعضه مضاربة وبعضه غير مضاربة مشاعا في المال، فالمضاربة ~~جائزة؛ لأن الإشاعة لا تمنع من التصرف في المال، فإن المضارب يتمكن من ~~التصرف في المشاع، وكذا الشركة لا تمنع المضاربة، فإن المضارب إذا ربح يصير ~~شريكا في المال، ويجوز تصرفه بعد ذلك على المضاربة فإذا لم يمنع البقاء لا ~~يمنع الابتداء، وعلى هذا يخرج ما إذا دفع إلى رجل ألف درهم، فقال: نصفها ~~عليك قرض، ونصفها مضاربة إن ذلك جائز. # أما جواز المضاربة فلما قلنا. # وأما جواز القرض في المشاع وإن كان القرض تبرعا والشياع يمنع صحة التبرع ~~كالهبة فلأن القرض ليس بتبرع مطلق؛ لأنه وإن كان في الحال تبرعا؛ لأنه لا ~~يقابله عوض للحال، فهو تمليك المال بعوض في الثاني. # ألا ترى أن الواجب فيه رد المثل لا رد العين؟ فلم يكن تبرعا من كل وجه، ~~فلا يعمل فيه الشيوع، بخلاف الهبة فإنها تبرع محض فعمل الشيوع فيها، وإذا ~~جاز القرض والمضاربة كان نصف الربح للمضارب؛ لأنه ربح ملكه وهو القرض، ~~ووضيعته عليه، والنصف الآخر بينه وبين رب المال على ما شرطا؛ لأنه ربح ~~مستفاد بمال المضاربة، ووضيعته على رب المال ولا تجوز قسمة أحدهما دون ~~صاحبه؛ لأنه مال مشترك بينهما، فلا ينفرد أحد الشريكين بقسمته. # قالوا: ولو كان قال له: خذ هذه الألف على أن نصفها قرض عليك على أن تعمل ~~بالنصف الآخر مضاربة على أن الربح لي فهذا مكروه؛ لأنه شرط لنفسه منفعة في ~~مقابلة القرض، وقد «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قرض جر نفعا» ~~فإن عمل على هذا فربح أو وضع فالربح بينهما نصفان، وكذا الوضيعة. # (أما) الربح فلأن المضارب ملك نصف المال بالقرض، فكان نصف الربح له ~~والنصف الآخر بضاعة في يده، فكان ربحه لرب المال. # (وأما) الوضيعة فلأنها جزء هالك من المال، ms3496 والمال مشترك، فكانت الوضيعة ~~على قدره ولو قال: خذ هذه الألف على أن نصفها مضاربة بالنصف ونصفها هبة ~~فقبضها المضارب على ذلك غير مقسوم، فالهبة فاسدة؛ لأنها هبة المشاع فيما ~~يحتمل القسمة، فإن عمل في المال فربح، كان نصف الربح للمضارب حصة الهبة، ~~ونصف الربح بينهما على ما شرطا، والوضيعة عليهما، أما نصف الربح للمضارب ~~حصة الهبة، فلأنه يثبت الملك له فيه إذا قبض بعقد فاسد، فكان ربحه له. # وأما النصف الآخر فإنما يكون ربحه بينهما على الشرط؛ لأنه استفيد بمال ~~المضاربة مضاربة صحيحة. # (وأما) كون الوضيعة عليهما، فلأنها جزء هالك من المال، والمال مشترك، فإن ~~هلك المال في يد المضارب قبل أن يعمل أو بعد ما عمل، فهو ضامن لنصف المال ~~وهو الهبة؛ لأنه مقبوض بعقد فاسد، فكان مضمونا عليه كالمقبوض ببيع فاسد. # ولو كان دفع نصف المال بضاعة ونصفه مضاربة، # PageV06P083 # فقبضه المضارب على ذلك، فهو جائز، والمال على ما سميا من المضاربة، ~~والبضاعة والوضيعة على رب المال، ونصف الربح لرب المال ونصفه على ما شرطا؛ ~~لأن الإشاعة لا تمنع من العمل في المال مضاربة وبضاعة، وجازت المضاربة ~~والبضاعة، وإنما كانت الوضيعة على رب المال؛ لأنه لا ضمان على المبضع ~~والمضارب في البضاعة والمضاربة وحصة البضاعة من الربح لرب المال خاصة؛ لأن ~~المبضع لا يستحق الربح، وحصة المضاربة بينهما على ما شرطا؛ لأنه ربح حصل من ~~مال المضاربة، والمضاربة قد صحت، فيكون بينهما على الشرط. # ولو دفع إليه على أن نصفها وديعة في يد المضارب ونصفها مضاربة بالنصف، ~~فذلك جائز، والمال في يد المضارب على ما سميا؛ لأن كل واحد منهما أعني ~~الوديعة والمضاربة أمانة، فلا يتنافيان، فكان نصف المال في يد المضارب ~~وديعة، ونصفه مضاربة إلا أن التصرف لا يجوز إلا بعد القسمة؛ لأن كل جزء من ~~المال بعضه مضاربة وبعضه وديعة، والتصرف في الوديعة لا يجوز، فإن قسم ~~المضارب المال نصفين ثم عمل بأحد النصفين على المضاربة، فربح أو وضع ~~فالوضيعة عليه وعلى رب المال نصفان، ونصف ms3497 الربح للمضارب ونصفه على ما شرطا؛ ~~لأن قسمة المضارب المال لم تصح؛ لأن المالك لم يأذن له فيها، فإذا أفرز ~~بعضه فقد تصرف في مال الوديعة ومال المضاربة، فما كان في حصة الوديعة فهو ~~غصب فيكون ربحه للغاصب، وما كان في حصة المضاربة فهو على الشرط. # ومن هذا الجنس ما إذا دفع إلى رجل متاعا، فباع نصفه من المدفوع إليه ~~بخمسمائة، ثم أمره أن يبيع النصف الباقي ويعمل بالثمن كله مضاربة، على أن ~~ما رزق الله تعالى من شيء فهو بيننا نصفان، فباع المضارب نصف المتاع ~~بخمسمائة، ثم عمل بها وبالخمسمائة التي عليه، فربح في ذلك أو وضع فالوضيعة ~~عليهما نصفان، والربح بينهما نصفان في قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله -؛ ~~لأن من مذهبه أن من كان له على رجل دين فأمره أن يشتري له بذلك الدين شيئا ~~لا يصح، والمشترى يكون للمأمور لا للآمر، ويكون الدين على المأمور حالة، ~~وإذا كان كذلك فههنا أمر أن يعمل بالدين وبنصف ثمن المباع، فما ربح في حصة ~~الدين فهو للمدفوع إليه؛ لأنه تصرف في ملك نفسه فيكون ربحه له، وما ربح في ~~نصيب الدافع فهو للدافع، والوضيعة عليهما؛ لأن المال مشترك بينهما فكان ~~الهالك بينهما. # (وأما) في قياس قول أبي يوسف ومحمد فمقدار ما ربح في الخمسمائة التي أمره ~~أن يبيع نصف المتاع بها فهو بينهما نصفان على ما شرطا، وما ربح في النصف ~~الذي عليه من الدين يكون لرب المال؛ لأن من أصلهما أن الأمر بالشراء بالدين ~~يصح، وتكون المضاربة فاسدة؛ لأنه إذا اشترى صار عروضا، والمضاربة بالعروض ~~لا تصح، فصارت المضاربة هنا جائزة في النصف فاسدة في النصف، فالربح في ~~الصحيحة يكون بينهما على الشرط، وفي الفاسدة يكون لرب المال ولو شرط الدافع ~~لنفسه الثلث وللمضارب الثلثين، والمسألة بحالها، فإن في قول أبي حنيفة: ~~ثلثا الربح للمضارب على ما اشترطا، نصف الربح من نصيب المضارب خاصة، والسدس ~~من نصيب الدافع، كأنه قال له: اعمل في نصيبك على أن الربح لك، ms3498 واعمل في ~~نصيبي على أن لك ثلث الربح من نصيبي. # (وأما) على قياس قولهما فقد دفع إليه نصفه مضاربة جائزة، ونصفه مضاربة ~~فاسدة، فما ربح في النصف الذي كان دينا فهو لرب المال؛ لأنه مضاربة فاسدة، ~~وما ربح في النصف الذي هو ثمن المتاع فالربح بينهما على ما شرطا، فصار لرب ~~المال ثلثا الربح، وللمضارب الثلث، وإن كان شرط لرب المال ثلثي الربح، ~~وللمضارب الثلث، فالربح بينهما نصفان في قول أبي حنيفة؛ لأن رب المال شرط ~~النصف من نصيب نفسه، والزيادة من نصيب المضارب وشرط الزيادة من غير عمل ولا ~~رأس مال باطل، فيكون الربح على قدر المال وفي قياس قولهما: نصف الربح لرب ~~المال خاصة؛ لأن المضاربة فيه فاسدة، وللمضارب ثلث ربح النصف الآخر. # (ومنها) تسليم رأس المال إلى المضارب؛ لأنه أمانة فلا يصح إلا بالتسليم، ~~وهو التخلية كالوديعة، ولا يصح مع بقاء يد الدافع على المال؛ لعدم التسليم ~~مع بقاء يده، حتى لو شرط بقاء يد المالك على المال فسدت المضاربة، لما قلنا ~~فرق بين هذا وبين الشركة، فإنها تصح مع بقاء يد رب المال على ماله، والفرق ~~أن المضاربة انعقدت على رأس مال من أحد الجانبين، وعلى العمل من الجانب ~~الآخر، ولا يتحقق العمل إلا بعد خروجه من يد رب المال، فكان هذا شرطا ~~موافقا مقتضى العقد، بخلاف الشركة؛ لأنها انعقدت على العمل من الجانبين، ~~فشرط زوال يد رب المال عن العمل يناقض # PageV06P084 # مقتضى العقد. # وكذا لو شرط في المضاربة عمل رب المال، فسدت المضاربة سواء عمل رب المال ~~معه أو لم يعمل؛ لأن شرط عمله معه شرط بقاء يده على المال، وإنه شرط فاسد. # ولو سلم رأس المال إلى رب المال ولم يشترط عمله، ثم استعان به على العمل ~~أو دفع إليه المال بضاعة جاز؛ لأن الاستعانة لا توجب خروج المال عن يده، ~~وسواء كان المالك عاقدا أو غير عاقد لا بد من زوال يد رب المال عن ماله؛ ~~لتصح المضاربة، حتى إن الأب أو الوصي ms3499 إذا دفع مال الصغير مضاربة، وشرط عمل ~~الصغير لم تصح المضاربة؛ لأن يد الصغير باقية لبقاء ملكه فتمنع التسليم، ~~وكذلك أحد شريكي المفاوضة، أو العنان إذا دفع مالا مضاربة، وشرط عمل شريكه ~~مع المضارب؛ لأن لشريكه فيه ملكا فيمنع التسليم. # (فأما) العاقد إذا لم يكن مالكا للمال فشرط أن يتصرف في المال مع ~~المضارب، فإن كان ممن يجوز أن يأخذ مال المالك مضاربة لم تفسد المضاربة، ~~كالأب والوصي إذا دفعا مال الصغير مضاربة، وشرطا أن يعملا مع المضارب بجزء ~~من الربح؛ لأنهما لو أخذا مال الصغير مضاربة بأنفسهما جاز، فكذا إذا شرطا ~~عملهما مع المضارب وصار كالأجنبي، وإن كان العاقد ممن لا يجوز أن يأخذ مال ~~المالك مضاربة، فشرط عمله، فسد العقد، كالمأذون إذا دفع مالا مضاربة وشرط ~~عمله مع المضارب؛ لأن المأذون وإن لم يكن مالكا رقبة المال فيد التصرف ~~ثابتة له عليه، فينزل منزلة المالك فيما يرجع إلى التصرف، فكان قيام يده ~~مانعا من التسليم والقبض، فيمنع صحة المضاربة، وإن شرط المأذون عمل مولاه ~~مع المضارب ولا دين عليه فالمضاربة فاسدة؛ لأن المولى هو المالك للمال ~~حقيقة، فإذا حصل المال في يده فقد وجد يد المالك فيمنع التسليم، وإن كان ~~عليه دين فالمضاربة جائزة في قول أبي حنيفة - رحمه الله - لأن المولى لا ~~يملك هذا المال فصار كالأجنبي. # (وأما) المكاتب إذا شرط عمل مولاه لم تفسد المضاربة؛ لأن المولى لا يملك ~~إكساب مكاتبه، وهو فيها كالأجنبي. # ولو دفع إلى إنسان مالا مضاربة وأمره أن يعمل برأيه، ودفعه المضارب الأول ~~إلى آخر مضاربة على أن يعمل المضارب معه أو يعمل معه رب المال، فالمضاربة ~~فاسدة؛ لأن اليد للمضارب والملك للمولى، وكل ذلك يمنع من التسليم، وقد ~~قالوا في المضارب: إذا دفع المال إلى رب المال مضاربة بالثلث فالمضاربة ~~الثانية فاسدة، والمضاربة الأولى على حالها جائزة، والربح بين رب المال ~~وبين المضارب على ما شرطا في المضاربة الأولى، ولا أجر لرب المال. # (وأما) فساد المضاربة الثانية فلأن يد رب المال ms3500 يد ملك، ويد الملك مع يد ~~المضارب لا يجتمعان، فلا تصح المضاربة الثانية، وبقيت المضاربة الأولى على ~~حالها، ولم يذكر القدوري - رحمه الله - في شرحه مختصر الكرخي خلافا، وذكر ~~القاضي في شرحه مختصر الطحاوي: أن هذا مذهب أصحابنا الثلاثة وعند زفر - ~~رحمه الله - تنفسخ المضاربة الأولى بدفع المال إلى رب المال والرد عليه. # (وجه) قوله أن زوال يد رب المال شرط صحة المضاربة، فكانت إعادة يده إليه ~~مفسدة لها. # (ولنا) أن رب المال يصير معينا للمضارب، والإعانة لا توجب إخراج المال عن ~~يده، فيبقى العقد الأول، ولا أجر لرب المال؛ لأنه عمل في ملك نفسه، فلا ~~يستحق الأجر. # (وأما) الذي يرجع إلى الربح فأنواع. # (منها) إعلام مقدار الربح؛ لأن المعقود عليه هو الربح، وجهالة المعقود ~~عليه توجب فساد العقد ولو دفع إليه ألف درهم عن أنهما يشتركان في الربح ولم ~~يبين مقدار الربح جاز ذلك، والربح بينهما نصفان؛ لأن الشركة تقتضي المساواة ~~قال الله تعالى عز شأنه: فهم شركاء في الثلث ولو قال: على أن للمضارب شركا ~~في الربح جاز في قول أبي يوسف، والربح بينهما نصفان، وقال محمد: المضاربة ~~فاسدة. # (وجه) قول محمد أن الشركة هي النصيب، قال الله تعالى {أم لهم شرك في ~~السماوات} [الأحقاف: 4] أي نصيب. # وقال تعالى {وما لهم فيهما من شرك} [سبأ: 22] أي نصيب فقد جعل له نصيبا ~~من الربح، والنصيب مجهول فصار الربح مجهولا. # (وجه) قول أبي يوسف أن الشرك بمعنى الشركة، يقال: شركته في هذا الأمر ~~أشركه شركة وشركا قال القائل: # وشاركنا قريشا في بقاها ... وفي أحسابها شرك العنان # ويذكر بمعنى النصيب أيضا، لكن في الحمل على الشركة تصحيح للعقد فيحمل ~~عليها. # (ومنها) أن يكون المشروط لكل واحد منهما من المضارب ورب المال من الربح ~~جزءا شائعا، نصفا أو ثلثا أو ربعا، فإن شرطا عددا مقدرا بأن # PageV06P085 # شرطا أن يكون لأحدهما مائة درهم من الربح أو أقل أو أكثر والباقي للآخر ~~لا يجوز، والمضاربة فاسدة؛ لأن المضاربة نوع من الشركة، وهي الشركة في ms3501 ~~الربح، وهذا شرط يوجب قطع الشركة في الربح؛ لجواز أن لا يربح المضارب إلا ~~هذا القدر المذكور، فيكون ذلك لأحدهما دون الآخر، فلا تتحقق الشركة، فلا ~~يكون التصرف مضاربة، وكذلك إن شرطا أن يكون لأحدهما النصف أو الثلث ومائة ~~درهم، أو قالا: إلا مائة درهم فإنه لا يجوز كما ذكرنا أنه شرط يقطع الشركة ~~في الربح؛ لأنه إذا شرطا لأحدهما النصف ومائة، فمن الجائز أن يكون الربح ~~مائتين، فيكون كل الربح للمشروط له، وإذا شرطا له النصف إلا مائة، فمن ~~الجائز أن يكون نصف الربح مائة، فلا يكون له شيء من الربح. # ولو شرطا في العقد أن تكون الوضيعة عليهما بطل الشرط، والمضاربة صحيحة ~~والأصل في الشرط الفاسد إذا دخل في هذا العقد أنه ينظر إن كان يؤدي إلى ~~جهالة الربح يوجب فساد العقد؛ لأن الربح هو المعقود عليه، وجهالة المعقود ~~عليه توجب فساد العقد، وإن كان لا يؤدي إلى جهالة الربح يبطل الشرط وتصح ~~المضاربة وشرط الوضيعة عليهما شرط فاسد؛ لأن الوضيعة جزء هالك من المال، ~~فلا يكون إلا على رب المال، لا أنه يؤدي إلى جهالة الربح، فلا يؤثر في ~~العقد فلا يفسد به العقد، ولأن هذا عقد تقف صحته على القبض، فلا يفسده ~~الشرط الزائد الذي لا يرجع إلى المعقود عليه كالهبة والرهن، ولأنها وكالة ~~والشرط الفاسد لا يعمل في الوكالة وذكر محمد في المضاربة إذا قال رب المال ~~للمضارب: لك ثلث الربح وعشرة دراهم في كل شهر ما عملت في المضاربة صحت ~~المضاربة من الثلث، وبطل الشرط. # وذكر في المزارعة: إذا دفع إليه أرضه بثلث الخارج، وجعل له عشرة دراهم في ~~كل شهر، فالمزارعة باطلة من أصحابنا من قال: في المسألة روايتان، رواية ~~كتاب المزارعة تقتضي فساد المضاربة؛ لأن المشروط للمضارب من المشاهرة معقود ~~عليه، وهو قطع عنه الشركة، وهذا يفسد المضاربة، وفي رواية كتاب المضاربة ~~يقتضي أن تصح المضاربة؛ لأنه عقد على ربح معلوم، ثم ألحق به شرطا فاسدا، ~~فيبطل الشرط وتصح المضاربة والصحيح هو ms3502 الفرق بين المسألتين؛ لأن معنى ~~الإجارة في المزارعة أظهر منه في المضاربة، بدليل أنها لا تصح إلا بمدة ~~معلومة، والمضاربة لا تفتقر صحتها إلى ذكر المدة، فالشرط الفاسد جاز أن ~~يؤثر في المزارعة ولا يؤثر في المضاربة. # وعلى هذا الأصل، قال محمد فيمن دفع ألفا مضاربة على أن الربح بينهما ~~نصفين، على أن يدفع إليه رب المال أرضه ليزرعها سنة أو دارا ليسكنها سنة، ~~فالشرط باطل والمضاربة صحيحة؛ لأنه ألحق بها شرطا فاسدا لا تقتضيه، فبطل ~~الشرط ولو كان المضارب هو الذي شرط عليه أن يدفع أرضه ليزرعها رب المال ~~سنة، أو يدفع داره إلى رب المال؛ ليسكنها سنة، فسدت المضاربة؛ لأنه جعل نصف ~~الربح عوضا عن عمله وعن أجرة الدار والأرض، فصارت حصة العمل مجهولة بالعقد ~~فلم يصح العقد وروى المعلى عن أبي يوسف في رجل دفع مالا إلى رجل مضاربة، ~~على أن يبيع في دار رب المال أو على أن يبيع في دار المضارب، كان جائزا ولو ~~شرطا أن يسكن المضارب دار رب المال، أو رب المال دار المضارب، فهذا لا ~~يجوز؛ لأنه إذا شرط البيع في أحد الدارين فإنما خص البيع بمكان دون مكان، ~~ولم يعقد على منافع الدار، وإذا شرط للمضارب السكنى فقد جعل تلك المنفعة ~~أجرة له وأطلق أبو يوسف أنه لا يجوز، ولم يذكر أنه لا يجوز الشرط أو لا ~~تجوز المضاربة. # وذكر القدوري - رحمه الله - أنه ينبغي أن يكون الفساد في الشرط لا في ~~المضاربة ولو شرط جميع الربح للمضارب فهو قرض عند أصحابنا وعند الشافعي - ~~رحمه الله - هي مضاربة فاسدة، وله أجرة مثل ما إذا عمل. # (وجه) قوله أن المضاربة عقد شركة في الربح، فشرط قطع الشركة فيها يكون ~~شرطا فاسدا. # (ولنا) أنه إذا لم يمكن تصحيحها مضاربة تصحح قرضا؛ لأنه أتى بمعنى القرض، ~~والعبرة في العقود لمعانيها، وعلى هذا إذا شرط جميع الربح لرب المال، فهو ~~إبضاع عندنا؛ لوجود معنى الإبضاع. ### | [فصل في بيان حكم المضاربة] # (فصل) : # وأما بيان حكم المضاربة، ms3503 فالمضاربة لا تخلو إما أن تكون صحيحة أو فاسدة، ~~ولكل واحد منهما أحكام. # أما أحكام الصحيحة فكثيرة بعضها يرجع إلى حال المضارب في عقد المضاربة، ~~وبعضها يرجع إلى عمل المضارب، ما لكل واحد منهما أن يعمله وما ليس له أن ~~يعمله، وبعضها يرجع إلى ما يستحقه المضارب بالعمل وما يستحقه رب # PageV06P086 # المال بالمال. # (أما) الذي يرجع إلى حال المضارب في عقد المضاربة فهو أن رأس المال قبل ~~أن يشتري المضارب به شيئا أمانة في يده بمنزلة الوديعة؛ لأنه قبضه بإذن ~~المالك لا على وجه البدل والوثيقة، فإذا اشترى به شيئا صار بمنزلة الوكيل ~~بالشراء والبيع؛ لأنه تصرف في مال الغير بأمره، وهو معنى الوكيل فيكون ~~شراؤه على المعروف، وهو أن يكون بمثل قيمته أو بما يتغابن الناس في مثله، ~~كالوكيل بالشراء وبيعه على الاختلاف المعروف في الوكيل بالبيع المطلق. # ولو اشترى شراء فاسدا يملك إذا قبض لا يكون مخالفا ويكون الشراء على ~~المضاربة. # وكذا إذا باع شيئا من مال المضاربة بيعا فاسدا لا يصير مخالفا ولا يضمن؛ ~~لأن المضاربة توكيل، والوكيل بالشراء والبيع مطلقا يملك الصحيح والفاسد، ~~فلا يصير مخالفا، فإذا ظهر في المال ربح صار شريكا فيه بقدر حصته من الربح؛ ~~لأنه ملك جزءا من المال المشروط بعمله، والباقي لرب المال؛ لأنه نماء ماله، ~~فإذا فسدت بوجه من الوجوه صار بمنزلة الأجير لرب المال، فإذا خالف شرط رب ~~المال صار بمنزلة الغاصب، ويصير المال مضمونا عليه، ويكون ربح المال كله ~~بعد ما صار مضمونا عليه له؛ لأن الربح بالضمان لكنه لا يطيب له في قول أبي ~~حنيفة ومحمد رحمهما الله وعند أبي يوسف - رحمه الله - يطيب له وهو على ~~اختلافهم في الغاصب والمودع إذا تصرفا في المغصوب الوديعة وربحا. # ولو أراد رب المال أن يجعل المال مضمونا على المضارب، فالحيلة في ذلك أن ~~يقرض المال من المضارب ويشهد عليه ويسلمه إليه، ثم يأخذ منه مضاربة بالنصف ~~أو بالثلث، ثم يدفعه إلى المستقرض فيستعين به في العمل، حتى لو هلك ms3504 في يده ~~كان القرض عليه، وإذا لم يهلك وربح يكون الربح بينهما على الشرط وحيلة أخرى ~~أن يقرض رب المال جميع المال من المضارب إلا درهما واحدا، ويسلمه إليه ~~ويشهد على ذلك، ثم إنهما يشتركان في ذلك شركة عنان على أن يكون رأس مال ~~المقرض درهما ورأس مال المستقرض جميع ما استقرض على أن يعملا جميعا وشرطا ~~أن يكون الربح بينهما ثم بعد ذلك يعمل المستقرض خاصة في المال، فإن هلك ~~المال في يده كان القرض على حاله. # ولو ربح كان الربح بينهما على الشرط. # (وأما) الذي يرجع إلى عمل المضارب مما له أن يعمله بالعقد، وما ليس له أن ~~يعمل به فجملة الكلام فيه أن. # المضاربة نوعان: مطلقة ومقيدة، فالمطلقة أن يدفع المال مضاربة من غير ~~تعيين العمل والمكان والزمان وصفة العمل ومن يعامله والمقيدة أن يعين شيئا ~~من ذلك، وتصرف المضارب في كل واحد من النوعين ينقسم أربعة أقسام، قسم منه ~~للمضارب أن يعمله من غير الحاجة إلى التنصيص عليه، ولا إلى قول: اعمل برأيك ~~فيه وقسم منه ما ليس له أن يعمل ولو قيل له: اعمل فيه برأيك إلا بالتنصيص ~~عليه، وقسم منه ما له أن يعمله إذا قيل له: اعمل فيه برأيك وإن لم ينص ~~عليه، وقسم منه ما ليس له أن يعمله رأسا وإن نص عليه. # (وأما) القسم الذي للمضارب أن يعمله من غير التنصيص عليه، ولا قول: اعمل ~~برأيك كالمضاربة المطلقة عن الشرط والقيد، وهي ما إذا قال له: خذ هذا المال ~~واعمل به، على أن ما رزق الله من ربح فهو بيننا على كذا أو قال: خذ هذا ~~المال مضاربة على كذا فله أن يشتري به ويبيع؛ لأنه أمره بعمل هو سبب حصول ~~الربح، وهو الشراء والبيع، وكذا المقصود من عقد المضاربة هو الربح، والربح ~~لا يحصل إلا بالشراء والبيع إلا أن شراءه يقع على المعروف، وهو أن يكون ~~بمثل قيمة المشترى، أو بأقل من ذلك مما يتغابن الناس في مثله؛ لأنه وكيل ms3505 ~~وشراء الوكيل يقع على المعروف، فإن اشترى بما لا يتغابن الناس في مثله كان ~~مشتريا لنفسه لا على المضاربة، بمنزلة الوكيل بالشراء. # (وأما) بيعه فعلى الاختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه - رضي الله تعالى عنهم ~~- في التوكيل بمطلق البيع أنه يملك البيع نقدا ونسيئة، وبغبن فاحش في قول ~~أبي حنيفة - رحمه الله - فالمضارب أولى؛ لأن المضاربة أعم من الوكالة ~~وعندهما لا يملك البيع بالنسيئة، ولا بما لا يتغابن الناس في مثله وهي من ~~مسائل كتاب الوكالة وله أن يشتري ما بدا له من سائر أنواع التجارات في سائر ~~الأمكنة مع سائر الناس لإطلاق العقد وله أن يدفع المال بضاعة لأن الإبضاع ~~من عادة التجار، ولأن المقصود من هذا العقد هو الربح، والإبضاع طريق إلى ~~ذلك، ولأنه يملك الاستئجار، فالإبضاع أولى؛ لأن الاستئجار استعمال في المال ~~بعوض، والإبضاع استعمال فيه بغير عوض، فكان أولى، وله أن يودع؛ لأن الإيداع ~~من عادة التجار ومن ضرورات التجارة وله أن # PageV06P087 # يستأجر من يعمل في المال؛ لأنه من عادة التجار وضرورات التجارة أيضا؛ لأن ~~الإنسان قد لا يتمكن من جميع الأعمال بنفسه فيحتاج إلى الأجير. # وله أن يستأجر البيوت ليجعل المال فيها؛ لأنه لا يقدر على حفظ المال إلا ~~به، وله أن يستأجر السفن والدواب للحمل؛ لأن الحمل من مكان إلى مكان طريق ~~يحصل الربح، ولا يمكنه النقل بنفسه وله أن يوكل بالشراء والبيع؛ لأن ~~التوكيل من عادة التجار، ولأنه طريق الوصول إلى المقصود وهو الربح، فكان ~~بسبيل منه كالشريك، ولأن المضاربة أعم من الوكالة، ويجوز أن يستفاد بالشيء ~~ما هو دونه، بخلاف الوكالة المفردة، أن الوكيل لا يملك أن يوكل غيره بمطلق ~~الوكالة، إلا إذا قيل له: اعمل برأيك؛ لأن المقصود من ذلك ليس هو التجارة ~~وحصول الربح، بل إدخال المبيع في ملكه، وكذا الوكالة الثانية مثل الأولى، ~~والشيء لا يستتبع مثله # وكل ما للمضارب أن يعمل بنفسه، فله أن يوكل فيه غيره، وكل ما لا يكون له ~~أن يفعله بنفسه لا يجوز فيه وكالته ms3506 على رب المال؛ لأنه لما لم يملك أن يعمل ~~بنفسه فبوكيله أولى، وله أن يرهن بدين عليه في المضاربة من مال المضاربة ~~وأن يرتهن بدين له منها على رجل؛ لأن الرهن بالدين والارتهان من باب ~~الإيفاء والاستيفاء، وهو يملك ذلك، فيملك الرهن والارتهان، وليس له أن يرهن ~~بعد نهي رب المال عن العمل ولا بعد موته؛ لأن المضاربة تبطل بالنهي والموت ~~إلا في تصرف ينضر به رأس المال والرهن ليس تصرفا ينضر به رأس المال، فلا ~~يملكه المضارب ولو باع شيئا وأخر الثمن جاز؛ لأن التأخير للثمن عادة ~~التجار. # وأما على أصل أبي حنيفة عليه الرحمة فلأن الوكيل بالبيع يملك تأخير ~~الثمن، فالمضارب أولى؛ لأن تصرفه أعم من تصرف الوكيل، إلا أن الوكيل بالبيع ~~إذا أخر الثمن يضمن عندهما والمضارب لا يضمن؛ لأن المضارب يملك أن يستقيل ~~ثم يبيع نسيئة، فيملك التأخير ابتداء فلم يضمن. # فأما الوكيل فلا يملك الإقالة، ثم البيع بالنسيئة فإذا أخر ضمن. # (وأما) عند أبي يوسف فإنما جاز تأخير المضارب دون الوكيل لهذا المعنى ~~أيضا، وهو أن المضارب يملك أن يشتري السلعة أو يستقيل فيها، ثم يبيعها نساء ~~فيملك تأخير ثمنها والوكيل لا يملك ذلك، وله أن يحتال بالثمن على رجل موسرا ~~كان المحتال عليه أو معسرا؛ لأن الحوالة من عادة التجار؛ لأن الوصول إلى ~~الدين قد يكون أيسر من ذمة المحال عليه منه من ذمة المحيل، بخلاف الوصي إذا ~~احتال بمال اليتيم إن ذلك إن كان أصلح جاز، وإلا فلا؛ لأن تصرف الوصي في ~~مال اليتيم مبني على النظر، وتصرف المضارب مبني على عادة التجار قال محمد: ~~وله أن يستأجر أرضا بيضاء، ويشتري ببعض المال طعاما فيزرعه فيها، وكذلك له ~~أن يقلبها ليغرس فيها نخلا أو شجرا أو رطبا، فذلك كله جائز، والربح على ما ~~شرطا؛ لأن الاستئجار من التجارة؛ لأنه طريق حصول الربح، وكذا هو من عادة ~~التجار فيملكه المضارب، وللمضارب أن لا يسافر بالمال؛ لأن المقصود من هذا ~~العقد استنماء المال، وهذا المقصود ms3507 بالسفر أوفر ولأن العقد صدر مطلقا عن ~~المكان فيجري على إطلاقه، ولأن مأخذ الاسم دليل عليه؛ لأن المضاربة مشتقة ~~من الضرب في الأرض، وهو السير، قال الله تبارك وتعالى: {وآخرون يضربون في ~~الأرض يبتغون من فضل الله} [المزمل: 20] ولأنه طلب الفضل وقد قال الله ~~تعالى عز شأنه: {وابتغوا من فضل الله} [الجمعة: 10] وهذا قول أبي حنيفة ~~ومحمد، وهو قول أبي يوسف في رواية محمد عنه. # وفي رواية أصحاب الإملاء عنه: ليس له أن يسافر، وروي عنه أنه فرق بين ~~الذي يثبت في وطنه وبين الذي لا يثبت، وبين ما له حمل ومؤنة، وبين ما لا ~~حمل له ولا مؤنة في الشركة، فالمضارب على ذلك وقد ذكرنا وجه كل واحد من ذلك ~~في كتاب الشركة، وقد قال أبو يوسف عن أبي حنيفة - رحمه الله -: إنه إذا دفع ~~إليه المال بالكوفة وهما من أهليها، فإن أبا حنيفة قال: ليس له أن يسافر ~~بالمال. # ولو كان الدفع في مصر آخر غير الكوفة، فللمضارب أن يخرج به حيث شاء، وقد ~~ذكرنا وجه الرواية المشهورة في كتاب الشركة. # (وأما) وجه رواية أبي يوسف عنه فهو أن المسافرة بالمال مخاطرة به، فلا ~~يجوز إلا بإذن رب المال نصا أو دلالة، فإذا دفع المال إليه في بلدهما فلم ~~يأذن له بالسفر نصا ولا دلالة، لم يكن له أن يسافر، وإذا دفع إليه في غير ~~بلدهما فقد وجد دلالة الإذن بالرجوع إلى الوطن؛ لأن العادة أن الإنسان لا ~~يأخذ المال مضاربة ويترك بلده، فكان دفع المال في غير بلدهما رضا بالرجوع ~~إلى الوطن، فكان إذنا دلالة وله أن يأذن لعبيد المضاربة بالتجارة في ظاهر ~~الرواية؛ لأن الإذن بالتجارة # PageV06P088 # من التجارة، ومن عادة التجار أيضا وروى ابن رستم عن محمد: أنه لا يملك ~~ذلك بإطلاق المضاربة؛ لأن الإذن بالتجارة أعم من المضاربة، فلا يستتبع ما ~~هو فوقه وله أن يبيعهم إذا لحقهم دين، سواء كان المولى حاضرا أو غائبا؛ لأن ~~البيع في الدين من التجارة، فلا يقف على حضور ms3508 المولى. # ولو جنى عبد المضاربة بأن قتل إنسانا خطأ، وقيمته مثل مال المضارب، بأن ~~كان رأس المال ألف درهم فاشترى بها عبدا قيمته ألف فقتل إنسانا خطأ، لا ~~يخاطب المضارب بالدفع أو الفداء؛ لأن الدفع أو الفداء ليس من التجارة، ولا ~~ملك أيضا للمضارب في رقبته؛ لانعدام الفعل والتدبير في جنايته إلى رب ~~المال؛ لأن رقبته خالص ملكه، ولا ملك للمضارب فيها، بخلاف عبد المأذون إذا ~~جنى أنه يخاطب المأذون بالدفع أو الفداء مع غيبة المولى؛ لأن العبد المأذون ~~في التصرف كالحر؛ لأنه يتصرف لنفسه كالحر، بدليل أنه لا يرجع بالعهدة على ~~المولى. # ولو كان متصرفا للمولى لرجع بالعهدة عليه، فلما لم يرجع دل أنه يتصرف ~~لنفسه، وإنما يظهر حق المولى في كسبه عند فراغه عن حاجته، فإذا تعلقت ~~الجناية برقبته صارت مشغولة، فلا يظهر حق المولى فيخاطب بالدفع كالحر. # (فأما) المضارب فإنه وكيل رب المال في التصرف حتى يرجع بالعهدة عليه، ~~والوكيل بالشراء لا يخاطب بحكم الجناية، فهو الفرق بين المسألتين فإن اختار ~~رب المال الدفع واختار المضارب الفداء، فله ذلك؛ لأنه بالفداء يستبقي مال ~~المضاربة، وله فيه فائدة في الجملة لتوهم الربح. # ولو دفع رب المال أو فدى خرج العبد من المضاربة. # (أما) إذا دفع فلا شك فيه؛ لأن بالدفع زال ملكه لا إلى بدل، فصار كأنه ~~هلك وإذا فدى فقد لزمه ضمان ليس من مقتضيات المضاربة، ولأن اختيار الفداء ~~دليل رغبته في عين العبد، فلا يحصل المقصود من العقد وهو الربح؛ لأن ذلك ~~بالبيع. # ولو كان قيمة العبد ألفين فجنى جناية خطأ، لا يخاطب المضارب بالدفع أو ~~الفداء إذا كان رب المال غائبا لما قلنا، وليس لأصحاب الجناية على المضارب ~~ولا على الغلام سبيل، إلا أن لهم أن يستوثقوا من الغلام بكفيل إلى أن يقدم ~~المولى، وكذا لا يخاطب المولى بالدفع أو الفداء إذا كان المضارب غائبا، ~~وليس لأحدهما أن يفدي حتى يحضرا جميعا، فإن فدى كان متطوعا بالفداء فإذا ~~حضرا دفعا أو فديا، فإن دفعا فليس ms3509 لهما شيء، وإن فديا كان الفداء عليهما ~~أرباعا وخرج العبد من المضاربة وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. # وقال أبو يوسف: حضور المضارب ليس بشرط، ويخاطب المولى بحكم الجناية. # (وجه) قوله أن نصيب المضارب لم يتعين في الربح لعدم تعين رأس المال؛ لأن ~~التعيين بالقسمة، ولم توجد فبقي المال على حكم ملك رب المال، فكان هو ~~المخاطب بحكم الجناية، فلا يشترط حضور المضارب. # (ولهما) أنه إذا كان في المضاربة فضل كان للمضارب ملك في العبد، ولهذا لو ~~أعتقه نفذ إعتاقه في نصيبه، وإذا كان له نصيب في العبد كان فداء نصيبه عليه ~~فلا بد من حضوره. # (وأما) قوله أن حقه لم يتعين في الربح لعدم تعيين رأس المال فممنوع، بل ~~تعين ضرورة لزوم الفداء في نصيبه، ولا يلزم إلا بتعيين حقه، ولا يتعين حقه ~~إلا بتعيين رأس المال، ولا يتعين رأس المال إلا بالقسمة، فثبتت القسمة ~~ضرورة فإن اختار أحدهما الدفع والآخر الفداء فلهما ذلك؛ لأن كل واحد منهما ~~مالك لنصيبه فصار كالعبد المشترك، غير أن في العبد المشترك إذا حضر أحد ~~الشريكين وغاب الآخر، يخاطب الآخر بحكم الجناية من الدفع أو الفداء، وههنا ~~لا يخاطب واحد منهما ما لم يحضرا جميعا؛ لأن تصرف أحدهما يتضمن قسمه؛ لأن ~~المال لا يبقى على المضاربة بعد الدفع أو الفداء، والقسمة لا تصح إلا ~~بحضرتهما، والدفع أو الفداء من أحد الشريكين لا يتضمن قسمة ولا حكما في حق ~~الشريك الآخر، فلا يقف على حضوره. # وهذا بخلاف العبد المرهون إذا كانت قيمته أكثر من الدين فجنى جناية خطأ ~~أنه يخاطب الراهن والمرتهن بحكم الجناية، فإن اختار أحدهما الدفع والآخر ~~الفداء لم يكن لهما ذلك، ويلزمهما أن يجتمعا على أحد الأمرين؛ لأن الملك ~~هناك واحد فاختلاف اختيارهما يوجب تبعيض موجب الجناية في حق مالك واحد، ~~وهذا لا يجوز، كالعبد الذي ليس برهن، وهنا مالك العبد اثنان فلو اختلف ~~اختيارهما لا يوجب ذلك تبعيض موجب الجناية في حق مالك واحد. # وقد قالوا إذا غاب أحدهما وادعيت الجناية ms3510 على العبد، لم تسمع البينة حتى ~~يحضرا؛ لأن كل واحد منهما له حق العبد، فكان التدبير في الجناية إليهما، ~~فلا يجوز سماع البينة على أحدهما مع غيبة الآخر، وإنما أخذ بالعبد كفيل؛ ~~لأنه لا يؤمن عليه أن يغيب فيسقط # PageV06P089 # حق ولي الجناية؛ لأن حقه تعلق برقبته فكان له أن يستوثق حقه بكفيل، وحقوق ~~العقد في الشراء والبيع ترجع إلى المضارب لا إلى رب المال؛ لأن المضارب هو ~~العاقد فهو الذي يطالب بتسليم المبيع ويطالب بتسليم الثمن، ويقبض المبيع ~~والثمن، ويرد بالعيب ويرد عليه، ويخاصم ويخاصم لما قلنا. # ولو اشترى المضارب عبدا معيبا قد علم رب المال بعيبه ولم يعلم به ~~المضارب، فللمضارب أن يرده. # ولو كان علم بالعيب ولم يعلم به رب المال لم يكن للمضارب أن يرده؛ لأن ~~حقوق العقد تتعلق بالمضارب لا برب المال، فيعتبر علم المضارب لا علم رب ~~المال. # ولو اشترى عبدا فظهر به عيب، فقال رب المال بعد الشراء: رضيت بهذا العبد ~~بطل الرد؛ لأن الملك لرب المال فإذا رضي به فقد أبطل حق نفسه. # ولو أن رب المال دفع إليه ألف درهم مضاربة على أن يشتري بها عبد فلان ~~بعينه، ثم يبيعه فاشتراه المضارب ولم يره، فليس له أن يرده بخيار الرؤية، ~~ولا بخيار العيب؛ لأن أمره بالشراء بعد العلم رضا منه بذلك العيب، فكأنه ~~قال بعد الشراء: قد رضيت بخلاف ما إذا أمره بشراء عبد غير معين؛ لأنه لا ~~يعلم أنه يشتري العبد المعيب لا محالة حتى يكون علمه دلالة الرضا به وهل له ~~أن يأخذ بالشفعة في دار اشتراها أجنبي إلى جنب دار المضارب، أو باع رب ~~المال دارا لنفسه، والمضارب شفيعها بدار أخرى من المضاربة ففيه تفصيل نذكره ~~إن شاء الله تعالى. # ولو دفع المال إلى رجلين مضاربة فليس لأحدهما أن يبيع ويشتري بغير إذن ~~صاحبه، ولا يعمل أحدهما شيئا مما للمضارب الواحد أن يعمله سواء قال لهما: ~~اعملا برأيكما أو لم يقل؛ لأنه رضي برأيهما ولم يرض برأي أحدهما، فصارا ms3511 ~~كالوكيلين وإذا أذن له الشريك في شيء من ذلك جاز في قولهم جميعا؛ لأنه لما ~~أذن له فقد اجتمع رأيهما، فصار كأنهما عقدا جميعا # (وأما) القسم الذي ليس للمضارب أن يعمله إلا بالتنصيص عليه في المضاربة ~~المطلقة، فليس له أن يستدين على مال المضاربة ولو استدان لم يجز على رب ~~المال، ويكون دينا على المضارب في ماله؛ لأن الاستدانة إثبات زيادة في رأس ~~المال من غير رضا رب المال، بل فيه إثبات زيادة ضمان على رب المال من غير ~~رضاه؛ لأن ثمن المشترى برأس المال في باب المضاربة مضمون على رب المال، ~~بدليل أن المضارب لو اشترى برأس المال ثم هلك المشترى قبل التسليم، فإن ~~المضارب يرجع إلى رب المال بمثله فلو جوزنا الاستدانة على المضاربة ~~لألزمناه زيادة ضمان لم يرض به، وهذا لا يجوز ثم الاستدانة هي أن يشتري ~~المضارب شيئا بثمن دين ليس في يده من جنسه، حتى إنه لو لم يكن في يده شيء ~~من رأس المال من الدراهم والدنانير، بأن كان اشترى برأس المال سلعة، ثم ~~اشترى شيئا بالدراهم أو الدنانير، لم يجز على المضاربة، وكان المشترى له ~~عليه ثمنه من ماله؛ لأنه اشترى بثمن ليس في يده من جنسه، فكان مستدينا على ~~المضاربة، فلم تجز على رب المال وجاز عليه؛ لأن الشراء وجد نفاذا عليه، ~~كالوكيل بالشراء إذا خالف. # وسواء كان اشترى بثمن حال أو مؤجل؛ لأنه لما اشترى بما ليس في يده من ~~جنسه صار مستدينا على المضاربة، وهو لا يملك ذلك. # ولو كان ما في يد المضارب من العبد أو العرض يساوي رأس المال أو أكثر، ~~فاشترى شيئا للمضاربة بالدراهم والدنانير ليبيع العرض ويؤدي ثمنه منها، لم ~~يجز، سواء كان الثمن حالا أو مؤجلا لما ذكرنا أنه استدانة. # ولو باع ما في يده من العرض بالدراهم والدنانير، وحصل ذلك في يده قبل حل ~~الأجل لم ينتفع بذلك؛ لأنه لما خالف في حالة الشراء لزمه الثمن وصارت ~~السلعة له؛ لأنه لم يملك الشراء للمضاربة ms3512 فوقع العقد له، فلا يصير بعد ذلك ~~للمضاربة. # وكذا إذا قبض المضارب مال المضاربة ليس له أن يشتري بأكثر من رأس المال ~~الذي في يده؛ لأن الزيادة تكون دينا، وليس في يده من مال المضاربة ما يؤديه ~~حتى لو اشترى سلعة بألفي درهم ومال المضاربة ألف، كانت حصة الألف من السلعة ~~المشتراة للمضاربة، وحصة ما زاد على الألف للمضارب خاصة له ربح ذلك، وعليه ~~وضيعته، والزيادة دين عليه في ماله؛ لأنه يملك الشراء بالألف ولا يملك ~~الشراء بما زاد عليها للمضاربة، ويملك الشراء لنفسه فوقع له. # وكذا إذا قبض المضارب رأس المال وهو قائم في يده، فليس له أن يشتري ~~للمضاربة بغير الدراهم والدنانير من المكيل والموزون والمعدود والثوب ~~الموصوف المؤجل إذا لم يكن في يده شيء من ذلك؛ لأن الشراء بغير المال يكون ~~استدانة على المال. # ولو كان في يده من مال المضاربة مكيل أو موزون، فاشترى ثوبا أو عبدا ~~بمكيل أو # PageV06P090 # موزون موصوف في الذمة، كان المشترى للمضارب؛ لأن في يده من جنسه فلم يكن ~~استدانة ولو كان في يده دراهم فاشترى سلعة بدراهم نسيئة، لم يكن استدانة؛ ~~لأن في يده من جنسه. # ولو كان في يده دراهم فاشترى بدنانير، أو كان في يده دنانير فاشترى ~~بدراهم فالقياس أن لا يجوز على رب المال وهو قول زفر وفي الاستحسان يجوز. # (وجه) القياس أن الدراهم والدنانير جنسان مختلفان حقيقة، فقد اشترى بما ~~ليس في يده من جنسه، فيكون استدانة، كما لو اشترى بالعروض. # (وجه) الاستحسان أن الدراهم والدنانير عند التجار كجنس واحد؛ لأنهما ~~أثمان الأشياء، بهما تقدر النفقات وأروش الجنايات وقيمة المتلفات، ولا ~~يتعذر نقل كل واحد منهما إلى الآخر، فكانا بمنزلة شيء واحد، فكان مشتريا ~~بثمن في يده من جنسه. # وكذلك. # لو اشترى بثمن هو من جنس رأس المال، لكنه يخالفه في الصفة بأن اشترى ~~بدراهم بيض ورأس المال دراهم سود، أو اشترى بصحاح ورأس المال غلة، أو اشترى ~~بدراهم سود ورأس المال دراهم بيض، أو اشترى بدراهم ms3513 غلة ورأس المال صحاح، ~~فذلك جائز على المضاربة. # وقال زفر: لا يجوز شيء من ذلك على المضاربة، ويكون استدانة، ويجعل اختلاف ~~الصفة كاختلاف الجنس. # وقال محمد: إن اشترى بما صفته أنقص من صفة رأس المال جاز، وهذا يشير إلى ~~أنه لو اشترى بما صفته أزيد من صفة رأس المال أنه لا يجوز على المضاربة. # (ووجهه) أنه إذا اشترى بما صفته أنقص من صفة رأس المال كان في يده ذلك ~~القدر الذي اشترى به ذلك القدر وزيادة فجاز، وإذا اشترى بما صفته أكمل لم ~~يكن في يده القدر الذي اشترى به فلا يجوز على المضارب والصحيح قول أبي ~~حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله؛ لأنه لما جاز عند اختلاف الجنس، فلأن يجوز ~~عند اختلاف الصفة أولى؛ لأن تفاوت الصفة دون تفاوت الجنس ولو كان رأس المال ~~ألف درهم فاشترى سلعة بألف أو بدنانير أو بفلوس قيمة ذلك ألف، لا يملك أن ~~يشتري بعد ذلك على ألف المضاربة شيئا بألف أخرى أو غير ذلك؛ لأن مال ~~المضاربة كان مستحقا بالثمن الأول، فلو اشترى بعد ذلك لصار مستدينا على مال ~~المضاربة، فلا يملك ذلك، فإن اشترى عليها أولا عبدا بخمسمائة، لا يملك بعد ~~ذلك أن يشتري إلا بقدر خمسمائة؛ لأن الخمسمائة خرجت من المضاربة، وكذلك كل ~~دين يلحق رأس المال؛ لأن ذلك صار مستحقا من رأس المال، فيخرج القدر المستحق ~~من المضاربة، فإذا اشترى بأكثر مما بقي صار مستدينا على مال المضاربة فلا ~~يصح. # ولو باع المضارب واشترى وتصرف في مال المضاربة فحصل في يده صنوف من ~~الأموال: من المكيل والموزون والمعدود وغير ذلك من سائر الأموال، ولم يكن ~~في يده دراهم ولا دنانير ولا فلوس، فليس له أن يشتري متاعا بثمن ليس في يده ~~مثله من جنسه وصفته وقدره، بأن اشترى عبدا بكر حنطة موصوفة، فإن اشترى بكر ~~حنطة وسط وفي يده الوسط، أو بكر حنطة جيدة وفي يده جاز، وإن كان في يده ~~أجود مما اشترى به أو أدون، لم يكن للمضاربة ms3514 وكان للمضارب؛ لأنه إذا لم يكن ~~في يده مثل الثمن صار مستدينا على المضاربة، فلا يجوز وليس اختلاف الصفة ~~هنا كاختلاف الصفة في الدراهم؛ لأن اختلاف الجنس هناك بين الدراهم ~~والدنانير لا يمنع الجواز، فاختلاف الصفة أولى؛ لأنه دونه، واختلاف الجنس ~~هنا يمنع الجواز، فكذا اختلاف الصفة. # ثم في جميع ما ذكرنا أنه لا يجوز من المضارب الاستدانة على رب المال ~~يستوي فيه ما إذا قال رب المال: اعمل برأيك أو لم يقل؛ لأن قوله: اعمل ~~برأيك تفويض إليه، فيما هو من المضاربة والاستدانة لم تدخل في عقد ~~المضاربة، فلا يملكها المضارب إلا بإذن رب المال بها نصا، ثم كما لا يجوز ~~للمضارب الاستدانة على مال المضاربة لا يجوز له الاستدانة على إصلاح مال ~~المضاربة، حتى لو اشترى المضارب بجميع مال المضاربة ثيابا، ثم استأجر على ~~حملها أو على قصارتها أو نقلها كان متطوعا في ذلك كله؛ لأنه إذا لم يبق في ~~يده شيء من رأس المال صار بالاستئجار مستدينا على المضاربة فلم يجز عليها، ~~فصار عاقدا لنفسه متطوعا في مال الغير، كما لو حمل متاعا لغيره، أو قصر ~~ثيابا لغيره بغير أمره. # وقال محمد: وكذلك إذا صبغها سودا من ماله فنقصها ذلك؛ لأن الاستدانة لا ~~تجوز، ولا يصير شريكا بالسواد؛ لأنه لم يوجب في العين زيادة، بل أوجب ~~نقصانا فيها، ولا يضمن بفعله، سواء قال له: اعمل برأيك أو لم يقل؛ لأنه ~~مأذون فيه بعقد المضاربة، بدليل أنه لو كان في يده فضل، فصبغ الثياب به ~~سودا # PageV06P091 # فنقصها ذلك لم يضمن، وكذلك إذا صبغها بمال نفسه ولو صبغ المتاع بعصفر أو ~~زعفران أو صبغ يزيد فيها، وليس في يده من مال المضاربة شيء، فإن كان لم ~~يقل: اعمل برأيك فهو ضامن، ورب المال بالخيار إن شاء ضمنه قيمة متاعه يوم ~~صبغه، وسلم إليه المتاع، وإن شاء ترك المتاع حتى يباع فيتصرف فيه رب المال ~~بقيمته أبيض، وتصرف المضارب بما زاد الصبغ فيه؛ لأن الصبغ عين مال قائم فما ~~أصاب ms3515 المتاع فهو مال المضاربة، وما زاد الصبغ فللمضارب خاصة؛ لأن الصبغ ~~استدانة على المال، وذلك لا يجوز فصار الصبغ من غير المضاربة. # والمضارب إذا خلط مال نفسه بمال المضاربة، ولم يقل له: اعمل برأيك يضمن ~~وصار كأجنبي خلط المال. # ولو صبغ الثياب أجنبي، كان للمالك الخيار إن شاء ضمنه قيمتها، وإن شاء ~~تركها على الشركة، وتضاربا بثمنها على الشركة كذا هذا، وإن كان قال له: ~~اعمل برأيك فلا ضمان عليه؛ لأنه إذا قال ذلك فله أن يخلط مال نفسه بمال ~~المضاربة، والصبغ على ملكه فلا يضمن بخلطه، وصار المتاع بينهما، فإذا بيع ~~المتاع قسم الثمن على قيمة الثوب أبيض، فما أصاب ذلك كان في المضاربة، وما ~~أصاب الصبغ كان للمضارب، وإذا أذن للمضارب أن يستدين على مال المضاربة جاز ~~له الاستدانة، وما يستدينه يكون شركة بينهما شركة وجوه، وكان المشترى ~~بينهما نصفين؛ لأنه لا يمكن أن يجعل المشترى بالدين مضاربة؛ لأن المضاربة ~~لا تجوز إلا في مال عين فتجعل شركة وجوه، ويكون المشترى بينهما نصفين؛ لأن ~~مطلق الشركة يقتضي التساوي. # وسواء كان الربح بينهما في المضاربة نصفين أو أثلاثا؛ لأن هذه شركة على ~~حدة فلا يبنى على حكم المضاربة، وقد بينا في كتاب الشركة أنه لا يجوز ~~التفاضل في الربح في شركة الوجوه، إلا بشرط التفاضل في الضمان، فإن شرطا ~~التفاضل في الضمان كان الربح كذلك، وإن أطلقا كان المشترى نصفين، لا يجوز ~~فيه التفاضل في الربح، وإذا صارت هذه شركة وجوه، صار الثمن دينا عليهما من ~~غير مضاربة، فلا يملك المضارب أن يرهن به مال المضاربة، إلا بإذن رب المال ~~فإن أذن له أن يرهن بجميع الثمن، فقد أعاره نصف الرهن ليرهن بدينه، وإن هلك ~~صار مضمونا عليه، وليس له أن يقرض مال المضاربة؛ لأن القرض تبرع في الحال، ~~إذ لا يقابله عوض للحال، وإنما يصير مبادلة في الثاني، ومال الغير لا يحتمل ~~التبرع. # وكذلك الهبة والصدقة؛ لأن كل واحد منهما تبرع، ولا يأخذ سفتجة؛ لأن أخذها ~~استدانة وهو ms3516 لا يملك الاستدانة، وكذا لا يعطى سفتجة؛ لأن إعطاء السفتجة ~~إقراض وهو لا يملك الإقراض إلا بالتنصيص عليه، هكذا قال محمد، عن أبي حنيفة ~~أنه قال: ليس له أن يقرض، ولا أن يأخذ سفتجة، حتى يأمره بذلك بعينه، فيقول ~~له: خذ السفاتج وأقرض إن أحببت فأما إذا قال له: اعمل في ذلك برأيك فإنما ~~هذا على البيع والشراء والشركة والمضاربة وخلط المال وهذا قول أبي يوسف، ~~وقولنا لما ذكرنا أن قوله: اعمل في ذلك برأيك تفويض الرأي إليه في ~~المضاربة، والتبرع ليس من عمل المضاربة، وكذا الاستدانة بل هي عند الإذن ~~شركة وجوه، وهي عقد آخر وراء المضاربة، وهو إنما فوض إليه الرأي في ~~المفاوضة خاصة، لا في عقد آخر لا تعلق له بها، فلا يدخل في ذلك وليس أن ~~يشتري بما لا يتغابن الناس في مثله، وإن قال له: اعمل برأيك. # ولو اشترى يصير مخالفا؛ لأن المضاربة توكيل بالشراء، والتوكيل بالشراء ~~مطلقا ينصرف إلى المتعارف، وهو أن يكون بمثل القيمة، أو بما يتغابن الناس ~~في مثله، ولأن الشراء بما لا يتغابن في مثله محاباة، والمحاباة تبرع، ~~والتبرع لا يدخل في عقد المضاربة. # وليس له أن يعتق على مال؛ لأنه إزالة الملك عن الرقبة بدين في ذمة ~~المفلس، فكان في معنى التبرع، ولأنه ليس بتجارة إذ التجارة مبادلة المال ~~بالمال، وهذا مبادلة العتق بالمال، وليس له أن يكاتب؛ لأن الكتابة ليست ~~بتجارة؛ لانعدام مبادلة المال بالمال؛ لهذا لا يملكه المأذون له في ~~التجارة، وليس له أن يعتق عبدا من المضاربة إذا لم يكن في نفس العبد فضل عن ~~رأس المال، فإن أعتق لم ينفذ؛ لأن العقد السابق لا يفيده، ولأنه لا يملك ~~الإعتاق على مال، وفيه معنى المبادلة، فالإعتاق بغير مال أولى، ولا ملك ~~للمضارب في العبد مما لا ينفذ إعتاقه. # وسواء كان في يد المضارب مال آخر سوى العبد، أو لم يكن؛ لأن العبد إذا ~~كان بقدر رأس المال لا فضل فيه لم يتعين للمضارب فيه حق؛ لأنه مشغول ms3517 برأس ~~المال، بدليل أنه لو هلك ذلك المال يصير العبد رأس المال، وإن كان في نفس ~~العبد المعتق فضل عن رأس المال، جاز إعتاقه في قدر حصته من الربح؛ لأنه إذا ~~كان قيمته أكثر من رأس # PageV06P092 # المال، فقد تعين للمضارب فيه ملك، فينفذ إعتاقه في قدر نصيبه، كعبد بين ~~شريكين أعتقه أحدهما، وكذلك إن كاتب عبدا من المضاربة، أو أعتقه على مال، ~~ولم يكن فيه فضل أنه لم يجز، وإن كان فيه فضل كان كعبد بين شريكين، أعتقه ~~أحدهما على مال، فإذا قبل العبد عتق عليه نصيبه، وكان رب المال بالخيار، ~~ولرب المال فسخ الكتابة قبل الأداء؛ لأنه لا يتضرر به في الحال وفي الثاني ~~أما في الحال، فلا يمتنع عليه بيع نصيبه وهبته ما دام شيء منه فكذا هذا. # (وأما) الثاني فلأنه لو أدى وعتق نفسه، يفسد الباقي على رب المال، فأكد ~~دفع هذا الضرر بالفسخ؛ لأن الكتابة قابلة للفسخ، فله أن يفسخ، كأحد ~~الشريكين إذا باع حصته من بيت معين من دار مشتركة بينهما، كان لشريكه نقض ~~بيعه، وإن باع ملك نفسه، لما أن الشريك يتضرر بنفاذ هذا البيع، فإنه متى ~~أراد أن يقسم الدار يحتاج إلى قسمين؛ قسمة البيت مع المشتري، وقسمة بقية ~~الدار مع الشريك الأول، ويتضرر، فكان له نقض البيع دفعا للضرر عنه، فكذا ~~هذا بخلاف ما إذا دبر المضارب نصيبه، أو أعتق إنه ينفذ، وإن كان يتضرر به ~~رب المال؛ لأن الضرر إنما يدفع إذا أمكن، وهناك لا يمكن؛ لأن التدبير ~~والإعتاق تصرفان لا يحتملان الفسخ، بخلاف الكتابة، فإن أدى الكتابة قبل ~~الفسخ عتق لوجود شرط العتق، وهو الأداء، إلا أن لرب المال أن يأخذ مما أداه ~~المكاتب قدر حصته من المؤدى؛ لأنه كسب عبد مشترك بينهما. # وكذلك إذا كان رأس المال ألف درهم، فاشترى بها المضارب عبدين قيمة كل ~~واحد منهما ألف، فأعتق أحدهما إنه لا يجوز إعتاقه عند أصحابنا الثلاثة، ~~وعند زفر يجوز إعتاقه في نصيبه منهما؛ لأن رأس المال ليس إلا ms3518 الألف، فما ~~زاد على ذلك يكون ربحا، ويكون للمضارب فيه نصيب، فينفذ إعتاقه في نصيبه. # (ولنا) أنه لم يتعين للمضارب ملك في أحد العبدين؛ لأن كل واحد منهما يجوز ~~أن يكون رأس المال، والآخر ربحا، فليس أحدهما بأن يجعل رأس المال والآخر ~~ربحا، أولى من القلب فيجعل كل واحد منهما كأن ليس معه غيره، ولأن حق ~~المضارب لا يتعين في الربح قبل تعين رأس المال، ورأس المال لم يتعين إلا ~~بتعيين ملك المضارب في الربح. # وكذلك لو كان في يد المضارب عشرون عبدا، قيمة كل واحد منهم ألف درهم ورأس ~~المال ألف درهم، إنه لا يجوز عتقه في واحد منهم؛ لأنه لا يتعين للمضارب في ~~واحد منهم ملك؛ لأن كل واحد منهم يصلح أن يكون هو رأس المال، فإذا لم يملك ~~شيئا منهم لم ينفذ إعتاقه، من مشايخنا من قال هذا على أصل أبي حنيفة: أن ~~العبيد والجواري لا يقسمون قسمة واحدة، بل كل شخص يقسم على حدة؛ لأن العبيد ~~والجواري بمنزلة أجناس مختلفة من سائر الأموال، ولا يتعين للمضارب ملك في ~~الأجناس المختلفة من العروض ونحوها فأما على أصل أبي يوسف ومحمد أنهم ~~يقسمون قسمة واحدة بمنزلة الدواب، فظهر الربح فينفذ إعتاقه في قدر نصيبه من ~~الربح، وقال بعض مشايخنا: إن هذا بالاتفاق؛ لأن عندهما إنما يقسم القاضي ~~قسمة واحدة إذا رأى القاضي ذلك، فأما قبل ذلك فلا، بل العبيد بمنزلة ~~الأجناس المختلفة؛ لهذا لا يصح التوكيل بشراء عبد بدون بيان الثمن ~~بالاتفاق، كالتوكيل بشراء ثوب؛ لهذا لو كانت العبيد للخدمة بين اثنين، لا ~~تجب على أحدهما صدقة الفطر بسببهم في عامة الروايات. # والأصل أن مال المضاربة إذا كان من جنس واحد، وفيه فضل عن رأس المال، إنه ~~يضم بعضه إلى بعض، ويتعين نصيب المضارب فيما زاد على رأس المال، وإذا كان ~~من جنسين مختلفين، كل واحد منهما مثل رأس المال لا يضم أحدهما إلى الآخر، ~~فلا يتعين للمضارب في أحدهما ملك؛ لاشتغال كل واحد منهما برأس المال، وقد ms3519 ~~قالوا في هذه المسألة: إن رب المال لو أعتق العبيد نفذ إعتاقه في جميعهم؛ ~~لأنه إذا لم يتعين للمضارب في واحد منهم ملك، نفذ على رب المال فإذا أعتقهم ~~بلفظة واحدة عتقوا، ويضمن حصة المضارب فيهم سواء كان موسرا أو معسرا. # (أما) الضمان فلأن المضارب وإن لم يملك شيئا من العبيد، فقد كان له حق أن ~~يتملك، وقد أفسده عليه رب المال فيضمن وإنما استوى فيه اليسار والإعسار؛ ~~لأنه أعتق الكل مباشرة، ونفذ إعتاقه في الكل، فصار متلفا المال عليه، بخلاف ~~ضمان العتق؛ لأنه يعتق نصيب المعتق ابتداء، ثم يسري إلى نصيب الشريك على ~~أصل أبي يوسف ومحمد؛ لذلك اختلف فيه اليسار والإعسار، وكذلك لو اشترى ~~المضارب عبدا من مال المضاربة، فادعى أنه ابنه إنه إن لم يكن فيه فضل لم ~~تجز دعوته، # PageV06P093 # وإن كان فيه فضل جازت دعوته وعتق؛ لأن هذه دعوة تحرير، وإنها مبنية على ~~الملك، فإذا لم يكن فيه فضل فازدادت قيمة رأس المال بعد ذلك، فظهر فيه فضل، ~~جازت دعوته وعتق عليه، وكان كعبد بين اثنين عتق على أحدهما نصيبه بغير ~~فعله، بأن ورث نصيبه، وإنما كان كذلك؛ لأنه لما ادعى النسب ولا ملك له في ~~الحال، كانت دعوته موقوفة على الملك فإذا ازدادت قيمته فقد ملك جزءا منه ~~فنفذت دعوته فيه، كمن ادعى النسب في ملك غيره ثم ملك إنه تنفذ دعوته، بخلاف ~~ما إذا أعتقه ثم ازدادت قيمته، إنه لا ينفذ إعتاقه؛ لأن إنشاء الإعتاق في ~~ملك الغير لا يتوقف، كمن أعتق ملك غيره ثم ملكه، ولا ضمان على المضارب في ~~ذلك؛ لأن العبد عتق من غير صنعه؛ لأنه عتق بزيادة القيمة، والعبد المشترك ~~إذا عتق على أحد الشريكين بغير فعله، لا يضمن للشريك شيئا ولو اشترى أمة ~~قيمتها ألف، ورأس المال ألف، فولدت ولدا يساوي ألفا، فادعى الولد، لا يكون ~~ولده، ولا تكون الأم أم ولد له؛ لأنه ليس لأحدهما فضل على رأس المال هكذا ~~ذكر الكرخي وذكر القدوري - رحمه الله - أن هذا ms3520 محمول على أنها علقت قبل أن ~~يشتريها، فأما إذا كان العلوق بعد الشراء فحكم المسألة يتغير؛ لأن المضارب ~~يغرم العقر مائة، فإذا استوفاها رب المال منه جعل المستوفى من رأس المال، ~~فينتقص رأس المال وصار تسعمائة، فيتعين للمضارب ملك فيهما جميعا، فنفذت ~~دعوته ويثبت النسب، وإذا ثبت النسب ضمن المضارب من قيمة الأم سبعمائة، حتى ~~يستوفي رب المال تمام رأس ماله، ثم يغرم خمسين درهما وهو تمام ما بقي من ~~الأم، فظهر أن الولد ربح بينهما فيعتق نصف الولد من المضاربة، ويسعى في ~~النصف لرب المال قال عيسى بن أبان: إن هذا الجواب هو الصحيح وذكر محمد في ~~الأصل مسألة أخرى طعن فيها عيسى، وهو ما إذا اشترى جارية بألف درهم تساوي ~~ألفا، فولدت ولدا يساوي ألفا، فادعاه المضارب، لم يثبت نسبه ويغرم العقر، ~~فإن زادت قيمة الولد حتى صارت ألفين يثبت النسب من المضارب؛ لأنه ملك بعضه ~~لظهور الربح في الولد بزيادة قيمته، فيعتق ربعه عليه، ولا ضمان عليه؛ لأنه ~~عتق بزيادة القيمة، ولا صنع له فيها، ويسعى العبد في ثلاثة أرباع قيمته لرب ~~المال، والجارية على حالها لم تصر أم ولد للمضارب ما لم يستوف رب المال ~~العقر والسعاية؛ لأن المضارب لا يظهر له الربح في الجارية حتى يصل إلى رب ~~المال شيء من المال، فلا يملك شيئا منها ولا صحة للاستيلاد بدون الملك ولو ~~لم تزد قيمة الولد، ولكن زادت قيمة الأم فصارت ألفين، فإن الجارية أم ولد ~~له لظهور الربح فيها بزيادة قيمتها، وعلى المضارب ثلاثة أرباع قيمتها لرب ~~المال، وإن لم يكن له صنع فيها؛ لأن ضمانها ضمان تملك؛ لهذا استوى فيه ~~اليسار والإعسار فيستوي أن يكون بفعله، أو من طريق الحكم ولا يثبت نسب ~~الولد من المضارب؛ لأنه لم يملك من الولد شيئا ما لم يأخذ رب المال شيئا من ~~رأس ماله ولو زادت قيمتهما جميعا فصارت قيمة كل واحد منهما ألف درهم، يثبت ~~نسب الولد وتصير الجارية أم ولد له؛ لأنه ملك بعض ms3521 كل واحد منهما؛ لأنه ظهر ~~الفضل في كل واحد منهما بزيادة قيمته، ويضمن المضارب لرب المال تمام قيمة ~~الجارية ألفي درهم، وعقر مائة درهم، فظهر أن رب المال استوفى رأس ماله، ~~واستوفى من الربح ألفا ومائة، وللمضارب أن يستوفي من ربح الولد مقدار ألف ~~ومائة فعتق الولد منه بذلك المقدار، وبقي من الولد مقدار تسعمائة ربح ~~بينهما؛ لأن لكل واحد منهما أربعمائة وخمسين، فما أصاب المضارب عتق وما ~~أصاب رب المال سعى فيه الولد قال عيسى: هذا الجواب خطأ، والصحيح أن يقال: ~~يضمن المضارب من الأم ثلاثة أرباع قيمتها ونصف العقر، وبقي الولد ربحا ~~بينهما، يسعى في نصف قيمته لرب المال ويسقط عنه النصف بحصة المضارب قال ~~القدوري - رحمه الله -: هذا الذي ذكره عيسى هو جواب محمد في المسألة التي ~~قدمناها، إذا لم تزد قيمة كل واحد منهما، وعلى قياس ما قال محمد في ~~المسألة، الزيادة تجب أن يقول: إذا لم تزد قيمتها ينبغي أن يغرم المضارب ~~ألفا ومائة، ثم يستوفي المضارب من الولد مائة، وبقي تسعمائة بينهما فمن ~~أصحابنا من قال: القياس ما أجاب به في المسألة التي لم تزد القيمة فيها، ~~ووجهه أن المضارب لا يغرم بعد ما غرم تمام رأس ماله، إلا نصف ما بقي من ~~الأم؛ لأن نصف ما بقي من الأم ربح بينهما، فلا يجوز أن يغرم الكل، والذي ~~أجاب به في مسألة الزيادة هو الاستحسان؛ لأن في غرم تمام قيمة الجارية ~~تكثير العتق، والعتق والرق إذا اجتمعا غلبت الحرية # PageV06P094 # الرق ومن أصحابنا من قال: إنما افترقت المسألتان لوصفهما؛ لأن سبب العتق ~~في مسألة الزيادة زيادة قيمة الولد وفي المسألة الأخرى سبب العتق قبض رب ~~المال العقر، فلما شارك رب المال المضارب في سبب عتقه أن يجتمع ربحه في ~~الجارية. # (وأما) في المسألة الأخرى لما كان عتقه بسبب الزيادة، صرف نصيب رب المال ~~إلى الجارية؛ لأن المضارب قد ملكها وقد قيل أيضا: إن في تلك المسألة إنما ~~قصد تكثير العتق، وفي المسألة الأخرى إذا لم ms3522 تزد القيمة لا يتبين تكثير ~~العتق؛ لأن الفضل فيما بينهما مقدار نصف العشر، فلا يتبين بذلك المقدار ~~تكثير العتق، وقد قالوا في المضارب: إذا اشترى جارية بألف فولدت ولدا يساوي ~~ألفا، فادعاه رب المال ثبت النسب وعتق الولد، وصارت الجارية أم ولد له، ~~وانتقضت المضاربة، ولا ضمان عليه؛ لأن دعوته صادفت ملكه، فثبت النسب ~~واستندت الدعوة إلى وقت العلوق، ولا قيمة للولد في ذلك الوقت، ولا فضل في ~~المال، فلا تجب عليه القيمة، ولا العقر؛ لأنه وطئ ملك نفسه، وليس له أن ~~يزوج عبدا ولا أمة من مال المضاربة في قول أبي حنيفة ومحمد عليهما الرحمة. # وعند أبي يوسف - رحمه الله -: يزوج الأمة ولا يزوج العبد وقد ذكرنا ~~المسألة في موضع آخر وروى ابن رستم عن محمد أنه ليس له أن يزوج أمة من ~~المضاربة؛ لأنه لا يملك أن يشتري شيئا من مال المضاربة لنفسه، فلا يملك أن ~~يعقد على جارية المضاربة لنفسه، فإن تزوج بإذن رب المال فهو جائز، إذا لم ~~يكن في المال ربح وقد خرجت من المضاربة أما الجواز فلأنه إذا لم يكن في ~~المال ربح لم يكن للمضارب فيها ملك، وإنما له حق التصرف، وأنه لا يمنع ~~النكاح كالعبد المأذون. # (وأما) خروج الأمة عن المضاربة، فلأن العادة أن من تزوج أمة حصنها ومنعها ~~من الخروج والبروز، والمضاربة تقتضي العرض على البيع وإبرازها للمشتري، ~~وكان اتفاقهما على التزويج إخراجا إياها عن المضاربة، ويحسب مقدار قيمتها ~~من رأس المال؛ لأنه لما أخرجها من المضاربة صار كأنه استرد ذلك القدر من ~~رأس المال، وقد قال الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: إن المضارب لا يملك أن ~~يزوج أمة من المضاربة لعبد من المضاربة؛ لأن تصرف المضارب يختص بالتجارة، ~~والتزويج ليس من التجارة. # وذكر القدوري - رحمه الله - وقال: ينبغي أن يكون هذا قولهم؛ لأن عند أبي ~~يوسف: إن كان يملك تزويج الأمة، لا يملك تزويج العبد. # ولو أخذ المضارب نخلا أو شجرا أو رطبة معاملة على أن ينفق المال، لم ms3523 يجز ~~على رب المال، وإن كان قال له رب المال حين دفع إليه: اعمل فيه برأيك؛ لأن ~~الأخذ منه معاملة عقد على منافع نفسه، ومنافع نفس المضارب لا تدخل تحت عقد ~~المضاربة، فصار كما لو أجر نفسه للخدمة، ولا يعتبر ما شرط من الإنفاق؛ لأن ~~ذلك ليس بمعقود عليه، بل هو تابع للعمل، كالخيط في إجارة الخياط والصبغ في ~~الصباغة. # وكذا لا يعتبر قوله: اعمل برأيك لما ذكرنا أن ذلك يفيد تفويض الرأي إليه ~~في المضاربة، والمضاربة تصرف في المال، وهذا عقد على منافع نفسه، ومنافع ~~نفس المضارب لا يجوز أن يستحق بدلها رب المال ولو أخذ أرضا مزارعة على أن ~~يزرعها، فما خرج من ذلك كان نصفين، فاشترى طعاما ببعض المزارعة فزرعه، قال ~~محمد: هذا يجوز إن قال له: اعمل برأيك وإن لم يكن قال له: اعمل برأيك لم ~~يجز؛ لأنه يوجب حقا لرب الأرض في مال رب المال، فيصير كأنه شاركه بمال ~~المضاربة وإنه لا يملك الإشراك بإطلاق العقد ما لم يقل: اعمل برأيك فإذا ~~قال: ملك كذا هذا. # وقال الحسن بن زياد: إن الأرض والبذر والبقر إذا كان من قبل رب الأرض، ~~والعمل على المضارب، لم يكن ذلك على المضاربة بل يكون للمضارب خاصة، لما ~~ذكرنا أنه عقد على منافع نفسه، فكان له بدل منافع نفسه، فلا يستحقه رب ~~المال، وكذلك إذا شرط البقر على المضارب؛ لأن العقد وقع على منفعته، وإنما ~~البقر آلة العمل، والآلة تبع ما لم يقع عليها العقد ولو دفع المضارب أيضا ~~بغير بذر مزارعة جازت، سواء قال: اعمل برأيك أو لم يقل؛ لأنه لم يوجب شركة ~~في مال رب المال، إنما أجر أرضه، والإجارة داخلة تحت عقد المضاربة والله عز ~~وجل أعلم. # (وأما) القسم الذي للمضارب أن يعمله إذا قيل له: اعمل برأيك وإن لم ينص ~~عليه، فالمضاربة والشركة والخلط، فله أن يدفع مال المضاربة مضاربة إلى ~~غيره، وأن يشارك غيره في مال المضاربة شركة عنان، وأن يخلط مال المضاربة ~~بمال نفسه، ms3524 إذا قال له رب المال: اعمل برأيك وليس له أن يعمل شيئا من ذلك، ~~إذا لم يقل له ذلك أما المضاربة فلأن المضاربة مثل المضاربة # PageV06P095 # والشيء لا يستتبع مثله، فلا يستفاد بمطلق عقد المضاربة مثله، ولهذا لا ~~يملك الوكيل التوكيل بمطلق العقد كذا هذا. # (وأما) الشركة فهي أولى أن لا يملكها العقد؛ لأنها أعم من المضاربة، ~~والشيء لا يستتبع مثله، فما فوقه أولى. # (وأما) الخلط فلأنه يوجب في مال رب المال حقا لغيره، فلا يجوز إلا بإذنه، ~~وإن لم يقل له ذلك، فدفع المضارب مال المضاربة مضاربة إلى غيره فنقول: لا ~~يخلو من وجوه، إما أن كانت المضاربتان صحيحتين، وإما أن كانتا فاسدتين، ~~وإما أن كانت إحداهما صحيحة، والأخرى فاسدة فإن كانتا صحيحتين فإن المال لا ~~يكون مضمونا على المضارب الأول بمجرد الدفع إلى الثاني، حتى لو هلك المال ~~في يد الثاني قبل أن يعمل يهلك أمانة وهذا قول أصحابنا الثلاثة. # وقال زفر: يصير مضمونا بنفس الدفع، عمل الثاني أو لم يعمل، وإذا هلك قبل ~~العمل يضمن، وهو رواية عن أبي يوسف أيضا. # (وجه) قول زفر أن رب المال إذا لم يقل للمضارب: اعمل برأيك لم يملك دفع ~~المال مضاربة إلى غيره، فإذا دفع صار بالدفع مخالفا، فصار ضامنا كالمودع ~~إذا أودع. # (ولنا) أن مجرد الدفع إيداع منه، وهو يملك إيداع مال المضاربة، فلا يضمن ~~بالدفع وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله -: أنه لا ضمان على الأول حتى ~~يعمل الثاني ويربح، فإذا عمل به وربح كان ضامنا حين ربح، وإن عمل في المال ~~فلم يربح حتى ضاع من يده، فلا ضمان عليه وروى محمد عن أبي يوسف أنه لا ضمان ~~عليه حتى يعمل به الثاني، فإذا عمل ضمن، ربح الثاني أو لم يربح وهكذا روى ~~ابن سماعة والفضل بن غانم، عن أبي يوسف، وهو قول محمد - رحمه الله - وذكر ~~القاضي في شرحه مختصر الطحاوي: أن هذا ظاهر الرواية عن أبي حنيفة. # (وجه) قولهما أنه لما عمل فقد تصرف في ms3525 المال بغير إذن المالك، فيتعين به ~~الضمان سواء ربح أو لم يربح ولأبي حنيفة: لا سبيل إلى التضمين بالدفع؛ لأنه ~~إيداع وإبضاع، ولا بالعمل؛ لأنه ما لم يربح فهو في حكم المبضع، والمبضع لا ~~يضمن بالعمل، ولا يجوز أن يضمن بالشرط؛ لأنه مجرد قول، ومجرد القول في ملك ~~الغير، لا يتعلق به ضمان؛ لكنه إذا ربح فقد ثبت له شركة في المال بإثبات ~~المضارب الأول، فصار الأول مخالفا فيضمن، كما لو خلط مال المضاربة بغيره، ~~أو شارك به، وإذا وجب الضمان بالعمل والربح أو بنفس العمل على اختلافهم في ~~ذلك، فرب المال بالخيار إن شاء ضمن الأول، وإن شاء ضمن الثاني. # أما على أصل أبي يوسف ومحمد في المودع إذا أودع، فظاهر لوجود سبب وجوب ~~الضمان من كل واحد منهما؛ لأن الأول تعدى بالدفع، والثاني تعدى بالقبض، ~~فصار عندهما كالمودع إذا أودع. # وأما على أصل أبي حنيفة في مسألة الوديعة فيحتاج إلى الفرق؛ لأن الضمان ~~عنده على المودع الأول، لا على الثاني، وفي مسألة المضاربة أثبت له خيار ~~تضمين الثاني، لأن المضارب الثاني يعمل في المال لمنفعة نفسه، وهي الربح، ~~فكان عاملا لنفسه، فجاز أن يضمن والمودع الثاني لم يقبض لمنفعة نفسه، بل ~~لمنفعة الأول؛ لحفظ الوديعة فلم يضمن، فإن ضمن المضارب الأول لا يرجع بما ~~ضمن على الثاني، وصحت المضاربة بين الأول والثاني، والربح على ما شرطا؛ ~~لأنه لما تقرر الضمان على الأول، فقد ملك المضمون، وصار كأنه دفع مال نفسه ~~مضاربة إلى الثاني، فكان الربح على ما شرطا؛ لأن الشرط قد صح. # وإن ضمن الثاني رجع بما ضمن على الأول، وصار حاصل الضمان على الأول؛ لأن ~~الأول غره بالعقد، فصار مغرورا من جهته، فكان له أن يرجع عليه بما ضمن، ~~كمودع الغاصب، وهو ضمان كفالة في الحقيقة؛ لأن الأول التزم له سلامة ~~المقبوض عن الضمان، ولم يسلم له، بخلاف الرهن، وهو ما إذا غصب رجل شيئا ~~فرهنه فهلك في يد المرتهن، فاختار المالك تضمين المرتهن أنه يرجع على ms3526 ~~الراهن بما ضمن، ولا يصح عقد الرهن. # (ووجه) الفرق أن قبض المرهون شرط صحة الرهن، ولما ضمن المرتهن تبين أن ~~قبضه لم يصح، فتبين أن الرهن لم يصح، إذ لا صحة له بدون القبض، فأما في ~~المضاربة فيضمن الثاني إبطال القبض بعد وجوده؛ لأن المضاربة عقد جائز فكان ~~لبقائه حكم الابتداء، كأنه ابتدأ العقد بعد أداء الضمان، فكان التضمين ~~إبطال القبض بعد وجوده، وذلك لا يبطل المضاربة ألا ترى أن المضارب لو باع ~~المال من رب المال لا تبطل المضاربة وإن بطل قبضه ولو رد المرتهن الرهن على ~~الراهن يبطل الرهن لذلك افترقا وذكر ابن سماعة عن محمد أنه يطيب الربح ~~للأسفل، ولا يطيب للأعلى على قياس قول أبي حنيفة عليه الرحمة؛ لأن استحقاق ~~الأسفل بعمله، ولا خطر في عمله، فيطيب له الربح، فأما الأعلى # PageV06P096 # فإنما يستحق الربح برأس المال، والملك في رأس المال إنما حصل له بالضمان، ~~فلا يخلو عن نوع خبث، فلا يطيب له وإن كانتا فاسدتين فلا ضمان على واحد ~~منهما؛ لأن الأول أجير في مال المضاربة، والثاني أجير الأول، فصار كمن ~~استأجر رجلا يعمل في ماله، فاستأجر الأجير رجلا، وإن كانت إحداهما صحيحة ~~والأخرى فاسدة، فإن كانت الأولى صحيحة والأخرى فاسدة فكذلك لا ضمان على ~~واحد منهما وإن عمل المضارب الثاني في المال؛ لأن المضارب الثاني أجير ~~الأول، والأجير لا يستحق شيئا من الربح، فلم يثبت له شركة في رأس المال، ~~فلا يجب الضمان على الأول ولا على الثاني؛ لأنه لا ضمان على الأجير، وله ~~أجر مثل عمله على المضارب الأول، فلا يجب الضمان على الأول ولا على الثاني؛ ~~لأنه لا ضمان على الأجير، وله أجر مثل عمله على المضارب الأول، وللمضارب ~~الأول ما شرط له من الربح لوقوع المضاربة صحيحة. # وإن كانت الأولى فاسدة والثانية صحيحة فكذلك؛ لأن الأول أجير في مال ~~المضاربة، فلا حق له في الربح، فلم ينفذ شرطه فيه، فلا يلزمه الضمان إذ ~~الضمان إنما يجب بإثبات الشركة، ويكون الربح كله لرب ms3527 المال؛ لأنه ربح حصل ~~في مضاربة فاسدة، وللمضارب الأول أجر مثله؛ لأن عمل الثاني وقع له، فكأنه ~~عمل بنفسه وللثاني على الأول مثل ما شرط له من الربح؛ لأنه عمل مضاربة ~~صحيحة، وقد سمى له أشياء، فهو مستحق للغير فيضمن هذا، إذا لم يقل له رب ~~المال: اعمل برأيك فأما إذا قال له: اعمل برأيك فله أن يدفع مال المضاربة ~~مضاربة إلى غيره؛ لأنه فوض الرأي إليه، وقد رأى أن يدفعه مضاربة، فكان له ~~ذلك، ثم إذا عمل الثاني وربح، كيف يقسم الربح؟ فنقول: جملة الكلام فيه أن ~~رب المال لا يخلو أما إن كان أطلق الربح في عقد المضاربة، ولم يضفه إلى ~~المضارب، بأن قال: على أن ما رزق الله تعالى من الربح فهو بيننا نصفان، أو ~~قال: ما أطعم الله تعالى من ربح فهو بيننا نصفان وإما أن أضافه إلى ~~المضارب، بأن قال: على أن ما رزقك الله تعالى من الربح، أو ما أطعمك الله ~~عز وجل من ربح أو: على أن ما ربحت من شيء، أو ما أصبت من ربح، فإن أطلق ~~الربح ولم يضفه إلى المضارب، ثم دفع المضارب الأول المال إلى غيره مضاربة ~~بالثلث فربح الثاني، فثلث جميع الربح للثاني؛ لأن شرط الأول للثاني قد صح؛ ~~لأنه يملك نصف الربح، فكان ثلث جميع الربح بعض ما يستحقه الأول، فجاز شرطه ~~للثاني، فكان ثلث جميع الربح للثاني، ونصفه لرب المال؛ لأن الأول لا يملك ~~من نصيب رب المال شيئا، فانصرف شرطه إلى نصيبه لا إلى نصيب رب المال، فبقي ~~نصيب رب المال على حاله، وهو النصف، وسدس الربح للمضارب الأول؛ لأنه لم ~~يجعله للثاني فبقي له بالعقد الأول، ويطيب له ذلك؛ لأن عمل المضارب الثاني ~~وقع له، فكأنه عمل بنفسه، كمن استأجر إنسانا على خياطة ثوب بدرهم، فاستأجر ~~الأجير من خاطه بنصف درهم، طاب له الفضل؛ لأن عمل أجيره وقع له، فكأنه عمل ~~بنفسه، كذا هذا. # ولو دفع إلى الثاني مضاربة بالنصف، فنصف الربح للثاني، ونصفه ms3528 لرب المال، ~~ولا شيء للمضارب الأول؛ لأنه جعل جميع ما يستحقه وهو نصف الربح للثاني، وصح ~~جعله؛ لأنه مالك للنصف، والنصف لرب المال بالعقد الأول، وصار كمن استأجر ~~رجلا على خياطة ثوب بدرهم فاستأجر الأجير من خاطه بدرهم. # ولو دفعه إليه مضاربة بالثلثين، فنصف الربح لرب المال، ونصفه للمضارب ~~الثاني، ويرجع الثاني على الأول بمثل سدس الربح الذي شرطه له؛ لأن شرط ~~الزيادة إن لم ينفذ في حق رب المال لما لم يرض لنفسه بأقل من نصف الربح، ~~فقد صح فيما بين الأول والثاني؛ لأن الأول غر الثاني بتسمية الزيادة، ~~والغرور في العقود من أسباب وجوب الضمان، وهو في الحقيقة ضمان الكفالة، وهو ~~أن الأول صار ملتزما سلامة هذا القدر للثاني، ولم يسلم له فيغرم للثاني مثل ~~سدس الربح، ولا يصير بذلك مخالفا؛ لأن شرطه لم ينفذ في حق رب المال، فالتحق ~~بالعدم في حقه، فلا يضمن وصار كمن استأجر رجلا لخياطة ثوب بدرهم، فاستأجر ~~الأجير من يخيطه بدرهم ونصف إنه يضمن زيادة الأجرة كذا هذا. # ولو أضافه إلى المضارب فدفعه الأول مضاربة إلى غيره بالثلث، أو بالنصف، ~~أو بالثلثين، فجميع ما شرط للثاني من الربح يسلم له، وما شرط للمضارب الأول ~~من الربح يكون بينه وبين رب المال نصفين، بخلاف الفصل الأول. # (ووجه) الفرق أن هنا شرط رب المال لنفسه نصف ما رزق الله تعالى للمضارب، ~~أو نصف ما ربح المضارب، فإذا دفع إلى الثاني مضاربة بالثلث كان الذي رزق ~~الله عز وجل المضارب الأول الثلثين، فكان الثلث للثاني والثلثان بين رب ~~المال وبين المضارب الأول نصفين، لكل واحد منهما الثلث # PageV06P097 # وإذا دفع مضاربة بالنصف كان ما رزقه الله تعالى للمضارب الأول النصف، ~~فكان النصف للثاني والنصف بينهما نصفين، وإذا دفعه مضاربة بالثلثين كان ~~الذي رزقه الله تعالى والثلثان للثاني، والثلث بينهما، لكل واحد منهما ~~السدس وفي الفصل الأول رب المال إنما شرط لنفسه نصف جميع ما رزق الله تعالى ~~ونصف جميع الربح، وذلك ينصرف إلى كل الربح. # وكذا ms3529 له أن يخلط مال المضاربة بمال نفسه؛ لأنه فوض الرأي إليه، وقد رأى ~~الخلط وإذا ربح قسم الربح على المالين، فربح ماله يكون له خاصة، وربح مال ~~المضاربة يكون بينهما على الشرط، وكذا له أن يشارك غيره شركة عنان لما ~~قلنا، ويقسم الربح بينهما على الشرط؛ لأن الشرط قد صح وإذا قسم الربح ~~بينهما يكون مال المضاربة مع حصة المضارب من الربح، فيستوفي منها رب المال ~~رأس ماله، وما فضل يكون بينهما على الشرط. # (وأما) القسم الذي ليس للمضارب أن يعمله أصلا ورأسا، فشراء ما لا يملك ~~بالقبض وما لا يجوز بيعه فيه إذا قبضه. # (أما) الأول فنحو شراء الميتة والدم والخمر والخنزير وأم الولد والمكاتب ~~والمدبر؛ لأن المضاربة تتضمن الإذن بالتصرف الذي يحصل به الربح، والربح لا ~~يحصل إلا بالشراء والبيع، فما لا يملك بالشراء لا يحصل فيه الربح، وما يملك ~~بالشراء لكن لا يقدر على بيعه، لا يحصل فيه الربح أيضا، فلا يدخل تحت ~~الإذن، فإن اشترى شيئا من ذلك كان مشتريا لنفسه لا للمضاربة، فإن دفع فيه ~~شيئا من مال المضاربة يضمن، وإن اشترى ثوبا أو عبدا، أو عرضا من العروض ~~بشيء مما ذكرنا سوى الميتة والدم، فالشراء على المضاربة؛ لأن المبيع هنا ~~مما يملك بالقبض ويجوز بيعه، فكان هذا شراء فاسدا والإذن بالشراء المستفاد ~~بعقد المضاربة يتناول الصحيح والفاسد. # (وأما) إذا كان الثمن ميتة أو دما، فما اشترى به لا يكون على المضاربة؛ ~~لأن الميتة والدم لا تملك بالقبض أصلا. # (وأما) الثاني فنحو أن يشتري ذا رحم محرم من رب المال، فلا يكون المشترى ~~للمضاربة، بل يكون مشتريا لنفسه؛ لأنه لو وقع شراؤه للمضاربة لعتق على رب ~~المال، فلا يقدر على بيعه بعد ذلك ولا يحصل المقصود من الإذن، فلا يدخل تحت ~~الإذن، ولو اشترى ذا رحم محرم من نفسه، فإن لم يكن في المال ربح فالشراء ~~على المضاربة؛ لأنه لا ملك له فيه فيقدر على بيعه فيحصل المقصود، وإن كان ~~في المال ربح لم يكن ms3530 الشراء على المضاربة؛ لأنه إذا كان في المضاربة ربح ~~يملك قدر نصيبه من الربح فيعتق ذلك القدر عليه، فلا يقدر على بيعه ولا على ~~بيع الباقي لأنه معتق البعض، وما لا يقدر على بيعه لا يكون للمضاربة لما ~~قلنا. # (وأما) المضاربة المقيدة فحكمها حكم المضاربة المطلقة في جميع ما وصفنا، ~~لا تفارقها إلا في قدر القيد والأصل فيه أن القيد إن كان مفيدا يثبت؛ لأن ~~الأصل في الشروط اعتبارها ما أمكن، وإذا كان القيد مفيدا كان يمكن الاعتبار ~~فيعتبر؛ لقول النبي عليه أفضل الصلاة والسلام «المسلمون عند شروطهم» فيتقيد ~~بالمذكور ويبقى مطلقا فيما وراءه على الأصل المعهود في المطلق إذا قيد ببعض ~~المذكور، إنه يبقى مطلقا فيما وراءه، كالعام إذا خص منه بعضه، إنه يبقى ~~عاما فيما وراءه، وإن لم يكن مفيدا لا يثبت بل يبقى مطلقا؛ لأن ما لا فائدة ~~فيه يلغو ويلحق بالعدم. # إذا عرفنا هذا فنقول: إذا دفع رجل إلى رجل مالا مضاربة على أن يعمل به في ~~الكوفة فليس له أن يعمل في غير الكوفة؛ لأن قوله على أن من ألفاظ الشرط ~~وأنه شرط مفيد؛ لأن الأماكن تختلف بالرخص والغلاء، وكذا في السفر خطر ~~فيعتبر، وحقيقة الفقه في ذلك أن الإذن كان عدما وإنما يحدث بالعقد، فيبقى ~~فيما وراء ما تناوله العقد على أصل العدم، وكذا لا يعطيها بضاعة لمن يخرج ~~بها من الكوفة؛ لأنه إذا لم يملك الإخراج بنفسه، فلأن لا يملك الأمر بذلك ~~أولى، وإن أخرجها من الكوفة فإن اشترى بها وباع ضمن؛ لأنه تصرف لا على ~~الوجه المأذون فصار فيه مخالفا فيضمن، وكان المشترى لنفسه، له ربحه وعليه ~~وضيعته، لكن لا يطيب له الربح عند أبي حنيفة، ومحمد. # وعند أبي يوسف يطيب وإن لم يشتر بها شيئا، حتى ردها إلى الكوفة برئ من ~~الضمان، ورجع المال مضاربة على حاله؛ لأنه عاد إلى الوفاق قبل تقرر الخلاف، ~~فيبرأ عن الضمان، كالمودع إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق. # ولو لم يرده حتى هلك قبل التصرف ms3531 لا ضمان عليه؛ لأنه لما لم يتصرف لم ~~يتقرر الخلاف، فلا يضمن. # ولو اشترى ببعضه ورد بعضه فما اشتراه فهو له وما رد رجع على المضاربة؛ ~~لأنه تقرر الخلاف في القدر المشترى، وزال عن القدر المردود ولو دفع إليه ~~على أن يعمل في سوق الكوفة فعمل في الكوفة في غير # PageV06P098 # سوقها فهو جائز على المضاربة استحسانا، والقياس أن لا يجوز. # (وجه) القياس أنه شرط عليه العمل في مكان معين، فلا يجوز في غيره، كما لو ~~شرط ذلك في بلد معين. # (وجه) الاستحسان أن التقييد بسوق الكوفة غير مفيد؛ لأن البلد الواحد ~~بمنزلة بقعة واحدة، فلا فائدة في التعليق بهذا الشرط فيلغو الشرط ولو قال ~~له: اعمل به في سوق الكوفة، أو: لا تعمل به إلا في سوق الكوفة فعمل في غير ~~سوق الكوفة يضمن؛ لأن قوله: لا تعمل إلا في سوق الكوفة حجر له، فلا يجوز ~~تصرفه بعد الحجر وفي الفصل الأول ما حجر عليه، بل شرط عليه أن يكون عمله في ~~السوق، والشرط غير مفيد فلغا ولو قال له: خذ هذا المال تعمل به في الكوفة ~~لم يجز له العمل في غيرها؛ لأن. # في كلمة ظرف فقد جعل الكوفة ظرفا للتصرف الذي أذن له فيه، فلو جاز في ~~غيرها لم تكن الكوفة ظرفا لتصرفه، وكذلك إذا قال له: فاعمل به في الكوفة ~~لما قلنا، ولأن الفاء من حروف التعليق، فتوجب تعلق ما قبلها بما بعدها، ~~وإنما يتعلق إذا لم يجز التصرف في غيرها، وكذلك إذا قال خذ هذا المال ~~بالتصرف بالكوفة؛ لأن الباء حرف إلصاق فتقتضي التصاق الصفة بالموصوف، وهذا ~~يمنع جواز التصرف في غيرها ولو قال: خذ هذا المال مضاربة، واعمل به في ~~الكوفة فله أن يعمله بالكوفة، وحيث ما بدا له، لأن قوله: خذ هذا المال ~~مضاربة، إذن له في التصرف مطلقا وقوله: واعمل به في الكوفة إذن له بالعمل ~~في الكوفة، فكان له أن يعمل في أي موضع شاء، كمن قال لغيره: أعتق عبدا من ~~عبيدي ms3532 ثم قال له: أعتق عبدي سالما إن له أن يعتق أي عبد شاء، ولا يتقيد ~~التوكيل بإعتاق سالم، كذا هذا إذ المضاربة توكيل بالشراء والبيع ولو قال: ~~خذ هذا المال مضاربة إلى سنة جازت المضاربة عندنا. # وقال الشافعي - رحمه الله -: المضاربة فاسدة. # (وجه) قوله أنه إذا وقت للمضاربة وقتا، فيحتمل أنه لا يجوز كونها في ~~الوقت، فلا يفيد العقد فائدة. # (ولنا) أن المضاربة توكيل، والتوكيل يحتمل التخصيص بوقت دون وقت وذكر ~~الطحاوي وقال: لم يجز عند أصحابنا توقيت المضاربة وقياس قولهم في الوكالة، ~~أنها لا تختص بالوقت؛ لأنهم قالوا: لو وكل رجلا ببيع عبده اليوم، فباعه غدا ~~جاز، كالوكالة المطلقة وما قاله ليس بسديد؛ لأنهم قالوا في الوكيل: إذا قيل ~~له: بعه اليوم، ولا تبعه غدا جاز ذلك، ولم يكن له أن يبيعه غدا. # وكذا إذا قيل له: على أن تبيعه اليوم دون غد ولو قال: خذ هذا المال ~~مضاربة بالنصف، على أن تشتري به الطعام أو قال: فاشتر به الطعام أو قال ~~تشتري به الطعام أو قال خذ هذا المال مضاربة بالنصف في الطعام فذلك كله ~~سواء، وليس له أن يشتري سوى الطعام بالإجماع لما ذكرنا، على أن إن للشرط ~~والأصل في الشرط المذكور في الكلام اعتباره، والفاء لتعليق ما قبلها بما ~~بعدها، وقوله: يشتري به الطعام تفسير التصرف المأذون به وقوله في الطعام ~~ففي كلمة ظرف، فإذا دخلت على ما لا يصلح ظرفا تصير بمعنى الشرط، وكل ذلك ~~يقتضي التقييد بالشرط المذكور، وأنه شرط مفيد؛ لأن بعض أنواع التجارة يكون ~~أقرب إلى المقصود من بعض. # وكذا الناس مختلفون في ذلك، فقد يهتدي الإنسان إلى بعض التجارة دون بعض، ~~فكان الشرط مفيدا فيتقيد به، ولا يملك أن يشتري غير الطعام، والطعام هو ~~الحنطة ودقيقها، إذ لا يراد به كل ما يتطعم، بل البعض دون البعض، والأمر ~~يختلف باختلاف عادة البلدان، فاسم الطعام في عرفهم لا ينطلق إلا على الحنطة ~~ودقيقها، وكذلك لو ذكر جنسا آخر بأن قال له: خذ ms3533 هذا المال مضاربة بالنصف، ~~على أن تشتري به الدقيق أو الخبز أو البر أو غير ذلك، ليس له أن يعمل من ~~غير ذلك الجنس بلا خلاف، لكن له أن يشتري ذلك الجنس في المصر وغيره، وأن ~~يبضع فيه، وأن يعمل فيه جميع ما يعمله المضارب في المضاربة المطلقة، لما ~~ذكرنا أن اللفظ المطلق إذا قيد ببعض الأشياء يبقى على إطلاقه فيما وراءه. # وقال ابن سماعة: سمعت محمدا قال في رجل دفع إلى رجل مالا مضاربة، فقال ~~له: إن اشتريت به الحنطة فلك من الربح النصف ولي النصف، وإن اشتريت به ~~الدقيق فلك الثلث ولي الثلثان فقال: هذا جائز، وله أن يشتري أي ذلك شاء على ~~ما سمى له رب المال؛ لأنه خيره بين عملين مختلفين، فيجوز كما لو خير الخياط ~~بين الخياطة الرومية والفارسية. # ولو دفع إليه على أنه إن عمل في المصر فله ثلث الربح، وإن سافر فله النصف ~~جاز، والربح بينهما على ما شرطا، إن عمل في المصر فله الثلث، وإن سافر فله ~~النصف، ولو اشترى في المصر وباع في السفر، أو اشترى في السفر وباع في المصر ~~فقد روي عن محمد أنه قال: المضاربة في هذا على الشراء، فإن اشترى في المصر ~~فما ربح في ذلك المتاع، فهو على ما شرط في المصر. # سواء # PageV06P099 # باعه في المصر أو في غيره؛ لأن المضارب إنما يستحق الربح بالعمل، والعمل ~~يحصل بالشراء، فإذا اشترى في المصر تعين أحد العملين، فلا يتغير بالسفر، ~~وإن عمل ببعض المال في السفر وبالبعض في الحضر، فربح كل واحد من المالين ~~على ما شرط ولو قال له على أن تشتري من فلان وتبيع منه، جاز عندنا وهو على ~~فلان خاصة ليس له أن يشتري ويبيع من غيره. # وقال الشافعي - رحمه الله -: المضاربة فاسدة؛ لأن في تعيين الشخص تضييق ~~طريق الوصول إلى المقصود من التصرف وهو الربح، وتغيير مقتضى العقد؛ لأن ~~مقتضى العقد التصرف مع من شاء. # (ولنا) أن هذا شرط مفيد لاختلاف الناس في الثقة ms3534 والأمانة؛ لأن الشراء من ~~بعض الناس قد يكون أربح لكونه أسهل في البيع، وقد يكون أوثق على المال فكان ~~التقييد مفيدا، كالتقييد بنوع دون نوع وقوله: التعيين يغير مقتضى العقد ~~قلنا: ليس كذلك، بل هو مباشرة العقد مفيدا من الابتداء، وإنه قيد مفيد، ~~فوجب اعتباره ولو قال: على أن تشتري بها من أهل الكوفة وتبيع فاشترى وباع ~~من رجال بالكوفة من غير أهلها، فهو جائز؛ لأن هذا الشرط لا يفيد إلا ترك ~~السفر، كأنه قال: على أن تشتري ممن بالكوفة. # وكذلك إذا دفع إليه مالا مضاربة في الصرف، على أن يشتري من الصيارفة ~~ويبيع، كان له أن يشتري من غير الصيارفة ما بدا له من الصرف؛ لأن التقييد ~~بالصيارفة لا يفيد إلا تخصيص البلد، أو النوع فإذا حصل ذلك من صيرفي أو ~~غيره، فهو سواء ولو دفع إليه مالا مضاربة، ثم قال له بعد ذلك: اشتر به البز ~~وبع فله أن يشتري البز وغيره؛ لأنه أذن بالشراء مطلقا، ثم أمره بشراء البز، ~~فكان له أن يشتري ما شاء وهذا كقوله: خذ هذا المال مضاربة، واعمل به ~~بالكوفة إلا أن هناك القيد مقارن، وههنا متراخ، وقد ذكرناه. # وذكر القدوري - رحمه الله -: أن هذا محمول على أنه نهاه بعد الشراء، ~~والحكم في التقييد الطارئ على مطلق العقد أنه إن كان ذلك قبل الشراء يعمل، ~~وإن كان بعد ما اشترى به لا يعمل، إلى أن يبيعه بمال عين، فيعمل التقييد ~~عند ذلك حتى لا يجوز أن يشتري إلا ما قال ولو دفع إليه مالا مضاربة على أن ~~يبيع ويشتري بالنقد، فليس له أن يشتري ويبيع إلا بالنقد؛ لأن هذا التقييد ~~مفيد فيتقيد بالمذكور ولو قال له: بع بنسيئة، ولا تبع بالنقد فباع بالنقد ~~جاز؛ لأن النقد أنفع من النسيئة، فلم يكن التقييد بها مفيدا فلا يثبت ~~القيد، وصار كما لو قال للوكيل: بع بعشرة فباع بأكثر منها جاز هذا. # (وأما) الذي يرجع إلى عمل رب المال مما له أن يعمله، وما ليس له ms3535 أن يعمله ~~فقد قال أصحابنا: إذا باع رب المال مال المضاربة بمثل قيمته أو أكثر جاز ~~بيعه، وإذا باع بأقل من قيمته لم يجز، إلا أن يجيزه المضارب، سواء باع بأقل ~~من قيمته مما لا يتغابن الناس فيه، أو مما يتغابن الناس فيه؛ لأن جواز بيع ~~رب المال من طريق الإعانة للمضارب، وليس من الإعانة إدخال النقص عليه، بل ~~هو استهلاك فلا يتحمل قل أو كثر. # وعلى هذا لو كان المضارب اثنين، فباع أحدهما بإذن رب المال لم يجز أن ~~يبيعه، إلا بمثل القيمة، أو أكثر إلا أن يجيزه المضارب الآخر؛ لأن أحد ~~المضاربين لا ينفرد بالتصرف بنفس العقد، بل بإذن رب المال، وهو لا يملك ~~التصرف بنفسه إذا كان فيه غبن فلا يملك الأمر به، وإذا اشترى المضارب بمال ~~المضاربة متاعا وفيه فضل، أو لا فضل فيه، فأراد رب المال بيع ذلك فأبى ~~المضارب، وأراد إمساكه حتى يجد ربحا، فإن المضارب يجبر على بيعه، إلا أن ~~يشاء أن يدفعه إلى رب المال؛ لأن منع المالك عن تنفيذ إرادته في ملكه لحق ~~يحتمل الثبوت والعدم، وهو الربح لا سبيل إليه، ولكن يقال له: إن أردت ~~الإمساك فرد عليه ماله وإن كان فيه ربح يقال له: ادفع إليه رأس المال، ~~وحصته من الربح، ويسلم المتاع إليك. # ولو أخذ رجل مالا ليعمل لأجل ابنه مضاربة، فإن كان الابن صغيرا لا يعقل ~~البيع، فالمضاربة للأب، ولا شيء للابن من الربح؛ لأن الربح في باب المضاربة ~~يستحق بالمال أو بالعمل، وليس للابن واحد منهما، فإن كان الابن يقدر على ~~العمل فالمضاربة للابن والربح له إن عمل، فإن عمل الأب بأمر الابن فهو ~~متطوع، وإن عمل بغير أمره صار بمنزلة الغاصب؛ لأنه ليس له أن يعمل فيه بغير ~~إذنه، فصار كالأجنبي. # وقد قالوا: في المضارب إذا اشترى جارية، فليس لرب المال أن يطأها، سواء ~~كان فيه ربح أو لم يكن أما إذا كان فيه ربح، فلا شك فيه؛ لأن للمضارب فيه ~~ملكا ولا يجوز وطء ms3536 الجارية المشتركة، وإن لم يكن فيها ربح، فللمضارب فيها ~~حق يشبه الملك، بدليل أن رب المال لا يملك منعه من التصرف. # ولو مات كان للمضارب أن يبيعها # PageV06P100 # فصارت كالجارية المشتركة. # ويجوز شراء رب المال من المضاربة، وشراء المضارب من رب المال، وإن لم يكن ~~في المضاربة ربح في قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر - رحمه الله -: لا يجوز ~~الشراء بينهما في مال المضاربة. # (وجه) قول زفر أن هذا بيع ماله بماله، وشراء ماله بماله إذ المالان جميعا ~~لرب المال، وهذا لا يجوز كالوكيل مع الموكل. # (ولنا) أن لرب المال في مال المضاربة ملك رقبة لا ملك تصرف، وملكه في حق ~~التصرف كملك الأجنبي، وللمضارب فيه ملك التصرف لا الرقبة، فكان في حق ملك ~~الرقبة كملك الأجنبي حتى لا يملك رب المال منعه عن التصرف، فكان مال ~~المضاربة في حق كل واحد منهما كمال الأجنبي، لذلك جاز الشراء بينهما ولو ~~اشترى المضارب دارا، ورب المال شفيعها بدار أخرى بجنبها، فله أن يأخذ ~~بالشفعة؛ لأن المشتري وإن كان له في الحقيقة لكنه في الحكم كأنه ليس له، ~~بدليل أنه لا يملك انتزاعه من يد المضارب، ولهذا جاز شراؤه من المضارب. # ولو باع المضارب دارا من المضاربة، ورب المال شفيعها فلا شفعة له، سواء ~~كان في الدار المبيعة ربح وقت البيع، أو لم يكن أما إذا لم يكن فيها ربح ~~فلأن المضارب وكيله بالبيع، والوكيل ببيع الدار إذا باع لا يكون للموكل ~~الأخذ بالشفعة وإن كان فيها ربح فأما حصة رب المال فكذلك هو وكيل بيعها. # وأما حصة المضارب فلأنا لو أوجبنا فيها الشفعة، لتفرقت الصفقة على ~~المشتري، ولأن الربح تابع لرأس المال، فإذا لم تجب الشفعة في المتبوع، لا ~~تجب في التابع. # ولو باع رب المال دارا لنفسه، والمضارب شفيعها بدار أخرى من المضاربة، ~~فإن كان في يده من مال المضاربة وفاء بثمن الدار، لم تجب الشفعة؛ لأنه لو ~~أخذ بالشفعة لوقع لرب المال والشفعة لا تجب لبائع الدار، وإن لم يكن في ms3537 يده ~~وفاء فإن لم يكن في الدار ربح، فلا شفعة؛ لأنه أخذها لرب المال وإن كان فيه ~~ربح، فللمضارب أن يأخذها لنفسه بالشفعة؛ لأن له نصيبا في ذلك، فجاز أن ~~يأخذها لنفسه ولو أن أجنبيا اشترى دارا إلى جانب دار المضاربة، فإن كان في ~~يد المضارب وفاء بالثمن، فله أن يأخذها بالشفعة للمضاربة، وإن سلم الشفعة ~~بطلت، وليس لرب المال أن يأخذها لنفسه؛ لأن الشفعة وجبت للمضاربة وملك ~~التصرف في المضاربة للمضارب، فإذا سلم جاز بتسليمه على نفسه وعلى رب المال ~~وإن لم يكن في يده وفاء. # فإن كان في الدار ربح فالشفعة للمضارب ولرب المال جميعا، فإن سلم أحدهما ~~فللآخر أن يأخذها جميعا لنفسه بالشفعة، كدار بين اثنين وجبت الشفعة لهما ~~وإن لم يكن في الدار ربح فالشفعة لرب المال خاصة؛ لأنه لا نصيب للمضارب ~~فيه. # قال أبو يوسف إذا استأجر الرجل أجيرا كل شهر بعشرة دراهم ليشتري له ~~ويبيع، ثم دفع المستأجر إلى الأجير دراهم مضاربة، فالمضاربة فاسدة، والربح ~~كله للدافع، ولا شيء للأجير سوى الأجرة. # وقال محمد: المضاربة جائزة ولا شيء للأجير، في الوقت الذي يكون مشغولا ~~بعمل المضاربة. # (وجه) قول محمد أنه لما دفع إليه المضاربة فقد اتفقا على ترك الإجارة ~~ونقضها، فما دام يعمل بالمضاربة فلا أجر له، ولأن الإجارة شركة، لهذا لا ~~تقبل التوقيت. # ولو شاركه بعد ما استأجره جازت الشركة، فكذا المضاربة ولأبي يوسف أنه لما ~~استأجره فقد ملك عمله، فإذا دفع إليه مضاربة فقد شرط للمضارب ربحا بعمل قد ~~ملكه رب المال، وهذا لا يجوز ولأن المضارب يعمل لنفسه، فلا يجوز أن يستوجب ~~الربح والأجر، ولا يجوز أن ينقض الإجارة بالمضاربة؛ لأن الإجارة أقوى من ~~المضاربة؛ لأنها لازمة، والمضاربة ليست بلازمة والشيء لا ينتقض بما هو أضعف ~~منه وما ذكر محمد أن المضاربة شركة. # فالجواب أن الشريك يستحق الربح بالمال، والمضارب بالعمل، ورب المال قد ~~ملك العمل، فلا يجوز أن يستحق المضارب الربح، ولأن الشريك يعمل لنفسه، ~~فكأنه امتنع من عمل الإجارة، ms3538 فيسقط عنه الأجرة بحصته، والمضارب يعمل لرب ~~المال فبقي عمله على الإجارة ولو اشترى المضارب بمال المضاربة وهو ألف، ~~عبدا قيمته ألف، فقتل عمدا، فلرب المال القصاص؛ لأن العبد ملكه على الخصوص ~~لا حق للمضارب فيه، وإن كانت قيمته ألفين، لم يكن فيه قصاص، وإن اجتمعا؛ ~~لأن ملك كل واحد منهما لم يتعين أما رب المال فلأن رأس المال ليس هو العبد، ~~وإنما هو الدراهم. # ولو أراد أن يعين رأس ماله في العبد، كان للمضارب أن يمنعه عن ذلك، حتى ~~يبيع ويدفع إليه من الثمن، وإذا لم يتعين ملك رب المال، لم يتعين ملك ~~المضارب قبل استيفاء رأس المال، وإذا لم يتعين ملكهما في العبد، لم يجب ~~القصاص لواحد منهما وإن اجتمعا، وتؤخذ قيمة العبد # PageV06P101 # من القاتل في ماله في ثلاث سنين؛ لأن القصاص سقط في القتل العمد لمانع مع ~~وجود السبب، فتجب الدية في ماله ويكون المأخوذ على المضاربة يشتري به ~~المضارب ويبيع؛ لأنه بدل مال المضاربة، فيكون على المضاربة كالثمن. # وذكر محمد في النوادر: إذا كان في يد المضارب عبدان، قيمة كل واحد منهما ~~ألف، فقتل رجل أحد العبدين عمدا، لم يكن لرب المال عليه قصاص؛ لأن ملك رب ~~المال لم يتعين في العبد المقتول على ما بينا، وعلى القاتل قيمته في ماله، ~~ويكون في المضاربة لما قلنا والأصل أن في كل موضع وجب بالقتل القصاص خرج ~~العبد عن المضاربة، وفي كل موضع وجب بالقتل مال فالمال على المضاربة؛ لأن ~~القصاص إذا استوفي فقد هلك مال المضاربة، وهلاك مال المضاربة يوجب بطلان ~~المضاربة، والقيمة بدل مال المضاربة، فكانت على المضاربة كالثمن. # وقال محمد: وإذا اشترى المضارب ببعض مال المضاربة عبدا يساوي ألفا، فقتله ~~رجل عمدا، فلا قصاص فيه، لا لرب المال، ولا للمضارب، ولا لهما إذا اجتمعا ~~أما رب المال فلأنه لو استوفى القصاص لا يصير مستوفيا لرأس المال بالقصاص؛ ~~لأن القصاص ليس بمال ولهذا لو عفا المريض عن القصاص كان من جميع المال، ~~وإذا لم يصر به ms3539 مستوفيا رأس ماله، يستوفي رأس المال من بقية المال، وإذا ~~استوفى تبين أن العبد كان ربحا، فتبين أنه انفرد باستيفاء القصاص عن عبد ~~مشترك. # (وأما) المضارب فلأنه لم يتعين له فيه ملك، ولا يجوز لهما الإجماع على ~~الاستيفاء لهذا المعنى، وهو أن حق كل واحد منهما غير متعين. # واختلف أصحابنا في القتل العمد إذا ادعي على عبد المضاربة، أنه هل يشترط ~~حضور الولي لسماع البينة؟ قال أبو حنيفة ومحمد - عليهما الرحمة: يشترط. # وقال أبو يوسف - رحمه الله -: لا يشترط. # (وجه) قوله أن العبد في باب القصاص مبقى على أصل الحرية، بدليل أنه لو ~~أقر به يجوز إقراره، وإن كذبه الولي فلا يقف سماع البينة عليه على حضور ~~المولى كالحر. # (ولهما) أن هذه البينة يتعلق بها استحقاق رقبة العبد، فلا تسمع مع غيبة ~~المولى كالبينة القائمة على استحقاق الملك، والبينة القائمة على جناية ~~الخطإ وقد قالوا جميعا: لو أقر العبد بقتل عمدا، فكذبه المولى والمضارب، ~~لزمه القصاص؛ لأن الإقرار بالقصاص مما لا يملكه المولى من عبده، وهو مما ~~يملك، فيملكه العبد كالطلاق، فإن كان الدم بين شريكين، وقد أقر به العبد ~~فعفا أحدهما، فلا شيء للآخر؛ لأن موجب الجناية انقلب مالا وإقرار العبد غير ~~مقبول في حق المال، فصار كأنه أقر بجناية الخطإ، فإن كان رب المال صدقه في ~~إقراره، وكذبه المضارب، قيل لرب المال: ادفع نصف نصيبك أو: افده وإن كان ~~المضارب صدقه، وكذبه رب المال، قيل للمضارب: ادفع نصيبك أو: افده وصار كأحد ~~الشريكين إذا أقر في العبد بجناية وكذبه الآخر. # (وأما) وجوب القصاص على عبد المضاربة، وإن لم يجب بقتله القصاص؛ لأن عدم ~~الوجوب بقتله لكون مستحق الدم غير متعين، فإذا كان هو القاتل، فالمستحق ~~للقصاص هو ولي القتيل، وإنه متعين، وتجوز المرابحة بين رب المال والمضارب، ~~وهو أن يشتري رب المال من مضاربه فيبيعه مرابحة، أو يشتري المضارب من رب ~~المال فيبيعه مرابحة لكن يبيعه على أقل الثمنين إلا إذا بين الأمر على ~~وجهه، فيبيعه كيف شاء ms3540 وإنما كان كذلك؛ لأن جواز شراء رب المال من المضارب، ~~والمضارب من رب المال ثبت معدولا به عن القياس لما ذكرنا أن رب المال اشترى ~~مال نفسه بمال نفسه، والمضارب يبيع مال رب المال من رب المال إذ المالان ~~ماله، والقياس يأبى ذلك، إلا أنا استحسنا الجواز؛ لتعلق حق المضارب بالمال ~~وهو ملك التصرف، فجعل ذلك بيعا في حقهما لا في حق غيرهما، بل جعل في حق ~~غيرهما ملحقا بالعدم، ولأن المرابحة بيع يجريه البائع من غير بينة ~~واستخلاف، فتجب صيانته عن الجناية، وعن شبه الجناية ما أمكن، وقد تمكنت ~~التهمة في البيع بينهما؛ لجواز أن رب المال باعه من المضارب بأكثر من قيمته ~~ورضي به المضارب؛ لأن الجود بمال الغير أمر سهل، فكان تهمة الجناية ثابتة، ~~والتهمة في هذا الباب ملحقة بالحقيقة، فلا يبيع مرابحة إلا على أقل الثمنين ~~بيان ذلك في مسائل: إذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة، فاشترى رب المال عبدا ~~بخمسمائة، فباعه من المضارب بألف، فإن المضارب يبيعه مرابحة على خمسمائة؛ ~~لأنها أقل الثمنين إلا إذا بين الأمر على وجهه، فيبيعه كيف شاء؛ لأن المانع ~~هو التهمة وقد زالت ولو اشترى المضارب عبدا بألف من المضاربة، فباعه من رب ~~المال بألف ومائتين، باعه رب المال مرابحة بألف ومائة، وإن كانت # PageV06P102 # المضاربة بالنصف؛ لأن الربح ينقسم بين رب المال والمضارب، ولا شبهة في ~~حصة المضارب؛ لأنه لا حق فيه لرب المال فصار كأن رب المال اشترى ذلك من ~~أجنبي، وتمكنت الشبهة في حصة رب المال؛ لأنه ماله بعينه فكأنه اشترى من ~~نفسه، فتسقط حصته من الربح إلا إذا بين الأمر على وجهه فيبيعه كيف شاء ولو ~~اشترى رب المال سلعة بألف درهم، تساوي ألفا وخمسمائة، فباعها من المضارب ~~بألف وخمسمائة، فإن المضارب يبيعها مرابحة بألف ومائتين وخمسين إلا إذا بين ~~الأمر على وجهه لما ذكرنا قال ابن سماعة في نوادره عن محمد: سمعت أبا يوسف ~~يقول في مسألة المضاربة - وهو آخر ما قال: إذا اشترى رب ms3541 المال عبدا بألف، ~~فباعه من المضارب بمائة، ورأس المال ألف في يد المضارب، فإن المضارب يبيعه ~~على مائة. # وكذا لو اشترى المضارب بألف فباعه من رب المال بمائة، باعه رب المال ~~بمائة يبيعه أبدا على أقل الثمنين؛ لأنه لا تهمة في الأقل، وإنما التهمة في ~~الزيادة فيثبت ما لا تهمة فيه، ويسقط ما فيه تهمة ولو اشتراه رب المال ~~بخمسمائة، فباعه من المضارب بألف ومائة، فإنه يبيعه مرابحة على خمسمائة ~~وخمسين؛ لأن المائة الزيادة على الألف ربح، فنصفها للمضارب، وما اشتراه ~~المضارب من رب المال لنفسه لا تهمة فيه، فيضم حصته من الربح إلى القدر الذي ~~اشترى رب المال به، ويسقط خمسمائة؛ لأنها نصيب رب المال، ويسقط خمسون؛ ~~لأنها حق رب المال من الربح فيبيعه مرابحة على خمسمائة وخمسين ولو اشتراه ~~المضارب بستمائة، باعه مرابحة بخمسمائة؛ لأنه لا فضل في ثمنه عن رأس المال، ~~فيسقط كل الربح ويباع على أقل الثمنين والأصل أن المضارب لا يحتسب شيئا من ~~حصة نفسه حتى يكون ما نقد أكثر من ألف، فيجب من حصته نصف ما زاد على الألف؛ ~~لأنه إذا لم يزد على ألف بأن اشترى بمثل رأس المال، أو بأقل منه وله في ~~المال ربح لم يتعين له في المشترى حق؛ لكونه مشغولا برأس المال، فلا يظهر ~~له الربح كله، كأنه اشترى ولا ربح في يده وعلى هذا القياس تجرى المسائل، ~~فمتى كان شراء المضارب بأقل الثمنين فإن كان للمضارب حصة ضمها إلى أقل ~~الثمنين، وإذا اشترى رب المال من المضارب، يبيعه على أقل الثمنين، ويضم ~~إليه حصة المضارب. # ولو كان رب المال اشتراه بخمسمائة، ثم باعه من المضارب بألفين فإن ~~المضارب يبيعه بألف خمسمائة رأس المال، وخمسمائة حصة المضارب من الألفين؛ ~~لأن نصيب رب المال من الثمن ألف وخمسمائة، فتسقط الزيادة فيها على رأس ~~المال، وهو ألف، ويبقى من نصيب رب المال خمسمائة، ونصيب المضارب خمسمائة، ~~ورب المال فيها كالأجنبي فيبيعه مرابحة على ألف ولو كان المضارب اشتراه ~~بألف، ثم باعه ms3542 من رب المال بألفين، باعه رب المال بألف وخمسمائة؛ لأن الألف ~~رأس مال رب المال، وخمسمائة نصيب المضارب، ورب المال فيها كالأجنبي، ~~وخمسمائة نصيب رب المال فيجب إسقاطها قال ابن سماعة، وروى عن أبي يوسف أنه ~~قال - وهو قوله الآخر: إن رب المال إذا اشترى عبدا بعشرة آلاف، ثم باعه من ~~المضارب بمائة، باعه المضارب مرابحة على مائة، وكذلك لو اشترى المضارب ~~بعشرة آلاف، فباعه من رب المال بمائة، باعه رب المال مرابحة على مائة؛ لأن ~~البيع على أقل الثمنين لا تهمة فيه، ولأنه اشتراه بأقل الثمنين، فلا يجوز ~~أن يزيد على الثمن الذي اشتراه فإن قيل: كيف يجوز للمضارب الحط على قول أبي ~~يوسف؟ فالجواب أنه إنما لا يجوز له حطه عند أبي يوسف ومحمد، لحق رب المال، ~~فإذا باعه من رب المال وحط، فقد رضي رب المال بذلك فجاز. # (وأما) على قول أبي يوسف الأول الذي أشار إليه ابن سماعة، فهو أن الحط لا ~~يجوز؛ لأنه قال: إذا كان رأس المال ألفا فربح فيه ألفا، ثم اشترى بألفين ~~جارية، ثم باعها من رب المال بألف وخمسمائة، فإن رب المال يبيعها مرابحة ~~على ألف وسبعمائة وخمسين؛ لأن المضارب حط من الثمن خمسمائة، نصفها من نصيبه ~~ونصفها من مال المضاربة وهو يملك الحط في حق نصيبه، ولا يملك ذلك في مال ~~المضاربة في قول أبي يوسف ومحمد، فلم يصح حط نصيب رب المال فلذلك باع ~~مرابحة على ألف وسبعمائة وخمسين، فينبغي على هذا القول إذا باع مرابحة أن ~~يقول: قام علي بكذا. # ولا يقول اشتريته بكذا؛ لأن الزيادة لحقت بالثمن حكما، والشراء ينصرف إلى ~~ما وقع العقد به. # والصحيح قوله الأخير لما ذكرنا أن عدم جواز الحط في مال المضاربة لحق رب ~~المال، فإذا اشترى هو فقد رضي بذلك، فكأنه أذن للمضارب أن يبيعه بنقصان ~~لأجنبي # PageV06P103 # وذكر محمد في كتاب المضاربة: لو اشترى رب المال عبدا بألف فباعه من ~~المضارب بألفين ألف رأس المال، وألف ربح، فإن المضارب يبيعه مرابحة ms3543 على ألف ~~وخمسمائة، يسقط من ذلك ربح رب المال، ويبيع على رأس المال، وربح المضارب ~~لما بينا ولو كان رب المال اشترى العبد بخمسمائة، والعبد يساوي ألفين فباعه ~~من المضارب بألفين، فإن المضارب يبيعه مرابحة على ألف؛ لأن رأس المال ~~خمسمائة ونصيب المضارب من المال خمسمائة، وما سوى ذلك ربح رب المال، فلا ~~يثبت حكمه على ما بينا فيما تقدم، إلا أن يبين الأمر على وجهه، فيبيعه كيف ~~شاء؛ لأن المانع من البيع بجميع الثمن التهمة، فإذا بين فقد زالت التهمة، ~~فيجوز البيع. # ولو اشتراه رب المال بألف، وقيمته ألف، فباعه من المضارب بألفين؛ ألف ~~مضاربة وألف ربح فإن المضارب يبيعه مرابحة على الألف؛ لأنه لما اشترى ما ~~قيمته ألف ذهب، ربحه، فلم يبق له في المال حصة، وصار كأنه مال رب المال ~~فباعه على رأس ماله. # ولو كان رب المال اشتراه بخمسمائة، والمسألة بحالها فإن المضارب يبيعه ~~مرابحة على خمسمائة؛ لأنه لم يبق للمضارب حصة، فصار شراء مال رب المال بعضه ~~ببعض، فيبيعه على رأس المال الأول. # ولو كان رب المال اشتراه بألفين وقيمته ألف، فباعه من المضارب بألفين، ~~فإن المضارب يبيعه بألف ولا يبيعه على أكثر من ذلك؛ لأن قيمته ألف، فليس ~~فيه ربح للمضارب يبيعه عليه، ولأن رب المال لما باعه بألفين ما يساوي ألفا، ~~وهما متهمان في حق الغير في العقد، فصار كأنه أخذ ألفا، لا على طريق البيع ~~وباعه العبد بألف، فلا يبيعه بأكثر من ذلك. # ولو كان العبد يساوي ألفا وخمسمائة، والمسألة بحالها وقد اشتراه بألف ~~وأراد المضارب أن يبيعه مرابحة، باعه مرابحة على ألف ومائتين وخمسين؛ لأن ~~في العبد ربحا للمضارب، ونصيبه من الربح هو مع رب المال فيه كالأجنبي، ~~فيبيعه على أقل الثمنين مع حصة المضارب من الربح وذكر محمد في الأصل: إذا ~~اشترى المضارب عبدا بألف درهم مضاربة، فباعه من رب المال بألفين، ثم إن رب ~~المال باعه من أجنبي مساومة بثلاثة آلاف درهم، ثم اشتراه المضارب من ~~الأجنبي بألفي درهم، ms3544 فأراد أن يبيعه مرابحة لم يجز له ذلك في قول أبي حنيفة ~~- رحمه الله - إلا أن يبين الأمر على وجهه وفي قول أبي يوسف ومحمد، يبيعه ~~مرابحة على ألفين. # وهذه فريعة مسألة أخرى مذكورة في البيوع، وهي ما إذا اشترى شيئا فربح فيه ~~ثم ملكه بشراء آخر، فأراد أن يبيعه مرابحة، فإن عند أبي حنيفة يسقط الربح، ~~ويعتبر ما مضى من العقود وفي مسألتنا قد ربح فيه رب المال ألفي درهم؛ لأن ~~المضارب لما اشتراه بألف وباعه من رب المال بألفين، فنصف ذلك الربح لرب ~~المال، وهو خمسمائة، فلما باعه رب المال بثلاثة آلاف، فقد ربح فيه ألفا ~~وخمسمائة؛ لأنه قام عليه بألف وخمسمائة مقدار رأس المال، ونصيب المضارب من ~~الربح إذا ضم إلى ذلك فقد ربح ألفين، فإذا اشتراه المضارب بألفين، وجب أن ~~يطرح الألفين من رأس المال فلا يبقى شيء ولهذا لم يجز البيع مرابحة إلا بعد ~~أن يبين وأما على قولهما فإنما يعتبر العقد الأخير خاصة فالربح في العقد ~~الأول لا يحط عن الثاني فيبيعه مرابحة على جميع الألفين. # ولو اشترى المضارب عبدا بألف، فباعه من رب المال بألف وخمسمائة، ثم باعه ~~رب المال من أجنبي بألف وستمائة، ثم إن المضارب اشتراه من الأجنبي بألفي ~~درهم، فأراد أن يبيعه مرابحة، باعه على ألف وأربعمائة على قول أبي حنيفة؛ ~~لأن رب المال قد ربح فيه ستمائة ألا ترى أن المضارب لما اشتراه بألف باعه ~~من رب المال بألف وخمسمائة، فنصيب رب المال من الربح مائتان وخمسون، وكان ~~رب المال اشترى بألف ومائتين وخمسين رأس المال، وحصة المضارب، فلما باعه ~~بألف وستمائة، فقد ربح ثلاثمائة وخمسين، وقد كان ربح مائتين وخمسين بربح ~~المضارب، فوجب أن يحط ذلك المضارب من الثمن، فيبقى ألف وأربعمائة. # ولو اشترى المضارب عبدا بألف، فولاه رب المال ثم إن رب المال باعه من ~~أجنبي بألف وخمسمائة، ثم إن المضارب اشتراه من الأجنبي مرابحة بألفين، ثم ~~إن رب المال لما حط من الأجنبي ثلاثمائة، فإن الأجنبي ms3545 يحط من المضارب ~~أربعمائة؛ لأن رب المال لما حط من الأجنبي ثلاثمائة، استند ذلك الحط إلى ~~العقد فكأن ذلك المقدار لم يكن، فيطرح من رأس المال وتطرح حصته من الربح، ~~وقد كان الأجنبي ربح مثل ثلث الثمن فيطرح مع الثلاثمائة ثلثها، فيصير الحط ~~عن المضارب أربعمائة، فإن أراد المضارب أن يبيع هذا العبد مرابحة، باعه على ~~ألف ومائتين؛ لأن رب المال ربح أربعمائة. # ألا ترى أنه لو باعه من # PageV06P104 # الأجنبي فربح خمسمائة، ثم حط عنه ثلاثمائة - وهذا الحط من رأس المال ~~والربح جميعا - مائتين من رأس المال ومائة من الربح، فلما سقط من الربح ~~مائة، يبقى الربح أربعمائة، فلما اشتراه المضارب بألفين ثم حط عنه ~~أربعمائة، صار شراؤه بألف وستمائة فيطرح عنه مقدار ما ربح فيه رب المال، ~~وهو أربعمائة، فيبيعه على ما بقي وتجوز المرابحة بين المضاربين كما تجوز ~~بين المضارب ورب المال. # قال محمد في الأصل: إذا دفع الرجل إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف، ودفع ~~إلى رجل آخر ألف درهم مضاربة بالنصف، فاشترى أحد المضاربين عبدا بخمسمائة ~~من المضاربة، فباعه من المضارب الآخر بألف، فأراد الثاني أن يبيعه مرابحة، ~~باعه على خمسمائة، وهو أقل الثمنين؛ لأن مال المضاربين لرجل واحد، فصار بيع ~~أحدهما من الآخر في حق الأجانب، كبيع الإنسان ملكه بماله، فيبيعه مرابحة ~~على أقل الثمنين. # ولو باعه الأول من الثاني بألفين، ألف من المضاربة وألف من مال نفسه، فإن ~~الثاني يبيعه مرابحة على ألف ومائتين وخمسين؛ لأن الثاني اشترى نصفه لنفسه، ~~وقد كان الأول اشترى ذلك النصف بمائتين وخمسين فيبيعه الثاني مرابحة على ~~ألف؛ لأنه لا نصيب لواحد منهما في شراء صاحبه فصارا كالأجنبيين، فأما النصف ~~الذي اشترى الثاني بألف المضاربة، فقد كان الأول اشتراه بمائتين وخمسين، ~~وهو مال واحد فيبيعه على أقل الثمنين. # ولو كان الأول اشتراه بألف المضاربة فباعه من الثاني بألفين للمضاربة، ~~ألف رأس المال وألف ربح، فإن الثاني يبيعه مرابحة بألف وخمسمائة؛ لأنه ~~يبيعه على أقل الثمنين وعلى حصته من الربح ms3546 وأقل الثمنين ألف، وحصة المضارب ~~خمسمائة. # ولو كان الأول اشتراه بخمسمائة، والمسألة بحالها باعه الثاني على ألف؛ ~~لأن أقل الثمنين خمسمائة، وحصة المضارب خمسمائة فيبيعه مرابحة على أقل ~~الثمنين وحصة من الربح والربح في المضاربة بينهما على الشرط، والوضيعة على ~~رب المال والقول قول المضارب في دعوى الهلاك؛ لأن المال أمانة في يده. # (وأما) الذي يستحقه المضارب بالعمل فالذي يستحقه بعمله في مال المضاربة ~~شيئان، أحدهما: النفقة والكلام في النفقة في مواضع في وجوبها، وفي شرط ~~الوجوب، وفيما فيه النفقة، وفي تفسير النفقة وفي قدرها وفيما تحتسب النفقة ~~منه. # (أما) الوجوب فلأن الربح في باب المضاربة يحتمل الوجود والعدم، والعاقل ~~لا يسافر بمال غيره لفائدة تحتمل الوجود والعدم، مع تعجيل النفقة من مال ~~نفسه، فلو لم تجعل نفقته من مال المضاربة لامتنع الناس من قبول المضاربات ~~مع مساس الحاجة إليها، فكان إقدامهما على هذا العقد، والحال ما وصفنا إذنا ~~من رب المال للمضارب بالإنفاق من مال المضاربة، فكان مأذونا في الإنفاق ~~دلالة، فصار كما لو أذن له به نصا، ولأنه يسافر لأجل المال على سبيل التبرع ~~ولا ببدل واجب له لا محالة، فتكون نفقته في المال بخلاف المبضع لا يسافر ~~بمال الغير على وجه التبرع، وبخلاف الأجير؛ لأنه يعمل ببدل لازم في ذمة ~~المستأجر لا محالة فلا يستحق النفقة وهكذا روى ابن سماعة عن محمد في الشريك ~~إذا سافر بالمال، أنه ينفق من المال كالمضارب. # (وأما) شرط الوجوب فخروج المضارب بالمال من المصر الذي أخذ المال منه ~~مضاربة، سواء كان المصر مصره أو لم يكن، فما دام يعمل به في ذلك المصر فإن ~~نفقته في مال نفسه لا في مال المضاربة، وإن أنفق شيئا منه ضمن؛ لأن دلالة ~~الإذن لا تثبت في المصر، وكذا إقامته في الحضر لا تكون لأجل المال؛ لأنه ~~كان مقيما قبل ذلك فلا يستحق النفقة ما لم يخرج من ذلك المصر، سواء كان ~~خروجه بالمال مدة سفر أو أقل من ذلك، حتى لو خرج من المصر ms3547 يوما أو يومين ~~فله أن ينفق من مال المضاربة كذا ذكر محمد عن نفسه وعن أبي يوسف من مكان ~~المضاربة لوجود الخروج من المصر لأجل المال، وإذا انتهى إلى المصر الذي ~~قصده، فإن كان ذلك مصر نفسه، أو كان له في ذلك المصر أهل، سقطت نفقته حين ~~دخل؛ لأنه يصير مقيما بدخوله فيه لا لأجل المال، وإن لم يكن ذلك مصره، ولا ~~له فيه أهل، لكنه أقام فيه للبيع والشراء، لا تسقط نفقته ما أقام فيه، وإن ~~نوى الإقامة خمسة عشر يوما فصاعدا ما لم يتخذ ذلك المصر الذي هو فيه دار ~~إقامة؛ لأنه إذا لم يتخذه دار إقامة، كانت إقامته فيه لأجل المال، وإن ~~اتخذه وطنا كانت إقامته للوطن لا للمال فصار كالوطن الأصلي، فنقول:. # الحاصل أنه لا تبطل نفقة المضاربة بعد المسافرة بالمال إلا بالإقامة في ~~مصره، أو في مصر يتخذه دار إقامة لما قلنا ولو خرج من المصر الذي دخله ~~للبيع والشراء بنية العود إلى المصر # PageV06P105 # الذي أخذ المال فيه مضاربة، فإن نفقته من مال المضاربة حتى يدخله، فإذا ~~دخله فإن كان ذلك مصره، أو كان له فيه أهل، سقطت نفقته وإلا فلا حتى لو أخذ ~~المضارب مالا بالكوفة وهو من أهل البصرة، وكان قد قدم الكوفة مسافرا، فلا ~~نفقة له في المال ما دام بالكوفة لما قلنا فإذا خرج منها مسافرا فله النفقة ~~حتى يأتي البصرة؛ لأن خروجه لأجل المال، ولا ينفق من المال ما دام بالبصرة؛ ~~لأن البصرة وطن أصلي له، فكان إقامته فيها لأجل الوطن لا لأجل المال، فإذا ~~خرج من البصرة له أن ينفق من المال حتى يأتي الكوفة؛ لأن خروجه من البصرة ~~لأجل المال. # وله أن ينفق أيضا ما أقام بالكوفة حتى يعود إلى البصرة؛ لأن وطنه بالكوفة ~~كان وطن إقامة، وأنه يبطل بالسفر، فإذا عاد إليها وليس له وطن، فكان إقامته ~~فيها لأجل المال، فكان نفقته فيه، وكل من كان مع المضارب ممن يعينه على ~~العمل، فنفقته من مال المضاربة حرا ms3548 كان أو عبدا، أو أجيرا يخدمه أو يخدم ~~دابته؛ لأن نفقتهم كنفقة نفسه؛ لأنه لا يتهيأ له السفر إلا بهم، إلا أن ~~يكون معه عبيد لرب المال بعثهم ليعاونوه، فلا نفقة لهم في مال المضاربة، ~~ونفقتهم على رب المال خاصة؛ لأن إعانة عبد رب المال كإعانة رب المال بنفسه. # ورب المال لو أعان المضارب بنفسه في العمل، لم تكن نفقته في مال المضاربة ~~كذا عبيده، فأما عبد المضارب فهو كالمضارب، والمضارب إذا عمل بنفسه في ~~المال، أنفق عليه منه كذا عبده. # (وأما) ما فيه النفقة فالنفقة في مال المضاربة، وله أن ينفق من مال نفسه، ~~ما له أن ينفق من مال المضاربة على نفسه، ويكون دينا في المضاربة حتى كان ~~له أن يرجع فيها؛ لأن الإنفاق من المال وتدبيره إليه، فكان له أن ينفق من ~~ماله، ويرجع به على مال المضاربة، كالوصي إذا أنفق على الصغير من مال نفسه ~~إن له أن يرجع بما أنفق على مال الصغير لما قلنا، كذا هذا له أن يرجع بما ~~أنفق في مال المضاربة، لكن بشرط بقاء المال، حتى لو هلك المال لم يرجع على ~~رب المال بشيء كذا ذكر محمد في المضاربة؛ لأن نفقة المضارب من مال المضاربة ~~فإذا هلك هلك بما فيه كالدين يسقط بهلاك الرهن، والزكاة تسقط بهلاك النصاب، ~~وحكم الجناية يسقط بهلاك العبد الجاني. # (وأما) تفسير النفقة التي في مال المضاربة فالكسوة والطعام والإدام، ~~والشراب وأجر الأجير، وفراش ينام عليه، وعلف دابته التي يركبها في سفره، ~~ويتصرف عليها في حوائجه، وغسل ثيابه ودهن السراج والحطب ونحو ذلك، ولا خلاف ~~بين أصحابنا في هذه الجملة؛ لأن المضارب لا بد له منها فكان الإذن ثابتا من ~~رب المال دلالة. # (وأما) ثمن الدواء والحجامة والفصد، والتنور والأدهان، وما يرجع إلى ~~التداوي، وصلاح البدن، ففي ماله خاصة لا في مال المضاربة وذكر الكرخي - ~~رحمه الله - في مختصره في الدهن خلاف محمد: أنه في مال المضاربة عنده، وذكر ~~في الحجامة والإطلاء بالنورة، والخضاب، قول الحسن ms3549 بن زياد أنه قال على قياس ~~قول أبي حنيفة: يكون في مال المضاربة والصحيح أنه يكون في ماله خاصة؛ لأن ~~وجوب النفقة للمضارب في المال لدلالة الإذن الثابت عادة، وهذه الأشياء غير ~~معتادة، هذا إذا قضى القاضي بالنفقة، يقضي بالطعام والكسوة، ولا يقضي بهذه ~~الأشياء. # (وأما) الفاكهة فالمعتاد منها يجري مجرى الطعام والإدام. # وقال بشر في نوادره: سألت أبا يوسف عن اللحم فقال: يأكل كما كان يأكل؛ ~~لأنه من المأكول المعتاد. # (وأما) قدر النفقة فهو أن يكون بالمعروف عند التجار من غير إسراف، فإن ~~جاوز ذلك ضمن الفضل؛ لأن الإذن ثابت بالعادة، فيعتبر القدر المعتاد، وسواء ~~سافر برأس المال أو بمتاع عن المضاربة؛ لأن سفره في الحالين لأجل المال، ~~وكذا لو سافر فلم يتفق له شراء متاع من حيث قصد، وعاد بالمال فنفقته ما دام ~~مسافرا في مال المضاربة؛ لأن عمل التجارة على هذا، وهو أن يتفق الشراء في ~~وقت دون وقت، ومكان دون مكان وسواء سافر بمال المضاربة وحده، أو بماله ومال ~~المضاربة، ومال المضاربة لرجل أو رجلين، فله النفقة غير أنه سافر بماله ~~ومال المضاربة، أو بمالين لرجلين، كانت النفقة من المالين بالحصص؛ لأن ~~السفر لأجل المالين، فتكون النفقة فيهما وإن كان أخذ المالين مضاربة لرجل، ~~والآخر بضاعة لرجل آخر، فنفقته في مال المضاربة؛ لأن سفره لأجله لا لأجل ~~البضاعة؛ لأنه متبرع بالعمل بها، إلا أن يتبرع بعمل البضاعة، فينفق من مال ~~نفسه؛ لأنه بدل العمل في المضاربة وليس على رب البضاعة شيء، إلا أن يكون ~~أذن له في النفقة منها؛ لأنه تبرع بأخذ البضاعة فلا يستحق النفقة كالمودع. # ولو خلط مال المضاربة بماله وقد أذن له في ذلك، فالنفقة # PageV06P106 # بالحصص؛ لأن سفره لأجل المالين. # (وأما) ما تحتسب النفقة منه فالنفقة تحتسب من الربح أولا إن كان في المال ~~ربح، فإن لم يكن فهي من رأس المال؛ لأن النفقة جزء هالك من المال، والأصل ~~أن الهلاك ينصرف إلى الربح، ولأنا لو جعلناها من رأس المال خاصة، أو في ms3550 ~~نصيب رب المال من الربح لازداد نصيب المضارب في الربح على نصيب رب المال، ~~فإذا رجع المضارب إلى مصره فما فضل عنده من الكسوة والطعام رده إلى ~~المضاربة؛ لأن الإذن له بالنفقة كان لأجل السفر، فإذا انقطع السفر لم يبق ~~الإذن، فيجب رد ما بقي إلى المضاربة. # وروى المعلى عن أبي يوسف إذا كان مع الرجل ألف درهم مضاربة، فاشترى عبدا ~~بألفين فأنفق عليه، فهو متطوع في النفقة؛ لأنه لم يبق في يده شيء من رأس ~~المال، فالنفقة تكون استدانة على المال، وهو لا يملك ذلك فصار كالأجنبي إذا ~~أنفق على عبد غيره، إلا أن يكون القاضي أمره بذلك، فإن رفعه إلى القاضي ~~فأمره القاضي بالنفقة عليه، فما أنفق فهو عليهما على قدر رأس المال قال أبو ~~يوسف - رحمه الله -: وهذه قسمة من القاضي بين المضارب، وبين رب المال إذا ~~قضى بالنفقة، وإنما صارت النفقة دينا بأمر القاضي؛ لأن له ولاية على الغائب ~~في حفظ ماله وهذا من باب الحفظ، فيملك الأمر بالاستدانة عليه، وإنما صار ~~قضاء القاضي بالنفقة قسمة لوجود معنى القسمة، وهو التعيين؛ لأن القاضي لما ~~ألزم المضارب النفقة لأجل نصيبه، فقد عين نصيبه، ولا يتحقق تعيين نصيب ~~المضارب إلا بعد تعيين رأس المال، وهذا معنى القسمة. # ولو دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة، فاشترى بها جارية قيمتها ألفان، ~~فالنفقة على المضارب، وعلى رب المال في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد: ~~النفقة على رب المال كذا حقق القدوري - رحمه الله - الاختلاف. # (وجه) قول محمد أن المضارب لم يتعين له ملك؛ لأن رأس المال غير متعين، ~~فكانت الجارية على حكم رب المال، فكانت نفقتها عليه، ويحتسب بها في رأس ~~ماله في رواية عنه، وفي رواية أخرى عنه يقال لرب المال: أنفق إن شئت. # (ولهما) أن نصيب المضارب من العبد على ملكه، بدليل أن إعتاقه ينفذ منه، ~~فلا يجوز إلزام رب المال الإنفاق على ملك غيره، فإذا قضى على كل واحد منهما ~~بنفقة نصيبه، فقد تعين الربح ورأس ms3551 المال، فيكون قسمة، لوجود معنى القسمة ~~وعلى هذا الخلاف، العبد الآبق من المضاربة إذا جاء به رجل وقيمته ألفان، ~~وليس في يده من المضاربة غير العبد إن الجعل عليهما في قول أبي حنيفة، وأبي ~~يوسف؛ لأن العبد على ملكهما وعند محمد: الجعل على رب المال يحسب في رأس ~~ماله إذ هو زيادة في رأس المال، فإذا بيع استوفى رب المال رأس ماله والجعل، ~~وما بقي يكون بينهما على ما اشترط من الربح. # قال بشر عن أبي يوسف: إن الجعل لا يحتسب به في مال المضاربة، ويحتسب به ~~فيما بين المضارب ورب المال، فإن كان هناك ربح فالجعل منه، وإلا فهو وضيعة ~~من رأس المال، وإنما لم يلحق الجعل برأس المال في باب المرابحة لأن الذي ~~يلحق رأس المال في المرابحة، ما جرت عادة التجار بإلحاقه به وما جرت عادتهم ~~بإلحاق الجعل، ولأنه نادر غير معتاد، فلا يلحق بالعادة ما ليس بمعتاد، ~~وإنما احتسب به فيما بين المضارب ورب المال؛ لأنه غرم لزم لأجل المال، ~~ويجوز أن يحتسب بالشيء فيما بين المضارب ورب المال، ولا يلحق برأس المال في ~~المضاربة كنفقة المضارب على نفسه. # والثاني، ما يستحقه المضارب بعمله في المضاربة الصحيحة وهو الربح المسمى ~~إن كان في المضاربة ربح، وإنما يظهر الربح بالقسمة وشرط جواز القسمة قبض ~~رأس المال، فلا تصح قسمة الربح قبل قبض رأس المال، حتى لو دفع إلى رجل ألف ~~درهم مضاربة بالنصف، فربح ألفا فاقتسما الربح، ورأس المال في يد المضارب لم ~~يقبضه رب المال فهلكت الألف التي في يد المضارب بعد قسمتهما الربح، فإن ~~القسمة الأولى لم تصح، وما قبض رب المال فهو محسوب عليه من رأس ماله، وما ~~قبضه المضارب دين عليه يرده إلى رب المال، حتى يستوفي رب المال رأس ماله، ~~ولا تصح قسمة الربح حتى يستوفي رب المال رأس المال. # والأصل في اعتبار هذا الشرط ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «مثل المؤمن مثل التاجر، لا يسلم ms3552 له ربحه حتى يسلم له رأس ماله، ~~كذلك المؤمن لا تسلم له نوافله حتى تسلم له عزائمه» فدل الحديث على أن قسمة ~~الربح قبل قبض رأس المال لا تصح؛ ولأن الربح زيادة، والزيادة على الشيء لا ~~تكون إلا بعد سلامة الأصل، ولأن المال إذا بقي في يد المضارب فحكم المضاربة ~~بحالها، فلو صححنا قسمة الربح لثبتت قسمة الفرع قبل الأصل، فهذا لا يجوز ~~وإذا لم تصح # PageV06P107 # القسمة، فإذا هلك ما في يد المضارب، صار الذي اقتسماه هو رأس المال، فوجب ~~على المضارب أن يرد منه تمام رأس المال، فإن قبض رب المال ألف درهم، رأس ~~ماله أولا، ثم اقتسما الربح ثم رد الألف التي قبضها بعينها إلى يد المضارب ~~على أن يعمل بها بالنصف، فهذه مضاربة مستقبلة، فإن هلكت في يده لم تنتقض ~~القسمة الأولى؛ لأن رب المال لما استوفى رأس المال فقد انتهت المضاربة، ~~وصحت القسمة. # فإذا رد المال فهذا عقد آخر، فهلاك المال فيه لا يبطل القسمة في غيره، ~~ولو كان الربح في المضاربة الأولى ألفين، واقتسما الربح، فأخذ رب المال ~~ألفا والمضارب ألفا، ثم هلك ما في يد المضارب، فإن القسمة باطلة، وما قبضه ~~رب المال محسوب من رأس المال، ورد المضارب نصف الألف الذي قبض؛ لأنه لما ~~هلك ما في يد المضارب من رأس المال قبل صحة القسمة، صار ما قبضه رب المال ~~رأس ماله، وإذا صار ذلك رأس المال تعين الربح فيما قبضه المضارب بالقسمة، ~~فيكون بينهما على الشرط، فيجب عليه أن يرد نصفه، وكذلك إن كان قد هلك ما ~~قبضه المضارب من الربح، يجب عليه أن يرد نصفه؛ لأنه تبين أنه قبض نصيب رب ~~المال من الربح لنفسه، فصار ذلك مضمونا عليه ولو هلك ما قبض رب المال لم ~~يتعين بهلاكه شيء؛ لأن ما هلك بعد القبض يهلك في ضمان القابض، فبقاؤه ~~وهلاكه سواء. # قالوا: ولو اقتسما الربح ثم اختلفا، فقال المضارب: قد كنت دفعت إليك رأس ~~المال قبل القسمة وقال رب المال: لم ms3553 أقبض رأس المال قبل ذلك فالقول قول رب ~~المال، ويرد المضارب ما قبضه لنفسه تمام رأس المال يحتسب على رأس رب المال ~~بما قبض من رأس ماله، ويتم له رأس المال بما يرده المضارب، فإن بقي شيء بعد ~~ذلك مما قبضه المضارب كان بينهما نصفين، وإنما كان كذلك؛ لأن المضارب يدعي ~~أنها رأس المال، ورب المال ينكر ذلك، والمضارب وإن كان أمينا لكن القول قول ~~الأمين في إسقاط الضمان عن نفسه، لا في التسليم إلى غيره، ولأن المضارب ~~يدعي خلوص ما بقي من المال والربح، ورب المال يجحد ذلك، فلا يقبل قول ~~المضارب في الاستحقاق، فإن أقاما البينة فالبينة بينة المضارب؛ لأنها تثبت ~~إيفاء رأس المال. # ولا يقال: الظاهر شاهد للمضارب فيما ادعاه من إيفاء رأس المال، إذ الربح ~~لا يكون إلا بعد الإيفاء، إذ هو شرط صحة قسمة الربح؛ لأنا نقول قد جرت عادة ~~التجار بالمقاسمة مع بقاء رأس المال في يد المضارب، فلم يكن الظاهر شاهدا ~~للمضارب. # وذكر ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف في رجل دفع إلى رجل ألف درهم ~~مضاربة صحيحة، ثم جعل رب المال يأخذ الخمسين والعشرين لنفقته، والمضارب ~~يعمل بالنفقة ويتربح فيما يشتري ويبيع، ثم احتسبا فإنهما يحتسبان برأس ~~المال، ألف درهم يوم يحتسبان، والربح بينهما نصفان، ولا يكون ما أخذ رب ~~المال من النفقة نقصانا من رأس المال ولكنهما يحتسبا رأس المال ألفا من ~~جميع المال، وما بقي من ذلك فهو بينهما نصفان؛ لأنا لو جعلنا المقبوض من ~~رأس المال بطلت المضاربة؛ لأن استرجاع رب المال رأس ماله يوجب بطلان ~~المضاربة، وهما لم يقصدا إبطالها، فيجعل رأس المال فيما بقي؛ لئلا يبطل، ~~هذا إذا كان في المضاربة ربح، فإن لم يكن فيها ربح فلا شيء للمضارب؛ لأن ~~الشرط قد صح، فلا يستحق إلا ما شرط، وهو الربح ولم يوجد. # (وأما) الذي يستحقه رب المال، فالربح المسمى إذا كان ربح، وإن لم يكن فلا ~~شيء له على المضارب، هذا كله حكم المضاربة الصحيحة. ms3554 # (وأما) حكم المضاربة الفاسدة، فليس للمضارب أن يعمل شيئا مما ذكرنا أن له ~~أن يعمل في المضاربة الصحيحة، ولا يثبت بها شيء مما ذكرنا عن أحكام ~~المضاربة الصحيحة، ولا يستحق النفقة، ولا الربح المسمى، وإنما له أجر مثل ~~عمله، سواء كان في المضاربة ربح أو لم يكن؛ لأن المضاربة الفاسدة في معنى ~~الإجارة الفاسدة، والأجير لا يستحق النفقة ولا المسمى في الإجارة الفاسدة، ~~وإنما يستحق أجر المثل، والربح كله يكون لرب المال؛ لأن الربح نماء ملكه، ~~وإنما يستحق المضارب شطرا منه بالشرط، ولم يصح الشرط فكان كله لرب المال، ~~والخسران عليه، والقول قول المضارب في دعوى الهلاك والضياع والهلاك في ~~المضاربة الفاسدة مع يمينه، هكذا ذكر في ظاهر الرواية وجعل المال في يده ~~أمانة كما في المضاربة الصحيحة وذكر الطحاوي فيه اختلافا، وقال: لا ضمان ~~عليه في قول أبي حنيفة وعندهما يضمن كما في الأجير المشترك إذا هلك المال ~~في يده. # PageV06P108 ### | [فصل في صفة عقد المضاربة] # فصل) : # وأما صفة هذا العقد فهو أنه عقد غير لازم، ولكل واحد منهما أعني رب المال ~~والمضارب الفسخ، لكن عند وجود شرطه، وهو علم صاحبه لما ذكرنا في كتاب ~~الشركة، ويشترط أيضا أن يكون رأس المال عينا وقت الفسخ دراهم أو دنانير، ~~حتى لو نهى رب المال المضارب عن التصرف، ورأس المال عروض وقت النهي، لم يصح ~~نهيه وله أن يبيعها؛ لأنه يحتاج إلى بيعها بالدراهم والدنانير؛ ليظهر ~~الربح، فكان النهي والفسخ إبطالا لحقه في التصرف، فلا يملك ذلك، وإن كان ~~رأس المال دراهم أو دنانير وقت الفسخ والنهي، صح الفسخ والنهي، لكن له أن ~~يصرف الدراهم إلى الدنانير، والدنانير إلى الدراهم؛ لأن ذلك لا يعد بيعا ~~لاتحادهما في الثمنية. ### | [فصل في حكم اختلاف المضارب ورب المال] # (فصل) : # وأما حكم اختلاف المضارب ورب المال، فإن اختلفا في العموم والخصوص، ~~فالقول قول من يدعي العموم، بأن ادعى أحدهما المضاربة في عموم التجارات، أو ~~في عموم الأمكنة، أو مع عموم من الأشخاص وادعى الآخر نوعا دون ms3555 نوع ومكانا ~~دون مكان، وشخصا دون شخص؛ لأن قوله: من يدعي العموم موافق للمقصود بالعقد ~~إذ المقصود من العقد هو الربح، وهذا المقصود في العموم أوفر. # وكذلك لو اختلفا في الإطلاق والتقييد فالقول قول من يدعي الإطلاق، حتى لو ~~قال رب المال: أذنت لك أن تتجر في الحنطة دون ما سواها وقال المضارب: ما ~~سميت لي تجارة بعينها فالقول قول المضارب مع يمينه؛ لأن الإطلاق أقرب إلى ~~المقصود بالعقد على ما بينا. # وقال الحسن بن زياد: إن القول قول رب المال في الفصلين جميعا وقيل: إنه ~~قول زفر. # (ووجهه) أن الإذن يستفاد من رب المال، فكان القول في ذلك قوله، فإن قامت ~~لهما بينة، فالبينة بينة مدعي العموم في دعوى العموم والخصوص؛ لأنها تثبت ~~زيادة وفي دعوى التقييد والإطلاق البينة بينة مدعي التقييد؛ لأنها تثبت ~~زيادة فيه، وبينة الإطلاق ساكتة ولو اتفقا على الخصوص؛ لكنهما اختلفا في ~~ذلك الخاص فقال رب المال: دفعت المال إليك مضاربة في البز وقال المضارب: في ~~الطعام فالقول قول رب المال في قولهم جميعا؛ لأنه لا يمكن الترجيح هنا ~~بالمقصود من العقد لاستوائهما في ذلك فترجح بالإذن، وإنه يستفاد من رب ~~المال، فإن أقاما البينة فالبينة بينة المضارب؛ لأن بينته مثبتة وبينة رب ~~المال نافية؛ لأنه لا يحتاج إلى الإثبات، والمضارب يحتاج إلى الإثبات لدفع ~~الضمان عن نفسه، فالبينة المثبتة للزيادة أولى وقد قالوا في البينتين إذا ~~تعارضتا في صفة الإذن وقد وقتتا: إن الوقت الأخير أولى؛ لأن الشرط الثاني ~~ينقض الأول، فكان الرجوع إليه أولى. # وإن اختلفا في قدر رأس المال والربح فقال رب المال: كان رأس مالي ألفين، ~~وشرطت لك ثلث الربح. # وقال المضارب: رأس المال ألف، وشرطت لي نصف الربح فإن كان في يد المضارب ~~ألف درهم يقر أنها مال المضاربة، فالقول قول المضارب في أن رأس المال ألف، ~~والقول قول رب المال أنه شرط ثلث الربح وهذا قول أبي حنيفة الآخر، وهو قول ~~أبي يوسف، ومحمد. # وكان قوله الأول أن القول ms3556 قول رب المال في الأمرين جميعا، وهو قول زفر. # (وجه) قوله الأول أن الربح يستفاد من أصل المال، وقد اتفقا على أن جملة ~~المال مضاربة، وادعى المضارب استحقاقا فيها، ورب المال ينكر ذلك فكان القول ~~قوله، بخلاف ما إذا قال المضارب: بعض هذه الألفين خلطته بها، أو بضاعة في ~~يدي؛ لأنهما ما اتفقا على أن الجميع مال المضاربة، ومن كان في يده شيء ~~فالقول قوله. # (وجه) قوله الآخر أن القول في مقدار رأس المال قول المضارب؛ لأنهما ~~اختلفا في مقدار المقبوض، فكان القول قول القابض ألا ترى أنه لو أنكر القبض ~~أصلا، وقال لم أقبض منك شيئا كان القول قوله فكذا إذا أنكر البعض دون ~~البعض، وإنما كان القول قول رب المال في مقدار الربح؛ لأن شرط الربح يستفاد ~~من قبله فكان القول في مقدار المشروط قوله ألا ترى أنه لو أنكر الشرط رأسا، ~~فقال لم أشرط لك ربحا، وإنما دفعت إليك بضاعة كان القول قوله؟ ؟ فكذا إذا ~~أقر بالبعض دون البعض، وإذا كان القول قول المضارب في قدر رأس المال في ~~قوله الأخير، فالقول قول رب المال في مقدار الربح في قولهم: يجعل رأس المال ~~ألف درهم، ويجعل للمضارب ثلث الألف الأخرى، فلا يقبل قول رب المال في زيادة ~~رأس المال، ولا يقبل قول المضارب في زيادة شرط الربح وعلى قوله الأول يأخذ ~~رب المال الألفين جميعا. # وإن كان في يده ثلاثة آلاف درهم، والمسألة بحالها أخذ رب المال ألف درهم ~~على قوله الأخير، # PageV06P109 # واقتسما ما بقي من المال أثلاثا وعلى قوله الأول، يأخذ رب المال ألفي ~~درهم ويأخذ ثلثي الألف الأخرى لما بينا، وإن كان في يد المضارب قدر ما ذكر ~~أنه قبض من رأس المال أو أقل، ولم يكن في يده أكثر مما أقر، فالقول قول ~~المضارب عندهم جميعا؛ لأنه لا سبيل إلى قبول قول رب المال في إيجاب الضمان ~~على المضارب، فإن جاء المضارب بثلاثة آلاف درهم فقال: ألف رأس المال، وألف ~~ربح، وألف وديعة لآخر، ms3557 أو مضاربة لآخر، أو بضاعة لآخر، أو شركة لآخر، أو ~~على ألف دين، فالقول في الوديعة والشركة والبضاعة والدين قول المضارب في ~~الأقاويل كلها؛ لأن من في يده شيء فالظاهر أنه له، إلا أن يعترف به لغيره، ~~ولم يعترف لرب المال بهذه الألف، فكان القول قوله فيها. # وكل من جعلنا القول قوله في هذا الباب فهو مع يمينه، ومن أقام منهما بينة ~~على ما يدعي من فضل فالبينة بينة كل واحد منهما تثبت زيادة، فبينة رب المال ~~تثبت زيادة في رأس المال، وبينة المضارب تثبت زيادة في الربح. # وقال محمد - رحمه الله -: إذا قال رب المال شرطت لك ثلث الربح وزيادة ~~عشرة دراهم وقال المضارب بل شرطت لي الثلث فالقول قول المضارب؛ لأنهما ~~اتفقا على شرط الثلث، وادعى رب المال زيادة لا منفعة له فيها إلا فساد ~~العقد، فلا يقبل قوله وإن قامت لهما بينة فالبينة بينة رب المال؛ لأنها ~~تثبت زيادة شرط. # ولو قال رب المال: شرطت لك الثلث إلا عشرة. # وقال المضارب: بل شرطت لي الثلث فالقول قول رب المال؛ لأنه أقر له ببعض ~~الثلث والمضارب يدعي تمام الثلث، فلا يقبل قوله في زيادة شرط الربح، وفي ~~هذا نوع إشكال، وهو أن المضارب يدعي صحة العقد، ورب المال يدعي فساده، ~~فينبغي أن يكون القول قول المضارب والجواب أن دعوى رب المال وإن تعلق به ~~فساد العقد لكنه منكر لزيادة يدعيها المضارب فيعتبر إنكاره؛ لأنه مفيد في ~~الجملة. # ولو قال رب المال: شرطت لك نصف الربح وقال المضارب: شرطت لي مائة درهم ~~أو: لم تشترط لي شيئا، ولي أجر المثل فالقول قول رب المال؛ لأن المضارب ~~يدعي أجرا واجبا في ذمة رب المال، ورب المال ينكر ذلك، فيكون القول قوله ~~فإن أقام رب المال البينة على شرط النصف، وأقام المضارب البينة على أنه لم ~~يشترط له شيئا، فالبينة بينة رب المال؛ لأنها مثبتة للشرط وبينة المضارب ~~نافية، والمثبتة أولى. # ولو أقام المضارب البينة أنه شرط له مائة درهم فبينته ms3558 أولى؛ لأن البينتين ~~استويا في إثبات الشرط وبينة المضارب أوجبت حكما زائدا، وهو إيجاب الأجر ~~على رب المال، فكانت أولى وذكر الكرخي - رحمه الله - أنهم جعلوا حكم ~~المزارعة في هذا الباب حكم المضاربة إلا في هذا الفصل خاصة، وهو أنه إذا ~~أقام رب الأرض والبذر البينة على أنه شرط للعامل نصف الخارج، وقال العامل: ~~شرطت لي مائة قفيز فالبينة بينة الدافع، وفي المضاربة البينة بينة المضارب ~~والفرق بينهما أن المزارعة عقد لازم في جانب العامل، بدليل أن من لا بذر له ~~من جهته، لو امتنع من العمل يجبر عليه، فرجحنا بينة من يدعي الصحة ~~والمضاربة ليست بلازمة، فإن المضارب لو امتنع من العمل لا يجبر عليه، فلم ~~يقع الترجيح بالتصحيح، فرجحنا بإيجاب الضمان وهو الأجر. # ولو قال رب المال: دفعت إليك بضاعة وقال المضارب: مضاربة بالنصف أو: مائة ~~درهم فالقول قول رب المال؛ لأن المضارب يستفيد الربح بشرطه، وهو منكر، فكان ~~القول قوله أنه لم يشترط ولأن المضارب يدعي استحقاقا في مال الغير، فالقول ~~قول صاحب المال ولو قال المضارب: أقرضتني المال، والربح لي وقال رب المال: ~~دفعت إليك مضاربة، أو: بضاعة فالقول قول رب المال؛ لأن المضارب يدعي عليه ~~التمليك، وهو منكر، فإن أقاما البينة، فالبينة بينة المضارب؛ لأنها تثبت ~~التمليك، ولأنه لا تنافي بين البينتين لجواز أن يكون أعطاه بضاعة، أو ~~مضاربة، ثم أقرضه ولو قال المضارب: دفعت إلي مضاربة وقال رب المال: أقرضتك ~~فالقول قول المضارب؛ لأنهما اتفقا على أن الأخذ كان بإذن رب المال ورب ~~المال يدعي على المضارب الضمان، وهو ينكر، فكان القول قوله فإن قامت لهما ~~بينة فالبينة بينة رب المال؛ لأنها تثبت أصل الضمان. # ولو جحد المضارب المضاربة أصلا، ورب المال يدعي دفع المال إليه مضاربة ~~فالقول قول المضارب؛ لأن رب المال يدعي عليه قبض ماله، وهو ينكر، فكان ~~القول قوله ولو جحد ثم أقر فقد قال ابن سماعة في نوادره: سمعت أبا يوسف قال ~~في رجل دفع إلى رجل مالا مضاربة ثم ms3559 طلبه منه، فقال: لم تدفع إلي شيئا ثم ~~قال: بلى أستغفر الله العظيم - قد دفعت إلي ألف درهم مضاربة ضامن للمال؛ ~~لأنه أمين، والأمين إذا جحد الأمانة ضمن كالمودع. # وهذا لأن عقد المضاربة # PageV06P110 # ليس بعقد لازم، بل هو عقد جائز محتمل للفسخ، فكان جحوده فسخا له أو رفعا ~~له، وإذا ارتفع العقد صار المال مضمونا عليه كالوديعة، فإن اشترى بها مع ~~الجحود كان مشتريا لنفسه؛ لأنه ضامن للمال فلا يبقى حكم المضاربة؛ لأن من ~~حكم المضارب أن يكون المال أمانة في يده، فإذا صار ضمنيا لم يبق أمينا، فإن ~~أقر بعد الجحود لا يرتفع الضمان؛ لأن العقد قد ارتفع بالجحود، فلا يعود إلا ~~بسبب جديد، فإن اشترى بها بعد الإقرار فالقياس أن يكون ما اشتراه لنفسه؛ ~~لأنه قد ضمن المال بجحوده فلا يبرأ منه بفعله، وفي الاستحسان يكون ما ~~اشتراه على المضاربة، ويبرأ من الضمان؛ لأن الأمر بالشراء لم يرتفع مع ~~الجحود بل هو قائم مع الجحود؛ لأن الضمان لا ينافي الأمر بالشراء، بدليل أن ~~من غصب من آخر شيئا، فأمر المغصوب منه الغاصب ببيع المغصوب أو بالشراء به ~~صح الأمر، وإن كان المغصوب مضمونا على الغاصب. # وإذا بقي الأمر بعد الجحود فإذا اشترى بموجب الأمر وقع الشراء للآمر، ولن ~~يقع الشراء له إلا بعد انتفاء الضمان، وصار كالغاصب إذا باع المغصوب بأمر ~~المالك وسلم أنه يبرأ من الضمان كذا هذا، وقوله: المال صار مضمونا عليه، ~~فلا يبرأ من الضمان بفعله قلنا: العين المضمونة يجوز أن يبرأ الضامن منها ~~بفعله كالمغصوب منه إذا أمر الغاصب أن يجعل المغصوب في موضع كذا، أو يسلمه ~~إلى فلان، إنه يبرأ بذلك من الضمان. # وكذلك رجل دفع إلى رجل ألف درهم، فأمره أن يشتري بها عبدا فجحده الألف، ~~ثم أقر بها، ثم اشترى، جاز الشراء، ويكون للآمر وبرئ الجاحد من الضمان ولو ~~اشترى بها عبدا ثم أقر لم يبرأ عن الضمان، وكان الشراء له لما ذكرنا في ~~المضارب. # ولو دفع إليه ألفا وأمره أن ms3560 يشتري بها عبدا بعينه ثم جحد الألف ثم اشترى ~~بها العبد، ثم أقر بالألف فإن العبد للآمر؛ لأن الوكيل بشراء العبد بعينه ~~لا يملك أن يشتريه لنفسه، فتعين أن يكون الشراء للآمر، فصار كأنه أقر ثم ~~اشترى بخلاف المضارب؛ لأنه يملك أن يشتري لنفسه، فلا يحمل على الشراء لرب ~~المال، إلا أن يقر بالمال قبل الشراء. # وقال أبو يوسف في المأمور ببيع العبد إذا جحده إياه فادعاه لنفسه، ثم أقر ~~له به: إن البيع جائز، وهو بريء من ضمانه. # وكذلك لو دفع إليه عبدا فأمره أن يهبه لفلان فجحده وادعاه لنفسه، ثم أقر ~~له به فباعه، إن البيع جائز وهو بريء من ضمانه. # وكذلك إن أمره بعتقه فجحده، وادعاه لنفسه ثم أقر له به فأعتقه جاز عتقه، ~~لما ذكرنا أن الأمر بعد الجحود قائم، فإذا جحد ثم أقر فقد تصرف بأمر رب ~~المال فيبرأ من الضمان ولو باع العبد أو وهبه أو أعتقه، ثم أقر بذلك بعد ~~البيع قال ابن سماعة: ينبغي في قياس ما إذا دفع إليه ألفا، وأمره أن يشتري ~~بها عبدا بعينه، إنه يجوز ويلزم الآمر؛ لأنه لا يملك أن يبيع العبد لنفسه. # وقال هشام: سمعت محمدا قال في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة، فجاء ~~بألف وخمسمائة، فقال: هذه الألف رأس المال، وهذه الخمسمائة ربح وسكت ثم ~~قال: علي دين فيه لفلان كذا كذا قال محمد: القول قول المضارب. # وقال الحسن بن زياد: إذا أقر المضارب أنه عمل بالمال، وأن في يده عشرة ~~آلاف، وعلي فيها دين ألف، أو ألفان فقال ذلك في كلام متصل، كان القول قوله ~~مع يمينه، يدفع الدين منه سمى صاحبه، أو لم يسمه، وإن سكت سكتة ثم أقر بذلك ~~وسمى صاحبه أو لم يسمه لم يصدق قال: وهذا قياس قول أبي حنيفة وهذا الذي ~~ذكره الحسن يخالف ما قال محمد # (ووجهه) أنه قال: في يدي عشرة آلاف وسكت فقد أقر بالربح، فإذا قال: علي ~~دين ألف فقد رجع عما أقر ms3561 به؛ لأن الربح لا يكون إلا بعد قضاء الدين ~~والإقرار إذا صح لا يحتمل الرجوع عنه، بخلاف ما إذا قال ذلك متصلا؛ لأن ~~الإقرار لم يستقر بعد، وكان بمنزلة الاستثناء. # (وجه) قول محمد إن أقر بالدين في حال يملك الإقرار به، فينفذ إقراره كما ~~إذا قال: هذا ربح وعلي دين وقوله: إن قوله علي دين بعد ما سكت، يكون رجوعا ~~عما أقر به من الربح، ممنوع فإنه يجوز أنه ربح ثم لزمه الدين، ألا ترى أن ~~الرجل يقول: قد ربحت ولزمني دين، وهو يملك الإقرار بالدين، فإذا أقر به صح؟ ~~ولو جاء المضارب بألفين، فقال: ألف رأس المال، وألف ربح ثم قال: ما أربح ~~إلا خمسمائة، ثم هلك المال كله في يد المضارب فإن المضارب يضمن الخمسمائة ~~التي جحدها، ولا ضمان عليه في باقي المال؛ لأن الربح أمانة في يده، فإذا ~~جحده صار غاصبا بالجحود فيضمن إذا هلك، ولو قال المضارب لرب المال: قد دفعت ~~إليك رأس مالك، والذي بقي في يدي ربح ثم رجع فقال: لم أدفعه إليك، ولكن هلك ~~فإنه يضمن ما ادعى دفعه إلى رب المال؛ لأنه صار # PageV06P111 # جاحدا بدعوى الدفع، فيضمن بالجحود. # وكذلك لو اختلفا في الربح ثم رجع، فقال: لم أدفعه إليك ولكنه هلك فإنه ~~يضمن ما ادعى دفعه إلى رب المال لما بينا. # ولو اختلفا في الربح، فقال رب المال: شرطت لك الثلث وقال المضارب: شرطت ~~لي النصف ثم هلك المال في يد المضارب قال محمد: يضمن المضارب السدس من ~~الربح، يؤديه إلى رب المال من ماله خاصة، ولا ضمان عليه فيما سوى ذلك؛ لأنا ~~قد بينا أن القول في شرط الربح قول رب المال، وإذا كان كذلك فنصيب المضارب ~~الثلث، وقد ادعى النصف، ومن ادعى أمانة في يده ضمنها، لذلك يضمن سدس الربح ~~والله - عز وجل - الموفق. ### | [فصل في بيان ما يبطل به عقد المضاربة] # (فصل) : # وأما بيان ما يبطل به عقد المضاربة فعقد المضاربة يبطل بالفسخ، وبالنهي ~~عن التصرف، لكن عند وجود ms3562 شرط الفسخ والنهي وهو علم صاحبه بالفسخ والنهي، ~~وأن يكون رأس المال عينا وقت الفسخ والنهي، فإن كان متاعا لم يصح، وله أن ~~يبيعه بالدراهم والدنانير حتى ينض كما ذكرنا فيما تقدم وإن كان عينا صح لكن ~~له صرف الدراهم إلى الدنانير، والدنانير إلى الدراهم بالبيع، لما ذكرنا أن ~~ذلك لا يعد بيعا لتجانسهما في معنى الثمنية، وتبطل بموت أحدهما؛ لأن ~~المضاربة تشتمل على الوكالة، والوكالة تبطل بموت الموكل والوكيل وسواء علم ~~المضارب بموت رب المال أو لم يعلم لأنه عزل حكمي فلا يقف على العلم كما في ~~الوكالة، إلا أن رأس المال إذا صار متاعا، فللوكيل أن يبيع حتى يصير ناضا ~~لما بينا، وتبطل بجنون أحدهما إذا كان مطبقا؛ لأنه يبطل أهلية الأمر للآمر، ~~وأهلية التصرف للمأمور، وكل ما تبطل به الوكالة تبطل به المضاربة، وقد تقدم ~~في كتاب الوكالة تفصيله. # ولو ارتد رب المال فباع المضارب واشترى بالمال بعد الردة، فذلك كله موقوف ~~في قول أبي حنيفة عليه الرحمة إن رجع إلى الإسلام بعد ذلك نفذ كله، والتحقت ~~ردته بالعدم في جميع أحكام المضاربة وصار كأنه لم يرتد أصلا، وكذلك إن لحق ~~بدار الحرب، ثم عاد مسلما قبل أن يحكم بلحاقه بدار الحرب، على الرواية التي ~~يشترط حكم الحاكم بلحاقه للحكم بموته وصيرورة أمواله ميراثا لورثته. # فإن مات أو قتل على الردة، أو لحق بدار الحرب، وقضى القاضي بلحاقه بطلت ~~المضاربة من يوم ارتد على أصل أبي حنيفة عليه الرحمة أن ملك المرتد موقوف ~~إن مات أو قتل، أو لحق فحكم باللحوق، يزول ملكه من وقت الردة إلى ورثته، ~~ويصير كأنه مات في ذلك الوقت، فيبطل تصرف المضارب بأمره لبطلان أهلية ~~الآمر، ويصير كأنه تصرف في ملك الورثة، فإن كان رأس المال يومئذ قائما في ~~يده لم يتصرف فيه ثم اشترى بعد ذلك، فالمشترى وربحه يكون له؛ لأنه زال ملك ~~رب المال عن المال فينعزل المضارب عن المضاربة، فصار متصرفا في ملك الورثة ~~بغير أمرهم، وإن كان صار ms3563 رأس المال متاعا فبيع المضارب فيه وشراؤه جائز، ~~حتى ينض رأس المال لما ذكرنا في هذه الحالة، لا ينعزل بالعزل والنهي، ولا ~~بموت رب المال، فكذلك ردته، فإن حصل في يد المضارب دنانير ورأس المال ~~دراهم، أو حصل في يده دراهم ورأس المال دنانير، فالقياس أن لا يجوز له ~~التصرف؛ لأن الذي حصل في يده من جنس رأس المال معنى لاتحادهما في الثمنية ~~فيصير كأن عين المال قائم في يده إلا أنهم استحسنوا فقالوا إن باع بجنس رأس ~~المال جاز؛ لأن على المضارب أن يرد مثل رأس المال، فكان له أن يبيع ما في ~~يده كالعروض. # وأما على أصل أبي يوسف ومحمد فالردة لا تقدح في ملك المرتد، فيجوز تصرف ~~المضارب بعد ردة رب المال، كما يجوز تصرف رب المال بنفسه عندهما، فإن مات ~~رب المال أو قتل كان موته كموت المسلم في بطلان عقد المضاربة، وكذلك إن لحق ~~بدار الحرب وحكم بلحاقه؛ لأن ذلك بمنزلة الموت، بدليل أن ماله يصير ميراثا ~~لورثته، فبطل أمره في المال، فإن لم يرتد رب المال ولكن المضارب ارتد، ~~فالمضاربة على حالها في قولهم جميعا؛ لأن وقوف تصرف رب المال بنفسه لوقوف ~~ملكه، ولا ملك للمضارب فيما يتصرف فيه، بل الملك لرب المال، ولم توجد منه ~~الردة، فبقيت المضاربة إلا أنه لا عهدة على المضارب، وإنما العهدة على رب ~~المال في قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله -؛ لأن العهدة تلزم بسبب المال ~~فتكون على رب المال، وصار كما لو وكل صبيا محجورا أو عبدا محجورا، فأما على ~~قولهما فالعهدة عليه؛ لأن تصرفه كتصرف المسلم. # وإن مات المضارب أو قتل على الردة بطلت المضاربة؛ لأن موته في الردة ~~كموته قبل الردة، وكذا إذا لحق بدار الحرب وقضي بلحوقه؛ لأن ردته مع ~~اللحاق، والحكم به بمنزلة موته في بطلان تصرفه، فإن لحق المضارب # PageV06P112 # بدار الحرب بعد ردته فباع واشترى هناك، ثم رجع مسلما، فجميع ما اشترى ~~وباع في دار الحرب يكون له، ولا ضمان عليه في ms3564 شيء من ذلك؛ لأنه لما لحق ~~بدار الحرب صار كالحربي إذا استولى على مال إنسان، ولحق بدار الحرب، إنه ~~يملكه، فكذا المرتد، وأما ارتداد المرأة أو عدم ارتدادها سواء في قولهم ~~جميعا، سواء كان المال لها أو كانت مضاربة؛ لأن ردتها لا تؤثر في ملكها، ~~إلا أن تموت، فتبطل المضاربة كما لو ماتت قبل الردة، أو لحقت بدار الحرب، ~~وحكم بلحاقها، لما ذكرنا أن ذلك بمنزلة الموت، وتبطل بهلاك مال المضاربة في ~~يد المضارب قبل أن يشتري به شيئا في قول أصحابنا؛ لأنه تعين لعقد المضاربة ~~بالقبض فيبطل العقد بهلاكه كالوديعة، وكذلك لو استهلكه المضارب أو أنفقه أو ~~دفعه إلى غيره، فاستهلكه لما قلنا حتى لا يملك أن يشتري به شيئا للمضاربة ~~به، فإن أخذ مثله من الذي استهلكه، كان له أن يشتري به على المضاربة، كذا ~~روى الحسن عن أبي حنيفة؛ لأنه أخذ عوض رأس المال، فكان أخذ عوضه بمنزلة أخذ ~~ثمنه، فيكون على المضاربة. # وروى ابن رستم عن محمد أنه لو أقرضها المضارب رجلا، فإن رجع إليه الدراهم ~~بعينها، رجعت على المضاربة؛ لأنه وإن تعدى يضمن لكن زال التعدي فيزول ~~الضمان المتعلق به، وإن أخذ مثلها لم يرجع في المضاربة؛ لأن الضمان قد ~~استقر بهلاك العين، وحكم المضاربة مع الضمان لا يجتمعان. # ولهذا يخالف ما رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة في الاستهلاك، هذا إذا ~~هلك مال المضاربة قبل أن يشتري المضارب شيئا، فإن هلك بعد الشراء بأن كان ~~مال المضاربة ألفا، فاشترى بها جارية ولم ينقد الثمن البائع حتى هلكت ~~الألف، فقد قال أصحابنا: الجارية على المضاربة ويرجع على رب المال بالألف، ~~فيسلمها إلى البائع، وكذلك إن هلكت الثانية التي قبض يرجع بمثلها على رب ~~المال، وكذلك سبيل الثالثة والرابعة، وما بعد ذلك أبدا حتى يسلم إلى ~~البائع، ويكون ما دفعه أولا رب المال، وما غرم كله من رأس المال، وإنما كان ~~كذلك لأن المضارب متصرف لرب المال، فيرجع بما لحقه من الضمان بتصرفه ~~كالوكيل. # غير ms3565 أن الفرق بين الوكيل والمضارب أن الوكيل إذا هلك الثمن في يده فرجع ~~بمثله إلى الموكل، ثم هلك الثاني لم يرجع على الموكل، والمضارب يرجع في كل ~~مرة، ووجه الفرق أن الوكالة قد انتهت بشراء الوكيل؛ لأن المقصود من الوكالة ~~بالشراء استفادة ملك المبيع لا الربح، فإذا اشترى فقد حصل المقصود فانتهى ~~عقد الوكالة بانتهائه، ووجب على الوكيل الثمن للبائع، فإذا هلك في يده قبل ~~أن ينقده البائع، وجب للوكيل على الموكل مثل ما وجب للبائع عليه، فإذا قبضه ~~مرة فقد استوفى حقه، فلا يجب له عليه شيء آخر فأما المضاربة فإنها لا تنتهي ~~بالشراء؛ لأن المقصود منها الربح، ولا يحصل إلا بالبيع والشراء مرة بعد ~~أخرى، فإذا بقي العقد فكان له أن يرجع ثانيا وثالثا، وما غرم رب المال مع ~~الأول يصير كله رأس المال؛ لأنه غرم لرب المال بسبب المضاربة، فيكون كله من ~~مال المضاربة، ولأن المقصود من هذا العقد هو الربح فلو لم يصر ما غرم رب ~~المال من رأس المال ويهلك مجانا، يتضرر به رب المال؛ لأنه يخسر ويربح ~~المضارب، وهذا لا يجوز. # ولو قبض المضارب الألف الأولى فتصرف فيها حتى صارت ألفين، ثم اشترى بها ~~جارية قيمتها ألفان، فهلكت الألفان قبل أن ينقدها البائع، فإنه يرجع على رب ~~المال بألف وخمسمائة، ويغرم المضارب من ماله خمسمائة، وهي حصته من الربح، ~~فيكون ربع الجارية للمضارب خاصة، وثلاثة أرباعها على المضاربة، ورأس المال ~~في هذه الثلاثة الأرباع ألفان وخمسمائة. # وإنما كان كذلك؛ لأنه لما اشترى الجارية بألفين فقد اشتراها أرباعا، ~~ربعها للمضارب وثلاثة أرباعها لرب المال؛ لأنه اشتراها بعد ما ظهر ملك ~~المضارب في الربح؛ لأنه اشتراها بألفين، ورأس المال ألف - فحصة رب المال من ~~الربح خمسمائة، وحصة المضارب خمسمائة، فما اشتراه لرب المال رجع عليه، وما ~~اشتراه لنفسه فضمانه عليه، وإنما خرج ربح الجارية من المضاربة؛ لأن القاضي ~~لما ألزمه ضمان حصته من الربح فقد عينه، ولا يتعين إلا بالقيمة، فخرج الربح ~~من المضاربة وبقي الباقي ms3566 على ما كان عليه، وقد لزم رب المال ألف وخمسمائة ~~بسبب المضاربة، فصار ذلك زيادة في رأس المال، فصار رأس المال ألفين ~~وخمسمائة، فإن بيعت هذه الجارية بأربعة آلاف، منها للمضارب ألف؛ لأن ذلك ~~حصته من الربح، فكان ملكه، وبقي ثلاثة آلاف على المضاربة، لرب المال منها ~~ألفان، وخمسمائة رأس ماله، يبقى ربح خمسمائة، # PageV06P113 # فيكون بينهما نصفين على الشرط. # ولو كانت الجارية تساوي ألفين، والشراء بألف، وهي مال المضاربة، فضاعت، ~~غرمها رب المال كلها؛ لأن الشراء إذا وقع بألف فقد وقع بثمن، كله رأس ~~المال، وإنما يظهر الربح في الثاني، فيكون الضمان على رب المال، بخلاف ~~الفصل الأول فإن هناك الشراء وقع بألفين فظهر ربح المضارب، وهلك ربع ~~الجارية، فيغرم حصة ذلك الربع من الثمن وروي عن محمد في المضارب إذا اشترى ~~جارية بألفي درهم، ألف ربح، وقيمتها ألف، فضاعت الألفان قبل أن ينقدها ~~البائع، إنه على أن على المضارب الربع، وهو خمسمائة، وعلى رب المال ألف ~~وخمسمائة، وهذا على ما بينا. # قال محمد: ولو اشترى جارية تساوي ألفين، بأمة تساوي ألفا، وقبض التي ~~اشتراها، ولم يدفع أمته حتى ماتتا جميعا في يده، فإنه يغرم قيمة التي ~~اشترى، وهي ألف، يرجع بذلك على رب المال؛ لأن المضمون عليه قيمة الجارية ~~التي اشتراها، ولا فضل في ذلك عن رأس المال، وهذا إنما يجوز، وهو أن يشتري ~~المضارب جارية قيمتها ألف بألفين، إذا كان رب المال قال له: اشتر بالقليل ~~والكثير، وإلا فشراء المضارب على هذا الوجه لا يصح في قولهم جميعا، وذكر ~~ابن سماعة عن محمد في موضع آخر في نوادره، في رجل دفع إلى رجل ألف درهم ~~مضاربة بالنصف، فاشترى المضارب وباع حتى صار المال ثلاثة آلاف، فاشترى ~~بثلاثة آلاف ثلاثة أعبد، قيمة كل واحد ألف، ولم ينقد المال حتى ضاع قال: ~~يغرم ذلك كله على رب المال، ويكون رأس المال أربعة آلاف؛ لأن المضارب لم ~~يتعين له ملك في واحد من العبيد؛ لأن كل واحد منهم يجوز أن يكون ms3567 رأس المال، ~~لهذا لا ينفذ عتقه فيهم، فيرجع بجميع ثمنهم. # وقد علل محمد لهذا فقال من قبل: إن المضارب لم يكن يجوز عتقه في شيء من ~~العبيد، وهذا يخالف ما ذكره الكرخي، فإنه قال: إن محمدا يعتبر المضمون على ~~المضارب الذي يغرمه دون ما وجب عليه من الثمن، ومعنى هذا الكلام أن المضارب ~~إذا قبض ولم ينقد الثمن حتى هلك، كان المعتبر ما يجب عليه ضمانه، فإن كان ~~ما يضمنه زائدا على رأس المال، كان على المضارب حصة ذلك، وإلا فلا، وهذا ~~بخلاف الأول؛ لأنا إذا اعتبرنا الضمان فقد ضمن أكثر من رأس المال، فإما أن ~~يجعل عن محمد روايتان، أو يكون الشرط فيما صار مضمونا على المضارب أن يتعين ~~حقه فيه، وهنا وإن ضمن فإنه لم يتعين حقه فيه، وأما تعليله بعدم نفاذ العتق ~~فلا يطرد؛ لأنه لو اشترى بالألفين جارية تساوي ألفا، يضمن وإن لم ينفذ عتقه ~~فيه، إلا أن يكون جعل نفوذ العتق في الجارية المشتراة بألفين، وقيمتها ~~ألفان عليه؛ لوجوب الضمان عليه، فما لا ينفذ عتقه فيه، يكون عكس العلة، فلا ~~يلزمه طرده في جميع المواضع. # وقال محمد إذا اشترى المضارب عبدا بألف درهم، وهي مال المضاربة، ففقد ~~المال، فقال رب المال: اشتريته على المضاربة، ثم ضاع المال وقال المضارب: ~~اشتريته بعد ما ضاع، وأنا أرى أن المال عندي فإذا قد ضاع قبل ذلك فالقول ~~قول المضارب؛ لأن الأصل في كل من يشتري شيئا أنه يعتبر مشتريا لنفسه، ولأن ~~الحال يشهد به أيضا، وهو هلاك المال، فكان الظاهر شاهدا للمضارب، فكان ~~القول قوله، وذكر محمد في المضاربة الكبيرة إذا اختلفا، وقال رب المال: ضاع ~~قبل أن تشتري الجارية، وإنما اشتريتها لنفسك، وقال المضارب: ضاع المال بعد ~~ما اشتريتها، وأنا أريد أن آخذك بالثمن، ولا أعلم متى ضاع فالقول قول رب ~~المال مع يمينه، وعلى المضارب البينة، أنه اشترى والمال عنده إنما ضاع بعد ~~الشراء؛ لأن رب المال ينفي الضمان عن نفسه، والمضارب يدعي عليه الضمان؛ ~~ليرجع ms3568 عليه بالثمن؛ لأنه يدعي وقوع العقد له، ورب المال ينكر ذلك، فكان ~~القول قوله، ولأن الحال وهو الهلاك شهد لرب المال، فإن أقاما البينة ~~فالبينة بينة المضارب؛ لأنها تثبت الضمان فكانت أولى. # وإذا انفسخت المضاربة، ومال المضاربة ديون على الناس، وامتنع عن التقاضي ~~والقبض، فإن كان في المال ربح أجبر على التقاضي والقبض، وإن لم يكن فيه ربح ~~لم يجبر عليهما، وقيل له: أحل رب المال بالمال على الغرماء؛ لأنه إذا كان ~~هناك ربح كان له فيه نصيب، فيكون عمله عمل الأجير، والأجير مجبور على العمل ~~فيما التزم، وإن لم يكن هناك ربح لم تسلم له منفعة، فكان عمله عمل الوكلاء ~~فلا يجبر على إتمام العمل، كما لا يجبر الوكيل على قبض الثمن، غير أنه يؤمر ~~المضارب أو الوكيل أن يحيل رب المال على الذي عليه الدين حتى يمكنه قبضه؛ ~~لأن حقوق العقد راجعة إلى العاقد، فلا يثبت ولاية القبض للآمر إلا بالحوالة ~~من العاقد، فيلزمه أن يحيله بالمال حتى لا يتوى حقه. # ولو ضمن العاقد # PageV06P114 # لرب المال هذا الدين الذي عليه، لم يجز ضمانه؛ لأن العاقد قد جعله أمينا ~~فلا يملك أن يجعل نفسه ضمينا فيما جعله العاقد أمينا. # ولو مات المضارب ولم يوجد مال المضاربة فيما خلف، فإنه يعود دينا فيما ~~خلف المضارب، وكذا المودع والمستعير والمستبضع وكل من كان المال في يده ~~أمانة، إذا مات قبل البيان ولا تعرف الأمانة بعينها، فإنه يكون عليه دينا ~~في تركته؛ لأنه صار بالتجهيل مستهلكا للوديعة، ولا تصدق ورثته على الهلاك ~~والتسليم إلى رب المال. # ولو عين الميت المال في حال حياته، أو علم ذلك، يكون ذلك أمانة في وصية، ~~أو في يد وارثه، كما كان في يده، ويصدقون على الهلاك والدفع إلى صاحبه، كما ~~يصدق الميت في حال حياته والله - عز وجل - أعلم. ### | [كتاب الهبة] ### | [ركن الهبة] # (كتاب الهبة) # الكلام في هذا الكتاب في الأصل في ثلاثة مواضع في بيان ركن الهبة وفي ~~بيان شرائط الركن وفي بيان حكم الهبة ms3569 أما ركن الهبة فهو الإيجاب من الواهب ~~فأما القبول من الموهوب له فليس بركن استحسانا والقياس أن يكون ركنا وهو ~~قول زفر وفي قول قال القبض أيضا ركن وفائدة هذا الاختلاف تظهر فيمن حلف لا ~~يهب هذا الشيء لفلان فوهبه منه فلم يقبل أنه يحنث استحسانا وعند زفر لا ~~يحنث ما لم يقبل وفي قول ما لم يقبل ويقبض وأجمعوا على أنه إذا حلف لا يبيع ~~هذا الشيء لفلان فباعه فلم يقبل أنه لا يحنث وعلى هذا الخلاف إذا قال رجل ~~لآخر وهبت هذا الشيء منك فلم يقبل فقال المقر له لا بل قبلت فالقول قول ~~المقر عندنا وعنده القول قول المقر له وأجمعوا على أنه لو قال بعت هذا ~~الشيء منك فلم تقبل فقال المقر له لا بل قبلت أن القول قول المقر له. # (وجه) القياس أن الهبة تصرف شرعي والتصرف الشرعي وجوده شرعا باعتباره وهو ~~انعقاده في حق الحكم والحكم لا يثبت بنفس الإيجاب فلا يكون نفس الإيجاب هبة ~~شرعا لهذا أمكن الإيجاب بدون القبول تبعا كذا هذا. # (وجه) الاستحسان أن الهبة في اللغة عبارة عن مجرد إيجاب المالك من غير ~~شريطة القبول وإنما القبول والقبض لثبوت حكمها لا لوجودها في نفسها فإذا ~~أوجب فقد أتى بالهبة فترتب عليها الأحكام والدليل على أن وقوع التصرف هبة ~~لا يقف على القبول ما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال «لا ~~تجوز الهبة إلا مقبوضة محوزة» أطلق اسم الهبة بدون القبض والحيازة وروي أن ~~الصعب بن جثامة أهدى إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - حمار وحش وهو ~~بالأبواء وفي رواية بودان فرده النبي - عليه الصلاة والسلام - وقال «لولا ~~أنا حرام وإلا لقبلنا» فقد أطلق الراوي اسم الإهداء بدون القبول والإهداء ~~من ألفاظ الهبة. # وروي أن سيدنا أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - دعى سيدتنا عائشة - رضي ~~الله عنها - في مرض موته فقال لها إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا من مالي ~~بالعالية وإنك لم تكوني قبضتيه ولا حرزتيه وإنما هو ms3570 اليوم مال الوارث أطلق ~~الصديق - رضي الله عنه - اسم النحلى بدون القبض والنحلى من ألفاظ الهبة ~~فثبت أن الهبة في اللغة عبارة عن نفس إيجاب الملك والأصل أن معنى التصرف ~~الشرعي هو ما دل اللفظ لغة بخلاف البيع فإنه اسم الإيجاب مع القبول فلا ~~يطلق اسم البيع لغة وشريعة على أحدهما دون الآخر فما لم يوجدا لا يتسم ~~التصرف بسمة البيع ولأن المقصود من الهبة هو اكتساب المدح والثناء بإظهار ~~الجود والسخاء وهذا يحصل بدون القبول بخلاف البيع وكذا الغرض من الحلف هو ~~منع النفس عن مباشرة المحلوف عليه وذلك هو الإيجاب لأنه فعل الواهب فيقدر ~~على منع نفسه عنه. # (فأما) القبول والقبض ففعل الموهوب له فلا يكون مقدور الواهب والملك ~~محكوم شرعي ثبت جبرا من الله تعالى شاء العبد أو أبى فلا يتصور منع النفس ~~عنه أيضا بخلاف البيع فإنه وإن منع نفسه عن فعله وهو الإيجاب إلا أن ~~الإيجاب هناك لا يصير تبعا بدون القبول فشرط القبول ليصير تبعا فالإيجاب هو ~~أن يقول الواهب وهبت هذا الشيء لك أو ملكته منك أو جعلته لك أو هو لك أو ~~أعطيته أو نحلته أو أهديته إليك أو أطعمتك هذا الطعام أو حملتك على هذه ~~الدابة ونوى به الهبة. # (أما) قوله وهبت لك فصريح في الباب وقوله ملكتك يجرى مجرى الصريح أيضا ~~لأن تمليك العين للحال من # PageV06P115 # غير عوض هو تفسير الهبة وكذا قوله جعلت هذا الشيء لك وقوله هو لك لأن ~~اللام المضاف إلى من هو أهل للملك للتمليك فكان تمليك العين في الحال من ~~غير عوض وهو معنى الهبة وكذا قوله أعطيتك لأن العطية المضافة إلى العين في ~~عرف الناس هو تمليكها للحال من غير عوض وهذا معنى الهبة وكذا يستعمل ~~الإعطاء استعمال الهبة يقال أعطاك الله كذا ووهبك بمعنى والنحلة هي العطية ~~يقال فلان نحل ولده نحلى أي أعطاه عطية والهبة بمعنى العطية وقوله أطعمتك ~~هذا الطعام في معنى أعطيتك وقوله حملتك على هذه الدابة فإنه يحتمل الهبة ms3571 ~~ويحتمل العارية فإنه روي أن سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حمل رجلا ~~على دابة ثم رآها تباع في السوق فأراد أن يشتريها فسأل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن ذلك فقال - صلى الله عليه وسلم - «لا ترجع في صدقتك» ~~فاحتمل تمليك العين واحتمل تمليك المنافع فلا بد من النية للتعيين. # ولو قال منحتك هذا الشيء أو قال هذا الشيء لك منحة فهذا لا يخلو إما أن ~~يكون ذلك الشيء مما يمكن الانتفاع به من غير استهلاك وإما أن يكون مما لا ~~يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه فإن كان مما يمكن الانتفاع به من غير ~~استهلاك كالدار والثوب والدابة والأرض بأن قال هذه الدار لك منحة أو هذا ~~الثوب أو هذه الدابة أو هذه الأرض فهو عارية لأن المنحة في الأصل عبارة عن ~~هبة المنفعة أو ما له حكم المنفعة وقد أضيف إلى ما يمكن الانتفاع به من غير ~~استهلاكه من السكنى واللبس والركوب والزراعة لأن منفعة الأرض زراعتها فكان ~~هذا تمليك المنفعة من غير عوض وهو تفسير الإعارة. # وكذا إذا قال لأرض بيضاء هذه الأرض لك طعمة كان عارية لأن عين الأرض مما ~~لا يطعم وإنما يطعم ما يخرج منها فكان طعمة الأرض زراعتها فكان ذلك حينئذ ~~إعارة ولصاحبها أن يأخذها إذا لم يكن فيها زرع وإن كان فيها زرع فالقياس أن ~~يكون له ولاية القلع كالبناء والغرس وفي الاستحسان يترك إلى وقت الحصاد ~~بأجر المثل وسنذكر وجهيها في كتاب العارية ولو منحه شاة حلوبا أو ناقة ~~حلوبا أو بقرة حلوبا وقال هذه الشاة لك منحة أو هذه الناقة أو هذه البقرة ~~كان عارية وجاز له الانتفاع بلبنها لأن اللبن وإن كان عينا حقيقة فهو معدود ~~من المنافع عرفا وعادة فأعطى له حكم المنفعة كأنه أباح له شرب اللبن فيجوز ~~له الانتفاع بلبنها وكذلك لو منحه جديا أو عناقا كان له عارية لأن الجدي ~~بعرض أن يصير فحلا والعناق حلوبا وإن عنى بالمنحة الهبة في هذه المواضع ms3572 على ~~فهو ما عنى لأنه نوى ما يحتمله لفظه وفيه تشديد على نفسه وإن كان مما لا ~~يمكن الانتفاع به إلا بالاستهلاك كالمأكول والمشروب والدراهم والدنانير ~~بأن. # قال هذا الطعام لك منحة أو هذا اللبن أو هذه الدراهم والدنانير كان هبة ~~لأن المنحة المضافة إلى ما لا يمكن الانتفاع به إلا بالاستهلاك لا يمكن ~~حملها على هبة المنفعة فيحمل على هبة العين وهي تمليكها وتمليك العين للحال ~~من غير عوض هو تغيير الهبة هذا إذا كان الإيجاب مطلقا عن القرينة فأما إذا ~~كان مقرونا بقرينة فالقرينة لا تخلو. # (إما) إن كان وقتا. # (وإما) إن كان شرطا. # (وإما) إن كان منفعة فإن كان وقتا بأن قال أعمرتك هذه الدار أو صرح فقال ~~جعلت هذه الدار لك عمرى أو قال جعلتها لك عمرك أو قال هي لك عمرك أو حياتك ~~فإذا مت أنت فهي رد علي أو قال جعلتها عمري أو حياتي فإذا مت أنا فهي رد ~~على ورثتي فهذا كله هبة وهي للمعمر له في حياته ولورثته بعد وفاته والتوقيت ~~باطل والأصل فيه ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«أمسكوا عليكم أموالكم لا تعمروها فإن من أعمر شيئا فإنه لمن أعمره» وروى ~~جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «أيما رجل أعمر ~~عمرى له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا يرجع إلى الذي أعطاها لأنه أعطى عطاء ~~وقعت فيه المواريث» . # وعن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من أعمر عمرى حياته ~~فهي له ولعقبه يرثها من يرثه بعده» فدلت هذه النصوص على جواز الهبة وبطلان ~~التوقيت لأن قوله جعلت هذه الدار لك أو هي لك تمليك العين للحال مطلقا ثم ~~قوله عمرى توقيت التمليك وإنه تغيير لمقتضى العقد وكذا تمليك الأعيان لا ~~يحتمل التوقيت نصا كالبيع فكان التوقيت تصرفا مخالفا لمقتضى العقد والشرع ~~فبطل وبقي العقد صحيحا وإن كانت القرينة شرطا نظر إلى الشرط المقرون فإن ~~كان مما يمنع ms3573 وقوع التصرف تمليكا للحال يمنع صحة الهبة وإلا فيبطل الشرط ~~وتصح الهبة وعلى هذا يخرج ما إذا قال أرقبتك هذه الدار أو صرح فقال # PageV06P116 # جعلت هذه الدار لك رقبى أو قال هذه الدار لك رقبى ودفعها إليه فهي عارية ~~في يده له أن يأخذها منه متى شاء وهذا قول أبي حنيفة ومحمد. # وقال أبو يوسف هذا هبة وقوله رقبى باطل احتج بما روي أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أجاز العمرى والرقبى ولأن قوله داري لك تمليك العين لا ~~تمليك المنفعة ولما قال رقبى فقد علقه بالشرط وأنه لا يحتمل التعليق فبطل ~~الشرط وبقي العقد صحيحا ولهذا لو قال داري لك عمرى أنه تصح الهبة ويبطل شرط ~~المعمر كذا هذا. # واحتجا بما روى الشعبي عن شريح «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أجاز العمرى وأبطل الرقبى» ومثلهما لا يكذب ولأن قوله داري لك رقبى تعليق ~~التمليك بالخطر لأن معنى الرقبى أنه يقول إن مت أنا قبلك فهي لك وإن مت أنت ~~قبلي فهي لي سمى الرقبى من الرقوب والارتقاب والترقب وهو الانتظار لأن كل ~~واحد منهما ينتظر موت صاحبه قبل موته وذلك غير معلوم فكانت الرقبى تعليق ~~التمليك بأمر له خطر الوجود والعدم والتمليكات مما لا تحتمل التعليق بالخطر ~~فلم تصح هبة وصحت عارية لأنه دفع إليه وأطلق له الانتفاع به وهذا معنى ~~العارية وهذا بخلاف العمرى لأن هناك وقع التصرف تمليكا للحال فهو بقوله ~~عمرى وقت التمليك أنه لا يحتمل التوقيت فبطل وبقي العقد على الصحة ولا حجة ~~له في الحديث لأن الرقبى تحتمل أن تكون من المراقبة وهي الانتظار ويحتمل أن ~~تكون من الرقاب وهو هبة الرقبة:. # فإن أريد بها الأول كان حجة وإن أريد بها الثاني لا يكون حجة لأن ذلك ~~جائز فلا يكون حجة مع الاحتمال أو يحمل على الثاني توفيقا بين الحديثين ~~صيانة لكلام من يستحيل عليه التناقض عنه وبهذا تبين أن لا اختلاف بينهم في ~~الحقيقة إن كان الرقبى والإرقاب مستعملين في ms3574 اللغة في هبة الرقبة وينبغي أن ~~ينوي فإن عنى به هبة الرقبة يجوز بلا خلاف وإن عنى به مراقبة الموت لا يجوز ~~بلا خلاف ولو قال لرجلين داري لأطولكما حياة فهو باطل لأنه لا يدرى أيهما ~~أطول حياة فكان هذا تعليق التمليك بالخطر فبطل ولو قال داري لك حبيس فهذا ~~عارية عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف هو هبة وقوله حبيس باطل بمنزلة ~~الرقبى. # (وجه) قوله أن قوله داري لك تمليك وقوله حبيس نفى الملك فلم يصح النفي ~~وبقي التمليك على حاله. # (وجه) قولهما أن قوله حبيس خرج تفسيرا لقوله لك فصار كأنه ابتدأ بالحبيس ~~فقال داري حبيس لك ولو قال ذلك كان عارية بالإجماع كذا هذا ولو قال داري ~~رقبى لك كان عارية إجماعا ذكره القاضي في شرحه مختصر الطحاوي ولو وهب جارية ~~على أن يبيعها أو على أن يتخذها أم ولد أو على أن يبيعها لفلان أو على أن ~~يردها عليه بعد شهر جازت الهبة وبطل الشرط لأن هذه الشروط مما لم تمنع وقوع ~~التصرف تمليكا للحال وهي شروط تخالف مقتضى العقد فتبطل ويبقى العقد على ~~الصحة بخلاف شروط الرقبى على ما بينا وبخلاف البيع فإنه تبطله هذه الشروط ~~لأن القياس أن لا يكون قران الشرط الفاسد لعقد ما مفسرا له لأن ذكره في ~~العقد لم يصح فيلحق بالعدم ويبقى العقد صحيحا إلا أن الفساد في البيع للنهي ~~الوارد فيه ولا نهي في الهبة فيبقى الحكم فيه على الأصل ولأن دلائل شرعية ~~الهبة عامة مطلقة من نحو قوله تعالى {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه ~~هنيئا مريئا} [النساء: 4] وهذا يجري مجرى الترغيب في أكل المهر. # وقوله - عليه الصلاة والسلام - «تهادوا تحابوا» وهذا ندب إلى التهادي ~~والهدية هبة وروينا عن الصديق - رضي الله عنه - أنه قال لسيدتنا عائشة - ~~رضي الله عنها - إني كنت نحلتك كذا وكذا وعن سيدنا عمر - رضي الله عنه - ~~أنه قال من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع ms3575 فيها ومن وهب ~~هبة يرى أنه أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض عنها ونحوه ~~من الدلائل المقتضية لشرعية الهبة من غير فصل بين ما قرن بها شرطا فاسدا أو ~~لم يقرن. # وعلى هذا يخرج ما إذا وهب جارية واستثنى ما في بطنها أو وهب حيوانا ~~واستثنى ما في بطنه أن الهبة جائزة في الأم والولد جميعا والاستثناء باطل ~~والكل للموهوب له وجملة الكلام في العقود التي فيها استثناء الحمل أنها ~~أقسام ثلاثة قسم منها يبطل ويبطل الاستثناء جميعا وقسم منها يصح ويبطل ~~الاستثناء وقسم منها يصح ويصح الاستثناء. # (أما) الأول فهو البيع والإجارة والكتابة والرهن لأن الاستثناء لما في ~~البطن بمنزلة شرط فاسد وهذه العقود تبطل بالشروط الفاسدة. # (وأما) القسم الثاني فالهبة والصدقة والنكاح والخلع والصلح عن دم العمد ~~لأن هذه العقود # PageV06P117 # لا تبطل بالشروط الفاسدة فيصح العقد ويبطل الاستثناء ويدخل الأم والولد ~~جميعا في العقد لأن الشرط الفاسد وهو الاستثناء فيها إذا لم يصلح التحق ~~بالعدم فصار كأنه لم يستثن وكذا العتق بأن أعتق جارية واستثنى ما في بطنها ~~أنه يصح العتق ولا يصح الاستثناء حتى يعتق الأم والولد جميعا لما قلنا. # (وأما) القسم الثالث فالوصية بأن أوصى لرجل بجارية واستثنى ما في بطنها ~~لأنه لما جعل الجارية وصية له واستثنى ما في بطنها فقد أبقى ما في بطنها ~~ميراثا لورثته والميراث يجرى فيما في البطن وهذا بخلاف ما إذا أوصى بجارية ~~لرجل واستثنى خدمتها وغلتها لورثته أنه تصح الوصية ويبطل الاستثناء لأن ~~الغلة والخدمة لا يجرى فيهما الميراث بانفرادهما بدون الأصل ألا ترى أنه لو ~~أوصى بخدمتها وغلتها لإنسان ومات الموصي ثم مات الموصى له بعد القبول لا ~~تصير الغلة والخدمة ميراثا لورثة الموصى له بل تعود إلى ورثة الموصي وبمثله ~~لو أوصى بما في بطن جاريته لإنسان والمسألة بحالها فإن الولد يصير ميراثا ~~لورثة الموصى له وما افترقا إلا لما ذكرنا والله عز وجل أعلم. # وإن كانت القرينة منفعة بأن قال داري ms3576 لك سكنى أو عمرى سكنى أو صدقة سكنى ~~أو هبة سكنى أو سكنى هبة أو هي لك عمرى عارية ودفعها إليه فهذا كله عارية ~~لأنه لما ذكر السكنى في قوله داري لك سكنى أو عمرى سكنى أو صدقة سكنى دل ~~على أنه أراد تمليك المنافع لأن قوله هذا لك ظاهره وإن كان لتمليك العين ~~لكنه يحتمل تمليك المنفعة لأن الإضافة إلى المستعير والمستأجر منفعة عرفا ~~وشرعا وقوله سكنى موضوع للمنفعة لا تستعمل إلا لها فكان محكما فجعل تفسيرا ~~للمحتمل وبيانا أنه أراد به تمليك المنفعة وتمليك المنفعة بغير عوض هو ~~تفسير العارية وكذا قوله سكنى بعد ذكر الهبة يكون تفسيرا للهبة لأن قوله ~~هبة يحتمل هبة العين ويحتمل هبة المنافع. # فإذا قال سكنى فقد عين هبة المنافع فكان بيانا لمراد المتكلم أنه أراد ~~هبة المنافع وهبة المنفعة تمليكها من غير عوض وهو معنى العارية وإذا قال ~~سكنى هبة فمعناها أن سكنى الدار هبة لك فكان هبة المنفعة وهو تفسير العارية ~~ولو قال هي لك عمرى تسكنها أو هبة تسكنها أو صدقة تسكنها ودفعها إليه فهو ~~هبة لأنه ما فسر الهبة بالسكنى لأنه لم يجعله نعتا فيكون بيانا للمحتمل بل ~~وهب الدار منه ثم شاوره فيما يعمل بملكه والمشورة في ملك الغير باطلة ~~فتعلقت الهبة بالعين وقوله تسكنها بمنزلة قوله لتسكنها كما إذا قال وهبتها ~~لك لتؤاجرها ولو قال هي لك تسكنها كانت هبة أيضا لأن الإضافة بحرف اللام ~~إلى من هو أهل الملك للتمليك وقوله تسكنها مشورة على ما بينا. ### | [فصل في شرائط ركن الهبة] # (فصل) : # وأما الشرائط فأنواع بعضها يرجع إلى نفس الركن وبعضها يرجع إلى الواهب ~~وبعضها يرجع إلى الموهوب وبعضها يرجع إلى الموهوب له. # (أما) الأول فهو أن لا يكون معلقا بما له خطر الوجود والعدم من دخول زيد ~~وقدوم خالد والرقبى ونحو ذلك ولا مضافا إلى وقت بأن يقول وهبت هذا الشيء ~~منك غدا أو رأس شهر كذا لأن الهبة تمليك العين للحال وأنه لا يحتمل ms3577 التعليق ~~بالخطر والإضافة إلى الوقت كالبيع. # (وأما) ما يرجع إلى الواهب فهو أن يكون ممن يملك التبرع ولأن الهبة تبرع ~~فلا يملكها من لا يملك التبرع فلا تجوز هبة الصبي والمجنون لأنهما لا ~~يملكان التبرع لكونه ضررا محضا لا يقابله نفع دنيوي فلا يملكها الصبي ~~والمجنون كالطلاق والعتاق وكذا الأب لا يملك هبة مال الصغير من غير شرط ~~العوض بلا خلاف لأن المتبرع بمال الصغير قربان ماله لا على وجه الأحسن ~~ولأنه لا يقابله نفع دنيوي وقد قال الله عز شأنه {ولا تقربوا مال اليتيم ~~إلا بالتي هي أحسن} [الأنعام: 152] ولأنه إذا لم يقابله عوض دنيوي كان ~~التبرع ضررا محضا وترك المرحمة في حق الصغير فلا يدخل تحت ولاية الولي ~~لقوله - عليه الصلاة والسلام - «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» وقوله - عليه ~~الصلاة والسلام - «من لا يرحم صغيرنا فليس منا» ولهذا لم يملك طلاق امرأته ~~وإعتاق عبده وسائر التصرفات الضارة المحضة. # وإن شرط الأب العوض لا يجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال ~~محمد - رحمه الله - يجوز وعلى هذا هبة المكاتب والمأذون أنه لا يجوز عندهما ~~سواء كان بعوض أو بغير عوض وعنده يجوز بشرط العوض والأصل عندهما أن كل من ~~لا يملك التبرع لا يملك الهبة لا بعوض ولا بغير عوض والأصل عنده أن كل من ~~يملك البيع يملك الهبة بعوض. # (وجه) قول محمد أن الهبة تمليك فإذا شرط فيها العوض كانت تمليكا بعوض ~~وهذا # PageV06P118 # تفسير البيع وإنما اختلفت العبارة ولا عبرة باختلافها بعد اتفاق المعنى ~~كلفظ البيع مع لفظة التمليك. # (ولهما) أن الهبة بشرط العوض تقع تبرعا ابتداء ثم تصير بيعا في الانتهاء ~~بدليل أنها تفيد الملك قبل القبض ولو وقعت بيعا من حين وجودها لما توقف ~~الملك فيه على القبض لأن البيع يفيد الملك بنفسه دل أنها وقعت تبرعا ابتداء ~~وهؤلاء لا يملكون التبرع فلم تصح الهبة حين وجودها فلا يتصور أن تصير بيعا ~~بعد ذلك. # (وأما) ما يرجع إلى الموهوب فأنواع:. # (منها) أن يكون ms3578 موجودا وقت الهبة فلا تجوز هبة ما ليس بموجود وقت العقد ~~بأن وهب ما يثمر نخله العام وما تلد أغنامه السنة ونحو ذلك بخلاف الوصية ~~والفرق أن الهبة تمليك للحال وتمليك المعدوم محال والوصية تمليك مضاف إلى ~~ما بعد الموت والإضافة لا تمنع جوازها وكذلك لو وهب ما في بطن هذه الجارية ~~أو ما في بطن هذه الشاة أو ما في ضرعها لا يجوز وإن سلطه على القبض عند ~~الولادة والحلب لأنه لا وجه لتصحيحه للحال لاحتمال الوجود والعدم لأن ~~انتفاخ البطن قد يكون للحمل وقد يكون لداء في البطن وغيره وكذا انتفاخ ~~الضرع قد يكون باللبن وقد يكون بغيره فكان له خطر الوجود والعدم ولا سبيل ~~لتصحيحه بالإضافة إلى ما بعد زمان الحدوث لأن التمليك بالهبة مما لا يحتمل ~~الإضافة إلى الوقت فبطل. # ولهذا لا يجوز بيعه بخلاف ما إذا وهب الدين من غير من عليه الدين وسلطه ~~على القبض أنه يصح استحسانا لأنه أمكن تصحيحه للحال لكون الموهوب موجودا ~~مملوكا للحال مقدور القبض بطريقه على ما سنذكره إن شاء الله تعالى وكذلك لو ~~وهب زبدا في لبن أو دهنا في سمسم أو دقيقا في حنطة لا يجوز وإن سلطه على ~~قبضه عند حدوثه لأنه معدوم للحال فلم يوجد محل حكم العقد للحال فلم ينعقد ~~ولا سبيل إلى الإضافة إلى وقت الحدوث فبطل أصلا بخلاف ما إذا وهب صوفا على ~~ظهر الغنم وجزه وسلمه أنه يجوز لأن الموهوب موجود مملوك للحال إلا أنه لم ~~ينفذ للحال لمانع وهو كون الموهوب مشغولا بما ليس بموهوب فإذا جزه فقد زال ~~المانع لزوال الشغل فينفذ عند وجود القبض كما لو وهب شقصا مشاعا ثم قسمه ~~وسلمه. # (ومنها) أن يكون مالا متقوما فلا تجوز هبة ما ليس بمال أصلا كالحر ~~والميتة والدم وصيد الحرم والإحرام والخنزير وغير ذلك على ما ذكرنا في ~~البيوع ولا هبة ما ليس بمال مطلق كأم الولد والمدبر المطلق والمكاتب لكونهم ~~أحرارا من وجه ولهذا لم يجز بيع هؤلاء ms3579 ولا هبة ما ليس بمتقوم كالخمر ولهذا ~~لم يجز بيعها. # (ومنها) أن يكون مملوكا في نفسه فلا تجوز هبة المباحات لأن الهبة تمليك ~~وتمليك ما ليس بمملوك محال. # (ومنها) أن يكون مملوكا للواهب فلا تجوز هبة مال الغير بغير إذنه ~~لاستحالة تمليك ما ليس بمملوك وإن شئت رددت هذا الشرط إلى الواهب وكل ذلك ~~صحيح لأن المالك والمملوك من الأسماء الإضافية والعلقة التي تدور عليها ~~الإضافة هي الملك فيجوز رد هذا الشرط إلى الموهوب ويجوز رده إلى الواهب في ~~صناعة الترتيب فافهم وسواء كان المملوك عينا أو دينا فتجوز هبة الدين لمن ~~عليه الدين قياسا واستحسانا. # (وأما) هبة الدين لغير من عليه الدين فجائز أيضا إذا أذن له بالقبض وقبضه ~~استحسانا والقياس أن لا يجوز وإن أذن له بالقبض. # (وجه) القياس أن القبض شرط جواز الهبة وما في الذمة لا يحتمل القبض بخلاف ~~ما إذا وهب لمن عليه لأن الدين في ذمته وذمته في قبضه فكان الدين في قبضه ~~بواسطة قبض الذمة. # (وجه) الاستحسان أن ما في الذمة مقدور التسليم والقبض ألا ترى أن المديون ~~يجبر على تسليمه إلا أن قبضه بقبض العين فإذا قبض العين قام قبضها مقام قبض ~~عين ما في الذمة إلا أنه لا بد من الإذن بالقبض صريحا ولا يكتفى فيه بالقبض ~~بحضرة الواهب بخلاف هبة العين لما نذكره في موضعه. # (ومنها) أن يكون محوزا فلا تجوز هبة المشاع فيما يقسم وتجوز فيما لا يقسم ~~كالعبد والحمام والدن ونحوها وهذا عندنا وعند الشافعي - رحمه الله - ليس ~~بشرط وتجوز هبة المشاع فيما يقسم وفيما لا يقسم عنده واحتج بظاهر قوله عز ~~وجل {فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون} [البقرة: 237] أوجب سبحانه وتعالى نصف ~~المفروض في الطلاق قبل الدخول إلا أن يوجد الحط من الزوجات عن النصف من غير ~~فصل بين العين والدين والمشاع والمقسوم فيدل على جواز هبة المشاع في الجملة ~~وبما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لما شدد في الغلول في ~~الغنيمة ms3580 في بعض الغزوات فقام - عليه الصلاة والسلام - إلى سنام بعير وأخذ ~~منه # PageV06P119 # وبرة ثم قال «أما إني لا يحل لي من غنيمتكم ولو بمثل هذه الوبرة إلا ~~الخمس والخمس مردود فيكم ردوا الخيط والمخيط فإن الغلول عار وشنار على ~~صاحبه إلى يوم القيامة فجاء أعرابي بكبة من شعر فقال أخذتها لأصلح بها ~~بردعة بعيري يا رسول الله فقال أما نصيبي فهو لك وسأسلمك الباقي» وهذا هبة ~~المشاع فيما يقسم. # وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل على أبي أيوب الأنصاري - ~~رضي الله عنه - فنظر إلى موضع المسجد فوجده بين أسعد بن زرارة وبين رجلين ~~من قومه فاستباع أسعد نصيبهما ليهب الكل من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فأبيا ذلك فوهب أسعد نصيبه من النبي - عليه الصلاة والسلام - فوهبا أيضا ~~نصيبهما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد قبل النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - الهبة في نصيب أسعد وقبل في نصيب الرجلين أيضا ولو لم يكن جائزا ~~لما قبل لأن أدنى حال فعل النبي - عليه الصلاة والسلام - الجواز ولأن ~~الشياع لا يمنع حكم هذا التصرف ولا شرطه لأن حكم الهبة الملك والشياع لا ~~يمنع الملك ألا ترى أنه يجوز بيع المشاع وكذا هبة المشاع فيما لا يقسم ~~وشرطه هو القبض والشيوع لا يمنع القبض لأنه يحصل قابضا للنصف المشاع بتخلية ~~الكل ولهذا جازت هبة المشاع فيما لا يقسم وإن كان القبض فيها شرطا لثبوت ~~الملك كذا هذا. # (ولنا) إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإنه روي أن سيدنا أبا بكر قال ~~في مرض موته لسيدتنا عائشة - رضي الله عنها - إن أحب الناس إلي غنى أنت ~~وأعزهم علي فقرا أنت وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا من مالي بالعالية وإنك ~~لم تكوني قبضتيه ولا جذيتيه وإنما هو اليوم مال الوارث اعتبر سيدنا الصديق ~~- رضي الله عنه - القبض والقيمة في الهبة لثبوت الملك لأن الحيازة في اللغة ~~جمع الشيء المفرق في حيز وهذا معنى القسمة لأن الأنصباء الشائعة قبل القسمة ~~كانت ms3581 متفرقة والقسمة تجمع كل نصيب في حيز وروي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه ~~- قال ما بال أحدكم ينحل ولده نحلا لا يحوزها ولا يقسمها ويقول إن مت فهو ~~له وإن مات رجعت إلي وأيم الله لا ينحل أحدكم ولده نحلى لا يحوزها ولا ~~يقسمها فيموت إلا جعلتها ميراثا لورثته. # والمراد من الحيازة القبض هنا لأنه ذكرها بمقابلة القسمة حتى لا يؤدي إلى ~~التكرار أخرج الهبة من أن تكون موجبة للملك بدون القبض والقسمة وروي عن ~~سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال من وهب ثلث كذا أو ربع كذا لا يجوز ما ~~لم يقاسم وكل ذلك بمحضر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~ينقل أنه أنكر عليهم منكر فيكون إجماعا ولأن القبض شرط جواز هذا العقد ~~والشيوع يمنع من القبض لأن معنى القبض هو التمكن من التصرف في المقبوض ~~والتصرف في النصف الشائع وحده لا يتصور فإن سكنى نصف الدار شائعا ولبس نصف ~~الثوب شائعا محال ولا يتمكن من التصرف فيه بالتصرف في الكل لأن العقد لم ~~يتناول الكل وهكذا نقول في المشاع الذي لا يقسم أن معنى القبض هناك لم يوجد ~~لما قلنا إلا أن هناك ضرورة لأنه يحتاج إلى هبة بعضه ولا حكم للهبة بدون ~~القبض والشياع مانع من القبض الممكن للتصرف ولا سبيل إلى إزالة المانع ~~بالقسمة لعدم احتمال القسمة فمست الضرورة إلى الجواز وإقامة صورة التخلية ~~مقام القبض الممكن من التصرف ولا ضرورة هنا لأن المحل محتمل للقسمة فيمكن ~~إزالة المانع من القبض الممكن بالقسمة. # أو نقول: الصحابة - رضي الله عنهم - شرطوا القبض المطلق والمطلق ينصرف ~~إلى الكامل وقبض المشاع قبض قاصر لوجوده من حيث الصورة دون المعنى على ما ~~بينا إلا أنه اكتفى بالصورة في المشاع الذي لا يحتمل القسمة للضرورة التي ~~ذكرنا ولا ضرورة هنا فلزم اعتبار الكمال في القبض ولا يوجد في المشاع ولأن ~~الهبة عقد تبرع فلو صحت في مشاع يحتمل القسمة لصار عقد ضمان لأن الموهوب له ms3582 ~~يملك مطالبة الواهب بالقسمة فيلزمه ضمان القسمة فيؤدي إلى تغيير المشروع ~~ولهذا توقف الملك في الهبة على القبض لما أنه لو ملكه بنفس العقد لثبتت له ~~ولاية المطالبة بالتسليم فيؤدي إلى إيجاب الضمان في عقد التبرع وفيه تغيير ~~المشروع وكذا هذا بخلاف مشاع لا يحتمل القسمة لأن هناك لا يتصور إيجاب ~~الضمان على المتبرع لأن الضمان ضمان القسمة والمحل لا يحتمل القسمة فهو ~~الفرق. # (وأما) الآية فلا حجة فيها لأن المراد من المفروض الدين لا العين ألا ترى ~~أنه قال {إلا أن يعفون} [البقرة: 237] والعفو إسقاط وإسقاط الأعيان لا يعقل ~~وكذا الغالب في المهر أن يكون # PageV06P120 # دينا وهبة الدين ممن عليه الدين جائز لأنه إسقاط الدين عنه وأنه جائز في ~~المشاع. # (وأما) حديث الكبة فيحتمل أن النبي - عليه الصلاة والسلام - وهب نصيبه ~~منه واستوهب البقية من أصحاب الحقوق فوهبوا وسلموا الكل جملة وفي الحديث ما ~~يدل عليه فإنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسأسلمك الباقي ~~وما كان هو - عليه الصلاة والسلام - ليخلف في وعده وهبة المشاع على هذا ~~السبيل جائزة عندنا على أن ذلك كان هبة مشاع لا ينقسم من حيث المعنى لأن ~~كبة واحدة لو قسمت على الجم الغفير لا يصيب كلا منهم إلا نزر حقير لا ينتفع ~~به فكان في معنى مشاع لا ينقسم. # (وأما) حديث أسعد بن زرارة فحكاية حال يحتمل أنه وهب نصيبه وشريكاه وهبا ~~نصيبهما منه وسلموا الكل جملة وهذا جائز عندنا ويحتمل أن الأنصباء كانت ~~مقسومة مفرزة ويجوز أن يقال في مثل هذا بينهم إذا كانت الجملة متصلة بعضها ~~ببعض كقرية بين جماعة أنها تضاف إليهم وإن كانت أنصباؤهم مقسومة واحتمل ~~بخلافه فلا يكون حجة مع الاحتمال لأن حكاية الحال لا عموم له ولو قسم ما ~~وهب وأفرزه ثم سلمه إلى الموهوب له جاز لأن هبة المشاع عندنا منعقد موقوف ~~نفاذه على القسمة والقبض بعد القسمة هو الصحيح إذ الشيوع لا يمنع ركن العقد ~~ولا حكمه وهو الملك ولا سائر الشرائط ms3583 إلا القبض الممكن من التصرف فإذا قسم ~~وقبض فقد زال المانع من النفاذ فينفذ. # وحديث الصديق - رضي الله عنه - لا يدل عليه فإنه قال لسيدتنا عائشة - رضي ~~الله عنها - إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا من مالي وكان ذلك هبة المشاع ~~فيما ينقسم لأن النحل من ألفاظ الهبة ولو لم ينعقد لما فعله الصديق - رضي ~~الله عنه - لأنه ما كان ليعقد عقدا باطلا فدل قول الصديق - رضي الله عنه - ~~على انعقاد العقد في نفسه وتوقف حكمه على القسمة والقبض وهو عين مذهبنا ~~والله عز وجل أعلم وكذلك لو وهب نصف داره من رجل ولم يسلم إليه ثم وهب منه ~~النصف الآخر وسلم إليه جملة جاز لما قلنا ولو وهب منه نصف الدار وسلم إليه ~~بنحلة الكل ثم وهب منه النصف الآخر وسلم لم تجز الهبة لأن كل واحد منهما ~~هبة المشاع وهبة المشاع فيما يقسم لا تنفذ إلا بالقسمة والتسليم ويستوي فيه ~~الجواب في هبة المشاع بين أن يكون من أجنبي أو من شريكه كل ذلك يجوز لقول ~~جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - لا تجوز الهبة إلا مقبوضة محوزة من غير ~~فصل ولأن المانع هو الشياع عند القبض وقد وجد وعلى هذا الخلاف صدقة المشاع ~~فيما ينقسم أنه لا يجوز عندنا خلافا للشافعي - رحمه الله -. # (وجه) قوله أن الشياع لا يمنع حكم التصرف وهو الملك ولا شرطه وهو القبض ~~ولا يمنع جوازه كالمفروض. # (ولنا) أن القبض شرط جواز الصدقة ومعنى القبض لا يتحقق في الشائع أو لا ~~يتكامل فيه لما بينا في الهبة ولأن التصدق تبرع كالهبة وتصحيحه في المشاع ~~يصيرها عقد ضمان فيتغير المشروع على ما ينافي الهبة ولو وهب شيئا ينقسم من ~~رجلين كالدار والدراهم والدنانير ونحوها وقبضاه لم يجز عند أبي حنيفة وجاز ~~عند أبي يوسف ومحمد وأجمعوا على أنه لو وهب رجلان من واحد شيئا ينقسم وقبضه ~~أنه يجوز فأبو حنيفة يعتبر الشيوع عند القبض وهما يعتبرانه عند العقد ~~والقبض جميعا فلم يجوز أبو حنيفة ms3584 هبة الواحد من اثنين لوجود الشياع وقت ~~القبض وهما جوزاها لأنه لم يوجد الشياع في الحالين بل وجد أحدهما دون الآخر ~~وجوزوا هبة الاثنين من واحد. # (أما) أبو حنيفة - رحمه الله - فلعدم الشيوع في وقت القبض. # (وأما) هما فلانعدامه في الحالين لأنه وجد عند العقد ولم يوجد عند القبض ~~ومدار الخلاف بينهم على حرف وهو أن هبة الدار من رجلين تمليك كل الدار جملة ~~أو تمليك من أحدهما والنصف من الآخر فعند أبي حنيفة تمليك النصف من أحدهما ~~والنصف من الآخر فيكون هبة المشاع فيما ينقسم كأنه أفرد تمليك كل نصف من كل ~~واحد منهما بعقد على حدة وعندهما هي تمليك الكل منهما إلا تمليك النصف من ~~هذا والنصف من ذلك فلا يكون تمليك الشائع فيجوز. # (وجه) قولهما أن العمل بموجب الصيغة هو الأصل وذلك فيما قلنا لأن قوله ~~وهبت هذه الدار كلها هبة كل الدار جملة منهما إلا هبة النصف من أحدهما ~~والنصف من الآخر لأن ذلك توزيع وتفريق واللفظ لا يدل عليه ولا يجوز العدول ~~عن موجب اللفظ لغة إلا لضرورة الصحة وفي العدول عن ظاهر الصيغة ههنا فساد ~~العقد بسبب الشيوع فوجب العمل بظاهر الصيغة وهو تمليك الكل منهما وموجب ~~التمليك # PageV06P121 # منها ثبوت الملك لهما في الكل وإنما يثبت الملك لكل واحد منهما في النصف ~~عند الانقسام ضرورة المزاحمة واستوائهما في الاستحقاق إذ ليس كل واحد منهما ~~أولى من الآخر لدخول كل واحد منهما في العقد على السواء كالأخوين في ~~الميراث عند الاستواء في الدرجة أن الميراث يكون بينهما نصفين وإن كان سبب ~~الاستحقاق في حق كل واحد منهما على الكمال حتى لو انفرد أحدهما يستحق كل ~~المال. # وإذا جاءت المزاحمة مع المساواة في الاستحقاق يثبت عند انقسام الميراث في ~~النصف وكذا الشفيعان يثبت لكل واحد منهما أخذ نصف الدار بالشفعة لضرورة ~~المزاحمة والاستواء في الاستحقاق وإن كان السبب في حق كل واحد منهما صالحا ~~لإثبات حق الشفعة في الكل حتى لو سلم أحدهما يكون الكل للآخر ms3585 وعلى هذا ~~مسائل فلم يكن الانقسام على التناصف موجب الصيغة بل لتضايق المحل لهذا جاز ~~الرهن من رجل فكان ذلك رهنا من كل واحد منهما على الكمال إذ لو كان رهن ~~النصف من هذا والنصف من ذلك لما جاز لأنه يكون رهن المشاع لهذا لو قضى ~~الراهن دين أحدهما كان للآخر حبس الكل دل أن ذلك رهن الكل من كل واحد منهما ~~كذا هذا. # (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن هذا تمليك مضاف إلى الشائع فلا ~~يجوز كما إذا ملك نصف الدار من أحدهما والنصف من الآخر بعقد على حدة ~~والدليل على أن هذا تمليك مضاف إلى الشائع أن قوله وهبت هذه الدار منكما ~~إما أن يكون تمليك كل الدار الواحدة من كل واحد منهما وإما أن يكون تمليك ~~النصف من أحدهما والنصف من الآخر لا سبيل إلى الأول لأن الدار الواحدة ~~يستحيل أن تكون مملوكة لكل واحد منهما على الكمال والمحال لا يكون موجب ~~العقد فتعين الثاني وهو أن يكون تمليك النصف من أحدهما والنصف من الآخر ~~لهذا لم يملك كل واحد منهما التصرف في كل الدار بل في نصفها ولو كان كل ~~الدار مملوكا لكل واحد منهما لملك وكذا كل واحد منهما يملك مطالبة صاحبه ~~بالتهايؤ أو بالقسمة وهذا آية ثبوت الملك له في النصف وإذا كان هذا تمليك ~~الدار لهما على التناصف كان تمليكا مضافا إلى الشائع كأنه أفرد لكل واحد ~~منهما العقد في النصف والشيوع يؤثر في القبض الممكن من التصرف على ما مر. # وقد خرج الجواب عن قولهما أن موجب الصيغة ثبوت الملك في كل الدار لكل ~~واحد منهما على الكمال لما ذكرنا أن هذا محال والمحال لا يكون موجب العقد ~~ولا العاقد بعقده يقصد أمرا محالا أيضا فكان موجب العقد التمليك منهما على ~~التناصف لأن هذا تمليك الدار منهما فكان عملا بموجب الصيغة من غير إحالة ~~فكان أولى بخلاف الرهن فإن الدار الواحدة تصلح مرهونة عند كل واحد منهما ~~لأن الرهن هو الحبس ms3586 واجتماعهما على الحبس متصور بأن يحبساه معا أو يضعاه ~~جميعا على يدي عدل فتكون الدار محبوسة كلها عند كل واحد منهما وهذا مما لا ~~يمكن تحقيقه في الملك فهو الفرق. # وعند أبي حنيفة - رحمه الله - إذا وهب من رجلين فقسم ذلك وسلم إلى كل ~~واحد منهما جاز لأن المانع هو الشيوع عند القبض وقد زال هذا إذا وهب من ~~رجلين شيئا مما يقسم فإن كان مما لا يقسم جاز بالإجماع لما ذكرنا فيما تقدم ~~ثم على أصلهما إذا قال لرجلين وهبت لكما هذه الدار لهذا نصفها ولهذا نصفها ~~جاز لأن قوله لهذا نصفها ولهذا نصفها خرج تفسيرا للحكم الثابت بالعقد إذ لا ~~يمكن جعله تفسيرا لنفس العقد لأن العقد وقع تمليك الدار جملة منهما على ما ~~بينا فجعل تفسيرا لحكمه فلا يوجب ذلك إشاعة في العقد. # ولو قال وهبت لك نصفها ولهذا نصفها لم يجز لأن الشيوع دخل على نفس العقد ~~فمنع الجواز ولو قال وهبت لكما هذه الدار ثلثها لهذا وثلثاها لهذا لم يجز ~~عند أبي يوسف وجاز عند محمد. # (وجه) قول محمد أن العقد متى جاز لاثنين يستوي فيه التساوي والتفاضل كعقد ~~البيع. # (وجه) قول أبي يوسف أن الجواز عند التساوي بطريق التفسير للحكم الثابت ~~بالعقد وذلك لا يوجب شيوعا في العقد ولما فضل أحد النصيبين عن الآخر تعذر ~~جعله تفسيرا لأن مطلق العقد لا يحتمل التفاضل فكان تفضيل أحد النصيبين في ~~معنى إفراد العقد لكل واحد منهما فكان هبة المشاع والشيوع يؤثر في الهبة ~~ولا يؤثر في البيع ولو رهن من رجلين لأحدهما ثلثه وللآخر ثلثاه أو نصفه ~~لهذا ونصفه لذلك على التفاضل والتناصف لا يجوز بالإجماع بخلاف ما إذا أبهم ~~بأن قال وهبت منكما أنه يجوز ولو وهب من فقيرين شيئا ينقسم فالهبة من ~~فقيرين بمنزلة التصدق عليهما لأن # PageV06P122 # الهبة من الفقير صدقة لأنه يبتغى بها وجه الله تعالى وسنذكر حكمها إن شاء ~~الله تعالى وعلى هذا يخرج هبة الشجر دون الثمر والثمر دون الشجر والأرض ms3587 دون ~~الزرع والزرع دون الأرض أنها غير جائزة لأن الموهوب متصل بما ليس بموهوب ~~اتصال جزء بجزء فكان كهبة المشاع ولو فصل وسلم جاز كما في هبة المشاع. # ولو تصدق بعشرة دراهم على رجلين فإن كانا غنيين لم يجز عند أبي حنيفة ~~ويجوز عندهما لأن التصدق على الغني هبة في الحقيقة والهبة من اثنين لا تجوز ~~وعندهما جائزة وإن كانا فقيرين فعندهما تجوز كما تجوز في الهبة من رجلين ~~وعن أبي حنيفة - رحمه الله - فيه روايتان في كتاب الهبة لا يجوز وفي الجامع ~~الصغير يجوز. # (وجه) رواية كتاب الهبة أن الشياع كما يمنع جواز الهبة يمنع جواز الصدقة ~~على ما ذكرنا فيما تقدم وههنا يتحقق الشيوع في القبض. # (وجه) رواية الجامع وهي الصحيحة أن معنى الشيوع في القبض لا يتحقق في ~~الصدقة على فقيرين لأن المتصدق يتقرب بالصدقة إلى الله عز وجل ثم الفقير ~~يقبض من الله تعالى قال الله تبارك وتعالى {ألم يعلموا أن الله هو يقبل ~~التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات} [التوبة: 104] وقال - عليه الصلاة والسلام ~~- «الصدقة تقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد الفقير» والله تعالى واحد لا ~~شريك له فلا يتحقق معنى الشيوع كما لو تصدق على فقير واحد ثم وكل بقبضها ~~وكيلين بخلاف التصدق على غنيين لأن الصدقة على الغني يبتغى بها وجه الغني ~~فكانت هدية لا صدقة قال - عليه الصلاة والسلام - «الصدقة يبتغى بها وجه ~~الله تعالى والدار الآخرة» والهدية يبتغى بها وجه الرسول وقضاء الحاجة ~~والهدية هبة فيتحقق معنى الشيوع في القبض وأنه مانع الجواز عنده. # (ومنها) القبض وهو أن يكون الموهوب مقبوضا وإن شئت رددت هذا الشرط إلى ~~الموهوب له لأن القابض والمقبوض من الأسماء الإضافية والعلقة التي تدور ~~عليها الإضافة من الجانبين هي القبض فيصح رده إلى كل واحد منهما في صناعة ~~الترتيب فتأمل والكلام في هذا الشرط في موضعين في بيان أصل القبض أنه شرط ~~أم لا؟ وفي بيان شرائط صحة القبض. # (أما) الأول فقد اختلف فيه قال ms3588 عامة العلماء شرط والموهوب قبل القبض على ~~ملك الواهب يتصرف فيه كيف شاء وقال مالك - رحمه الله - ليس بشرط ويملكه ~~الموهوب له من غير قبض. # (وجه) قوله أن هذا عقد تبرع بتمليك العين فيفيد الملك قبل القبض كالوصية. # (ولنا) إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - وهو ما روينا أن سيدنا أبا بكر ~~وسيدنا عمر - رضي الله عنهما - اعتبرا القسمة والقبض لجواز النحلى بحضرة ~~الصحابة ولم ينقل أنه أنكر عليهما منكر فيكون إجماعا وروي عن سيدنا أبي بكر ~~وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي وابن عباس - رضي الله عنهم - عنهم أنهم ~~قالوا لا تجوز الهبة إلا مقبوضة محوزة ولم يرد عن غيرهم خلافه ولأنها عقد ~~تبرع فلو صحت بدون القبض لثبت للموهوب له ولاية مطالبة الواهب بالتسليم ~~فتصير عقد ضمان وهذا تغيير المشروع بخلاف الوصية لأنه ليس في إيجاب الملك ~~فيها قبل القبض تغييرها عن موضعها إذ لا مطالبة قبل المتبرع وهو الموصي ~~لأنه ميت وكذلك القبض شرط جواز الصدقة لا يملك قبل القبض عند عامة العلماء ~~وقال ابن أبي ليلى وغيره من أهل الكوفة ليس بشرط وتجوز الصدقة إذا أعلمت ~~وإن لم تقبض ولا تجوز الهبة ولا النحلى إلا مقبوضة واحتجوا بما روي عن ~~سيدنا عمر وسيدنا علي - رضي الله عنهما - قالا إذا علمت الصدقة جازت من غير ~~شرط القبض. # (ولنا) ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال خبرا عن الله ~~سبحانه وتعالى «يا ابن آدم تقول مالي وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ~~أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت» اعتبر الله سبحانه وتعالى الإمضاء في ~~الصدقة والإمضاء هو التسليم دل أنه شرط وروي عن سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر ~~وابن عباس ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهم - أنهم قالوا لا تتم الصدقة إلا ~~بالقبض ولأن التصدق عقد تبرع فلا يفيد الحكم بنفسه كالهبة وما روي عن سيدنا ~~عمر وسيدنا علي - رضي الله عنهما - محمول على صدقة الأب على ابنه الصغير ~~وبه نقول لا حاجة ms3589 هناك إلى القبض حملناه على هذا توفيقا بين الدلائل صيانة ~~لها عن التناقض. # (والثاني) شرائط صحة القبض فأنواع. # (منها) أن يكون القبض بإذن المالك لأن الإذن بالقبض شرط لصحة القبض في ~~باب البيع حتى لو قبض المشتري من غير إذن البائع قبل نقد الثمن كان للبائع ~~حق الاسترداد # PageV06P123 # فلأن يكون في الهبة أولى لأن البيع يصح بدون القبض والهبة لا صحة لها ~~بدون القبض فلما كان الإذن بالقبض شرطا لصحته فيما لا يتوقف صحته على القبض ~~فلأن يكون شرطا فيما يتوقف صحته على القبض أولى؛ ولأن القبض في باب الهبة ~~يشبه الركن وإن لم يكن ركنا على الحقيقة فيشبه القبول في باب البيع ولا ~~يجوز القبول من غير إذن البائع ورضاه فلا يجوز القبض من غير إذن الواهب ~~أيضا والإذن نوعان: صريح ودلالة. # أما الصريح فنحو أن يقول اقبض أو أذنت لك بالقبض أو رضيت وما يجرى هذا ~~المجرى فيجوز قبضه سواء قبضه بحضرة الواهب أو بغير حضرته استحسانا والقياس ~~أن لا يجوز قبضه بعد الافتراق عن المجلس وهو قول زفر - رحمه الله - لأن ~~القبض عنده ركن بمنزلة القبول على أحد قوليه فلا يصح بعد الافتراق عن ~~المجلس كما لا يصح القبول عنده بعد الافتراق وإن كان بإذن الواهب كالقبول ~~في باب البيع. # (وجه) الاستحسان ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمل إليه ست ~~بدنات فجعلن يزدلفن إليه فقام - عليه الصلاة والسلام - فنحرهن بيده الشريفة ~~وقال من شاء فليقطع وانصرف فقد أذن لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالقبض بعد الافتراق حيث أذن لهم بالقطع فدل على جواز القبض واعتباره بعد ~~الافتراق ولأن الإذن بقبض الواهب صريحا بمنزلة إذن البائع بقبض المبيع وذلك ~~يعمل بعد الافتراق كذا هذا. # (وأما) الدلالة فهي أن يقبض الموهوب له العين في المجلس ولا ينهاه الواهب ~~فيجوز قبضه استحسانا والقياس أن لا يجوز كما لا يجوز بعد الافتراق وهو قول ~~زفر وقد ذكرنا القياس والاستحسان في الزيادات ولو قبض المشتري المبيع ms3590 بيعا ~~جائزا بحضرة البائع قبل نقد الثمن لم يجز قبضه قياسا واستحسانا حتى كان له ~~أن يسترد وفي البيع الفاسد اختلاف روايتي الكرخي والطحاوي رحمهما الله ~~ذكرناهما في البيوع # (وجه) القياس أن القبض ركن في الهبة كالقبول فيها فلا يجوز من غير إذن ~~كالقبول من باب البيع. # (وجه) الاستحسان أن الإذن بالقبض وجد من طريق الدلالة لأن الإقدام على ~~إيجاب الهبة إذن بالقبض لأنه دليل قصد التمليك ولا ثبوت للملك إلا بالقبض ~~فكان الإقدام على الإيجاب إذنا بالقبض دلالة والثابت دلالة كالثابت نصا ~~بخلاف ما بعد الافتراق لأن الإقدام دلالة الإذن بالقبض في المجلس لا بعد ~~الافتراق ولأن للقبض في باب الهبة شبها بالركن فيشبه القبول في باب البيع ~~وإيجاب البيع يكون إذنا بالقبول في المجلس لا بعد الافتراق فكذا إيجاب ~~الهبة يكون إذنا بالقبض لا بعد الافتراق. # ولو وهب شيئا متصلا بغيره مما لا تقع عليه الهبة كالثمر المعلق على الشجر ~~دون الشجر أو الشجر دون الأرض أو حلية السيف دون السيف أو القفيز من الصبرة ~~أو الصوف على ظهر الغنم وغير ذلك مما لا جواز للهبة فيه إلا بالفصل والقبض ~~ففصل وقبض فإن قبض بغير إذن الواهب لم يجز القبض سواء كان الفصل والقبض ~~بحضرة الواهب أو بغير حضرته ولأن الجواز في المنفصل عند حضرة الواهب للإذن ~~الثابت دلالة الإيجاب ولم يوجد ههنا لأن الإيجاب لم يقع صحيحا حين وجوده ~~فلا يصح الاستدلال على الإذن بالقبض وإن قبض بإذنه يجوز استحسانا والقياس ~~أن لا يجوز وهو قول زفر بناء على أن العقد إذا وقع فاسدا من حين وجوده لا ~~يحتمل الجواز عنده بحال لاستحالة انقلاب الفاسد جائزا وعندنا يحتمل الجواز ~~بإسقاط المفسد مقصورا على الحال أو من حين وجود العقد بطريق البيان على ~~اختلاف الطريقين اللذين ذكرناهما في كتاب البيع. # وكذلك إذا وهب دينا له على إنسان لآخر أنه إن قبض الموهوب له بإذن الواهب ~~صريحا جاز قبضه استحسانا والقياس أن لا يجوز وقد ذكرنا وجه القياس ~~والاستحسان ms3591 فيما تقدم وإن قبضه بحضرته ولم ينهه عن ذلك لا يجوز قياسا ~~واستحسانا فرق بين العين والدين. # (ووجه) الفرق أن الجواز في هبة العين عند عدم التصريح بالإذن لكون ~~الإيجاب فيها دلالة الإذن بالقبض لكون دلالة قصده تمليك ما هو ملكه من ~~الموهوب له وإيجاب الهبة في الدين لغير من عليه الدين لا تصح دلالة الإذن ~~إلا بقبضه لأن دلالته بواسطة دلالة قصد التمليك وتمليك الدين من غير من ~~عليه الدين لا يتحقق إلا بالتصريح بالإذن بالقبض لأنه إذا أذن له بالقبض ~~صريحا قام قبضه مقام قبض الواهب فيصير بقبض العين قابضا للواهب أولا ويصير ~~المقبوض ملكا له أولا ثم يصير قابضا لنفسه من الواهب فيصير الواهب على هذا ~~التقدير الذي # PageV06P124 # ذكرنا واهبا ملك نفسه والموهوب له قابضا ملك الواهب فصحت الهبة والقبض ~~وإذا لم يصرح بالإذن بالقبض بقي المقبوض من المال العين على ملك من عليه ~~فلم تصح الهبة فلا يجوز قبض الموهوب له فهو الفرق بين الفصلين. # ومنها أن لا يكون الموهوب مشغولا بما ليس بموهوب لأن معنى القبض وهو ~~التمكن من التصرف في المقبوض لا يتحقق مع الشغل وعلى هذا يخرج ما إذا وهب ~~دارا فيها متاع الواهب وسلم الدار إليه أو سلم الدار مع ما فيها من المتاع ~~فإنه لا يجوز لأن الفراغ شرط صحة التسليم والقبض ولم يوجد قيل الحيلة في ~~صحة التسليم أن يودع الواهب المتاع عند الموهوب له أولا ويخلى بينه وبين ~~المتاع ثم يسلم الدار إليه فتجوز الهبة فيها لأنها مشغولة بمتاع هو في يد ~~الموهوب له وفي هذه الحيلة إشكال وهو أن يد المودع يد المودع معنى فكانت ~~يده قائمة على المتاع فتمنع صحة التسليم. # ولو أخرج المتاع من الدار ثم سلم فارغا جاز وينظر إلى حال القبض لا إلى ~~حال العقد لأن المانع من النفاذ قد زال فينفذ كما في هبة المشاع ولو وهب ما ~~فيها من المتاع دون الدار وخلى بينه وبين المتاع جازت الهبة لأن المتاع لا ~~يكون ms3592 مشغولا بالدار والدار تكون مشغولة بالمتاع لهذا افترقا فيصح تسليم ~~المتاع ولا يصح تسليم الدار ولو جمع في الهبة بين المتاع وبين الدار الذي ~~فيها فوهبهما جميعا صفقة واحدة وخلى بينه وبينهما جازت الهبة فيهما جميعا ~~لأن التسليم قد صح فيهما جميعا فإن فرق بينهما في الهبة بأن وهب أحدهما ثم ~~وهب الآخر فهذا لا يخلو إما إن جمع بينهما في التسليم وأما إن فرق فإن جمع ~~جازت الهبة فيهما جميعا وإن فرق بأن وهب أحدهما وسلم ثم وهب الآخر وسلم نظر ~~في ذلك وروعي فيه الترتيب إن قدم هبة الدار فالهبة في الدار لم تجز لأنها ~~مشغولة بالمتاع فلم يصح تسليم الدار وجازت في المتاع لأنه غير مشغول بالدار ~~فيصح تسليمه ولو قدم هبة المتاع جازت الهبة فيهما جميعا أما في المتاع ~~فلأنه غير مشغول بالدار فيصح تسليمه وأما في الدار فلأنها وقت التسليم كانت ~~مشغولة بمتاع هو ملك الموهوب فلا يمنع صحة القبض. # وعلى هذا الأصل أيضا يخرج ما إذا وهب جارية واستثنى ما في بطنها أو ~~حيوانا واستثنى ما في بطنه أنه لا يجوز لأنه لو جاز لكان ذلك هبة ما هو ~~مشغول بغيره وإنها غير جائزة لأنه لا جواز لها بدون القبض وكون الموهوب ~~مشغولا بغيره يمنع صحة القبض ولو أعتق ما في بطن جاريته ثم وهب الأم يجوز ~~وذكر في العتاق أنه لو دبر ما في بطن جاريته لا يجوز منهم من قال في ~~المسألة روايتان. # (وجه) رواية عدم الجواز أن الموهوب مشغول بما ليس بموهوب فأشبه هبة دار ~~فيها متاع الواهب. # (وجه) رواية الجواز وهي رواية الكرخي أن حرية الجنين تجعله مستثنى من ~~العقد لأن حكم العقد لم يثبت فيه مع تناوله إياه ظاهرا وهذا معنى الاستثناء ~~ولو استثناه لفظا جازت الهبة في الأم فكذا إذا كان مستثنى في المعنى ومنهم ~~من قال في المسألة رواية واحدة وفرق بين الإعتاق والتدبير. # (ووجه) الفرق أن المدبر مال المولى فإذا وهب الأم فقد وهب ما هو ms3593 مشغول ~~بمال الواهب فلم يجز كهبة دار فيها متاع الواهب وأما الحر فليس بمال فصار ~~كما لو وهب دارا فيها حر جالس وذا لا يمنع جواز الهبة كذا هذا ومنها أن لا ~~يكون الموهوب متصلا بما ليس بموهوب اتصال الأجزاء لأن قبض الموهوب وحده لا ~~يتصور وغيره ليس بموهوب فكان هذا في معنى المشاع وعلى هذا يخرج ما إذا وهب ~~أرضا فيها زرع دون الزرع أو شجرا عليها ثمر دون الثمر أو وهب الزرع دون ~~الأرض أو الثمر دون الشجر وخلى بينه وبين الموهوب له أنه لا يجوز لأن ~~الموهوب متصل بما ليس بموهوب اتصال جزء بجزء فمنع صحة القبض ولو جذ الثمر ~~وحصد الزرع ثم سلمه فارغا جاز لأن المانع من النفاذ وهو ثبوت الملك قد زال ~~ولو جمع بينهما في الهبة فوهبهما جميعا وسلم متفرقا جاز ولو فرق بينهما في ~~الهبة فوهب كل واحد منهما بعقد على حدة بأن وهب الأرض ثم الزرع أو الزرع ثم ~~الأرض فإن جمع بينهما في التسليم جازت الهبة فيهما جميعا وإن فرق لا تجوز ~~الهبة فيهما جميعا قدم أو أخر سواء. # بخلاف الفصل الأول لأن المانع من صحة القبض هنا الاتصال وأنه لا يختلف ~~والمانع هناك الشغل وأنه يختلف نظير هذا ما إذا وهب نصف الدار مشاعا من رجل ~~ولم يسلم إليه حتى وهب النصف الباقي منه وسلم الكل أنه يجوز ولو وهب النصف ~~وسلم ثم وهب الباقي وسلم لا يجوز كذا هذا وعلى هذا يخرج ما إذا وهب صوفا ~~على ظهر غنم أنه لا يجوز لأن الموهوب متصل بما ليس بموهوب وهذا يمنع صحة # PageV06P125 # القبض ولو جزه وسلمه جاز لزوال المانع والله عز وجل أعلم. # وعلى هذا إذا وهب دابة وعليها حمل بدون الحمل لا تجوز ولو رفع الحمل عنها ~~وسلمها فارغا جاز لما قلنا بخلاف هبة ما في بطن جاريته أو ما في بطن غنمه ~~أو ما في ضرعها أو هبة سمن في لبن أو دهن في سمسم أو زيت ms3594 في زيتون أو دقيق ~~في حنطة أنه يبطل وإن سلطه على قبضه عند الولاة أو عند استخراج ذلك لأن ~~الموهوب هناك ليس محل العقد لكونه معدوما لهذا لم يجز بيعها فلا تجوز هبتها ~~وهنا بخلافه على ما تقدم ومنها أهلية القبض وهي العقل فلا يجوز قبض المجنون ~~والصبي الذي لا يعقل وأما البلوغ فليس بشرط لصحة القبض استحسانا فيجوز قبض ~~الصبي العاقل ما وهب له والقياس أن يكون شرطا ولا يجوز قبض الصبي وإن كان ~~عاقلا. # (وجه) القياس أن القبض من باب الولاية ولا ولاية له على نفسه فلا يجوز ~~قبضه في الهبة كما لا يجوز في البيع. # (وجه) الاستحسان أن قبض الهبة من التصرفات النافعة المحضة فيملكه الصبي ~~العاقل كما يملك وليه ومن هو في عياله وكذا الصبية إذا عقلت جاز قبضها لما ~~قلنا وكذلك الحرية ليست بشرط فيجوز قبض العبد المحجور عليه إذا وهب له هبة ~~ولا يجوز قبض المولى عنه سواء كان على العبد دين أولا فالقبض إلى العبد ~~والملك للمولى في المقبوض لأن القبض من حقوق العقد والعقد وقع للعبد فكان ~~القبض إليه ولأن الأصل في بني آدم الحرية والرق لعارض فكان الأصل فيهم ~~إطلاق التصرف لهم والانحجار لعارض الرق عن التصرف يتضمن الضرر بالمولى ولم ~~يوجد فبقي فيه على أصل الحرية والمقبوض كسب العبد وكسب العبد القن للمولى ~~وكذلك المكاتب إذا وهب له هبة فالقبض إليه ولا يجوز قبض المولى عنه لما ~~قلنا في القن فإذا قبض المكاتب فهو أحق به فلا يملكه المولى لأن الهبة كسبه ~~والمكاتب أحق باكتسابه ومنها الولاية في أحد نوعي القبض وجملة الكلام فيه ~~أن القبض نوعان قبض بطريق الأصالة وقبض بطريق النيابة. # (أما) القبض بطريق الأصالة فهو أن يقبض بنفسه لنفسه وشرط جوازه العقل فقط ~~على ما بينا. # (وأما) القبض بطريق النيابة فالنيابة في القبض نوعان نوع يرجع إلى القابض ~~ونوع يرجع إلى نفس القبض أما الأول الذي يرجع إلى القابض فهو القبض للصبي ~~وشرط جوازه الولاية بالحجر والعيلة ms3595 عند عدم الولاية فيقبض للصبي وليه أو من ~~كان الصبي في حجره وعياله عند عدم الولي فيقبض له أبوه ثم وصي أبيه بعده ثم ~~جده أبو أبيه بعد أبيه ووصيه ثم وصي جده بعده سواء كان الصبي في عيال هؤلاء ~~أو لم يكن فيجوز قبضهم على هذا الترتيب حال حضرتهم لأن هؤلاء ولاية عليهم ~~فيجوز قبضهم له. # وإذا غاب أحدهم غيبة منقطعة جاز قبض الذي يتلوه في الولاية لأن التأخير ~~إلى قدوم الغائب تفويت المنفعة على الصغير فتنتقل الولاية إلى من يتلوه وإن ~~كان دونه كما في ولاية الإنكاح ولا يجوز قبض غير هؤلاء الأربعة مع وجود ~~واحد منهم سواء كان الصبي في عيال القابض أو لم يكن وسواء كان ذا رحم محرم ~~منه كالأخ والعم والأم ونحوهم أو أجنبيا لأنه ليس لغير هؤلاء ولاية التصرف ~~في مال الصبي فقيام ولاية التصرف لهم تمنع ثبوت حق القبض لغيرهم فإن لم يكن ~~أحد من هؤلاء الأربعة جاز قبض من كان الصبي في حجره وعياله استحسانا ~~والقياس أن لا يجوز لعدم الولاية ولا يجوز قبض من لم يكن في عياله أجنبيا ~~كان أو ذا رحم محرم منه قياسا واستحسانا وإنما كان كذلك لأن الذي في عياله ~~له عليه ضرب ولاية ألا ترى أنه يؤدبه ويسلمه في الصنائع التي للصبي فيها ~~منفعة وللصبي في قبض الهبة منفعة محضة فقيام هذا القدر من الولاية يكفي ~~لتصرف فيه منفعة محضة للصبي. # (وأما) من ليس في عياله فلا ولاية له عليه أصلا فلا يجوز قبضه له ~~كالأجنبي والقبض للصبية إذا عقلت ولها زوج قد دخل بها زوجها أيضا استحسانا ~~لأنها في عياله لكن هذا إذا لم يكن أحد من هؤلاء فأما عند وجود واحد منهم ~~فلا يجوز قبض الزوج كذا ذكره الحاكم الجليل في مختصره. # (وأما) الثاني الذي يرجع إلى نفس القبض فهو أن القبض الموجود في الهبة ~~ينوب عن قبض الهبة سواء كان الموجود وقت العقد مثل قبض الهبة أو أقوى منه ~~لأنه إذا كان ms3596 مثله أمكن تحقيق التناوب إذ المتماثلان غيران ينوب كل واحد ~~منهما مقام صاحبه ويسد مسده فتثبت المناوبة مقتضى المماثلة وإذا كان أقوى ~~منه يوجد فيه المستحق وزيادة وبيان هذا في مسائل إذا كان الموهوب في يد ~~الموهوب له وديعة أو عارية # PageV06P126 # فوهب منه جازت الهبة وصار قابضا بنفس العقد ووقع العقد والقبض معا ولا ~~يحتاج إلى تجديد القبض بعد العقد استحسانا والقياس أن لا يصير قابضا ما لم ~~يجدد القبض وهو أن يخلي بين نفسه وبين الموهوب بعد العقد. # (وجه) القياس أن يد المودع إن كانت يده صورة فهي يد المودع معنى فكان ~~المال في يده فصار كأنه وهب ما في يده فلا بد من القبض بالتخلية. # (وجه) الاستحسان أن القبضين متماثلان لأن كل واحد منهما قبض غير مضمون إذ ~~الهبة عقد تبرع وكذا عقد الوديعة والعارية فتماثل القابضان فيتناوبان ضرورة ~~بخلاف بيع الوديعة والعارية من المودع والمستعير لأن قبضهما لا ينوب عن قبض ~~البيع لأن قبض الهبة أمانة وقبض البيع قبض ضمان فلم يتماثل القبضان بل ~~الموجود أدنى من المستحق فلم يتناوبا ولو كان الموهوب في يده مغصوبا أو ~~مقبوضا ببيع فاسد أو مقبوضا على سوم الشراء فكذا ينوب ذلك عن قبض الهبة ~~لوجود المستحق بالعقد وهو أصل القبض وزيادة ضمان. # ولو كان الموهوب مرهونا في يده ذكر في الجامع أنه يصير قابضا وينوب قبض ~~الرهن عن قبض الهبة لأن قبض الهبة قبض أمانة وقبض الرهن في حق العين قبض ~~أمانة أيضا فيتماثلان فناب أحدهما عن الآخر ولئن كان قبض الرهن قبض ضمان ~~فقبض الضمان أقوى من قبض الأمانة والأقوى ينوب عن الأدنى لوجود الأدنى فيه ~~وزيادة وإذا صحت الهبة بالقبض بطل الرهن ويرجع المرتهن بدينه على الراهن. # وذكر الكرخي أنه لا يصير قابضا حتى يجدد القبض بعد عقد الهبة لأن قبض ~~الرهن وإن كان قبض ضمان لكن هذا ضمان لا تصح البراءة منه فلا يحتمل الإبراء ~~بالهبة ليصير قبض أمانة فيتجانس القبضان فيبقى قبض ضمان فاختلف القبضان فلا ms3597 ~~يتناوبان بخلاف المغصوب والمقبوض على سوم الشراء لأن ذلك الضمان مما تصح ~~البراءة عنه فيبرأ عنه بالهبة ويبقى قبض بغير ضمان فتماثل القابضان ~~فيتناوبان ولو كان مبيعا قبل القبض فوهب من البائع جاز ولكن لا يكون هبة بل ~~يكون إقالة حتى لا تصح بدون قبول البائع ولو باعه من البائع قبل القبض لا ~~يجعل إقالة بل يبطل أصلا ورأسا والفرق بينهما ما ذكرنا في كتاب البيوع ولو ~~نحل ابنه الصغير شيئا جاز ويصير قابضا له مع العقد كما إذا باع ماله منه ~~حتى لو هلك عقيب البيع يهلك من مال الابن لصيرورته قابضا للصغير مع العقد ~~وينبغي للرجل أن يعدل بين أولاده في النحلى لقوله سبحانه وتعالى {إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: 90] . # (وأما) كيفية العدل بينهم فقد قال أبو يوسف العدل في ذلك أن يسوي بينهم ~~في العطية ولا يفضل الذكر على الأنثى وقال محمد العدل بينهم أن يعطيهم على ~~سبيل الترتيب في المواريث للذكر مثل حظ الأنثيين كذا ذكر القاضي الاختلاف ~~بينهما في شرح مختصر الطحاوي وذكر محمد في الموطإ ينبغي للرجل أن يسوي بين ~~ولده في النحل ولا يفضل بعضهم على بعض. # وظاهر هذا يقتضي أن يكون قوله مع قول أبي يوسف وهو الصحيح لما روي أن ~~بشيرا أبا النعمان أتى بالنعمان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كل ولدك نحلته مثل هذا فقال لا فقال النبي - عليه الصلاة والسلام - فأرجعه ~~وهذا إشارة إلى العدل بين الأولاد في النحلة وهو التسوية بينهم ولأن في ~~التسوية تأليف القلوب والتفضيل يورث الوحشة بينهم فكانت التسوية أولى ولو ~~نحل بعضا وحرم بعضا جاز من طريق الحكم لأنه تصرف في خالص ملكه لا حق لأحد ~~فيه إلا أنه لا يكون عدلا سواء كان المحروم فقيها تقيا أو جاهلا فاسقا على ~~قول المتقدمين من مشايخنا وأما على قول المتأخرين منهم لا بأس أن يعطي ~~المتأدبين ms3598 والمتفقهين دون الفسقة الفجرة. ### | [فصل في حكم الهبة] # (فصل) : # وأما حكم الهبة فالكلام فيه في ثلاث مواضع في بيان أصل الحكم وفي بيان ~~صفته وفي بيان ما يرفع الحكم. # أما أصل الحكم فهو ثبوت الملك للموهوب له في الموهوب من غير عوض لأن ~~الهبة تمليك العين من غير عوض فكان حكمها ملك الموهوب من غير عوض. # وأما صفته فقد اختلف فيها قال أصحابنا هي ثبوت ملك غير لازم في الأصل ~~وللواهب أن يرجع في هبته وإنما يثبت اللزوم ويمتنع الرجوع بأسباب عارضة ~~وقال الشافعي - رحمه الله - الثابت بالهبة ملك لازم في الأصل ولا يثبت ~~الرجوع إلا في هبة الولد خاصة وهي هبة الوالد لولده فنقول يقع # PageV06P127 # الكلام في هذا الفصل في مواضع في بيان ثبوت حق الرجوع في الهبة وفي بيان ~~شرائط صحة الرجوع بعد ثبوت الحق وفي بيان العوارض المانعة من الرجوع وفي ~~بيان ماهية الرجوع وحكمه شرعا. # أما ثبوت حق الرجوع فحق الرجوع في الهبة ثابت عندنا خلافا للشافعي - رحمه ~~الله - احتج بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا يحل ~~لواهب أن يرجع في هبته إلا فيما يهب الوالد لولده» وهذا نص في مسألة هبة ~~الأجنبي والوالد وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «العائد ~~في هبته كالعائد في قيئه» والعود في القيء حرام كذا في الهبة ولأن الأصل في ~~العقود هو اللزوم والامتناع بعارض خلل في المقصود ولم يوجد لأن المقصود من ~~الهبة اكتساب الصيت بإظهار الجود والسخاء لا طلب العوض فمن طلب منهما العوض ~~فقد طلب من العقد ما لم يوضع له فلا يعتبر طلبه أصلا. # (ولنا) الكتاب والسنة وإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - أما الكتاب ~~العزير فقوله تعالى {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء: ~~86] والتحية وإن كانت تستعمل في معان من السلام والثناء والهدية بالمال. # (قال القائل) # تحيتهم بيض الولاء بدينهم # لكن الثالث تفسير مراد بقرينة من نفس الآية الكريمة وهي قوله تعالى {أو ms3599 ~~ردوها} [النساء: 86] لأن الرد إنما يتحقق في الأعيان لا في الأعراض لأنه ~~عبارة عن إعادة الشيء وذا لا يتصور في الأعراض والمشترك يتعين أحد وجوهه ~~بالدليل وأما السنة فما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها» أي بعوض ~~جعل - عليه الصلاة والسلام - الواهب أحق بهبته ما لم يصل إليه العوض وهذا ~~نص في الباب وأما إجماع الصحابة فإنه روي عن سيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا ~~علي وعبد الله ابن سيدنا عمر وأبي الدرداء وفضالة بن عبيد وغيرهم - رضي ~~الله عنهم - أنهم قالوا مثل مذهبنا ولم يرد عن غيرهم خلافه فيكون إجماعا. # ولأن العوض المالي قد يكون مقصودا من هبة الأجانب فإن الإنسان قد يهب من ~~الأجنبي إحسانا إليه وإنعاما عليه وقد يهب له طمعا في المكافأة والمجازاة ~~عرفا وعادة فالموهوب له مندوب إلى ذلك شرعا قال الله تبارك وتعالى {هل جزاء ~~الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن: 60] وقال - عليه الصلاة والسلام - «من اصطنع ~~إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى يعلم أنكم قد ~~كافأتموه» وقال - عليه الصلاة والسلام - «تهادوا تحابوا» والتهادي تفاعل من ~~الهدية فيقتضي الفعل من اثنين وقد لا يحصل هذا المقصود من الأجنبي وفوات ~~المقصود من عقد محتمل للفسخ يمنع لزومه كالبيع لأنه يعدم الرضا والرضا في ~~هذا الباب كما هو شرط الصحة فهو شرط اللزوم كما في البيع إذا وجد المشتري ~~بالمبيع عيبا لم يلزمه العقد لعدم الرضا عند عدم حصول المقصود وهو السلامة ~~كذا هذا. # وأما الحديث الأول فله تأويلان أحدهما أنه محمول على الرجوع بغير قضاء ~~ولا رضاء وذلك لا يجوز عندنا إلا فيما وهب الوالد لولده فإنه يحل له أخذه ~~من غير رضا الولد ولا قضاء القاضي إذا احتاج إليه للإنفاق على نفسه الثاني ~~أنه محمول على نفي الحل من حيث المروءة والخلف لا من حيث الحكم لأن نفي ~~الحل يحتمل ذلك قال الله تعالى عز ms3600 وجل في رسولنا - عليه الصلاة والسلام - ~~{لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج} [الأحزاب: 52] قيل في ~~بعض التأويلات لا يحل لك من حيث المروءة والخلف أن تتزوج عليهن بعد ما ~~اخترن إياك والدار الآخرة على الدنيا وما فيها من الزينة لا من حيث الحكم ~~إذا كان يحل له التزوج بغيرهن وهذا تأويل الحديث والآخر أن المراد منه ~~التشبيه من حيث ظاهر القبح مروءة وطبيعة لا شريعة. # ألا ترى أنه قال - عليه الصلاة والسلام - في رواية أخرى «العائد في هبته ~~كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه» وفعل الكلب لا يوصف بالحرمة الشرعية لكنه ~~يوصف بالقبح الطبيعي كذا هذا وقوله فيما يهبه الوالد لولده محمول على أخذه ~~مال ابنه عند الحاجة إليه لكنه سماه رجوعا لتصوره بصورة الرجوع مجازا وإن ~~لم يكن رجوعا حقيقة على ما نذكره في تلك المسألة إن شاء الله تعالى. # وأما شرائط الرجوع بعد ثبوت الحق حتى لا يصح بدون القضاء والرضا لأن ~~الرجوع فسخ العقد بعد تمامه وفسخ العقد بعد تمامه يصح بدون القضاء والرضا ~~كالرد بالعيب في البيع بعد القبض. # وأما العوارض المانعة من الرجوع فأنواع منها هلاك الموهوب لأنه لا سبيل ~~إلى الرجوع في الهالك ولا سبيل إلى الرجوع في قيمته لأنها ليست # PageV06P128 # بموهوبة لانعدام ورود العقد عليها. # ومنها خروج الموهوب من ملك الواهب بأي سبب كان من البيع والهبة والموت ~~ونحوها لأن الملك يختلف بهذه الأشياء إما بالبيع والهبة ونحوهما فظاهر وكذا ~~بالموت لأن الثابت للوارث غير ما كان ثابتا للمورث حقيقة لأن الملك عرض ~~يتجدد في كل زمان إلا أنه مع تجدده حقيقة جعل متجددا تقديرا في حق المحل ~~حتى يرد الوارث بالعيب ويرد عليه فيجب العمل بالحقيقة في حق المالك فاختلف ~~الملكان واختلاف الملكين بمنزلة اختلاف العينين ثم لو وهب عينا لم يكن له ~~أن يرجع في عين أخرى فكذا إذا أوجبه ملكا لم يكن له أن يفسخ ملكا آخر بخلاف ~~ما إذا وهب لعبد رجل هبة ms3601 فقبضها العبد أن للواهب أن يرجع فيها لأن الملك ~~هناك لم يختلف لأن الهبة انعقدت موجبة للملك للمولى ابتداء فلم يختلف ~~الملك. # وكذا المكاتب إذا وهب له هبة وقبضها فللواهب أن يرجع لما قلنا وكذلك إن ~~أعتق المكاتب لأن الملك الذي أوجبه بالهبة قد استقر بالعتق فكأنه وهب له ~~بعد العتق فإن عجز المكاتب ورد في الرق فللواهب أن يرجع عند أبي يوسف وعند ~~محمد ليس له أن يرجع وهذا بناء على أن المكاتب إذا عجز عن أداء بدل الكتابة ~~فالمولى يملك أكسابه بحكم الملك الأول أو يملكها ملكا مبتدأ فعند أبي يوسف ~~يملكها بحكم الملك الأول فلم يختلف الملك فكان له أن يرجع وعند محمد يملكها ~~ملكا مبتدأ فاختلف الملك فمنع الرجوع. # (وجه) قول محمد أن ملك الكسب للمولى قد بطل بالكتابة لأن المكاتب صار أحق ~~بأكسابه بالكتابة فبطل ملك المولى بالكسب والباطل لا يحتمل العود فكان هذا ~~ملكا مبتدأ فيمنع الرجوع كملك الوارث. # (وجه) قول أبي يوسف أن سبب ثبوت ملك الكسب هو ملك الرقبة وملك الرقبة ~~قائم بعد الكتابة إلا أنه امتنع ظهور ملك الكسب للمولى لضرورة التوصل إلى ~~المقصود من الكتابة في جانب المكاتب وهو شرف الحرية بأداء بدل الكتابة فإذا ~~عجز زالت الضرورة وظهر ملك الكسب تبعا لملك الرقبة فلم يكن هذا ملكا مبتدأ ~~أو منها موت الواهب لأن الوارث لم يوجب الملك للموهوب له فكيف يرجع في ملك ~~لم يوجبه. # ومنها الزيادة في الموهوب زيادة متصلة فنقول جملة الكلام في زيادة الهبة ~~إنها لا تخلو إما إن كانت متصلة بالأصل وإما إن كانت منفصلة عنه فإن كانت ~~متصلة بالأصل فإنها تمنع الرجوع سواء كانت الزيادة بفعل الموهوب له أو لا ~~بفعله وسواء كانت متولدة أو غير متولدة نحو ما إذا كان الموهوب جارية هزيلة ~~فسمنت أو دارا فبنى فيها أو أرضا فغرس فيها غرسا أو نصب دولابا وغير ذلك ~~مما يستقى به وهو مثبت في الأرض مبني عليها على وجه يدخل في بيع الأرض ms3602 من ~~غير تسمية قليلا كان أو كثيرا أو كان الموهوب ثوبا فصبغه بعصفر أو زعفران ~~أو قطعه قميصا وخاطه أو جبة وحشاه أو قباء لأنه لا سبيل إلى الرجوع في ~~الأصل مع زيادة لأن الزيادة ليست بموهوبة إذا لم يرد عليها العقد فلا يجوز ~~أن يرد عليها الفسخ ولا سبيل إلى الرجوع في الأصل بدون الزيادة لأنه غير ~~ممكن فامتنع الرجوع أصلا. # وإن صبغ الثوب بصبغ لا يزيد فيه أو ينقصه فله أن يرجع لأن المانع من ~~الرجوع هو الزيادة فإذا لم يزده الصبغ في القيمة التحقت الزيادة بالعدم وإن ~~كانت الزيادة منفصلة فإنها لا تمنع الرجوع سواء كانت متولدة من الأصل ~~كالولد واللبن والثمر أو غير متولدة كالأرش والعقر والكسب والغلة لأن هذه ~~الزوائد لم يرد عليها العقد فلا يرد عليها الفسخ وإنما ورد على الأصل ويمكن ~~فسخ العقد في الأصل دون الزيادة بخلاف المتصلة وبخلاف ولد المبيع أنه يمنع ~~الرد بالعيب لأن المانع هناك وهو الربا لأنه يبقى الولد بعد رد الأم بكل ~~الثمن مبيعا مقصودا لا يقابله عوض وهذا تفسير الربا ومعنى الربا لا يتصور ~~في الهبة لأن جريان الربا يختص بالمعاوضات فجاز أن يبقى الولد موهوبا ~~مقصودا بلا عوض بخلاف المبيع وكذا الزيادة في سعر لا تمنع الرجوع لأنه لا ~~تعلق لها بالموهوب وإنما هي رغبة يحدثها الله تعالى في القلوب فلا تمنع ~~الرجوع ولهذا لم تعتبر هذه الزيادة في أصول الشرع فلا تغير ضمان الرهن ولا ~~الغصب ولا تمنع الرد بالعيب. # وأما نقصان الموهوب فلا يمنع الرجوع لأن ذلك رجوع في بعض الموهوب وله أن ~~يرجع في بعض الموهوب مع بقائه بكماله فكذا إذا نقص ولا يضمن الموهوب له ~~النقصان لأن قبض الهبة ليس بقبض مضمون. # ومنها العوض لما روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ~~«الواهب أحق بهبته # PageV06P129 # ما لم يثب منها» أي ما لم يعوض ولأن التعويض دليل على أن مقصود الواهب هو ~~الوصول إلى العوض فإذا وصل فقد حصل ms3603 مقصوده فيمنع الرجوع وسواء قل العوض أو ~~كثر لما روينا من الحديث من غير فصل فنقول العوض نوعان متأخر عن العقد ~~ومشروط في العقد. # أما العوض المتأخر عن العقد فالكلام فيه يقع في موضعين أحدهما في بيان ~~شرط جواز هذا التعويض وصيرورة الثاني عوضا والثاني في بيان ماهية هذا ~~التعويض أما الأول فله شرائط ثلاثة الأول مقابلة العوض بالهبة وهو أن يكون ~~التعويض بلفظ يدل على المقابلة نحو أن يقول هذا عوض من هبتك أو بدل عن هبتك ~~أو مكان هبتك أو نحلتك هذا عن هبتك أو تصدقت بهذا بدلا عن هبتك أو كافأتك ~~أو جازيتك أو أتيتك وما يجري هذا المجرى لأن العوض اسم لما يقابل المعوض ~~فلا بد من لفظ يدل على المقابلة. # حتى لو وهب لإنسان شيئا وقبضه الموهوب له ثم إن الموهوب له أيضا وهب شيئا ~~للواهب ولم يقل هذا عوض من هبتك ونحو ذلك مما ذكرنا لم يكن عوضا بل كان هبة ~~مبتدأة ولكل واحد منهما حق الرجوع لأنه لم يجعل الباقي مقابلا بالأول ~~لانعدام ما يدل على المقابلة فكانت هبة مبتدأة فيثبت فيها الرجوع والثاني ~~لا يكون العوض في العقد مملوكا بذلك العقد حتى لو عوض الموهوب له الواهب ~~بالموهوب لا يصح ولا يكون عوضا وإن عوضه ببعض الموهوب عن باقيه فإن كان ~~الموهوب على حاله التي وقع عليها العقد لم يكن عوضا لأن التعويض ببعض ~~الموهوب لا يكون مقصود الواهب عادة إذ لو كان مقصوده لأمسكه ولم يهبه فلم ~~يحصل مقصوده بتعويض بعض ما دخل تحت العقد فلا يبطل حق الرجوع، وإن كان ~~الموهوب قد تغير عن حاله تغيرا يمنع الرجوع فإن بعض الموهوب يكون عوضا عن ~~الباقي لأنه بالتغير صار بمنزلة عين أخرى فصلح عوضا، هذا إذا وهب شيئا ~~واحدا أو شيئين في عقد واحد فأما إذا وهب شيئين في عقدين فعوض أحدهما عن ~~الآخر فقد اختلف فيه قال أبو حنيفة عليه الرحمة عوضا وقال أبو يوسف لا يكون ~~عوضا. # (وجه) قول ms3604 أبي يوسف إن حق الرجوع ثابت في غير ما عوض لأنه موهوب وحق ~~الرجوع في الهبة ثابت شرعا فإذا عوض يقع عن الحق المستحق شرعا فلا يقع موقع ~~العوض بخلاف ما إذا تغير الموهوب فجعل بعضه عوضا عن الباقي أنه يجوز وكان ~~ملكا عوضا لأن حق الرجوع قد بطل بالتغير فجاز أن يقع موقع العوض. # (وجه) قولهما إنهما ملكا بعقدين متباينين فجاز أن يجعل أحدهما عوضا عن ~~الآخر وهذا لأنه يجوز أن يكون مقصود الواهب من هبته الثانية عود الهبة ~~الأولى لأن الإنسان قد يهب شيئا ثم يبدو له الرجوع فصار الموهوب بأحد ~~العقدين بمنزلة عين أخرى بخلاف ما إذا عوض بعض الموهوب عن الباقي وهو على ~~حاله التي وقع عليها العقد لأن بعض الموهوب لا يكون مقصود الواهب فإن ~~الإنسان لا يهب شيئا ليسلم له بعضه عوضا عن باقيه وقوله حق الرجوع ثابت ~~شرعا نعم لكن الرجوع في الهبة ليس بواجب فلا يمتنع وقوعه عن جهة أخرى كما ~~لو باعه منه ولو وهب له شيئا وتصدق عليه بشيء فعوضه الصدقة من الهبة كانت ~~عوضا بالإجماع على اختلاف الأصلين. # (أما) على أصل أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله فلا يشكل لأنهما لو ملكا ~~بعقدين متفقين لجاز أن يكون أحدهما عوضا عن الآخر فعند اختلاف العقدين ~~أولى. # (وأما) على أصل أبي يوسف - رحمه الله - فلأن الصدقة لا يثبت فيها حق ~~الرجوع فوقعت موقع العوض، والثالث سلامة العوض للواهب فإن لم يسلم بأن ~~استحق من يده لم يكن عوضا وله أن يرجع في الهبة لأن بالاستحقاق تبين أن ~~التعويض لم يصح فكأنه لم يعوض أصلا فله أن يرجع إن كان الموهوب قائما بعينه ~~لم يهلك ولم يزدد خيرا ولم يحدث فيه ما يمنع الرجوع فإن كان قد هلك أو ~~استهلكه الموهوب له لم يضمنه كما لو هلك أو استهلكه قبل التعويض وكذا إذا ~~ازداد خيرا لم يضمن كما قبل التعويض وإن استحق بعض العوض وبقي البعض ~~فالباقي عوض عن كل الموهوب وإن شاء ms3605 رد ما بقي من العوض ويرجع في كل الموهوب ~~إن كان قائما في يده ولم يحدث فيه ما يمنع الرجوع وهذا قول أصحابنا الثلاثة ~~وقال زفر يرجع في الهبة بقدر المستحق من العوض. # (وجه) قوله إن معنى المعاوضة ثبت من الجانبين جميعا فكما أن الثاني عوض ~~عن الأول فالأول يصير عوضا عن الثاني ثم لو استحق بعض الهبة الأولى كان ~~للموهوب له أن # PageV06P130 # يرجع في بعض العوض فكذا إذا استحق بعض العوض كان للواهب أن يرجع في بعض ~~الهبة تحقيقا للمعاوضة. # (ولنا) أن الباقي يصلح عوضا عن كل الهبة ألا ترى أنه لو لم يعوضه إلا به ~~في الابتداء كان عوضا مانعا عن الرجوع فكذا في الانتهاء بل أولى لأن البقاء ~~أسهل إلا أن للواهب أن يرده ويرجع في الهبة لأن الموهوب له غره حيث عوضه ~~لإسقاط الرجوع بشيء لم يسلم له فيثبت له الخيار. # (وأما) سلامة المعوض وهو الموهوب للموهوب له فشرطه لزوم التعويض حتى لو ~~استحق الموهوب كان له أن يرجع فيما عوض لأنه إنما عوض ليسقط حق الرجوع في ~~الهبة فإذا استحق الموهوب تبين أن حق الرجوع لم يكن ثابتا فصار كمن صالح عن ~~دين ثم تبين أنه لا دين عليه وكذلك لو استحق نصف الموهوب فللموهوب له أن ~~يرجع في نصف العوض إن كان الموهوب مما يحتمل القسمة لأنه إنما جعل عوضا عن ~~حق الرجوع في جميع الهبة فإذا لم يسلم له بعضه يرجع في العوض بقدره سواء ~~زاد العوض أو نقص في السعر أو زاد في البدن أو نقص في البدن كان له أن يأخذ ~~نصفه ونصف النقصان كذا روي عن محمد في الإملاء وإنما لم تمنع الزيادة عن ~~الرجوع في العوض لأنه تبين له أنه قبضه بغير حق فصار كالمقبوض بعقد فاسد ~~فيثبت الفسخ في الزوائد. # وإن قال الموهوب له أرد ما بقي من الهبة وأرجع في العوض كله لم يكن له ~~ذلك لأن العوض لم يكن مشروطا في العقد بل هو متأخر عنه ms3606 والعوض المتأخر ليس ~~بعوض عن العين حقيقة بل هو لإسقاط الرجوع وقد حصل له سقوط الرجوع فيما بقي ~~من الهبة فلم يكن له أن يرجع في العوض فإن كان العوض مستهلكا ضمن قابض ~~العوض بقدر ما وجب الرجوع للموهوب له فيه من العوض وإن استحق كل الهبة، ~~والعوض مستهلك يضمن كل قيمة العوض كذا ذكر في الأصل من غير خلاف وهو إحدى ~~روايتي بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة - رحمهم الله - وروى بشر رواية أخرى ~~عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا يضمن شيئا وهو قول أبي يوسف. # (وجه) رواية الأصل أن القبض في العوض ما وقع مجانا وإنما وقع مبطلا حق ~~الرجوع في الأول فإن لم يسلم المقصود منه بقي القبض مضمونا فكما يرجع بعينه ~~لو كان قائما يرجع بقيمته إذا هلك. # (وجه) الرواية الأخرى أن العوض المتأخر عن العقد في حكم الهبة المبتدأة ~~حتى يشترط فيه شرائط الهبة من القبض والحيازة، والموهوب غير مضمون بالهلاك ~~هذا إذا كان الموهوب أو العوض شيئا لا يحتمل القسمة فاستحق بعضه. # (فأما) إذا كان مما يحتمل القسمة فاستحق بعض أحدهما بطل العوض إن كان هو ~~المستحق وكذا تبطل الهبة إن كانت هي المستحقة فإذا بطل العوض رجع في الهبة ~~وإذا بطلت الهبة يرجع في العوض لأن بالاستحقاق تبين أن الهبة والتعويض وقع ~~في مشاع يحتمل القسمة وذلك باطل الثاني: بيان ماهيته فالتعويض المتأخر عن ~~الهبة هبة مبتدأة بلا خلاف من أصحابنا يصح بما تصح به الهبة ويبطل بما تبطل ~~به الهبة لا يخالفها إلا في إسقاط الرجوع، على معنى أنه يثبت حق الرجوع في ~~الأولى ولا يثبت في الثانية. # (فأما) فيما وراء ذلك فهو في حكم هبة مبتدأة لأنه تبرع بتمليك العين ~~للحال وهذا معنى الهبة إلا أنه تبرع به ليسقط حق الرجوع عن نفسه في الهبة ~~الأولى فكانت هبة مبتدأة مسقطة لحق الرجوع في الهبة الأولى ولو وجد الموهوب ~~له بالموهوب عيبا فاحشا لم يكن له أن يرده ويرجع ms3607 في العوض وكذلك الواهب إذا ~~وجد بالعوض عيبا لم يكن له أن يرد العوض ويرجع في الهبة لأن الرد بالعيب من ~~خواص المعاوضات والعوض إذا لم يكن مشروطا في العقد لم يكن عوضا على الحقيقة ~~بل كان هبة مبتدأة ولا يظهر معنى العوض فيه إلا في إسقاط الرجوع خاصة فإذا ~~قبض الواهب العوض فليس لكل واحد منهما أن يرجع على صاحبه فيما ملكه. # (أما) الواهب فلأنه قد سلم له العوض عن الهبة وإنه يمنع الرجوع. # (وأما) الموهوب له فلأنه قد سلم له ما هو في معنى العوض في حقه وهو سقوط ~~حق الرجوع فيمنعه من الرجوع لقوله - عليه الصلاة والسلام - «الواهب أحق ~~بهبته ما لم يثب منها» وسواء عوضه الموهوب له أو أجنبي بأمر الموهوب له أو ~~بغير أمره لم يكن للواهب أن يرجع في هبته ولا للمعوض أن يرجع في العوض على ~~الواهب ولا على الموهوب له. # (أما) الواهب فإنما لم يرجع في هبته لأن الأجنبي إنما عوض بأمر الموهوب ~~له قام تعويضه مقام تعويضه بنفسه ولو عوض بنفسه # PageV06P131 # لم يرجع فكذا إذا عوض الأجنبي بأمره وإن عوض بغير أمره فقد تبرع بإسقاط ~~الحق عنه والتبرع بإسقاط الحق عن الغير جائز كما لو تبرع بمخالعة امرأة من ~~زوجها. # (وأما) المعوض فإنه لا يرجع على الواهب لأن مقصوده من التعويض سلامة ~~الموهوب للموهوب له وإسقاط حق التبرع وقد سلم له ذلك وإنما لم يرجع على ~~الموهوب له. # (أما) إذا كان بغير أمره فلأنه تبرع بإسقاط الحق عنه فلا يملك أن يجعل ~~ذلك مضمونا عليه. # (وأما) إذا عوض بأمره لا يرجع عليه أيضا إلا إذا قال له عوض عني على أني ~~ضامن لأنه إذا أمره بالتعويض ولم يضمن له فقد أمره بما ليس بواجب عليه بل ~~هو متبرع به فلم يوجب ذلك الضمان على الآمر إلا بشرط الضمان وعلى هذا قالوا ~~فيمن قال لغيره أطعم عن كفارة يميني أو أد زكاتي ففعل لا يرجع بذلك على ~~الآمر إلا أن يقول له ms3608 على أني ضامن لأنه أمره بما ليس بمضمون عليه بخلاف ما ~~إذا أمره غيره بقضاء الدين فقضاه أنه يرجع على الآمر وإن لم يقل على ياسر ~~أني ضامن نصا لأن قضاء الدين مضمون على الآمر فإذا أمره به فقد ضمن له ولو ~~عوض الموهوب له الواهب عن نصف الهبة كان عوضا عن نصفها وكان للواهب أن يرجع ~~في النصف الآخر ولا يرجع فيما عوض عنه لأن حق الرجوع في الهبة مما يتجزأ ~~ألا ترى أنه لو رجع في نصف الهبة ابتداء دون النصف جاز فجاز أن يثبت حق ~~الرجوع في النصف بدون النصف بخلاف العفو عن القصاص والطلاق لأن ذلك مما لا ~~يتجزأ فكان إسقاط الحق عن البعض إسقاطا عن الكل. # (وأما) العوض المشروط في العقد فإن قال وهبت لك هذا الشيء على أن تعوضني ~~هذا الثوب فقد اختلف في ماهية هذا العقد قال أصحابنا الثلاثة - رضي الله ~~عنهم - أن عقده عقد هبة وجوازه جواز بيع وربما عبروا أنه هبة ابتداء بيع ~~انتهاء حتى لا يجوز في المشاع الذي ينقسم ولا يثبت الملك في كل واحد منهما ~~ما قبل القبض ولكل واحد منهما أن يرجع في سلعته ما لم يقبضا وكذا إذا قبض ~~أحدهما ولم يقبض الآخر فلكل واحد منهما أن يرجع القابض وغير القابض فيه ~~سواء حتى يتقابضا جميعا ولو تقابضا كان ذلك بمنزلة البيع يرد كل واحد منهما ~~بالعيب وعدم الرؤية ويرجع في الاستحقاق وتجب الشفعة إذا كان غير منقول وقال ~~زفر - رحمه الله - عقده عقد بيع وجوازه جواز بيع ابتداء وانتهاء وتثبت فيه ~~أحكام البيع فلا يبطل بالشيوع ويفيد الملك بنفسه من غير شريطة القبض ولا ~~يملكان الرجوع. # (وجه) قوله إن معنى البيع موجود في هذا العقد؛ لأن البيع تمليك العين ~~بعوض وقد وجد إلا أنه اختلفت العبارة واختلافها لا يوجب اختلاف الحكم كلفظ ~~البيع مع لفظ التمليك. # (ولنا) أنه وجد في هذا العقد لفظ الهبة ومعنى البيع، فيعطى شبه العقدين ~~فيعتبر فيه القبض والحيازة عملا يشبه ms3609 الهبة ويثبت فيه حق الرد بالعيب وعدم ~~الرؤية في حق الشفعة عملا يشبه البيع عملا بالدليلين بقدر الإمكان، والله ~~عز وجل أعلم. # (ومنها) ما هو في معنى العوض، وهو ثلاثة أنواع: الأول: صلة الرحم المحرم ~~فلا رجوع في الهبة لذي رحم محرم من الواهب وهذا عندنا وقال الشافعي - رحمه ~~الله - يرجع الوالد فيما يهب لولده احتج بما روينا عن النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - أنه قال «لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما يهب ~~ولده» وهذا نص في الباب. # (ولنا) ما روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «الواهب ~~أحق بهبته ما لم يثب منها» أي لم يعوض، وصلة الرحم عوض معنى؛ لأن التواصل ~~سبب التناصر والتعاون في الدنيا فيكون وسيلة إلى استيفاء النصرة وسبب ~~الثواب في الدار الآخرة فكان أقوى من المال، وقد روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال «اتقوا الله وصلوا الأرحام فإنه أبقى لكم في ~~الدنيا وخير لكم في الدار الآخرة» فدخل تحت النص وروي عن سيدنا عمر - رضي ~~الله عنه - أنه قال: من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع ~~فيها وهذا نص في الباب والحديث محمول على النهي عن شراء الموهوب لكنه سماه ~~رجوعا مجازا لتصوره بصورة الرجوع كما هنا روي أن سيدنا عمر - رضي الله عنه ~~- تصدق بفرس له على رجل ثم وجده يباع في السوق فأراد أن يشتريه فسأل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال «لا تعد في صدقتك» وسيدنا عمر - ~~رضي الله عنه - قصد الشراء لا العود في الصدقة لكن سماه عودا لتصوره بصورة ~~العود، وهو نهي ندب؛ لأن الموهوب له يستحي فيسامحه في ثمنه فيصير كالراجع ~~في بعضه والرجوع مكروه. # وهذا # PageV06P132 # المعنى لا يوجد في هبة الوالد لولده؛ لأن الولد لا يستحي عن المضايقة في ~~الثمن لاستيفاء الثمن لمباسطة بينهما عادة فلم يكره الشراء، حملناه على هذا ~~توفيقا بين الدليلين صيانة لهما عن التناقض ولو ms3610 وهب لذي رحم محرم فله أن ~~يرجع لقصور معنى الصلة في هذه القرابة فلا يكون في معنى العوض وكذا إذا وهب ~~لذي محرم لا رحم له لانعدام معنى الصلة أصلا ولو وهب لعبد ذي رحم ومولاه ~~أجنبيا. # (فإما) أن كان المولى ذا رحم محرم من الواهب والعبد أجنبيا. # (وإما) أن كان المولى والعبد جميعا ذوي رحم من الواهب فإن كان العبد ذا ~~رحم محرم من الواهب والمولى أجنبيا فله أن يرجع بلا خلاف بين أصحابنا؛ لأن ~~حكم العقد يقع للمولى وإنما؛ الواقع للعبد صورة العقد بلا حكم وأنه لا يفيد ~~معنى العلة فانعدم معنى العوض أصلا وإن كان المولى ذا رحم محرم من الواهب ~~والعبد أجنبيا اختلفوا فيه قال أبو حنيفة - رضي الله عنه - يرجع وقال أبو ~~يوسف ومحمد رحمهما الله لا يرجع. # (وجه) قولهما أن بطلان حق الرجوع بحصول الصلة؛ لأنها في معنى العوض على ~~ما بينا ومعنى الصلة إنما يتحقق لوقوع الحكم للقريب، والحكم وقع للمولى ~~فصار كأن الواهب أوجب الهبة له ابتداء وأنه يمنع الرجوع كذا هذا. # (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن الملك لم يثبت للمولى بالهبة؛ ~~لأنها وقعت للعبد ألا ترى أن القبض إليه لا إلى المولى وإنما ثبت ضرورة ~~تعدد الإثبات للعبد فأقيم مقامه وإذا ثبت الملك له بالهبة لم يحصل معنى ~~الصلة بالعقد فلا يمنع الرجوع مع ما أن الملك يثبت له بالهبة، لكن الهبة ~~وقعت للمولى من وجه، وللعبد من وجه؛ لأن الإيجاب أضيف إلى العبد، والملك ~~وقع للمولى إذا لم يكن دين فلم يتكامل معنى الصلة في الهبة فصارت كالهبة ~~لذي رحم محرم فإن كانا جميعا ذا رحم محرم من الواهب فقد ذكر الكرخي عن محمد ~~أن قياس قول أبي حنيفة أن يرجع؛ لأن قرابة العبد لا تؤثر في إسقاط الرجوع؛ ~~لأن الملك لم يقع له وقرابة المولى أيضا لا تؤثر فيه؛ لأن الإيجاب لم يقع ~~له وحق الرجوع هو الأصل في الهبة، والامتناع معارض المسقط ولم يوجد فلا ~~يسقط ms3611 وذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني أنه ليس له أن يرجع في هذه المسألة في ~~قولهم: لأن الهبة إما أن يعتبر فيها حال العبد أو حال المولى، وأيهما كان ~~فرحمة كاملة، والصلة الكاملة تمنع الرجوع. # والجواب أنه لا يعتبر ههنا حال العبد وحده ولا حال المولى وحده بل يعتبر ~~حالهما جميعا واعتبار حالهما لا يمنع الرجوع والله عز وجل أعلم وعلى هذا ~~التفريع إذا وهب لمكاتب شيئا وهو ذو رحم محرم من الواهب أو مولاه ذو رحم ~~محرم من الواهب أنه إن أدى المكاتب فعتق يعتبر حاله في القرابة وعدمها إن ~~كان أجنبيا يرجع وإن كان قريبا لا يرجع؛ لأنه لما أدى فعتق استقر ملكه فصار ~~كأن الهبة وقعت له وهو حر. # ولو كان كذلك يرجع إن كان أجنبيا وإن كان قريبا لا يرجع كذا هذا وإن عجز ~~ورد في الرق فقياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - إنه يعتبر حال المولى في ~~القرابة وعدمها إن كان أجنبيا فللواهب أن يرجع وإن كان قريبا فليس له أن ~~يرجع بناء على أن الهبة عنده أوجبت ملكا موقوفا على المكاتب وعلى مولاه على ~~معنى أنه إن أدى فعتق تبين أن الملك وقع له من حين وجوده، وإن عجز ورد في ~~الرق يظهر أنه وقع للمولى من وقت وجوده كأن الهبة وقعت له من الابتداء وعلى ~~قول محمد لا يرجع في الأحوال كلها؛ لأن عنده كسب المكاتب يكون للمكاتب من ~~غير توقف ثم ينتقل إلى المولى بالعجز كأنه وهب لحي فمات وانتقل الموهوب إلى ~~ورثته الثاني الزوجية فلا يرجع كل واحد من الزوجين فيما وهبه لصاحبه؛ لأن ~~صلة الزوجية تجري مجرى صلة القرابة الكاملة بدليل أنه يتعلق بها التوارث في ~~جميع الأحوال فلا يدخلها حجب الحرمان، والقرابة الكاملة مانعة من الرجوع ~~فكذا ما يجري مجراها. # الثالث: التوارث فلا رجوع في الهبة من الفقير بعد قبضها؛ لأن الهبة من ~~الفقير صدقة؛ لأنه يطلب بها الثواب كالصدقة ولا رجوع في الصدقة على الفقير ~~بعد قبضها لحصول الثواب ms3612 الذي هو في معنى العوض بوعد الله تعالى وإن لم يكن ~~عوضا في الحقيقة إذ العبد لا يستحق على مولاه عوضا ولو تصدق على غني ~~فالقياس أن يكون له حق الرجوع؛ لأن التصدق على الغني يطلب منه العوض عادة ~~فكان هبة في الحقيقة فيوجب الرجوع إلا أنهم استحسنوا وقالوا ليس له أن ~~يرجع؛ لأن الثواب قد يطلب بالصدقة على الأغنياء ألا ترى أن من له نصاب تجب ~~فيه الزكاة وله عيال لا يكفيه ما في # PageV06P133 # يده ففي الصدقة عليه ثواب وإذا كان الثواب مطلوبا من ذلك في الجملة فإذا ~~أتى بلفظة الصدقة دل أنه أراد به الثواب وأنه يمنع الرجوع لما بينا. # (وأما) الشيوع فنقول لا يمنع الرجوع في الهبة فللواهب أن يرجع في نصف ~~الهبة مشاعا، وإن كان محتملا للقسمة بأن وهب دارا فباع الموهوب له نصفها ~~مشاعا كان للواهب أن يرجع في الباقي وكذا لو لم يبع نصفها وهي قائمة في يد ~~الموهوب له فله أن يرجع في بعضها دون البعض بخلاف الهبة المستقبلة أنها لا ~~تجوز في المشاع الذي يحتمل القسمة؛ لأن القبض شرط جواز العقد، والشياع يخل ~~في القبض الممكن من التصرف، والرجوع فسخ، والقبض ليس بشرط لجواز الفسخ فلا ~~يكون الشيوع مانعا من الرجوع. # (وأما) بيان ماهية الرجوع وحكمه شرعا فنقول وبالله التوفيق لا خلاف في أن ~~الرجوع في الهبة بقضاء القاضي فسخ، واختلف في الرجوع فيها بالتراضي فمسائل ~~أصحابنا تدل على أنه فسخ أيضا كالرجوع بالقضاء فإنهم قالوا يصح الرجوع في ~~المشاع الذي يحتمل القسمة. # ولو كان هبة مبتدأة لم يصح مع الشياع وكذا لا تقف صحته على القبض ولو ~~كانت هبة مبتدأة لوقف صحته على القبض وكذا لو وهب لإنسان شيئا ووهبه ~~الموهوب له لآخر ثم رجع الثاني في هبته كان للأول أن يرجع ولو كان هبة ~~مبتدأة لم يكن له حق الرجوع، فهذه المسائل تدل على أن الرجوع بغير قضاء فسخ ~~وقال زفر أنه هبة مبتدأة. # (وجه) قوله إن ملك الموهوب عاد ms3613 إلى الواهب بتراضيهما فأشبه الرد بالعيب ~~فيعتبر عقدا جديدا في حق ثالث كالرد بالعيب بعد القبض، والدليل على أنه هبة ~~مبتدأة ما ذكر محمد في كتاب الهبة أن الموهوب له إذا زاد الهبة في مرض موته ~~أنها تكون من الثلث وهذا حكم الهبة المبتدأة. # (ولنا) أن الواهب بالفسخ يستوفي حق نفسه واستيفاء الحق لا يتوقف على قضاء ~~القاضي، والدليل على أنه مستوف حق نفسه بالفسخ أن الهبة عقد جائز موجب حق ~~الفسخ فكان بالفسخ مستوفيا ثابتا له فلا يقف على القضاء بخلاف الرد بالعيب ~~بعد القبض بغير قضاء القاضي أنه يعتبر بيعا جديدا في حق ثالث؛ لأنه لا حق ~~للمشتري في الفسخ، وإنما حقه في صفة السلامة فإذا لم يسلم اختل رضاه فيثبت ~~حق الفسخ ضرورة فتوقف لزوم موجب الفسخ في حق ثالث على قضاء القاضي. # (وأما) ما ذكر محمد فمن أصحابنا من التزم وقال: هذا يدل على أن الرجوع ~~بغير قضاء هبة مبتدأة وما ذكرنا من المسائل يدل على أنها فسخ فكان في ~~المسألة روايتان. # (ومنهم) من قال هذا لا يدل على اختلاف الروايتين؛ لأنه إنما اعتبر الرد ~~من الثلث لكون المريض متهما في الرد في حق ورثته فكان فسخا فيما بين الواهب ~~والموهوب له هبة مبتدأة في حق الورثة وهذا ليس بممتنع أن يكون للعقد الواحد ~~حكمان مختلفان كالإقالة فإنها فسخ في حق العاقدين بيع جديد في حق غيرهما ~~وإذا انفسخ العقد بالرجوع عاد الموهوب إلى قديم ملك الواهب ويملكه الواهب ~~وإن لم يقبضه؛ لأن القبض إنما يعتبر في انتقال الملك لا في عود قديم الملك ~~كالفسخ في باب البيع، والموهوب بعد الرجوع يكون أمانة في يد الموهوب له حتى ~~لو هلك في يده لا يضمن؛ لأن قبض الهبة قبض غير مضمون فإذا انفسخ عندها بقي ~~القبض على ما كان قبل ذلك أمانة غير موجب للضمان فلا يصير مضمونا عليه إلا ~~بالتعدي كسائر الأمانات ولو لم يتراضيا على الرجوع ولا قضى القاضي به ولكن ~~الموهوب له وهب، والموهوب ms3614 للواهب وقبله الواهب الأول لا يملكه حتى يقبضه ~~وإذا قبضه كان بمنزلة الرجوع بالتراضي أو بقضاء القاضي وليس للموهوب له أن ~~يرجع فيه وكذا الصدقة. # (أما) وقوف الملك فيه على القبض؛ فلأن الموجود لفظ الهبة لا لفظ الفسخ ~~وملك الواهب لا يزول إلا بالقبض بخلاف ما إذا تراضيا على الرجوع أن الواهب ~~يملكه بدون القبض؛ لأن اتفاقهما على الرجوع اتفاق على الفسخ ولا يشترط ~~للفسخ ما يشترط للعقد ثم إذا قبضه الواهب قام ذلك مقام الرجوع؛ لأن الرجوع ~~مستحق فتقع الهبة عن الرجوع المستحق ولا تقع موقع الهبة المبتدأة فلا يصح ~~الرجوع فيها. ### | [فصل في بيان ما يرفع عقد الهبة] # (فصل) وأما بيان ما يرفع عقد الهبة فالذي يرفعه هو الفسخ إما بالإقالة أو ~~الرجوع بقضاء القاضي أو التراضي على ما بينا وإذا انفسخ العقد يعود الموهوب ~~إلى قديم ملك الواهب بنفس الفسخ من غير الحاجة إلى القبض لما ذكرنا فيما ~~تقدم. # PageV06P134 ### | [كتاب الرهن] ### | [بيان ركن الرهن] # الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع: في بيان ركن عقد الرهن، وفي بيان ~~شرائط الركن، وفي بيان حكم الرهن، وفي بيان ما يخرج به الرهن عن كونه ~~مرهونا، وما يبطل به الركن وما لا يبطل، وفي بيان حكم اختلاف الراهن ~~والمرتهن والعدل. # أما ركن عقد الرهن فهو الإيجاب والقبول وهو أن يقول الراهن: رهنتك هذا ~~الشيء بما لك علي من الدين أو يقول: هذا الشيء رهن بدينك، وما يجري هذا ~~المجرى، ويقول المرتهن: ارتهنت أو قبلت أو رضيت، وما يجري مجراه، فأما لفظ ~~الرهن فليس بشرط، حتى لو اشترى شيئا بدراهم ودفع إلى البائع ثوبا وقال له: ~~امسك هذا الثوب حتى أعطيك الثمن فالثوب رهن؛؛ لأنه أتى بمعنى العقد، ~~والعبرة في باب العقود للمعاني. ### | [فصل في شرائط ركن الرهن] # (فصل) : # وأما الشرائط فأنواع بعضها يرجع إلى نفس الرهن، وبعضها يرجع إلى الراهن ~~والمرتهن، وبعضها يرجع إلى المرهون، وبعضها يرجع إلى المرهون به. # (أما) الذي يرجع إلى نفس الرهن فهو: أن لا يكون ms3615 معلقا بشرط ولا مضافا إلى ~~وقت؛ لأن في الرهن والارتهان معنى الإيفاء والاستيفاء، فيشبه البيع وأنه لا ~~يحتمل التعليق بشرط، والإضافة إلى وقت كذا هذا. # (وأما) الذي يرجع إلى الراهن والمرتهن فعقلهما؛ حتى لا يجوز الرهن ~~والارتهان من المجنون والصبي الذي لا يعقل. # (فأما) البلوغ فليس بشرط، وكذا الحرية حتى يجوز من الصبي المأذون والعبد ~~المأذون؛؛ لأن ذلك من توابع التجارة فيملكه من يملك التجارة؛ ولأن الرهن ~~والارتهان من باب إيفاء الدين واستيفائه وهما يملكان ذلك وكذا السفر ليس ~~بشرط لجواز الرهن فيجوز الرهن في السفر والحضر جميعا؛ لما روي أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - استقرض بالمدينة من يهودي طعاما ورهنه به درعه، ~~وكان ذلك رهنا في الحضر؛ ولأن ما شرع له الرهن وهو الحاجة إلى توثيق الدين ~~يوجد في الحالين وهو الرهن عن تواء الحق بالجحود والإنكار وتذكره عند السهو ~~والنسيان، والتنصيص على السفر في كتاب الله تعالى عز وجل ليس لتخصيص الجواز ~~بل هو إخراج الكلام مخرج العادة، كقوله تعالى {فكاتبوهم إن علمتم فيهم ~~خيرا} [النور: 33] . # (وأما) الذي يرجع إلى المرهون. # فأنواع (منها) : أن يكون محلا قابلا للبيع، وهو أن يكون موجودا وقت العقد ~~مالا مطلقا متقوما مملوكا معلوما مقدور التسليم، ونحو ذلك فلا يجوز رهن ما ~~ليس بموجود عند العقد ولا رهن ما يحتمل الوجود والعدم، كما إذا رهن ما يثمر ~~نخيله العام أو ما تلد أغنامه السنة أو ما في بطن هذه الجارية، ونحو ذلك ~~ولا رهن الميتة والدم؛ لانعدام ماليتهما، ولا رهن صيد الحرم والإحرام؛ لأنه ~~ميتة، ولا رهن الحر؛ لأنه ليس بمال أصلا، ولا رهن أم الولد والمدبر المطلق ~~والمكاتب؛ لأنهم أحرار من وجه فلا يكونون أموالا مطلقة، ولا رهن الخمر ~~والخنزير من المسلم. # سواء كان العاقدان مسلمين أو أحدهما مسلم؛ لانعدام مالية الخمر والخنزير ~~في حق المسلم؛ وهذا؛ لأن الرهن إيفاء الدين والارتهان استيفاؤه، ولا يجوز ~~للمسلم إيفاء الدين من الخمر واستيفاؤه؛ إلا أن الراهن إذا كان ذميا، كانت ~~الخمر مضمونة ms3616 على المسلم المرتهن؛ لأن الرهن إذا لم يصح كانت الخمر بمنزلة ~~المغصوب في يد المسلم وخمر الذمي مضمون على المسلم بالغصب، وإذا كان الراهن ~~مسلما والمرتهن ذميا، لا تكون مضمونة على أحد. # (وأما) في حق أهل الذمة فيجوز رهن الخمر والخنزير وارتهانهما منهم؛ لأن ~~ذلك مال متقوم في حقهم بمنزلة الخل والشاة عندنا، ولا رهن المباحات من ~~الصيد والحطب والحشيش ونحوها؛ لأنها ليست بمملوكة في أنفسها. # (فأما) كونه مملوكا للراهن فليس بشرط لجواز الرهن حتى يجوز رهن مال الغير ~~بغير إذنه بولاية شرعية، كالأب والوصي يرهن مال الصبي بدينه وبدين نفسه؛ ~~لأن الرهن لا يخلو. # (إما) أن يجري مجرى الإيداع. # (وإما) أن يجري مجرى المبادلة، والأب يلي كل واحد منهما في مال الصغير، ~~فإنه يبيع مال الصغير بدين نفسه، ويودع مال الصغير فإن هلك الرهن في يد ~~المرتهن قبل أن يفتكه الأب، هلك بالأقل من قيمته ومما رهن به؛؛ لأن الرهن ~~وقع صحيحا وهذا حكم الرهن الصحيح وضمن الأب قدر ما سقط من الدين بهلاك ~~الرهن؛؛ لأنه قضى دين نفسه بمال ولده فيضمن، فلو أدرك الولد والرهن قائم ~~عند المرتهن، فليس # PageV06P135 # له أن يسترده قبل قضاء القاضي؛ لما ذكرنا أن الرهن وقع صحيحا لوقوعه عن ~~ولاية شرعية، فلا يملك الولد نقضه، ولكن يؤمر الأب بقضاء الدين ورد الرهن ~~على ولده؛ لزوال ولايته بالبلوغ. # ولو قضى الولد دين أبيه وافتك الرهن، لم يكن متبرعا، ويرجع بجميع ما قضى ~~على أبيه؛ لأنه مضطر إلى قضاء الدين، إذ لا يمكنه الوصول إلى ملكه إلا ~~بقضاء الدين كله، فكان مضطرا فيه، فلم يكن متبرعا بل يكون مأمورا بالقضاء ~~من قبل الأب دلالة، فكان له أن يرجع عليه بما قضى، كما لو استعار من إنسان ~~عبده؛ ليرهنه بدين نفسه فرهن، ثم إن المعير قضى دين المستعير وافتك الرهن ~~أنه يرجع بجميع ما قضى على المستعير؛ لما قلنا كذا هذا، وكذلك حكم الوصي في ~~جميع ما ذكرنا حكم الأب، وإنما يفترقان في فصل آخر، وهو أنه ms3617 يجوز للأب أن ~~يرتهن مال الصغير بدين ثبت على الصغير، وإذا هلك يهلك بالأقل من قيمته ومن ~~الدين، وإذا أدرك الولد ليس له أن يسترده؛ إذا كان الأب يشهد على الارتهان، ~~وإن كان لم يشهد على ذلك، لم يصدق عليه بعد الإدراك إلا بتصديق الولد، ~~ويجوز له أن يرهن ماله عند ولده الصغير بدين للصغير عليه ويحبسه لأجل ~~الولد، وإذا هلك بعد ذلك فيهلك بالأقل من قيمته ومن الدين؛ إذا كان أشهد ~~عليه قبل الهلاك، وإن كان لم يشهد عليه قبل الهلاك، لم يصدق إلا أن يصدقه ~~الولد بعد الإدراك، والوصي لو فعل هذا من اليتيم، لا يجوز رهنه ولا ~~ارتهانه، أما على أصل محمد فلا يشكل؛؛ لأنه لا يرى بيع مال اليتيم من نفسه ~~ولا شراء ماله لنفسه أصلا، فكذلك الرهن، وعلى قولهما؛ إن كان يجوز البيع ~~والشراء، لكن إذا كان خيرا لليتيم ولا خير له في الرهن؛ لأنه يهلك أبدا ~~بالأقل من قيمته ومن الدين، فلم يكن فيه خير لليتيم فلم يجز، وكذلك يجوز ~~رهن مال الغير بإذنه. # كما لو استعار من إنسان شيئا؛ ليرهنه بدين على المستعير؛ لما ذكرنا أن ~~الرهن: إيفاء الدين وقضاؤه، والإنسان بسبيل من أن يقضي دين نفسه بمال غيره ~~بإذنه، ثم إذا أذن المالك بالرهن فإذنه بالرهن لا يخلو إما إن كان مطلقا، ~~وإما إن كان مقيدا، فإن كان مطلقا فللمستعير أن يرهنه بالقليل والكثير وبأي ~~جنس شاء، وفي أي مكان كان ومن أي إنسان أراد؛ ولأن العمل بإطلاق اللفظ أصل، ~~وإن كان مقيدا بأن سمى قدرا أو جنسا أو مكانا أو إنسانا يتقيد به، حتى لو ~~أذن له أن يرهنه بعشرة، لم يجز له أن يرهنه بأكثر منها ولا بأقل؛؛ لأن ~~المتصرف بإذن يتقيد تصرفه بقدر الإذن، والإذن لم يتناول الزيادة، فلم يكن ~~له أن يرهن بالأكثر ولا بالأقل أيضا؛ لأن المرهون مضمون والمالك إنما جعله ~~مضمونا بالقدر، وقد يكون له في ذلك غرض صحيح فكان التقييد به مفيدا، وكذلك ~~لو أذن ms3618 أن يرهنه بجنس، لم يجز له أن يرهنه بجنس آخر؛ لأن قضاء الدين من بعض ~~الأجناس قد يكون أيسر من بعض، فكان التقييد بالجنس مفيدا. # وكذا إذا أذن له أن يرهنه بالكوفة، لم يجز له أن يرهنه بالبصرة؛ لأن ~~التقييد بمكان دون مكان مفيد، فيتقيد بالمكان المذكور، وكذا إذا أذن له أن ~~يرهنه من إنسان بعينه، لم يجز له أن يرهنه من غيره؛ لأن الناس متفاوتون في ~~المعاملات فكان التعيين مفيدا، فإن خالف في شيء مما ذكرنا، فهو ضامن لقيمته ~~إذا هلك؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه فصار غاصبا، وللمالك أن يأخذ ~~الرهن من يد المرتهن؛ لأن الرهن لم يصح، فبقي المرهون في يده بمنزلة ~~المغصوب فكان له أن يأخذه منه، وليس لهذا المستعير أن ينتفع بالمرهون لا ~~قبل الرهن ولا بعد الانفكاك فإن فعل ضمن؛؛ لأنه لم يؤذن له إلا بالرهن، فإن ~~انتفع به قبل أن يرهنه، ثم رهنه بمثل قيمته، برئ من الضمان حين رهن، ذكره ~~في الأصل؛ لأنه لما انتفع به فقد خالف، ثم لما رهنه فقد عاد إلى الوفاق ~~فيبرأ عن الضمان، كالمودع إذا عاد إلى الوفاق بعد ما خالف في الوديعة، ~~بخلاف ما إذا استعار العين لينتفع بها فخالف، ثم عاد إلى الوفاق إنه لا ~~يبرأ عن الضمان؛ لأن المستعير للانتفاع ليست يده يد المالك بل يد نفسه، حيث ~~تعود المنفعة إليه فلم تكن بالعود إلى الوفاق رادا للمال إلى يد المالك، ~~فلا يبرأ عن الضمان. # (فأما) المستعير للرهن فيده قبل الرهن يد المالك، فإذا عاد إلى الوفاق، ~~فقد رد المال إلى يد المالك فيبرأ عن الضمان وإذا قبض المستعير العارية ~~فهلك في يده قبل أن يرهنه، فلا ضمان عليه؛ لأنه هلك في قبض العارية لا في ~~قبض الرهن، وقبض العارية قبض أمانة لا قبض ضمان، وكذلك إذا هلك في يده بعد ~~ما افتكه من يد المرتهن؛ لأنه بالافتكاك من يد المرتهن عاد عارية فكان ~~الهلاك في قبض العارية ولو وكل الراهن يعني ms3619 المستعير بقبض الرهن من المرتهن ~~أحدا فقبضه فهلك في يد القابض، فإن كان القابض في عياله، لم يضمن؛ لأن يده ~~كيده، # PageV06P136 # والمالك رضي بيده، وإن لم يكن في عياله ضمن؛ لأن يده ليست كيده فلم يكن ~~المالك راضيا بيده، وإن هلك في يد المرتهن، وقد رهن على الوجه الذي أذن ~~فيه، ضمن الراهن للمعير قدر ما سقط عنه من الدين بهلاك الرهن؛ لأنه قضى دين ~~نفسه من مال الغير بإذنه بالرهن، إذ الرهن قضاء الدين ويتعذر القضاء عند ~~الهلاك. # وكذلك لو دخله عيب فسقط بعض الدين، ضمن الراهن ذلك القدر؛ لأنه قضى ذلك ~~القدر من دينه بمال الغير فيضمن ذلك القدر، فكان المستعير بمنزلة رجل عنده ~~وديعة لإنسان فقضى دين نفسه بمال الوديعة بإذن صاحبها، فما قضى يكون مضمونا ~~عليه وما لم يقبض يكون أمانة في يده، فإن عجز الراهن عن الافتكاك فافتكه ~~المالك، لا يكون متبرعا ويرجع بجميع ما قضى على المستعير، وذكر الكرخي أنه ~~يرجع بقدر ما كان يملك الدين به، ولا يرجع بالزيادة عليه ويكون متبرعا ~~فيها؛ حتى لو كان المستعير رهن بألفين وقيمة الرهن ألف فقضى المالك ألفين، ~~فإنه يرجع على المستعير بألفين وعلى ما ذكره الكرخي يرجع عليه بالألف. # (وجه) قول الكرخي أن المضمون على المستعير قدر الدين، بدليل أنه لا يضمن ~~عند الهلاك إلا قدر الدين، فإذا قضى المالك الزيادة على المقدر، كان متبرعا ~~فيها. # (وجه) القول الآخر أن المالك مضطر إلى قضاء كل الدين الذي رهن به؛ لأنه ~~علق ماله عند المرتهن بحيث لا فكاك له إلا بقضاء كل الدين، فكان مضطرا في ~~قضاء الكل فكان مأذونا فيه من قبل الراهن دلالة، كأنه وكله بقضاء دينه ~~فقضاه المعير من مال نفسه. # ولو كان كذلك، لرجع عليه بما قضى كذا هذا، وليس للمرتهن أن يمتنع من قبض ~~الدين من المعير، ويجبر على القبض ويسلم الرهن إليه؛ لأن له ولاية قضاء ~~الدين لتخلص ملكه وإزالة العلق عنه، فلا يكون للمرتهن ولاية الامتناع من ~~القبض والتسليم، ms3620 فإن اختلف الراهن والمعير وقد هلك الرهن فقال المعير: هلك ~~في يد المرتهن وقال المستعير: هلك قبل أن أرهنه أو بعد ما افتكيته فالقول ~~قول الراهن مع يمينه؛ لأن الضمان إنما وجب على المستعير؛ لكونه قاضيا دين ~~نفسه من مال الغير بإذنه وهو ينكر القضاء فكان القول قول المنكر. # ولا يجوز رهن المجهول ولا يجوز التسليم ونحو ذلك مما لا يجوز بيعه، ~~والأصل فيه أن كل ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، وقد ذكرنا جملة ذلك في ~~كتاب البيوع. # (ومنها) : أن يكون مقبوض المرتهن أو من يقوم مقامه والكلام في القبض في ~~مواضع: في بيان أنه شرط جواز الرهن، وفي بيان شرائط صحته، وفي تفسير القبض ~~وماهيته، وفي بيان أنواعه. # (أما) الأول فقد اختلف العلماء فيه قال عامة العلماء: إنه شرط، وقياس قول ~~زفر - رحمه الله - في الهبة أن يكون ركنا كالقبول حتى أن من حلف لا يرهن ~~فلانا شيئا فرهنه ولم يقبضه يحنث عندنا، وعنده لا يحنث كما في الهبة، ~~والصحيح قولنا؛ لقول الله تبارك وتعالى {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] ولو ~~كان القبض ركنا، لصار مذكورا بذكر الرهن فلم يكن لقوله تعالى عز شأنه ~~{مقبوضة} [البقرة: 283] معنى، فدل ذكر القبض مقرونا بذكر الرهن على أنه شرط ~~وليس بركن، وقال مالك - رحمه الله -: ليس بركن ولا شرط والصحيح قول العامة؛ ~~لقوله تبارك وتعالى {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] وصف سبحانه وتعالى الرهن ~~بكونه مقبوضا فيقتضي أن يكون القبض فيه شرطا؛ صيانة لخبره تعالى عن الخلف؛ ~~ولأنه عقد تبرع للحال فلا يفيد الحكم بنفسه كسائر التبرعات. # ولو تعاقدا على أن يكون الرهن في يد صاحبه، لا يجوز الرهن، حتى لو هلك في ~~يده، لا يسقط الدين. # ولو أراد المرتهن أن يقبضه من يده ليحبسه رهنا، ليس له ذلك؛؛ لأن هذا شرط ~~فاسد أدخلاه في الرهن فلم يصح الرهن، ولو تعاقدا على أن يكون في يد العدل ~~وقبضه العدل، جاز ويكون قبضه كقبض المرتهن، وهذا قول العامة، وقال ابن أبي ~~ليلى: لا يصح الرهن ms3621 إلا بقبض المرتهن. # والصحيح قول العامة؛ لقوله تبارك وتعالى {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] من ~~غير فصل بين قبض المرتهن والعدل؛ ولأن قبض العدل برضا المرتهن قبض المرتهن ~~معنى ولو قبضه العدل ثم تراضيا على أن يكون الرهن في يد عدل آخر ووضعاه في ~~يده جاز؛؛ لأنه جاز وضعه في يد الأول لتراضيهما، فيجوز وضعه في يد الثاني ~~بتراضيهما، وكذا إذا قبضه العدل ثم تراضيا على أن يكون في يد المرتهن، ~~ووضعا في يده جاز؛؛ لأنه جاز وضعه في يد الأول لتراضيهما، فيجوز وضعه في يد ~~الثاني بتراضيهما، وكذا إذا قبضه العدل ثم تراضيا على أن يكون في يد ~~المرتهن، ووضعا في يده؛ لأنه جاز وضعه في يده في الابتداء، فكذا في ~~الانتهاء. # وكذا إذا قبضه المرتهن أو العدل ثم تراضيا على أن يكون في يد الراهن ~~ووضعه في يده جاز؛ لأن القبض الصحيح للعقد قد وجد، وقد خرج الرهن من يده ~~فبعد ذلك يده ويد الأجنبي سواء. # ولو رهن رهنا وسلط عدلا على بيعه عند المحل فلم يقبض حتى حل الأجل فالرهن ~~باطل؛ لأن صحته بالقبض، والبيع صحيح؛ لأن صحة # PageV06P137 # التوكيل لا تقف صحته على القبض فصح البيع وإن لم يصح الرهن. # وكذلك لو رهن مشاعا وسلطه على بيعه، فالرهن باطل والوكالة صحيحة؛ لما ~~ذكرنا. # ولو جعل عدلا في الإمساك وعدلا في البيع، جاز؛؛ لأن كل واحد منهما أمر ~~مقصود فيصح إفراده بالتوكيل. # (وأما) بيان شرائط صحته فأنواع. # (منها) : أن يكون بإذن الراهن؛ لما ذكرنا في الهبة أن الإذن بالقبض شرط ~~صحته فيما له صحة بدون القبض وهو البيع فلأن يكون شرط فيما لا صحة له بدون ~~القبض أولى؛ ولأن القبض في هذا الباب يشبه الركن كما في الهبة فيشبه ~~القبول، وذا لا يجوز من غير رضا الراهن كذا هذا، ثم نقول: الإذن نوعان: نص، ~~وما يجري مجرى النص دلالة فالأول نحو أن يقول: أذنت له بالقبض أو رضيت به ~~أو اقبض، وما يجري هذا المجرى، فيجوز قبضه سواء قبض في ms3622 المجلس أو بعد ~~الافتراق استحسانا، وقياس قول زفر في الهبة أن لا يجوز بعد الافتراق ~~والثاني نحو أن يقبض المرتهن بحضرة الراهن فيسكت ولا ينهاه فيصح قبضه ~~استحسانا، وقياس قول زفر في الهبة أن لا يصح، كما لا يصح بعد الافتراق؛ لأن ~~القبض عنده ركن بمنزلة القبول فلا يجوز من غير إذن كالقبول، وصار كالبيع ~~الصحيح بل أولى؛ لأن القبض ليس بشرط لصحته وأنه شرط لصحة الرهن. # (وجه) الاستحسان أنه وجد الإذن ههنا دلالة الإقدام على إيجاب الرهن؛؛ لأن ~~ذلك دلالة القصد إلى إيجاب حكمه، ولا ثبوت لحكمه إلا بالقبض، ولا صحة للقبض ~~بدون الإذن، فكان الإقدام على الإيجاب دلالة الإذن بالقبض، والإقدام دلالة ~~الإذن بالقبض في المجلس لا بعد الافتراق، فلم يوجد الإذن هناك نصا ودلالة ~~بخلاف البيع لأن البيع الصحيح بدون القبض فلم يكن الإقدام على إيجابه دليل ~~القبض فلا يكون دليل الإذن فهو الفرق ولو رهن شيئا متصلا بما لم يقع عليه ~~الرهن، كالثمر المعلق على الشجر ونحوه مما لا يجوز الرهن فيه إلا بالفصل ~~والقبض، ففصل وقبض فإن قبض بغير إذن الراهن لم يجز قبضه سواء كان الفصل ~~والقبض في المجلس أو في غيره؛ لأن الإيجاب ههنا لم يقع صحيحا فلا يستدل به ~~على الإذن بالقبض، وإن قبض بإذنه فالقياس أن لا يجوز وهو قول زفر وفي ~~الاستحسان جائز بناء على أصل ذكرناه في الهبة، والله الموفق. # (ومنها) الحيازة عندنا فلا يصح قبض المشاع، وعند الشافعي - رحمه الله - ~~ليس بشرط، وقبض المشاع صحيح. # (وجه) قوله أن الشياع لا يقدح في حكم الرهن ولا في شرطه فلا يمنع جواز ~~الرهن، ودلالة ذلك أن حكم الرهن عنده: كون المرتهن أحق ببيع المرهون ~~واستيفاء الدين من بدله على ما نذكر والشيوع لا يمنع جواز البيع وشرطه هو ~~القبض، وإنه ممكن في النصف الشائع بتخلية الكل. # (ولنا) أن قبض النصف الشائع وحده لا يتصور والنصف الآخر ليس بمرهون فلا ~~يصح قبضه، وسواء كان مشاعا يحتمل القسمة أو لا يحتملها؛ لأن ms3623 الشيوع يمنع ~~تحقق قبض الشائع في النوعين جميعا، بخلاف الهبة فإن الشيوع فيها لا يمنع ~~الجواز فيما لا يحتمل القسمة؛ لأن المانع هناك ضمان القسمة على ما ذكرنا في ~~كتاب الهبة وأنه يخص المقسوم، وسواء رهن من أجنبي أو من شريكه على ما نذكر ~~إن شاء الله تعالى وسواء كان مقارنا للعقد أو طرأ عليه في ظاهر الرواية، ~~وروي عن أبي يوسف أن الشيوع الطارئ على العقد لا يمنع بقاء العقد على ~~الصحة، صورته: إذا رهن شيئا وسلط المرتهن أو العدل على بيعه كيف شاء مجتمعا ~~أو متفرقا، فباع نصفه شائعا، أو استحق بعض الرهن شائعا. # (وجه) رواية أبي يوسف أن حال البقاء لا يقاس على حال الابتداء؛؛ لأن ~~البقاء أسهل من حكم الابتداء؛ لهذا فرق الشرع بين الطارئ والمقارن في كثير ~~من الأحكام، كالعدة الطارئة والإباق الطارئ ونحو ذلك، فكون الحيازة شرطا في ~~ابتداء العقد لا يدل على كونها شرط البقاء على الصحة. # (وجه) ظاهر الرواية أن المانع في المقارن كون الشيوع مانعا عن تحقق القبض ~~في النصف الشائع، وهذا المعنى موجود في الطارئ فيمنع البقاء على الصحة ولو ~~رهن رجلان رجلا عبدا بدين له عليهما رهنا واحدا، جاز وكان كله رهنا بكل ~~الدين، حتى أن للمرتهن أن يمسكه حتى يستوفى كل الدين، وإذا قضى أحدهما ~~دينه، لم يكن له أن يأخذ نصيبه من الرهن؛ لأن كل واحد منهما رهن كل العبد ~~بما عليه من الدين لا نصفه، وإن كان المملوك منه لكل واحد منهما النصف؛ لما ~~ذكرنا أن كون المرهون مملوك الراهن ليس بشرط لصحة الرهن، فإنه يجوز رهن مال ~~الغير بإذنه؛ لما بينا وإقدامهما على رهنه صفقة واحدة دلالة الإذن من كل ~~واحد منهما؛ فصار كل العبد # PageV06P138 # رهنا بكل الدين ولا استحالة في ذلك؛ لأن الرهن حبس، وليس يمتنع أن يكون ~~العبد الواحد محبوسا بكل الدين، فلم يكن هذا رهن الشائع فجاز، وليس لأحدهما ~~أن يأخذ نصيبه من العبد إذا قضى ما عليه من الدين؛؛ لأن كله ms3624 مرهون بكل ~~الدين، فما بقي شيء من الدين بقي استحقاق الحبس. # وكذلك إذا رهن رجل رجلين بدين لهما عليه وهما شريكان فيه أو لا شركة ~~بينهما جاز، وإذا قضى الراهن دين أحدهما، لم يكن له أن يقبض شيئا من ~~الرهن؛؛ لأنه رهن كل العبد بدين كل واحد منهما، وكل العبد يصلح رهنا بدين ~~كل واحد منهما على الكمال، كأن ليس معه غيره؛ لما ذكرنا وهذا بخلاف الهبة ~~من رجلين على أصل أبي حنيفة عليه الرحمة أنها غير جائزة؛؛ لأن الهبة تمليك ~~وتمليك شيء واحد من اثنين من كل واحد منهما على الكمال محال، والعاقل لا ~~يقصد بتصرفه المحال، فأما الرهن فحبس، ولا استحالة في كون الشيء الواحد ~~محبوسا بكل واحد من الدينين فهو الفرق بين الفصلين، غير أنه وإن كان محبوسا ~~بكل واحد من الدينين لكنه لا يكون مضمونا إلا بحصته، حتى لو هلك تنقسم ~~قيمته على الدينين فيسقط من كل واحد منهما بقدره؛ لأن المرتهن عند هلاك ~~الرهن يصير مستوفيا الدين من مالية الرهن، وأنه لا يفي لاستيفاء الدينين، ~~وليس أحدهما بأولى من الآخر فيقسم عليهما، فيسقط من كل واحد منهما بقدره. # وعلى هذا يخرج حبس المبيع بأن اشترى رجلان من رجل شيئا فأدى أحدهما حصته ~~من الثمن لم يكن له أن يقبض شيئا من المبيع وكان للبائع أن يحبس كله، حتى ~~يستوفي ما على الآخر؛ لأن كل المبيع محبوس بكل الثمن فما بقي جزء من الثمن ~~بقي استحقاق حبس كل المبيع ولو رهن بيتا بعينه من دار أو رهن طائفة معينة ~~من دار، جاز؛ لانعدام الشيوع، وعلى هذا الأصل تخرج زيادة الدين على الرهن ~~أنها لا تجوز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. # وجملة الكلام في الزيادات أنها أنواع أربعة: زيادة الرهن: وهي نماؤه ~~كالولد واللبن والتمر والصوف وكل ما هو متولد من الرهن أو في حكم المتولد ~~منه، بأن كان بدل جزء فائت أو بدل ما هو في حكم الجزء كالأرش والعقر وزيادة ~~الرهن على أصل الرهن، ms3625 كما إذا رهن بالدين جارية، ثم زاد عبدا أو غير ذلك ~~رهنا بذلك الدين، وزيادة الرهن على نماء الرهن، كما إذا رهن بالدين جارية ~~فولدت ولدا، ثم ماتت الجارية ثم زاد رهنا على الولد، وزيادة الدين على ~~الرهن كما إذا رهن عبدا بألف، ثم إن الراهن استقرض من المرتهن ألفا أخرى ~~على أن يكون العبد رهنا بالأول والزيادة جميعا. # (أما) زيادة الرهن فمرهونة عندنا على معنى أنه يثبت حكم الأصل فيها، وهو ~~استحقاق الحبس على طريق اللزوم، وعند الشافعي - رحمه الله - ليست بمرهونة ~~أصلا، والمسألة تأتي في بيان حكم الرهن إن شاء الله تعالى. # (وأما) زيادة الرهن فجائزة استحسانا، والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر - ~~رحمه الله - وهو على اختلاف الزيادة في الثمن والمثمن، وقد مرت المسألة في ~~كتاب البيوع. # (وأما) زيادة الرهن على نماء الرهن بعد هلاك الأصل فهي موقوفة إن بقي ~~الولد إلى وقت الفكاك، جازت الزيادة، وإن هلك، لم تجز؛ لأنها إذا هلكت تبين ~~أنها حصلت بعد سقوط الدين، وقيام الدين شرط صحة الزيادة. # (وأما) زيادة الدين على الرهن فهي على الاختلاف الذي ذكرنا أنه لا يجوز ~~عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف جائزة. # (وجه) قوله أن الدين في باب الرهن كالثمن في باب البيع، بدليل أنه لا يصح ~~الرهن إلا بالدين كما لا يصح البيع إلا بالثمن، ثم هناك جازت الزيادة في ~~الثمن والمثمن جميعا، فكذا هنا تجوز الزيادة في الرهن والدين جميعا، ~~والجامع بين البابين أن الزيادة عندنا تلتحق بأصل العقد، كأن العقد ورد على ~~الأصل والزيادة جميعا؛ فيصير كأنه رهن بالدين عبدين ابتداء وذا جائز، كذا ~~هذا. # (وجه) قولهما أن هذه الزيادة لو صحت، لأوجبت الشيوع في الرهن وأنه يمنع ~~صحة الرهن، ودلالة ذلك أنها لو صحت؛ لصار بعض العبد بمقابلتها فلا يخلو. # (إما) أن يصير ذلك البعض بمقابلة الزيادة مع بقائه مشغولا بالأول. # (وإما) أن يفرغ من الأول ويصير مشغولا بالزيادة ولا سبيل إلى الأول؛ لأن ~~المشغول بشيء لا يحتمل الشغل ms3626 بغيره، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأنه رهن بعض ~~العبد بالدين وهذا رهن المشاع فلا يجوز، كما إذا رهن عبدا واحدا بدينين ~~مختلفين لكل واحد منهما بعضه، بخلاف زيادة الرهن على أصل الرهن؛ لأن ~~الزيادة هناك لا تؤدي إلى شيوع الرهن بل إلى شيوع الدين؛ لأن قبل الزيادة ~~كان العبد بمقابلة كل الدين وبعد الزيادة صار كله بمقابلة بعض الدين، ~~والعبد والزيادة بمقابلة البعض الآخر، فيرجع # PageV06P139 # الشيوع إلى الدين لا إلى الرهن، والشيوع في الدين لا يمنع صحة الرهن وفي ~~الرهن يمنع صحته، ألا ترى لو رهن عبدا بنصف الدين، جاز. # ولو رهن نصف العبد بالدين، لم يجز، لذلك افترق حكم الزيادتين. # ولو رهن مشاعا فقسم وسلم، جاز؛ لأن العقد في الحقيقة موقوف على القسمة ~~والتسليم بعد القسمة، فإذا وجد، فقد زال المانع من النفاذ فينفذ. # (ومنها) : أن يكون المرهون فارغا عما ليس بمرهون، فإن كان مشغولا به بأن ~~رهن دارا فيها متاع الراهن وسلم الدار، أو سلم الدار مع ما فيها من المتاع، ~~أو رهن جوالقا دون ما فيه، وسلم الجوالق أو سلمه مع ما فيه، لم يجز؛ لأن ~~معنى القبض هو التخلية الممكنة من التصرف، ولا يتحقق مع الشغل. # ولو أخرج المتاع من الدار ثم سلمها فارغة؛ جاز، وينظر إلى حال القبض لا ~~إلى حال العقد؛ لأن المانع هو الشغل، وقد زال فينفذ، كما في رهن المشاع. # ولو رهن المتاع الذي فيها دون الدار، وخلى بينه وبين الدار جاز، بخلاف ما ~~إذا رهن الدار دون المتاع؛؛ لأن الدار تكون مشغولة بالمتاع، فأما المتاع ~~فلا يكون مشغولا بالدار، فيصح قبض المتاع ولم يصح قبض الدار. # ولو رهن الدار والمتاع والذي فيها صفقة واحدة، وخلى بينه وبينهما، وهو ~~خارج الدار جاز الرهن فيهما جميعا؛ لأنه رهن الكل وسلم الكل، وصح تسليمهما ~~جميعا. # ولو فرق الصفقة فيهما بأن رهن أحدهما ثم الآخر، فإن جمع بينهما في ~~التسليم، صح الرهن فيهما جميعا. # (أما) في المتاع فلا شك فيه؛ لما ذكرنا أن المتاع لا ms3627 يكون مشغولا بالدار. # (وأما) في الدار؛ فلأن المانع وهو الشغل قد زال، وإن فرق بأن رهن أحدهما ~~وسلم، ثم رهن الآخر وسلم، لم يجز الرهن في الدار وجاز في المتاع، سواء قدم ~~أو أخر، بخلاف الهبة فإن هناك يراعى فيه الترتيب، إن قدم هبة الدار لم تجز ~~الهبة في الدار وجازت في المتاع، كما في الرهن، وإن قدم هبة المتاع، جازت ~~الهبة فيهما جميعا. # (أما) في المتاع؛ فلأنه غير مشغول بالدار. # (وأما) في الدار؛ فلأنها وإن كانت مشغولة وقت القبض لكن بمتاع هو ملك ~~الموهوب له، فلم يمنع صحة القبض، وهنا الدار مشغولة بمتاع هو ملك الراهن؛ ~~فيمنع صحة القبض فهو الفرق ولو رهن دارا والراهن والمرتهن في جوف الدار ~~فقال الراهن: سلمتها إليك لم يصح التسليم، حتى يخرج من الدار ثم يسلم؛ لأن ~~معنى التسليم وهو التخلية لا يتحقق مع كونه في الدار، فلا بد من تسليم جديد ~~بعد الخروج منها. # ولو رهن دابة عليها حمل دون الحمل، لم يتم الرهن، حتى يلقي الحمل عنها ثم ~~يسلمها إلى المرتهن. # ولو رهن الحمل دون الدابة ودفعها إليه كان رهنا تاما في الحمل؛ لأن ~~الدابة مشغولة بالحمل، أما الحمل فليس مشغولا بالدابة، كما في رهن الدار ~~التي فيها المتاع بدون المتاع، ورهن المتاع الذي في الدار بدون الدار ولو ~~رهن سرجا على دابة أو لجاما في رأسها أو رسنا في رأسها، فدفع إليه الدابة ~~مع اللجام والسرج والرسن لم يكن رهنا حتى ينزعه من رأس الدابة ثم يسلم، ~~بخلاف ما إذا رهن متاعا في الدار؛ لأن السرج ونحوه من توابع الدابة، فلم ~~يصح رهنها بدون الدابة، كما لا يصح رهن الثمر بدون الشجر، بخلاف المتاع ~~فإنه ليس تبعا للدار. # ولهذا قالوا: لو رهن دابة عليها سرج أو لجام، دخل ذلك في الرهن بحكم ~~التبعية، وعلى هذا يخرج ما إذا رهن جارية واستثنى ما في بطنها، أو بهيمة ~~واستثنى ما في بطنها أنه لا يجوز الاستثناء ولا العقد، أما الاستثناء؛ ~~فلأنه لو ms3628 جاز، لكان المرهون مشغولا بما ليس بمرهون. # وأما العقد؛ فلأن استثناء ما في البطن بمنزلة الشرط الفاسد، والرهن تبطله ~~الشروط الفاسدة، كالبيع بخلاف الهبة. # ولو أعتق ما في بطن جاريته ثم رهن الأم أو دبر ما في بطنها، ثم رهن الأم، ~~فالكلام فيه كالكلام في الهبة، وقد مر الكلام في الهبة. # (ومنها) : أن يكون المرهون منفصلا متميزا عما ليس بمرهون، فإن كان متصلا ~~به غير متميز عنه، لم يصح قبضه؛ لأن قبض المرهون وحده غير ممكن، والمتصل به ~~غير مرهون، فأشبه رهن المشاع، وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا رهن الأرض بدون ~~البناء أو بدون الزرع والشجر، أو الزرع والشجر بدون الأرض، أو الشجر بدون ~~الثمر أو الثمر بدون الشجر أنه لا يجوز سواء سلم المرهون بتخلية الكل أو ~~لا؛ لأن المرهون متصل بما ليس بمرهون، وهذا يمنع صحة القبض ولو وجد الثمر ~~وحصد الزرع وسلم منفصلا، جاز؛ لأن المانع من النفاذ قد زال. # ولو جمع بينهما في عقد الرهن فرهنهما جميعا وسلم متفرقا، جاز، وإن فرق ~~الصفقة بأن رهن الزرع ثم الأرض أو الأرض ثم الزرع، ينظر إن جمع بينهما في ~~التسليم، جاز الرهن فيهما جميعا، وإن فرق، لا يجوز فيهما جميعا سواء قدم أو ~~أخر، بخلاف الفصل الأول؛؛ لأن المانع في الفصلين مختلف، # PageV06P140 # فالمانع من صحة القبض في هذا الفصل هو الاتصال، وأنه لا يختلف، والمانع ~~من صحة القبض في الفصل الأول هو الشغل وأنه يختلف. # مثال هذا: إذا رهن نصف داره مشاعا من رجل ولم يسلم إليه حتى رهنه النصف ~~الباقي وسلم الكل أنه يجوز. # ولو رهن النصف وسلم ثم رهن النصف الباقي وسلم، لا يجوز كذا هذا، وعلى هذا ~~إذا رهن صوفا على ظهر غنم بدون الغنم، أنه لا يجوز؛؛ لأن المرهون متصل بما ~~ليس بمرهون، وهذا يمنع صحة القبض. # ولو جزه وسلمه، جاز؛ لأن المانع قد زال وعلى هذا أيضا إذا رهن دابة عليها ~~حمل بدون الحمل، لا يجوز. # ولو رفع الحمل عنها وسلمها فارغة، ms3629 جاز؛ لما قلنا، بخلاف ما إذا رهن ما في ~~بطن جاريته أو ما في بطن غنمه أو ما في ضرعها، أو رهن سمنا في لبن أو دهنا ~~في سمسم أو زيتا في زيتون أو دقيقا في حنطة أنه يبطل، وإن سلطه على قبضه ~~عند الولادة أو عند استخراج ذلك فقبض؛ لأن العقد هناك لم ينعقد أصلا؛ لعدم ~~المحل؛ لكونه مضافا إلى المعدوم؛ ولهذا لم ينعقد البيع المضاف إليها فكذا ~~الرهن. # أما هنا فالعقد منعقد موقوف نفاذه على صحة التسليم بالفصل والتمييز، فإذا ~~وجد، فقد زال المانع ولو رهن الشجر بمواضعه من الأرض، جاز؛ لأن قبضه ممكن. # ولو رهن شجرا وفيه ثمر لم يسمه في الرهن، دخل في الرهن، بخلاف البيع أنه ~~لا يدخل الثمر في بيع الشجر من غير تسمية؛ لأنه قصد تصحيح الرهن، ولا صحة ~~بدون القبض ولا صحة للقبض بدون دخول ما هو متصل به، فيدخل تحت العقد تصحيحا ~~له، بخلاف البيع فإنه يصح في الشجر بدون الثمر ولا ضرورة إلى إدخال الثمر ~~للتصحيح ولو قال: رهنتك هذه الدار أو هذه الأرض أو هذا الكرم، وأطلق القول ~~ولم يخص شيئا دخل فيه كل ما كان متصلا به من البناء والغرس؛ لأن ذلك يدخل ~~في البيع مع أن القبض ليس من شرط صحته فلأن يدخل في الرهن أولى، إلا أنه ~~يدخل فيه الزرع والثمر ولا يدخل في البيع؛ لما ذكرنا، بخلاف المتاع أنه لا ~~يدخل في رهن الدار، ويدخل الثمر في رهن الشجر؛؛ لأن الثمر تابع للشجر ~~والمتاع ليس بتابع للدار. # ولو استحق بعض المرهون بعد صحة الرهن ينظر إلى الباقي إن كان الباقي بعد ~~الاستحقاق مما يجوز رهنه ابتداء، لا يفسد الرهن فيه، وإن كان مما لا يجوز ~~رهنه ابتداء، فسد الرهن في الكل؛ لأنه لما استحق بعضه تبين أن العقد لم يصح ~~في القدر المستحق، وأنه لم يقع إلا على الباقي فكأنه رهن هذا القدر ابتداء، ~~فينظر فيه إن كان محلا لابتداء الرهن، يبقى الرهن فيه وإلا ms3630 فيفسد في الكل، ~~كما لو رهن هذا القدر ابتداء، إلا أنه إذا بقي الرهن فيه يبقى بحصته حتى لو ~~هلك الباقي بحصته من الدين، وإن كان في قيمته وفاء بجميع الدين ولا يذهب ~~جميع الدين، وإذا رهن الباقي ابتداء وفيه وفاء بالدين فهلك، يهلك بجميع ~~الدين، وإن شئت أن تجعل الحيازة شرطا مفردا وخرجت المشاع على هذا الأصل؛ ~~لأنه مرهون متصل بما ليس بمرهون حقيقة، فكان تخريجه عليه مستقيما فافهم. # ومنها أهلية القبض وهي العقل؛ لأنه يثبت به أهلية الركن وهو الإيجاب ~~والقبول فلأن تثبت به أهلية الشرط أولى. # وأما تفسير القبض فالقبض عبارة عن التخلي: وهو التمكن من إثبات اليد وذلك ~~بارتفاع الموانع، وإنه يحصل بتخلية الراهن بين المرهون والمرتهن، فإذا حصل ~~ذلك، صار الراهن مسلما والمرتهن قابضا، وهذا جواب ظاهر الرواية وروي عن أبي ~~يوسف أنه يشترط معه النقل والتحويل فما لم يوجد؛ لا يصير قابضا وجه هذه ~~الرواية أن القبض شرط صحة الرهن، قال الله تبارك وتعالى {فرهان مقبوضة} ~~[البقرة: 283] ومطلق القبض ينصرف إلى القبض الحقيقي ولا يتحقق ذلك إلا ~~بالنقل، فأما التخلي فقبض حكما لا حقيقة، فلا يكتفى به وجه ظاهر الرواية أن ~~التخلي بدون النقل والتحويل قبض في العرف والشرع، أما العرف: فإن القبض يرد ~~على ما لا يحتمل النقل والتحويل من الدار والعقار، يقال: هذه الأرض أو هذه ~~القرية أو هذه الولاية في يد فلان فلا يفهم منه إلا التخلي وهو التمكن من ~~التصرف وأما الشرع: فإن التخلي في باب البيع قبض بالإجماع من غير نقل ~~وتحويل دل أن التخلي بدون النقل والتحويل قبض حقيقة وشريعة فيكتفى به # وأما بيان أنواع القبض فنقول وبالله التوفيق: القبض نوعان: نوع بطريق ~~الأصالة، ونوع بطريق النيابة أما القبض بطريق الأصالة: فهو أن يقبض بنفسه ~~لنفسه. # وأما القبض بطريق النيابة فنوعان: نوع يرجع إلى القابض، ونوع يرجع إلى ~~نفس القبض، أما الذي يرجع إلى القابض: فنحو قبض الأب والوصي وعن الصبي، كذا ~~قبض العدل يقوم مقام قبض # PageV06P141 # المرتهن، ms3631 حتى لو هلك الرهن في يده كان الهلاك على المرتهن؛؛ لأن نفس ~~القبض مما يحتمل النيابة؛ ولأن قبض الرهن قبض استيفاء الدين، واستيفاء ~~الدين مما يحتمل النيابة وأما الذي يرجع إلى نفس القبض: فهو أن المرهون إذا ~~كان مقبوضا عند العقد فهل ينوب ذلك عن قبض الرهن؟ فالأصل فيه ما ذكرنا في ~~كتاب البيوع والهبة أن القابضين إذا تجانسا، ناب أحدهما عن الآخر، وإذا ~~اختلفا، ناب الأعلى عن الأدنى، وقد بينا فقه هذا الأصل وفروعه فيما تقدم، ~~وإن شئت عددت الحيازة والفراغ والتمييز من شرائط نفس العقد: فقلت: ومن ~~شرائط صحة العقد أن يكون المرهون محوزا عندنا، وبنيت المشاع عليه، وإن شئت ~~قلت. # ومنها: دوام القبض عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - ليس بشرط، وبنيت ~~عليه المشاع. # (ولنا) في إثبات هذا الشرط دليلان: أحدهما قوله تعالى {فرهان مقبوضة} ~~[البقرة: 283] أخبر الله سبحانه وتعالى أن المرهون مقبوض، فيقتضي كونه ~~مقبوضا ما دام مرهونا؛ لأن إخباره سبحانه وتعالى لا يحتمل الخلف، والشيوع ~~يمنع دوام القبض فيمنع صحة الرهن والثاني أن الله تبارك وتعالى سماه رهنا، ~~وكذا يسمى رهنا في متعارف اللغة والشرع، والرهن حبس في اللغة، قال الله ~~تبارك وتعالى {كل نفس بما كسبت رهينة} [المدثر: 38] أي حبيسة بكسبها، ~~فيقتضي أن يكون محبوسا ما دام مرهونا، والشياع يمنع دوام الحبس فيمنع جواز ~~الرهن، وسواء كان فيما يحتمل القسمة أو فيما لا يحتملها؛؛ لأن الشيوع يمنع ~~إدامة القبض فيهما جميعا، وسواء كان الشيوع مقارنا أو طارئا في ظاهر ~~الرواية؛؛ لأن كل ذلك يمنع دوام القبض، وسواء كان الرهن من أجنبي أو من ~~شريكه؛ لأنه لو جاز، لأمسكه الشريك يوما بحكم الملك ويوما بحكم الرهن؛ ~~فتختلف جهة القبض والحبس فلا يدوم القبض والحبس من حيث المعنى، ويصير كأنه ~~رهنه يوما، ويوما لا، وذا لا يجوز. # وعلى هذا أيضا يخرج رهن ما هو متصل بعين ليس بمرهون؛؛ لأن اتصاله بعين ~~المرهون يمنع من إدامة القبض عليه وأنه شرط جواز الرهن، ومنها أن يكون ~~فارغا ما ليس ms3632 بمرهون، ومنها أن يكون منفصلا مميزا عما ليس بمرهون، وخرجت ~~على كل واحد منهما مسائله التي ذكرنا فافهم. # (وأما) الذي يرجع إلى المرهون به فأنواع: منها أن يكون مضمونا، والكلام ~~في هذا الشرط يقع في موضعين: أحدهما في أصل اشتراط الضمان، والثاني في صفة ~~المضمون أما الأول فأصل الضمان هو كون المرهون به مضمونا شرط جواز الرهن؛ ~~لأن المرهون عندنا مضمون بمعنى سقوط الواجب عند هلاكه، أو بمعنى استيفاء ~~الواجب، ولسنا نعني بالمضمون سوى أن يكون واجب التسليم على الراهن، ~~والمضمون نوعان: دين، وعين. # أما الدين: فيجوز الرهن بأي سبب وجب من الإتلاف والغصب والبيع ونحوها؛ ~~لأن الديون كلها واجبة على اختلاف أسباب وجوبها، فكان الرهن بها رهنا ~~بمضمون فيصح، وسواء كان مما يحتمل الاستبدال قبل القبض أو لا يحتمله، كرأس ~~مال السلم وبدل الصرف والمسلم فيه، وهذا عند أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: لا ~~يجوز الرهن بهذه الديون وجه قوله أن سقوط الدين عند هلاك الرهن بطريق ~~الاستبدال، على معنى أن عين الدين تصير بدلا عن الدين لا بطريق الاستيفاء؛ ~~لأن الاستيفاء لا يتحقق إلا عند المجانسة، والرهن مع الدين يكونان مختلفي ~~الجنس عادة، فلا يكون القول بالسقوط بطريق الاستيفاء، فتعين أن يكون بطريق ~~الاستبدال فيختص جواز الرهن بما يحتمل الاستبدال، وهذه الديون كما لا يجوز ~~استبدالها فلا يجوز الرهن بها. # (ولنا) أن السقوط بطريق الاستيفاء؛ لما نذكر في حكم الرهن إن شاء الله ~~تعالى واستيفاء هذه الديون ممكن وأما قوله: الاستيفاء يستدعي المجانسة ~~قلنا: المجانسة ثابتة من وجه؛ لأن الاستيفاء يقع بمالية الرهن لا بصورته، ~~والأموال كلها فيما يرجع إلى معنى المالية جنس واحد، وقد يسقط اعتبار ~~المجانسة من حيث الصورة، ويكتفى بمطلق المالية للحاجة والضرورة، كما في ~~إتلاف ما لا مثل له من جنسه، وقد تحققت الضرورة في باب الرهن؛ لحاجة الناس ~~إلى توثيق ديونهم من جانب الاستيفاء، فأمكن القول بالاستيفاء، وإذا جاز ~~الرهن بهذه الديون فإن هلك الرهن في المجلس، تم الصرف والسلم؛؛ لأنه صار ~~مستوفيا عين ms3633 حقه في المجلس لا مستبدلا، وإن لم يملك حتى افترقا، بطلا؛ ~~لفوات شرط البقاء على الصحة وهو القبض في المجلس. # وأما العين فنقول: لا خلاف في أنه لا يجوز الرهن بالعين التي هي أمانة في ~~يد الراهن، كالوديعة والعارية ومال المضاربة والبضاعة والشركة والمستأجر ~~ونحوها، فإنها ليست بمضمونة أصلا # PageV06P142 # وأما العين المضمونة فنوعان: نوع هو مضمون بنفسه، وهو الذي يجب مثله عند ~~هلاكه إن كان له مثل، وقيمته إن لم يكن له مثل، كالمغصوب في يد الغاصب، ~~والمهر في يد الزوج، وبدل الخلع في يد المرأة، وبدل الصلح عن دم العمد في ~~يد العاقلة، ولا خلاف في أنه يجوز الرهن به، وللمرتهن أن يحبس الرهن حتى ~~يسترد العين، فإن هلك المرهون في يده قبل استرداد العين والعين قائمة يقال ~~للراهن: سلم العين إلى المرتهن، وخذ منه الأقل من قيمة الرهن ومن الدين؛ ~~لأن المرهون عندنا مضمون بذلك، فإذا وصل إليه العين، يجب عليه رد قدر ~~المضمون إلى الراهن، فإن هلكت العين والرهن قائم، صار الرهن بها رهنا ~~بقيمتها، حتى وهلك الرهن بعد ذلك، يهلك مضمونا بالأقل من قيمته وقيمة ~~العين؛ لأن قيمة العين بدلها، وبدل الشيء قائم مقامه كأنه هو. # وأما الذي هو مضمون بغيره لا بنفسه، كالمبيع في يد البائع ليس هو مضمونا ~~بنفسه، ألا ترى أنه لو هلك في يده، لا يضمن شيئا، بل هو مضمون بغير الثمن ~~حتى يسقط الثمن المشترى إذا هلك، فهل يجوز الرهن به؟ ذكر في كتاب الصرف أنه ~~يجوز، وله أن يحبسه حتى يقبض المبيع، وإن هلك في يده قبل القبض، يهلك ~~بالأقل من قيمته ومن قيمة المبيع، ولا يصير قابضا للمبيع بهلاكه، وله أن ~~يقبض المبيع إذا أوفى ثمنه، وعليه أيضا ضمان الأقل بهلاك الرهن. # ولو هلك المبيع قبل القبض والرهن قائم، بطل البيع؛ لأن إهلاك المبيع قبل ~~القبض يوجب بطلان المبيع، وعلى المشتري أن يرد الرهن على البائع. # ولو هلك في يده قبل الرد، هلك بضمانه وهو الأقل من قيمته ومن ms3634 قيمة المبيع ~~للبائع، ولا يبطل ضمانه بهلاك المبيع وبطلان البيع؛ لأنه وإن هلك المبيع، ~~فقد سقط الثمن بمقابلته فكان بطلانه بعوض، فلا يبطل ضمانه. # وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يصح الرهن، وبه أخذ الكرخي وجه رواية ~~الحسن أن قبض الرهن قبض استيفاء المرهون، ولا يتحقق معنى الاستيفاء في ~~المضمون بغيره؛ لأن المشتري لا يصير مستوفيا شيئا بهلاك الرهن، إنما يسقط ~~عنه الثمن لا غير. # (وجه) ظاهر الرواية الاستيفاء ههنا يحصل من حيث المعنى؛ لأن المبيع قبل ~~القبض إن لم يكن مضمونا بالقيمة فهو مضمون بالثمن، ألا ترى أنه لو هلك، ~~يسقط الثمن عن المشتري، فكان سقوط الثمن عنه كالعوض عن هلاك المبيع فيحصل ~~مستوفيا مالية المبيع من الرهن من حيث المعنى، فكان في معنى المضمون بنفسه ~~فيصح الرهن به ولو تزوج امرأة على دراهم بعينها، أو اشترى شيئا بدراهم ~~بعينها فأعطى بها رهنا لم يجز عند أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم -، وعند ~~زفر يجوز؛ بناء على أن الدراهم والدنانير لا تتعين في عقود المعاوضات، وإن ~~عينت فكان الواجب على الراهن مثلها لا عينها، فلم يكن المعين مضمونا؛ فلم ~~يجز الرهن به، وعنده يتعين بالتعيين بمنزلة العوض فكان المعين مضمونا؛ فجاز ~~الرهن به، ولا يجوز الرهن بالكفالة بالنفس؛ لأن المكفول به ليس بمضمون على ~~الكفيل، ألا ترى أنه لو هلك، لا يجب على الراهن شيء ولا يسقط عن المرتهن ~~بمقابلته. # ولا يجوز الرهن بالشفعة؛ لأن الشفعة ليست بمضمونة على المشتري، بدليل أنه ~~لو هلك، لا يجب عليه شيء ولا يسقط عن المرتهن بشيء بمقابلته، فكان رهنا بما ~~ليس بمضمون؛ فلم يجز، ولا يجوز الرهن بالعبد الجاني والعبد المديون؛؛ لأنه ~~لو هلك، لا يجب على المولى شيء، ولا يسقط عن المرتهن شيء بمقابلته، فلم يكن ~~مضمونا أصلا فلا يصح الرهن به، ولا يجوز الرهن بأجرة النائحة والمغنية، بأن ~~استأجر مغنية أو نائحة أو أعطاهما بالأجرة رهنا؛ لأن الإجارة لم تصح فلم ~~تجب الأجرة، فكان رهنا بما ليس بمضمون؛ فلم يجز ms3635 ولو دفع إلى رجل رهنا ~~ليقرضه فهلك الرهن قبل أن يقرضه يهلك مضمونا بالأقل من قيمته ومما سمى في ~~القرض، وإن حصل الارتهان بما ليس بمضمون لكنه في حكم المضمون؛؛ لأنه قبض ~~الرهن ليقرضه فكان قبض الرهن على جهة الضمان، والمقبوض على جهة شيء ~~كالمقبوض على حقيقته في الشرع، كالمقبوض على سوم الشراء. # (وأما) صفة المضمون فنوعان: (أحدهما) متفق عليه، (والثاني) مختلف فيه أما ~~المتفق عليه: هو أن يكون مضمونا في الحال، فلا يصح الرهن مما يصير مضمونا ~~في الثاني، كالرهن بالدرك بأن باع شيئا وقبض الثمن وسلم المبيع إلى ~~المشتري، فخاف المشتري الاستحقاق فأخذ بالثمن من البائع رهنا قبل الدرك لا ~~يجوز؛ حتى لا يملك الحبس، سواء وجد الدرك أو لم يوجد. # ولو هلك، يهلك أمانة سواء وجد الدرك أو لم يوجد، وكذا لو ارتهن بما يثبت ~~له على الراهن في المستقبل، لا يجوز، بخلاف الكفالة فإن الكفالة بما يصير ~~مضمونا في # PageV06P143 # الثاني جائزة، كما إذا كفل بما يذوب له على فلان ونحو ذلك؛ لأن الارتهان ~~استيفاء من وجه للحال، ولا شيء للحال يستوفى، واستيفاء المعدوم محال بخلاف ~~الكفالة؛ ولأن الرهن والارتهان لما كان من باب الإيفاء والاستيفاء أشبه ~~البيع فلا يحتمل الإضافة إلى المستقبل كالبيع؛ ولأن القياس يأبى جوازهما ~~جميعا؛ لأن كل واحد منهما يستدعي مضمونا، إلا أن الجواز في الكفالة؛ لتعامل ~~الناس، ولا تعامل في الرهن، فيبقى الأمر فيه على أصل القياس، وبخلاف ما إذا ~~دفع إلى إنسان رهنا ليقرضه أن الرهن يكون مضمونا، وإن كان ذلك رهنا بما ليس ~~بمضمون في الحال؛ لأن له حكم المضمون، وإن لم يكن مضمونا حقيقة؛ لوجود ~~القبض على جهة الضمان، والمقبوض على جهة شيء بمنزلة المقبوض على حقيقة، ~~كالمقبوض على سوم الشراء ولم يوجد هنا. # ولو قال لآخر: ضمنت لك مالك على فلان إذا حل، يجوز أخذ الكفيل الرهن به ~~ولو قال: إذا قدم فلان فأنا ضامن مالك عليه، لم يجز أخذ الرهن به، ويجوز ~~أخذ الكفيل، والفرق أن في ms3636 المسألة الأولى الكفالة والرهن كل واحد منها أضيف ~~إلى مضمون في الحال؛ لأن الدين المؤجل واجب قبل حلول الأجل على طريق ~~التوسع، وإنما تأثير التأجيل في تأخير المطالبة، بخلاف الرهن بضمان الدرك؛ ~~لأنه لا مضمون هنالك للحال ولا ما له حكم المضمون، بخلاف ما إذا قال: إذا ~~قدم فلان فأنا ضامن مالك عليه؛ لأن ذلك تعليق الضمان بقدوم فلان، فكان عدما ~~قبل وجود الشرط، فلم توجد الإضافة إلى مضمون للحال؛ فبطل الرهن وصحت ~~الكفالة؛ لأنها لا تستدعي مضمونا في الحال بل في الجملة على ما مر. # وأما المختلف فيه فهو أن الشرط كونه مضمونا ظاهرا أو باطنا، أو كونه ~~مضمونا من حيث الظاهر يكفي لجواز الرهن، ذكر محمد في الجامع ما يدل على أن ~~كونه مضمونا في الظاهر كاف، ولا يشترط كونه مضمونا حقيقة، فإنه قال: إذا ~~ادعى على رجل ألفا وهي قرض عليه، فجحدها المدعى عليه، ثم إنه صالح المدعى ~~من ذلك على خمسمائة وأعطاه بها رهنا يساوي خمسمائة، ثم تصادقا على أن ذلك ~~المال كان باطلا، وأنه لم يكن للمدعى عليه بشيء، ثم هلك الرهن في يده كان ~~على المرتهن أن يرد على الراهن خمسمائة؛ لأن الدين كان ثابتا على الراهن من ~~حيث الظاهر، ألا ترى أنهما لو اختصما إلى القاضي قبل أن يتصادقا، أن القاضي ~~يجبر المدعى عليه على إيفاء الخمسمائة، فكان هذا رهنا بما هو مضمون ظاهر ~~فيصح، يدل عليه أن الرهن بجهة الضمان جائز على ما ذكر؛ فلأن يجوز بالضمان ~~الثابت من حيث الظاهر أولى وروي عن أبي يوسف أنه لا يضمن شيئا؛ لأنهما لما ~~تصادقا على أنه لم يكن عليه شيء تبين أن الرهن حصل بما ليس بمضمون أصلا؛ ~~فلم يصح، وكذا ذكر في الجامع إذا اشترى من رجل عبدا بألف درهم، وقبض العبد ~~وأعطاه بالألف رهنا يساوي ألفا، فهلك الرهن عند المرتهن ثم قامت البينة على ~~أن العبد حر أو استحق العبد من يده يهلك مضمونا؛ لأن الألف كانت مضمونة على ~~الراهن ظاهرا ms3637 فقد حصل الارتهان بدين مضمون عليه من حيث الظاهر؛ فجاز. # وكذا لو اشترى شاة مذبوحة بعشرة دراهم، أو اشترى دنا من خل أو أعطاه ~~بالثمن رهنا فهلك الرهن، ثم علم أن الشاة ميتة والخل خمر فالرهن مضمون؛ لما ~~قلنا. # وكذا لو قتل عبد إنسان خطأ، وأعطاه بقيمته رهنا، ثم علم أن العبد حر كان ~~المرهون مضمونا بالأقل من قيمته ومن قيمة العبد؛ لما ذكرنا وعلى قياس ما ~~روي عن أبي يوسف ينبغي أن لا يضمن في هذه المسائل أيضا؛ لأنه تبين أن ~~الارتهان حصل بما ليس بمضمون حقيقة فلم يصح ولو ادعى المستودع أو المضارب ~~هلاك الوديعة أو المضاربة، وادعى رب المال عليهما الاستهلاك، وتصالحا على ~~مال وأخذ رب المال بالمال رهنا من المستودع، فهلك عنده، ثم تصادقا على أن ~~الوديعة هلكت عنده يضمن المرتهن عند محمد، وعند أبي يوسف لا يضمن، وهذا ~~الاختلاف بناء على اختلافهما في صحة الصلح، فعند محمد لما صح الصلح كان ~~رهنا بمضمون من حيث الظاهر؛ فيصح، وعند أبي يوسف لما لم يصح فقد حصل الرهن ~~بما ليس بمضمون حقيقة؛ فلم يصح. # (ومنها) أن يكون محتملا للاستيفاء من الرهن فإن لم يحتمل، لم يصح الرهن ~~به؛؛ لأن الارتهان استيفاء وعلى هذا يخرج الرهن بالقصاص في النفس وما دونها ~~أنه لا يجوز؛؛ لأنه لا يمكن استيفاء القصاص من الرهن، ويجوز الرهن بأرش ~~الجناية؛؛ لأن الاستيفاء من الرهن ممكن فصح الرهن به وعلى هذا أيضا يخرج ~~الرهن بالشفعة أنه لا يصح؛؛ لأن حق الشفعة لا يحتمل الاستيفاء من الرهن؛ ~~فلم يصح الرهن به وعلى هذا # PageV06P144 # أيضا يخرج الرهن بالكفالة بالنفس فإنه لا يجوز؛؛ لأن المكفول به مما لا ~~يحتمل الاستيفاء من الرهن. ### | [فصل في حكم الرهن] # (فصل) : # وأما حكم الرهن فنقول وبالله التوفيق: الرهن نوعان: صحيح، وفاسد. # (أما) الأول فله أحكام بعضها يتعلق بحال قيام المرهون وبعضها يتعلق بحال ~~هلاكه. # (أما) الذي يتعلق بحال قيامه فعندنا ثلاثة: الأول ملك حبس المرهون على ~~سبيل الدوام إلى وقت الفكاك، ms3638 أو ملك العين في حق الحبس على سبيل الدوام إلى ~~وقت الفكاك، وكون المرتهن أحق بحبس المرهون على سبيل اللزوم إلى وقت ~~الفكاك، والعبارات متفقة المعاني في متعارف الفقهاء. # (والثاني) اختصاص المرتهن ببيع المرهون أو اختصاصه بثمنه، وهذان الحكمان ~~أصليان للرهن عندنا. # (والثالث) وجوب تسليم المرهون عند الافتكاك، وقال الشافعي - رحمه الله - ~~الحكم الأصلي للرهن واحد وهو كون المرتهن أحق ببيع المرهون وأخص بثمنه من ~~بين سائر الغرماء. # (فأما) حق حبس المرهون فليس بحكم لازم، حتى أن المرهون إن كان شيئا يمكن ~~الانتفاع به بدون استهلاكه، كان للراهن أن يسترده من يد المرتهن فينتفع به، ~~فإذا فرغ من الانتفاع، رده إليه، وإن كان شيئا لا يمكن الانتفاع به ~~باستهلاكه كالمكيل والموزون، فليس للراهن أن يسترده من يده، احتج بما روي ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يغلق الرهن، لا يغلق ~~الرهن، لا يغلق الرهن، هو لصاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه» أخبر - ~~عليه الصلاة والسلام - أن الرهن لا يغلق أي لا يحبس، وعندكم يحبس، فكان حجة ~~عليكم، وكذا أضاف - عليه الصلاة والسلام - الرهن إلى الراهن " فاللام " ~~التمليك، وسماه صاحبا له على الإطلاق، فيقتضي أن يكون هو المالك للرهن ~~مطلقا رقبة وانتفاعا وحبسا؛ ولأن الرهن شرع توثيقا للدين، وملك الحبس على ~~سبيل الدوام يضاد معنى الوثيقة؛؛ لأنه يكون في يده دائما، وعسى يهلك؛ فيسقط ~~الدين، فكان توهينا للدين لا توثيقا له؛ ولأن فيما قلتم: تعطيل العين ~~المنتفع بها في نفسها من الانتفاع؛؛ لأن المرتهن لا يجوز له الانتفاع ~~بالرهن أصلا، والراهن لا يملك الانتفاع به عندكم؛ فكان تعطيلا والتعطيل ~~تسييب وأنه من أعمال الجاهلية، وقد نفاه الله تبارك وتعالى بقوله {ما جعل ~~الله من بحيرة ولا سائبة} [المائدة: 103] . # (ولنا) قوله تعالى {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} ~~[البقرة: 283] أخبر الله تعالى بكون الرهن مقبوضا وإخباره سبحانه وتعالى لا ~~يحتمل الخلل، فاقتضى أن يكون المرهون مقبوضا ما دام مرهونا؛ ولأن الرهن في ~~اللغة: عبارة ms3639 عن الحبس قال الله عز وجل {كل امرئ بما كسب رهين} [الطور: 21] ~~أي حبيس، فيقتضي أن يكون المرهون محبوسا ما دام مرهونا ولو لم يثبت ملك ~~الحبس على الدوام لم يكن محبوسا على الدوام فلم يكن مرهونا؛ ولأن الله ~~تعالى لما سمى العين التي ورد العقد عليها رهنا وأنه ينبئ عن الحبس لغة كان ~~ما دل عليه اللفظ لغة حكما له شرعا؛؛ لأن للأسماء الشرعية دلالات على ~~أحكامها، كلفظ الطلاق والعتاق والحوالة والكفالة ونحوها؛ ولأن الرهن شرع ~~وثيقة بالدين، فيلزم أن يكون حكمه ما يقع به التوثيق للدين كالكفالة، وإنما ~~يحصل التوثيق إذا كان يملك حبسه على الدوام؛ لأنه يمنعه عن الانتفاع، ~~فيحمله ذلك على قضاء الدين في أسرع الأوقات، وكذا يقع إلا من عن تواء حقه ~~بالجحود والإنكار على ما عرف، ولا حجة له في الحديث؛ لأن معنى قوله - عليه ~~الصلاة والسلام -: «لا يغلق الرهن» أي لا يملك بالدين، كذا قاله أهل اللغة: ~~غلق الرهن أي ملك بالدين، وهذا كان حكما جاهليا فرده رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وقوله - عليه الصلاة والسلام -: «هو لصاحبه الذي رهنه» تفسير ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يغلق الرهن» وقوله - عليه الصلاة ~~والسلام -: «له غنمه» أي زوائده «وعليه غرمه» أي نفقته وكنفه وقوله: إن ما ~~شرع له الرهن لا يحصل بما قلتم؛؛ لأنه يتوى حقه بهلاك الرهن قلنا: على أحد ~~الطريقين لا يتوى بل يصير مستوفيا، والاستيفاء ليس بهلاك الدين. # (وأما) على الطريق الآخر فالهلاك ليس بغالب بل قد يكون، وقد لا يكون، ~~وإذا هلك، فالهلاك ليس يضاف إلى حكم الرهن؛؛ لأن حكمه ملك الحبس لا نفس ~~الحبس، وقوله: فيه تسييب ممنوع، فإن بعقد الرهن مع التسليم يصير الراهن ~~موفيا دينه في حق الحبس، والمرتهن يصير مستوفيا في حق الحبس، والإيفاء ~~والاستيفاء من منافع الرهن، وإذا عرف حكم الرهن في حال قيامه، فيخرج عليه ~~المسائل المتعلقة به. # (أما) على الحكم الأول وهو ملك الحبس فالمسائل المتعلقة بهذا الحكم بعضها ~~يتعلق بنفس الحكم ms3640 وبعضها يتعلق بكيفيته، أما الذي يتعلق بنفس الحكم فنقول: ~~وبالله التوفيق # PageV06P145 # ليس للراهن أن ينتفع بالمرهون استخداما وركوبا ولبسا وسكنى وغير ذلك؛؛ ~~لأن حق الحبس ثابت للمرتهن على سبيل الدوام، وهذا يمنع الاسترداد ~~والانتفاع، وليس له أن يبيعه غير المرتهن بغير إذنه؛ لما فيه من إبطال حقه ~~من غير رضاه. # ولو باعه، توقف نفاذ البيع على إجازة المرتهن، إن أجاز، جاز؛ لأن عدم ~~النفاذ لمكان حقه، فإذا رضي ببطلان حقه زال المانع؛ فنفذ وكان الثمن رهنا، ~~سواء شرط المرتهن عند الإجازة كونه رهنا، أو لا في جواب ظاهر الرواية وروي ~~عن أبي يوسف أنه لا يكون رهنا إلا بالشرط؛ لأن الثمن ليس بمرهون حقيقة بل ~~المرهون هو المبيع، وقد زال حقه عنه بالبيع، إلا أنه إذا شرط عند الإجازة ~~أن يكون مرهونا فلم يرض بزوال حقه عنه إلا ببدل، وإذا لم يوجد الشرط زال ~~حقه أصلا. # (وجه) ظاهر الرواية أن الثمن بدل المرهون فيقوم مقامه وبه تبين أنه ما ~~زال حقه بالبيع؛ لأنه زال إلى خلف والزائل إلى خلف قائم معنى، فيقام الخلف ~~مقام الأصل، وسواء قبض الثمن من المشتري أو لم يقبضه؛ لأنه يقوم مقام ما ~~كان مقبوضا، وإن رده بطل؛ لما قلنا، وليس له أن يهبه من غيره أو يتصدق به ~~على غيره بغير إذنه؛ لما ذكرنا. # ولو فعل توقف على إجازة المرتهن إن رده بطل، وله أن يعيده رهنا، وإن ~~أجازه، جازت الإجازة؛ لما قلنا، وبطل عقد الرهن؛؛ لأنه زال عن ملكه لا إلى ~~خلف، بخلاف البيع وليس له أن يؤاجره من أجنبي بغير إذن المرتهن؛ لأن قيام ~~ملك الحبس له يمنع الإجازة؛ ولأن الإجازة بعقد الانتفاع، وهو لا يملك ~~الانتفاع به بنفسه فكيف يملكه غيره؟ ولو فعل وقف على إجازته فإن رده، بطل، ~~وإن أجاز، جازت الإجازة؛ لما قلنا، وبطل عقد الرهن؛ لأن الإجازة إذا جازت ~~وأنها عقد لازم لا يبقى الرهن ضرورة والأجرة للراهن؛ لأنها بدل منفعة ~~مملوكة له، وولاية قبض الأجرة له أيضا؛ لأنه ms3641 هو العاقد، ولا تكون الأجرة ~~رهنا؛ لأن الأجرة بدل المنفعة، والمنفعة ليست بمرهونة فلا يكون بدلها ~~مرهونا. # (فأما) الثمن في باب البيع فبدل المبيع، وأنه مرهون فجاز أن يكون بدله ~~مرهونا، وكذلك لو آجره من المرتهن صحت الإجارة وبطل الرهن إذا جدد المرتهن ~~القبض للإجارة. # (أما) صحة الإجارة وبطلان الرهن؛ فلما ذكرنا. # (وأما) الحاجة إلى تجديد القبض؛ فلأن قبض الرهن دون قبض الإجارة، فلا ~~ينوب عنه. # ولو هلك في يده قبل انقضاء مدة الإجارة أو بعد انقضائها يهلك أمانة؛ إن ~~لم يوجد منع من الراهن، وإن منعه الراهن ثم هلك بعد انقضاء مدة الإجارة، ~~ضمن كل قيمته؛ لأنه صار غاصبا بالمنع، وليس له أن يعيره من أجنبي بغير إذن ~~المرتهن؛ لما ذكرنا، فلو أعار وسلم، فللمرتهن أن يبطل الإعارة ويعيده رهنا، ~~وإن أجاز، جاز، ولا يبطل الرهن ولكن يبطل ضمانه، وكذا إذا أعاره بإذن ~~المرتهن، بخلاف ما إذا آجره فأجاز المرتهن، أو آجره بإذنه أنه يبطل الرهن؛ ~~لأن الإجارة عقد لازم ألا ترى أن أحد العاقدين لا ينفرد بالفسخ من غير عذر، ~~فكان من ضرورة جوازها بطلان الرهن فأما الإعارة فليست بلازمة؛؛ لأن للمعير ~~ولاية الاسترداد في أي وقت شاء، فجوازها لا يوجب بطلان عقد الرهن إلا أنه ~~يبطل ضمان الرهن؛ لما نذكر في موضعه إن شاء الله تعالى وكذا ليس للمرتهن أن ~~ينتفع بالمرهون، حتى لو كان الراهن عبدا ليس له أن يستخدمه، وإن كان دابة ~~ليس له أن يركبها، وإن كان ثوبا ليس له أن يلبسه، وإن كان دارا ليس له أن ~~يسكنها، وإن كان مصحفا ليس له أن يقرأ فيه؛؛ لأن عقد الرهن يفيد ملك الحبس ~~لا ملك الانتفاع، فإن انتفع به فهلك في حال الاستعمال يضمن كل قيمته؛ لأنه ~~صار غاصبا وليس له أن يبيع الرهن بغير إذن الراهن؛؛ لأن الثابت له ليس إلا ~~ملك الحبس، فأما ملك العين فللراهن، والبيع تمليك العين فلا يملكه المرتهن ~~من غير إذن الراهن. # ولو باع من غير إذنه، وقف ms3642 على إجازته فإن أجازه، جاز وكان الثمن رهنا، ~~وكذا إذا باع بإذنه، جاز وكان ثمنه رهنا، سواء قبضه من المشتري أو لم ~~يقبضه. # ولو هلك، كان الهلاك على المرتهن، وهذا يشكل على الشرط الذي ذكرنا؛ لجواز ~~الرهن وهو أن لا يكون المرهون دينا والثمن دينا في ذمة المشتري، فكيف يصلح ~~رهنا؟ والجواب: أن الدين يصلح رهنا في حال البقاء وإن كان لا يصلح ابتداء؛؛ ~~لأنه في حالة البقاء بدل المرهون، وبدل المرهون مرهون؛؛ لأنه قائم مقام ~~المرهون كأنه هو، بخلاف حالة الابتداء، وإن رد، بطل وعاد المبيع رهنا كما ~~كان. # ولو هلك في يد المشتري قبل الإجازة، فلم تجز الإجازة؛ لأن قيام المعقود ~~عليه شرط صحة الإجازة، والراهن بالخيار إن شاء ضمن المرتهن وإن شاء ضمن # PageV06P146 # المشتري؛ لأن كل واحد منهما صار غاصبا للمرتهن بالتسليم والمشتري بالقبض، ~~فإن ضمن المرتهن، جاز البيع والثمن للمرتهن، وكان الضمان رهنا؛ لأنه ملكه ~~بالضمان فتبين أنه باع ملك نفسه؛ فجاز وكان الثمن له؛ لأنه بدل ملكه، ~~والضمان يكون رهنا؛ لأنه بدل المرهون فيكون مرهونا، وقيل: إنما يجوز البيع ~~بتضمين المرتهن إذا سلم الرهن إلى المشتري أولا، ثم باعه منه، فأما إذا ~~باعه ثم سلمه، فإنه لا يجوز؛ لأن سبب ثبوت الملك هو التسليم؛؛ لأنه سبب ~~وجوب الضمان، وملك المضمون بملك الضمان، والتسليم وجد بعد البيع؛ فلا يجوز ~~البيع، كما إذا باع مال غيره بغير إذنه ثم اشتراه منه، أنه لا يجوز بيعه ~~كذا هذا، وليس في ظاهر الرواية هذا التفصيل. # ولو ضمن المشتري، بطل البيع؛ لأن بتضمين المشتري لم يتبين أن المرتهن باع ~~مال نفسه، والضمان يكون رهنا؛ لأنه بدل المرهون، ويرجع المشتري على البائع ~~بالثمن؛ لأن البيع لم يصح وليس له أن يرجع بالضمان عليه، وليس له أن يهبه ~~أو يتصدق به بغير إذن الراهن؛؛ لأن الهبة والتصدق تمليك العين، والثابت ~~للمرتهن ملك الحبس لا ملك العين، فلا يملكها كما لا يملك البيع، فإن فعل، ~~وقف على إجازة الراهن إن أجاز، جاز وبطل ms3643 الرهن، وإن رد، عاد رهنا كما كان. # ولو هلك في يد الموهوب له أو المتصدق عليه قبل الإجازة، فالراهن بالخيار ~~إن شاء ضمن المرتهن وإن شاء ضمن الموهوب له والمتصدق عليه؛ لما ذكرنا، ~~وأيهما ضمن لا يرجع بالضمان على صاحبه، أما المرتهن فلا شك فيه؛ لأنه ملك ~~المرهون بالضمان فتبين أنه وهب أو تصدق بملك نفسه، (وأما) الموهوب له ~~والمتصدق عليه؛ فلأن الرجوع بالضمان بحكم الضرر، وأنه لا يتحقق في الهبة ~~والصدقة بخلاف البيع والإجارة وليس له أن يؤاجره من غير الراهن بغير إذنه؛ ~~لأن الإجارة تمليك المنفعة والثابت له ملك الحبس لا ملك المنفعة فكيف ~~يملكها من غيره؟ فإن فعل، وقف على إجازة الراهن فإن أجاز، جاز وبطل الرهن؛ ~~لما ذكرنا فيما تقدم، وكانت الأجرة للراهن ولا تكون رهنا؛ لما مر، وولاية ~~قبضها للمرتهن؛؛ لأن القبض من حقوق العقد، والعاقد هو المرتهن، ولا يعود ~~رهنا إذا انقضت مدة الإجارة؛ لأن العقد قد بطل فلا يعود إلا بالاستئناف، ~~وإن رد، بطل وأعاده رهنا كما كان. # ولو أجره بغير إذن الراهن وسلمه إلى المستأجر فهلك في يده، فالراهن ~~بالخيار إن شاء ضمن المرتهن قيمته وقت التسليم إلى المستأجر، وإن شاء ضمن ~~المستأجر؛ لوجود سبب وجوب الضمان من كل واحد منهما وهو التسليم والقبض، غير ~~أنه إن ضمن المرتهن، لا يرجع بالضمان على المستأجر، لكنه يرجع عليه بأجرة ~~قدر المستوفى من المنافع إلى وقت الهلاك؛ لأنه ملكه بالضمان فتبين أنه آجر ~~ملك نفسه؛ فصح وكانت الأجرة له؛ لأنها بدل منفعة مملوكة له إلا أنها لا ~~تطيب له، وإن ضمن المستأجر، فالمستأجر يرجع بما ضمن على المرتهن؛ لأنه صار ~~مغرورا من جهته، فيرجع عليه بضمان الغرور وهو ضمان الكفالة ولا أجرة عليه؛ ~~لأن الأجرة والضمان لا يجتمعان. # ولو سلم واسترده المرتهن، عاد رهنا كما كان؛ لأنه لما استرده فقد عاد إلى ~~الوفاق بعد ما خالف؛ فأشبه المودع إذا خالف في الوديعة ثم عاد إلى الوفاق، ~~والأجر للمرتهن لكن لا يطيب له، كالغاصب إذا ms3644 آجر المغصوب وليس له أن يعير ~~الرهن من غير الراهن بغير إذنه؛ لما ذكرنا في الإجارة فإن أعاره وسلمه إلى ~~المستعير، فللراهن أن يبطل الإعارة، فإن هلك في يد المستعير، فالراهن ~~بالخيار إن شاء ضمن المرتهن، وإن شاء ضمن المستعير وأيهما ضمن لا يرجع على ~~صاحبه، ويكون الضمان رهنا. # (أما) عدم الرجوع على المرتهن؛ فلأنه ملكه بالضمان فتبين أنه أعار ملكه. # (وأما) المستعير؛ فلأن الرجوع بالغرر، ولم يوجد بخلاف الإجارة (وأما) كون ~~الضمان رهنا؛ فلأنه بدل المرهون فيكون مرهونا، وإن سلم واسترده من ~~المستعير، عاد رهنا كما كان؛ لأنه عاد إلى الوفاق فالتحق الخلاف فيه بالعدم ~~ولو أعاره بإذن الراهن أو بغير إذنه وأجاز، جاز ولا يبطل الرهن لكن يبطل ~~ضمان الرهن؛ لما نذكر، بخلاف الإجارة فإنها تبطل الرهن، وقد مر الفرق، وليس ~~له أن يرهنه بغير إذن الراهن؛ لأنه لم يرض بحبس غيره فإن فعل، فللراهن ~~الأول أن يبطل الرهن الثاني ويعيده إلى يد المرتهن الأول؛ لأن الرهن الثاني ~~لم يصح، فلو هلك في يد المرتهن الثاني قبل الإعادة إلى الأول، فالراهن ~~الأول بالخيار إن شاء ضمن المرتهن الأول، وإن شاء ضمن المرتهن الثاني، فإن ~~ضمن المرتهن الأول، جاز الرهن الثاني؛ لأنه ملكه المرتهن الأول بالضمان، ~~فتبين أنه رهن ملك نفسه ولو هلك في يد المرتهن # PageV06P147 # الثاني يهلك بالدين فكان ضمانه رهنا؛؛ لأنه بدل المرهون، وإن ضمن المرتهن ~~الثاني، بطل الرهن الثاني ويكون الضمان رهنا على المرتهن الأول؛ لكونه بدل ~~المرهون ويرجع المرتهن الثاني على المرتهن الأول بما ضمن وبدينه. # (أما) الرجوع بالضمان؛ فلأنه صار مغرورا من جهته فيرجع عليه. # (وأما) الرجوع بدينه؛ فلأن الرهن الثاني لم يصح فيبقى دينه عليه كما كان ~~وإن رهن عند الثاني بإذن الراهن الأول، جاز الرهن الثاني وبطل الرهن الأول. # (أما) جواز الرهن الثاني؛ فلأن المانع من الجواز قد زال بإذن الراهن ~~الأول، فإذا أجاز الثاني، بطل الأول ضرورة، وصار كأن المرتهن الأول استعار ~~مال الراهن الأول؛ ليرهنه بدينه فرهنه، وليس له أن ms3645 يودعه عند أجنبي ليس في ~~عياله؛ لأن الراهن لم يرض إلا بيده أو بيد من يده في معنى يده، ويد الأجنبي ~~الذي ليس في عياله ليست في معنى يده، فإن فعل وهلك في يد المودع؛ ضمن كل ~~قيمته؛ لأنه صار غاصبا بالإيداع، وله أن يدفعه إلى من هو في عياله، كزوجته ~~وخادمه وأجيره الذي يتصرف في ماله؛ لأن يد هؤلاء كيده، ألا ترى أنه يحفظ ~~مال نفسه بيدهم، فكان الهالك في أيديهم كالهالك في يده، والأصل في هذا أن ~~للمرتهن أن يفعل في الرهن ما يعد حفظا له، وليس له أن يفعل ما يعد استعمالا ~~له وانتفاعا به وعلى هذا يخرج ما إذا ارتهن خاتما فجعله في خنصره فهلك ضمن ~~كل قيمته؛ لأن التختم بالخنصر مما يتجمل به عادة، فكان استعمالا له وهو ~~مأذون في الحفظ لا في الاستعمال، ويستوي فيه اليمنى واليسرى؛ لأن الناس ~~يختلفون في التجمل بهذا النوع، منهم من يتجمل بالتختم في اليمنى ومنهم من ~~يتجمل به في اليسرى، فكان كل ذلك استعمالا. # ولو جعله في بقية الأصابع فهلك، يهلك هلاك الرهن؛؛ لأن التختم بها غير ~~معتاد، فكان حفظا لا استعمالا ولو لبس خاتما فوق خاتم، يرجع فيه إلى العرف ~~والعادة فإن كان اللابس ممن يتجمل بخاتمين، يضمن؛ لأنه مستعمل له، وإن كان ~~ممن لا يتجمل به، يهلك بما فيه؛ لأنه حافظ إياه ولو رهنه سيفين فتقلد بهما، ~~يضمن. # ولو كانت السيوف ثلاثة فتقلد بها، لم يضمن؛؛ لأن التقلد بسيفين معتاد في ~~الجملة، فكان من باب الاستعمال، (فأما) بالثلاثة فليس بمعتاد فكان حفظا لا ~~استعمالا وإن كان الرهن طيلسانا أو قباء فلبسه لبسا معتادا، يضمن، وإن جعله ~~على عاتقه فهلك، يهلك رهنا؛ لأن الأول استعمال والثاني حفظ، وله أن يبيع ما ~~يخاف الفساد عليه بإذن القاضي؛ لأن بيع ما يخاف عليه الفساد من باب الحفظ، ~~فله أن يبيعه لكن بإذن القاضي له؛ لأن له ولاية في مال غيره في الجملة، فإن ~~باع بغير إذنه، ضمن؛ لأنه لا ms3646 ولاية له عليه، وإذا باع بأمر الحاكم كان ثمنه ~~رهنا في يده؛؛ لأنه بدل المرهون فيكون رهنا، وله أن يطالب الراهن بإيفاء ~~الدين مع قيام عقد الرهن إذا لم يكن الدين مؤجلا لأن الرهن شرع لتوثيق ~~الدين وليس من الوثيقة سقوط المطالبة بإيفاء الدين. # ولو طالب المرتهن الراهن بحقه فقال الراهن: بعه، واستوف حقك، فقال ~~المرتهن: لا أريد البيع ولكن أريد حقي، فله ذلك؛ لأن الرهن وثيقة، وبالبيع ~~يخرج عن كونه رهنا فيبطل معنى الوثيقة، فله أن يتوثق باستيفائه إلى استيفاء ~~الدين ولو قال الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك إلى وقت كذا، وإلا فهو لك ~~بدينك أو بيع بحقك لم يجز وهو رهن على حاله؛ لأن هذا تعليق التمليك بالشرط ~~وأنه لا يتعلق بالشرط، وليس للقاضي أن يبيع الرهن بدين المرتهن من غير رضا ~~الراهن، لكنه يحبس الراهن حتى يبيعه بنفسه، عند أبي حنيفة عليه الرحمة ~~وعندهما له أن يبيعه عليه وهي مسألة الحجر على الحر، وقد ذكرناها في كتاب ~~الحجر. # وكذلك ليس للعدل أن يبيع الرهن، كما ليس للراهن ولا للمرتهن ذلك، والكلام ~~في العدل في ثلاثة مواضع: أحدها في بيان ما للعدل أن يفعله في الرهن وما ~~ليس له أن يفعله فيه. # والثاني في بيان من يصلح عدلا في الرهن ومن لا يصلح والثالث في بيان ما ~~ينعزل به العدل يخرج عن الوكالة وما لا ينعزل. # (أما) الأول فنقول وبالله التوفيق: للعدل أن يمسك الرهن بيده وبيد من ~~يحفظ ماله بيده، وليس له أن يدفعه إلى المرتهن بغير إذن الراهن، ولا إلى ~~الراهن بغير إذن المرتهن قبل سقوط الدين؛ لأن كل واحد منهما لم يرض بيد ~~صاحبه حيث وضعاه في يد العدل. # ولو دفعه إلى أحدهما من غير رضا صاحبه، فلصاحبه أن يسترده ويعيده إلى يد ~~العدل كما كان، ولو هلك قبل الاسترداد، ضمن العدل قيمته؛ لأنه صار غاصبا ~~بالدفع، وليس له أن ينتفع # PageV06P148 # بالرهن ولا أن يتصرف فيه بالإجارة والإعارة والرهن وغير ذلك؛ لأن الثابت ~~له بالوضع ms3647 في يده هو حق الإمساك لا الانتفاع والتصرف، وليس له أن يبيعه؛ ~~لما قلنا، إلا إذا كان مسلطا على بيعه في عقد الرهن أو متأخرا عنه فله أن ~~يبيعه؛ لأنه صار وكيلا بالبيع إلا أن التسليط إذا كان في العقد، لا يملك ~~عزله من غير رضا المرتهن، وإذا كان متأخرا عن العقد، يملك؛ لما ذكرنا، وله ~~أن يبيع الزيادة المتولدة من الرهن؛ لكونها مرهونة تبعا للأصل. # وكذا له أن يبيع ما هو قائم مقام الرهن، نحو أن كان الرهن عبدا فقتله عبد ~~أو فقأ عينه؛ لأنه إذا قام مقامه، جعل كأن الأول قائم، ثم إذا سلطه على ~~البيع مطلقا، فله أن يبيعه بأي جنس كان من الدراهم والدنانير وغيرهما، وبأي ~~قدر كان بمثل قيمته أو بأقل منه قدر ما يتغابن الناس فيه، وبالنقد والنسيئة ~~عند أبي حنيفة، وله أن يبيع قبل حلول الأجل؛؛ لأن الأمر بالبيع مطلق، وإذا ~~باع، كان الثمن رهنا عنده إلى أن يحل الأجل؛؛ لأن ثمن المرهون مرهون، فإذا ~~حل الأجل أوفى دين المرتهن إن كان من جنسه، وإن سلط على البيع عند المحل، ~~لم يكن له أن يبيعه قبله؛ لما قلنا ولو كان الرهن بالمسلم فيه فسلطه على ~~البيع عند المحل فله أن يبيعه بجنس المسلم فيه وغيره عند أبي حنيفة، ~~وعندهما يبيعه بالدراهم والدنانير وبجنس المسلم فيه وهي مسألة الوكيل ~~بالبيع المطلق أنه يبيع بأي ثمن كان عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد ~~ليس له أن يبيع بما لا يتغابن الناس فيه ولا بالنسيئة ولا بغير الدراهم ~~والدنانير، إلا أنهما جوزا ما في مسألة السلم بجنس المسلم فيه؛ لأن الأمر ~~بالبيع لقضاء الدين من ثمنه، والجنس أقرب إلى القضاء منه. # ولو نهاه الراهن عن البيع بالنسيئة فإن نهاه عند عقد الرهن، ليس له أن ~~يبيع بالنسيئة؛؛ لأن التوكيل حصل مقيدا فيلزمه مراعاة القيد متأخرا إذا كان ~~التقييد مفيدا، وهذا النوع من التقييد مفيد ولو نهاه متأخرا عن العقد، لم ~~يصح نهيه؛؛ لأن التقييد المتراخي ms3648 إبطال من حيث الظاهر، كالتخصيص المتراخي ~~عن النص العام عند بعض مشايخنا، حتى جعلوه فسخا لا بيانا، وإذا كان إبطالا ~~لا يملكه الراهن كما لا يملك إبطال الوكالة الثابتة عند العقد بالعزل، ثم ~~إذا باع العدل الرهن، خرج عن كونه رهنا؛ لأنه صار ملكا للمشتري وصار ثمنه ~~هو الرهن؛؛ لأنه قام مقامه سواء كان مقبوضا أو غير مقبوض، حتى لو توي عند ~~المشتري، كان على المرتهن ويهلك بالأقل من قدر الثمن ومن الدين، ولا ينظر ~~إلى قيمة المبيع بل ينظر إلى الثمن بعد البيع؛؛ لأن الرهن انتقل إلى الثمن، ~~وخرج المبيع عن كونه رهنا فتعتبر قيمة الرهن، ثم إن باعه بجنس الدين، قضى ~~دين المرتهن منه، وإن باعه بخلاف جنسه، باع الثمن بجنس الدين وقضى الدين ~~منه؛؛ لأنه مسلط على بيع الرهن، وقضاء الدين من ثمنه وقضاء الدين من جنسه ~~يكون ولو باع العدل الرهن ثم استحق في يد المشتري، فللمشتري أن يرجع بالثمن ~~على العدل؛؛ لأن العاقد هو وحقوق العقد في باب البيع ترجع إلى العاقد، ~~والعدل بالخيار إن شاء يسترد من المرتهن ما أوفاه من الثمن وعاد دينه على ~~الراهن كما كان، وإن شاء رجع بما ضمن على الراهن وسلم للمرتهن ما قبض. # (أما) ولاية استرداد الثمن من المرتهن؛ فلأن البيع قد بطل بالاستحقاق، ~~وتبين أن قبض الثمن من المرتهن لم يصح، فله أن يسترد منه، وإذا استرده، عاد ~~الدين على حاله. # (وأما) الرجوع بما ضمن على الراهن فله أن يرجع بالعهدة عليه، وإذا رجع ~~عليه، سلم للمرتهن ما قبضه؛؛ لأنه صح قبضه، هذا إذا سلم الثمن إلى المرتهن، ~~فإن كان هلك في يده قبل التسليم، ليس له أن يرجع إلا على الراهن؛ لأنه وكيل ~~الراهن بالبيع عامل له، فكان عهدة عمله عليه في الأصل لا على غيره، إلا أن ~~له أن يرجع على المرتهن إذا قبض الثمن؛ لما ذكرنا، فإذا لم يقبض وجب العمل ~~بالأصل فيرجع على الراهن بما ضمن، وبطل الرهن بالاستحقاق ويرجع المرتهن ~~بدينه على ms3649 الراهن. # ولو لم يستحق الرهن ولكن المشتري وجد به عيبا كان له أن يرده على العدل؛ ~~لأن الرد بالعيب من حقوق البيع وأنها ترجع إلى العاقد، والعاقد هو العدل ~~فيرد عليه ويسترد منه الثمن الذي أعطاه، والعدل بالخيار إن كان رده عليه ~~بقضاء القاضي، إن شاء رجع على المرتهن؛ إن كان سلم الثمن إليه، وإن شاء رجع ~~على الراهن أما على المرتهن؛ فلأنه إذا رد عليه بعيب بقضاء القاضي، فقد ~~انفسخ البيع، فكان له أن يرجع بالثمن وعاد دين المرتهن على الراهن، وعاد ~~الرهن المردود رهنا بالدين. # (وأما) الرجوع على الراهن؛ فلأنه وكله بالبيع فيرجع عليه بالعهدة، وإن ~~كان العدل لم يعط المرتهن الثمن فإن رد العدل ما قبض من الثمن، فلا يرجع ~~على # PageV06P149 # أحد، وإن كان هلك في يده وضمن في ماله، يرجع بما ضمن على الراهن خاصة دون ~~المرتهن؛ لما ذكرنا في الاستحقاق، ويكون المردود رهنا كما كان، هذا إذا كان ~~بيع العدل بتسليط مشروط في عقد الرهن، فأما إذا كان بتسليط وجد من الراهن ~~بعد الرهن، فإن العدل يرجع بما ضمن على الراهن لا على المرتهن، سواء قبض ~~المرتهن الثمن أو لم يقبضه؛؛ لأنه وكيل الراهن، وعهدة الوكيل فيما وكل به ~~على موكله في الأصل؛؛ لأنه عامل له، فكان عهدة عمله عليه، إلا أن التسليط ~~إذا كان مشروطا في العقد، يثبت له حق الرجوع على المرتهن؛ لتعلق حقه بهذه ~~الوكالة على ما نذكر إن شاء الله تعالى فإذا وقع البيع لحقه، جاز أن يرجع ~~بالضمان عليه، وإذا لم يكن مشروطا فيه، لم يثبت التعليق فبقي حق الرجوع ~~بالعهدة على الموكل على حكم الأصل، وللعدل أن يبيع الزوائد المتولدة من ~~الرهن؛ لأنها مرهونة تبعا للأصل؛ لثبوت حكم الرهن فيها، وهو حق الحبس تبعا ~~فله أن يبيعها كما له أن يبيع الأصل وكذا العبد المدفوع بالجناية على الرهن ~~بأن قتل الرهن أو فقأ عينه فدفع به للعدل أن يبيعه؛ لأن الثاني قائم مقام ~~الأول لحما ودما، فصار كأن الأول ms3650 قائم، وللعدل أن يمتنع من البيع، وإذا ~~امتنع، لا يجبر عليه، وإن كان التسليط على البيع بعد الرهن وإن كان في ~~الرهن، لم يكن له أن يمتنع عنه. # ولو امتنع يجبر عليه؛ لأن التسليط إذا لم يكن مشروطا في الرهن لم يتعلق ~~به حق المرتهن فكان توكيلا محضا بالبيع، فأشبه التوكيل بالبيع في سائر ~~المواضع، وإذا كان مشروطا فيه كان حق المرتهن متعلقا به فله أن يجبره على ~~البيع؛ لاستيفاء حقه. # (وأما) بيان من يصلح عدلا في الرهن ومن لا يصلح: فالمولى لا يصلح عدلا في ~~رهن عبده المأذون، حتى لو رهن العبد المأذون على أن يضع على يد مولاه، لم ~~يجز الرهن، سواء كان على العبد دين أو لم يكن، والعبد يصلح عدلا في رهن ~~مولاه، حتى لو رهن إنسان شيئا على أن يضع في يد عبده المأذون، يصح الرهن؛ ~~لأن قبض الرهن قبض استيفاء الدين فيصير العدل وكيلا في استيفاء الدين، ~~والمولى لا يصلح وكيل الأجنبي في استيفاء الدين من عبده؛ لأن الوكيل من ~~يعمل لغيره، واستيفاء الدين من عبده عمل لنفسه من وجه؛ لما فيه من فراغ ~~رقبة عبده عن شغل الدين، والعبد يصلح وكيل الأجنبي في استيفاء الدين من ~~مولاه؛ لذلك افترقا. # وعن أبي يوسف أن المولى يصلح عدلا في رهن مكاتبه، والمكاتب يصلح عدلا في ~~رهن مولاه؛ لأن المكاتب حر يدا، فكان كل واحد منهما أجنبيا عما في يد ~~الآخر، والمكفول عنه لا يصلح عدلا في رهن الكفيل، وكذا الكفيل لا يصلح عدلا ~~في رهن المكفول عنه؛ لأن كل واحد منهما لا يصلح وكيلا في استيفاء الدين من ~~صاحبه؛ لأنه يعمل لنفسه، أما المكفول عنه فبتفريغ ذمته عن الدين. # (وأما) الكفيل فبتخليص نفسه عن الكفالة بالدين، وأحد شريكي المفاوضة لا ~~يصلح عدلا في رهن صاحبه بدين التجارة؛؛ لأن يد كل واحد منهما يد صاحبه، ~~فكان ما في يد كل واحد منهما كأنه في يد صاحبه؛ فلم يتحقق خروج الرهن من يد ~~الراهن، وإنه شرط صحة ms3651 الرهن، وكذا أحد شريكي العنان في التجارة لا يصلح ~~عدلا في رهن صاحبه بدين التجارة؛ لما قلنا، فإن كان من غير التجارة فهو ~~جائز في الشريكين جميعا؛؛ لأن كل واحد منهما أجنبي عن صاحبه في غير دين ~~التجارة، فلم تكن يده كيد صاحبه فوجد خروج الرهن من يد الراهن. # ورب المال لا يصلح عدلا في رهن المضارب ولا المضارب في رهن رب المال، حتى ~~لو رهن المضارب شيئا من مال المضاربة بدين في المضاربة، على أن يضعه على يد ~~رب المال، أو رهن رب المال على أن يضعه على يد المضارب لا يجوز الرهن؛؛ لأن ~~يد المضارب يد لرب المال، وعمل رب المال كعمل المضارب؛ فلم يتحقق خروج ~~الرهن من يد الراهن؛ فلم يجز الرهن والأب لا يصلح عدلا في رهنه بثمن ما ~~اشترى للصغير، بأن اشترى الأب للصغير شيئا، ورهن بثمن ما اشترى له على أن ~~يضعه على يد نفسه فالشراء جائز والرهن باطل؛؛ لأنه لما شرط على أن يضعه في ~~يد نفسه، فقد شرط على أن لا يخرج الرهن من يد الراهن، وإنه شرط فاسد؛ فيفسد ~~الرهن، وهل يصلح الراهن عدلا في الرهن؟ فإن كان الرهن لم يقبض من يده بعد، ~~لا يصلح، حتى لو شرط في عقد الرهن على أن يكون الرهن في يده، فسد العقد؛؛ ~~لأن قبض المرتهن شرط صحة العقد، ولا يتحقق القبض إلا بخروج الرهن من يد ~~الراهن، فكان شرط كونه في يده شرطا فاسدا فيفسد الرهن، وإن كان قبضه ~~المرتهن ثم وضعه على يده، جاز بيعه؛؛ لأن العقد قد صح بالقبض، والبيع تصرف ~~من الراهن # PageV06P150 # في ملكه، فكان الأصل فيه هو النفاذ، والتوقف كان لحق المرتهن، فإذا رضي ~~به فقد زال المانع فينفذ. # (وأما) بيان ما ينعزل به العدل ويخرج عن الوكالة وما لا ينعزل، فنقول: ~~التسليط على البيع إما أن يكون في عقد الرهن، وإما أن يكون متأخرا عنه. # فإن كان في العقد فعزل الراهن العدل؛ لا ينعزل من غير رضا المرتهن؛ ms3652 لأن ~~الوكالة إذا كانت في العقد كانت تابعة للعقد، فكانت لازمة بالعقد، فلا ~~ينفرد الراهن بفسخها كما لا ينفرد بفسخ العقد، وكذا لا ينعزل بموت الراهن ~~ولا بموت المرتهن؛ لما ذكرنا أن الوكالة الثابتة في العقد من توابع العقد، ~~والعقد لا يبطل بالموت فكذا ما هو من توابعه، وإن كان التسليط متأخرا عن ~~العقد فللراهن أن يعزله، وينعزل بموت الراهن أيضا؛ لأن التسليط المتأخر عن ~~العقد توكيل مبتدأ، فينعزل الوكيل بعزل الموكل وموته وسائر ما يخرج به ~~الوكيل عن الوكالة، وقد ذكرنا جملة ذلك في كتاب الوكالة، وهذا الذي ذكرنا ~~جواب ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أن التسليط الطارئ على العقد والمقارن ~~إياه سواء؛ لأنه يلتحق بالعقد فيصير كالموجود عند العقد، والصحيح جواب ظاهر ~~الرواية؛ لأن التسليط لم يوجد عند العقد حقيقة، وجعل المعدوم حقيقة موجودا ~~تقديرا؛ لا يجوز إلا بدليل ولم يوجد، وتبطل الوكالة بموت العدل سواء كانت ~~بعد العقد أو في العقد، ولا يقوم وارثه ولا وصيه مقامه؛ لأن الوكالة لا ~~تورث؛ ولأن الراهن رضي به ولم يرض بغيره، فإذا مات بطلت الوكالة لكن لا ~~يبطل العقد، ويوضع الرهن في يد عدل آخر عن تراض منهما؛ لأنه جاز الوضع في ~~يد الأول في الابتداء بتراضيهما، فكذا في يد الثاني في الانتهاء، فإن ~~اختلفا في ذلك نصب القاضي عدلا ووضع الرهن على يده قطعا للمنازعة، وليس ~~للعدل الثاني أن يبيع إلا أن يموت الراهن؛ لأن الراهن سلط الأول لا الثاني. # وعلى هذا تخرج نفقة الراهن أنها على الراهن لا على المرتهن، والأصل أن ما ~~كان من حقوق الملك فهو على الراهن؛ لأن الملك له، وما كان من حقوق اليد فهو ~~على المرتهن؛ لأن اليد له إذا عرف هذا، فنقول: الرهن إذا كان رقيقا فطعامه ~~وشرابه وكسوته على الراهن، وكفنه عليه وأجرة ظئر ولد الرهن عليه، وإن كانت ~~دابة فالعلف وأجرة الراعي عليه، وإن كان بستانا فسقيه وتلقيح نخله وجداده ~~والقيام بمصالحه عليه، سواء كان في قيمة الرهن فضل أو ms3653 لم يكن؛ لأن هذه ~~الأشياء من حقوق الملك، ومؤنات الملك على المالك، والملك للراهن فكانت ~~المؤنة عليه والخراج على الراهن؛ لأنه مؤنة الملك. # (وأما) العشر: ففي الخارج يأخذه الإمام ولا يبطل الرهن في الباقي، بخلاف ~~ما إذا استحق بعض الرهن شائعا، أنه يبطل الرهن في الباقي. # (ووجه) الفرق أن الفساد في الاستحقاق لمكان الشيوع، ولم يوجد ههنا؛ لأن ~~بالاستحقاق تبين أن الرهن في القدر المستحق لم يصح، والباقي شائع والشياع ~~يمنع صحة الرهن بخلاف العشر؛ لأن وجوبه في الخارج لا يخرجه عن ملكه، بدليل ~~أنه يجوز بيعه ويجوز له الأداء من غيره، فكان الدفع إلى الإمام بمنزلة ~~إخراج الشيء عن ملكه، فلا يتحقق فيه معنى الشيوع فهو الفرق. # ولو كان في الرهن نماء فأراد الراهن أن يجعل النفقة، التي ذكرنا أنها ~~عليه، في نماء الرهن ليس له ذلك؛ لأن زوائد المرهون مرهونة عندنا تبعا ~~للأصل، فلا يملك الإنفاق منها، كما لا يملك الإنفاق من الأصل، والحفظ على ~~المرتهن، حتى لو شرط الراهن للمرتهن أجرا على حفظه فحفظ لا يستحق شيئا من ~~الأجر؛ لأن حفظ الرهن عليه، فلا يستحق الأجر بإتيان ما هو واجب عليه، بخلاف ~~المودع إذا شرط للمودع أجرا على حفظ الوديعة أن له الأجر؛ لأن حفظ الوديعة ~~ليس بواجب عليه؛ فجاز شرط الأجر، وأجرة الحافظ عليه؛ لأنها مؤنة الحفظ ~~والحفظ عليه. # وكذا أجرة المسكن والمأوى؛ لما قلنا وروي عن أبي يوسف أن كراء المأوى على ~~الراهن، وجعله بمنزلة النفقة، وجعل الآبق على المرتهن بقدر الدين والفضل ~~على ذلك على المالك، حتى لو كانت قيمة الرهن والدين سواء أو قيمة الرهن أقل ~~فالجعل كله على المرتهن، وإن كانت قيمته أكثر فبقدر الدين على المرتهن، ~~وبقدر الزيادة على الراهن؛ لأن وجوب الجعل على المرتهن؛ لكون المرهون ~~مضمونا وإنه مضمون بقدر الدين والفضل أمانة فانقسم الجعل عليهما على قدر ~~الأمانة والضمان، بخلاف أجرة المسكن أنها على المرتهن خاصة، وإن كان في ~~قيمة الرهن فضل؛ لأن الأجرة إنما وجبت على المرتهن؛ لكونها ms3654 مؤنة الحفظ، وكل ~~المرهون محفوظ بحفظه فكان كل المؤنة عليه فأما الجعل فإنما لزمه؛ لكون ~~المردود مضمونا # PageV06P151 # والمضمون بعضه لا كله، فيتقدر بقدر الضمان والفداء من الجناية، والدين ~~الذي يلحقه الرهن بمنزلة جعل الآبق ينقسم على المضمون والأمانة، وكذلك ~~مداواة الجروح والقروح والأمراض تنقسم عليهما على قدر الضمان والأمانة كذا ~~ذكر الكرخي، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أن المداواة على المرتهن من ~~باب إحياء حقه وهو الدين وكل ما وجب على الراهن فأداه المرتهن بغير إذنه أو ~~وجب على المرتهن فأداه المرتهن بغير إذنه، فهو مقطوع؛ لأنه قضى دين غيره ~~بغير أمره، فإن فعل بأمر القاضي يرجع على صاحبه؛ لأن القاضي له ولاية حفظ ~~أموال الناس وصيانتها عن الهلاك، والإذن بالإنفاق على وجه يرجع على صاحبه ~~بما أنفق طريق صيانة المالين، وكذا إذا فعل أحدهما بأمر صاحبه يرجع عليه؛ ~~لأنه صار وكيلا عنه بالإنفاق. # وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله أن الراهن إن كان غائبا فأنفق ~~المرتهن بأمر القاضي، يرجع عليه، وإن كان حاضرا، لم يرجع عليه، وقال أبو ~~يوسف ومحمد: يرجع في الحالين جميعا؛ بناء على أن القاضي لا يلي على الحاضر ~~عنده، وعندهما يلي عليه، وهي مسألة الحجر على الحر وستأتي في كتاب الحجر، ~~وعلى هذا يخرج زوائد الرهن أنها مرهونة عندنا. # وجملة الكلام في زوائد الرهن أنها على ضربين: زيادة غير متولدة من الأصل، ~~ولا في حكم المتولد منه، كالكسب والهبة والصدقة، وزيادة متولدة من الأصل، ~~كالولد والثمر واللبن والصوف، أو في حكم المتولد من الأصل، كالأرش والعقر، ~~ولا خلاف في أن الزيادة الأولى أنها ليست بمرهونة بنفسها، ولا هي بدل ~~المرهونة ولا جزء منه ولا بدل جزء منه، فلا يثبت فيها حكم الرهن، واختلف في ~~الزيادة الثانية قال أصحابنا - رحمهم الله -: إنها مرهونة. # وقال الشافعي - رحمه الله -: ليست بمرهونة؛ بناء على أن الحكم الأصلي ~~للرهن عنده هو كون المرتهن أخص ببيع المرهون، وأحق بثمنه من بين سائر ~~الغرماء، فقبل البيع لا حق له ms3655 في الرهن حتى يسري إلى الولد؛ فأشبه ولد ~~الجارية إذا جنت ثم ولدت، أن حكم الجناية لا يثبت في ولدها؛ لما أن حكم ~~جناية الأم هو وجوب الدفع إلى المجني عليه، وأنه ليس بمعنى ثابت في الأم ~~فلم يسر إلى الولد كذا هذا. # والدليل على أن الزيادة ليست مرهونة أنها ليست بمضمونة. # ولو كانت مرهونة؛ لكانت مضمونة كالأصل، وعندنا حق الحبس حكم أصلي للرهن ~~أيضا وهذا الحق ثابت في الأم فيثبت في الولد تبعا للأم، إلا أنها ليست ~~بمضمونة؛ لثبوت حكم الرهن فيها تبعا للأصل فكانت مرهونة تبعا لا أصلا، كولد ~~المبيع أنه مبيع على أصل أصحابنا - رضي الله عنهم - لكن تبعا لا أصلا، فلا ~~يكون له حصة من الثمن؛ إلا إذا صار مقصودا بالقبض، فكذا المرهون تبعا لا ~~يكون له حصة من الضمان؛ إلا إذا صار مقصودا بالفكاك، وإذا كانت الزيادة ~~مرهونة عندنا، كانت محبوسة مع الأصل بكل الدين، وليس للراهن أن يفتك أحدهما ~~إلا بقضاء الدين كله؛ لأن كل واحد منهما مرهون، والمرهون محبوس كله بكل جزء ~~من أجزاء الدين؛ لما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى وينقسم الدين على ~~الأصل، والزيادة على تقدير بقائها إلى وقت الفكاك على قدر قيمتهما، لكن ~~تعتبر قيمة الأصل يوم العقد، وقيمة الزيادة يوم الفكاك ونبين ذلك في موضعه ~~وعلى هذا يخرج الزيادة على الرهن أنها لما كانت جائزة على أصل أصحابنا، كان ~~للمرتهن أن يحبسهما جميعا بالدين، ولا سبيل للراهن على أحدهما ما لم يقبض ~~جميع الدين؛ لأن كل واحد منهما مرهون، ويقسم الدين بينهما على قدر قيمتهما، ~~إلا أنه تعتبر قيمة الرهن الأصلي وقت العقد، وقيمة الزيادة وقت الزيادة، ~~وأيهما هلك؛ يهلك بحصته من الدين بخلاف زيادة الرهن والفرق بين الزيادتين ~~يأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى. # (وأما) الذي يتعلق بكيفية هذا الحكم فنوعان: الأول أن الثابت للمرتهن حق ~~حبس الرهن بالدين الذي رهن به، وليس له أن يمسكه بدين وجب له على الراهن ~~قبل الرهن أو بعده؛ ms3656 لأنه مرهون بهذا الدين لا بدين آخر، فلا يملك حبسه بدين ~~آخر؛ لأن ذلك دين لا رهن به. # والثاني أن المرهون محبوس بجميع الدين الذي رهن به، سواء كانت قيمة الرهن ~~أكثر من الدين أو أقل، حتى لو قضى الراهن بعض الدين، كان للمرتهن أن يحبس ~~كل الرهن، حتى يستوفي ما بقي، قل الباقي أو كثر؛ لأن الرهن في حق ملك الحبس ~~مما لا يتجزأ، فما بقي شيء من الدين بقي محبوسا به، كالمبيع قبل القبض لما ~~كان محبوسا بجميع الثمن فما بقي شيء من الثمن بقي محبوسا به كذا هذا؛ ولأن ~~صفقة الرهن واحدة فاسترداد شيء من المرهون بقضاء بعض الدين يتضمن تفريق ~~الصفقة من غير رضا # PageV06P152 # المرتهن؛ وهذا لا يجوز، وسواء كان المرهون شيئا واحدا أو أشياء، ليس ~~للراهن أن يسترد شيئا من ذلك بقضاء بعض الدين؛ لما قلنا، وسواء سمى لكل ~~واحد منهما شيئا من المال الذي رهن به أو لم يسم في رواية الأصل وذكر في ~~الزيادات فيمن رهن مائة شاة بألف درهم، على أن كل شاة منهم بعشرة دراهم، ~~فأدى عشرة دراهم؛ كان له أن يقبض شاة. # ذكر الحاكم الشهيد أن ما ذكر في الأصل قول أبي يوسف، وما ذكر في الزيادات ~~قول محمد، وذكر الجصاص أن في المسألة روايتين عن محمد. # (وجه) رواية الزيادات أنه لما سمى لكل واحد منهما دينا متفرقا؛ أوجب ذلك ~~تفريق الصفقة، فصار كأنه رهن كل واحد منهما بعقد على حدة. # (وجه) رواية الأصل أن الصفقة واحدة حقيقة؛ لأنها أضيفت إلى الكل إضافة ~~واحدة، إلا أنه تفرقت التسمية، وتفريق التسمية لا يوجب تفريق الصفقة، كما ~~في البيع إذا اشتملت الصفقة على أشياء كان للبائع حق حبس كلها إلى أن ~~يستوفي جميع الثمن، وإن سمى لكل واحد منهما ثمنا على حدة كذا هذا. # (وأما) الحكم الثاني: وهو اختصاص المرتهن ببيع المرهون له، واختصاصه ~~بثمنه، فنقول وبالله التوفيق: إذا بيع الرهن في حال حياة الراهن وعليه ديون ~~أخر، فالمرتهن أحق بثمنه من ms3657 بين سائر الغرماء؛ لأن بعقد الرهن ثبت له ~~الاختصاص بالمرهون؛ فيثبت له الاختصاص ببدله وهو الثمن، ثم إن كان الدين ~~حالا والثمن من جنسه، فقد استوفاه؛ إن كان في الثمن وفاء بالدين، وإن كان ~~فيه فضل، رده على الراهن، وإن كان أنقص من الدين، يرجع المرتهن بفضل الدين ~~على الراهن، وإن كان الدين مؤجلا حبس الثمن إلى وقت حلول الأجل؛ لأنه بدل ~~المرهون فيكون مرهونا، فإذا حل الأجل فإن كان الثمن من جنس الدين، صار ~~مستوفيا دينه، وإن كان من خلاف جنسه، يحبسه إلى أن يستوفي دينه كله، وكذلك ~~إذا بيع الرهن بعد وفاة الراهن وعليه ديون ولم يخلف مالا آخر سوى الرهن، ~~كان المرتهن أحق بثمنه من بين سائر الغرماء؛ لما ذكرنا، فإن فضل منه شيء، ~~يضم الفضل إلى مال الراهن ويقسم بين الغرماء بالحصص؛ لأن قدر الفضل لم ~~يتعلق به حق المرتهن، وإن نقص عن الدين، يرجع المرتهن بما بقي من دينه في ~~مال الراهن، وكان بينه وبين الغرماء بالحصص؛ لأن قدر الفضل من الدين دين لا ~~رهن به فيستوي فيه الغرماء، وكذلك لو كان على الراهن دين آخر، كان المرتهن ~~فيه أسوة الغرماء، وليس له أن يستوفيه من ثمن الرهن؛ لأن ذلك الدين لا رهن ~~به فيتضارب فيه الغرماء كلهم. # (وأما) الحكم الثالث: وهو وجوب تسليم المرهون عند الافتكاك، فيتعلق به ~~معرفة وقت وجوب التسليم فنقول: وقت وجوب التسليم ما بعد قضاء الدين، يقضي ~~الدين أولا ثم يسلم الرهن؛ لأن الرهن وثيقة، وفي تقديم تسليمه إبطال ~~الوثيقة؛ ولأنه لو سلم الرهن أولا فمن الجائز أن يموت الراهن قبل قضاء ~~الدين؛ فيصير المرتهن كواحد من الغرماء فيبطل حقه، فلزم تقديم قضاء الدين ~~على تسليم الرهن، إلا أن المرتهن إذا طلب الدين، يؤمر بإحضار الرهن أولا ~~ويقال له: أحضر الرهن؛ إذا كان قادرا على الإحضار من غير ضرر زائد، ثم ~~يخاطب الراهن بقضاء الدين؛ لأنه لو خوطب بقضائه من غير إحضار الرهن ومن ~~الجائز أن الرهن قد هلك وصار ms3658 المرتهن مستوفيا دينه من الرهن فيؤدي إلى ~~الاستيفاء مرتين، وكذلك المشتري يؤمر بتسليم الثمن أولا؛ إذا كان دينا، ثم ~~يؤمر البائع بتسليم المبيع؛ لما ذكرنا في كتاب البيوع، إلا أن البائع إذا ~~طالبه بتسليم الثمن، يقال له: أحضر المبيع؛ لجواز أن المبيع قد هلك، وسواء ~~كان عين الرهن قائما في يد المرتهن، أو كان في يده بدله بعد أن كان البدل ~~من خلاف جنس الدين، نحو ما إذا كان المرتهن مسلطا على بيع الرهن فباعه ~~بخلاف جنس الدين أو قتل الرهن خطأ، وقضي بالدية من خلاف جنس الدين، فطالبه ~~المرتهن بدينه كان للراهن أن لا يدفع حتى يحضره المرتهن؛ لأن البدل قائم ~~مقام المبدل فكان المبدل قائما. # ولو كان قائما، كان له أن يمنع ما لم يحضره المرتهن فكذلك إذا قام البدل ~~مقامه. # ولو كان الرهن على يدي عدل وجعلا للعدل أن يضعه عند من أحب وقد وضعه عند ~~رجل، فطلب المرتهن دينه يجبر الراهن على قضاء الدين ولا يكلف المرتهن ~~بإحضار الرهن؛ لأن قضاء الدين واجب على الراهن على سبيل التضييق، إلا أنه ~~رخص له التأخير إلى غاية إحضار الدين عند القدرة على الإحضار، وهنا لا قدرة ~~للمرتهن على إحضاره؛ لأن للعدل أن يمنعه عنه. # ولو أخذ من يده جبرا، كان غاصبا # PageV06P153 # وإلى هذا المعنى أشار محمد في الكتاب فقال: كيف يؤمر بإحضار شيء لو أخذه ~~كان غاصبا؟ وإذا سقط التكليف بالإحضار، زالت الرخصة فيخاطب بقضاء الدين، ~~وكذلك إذا وضعا الرهن على يد عدل، فغاب العدل بالرهن ولا يدرى أين هو، لا ~~يكلف المرتهن بإحضار الرهن، ويجبر الراهن على قضاء الدين لما ذكرنا. # ولو كان الرهن في يد المرتهن فالتقيا في بلد آخر، فطالب المرتهن الراهن ~~بقضاء دينه، فإن كان الدين مما له حمل ومؤنة، يجبر الراهن على قضاء الدين، ~~ولا يجبر المرتهن على إحضار الرهن؛ لما ذكرنا أن قضاء الدين واجب عليه على ~~سبيل التضييق والتأخير إلى وقت الإحضار للضرورة التي ذكرناها عند القدرة ~~على الإحضار من غير ms3659 ضرر زائد، والمرتهن هنا لا يقدر على الإحضار إلا ~~بالمسافرة بالرهن، أو بنقله من مكان العقد وفيه ضرر بالمرتهن فسقط التكليف ~~بالإحضار. # ولو ادعى الراهن هلاك الرهن فقال المرتهن: لم يهلك فالقول قول المرتهن مع ~~يمينه؛ لأن الرهن كان قائما، والأصل في الثابت بقاؤه، فالمرتهن يستصحب حالة ~~القيام، والراهن يدعي زوال تلك الحالة، والقول قول من يدعي الأصل؛ لأن ~~الظاهر شاهد له؛ ولأن الراهن بدعوى الهلاك يدعي على المرتهن استيفاء الدين، ~~وهو منكر؛ فكان القول قوله مع يمينه، ويحلف على البتات؛ لأنه يحلف على فعل ~~نفسه وهو القبض السابق؛ لأن المرتهن لا يصير مستوفيا بالهلاك؛ لأنه لا صنع ~~له فيه بل بالقبض السابق وذلك فعله، بخلاف ما إذا كان الرهن عند عدل فغاب ~~بالرهن؛ فاختلف الراهن والمرتهن في هلاك الرهن أن هناك يحلف المرتهن على ~~العلم لا على البتات؛ لأن ذلك تحليف على فعل غيره وهو قبض العدل فتعذر ~~التحليف على البتات فيحلف على العلم، كما لو ادعى الراهن أنه أوفى الدين ~~وكيل المرتهن، والمرتهن ينكر، أنه يحلف على العلم؛ لما ذكرنا كذا هذا، وإن ~~كان الرهن مما لا حمل له ولا مؤنة، فالقياس أنه يجبر على قضاء الدين، وفي ~~الاستحسان لا يجبر ما لم يحضر المرتهن الرهن؛ لأنه ليس في إحضاره ضرر زائد ~~وعلى هذا الأصل مسائل في الزيادات. # ولو اشترى شيئا ولم يقبضه ولم يسلم الثمن حتى لقيه البائع في غير مصره ~~الذي وقع البيع فيه، فطالبه بالثمن وأبى المشتري حتى يحضر المبيع لا يجبر ~~المشتري على تسليم الثمن حتى يحضر البائع المبيع، سواء كان له حمل ومؤنة أو ~~لم يكن، فرق بين البيع والرهن ووجه الفرق أن البيع معاوضة مطلقة، والمساواة ~~في المعاوضات المطلقة مطلوبة عادة وشريعة، ولا تتحقق المساواة من غير إحضار ~~المبيع بخلاف الرهن؛ لأنه ليس بمعاوضة مطلقة وإن كان فيه معنى المعاوضة، ~~فلا يلزم اعتبار المساواة بين المرهون والمرهون به وهو الدين في هذا الحكم. ### | [فصل في ما يتعلق بحال هلاك المرهون] # (فصل) : # وأما ms3660 الذي يتعلق بحال هلاك المرهون: فالمرهون إذا هلك، لا يخلو إما أن ~~يهلك بنفسه وإما أن يهلك بالاستهلاك، فإن هلك بنفسه، يهلك مضمونا بالدين ~~عندنا. # والكلام في هذا الحكم في ثلاثة مواضع: أحدها في بيان أصل الضمان أنه ثابت ~~أم لا، والثاني في بيان شرائط الضمان، والثالث في بيان قدر الضمان وكيفيته ~~أما الأول فقد اختلف فيه قال أصحابنا - رضي الله عنهم -: إن المرهون يهلك ~~مضمونا بالدين، وقال الشافعي - رحمه الله -: يهلك أمانة احتج بما روي عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يغلق الرهن، لا يغلق الرهن، ~~لا يغلق الرهن، هو لصاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه» فقد جعل النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - غرم الرهن على الراهن، وإنما يكون غرمه عليه إذا هلك ~~أمانة؛ لأن عليه قضاء دين المرتهن، فأما إذا هلك مضمونا، كان غرمه على ~~المرتهن حيث سقط حقه، لا على الراهن، وهذا خلاف النص؛ ولأن عقد الرهن شرع ~~وثيقة بالدين. # ولو سقط الدين بهلاك المرهون، لكان توهينا لا توثيقا؛ لأنه يقع تعريض ~~الحق للتلف على تقدير هلاك الرهن، فكان توهينا للحق لا توثيقا له. # (ولنا) ما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «الرهن بما ~~فيه، وفي رواية: الرهان بما فيها» وهذا نص في الباب لا يحتمل التأويل وروي ~~أن رجلا رهن بدين عند رجل فرسا بحق له عليه، فنفق الفرس عنده؛ فطالبه ~~المرتهن بحقه، فاختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال - عليه ~~الصلاة والسلام -: «ذهب حقك» ؛ ولأن المرتهن جعل مستوفيا للدين عند هلاك ~~الرهن، فلا يملك الاستيفاء ثانيا كما إذا استوفى بالفكاك، وتقرير معنى ~~الاستيفاء في الرهن ذكرناه في مسائل الخلاف. # وأما الحديث # PageV06P154 # فيحتمل أن يكون معنى قوله - عليه الصلاة والسلام -: «لا يغلق الرهن» أي ~~لا يهلك، إذ الغلق يستعمل في الهلاك، كذا قال بعض أهل اللغة، وعلى هذا كان ~~الحديث حجة عليه؛ لأنه يذهب بالدين؛ فلا يكون هالكا معنى، وقيل: معناه أي ~~لا يستحقه المرتهن ولا يملكه عند ms3661 امتناع الراهن عن قضاء الدين، وهذا كان ~~حكما جاهليا، جاء الإسلام فأبطله، وقوله: - عليه الصلاة والسلام - عليه ~~غرمه، أي نفقته وكنفه، ونحن به نقول: إنه وثيقة، قلنا: معنى التوثيق في ~~الرهن هو التوصل إليه في أقرب الأوقات؛ لأنه كان للمرتهن ولاية مطالبة ~~الراهن بقضاء الدين من مطلق ماله، وبعد الرهن حدثت له ولاية المطالبة ~~بالقضاء من ماله المعين وهو الرهن بواسطة البيع فازداد طريق الوصول إلى ~~حقه؛ فحصل معنى التوثيق. ### | [فصل في شرائط كون المرهون مضمونا عند الهلاك] # (فصل) : # (وأما) شرائط كونه مضمونا عند الهلاك فأنواع: منها قيام الدين، حتى لو ~~سقط الدين من غير عوض، ثم هلك الرهن في يد المرتهن هلك أمانة وعلى هذا يخرج ~~ما إذا أبرأ المرتهن الراهن عن الدين، ثم هلك الرهن في يد المرتهن أنه يهلك ~~بغير شيء، ولا ضمان على المرتهن فيه إذا لم يوجد منه منع الرهن من الراهن ~~عند طلبه استحسانا، والقياس أن يضمن، وهو قول زفر. # ولو استوفى دينه ثم هلك الرهن في يده، يهلك بالدين وعليه بدل ما استوفى، ~~وزفر سوى بين الإبراء والاستيفاء، ونحن نفرق بينهما. # (وجه) القياس أن قبض الرهن قبض استيفاء، ويتقرر ذلك الاستيفاء عند الهلاك ~~فيصير كأنه استوفى الدين، ثم أبرأ عنه ثم هلك الرهن. # ولو كان كذلك يضمن كذا هذا؛ ولأن المرهون لما صار مضمونا بالقبض؛ يبقى ~~الضمان ما بقي القبض وقد بقي؛ لانعدام ما ينقضه، وجه الاستحسان أن كون ~~المرهون مضمونا بالدين يستدعي قيام الدين؛ لأن الضمان هو ضمان الدين، وقد ~~سقط بالإبراء؛ فاستحال أن يبقى مضمونا به، وقد خرج الجواب عن قوله: إن ~~الاستيفاء يتقرر عند الهلاك؛ لأنا نقول: نعم؛ إذا كان الدين قائما، فإذا ~~سقط بالإبراء، لا يتصور الاستيفاء، وهذا بخلاف ما إذا استوفى الدين ثم هلك ~~الرهن في يد المرتهن؛ لأن قبض الرهن قائم والضمان متعلق به، فيبقى ما بقي ~~القبض، ما لم يوجد المسقط، والاستيفاء لا يسقط الضمان بل يقرره؛ لأن ~~المستوفى يصير مضمونا على المرتهن بخلاف الإبراء؛ لأنه ms3662 مسقط؛ لأن الإبراء ~~إسقاط فلا يبقى الضمان، فهو الفرق، هذا إذا لم يوجد من المرتهن منع الرهن ~~من الراهن بعد طلبه، فإن وجد ثم هلك الرهن في يده، ضمن كل قيمته؛ لأنه صار ~~غاصبا بالمنع، والمغصوب مضمون بكل القيمة. # وعلى هذا يخرج ما إذا أخذت المرأة بصداقها رهنا، ثم طلقها الزوج قبل ~~الدخول ثم هلك الرهن في يدها أنه لا ضمان عليها في نصف الصداق الذي سقط ~~بالطلاق؛ لأنها لم تصر مستوفية لذلك النصف عند هلاك الرهن؛ لسقوطه بالطلاق ~~فلم يبق القبض مضمونا، وكذلك لو أخذت بالصداق رهنا، ثم ارتدت قبل الدخول ~~بها حتى سقط الصداق، ثم هلك الرهن في يدها لا ضمان عليها؛ لأن الصداق لما ~~سقط بالردة لم يبق القبض مضمونا، فصار كما لو أبرأته عن الصداق ثم هلك ~~الرهن في يدها. # ولو لم يكن المهر مسمى حتى وجب مهر المثل، فأخذت بمهر المثل رهنا، ثم ~~طلقها قبل الدخول بها حتى وجبت عليه المتعة لم يكن له أن يحبس الرهن ~~بالمتعة. # ولو هلك في يدها ولم يوجد منها منع يهلك بغير شيء، والمتعة باقية على ~~الزوج، وهذا قول أبي يوسف، وقال محمد: لها حق الحبس بالمتعة. # ولقب المسألة أن الرهن بمهر المثل هل يكون رهنا بالمتعة؟ عند أبي يوسف لا ~~يكون، وعند محمد يكون، ولم يذكر قول أبي حنيفة في الأصل؛ وذكر الكرخي - ~~رحمه الله - قوله مع قول أبي يوسف وجه قول محمد أن الرهن بالشيء رهن ببدله ~~في الشرع؛ لأن بدل الشيء يقوم مقامه كأنه هو؛ لهذا كان الرهن بالمغصوب رهنا ~~بقيمته عند هلاكه، والرهن بالمسلم فيه رهنا برأس المال عند الإقالة، ~~والمتعة بدل عن نصف المهر؛ لأنه يجب بالسبب الذي يجب مهر المثل به وهو ~~النكاح عند عدمه، وهذا حد البدل في أصل الشيوع، ولأبي يوسف أن المتعة وجبت ~~أصلا بنفسها لا بدلا عن مهر المثل، والسبب انعقد لوجوبها ابتداء، كما أن ~~العقد لوجوب مهر المثل بالطلاق زال في حق أحد الحكمين وبقي في حق الحكم ms3663 ~~الآخر، إلا أنه لا يعمل فيه إلا بعد الطلاق فكان الطلاق شرط عمل السبب، ~~وهذا لا يدل على كونها بدلا كما في سائر الأسباب المعلقة بالشروط. # ولو أسلم في طعام وأخذ به رهنا ثم تفاسخا العقد، كان له أن يحبس الرهن ~~برأس المال؛ لأن رأس المال بدل عن المسلم فيه، فإن هلك الرهن في يده، يهلك ~~بالطعام؛ لأن # PageV06P155 # القبض حين وجوده وقع مضمونا بالطعام وبالإقالة لم يسقط الضمان أصلا؛ لأن ~~بدله قائم وهو رأس المال فيبقى القبض مضمونا على ما كان، بخلاف ما إذا ~~أبرأه عن الدين ثم هلك الرهن في يد المرتهن، أنه يهلك بغير شيء؛ لأن الضمان ~~هناك سقط أصلا ورأسا، فخرج القبض من أن يكون مضمونا ولو اشترى عبدا وتقابضا ~~ثم تفاسخا، كان للمشتري أن يحبس المبيع حتى يستوفي الثمن؛ لأن المشتري بعد ~~التفاسخ ينزل منزلة البائع، وللبائع حق حبس المبيع حتى يستوفي الثمن فكذا ~~المشتري، وكذلك لو أن البائع سلم المبيع وأخذ بالثمن رهنا من المشتري ثم ~~تقايلا كان للبائع أن يحبس الرهن حتى يقبض المبيع كما في السلم ومنها أن ~~يكون هلاك المرهون في قبض الرهن فإن لم يكن لا يكون مضمونا بالدين، وإن بقي ~~عقد الرهن؛ لأن المرهون إنما صار مضمونا بالقبض، فإذا خرج عن قبض الرهن، لم ~~يبق مضمونا وعلى هذا يخرج ما إذا غصب الرهن غاصب فهلك في يده، أنه لا يسقط ~~شيء من الدين؛ لأن قبض الغصب أبطل قبض الرهن، وإن لم يبطل عقد الرهن حتى ~~كان للمرتهن أن ينقض قبض الغاصب فيرده إلى الرهن، وعلى هذا يخرج ما إذا ~~استعار المرتهن الرهن من الراهن؛ لينتفع به فهلك، أنه إن هلك قبل أن يأخذ ~~في الانتفاع أو بعد ما فرغ عنه يهلك بالدين، وإن هلك في حال الانتفاع، يهلك ~~أمانة؛ لأن المرهون قبل أن يأخذ في الانتفاع على حكم قبض الرهن لانعدام ما ~~ينقضه وهو قبض الانتفاع، وإذا أخذ في الانتفاع، فقد نقضه؛ لوجود قبض ~~الإعارة، وقبض الإعارة ينافي قبض الرهن؛ ms3664 لأنه قبض أمانة، وقبض الرهن قبض ~~ضمان، فإذا جاء أحدهما انتفى الآخر، ثم إذا فرغ من الانتفاع، فقد انتهى قبض ~~الإعارة فعاد قبض الرهن، وكذلك إذا أذن الراهن للمرتهن في الانتفاع ~~بالمرهون، فهو على التفصيل. # ولو استعاره الراهن من المرتهن؛ لينتفع به فقبضه، خرج عن ضمان الرهن، حتى ~~لو هلك في يده، يهلك أمانة والدين على حاله؛ لأن قبضه قبض العارية وإنه قبض ~~أمانة فينافي قبض الضمان، وكذلك لو أذن المرتهن للراهن بالانتفاع بالرهن، ~~وكذلك لو أعاره الراهن من أجنبي بإذن المرتهن أو أعاره المرتهن بإذن الراهن ~~من أجنبي وسلمه إلى المستعير فالمرهون في هذه الوجوه كلها يخرج عن ضمان ~~الرهن ولا يخرج عن عقد الرهن، والخروج عن الضمان لا يوجب الخروج عن العقد ~~كزوائد الرهن ولو كان المرهون جارية فاستعارها الراهن فولدت في يده ولدا ~~فالولد رهن؛ لأن الأصل مرهون لقيام عقد الرهن، حتى لو هلكت الجارية قبل أن ~~يقبض المرتهن الولد، فالدين قائم والولد رهن بجميع المال؛ لأن الضمان وإن ~~فات، فالعقد قائم، وفوات الضمان لا يوجب بطلان العقد على ما مر، وإذا بقي ~~العقد في الأم، صار الولد مرهونا تبعا للأم فكان له أن يحبسه بجميع المال، ~~وكذا لو ولدت هذه الابنة ولدا، فإنهما رهن بجميع المال، وإن ماتا، لم يسقط ~~شيء من الدين؛ لأن الولد ليس بمضمون، ألا ترى أن الأم لو كانت قائمة فهلك ~~الولد، لا يسقط شيء من الدين، فكذا إذا كانت هالكة ولا يفتك الراهن واحدا ~~منهما حتى يؤدي المال كله؛ لأنهما دخلا جميعا في العقد فلا يملك الراهن ~~التفريق. # ولو مات الراهن والرهن قائم في يده قبل أن يرده إلى المرتهن فالمرتهن أحق ~~به من سائر الغرماء؛ لقيام عقد الرهن وإن بطل الضمان، كما في ولد الرهن أن ~~المرتهن أحق به وإن لم يكن فيه ضمان. # ولو أعار الراهن الرهن من المرتهن أو أذن له بالانتفاع به فجاء يفتك ~~الرهن وهو ثوب وبه خرق فاختلفا، فقال الراهن: حدث هذا في يدك قبل ms3665 اللبس أو ~~بعد ما لبسته ورددته إلى الرهن، وقال المرتهن لا بل حدث هذا في حال اللبس، ~~فالقول قول المرتهن؛ لأنهما لما اتفقا على اللبس؛ فقد اتفقا على خروجه من ~~الضمان، فالراهن يدعي عوده إلى الضمان، والمرتهن ينكر؛ فكان القول قوله، ~~هذا إذا اتفقا على اللبس واختلفا في وقته، فأما إذا اختلفا في أصل اللبس ~~فقال الراهن: لم ألبسه ولكنه تخرق، وقال المرتهن: لبسته فتخرق، فالقول قول ~~الراهن؛ لأنهما اتفقا على دخوله في الضمان، فالمرتهن بدعواه اللبس يدعي ~~الخروج من الضمان والراهن ينكر؛ فكان القول قوله، وإن أقام الراهن البينة ~~أنه تخرق في ضمان المرتهن، وأقام المرتهن البينة أنه تخرق بعد خروجه من ~~الضمان فالبينة بينة الراهن؛ لأن بينته مثبتة؛ لأنها تثبت الاستيفاء، وبينة ~~المرتهن تنفي الاستيفاء، فالمثبتة أولى. # (ومنها) أن يكون المرهون مقصودا فلا تكون الزيادة المتولدة من الرهن - أو ~~ما هو في حكم المتولد كالولد والثمر واللبن والصوف والعقر ونحوها - مضمونا ~~إلا الأرش خاصة حتى # PageV06P156 # لو هلك شيء من ذلك لا يسقط شيء من الدين إلا الأرش فإنه إذا هلك، تسقط ~~حصته من الدين وإنما كان كذلك؛ لأن الولد ليس بمرهون مقصودا بل تبعا للأصل ~~كولد المبيع على أصل أصحابنا أنه مبيع تبعا لا مقصودا، والمرهون تبعا لا ~~حصة له من الضمان إلا إذا صار مقصودا بالفكاك كما أن المبيع تبعا لا حصة له ~~من الثمن إلا إذا صار مقصودا بالقبض بخلاف الأرش؛ لأنه بدل المرهون؛ لأن كل ~~جزء من أجزاء الرهن مرهون، وبدل الشيء قائم مقامه كأنه هو، فكان حكمه حكم ~~الأصل، والأصل مضمون فكذا بدله، بخلاف الولد ونحوه، وبخلاف الزيادة على ~~الرهن أنها مضمونة لأنها مرهونة مقصودا لا تبعا؛ لأن الزيادة إذا صحت ~~التحقت بأصل العقد كأن العقد ورد على الزيادة والمزيد عليه، على ما نذكر في ~~موضعه إن شاء الله تعالى ولو هلك الأصل وبقيت الزيادة، يقسم الدين على ~~الأصل، والزيادة على قدر قيمتهما، وتعتبر قيمة الأصل وقت القبض وإن شئت قلت ~~وقت العقد، وهو ms3666 اختلاف عبارة، والمعنى واحد؛ لأن الإيجاب والقبول لا يصير ~~عقدا شرعا إلا عند القبض، وتعتبر قيمة الزيادة وقت الفكاك؛ لأن الأصل إنما ~~صار مضمونا بالقبض؛ فتعتبر قيمة يوم القبض، والزيادة إنما يصير لها حصة من ~~الضمان بالفكاك، فتعتبر قيمتها حينئذ، إلا أن هذه القسمة للحال ليست قسمة ~~حقيقية بل من حيث الظاهر، حتى تتغير بتغير قيمة الزيادة والنقصان من حيث ~~السعر والبدن والقسمة الحقيقية وقت الفكاك، ولا تتغير القسمة بتغير قيمة ~~الأصل بالزيادة والنقصان في السعر أو في البدن؛ لأن الأصل دخل في الضمان ~~بالقبض، والقبض لم يتغير فلا يتغير الضمان، والولد إنما يأخذ قسطا من ~~الضمان بالفكاك فتعتبر قيمته يوم الفكاك. # وشرح هذه الجملة: إذا رهن جارية قيمتها ألف بألف فولدت ولدا يساوي ألفا، ~~فإن الدين يقسم على قيمة الأم والولد نصفين، فيكون في كل واحد منهما ~~خمسمائة، حتى لو هلكت الأم، سقط نصف الدين وبقي الولد رهنا بالنصف الباقي، ~~يفتكه الراهن به إن بقي إلى وقت الافتكاك، وإن هلك قبل ذلك، هلك بغير شيء ~~وجعل كأن لم يكن وعادت حصته من الدين إلى الأم، وتبين أن الأم هلكت بجميع ~~الدين، وإن لم يهلك لكن تغيرت قيمته إلى الزيادة فصار يساوي ألفين بطلت ~~قسمة الإنصاف وصارت القسمة أثلاثا، ثلثا الدين في الولد، والثلث في الأم، ~~وتبين أن الأم هلكت بثلث الدين وبقي الولد رهنا بالثلثين، فإن ازدادت قيمته ~~وصار يساوي ثلاثة آلاف بطلت قسمة الأثلاث وصارت القسمة أرباعا، ثلاثة أرباع ~~الدين في الولد، وربع في الأم، وتبين أن الأم هلكت بربع الدين، وبقي الولد ~~رهنا بثلاثة أرباعه. # ولو تغيرت قيمته إلى النقصان فصار يساوي خمسمائة بطلت قسمة الأرباع وصارت ~~القسمة أثلاثا، ثلثا الدين في الأم، والثلث في الولد، وتبين أن الأم هلكت ~~بثلثي الدين، وبقي الولد رهنا بالثلث هكذا على هذا الاعتبار، وسواء كان ~~الولد واحدا أو أكثر ولدوا معا أو متفرقا؛ يقسم الدين على الأم وعلى ~~الأولاد على قدر قيمتهم، لكن تعتبر قيمة الأم يوم العقد، وقيمة الأولاد ms3667 يوم ~~الفكاك؛ لما ذكرنا وولد الولد في القسمة حكمه حكم الولد، حتى لو ولدت ~~الجارية بنتا، وولدت بنتها ولدا فهما بمنزلة الولدين، حتى يقسم الدين على ~~الجارية وعليهما على قدر قيمتهم، ولا يقسم على الجارية وعلى الولد الأصلي، ~~ثم يقسم باقيه عليه وعلى ولده؛ لأن ولد الرهن ليس بمضمون حتى يتبعه ولده، ~~فكأنهما في الحكم ولدان. # ولو ولدت الجارية ولدا ثم نقصت قيمة الأم في السعر أو في البدن فصارت ~~تساوي خمسمائة، أو زادت قيمتها فصارت تساوي ألفين، والولد على حاله يساوي ~~ألفا فالدين بينهما نصفان لا يتغير عما كان، وإن كانت الأم على حالها ~~وانتقصت قيمة الولد بعيب دخله أو لسعر فصار يساوي خمسمائة صار الدين فيهما ~~أثلاثا، الثلثان في الأم، والثلث في الولد. # ولو زادت قيمة الولد فصار يساوي ألفين فثلثا الدين في الولد، والثلث في ~~الأم، حتى لو هلكت الأم، يبقى الولد رهنا بالثلثين؛ لما ذكرنا أن الأصل ~~إنما دخل تحت الضمان بالقبض، والقبض لم يتغير فلا تتغير القسمة والولد إنما ~~يصير له حصة من الضمان بالفكاك، فتعتبر قيمته يوم الفكاك. # ولو اعورت الأم بعد الولادة أو كانت اعورت قبلها، ذهب من الدين بعورها ~~ربعه وذلك مائتان وخمسون، وبقي الولد رهنا بثلاثة أرباع الدين وذلك سبعمائة ~~وخمسون، وهذا الجواب فيما إذا ولدت ثم اعورت ظاهر؛ لأن الدين قبل الاعورار ~~كان فيهما نصفين في كل واحد منهما خمسمائة، فإذا اعورت والعين من # PageV06P157 # الآدمي نصفه فذهب قدر ما فيها من الدين وهو نصف نصف الدين وهو ربع الكل، ~~وبقي الولد رهنا ببقية الدين وهو ثلاثة الأرباع، (فأما) إذا اعورت ثم ولدت، ~~ففيه إشكال من حيث الظاهر: وهو أن قبل الاعورار كان كأن كل الدين فيها، ~~وبالاعورار ذهب النصف وبقي النصف، فإذا ولدت ولدا، فينبغي أن يقسم النصف ~~الباقي من الدين على الجارية العوراء وعلى ولدها أثلاثا، الثلثان على ~~الولد، والثلث على الأم. # (والجواب) أن ذهاب نصف الدين بالاعورار لم يكن حتما بل على التوقف على ~~تقدير عدم الولادة، فإذا ms3668 ولدت، تبين أنه لم يكن ذهب بالاعورار إلا ربع ~~الدين؛ لأن الزيادة تجعل كأنها موجودة لدى العقد، فصار كأنها ولدت ثم ~~اعورت. # ولو هلك الولد وقد اعورت الأم قبل الولادة أو بعدها ذهب نصف الدين ~~بالاعورار؛ لأن الولد لما هلك التحق بالعدم وجعل كأن لم يكن، وعادت حصته ~~إلى الأم، وتبين أن الأم كانت رهنا بجميع الدين، فإذا اعورت ذهب بالاعورار ~~نصفه وبقي النصف الآخر. # ولو لم يهلك ولكنه اعور ولم يسقط باعوراره شيء من الدين؛ لأنه لو هلك، لا ~~يسقط، فإذا اعور أولى، لكن تلك القسمة التي كانت من حيث الظاهر تتغير؛ ~~لأنها تحتمل التغيير بتغير قيمة الولد إلى الزيادة والنقصان؛ لما ذكرنا ~~فيما تقدم وعلى هذا تخرج الزيادة في الرهن أنها مضمونة على أصل أصحابنا ~~الثلاثة بأن رهن جارية ثم زاد عبدا؛ لأن هذه زيادة مقصودة؛ لورود فعل الرهن ~~عليها مقصودا، فكانت مرهونة أصلا لا تبعا فكانت مضمونة، ويقسم الدين على ~~المزيد عليه والزيادة، وجملة الكلام في كيفية الانقسام أن الراهن لا يخلو ~~(إما) أن زاد في الرهن وليس في الرهن نماء، (وإما) أن كان فيه نماء، فإن لم ~~يكن فيه نماء، يقسم الدين على المزيد عليه، والزيادة على قدر قيمتها حتى لو ~~كانت قيمة الجارية ألفا وقيمة العبد ألف والدين ألف كان الدين فيهما نصفين ~~في كل واحد منهما خمسمائة. # ولو كانت قيمة العبد الزيادة خمسمائة، كان الدين فيهما أثلاثا، الثلثان ~~في العبد والثلث في الجارية، وأيهما هلك يهلك بحصته من الدين؛ لأن كل واحد ~~منهما مرهون مقصودا لا تبعا، إلا أنه تعتبر قيمة المزيد عليه يوم العقد وهو ~~يوم قبضه، وقيمة الزيادة يوم الزيادة وهو يوم قبضها، ولا يعتبر تغير قيمتها ~~بعد ذلك؛ لأن الزيادة والنقصان كل واحد منهما إنما دخل في الضمان بالقبض، ~~فتعتبر قيمته يوم القبض، والقبض لم يتغير بتغير القيمة فلا تتغير القسمة، ~~بخلاف زيادة الرهن وهي نماؤه أن القسمة تتغير بتغير قيمتها؛ لأنها مرهونة ~~تبعا لا أصلا، والمرهون تبعا لا يأخذ حصة ms3669 من الضمان إلا بالفكاك، فتعتبر ~~قيمتها يوم الفكاك فكانت القسمة قبله محتملة للتغير. # ولو نقص الرهن الأصلي في يده حتى ذهب قدره من الدين ثم زاده الراهن بعد ~~ذلك رهنا آخر يقسم ما بقي من الدين على قيمة الباقي وعلى قيمة الزيادة يوم ~~قبضت، نحو ما إذا رهن جارية قيمتها ألف بألف فاعورت، حتى ذهب نصف الدين ~~وبقي النصف ثم زاد الراهن عبدا قيمته ألف؛ يقسم النصف الباقي على قيمة ~~الجارية عوراء، وعلى قيمة العبد الزيادة أثلاثا، فيكون ثلثا هذا النصف وذلك ~~ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث، في العبد الزيادة والثلث وذلك مائة وستة ~~وستون وثلثان في الجارية، فرق بين الزيادة في الرهن وزيادة الرهن وهي نماؤه ~~بأن اعورت الجارية ثم ولدت ولدا قيمته ألف؛ أن الدين يقسم على قيمة الجارية ~~يوم القبض صحيحة، وعلى قيمة الولد يوم الفكاك نصفين، فيكون في كل واحد ~~منهما خمسمائة، ثم ما أصاب الأم وهو النصف ذهب بالاعورار نصفه وهو مائتان ~~وخمسون وبقي ثلاثة أرباع الدين وذلك سبعمائة وخمسون في الأم والولد ثلثا ~~ذلك خمسمائة في الولد، وثلث ذلك مائتان وخمسون في الأم، وفي الزيادة على ~~الرهن يبقى الأصل والزيادة بنصف الدين. # (ووجه) الفرق بين الزيادتين أن حكم الرهن في هذه الزيادة وهي الزيادة على ~~الرهن ثبت بطريق الأصالة لا بطريق التبعية؛ لكونها زيادة مقصودة؛ لورود فعل ~~العقد عليها مقصودا فيعتبر في القسمة ما بقي من الدين وقت الزيادة، ولم يبق ~~وقت الزيادة إلا النصف فيقسم ذلك النصف عليهما على قدر قيمتهما، بخلاف ~~زيادة الرهن؛ لأنها ليست بمرهونة مقصودا؛ لانعدام وجود الرهن فيها مقصودا ~~بل تبعا للأصل؛ لكونها متولدة منه فيثبت حكم الرهن فيها تبعا للأصل، كأنها ~~متصلة به فتصير كأنها موجودة عند العقد، فكان الثابت في الولد غير ما كان ~~ثابتا في الأم، فيعتبر في القسمة قيمة الأم يوم القبض، وكذلك لو قضى الراهن ~~للمرتهن من الدين خمسمائة ثم زاده في الرهن # PageV06P158 # عبدا قيمته ألف أن هذه الزيادة تلحق الخمسمائة الباقية فيقسم على نصفه ms3670 ~~قيمة الجارية وهي خمسمائة، وعلى قيمة العبد الزيادة، وبقي ألف أثلاثا ~~ثلثاها في العبد وثلثها في الجارية، حتى لو هلك العبد، هلك بثلثي الخمسمائة ~~وذلك ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث ولو هلكت الجارية هلكت بالثلث، وذلك مائة ~~وستة وستون وثلثان؛ لأن الزيادة زيادة على المرهون، والمرهون محبوس بالدين، ~~والمحبوس بالدين هو نصف الجارية لا كلها، ولم يبق نصف الدين؛ لصيرورته ~~مقضيا فالزيادة تدخل في الباقي وينقسم الباقي على قيمة نصف الجارية وعلى ~~قيمة الزيادة أثلاثا. # ولو قضى خمسمائة ثم اعورت الجارية قبل أن يزيد الرهن ثم زاد عبدا قيمته ~~ألف درهم قسم مائتان وخمسون على نصف الجارية العوراء وعلى الزيادة على خمسة ~~أسهم، أربعة من ذلك في الزيادة، وسهم في الجارية العوراء؛ لأنه لما قضى ~~الراهن خمسمائة؛ فرغ نصف الجارية شائعا من الدين وبقي النصف الباقي في ~~نصفها شائعا وذلك خمسمائة، فإذا اعورت، فقد ذهب نصف ذلك النصف بما فيه من ~~الدين وذلك مائتان وخمسون، وبقي مائتان وخمسون من الدين فيما لم يذهب من ~~نصف الجارية، فإذا هذه الزيادة تلحق هذا القدر فيقسم هذا القدر في الأصل ~~والزيادة أخماسا أربعة أخماسه، وذلك مائتان في الزيادة وخمسه وذلك خمسون في ~~الأصل، هذا إذا زاد وليس في الرهن نماء، فأما إذا زاد وفيه نماء بأن رهن ~~جارية قيمتها ألف بألف فولدت ولدا يساوي ألفا، ثم زاده عبدا قيمته ألف ~~فالراهن لا يخلو إما أن زاد والأم قائمة. # وأما أن زاد بعد ما هلكت الأم فإن كانت قائمة فزاد، لا يخلو إما أن جعله ~~زيادة على الولد أو على الأم أو عليهما جميعا، أو أطلق الزيادة ولم يسم ~~المزيد عليه أنه الأم أو الولد، فإن جعله زيادة على الولد فهو رهن مع الولد ~~خاصة ولا يدخل في حصة الأم؛ لأن الأصل وقوع تصرف العاقل على الوجه الذي ~~أوقعه، وقد جعله زيادة على الولد فيكون زيادة معه فيقسم الدين أولا على ~~الأم والولد على قدر قيمتهما، تعتبر قيمة الأم يوم العقد وقيمة الولد يوم ~~الفكاك، ms3671 ثم ما أصاب الولد يقسم عليه، وعلى العبد الزيادة على قدر قيمتهما ~~وتعتبر قيمة الولد يوم الفكاك؛ لما بينا فيما تقدم، وقيمة الزيادة وقت ~~الزيادة وهي وقت قبضها؛ لأنها إنما جعلت في الضمان بالقبض فتعتبر قيمتها ~~يوم القبض. # ولو هلك الولد بعد الزيادة، بطلت الزيادة؛ لأنه إذا هلك، جعل كأن لم يكن ~~أصلا ورأسا فلم تتحقق الزيادة عليه؛ لأن الزيادة لا بد لها من مزيد عليه، ~~فتبين أن الزيادة لم تقع رهنا، وإن جعله زيادة على الأم، فهو على ما جعل؛ ~~لما ذكرنا أن الأصل اعتبار تصرف العاقل على الوجه الذي باشره؛ ولأنه لو ~~أطلق الزيادة لوقعت على الأم فعند التقييد والتنصيص أولى، وإذا وقعت زيادة ~~على الأم جعل كأنها كانت موجودة وقت العقد فيقسم الدين عليهما على قدر ~~قيمتهما تعتبر قيمة الأصل يوم العقد وقيمة الزيادة يوم القبض، ثم ما أصاب ~~الأم يقسم عليها وعلى ولدها على اعتبار قيمة الأم يوم العقد وقيمة الولد ~~يوم الفكاك. # ولو مات الولد أو زادت قيمته أو ولدت ولدا، فالحكم في حق العبد الزيادة ~~لا تتغير، ويقسم الدين أولا على الجارية والعبد نصفين، ثم ما أصاب الأم ~~يقسم عليها وعلى ولدها فتعتبر زيادة الولد في حق الأم ولا تعتبر في حق ~~العبد، سواء زاد بعد حدوث الولد أو قبله؛ لأن الولد في حق الزيادة وجوده ~~وعدمه بمنزلة واحدة. # ولو هلكت الأم بعد الزيادة، ذهب ما كان فيها من الدين وبقي الولد ~~والزيادة بما فيهما، بخلاف ما إذا هلك الولد أنها تبطل الزيادة؛ لأن بهلاك ~~الأم لا يتبين أن العقد لم يكن بل يتناهى ويتقرر حكمه، فهلاكه لا يوجب ~~بطلان الزيادة بخلاف الولد؛ لأنه إذا هلك، التحق بالعدم من الأصل وجعل كأن ~~لم يكن، فتبين أن الزيادة لم تصح رهنا. # ولو هلك الولد بعد الزيادة، ذهب بغير شيء؛ لأن الولد غير مضمون بالهلاك ~~فإذا هلك، جعل كأن لم يكن وجعل كأن الزيادة حدثت ولا بد للجارية، كذلك وإن ~~جعله زيادة على الأم والولد جميعا ms3672 فالعبد زيادة على الأم خاصة، ولا عبرة ~~للولد في حق الزيادة ولا يدخل في حصتها وإنما يعتبر في حق الأم ويدخل في ~~حصة الأم، والولد في حق الزيادة حال وجود الأم كالعدم فلا تصلح الزيادة ~~عليه في حال قيام الأم فيقسم الدين على الأصل والعبد الزيادة باعتبار ~~قيمتهما قيمة الأصل يوم العقد، وقيمة الزيادة يوم الزيادة، ثم يقسم ما أصاب ~~الأم قسمة أخرى بينها وبين ولدها على اعتبار قيمتهما يوم العقد ويوم ~~الفكاك، كذلك وإن أطلق الزيادة ولم يسم الأم # PageV06P159 # ولا الولد فالزيادة رهن مع الأم خاصة؛ لأن الزيادة لا بد لها من مزيد ~~عليه، وكل واحد منهما على الانفراد يصلح مزيدا عليه، إلا أن الأم أصل في ~~الرهن والولد تابع، فعند الإطلاق جعلها زيادة على الأصل أولى، وإذا صارت ~~الزيادة رهنا مع الاسم، يقسم الدين قسمين على نحو ما بينا، هذا إذا كانت ~~الأم قائمة وقت الزيادة. # (فأما) إذا هلكت الأم ثم زادوا العبد زيادة على الولد فكانا جميعا رهنا ~~بخمسمائة يفتك الرهن كل واحد منهما بمائتين وخمسين؛ لأن الزيادة تستدعي ~~مزيدا عليه، والهالك خرج عن احتمال ذلك فتعين الولد مزيدا عليه، وقد ذهب ~~نصف الدين بهلاك الأم وبقي النصف وذلك خمسمائة، فينقسم ذلك على الزيادة ~~والولد على قدر قيمتهما ولو هلك الولد أخذ الراهن العبد بغير شيء؛ لأنه لما ~~هلك فقد التحق بالعدم وجعل كأنه لم يكن وعادت حصته إلى الأم، فتبين أنها ~~هلكت بجميع الدين فتبين أن الزيادة حصلت بعد سقوط الدين؛ فلم تصح. # ولو هلك العبد الزيادة بعد هلاك الولد في يد المرتهن هلك أمانة، إلا إذا ~~منعه بعد الطلب؛ لأنه تبين أنه لم يكن رهنا في الحقيقة؛ لما بينا فصار كما ~~إذا رهن بدين ثم تصادقا على أنه لا دين، ثم هلك الرهن أنه يهلك أمانة؛ لما ~~قلنا. # كذا هذا، إلا إذا منع بعد الطلب؛ لأنه صار غاصبا بالمنع فيلزمه ضمان ~~الغصب. # (وأما) بيان كيفية الضمان وقدره فالرهن لا يخلو إما أن يكون من جنس ms3673 حق ~~المرتهن، أو من خلاف جنس حقه، فإن كان من خلاف جنس حقه فإما أن يكون شيئا ~~واحدا، وإما أن يكون أشياء، فإن كان شيئا واحدا، يهلك مضمونا بالأقل من ~~قيمته ومن الدين، وتفسيره إذا رهن عبدا قيمته ألف بألف فهلك، ذهب الدين ~~كله، وإن كانت قيمة العبد ألفين فهلك، ذهب كل الدين أيضا، وفضل الرهن يهلك ~~أمانة، وإن كانت قيمته خمسمائة، ذهب من الدين خمسمائة ويرجع المرتهن على ~~الراهن بفضل الدين، وهذا قول عامة العلماء وجماعة من الصحابة - رضي الله ~~عنهم -، مثل سيدنا عمر وعبد الله بن مسعود وهو رواه عن سيدنا علي - رضي ~~الله عنهم -، ومنهم من قال: إنه مضمون بقيمته بالغة ما بلغت، أي على ~~المرتهن فضل قيمة الرهن. # وهكذا روي عن ابن سيدنا عمر - رضي الله عنهما -، ومنهم من قال: إنه مضمون ~~بالدين بالغا ما بلغ، أي يذهب كل الدين قلت قيمة الدين أو كثرت وهو مذهب ~~شريح وعن سيدنا علي رواية أخرى أنه قال: يترادان الفضل يعني إن كانت قيمة ~~الرهن أكثر فللراهن أن يرجع على المرتهن بفضل القيمة، وإن كانت قيمته أقل، ~~فللمرتهن أن يرجع على الراهن بفضل الدين. # واختلافهم على هذا الوجه حجة على الشافعي - رحمه الله - في قوله: إن ~~المرهون أمانة؛ لأن اختلافهم في كيفية الضمان وقدره اتفاق منهم على كونه ~~مضمونا، فإنكار الضمان أصلا يرجع إلى مخالفة الإجماع فكان باطلا، ثم ~~الرجحان في كيفية الضمان؛ لقول سيدنا عمر وابن مسعود - رضي الله عنهما -؛ ~~لأن المرهون مضمون عندنا بطريق الاستيفاء؛ لأن قبض الرهن قبض استيفاء ~~ويتقرر الاستيفاء عند الهلاك فيتقرر الضمان فيه بقدر الاستيفاء، فإن كانت ~~قيمة الرهن مثل الدين، أمكن تحقيق الاستيفاء؛ لأن استيفاء الدين مثله صورة ~~ومعنى أو معنى لا صورة، وإذا كانت قيمته أكثر، لا يتحقق الاستيفاء إلا في ~~قدر الدين ولا يتحقق في الزيادة؛ لأن استيفاء الأقل من الأكثر يكون ربا، ~~وإذا كانت قيمته أقل، لا يمكنه تحقيق الاستيفاء إلا بقدر الدين؛ لأن ~~استيفاء الأكثر من الأقل لا ms3674 يتصور، هذا إذا كان المرهون شيئا واحدا فأما ~~إذا كان أشياء بأن رهن عبدين أو ثوبين أو دابتين أو نحو ذلك فلا يخلو (إما) ~~أن أطلق الرهن ولم يسم لكل واحد منهما شيئا من الدين. # (وإما) أن قيد وسمى لكل واحد منهما قدرا معلوما من الدين، فإن أطلق، يقسم ~~الدين عليهما على قدر قيمتهما وكان كل واحد منهما مضمونا بالأقل من قيمة ~~نفسه ومن حصته من الدين؛ لأن كل واحد منهما مرهون والمرهون مضمون بالدين ~~فلا بد من قسمة الدين على قيمتهما؛ ليعرف قدر ما في كل واحد منهما من ~~الضمان، كما ينقسم الثمن عليهما في باب البيع باعتبار قيمتهما لمعرفة مقدار ~~الثمن؛ لأن المرهون مضمون بالدين كما أن البيع مضمون بالثمن، وإن قيد كان ~~كل واحد منهما مضمونا بالأقل من قيمته ومما سمي له؛ لأنه لما سمى وجب ~~اعتبار التسمية فينظر إلى القدر المسمى لكل واحد منهما فأيهما هلك؛ يهلك ~~بالأقل من قيمته ومن القدر المسمى، كما في باب البيع إذا سمى لكل واحد من ~~المبيعين ثمنا، أنه ينقسم الثمن عليهما بالقدر المسمى كذا هذا، إذا كان ~~المرهون من خلاف جنس الدين وهلك في يد المرتهن، فأما إذا كان من # PageV06P160 # جنسه بأن رهن موزونا بجنسه أو مكيلا بجنسه وهلك في يد المرتهن فقد اختلف ~~أصحابنا فيه قال أبو حنيفة: يهلك مضمونا بالدين باعتبار الوزن دون القيمة، ~~حتى لو كان وزن الرهن بمثل وزن الدين، وقيمته أقل منه فهلك يذهب كل الدين ~~عنده، وعند أبي يوسف ومحمد: يضمن القيمة من خلاف الجنس على ما نذكر فمن أصل ~~أبي حنيفة أنه يعتبر الوزن دون القيمة في الهالك، ومن أصلهما أنهما يعتبران ~~الوزن فيما لا يتضرر به المرتهن، فأما فيما يتضرر به فيضمنان القيمة من ~~خلاف الجنس. # (وأما) في الانكسار فأبو حنيفة يضمن القيمة، وكذلك أبو يوسف عند الاستواء ~~في الوزن والقيمة ولا يريان الجعل بالدين أصلا، ومحمد يجعل بالدين لكن عند ~~الإمكان بأن لا يؤدي ذلك إلى الضرر بالراهن ولا بالمرتهن، ms3675 ولا يؤدي إلى ~~الربا فإن أدى إلى شيء مما ذكرنا، فإنه لا يجعل بالدين أيضا، وإذا كانت ~~قيمة الرهن أكثر فأبو يوسف يجعل النقصان الحاصل بالانكسار شائعا في قدر ~~الأمانة والمضمون، فما كان في الأمانة يذهب بغير شيء وما كان في المضمون ~~يضمن المرتهن قيمته ويملك من الرهن بقدره، ومحمد - رحمه الله - يصرف ~~النقصان إلى الزيادة، وإذا كثر النقصان حتى انتقص من الدين، يخير الراهن ~~بين أن يفتكه وبين أن يجعله بالدين، ومن أصل أبي حنيفة أنه يجوز استيفاء ~~الزيوف من الجياد، حتى لو أخذ صاحب الدين الزيوف عن الجياد ولم يعلم به حتى ~~هلك عنده سقط دينه، وكذا عند محمد إلا أن محمدا ترك أصله في الرهن، وعند ~~أبي يوسف لا يسقط بل يرد مثل ما قبض ويأخذ مثل حقه، فمن أصله أنه لا يجوز ~~استيفاء الزيوف عن الجياد، فهذه أصول هذه المسائل. # (وأما) تخريجها على هذه الأصول فنقول وبالله التوفيق: إذا كان الدين عشرة ~~دراهم فرهن به قلب فضة فهلك أو انكسر في يد المرتهن، فوزن القلب لا يخلو ~~إما أن يكون مثل وزن الدين بأن كان عشرة، وإما أن يكون أقل من وزنه بأن كان ~~ثمانية، وإما أن يكون أكثر من وزنه بأن كان اثني عشر، وكل وجه من هذه ~~الوجوه يدخله الهلاك والانكسار، فإن كان وزن القلب مثل وزن الدين عشرة فإن ~~كانت قيمته مثل وزنه فهلك يهلك بالدين بلا خلاف؛ لأن في وزنه وقيمته وفاء ~~بالدين ولا ضرر فيه بأحد ولا فيه ربا فيهلك بالدين على ما هو حكم الرهن ~~عندنا، وإن انكسر وانتقص لا يجبر الراهن على الافتكاك بلا خلاف لأنه لو ~~افتكه إما أن يفتكه بجميع الدين، وإما أن يسقط شيء من الدين بمقابلة ~~النقصان لا سبيل إلى الأول؛ لأن فيه ضررا بالراهن لفوات حقه عن الجودة ~~والصناعة من غير عوض، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأنه يؤدي إلى الربا؛ لأن الدين ~~والرهن يستويان في الوزن، والجودة لا قيمة لها شرعا عند مقابلتها بجنسها ms3676 ~~فكانت ملحقة بالعدم شرعا، فيكون إيفاء عشرة بثمانية فتكون ربا، فيتخير؛ إن ~~شاء افتكه بجميع الدين ورضي بالنقصان، وإن شاء ضمن المرتهن قيمته بالغة ما ~~بلغت فكانت رهنا مكانه، ويصير القلب ملكا للمرتهن بالضمان، وهذا قول أبي ~~حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: إن شاء افتكه بجميع الدين وإن شاء جعله بالدين ~~ويصير ملك المرتهن بدينه. # (وجه) قول محمد أن ضمان القيمة لا يناسب قبض الرهن؛ لأن ذلك موجب قبض هو ~~تعد كقبض الغصب، وقبض الرهن مأذون فيه فلا يناسب ضمان القيمة ويناسبه الجعل ~~بالدين؛ لأنه قبض استيفاء وفي الجعل بالدين تقرير الاستيفاء. # (وجه) قولهما أن جعل الرهن بالدين حال قيامه من أعمال الجاهلية، جاء ~~الإسلام وأبطله بقوله: «لا يغلق الرهن» والجعل بالدين غلق الرهن فكان ~~باطلا، وبه تبين أن ملك الرهن بالدين لا يجوز أن يكون حكم هذا التصرف وأن ~~حكمه ملك اليد والحبس لا ملك العين والرقبة. # (فأما) ضمان القيمة فيصلح حكما له في الجملة، ألا ترى أن محمدا يقول به ~~عند تعذر الجعل بالدين على ما نذكر وإن كانت قيمته أقل من وزن الدين بأن ~~كانت ثمانية فهلك، يهلك بجميع الدين عند أبي حنيفة - رحمه الله -؛ لأنه ~~يعتبر الوزن دون القيمة عند الهلاك، وفي وزنه وفاء الدين، وعندهما لا يهلك ~~بالدين ويضمن المرتهن قيمته من خلاف جنسه. # (وجه) قولهما أنه لو هلك بالدين (إما) أن يهلك بوزنه، (وإما) أن يهلك ~~بقيمته، لا سبيل إلى الأول؛ لأن فيه ضررا بالمرتهن، ولا وجه إلى الثاني؛ ~~لأنه يؤدي إلى الربا فيخير المرتهن بين أن يرضى بسقوط الدين، وبين أن يضمن ~~قيمة الرهن من خلاف جنسه فيكون رهنا مكانه ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن ~~قبض الرهن قبل الاستيفاء، والجيد والرديء في الاستيفاء على السواء؛ لأن ~~استيفاء الزيوف عن الجياد جائز عنده، وإن # PageV06P161 # انكسر، فالراهن بالخيار إن شاء افتكه بجميع الدين، وإن شاء ضمن المرتهن ~~قيمته من خلاف جنسه بالإجماع، وليس له خيار الجعل بالدين هنا بلا خلاف. # (أما) على أصل أبي حنيفة ms3677 وأبي يوسف؛ فلأنهما لا يريان الجعل بالدين أصلا، ~~ومحمد - رحمه الله - إن كان يرى ذلك لكن عند الإمكان وههنا لا يمكن؛ لأنه ~~لو جعل الدين باعتبار الوزن يؤدي إلى الضرر بالمرتهن حيث يصير الرهن الذي ~~قيمته ثمانية بعشرة. # ولو جعل باعتبار القيمة يؤدي إلى الربا فمست الضرورة إلى ضمان القيمة، ~~والله تعالى أعلم وإن كانت قيمته أكثر من وزنه بأن كانت اثني عشر فهلك، ~~يهلك بالدين عند أبي حنيفة اعتبارا للوزن وكذلك عند محمد؛ لأن الجودة هنا ~~فضل، فكان أمانة بمنزلة الفضل في الوزن. # (أما) على قول أبي يوسف فقيل: يضمن المرتهن قيمة خمسة أسداس القلب من ~~الذهب، ويرجع بدينه؛ لأن الجودة عنده مضمونة، وقيل: يهلك بالدين عنده أيضا؛ ~~لأنه يعتبر الوزن في الهلاك لا الجودة وإنما يعتبر الجودة في الانكسار، وإن ~~انكسر، فالراهن بالخيار عند أبي حنيفة إن شاء افتكه بالدين مع النقصان، وإن ~~شاء ضمنه قيمته من خلاف جنسه فيكون رهنا مكانه؛ لما ذكرنا فيما تقدم سواء ~~كان النقصان الحاصل بالانكسار قدر درهم بأن عادت قيمته إلى أحد عشر، أو قدر ~~درهمين بأن عادت قيمته عشرة أو أكثر من ذلك بأن صارت قيمته ثمانية، وعند ~~أبي يوسف إن شاء افتكه بالدين وإن شاء ضمن المرتهن قيمته خمسة أسداس من ~~القلب من خلاف جنسه، فتصير خمسة أسداس الرهن ملكا للمرتهن بالضمان، وسدس ~~الرهن مع خمسة أسداس القيمة رهنا بالدين؛ لأن من أصله أن يجعل قدر النقصان ~~الحاصل بالانكسار شائعا في قدر الأمانة، والمضمون والقدر الذي في الأمانة ~~يذهب بغير شيء، والقدر الذي في المضمون يضمن قيمته فيصير ذلك القدر من ~~الرهن ملكا له، وعند محمد ينظر إلى النقصان إن كان قدر درهم أو درهمين، لا ~~ضمان على المرتهن، ويجبر الراهن على الفكاك، وإن زاد على ذلك، يخير بين ~~الفكاك وبين الجعل بالدين، كما لو كانت قيمته ووزنه سواء؛ لأن من أصله أنه ~~يصرف النقصان الحاصل بالانكسار إلى الجودة الزائدة، إلا إذا كثر النقصان ~~حتى عادت قيمته إلى ثمانية، فله ms3678 أن يجعله بالدين إن شاء، وإن شاء افتكه، ~~وقيل: إن على قوله له أن يضمنه، كما قال أبو حنيفة - رحمه الله -؛ لما في ~~الجعل بالدين من إسقاط حقه عن الجودة، هذا إذا كان وزن القلب مثل وزن الدين ~~عشرة، فأما إذا كان أقل من وزنه ثمانية فإن كانت قيمته مثل وزنه فهلك، يهلك ~~بمثل وزنه من الدين وهو ثمانية بالإجماع، وإن انكسر، فالراهن بالخيار إن ~~شاء افتكه بالدين، وإن شاء ضمن المرتهن قيمته من خلاف جنسه فكانت رهنا، ~~والقلب للمرتهن بالضمان عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد إن شاء افتكه ~~بالدين وإن شاء جعله بمثل وزنه من الدين؛ لما قلنا، وإن كانت قيمته أقل من ~~وزنه سبعة فهلك، يهلك بثمانية في قول أبي حنيفة؛ اعتبارا للوزن، وعندهما ~~يضمن قيمته من خلاف جنسه؛ لما بينا، وإن انكسر، ضمن القيمة بالإجماع. # (أما) على قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ فلأنهما لا يجيزان الجعل بالدين حال ~~قيام الرهن أصلا ورأسا، ومحمد إن كان يجيزه؛ لكن شريطة انعدام الضرر، وفي ~~الجعل بالدين هنا ضرر بالمرتهن، وإن كانت قيمته أكثر من وزنه فكانت تسعة أو ~~كانت مثل الدين عشرة فهلك يهلك بقدر وزنه ثمانية عند أبي حنيفة، وعندهما ~~يضمن القيمة، وإن انكسر إن شاء افتكه بالدين وإن شاء ضمن القيمة بالإجماع؛ ~~لما ذكرنا، وإن كانت قيمته أكثر من الدين اثني عشر فهلك يهلك بثمانية عند ~~أبي حنيفة وعند أبي يوسف يضمن خمسة أسداس قيمته، وإن انكسر، فعند أبي حنيفة ~~إن شاء افتكه بالدين وإن شاء ضمنه جميع القيمة وكانت قيمته رهنا والقلب ~~ملكا للمرتهن، وعند أبي يوسف يضمن خمسة أسداس قيمته ويكون سدس القلب مع ~~خمسة أسداس قيمته رهنا عنده بالدين، وعند محمد يصرف النقصان الحاصل ~~بالانكسار بالأمانة إن قل النقصان بأن كان درهما أو درهمين، ويجبر الراهن ~~على الافتكاك، وإن كان أكثر من ذلك، يخير الراهن بين الافتكاك وبين الجعل ~~بالدين؛ هذا إذا كان وزن القلب أقل من وزن الدين ثمانية، فأما إذا كان ms3679 أكثر ~~من وزنه اثنا عشر فإن كانت قيمته مثل وزنه اثني عشر فهلك، سقط الدين ~~والزيادة على الدين تهلك أمانة بلا خلاف وإن انكسر ضمن خمسة أسداسه في قول ~~أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد له أن يجعل خمسة أسداسه بالدين، وإن كانت ~~قيمته أقل من وزنه # PageV06P162 # وأكثر من الدين بأن كانت أحد عشر فهلك سقط الدين بخمسة أسداسه، والزيادة ~~تهلك أمانة عند أبي حنيفة، ولا رواية عنهما في هذا الفصل. # وإن انكسر ضمن خمسة أسداس القلب عند أبي حنيفة؛ لأنه لا يعتبر الجودة ولا ~~يرى الجعل بالدين، وعند أبي يوسف يجب أن يكون هكذا، وكذلك عند محمد؛ لتعذر ~~التمليك بالدين؛ لما فيه من الضرر، وإن كانت قيمته مثل وزن الدين عشرة ~~فهلك، يهلك خمسة أسداس بالدين عند أبي حنيفة؛ لأنه يعتبر الوزن، وعندهما ~~يضمن خمسة أسداسه ويرجع بحقه، وإن انكسر ضمن خمسة أسداسه عند أبي حنيفة، ~~وعندهما يغرم جميع القيمة ولا يمكن الجعل بالدين عند محمد؛ لأنه يؤدي إلى ~~الربا وإن كانت قيمته أقل من الدين ثمانية فهلك، ذهب خمسة أسداسه بالدين في ~~قول أبي حنيفة وإن انكسر ضمن خمسة أسداسه، وعندهما يغرم القيمة في الحالين، ~~وإن كانت قيمته خمسة عشر فهلك، يهلك خمسة أسداسه بالدين في قول أبي حنيفة، ~~وإن انكسر ضمن خمسة أسداسه عند أبي حنيفة، ثم في كل موضع ضمن المرتهن بعض ~~القلب وهلك ذلك القدر بالضمان وصار شريكا، فهذا شيوع طارئ فعلى جواب ظاهر ~~الرواية يقطع القلب فيكون الباقي مع القدر الذي غرم رهنا؛ لأن الشيوع يمنع ~~صحة الرهن مقارنا كان أو طارئا، وعلى رواية أبي يوسف لا حاجة إلى القطع؛ ~~لأن الشيوع الطارئ لا يمنع بقاء العقد على الصحة. # (وأما) الرهن الفاسد فلا حكم له حال قيام المرهون، حتى لا يثبت للمرتهن ~~حق الحبس وللراهن أن يسترده منه، فإن منعه حتى هلك، يضمن مثله إن كان له ~~مثل، وقيمته إن لم يكن له مثل؛ لأنه صار غاصبا بالمنع، والمغصوب مضمون على ~~الغاصب بالمثل أو ms3680 بالقيمة وإن لم يوجد المنع من المرتهن حتى هلك الرهن في ~~يده، ذكر الكرخي - رحمه الله - أنه يهلك أمانة؛ لأن الرهن إذا لم يصح كان ~~القبض قبض أمانة؛ لأنه قبض بإذن المالك فأشبه قبض الوديعة، وحكى القاضي في ~~شرحه مختصر الطحاوي أنه ذكر في الجامع الكبير أن كل ما هو محل للرهن الصحيح ~~فإذا رهنه رهنا فاسدا فهلك في يد المرتهن، يهلك بالأقل من قيمته ومن الدين، ~~وكل ما ليس بمحل للرهن الصحيح لا يكون مضمونا بالرهن الفاسد، كالمدبر وأم ~~الولد، وهذا يدل على أن الفساد كان لمعنى في نفس المرهون لا يكون مضمونا بل ~~يكون أمانة، وإن كان الفساد لمعنى في غيره يكون مضمونا. # (ووجهه) أن المرهون مضمون بالقبض ولا فساد في القبض، إلا أن من شرط كون ~~المقبوض مضمونا أن يكون مالا مطلقا متقوما كالمقبوض بالبيع الفاسد، فإن وجد ~~الشرط، يكون مضمونا وإلا فلا، هذا الذي ذكرنا حكم هلاك المرهون # (وأما) حكم استهلاكه فنقول: المرهون لا يخلو (إما) أن يكون من بني آدم ~~كالعبد والأمة، (وإما) إن كان من غير بني آدم من سائر الأموال، فإن كان من ~~غير بني آدم فاستهلكه أجنبي، ضمن قيمته إن كان مما لا مثل له، ومثله إن كان ~~مما له مثل، كما إذا لم يكن مرهونا والمرتهن هو الخصم في تضمينه وكان ~~الضمان رهنا؛ لأنه بدل المرهون ثم إن كان الضمان من جنس الدين والدين حال، ~~استوفاه بدينه، وإن كان الدين لم يحل، حبسه رهنا مكانه، وكذلك لو استهلكه ~~المرتهن؛ لأنه لو أتلف مالا مملوكا متقوما بغير إذن مالكه فيضمن مثله أو ~~قيمته، كما لو أتلفه أجنبي وكان رهنا مكانه، وإن استهلكه الراهن فإن كان ~~الدين حالا، يطالب بالدين لا فائدة في المطالبة بالضمان، فيطالب بالدين وإن ~~كان لم يحل، أخذ المرتهن منه بالضمان فأمسكه إلى أن يحل الدين، وإذا كان في ~~الرهن نماء كاللبن والولد فاستهلكه المرتهن أو الراهن أو أجنبي بأن كان ~~الرهن شاة قيمتها عشرة بعشرة، فحلبت أو ولدت ms3681 فعليه ضمانه. # (أما) وجوب الضمان على الأجنبي والمرتهن فظاهر لأن الزيادة ملك الراهن ~~وإتلاف مال مملوك للغير بغير إذنه يوجب الضمان. # (وأما) وجوبه على الراهن؛ فلأن المتلف وإن كان مملوكا له لكن للمرتهن فيه ~~حق قوي فيلحق بالملك في حق وجوب الضمان، وإذا وجب الضمان على المتلف، كان ~~الضمان مع الشاة رهنا عند المرتهن؛ لأنه بدل المرهون فيقوم مقامه، فإن هلك ~~الضمان، لا يسقط شيء من الدين؛ لأنه بدل ما ليس بمضمون بالدين فكان حكمه ~~حكم الأصل، والأصل لو هلك يهلك بغير شيء كذا البدل وإن هلكت الشاة، سقطت ~~حصتها من الدين؛ لأنها مرهونة مقصودة فكانت مضمونة بالهلاك، ويفتك الراهن ~~ضمان الزيادة بقدرها من الدين؛ لأن الزيادة تصير مقصودة بالفكاك فيصير لها ~~حصة من الدين، هذا إذا كان الاستهلاك بغير إذن، فأما إذا كان بإذن بأن قال ~~الراهن للمرتهن: احلب الشاة، فما حلبت # PageV06P163 # فهو حلال لك. # أو قال له: كل هذا الحمل فحلب وشرب وأكل حل له ذلك ولا ضمان عليه؛ لأن ~~الزيادة ملك الراهن فيصح إذنه بالأكل والشرب ولا يسقط شيء من دين المرتهن، ~~حتى لو جاء الراهن يفتك الشاة يفتكها بجميع الدين؛ لأن إتلاف المرتهن بإذن ~~الراهن مضاف إلى الراهن كأنه أتلفه بنفسه. # ولو كان كذلك لكان لا يسقط شيء من الدين وكان عليه ضمان المتلف. # كذا هذا، وإن لم يفتكها حتى هلك، تهلك بحصتها من الدين، فيقسم الدين ~~عليها وعلى لبنها أو ولدها على قدر قيمتها، فما كان حصة الشاة يسقط وما كان ~~حصة الزيادة يبقى، ويخاطب الراهن بقضائه؛ لأن فعل المرتهن لما كان مضافا ~~إلى الراهن كان مضمونا عليه، كأنه فعل بنفسه فيصير للزيادة حصة من الدين، ~~فينظر إلى قيمة الزيادة فإن كان فيها خمسة، كان فيها ثلث الدين وفي الشاة ~~ثلثاه، فإذا هلكت الشاة، ذهب ثلثا الدين وبقي الثلث وعلى الراهن قضاؤه، ~~وكذلك لو استهلكه أجنبي بإذن الراهن والمرتهن، فالجواب فيه وفي المرتهن إذا ~~استهلكه بإذن الراهن سواء وقد ذكرناه ولو استهلكه الراهن بإذن المرتهن، ms3682 لا ~~شيء عليه؛ لأن الضمان لو وجب لوجب لحق المرتهن لا لحق نفسه؛ لأنه ملكه، وقد ~~أبطل المرتهن حق نفسه بالإذن فلا يستحق الضمان، وجعل كأن الزيادة هلكت بآفة ~~سماوية وبقيت الشاة رهنا بجميع الدين، وإن كان المرهون من بني آدم فجنى ~~عليه، فجملة الكلام في جنايات الرهن أنها ثلاثة أقسام: جناية غير الرهن على ~~الرهن، وجناية الرهن على غير الرهن، وجناية الرهن على الرهن أما جناية غير ~~الرهن على الرهن: فلا يخلو إما أن كانت الجناية في النفس وإما أن كانت فيما ~~دون النفس، وكل ذلك لا يخلو إما أن كان عمدا أو خطأ أو في معنى الخطأ، ~~والجاني لا يخلو إما أن كان حرا أو عبدا، فإن كانت في النفس عمدا والجاني ~~حر، فللراهن أن يقتص إذا اجتمعا على الاقتصاص في قول أبي حنيفة، وقال محمد: ~~ليس له الاقتصاص وإن اجتمعا عليه، وعن أبي يوسف روايتان، كذا ذكر الكرخي - ~~رحمه الله - الاختلاف، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه لا قصاص على ~~قاتله وإن اجتمع عليه الراهن والمرتهن، ولم يذكر الخلاف. # (وجه) قول محمد أن استيفاء القصاص لا بد له من ولي، والولي هنا غير ~~معلوم؛ لأن ملك العين والرقبة للراهن وملك اليد والحبس للمرتهن، فكان العبد ~~مضافا إلى الراهن من وجه وإلى المرتهن من وجه؛ فصار الولي مشتبها مجهولا، ~~وجهالة الولي تمنع استيفاء القصاص كعبد المكاتب إذا قتل عمدا، أنه لا يقتص ~~من قاتله وإن اجتمع عليه المولى والمكاتب؛ لما قلنا كذا هذا، بخلاف العبد ~~المشترك بين اثنين إذا قتل عمدا، أن لهما الاقتصاص إذا اجتمعا عليه؛ لأن ~~هناك الولاية لهما ثابتة على الشركة لثبوت الملك لكل واحد منهما في النصف ~~من كل وجه، فكان الولي معلوما فأمكن القول بوجوب القصاص لهما على الشركة؛ ~~لاستوائهما في الملك. # (وجه) قول أبي حنيفة أن الملك للراهن من كل وجه، وإنما للمرتهن حق الحبس ~~فقط، والملك سبب لثبوت الولاية فكان الولي معلوما، وكان ينبغي أن لا تتوقف ~~ولاية الاستيفاء على ms3683 رضا المرتهن، إلا أنه توقف لتعلق حقه به، فإذا رضي فقد ~~زال المانع، بخلاف عبد المكاتب؛ لأن الملك فيه للمولى من وجه وللمكاتب من ~~وجه، فلم يكن الملك فيه ثابتا للمولى مطلقا ولا للمكاتب مطلقا؛ فأشبه الولي ~~فامتنع الاستيفاء وإذا اقتص القاتل سقط الدين؛ لأن العبد إنما كان رهنا من ~~حيث إنه مال، وقد بطلت ماليته بالقتل لا إلى بدل، إذ القصاص لا يصلح بدلا ~~عن المالية فسقط القصاص كما لو هلك بنفسه، هذا إذا اجتمعا على القصاص، ~~(فأما) إذا اختلفا لا يقتص القاتل؛ لأنه لا سبيل إلى إثبات الاقتصاص ~~للمرتهن لعدم ملك الرقبة ولا للراهن؛ لأن في استيفائه إبطال حق المرتهن وهو ~~الدين من غير رضاه وهذا لا يجوز، وعلى القاتل قيمة المقتول في ماله في ثلاث ~~سنين وكانت القيمة رهنا. # ولو اختلفا فأبطل القاضي القصاص، ثم قضى الراهن الدين فلا قصاص؛ لأن حق ~~المرتهن وإن بطل بالفكاك لكن بعد ما حكم القاضي ببطلان القصاص، فلا يحتمل ~~العود وإن كانت الجناية خطأ أو شبه عمد، فعلى عاقلة القاتل قيمته في ثلاث ~~سنين يقبضها المرتهن فتكون رهنا؛ لأن العبد وإن كان مضمونا من حيث إنه آدمي ~~لا من حيث إنه مال على أصل أصحابنا - رحمهم الله - حتى لا تزاد ديته على ~~دية الحر، ولكنه مرهون من حيث إنه مال لا من حيث إنه آدمي؛ فجاز أن تقوم ~~قيمته مقامه وتكون رهنا عند المرتهن، ثم إن كان الرهن مؤجلا، كانت في يده ~~إلى حل الأجل، وإذا حل # PageV06P164 # فإن كانت القيمة من جنس الدين استوفى الدين منها، وإن بقي فيها فضل رده ~~على الراهن، وإن كانت أقل من الدين استوفى منها من الدين بقدرها بالفضل أي ~~يرجع بالبقية على الراهن وإن كانت من خلاف جنس الدين حبسها في يده إلى وقت ~~الفكاك، وإن كان الدين حالا فالحكم فيه وفيما إذا كان مؤجلا فحل سواء وقد ~~بيناه وتعتبر قيمة العبد في ضمان الاستهلاك يوم الاستهلاك وفي ضمان الرهن ~~يوم القبض؛ لأن ضمان الاستهلاك ms3684 يجب بالاستهلاك وضمان الرهن يجب بالقبض، ~~فيعتبر حال وجود السبب حتى لو كان الدين ألف درهم وقيمة العبد يوم الرهن ~~ألفا فانتقصت قيمته فتراجعت إلى خمسمائة فقتل غرم القاتل خمسمائة وسقط من ~~الدين خمسمائة، وإذا غرم خمسمائة بالاستهلاك، كانت هذه الدراهم رهنا بمثلها ~~من الدين ويسقط الباقي من الدين؛ لأنه يصير مستوفيا كل الدين بها ولا يجوز ~~استيفاء أكثر من خمسمائة بخمسمائة؛ لما فيه من الربا، وهذا بخلاف ما إذا ~~قتله عبد أقل قيمة منه فدفع به؛ لأن الدفع لا يؤدي إلى الربا؛ لأنه لا يجوز ~~استيفاء كل الدين من هذا العبد، ألا ترى أنه لو باعه جاز وإن كان لا يساويه ~~فلم يكن فيه ربا، وكذلك لو قتله المرتهن، يغرم قيمته والحكم فيه وفي ~~الأجنبي سواء وقد ذكرناه ولو قتله الراهن فهذا، وما إذا كان الرهن من غير ~~بني آدم سواء وقد ذكرناه فيما تقدم هذا إذا كان الجاني حرا. # (أما) إذا كان عبدا أو أمة، يخاطب مولى القاتل بالدفع أو بالفداء بقيمة ~~المقتول، فإن اختار الدفع فإن كانت قيمة المقتول مثل قيمة المدفوع أو أكثر ~~فالمدفوع رهن بجميع الدين ويجبر الراهن على الافتكاك بلا خلاف وإن كانت ~~قيمته أقل من قيمة المقتول بأن كانت قيمة المقتول ألفا والدين ألف وقيمة ~~المدفوع مائة فهو رهن بجميع الدين أيضا ويجبر الراهن على الافتكاك بجميع ~~الدين، كما كان يجبر على افتكاك العبد المقتول لو كان حيا بجميع الدين في ~~قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: إن لم يكن بقيمة القاتل وفاء بقيمة ~~المقتول، فالراهن بالخيار إن شاء افتكه بجميع الدين وإن شاء تركه للمرتهن ~~بدينه، فمحمد مر على أصله في الجعل بالدين عند تعذر الجبر على الافتكاك ~~وهنا تعذر؛ لما فيه من الضرر بالراهن ولأبي حنيفة وأبي يوسف أنه لما دفع ~~الثاني بالأول؛ قام مقام الأول لحما ودما، والأول كان رهنا بجميع الدين ~~وكان يجبر الراهن على الافتكاك بجميع الدين، فكذا الثاني، وكذلك لو كان ~~العبد المرتهن نقص في السعر ms3685 حتى صار يساوي مائة درهم، فقتله عبد يساوي مائة ~~درهم فدفع به فهو على الاختلاف، هذا إذا كان اختار مولى القاتل الدفع، فأما ~~إذا اختار الفداء فإنه يفديه بقيمة المقتول، وكانت القيمة رهنا عند ~~المرتهن، ثم ينظر إن كانت القيمة من جنس الدين استوفى دينه منها، وإن كانت ~~من خلاف الجنس حبسها رهنا حتى يستوفي جميع دينه، ويجبر الراهن على الافتكاك ~~عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد يخير الراهن بين الافتكاك بجميع الدين ~~وبين الترك للمرتهن بالدين وقد مرت المسألة هذا إذا كانت الجناية في النفس، ~~فأما إذا كانت فيما دون النفس فإن كان الجاني حرا، يجب أرشه في ماله لا على ~~عاقلته، سواء كانت الجناية خطأ أو عمدا. # (أما) الوجوب في ماله؛ فلأن العاقلة لا تعقل فيما دون النفس (وأما) ~~التسوية بين الخطأ والعمد؛ فلأن القصاص لا يجري بين الحر والعبد فيما دون ~~النفس؛ فاستوى فيه العمد والخطأ في وجوب الأرش فكان الأرش رهنا مع العبد؛ ~~لأنه بدل جزء مرهون، وإن كان الجاني عبدا، يخاطب مولاه بالدفع أو الفداء ~~بأرش الجناية، فإن اختار الفداء بالأرش كان الأرش مع المجني عليه رهنا، وإن ~~اختار الدفع يكون الجاني مع المجني عليه رهنا، والخصومة في ذلك كله إلى ~~المرتهن؛ لأن حق الحبس له، والجاني فوت الحبس عن بعض أجزاء الرهن فله أن ~~يقيم بدل الفائت فيقيمه مقامه رهنا هذا الذي ذكرنا حكم جناية غير الرهن على ~~الرهن. # (وأما) حكم جناية الرهن على غير الرهن: فجنايته لا تخلو إما أن كانت على ~~بني آدم، وإما أن كانت على غير بني آدم من سائر الأموال فإن كانت على بني ~~آدم، فلا تخلو إما أن كانت عمدا وإما أن كانت خطأ أو في معناه فإن كانت ~~عمدا، يقتص منه كما إذا لم تكن رهنا؛ لأن ملك الراهن لا يمنع وجوب القصاص، ~~ألا ترى أنه لا يمنع إذا لم يكن رهنا، وإذا لم يكن الملك مانعا فحق المرتهن ~~أولى؛ لأنه دون الملك سواء قتل أجنبيا ms3686 أو الراهن أو المرتهن؛ لأن القصاص ~~ضمان الدم، ولا حق للمولى في دمه بل هو أجنبي عنه، وكذا للمرتهن من طريق ~~الأولى إذ الثابت له الحق والحق دون الملك فصارت جنايته # PageV06P165 # على الراهن والمرتهن في حق القصاص، وجنايته على الأجنبي سواء، وإذا قتل ~~قصاصا سقط الدين؛ لأن هلاكه حصل في ضمان المرتهن فسقط ديته، كما إذا هلك ~~بنفسه هذا إذا كانت جنايته عمدا، (فأما) إذا كانت خطأ أو ملحقة بالخطأ، فإن ~~كانت شبه عمد أو كانت عمدا، لكن القاتل ليس من أهل وجوب القصاص عليه بأن ~~كان صبيا أو مجنونا، أو كانت جنايته فيما دون النفس فإنه يدفع أو يفدى؛ لأن ~~هذه الجنايات من العبيد والإماء توجب الدفع أو الفداء، ثم ينظر إن كان ~~العبد كله مضمونا بأن كانت قيمته مثل الدين أو دونه، نحو أن تكون قيمة ~~العبد ألفا، والدين ألفا، أو كان الدين ألفا وقيمة العبد خمسمائة يخاطب ~~المرتهن أولا بالفداء؛ لأنه بالفداء يستبقي حق نفسه في الرهن بتطهيره عن ~~الجناية من غير أن يسقط حق المرتهن. # ولو بدئ بالراهن وخوطب بالدفع أو الفداء على ما هو حكم الشرع فربما يختار ~~الدفع فيبطل حق المرتهن ويسقط دينه فكانت البداءة بخطاب المرتهن بالفداء ~~أولى. # وإذا فداه بالأرش، فقد استخلصه واستصفاه عن الجناية وصار كأنه لم يجن ~~أصلا، فيبقى رهنا كما كان، ولا يرجع بشيء مما فدى على الراهن؛ لأنه فدى ملك ~~الغير بغير إذنه فكان متبرعا فيه فلا يملك الرجوع، كما لو فداه أجنبي ولأنه ~~بالفداء أصلح الرهن باختياره واستبقى حق نفسه، فكان عاملا لنفسه بالفداء ~~فلا يرجع على غيره وليس له أن يدفع؛ لأن الدفع تمليك الرقبة وهو لا يملك ~~رقبته، وإن أبى المرتهن أن يفدي، يخاطب الراهن بالدفع أو الفداء؛ لأن الأصل ~~في الخطاب هو الراهن؛ لأن الملك له، وإنما يبدأ بالمرتهن بخطاب الفداء ~~صيانة لحقه، فإذا أبى عاد الأمر إلى الأصل، فإن اختار الدفع بطل الرهن وسقط ~~الدين. # (أما) بطلان الرهن؛ فلأن العبد زال عن ملكه ms3687 بالدفع إلى خلف فخرج عن كونه ~~رهنا وأما سقوط الدين؛ فلأن استحقاق الزوال حصل بمعنى في ضمان المرتهن، ~~فصار كأنه هلك في يده، وكذلك إن اختار الفداء؛ لأنه صار قاضيا بما فدى ~~المرتهن؛ لأن الفداء على المرتهن لحصول الجناية في ضمانه، إلا أنه لما أبى ~~الفداء، والراهن محتاج إلى استخلاص عبده ولا يمكنه ذلك إلا بالفداء؛ فكان ~~مضطرا في الفداء فلم يكن متبرعا فكان له أن يرجع على المرتهن بما فدى، وله ~~على الراهن مثله فيصير قصاصا به وإذا صار قاضيا دين المرتهن مما فدى، ينظر ~~إلى ما فدى وإلى قدر قيمة العبد وإلى الدين، فإن كان الفداء مثل الدين ~~وقيمة العبد مثل الدين أو أكثر سقط الدين كله، وإن كان الفداء أقل من الدين ~~وقيمة العبد مثل الدين أو أكثر سقط من الدين بقدر الفداء، وحبس العبد رهنا ~~بالباقي، وإن كان الفداء قدر الدين أو أكثر وقيمة العبد أقل من الدين يسقط ~~من الدين قدر قيمة العبد ولا يسقط أكثر منها؛ لأنه لو هلك العبد، لا يسقط ~~من الدين أكثر من قيمته فكذا عند الفداء، وإن كان العبد بعضه مضمونا والبعض ~~أمانة، بأن كانت قيمة العبد ألفين والدين ألفا فالفداء عليهما جميعا؛ لأن ~~نصفه مضمون ونصفه أمانة، فكان فداء نصف المضمون منه على المرتهن وفداء نصف ~~الأمانة على الراهن فيخاطبان جميعا بالدفع أو بالفداء، والمعنى من خطاب ~~الدفع في جانب المرتهن، الرضا بالدفع لا فعل الدفع؛ لأن فعل الدفع ليس ~~إليه، ثم إذا خوطب بذلك، (إما) أن اجتمعا على الدفع، (وإما) أن اجتمعا على ~~الفداء، (وإما) أن اختلفا، فاختار أحدهما الدفع والآخر الفداء، والحال لا ~~يخلو إما أن يكونا حاضرين وإما أن كان أحدهما غائبا، فإن كانا حاضرين ~~واجتمعا على الدفع ودفعا، فقد سقط دين المرتهن؛ لأن الدفع بمنزلة الهلاك ~~وإن اجتمعا على الفداء، فدى كل واحد منهما بنصف الأرش، وإذا فديا طهرت رقبة ~~العبد عن الجناية ويكون رهنا كما كان، وكان كل واحد منهما متبرعا حتى لا ~~يرجع ms3688 على صاحبه بما فدى؛ لأن كل واحد منهما أدى ما عليه فكان مؤديا عن نفسه ~~لا عن صاحبه، وإن اختلفا فأراد أحدهما الفداء والآخر الدفع، فأيهما اختار ~~الفداء فاختياره أولى. # (أما) المرتهن؛ فلأنه بالفداء يستبقي حق نفسه ولا يسقط حق الراهن، ~~والراهن بالدفع يسقط حق المرتهن فكان اختيار المرتهن أولى وأما الراهن؛ ~~فلأنه يستبقي ملك الرقبة بالفداء والمرتهن باختيار الدفع يريد إسقاط دينه ~~وإبطال ملك الراهن، فلم يكن له في اختيار الدفع نفع بل كان سفها محضا ~~وتعنتا باردا؛ فلا يلتفت إليه، فكان للراهن أن يفدي ثم أيهما اختار الفداء ~~فدى العبد بجميع الأرش ولا يملك الآخر دفعه، ثم ينظر إن كان الذي اختار ~~الدفع هو المرتهن ففدى بجميع الأرش، بقي العبد رهنا كما كان؛ لأنه طهرت ~~رقبته عن الجناية بالفداء فصار كأنه لم يجن، ويرجع المرتهن على الراهن # PageV06P166 # بدينه، وهل يرجع عليه بحصة الأمانة؟ ذكر الكرخي فيه روايتين: في رواية لا ~~يرجع بل يكون متبرعا، وفي رواية يرجع وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي ~~أنه لا يرجع إلا بدينه خاصة، ولم يذكر اختلاف الرواية. # (وجه) الرواية الأولى أنه التزم الفداء باختياره مع قدرته على أن لا ~~يلتزم؛ لأنه لو لم يلتزم لخوطب الراهن فكان متبرعا فيه فلا يملك الرجوع. # (وجه) الرواية الأخرى أن المرتهن يحتاج إلى إصلاح قدر المضمون منه ولا ~~يمكنه ذلك إلا بإصلاح قدر الأمانة، فكان مضطرا فلم يكن متبرعا، وإن كان ~~الذي اختار الفداء هو الراهن ففداه بجميع الأرش، لا يكون متبرعا بل يكون ~~قاضيا بنصف الفداء دين المرتهن، ثم ينظر إن كان نصف الفداء مثل كل الدين ~~سقط الدين كله، وإن كان أقل منه سقط من الدين بقدره ورجع بالفضل على الراهن ~~ويحبسه رهنا به، هذا إذا كانا حاضرين، فأما إذا كان أحدهما حاضرا فليس له ~~ولاية الدفع أيهما كان، سواء كان المرتهن أو الراهن أما المرتهن فلا شك ~~فيه؛ لأنه لا ملك له في العبد أصلا، والدفع تمليك فلا يتصور بدون الملك. # وأما الراهن؛ ms3689 فلأن الدفع إسقاط حق المرتهن وله ولاية الفداء بجميع الأرش، ~~فإن كان الحاضر هو المرتهن ففداه بجميع الأرش، لا يكون متبرعا في نصف ~~الفداء عند أبي حنيفة، وله أن يرجع على الراهن بدينه وبنصف الفداء، لكنه ~~يحبس العبد رهنا بالدين وليس له أن يحبسه رهنا بنصف الفداء بعد قضاء الدين، ~~وعند أبي يوسف ومحمد كان المرتهن متبرعا في نصف الفداء فلا يرجع على الراهن ~~إلا بدينه خاصة، كما لو فداه بحضرة الراهن فهما سويا بين الغيبة والحضرة ~~وجعلاه متبرعا في الحالين جميعا وأبو حنيفة - رضي الله عنه - فرق بين حال ~~الحضرة والغيبة فجعله متبرعا في الحضرة لا في الغيبة، وإن كان الحاضر هو ~~الراهن ففداه بجميع الأرش لا يكون متبرعا في نصف الفداء بالإجماع بل يكون ~~قاضيا بنصف الفداء دين المرتهن، كما لو فداه الراهن بحضرة المرتهن وجه ~~قولهما أن المرتهن فدى ملك الغير بغير إذنه فكان متبرعا، كما لو فداه ~~أجنبي؛ ولهذا كان متبرعا في حالة الحضرة كما في الغيبة، ولأبي حنيفة - رضي ~~الله عنه - أنه في حال الحضرة التزم الفداء باختياره مع إمكان خطاب الراهن ~~فكان متبرعا، والخطاب لا يمكن حالة الغيبة وهو محتاج إلى إصلاح قدر ~~المضمون، ولا يمكنه ذلك إلا بإصلاح قدر الأمانة فكان مضطرا فلم يكن متبرعا ~~هذا الذي ذكرنا حكم جناية الرهن. # (فأما) حكم جناية ولد الرهن بأن قتل إنسانا خطأ فحكمه أنه لا فداء على ~~المرتهن ويخاطب المولى بالدفع أو الفداء، أما عدم وجوب الفداء على المرتهن؛ ~~فلأن خطابه بفداء الرهن مع أنه ليس ملكه لحصول الجناية من الرهن في ضمانه، ~~ولم يوجد في الولد لأنه ليس بمضمون أنه لو هلك يهلك بغير شيء. # وأما خطاب المولى بالدفع أو الفداء؛ فلأن الملك له فإن دفعه خرج الولد عن ~~الرهن ولم يسقط شيء من الدين، أما خروجه عن الرهن فلزوال ملك الراهن عنه ~~فيخرج عن الرهن كما لو هلك. # وأما عدم سقوط شيء من الدين؛ فلأن الولد غير مضمون بالهلاك بخلاف الأم ~~وإن فدى ms3690 فهو رهن مع أنه على حاله، فإن اختار الراهن الدفع، فقال له ~~المرتهن: أنا أفدي فله ذلك؛ لأن الولد مرهون وإن لم يكن مضمونا، ألا ترى أن ~~الحكم الأصلي للرهن ثابت فيه وهو حق الحبس، فكان الفداء منه إصلاحا للرهن ~~فكان له ذلك هذا إذا جنى الرهن على أجنبي، فأما إذا جنى على الراهن أو على ~~المرتهن أما جنايته على نفس المرتهن جناية موجبة للمال أو على ماله فهدر؛ ~~لأن العبد ملكه، والمولى لا يجب له على عبده دين بخلاف جناية العبد المغصوب ~~على المغصوب منه أو على ماله، على أصل أبي حنيفة - رحمه الله - أنها ~~معتبرة؛ لأن المضمونات تملك عند أداء الضمان من وقت الغصب، فتبين أن تلك ~~الجناية لم تكن جناية العبد على مولاه وأما جنايته على نفس المرتهن فهدر ~~عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد معتبرة، يدفع أو يفدى إن رضي به ~~المرتهن ويبطل الدين، وإن قال المرتهن: لا أطلب الجناية؛ لما في الدفع أو ~~الفداء من سقوط حقي، فله ذلك وبطلت الجناية والعبد رهن على حاله. # هكذا أطلق الكرخي، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي وفصل فقال: إن كان ~~العبد كله مضمونا بالدين فهو على الاختلاف، وإن كان بعضه مضمونا وبعضه ~~أمانة فجنايته معتبرة بالاتفاق، فيقال للراهن: إن شئت فادفع، وإن شئت فافده ~~فإن دفعه وقبل المرتهن، بطل الدين كله وصار العبد كله للراهن، وإن اختار ~~الفداء فنصف الفداء على الراهن ونصفه على المرتهن فما # PageV06P167 # كان حصة المرتهن يبطل وما كان حصة الراهن يفدى، والعبد رهن على حاله، ~~واختلافهم في جناية الرهن على المرتهن نظير اختلافهم في جنايته عند الغصب ~~على الغاصب أنها هدر عند أبي حنيفة، وعندهما معتبرة. # (وجه) قولهما أن هذه جناية وردت على غير المالك فكانت معتبرة، كما إذا ~~وردت على أجنبي، وهذا لأن الأصل في الجنايات اعتبارها، وسقوط الاعتبار ~~لمكان عدم الفائدة وهنا في اعتبار هذه الجناية فائدة؛ لأن موجبها الدفع وله ~~فيه فائدة وهو الوصول إلى ملك العبد وإن كان ms3691 فيه سقوط دينه، ولأبي حنيفة أن ~~هذه الجناية وردت على غير المالك لكنها وجدت في ضمان المرتهن، فورودها على ~~غير المالك إن كان يقتضي أن تكون معتبرة، فوجودها في ضمان المرتهن يقتضي أن ~~لا تعتبر؛ لأنها توجب الفداء عليه وذلك غير ممكن؛ لما فيه من إيجاب الضمان ~~عليه له وإنه محال، فوقع الشك والاحتمال في اعتبارها فلا تعتبر. # هذا إذا جنى على نفس المرتهن، فأما إذا جنى على ماله فإن كانت قيمته ~~والدين سواء وليس في قيمته فضل فجنايته هدر بالإجماع؛ لأنه لا فائدة في ~~اعتبار هذه الجناية، إذ ليس حكمها وجوب الدفع إلى المرتهن ليملكه بل تعلق ~~الدين برقبته، فلو بيع وأخذ ثمنه؛ لسقط دينه فلم يكن في اعتبار هذه الجناية ~~فائدة فلا تعتبر، وإن كانت قيمته أكثر من الدين، فعن أبي حنيفة - رحمه الله ~~- روايتان: في رواية تعتبر الجناية في قدر الأمانة، وفي رواية لا يثبت حكم ~~الجناية أصلا وجه الرواية الأولى أن المانع من الاعتبار كون العبد في ضمان ~~المرتهن، وقدر الأمانة وهو الفضل على الدين ليس في ضمانه، فأمكن اعتبار ~~الجناية في ذلك القدر فلزم اعتبارها وجه الرواية الأخرى أن ذلك القدر وإن ~~لم يكن مضمونا فهو في حكم المضمون؛ لثبوت حكم الرهن فيه وهو الحبس فيمنع ~~الاعتبار وأما جناية الرهن على ابن الراهن أو على ابن المرتهن فلا شك أنها ~~معتبرة؛ لأن المانع من الاعتبار في حق الراهن هو كون العبد مملوكا له، وفي ~~حق المرتهن كونه في ضمانه ولم يوجد شيء من ذلك هنا فكانت جنايته عليه وعلى ~~الأجنبي سواء هذا الذي ذكرنا حكم جناية الرهن على بني آدم. # وأما حكم جنايته على سائر الأموال، بأن استهلك مالا يستغرق رقبته فحكمها، ~~وحكم جناية غير الرهن سواء، وهو تعلق الدين برقبته يباع فيه، إلا إذا قضى ~~الراهن أو المرتهن دينه، فإذا قضاه أحدهما فالحكم فيه والحكم فيما ذكر من ~~الفداء من جنايته على بني آدم سواء، وهو أنه إن قضى المرتهن الدين، بقي ~~دينه وبقي ms3692 العبد رهنا على حاله؛ لأنه بالفداء استفرغ رقبة العبد عن الدين ~~واستصفاها عنه فيبقى العبد رهنا بدينه، كما كان لو فداه عن الجناية، وإن ~~أبى المرتهن أن يقضي وقضاه الراهن، بطل دين المرتهن؛ لما ذكرنا في الفداء ~~من الجناية، فإن امتنعا عن قضاء دينه، يباع العبد بالدين ويقضى دين الغريم ~~من ثمنه؛ لأن دين العبد مقدم على حق المرتهن. # ألا ترى أنه مقدم على حق المولى، فعلى حق المرتهن أولى؛ لأنه دونه، ثم ~~إذا بيع العبد وقضي دين الغريم من ثمنه فثمنه لا يخلو إما أن يكون فيه وفاء ~~بدين الغريم، وإما أن لم يكن فيه وفاء به فإن كان فيه وفاء بدينه، فدينه لا ~~يخلو إما أن يكون مثل دين المرتهن وإما أن يكون أكثر منه وإما أن يكون أقل ~~منه، فإن كان مثله أو أكثر منه سقط دين المرتهن كله؛ لأن العبد زال عن ملك ~~الراهن بسبب وجد في ضمان المرتهن فصار كأنه هلك، وما فضل من ثمن العبد يكون ~~للراهن؛ لأنه بدل ملكه لا حق لأحد فيه فيكون له خاصة، وإن كان أقل منه سقط ~~من دين المرتهن بقدره، وما فضل من ثمن العبد يكون رهنا عند المرتهن بما ~~بقي؛ لأنه لا دين فيه فيبقى رهنا، ثم إن كان الدين قد حل أخذه بدينه إن كان ~~من جنس حقه، وإن كان من خلاف جنس حقه أمسكه إلى أن يستوفي حقه، وإن كان ~~الدين لم يحل أمسكه بما بقي من دينه إلى أن يحل هذا إذا كان كل العبد ~~مضمونا بالدين، فأما إذا كان نصفه مضمونا ونصفه أمانة، لا يصرف الفاضل كله ~~إلى المرتهن بل يصرف نصفه إلى المرتهن ونصفه إلى الراهن؛ لأن قدر الأمانة ~~لا دين فيه، فيصرف ذلك إلى الراهن. # وكذلك إن كان قدر المضمون منه والأمانة على التفاضل، يصرف الفضل إليهما ~~على قدر تفاوت المضمون والأمانة في ذلك؛ لما قلنا لم يكن في ثمن العبد وفاء ~~بدين الغريم أخذ الغريم ثمنه وما بقي من دينه ms3693 يتأخر إلى ما بعد العتاق ولا ~~يرجع به على أحد؛ لأنه لم يوجد سبب وجوب الضمان من أحد، إنما وجد منه ~~وحكمه: تعلق الدين برقبته واستيفاء الدين منها، فإذا لم تف رقبته بالدين، ~~يتأخر ما بقي إلى ما بعد العتق، وإذا أعتق وأدى الباقي، لا يرجع بما أدى # PageV06P168 # على أحد؛ لأنه وجب عليه بفعله فلا يرجع على غيره. # وكذلك حكم جناية ولد الرهن على سائر الأموال وحكم جناية الأم سواء، في ~~أنه يتعلق الدين برقبته كما في الأم، إلا أن هنا لا يخاطب المرتهن بقضاء ~~دين الغريم؛ لأن سبب وجوب الدين لم يوجد في ضمان المرتهن؛ ولأن الولد ليس ~~بمضمون بخلاف الأم، بل يخاطب الراهن بين أن يبيع الولد بالدين وبين أن ~~يستخلفه بقضاء الدين، فإن قضى الدين، بقي الولد رهنا كما كان، وإن بيع ~~بالدين، لا يسقط شيء من دين المرتهن؛ لأنه ليس بمضمون، بخلاف الأم هذا الذي ~~ذكرنا حكم جناية غير الرهن على الرهن وحكم جناية الرهن على غير الرهن. # فأما حكم جناية الرهن على الرهن فنقول وبالله التوفيق: جناية الرهن على ~~الرهن نوعان: جناية على الرهن نفسه، وجناية على جنسه. # أما جنايته على نفسه: فهي والهلاك بآفة سماوية سواء، ثم ينظر إن كان ~~العبد كله مضمونا، سقط من الدين بقدر النقصان، وإن كان بعضه مضمونا وبعضه ~~أمانة، سقط من الدين قدر ما انتقص من المضمون لا من الأمانة وأما جناية ~~الرهن على نفسه فعلى ضربين أيضا: جناية بني آدم على جنسه، وجناية البهيمة ~~على جنسها وعلى غير جنسها. # أما جناية بني آدم على جنسه: بأن كان الرهن عبدين فجنى أحدهما على صاحبه ~~فالعبدان لا يخلو أما إن كانا رهنا في صفقة واحدة، وإما إن كانا رهنا في ~~صفقتين فإن كانا رهنا في صفقة واحدة فجنى أحدهما على صاحبه، فجنايته لا ~~تخلو من أربعة أقسام: جناية المشغول على المشغول وجناية المشغول على الفارغ ~~وجناية الفارغ على الفارغ وجناية الفارغ على المشغول، والكل هدر إلا واحدة: ~~وهي جناية الفارغ ms3694 على المشغول، فإنها معتبرة، ويتحول ما في المشغول من ~~الدين إلى الفارغ، ويكون رهنا مكانه. # أما جناية المشغول على المشغول؛ فلأنها لو اعتبرت إما أن تعتبر لحق ~~المولى أعني الراهن، وإما أن تعتبر لحق المرتهن والاعتبار لحق الرهن لا ~~سبيل إليه في الفصول كلها؛ لأن كل واحد منهما ملكه، وجناية المملوك على ~~المملوك ساقطة الاعتبار لحق المالك؛ لأن اعتبارها في حقه لوجوب الدفع عليه ~~أو الفداء له، وإيجاب شيء على الإنسان لنفسه ممتنع؛ ولهذا لا يجب للمولى ~~على عبده دين، ولا سبيل إلى اعتبار جناية المشغول على المشغول لحق المرتهن؛ ~~لأن الاعتبار لحقه يحول ما في المجني عليه من الدين إلى الجاني، والجاني ~~مشغول بدين نفسه، والمشغول بنفسه لا يشتغل بغيره. # وكذلك جناية المشغول على الفارغ؛ لما قلنا. # وأما جناية الفارغ على الفارغ؛ فلأنه لا دين للفارغ ليتحول إلى الجاني ~~فلا يفيد اعتبارها في حقه. # وأما جناية الفارغ على المشغول فممكن الاعتبار لحق يتحول ما فيه من الدين ~~إلى الفارغ، وبيان هذه الجملة في مسائل: إذا كان الدين ألفين والرهن عبدين، ~~يساوي كل واحد منهما ألفا فقتل أحدهما صاحبه أو جنى عليه جناية فيما دون ~~النفس مما قل أرشها أو كثر فجنايته هدر ويسقط الدين الذي كان في المجني ~~عليه بقدره، ولا يتحول قدر ما سقط إلى الجاني؛ لأن كل واحد منهما مشغول كله ~~بالدين وجناية المشغول على المشغول هدر فجعل كأن المجني عليه هلك بآفة ~~سماوية ولو كان الدين ألفا فقتل أحدهما صاحبه، فلا دفع ولا فداء، وكان ~~القاتل رهنا بسبعمائة وخمسين؛ لأن في كل واحد منهما من الدين خمسمائة، فكان ~~نصف كل واحد منهما فارغا ونصفه مشغولا، فإذا قتل أحدهما صاحبه، فقد جنى كل ~~واحد من نصفي القاتل على النصف المشغول والنصف الفارغ من المجني عليه. # وجناية قدر المشغول على المشغول وقدر المشغول على الفارغ وقدر الفارغ على ~~الفارغ هدر؛ لما بينا، فيسقط ما كان فيه شيء من الدين ولا يتحول إلى ~~الجاني، وجناية قدر الفارغ على قدر ms3695 المشغول معتبرة، فيتحول قدر ما كان فيه ~~إلى الجاني، وذلك مائتان وخمسون، وقد كان في الجاني خمسمائة فيبقى رهنا ~~بسبعمائة وخمسين. # ولو فقأ أحدهما عين صاحبه، تحول نصف ما كان من الدين في العين إلى الباقي ~~فيصير الباقي رهنا بستمائة وخمسة وعشرين، وبقي المفقوء عينه رهنا بمائتين ~~وخمسين؛ لأن العبد الفاقئ جنى على نصف العبد الآخر؛ لأن العين من الآدمي ~~نصفه، إلا أن ذلك النصف نصفه مشغول بالدين ونصفه فارغ من الدين، والفاقئ ~~جنى على النصف المشغول والفارغ جميعا، والفاقئ نصفه مشغول ونصفه فارغ إلا ~~أن جناية المشغول على قدر المشغول والفارغ، وجناية الفارغ على قدر الفارغ ~~والمشغول، فقدر جناية الفارغ على قدر المشغول معتبرة فيتحول قدر ما كان في ~~المشغول من الدين إلى الفاقئ، وذلك مائة وخمسة # PageV06P169 # وعشرون، وقد كان في الفاقئ خمسمائة فيصير الفاقئ رهنا بستمائة وخمسة ~~وعشرين، ويبقى المفقوء عينه رهنا بمائتين وخمسين؛ لانعدام ورود الجناية على ~~ذلك النصف والله عز وجل أعلم. # وإن كان العبدان رهنا في صفقتين فإن كان فيهما فضل على الدين، بأن كان ~~الدين ألفا وقدر كل واحد منهما ألفا فقتل أحدهما الآخر تعتبر الجناية رهنا ~~بخلاف الفصل الأول؛ لأن الصفقة إذا تفرقت، صارت بمنزلة ما لو رهن كل واحد ~~منهما رجلا على حدة، فجنى أحدهما على الآخر وهناك يثبت حكم الجناية كذا ~~ههنا بخلاف ما إذا اتحدت الصفقة وإذا اعتبرت الجناية هنا، يخير الراهن ~~والمرتهن فإن شاءا جعلا القاتل مكان المقتول فيبطل ما كان في القتل من ~~الدين، وإن شاءا فديا القاتل بقيمة المقتول ويكون رهنا مكان المقتول، ~~والقاتل رهن على حاله وإن لم يكن فيهما فضل على الدين بأن كان الدين ألفين ~~وقيمة كل واحد منهما ألفا، فقتل أحدهما الآخر فإن دفعاه في الجناية، قام ~~المدفوع مقام المقتول ويبطل الدين الذي كان في القاتل، وإن قالا: نفدي، ~~فالفداء كله على المرتهن، بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك كل واحد منهما ليس ~~بمضمون كله بل بعضه، وهنا كل واحد منهما مضمون كله، فإذا ms3696 حل الدين دفع ~~الراهن ألفا وأخذ عبده، وكانت الألف الأخرى قصاصا بهذه الألف إذا كان مثله. # ولو فقأ أحدهما عين الآخر، قيل لهما: ادفعاه أو افدياه، فإن دفعاه بطل ما ~~كان فيه من الدين، وإن فدياه كان الفداء عليهما نصفين وكان الفداء رهنا مع ~~المفقوء عينه؛ لأن الجناية معتبرة؛ لما ذكرنا، فصار كعبد الرهن إذا جنى على ~~عبد أجنبي فإن قال المرتهن: أنا لا أفدي ولكني أدع الرهن على حاله فله ذلك، ~~وكان الفاقئ رهنا مكانه على حاله، وقد ذهب نصف ما كان في المفقوء من الدين؛ ~~لأن اعتبار الجناية إنما كان لحق المرتهن لا لحق الراهن، فإذا رضي المرتهن ~~بهدر الجناية، صار هدرا. # وإن قال الراهن: أنا أفدي، وقال المرتهن: لا أفدي، كان للراهن أن يفديه، ~~وهذا إذا طلب المرتهن حكم الجناية؛ لأنه إذا طلب حكم الجناية فحكمها ~~التخيير وإن أبى الراهن الفداء وقال المرتهن: أنا أفدي والراهن حاضر أو ~~غائب، فهو على ما بينا في العبد الواحد. # (وأما) جناية البهيمة على جنسها: فهي هدر؛ لما روي عن النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - أنه قال: «جرح العجماء جبار» أي هدر، والعجماء: البهيمة، ~~والجناية إذا هدرت، سقط اعتبارها وصار الهلاك بها والهلاك بآفة سماوية ~~سواء، وكذلك جنايتها على خلاف جنسها هدر؛ لعموم الحديث وأما جناية بني آدم ~~عليها فحكمها وحكم جنايته على سائر الأموال سواء، وقد بينا ذلك. ### | [فصل في بيان ما يخرج به المرهون عن كونه مرهونا ويبطل به عقد الرهن] # (فصل) : # وأما بيان ما يخرج به المرهون عن كونه مرهونا ويبطل به عقد الرهن، وما لا ~~يخرج ولا يبطل فنقول وبالله التوفيق: يخرج المرهون عن كونه مرهونا ويبطل ~~الرهن بالإقالة؛ لأنها فسخ العقد ونقضه، والشيء لا يبقى مع ما ينقضه، إلا ~~أنه لا يبطله بنفس الإقالة من العاقدين ما لم يرد المرتهن الرهن على الراهن ~~بعد الإقالة، حتى كان للمرتهن حبسه بعد الإقالة؛ لأن العقد لا ينعقد في ~~الحكم بدون القبض فلا يتم فسخه بدون فسخه، أيضا وفسخه بالرد، ms3697 وعلى هذا يخرج ~~ما إذا رهن عبدا يساوي ألفا بألف فقبضه المرتهن، ثم جاء الراهن بجارية وقال ~~للمرتهن: خذها مكان الأولى ورد العبد إلي لا شك أن هذا جائز؛ لأن هذا إقالة ~~العقد في الأول وإنشاء العقد في الثاني وهما يملكان ذلك، إلا أنه لا يخرج ~~الأول عن ضمان الرهن إلا بالرد على الراهن، حتى لو هلك في يده قبل الرد، ~~يهلك بالدين؛ لما ذكرنا أن القبض في هذا الباب يجري مجرى الركن، حتى لا ~~يثبت الضمان بدونه فلا يتم الفسخ بدون نقض القبض، وكذا لا يدخل الثاني في ~~الضمان إلا برد الأول، حتى لو هلك الثاني في يده قبل رد الأول ويهلك أمانة؛ ~~لأن الراهن لم يرض برهنيتهما على الجميع وإنما رضي برهن أحدهما، حيث رهن ~~الثاني وطلب رد الأول، والأول كان مضمونا بالقبض فما لم يخرج عن كونه ~~مضمونا ببعض القبض فيه؛ لا يدخل الثاني في الضمان. # ولو هلكا جميعا في يد المرتهن فسقط الدين بهلاك العبد، وهلكت الجارية ~~بغير شيء؛ لأنها أمانة هلكت في يده فتهلك هلاك الأمانات ولو قبض الراهن ~~العبد وسلم الجارية، خرج عن الضمان؛ لأنه خرج عن كونه مرهونا وصارت الجارية ~~مضمونة حتى لو هلكت، تهلك بالدين؛ لأنه رهنها بالدين الذي كان العبد مرهونا ~~به، والعبد كان مضمونا بذلك الدين فكذا الجارية، فإن كانت قيمة العبد ~~خمسمائة وهو رهن بألف وقيمة # PageV06P170 # الجارية ألف فهلكت تهلك بالألف؛ لأنه رهن الجارية بعقد على حدة فكانت ~~رهنا ابتداء، إلا أن شرط كونه مضمونا رد الأول؛ لأنه لم يرض برهنهما جميعا ~~إلا أن يكون الثاني بدل الأول، بل هو مقصود بنفسه في كونه رهنا، فكان ~~المضمون قدر قيمته لا قدر قيمة الأول. # ولو كان العبد يساوي ألفا والجارية تساوي خمسمائة، فرد العبد على الراهن ~~وقبض الجارية فهي رهن بالألف، ولكنها إن هلكت تهلك بخمسمائة؛ لما ذكرنا أن ~~الثاني أصل بنفسه لكونه مرهونا بعقد على حدة، فيعتبر في الضمان قدر قيمته ~~ولا يخرج باستيفاء الدين، حتى لو هلك في ms3698 يد المرتهن بعد ما استوفى دينه ~~فعليه رد ما استوفى، ويخرج بالإبراء عن الدين عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم ~~الله - ويبطل الرهن خلافا لزفر، والمسألة مرت في مواضع أخر من هذا الكتاب، ~~ولا يخرج بالإعارة ويخرج بالإجارة بأن أجره الراهن من أجنبي بإذن المرتهن، ~~أو المرتهن بإذن الراهن، أو استأجره المرتهن، ويبطل الرهن، وقد ذكرنا الفرق ~~بينهما فيما تقدم ويخرج بالكتابة والهبة والصدقة، إذا فعل أحدهما بإذن ~~صاحبه ويخرج بالبيع بأن باعه الراهن أو المرتهن بإذن الراهن أو باعه العدل؛ ~~لأن ملك المرهون قد زال بالبيع ولكن لا يبطل الرهن؛ لأنه زال إلى خلف وهو ~~الثمن فبقي العقد عليه، وكذا في كل موضع خرج واختلف بدلا، ويخرج بالإعتاق ~~إذا كان المعتق موسرا بالإنفاق، وإن كان معسرا فكذلك عندنا، وعند الشافعي - ~~رحمه الله - لا يخرج؛ بناء على أن الإعتاق نافذ عندنا، وعنده لا ينفذ. # (وجه) قوله أن هذا إعتاق تضمن إبطال حق المرتهن، ولا شك أنه تضمن إبطال ~~حقه؛ لأن حقه متعلق بالرهن ويبطل بالإعتاق، وعصمة حقه تمنع من الإبطال؛ ~~ولهذا لا ينفذ البيع كذا الإعتاق، بخلاف ما إذا كان الراهن موسرا؛ لأن هناك ~~لم يوجد الإبطال؛ لأنه يمكنه الوصول إلى دينه للحال من جهة الراهن. # (ولنا) أن إعتاقه صادف موقوفا هو مملوكه رقبة فينفذ كإعتاقه الآبق ~~والمستأجر، ودلالة الوصف ظاهر؛ لأن المرهون مملوك للراهن عينا ورقبة إن لم ~~يكن مملوكا يدا وحبسا، وملك الرقبة يكفي لنفاذ الإعتاق، كما في إعتاق العبد ~~المستأجر والآبق، وقوله يبطل حق المرتهن قلنا: نعم، لكن ضرورة بطلان ملك ~~الراهن، وذا لا يمنع النفاذ كما في موضع الإجماع، مع أن الثابت للراهن ~~حقيقة الملك، والثابت للمرتهن حق الحبس، ولا شك أن اعتبار الحقيقة أولى؛ ~~لأنها أقوى بخلاف البيع؛ لأن نفاذه يعتمد قيام ملك الرقبة واليد جميعا؛ لأن ~~القدرة على تسليم المبيع شرط نفاذه ولم يوجد في المرهون؛ لأنه في يد ~~المرتهن، فإذا نفذ إعتاقه خرج العبد عن أن يكون مرهونا؛ لأنه صار حرا من كل ~~وجه، والحر ms3699 من وجه وهو المدبر لا يصلح للرهن فالحر من كل وجه أولى، ولهذا ~~لم يصلح رهنا في حالة الابتداء فكذا في حالة البقاء، ثم ينظر إن كان الراهن ~~موسرا والدين حال، يجبر الراهن على قضائه؛ لأنه لا معنى لإيجاب الضمان، ~~وكذلك إن كان الدين مؤجلا وقد حل الأجل وإن كان لم يحل، غرم الراهن قيمة ~~العبد وأخذه المرتهن رضا مكانه ولا سعاية على العبد، أما وجوب الضمان على ~~الراهن؛ فلأنه أبطل على المرتهن حقه حقا قويا، هو في معنى الملك أو هو ملكه ~~من وجه لصيرورته مستوفيا دينه من ماليته من وجه؛ فجاز أن يكون مضمونا ~~بالإتلاف. # وأما كونه رهنا؛ فلأنه بدل العبد، وفي الحقيقة بدل ماليته فيقوم مقامه ~~وإذا حل الأجل، ينظر إن كانت القيمة من جنس الدين يستوفى منها دينه، فإن ~~كانت قيمته أكثر من الدين رد الفضل على الراهن، وإن كانت قيمته أقل من ~~الدين يرجع بفضل الدين على الراهن، وإن كانت قيمته من خلاف جنس الدين، ~~حبسها بالدين حتى يستوفي دينه. # (وأما) عدم وجوب السعاية على العبد؛ فلأنه لم يوجد منه بسبب وجوب الضمان ~~وهو الإتلاف؛ لأن الإتلاف وجد من الراهن لا من العبد، ومؤاخذة الإنسان ~~بالضمان من غير مباشرة سبب منه خلاف الأصل، وكذلك لو كان الراهن موسرا وقت ~~الإعتاق ثم أعسر بعد ذلك؛ لأن العبرة لوقت الإعتاق؛ لأنه وقت مباشرة سبب ~~وجوب الضمان، وإن كان معسرا فللمرتهن أن يرجع بدينه على الراهن إن شاء، وإن ~~شاء استسعى العبد في الأقل من قيمته ومن الدين، ويعتبر في العبد أيضا أقل ~~قيمته وقت الرهن ووقت الإعتاق، ويسعى في الأقل منهما ومن الدين، حتى لو كان ~~ألفين وقيمة العبد وقت الرهن ألفا فازدادت قيمته في يد المرتهن حتى صارت ~~تساوي ألفين، ثم أعتقه الراهن وهو معسر سعى العبد في ألف قدر # PageV06P171 # قيمته وقت الرهن ولو انتقصت قيمته حتى صار يساوي خمسمائة، سعى في خمسمائة ~~قدر قيمته وقت الإعتاق. # (أما) اختيار الرجوع على الراهن؛ فلأنه أبطل حقه بالإعتاق. ms3700 # (وأما) ولاية استسعاء العبد؛ فلأن بالرهن صارت مالية هذا العبد مملوكة ~~للمرتهن من وجه؛ لأنه صار مستوفيا لدينه من ماليته، فإذا أعتقه الراهن فقد ~~صارت هذه المالية محتبسة عند العبد، فوصلت إلى العبد بالإتلاف مالية مشغولة ~~بحق المرتهن فكان للمرتهن أن يستخرجها منه، ولا يمكنه ذلك إلا باستسعاء ~~العبد فله أن يستسعيه، بخلاف حالة اليسار؛ لأن الدين في الحقيقة على الراهن ~~وإنما العبد جعل محلا لاستيفاء الدين منه عند تعذر الاستيفاء من الراهن على ~~ما هو موضوع الرهن في الشرع أن الراهن يؤمر بقضاء الدين وعند التعذر يستوفى ~~من الرهن، كما قبل الإعتاق والتعذر عند إعسار الراهن لا عند يساره، فيسعى ~~في حال الإعسار لا في حال اليسار، وبخلاف العبد المشترى قبل القبض إذا ~~أعتقه المشتري وهو مفلس، لا يكون للبائع ولاية استسعاء العبد بقدر الثمن، ~~وإن كان محبوسا قبل التسليم بالثمن، كالمرهون محبوس بالدين؛ لأن العبد بنفس ~~البيع خرج عن ملك البائع من كل وجه فلم يوجد احتباس مالية مملوكة للبائع ~~عند العبد، وإنما للبائع مجرد حق الحبس، فإذا خرج عن محلية الحبس بالإعتاق، ~~بطل حق الحبس أصلا وبقي حقه في مطالبة المشتري بالثمن فحسب، أما ههنا ~~فبخلافه. # (وأما) السعاية في الأقل من قيمته ومن الدين؛ فلما ذكرنا أن الاستسعاء ~~لمكان ضرورة المالية المملوكة للمرتهن من وجه محتبسة عند العبد، فتقدر ~~السعاية بقدر الاحتباس، ثم إذا سعى العبد، يرجع بما سعى على الراهن؛ لأنه ~~قضى دين الراهن من خالص ملكه على وجه الاضطرار؛ لأن الشرع أوجب عليه ~~السعاية والقاضي ألزمه، ومن قضى دين غيره مضطرا من مال نفسه لا يكون متبرعا ~~ويرجع عليه، كالوارث إذا قضى دين الميت من مال نفسه، أنه يرجع على التركة ~~كذا هذا، فإن بقي بعد السعاية شيء من الدين، رجع المرتهن بذلك على الراهن ~~ولو نقص العبد في السعر قبل الإعتاق بأن كان الدين ألفا وقيمة العبد وقت ~~الرهن ألفا، فنقص في السعر حتى عادت قيمته إلى خمسمائة، ثم أعتقه الراهن ~~وهو معسر سعى ms3701 في قدر قيمته وقت الإعتاق وهو خمسمائة، فللمرتهن أن يرجع على ~~الراهن بخمسمائة أخرى؛ لأنه لم يصل إليه من حقه إلا قدر خمسمائة فله أن ~~يرجع عليه بالباقي ولو لم ينقص العبد في السعر ولكنه قتله عبد يساوي مائة ~~درهم فدفع مكانه، فأعتقه الراهن وهو معسر يسعى في قيمته مائة درهم ويرجع ~~بذلك على الراهن، ويرجع المرتهن على الراهن بتسعمائة؛ لأنه لما دفع به فقد ~~قام مقام الأول لحما ودما فصار رهنا بجميع المال، كأن الأول قائم وتراجع ~~سعره إلى مائة؛، فأعتقه الراهن وهو معسر. # ولو كان كذلك لسعى في قيمته وقت الإعتاق مائة درهم ويرجع بذلك على ~~الراهن، وكان للمرتهن أن يرجع ببقية دينه على الراهن كذا هذا. # ولو كان الرهن جارية تساوي ألفا بألف فولدت ولدا يساوي ألفا، فأعتقها ~~المولى وهو معسر سعيا في ألف؛ لأن الضمان فيهما ألف. # ولو لم تلد ولكن قتلها عبد قيمته ألفان فدفع بها ثم أعتقه المولى سعى في ~~ألف درهم؛ لأنه كان مضمونا بهذا القدر لقيامه مقام المقتولة لحما ودما، وهي ~~كانت مضمونة بهذا القدر كذا هذا. # ولو قال المولى لعبده: رهنتك عند فلان، وكذبه العبد، ثم أعتقه المولى وهو ~~معسر فالقول قول المولى، ولزمه السعاية عند أصحابنا الثلاثة - رضي الله ~~عنهم -، وقال زفر - رحمه الله -: القول قول العبد ولا سعاية عليه. # (وجه) قوله أن المولى بهذا الإقرار يريد إلزام السعاية على العبد، وقوله ~~" في إلزام السعاية عليه " غير مقبول، كما لو أقر عليه بذلك بعد الإعتاق. # (ولنا) أنه أقر بما يملك إنشاءه عليه للحال لثبوت الولاية له عليه للحال؛ ~~لوجود سبب الولاية وهو الملك فيصح ولا يلتفت إلى تكذيب العبد، بخلاف ما بعد ~~الإعتاق؛ لأنه هناك أقر بما لا يملك للحال إنشاءه لزوال ملك الولاية ~~بالإعتاق هذا إذا أعتقه، فأما إذا دبره فيجوز تدبيره ويخرج عن كونه رهنا، ~~أما جواز التدبير؛ فلأنه يقف على قيام ملك الرقبة لجواز الإعتاق، وملك ~~الرقبة قائم بعد الرهن. # (وأما) خروجه عن الرهن؛ فلأن المدبر لا ms3702 يصلح رهنا؛ لأن كون المرهون مالا ~~مطلقا شرط جواز الرهن على ما بينا فيما تقدم وبالتدبير خرج من أن يكون مالا ~~مطلقا فيخرج عن كونه رهنا؛ ولهذا لم يصلح رهنا ابتداء فكذا في حالة البقاء ~~وهل يسعى للمرتهن؟ لا خلاف في أن الراهن إذا كان معسرا يسعى. # (وأما) إذا كان موسرا، ذكر الكرخي # PageV06P172 # - رحمه الله - أنه يسعى، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه لا يسعى، ~~وسوى بين المرتهن وبين الإعتاق، وهو أن الدين إن كان حالا، أخذ المرتهن ~~جميع دينه من الراهن، وإن كان مؤجلا، أخذ قيمة العبد من الراهن ويكون رهنا ~~مكانه، كما في الإعتاق. # (وجه) ما ذكره الكرخي أن الدين على المولى، وكسب المدبر ملك المولى؛ لأنه ~~بالتدبير لم يخرج عن ملك المولى، فكانت سعاية مال المولى، فكان صرف السعاية ~~إلى المرتهن قضاء دين المولى من مال المولى، فيستوي فيه حال الإعسار ~~واليسار بخلاف كسب المعتق؛ لأنه كسب الحر من كل وجه وكسب الحر من كل وجه ~~ملكه فكانت السعاية ملكه، والأصل أن لا يؤمر الإنسان بقضاء دين غيره من مال ~~نفسه؛ إلا عند العجر عن القضاء بنفسه فيتقيد بحال العجز وهي حالة الإعسار. # (وجه) ما ذكره القاضي أن السعاية وإن كانت ملك المولى لكن لا صنع للعبد ~~في الكتابة بسبب وجوبها، إذ لا صنع له في التدبير بل هو فعل المولى، ومهما ~~أمكن إيجاب الضمان على من وجد منه مباشرة بسبب وجوبه كان أولى من إيجابه ~~على من لا صنع فيه أصلا ورأسا، فإذا كان المولى معسرا كان الإمكان ثابتا ~~فلا معنى لإيجاب السعاية على العبد، ثم إذا سعى في حالة الإعسار يسعى في ~~جميع الدين بالغا ما بلغ؛ لأن السعاية مال المولى، فكان الاستسعاء من ~~المرتهن استيفاء الدين من مال المولى، فكان له أن يستوفيه بتمامه سواء كان ~~الدين حالا أو مؤجلا؛ لما قلنا وقيل: إن كان الدين حالا فكذلك، فأما إذا ~~كان مؤجلا فلا يسعى إلا في قدر قيمته ويكون رهنا مكانه، وهكذا ذكر ms3703 القاضي ~~في شرحه مختصر الطحاوي (ووجه) الفرق على هذا القول أن الدين إذا كان حالا، ~~كان واجب القضاء للحال على سبيل التضييق، وهذا مال المولى فيقضى منه دينه ~~على الكمال، وإذا كان مؤجلا، لا يجب قضاؤه للحال أصلا ولا يجب على سبيل ~~التضييق، إلا أن الراهن بالتدبير فوت حق المرتهن؛ فتجب إعادة حقه إليه بعوض ~~يقوم مقامه جبرا للفائت، فيتقدر الجائز بقدر الفائت فيستسعيه بقدر قيمته ~~ويكون رهنا مكانه، ولا يرجع المدبر بما يسعى على الراهن بخلاف المعتق فوقع ~~الفرق بين التدبير والإعتاق في موضعين: (أحدهما) أن المدبر يسعى في جميع ~~الدين بالغا ما بلغ ولا ينظر إلى القيمة، والمعتق يسعى في الأقل من قيمته ~~ومن الدين والثاني أن المدبر لا يرجع بما يسعى على المولى، والمعتق يرجع، ~~والفرق بينهما يرجع إلى حرف واحد وهو أن سعاية المدبر ملك مولاه؛ لكون ~~المدبر ملكه؛ إذ الفائت بالتدبير ليس إلا منفعة البيع، فكان الاستسعاء ~~استيفاء الدين من مال المولى، فله أن يستوفيه على التمام والكمال ولا يرجع ~~بما يسعى على المولى؛ لأنه قضى دين المولى من مال المولى فكيف يرجع عليه؟ ~~بخلاف المعتق؛ لأن سعاية ملكه على الخصوص؛ لأنه حر خالص إلا أنه لزمته ~~السعاية لاستخراج ملك المرتهن من وجه المحتبس عنده وهو مال فتتقدر السعاية ~~بقدر الاحتباس، ويرجع بالسعاية على المولى إذا كان معسرا؛ لأنه قضى دينا ~~واجبا عليه من مال نفسه مضطرا فيملك الرجوع في الشرع على ما بينا بخلاف ~~المدبر، والله أعلم وعلى ما ذكره الكرخي - رحمه الله - يقع الفرق بينهما في ~~موضع ثالث أيضا: وهو أن المدبر يسعى مع إيسار المولى، والمعتق لا يسعى مع ~~إيساره وقد بينا وجه ذلك فيما تقدم هذا إذا أعتق أو دبر فأما إذا استولد ~~بأن كان الرهن جارية فحبلت عند المرتهن، فادعاه الراهن، فدعواه لا يخلو إما ~~أن كانت قبل وضع الحمل وإما أن كانت بعده، فإن كانت قبل وضع الحمل، صحت ~~دعوته ويثبت الولد منه، وصارت الجارية أم ولد له وخرجت ms3704 عن الرهن. # (أما) صحة الدعوة؛ فلأن الجارية ملكه من كل وجه، والملك من وجه يكفي لصحة ~~الدعوة، فالملك من كل وجه أولى، وثبوت النسب حكم صحة الدعوة، وصيرورة ~~الجارية أم ولد له حكم ثبوت النسب، وخروج الجارية عن الرهن حكم الاستيلاد ~~وهو صيرورتها أم ولد؛ لأن أم الولد لا تصلح للرهن، ألا ترى أنها لا تصلح ~~رهنا ابتداء، فكذا في حال البقاء ولا سعاية على الولد؛ لأنه صار حرا قبل ~~الولادة، فلم يدخل في الرهن فلا يثبت حكم الرهن فيه. # (وأما) الجارية فحكمها حكم العبد المرهون إذا دبره الراهن وقد بينا ذلك ~~كله وإن كانت الجارية وضعت الحمل ثم ادعى الراهن الولد، صحت دعوته وثبت ~~النسب وصار حرا، وصارت الجارية أم ولد له وخرجت من الرهن؛ لما ذكرنا في ~~الفصل الأول، إلا أن هنا صار الولد حرا بعد ما دخل في الرهن، وصارت له حصة ~~من الرهن فيقسم الدين عليهما على قدر قيمتهما، إلا أن قيمة # PageV06P173 # الجارية تعتبر يوم الرهن، وقيمة الولد تعتبر يوم الدعوة، فيكون حكم ~~الجارية في حصتها من الدين حكم المدبر في جميع الدين وقد ذكرنا ذلك وحكم ~~الولد في حصته من الدين حكم المعتق في جميع ما ذكرنا وقد بينا ذلك إلا أن ~~هناك ينظر إلى ثلاثة أشياء: إلى قيمة العبد وقت الرهن، وإلى قيمته وقت ~~الإعتاق، وإلى الدين، فيسعى في الأقل من الأشياء الثلاثة، وهنا ينظر فقط ~~إلى قيمة الولد وقت الدعوة وإلى حصته من الدين، فيسعى في أقلهما إذا كان ~~الراهن معسرا، ويرجع بما سعى عليه. ### | [فصل في حكم اختلاف الراهن والمرتهن] # (وأما) حكم اختلاف الراهن والمرتهن والعدل فنقول وبالله التوفيق: إذا كان ~~الدين ألف درهم، فاختلف الراهن والمرتهن في قدر المرهون به فقال الراهن: ~~إنه رهن بخمسمائة، وقال المرتهن: بألف فالقول قول الراهن مع يمينه؛ لأن ~~المرتهن يدعي على الراهن زيادة ضمان، وهو ينكر، فكان القول قوله. # ولو أقاما البينة فالبينة بينة المرتهن؛ لأنها تثبت زيادة ضمان. # ولو قال الراهن: رهنته بجميع الدين ms3705 الذي لك علي، وهو ألف والرهن يساوي ~~ألفا، وقال المرتهن ارتهنته بخمسمائة والرهن قائم، فقد روي عن أبي حنيفة أن ~~القول قول الراهن ويتحالفان ويترادان؛ لأنهما اختلفا في قدر ما وقع عليه ~~العقد وهو المرهون به، فأشبه اختلاف البائع والمشتري في مقدار الثمن، وهناك ~~يتحالفان ويترادان كذا هنا، فإن هلك الرهن قبل أن يتحالفا، كان كما قال ~~المرتهن؛ لأن الراهن يدعي عليه زيادة ضمان، وهو ينكر وإن اتفقا على أن ~~الرهن كان بألف واختلفا في قيمة الجارية، فالقول قول المرتهن؛ لأن الراهن ~~يدعي عليه زيادة ضمان، وهو ينكر؛ ولهذا كان القول قول الغاصب في مقدار ~~الضمان فكذا هذا. # ولو أقاما البينة، فالبينة بينة الراهن؛ لأنها تثبت زيادة ضمان، وكذلك لو ~~كان الرهن ثوبين هلك أحدهما فاختلفا في قيمة الهالك أن القول قول المرتهن ~~في قيمة الهالك، والبينة بينة الراهن في زيادة القيمة؛ لما قلنا، وكذلك لو ~~اختلفا في قدر الرهن فقال المرتهن: رهنتني هذين الثوبين بألف درهم، وقال ~~الراهن: رهنت أحدهما بعينه يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه؛ لأنهما ~~اختلفا في قدر المعقود عليه وأنه يوجب التحالف كما في باب البيع. # ولو أقاما البينة فالبينة بينة المرتهن، هكذا ذكر في الأصل؛ لأنها تثبت ~~زيادة ضمان. # ولو قال الراهن للمرتهن: هلك الرهن في يدك، وقال المرتهن: قبضته مني بعد ~~الرهن فهلك في يدك فالقول قول الراهن؛ لأنهما اتفقا على دخوله في الضمان، ~~والمرتهن يدعي البراءة والراهن ينكر، فكان القول قوله. # ولو أقام البينة فالبينة بينته أيضا؛ لأنها تثبت استيفاء الدين وبينة ~~المرتهن تنفي ذلك فالمثبتة أولى # ولو قال المرتهن: هلك في يد الراهن قبل أن أقبضه، فالقول قوله؛ لأن ~~الراهن يدعي دخوله في الضمان، وهو ينكر. # ولو أقاما البينة فالبينة بينة الراهن؛ لأنها تثبت الضمان ولو كان الرهن ~~عبدا فاعور، فاختلفا فقال الراهن: كانت القيمة يوم الرهن ألفا، فذهب ~~بالاعورار النصف خمسمائة، وقال المرتهن: لا، بل كانت قيمته يوم الرهن ~~خمسمائة وإنما ازداد بعد ذلك، فإنما ذهب من حقي الربع ms3706 مائتان وخمسون فالقول ~~قول الراهن؛ لأنه يستدل بالحال على الماضي فكان الظاهر شاهدا له، وإن أقاما ~~البينة فالبينة بينته أيضا؛ لأنها تثبت زيادة ضمان فكانت أولى بالقبول ولو ~~كان الدين مائة والرهن في يد عدل فباعه، فاختلفا فقال الراهن: باعه بمائة، ~~وقال المرتهن: بخمسين ودفع إلي، وصدق العدل الراهن فالقول قول المرتهن مع ~~يمينه؛ لأن المرهون خرج عن كونه مضمونا بنفسه بخروجه عن كونه رهنا بالمبيع، ~~وتحول الضمان إلى الثمن، فالراهن يدعي تحول زيادة ضمان وهو ينكر فكان القول ~~قوله، كما إذا اختلفا في مقدار قيمة الرهن بعد هلاكه. # ولو أقاما البينة فالبينة بينة الراهن؛ لأنها تثبت زيادة ضمان وبينة ~~المرتهن تنفي تلك الزيادة فالمثبتة أولى؛ لأن اتفاقهما على الرهن اتفاق ~~منهما على الدخول في الضمان، فالمرتهن بدعوى البيع يدعي خروجه عن الضمان ~~وتحول الضمان إلى الثمن، والراهن ينكر فكان القول قوله مع يمينه، وكذلك قال ~~أبو حنيفة - رضي الله عنه -: إذا كان الرهن مثل الدين في القيمة، والمرتهن ~~مسلط على بيعه بأن ادعى أنه باعه بمثل الثمن وهو ألف فالقول قوله وإن قال: ~~بعته بتسعمائة، لم يقبل قوله فصار كأنه ضاع، ولا يرجع على الراهن بالنقصان ~~إلى أن تجيء بينته أو يصدقه؛ لما ذكرنا أنه كان مضمونا، فلا يقبل قوله في ~~انتقال الضمان. # وكذلك العدل إذا قال: بعت بتسعمائة، ولا يعلم إلا بقوله لم يكن على العدل ~~إلا تسعمائة # PageV06P174 # ويكون الراهن راهنا بما فيه، ولا يرجع المرتهن على الراهن بالمائة ~~الفاضلة؛ لأن قول العدل مقبول في براءة نفسه، غير مقبول في إسقاط الضمان عن ~~بعض ما تعلق به ولا في الرجوع على الراهن، وذكر في الأصل: إذا كان المرتهن ~~مسلطا على البيع فأقام بينة أنه باعه بتسعة، وأقام الراهن بينة أنه مات في ~~يد المرتهن أخذ ببينة المرتهن. # وقال أبو يوسف: يؤخذ ببينة الراهن. # (وجه) قوله أن بينة الراهن تثبت زيادة ضمان بنفيها بينة المرتهن، فكانت ~~المثبتة أولى. # (وجه) رواية الأصل أن بينة المرتهن تثبت أمرا لم يكن وهو ms3707 تحول الضمان من ~~العين إلى الثمن، وبينة الراهن تقرر ضمانا كان ثابتا قبل الموت، فكانت ~~المثبتة أولى والله تعالى أعلم. ### | [كتاب المزارعة] ### | [معنى المزارعة] # (كتاب المزارعة) # الكلام في هذا الكتاب في مواضع في معنى المزارعة لغة وشرعا، وفي بيان ~~شرعيتها، وفي بيان ركن المزارعة، وفي بيان الشرائط المصححة للركن على قول ~~من يجيز المزارعة، والشرائط المفسدة لها، وفي بيان حكم المزارعة الصحيحة، ~~وفي بيان حكم المزارعة الفاسدة، وفي بيان المعاني التي هي عذر في فسخ ~~المزارعة، وفي بيان الذي ينفسخ به عقد المزارعة بعد وجودها، وفي بيان حكم ~~المزارعة المنفسخة. # (أما) الأول فالمزارعة في اللغة: مفاعلة من الزرع، وهو الإنبات، والإنبات ~~المضاف إلى العبد مباشرة فعل أجرى الله - سبحانه وتعالى - العادة بحصول ~~النبات عقيبه لا بتخليقه وإيجاده، وفي عرف الشرع: عبارة عن العقد على ~~المزارعة ببعض الخارج بشرائطه الموضوعة له شرعا، فإن قيل: المزارعة من باب ~~المفاعلة فيقتضي وجود الفعل من اثنين، كالمقابلة والمضاربة ونحوهما، وفعل ~~الزرع يوجد من العامل دون غيره بدليل أنه يسمى هو مزارعا دون رب الأرض ~~والبذر ومن لا عمل من جهته، فكيف يسمى هذا العقد مزارعة؟ فالجواب عنه من ~~وجهين: أحدهما: أن المفاعلة جاز أن تستعمل فيما لا يوجد الفعل إلا من واحد، ~~كالمداواة والمعالجة، وإن كان الفعل لا يوجد إلا من الطبيب والمعالج، وقال ~~الله - تعالى عز شأنه - {قاتلهم الله أنى يؤفكون} [التوبة: 30] . # ولا أحد يقصد مقاتلة الله - عز شأنه - فكذلك المزارعة جاز أن تكون كذلك. # والثاني: إن كان أصل الباب ما ذكر فقد وجد الفعل هنا من اثنين؛ لأن ~~المزارعة مفاعلة من الزرع، والزرع هو الإنبات لغة وشرعا، والإنبات المتصور ~~من العبد هو التسبيب لحصول النبات، وفعل التسبيب يوجد من كل واحد منهما إلا ~~أن التسبيب من أحدهما بالعمل ومن الآخر بالتمكين من العمل بإعطاء الآلات ~~والأسباب التي لا يحصل العمل بدونها عادة، فكان كل واحد منهما مزارعا ~~حقيقة؛ لوجود فعل الزرع منه بطريق التسبيب إلا أنه اختص العامل بهذا الاسم ~~في العرف، ms3708 ومثل هذا جائز، كاسم الدابة ونحوه على ما عرف في أصول الفقه. ### | [فصل في شرعية المزارعة] # (فصل) : # وأما شرعية المزارعة فقد اختلف فيها قال أبو حنيفة - عليه الرحمة -: أنها ~~غير مشروعة، وبه أخذ الشافعي - رحمه الله - وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما ~~الله - إنها مشروعة. # (وجه) قولهما ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «دفع نخل خيبر ~~معاملة، وأرضها مزارعة» ، وأدنى درجات فعله - عليه الصلاة والسلام - ~~الجواز، وكذا هي شريعة متوارثة لتعامل السلف والخلف ذلك من غير إنكار. # (وجه) قول أبي حنيفة أن عقد المزارعة استئجار ببعض الخارج، وإنه منهي ~~بالنص والمعقول # (أما) النص فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال لرافع ~~بن خديج في حائط لا تستأجره بشيء منه» ، وروي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه «نهى عن قفيز الطحان» ، والاستئجار ببعض الخارج في معناه، ~~والمنهي غير مشروع. # (وأما) المعقول فهو أن الاستئجار ببعض الخارج من النصف والثلث والربع ~~ونحوه استئجار ببدل مجهول، وإنه لا يجوز كما في الإجارة، وبه تبين أن حديث ~~خيبر محمول على الجزية دون المزارعة صيانة لدلائل الشرع عن التناقض، ~~والدليل على أنه لا يمكن حمله على المزارعة أنه - عليه الصلاة والسلام - ~~قال فيه «أقركم ما أقركم الله» ، وهذا منه - عليه الصلاة والسلام - تجهيل ~~المدة، وجهالة المدة تمنع صحة المزارعة بلا خلاف. # بقي ترك الإنكار على التعامل، وذا يحتمل أن يكون للجواز، ويحتمل أن يكون ~~لكونه محل الاجتهاد، فلا يدل على الجواز مع الاحتمال. # PageV06P175 ### | [فصل في ركن المزارعة] # فصل) : # وأما ركن المزارعة فهو الإيجاب والقبول، وهو أن يقول صاحب الأرض للعامل: ~~دفعت إليك هذه الأرض مزارعة بكذا، ويقول العامل: قبلت أو رضيت أو ما يدل ~~على قبوله ورضاه فإذا وجدا تم العقد بينهما. ### | [فصل في الشرائط المصححة للمزارعة] # (فصل) : # وأما الشرائط فهي في الأصل نوعان: شرائط مصححة للعقد على قول من يجيز ~~المزارعة، وشرائط مفسدة له. # (أما) المصححة فأنواع: بعضها يرجع إلى المزارع، وبعضها يرجع إلى الزرع ~~وبعضها ms3709 يرجع إلى ما عقد عليه المزارعة وبعضها يرجع إلى الآلة للمزارعة ~~وبعضها إلى الخارج، وبعضها يرجع إلى المزروع فيه، وبعضها يرجع إلى مدة ~~المزارعة. # (أما) الذي يرجع إلى المزارع فنوعان: الأول: أن يكون عاقلا فلا تصح ~~مزارعة المجنون والصبي الذي لا يعقل المزارعة دفعا واحدا؛ لأن العقل شرط ~~أهلية التصرفات. # (وأما) البلوغ فليس بشرط لجواز المزارعة حتى تجوز مزارعة الصبي المأذون ~~دفعا واحدا؛ لأن المزارعة استئجار ببعض الخارج، والصبي المأذون يملك ~~الإجارة؛ لأنها تجارة فيملك المزارعة، وكذلك الحرية ليست بشرط لصحة ~~المزارعة فتصح المزارعة من العبد المأذون دفعا واحدا لما ذكرنا في الصبي ~~المأذون. # والثاني: أن لا يكون مرتدا على قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - في قياس ~~قول من أجاز المزارعة، فلا تنفذ مزارعته للحال، بل هي موقوفة وعندهما هذا ~~ليس بشرط لجواز المزارعة، ومزارعة المرتد نافذة للحال بيان ذلك أنه إذا دفع ~~المرتد أرضا إلى رجل مزارعة بالنصف أو بالثلث أو بالربع فعمل الرجل وأخرجت ~~الأرض زرعا ثم قتل المرتد أو مات على الردة أو لحق بدار الحرب، وقضي بلحاقه ~~بدار الحرب، فهذا على وجهين: إما أن دفع الأرض والبذر جميعا مزارعة أو دفع ~~الأرض دون البذر، فإن دفعهما جميعا مزارعة فالخارج كله للمزارع، ولا شيء ~~لورثة المرتد؛ لأن مزارعته كانت موقوفة فإذا مات أو لحق بدار الحرب تبين ~~أنه لم يصح أصلا، فصار كأن العامل زرع أرضه ببذر، مغصوب ومن غصب من آخر حبا ~~وبذر به أرضه فأخرجت كان الخارج له دون صاحب البذر، وعلى العامل مثل ذلك ~~البذر؛ لأنه مغصوب استهلكه، وله مثله فيلزمه مثله ثم ينظر إن كانت الأرض ~~نقصتها المزارعة فعليه ضمان النقصان؛ لأنه أتلف مال الغير بغير إذنه فيجب ~~عليه الضمان، ويتصدق بما وراء قدر البذر ونقصان الأرض؛ لأنه حصل بسبب خبيث ~~فكان سبيله التصدق، وإن كان لم ينقصها المزارعة فلا ضمان عليه؛ لانعدام ~~الإتلاف، وإن أسلم فالخارج بينهما على الشرط سواء أسلم قبل أن يستحصد الزرع ~~أو بعد ما استحصد؛ لأنه لما ms3710 أسلم تبين أن المزارعة وقعت صحيحة، وعند أبي ~~يوسف ومحمد الخارج على الشرط كيف ما كان؛ لأن تصرفات المرتد نافذة عندهما ~~بمنزلة تصرفات المسلم، فتكون حصته له فإن مات أو لحق بدار الحرب يكون ~~لورثته، وإن دفع إليه الأرض دون البذر فالخارج له أيضا؛ لأنه لما ظهر أنه ~~لما لم تصح المزارعة صار كأنه غصب أرضا وبذرها ببذر نفسه، فأخرجت. # ولو كان كذلك كان الخارج له كذا هذا إلا أنه يأخذ من ذلك قدر بذره ونفقته ~~وضمان النقصان إن كانت المزارعة نقصتها ويتصدق بالفضل لما ذكرنا، وإن كانت ~~لم تنقصها، فقياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - على قياس قول من أجاز ~~المزارعة أن يكون الخارج كله للعامل، ولا يلزمه نقصان الأرض ولا غيره، وفي ~~الاستحسان: الخارج بين العامل وبين ورثة المرتد على الشرط. # (وجه) القياس ما ذكرنا أنه يصير بمنزلة الغاصب، ومن غصب من آخر أرضا ~~فزرعها ببذر نفسه، ولم تنقصها الزراعة كان الخارج كله له، ولا يلزمه شيء ~~كذا هذا (وجه) الاستحسان أن انعدام صحة تصرف المرتد بعد الموت واللحاق ليس ~~لمكان انعدام أهليته لأن الردة لا تنافي انعدام الأهلية بل لتعلق حق ورثته ~~بماله لوجود أمارة الاستغناء بالردة؛ لأن الظاهر أنه لا يسلم بل يقتل أو ~~يلحق بدار الحرب فيستغني عن ماله فيثبت التعلق نظرا لهم، ونظرهم هنا في ~~تصحيح التصرف لا في إبطاله ليصل إليهم شيء فأشبه العبد المحجور، إذا آجر ~~نفسه، وسلم من العمل أنه لا يبطل تصرفه بل يصحح حتى تجب الأجرة؛ لأن الحكم ~~ببطلان تصرفه لنظر المولى، ونظره ههنا في التصحيح دون الإبطال كذا هذا، ~~وإذا أسلم المرتد فالخارج على الشرط سواء أسلم قبل انقضاء المزارعة أو بعد ~~انقضائها نقصت الزراعة الأرض أو لم تنقصها، كما ذكرنا في الوجه الأول، وعلى ~~قولهما: الخارج على الشرط كيف ما كان أسلم أو قتل أو لحق؛ لأن تصرفاته ~~نافذة بمنزلة تصرفات المسلم هذا إذا # PageV06P176 # دفع مرتد أرضه مزارعة إلى مسلم أما إذا دفع مسلم أرضه مزارعة إلى ms3711 مرتد ~~فهذا على وجهين: أيضا: إما أن دفع الأرض والبذر جميعا أو دفع الأرض دون ~~البذر، فإن دفعهما جميعا مزارعة فعمل المرتد فأخرجت الأرض زرعا كثيرا ثم ~~قتل المرتد أو مات أو لحق بدار الحرب فالخارج كله بين المسلم وبين ورثة ~~المرتد على الشرط بلا خلاف؛ لأن انعدام صحة تصرف المرتد لا لعين ردته بل ~~لتضمنه إبطال حق الورثة لتعلق حقهم بماله على ما مر، وعمل المرتد ههنا ليس ~~تصرفا في ماله بل على نفسه بإيفاء المانع، ولا حق لورثته في نفسه فصحت ~~المزارعة فكان الخارج على الشرط المذكور، وإن دفع الأرض دون البذر فعمل ~~المرتد ببذره وأخرجت الأرض زرعا. # ففي قياس قول أبي حنيفة على قياس قول من أجاز المزارعة أن الخارج كله ~~لورثة المرتد، ولا يجب نقصان الأرض؛ لأن عنده تصرفات المرتد موقوفة غير ~~نافذة للحال فلم تنفذ مزارعته فكان الخارج حادثا على ملكه لكونه نماء ملكه ~~فكان لورثته، وفيه إشكال وهو أن هذا الخارج من أكساب ردته، وكسب الردة فيء ~~عند أبي حنيفة، فكيف يكون لورثته؟ (والجواب) : أنه حين بذر كان حق الورثة ~~متعلقا بالبذر؛ لما مر من قبل، فالحاصل منه يحدث على ملكهم فلا يكون كسب ~~الردة، ولا يجب نقصان الأرض؛ لأن ضمان النقصان يعتمد إتلاف مال الغير بغير ~~إذنه، ولم يوجد؛ إذ المزارعة حصلت بإذن المالك، وعند أبي يوسف ومحمد الخارج ~~على الشرط كما إذا كان مسلما؛ لما ذكرنا، وإن أسلم فالخارج على الشرط بلا ~~خلاف سواء أسلم قبل أن يستحصد الزرع أو بعد ما استحصد؛ لما ذكرنا هذا إذا ~~كانت المزارعة بين مرتد ومسلم (فأما) إذا كانت بين مسلمين ثم ارتدا أو ارتد ~~أحدهما فالخارج على الشرط بلا خلاف؛ لأنه لما كان مسلما وقت العقد صح ~~التصرف فاعتراض الردة بعد ذلك لا تبطله. # (وأما) المرتدة فتصح مزارعتها دفعا واحدا بالإجماع؛ لأن تصرفاتها نافذة ~~بمنزلة تصرفات المسلمة فتصح المزارعة منها دفعا واحدا بمنزلة مزارعة ~~المسلمة. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى الزرع] # (فصل) : # وأما الذي ms3712 يرجع إلى الزرع فنوع واحد، وهو أن يكون معلوما بأن بين ما ~~يزرع؛ لأن حال المزروع يختلف باختلاف الزرع بالزيادة والنقصان فرب زرع يزيد ~~في الأرض، ورب زرع ينقصها، وقد يقل النقصان، وقد يكثر فلا بد من البيان؛ ~~ليكون لزوم الضرر مضافا إلى التزامه إلا إذا قال له: ازرع فيها ما شئت، ~~فيجوز له أن يزرع فيها ما شاء؛ لأنه لما فوض الأمر إليه فقد رضي بالضرر إلا ~~أنه لا يملك الغرس؛ لأن الداخل تحت العقد الزرع دون الغرس. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى المزروع] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المزروع فهو أن يكون قابلا لعمل الزراعة، وهو أن يؤثر ~~فيه العمل بالزيادة بمجرى العادة؛ لأن ما لا يؤثر فيه العمل بالزيادة عادة ~~لا يتحقق فيه عمل الزراعة حتى لو دفع أرضا فيها زرع قد استحصد مزارعة لم ~~يجز كذا قالوا؛ لأن الزرع إذا استحصد لا يؤثر فيه عمل الزراعة بالزيادة، ~~فلا يكون قابلا لعمل الزراعة. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى الخارج من الزرع] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى الخارج من الزرع فأنواع (منها) : أن يكون مذكورا في ~~العقد حتى لو سكت عنه فسد العقد؛ لأن المزارعة استئجار، والسكوت عن ذكر ~~الأجرة يفسد الإجارة (ومنها) : أن يكون لهما حتى لو شرطا أن يكون الخارج ~~لأحدهما يفسد العقد؛ لأن معنى الشركة لازم لهذا العقد، وكل شرط يكون قاطعا ~~للشركة يكون مفسدا للعقد (ومنها) : أن تكون حصة كل واحد من المزارعين بعض ~~الخارج حتى لو شرطا أن يكون من غيره لا يصح العقد لأن المزارعة استئجار ~~ببعض الخارج به تنفصل عن الإجارة المطلقة (ومنها) : أن يكون ذلك البعض من ~~الخارج معلوم القدر من النصف والثلث والربع ونحوه؛ لأن ترك التقدير يؤدي ~~إلى الجهالة المفضية إلى المنازعة؛ ولهذا شرط بيان مقدار الأجرة في ~~الإجارات كذا هذا (ومنها) : أن يكون جزءا شائعا من الجملة حتى لو شرط ~~لأحدهما قفزانا معلومة لا يصح العقد؛ لأن المزارعة فيها معنى الإجارة، ~~والشركة تنعقد إجارة ثم ms3713 تتم شركة. # (أما) معنى الإجارة فلأن الإجارة تمليك المنفعة بعوض، والمزارعة كذلك؛ ~~لأن البذر إن كان من رب الأرض، فالعامل يملك منفعة نفسه من رب الأرض بعوض، ~~وهو نماء بذره، وإن كان البذر من قبل العامل فرب الأرض يملك منفعة أرضه من ~~العامل بعوض هو نماء بذره، فكانت المزارعة استئجارا، إما للعامل، وإما ~~للأرض، لكن ببعض الخارج. # وأما معنى الشركة # PageV06P177 # فلأن الخارج يكون مشتركا بينهما على الشرط المذكور، وإذا ثبت أن معنى ~~الإجارة والشركة لازم لهذا العقد فاشتراط قدر معلوم من الخارج ينفي لزوم ~~معنى الشركة لاحتمال أن الأرض لا تخرج زيادة على القدر المعلوم؛ ولهذا إذا ~~شرط في المضاربة سهم معلوم من الربح لا يصح كذا هذا، وكذا إذا ذكر جزءا ~~شائعا، وشرط معه زيادة أقفزة معلومة أنه لا يصح لما قلنا، وعلى هذا إذا شرط ~~أحدهما البذر لنفسه، وأن يكون الباقي بينهما لا تصح المزارعة؛ لجواز أن لا ~~تخرج الأرض إلا قدر البذر، فيكون كل الخارج له فلا يوجد معنى الشركة، ولأن ~~هذا في الحقيقة شرط قدر البذر أن يكون له لا عين البذر؛ لأن عينه تهلك في ~~التراب، وذا لا يصح؛ لما ذكرنا، وهذا بخلاف المضاربة؛ لأن قدر رأس المال ~~يرفع، ويقسم الباقي على الشرط؛ لأن المضاربة تقتضي الشركة في الربح لا في ~~غيره، ودفع رأس المال لانعدام معنى الشركة في الربح (فأما) المزارعة فتقتضي ~~الشركة في كل الخارج، واشتراط قدر معلوم من الخارج يمنع تحقق الشركة في ~~كله، فهو الفرق بين الفصلين، وكذا إذا شرطا ما على الماذيانات والسواقي لا ~~يصح العقد؛ لأن ما على الماذيانات والسواقي معلوم، فشرطه يمنع لزوم الشركة ~~في العقد، وقد روي أنهم كانوا يشترطون في عقد المزارعة لأحدهما ما على ~~الماذيانات والسواقي، فلما بعث النبي المكرم - عليه أفضل التحية - أبطله. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى المزروع فيه وهو الأرض] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المزروع فيه، وهو الأرض فأنواع: (منها) : أن تكون ~~صالحة للزراعة حتى لو كانت سبخة أو نزة ms3714 لا يجوز العقد؛ لأن المزارعة عقد ~~استئجار لكن ببعض الخارج، والأرض السبخة والنزة لا تجوز إجارتها، فلا تجوز ~~مزارعتها (فأما) إذا كانت صالحة للزراعة في المدة لكن لا تمكن زراعتها وقت ~~العقد لعارض من انقطاع الماء وزمان الشتاء ونحوه من العوارض التي هي على ~~شرف الزوال في المدة تجوز مزارعتها، كما تجوز إجارتها. # (ومنها) أن تكون معلومة، فإن كانت مجهولة لا تصح المزارعة؛ لأنها تؤدي ~~إلى المنازعة. # ولو دفع الأرض مزارعة على أن ما يزرع فيها حنطة فكذا، وما يزرع فيها ~~شعيرا فكذا يفسد العقد؛ لأن المزروع فيه مجهول؛ لأن كلمة " من " للتبعيض ~~فيقع على بعض الأرض، وإنه غير معلوم، وكذا لو قال: على أن يزرع بعضها حنطة ~~وبعضها شعيرا؛ لأن التنصيص على التبعيض تنصيص على التجهيل. # ولو قال: على أن ما زرعت فيها حنطة فكذا، وما زرعت فيها شعيرا فكذا جاز؛ ~~لأنه جعل الأرض كلها ظرفا لزرع الحنطة أو لزرع الشعير؛ فانعدم التجهيل. # ولو قال: على أن أزرع فيها بغير كراب فكذا ذكر في الأصل أنه جائز، وهذا ~~مشكل؛ لأن المزروع فيه من الأرض مجهول فأشبه ما إذا قال: ما زرع فيها حنطة ~~فكذا وما زرع فيها شعيرا فكذا، ومنهم من اشتغل بتصحيح جواب الكتاب، والفرق ~~بين الفصلين على وجه لم يتضح. # ولو قال: على أنه إن زرع حنطة فكذا، وإن زرع شعيرا فكذا، وإن زرع سمسما ~~فكذا، ولم يذكر منها فهو جائز لانعدام جهالة المزروع فيه، وجهالة الزرع ~~للحال ليس بضائر؛ لأنه فوض الاختيار إليه فأي ذلك اختاره يتعين ذلك العقد ~~باختياره فعلا كما قلنا في الكفارات الثلاث. # ولو زرع بعضها حنطة وبعضها شعيرا جاز؛ لأنه لو زرع الكل حنطة أو الكل ~~شعيرا لجاز، فإذا زرع البعض حنطة والبعض شعيرا أولى (ومنها) : أن تكون ~~الأرض مسلمة إلى العامل مخلاة، وهو أن يوجد من صاحب الأرض التخلية بين ~~الأرض، وبين العامل حتى لو شرط العمل على رب الأرض لا تصح المزارعة لانعدام ~~التخلية، فكذا إذا اشترط فيه عملهما فيمنع ms3715 التخلية جميعا؛ لما قلنا؛ ولهذا ~~لو شرط رب المال في عقد المضاربة العمل مع المضارب لا تصح المضاربة؛ لأنه ~~شرط يمنع وجود ما هو شرط لصحة العقد وهو التخلية كذا هذا، وعلى هذا إذا دفع ~~أرضا وبذرا وبقرا على أن يزرع العامل وعبد رب الأرض وللعامل الثلث، ولرب ~~الأرض الثلث ولعبده الثلث فهو جائز على ما اشترط؛ لأن صاحب الأرض صار ~~مستأجرا للعامل ببعض الخارج الذي هو نماء ملكه، فصح وشرط العمل على عبده لا ~~يكون شرطا على نفسه؛ لأن العبد المأذون له يد نفسه على كسبه لا يد النيابة ~~عن مولاه، فيصير بمنزلة الأجنبي فلا يمنع تحقيق التخلية، فلا يمنع الصحة، ~~ويكون نصيب العبد لمولاه، وإن كان البذر من العامل لا تصح المزارعة؛ لأنه ~~يصير مستأجرا للأرض والبقر والعبد ببعض الخارج الذي هو نماء ملكه، وذا # PageV06P178 # لا يصح، على ما نذكر ويكون الخارج له، وعليه أجر مثل الأرض والبقر ~~والعبد؛ لأن هذا حكم المزارعة الفاسدة على ما يذكر في موضعه، وكذا لو كان ~~شرط عمل رب الأرض مع ذلك كان له أيضا أجر مثل عمله؛ لأن هذا شرط مفسد للعقد ~~والله أعلم. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى ما عقد عليه المزارعة] # فصل وأما الذي يرجع إلى ما عقد عليه المزارعة فهو أن يكون المعقود عليه ~~في باب المزارعة مقصودا من حيث إنها إجارة أحد أمرين إما منفعة العامل بأن ~~كان البذر من صاحب الأرض، وإما منفعة الأرض بأن كان البذر من العامل؛ لأن ~~البذر إذا كان من قبل رب الأرض يصير مستأجرا للعامل، وإذا كان من قبل ~~العامل يصير مستأجرا للأرض، وإذا اجتمعا في الاستئجار فسدت المزارعة، فأما ~~منفعة البقر فإن حصلت تابعة صحت المزارعة، وإن جعلت مقصودة فسدت. ### | [فصل في بيان أنواع المزارعة] # (فصل) : # وبيان هذه الجملة ببيان أنواع المزارعة فنقول وبالله التوفيق: المزارعة ~~أنواع (منها) : أن تكون الأرض والبذر والبقر والآلة من جانب، والعمل من ~~جانب وهذا جائز؛ لأن صاحب الأرض يصير مستأجرا للعامل لا غير ms3716 ليعمل له في ~~أرضه ببعض الخارج الذي هو نماء ملكه وهو البذر. # (ومنها) : أن تكون الأرض من جانب، والباقي كله من جانب، وهذا أيضا جائز؛ ~~لأن العامل يصير مستأجرا للأرض لا غير ببعض الخارج الذي هو نماء ملكه وهو ~~البذر (ومنها) : أن تكون الأرض والبذر من جانب والبقر والآلة والعمل من ~~جانب فهذا أيضا جائز؛ لأن هذا استئجار للعامل لا غير مقصودا فأما البذر ~~فغير مستأجر مقصودا، ولا يقابله شيء من الأجرة بل هي توابع للمعقود عليه، ~~وهو منفعة العامل؛ لأنه آلة للعمل فلا يقابله شيء من العمل كمن استأجر ~~خياطا فخاط بإبرة نفسه جاز ولا يقابلها شيء من الأجرة، ولأنه لما كان تابعا ~~للمعقود عليه، فكان جاريا مجرى الصفة للعمل كان العقد عقدا على عمل جيد، ~~والأوصاف لا قسط لها من العوض فأمكن أن تنعقد إجارة ثم تتم شركة بين منفعة ~~الأرض وبين منفعة العامل. # (ومنها) : أن تكون الأرض والبقر من جانب، والبذر والعمل من جانب وهذا لا ~~يجوز في ظاهر الرواية، وروي عن أبي يوسف أنه يجوز. # (وجه) قوله أنه لو كان الأرض والبذر من جانب، وجعلت منفعة البقر تابعة ~~لمنفعة العامل فكذا، إذا كان الأرض والبقر من جانب يجب أن يجوز، ويجعل ~~منفعة البقر تابعة لمنفعة الأرض. # (وجه) ظاهر الرواية أن العامل هنا يصير مستأجرا للأرض والبقر جميعا ~~مقصودا ببعض الخارج؛ لأنه لا يمكن تحقيق معنى التبعية هنا؛ لاختلاف جنس ~~المنفعة؛ لأن منفعة البقر ليست من جنس منفعة الأرض، فبقيت أصلا بنفسها، ~~فكان هذا استئجار البقر ببعض الخارج أصلا ومقصودا، واستئجار البقر مقصودا ~~ببعض الخارج لا يجوز لوجهين: أحدهما: ما ذكرنا أن المزارعة تنعقد إجارة ثم ~~تتم شركة، ولا يتصور انعقاد الشركة بين منفعة البقر وبين منفعة العامل ~~بخلاف الفصل الأول؛ لأنه يتصور انعقاد الشركة بين منفعة الأرض ومنفعة ~~العامل والثاني: أن جواز المزارعة ثبت بالنص مخالفا للقياس؛ لأن الأجرة ~~معدومة، وهي مع انعدامها مجهولة فيقتصر جوازها على المحل الذي ورد النص ~~فيه، وذلك فيما إذا كانت ms3717 الآلة تابعة، فإذا جعلت مقصودة يرد إلى القياس # (ومنها) : أن يكون البذر والبقر من جانب، والأرض والعمل من جانب، وهذا لا ~~يجوز أيضا؛ لأن صاحب البذر يصير مستأجرا للأرض والعامل جميعا ببعض الخارج، ~~والجمع بينهما يمنع صحة المزارعة. # (ومنها) : أن يكون البذر من جانب، والباقي كله من جانب، وهذا لا يجوز ~~أيضا؛ لما قلنا وروي عن أبي يوسف في هذين الفصلين أيضا أنه يجوز؛ لأن ~~استئجار كل واحد منهما جائز عند الانفراد فكذا عند الاجتماع (والجواب) : ما ~~ذكرنا أن الجواز على مخالفة القياس ثبت عند الانفراد فتبقى حالة الاجتماع ~~على أصل القياس، وطريق الجواز في هذين الفصلين بالاتفاق أن يأخذ صاحب البذر ~~الأرض مزارعة ثم يستعير من صاحبها ليعمل له فيجوز، والخارج يكون بينهما على ~~الشرط. # (ومنها) : أن يشترك جماعة من أحدهم الأرض ومن الآخر البقر ومن الآخر ~~البذر ومن الرابع العمل، وهذا لا يجوز؛ أيضا لما مر، وفي عين هذا ورد الخبر ~~بالفساد، فإنه روي أن أربعة نفر اشتركوا على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - # PageV06P179 # على هذا الوجه فأبطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مزارعتهم، وعلى ~~قياس ما روي عن أبي يوسف يجوز. # (ومنها) : أن يشترط في عقد المزارعة أن يكون بعض البذر من قبل أحدهما، ~~والبعض من قبل الآخر، وهذا لا يجوز؛ لأن كل واحد منهما يصير مستأجرا صاحبه ~~في قدر بذره، فيجتمع استئجار الأرض والعمل من جانب واحد وإنه مفسد. # (ومنها) : أن تكون الأرض من جانب، والبذر والبقر من جانب دفع صاحب الأرض ~~أرضه إليه على أن يزرعها ببذره وبقره مع هذا الرجل الآخر على أن ما خرج من ~~شيء فثلثه لصاحب الأرض، وثلثاه لصاحب البذر والبقر، وثلثه لذلك العامل، ~~وهذا صحيح في حق صاحب الأرض، والعامل الأول فاسد في حق العامل الثاني، ~~ويكون ثلث الخارج لصاحب الأرض، وثلثاه للعامل الأول، وللعامل الثاني أجر ~~مثل عمله، وكان ينبغي أن تفسد المزارعة في حق الكل لأن صاحب البذر، وهو ~~العامل الأول جمع بين استئجار الأرض، ms3718 والعامل وقد ذكرنا أن الجمع بينهما ~~مفسد للعقد؛ لكونه خلاف مورد الشرع بالمزارعة، ومع ذلك حكم بصحتها في حق ~~صاحب الأرض والعامل الأول، وإنما كان كذلك؛ لأن العقد فيما بين صاحب الأرض ~~والعامل الأول وقع استئجارا للأرض لا غير وإنه صحيح، وفيما بين العاملين ~~وقع استئجار الأرض والعامل جميعا وإنه غير صحيح، ويجوز أن يكون العقد ~~الواحد له جهتان: جهة الصحة وجهة الفساد خصوصا في حق شخصين، فيكون صحيحا في ~~حق أحدهما فاسدا في حق الآخر. # ولو كان البذر في هذه المسألة من صاحب الأرض صحت المزارعة في حق الكل، ~~والخارج بينهم على الشرط؛ لأن صاحب الأرض في هذه الصورة يعتبر مستأجرا ~~للعاملين جميعا، والجمع بين استئجار العاملين لا يقدح في صحة العقد، وإذا ~~صح العقد كان الخارج على الشرط. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى آلة المزارعة] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى آلة المزارعة فهو أن يكون البقر في العقد تابعا، فإن ~~جعل مقصودا في العقد تفسد المزارعة، وقد تقدم بيانه في الفصل المتقدم بما ~~فيه كفاية. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى مدة المزارعة] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى مدة المزارعة فهو أن تكون المدة معلومة، فلا تصح ~~المزارعة إلا بعد بيان المدة؛ لأنها استئجار ببعض الخارج، ولا تصح الإجارة ~~مع جهالة المدة، وهذا هو القياس في المعاملة أن لا تصح إلا بعد بيان المدة؛ ~~لأنها استئجار العامل ببعض الخارج، فكانت إجارة بمنزلة المزارعة إلا أنها ~~جازت في الاستحسان لتعامل الناس ذلك من غير بيان المدة، وتقع على أول جزء ~~يخرج من الثمرة في أول السنة؛ لأن وقت ابتداء المعاملة معلوم (فأما) وقت ~~ابتداء المزارعة فمتفاوت حتى إنه لو كان في موضع لا يتفاوت يجوز من غير ~~بيان المدة، وهو على أول زرع يخرج كذا ذكر محمد بن سلمة أن بيان المدة في ~~ديارنا ليس بشرط، كما في المعاملة. ### | [فصل في الشرائط المفسدة للمزارعة] # (فصل) : # وأما الشرائط المفسدة للمزارعة فأنواع: وقد دخل بعضها في بيان الشرائط ~~المصححة (منها) ms3719 : شرط كون الخارج لأحدهما؛ لأنه شرط يقطع الشركة التي هي من ~~خصائص العقد (ومنها) : شرط العمل على صاحب الأرض؛ لأن ذلك يمنع التسليم، ~~وهو التخلية. # (ومنها) : شرط البقر؛ لأن فيه جعل منفعة البقر معقودا عليها مقصودة في ~~باب المزارعة ولا سبيل إليه. # (ومنها) شرط العمل والأرض جميعا من جانب واحد؛ لأن ذلك خلاف مورد الشرع ~~الذي هو خلاف القياس على ما مر في الفصول المتقدمة. # (ومنها) : شرط الحمل والحفظ على المزارع بعد القسمة؛ لأنه ليس من عمل ~~المزارعة. # (ومنها) : شرط الحصاد والرفع إلى البيدر والدياس والتذرية؛ لأن الزرع لا ~~يحتاج إليه؛ إذ لا يتعلق به صلاحه، والأصل أن كل عمل يحتاج إليه الزرع قبل ~~تناهيه وإدراكه وجفافه مما يرجع إلى إصلاحه من السقي والحفظ وقلع الحشاوة ~~وحفر الأنهار وتسوية المسناة ونحوها فعلى المزارع؛ لأن ما هو المقصود من ~~الزرع، وهو النماء لا يحصل بدونه عادة، فكان من توابع المعقود عليه، فكان ~~من عمل المزارعة فيكون على المزارع، وكل عمل يكون بعد تناهي الزرع وإدراكه ~~وجفافه قبل قسمة الحب مما يحتاج إليه لخلوص الحب وتنقيته يكون بينهما على ~~شرط الخارج؛ لأنه ليس من عمل المزارعة؛ ولهذا قالوا: لو دفع أرضا مزارعة، ~~وفيها زرع قد استحصد لا يجوز لانقضاء وقت عمل المزارعة؛ إذ العمل # PageV06P180 # فيه بعد الإدراك مما لا يفيده، وكل عمل يكون بعد القسمة من الحمل إلى ~~البيت ونحوه مما يحتاج إليه لإحراز المقسوم فعلى كل واحد منهما في نصيبه؛ ~~لأن ذلك مؤنة ملكه فيلزمه دون غيره. # وروي عن أبي يوسف أنه أجاز شرط الحصاد ورفع البيدر والدياس والتذرية على ~~المزارع لتعامل الناس، وبعض مشايخنا بما وراء النهر يفتون به أيضا، وهو ~~اختيار نصير بن يحيى ومحمد بن سلمة من مشايخ خراسان # والجذاذ في باب المعاملة لا يلزم العامل بلا خلاف (أما) في ظاهر الرواية ~~فلا يشكل. # وأما على رواية أبي يوسف فلانعدام التعامل فيه. # ولو باع الزرع قصيلا فاجتمعا على أن يقصلاه كان القصل على كل واحد منهما ~~في قدر ms3720 شرط الحب؛ لأنه بمنزلة شرط الحصاد (ومنها) : شرط التبن لمن لا يكون ~~البذر من قبله، وجملته أن هذا لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن شرطا أن يكون ~~التبن بينهما وإما أن سكتا عنه وإما أن شرطا أن يكون لأحدهما دون الآخر، ~~فإن شرطا أن يكون بينهما لا شك أنه يجوز؛ لأنه شرط مقرر، ومقتضى العقد؛ لأن ~~الشركة في الخارج من الزرع من معاني هذا العقد على ما مر، وإن سكتا عنه ~~يفسد عند أبي يوسف، وعند محمد: لا يفسد، ويكون لصاحب البذر منهما ذكر ~~الطحاوي أن محمدا رجع إلى قول أبي يوسف. # (وجه) قول محمد أن ما يستحقه صاحب البذر يستحقه ببذره لا بالشرط فكان شرط ~~التبن، والسكوت عنه بمنزلة واحدة. # (وجه) قول أبي يوسف: أن كل واحد منهما - أعني الحب والتبن - مقصود من ~~العقد فكان السكوت عن التبن بمنزلة السكوت عن الحب، وذا مفسد بالإجماع فكذا ~~هذا، وإن شرطا أن يكون لأحدهما دون الآخر، فإن شرطاه لصاحب البذر جاز، ~~ويكون له، لأن صاحب البذر يستحقه من غير شرط؛ لكونه نماء ملكه فالشرط لا ~~يزيده إلا تأكيدا، وإن شرطاه لمن لا بذر له فسدت المزارعة؛ لأن استحقاق ~~صاحب البذر التبن بالبذر لا بالشرط؛ لأنه نماء ملكه، ونماء ملك الإنسان ~~ملكه فصار شرط كون التبن لمن لا بذر من قبله بمنزلة شرط كون الحب له، وذا ~~مفسد كذا هذا. # (ومنها) : أن يشترط صاحب الأرض على المزارع عملا يبقى أثره ومنفعته بعد ~~مدة، فالمزارعة كبناء الحائط والسرقند واستحداث حفر النهر ورفع المسناة ~~ونحو ذلك مما يبقى أثره ومنفعته إلى ما بعد انقضاء المدة؛ لأنه شرط لا ~~يقتضيه العقد. # وأما الكراب فلا يخلو في الأصل من وجهين: أما إن شرطاه في العقد وأما إن ~~سكتا عنه، فإن سكتا عنه هل يدخل تحت عقد المزارعة حتى يجبر المزارع عليه لو ~~امتنع أو لا؟ فسنذكره في حكم المزارعة الصحيحة إن شاء الله - تعالى -، وإن ~~شرطاه في العقد فلا يخلو أيضا من وجهين: إما أن ms3721 شرطاه مطلقا عن صفة ~~التثنية، وإما أن شرطاه مقيدا بها، فإن شرطاه مطلقا عن الصفة قال بعضهم: ~~إنه يفسد العقد؛ لأن أثره يبقى إلى ما بعد المدة وقال عامتهم: لا يفسد، وهو ~~الصحيح؛ لأن الكراب بدون التثنية مما يبطل السقي على وجه لا يبقى له أثر ~~ومنفعة بعد المدة فلم يكن شرطه مفسدا للعقد، وإن شرطاه مع التثنية فسدت ~~المزارعة؛ لأن التثنية إما أن تكون عبارة عن الكراب مرتين: مرة للزراعة ~~ومرة بعد الحصاد؛ ليرد الأرض على صاحبها مكروبة، وهذا شرط فاسد لا شك فيه؛ ~~لما ذكرنا أنه شرط عمل ليس هو من عمل المزارعة؛ لأن الكراب بعد الحصاد ليس ~~من عمل المزارعة في هذه السنة، وإما أن يكون عبارة عن فعل الكراب مرتين قبل ~~الزراعة، وإنه عمل يبقى أثره ومنفعته إلى ما بعد المدة، فكان مفسدا حتى إنه ~~لو كان في موضع لا يبقى لا يفسد كذا قال بعض مشايخنا. # ولو دفع الأرض مزارعة على أنه إن زرعها بغير كراب فللمزارع الربع، وإن ~~زرعها بكراب فله الثلث، وإن كربها وثناها فله النصف فهو جائز على ما شرطا ~~كذا ذكر في الأصل، وهذا مشكل في شرط الكراب مع التثنية؛ لأنه شرط مفسد ~~فينبغي أن يفسدها هذا الشرط، وإذا عمل يكون له أجر مثل عمله، فأما شرط ~~الكراب وعدمه فصحيح على الشرط المذكور؛ لأنه غير مفسد، وبعضهم صححوا جواب ~~الكتاب، وفرقوا بين هذا الشرط وبين شرط التثنية بفرق لم يتضح، وفرع في ~~الأصل فقال: ولو زرع بعض الأرض بكراب وبعضها بغير كراب وبعضها بثنيان فهو ~~جائز، والشرط بينهما في كل الأرض نافذ على ما شرطا كذا ذكر في الأصل، وهذا ~~بناء على الأول؛ لأنه إن شرط التثنية في كل الأرض عند اختياره ذلك يصح في ~~البعض بالطريق الأولى. ### | [فصل في بيان حكم المزارعة الصحيحة] # (فصل) : # وأما بيان حكم المزارعة الصحيحة عند من يجيزها فنقول وبالله التوفيق -: ~~للمزارعة الصحيحة أحكام: # PageV06P181 # منها) : أن كل ما كان من عمل المزارعة مما يحتاج إليه لإصلاحه ms3722 فعلى ~~المزارع؛ لأن العقد تناوله وقد بيناه. # (ومنها) : أن كل ما كان من باب النفقة على الزرع من السرقين وقلع ~~الحشاوة، ونحو ذلك فعليهما على قدر حقهما، وكذلك الحصاد والحمل إلى البيدر ~~والدياس وتذريته؛ لما ذكرنا أن ذلك ليس من عمل المزارعة حتى يختص به ~~المزارع. # (ومنها) : أن يكون الخارج بينهما على الشرط المذكور؛ لأن الشرط قد صح ~~فيلزم الوفاء به لقوله - عليه الصلاة والسلام - «المسلمون عند شروطهم» . # (ومنها) : أنها إذا لم تخرج الأرض شيئا فلا شيء لواحد منهما لا أجر العمل ~~ولا أجر الأرض سواء كان البذر من قبل العامل أو من قبل رب الأرض بخلاف ~~المزارعة الفاسدة أنه يجب فيها أجر المثل، وإن لم تخرج الأرض شيئا، والفرق ~~أن الواجب في العقد الصحيح هو المسمى وهو بعض الخارج، ولم يوجد الخارج فلا ~~يجب شيء، والواجب في المزارعة الفاسدة أجر مثل العمل في الذمة لا في ~~الخارج، فانعدام الخارج لا يمنع وجوبه في الذمة فهو الفرق (ومنها) : أن هذا ~~العقد غير لازم في جانب صاحب البذر لازم في جانب صاحبه. # ولو امتنع بعدما عقد المزارعة على الصحة، وقال: لا أريد زراعة الأرض له ~~ذلك سواء كان له أو لم يكن. # ولو امتنع صاحبه ليس له ذلك إلا من عذر، وعقد المعاملة لازم ليس لواحد ~~منهما أن يمتنع إلا من عذر، والفرق بين هذه الجملة أن صاحب البذر لا يمكنه ~~المضي في العقد إلا بإتلاف ملكه، وهو البذر؛ لأن البذر يهلك في التراب فلا ~~يكون الشروع فيه ملزما في حقه؛ إذ الإنسان لا يجبر على إتلاف ملكه ولا كذلك ~~من ليس البذر من قبله والمعاملات؛ لأنه ليس في لزوم المعنى إياهم إتلاف ~~ملكهم، فكان الشروع في حقهم ملزما، ولا ينفسخ إلا من عذر كما في سائر ~~الإجارات. # وسواء كان المزارع كرب الأرض أو لم يكربها؛ لأن ما ذكرنا من المعنى لا ~~يوجب الفصل بينهما، ولا شيء للعامل في عمل الكراب على ما نذكره في حكم ~~المزارعة المنفسخة إن شاء الله ms3723 - تعالى - ومنها: ولاية جبر المزارع على ~~الكراب وعدمها، وهذا على وجهين: إما أن شرطا الكراب في العقد وإما أن سكتا ~~عن شرطه فإن شرطاه يجبر عليه لأنه شرط صحيح فيجب الوفاء به، وإن سكتا عنه ~~ينظر إن كانت الأرض مما يخرج الزرع بدون الكراب زرعا معتادا يقصد مثله في ~~عرف الناس لا يجبر المزارع عليه، وإن كانت مما لا يخرج أصلا أو يخرج، ولكن ~~شيئا قليلا لا يقصد مثله بالعمل يجبر على الكراب؛ لأن مطلق عقد المزارعة ~~يقع على الزراعة المعتادة، وعلى هذا إذا امتنع المزارع عن السقي، وقال: ~~ادعها حتى تسقيها السماء فهو على قياس هذا التفصيل أنه إن كان الزرع مما ~~يكتفي بماء السماء، ويخرج زرعا معتادا بدونه لا يجبر على السقي، وإن كان مع ~~السقي أجود، فإن كان مما لا يكتفي به يجبر على السقي؛ لما قلنا. # (ومنها) : جواز الزيادة على الشرط المذكور من الخارج والحط عنه وعدم ~~الجواز، والأصل فيه أن كل ما احتمل إنشاء العقد عليه احتمل الزيادة، وما لا ~~فلا، والحط جائز في الحالين جميعا كما في الزيادة في الثمن في باب البيع ~~إذا عرف هذا فنقول: الزيادة والحط في المزارعة على وجهين: إما أن يكون من ~~المزارع، وإما أن يكون من صاحب الأرض ولا يخلو إما أن يكون البذر من قبل ~~المزارع، وإما أن يكون من صاحب الأرض بعد ما استحصد الزرع أو قبل أن ~~يستحصد، فإن كان من بعد ما استحصد، والبذر من قبل العامل، وكانت المزارعة ~~على النصف مثلا فزاد المزارع صاحب الأرض السدس في حصته، وجعل له الثلثين، ~~ورضي به صاحب الأرض لا تجوز الزيادة، والخارج بينهما على الشرط نصفان، وإن ~~زاد صاحب الأرض المزارع السدس في حصته وتراضيا فالزيادة جائزة؛ لأن الأول ~~زيادة على الأجرة بعد انتهاء عمل المزارعة باستيفاء المعقود عليه، وهو ~~المنفعة - وإنه لا يجوز ألا ترى أنهما لو أنشآ العقد بعد الحصاد لا يجوز ~~فكذلك الزيادة -، والثاني حط من الأجرة وإنه لا يستدعي قيام المعقود عليه ms3724 ~~كما في باب البيع، هذا إذا كان البذر من قبل العامل فإن كان من قبل صاحب ~~الأرض لا يجوز، وإن زاد المزارع جاز؛ لما قلنا، هذا إذا زاد أحدهما بعد ما ~~استحصد الزرع فإن زاد قبل أن يستحصد جاز أيهما كان؛ لأن الوقت يحتمل إنشاء ~~العقد فيحتمل الزيادة أيضا بخلاف الفصل الأول. ### | [فصل في حكم المزارعة الفاسدة] # (فصل) : # وأما حكم المزارعة الفاسدة فأنواع: (منها) : أنه لا يجب على المزارع شيء ~~من أعمال المزارعة؛ لأن # PageV06P182 # وجوبه بالعقد ولم يصح و (منها) : أن الخارج يكون كله لصاحب البذر سواء ~~كان رب الأرض أو المزارع؛ لأن استحقاق صاحب البذر الخارج لكونه نماء ملكه ~~لا بالشرط لوقوع الاستغناء بالملك عن الشرط، واستحقاق الأجر الخارج بالشرط ~~وهو العقد فإذا لم يصح الشرط استحقه صاحب الملك ولا يلزمه التصدق بشيء؛ ~~لأنه نماء ملكه. # (ومنها) : أن البذر إذا كان من قبل صاحب الأرض كان للعامل عليه أجر ~~المثل؛ لأن البذر إذا كان من قبل صاحب الأرض كان هو مستأجرا للعامل فإذا ~~فسدت الإجارة وجب أجر مثل عمله، وإذا كان البذر من قبل العامل كان عليه لرب ~~الأرض أجر مثل أرضه؛ لأن البذر إذا كان من قبل العامل يكون هو مستأجرا ~~للأرض، فإذا فسدت الإجارة يجب عليه أجر مثل أرضه. # (ومنها) : أن البذر إذا كان من قبل صاحب الأرض واستحق الخارج وغرم للعامل ~~أجر مثل عمله فالخارج كله له طيب؛ لأنه حاصل من ملكه وهو البذر في ملكه وهو ~~الأرض، وإذا كان من قبل العامل واستحق الخارج وغرم لصاحب الأرض أجر مثل ~~أرضه فالخارج كله لا يطيب له بل يأخذ من الزرع قدر بذره وقدر أجر مثل الأرض ~~ويطيب ذلك له؛ لأنه سلم له بعوض ويتصدق بالفضل على ذلك؛ لأنه وإن تولد من ~~بذره لكن في أرض غيره بعقد فاسد، فتمكنت فيه شبهة الخبث فكان سبيله التصدق. # (ومنها) : أن أجر المثل لا يجب في المزارعة الفاسدة ما لم يوجد استعمال ~~الأرض؛ لأن المزارعة عقد إجارة والأجرة في الإجارة ms3725 الفاسدة لا تجب إلا ~~بحقيقة الاستعمال، ولا تجب بالتخلية لانعدام التخلية فيها حقيقة؛ إذ هي ~~عبارة عن رفع الموانع والتمكن من الانتفاع حقيقة وشرعا، ولم يوجد بخلاف ~~الإجارة الصحيحة على ما عرف في الإجارات. # (ومنها) : أن أجر المثل يجب في المزارعة الفاسدة، وإن لم تخرج الأرض شيئا ~~بعد أن استعملها المزارع، وفي المزارعة الصحيحة إذا لم تخرج شيئا لا يجب ~~شيء لواحد منهما وقد مر الفرق فيما تقدم. # (ومنها) : أن أجر المثل في المزارعة الفاسدة يجب مقدرا بالمسمى عند أبي ~~يوسف، وعند محمد: يجب تاما، وهذا إذا كانت الأجرة وهو حصة كل واحد منهما ~~مسماة في العقد، فإن لم يكن يجب أجر المثل تاما بالإجماع. # (وجه) قول محمد - رحمه الله - أن الأصل في الإجارة وجوب أجر المثل؛ لأنها ~~عقد معاوضة، وهو تمليك المنفعة بعوض ومبنى المعاوضات على المساواة بين ~~البدلين، وذلك في وجوب أجر المثل؛ لأنه المثل الممكن في الباب؛ إذ هو قدر ~~قيمة المنافع المستوفاة إلا أن فيه ضرب جهالة، وجهالة المعقود عليه تمنع ~~صحة العقد فلا بد من تسمية البدل تصحيحا للعقد فوجب المسمى على قدر قيمة ~~المنافع أيضا، فإذا لم يصح العقد لفوات شرط من شرائطه وجب المصير إلى البدل ~~الأصلي للمنافع وهو أجر المثل؛ ولهذا إذا لم يسم البدل أصلا في العقد وجب ~~أجر المثل بالغا ما بلغ. # (وجه) قول أبي يوسف: أن الأصل ما قاله محمد وهو: وجوب أجر المثل بدلا عن ~~المنافع قيمة لها؛ لأنه هو المثل بالقدر الممكن لكن مقدرا بالمسمى؛ لأنه ~~كما يجب اعتبار المماثلة في البدل في عقد المعاوضة بالقدر الممكن يجب ~~اعتبار التسمية بالقدر الممكن؛ لأن اعتبار تصرف العاقل واجب ما أمكن، وأمكن ~~ذلك بتقدير أجر المثل بالمسمى؛ لأن المستأجر ما رضي بالزيادة على المسمى، ~~والآجر ما رضي بالنقصان عنه فكان اعتبار المسمى في تقدير أجر المثل به عملا ~~بالدليلين ورعاية للجانبين بالقدر الممكن فكان أولى بخلاف ما إذا لم يكن ~~البدل مسمى في العقد؛ لأن البدل إذا لم يكن ms3726 مسمى أصلا لا حاجة إلى اعتبار ~~التسمية فوجب اعتبار أجر المثل فهو الفرق. ### | [فصل في المعاني التي هي عذر في فسخ المزارعة] # (فصل) : # وأما المعاني التي هي عذر في فسخ المزارعة فأنواع بعضها يرجع إلى صاحب ~~الأرض، وبعضها يرجع إلى المزارع. # (أما) الأول الذي يرجع إلى صاحب الأرض فهو الدين الفادح الذي لا قضاء له ~~إلا من ثمن هذه الأرض تباع في الدين، ويفسخ العقد بهذا العذر إذا أمكن ~~الفسخ بأن كان قبل الزراعة أو بعدها إذا أدرك الزرع، وبلغ مبلغ الحصاد؛ ~~لأنه لا يمكنه المضي في العقد إلا بضرر يلحقه فلا يلزمه تحمل الضرر فيبيع ~~القاضي الأرض بدينه أولا ثم يفسخ المزارعة ولا تنفسخ بنفس العذر، وإن لم ~~يمكن الفسخ بأن كان الزرع لم يدرك ولم يبلغ مبلغ الحصاد لا يباع في الدين ~~ولا يفسخ إلى أن يدرك الزرع؛ لأن في البيع إبطال حق العامل، وفي الانتظار ~~إلى وقت الإدراك تأخير حق صاحب الدين # PageV06P183 # وفيه رعاية الجانبين - فكان أولى ويطلق من الحبس إن كان محبوسا إلى غاية ~~الإدراك؛ لأن الحبس جزاء الظلم وهو المطل وإنه غير مماطل قبل الإدراك؛ ~~لكونه ممنوعا عن بيع الأرض شرعا، والممنوع معذور فإذا أدرك الزرع يرد إلى ~~الحبس ثانيا؛ ليبيع أرضه ويؤدي دينه بنفسه، وإلا فيبيع القاضي عليه. # (وأما) الثاني الذي يرجع إلى المزارع فنحو المرض - لأنه معجز عن العمل -، ~~والسفر - لأنه يحتاج إليه -، وترك حرفة إلى حرفة - لأن من الحرف ما لا يغني ~~من جوع فيحتاج إلى الانتقال إلى غيره -، ومانع يمنعه من العمل على ما عرف ~~في كتاب الإجارة. ### | [فصل في الذي ينفسخ به عقد المزارعة بعد وجوده] # (فصل) : # وأما الذي ينفسخ به عقد المزارعة بعد وجوده فأنواع: (منها) : الفسخ وهو ~~نوعان: صريح، ودلالة فالصريح: أن يكون بلفظ الفسخ والإقالة؛ لأن المزارعة ~~مشتملة على الإجارة والشركة، وكل واحد منهما قابل لصريح الفسخ والإقالة. # وأما الدلالة فنوعان: الأول: امتناع صاحب البذر عن المضي في العقد بأن ~~قال: لا أريد مزارعة الأرض ينفسخ العقد؛ ms3727 لما ذكرنا أن العقد غير لازم في ~~حقه فكان بسبيل من الامتناع عن المضي فيه من غير عذر، ويكون ذلك فسخا منه ~~دلالة. # والثاني: حجر المولى على العبد المأذون بعد ما دفع الأرض والبذر مزارعة، ~~وبيان ذلك: أن العبد المأذون إذا دفع الأرض والبذر مزارعة فحجره المولى قبل ~~المزارعة ينفسخ العقد حتى يملك منع المزارع عن المزارعة لأن العقد لم يقع ~~لازما من جهة العبد لأنه صاحب بذر فيملك المولى منعه عن الزراعة بالحجر كما ~~كان يملك العبد منعه قبل الحجر. # ولو كان البذر من جهة المزارع لا ينفسخ العقد حتى لا يملك المولى ولا ~~العبد منع المزارع عن المزارعة؛ لأن العقد لازم من قبل صاحب البذر؛ ولهذا ~~لا يملك العبد منعه عن الزراعة قبل الحجر فلا يملك المولى منعه بالحجر أيضا ~~هذا إذا دفع الأرض مزارعة، فأما إذا أخذها مزارعة، فإن كان البذر من قبله ~~انفسخ العقد؛ لأنه إذا حجر عليه فقد عجز عن العمل، وإنه يوجب انفساخ العقد ~~لفوات المعقود عليه، وإن كان البذر والأرض من قبل صاحب البذر لا ينفسخ ~~العقد بالحجر؛ لأنه بالحجر لم يعجز عن العمل إلا أن للمولى منعه عن العمل؛ ~~لما فيه من إتلاف ملكه وهو البذر فله أن يفسخ ما لا ينفسخ بالحجر هذا إذا ~~حجر على العبد المأذون، فأما إذا لم يحجر عليه ولكن نهاه عن الزراعة أو فسخ ~~العقد بعد الزراعة أو نهى قبل ذلك إلا أنه لم يحجر عليه فالنهي باطل، وكذلك ~~نهي الأب الصبي المأذون قبل عقد المزارعة أو بعده لا يصح؛ لأن النهي عن ~~الزراعة والفسخ بعدها من باب تخصيص الإذن بالتجارة، والإذن بالتجارة مما لا ~~يحتمل التخصيص. # (ومنها) : انقضاء مدة المزارعة؛ لأنها إذا انقضت فقد انتهى العقد وهو ~~معنى الانفساخ (ومنها) : موت صاحب الأرض سواء مات قبل الزراعة أو بعدها ~~وسواء أدرك الزرع أو وهو بقل؛ لأن العقد أفاد الحكم له دون وارثه؛ لأنه ~~عاقد لنفسه، والأصل أن من عقد لنفسه بطريق الأصالة فحكم تصرفه يقع ms3728 له لا ~~لغيره إلا لضرورة (ومنها) : موت المزارع سواء مات قبل الزراعة أو بعدها بلغ ~~الزرع حد الحصاد أو لم يبلغ لما ذكرنا. ### | [فصل في بيان حكم المزارعة المنفسخة] # (فصل) : # وأما بيان حكم المزارعة المنفسخة فنقول: وبالله التوفيق -: لا يخلو من ~~وجهين: إما أن انفسخت قبل الزراعة أو بعدها، فإن انفسخت قبل الزراعة لا شيء ~~للعامل، وإن كرب الأرض وحفر الأنهار وسوى المسنيات بأي طريق انفسخ سواء ~~انفسخ بصريح الفسخ أو بدليله أو بانقضاء المدة أو بموت أحد المتعاقدين؛ لأن ~~الفسخ يظهر أثره في المستقبل بانتهاء حكمه لا في الماضي فلا يتبين أن العقد ~~لم يكن صحيحا، والواجب في العقد الصحيح المسمى وهو بعض الخارج ولم يوجد فلا ~~شيء، وقيل: هذا جواب الحكم، فأما فيما بينه وبين الله - تعالى - عليه أن ~~يرضي العامل فيما إذا امتنع عن المضي في العقد قبل الزراعة، ولا يحل له ~~الامتناع شرعا فإنه يشبه التغرير وإنه حرام، وإن انفسخت بعد الزراعة، فإن ~~كان الزرع قد أدرك وبلغ الحصاد فالحصاد والخارج بينهما على الشرط، وإن كان ~~لم يدرك فكذا الجواب في صريح الفسخ ودليله وانقضاء المدة؛ لأن الزرع بينهما ~~على الشرط، والعمل فيما بقي إلى وقت الحصاد # PageV06P184 # عليهما وعلى المزارع أجر مثل نصف الأرض لصاحب الأرض. # (أما) الزرع بينهما على الشرط فلما مر أن انفساخ العقد يظهر أثره في ~~المستقبل لا في الماضي فبقي الزرع بينهما على ما كان قبل الانفساخ. # (وأما) العمل فيما بقي إلى وقت الحصاد عليهما؛ لأنه عمل في مال مشترك لم ~~يشترط العمل فيه على أحدهما فيكون عليهما وعلى المزارع أجر مثل نصف الأرض ~~لصاحب الأرض لأن العقد قد انفسخ، وفي القلع ضرر بالمزارع، وفي الترك بغير ~~أجر ضرر بصاحب الأرض فكان الترك بأجر المثل نظرا من الجانبين بخلاف ما إذا ~~مات صاحب الأرض، والزرع بقل أن العمل يكون على المزارع خاصة؛ لأن هناك ~~انفسخ العقد حقيقة لوجود سبب الفسخ وهو الموت إلا أنا بقيناه تقديرا دفعا ~~للضرر عن المزارع؛ لأنه لو ms3729 انفسخ لثبت لصاحب الأرض حق القلع وفيه ضرر ~~بالمزارع فجعل هذا عذرا في بقاء العقد تقديرا، فإذا بقي العقد كان العمل ~~على المزارع خاصة كما كان قبل الموت، وهذا لا يتضح فإن اتفق أحدهما من غير ~~إذن صاحبه ومن غير أمر القاضي فهو متطوع. # ولو أراد صاحب الأرض أن يأخذ الزرع بقلا لم يكن له ذلك؛ لأن فيه ضررا ~~بالمزارع. # ولو أراد المزارع أن يأخذه بقلا فصاحب الأرض بين خيارات ثلاث: إن شاء قلع ~~الزرع فيكون بينهما، وإن شاء أعطى المزارع قيمة نصيبه من الزرع، وإن شاء ~~أنفق هو على الزرع من ماله ثم يرجع على المزارع بحصته؛ لأن فيه رعاية ~~الجانبين. # (وأما) في موت أحد المتعاقدين أما إذا مات رب الأرض بعد ما دفع الأرض ~~مزارعة ثلاث سنين ونبت الزرع وصار بقلا تترك الأرض في يدي المزارع إلى وقت ~~الحصاد، ويقسم على الشرط المذكور؛ لأن في الترك إلى وقت الحصاد نظرا من ~~الجانبين، وفي القلع إضرارا بأحدهما وهو المزارع، ويكون العمل على المزارع ~~خاصة لبقاء العقد تقديرا في هذه السنة في هذا الزرع، وإن مات المزارع ~~والزرع بقل فقال ورثته: نحن نعمل على شرط المزارعة وأبى ذلك صاحب الأرض ~~فالأمر إلى ورثة المزارع؛ لأن في القلع ضررا بالورثة ولا ضرر بصاحب الأرض ~~في الترك إلى وقت الإدراك، وإذا ترك لا أجر للورثة فيما يعملون؛ لأنهم ~~يعملون على حكم عقد أبيهم تقديرا فكأنه يعمل أبوهم، وإن أراد الورثة قلع ~~الزرع لم يجبروا على العمل؛ لأن العقد ينفسخ حقيقة إلا أنا بقيناه ~~باختيارهم نظرا لهم، فإن امتنعوا عن العمل بقي الزرع مشتركا، فإما أن يقسم ~~بينهم بالحصص أو يعطيهم صاحب الأرض قدر حصتهم من الزرع البقل أو ينفق من ~~مال نفسه إلى وقت الحصاد ثم يرجع عليهم بحصتهم؛ لأن فيه رعاية الجانبين ~~والله - تعالى - أعلم. ### | [كتاب المعاملة] # وقد يسمى كتاب المساقاة، والكلام في هذا الكتاب في المواضع التي ذكرناها ~~في المزارعة، أما معنى المعاملة لغة: فهو مفاعلة من العمل، وفي عرف ms3730 الشرع ~~عبارة عن العقد على العمل ببعض الخارج مع سائر شرائط الجواز. # وأما شرعيتها: فقد اختلف العلماء فيها قال أبو حنيفة - عليه الرحمة -: ~~إنها غير مشروعة. # وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - والشافعي - رحمه الله -: مشروعة، ~~واحتجوا بحديث خيبر أنه - عليه الصلاة والسلام - دفع نخيلهم معاملة، ولأبي ~~حنيفة - رحمه الله - أن هذا استئجار ببعض الخارج، وأنه منهي عنه على ما ~~ذكرنا في كتاب المزارعة، وقد مر الجواب عن الاستدلال بحديث خيبر فلا نعيده. # (وأما) ركنها: فهو الإيجاب والقبول على نحو ما ذكرنا فيما تقدم من غير ~~تفاوت. # وأما الشرائط المصححة لها على قول من يجيزها فما ذكرنا في كتاب المزارعة ~~(منها) أن يكون العاقدان عاقلين فلا يجوز عقد من لا يعقل فأما البلوغ: فليس ~~بشرط، وكذا الحرية على نحو ما مر في كتاب المزارعة. # (ومنها) أن لا يكونا مرتدين في قول أبي حنيفة على قياس قول من أجاز ~~المعاملة حتى لو كان أحدهما مرتدا وقفت المعاملة، ثم إن كان المرتد هو ~~الدافع فإن أسلم فالخارج بينهما على الشرط وإن قتل أو مات أو لحق فالخارج ~~كله للدافع؛ لأنه نماء ملكه وللآخر أجر المثل إذا عمل، وعندهما الخارج بين ~~العامل المسلم وبين ورثة الدافع على الشرط في الحالين كما إذا كانا مسلمين، ~~وإن كان المرتد هو العامل فإن أسلم فالخارج بينهما على الشرط. # وإن قتل أو مات على الردة أو لحق فالخارج بين الدافع المسلم وبين ورثة ~~العامل المرتد على الشرط بالإجماع لما مر في المزارعة، هذا إذا كانت ~~المعاملة بين مسلم ومرتد فأما إذا كانت بين مسلمين ثم ارتدا أو ارتد أحدهما ~~فالخارج على الشرط لما مر في كتاب المزارعة، ويجوز معاملة المرتدة دفعا ~~واحدا # PageV06P185 # بالإجماع. # (ومنها) أن يكون المدفوع من الشجر الذي فيه ثمرة معاملة فيما يزيد ثمره ~~بالعمل، فإن كان المدفوع نخلا فيه طلع أو بسر قد احمر أو اخضر إلا أنه لم ~~يتناه عظمه جازت المعاملة وإن كان قد تناهى عظمه إلا أنه لم يرطب فالمعاملة ~~فاسدة؛ ms3731 لأنه إذا تناهى عظمه لا يؤثر فيه العمل بالزيادة عادة فلم يوجد ~~العمل المشروط عليه فلا يستحق الخارج بل يكون كله لصاحب النخل (ومنها) أن ~~يكون الخارج لهما، فلو شرطا أن يكون لأحدهما فسدت لما علم. # (ومنها) أن تكون حصة كل واحد منهما من بعض الخارج مشاعا معلوم القدر لما ~~علم. # (ومنها) أن يكون محل العمل وهو الشجر معلوما، وبيان هذه الجملة في كتاب ~~المزارعة (ومنها) التسليم إلى العامل وهو التخلية حتى لو شرطا العمل عليهما ~~فسدت لانعدام التخلية فأما بيان المدة فليس بشرط لجواز المعاملة استحسانا، ~~ويقع على أول ثمرة تخرج في أول السنة بخلاف المزارعة، والقياس أن يكون ~~شرطا؛ لأن ترك البيان يؤدي إلى الجهالة كما في المزارعة إلا أنه ترك القياس ~~لتعامل الناس ذلك من غير بيان المدة ولم يوجد ذلك في المزارعة حتى إنه لو ~~وجد التعامل به في موضع يجوز من غير بيان المدة، وبه كان يفتي محمد بن سلمة ~~على ما مر في المزارعة، ولو دفع أرضا ليزرع فيها الرطاب أو دفع أرضا فيها ~~أصول رطبة نابتة ولم يسم المدة فإن كان شيئا ليس لابتداء نباته ولا لانتهاء ~~جذه وقت معلوم فالمعاملة فاسدة، وإن كان وقت جذه معلوما يجوز ويقع على ~~الجذة الأولى كما في الشجرة المثمرة. ### | [فصل في الشرائط المفسدة للمعاملة] # (فصل) : # وأما الشرائط المفسدة للمعاملة فأنواع: دخل بعضها في الشرائط المصححة ~~للعقد؛ لأن ما كان وجوده شرطا للصحة كان انعدامه شرطا للإفساد. # (منها) شرط كون الخارج كله لأحدهما (ومنها) شرط أن يكون لأحدهما قفزان ~~مسماة (ومنها) شرط العمل على صاحب الأرض. # (ومنها) شرط الحمل والحفظ بعد القسمة على العامل لما ذكرنا في كتاب ~~المزارعة. # (ومنها) شرط الجذاذ والقطاف على العامل بلا خلاف؛ لأنه ليس من المعاملة ~~في شيء ولانعدام التعامل به أيضا فكان من باب مؤنة الملك، والملك مشترك ~~بينهما فكانت مؤنته عليهما على قدر ملكيهما. # (ومنها) شرط عمل تبقى منفعته بعد انقضاء مدة المعاملة نحو السرقنة ونصب ~~العرائش وغرس الأشجار وتقليب ms3732 الأرض وما أشبه ذلك؛ لأنه لا يقتضيه العقد ولا ~~هو من ضرورات المعقود عليه ومقاصده. # (ومنها) شركة العامل فيما يعمل فيه؛ لأن العامل أجير رب الأرض، واستئجار ~~الإنسان للعمل في شيء هو فيه شريك المستأجر لا يجوز حتى إن النخل لو كان ~~بين رجلين فدفعه أحدهما إلى صاحبه معاملة مدة معلومة على أن الخارج بينهما ~~أثلاث ثلثاه للشريك العامل وثلثه للشريك الساكت فالمعاملة فاسدة والخارج ~~بينهما على قدر الملك ولا أجر للعامل على شريكه لما مر أن في المعاملة معنى ~~الإجارة، ولا يجوز الاستئجار لعمل فيه الأجير شريك المستأجر وإذا عمل لا ~~يستحق الأجر على شريكه لما عرف في الإجارات ولا يشبه هذا المزارعة؛ لأن ~~الأرض إذا كانت مشتركة بين اثنين دفعها أحدهما إلى صاحبه مزارعة على أن ~~يزرعها ببذره. # وله ثلثا الخارج أنه تجوز المزارعة؛ لأن هناك لم يتحقق الاستئجار للعمل ~~في شيء الأجير فيه شريك المستأجر لانعدام الشركة في البذر وهنا تحقق لثبوت ~~الشركة في النخل فهو الفرق، ولا يتصدق واحد منهما بشيء من الخارج؛ لأنه ~~خالص ماله لكونه نماء ملكه، ولو شرطا أن يكون الخارج لهما على قدر ملكيهما ~~جازت المعاملة؛ لأن استحقاق كل واحد منهما أعني من الشريكين لكونه نماء ~~ملكه لا بالعمل بل العامل منهما معين لصاحبه في العمل من غير عوض فلم يتحقق ~~الاستئجار. # ولو أمر الشريك الساكت الشريك العامل أن يشتري ما يلقح به النخل فاشتراه ~~رجع عليه بنصف ثمنه؛ لأنه اشترى مالا متقوما على الشركة بأمره فيرجع عليه، ~~وسواء كان العامل في عقد المعاملة واحدا أو أكثر حتى لو دفع رجل نخله إلى ~~رجلين معاملة بالنصف أو بالثلث جاز وسواء سوى بينهما في الاستحقاق أو جعل ~~لأحدهما فضلا؛ لأن كل واحد منهما أجير صاحب الأرض فكان استحقاق كل واحد ~~منهما بالشرط فيتقدر بقدر الشرط. # ولو شرط لأحد العاملين مائة درهم على رب الأرض والآخر ثلث الخارج ولرب ~~الأرض الثلثان جاز؛ لأن الواجب لكل واحد منهما أجرة مشروطة فيجب على حسب ما ~~يقتضيه ms3733 الشرط ولو # PageV06P186 # شرطا لصاحب النخل الثلث ولأحد العاملين الثلثين وللآخر أجر مائة درهم على ~~العامل الذي شرط له الثلثان فهو فاسد ولا يشبه هذا المزارعة إن من دفع ~~الأرض مزارعة على أن لرب الأرض الثلث وللزارع الثلثان على أن يعمل فلان معه ~~بثلث الخارج أن المزارعة جائزة بين رب الأرض والمزارع فاسدة في حق الثالث؛ ~~لأن المعاملة استئجار العامل، والأجرة تجب على المستأجر دون الأجير بمقابلة ~~العمل. # والعمل للمستأجر فكانت الأجرة عليه فإذا اشترطها على الأجير فقد استأجره ~~ليعمل له على أن تكون الأجرة على غيره ولا سبيل إليه ففسد العقد، وهذا هو ~~الموجب للفساد في حق الثالث في باب المزارعة لا أنه صح فيما بين صاحب الأرض ~~والمزارع؛ لأنه جعل بمنزلة عقدين ففساد أحدهما لا يوجب فساد الآخر وهذا مع ~~هذا التكلف غير واضح ويتضح إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في حكم المعاملة الصحيحة] # (فصل) : # وأما حكم المعاملة الصحيحة عند مجيزها فأنواع (منها) أن كل ما كان من عمل ~~المعاملة مما يحتاج إليه الشجر والكرم والرطاب وأصول الباذنجان من السقي ~~وإصلاح النهر والحفظ والتلقيح للنخل فعلى العامل؛ لأنها من توابع المعقود ~~عليه فيتناوله العقد، وكلما كان من باب النفقة على الشجر والكرم والأرض من ~~السرقين وتقليب الأرض - التي فيها الكرم والشجر والرطاب - ونصب العرائش ~~ونحو ذلك فعليهما على قدر حقيهما؛ لأن العقد لم يتناوله لا مقصودا ولا ~~ضرورة. # وكذلك الجذاذ والقطاف؛ لأن ذلك يكون بعد انتهاء العمل فلا يكون من حكم ~~عقد المعاملة. # (ومنها) أن يكون الخارج بينهما على الشرط لما مر (ومنها) أنه إذا لم يخرج ~~الشجر شيئا فلا شيء لواحد منهما بخلاف المزارعة الفاسدة لما مر من الفرق في ~~كتاب المزارعة. # (ومنها) أن هذا العقد لازم من الجانبين حتى لا يملك أحدهما الامتناع ~~والفسخ من غير رضا صاحبه إلا من عذر بخلاف المزارعة فإنها غير لازمة في ~~جانب صاحب البذر، وقد مر الفرق. # (ومنها) ولاية جبر العامل على العمل إلا من عذر على ما قدمناه. # (ومنها) جواز ms3734 الزيادة على الشرط والحط عنه وانعدام الجواز، والأصل فيه ما ~~مر في كتاب المزارعة أن كل موضع احتمل إنشاء العقد احتمل الزيادة وإلا فلا، ~~والحط جائز في الموضعين أصله بالزيادة في الثمن والمثمن، فإذا دفع نخلا ~~بالنصف معاملة فخرج الثمر فإن لم يتناه عظمه جازت الزيادة منهما أيهما كان؛ ~~لأن الإنشاء للعقد في هذه الحالة جائز فكانت الزيادة جائزة. # ولو تناهى عظم البسر جازت الزيادة من العامل لرب الأرض شيئا ولا تجوز ~~الزيادة من رب الأرض للعامل شيئا؛ لأن هذه زيادة في الأجرة؛ لأن العامل ~~أجير والمحل لا يحتمل الزيادة، ألا ترى أنه لا يحتمل الإنشاء، والأول حط من ~~الأجرة واحتمال الإنشاء ليس بشرط لصحة الحط. # (ومنها) أن العامل لا يملك أن يدفع إلى غيره معاملة إلا إذا قال له رب ~~الأرض اعمل فيه برأيك؛ لأن الدفع إلى غيره إثبات الشركة في مال غيره بغير ~~إذنه فلا يصح، وإذا قال له اعمل فيه برأيك فقد أذن له فصح ولو لم يقل له ~~اعمل برأيك فيه فدفع العامل إلى رجل آخر معاملة فعمل فيه فأخرج فهو لصاحب ~~النخل ولا أجر للعامل الأول؛ ولأن استحقاقه بالشرط - وهو شرط العمل - ولم ~~يوجد منه العمل بنفسه ولا بغيره أيضا؛ لأن عقده معه لم يصح فلم يكن عمله ~~مضافا إليه وله على العامل الأول أجر مثل عمله يوم عمل؛ لأنه عمل له بأمره ~~فاستحق أجر المثل. # ولو هلك الثمر في يد العامل الأخير منا غير عمله وهو في رءوس النخل فلا ~~ضمان على واحد منهما لانعدام الغصب من واحد منهما وهو تفويت يد المالك. # ولو هلك من عمله في أمر خالف فيه أمر العامل الأول فالضمان لصاحب النخل ~~على العامل الآخر دون الأول؛ لأن الخلاف قطع نسبة عمله إليه فبقي متلفا على ~~المالك ماله فكان الضمان عليه. # ولو هلك في يده من عمله في أمر لم يخالف فيه أمر العامل الأول فلصاحب ~~النخل أن يضمن أيهما شاء؛ لأنه إذا لم يوجد منه بخلاف بقي عمله ms3735 مضافا إليه ~~كأنه عمل لنفسه فكان له أن يضمنه وله أن يضمن الثاني؛ لأنه في معنى غاصب ~~الغاصب، فإن اختار تضمين الأول لم يرجع على الآخر بشيء؛ لأنه عمل بأمر ~~الأول فلو رجع عليه لرجع هو عليه أيضا فلا يفيد، وإن اختار تضمين الآخر ~~يرجع على الأول لأنه غره في هذا العقد فيرجع عليه بضمان الغرور وهو ضمان ~~السلامة هذا إذا لم يقل له اعمل فيه برأيك فأما إذا قال وشرط النصف فدفعه ~~إلى رجل آخر بثلث # PageV06P187 # الخارج فهو جائز لما ذكرنا، وما خرج من الثمر فنصفه لرب النخل والسدس ~~للعامل الأول؛ لأن شرط الثلث يرجع إلى نصيبه خاصة؛ لأن العمل واجب عليه ~~فبقي له السدس ضرورة وذكر محمد - رحمه الله - في الأصل أنه إذا لم يقل اعمل ~~فيه برأيك وشرط له شيئا معلوما وشرط الأول للثاني مثل ذلك فهما فاسدان ولا ~~ضمان على العامل الأول ### | [فصل في حكم المعاملة الفاسدة] # (فصل) : # وأما حكم المعاملة الفاسدة فأنواع ذكرناها في المزارعة منها: أنه لا يجبر ~~العامل على العمل؛ لأن الجبر على العمل بحكم العقد ولم يصح، ومنها أن ~~الخارج كله لصاحب الأرض؛ لأن استحقاق الخارج لكونه نماء ملكه واستحقاق ~~العامل بالشرط ولم يصح فيكون لصاحب الملك، ولا يتصدق بشيء منه؛ لأنه حصل عن ~~خالص ملكه، ومنها أن أجر المثل لا يجب في المعاملة الفاسدة ما لم يوجد ~~العمل لما ذكرنا في المزارعة، ومنها أن وجوب أجر المثل فيها لا يقف على ~~الخارج بل يجب وإن لم يخرج الشجر شيئا بخلاف المعاملة الصحيحة، وقد ذكرنا ~~الفرق في كتاب المزارعة ومنها أن أجر المثل فيها يجب مقدرا بالمسمى لا ~~يتجاوز عنه عند أبي يوسف وعند محمد يجب تاما وهذا الاختلاف فيما إذا كانت ~~حصة كل واحد منهما مسماة في العقد فإن لم تكن مسماة في العقد يجب أجر المثل ~~تاما بلا خلاف، وقد مرت المسألة في كتاب المزارعة ### | [فصل في المعاني التي هي عذر في فسخ المعاملة] # (فصل) : # وأما المعاني التي هي عذر ms3736 في فسخها فما ذكرنا في كتاب المزارعة، ومن ~~الأعذار التي في جانب العامل أن يكون سارقا معروفا بالسرقة فيخاف الثمر ~~والسعف. # (فصل) : # وأما الذي ينفسخ به عقد المعاملة فأنواع: منها صريح الفسخ، ومنها ~~الإقالة، ومنها انقضاء المدة، ومنها موت المتعاقدين، وقد مر في كتاب ~~المزارعة. # (فصل) : # وأما حكم المعاملة المنفسخة فعلى نحو حكم المزارعة المنفسخة - والله ~~تعالى أعلم -. ### | [كتاب الشرب] # الكلام في هذا الكتاب في مواضع في بيان معنى الشرب لغة وشرعا وفي بيان ~~أنواع المياه وفي بيان حكم كل نوع منها أما الأول: فالشرب في اللغة عبارة ~~عن الحظ والنصيب من الماء قال الله - تعالى عز شأنه - قال {هذه ناقة لها ~~شرب ولكم شرب يوم معلوم} [الشعراء: 155] وفي الآية الكريمة دلالة على جواز ~~قسمة الشرب بالأيام؛ لأن الله - سبحانه وتعالى عز اسمه - أخبر عن نبيه ~~سيدنا صالح - عليه الصلاة والسلام - قبل ذلك ولم يعقبه بالفسخ فصارت شريعة ~~لنا مبتدأة، وبها استدل محمد - رحمه الله - في كتاب الشرب لجواز قسمة الشرب ~~بالأيام وفي عرف الشرع عبارة عن حق الشرب والسقي وأما بيان. # أنواع المياه فنقول: المياه أربعة أنواع: الأول: الماء الذي يكون في ~~الأواني والظروف والثاني الماء الذي يكون في الآبار والحياض والعيون ~~والثالث ماء الأنهار الصغار التي تكون لأقوام مخصوصين والرابع: ماء الأنهار ~~العظام كجيحون وسيحون ودجلة والفرات ونحوها أما بيان حكم كل نوع منها على ~~القسمة أما الأول فهو مملوك لصاحبه لا حق لأحد فيه؛ لأن الماء وإن كان ~~مباحا في الأصل لكن المباح يملك بالاستيلاء إذا لم يكن مملوكا لغيره كما ~~إذا استولى على الحطب والحشيش والصيد فيجوز بيعه كما يجوز بيع هذه الأشياء. # وكذا السقاءون يبيعون المياه المحروزة في الظروف، به جرت العادة في ~~الأمصار وفي سائر الأعصار من غير نكير فلم يحل لأحد أن يأخذ منه فيشرب من ~~غير إذنه. # ولو خاف الهلاك على نفسه من العطش فسأله فمنعه فإن لم يكن عنده فضل فليس ~~له أن يقاتله أصلا؛ لأن هذا دفع الهلاك عن نفسه ms3737 بإهلاك غيره لا بقصد إهلاكه ~~وهذا لا يجوز وإن كان عنده فضل ماء عن حاجته فللممنوع أن يقاتله ليأخذ منه ~~الفضل لكن بما دون السلاح، كما إذا أصابته مخمصة وعند صاحبه فضل طعام فسأله ~~فمنعه وهو لا يجد غيره. # وأما الثاني: الماء الذي يكون في الحياض والآبار والعيون فليس بمملوك ~~لصاحب بل هو مباح في نفسه، سواء كان في أرض مباحة أو مملوكة لكن له حق خاص ~~فيه لأن الماء في الأصل خلق مباحا لقول النبي - عليه الصلاة والسلام - # PageV06P188 # «الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار» والشركة العامة تقتضي الإباحة ~~إلا أنه إذا جعل في إناء وأحرزه به فقد استولى عليه وهو غير مملوك لأحد ~~فيصير مملوكا للمستولي كما في سائر المباحات الغير المملوكة، وإذا لم يوجد ~~ذلك بقي على أصل الإباحة الثابتة بالشرع فلا يجوز بيعه؛ لأن محل البيع هو ~~المال المملوك وليس له أن يمنع الناس من الشفة - وهو الشرب بأنفسهم - وسقي ~~دوابهم منه؛ لأنه مباح لهم. # وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن منع نبع البئر وهو ~~فضل مائها الذي يخرج منها، فلهم أن يسقوا منها لشفاههم ودوابهم فأما ~~لزروعهم وأشجارهم فله أن يمنع ذلك لما في الإطلاق من إبطال حقه أصلا إلا ~~إذا كان ذلك في أرض مملوكة فلصاحبها أن يمنعهم عن الدخول في أرضه إذا لم ~~يضطروا إليه بأن وجدوا غيره؛ لأن الدخول إضرار به من غير ضرورة فله أن يدفع ~~الضرر عن نفسه وإن لم يجدوا غيره واضطروا وخافوا الهلاك يقال له: إما أن ~~تأذن بالدخول، وإما أن تعطي بنفسك فإن لم يعطهم ومنعهم من الدخول لهم أن ~~يقاتلوه بالسلاح ليأخذوا قدر ما يندفع به الهلاك عنهم والأصل فيه ما روي أن ~~قوما وردوا ماء فسألوا أهله أن يدلوهم على البئر فأبوا وسألوهم أن يعطوهم ~~دلوا فأبوا فقالوا لهم: إن أعناقنا وأعناق مطايانا كادت تقطع فأبوا فذكروا ~~ذلك لسيدنا عمر - رضي الله عنه - فقال: هلا وضعتم فيهم السلاح # بخلاف الماء ms3738 المحرز في الأواني والطعام حالة المخمصة؛ لأن الماء هناك ~~مملوك لصاحبه وكذا الطعام فلا بد من مراعاة حرمة الملك لحرمة القتال ~~بالسلاح، ولا ملك هناك بل هو على الإباحة الأصلية على ما بينا، فإذا منعه ~~أحد ما له حق أخذه قاتله بالسلاح كما إذا منعه ماله المملوك وأما الثالث: ~~الماء الذي يكون في الأنهار التي تكون لأقوام مخصوصين فيتعلق به أحكام ~~بعضها يرجع إلى نفس الماء، وبعضها يرجع إلى الشرب، وبعضها يرجع إلى النهر. # أما الذي يرجع إلى نفس الماء فهو أنه غير مملوك لأحد لما ذكرنا أن الماء ~~خلق مباح الأصل بالنص وإنما يأخذ حكم الملك بالإحراز بالأواني فلا يجوز ~~بيعه لعدم الملك. # ولو قال: اسقني يوما من نهرك على أن أسقيك يوما من نهر كذا لا يجوز؛ لأن ~~هذا مبادلة الماء بالماء فيكون بيعا أو إجارة الشرب بالشرب، وكل ذلك لا ~~يجوز، ولا تجوز إجارته؛ لأن الإجارة تمليك المنفعة لا تمليك العين بمنافعها ~~ليست بمملوكة، ولو استأجر حوضا أو بئرا ليسقي منه ماء لا يجوز؛ لأن هذا ~~استئجار الماء، وكذا لو استأجر النهر ليصيد منه السمك؛ لأن هذا استئجار ~~السمك، وكذا لو استأجر أجمة ليحتطب؛ لأن هذا استئجار لحطب والأعيان لا ~~تحتمل الإجارة. # وليس لصاحب النهر أن يمنع من الشفة وهو شرب الناس والدواب، وله أن يمنع ~~من سقي الزرع والأشجار؛ لأن له فيه حقا خاصا وفي إطلاق السقي إبطال حقه؛ ~~لأن كل واحد يتبادر إليه فيسقي منه زرعه وأشجاره فيبطل حقه أصلا. # ولو أذن بالسقي والنهر خاص له جاز، لأنه أبطل حق نفسه. # وأما الذي يرجع إلى الشرب: فهو أنه لا يجوز بيعه منفردا بأن باع شرب يوم ~~أو أكثر؛ لأنه عبارة عن حق الشرب والسقي والحقوق لا تحتمل الإفراد بالبيع ~~والشراء. # ولو اشترى به دارا وعبدا وقبضهما لزمه رد الدار والعبد؛ لأنه مقبوض بحكم ~~عقد فاسد فكان واجب الرد كما في سائر البياعات الفاسدة ولا شيء على البائع ~~بما انتفع به من الشرب. # ولو باع الأرض ms3739 مع الشرب جاز تبعا للأرض، ويجوز أن يجعل الشيء تبعا لغيره ~~وإن كان لا يجعله مقصودا بنفسه كأطراف الحيوان، ولا يدخل الشرب في بيع ~~الأرض إلا بالتسمية صريحا أو بذكر ما يدل عليه بأن يقول: بعتها بحقوقها أو ~~بمرافقها أو كل قليل وكثير هو لها داخل فيها وخارج عنها من حقوقها فإن لم ~~يذكر شيئا من ذلك لا يدخل؛ لأن اسم الأرض بصيغته وحروفه لا يدل على الشرب ~~ولا تجوز إجارته مفردا؛ لأن الحقوق لا تحتمل الإجارة على الانفراد كما لا ~~تحتمل البيع وكذا لو جعله أجرة في إجارة الدار والعبد ونحو ذلك لا يجوز؛ ~~لأن الأجرة في باب الإجارة كالثمن في باب البيع وإنه لا يصلح ثمنا في ~~البياعات فلا يصلح أجرة في الإجارات. # ولو انتفع بالدار والعبد لزمه أجر مثله؛ لأنه استوفى منفعة المعقود عليه ~~عقدا فاسدا فيلزمه أجرة المثل كما في سائر الإجارات الفاسدة. # ولو استأجر الأرض مع الشرب جاز تبعا للأرض كما في البيع على ما ذكرنا ولو ~~استأجر أرضا ولم يذكر الشرب والمسيل أصلا فالقياس أن لا يكون الشرب والمسيل ~~كما في البيع وفي الاستحسان كانا له ويدخلا تحت # PageV06P189 # إجارة الأرض من غير تسمية نصا لوجودها دلالة؛ لأن الإجارة تمليك المنفعة ~~بعوض ولا يمكن الانتفاع بالأرض بدون الشرب فيصير الشرب مذكورا بذكر الأرض ~~دلالة بخلاف البيع لأن البيع تمليك العين والعين تحتمل الملك بدونه، ولا ~~تجوز هبته والتصدق به؛ لأن كل واحد منهما تمليك والحقوق المفردة لا تحتمل ~~التمليك، ولا يجوز الصلح عليه بأن صالح من دعوى على شرب سواء كان دعوى ~~المال أو الحق من القصاص في النفس وما دونه؛ لأن الصلح في معنى البيع إلا ~~أنه يسقط القصاص ويكون الصلح كأنه على العفو لما ذكرنا في كتاب الصلح، ولأن ~~صورة الصلح أورثت شبهة والقصاص لا يستوفى مع الشبهات وتجب على القاتل ~~والجارح الدية وأرش الجناية. # ولا تصح تسميته في باب النكاح بأن تزوج امرأة عليه وعلى الزوج مهر المثل؛ ~~لأن النكاح تصرف تمليك ms3740 وأنه لا يحتمل التمليك، وإذا لم تصح التسمية يجب ~~العوض الأصلي وهو مهر المثل. # ولا تصح تسميته في الخلع بأن اختلعت المرأة من نفسها عليه وعليها رد ~~المأخوذ من المهر؛ لأن تسميته في معرض التمليك إن لم يصح فهو مال لكونه ~~مرغوبا فيه فمن حيث إنه لم يحتمل التمليك لم يصلح بدل الخلع، ومن حيث هو ~~مال مرغوب فيه في نفسه لم يبطل ذلك أصلا فيظهر في وجوب رد المأخوذ، وهذا ~~أصلي في باب الخلع محفوظ أنه شيء تعذر تسليم البدل المذكور وهو مال مرغوب ~~في نفسه يجب عليها رد المأخوذ من المهر ومورثه؛ لأن الإرث لا يقف على الملك ~~لا محالة بل يثبت في حق المال كما يثبت في الملك كخيار العيب ونحو ذلك. # ويوصي به حتى لو أوصى لرجل أن يسقي أرضه مدة معلومة من شربه جازت الوصية ~~وتعتبر من الثلث؛ لأن الوصية وإن كان تمليكا لكنها تمليك بعد الموت، ألا ~~ترى أن الموصى له لا يملك الموصى به في الحال وإنما يملك بعد الموت فأشبه ~~الميراث فإذا احتمل الإرث احتمل الوصية التي هي أخت الميراث، وإذا مات ~~الموصى له تبطل الوصية حتى لا تصير ميراثا لورثة الموصى له؛ لأن الشرب ليس ~~بعين مال بل هو حق مالي وشبه الخدمة ثم الوصية بالخدمة تبطل بموت الموصى له ~~ولا تصير ميراثا، فكذلك الوصية بالشرب. # ولو أوصى أن يتصدق بالشرب على المساكين لم يصح؛ لأنه لما لم يحتمل ~~التمليك بالتصدق استوى فيه الحال والإضافة إلى ما بعد الموت بالوصية ويسقي ~~كل واحد من الشركاء على قدر شربه ولو اختلفا في قدر الشرب ولا بينة لأحدهم ~~تحكم الأراضي فيكون الشرب بينهم على قدر أراضيهم ولا يعتبر عدد الرءوس ~~بخلاف الجماعة إذا اختلفوا في طريق مشترك بينهم أنه لا تحكم فيه بقعة الدار ~~بل يعتبر فيه عدد الرءوس وإنما كان كذلك لاختلاف المقصود إذ المقصود من ~~الشرب السقي، والسقي يختلف باختلاف الأراضي، والمقصود من الطريق هو المرور ~~وإنه لا يختلف باختلاف الدور. ms3741 # ولو كان الأعلى منهم لا يشرب ما لم يسكر النهر عن الأسفل بأن كانت أرضه ~~ربوة لم يكن له ذلك ولكن يشرب بحصته؛ لأن في سكر النهر حتى يشرب الأعلى منع ~~الأسفل من الشرب وهذا لا يجوز، إلا إذا تراضيا على أن يسكر كل في نوبته ~~فيجوز. # ولو أراد أحد الشركاء أن ينصب على النهر المشترك رحى أو دالية أو سانية ~~نظر فيه فإن كان لا يضر بالشرب والنهر وكان موضع البناء أرض صاحبه وإلا ~~فلا؛ لأن رقبة النهر وموضع البناء ملك بين الجماعة على الشركة، وحق الكل ~~متعلق بالماء ولا سبيل إلى التصرف في الملك المشترك والحق المشترك إلا برضا ~~الشركاء وأما الذي يرجع إلى النهر: فالأصل فيه أن النهر الخاص لجماعة لا ~~يملك أحدهم التصرف فيه من غير رضا الباقين سواء أضر بهم التصرف أو لا؛ لأن ~~رقبة النهر مملوكة لهم، وحرمة التصرف في المملوك لا تقف على الإضرار ~~بالمالك حتى لو أراد واحد من الشركاء أن يحفر نهرا صغيرا من النهر المشترك ~~فيسوق الماء إلى أرض أحياها ليس لها منه شرب ليس له ذلك إلا برضاهم لأن ~~الحفر تصرف في محل مملوك على الشركة من غير رضاهم فيمنع عنه. # وكذلك لو كان هذا النهر يأخذ الماء من النهر العظيم فأراد واحد أن يزيد ~~فيها كوة من غير رضا الشركاء ليس له ذلك. # وإن كان ذلك لا يضرهم؛ لأن ذلك تصرفهم في النهر بإجراء زيادة ماء فيه من ~~غير رضاهم فيمنع عنه. # ولو أراد أن ينصب عليه رحى فإن كان موضع البناء مملوكا له والماء يدير ~~الرحى على سيبه له ذلك، وإن كان موضع البناء مشتركا أو تقع الحاجة إلى ~~تعريج الماء ثم الإعادة ليس له ذلك لما فيه من الضرر بالشركاء بتأخير # PageV06P190 # وصول حقهم إليهم بالتعريج، كما إذا حفر نهرا في أرضه وأراد أن يعرج الماء ~~إليه ثم يعيده إلى النهر، وكذلك لو أراد أحدهم أن ينصب دالية أو سانية فهو ~~على هذا التفصيل، وليس لأحدهم أن ms3742 يضع قنطرة على هذا النهر من غير رضاهم؛ ~~لأن القنطرة تصرف في حافتي النهر وفي هواه، وكل ذلك مشترك ولو كان النهر ~~بين شريكين له خمس كوى من النهر الأعظم ولأحد الشريكين أرض في أعلى النهر ~~وللآخر أرض في أسفله فأراد صاحب الأعلى أن يسد شيئا من تلك الكوى لما يدخل ~~من الضرر في أرضه ليس له ذلك إلا برضا شريكه؛ لأنه يتضرر به شريكه فلا يجوز ~~له دفع الضرر عن نفسه بإضرار غيره. # وإن أراد أن يتهايآ حتى يسد في حصته ما شاء لم يكن له ذلك إلا برضا ~~الشريك لما قلنا، وإن تراضيا على ذلك زمانا ثم بدا لصاحب الأسفل أن ينقض ~~فله ذلك؛ لأن المراضاة على ما لا يحتمل التمليك تكون مهايأة وإنها غير ~~لازمة ولو كان النهر بين رجلين له كوى فأضاف رجل أجنبي إليها كوة وحفر نهرا ~~منه إلى أرضه برضا منهما ومضى على ذلك زمان ثم بدا لأحدهما أن ينقض فله ~~ذلك؛ لأن العارية لا تكون لازمة، وكذلك لو مات لورثتهما أن ينقضوا ذلك لما ~~قلنا ولو كان نهر بين جماعة يأخذ الماء من النهر الأعظم ولكل رجل نهر من ~~هذا النهر فمنهم من له كوتان ومنهم من له ثلاث كوى فقال صاحب الأسفل لصاحب ~~الأعلى: إنكم تأخذون أكثر من نصيبكم؛ لأن دفعة الماء وكثرته في أول النهر ~~ولا يأتينا إلا وهو قليل فأرادوا المهايأة أياما معلومة فليس لهم ذلك، ~~ويترك الماء والنهر على حاله؛ لأن ملكهم في رقبة النهر لا في نفس الماء. # ولو أراد واحد منهم أن يوسع كوة نهره لم يكن له ذلك؛ لأنه يدخل فيها ~~الماء زائدا على حقه فلا يملك ذلك. # ولو حفر في أسفل النهر جاز. # ولو زاد في عرضه لا يجوز؛ لأن الكوى من حقوق النهر فيملكه بملك النهر ~~بخلاف الزيادة في العرض، ولو كان نهر يأخذ الماء من النهر الأعظم بين قوم ~~فخافوا أن ينبثق فأرادوا أن يحصنوه فامتنع بعضهم عن ذلك فإن كان ضررا عاما ms3743 ~~يجبرون على أن يحصنوه بالحصص، وإن لم يكن فيه ضرر عام لا يجبرون عليه؛ لأن ~~الانتفاع متعذر عند عموم الضرر، فكان الجبر على التحصيص من باب دفع الضرر ~~عن الجماعة فجاز وإذا لم يكن الضرر عاما يمكن الانتفاع بالنهر فكان الجبر ~~بالتحصيص جبرا عليه لزيادة الانتفاع بالنهر وهذا لا يجوز ولو كان نهر لرجل ~~ملاصق لأرض رجل فاختلف صاحب الأرض والنهر في مسناة فالمسناة لصاحب الأرض ~~عند أبي حنيفة - رحمه الله - له أن يغرس فيها طينه ولكن ليس له أن يهدمها. # وعند أبي يوسف ومحمد المسناة لصاحب النهر حريما لنهره وله أن يغرس فيها ~~ويلقي طينه ويجتاز فيها، وإن لم يكن ملاصقا بل كان بين النهر والأرض حائل ~~من حائط ونحوه كانت المسناة لصاحب النهر بالإجماع، وبعض مشايخنا بنوا هذا ~~الاختلاف على أن النهر هل له حريم أم لا؟ بأن حفر رجل نهرا في أرض موات ~~بإذن الإمام عند أبي حنيفة لا حريم له، وعندهما له حريم. # (ووجه) البناء عليه أنه لما لم يكن للنهر حريم عند أبي حنيفة كان الظاهر ~~شاهدا لصاحب الأرض فكان القول قوله، ولما كان له حريم عندهما كان الظاهر ~~شاهدا لصاحب النهر فيكون القول قوله وبعضهم لم يصححوا البناء. # وقالوا: لا خلاف أن للنهر حريما في أرض الموات؛ لأن للبئر والعين حريما ~~بما فيها بالإجماع، وقد روى - عليه الصلاة والسلام - أنه جعل لهما حريما ~~لحاجتهما إلى الحفر لتعذر الانتفاع بها بدون الحفر؛ لأن حاجة النهر إلى ~~الحريم كحاجة البئر والعين بل أشد فكان جعل الشرع للبئر والعين حريما جعلا ~~للنهر من طريق الأولى، دل أن البناء على هذا الأصل غير صحيح فكان هذا خلافا ~~مبتدأ. # (وجه) قولهما أنه لما كان للنهر حريم بالاتفاق كان الظاهر شاهدا لصاحب ~~النهر فيجب العمل بالظاهر حتى يقوم الدليل بخلافه، ولهذا كان القول قول ~~صاحب البئر والعين عند الاختلاف كذا هذا، ولأبي حنيفة أن المسناة إذا كانت ~~مستوية بالأرض فالظاهر أنها ملك صاحب الأرض، إذ لو كانت حريما للنهر لكانت ms3744 ~~مرتفعة لكونها ملقى طينه فكان الظاهر شاهدا لصاحب الأرض إلا أنه لا يملك ~~هدمها لتعلق حق صاحب النهر بها، وفي الهدم إبطاله. # ويجوز أن يمنع الإنسان من التصرف في ملكه لتعلق حق الغير كحائط لإنسان ~~عليه جذوع لغيره فأراد هدم الحائط يمنع منه كذا هذا، ثم كري النهر المشترك ~~على أصحاب النهر وليس على أصحاب الشفة في الكري # PageV06P191 # شيء؛ لأن هذا من حقوق الملك ولا ملك لأهل الشفة في رقبة النهر بل لهم حق ~~شرب الماء والسقي للدواب فقط واختلف في كيفية الكري عليهم قال أبو حنيفة: ~~عليهم أن يكروا من أعلاه وإذا جاوزوا أرض رجل دفع عنه وكان الكري على من ~~بقي وقال أبو يوسف ومحمد الكري عليهم جميعا من أوله إلى آخره بحصص الشرب ~~والأراضي حتى إن النهر لو كان بين عشرة أنفس أراضيهم عليه لأخر كري فوهة ~~النهر إلى أن يجاوز شرب أولهم بينهم على عشرة أسهم على كل واحد منهم العشر ~~فإذا جاوزوا شرب الأول سقط عنه الكري. # وكان على الباقين على تسعة أسهم فإذا جاوزوا شرب الثاني سقط عنه الكري ~~وكان على الباقين على ثمانية أسهم هكذا، وهذا عند أبي حنيفة. # (وأما) عندهما فالكري بينهم على عشرة أسهم من أعلى النهر إلى أسفله. # (وجه) قول أبي حنيفة أن الكري من حقوق الملك والملك في الأعلى مشترك بين ~~الكل من فوهة النهر إلى شرب أولهم فكانت مؤنته على الكل فأما بعده فلا ملك ~~لصاحب الأعلى فيه إنما له حق وهو حق تسييل الماء فيه فكانت مؤنته على صاحب ~~الملك لا على صاحب الحق ولهذا كانت مؤنة الكري على أصحاب النهر ولا شيء على ~~أهل الشفة؛ لأن الملك لأصحاب النهر ولأهل الشفة حق الشرب وسقي دوابهم وكذا ~~كل من كان له ميل على سطح مملوك لغيره فكانت غرامته على صاحب السطح لا عليه ~~لما قلنا. # (وأما) الأنهار العظام كسيحون ودجلة والفرات ونحوها فلا ملك لأحد فيها ~~ولا في رقبة النهر وكذا ليس لأحد حق خاص فيها ولا ms3745 في الشرب بل هو حق لعامة ~~المسلمين فلكل أحد أن ينتفع بهذه الأنهار بالشفة والسقي وشق النهر منها إلى ~~أرضه بأن أحيا أرضا ميتة بإذن الإمام له أن يشق إليها نهرا من هذه الأنهار ~~وليس للإمام ولا لأحد منعه إذا لم يضر بالنهر وكذا له أن ينصب عليه رحى ~~ودالية وسانية إذا لم يضر بالنهر؛ لأن هذه الأنهار لم تدخل تحت يد أحد فلا ~~يثبت الاختصاص بها لأحد فكان الناس فيها كلهم على السواء، فكان كل واحد ~~بسبيل من الانتفاع لكن بشريطة عدم الضرر بالنهر كالانتفاع بطريق العامة وإن ~~أضر بالنهر فلكل واحد من المسلمين منعه لما بينا أنه حق لعامة المسلمين. # وإباحة التصرف في حقهم مشروطة بانتفاء الضرر كالتصرف في الطريق الأعظم ~~وسئل أبو يوسف عن نهر مرو وهو نهر عظيم أحيا رجل أرضا كانت مواتا فحفر لها ~~نهرا فوق مرو من موضع ليس يملكه أحد فساق الماء إليها من ذلك النهر فقال ~~أبو يوسف: إن كان يدخل على أهل مرو ضرر في مائهم ليس له ذلك وإن كان لا ~~يضرهم فله ذلك وليس لهم أن يمنعوه لما قلنا وسئل أيضا إذا كان لرجل من هذا ~~النهر كوى معروفة هل له أن يزيد فيها؟ فقال: إن زاد في ملكه وذلك لا يضر ~~بأهل النهر فله ذلك. # ولو كان نهر خاص لقوم يأخذ الماء من هذا النهر فأراد واحد منهم أن يزيد ~~كوة لم يكن له ذلك، وإن كان لا يضر بالنهر. # (ووجه) الفرق أن الزيادة في الفصل الأول تصرف في حق مشترك بين العامة، ~~وحرمة التصرف في حقوق العامة لا تثبت إلا بشريطة الضرر، والزيادة في الفصل ~~الثاني تصرف في ملك مشترك بأخذ زيادة الماء في النهر، والتصرف في الملك ~~المشترك لا تقف حرمته على الضرر بالمالك هو الفرق. # ولو جزر ماء هذه الأنهار عن أرض فليس لمن يليها أن يضمها إلى أرض نفسه؛ ~~لأنه يحتمل أن يعود ماؤها إلى مكانه ولا يجد إليه سبيلا فيحمل على جانب آخر ms3746 ~~فيضر، حتى لو أمن العود أو كان بإزائها من الجانب الآخر أرض موات لا يستضر ~~أحد بحمل الماء عليه فله ذلك ويملكه إذا أحياه بإذن الإمام أو بغير إذنه ~~على الاختلاف المعروف. # ولو احتاجت هذه الأنهار إلى الكري فعلى السلطان كراها من بيت المال لأن ~~منفعتها لعامة المسلمين فكانت مؤنتها من بيت المال لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «الخراج بالضمان» وكذا لو خيف منها الغرق فعلى السلطان إصلاح ~~مسناتها من بيت المال لما قلنا - والله سبحانه وتعالى أعلم -. ### | [كتاب الأراضي] ### | [أنواع الأراضي وبيان حكم كل نوع منها] # (كتاب الأراضي) # الكلام في موضعين في بيان أنواع الأراضي وفي بيان حكم كل نوع منها. # (أما) الأول: فالأراضي في الأصل نوعان: أرض مملوكة، وأرض مباحة غير ~~مملوكة، والمملوكة نوعان: عامرة وخراب، والمباحة نوعان أيضا: نوع هو من # PageV06P192 # مرافق البلدة محتطبا لهم ومرعى لمواشيهم ونوع ليس من مرافقها وهو المسمى ~~بالموات. # (أما) بيان حكم كل نوع منها. # (أما) الأراضي المملوكة العامرة: فليس لأحد أن يتصرف فيها من غير إذن ~~صاحبها؛ لأن عصمة الملك تمنع من ذلك، وكذلك الأرض الخراب الذي انقطع ماؤها ~~ومضى على ذلك سنون لأن الملك فيها قائم وإن طال الزمان حتى يجوز بيعها ~~وهبتها وإجارتها وتصير ميراثا إذا مات صاحبها إلا أنها إذا كانت خرابا فلا ~~خراج عليها إذ ليس على الخراب خراج إلا إذا عطلها صاحبها مع التمكن من ~~الاستنماء فعليه الخراج وهذا إذا عرف صاحبها فإن لم يعرف فحكمها حكم اللقطة ~~يعرف في كتابه إن شاء الله تعالى. # وأما الكلأ الذي ينبت في أرض مملوكة فهو مباح غير مملوك إلا إذا قطعه ~~صاحب الأرض وأخرج فيملكه، هذا جواب ظاهر الرواية عن أصحابنا - رضي الله ~~عنهم -. # وقال بعض المتأخرين من مشايخنا - رحمهم الله -: أنه إذا سقاه وقام عليه ~~ملكه والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأن الأصل فيه هو الإباحة لقوله - عليه ~~الصلاة والسلام - «الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار والكلأ» اسم ~~لحشيش ينبت من غير صنع العبد، والشركة العامة هي الإباحة ms3747 إلا إذا قطعه ~~وأحرزه لأنه استولى على مال مباح غير مملوك فيملكه كالماء المحرز في ~~الأواني والظروف وسائر المباحات التي هي غير مملوكة لأحد، والنار اسم لجوهر ~~مضيء دائم الحركة علوا فليس لمن أوقدها أن يمنع غيره من الاصطلاء بها؛ لأن ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - أثبت الشركة فيها فأما الجمر: فليس بنار وهو ~~مملوك لصاحبه فله حق المنع كسائر أملاكه. # ولو أراد أحد أن يدخل ملكه لاحتشاش الكلإ فإذا كان يجده في موضع آخر له ~~أن يمنعه من الدخول، وإن كان لا يجده فيقال لصاحب الأرض: إما أن تأذن له ~~بالدخول وإما أن تحش بنفسك فتدفعه إليه كالماء الذي في الآبار والعيون ~~والحياض التي في الأراضي المملوكة على ما ذكرنا في كتاب الشرب. # ولو دخل إنسان أرضه بغير إذنه واحتش ليس لصاحبه أن يسترده؛ لأنه مباح ~~سبقت يده إليه، وكذا لا يجوز بيعه؛ لأن محل البيع مال مملوك وإن لم يثبت ~~على ملك أحد، ولا تجوز إجارته؛ لأن الأعيان لا تحتمل الإجارة على ما ذكرنا ~~في كتاب الشرب، والجواب في الكلإ في البيع والإجارة والهبة والنكاح والخلع ~~والصلح والوصية كالجواب في الشرب؛ لأن كل واحد منها غير مملوك وقد ذكرنا ~~ذلك كله في الشرب. # وكذلك المروج المملوكة في حكم الكلإ على هذا، وكذلك الآجام المملوكة في ~~حكم السمك، لأن السمك أيضا مباح الأصل لقوله تعالى - عز شأنه - {أحل لكم ~~صيد البحر وطعامه متاعا لكم} [المائدة: 96] وقوله - عليه الصلاة والسلام - ~~«أحلت لنا ميتتان ودمان» الحديث فلا يصير مملوكا إلا بالأخذ والاستيلاء لما ~~بينا. # ولو حظر السمك في حظيرة فإن كان مما يمكن أخذه بغير صيد يملكه بنفس الحظر ~~لوجود الاستيلاء وإثبات اليد عليه، ولهذا لو باعه جاز وإن كان لا يمكن أخذه ~~إلا بصيد لا يملكه صاحب الحظيرة؛ لأنه ما استولى عليه ولا يملك المباح إلا ~~بالاستيلاء، ولهذا لو باعه لا يجوز بيعه وعلى هذا سائر المباحات كالطير إذا ~~باضت أو فرخت في أرض إنسان أنه يكون مباحا ويكون للآخذ لا ms3748 لصاحب الأرض سواء ~~كان صاحب الأرض اتخذ له وكرا أم لا. # وقال المتأخرون من مشايخنا - رحمهم الله -: إنه إن كان اتخذ له ملكا له ~~يسترده من الآخذ وهذا غير سديد لقوله - عليه الصلاة والسلام - لمن أخذه ~~ولأن الملك في المباح إنما يثبت بالاستيلاء عليه والآخذ هو المستولي دون ~~صاحب الأرض وإن اتخذ له وكرا، وكذلك صيد التجأ إلى أرض رجل أو داره فهو ~~للآخذ لما قلنا. # ولو رد صاحب الدار باب الدار عليه بعد الدخول يملكه إن أمكنه أخذه بغير ~~صيد لوجود الاستيلاء منه، وكذلك لو نصب شبكة فتعقل بها صيد تعقلا لا خلاص ~~له فهو لناصب الشبكة سواء كانت الشبكة له أو لغيره، كمن أرسل بازي إنسان ~~بغير إذنه فأخذ صيدا أو أغرى كلبا لإنسان على صيد فأخذه فكان للمرسل ~~والمغري لا لصاحبه، ولو نصب فسطاطا فجاء صيد فتعقل به فهو للآخذ. # (ووجه) الفرق أن نصب الشبكة وضع لتعقل الصيد ومباشر السبب الموضوع للشيء ~~اكتساب له. # (فأما) نصب الفسطاط: فما وضع لذلك بل لغرض آخر فتوقف الملك فيه على ~~الاستيلاء # PageV06P193 # والأخذ حقيقة ولو حفر حفيرة فوقع فيها صيد فإن كان حفرها لاجتماع الماء ~~فيها فهو للآخذ؛ لأنه بمنزلة الاصطياد وإن كان حفرها للاصطياد بها فهو له ~~بمنزلة الشبكة. # (وأما) الآجام المملوكة في حكم القصب والحطب فليس لأحد أن يحتطب من أجمة ~~رجل إلا بإذنه؛ لأن الحطب والقصب مملوكان لصاحب الأجمة ينبتان على ملكه وإن ~~لم يوجد منه الإنبات أصلا، بخلاف الكلإ في المروج المملوكة؛ لأن منفعة ~~الأجمة هي القصب والحطب فكان ذلك مقصودا من ملك الأجمة فيملك بملكها. # (فأما) الكلأ فغير مقصود من المرج المملوك بل المقصود هو الزراعة. # ولو أن بقارا رعى بقرا في أجمة مملوكة لإنسان فليس له ذلك وهو ضامن لما ~~رعى وأفسد من القصب لما ذكرنا أن منفعة الأجمة القصب والحطب وهما مملوكان ~~لصاحب الأجمة، وإتلاف مال مملوك لصاحبه يوجب الضمان بخلاف الكلإ في المروج؛ ~~لأنه يثبت على الإباحة دون الملك على ما بينا والدليل ms3749 على التفرقة بينهما ~~أنه يجوز له دفع القصب معاملة ولا يجوز دفع الكلإ معاملة، والأصل المحفوظ ~~فيه أن القصب والحطب يملكان بملك الأرض والكلأ لا. # (وأما) ما لا ينبت عادة إلا بصنع العبد كالقتة والقصيل وما بقي من حصاد ~~الزرع ونحو ذلك في أرض مملوكة يكون مملوكا ولصاحب الأرض أن يمنع غيره، ~~ويجوز بيعه ونحو ذلك لأن الإنبات يعد اكتسابا له فيملكه، ولأن الأصل أن ~~يكون من المملوك مملوكا إلا أن الإباحة في بعض الأشياء تثبت على مخالفة ~~الأصل بالشرع والشرع ورد بها في أشياء مخصوصة فيقتصر عليها. # (وأما) أرض الموات فالكلام فيها في مواضع في تفسير الأرض الموات، وفي ~~بيان ما يملك الإمام من التصرف في الموات، وفي بيان ما يثبت به الملك في ~~الموات، وما يثبت به الحق فيه دون الملك، وفي بيان حكمه إذا ملك. # (أما) الأول: فالأرض الموات هي أرض خارج البلد لم تكن ملكا لأحد ولا حقا ~~له خاصا فلا يكون داخل البلد موات أصلا، وكذا ما كان خارج البلدة من ~~مرافقها محتطبا بها لأهلها أو مرعى لهم لا يكون مواتا حتى لا يملك الإمام ~~إقطاعها؛ لأن ما كان من مرافق أهل البلدة فهو حق أهل البلدة كفناء دارهم ~~وفي الإقطاع إبطال حقهم. # وكذلك أرض الملح والقار والنفط ونحوها مما لا يستغني عنها المسلمون لا ~~تكون أرض موات حتى لا يجوز للإمام أن يقطعها لأحد؛ لأنها حق لعامة المسلمين ~~وفي الإقطاع إبطال حقهم وهذا لا يجوز وهل يشترط أن يكون بعيدا من العمران؟ ~~شرطه الطحاوي - رحمه الله - فإنه قال: وما قرب من العامر فليس بموات. # وكذا روي عن أبي يوسف - رحمه الله - أن أرض الموات بقعة لو وقف على ~~أدناها من العامر رجل فنادى بأعلى صوته لم يسمعه من العامر وفي ظاهر ~~الرواية ليس بشرط، حتى إن بحرا من البلدة جزر ماؤه أو أجمة عظيمة لم تكن ~~ملكا لأحد تكون أرض موات في ظاهر الرواية، وعلى قياس رواية أبي يوسف وقول ~~الطحاوي لا تكون، والصحيح ms3750 جواب ظاهر الرواية؛ لأن الموات اسم لما لا ينتفع ~~به، فإذا لم يكن ملكا لأحد ولا حقا خاصا لم يكن منتفعا به كان بعيدا عن ~~البلدة أو قريبا منها. # (وأما) بيان ما يملك الإمام من التصرف في الموات: فالإمام يملك إقطاع ~~الموات من مصالح المسلمين لما يرجع ذلك إلى عمارة البلاد، التصرف فيما ~~يتعلق بمصالح المسلمين للإمام ككري الأنهار العظام وإصلاح قناطرها ونحوه. # ولو أقطع الإمام الموات إنسانا فتركه ولم يعمره لا يتعرض له إلى ثلاث ~~سنين فإذا مضى ثلاث سنين فقد ظل مواتا كما كان وله أن يقطعه غيره لقوله - ~~عليه الصلاة والسلام - «ليس لمحتجر بعد ثلاث سنين حق» ولأن الثلاث سنين مدة ~~لإبلاء الأعذار فإذا أمسكها ثلاث سنين ولم يعمرها دل على أنه لا يريد ~~عمارتها بل تعطيلها فبطل حقه وتعود إلى حالها مواتا، وكان للإمام أن يعطيها ~~غيره. # (وأما) بيان ما يثبت به الملك في الموات وما لا يثبت ويثبت به الحق ~~فالملك في الموات يثبت بالإحياء بإذن الإمام عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ~~ومحمد - رحمهم الله تعالى - يثبت بنفس الإحياء وإذن الإمام ليس بشرط. # (وجه) قولهما قوله - عليه الصلاة والسلام - «من أحيا أرضا ميتة فهي له ~~وليس لعرق ظالم فيه حق» أثبت الملك للمحيي من غير شريطة إذن الإمام ولأنه ~~مباح استولى عليه فيملكه بدون إذن الإمام كما لو أخذ صيدا أو حش كلأ، وقوله ~~- عليه الصلاة والسلام - ليس لعرق ظالم فيه # PageV06P194 # حق روي منونا ومضافا، فالمنون هو أن تنبت عروق أشجار إنسان في أرض غيره ~~بغير إذنه فلصاحب الأرض قلعها حشيشا. # ولأبي حنيفة - عليه الرحمة - ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال «ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه فإذا لم يأذن فلم تطب نفسه به فلا ~~يكون له» ولأن الموات غنيمة فلا بد للاختصاص به من إذن الإمام كسائر ~~الغنائم، والدليل عليه أن غنيمة اسم لما أصيب من أهل الحرب بإيجاف الخيل ~~والركاب، والموات كذلك؛ لأن الأرض كلها كانت ms3751 تحت أيدي أهل الحرب استولى ~~عليها المسلمون عنوة وقهرا فكانت كلها غنائم فلا يختص بعض المسلمين بشيء ~~منها من غير إذن الإمام كسائر الغنائم بخلاف الصيد والحطب والحشيش؛ لأنها ~~لم تكن في يد أهل الحرب فجاز أن تملك بنفس الاستيلاء وإثبات اليد عليها. # (وأما) الحديث فيحتمل أنه يصير به شرعا ويحتمل أنه أذن جماعة بإحياء ~~الموات بذلك النظم، ونحن نقول بموجبه فلا يكون حجة مع الاحتمال نظير قوله - ~~عليه الصلاة والسلام - «من قتل قتيلا فله سلبه» حتى لم يصح الاحتجاج به في ~~إيجاب السلب للقاتل على ما ذكر في كتاب السير، أو يحمل ذلك على حال الإذن ~~توفيقا بين الدلائل، ويملك الذمي بالإحياء كما يملك المسلم لعموم الحديث. # ولو حجر الأرض الموات لا يملكها بالإجماع؛ لأن الموات يملك بالإحياء؛ ~~لأنه عبارة عن وضع أحجار أو خط حولها يريد أن يحجر غيره عن الاستيلاء ~~عليها، وشيء من ذلك ليس بإحياء فلا يملكها ولكن صار أحق بها من غيره حتى لم ~~يكن لغيره أن يزعجه؛ لأنه سبقت يده إليه والسبق من أسباب الترجيح في الجملة ~~قال النبي - عليه الصلاة والسلام - «مني: مباح من سبق» وعلى هذا المسافر ~~إذا نزل بأرض مباحة أو رباط صار أحق بها ولم يكن لمن يجيء بعده أن يزعجه ~~عنها. # وإذا صار أحق بها فلا يقطعها الإمام غيره إلا إذا عطلها المتحجر ثلاث ~~سنين ولم يعمرها. # (وأما) بيان حكم أرض الموات إذا ملكت فيختص بها حكمان أحدهما: حكم ~~الحريم، والثاني: الوظيفة من العشر والخراج، أما الأول: فالكلام فيه في ~~موضعين أحدهما: في أصل الحريم، والثاني: في قدره. # (أما) أصله: فلا خلاف في أن من حفر بئرا في أرض الموات يكون لها حريم حتى ~~لو أراد أحد أن يحفر في حريمه له أن يمنعه؛ لأن النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - جعل للبئر حريما، وكذلك العين لها حريم بالإجماع؛ لأنه - عليه ~~الصلاة والسلام - جعل لكل أرض حريما. # (وأما) النهر: فقد ذكرنا الكلام فيه. # (وأما) تقديره: فحريم العين خمسمائة ذراع بالإجماع وبه ms3752 نطقت السنة وهو ~~قوله - عليه الصلاة والسلام - للعين خمسمائة ذراع وحريم بئر العطن أربعون ~~ذراعا بالإجماع نطقت به السنة قال النبي - عليه الصلاة والسلام - وحريم بئر ~~العطن أربعون ذراعا وأما حريم بئر الناضح فقد اختلف فيه عند أبي حنيفة - ~~رحمه الله - أربعون ذراعا، وعندهما ستون ذراعا، احتجا بما روي عن النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - «أنه قال وحريم بئر الناضح ستون ذراعا» . # (وجه) قول: أبي حنيفة أن الملك في الموات يثبت بالإحياء بإذن الإمام أو ~~بغير إذنه ولم يوجد منه إحياء الحريم، وكذا إذن الإمام يتناول الحريم ~~مقصودا إلا أن دخول الحريم لحاجة البئر إليه، وحاجة الناضح تندفع بأربعين ~~ذراعا من كل جانب كحاجة العطن فبقي الزيادة على ذلك على حكم الموات، ~~والحديث يحتمل أنه قال - عليه الصلاة والسلام - ذلك في بئر خاص، وللإمام ~~ولاية ذلك. # (وأما) حريم النهر: فقد اختلف أبو يوسف ومحمد في تقديره فعند أبي يوسف ~~قدر نصف بطن النهر من كل جانب النصف من هذا الجانب والنصف من ذلك الجانب، ~~وعند محمد قدر جميع بطن النهر من كل جانب قدر جميعه. # (وأما) النهر إذا حفر في أرض الموات فمنهم من ذكر الخلاف فيه بين أبي ~~حنيفة وصاحبيه، والصحيح أن له حريما بلا خلاف لما قلنا. # (وأما) الثاني: حكم الوظيفة فإن أحياها مسلم قال أبو يوسف إن كانت من حيز ~~أرض العشر فهي عشرية، وإن كانت من حيز أرض الخراج فهي خراجية. # وقال محمد: إن أحياها بماء العشر فهي عشرية، وإن أحياها بماء الخراج فهي ~~خراجية، وإن أحياها ذمي فهي خراجية كيف ما كان بالإجماع وهي من مسائل كتاب ~~العشر والخراج - والله تعالى عز شأنه أعلم -. # PageV06P195 ### | [كتاب المفقود] ### | [بيان حال المفقود] # الكلام في المفقود يقع في أربعة مواضع، في تفسير المفقود، وفي بيان حاله، ~~وفي بيان ما يصنع بماله، وفي بيان حكم ماله. # (أما) الأول: فالمفقود اسم لشخص غاب عن بلده ولا يعرف خبره أنه حي أم ميت ~~(فصل) : # وأما حال المفقود: فعبارة مشايخنا - رحمهم الله - عن حاله ms3753 أنه حي في حق ~~نفسه ميت في حق غيره، والشخص الواحد لا يكون حيا وميتا حقيقة لما فيه من ~~الاستحالة ولكن معنى هذه العبارة أنه (تجري) عليه أحكام (الأحياء) فيما كان ~~له فلا يورث ماله ولا تبين امرأته كأنه حي حقيقة (وتجري) عليه أحكام ~~الأموات فيما لم يكن له فلا يرث أحدا كأنه ميت حقيقة؛ لأن الثابت باستصحاب ~~الحال يصلح لإبقاء ما كان على ما كان ولا يصلح لإثبات ما لم يكن وملكه في ~~أحكام أمواله ونسائه أمر قد كان واستصحبنا حال الحياة لإبقائه وأما ملكه في ~~مال غيره: فأمر لم يكن فتقع الحاجة إلى الإثبات واستصحاب الحال لا يصلح حجة ~~لإثبات ما لم يكن، وتحقيق العبارة عن حاله أن غير معلوم، يحتمل أنه حي ~~ويحتمل أنه ميت، وهذا يمنع التوارث والبينونة؛ لأنه إن كان حيا يرث أقاربه ~~ولا يرثونه ولا تبين امرأته، وإن كان ميتا لا يرث أقاربه ويرثونه والإرث من ~~الجانبين أمر لم يكن ثابتا بيقين فوقع الشك في ثبوته فلا يثبت بالشك ~~والاحتمال، وكذلك البينونة على الأصل المعهود في " الثابت بيقين لا يزول ~~بالشك، وغير الثابت بيقين لا يثبت بالشك " فإذا مات واحد من أقاربه يوقف ~~نصيبه إلى أن يظهر حاله أنه حي أم ميت لاحتمال الحياة والموت للحال حتى إن ~~من هلك وترك ابنا مفقودا وابنتين وابن ابن وطلبت الابنتان الميراث فإن ~~القاضي يقضي لهما بالنصف ويوقف النصف الثاني إلى أن يظهر حاله؛ لأنه إن كان ~~حيا كان له النصف والنصف للابنتين ولا شيء لابن الابن وإن كان ميتا كان ~~للابنتين الثلثان والباقي لابن الابن فكان استحقاق النصف للابنتين ثابتا ~~بيقين فيدفع ذلك إليهما ويوقف النصف الآخر إلى أن يظهر حاله فإن لم يظهر ~~حتى مضت المدة التي يعرف فيها موته يدفع الثلثان إليهما والباقي لابن الابن ~~وكذا لو أوصى له بشيء يوقف، وكذا إذا فقد المرتد ولا يدرى أنه لحق بدار ~~الحرب أم لا توقف تركته كالمسلم. ### | [فصل في بيان ما يصنع بمال المفقود] # (فصل) ms3754 : # وأما بيان ما يصنع بماله فالذي يصنع أنواع: منها أن القاضي يحفظ ماله ~~يقيم من ينصبه للحفظ؛ لأنه مال لا حافظ له لعجز صاحبه عن الحفظ فيحفظ عليه ~~القاضي نظرا له كما يحفظ مال الصبي والمجنون الذي لا ولي لهما، ومنها أنه ~~يبيع من ماله ما يتسارع إليه الفساد ويحفظ ثمنه؛ لأن ذلك حفظ له معنى ولا ~~يأخذ ماله الذي في يد مودعه ومضاربه ليحفظه؛ لأن يدهما يد نيابة عنه في ~~الحفظ فكان محفوظا بحفظه معنى فلا حاجة إلى حفظ القاضي ومنها أنه ينفق على ~~زوجته من ماله إن كان عالما بالزوجية؛ لأن الإنفاق عليها إحياء لها فكان من ~~باب حفظ ملك الغائب عليه عند عجزه عن الحفظ بنفسه فيملكه كما يملك حفظ ~~ماله. # ومنها أنه ينفق من ماله على أولاده الصغار الذكور والإناث وعلى أولاده ~~الفقراء الزمنى من الذكور والفقيرات من الإناث سواء كن زمنى أو لا، وعلى ~~والديه المحتاجين إن كان عالما بالنسب؛ لأن نفقة أولاده إنما تجب بحكم ~~الجزئية والبعضية إحياء لهم، وإحياء نفسه واجب فكذا إحياء جزئه وكله فكان ~~الإنفاق عليهم من ماله إحياء لهم معنى وهو عاجز عن ذلك بنفسه فيقوم به ~~القاضي، وإن لم يعلم القاضي بالزوجية والنسب فأحضروا رجلا في يده مال وديعة ~~للمفقود أو مضاربة أو عليه دين له فأقر الرجل بذلك وبالزوجية والنسب أنفق ~~عليهم من ذلك المال؛ لأن للمرأة أن تأخذ نفقتها من مال زوجها إذا ظفرت به ~~قدر ما يكفيها قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لامرأة أبي سفيان «خذي من ~~مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف» فإذا أقر أن هذا ماله وهذه امرأته ~~ثبت لها حق الأخذ، وكذا في الأولاد يأخذ البعض كفايته من مال البعض عند ~~الحاجة فإذا أقر بالنسب والمال فقد ثبت لهم حق الأخذ، وهذا قول أصحابنا ~~الثلاثة - رضي الله عنهم -. # وعند زفر - رحمه الله - ليس للقاضي ذلك لكونه قضاء على الغائب ونحن نقول: ~~ليس هذا من باب القضاء على الغائب بل هو من ms3755 باب النظر للغائب وللقاضي ولاية ~~النظر للغائب لما علم على ما ذكرنا في كتاب النفقات. # ولو أخذ القاضي منهم كفيلا كان حسنا لجواز أن يحضر المفقود فيقيم البينة ~~على أنه كان طلق امرأته أو # PageV06P196 # كان أعطاهم النفقة معجلة هذا إذا أقر الرجل بهما فأما إذا أنكرهما جميعا ~~أو أقر بأحدهما دون الآخر فأقاموا البينة على ذلك لا تسمع بينتهم؛ لأنه ~~يكون قضاء على الغائب وله من غير أن يكون عنه وله خصم حاضر؛ لأن المودع ~~والمضارب والغريم ليسوا خصماء عن الغائب في إثبات الزوجية وإيجاب النفقة ~~عليه، وكذا الأولاد والوالدون والمرأة ليسوا خصماء للغائب في إثبات ملك ~~المال له وكل ذلك لا يجوز فإن أعطوهم شيئا فهو من مال أنفسهم؛ لأنهم ~~متطوعون في ذلك ولا ينفق من ماله على من سواهم من ذوي الأرحام؛ لأن نفقتهم ~~ليست بعلة الجزئية والبعضية لعدمها بل بطريق الصلة والبر بهم والإحسان ~~إليهم، ألا ترى أنهم ليس لهم أن يمدوا أيديهم فيأخذوا من ماله عند حاجتهم ~~إليه بخلاف الوالدين والمولودين فكان الإنفاق من ماله قضاء على الغائب. # والأصل أن كل مال ثبت حق الأخذ منه للمنفق عليه من غير قضاء القاضي له أن ~~ينفق منه، وما لا يثبت حق الأخذ منه إلا بقضاء ليس للقاضي أن ينفق منه. # ثم القاضي إنما ينفق من مال المفقود على ما ذكرنا إذا كان المال دراهم أو ~~دنانير أو طعاما أو ثيابا هي من جنس كسوتها فأما إذا كان من جنس آخر من ~~العروض والعقار فلا ينفق؛ لأنه لا يمكنه الإنفاق إلا بالبيع وليس للقاضي أن ~~يبيع العقار والعروض على الغائب بالإجماع؛ لأن البيع على الغائب في معنى ~~الحجر عليه والحجر على الحر البالغ لا يجوز عند أبي حنيفة وعندهما إن جاز ~~على الحاضر لكن لا يجوز على الغائب؛ لأن الجواز على الحاضر لدفع الظلم ~~بالامتناع عن قضاء الدين مع القدرة على القضاء من ثمن العين ولم يتحقق ~~الظلم منه حالة الغيبة لما لم يعرف منه الامتناع من الإنفاق ms3756 فافترق ~~الحالان، وإنما ملك بيع ما يتسارع إليه الفساد؛ لأن ذلك وإن كان بيعا صورة ~~فهو حفظ وإمساك له معنى، والقاضي يملك حفظ مال المفقود. # وأما الأب فليس له أن يبيع العقار في نفقة الغائب من غير إذن القاضي ~~بالإجماع وأما المنقول فله أن يبيعه عند أبي حنيفة من غير أمر القاضي ~~وعندهما لا يبيع المنقول كما لا يبيع العقار لما علم في كتاب النفقات - ~~والله تعالى أعلم - ### | [فصل في حكم مال المفقود] # (فصل) : # وأما حكم ماله: فهو أنه إذا مضت من وقت ولادته مدة لا يعيش إليها عادة ~~يحكم بموته ويعتق أمهات أولاده ومدبره وتبين امرأته ويصير ماله ميراثا ~~لورثته الأحياء وقت الحكم ولا شيء لمن مات قبل ذلك، ولم يقدر لتلك المدة في ~~ظاهر الرواية تقديرا. # وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قدرها بمائة وعشرين سنة من وقت ولادته، وذكر ~~محمد في الأصل أنه فقد رجل بصفين أو بالجمل ثم اختصم ورثته في ماله في زمن ~~أبي حنيفة - عليه الرحمة - فقسم بينهم وقيل: كانت وفاة سيدنا علي - رضي ~~الله عنه - في سنة أربعين ووفاة أبي حنيفة - رضي الله عنه - في سنة مائة ~~وخمسين. # وروي عن محمد - رحمه الله - أنه قدرها بمائة سنة فإذا مضت المدة المقدرة ~~يحكم بموته وتثبت جميع الأحكام المتعلقة بالمدة كما إذا قامت البينة على ~~موته - والله سبحانه وتعالى أعلم -. ### | [كتاب اللقيط] ### | [فصل بيان حال اللقيط] # (كتاب اللقيط) # الكلام في اللقيط في مواضع في تفسير اللقيط لغة وعرفا، وفي بيان حاله، ~~وفي بيان ما يتعلق به من الأحكام. # أما في اللغة: فهو فعيل من اللقط وهو اللقاء بمعنى المفعول، وهو الملقوط ~~وهو الملقى أو الأخذ والرفع بمعنى الملقوط وهو المأخوذ والمرفوع عادة لما ~~أنه يؤخذ فيرفع وأما في العرف فنقول هو اسم للطفل المفقود وهو الملقى أو ~~الطفل المأخوذ والمرفوع عادة فكان تسميته لقيطا باسم العاقبة؛ لأنه يلقط ~~عادة أي: يؤخذ ويرفع وتسمية الشيء باسم عاقبته أمر شائع في اللغة قال الله ~~تعالى جل شأنه ms3757 {إني أراني أعصر خمرا} [يوسف: 36] وقال الله تعالى جل شأنه ~~{إنك ميت وإنهم ميتون} [الزمر: 30] سمى العنب خمرا والحي الذي يحتمل الموت ~~ميتا باسم العاقبة كذا هذا. # (فصل) : # وأما بيان حاله فله أحوال ثلاث لا بد من التعرف عنها حاله في الحرية ~~والرق، وحاله في النسب. # أما حاله في الحرية والرق: فهو أنه حر من حيث الظاهر، كذا روي عن سيدنا ~~عمر وسيدنا علي أنهما حكما بكون اللقيط حرا؛ ولأن الأصل هو الحرية في بني ~~آدم؛ لأن الناس كلهم أولاد سيدنا آدم - عليه الصلاة والسلام - وحواء وهما ~~كانا # PageV06P197 # حرين والمتولد من الحرين يكون حرا وإنما حدث الرق في البعض شرعا بعارض ~~الاستيلاء بسبب عارض وهو الكفر الباعث على الحراب فيجب العمل بالأصل حتى ~~يقوم الدليل على العارض فرتب عليه أحكام الأحرار من أهلية الشهادة والإعتاق ~~والتدبير والكتابة واستحقاق الحد على قاذفه وغير ذلك من الأحكام المختصة ~~بالأحرار إلا أنه لا يحد قاذف أمة، لأن إحصان المقذوف شرط انعقاد علة توجب ~~على القاذف ولم يعرف إحصانها لانعقاد القذف عليه لوجوب الحد على القاذف ولو ~~ادعى الملتقط أو غيره أنه عبده لا يسمع منه إلا ببينة؛ لأن حريته ثابتة من ~~حيث الظاهر فلا يقدر على إبطال هذا الظاهر إلا بدليل. # ولو بلغ فأقر أنه عبد فلان نظر في ذلك إن كان لم يجر عليه شيء من أحكام ~~الأحرار بعد من قبول شهادته وضرب قاذفه الحد ونحوه صح إقراره؛ لأنه لم تعرف ~~حريته إلا بظاهر الحال فإذا أقر بالرق فالظاهر أنه لا يقر على نفسه بالرق ~~كاذبا فصح إقراره إلا أنه لا يعتبر في إبطال ما يفعله من التصرفات من الهبة ~~والكفالة والإعتاق والنكاح ونحوها من التصرفات التي لا يملكها العبد حتى لا ~~تنفسخ، وهذا عندنا وقال الشافعي - رحمه الله - في أحد قوليه: ينفسخ. # (وجه) قوله أنه لما أقر بالرق فقد ظهر أنه كان رقيقا وقت التصرف فلم يصح ~~تصرفه كما إذا قامت البينة على رقه، ولنا أن هذا إقرار تضمن إبطال حق ms3758 ~~الغير؛ لأن حريته ثابتة من حيث الظاهر فلا يصدق في حق ذلك الغير لما عرف أن ~~الإقرار تصرف على نفس المقر فإذا تضمن إبطال حقه حق الغير كان دعوى أو ~~شهادة على غيره من ذلك الوجه فيصدق على نفسه لا على غيره، كمن أقر بحرية ~~عبد إنسان ثم اشتراه عتق عليه ولا يرجع بالثمن على البائع لما قلنا كذا ~~هذا. # والاستدلال بالبينة غير سديد؛ لأن الشاهد غير متهم في شهادته على غيره، ~~فأما المقر في إقراره على غيره فمتهم فهو الفرق، وإن كان قد أجري عليه شيء ~~من ذلك لا يصح إقراره؛ لأنه إذا أجري عليه شيء من أحكام الأحرار فقد ظهرت ~~حريته عند الناس كافة فظهر أنه حر الأصل فلا يملك إبطالها بالإقرار بالرق ~~وأما حاله في الإسلام والكفر فإن وجده مسلم في مصر من أمصار المسلمين أو في ~~قرية من قراهم يكون مسلما حتى لو مات يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر ~~المسلمين، وإن وجده ذمي في بيعة أو كنيسة أو في قرية ليس فيها مسلم يكون ~~ذميا تحكيما للظاهر كما إذا وجده مسلم في بيعة أو كنيسة أو في قرية من قرى ~~أهل الذمة يكون ذميا. # ولو وجده ذمي في مصر من أمصار المسلمين أوفي قرية من قراهم يكون مسلما ~~كذا ذكر في كتاب اللقيط من الأصل واعتبر المكان. # وروى ابن سماعة عن محمد أنه اعتبر حال الواجد من كونه مسلما أو ذميا، وفي ~~كتاب الدعوى اعتبر الإسلام إلى أيهما نسب إلى الواجد أو إلى المكان، ~~والصحيح رواية هذا الكتاب؛ لأن الموجود في مكان هو في أيدي أهل الإسلام ~~وتصرفهم في أيديهم، واللقيط الذي هو في يد المسلم وتصرفه يكون مسلما ظاهرا، ~~والموجود في المكان الذي هو في أيدي أهل الذمة وتصرفهم في أيديهم واللقيط ~~الذي هو في يد الذمي وتصرفه يكون ذميا ظاهرا، فكان اعتبار المكان أولى فإن ~~وجده مسلم في مصر من أمصار المسلمين فبلغ كافرا يجبر على الإسلام ولكن لا ~~يقتل؛ لأنه لم يعرف ms3759 إسلامه حقيقة وإنما حكم به تبعا للدار فلم تتحقق ردته ~~فلا يقتل وأما حاله في النسب فهو أنه مجهول النسب حتى لو ادعى إنسان نسبة ~~الملتقط أو عتقه تصح دعوته ويثبت النسب منه لما علم في كتاب الدعوى. # وأما الأحكام المتعلقة به فأنواع منها أن التقاطه أمر مندوب إليه لما روي ~~أن رجلا أتى سيدنا عليا - رضي الله عنه - بلقيط فقال: هو حر ولأن أكون وليت ~~من أمره مثل الذي وليت أنت كان أحب إلي من كذا وكذا، عد جملة من أعمال ~~الخير فقد رغب في الالتقاط وبالغ في الترغيب فيه حيث فضله على جملة من ~~أعمال الخير على المبالغة في الندب إليه. # ولأنه نفس لا حافظ لها بل هي في مضيعة فكان التقاطها إحياء لها معنى وقد ~~قال الله تعالى {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} [المائدة: 32] ومنها ~~أن الملتقط أولى بإمساكه من غيره حتى لا يكون لغيره أن يأخذه منه؛ لأنه هو ~~الذي أحياه بالتقاطه ومن أحيا أرضا ميتة فهي له على لسان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولأنه مباح الأخذ سبقت يد الملتقط إليه والمباح مباح من ~~سبق على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنها أن نفقته من بيت ~~المال؛ لأن ولاءه له وقد قال - عليه الصلاة والسلام - «الخراج بالضمان» ولو ~~كان معه مال مشدود عليه فهو له؛ لأن الظاهر أنه ماله فيكون له # PageV06P198 # كثيابه التي عليه. # وكذا إذا وجد مشدودا على دابة فالدابة له لما قلنا وتكون النفقة من ماله ~~لأن الإنفاق من بيت المال للضرورة ولا ضرورة إذا كان له مال، وليس على ~~الملتقط أن ينفق عليه من مال نفسه لانعدام السبب الموجب للنفقة عليه ولو ~~أنفق عليه من مال نفسه فإن فعل بإذن القاضي له أن يرجع عليه وإن فعل بغير ~~إذنه لا يرجع عليه؛ لأنه يكون متطوعا فيه ومنها أن عقله لبيت المال؛ لأن ~~عاقلته بيت المال فيكون عقله له لقوله - عليه الصلاة والسلام - «الخراج ~~بالضمان» ومنها أن ولاءه لبيت ms3760 المال لما قلنا # ومنها أن له أن يوالي من شاء إذا بلغ إلا إذا عقل عنه بيت المال فليس له ~~أن يوالي أحدا؛ لأن العقد يلزم بالعقل على ما نذكر في كتاب الديات - إن شاء ~~الله تعالى - لما علم في الولاء ومنها أن وليه السلطان، له الولاية في ماله ~~ونفسه لقوله - عليه الصلاة والسلام - «السلطان ولي من لا ولي له» وروي عنه ~~- عليه الصلاة والسلام - أنه قال «الله ورسوله ولي من لا ولي له والخال ~~وارث من لا وارث له والسلطان نائب الله ورسوله» فيزوج اللقيط ويتصرف في ~~ماله، وليس للملتقط أن يفعل شيئا من ذلك؛ لأنه لا ولاية له عليه لانعدام ~~سببها وهو القرابة والسلطنة إلا أنه يجوز له أن يقبض الهبة له ويسلمه في ~~صناعة ويؤاجره؛ لأن ذلك ليس من باب الولاية عليه بل من باب إصلاح حاله ~~وإيصال المنفعة المحضة إليه من غير ضرر فأشبه إطعامه وغسل ثيابه ومنها أن ~~نسبه من المدعي يحتمل الثبوت شرعا؛ لأنه مجهول النسب على ما يأتي في كتاب ~~الدعوى، حتى لو ادعى الملتقط أو غيره أنه ابنه تسمع دعواه من غير بينة، ~~وبينته نسبه منه والقياس أن لا تسمع إلا ببينة. # وجه القياس ظاهر؛ لأنه يدعي أمرا جائز الوجود والعدم فلا بد لترجيح أحد ~~الجانبين على الآخر من مرجح وذلك بالبينة ولم توجد. # وجه الاستحسان: أنه عامل أخبر بأمر محتمل الثبوت وكل من أخبر عن أمر ~~والمخبر به محتمل الثبوت يجب تصديقه تحسينا للظن بالمخبر، هو الأصل إلا إذا ~~كان في تصديقه ضرر بالغير وههنا في التصديق وإثبات النسب نظر من الجانبين ~~جانب اللقيط بشرف النسب والتربية والصيانة عن أسباب الهلاك وغير ذلك، وجانب ~~المدعي بولد يستعين به على مصالحه الدينية والدنيوية، وتصديق المدعي في ~~دعوى ما ينتفع به ولا يتضرر به غيره بل ينتفع به لا يقف على البينة، وسواء ~~كان المدعي مسلما أو ذميا أو عبدا حتى لو ادعى نسبه ذمي تصح دعوته حتى يثبت ~~نسبه منه لكنه يكون ms3761 مسلما؛ لأنه ادعى شيئين يتصور انفصال أحدهما عن الآخر ~~في الجملة وهو نسب الولد وكونه كافرا ويمكن تصديقه في أحدهما لكونه نفعا ~~للقيط وهو كونه ابنا له ولا يمكن تصديقه في الآخر لكونه ضررا به وهو كونه ~~كافرا فيصدق فيما فيه منفعة فيثبت نسب الولد منه ولا يصدق فيما يضره فلا ~~يحكم بكفره، وليس من ضرورة كون الولد منه أن يكون كافرا ألا ترى أنه يحكم ~~بإسلامه وبإسلام أمه وإن كان الأب كافرا هذا إذا أقر الذمي أنه ابنه ولا ~~بينة له فإن أقام البينة على ذلك ثبت نسب الولد منه ويكون على دينه بخلاف ~~الإقرار. # ووجه الفرق بين الإقرار وبين الشهادة أنه متهم في إقراره بما يتضمنه ~~إقراره وهو كون الولد على دينه ولا تهمة في الشهادة لما مر. # ولو ادعى عبد أنه ابنه صحت دعوته وثبت نسبه منه لكنه يكون حرا لما ذكرنا ~~في دعوى الذمي؛ لأنه ادعى شيئين أحدهما نفع اللقيط والآخر مضرة - وهو الرق ~~- فيصدق فيما ينفعه لا فيما يضره على ما ذكرنا في دعوى الذمي ولو ادعاه ~~رجلان أنه ابنهما ولا بينة لهما فإن كان أحدهما مسلما والآخر ذميا فالمسلم ~~أولى؛ لأنه أنفع للقيط، وكذلك إذا كان أحدهما حرا والآخر عبدا فالحر أولى؛ ~~لأنه أنفع له، وإن كانا مسلمين حرين فإن وصف أحدهما علامة في جسده فالواصف ~~أولى به عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - يرجع إلى القائف فيؤخذ بقوله. # والصحيح قولنا؛ لأن الدعوتين متى تعارضتا يجب العمل بالراجح منهما وقد ~~ترجح أحدهما بالعلامة؛ لأنه إذا رضي العلامة ولم يصف الآخر دل على أن يده ~~عليه سابقة فلا بد لزوالها من دليل، والدليل على جواز العمل بالعلامة قوله ~~تعالى عز شأنه خبرا عن أهل تلك المرأة {إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو ~~من الكاذبين} [يوسف: 26] {وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين} ~~[يوسف: 27] {فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم} ~~[يوسف: 28] حكى الله تعالى عن ms3762 الحكم بالعلامة عن الأمم السالفة في كتابه ~~العزيز ولم يغير عليهم، والحكيم إذا حكى عن منكر غيره فصار الحكم بالعلامة ~~شريعة لنا مبتدأة، وكذا عند اختلاف الزوجين في متاع البيت يميز ذلك ~~بالعلامة كذا ههنا، وإن لم # PageV06P199 # يصف أحدهما العلامة يحكم بكونه ابنا لهما إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر ~~فإن أقام أحدهما البينة فهو أولى به، وإن أقاما جميعا البينة يحكم بكونه ~~ابنا لهما؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر. # وقد روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - في مثل هذا أنه قال: إنه ابنهما ~~يرثهما ويرثانه وهو للثاني منهما فإن ادعاه أكثر من رجلين فأقام البينة روي ~~عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه تسمع من خمسة وقال أبو يوسف من اثنين ~~ولا تسمع من أكثر من ذلك. # وقال محمد: تسمع من ثلاثة ولا تسمع من أكثر من ذلك هذا إذا كان المدعي ~~رجلا فإن كانت امرأة فادعته أنه ابنها فإن صدقها زوجها أو شهدت لها القابلة ~~أو قامت البينة صحت دعوتها وإلا فلا؛ لأن فيه حمل نسب الغير على الغير وإنه ~~لا يجوز لما نذكره في كتاب الإقرار. # ولو ادعاه امرأتان وأقامت إحداهما البينة فهي أولى به وإن أقامتا جميعا ~~فهو ابنهما عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف لا يكون لواحدة منهما، وعن محمد ~~روايتان في رواية أبي حفص يجعل ابنهما، وفي رواية أبي سليمان لا يجعل ابن ~~واحدة منهما - والله سبحانه وتعالى أعلم -. ### | [كتاب اللقطة] ### | [أنواع اللقطة] # (كتاب اللقطة) # الكلام في اللقطة في مواضع في بيان أنواعها، وفي بيان أحوالها، وفي بيان ~~ما يصنع بها أما الأول فنوعان: من غير الحيوان وهو المال الساقط لا يعرف ~~مالكه، ونوع من الحيوان وهو الضالة من الإبل والبقر والغنم من البهائم إلا ~~أنه يسمى لقطة من اللقط وهو الأخذ والرفع؛ لأنه يلقط عادة أي يؤخذ ويرفع ~~على ما ذكرنا في كتاب اللقيط. ### | [فصل في بيان أحوال اللقطة] # (فصل) : # وأما بيان أحوالها منها في الأصل حالان: حال ما قبل الأخذ، ms3763 وحال ما بعده ~~أما قبل الأخذ: فلها أحوال مختلفة قد يكون مندوب الأخذ، وقد يكون مباح ~~الأخذ، وقد يكون حرام الأخذ أما حالة الندب: فهو أن يخاف عليها الضيعة لو ~~تركها فأخذها لصاحبها أفضل من تركها؛ لأنه إذا خاف عليها الضيعة كان أخذها ~~لصاحبها إحياء لمال المسلم معنى فكان مستحبا - والله تعالى أعلم - وأما ~~حالة الإباحة: فهو أن لا يخاف عليها الضيعة فيأخذها لصاحبها، وهذا عندنا. # وقال الشافعي - رحمه الله - إذا خاف عليها يجب أخذها وإن لم يخف يستحب ~~أخذها، وزعم أن الترك عند خوف الضيعة يكون تضييعا لها والتضييع حرام فكان ~~الأخذ واجبا، وهذا غير سديد؛ لأن الترك لا يكون تضييعا بل هو امتناع من حفظ ~~غير ملزم والامتناع من حفظ غير ملزم لا يكون تضييعا كالامتناع عن قبول ~~الوديعة. # وأما حالة الحرمة: فهو أن يأخذها لنفسه لا لصاحبها لما روي عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا يأوي الضالة إلا ضال» والمراد أن يضمها ~~إلى نفسه لأجل نفسه لا لأجل صاحبها بالرد عليه؛ لأن الضم إلى نفسه لأجل ~~صاحبها ليس بحرام ولأنه أخذ مال الغير بغير إذنه لنفسه فيكون بمعنى الغصب، ~~وكذا لقطة البهيمة من الإبل والبقر والغنم عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله ~~-: لا يجوز التقاطها أصلا واحتج بما روي أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن ضالة الإبل فقال «ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء ~~وترعى الشجر دعها حتى يلقاها ربها» نهى عن التعرض لها وأمر بترك الأخذ فدل ~~على حرمة الأخذ. # (ولنا) ما روي أن رجلا وجد بعيرا بالحرة فعرفه ثم ذكره لسيدنا عمر - رضي ~~الله تعالى عنه - فأمره أن يعرفه فقال الرجل لسيدنا عمر قد شغلني عن ضيعتي ~~فقال سيدنا عمر أرسله حيث وجدته ولأن الأخذ حال خوف الضيعة إحياء لمال ~~المسلم فيكون مستحبا وحال عدم الخوف ضرب إحراز فيكون مباحا على ما ذكرنا. # وأما الحديث فلا حجة له فيه لأن المراد منه أن يكون صاحبه قريبا ms3764 منه ألا ~~ترى أنه قال - عليه الصلاة والسلام - «حتى يلقاها ربها» وإنما يقال ذلك إذا ~~كان قريبا أو كان رجاء اللقاء ثابتا، ونحن به نقول ولا كلام فيه، والدليل ~~عليه أنه لما سأله عن ضالة الغنم قال «خذها فإنها لك أو لأخيك أو للذئب» ~~دعاه إلى الأخذ ونبه على المعنى وهو خوف الضيعة وأنه موجود في الإبل والنص ~~الوارد فيها أولى أن يكون واردا في الإبل وسائر البهائم دلالة إلا أنه - ~~عليه الصلاة والسلام - فصل بينهما في الجواب من حيث الصورة لهجوم الذئب على ~~الغنم إذا لم يلقها ربها عادة بعيدا كان أو قريبا وكذلك الإبل؛ لأنها تذب ~~عن نفسها عادة هذا الذي # PageV06P200 # ذكرنا حال ما قبل الأخذ وأما حال ما بعده فلها بعد الأخذ حالان في حال هي ~~أمانة وفي حال هي مضمونة. # أما حالة الأمانة: فهي أن يأخذها لصاحبها لأنه أخذها على سبيل الأمانة ~~فكانت يده يد أمانة كيد المودع وأما حالة الضمان: فهي أن يأخذها لنفسه لأن ~~المأخوذ لنفسه مغصوب وهذا لا خلاف فيه وإنما الخلاف في شيء آخر وهو أن جهة ~~الأمانة إنما تعرف من جهة الضمان إما بالتصديق أو بالإشهاد عند أبي حنيفة ~~وعندهما بالتصديق أو باليمين حتى لو هلكت فجاء صاحبها وصدقه في الأخذ له لا ~~يجب عليه الضمان بالإجماع، وإن لم يشهد؛ لأن جهة الأمانة قد ثبتت بتصديقه ~~وإن كذبه في ذلك فكذا عند أبي يوسف ومحمد أشهد أو لم يشهد ويكون القول قول ~~الملتقط مع يمينه، وأما عند أبي حنيفة فإن أشهد فلا ضمان عليه؛ لأنه ~~بالإشهاد ظهر أن الأخذ كان لصاحبه فظهر أن يده يد أمانة وإن لم يشهد يجب ~~عليه الضمان ولو أقر الملتقط أنه أخذها لنفسه يجب عليه الضمان؛ لأنه أقر ~~بالغصب والمغصوب مضمون على الغاصب. # وجه قولهما أن الظاهر أنه أخذه لا لنفسه لأن الشرع إنما مكنه من الأخذ ~~بهذه الجهة فكان إقدامه على الأخذ دليلا على أنه أخذ بالوجه المشروع فكان ~~الظاهر شاهدا له فكان القول قوله ms3765 ولكن مع الحلف؛ لأن القول قول الأمين مع ~~اليمين، ولأبي حنيفة - رحمه الله - وجهان أحدهما أن أخذ مال الغير بغير ~~إذنه سبب لوجوب الضمان في الأصل إلا أنه إذا كان الأخذ على سبيل الأمانة ~~بأن أخذه لصاحبه فيخرج من أن يكون سببا وذلك إنما يعرف بالإشهاد فإذا لم ~~يشهد لم يعرف كون الأخذ لصاحبه فبقي الأخذ سببا في حق وجوب الضمان على ~~الأصل. # والثاني: أن الأصل أن عمل كل إنسان له لا لغيره بقوله سبحانه وتعالى {وأن ~~ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39] وقوله تعالى {لها ما كسبت وعليها ما ~~اكتسبت} [البقرة: 286] فكان أخذه اللقطة في الأصل لنفسه لا لصاحبها وأخذ ~~مال الغير بغير إذنه لنفسه سبب لوجوب الضمان؛ لأنه غصب وإنما يعرف الأخذ ~~لصاحبها بالإشهاد فإذا لم يوجد تعين أن الأخذ لنفسه فيجب عليه الضمان. # ولو أخذ اللقطة ثم ردها إلى مكانها الذي أخذها منه لا ضمان عليه في ظاهر ~~الرواية وكذا نص عليه محمد في الموطأ، وبعض مشايخنا - رحمهم الله - قالوا: ~~هذا الجواب فيما إذا رفعها ولم يبرح عن ذلك المكان حتى وضعها في موضعها ~~فأما إذا ذهب بها عن ذلك المكان ثم ردها إلى مكانها يضمن وجواب ظاهر ~~الرواية مطلق عن هذا التفصيل مستغن عن هذا التأويل. # وقال الشافعي - رحمه الله -: يضمن ذهب عن ذلك المكان أو لم يذهب وجه قوله ~~أنه لما أخذها من مكانها فقد التزم حفظها بمنزلة قبول الوديعة فإذا ردها ~~إلى مكانها فقد ضيعها بترك الحفظ الملتزم فأشبه الوديعة إذا ألقاها المودع ~~على قارعة الطريق حتى ضاعت. # (ولنا) أنه أخذها محتسبا متبرعا ليحفظها على صاحبها فإذا ردها إلى مكانها ~~فقد فسخ التبرع من الأصل فصار كأنه لم يأخذها أصلا وبه تبين أنه لم يلزم ~~الحفظ وإنما تبرع به وقد رده بالرد إلى مكانها فارتد وجعل كأن لم يكن، هذا ~~إذا كان أخذها لصاحبها ثم ردها إلى مكانها فضاعت وصدقه صاحبها فيه أو كذبه ~~لكن الملتقط قد كان أشهد على ذلك فإن كان لم ms3766 يشهد يجب عليه الضمان عند أبي ~~حنيفة وعندهما لا يجب أشهد أو لم يشهد ويكون القول قوله مع يمينه أنه أخذها ~~لصاحبها على ما ذكرنا ثم تفسير الإشهاد على اللقطة أن يقول الملتقط بمسمع ~~من الناس إني التقطت لقطة أو عندي لقطة فأي الناس أنشدها فدلوه علي أو ~~يقول: عندي شيء فمن رأيتموه يسأل شيئا فدلوه علي. # فإذا قال ذلك ثم جاء صاحبها فقال الملتقط قد هلكت كان القول قوله ولا ~~ضمان عليه بالإجماع، وإن كان عنده عشر لقطات؛ لأن اسم الشيء واللقطة منكر ~~إن كان يقع على شيء واحد ولقطة واحدة لغة لكن في مثل هذا الموضع يراد بها ~~كل الجنس في العرف والعادة لا فرد من الجنس إذ المقصود من التعريف إيصال ~~الحق إلى المستحق ومطلق الكلام ينصرف إلى المتعارف والمعتاد فكان هذا ~~إشهادا على الكل بدلالة العرف والعادة. # ولو أقر أنه كان أخذها لنفسه لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك ~~لأنه ظهر أنه أخذها غصبا فكان الواجب عليه الرد إلى المالك لقوله - عليه ~~الصلاة والسلام - «على اليد ما أخذت حتى ترده» فإذا عجز عن رد العين يجب ~~عليه بدلها كما في الغصب، وكذلك إذا أخذ الضالة ثم أرسلها إلى مكانها الذي ~~أخذها منه فحكمها حكم اللقطة؛ لأن هذا أحد نوعي اللقطة وقد روينا في هذا ~~الباب عن سيدنا عمر # PageV06P201 # - رضي الله عنه - أنه قال لواجد البعير الضال: " أرسله حيث وجدته " وهذا ~~يدل على انتفاء وجوب الضمان. ### | [فصل في بيان ما يصنع باللقطة] # (فصل) : # وأما بيان ما يصنع بها فنقول - وبالله التوفيق -: إذا أخذ اللقطة فإنه ~~يعرفها لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «عرفها حولا» ~~حين سئل عن اللقطة. # وروي أن رجلا جاء إلى عبد الله ابن سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنهما - ~~فقال: إني وجدت لقطة فما تأمرني فيها فقال: عرفها سنة وروينا عن سيدنا عمر ~~- رضي الله عنه - أنه أمر بتعريف البعير الضال. # ثم نقول: الكلام في التعريف في ms3767 موضعين: أحدهما في مدة التعريف والثاني في ~~بيان مكان التعريف أما مدة التعريف: فيختلف قدر المدة لاختلاف قدر اللقطة ~~إن كان شيئا له قيمة تبلغ عشرة دراهم فصاعدا يعرفه حولا، وإن كان شيئا ~~قيمته أقل من عشرة يعرفه أياما على قدر ما يرى. # وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال التعريف على خطر المال إن كان ~~مائة ونحوها عرفها سنة، وإن كان عشرة ونحوها عرفها شهرا، وإن كان ثلاثة ~~ونحوها عرفها جمعة أو قال عشرة، وإن كان درهما ونحوه عرفه ثلاثة أيام، وإن ~~كان دانقا ونحوه عرفه يوما، وإن كان تمرة أو كسرة تصدق بها " وإنما تكمل ~~مدة التعريف إذا كان مما لا يتسارع إليه الفساد فإن خاف الفساد لم تكمل ~~ويتصدق بها وأما مكان التعريف فالأسواق وأبواب المساجد؛ لأنها مجمع الناس ~~وممرهم فكان التعريف فيها أسرع إلى تشهير الخبر، ثم إذا عرفها فإن جاء ~~صاحبها وتقام البينة أنها ملكه أخذها لقوله - عليه الصلاة والسلام - «من ~~وجد عين ماله فهو أحق به وإن لم يقم البينة» ولكنه ذكر العلامة بأن وصف ~~عفاصها ووكاءها ووزنها وعددها يحل للملتقط أن يدفع إليه وإن شاء أخذ منه ~~كفيلا؛ لأن الدفع بالعلامة مما قد ورد به الشرع في الجملة كما في اللقيط ~~إلا أن هناك يجبر على الدفع وهنا لا يجبر. # لأن هناك يجبر على الدفع بمجرد الدعوى فمع العلامة أولى، وهنا لا عبرة ~~بمجرد الدعوى بالإجماع فجاز أن لا يجبر على الدفع مع العلامة ولكن يحل له ~~الدفع، وله أن يأخذ كفيلا لجواز مجيء آخر فيدعيها ويقيم البينة، ثم إذا ~~عرفها ولم يحضر صاحبها مدة التعريف فهو بالخيار إن شاء أمسكها إلى أن يحضر ~~صاحبها، وإن شاء تصدق بها على الفقراء ولو أراد أن ينتفع بها فإن كان غنيا ~~لا يجوز أن ينتفع بها عندنا. # وعند الشافعي - رحمه الله - إذا عرفها حولا ولم يحضر صاحبها كان له أن ~~ينتفع بها وإن كان غنيا، وتكون قرضا عليه، واحتج بما روي أن رسول ms3768 الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال لمن سأله عن اللقطة «عرفها حولا فإن جاء صاحبها ~~وإلا فشأنك بها» وهذا إطلاق الانتفاع للملتقط من غير السؤال عن حاله أنه ~~فقير أو غني، بل إن الحكم لا يختلف. # (ولنا) ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا تحل ~~اللقط فمن التقط شيئا فليعرفه سنة فإن جاءه صاحبها فليردها عليه وإن لم يأت ~~فليتصدق» والاستدلال به من وجهين أحدهما أنه نفى الحل مطلقا، وحالة الفقر ~~غير مرادة بالإجماع فتعين حالة الغنى والثاني أنه أمر بالتصدق ومصرف الصدقة ~~الفقير دون الغني وأن الانتفاع بمال المسلم بغير إذنه لا يجوز إلا لضرورة ~~ولا ضرورة إذا كان غنيا. # وأما الحديث: فلا حجة له فيه لأن قوله - عليه الصلاة والسلام - فشأنك بها ~~إرشاد إلى الاشتغال بالحفظ؛ لأن ذلك كان شأنه المعهود باللقط إلى هذه ~~الغاية أو يحمله على هذا توفيقا بين الحديثين صيانة لهما عن التناقض وإذا ~~تصدق بها على الفقراء فإذا جاء صاحبها كان له الخيار إن شاء أمضى الصدقة ~~وله ثوابها، وإن شاء ضمن الملتقط أو الفقير إن وجده؛ لأن التصدق كان موقوفا ~~على إجازته وأيهما ضمن لم يرجع على صاحبه كما في غاصب الغاصب وإن كان فقيرا ~~فإن شاء تصدق بها على الفقراء وإن شاء أنفقها على نفسه، فإذا جاء صاحبها ~~خيره بين الأجر وبين أن يضمنها له على ما ذكرنا، وكذلك إذا كان غنيا جاز له ~~أن يتصدق بها على أبيه وابنه وزوجته إذا كانوا فقراء، وكل جواب عرفته في ~~لقطة الحل فهو الجواب في لقطة الحرم يصنع بها ما يصنع بلقط الحل من التعريف ~~وغيره وهذا عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - لقطة الحرم تعرف أبدا ولا ~~يجوز الانتفاع بها بحال واحتج بما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~أنه قال في صفة مكة «ولا تحل لقطتها إلا لمنشد» أي لمعرف فالمنشد المعرف ~~والناشد الطالب وهو المالك، ومعنى الحديث أنه لا تحل لقطة الحرم إلا ~~للتعريف. # (ولنا) ما ذكرنا ms3769 من الدلائل من غير فصل بين لقطة الحل والحرم ولا حجة له ~~في الحديث؛ لأنا نقول بموجبه: إنه لا يحل التقاطها إلا # PageV06P202 # للتعريف وهذا حال كل لقطة إلا أنه خص - عليه الصلاة والسلام - لقطة الحرم ~~بذلك، لما لا يوجد صاحبها عادة فتبين أن ذا لا يسقط التعريف وكذلك حكم ~~الضالة في جميع ما وصفنا، وتنفرد بحكم آخر وهو النفقة فإن أنفق عليها بأمر ~~القاضي يكون دينا على مالكها وإن أنفق بغير إذنه يكون متطوعا فينبغي أن ~~يرفع الأمر إلى القاضي ينظر في ذلك فإن كانت بهيمة يحتمل الانتفاع بها ~~بطريق الإجارة أمره بأن يؤاجرها وينفق عليها من أجرتها نظرا للمالك، وإن ~~كانت مما لا يحتمل الانتفاع بها بطريق الإجارة وخشي أن لو أنفق عليها أن ~~تستغرق النفقة قيمتها أمره ببيعها وحفظ ثمنها مقامها في حكم الهلاك وإن رأى ~~الأصلح أن لا يبيعها بل ينفق عليها أمره بأن ينفق عليها لكن نفقة لا تزيد ~~على قيمتها ويكون ذلك دينا على صاحبها حتى إذا حضر يأخذ منه النفقة، وله أن ~~يحبس اللقطة بالنفقة كما يحبس المبيع بالثمن، وإن أبى أن يؤدي النفقة باعها ~~القاضي ودفع إليه قدر ما أنفق - والله سبحانه وتعالى أعلم - ### | [كتاب الإباق] ### | [فصل بيان ما يصنع بالآبق] # (كتاب الإباق) # الكلام في هذا الكتاب في مواضع في تفسير الآبق، وفي بيان حاله، وفي بيان ~~ما يصنع به، وفي بيان حكم ماله (أما) الأول فالآبق اسم لرقيق يهرب من مولاه ~~وأما حاله فحال اللقطة قبل الأخذ وبعده وقد ذكرنا تفاصيله في كتاب اللقطة. # (فصل) : # وأما بيان ما يصنع به فنقول وبالله التوفيق -: إذا أخذ الآبق لصاحبه فإن ~~شاء الآخذ أمسكه على صاحبه حتى يجيء فيأخذه، وإن شاء ذهب به إلى صاحبه فرده ~~عليه فإن أمسكه فجاء إنسان وادعى أنه عبده فإن أقام البينة دفعه إليه وأخذ ~~منه كفيلا إن شاء لجواز أن يجيء آخر فيدعيه ويقيم البينة فله أن يستوثق ~~بكفيل وإن لم يكن له بينة ولكن أقر العبد بذلك دفعه ms3770 إليه أيضا؛ لأنه ادعى ~~شيئا لا ينازعه فيه أحد فيكون له ويأخذ منه كفيلا إن شاء لما قلنا وما أنفق ~~عليه فإن كان بإذن القاضي يرجع به على صاحبه وإلا فلا؛ لأنه يكون متطوعا ~~فإن طالت المدة ولم يجئ له طالب باعه القاضي وأخذ ثمنه يحفظه على صاحبه؛ ~~لأن ذلك حفظ له معنى، فإن باعه وأخذ ثمنه ثم جاء إنسان وأقام البينة أنه ~~عبده دفع الثمن إليه وليس له أن ينقض البيع؛ لأن البيع من القاضي صدر عن ~~ولاية شرعية؛ لأنه من باب حفظ ماله إذ لو لم يبع لأتت النفقة على جميع ~~قيمته فيضيع المال فكان بيعه حفظا له من حيث المعنى والقاضي يملك مال ~~الغائب؛ ولهذا يبيع ما يتسارع إليه الفساد. # ولو زعم المدعي أنه قد كان دبره أو كاتبه لم يصدق في نقض البيع لما قلنا ~~وينفق القاضي عليه في مدة حبسه إياه من بيت المال ثم إذا جاء صاحبه أخذه من ~~صاحبه أو من ثمنه إن باعه؛ لأن الإنفاق عليه إحياء ماله فيكون عليه وإذا ~~جاء بالآبق له أن يمسكه بالجعل؛ لأنه إذا جاء به فقد استحق الجعل على مالكه ~~فكان له حق حبسه بالجعل كما يحبس المبيع لاستيفاء الثمن. # ولو هلك في حال الحبس لا ضمان عليه لكن يسقط الجعل كما لا ضمان على ~~البائع بهلاك المبيع المحبوس بالثمن، لكن يسقط الثمن عن المشتري. # ولا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الرقيق في قول أبي حنيفة ومحمد، وعند ~~أبي يوسف يقبل في العبد ولا يقبل في الجارية وهذه المسألة في كتاب القاضي ~~في بيان شرائط قبول كتاب القاضي إلى القاضي. ### | [فصل في بيان حكم مال الآبق] # (فصل) : # وأما بيان حكم ماله فهو استحقاق الجعل عندنا استحسانا والكلام في الجعل ~~في مواضع في بيان أصل الاستحقاق وفي بيان سببه، وفي بيان شرطه، وفي بيان ما ~~يستحق عليه، وفي بيان قدر المستحق. # (أما) أصل الاستحقاق فثابت عندنا استحسانا، والقياس أن لا يثبت أصلا كما ~~لا يثبت برد ms3771 الضالة، وقال الشافعي - رحمه الله -: يثبت بالشرط ولا يثبت ~~بدونه حتى لو شرط الآخذ الجعل على المالك وجب وإلا فلا. # (وجه) قول الشافعي - رحمه الله - أنه رد مال الغير عليه محتسبا فلا يستحق ~~الأجر كما لو رد الضالة إلا إذا شرط فيجب عليه بحكم الشرط لقوله - عليه ~~الصلاة والسلام - «المسلمون عند شروطهم» . # (ولنا) ما رواه محمد بن الحسن - عليه الرحمة - عن أبي عمرو الشيباني أنه ~~قال: كنت قاعدا عند # PageV06P203 # عبد الله بن مسعود فجاء رجل فقال قدم فلان بإباق من القوم فقال القوم: ~~لقد أصاب أجرا فقال عبد الله - رضي الله عنه -: وجعلا إن شاء من كل رأس ~~درهما. # ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر فيكون إجماعا؛ ولأن جعل الآبق طريق صيانة عن ~~الضياع؛ لأنه لا يتوصل إليه بالطلب عادة إذ ليس له مقام معلوم يطلب هناك ~~فلو لم يأخذه لضاع ولا يؤخذ لصاحبه ويتحمل مؤنة الأخذ والرد عليه مجانا بلا ~~عوض عادة وإذا علم أن له عليه جعلا يحمل مشقة الأخذ والرد طمعا في الجعل ~~فتحصل الصيانة عن الضياع فكان استحقاق الجعل طريق صيانة الآبق عن الضياع ~~وصيانة المال عن الضياع واجب فكان المالك شارطا للأجر عند الأخذ والرد ~~دلالة بخلاف الضالة؛ لأن الدابة إذا ضلت فإنها ترعى في المراعي المألوفة ~~فيمكن الوصول إليها بالطلب عادة فلا تضيع دون الأخذ فلا حاجة إلى الصيانة ~~بالجعل، فإن أخذه أحد كان في الأخذ والرد محتسبا فلا يستحق الأجر فهو الفرق ~~وأما سبب استحقاق الجعل فهو الأخذ لصاحبه؛ لأنه طريق الصيانة على المالك ~~وهو معنى التسبب. ### | [فصل في شرائط استحقاق جعل الآبق] # (فصل) : # وأما شرائط الاستحقاق فأنواع (منها) : الرد على المالك؛ لأن الصيانة تحصل ~~عنده وهو معنى الشرط أن توجد العلة عند وجوده، حتى لو أخذه فمات أو أبق من ~~يده قبل الرد لا يستحق الجعل ولو أخذه فأبق من يده فأخذه غيره فرده على ~~المالك فالجعل للثاني ولا شيء للأول لأنه لما أبق من يده فقد انفسخ ذلك ~~السبب أو بقي ms3772 ذلك سببا محضا لانعدام شرطه - وهو الرد على المالك - وقد وجد ~~السبب والشرط من الثاني فكان الأول صاحب سبب محض والسبب المحض لا حكم له، ~~والثاني صاحب علة فيكون الجعل له. # ولو كان الراد واحدا والآبق اثنين فله جعلان لوجود سبب الاستحقاق وشرطه ~~في كل واحد منهما. # ولو كان الراد اثنين والآبق واحدا فلهما جعل واحد بينهما نصفان ~~لاشتراكهما في مباشرة السبب والشرط. # ولو كان الراد واحدا والآبق واحدا والمالك اثنين فعليهما جعل واحد على ~~قدر ملكيهما. # ولو جاء بالآبق فوجد المالك قد مات فله الجعل في تركته لوجود الرد على ~~المالك من حيث المعنى بالرد على التركة، ثم إن كان عليه دين محيط بماله فهو ~~أحق بالعبد حتى يعطى الجعل لما ذكرنا. # وإن لم يكن له مال سوى العبد يقدم الجعل على سائر الديون فيباع العبد ~~ويبدأ بالجعل من ثمنه ثم يقسم الباقي بين الغرماء؛ لأنه كان أحق بحبسه من ~~بين سائر الغرماء لاستيفاء الجعل، فكان أحق بثمنه بقدر الجعل كالمرتهن، هذا ~~إذا جاء به أجنبي فوجد المالك قد مات فأما إذا جاء به وارث الميت فوجد ~~مورثه قد مات فله الجعل عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - إذا كان ~~المالك حيا وقت الأخذ وعند أبي يوسف لا جعل له وإن كان حيا وقت الأخذ إذا ~~مات قبل الوصول إليه. # (وجه) قوله أنه فات شرط الاستحقاق وهو الرد على المالك؛ لأنه رد على ~~نفسه. # (وجه) قولهما إن المجيء به من مسيرة ثلاثة أيام مثلا في حال حياة المالك ~~على قصد الرد رد على المالك فيستحق الجعل كما إذا وجده حيا، ولهذا لو كان ~~الراد أجنبيا استحق الجعل لما قلنا كذا هذا. # ولو جاء به فأعتقه مولاه قبل أن يرده عليه أو باعه منه فله الجعل لما ~~ذكرنا أن المجيء به على قصد الرد على المالك رد عليه ويجب الجعل برد الآبق ~~المرهون لوجود سبب الوجوب وشرطه وهو الرد على المالك، إلا أنه يجب على ~~المرتهن؛ لأن منفعة الصيانة رجعت ms3773 إليه ألا ترى أنه لو ضاع يسقط دينه بقدر ~~قيمته فإذا كانت المنفعة له كانت المضرة عليه لقوله - عليه الصلاة والسلام ~~- «الخراج بالضمان» وسواء كان الراد بالغا أو صبيا حرا أو عبدا؛ لأن الصبي ~~من أهل استحقاق الأجر بالعمل وكذا العبد إلا أن الجعل لمولاه؛ لأنه ليس من ~~أهل ملك المال - والله سبحانه وتعالى أعلم -. # (ومنها) أن لا يكون الراد على المالك في عيال المالك حتى لو كان في عياله ~~لا جعل له سواء كان وارثا أو أجنبيا؛ لأنه إذا كان في عياله كان الرد منه ~~بمنزلة رد المالك؛ ولأنه إذا كان في عياله كان في الرد عليه عاملا لنفسه؛ ~~لأن منفعة الرد تعود إليه ومن عمل لنفسه لا يستحق الأجر على غيره. # والأصل أن الراد إذا كان في عيال المالك لا جعل له كائنا ما كان وإن لم ~~يكن في عياله فله الجعل كائنا ما كان إلا الابن يرد آبق أبيه والزوج يرد ~~آبق زوجته أنه لا جعل لهما وإن لم يكونا في عيالهما؛ لأن الابن وإن لم يكن ~~في عيال أبيه فالرد منه يجري مجرى الخدمة؛ لأبيه، والابن لا يستحق الأجر ~~بخدمة أبيه؛ لأنها # PageV06P204 # مستحقة عليه، ولهذا لو استأجر ابنه لخدمته لا يستحق الأجر بخلاف الأب مع ~~ما أن الأولاد في العادات يحفظون أموال الآباء لطمع الانتفاع بها بطريق ~~الإرث فكان رادا عبد نفسه معنى إذ كان بالرد عاملا لنفسه فلا يستحق الأجر، ~~وكذلك الزوج إذا رد عبد زوجته فقد رد عبد نفسه معنى؛ لأنه ينتفع بما لها ~~عادة وكذلك لا تقبل شهادة كل واحد منهما للآخر فلا يستحق الجعل. # (وأما) الأب إذا رد عبد ابنه فإن كان في عياله لا جعل له؛ لأن الأجنبي ~~الذي في عياله لا جعل له فالقرابة أولى، وإن لم يكن في عياله فله الجعل؛ ~~لأن الأب لا يستخدم طبعا وشرعا وعقلا ولهذا لو خدم بالأجر وجب الأجر فلا ~~يمكن حمله على الخدمة فيحمل على طلب الأجر، وكذا الآباء لا يحفظون أموال ~~الأولاد ms3774 للانتفاع بها بطريق الإرث لأن موتهم يتقدم موت الأولاد عادة فلم ~~يتحقق معنى الرد، والعمل لنفسه لذلك افترق الأمران، وعلى هذا سائر ذوي ~~الأرحام من الأخ والعم والخال وغيرهم أن الراد إن كان في عيال المالك لا ~~جعل له لما قلنا، وإن لم يكن في عياله فله الجعل، وعلى هذا الوصي إذا رد ~~عبد اليتيم لا جعل له؛ لأن اليتيم في عياله، وحفظ ماله مستحق عليه فلا ~~يستحق الجعل على الرد، وكذا عبد الوصي إذا رد عبد اليتيم؛ لأن رد عبده ~~كرده. # (ومنها) أن يكون المردود مرقوقا مطلقا كالقن والمدبر وأم الولد حتى لو ~~كان مكاتبا لا جعل له؛ لأنه ليس بمرقوق على الإطلاق بل هو فيما يرجع إلى ~~مكاسبه حر، ولهذا لم يتناوله مطلق اسم المملوك في قول الرجل " كل مملوك لي ~~حر " إلا بالنية بخلاف المدبر وأم الولد؛ ولأن استحقاق الجعل معلول ~~بالصيانة عن الضياع ولا حاجة إلى الصيانة في المكاتب؛ لأنه لا يهرب عادة؛ ~~لأن العقد في جانبه غير لازم، فلو لم يقدر على بدل الكتابة يعجز نفسه ~~بالإباء عن الكسب بخلاف المدبر وأم الولد؛ لأنهما يستخدمان عادة فلعلهما ~~يكلفان ما لا يطيقان فيحملهما ذلك على الهرب فتقع الحاجة إلى الصيانة ~~بالجعل كما في القن إلا أن الفرق بينهما وبين القن أنه إذا جاء بالقن وقد ~~مات المولى قبل أن يصل إليه فله الجعل، وإن جاء بالمدبر وأم الولد وقد مات ~~المولى قبل الوصول إليه لا جعل له. # (ووجه) الفرق ظاهر؛ لأنهما يعتقان بموت السيد فلم يوجد رد المرقوق أصلا ~~فلا يستحق الجعل بخلاف القن - والله سبحانه وتعالى أعلم -. ### | [فصل في بيان من يستحق عليه جعل الآبق] # (فصل) : # وأما بيان من يستحق عليه: فالمستحق عليه هو المالك إذا أبق من يده لأن ~~الجعل مؤنة الرد ومنفعة الرد عائدة إلى المالك فكانت المؤنة عليه ليكون ~~الخراج بالضمان ولو أبق عبد الرهن من يد المرتهن فالجعل عليه؛ لأن منفعة ~~الرد تعود إليه باعتبار الحبس الذي هو وسيلة إلى استيفاء ms3775 الدين، فإن كان في ~~قيمة العبد فضل على الدين يجب بقدر الدين على المرتهن والزيادة على الراهن ~~- والله عز وجل أعلم - ### | [فصل بيان قدر المستحق في جعل الآبق] # (فصل) : # وأما بيان قدر المستحق فينظر إن رده من مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا فله ~~أربعون درهما لما روينا من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وإن ~~رده دون ذلك فبحسابه وإن رده من أقصى المصر رضخ له على قدر عنائه وتعبه؛ ~~لأن الواجب بمقابلة العمل فيتقدر بقدره إلا أن الزيادة على مدة السفر سقط ~~اعتبارها بالشرع فيبقى الواجب في المدة بمقابلة العمل فيزداد بزيادته وينقص ~~بنقصانه هذا إذا كانت قيمة العبد أكثر من الجعل، فإن كانت مثل الجعل أو ~~أنقص منه ينقص من قيمته درهم عند أبي حنيفة ومحمد. # وقال أبو يوسف: له الجعل تاما، وإن كانت قيمة العبد درهما واحدا واحتج ~~بما روينا عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال من كل رأس أربعين ~~درهما اعتبر الرأس دون القيمة (وجه) قولهما أن الواجب معلول بمعنى الصيانة ~~عن الضياع لما ذكرنا، ولا فائدة في هذه الصيانة لو اعتبرنا الرأس دون ~~القيمة؛ لأنه إن كان يصان من وجه يضيع من وجه آخر فلا فرق بين الضياع بترك ~~الأخذ والإمساك وبين الضياع بالجعل فلا بد أن ينقص من قيمته درهم ليكون ~~الصون بالأخذ مفيدا، والحديث محمول على ما إذا كانت قيمة كل رأس أكثر من ~~أربعين درهما توفيقا بين الدلائل بقدر الإمكان والله عز وجل أعلم. # PageV06P205 ### | [كتاب السباق] # الكلام في هذا الكتاب في موضعين: في تفسير السباق، وفي بيان شرائط جوازه. # (أما) الأول: فالسباق فعال من السبق وهو أن يسابق الرجل صاحبه في الخيل ~~أو الإبل ونحو ذلك فيقول: إن سبقتك فكذا أو إن سبقتني فكذا، ويسمى أيضا ~~رهانا فعالا من الرهن (فصل) : # وأما شرائط جوازه فأنواع (منها) أن يكون في الأنواع الأربعة الحافر والخف ~~والنصل والقدم لا في غيرها لما روي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال «لا ~~سبق ms3776 إلا في خف أو حافر أو نصال» إلا أنه زيد عليه السبق في القدم بحديث ~~سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - ففيما وراءه بقي على أصل النفي؛ ولأنه لعب ~~واللعب حرام في الأصل إلا أن اللعب بهذه الأشياء صار مستثنى من التحريم ~~شرعا لقوله - عليه الصلاة والسلام - «كل لعب حرام إلا ملاعبة الرجل امرأته ~~وقوسه وفرسه» حرم - عليه الصلاة والسلام - كل لعب واستثنى الملاعبة بهذه ~~الأشياء المخصوصة فبقيت الملاعبة بما وراءها على أصل التحريم إذ الاستثناء ~~تكلم بالباقي بعد الثنيا، وكذا المسابقة بالخف صارت مستثناة من الحديث وبما ~~روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: «إن العضباء ناقة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كانت تسبق كلما دفعت في سباق فدفعت يوما في إبل فسبقت فكانت ~~على المسلمين كآبة إذ سبقت فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الناس ~~إذا رفعوا شيئا أو أرادوا رفع شيء وضعه الله» وكذا السبق بالقدم لما روت ~~سيدتنا عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت «سابقت النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - فسبقته فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقلت: هذا بتلك» فصارت هذه ~~الأنواع مستثناة من التحريم فبقي ما وراءها على أصل الحرمة؛ ولأن الاستثناء ~~يحتمل أن يكون لمعنى لا يوجد في غيرها - وهو الرياضة والاستعداد لأسباب ~~الجهاد في الجملة - فكانت لعبا صورة ورياضة وتعلم أسباب الجهاد فيكون جائزا ~~إذا استجمع شرائط الجواز، ولئن كان لعبا لكن اللعب إذا تعلقت به عاقبة ~~حميدة لا يكون حراما، ولهذا استثنى ملاعبة الأهل لتعلق عاقبة حميدة بها وهو ~~انبعاث الشهوة الداعية إلى الوطء الذي هو سبب التوالد والتناسل والسكنى ~~وغير ذلك من العواقب الحميدة، وهذا المعنى لا يوجد في غير هذه الأشياء فلم ~~يكن في معنى المستثنى فبقي تحت المستثنى. # (ومنها) أن يكون الخطر فيه من أحد الجانبين إلا إذا وجد فيه محللا حتى لو ~~كان الخطر من الجانبين جميعا ولم يدخلا فيه محللا لا يجوز لأنه في معنى ~~القمار نحو أن يقول أحدهما لصاحبه: إن سبقتني فلك علي كذا، ms3777 وإن سبقتك فلي ~~عليك كذا فقبل الآخر ولو قال أحدهما لصاحبه إن سبقتني فلك علي كذا وإن ~~سبقتك فلا شيء عليك فهو جائز؛ لأن الخطر إذا كان من أحد الجانبين لا يحتمل ~~القمار فيحمل على التحريض على استعداد أسباب الجهاد في الجملة بمال نفسه، ~~وذلك مشروع كالتنفيل من الإمام وبل أولى؛ لأن هذا يتصرف في مال نفسه ~~بالبدل، والإمام بالتنفيل يتصرف فيما لغيره فيه حق في الجملة وهو الغنيمة ~~فلما جاز ذلك فهذا بالجواز أولى، وكذلك إذا كان الخطر من الجانبين ولكن ~~أدخلا فيه محللا بأن كانوا ثلاثة لكن الخطر من الاثنين منهم ولا خطر من ~~الثالث، بل إن سبق أخذ الخطر وإن لم يسبق لا يغرم شيئا، فهذا مما لا بأس به ~~أيضا. # وكذلك ما يفعله السلاطين وهو أن يقول السلطان لرجلين: من سبق منكما فله ~~كذا فهو جائز لما بينا أن ذلك من باب التحريض على استعداد أسباب الجهاد ~~خصوصا من السلطان فكانت ملحقة بأسباب الجهاد، ثم الإمام إذا حرض واحدا من ~~الغزاة على الجهاد بأن قال: من دخل هذا الحصن أولا فله من النفل كذا ونحوه ~~جاز كذا هذا، وبل أولى لما بينا. # (ومنها) أن تكون المسابقة فيما يحتمل أن يسبق ويسبق من الأشياء الأربعة ~~حتى لو كانت فيما يعلم أنه يسبق غالبا لا يجوز؛ لأن معنى التحريض في هذه ~~الصورة لا يتحقق فبقي الرهان التزام المال بشرط لا منفعة فيه فيكون عبثا ~~ولعبا - والله تعالى أعلم -. # PageV06P206 ### | [كتاب الوديعة] ### | [ركن الوديعة] # الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع: في بيان ركن العقد، وفي بيان شرائط ~~الركن، وفي بيان حكم العقد، وفي بيان حال المعقود عليه، وفي بيان ما يوجب ~~تغير حاله. # (أما) ركنه: فهو الإيجاب والقبول، وهو: أن يقول لغيره: أودعتك هذا الشيء، ~~أو احفظ هذا الشيء لي، أو خذ هذا الشيء وديعة عندك، وما يجري مجراه، ويقبله ~~الآخر، فإذا وجد ذلك؛ فقد تم عقد الوديعة. ### | [فصل في شرائط ركن الوديعة] # (فصل) : # وأما شرائط الركن فأنواع: (منها) ms3778 عقل المودع، فلا يصح الإيداع من ~~المجنون، والصبي، الذي لا يعقل؛ لأن العقل شرط أهلية التصرفات الشرعية. # (وأما) بلوغه: فليس بشرط عندنا، حتى يصح الإيداع من الصبي المأذون؛ لأن ~~ذلك مما يحتاج إليه التاجر؛ فكان من توابع التجارة، فيملكه الصبي المأذون، ~~كما يملك التجارة وعند الشافعي - رحمه الله - لا يملك التجارة، فلا يملك ~~توابعها على ما نذكر في كتاب المأذون. # وكذا حريته ليست بشرط فيملك العبد المأذون الإيداع لما قلنا في الصبي ~~المأذون، (ومنها) عقل المودع فلا يصح قبول الوديعة من المجنون، والصبي الذي ~~لا يعقل؛ لأن حكم هذا العقد هو لزوم الحفظ، ومن لا عقل له لا يكون من أهل ~~الحفظ. # (وأما) بلوغه: فليس بشرط حتى يصح قبول الوديعة من الصبي المأذون؛ لأنه من ~~أهل الحفظ؛ ألا ترى أنه أذن له الولي ولو لم يكن من أهل الحفظ لكان الإذن ~~له سفها. # (وأما) الصبي المحجور عليه، فلا يصح قبول الوديعة منه؛ لأنه لا يحفظ ~~المال عادة ألا ترى أنه منع منه ماله؟ ولو قبل الوديعة فاستهلكها؛ فإن كانت ~~الوديعة عبدا أو أمة؛ يضمن بالإجماع، وإن كانت سواهما فإن قبلها بإذن الولي ~~فكذلك، وإن قبلها بغير إذنه - لا ضمان عليه عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي ~~يوسف يضمن. # (وجه) قوله أن إيداعه لو صح فاستهلك الوديعة؛ يوجب الضمان، وإن لم يصح؛ ~~جعل كأنه لم يكن، فصار الحال بعد العقد كالحال قبله. # ولو استهلكها قبل العقد؛ لوجب عليه الضمان إذا كانت الوديعة عبدا أو أمة. # (وجه) قولهما: أن إيداع الصبي المحجور إهلاك للمال معنى، فكان فعل الصبي ~~إهلاك مال قائم صورة لا معنى، فلا يكون مضمونا عليه، ودلالة ما قلنا: أنه ~~لما وضع المال في يده، فقد وضع في يد من لا يحفظه عادة، ولا يلزمه الحفظ ~~شرعا، ولا شك أنه لا يجب عليه حفظ الوديعة شرعا؛ لأن الصبي ليس من أهل وجوب ~~الشرائع عليه، والدليل على أنه لا يحفظ الوديعة عادة؛ أنه منع عنه ماله ولو ~~كان يحفظ المال عادة ms3779 لدفع إليه، قال الله تبارك وتعالى: {فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6] ، وبهذا فارق المأذون؛ لأنه يحفظ ~~المال عادة، ألا ترى أنه دفع إليه ماله. # ولو لم يوجد منه الحفظ عادة؛ لكان الدفع إليه سفها، بخلاف ما إذا كانت ~~الوديعة عبدا أو أمة؛ لأن هناك لا يجب عليه ضمان المال أيضا؛ وإنما يجب ~~عليه ضمان الدم؛ لأن الضمان الواجب بقتل العبد ضمان الآدمي، لا ضمان المال، ~~والعبد من حيث إنه آدمي قائم من كل وجه قبل الإيداع وبعده، فهو الفرق وكذلك ~~حرية المودع ليست بشرط لصحة العقد، حتى يصح القبول من العبد المحجور، فلا ~~يصح منه القبول؛ لأنه لا يحفظ المال عادة. # ولو قبلها فاستهلكها، فإن كانت عبدا أو أمة يؤمر المولى بالدفع، أو ~~الفداء وإن كانت سواهما، فإن قبلها بإذن وليه؛ يضمن بالإجماع وإن قبلها ~~بغير إذن وليه؛ لا يؤاخذ به في الحال عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف ~~يؤاخذ به في الحال، والكلام في الطرفين على حسب ما ذكرنا في الصبي المحجور. ### | [فصل في بيان حكم عقد الوديعة] # (فصل) : # فحكمه لزوم الحفظ للمالك لأن الإيداع من جانب المالك استحفاظ ومن جانب ~~المودع التزام الحفظ وهو من أهل الالتزام فيلزمه لقوله: - عليه الصلاة ~~والسلام - «المسلمون عند شروطهم» والكلام في الحفظ في موضعين: - أحدهما ~~فيما يحفظ به - والثاني: فيما فيه يحفظ. # (أما) الأول، فالاستحفاظ لا يخلو من أن يكون مطلقا أو مقيدا، فإن كان ~~مطلقا؛ فللمودع أن يحفظ بيد نفسه، ومن هو في عياله، وهو الذي يسكن معه، ~~ويمونه، فيكفيه # PageV06P207 # طعامه، وشرابه، وكسوته، كائنا من كان قريبا، أو أجنبيا، من ولده، ~~وامرأته، وخدمه، وأجيره، لا الذي استأجره بالدراهم والدنانير، وبيده من ليس ~~في عياله ممن يحفظ ماله بنفسه عادة، كشريكه المفاوض، والعنان، وعبده ~~المأذون، وعبده المعزول عن بيته. # هذا عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله -: ليس له أن يحفظ إلا بيد نفسه، ~~إلا أن يستعين بغيره من غير أن يغيب عن عينه، حتى لو فعل يدخل في ضمانه. ms3780 # (وجه) قوله أن العقد تناوله دون غيره، فلا يملك الإيداع من غيره كما لا ~~يملك الإيداع سائر الأجانب. # (ولنا) : أن الملتزم بالعقد هو الحفظ والإنسان لا يلتزم بحفظ مال غيره ~~عادة؛ إلا بما يحفظ به مال نفسه، وإنه يحفظ مال نفسه بيده مرة وبيد هؤلاء ~~أخرى، فله أن يحفظ الوديعة بيدهم أيضا، فكان الحفظ بأيديهم داخلا تحت ~~العقد، دلالة، وكذا له أن يرد الوديعة على أيديهم، حتى لو هلكت قبل الوصول ~~إلى المالك، لا ضمان عليه؛ لأن يدهم يد المودع معنى، فما دام في أيديهم؛ ~~كان محفوظا بحفظه، وليس له أن يدفع الوديعة إلى غيرهم، إلا لعذر، حتى لو ~~دفع، تدخل في ضمانه؛ لأن المالك ما رضي بيده، ألا يرى أنه لا يرضى مال نفسه ~~بيده، فإذا دفع؛ فقد صار مخالفا، فتدخل الوديعة في ضمانه إلا إذا كان عن ~~عذر، بأن وقع في داره حريق، أو كان في السفينة، فخاف الغرق؛ فدفعه إلى ~~غيره؛ لأن الدفع إليه في هذه الحالة تعين طريقا للحفظ، فكان الدفع بإذن ~~المالك دلالة فلا يضمن، فلو أراد السفر؛ فليس له أن يودع؛ لأن السفر ليس ~~بعذر. # ولو أودعها عند من ليس له أن يودعه، فضاعت في يد الثاني - فالضمان على ~~الأول، لا على الثاني عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف، ومحمد: المالك ~~بالخيار، إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني، فإن ضمن الأول لا يرجع ~~بالضمان على الثاني، وإن ضمن الثاني يرجع به على الأول. # (وجه قولهما) : أنه وجد من كل واحد منهما سبب وجوب الضمان، أما - الأول؛ ~~فلأنه دفع مال الغير إلى غيره بغير إذنه. # وأما الثاني: فلأنه قبض مال الغير بغير إذنه، وكل واحد منهما سبب لوجوب ~~الضمان، فيخير المالك إن شاء ضمن الأول، وإن شاء ضمن الثاني، كمودع الغاصب ~~مع الغاصب، غير أنه إن ضمن الأول؛ لا يرجع بالضمان على الثاني لأنه ملك ~~الوديعة بأداء الضمان فتبين أنه أودع ماله نفسه إياه فهذا مودع هلكت ~~الوديعة في يده فلا شيء عليه ms3781 وإن ضمن الثاني، يرجع بالضمان على الأول؛ لأن ~~الأول غره بالإيداع، فيلزمه ضمان الغرور، كأنه كفل عنه بما يلزمه من العهدة ~~في هذا العقد، إذ ضمان الغرور ضمان كفالة، لما علم. # (وجه) قول أبي حنيفة: أن يد المودع الثاني ليست بيد مانعة، بل هي يد حفظ ~~وصيانة الوديعة عن أسباب الهلاك، فلا يصلح أن يكون سببا لوجوب الضمان؛ لأنه ~~من باب الإحسان إلى المالك، قال الله تعالى - جل شأنه - {ما على المحسنين ~~من سبيل} [التوبة: 91] . # وكان ينبغي أن لا يجب الضمان على الأول أيضا؛ لأن الإيداع منه مباشرة سبب ~~الصيانة والحفظ له، فكان محسنا فيه، إلا أنه صار مخصوصا عن النص، فبقي ~~المودع الثاني على ظاهره. # ولو أودع غيره وادعى أنه فعل عن عذر، لا يصدق على ذلك إلا ببينة عند أبي ~~يوسف، وهو قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - كذا ذكر الشيخ القدوري - رحمه ~~الله -؛ لأن الدفع إلى غيره سبب لوجوب الضمان في الأصل، فدعوى الضرورة دعوى ~~أمر عارض، يريد به دفع الضمان عن نفسه، فلا يصدق إلا بحجة، هذا إذا هلكت ~~الوديعة في يد المودع الثاني؛ فأما إذا استهلكها، فالمالك بالخيار، إن شاء ~~ضمن الأول، وإن شاء ضمن الثاني بالإجماع، غير أنه إن ضمن الأول، يرجع ~~بالضمان على الثاني، وإن ضمن الثاني؛ لا يرجع بالضمان على الأول؛ لأن سبب ~~وجوب الضمان وجد من الثاني حقيقة، وهو الاستهلاك لوقوعه إعجازا للمالك عن ~~الانتفاع بماله على طريق القهر، ولم يوجد من الأول إلا الدفع إلى الثاني ~~على طريق الاستحفاظ دون الإعجاز، إلا أنه ألحق ذلك بالإعجاز شرعا في حق ~~اختيار التضمين صورة؛ لأنه باشر سبب الإعجاز، فكان الضمان في الحقيقة على ~~الثاني؛ لأن إقرار الضمان عليه، لذلك لم يرجع الأول على الثاني، ولم يرجع ~~الثاني على الأول، بخلاف مودع الغاصب إذا هلك المغصوب في يده إن المالك ~~يتخير بين أن يضمن الغاصب، أو يضمن المودع، فإن ضمن الغاصب لا يرجع بالضمان ~~على المودع، وإن ضمن المودع يرجع به على الغاصب، ms3782 وقد تقدم الفرق، وعلى هذا ~~إذا أودع رجل من رجلين مالا، فإن كان محتملا للقسمة اقتسماه، وحفظ كل واحد ~~منهما نصفه؛ لأنه لما أودعه من رجلين، فقد استحفظهما جميعا، فلا بد وأن ~~تكون الوديعة في حفظهما جميعا، ولا تتحقق إلا بالقسمة ليكون النصف في يد ~~هذا، والنصف في يد ذاك # PageV06P208 # والمحل محتمل للقسمة فيقتسمان نصفين. # ولو سلم أحدهما النصف إلى صاحبه فضاعت، فمن المسلم نصف الوديعة عند أبي ~~حنيفة، وعند أبي يوسف، ومحمد: لا يضمن القابض شيئا بالإجماع # ولو كانت الوديعة مما لا يحتمل القسمة، فلكل واحد منهما أن يسلم الكل إلى ~~صاحبه، وإذا فعل فضاعت لا ضمان عليه بالإجماع، وجه قولهما: أن المالك لما ~~استحفظها، فقد رضي بيد كل واحد منهما على كل الوديعة، كما إذا لم تكن ~~الوديعة محتملة للقسمة: (وجه) قول أبي حنيفة: أن المالك استحفظ كل واحد ~~منهما في بعض الوديعة لا في كلها، فكان راضيا بثبوت يد كل واحد منهما على ~~البعض دون الكل، وهذا لما ذكرنا، أنه لما استحفظها جميعا، فلا بد أن يكون ~~المال في حفظهما جميعا، ولا يمكن أن يكون كله في يد كل واحد منهما؛ ~~للاستحالة فيقسم ليكون النصف في يد أحدهما، والنصف في يد الآخر، فإذا كان ~~المحل محتملا للقسمة؛ ولم يكن راضيا يكون في يد أحدهما، فإذا فعل فقد ~~خالفه، فدخل في ضمانه، فإذا ضاع ضمن، بخلاف ما إذا لم يكن محتملا للقسمة؛ ~~لأنه إذا لم يحتمل تعذر أن يكون كله في حفظ كل واحد منهما، على التوزيع في ~~زمان واحد، فكان راضيا بكونه في يد كل واحد منهما، في زمانين على التهايؤ ~~فلم يصر مخالفا بالدفع، فهو الفرق. # وعلى هذا الخلاف الذي ذكرنا: المرتهنان والوكيلان بالشراء، إذا كان ~~المرهون والمشترى مما يحتمل القسمة، فسلمه أحدهما إلى صاحبه، - وأما ~~الثاني: وهو الكلام فيما فيه تحفظ الوديعة، فإن كان العقد؛ مطلقا فله أن ~~يحفظها فيما يحفظ فيه مال نفسه من داره وحانوته وكيسه وصندوقه؛ لأنه ما ~~التزم حفظها إلا فيما ms3783 يحفظ فيه مال نفسه، وليس له أن يحفظ في حرز غيره؛ لأن ~~حرز غيره في يد ذلك الغير، ولا يملك الحفظ بيده فلا يملكه بما في يده أيضا، ~~إلا إذا استأجر حرزا لنفسه، فله أن يحفظ فيه؛ لأن الحرز في يده فما في ~~الحرز يكون في يده أيضا فكان حافظا بيد نفسه فملك ذلك، وله أن يحفظ الحضر ~~والسفر بأن يسافر بها عند أبي حنيفة سواء كان للوديعة حمل ومؤنة، أو لم ~~يكن، وعند أبي يوسف ومحمد، إن كان لها حمل ومؤنة؛ لا يملك المسافرة بها، ~~وإن لم يكن يملك وعند الشافعي - رحمه الله - لا يملك كيف ما كان أما الكلام ~~مع الشافعي، - رحمه الله - فوجه قوله: أن المسافرة الوديعة تضييع المال؛ ~~لأن المفازة مضيعة، قال النبي - عليه أفضل التحية - «المسافر وماله على قلب ~~إلا ما وقى الله» فكان التحويل إليها تضييعا فلا يملكه المودع. # (ولنا) أن الأمر بالحفظ صدر مطلقا عن تعيين المكان، فلا يجوز التعيين إلا ~~بدليل، قوله: المفازة مضيعة قلنا: ممنوع أو نقول إذا كان الطريق مخوفا أما ~~إذا كان آمنا فلا، والكلام فيما إذا كان الطريق آمنا، والحديث محمول على ~~ابتداء الإسلام، حين كانت الغلبة للكفرة، وكانت الطريق مخوفة، ونحن به ~~نقول. # وأما الكلام مع أصحابنا - رضي الله عنهم - فوجه قولهما: أن في المسافرة ~~بماله حمل ومؤنة ضررا، بالمالك لجواز أن يموت المودع في السفر، فيحتاج إلى ~~الاسترداد من موضع لا يمكنه ذلك، إلا بحمل ومؤنة عظيمة فيتضرر به، ولا كذلك ~~إذا لم يكن لها حمل ومؤنة، ولأبي حنيفة على نحو ما ذكرنا مع الشافعي - رحمه ~~الله -: أن الأمر بالحفظ لا يتعرض لمكان دون مكان، ولا يجوز تقييد المطلق ~~من غير دليل؛ قولهما فيه ضرر، - قلنا -: هذا النوع من الضرر ليس بغالب، فلا ~~يجب دفعه، على أنه إن كان، فهو الذي أضر بنفسه حيث أطلق الأمر، ومن لم ينظر ~~لنفسه لا ينظر له، هذا إذا كان العقد مطلقا عن شرط في الفصلين جميعا، فأما ~~إذا شرط ms3784 فيه شرطا نظر فيه، إن كان شرطا يمكن اعتباره ويفيد؛ اعتبر، وإلا ~~فلا، بيان ذلك؛ إذا أمره بالحفظ وشرط عليه أن يمسكها بيده ليلا ونهارا ولا ~~يضعها؛ فالشرط باطل حتى لو وضعها في بيته، أو فيما يحرز فيه ماله عادة، ~~فضاعت؛ لا ضمان عليه؛ لأن إمساك الوديعة بيده، بحيث لا يضعها - أصلا غير ~~مقدور له عادة، فكان شرطا لا يمكن مراعاته فيلغى ولو أمره بالحفظ ونهاه أن ~~يدفعها إلى امرأته، أو عبده، أو ولده الذي هو في عياله؛ أو من يحفظ مال ~~نفسه بيده عادة، نظر فيه إن كان لا يجد بدا من الدفع إليه؛ له أن يدفع؛ ~~لأنه إذا لم يجد بدا من الدفع إليه كان النهي عن الدفع إليه نهيا عن الحفظ ~~فكان سفها فلا يصح نهيه وإن كان يجد بدا من الدفع إليه ليس له أن يدفع. # ولو دفع - يدخل في ضمانه؛ لأنه إذا فكان له منه بد في الدفع إليه، أمكن ~~اعتبار الشرط وهو مفيد؛ لأن الأيدي في الحفظ متفاوتة، والأصل في الشروط ~~اعتبارها ما أمكن. # ولو قال: لا تخرجها من الكوفة، فخرج بها تدخل في ضمانه؛ لأنه شرط يمكن ~~اعتباره وهو مفيد؛ # PageV06P209 # لأن الحفظ في المصر أكمل من الحفظ في السفر؛ إذ السفر موضع الخطر؛ إلا ~~إذا خاف التلف عليها؛ فاضطر إلى الخروج بها، فخرج لا تدخل في ضمانه؛ لأن ~~الخروج في هذه الحالة طريق متعين للحفظ، كما إذا وقع في داره حريق؛ أو كان ~~في سفينة فخاف الغرق، فدفعها إلى غيره. # ولو قال له: احفظ الوديعة في دارك هذه، فحفظها في دار له أخرى، فإن كانت ~~الداران في الحرز سواء أو كانت الثانية أحرز، لا تدخل في ضمانه؛ لأن ~~التقييد غير مفيد، وإن كانت الأولى أحرز من الثانية دخلت في ضمانه؛ لأن ~~التقييد به عند تفاوت الحرز مفيد، وكذلك لو أمره أن يضعها في داره في هذه ~~القرية، ونهاه عن أن يضعها في داره في قرية أخرى - فهو على هذا التفصيل. # ولو قال له ms3785 أخبأها في هذا البيت، وأشار إلى بيت معين في داره فخبأها في ~~بيت آخر في تلك الدار - لا تدخل في ضمانه؛ لأن البيتين من دار واحدة، لا ~~يختلفان في الحرز عادة، بخلاف الدارين، فلا يكون التعيين مفيدا، حتى لو ~~تفاوتا بأن كان الأول أحرز من الثاني، تدخل في ضمانه، والأصل المحفوظ في ~~هذا الباب ما ذكرنا، أن كل شرط يمكن مراعاته، ويفيد فهو معتبر، وكل شرط لا ~~يمكن مراعاته، ولا يفيد فهو هدر، وهذا عندنا، وعند الشافعي، - رحمه الله - ~~تجب مراعاة الشروط في المواضع كلها حتى أن المأمور بالحفظ في بيت معين لا ~~يملك الحفظ في بيت آخر من دار واحدة؛ وجه قوله أن الأصل اعتبار تصرف العاقل ~~على الوجه الذي أوقعه فلا يترك هذا الأصل إلا لضرورة ولم توجد، وصار ~~كالدارين، والجواب: نعم، إذا تعلقت به عاقبة حميدة، فأما إذا خرج مخرج ~~السفه والعبث فلا؛ لأن التعيين عند انعدام التفاوت في الحرز يجري مجرى ~~العبث، كما إذا قال: احفظ بيمينك، ولا تحفظ بشمالك، أو احفظ في هذه الزاوية ~~من البيت، ولا تحفظ في الزاوية الأخرى، فلا يصح التعيين؛ لانعدام الفائدة ~~حتى لو تفاوتا في الحرز يصح، بخلاف الدارين، والأصل في الدارين اختلاف ~~الحرز، فكان التعيين مفيدا حتى لو لم يختلف، فالجواب فيها كالجواب في ~~البيتين على ما مر. ### | [فصل في بيان حال الوديعة] # (فصل) : # وأما بيان حال الوديعة فحالها أنها في يد المودع أمانة؛ لأن المودع ~~مؤتمن، فكانت الوديعة أمانة في يده، ويتعلق بكونها أمانة أحكام: منها: وجوب ~~الرد عند طلب المالك، لقوله تعالى - جل شأنه -: {إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] . # حتى لو حبسها بعد الطلب فضاعت ضمن هذا إذا كانت الوديعة لرجل واحد، فأما ~~إذا كانت مشاعا لرجلين، فجاء أحدهما، وطلب حصته - لا يجب عليه الرد؛ بأن ~~أودع رجلان رجلا وديعة، دراهم، أو دنانير وثيابا، وغاب ثم جاءه أحدهما، ~~وطلب بعضها، وأبى المستودع ذلك، لم يأمر القاضي بدفع شيء إليه ما لم يحضر ~~الغائب ms3786 عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يقسم ذلك، ويدفع إليه حصته، ~~ولا يكون ذلك قسمة جائزة على الغائب بلا خلاف؛ حتى لو هلك الباقي في يد ~~المودع، ثم جاء الغائب له أن يشارك صاحبه في المقبوض عندهم جميعا ولو هلك ~~المقبوض في يد القابض ثم جاء الغائب فليس للقابض أن يشارك صاحبه في الباقي. # وجه قولهما؛ أن الآخذ بأخذ حصته متصرف في ملك نفسه، فكان له ذلك من غير ~~حضرة الغائب، كما إذا كان لرجلين دين مشترك على رجل، فجاء أحدهما وطلب حصته ~~من الدين؛ فإنه يدفع إليه حصته لما قلنا كذا هذا. # (وجه) قول أبي حنيفة: أن المودع لو دفع شيئا إلى الشريك الحاضر، لا يخلو ~~إما أن يدفع إليه من النصيبين جميعا، وإما أن يدفع إليه من نصيبه خاصة، لا ~~وجه إلى الأول؛ لأن دفع نصيب الغائب إليه ممتنع شرعا. # ولا سبيل إلى الثاني؛ لأن نصيبه شائع في كل الألف؛ لكون الألف مشتركة ~~بينهما، ولا تتميز إلا بالقسمة، والقسمة على الغائب غير جائزة؛ ولو سلمنا ~~ذلك حتى قالا: إذا جاء الغائب وقد هلك الباقي، له أن يشارك القابض في ~~المقبوض. # ولو نفذت القسمة لما شاركه فيه؛ لتميز حقه عن حق صاحبه بالقسمة، والقياس ~~على الدين المشترك غير سديد؛ لأن الغريم يدفع نصيب أحد الشريكين، بدفع مال ~~نفسه لا مال شريكه الغائب، وهنا يدفع مال الغائب بغير إذنه، فلا يستقيم ~~القياس. # ولو كان في يده ألف درهم فجاءه رجلان وادعى كل واحد منهما أنه أودعه ~~إياها، فقال المودع أودعها أحدكما ولست أدري أيكما هو، فهذا في الأصل لا ~~يخلو من أحد وجهين: إما أن اصطلح المتداعيان على أن يأخذا الألف وتكون ~~بينهما. # وأما إن لم يصطلحا، وادعى كل واحد منهما أن الألف له خاصة لا لصاحبه، فإن ~~اصطلحا على ذلك فلهما ذلك، وليس للمودع أن يمتنع عن تسليم الألف إليهما؛ ~~لأنه أقر أن الألف لأحدهما وإذا اصطلحا على أنها تكون بينهما، لا يمنعان عن ~~ذلك، وليس لهما أن ms3787 يستحلفا # PageV06P210 # المودع بعد الصلح، وإن لم يصطلحا وادعى كل واحد منهما أن الألف له، لا ~~يدفع إلى أحدهما شيئا؛ لجهالة المقر له الوديعة، ولكل واحد منهما أن يستحلف ~~المودع فإن استحلفه كل واحد منهما، فالأمر لا يخلو، إما أن يحلف لكل واحد ~~منهما، وإما أن ينكل لكل واحد منهما، وإما أن يحلف لأحدهما وينكل للآخر، ~~فإن حلف لهما فقد انقطعت خصومتهما للحال إلى وقت إقامة البينة، كما في سائر ~~الأحكام، وهل يملكان الاصطلاح على أخذ الألف بينهما بعد الاستحلاف، فهو على ~~الاختلاف، والمعروف بين، أبي حنيفة، وأبي يوسف، وبين محمد، على قولهما لا ~~يملكان وعلى قول محمد يملكان وهي مسألة الصلح بعد الحلف، وقد مرت في كتاب ~~الصلح. # وإن نكل لهما يقضى بالألف بينهما نصفين، ويضمن ألفا أخرى بينهما، فيحصل ~~لكل واحد منهما ألف كاملة لأن كل واحد منهما يدعي أن كل الألف له فإذا نكل ~~له والنكول بذل أو إقرار، فكأنه بذل لكل واحد منهما ألفا، أو أقر لكل واحد ~~منهما بألف، فيقضى عليه بينهما بألف، ويضمن أيضا ألفا أخرى، تكون بينهما؛ ~~ليحصل لكل واحد منهما ألف كاملة، لو حلف لأحدهما ونكل للآخر، قضى بالألف ~~للذي نكل له، ولا شيء للذي حلف له؛ لأن النكول حجة من نكل له لا حجة من حلف ~~له، ومنها وجوب الأداء إلى المالك؛ لأن الله أمر بأداء الأمانات إلى أهلها، ~~وأهلها مالكها. # حتى لو ردها إلى منزل المالك، فجعلها فيه، أو دفعها إلى من هو في عيال ~~المالك، دخلت في ضمانه، حتى لو ضاعت؛ يضمن، بخلاف العارية، فإن المستعير لو ~~جاء بمتاع العارية وألقاها في دار المعير، أو جاء بالدابة فأدخلها في ~~إصطبله - كان ردا صحيحا؛ لأن ظاهر النص الذي تلونا أن لا يصح، إلا أنها ~~صارت مخصوصة عن عموم الآيات، فبقيت الوديعة على ظاهره؛ ولأن القياس في ~~الموضعين ما ذكرنا من لزوم الرد إلى المالك، إلا أنا استحسنا في العارية ~~للعادة الجارية فيها بردها إلى بيت المالك، أو بدفعها إلى من في ms3788 عياله، حتى ~~لو كانت العارية شيئا نفيسا، كعقد جوهر ونحو ذلك؛ لا يصح الرد؛ لانعدام ~~جريان العادة بذلك في الأشياء النفيسة، ولم تجر به العادة في مال الوديعة، ~~فتبقى على أصل القياس؛ ولأن مبنى الإيداع على الستر والإغفاء عادة، فإن ~~الإنسان إنما يودع مال غيره سرا عن الناس، لما يتعلق به من المصلحة، فلو ~~رده على غير المالك لانكشف. # إذ السر إذا جاوز اثنين يفشو، فيفوت المعنى المجعول له الإيداع، بخلاف ~~العارية؛ لأن مبناها على الإعلان، والإظهار؛ لأنها شرعت لحاجة المستعير إلى ~~استعمالها في حوائجه، ولا يمكنه الاستعمال سرا عن الناس عادة، والرد إلى ~~غير المالك لا يفوت ما شرعت له العارية، فهو الفرق، ومنها: أنه إذا ضاعت في ~~يد المودع بغير صنعه، لا يضمن، لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «ليس على المستعير غير المغل الضمان ولا على المستودع غير المغل ~~الضمان» ؛ ولأن يده يد المالك، فالهلاك في يده كالهلاك في يد المالك، وكذلك ~~إذا دخلها نقص؛ لأن النقصان هلاك بعض الوديعة، وهلاك الكل لا يوجب الضمان، ~~فهلاك البعض أولى ومنها أن المودع مع المودع إذا اختلفا، فقال المودع: هلكت ~~أو؛ قال: رددتها إليك وقال المالك: بل استهلكتها فالقول قول المودع؛ لأن ~~المالك يدعي على الأمين أمرا عارضا، وهو التعدي، والمودع مستصحب لحال ~~الأمانة، فكان متمسكا بالأصل، فكان القول قوله، لكن مع اليمين؛ لأن التهمة ~~قائمة، فيستحلف دفعا للتهمة، وكذلك إذا قال: المودع استهلكت من غير إذني ~~وقال المودع: بل استهلكتها أنت، أو غيرك بأمرك، أن القول قول المودع؛ لما ~~قلنا ولو قال: إنها قد ضاعت، ثم قال بعد ذلك: بل كنت رددتها إليك، لكنى ~~أوهمت لم يصدق، وهو ضامن؛ لأنه نفى الرد بدعوى الهلاك، ونفى الهلاك بدعوى ~~الرد، فصار نافيا ما أثبته مثبتا ما نفاه، وهذا تناقض، فلا تسمع منه دعوى ~~الضياع والرد؛ لأن المناقض لا قول له؛ ولأنه لما ادعى دعوتين وأكذب نفسه في ~~كل واحدة منهما فقد ذهبت أمانته، فلا يقبل ms3789 قوله. ### | [فصل في بيان ما يغير حال الوديعة من الأمانة إلى الضمان] # (فصل) : # وأما بيان ما يغير حال المعقود عليه من الأمانة إلى الضمان، فأنواع: منها ~~ترك الحفظ؛ لأنه بالعقد التزم حفظ الوديعة على وجه لو ترك حفظها حتى هلكت ~~يضمن بدلها، وذلك بطريق الكفالة، ولهذا لو رأى إنسانا يسرق الوديعة، وهو ~~قادر على منعه ضمن؛ لترك الحفظ الملتزم بالعقد، وهو معنى قول مشايخنا إن ~~المودع يؤخذ بضمان العقد، ومنها ترك الحفظ للمالك؛ بأن خالفه في الوديعة ~~بأن كانت الوديعة ثوبا فلبسه، أو دابة فركبها، أو عبدا فاستعمله، أو أودعها ~~من ليس في # PageV06P211 # عياله، ولا هو ممن يحفظ ماله بيده عادة؛ لأن الملتزم بالعقد هو الحفظ ~~للمالك، فإذا حفظ لنفسه، فقد ترك الحفظ للمالك، فدخلت في ضمانه، وحكى عن ~~الفقيه أبي جعفر الهندواني: أنه منع دخول العين في ضمانه في المناظرة حين ~~قدم بخارى، وسئل عن هذه المسألة وهذا خلاف إطلاق الكتاب؛ فإنه قال: يبرأ عن ~~الضمان والبراءة عن الضمان بعد الدخول في الضمان تكون. # وكذلك المودع مع المودع إذا اختلفا فقال المودع: هلكت الوديعة أو رددتها ~~إليك وقال المالك: استهلكتها، إن كان قبل الخلاف فالقول قول، المودع، وإن ~~كان بعده فالقول قول المالك، ونحو ذلك مما يدل على دخول الوديعة في ضمانه ~~بالخلاف، وإن خالف في الوديعة، ثم عاد الوفاق، يبرأ عن الضمان عند علمائنا ~~الثلاثة، وعند زفر، والشافعي لا يبرأ عن الضمان، وجه قولهما: أن الوديعة ~~لما دخلت في ضمان المودع بالخلاف؛ فقد ارتفع العقد، فلا يعود إلا بالتجديد، ~~ولم يوجد؛ فصار كما لو جحد الوديعة، ثم أقر بها، وكذلك المستعير، ~~والمستأجر، إذا خالفا، ثم عاد إلى الوفاق، لا يبرآن عن الضمان لما قلنا كذا ~~هذا، ولنا: إنه بعد الخلاف مودع والمودع إذا هلكت الوديعة من غير صنعه لا ~~ضمان عليه، كما قبل الخلاف ودلالة أنه بعد الخلاف مودع أن المودع من يحفظ ~~مال غيره له بأمره وهو بعد الخلاف والاشتغال بالحفظ حافظ مال المالك له ~~بأمره؛ لأن ms3790 الأمر تناول ما بعد الخلاف قوله: الوديعة دخلت في ضمان المودع؛ ~~فيرتفع العقد، قلنا: معنى الدخول في ضمان المودع، إنه انعقد، سبب وجوب ~~الضمان موقوفا وجوبه على وجود شرطه، وهو الهلاك في حالة الخلاف، لكن هذا لم ~~يوجب ارتفاع العقد أليس أن من وكل إنسانا يبيع عبده بألفي درهم؛ فباعه ~~بألف، وسلمه إلى المشتري دخل العبد في ضمانه؟ لانعقاد سبب وجوب الضمان، وهو ~~تسليم مال الغير إلى غيره من غير إذنه ومع ذلك بقي العقد، حتى لو أخذه كان ~~له بيعه بألفين كذا هذا على أنا إن سلمنا أن العقد انفسخ، لكن في قدر ما ~~فات من حقه وحكمه: وهو الحفظ الملتزم للمالك في زمان الخلاف، لا فيما بقي ~~في المستقبل، كما إذا استحفظه بأجر كل شهر، بكذا، وترك الحفظ في بعض الشهر، ~~ثم اشتغل به في الباقي، بقي العقد في الباقي، يستحق الأجرة بقدره والجامع ~~بينهما؛ أن الارتفاع لضرورة فوات حكم العقد؛ فلا يظهر إلا في قدر الفائت، ~~بخلاف الإجارة، والإعارة؛ لأن الإجارة تمليك المنفعة وهي تمليك منافع مقدرة ~~بالمكان، أو الزمان فإذا بلغ المكان المذكور: فقد انتهى العقد؛ لانتهاء ~~حكمه، فلا يعود إلا بالتجديد وكذا الإعارة؛ لأنها تمليك المنفعة عندنا، إلا ~~أنها تمليك المنفعة بغير عوض، والإجارة تمليك المنفعة بعوض وأما حكم عقد ~~الوديعة: فلزوم الحفظ للمالك مطلقا أو شهرا، وزمان ما بعد الخلاف داخل في ~~المطلق والوقت؛ فلا ينقضي بالخلاف، بل يتقرر، فهو الفرق ومنها جحود الوديعة ~~في وجه المالك عند طلبه، حتى لو قامت البينة على الإيداع، أو نكل المودع عن ~~اليمين، أو أقر به، دخلت في ضمانه؛ لأن العقد لما ظهر بالحجة؛ فقد ظهر ~~ارتفاعه بالجحود، أو عنده؛ لأن المالك لما طلب منه الوديعة، فقد عزله عن ~~الحفظ، والمودع لما جحد الوديعة حال حضرة المالك، فقد عزل نفسه عن الحفظ؛ ~~فانفسخ العقد، فبقي مال الغير في يده بغير إذنه؛ فيكون مضمونا عليه، فإذا ~~هلك تقرر الضمان ولو جحد، الوديعة، ثم أقام البينة على هلاكها، فهذا ms3791 لا ~~يخلو من ثلاثة - أوجه: إما إن أقام البينة على أنها هلكت بعد الجحود، أو ~~قبل الجحود، أو مطلقا؛ فإن أقام البينة على أنها هلكت بعد الجحود، أو مطلقا ~~لا ينتفع ببينته؛ لأن العقد ارتفع بالجحود، أو عنده؛ فدخلت العين في ضمانه، ~~والهلاك بعد ذلك يقرر الضمان، لا أن يسقطه؛ وإن أقام البينة على أنها هلكت ~~قبل الجحود، تسمع بينته ولا ضمان عليه؛ لأن الهلاك قبل الجحود لما ثبت ~~بالبينة؛ فقد ظهر انتهاء العقد قبل الجحود، فلا يرتفع بالجحود، فظهر أن ~~الوديعة هلكت من غير صنعه، فلا يضمن. # ولو ادعى الهلاك قبل الجحود ولا بينة له، وطلب اليمين من المودع، حلفه ~~القاضي بالله تعالى ما يعلم أنها هلكت قبل جحوده؛ لأنه الأصل في باب ~~الاستحلاف، أن الذي يستحلف عليه لو كان أمرا، لو أقر به الحالف للزمه، فإذا ~~أنكر يستحلف وهنا كذلك؛ لأن المالك لو أقر بالهلاك قبل الجحود لقبل منه، ~~ويسقط الضمان عن المودع فإذا أنكر يستحلف، لكن على العلم؛ لأنه يستحلف على ~~فعل غيره، هذا إذا جحد حال حضرة المالك، فإن جحد عند غير المالك حال غيبته ~~قال أبو يوسف: لا يضمن وقال زفر - رحمه الله -: يضمن في الحالين جميعا وجه ~~قول زفر: أن ما هو سبب وجوب الضمان لا يختلف بالحضرة، والغيبة كسائر ~~الأسباب، وجه قول # PageV06P212 # أبي يوسف أن الجحود سبب للضمان من حيث إنه يرفع العقد بالعزل على ما ~~بينا. # ولا يصح العزل حالة الغيبة، فلا يرتفع العقد؛ ولأن الجحود عند غير المالك ~~حال غيبته معدود من باب الحفظ والصيانة عرفا، وعادة؛ لأن مبنى الإيداع على ~~الستر، والإخفاء، فكان الجحود عند غير المالك - حال غيبته - حفظا معنى، ~~فكيف يكون سببا لوجوب الضمان؟ ومنها الإتلاف حقيقة أو معنى وهو إعجاز ~~المالك عن الانتفاع الوديعة؛ لأن إتلاف مال الغير بغير إذنه سبب لوجوب ~~الضمان حتى لو طلب الوديعة، فمنعها المودع مع القدرة على الدفع، والتسليم ~~إليه، حتى هلكت، يضمن؛ لأنه لما حبسها عنه؛ عجز عن الانتفاع بها للحال؛ ms3792 ~~فدخلت في ضمانه، فإذا هلكت تقرر العجز؛ فيجب الضمان ولو أمر غيره بالإتلاف، ~~وادعى؛ أنه كان بإذن المالك، لا يصدق إلا ببينة؛ لأن الإتلاف سبب لوجوب ~~الضمان في الأصل، وقوله: كان بإذن المالك دعوى أمر عارض، فلا تقبل إلا ~~بحجة. # وكذلك المودع إذا خلط الوديعة بماله خلطا لا يتميز، يضمن؛ لأنه إذا كان ~~لا يتميز، فقد عجز المالك من الانتفاع الوديعة؛ فكان الخلط منه إتلافا؛ ~~فيضمن، ويصير ملكا بالضمان وإن مات كان ذلك لجميع الغرماء، والمودع أسوة ~~الغرماء فيه، ولو اختلطت بماله بنفسها من غير صنعه؛ لا يضمن وهو شريك ~~لصاحبها أما عدم وجوب الضمان؛ فلانعدام الإتلاف منه، بل تلفت بنفسها؛ ~~لانعدام الفعل من جهته؛ وأما كونه شريكا لصاحبها؛ فلوجوده معنى الشركة؛ وهو ~~اختلاط الملكين ولو أودعه رجلان، كل واحد منهما ألف درهم، فخلط المودع ~~المالين خلطا لا يتميز؛ فلا سبيل لهما على أخذ الدراهم؛ يضمن المودع لكل ~~واحد منهما ألفا ويكون المخلوط له وهذا قول أبي حنيفة؛ وقال أبو يوسف ~~ومحمد: هما بالخيار إن شاءا اقتسما المخلوط نصفين، وإن شاءا ضمنا المودع ~~ألفين، وعلى هذا الخلاف سائر المكيلات، والموزونات، إذا خلط الجنس بالجنس ~~خلطا لا يتميز، كالحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والدهن بالدهن. # وجه قولهما أن الوديعة قائمة بعينها، لكن عجز المالك عن الوصول إليها ~~بعارض الخلط، فإن شاءا اقتسما؛ لاعتبار جهة القيام، وإن شاءا ضمنا، لاعتبار ~~جهة العجز؛ وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله - أنه لما خلطهما خلطا لا يتميز، ~~فقد عجز كل واحد منهما عن الانتفاع بالمخلوط؛ فكان الخلط منه إتلاف الوديعة ~~عن كل واحد منهما؛ فيضمن؛ ولهذا يثبت اختيار التضمين عندهما واختيار ~~التضمين لا يثبت إلا بوجود الإتلاف، دل أن الخلط منه وقع إتلافا ولو أودعه ~~رجل حنطة، وآخر شعيرا، فخلطهما، فهو ضامن لكل واحد منهما مثل حقه عند أبي ~~حنيفة؛ لأن الخلط إتلاف؛ وعندهما لهما أن يأخذا العين، ويبيعاها، ويقتسما ~~الثمن على قيمة الحنطة مخلوطا بالشعير، وعلى قيمة الشعير غير مخلوط ~~بالحنطة؛ لأن قيمة الحنطة تنقص ms3793 بخلط الشعير؛ وهو يستحق الثمن لقيام الحق في ~~العين وهو مستحق العين، بخلاف قيمة الشعير؛ لأن قيمة الشعير تزداد بالخلط ~~بالحنطة، وتلك الزيادة ملك الغير، فلا يستحقها صاحب الشعير. # ولو أنفق المودع بعض الوديعة؛ ضمن قدر ما أنفق، ولا يضمن الباقي؛ لأنه لم ~~يوجد منه إلا إتلاف قدر ما أنفق؛ ولو رد مثله فخلطه بالباقي يضمن الكل؛ ~~لوجود إتلاف الكل منه: النصف بالإتلاف، والنصف الباقي بالخلط؛ لكون الخلط ~~إتلافا على بينا ولو أخذ بعض دراهم الوديعة؛ لينفقها فلم ينفقها، ثم ردها ~~إلى موضعها بعد أيام؛ فضاعت لا ضمان عليه عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله ~~- يضمن وجه قوله، أنه أخذها على وجه التعدي؛ فيضمن كما لو انتفع بها. # (ولنا) أن نفس الأخذ ليس بإتلاف، ونية الإتلاف ليست بإتلاف؛ فلا توجب ~~الضمان والأصل فيه ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إن الله تبارك وتعالى - عز شأنه - عفا عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم ~~يتكلموا أو يفعلوا» ظاهر الحديث: يقتضي أن يكون ما حدثت به النفس عفوا على ~~العموم، إلا ما خص بدليل وعلى هذا الخلاف إذا أودعه كيسا مسدودا؛ فحله ~~المستودع، أو صندوقا مقفلا، ففتح القفل؛ ولم يأخذ منه شيئا، حتى ضاع أو مات ~~المودع؛ فإن كانت الوديعة قائمة بعينها ترد على صاحبها؛ لأن هذا عين ماله، ~~ومن وجد عين ماله؛ فهو أحق به على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وإن كانت لا تعرف بعينها، فهي دين في تركته يحاص الغرماء؛ لأنه لما مات ~~مجهلا للوديعة، فقد أتلفها معنى، لخروجها من أن يكون منتفعا بها في حق ~~المالك بالتجهيل، وهو تفسير الإتلاف. # ولو قالت الورثة: إنها هلكت أو ردت على المالك لا، يصدقون على ذلك؛ لأن ~~الموت مجهلا سبب لوجوب الضمان؛ لكونه إتلافا، فكان # PageV06P213 # دعوى الهلاك، والرد دعوى أمر عارض فلا يقبل إلا بحجة، ويحاص المودع ~~الغرماء؛ لأنه دين الاستهلاك على ما ذكرنا؛ فيساوي دين الصحة والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | [كتاب العارية] ### | [ركن ms3794 العارية] # (كتاب العارية) # الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع: في بيان ركن العارية، وفي بيان شرائط ~~الركن، وفي بيان حكم العقد، وفي بيان ما يملكه المستعير من التصرف في ~~المستعار وما لا يملكه، وفي بيان صفة الحكم، وفي بيان حال المستعار، وفي ~~بيان ما يوجب تغير حاله أما ركنها: فهو الإيجاب من المعير، وأما القبول من ~~المستعير فليس بركن عند أصحابنا الثلاثة استحسانا، والقياس أن يكون ركنا ~~وهو قول زفر، كما في الهبة، حتى أن من حلف لا يعير فلانا فأعاره ولم يقبل ~~يحنث كما إذا حلف لا يهب فلانا شيئا فوهبه ولم يقبل، وهي مسألة كتاب الهبة ~~والإيجاب هو أن يقول: أعرتك هذا الشيء، أو منحتك هذا الثوب أو هذه الدار، ~~أو أطعمتك هذه الأرض أو هذه الأرض لك طعمة، أو أخدمتك هذا العبد أو هذا ~~العبد لك خدمة، أو حملتك على هذه الدابة إذا لم ينو به الهبة أو داري سكنى ~~أو داري لك عمرى سكنى أما لفظ الإعارة فصريح في بابها. # وأما المنحة فهي اسم للعطية التي ينتفع الإنسان بها زمانا ثم يردها على ~~صاحبها، وهو معنى العارية، قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: «المنحة ~~مردودة ومنحة الأرض زراعتها» قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: «ازرعها ~~أو امنحها أخاك» وكذا الإطعام المضاف إلى الأرض، هو إطعام منافعها التي ~~تحصل منها بالزراعة من غير عوض عرفا وعادة، وهو معنى العارية. # وأما إخدام العبد إياه فجعل خدمته بغير عوض، وهو تفسير العارية، وكذا ~~قوله: داري لك سكنى أو عمري سكنى، هو جعل سكنى الدار له من غير عوض، وسكنى ~~الدار منفعتها المطلوبة منها عادة، فقد أتى بمعنى الإعارة، وأما قوله: ~~حملتك على هذه الدابة، فإنه يحتمل الإعارة والهبة، فأي ذلك نوى فهو على ما ~~نوى؛ لأنه نوى ما يحتمل لفظه، وعند الإطلاق ينصرف إلى العارية؛ لأنها أدنى ~~فكان الحمل عليها أولى. # ولو قال: داري لك رقبى أو حبس، فهو عارية عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي ~~يوسف هبة، وقوله رقبى ms3795 أو حبس باطل وهي مسألة كتاب الهبة. ### | [فصل في الشرائط التي يصير الركن بها إعارة شرعا] # (فصل) : # وأما الشرائط التي يصير الركن بها إعارة شرعا فأنواع: منها العقل، فلا ~~تصح الإعارة من المجنون والصبي الذي لا يعقل. # وأما البلوغ فليس بشرط عندنا حتى تصح الإعارة من الصبي المأذون؛ لأنها من ~~توابع التجارة، وأنه يملك التجارة فيملك ما هو من توابعها، وعند الشافعي لا ~~يملك، وهي مسألة كتاب المأذون، وكذا الحرية ليست بشرط فيملكها العبد ~~المأذون؛ لأنها من توابع التجارة فيملك بملك ذلك، ومنها القبض من المستعير؛ ~~لأن الإعارة عقد تبرع فلا يفيد الحكم بنفسه بدون القبض كالهبة، ومنها أن ~~يكون المستعار مما يمكن الانتفاع بدون استهلاكه، فإن لم يكن لا تصح إعارته؛ ~~لأن حكم العقد ثبت في المنفعة لا في العين، إلا إذا كانت ملحقة بالمنفعة ~~على ما نذكره في موضعه. ### | [فصل في بيان حكم عقد الإعارة] # (فصل) : # وأما بيان حكم العقد فالكلام فيه في موضعين: أحدهما في بيان أصل الحكم، ~~والثاني في بيان صفته أما الأول فهو ملك المنفعة للمستعير بغير عوض، أو ما ~~هو ملحق بالمنفعة عرفا وعادة عندنا، وعند الشافعي إباحة المنفعة حتى يملك ~~المستعير الإعارة، عندنا في الجملة كالمستأجر يملك الإجارة، وعنده لا ~~يملكها أصلا، كالمباح له الطعام لا يملك الإباحة من غيره. # وجه قول الشافعي دلالة الإجماع والمعقول أما الإجماع فلجواز العقد من غير ~~أجل، ولو كان تمليك المنفعة لما جاز من غير أجل كالإجارة، وكذا المستعير لا ~~يملك أن يؤجر العارية، ولو ثبت الملك له في المنفعة لملك كالمستأجر وأما ~~المعقول فهو أن القياس يأبى تمليك المنفعة؛ لأن بيع المعدوم لانعدام ~~المنفعة حالة العقد، والمعدوم لا يحتمل البيع؛ لأنه بيع ما ليس عند ~~الإنسان، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه، إلا أنها جعلت ~~موجودة عند العقد في باب الإجارة حكما للضرورة، ولا ضرورة إلى الإعارة، ~~فبقيت المنافع فيها على أصل العدم. # (ولنا) أن المعير سلطه على تحصيل المنافع وصرفها إلى نفسه ms3796 على وجه زالت ~~يده عنها، والتسليط على هذا الوجه يكون تمليكا لا إباحة كما في الأعيان، ~~وإنما # PageV06P214 # صح من غير أجل؛ لأن بيان الأجل للتحرز عن الجهالة المفضية إلى المنازعة، ~~والجهالة في باب العارية لا تفضي إلى المنازعة؛ لأنها عقد جائز غير لازم، ~~ولهذا المعنى لا يملك الإجارة؛ لأنها عقد لازم والإعارة عقد غير لازم، فلو ~~ملك الإجارة لكان فيه إثبات صفة اللزوم بما ليس بلازم، أو سلب صفة اللزوم ~~عن اللازم، وكل ذلك باطل، وقوله: المنافع منعدمة عند العقد قلنا: نعم، لكن ~~هذا لا يمنع جواز العقد كما في الإجارة، وهذا لأن العقد الوارد على المنفعة ~~عندنا عقد مضاف إلى حين وجود المنفعة، فلا ينعقد في حق الحكم إلا عند وجود ~~المنفعة شيئا فشيئا على حسب حدوثها، فلم يكن بيع المعدوم ولا بيع ما ليس ~~عند الإنسان، وعلى هذا تخرج إعارة الدراهم والدنانير أنها تكون قرضا لا ~~إعارة؛ لأن الإعارة لما كانت تمليك المنفعة أو إباحة المنفعة على اختلاف ~~الأصلين، ولا يمكن الانتفاع إلا باستهلاكها، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتصرف ~~في العين لا في المنفعة، ولا يمكن - تصحيحا - إعارة حقيقية، فتصحح قرضا ~~مجازا لوجود معنى الإعارة فيه، حتى لو استعار حليا ليتجمل به صح؛ لأنه يمكن ~~الانتفاع به من غير استهلاك بالتجمل، فأمكن العمل بالحقيقة، فلا ضرورة إلى ~~الحمل على المجاز، وكذا إعارة كل ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه ~~كالمكيلات والموزونات، يكون قرضا لا إعارة لما ذكرنا أن محل حكم الإعارة ~~المنفعة لا بالعين، إلا إذا كان ملحقا بالمنفعة عرفا وعادة، كما إذا منح ~~إنسانا شاة أو ناقة لينتفع بلبنها ووبرها مدة ثم يردها على صاحبها؛ لأن ذلك ~~معدود من المنافع عرفا وعادة، فكان له حكم المنفعة، وقد روي عن النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «هل من أحد يمنح من إبله ناقة أهل بيت لا ~~در لهم» وهذا يجري مجرى الترغيب، كمن منح منحة ورق أو منحة لبس كان له بعدل ~~رقبة، وكذا لو منح ms3797 جديا أو عناقا كان عارية؛ لأنه يعرض أن ينتفع بلبنه ~~وصوفه # ويتصل بهذا الفصل بيان ما يملكه المستعير من التصرف في المستعار وما لا ~~يملكه فنقول وبالله التوفيق: جملة الكلام فيه أن عقد الإعارة لا يخلو من ~~أحد وجهين: إما إن كان مطلقا، وإما إن كان مقيدا، فإن كان مطلقا بأن أعار ~~دابته إنسانا ولم يسم مكانا ولا زمانا ولا الركوب ولا الحمل، فله أن ~~يستعملها في أي مكان وزمان شاء. # وله أن يركب أو يحمل؛ لأن الأصل في المطلق أن يجري على إطلاقه، وقد ملكه ~~منافع العارية مطلقا، فكان له أن يستوفيها على الوجه الذي ملكها، إلا أنه ~~لا يحمل عليها ما يعلم أن مثلها لا يطيق بمثل هذا الحمل، ولا يستعملها ليلا ~~ونهارا ما لا يستعمل مثلها من الدواب لذلك عادة، حتى لو فعل فعطبت يضمن؛ ~~لأن العقد وإن خرج مخرج الإطلاق، لكن المطلق يتقيد بالعرف والعادة دلالة، ~~كما يتقيد نصا، وله أن يعير العارية عندنا سواء كانت العارية مما يتفاوت في ~~استيفاء المنفعة أو لا؛ لأن إطلاق العقد يقتضي ثبوت الملك للمستعير، فكان ~~هو في التمليك من غيره على الوجه الذي ملكه متصرفا في ملك نفسه، إلا أنه لا ~~يملك الإجارة لما قلنا، فإن آجر وسلم إلى المستأجر ضمن؛ لأنه دفع مال الغير ~~إليه بغير إذنه فصار غاصبا، فإن شاء ضمنه وإن شاء ضمن المستأجر؛ لأنه قبض ~~مال الغير بغير إذنه كالمشتري من الغاصب، إلا أنه إذا ضمن المستعير لا يرجع ~~بالضمان على المستأجر؛ لأنه ملكه بأداء الضمان فتبين أنه آجر ملك نفسه وإن ~~ضمن المستأجر، فإن كان عالما بكونها عارية في يده لا يرجع على المستعير وإن ~~لم يكن عالما بذلك يرجع عليه؛ لأنه إذا لم يعلم به فقد صار مغرورا من جهة ~~المستعير فيرجع عليه بضمان الغرور، وهو ضمان الكفالة في الحقيقة. # وإذا كان عالما لم يصر مغرورا من جهته فلا يرجع عليه وهل يملك الإيداع؟ ~~اختلف المشايخ فيه قال مشايخ العراق: يملك، وهو قول ms3798 بعض مشايخنا؛ لأنه يملك ~~الإعارة فالإيداع أولى؛ لأنها دون الإعارة وقال بعضهم: لا يملك استدلالا ~~بمسألة مذكورة في الجامع الصغير، وهي أن المستعير إذا رد العارية على يد ~~أجنبي ضمن، ومعلوم أن الرد على يده إيداع إياه، ولو ملك الإيداع لما ضمن ~~وإن كان مقيدا، فيراعى فيه القيد ما أمكن؛ لأن أصل اعتبار تصرف العاقل على ~~الوجه الذي تصرف، إلا إذا لم يكن اعتباره لعدم الفائدة ونحو ذلك، فلغا ~~الوصف؛ لأن ذلك يجري مجرى العبث، ثم إنما يراعى القيد فيما دخل لا فيما لم ~~يدخل؛ لأن المطلق إذا قيد ببعض الأوصاف يبقى مطلقا فيما وراءه، فيراعى عند ~~الإطلاق فيما وراءه بيان هذه الجملة في مسائل: إذا أعار إنسانا دابة على أن ~~يركبها المستعير بنفسه ليس له أن يعيرها من غيره، وكذلك إذا أعاره ثوبا # PageV06P215 # على أن يلبسه بنفسه، لما ذكرنا أن الأصل في المقيد اعتبار القيد فيه إلا ~~إذا تعذر اعتباره، واعتبار هذا القيد ممكن؛ لأنه مقيد لتفاوت الناس في ~~استعمال الدواب والثياب ركوبا ولبسا، فلزم اعتبار القيد فيه، فإن فعل حتى ~~هلك ضمن لأنه خالف، وإن ركب بنفسه وأردف غيره فعطبت فإن كانت الدابة؛ مما ~~تطيق حملهما جميعا يضمن نصف قيمة الدابة لأنه لم يخالف إلا في قدر النصف، ~~وإن كانت الدابة مما لا تطيق حملهما ضمن جميع قيمتها؛ لأنه استهلكها، ولو ~~أعاره دارا ليسكنها بنفسه فله أن يسكنها غيره؛ لأن المملوك بالعقد السكنى، ~~والناس لا يتفاوتون فيه عادة فلم يكن التقييد بسكناه مفيدا فيلغو، إلا إذا ~~كان الذي يسكنها إياه حدادا أو قصارا ونحوهما ممن يوهن عليه البناء، فليس ~~له أن يسكنها إياه، ولا أن يعمل بنفسه ذلك؛ لأن المعير لا يرضى به عادة، ~~والمطلق يتقيد بالعرف والعادة كما في الإجارة، ولو أعاره دابة على أن يحمل ~~عليها عشرة مخاتيم شعير، فليس له أن يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة؛ لأن ~~الحنطة أثقل من الشعير، فكان اعتبار القيد مفيدا فيعتبر، ولو أعارها على أن ~~يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة ms3799 فله أن يحمل عليها عشرة مخاتيم شعيرا أو دخنا ~~أو أرزا أو غير ذلك مما يكون مثل الحنطة أو أخف منها استحسانا والقياس أن ~~لا يكون له ذلك، حتى أنها لو عطبت لا يضمن استحسانا، والقياس أن يضمن وهو ~~قول زفر؛ لأنه خالف، وجواب الاستحسان أن هذا وإن كان خلافا صورة فليس بخلاف ~~معنى؛ لأن المالك يكون راضيا به دلالة فلم يكن التقييد بالحنطة مفيدا، وصار ~~كما لو شرط عليه أن يحمل عليها عشرة مخاتيم من حنطة نفسه فحمل عليها عشرة ~~مخاتيم من حنطة غيره، فإنه لا يكون مخالفا حتى لا يضمن، كذا هذا، ولو قال: ~~على أن يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة له أن يحمل عليها حطبا أو تبنا أو آجرا ~~أو حديدا أو حجارة سواء كان مثلها في الوزن أو أخف؛ لأن ذلك أشق على الدابة ~~أو أنكى لظهرها أو أعقر، ولو فعل حتى عطبت ضمن، ولو قال: على أن يحمل عليها ~~مائة من قطن فحمل عليها مثله من الحديد وزنا فعطبت يضمن؛ لأن القطن ينبسط ~~على ظهر الدابة، فكان ضرورته أقل من الحديد؛ لأنه يكون في موضع واحد، فكان ~~ضرورة بالدابة أكثر والرضا بأدنى الضررين لا يكون رضا بأعلاهما، فكان ~~التقييد مفيدا فيلزم اعتباره، ولو قال: على أن يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة ~~فحمل عليها من الحنطة زيادة على المسمى في القدر فعطبت نظر في ذلك، فإن ~~كانت الزيادة مما لا تطيق الدابة حملها، يضمن جميع قيمتها؛ لأن حمل ما لا ~~تطيق الدابة إتلاف للدابة، وإن كانت الدابة مما تطيق حملها يضمن من قيمتها ~~قدر الزيادة، حتى لو قال: على أن يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة فحمل عليها ~~أحد عشر مختوما فعطبت يضمن جزءا من أحد عشر جزءا من قيمتها؛ لأنه لم يتلف ~~منها إلا هذا القدر، ولو قيدها بالمكان، بأن قال: على أن تستعملها في مكان ~~كذا في المصر يتقيد به، وله أن يستعملها في أي وقت شاء بأي شيء شاء؛ لأن ~~التقييد لم يوجد إلا ms3800 بالمكان فبقي مطلقا فيما وراءه، لكنه لا يملك أن يجاوز ~~ذلك المكان، حتى لو جاوزه دخل في ضمانه، ولو أعادها إلى المكان المأذون لا ~~يبرأ عن الضمان، حتى لو هلكت من قبل التسليم إلى المالك يضمن، وهذا قول أبي ~~حنيفة - عليه الرحمة - الآخر، وكان يقول أولا: يبرأ عن الضمان كالمودع إذا ~~خالف ثم عاد إلى الوفاق ثم رجع، ووجه الفرق بين العارية الوديعة قد ذكرناه ~~في كتاب الوديعة وكذلك لو قيدها بالزمان بأن قال: على أن يستعملها يوما ~~يبقى مطلقا فيما وراءه، لكنه يتقيد بالزمان، حتى لو مضى اليوم ولم يردها ~~على المالك حتى هلكت يضمن، لما قلنا وكذلك لو قيدها بالحمل وكذلك لو قيدها ~~بالاستعمال، بأن قال: على أن يستعملها حتى لو أمسكها ولم يستعملها حتى هلكت ~~يضمن؛ لأن الإمساك منه خلاف فيوجب الضمان، ولو اختلف المعير أو المستعير في ~~الأيام أو المكان أو فيما يحمل عليها، فالقول قول المعير؛ لأن المستعير ~~يستفيد ملك الانتفاع من المعير، فكان القول في المقدار والتعيين قوله، لكن ~~مع اليمين دفعا للتهمة. ### | [فصل في صفة الحكم في الإعارة] # (فصل) : # وأما صفة الحكم فهي أن الملك الثابت للمستعير ملك غير لازم؛ لأنه ملك لا ~~يقابله عوض، فلا يكون لازما كالملك الثابت بالهبة، فكان للمعير أن يرجع في ~~العارية سواء أطلق العارية أو وقت لها وقتا، وعلى هذا إذا استعار من آخر ~~أرضا ليبني عليها أو ليغرس فيها، ثم بدا للمالك أن يخرجه فله ذلك سواء كانت ~~العارية مطلقة أو موقتة، لما قلنا غير أنها إن # PageV06P216 # كانت مطلقة له أن يجبر المستعير على قلع الغرس ونقض البناء؛ لأن في الترك ~~ضررا بالمعير؛ لأنه لا نهاية له، وإذا قلع ونقض لا يضمن المعير شيئا من ~~قيمة الغرس والبناء؛ لأنه لو وجب عليه الضمان لوجب بسبب الغرور، ولا غرور ~~من جهته، حيث أطلق العقد ولم يوقت فيه وقتا فأخرجه قبل الوقت، بل هو الذي ~~غرر نفسه حيث حمل المطلق على الأبد، وإن كانت موقتة فأخرجه قبل الوقت ms3801 لم ~~يكن له أن يخرجه، ولا يجبر على النقض والقلع. # والمستعير بالخيار إن شاء ضمن صاحب الأرض قيمة غرسه وبنائه قائما سليما ~~وترك ذلك عليه؛ لأنه لما وقت للعارية وقتا ثم أخرجه قبل الوقت فقد غره، ~~فصار كفيلا عنه فيما يلزمه من العهدة، إذ ضمان الغرور كفالة فكان له أن ~~يرجع عليه بالضمان، ويملك صاحب الأرض البناء والغرس بأداء الضمان؛ لأن هذا ~~حكم المضمونات أنها تملك بأداء الضمان، وإن شاء أخذ غرسه وبناءه ولا شيء ~~على صاحب الأرض ثم إنما يثبت خيار القلع والنقض للمستعير إذا لم يكن القلع ~~أو النقض مضرا بالأرض، فإن كان مضرا بها فالخيار للمالك؛ لأن الأرض أصل ~~والبناء والغرس تابع لها، فكان المالك صاحب أصل والمستعير صاحب تبع، فكان ~~إثبات الخيار لصاحب الأصل أولى إن شاء أمسك الغرس والبناء بالقيمة وإن شاء ~~رضي بالقلع والنقض هذا إذا استعار أرضا للغرس أو البناء، فأما إذا استعار ~~أرضا للزراعة فزرعها، ثم أراد صاحب الأرض أن يأخذها، لم يكن له ذلك حتى ~~يحصد الزرع، بل يترك في يده إلى وقت الحصاد بأجر المثل استحسانا في القياس ~~أن يكون له ذلك كما في البناء والغرس ووجه الفرق للاستحسان أن النظر من ~~الجانبين ورعاية الحقين واجب عند الإمكان، وذلك ممكن في الزرع؛ لأن إدراك ~~الزرع له وقت معلوم، فيمكن النظر من الجانبين جانب المستعير لا شك فيه، ~~وجانب المالك بالترك إلى وقت الحصاد بالأجر، ولا يمكن في الغرس والبناء؛ ~~لأنه ليس لذلك وقت معلوم، فكان مراعاة صاحب الأصل أولى، وقالوا في باب ~~الإجارة: إذا انقضت المدة والزرع بقل لم يستحصد أنه يترك في يد المستأجر ~~إلى وقت الحصاد بأجر المثل، كما في العارية لما قلنا، بخلاف باب الغصب؛ لأن ~~الترك للنظر، والغاصب جان فلا يستحق النظر بل يجبر على القلع ### | [فصل في بيان حال المستعار] # (فصل) : # وأما بيان حال المستعار: فحاله أنه أمانة في يد المستعير في حال ~~الاستعمال بالإجماع، فأما في غير حال الاستعمال فكذلك عندنا، وعند الشافعي ~~- رحمه ms3802 الله - مضمون، واحتج بما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~استعار من صفوان درعا يوم حنين، فقال صفوان: أغصبا يا محمد، فقال - عليه ~~الصلاة والسلام -: بل عارية مضمونة» ولأن العين مضمونة الرد حال قيامها، ~~فكانت مضمونة القيمة حال هلاكها كالمغصوب، وهذا لأن العين اسم للصورة، ~~والمعنى وبالهلاك إن عجز عن رد الصورة لم يعجز عن رد المعنى؛ لأن قيمة ~~الشيء معناه، فيجب عليه رده بمعناه كما في الغصب، ولأنه قبض مال الغير ~~لنفسه، فيكون مضمونا عليه كالمقبوض على سوم الشراء. # (ولنا) أنه لم يوجد من المستعير سبب وجوب الضمان، فلا يجب عليه الضمان ~~كالوديعة والإجارة، وإنما قلنا ذلك لأن الضمان لا يجب على المرء بدون فعله، ~~وفعله الموجود منه ظاهرا هو العقد والقبض، وكل واحد منهما لا يصلح سببا ~~لوجوب الضمان أما العقد؛ فلأنه عقد تبرع بالمنفعة تمليكا أو إباحة على ~~اختلاف الأصلين. # وأما القبض، فلوجهين: أحدهما أن قبض مال الغير بغير إذنه لا يصلح سببا ~~لوجوب الضمان، فبالإذن أولى، وهذا لأن قبض مال الغير بغير إذنه هو إثبات ~~اليد على مال الغير وحفظه وصيانته عن الهلاك وهذا إحسان في حق المالك قال ~~الله - تبارك وتعالى - جل شأنه: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن: ~~60] وقال تبارك وتعالى {ما على المحسنين من سبيل} [التوبة: 91] دل أن قبض ~~مال الغير بغير إذنه لا يصلح سببا لوجوب الضمان، فمع الإذن أولى والثاني: ~~أن القبض المأذون فيه لا يكون تعديا؛ لأنه لا يفوت يد المالك ولا ضمان إلا ~~على المتعدي، قال الله تبارك وتعالى: {فلا عدوان إلا على الظالمين} ~~[البقرة: 193] بخلاف قبض الغصب، وأما الاستدلال بضمان الرد، قلنا: إن وجب ~~عليه رد العين حال قيامها، لم يجب عليه رد القيمة حال هلاكها وقوله: قيمتها ~~معناها، قلنا: ممنوع، وهذا لأن القيمة هي الدراهم والدنانير، والدراهم ~~والدنانير عين أخرى لها صورة ومعنى غير العين الأولى، فالعجز عن رد أحد ~~العينين لم يوجب رد العين الأخرى، وفي باب الغصب لا يجب عليه ضمان القيمة ~~بهذا ms3803 الطريق، بل بطريق آخر، وهو إتلاف المغصوب معنى لما علم، وهنا لم يوجد، ~~حتى لو وجد يجب الضمان # PageV06P217 # ثم نقول: إنما وجب عليه ضمان الرد؛ لأن العقد متى انتهى بانتهاء المدة أو ~~بالطلب بقي العين في يده كالمغصوب، والمغصوب مضمون الرد حال قيامه ومضمون ~~القيمة حال هلاكه، وعندنا إذا هلكت في تلك الحالة ضمن وأما قوله: قبض مال ~~الغير لنفسه فنعم، لكن قبض مال الغير لنفسه بغير إذنه لا يصلح سببا لوجوب ~~الضمان لما ذكرنا، فمع الإذن أولى. # والمقبوض على سوم الشراء غير مضمون بالقبض بل بالعقد بطريق التعاطي، بشرط ~~الخيار الثابت دلالة لما علم، ولا حجة له في حديث صفوان؛ لأن الرواية قد ~~اختلفت، فقد روي «أنه هرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليه ~~فأمنه، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد حنينا، فقال: هل عندك ~~شيء من السلاح فقال: عارية أو غصبا فقال - عليه الصلاة والسلام -: عارية، ~~فأعاره» ولم يذكر فيه الضمان، والحادثة حادثة واحدة مرة واحدة، فلا يكون ~~الثابت إلا إحداهما فتعارضت الروايتان فسقط الاحتجاج، مع ما أنه إن ثبت ~~فيحتمل ضمان الرد، وبه نقول، فلا يحمل على ضمان الغير مع الاحتمال، يؤيد ما ~~قلنا، ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «العارية ~~مؤداة» . ### | [فصل في بيان ما يوجب تغير حال المستعار من الأمانة إلى الضمان] # (فصل) : # وأما بيان ما يوجب تغير حالها فالذي يغير حال المستعار من الأمانة إلى ~~الضمان، ما هو المغير حال الوديعة، وهو الإتلاف حقيقة أو معنى بالمنع بعد ~~الطلب أو بعد انقضاء المدة، وبترك الحفظ، وبالخلاف، حتى لو حبس العارية بعد ~~انقضاء المدة أو بعد الطلب قبل انقضاء المدة يضمن؛ لأنه واجب الرد في هاتين ~~الحالتين، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: «العارية مؤداة» وقوله - عليه ~~الصلاة والسلام -: «على اليد ما أخذت حتى ترده» ولأن حكم العقد انتهى ~~بانقضاء المدة أو الطلب، فصارت العين في يده كالمغصوب، والمغصوب مضمون الرد ~~حال قيامه، ومضمون القيمة حال هلاكه، ms3804 ولو رد العارية مع عبده أو ابنه أو ~~بعض من في عياله، أو مع عبد المعير، أو ردها بنفسه إلى منزل المالك وجعلها ~~فيه، لا يضمن استحسانا، والقياس أن يضمن كما في الوديعة، وقد ذكرنا الفرق ~~بينهما في كتاب الوديعة، وكذا إذا ترك الحفظ حتى ضاعت، وكذا إذا خالف، إلا ~~أن في باب الوديعة إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق يبرأ عن الضمان عند أصحابنا ~~الثلاثة - رضي الله عنهم -، وهنا لا يبرأ، وقد تقدم الفرق في كتاب الوديعة، ~~ولو تصرف المستعير وادعى أن المالك قد أذن له بذلك، وجحد المالك، فالقول ~~قول المالك حتى يقوم للمستعير على ذلك بينة؛ لأن التصرف منه سبب لوجوب ~~الضمان في الأصل، فدعوى الإذن منه دعوى أمر عارض فلا تسمع إلا بدليل، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. ### | [كتاب الوقف والصدقة] ### | [جواز الوقف وكيفيته] # (كتاب الوقف والصدقة) # أما الوقف فالكلام فيه في مواضع: في بيان جواز الوقف وكيفيته، وفي بيان ~~شرائط الجواز، وفي بيان حكم الوقف الجائز وما يتصل به (أما) الأول فنقول ~~وبالله التوفيق: لا خلاف بين العلماء في جواز الوقف في حق وجوب التصدق ~~بالفرع ما دام الوقف حيا، حتى أن من وقف داره أو أرضه يلزمه التصدق بغلة ~~الدار والأرض، ويكون ذلك بمنزلة النذر بالتصدق بالغلة، ولا خلاف أيضا في ~~جوازه في حق زوال ملك الرقبة إذا اتصل به قضاء القاضي أو أضافه إلى ما بعد ~~الموت، بأن قال: إذا مت فقد جعلت داري أو أرضي وقفا على كذا أو قال: هو وقف ~~في حياتي صدقة بعد وفاتي واختلفوا في جوازه مزيلا لملك الرقبة إذا لم توجد ~~الإضافة إلى ما بعد الموت، ولا اتصل به حكم حاكم قال أبو حنيفة عليه ~~الرحمة: لا يجوز، حتى كان للواقف بيع الموقوف وهبته، وإذا مات يصير ميراثا ~~لورثته. # وقال أبو يوسف ومحمد وعامة العلماء - رضي الله تعالى عنهم -: يجوز، حتى ~~لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ثم في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة لا فرق بين ما ms3805 ~~إذا وقف في حالة الصحة، وبين ما إذا وقف في حالة المرض، حتى لا يجوز عنده ~~في الحالين جميعا إذا لم توجد الإضافة ولا حكم الحاكم. # وروى الطحاوي عنه أنه إذا وقف في حالة المرض جاز عنده، ويعتبر من الثلث، ~~ويكون بمنزلة الوصية بعد وفاته. # وأما عندهما فهو جائز في الصحة والمرض وعلى هذا الخلاف إذا بنى رباطا أو ~~خانا للمجتازين، أو سقاية للمسلمين، أو جعل أرضه مقبرة، لا تزول رقبة هذه ~~الأشياء عن ملكه عند أبي حنيفة أضافه إلى ما بعد الموت أو حكم به حاكم ~~وعندهما # PageV06P218 # يزول بدون ذلك، لكن عند أبي يوسف بنفس القول، وعند محمد بواسطة التسليم ~~وذلك بسكنى المجتازين في الرباط والخان وسقاية الناس من السقاية والدفن في ~~المقبرة، وأجمعوا على أن من جعل داره أو أرضه مسجدا يجوز، وتزول الرقبة عن ~~ملكه لكن عزل الطريق وإفرازه والإذن للناس بالصلاة فيه، والصلاة شرط عند ~~أبي حنيفة ومحمد، حتى كان له أن يرجع قبل ذلك، وعند أبي يوسف تزول الرقبة ~~عن ملكه بنفس قوله: جعلته مسجدا، وليس له أن يرجع عنه على ما نذكره. # (وجه) قول العامة الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء ~~الراشدين وعامة الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - فإنه روي أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف، ووقف سيدنا أبو بكر، وسيدنا عمر، ~~وسيدنا عثمان، وسيدنا علي، وغيرهم - رضي الله عنهم - وأكثر الصحابة وقفوا؛ ~~ولأن الوقف ليس إلا إزالة الملك عن الموقوف وجعله لله تعالى خالصا فأشبه ~~الإعتاق وجعل الأرض أو الدار مسجدا، والدليل عليه أنه يصح مضافا إلى ما بعد ~~الموت، فيصح منجزا، وكذا لو اتصل به قضاء القاضي يجوز، وغير الجائز لا ~~يحتمل الجواز لقضاء القاضي ولأبي حنيفة عليه الرحمة ما روي عن عبد الله بن ~~عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: لما نزلت سورة النساء وفرضت فيها الفرائض ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا حبس عن فرائض الله تعالى» أي لا ~~مال يحبس بعد موت ms3806 صاحبه عن القسمة بين ورثته، والوقف حبس عن فرائض الله ~~تعالى عز شأنه، فكان منفيا شرعا وعن شريح أنه قال: جاء محمد ببيع الحبيس ~~وهذا منه رواية عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه يجوز بيع الموقوف؛ ~~لأن الحبيس هو الموقوف فعيل بمعنى المفعول، إذ الوقف حبس لغة فكان الموقوف ~~محبوسا فيجوز بيعه وبه تبين أن الوقف لا يوجب زوال الرقبة عن ملك الواقف ~~(وأما) وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنما جاز؛ لأن المانع من ~~وقوعه حبسا عن فرائض الله عز وجل، ودفعه - صلى الله عليه وسلم - لم يقع ~~حبسا عن فرائض الله تعالى، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنا معاشر ~~الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» (وأما) أوقاف الصحابة - رضي الله عنهم - ~~فما كان منها في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتمل أنها كانت قبل ~~نزول سورة النساء فلم تقع حبسا عن فرائض الله تعالى، وما كان بعد وفاته - ~~عليه الصلاة والسلام - فاحتمل أن ورثتهم أمضوها بالإجازة، وهذا هو الظاهر، ~~ولا كلام فيه، وإنما جاز مضافا إلى ما بعد الموت؛ لأنه لما أضافه إلى ما ~~بعد الموت فقد أخرجه مخرج الوصية فيجوز كسائر الوصايا، لكن جوازه بطريق ~~الوصية لا يدل على جوازه لا بطريق الوصية، ألا ترى لو أوصى بثلث ماله ~~للفقراء جاز، ولو تصدق بثلث ماله على الفقراء لا يجوز. # وأما إذا حكم به حاكم فإنما جاز؛ لأن حكمه صادف محل الاجتهاد وأفضى ~~اجتهاده إليه، وقضاء القاضي في موضع الاجتهاد، بما أفضى إليه اجتهاده، ~~جائز، كما في سائر المجتهدات. ### | [فصل في شرائط جواز الوقف وبعضها يرجع إلى الواقف] # (فصل) : # وأما شرائط الجواز فأنواع بعضها يرجع إلى الواقف، وبعضها يرجع إلى نفس ~~الوقف، وبعضها يرجع إلى الموقوف (أما) الذي يرجع إلى الواقف فأنواع: (منها) ~~العقل (ومنها) البلوغ فلا يصح الوقف من الصبي والمجنون؛ لأن الوقف من ~~التصرفات الضارة؛ لكونه إزالة الملك بغير عوض، والصبي والمجنون ليسا من أهل ~~التصرفات الضارة، ولهذا لا تصح منهما الهبة والصدقة ms3807 والإعتاق ونحو ذلك ~~(ومنها) الحرية فلا يملكه العبد؛ لأنه إزالة الملك، والعبد ليس من أهل ~~الملك، وسواء كان مأذونا أو محجورا؛ لأن هذا ليس من باب التجارة ولا من ~~ضرورات التجارة، فلا يملكه المأذون كما لا يملك الصدقة والهبة والإعتاق. # (ومنها) أن يخرجه الواقف من يده ويجعل له قيما ويسلمه إليه عند أبي حنيفة ~~ومحمد، وعند أبي يوسف هذا ليس بشرط، واحتج بما روي أن سيدنا عمر - رضي الله ~~عنه - وقف، وكان يتولى أمر وقفه بنفسه وكان في يده، وروي عن سيدنا علي - ~~رضي الله عنه - أنه كان يفعل كذلك؛ ولأن هذا إزالة الملك لا إلى حد فلا ~~يشترط فيه التسليم كالإعتاق ولهما أن الوقف إخراج المال عن الملك على وجه ~~الصدقة، فلا يصح بدون التسليم كسائر التصرفات (وأما) وقف سيدنا عمر وسيدنا ~~علي - رضي الله عنهما - فاحتمل أنهما أخرجاه عن أيديهما وسلماه إلى المتولي ~~بعد ذلك فصح، كمن وهب من آخر شيئا أو تصدق، أو لم يسلم إليه وقت الصدقة ~~والهبة ثم سلم صح التسليم كذا هذا # PageV06P219 # ثم التسليم في الوقف عندهما أن يجعل له قيما ويسلمه إليه، وفي المسجد أن ~~يصلى فيه جماعة بأذان وإقامة بإذنه كذا ذكر القاضي في شرح الطحاوي وذكر ~~القدوري - رحمه الله - في شرحه أنه إذا أذن للناس بالصلاة فيه فصلى واحد ~~كان تسليما، ويزول ملكه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وهل يشترط أن لا ~~يشرط الواقف لنفسه من منافع الوقف شيئا، عند أبي يوسف ليس بشرط، وعند محمد ~~شرط (وجه) قول محمد أن هذا إخراج المال إلى الله تعالى وجعله خالصا له، ~~وشرط الانتفاع لنفسه يمنع الإخلاص فيمنع جواز الوقف، كما إذا جعل أرضه أو ~~داره مسجدا وشرط من منافع ذلك لنفسه شيئا، وكما لو أعتق عبده وشرط خدمته ~~لنفسه ولأبي يوسف ما روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه وقف وشرط في ~~وقفه لا جناح على من وليه أن يأكل منه بالمعروف، وكان يلي أمر وقفه بنفسه، ~~وعن أبي يوسف ms3808 - رحمه الله - أن الواقف إذا شرط لنفسه بيع الوقف وصرف ثمنه ~~إلى ما هو أفضل منه يجوز؛ لأن شرط البيع شرط لا ينافيه الوقف، ألا ترى أنه ~~يباع باب المسجد إذا خلق، وشجر الوقف إذا يبس (ومنها) أن يجعل آخره بجهة لا ~~تنقطع أبدا عند أبي حنيفة ومحمد، فإن لم يذكر ذلك لم يصح عندهما، وعند أبي ~~يوسف ذكر هذا ليس بشرط بل يصح وإن سمى جهة تنقطع، ويكون بعدها للفقراء وإن ~~لم يسمهم (وجه) قول أبي يوسف أنه ثبت الوقف عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وعن الصحابة، ولم يثبت عنهم هذا الشرط ذكرا وتسمية ولأن قصد الواقف ~~أن يكون آخره للفقراء وإن لم يسمهم هو الظاهر من حاله، فكان تسمية هذا ~~الشرط ثابتا دلالة، والثابت دلالة كالثابت نصا، ولهما أن التأبيد شرط جواز ~~الوقف لما نذكر، وتسمية جهة تنقطع توقيت له معنى فيمنع الجواز (وأما) الذي ~~يرجع إلى نفس الوقف فهو التأبيد، وهو أن يكون مؤبدا حتى لو وقت لم يجز؛ ~~لأنه إزالة الملك لا إلى حد فلا تحتمل التوقيت كالإعتاق وجعل الدار مسجدا. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى الموقوف] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى الموقوف فأنواع: (منها) أن يكون مما لا ينقل ولا يحول ~~كالعقار ونحوه، فلا يجوز وقف المنقول مقصودا لما ذكرنا أن التأبيد شرط ~~جوازه، ووقف المنقول لا يتأبد لكونه على شرف الهلاك، فلا يجوز وقفه مقصودا ~~إلا إذا كان تبعا للعقار، بأن وقف ضيعة ببقرها وأكرتها وهم عبيده فيجوز، ~~كذا قاله أبو يوسف، وجوازه تبعا لغيره لا يدل على جوازه مقصودا كبيع الشرب ~~ومسيل الماء، والطريق أنه لا يجوز مقصودا ويجوز تبعا للأرض والدار، وإن كان ~~شيئا جرت العادة بوقفه، كوقف المر والقدوم لحفر القبور، ووقف المرجل لتسخين ~~الماء، ووقف الجنازة وثيابها. # ولو وقف أشجارا قائمة، فالقياس أن لا يجوز؛ لأنه وقف المنقول، وفي ~~الاستحسان يجوز لتعامل الناس ذلك، وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، ~~ولا يجوز وقف الكراع والسلاح ms3809 في سبيل الله تعالى عند أبي حنيفة لأنه منقول ~~وما جرت العادة به، وعند أبي يوسف ومحمد يجوز، ويجوز عندهما بيع ما هرم ~~منها، أو صار بحال لا ينتفع به فيباع ويرد ثمنه في مثله، كأنهما تركا ~~القياس في الكراع والسلاح بالنص، وهو ما روي عن النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - أنه قال «أما خالد فقد احتبس أكراعا وأفراسا في سبيل الله تعالى» ~~ولا حجة لهما في الحديث؛ لأنه ليس فيه أنه وقف ذلك فاحتمل قوله: حبسه، أي ~~أمسكه للجهاد لا للتجارة (وأما) وقف الكتب فلا يجوز على أصل أبي حنيفة ~~(وأما) على قولهما فقد اختلف المشايخ فيه، وحكي عن نصر بن يحيى أنه وقف ~~كتبه على الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة (ومنها) أن يكون الموقوف مقسوما عند ~~محمد فلا يجوز وقف المشاع، وعند أبي يوسف هذا ليس بشرط، ويجوز مقسوما كان ~~أو مشاعا؛ لأن التسليم شرط الجواز عند محمد، والشيوع يخل بالقبض والتسليم، ~~وعند أبي يوسف التسليم ليس بشرط أصلا، فلا يكون الخل فيه مانعا، وقد روي عن ~~سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه ملك مائة سهم بخيبر فقال له رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «احبس أصلها» فدل على أن الشيوع لا يمنع صحة الوقف، ~~وجواب محمد - رحمه الله - يحتمل أنه وقف مائة سهم قبل القسمة، ويحتمل أنه ~~بعدها، فلا يكون حجة مع الشك والاحتمال، على أنه إن ثبت أن الوقف كان قبل ~~القسمة، فيحمل أنه وقفها شائعا ثم قسم وسلم، وقد روي أنه فعل كذلك، وذلك ~~جائز كما لو وهب مشاعا ثم قسم وسلم. ### | [فصل في حكم الوقف الجائز وما يتصل به] # (فصل) : # وأما حكم الوقف الجائز وما يتصل به: فالوقف إذا جاز على اختلاف العلماء ~~في ذلك، فحكمه أنه يزول # PageV06P220 # الموقوف عن ملك الواقف ولا يدخل في ملك الموقوف عليه، لكنه ينتفع بغلته ~~بالتصدق عليه؛ لأن الوقف حبس الأصل وتصدق بالفرع، والحبس لا يوجب ملك ~~المحبوس كالرهن، والواجب أن يبدأ بصرف الفرع إلى مصالح الوقف من عمارته ms3810 ~~وإصلاح ما وهي من بنائه وسائر مؤناته التي لا بد منها، سواء شرط ذلك الواقف ~~أو لم يشرط؛ لأن الوقف صدقة جارية في سبيل الله تعالى، ولا تجري إلا بهذا ~~الطريق. # ولو وقف داره على سكنى ولده، فالعمارة على من له السكنى؛ لأن المنفعة له ~~فكانت المؤنة عليه لقوله - عليه الصلاة والسلام -: «الخراج بالضمان» كالعبد ~~الموصى بخدمته أن نفقته على الموصى له بالخدمة؛ لما قلنا، كذا هذا، فإن ~~امتنع، من العمارة ولم يقدر عليها بأن كان فقيرا، آجرها القاضي وعمرها ~~بالأجرة؛ لأن استيفاء الوقف واجب ولا يبقى إلا بالعمارة، فإذا امتنع عن ذلك ~~أو عجز عنه ناب القاضي منابه في استبقائه بالإجارة، كالعبد والدابة إذا ~~امتنع صاحبها عن الإنفاق عليها أنفق القاضي عليها بالإجارة، كذا هذا. # وما انهدم من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارة الوقف إن احتاج ~~إليه، وإن استغنى عنه أمسكه إلى وقت الحاجة إلى عمارته فيصرفه فيها، ولا ~~يجوز أن يصرفه إلى مستحقي الوقف؛ لأن حقهم في المنفعة والغلة لا في العين، ~~بل هي حق الله تعالى على الخلوص، ولو جعل داره مسجدا فخرب جوار المسجد أو ~~استغنى عنه لا يعود إلى ملكه، ويكون مسجدا أبدا عند أبي يوسف، وعند محمد ~~يعود إلى ملكه (وجه) قول محمد أنه أزال ملكه بوجه مخصوص وهو التقرب إلى ~~الله تعالى بمكان يصلي فيه الناس، فإذا استغنى عنه فقد فات غرضه منه فيعود ~~إلى ملكه، كما لو كفن ميتا ثم أكله سبع وبقي الكفن يعود إلى ملكه، كذا هذا ~~ولأبي يوسف أنه لما جعله مسجدا فقد حرره وجعله خالصا لله تعالى على ~~الإطلاق، وصح ذلك فلا يحتمل العود إلى ملكه كالإعتاق، بخلاف تكفين الميت؛ ~~لأنه ما حرر الكفن وإنما دفع حاجة الميت به وهو ستر عورته، وقد استغنى عنه ~~فيعود ملكا له وقوله: أزال ملكه بوجه وقع الاستغناء عنه، قلنا: ممنوع، فإن ~~المجتازين يصلون فيه، وكذا احتمال عود العمارة قائم، وجهة القربة قد صحت ~~بيقين فلا تبطل باحتمال عدم حصول ms3811 المقصود، ولو وقف دارا أو أرضا على مسجد ~~معين قال بعضهم: هو على الاختلاف، على قول أبي يوسف يجوز، وعلى قول محمد لا ~~يجوز، بناء على أن المسجد عند أبي يوسف لا يصير ميراثا بالخراب، وعند محمد ~~يصير ميراثا، وقال أبو بكر الأعمش: ينبغي أن يجوز بالاتفاق وقال أبو بكر ~~الإسكاف: ينبغي أن لا يجوز بالاتفاق. ### | [فصل في الصدقة الموقوفة] # (فصل) : # وأما الصدقة إذا قال داري هذه في المساكين صدقة تصدق بثمنها، وإن تصدق ~~بعينها جاز؛ لأن الناذر بالنذر يتقرب إلى الله تعالى بالمنذور به، ومعنى ~~القربة يحصل بالتصدق بثمن الدار وبل أولى، ولو تصدق بعين الدار جاز؛ لأنه ~~أدى المنصوص عليه، ولو قال: داري هذه صدقة موقوفة على المساكين، تصدق ~~بالسكنى والغلة عند أبي حنيفة؛ لأن المنذور به صدقة موقوفة، والوقف حبس ~~الأصل وتصدق بالفرع، ولو قال: مالي في المساكين صدقة، تصدق بكل مال تجب فيه ~~الزكاة استحسانا، والقياس أن يتصدق بالكل لأن اسم المال ينطلق على الكل. # (وجه) الاستحسان أن إيجاب العبد معتبر بإيجاب الله تعالى، ثم إيجاب ~~الصدقة المتعلقة باسم الله من الله تعالى في قوله تعالى: خذ من أموالهم ~~صدقة ونحو ذلك تصرف إلى بعض الأموال دون الكل، فكذا إيجاب العبد، ولو قال: ~~ما أملكه فهو صدقة، تصدق بجميع ماله، ويقال له: أمسك قدر ما تنفقه على نفسك ~~وعيالك إلى أن تكتسب مالا، فإذا اكتسبت مالا تصدقت بمثل ما أمسكت لنفسك؛ ~~لأنه أضاف الصدقة إلى المملوك، وجميع ماله مملوك له فيتصدق بالجميع، إلا ~~أنه يقال له: أمسك قدر النفقة، لأنه لو تصدق بالكل على غيره لاحتاج إلى أن ~~يتصدق غيره عليه، وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: «ابدأ بنفسك ثم بمن ~~تعول» والله عز وجل أعلم. ### | [كتاب الدعوى] ### | [بيان ركن الدعوى] # (كتاب الدعوى) # الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان ركن الدعوى وفي بيان شرائط ~~الركن وفي بيان حد المدعي # PageV06P221 # والمدعى عليه وفي بيان حكم الدعوى وما يتصل به وفي بيان حجة المدعي ~~والمدعى عليه ms3812 وفي بيان علائق اليمين وفي بيان ما تندفع به الخصومة عن ~~المدعى عليه ويخرج عن كونه خصما وفي بيان حكم تعارض الدعوتين مع تعارض ~~البينتين وحكم تعارض الدعوى لا غير وفي بيان حكم الملك والحق الثابت في ~~المحل (أما) ركن الدعوى فهو قول الرجل لي على فلان أو قبل فلان كذا أو قضيت ~~حق فلان أو أبرأني عن حقه ونحو ذلك فإذا قال ذلك فقد تم الركن. ### | [فصل في الشرائط المصححة للدعوى] # (فصل) : # وأما الشرائط المصححة للدعوى فأنواع منها عقل المدعي والمدعى عليه فلا ~~تصح دعوى المجنون والصبي الذي لا يعقل وكذا لا تصح الدعوى عليهما حتى لا ~~يلزم الجواب ولا تسمع البينة لأنهما مبنيان على الدعوى الصحيحة ومنها أن ~~يكون المدعى معلوما لتعذر الشهادة والقضاء بالمجهول والعلم بالمدعى إنما ~~يحصل بأحد أمرين إما الإشارة وإما التسمية وجملة الكلام فيه أن المدعى لا ~~يخلو إما أن يكون عينا وإما أن يكون دينا فإن كان عينا فلا يخلو إما إن كان ~~محتملا للنقل أو لم يكن محتملا للنقل فإن كان محتملا للنقل فلا بد من ~~إحضاره لتمكن الإشارة إليه عند الدعوى والشهادة فيصير معلوما بها إلا إذا ~~تعذر نقله كحجر الرحى ونحوه فإن شاء القاضي استحضره وإن شاء بعث إليه أمينا ~~وإن لم يكن محتملا للنقل وهو العقار فلا بد من بيان حده ليكون معلوما لأن ~~العقار لا يصير معلوما إلا بالتحديد. # ثم لا خلاف في أنه لا يكتفى فيه بذكر حد واحد وكذا بذكر حدين عند أبي ~~حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف وهل تقع الكفاية بذكر ثلاثة حدود قال علماؤنا ~~الثلاثة - رضي الله عنهم - نعم وقال زفر - رضي الله عنه - لا وهي مسألة ~~كتاب الشروط وكذا لا بد من بيان موضع المحدود وبلده ليصير معلوما هذا إذا ~~كان المدعى عينا فإن كان دينا فلا بد من بيان جنسه ونوعه وقدره وصفته لأن ~~الدين لا يصير معلوما إلا ببيان هذه الأشياء ومنها أن يذكر المدعي في دعوى ~~العقار أنه في يد ms3813 المدعى عليه لأن الدعوى لا بد وأن تكون على خصم والمدعى ~~عليه إنما يصير خصما إذا كان بيده فلا بد وأن يذكر أنه في يده ليصير خصما ~~فإذا ذكر وأنكر المدعى عليه ولا بينة للمدعي فإنه يحلف من غير الحاجة إلى ~~إقامة البينة من المدعي على أنه في يد المدعى عليه ولو كان له بينة لا تسمع ~~حتى يقيم البينة على أنه في يد هذا المدعى عليه ووجه الفرق أن من الجائز أن ~~يكون صاحب اليد غيره واصطلحا على ذلك فلو سمع القاضي بينته لكان قضاء على ~~الغائب وهذا المعنى هنا متعذر لأنه لا قضاء هنا أصلا لأن المدعى عليه لا ~~يخلو إما أن يحلف وإما أن ينكل فإن حلف فالأمر فيه ظاهر وإن نكل فكذا لأن ~~القاضي لا يقضي بشيء وإنما يأمره بأن يخرج من الدار ويخلي بينها وبين ~~المدعي ومنها أن يذكر أنه يطالبه به لأن حق الإنسان إنما يجب إيفاؤه بطلبه ~~ومنها أن يكون بلسانه عينا إذا لم يكن به عذر إلا إذا رضي المدعى عليه ~~بلسان غيره عند أبي حنيفة وعندهما ليس بشرط حتى لو وكل المدعي بالخصومة من ~~غير عذر ولم يرض به المدعى عليه لا تصح دعواه عنده حتى لا يلزم الجواب ولا ~~تسمع منه البينة وعندهما تصح حتى يلزم وتسمع لما علم في كتاب الوكالة. # ومنها مجلس الحكم فلا تسمع الدعوى إلا بين يدي القاضي كما لا تسمع ~~الشهادة إلا بين يديه ومنها حضرة الخصم فلا تسمع الدعوى والبينة إلا على ~~خصم حاضر إلا إذا التمس المدعي بذلك كتابا حكميا للقضاء به فيجيبه القاضي ~~إليه فيكتب إلى القاضي الذي الغائب في بلده بما سمعه من الدعوى والشهادة ~~ليقضي عليه وهذا عندنا وعند الشافعي - رحمه الله - حضرة المدعى عليه ليست ~~بشرط لسماع الدعوى والبينة والقضاء فيجوز القضاء على الغائب عنده وعندنا لا ~~يجوز وجه قول الشافعي - رحمه الله - أنه ظهر صدق المدعي في دعواه على ~~الغائب بالبينة فيجوز القضاء ببينته قياسا على الحاضر ودلالة ms3814 الوصف أن دعوى ~~المدعي وإن كان خبرا يحتمل الصدق والكذب لكن يرجح جانب صدقه على جانب الكذب ~~في خبره بالبينة فيظهر صدقه في دعواه كما إذا كان المدعى عليه حاضرا يحققه ~~أن المدعى عليه لا يخلو إما أن يكون مقرا وإما أن يكون منكرا فإن كان مقرا ~~فكان المدعي صادقا في دعواه فلا حاجة إلى القضاء وإن كان منكرا فظهر صدقه ~~بالبينة فكان القضاء بالبينة قضاء بحجة مظهرة للحق فجاز. # (ولنا) ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لسيدنا علي - ~~رضي الله عنه - «لا تقض لأحد الخصمين ما لم تسمع كلام الآخر» نهاه - عليه ~~الصلاة والسلام - عن القضاء # PageV06P222 # لأحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر والقضاء بالحق للمدعي حال غيبة المدعى ~~عليه قضاء لأحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر فكان منهيا عنه ولأن القاضي ~~مأمور بالقضاء بالحق قال الله تبارك وتعالى جل شأنه {يا داود إنا جعلناك ~~خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق} [ص: 26] «وقال - عليه الصلاة ~~والسلام - لعمرو بن العاص اقض بين هذين قال أقضي وأنت حاضر بيننا؟ فقال - ~~عليه الصلاة والسلام - اقض بينهما بالحق» والحق اسم للكائن الثابت. # ولا ثبوت مع احتمال العدم واحتمال العدم ثابت في البينة لاحتمال الكذب ~~فلم يكن الحكم بالبينة حكما بالحق فكان ينبغي أن لا يجوز الحكم بها أصلا ~~إلا أنها جعلت حجة لضرورة فصل الخصومات والمنازعات ولم يظهر حالة الغيبة ~~وقد خرج الجواب عن كلامه ثم إنما لا يجوز القضاء عندنا على الغائب إذا لم ~~يكن عنه خصم حاضر فإن كان يجوز لأنه يكون قضاء على الحاضر حقيقة ومعنى ~~والخصم الحاضر الوكيل والوصي والوارث ومن كان بينه وبين الغائب اتصال فيما ~~وقع فيه الدعوى لأن الوكيل والوصي نائبان عنه بصريح النيابة والوارث نائب ~~عنه شرعا وحضرة النائب كحضرة المنوب عنه فلا يكون قضاء على الغائب معنى. # وكذا إذا كان بين الحاضر والغائب اتصال فيما وقع فيه الدعوى بأن كان ذلك ~~سببا لثبوت حق الغائب لأن الحاضر يصير مدعى ms3815 عليه فيما هو حقه ومن ضرورة ~~ثبوت حقه ثبوت حق الغائب فكان الكل حق الحاضر لأن كل ما كان من ضرورات ~~الشيء كان ملحقا به فيكون قضاء على الحاضر حتى أن من ادعى على آخر أنه أخوه ~~ولم يدع ميراثا ولا نفقة لا تسمع دعواه لأنه دعوى على الغائب لأنه يريد ~~إثبات نسبه من أب المدعى عليه وأمه وهما غائبان وليس عنهما خصم حاضر لأنه ~~لم توجد الإنابة ولا حق يقضي به على الوارث ليكون ثبوت النسب من الغائب من ~~ضروراته تبعا له فلا تسمع دعواه أصلا ولو ادعى عليه ميراثا أو نفقة عند ~~الحاجة تسمع دعواه وتقبل بينته لأنه دعوى حق مستحق على الحاضر وهو المال ~~ولا يمكنه إثباته إلا بإثبات نسبه من الغائب فينصب خصما عن الغائب ضرورة ~~ثبوت الحق المستحق تبعا له ولهذا لو أقر بالنسب من غير دعوى المال لا يصح ~~إقراره بخلاف ما لو ادعى على رجل أنه أبوه أو ابنه أنه يصح من غير دعوى ~~المال الحاضر لأنه ليس فيه حمل نسب الغير على الغير فكان دعوى على الحاضر ~~ألا ترى أنه لو أقر به يصح إقراره بخلاف الإقرار بالأخوة وعلى هذا تخرج ~~المسائل المخمسة وتوابعها على ما نذكرها في موضعها إن شاء الله تعالى. # ومنها عدم التناقض في الدعوى وهو أن لا يسبق منه ما يناقض دعواه لاستحالة ~~وجود الشيء مع ما يناقضه وينافيه حتى لو أقر بعين في يده لرجل فأمر القاضي ~~بدفعها إليه ثم ادعى أنه كان اشتراها منه قبل ذلك لا تسمع دعواه لأن إقراره ~~بالملك لغيره للحال يمنع الشراء منه قبل ذلك لأن الشراء يوجب الملك للمشتري ~~فكان مناقضا للإقرار والإقرار يناقضه فلا يصح وكذا لو لم يقر ونكل عن ~~اليمين فقضي عليه بنكوله ثم ادعى أنه كان اشتراه منه قبل ذلك لا تسمع دعواه ~~ولا تقبل بينته في ظاهر الرواية لأن النكول بمنزلة الإقرار وروي عن أبي ~~يوسف أنه تسمع دعواه وتقبل بينته هذا إذا ادعى أنه اشتراه ms3816 منه قبل الإقرار ~~والنكول فأما إذا ادعى أنه اشتراه منه بعد ذلك تسمع دعواه بلا خلاف لأن ~~الإقرار بالملك لفلان لا يمنع الشراء منه بعد ذلك لانعدام التناقض لاختلاف ~~الزمان ولو قال هذا لفلان اشتريته منه تسمع منه موصولا قال ذلك أو مفصولا ~~لأنه لم يسبق منه ما يناقض الدعوى بل سبق منه ما يقررها لأن سابقة الملك ~~لفلان شرط تحقق الشراء منه. # ولو قال هذا العبد لفلان اشتريته منه موصولا فالقياس أن لا تصح دعواه وفي ~~الاستحسان تصح ولو قال ذلك مفصولا لا تصح قياسا واستحسانا وجه القياس أن ~~قوله هو لفلان إقرار منه بكونه ملكا لفلان في الحال فهذا يناقض دعوى الشراء ~~لأن الشراء يوجب كونه ملكا للمشتري فلا يصح كما إذا قال مفصولا وجه ~~الاستحسان أن قوله هو لفلان اشتريته منه موصولا معناه في متعارف الناس ~~وعاداتهم أنه كان لفلان فاشتريته منه قال الله عز وجل {واذكروا إذ أنتم ~~قليل مستضعفون في الأرض} [الأنفال: 26] أي إذ كنتم قليلا إذ لم يكونوا ~~قليلا وقت نزول الآية الشريفة فيحمل عليه تصحيحا له ولا عادة جرت بذلك في ~~المفصول فحمل على حقيقته وهو بحقيقته مناقضة فلا تسمع هذا إذا بين أنه ~~اشتراه قبل الإقرار فإن بين أنه اشتراه بعده تسمع دعواه لانعدام التناقض # PageV06P223 # على ما بينا. # وكذلك لو لم يبين وادعى الشراء مبهما بثمن معلوم تسمع لأنه لما لم يذكر ~~الوقت يحمل على الحال تصحيحا له هذا إذا قال هذا الشيء لفلان ولم يقل لا حق ~~لي فيه فإن قال لا حق لي فيه ثم ادعى الشراء بعد ذلك لا تسمع دعواه لأن ~~قوله لا حق لي فيه لتأكيد البراءة إلا إذا تبين أنه اشتراه بعد الإقرار ~~فتسمع لما قلنا ولو ادعى على رجل دينا فقال المدعى عليه لم يكن لك علي شيء ~~قط فأقام المدعي البينة وقضى القاضي بذلك ثم أقام المدعى عليه البينة أنه ~~كان قد قضاه إياه تسمع دعواه وتقبل بينته لجواز أنه لم يكن عليه شيء ms3817 وإنما ~~قضاه إياه لدفع الدعوى الباطلة. # ولو قال لم يكن لك علي شيء ولا أعرفك فأقام المدعي البينة وقضى القاضي ~~ببينته ثم أقام المدعى عليه البينة أنه كان قضاه لا تسمع دعواه ولا تقبل ~~بينته لأن قوله لا أعرفك يناقض دعوى القضاء لأن الظاهر أنه لا يقضي إلا بعد ~~معرفته إياه فكان في دعوى القضاء مناقضا فلا تسمع ولو ادعى على رجل أنه ~~اشترى منه عبدا بعينه والعبد في يد البائع فأنكر البائع البيع فأقام ~~المشتري البينة وقضى القاضي به ثم وجد به عيبا فأراد أن يرده على البائع ~~فأقام البائع البينة على أن المشتري كان أبرأه عن كل عيب لم تسمع دعواه ولا ~~تقبل بينته لأن إنكار البيع يناقض دعوى الإبراء عن العيب لأن الإبراء يقتضي ~~وجود البيع فكان مناقضا في دعوى الإبراء فلا تسمع وعلى هذا مسائل والأصل في ~~هذا الباب أنه إذا سبق من المدعي ما يناقض دعواه يمنع صحة الدعوى إلا في ~~النسب والعتق فإن التناقض فيهما غير معتبر بأن قال لمجهول النسب هو ابني من ~~الزنا ثم قال هو ابني من النكاح تسمع دعواه وكذا مجهول النسب إذا أقر بالرق ~~لرجل ثم ادعى أنه حر الأصل تسمع دعواه حتى تقبل بينته لأن بيان النسب مبني ~~على أمر خفي وهو العلوق منه إذ هو مما يغلب خفاؤه على الناس فالتناقض في ~~مثله غير معتبر كما إذا اختلعت امرأة زوجها على مال ثم ادعت أنه كان طلقها ~~ثلاثا قبل الخلع وأقامت البينة على ذلك تسمع دعواها وتقبل بينتها لما قلنا ~~كذا هذا وكذا الرق والحرية ومنها أن يكون المدعى مما يحتمل للثبوت لأن دعوى ~~ما يستحيل وجوده حقيقة أو عادة تكون دعوى كاذبة حتى لو قال لمن لا يولد ~~مثله لمثله هذا ابني لا تسمع دعواه لاستحالة أن يكون الأكبر سنا ابنا لمن ~~هو أصغر سنا منه وكذا إذا قال لمعروف النسب من الغير هذا ابني والله تعالى ~~أعلم. ### | [فصل في بيان حد المدعي والمدعى عليه] # (فصل) ms3818 : # وأما بيان حد المدعي والمدعى عليه فقد اختلفت عبارات المشايخ في تحديدهما ~~قال بعضهم المدعي من إذا ترك الخصومة لا يجبر عليها والمدعى عليه من إذا ~~ترك الجواب يجبر عليه وقال بعضهم المدعي من يلتمس قبل غيره لنفسه عينا أو ~~دينا أو حقا والمدعى عليه من يدفع ذلك عن نفسه وقال بعضهم ينظر إلى ~~المتخاصمين أيهما كان منكرا فالآخر يكون مدعيا وقال بعضهم المدعي من يخبر ~~عما في يد غيره لنفسه والمدعى عليه من يخبر عما في يد نفسه لنفسه فينفصلان ~~بذلك عن الشاهد والمقر والشاهد من يخبر عما في يد غيره لغيره والمقر من ~~يخبر عما في يد نفسه لغيره. ### | [فصل في بيان حكم الدعوى وما يتصل به] # (فصل) : # وأما بيان حكم الدعوى وما يتصل به فحكمها وجوب الجواب على المدعى عليه ~~لأن قطع الخصومة والمنازعة واجب ولا يمكن القطع إلا بالجواب فكان واجبا وهل ~~يسأله القاضي الجواب قبل طلب المدعي ذكر في أدب القاضي أنه يسأله وذكر في ~~الزيادات أنه لا يسأله ما لم يقل المدعي اسأله عن دعواي وعلى هذا إذا تقدم ~~الخصمان إلى القاضي هل يسأل المدعي عن دعواه في أدب القاضي أنه يسأله وفي ~~الزيادات أنه لا يسأله ويعرف ذلك في كتاب أدب القاضي وسيأتي وإذا وجب ~~الجواب على المدعى عليه فإما إن أقر أو سكت أو أنكر فإن أقر يؤمر بالدفع ~~إلى المدعي لظهور صدق دعواه. # وإن أنكر فإن كان للمدعي بينة أقامها ولو قال لا بينة لي ثم جاء بالبينة ~~هل تقبل روى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى أنها تقبل، وعن محمد ~~أنها لا تقبل وجه قول محمد أن قوله لا بينة لي إقرار على نفسه والإنسان لا ~~يتهم في إقراره على نفسه فالإتيان بالبينة بعد ذلك رجوع عما أقر به فلا يصح ~~وجه رواية الحسن عن أبي حنيفة أن من الجائز أن تكون له بينة لم يعلمها ~~المدعي بأن أقر المدعى عليه بين يدي هؤلاء وهو لا يعلم به ثم ms3819 علم بعد ذلك ~~بها فأمكن التوفيق فلا يكون الإتيان بالبينة بعد ذلك رجوعا فتقبل وإن لم ~~يكن له بينة وطلب يمين المدعى عليه يحلف فيما # PageV06P224 # يحتمل التحليف فإن سكت عن الجواب يأتي حكمه إن شاء الله تعالى في الفصل ~~الذي يليه. ### | [فصل في حجة المدعي والمدعى عليه] # (فصل) : # وأما حجة المدعي والمدعى عليه فالبينة حجة المدعي واليمين حجة المدعى ~~عليه لقوله - عليه الصلاة والسلام - «البينة على المدعي واليمين على المدعى ~~عليه» جعل - عليه الصلاة والسلام - البينة حجة المدعي واليمين حجة المدعى ~~عليه والمعقول كذلك لأن المدعي يدعي أمرا خفيا فيحتاج إلى إظهاره وللبينة ~~قوة الإظهار لأنها كلام من ليس بخصم فجعلت حجة المدعي واليمين. # وإن كانت مؤكدة بذكر اسم الله عز وجل لكنها كلام الخصم فلا تصلح حجة ~~مظهرة للحق وتصلح حجة المدعى عليه لأنه متمسك بالظاهر وهو ظاهر اليد فحاجته ~~إلى استمرار حكم الظاهر واليمين وإن كانت كلام الخصم فهي كاف للاستمرار ~~فكان جعل البينة حجة المدعي وجعل اليمين حجة المدعى عليه وضع الشيء في ~~موضعه وهو حد الحكمة. # وعلى هذا يخرج القضاء بشاهد واحد ويمين من المدعي أنه لا يجوز عندنا ~~خلافا للشافعي - رحمه الله - احتج بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «أنه قضى بشاهد ويمين» ولأن الشهادة إنما كانت حجة المدعي لكونها ~~مرجحة جنسية الصدق على جنسية الكذب في دعواها الرجحان فكما يقع بالشهادة ~~يقع باليمين فكانت اليمين في كونها حجة مثل البينة فكان ينبغي أن يكتفي بها ~~إلا أنه ضم إليها الشهادة نفيا للتهمة (ولنا) الحديث المشهور والمعقول. # ووجه الاستدلال به من وجهين أحدهما أن النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~أوجب اليمين على المدعى عليه ولو جعلت حجة المدعي لا تبقى واجبة على المدعى ~~عليه وهو خلاف النص والثاني أنه - عليه الصلاة والسلام - جعل كل جنس اليمين ~~حجة المدعى عليه لأنه - عليه الصلاة والسلام - ذكر اليمين فاللام التعريف ~~فيقتضي استغراق كل الجنس فلو جعلت حجة المدعي لا يكون كل جنس اليمين حجة ~~المدعى عليه ms3820 بل يكون من الأيمان ما ليس بحجة له وهو يمين المدعي وهذا خلاف ~~النص وأما الحديث فقد طعن فيه يحيى بن معين وقال لم يصح عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - القضاء بشاهد ويمين وكذا روي عن الزهري لما سئل عن اليمين ~~مع الشاهد فقال بدعة وأول من قضى بهما معاوية - رضي الله عنه - وكذا ذكر ~~ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح أنه قال كان القضاء الأول أن لا يقبل إلا ~~شاهدان وأول من قضى باليمين مع الشاهد عبد الملك بن مروان مع ما أنه ورد ~~مورد الآحاد ومخالفا للمشهور فلا يقبل وإن ثبت أنه قضى بشاهد ويمين أما ليس ~~فيه أنه فيه قضى وقد روي عن بعض الصحابة أنه قضى بشاهد ويمين في الأمان ~~وعندنا يجوز القضاء في بعض أحكام الأمان بشاهد واحد إذا كان عدلا بأن شهد ~~أنه أمن هذا الكافر تقبل شهادته حتى لا يقتل لكن يسترق واليمين من باب ما ~~يحتاط فيه فحمل على هذا توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض وبهذا ~~يتبين بطلان مذهب الشافعي - رحمه الله - في رده اليمين إلى المدعي عند نكول ~~المدعى عليه لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - ما جعل اليمين حجة إلا في ~~جانب المدعى عليه فالرد إلى المدعي يكون وضع الشيء في غير موضعه. # وهذا حد الظلم وعلى هذا يخرج مسألة الخارج مع ذي اليد إذا أقاما البينة ~~أنه لا تقبل بينة ذي اليد لأنها جعلت حجة للمدعي وذو اليد ليس بمدع بل هو ~~مدعى عليه فلا تكون البينة حجة له فالتحقت بينته بالعدم فخلت بينة المدعي ~~عن المعارض فيعمل بها وقد تخرج المسألة على أصل آخر نذكره في موضعه إن شاء ~~الله وإذا عرفت أن البينة حجة المدعي واليمين حجة المدعى عليه فلا بد من ~~معرفة علائقهما وعلائق البينة قد مر ذكرها في كتاب الشهادات. # ونذكر هنا علائق اليمين فنقول وبالله التوفيق الكلام في اليمين في مواضع ~~في بيان أن اليمين واجبة وفي بيان شرائط الوجوب ms3821 وفي بيان الوجوب وفي بيان ~~كيفية الوجوب وفي بيان حكم أدائه وفي بيان حكم الامتناع عن تحصيل الواجب ~~أما دليل الوجوب فالحديث المشهور وهو قوله - عليه الصلاة والسلام - «البينة ~~على المدعي واليمين على المدعى عليه» وعلى كلمة إيجاب. # وأما شرائط الوجوب فأنواع منها الإنكار لأنها وجبت للحاجة إلى دفع التهمة ~~وهي تهمة الكذب في الإنكار فإذا كان مقرا لا حاجة لأن الإنسان لا يتهم في ~~الإقرار على نفسه ثم الإنكار نوعان نص ودلالة أما النص فهو صريح الإنكار ~~وأما الدلالة فهو السكوت عن جواب المدعي عن غير آفة لأن الدعوى أوجبت ~~الجواب عليه والجواب نوعان إقرار وإنكار فلا بد من حمل السكوت على # PageV06P225 # أحدهما والحمل على الإنكار أولى لأن العاقل المتدين لا يسكت عن إظهار ~~الحق المستحق لغيره مع قدرته عليه وقد يسكت عن إظهار الحق لنفسه مع قدرته ~~عليه فكان حمل السكوت على الإنكار أولى فكان السكوت إنكارا دلالة ولو لم ~~يسكت المدعى عليه ولم يقر ولكنه قال لا أقر ولا أنكر وأصر على ذلك اختلف ~~المشايخ فيه قال بعضهم هذا إنكار. # وقال بعضهم هذا إقرار والأول أشبه لأن قوله لا أنكر إخبار عن السكوت عن ~~الجواب والسكوت إنكار على ما مر ومنها الطلب من المدعي لأنها وجبت على ~~المدعى عليه حقا للمدعي وحق الإنسان قبل غيره واجب الإيفاء عند طلبه، ومنها ~~عدم البينة الحاضرة عند أبي حنيفة وعندهما ليس بشرط حتى لو قال المدعي لي ~~بينة حاضرة ثم أراد أن يحلف المدعى عليه ليس له ذلك عنده وعندهما له ذلك ~~وجه قولهما أن اليمين حجة المدعي كالبينة ولهذا لا تجب إلا عند طلبه فكان ~~له ولاية استيفاء أيهما شاء ولأبي حنيفة أن البينة في كونها حجة المدعي ~~كالأصل لكونها كلام غير الخصم واليمين كالخلف عليها لكونها كلام الخصم ~~فلهذا لو أقام البينة ثم أراد استحلاف المدعى عليه ليس له ذلك والقدرة على ~~الأصل تمنع المصير إلى الخلف ومنها أن لا يكون المدعى حقا لله عز وجل خالصا ~~فلا ms3822 يجوز الاستحلاف في الحدود الخالصة حقا لله عز وجل كحد الزنا والسرقة ~~والشرب لأن الاستحلاف لأجل النكول ولا يقضى بالنكول في الحدود الخالصة لأنه ~~بذل عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما إقرار فيه شبهة العدم والحدود لا ~~تحتمل البذل ولا تثبت بدليل فيه شبهة لهذا لا تثبت بشهادة النساء والشهادة ~~على الشهادة إلا أن في السرقة يحلف على أخذ المال وكذا لا يمين في اللعان ~~لأنه جار مجرى الحد وأما حد القذف فيجري فيه الاستحلاف في ظاهر الرواية ~~لأنه ليس من الحدود المتمحضة حقا لله تعالى بل يشوبه حق العبد فأشبه ~~التعزير. # وفي التعزير يحلف كذا هذا ويجري الاستحلاف في القصاص في النفس والطرف لأن ~~القصاص خالص حق العبد ومنها أن يكون المدعى محتملا للإقرار به شرعا بأن كان ~~لو أقر به لصح إقراره به فإن لم يكن لم يجر فيه الاستحلاف حتى أن من ادعى ~~على رجل أنه أخوه ولم يدع في يده ميراثا فأنكر لا يحلف لأنه لو أقر له ~~بالأخوة لم يجز إقراره لكونه إقرارا على غيره وهو أبوه ولو ادعى أنه أخوه ~~وأن في يده مالا من تركة أبيه وهو مستحق لنصفه بإرثه من أبيه فأنكر يحلف ~~لأجل الميراث لا للأخوة لأنه لو أقر أنه أخوه صح إقراره في حق الإرث حتى ~~يؤمر بتسليم نصف الميراث إليه ولم يصح في حق النسب حتى لا يقضى بأنه أخوه ~~وعلى هذا عبد في يد رجل ادعاه رجلان فأقر به لأحدهما وسلم القاضي العبد ~~إليه فقال الآخر لا بينة لي وطلب من القاضي تحليف المقر لا يحلفه في عين ~~العبد لأنه لو أقر به لكان إقراره باطلا فإذا أنكر لا يحلف إلا أن يقول ~~الذي لم يقر له أنك أتلفت علي العبد بإقرارك به لغيري فاضمن قيمته لي يحلف ~~المقر بالله تعالى ما عليه رد قيمة ذلك العبد على هذا المدعي ولا رد شيء ~~منها لأنه لو أقر بإتلافه لصح وضمن القيمة فإذا أنكر يستحلفه ولو ادعى رجل ~~أنه ms3823 زوجه ابنته الصغيرة وأنكر الأب لا يحلف عند أبي حنيفة - رحمه الله - ~~لطريقين أحدهما أنه لو أقر به لا يصح إقراره به عنده فإذا أنكر لا يستحلف ~~والثاني أن الاستحلاف لا يجري في النكاح وعندهما يجري لكن عند أبي يوسف ~~يحلف على السبب وعند محمد على الحاصل والحكم على ما نذكره في موضعه هذا إذا ~~كانت صغيرة عند الدعوى فإن كانت كبيرة وادعى أن أباها زوجها إياه في صغرها ~~لا يحلف عند أبي حنيفة لما قلنا من الطريقين وعندهما لا يحلف أيضا لأحد ~~طريقين وهو أنه لو أقر عليها في الحال لا يصح إقراره ولكن تحلف المرأة ~~عندهما لأنها لو أقرت لصح إقرارها وعندهما الاستحلاف يجري فيه لكن عند أبي ~~يوسف تحلف على السبب بالله عز وجل ما تعلم أن أباها زوجها وهي صغيرة إلا ~~عند التعرض فتحلف على الحكم كما قال محمد ولو ادعت امرأة على رجل أنه زوجها ~~عبده فأنكر المولى لا يحلف عند أبي حنيفة - رحمه الله - لطريقين أحدهما أنه ~~لو أقر عليه لا يصح إقراره والثاني أنه لا استحلاف في النكاح عنده وعندهما ~~لا يحلف أيضا لكن لطريق واحد وهو أنه لو أقر عليه لا يصح إقراره ولو ادعى ~~رجل على رجل أنه زوجه أمته لا يحلف المولى عند أبي حنيفة وعندهما يحلف ~~لطريق واحد وهو أن # PageV06P226 # الاستحلاف لا يجري في النكاح عنده وعندهما يجري ومنها أن يكون المدعى مما ~~يحتمل البذل عند أبي حنيفة مع كونه محتملا للإقرار وعندهما أن يكون مما ~~يحتمل الإقرار سواء احتمل البذل أو لا وعلى هذا يخرج اختلافهم في الأشياء ~~السبعة أنها لا يجري فيها الاستحلاف عند أبي حنيفة وهي النكاح والرجعة ~~والفيء في الإيلاء والنسب والرق والولاء والاستيلاد أما النكاح فهو أن يدعي ~~رجل على امرأة أنها امرأته أو تدعي امرأة على رجل أنه زوجها ولا بينة ~~للمدعي وطلب يمين المنكر وأما الرجعة فهو أن يقول الزوج للمطلقة بعد انقضاء ~~عدتها قد كنت راجعتك وأنكرت المرأة وعجز الزوج عن ms3824 إقامة البينة فطلب يمينها ~~وأما الفيء في الإيلاء فهو أن يكون الرجل آلى من امرأته ومضت أربعة أشهر ~~فقال قد كنت فئت إليك بالجماع فلم تبيني فقالت لم تفئ إلي ولا بينة للزوج ~~فطلب يمينها وأما النسب فنحو أن يدعي على رجل أنه أبوه أو ابنه فأنكر الرجل ~~ولا بينة له وطلب يمينه وأما الرق فهو أن يدعي على رجل أنه عبده فأنكر وقال ~~أنه حر الأصل لم يجر عليه رق أبدا ولا بينة للمدعي فطلب يمينه وأما الولاء ~~فإنه يدعي على امرأة أنه أعتق أباها وأن أباها مات وولاؤه بينهما نصفان ~~فأنكرت أن يكون أعتقه وأن يكون ولاؤه ثابتا منه ولا بينة للمدعي فطلب ~~يمينها على ما أنكرت من الولاء وأما الاستيلاد فهو أن تدعي أمة على مولاها ~~فتقول أنا أم ولد لمولاي وهذا ولدي فأنكر المولى لا يجري الاستحلاف في هذه ~~المواضع السبعة عند أبي حنيفة وعندهما يجري والدعوى من الجانبين تتصور في ~~الفصول الستة وفي الاستيلاد لا يتصور إلا من جانب واحد وهو جانب الأمة فأما ~~جانب المولى فلا تتصور الدعوى لأنه لو ادعى لثبت بنفس الدعوى وهذا بناء على ~~ما ذكرنا أن النكول بذل عنه وهذه الأشياء لا تحتمل البذل وعندهما إقرار فيه ~~شبهة وهذه الأشياء تثبت بدليل فيه شبهة وجه قولهما أن نكول المدعى عليه ~~دليل كونه كاذبا في إنكاره لأنه لو كان صادقا لما امتنع من اليمين الصادقة ~~فكان النكول إقرارا دلالة إلا أنه دلالة قاصرة فيها شبهة العدم وهذه ~~الأشياء تثبت بدليل قاصر فيه شبهة العدم ألا ترى أنها تثبت بالشهادة على ~~الشهادة وشهادة رجل وامرأتين (ولأبي حنيفة) أن النكول يحتمل الإقرار لما ~~قلتم ويحتمل البذل لأن العاقل الدين كما يتحرج عن اليمين الكاذبة يتحرج عن ~~التغيير والطعن باليمين ببذل المدعي إلا أن حمله على البذل أولى لأنا لو ~~جعلناه إقرارا لكذبناه لما فيه من الإنكار ولو جعلناه بذلا لم نكذبه لأنه ~~يصير في التقدير كأنه قال ليس هذا لك ولكني لا أمنعك ms3825 عنه ولا أنازعك فيه ~~فيحصل المقصود من غير حاجة إلى التكذيب وإذا ثبت أن النكول بذل وهذه ~~الأشياء لا تحتمل البذل فلا تحتمل النكول فلا تحتمل التحليف لأنه إنما ~~يستحلف المدعي لينكل المدعى عليه فيقضي عليه فإذا لم يحتمل النكول لا يحتمل ~~التحليف. ### | [فصل في بيان كيفية اليمين] # (فصل) : # وأما بيان كيفية اليمين فالكلام فيه يتعلق بموضعين (أحدهما) في بيان صفة ~~التحليف نفسه أنه كيف يحلف والثاني في بيان صفة المحلوف عليه أنه على ماذا ~~يحلف (أما الأول) فالأمر لا يخلو إما أن كان الحالف مسلما وإما أن كان ~~كافرا فإن كان مسلما فيحلفه القاضي بالله تعالى إن شاء من غير تغليظ لما ~~روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حلف يزيد بن ركانة أو ركانة بن ~~عبد يزيد بالله عز وجل ما أردت بالبتة ثلاثا» وإن شاء غلظ لأن الشرع ورد ~~بتغليظ اليمين في الجملة فإنه روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حلف ابن صوريا الأعور وغلظ فقال - عليه الصلاة والسلام - الذي أنزل التوراة ~~على سيدنا موسى - عليه الصلاة والسلام - أن حد الزنا في كتابكم هذا» . # وقال مشايخنا ينظر إلى حال الحالف إن كان ممن لا يخاف منه الاجتراء على ~~الله تعالى باليمين الكاذبة يكتفي فيه بالله عز وجل من غير تغليظ وإن كان ~~ممن يخاف منه ذلك تغلظ لأن من العوام من لا يبالي عن الحلف بالله عز وجل ~~كاذبا فإذا غلظ عليه اليمين يمتنع وقال بعضهم إن كان المال المدعى يسيرا ~~يكتفي فيه بالله عز وجل وإن كان كثيرا يغلظ وصفة التغليظ أن يقول والله ~~الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ~~ما يعلم من العلانية ونحو ذلك مما يعد تغليظا في اليمين. # وإن كان الحالف كافرا فإنه يحلف بالله عز وجل أيضا ذميا كان أو مشركا لأن ~~المشركين لا ينكرون الصانع قال الله تبارك وتعالى جل شأنه {ولئن سألتهم من ~~خلق السماوات والأرض ليقولن الله} [لقمان: ms3826 25] # PageV06P227 # فيعظمون اسم الله تعالى عز شأنه ويعتقدون حرمة الإله إلا الدهرية ~~والزنادقة وأهل الإباحة. # وهؤلاء أقوام لم يتجاسروا على إظهار نحلتهم في عصر من الأعصار إلى يومنا ~~هذا ونرجو من فضل الله عز وجل على أمة حبيبه - صلى الله عليه وسلم - أن لا ~~يقدرهم على إظهار ما انتحلوه إلى انقضاء الدنيا وإن رأى القاضي ما يكون ~~تغليظا في دينه فعل لما روينا «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غلظ ~~على ابن صوريا» دل أن كل ذلك سائغ فيغلظ على اليهودي بالله تعالى عز وجل ~~الذي أنزل التوراة على سيدنا موسى - عليه الصلاة والسلام - وعلى النصراني ~~بالله الذي أنزل الإنجيل على سيدنا عيسى - عليه الصلاة والسلام - وعلى ~~المجوسي بالله الذي خلق النار ولا يحلف على الإشارة إلى مصحف معين بأن يقول ~~بالله الذي أنزل هذا الإنجيل أو هذه التوراة لأنه قد ثبت تحريف بعضها فلا ~~يؤمن أن تقع الإشارة إلى المحرف فيكون التحليف به تعظيما لما ليس بكلام ~~الله عز وجل ولا يبعث هؤلاء إلى بيوت عبادتهم من البيعة والكنيسة وبيت ~~النار لأن فيه تعظيم هذه المواضع وكذا لا يجب تغليظ اليمين على المسلم ~~بزمان ولا مكان عندنا وقال الشافعي - رحمه الله - إن كان بالمدينة يحلف عند ~~المنبر وإن كان بمكة يحلف عند الميزاب ويحلف بعد العصر والصحيح قولنا لما ~~روينا من الحديث المشهور وهو قوله - عليه الصلاة والسلام - «البينة على ~~المدعي واليمين على المدعى عليه» مطلقا عن الزمان والمكان وروي أنه اختصم ~~زيد بن ثابت وابن مطيع في دار إلى مروان بن الحكم فقضى على زيد ابن ثابت ~~باليمين عند المنبر فقال له زيد أحلف له مكاني فقال له مروان لا والله إلا ~~عند مقاطع الحقوق فجعل زيد يحلف أن حقه لحق وأبى أن يحلف عند المنبر فجعل ~~مروان يعجب من ذلك ولو كان ذلك لازما لما احتمل أن يأباه زيد بن ثابت ولأن ~~تخصيص التحليف بمكان وزمان تعظيم غير اسم الله تبارك وتعالى وفيه معنى ~~الإشراك في التعظيم ms3827 والله عز وجل أعلم. # (وأما) بيان صفة المحلوف عليه أنه على ماذا يحلف فنقول الدعوى لا تخلو ~~إما إن كانت مطلقة عن سبب وإما إن كانت مقيدة بسبب فإن كانت مطلقة عن سبب ~~بأن ادعى عبدا أو جارية أو أرضا وأنكر المدعى عليه فلا خلاف في أنه يحلف ~~على الحكم وهو ما وقع فيه الدعوى فيقال بالله ما هذا العبد أو الجارية أو ~~الأرض لفلان هذا ولا شيء منه وإن كانت مقيدة بسبب بأن ادعى أنه أقرضه ألفا ~~أو غصبه ألفا أو أودعه ألفا وأنكر المدعى عليه فقد اختلف أبو يوسف ومحمد في ~~أنه يحلف على السبب أو على الحكم قال أبو يوسف يحلف على السبب بالله ما ~~استقرضت منه ألفا أو ما غصبته ألفا أو ما أودعني ألفا إلا أن يعرض المدعى ~~عليه ولا يصرح فيقول قد يستقرض الإنسان وقد يغصب وقد يودع ولا يكون عليه ~~لما أنه أبرأه عن ذلك أو رد الوديعة وأنا لا أبين ذلك لئلا يلزمني شيء ~~فحينئذ يحلف على الحكم وقال محمد يحلف على الحكم من الابتداء بالله ما له ~~عليك هذه الألف التي ادعى. # (وجه) قول محمد أن التحليف على السبب تحليف على ما لا يمكنه الحلف عليه ~~عسى لجواز أنه وجد منه السبب ثم ارتفع بالإبراء أو بالرد فلا يمكنه الحلف ~~على نفي السبب ويمكنه الحلف على نفي الحكم على كل حال فكان التحليف على ~~الحكم أولى (وجه) قول أبي يوسف ما روي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- حلف اليهود بالله» وفي باب القسامة على السبب «فقال - عليه الصلاة ~~والسلام - بالله ما قتلتموه ولا علمتم له قاتلا» فيجب الاقتداء به ولأن ~~الداخل تحت الحلف ما هو الداخل تحت الدعوى والداخل تحت الدعوى في هذه ~~الصورة مقصودا هو السبب فيحلف عليه فبعد ذلك إن أمكنه الحلف على السبب حلف ~~عليه وإن لم يمكنه وعرض فحينئذ يحلف على الحكم وعلى هذا الخلاف دعوى الشراء ~~إذا أنكر المدعى عليه فعند أبي يوسف يحلف ms3828 على السبب بالله عز وجل ما بعته ~~هذا الشيء إلا أن يعرض الخصم والتعريض في هذا أن يقول قد يبيع الرجل الشيء ~~ثم يعود إليه بهبة أو فسخ أو إقالة أو رد بعيب أو خيار شرط أو خيار رؤية ~~وأنا لا أبين ذلك كي لا يلزمني شيء فحينئذ يحلف على الحكم بالله تعالى ما ~~بينكما بيع قائم أو شراء قائم بهذا السبب الذي يدعي وهكذا يحلف على قول ~~محمد وعلى هذا دعوى الطلاق بأن ادعت امرأة على زوجها أنه طلقها ثلاثا أو ~~خالعها على كذا وأنكر الزوج ذلك يحلف على السبب عند أبي يوسف بالله عز وجل ~~ما طلقها ثلاثا أو ما خالعها إلا أن يعرض الزوج فيقول الإنسان قد يخالع # PageV06P228 # امرأته ثم تعود إليه وقد يطلقها ثلاثا ثم تعود إليه بعد زوج آخر فحينئذ ~~يحلف بالله عز وجل ما هي حرام عليك بثلاث تطليقات أو بالله عز وجل ما هي ~~مطلقة منك ثلاثا أو ما هي حرام عليك بالخلع أو ما هي بائن منك ونحو ذلك من ~~العبارات. # وهكذا يحلف على قول محمد وعلى هذا دعوى العتاق في الأمة بأن ادعت أمة على ~~مولاها أنه أعتقها وهو منكر عند أبي يوسف يحلف المولى على السبب بالله عز ~~وجل ما أعتقها إلا أن يعرض لأنه يتصور النقض في هذا والعود إليه بأن ارتدت ~~المرأة ولحقت بدار الحرب ثم سباها أو سباها غيره فاشتراها فحينئذ يحلف كما ~~قاله محمد ولو كان الذي يدعي العتق هو العبد فيحلف على السبب بلا خلاف ~~بالله عز وجل ما أعتقه في الرق القائم للحال في ملكه لانعدام تصور التعريض ~~لأن العبد المسلم لا يحتمل السبي بعد العتق حتى لو كان العبد لم يعرف مسلما ~~أو كان كافرا يحلف عند محمد على الحكم لاحتمال العود إلى الرق لأن الذمي ~~إذا نقض العهد ولحق بدار الحرب ثم سبي يسترق بخلاف المسلم فإنه يجبر على ~~الإسلام ويقتل إن أبى ولا يسترق وعلى هذا دعوى النكاح وهو تفريع على ms3829 قولهما ~~لأن أبا حنيفة لا يرى الاستحلاف فيه فيقول الدعوى لا تخلو إما أن تكون من ~~الرجل أو من المرأة فإن كانت من الرجل وأنكرت المرأة النكاح فعند أبي يوسف ~~يحلف على السبب إلا أن يعرض لاحتمال الطلاق والفرقة بسبب ما فحينئذ يحلف ~~على الحكم بالله عز وجل ما بينكما نكاح قائم كما هو قول محمد. # وأما عند أبي حنيفة لو قال الزوج أنا أريد أن أتزوج أختها أو أربعا سواها ~~فإن القاضي لا يمكنه من ذلك لأنه إقرار لهذه المرأة أنها امرأته فيقول له ~~إن كنت تريد ذلك فطلق هذه ثم تزوج أختها أو أربعا سواها وإن كان دعوى ~~النكاح من المرأة على رجل فأنكر فعند أبي يوسف يحلف على السبب إلا أن يعرض ~~فيحلف على الحكم كما قاله محمد فأما عند أبي حنيفة لو قالت المرأة إني أريد ~~أن أتزوج فإن القاضي لا يمكنها من ذلك لأنها قد أقرت أن لها زوجا فلا ~~يمكنها من التزوج بزوج آخر فإن قالت ما الخلاص عن هذا وقد بقيت في عهدته ~~أبد الدهر وليست لي بينة وهذه تسمى عهدة أبي حنيفة فإنه يقول القاضي للزوج ~~طلقها فإن أبى أجبره القاضي عليه فإن قال الزوج لو طلقتها للزمني المهر فلا ~~أفعل ذلك يقول له القاضي قل لها إن كنت امرأتي فأنت طالق فتطلق لو كانت ~~امرأتك وإن لم تكن فلا ولا يلزمك شيء لأن المهر لا يلزم بالشك فإن أبى ~~يجبره على ذلك فإذا فعل تخلص عن تلك العهدة ولو كانت الدعوى على إجارة ~~الدار أو عبد أو دابة أو معاملة مزارعة فعند أبي يوسف يحلف على السبب إلا ~~إذا عرض. # وعند محمد يحلف على الحكم على كل حال وعند أبي حنيفة ما كان صحيحا وهو ~~الإجارة يحلف وما كان فاسدا وهو المعاملة والمزارعة لا يحلف أصلا لأن الحلف ~~بناء على الدعوى الصحيحة ولم تصح عنده ولو كانت الدعوى في القتل الخطإ بأن ~~ادعى على رجل أنه قتل أباه خطأ وأنه وجبت ms3830 الدية فأنكر المدعى عليه يحلف على ~~السبب عند أبي يوسف بالله ما قتلت إلا إذا عرض وعند محمد على الحكم بالله ~~ليس عليك الدية ولا على عاقلتك وإنما يحلف على هذا الوجه لاختلاف المشايخ ~~في الدية في فصله الخطإ أنها تجب على العاقلة ابتداء أو تجب على القاتل ثم ~~تتحمل عنه العاقلة فإن حلف برئ وإن نكل يقضي عليه بالدية في ماله على ما ~~نذكر إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في حكم أداء اليمين] # (فصل) : # وأما حكم أدائه فهو انقطاع الخصومة للحال لا مطلقا بل موقتا إلى غاية ~~إحضار البينة عند عامة العلماء. # وقال بعضهم حكمه انقطاع الخصومة على الإطلاق وحتى لو أقام المدعي البينة ~~بعد يمين المدعى عليه قبلت بينته عند العامة وعند بعضهم لا تقبل لأنه لو ~~أقام البينة لا تبقى له ولاية الاستحلاف فكذا إذا استحلف لا يبقى له ولاية ~~إقامة البينة والجامع أن حقه في أحدهما فلا يملك الجمع بينهما والصحيح قول ~~العامة لأن البينة هي الأصل في الحجة لأنها كلام الأجنبي فأما اليمين ~~فكالخلف عن البينة لأنها كلام الخصم صير إليها للضرورة فإذا جاء الأصل ~~انتهى حكم الخلف فكأنه لم يوجد أصلا ولو قال المدعي للمدعى عليه احلف وأنت ~~بريء من هذا الحق الذي ادعيته أو أنت بريء من هذا الحق ثم أقام البينة قبلت ~~بينته لأن قوله أنت بريء يحتمل البراءة للحال أي بريء عن دعواه وخصومته ~~للحال ويحتمل البراءة عن الحق فلا يجعل إبراء عن الحق بالشك والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # PageV06P229 ### | [فصل في حكم الامتناع عن تحصيل اليمين] # فصل) : # وأما حكم الامتناع عن تحصيله فالمدعى عليه إذا نكل عن اليمين فإن كان ذلك ~~في دعوى المال يقضى عليه بالمال عندنا لكن ينبغي للقاضي أن يقول له إني ~~أعرض عليك اليمين ثلاث مرات فإن حلفت وإلا قضيت عليك لجواز أن يكون المدعى ~~عليه ممن لا يرى القضاء بالنكول أو يكون عنده أن القاضي لا يرى القضاء ~~بالنكول أو لحقه حشمة القضاة ومهابة المجلس في ms3831 المرة الأولى فكان الاحتياط ~~أن يقول له ذلك فإن نكل عن اليمين بعد العرض عليه ثلاثا فإن القاضي يقضي ~~عليه عندنا وعند الشافعي - رحمه الله - لا يقضي بالنكول ولكن يرد اليمين ~~إلى المدعي فيحلف فيأخذ حقه احتج الشافعي - رحمه الله - بقول النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه» جعل البينة ~~حجة المدعي واليمين حجة المدعى عليه ولم يذكر - عليه الصلاة والسلام - ~~النكول فلو كان حجة المدعي لذكره والمعقول أنه يحتمل أنه نكل لكونه كاذبا ~~في الإنكار. # فاحترز عن اليمين الكاذبة ويحتمل أنه نكل مع كونه صادقا في الإنكار تورعا ~~عن اليمين الصادقة فلا يكون حجة القضاء مع الشك والاحتمال لكن يرد اليمين ~~إلى المدعي ليحلف فيقضي له لأنه ترجح جنبه الصدق في دعواه بيمينه وقد ورد ~~الشرع برد اليمين إلى المدعي فإنه روي أن سيدنا عثمان - رضي الله عنه - ~~ادعى على المقداد مالا بين يدي سيدنا عمر - رضي الله عنه - فأنكر المقداد ~~وتوجهت عليه اليمين فرد اليمين على سيدنا عثمان وسيدنا عمر جوز ذلك. # (ولنا) ما روي أن شريحا قضى على رجل بالنكول فقال المدعى عليه أنا أحلف ~~فقال شريح مضى قضائي وكان لا تخفى قضاياه على أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر فيكون إجماعا منهم على جواز ~~القضاء بالنكول ولأنه ظهر صدق المدعي في دعواه عند نكول المدعى عليه فيقضي ~~له كما لو أقام البينة ودلالة الوصف أن المانع من ظهور الصدق في خبره ~~إنكاره المدعى عليه وقد عارضه النكول لأنه كان صادقا في إنكاره لما نكل ~~فزال المانع للتعارض فظهر صدقه في دعواه وقوله يحتمل أنه نكل تورعا عن ~~اليمين الصادقة قلنا هذا احتمال نادر لأن اليمين الصادقة مشروعة فالظاهر أن ~~الإنسان لا يرضى بفوات حقه تحرزا عن مباشرة أمر مشروع ومثل هذا الاحتمال ~~ساقط الاعتبار شرعا ألا يرى أن البينة حجة القضاء بالإجماع وإن كانت محتملة ~~في الجملة لأنها خبر من ليس بمعصوم عن الكذب لكن ms3832 لما كان الظاهر هو الصدق ~~سقط اعتبار احتمال الكذب كذا هذا وأما الحديث فنقول البينة حجة المدعي وهذا ~~لا ينفي أن يكون غيرها حجة وقوله لو كان حجة لذكره قلنا يحتمل أنه لم يذكره ~~لما قلتم ويحتمل أنه لم يذكره نصا مع كونه حجة تسليطا للمجتهدين على ~~الاجتهاد ليعرف كونه حجة بالرأي والاستنباط فلا يكون حجة مع الاحتمال. # وأما رد اليمين على المدعي فليس بمشروع لما قلنا من قبل وأما حديث ~~المقداد فلا حجة فيه لأن فيه ذكر الرد من غير نكول المدعى عليه وهو خارج عن ~~أقاويل الكل فكان مؤولا عند الكل ثم تأويله أن المقداد - رضي الله عنه - ~~ادعى الإيفاء فأنكر سيدنا عثمان - رضي الله عنه - فتوجهت اليمين عليه ونحن ~~به نقول هذا إذا نكل عن اليمين في دعوى المال فإن كان النكول في دعوى ~~القصاص فنقول لا يخلو إما أن تكون الدعوى في القصاص في النفس وإما أن تكون ~~فيما دون النفس فإن كان في النفس فعند أبي حنيفة لا يقضى فيه لا بالقصاص ~~ولا بالمال لكنه يحبس حتى يقر أو يحلف أبدا وإن كان الدعوى في القصاص في ~~الطرف فإنه يقضي بالقصاص في العمد وبالدية في الخطإ وعندهما لا يقضى ~~بالقصاص في النفس والطرف جميعا ولكن يقضي بالأرش والدية فيهما جميعا بناء ~~على أن النكول بذل عند أبي حنيفة - رحمه الله - والطرف يحتمل البذل ~~والإباحة في الجملة فإن من وقعت في يده أكلة والعياذ بالله تعالى فأمر غيره ~~بقطعها يباح له قطعها صيانة للنفس وبه تبين أن الطرف يسلك مسلك الأموال ~~لأنه خلق وقاية للنفس كالمال فأما النفس فلا تحتمل البذل والإباحة بحال ~~وكذا المباح له القطع إذا قطع لا ضمان عليه والمباح له القتل إذا قتل يضمن ~~فكان الطرف جاريا مجرى المال بخلاف النفس فأمكن القضاء بالنكول في الطرف ~~دون النفس فكان القياس أن لا يستحلف في النفس عنده كما لا يستحلف في ~~الأشياء السبعة لأن الاستحلاف للتوسل إلى المقصود المدعي وهو إحياء حقه ~~بالقضاء ms3833 بالنكول ولا يقضي فيها بالنكول أصلا عنده فكان ينبغي أن لا يستحلف ~~إلا أنه استحسن في الاستحلاف فيها لأن # PageV06P230 # الشرع ورد به في القسامة وجعله حقا مقصودا في نفسه تعظيما لأمر الدم ~~وتفخيما لشأنه لكون اليمين الكاذبة مهلكة فصار بالنكول مانعا حقا مستحقا ~~عليه مقصودا فيحبس حتى يقر أو يحلف بخلاف الأشياء السبعة فإن الاستحلاف ~~فيها للتوسل إلى استيفاء المقصود بالنكول وأنه لا يقع وسيلة إلى هذا ~~المقصود وعندهما النكول إقرار فيه شبهة العدم لأنه إقرار بطريق السكوت وأنه ~~محتمل والقصاص يدرأ بالشبهات وإذا سقط القصاص للشبهة يجب المال بخلاف شهادة ~~النساء مع الرجال والشهادة على الشهادة أنها لا تقبل في باب القصاص أصلا ~~لأن التعذر هناك من جهة من له القصاص وهو عدم الإتيان بحجة مظهرة للحق وهي ~~شهادة شهود أصول مذكور والتعذر هنا من جهة من عليه القصاص وهو عدم التنصيص ~~على الإقرار والأصل أن القصاص إذا بطل من جهة من له القصاص لا تجب الدية ~~وإذا بطل من جهة من عليه تجب الدية وأما في دعوى السرقة إذا حلف على المال ~~ونكل يقضى بالمال لا بالقطع لأن النكول حجة في الأموال دون الحدود الخالصة ~~وأما في حد القذف إذا استحلف على ظاهر الرواية فكل يقضي بالحد في ظاهر ~~الأقاويل لأنه بمنزلة القصاص في الطرف عند أبي حنيفة وعندهما بمنزلة ~~التعزير وقال بعضهم هو بمنزلة سائر الحدود لا يقضى فيه بشيء ولا يحلف لأنه ~~حد وقيل يحلف ويقضى فيه بالتعزير دون الحد كما في السرقة يحلف ويقضى بالمال ~~دون القطع والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في بيان ما تندفع به الخصومة عن المدعى عليه] # (فصل) : # وأما بيان ما تندفع به الخصومة عن المدعى عليه ويخرج عن كونه خصما للمدعي ~~فنقول وبالله التوفيق أنه يخرج عن كونه خصما للمدعي بكون يده غير يد المالك ~~وذلك يعرف بالبينة أو بالإقرار أو بعلم القاضي نحو ما إذا ادعى على رجل ~~دارا أو ثوبا أو دابة فقال الذي في يده هو ملك ms3834 فلان الغائب أودعنيه وجملة ~~الكلام فيه أن المدعي لا يخلو إما أن يدعي عليه ملكا مطلقا ولم يدع عليه ~~فعلا أو يدعي عليه فعلا فإن ادعى ملكا مطلقا ولم يدع عليه فعلا فقال الذي ~~في يده أودعنيها فلان الغائب أو رهنها أو آجرها أو أعارها أو غصبتها أو ~~سرقتها أو أخذتها أو انتزعتها أو ضلت منه فوجدتها وأقام البينة على ذلك ~~تندفع عنه الخصومة عند عامة العلماء. # وقال ابن أبي ليلى تندفع عنه الخصومة أقام البينة أو لم يقم وقال ابن ~~شبرمة لا تندفع عنه الخصومة أقام البينة أو لم يقم هذا إذا لم يكن الرجل ~~معروفا بالافتعال والاحتيال فإن كان تندفع عنه الخصومة عند أبي حنيفة ومحمد ~~أيضا وعند أبي يوسف لا تندفع وهي المسألة المعروفة بالمخمسة والحجج تعرف في ~~الجامع وكذلك لو ادعى لنفسه والفعل على غير ذي اليد بأن قال هذا ملكي غصبه ~~مني فلان لأنه لم يدع على ذي اليد فعلا فصار في حق ذي اليد دعوى مطلقة فكان ~~على الخلاف الذي ذكرنا فأما إذا ادعى فعلا على ذي اليد بأن قال هذه داري أو ~~دابتي أو ثوبي أودعتكها أو غصبتنيها أو سرقتها أو استأجرتها أو ارتهنتها ~~مني وقال الذي في يديه إنها لفلان الغائب أودعنيها أو غصبتها منه ونحو ذلك ~~وأقام البينة على ذلك لا تندفع عنه الخصومة ووجه الفرق أن ذا اليد في دعوى ~~الملك المطلق إنما يكون خصما بيده ألا ترى أنه لو لم يكن المدعي في يده لم ~~يكن خصما فإذا أقام البينة على أن اليد لغيره كان الخصم ذلك الغير وهو غائب ~~فأما في دعوى الفعل فإنما يكون خصما بفعله لا بيده ألا ترى أن الخصومة ~~متوجهة عليه بدون يده وإذا كان خصما بفعله بالبينة لا يتبين أن الفعل منه ~~لم يكن فبقي خصما ولو ادعى فعلا لم يسم فاعله بأن قال غصبت مني أو أخذت مني ~~فأقام ذو اليد البينة على الإيداع تندفع الخصومة لأنه ادعى الفعل على مجهول ~~وأنه ms3835 باطل فالتحق بالعدم فبقي دعوى ملك مطلق فتندفع الخصومة لأنه ادعى ~~الفعل على مجهول وأنه باطل فالتحق بالعدم فبقي دعوى ملك مطلق فتندفع ~~الخصومة. # ولو قال سرق مني فالقياس أن تندفع الخصومة كما في الغصب والأخذ وهو قول ~~محمد وزفر وفي الاستحسان لا تندفع فرقا بين الغصب والأخذ وهو قول أبي حنيفة ~~وأبي يوسف رحمهما الله ووجه الفرق يعرف في الجامع ولو قال المدعي هذه الدار ~~كانت لفلان فاشتريتها منه وقال الذي في يده أودعني فلان الذي ادعيت الشراء ~~من جهته أو سرقتها منه أو غصبتها تندفع عنه الخصومة من غير إقامة البينة ~~على ذلك لأنه ثبت كون يده يد غيره بتصادقهما أما المدعى عليه فظاهر وأما ~~المدعي فبدعواه الشراء منه لأن الشراء منه لا يصح بدون # PageV06P231 # اليد وكذا لو أقام الذي في يديه البينة على إقرار المدعي بذلك لأن الثابت ~~بالبينة كالثابت بالمعاينة ولو عاينا إقراره لاندفعت الخصومة كذا هذا وكذلك ~~إذا علم القاضي بذلك لأن العلم المستفاد له في زمان القضاء فوق الإقرار ~~لكونه حجة متعدية إلى الناس كافة بمنزلة البينة وكون الإقرار حجة مقتصرة ~~على المقر خاصة ثم لما اندفعت الخصومة بإقرار المدعي فبعلم القاضي أولى ولو ~~قال الذي في يديه ابتعته من فلان الغائب لا تندفع الخصومة لأنه ادعى الملك ~~واليد لنفسه وهذا مقر بكونه خصما فكيف تندفع الخصومة ولو أقام المدعي ~~البينة أنه ابتاعه من عبد الله وقال الذي في يديه أودعنيه عبد الله ذلك ~~تندفع الخصومة من غير بينة لأنهما تصادقا على الوصول إليه من يد عبد الله ~~فأثبتا اليد له وهو غائب وعلى هذا الأصل مسائل كثيرة في الجامع والله تعالى ~~أعلم. ### | [فصل في حكم تعارض الدعوتين مع تعارض البينتين] # (فصل) : # وأما حكم تعارض الدعوتين مع تعارض البينتين فالكلام فيه يقع في موضعين ~~أحدهما في بيان حكم تعارض الدعوتين مع تعارض البينتين القائمتين على أصل ~~الملك والثاني في بيان حكم تعارض البينتين القائمتين على قدر الملك أما ~~الأول فالأصل أن البينتين إذا تعارضتا ms3836 في أصل الملك من حيث الظاهر فإن أمكن ~~ترجيح إحداهما على الأخرى يعمل بالراجح لأن البينة حجة من حجج الشرع ~~والراجح ملحق بالمتيقن في أحكام الشرع وإن تعذر الترجيح فإن أمكن العمل بكل ~~واحدة منهما من كل وجه وجب العمل به وإن تعذر العمل بهما من كل وجه وأمكن ~~العمل بهما من وجه وجب العمل بهما لأن العمل بالدليلين واجب بقدر الإمكان ~~وإن تعذر العمل بهما أصلا سقط اعتبارهما والتحقا بالعدم إذ لا حجة مع ~~المعارضة كما لا حجة مع المناقضة. # وجملة الكلام في هذا الفصل أن الدعوى ثلاثة أنواع: دعوى الملك ودعوى اليد ~~ودعوى الحق، وزاد محمد مسائل الدعوى على دعوى الملك واليد والنسب (أما) ~~دعوى الملك فلا تخلو إما أن تكون من الخارج على ذي اليد وإما أن تكون من ~~الخارجين على ذي اليد (وإما) أن تكون من صاحبي اليد أحدهما على الآخر فإن ~~كانت الدعوى من الخارج على ذي اليد دعوى الملك وأقاما البينة فلا يخلو إما ~~أن قامت البينتان على ملك مطلق عن الوقت وإما أن قامتا على ملك مؤقت وإما ~~أن قامت إحداهما على ملك مطلق والأخرى على ملك مؤقت وكل ذلك لا يخلو إما أن ~~كانت بسبب وإما أن كانت بغير سبب فإن قامتا على ملك مطلق عن الوقت فبينة ~~الخارج أولى عندنا وعند الشافعي - رحمه الله - بينة ذي اليد أولى (وجه) ~~قوله أن البينتين تعارضتا من حيث الظاهر وترجحت بينة ذي اليد باليد فكان ~~العمل بها أولى ولهذا عمل ببينته في دعوى النكاح. # (ولنا) أن البينة حجة المدعي لقوله - عليه الصلاة والسلام - «البينة على ~~المدعي» وذو اليد ليس بمدع فلا تكون البينة حجته والدليل على أنه ليس بمدع ~~ما ذكرنا من تحديد المدعي أنه اسم لمن يخبر عما في يد غيره لنفسه والموصوف ~~بهذه الصفة هو الخارج لا ذو اليد لأنه يخبر عما في يد نفسه لنفسه فلم يكن ~~مدعيا فالتحقت ببينته بالعدم فبقيت بينة الخارج بلا معارض فوجب العمل بها ~~ولأن بينة ms3837 الخارج أظهرت له سبق الملك فكان القضاء بها أولى كما إذا وقتت ~~البينتان نصا ووقتت بينة الخارج دلالة ودلالة الوصف أنها أظهرت له سبق اليد ~~لأنهم شهدوا له بالملك المطلق. # ولا تحل لهم الشهادة بالملك المطلق إلا بعلمهم به ولا يحصل العلم بالملك ~~إلا بعد العلم بدليل الملك ولا دليل على الملك المطلق سوى اليد فإذا شهدوا ~~للخارج فقد أثبتوا كون المال في يده وكون المال في يد ذي اليد ظاهرا ثابت ~~للحال فكانت يد الخارج سابقة على يده فكان ملكه سابقا ضرورة وإذا ثبت سبق ~~الملك للخارج يقضي ببينته لأنه لما ثبت له الملك واليد في هذه العين في ~~زمان سابق ولم يعرف لثالث فيها يد وملك علم أنها انتقلت من يده إليه فوجب ~~إعادة يده ورد المال إليه حتى يقيم صاحب اليد الآخر الحجة أنه بأي طريق ~~انتقل إليه كما إذا عاين القاضي كون المال في يد إنسان ويدعيه لنفسه ثم رآه ~~في يد غيره فإنه يأمره بالرد إليه إذا أدعاه ذلك الرجل إلى أن يبين سببا ~~صالحا للانتقال إليه وكذا إذا أقر المدعى عليه أن هذا المال كان في يد ~~المدعي فإنه يؤمر بالرد إليه إلى أن يبين بالحجة طريقا صالحا للانتقال إليه ~~كذلك هذا وصار كما إذا أرخا نصا وتاريخ أحدهما أسبق لأن هذا تاريخ من حيث ~~المعنى بخلاف النتاج لأن هناك لم يثبت # PageV06P232 # سبق الخارج لانعدام تصور السبق والتأخير فيه لأن النتاج مما لا يحتمل ~~التكرار فيطلب الترجيح من وجه آخر فتترجح بينة صاحب اليد باليد وهنا بخلافه ~~هذا إذا قامت البينتان على ملك مطلق عن الوقت من غير سبب. # فأما إذا قامتا على ملك موقت من غير سبب فإن استوى الوقتان يقضي للخارج ~~لأنه بطل اعتبار الوقتين للتعارض فبقي دعوى ملك مطلق وإن كان أحدهما أسبق ~~من الآخر يقضى للأسبق وقتا أيهما كان في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ~~رحمهم الله تعالى وروى ابن سماعة عن محمد أنه رجع عن هذا القول عند ms3838 رجوعه ~~من الرقة وقال لا تقبل من صاحب اليد بينة على وقت وغيره إلا في النتاج ~~والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن بينة صاحب الوقت الأسبق أظهرت الملك له في ~~وقت لا ينازعه فيه أحد فيدفع المدعي إلى أن يثبت بالدليل سببا للانتقال عنه ~~إلى غيره # وإن أقامت إحداهما على ملك مطلق والأخرى على ملك موقت من غير سبب لا عبرة ~~للوقت عندهما ويقضي للخارج وعند أبي يوسف يقضى لصاحب الوقت أيهما كان وروي ~~عن أبي حنيفة - رحمه الله - مثله (وجه) قول أبي يوسف أن بينة صاحب الوقت ~~أظهرت الملك له في وقت خاص لا يعارضها فيه بينة مدعي الملك المطلق بيقين بل ~~تحتمل المعارضة وعدمها لأن الملك المطلق لا يتعارض للوقت فلا تثبت المعارضة ~~بالشك ولهذا لو ادعى كل واحد من الخارجين على ثالث وأقام كل واحد منهما ~~البينة أنه اشتراه من رجل واحد ووقتت بينة أحدهما وأطلقت الأخرى أنه يقضي ~~لصاحب الوقت كذا هذا ولهما أن الملك احتمل السبق والتأخير لأن الملك المطلق ~~يحتمل التأخير والسبق لجواز أن صاحب البينة المطلقة لو وقتت بينته كان ~~وقتها أسبق فوقع الاحتمال في سبق الملك الموقت فسقط اعتبار الوقت فبقي دعوى ~~مطلق الملك فيقضى للخارج بخلاف الخارجين إذا ادعيا الشراء من رجل واحد لأن ~~البائع إذا كان واحدا فقد اتفقا على تلقي الملك منه ببيعه وأنه أمر حادث ~~وقد ظهر بالتاريخ أن شراء صاحب الوقت أسبق ولا تاريخ مع الآخر وشراؤه أمر ~~حادث ولا يعلم تاريخه فكان صاحب التاريخ أولى هذا إذا قامت البينتان من ~~الخارج وذي اليد على ملك مطلق أو موقت من غير سبب. # فأما إذا كان في دعوى ذلك بسبب فإن كان السبب هو الإرث فكذلك الجواب حتى ~~لو قامت البينتان على ملك مطلق بسبب الإرث بأن أقام كل واحد منهما البينة ~~على أنه ملكه مات أبوه وتركه ميراثا له يقضى للخارج بلا خلاف بين أصحابنا - ~~رحمهم الله - وكذلك إن قامتا على ملك موقت واستوى الوقتان لأنه سقط اعتبار ms3839 ~~الوقتين للتعارض فبقي دعوى مطلق الملك وإن كان أحدهما أسبق من الآخر يقضى ~~لأسبقهما وقتا أيهما كان في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد الأول وفي قول ~~محمد الآخر يقضى للخارج لأن دعوى الإرث دعوى ملك الميت فكل واحدة من ~~البينتين أظهرت ملك الميت لكن قام الوارث مقام الميت في ملك الميت فكأن ~~الوارثين ادعيا ملكا مطلقا أو موقتا من غير سبب وهناك الجواب هكذا في ~~الفصول كلها من الاتفاق والاختلاف إلا في فصل واحد وهو ما إذا قامت إحدى ~~البينتين على ملك مطلق والأخرى على ملك موقت فإن هنا يقضى للخارج بالاتفاق ~~ولا عبرة للوقت كما لا عبرة له في دعوى المورثين وهذا على أصل أبي حنيفة ~~ومحمد يطرد على أصل أبي يوسف فيشكل # وإن كان السبب هو الشراء بأن ادعى الخارج أنه اشترى هذه الدار من صاحب ~~اليد بألف درهم ونقده الثمن وادعى صاحب اليد أنه اشتراها من الخارج ونقده ~~الثمن وأقام كل واحد منهما البينة على ذلك فإن أقاما البينة على الشراء من ~~غير وقت ولا قبض لا تقبل البينتان في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ولا يجب ~~لواحد منهما على صاحبه شيء ويترك المدعي في يد ذي اليد وعند محمد يقضى ~~بالبينتين ويؤمر بتسليم المدعي إلى الخارج. # (وجه) قول محمد أن التوفيق بين الدليلين واجب بقدر الإمكان وأمكن التوفيق ~~هنا بين البينتين بتصحيح العقدين بأن يجعل كأن صاحب اليد اشتراه أولا من ~~الخارج وقبضه ثم اشتراه الخارج من صاحب اليد ولم يقبضه حتى باعه من صاحب ~~اليد فيوجد العقدان على الصحة لكن بتقدير تاريخ وقبض وفي هذا التقدير تصحيح ~~العقدين فوجب القول به ولا وجه للقول بالعكس من ذلك بأن يجعل كأن الخارج ~~اشترى أولا من صاحب اليد ولم يقبضه حتى باعه من صاحب اليد لأن # PageV06P233 # في هذا التقدير إفساد العقد الأخير لأنه بيع العقار المبيع قبل القبض ~~وأنه غير جائز عنده فتعين تصحيح العقدين بالتقدير الذي قلنا وإذا صح ~~العقدان يبقى المشترى في يد صاحب ms3840 اليد فيؤمر بالتسليم إلى الخارج. # (وجه) قول أبي يوسف وأبي حنيفة أن كل مشتر يكون مقرا بكون البيع ملكا ~~للبائع فكان دعوى الشراء من كل واحد منهما إقرارا بملك المبيع لصاحبه فكان ~~البينتان قائمتين على إقرار كل واحد منهما بالملك لصاحبه وبين موجبي ~~الإقرارين تناف فتعذر العمل بالبينتين أصلا # وإن وقتت البينتان ووقت الخارج أسبق فإذا لم يذكروا قبضا يقضي بالدار ~~لصاحب اليد عندهما وعند محمد يقضى للخارج لأن وقت الخارج إذا كان أسبق جعل ~~كأنه اشترى الدار أولا ولم يقبضها حتى باعها من صاحب اليد عند أبي حنيفة ~~وأبي يوسف وعند محمد يقضى للخارج لأن وقت الخارج إذا كان أسبق جعل كأنه ~~اشترى الدار أولا ولم يقبضها حتى باعها من صاحب اليد وبيع العقار قبل القبض ~~لا يجوز عند محمد وإذا لم يجز بقي على ملك الخارج وعندهما ذلك جائز فصح ~~البيعان ولو ذكروا القبض جاز البيعان ويقضى بالدار لصاحب اليد بالإجماع لأن ~~بيع العقار بعد القبض جائز بلا خلاف فيجوز البيعان. # (وأما) إذا كان وقت صاحب اليد أسبق ولم يذكروا قبضا يقضى بها للخارج لأنه ~~إذا كان وقته أسبق يجعل سابقا في الشراء كأنه اشترى من الخارج وقبض ثم ~~اشترى منه الخارج ولم يقبض فيؤمر بالدفع إليه وكذلك إن ذكروا قبضا لأنه ~~يقدر كأنه اشترى من صاحب اليد أولا وقبض ثم اشترى الخارج منه وقبض ثم عادت ~~إلى يد صاحب اليد بوجه آخر. # وإن كان السبب هو النتاج وهو الولادة في الملك فنقول لا يخلو إما أن قامت ~~البينتان على النتاج مطلقتين عن الوقت وإما أن وقتا وقتا فإن لم يوقتا وقتا ~~يقضى لصاحب اليد لأن البينة القائمة على النتاج قائمة على أولية الملك وقد ~~استوت البينتان في إظهار الأولية فتترجح بينة صاحب اليد باليد فيقضى ببينته ~~وقد روي عن جابر - رضي الله عنه - «أن رجلا ادعى بين يدي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - نتاج ناقة في يد رجل وأقام البينة عليه وأقام ذو اليد ~~البينة على ms3841 مثل ذلك فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناقة لصاحب ~~اليد» وهذا ظاهر مذهب أصحابنا وقال عيسى بن أبان من أصحابنا: إنه لا يقضى ~~لصاحب اليد بل تتهاتر البينتان ويترك المدعى في يد صاحب اليد قضاء ترك وهذا ~~خلاف مذهب أصحابنا فإنه نص على لفظة القضاء والترك في يد صاحب اليد لا يكون ~~قضاء حقيقة وكذا في الحديث الذي رويناه عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~أنه قضى بذلك لصاحب اليد وكذلك في دعوى النتاج من الخارجين على ثالث يقضى ~~بينهما نصفين ولا يترك في يد صاحب اليد دل أن ما ذكره خلاف مذهب أصحابنا. # ولو أقام أحدهما البينة على النتاج والآخر على الملك المطلق عن النتاج ~~فبينة النتاج أولى لما قلنا إنها قامت على أولية الملك لصاحبه فلا تثبت ~~لغيره إلا بالتلقي منه وأما إن وقتت البينتان فإن اتفق الوقتان فكذلك ~~السقوط اعتبارهما للتعارض فبقي دعوى الملك المطلق وإن اختلفا بحكم سن ~~الدابة فتقضى لصاحب الوقت الذي وافقه السن لأنه ظهر أن البينة الأخرى كاذبة ~~بيقين هذا إذا علم سنها فأما إذا أشكل سقط اعتبار التاريخ لأنه يحتمل أن ~~يكون سنها موافقا لهذا الوقت ويحتمل أن يكون موافقا لذلك الوقت ويحتمل أن ~~يكون مخالفا لهما جميعا فيسقط اعتبارهما كأنهما سكتا عن التاريخ أصلا وإن ~~خالف سنها الوقتين جميعا سقط الوقت كذا ذكره في ظاهر الرواية لأنه ظهر ~~بطلان التوقيت فكأنهما لم يوقتا فبقيت البينتان قائمتين على مطلق الملك من ~~غير توقيت وذكر الحاكم في مختصره أن في رواية أبي الليث تتهاتر البينتان ~~قال وهو الصحيح. # (ووجهه) أن سن الدابة إذا خالف الوقتين فقد تيقنا بكذب البينتين فالتحقتا ~~بالعدم فيترك المدعي في يد صاحب اليد كما كان والجواب أن مخالفة السن ~~الوقتين يوجب كذب الوقتين لا كذب البينتين أصلا ورأسا. # وكذلك لو اختلفا في جارية فقال الخارج إنها ولدت في ملكي من أمتي هذه ~~وقال صاحب اليد كذلك يقضى لصاحب اليد لما قلنا وكذلك لو اختلفا في الصوف ~~والمرعزى وأقام ms3842 كل واحد منهما البينة أنه له جزه في ملكه يقضى لصاحب اليد ~~وكذلك لو اختلفا في الغزل وأقام كل واحد منهما البينة أنه له غزله # PageV06P234 # من قطن هو له يقضى لصاحب اليد والأصل أن المنازعة إذا وقعت في سبب ملك لا ~~يحتمل التكرار كان بمنزلة النتاج فيقضى لصاحب اليد فإذا وقعت في سبب ملك ~~يحتمل التكرار لا يكون في معنى النتاج ويقضى للخارج. # وإن أشكل الأمر في الملك أنه يحتمل التكرار أو لا يقضى للخارج أيضا فعلى ~~هذا إذا اختلفا في اللبن فأقام كل واحد منهما البينة أنه له حلب في يده وفي ~~ملكه يقضى لصاحب اليد لأن اللبن الواحد لا يحتمل الحلب مرتين فكان في معنى ~~النتاج وكذلك لو ادعى كل واحد منهما أن الشاة التي حلب منها اللبن نتجت ~~عنده يقضى لصاحب اليد بالشاة واللبن جميعا وكذلك لو اختلفا في جبن وأقام كل ~~واحد منهما البينة أنه له صنعه في ملكه يقضى لصاحب اليد لأن اللبن الواحد ~~لا يحتمل أن يصنع جبنا مرتين فكان بمنزلة النتاج ولو اختلفا في الأرض ~~والنخل وادعى كل واحد منهما أنه أرضه غرس النخل فيها يقضى بها للخارج لأن ~~هذا ليس في معنى النتاج لأن النتاج سبب لملك الولد والغرس ليس بسبب لملك ~~الأرض وكذا الغرس مما يحتمل التكرار فلم يكن في معنى النتاج وكذلك لو ~~اختلفا في الحبوب النابتة والقطن الثابت ادعى كل واحد منهما أنه له زرعه في ~~أرضه فإنه يقضى بالأرض والحب والقطن للخارج وكذلك لو اختلفا في البناء ادعى ~~كل واحد منهما أنه بني على أرضه لما قلنا ولو اختلفا في حلي مصوغ ادعى كل ~~واحد منهما أنه صاغه في ملكه يقضى للخارج لأن الصياغة تحتمل التكرار فلم ~~تكن في معنى النتاج ولو اختلفا في ثوب خز أو شعر وأقام كل واحد منهما ~~البينة أنه له نسجه في ملكه فإن علم أن ذلك لا ينسج إلا مرة واحدة يقضى ~~لصاحب اليد لأنه بمنزلة النتاج وإن علم أنه ينسج مرتين ms3843 يقضى للخارج وكذا إن ~~كان مشكلا وكذلك لو اختلفا في سيف مطبوع وادعى كل واحد منهما أنه طبع في ~~ملكه يرجع في هذا إلى أهل العلم بذلك ولو اختلفا في جارية وأقام كل واحد ~~منهما البينة أن أمها أمته وأنها ولدت هذه في ملكه يقضى بالجارية وبأمها ~~للخارج لأن هذا ليس دعوى النتاج بل هو دعوى الملك المطلق وهو ملك الأم ~~والبينة بينة الخارج في الملك المطلق فيقضى بالأم للخارج ثم يملك الولد ~~بملك الأم وكذلك لو اختلفا في الشاة مع الصوف وأقام كل واحد منهما البينة ~~أن هذه الشاة مملوكة له وأن هذا صوف هذه الشاة يقضى بالشاة والصوف للخارج ~~لما قلنا شاتان إحداهما بيضاء والأخرى سوداء وهما في يد رجل فأقام الخارج ~~البينة على أن الشاة البيضاء شاته ولدتها السوداء في ملكه وأقام صاحب اليد ~~البينة على أن السوداء شاته ولدتها البيضاء في ملكه يقضى لكل واحد منهما ~~بالشاة التي شهدت شهوده أنها ولدت في ملكه فيقضى للخارج بالبيضاء ولصاحب ~~اليد بالسوداء لأن بينة الخارج قامت على النتاج في البيضاء وبينة ذي اليد ~~قامت فيها على ملك مطلق فبينة النتاج أولى كذا بينة ذي اليد قامت على ~~النتاج في السوداء وبينة الخارج فيها قامت على ملك مطلق فبينة النتاج أولى ~~ولو اختلفا في اللبن الذي صنع منه الجبن فأقام كل واحد منهما البينة أن ~~اللبن الذي صنع منه الجبن في ملكه فيقضى للخارج لأن البينة القائمة على ملك ~~اللبن قائمة على ملك مطلق لا على أولية الملك فبينة الخارج أولى في دعوى ~~الملك المطلق ولو ادعى عبدا في يد إنسان أنه اشتراه من فلان وأنه ولد في ~~ملك الذي اشتراه منه وأقام ذو اليد البينة أنه اشتراه من رجل آخر وأنه ولد ~~في ملكه يقضى لصاحب اليد لأن دعوى الولادة في ملك بائعه بمنزلة دعوى ~~الولادة في ملكه لأنه تلقى الملك من جهته وهناك يقضى له كذا هذا وكذلك لو ~~ادعى ميراثا أو هبة أو صدقة أو وصية ms3844 وأنه ولد في ملك المورث والواهب ~~والموصي فإنه يقضى لصاحب اليد لما قلنا ولو ادعى الخارج مع ذي اليد كل واحد ~~منهما النتاج فقضى لصاحب اليد ثم جاء رجل وادعى النتاج وأقام البينة عليه ~~يقضى له إلا أن يعيد صاحب اليد البينة على النتاج فيكون هو أولى لأن القضاء ~~على المدعي الأول لا يكون قضاء على المدعي الثاني فلم يكن الثاني مقضيا ~~عليه فتسمع البينة منه فرق بين الملك وبين العتق أن القضاء بالعتق على شخص ~~واحد يكون قضاء على الناس كافة والقضاء بالملك على شخص واحد لا يكون قضاء ~~على غيره وإن كانت بينة النتاج توجب الملك بصفة الأولية وأنه لا يحتمل ~~التكرار كالعتق (ووجه) الفرق أن العتق حق الله تعالى ألا ترى أن العبد لا ~~يقدر على إبطاله حتى لا يجوز استرقاق الحر برضاه ولو كان # PageV06P235 # حق العبد لقدر على إبطاله كالرق وإذا كان حق الله تعالى فالناس في إثبات ~~حقوقه خصوم عنه بطريق النيابة لكونهم عبيده فكان حضرة الواحد كحضرة الكل ~~والقضاء على الواحد قضاء على الكل لاستوائهم في العبودية كالورثة لما قاموا ~~مقام الميت في إثبات حقوقه والدفع عنه لكونهم خلفاءه فقام الواحد منهم مقام ~~الكل لاستوائهم في الخلافة بخلاف الملك فإنه خالص حق العبد فالحاضر فيه لا ~~ينتصب خصما عن الغائب إلا بالإنابة حقيقة أو بثبوت النيابة عنه شرعا واتصال ~~بين الحاضر والغائب فيما وقع فيه الدعوى على ما عرف ولم يوجد شيء من ذلك ~~فالقضاء على غيره يكون قضاء على الغائب من غير أن يكون عنه خصم حاضر وهذا ~~لا يجوز ولو شهد الشهود أن هذه الحنطة من زرع حصد من أرض هذا الرجل لم يكن ~~لصاحب الأرض أن يأخذها لأنه يحتمل أن يكون البذر لغيره وملك الزرع يتبع ملك ~~البذر لا ملك الأرض ألا ترى أن الأرض المغصوبة إذا زرعها الغاصب من بذر ~~نفسه كانت الحنطة له ولو شهدوا أن هذه الحنطة من زرع هذا أو هذا التمر من ~~نخل هذا يقضى له ms3845 لأن ملك الحنطة والتمر يتبع ملك الزرع والنخل ولو قالوا ~~هذه الحنطة من زرع كان من أرضه لم يقض له لأنهم لو شهدوا أنه حصد من أرضه ~~لم يقض له فهذا أولى ولو شهدوا أن هذا اللبن وهذا الصوف حلاب شاته وصوف ~~شاته لم يقض له لجواز أن تكون الشاة له وحلابها وصوفها لغيره بأن أوصى بذلك ~~لغيره هذا الذي ذكرنا كله في دعوى الخارج الملك # فأما دعوى الخارجين على ذي اليد الملك. # فنقول لا تخلو في الأصل من أحد وجهين إما أن يدعي كل واحد منهما قدر ما ~~يدعي الآخر وإما أن يدعي أكثر مما يدعي الآخر فإن ادعى كل واحد منهما قدر ~~ما يدعي الآخر فهو على التفصيل الذي ذكرنا أيضا وهو أن البينتين إما أن ~~قامتا على ملك مطلق عن الوقت وإما أن قامتا على ملك موقت وإما أن قامت ~~إحداهما على ملك مطلق والأخرى على ملك موقت وكل ذلك بسبب أو بغير سبب فإن ~~قامت البينتان على ملك مطلق من غير سبب فإنه يقضى بالمدعى بينهما نصفين عند ~~أصحابنا وللشافعي - رحمه الله - قولان في قول تتهاتر البينتان ويترك المدعى ~~في يد صاحب اليد وفي قول يقرع بينهما فيقضى لمن خرجت له القرعة منهما وجه ~~قول الشافعي - رحمه الله - أن العمل بالبينتين متعذر لتناف بين موجبهما ~~لاستحالة كون العين الواحدة مملوكة لاثنين على الكمال في زمان واحد فيبطلان ~~جميعا إذ ليس العمل بإحداهما أولى من العمل بالأخرى لاستوائهما في القوة أو ~~ترجح إحداهما بالقرعة لورود الشرع بالقرعة في الجملة. # (ولنا) أن البينة دليل من أدلة الشرع والعمل بالدليلين واجب بالقدر ~~الممكن فإن أمكن العمل بهما من كل وجه يعمل بهما من كل وجه وإن لم يمكن ~~العمل بهما من كل وجه يعمل بهما من وجه كما في سائر دلائل الشرع من ظواهر ~~الكتاب والسنن المشهورة وأخبار الآحاد والأقيسة الشرعية إذا تعارضت وهنا إن ~~تعذر العمل بالبينتين بإظهار الملك في كل المحل أمكن العمل بهما بإظهار ~~الملك في ms3846 النصف فيقضى لكل واحد منهما بالنصف. # ولو قامتا على ملك موقت من غير سبب فإن استوى الوقتان فكذلك الجواب لأنه ~~إذا لم يثبت سبق أحدهما بحكم التعارض سقط التاريخ والتحق بالعدم فبقي دعوى ~~الملك المطلق. # وإن كان وقت أحدهما أسبق من الآخر فالأسبق أولى بالإجماع ولا يجيء هنا ~~خلاف محمد - رحمه الله - لأن البينة من الخارج مسموعة بلا خلاف والبينتان ~~قامتا من الخارجين فكانتا مسموعتين ثم ترجح إحداهما بالتاريخ لأنها أثبتت ~~الملك في وقت لا تعارضها فيه الأخرى فيؤمر بالدفع إليه إلى أن يقوم الدليل ~~على أنه بأي طريق انتقل إليه الملك. # وإن أرخت إحداهما وأطلقت الأخرى من غير سبب يقضى بينهما نصفين عند أبي ~~حنيفة ولا عبرة للتاريخ وعند أبي يوسف يقضى لصاحب الوقت وعند محمد يقضى ~~لصاحب الإطلاق وجه قول محمد أن البينة القائمة على الملك المطلق أقوى لأن ~~الملك المطلق ملكه من الأصل حكما ألا ترى أنه يظهر في الزوائد وتستحق به ~~الأولاد والأكساب وهذا حكم ظهور الملك من الأصل ولا يستحق ذلك بالملك ~~الموقت فكانت البينة القائمة عليه أقوى فكان القضاء بها أولى. # (وجه) قول أبي يوسف - رحمه الله - ما ذكرنا أن البينة المؤرخة تظهر الملك ~~في زمان لا تعارضها فيه البينة المطلقة عن التاريخ # PageV06P236 # بيقين بل تحتمل المعارضة وعدمها فلا تثبت المعارضة بالشك فتثبت بينة صاحب ~~التاريخ بلا معارض فكان صاحب التاريخ أولى. # وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله - ما مر أيضا أن الملك الموقت يحتمل أن ~~يكون سابقا ويحتمل أن يكون متأخرا لاحتمال أن صاحب الإطلاق لو أرخ لكان ~~تاريخه أقدم يثبت السبق مع الاحتمال فسقط اعتبار التاريخ فبقي دعوى الملك ~~المطلق هذا إذا قامت البينتان من الخارجين على ذي اليد على الملك من غير ~~سبب. # فإن كان ذلك بسبب فنقول لا يخلو إما أن ادعيا الملك بسبب واحد من الإرث ~~أو الشراء أو النتاج ونحوها وإما أن ادعياه بسببين فإن ادعيا الملك بسبب ~~واحد فإن كان السبب هو الإرث فإن لم توقت البينتان ms3847 فهو بينهما نصفان لما ~~ذكرنا أن الملك الموروث هو ملك الميت بعد موته وإنما الوارث يخلفه ويقوم ~~مقامه في ملكه ألا ترى أنه يجهز من التركة ويقضى منها ديونه ويرد الوارث ~~بالعيب ويرد عليه فكان المورثين حضرا وادعيا ملكا مطلقا عن الوقت وإن وقتا ~~وقتا فإن كان وقتهما واحدا فكذلك لما مر وإن كان أحد الوقتين أسبق يقضى لمن ~~هو أسبق وقتا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعند محمد - رحمه الله - ~~يقضى بينهما نصفين ولا عبرة للتاريخ عنده في الميراث لما مر أن الموروث ملك ~~الميت والوارث قام مقامه فلم يكن الموت تاريخا لملك الوارث فسقط التاريخ ~~لملكه والتحق بالعدم فبقي دعوى الملك المطلق عن التاريخ فيستويان فيه وعن ~~محمد أنهما إن لم يؤرخا ملك الميتين فكذلك فأما إذا أرخا ملك الميتين فيقضى ~~لأسبقهما تاريخا ذكره في نوادر هشام. # وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله يقولان بل الوارث بإقامة البينة يظهر ~~الملك للمورث لا لنفسه فيصير كأنه حضر المورثان وأقام كل واحد منهما بينة ~~مؤرخة وتاريخ أحدهما أسبق ولو كان كذلك لقضي لأسبقهما وقتا لإثباته الملك ~~في وقت لا تعارضه فيه بينة الآخر كذا هذا ولو وقتت إحداهما ولم توقت الأخرى ~~يقضى بينهما نصفين بالإجماع أما عند محمد فإن التاريخ في باب الميراث ساقط ~~فالتحق بالعدم وأما عندهما فيصير كأن المورثين الخارجين حضرا وادعيا ملكا ~~فأرخه أحدهما ولم يؤرخه الآخر وهناك كان المدعى بينهما نصفين فكذا هنا ~~لأنهما ادعيا تلقي الملك من رجلين ولا عبرة فيه بالتاريخ وإن كان السبب هو ~~الشراء فنقول لا تخلو إما أن تكون الدار في يد ثالث وإما أن تكون في يد ~~أحدهما وكل ذلك لا يخلو إما أن ادعيا الشراء من واحد وإما إن ادعياه من ~~اثنين فإن كانت في يد ثالث وادعيا الشراء من واحد فإن كان صاحب اليد وأقاما ~~البينة على الشراء منه بثمن معلوم ونقد الثمن مطلقا عن التاريخ وذكر القبض ~~يقضى بينهما نصفين عندنا وللشافعي فيه قولان في ms3848 قول تتهاتر البينتان وفي ~~قول يقرع بينهما فيقضى لمن خرجت له القرعة وهي مسألة التهاتر وقد تقدمت. # وإذا قضي بالدار بينهما نصفين يكون لهما الخيار إن شاء أخذ كل واحد منهما ~~نصف الدار بنصف الثمن وإن شاء نقض لأن غرض كل واحد منهما من الشراء الوصول ~~إلى جميع المبيع ولم يحصل فأوجب ذلك خللا في الرضا فلذلك أثبت لهما الخيار ~~فإن اختار كل واحد منهما أخذ نصف الدار رجع على البائع بنصف الثمن لأنه لم ~~يحصل له إلا نصف المبيع وإن اختار الرد رجع كل واحد منهما بجميع الثمن لأنه ~~انفسخ البيع فإن اختار أحدهما الرد والآخر الأخذ فإن كان ذلك بعد قضاء ~~القاضي وتخييره إياهما فليس له أن يأخذ إلا النصف بنصف الثمن لأن حكم ~~القاضي بذلك أوجب انفساخ العقد في حق كل واحد منهما في النصف فلا يعود إلا ~~بالتحديد كما إذا قضى القاضي بالدار المشفوعة للشفيعين ثم سلم أحدهما ~~الشفعة لا يكون لصاحبه إلا نصف الدار فأما إذا اختار أحدهما ترك الخصومة ~~قبل تخيير القاضي فللآخر أن يأخذ جميع المبيع بجميع الثمن لأن المستحق ~~بالعقد كل البيع والامتناع بحكم المزاحمة فإذا انقطعت فقد زال المانع كأحد ~~الشفيعين إذا سلم الشفعة قبل قضاء القاضي بالدار المشفوعة يقضى لصاحبه ~~بالكل وكذلك إذا ادعى كل واحد منهما الشراء من رجل آخر سوى صاحب اليد وأقام ~~البينة على ذلك يقضى بالدار بينهما نصفين عندنا وثبت الخيار لكل واحد منهما ~~والكلام في توابع الخيار على نحو ما بينا غير أن هناك الشهادة القائمة على ~~الشراء من صاحب اليد وهو البائع تقبل من غير ذكر الملك له والشهادة القائمة ~~على الشراء من غير صاحب اليد لا تقبل إلا بذكر الملك للبائع لأن المبيع في ~~الفصل الأول في يد البائع # PageV06P237 # واليد دليل الملك فوقعت الغنية عن ذكره وفي الفصل الثاني المبيع ليس في ~~يد البائع فدعت الحاجة إلى ذكره لصحة البيع هذا إذا لم تؤرخ البينتان فأما ~~إذا أرختا فإن استوى التاريخان فكذلك لسقوط ms3849 اعتبارهما بالتعارض فبقي دعوى ~~مطلق الشراء. # وإن كانت إحداهما أسبق تاريخا كانت أولى بالإجماع لأنها تظهر الملك في ~~وقت لا تعارضها فيه الأخرى فتندفع بها الأخرى ولو أرخت إحداهما وأطلقت ~~الأخرى فالمؤرخة أولى لأنها تظهر الملك في زمان معين والأخرى لا تتعرض ~~للوقت فتحتمل السبق والتأخير فلا تعارضها مع الشك والاحتمال ولو لم تؤرخ ~~البينتان ولكن ذكرت إحداهما القبض فهي أولى لأنها لما أثبتت قبض المبيع جعل ~~كأن بيع صاحب القبض أسبق فيكون أولى وكذلك لو ذكرت إحداهما تاريخا والأخرى ~~قبضا فبينة القبض أولى إلا أن تشهد بينة التاريخ أن شراءه قبل شراء الآخر ~~فيقضى له ويرجع الآخر بالثمن على البائع وكذا لو أرخا تاريخا واحدا وذكرت ~~إحداهما القبض فبينة القبض أولى إلا إذا كان وقت الآخر أسبق هذا إذا ادعيا ~~الشراء من واحد وهو صاحب اليد أو غيره فأما إذا ادعيا الشراء من اثنين سوى ~~صاحب اليد مطلقا عن الوقت وأقاما البينة على ذلك يقضى بينهما نصفين لأنهما ~~ادعيا تلقي الملك من البائعين فقاما مقامهما فصار كأن البائعين الخارجين ~~حضرا وأقاما البينة على ملك مطلق ولو كان كذاك يقضى بينهما نصفين كذا هذا ~~ويثبت لهما الخيار والكلام في الخيار على نحو ما ذكرنا ولو وقتت البينتان ~~فإن كان وقتهما واحدا فكذلك وإن كان أحدهما أسبق من الآخر فالأسبق تاريخا ~~أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف وكذا عند محمد في رواية الأصول بخلاف الميراث ~~أنه يكون بينهما نصفان عنده. # ووجه الفرق له ذكره الداري وهو أن المشتري يثبت الملك لنفسه والوارث يثبت ~~الملك للميت. # وعن محمد في الإملاء أنه سوى بين الميراث والشراء وقال لا عبرة بالتاريخ ~~في الشراء أيضا إلا أن يؤرخا ملك البائعين وإن وقتت إحداهما ولم توقت ~~الأخرى يقضى بينهما نصفين ولا عبرة للتاريخ أيضا فرق بين هذا وبين ما إذا ~~ادعيا الشراء من رجل واحد فوقتت بينة أحدهما وأطلقت الأخرى أن بينة الوقت ~~أولى ووجه الفرق أنهما إذا ادعيا الشراء من اثنين فقد ادعيا تلقي الملك ms3850 من ~~البائعين فتاريخ إحدى البينتين لا يدل على سبق أحد الشراءين بل يجوز أن ~~يكون شراء صاحبه أسبق من شرائه فلا يحكم بسبق أحدهما مع الاحتمال فيقسم ~~بينهما نصفين بخلاف ما إذا ادعيا الشراء من واحد لأن هناك اتفقا على تلقي ~~الملك من واحد فتاريخ إحدى البينتين أوجب تلقي الملك منه في زمان لا ينازعه ~~فيه أحد فيؤمر بالدفع إليه حتى يقوم على التلقي منه دليل آخر هذا إذا كانت ~~الدار في يد ثالث فإن كانت في يد أحدهما فإن ادعيا الشراء من واحد فصاحب ~~اليد أولى سواء أرخ الآخر أو لم يؤرخ وسواء ذكر شهود القبض أو لم يذكر لأن ~~القبض من صاحب اليد أقوى لثبوته حسا ومشاهدة وقبض الآخر لم يثبت إلا ببينة ~~تحتمل الصدق والكذب فكان القبض المحسوس أولى فصار الحاصل أن القبض الثابت ~~بالحس أولى من الثابت بالخبر ومن التاريخ أيضا والقبض الثابت بالخبر أولى ~~من التاريخ وإن ادعيا الشراء من اثنين يقضى للخارج سواء وقتت البينتان أو ~~لا أو وقتت إحداهما دون الأخرى إلا إذا وقتتا ووقت صاحب اليد أسبق لأنهما ~~ادعيا تلقي الملك من البائعين فقاما مقام البائعين فصار كأن البائعين حضرا ~~وأقاما البينة ولو كان كذلك يقضى للخارج كذا هذا بخلاف ما إذا كان البائع ~~واحدا لأنهما اتفقا على أن الملك لهما بالشراء من جهته ولأحدهما يد فيجعل ~~كأن شراء صاحب اليد أسبق وإن كان السبب هو النتاج بأن ادعى كل واحد من ~~الخارجين أنها دابته نتجت عنده فإن أقام كل واحد منهما البينة على ملك مطلق ~~يقضى بينهما نصفين لاستواء الحجتين وتعذر العمل بهما بإظهار الملك في كل ~~المحل فليعمل بهما بالقدر الممكن وإن أقاما البينة على ملك موقت. # فإن اتفق الوقتان فكذلك وإن اختلفا يحكم سن الدابة إن علم وإن أشكل فعند ~~أبي حنيفة يقضى لأسبقهما وقتا وعندهما يقضى بينهما وجه قولهما أن السن إذا ~~أشكل يحتمل أن يكون موافقا لوقت هذا ويحتمل أن يكون موافقا لوقت ذاك فسقط ~~اعتبار الوقت ms3851 وصار كأنهما سكتا عن الوقت أصلا وجه قول # PageV06P238 # أبي حنيفة - رحمه الله - أن وقوع الإشكال في السن يوجب سقوط اعتبار حكم ~~السبق فبطل تحكيمه فبقي الحكم للوقت فالأسبق أولى وهذا يشكل بالخارج مع ذي ~~اليد وإن خالف الوقتين جميعا فهو على ما ذكرنا في الخارج مع ذي اليد # وإن أقام أحدهما البينة على النتاج والآخر على ملك مطلق فبينة النتاج ~~أولى لما مر هذا إذا ادعى الخارجان الملك من واحد أو اثنين بسببين متفقين ~~من الميراث والشراء والنتاج فإن كان بسببين مختلفين فنقول لا يخلو إما أن ~~كان من اثنين وإما أن كان من واحد فإن كان من اثنين يعمل بكل واحد من ~~السببين بأن ادعى أحدهما أنه اشترى هذه الدابة من فلان وادعى الآخر أن ~~فلانا آخر وهبها له وقبضها منه قضي بينهما نصفين لأنهما ادعيا تلقي الملك ~~من البائع والواهب فقاما مقامهما كأنهما حضرا وادعيا وأقاما البينة على ملك ~~مرسل. # وكذا لو ادعى ثالث ميراثا عن أبيه فإنه يقسم بينهم أثلاثا ولو ادعى رابع ~~وصدقه يقسم بينهم أرباعا لما قلنا وإن كان ذلك من واحد ينظر إلى السببين ~~فإن كان أحدهما أقوى يعمل به لأن العمل بالراجح واجب وإن استويا في القوة ~~يعمل بهما بقدر الإمكان على ما هو سبيل دلائل الشرع بيان ذلك إذا أقام ~~أحدهما البينة أنه اشترى هذه الدار من فلان ونقده الثمن وقبض الدار وأقام ~~الآخر البينة أن فلانا ذاك وهبها له وقبضها يقضى لصاحب الشراء لأنه يفيد ~~الحكم بنفسه. # والهبة لا تفيد الحكم إلا بالقبض فكان الشراء أولى (وكذلك) الشراء مع ~~الصدقة والقبض لما قلنا وكذلك الشراء مع الرهن والقبض لأن الشراء يفيد ملك ~~الرقبة والرهن يفيد ملك اليد وملك الرقبة أقوى ولو اجتمعت البينتان مع ~~القبض يقضى بينهما نصفين لاستواء السببين (وقيل) هذا فيما لا يحتمل القسمة ~~كالدابة والعبد ونحوهما (فأما فيما) يحتمل القسمة كالدار ونحوها فلا يقضى ~~لهما بشيء على أصل أبي حنيفة - رحمه الله - في الهبة من رجلين لحصول معنى ms3852 ~~الشيوع (وقيل) لا فرق بين ما يحتمل القسمة وبين ما لا يحتملها هنا لأن هذا ~~في معنى الشيوع الطارئ لقيام البينة على الكل وأنه لا يمنع الجواز (وكذلك) ~~لو اجتمعت الصدقة مع القبض أو الهبة والصدقة مع القبض يقضى بينهما نصفين ~~لاستواء السببين لكن هذا إذا لم يكن المدعى في يد أحدهما فإن كان يقضى ~~لصاحب اليد بالإجماع لما مر. # (ولو اجتمع) الرهن والهبة أو الرهن والصدقة فالقياس أن تكون الهبة أولى ~~(وكذا) الصدقة لأن كل واحد منهما يفيد ملك الرقبة والرهن يفيد ملك اليد ~~والحبس وملك الرقبة أقوى وفي الاستحسان الرهن أولى لأن المرهون عندنا مضمون ~~بقدر الدين فأما الموهوب فليس بمضمون أصلا فكان الرهن أقوى (ولو اجتمع) ~~النكاحان بأن ادعت امرأتان وأقامت كل واحدة منهما البينة على أنه تزوجها ~~عليه يقضى بينهما نصفين لاستواء السببين (ولو اجتمع) النكاح مع الهبة أو ~~الصدقة أو الرهن فالنكاح أولى لأنه عقد يفيد الحكم بنفسه فكان أقوى ولو ~~اجتمع الشراء والنكاح فهو بينهما نصفان عند أبي يوسف وللمرأة نصف نصف ~~القيمة على الزوج وعند محمد الشراء أولى وللمرأة القيمة على الزوج. # (وجه) قول محمد أن الشراء أقوى من النكاح بدليل أنه لا يصح البيع بدون ~~تسمية الثمن ويصح النكاح بدون تسمية المهر وكذا لا تصح التسمية بدون الملك ~~في البيع وتصح في باب النكاح كما لو تزوج على جارية غيره دل أن الشراء أقوى ~~من النكاح (وجه) قول أبي يوسف أن النكاح مثل الشراء فإن كل واحد منهما ~~معاوضة يفيد الحكم بنفسه هذا إذا ادعى كل واحد منهما قدر ما يدعي الآخر ~~فأما إذا ادعى أحدهما أكثر مما يدعي الآخر بأن ادعى أحدهما كل الدار والآخر ~~نصفها وأقاما البينة على ذلك فإنه يقضى لمدعي الكل بثلاثة أرباع الدار ~~ولمدعي النصف بربعها عند أبي حنيفة وعندهما يقضى لمدعي الكل بثلثي الدار ~~ولمدعي النصف بثلثها وإنما اختلف جوابهم لاختلافهم في طريق القسمة فتقسم ~~عنده بطريق المنازعة وهما قسما بطريق العدل والمضاربة (وتفسير) القسمة ~~بطريق ms3853 المنازعة أن ينظر إلى القدر الذي وقع التنازع فيه فيجعل الجزء الذي ~~خلا عن المنازعة سالما لمدعيه (وتفسير) القسمة على طريق العدل والمضاربة أن ~~تجمع السهام كلها في العين فتقسم بين الكل بالحصص فيضرب كل بسهمه كما في ~~الميراث والديون المشتركة المتزاحمة والوصايا فلما كانت القسمة عند أبي ~~حنيفة على طريق المنازعة تجب مراعاة محل النزاع فهنا يدعي أحدهما # PageV06P239 # كل الدار والآخر لا ينازعه إلا في النصف فبقي النصف الآخر خاليا عن ~~المنازعة فيسلم لمدعي الكل لأنه يدعي شيئا لا ينازعه فيه غيره ومن ادعى ~~شيئا لا ينازعه فيه غيره يسلم له والنصف الآخر استوت فيه منازعتهما فيقضي ~~بينهما نصفين فكانت القسمة أرباعا ثلاثة أرباع الدار لمدعي الكل وربعها ~~لمدعي النصف ولما كانت القسمة عندهما على طريق المضاربة يقسم الثمن على ~~مبلغ السهام فيضرب كل واحد بسهمه فهنا أحدهما يدعي كل الدار والآخر يدعي ~~نصفها فيجعل أخسهما سهما فجعل نصف الدار بينهما. # وإذا جعل نصف الدار بينهما صار الكل سهمين فمدعي الكل يدعي سهمين ومدعي ~~النصف يدعي سهما واحدا فيعطى هذا سهما وذاك سهمين فكانت الدار بينهما ~~أثلاثا ثلثاها لمدعي الكل وثلثها لمدعي النصف والصحيح قسمة أبي حنيفة عليه ~~الرحمة لأن الحاجة إلى القسمة لضرورة الدعوى والمنازعة ووقوع التعارض في ~~الحجة ولا منازعة لمدعي الكل إلا في النصف فلا يتحقق التعارض إلا فيه فيسلم ~~له ما وراءه لقيام الحجة عليه وخلوها عن المعارض فكان ما قاله أبو حنيفة ~~عملا بالدليل بالقدر الممكن وأنه واجب هذا إذا كانت الدار في يد ثالث فإن ~~كانت في أيديهما فبينة مدعي الكل أولى لأنه خارج لأنه يدعي على صاحبه النصف ~~الذي في يده ومدعي النصف لا يدعي شيئا هو في يد صاحبه لأنه لا يدعي إلا ~~النصف والنصف في يده فكان مدعي الكل خارجا ومدعي النصف صاحب يد فكانت بينة ~~الخارج أولى فيقضى له بالنصف الذي في يد صاحبه ويترك النصف الذي في يده على ~~حاله هذا إذا ادعى الخارجان شيئا في يد ثالث ms3854 فأنكر الذي في يده فأقام ~~البينة فإن لم يقم لهما بينة وطلبا بيمين المنكر يحلف لكل واحد منهما فإن ~~نكل لهما جميعا يقضى لهما بالنكول لأن النكول حجة عندنا فإن حلف لأحدهما ~~ونكل للآخر يقضى للذي نكل لوجود الحجة في حقه وإن حلف لكل واحد منهما يترك ~~المدعى في يده قضاء ترك لا قضاء استحقاق حتى لو قامت لهما بينة بعد ذلك ~~تقبل بينتهما ويقضى لهما بخلاف ما إذا أقاما البينة وقضي بينهما نصفين ثم ~~أقام صاحب اليد البينة على أنه ملكه أنه لا تقبل بينته وكذا إذا أقام أحد ~~المدعيين البينة على النصف الذي استحقه صاحبه بعد ما قضي بينهما نصفين لا ~~تسمع بينته. # (ووجه) الفرق أن بالترك في يد المدعى عليه لم يكن كل واحد من المدعيين ~~مقضيا عليه حقيقة فتسمع منهما البينة (فأما) صاحب اليد فقد صار مقضيا عليه ~~حقيقة وكذا كل واحد من المدعيين بعد ما قضي بينهما نصفين صار مقضيا عليه في ~~النصف والبينة من المقضي عليه غير مسموعة إلا إذا ادعى التلقي من جهة ~~المستحق أو ادعى النتاج وكذا لو ادعى بائع المقضي عليه أو بائع بائعه هكذا ~~وأقام البينة لا تسمع دعواه ولا تقبل بينته لأن القضاء عليه قضاء على ~~الباعة كلهم في حق بطلان الدعوى إن لم يكن قضاء عليهم في حق ولاية الرجوع ~~بالثمن إلا إذا قضى القاضي لهذا المشتري بالرجوع على بائعه بالثمن فيرجع ~~هذا البائع على بائعه أيضا هكذا فرق بين هذا وبين الحرية الأصلية أن القضاء ~~بالحرية قضاء على الناس كلهم في حق بطلان الدعوى وثبوت ولاية الرجوع بالثمن ~~على الباعة (ووجه) الفرق بين الملك والعتق على نحو ما ذكرنا من قبل هذا إذا ~~أنكر الذي في يده فإن أقر به لأحدهما (فنقول) هذا لا يخلو من أحد وجهين: ~~إما أن كان قبل إقامة البينة وإما أن كان بعد إقامة البينة فإن أقر قبل ~~إقامة البينة جاز إقراره ودفع إلى المقر له لأن المدعي في يده وملكه من ms3855 حيث ~~الظاهر فيملك التصرف فيه بالإقرار وغيره وإن أقر بعد إقامة البينة قبل ~~التزكية لم يجز إقراره لأنه تضمن إبطال حق الغير وهو البينة فكان إقرارا ~~على غيره فلا يصح في حق ذلك الغير ولكن يؤمر بالدفع إلى المقر له لأن ~~إقراره في حق نفسه صحيح وكذا البينة قد لا تتصل بها التزكية فيؤمر بالدفع ~~إلى المقر له في الحال فإذا زكيت البينتان يقضى بينهما نصفين لأنه تبين أن ~~المدعى كان بينهما نصفين فظهر أن إقراره كان إبطالا لحق الغير فلم يصح ~~فالتحق بالعدم. # وإن أقر بعد إقامة البينة وبعد التزكية يقضى بينهما لما قلنا إن إقراره ~~لم يصح فكان ملحقا بالعدم هذا كله إذا كانت الدعوى من الخارج على ذي اليد ~~أو من الخارجين على ذي اليد فأما إذا كانت من صاحبي اليد أحدهما على الآخر ~~بأن كان المدعى في أيديهما فإن أقام أحدهما البينة أنه يقضى له بالنصف الذي ~~في يد صاحبه والنصف الذي كان في يده ترك في يده وهو معنى قضاء الترك # PageV06P240 # ولو أقام كل واحد منهما البينة أنه له يقضى لكل واحد منهما بالنصف الذي ~~في يد صاحبه لأن كل واحد منهما في ذلك النصف خارج ولو لم تقم لأحدهما بينة ~~يترك في أيديهما قضاء ترك حتى لو قامت لأحدهما بعد ذلك بينة تقبل لأنه لم ~~يصر مقضيا عليه حقيقة هذا إذا لم توقت البينتان فإن وقتا فإن اتفق الوقتان ~~فكذلك وإن اختلفا فالأسبق أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله (وأما) ~~عند محمد فلا عبرة للوقت في بينة صاحب اليد فيكون بينهما نصفين وإن وقت ~~إحداهما دون الأخرى يكون بينهما عند أبي حنيفة ومحمد والوقت ساقط وعند أبي ~~يوسف هو لصاحب الوقت وقد مرت الحجج قبل هذا والله تعالى أعلم. # (وأما) حكم تعارض البينتين القائمتين على قدر الملك. # فالأصل فيه أن البينة المظهرة للزيادة أولى كما إذا اختلف المتبايعان في ~~قدر الثمن فقال البائع بعتك هذا العبد بألفي درهم وقال المشتري اشتريته منك ms3856 ~~بألف درهم وأقاما البينة فإنه يقضى ببينة البائع لأنها تظهر زيادة ألف وكذا ~~لو اختلفا في قدر المبيع فقال البائع بعتك هذا العبد بألف وقال المشتري ~~اشتريت منك هذا العبد وهذه الجارية بألف وأقاما البينة يقضى ببينة المشتري ~~لأنها تظهر زيادة وكذا لو اختلف الزوجان في قدر المهر فقال الزوج تزوجتك ~~على ألف وقالت المرأة على ألفين وأقاما البينة يقضى ببينة المرأة لأنها ~~تظهر فضلا ثم إنما كانت بينة الزيادة أولى لأنه لا معارض لها في قدر ~~الزيادة فيجب العمل بها في ذلك القدر لخلوها عن المعارض ولا يمكن إلا ~~بالعمل في الباقي فيجب العمل بها في الباقي ضرورة وجوب العمل بها في ~~الزيادة ولا يلزم على هذا الأصل ما إذا اختلف الشفيع والمشتري في قدر ثمن ~~الدار المشفوعة فقال الشفيع اشتريتها بألف. # وقال المشتري بألفين وأقاما البينة أنه يقضى ببينة الشفيع عند أبي حنيفة ~~ومحمد رحمهما الله وإن كانت بينة المشتري تظهر الزيادة لأن البينة إنما ~~تقبل من المدعي لأنها جعلت حجة المدعي في الأصل والمدعي هناك هو الشفيع ~~لوجود حد المدعي فيه وهو أن يكون مخيرا في الخصومة بحيث لو تركها يترك ولا ~~يجبر عليها فأما المشتري فمجبور على الخصومة ألا ترى لو تركها لا يترك بل ~~يجبر عليها فكان هو مدعى عليه والبينة حجة المدعي لا حجة المدعى عليه في ~~الأصل لذلك قضي ببينة الشفيع لا ببينة المشتري بخلاف ما إذا اختلف البائع ~~والمشتري في قدر الثمن لأن هناك البائع هو المدعي لأن المخير في الخصومة إن ~~شاء خاصم وإن شاء لا وفيما إذا اختلفا في قدر المبيع المدعي هو المشتري ألا ~~ترى لو ترك الخصومة يترك وكذا في باب النكاح المدعي في الحقيقة هو المرأة ~~لما قلنا فهو الفرق. # ووجه آخر من الفرق ذكرناه في كتاب الشفعة وعلى هذا يخرج اختلاف ~~المتبايعين في أجل الثمن في أصل الأجل أو في قدره وأقاما البينة أن البينة ~~بينة المشتري لأنها تظهر الزيادة وكذا لو اختلفا في مضيه وأقاما ms3857 البينة ~~فالبينة بينة المشتري أنه لم يمض لأنها تظهر زيادة وعلى هذا يخرج اختلافهما ~~في المسلم فيه في قدره أو جنسه أو صفته مع اتفاقهما على رأس المال وأقاما ~~البينة بعد تفرقهما أن البينة بينة رب السلم ويقضى بسلم واحد بالإجماع ~~لأنهما اتفقا على أن المسلم إليه لم يقبض إلا رأس مال واحد وإن اختلفا قبل ~~التفرق فكذلك ويقضى بسلم واحد عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد تقبل ~~البينتان جميعا ويقضى بسلمين. # (وجه) قول محمد أن كل واحد من البينتين قامت على عقد على حدة لاختلاف ~~البدلين فيعمل بهما جميعا ويقضى بسلمين إذ لا تنافي بينهما ولهما أنهما ~~اتفقا على عقد واحد وإنما اختلفا في قدر المعقود عليه قدرا أو جنسا أو صفة ~~وبينة رب السلم تظهر زيادة فكانت أقوى ولو اختلفا في رأس المال في قدره أو ~~جنسه أو صفته مع اتفاقهما على المسلم فيه فالبينة بينة المسلم إليه عندهما ~~وعنده تقبل البينتان جميعا ويقضى بسلمين والحجج على نحو ما ذكرنا هذا إذا ~~تصادقا أن رأس المال كان دينا فإن تصادقا أنه عين واختلفا في المسلم فيه ~~فإن كان رأس المال عينا واحدة يقضى بسلم واحد كما إذا قال رب السلم أسلمت ~~إليك هذا الثوب في كر حنطة وقال المسلم إليه في كر شعير فالبينة بينة رب ~~السلم لأن رأس المال إذا كان عينا واحدة لا يمكن أن يجعل عقدين فيجعل عقدا ~~واحدا وبينة رب السلم تظهر زيادة فكانت أولى بالقبول وإذا كان عينين بأن ~~قال رب السلم أسلمت إليك هذا الفرس في كر حنطة وقال المسلم إليه هذا الثوب ~~في كر شعير يقضى بسلمين بالإجماع لأنه يمكن أن يجعل عقدين فيجعل سلمين هذا ~~كله # PageV06P241 # إذا كانت الدعوى دعوى الملك فأما دعوى اليد بأن تنازع رجلان في شيء يدعيه ~~كل واحد منهما أنه في يده فعلى كل واحد منهما البينة على اليد لقوله - عليه ~~الصلاة والسلام - «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه» ولأن الملك ~~واليد كل واحد ms3858 منهما مقصود في نفسه فتقع الحاجة إلى إثبات كل واحد منهما ~~بالبينة فإن أقاما جميعا البينة يقضى بكونه في أيديهما لاستوائهما في الحجة ~~وإن أقام أحدهما البينة صار صاحب يد وصار مدعى عليه وإن لم تقم لأحدهما ~~بينة فعلى كل واحد منهما اليمين لقوله - عليه الصلاة والسلام - «واليمين ~~على من أنكر» وكل واحد منهما ينكر دعوى صاحب اليد فيحلف هذا كله إذا قامت ~~البينتان على الملك أو على اليد. # فأما إذا قامت إحدى البينتين على الملك والأخرى على اليد فبينة الملك ~~أولى نحو ما إذا أقام الخارج البينة على أن الدار له منذ سنتين وأقام ذو ~~اليد البينة على أنها في يده منذ ثلاث سنين يقضى بها للخارج لأن البينة ~~القائمة على الملك أقوى لأن اليد قد تكون محقة وقد تكون مبطلة كيد الغصب ~~والسرقة واليد المحقة قد تكون يد ملك وقد تكون يد إعارة وإجارة فكانت ~~محتملة فلا تصلح بينتها معارضة لبينة الملك. ### | [دعوى النسب] ### | [بيان ما يثبت به النسب] # (وأما) دعوى النسب. # فالكلام في النسب في الأصل في ثلاثة مواضع في بيان ما يثبت به النسب وفي ~~بيان ما يظهر به النسب وفي بيان صفة النسب الثابت أما ما يثبت به النسب ~~فالكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان ما يثبت به نسب الولد من الرجل ~~والثاني في بيان ما يثبت به نسبه من المرأة أما الأول فنسب الولد من الرجل ~~لا يثبت إلا بالفراش وهو أن تصير المرأة فراشا له لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «الولد للفراش وللعاهر الحجر» . # وقوله - عليه الصلاة والسلام - الولد للفراش أي لصاحب الفراش إلا أنه ~~أضمر المضاف فيه اختصارا كما في قوله عز وجل {واسأل القرية} [يوسف: 82] ~~ونحوه والمراد من الفراش هو المرأة فإنها تسمى فراش الرجل وإزاره ولحافه ~~وفي التفسير في قوله عز شأنه {وفرش مرفوعة} [الواقعة: 34] أنها نساء أهل ~~الجنة فسميت المرأة فراشا لما أنها تفرش وتبسط بالوطء عادة # ودلالة الحديث من وجوه ثلاثة: أحدها: أن النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~أخرج ms3859 الكلام مخرج القسمة فجعل الولد لصاحب الفراش والحجر للزاني فاقتضى أن ~~لا يكون الولد لمن لا فراش له كما لا يكون الحجر لمن لا زنا منه إذ القسمة ~~تنفي الشركة والثاني أنه - عليه الصلاة والسلام - جعل الولد لصاحب الفراش ~~ونفاه عن الزاني بقوله - عليه الصلاة والسلام - وللعاهر الحجر لأن مثل هذا ~~الكلام يستعمل في النفي والثالث أنه جعل كل جنس الولد لصاحب الفراش فلو ثبت ~~نسب ولد لمن ليس بصاحب الفراش لم يكن كل جنس الولد لصاحب الفراش وهذا خلاف ~~النص فعلى هذا إذا زنى رجل بامرأة فجاءت بولد فادعاه الزاني لم يثبت نسبه ~~منه لانعدام الفراش وأما المرأة فيثبت نسبه منها لأن الحكم في جانبها يتبع ~~الولادة على ما نذكر إن شاء الله تعالى وقد وجدت وكذلك لو ادعى رجل عبدا ~~صبيا في يد رجل أنه ابنه من الزنا لم يثبت منه كذبه المولى فيه أو صدقه لما ~~قلنا ولو هلك الولد بوجه من الوجوه عتق عليه لأنه أقر أنه مخلوق من مائه ~~وإن ملك أمه لم تصر أم ولد له لأن أمومية الولد تتبع ثبات النسب ولم يثبت ~~وكذلك لو كان هذا العبد لأب المدعي أو عمه لما ذكرنا ولو كان لابن المدعي ~~فقال هو ابني من الزنا يثبت نسبه منه وهو مخطئ في قوله من الزنا لأنه يصير ~~متملكا الجارية عندنا قبيل الاستيلاد أو مقارنا له ولا يتحقق الوطء زنا مع ~~ثبوت الملك ولو كان المدعي غير الأب فقال هو ابني منها ولم يقل من الزنا ~~فإن صدقه المولى ثبت نسبه منه ويكون عبدا لمولى الأم وإن كذبه لا يثبت ~~النسب للحال وإذا ملكه المدعي يثبت النسب ويعتق عليه لأن الإقرار بالبنوة ~~مطلقا عن الجهة محمول على جهة مصححة للنسب وهي الفراش إلا أنه لم يظهر ~~نفاذه للحال لقيام ملك المولى فإذا ملكه زال المانع وكذلك لو قال هو ابني ~~من نكاح فاسد أو شراء فاسد وادعى شبهة بوجه من الوجوه أو قال أحلها لي الله ~~إن ms3860 صدقه المولى يثبت النسب وإن كذبه لم يثبت النسب ما دام عبدا فإذا ملكه ~~يثبت النسب ويعتق عليه لأن العقد الفاسد ملحق بالصحيح في ثبات النسب وكذلك ~~الشبهة فيه ملحقة بالحقيقة فكان هذا إقرارا بالنسب بجهة مصححة للنسب شرعا ~~إلا أنه امتنع ظهوره للحال لحق المولى فإذا زال ظهر وعتق لأنه ملك ابنه وإن ~~ملك أمها كانت أم ولد له لأنه وجد سبب أمومية الولد وهو ثبوت النسب بناء ~~على وجود سبب الثبوت وهو الإقرار بالنسب بجهة # PageV06P242 # مصححة له شرعا إلا أنها توقفت على شرطها وهو الملك وقد وجد بخلاف الفصل ~~الأول لأن هناك لم يوجد سبب أمومية الولد أصلا لانعدام سبب ثبوت النسب وهو ~~الإقرار بجهة مصححة شرعا وعلى هذا إذا تصادق الزوجان على أن الولد من الزنا ~~من فلان لا يثبت النسب منه ويثبت من الزوج لأن الفراش له وعلى هذا إذا ادعى ~~رجل صبيا في يد امرأة فقال هو ابني من الزنا وقالت المرأة هو من النكاح لا ~~يثبت نسبه من الرجل ولا من المرأة لأن الرجل أقر أنه ابنه من الزنا والزنا ~~لا يوجب النسب والمرأة تدعي النكاح والنكاح لا بد له من حجة وكذلك لو كان ~~الأمر على العكس بأن ادعى الرجل أنه ابنه من النكاح وادعت المرأة أنه من ~~الزنا لما قلنا ولو قال الرجل بعد ذلك في الفصل الأول هو من النكاح أو قالت ~~المرأة بعد ذلك في الفصل الثاني هو من النكاح يثبت النسب وإن كان ذلك منهما ~~تناقضا لأن التناقض ساقط الاعتبار شرعا في باب النسب كما هو ساقط الاعتبار ~~شرعا في باب العتق لما ذكرنا والله سبحانه وتعالى أعلم. # وأما الثاني فنسب الولد من المرأة يثبت بالولادة سواء كان بالنكاح أو ~~بالسفاح لأن اعتبار الفراش إنما عرفناه بالحديث وهو قوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «الولد للفراش» أي لمالك الفراش ولا فراش للمرأة لأنها مملوكة ~~وليست بمالكة فبقي الحكم في جانبها متعلقا بالولادة وإذا عرفت أن نسب الولد ~~من الرجل لا يثبت ms3861 إلا إذا صارت المرأة فراشا له فلا بد من معرفة ما تصير به ~~المرأة فراشا وكيفية عمله في ذلك فنقول وبالله التوفيق المرأة تصير فراشا ~~بأحد أمرين أحدهما عقد النكاح والثاني ملك اليمين إلا أن عقد النكاح يوجب ~~الفراش بنفسه لكونه عقدا موضوعا لحصول الولد شرعا قال النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - «تناكحوا توالدوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة ولو ~~بالسقط» وكذا الناس يقدمون على النكاح لغرض التوالد عادة فكان النكاح سببا ~~مفضيا إلى حصول الولد فكان سببا لثبات النسب بنفسه ويستوي فيه النكاح ~~الصحيح والفاسد إذا اتصل به الوطء لأن النكاح الفاسد ينعقد في حق الحكم عند ~~بعض مشايخنا لوجود ركن العقد من أهله في محله والفاسد ما فاته شرط من شرائط ~~الصحة. # وهذا لا يمنع انعقاده في حق الحكم كالبيع الفاسد إلا أنه يمنع من الوطء ~~لغيره وهذا لا يمنع ثبات النسب كالوطء في حالة الحيض والنفاس وسواء كانت ~~المنكوحة حرة أو أمة لأن المقصود من فراش الزوجية لا يختلف وأما ملك اليمين ~~ففي أم الولد يوجب الفراش بنفسه أيضا لأنه ملك يقصد به حصول الولد عادة ~~كملك النكاح فكان مفضيا إلى حصول الولد كملك النكاح إلا أنه أضعف منه لأنه ~~لا يقصد به ذلك مثل ما يقصد بملك النكاح وكذا يحتمل النقل إلى غيره ~~بالتزويج وينتفي بمجرد النفي من غير لعان بخلاف ملك النكاح وأما في الأمة ~~فلا يوجب الفراش بنفسه بالإجماع حتى لا تصير الأمة فراشا بنفس الملك بلا ~~خلاف وهل تصير فراشا بالوطء اختلف فيه قال أصحابنا - رضي الله تعالى عنهم - ~~لا تصير فراشا إلا بقرينة الدعوة وقال الشافعي عليه الرحمة تصير فراشا بنفس ~~الوطء من غير دعوة وعبارة مشايخنا - رحمهم الله - في هذا الباب أن الفراش ~~ثلاثة فراش قوي وفراش ضعيف وفراش وسط فالقوي فراش المنكوحة حتى يثبت النسب ~~من غير دعوة ولا ينتفي إلا باللعان والوسط فراش أم الولد حتى يثبت النسب من ~~غير دعوة وينتفي بمجرد النفي من غير لعان والضعيف ms3862 فراش الأمة حتى لا يثبت ~~النسب فيه إلا بالدعوة عندنا خلافا للشافعي (وجه) قوله أن ثبات النسب منه ~~لحصول الولد من مائه وهذا يحصل بالوطء من غير دعوة لأن الوطء سبب لحصول ~~الولد قصد منه ذلك أو لا. # (ولنا) أن وطء الأمة لا يقصد به حصول الولد عادة لأنها لا تشترى للوطء ~~عادة بل للاستخدام والاسترباح ولو وطئت فلا يقصد به حصول الولد عادة لأن ~~الولد لا يحصل إلا بترك العزل والظاهر في الإماء هو العزل والعزل بدون ~~رضاهن مشروع فلا يكون وطؤها سببا لحصول الولد إلا بقرينة الدعوة ولأنه لما ~~ادعى علما بقرينة الدعوة أنه وطئها ولم يعزل عنها والوطء من غير عزل سبب ~~لحصول الولد فيثبت النسب حتى لو كان المولى وطئها وحصنها ولم يعزل عنها لا ~~يحل له النفي فيما بينه وبين الله تعالى عز شأنه بل تلزمه الدعوى والإقرار ~~به لأنه إذا كان كذلك فالظاهر أنه ولده فلا يحل له نفيه فيما بينه وبين ~~الله تعالى بلا خلاف بين أصحابنا - رضي الله تعالى عنهم - واختلفوا فيما ~~إذا وطئها # PageV06P243 # وحصنها ولكن عزل عنها أو لم يعزل عنها ولكنه لم يحصنها قال أبو حنيفة - ~~رضي الله عنه - يحل له النفي وقال أبو يوسف - رحمه الله - أحب إلي أن يدعو ~~إذا كان وطئها ولم يعزل عنها وإن لم يحصنها وقال محمد عليه الرحمة أحب إلي ~~أن يعتق ولدها ويستمتع بأمه إلى أن يقرب موته فيعتقها وجه قول أبي يوسف أنه ~~إذا وطئها ولم يعزل عنها احتمل كون الولد منه فلا يحل له النفي بالشك ~~والاحتمال وجه قول أبي حنيفة أنه إذا لم يحصنها احتمل كونه من غيره فلا ~~يلزمه الإقرار به بالشك لأن غير الثابت بيقين لا يثبت بالشك كما أن الثابت ~~بيقين لا يزول بالشك وجه قول محمد أنه إذا احتمل كونه من غيره لا يلزمه ~~الإقرار به كما قاله أبو حنيفة - رحمه الله - ولما احتمل كونه منه لا يجوز ~~له النفي أيضا كما قاله أبو يوسف لكن ms3863 يسلك فيه مسلك الاحتياط فيعتق الولد ~~صيانة عن استرقاق الحر عسى ويستمتع بأمه لأن الاستمتاع بالأمة وأم الولد ~~مباح ويعتقها عند موته صيانة عن استرقاق الحرة بعد موته عسى ويستوي في فراش ~~الملك ملك كل المحل وبعضه وملك الذات وملك اليد في ثبوت النسب وبيان ذلك في ~~مسائل إذا حملت الجارية في ملك رجلين فجاءت بولد فادعاه أحدهما يثبت نسب ~~الولد منه لأن ما له من الملك أوجب النسب بقدره إلا أن النسب لا يتجزأ فمتى ~~ثبت في البعض يتعدى إلى الكل وتصير الجارية أم ولد له وعليه نصف قيمتها ~~لشريكه ونصف العقر ولا يضمن قيمة الولد وهي من مسائل كتاب العتق ولو ادعياه ~~جميعا معا فهو ابنهما والجارية أم ولد لهما وهذا عندنا وعند الشافعي - رحمه ~~الله - هو ابن أحدهما ويتعين بقول القائف وجه قوله أن خلق ولد واحد من ماء ~~فحلين مستحيل عادة ما أجرى الله سبحانه وتعالى العادة بذلك إلا في الكلاب ~~على ما قيل فلا يكون الولد إلا من أحدهما ويعرف ذلك بقول القائف فإن الشرع ~~ورد بقبول قول القائف في النسب فإنه روي «أن قائفا مر بأسامة وزيد وهما تحت ~~قطيفة واحدة قد غطى وجوههما وأرجلهما بادية فقال إن هذه الأقدام يشبه بعضها ~~بعضا فسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففرح بذلك حتى كادت تبرق ~~أسارير وجهه - عليه الصلاة والسلام -» فقد اعتبر - عليه الصلاة والسلام - ~~قول القائف حيث لم يرد عليه بل قرره بإظهار الفرح. # (ولنا) إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإنه روي أنه وقعت هذه الحادثة ~~في زمن سيدنا عمر - رضي الله عنه - فكتب إلى شريح لبسا فلبس عليهما ولو ~~بينا لبين لهما هو ابنهما يرثهما ويرثانه وكان ذلك بمحضر من الصحابة ولم ~~ينقل أنه أنكر عليه منكر فيكون إجماعا لأن سبب استحقاق النسب بأصل الملك ~~وقد وجد لكل واحد منهما فيثبت بقدر الملك حصة للنسب ثم يتعدى لضرورة عدم ~~التجزي فيثبت نسبه من كل واحد منهما على الكمال وأما فرح النبي - عليه ms3864 ~~الصلاة والسلام - وترك الرد والنكر فاحتمل أنه لم يكن لاعتباره قول القائف ~~حجة بل لوجه آخر وهو أن الكفار كانوا يطعنون في نسب أسامة - رضي الله عنه - ~~وكانوا يعتقدون القيافة فلما قال القائف ذلك فرح رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لظهور بطلان قولهم بما هو حجة عندهم فكان فرحه في الحقيقة بزوال ~~الطعن بما هو دليل الزوال عندهم والمحتمل لا يصلح حجة وكذلك لو كانت ~~الجارية بين ثلاثة أو أربعة أو خمسة فادعوه جميعا معا فهو ابنهم جميعا ثابت ~~نسبه منهم والجارية أم ولد لهم عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف لا يثبت من ~~أكثر من اثنين وقال محمد لا يثبت من أكثر من ثلاثة وجه قول أبي يوسف أن ~~القياس يأبى ثبوت النسب من أكثر من رجل واحد لما ذكرنا للشافعي إلا أنا ~~تركنا القياس في رجلين بأثر سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنه - فبقي حكم ~~الزيادة مردودا إلى أصل القياس وجه قول محمد أن الحمل الواحد يجوز أن يكون ~~ثلاثة أولاد وكل واحد منهم يجوز أن يخلق من ماء على حدة وقد جاء عن إبراهيم ~~النخعي - رحمه الله - أنه أثبت النسب من ثلاثة فأما الزيادة على الثلاثة في ~~بطن واحد فنادر غاية الندرة فالشرع الوارد في الاثنين يكون واردا في ~~الثلاثة ولأبي حنيفة أن الموجب لثبات النسب لا يفصل بين عدد الاثنين ~~والخمسة فالفصل بين عدد وعدد يكون تحكما من غير دليل وسواء كانت الأنصباء ~~متفقة أو مختلفة بأن كان لأحدهم السدس وللآخر الربع وللآخر الثلث وللآخر ما ~~بقي فالولد ابنهم جميعا فحكم النسب لا يختلف لأن سبب ثبات النسب هو أصل ~~الملك لا صفة المالك والله سبحانه وتعالى أعلم وأما حكم الاستيلاد فيثبت في ~~نصيب كل # PageV06P244 # واحد بقدر حصته من الملك فلا يتعدى إلى نصيب غيره. # ولو كانت الجارية بين الأب والابن فجاءت بولد فادعياه جميعا معا فالأب ~~أولى عند علمائنا الثلاثة وعند زفر - رحمه الله - يثبت النسب منهما جميعا ~~وجه قوله أنهما استويا في سبب ms3865 الاستحقاق وهو أصل الملك فيستويان في ~~الاستحقاق. # (ولنا) أن الترجيح لجانب الأب لأن نصف الجارية ملكه حقيقة وله حق تمليك ~~النصف الآخر وليس للابن إلا ملك النصف فكان الأب أولى ويتملك نصيب الابن من ~~الجارية بالقيمة ضرورة ثبوت الاستيلاد في نصيبه لأنه لا يتجزأ فلا يتصور ~~ثبوته في البعض دون البعض كما في الجارية المشتركة بين الأجنبيين ويضمن كل ~~واحد منهما للآخر نصف العقر لأن الوطء من كل واحد منهما في قدر نصيب شريكه ~~حصل في غير الملك كما في الأجنبيين يضمن كل واحد منهما نصف العقر للآخر ثم ~~يكون النصف بالنصف قصاصا كما في الأجانب وهذا بخلاف حالة الانفراد فإن أمة ~~لرجل إذا جاءت بولد فادعاه أبوه ثبت نسبه منه ولا عقر عليه عند أصحابنا ~~الثلاثة لأن هناك صار متملكا الجارية ضرورة صحة الاستيلاد سابقا عليه أو ~~مقارنا له لانعدام حقيقة الملك فجعل الوطء في الملك وههنا الاستيلاد صحيح ~~بدون التملك لقيام حقيقة الملك في النصف فلا حاجة إلى التملك لصحة ~~الاستيلاد وأنه صحيح بدونه وإنما يثبت ضرورة ثبوت الاستيلاد في نصيبه لأنه ~~يحتمل التجزؤ على ما ذكرنا هو الفرق وكذلك الجد عند عدم الأب لأنه بمنزلة ~~الأب عند عدمه ولو كان بين الجد والحافد جارية فجاءت بولد فادعياه معا ~~والأب حي يثبت النسب منهما جميعا لأن الجد حال قيام الأب بمنزلة الأجنبي ~~ولو ادعى الولد أحد المالكين وأب المالك الآخر فالمالك أولى لأن له حقيقة ~~الملك ولأب المالك الآخر حق التملك فكان المالك الحقيقي أولى هذا كله إذا ~~كان الشريكان المدعيان حرين مسلمين فإن كان أحدهما حرا والآخر عبدا فالحر ~~أولى لأن إثبات النسب منه أنفع حيث يصل هو إلى حقيقة الحرية وأمه إلى حق ~~الحرية وكذلك لو كان أحدهما حرا والآخر عبدا مكاتبا فالحر أولى لأن الولد ~~يصل إلى حقيقة الحرية ولو كان أحدهما مكاتبا والآخر عبدا فالمكاتب أولى ~~لأنه حر يدا فكان أنفع للولد ولو كانا عبدين يثبت النسب منهما جميعا لكن هل ~~يشترط فيه تصديق ms3866 المولى فيه روايتان ومنهم من وفق بين الروايتين فحمل شرط ~~التصديق على ما إذا كان العبد محجورا وحمل الأخرى على ما إذا كان مأذونا ~~عملا بهما جميعا ولو كان أحدهما مسلما والآخر ذميا فالمسلم أولى استحسانا ~~والقياس أن يثبت نسبه منهما وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة وزفر وجه القياس ~~أن النسب حكم الملك وقد استويا في الملك فيستويان في حكمه كما في سائر ~~الأحكام المتعلقة بالملك وجه الاستحسان أن إثبات النسب من المسلم أنفع ~~للصبي لأنه يحكم بإسلامه تبعا له وكذلك لو كان أحدهما كتابيا والآخر مجوسيا ~~فالقياس أن يثبت النسب منهما لاستوائهما في الملك وفي الاستحسان الكتابي ~~أولى لأنه أقرب إلى الإسلام من المجوسي فكان أنفع للصبي ولو كان أحدهما ~~عبدا مسلما أو مكاتبا مسلما والآخر حرا كافرا فالحر أولى لأن هذا أنفع ~~للصبي لأنه يمكنه أن يكتسب الإسلام بنفسه إذا عقل ولا يمكنه اكتساب الحرية ~~بحال ولو كان أحدهما ذميا والآخر مرتدا فهو ابن المرتد لأن ولد المرتد على ~~حكم الإسلام ألا ترى أنه إذا بلغ كافرا يجبر على الإسلام وإذا أجبر عليه ~~فالظاهر أنه يسلم فكان هذا أنفع للصبي هذا كله إذا خرجت دعوة الشريكين معا ~~فأما إذا سبقت دعوة أحدهما في هذه الفصول كلها كائنا من كان فهو أولى لأن ~~النسب إذا ثبت من إنسان في زمان لا يحتمل الثبوت من غيره بعد ذلك الزمان ~~هذا إذا حملت الجارية في ملكهما فجاءت بولد فادعاه أحدهما أو ادعياه جميعا ~~فأما إذا كان العلوق قبل الشراء بأن اشترياها وهي حامل فجاءت بولد فادعاه ~~أحدهما فأما حكم نسب الولد وصيرورة الجارية أم ولد له وضمان نصف قيمة الأم ~~موسرا كان أو معسرا فلا يختلف ويختلف حكم العقر والولد فلا يجب العقر هنا ~~ويجب هناك لأن الإقرار بالنسب هنا لا يكون إقرارا بالوطء لتيقننا بعدم ~~العلوق في الملك بخلاف الأول والولد يكون بمنزلة عبد بين شريكين أعتقه ~~أحدهما لأن ابتداء العلوق لم يكن في ملكه فلم يجز إسناد الدعوى ms3867 إلى حالة ~~العلوق إلا أنه ادعى نسب ولد بعضه على ملكه ودعوى الملك بمنزلة إنشاء ~~الإعتاق ولو أعتق هذا # PageV06P245 # الولد يضمن نصيب شريكه منه إن كان موسرا ولم يضمن إن كان معسرا كذا هذا ~~بخلاف ما إذا علقت الجارية في ملكها لأن هناك استندت الدعوة إلى حال العلوق ~~فسقط الضمان وهنا لا تستند فلا بد من إفراد الولد بالضمان والولاء بينهما ~~وإن ادعياه فهو ابنهما ولا عقر لواحد منهما على صاحبه كما في الأول ولا ~~يفترقان إلا في الولاء فإن ثبت هنا لا يثبت هناك لأن الدعوة ثمة دعوة ~~الاستيلاد فيعلق الولد حرا والدعوة هنا دعوة تحرير وأنه يوجب استحقاق ~~الولاء قال - عليه الصلاة والسلام - «الولاء لمن أعتق» . # ولو كانت الجارية المشتراة زوجة أحدهما فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر يثبت ~~نسبه من الزوج من غير دعوة لأنها إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر فقد تيقنا ~~أن علوق الولد كان من النكاح وعقد النكاح يوجب الفراش بنفسه ويضمن نصف قيمة ~~الجارية لأنها صارت أم ولد له فصار متملكا نصيب شريكه بالقيمة ولا يضمن ~~قيمة الولد لأنه عتق عليه من غير صنعه ولو اشترى أخوان جارية حاملا فجاءت ~~بولد فادعاه أحدهما يثبت نسبه منه وعليه نصف قيمة الولد لأن دعوته دعوة ~~تحرير فإذا ادعاه فقد حرره والتحرير إتلاف نصيب شريكه فيضمن نصف قيمته ولا ~~يعتق الولد على عمه بالقرابة لأن الدعوة من أخيه إعتاق حقيقة فيضاف العتق ~~إليه لا إلى القرابة هذا إذا ولدت الجارية المشتركة ولدا فادعاه أحد ~~الشريكين أو ادعياه جميعا فأما إذا ولدت ولدين فادعى كل واحد منهما ولدا ~~على حدة فنقول هذا في الأصل لا يخلو إما أن ولدتهما في بطن واحد وإما أن ~~ولدتهما في بطنين مختلفين والدعوتان إما أن خرجتا جميعا معا وإما أن سبقت ~~إحداهما الأخرى فإن ولدت الجارية الولدين في بطن واحد فإن خرجت الدعوتان ~~جميعا معا ثبت نسب الولدين منهما جميعا لأن دعوة أحد التوأمين دعوة الآخر ~~لاستحالة الفصل بينهما في ms3868 النسب لعلوقهما من ماء واحد فكانت دعوة أحدهما ~~دعوة الآخر ضرورة وإن سبق أحدهما بالدعوة ثبت نسب الولدين منه لأنه ثبت نسب ~~المدعى ومن ضرورته ثبوت نسب الآخر وعتقا جميعا لعلوقهما حري الأصل وصارت ~~الجارية أم ولد له وغرم نصف العقر ونصف قيمة الجارية والله سبحانه وتعالى ~~أعلم هذا إذا ولدتهما في بطن واحد فأما إذا ولدتهما في بطنين مختلفين فإن ~~خرجت الدعوتان جميعا معا ثبت نسب الأكبر من مدعي الأكبر بلا شك وصارت ~~الجارية أم ولد له وغرم نصف قيمة الجارية ونصف العقر لمدعي الأصغر وهل يثبت ~~نسب الولد الأصغر من مدعي الأصغر فالقياس أن لا يثبت إلا بتصديق مدعي ~~الأكبر وفي الاستحسان يثبت وجه القياس أن الجارية صارت أم ولد لمدعي الأكبر ~~لثبوت نسب الأكبر منه فمدعي الأصغر يدعي ولد أم ولد الغير ومن ادعى ولد أم ~~ولد الغير لا يثبت نسبه منه إلا بتصديقه ولم يوجد وجه الاستحسان أن مدعي ~~الأكبر غير مدعي الأصغر حيث أخر الدعوة إلى دعوته فصار مدعي الأصغر بتأخير ~~دعوة الأكبر مغرورا من جهته وولد المغرور ثابت النسب حر بالقيمة وعلى مدعي ~~الأصغر العقر لمدعي الأكبر لكن نصف العقر أو كله ففيه اختلاف الروايتين ~~والتوفيق بينهما ممكن لأن رواية نصف العقر على مدعي الأصغر جواب حاصل ما ~~عليه من العقر بعد القصاص وهو النصف ورواية الكل بيان ما عليه قبله لأن ~~مدعي الأكبر قد غرم نصف العقر لمدعي الأصغر فالنصف بالنصف يلتقيان قصاصا ~~فلا يبقى على مدعي الأصغر بعد المقاصة إلا النصف فأمكن التوفيق بين ~~الروايتين من هذا الوجه وعلى مدعي الأصغر قيمة الولد الأصغر لأنه ولد ~~المغرور وولد المغرور حر بالقيمة بإجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ~~فإذا على مدعي الأصغر نصف العقر وكل قيمة الولد وعلى مدعي الأكبر نصف قيمة ~~الجارية لصيرورتها أم ولد له فيصير نصف قيمة الجارية الذي على مدعي الأكبر ~~قصاصا بنصف العقر وقيمة الولد الذي على مدعي الأصغر ويترادان الفضل هذا إذا ~~خرجت الدعوتان جميعا معا فادعى ms3869 أحدهما الأكبر والآخر الأصغر فأما إذا سبق ~~أحدهما بالدعوة فإن ادعى السابق الأكبر أولا فقد ثبت نسب الأكبر منه وعتق ~~وصارت الجارية أم ولد له وغرم لشريكه نصف قيمة الجارية ونصف العقر بعد ذلك ~~إذا ادعى الآخر الأصغر فقد ادعى ولد أم ولد الغير فلا بد من التصديق لثبات ~~النسب فإن صدقه ثبت النسب ويكون على حكم أمه وإن كذبه لا يثبت النسب هذا ~~إذا ادعى السابق بالدعوة الأكبر # PageV06P246 # أولا فأما إذا ادعى الأصغر أولا ثبت نسب الأصغر منه وعتق وصارت الجارية ~~أم ولد له وضمن نصف قيمتها ونصف عقرها لشريكه الآخر والأكبر بعد رقيق ~~بينهما لأنه ولد جارية مملوكة بينهما لم يدعه أحد فإذا ادعاه الشريك الآخر ~~بعد ذلك صار كعبد بين اثنين أعتقه أحدهما عتق نصيبه وثبت نسبه منه والشريك ~~الآخر بالخيار إن شاء أعتق نصيبه وإن شاء ضمن المعتق قيمة نصيبه إن كان ~~موسرا وإن كان معسرا فله خيار الإعتاق والاستسعاء لا غير وهذا قول أبي ~~حنيفة - رحمه الله - وعندهما إن كان موسرا فله تضمين الموسر لا غير وإن كان ~~معسرا فله الاستسعاء على ما علم في كتاب العتاق ولو قال أحدهما الأكبر ابني ~~والأصغر ابن شريكي ثبت نسب الأكبر منه وصارت الجارية أم ولد له وضمن نصف ~~قيمة الجارية ونصف العقر لشريكه والأصغر ولد أم ولده أقر بنسبه لشريكه فإن ~~صدقه شريكه ثبت نسبه منه ولا يعتق وإن كذبه لا يثبت النسب وكذلك لو قدم ~~وأخر بأن قال الأصغر ابني والأكبر ابن شريكي ثبت نسب الأصغر منه ونسب ~~الأكبر موقوف على تصديق شريكه ولو قال أحدهما الأصغر ابني والأكبر ابن ~~شريكي أو قدم وأخر فقال الأكبر ابن شريكي والأصغر ابني ثبت نسب الأصغر منه ~~وعتق وصارت الجارية أم ولد له وعتق وضمن لشريكه نصف قيمة الجارية ونصف ~~العقر ونسب الأكبر موقوف على تصديق شريكه فإن صدقه ثبت النسب منه ويغرم ~~لمدعي الأصغر نصف قيمة الأكبر وإن كذبه صار كعبد بين شريكين شهد أحدهما على ~~صاحبه بالإعتاق ms3870 وكذبه صاحبه لما علم في كتاب العتاق. # ولو ولدت جارية في يد إنسان ثلاثة أولاد فادعى أحدهم فنقول لا يخلو إما ~~إن ولدوا في بطن واحد وإما إن ولدوا في بطون مختلفة ولا يخلو إما إن ادعى ~~أحدهم بعينه وإما إن ادعى أحدهم بغير عينه فإن ولدوا في بطن واحد فادعى ~~أحدهم بغير عينه فقال أحد هؤلاء ابني أو عين واحدا منهم فقال هذا ابني ~~عتقوا وثبت نسب الكل منه لأن من ضرورة ثبوت نسب أحدهم ثبوت نسب الباقين ~~لأنهم توأم علقوا من ماء واحد فلا يفصل بين البعض والبعض في النسب وإذا ثبت ~~نسبهم صارت الجارية أم ولد له هذا إذا ولدوا في بطن واحد وأما إذا ولدوا في ~~بطون مختلفة فقال الأكبر ولدي ثبت نسبه منه وصارت الجارية أم ولد له وهل ~~يثبت نسب الأوسط والأصغر القياس أن يثبت وهو قول زفر - رحمه الله - ويكون ~~حكمهما حكم الأم وفي الاستحسان لا يثبت وجه القياس ظاهر لأنه لما ثبت نسب ~~الأكبر فقد صارت الجارية أم ولد له فكان الأوسط والأصغر ولد أم الولد وولد ~~أم الولد يثبت نسبه من مولاها من غير دعوة ما لم يوجد النفي منه ولم يوجد ~~وجه الاستحسان أن النفي فيه وإن لم يوجد نصا فقد وجد دلالة وهو الإقدام على ~~تخصيص أحدهم بالدعوة فإن ذلك دليل نفي البواقي إذ لو لم يكن كذلك لم يكن ~~لتخصيص البعض مع استواء الكل في استحقاق الدعوة معنى هذا إذا ادعى الأكبر ~~فأما إذا ادعى الأوسط فهو حر ثابت النسب منه وصارت الجارية أم ولد له ~~والأكبر رقيق لأنه ولد على ملكه ولم يدعه أحد وهل يثبت نسب الأصغر فهو على ~~ما ذكرنا من القياس والاستحسان هذا إذا ادعى الأوسط فأما إذا ادعى الأصغر ~~فهو حر ثابت النسب والجارية أم ولد له والأكبر والأوسط رقيقان لما ذكرنا ~~هذا إذا ادعى أحدهم بعينه فأما إذا ادعى بغير عينه فقال أحد هؤلاء ابني فإن ~~بين فالحكم فيه ما ذكرنا وإن ms3871 مات قبل البيان عتقت الجارية بلا شك لأنه لما ~~ادعى نسب أحدهم فقد أقر أن الجارية أم ولد له وأم الولد تعتق بموت السيد ~~وأما حكم الأولاد في العتق فقد ذكرنا الاختلاف فيه بين أبي حنيفة وصاحبيه ~~رضوان الله تعالى عليهم في كتاب العتاق عبد صغير بين اثنين أعتقه أحدهما ثم ~~ادعاه الآخر ثبت نسبه منه عند أبي حنيفة - رحمه الله - ونصف ولائه للآخر ~~وعندهما لا يثبت نسبه بناء على أن الإعتاق يتجزأ عنده فيبقى نصيب المدعي ~~على ملكه فتصح دعوته فيه وعندهما لا يتجزأ ويعتق الكل فلم يبق للمدعي فيه ~~ملك فلم تصح دعوته وإن كان العبد كبيرا فكذلك عنده لما ذكرنا أنه يبقى ~~الملك له في نصيبه وعندهما إن صدقه العبد ثبت النسب وإلا فلا لأنه عتق كله ~~بإعتاق البعض فلا بد من تصديقه ويخرج على الأصل الذي ذكرنا دعوة العبد ~~المأذون ولد جارية من أكسابه أنها تصح ويثبت نسب الولد منه لأن ملك اليد ~~ثابت له وأنه كاف لثبات # PageV06P247 # النسب ولو ادعى المضارب ولد جارية المضاربة لم تصح دعوته إذا لم يكن في ~~المضارب ربح لأنه لا بد لثبات النسب من ملك ولا ملك للمضارب أصلا لا ملك ~~الذات ولا ملك اليد إذا لم يكن في المضاربة ربح ولو ادعى ولدا من جارية ~~لمولاه ليس من تجارته وادعى أن مولاها أحلها له أو زوجها منه لا يثبت نسبه ~~منه إلا بتصديق المولى لأنه أجنبي عن ملك المولى لانعدام الملك له فيه أصلا ~~فالتحق بسائر الأجانب إلا في الحد فإن كذبه المولى ثم عتق فملك الجارية ~~بوجه من الوجوه نفذت دعوته لأنه أقر بجهة مصححة للنسب لكن توقف نفاذه لحق ~~المولى وقد زال. # ولو تزوج المأذون حرة أو أمة فوطئها ثبت النسب منه سواء كان النكاح بإذن ~~المولى أو لا لأن النسب ثبت بالنكاح صحيحا كان أو فاسدا وعلى هذا دعوة ~~المكاتب ولد جارية من أكسابه صحيحة لأن ملك اليد والتصرف ثابت له كالمأذون ~~وإذا ثبت نسب الولد ms3872 منه لم يجز بيع الولد ولا بيع الجارية أما الولد فلأنه ~~مكاتب عليه ولا يجوز بيع المكاتب وأما الأم فلأنه له فيها حق ملك ينقلب ذلك ~~الحق حقيقة عند الأداء فمنع من بيعها والعبد المسلم والذمي سواء في دعوى ~~النسب وكذا المكاتب المسلم والذمي لأن الكفر لا ينافي النسب ويستوي في ~~دعوته الاستيلاد وجود الملك وعدمه عند الدعوة بعد أن كان العلوق في الملك ~~فإن كان العلوق في غير الملك كانت دعوته دعوة تحرير فيشترط قيام الملك عند ~~الدعوة فإن كان في ملكه يصح وإن كان في ملك غيره لا يصح إلا بشرط التصديق ~~أو البينة فنقول جملة الكلام فيه أن الدعوة نوعان دعوة الاستيلاد ودعوة ~~تحرير فدعوة الاستيلاد هي أن يكون علوق المدعى في ملك المدعي وهذه الدعوة ~~تستند إلى وقت العلوق وتتضمن الإقرار بالوطء فيتبين أنه علق حرا ودعوة ~~التحرير هو أن يكون علوق المدعى في غير ملك المدعي وهذه الدعوة تقتصر على ~~الحال ولا تتضمن الإقرار بالوطء لعدم الملك وقت العلوق وبيان هذه الجملة في ~~مسائل إذا ولدت جارية في ملك رجل لستة أشهر فصاعدا فلم يدع الولد حتى باع ~~الأم والولد ثم ادعى الولد صحت دعوته ويثبت النسب منه وعتق وظهر أن الجارية ~~أم ولد له ويبطل البيع في الجارية وفي ولدها وهذا استحسان وفي القياس أن لا ~~تصح دعوته ولا يثبت النسب لعدم الملك وقت الدعوة وجه الاستحسان أن قيام ~~الملك وقت الدعوة ليس بشرط لصحة هذه الدعوة بل الشرط أن يكون علوق الولد في ~~الملك لأن هذه الدعوة تستند إلى وقت العلوق فإذا كان علوق الولد في ملك ~~المدعي فقد ثبت له حق استحقاق النسب وأنه لا يحتمل البطلان كما لا يحتمل ~~حقيقة النسب فلم يبطل البيع وصحت دعوته وظهر أن الجارية كانت أم ولد فلم ~~يصح بيعها وبيع ولدها فيردها وولدها ويرد الثمن ولو لم يدعه البائع حتى خرج ~~عن ملك المشتري بوجه من الوجوه ينظر إن كان ذلك يحتمل الفسخ يفسخ وإن ms3873 لم ~~يحتمله لا يفسخ إلا لضرورة فنقول بيانه إذا كان المشتري باع الولد أو وهبه ~~أو رهنه أو آجره أو كاتبه فادعاه البائع نقض ذلك وثبت النسب لأن هذه ~~التصرفات مما يحتمل الفسخ والنقض وكذلك لو كان المشتري باع الأم أو كاتبها ~~أو رهنها أو آجرها أو زوجها لما قلنا ولو كان أعتقها أو أعتق الولد لم تصح ~~دعوة البائع لأن العتق بعد ثبوته لا يحتمل البطلان إلا لضرورة لأنه يعقبه ~~أثر لا يحتمل البطلان وهو الولاء وكذلك لو مات الولد أو قتل لأن الميت ~~مستغن عن النسب وكذلك لو كان المشتري باع الولد فأعتقه المشتري أو دبره أو ~~مات عبده لم تصح دعوة البائع لما قلنا ولو كان المشتري أعتق الأم أو دبرها ~~دون الولد صحت دعوته في الولد ولم تصح في الأم وفسخ البيع في الولد ولا ~~يفسخ في الأم لأن المانع من الفسخ خص الأم ولا تصير الجارية أم ولد له لأن ~~أمومية الولد ليست من لوازم ثبات النسب بل تنفصل عنه في الجملة كمن استولد ~~جارية الغير بالنكاح يثبت نسب الولد منه ولا تصير الجارية أم ولد له للحال ~~إلا أن يملكها بوجه من الوجوه وإذا فسخ البيع في الولد يرد البائع من الثمن ~~حصة الولد فيقسم الثمن على قدر قيمتهما فتعتبر قيمة الأم يوم العقد وقيمة ~~الولد يوم الولادة لأنه إنما صار ولدا بالولادة فتعتبر قيمته يومئذ فيسقط ~~قدر قيمة الأم ويرد قدر قيمة الولد ولو كانت قطعت يد الولد عند المشتري ~~وأخذ أرشها ثم ادعاه البائع ثبت نسبه وسلم الأرش للمشتري لأن هذه دعوة ~~الاستيلاد وأنها تستند إلى # PageV06P248 # وقت العلوق ومن شأن المستند أن يثبت للحال أولا ثم يستند فيستدعي قيام ~~المحل للحال لاستحالة ثبوت الحكم في الهالك واليد المقطوعة هالكة فلا يمكن ~~تصحيح الدعوة فيها بطريق الاستناد ويسقط عن البائع من الثمن حصة الولد لأنه ~~سلم البدل للمشتري وهو الأرش ولو ماتت الأم ثم ادعى البائع الولد صحت دعوته ~~وثبت النسب لأن محل ms3874 النسب قائم وهو الولد وأمومية الولد ليست من لوازم ثبوت ~~النسب لما تقدم فثبت نسب الولد وإن لم تصر الجارية أم ولد له وهل يرد جميع ~~الثمن عند أبي حنيفة نعم وعندهما لا يرد إلا قدر قيمة الولد فتعتبر ~~القيمتان ويقسم الثمن على قدر قيمتهما فما أصاب قيمة الأم يسقط وما أصاب ~~قيمة الولد يرد لأنه ظهر أن الجارية أم ولده ومن باع أم ولده ثم هلكت عند ~~المشتري لا تكون مضمونة عليه عنده وعندهما تكون مضمونة عليه ولقب المسألة ~~أن أم الولد غير متقومة من حيث إنها مال عنده وعندهما متقومة وهي من مسائل ~~العتاق وعلى هذا إذا باعها والحمل غير ظاهر فولدت في يد المشتري لأقل من ~~ستة أشهر فادعاه البائع وعلى هذا إذا حملت الجارية في ملكه فباعها وهي حامل ~~فولدت عند المشتري لأقل من ستة أشهر فادعاه البائع هذا إذا ولدت ولدا ~~(فأما) إذا ولدت ولدين في بطن واحد فادعى البائع فإن ادعاهما ثبت نسب ~~الولدين منه وهذا ظاهر وكذا إذا ادعى أحدهما صحت دعوته ولزمه الولدان جميعا ~~لما مر أن التوأمين لا يحتملان الفصل في النسب لانخلاقهما من ماء واحد فإن ~~ولدت أحدهما لأقل من ستة والآخر لأكثر من ستة أشهر فادعى أحدهما ثبت نسبهما ~~ويجعل كأنهما ولدتهما جميعا عند البائع لأقل من ستة أشهر لأنهما كانا جميعا ~~في البطن وقت البيع ولو ولدتهما عند البائع فباع أحد الولدين مع الأم ثم ~~ادعى الولد الذي عنده ثبت نسبه ونسب الولد المبيع أيضا سواء كان المشتري ~~ادعاه أو أعتقه لما ذكرنا أنهما لا يحتملان الفصل في ثبات النسب فمن ضرورة ~~ثبوت نسب أحدهما ثبوت نسب الآخر وكذلك لو ولدتهما عند المشتري فأعتق أحدهما ~~ثم ادعى البائع الآخر ثبت نسبهما جميعا وينتقض العتق ضرورة فرقا بين الولد ~~وبين الأم أنه لو كان أعتق الأم فادعى البائع الولد لا ينتقض العتق في الأم ~~وينتقض في الولد لأن العتق لا يحتمل الفسخ مقصودا وإنما يحتمله للضرورة وفي ~~الولد ضرورة ms3875 عدم الاحتمال للانفصال في النسب ولا ضرورة في الأم لما ذكرنا ~~أن أمومية الولد تنفصل عن إثبات النسب في الجملة ولو قطعت يد أحد الولدين ~~ثم ادعاهما البائع ثبت نسبهما وكان الأرش للمشتري لا للبائع إلا أن يقيم ~~البائع البينة على الدعوة قبل البيع فتكون له لما ذكرنا أن ما ثبت بطريق ~~الاستناد ثبت في الحال ثم يستند فيستدعي قيام المحل للحال واليد المقطوعة ~~هالكة فلا يظهر أثر الدعوة فيها ولو قتل أحدهما ثم ادعاهما البائع ثبت ~~نسبهما وكانت قيمة المقتول لورثة المقتول لا للمشتري فرقا بين القتل والقطع ~~(ووجه) الفرق أن محل حكم الدعوة مقصودا هو النفس وإنما يظهر في الأطراف ~~تبعا للنفس وبالقطع انقطعت التبعية فلا يظهر حكم الدعوة فيها فسلم الأرش ~~للمشتري ونفس كل واحد من التوأمين أصل في حكم الدعوة فمتى صحت في أحدهما ~~تصح في الآخر وإن كان مقتولا ضرورة أنه لا يتصور الفصل بينهما في النسب ~~ومتى صحت الدعوة استندت إلى وقت العلوق لأنها دعوة الاستيلاد فتبين أنهما ~~علقا حرين فكان ينبغي أن تجب الدية لورثة المقتول لا القيمة إلا أنه وجبت ~~القيمة لأن صحة هذه الدعوة بطريق الاستناد والمستند يكون ظاهرا من وجه ~~مقتصرا على الحال من وجه فعملنا بالشبهين فأوجبنا القيمة عملا بشبه ~~الاقتصاد وجعلنا الواجب لورثة المقتول عملا بشبه الظهور عملا بالدليلين ~~بقدر الإمكان وكذلك لو أعتق المشتري أحدهما ثم قتل وترك ميراثا فأخذ ديته ~~وميراثه بالولاء ثم ادعى البائع الولدين فإنه يقضى بالحي وأمه للبائع ويثبت ~~نسب الولد المقتول منه ويأخذ الدية والميراث من المشتري لما قلنا هذا إذا ~~ولدت في يد المشتري لأقل من ستة أشهر من وقت البيع فإن ولدت لستة أشهر ~~فصاعدا لم تصح دعوة البائع إلا أن يصدقه المشتري لأنا لم نتيقن بالعلوق في ~~الملك فلم يمكن تصحيح هذه الدعوة دعوة استيلاد فتصحح دعوة تحرير ويشترط ~~لصحة هذه الدعوة قيام الملك للمدعي وقت الدعوة ولم يوجد فلا تصح إلا إذا ~~صدقه المشتري فتصح لأنه أقر بنسب ms3876 عبد غيره وقد صدقه الغير في ذلك فثبت نسبه ~~ويكون عبدا لمولاه ولو # PageV06P249 # ادعى المشتري نسبه بعد تصديقه البائع لم يصح لما مر أن النسب متى ثبت ~~لإنسان في زمان لا يتصور ثبوته من غيره بعد ذلك هذا كله إذا كانت الدعوى من ~~البائع فإن كانت من المشتري وقد ولدت لأقل من ستة أشهر صحت دعوته وثبت ~~النسب لأن هذه دعوة تحرير لا دعوة استيلاد لتيقننا أن العلوق لم يكن في ~~الملك فيستدعي قيام الملك وقت الدعوة وقد وجد فلو ادعاه البائع بعد ذلك لا ~~تسمع دعوته لما مر أن إثبات نسب ولد واحد من اثنين على التعاقب يمتنع ولو ~~ادعاه البائع والمشتري معا فدعوة البائع أولى لأن دعوته دعوة استيلاد لوقوع ~~العلوق في الملك وأنها تستند إلى وقت العلوق ودعوة المشتري دعوة تحرير ~~لوقوع العلوق في غير الملك بيقين وأنها تقتصر على الحال والمستند أولى لأنه ~~سابق في المعنى والأسبق أولى كرجلين ادعيا تلقي الملك من واحد وتاريخ ~~أحدهما أسبق كان الأسبق أولى كذا هذا وعلى هذا إذا ولدت أمة رجل ولدا في ~~ملكه لستة أشهر فصاعدا فادعاه أبوه ثبت نسبه منه سواء ادعى شبهة أو لا صدقه ~~الابن في ذلك أو كذبه لأن الإقرار بنسب الولد إقرار بوطء الجارية والأب إذا ~~وطئ جارية ابنه من غير نكاح يصير متملكا إياها لحاجته إلى نسب ولد يحيا به ~~ذكره ولا يثبت النسب إلا بالملك وللأب ولاية تملك مال ابنه عند حاجته إليه ~~ألا ترى أنه يتملك ماله عند حاجته إلى الإنفاق على نفسه كذا هذا إلا أن ~~هناك يتملك بغير عوض وهنا بعوض وهو قيمة الجارية لتفاوت بين الحاجتين إذ ~~الحاجة هناك إلى إبقاء النفس والحاجة هنا إلى إبقاء الذكر والاسم والتملك ~~بغير عوض أقوى من التملك بعوض لأن ما قابله عوض كان تملكا صورة لا معنى وقد ~~دفع الشارع كل حاجة بما يناسبها فدفع حاجة استيفاء المهجة بالتملك بغير بدل ~~وحاجة استيفاء الذكر بالتملك ببدل رعاية للجانبين جانب الابن ms3877 وجانب الأب ~~وتصديق الابن ليس بشرط فسواء صدقه الابن في الدعوى والإقرار أو كذبه يثبت ~~النسب فرقا بين هذا وبين المولى إذا ادعى ولد أمة مكاتبه أنه لا يثبت نسبه ~~منه إلا بتصديق المكاتب (ووجه) الفرق ظاهر لأنه لا ولاية للمولى على مال ~~المكاتب فكان أجنبيا عنه فوقعت الحاجة إلى تصديقه وللأب ولاية على مال ابنه ~~فلا يحتاج إلى تصديقه لصحة هذه الدعوة لكن من شرط صحة هذه الدعوة كون ~~الجارية في ملك الابن من وقت العلوق إلى وقت الدعوة حتى لو اشتراها الابن ~~فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر فادعاه الأب لا تصح دعوته لانعدام الملك وقت ~~العلوق وكذا لو باعها فجاءت بولد في يد المشتري لأقل من ستة أشهر فادعاه ~~الأب لم تصح لانعدام الملك وقت الدعوة وكذا لو كان العلوق في ملكه وولدت في ~~ملكه وخرجت عن ملكه فيما بينهما لانقطاع الملك فيما بينهما ثم إنما كان ~~قيام الملك للابن في الجارية من وقت العلوق إلى وقت الدعوة شرطا لصحة هذه ~~الدعوة لأن الملك يثبت مستندا إلى زمان العلوق ولا يثبت الملك إلا بالتملك ~~ولا تملك إلا بولاية التملك لأن تملك مال الإنسان عليه كرها وتنفيذ التصرف ~~عليه جبرا لا يكون إلا بالولاية فلا بد من قيام الولاية فإذا لم تكن ~~الجارية في ملكه من وقت العلوق إلى وقت الدعوة لم تتم الولاية فلا يستند ~~الملك وكذلك الأب لو كان كافرا أو عبدا فادعى لا تصح دعوته لأن الكفر والرق ~~ينفيان الولاية ولو كان كافرا فأسلم أو عبدا فأعتق فادعى نظر في ذلك إن ~~ولدت بعد الإسلام أو الإعتاق لأقل من ستة أشهر لم تصح دعوته لانعدام ولاية ~~التملك وقت العلوق وإن ولدت لستة فصاعدا صحت دعوته ويثبت النسب لقيام ~~الولاية ولو كان معتوها فأفاق صحت دعوته استحسانا والقياس أن لا تصح لأن ~~الجنون مناف للولاية بمنزلة الكفر والرق (وجه) الاستحسان أن الجنون أمر ~~عارض كالإغماء وكل عارض على أصل إذا زال يلتحق بالعدم من الأصل كأنه ms3878 لم يكن ~~كما لو أغمي عليه ثم أفاق ولو كان مرتدا فادعى ولد جارية ابنه فدعوته ~~موقوفة عند أبي حنيفة لتوقف ولايته وعندهما صحيحة لنفاذ ولايته بناء على أن ~~تصرفات المرتد موقوفة عنده وعندهما نافذة وإذا ثبت الولد من الأب فنقول ~~صارت الجارية أم ولد ولا عقر عليه عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله تعالى ~~وعند زفر والشافعي رحمهما الله يجب عليه العقر (وجه) قولهما أن الملك ثبت ~~شرطا لصحة الاستيلاد والاستيلاد إيلاج منزل معلق فكان الفعل قبل الإنزال ~~خاليا عن الملك فيوجب العقر ولهذا يوجب نصف العقر في الجارية المشتركة بين ~~الأجنبيين إذا جاءت بولد فادعاه أحدهما لأن # PageV06P250 # الوطء في نصيب شريكه حصل في غير الملك فيوجب نصف العقر. # (ولنا) أن الإيلاج المنزل المعلق من أوله إلى آخره إيلاج واحد فكان من ~~أوله إلى آخره استيلادا فلا بد وأن يتقدمه الملك أو يقارنه على جارية ~~مملوكة لنفسه فلا عقر بخلاف الجارية المشتركة؛ لأن ثمة لم يكن نصيب الشريك ~~شرطا لصحة الاستيلاد وثبات النسب؛ لأن نصف الجارية ملكه وقيام أصل الملك ~~يكفي لذلك وإنما يثبت حكما للثابت في نصيبه قضية للنسب ضرورة أنه لا يتجزأ ~~وحكم الشيء لا يسبقه بل يتعقبه فوطء المدعي صادف نصيبه ونصيب شريكه ولا ملك ~~له في نصيب شريكه والوطء في غير الملك يوجب الحد إلا أنه سقط للشبهة فوجب ~~العقر وهنا التملك ثبت شرطا لثبوت النسب وصحة الاستيلاد وشرط الشيء يكون ~~سابقا عليه أو مقارنا له فالوطء صادف ملك نفسه فلا يوجب العقر ولا يضمن ~~قيمة الولد أيضا؛ لأنه علق حرا وإن كانت الجارية مملوكة لا ولاء عليه؛ لأن ~~ذلك حكم الإعتاق فيستدعي تقدم الرق ولم يوجد ودعوة الجد أبي الأب ولد جارية ~~ابن الابن بمنزلة دعوة الأب عند انعدامه أو عند انعدام ولايته (فأما) عند ~~قيام ولايته فلا حتى لو كان الجد نصرانيا وحافده مثله والأب مسلم لم تصح ~~دعوة الجد لقيام ولاية الأب وإن كان الأب ميتا أو كان كافرا أو عبدا تصح ~~دعوة ms3879 الجد لانقطاع ولاية الأب وكذا إذا كان الأب معتوها من وقت العلوق إلى ~~وقت الدعوة صحت دعوة الجد لما قلنا فإن أفاق ثم ادعى الجد لم تصح دعوته؛ ~~لأنه لما أفاق فقد التحق العارض بالعدم من الأصل فعادت ولاية الأب فسقطت ~~ولاية الجد ولو كان الأب مرتدا فدعوة الجد موقوفة عند أبي حنيفة - رحمه ~~الله - فإن قتل على الردة أو مات صحت دعوة الجد وإن أسلم لم تصح لتوقف ~~ولايته عنده كتوقف تصرفاته وعندهما لا تصح دعوة الجد؛ لأن تصرفاته عندهما ~~نافذة فكانت ولايته قائمة هذا إذا وطئ الأب جارية الابن من غير نكاح (فأما) ~~إذا وطئها بالنكاح ثبت النسب من غير دعوة سواء وطئها بنكاح صحيح أو فاسد؛ ~~لأن النكاح يوجب الفراش بنفسه صحيحا كان أو فاسدا ولا يتملك الجارية؛ لأنه ~~وطئها على ملك الابن بعقد النكاح وعند الشافعي - رحمه الله - لا يجوز هذا ~~النكاح لما علم في كتاب النكاح ويعتق الولد على أخيه بالقرابة؛ لأن النسب ~~إنما يثبت بعقد النكاح لا بملك اليمين فبقيت الجارية على ملك الابن وقد ملك ~~الابن أخاه فيعتق عليه فإن ملك الأب الجارية بوجه من الوجوه صارت أم ولد له ~~لوجود سبب أمومية الولد وهو ثبات النسب إلا أنه توقف حكمه على وجود الملك ~~فإذا ملكها صارت أم ولد له هذا كله إذا ادعى الأب ولد جارية ابنه فأما إذا ~~ادعى ولد أم ولده أو مدبرته بأن جاءت بولد فنفاه الابن حتى انتفى نسبه منه ~~ثم ادعاه الأب لم يثبت نسبه منه في ظاهر الرواية وعليه نصف العقر وروي عن ~~أبي يوسف - رحمه الله - أنه فرق بين ولد أم الولد وبين ولد المدبرة فقال لا ~~يثبت نسب ولد أم الولد ويثبت نسب ولد المدبرة من الأب وعليه قيمة الولد ~~والعقر والولاء للابن (وجه) هذه الرواية أن إثبات النسب لا يقف على ملك ~~الجارية لا محالة فإن نسب ولدا لأمة المنكوحة يثبت من الزوج والأمة ملك ~~المولى (وأما) القيمة؛ فلأنه ولد ثابت النسب علق ms3880 حرا فأشبه ولد المغرور ~~فيكون حرا بالقيمة والولاء للابن؛ لأنه استحقه بالتدبير وأنه لا يحتمل ~~الفسخ بعد الاستحقاق بخلاف ولد أم الولد؛ لأن أم الولد فراش لمولاها فكان ~~الولد مولودا على فراش الابن والمولود على فراش إنسان لا يثبت نسبه من غيره ~~وإن انتفى عنه بالنفي كما في اللعان والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأن النسب ~~لا يثبت إلا بالملك وأم الولد والمدبرة لا يحتملان التملك ويضمن العقر؛ ~~لأنه إذا لم يتملكها فقد حصل الوطء في غير الملك وقد سقط الحد للشبهة فيجب ~~العقر هذا إذا لم يصدقه الابن في الدعوى بعدما نفاه فإن صدقه ثبت النسب ~~بالإجماع؛ لأن نسب ولد جارية الأجنبي يثبت من المدعي بتصديقه في النسب فنسب ~~ولد جارية الابن أولى ويعتق على الابن؛ لأن أخاه ملكه وولاؤه له؛ لأن ~~الولاء لمن أعتق ولو ادعى ولد مكاتبة ابنه لم يثبت نسبه منه؛ لأن النسب لا ~~يثبت بدون الملك والمكاتبة لا تحتمل التملك فلا تصح دعوته إلا إذا عجزت ~~فتنفذ دعوته؛ لأنها إذا عجزت فقد عادت قنا وجعل المعارض كالعدم من الأصل ~~فصار كما لو ادعى قبل الكتابة والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV06P251 ### | [فصل في بيان ما يظهر به النسب] # فصل} وأما بيان ما يظهر به النسب فالنسب يظهر بالدعوة مرة وبالبينة أخرى ~~أما ظهور النسب بالدعوة فيستدعي شرائط صحة الدعوة والإقرار بالنسب وسنذكره ~~في كتاب الإقرار إلا أنه قد يظهر بنفس الدعوة وقد لا يظهر إلا بشريطة ~~التصديق فنقول جملة الكلام فيه أن المدعى نسبه إما أن يكون في يد نفسه وإما ~~أن لا يكون فإن كان في يد نفسه لا يثبت نسبه من المدعي إلا إذا صدقه؛ لأنه ~~كان في يد نفسه فإقراره يتضمن إبطال يده فلا تبطل إلا برضاه وإن لم يكن في ~~يد نفسه فإما أن يكون مملوكا وإما أن لم يكن فإن كان مملوكا يثبت نسبه بنفس ~~الدعوة إذا كان في ملك المدعي وقت الدعوة وإن كان في ملك غيره عند الدعوة ~~فإن كان علوقه ms3881 في ملك المدعي ثبت نسبه بنفس الدعوة أيضا. # وإن لم يكن علوقه في ملكه لا يثبت نسبه إلا بتصديق المالك على ما ذكرنا ~~وإن لم يكن مملوكا فإما إن لم يكن في يد أحد لا في يد غيره ولا في يد نفسه ~~كالصبي المنبوذ وإما إن كان في يد أحد كاللقيط فإن لم يكن في يد أحد ثبت ~~نسبه بنفس الدعوة استحسانا والقياس أن لا يثبت (وجه) القياس أنه ادعى أمرا ~~جائز الوجود والعدم فلا بد لترجيح أحد الجانبين من مرجح ولم يوجد فلم تصح ~~الدعوة. # (وجه) الاستحسان أنه عاقل أخبر بما هو محتمل الثبوت وكل عاقل أخبر بما ~~يحتمل الثبوت يجب تصديقه تحسينا للظن به وهو الأصل إلا إذا كان في تصديقه ~~ضرر بالغير وهنا في التصديق نظر من الجانبين جانب اللقيط بالوصول إلى شرف ~~النسب والحضانة والتربية وجانب المدعي بولد يستعين به على مصالحه الدينية ~~والدنيوية وتصديق العاقل في دعوى ما ينتفع به ولا يتضرر غيره به واجب ولو ~~ادعاه رجلان ثبت نسبه منهما عندنا وعند الشافعي - رحمه الله - لا يثبت إلا ~~من أحدهما ويتعين بقبول القافة على ما ذكرنا ولو ادعاه أكثر من رجلين فعند ~~أبي حنيفة - رحمه الله - يثبت نسبه من خمسة وعند أبي يوسف - رحمه الله - من ~~اثنين وعند محمد - رحمه الله - من ثلاثة. # وقد مرت المسألة ولو ادعته امرأتان صحت دعوتهما عند أبي حنيفة وعندهما لا ~~تصح وسنذكر الحجج من بعد إن شاء الله تعالى هذا إذا لم يكن في يد أحد فإن ~~كان وهو اللقيط ثبت نسبه من الملتقط بنفس الدعوة استحسانا والقياس أن لا ~~يثبت إلا بالبينة وقد ذكرنا وجههما فيما تقدم وكذا من الخارج صدقه الملتقط ~~في ذلك أو لا استحسانا والقياس أن لا يثبت إذا كذبه. # (وجه) القياس أن هذا إقرار تضمن إبطال يد الملتقط؛ لأن يده عليه ثابتة ~~حقيقة وشرعا حتى لو أراد غيره أن ينزعه من يده جبرا ليحفظه ليس له ذلك ~~والإقرار إذا تضمن إبطال الغير لا ms3882 يصح وجه الاستحسان أن يد المدعي أنفع ~~للصبي من يد الملتقط؛ لأنه يقوم بحضانته وتربيته ويتشرف بالنسب فكان المدعي ~~به أولى وسواء كان المدعي مسلما أو ذميا استحسانا والقياس أن لا تصح دعوة ~~الذمي (ووجهه) أنا لو صححنا دعوته وأثبتنا نسب الولد منه للزمنا استتباعه ~~في دينه وهذا يضر فلا تصح دعوته وجه الاستحسان أنه ادعى أمرين ينفصل أحدهما ~~عن الآخر في الجملة وهو النسب والتبعية في الدين إذ ليس من ضرورة كون الولد ~~منه أن يكون على دينه ألا يرى أنه لو أسلمت أمه يحكم بإسلامه وإن كان أبوه ~~كافرا فيصدق فيما ينفعه ولا يصدق فيما يضره ويكون مسلما. # وذكر في النوادر أن من التقط لقيطا فادعاه نصراني فهو ابنه ثم إن كان ~~عليه زي المسلمين فهو مسلم وإن كان عليه زي الشرك بأن يكون في رقبته صليب ~~ونحو ذلك فهو على دين النصارى هذا إذا أقر الذمي أنه ابنه فإن أقام البينة ~~على ذلك فإن كان الشهود من أهل الذمة لا تقبل شهادتهم في استتباع الولد في ~~دينه؛ لأن هذه شهادة تضمنت إبطال يد المسلم وهو الملتقط فكانت شهادة على ~~المسلم فلا تقبل وإن كانوا من المسلمين تقبل ويكون الولد على دينه فرقا بين ~~الإقرار وبين البينة وذلك أنه متهم في إقراره ولا تهمة في الشهادة وسواء ~~كان المدعي حرا أو عبدا؛ لأنه ادعى شيئين أحدهما يحتمل الفصل على الآخر وهو ~~النسب والرق فيصدق فيما ينفعه ولا يصدق فيما يضره ولو ادعاه الخارج ~~والملتقط معا فالملتقط أولى لاستوائهما في الدعوة ونفع الصبي فترجح باليد ~~فإن سبقت دعوة الملتقط لا تسمع دعوة الخارج؛ لأنه ثبت نسبه منه فلا يتصور ~~ثبوته من غيره بعد ذلك إلا أن يقيم البينة؛ لأن الدعوة لا تعارض البينة. # ولو ادعاه خارجان فإن كان # PageV06P252 # أحدهما مسلما والآخر ذميا فالمسلم أولى؛ لأنه يتبعه في الإسلام فكان أنفع ~~للصبي وكذا إذا ادعته مسلمة وذمية فالمسلمة أولى ولو شهد للذمي مسلمان ~~وللمسلم ذميان فهو للمسلم؛ لأن الحجتين وإن ms3883 تعارضتا فإسلام المدعي كاف ~~للترجيح ولو كان أحدهما حرا والآخر عبدا فالحر أولى؛ لأنه أنفع للقيط وإن ~~كانا حرين مسلمين فإن ذكر أحدهما علامة في بدن اللقيط ولم يذكر الآخر ~~فوافقت دعوته العلامة فصاحبها أولى لرجحان دعواه بالعلامة؛ لأن الشرع ورد ~~بالترجيح بالعلامة في الجملة قال الله تبارك وتعالى في قصة سيدنا يوسف عليه ~~أفضل التحية {وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من ~~الكاذبين} [يوسف: 26] {وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين} ~~[يوسف: 27] {فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم} ~~[يوسف: 28] جعل قد القميص من خلف دليل مراودتها إياه لما أن ذلك علامة ~~جذبها إياه إلى نفسها والقد من قدام علامة دفعها إياه عن نفسها وكذلك قال ~~أصحابنا في لؤلئي ودباغ في حانوت واحد هو في أيديهما فيه لؤلؤ وإهاب ~~فتنازعا أنه فيهما يقضى باللؤلؤ للؤلئي وبالإهاب للدباغ؛ لأن الظاهر يشهد ~~باللؤلؤ للؤلئي وبالإهاب للدباغ. # وكذلك قالوا في الزوجين اختلفا في متاع البيت أن ما يكون للرجال يجعل في ~~يد الزوج وما يكون للنساء يجعل في يدها ونحو ذلك من المسائل بناء على ظاهر ~~الحال وغالب الأمر كذا هذا فإن ادعى أحدهما علامات في هذا اللقيط فوافق ~~البعض وخالف البعض ذكر الكرخي - رحمه الله - أنه يثبت نسبه منهما؛ لأنه وقع ~~التعارض في العلامات فسقط الترجيح بها كأن سكت عن ذكر العلامة رأسا وإن لم ~~يذكر أحدهما علامة أصلا ولكن لأحدهما بينة فإنه يقضى له؛ لأن الدعوة لا ~~تعارض البينة وإن لم يكن لأحدهما بينة ثبت نسبه منهما جميعا وهذا عندنا ~~لاستوائهما في الدعوة وعند الشافعي - رحمه الله - لا يثبت نسبه إلا من ~~أحدهما ويتعين بقول القافة على ما ذكرنا والكلام مع الشافعي - رحمه الله - ~~تقدم ولو كان المدعي أكثر من رجلين فهو على الخلاف الذي ذكرناه في الجارية ~~المشتركة. # ولو قال أحد المدعيين هو ابني وهو غلام فإذا هو جارية لم يصدق؛ لأنه ظهر ~~كذبه ms3884 بيقين ولو قال أحدهما هو ابني وقال الآخر هو ابنتي فإذا هو خنثى يحكم ~~مباله فإن كان يبول من مبال الرجال فهو ابن مدعي البنوة وإن كان يبول من ~~مبال النساء فهي ابنة مدعي البنتية وإن كان يبول منهما جميعا يعتبر السبق ~~فإن استويا في السبق فهو مشكل عند أبي حنيفة وعندهما تعتبر كثرة البول فإن ~~استويا في ذلك فهو مشكل؛ لأن هذا حكم الخنثى وينبغي أن يثبت نسبه منهما ~~جميعا ولو قال الملتقط هو ابني من زوجتي هذه فصدقته فهو ابنهما حرة كانت أو ~~أمة غير أنها إن كانت حرة كان الابن حرا بالإجماع وإن كانت أمة كان ملكا ~~لمولى الأمة عند أبي يوسف وعند محمد يكون حرا وجه قول محمد أن نسبه وإن ثبت ~~من الأمة لكن في جعله تبعا لها في الرق مضرة بالصبي وفي جعله حرا منفعة له ~~فيتبعها فيما ينفعه ولا يتبعها فيما يضره كالذمي إذا ادعى نسب لقيط ثبت ~~نسبه منه لكن لا يتبعه فيما يضره وهو دينه لما قلنا كذا هذا وجه قول أبي ~~يوسف أن الأصل أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية فكان من ضرورة ثبوت ~~النسب منها أن يكون رقيقا والرق وإن كان يضره فهو ضرر يلحقه ضرورة غيره فلا ~~يعتبر. # ولو ادعته امرأة أنه ابنها وهي حرة أو أمة ذكر في الأصل أنها لا تصدق على ~~ذلك حتى تقيم البينة أنها ولدته وإن أقامت امرأة واحدة على الولادة قبلت ~~إذا كانت حرة عدلة أطلق الجواب في الأصل ولم يفصل بين ما إذا كان لها زوج ~~أم لا منهم من حمل هذا الجواب على ما إذا كان لها زوج؛ لأنه إذا كان لها ~~زوج كان في تصحيح دعوتها حمل النسب على الغير فلا تصح إلا بالبينة أو ~~بتصديق الزوج فأما إذا لم يكن لها زوج فلا يتحقق معنى التحميل فيصح من غير ~~بينة ومنهم من حقق جواب الكتاب وأجرى رواية الأصل على إطلاقها وفرق بين ~~الرجل والمرأة فقال يثبت نسبه ms3885 من الرجل بنفس الدعوة ولا يثبت نسبه منها إلا ~~ببينة ووجه الفرق أن النسب في جانب الرجال يثبت بالفراش وفي جانب النساء ~~يثبت بالولادة ولا تثبت الولادة إلا بدليل وأدنى الدلائل عليها شهادة ~~القابلة ولو ادعته امرأتان فهو ابنهما عند أبي حنيفة وكذا إذا كن خمسا عنده ~~وعندهما لا يثبت نسب الولد من المرأتين أصلا وجه قولهما أن النسب في جانب ~~النساء يثبت بالولادة وولادة ولد # PageV06P253 # واحد من امرأتين لا يتصور فلا يتصور ثبوت النسب منهما بخلاف الرجال؛ لأن ~~النسب في جانبهم يثبت بالفراش ولأبي حنيفة أن سبب ظهور النسب هو الدعوة وقد ~~وجدت من كل واحدة منهما وما قالا إن الحكم في جانبهن متعلق بالولادة فنعم ~~لكن في موضع أمكن وهنا لا يمكن فتعلق بالدعوة وقد ادعياه جميعا فيثبت نسبه ~~منهما وعلى هذا لو ادعاه رجل وامرأتان يثبت نسبه من الكل عنده وعندهما يثبت ~~من الرجل لا غير. # ولو ادعاه رجلان وامرأتان كل رجل يدعي أنه ابنه من هذه المرأة والمرأة ~~صدقته فهو ابن الرجلين والمرأتين عند أبي حنيفة وعندهما ابن الرجلين لا غير ~~وأما ظهور النسب بالبينة فنقول وبالله التوفيق البينة يظهر بها النسب مرة ~~ويتأكد ظهوره أخرى فكل نسب يجوز ثبوته من المدعي إذا لم يحتمل الظهور ~~بالدعوة أصلا لا بنفسها ولا بقرينة التصديق بأن كان فيه حمل النسب على ~~الغير ونحو ذلك يظهر بالبينة وكذا ما احتمل الظهور بالدعوة لكن بقرينة ~~التصديق إذا انعدم التصديق وظهر أيضا بالبينة وكل نسب يحتمل الظهور بنفس ~~الدعوة يتأكد ظهوره بالبينة كما إذا ادعى اللقيط رجل الملتقط أو غيره وثبت ~~نسبه من المدعي ثم ادعاه رجل آخر وأقام البينة يقضى له؛ لأن النسب وإن ظهر ~~بنفس الدعوة لكنه غير مؤكد فاحتمل البطلان بالبينة وكذا لو ادعاه رجلان معا ~~ثم أقام أحدهما البينة فصاحب البينة أولى لما قلنا وإذا تعارضت البينتان في ~~النسب فالأصل فيه ما ذكرنا في تعارض البينتين على الملك أنه إن أمكن ترجيح ~~إحداهما على الأخرى يعمل بالراجح ms3886 وإن تعذر الترجيح يعمل بهما إلا أن هناك ~~إذا تعذر الترجيح يعمل بكل واحدة منهما من وجه بقدر الإمكان وهنا يعمل بكل ~~واحدة منهما من كل وجه ويثبت النسب من كل واحد من المدعيين لإمكان إثبات ~~النسب لولد واحد من اثنين على الكمال واستحالة كون الشيء الواحد مملوكا ~~لاثنين على الكمال في زمان واحد إذا عرفنا هذا فنقول جملة الكلام فيه أن ~~تعارض البينتين إما أن يكون بين الخارج وبين ذي اليد وإما أن يكون بين ~~الخارجين وبين ذي اليد فإن كان بين الخارج وذي اليد فبينة ذي اليد أولى؛ ~~لأنهما استويا في البينة فيرجح صاحب اليد باليد وإن كان بين الخارجين وبين ~~ذي اليد فإن أمكن ترجيح أحدهما بوجه من الوجوه من الإسلام والحرية والعلامة ~~واليد وقوة الفراش وغير ذلك من أسباب الترجيح يعمل بالراجح وإن استويا يعمل ~~بهما ويثبت النسب منهما. # وعلى هذا إذا ادعى أحدهما أن اللقيط ابنه وادعى الآخر أنه عبده يقضى للذي ~~ادعى أنه ابنه؛ لأنه يدعي الحرية والآخر يدعي الرق فبينة الحرية أقوى وكذلك ~~لو أقام أحدهما البينة أنه ابنه من هذه الحرة وأقام الآخر البينة أنه ابنه ~~من هذه الأمة فهو ابن الحر والحرة لما قلنا ولو أقام كل واحد منهما البينة ~~أنه ابنه من امرأة حرة فهو ابن الرجلين وابن المرأتين على قياس قول أبي ~~حنيفة - رحمه الله - وعندهما ابن الرجلين لا غير لما مر ولو ادعاه رجلان ~~ووقتت بينة كل واحد منهما فإن استوى الوقتان ثبت النسب منهما لاستواء ~~البينتين ولو كان وقت إحداهما أسبق يحكم سن الصبي فيعمل عليه؛ لأنه حكم عدل ~~فإن أشكل سنه فعلى قياس قول أبي حنيفة يقضى لأسبقهما وقتا وعندهما يقضى ~~لهما وجه قولهما أنه إذا أشكل السن سقط اعتبار التاريخ أصلا كأنهما سكتا ~~عنه ولأبي حنيفة - رحمه الله - أنه إذا أشكل السن لم يصلح حكما فبقي الحكم ~~للتاريخ فيرجح الأسبق ولو ادعى رجل أن اللقيط ابنه وأقام البينة وادعت ~~المرأة أنه ابنها وأقامت البينة فهو ms3887 بينهما لعدم التنافي بين ثبوت نسبه ~~منهما كما إذا ادعاه رجلان بل أولى وعلى هذا غلام قد احتلم ادعى على رجل ~~وامرأة أنه ابنهما وأقام البينة وادعى رجل آخر وامرأته أن الغلام ابنهما ~~وأقاما البينة ثبت نسب الغلام من الأب والأم الذي ادعاه الغلام أنه ابنهما ~~ويبطل النسب الذي أنكره الغلام؛ لأن البينتين تعارضتا وترجحت بينة الغلام ~~بيده إذ هو في يد نفسه كالخارجين إذا أقاما البينة ولأحدهما يد كان صاحب ~~اليد أولى كذا هنا وكذلك لو كان الغلام نصرانيا فأقام بينة من المسلمين على ~~رجل نصراني وامرأة نصرانية وادعاه مسلم ومسلمة فبينة الغلام أولى ولا تترجح ~~بينة المدعي المسلم؛ لأنه لا يد له وإن كان مسلما وإن كان بينة الغلام من ~~النصارى يقضى بالغلام للمسلم والمسلمة؛ لأن شهادة الكافر على المسلم غير ~~مقبولة فالتحقت بالعدم فبقي مجرد الدعوة فلا تعارض البينة ويجبر الغلام على ~~الإسلام. # غلام في # PageV06P254 # يد إنسان ادعى صاحب اليد أنه ابنه وولدته أمته هذه في ملكه وأقام البينة ~~على ذلك وادعى خارج أن الغلام ابنه ولدته الأمة في ملكه وأقام البينة فإن ~~كان الغلام صغيرا لا يتكلم يقضى به لصاحب اليد لاستوائهما في البينة فيرجح ~~صاحب اليد باليد كما في النكاح وإن كان كبيرا يتكلم فقال أنا ابن الآخر ~~يقضى بالأمة والغلام للخارج؛ لأن الغلام إذا كان كبيرا يتكلم في يد نفسه ~~فالبينة التي يدعيها الغلام أولى وكذلك لو كان الغلام ولد حرة وهما في يد ~~رجل فأقام صاحب اليد البينة على أنه ولد على فراشه والغلام يتكلم ويدعي ذلك ~~وأقام الخارج البينة على ملكه يقضى بالمرأة وبالولد للذي هما في يده لما ~~قلنا وإن كان الذي في يده من أهل الذمة والمرأة ذمية وأقام شهودا مسلمين ~~يقضى بالمرأة والولد للذي هما في يده؛ لأن شهادة المسلمين حجة مطلقة ولو ~~أقام الخارج البينة على أنه تزوجها في وقت كذا وأقام الذي في يده البينة ~~على وقت دونه يقضى للخارج؛ لأنه إذا ثبت سبق أحد النكاحين كان ms3888 المتأخر ~~منهما فاسدا فالبينة القائمة على النكاح الصحيح أقوى فكانت أولى وعلى هذا ~~غلام قد احتلم ادعى أنه ابن فلان ولدته أمته فلانة على فراشه وذلك الرجل ~~يقول هو عبدي ولد أمتي التي زوجتها عبدي فلانا فولدت هذا الغلام منه والعبد ~~حي يدعي ذلك فهو ابن العبد؛ لأنه تعارض الفراشان فراش النكاح وفراش الملك ~~وفراش النكاح أقوى؛ لأنه لا ينتفي إلا باللعان وفراش الملك ينتفي بمجرد ~~النفي فكان فراش النكاح أقوى فكان أولى. # ولو ادعى الغلام أنه ابن العبد من هذه الأمة فأقر العبد بذلك وقامت عليه ~~البينة وادعى المولى أنه ابنه فهو ابن العبد لما قلنا ويعتق؛ لأنه ادعى ~~نسبه والإقرار بالنسب يتضمن الإقرار بالحرية فإن لم يعمل في النسب يعمل في ~~الحرية وكذلك لو مات الرجل وترك مالا فأقام الغلام البينة أنه ابن الميت من ~~أمته وأقام الآخر البينة أنه عبده ولدته أمته من زوجها فلان والزوج عبده ~~أيضا والعبد حي يدعي ذلك يقضى له بالنسب؛ لأنه يدعي فراش النكاح وأنه أقوى ~~فإن كان العبد ميتا ثبت نسب الغلام من الحر وورث منه؛ لأن بينة الغلام خلت ~~عن المعارض لانعدام الدعوة من العبد فيجب العمل بها والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. ### | [فصل في صفة النسب الثابت] # (فصل) : # وأما صفة النسب الثابت فالنسب في جانب النساء إذا ثبت يلزم حتى لا يحتمل ~~النفي أصلا؛ لأنه في جانبهن يثبت بالولادة ولا مرد لها (وأما) في جانب ~~الرجال فنوعان نوع يحتمل النفي ونوع لا يحتمله أما ما يحتمل النفي فنوعان ~~(نوع) ينتفي بنفس النفي من غير لعان ونوع لا ينتفي بنفس النفي بل بواسطة ~~اللعان (أما الذي) ينتفي بنفس النفي فهو نسب ولد أم الولد؛ لأن فراش أم ~~الولد ضعيف؛ لأنه غير لازم حتى احتمل النقل إلى غيره بالتزويج فاحتمل ~~الانتفاء بنفس النفي من غير الحاجة إلى اللعان (وأما) الذي لا ينتفي بمجرد ~~النفي فهو نسب ولد زوجة يجري بينهما اللعان وهو أن يكون الزوجان حرين ~~مسلمين عاقلين بالغين غير محدودين في ms3889 القذف على ما ذكرنا في كتاب اللعان؛ ~~لأن فراش النكاح لازم لا يحتمل النقل فكان قويا فلا يحتمل الانتفاء بنفس ~~النفي ما لم ينضم إليه اللعان. # ولهذا إذا كان العلوق بنكاح فاسد أو شبهة نكاح لا ينتفي نسب الولد ~~بالنفي؛ لأن الانتفاء بواسطة اللعان ولا لعان في النكاح الفاسد لانعدام ~~الزوجية حقيقة لما علم في كتاب اللعان والله تعالى أعلم (وأما الذي) لا ~~يحتمل النفي فهو نسب ولد زوجة لا يجري بينهما اللعان فإذا كان الزوجان ممن ~~لا لعان بينهما لا ينتفي نسب الولد بالنفي وكذا النسب بعد الإقرار به لا ~~يحتمل النفي؛ لأن النفي يكون إنكارا بعد الإقرار فلا يسمع إلا أن الإقرار ~~نوعان نص ودلالة لما ذكرنا في كتاب اللعان. ### | [فصل في حكم تعارض الدعوتين لا غير] ### | [حكم تعارض الدعوتين في أصل الملك] # (فصل) : # وأما حكم تعارض الدعوتين لا غير أما حكمه في النسب فقد مر ذكره في أثناء ~~مسائل النسب وأما حكمه في الملك فالكلام فيه في موضعين (أحدهما) في حكم ~~تعارض الدعوتين في أصل الملك والثاني في قدر الملك أما الأول فسبيل تعارض ~~الدعوتين في أصل الملك ما هو سبيل تعارض البينتين فيه من طلب الترجيح ~~والعمل بالراجح عند الإمكان وعند تعذر العمل بهما بقدر الإمكان تصحيحا ~~للدعوتين بالقدر الممكن. # وبيان ذلك في مسائل رجلان ادعيا دابة أحدهما راكبها والآخر متعلق بلجامها ~~فهي للراكب لأنه مستعمل للدابة فكانت في يده (وكذلك) إذا # PageV06P255 # كان لأحدهما عليه حمل وللآخر عليه كور معلق أو مخلاة معلقة فصاحب الحمل ~~أولى لما قلنا ولو كانا جميعا راكبين لكن أحدهما في السرج والآخر رديفه فهي ~~لهما في ظاهر الرواية (وروي) عن أبي يوسف - رحمه الله - أنها لراكب السرج ~~لقوة يده (وجه) ظاهر الرواية أنهما جميعا استويا في أصل الاستعمال فكانت ~~الدابة في أيديهما فكانت لهما. # ولو كانا جميعا راكبين في السرج فهي لهما إجماعا لاستوائهما في الاستعمال ~~ولو ادعيا عبدا صغيرا لا يعبر عن نفسه وهو في أيديهما فهو بينهما؛ لأنه إذا ms3890 ~~كان لا يعبر عن نفسه كان بمنزلة العروض والبهائم فتبقى اليد عليه ألا ترى ~~أنه لو ادعى صبيا صغيرا مجهول النسب في يده أنه عبده ثم كبر الصبي فادعى ~~الحرية فالقول قول صاحب اليد ولا تسمع دعوى الحرية إلا ببينة؛ لأنه كان في ~~يده وقت الدعوة فلا تزول يده عنه إلا بدليل (وبمثله) لو ادعى غلاما كبيرا ~~أنه عبده وقال الغلام أنا حر فالقول قول الغلام؛ لأنه ادعاه في حال هو في ~~يد نفسه فكان القول قوله ولو ادعيا عبدا كبيرا فقال العبد أنا عبد لأحدهما ~~فهو بينهما ولا يصدق العبد في ذلك وكذا إذا كان العبد في يد رجل فأقر أنه ~~لرجل آخر فالقول قول صاحب اليد ولا يصدق العبد في إقراره أنه لغيره؛ لأن ~~إقراره بالرق إقرار بسقوط يده عن نفسه فكان في يد صاحب اليد فلا يسمع قوله ~~أنه لغيره؛ لأن العبد لا قول له ولو قال كنت عبد فلان فأعتقني وأنا حر ~~فكذلك عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وروي عن أبي يوسف أن القول قول ~~العبد ويحكم بحريته؛ لأن العبد متمسك بالأصل إذ الحرية أصل في بني آدم فكان ~~الظاهر شاهدا له فالصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأنه لما أقر أنه كان عبدا فقد ~~أقر بزوال حكم الأصل وثبوت العارض وهو الرق منه فصار الرق فيه هو الأصل ~~فكان الظاهر شاهدا له ولو ادعيا ثوبا وأحدهما لابسه والآخر متعلق بذيله ~~فاللابس أولى؛ لأنه مستعمل للثوب (ولو ادعيا) بساطا وأحدهما جالس عليه ~~والآخر متعلق به فهو بينهما ولا يكون الجالس بجلوسه والنوم عليه أولى ~~لاستوائهما في اليد عليه (ولو ادعيا) دارا وأحدهما ساكن فيها فهي للساكن ~~(وكذلك) لو كان أحدهما أحدث فيها شيئا من بناء أو حفر فهي لصاحب البناء ~~والحفر؛ لأن سكنى الدار وإحداث البناء والحفر تصرف في الدار فكانت في يده ~~ولو لم يكن شيء من ذلك ولكن أحدهما داخل فيها والآخر خارج منها فهي بينهما ~~(وكذا) إذا كانا جميعا فيها؛ لأن اليد على العقار ms3891 لا تثبت بالكون فيه وإنما ~~تثبت بالتصرف فيه ولو وجد خياط يخيط ثوبا في دار إنسان فاختلفا في الثوب ~~فالقول لصاحب الدار؛ لأن الثوب وإن كان في يد الخياط صورة فهو في يد صاحب ~~الدار معنى؛ لأن الخياط وما في يده في داره والدار في يده فما فيها يكون في ~~يده (حمال) خرج من دار رجل وعلى عاتقه متاع فإن كان ذلك الحامل يعرف ببيع ~~ذلك وحمله فهو له؛ لأن الظاهر شاهد له وإن كان يعرف بذلك فهو لصاحب الدار؛ ~~لأن الظاهر شاهد له (وكذلك) حمال عليه كارة وهو في دار بزاز اختلفا في ~~الكارة فإن كانت الكارة مما يحمل فيها فالقول قول الحمال؛ لأن الظاهر شاهد ~~له وإن كانت مما لا يحمل فيها فالقول قول صاحب الدار؛ لأن الظاهر شاهد له ~~رجل اصطاد طائرا في دار رجل فاختلفا فيه فإن اتفقا على أنه على أصل الإباحة ~~لم يستول عليه قط فهو للصائد سواء اصطاده من الهواء أو من الشجر أو الحائط؛ ~~لأنه الآخذ دون صاحب الدار إذ الصيد لا يصير مأخوذا بكونه على حائط أو شجرة ~~وقد قال - عليه الصلاة والسلام - «الصيد لمن أخذه» وإن اختلفا فقال صاحب ~~الدار اصطدته قبلك أو ورثته وأنكر الصائد فإنه ينظر إن أخذه من الهواء فهو ~~له؛ لأنه الآخذ إذ لا يد لأحد على الهواء وإن أخذه من جداره أو شجره فهو ~~لصاحب الدار؛ لأن الجدار والشجر في يده وكذلك إن اختلفا في أخذه من الهواء ~~أو من الجدار فالقول قول صاحب الدار؛ لأن الأصل أن ما في دار إنسان يكون في ~~يده هكذا روي عن أبي يوسف مسألة للصيد على هذا الفصل ولو ادعيا وأحدهما ~~ساكن فيها فهي للساكن فيها وكذا لو كان أحدث فيها شيئا من بناء أو حفر فهي ~~لصاحب البناء والحفر؛ لأن سكنى الدار وإحداث البناء والحفر تصرف في الدار ~~فكانت في يده ولو لم يكن شيء من ذلك ولكن أحدهما داخل فيها والآخر خارج ~~منها فهي بينهما وكذا ms3892 لو كانا جميعا فيها؛ لأن اليد على العقار لا تثبت ~~بالكون فيها وإنما # PageV06P256 # تثبت بالتصرف فيها ولم يوجد ولو ادعيا حائطا من دارين ولأحدهما عليه جذوع ~~فهو له؛ لأنه مستعمل للحائط ولو كان لكل واحد منهما جذوع فإن كانت ثلاثة أو ~~أكثر فهي بينهما نصفان سواء استوت جذوع كل واحد منهما أو كانت لأحدهما أكثر ~~بعد أن كان لكل واحد منهما ثلاثة جذوع؛ لأنهما استويا في استعمال الحائط ~~فاستويا في ثبوت اليد عليه ولو أراد صاحب البيت أن يتبرع على الآخر بما زاد ~~على الثلاثة ليس له ذلك لكن يقال له زد أنت أيضا إلى تمام عدد خشب صاحبك إن ~~أطاق الحائط حملها وإلا فليس لك الزيادة ولا النزع ولو كان لأحدهما ثلاثة ~~جذوع وللآخر جذع أو جذعان فالقياس أن يكون الحائط بينهما نصفين وفي ~~الاستحسان لا يكون (وجه) القياس أن زيادة الاستعمال بكثرة الجذوع زيادة من ~~جنس الحجة والزيادة من جنس الحجة لا يقع بها الترجيح ألا ترى أنه لو كان ~~لأحدهما ثلاثة وللآخر أربعة كان الحائط بينهما نصفين وإن كان استعمال ~~أحدهما أكثر دل أن المعتبر أصل الاستعمال لا قدره وقد استويا فيه (ووجه) ~~الاستحسان أن يقال نعم لكن أصل الاستعمال لا يحصل بما دون الثلاثة؛ لأن ~~الجدار لا يبنى له عادة وإنما يبنى لأكثر من ذلك إلا أن الأكثر مما لا ~~نهاية له والثلاثة أقل الجمع الصحيح فقيد به فكان ما وراء موضع الجذوع ~~لصاحب الكثير وأما موضع الجذع الواحد فكذلك على رواية كتاب الإقرار وإنما ~~لصاحب القليل حق وضع الجذع لا أصل الملك وعلى رواية كتاب الدعوى له موضع ~~الجذع من الحائط وما وراءه لصاحب الكثير (وجه) هذه الرواية أن صاحب القليل ~~مستعمل لذلك القدر حقيقة فكان ذلك القدر في يده فيملكه (وجه) رواية الإقرار ~~ما مر أن الاستعمال لا يحصل بالجذع والجذعين؛ لأن الحائط لا يبنى له عادة ~~فلم يكن شيء من الحائط في يده فكان كله في يد صاحب الكثير إلا أنه ليس له ms3893 ~~دفع الجذوع وإن كان موضع الجذع مملوكا له لجواز أن يكون أصل الحائط مملوكا ~~لإنسان ولآخر عليه حق الوضع بخلاف ما لو أقام البينة أن الحائط له؛ لأن له ~~أن يدفع؛ لأن البينة حجة مطلقة فإذا أقامها تبين أن الوضع من الأصل كان ~~بغير حق ولاية الدفع وليس له ذلك حال عدم البينة؛ لأنا إنما جعلنا الحائط ~~له لظاهر اليد والظاهر يصلح للتقرير لا للتغيير فهو الفرق ولو كان الحائط ~~متصلا ببناء إحدى الدارين اتصال التزاق وارتباط فهو لصاحب الاتصال؛ لأنه ~~كالمتعلق به ولو كان لأحدهما اتصال التزاق وللآخر جذوع فصاحب الجذوع أولى؛ ~~لأنه مستعمل للحائط ولا استعمال من صاحب الاتصال ولو كان لأحدهما اتصال ~~التزاق وارتباط وللآخر اتصال تربيع فصاحب التربيع أولى؛ لأن اتصال التربيع ~~أقوى من اتصال الالتزاق ولو كان لأحدهما اتصال تربيع وللآخر جذوع فالحائط ~~لصاحب التربيع ولصاحب الجذوع حق وضع الجذوع لكن الكلام في صورة التربيع ~~فنقول ذكر الطحاوي - رحمه الله - أن التربيع هو أن يكون أنصاف ألبان الحائط ~~مداخلة حائط إحدى الدارين يبنى كذلك كالأزج والطاقات فكان بمعنى النتاج ~~فكان صاحب الاتصال أولى وذكر الكرخي - رحمه الله - أن تفسير التربيع أن ~~يكون طرفا هذا الحائط المدعى مداخلين حائط إحدى الدارين وهذا التفسير منقول ~~عن أبي يوسف - رحمه الله - فيصير الحاصل أن المداخلة إذا كانت من جانبي ~~الحائط كان صاحب الاتصال أولى بلا خلاف وإن كانت من جانب واحد فعلى قول ~~الطحاوي - رحمه الله - صاحب الاتصال أولى وعلى قول الكرخي - رحمه الله - ~~صاحب الجذوع أولى وجه قول الطحاوي ما ذكرنا أن ذلك بمعنى النتاج حيث حدث من ~~بنائه كذلك فكان هو أولى وجه قول الكرخي أن المداخلة من الجانبين توجب ~~الاتحاد وجعل الكل بناء واحدا فسقط حكم الاستعمال لضرورة الاتحاد فملك ~~البعض يوجب ملك الكل ضرورة إلا أنه لا يجبر على الرفع بل يترك على حاله؛ ~~لأن ذلك ليس من ضرورات ملك الأصل بل يحتمل الانفصال عنه في الجملة ألا ترى ~~أن السقف الذي هو بين ms3894 بيت العلو وبين بيت السفل هو ملك صاحب السفل ولصاحب ~~العلو عليه حق القرار حتى لو أراد صاحب السفل رفع السقف منع منه شرعا كذا ~~هذا جاز أن يكون الملك لصاحب الاتصال ولصاحب الجذوع حق وضع الجذع عليه ~~بخلاف ما إذا أقام البينة # PageV06P257 # أنه يجبر على الرفع وقد تقدم وجه الفرق بينهما ثم فرع أبو يوسف على ما ~~روي عنه من تفسير التربيع أنه إذا اشترى دارا ولرجل آخر دار بجنب تلك الدار ~~وبينهما حائط وأقام الرجل البينة أنه له فأراد المشتري أن يرجع على البائع ~~بحصته من الثمن إن كان متصلا ببناء حائط المدعي ليس له أن يرجع على البائع؛ ~~لأنه إذا كان متصلا ببنائه لم يتناول البيع فلم يكن مبيعا فلا يكون للمشتري ~~حق الرجوع وإن لم يكن متصلا ببناء المدعي وهو متصل ببناء الدار المبيعة ~~فللمشتري أن يرجع على البائع بحصة الحائط من الثمن؛ لأنه إذا كان متصلا ~~بحائط الدار المبيعة تناوله البيع فكان مبيعا فيثبت الرجوع عند الاستحقاق ~~وإن كان متصلا بحائط الدار المبيعة وللآخر عليه جذوع لا يرجع وهذا يؤيد ~~رواية الكرخي أن صاحب الجذوع أولى من صاحب الاتصال إذا كان من جانب واحد ~~ولو كان اتصال تربيع واستحق المشتري الرجوع على البائع لا تنزع الجذوع بل ~~تترك على حالها لما ذكرنا ولو كان لأحدهما عليه سترة أو بناء وصاحبه مقر ~~بأن السترة والبناء له فالحائط لصاحب السترة؛ لأنه مستعمل الحائط بالسترة ~~فكان في يده ولو لم يكن عليه سترة ولكن لأحدهما عليه مرادي هو القصب ~~الموضوع على رأس الجدار فهو بينهما ولا يستحق بالمرادي والبوادي شيئا؛ لأن ~~وضع المرادي على الحائط ليس بأمر مقصود؛ لأن الحائط لا يبنى له فكان ملحقا ~~بالعدم فلا يتعلق به الاستحقاق ولو كان وجه الحائط إلى أحدهما وظهره إلى ~~الآخر وكان أنصاف اللبن أو الطاقات إلى أحدهما فلا حكم لشيء من ذلك عند أبي ~~حنيفة - رحمه الله - والحائط بينهما وعندهما الحائط لمن إليه وجه البناء ~~وأنصاف اللبن والطاقات وهذا ms3895 إذا جعل الوجه وقت البناء حين ما بنى فأما إذا ~~جعل بعد البناء بالنقش والتطين فلا عبرة بذلك إجماعا وعلى هذا الخلاف إذا ~~ادعيا بابا مغلقا على حائط بين دارين والغلق إلى أحدهما فالباب لهما عنده ~~وعندهما لمن إليه الغلق ولو كان للباب غلقان من الجانبين فهو لهما إجماعا ~~وعلى هذا الخلاف خص بين دارين أو بين كرمين والقمط إلى أحدهما فالخص بينهما ~~عند أبي حنيفة - رحمه الله - ولا ينظر إلى القمط وعندهما الخص لمن إليه ~~القمط وجه قولهما في هذه المسائل اعتبار العرف والعادة فإن الناس في ~~العادات يجعلون وجه البناء وأنصاف اللبن والطاقات والغلق والقمط إلى صاحب ~~الدار فيدل على أنه بناؤه فكان في يده ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن هذا ~~دليل اليد في الماضي لا وقت الدعوة واليد في الماضي لا تدل على اليد وقت ~~الدعوة والحاجة في إثبات اليد وقت الدعوة ثم في كل موضع قضي بالملك لأحدهما ~~لكون المدعى في يده تجب عليه اليمين لصاحبه إذا طلب فإن حلف برئ وإن نكل ~~يقضى عليه بالنكول وعلى هذا إذا اختلفا في المرور في دار ولأحدهما باب من ~~داره إلى تلك الدار فلصاحب الدار منع صاحب الباب عن المرور فيها حتى يقيم ~~البينة أن له في داره طريقا ولا يستحق صاحب الباب بالباب شيئا؛ لأن فتح ~~الباب إلى دار غيره قد يكون بحق لازم وقد يكون بغير حق أصلا وقد يكون بحق ~~غير لازم وهو الإباحة فلا يصلح دليلا على حق المرور في الدار مع الاحتمال ~~وكذا لو شهد الشهود أن صاحب الدار كان يمر فيها لم يستحق بهذه الشهادة شيئا ~~لاحتمال أن مروره فيها كان غصبا أو إباحة ولئن دلت على أنه كان لحق المرور ~~لكن في الزمان الماضي؛ لأن الشهادة قامت عليه فلا يثبت بها الحق للحال ولو ~~شهدوا أن له فيها طريقا فإن حدوا الطريق فسموا طوله وعرضه قبلت شهادتهم ~~وكذلك إذا لم يحدوه كذا ذكر في الكتاب ومن أصحابنا - رحمهم الله - من حمل ms3896 ~~المسألة على ما إذا شهدوا على إقرار صاحب الدار بالطريق؛ لأن المشهود به ~~مجهول وجهالة المشهود به تمنع صحة الشهادة أما جهالة المقر به فلا تمنع صحة ~~الإقرار ومنهم من أجرى جواب الكتاب على إطلاقه؛ لأن الطريق طوله معلوم ~~وعرضه مقدار عرض الباب في متعارف الناس وعاداتهم فكانت هذه شهادة بمعلوم ~~فتقبل وكذلك لو شهدوا أن أباه مات وترك طريقا في هذه الدار فهو على ما ~~ذكرنا وعلى هذا إذا كان لرجل ميزاب في دار رجل فاختلفا في مسيل الماء ~~فلصاحب الدار أن يمنعه عن التسييل حتى يقيم البينة أن له في هذه الدار مسيل ~~ماء ولا يستحق صاحب الميزاب بنفس الميزاب شيئا لما ذكرنا وذكر الفقيه أبو ~~الليث - رحمه الله - أن الميزاب إذا كان قديما فله حق التسييل وذكر محمد في ~~كتاب الشرب في نهر في أرض رجل يسيل فيه الماء فاختلفا في ذلك فالقول قول ~~صاحب الماء؛ لأنه إذا كان يسيل # PageV06P258 # فيه الماء كان النهر مشغولا بالماء فكان النهر مستعملا به فكان في يده ~~بخلاف الميزاب فإن موضوع المسألة فيما إذا لم يكن في الميزاب ماء عند ~~الاختلاف حتى لو كان فيه ماء كان حكمه حكم النهر والله سبحانه وتعالى أعلم ~~ولو شهدوا أنهم رأوا الماء يسيل في الميزاب فليست هذه الشهادة بشيء؛ لأن ~~التسييل قد يكون بغير حق وكذا الشهادة ما قامت بحق كائن على ما مر ولو ~~شهدوا أن له حقا في الدار من حيث التسييل فإن بينوا أنه لماء المطر فهو ~~لماء المطر وإن بينوا أنه مسيل ماء دائم للغسل والوضوء فهو كذلك وإن لم ~~يبينوا تقبل شهادتهم أيضا ويكون القول قول صاحب الدار مع يمينه أنه للغسل ~~والوضوء أو لماء المطر؛ لأن أصل الحق ثبت بشهادة الشهود وبقيت الصفة مجهولة ~~فيتبين ببيان صاحب الدار لكن مع اليمين وإن لم يكن للمدعي بينة أصلا يستحلف ~~صاحب الدار على ذلك فإن حلف برئ وإن نكل يقضى بالنكول كما في باب الأموال ~~وعلى هذا يخرج اختلاف الزوجين ms3897 في متاع البيت ولا بينة لأحدهما على ما ذكرنا ~~في كتاب النكاح والله تعالى أعلم. ### | [فصل في حكم تعارض الدعوتين في قدر الملك] # (فصل) : # وأما حكم تعارض الدعوتين في قدر الملك فهو كاختلاف المتبايعين في قدر ~~الثمن أو المبيع فنقول جملة الكلام فيه أن المتبايعين إذا اختلفا فلا يخلو ~~إما إن اختلفا في الثمن وإما إن اختلفا في المبيع فإن اختلفا في الثمن فلا ~~يخلو إما إن اختلفا في قدر الثمن وإما إن اختلفا في جنسه وإما إن اختلفا في ~~وقته وهو الأجل فإن اختلفا في قدره بأن قال البائع بعت منك هذا العبد بألفي ~~درهم وقال المشتري اشتريت بألف فهذا لا يخلو إما إن كانت السلعة قائمة وإما ~~إن كانت هالكة فإن كانت قائمة فإما إن كانت قائمة على حالها لم تتغير وإما ~~إن تغيرت إلى الزيادة أو إلى النقصان. # فإن كانت قائمة على حالها لم تتغير تحالفا وترادا سواء كان قبل القبض أو ~~بعده أما قبل القبض؛ فلأن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه من وجه؛ لأن البائع ~~يدعي على المشتري زيادة ثمن وهو ينكر والمشتري يدعي على البائع تسليم ~~المبيع إليه عند أداء الألف وهو ينكر فيتحالفان لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «واليمين على من أنكر» . # وأما بعد القبض فكان ينبغي أن لا يحلف البائع ويكون القول قول المشتري مع ~~يمينه؛ لأن المشتري لا يدعي على البائع شيئا لسلامة المبيع له والبائع يدعي ~~على المشتري زيادة ثمن وهو ينكر فكان القول قوله مع يمينه إلا أنا عرفنا ~~التحالف وهو الحلف من الجانبين بنص خاص وهو قوله - عليه الصلاة والسلام - ~~«إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا» ويبدأ بيمين المشتري في ظاهر الرواية ~~وهو قول محمد وأبي يوسف الآخر وفي قوله الأول يبدأ بيمين البائع ويقال إنه ~~قول أبي حنيفة - رحمه الله - والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأن اليمين وظيفة ~~المنكر والمشتري أشد إنكارا من البائع؛ لأنه منكر في الحالين جميعا قبل ~~القبض وبعده والبائع بعد القبض ليس بمنكر؛ لأن المشتري لا ms3898 يدعي عليه شيئا ~~فكان أشد إنكارا منه وقبل القبض إن كان منكرا لكن المشتري أسبق إنكارا منه؛ ~~لأنه يطالب أولا بتسليم الثمن حتى يصير عينا وهو ينكر فكان أسبق إنكارا من ~~البائع فيبدأ بيمينه فإن نكل لزمه دعوى البائع؛ لأن النكول بذل أو إقرار ~~وإن حلف يحلف البائع ثم إذا تحالفا هل ينفسخ البيع بنفس التحالف أو يحتاج ~~فيه إلى فسخ القاضي اختلف المشايخ - رحمهم الله - فيه قال بعضهم ينفسخ بنفس ~~التحالف؛ لأنهما إذا تحالفا لم يكن في بقاء العقد فائدة فينفسخ وقال بعضهم ~~لا ينفسخ إلا بفسخ القاضي عند طلبهما أو طلب أحدهما وهو الصحيح حتى لو أراد ~~أحدهما إمضاء البيع بما يقوله صاحبه فله ذلك من غير تجديد العقد؛ لأن ~~احتمال الفائدة ثابت لاحتمال التصديق من أحدهما لصاحبه والعقد المنعقد قد ~~يبقى لفائدة محتملة الوجود والعدم؛ لأنه انعقد بيقين فلا يزول لاحتمال عدم ~~الفائدة على الأصل المعهود في الثابت بيقين؛ لأنه لا يزول بالاحتمال فلا ~~ينفسخ إلا بفسخ القاضي وله أن يفسخ لانعدام الفائدة للحال؛ ولأن المنازعة ~~لا تندفع إلا بفسخ القاضي؛ لأنهما لما تحالفا صار الثمن مجهولا فيتنازعان ~~فلا بد من قطع المنازعة ولا تنقطع إلا بالقضاء بالفسخ هذا إذا كانت السلعة ~~قائمة بعينها من غير تغير فأما إذا كانت تغيرت ثم اختلفا في قدر الثمن فلا ~~يخلو إما أن تغيرت إلى الزيادة وإما أن تغيرت إلى النقصان فإن كان التغيير ~~إلى الزيادة فإن كانت الزيادة متصلة متولدة من الأصل كالسمن والجمال منعت ~~التحالف عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعند محمد - رحمه الله - # PageV06P259 # لا تمنع ويرد المشتري العين بناء على أن هذه الزيادة تمنع الفسخ عندهما ~~في عقود المعاوضات فتمنع التحالف وعنده لا تمنع الفسخ فلا تمنع التحالف وإن ~~كانت الزيادة متصلة غير متولدة من الأصل كالصبغ في الثوب والبناء والغرس في ~~الأرض فكذلك تمنع التحالف عندهما وعنده لا تمنع ويرد المشتري القيمة لمن ~~هما عنده؛ لأن هذا النوع من الزيادة بمنزلة الهلاك وهلاك السلعة ms3899 يمنع ~~التحالف عندهما وعنده لا يمنع ويرد المشتري الزيادة وإن كانت الزيادة ~~منفصلة متولدة من الأصل كالولد والأرش والعقر فهو على هذا الاختلاف وإن ~~كانت الزيادة متصلة غير متولدة من الأصل كالموهوب في المكسوب لا تمنع ~~التحالف إجماعا فيتحالفان ويرد المشتري العين؛ لأن هذه الزيادة لا تمنع ~~الفسخ في عقود المعاوضات فلا تمنع التحالف وكذا هي ليست في معنى هلاك العين ~~فلا تمنع التحالف وإذا تحالفا يرد المشتري المبيع دون الزيادة وكانت ~~الزيادة له؛ لأنها حدثت على ملكه وتطيب له لعدم تمكن الحنث فيها هذا إذا ~~تغيرت السلعة إلى الزيادة فأما إذا تغيرت إلى النقصان في يد المشتري فنذكر ~~حكمه إن شاء الله تعالى هذا إذا كانت السلعة قائمة فأما إذا كانت هالكة فلا ~~يتحالفان عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله والقول قول المشتري مع يمينه ~~في مقدار الثمن فإن حلف لزمه ما أقر به وإن نكل لزمه دعوى صاحبه وعند محمد ~~- رحمه الله - يتحالفان ويرد المشتري القيمة فإن اختلفا في مقدار القيمة ~~على قوله كان القول قول المشتري مع يمينه في مقدار القيمة ولقب المسألة أن ~~هلاك السلعة هل يمنع التحالف عندهما يمنع وعنده لا يمنع واحتج بقوله - عليه ~~الصلاة والسلام - «إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا» أثبت - عليه الصلاة ~~والسلام - التحالف مطلقا عن شرط قيام السلعة ولا يقال ورد هنا نص خاص مقيد ~~بحال قيام السلعة وهو قوله - عليه الصلاة والسلام - «إذا اختلف المتبايعان ~~والسلعة قائمة بعينها تحالفا وترادا» ؛ لأن المذهب عندنا أن المطلق لا يحمل ~~على المقيد لما في الحمل من ضرب النصوص بعضها في بعض بل يجري المطلق على ~~إطلاقه والمقيد على تقييده فكان جريان التحالف حال قيام السلعة ثابتا بنصين ~~وحال هلاكها ثابتا بنص واحد وهو النص المطلق ولا تنافي بينهما فيجب العمل ~~بهما جميعا ولهما الحديث المشهور وهو قوله - عليه الصلاة والسلام - ~~«واليمين على من أنكر» فبقي التحالف وهو الحلف من الجانبين بعد قبض المعقود ~~عليه؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - أوجب جنس اليمين على ms3900 جنس المنكرين فلو ~~وجبت يمين لا على منكر لم يكن جنس اليمين على جنس المنكرين وهذا خلاف النص ~~والمنكر بعد قبض المعقود عليه هو المشتري؛ لأن البائع يدعي عليه زيادة ثمن ~~وهو ينكر فأما الإنكار من قبل البائع؛ فلأن المشتري لا يدعي عليه شيئا فكان ~~ينبغي أن لا يجب التحالف حال قيام السلعة أيضا إلا أنا عرفنا ذلك بنص خاص ~~مقيد وهو قوله - عليه الصلاة والسلام - «إذا اختلف المتبايعان والسلعة ~~قائمة بعينها تحالفا وترادا» وهذا القيد ثابت في النص الآخر أيضا دلالة؛ ~~لأنه قال - عليه الصلاة والسلام - وترادا والتراد لا يكون إلا حال قيام ~~السلعة فبقي التحالف حال هلاك السلعة مثبتا بالخبر المشهور ويستوي هلاك كل ~~السلعة وبعضها في المنع من التحالف أصلا عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف هلاك ~~السلعة يمنع التحالف في قدر الهالك لا غير وعند محمد لا يمنع أصلا حتى لو ~~اشترى عبدين فقبضهما ثم هلك أحدهما ثم اختلفا في مقدار الثمن فالقول قول ~~المشتري عند أبي حنيفة ولا يتحالفان إلا أن يرضى البائع أن يأخذ القائم ولا ~~يأخذ من ثمن الهالك شيئا فحينئذ يتحالفان وعند أبي يوسف لا يتحالفان على ~~الهالك والقول قول المشتري في حصة الهالك ويتحالفان على القائم ويترادان ~~وعند محمد يتحالفان عليهما ويرد قيمة الهالك أما محمد - رحمه الله - فقد مر ~~على أصله؛ لأن هلاك كل السلعة عنده لا يمنع التحالف فهلاك البعض أولى وكذلك ~~لأبي يوسف؛ لأن المانع من التحالف هو الهلاك فيتقدر المنع بقدره تقديرا ~~للحكم بقدر العلة ولأبي حنيفة أن الحديث ينفي التحالف بعد قبض السلعة لما ~~ذكرنا إلا أنا عرفنا ذلك بنص خاص والنص ورد في حال قيام كل السلعة فبقي ~~التحالف حال هلاك بعضها منفيا بالحديث المشهور؛ ولأن قدر الثمن الذي يقابل ~~القائم مجهول لا يعرف إلا بالحزر والظن فلا يجوز التحالف عليه إلا إذا شاء ~~البائع أن يأخذ الحد ولا يأخذ من ثمن الهالك شيئا فحينئذ يتحالفان؛ لأنه ~~رضي أن يكون الثمن كله بمقابلة القائم فيخرج ms3901 الهالك # PageV06P260 # عن العقد كأنه ما وقع العقد عليه وإنما وقع على القيام فيتحالفان عليه ~~وسواء كان هلاك المبيع حقيقة أو حكما بأن خرج عن ملك المشتري بسبب من ~~الأسباب؛ لأن الهالك حكما يلحق بالهالك حقيقة وقد مر الاختلاف فيه وسواء ~~خرج كله أو بعضه عند أبي حنيفة وأبي يوسف فخروج البعض في المنع من التحالف ~~بمنزلة خروج الكل عندهما؛ لأن التحالف هنا يؤدي إلى تفريق الصفقة على ~~البائع وهذا لا يجوز إلا أن يرضى البائع أن يأخذ القائم وحصة الخارج من ~~الثمن بقول المشتري فحينئذ يتحالفان على القائم ويرد المشتري ما بقي في ~~ملكه وعليه حصة الخارج بقوله وهذا عند أبي يوسف فأما عند أبي حنيفة فلا ~~يتحالفان في الأحوال كلها وأما عند محمد فيتحالفان؛ لأن الحقيقي لا يمنع ~~التحالف عنده فالحكمي أولى ثم هلاك الكل بأن خرج كله عن ملكه لا يمنع ~~التحالف فهلاك البعض أولى وإذا تحالفا عنده فإن هلك كل المبيع بأن خرج كله ~~عن ملكه يرد المشتري القيمة إن لم يكن مثليا والمثل إن كان مثليا وإن هلك ~~بعضه بأن خرج البعض عن ملكه دون البعض ينظر إن كان المبيع مما في تبعيضه ~~ضرر وفي تشقيصه عيب فالبائع بعد التحالف بالخيار إن شاء أخذ الباقي وقيمة ~~الهالك وإن شاء ترك الباقي وأخذ قيمة الكل وإن كان المبيع مما لا ضرر في ~~تبعيضه ولا عيب في تشقيصه فللبائع أن يأخذ الباقي ومثل الفائت إن كان مثليا ~~وقيمته إن لم يكن مثليا ولو خرجت السلعة عن ملك المشتري ثم عادت إليه ثم ~~اختلفا في مقدار الثمن نظر في ذلك إن كان العود فسخا بأن وجد به عيبا فرده ~~بقضاء القاضي يتحالفان ويرد العين؛ لأن الفسخ رفع من الأصل فجعل كأنه لم ~~يكن وإذا لم يكن العود فسخا بأن كان ملكا جديدا لا يتحالفان عند أبي حنيفة ~~وأبي يوسف رحمهما الله؛ لأن العود إذا لم يكن فسخا لا يتبين أن الهلاك لم ~~يكن والهلاك يمنع التحالف عندهما وعند محمد ms3902 يتحالفان ويرد المشتري القيمة ~~لا العين وكذلك لو لم يخرج المبيع عن ملكه لكنه صار بحال يمنع الرد بالعيب ~~إما بالزيادة وإما بالنقصان أما حكم الزيادة فقد مر تفصيل الكلام فيه وأما ~~حكم النقصان فيخرج على هذا الأصل؛ لأن النقصان من باب الهلاك فنقول إذا ~~انتقض المبيع في يد المشتري ثم اختلفا في مقدار الثمن لم يتحالفا عندهما ~~سواء كان النقصان بآفة سماوية أو بفعل المبيع أو بفعل المشتري أو بفعل ~~الأجنبي أو بفعل البائع؛ لأن نقصان المبيع هلاك جزء منه وهلاك الجزء في ~~المنع من التحالف كهلاك الكل على أصل أبي حنيفة - رضي الله عنه - فلا ~~يتحالفان والقول قول المشتري إلا إذا كان النقصان بآفة سماوية أو بفعل ~~المبيع أو بفعل المشتري ورضي البائع أن يأخذ المبيع ناقصا ولا يأخذ لأجل ~~النقصان شيئا فحينئذ يتحالفان ويترادان وعند محمد يتحالفان ثم البائع بعد ~~التحالف بالخيار إن شاء أخذ المبيع ناقصا ولا يأخذ لأجل النقصان شيئا وإن ~~شاء ترك وأخذ القيمة وقال بعضهم على قول محمد إن اختار أخذ العين يأخذ معها ~~النقصان كالمقبوض بالبيع الفاسد وإن كان النقصان بفعل الأجنبي أو بفعل ~~البائع يتحالفان ويرد المشتري القيمة عنده وعندهما لا يتحالفان والقول قول ~~المشتري مع يمينه هذا إذا اختلفا في قدر الثمن. # فأما إذا اختلفا في جنسه بأن قال أحدهما الثمن عين وقال الآخر هو دين فإن ~~كان مدعي العين هو البائع بأن قال للمشتري بعت منك جاريتي بعبدك هذا وقال ~~المشتري للبائع اشتريتها منك بألف درهم فإن كانت الجارية قائمة تحالفا ~~وترادا لقوله - عليه الصلاة والسلام - «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ~~تحالفا وترادا» من غير فصل بين ما إذا كان الاختلاف في قدر الثمن أو في ~~جنسه وإن كانت هالكة عند المشتري لا يتحالفان عند أبي حنيفة وأبي يوسف ~~والقول قول المشتري في الثمن مع يمينه وعند محمد يتحالفان وهي مسألة هلاك ~~السلعة وقد مرت. # وإن كان مدعي العين هو المشتري بأن قال اشتريت جاريتك بعبدي هذا وقال ~~البائع ms3903 بعتها منك بألف درهم أو بمائة دينار فإن كانت الجارية قائمة ~~يتحالفان بالنص وإن كانت هالكة يتحالفان أيضا إجماعا ويرد المشتري القيمة ~~إما على أصل محمد فظاهر؛ لأن هلاك السلعة عنده لا يمنع التحالف وإما على ~~أصلهما؛ فلأن وجوب اليمين على المشتري ظاهر أيضا؛ لأن البائع يدعي عليه ثمن ~~الجارية ألف درهم وهو ينكر وأما وجوب اليمين على البائع؛ فلأن المشتري يدعي ~~عليه إلزام العين وهو ينكر فكان كل واحد منهما مدعيا من وجه منكرا من وجه ~~فيتحالفان ولو كان البائع يدعي عينا والبعض دينا والمشتري يدعي # PageV06P261 # الكل دينا بأن قال البائع بعت منك جاريتي بعبدك هذا وبألف درهم وقال ~~المشتري اشتريت جاريتك بألف درهم فإن كان المبيع وهو الجارية قائما تحالفا ~~بالنص وإن كان هالكا فهو على الاختلاف. # ولو كان الأمر على العكس من ذلك كأن يدعي البعض عينا والبعض دينا والبائع ~~يدعي الكل دينا بأن قال المشتري اشتريت منك جاريتك بعبدي هذا وبألف درهم ~~وقيمة العبد خمسمائة وقال البائع بعتك جاريتي هذه بألف درهم فإن كانت ~~الجارية قائمة تحالفا وترادا بالنص وإن كانت هالكة يتحالفان أيضا إجماعا ~~إلا أن عندهما تقسم الجارية على قيمة العبد وعلى ألف درهم فما كان بإزاء ~~العين وهو العبد وذلك ثلث الجارية يرد المشتري القيمة وما كان بإزاء الدين ~~وهو الألف وذلك ثلثا الجارية يرد ألف درهم ولا يرد القيمة وإنما كان كذلك؛ ~~لأن المشتري لو كان يدعي كل الثمن عينا كانا يتحالفان ويرد المشتري القيمة ~~على ما ذكرنا ولو كان كل الثمن دينا لكان القول قوله ولا يتحالفان على ما ~~مر فإذا كان يدعي بعض الثمن عينا وبعضه دينا يرد القيمة بإزاء العين فالقول ~~قوله بإزاء الدين اعتبارا للبعض بالكل وعند محمد يتحالفان ويرد المشتري ~~جميع الثمن هذا إذا اختلفا في جنس الثمن. # فأما إذا اختلفا في وقته وهو الأجل مع اتفاقهما على قدره وجنسه فنقول هذا ~~لا يخلو من أربعة أوجه إما إن اختلفا في أصل الأجل وإما إن اختلفا في ms3904 قدره ~~وإما أن اختلفا في مضيه وإما أن اختلفا في قدره ومضيه جميعا فإن اختلفا في ~~أصله لا يتحالفان والقول قول البائع مع يمينه؛ لأن الأجل أمر يستفاد من ~~قبله وهو منكر لوجوده؛ ولأن الأصل في الثمن هو الحلول والتأجيل عارض فكان ~~القول قول من يدعي الأصل. # وإن اختلفا في قدره فالقول قوله أيضا لما قلنا وإن اختلفا في مضيه مع ~~اتفاقهما على أصله وقدره فالقول قول المشتري أنه لم يمض؛ لأن الأجل صار حقا ~~له بتصادقهما فكان القول فيه قوله وإن اختلفا في القدر والمضي جميعا فقال ~~البائع الأجل شهر وقد مضى وقال المشتري شهران ولم يمضيا فالقول قول البائع ~~في القدر والقول قول المشتري في المضي فيجعل الأجل شهرا لم يمض؛ لأن الظاهر ~~يشهد للبائع في القدر وللمشتري في المضي على ما مر هذا إذا هلك المبيع كله ~~أو بعضه حقيقة أو حكما فأما إذا هلك العاقدان أو أحدهما والمبيع قائم ~~فاختلف ورثتهما أو الحي منهما وورثة الميت فإن كانت السلعة غير مقبوضة ~~تحالفا وترادا؛ لأن للقبض شبها بالعقد فكان قبض المعقود عليه من الوارث ~~بمنزلة ابتداء العقد منه فيجري بينهما التحالف إلا أن الوارث يحلف على ~~العلم لا على البتات؛ لأنه يحلف على فعل الغير ولا علم له به. # وإن كانت السلعة مقبوضة فلا تحالف عندهما والقول قول المشتري أو ورثته ~~بعد موته وعند محمد يتحالفان والأصل أن هلاك العاقد بعد قبض المعقود عليه ~~كهلاك المعقود عليه وهلاك المعقود عليه يمنع التحالف عندهما فكذا هلاك ~~العاقد وعند محمد ذلك لا يمنع من التحالف كذا هذا والصحيح قولهما؛ لأن ~~الخبر المشهور يمنع من التحالف لكنا عرفناه بنص خاص حال قيام العاقدين؛ ~~لأنه يوجب تحالف المتبايعين والمتبايع من وجد منه فعل البيع ولم يوجد من ~~الوارث حقيقة فبقي التحالف بعد هلاكهما أو هلاك أحدهما منفيا بالخبر ~~المشهور هذا إذا اختلفا في الثمن. # أما إذا اختلفا في المبيع فنقول لا يخلو المبيع من أن يكون عينا أو دينا ~~وهو المسلم ms3905 فيه فإن كان عينا فاختلفا في جنسه أو في قدره بأن قال البائع ~~بعت منك هذا العبد بألف درهم وقال المشتري اشتريت منك هذه الجارية بألف ~~درهم أو قال البائع بعت منك هذا العبد بألف درهم وقال المشتري اشتريت منك ~~هذا العبد مع هذه الجارية بألف درهم تحالفا وترادا لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا» . # وإن كان دينا وهو المسلم فيه فاختلفا فنقول اختلافهما في الأصل لا يخلو ~~من ثلاثة أوجه (إما) إن اختلفا في المسلم فيه مع اتفاقهما على رأس المال ~~(وإما) إن اختلفا في رأس المال مع اتفاقهما في المسلم فيه (وإما) إن اختلفا ~~فيهما جميعا فإن اختلفا في المسلم فيه مع اتفاقهما على رأس المال (فإما) إن ~~اختلفا في جنس المسلم فيه (وإما) إن اختلفا في قدره (وإما) إن اختلفا في ~~صفته (وإما) إن اختلفا في مكان إيفائه (وإما) إن اختلفا في وقته وهو الأجل ~~فإن اختلفا في جنسه أو قدره أو صفته تحالفا وترادا؛ لأن هذا اختلاف في ~~المعقود عليه وأنه يوجب التحالف بالنص. # والذي يبدأ باليمين هو المسلم إليه في قول أبي حنيفة وهو قول أبي يوسف ~~الأول وفي قوله الآخر وهو قول محمد هو رب السلم (وجه) # PageV06P262 # قولهما أن الابتداء باليمين من المشتري كما في بيع العين ورب السلم هو ~~المشتري فكانت البداية به ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن اليمين على المنكر ~~والمنكر هو المسلم إليه ولا إنكار مع رب السلم فكان ينبغي أن لا يحلف أصلا ~~إلا أن التحليف في جانبه ثبت بالنص وقد روي عن أبي يوسف أيضا أنه قال أيهما ~~بدأ بالدعوى يستحلف الآخر؛ لأنه صار مدعى عليه وهو منكر وقال بعضهم التعيين ~~إلى القاضي يبدأ بأيهما شاء وإن شاء أقرع بينهما فيبدأ بالذي خرجت قرعته ~~ولو اختلفا في مكان إيفاء المسلم فيه فقال رب السلم شرطت عليك الإيفاء في ~~مكان كذا وقال المسلم إليه بل شرطت لك الإيفاء في مكان كذا فالقول قول ~~المسلم إليه ولا يتحالفان ms3906 عند أبي حنيفة وعندهما يتحالفان بناء على أن مكان ~~العقد لا يتعين مكان الإيفاء عنده حتى كان ترك بيان مكان الإيفاء مفسدا ~~للسلم عنده فلم يدخل مكان الإيفاء في العقد بنفسه بل بالشرط والاختلاف فيما ~~لا يدخل في العقد إلا بالشرط لا يوجب التحالف كالأجل وعندهما مكان العقد ~~يتعين مكانا للإيفاء حتى لا يفسد السلم بترك بيان مكان الإيفاء عندهما فكان ~~المكان داخلا في العقد من غير شرط فيوجب التحالف وإن اختلفا في وقت المسلم ~~فيه وهو الأجل فنقول لا يخلو (إما) أن اختلفا في أصل الأجل. # (وإما) أن اختلفا في قدره (وإما) أن اختلفا في مضيه (وإما) أن اختلفا في ~~قدره ومضيه جميعا فإن اختلفا في أصل الأجل لم يتحالفا عند أصحابنا الثلاثة ~~وعند زفر تحالفا وترادا واحتج بإطلاق قوله - عليه الصلاة والسلام - «إذا ~~اختلف المتبايعان تحالفا وترادا» ؛ ولأن الاختلاف في أصل المسلم فيه ~~كالاختلاف في صفته ألا ترى أنه لا صحة للسلم بدون الأجل كما لا صحة له بدون ~~الوصف فصار الأجل وصفا للمعقود عليه شرعا فيوجب التحالف. # (ولنا) أن الأجل ليس بمعقود عليه والاختلاف فيما ليس بمعقود عليه لا يوجب ~~التحالف بخلاف الاختلاف في الصفة؛ لأن الصفة في الدين معقود عليه كالأجل ~~والاختلاف في الأجل يوجب التحالف فكذا في الصفة وإذا لم يتحالفا فإن كان ~~مدعي الأجل هو رب السلم فالقول قوله ويجوز السلم؛ لأنه يدعي صحة العقد ~~والمسلم إليه يدعي الفساد والقول قول مدعي الصحة؛ ولأن المسلم إليه متعنت ~~في إنكار الأجل؛ لأنه ينفعه والمتعنت لا قول له وإن كان هو المسلم إليه ~~فالقول قوله عند أبي حنيفة ويجوز السلم استحسانا والقياس أن يكون القول قول ~~رب السلم ويفسد السلم وهو قولهما (وجه) القياس أن الأجل أمر يستفاد من قبل ~~رب السلم حقا عليه شرعا وإنه منكر ثبوته والقول قول المنكر في الشرع. # (وجه) الاستحسان أن المسلم إليه بدعوى الأجل يدعي صحة العقد ورب السلم ~~بالإنكار يدعي فساده فكان القول قول من يدعي الصحة؛ لأن الظاهر ms3907 شاهد له إذ ~~الظاهر من حال المسلم اجتناب المعصية ومباشرة العقد الفاسد معصية وإذا كان ~~القول قوله في أصل الأجل كان القول قوله في مقدار الأجل أيضا وقال بعضهم ~~القول قوله إلى شهر؛ لأنه أدنى الآجال فأما الزيادة على شهر فلا تثبت إلا ~~بالبينة وإن اختلفا في قدره لم يتحالفا عندنا خلافا لزفر والقول قول رب ~~السلم لما ذكرنا أن الأجل أمر يستفاد من قبله فيرجع في بيان القدر إليه وإن ~~اختلفا في مضيه فالقول قول المسلم إليه وصورته إذا قال رب السلم كان الأجل ~~شهرا وقد مضى وقال المسلم إليه كان شهرا ولم يمض وإن أخذت السلم الساعة كان ~~القول قول المسلم إليه؛ لأنهما لما تصادقا على أصل الأجل وقدره فقد صار ~~الأجل حقا للمسلم إليه فكان القول في المضي قوله وإن اختلفا في قدره ومضيه ~~جميعا فالقول قول رب السلم في القدر وقول المسلم إليه في المعنى؛ لأن ~~الظاهر يشهد لرب السلم في القدر وللمسلم إليه في المضي هذا إذا اختلفا في ~~المسلم فيه مع اتفاقهما على رأس المال فأما إذا اختلفا في رأس المال مع ~~اتفاقهما في المسلم فيه تحالفا وترادا أيضا سواء اختلفا في جنس رأس المال ~~أو قدره أو صفته لما قلنا في الاختلاف في المسلم فيه إلا أن الذي يبدأ ~~باليمين ههنا هو رب السلم في قولهم جميعا؛ لأنه المشتري وهو المنكر أيضا ~~وإن اختلفا فيهما جميعا فكذلك تحالفا وترادا؛ لأنهما اختلفا في المبيع ~~والثمن والاختلاف في أحدهما يوجب التحالف ففيهما أولى والقاضي يبدأ باليمين ~~بأيهما شاء والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في بيان حكم الملك والحق الثابت في المحل] # (فصل) : # وأما بيان حكم الملك والحق الثابت في المحل فنقول وبالله التوفيق حكم ~~الملك ولاية التصرف للمالك في # PageV06P263 # المملوك باختياره ليس لأحد ولاية الجبر عليه إلا لضرورة ولا لأحد ولاية ~~المنع عنه وإن كان يتضرر به إلا إذا تعلق به حق الغير فيمنع عن التصرف من ~~غير رضا صاحب الحق وغير المالك لا يكون ms3908 له التصرف في ملكه من غير إذنه ~~ورضاه إلا لضرورة وكذلك حكم الحق الثابت في المحل عرف هذا فنقول للمالك أن ~~يتصرف في ملكه أي تصرف شاء سواء كان تصرفا يتعدى ضرره إلى غيره أو لا يتعدى ~~فله أن يبني في ملكه مرحاضا أو حماما أو رحى أو تنورا وله أن يقعد في بنائه ~~حدادا أو قصارا وله أن يحفر في ملكه بئرا أو بالوعة أو ديماسا وإن كان يهن ~~من ذلك البناء ويتأذى به جاره. # وليس لجاره أن يمنعه حتى لو طلب جاره تحويل ذلك لم يجبر عليه؛ لأن الملك ~~مطلق للتصرف في الأصل والمنع منه لعارض تعلق حق الغير فإذا لم يوجد التعلق ~~لا يمنع إلا أن الامتناع عما يؤذي الجار ديانة واجب للحديث قال - عليه ~~الصلاة والسلام - «المؤمن من أمن جاره بوائقه» ولو فعل شيئا من ذلك حتى وهن ~~البناء وسقط حائط الجار لا يضمن؛ لأنه لا صنع منه في ملك الغير وعلى هذا ~~سفل لرجل وعليه علو لغيره انهدما لم يجبر صاحب السفل على بناء السفل؛ لأنه ~~ملكه والإنسان لا يجبر على عمارة ملك نفسه ولكن يقال لصاحب العلو إن شئت ~~فابن السفل من مال نفسك وضع عليه علوك ثم امنع صاحب السفل عن الانتفاع ~~بالسفل حتى يرد عليك قيمة البناء مبنيا؛ لأن البناء. # وإن كان تصرفا في ملك الغير لكن فيه ضرورة؛ لأنه لا يمكنه الانتفاع بملك ~~نفسه إلا بالتصرف في ملك غيره فصار مطلقا له شرعا وله حق الرجوع بقيمة ~~البناء مبنيا؛ لأن البناء ملكه لحصوله بإذن الشرع وإطلاقه فله أن لا يمكنه ~~من الانتفاع بملكه إلا ببدل يعدله وهو القيمة وذكر القاضي في شرحه مختصر ~~الطحاوي أن في ظاهر الرواية يرجع بما أنفقه وكذا ذكر الخصاف أنه يرجع بما ~~أنفق؛ لأنه لما لم يقدر على الانتفاع بالعلو إلا ببناء السفل ولا ضرر لصاحب ~~السفل في بنائه بل فيه نفع صار مأذونا بالإنفاق من قبله دلالة فكان له حق ~~الرجوع بما أنفق وهذا بخلاف ms3909 البئر المشترك والدولاب المشترك والحمام ~~المشترك ونحو ذلك إذا خربت فامتنع أحدهما عن العمارة أنه يجبر الآخر على ~~العمارة؛ لأن هناك ضرورة؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به بواسطة القسمة؛ لأنه لا ~~يحتمل القسمة والترك لذلك تعطيل الملك وفيه ضرر بهما فكان الذي أبى العمارة ~~متعنتا محضا في الامتناع فيدفع تعنته بالجبر على العمارة هذا إذا انهدما ~~بأنفسهما فأما إذا هدم صاحب السفل سفله حتى انهدم العلو يجبر على إعادته؛ ~~لأنه أتلف حق صاحب العلو بإتلاف محله ويمكن جبره بالإعادة فتجب عليه ~~إعادته. # وعلى هذا حائط بين دارين انهدم ولهما عليه جذوع لم يجبر واحد منهما على ~~بنائه لما قلنا ولكن إذا أبى أحدهما البناء يقال للآخر إن شئت فابن من مال ~~نفسك وضع خشبك عليه وامنع صاحبك من الوضع حتى يرد عليك نصف قيمة البناء ~~مبنيا أو نصف ما أنفقته على حسب ما ذكرنا في السفل والعلو وقيل إنما يرجع ~~إذا لم يكن موضع الحائط عريضا ولا يمكن كل واحد منهما أن يبني حائطا على ~~حدة في نصبه بعد القسمة (فأما) إذا كان عريضا يمكن قسمته وأن يبني كل واحد ~~منهما في نصيبه حائطا يصلح لوضع الجذوع عليه فبناه كما كان بغير إذن صاحبه ~~لا يكون له حق الرجوع على صاحبه بل يكون متبرعا؛ لأنه يبني ملك غيره بغير ~~إذنه من غير ضرورة فكان متبرعا فلا يرجع عليه بشيء ولو أراد أحدهما قسمة ~~عرضة الحائط لم تقسم إلا عن تراض منهما بالقسمة؛ لأن لكل واحد منهما عليه ~~حق وضع الخشب وفي القسمة جبرا إبطال حق الآخر من غير رضاه وهذا لا يجوز ~~ويحتمل أن يقال هذا إذا لم يكن عريضا فإن كان يقسم قسمة جبر؛ لأنه لا يتضمن ~~إبطال حق الغير ولو كانت الجذوع عليه لأحدهما فطلب أحدهما القسمة وأبى ~~الآخر فإن كان الطالب صاحب الجذوع يجبر الآخر على القسمة؛ لأنه في الانتفاع ~~متعنت وإنما الحق لصاحب الجذوع وقد رضي بسقوط حقه وإن كان الطالب من لا جذع ~~له لا ms3910 يجبر صاحب الجذوع على القسمة؛ لأن فيه إبطال حقه في وضع الجذوع فلا ~~يجوز من غير رضاه. # ولو هدم الحائط أحدهما يجبر على إعادته لما ذكرنا أنه أتلف محل حق أحدهما ~~فيجب جبره على الإعادة وعلى هذا سفل لرجل وعليه علو لغيره فأراد صاحب السفل ~~أن يفتح بابا أو يثبت كوة أو يحفر طاقا أو يقد وتدا على الحائط أو يتصرف ~~فيه تصرفا لم يكن قبل ذلك ليس له ذلك من غير رضا صاحب العلو سواء أضر ذلك ~~بالعلو # PageV06P264 # بأن أوجب وهن الحائط أو لم يضر به عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما ~~له ذلك إن لم يضر بالعلو ولو أراد صاحب السفل أن يحفر في سفله بئرا أو ~~بالوعة أو سردابا فله ذلك من غير رضا صاحب العلو إجماعا وكذا إيقاد النار ~~للطبخ أو للخبز وصب الماء للغسل أو للوضوء بالاتفاق وعلى هذا الاختلاف لو ~~أراد صاحب العلو أن يحدث على علوه بناء أو يضع جذوعا لم يكن قبل ذلك أو ~~يشرع فيه بابا أو كنيفا لم يكن قبله ليس له ذلك عند أبي حنيفة سواء أضر ~~بالسفل أو لا وعندهما له أن يفعل ذلك ما لم يضر بالسفل وله إيقاد النار وصب ~~الماء للوضوء والغسل إجماعا منهم من قال لا خلاف بينهم في الحقيقة وقولهما ~~تفسير قول أبي حنيفة - رحمه الله - ومنهم من حقق الخلاف. # (وجه) قولهما أن صاحب السفل يتصرف في ملك نفسه فلا يمنع إلا لحق الغير ~~وحق الغير لا يمنع من التصرف لعينه بل لما يتضرر به صاحب الحق ألا ترى أن ~~الإنسان لا يمنع من الاستظلال بجدار غيره ومن الاصطلاء بنار غيره لانعدام ~~تضرر المالك والخلاف هنا في تصرف لا يضر بصاحب العلو فلا يمنع عنه ولأبي ~~حنيفة - رحمه الله - أن حرمة التصرف في ملك الغير وحقه لا يقف على الضرر بل ~~هو حرام سواء تضرر به أم لا ألا ترى أن نقل المرآة والمبحار من دار المالك ~~إلى موضع آخر حرام وإن كان ms3911 لا يتضرر به المالك والدليل عليه أنه يباح ~~التصرف في ملك الغير وحقه برضاه ولو كانت الحرمة لما يلحقه من الضرر لما ~~أبيح؛ لأن الضرر لا ينعدم برضا المالك وصاحب الحق دل أن التصرف في ملك ~~الغير وحقه حرام أضر بالمالك أو لا وهنا حق لصاحب العلو متعلق بالسفل فيحرم ~~التصرف فيه إلا بإذنه ورضاه بخلاف ما ضربنا من المثال وهو الاستظلال بجدار ~~غيره والاصطلاء بنار غيره؛ لأن ذلك ليس تصرفا في ملك الغير وحقه إذ لا أثر ~~لذلك متصل بملك الغير وحقه وهنا بخلافه وعلى هذا إذا كان مسيل ماء في قناة ~~فأراد صاحب القناة أن يجعله ميزابا أو كان ميزابا فأراد أن يجعله قناة ليس ~~له ذلك وكذلك لو أراد أن يجعل ميزابا أطول من ميزابه أو أعرض أو أراد أن ~~يسيل ماء سطح آخر في ذلك الميزاب لم يكن له ذلك؛ لأن صاحب الحق لا يملك ~~التصرف زيادة على حقه وكذلك لو أراد أهل الدار أن يبنوا حائطا ليسدوا مسيله ~~أو أرادوا أن ينقلوا الميزاب عن موضعه أو يرفعوه أو يسفلوه لم يكن لهم ذلك؛ ~~لأن ذلك تصرف في حق الغير بالإبطال والتغيير فلا يجوز من غير رضا صاحب الحق ~~ولو بنى أصل الدار لتسييل ميزابه على ظهره فلهم ذلك؛ لأن مقصود صاحب ~~الميزاب حاصل في الحالين. # دار لرجل فيها طريق فأراد أهل الدار أن يبنوا في ساحة الدار ما يقطع ~~طريقه ليس لهم ذلك؛ لأن فيه إبطال حق المرور وينبغي أن يتركوا في ساحة ~~الدار عرض باب الدار؛ لأن عرض الطريق مقدر بعرض باب الدار ولو أراد رجل أن ~~يشرع إلى الطريق جناحا أو ميزابا فنقول هذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين ~~إما إن كانت السكة نافذة وإما إن كانت غير نافذة فإن كانت نافذة فإنه ينظر ~~إن كان ذلك مما يضر بالمارين فلا يحل له أن يفعل ذلك في دينه لقوله - عليه ~~الصلاة والسلام - «لا ضرر ولا إضرار في الإسلام» ولو فعل ذلك ms3912 فلكل واحد أن ~~يقلع عليه ذلك وإن كان ذلك مما لا يضر بالمارين حل له الانتفاع به ما لم ~~يتقدم إليه أحد بالرفع والنقض فإذا تقدم إليه واحد من عرض الناس لا يحل له ~~الانتفاع به بعد ذلك عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما يحل له الانتفاع ~~قبل التقدم وبعده وكذلك هذا الحكم في غرس الأشجار وبناء الدكاكين والجلوس ~~للبيع والشراء على قارعة الطريق (وجه) قولهما ما ذكرنا أن حرمة التصرف في ~~حق الغير ليس لعينه بل للتحرز عن الضرر ولا ضرار بالمارة فاستوى فيه حال ما ~~قبل التقدم وبعده ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن إشراع الجناح والميزاب إلى ~~طريق العامة تصرف في حقهم؛ لأن هواء البقعة في حكم البقعة والبقعة حقهم ~~فكذا هواؤها فكان الانتفاع بذلك تصرفا في حق الغير وقد مر أن التصرف في حق ~~الغير بغير إذنه حرام سواء أضر به أو لا إلا أنه حل له الانتفاع بذلك قبل ~~التقدم لوجود الإذن منهم دلالة وهي ترك التقدم بالنقض والتصرف في حق ~~الإنسان بإذنه مباح فإذا وقعت المطالبة بصريح النقض بطلت الدلالة فبقي ~~الانتفاع بالمبنى تصرفا في حق مشترك بين الكل من غير إذنهم ورضاهم فلا يحل ~~هذا إذا كانت السكة نافذة فأما إذا كانت غير نافذة فإن كان له حق في ~~التقديم فليس لأهل السكة حق المنع لتصرفه في حق نفسه وإن لم # PageV06P265 # يكن له حق في التقديم فلهم منعه سواء كان لهم في ذلك مضرة أو لا لما ~~ذكرنا أن حرمة التصرف في حق الغير لا تقف على المضرة والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. ### | [كتاب الشهادة] ### | [بيان ركن الشهادة] # (كتاب الشهادة) # الكلام في هذا الكتاب في مواضع في بيان ركن الشهادة، وفي بيان شرائط ~~الركن، وفي بيان ما يلزم الشاهد بتحمل الشهادة، وفي بيان حكم الشهادة أما ~~ركن الشهادة، فقول الشاهد: " أشهد بكذا وكذا " وفي متعارف الناس في حقوق ~~العباد: هو الإخبار عن كون ما في يد غيره لغيره، فكل من أخبر بأن ما في يد ms3913 ~~غيره لغيره، فهو شاهد، وبه ينفصل عن المقر والمدعي والمدعى عليه، على ما ~~ذكرنا في كتاب الدعوى. ### | [فصل في شرائط ركن الشهادة] # (فصل) : # وأما الشرائط في الأصل فنوعان: نوع هو شرط تحمل الشهادة، ونوع هو شرط ~~أداء الشهادة. # (أما) الأول فثلاثة: أحدها - أن يكون عاقلا وقت التحمل، فلا يصح التحمل ~~من المجنون والصبي الذي لا يعقل؛؛ لأن تحمل الشهادة عبارة عن فهم الحادثة ~~وضبطها، ولا يحصل ذلك إلا بآلة الفهم والضبط، وهي العقل. # - والثاني أن يكون بصيرا وقت التحمل عندنا، فلا يصح التحمل من الأعمى، ~~وعند الشافعي - رحمه الله - البصر ليس بشرط لصحة التحمل ولا لصحة الأداء؛؛ ~~لأن الحاجة إلى البصر عند التحمل لحصول العلم بالمشهود به وذلك يحصل ~~بالسماع، وللأعمى سماع صحيح فيصح تحمله للشهادة، ويقدر على الأداء بعد ~~التحمل. # (ولنا) أن الشرط هو السماع من الخصم؛؛ لأن الشهادة تقع له ولا يعرف كونه ~~خصما إلا بالرؤية؛؛ لأن النغمات يشبه بعضها بعضا. # (وأما) البلوغ والحرية والإسلام والعدالة فليست من شرائط التحمل، بل من ~~شرائط الأداء حتى لو كان وقت التحمل صبيا عاقلا، أو عبدا، أو كافرا، أو ~~فاسقا، ثم بلغ الصبي، وعتق العبد، وأسلم الكافر، وتاب الفاسق فشهدوا عند ~~القاضي، تقبل شهادتهم، وكذا العبد إذا تحمل الشهادة لمولاه، ثم عتق فشهد ~~له، تقبل. # وكذا المرأة إذا تحملت الشهادة لزوجها ثم بانت منه فشهدت له، تقبل ~~شهادتها؛؛ لأن تحملها الشهادة للمولى والزوج صحيح، وقد صارا من أهل الأداء ~~بالعتق والبينونة، فتقبل شهادتهما، ولو شهد الفاسق فردت شهادته لتهمة ~~الفسق، أو شهد أحد الزوجين لصاحبه فردت شهادته لتهمة الزوجية، ثم شهدوا في ~~تلك الحادثة بعد التوبة والبينونة، لا تقبل. # ولو شهد العبد أو الصبي العاقل أو الكافر على مسلم في حادثة فردت شهادته، ~~ثم أسلم الكافر وعتق العبد وبلغ الصبي فشهدوا في تلك الحادثة بعينها، تقبل ~~(ووجه) الفرق أن الفاسق والزوج لهما شهادة في الجملة، وقد وردت فإذا شهدوا ~~بعد التوبة وزوال الزوجية في تلك الحادثة، فقد أعاد تلك الشهادة وهي ms3914 ~~مردودة، والشهادة المردودة لا تحتمل القبول بخلاف الكافر والعبد والصبي؛؛ ~~لأنه لا شهادة للكافر على المسلم أصلا، وكذا الصبي والعبد لا شهادة لهما ~~أصلا، فإذا أسلم الكافر وعتق العبد وبلغ الصبي، فقد حدثت لهم بالإسلام ~~والعتق والبلوغ شهادة، وهي غير المردودة فقبلت فهو الفرق والثالث: أن يكون ~~التحمل بمعاينة المشهود به بنفسه لا بغيره، إلا في أشياء مخصوصة يصح التحمل ~~فيها بالتسامع من الناس، لقوله - عليه الصلاة والسلام - للشاهد: «إذا علمت ~~مثل الشمس فاشهد، وإلا فدع» ولا يعلم مثل الشمس إلا بالمعاينة بنفسه فلا ~~تطلق الشهادة بالتسامع إلا في أشياء مخصوصة، وهي النكاح والنسب والموت، فله ~~تحمل الشهادة فيها بالتسامع من الناس، وإن لم يعاين بنفسه؛؛ لأن مبنى هذه ~~الأشياء على الاشتهار فقامت الشهرة فيها مقام المعاينة. # وكذا إذا شهد العرس والزفاف يجوز له أن يشهد بالنكاح؛ لأنه دليل النكاح، ~~وكذا في الموت إذا شهد جنازة رجل أو دفنه، حل له أن يشهد بموته واختلفوا في ~~تفسير التسامع، فعند محمد - رحمه الله - هو أن يشتهر ذلك ويستفيض وتتواتر ~~به الأخبار عنده من غير تواطؤ؛؛ لأن الثابت بالتواتر والمحسوس بحس البصر ~~والسمع سواء، فكانت الشهادة بالتسامع شهادة عن معاينة، فعلى هذا إذا أخبره ~~بذلك رجلان، أو رجل وامرأتان لا يحل له الشهادة ما لم يدخل في حد التواتر ~~وذكر أحمد بن عمرو بن مهران الخصاف أنه إذا أخبره رجلان عدلان، أو رجل # PageV06P266 # وامرأتان أن هذا ابن فلان أو امرأة فلان، يحل له الشهادة بذلك استدلالا ~~بحكم الحاكم وشهادته، فإنه يحكم بشهادة شاهدين من غير معاينة منه بل ~~بخبرهما، ويجوز له أن يشهد بذلك بعد العزل، كذا هذا ولو أخبره رجل أو امرأة ~~بموت إنسان حل للسامع أن يشهد بموته فعلى هذا يحتاج إلى الفرق بين الموت ~~وبين النكاح والنسب، ووجه الفرق: أن مبنى هذه الأشياء وإن كان على ~~الاشتهار، إلا أن الشهرة في الموت أسرع منه في النكاح والنسب، لذلك شرط ~~العدد في النكاح والنسب، لا في الموت، لكن ينبغي أن ms3915 يشهد في كل ذلك على ~~البتات والقطع دون التفصيل والتقييد، بأن يقول: " إني لم أعاين ذلك ولكن ~~سمعت من فلان كذا وكذا " حتى لو شهد كذلك لا تقبل. # وأما الولاء فالشهادة فيه بالتسامع غير مقبولة عند أبي حنيفة ومحمد - ~~رحمهما الله - وهو قول أبي يوسف - رحمه الله - الأول، ثم رجع وقال تقبل، ~~وذكر الطحاوي - رحمه الله - قول محمد مع أبي يوسف الآخر، ووجهه أن الولاء ~~لحمة كلحمة النسب، ثم الشهادة بالتسامع في النسب مقبولة، كذا في الولاء، ~~ألا ترى أنا كما نشهد أن سيدنا عمر كان ابن الخطاب - رضي الله عنه - نشهد ~~أن نافعا كان مولى ابن سيدنا عمر - رضي الله عنهما -، والصحيح جواب ظاهر ~~الرواية؛ لأن جواز الشهادة بالتسامع في النسب لما أن مبنى النسب على ~~الاشتهار، فقامت الشهرة فيه مقام السماع بنفسه، وليس مبنى الولاء على ~~الاشتهار فلا بد من معاينة الإعتاق، حتى لو اشتهر اشتهار نافع لابن سيدنا ~~عمر - رضي الله عنهما - حلت الشهادة بالتسامع. # وأما الشهادة بالتسامع في الوقف فلم يذكره في ظاهر الرواية، إلا أن ~~مشايخنا ألحقوه بالموت؛؛ لأن مبنى الوقف على الاشتهار أيضا كالموت فكان ~~ملحقا به، وكذا تجوز الشهادة بالتسامع في القضاء والولاية: أن هذا قاضي بلد ~~كذا ووالي بلد كذا، وإن لم يعاين المنشور؛؛ لأن مبنى القضاء والولاية على ~~الشهرة، فقامت الشهرة فيها مقام المعاينة، ثم تحمل الشهادة كما يحصل ~~بمعاينة المشهود به بنفسه يحصل بمعاينة دليله، بأن يرى ثوبا أو دابة أو ~~دارا في يد إنسان يستعمله استعمال الملاك من غير منازع حتى لو خاصمه غيره ~~فيه يحل له أن يشهد بالملك لصاحب اليد؛؛ لأن اليد المتصرفة في المال من غير ~~منازع دليل الملك فيه، بل لا دليل بشاهد في الأموال أقوى منها وزاد أبو ~~يوسف فقال: لا تحل له الشهادة حتى يقع في قلبه أيضا أنه له، وينبغي أن يكون ~~هذا قولهم جميعا: أنه لا تجوز للرائي الشهادة بالملك لصاحب اليد حتى يراه ~~في يده، يستعمله استعمال الملاك من غير ms3916 منازع، وحتى يقع في قلبه أنه له، ~~وذكر في الجامع الصغير، وقال: " كل شيء في يد إنسان سوى العبد والأمة يسعك ~~أن تشهد أنه له " استثنى العبد والأمة فيقتضي أن لا تحل له الشهادة بالملك ~~لصاحب اليد فيهما إلا إذا أقرا بأنفسهما، وإنما أراد به العبد الذي يكون له ~~في نفسه يد، بأن كان كبيرا يعبر عن نفسه. # وكذا الأمة؛؛ لأن الكبير في يد نفسه ظاهر، إذ الأصل هو الحرية في بني ~~آدم، والرق عارض فكانت يده إلى نفسه أقرب من يد غيره فلم تصلح يد غيره دليل ~~الملك فيه بخلاف الجمادات والبهائم؛؛ لأنه لا يد لها، فبقيت يد صاحب اليد ~~دليلا على الملك؛ ولأن الحر قد يخدم كأنه عبد عادة، وهذا أمر ظاهر في ~~متعارف الناس وعاداتهم فتعارض الظاهران فلم تصلح اليد دليلا فيه أما إذا ~~كان صغيرا لا يعبر عن نفسه، كان حكمه حكم الثوب والبهيمة؛؛ لأنه لا يكون له ~~في نفسه يد فيلحق بالعروض والبهائم فتحل للرائي الشهادة بالملك فيه لصاحب ~~اليد، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وأما شرائط أداء الشهادة فأنواع: بعضها يرجع إلى الشاهد، وبعضها يرجع إلى ~~نفس الشهادة، وبعضها يرجع إلى مكان الشهادة. # وبعضها يرجع إلى المشهود به، أما الذي يرجع إلى الشاهد فأنواع: بعضها يعم ~~الشهادات كلها، وبعضها يخص البعض دون البعض، أما الشرائط العامة فمنها ~~العقل؛؛ لأن من لا يعقل لا يعرف الشهادة فكيف يقدر على أدائها، ومنها ~~البلوغ فلا تقبل شهادة الصبي العاقل؛؛ لأنه لا يقدر على الأداء إلا ~~بالتحفظ، والتحفظ بالتذكر، والتذكر بالتفكر، ولا يوجد من الصبي عادة؛ ولأن ~~الشهادة فيها معنى الولاية. # والصبي مولى عليه؛ ولأنه لو كان له شهادة للزمته الإجابة عند الدعوة ~~للآية الكريمة وهو قوله تعالى {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] ~~أي دعوا للأداء فلا يلزمه إجماعا، ومنها الحرية فلا تقبل شهادة العبد، ~~وقوله تعالى {ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} [النحل: 75] ~~والشهادة شيء فلا يقدر على أدائها بظاهر الآية الكريمة؛؛ ولأن ms3917 الشهادة تجري ~~مجرى الولايات والتمليكات أما معنى # PageV06P267 # الولاية فإن فيه تنفيذ القول على الغير، وإنه من باب الولاء وأما معنى ~~التمليك فإن الحاكم يملك الحكم بالشهادة، فكأن الشاهد ملكه الحكم، والعبد ~~لا ولاية له على غيره ولا يملك فلا شهادة له،؛ ولأنه لو كان له شهادة لكان ~~يجب عليه الإجابة إذا دعي لأدائها للآية الكريمة، ولا يجب لقيام حق المولى، ~~وكذا لا تقبل شهادة المدبر والمكاتب وأم الولد؛؛ لأنهم عبيد، وكذا معتق ~~البعض عند أبي حنيفة، وعندهما تقبل شهادته؛؛ لأنه بمنزلة المكاتب عنده، ~~وعندهما بمنزلة حر عليه دين، ومنها بصر الشاهد عند أبي حنيفة ومحمد - ~~رحمهما الله - فلا تقبل شهادة الأعمى عندهما، سواء كان بصيرا وقت التحمل أو ~~لا، وعند أبي يوسف ليس بشرط حتى تقبل شهادته إذا كان بصيرا وقت التحمل، ~~وهذا إذا كان المدعى شيئا لا يحتاج إلى الإشارة إليه وقت الأداء، فأما إذا ~~كان شيئا يحتاج إلى الإشارة إليه وقت الأداء لا تقبل شهادته إجماعا وجه قول ~~أبي يوسف: أن اشتراط البصر ليس لعينه بل لحصول العلم بالمشهود به، وذا يحصل ~~إذا كان بصيرا وقت التحمل وجه قولهما: أنه لا بد من معرفة المشهود له، ~~والإشارة إليه عند الشهادة فإذا كان أعمى عند الأداء لا يعرف المشهود له من ~~غيره، فلا يقدر على أداء الشهادة ومنها النطق فلا تقبل شهادة الأخرس؛؛ لأن ~~مراعاة لفظة الشهادة شرط صحة أدائها، ولا عبارة للأخرس أصلا فلا شهادة له. # ومنها العدالة، لقبول الشهادة على الإطلاق فإنها لا تقبل على الإطلاق ~~دونها، لقوله تعالى {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] والشاهد المرضي ~~هو الشاهد العدل، والكلام في العدالة في مواضع في بيان ماهية العدالة أنها ~~ما هي في عرف الشرع، وفي بيان صفة العدالة المشروطة، وفي بيان أنها شرط أصل ~~القبول وجودا، أم شرط القبول على الإطلاق وجودا ووجوبا أما الأول، فقد ~~اختلفت عبارات مشايخنا - رحمهم الله - في ماهية العدالة المتعارفة، قال ~~بعضهم: من لم يطعن عليه في بطن ولا فرج فهو عدل؛؛ ms3918 لأن أكثر أنواع الفساد ~~والشر يرجع إلى هذين العضوين، وقال بعضهم: من لم يعرف عليه جريمة في دينه ~~فهو عدل، وقال بعضهم: " من غلبت حسناته سيئاته فهو عدل " وقد روي عن النبي ~~- عليه الصلاة والسلام - أنه قال «إذا رأيتم الرجل يعتاد الصلاة في المساجد ~~فاشهدوا له بالإيمان» وروي «من صلى إلى قبلتنا وأكل ذبيحتنا فاشهدوا له ~~بالإيمان» وقال بعضهم: " من يجتنب الكبائر وأدى الفرائض وغلبت حسناته ~~سيئاته فهو عدل، " وهو اختيار أستاذ أستاذي الإمام فخر الدين علي البزدوي - ~~رضي الله تعالى عنه -. # واختلف في ماهية الكبائر والصغائر، قال بعضهم: " ما فيه حد في كتاب الله ~~عز وجل فهو كبيرة، وما لا حد فيه فهو صغيرة "، وهذا ليس بسديد، فإن شرب ~~الخمر وأكل الربا كبيرتان ولا حد فيهما في كتاب الله تعالى وقال بعضهم: " ~~ما يوجب الحد فهو كبيرة، وما لا يوجبه فهو صغيرة، " وهذا يبطل أيضا بأكل ~~الربا فإنه كبيرة ولا يوجب الحد، وكذا يبطل أيضا بأشياء أخر، هي كبائر ولا ~~توجب الحد، نحو عقوق الوالدين والفرار من الزحف ونحوها وقال بعضهم: كلما ~~جاء مقرونا بوعيد فهو كبيرة، نحو قتل النفس المحرمة، وقذف المحصنات، ~~والزنا، والربا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وهو مروي عن عبد الله ~~بن عباس - رضي الله عنهما -، وقيل له: إن عبد الله ابن سيدنا عمر - رضي ~~الله عنهما - قال الكبائر سبع، فقال هي إلى سبعين أقرب، ولكن لا كبيرة مع ~~توبة، ولا صغيرة مع إصرار وروي عن الحسن عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~أنه قال «ما تقولون في الزنا والسرقة وشرب الخمر، قالوا: الله ورسوله أعلم، ~~قال: - عليه الصلاة والسلام - هن فواحش وفيهن عقوبة، ثم قال: - عليه الصلاة ~~والسلام - ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، فقالوا: بلى يا رسول الله، فقال - ~~عليه الصلاة والسلام -: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان - عليه الصلاة ~~والسلام - متكئا فجلس ثم قال: ألا وقول الزور، ألا وقول الزور، ألا وقول ~~الزور» . # فإذا عرفت تفسير العدالة في عرف الشرع فلا عدالة لشارب الخمر؛؛ لأن ms3919 شربه ~~كبيرة فتسقط به العدالة ومن مشايخنا من قال: إذا كان الرجل صالحا في أموره ~~تغلب حسناته سيئاته، ولا يعرف بالكذب، ولا بشيء من الكبائر غير أنه يشرب ~~الخمر أحيانا لصحة البدن والتقوي، لا للتلهي - يكون عدلا، وعامة مشايخنا ~~على أنه لا يكون عدلا؛ لأن شرب الخمر كبيرة محضة، وإن كان للتقوي ومن شرب ~~النبيذ لا تسقط عدالته بنفس الشرب؛؛ لأن شربه للتقوي دون التلهي حلال، وأما ~~السكر منه، فإن كان وقع منه مرة، وهو لا يدري أو وقع سهوا، لا تسقط عدالته، ~~وإن كان يعتاد السكر منه تسقط # PageV06P268 # عدالته؛؛ لأن السكر منه حرام، ولا عدالة لمن يحضر مجلس الشرب ويجلس ~~بينهم، وإن كان لا يشرب؛ لأن حضوره مجلس الفسق فسق. # ولا عدالة للنائح والنائحة؛ لأن فعلهما محظور، وأما المغني فإن كان يجتمع ~~الناس عليه للفسق بصوته، فلا عدالة له وإن كان هو لا يشرب؛ لأنه رأس ~~الفسقة، وإن كان يفعل ذلك مع نفسه لدفع الوحشة، لا تسقط عدالته؛ لأن ذلك ~~مما لا بأس به؛ لأن السماع مما يرقق القلوب لكن لا يحل الفسق به. # وأما الذي يضرب شيئا من الملاهي فإنه ينظر إن لم يكن مستشنعا كالقصب ~~والدف ونحوه لا بأس به، ولا تسقط عدالته، وإن كان مستشنعا كالعود ونحوه ~~سقطت عدالته؛ لأنه لا يحل بوجه من الوجوه. # والذي يلعب بالحمام فإن كان لا يطيرها لا تسقط عدالته، وإن كان يطيرها ~~تسقط عدالته؛؛ لأنه يطلع على عورات النساء، ويشغله ذلك عن الصلاة والطاعات، ~~ومن يلعب بالنرد فلا عدالة له، وكذلك من يلعب بالشطرنج ويعتاده فلا عدالة ~~له، وإن أباحه بعض الناس لتشحيذ الخاطر وتعلم أمر الحرب؛ لأنه حرام عندنا ~~لكونه لعبا قال - عليه الصلاة والسلام - «كل لعب حرام إلا ملاعبة الرجل ~~أهله وتأديبه فرسه ورميه عن قوسه» وكذلك إذا اعتاد ذلك يشغله عن الصلاة ~~والطاعات، فإن كان يفعله أحيانا ولا يقامر به لا تسقط عدالته. # ولا عدالة لمن يدخل الحمام بغير مئزر؛؛ لأن ستر العورة فريضة، ومن ترك ~~الصلاة ms3920 بالجماعات استخفافا بها وهوانا بتركها فلا عدالة له؛ لأن الجماعة ~~واجبة، وإن كان تركها عن تأويل بأن كان الإمام غير مرضي عنده، لا تسقط ~~عدالته، ولا عدالة لمن يفجر بالنساء، أو يعمل بعمل قوم لوط، ولا للسارق ~~وقاطع الطريق والمتلصص وقاذف المحصنات وقاتل النفس المحرمة وآكل الربا ~~ونحوه؛ لأن هؤلاء من رءوس الكبائر. # ولا عدالة للمخنث؛؛ لأن فعله وعمله كبيرة، ولا عدالة لمن لم يبال من أين ~~يكتسب الدراهم، من أي وجه كان؛؛ لأن من هذا حاله لا يؤمن منه أن يشهد زورا ~~طمعا في المال، والمعروف بالكذب لا عدالة له، ولا تقبل شهادته أبدا وإن ~~تاب؛؛ لأن من صار معروفا بالكذب واشتهر به لا يعرف صدقه في توبته بخلاف ~~الفاسق إذا تاب عن سائر أنواع الفسق تقبل شهادته، وكذا من وقع في الكذب ~~سهوا وابتلي به مرة ثم تاب؛ لأنه قل ما يخلو مسلم عن ذلك فلو منع القبول ~~لانسد باب الشهادة. # وأما الأقلف فتقبل شهادته إذا كان عدلا، ولم يكن تركه الختان رغبة عن ~~السنة لعمومات الشهادة؛ ولأن إسلامه إذا كان في حال الكبر فيجوز أنه خاف ~~على نفسه التلف، فإن لم يخف ولم يختتن تاركا للسنة لم تقبل شهادته، كالفاسق ~~والذي يرتكب المعاصي: أن شهادته لا تجوز، وإن كنا لا نستيقن كونه فاسقا في ~~تلك الحال. # وتقبل شهادة ولد الزنا كان عدلا لعمومات الشهادة؛؛ لأن زنا الوالدين لا ~~يقدح في عدالته لقوله سبحانه وتعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: ~~164] وما روي عنه - عليه الصلاة والسلام - «ولد الزنا أسوأ الثلاثة» فذا في ~~ولد معين والله تعالى أعلم. # وتقبل شهادة الخصي لعمومات الشهادة، وروي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - ~~أنه قبل شهادة علقمة الخصي، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر من الصحابة؛؛ ولأن ~~الخصاء لا يقدح في العدالة فلا يمنع قبول الشهادة. # وأما شهادة صاحب الهوى إذا كان عدلا في هواه ودينه، نظر في ذلك، إن كان ~~هوى يكفره لا تقبل شهادته؛؛ لأن شهادة الكافر على المسلم ms3921 غير مقبولة، وإن ~~كان لا يكفره فإن كان صاحب العصبية وصاحب الدعوة إلى هواه، أو كان فيه ~~مجانة لا تقبل أيضا؛؛ لأن صاحب العصبية والدعوة لا يبالي من الكذب والتزوير ~~لترويج هواه، فكان فاسقا فيه، وكذا إذا كان فيه مجانة؛ لأن الماجن لا يبالي ~~من الكذب، فإن لم يكن كذلك وهو عدل في هواه تقبل؛ لأن هواه يزجره عن الكذب. # ، إلا صنف من الرافضة يسمون بالخطابية، فإنهم لا شهادة لهم؛؛ لأن من ~~نحلتهم أنه تحل الشهادة لمن يوافقهم على من يخالفهم، وقيل من نحلتهم أن من ~~ادعى أمرا من الأمور وحلف عليه كان صادقا في دعواه فيشهدون له، فإن كان هذا ~~مذهبهم فلا تخلو شهادتهم عن الكذب. # وكذا لا عدالة لأهل الإلهام؛؛ لأنهم يحكمون بالإلهام، فيشهدون لمن يقع في ~~قلوبهم أنه صادق في دعواه، ومعلوم أن ذلك لا يخلو عن الكذب. # ولا عدالة لمن يظهر شتيمة الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -؛ لأن شتيمة ~~واحد من آحاد المسلمين مسقطة للعدالة، فشتيمتهم أولى. # ولا عدالة لصاحب المعصية لقوله: - عليه الصلاة والسلام - «ليس منا من مات ~~على المعصية» وقال: - عليه الصلاة والسلام - «من مات على المعصية فهو كحمار ~~نزع # PageV06P269 # بدينه» فكانت المعصية معصية مسقطة للعدالة، والأصل في هذا الفصل أن من ~~ارتكب جريمة فإن كانت من الكبائر سقطت عدالته، إلا أن يتوب، فإن لم تكن من ~~الكبائر فإن أصر عليها واعتاد ذلك فكذلك؛ لأن الصغيرة بالإصرار عليها تصير ~~كبيرة قال - عليه الصلاة والسلام - «لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع ~~الاستغفار» وإن لم يصر عليها لا تسقط عدالته، إذا غلبت حسناته سيئاته. # وأما بيان صفة العدالة المشروطة فقد اختلف أصحابنا - رحمهم الله - قال ~~أبو حنيفة: - رضي الله عنه - الشرط هو العدالة الظاهرة، فأما العدالة ~~الحقيقية، وهي الثابتة بالسؤال عن حال الشهود بالتعديل والتزكية، فليست ~~بشرط. # وقال أبو يوسف ومحمد - رحمه الله -: إنها شرط، ولقب المسألة أن القضاء ~~بظاهر العدالة جائز عنده، وعندهما لا يجوز، وجملة الكلام فيه أنه لا خلاف ~~في أنه إذا ms3922 طعن الخصم في الشاهد أنه لا يكتفي بظاهر العدالة، بل يسأل ~~القاضي عن حال الشهود، وكذا لا خلاف في أنه يسأل عن حالهم في الحدود ~~والقصاص، ولا يكتفي بالعدالة الظاهرة، سواء طعن الخصم فيهم أو لم يطعن، ~~واختلفوا فيما سوى الحدود والقصاص إذا لم يطعن الخصم قال أبو حنيفة - رحمه ~~الله -: لا يسأل، وقالا يسأل. # عن مشايخنا من قال: هذا الاختلاف اختلاف زمان لا اختلاف حقيقة؛؛ لأن زمن ~~أبي حنيفة - رحمه الله - كان من أهل خير وصلاح؛ لأنه زمن التابعين، وقد شهد ~~لهم النبي - عليه الصلاة والسلام - بالخيرية بقوله «خير القرون قرني الذي ~~أنا فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب» الحديث، " فكان ~~الغالب في أهل زمانه الصلاح والسداد، فوقعت الغنية عن السؤال عن حالهم في ~~السر، ثم تغير الزمان وظهر الفساد في قرنهما فوقعت الحاجة إلى السؤال عن ~~العدالة، فكان اختلاف جوابهم لاختلاف الزمان، فلا يكون اختلافا حقيقة، ~~ومنهم من حقق الخلاف (وجه) قولهما أن العدالة الظاهرة تصلح للدفع لا ~~للإثبات لثبوتها باستصحاب الحال دون الدليل، والحاجة ههنا إلى الإثبات وهو ~~إيجاب القضاء، والظاهر لا يصلح حجة له فلا بد من إثبات العدالة بدليلها، ~~ولأبي حنيفة ظاهر قوله عز وجل {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] أي ~~عدلا، وصف الله سبحانه وتعالى مؤمني هذه الأمة بالوساطة، وهي العدالة، وقال ~~سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنه - عدول بعضهم على بعض، فصارت العدالة أصلا ~~في المؤمنين، وزوالها بعارض،؛ ولأن العدالة الحقيقية مما لا يمكن الوصول ~~إليها فتعلق الحكم بالظاهر، وقد ظهرت عدالتهم قبل السؤال عن حالهم فيجب ~~الاكتفاء به، إلا أن يطعن الخصم؛ لأنه إذا طعن الخصم وهو صادق في الطعن ~~فيقع التعارض بين الظاهرين، فلا بد من الترجيح بالسؤال، والسؤال في الحدود ~~والقصاص طريق لدرئها، والحدود يحتال فيها للدرء، ولو طعن المشهود عليه في ~~حرية الشاهدين وقال: إنهما رقيقان، وقالا: نحن حران، فالقول قوله حتى تقوم ~~لهما البينة على حريتهما؛ لأن الأصل في بني آدم - وإن كان هو ms3923 الحرية لكونهم ~~أولاد آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - وهما حران - لكن الثابت بحكم ~~استصحاب الحال لا يصلح للإلزام على الخصم، ولا بد من إثباتها بالدلائل، ~~والأصل فيه أن الناس كلهم أحرار إلا في أربعة: الشهادات والحدود والقصاص ~~والعقل، هذا إذا كانا مجهولي النسب لم تعرف حريتهما ولم تكن ظاهرة مشهورة، ~~بأن كانا من الهند أو الترك أو غيرهم ممن لا تعرف حريته أو كانا عربيين، ~~فأما إذا لم يكونا ممن يجري عليه الرق، فالقول قولهما ولا يثبت رقهما إلا ~~بالبينة. # وأما بيان أن العدالة شرط قبول أصل الشهادة وجودا، أم شرط القبول مطلقا ~~وجوبا ووجودا، فقد اختلف فيه، قال أصحابنا - رحمهم الله -: إنها شرط القبول ~~للشهادة وجودا على الإطلاق ووجوبا لا شرط أصل القبول حتى يثبت القبول ~~بدونه، وقال الشافعي - عليه الرحمة -: إنها شرط أصل القبول لا يثبت القبول ~~أصلا دونها، حتى إن القاضي لو تحرى الصدق في شهادة الفاسق يجوز له قبول ~~شهادته، ولا يجوز القبول من غير تحر بالإجماع. # وكذا لا يجب عليه القبول بالإجماع، وله أن يقبل شهادة العدل من غير تحر، ~~وإذا شهد يجب عليه القبول، وهذا هو الفصل بين شهادة العدل وبين شهادة ~~الفاسق عندنا، وعند الشافعي - عليه الرحمة - لا يجوز للقاضي أن يقضي بشهادة ~~الفاسق أصلا، وكذا ينعقد النكاح بشهادة الفاسقين عندنا، وعنده لا ينعقد. # (وجه) قول الشافعي - رحمه الله - أن مبنى قبول الشهادات على الصدق، ولا ~~يظهر الصدق إلا بالعدالة؛؛ لأن خبر من ليس بمعصوم عن الكذب يحتمل الصدق # PageV06P270 # والكذب، ولا يقع الترجيح إلا بالعدالة، واحتج في انعقاد النكاح بقوله - ~~عليه الصلاة والسلام - «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» . # (ولنا) عمومات قوله تعالى {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] ~~وقوله - عليه الصلاة والسلام - «لا نكاح إلا بشهود» والفاسق شاهد لقوله ~~سبحانه وتعالى {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] قسم الشهود إلى مرضيين ~~وغير مرضيين، فيدل على كون غير المرضي - وهو الفاسق - شاهدا؛ ولأن حضرة ~~الشهود في باب النكاح لدفع تهمة الزنا - لا للحاجة إلى شهادتهم ms3924 عند الجحود ~~والإنكار؛؛ لأن النكاح يشتهر بعد وقوعه - فيمكن دفع الجحود والإنكار ~~بالشهادة بالتسامع، والتهمة تندفع بحضرة الفاسق فينعقد النكاح بحضرتهم. # وأما قوله: " الركن في الشهادة هو صدق الشاهد " فنعم، لكن الصدق لا يقف ~~على العدالة لا محالة، فإن من الفسقة من لا يبالي بارتكابه أنواعا من ~~الفسق، ويستنكف عن الكذب، والكلام في فاسق تحرى القاضي الصدق في شهادته ~~فغلب على ظنه صدقه - ولو لم يكن كذلك - لا يجوز القضاء بشهادته عندنا. # وأما الحديث فقد روي عن بعض نقلة الحديث أنه قال: لم يثبت عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ولن يثبت، فلا حجة له فيه بل هو حجة عليه؛ لأنه ليس ~~فيه جعل العدالة صفة للشاهد؛؛ لأنه لو كان كذلك لقال: لا نكاح إلا بولي ~~وشاهدين عدلين، بل هذا إضافة الشاهدين إلى العدل، وهو كلمة التوحيد فكأنه ~~قال - عليه الصلاة والسلام - لا نكاح إلا بولي مقابلي كلمة العدل، وهي كلمة ~~الإسلام، والفاسق مسلم فينعقد النكاح بحضرته ومنها أن لا يكون محدودا في ~~قذف عندنا وهو شرط الأداء، وعند الشافعي - رحمه الله - ليس بشرط، واحتج ~~بعمومات الشهادة من غير فصل؛ لأن المانع هو الفسق بالقذف، وقد زال بالتوبة. # (ولنا) قوله تعالى جل وعلا {والذين يرمون المحصنات} [النور: 4] " الآية " ~~نهى سبحانه وتعالى عن قبول شهادة الرامي على التأبيد، فيتناول زمان ما بعد ~~التوبة، وبه تبين أن المحدود في القذف مخصوص من عمومات الشهادة عملا ~~بالنصوص كلها صيانة لها عن التناقض، وكذلك الذمي إذا قذف مسلما فحد حد ~~القذف لا تقبل شهادته على أهل الذمة، فإن أسلم جازت شهادته عليهم وعلى ~~المسلمين. # وبمثله العبد المسلم إذا قذف حرا ثم حد حد القذف، ثم عتق لا تقبل شهادته ~~أبدا، وإن أعتق (ووجه) الفرق أن إقامة الحد توجب بطلان شهادة كانت للقاذف ~~قبل الإقامة والثابت للذمي قبل إقامة الحد شهادته على أهل الذمة، لا على ~~أهل الإسلام، فتبطل تلك الشهادة بإقامة الحد، فإذا أسلم فقد حدثت له ~~بالإسلام شهادة غير مردودة، وهي شهادة ms3925 على أهل الإسلام،؛ لأنها لم تكن له ~~لتبطل بالحد فتقبل هذه الشهادة، ثم من ضرورة قبول شهادته على أهل الإسلام ~~قبول شهادته على أهل الذمة بخلاف العبد؛؛ لأن العبد من أهل الشهادة، وإن لم ~~تكن له شهادة مقبولة؛ لأن له عدالة الإسلام، والحد أبطل ذلك على التأبيد، ~~ولو ضرب الذمي بعض الحد فأسلم، ثم ضرب الباقي تقبل شهادته؛ لأن المبطل ~~للشهادة إقامة الحد في حالة الإسلام، ولم توجد؛ لأن الحد اسم للكل فلا يكون ~~البعض حدا؛ لأن الحد لا يتجزأ، وهذا جواب ظاهر الرواية. # وذكر الفقيه أبو الليث - عليه الرحمة - روايتين أخريين فقال في رواية " ~~لا تقبل شهادته "، وفي رواية: تقبل شهادته، ولو ضرب سوطا واحدا في ~~الإسلام؛؛ لأن السياط المتقدمة توقف كونها حدا على وجود السوط الأخير، وقد ~~وجد كمال الحد في حالة الإسلام، وفي رواية اعتبر الأكثر: إن وجد أكثر الحد ~~في حال الإسلام تبطل شهادته وإلا، فلا؛ لأن للأكثر حكم الكل في الشرع، ~~والصحيح جواب ظاهر الرواية، لما ذكرنا أن الحد اسم للكل، وعند ضرب السوط ~~الأخير تبين أن السياط كلها كانت حدا، ولم يوجد الكل في حال الإسلام، بل ~~البعض فلا ترد به الشهادة الحادثة بالإسلام، هذا إذا شهد بعد إقامة الحد ~~وبعد التوبة، فأما إذا شهد بعد التوبة قبل إقامة الحد، فتقبل شهادته ~~بالإجماع، ولو شهد بعد إقامة الحد قبل التوبة لا تقبل شهادته بالإجماع، ولو ~~شهد قبل التوبة وقبل إقامة الحد فهي مسألة شهادة الفاسق وقد مرت. # وأما النكاح بحضرة المحدودين في القذف فينعقد بالإجماع، أما عند الشافعي ~~- رحمه الله -؛ فلأن له شهادة أداء، فكانت له شهادة سماعا، وأما عندنا؛ ~~فلأن حضرة الشهود لدى النكاح ليست لدفع الجحود والإنكار لاندفاع الحاجة ~~بالشهادة بالتسامع، بل لرفع ريبة الزنا والتهمة به، وذا يجعل بحضرة ~~المحدودين في القذف، فينعقد النكاح بحضرتهم، ولا تقبل شهادتهم للنهي عن ~~القبول، والانعقاد ينفصل # PageV06P271 # عن القبول في الجملة وأما المحدود في الزنا والسرقة والشرب فتقبل شهادته ~~بالإجماع إذا تاب؛ لأنه صار عدلا، ms3926 والقياس أن تقبل شهادة المحدود في القذف ~~إذا تاب لولا النص الخاص بعدم القبول على التأبيد. # ومنها أن لا يجر الشاهد إلى نفسه مغنما، ولا يدفع عن نفسه مغرما بشهادته ~~لقوله - عليه الصلاة والسلام - «لا شهادة لجار المغنم ولا لدافع المغرم» ،؛ ~~ولأن شهادته إذا تضمنت معنى النفع والدفع فقد صار متهما، ولا شهادة للمتهم ~~على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولأنه إذا جر النفع إلى نفسه ~~بشهادته لم تقع شهادته لله تعالى - عز وجل -، بل لنفسه، فلا تقبل وعلى هذا ~~تخرج شهادة الوالد، وإن علا لولده وإن سفل، وعكسه أنها غير مقبولة؛؛ لأن ~~الوالدين والمولودين ينتفع البعض بمال البعض عادة، فيتحقق معنى جر النفع، ~~والتهمة، والشهادة لنفسه فلا تقبل، وذكر الخصاف - رحمه الله - في أدب ~~القاضي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «لا تقبل شهادة الوالد ~~لولده، ولا الولد لوالده، ولا السيد لعبده، ولا العبد لسيده، ولا الزوجة ~~لزوجها، ولا الزوج لزوجته» . # وأما سائر القرابات، كالأخ والعم والخال ونحوهم فتقبل شهادة بعضهم لبعض؛؛ ~~لأن هؤلاء ليس لبعضهم تسلط في مال البعض، عرفا وعادة فالتحقوا بالأجانب، ~~وكذا تقبل شهادة الوالد من الرضاع لولده من الرضاع، وشهادة الولد من الرضاع ~~لوالده من الرضاع؛ لأن العادة ما جرت بانتفاع هؤلاء بعضهم بمال البعض ~~فكانوا كالأجانب، ولا تقبل شهادة المولى لعبده، ولا شهادة العبد لمولاه لما ~~قلنا. # وأما شهادة أحد الزوجين لصاحبه فلا تقبل عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله ~~- تقبل، واحتج بعمومات الشهادة من غير تخصيص، نحو قوله تعالى - جل وعلا - ~~{واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] وقوله - عز شأنه - {وأشهدوا ~~ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] وقوله - عظمت كبرياؤه - {ممن ترضون من الشهداء} ~~[البقرة: 282] من غير فصل بين عدل وعدل، ومرضي ومرضي. # (ولنا) ما روينا من النصوص من قوله - عليه الصلاة والسلام - " لا شهادة ~~لجار المغنم "، ولا شهادة للمتهم، وأحد الزوجين بشهادته للزوج الآخر يجر ~~المغنم إلى نفسه،؛ لأنه ينتفع بمال صاحبه عادة، فكان شاهدا لنفسه، لما ~~روينا من حديث الخصاف - رحمه الله ms3927 - وأما العمومات فنقول بموجبها لكن لما ~~قلتم إن أحد الزوجين في الشهادة لصاحبه عدل ومرضي، بل هو مائل ومتهم لما ~~قلنا، لا يكون شاهدا فلا تتناوله العمومات، وكذا لا تقبل شهادة الأجير له ~~في الحادثة التي استأجره فيها لما فيه من تهمة جر النفع إلى نفسه، ولا تقبل ~~شهادة أحد الشريكين لصاحبه في مال الشركة، ولو شهد رجلان لرجلين على الميت ~~بدين ألف درهم، ثم شهد المشهود لهما للشاهدين على الميت بدين ألف درهم، ~~فشهادة الفريقين باطلة عند أبي حنيفة - عليه الرحمة - وأبي يوسف - رحمه ~~الله - وعند محمد - رحمه الله - جائزة، وعلى هذا الخلاف لو شهدا أن الميت ~~أوصى لهما بالثلث، وشهد المشهود لهما أن الميت أوصى للشاهدين بالثلث، ولو ~~شهدا أن الميت غصبهما دارا أو عبدا وشهد المشهود لهما للشاهدين بدين ألف ~~درهم، فشهادة الفريقين جائزة بالإجماع، لمحمد - رحمه الله - أن كل فريق ~~يشهد لغيره لا لنفسه، فلا يكون متهما في شهادته، ولهما أن ما يأخذه كل ~~فريق، فالفريق الآخر يشاركه فيه، فكان كل فريق شاهدا لنفسه بخلاف ما إذا ~~اختلف جنس المشهود به؛؛ لأن ثمة معنى الشركة لا يتحقق. # ومنها أن لا يكون خصما لقوله - عليه الصلاة والسلام - «لا تجوز شهادة خصم ~~ولا ظنين» ؛ ولأنه إذا كان خصما فشهادته تقع لنفسه فلا تقبل، وعلى هذا تخرج ~~شهادة الوصي للميت واليتيم الذي في حجره؛؛ لأنه خصم فيه، وكذا شهادة الوكيل ~~لموكله لما قلنا ومنها أن يكون عالما بالمشهود به وقت الأداء، ذاكرا له عند ~~أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما ليس بشرط حتى إنه لو رأى اسمه وخطه وخاتمه ~~في الكتاب، لكنه لا يذكر الشهادة، لا يحل له أن يشهد، ولو شهد وعلم القاضي ~~به لا تقبل شهادته عنده، وعندهما له أن يشهد، ولو شهد تقبل شهادته (وجه) ~~قولهما أنه لما رأى اسمه وخطه وخاتمه على الصك، دل أنه تحمل الشهادة، وهي ~~معلومة في الصك، فيحل له أداؤها، وإذا أداها تقبل،؛ ولأن النسيان أمر جبل ~~عليه الإنسان خصوصا عند طول ms3928 المدة بالشيء؛؛ لأن طول المدة ينسي، فلو شرط ~~تذكر الحادثة لأداء الشهادة لانسد باب الشهادة فيؤدي إلى تضييع الحقوق، ~~وهذا لا يجوز. # ولأبي حنيفة - رحمه الله - قوله تعالى - جل شأنه {ولا تقف ما ليس لك به ~~علم} [الإسراء: 36] وقوله - عليه الصلاة والسلام - لشاهد «إذا علمت مثل ~~الشمس فاشهد وإلا # PageV06P272 # فدع» ، ولا اعتماد على الخط والختم؛؛ لأن الخط يشبه الخط والختم يشبه ~~الختم ويجري فيه الاحتيال والتزوير مع ما أن الخط للتذكر فخط لا يذكر، ~~وجوده وعدمه بمنزلة واحدة، وعلى هذا الخلاف إذا وجد القاضي في ديوانه شيئا ~~لا يذكره - وديوانه تحت ختمه - أنه لا يعمل به عنده، وعندهما يعمل إذا كان ~~تحت ختمه، وعلى هذا الخلاف إذا عزل القاضي، ثم استقضى بعدما عزل، فأراد أن ~~يعمل بشيء مما يرى في ديوانه الأول، ولم يذكر ذلك، ليس له ذلك عنده، ~~وعندهما له ذلك، والله تعالى أعلم. # (وأما) الشرائط التي ترجع إلى نفس الشهادة، فأنواع: منها لفظ الشهادة، ~~فلا تقبل بغيرها من الألفاظ، كلفظ الإخبار والإعلام ونحوهما، وإن كان يؤدي ~~معنى الشهادة تعبدا غير معقول المعنى. # ومنها أن تكون موافقة للدعوى فيما يشترط فيه الدعوى فإن خالفتها لا تقبل ~~إلا إذا وفق المدعي بين الدعوى وبين الشهادة عند إمكان التوفيق؛؛ لأن ~~الشهادة إذا خالفت الدعوى فيما يشترط فيه الدعوى، وتعذر التوفيق انفردت عن ~~الدعوى، والشهادة المنفردة عن الدعوى فيما يشترط فيه الدعوى غير مقبولة، ~~وبيان ذلك في مسائل: إذا ادعى ملكا بسبب، ثم أقام البينة على ملك مطلق لا ~~تقبل، وبمثله لو ادعى ملكا مطلقا ثم أقام البينة على الملك بسبب تقبل. # (ووجه) الفرق أن الملك المطلق أعم من الملك بسبب؛؛ لأنه يظهر من الأصل ~~حتى تستحق به الزوائد، والملك بسبب يقتصر على وقت وجود السبب، فكان الملك ~~المطلق أعم، فصار المدعي بإقامة البينة على الملك المطلق مكذبا شهوده في ~~بعض ما شهدوا به. # والتوفيق متعذر؛؛ لأن الملك من الأصل ينافي الملك الحادث بسبب لاستحالة ~~ثبوتهما معا في محل واحد، بخلاف ما ms3929 إذا ادعى الملك المطلق ثم أقام البينة ~~على الملك بسبب؛؛ لأن الملك بسبب أخص من الملك المطلق على ما بينا فقد ~~شهدوا بأقل مما ادعى، فلم يصر المدعي مكذبا شهوده، بل صدقهم فيما شهدوا به، ~~وادعى زيادة شيء لا شهادة لهم عليه، وصار كما لو ادعى ألفا وخمسمائة فشهد ~~الشهود على ألف أنه تقبل البينة على الألف لما، قلنا كذا هذا، ولو ادعى ~~الملك بسبب معين، ثم أقام البينة على الملك بسبب آخر: بأن ادعى دارا في يد ~~رجل أنه ورثها من أبيه، ثم أقام البينة على الملك: أنه اشتراها من صاحب ~~اليد أو وهبها له أو تصدق بها عليه وقبض، أو ادعى الشراء أو الهبة أو ~~الصدقة، ثم أقام البينة على الإرث لا تقبل بينته؛؛ لأن الشهادة خالفت ~~الدعوى لاختلاف البينتين صورة ومعنى، أما الصورة فلا شك فيها. # وأما المعنى؛ فلأن حكم البينتين يختلف فلا يقبل إلا إذا وفق بين الدعوى ~~والشهادة، فقال: كنت اشتريت منه لكنه جحدني الشراء وعجزت عن إثباته ~~فاستوهبت منه فوهب مني، وقبضت، وأعاد البينة، تقبل؛؛ لأنه وفق فقد زالت ~~المخالفة وظهر أنه لم يكذب شهوده، ويصير هذا في الحقيقة ابتداء. # ولهذا يجب عليه إعادة البينة لتقع الشهادة عند الدعوى، وكذا إذا وفق ~~فقال: ورثته من أبي إلا أنه جحد إرثي فاشتريت منه، أو وهب لي فإنها تقبل ~~لزوال التناقض والاختلاف بين الدعوى والشهادة، ولو ادعى الشراء بعد هذا ~~وأقام البينة على الشراء بألف درهم لا تقبل؛؛ لأن البدل قد اختلف، واختلاف ~~البدل يوجب اختلاف العقد، فقد قامت البينة على عقد آخر غير ما ادعاه ~~المدعي، فلا تقبل إلا إذا وفق المدعي، فقال: اشتريت بالعبد إلا أنه جحدني ~~الشراء به فاشتريته بعد ذلك بألف درهم، فتقبل لزوال المخالفة، وهذا إذا كان ~~دعوى التوفيق في مجلس آخر بأن قام عن مجلس الحكم ثم جاء وادعى التوفيق. # فأما إذا لم يقم عن مجلس الحكم فدعوى التوفيق غير مسموعة، ولو ادعى أنه ~~له ثم أقام البينة على أنه ms3930 لفلان وكله بالخصومة فيه، تقبل بينته، وبمثله لو ~~ادعى أنه لفلان وكلني بالخصومة فيه، ثم أقام البينة على أنه له لا تقبل، ~~ووجه الفرق أن قوله أولا: إنه لي لا ينفي قوله: إنه لفلان وكلني بالخصومة ~~فيه لجواز أن يكون له بحق الخصومة والمطالبة، ولغيره بحق الملك، فكان ~~التوفيق ممكنا فقبلت البينة بخلاف الفصل الثاني؛؛ لأن قوله هو لفلان وكلني ~~بالخصومة فيه، ينفي قوله بعد ذلك هو لي؛ لأنه صرح بأن الملك فيه لفلان، ~~وأنه وكيل بالخصومة فيه بقوله: إنه لفلان وكلني بالخصومة فيه، فكان قوله ~~بعد ذلك: " هو لي " إقرارا منه بالملك لنفسه فكان مناقضا فلا تقبل، ولو ~~ادعى أنه لفلان وكلني بالخصومة فيه ثم أقام البينة على أنه لفلان آخر وكلني ~~بالخصومة فيه، لا تقبل؛؛ لأن قوله أولا: إنه لفلان # PageV06P273 # وكلني بالخصومة فيه، كما ينفي قوله: " إنه لي " ينفي قوله: " إنه لفلان ~~آخر وكلني بالخصومة فيه " فلا تقبل إلا إذا وفق فقال: " إن الموكل الأول ~~باع من الموكل الثاني ثم وكلني الثاني بالخصومة " فيقبل لزوال المناقضة، ~~ولو ادعى في ذي القعدة أنه اشترى منه هذه الدار في شهر رمضان بألف ونقده ~~الثمن، ثم أقام البينة على أنه تصدق بالدار على المدعي في شعبان، لا تقبل ~~بينته؛؛ لأن دعوى التصدق في شعبان تنافي الشراء في شهر رمضان لاستحالة شراء ~~الإنسان ملك نفسه، والتوفيق غير ممكن فلا تقبل. # وإن أقام البينة على التصدق في شوال، ووفق فقال: " جحدني الشراء ثم تصدق ~~بها علي " تقبل ولو ادعى دارا في يدي رجل أنها له وأقام البينة على أنها ~~كانت في يد المدعي بالأمس لا تقبل، وعن أبي يوسف أنها تقبل ويؤمر بالرد ~~إليه، ولو أقام صاحب اليد البينة على أنها كانت ملكا للمدعي تقبل بالإجماع ~~(وجه) قول أبي يوسف - رحمه الله - أن البينة لما قامت على أنها ما كانت في ~~يده، فالأصل في الثابت بقاؤه، ولهذا قبلت البينة على ملك كان؛ ولأن الثابت ~~بالبينة كالثابت بالمعاينة، ولو ثبت بالمعاينة أو بالإقرار أنه ms3931 كان في يده ~~بالأمس يؤمر بالرد إليه كذا هذا (وجه) ظاهر الرواية أن الشهادة قامت على يد ~~كانت، فلا يثبت الكون للحال إلا بحكم استصحاب الحال، وأنه لا يصلح ~~للإلزام،؛ ولأن اليد قد تكون محقة، وقد تكون مبطلة، وقد تكون يد ملك، وقد ~~تكون يد أمانة، فكانت محتملة، والمحتمل لا يصلح حجة، بخلاف الملك ~~والمعاينة، وبخلاف الإقرار؛؛ لأنه حجة بنفسه، والبينة ليست بحجة بنفسها بل ~~بقضاء القاضي، ولا وجه للقضاء بالمحتمل، ولو أقام البينة أنها كانت في يده ~~بالأمس فأخذها هذا منه، أو غصبها أو أودعه أو أعاره تقبل، ويقضي للخارج؛ ~~لأنه علم بالبينة أنه تلقى اليد من جهة الخارج فيؤمر بالرد إليه، وعلى هذا ~~يخرج ما إذا ادعى دارا في يد رجل أنه ورثها من أبيه وأقام البينة على أنها ~~كانت لأبيه، فنقول هذا لا يخلو من أربعة أوجه، إما أن شهدوا أن الدار كانت ~~لأبيه ولم يقولوا مات وتركها ميراثا له، وإما أن قالوا إنها كانت لأبيه مات ~~وتركها ميراثا له، وإما أن قالوا إنها كانت في يد أبيه يوم الموت، وإما أن ~~أثبتوا من أبيه فعلا فيها عند موته أما الوجه الأول فعلى قول أبي حنيفة ~~ومحمد - رحمهما الله - " لا تقبل الشهادة " وعلى قول أبي يوسف " تقبل "، ~~وكذا لو شهدوا أنها كانت لأبيه مات قبلها لا تقبل، قالوا: يجب أن يكون هذا ~~على قولهما، أما على قول أبي يوسف على ما روي عنه في الأمالي " ينبغي أن ~~تقبل "، (وجه) قوله أن الملك متى ثبت لأبيه بشهادتهم، فالأصل فيما ثبت يبقى ~~إلى أن يوجد المزيل فصار كما لو شهدوا أنها كانت لأبيه يوم الموت أيضا ~~(وجه) قولهما أن الشهادة خالفت الدعوى؛؛ لأن المدعي ادعى ملكا كائنا، ~~والشهادة وقعت بملك كان لا بملك كائن، فكانت الشهادة مخالفة للدعوى فلا ~~يقبل قوله ما ثبت يبقى، قلنا: نعم لكن لا حكما لدليل الثبوت؛ لأن دليل ~~الثبوت لا يتعرض للبقاء، وإنما البقاء بحكم استصحاب الحال، وإنه لا يصلح ~~حجة للاستحقاق، ولو شهدوا ms3932 أنها كانت لجده فعندهما لا يقضي بها ما لم يشهدوا ~~بالميراث بأن يقولوا: " مات جده وتركها لأبيه ثم مات أبوه وتركها ميراثا له ~~" وعند أبي يوسف ينظر: إن علم أن الجد مات قبل الأب يقضي بها له، وإن علم ~~أن الأب مات قبل الجد أو لم يعلم لم يقض بها، ولو شهدوا أنها لأبيه لا يقضي ~~بها له، منهم من قال هذا على الاتفاق، ومنهم من قال هو على الخلاف الذي ~~ذكرناه، وهو الصحيح، فإنه روي عن أبي يوسف أنها تقبل وأما الوجه الثاني - ~~وهو ما إذا شهدوا أنها كانت لأبيه مات وتركها ميراثا له، فلا شك أن هذه ~~الشهادة مقبولة؛؛ لأنهم شهدوا بالملك الموروث عند الموت والترك ميراثا له، ~~وهو تفسير الملك الموروث وأما الوجه الثالث - وهو ما إذا شهدوا أنها كانت ~~في يده يوم الموت، فالشهادة مقبولة؛؛ لأن مطلق اليد من الأصل يحمل على يد ~~المالك فكانت الشهادة بيد قائمة عند الموت شهادة بملك قائم عند الموت، فإذا ~~مات فقد ترك فثبت الملك له في المتروك، إذ هو تفسير الملك الموروث؛ ولأن ~~يده إن كانت يد ملك كان الملك ثابتا للمورث عند الموت، وإن كانت يد أمانة ~~انتقلت يد ملك إذا مات مجهلا؛؛ لأن التجهيل عند الموت سبب لوجوب الضمان، ~~ووجوب الضمان سبب لثبوت الملك في المضمون عندنا وأما الوجه الرابع، وهو ما ~~إذا ثبت ليد المشهود من الأب فعلا في العين عند الموت، فهذا على وجهين: إما ~~أن يكون ذلك فعلا هو دليل اليد، وإما أن يكون فعلا ليس هو دليل اليد، ~~والفعل # PageV06P274 # الذي هو دليل اليد هو فعل لا يتصور وجوده بدون النقل في النقليات، كاللبس ~~والحمل، أو فعل يوجد للنقل عادة، كالركوب في الدواب، أو فعلا يوجد في ~~الغالب من الملاك فيما لا يقبل النقل لا من غيرهم كالسكنى في الدور، والفعل ~~الذي ليس بدليل اليد هو فعل ثبت في النقليات من غير نقل، ولا يكون حصوله ~~للنقل عادة كالجلوس على البساط، أو فعل ليس ms3933 بفعل للملاك غالبا فيما لا ~~يقبل، كالنوم والجلوس في الدار وأشباه ذلك فإن كان فعلا هو دليل اليد تقبل ~~الشهادة القائمة على ثبوته عند موت الأب،؛ لأن الشهادة القائمة على ما هو ~~دليل اليد عند الموت قائمة على اليد عند الموت، وإن كان فعلا ليس بدليل ~~اليد لا تقبل الشهادة؛ لأنه لم يوجد دليل اليد التي هي دلالة الملك؛ وعلى ~~هذا يخرج ما إذا أقام المدعي البينة أن أباه مات في هذه الدار: أنها لا ~~تقبل؛ لأنه لم توجد الشهادة على اليد الدالة على الملك، ولا على فعل دال ~~على اليد، ولا على فعل هو فعل الملاك غالبا؛ لأن الدار قد يموت فيها ~~المالك، وقد يموت فيها غير المالك من الزوار والضيف ونحوه، ولو شهدوا أنه ~~مات وهو لابس هذا القميص، أو لابس هذا الخاتم تقبل؛؛ لأن لبس القميص ~~والخاتم فعل لا يتصور بدون النقل، فكان دليلا على اليد عند الموت أطلق محمد ~~- رحمه الله - في الجامع الجواب في الخاتم، ومنهم من حمل جواب الكتاب على ~~ما إذا كان الخاتم في خنصره أو بنصره يوم الموت، وزعم أنه إذا كان فيما ~~سواهما من الأصابع لا تقبل الشهادة؛ لأن استعمال الملاك في الخاتم هذا عادة ~~فكانت الشهادة القائمة عليه قائمة على اليد، فأما جعله فيما سواهما من ~~الأصابع من الملاك فهو ليس بمعتاد فلا يكون ذلك استعمال الخاتم، فلا يكون ~~دليل اليد، ولهذا قالوا لو جعل المودع الخاتم في خنصره أو بنصره فضاع من ~~يده يضمن لما أنه استعمله، ولو جعله فيما سواهما الأصابع فضاع لا يضمن لما ~~أن ذلك حفظ وليس باستعمال، والصحيح إطلاق جواب الكتاب؛ لأن فعله كيف ما كان ~~لا يتصور بدون النقل فكان دليلا على اليد، ولو شهدوا أنه مات وهو جالس على ~~هذا البساط، أو على هذا الفراش أو نائم عليه، لا تقبل؛ لأن هذه الأفعال ~~تتصور من غير نقل ولا تفعل للنقل عادة، فلم يكن دليل اليد، فإن قيل أليس ~~أنه لو تنازع اثنان في ms3934 بساط، أحدهما جالس عليه، والآخر متعلق به أنه يكون ~~بينهما نصفين، وهذا دليل ثبوت يديهما عليه قيل له: إنما قضى به بينهما ~~نصفين لدعواهما أنه في يديهما لا لثبوت اليد؛ لأن الجلوس عليه والتعلق به، ~~كل واحد منهما يتحقق بدون النقل، ولا يوجد أن النقل غالبا على ما بينا، فلا ~~يكون دليل اليد، ولو شهدوا أنه مات وهو راكب على هذه الدابة تقبل، ويقضي ~~بالدابة للوارث؛ لأن الركوب وإن كان يتهيأ بدون نقل الدابة، إلا أنه لا ~~يفعل عادة إلا للنقل، فكان دليل اليد، ولو شهدوا أنه مات وهو ساكن هذه ~~الدار تقبل، ويقضي للوارث (وروي) عن أبي يوسف أنه لا تقبل ولا يقضي، ~~(ووجهه) أن فعل السكنى في الدار كما يوجد من الملاك يوجد من غيرهم فلا يصلح ~~دليلا على اليد، والصحيح جواب ظاهر الرواية؛؛ لأن السكنى فعل يوجد في ~~الغالب من الملاك لا من غيرهم هذا هو المعتاد فيما بين الناس فيحمل المطلق ~~عليه، ولو شهدوا أنه مات وهذا الثوب موضوع على رأسه، ولم يشهدوا أنه كان ~~حاملا له لا تقبل، ولا يستحق المدعي بهذا شيئا؛ لأنه يحتمل أنه وضعه بنفسه، ~~أو وضعه غيره، ويحتمل أنه وقع عليه من غير صنع أحد بأن هبت ريح به فألقته ~~على رأسه فوقع الشك في النقل منه، فلا يثبت النقل منه بالشك، فلا تثبت اليد ~~بالشك، ثم نقول إذا شهد الشهود أنها كانت لأبيه مات وتركها ميراثا للورثة، ~~فلا يخلو إما أن قالوا: " هذا وارثه لا وارث له غيره "، وإما أن قالوا: " ~~هو وارثه لا نعلم أن له وارثا غيره "، وإما أن قالوا: " هو وارثه "، ولم ~~يقولوا لا وارث له غيره، ولا قالوا: " لا نعلم له وارثا غيره " فأما الوجه ~~الأول - وهو ما إذا قالوا: " هو وارثه لا وارث له غيره " فإنه تقبل شهادتهم ~~استحسانا، والقياس أن لا تقبل؛ لأنها كشهادة على ما لا علم للشاهد به ~~لاحتمال أن يكون له وارث لا يعلمه، وقد قال - عليه السلام - للشاهد «إذا ~~علمت ms3935 مثل الشمس فاشهد، وإلا فدع» (وجه) الاستحسان أن قولهم لا وارث له غيره ~~معناه في متعارف الناس وعاداتهم: لا نعلم له وارثا غيره، أو لا وارث له ~~غيره في علمنا، ولو نص على ذلك لقبلت شهادتهم، فكذا هذا والله سبحانه أعلم ~~(وأما) الوجه الثاني - وهو ما إذا قالوا: " هو وارثه لا نعلم له وارثا غيره ~~" # PageV06P275 # تقبل شهادتهم عند عامة العلماء - رضي الله عنهم -. # وقال ابن أبي ليلى - رحمه الله - لا تقبل حتى يقولوا: " لا وارث له غيره ~~"؛ لأنهم لو لم يقولوا: " لا وارث له غيره " احتمل أن يكون له وارث غيره لا ~~يعلمونه، والصحيح قول العامة؛ لأن الشاهد إنما تحل له الشهادة بما في علمه، ~~ونفي وارث آخر ليس في علمه، فلا تحل له الشهادة به، إلا على اعتبار ما في ~~علمه على ما ذكرنا ولو قالوا: " لا نعلم له وارثا غيره في هذا المصر، أو في ~~أرض كذا " تقبل عند أبي حنيفة، وعندهما لا تقبل (وجه) قولهما أن قولهم: " ~~لا نعلم له وارثا غيره في هذا المصر " لا ينفي وارثا غيره لجواز أن يكون له ~~وارث آخر في مصر آخر، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أنه لو كان له وارث آخر في ~~موضع آخر لعلموه؛ لأن وارث الإنسان لا يخفى على أهل بلده عادة، فكان ~~التخصيص والتعميم فيه سواء، ثم إذا شهدوا أنه وارثه لا وارث له غيره، أو ~~شهدوا أنه وارثه لا نعلم له وارثا غيره، أو لا نعلم له وارثا غيره في هذا ~~المصر على مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - فإنه يدفع كل التركة إليه، سواء ~~كان الوارث ممن لا يحتمل الحجب، كالابن والأب والأم ونحوهم، أو يحتمله، ~~كالأخ والأخت والجد ونحوهم؛ لأنه تعين وارثا له فيدفع إليه جميع الميراث ~~إلا إذا كان زوجا أو زوجة فلا يعطى إلا أكثر نصيبه، فلا يعطى الزوج إلا ~~النصف، ولا تعطى المرأة إلا الربع؛ لأنهما لا يستحقان من الميراث أكثر من ~~ذلك؛ لأنه لا يرد عليهما، وفي هذين الموضعين لا ms3936 يؤخذ من الوارث كفيل ~~بالإجماع وأما الوجه الثالث - وهو ما إذا شهدوا أنه وارثه ولم يقولوا: " لا ~~وارث له غيره "، ولا قالوا: " لا نعلم له وارثا غيره " فإنه ينظر إن كان ~~ممن يحتمل الحجب لا يدفع إليه شيء لجواز أن يكون ثمة حاجب، فإن كان لا ~~يعطى، وإن لم يكن يعطى بالشك، وإن كان ممن لا يحتمل الحجب يدفع إليه جميع ~~المال إلا الزوج والزوجة، فإنه لا يدفع إليهما إلا نصيبهما، وهو أكثر ~~النصيبين، عند محمد - رحمه الله - للزوج النصف وللمرأة الربع، وعند أبي ~~يوسف - رحمه الله - أقل النصيبين، للزوج الربع وللمرأة الثمن في ظاهر ~~الرواية عنه (وجه) قول محمد - رحمه الله - أن النقصان عن أكثر النصيبين ~~باعتبار المزاحمة، وفي وجود المزاحم شك، فلا يثبت النقصان بالشك، ولأبي ~~يوسف - رحمه الله - أن الأقل ثابت بيقين، وفي الزيادة شك فلا تثبت الزيادة ~~بالشك وروي عنه رواية أخرى أن للزوج الربع وللمرأة ربع الثمن لجواز أن يكون ~~له أربع نسوة فيكون لها ربع الثمن؛ لأنه ثابت بيقين وفي الزيادة شك، وروى ~~عنه أصحاب الإملاء وللزوج الخمس، وللمرأة ربع التسع، أما الزوج؛ فلأن من ~~الجائز أن يكون للمرأة أبوان وبنتان وزوج، أصل المسألة من اثني عشر، ~~للأبوين السدسان: أربعة، وللبنتين الثلثان: ثمانية، وللزوج الربع: ثلاثة، ~~فعالت بثلاثة أسهم فصارت الفريضة من خمسة عشر، وثلاثة من خمسة عشر: خمسها ~~فذلك للزوج. # وأما المرأة؛ فلأن من الجائز أن يكون للميت أبوان وبنتان وزوجة، أصل ~~المسألة من أربعة وعشرين، للأبوين السدسان: ثمانية، وللبنتين الثلثان: ستة ~~عشر، وللزوجة الثمن: ثلاثة، فعالت بثلاثة أسهم فصارت الفريضة سبعة وعشرين، ~~وثلاثة من سبعة وعشرين: تسعها، ثم من الجائز أن يكون معها ثلاثة أخرى فيكن ~~أربع زوجات، فيكون لها ربع التسع، وثلاثة على أربعة لا تستقيم، فتضرب أربعة ~~في تسعة، ويكون ستة وثلاثين سهما، تسعها: أربعة، فلها من ذلك سهم، وهو ربع ~~التسع، وهو سهم من ستة وثلاثين سهما، ثم في هذا الوجه الثالث إذا كان ~~الوارث ممن لا يحتمل الحجب ms3937 ودفع المال إليه هل يؤخذ منه كفيل؟ قال أبو ~~حنيفة - عليه الرحمة -: " لا يؤخذ "، وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله -: ~~" يؤخذ " (وجه) قولهما أن أخذ الكفيل لصيانة الحق، والحاجة مست إلى الصيانة ~~لاحتمال ظهور وارث آخر فيؤخذ الكفيل نظرا للوارث، كما في رد الآبق واللقطة ~~إلى صاحبها، ولأبي حنيفة - رحمه الله - إن حق الحاضر للحال ثابت بيقين، وفي ~~ثبوت الحق لوارث آخر شك؛ لأنه قد يظهر وارث آخر، وقد لا يظهر، فلا يجوز ~~تعطيل الحق الثابت بيقين لحق مشكوك فيه مع ما أن المكفول له مجهول، ~~والكفالة للمجهول غير صحيحة، وإنما أخذ الكفيل بتسليم الآبق واللقطة، فقد ~~قيل: إنه قولهما لما أن في المسألة روايتين فأما عند أبي حنيفة - رحمه الله ~~- فلا يؤخذ الكفيل على أنا سلمنا فتلك كفالة لمعلوم لا لمجهول؛ لأن الراد ~~إنما يأخذ الكفيل لنفسه كي لا يلزمه الضمان فلم تكن كفالة لمجهول وذكر أبو ~~حنيفة - رحمه الله - هذه المسألة في الجامع الصغير # PageV06P276 # وقال هذا شيء احتاط به بعض القضاة، وهو ظلم، أرأيت لو لم يجد كفيلا كنت ~~أمنعه حقه دلت تسميته أخذ الكفيل ظلما على أن مذهبه: أن ليس كل مجتهد ~~مصيبا، إذ الصواب لا يحتمل أن يكون ظلما فدلت المسألة على براءة ساحته عن ~~لوث الاعتزال بحمد الله ومنه. # وأما الذي يرجع إلى المشهود به، فمنها أن تكون الشهادة بمعلوم، فإن كانت ~~بمجهول لم تقبل؛ لأن علم القاضي بالمشهود به شرط صحة قضائه، فما لم يعلم لا ~~يمكنه القضاء به، وعلى هذا يخرج ما إذا شهد رجلان عند القاضي: أن فلانا ~~وارث هذا الميت لا وارث له غيره أنه لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما شهدا بمجهول ~~لجهالة الوارث أسباب الوراثة واختلاف أحكامها، فلا بد أن يقولوا: " ابنه ~~ووارثه لا يعلمون له وارثا غيره "، أو " أخوه لأبيه وأمه لا يعلمون له ~~وارثا غيره "، وقوله: " لا يعلمون له وارثا غيره " لئلا يتلوم القاضي لا؛ ~~لأنه من الشهادة عند محمد - رحمه الله - لجنس هذه المسائل باب في الزيادات ~~يعرف ms3938 ثمة إن شاء الله تعالى. # ومنها أن يكون المشهود به معلوما للشاهد عند أداء الشهادة حتى لو ظن، لا ~~تحل له الشهادة وإن رأى خطه وختمه وأخبره الناس بما يتذكر بنفسه، وهذا عند ~~أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعندهما إن رأى خطه وختمه له أن يشهد نحو ما ~~تقدم من الخلاف والحجج من الجانبين وأما الذي يخص المكان فواحد، وهو مجلس ~~القاضي؛ لأن الشهادة لا تصير حجة ملزمة إلا بقضاء القاضي فتختص بمجلس ~~القضاء، والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) الشرائط التي تخص بعض الشهادات دون البعض فأنواع أيضا (منها) ~~الدعوى في الشهادة القائمة على حقوق العباد من المدعي بنفسه أو نائبه؛؛ لأن ~~الشهادة في هذا الباب شرعت لتحقيق قول المدعي ولا يتحقق قوله إلا بدعواه ~~إما بنفسه وإما بنائبه. # وأما حقوق الله تبارك وتعالى فلا يشترط فيها الدعوى كأسباب الحرمات من ~~الطلاق وغيره، وأسباب الحدود الخالصة حق لله تعالى، إلا أنه شرطت الدعوى في ~~باب السرقة؛ لأن كون المسروق ملكا لغير السارق شرط تحقق كون الفعل سرقة ~~شرعا، ولا يظهر ذلك إلا بالدعوى فشرطت الدعوى لهذا، واختلف في عتق العبد: ~~أنه حق للعبد فتشترط فيه الدعوى، أو حق لله تعالى فلا تشترط فيه الدعوى، مع ~~الاتفاق على أن عتق الأمة حق لله تعالى، لما علم من الخلاف في كتاب العتاق، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # (ومنها) العدد في الشهادة بما يطلع عليه الرجال لقوله تعالى {واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] (وقوله) ~~سبحانه وتعالى {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4] ؛ ولأن الواجب على ~~الشاهد إقامة الشهادة لله - عز وجل - " الآية " وهو قوله تعالى {وأقيموا ~~الشهادة لله} [الطلاق: 2] ، وقوله تعالى {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} ~~[النساء: 135] ولا تقع الشهادة لله إلا وأن تكون خالصة صافية عن جر النفع. # ومعلوم أن في الشهادة منفعة للشاهد من حيث التصديق؛؛ لأن من صدق قوله ~~يتلذذ به، فلو قبل قول الفرد لم تخل شهادته عن جر النفع إلى نفسه، فلا يخلص ms3939 ~~لله عز وجل، فشرط العدد في الشهادة ليكون كل واحد مضافا إلى قول صاحبه، ~~فتصفو الشهادة لله - عز شأنه -؛ ولأنه إذا كان فردا يخاف عليه السهو ~~والنسيان؛ لأن الإنسان مطبوع على السهو والغفلة، فشرط العدد في الشهادة ~~ليذكر البعض البعض عند اعتراض السهو والغفلة، كما قال الله تعالى في إقامة ~~امرأتين مقام رجل في الشهادة {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} ~~[البقرة: 282] ثم الشرط عدد المثنى في عموم الشهادات القائمة على ما يطلع ~~عليه الرجال، إلا في الشهادة بالزنا فإنه يشترط فيها عدد الأربعة لقوله ~~تعالى {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4] ، ~~وقوله تعالى {فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: ~~13] . # ولأن الشهادة في هذا الباب أحد نوعي الحجة، فتعتبر بالنوع الآخر وهو ~~الإقرار، ثم عدد الأقارير الأربعة شرط ظهور الزنا عندنا فكذا عدد الشهود ~~الأربعة بخلاف سائر الحدود، فإنه لا يشترط العدد في الإقرار لظهورها، فكذا ~~في الشهادة؛ ولأن عدد الأربعة في الزنا ثبت نصا بخلاف القياس؛ لأن خبر من ~~ليس بمعصوم من الكذب لا يخلو عن احتمال الكذب، وعدد الأربعة في احتمال ~~الكذب، مثل عدد المثنى ما لم يدخل في حد التواتر، لكنا عرفناه شرطا بنص خاص ~~معدولا به عن القياس فبقي سائر الأبواب على أصل القياس وأما فيما لا يطلع ~~عليه الرجال كالولادة والعيوب الباطنة في النساء فالعدد فيه ليس # PageV06P277 # بشرط عندنا، فتقبل فيه شهادة امرأة واحدة والثنتان أحوط، وعند مالك ~~والشافعي - رحمهما الله - أن العدد فيه شرط، إلا أن عند مالك - رحمه الله - ~~يكتفى فيه بامرأتين، وعند الشافعي - رحمه الله - لا بد من الأربع، وجه قول ~~مالك أن شهادة الرجال لما سقط اعتبارها في هذا الباب لمكان الضرورة وجب ~~الاكتفاء بعددهم من النساء، ووجه قول الشافعي - رحمه الله - أن الشرع أقام ~~كل امرأتين في باب الشهادة مقام رجل واحد، ثم لا يكتفى بأقل من رجلين، فلا ~~يكتفى بأقل من أربع نسوة. # (ولنا) أن شرط العدد في الشهادة في الأصل ثبت ms3940 تعبدا غير معقول المعنى؛؛ ~~لأن خبر من ليس بمعصوم عن الكذب لا يفيد العلم قطعا ويقينا، وإنما يفيده ~~غالب الرأي وأكثر الظن، وهذا ثبت بخبر الواحد العدل، ولهذا لم يشترط العدد ~~في رواية الأخبار إلا أنا عرفنا العدد فيها شرطا بالنص، والنص ورد بالعدد ~~في شهادة النساء في حالة مخصوصة، وهي أن يكون معهن رجل بقوله تعالى عز ~~شأنه: {فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] ، فبقيت حالة الانفراد عن الرجال على ~~أصل القياس وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل شهادة القابلة ~~على الولادة، ولو شهد رجل واحد بالولادة يقبل؛ لأنه لما قبل شهادة امرأة ~~واحدة فشهادة رجل واحد أولى، والله سبحانه وتعالى أعلم. # ومنها اتفاق الشهادتين فيما يشترط فيه العدد فإن اختلفا لم تقبل؛ لأن ~~اختلافهما يوجب اختلاف الدعوى والشهادة،؛ ولأن عند اختلاف الشهادتين لم ~~يوجد إلا أحد شطري الشهادة، ولا يكتفى به فيما يشترط فيه العدد، ثم نقول: ~~الاختلاف قد يكون في جنس المشهود به، وقد يكون في قدره، وقد يكون في ~~الزمان، وقد يكون في المكان، وغير ذلك، أما اختلافهما في الجنس فقد يكون في ~~العقد، وقد يكون في المال، أما في العقد فهو أن يشهد أحدهما بالبيع والآخر ~~بالميراث أو بالهبة أو غير ذلك، فلا تقبل لاختلاف العقدين صورة ومعنى، فقد ~~شهد كل واحد منهما بعقد غير ما شهد به الآخر، وليس على أحدهما شهادة شاهدين ~~وأما في المال فهو أن يشهد أحدهما بمكيل والآخر بموزون، فلا تقبل؛ لأنهما ~~جنسان مختلفان وليس على أحدهما شهادة شاهدين. # وأما اختلاف الشهادة في قدر المشهود به، فنحو ما إذا ادعى رجل على رجل ~~ألفي درهم، وأقام شاهدين شهد أحدهما بألفين والآخر بألف، لا تقبل عند أبي ~~حنيفة - رحمه الله - أصلا، وعندهما تقبل على الألف ولو كان المدعي يدعي ~~ألفا وخمسمائة، فشهد أحدهما بألف وخمسمائة والآخر بألف، تقبل على الألف ~~بالإجماع، وجه قولهما: أن الشهادة لم تخالف الدعوى في قدر الألف بل وافقتها ~~بقدرها، إلا أن المدعي يدعي زيادة مال ms3941 لا شهادة لهم عليه، فيثبت قدر ما وقع ~~الاتفاق عليه، كما إذا ادعى ألفا وخمسمائة فشهد أحدهما بذلك والآخر بألف ~~تقبل على الألف لما قلنا كذا هذا ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن شطر الشهادة ~~خالف الدعوى؛ لأن المدعي يدعي ألفين، وأنه اسم وضع دلالة على عدد معلوم، ~~والاسم الموضوع دلالة على عدد لا يقع على ما دون ذلك العدد كسائر أسماء ~~الأعداد، كالبرك لألف من الإبل والهنيدة لمائة منها ونحو ذلك، فلم تكن ~~الألف المفردة مدعى، فلم تكن الشهادة شاهدة على ما دخل تحت الدعوى فانفردت ~~الشهادة عن الدعوى فيما يشترط فيه الدعوى، فلا تقبل، بخلاف ما إذا ادعى ~~ألفا وخمسمائة فشهد أحدهما بذلك والآخر بألف أنه يقبل على الألف؛ لأن الألف ~~والخمسمائة اسم لعددين، ألا ترى أنه يعطف أحدهما على الآخر فيقال: ألف ~~وخمسمائة فكان كل واحد منهما بانفراده داخلا تحت الدعوى، فالشهادة القائمة ~~عليهما تكون قائمة على كل واحد منهما مقصودا، فإذا شهد أحدهما بألف فقد شهد ~~بأحد العددين الداخلين تحت الدعوى، فكانت الشهادة موافقة للدعوى في عدد ~~الألف فيقضى به للمدعي؛ لقيام الحجة عليه - بخلاف الألف والألفين -؛ لأنه ~~اسم لعدد واحد لا تصح على ما دونه بحال، فلم تكن الألف المفردة داخلة تحت ~~الدعوى، فكانت الشهادة القائمة عليها شهادة على ما لم يدخل تحت الدعوى، فلا ~~تقبل فهو الفرق بينهما ولو ادعى ألفا فشهد أحدهما بالألف والآخر بألفين لا ~~تقبل على الألف بالإجماع؛ لأن المدعي كذب أحد شاهديه في بعض ما شهد به ~~فأوجب ذلك تهمة في الباقي، فلا تقبل إلا إذا وفق فقال: كان لي عليه ألفان ~~إلا أنه كان قد قضاني ألفا، ولم يعلم به الشاهد فيقبل، وكذا لو ادعى ألفا ~~فشهد أحدهما بها والآخر بألف وخمسمائة لا تقبل لما قلنا، إلا إذا وفق فقال: ~~كان لي عليه ألف وخمسمائة، إلا أنه قضاني خمسمائة ولم يعلم بها الشاهد ~~فتقبل؛ لأنه إذا وفق فقد زال الاختلاف المانع من القبول # PageV06P278 # ولو ادعى على رجل أنه باع عبده ms3942 بألفي درهم وهو ينكر، فشهد شاهد بألفين ~~وآخر بألف، أو ادعى أنه باعه بألف وخمسمائة، فشهد أحدهما بألف وخمسمائة، ~~والآخر بألف لا تقبل بالإجماع؛ لأن الشاهدين اختلفا في البدل، واختلاف ~~البدلين يوجب اختلاف العقدين، فصار كل واحد منهما شاهدا بعقد غير عقد ~~صاحبه، وليس على أحدهما شهادة شاهدين فلا تقبل ولا يثبت العقد، وكذا لو كان ~~المشتري مدعيا والبائع مدعى عليه لما قلنا، فإن كان هذا في الإجارة ينظر إن ~~كانت الدعوى من المؤاجر في مدة الإجارة لا تقبل؛ لأن هذا يكون دعوى العقد، ~~وليس على أحد العاقدين شهادة شاهدين فلا تقبل كما في باب البيع، وإن كانت ~~الدعوى بعد انقضاء مدة الإجارة فهذا دعوى المال لا دعوى العقد، فكان حكمه ~~حكم سائر الديون، وقد ذكرناه على الاتفاق والاختلاف، هذا إذا كانت الدعوى ~~من المؤاجر، فإن كانت من المستأجر لا تقبل، سواء كانت الدعوى في المدة، أو ~~بعد انقضائها؛؛ لأن هذا دعوى العقد، ولو كان هذا في النكاح، فإن كانت ~~الدعوى من المرأة، فهذا دعوى المال عند أبي حنيفة - عليه الرحمة - حتى أنها ~~لو ادعت على رجل أنه تزوجها على ألف وخمسمائة، فشهد لها شاهدان أحدهما بألف ~~وخمسمائة والآخر بألف تقبل، والنكاح جائز بألف درهم، وعندهما لا تقبل ولا ~~يجوز النكاح؛؛ لأن هذا دعوى العقد، ولو كانت الدعوى من الرجل، والمرأة تنكر ~~لا تقبل بالإجماع؛؛ لأن هذا دعوى العقد، ولو كانت الدعوى في الخلع أو في ~~الطلاق على مال، أو في العتاق، أو في الصلح عن دم العمد على مال، فإن كانت ~~الدعوى من الزوج أو من المولى أو ولي القصاص تقبل؛؛ لأن هذا دعوى المال، ~~وإن كانت الدعوى من المرأة أو العبد أو القاتل لا تقبل؛ لأن هذا دعوى ~~العقد، ولو كان هذا في الكتابة، فإن كانت الدعوى من المكاتب لا تقبل؛ لأن ~~هذا دعوى العقد، فلا تقبل ولا تصح الكتابة، وإن كانت من المولى فلا تصح؛ ~~لأن للمكاتب أن يعجز نفسه متى شاء. # (وأما) اختلاف الشهادة في الزمان ms3943 والمكان، فإنه ينظر إن كان ذلك في ~~الأقارير لا يمنع القبول، وإن كان في الأفاعيل من القتل والقطع والغصب ~~وإنشاء البيع، والطلاق والعتاق والنكاح ونحوها يمنع القبول، ووجه الفرق: أن ~~الإقرار مما يحتمل التكرار، فيمكن التوفيق بين الشهادتين لسماعه عن الإقرار ~~في زمانين أو مكانين، فلا يتحقق الاختلاف بين الشهادتين، بخلاف القتل ~~والقطع وإنشاء البيع وغيره من العقود والفسوخ؛ لأن هذا لا يحتمل التكرار، ~~فاختلاف الزمان والمكان فيها يوجب اختلاف الشهادتين فيمنع القبول، وبالله ~~التوفيق. # ولو ادعى رجل على رجل قرض ألف درهم، فشهد شاهدان أحدهما على القرض والآخر ~~على القرض والقضاء، يقضي بشهادتهما على القرض ولا يقضي بالقضاء في ظاهر ~~الرواية وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه لا يقضي بشهادتهما بالقرض ~~أيضا؛ لأنهما وإن اجتمعا على الشهادة بالقرض لكن الذي شهد بالقضاء فسخ ~~شهادته بالقرض، فبقي على القرض شاهد واحد فلا يقضي بالشهادة، والصحيح جواب ~~ظاهر الرواية؛ لأن الشهادتين اختلفتا في القضاء لا في القرض، بل اتفقا على ~~القرض فيقضى به، وقوله: شاهد القضاء فسخ شهادته بالقرض قلنا: ممنوع بل قرر ~~شهادته على القرض؛؛ لأن قضاء القرض بعد القرض يكون. # (وأما) الذي يرجع إلى المكان فواحد وهو مجلس القضاء ومنها الذكورة في ~~الشهادة بالحدود والقصاص فلا تقبل فيها شهادة النساء؛ لما روي عن الزهري - ~~رحمه الله - أنه قال: مضت السنة من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~والخليفتين من بعده - رضوان الله تعالى عليهما - أنه لا تقبل شهادة النساء ~~في الحدود والقصاص،؛ ولأن الحدود والقصاص مبناهما على الدرء والإسقاط ~~بالشبهات، وشهادة النساء لا تخلو عن شبهة؛ لأنهن جبلن على السهو والغفلة ~~ونقصان العقل والدين، فيورث ذلك شبهة بخلاف سائر الأحكام؛ لأنها تجب مع ~~الشبهة؛ ولأن جواز شهادة النساء على البدل من شهادة الرجال، والإبدال في ~~باب الحدود غير مقبول، كالكفالات والوكالات. # وأما الشهادة على الأموال فالذكورة ليست فيها بشرط، والأنوثة ليست بمانعة ~~بالإجماع، فتقبل فيها شهادة النساء مع الرجال لقول الله تبارك وتعالى في ~~باب المداينة {واستشهدوا ms3944 شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] . # واختلف في اشتراطها في الشهادة بالحقوق التي ليست بمال، كالنكاح والطلاق ~~والنسب، قال أصحابنا - رضي الله عنهم -: " ليست بشرط " وقال الشافعي: - رضي ~~الله عنه - " شرط " (وجه) # PageV06P279 # قول الشافعي - رحمه الله - أن شهادة النساء حجة ضرورة؛ لأنها جعلت حجة في ~~باب الديانات عند عدم الرجال، ولا ضرورة في الحقوق التي ليست بمال لاندفاع ~~الحاجة فيها بشهادة الرجال، ولهذا لم تجعل حجة في باب الحدود والقصاص. # وكذا لم تجعل حجة بانفرادهن فيما لا يطلع عليه الرجال، (ولنا) قوله تبارك ~~وتعالى {واستشهدوا} [البقرة: 282] الآية، جعل الله سبحانه وتعالى لرجل ~~وامرأتين شهادة على الإطلاق؛ لأنه سبحانه وتعالى جعلهم من الشهداء، والشاهد ~~المطلق من له شهادة على الإطلاق، فاقتضى أن يكون لهم شهادة في سائر ~~الأحكام، إلا ما قيد بدليل. # وروي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه أجاز شهادة النساء مع الرجال في ~~النكاح والفرقة، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر من الصحابة فكان إجماعا منهم ~~على الجواز؛ ولأن شهادة رجل وامرأتين في إظهار المشهود به مثل شهادة رجلين، ~~لرجحان جانب الصدق فيها على جانب الكذب بالعدالة، لا أنها لم تجعل حجة فيما ~~يدرأ بالشبهات لنوع قصور وشبهة فيها لما ذكرنا، وهذه الحقوق تثبت بدليل فيه ~~شبهة. # (وأما) قوله بأنها ضرورة فلا تسلم، فإنها مع القدرة على شهادة الرجال في ~~باب الأموال مقبولة، فدل أنها شهادة مطلقة لا ضرورة، وبه تبين أن نقصان ~~الأنوثة يصير مجبورا بالعدد فكانت شهادة مطلقة، واختلف في اشتراطها في ~~الشهادة على الإحصان، قال علماؤنا الثلاثة - رضي الله عنهم -: " ليست بشرط ~~" وقال زفر: شرط حتى يظهر الإحصان بشهادة رجل وامرأتين، عندنا وعنده لا ~~يظهر (وجه) قول زفر - رحمه الله - أن الذكورة شرط في علة العقوبات ~~بالإجماع، حتى لا يظهر بشهادة رجل وامرأتين، والإحصان من جملة أوصاف العلة؛ ~~لأن علة وجوب الرجم ليس هو الزنا المطلق، بل الزنا لموصوف بالتغليظ، ولا ~~يتغلظ إلا بالإحصان، فكان الإحصان من ms3945 جملة العلة فلا يثبت بشهادة النساء، ~~ولهذا لو أقر بالإحصان جاز رجوعه، كما أنه لو أقر بالزنا رجع، وكذا الشهادة ~~القائمة على الإحصان من غير دعوى كالشهادة القائمة على الزنا. # (ولنا) قوله عز وجل {فاستشهدوا} [النساء: 15] الآية، ودلالتها على نحو ما ~~تقدم مع الشافعي - رحمه الله -. # وأما قوله: " من جملة العلة الإحصان "، قلنا: " لا ممنوع، بل هو شرط ~~العلة " فيصير الزنا عنده علة، والحكم يضاف إلى العلة لا إلى الشرط لما عرف ~~في أصول الفقه. # وأما الرجوع عنه بعد الإقرار فلا نسلم أنه لا يصح الرجوع في قول أبي يوسف ~~- رحمه الله -، ولا يصح في قول زفر - رحمه الله -، وهذا حجة على زفر، ولا ~~رواية فيه عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، فلنا أن نمنع، وعدم اشتراط ~~الدعوى يدل على أنه حق الله سبحانه وتعالى لا على أنه تضاف إليه العقوبة، ~~ألا ترى أن الدعوى ليست بشرط في عتق الأمة إجماعا، ولا في عتق العبد عند ~~أبي يوسف ومحمد، وإن كان لا يتقرر تعلق عقوبة به ونحن نسلم أن الإحصان حق ~~الله تعالى في هذا الوقت، على ما عرف في الخلافيات. # ومنها إسلام الشاهد إذا كان المشهود عليه مسلما، حتى لا تقبل شهادة ~~الكافر على المسلم؛ لأن الشهادة فيها معنى الولاية، وهو تنفيذ القول على ~~الغير، ولا ولاية للكافر، فلا شهادة له عليه، وتقبل شهادة المسلم على ~~الكافر؛ لأنه من أهل أن يثبت له الولاية على المسلم فعلى الكافر أولى ~~(وأما) إذا كان المشهود عليه كافرا، فإسلام الشاهد، هل هو شرط لقبول شهادته ~~عليه؟ فقد اختلف فيه، قال أصحابنا: - رضي الله عنهم - " ليس بشرط " حتى ~~تقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، سواء اتفقت مللهم أو اختلفت بعد أن ~~كانوا عدولا في دينهم، وقال الشافعي - رحمه الله -: شرط حتى لا تقبل ~~شهادتهم أصلا. # واحتج بقوله سبحانه وتعالى {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} ~~[النساء: 141] نفى الله سبحانه وتعالى أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيل، ~~وفي قبول شهادة بعضهم على ms3946 بعض إثبات السبيل للكافرين على المؤمنين؛ لأنه ~~يجب على القاضي القضاء بشهادتهم، وإنه منفي؛ ولأن العدالة شرط قبول ~~الشهادة، والفسق مانع، والكفر رأس الفسق، فكان أولى بالمنع من القبول. # (ولنا) قول النبي - عليه الصلاة والسلام - في ذلك الحديث «فإذا قبلوا عقد ~~الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين» ، وللمسلم على ~~المسلم شهادة، فكذا للذمي على الذمي، فظاهره يقتضي أن يكون للذمي على ~~المسلم شهادة كالمسلم، إلا أن ذلك صار مخصوصا من عموم النص،؛ ولأن الحاجة ~~مست إلى صيانة حقوق أهل الذمة. # ولا تحصل الصيانة إلا وأن يكون لبعضهم على بعض شهادة، ولا شك أن الحاجة # PageV06P280 # إلى صيانة حقوقهم ماسة؛ لأنهم إنما قبلوا عقد الذمة لتكون دماؤهم ~~كدمائنا، وأموالهم كأموالنا، والدليل على أن الصيانة لا تحصل إلا وأن يكون ~~لبعضهم على بعض شهادة؛ لأن هذه المعاملات تكثر فيما بينهم، والمسلمون لا ~~يحضرون معاقدتهم ليتحملوا حوادثهم، فلو لم يكن لبعضهم على بعض شهادة لضاعت ~~حقوقهم عند الجحود والإنكار فدعت الحاجة إلى الصيانة بالشهادة. # وأما الآية الكريمة فوجوب القضاء لا يثبت بالشهادة وإنما يثبت بالتقليد ~~السابق، والشهادة شرط الوجوب، والحكم لا يثبت بالشرط، فلا يكون في قبول ~~شهادة بعضهم على بعض إثبات السبيل للكافر على المؤمن، سواء اتفقت مللهم أو ~~اختلفت، فتقبل شهادة النصراني على اليهودي، واليهودي على المجوسي، وقال ابن ~~أبي ليلى: " إن اختلفت لا تقبل ": وهذا غير سديد؛ لأن الكفر وإن اختلفت ~~أنواعه صورة، فهو ملة واحدة حقيقة، فتقبل شهادة بعضهم على بعض كيف ما كان، ~~بعد أن يكون الشاهد من أهل دار الإسلام، حتى لا تقبل شهادة المستأمن على ~~الذمي؛؛ لأنه ليس من أهل دار الإسلام حقيقة، وإن كان فيها صورة؛ لأنه ما ~~دخل دارنا للسكنى فيها بل ليقضي حوائجه، ثم يعود عن قريب، فلم يكن من أهل ~~دار الإسلام، والذمي من أهل دار الإسلام، فاختلفت الداران فلم تقبل شهادة ~~الذمي عليه بالنص الذي روينا، وصار حكم المستأمن مع الذمي في الشهادة كحكم ~~الذمي مع المسلم، وشهادة ms3947 المستأمن تقبل على المستأمن إن اتفقت دارهم ~~ومللهم، وإن اختلفت لا تقبل. # ومنها عدم التقادم في الشهادة على الحدود كلها إلا حد القذف، حتى لا تقبل ~~الشهادة عليها إذا تقادم العهد، إلا على حد القذف، بخلاف الإقرار لما عرف ~~في كتاب الحدود، والله تعالى أعلم. # قيام الرائحة في الشهادة على شرب الخمر إذا لم يكن سكران، ولم يحقق أنه ~~من مسيره لا يبقى الريح من المجيء به من مثلها عادة عندهما، وعند محمد ليس ~~بشرط، وهي من مسائل الحدود وتذكر هنالك إن شاء الله تعالى. # (ومنها) الأصالة في الشهادة على الحدود والقصاص، حتى لا تقبل فيها ~~الشهادة بطريق النيابة، وهي الشهادة على الشهادة عندنا، كذا لا يقبل فيها ~~كتاب القاضي إلى القاضي؛ لأنه في معنى الشهادة على الشهادة، وعند الشافعي - ~~رحمه الله - ليس بشرط، حتى تقبل فيها الشهادة على الشهادة، وأجمعوا على ~~أنها ليست بشرط في الأموال والحقوق المجردة عنها؛ فتقبل فيها الشهادة على ~~الشهادة، وكتاب القاضي إلى القاضي، إلا في العبد الآبق عند أبي حنيفة ~~ومحمد، وعند أبي يوسف تقبل فيه أيضا على ما نذكر في كتاب أدب القاضي (وجه) ~~قول الشافعي - رحمه الله - أن الفروع يؤدون الشهادة نيابة عن الأصول، فكانت ~~شهادتهم شهادة الأصول معنى، وشهادة الأصول على الحدود والقصاص مقبولة. # (ولنا) أن الحدود والقصاص مما تدرأ بالشبهات، والشهادة على الشهادة لا ~~تخلو عن شبهة، ولهذا لا تقبل فيها شهادة النساء لتمكن الشبهة في شهادتهن ~~بسبب السهو والغفلة، بل أولى؛ لأن الشبهة هنا تمكنت في مجلس، فكان فيها ~~زيادة ليست في شهادة الأصول؛ ولأن الحدود لما كانت مبنية على الدرء أوجب ~~ذلك اختصاصها بحجج مخصوصة، بل إيقاف إقامتها، ولهذا شرط عدد الأربعة في ~~الشهادة على الزنا؛ لأن اطلاع أربعة من الرجال الأحرار على غيبوبة ذكره في ~~فرجها، كما يغيب الميل في المكحلة نادر غاية الندرة، ثم نقول الكلام في ~~الشهادة على الشهادة يقع في مواضع: في صورة تحمل الشهادة على الشهادة، وفي ~~شرائط التحمل، وفي صورة أداء الشهادة ms3948 على الشهادة، وفي شرائط الأداء أما ~~صورة التحمل فلها عبارتان: مختصرة، ومطولة، أما اللفظ المختصر فهو أن يقول ~~شاهد الأصل: " أشهد على شهادتي أني أشهد أن لفلان على فلان كذا "، أو يقول: ~~" أشهد أن لفلان على فلان كذا، فأشهد على شهادتي بذلك ". # وأما المطول فهو أن يقول شاهد الأصل: " أشهد أن لفلان على فلان كذا، ~~أشهدك على شهادتي هذه وآمرك أن تشهد على شهادتي هذه فاشهد ". # وأما شرائط تحمل هذه الشهادات فما ذكرنا في عموم الشهادات وأما الذي يختص ~~بها فأنواع: منها الإشهاد حتى لا يصح التحمل بنفس السماع دون الإشهاد، حتى ~~لو قال: " أشهد أن لفلان على فلان كذا " فسمع إنسان لكن لم يقل: " اشهد أنت ~~" لم يصح التحمل بخلاف سائر الشهادات، أنه يصح التحمل فيها بنفس معاينة ~~الفعل وسماع الإقرار والإنشاء من غير إشهاد (ووجه) الفرق أن الفروع يشهدون ~~نيابة عن الأصول فلا بد من الإنابة منهم، وذلك # PageV06P281 # بالإشهاد بخلاف سائر الشهادات؛ لأن تحمل الشاهد في سائرها بطريق الإحالة ~~بنفسه لا بغيره، فيصح التحمل فيها بطريق المعاينة. # ومنها الإشهاد على شهادته حتى لو قال: " أشهد بمثل ما شهدت "، أو " كما ~~شهدت "، أو " على ما شهدت " لا يصح التحمل ما لم يقل " على شهادتي "؛ لأن ~~معنى التحمل والإنابة لا يحصل إلا بالإشهاد على شهادته. # ومنها عدد التحمل، وهو أن يتحمل من كل واحد من شاهدي الأصل اثنان، حتى لو ~~تحمل من أحدهما واحد، وتحمل من الآخر واحد لا يصح التحمل؛ لأن الشهادة حق ~~ثابت في ذمة الشاهد، والحقوق الثابتة في الذمم لا ينقلها إلى القاضي إلا ~~شاهدان، ولو تحمل اثنان من أحدهما شهادته، ثم تحملا من الآخر شهادته جاز ~~التحمل؛ لأنه اجتمع على التحمل من كل واحد منهما شاهدان، فأما الذكورة في ~~تحمل هذه الشهادة فليست بشرط حتى يصح التحمل فيها من النساء. # (وأما) صورة أداء هذه الشهادة فلها لفظان أيضا: مختصر، ومطول فالمختصر أن ~~يقول: " شهد فلان عندي أن لفلان على فلان كذا وأشهدني على شهادته بذلك فأنا ms3949 ~~أشهد على شهادته بذلك ". # وأما المطول فهو أن يقول: " شهد عندي فلان أن لفلان على فلان كذا، ~~وأشهدني على شهادته بذلك، وأمرني أن أشهد على شهادته بذلك، وأنا أشهد الآن ~~على شهادته بذلك "، ولو لم يقل: " وأمرني أن أشهد على شهادته بذلك " جاز؛ ~~لأن معنى التحمل والإنابة يتأدى بقوله: " أشهدني على شهادته " فكان قوله: " ~~أمرني بذلك من باب التأكيد " وأما شرائطها فما ذكرناه كسائر الشهادات والذي ~~يختص بهذه الشهادة أن يكون المشهود عليه ميتا، أو غائبا مسيرة سفر، أو ~~مريضا لا يستطيع أن يحضر مجلس القضاء؛ لأن جواز هذه الشهادة للحاجة ~~والضرورة، ولا تتحقق الضرورة إلا في هذه المواضع وأما الذكورة فليست بشرط ~~لأداء هذه الشهادة فتقبل فيها شهادة النساء مع الرجال لقوله تبارك وتعالى ~~{فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] ~~فظاهر النص يقتضي أن يكون للنساء مع الرجال شهادة على الإطلاق من غير فصل، ~~إلا ما قيد بدليل؛ ولأن قضية القياس أن لا تشترط الذكورة والأصل في عموم ~~الشهادات، إلا أن اشتراط الذكورة في شهادة الأصول على الحدود والقصاص ثبت ~~بنص خاص، وهو حديث الزهري - رحمه الله - لتمكن شبهة في شهادتهن ليست في ~~شهادة الرجال، واشتراط الأصالة في الشهادة لتمكن زيادة شبهة في شهادة ~~الفروع ليست في شهادة الأصول، وهو الشبهة في الشهادتين على ما ذكرنا، فشرط ~~ذلك احتيالا لدرء ما يندرئ بالشبهات، والأموال والحقوق مما ثبت بالشبهة ~~فثبت على أصل القياس، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في بيان ما يلزم الشاهد بتحمل الشهادة] # (فصل) : # وأما بيان ما يلزم الشاهد بتحمل الشهادة فالذي يلزمه أداء الشهادة لله ~~سبحانه وتعالى فيما سوى أسباب الحدود، لقوله تعالى {وأقيموا الشهادة لله} ~~[الطلاق: 2] ، وقوله عز شأنه {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} [النساء: ~~135] إلا أن في الشهادة القائمة على حقوق العباد وأسبابها لا بد من طلب ~~المشهود له لوجوب الأداء، فإذا طلب وجب عليه الأداء، حتى لو امتنع بعد ~~الطلب يأثم لقوله تعالى {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} ms3950 [البقرة: 282] أي ~~دعوا لأداء الشهادة؛ لأن الشهادة أمانة المشهود له في ذمة الشاهد. # وقال سبحانه وتعالى {فليؤد الذي اؤتمن أمانته} [البقرة: 283] وقال تعالى ~~جل شأنه {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء: 58] وأما ~~في حقوق الله تبارك وتعالى، وفيما سوى أسباب الحدود، نحو طلاق امرأة وإعتاق ~~عبد، والظهار والإيلاء ونحوها من أسباب الحرمات تلزمه الإقامة حسبة لله ~~تبارك وتعالى عند الحاجة إلى الإقامة من غير طلب من أحد من العباد. # وأما في أسباب الحدود من الزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف فهو مخير بين ~~أن يشهد حسبة لله تعالى، وبين أن يستر؛ لأن كل واحد منهما أمر مندوب إليه، ~~قال الله تبارك وتعالى {وأقيموا الشهادة لله} [الطلاق: 2] ، وقال - عليه ~~الصلاة والسلام - «من ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة» وقد ~~ندبه الشرع إلى كل واحد منهما، إن شاء اختار جهة الحسبة فأقامها لله تعالى، ~~وإن شاء اختار جهة الستر فيستر على أخيه المسلم. ### | [فصل في بيان حكم الشهادة] # (فصل) : # وأما بيان حكم الشهادة فحكمها وجوب القضاء على القاضي؛ لأن الشهادة عند ~~استجماع شرائطها مظهرة للحق، والقاضي مأمور بالقضاء بالحق، قال الله تبارك ~~وتعالى {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق} [ص: 26] ~~، وثبوت ما يترتب عليها من الأحكام. # PageV06P282 ### | [كتاب الرجوع عن الشهادة] # الكلام في هذا الكتاب في الأصل في موضع واحد، وهو بيان حكم الرجوع عن ~~الشهادة، فنقول وبالله التوفيق: الرجوع عن الشهادة يتعلق به حكمان: أحدهما ~~- يرجع إلى مال الشاهد، والثاني - يرجع إلى نفسه أما الذي يرجع إلى ماله ~~فهو وجوب الضمان، والكلام فيه في ثلاثة مواضع: في بيان سبب وجوب الضمان، ~~وفي بيان شرائط الوجوب، وفي بيان مقدار الواجب، أما الأول - فسبب وجوب ~~الضمان في هذا الباب إتلاف المال أو النفس بالشهادة؛؛ لأن الضمان في الشرع ~~إنما يجب إما بالالتزام أو بالإتلاف، ولم يوجد الالتزام فيتعين الإتلاف ~~فيها سببا لوجوب الضمان، فإن وقعت إتلافا انعقدت سببا لوجوب الضمان وإلا ~~فلا. # وعلى هذا ms3951 يخرج ما إذا شهدا على رجل بألف، وقضى القاضي بشهادتهما، ثم رجعا ~~أنهما يضمنان الألف؛ لأنهما لما رجعا عن شهادتهما بعد القضاء تبين أن ~~شهادتهما وقعت سببا إلى الإتلاف في حق المشهود عليه، والتسبب إلى الإتلاف ~~بمنزلة المباشرة في حق سببية وجوب الضمان، كالإكراه على إتلاف المال وحفر ~~البئر على قارعة الطريق ونحوه، (فإن قيل) لما رجعا عن شهادتهما تبين أن ~~قضاء القاضي لم يصح فتبين أن المدعي أخذ المال بغير حق، فلم لا يرده إلى ~~المشهود عليه؟ قيل له: إنه بالرجوع لم يتبين بطلان القضاء؛ لأن الشاهد غير ~~مصدق في الرجوع في حق القاضي والمشهود له لوجهين: الأول - أن الرجوع يحتمل ~~الصدق والكذب، والقضاء بالحق للمشهود به نفذ بدليل من حيث الظاهر، وهو ~~الشهادة الصادقة عند القاضي، فلا ينتقض الثابت ظاهرا بالشك والاحتمال فبقي ~~القضاء ماضيا على الصحة والمدعى في يد المدعي كما كان. # والثاني - أن الشاهد في الرجوع عن شهادته متهم في حق المشهود له، لجواز ~~أن المشهود عليه غره بمال أو غيره ليرجع عن شهادته فيظهر كذب المدعي في ~~دعواه فلم يصدق في الرجوع في حق المشهود له للتهمة، إذ التهمة كما تمنع ~~قبول الشهادة تمنع صحة الرجوع عن الشهادة، فلم يصح الرجوع في حقه فلم ينقض ~~القضاء، ولا يسترد المدعى من يده، ومعنى التهمة لا يتوهم في المشهود عليه ~~فصح الرجوع في حقه، إلا أنه لا يمكن إظهار الصحة في نقض القضاء والتوصل إلى ~~عين المشهود به، فيظهر في التوصل إلى بدله رعاية للجوانب كلها، وإذا رجعا ~~قبل القضاء لا يضمنان؛؛ لأن الشهادة لا تصير حجة إلا بالقضاء، فلا تقع ~~تسبيبا إلى الإتلاف بدونه، وعلى هذا إذا شهدا على رجل أنه طلق امرأته فقضى ~~القاضي بشهادتهما، ثم رجعا، إن كان الطلاق بعد الدخول بأن كان الزوج مقرا ~~بالدخول: لا ضمان عليهما لانعدام الإتلاف؛ لأن المهر يجب بنفس العقد، ~~ويتأكد بالدخول لا بشهادتهما فلم تقع شهادتهما إتلافا، فلم يجب الضمان، وإن ~~كان الطلاق قبل الدخول فقضى القاضي ms3952 بنصف المهر بأن كان المهر مسمى أو ~~بالمتعة بأن لم يكن المهر مسمى ثم رجعا: ضمنا ذلك للزوج؛ لأن شهادتهما وإن ~~لم توجب على الزوج شيئا من المهر، لكنها أكدت الواجب لأن الواجب قبل الدخول ~~كان محتملا للسقوط بأن جاءت الفرقة من قبلها وبشهادتهما بالطلاق تأكد ~~الواجب عليه على وجه لا يحتمل السقوط بعده أصلا، فصارت شهادتهما مؤكدة ~~للواجب، والمؤكد للواجب بمنزلة الواجب في الشرع، كالمحرم إذا أخذ صيدا ~~فذبحه رجل في يده يجب الجزاء على الآخذ، ويرجع الآخذ بذلك على القاتل لوقوع ~~القتل منه تأكيدا للجزاء الواجب على المحرم، إذ لولا ذبحه لاحتمل السقوط ~~بالإرسال، فهو بالذبح أكد الواجب عليه فنزل المؤكد منه منزلة الواجب كذا ~~هذا، وعلى هذا إذا شهدا على رجل أنه أعتق عبدا أو أمة له، وهو ينكر فقضى ~~القاضي، ثم رجعا يضمنان قيمة العبد أو الأمة لمولاه؛ لأنهما بشهادتهما ~~أتلفا عليه مالية العبد أو الأمة فيضمنان، ويكون ولاؤه للمولى؛ لأن الإعتاق ~~نفذ عليه والولاء لمن أعتق، فإن قيل: " هذا إتلاف بعوض وهو الولاء فلا يوجب ~~الضمان " قيل له: " الولاء لا يصلح عوضا؛ لأنه ليس بمال، وإنما هو من أسباب ~~الإرث فكان هذا إتلافا بغير عوض فيوجب الضمان ". # ولو شهدا على إقرار المولى أن هذه الأمة ولدت منه، وهو منكر فقضى القاضي ~~بذلك، ثم رجعا فنقول هذا في الأصل لا يخلو من # PageV06P283 # أحد وجهين: إما أن لم يكن معها ولد، وإما أن كان معها ولد، وكل ذلك لا ~~يخلو إما أن رجعا في حال حياة المولى، وإما أن رجعا بعد وفاته، أما إذا لم ~~يكن معها ولد ورجعا في حال حياة المولى يضمنان للمولى نقصان قيمتها، فتقوم ~~أمة قنا وتقوم أم ولد: لو جاز بيعها فيضمنان النقصان؛؛ لأنهما أتلفا عليه ~~بشهادتهما هذا القدر حال حياته فيضمنانه، فإذا مات المولى عتقت الجارية؛ ~~لأنها أم ولده، وأم الولد تعتق بموت سيدها، ويضمنان بقية قيمتها للورثة؛ ~~لأنهما أتلفا بشهادتهما كل الجارية، لكن بعضها في حال الحياة، والباقي بعد ~~الوفاة ms3953 فيضمنان، كذلك وإن كان معها ولد ورجعا في حال حياة المولى فإنهما ~~يضمنان قيمة الولد؛ لأنهما أتلفاه عليه. # ألا ترى أنه لولا شهادتهما لكان الولد عبدا له، فهما بشهادتهما أتلفاه ~~عليه فعليهما الضمان، وعليهما ضمان نقصان قيمة الأم أيضا لما قلنا، فإذا ~~مات المولى بعد ذلك لم يكن مع الولد شريك في الميراث فلا يضمنان له شيئا، ~~ويرجعان على الولد بما قبض الأب منهما؛ لأن في زعم الولدان رجوعهما باطل ~~وأن ما أخذ الأب منهما أخذه بغير حق فصار مضمونا عليه فيؤدي من تركته إن ~~كانت له تركة، وإن لم يكن له تركة فلا ضمان على الولد؛ لأن من أقر على ~~مورثه بدين وليس للميت تركة لا يؤخذ من مال الوارث، وإن كان معه أخ فإنهما ~~يضمنان للأخ نصف البقية من قيمتها؛ لأنهما أتلفا عليه ذلك القدر، ويرجعان ~~على الولد بما أخذه الأب منهما لما قلنا، ولا يرجعان بما قبض الأخ؛ لأن ~~الأخ ظلم عليهما في زعمهما فليس لهما أن يظلما عليه، ولا ضمان للأخ ما أخذ ~~هذا من الميراث؛ لأنهما ما أتلفا عليه الميراث لما نذكر إن شاء الله تعالى، ~~هذا إذا كان الرجوع في حال حياة المولى، فأما إذا كان بعد وفاته، فإن لم ~~يكن مع الولد شريك في الميراث فلا ضمان عليهما؛ لأن الولد يكذبهما في ~~الرجوع، وإن كان معه شريك في الميراث فإنهما يضمنان للأخ نصف البقية من ~~قيمتهما لما قلنا، ويضمنان للأخ نصف قيمة الولد؛؛ لأنهما أتلفا عليه نصف ~~الولد، ولا يضمنان له ما أخذ هذا الولد من الميراث لما قلنا، ولا يرجعان ~~على الولد ههنا؛ لأن هذا ظلم للأخ في زعمهما فليس لهما أن يظلما الولد، هذا ~~إذا كانت الشهادة في حال حياة المولى والرجوع عليه في حال حياته أو بعد ~~وفاته. # فأما إذا كانت الشهادة بعد وفاته بأن مات رجل وترك ابنا وعبدا وأمة ~~وتركة، فشهد شاهدان أن هذا العبد ولدته هذه الأمة من الميت، وصدقهما الولد ~~والأمة، وأنكر الابن فقضى القاضي بذلك ms3954 وجعل الميراث بينهما ثم رجعا: يضمنان ~~قيمة العبد والأمة ونصف الميراث للابن، فرق بين حال الحياة وبين حال ~~الممات، فإن هناك لا يضمنان الميراث، ووجه الفرق أن الشهادة بالنسب حال ~~الحياة لا تكون شهادة بالمال والميراث لا محالة؛ لأنه يجوز فيه التقدم ~~والتأخر، فمن الجائز أن يموت الأب أولا فيرثه الابن، كما يجوز أن يموت ~~الابن أولا ويرثه الأب، فلم تكن الشهادة بالنسب شهادة بالمال والميراث لا ~~محالة، فلا تتحقق الشهادة إتلافا للمال فلا يضمنان، بخلاف الشهادة بعد ~~الموت فإنها شهادة بالمال لا محالة فقد أتلفا عليه نصف الميراث فيضمنان، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو شهدا أنه دبر عبده فقضى القاضي بذلك، ثم رجعا: يضمنان للمولى نقصان ~~التدبير، فيقوم قنا، ويقوم مدبرا فيضمنان النقصان؛ لأنهما أتلفا عليه حال ~~حياته بشهادتهما هذا القدر فيضمنانه فإذا مات المولى بعد ذلك عتق العبد كله ~~إن كان يخرج من الثلث، ولا سعاية عليه؛ لأنه مدبره، ويضمنان للورثة بقية ~~قيمته عبدا؛ لأنهما أتلفا بشهادتهما بقية ماليته بعد موته؛ لأن التدبير ~~إعتاق بعد الموت، ولو لم يكن له مال سوى المدبر عتق عليه مجانا؛ لأن ~~التدبير وصية فيعتبر بسائر الوصايا، ويسعى في ثلثي قيمته عبدا قنا للورثة؛ ~~لأن الوصية فيما زاد على الثلث لا تنفذ من غير إجازة الورثة، ويضمن الشاهد ~~أن للورثة ثلث قيمته؛ لأنهما أتلفا عليه بشهادتهما ثلث العبد، هذا إذا كانت ~~السعاية تخرج من ثلث العبد، فإن كانت لا تخرج بأن كان معسرا فإنهما يضمنان ~~جميع قيمته مدبرا، ثم يرجعان على العبد بثلثي قيمته إذا أيسر ولو شهدا أنه ~~قال لعبده: " إن دخلت الدار فأنت حر، وشهد آخران بالدخول، ثم رجعوا فالضمان ~~على شهود اليمين؛ لأن العتق ثبت بقوله أنت حر، وإنما الدخول شرط، والحكم ~~يضاف إلى العتق لا إلى الشرط، فكان التلف حاصلا بشهادتهما فكان الضمان ~~عليهما، وكذلك إذا شهدا أنه قال لامرأته: " إن دخلت الدار فأنت طالق "، ~~وشهد آخران بالدخول ثم رجعوا لما قلنا، وكذلك لو شهدا على رجل # PageV06P284 # بالزنا وشهد ms3955 آخران بالإحصان ثم رجعوا، فالضمان على شهود الزنا لا على ~~شهود الإحصان؛ لأن الإحصان شرط ولو شهدا أنه قتل فلانا خطأ، وقضى القاضي ثم ~~رجعا ضمنا الدية؛ لأنهما أتلفاها عليه وتكون في مالهما؛ لأن الشهادة منهما ~~بمنزلة الإقرار منهما بالإتلاف، والعاقلة لا تعقل الإقرار كما لو أقرا ~~صريحا، ولهذا لو رجعا في حال المرض اعتبر إقرارا بالدين حتى يقدم عليه دين ~~الصحة كما في سائر الأقارير، وكذا لو شهدا أنه قطع يد فلان خطأ، وقضى ~~القاضي، ثم رجعا ضمنا دية اليد لما قلنا. # وكذا لو شهدا عليه بالسرقة فقضى عليه بالقطع فقطعت يده ثم رجعا، فقد روي ~~أن شاهدين شهدا عند سيدنا علي كرم الله وجهه على رجل بالسرقة فقضى عليه ~~بالقطع فقطعت يده، ثم جاء الشاهدان بآخر فقالا: " أوهمنا أن السارق هذا يا ~~أمير المؤمنين " فقال سيدنا علي - رضي الله عنه -: " لا أصدقكما على هذا ~~وأغرمكما دية يد الأول، ولو علمت أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما، وكان ذلك ~~بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعا ولو شهدا أنه قتل فلانا ~~عمدا فقضى القاضي وقتل، ثم رجعا فعليهما الدية عندنا، وعند الشافعي - رحمه ~~الله - عليهما القصاص، وعلى هذا الخلاف إذا شهدا أنه قطع يد فلان، (وجه) ~~قول الشافعي - رحمه الله - أن شهادتهما وقعت قتلا تسبيبا؛ لأنها تفضي إلى ~~وجوب القصاص، وإنه يفضي إلى القتل فكانت شهادتهما تسبيبا إلى القتل، ~~والتسبيب في باب القصاص في معنى المباشرة كالإكراه على القتل. # (ولنا) أن نسلم أن الشهادة وقعت تسبيبا إلى القتل لكن وجوب القصاص يتعلق ~~بالقتل مباشرة لا تسبيبا؛ لأن ضمان العدوان الوارد على حق العبد مقيد ~~بالمثل شرعا، ولا مماثلة بين القتل مباشرة وبين القتل تسبيبا، بخلاف ~~الإكراه على القتل؛ لأن القاتل هو المكره مباشرة لكن بيد المكره وهو ~~كالآلة، والفعل لمستعمل الآلة لا للآلة على ما عرف على أن ذلك وإن كان قتلا ~~تسبيبا فهو مخصوص عن نصوص المماثلة فمن ادعى تخصيص الفرع يحتاج إلى الدليل. # وعلى هذا يخرج ما ms3956 إذا شهدا على ولي القتيل أنه عفا عن القتل وقضى القاضي، ~~ثم رجعا: أنه لا ضمان عليهما في ظاهر الرواية؛؛ لأنه لم يوجد منهما إتلاف ~~المال ولا النفس؛ لأن شهادتهما قامت على العفو عن القصاص، والقصاص ليس ~~بمال، ألا ترى أنه لو أكره رجلا على العفو عن القصاص فعفا لا يضمن المكره، ~~ولو كان القصاص مالا يضمن؛ لأن المكره يضمن بالإكراه على إتلاف المال وكذا ~~من وجب له القصاص وهو مريض فعفا، ثم مات في مرضه ذلك لا يعتبر من الثلث ولو ~~كان مالا اعتبر من الثلث، كما إذا تبرع في مرضه، وعن أبي يوسف - رحمه الله ~~- أنهما يضمنان الدية لولي القتيل؛ لأن شهادتهما إتلاف للنفس؛؛ لأن نفس ~~القاتل تصير مملوكة لولي القتيل في حق القصاص، فقد أتلفا بشهادتهما على ~~المولى نفسا تساوي ألف دينار أو عشرة آلاف درهم فيضمنان، وهذا غير سديد؛ ~~لأنا لا نسلم أن نفس القاتل تصير مملوكة لولي القتيل، بل الثابت له ملك ~~الفعل لا ملك المحل؛ لأن في المحل ما ينافي الملك لما علم في مسائل القصاص ~~فلم تقع شهادتهما إتلاف النفس ولا إتلاف المال فلا يضمنان. # ولو شهدا أن هذا الغلام ابن هذا الرجل، والأب يجحده فقضى القاضي ~~بشهادتهما ثم رجعا لا يبطل النسب، ولا ضمان على الشاهدين لانعدام إتلاف ~~المال منهما. # (وأما) شرائط الوجوب فأنواع: منها أن يكون الرجوع بعد القضاء، فإن كان ~~قبله لا يجب الضمان لما ذكرنا: أن الركن في وجوب الضمان بالشهادة وقوع ~~الشهادة إتلافا، ولا تصير إتلافا إلا إذا صارت حجة ولا تصير حجة إلا ~~بالقضاء فلا تصير إتلافا إلا به. # (ومنها) مجلس القضاء فلا عبرة بالرجوع عند غير القاضي كما لا عبرة ~~بالشهادة عند غيره، حتى لو أقام المدعى عليه البينة على رجوعهما لا تقبل ~~بينته، وكذا لا يمين عليهما إذا أنكر الرجوع إلا إذا حكيا عند القاضي ~~رجوعهما عند غيره فيعتبر رجوعهما؛؛ لأن ذلك بمنزلة إنشاء رجوعهما عند ~~القاضي فكان معتبرا. # (ومنها) أن يكون المتلف بالشهادة عين ms3957 مال حتى لو كان منفعة لا يجب ~~الضمان؛ لأن الأصل أن المنافع غير مضمونة بالإتلاف عندنا، وعلى هذا يخرج ما ~~إذا شهدا أنه تزوج هذه المرأة بألف درهم، ومهر مثلها ألفان، وهي تنكر فقضى ~~القاضي بالنكاح بألف درهم، ثم رجعا لا يضمنان للمرأة شيئا؛؛ لأنهما أتلفا ~~عليها منفعة البضع. # والمنفعة ليست بعين مال حقيقة، وإنما يعطى لها حكم الأموال بعارض عقد ~~الإجارة وكذا لو ادعت امرأة على رجل أنه طلقها على ألف درهم، والزوج ينكر ~~فشهد شاهدان فقضى القاضي ثم رجعا لم يضمنا للزوج شيئا؛؛ لأنهما بشهادتهما # PageV06P285 # أتلفا على الزوج المنفعة لا عين المال، وعلى هذا لو ادعى رجل أنه استأجر ~~هذه الدابة من فلان بعشرة دراهم، وأجر مثلها مائة درهم، والمؤجر ينكر فشهد ~~شاهدان وقضى القاضي. # ثم رجعا لا يضمنان للمؤجر شيئا؛؛ لأنهما بشهادتهما أتلفا المنفعة لا عين ~~المال (ومنها) أن يكون إتلاف المال بغير عوض، فإن كان بعوض لا يجب الضمان، ~~سواء كان العوض عين مال أو منفعة لها حكم عين المال؛؛ لأن الإتلاف بعوض ~~يكون إتلافا صورة لا معنى، وعلى هذا يخرج ما إذا ادعى رجل على رجل أنه باع ~~عبده منه بألف درهم، والمشتري ينكر فشهد شاهدان بذلك وقضى القاضي، ثم رجعا: ~~أنه ينظر إن كانت قيمة العبد ألفا أو أكثر فلا ضمان عليهما للمشتري؛؛ لأن ~~شهادتهما وقعت إتلافا بعوض، فلا يكون إتلافا معنى فلا يوجب الضمان، وإن ~~كانت قيمته أقل من ألف يضمنان الزيادة له لوقوع الشهادة إتلافا بقدر ~~الزيادة، ولو كانت الدعوى من المشتري والمسألة بحالها، إن كانت قيمته مثل ~~الثمن المذكور أو أقل لا ضمان على الشاهدين للبائع لما قلنا، وإن كانت ~~قيمته أكثر من ألف يضمنان الزيادة للبائع؛؛ لأن شهادتهما وقعت إتلافا بغير ~~الزيادة وعلى هذا يخرج ما إذا ادعت امرأة على رجل أنه تزوجها على ألف درهم، ~~والرجل ينكر فشهد لها شاهدان بذلك، وقضى القاضي بالنكاح بألف، ثم رجعا: أنه ~~ينظر إن كان مهر مثلها ألفا أو أكثر من ذلك لم ms3958 يضمنا للزوج شيئا وإن أتلفا ~~عليه عين المال؛؛ لأنهما أتلفاها بعوض له حكم عين المال، وهو البضع؛؛ لأنه ~~يعتبر مالا حال دخوله في ملك الزوج بدليل أن الأب يملك أن يزوج من ابنه ~~امرأة ولو لم يعتبر البضع مالا حال دخوله في ملك الزوج لما ملك؛؛ لأن الأب ~~لا يملك على ابنه معاوضة مال بما ليس بمال، وكذلك المريض إذا تزوج امرأة ~~على ألف درهم، وذلك مهر مثلها، لا يعتبر من الثلث بل من جميع المال، ولو لم ~~يكن البضع في حكم المال في حال الدخول في ملك الزوج لاعتبر من الثلث ~~كالتبرع، دل أن البضع يعتبر مالا في حق الزوج حال دخوله في ملكه فكان ~~الإتلاف بعوض هو في حكم عين المال، فلا يكون إتلافا معنى، وإن كان مهر ~~مثلها أقل من ألف درهم يضمنان الزيادة على مهر المثل للزوج؛؛ لأنهما أتلفا ~~الزيادة عليه من غير عوض أصلا. # وهذا بخلاف ما إذا ادعى رجل على امرأة أنه طلقها بألف درهم، والمرأة تنكر ~~فشهد شاهدان بذلك وقضى القاضي عليها بألف درهم، ثم رجعا: أنهما يضمنان ~~للمرأة ألف درهم؛؛ لأنهما أتلفا عليها عين المال بغير عوض أصلا؛؛ لأن البضع ~~حال خروجه عن ملك الزوج لا يعتبر مالا بدليل أن الأب لا يملك أن يخلع من ~~ابنته الصغيرة على مال، ولو فعل وأدى من مالها يضمن ولو كان مالا لملك؛ ~~لأنه يملك عليها معاوضة مال بمال، وكذلك المريضة إذا اختلعت من نفسها حال ~~مرضها على مال يعتبر من الثلث كالوصية، ولو كان له حكم المال لاعتبر من ~~جميع المال، كما في سائر معاوضات المال بالمال، وإذا لم يكن له حكم المال ~~حال الخروج عن ملك الزوج حصلت شهادتهما إتلافا عليهما من عوض أصلا فيجب ~~الضمان وعلى هذا يخرج ما إذا ادعى رجل أنه آجر داره من فلان شهرا بعشرة ~~دراهم، والمستأجر ينكر فشهد شاهدان بذلك، وقضى القاضي، ثم رجعا، فأما إن ~~كان في أول المدة ينظر، إن كان أجرة الدار مثل المسمى ms3959 لا ضمان عليهما ~~للمستأجر، ولو أتلفا عليه عين مال لكن بعوض، له حكم عين المال، وهو ~~المنفعة؛؛ لأن المنفعة في باب الإجارة لها حكم عين المال، وإن كانت أجرة ~~مثلها أقل من المسمى فإنهما يضمنان الزيادة؛ لأن التلف بقدر الزيادة حصل ~~بغير عوض أصلا، وإن كانت الدعوى بعد مضي مدة الإجارة فعليهما ضمان الأجرة؛؛ ~~لأنهما أتلفا عليه من غير عوض أصلا، فكان مضمونا عليهما. # وعلى هذا يخرج ما إذا شهد شاهدان على القاتل: أنه صالح ولي القتيل على ~~مال، والقاتل ينكر فقضى القاضي بذلك، ثم رجعا أنهما لا يضمنان شيئا للقاتل؛ ~~لأنهما أتلفا عليه عين مال بعوض، وهو النفس؛ لأن النفس تصلح أن تكون عوضا ~~بدليل أن المريض وجب عليه القصاص فصالح الولي على الدية جاز، ولا تعتبر من ~~الثلث، بل من جميع المال، ولو لم تصلح النفس عوضا لاعتبر من الثلث، دل أن ~~هذا إتلاف بعوض فلا يوجب الضمان إلا إذا شهدا على الصلح بأكثر من الدية ~~فيضمنان الزيادة على الدية للقاتل؛؛ لأن تلف الزيادة حصل بغير عوض، ويمكن ~~تخرج هذه المسائل على فصل التسبب؛ لأن ما قابله عوض، لا يكون إتلافا معنى، ~~فلم يوجد سبب وجوب الضمان فلا يجب فافهم ذلك. # ويستوي في وجوب الضمان الرجوع # PageV06P286 # عن الشهادة، والرجوع على الشهادة حتى لو رجعت الفروع وثبت الأصول يجب ~~الضمان على الفروع لوجود الإتلاف منهم لوجود الشهادة منهم حقيقة، ولو رجع ~~الأصول وثبت الفروع فلا ضمان على الفروع لانعدام الرجوع منهم، وهل يجب ~~الضمان على الأصول، قال أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله - لا يجب، وقال ~~محمد يجب، (وجه) قوله أن الفروع لا يشهدون بشهادة أنفسهم، وإنما يفعلون ~~بشهادة الأصول فإذا شهدوا فقد أظهروا شهادتهم، فكأنهم حضروا بأنفسهم، ~~وشهدوا ثم رجعوا، (وجه) قولهما أن الشهادة وجدت من الفروع لا من الأصول ~~لعدم الشهادة حقيقة، فإنهم لم يشهدوا حقيقة، وإنما شهد الفروع، وهم ثابتون ~~على شهادتهم فلم يوجد الإتلاف من الأصول لعدم الشهادة منهم حقيقة، فلا ~~يضمنون، وعلى هذا إذا ms3960 رجعوا جميعا فالضمان على الفروع عندهما، ولا شيء على ~~الأصول لوجود الشهادة من الفروع حقيقة لا من الأصول، وعنده المشهود عليه ~~بالخيار إن شاء ضمن الفروع وإن شاء ضمن الأصول لوجود الشهادة من الفريقين، ~~ولو لم يرجع أحد من الفريقين ولكن الأصول أنكروا الإشهاد، فلا ضمان على أحد ~~لانعدام الرجوع عن الشهادة. # ويستوي في وجوب ضمان الرجوع رجوع الشهود والمزكين عند أبي حنيفة حتى إن ~~المزكين لو زكوا الشهود فشهدوا، وقضى القاضي بشهادتهم، ثم رجع المزكون ~~ضمنوا عنده، وعندهما رجوع المزكين لا يوجب الضمان وجه قولهما أن رجوع ~~المزكين بمنزلة رجوع شهود الإحصان؛؛ لأن التزكية ليست إلا بناء عن الشهود، ~~كالشهادة على الصفات التي هي خصال حميدة، ثم الرجوع عن الشهادة على الإحصان ~~لا يوجب الضمان كذا هذا، ولأبي حنيفة أن التزكية في معنى الشهادة في وجوب ~~الضمان؛؛ لأن الرجوع عن الشهادة إنما يوجب الضمان لوقوعه إتلافا، وإنما ~~يصير إتلافا بالتزكية، ألا ترى أنه لولا التزكية لما وجب القضاء، فكانت ~~الشهادة عاملة بالتزكية، فكانت التزكية في معنى علة العلة، فكانت إتلافا ~~بخلاف الشهادة على الإحصان؛ لأن الإحصان شرط كون الزنا علة، والحكم للعلة ~~لا للشرط. # وأما بيان مقدار الواجب من الضمان فالأصل أن مقدار الواجب منه على قدر ~~الإتلاف؛؛ لأن سبب الوجوب هو الإتلاف، والحكم يتقدر بقدر العلة، والعبرة ~~فيه لبقاء من بقي من الشهود بعد رجوع من رجع منهم، فإن بقي منهم بعد الرجوع ~~من يحفظ الحق كله فلا ضمان على أحد لانعدام الإتلاف أصلا من أحد، وإن بقي ~~منهم من يحفظ بعض الحق وجب على الراجعين ضمان قدر التالف بالحصص، فنقول: ~~بيان هذه الجملة إذا شهد رجلان بمال ثم رجع أحدهما: عليه نصف المال؛؛ لأن ~~النصف محفوظ بشهادة الباقي، ولو كانت الشهود أربعة، فرجع واحد منهم: لا ~~ضمان عليه، وكذا إذا رجع اثنان؛ لأن الاثنين يحفظان المال، ولو رجع منهم ~~ثلاثة فعليهم نصف المال؛؛ لأن النصف عندنا بشهادة شاهد واحد. # ولو شهد رجل وامرأتان بمال، ثم رجع الرجل: ms3961 غرم نصف المال؛ لأن النصف بقي ~~بثبات المرأتين، ولو رجعت المرأتان غرمتا نصف المال بينهما نصفين لبقاء ~~النصف بثبات الرجل، ولو رجع رجل وامرأة فعليهما ثلاثة أرباع المال، نصفه ~~على الرجل، وربعه على المرأة؛؛ لأن الباقي ببقاء امرأة واحدة الربع، فكان ~~التالف بشهادة الرجل والمرأة ثلاثة الأرباع، والرجل ضعف المرأة فكان عليها ~~الربع وعلى الرجل النصف، ولو رجعوا جميعا فنصف المال على الرجل، والنصف على ~~المرأتين بينهما نصفان. # ولو شهد رجلان وامرأة ثم رجعوا فالضمان على الرجلين، ولا شيء على ~~المرأة؛؛ لأن المرأة الواحدة في الشهادة وجودها وعدمها بمنزلة واحدة؛؛ لأن ~~القاضي لا يقضي بشهادتها، ولو شهد رجلان وامرأتان ثم رجعت المرأتان فلا ~~ضمان عليهما؛؛ لأن الحق يبقى محفوظا بالرجلين، ولو رجع الرجلان يضمنان نصف ~~المال؛ لأن المرأتين تحفظان النصف، ولو رجع رجل واحد لا شيء عليه؛ لأن رجلا ~~وامرأتين يحفظون جميع المال ولو رجع رجل وامرأة فعليهما ربع المال بينهما ~~أثلاثا: ثلثاه على الرجل، وثلثه على المرأة؛؛ لأنه بقي ثلاثة الأرباع ببقاء ~~رجل وامرأتين، فكان التالف بشهادة رجل وامرأة الربع، والرجل ضعف المرأة ~~فكان بينهم أثلاثا، ولو رجعوا جميعا فالضمان بينهم أثلاث أيضا: ثلثاه على ~~الرجلين، وثلثه على المرأتين لما ذكرنا أن الرجل ضعف المرأة، فكان التالف ~~بشهادته ضعف ما تلف بشهادتها ولو شهد رجل وعشر # PageV06P287 # نسوة ثم رجعوا جميعا فالضمان بينهم أسداس: سدسه على الرجل، وخمسة أسداسه ~~على النسوة، وهذا قول أبي حنيفة، فأما عندهما فالضمان بينهم نصفان: نصفه ~~على الرجل ونصفه على النسوة، وجه قولهما أن النساء وإن كثرن فلهن شطر ~~الشهادة لا غير، فكان التالف بشهادتهن نصف المال والنصف بشهادة الرجل، فكان ~~الضمان بينهم أنصافا ولأبي حنيفة أن كل امرأتين بمنزلة رجل واحد في ~~الشهادة، فكان قسمة الضمان بينهم أسداسا ولو رجع الرجل وحده ضمن نصف ~~المال؛؛ لأن النصف محفوظ بشهادة النساء، وكذا لو رجعت النسوة غرمن نصف ~~المال؛ لأن النصف محفوظ بشهادة الرجل، هذان الفصلان يؤيدان قولهما في ~~الظاهر ولو رجع ثمان نسوة فلا ضمان ms3962 عليهن؛ لأن الحق بقي محفوظا برجل ~~وامرأتين، ولو رجعت امرأة بعد ذلك فعليها وعلى الثمان ربع المال؛؛ لأنه بقي ~~بثبات رجل وامرأة ثلاثة أرباع المال، فكان التالف بشهادتهن الربع، ولو رجع ~~رجل وامرأة فعليهما نصف المال أثلاثا: ثلثاه على الرجل، والثلث على المرأة؛ ~~لأن تسع نسوة يحفظن المال، فكان التالف بشهادة رجل وامرأة النصف، والرجل ~~ضعف المرأة، فكان بينهما أثلاثا، ولو شهد رجل وثلاث نسوة، ثم رجع الرجل ~~وامرأة فعلى الرجل نصف المال، ولا شيء على المرأة في قياس قول أبي يوسف ~~ومحمد - رحمهما الله -، وفي قياس قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - نصف المال ~~يكون عليهما أثلاثا: ثلثاه على الرجل وثلثه على المرأة ولو رجعوا جميعا ~~فالضمان بينهم أخماس عند أبي حنيفة: خمساه على الرجل، وثلاثة أخماسه على ~~النسوة؛ لأن الرجل ضعف المرأة، وعندهما نصف الضمان على الرجل ونصفه على ~~المرأة لما ذكرنا أن لهن شطر الشهادة وإن كثرن، فكان التالف بشهادة كل نوع ~~نصف المال، والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا شهد شاهدان أنه ~~طلق امرأته ثلاثا، والزوج ينكر وشهد شاهدان بالدخول فقضى القاضي بشهادتهم، ~~ثم رجعوا فالضمان عليهم أرباع: على شاهدي الطلاق الربع؛ لأن شاهدي الدخول ~~شهدا بكل المهر؛؛ لأن كل المهر يتأكد بالدخول، وللمؤكد حكم الموجب على ما ~~مر، وشاهدي الطلاق شهدا بالنصف؛؛ لأن نصف المهر يتأكد بالطلاق على ما ~~ذكرنا، والمؤكد للواجب في معنى الواجب، فشاهد الدخول انفرد بنصف المهر، ~~والنصف الآخر اشترك فيه الشهود كلهم، فكان نصف النصف وهو الربع على شاهدي ~~الطلاق، وثلاثة الأرباع على شاهدي الدخول. # فأما الذي يرجع إلى نفسه فنوعان: أحدهما - وجوب الحد لكن في شهادة مخصوصة ~~وهي الشهادة القائمة على الزنا، وجملة الكلام فيه أن الرجوع عن الشهادة ~~بالزنا، إما أن يكون من جميع الشهود وإما أن يكون من بعضهم دون بعض، فإن ~~رجعوا جميعا يحدون حد القذف، سواء رجعوا بعد القضاء أو قبل القضاء، أما قبل ~~القضاء؛ فلأن كلامهم قبل القضاء انعقد قذفا لا شهادة، ms3963 إلا أنه لا يقام الحد ~~عليهم للحال لاحتمال أن يصير شهادة بقرينة القضاء، فإذا رجعوا فقد زال ~~الاحتمال فبقي قذفا فيوجب الحد بالنص. # وأما بعد القضاء؛ فلأن كلامهم وإن صار شهادة باتصال القضاء به فقد انقلب ~~قذفا بالرجوع فصاروا بالرجوع قذفة فيحدون، ولو رجعوا بعد القضاء والإمضاء، ~~فلا خلاف في أنهم يحدون إذا كان الحد جلدا، وإن كان رجما فكذلك عند أصحابنا ~~الثلاثة وقال زفر - رحمه الله - لا حد عليهم، وجه قوله أنهم لما رجعوا بعد ~~الاستيفاء تبين أن كلامهم وقع قذفا من حين وجوده، فصار كما لو قذفوا صريحا، ~~ثم مات المقذوف، وحد القذف لا يورث بلا خلاف بين أصحابنا فيسقط. # (ولنا) أن بالرجوع لا يظهر أن كلامهم كان قذفا من حين وجوده، وإنما يصير ~~قذفا وقت الرجوع، والمقذوف وقت الرجوع ميت فصار قذفا بعد الموت، فيجب الحد ~~هذا حكم الحد. # وأما حكم الضمان، فأما قبل الإمضاء: لا ضمان أصلا لعدم الإتلاف أصلا، ~~وأما بعد الإمضاء، فإن كان الحد رجما ضمنوا الدية بلا خلاف لوقوع شهادتهم ~~إتلافا أو إقرارا بالإتلاف، وإن كان الحد جلدا فليس عليهم أرش الجلدات إذا ~~لم يمت منها ولا الدية إن مات منها عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما ~~يضمنون، وجه قولهما أن شهادتهم وقعت إتلافا بطريق التسبيب؛؛ لأنها تفضي إلى ~~القضاء. # والقضاء يفضي إلى إقامة الجلدات وأنها تفضي إلى التلف فكان التلف بهذه ~~الوسائط مضافا إلى الشهادة فكانت إتلافا تسبيبا، ولهذا لو شهدوا بالقصاص أو ~~بالمال، ثم رجعوا وجبت عليهم الدية والضمان كذا هذا، ولأبي حنيفة - عليه # PageV06P288 # الرحمة - أن الأثر حصل مضافا إلى الضرب دون الشهادتين لوجهين: أحدهما - ~~أن الشهود لم يشهدوا على ضرب جارح؛؛ لأن الضرب الجارح غير مستحق في الجلد، ~~فلا يكون الجرح مضافا إلى شهادتهم والثاني - أن الضرب مباشرة الإتلاف ~~والشهادة تسبيب إليه. # وإضافة الأثر إلى المباشرة أولى من إضافته إلى التسبيب، إلا أنه لا ضمان ~~على بيت المال؛ لأن هذا ليس خطأ من القاضي ليكون عطاؤه في بيت المال لنوع ms3964 ~~تقصير منه، ولا تقصير من جهته ههنا فلا شيء على بيت المال، هذا إذا رجعوا ~~جميعا، فأما إذا رجع واحد منهم، فإن كان قبل القضاء يحدون جميعا عند ~~أصحابنا الثلاثة، وعند زفر يحد الراجع خاصة، وجه قوله أن كلامهم وقع شهادة ~~قذفا لكمال نصاب الشهادة، وهو عدد الأربعة. # وإنما ينقلب قذفا بالرجوع، ولم يوجد إلا من أحدهم، فينقلب كلامه قذفا ~~خاصة، بخلاف ما إذا شهد ثلاثة بالزنا أنهم يحدون؛؛ لأن هناك نصاب الشهادة ~~لم يكمل فوقع كلامهم من الابتداء قذفا. # (ولنا) أن كلامهم لا يصير شهادة إلا بقرينة القضاء، ألا ترى أنها لا تصير ~~حجة إلا به فقبله يكون قذفا لا شهادة، فكان ينبغي أن يقام الحد عليهم بالنص ~~لوجود الرمي منهم، إلا أنه لا يقام لاحتمال أن يصير شهادة بقرينة القضاء، ~~ولئلا يؤدي إلى سد باب الشهادة، فإذا رجع أحدهم زال هذا المعنى فبقي كلامهم ~~قذفا فيحدون، وصار كما لو كان الشهود من الابتداء ثلاثة، فإنهم يحدون لوقوع ~~كلامهم قذفا كذا هذا، وإن كان بعد القضاء قبل الإمضاء، فإنهم يحدون جميعا ~~عندهما، وعند محمد الراجع خاصة، وجه قوله أن كلامهم وقع شهادة لاتصال ~~القضاء به، فلا ينقلب قذفا إلا بالرجوع، ولم يرجع إلا واحد منهم فينقلب ~~كلامه خاصة قذفا، فلم يصح رجوعه في حق الباقين فبقي كلامهم شهادة فلا ~~يحدون، ولهما أن الإمضاء في باب الحدود من القضاء، بدليل أن عمى الشهود أو ~~ردتهم قبل القضاء كما يمنع من القضاء فبعده يمنع من الإمضاء، فكان رجوعه ~~قبل الإمضاء بمنزلة رجوعه قبل القضاء. # ولو رجع قبل القضاء يحدون جميعا بلا خلاف بين أصحابنا الثلاثة، كذا إذا ~~رجع بعد القضاء قبل الإمضاء، وإن كان بعد الإمضاء، فإن كان الحد جلدا يحد ~~الراجع خاصة بالإجماع؛؛ لأن رجوعه صحيح في حقه خاصة لا في حق الباقين ~~فانقلبت شهادته خاصة قذفا فيحد خاصة، وإن كان الحد رجما ومات المقذوف يحد ~~الراجع عند أصحابنا خلافا لزفر وقد مرت المسألة هذا حكم الحد. # فأما حكم الضمان ms3965 فلا ضمان إذا كان رجوعه قبل القضاء أو بعده قبل الإمضاء ~~لما قلنا. # وأما بعد الإمضاء فإن كان الحد جلدا فلا شيء على الراجع من أرش السياط ~~ولا من الدية إن مات عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما يجب، وإن كان ~~رجما غرم الراجع ربع الدية؛؛ لأن الثلاثة يحفظون ثلاثة أرباع الدية فكان ~~التالف بشهادته الربع، هذا إذا كان شهود الزنا أربعة، فأما إذا كانوا خمسة ~~فرجع واحد منهم، فإن القاضي يقيم الحد على المشهود عليه بما بقي من ~~الشهود؛؛ لأن الأربعة نصاب تام يحفظون الحد على المشهود عليه، وإن أمضى ~~الحد ثم رجع اثنان ضمنا ربع الدية إن مات المرجوم؛ لأن الثلاثة قاموا ~~بثلاثة أرباع الحق فكان التالف بشهادتهما الربع فيضمنانه. # وإن لم يمت فليس عليهما أرش للضرب عند أبي حنيفة، وعندهما يجب، وقد تقدمت ~~المسألة، والثاني - وجوب التعزير في عموم الشهادات سوى الشهادة على الزنا ~~بأن تعمد شهادة الزور، وظهر عند القاضي بإقراره؛؛ لأن قول الزور جناية ليس ~~فيها فيما سوى القذف حد مقدر فتوجب التعزير بلا خلاف بين أصحابنا، وإنما ~~اختلفوا في كيفية التعزير. # قال أبو حنيفة - عليه الرحمة - تعزيره تشهير فينادى عليه في سوقه أو مسجد ~~حيه ويحذر الناس منه فيقال: " هذا شاهد الزور فاحذروه "، وقال أبو يوسف ~~ومحمد - رحمهما الله - يضم إليه ضرب أسواط، هذا إذا تاب، فأما إذا لم يتب ~~وأصر على ذلك بأن قال: " إني شهدت بالزور وأنا على ذلك قائم " فإنه يعزر ~~بالضرب بالإجماع، احتجا بما روي عن سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~أنه ضرب شاهد الزور وسخم وجهه. # ؛ ولأن قول الزور من أكبر الكبائر، وليس إليه فيما سوى القذف بالزنا حد ~~مقدر فيحتاج إلى أبلغ الزواجر ولأبي حنيفة - رحمه الله - ما روي أن شريحا ~~كان يشهر شاهد الزور ولا يعزره، وكان لا تخفى قضاياه على أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - رضوان الله تعالى عليهم - ولم ينقل أنه أنكر عليه ~~منكر؛ ولأن الكلام فيمن أقر أنه # PageV06P289 # شهد بزور ms3966 نادما على ما فعل لا مصرا عليه، والندم توبة على لسان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - والتائب لا يستوجب الضرب، حتى لو كان مصرا على ذلك ~~يضرب، وفعل سيدنا عمر - رضي الله عنه - محمول عليه توفيقا بين الدلائل، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV06P290 ### | [كتاب آداب القاضي] # [بيان فرضية نصب القاضي] # الكلام في هذا الكتاب في مواضع، في ### | بيان فرضية نصب القاضي، # وفي بيان من يصلح للقضاء، وفي بيان من يفترض عليه قبول تقليد القضاء، وفي ~~بيان شرائط جواز القضاء، وفي بيان آداب القضاء، وفي بيان ما ينفذ من ~~القضايا، وما ينقض منها؛ إذا رفع إلى قاض آخر، وفي بيان ما يحله القاضي وما ~~لا يحله، وفي بيان حكم خطأ القاضي في القضاء، وفي بيان ما يخرج به القاضي ~~عن القضاء. # (أما) الأول فنصب القاضي فرض؛ لأنه ينصب لإقامة أمر مفروض، وهو القضاء ~~قال الله سبحانه وتعالى {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين ~~الناس بالحق} [ص: 26] وقال تبارك وتعالى لنبينا المكرم عليه أفضل الصلاة ~~والسلام: {فاحكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 48] والقضاء هو: الحكم بين ~~الناس بالحق، والحكم بما أنزل الله عز وجل، فكان نصب القاضي؛ لإقامة الفرض، ~~فكان فرضا ضرورة؛ ولأن نصب الإمام الأعظم فرض، بلا خلاف بين أهل الحق، ولا ~~عبرة - بخلاف بعض القدرية -؛ لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على ذلك، ~~ولمساس الحاجة إليه؛ لتقيد الأحكام، وإنصاف المظلوم من الظالم، وقطع ~~المنازعات التي هي مادة الفساد، وغير ذلك من المصالح التي لا تقوم إلا ~~بإمام، لما علم في أصول الكلام، ومعلوم أنه لا يمكنه القيام بما نصب له ~~بنفسه، فيحتاج إلى نائب يقوم مقامه في ذلك وهو القاضي؛ ولهذا «كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث إلى الآفاق قضاة، فبعث سيدنا معاذا - رضي ~~الله عنه - إلى اليمن، وبعث عتاب بن أسيد إلى مكة، فكان نصب القاضي من ~~ضرورات نصب الإمام، فكان فرضا» ، وقد سماه محمد فريضة محكمة؛ لأنه لا يحتمل ~~النسخ؛ لكونه من الأحكام التي ms3967 عرف وجوبها بالعقل، والحكم العقلي لا يحتمل ~~الانتساخ، والله تعالى أعلم. # PageV07P002 ### | [فصل في بيان من يصلح للقضاء] # فصل) : # وأما بيان من يصلح للقضاء فنقول: الصلاحية للقضاء لها شرائط (منها) : ~~العقل، (ومنها) البلوغ، (ومنها) : الإسلام، (ومنها) : الحرية، (ومنها) : ~~البصر (ومنها) : النطق، (ومنها) : السلامة عن حد القذف؛ لما قلنا في ~~الشهادة، فلا يجوز تقليد المجنون والصبي، والكافر والعبد، والأعمى والأخرس، ~~والمحدود في القذف؛ لأن القضاء من باب الولاية، بل هو أعظم الولايات، ~~وهؤلاء ليست لهم أهلية أدنى الولايات - وهي الشهادة - فلأن لا يكون لهم ~~أهلية أعلاها أولى، وأما الذكورة فليست من شرط جواز التقليد في الجملة؛ لأن ~~المرأة من أهل الشهادات في الجملة، إلا أنها لا تقضي بالحدود والقصاص؛ لأنه ~~لا شهادة لها في ذلك، وأهلية القضاء تدور مع أهلية الشهادة. # (وأما) العلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام: فهل هو شرط جواز التقليد؟ ~~عندنا ليس بشرط الجواز، بل شرط الندب والاستحباب، وعند أصحاب الحديث كونه ~~عالما بالحلال والحرام؛ وسائر الأحكام؛ مع بلوغ درجة الاجتهاد في ذلك شرط ~~جواز التقليد، كما قالوا في الإمام الأعظم. # وعندنا هذا ليس بشرط الجواز في الإمام الأعظم؛ لأنه يمكنه أن يقضي بعلم ~~غيره، بالرجوع إلى فتوى غيره من العلماء، فكذا في القاضي، لكن مع هذا لا ~~ينبغي أن يقلد الجاهل بالأحكام؛ لأن الجاهل بنفسه ما يفسد أكثر مما يصلح، ~~بل يقضي بالباطل من حيث لا يشعر به، وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، وقاضيان في النار، رجل علم ~~علما فقضى بما علم؛ فهو في الجنة، ورجل علم فقضى بغير ما علم؛ فهو في ~~النار، ورجل جهل فقضى بالجهل؛ فهو في النار» إلا أنه لو قلد جاز عندنا؛ ~~لأنه يقدر على القضاء بالحق، بعلم غيره بالاستفتاء من الفقهاء، فكان تقليده ~~جائزا في نفسه، فاسدا لمعنى في غيره، والفاسد لمعنى في غيره يصلح للحكم ~~عندنا، مثل الجائز حتى ينفذ قضاياه التي لم يجاوز فيها حد الشرع، وهو ~~كالبيع الفاسد، أنه ms3968 مثل الجائز عندنا في حق الحكم، كذا هذا، وكذا العدالة ~~عندنا، ليست بشرط لجواز التقليد، لكنها شرط الكمال، فيجوز تقليد الفاسق ~~وتنفذ قضاياه؛ إذا لم يجاوز فيها حد الشرع. # وعند الشافعي - رحمه الله - شرط الجواز، فلا يصلح الفاسق قاضيا عنده، ~~بناء على أن الفاسق ليس من أهل الشهادة عنده، فلا يكون من أهل القضاء، ~~وعندنا هو من أهل الشهادة، فيكون من أهل القضاء، لكن لا ينبغي أن يقلد ~~الفاسق؛ لأن القضاء أمانة عظيمة، وهي أمانة الأموال، والأبضاع والنفوس، فلا ~~يقوم بوفائها إلا من كمل ورعه، وتم تقواه، إلا أنه مع هذا لو قلد؛ جاز ~~التقليد في نفسه وصار قاضيا؛ لأن الفساد لمعنى في غيره، فلا يمنع جواز ~~تقليده القضاء في نفسه؛ لما مر. # (وأما) ترك الطلب: فليس بشرط؛ لجواز التقليد بالإجماع، فيجوز تقليد ~~الطالب بلا خلاف؛ لأنه يقدر على القضاء بالحق، لكن لا ينبغي أن يقلد؛ لأن ~~الطالب يكون متهما. # وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «إنا لا نولي أمرنا هذا ~~من كان له طالبا» وعنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «من سأل القضاء ~~وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه نزل عليه ملك يسدده» وهذا إشارة إلى أن ~~الطالب، لا يوفق لإصابة الحق، والمجبر عليه يوفق. # وأما شرائط الفضيلة والكمال: فهو أن يكون القاضي عالما بالحلال والحرام ~~وسائر الأحكام، قد بلغ في علمه ذلك حد الاجتهاد، عالما بمعاشرة الناس ~~ومعاملتهم، عدلا ورعا، عفيفا عن التهمة، صائن النفس عن الطمع؛ لأن القضاء: ~~هو الحكم بين الناس بالحق، فإذا كان المقلد بهذه الصفات، فالظاهر أنه لا ~~يقضي إلا بالحق، ثم ما ذكرنا أنه شرط جواز التقليد، فهو شرط جواز التحكيم؛ ~~لأن التحكيم مشروع، قال الله تعالى - عز شأنه -: {فابعثوا حكما من أهله ~~وحكما من أهلها} [النساء: 35] فكان الحكم من الحكمين بمنزلة حكم القاضي ~~المقلد، إلا أنهما يفترقان في أشياء مخصوصة. # (منها) : أن الحكم في الحدود والقصاص لا يصح. # (ومنها) : أنه ليس بلازم ما لم يتصل به الحكم، حتى لو رجع ms3969 أحد المتحاكمين ~~قبل الحكم؛ يصح رجوعه، وإذا حكم صار لازما. # (ومنها) : أنه إذا حكم في فصل مجتهد فيه، ثم رفع حكمه إلى القاضي، ورأيه ~~يخالف رأي الحاكم المحكم، له أن يفسخ حكمه، والفرق بين هذه الجملة يعرف في ~~موضعه، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في بيان من يفترض عليه قبول تقليد القضاء] # (فصل) : # وأما بيان من يفترض عليه قبول تقليد القضاء، فنقول: إذا عرض القضاء على ~~من يصلح له من أهل البلد، ينظر إن كان في البلد عدد يصلحون للقضاء، لا ~~يفترض عليه القبول، بل هو في سعة من القبول والترك. # (أما) جواز القبول؛ فلأن الأنبياء والمرسلين، - صلوات الله عليهم أجمعين ~~- قضوا بين الأمم بأنفسهم، وقلدوا غيرهم وأمروا بذلك، فقد بعث # PageV07P003 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذا - رضي الله عنه - إلى اليمن ~~قاضيا، وبعث عتاب بن أسيد - رضي الله عنه - إلى مكة قاضيا، وقلد النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - كثيرا من أصحابه - رضي الله تعالى عنهم - الأعمال، ~~وبعثهم إليها، وكذا الخلفاء الراشدون قضوا بأنفسهم، وقلدوا غيرهم، فقلد ~~سيدنا عمر - رضي الله عنه - شريحا القضاء، وقرره سيدنا عثمان، وسيدنا علي - ~~رضي الله عنهما -. # (وأما) جواز الترك؛ فلما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه «قال ~~لأبي ذر - رضي الله عنه -: إياك والإمارة» وروي عنه - عليه الصلاة والسلام ~~- «أنه قال: لا تتأمرن على اثنين» وروي أن أبا حنيفة - رضي الله عنه - عرض ~~عليه القضاء، فأبى حتى ضرب على ذلك ولم يقبل، وكذا لم يقبله كثير من صالحي ~~الأمة، وهذا معنى ما ذكر في الكتاب، دخل فيه قوم صالحون وترك الدخول فيه ~~قوم صالحون، ثم إذا جاز الترك والقبول في هذا الوجه، اختلفوا في أن القبول ~~أفضل أم الترك قال بعضهم: الترك أفضل، وقال بعضهم: القبول أفضل، احتج ~~الفريق الأول بما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «من جعل ~~على القضاء فقد ذبح بغير سكين» وهذا يجري مجرى الزجر عن تقلد القضاء، احتج ~~الفريق الآخر بصنع الأنبياء والمرسلين - صلوات الله عليهم ms3970 أجمعين - وصنع ~~الخلفاء الراشدين؛ لأن لنا فيهم قدوة؛ ولأن القضاء بالحق إذا أراد به وجه ~~الله سبحانه وتعالى؛ يكون عبادة خالصة بل هو من أفضل العبادات، قال النبي ~~المكرم عليه أفضل التحية: «عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة» . # والحديث محمول على القاضي الجاهل، أو العالم الفاسق، أو الطالب الذي لا ~~يأمن على نفسه الرشوة، فيخاف أن يميل إليها، توفيقا بين الدلائل، هذا إذا ~~كان في البلد عدد يصلحون للقضاء، فأما إذا كان لم يصلح له إلا رجل واحد؛ ~~فإنه يفترض عليه القبول؛ إذا عرض عليه؛ لأنه إذا لم يصلح له غيره - تعين هو ~~لإقامة هذه العبادة، فصار فرض عين عليه، إلا أنه لا بد من التقليد، فإذا ~~قلد - افترض عليه القبول على وجه لو امتنع من القبول - يأثم، كما في سائر ~~فروض الأعيان، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان شرائط جواز القضاء] # (فصل) : # وأما شرائط القضاء فأنواع: بعضها يرجع إلى القاضي، وبعضها يرجع إلى نفس ~~القضاء، وبعضها يرجع إلى المقضي له، وبعضها يرجع إلى المقضي عليه. # (أما) الذي يرجع إلى القاضي فما ذكرنا من شرائط جواز تقليد القضاء؛ لأن ~~من لا يصلح قاضيا؛ لا يجوز قضاؤه ضرورة. # (وأما) الذي يرجع إلى نفس القضاء، فأنواع: منها أن يكون بحق، وهو الثابت ~~عند الله - عز وجل - من حكم الحادثة، إما قطعا بأن قام عليه دليل قطعي، وهو ~~النص المفسر من الكتاب الكريم، أو الخبر المشهور والمتواتر، والإجماع، وإما ~~ظاهرا؛ بأن قام عليه دليل ظاهر، يوجب علم غالب الرأي، وأكثر الظن، من ظواهر ~~الكتاب الكريم والمتواتر والمشهور، وخبر الواحد، والقياس الشرعي، وذلك في ~~المسائل الاجتهادية التي اختلف فيها الفقهاء - رحمهم الله - والتي لا رواية ~~في جوابها عن السلف، بأن لم تكن واقعة، حتى لو قضى بما قام الدليل القطعي ~~على خلافه - لم يجز؛ لأنه قضاء بالباطل قطعا، وكذا لو قضى في موضع الخلاف، ~~بما كان خارجا عن أقاويل الفقهاء كلهم، لم يجز؛ لأن الحق لا يعدو أقاويلهم، ~~فالقضاء بما هو خارج ms3971 عنها كلها يكون قضاء باطلا قطعا. # وكذا لو قضى بالاجتهاد فيما فيه نص ظاهر، يخالفه من الكتاب الكريم والسنة ~~- لم يجز قضاؤه؛ لأن القياس في مقابلة النص باطل، سواء كان النص قطعيا أو ~~ظاهرا. # وأما فيما لا نص فيه يخالفه، ولا إجماع النقول، لا يخلو (إما) أن كان ~~القاضي من أهل الاجتهاد. # (وإما) أن لم يكن من أهل الاجتهاد، فإن كان من أهل الاجتهاد، وأفضى رأيه ~~إلى شيء يجب عليه العمل به، وإن خالف رأي غيره ممن هو من أهل الاجتهاد ~~والرأي، ولا يجوز له أن يتبع رأي غيره؛ لأن ما أدى إليه اجتهاده هو الحق ~~عند الله - عز وجل - ظاهرا، فكان غيره باطلا ظاهرا،؛ لأن الحق في المجتهدات ~~واحد، والمجتهد يخطئ ويصيب - عند أهل السنة والجماعة - في العقليات ~~والشرعيات جميعا، ولو أفضى رأيه إلى شيء. # وهناك مجتهد آخر - أفقه منه - له رأي آخر، فأراد أن يعمل برأيه، من غير ~~النظر فيه، وترجح رأيه بكونه أفقه منه، هل يسعه ذلك؟ ذكر في كتاب الحدود، ~~أن عند أبي حنيفة يسعه ذلك، وعندهما لا يسعه إلا أن يعمل برأي نفسه، وذكر ~~في بعض الروايات هذا الاختلاف على العكس، فقال: على قول أبي حنيفة: لا ~~يسعه، وعلى قولهما: يسعه، وهذا يرجع إلى أن كون أحد المجتهدين أفقه، من غير ~~النظر في رأيه، هل يصلح مرجحا؟ من قال: يصلح مرجحا، قال: يسعه، ومن قال # PageV07P004 # لا يصلح، قال: يسعه. # (وجه) قول من لا يرى الترجيح بكونه أفقه، أن الترجيح يكون بالدليل، وكونه ~~أفقه ليس من جنس الدليل، فلا يقع به الترجيح، وهذا لا يصلح دليل الحكم ~~بنفسه. # (وجه) قول من يرى به الترجيح، أن هذا من جنس الدليل؛ لأن كونه أفقه، يدل ~~على أن اجتهاده إقرار إلى الصواب، فكان من جنس الدليل فيصلح للترجيح، إن لم ~~يصلح دليل الحكم بنفسه، وأبدا يكون الترجيح بما لا يصلح دليل الحكم بنفسه، ~~ولهذا قيل: في حده زيادة لا يسقط بها التعارض حقيقة؛ لما علم في أصول ~~الفقه، ولهذا ms3972 أوجب أبو حنيفة - رحمه الله - تقليد الصحابة الكرام - رضي ~~الله تعالى عنهم - ورجحه على القياس؛ لما أن قوله أقرب إلى إصابة الحق من ~~قول القائس كذا هذا، وإن أشكل عليه حكم الحادثة استعمل رأيه في ذلك وعمل ~~به، والأفضل أن يشاور أهل الفقه في ذلك، فإن اختلفوا في حكم الحادثة - نظر ~~في ذلك، فأخذ بما يؤدي إلى الحق ظاهرا، وإن اتفقوا على رأي يخالف رأيه - ~~عمل برأي نفسه أيضا؛ لأن المجتهد مأمور بالعمل بما يؤدي إليه اجتهاده، فحرم ~~عليه تقليد غيره، لكن لا ينبغي أن يعجل بالقضاء، ما لم يقض حق التأمل ~~والاجتهاد، وينكشف له وجه الحق، فإذا ظهر له الحق باجتهاده، قضى بما يؤدي ~~إليه اجتهاده، ولا يكونن خائفا في اجتهاده، بعد ما بذل مجهوده لإصابة الحق، ~~فلا يقولن: إني أرى، وإني أخاف؛ لأن الخوف والشك والظن، يمنع من إصابة ~~الحق، ويمنع من الاجتهاد، فينبغي أن يكون جريئا جسورا على الاجتهاد، بعد أن ~~لم يقصر في طلب الحق، حتى لو قضى مجازفا لم يصح قضاؤه، فيما بينه وبين الله ~~سبحانه وتعالى، وإن كان من أهل الاجتهاد، إلا أنه إذا كان لا يدري - يحمل ~~على أنه قضى برأيه، ويحكم بالصحة حملا لأمر المسلم على الصحة والسداد ما ~~أمكن، والله - سبحانه وتعالى - أعلم، هذا إذا كان القاضي من أهل الاجتهاد. # فأما إذا لم يكن من أهل الاجتهاد فإن عرف أقاويل أصحابنا، وحفظها على ~~الاختلاف والاتفاق - عمل بقول من يعتقد قوله حقا على التقليد، وإن لم يحفظ ~~أقاويلهم - عمل بفتوى أهل الفقه في بلده من أصحابنا، وإن لم يكن في البلد ~~إلا فقيه واحد؟ من أصحابنا من قال: يسعه أن يأخذ بقوله، ونرجو أن لا يكون ~~عليه شيء؛ لأنه إذا لم يكن من أهل الاجتهاد بنفسه، وليس هناك سواه من أهل ~~الفقه - مست الضرورة إلى الأخذ بقوله، قال الله تبارك وتعالى: {فاسألوا أهل ~~الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43] ولو قضى بمذهب خصمه، وهو يعلم ذلك لا ~~ينفذ قضاؤه؛ لأنه قضى بما ms3973 هو باطل عنده في اعتقاده، فلا ينفذ كما لو كان ~~مجتهدا، فترك رأي نفسه، وقضى برأي مجتهد يرى رأيه باطلا - فإنه لا ينفذ ~~قضاؤه؛ لأنه قضى بما هو باطل في اجتهاده كذا هذا. # ولو نسي القاضي مذهبه فقضى بشيء، على ظن أنه مذهب نفسه، ثم تبين أنه مذهب ~~خصمه؟ ذكر في شرح الطحاوي: أن له أن يبطله، ولم يذكر الخلاف؛ لأنه إذا لم ~~يكن مجتهدا - تبين أنه قضى بما لا يعتقده حقا، فتبين أنه وقع باطلا، كما لو ~~قضى وهو يعلم أن ذلك مذهب خصمه، وذكر في أدب القاضي: أنه يصح قضاؤه عند أبي ~~حنيفة، وعندهما لا يصح، لهما أن القاضي مقصر؛ لأنه يمكنه حفظ مذهب نفسه، ~~وإذا لم يحفظ فقد قصر، والمقصر غير معذور، ولأبي حنيفة: أن النسيان غالب - ~~خصوصا عند تزاحم الحوادث - فكان معذورا، هذا إذا لم يكن القاضي من أهل ~~الاجتهاد، فأما إذا كان من أهل الاجتهاد، ينبغي أن يصح قضاؤه في الحكم، ~~بالإجماع، ولا يكون لقاض آخر أن يبطله؛ لأنه لا يصدق على النسيان، بل يحمل ~~على أنه اجتهد، فأدى اجتهاده إلى مذهب خصمه فقضى به، فيكون قضاؤه باجتهاده ~~فيصح. # وإن قضى في حادثة - وهي محل الاجتهاد - برأيه، ثم رفعت إليه ثانيا فتحول ~~رأيه يعمل بالرأي الثاني، ولا يوجب هذا نقض الحكم بالرأي الأول؛ لأن القضاء ~~بالرأي الأول؛ قضاء مجمع على جوازه؛ لاتفاق أهل الاجتهاد على أن للقاضي أن ~~يقضي في محل الاجتهاد؛ وبما يؤدي إليه اجتهاده، فكان هذا قضاء متفقا على ~~صحته، ولا اتفاق على صحة هذا الرأي الثاني، فلا يجوز نقض المجمع عليه ~~بالمختلف، ولهذا لا يجوز لقاض آخر أن يبطل هذا الاجتهاد كذا هذا، وقد روي ~~عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قضى في حادثة، ثم قضى فيها بخلاف تلك ~~القضية، فسئل فقال: تلك كما قضينا وهذه كما نقضي، ولو رفعت إليه ثالثا، ~~فتحول رأيه إلى الأول يعمل به، ولا يبطل قضاؤه بالرأي الثاني، بالعمل ~~بالرأي الأول، كما لا يبطل قضاؤه الأول، ms3974 بالعمل بالرأي الثاني لما قلنا. # ولو أن فقيها قال لامرأته: أنت طالق ألبتة، ومن رأيه أنه بائن، فأمضى ~~رأيه فيما بينه وبين امرأته، وعزم على # PageV07P005 # أنها قد حرمت عليه، ثم تحول رأيه إلى أنها تطليقة واحدة، يملك الرجعة؛ ~~فإنه يعمل برأيه الأول في حق هذه المرأة، وتحرم عليه، وإنما يعمل برأيه ~~الثاني في المستقبل، في حقها وفي حق غيرها؛ لأن الأول رأي أمضاه بالاجتهاد، ~~وما أمضي بالاجتهاد؛ لا ينقض باجتهاد مثله، وكذلك لو كان رأيه أنها واحدة، ~~يملك الرجعة، فعزم على أنها منكوحة، ثم تحول رأيه إلى أنه بائن، فإنه يعمل ~~برأيه الأول، ولا تحرم عليه؛ لما قلنا. # ولو لم يكن عزم على الحرمة، في الفصل الأول حتى تحول رأيه إلى الحل، لا ~~تحرم عليه، وكذا في الفصل الثاني، لو لم يكن عزم على الحل، حتى تحول رأيه ~~إلى الحرمة، تحرم عليه؛ لأن نفس الاجتهاد محل النقض، ما لم يتصل به ~~الإمضاء، واتصال الإمضاء بمنزلة اتصال القضاء، واتصال القضاء يمنع من ~~النقض، فكذا اتصال الإمضاء. # وكذلك الرجل إذا لم يكن فقيها، فاستفتى: فقيها فأفتاه بحلال أو حرام، ولو ~~لم يكن عزم على ذلك، حتى أفتاه فقيه آخر بخلافه، فأخذ بقوله وأمضاه في ~~منكوحته، لم يجز له أن يترك ما أمضاه فيه، ويرجع إلى ما أفتاه به الأول؛ ~~لأن العمل بما أمضى واجب، لا يجوز نقضه مجتهدا كان أو مقلدا؛ لأن المقلد ~~متعبد بالتقليد، كما أن المجتهد متعبد بالاجتهاد، ثم لم يجز للمجتهد نقض ما ~~أمضاه، فكذا لا يجوز ذلك للمقلد. # ثم ما ذكرنا من نفاذ قضاء القاضي في محل الاجتهاد، بما يؤدي إليه ~~اجتهاده؛ إذا لم يكن المقضي عليه، والمقضي له من أهل الرأي والاجتهاد، أو ~~كانا من أهل الرأي والاجتهاد، ولكن لم يخالف رأيهما رأي القاضي، فأما إذا ~~كانا من أهل الاجتهاد، وخالف رأيهما رأي القاضي، فجملة الكلام فيه: أن قضاء ~~القاضي ينفذ على المقضي عليه في محل الاجتهاد، سواء كان المقضي عليه، عاميا ~~مقلدا أو فقيها مجتهدا، يخالف ms3975 رأيه رأي القاضي بلا خلاف، أما إذا كان مقلدا ~~فظاهر؛ لأن العامي يلزمه تقليد المفتي، فتقليد القاضي أولى، وكذا إذا كان ~~مجتهدا؛ لأن القضاء في محل الاجتهاد، بما يؤدي إليه اجتهاد القاضي، قضاء ~~مجمع على صحته على ما مر، ولا معنى للصحة إلا النفاذ على المقضي عليه، ~~وصورة المسألة إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ألبتة ورأى الزوج أنه ~~واحدة، يملك الرجعة ورأى القاضي أنه بائن، فرافعته المرأة إلى القاضي، فقضى ~~بالبينونة ينفذ قضاؤه بالاتفاق؛ لما قلنا # وأما قضاؤه للمقضي له بما يخالف رأيه، هل ينفذ؟ قال أبو يوسف: لا ينفذ، ~~وقال محمد: ينفذ، وصورة المسألة: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ألبتة، ~~ورأى الزوج أنه بائن، ورأى القاضي أنه واحدة، يملك الرجعة، فرافعته إلى ~~القاضي؛ فقضى بتطليقة واحدة يملك الرجعة؛ لا يحل له المقام معها عند أبي ~~يوسف، وعند محمد يحل له. # (وجه) قول محمد ما ذكرنا: أن هذا قضاء وقع الاتفاق على جوازه، لوقوعه في ~~فصل مجتهد فيه، فينفذ على المقضي عليه والمقضي له؛ لأن القضاء له تعلق بهما ~~جميعا، ألا ترى أنه لا يصح إلا بمطالبة المقضي له، ولأبي يوسف: أن صحة ~~القضاء إنفاذه في محل الاجتهاد، يظهر أثره في حق المقضي عليه، لا في حق ~~المقضي له؛ لأن المقضي عليه مجبور في القضاء عليه. # فأما المقضي له فمختار في القضاء له، فلو اتبع رأي القاضي، إنما يتبعه ~~تقليدا، وكونه مجتهدا يمنع من التقليد، فيجب العمل برأي نفسه، وعلى هذا كل ~~تحليل أو تحريم، أو إعتاق أو أخذ مال؛ إذا قضى القاضي بما يخالف رأي المقضي ~~عليه أو له، فهو على ما ذكرنا من الاتفاق والاختلاف، وكذلك المقلد إذا ~~أفتاه إنسان في حادثة، ثم رفعت إلى القاضي، فقضى بخلاف رأي المفتي، فإنه ~~يأخذ بقضاء القاضي، ويترك رأي المفتي؛ لأن رأي المفتي يصير متروكا بقضاء ~~القاضي، فما ظنك بالمقلد؟ ولم يذكر القدوري - رحمه الله - الخلاف في هذا ~~الفصل، وذكره شيخنا - رحمه الله - وسننظر فيه فيما يأتي إن شاء ms3976 الله تعالى، ~~وعلى هذا يخرج القضاء بالبينة؛ لأن البينة العادلة مظهرة للمدعي، فكان ~~القضاء بالنكول قضاء بالحق، وعلى هذا يخرج القضاء بالإقرار؛ لأن الإنسان لا ~~يقر على نفسه كاذبا، هذا هو، الظاهر، فكان القضاء به قضاء بالحق، وكذا ~~القضاء بالنكول عندنا، فيما يقضى فيه بالنكول؛ لأن النكول على أصل أصحابنا ~~بذل، أو إقرار، وكل ذلك دليل صدق المدعي في دعواه؛ لما علم، فكان القضاء ~~بالنكول قضاء بالحق. # وعلى هذا يخرج قضاء القاضي بعلم نفسه، في الجملة، فنقول: تفصيل الكلام ~~فيه أنه لا يخلو إما أن قضى بعلم استفاده في زمن القضاء ومكانه، وهو الموضع ~~الذي قلد قضاءه، وإما أن قضى بعلم استفاده قبل زمان القضاء، وفي غير مكانه، ~~وإما أن قضى بعلم استفاده بعد زمان القضاء، في غير مكانه، فإن قضى بعلم ~~استفاده في زمن القضاء، وفي مكانه، بأن سمع رجلا أقر لرجل بمال، أو سمعه ~~يطلق امرأته، أو يعتق عبده، أو يقذف # PageV07P006 # رجلا، أو رآه يقتل إنسانا، وهو قاض في البلد الذي قلد قضاءها، جاز قضاؤه ~~عندنا، ولا يجوز قضاؤه به في الحدود الخالصة، بلا خلاف بين أصحابنا، إلا أن ~~في السرقة يقضي بالمال لا بالقطع، وللشافعي فيه قولان، في قول: لا يجوز له ~~أن يقضي به في الكل، وفي قول: يجوز في الكل. # (وجه) قوله الأول، أن القاضي مأمور بالقضاء بالبينة، ولو جاز له القضاء ~~بعلمه، لم يبق مأمورا بالقضاء بالبينة، وهذا المعنى لا يفصل بين الحدود ~~وغيرها. # (وجه) قوله الثاني، أن المقصود من البينة العلم بحكم الحادثة، وقد علم، ~~وهذا لا يوجب الفصل بين الحدود وغيرها؛ لأن علمه لا يختلف. # (ولنا) أنه جاز له القضاء بالبينة، فيجوز القضاء بعلمه بطريق الأولى؛ ~~وهذا لأن المقصود من البينة ليس عينها، بل حصول العلم بحكم الحادثة، وعلمه ~~الحاصل بالمعاينة، أقوى من علمه الحاصل بالشهادة؛ لأن الحاصل بالشهادة علم ~~غالب الرأي وأكثر الظن، والحاصل بالحس والمشاهدة علم القطع واليقين، فكان ~~هذا أقوى، فكان القضاء به أولى، إلا أنه لا يقضي به ms3977 في الحدود الخالصة؛ لأن ~~الحدود يحتاط في درئها، وليس من الاحتياط فيها الاكتفاء بعلم نفسه؛ ولأن ~~الحجة في وضع الشيء، هي البينة التي تتكلم بها، ومعنى البينة وإن وجد، فقد ~~فاتت صورتها، وفوات الصورة يورث شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات، بخلاف القصاص ~~فإنه حق العبد، وحقوق العباد لا يحتاط في إسقاطها، وكذا حد القذف؛ لأن فيه ~~حق العبد، وكلاهما لا يسقطان بشبهة فوات الصورة، هذا إذا قضى بعلم استفاده ~~في زمن القضاء ومكانه، فأما إذا قضى بعلم، استفاده في غير زمن القضاء ~~ومكانه، أو في زمان القضاء في غير مكانه، وذلك قبل أن يصل إلى البلد، الذي ~~ولي قضاءه، فإنه لا يجوز عند أبي حنيفة أصلا، وعندهما يجوز فيما سوى الحدود ~~الخالصة، فأما في الحدود الخالصة فلا يجوز. # وجه قولهما أنه لما جاز له أن يقضي بالعلم المستفاد في زمن القضاء، جاز ~~له أن يقضي بالعلم المستفاد قبل زمن القضاء؛ لأن العلم في الحالين على حد ~~واحد، إلا أن ههنا استدام العلم، الذي كان له قبل القضاء، بتجدد أمثاله، ~~وهناك حدث له علم لم يكن، وهما سواء في المعنى، إلا أنه لم يقض به في ~~الحدود الخالصة؛ لتمكن الشبهة فيه باعتبار التهمة، والشبهة تؤثر في الحدود ~~الخالصة، ولا تؤثر في حقوق العباد على ما مر، ولأبي حنيفة الفرق بين ~~العلمين، وهو أن العلم الحادث له في زمن القضاء علم في وقت هو مكلف فيه ~~بالقضاء، فأشبه البينة القائمة فيه، والعلم الحاصل في غير زمان القضاء علم ~~في وقت هو غير مكلف فيه بالقضاء، فأشبه البينة القائمة فيه؛ وهذا لأن الأصل ~~في صحة القضاء هو البينة، إلا أن غيرها قد يلحق بها؛ إذا كان في معناها، ~~والعلم الحادث في زمان القضاء - في معنى البينة - يكون حادثا في وقت هو ~~مكلف بالقضاء، فكان في معنى البينة، والحاصل قبل زمان القضاء، أو قبل ~~الوصول إلى مكانه، حاصل في وقت هو غير مكلف بالقضاء، فلم يكن في معنى ~~البينة، فلم يجز القضاء به، فهو الفرق ms3978 بين العلمين. # وعلى هذا يخرج القضاء بكتاب القاضي، فنقول: لقبول الكتاب من القاضي ~~شرائط، منها: البينة على أنه كتابه، فتشهد الشهود على أن هذا كتاب فلان ~~القاضي، ويذكروا اسمه ونسبه؛ لأنه لا يعرف أنه كتابه بدونه، ومنها: أن يكون ~~الكتاب مختوما، ويشهدوا على أن هذا ختمه؛ لصيانته عن الخلل فيه، ومنها: أن ~~يشهدوا بما في الكتاب، بأن يقولوا: إنه قرأه عليهم مع الشهادة بالختم، وهذا ~~قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وقال أبو يوسف - رحمه الله -: إذا ~~شهدوا بالكتاب والخاتم تقبل، وإن لم يشهدوا بما في الكتاب، وكذا إذا شهدوا ~~بالكتاب وبما في جوفه تقبل، وإن لم يشهدوا بالخاتم، بأن قالوا: لم يشهدنا ~~على الخاتم، أو لم يكن الكتاب مختوما أصلا، لأبي يوسف: أن المقصود من هذه ~~الشهادة حصول العلم للقاضي المكتوب إليه، بأن هذا كتاب فلان القاضي، وهذا ~~يحصل بما ذكرنا. # ولهما أن العلم بأنه كتاب فلان، لا يحصل إلا بالعلم بما فيه، ولا بد من ~~الشهادة بما فيه؛ لتكون شهادتهم على علم بالمشهود به، ومنها أن يكون بين ~~القاضي المكتوب إليه، وبين القاضي الكاتب مسيرة سفر، فإن كان دونه لم تقبل؛ ~~لأن القضاء بكتاب القاضي أمر جوز # لحاجة # الناس بطريق الرخصة؛ لأنه قضاء بالشهادة القائمة على غائب، من غير أن ~~يكون عند خصم حاضر، لكن جوز للضرورة، ولا ضرورة فيما دون مسيرة السفر، ~~ومنها أن يكون في الدين والعين - التي لا حاجة إلى الإشارة إليها عند ~~الدعوى - والشهادة، كالدور والعقار. # وأما في الأعيان التي تقع الحاجة إلى الإشارة إليها، كالمنقول من الحيوان ~~والعروض، لا تقبل، عند أبي حنيفة، ومحمد - رحمهما الله - # PageV07P007 # وهو قول أبي يوسف الأول - رحمه الله - ثم رجع وقال: تقبل في العبد خاصة ~~إذا أبق، وأخذ في بلد، فأقام صاحبه البينة عند قاضي بلده أن عبده أخذه فلان ~~في بلد كذا، فشهد الشهود على الملك، أو على صفة العبد وحليته، فإنه يكتب ~~إلى قاضي البلد الذي العبد فيه، أنه قد شهد الشهود عندي، أن عبدا صفته ms3979 ~~وحليته كذا وكذا ملك فلان، أخذه فلان بن فلان. # ينسب كل واحد منهما إلى أبيه وإلى جده، على رسم كتاب القاضي إلى القاضي، ~~وإذا وصل إلى القاضي المكتوب إليه، وعلم أنه كتابه بشهادة الشهود، يسلم ~~العبد إليه، ويختم في عنقه، ويأخذ منه كفيلا، ثم يبعث به إلى القاضي ~~الكاتب، حتى يشهد الشهود عليه عنده بعينه على الإشارة إليه، ثم يكتب القاضي ~~الكاتب له، كتابا آخر إلى ذلك القاضي المكتوب إليه أول مرة، فإذا علم أنه ~~كتابه قبله وقضى، وسلم العبد إلى الذي جاء بالكتاب، وأبرأ كفيله، ولا يقبل ~~في الجارية بالإجماع. # وجه قول أبي يوسف - رحمه الله - أن الحاجة إلى قبول كتاب القاضي في العبد ~~متحققة؛ لعموم البلوى به، فلو لم يقبل؛ لضاق الأمر على الناس؛ ولضاعت ~~أموالهم، ولا حاجة إليه في الأمة؛ لأنها لا تهرب عادة لعجزها، وضعف بنيتها ~~وقلبها، ولهما أن الشهادة لا تقبل إلا على معلوم؛ للآية الكريمة {إلا من ~~شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86] والمنقول لا يصير معلوما إلا بالإشارة ~~إليه، والإشارة إلى الغائب محال، فلم تصح شهادة الشهود، ولا دعوى المدعي؛ ~~لجهالة المدعي فلا يقبل الكتاب فيه، ولهذا لم يقبل في الجارية، وفي سائر ~~المنقولات بخلاف العقار؛ لأنه يصير معلوما بالتحديد وبخلاف الدين؛ لأن ~~الدين يصير معلوما بالوصف، وهذا الذي ذكرنا مذهب أصحابنا - رضي الله عنهم - ~~وقال ابن أبي ليلى - رحمه الله -: يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الكل، ~~وقضاة زماننا يعملون بمذهبه؛ لحاجة الناس، وينبغي للقاضي المرسل إليه، أن ~~لا يفك الكتاب إلا بمحضر من الخصم؛ ليكون أبعد من التهمة، ومنها: أن لا ~~يكون في الحدود والقصاص؛ لأن كتاب القاضي إلى القاضي، بمنزلة الشهادة على ~~الشهادة، وأنه لا تقبل فيهما، كذا هذا. # ومنها: أن يكون اسم المكتوب له وعليه، واسم أبيه وجده وفخذه مكتوبا في ~~الكتاب، حتى لو نسبه إلى أبيه ولم يذكر اسم جده، أو نسبه إلى قبيلة، كبني ~~تميم ونحوه لا يقبل؛ لأن التعريف لا يحصل به، إلا وأن يكون شيئا ظاهرا ms3980 ~~مشهورا، أشهر من القبيلة فيقبل؛ لحصول التعريف، ومنها: ذكر الحدود في الدور ~~والعقار؛ لأن التعريف في المحدود لا يصح إلا بذكر الحد، ولو ذكر في الكتاب ~~ثلاثة حدود، يقبل عند أصحابنا الثلاثة. # وعند زفر - رحمه الله - لا يقبل ما لم يشهدوا على الحدود الأربعة، ولو ~~شهدوا على حدين لا تقبل بالإجماع، وإذا كانت الدار مشهورة كدار الأمير ~~وغيره، لا تقبل عند أبي حنيفة - عليه الرحمة - وعندهما تقبل وهذه من مسائل ~~الشروط، ومنها: أن يكون القاضي الكاتب على قضائه، عند وصول كتابه إلى ~~القاضي المكتوب إليه، حتى لو مات أو عزل قبل الوصول إليه لم يعمل به، ولو ~~مات بعد وصول الكتاب إليه جاز له أن يقضي به، ومنها: أن يكون القاضي ~~المكتوب إليه على قضائه، حتى لو مات أو عزل قبل وصول الكتاب إليه، ثم وصل ~~إلى القاضي الذي ولي مكانه، لم يعمل به؛ لأنه لم يكتب إليه، والله تعالى ~~أعلم، ومنها: أن يكون القاضي الكاتب من أهل العدل. # فإن كان من أهل البغي، لم يعمل به قاضي أهل العدل، بل يرده كبتا وغيظا ~~لهم، ومنها: أن يكون لله سبحانه وتعالى خالصا؛ لأن القضاء عبادة، والعبادة ~~إخلاص العمل بكليته لله عز وجل، فلا يجوز قضاؤه لنفسه، ولا لمن لا تقبل ~~شهادته له؛ لأن القضاء له قضاء لنفسه من وجه، فلم يخلص لله سبحانه وتعالى، ~~وكذا إذا قضى في حادثة برشوة، لا ينفذ قضاؤه في تلك الحادثة، وإن قضى بالحق ~~الثابت عند الله جلا وعلا من حكم الحادثة؛ لأنه إذا أخذ على القضاء رشوة؛ ~~فقد قضى لنفسه لا لله عز اسمه، فلم يصح. # (وأما) الذي يرجع إلى المقضي له فأنواع، منها: أن يكون ممن تقبل شهادته ~~للقاضي، فإن كان ممن لا تقبل شهادته له لا يجوز قضاء القاضي له؛ لما قلنا ~~والله تعالى الموفق ومنها: أن يكون حاضرا وقت القضاء، فإن كان غائبا لم يجز ~~القضاء له، إلا إذا كان عنه خصم حاضر؛ لأن القضاء على الغائب كما لا يجوز، ~~فالقضاء ms3981 للغائب أيضا لا يجوز، ومنها: طلب القضاء من القاضي في حقوق العباد؛ ~~لأن القضاء وسيلة إلى حقه، فكان حقه وحق الإنسان لا يستوفى إلا بطلبه. # (وأما) الذي يرجع إلى المقضي عليه فحضرته حتى لا يجوز القضاء على الغائب، ~~إذا لم يكن عنه خصم حاضر، وهذا عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - ليس # PageV07P008 # بشرط، والمسألة ذكرت في كتاب الدعوى، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في بيان آداب القضاء] # (فصل) : # وأما آداب القضاء فكثيرة، والأصل فيها كتاب سيدنا عمر - رضي الله عنه - ~~إلى أبي موسى الأشعري، - رحمه الله - سماه محمد - رحمه الله - كتاب ~~السياسة، وفيه: أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا ~~أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، آس بين الناس في وجهك ومجلسك ~~وعدلك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك - وفي رواية: ولا ~~يخاف ضعيف جورك - البينة على المدعي واليمين على من أنكر، الصلح جائز بين ~~المسلمين؛ إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس ~~راجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك أن تراجع الحق، فإن الحق قديم لا يبطل، ~~ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما يختلج في صدرك، ~~مما لم يبلغك في القرآن العظيم والسنة، ثم اعرف الأمثال والأشباه، وقس ~~الأمور عند ذلك، فاعمد إلى أحبها، وأقربها إلى الله تبارك وت عالى، وأشبهها ~~بالحق، اجعل للمدعي أمدا ينتهي إليه، فإذا أحضر بينة أخذ بحقه، وإلا وجب ~~القضاء عليه - وفي رواية: وإن عجز عنها استحللت عليه القضاء - فإن ذلك أبلغ ~~في العذر وأجلى للعمى، المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا محدودا في قذف، أو ~~ظنينا في ولاء أو قرابة، أو مجربا عليه شهادة زور، فإن الله تعالى تولى ~~منكم السر - وفي رواية السرائر - ودرأ عنكم بالبينات، إياك والغضب والقلق، ~~والضجر والتأذي بالناس؛ للخصوم في مواطن الحق، الذي يوجب الله سبحانه ~~وتعالى به الأجر، ويحسن به الذخر، وأن من يخلص نيته فيما بينه وبين ms3982 الله ~~تعالى - ولو على نفسه في الحق - يكفه الله تعالى فيما بينه وبين الناس، ومن ~~يتزين للناس بما يعلم الله منه خلافه؛ شانه الله عز وجل، فإنه سبحانه ~~وتعالى لا يقبل من العبادة إلا ما كان خالصا، فما ظنك بثواب عن الله سبحانه ~~وتعالى، من عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام. # ومنها: أن يكون القاضي فهما عند الخصومة، فيجعل فهمه وسمعه وقلبه إلى ~~كلام الخصمين؛ لقول سيدنا عمر - رضي الله عنه - في كتاب السياسة: فافهم إذا ~~أولي إليك؛ ولأن من الجائز أن يكون الحق مع أحد الخصمين، فإذا لم يفهم ~~القاضي كلامهما؛ يضيع الحق، وذلك قوله - رضي الله عنه -: فإنه لا ينفع تكلم ~~بحق لا نفاذ له، ومنها: أن لا يكون قلقا وقت القضاء؛ لقول سيدنا عمر - رضي ~~الله عنه -: إياك والقلق. # وهذا ندب إلى السكون والتثبيت، ومنها: أن لا يكون ضجرا عند القضاء؛ إذا ~~اجتمع عليه الأمور فضاق صدره؛ لقوله - رضي الله عنه -: إياك والضجر ومنها ~~أن لا يكون غضبان وقت القضاء؛ لقول سيدنا عمر - رضي الله عنه -: إياك ~~والغضب وقال - صلى الله عليه وسلم - «لا يقضي القاضي وهو غضبان» ؛ ولأنه ~~يدهشه عن التأمل، ومنها: أن لا يكون جائعا ولا عطشان ولا ممتلئا؛ لأن هذه ~~العوارض من القلق، والضجر والغضب، والجوع والعطش والامتلاء، مما يشغله عن ~~الحق، ومنها: أن لا يقضي وهو يمشي على الأرض، أو يسير على الدابة؛ لأن ~~المشي والسير يشغلانه عن النظر والتأمل في كلام الخصمين، ولا بأس بأن يقضي ~~وهو متكئ؛ لأن الاتكاء لا يقدح في التأمل والنظر. # ومنها: أن يسوي بين الخصمين في الجلوس، فيجلسهما بين يديه لا عن يمينه ~~ولا عن يساره؛ لأنه لو فعل ذلك؛ فقد قرب أحدهما في مجلسه، وكذا لا يجلس ~~أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره؛ لأن لليمين فضلا على اليسار، وقد روي أن ~~عمر وأبي بن كعب - رضي الله عنهما - اختصما في حادثة إلى زيد بن ثابت، ~~فألقى لسيدنا عمر - رضي الله عنه - وسادة، فقال سيدنا عمر - رضي الله ms3983 عنه ~~-: هذا أول جورك، وجلس بين يديه # ومنها: أن يسوي بينهما في النظر، والنطق والخلوة، فلا ينطلق بوجهه إلى ~~أحدهما، ولا يسار أحدهما، ولا يومئ إلى أحدهما بشيء دون خصمه، ولا يرفع ~~صوته على أحدهما ولا يكلم أحدهما بلسان لا يعرفه الآخر، ولا يخلو بأحد في ~~منزله، ولا يضيف أحدهما، فيعدل بين الخصمين في هذا كله؛ لما في ترك العدل ~~فيه من كسر قلب الآخر، ويتهم القاضي به أيضا. # ومنها: أن لا يقبل الهدية من أحدهما، إلا إذا كان لا يلحقه به تهمة. # وجملة الكلام فيه: أن المهدي لا يخلو إما أن يكون رجلا كان يهدي إليه قبل ~~تقليد القضاء، وإما أن كان لا يهدي إليه، فإن كان لا يهدي إليه، فإما إن ~~كان قريبا له أو أجنبيا، فإن كان قريبا له ينظر إن كان له خصومة في الحال، ~~فإنه لا يقبل؛ لأنه يلحقه التهمة، وإن كان لا خصومة له في الحال يقبل؛ لأنه ~~لا تهمة فيه، وإن كان أجنبيا # PageV07P009 # لا يقبل، سواء كان له خصومة في الحال، أو لا؛ لأنه إن كان له خصومة في ~~الحال، كان بمعنى الرشوة، وإن لم يكن؛ فربما يكون له خصومة في الحال يأتي ~~بعد ذلك، فلا يقبل ولو قبل يكون لبيت المال، هذا إذا كان الرجل لا يهدي ~~إليه قبل تقليد القضاء، فأما إذا كان يهدي إليه، فإن كان له في الحال خصومة ~~لا تقبل؛ لأنه يتهم فيه. # وإن كان لا خصومة له في الحال، ينظر إن كان أهدى مثل ما كان يهدي أو أقل ~~يقبل؛ لأنه لا تهمة فيه، وإن كان أكثر من ذلك يرد الزيادة عليه، وإن قبل ~~كان لبيت المال، وإن لم يقبل للحال حتى انقضت الخصومة ثم قبلها، لا بأس به، ~~ومنها: أن لا يجيب الدعوة الخاصة، بأن كانوا خمسة أو عشرة؛ لأنه لا يخلو من ~~التهمة، إلا إذا كان صاحب الدعوة ممن كان يتخذ له الدعوة قبل القضاء، أو ~~كان بينه وبين القاضي قرابة، فلا بأس بأن يحضر ms3984 إذا لم يكن له خصومة؛ ~~لانعدام التهمة، فإن عرف القاضي له خصومة لم يحضرها. # وأما الدعوة العامة: فإن كانت بدعة، كدعوة المباراة ونحوها؛ لا يحل له أن ~~يحضرها لأنه لا يحل لغير القاضي إجابتها فالقاضي أولى، وإن كانت سنة كوليمة ~~العرس والختان، فإنه يجيبها؛ لأنه إجابة السنة، ولا تهمة فيه. # ومنها: أن لا يلقن أحد الخصمين حجته؛ لأن فيه مكسرة قلب الآخر؛ ولأن فيه ~~إعانة أحد الخصمين، فيوجب التهمة، غير أنه إن تكلم أحدهما، أسكت الآخر؛ ~~ليفهم كلامه ومنها: أن لا يلقن الشاهد، بل يتركه يشهد بما عنده، فإن أوجب ~~الشرع قبوله قبله، وإلا رده، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف ~~الأول، ثم رجع وقال: لا بأس بتلقين الشاهد بأن يقول: أتشهد بكذا وكذا وجه ~~قوله أن من الجائز أن الشاهد يلحقه الحصر؛ لمهابة مجلس القضاء، فيعجزه عن ~~إقامة الحجة، فكان التلقين تقويما لحجة ثابتة فلا بأس به، ولهما أن القاضي ~~يتهم بتلقين الشاهد فيتحرج عنه ومنها: أن لا يعبث بالشهود؛ لأن ذلك يشوش ~~عليهم عقولهم فلا يمكنهم أداء الشهادة على وجهها، وإذا اتهم الشهود فلا بأس ~~بأن يفرقهم عند أداء الشهادة، فيسألهم أين كان ومتى كان؟ فإن اختلفوا ~~اختلافا يوجب رد الشهادة؛ ردها وإلا فلا، ويشهد القاضي الجنازة؛ لأن ذلك حق ~~الميت على المسلمين، فلم يكن متهما في أداء سنة فيحضرها، إلا إذا اجتمعت ~~الجنائز على وجه: لو حضرها كلها لشغله ذلك عن أمور المسلمين فلا بأس أن لا ~~يشهد؛ لأن القضاء فرض عين، وصلاة الجنازة فرض كفاية، فكان إقامة فرض العين ~~عند تعذر الجمع بينهما أولى. # ويعود المريض أيضا؛ لأن ذلك حق المسلمين على المسلمين، فلا يلحقه التهمة ~~بإقامته ويسلم على الخصوم إذا دخلوا المحكمة؛ لأن السلام من سنة الإسلام - ~~وكان شريح يسلم على الخصوم - لكن لا يخص أحد الخصمين بالتسليم عليه دون ~~الآخر، وهذا قبل جلوسه في مجلس الحكم، فأما إذا جلس لا يسلم عليهم، ولا هم ~~يسلمون عليه، أما هو فلا يسلم عليهم؛ ms3985 لأن السنة أن يسلم القائم على القاعد، ~~لا القاعد على القائم، وهو قاعد وهم قيام. # وأما هم فلا يسلمون عليه؛ لأنهم لو سلموا عليه لا يلزمه الرد؛ لأنه اشتغل ~~بأمر هو أهم وأعظم من رد السلام، فلا يلزمه الاشتغال كذا ذكر الفقيه أبو ~~جعفر الهندواني في رجل يقرأ القرآن، فدخل عليه آخر: أنه لا ينبغي له أن ~~يسلم عليه، ولو سلم عليه لا يلزمه الجواب، وكذا المدرس إذا جلس للتدريس لا ~~ينبغي لأحد أن يسلم عليه، ولو سلم لا يلزمه الرد؛ لما قلنا، بخلاف الأمير ~~إذا جلس فدخل عليه الناس، إنهم يسلمون عليه وهو السنة، وإن كان سلاطين ~~زماننا يكرهون التسليم عليهم وهو خطأ منهم؛ لأنهم جلسوا للزيارة، ومن سنة ~~الزائر التسليم على من دخل عليه. # وأما القاضي فإنما جلس للعبادة لا للزيارة، فلا يسن التسليم عليه، ولا ~~يلزمه الجواب إن سلموا، لكن لو أجاب جاز. # ومنها: أن يسأل القاضي عن حال الشهود، فيما سوى الحدود والقصاص، وإن لم ~~يطعن الخصم، وهو من آداب القاضي عند أبي حنيفة - رحمه الله -؛ لأن القضاء ~~بظاهر العدالة، وإن كان جائزا عنده فلا شك أن القضاء بالعدالة الحقيقية ~~أفضل. # وأما عندهما فهو من واجبات القضاء، وكذا إذا طعن الخصم عنده في غير ~~الحدود والقصاص، وفي الحدود والقصاص طعن أو لم يطعن، ثم القضاة من السلف ~~كانوا يسألون بأنفسهم عن حال الشهود من أهل محلتهم، وأهل سوقهم، وإن كان ~~الشاهد سوقيا ممن هو أتقى الناس، وأورعهم، وأعظمهم أمانة، وأعرفهم بأحوال ~~الناس ظاهرا أو باطنا، والقضاة في زماننا نصبوا للعدل، تيسيرا للأمر عليهم؛ ~~لما يتعذر على القاضي طلب المعدل في كل شاهد، فاستحسنوا نصب العدل. # ثم نقول: للتعديل شرائط: بعضها يرجع إلى نفس العدل، وبعضها يرجع إلى فعل # PageV07P010 # التعديل. # أما الأول فأنواع: منها العقل، ومنها البلوغ؛ ومنها الإسلام، فلا يجوز ~~تعديل المجنون والصبي والكافر؛ لأن التزكية كانت تجري مجرى الشهادة، فهؤلاء ~~ليسوا من أهل الشهادة، فلا يكونون من أهل التزكية، وإن كانت من باب الإخبار ~~عن ms3986 الديانات فخبرهم في الديانات غير مقبول؛ لأنه لا بد فيه من العدالة، ولا ~~عدالة لهؤلاء، ومنها العدالة؛ لأن من لا يكون عدلا في نفسه كيف يعدل غيره؟ ~~وأما العدد فليس بشرط الجواز عند أبي حنيفة وأبي يوسف لكنه شرط الفضيلة ~~والكمال، وعند محمد شرط الجواز. # وجه قوله أن التزكية في معنى الشهادة؛ لأنه خبر عن أمر غاب عن علم ~~القاضي، وهذا معنى الشهادة، فيشترط لها نصاب الشهادة، ولهما أن التزكية ~~ليست بشهادة، بدليل أنه لا يشترط فيه لفظ الشهادة، فلا يلزم فيها العدد، ~~على أن شرط العدد في الشهادات ثبت نصا غير معقول المعنى فيما يشترط فيه لفظ ~~الشهادة، فلا يلزم مراعاة العدد فيما وراءه، وعلى هذا الخلاف: العدد في ~~الترجمان، وحامل المنشور، أنه ليس بشرط عندهما، وعنده شرط، وعلى هذا ~~الخلاف: حرية المعدل، وبصره، وسلامته عن حد القذف، أنه ليس بشرط عندهما، ~~فتصح تزكية الأعمى، والعبد، والمحدود في القذف، وعند محمد شرط، فلا تصح ~~تزكيتهم؛ لأن التزكية شهادة عنده، فيشترط له ما يشترط لسائر الشهادات، ~~وعندهما ليست بشهادة، فلا يراعى فيها شرائط الشهادة؛ لما قلنا. # وأما الذكورة فليست بشرط لجواز التزكية، فتجوز تزكية المرأة إذا كانت ~~امرأة تخرج لحوائجها، وتخالط الناس فتعرف أحوالهم، وهذا ظاهر الرواية على ~~أصلها؛ لأن هذا من باب الإخبار عن الديانات، وهي من أهله. # وأما عند محمد فتقبل تزكيتها فيما تقبل شهادتها، فتصح تزكيتها فيما يقبل ~~فيه شهادة رجل وامرأتين، وتجوز تزكية الولد للوالد، والوالد للولد، وكل ذي ~~رحم محرم منه؛ لأنه لا حق للعدل في التعديل، إنما هو حق المدعي فلا يوجب ~~تهمة فيه، وهذا يشكل على أصل محمد؛ لأنه يجري التعديل مجرى الشهادة، وشهادة ~~الوالد لولده وعكسه لا تقبل، ومنها أن لا يكون المزكى مشهودا عليه، فإن كان ~~لم تعتبر تزكيته، ويجب السؤال، وهذا تفريع على مذهب أبي يوسف ومحمد، فيما ~~سوى الحدود والقصاص، بناء على أن المسألة ما وجبت حقا للمشهود عليه عندهما، ~~وإنما وجبت حقا للشرع. # وحق الشرع لا يتأدى بتعديله؛ ms3987 لأن في زعم المدعي والشهود أنه كاذب في ~~إنكاره، فلا يصح تعديله، وعند أبي حنيفة السؤال فيما سوى الحدود والقصاص حق ~~المشهود عليه، وحق الإنسان لا يطلب إلا بطلبه، فما لم يطعن لا يتحقق الطلب، ~~فلا تجب المسألة وذكر في كتاب التزكية أن المشهود عليه إذا قال للشاهد: هو ~~عدل لا يكتفى به ما لم ينضم إليه آخر، على قول محمد، فصار عن محمد روايتان: ~~في رواية: لا تعتبر أصلا وفي رواية: يقبل تعديله إذا انضم إليه غيره. # وأما الثاني الذي يرجع إلى فعل التعديل - فهو أن يقول المعدل في التعديل: ~~هو عدل جائز الشهادة، حتى لو قال: هو عدل، ولم يقل: جائز الشهادة لا يقبل ~~تعديله؛ لجواز أن يكون الإنسان عدلا في نفسه، ولا تجوز شهادته، كالمحدود في ~~القذف إذا تاب وصلح، والعبد الصالح، وكذلك إذا قال في الرد: هو ليس بعدل لا ~~يرد ما لم يقل: هو غير جائز الشهادة؛ لأن غير العدل - وهو الفاسق - تجوز ~~شهادته إذا تحرى القاضي الصدق في شهادته، ولو قضى به القاضي ينفذ، ومنها أن ~~يسأل المعدل في السر أولا، فإن وجده عدلا يعدله في العلانية أيضا، ويجمع ~~بين المزكى والشهود، وبين المدعي، والمدعى عليه، في تعديل العلانية، وإن لم ~~يجده عدلا يقول للمدعي: زد في شهودك ولا يكشف عن حال المجروح سترا على ~~المسلم، ولا يكتفي بتعديل السر خوفا من الاحتيال والتزوير، بأن يسمي غير ~~العدل باسم العدل، فكان الأدب هو التزكية في العلانية، بعد التزكية في ~~السر. # ولو اختلف المعدلان فعدله أحدهما، وجرحه الآخر، سأل القاضي غيرهما فإن ~~عدله آخر أخذ بالتزكية، وإن جرحه آخر أخذ بالجرح؛ لأن خبر الاثنين أولى من ~~خبر الواحد بالقبول؛ لأنه حجة مطلقة، وإن انضم إلى كل واحد منهما رجل آخر ~~فعدله اثنان وجرحه اثنان عمل بالجرح؛ لأن الجارح يعتمد حقيقة الحال، ~~والمعدل يبني الأمر على الظاهر؛ لأن الظاهر من حال الإنسان أن يظهر الصلاح، ~~ويكتم الفسق، فكان قبول قول الجارح أولى كذلك لو جرحه اثنان ms3988 وعدله ثلاثة، ~~أو أربعة، أو أكثر يعمل بقول الجارح؛ لأن الترجيح لا يقع بكثرة العدد في ~~باب الشهادة. # ومنها أن يجلس معه جماعة من أهل الفقه، يشاورهم ويستعين برأيهم فيما ~~يجهله # PageV07P011 # من الأحكام، وقد ندب الله - سبحانه - رسوله - عليه الصلاة والسلام - إلى ~~المشاورة بقوله {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] مع انفتاح باب الوحي، ~~فغيره أولى وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: «ما رأيت أحدا بعد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر مشاورة لأصحابه منه» . # وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - «كان يقول لسيدنا أبي بكر، وسيدنا عمر: ~~- رضي الله تعالى عنهما - قولا، فإني فيما لم يوح إلي مثلكما» ؛ ولأن ~~المشاورة في طلب الحق من باب المجاهدة في الله - عز وجل - فيكون سببا ~~للوصول إلى سبيل الرشاد، قال الله - عز وجل -: {والذين جاهدوا فينا ~~لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] . # وينبغي أن يجلس معه من يوثق بدينه وأمانته؛ لئلا يضن بما عنده من الحق ~~والصواب، بل يهديه إلى ذلك إذا رفع إليه، ولا ينبغي أن يشاورهم بحضرة ~~الناس؛ لأن ذلك يذهب بمهابة المجلس، والناس يتهمونه بالجهل، ولكن يقيم ~~الناس عن المجلس، ثم يشاورهم، أو يكتب في رقعة فيدفع إليهم، أو يكلمهم بلغة ~~لا يفهمها الخصمان، هذا إذا كان القاضي لا يدخله حصر بإجلاسهم عنده، ولا ~~يعجز عن الكلام بين أيديهم، فإن كان لا يجلسهم، فإن أشكل عليه شيء من أحكام ~~الحوادث؛ بعث إليهم وسألهم، ومنه أن يكون له جلواز - وهو المسمى بصاحب ~~المجلس في عرف ديارنا - يقوم على رأس القاضي؛ لتهذيب المجلس، وبيده سوط ~~يؤدب به المنافق، وينذر به المؤمن، وقد روي «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يمسك بيده سوطا، ينذر به المؤمن، ويؤدب به المنافق» . # وكان سيدنا أبو بكر يمسك سوطا، وسيدنا عمر - رضي الله عنه - اتخذ درة ~~ومنها أن يكون له أعوان، يستحضرون الخصوم، ويقومون بين يديه إجلالا له؛ ~~ليكون مجلسا مهيبا، ويذعن المتمرد للحق، وهذا في زماننا، فأما في زمان ~~الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - فما ms3989 كان تقع الحاجة إلى أمثال ذلك؛ ~~لأنهم كانوا ينظرون إلى الأمراء والقضاة بعين التبجيل والتعظيم، ويخافونهم ~~وينقادون للحق بدون ذلك فقد روي أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - كان يقضي في ~~المسجد، فإذا فرغ استلقى على قفاه وتوسد بالحصى، وما كان ينقص ذلك من ~~حرمته. وروي أنه لبس قميصا، فازدادت أكمامه عن أصابعه؛ فدعا بالشفرة ~~فقطعهما، وكان لا يكفهما أياما، وكانت الأطراف متعلقة منها، والناس يهابونه ~~غاية المهابة. # فأما اليوم فقد فسد الزمان، وتغير الناس؛ فهان العلم وأهله، فوقعت الحاجة ~~إلى هذه التكليفات؛ للتوسل إلى إحياء الحق، وإنصاف المظلوم من الظالم ومنها ~~أن يكون له ترجمان؛ لجواز أن يحضر مجلس القضاء من لا يعرف القاضي لغته، من ~~المدعي، والمدعى عليه، والشهود، والكلام في عدد الترجمان وصفاته على ~~الاتفاق والاختلاف، كالكلام في عدد المزكى وصفاته كما تقدم، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # ومنها أن يتخذ كاتبا؛ لأنه يحتاج إلى محافظة الدعاوى والبينات والإقرارات ~~لا يمكنه حفظها، فلا بد من الكتابة، وقد يشق عليه أن يكتب بنفسه فيحتاج إلى ~~كاتب يستعين به، وينبغي أن يكون عفيفا صالحا من أهل الشهادة، وله معرفة ~~بالفقه، أما العفة والصلاح؛ فلأن هذا من باب الأمانة، والأمانة لا يؤديها ~~إلا العفيف الصالح. # وأما أهلية الشهادة؛ فلأن القاضي قد يحتاج إلى شهادته. # وأما معرفته بالفقه؛ فلأنه يحتاج إلى الاختصار والحذف من كلام الخصمين، ~~والنقل من لغة، ولا يقدر على ذلك إلا من له معرفة بالفقه، فإن لم يكن فقيها ~~كتب كلام الخصمين كما سمعه، ولا يتصرف فيه بالزيادة والنقصان؛ لئلا يوجب ~~حقا لم يجب، ولا يسقط حقا واجبا؛ لأن تصرف غير الفقيه بتفسير الكلام لا ~~يخلو عن ذلك. # وينبغي أن يقعد الكاتب حيث يرى ما يكتب وما يصنع، فإن ذلك أقرب إلى ~~الاحتياط، ثم في عرف بلادنا يقدم كتابة الدعوى على الدعوى، فيكتب دعوى ~~المدعي، ويترك موضع التاريخ بياضا؛ لجواز أن تتخلف الدعوى عن وقت الكتابة، ~~ويترك موضع الجواب أيضا بياضا؛ لأنه لا يدري أن المدعى عليه يقر أو ms3990 ينكر، ~~ويكتب أسماء الشهود - إن كان للمدعي شهود - ويترك بين كل شاهدين بياضا؛ ~~ليكتب القاضي التاريخ، وجواب الخصم، وشهادة الشهود بنفسه، ثم يطوي الكاتب ~~الكتاب ويختمه، ثم يكتب على ظهره: خصومة فلان بن فلان مع فلان بن فلان، في ~~شهر كذا، في سنة كذا، ويجعله في قمطرة، وينبغي أن يجعل لخصومات كل شهر ~~قمطرا على حدة؛ ليكون أبصر بذلك، ثم يكتب القاضي في ذلك الشهر أسماء الشهود ~~بنفسه على بطاقة، أو يستكتب الكتاب بين يديه، فيبعثها إلى المعدل سرا - وهي ~~المسماة بالمستورة في عرف ديارنا - والأفضل أن # PageV07P012 # يبعث على يدي عدلين، وإن بعث على يدي عدل فهو على الاختلاف الذي ذكرنا، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # (ومنها) أن يقدم الخصوم على مراتبهم في الحضور الأول فالأول؛ لقوله - ~~عليه الصلاة والسلام -: «المباح لمن سبق إليه» وإن اشتبه عليه حالهم؛ ~~استعمل القرعة، فقدم من خرجت قرعته، إلا الغرباء إذا خاصموا بعض أهل المصر ~~إليه، أو خاصم بعضهم بعضا، أو خاصمهم بعض أهل المصر، فإنه يقدمهم في ~~الخصومة على أهل المصر؛ لما روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قال: ~~قدم الغريب، فإنك إذا لم ترفع به رأسا ذهب وضاع حقه، فتكون أنت الذي ضيعته ~~ندب - رضي الله عنه - إلى تقديم الغريب، ونبه على المعنى؛ لأنه لا يمكنه ~~الانتظار، فكان تأخيره في الخصومة تضييعا لحقه، إلا إذا كانوا كثيرا، بحيث ~~يشتغل القاضي عن أهل المصر فيخلطهم بأهل المصر؛ لأن تقديمهم يضر بأهل ~~المصر، وكذا تقديم صاحب الشهود على غيره؛ لأن إكرام الشهود واجب. # قال - عليه الصلاة والسلام -: «أكرموا الشهود، فإن الله يحي بهم الحقوق» ~~وليس من الإكرام حبسهم على باب القاضي، وهذا إذا كان واحدا، فإن كانوا ~~كثيرا أقرع بينهم وينبغي أن يقدم الرجال على حدة، والنساء على حدة؛ لما في ~~الخلط من خوف الفتنة، ولو رأى أن يجعل لهن يوما على حدة؛ لكثرة الخصوم فعل؛ ~~لأن إفرادهن بيوم أستر لهن ومنها أن لا يتعب نفسه في طول الجلوس؛ لأنه ~~يحتاج إلى النظر ms3991 في الحجج، وبطول الجلوس يختل النظر فيها، فلا ينبغي أن ~~يفعل ذلك، ويكفي الجلوس طرفي النهار، وقدر ما لا يفتر عن النظر في الحجج، ~~وإذا تقدم إليه الخصمان هل يسأل المدعي عن دعواه؟ ذكر في أدب القاضي أنه ~~يسأل، وذكر في الزيادات أنه لا يسأل وكذا إذا ادعى دعوى صحيحة هل يسأل ~~المدعى عليه عن دعوى خصمه؟ ذكر في آداب القاضي أنه يسأل، وذكر في الزيادات ~~أنه لا يسأل، حتى يقول له المدعي: سله عن جواب دعواي. # وجه ما ذكر في الزيادات أن السؤال عن الدعوى إنشاء الخصومة، والقاضي لا ~~ينشئ الخصومة وجه ما ذكر في الكتاب أن من الجائز أن أحد الخصمين يلحقه ~~مهابة مجلس القضاء؛ فيعجز عن البيان دون سؤال القاضي، فيسأل عن دعواه ومنها ~~أن المدعي إذا أقام البينة، فادعى المدعى عليه الدفع وقال: لي بينة حاضرة ~~أمهله زمانا؛ لقول سيدنا عمر - رضي الله عنه - في كتاب السياسة: اجعل ~~للمدعي أمدا ينتهي إليه وأراد به مدعي الدفع، ألا ترى أنه قال: وإن عجز ~~استحللت عليه القضاء؛ ولأنه لو لم يمهله، وقضى ببينة المدعي، ربما يحتاج ~~إلى نقض قضائه؛ لجواز أن يأتي بالدفع مؤخرا، فهو من صيانة القضاء عن النقض، ~~ثم ذلك مفوض إلى رأي القاضي، إن شاء أخر إلى آخر المجلس، وإن شاء إلى الغد، ~~وإن شاء إلى بعد الغد، ولا يزيد عليه؛ لأن الحق قد توجه عليه، فلا يسعه ~~التأخير أكثر من ذلك، وإن أدى ببينة غائبة لا يلتفت إليه، بل يقضي للمدعي. # ومنها أن يجلس للقضاء في أشهر المجالس؛ ليكون أرفق بالناس، وهل يقضي في ~~المسجد؟ قال أصحابنا - رحمهم الله -: يقضي وقال الشافعي - رحمه الله -: لا ~~يقضي، بل يقضي في بيته. # وجه قوله أن القاضي يأتيه المشرك، والحائض، والنفساء، والجنب، ويجري بين ~~الخصمين كلام اللغو والرفث والكذب؛ لأن أحدهما كاذب، وتنزيه المسجد عن هذا ~~كله واجب. # (ولنا) الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة الكرام - ~~رضي الله عنهم -، فإن رسول الله - صلى الله عليه ms3992 وسلم - كان يقضي في ~~المسجد، وكذا الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون - رضي الله عنهم - كانوا ~~يجلسون في المسجد للقضاء، والاقتداء بهم واجب، ولا بأس للقاضي أن يرد ~~الخصوم إلى الصلح إن طمع منهم ذلك، قال الله تبارك وتعالى {والصلح خير} ~~[النساء: 128] فكان الرد إلى الصلح ردا إلى الخير، وقال سيدنا عمر - رضي ~~الله عنه -: ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن ~~فندب - رضي الله عنه - القضاة إلى رد الخصوم إلى الصلح، ونبه على المعنى ~~وهو حصول المقصود من غير ضغينة، ولا يزيد على مرة أو مرتين فإن اصطلحا، ~~وإلا قضى بينهما بما يوجب الشرع، وإن لم يطمع منهم الصلح لا يردهم إليه، بل ~~ينفذ القضية فيهم؛ لأنه لا فائدة في الرد. # وهل للقاضي أن يأخذ الرزق؟ فإن كان فقيرا له أن يأخذ؛ لأنه يعمل للمسلمين ~~فلا بد له من الكفاية، ولا كفاية له، فكانت كفايته في بيت المال، إلا أن ~~يكون له ذلك أجرة عمله، وينبغي للإمام أن يوسع عليه وعلى عياله كي لا يطمع ~~في أموال الناس. # وروي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بعث # PageV07P013 # عتاب بن أسيد - رضي الله عنه - إلى مكة، وولاه أمرها، رزقه أربعمائة درهم ~~في كل عام» . # وروي أن الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - أجروا لسيدنا أبي بكر الصديق - ~~رضي الله عنه - كل يوم درهما وثلثا أو ثلثين من بيت المال، وكذا روي أنه ~~كان لسيدنا عمر - رضي الله عنه - مثل ذلك من بيت المال، وكان لسيدنا علي - ~~رضي الله عنه - كل يوم قصعة من ثريد، ورزق سيدنا عمر - رضي الله عنه - ~~شريحا، وروي أن سيدنا عليا فرض له خمسمائة درهم في كل شهر وإن كان غنيا ~~اختلفوا فيه قال بعضهم: لا يحل له أن يأخذ؛ لأن الأخذ بحكم الحاجة، ولا ~~حاجة له إلى ذلك، وقال بعضهم: يحل له الأخذ، والأفضل له أن يأخذ. # أما الحل؛ فلما بينا أنه عامل للمسلمين، فكانت كفايته عليهم لا من طريق ~~الأجر وأما الأفضلية؛ فلأنه ms3993 وإن لم يكن محتاجا إلى ذلك فربما يجيء بعده قاض ~~محتاج، وقد صار ذلك سنة ورسما، فتمتنع السلاطين عن إبطال رزق القضاة إليهم ~~- خصوصا سلاطين زماننا - فكان الامتناع من الأخذ شحا بحق الغير، فكان ~~الأفضل هو الأخذ، وليس للقاضي أن يستخلف إلا إذا أذن له الإمام بذلك؛ لأنه ~~يتصرف بالتفويض فيتقدر بقدر ما فوض إليه كالوكيل، ولو استخلف تتوقف قضايا ~~خليفته على إجازته بمنزلة الوكيل الخاص، إذا وكل غيره فتصرف، ولو كان ~~الإمام أذن له بذلك كان له ذلك، كالوكيل العام وفي آداب القضاء وما ندب ~~القاضي إلى فعله كثرة لها كتاب مفرد هناك، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في بيان ما ينفذ من القضايا وما ينقض منها إذا رفع إلى قاض آخر] # (فصل) : # وأما بيان ما ينفذ من القضايا، وما ينقض منها إذا رفع إلى قاض آخر فنقول ~~- وبالله التوفيق: قضاء القاضي الأول لا يخلو إما أن وقع في فصل فيه نص ~~مفسر من الكتاب العزيز، والسنة المتواترة، والإجماع، وإما أن وقع في فصل ~~مجتهد فيه من ظواهر النصوص والقياس، فإن وقع في فصل فيه نص مفسر من الكتاب، ~~أو الخبر المتواتر، أو الإجماع، فإن وافق قضاؤه ذلك نفذ ولا يحل له النقض؛ ~~لأنه وقع صحيحا قطعا، وإن خالف شيئا من ذلك يرده؛ لأنه وقع باطلا قطعا. # وإن وقع في فصل مجتهد فيه فلا يخلو إما أن كان مجمعا على كونه مجتهدا ~~فيه، وإما أن كان مختلفا في كونه مجتهدا فيه، فإن كان ذلك مجمعا على كونه ~~محل الاجتهاد، فإما أن كان المجتهد فيه هو المقضي به، وإما أن كان نفس ~~القضاء، فإن كان المجتهد فيه هو المقضي به، فرفع قضاؤه إلى قاض آخر؛ لم ~~يرده الثاني، بل ينفذه؛ لكونه قضاء مجمعا على صحته؛ لما علم أن الناس على ~~اختلافهم في المسألة اتفقوا على أن للقاضي أن يقضي بأي الأقوال الذي مال ~~إليه اجتهاده، فكان قضاؤه مجمعا على صحته، فلو نقضه إنما ينقضه بقوله. # وفي صحته اختلاف بين الناس ms3994 فلا يجوز نقض ما صح بالاتفاق بقول مختلف في ~~صحته؛ ولأنه ليس مع الثاني دليل قطعي بل اجتهادي، وصحة قضاء القاضي الأول ~~ثبت بدليل قطعي، وهو إجماعهم على جواز القضاء بأي وجه اتضح له، فلا يجوز ~~نقض ما مضى بدليل قاطع بما فيه شبهة؛ ولأن الضرورة توجب القول بلزوم القضاء ~~المبني على الاجتهاد، وأن لا يجوز نقضه؛ لأنه لو جاز نقضه يرفعه إلى قاض ~~آخر يرى خلاف رأي الأول فينقضه، ثم يرفعه المدعي إلى قاض آخر يرى خلاف رأي ~~القاضي الثاني فينقض نقضه، ويقضي كما قضى الأول فيؤدي إلى أن لا تندفع ~~الخصومة والمنازعة أبدا، والمنازعة سبب الفساد، وما أدى إلى الفساد فساد. # فإن كان رده القاضي الثاني فرفعه إلى قاض ثالث نفذ قضاء القاضي الأول، ~~وأبطل قضاء القاضي الثاني؛ لأن قضاء الأول صحيح، وقضاء الثاني بالرد باطل، ~~هذا إذا كان القاضي الأول قاضي أهل العدل، فإن كان قاضي أهل البغي فرفعت ~~قضاياه إلى قاضي أهل العدل، بأن ظهر أهل العدل على المصر - الذي كان في يد ~~الخوارج - فرفعت إلى قاضي أهل العدل قضايا قاضيهم، لم ينفذ شيئا منها، بل ~~ينقضها كلها - وإن كانوا من أهل القضاء والشهادة في الجملة - كبتا وغيظا ~~لهم؛ لينزجروا عن البغي، وإن كان نفس القضاء مجتهدا فيه أنه يجوز أم لا كما ~~لو قضى بالحجر على الحر أو قضى على الغائب؟ أنه يجوز للقاضي الثاني أن ينقض ~~قضاء الأول إذا مال اجتهاده إلى خلاف اجتهاده الأول؛ لأن قضاءه هنا لم يجز ~~بقول الكل، بل بقول البعض دون البعض فلم يكن جوازه متفقا عليه فكان محتملا ~~للنقض بمثله. # بخلاف الفصل الأول؛ لأن جواز القضاء هناك ثبت بقول الكل، فكان متفقا عليه ~~فلا يحتمل النقض بقول البعض؛ ولأن المسألة إذا كانت مختلفا فيها، فالقاضي ~~بالقضاء يقطع أحد الاختلافين، ويجعله متفقا عليه في الحكم بالقضاء المتفق ~~على جوازه، وإذا كان نفس القضاء مختلفا فيه يرفع الخلاف بالخلاف، هذا إذا ~~كان القضاء في محل أجمعوا على كونه # PageV07P014 # محل الاجتهاد، ms3995 فأما إذا كان في محل اختلفوا أنه محل الاجتهاد أم لا، كبيع ~~أم الولد هل ينفذ فيه قضاء القاضي أم لا؟ فعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما ~~الله ينفذ؛ لأنه محل الاجتهاد عندهما؛ لاختلاف الصحابة في جواز بيعهما، ~~وعند محمد لا ينفذ؛ لوقوع الاتفاق بعد ذلك من الصحابة وغيرهم، على أنه لا ~~يجوز بيعها، فخرج عن محل الاجتهاد. # وهذا يرجع إلى أن الإجماع المتأخر هل يرفع الخلاف المتقدم؟ عندهما لا ~~يرفع، وعنده يرفع، فكان هذا الفصل مختلفا في كونه مجتهدا فيه، فينظر إن كان ~~من رأي القاضي الثاني أنه يجتهد فيه، ينفذ قضاءه، ولا يرده؛ لما ذكرنا في ~~سائر المجتهدات المتفق عليها وإن كان من رأيه أنه خرج عن حد الاجتهاد، وصار ~~متفقا عليه، لا ينفذ، بل يرده؛ لأن عنده أن قضاء الأول وقع مخالفا للإجماع؛ ~~فكان باطلا، ومن مشايخنا من فصل في المجتهدات تفصيلا آخر فقال: إن كان ~~الاجتهاد شنيعا مستنكرا جاز للقاضي الثاني أن ينقض قضاء الأول، وهذا فيه ~~نظر؛ لأنه إذا صح كونه محل الاجتهاد فلا معنى للفصل بين مجتهد ومجتهد؛ لأن ~~ما ذكرنا من المعنى لا يوجب الفصل بينهما، فينبغي أن لا يجوز للثاني نقض ~~قضاء الأول؛ لأن قضاءه صادف محل الاجتهاد. ### | [فصل في بيان ما يحله القضاء وما لا يحله] # (فصل) : # وأما بيان ما يحله القضاء، وما لا يحله، فالأصل أن قضاء القاضي بشاهدي ~~الزور فيما له ولاية إنشائه في الجملة، يفيد الحل عند أبي حنيفة - رحمه ~~الله - وقضاؤه بهما فيما ليس له ولاية إنشائه أصلا، لا يفيد الحل بالإجماع، ~~وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - والشافعي - رحمه الله - لا يفيد الحل ~~فيهما جميعا، فنقول: جملة الكلام فيه أن القاضي إذا قضى بشاهدين، ثم ظهر ~~أنهما شاهدا زور، فلا يخلو إما أن قضى بعقد أو بفسخ عقد، وإما أن قضى بملك ~~مرسل، فإن قضى بعقد أو بفسخ عقد فقضاؤه يفيد الحل عنده، وعندهم لا يفيد، ~~ولقب المسألة أن قضاء القاضي في العقود والفسوخ بشهود زور ms3996 هل ينفذ ظاهرا ~~وباطنا؟ فهو على الخلاف الذي ذكرنا. # وإن قضى بملك مرسل، لا ينفذ قضاؤه باطنا بالإجماع، وبيان هذه الجملة في ~~مسائل: إذا ادعى رجل على امرأته أنه تزوجها، فأنكرت، فأقام على ذلك شاهدي ~~زور، فقضى القاضي بالنكاح بينهما - وهما يعلمان أنه لا نكاح بينهما - حل ~~للرجل وطؤها، وحل لها التمكين عند أبي حنيفة، وعندهم لا يحل وكذا إذا شهد ~~شاهدان على رجل أنه طلق امرأته ثلاثا - وهو منكر - فقضى القاضي بالفرقة ~~بينهما، ثم تزوجها أحد الشاهدين؛ حل له وطؤها، وإن كان يعلم أنهما شهدا ~~بزور عنده، وعندهم لا يحل، وعلى هذا الخلاف دعوى البيع والإعتاق. # وفي الهبة عن أبي حنيفة - رحمه الله - روايتان، وأجمعوا على أنه لو ادعى ~~نكاح امرأة، وهي تنكر وتقول: أنا أخته من الرضاع، أو أنا في عدة من زوج ~~آخر، فشهد بالنكاح شاهدان، وقضى القاضي بشهادتهما، والمرأة تعلم أنها كما ~~أخبرت لا يحل لها التمكين، وأجمعوا أيضا على أنه لو ادعى رجل أن هذه ~~جاريته، وهي تنكر، فأقام على ذلك شاهدين، وقضى القاضي بالجارية، أنه لا يحل ~~له وطؤها إذا كان يعلم أنه كاذب في دعواه، ولا يحل لأحد الشاهدين أيضا أن ~~يشتريها احتجوا بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أنا بشر، فمن قضيت ~~له من مال أخيه شيئا بغير حق، فإنما أقطع له قطعة من النار» أخبر الشارع - ~~عليه الصلاة والسلام - أن القضاء بما ليس للمدعي قضاء له بقطعة من النار، ~~ولو نفذ قضاؤه باطنا لما كان القضاء به قضاء بقطعة من النار؛ ولأن القضاء ~~إنما ينفذ بالحجة - وهي الشهادة الصادقة - وهذه كاذبة بيقين فلا ينفذ ~~حقيقة؛ ولهذا لم ينفذ بالملك المرسل، وكذا إذا كانت المرأة محرمة بالعدة ~~والردة، أو الرضاع أو القرابة، أو المصاهرة، كذا هذا، ولأبي حنيفة - رضي ~~الله عنه - أن قضاء القاضي بما يحتمل الإنشاء إنشاء له، فينفذ ظاهرا ~~وباطنا، كما لو أنشأ صريحا. # ودلالة ms3997 الوصف أن القاضي مأمور بالقضاء بالحق، ولا يقع قضاؤه بالحق فيما ~~يحتمل الإنشاء إلا بالحمل على الإنشاء؛ لأن البينة قد تكون صادقة، وقد تكون ~~كاذبة، فيجعل إنشاء، والعقود والفسوخ مما تحتمل الإنشاء من القاضي، فإن ~~للقاضي ولاية إنشائها في الجملة بخلاف الملك المرسل؛ لأن نفس الملك مما لا ~~يحتمل الإنشاء؛ ولهذا لو أنشأ القاضي أو غيره صريحا - لا يصح، وبخلاف ما ~~إذا كانت المرأة محرمة بأسباب؛ لأن هناك ليس للقاضي ولاية الإنشاء، ألا ترى ~~أنه لو أنشأ صريحا لا ينفذ وأما الحديث فقد # PageV07P015 # قيل: إنه - عليه الصلاة والسلام - قال ذلك في أخوين اختصما إليه في ~~مواريث درست بينهما، فقال إلى آخره ولم يكن لهما بينة إلا دعواهما، كذا ~~ذكره أبو داود عن أم سلمة - رضي الله عنها -، والميراث ومطلق الملك سواء في ~~الدعوى - وبه نقول - مع أنه ليس فيه ذكر السبب، والكلام في القضاء بسبب على ~~أنا نقول بموجبه، لكن لم قلتم: إن القضاء بسبب قضاء له من مال آخر بغير حق؟ ~~بل هو قضا له من مال نفسه، وبحق؛ لأن القضاء بسبب الملك صحيح عندنا، فقد ~~قلنا بموجب الحديث، والحمد لله وحده. ### | [فصل في بيان حكم خطأ القاضي في القضاء] # (فصل) : # وأما بيان حكم خطأ القاضي في القضاء فنقول: الأصل أن القاضي إذا أخطأ في ~~قضائه، بأن ظهر أن الشهود كانوا عبيدا أو محدودين في قذف، أنه لا يؤاخذ ~~بالضمان؛ لأنه بالقضاء لم يعمل لنفسه بل لغيره، فكان بمنزلة الرسول فلا ~~تلحقه العهدة، ثم ينظر إما أن كان المقضي به من حقوق العباد، وإما أن كان ~~من حقوق الله - عز وجل - خالصا، كالقطع في السرقة، والرجم في زنا المحصن، ~~فإن كان في حقوق العباد، فإن كان مالا - وهو قائم - رده على المقضي عليه؛ ~~لأن قضاءه وقع باطلا، ورد عين المقضي به ممكن، فيلزمه رده؛ لقول النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - «على اليد ما أخذت حتى ترده» . # ولأنه عين مال المدعى عليه، «ومن وجد عين ماله فهو أحق به» ، وإن كان ms3998 ~~هالكا فالضمان على المقضي له؛ لأن القاضي عمل له فكان خطؤه عليه؛ ليكون ~~الخراج بالضمان؛ ولأنه إذا عمل له فكان هو الذي فعل بنفسه، وإن كان حقا ليس ~~بمال، كالطلاق والعتاق بطل؛ لأنه تبين أن قضاءه كان باطلا، وأنه أمر شرعي ~~يحتمل الرد فيرد، بخلاف الحدود والمال الهالك؛ لأنه لا يحتمل الرد بنفسه ~~فيرد بالضمان، هذا إذا كان المقضي به من حقوق العباد. # وأما إذا كان من حق الله - عز وجل - خالصا فضمانه في بيت المال؛ لأنه عمل ~~فيها لعامة المسلمين؛ لعود منفعتها إليهم - وهو الزجر - فكان خطؤه عليهم؛ ~~لما قلنا فيؤدى من بيت مالهم، ولا يضمن القاضي؛ لما قلنا، ولا الجلاد أيضا؛ ~~لأنه عمل بأمر القاضي، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في بيان ما يخرج به القاضي عن القضاء] # (فصل) : # وأما بيان ما يخرج به القاضي عن القضاء فنقول - وبالله التوفيق: كل ما ~~يخرج به الوكيل عن الوكالة يخرج به القاضي عن القضاء، وما يخرج به الوكيل ~~عن الوكالة أشياء - ذكرناها في كتاب الوكالة - لا يختلفان إلا في شيء واحد: ~~وهو أن الموكل إذا مات أو خلع ينعزل الوكيل، والخليفة إذا مات أو خلع لا ~~تنعزل قضاته وولاته. # (ووجه) الفرق أن الوكيل يعمل بولاية الموكل وفي خالص حقه أيضا، وقد بطلت ~~أهلية الولاية فينعزل الوكيل، والقاضي لا يعمل بولاية الخليفة وفي حقه بل ~~بولاية المسلمين وفي حقوقهم، وإنما الخليفة بمنزلة الرسول عنهم؛ لهذا لم ~~تلحقه العهدة، كالرسول في سائر العقود والوكيل في النكاح، وإذا كان رسولا ~~كان فعله بمنزلة فعل عامة المسلمين، وولايتهم بعد موت الخليفة باقية، فيبقى ~~القاضي على ولايته؛ وهذا بخلاف العزل، فإن الخليفة إذا عزل القاضي أو ~~الوالي ينعزل بعزله، ولا ينعزل بموته؛ لأنه لا ينعزل بعزل الخليفة أيضا ~~حقيقة، بل بعزل العامة؛ لما ذكرنا أن توليته بتولية العامة، والعامة ولوه ~~الاستبدال دلالة؛ لتعلق مصلحتهم بذلك، فكانت ولايته منهم معنى في العزل ~~أيضا، فهو الفرق بين العزل والموت. # ولو استخلف القاضي بإذن الإمام، ثم مات القاضي ms3999 لا ينعزل خليفته؛ لأنه ~~نائب الإمام في الحقيقة، لا نائب القاضي، ولا ينعزل بموت الخليفة أيضا، كما ~~لا ينعزل القاضي؛ لما قلنا، ولا يملك القاضي عزل خليفته؛ لأنه نائب الإمام، ~~فلا ينعزل بعزله كالوكيل أنه لا يملك عزل الوكيل الثاني؛ لأن الثاني وكيل ~~الموكل في الحقيقة لا وكيله، كذا ههنا، إلا إذا أذن له الخليفة أن يستبدل ~~من شاء فيملك عزله، ويكون ذلك أيضا عزلا من الخليفة لا من القاضي؛ لأن ~~القاضي كالوكيل إذا قال له الموكل: اعمل برأيك أنه يملك التوكيل والعزل، ~~وإذا عزل كان العزل في الحقيقة من الموكل، كذا هذا. # وعلم المعزول بالعزل شرط صحة العزل كما ذكر في الوكالة، وهل ينعزل بأخذ ~~الرشوة في الحكم؟ عندنا لا ينعزل لكنه يستحق العزل فيعزله الإمام ويعزره، ~~كذا ذكر في كتاب الحدود، وقال مشايخ العراق من أصحابنا: إنه ينعزل وقالوا: ~~صحت الرواية عن أصحابنا - رضي الله عنهم - أنه ينعزل، واستدلوا بما ذكر في ~~السير الكبير أنه يخرج من القضاء، لكن رواية مشايخنا: أنه لا يخرج من ~~القضاء، وهذه الرواية أولى؛ لأن هذه الرواية مشتبهة، ورواية كتاب الحدود ~~محكمة؛ لأنه ذكر أن الإمام يعزله ويعزره فكان فيما قلنا: حمل المحتمل على # PageV07P016 # المحكم، فكان عملا بالروايتين جميعا فكان أولى. # وهذا عندنا، وقال الشافعي - عليه الرحمة: ينعزل وهو قول المعتزلة، ولقب ~~المسألة: أن القاضي إذا فسق هل ينعزل أو لا؟ فعندنا لا ينعزل، وعند الشافعي ~~ينعزل، وبه قالت المعتزلة لكن بناء على أصلين مختلفين: فأصل المعتزلة أن ~~الفسق يخرج صاحبه عن الإيمان فيبطل أهلية القضاء وأصل الشافعي - رحمه الله ~~- أن العدالة شرط أهلية القضاء كما هي شرط أهلية الشهادة؛ لأن أهلية القضاء ~~تدور مع أهلية الشهادة، وقد زالت بالفسق فتبطل الأهلية والأصل عندنا أن ~~الكبيرة لا تخرج صاحبها من الإيمان، والعدالة ليس بشرط أهلية القضاء، كما ~~ليست بشرط؛ الأهلية الشهادة على ما ذكرنا، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [كتاب القسمة] ### | [أنواع القسمة وبيان شرعية كل نوع] # (كتاب القسمة) # الكلام في هذا الكتاب يقع ms4000 في مواضع: في بيان أنواع القسمة، وفي بيان ~~شرعية كل نوع، وفي بيان معنى القسمة لغة وشرعا، وفي بيان شرائط القسمة، وفي ~~بيان صفات القسمة، وفي بيان حكم القسمة، وفي بيان ما يوجب نقض القسمة بعد ~~وجودها. # (أما) الأول: فالقسمة في الأملاك المشتركة نوعان: أحدهما - قسمة الأعيان ~~والثاني - قسمة المنافع وقسمة كل واحد من النوعين مشروعة، أما قسمة الأعيان ~~فقد عرفت شرعيتها بالسنة والإجماع. # (أما) السنة: فما روي «أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قسم غنائم خيبر ~~بين الغانمين، وأدنى درجات فعله - عليه الصلاة والسلام - الشرعية» # (وأما) الإجماع: فإن الناس استعملوا القسمة من لدن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى يومنا هذا من غير نكير، فكانت شرعيته متوارثة، والمعقول ~~يقتضيه توفيرا على كل واحد مصلحته بكمالها. ### | [فصل في بيان معنى القسمة] # (فصل) : # وأما بيان معنى القسمة لغة وشرعا، أما في اللغة: فهي عبارة عن إفراز ~~النصيب، وفي الشريعة: عبارة عن إفراز بعض الأنصباء عن بعض، ومبادلة بعض ~~ببعض؛ لأن ما من جزأين من العين المشتركة لا يتجزآن قبل القسمة، إلا ~~وأحدهما ملك أحد الشريكين، والآخر ملك صاحبه غير عين، فكان نصف العين ~~مملوكا لهذا، والنصف مملوكا لذاك على الشيوع، فإذا قسمت بينهما نصفين، ~~والأجزاء المملوكة لكل واحد منهما شائعة غير معينة، فتجتمع بالقسمة في ~~نصيبه دون نصيب صاحبه، فلا بد وأن يجتمع في نصيب كل واحد منهما أجزاء، ~~بعضها مملوكة له، وبعضها مملوكة لصاحبه على الشيوع. # فلو لم تقع القسمة مبادلة في بعض أجزاء المقسوم، لم يكن المقسوم كله ملكا ~~للمقسوم عليه، بل يكون بعضه ملك صاحبه، فكانت القسمة منهما بالتراضي، أو ~~بطلبها من القاضي رضا من كل واحد منهما بزوال ملكه عن نصف نصيبه بعوض - وهو ~~نصف نصيب صاحبه - وهو تفسير المبادلة، فكانت القسمة في حق الأجزاء المملوكة ~~له إفرازا وتمييزا، أو تعيينا لها في الملك وفي حق الأجزاء المملوكة لصاحبه ~~معاوضة، وهي مبادلة بعض الأجزاء المجتمعة في نصيبه ببعض الأجزاء المجتمعة ~~في نصيب صاحبه، فكانت إفراز بعض الأنصباء ms4001 ومعاوضة البعض ضرورة، وهذا هو ~~حقيقة القسمة المعقولة في الأملاك المشتركة، فكان معنى المعاوضة لازما في ~~كل قسمة شرعية، إلا أنه أعطى لها حكم الإفراز في ذوات الأمثال في بعض ~~الأحكام؛ لأن المأخوذ من العوض مثل المتروك من المعوض، فجعل كأنه يأخذ عين ~~حقه بمنزلة المقرض، حتى كان لكل واحد منهما أن يأخذ نصيبه من غير رضا ~~صاحبه، فجعل إفرازا حكما، وهذا المعنى لا يوجد في غير ذوات الأمثال فإن ~~قيل: أليس أنه يجبر على القسمة والمعاوضات مما لا يجرى فيها الجبر كالبيع ~~ونحوه؟ . # (فالجواب) أن المعاوضة قد يجرى فيها الجبر، ألا ترى أن الغريم يجبر على ~~قضاء الدين، وقضاء الدين لا يتحقق إلا بطريق المعاوضة - على ما بينا في ~~كتاب الوكالة - دل أن الجبر لا ينفي المعاوضة فجاز أن يجبر على القسمة، وإن ~~كانت معاوضة مع ما أن الجبر لا يجري في المعاوضات المطلقة، كالبيع ونحوه، ~~والقسمة ليست بمعاوضة مطلقة، بل هي إفراز من وجه، ومعاوضة من وجه، فجاز أن ~~يجري فيها الجبر؛ وعلى هذا الأصل تخرج قسمة المكيلات والموزونات والعدديات ~~المتقاربة، أنها لا تجوز مجازفة كما لا يجوز بيعها مجازفة؛ لاعتبار معنى ~~المبادلة، وذكر في الكتاب في كر حنطة مشترك بين # PageV07P017 # رجلين ثلاثون منه رديئة وعشرة منه جيدة قيمتها سواء فأرادا أن يقتسماه ~~فيأخذ أحدهما ثلاثين والآخر عشرة أنه لا يجوز؛ لتمكن الربا فيه لتحقق معنى ~~المعاوضة. # ولو زاد صاحب الزيادة ثوبا أو شيئا آخر جاز؛ لأن الزيادة صارت مقابلة ~~بالثوب، فزال معنى الربا وقال في زرع مشترك بين رجلين في أرض مملوكة لهما ~~فأرادا قسمة الزرع دون الأرض، وقد سنبل الزرع: إنه لا تجوز قسمته؛ لأن ~~قسمته بطريق المجازفة، ولا تجوز المعاوضة بطريق المجازفة في الأموال ~~الربوية، وكذا لو أوصى بصوف على ظهر غنم لرجلين، أو أوصى باللبن في الضرع ~~لهما، لم تجز قسمته قبل الجز والحلب؛ لأن الصوف واللبن من الأموال الربوية ~~فلا يحتملان القسمة مجازفة، كما لا يحتملان البيع مجازفة، وكذا خيار العيب ~~يدخل في ms4002 نوعي القسمة كما يدخل في البيع، وخيار الرؤية والشرط يدخل في أحد ~~النوعين دون الآخر، لا لانعدام معنى المبادلة، بل لمعنى آخر نذكره في موضعه ~~ولو اشترى رجلان من رجل كر حنطة بمائة درهم فاقتسماه، فلكل واحد منهما أن ~~يبيع نصيبه مرابحة على خمسين درهما. # ولو اشتريا دارا بمائة درهم فاقتسماها، ليس لواحد منهما أن يبيع نصيبه ~~مرابحة على خمسين، وإنما افترق النوعان في هذا الحكم، لا لاعتبار معنى ~~الإفراز في أحدهما والمبادلة في الآخر، بل لمعنى آخر وهو أن المرابحة بيع ~~بمثل المذكور ثمنا في الأول مع زيادة شيء، وإنما يجوز البيع بمثل المذكور ~~ثمنا في الأول مع زيادة شيء فيما يحتمل الزيادة. # وأما فيما لا يحتمل الزيادة فلا، كما إذا اشترى كر حنطة بكر حنطة لا ~~يبيعه مرابحة على الكر كذا هنا بل أولى؛ لأن ذلك معاوضة مقصودة، والمعاوضة ~~في القسمة ليست بمقصودة، وإذا كان كذلك يسقط اعتبار هذا الثمن شرعا في هذا ~~الحكم؛ لأنه لا يحتمل الزيادة فكان له أن يبيعه مرابحة على أول ثمن يحتمل ~~الزيادة، وهو الخمسون بخلاف قسمة الدار؛ لأن هناك يمكن البيع بالثمن الأول ~~- وهو ثمن القسمة - وزيادة شيء بأن يبيع نصفه من شريكه بالنصف الذي في يده ~~وربح درهم مثلا، كما إذا اشترى دارا بدار، أو اشترى كر حنطة بثوب، فأمكن ~~بيعه مرابحة على الثمن الأول، وفي الجملة فلم يجز بيعه مرابحة على خمسين، ~~إلا أنه إذا باعه مرابحة، أو باعه من بائعه بالنصف الذي في يده بربح ده ~~يازده لا يجوز؛ لمعنى عرف في كتاب البيوع، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في شرائط القسمة وبعضها يرجع إلى القاسم] # (فصل) : # وأما شرائط جواز القسمة فأنواع: بعضها يرجع إلى القاسم، وبعضها يرجع إلى ~~المقسوم، وبعضها يرجع إلى المقسوم له. # (أما) الذي يرجع إلى القاسم فنوعان: نوع هو شرط الجواز ونوع: هو شرط ~~الاستحباب أما شرائط الجواز فأنواع: منها العقل، فلا تجوز قسمة المجنون ~~والصبي الذي لا يعقل؛ لأن العقل من شرائط أهلية التصرفات ms4003 الشرعية، فأما ~~البلوغ فليس بشرط لجواز القسمة حتى تجوز قسمة الصبي الذي يعقل القسمة بإذن ~~وليه، وكذلك الإسلام والذكورة والحرية ليست بشرط لجواز القسمة، فتجوز قسمة ~~الذمي والمرأة والمكاتب والمأذون؛ لأن هؤلاء من أهل البيع فكانوا من أهل ~~القسمة، والله سبحانه وتعالى أعلم. # (ومنها) الملك والولاية، فلا تجوز القسمة بدونهما أما الملك فالمعني به: ~~أن يكون القاسم مالكا فيقسم الشركاء بالتراضي. # وأما الولاية فنوعان: ولاية قضاء، وولاية قرابة، إلا أن شرط ولاية القضاء ~~الطلب، فيقسم القاضي وأمينه على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والمسلم ~~والذمي، والحر والعبد، والمأذون والمكاتب، عند طلب الشركاء كلهم أو بعضهم - ~~على ما نذكره - ولا يشترط ذلك في ولاية القرابة، فيقسم الأب ووصيه، والجد ~~ووصيه، على الصغير والمعتوه، من غير طلب أحد، والأصل فيه أن كل من له ولاية ~~البيع فله ولاية القسمة، ومن لا فلا، ولهؤلاء ولاية البيع فكانت لهم ولاية ~~القسمة، وكذا القاضي له ولاية بيع مال الصغير والكبير في الجملة، فكان له ~~ولاية القسمة في الجملة. # (وأما) وصي الأم ووصي الأخ والعم فيقسم المنقول دون العقار؛ لأن له ولاية ~~بيع المنقول دون العقار، وفي وصي المكاتب إذا مات عن وفاء أنه هل يقسم؟ فيه ~~روايتان، وهذا كله يقرر ما قلنا: إن معنى المبادلة لازم في القسمة، حيث جعل ~~سبيله سبيل البيع في الولاية، ولا يقسم وصي الميت على الموصى له؛ لانعدام ~~ولايته عليه، وكذا لا يقسم الورثة عليه؛ لانعدام ولايتهم عليه؛ لأن الموصى ~~له كواحد من الورثة، ولا يقسم بعض الورثة على بعض؛ لانعدام الولاية فلا ~~يقسمون على الموصى له، ولو اقتسموا وهو غائب نقضت قسمتهم، لكن هذا إذا كانت ~~القسمة بالتراضي، فإن # PageV07P018 # كانت بقضاء القاضي - تنفذ ولا تنقض؛ لما نذكره في موضعه، إن شاء الله ~~تعالى. # وأما شرائط الاستحباب فأنواع: (منها) أن يكون عدلا أمينا عالما بالقسمة؛ ~~لأنه لو كان غير عدل خائنا، أو جاهلا بأمور القسمة يخاف منه الجور في ~~القسمة لا يجوز. # (ومنها) أن يكون منصوب القاضي؛ لأن قسمة غيره لا ms4004 تنفذ على الصغير ~~والغائب؛ ولأنه أجمع لشرائط الأمانة، والأفضل أن يرزقه من بيت المال؛ ليقسم ~~للناس من غير أجر عليهم؛ لأن ذلك أرفق بالمسلمين، فإن لم يمكنه أن يرزقه من ~~بيت المال يقسم لهم بأجر عليهم، ولكن ينبغي للقاضي أن يقدر له أجرة معلومة ~~كي لا يتحكم على الناس، ولو أراد الناس أن يستأجروا قساما آخر غير الذي ~~نصبه القاضي لا يمنعهم القاضي عن ذلك، ولا يجبرهم على أن يستأجروا قساما؛ ~~لأنه لو فعل ذلك لعله لا يرضى إلا بأجرة كثيرة فيتضرر الناس، وكذا لا يترك ~~القسامين يشتركون في القسم؛ لما قلنا. # (ومنها) المبالغة في تعديل الأنصباء، والتسوية بين السهام بأقصى الإمكان؛ ~~لئلا يدخل قصور في سهم، وينبغي أن لا يدع حقا بين شريكين غير مقسوم من ~~الطريق والمسيل والشرب، إلا إذا لم يمكن، وينبغي أن لا يضم نصيب بعض ~~الشركاء إلى بعض إلا إذا رضوا بالضم؛ لأنه يحتاج إلى القسمة ثانيا، وينبغي ~~أن لا يدخل في قسمة الدار ونحوها الدراهم، إلا إذا كان لا يمكن القسمة إلا ~~كذلك؛ لأن محل القسمة الملك المشترك، ولا شركة في الدراهم فلا يدخلها في ~~القسمة إلا عند الضرورة، والله سبحانه وتعالى الموفق. # (ومنها) أن يقرع بينهم بعد الفراغ من القسمة، ويشترط عليهم قبول من خرج ~~سهمه أولا فله هذا السهم من هذا الجانب من الدار، ومن خرج سهمه بعده فله ~~السهم الذي يليه هكذا، ثم يقرع بينهم؛ لا لأن القرعة يتعلق بها حكم؛ بل ~~لتطييب النفوس؛ ولورود السنة بها؛ ولأن ذلك أنفى للتهمة فكان سنة، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم وإذا قسم بأجرة فأجرة القسمة على عدد الرءوس عند أبي ~~حنيفة - رحمه الله -، وعندهما - رحمهما الله - على قدر الأنصباء. # (وجه) قولهما أن أجرة القسمة من مؤنات الملك فيتقدر بقدره كالنفقة. # (وجه) قول أبي حنيفة - عليه الرحمة - أن الأجرة بمقابلة العمل، وعمله في ~~حق الكل على السواء فكانت الأجرة عليهم على السواء؛ وهذا لأن عمله تمييز ~~الأنصباء، والتمييز عمل واحد؛ لأن تمييز القليل من الكثير، ms4005 هو بعينه تمييز ~~الكثير من القليل، والتفاوت في شيء واحد محال، وإذا لم يتفاوت العمل لا ~~تتفاوت الأجرة بخلاف النفقة؛ لأنها بمقابلة الملك، والملك يتفاوت فهو ~~الفرق، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى المقسوم # له] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المقسوم له فأنواع: (منها) أن لا يلحقه ضرر في أحد ~~نوعي القسمة دون النوع الآخر، وبيان ذلك أن القسمة نوعان: قسمة جبر: وهي ~~التي يتولاها القاضي، وقسمة رضا: وهي التي يفعلها الشركاء بالتراضي، وكل ~~واحد منهما على نوعين: قسمة تفريق، وقسمة جمع. # (أما) قسمة التفريق فنقول - وبالله تعالى التوفيق: إن الذي تصادفه القسمة ~~لا يخلو من أحد وجهين: (إما) أن يكون مما لا ضرر في تبعيضه بالشريكين أصلا ~~بل لهما فيه منفعة. # (وإما) أن يكون مما في تبعيضه مضرة، فإن كان مما لا مضرة في تبعيضه أصلا ~~بل فيه منفعة للشريكين، كالمكيل والموزون والعددي المتقارب، فتجوز قسمة ~~التفريق فيها قسمة جبر، كما تجوز فيها قسمة الرضا؛ لتحقق ما شرع له القسمة، ~~وهو تكميل منافع الملك. # وإن كان مما في تبعيضه ضرر فلا يخلو من أحد وجهين: (إما) أن يكون فيه ضرر ~~بكل واحد منهما. # (وإما) أن يكون فيه ضرر بأحدهما نفع في حق الآخر، فإن كان في تبعيضه ضرر ~~بكل واحد منهما فلا تجوز قسمة الجبر فيه، وذلك نحو اللؤلؤة الواحدة ~~والياقوتة والزمردة والثوب الواحد والسرج والقوس والمصحف الكريم، والقباء ~~والجبة والخيمة والحائط والحمام والبيت الصغير والحانوت الصغير والرحى ~~والفرس والجمل والبقرة والشاة؛ لأن القسمة في هذه الأشياء قسمة إضرار ~~بالشريكين جميعا، والقاضي لا يملك الجبر على الإضرار، وكذلك النهر والقناة ~~والعين والبئر؛ لما قلنا فإن كان مع ذلك أرض؛ قسمت الأرض وتركت البئر ~~والقناة على الشركة. # (فأما) إذا كانت أنهار الأرضين متفرقة أو عيونا أو آبارا؛ قسمت الآبار ~~والعيون؛ لأنه لا ضرر في القسمة، وكذا الباب والساحة والخشبة إذا كان في ~~قطعهما ضرر فإن كانت الخشبة كبيرة يمكن تعديل القسمة فيها من غير ضرر؛ ~~جازت، ms4006 وتجوز قسمة الرضا في هذه الأشياء بأن يقتسماها بأنفسهما بتراضيهما؛ ~~لأنهما يملكان الإضرار بأنفسهما مع ما أن ذلك لا يخلو عن نوع نفع، وما لا ~~تجري # PageV07P019 # فيه القسمة لا يجبر واحد منهما على بيع حصته من صاحبه عند عامة العلماء، ~~وقال مالك - رحمه الله -: إذا اختصما فيه؛ باع القاضي وقسم الثمن بينهما. # والصحيح قول العامة؛ لأن الجبر على إزالة الملك غير مشروع، وعلى هذا طريق ~~بين رجلين طلب أحدهما القسمة وأبى الآخر فإن كان يستقيم لكل واحد منهما ~~طريق نافذ بعد القسمة يجبر على القسمة؛ لأن القسمة تقع تحصيلا لما شرعت له ~~- وهو تكميل منافع الملك - فيجبر عليها، وإن كان لا يستقيم لا يجبر على ~~القسمة؛ لأنها قسمة إضرار بالشريكين فلا يليها القاضي إلا إذا كان لكل واحد ~~منهما في نصيبه من الدار مفتح من وجه آخر فيقسم أيضا؛ لأن القسمة في هذه ~~الصورة لا تقع إضرارا، ولو اقتسما بأنفسهما جازت لتراضيهما بالضرر، وكذلك ~~المسيل المشترك إذا طلب أحدهما القسمة وأبى الآخر. # وإن كان بحال لو قسم يصيب كل واحد منهما بعد القسمة قدر ما يسيل ماؤه، أو ~~كان له موضع آخر يمكنه التسييل فيه يقسم وإن لم يمكن لم يقسم؛ لما ذكرنا في ~~الطريق، وعلى هذا إذا طلب أحدهما مفتح الدار من غير رفع الطريق، وأبى الآخر ~~إلا برفع الطريق أنه إن كان لكل واحد منهما مفتح آخر يفتحه في نصيبه؛ قسم ~~بينهما بغير رفع الطريق؛ لأن ما هو المطلوب من القسمة - وهو تكميل منافع ~~الملك في هذه القسمة - أوفر وإن لم يكن رفع بينهما طريقا وقسم الباقي؛ لأنه ~~إذا لم يكن بينهما مفتح كانت القسمة بغير طريق تفويتا للمنفعة لا تكميلا ~~لها، فكانت إضرارا بهما وهذا لا يجوز إلا إذا اقتسما بأنفسهما بغير طريق ~~فيجوز لما قلنا، ولو اختلفا في سعة الطريق وضيقه جعل الطريق على قدر عرض ~~باب الدار وطوله على أدنى ما يكفيها؛ لأن الطريق وضع للاستطراق، والباب هو ~~الموضوع مدخلا إلى أدنى ما يكفي للاستطراق ms4007 فيحكم فيه، والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # وعلى هذا إذا بنى رجلان في أرض رجل بإذنه، وطلب أحدهما قسمة البناء وأبى ~~الآخر، وصاحب الأرض غائب؛ لم تقسم؛ لأن الأرض المبني عليها بينهما شائع ~~بالإعارة أو بالإجارة، فلو قسم البناء بينهما لكان لكل واحد منهما سبيل في ~~بعض نصيب صاحبه وفيه ضرر، فلا يجبر على القسمة، ولو اقتسما بالتراضي جازت، ~~وكذا لو هدمها وكانت الآلة بينهما، وعلى هذا زرع بين رجلين في أرض مملوكة ~~لهما؛ طلب أحدهما قسمة الزرع دون الأرض، فإن كان الزرع قد بلغ وسنبل لا ~~يقسم؛ لما ذكرنا من قبل، ولو طلبا جميعا لا يقسم أيضا؛ لأن المانع هو الربا ~~وحرمة الربا لا تحتمل الارتفاع بالرضا، وإن كان الزرع بقلا فطلب أحدهما لا ~~يقسم أيضا؛ لأن الأرض مملوكة لهما على الشركة فلو قسم؛ لكان كل واحد منهما ~~بسبيل من القطع وفيه ضرر ولا جبر على الضرر. # ولو اقتسما بأنفسهما وشرطا القطع جازت؛ لأنهما رضيا بالضرر، ولو شرطا ~~الترك لم يجز؛ لأن رقبة الأرض مشتركة بينهما فكان شرط الترك منهما في ~~القسمة شرطا لانتفاع كل واحد منهما بملك شريكه، ومثل هذا الشرط مفسد للبيع ~~فكان مفسدا للقسمة؛ لأن فيها معنى البيع، وكذلك لو لم تكن الأرض مملوكة ~~لهما، وكانت في أيديهما بالإعارة أو بالإجارة، والزرع بقل لا تقسم؛ لما ~~ذكرنا، ولو اقتسما بأنفسهما جازت بشرط القطع، ولا تجوز بشرط الترك كالبيع ~~على ذكرنا، وكذلك طلع بين رجلين طلب أحدهما قسمة الطلع دون النخل والأرض لم ~~يقسم؛ لما ذكرنا في الزرع، ولو اقتسما بالتراضي فإن شرطا القطع جاز، وإن ~~شرطا الترك لم يجز؛ لما ذكرنا في الزرع. # ولو تركه بعد القسمة بإذن صاحبه فأدرك وقلع فالفضل له طيب؛ لأنه وإن حصل ~~في ملك مشترك لكنه حصل بإذن شريكه فلا يكون خبيثا، وإن لم يأذن له يتصدق ~~بالفضل؛ لتمكن الخبث فيه فكان سبيله التصدق، هذا إذا كان شيئا في تبعيضه ~~ضرر بكل واحد من الشريكين، فأما إذا كان شيئا في تبعيضه ضرر ms4008 بأحدهما دون ~~الآخر، كالدار المشتركة بين رجلين ولأحدهما فيها شقص قليل فإن طلب صاحب ~~الكثير القسمة قسمتا إجماعا؛ لأن القسمة في حقه مفيدة؛ لوقوعها محصلة لما ~~شرعت له من تكميل منافع الملك، وفي حق صاحب القليل تقع منعا له من الانتفاع ~~بنصيبه إذ لا يقدر صاحب القليل على الانتفاع بنصيبه إلا بالانتفاع بنصيب ~~صاحب الكثير؛ لقلة نصيبه فكانت القسمة في حقه منعا له من الانتفاع بنصيب ~~شريكه فجازت، وإن طلب صاحب القليل القسمة فقد ذكر الحاكم الجليل في مختصره ~~أنه يقسم، وذكر القدوري - رحمه الله - أنه لا يقسم. # (وجه) ما ذكره الحاكم أنه لا ضرر في هذه القسمة في حق صاحب الكثير، بل له ~~فيه منفعة فكان في الإباء متعنتا فلا يعتبر إباؤه، وصاحب القليل قد # PageV07P020 # رضي بالضرر حيث طلب القسمة فيجبر على القسمة، كما إذا لم يكن في تبعيضه ~~ضرر بأحدهما أصلا بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك تقع القسمة إضرارا بكل واحد ~~منهما ولم يوجد الرضا بالضرر، والقاضي لا يملك الجبر على الإضرار فهو ~~الفرق. # (وجه) ما ذكره القدوري - رحمه الله - أن صاحب القليل متعنت في طلب ~~القسمة؛ لكون القسمة ضررا محضا في حقه فلا يعتبر طلبه، وقسمة الجبر لم تشرع ~~بدون الطلب، ولو اقتسما بأنفسهما جازت؛ لما ذكرنا أن صاحب القليل قد رضي ~~بالضرر بنفسه ولا ضرر فيه لصاحب الكثير أصلا فجازت قسمتها. # وعلى هذا دار بين شريكين قسمت بينهما، فأصاب أحدهما موضع بغير طريق شرط ~~له في القسمة، فإن كان له فيما أصابه مفتح إلى الطريق جازت القسمة؛ لأنه لا ~~مضرة له فيها إذ يمكنه الانتفاع بنصيبه بفتح طريق آخر، وإن لم يكن له فيما ~~أصابه مفتح أصلا فإن ذكر الحقوق في القسمة؛ فله حق الاختيار في نصيب صاحبه؛ ~~لأن الطريق من الحقوق فصار مذكورا بذكر الحقوق، وإن لم يذكر لم تجز القسمة؛ ~~لأنها قسمة إضرار في حق أحد الشريكين، وكذلك إذا قسمت بغير مسيل شرط ~~لأحدهما، ووقع المسيل في نصيب الآخر؛ فهو على التفصيل الذي ذكرنا ms4009 في ~~الطريق، ولو اقتسما على أن لا طريق له، ولا مسيل جازت؛ لأنه رضي بالضرر، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # وعلى هذا الأصل تخرج قسمة الجمع أنه لا يجبر عليها في جنسين؛ لأنها في ~~الأجناس المختلفة تقع إضرارا في حق أحدهما فلا يجبر عليها على ما سنذكر - ~~إن شاء الله تعالى الذي ذكرنا قسمة التفريق. # وأما قسمة الجمع: فهي أن يجمع نصيب كل واحد من الشريكين في عين على حدة، ~~وأنها جائزة في جنس واحد ولا تجوز في جنسين؛ لأنها عند اتحاد الجنس تقع ~~وسيلة إلى ما شرعت له - وهو تكميل منافع الملك - وعند اختلاف الجنس تقع ~~تفويتا للمنفعة لا تكميلا لها إذا عرفت هذا، فنقول: لا خلاف في الأمثال ~~المتساوية، وهي المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة من جنس واحد تقسم ~~قسمة جمع؛ لأنه يمكن استيفاء ما شرعت له القسمة فيها من غير ضرر؛ لانعدام ~~التفاوت، وكذلك تبر الذهب وتبر النحاس وتبر الحديد؛ لما قلنا، وكذلك الثياب ~~إذا كانت من جنس واحد كالهروية، وكذلك الإبل والبقر والغنم؛ لأن التفاوت ~~عند اتحاد الجنس والمطلوب لا يتفاحش بل يقل. # والتفاوت القليل ملحق بالعدم أو يجبر بالقيمة فيمكن تعديل القسمة فيه، ~~وكذلك اللآلئ المنفردة، وكذا اليواقيت المنفردة؛ لما قلنا، وكذا لا خلاف في ~~أنه لا يقسم في جنسين من المكيل والموزون والمزروع والعددي قسمة جمع، ~~كالحنطة والشعير والقطن والحديد والجوز واللوز والثياب البردية والمروية، ~~وكذلك اللآلئ واليواقيت، وكذا الخيل والإبل والبقر والغنم، وكذا إذا كان من ~~كل جنس فرد كبرذون وجمل وبقرة وشاة وثوب وقباء وجبة وقميص ووسادة وبساط؛ ~~لأن هذه الأشياء لو قسمت على الجمع كان لا يخلو من أحد الوجهين: إما أن ~~تقسم باعتبار أعيانها، وإما أن تقسم باعتبار قيمتها بإن يضم إلى بعضها ~~دراهم أو دنانير لا سبيل إلى الأول؛ لأن فيه ضررا بأحدهما لكثرة التفاوت ~~عند اختلاف الجنس، والقاضي لا يملك الجبر على الضرر، ولا سبيل إلى الثاني؛ ~~لأن ذلك قسمة في غير محلها؛ لأن محلها الملك المشترك ولم يوجد في ms4010 الدراهم. # ولو اقتسما بأنفسهما أو تراضيا على ذلك جازت القسمة، حتى لو اقتسما ثوبين ~~مختلفي القيمة وزاد مع الأوكس دراهم مسماة جاز، وكذا في سائر المواضع، ~~ويكون ذلك قسمة الرضا لا قسمة القضاء، وكذا الأواني سواء اختلفت أصولها أو ~~اتحدت؛ لأنها بالصناعة أخذت حكم جنسين، حتى جاز بيع الأواني الصغار واحدا ~~باثنين. # وأما الرقيق فلا يقسم عند أبي حنيفة - رحمه الله - قسمة جمع، وعندهما ~~يقسم. # (وجه) قولهما أن الرقيق على اختلاف أوصافها وقيمتها جنس واحد فاحتمل ~~القسمة كسائر الحيوانات من الإبل والبقر والغنم، وما فيها من التفاوت يمكن ~~تعديله بالقيمة. # (وجه) قول أبي حنيفة أنه لم يوجد شرط جواز القسمة، وجواز التصرف بدون شرط ~~جوازه محال، وبيان ذلك على نحو ما ذكرنا أنا لو قسمناها رقا - باعتبار ~~أعيانها - فقد أضررنا بأحدهما لتفاحش التفاوت بين عبد وعبد في المعاني ~~المطلوبة من هذا الجنس، فكانا في حكم جنسين مختلفين، ومن شرط جواز هذه ~~القسمة أن لا تتضمن ضررا بالمقسوم عليه، ولو قسمناها باعتبار القيمة لوقعت ~~القسمة في غير محلها؛ لأن محلها الملك المشترك ولا شركة في القيمة، ~~والمحلية من شرائط صحة التصرف فصح ما ذكرنا، ولو اقتسما بأنفسهما جاز # PageV07P021 # لتراضيهما بالضرر، وكذا لو كان مع الرقيق غيره قسم. # كذا ذكره في كتاب القسمة؛ لأنه إن كان لا يحتمل القسمة مقصودا فيجعل تبعا ~~لما يحتملها فيقسم بطريق التبعية، كالشرب والطريق أنه لا يجوز بيعهما ~~مقصودا، ثم يدخلان في البيع تبعا للنهر والأرض، كذا هذا، وذكر الجصاص أن ~~المذكور في الأصل محمول على قسمة الرضا. # وأما قسمة القضاء فلا تجوز، وإن كان مع غيره؛ لأن غير المقسوم ليس تبعا ~~للمقسوم بل هو أصل بنفسه - بخلاف الشرب والطريق -، وكذلك الدور عند أبي ~~حنيفة لا تقسم قسمة جمع حتى لو كان بين رجلين داران تقسم كل واحدة على ~~حدتها، سواء كانتا منفصلتين أو متلاصقتين، وعندهما ينظر القاضي في ذلك إن ~~كان الأعدل في الجمع جمع، وإن كان الأعدل في التفريق فرق، وكذا لو كان ~~بينهما أرضان ms4011 أو كرمان فهو على الاختلاف. # وأما البيتان فيقسمان قسمة جمع إجماعا متصلين كانا أو منفصلين، وكذا ~~المنزلان المتصلان. # وأما المنفصلان في دار واحدة فعلى الخلاف. # وجه قولهما أن الدور كلها جنس واحد، والتفاوت الذي بين الدارين يمكن ~~تعديله بالقيمة فيفوض إلى رأي القاضي إن رأى الأعدل في التفريق فرق، وإن ~~رأى الأعدل في الجمع جمع ولأبي حنيفة - رحمه الله - على نحو ما ذكرنا في ~~الرقيق أن القسمة فيها باعتبار أعيانها، ويقع ضرر التفاوت متفاحشا بين دار ~~ودار؛ لاختلاف الدور في أنفسها واختلافها باختلاف البناء والبقاع، فكانا في ~~حكم جنسين مختلفين، والقسمة فيها باعتبار القيمة تقع تصرفا في غير محله فلا ~~يصح، ولو اقتسما بأنفسهما أو بالقاضي بتراضيهما جاز؛ لما مر، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # وأما دار وضيعة أو دار وحانوت فلا تجمع بالإجماع، بل يقسم كل واحدة على ~~حدة؛ لاختلاف الجنس، ومنها الطلب في أحد نوعي القسمة - وهو قسمة الجبر - ~~حتى أنه لو لم يوجد الطلب من أحد الشركاء أصلا لم تجز القسمة؛ لأن القسمة ~~من القاضي تصرف في ملك الغير والتصرف في ملك الغير من غير إذنه محظور في ~~الأصل، إلا أنه عند طلب البعض يرتفع الحظر؛ لأنه إذا طلب علم أنه له في ~~استيفاء هذه الشركة ضررا، إذ لو كان الطلب لتكميل المنفعة لطلب صاحبه، وكان ~~عليه أن يمتنع من الإضرار ديانة، فإذا أبى القسمة، علم أنه لا يمتنع فيدفع ~~القاضي ضرره بالقسمة، فكانت القسمة في هذه الصورة من باب دفع الضرر، ~~والقاضي نصب له، ونظيره الشفعة، فإن الشفيع يتملك الدار على المشتري ~~بالشفعة من غير رضا دفعا لضرره؛ لأنه لما طلب الشفعة علم أنه يتضرر بجواره ~~فالشرع دفع ضرره عنه بإثبات حق التمليك بالشفعة جبرا عليه، كذا هذا. # (ومنها) الرضا في أحد نوعي القسمة، وهو رضا الشركاء فيما يقسمونه بأنفسهم ~~إذا كانوا من أهل الرضا، أو رضا من يقوم مقامهم، إذا لم يكونوا من أهل ~~الرضا فإن لم يوجد لا يصح، حتى لو كان في الورثة صغير ms4012 لا وصي له، أو كبير ~~غائب، فاقتسموا؛ فالقسمة باطلة؛ لما ذكرنا أن القسمة فيها معنى البيع، ~~وقسمة الرضا أشبه بالبيع، ثم لا يملكون البيع إلا بالتراضي، فكذا القسمة، ~~إلا إذا لم يكونوا من أهل الرضا كالصبيان والمجانين فيقسم الولي أو الوصي ~~إذا كان في القسمة منفعة لهم؛ لأنهما يملكان البيع فيملكان القسمة، وكذا ~~إذا كان فيهم صغير وله ولي، أو وصي، يقتسمون برضا الولي أو الوصي، فإن لم ~~يكن نصب القاضي عن الصغير وصيا، واقتسموا برضاه فإن أبى ترافعوا إلى ~~القاضي، حتى يقسم بينهم، ومنها حضرة الشركاء أو من يقوم مقامهم في نوعي ~~القسمة، حتى لو كان فيهم كبير غائب لا تجوز القسمة أصلا ولا يقسم القاضي ~~أيضا إذا لم يكن عنه خصم حاضر ولكنه لو قسم لا تنقص قسمته؛ لأنه صادف محل ~~الاجتهاد فلا ينقض. # ومنها البينة في قسمة القضاء في الإقرار بميراث الإقرار عند أبي حنيفة - ~~رحمه الله - وعندهما ليست بشرط ويقسم بإقرارهم فنقول - جملة الكلام في بيان ~~هذين الشرطين: إن جماعة إذا جاءوا إلى القاضي، وهم عقلاء بالغون أصحاء في ~~أيديهم مال، فأقروا أنه ملكهم، وطلبوا القسمة من القاضي فهذا لا يخلو في ~~الأصل من أحد وجهين:. # (إما) أن يقروا بالملك مطلقا عن ذكر سبب، وإما أن يقروا بالملك بسبب ~~ادعوا انتقال الملك به من أحد، وكل وجه على وجهين: (إما) أن يكون المال ~~الذي في أيديهم منقولا، وإما أن يكون عقارا، فإن أقروا بالملك مطلقا عن سبب ~~الانتقال قسم بإقرارهم، ويذكر في الإشهاد في كتاب الصك أني قسمت بإقرارهم ~~ولم أقض فيه على أحد. # ولا يطلب منهم البينة على أصل الملك منقولا # PageV07P022 # كان المال أو عقارا، إذا لم يكن فيهم كبير غائب؛ لأنه وجد دليل الملك وهو ~~اليد والإقرار من غير منازع، ولا دعوى انتقال الملك من أحد إليه، فإن كان ~~فيهم كبير غائب لم يقسم؛ لما ذكرنا أن حضرة الشركاء أو من يقوم مقامهم شرط ~~ولم يوجد؛ لأن الخصوم في هذا الموضع لا يصلحون خصما ms4013 عن الغائب، وإن أقروا ~~بالملك بسبب الميراث بأن قالوا: هو بيننا ميراث عن فلان فإن كان المال ~~منقولا؛ قسم بينهم بإقرارهم بالإجماع، ولا تطلب منهم البينة، وإن كان فيهم ~~كبير غائب بعد أن كان الحاضران اثنين كبيرين أو أحدهما صغير قد نصب عنه ~~وصي، وإن كان المال عقارا فلا يقسم عند أبي حنيفة - رحمه الله - حتى يقيموا ~~البينة على موت فلان وعلى عدد الورثة، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - ~~يقسم بينهم بإقرارهم، ويشهد على ذلك في الصك. # (وجه) قولهما أن محل قسمة الملك المشترك وقد وجد لوجود دليل الملك - وهو ~~اليد والإقرار بالإرث - من غير منازع فصادفت القسمة محلها فيقسم، ويكتب أنه ~~قسم بإقرارهم كما في المنقول؛ ولأن البينة إنما تقام على منكر، والكل مقرون ~~فعلى من تقام البينة؟ (وجه) قول أبي حنيفة أن هذه قسمة صادفت حق الميت ~~بالإبطال فلا تصح إلا ببينة كدعوى الاستحقاق على الميت، وبيان ذلك أن الدار ~~قبل القسمة مبقاة على حكم ملك الميت، بدليل أن الزوائد الحادثة قبل القسمة ~~تحدث على ملكه، حتى لو كانت التركة شجرة فأثمرت كان الثمر له حتى تقضى منه ~~ديونه، وتنفذ منه وصاياه، فكانت القسمة تصرفا على ملكه بالإبطال فلا يجوز ~~إلا ببينة بخلاف المنقول؛ لأن القسمة ليس قطعا لحق الميت بل هي حفظ حق ~~الميت؛ لأن المنقول محتاج إلى الحفظ والقسمة نوع حفظ له. # وأما العقار فمستغن عن الحفظ، فبقيت قسمته قطعا لحقه فلا يملك إلا ببينة. # وأما قولهما لا منكر ههنا فعلى من تقام البينة؟ (قلنا) : تقام على بعض ~~الورثة من البعض، وإن كانوا مقرين - وذلك جائز - كالأب أو الوصي إذا أقرا ~~على الصغير لا يصح إقراره إلا بالبينة ولا منكر ههنا، كذا هذا. # هذا إذا أقروا بالملك بسبب الإرث، فإن أقروا به بسبب الشراء من فلان ~~الغائب فإن كان المال منقولا قسم بينهم بإقرارهم بلا خلاف، وإن كان عقارا ~~ذكر في ظاهر الرواية أنه يقسم بإقرارهم ولا تطلب منهم البينة على الشراء من ~~فلان، وفرق ms4014 بين الشراء وبين الميراث، وروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - ~~أنه لا يقسم إلا بالبينة كالميراث. # (وجه) هذه الرواية أنهم لما أقروا أنهم ملكوه بالشراء من فلان فقد أقروا ~~بالملك له، وادعوا الانتقال إليهم من جهته، فإقرارهم مسلم ودعواهم ممنوعة ~~ومحتاجة إلى الدليل وهو البينة. # (وجه) ظاهر الرواية وهو الفرق بين الشراء وبين الميراث أن امتناع القسمة ~~في المواريث بنفس الإقرار لما يتضمن من إبطال حق الميت، وذلك منعدم في باب ~~البيع إذ لا حق باق للبائع في المبيع بعد البيع والتسليم؛ فصادفت محلها ~~فصحت، هذا إذا لم يكن في الورثة كبير غائب أو صغير حاضر، فإن كان فأقروا ~~بالميراث فلا يشكل، عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه لا يقسم بإقرارهم؛ ~~لأنه لا يقسم بين الكبار الحضور فكيف يقسم ههنا؟ وأما عندهم فينظر إن كانت ~~الدار في يد الكبار الحضور يقسم بينهم؛ لما بينا، ويضع حصة الغائب على يد ~~عدل يحفظه؛ لأن بعض الورثة خصم من البعض، وينصب عن الصغير وصيا وإن كانت ~~الدار في يد الغائب الكبير أو في يد الحاضر الصغير أو في أيديهما منها شيء؛ ~~لا يقسم، حتى تقوم البينة على الميراث وعدد الورثة بالإجماع. # لأنه إذا كان في يده من الدار شيء فالحاجة إلى استحقاق ذلك من يده، فلا ~~يصح إلا ببينة هذا إذا لم تقم البينة على ميراث العقار، فأما إذا قامت ~~البينة عليه وطلبوا القسمة فإنه ينظر: إن كان الحاضر اثنين فصاعدا والغائب ~~واحدا أو أكثر وفيهم صغير حاضر؛ فإنه يقسم ويعزل نصيب كل كبير وصغير، فيوكل ~~وكيلا يحفظه، بخلاف الملك المطلق إذا حضر شريكان وشريك غائب؛ أنه لا يقسم. # (ووجه) الفرق ما ذكرنا أن قسمة العقار تصرف على الميت وقضاء عليه بقطع ~~حقه عن التركة، وكل واحد من الورثة قائم مقام الميت فيما له وعليه؛ ولهذا ~~يرد كل واحد منهم بالعيب، ويرد عليه فإذا كان الحاضر اثنين فصاعدا أمكن أن ~~يجعل أحدهما خصما عن الميت في القضاء عليه، والآخر مقضيا له ms4015 فتصح القسمة، ~~وإن كان الحاضر واحدا والباقون غيبا لم يقسم؛ لأنه لا يمكن أن يجعل هو خصما ~~عن الميت حتى تسمع البينة عليه؛ لاستحالة كون الشخص الواحد في زمان واحد ~~بجهة واحدة مقضيا له وعليه، وإن كان مع الحاضر وارث # PageV07P023 # صغير نصب القاضي عنه وصيا وقسم؛ لأن القسمة ههنا ممكنة؛ لوجود متقاسمين ~~حاضرين، وإذا قسم المنقول - بين الورثة بإقرارهم - أو العقار - بالبينة عند ~~أبي حنيفة - رحمه الله - وفيهم كبير غائب فعزل نصيبه ووضعه على يدي عدل، ثم ~~حضر الغائب فإن أقر، كما أقروا أولئك، فقد مضى الأمر، وإن أنكر ترد القسمة ~~في المنقول بالإجماع. # وكذلك في العقار عند أبي يوسف ومحمد، وعند أبي حنيفة - عليه الرحمة - في ~~العقار لا ترد القسمة؛ لأن القسمة المبنية على البينة قد تقدمت على الغائب ~~فلا يعتبر إنكاره، ولو كانت الدار ميراثا وفيه وصية بالثلث وبعض الورثة ~~غائب، فطلب الموصى له بالثلث القسمة بعد ما أقام البينة على الميراث والثلث ~~قسم؛ لأن الموصى له بمنزلة واحدة من الورثة، فإذا كان معه وارث حاضر فكأنه ~~حضر اثنان من الورثة، ولو كان كذلك؛ قسم وإن كان الباقون غيبا، كذا هذا ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # ومنها أن يكون المقسوم عليه مالكا للمقسوم وقت القسمة، وهو أن يكون له ~~فيه ملك فإن لم يكن، لم تجز القسمة؛ لما سنذكره إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى المقسوم] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المقسوم فواحد وهو أن يكون المقسوم مملوكا للمقسوم له ~~وقت القسمة، فإن لم يكن لا تجوز القسمة؛ لأن القسمة إفراز بعض الأنصباء، ~~ومبادلة البعض، وكل ذلك لا يصح إلا في المملوك، وعلى هذا إذا استحقت العين ~~المقسومة تبطل القسمة في الظاهر، وفي الحقيقة تبين أنها لم تصح، ولو استحق ~~شيء منها تبطل في القدر المستحق، ثم قد تستأنف القسمة وقد لا تستأنف، ويثبت ~~الخيار وقد لا يثبت. # وبيان هذه الجملة: أنه إذا ورد الاستحقاق على المقسوم لا يخلو الأمر فيه ~~من أحد وجهين: إما ms4016 أن ورد على كله، وإما أن ورد على جزء، فإن ورد على كل ~~المقسوم تبطل القسمة، وفي الحقيقة لم تصح من الأصل؛ لانعدام شرط الصحة - ~~وهو الملك المشترك - فتستأنف القسمة، وإن ورد على جزء من المقسوم لا يخلو ~~من أحد وجهين أيضا: إما أن ورد على جزء شائع منه وإما أن ورد على جزء معين ~~من أحد النصيبين، فإن ورد على جزء شائع لا يخلو من أحد وجهين: أيضا إما أن ~~ورد على جزء شائع من النصيبين جميعا، وإما أن ورد على جزء شائع من أحد ~~النصيبين دون الآخر، فإن ورد الآخر على جزء شائع من النصيبين جميعا. # كالدار المشتركة بين رجلين نصفين، اقتسماها فأخذ أحدهما ثلثا من مقدمها، ~~وأخذ الآخر ثلثين من مؤخرها، وقيمتها سواء بأن كانت قيمة كل واحد منهما ~~ستمائة درهم مثلا فاستحق نصف الدار فاستأنف القسمة بالإجماع؛ لأنه ~~بالاستحقاق تبين أن نصف الدار شائعا ملك المستحق، فتبين أن القسمة لم تصح ~~في النصف الشائع، وذلك غير معلوم فبطلت القسمة أصلا، وإن استحق نصف نصيب ~~صاحب المقدم شائعا تستأنف القسمة أيضا عند أبي يوسف - رحمه الله -؛ لأنه ~~ظهر أن المستحق شريكهما في الدار فظهر أن قسمتهما لم تصح دونه، فتستأنف ~~القسمة، كما إذا ورد الاستحقاق على نصف الدار شائعا. # وعند أبي حنيفة ومحمد - عليهما الرحمة - له الخيار إن شاء أمسك ما في يده ~~ورجع بباقي حصته وهو مثل ما استحق في نصيب الآخر، وإن شاء فسخ القسمة؛ لأن ~~بالاستحقاق ظهر أن القسمة لم تصح في القدر المستحق لا فيما وراءه؛ لأن ~~المانع من الصحة انعدام الملك، وذلك في القدر المستحق لا في ما وراءه، وليس ~~من ضرورة انعدام الصحة في القدر المستحق انعدامها في الباقي. # لأن معنى القسمة - وهو الإفراز والمبادلة - لم ينعدم باستحقاق هذا القدر ~~في الباقي فلا تبطل القسمة في الباقي، بخلاف ما إذا استحق نصف الدار شائعا؛ ~~لأن هناك وإن ورد الاستحقاق على النصف فأوجب بطلان القسمة فيه مقصودا، لكن ~~من ضرورته بطلان القسمة ms4017 في الباقي؛ لانعدام معنى القسمة في الباقي أصلا، ~~وههنا لم ينعدم فلا تبطل، لكن يثبت الخيار إن شاء رجع بباقي حصته في نصيب ~~شريكه وذلك مثل نصف المستحق؛ لأن القدر المستحق من النصيبين جميعا، فيرجع ~~عليه بذلك وهو ربع نصيبه إن شاء، وإن شاء فسخ القسمة؛ لاختلاف معناها ~~ولدخول عيب الشركة، إذ الشركة في الأعيان المجتمعة عيب، والعيب يثبت ~~الخيار، وذكر الطحاوي - رحمه الله - الخلاف في المسألة بين أبي حنيفة ~~وصاحبيه، ولو كان صاحب المقدم باع نصف ما في يده واستحق النصف الباقي فإنه ~~يرجع على صاحبه بربع ما في يده عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يغرم ~~نصف قيمة ما باع لشريكه ويضمه إلى ما في يد شريكه ويقتسمان نصفين. # (وجه) قول أبي يوسف ما بينا أن بالاستحقاق ظهر أن القسمة لم تصح أصلا # PageV07P024 # وأن البيع كان فاسدا فيضمن نصف قيمة ما باع شريكه، ثم يقتسمان الباقي ~~نصفين. # (وجه) قولهما ما ذكرنا في المسألة المقدمة، إلا أن هنا لا يثبت خيار ~~الفسخ؛ لمانع وهو البيع فيرجع على صاحبه بربع ما في يده، ولو استحق نصف ~~معين من أحد النصيبين لا تبطل القسمة بالإجماع؛ لما ذكرنا في المسائل ~~المتقدمة بل أولى؛ لأن الاستحقاق ههنا ورد على جزء معين، فلا يظهر أن ~~المستحق كان شريكا لهما فلا تبطل القسمة لكن يثبت الخيار، والمستحق عليه إن ~~شاء نقض القسمة؛ لأن الاستحقاق أوجب انتقاض المعقود عليه، والانتقاض في ~~الأعيان المجتمعة عيب، فيثبت الخيار، وإن شاء رجع على صاحبه بربع ما في ~~يده؛ لما بينا أن القدر المستحق من النصيبين جميعا، ولو استحق كل ما في يده ~~لرجع عليه بالنصف فإذا استحق النصف يرجع بالربع، والله - سبحانه وتعالى - ~~أعلم. # وعلى هذا مائة شاة بين رجلين اقتسماها، فأخذ أحدهما أربعين تساوي خمسمائة ~~درهم، وأخذ الآخر ستين تساوي خمسمائة درهم فاستحقت شاة من الأربعين تساوي ~~عشرة دراهم لم تبطل القسمة بالإجماع؛ لأنه تبين أن القسمة صادفت المملوك ~~فيما وراء القدر المستحق، والمستحق معين فلا تظهر ms4018 الشركة هنا أصلا، فلا ~~تبطل القسمة، ولكن يرجع على شريكه بحقه وهو خمسة دراهم؛ لأن المستحق من ~~النصيبين جميعا عشرة دراهم، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # كر حنطة بين رجلين نصفان عشرة منه طعام جيد، وثلاثون رديء فاقتسماه، فأخذ ~~أحدهما عشرة أقفزة جيدة وثوبا، وأخذ الآخر ثلاثين رديئا، حتى جازت القسمة ~~فاستحق من الثلاثين عشرة أقفزة، يرجع على صاحبه بنصف الثوب استحسانا، ~~والقياس ما ذكره في الزيادات أنه يرجع عليه بثلث الثوب وثلث الطعام الجيد. # ووجهه أن الاستحقاق ورد على عشرة شائعة في الثلاثين، فكان المستحق في ~~الحقيقة من كل عشرة ثلثها، وذلك يوجب الرجوع بثلث الطعام الجيد. # وجه الاستحسان أن طريق جواز هذه القسمة أن تكون العشرة بمقابلة العشرة، ~~والعشرون بمقابلة الثوب، فإذا استحق منه عشرة، وأنه بمقابلة نصف الثوب؛ ~~فيرجع عليه بنصف الثوب، وقوله: للمستحق عشرة شائعة في الثلاثين لا العشرة ~~المعينة - وهي التي من حصة الثوب - فنعم. # هذا هو الحقيقة، إلا أنا لو عملنا بهذه الحقيقة؛ لاحتجنا إلى نقض القسمة ~~وإعادتها، ولو صرفنا الاستحقاق إلى عشرة - هي من حصة الثوب - لم نحتج إلى ~~ذلك، وتصرف العاقل تجب صيانته عن النقض والإبطال ما أمكن، وذلك فيما قلناه. # وعلى هذا أرض بين رجلين نصفين قسمت، ثم استحق أحد النصيبين وقد بنى صاحبه ~~فيه بناء أو غرس غرسا فنقض البناء وقلع الغرس؛ لم يرجع المستحق عليه على ~~صاحبه بشيء من قيمة البناء والغرس، والأصل فيه أن كل قسمة وقعت بإجبار ~~القاضي أو باختيار الشريكين، على الوجه الذي يجبرهما القاضي، ولو ترافعا ~~إليه ثم استحق أحد النصيبين وقد بنى صاحبه فيه بناء أو غرس غرسا فنقض وقلع؛ ~~لا يرجع بشيء من ذلك على صاحبه؛ لأن صاحبه مجبور على القسمة من جهة القاضي ~~فيكون مضافا إلى القاضي، أما إذا وقعت القسمة بإجبار القاضي فلا شك فيه، ~~وكذا إذا اقتسما بأنفسهما؛ لأن ذلك قسمة جبر من حيث المعنى؛ لدخولهما تحت ~~جبر القاضي عند المرافعة إليه، وإذا كان مجبورا عليه فلم يوجد منه ضمان ~~السلامة؛ ms4019 فلا يؤاخذ بضمان الاستحقاق، إذ هو ضمان السلامة. # ونظير هذا الشفيع إذا أخذ العقار من المشتري بالشفعة، وبنى فيه أو غرس، ~~ثم استحق وقلع البناء لا يرجع بقيمة البناء على المشتري؛ لأنه ما ملكه ~~باختياره بل أخذ منه جبرا، وكذلك قال محمد في الجارية المأسورة إذا اشتراها ~~رجل من أهل الحرب، ثم أخذها المالك القديم فاستولدها، ثم استحقها رجل: لا ~~يرجع بقيمة الولد على الذي أخذها من يده؛ لأنه لم يأخذها منه باختياره بل ~~كرها وجبرا، وكذلك الأب إذا وطئ جارية ابنه فأعلقها، ثم استحقها رجل؛ لا ~~يرجع بقيمة الولد على الابن؛ لأنه تملكها من غير اختيار الابن، وقال أبو ~~يوسف: إذا غصب جارية فأبقت من يده فأدى ضمانها، ثم عادت الجارية فاستولدها ~~الغاصب، ثم استحقت له أن يرجع بقيمة الولد على المولى؛ لأنه كان مختارا في ~~أخذ القيمة من الغاصب، فكان ضامنا السلامة فيرجع عليه بحكم الضمان. # وعلى هذا داران أو أرضان بين رجلين اقتسما، فأخذ كل واحد منهما إحداهما ~~وبنى فيها، ثم استحقت رجع بنصف قيمة البناء عند أبي حنيفة؛ لأن القاضي لا ~~يجبر على قسمة الجمع في الدور والعقارات عنده، فإذا اقتسما بأنفسهما كانت ~~القسمة منهما مبادلة، # PageV07P025 # فأشبهت البيع فكان كل واحد منهما ضامنا سلامة النصف لصاحبه، فإذا لم يسلم ~~يرجع عليه بحكم الضمان كما في البيع. # وأما عندهما فقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم: لا يرجع؛ لأن القاضي يجبر ~~على هذه القسمة عندهما، فأشبه استحقاق النصف من دار واحدة، وقال بعضهم: ~~يرجع. # وعليه اعتمد القدوري - عليه الرحمة - وهو الصحيح؛ لأن القاضي إنما يجبر ~~على قسمة الجمع ههنا عندهما إذا رأى الجمع أعدل، ولا يعرف ذلك من رأي ~~القاضي إذا فعلا بأنفسهما، ولو كانتا جاريتين فأخذ كل واحد منهما جارية ~~فاستولدها، ثم استحقت رجع على شريكه بالنصف عند أبي حنيفة؛ لأن القاضي لا ~~يجبر على قسمة الرقيق عنده، فإذا اقتسما بتراضيهما أشبه البيع على ما ~~ذكرنا. # وأما عندهما فينبغي أن لا يرجع، كذا ذكره القدوري - عليه الرحمة ms4020 - وفرق ~~بين الرقيق وبين الدور وبينهما فرق؛ لأن القاضي هناك لا يجبر على الجمع ~~عينا ولكنه يراعي الأعدل في ذلك من التفريق والجمع، وههنا يجبر على الجمع؛ ~~لتعذر التفريق فلم يوجد ضمان السلامة من صاحبه فلا يرجع عليه، والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم. # وعلى هذا الأصل إذا اقتسم قوم دارا، وفيها كنيف شارع على الطريق أو ظله، ~~فإن كان على طريق العامة؛ لا يحسب ذرع الكنيف والظل من ذرع الدار؛ لأن رقبة ~~الأرض ليست بمملوكة لأحد، بل هي حق العامة، وإن كان على طريق غير نافذ يحسب ~~ذلك من ذرع الدار؛ لأن له في السكة مسلكا فأشبه علو البيت، والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. ### | [فصل في صفات القسمة] # (فصل) : # وأما صفات القسمة فأنواع: منها أن تكون عادلة غير جائرة وهي أن تقع ~~تعديلا للأنصباء من غير زيادة على القدر المستحق من النصيب ولا نقصان عنه؛ ~~لأن القسمة إفراز بعض الأنصباء، ومبادلة البعض، ومبنى المبادلات على ~~المراضاة، فإذا وقعت جائرة؛ لم يوجد التراضي، ولا إفراز نصيبه بكماله؛ ~~لبقاء الشركة في البعض فلم تجز وتعاد. # وعلى هذا إذا ظهر الغلط في القسمة المبادلة بالبينة أو بالإقرار تستأنف؛ ~~لأنه ظهر أنه لم يستوف حقه، فظهر أن معنى القسمة لم يتحقق بكماله، ولو ادعى ~~أحد الشريكين الغلط في القسمة فهذا لا يخلو من أحد وجهين: إما أن كان ~~المدعي أقر باستيفاء حقه، وإما أن كان لم يقر بذلك، فإن كان قد أقر ~~باستيفاء حقه لا يسمع منه دعوى الغلط؛ لكونه مناقضا في دعواه؛ لأن الإقرار ~~باستيفاء الحق إقرار بوصول حقه إليه بكماله، ودعوى الغلط إخبار أنه لم يصل ~~إليه حقه بكماله فيتناقض، وإن كان لم يقر باستيفاء حقه؛ لا تعاد القسمة ~~بمجرد الدعوى؛ لأن القسمة قد صحت من حيث الظاهر فلا يجوز نقضها إلا بحجة، ~~فإن أقام البينة أعيدت القسمة؛ لما قلنا، وإن لم تقم له بينة وأنكر شريكه، ~~فأراد استحلافه حلفه على ما ادعى من الغلط؛ لأنه يدعي عليه حقا هو جائز ~~الوجود. # والعدم، وهو ms4021 ينكر فيحلف، وبيان ذلك: دار بين رجلين اقتسما، واستوفى كل ~~واحد منهما حقه ثم ادعى أحدهما غلطا في القسمة لا تعاد القسمة، ولكن يسأل ~~البينة على الغلط، فإن أقام البينة وإلا فيحلف شريكه إن شاء؛ لما قلنا فإن ~~حلف أحد الشريكين ونكل الآخر، فإن كان الشركاء ثلاثة يجمع بين نصيب المدعي ~~وبين نصيب الناكل، فيقسم بينهما على قدر نصيبهما؛ لأن نكوله دليل كون ~~المدعي صادقا في دعواه في حقه، فكان حجة في حقه لا في حق الشريك الحالف، ~~فلم تصح القسمة في حقهما فتعاد في قدر نصيبهما، وكذلك لو ادعى الغلط بعد ~~القسمة والقبض في المكيلات والموزونات والمذروعات. # ولو كان بين رجلين داران اقتسماهما، فأخذ كل واحد منهما دارا، ثم ادعى ~~أحدهما الغلط في القسمة وأقام البينة على ذلك، فالقسمة باطلة عند أبي حنيفة ~~- عليه الرحمة - وعندهما لا تبطل ولكن يقضى للمدعي بذلك الذرع من الدار ~~الأخرى، وبنوا هذه المسألة على بيع ذراع من دار أنه لا يجوز عنده، وعندهما ~~جائز. # ووجه البناء أن قسمة الجمع في الدور بالتراضي جائزة بلا خلاف، ومعنى ~~المبادلة وإن كان لازما في نوعي القسمة لكن هذا النوع بالمبادلات أشبه، ~~وإذا تحققت المبادلة صح البناء، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # ولو اقتسما دارا بينهما، فأخذ كل واحد منهما طائفة، ثم ادعى أحدهما بيتا ~~في يد صاحبه أنه وقع في قسمته، وأقام بينة؛ سمعت بينته، وإن أقاما جميعا ~~البينة؛ أخذت بينة المدعي؛ لأنه خارج وإن كان قبل الإشهاد والقبض تحالفا ~~وترادا، وكذا لو اختلفا في الحدود فادعى كل واحد منهما حدا في يد صاحبه أنه ~~أصابه وأقام البينة؛ قضي لكل واحد منهما بالحد الذي في يد صاحبه؛ لأن كل # PageV07P026 # واحد منهما عما في يد صاحبه خارج، وإن قامت لأحدهما بينة يقضى ببينته، ~~وإن لم تقم لهما بينة تحالفا وهل ينفسخ العقد بنفس التالف أم يحتاج فيه إلى ~~فسخ القاضي؟ اختلف المشايخ فيه على ما عرف في البيوع. # ولو اقتسم رجلان أقرحة، فأخذ أحدهما قراحين، والآخر أربعة، ثم ms4022 ادعى صاحب ~~القراحين أن أحد الأقرحة الأربعة أصابه في قسمته، وأقام البينة قضي له به؛ ~~لما قلنا، وكذلك هذا في أثواب اقتسماها، فأخذ كل واحد بعضهما، ثم ادعى ~~أحدهما أن أحد الأثواب الذي في يد صاحبه أصابه في قسمته، وأقام البينة قضي ~~له به، ولو ادعى كل واحد منهما على صاحبه ثوبا مما في يده أنه أصابه في ~~قسمته، وأقام البينة قضي لكل واحد منهما بما في يد الآخر؛ لأن كل واحد ~~منهما عما في يد صاحبه خارج. # ولو اقتسما مائة شاة فأصاب أحدهما خمسة وخمسين، وأصاب الآخر خمسة ~~وأربعين، ثم ادعى صاحب الأوكس الغلط في القسمة أو الخطأ في التقويم؛ لم ~~تقبل منه إلا ببينة. # ولو قال: أخطأنا في العدد، وأصاب كل واحد منا خمسين - وهذه الخمسة في ~~قسمته - وأنكر الآخر تحالفا، وإن أقام كل واحد منهما البينة ردت القسمة. # ولو قال أحدهما لصاحبه: أخذت أنت إحدى وخمسين غلطا، وأخذت أنا تسعة ~~وأربعين، وقال الآخر: ما أخذت إلا خمسين. # فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه منكر لاستيفاء الزيادة على حقه، والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم. # وعلى هذا الأصل تخرج قسمة عرصة الدار بالذراع أنه يحسب في القسمة كل ~~ذراعين من العلو بذراع من السفل عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف يحسب ذراع من ~~السفل بذراع من العلو، وعند محمد يحسب على القيمة دون الذرع. # زعم كل واحد منهم أن التعديل فيما يقوله، والخلاف في هذه المسألة بين أبي ~~حنيفة وبين أبي يوسف مبني على الخلاف في مسألة أخرى، وهي أن صاحب العلو ليس ~~له أن يبني على العلو من غير رضا صاحب السفل، وإن لم يضر بصاحب السفل من ~~حيث الظاهر عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف له أن يبني إن لم يضر البناء به. # ووجه البناء أن صاحب العلو إذا لم يملك البناء على علوه عند أبي حنيفة - ~~رحمه الله - كان للعلو منفعة واحدة وهي منفعة السكنى فحسب، وللسفل منفعتان: ~~منفعة السكنى، ومنفعة البناء عليه، وكذا السفل كما يصلح للسكنى ms4023 يصلح لجعل ~~الدواب فيه، فأما العلو فلا يصلح إلا للسكنى خاصة، فكان للسفل منفعتان ~~وللعلو منفعة واحدة، فكانت القسمة عنده على الثلث والثلثين، وعند أبي يوسف ~~لما ملك صاحب العلو أن يبني على علوه كانت له منفعتان أيضا، فاستوى العلو ~~والسفل في المنفعة، فوجب التعديل بالسوية بينهما في الذرع. # وأما محمد فإنما اعتبر القيمة؛ لأن أحوال البلاد وأهلها في ذلك مختلفة، ~~فمنهم من يختار السفل على العلو ومنهم من يختار العلو على السفل، فكان ~~التعديل في اعتبار القيمة، والعمل في المسألة على قول محمد - رحمه الله - ~~وهو اختيار الطحاوي - رحمه الله - ويحتمل أن أبا حنيفة إنما فضل السفل على ~~العلو بناء على عادة أهل الكوفة من اختيارهم السفل على العلو، وأبو يوسف ~~إنما سوى بينهما على عادة أهل بغداد؛ لاستواء العلو والسفل عندهم، فأخرج كل ~~واحد منهما الفتوى على عادة أهل زمانه، ومحمد بنى الفتوى على المعلوم من ~~اختلاف العادات باختلاف البلدان فكان الخلاف بينهم من حيث الصورة لا من حيث ~~المعنى، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # وبيان ذلك في سفل بين رجلين وعلو من بيت آخر بينهما، أرادا قسمتهما يقسم ~~البناء على القيمة بلا خلاف. # وأما العرصة فتقسم بالذرع عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد بالقيمة، ~~ثم اختلف أبو حنيفة وأبو يوسف فيما بينهما في كيفية القسمة بالذرع، فعند ~~أبي حنيفة ذراع بذراعين على الثلث والثلثين، وعند أبي يوسف ذراع بذراع. # ولو كان بينهما بيت تام علو وسفل، وعلو من بيت آخر فعند أبي حنيفة يحسب ~~في القسمة كل ذراع من العلو والسفل بثلاثة أذرع من العلو أرباعا عنده؛ لما ~~ذكرنا من الأصل فكانت القسمة أرباعا، وعند أبي يوسف ذراع من السفل والعلو ~~بذراعين من العلو؛ لاستواء السفل والعلو عنده، فكانت القسمة أثلاثا. # ولو كان بينهما بيت تام سفل وعلو، وسفل آخر فعند أبي حنيفة يحسب في ~~القسمة كل ذراع من السفل والعلو بذراع ونصف من السفل، وذراع من سفل البيت ~~بذراع من السفل الآخر، وذراع من علوه بنصف ms4024 ذراع من السفل الآخر، وعند أبي ~~يوسف ذراع من التام بذراعين من السفل، - والله - تعالى - أعلم. # وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا اقتسما دارا وفضلا بعضها على بعض بالدراهم أو ~~الدنانير # PageV07P027 # لفضل قيمة البناء والموضع أن القسمة جائزة؛ لأنها وقعت عادلة من حيث ~~المعنى؛ لأن الدار قد يفضل بعضها على بعض بالبناء والموضع، فكان ذلك تفصيلا ~~من حيث الصورة تعديلا من حيث المعنى، ولو لم يسميا قيمة فضل البناء وقت ~~القسمة جازت القسمة استحسانا، وتجب قيمة فضل البناء، وإن لم يسمياها في ~~القسمة، والقياس أن لا تجوز القسمة؛ لأن هذه قسمة بعض الدار دون بعض؛ لأن ~~العرصة مع البناء بمنزلة شيء واحد، وقسمة البناء بالقيمة فإذا وجدت القسمة ~~مجهولة فوقعت القسمة للعرصة دون البناء؛ بقيت وإنها غير جائزة. # وجه الاستحسان أن قسمة العرصة قد صحت بوقوعها في محلها - وهو الملك - ولا ~~صحة لها إلا بقسمة البناء، وذلك بالقيمة، فتجب على صاحب الفضل قيمة فضل ~~البناء، وإن لم يسم ضرورة صحة القسمة، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # وعلى هذا الأصل تخرج أيضا قسمة الجمع في الأجناس المختلفة أنها غير جائزة ~~جبرا بالإجماع؛ لتعذر تعديل الأنصباء إلا بالقيمة، وإنها ليست محل القسمة ~~على ما مر، ولا يجوز في الرقيق والدور عند أبي حنيفة - رحمه الله -؛ لأنها ~~في حكم الأجناس المختلفة، ولا تقع القسمة فيها عادلة أو جائرة، ولا تقسم ~~الأولاد في بطون الغنم؛ لتعذر التعديل، وعلى هذا يخرج رد المقسوم بالعيب في ~~نوعي القسمة؛ لأنه إذا ظهر به عيب فقد ظهر أنها وقعت جائرة لا عادلة، فكان ~~له حق الرد بالعيب كما في البيع، ولو امتنع الرد بالعيب؛ لوجود المانع منه ~~يرجع بالنقصان كما في البيع، إلا أن في البيع يرجع بتمام النقصان وفي ~~القسمة يرجع بالنصف؛ لأن النقصان في القسمة يرجع بالنصيبين جميعا فيرجع ~~بنصف النقصان من نصيب شريكه. # وأما الرد بخيار الرؤية والشرط فيثبت في قسمة الرضا؛ لأن القسمة فيها ~~معنى المبادلة، وهذا النوع أشبه بالمبادلات؛ لوجود المراضاة من الجانبين ~~فيثبت ms4025 فيه خيار الرؤية كما في البيع، ولا يثبت في قسمة القضاء لا لخلوها عن ~~المبادلة بل لعدم الفائدة؛ لأنه لو ردها بخيار الرؤية والشرط؛ لأجبره ~~القاضي ثانيا فلا يفيد، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # ولا تجب الشفعة في القسمة؛ لأن حق الشفعة يتبع المبادلة المحضة؛ لثبوتها ~~على مخالفة القياس، والقسمة مبادلة من وجه فلا تحتمل الشفعة؛ ولأنها لو ~~وجبت لا يخلو إما أن تجب للشريك أو للجار، لا سبيل إلى الأول؛ لأن الشفعة ~~تجب لغير البائع والمشتري، ولا سبيل إلى الثاني؛ لأن الشريك أولى من الجار، ~~والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # ومنها الوجوب عند الطلب، حتى يجبر على القسمة فيما ينتفع كل واحد من ~~الشريكين بقسمته، وكذا فيما ينتفع بها أحدهما ويستضر الآخر عند طلب المنتفع ~~بالإجماع، وعند طلب المستضر اختلاف روايتي الحاكم، والقدوري - رحمهما الله ~~- وقد ذكرناه، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # ومنها اللزوم بعد تمامها في النوعين جميعا، حتى لا يحتمل الرجوع عنها إذا ~~تمت. # وأما قبل التمام فكذلك في أحد نوعي القسمة، وهو قسمة القضاء دون النوع ~~الآخر، وهو قسمة الشركاء، بيان ذلك: أن الدار إذا كانت مشتركة بين قوم ~~فقسمها القاضي أو الشركاء بالتراضي فخرجت السهام كلها بالقرعة؛ لا يجوز لهم ~~الرجوع، وكذا إذا خرج الكل إلا سهم واحد؛ لأن ذلك خروج السهام كلها؛ لكون ~~ذلك السهم متعينا بمن بقي من الشركاء، وإن خرج بعض السهام دون البعض فكذلك ~~في قسمة القضاء؛ لأنه لو رجع أحدهم لأجبره القاضي على القسمة ثانيا فلا ~~يفيد رجوعه. # وأما في قسمة التراضي فيجوز الرجوع؛ لأن قسمة التراضي لا تتم إلا بعد ~~خروج السهام كلها، وكل عاقد بسبيل من الرجوع عن العقد قبل تمامه كما في ~~البيع ونحوه، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان حكم القسمة] # (فصل) : # وأما بيان حكم القسمة فنقول - وبالله التوفيق: حكم القسمة ثبوت اختصاص ~~بالمقسوم عينا تصرفا فيه فيملك المقسوم له في المقسوم جميع التصرفات ~~المختصة بالملك، حتى لو وقع في نصيب أحد الشريكين ساحة لا بناء فيها، ووقع ms4026 ~~البناء في نصيب الآخر فلصاحب الساحة أن يبني في ساحته، وله أن يرفع بناءه، ~~وليس لصاحب البناء أن يمنعه، وإن كان يفسد عليه الريح والشمس؛ لأنه يتصرف ~~في ملك نفسه فلا يمنع عنه، وكذا له أن يبني في ساحته مخرجا أو تنورا أو ~~حماما أو رحى؛ لما قلنا، وكذا له أن يقعد في بنائه حدادا، أو قصارا، وإن ~~كان يتأذى به جاره؛ لما قلنا، وله أن يفتح بابا أو كوة؛ لما ذكرنا ألا ترى ~~أن له أن يرفع الجدار أصلا ففتح الباب والكوة أولى، وله أن يحفر في ملكه ~~بئرا أو بالوعة أو كرباسا، وإن كان يهي بذلك حائط جاره، ولو طلب جاره تحويل ~~ذلك؛ لم يجبر على التحويل، ولو سقط الحائط من ذلك # PageV07P028 # لا يضمن؛ لأنه لا صنع منه في ملك الغير، والأصل أن لا يمنع الإنسان من ~~التصرف في ملك نفسه إلا أن الكف عما يؤذي الجار أحسن. # قال الله تبارك وتعالى {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين ~~إحسانا} [النساء: 36] إلى قوله تعالى {والجار الجنب} [النساء: 36] خصه ~~سبحانه وتعالى بالأمر بالإحسان إليه، فلئن لا يحسن إليه فلا أقل من أن يكف ~~عنه أذاه. # وعلى هذا دار بين رجلين، ولرجل فيها طريق فأرادا أن يقتسماها، ليس لصاحب ~~الطريق منعهما عن القسمة؛ لأنهما بالقسمة متصرفان في ملك أنفسهما فلا ~~يمنعان عنه، فيقتسمان ما وراء الطريق، ويتركان الطريق على حاله على سعة عرض ~~باب الدار؛ لما ذكرنا من قبل. # ولو باعوا الدار والطريق فإن كانت رقبة الطريق مشتركة بينهم؛ قسموا ممر ~~الطريق بينهم أثلاثا، وإن كانت الرقبة لشريكي الدار ولصاحب الطريق حق ~~المرور، حكى القدوري عن الكرخي - رحمهما الله - أن لا شيء لصاحب الطريق من ~~الثمن، ويكون الثمن كله للشريكين، وروى محمد أن كل واحد من الشريكين يضرب ~~بحقه من المنفعة، ويضرب صاحب الطريق بحق المرور، وطريق معرفة ذلك أن ينظر ~~إلى قيمة العرصة بغير طريق، وينظر إلى قيمتها وفيها طريق، فيكون لصاحب ~~الطريق فضل ما بينهما، ولكل واحد من ms4027 الشريكين نصف قيمة المنفعة إذا كان ~~فيها طريق. # (وجه) ما حكي عن الكرخي - رحمه الله - أن حق المرور لا يحتمل البيع ~~مقصودا بل يحتمله تبعا للرقبة، ألا ترى أنه لو باعه وحده لم يجز، فإذا بيع ~~الطريق بإذنه فقد أسقط حقه أصلا فلا يقابله ثمن. # (وجه) ما روي عن محمد أن حق المرور لا يحتمل البيع مقصودا بل يحتمله تبعا ~~للرقبة، وههنا ما بيع مقصودا بل تبعا للرقبة فيقابله الثمن، لكن ثمن الحق ~~لا ثمن الملك على ما ذكرنا. # وكذلك دار بين رجلين فيها مسيل الماء، فأرادا أن يقتسماها ليس لصاحب ~~المسيل منعهما من القسمة؛ لما قلنا، بل يقسم الدار ويترك المسيل على حاله ~~كما في الطريق، وكذلك لو كان في الدار منزل لرجل وطريقه في الدار، فأرادا ~~أن يقتسما الدار لا يمنعان من القسمة، ولكن يتركان طريق المنزل على حاله ~~على سعة عرض باب الدار، لا على سعة باب المنزل على ما ذكرنا، ولو أراد صاحب ~~المنزل أن يفتح إلى هذا الطريق بابا آخر له ذلك؛ لأنه متصرف في ملك نفسه، ~~ألا ترى أن له أن يرفع الحائط كله فهذا أولى، ولو اشترى صاحب المنزل دارا ~~من وراء المنزل وفتح بابه إلى المنزل، فإن كان ساكن الدار والمنزل واحدا ~~فله أن يمر من الدار إلى المنزل، ومن المنزل إلى الطريق الذي في الدار ~~الأولى؛ لأن له حق المرور في هذا الطريق، وإن كان ساكن الدار غير ساكن ~~المنزل فليس لساكن الدار أن يمر في الطريق الذي في الدار الأولى؛ لأنه لا ~~حق له في هذا الطريق فيمنع من المرور فيه. # دار بين رجلين في سكة غير نافذة اقتسماها، وأخذ كل واحد منهما طائفة ~~منها، فأراد كل واحد منهما أن يفتح بابا أو كوة إلى السكة له ذلك، ولا يسع ~~لأهل السكة منعهما؛ لأن كل واحد منهما متصرف في ملك نفسه فيملكه، ألا ترى ~~أن له رفع الحائط أصلا فالباب والكوة أولى. # وعلى هذا حائط بين قسيمين ولأحد القسيمين عليه ms4028 جذوع الحائط الآخر فإن ~~شرطوا قطع الجذوع في القسمة قطعه؛ لقول النبي - عليه الصلاة والسلام -: ~~«المسلمون عند شروطهم» . # وإن لم يشترطوا ترك على حالها؛ لأن الترك وإن كان ضررا لكنهم لما لم ~~يشترطوا القطع في القسمة فقد التزم الضرر وكذلك لو كان وقع على هذا الحائط ~~درجة أو أسطوانة جمع عليها جذوع؛ لما قلنا، وكذلك روشنا وقع لصاحب العلو ~~شرفا على نصيب الآخر لم يكن لصاحب السفل أن يقلع الروشن من غير شرط القلع ~~لما قلنا، ولو كان لأحدهما أطراف خشب على حائط صاحبه، فإن كان مما يمكن أن ~~يجعل عليها سقف لم يكلف قلعها، وإن كان لا يمكن كلف القلع؛ لأنه إذا أمكن ~~أن يجعل عليها سقف أمكنه الانتفاع به فيلتحق بالحقوق، فأشبه الروشن وإذا لم ~~يمكن تعذر إلحاقها بالحقوق فبقي شاغلا هو لصاحبه بغير حق، فيكلف قطعها، ولو ~~كان لأحدهما شجرة أغصانها مظلة على نصيب الآخر فهل تقطع؟ ذكر ابن سماعة - ~~رحمه الله - أنه لا تقطع؛ لأن في القطع ضررا لصاحبها، وذكر ابن رستم - رحمه ~~الله - أنه تقطع كما يقطع أطراف الخشب الذي لا يمكن تسقيفها، ولو اختلف أهل ~~طريق في الطريق، وادعى كل واحد منهم أنه له؛ فهو بينهم بالتسوية على عدد ~~الرءوس، لا على ذرعان الدور والمنازل؛ لأنهم استووا في اليد؛ لاستوائهم في ~~المرور فيه إلا أن يقوم لأحدهم بينة فيسقط اعتبار اليد بالبينة. # دار لرجل وفيها طريق بينه وبين # PageV07P029 # رجل فمات صاحب الدار، فاقتسمت الورثة الدار بينهم، وتركوا الطريق كان ~~الطريق بينه وبين الرجل نصفين لا على عدد الرءوس، حتى لو باعوا الدار يقسم ~~الثمن بين الورثة وبينه نصفين لا على عدد الرءوس؛ لأن الورثة قاموا مقام ~~المورث، وقد كان الطريق بينهما نصفين فكذا بينه وبينهم، ولو لم يعرف أن ~~الدار ميراث بينهم وجحدوا ذلك فالطريق بينهم بالسوية على عدد الرءوس؛ ~~لاستوائهم في اليد على ما مر، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في ما يوجب نقض القسمة بعد وجودها] # (فصل) : # وأما بيان ما يوجب نقض ms4029 القسمة بعد وجودها فنقول - وبالله التوفيق: الذي ~~يوجب نقض القسمة بعد وجودها أنواع: (منها) ظهور دين على الميت؛ إذا طلب ~~الغرماء ديونهم ولا مال للميت سواه، ولا قضاه الورثة من مال أنفسهم، وبيان ~~ذلك: أن الورثة إذا اقتسموا التركة ثم ظهر على الميت دين فهذا لا يخلو من ~~أحد وجهين: إما أن يكون للميت مال آخر سواه، وإما أن لم يكن، فإن لم يكن له ~~مال سواه، ولا قضاه الورثة من مال أنفسهم؛ تنقض القسمة سواء كان الدين ~~محيطا بالتركة أو لم يكن؛ لأن الدين مقدم على الإرث قليلا كان أو كثيرا، ~~قال الله - تبارك وتعالى: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} [النساء: 12] . # قدم سبحانه وتعالى الدين على الوصية من غير فصل بين القليل والكثير؛ لأن ~~الدين إذا كان محيطا بالتركة؛ تبين أنه لا ملك للورثة فيها إلا من حيث ~~الصورة بل هي ملك للميت يتعلق بها بحق الغرماء، وقيام ملك الغير في المحل ~~يمنع صحة القسمة، فقيام الملك والحق أولى. # وإذا لم يكن محيطا بالتركة فملك الميت وحق الغرماء - وهو حق الاستيفاء - ~~ثابت في قدر الدين من التركة على الشيوع، فيمنع جواز القسمة فإن لم يكن ~~للميت مال آخر سواه يجعل الدين فيه، وتمضي القسمة؛ لأن القسمة تصان عن ~~النقض ما أمكن، وقد أمكن صيانتها بجعل الدين فيه، وكذا الورثة إذا قضوا ~~الدين من مال أنفسهم لا تنقض؛ لأن حق الورثة كان متعلقا بصورة التركة، وحق ~~الغرماء بمعناها وهو المالية، فإذا قضوا الدين من مال أنفسهم فقد استخلصوا ~~التركة لأنفسهم صورة ومعنى، فتبين أنهم في الحقيقة اقتسموا مال أنفسهم صورة ~~ومعنى، فتبين أنها وقعت صحيحة فلا تنقض، وكذلك إذا أبرأه الغرماء من ديونهم ~~لا تنقض القسمة؛ لأن النقض لحقهم وقد أسقطوه بالإبراء، وكذلك إذا ظهر لبعض ~~المقتسمين دين على الميت، بأن ادعى دينا على الميت وأقام البينة عليه؛ فله ~~أن ينقض القسمة؛ لما قلنا، ولا تكون قسمته إبراء من الدين؛ لأن حق الغريم ~~يتعلق بمعنى التركة وهو ماليتها ms4030 لا بالصورة، ولهذا كان للورثة حق ~~الاستخلاص، وإذا كان كذلك فلا يكون إقدامه على القسمة إقرارا منه؛ لأنه لا ~~دين له على الميت فلم يكن مناقضا في دعواه فسمعت. # (ومنها) ظهور الوصية حتى لو اقتسموا ثم ظهر ثم موصى له بالثلث؛ نقضت ~~قسمتهم؛ لأن الموصى له شريك الورثة، ألا ترى أنه لو هلك من التركة شيء قبل ~~القسمة يهلك من الورثة والموصى له جميعا، والباقي على الشركة بينهم، ولو ~~اقتسموا وثمة وارث آخر غائب تنقض، فكذا هذا، وهذا إذا كانت القسمة ~~بالتراضي، فإن كانت بقضاء القاضي لا تنقض؛ لأن الموصى له وإن كان كواحد من ~~الورثة، لكن القاضي إذا قسم عند غيبة أحد الورثة لا تنقض قسمته؛ لأن القسمة ~~في هذا الموضوع محل الاجتهاد، وقضاء القاضي إذا صادف محل الاجتهاد ينفذ ولا ~~ينقض. # (ومنها) ظهور الوارث حتى لو اقتسموا ثم ظهر أن ثمة وارث آخر؛ نقضت ~~قسمتهم، ولو كانت القسمة بقضاء القاضي لا تنقض؛ لما ذكرنا، ولو ادعى وارث ~~وصية لابن له صغير بعد القسمة لا تصح دعواه، حتى لا تسمع منه البينة؛ لكونه ~~مناقضا في الدعوى إذ لا تصح قسمتهم الميراث وثم موصى له، فكان إقدامه على ~~القسمة إقرارا منه بانعدام الوصية، فكان دعوى وجود الوصية مناقضة فلا تسمع، ~~ولكن لا يبطل حق الصغير بقسمة الأب؛ لأنه لا يملك إبطال حقه، وكذلك لو ادعى ~~بعض الورثة أن أخا له من أبيه وأمه ورث أباه معهم، وأنه مات بعد موت الأب ~~وورثه هذا المدعي، وجحد الباقون ذلك، فأقام المدعي البينة لا تقبل بينته؛ ~~لأنه هنا قضي في دعواه؛ لدلالة إقراره بانعدام وارث آخر بإقدامه على ~~القسمة، وكذلك كل ميراث يدعيه أو شراء أو هبة أو صدقة أو وصية بعد القسمة؛ ~~للتناقض بدلالة الإقدام على القسمة، والله - تعالى - أعلم. # دار بين رجلين أقر أحدهما ببيت منها لرجل، وأنكر الآخر يصح إقراره؛ لأن ~~إقرار الإنسان حجة على نفسه؛ لأن هذا الإقرار لم يوجب تعلق الحق بالعين لحق ~~الشريك الآخر بل هو موقوف، ms4031 وإذا لم يتعلق بالعين # PageV07P030 # لا يمنع جواز القسمة فتقسم الدار ويجبر على القسمة، ومتى قسمت فإن وقع ~~البيت المقر به في نصيب المقر دفعه إلى المقر له؛ لأن الإقرار قد صح وتسليم ~~عين المقر به ممكن، فيؤمر بالتسليم، وإن وقع في نصيب شريكه يدفع إليه قدر ~~ذرع المقر به من نصيب نفسه، فيقسم ما أصابه بينه وبين المقر له، فيضرب ~~المقر له بذرع البيت ويضرب المقر بنصف ذرع الدار بعد البيت، وهذا قول أبي ~~حنيفة وأبي يوسف - عليهما الرحمة - وقال محمد - رحمه الله - يضرب المقر ~~بنصف ذرع الدار كما قالا، ولكن المقر له يضرب بنصف ذرع البيت لا بكله، حتى ~~لو كان ذرع الدار مائة، وذرع البيت عشرة، فتقسم الدار بينهما نصفين، يكون ~~للمقر له عشرة أذرع عندهما؛ لأنه جميع ذرع البيت والباقي - وهو خمسة ~~وأربعون - للمقر؛ لأنه نصف ذرع الدار بعد ذرع البيت، وعند محمد - رحمه الله ~~- يكون للمقر له خمسة أذرع، إذ هو نصف ذرع البيت المقر به. # (وجه) قول محمد - رحمه الله - أن الإقرار صادف محلا معينا مشتركا بينه ~~وبين غيره؛ لأن كل جزأين من الدار أحدهما له، والآخر لصاحبه على الشيوع ~~فيبطل في نصيب صاحبه ويصح في نصيبه، وذلك يوجب للمقر له نصف ذرع البيت. # (وجه) قولهما أن الإقرار بالمشترك لا يتعلق بالعين قبل القسمة بل هو ~~موقوف، وإنما يتعلق بهما بعد القسمة، ألا ترى أنه لم يمنع صحة القسمة، ولو ~~تعلق بالعين لمنع، فإذا قسمت الدار الآن يتعلق بالعين، فإن وقع المقر به في ~~نصيب المقر يؤمر بالتسليم؛ لأنه قادر على تسليم العين وإن وقع في نصيب ~~صاحبه فقد عجز عن تسليم عينه فيؤمر بتسليم بدله من نصيبه، وهو تمام ذرع ~~المقر به، هذا إذا كان المقر به شيئا يحتمل القسمة، فإن كان مما لا يحتمل ~~القسمة، كبيت من حمام مشتركة بينه وبين غيره أقر أنه لرجل وأنكر صاحبه فيصح ~~إقراره، ولكن يجبر على قسمته؛ لأن قسمة الإضرار فيما لا يحتمل الجبر على ما ~~ذكرناه ms4032 في موضعه، ويلزمه نصف قيمة البيت؛ لأنه عجز عن تسليم العين والإقرار ~~بعين معجوز التسليم يكون إقرارا ببدله تصحيحا لتصرفه، وصيانة لحق الغير ~~بالقدر الممكن، كالإقرار بجذع في الدار، والله - تعالى - أعلم. ### | [فصل في قسمة المنافع] ### | [أنواع المهايئات وما يجوز منها وما لا يجوز] # (فصل) : # هذا الذي ذكرنا قسمة الأعيان. # (وأما) قسمة المنافع فهي المسماة بالمهايئات، والكلام فيها في مواضع في ~~بيان أنواع المهايئات وما يجوز منها وما لا يجوز، وفي بيان محل المهايئات ~~وفي بيان صفة المهايئات وفي بيان ما يملك كل واحد من الشريكين من التصرف ~~بعد المهايئات وما لا يملك. # (أما) الأول فالمهايئات نوعان: نوع يرجع إلى المكان ونوع يرجع إلى ~~الزمان. # (أما) النوع الأول فهو أن يتهايآ في دار واحدة على أن يأخذ كل واحد منهما ~~طائفة منها يسكنها وأنه جائز؛ لأن المهايئات قسمة فتعتبر بقسمة العين، ~~وقسمة العين على هذا الوجه جائزة فكذا قسمة المنافع، وكذا لو تهايئا على أن ~~يأخذ أحدهما السفل والآخر العلو جاز ذلك؛ لما قلنا، ولا يشترط بيان المدة ~~في هذا النوع؛ لأن قسمة المنافع ليست بمبادلة المنفعة؛ لأن مبادلة المنفعة ~~بجنسها غير جائزة عندنا، كإجازة السكنى بالسكنى والخدمة بالخدمة، وكذلك لو ~~تهايئا في دارين وأخذ كل واحد منهما دارا يسكنها أو يستغلها فهو جائز ~~بالإجماع # (أما) عند أبي يوسف ومحمد فلا شك فيه؛ لأن قسمة الجمع في عين الدور ~~جائزة، فكذا في المنافع. # (وأما) أبو حنيفة - رحمه الله - فيحتاج إلى الفرق بين العين وبين ~~المنفعة. # (وجه) الفرق له أن الدور في حكم أجناس مختلفة؛ لتفاحش التفاوت بين دار ~~ودار في نفسها وبنائها وموضعها، ولا تجوز قسمة الجمع في جنسين مختلفين على ~~ما مر. # (وأما) التفاوت في المنافع فقل ما يتفاحش بل يتقارب، فلم تلتحق منافع ~~الدارين بالأجناس المختلفة فجازت القسمة، وكذلك لو تهايئا في عبدين على ~~الخدمة جاز بالإجماع. # (أما) عندهما؛ فلأن قسمة الجمع في أعيان الرقيق جائزة، وكذا في منافعها. # (ووجه) الفرق لأبي حنيفة - رحمه الله - على نحو ما ms4033 ذكرنا في الدارين ولو ~~تهايئا في عبدين فأخذ كل واحد منهما عبدا يخدمه وشرط كل واحد منهما على ~~نفسه طعام العبد الذي يخدمه؛ جاز استحسانا، والقياس أن لا يجوز. # (ووجهه) أن طعام كل واحد من العبدين على الشريكين جميعا على المناصفة، ~~فاشتراط كل الطعام من كل واحد منهما على نفسه يخرج مخرج معاوضة بعض الطعام ~~بالبعض، وإنها غير جائزة للجهالة. # (ووجه) الاستحسان أن هذا النوع من الجهالة لا يفضي إلى المنازعة؛ لأن ~~مبنى الطعام على المسامحة في العرف والعادة دون المضايقة، بخلاف ما إذا شرط ~~كل واحد منهما على نفسه كسوة # PageV07P031 # العبد الذي يخدمه أنه لا يجوز؛ لأنه يجري في الكسوة من المضايقة ما لا ~~يجري في الطعام في العرف والعادة، فكانت الجهالة في الكسوة مفضية إلى ~~المنازعة، مع ما إن الجهالة في الكسوة تتفاحش بخلاف الطعام؛ لذلك افترقا، ~~والله - تعالى - أعلم. # (وأما) التهايؤ في الدواب بأن أخذ أحدهما دابة ليركبها والآخر دابة أخرى ~~من جنسها يستغلها، وشرط الاستغلال فغير جائز عند أبي حنيفة، وعندهما جائز. # (وجه) قولهما ظاهر؛ لأن قسمة الجمع في أعيان الدواب من جنس واحد جائزة، ~~فكذا قسمة المنافع، ولأبي حنيفة الفرق بين المنفعة وبين المنفعة أنه جوز ~~قسمة الجمع في أعيانها ولم يجوز في منافعها. # (ووجه) الفرق أنها باعتبار أعيانها جنس واحد لكنها في منفعة الركوب في ~~حكم جنسين مختلفين، بدليل أن من استأجر دابة ليركبها لم يملك أن يؤاجرها ~~للركوب، ولو فعل لضمن، فأشبه اختلاف جنس المنفعة اختلاف جنس العين، واختلاف ~~جنس العين عنده مانع جواز قسمة الجمع، كذا في المنفعة، بخلاف المهايئات في ~~الدارين والعبدين أنها جائزة؛ لأن هناك المنافع متقاربة غير متفاحشة، بدليل ~~أن المستأجر فيها يملك الإجارة من غيره فلم يختلف جنس المنفعة فجازت ~~المهايئات. # (وأما) النوع الثاني وهو المهايئات بالزمان فهو أن يتهايآ في بيت صغير ~~على أن يسكنه هذا يوما، وهذا يوما، أو في عبد واحد على أن يخدم هذا يوما ~~وهذا يوما، وهذا جائز؛ لقوله تبارك وتعالى {قال هذه ms4034 ناقة لها شرب ولكم شرب ~~يوم معلوم} [الشعراء: 155] أخبر سبحانه وتعالى عن نبيه سيدنا صالح - عليه ~~الصلاة والسلام - المهايئات في الشرب، ولم ينكره سبحانه وتعالى، والحكيم ~~إذا حكى عن منكر غيره، فدل على جواز المهايئات بالزمان بظاهر النص، وثبت ~~جواز النوع الآخر من طريق الدلالة؛ لأنها أشبه بالمقاسمة من النوع الأول؛ ~~ولأن جواز المهايئات بالزمان لمكان حاجات الناس، وحاجتهم إلى المهايئات ~~بالمكان أشد؛ لأن الأعيان كلها في احتمال المهايئات بالزمان شرع، سواء من ~~الأعيان ما لا يحتمل المهايئات بالمكان كالعبد والبيت الصغير ونحوهما، فلما ~~جازت تلك فلأن تجوز هذه أولى، والله - تعالى - أعلم. ### | [فصل في محل المهايئات] # (فصل) : # وأما بيان محل المهايئات فنقول - ولا قوة إلا بالله تعالى جل شأنه: إن ~~محلها المنافع دون الأعيان؛ لأنها قسمة المنفعة دون العين، فكان محلها ~~المنفعة دون العين، حتى أنهما لو تهايئا في نخل أو شجر بين شريكين على أن ~~يأخذ كل واحد منهما طائفة يستثمرها؛ لا يجوز، وكذلك إذا تهايئا في الغنم ~~المشتركة على أن يأخذ كل واحد منهم قطيعا وينتفع بألبانها - لا يجوز؛ لما ~~ذكرنا أن هذا عقد قسمة المنافع، والثمر واللبن عين مال فلا تدخل تحت عقد ~~المهايئات، ولو تهايئا في الأراضي المشتركة على أن يأخذ كل واحد منهما ~~نصفها ويذرع - جاز؛ لأن ذلك قسمة المنافع، وهو معنى المهايئات، والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في صفة المهايئات] # (فصل) : # وأما صفة المهايئات فهي أنها عقد غير لازم، حتى لو طلب أحدهما قسمة العين ~~بعد المهايئات قسم الحاكم بينهما، وفسخ المهايئات؛ لأنها كالخلف عن قسمة ~~العين، وقسمة العين كالأصل فيما شرعت له القسمة؛ لأن القسمة شرعت لتكميل ~~منافع الملك، وهذا المعنى في قسمة العين أكمل؛ ولهذا لو طلب أحدهما القسمة ~~قبل المهايئات؛ أجبره الحاكم على القسمة؛ فكان عقدا جائزا فاحتمل الفسخ ~~كسائر العقود الجائزة، ولا يبطل بموت أحد الشريكين، بخلاف الإجارة؛ لأنها ~~لو بطلت لأعادها القاضي للحال ثانيا فلا يفيد. ### | [فصل في بيان ما يملك كل واحد من الشريكين من التصرف بعد ms4035 المهايئات] # (فصل) : # وأما بيان ما يملك كل واحد منهما من التصرف بعد المهايئات، أما في ~~المهايئات بالمكان فلكل واحد منهما أن يستغل ما أصابه بالمهايئات سواء شرط ~~الاستغلال في العقد أو لا، وسواء تهايئا في دار واحدة أو دارين؛ لأن ~~المنافع بعد المهايئات تحدث على ملك كل واحد منهما فيما أخذه، فيملك التصرف ~~فيه بالتمليك من غيره، وبه تبين أن المهايئات في هذا النوع ليست بإعارة؛ ~~لأن العارية لا تؤاجر. # (وأما) المهايئات بالزمان فلكل واحد منهما أن يسكن أو يستخدم؛ لما ذكرنا، ~~لكن لا بد من ذكر الوقت من اليوم والشهر ونحو ذلك، بخلاف المهايأة بالمكان ~~أن لكل واحد منهما ولاية السكنى والاستغلال مطلقا؛ لأن الحاجة إلى ذكر ~~الوقت لتصير المنافع معلومة، والمهايئات بالمكان قسمة منافع مقدرة مجموعة ~~بالمكان، ومكان المنفعة معلوم، فصارت المنافع معلومة بالعلم بمكانها، فجازت ~~المهايأة. # وأما المهايأة بالزمان فقسمة مقدرة # PageV07P032 # بالزمان، فلا تصير معلومة إلا بذكر زمان معلوم فهو الفرق، والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # وهل يملك كل واحد منهما الاستغلال في نوبته؟ لا خلاف في أنهما إذا لم ~~يشترطا - لم يملك، فأما إذا شرطا ذكر القدوري - عليه الرحمة - أنه لا يملك؛ ~~لأن هذا النوع من المهايأة في معنى الإعارة، والعارية لا تؤجر وذكر الأصل: ~~أن التهايؤ في الدار الواحدة على السكنى والغلة جائزة. # (منهم) من قال: المذكور في الأصل ليس بمهايئات حقيقة؛ لوجهين: أحدهما - ~~أنه أضاف التهايؤ إلى الغلة دون الاستغلال، والغلة لا تحتمل التهايؤ حقيقة ~~إذ هي عين، والتهايؤ قسمة المنافع دون الأعيان. # والثاني - أنه ذكر فيه أن غلة الدار إذا وصلت في يد أحدهما شاركه فيه ~~صاحبه، وليس ذلك حكم جواز المهايئات، وكما أن المهايأة بالمكان في الدارين ~~إذا تهايئا أن يأخذ كل واحد منهما وأخذه، يستغلها فاستغلها ففضل من الغلة ~~في يد أحدهما، أن الفاضل يكون له خاصة، ويكون المذكور في الأصل محمولا على ~~ما إذا اصطلحا على أن يأخذ هذا غلة شهر وذلك غلة شهر، وسمي ذلك مهايأة ~~مجازا، وإن لم يكن ms4036 ذلك مهايأة حقيقة في هذه الصورة - يكون فضل الغلة مشتركا ~~بينهما، وعلى هذا يرتفع اختلاف الروايتين ويحتمل أن يكون المذكور في الأصل ~~دليلا على شرط جواز الاستغلال، إذ الغلة يجوز أن تذكر بمعنى الاستغلال في ~~الجملة، وقد قام دليل إرادة الاستغلال ههنا - وهو قرينة التهايؤ - إذ هي ~~عبارة عن قسمة المنافع دون الغلة التي هي عين ماله، وكذا التهايؤ يكون على ~~شيء هو مقدور التهايؤ وهو فعل الاستغلال دون عين الغلة؛ ولهذا قرن بها ~~السكنى الذي هو فعل الساكن، ويكون قوله: ما فضل من الغلة في يده يشاركه فيه ~~صاحبه، محمولا على ما إذا تهايئا بشرط الاستغلال ابتداء، ثم اصطلحا على أن ~~يأخذ كل واحد منهما غلة شهر، وفي هذه الصورة يكون فضل الغلة بينهما كما في ~~الدارين. # فعلى هذا ثبت اختلاف روايتي الحاكم وأحمد بن الحسين القدوري - عليهم ~~الرحمة، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [كتاب الحدود] # جمع محمد - رحمه الله - بين مسائل الحدود وبين مسائل التعزير، وبدأ ~~بمسائل الحدود، فبدأ بما بدأ به فنقول - وبالله سبحانه وتعالى التوفيق: ~~الكلام في الحدود يقع في مواضع في بيان معنى الحد لغة وشرعا، وفي بيان ~~أسباب وجوب الحدود وشرائط وجوبها، وفي بيان ما يظهر به وجوبها عند القاضي، ~~وفي بيان صفاتها، وفي بيان مقدار الواجب منها، وفي بيان شرائط جواز ~~إقامتها، وفي بيان كيفية إقامتها وموضع الإقامة، وفي بيان ما يسقطها بعد ~~الوجوب، وفي بيان حكمها إذا اجتمعت، وفي بيان حكم المحدود. # (أما) الأول: الحد في اللغة: عبارة عن المنع، ومنه سمي البواب حدادا؛ ~~لمنعه الناس عن الدخول، وفي الشرع: عبارة عن عقوبة مقدرة واجبة حقا لله ~~تعالى - عز شأنه - بخلاف التعزير فإنه ليس بمقدر، قد يكون بالضرب وقد يكون ~~بالحبس وقد يكون بغيرهما، وبخلاف القصاص فإنه وإن كان عقوبة مقدرة لكنه يجب ~~حقا للعبد، حتى يجري فيه العفو والصلح، سمي هذا النوع من العقوبة حدا؛ لأنه ~~يمنع صاحبه إذا لم يكن متلفا وغيره بالمشاهدة، ويمنع من يشاهد ذلك ويعاينه ~~إذا لم يكن ms4037 متلفا؛ لأنه يتصور حلول تلك العقوبة بنفسه؛ لو باشر تلك الجناية ~~فيمنعه ذلك من المباشرة، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان أسباب وجوب الحدود] # (فصل) : # وأما بيان أسباب وجوبها فلا يمكن الوصول إليه إلا بعد معرفة أنواعها؛ لأن ~~سبب وجوب كل نوع يختلف باختلاف النوع، فنقول: الحدود خمسة أنواع: حد ~~السرقة، وحد الزنا، وحد الشرب، وحد السكر، وحد القذف. # (أما) حد السرقة: فسبب وجوبه السرقة، وسنذكر ركن السرقة وشرائط الركن في ~~كتاب السرقة. # (وأما) حد الزنا فنوعان: جلد، ورجم، وسبب وجوب كل واحد منهما وهو الزنا، ~~وإنما يختلفان في الشرط، وهو الإحصان، فالإحصان شرط لوجوب الرجم وليس بشرط ~~لوجوب الجلد، فلا بد من معرفة الزنا والإحصان في عرف الشرع، أما الزنا: فهو ~~اسم للوطء الحرام في قبل المرأة الحية في حالة الاختيار في دار العدل، ممن ~~التزم أحكام الإسلام العاري عن حقيقة الملك وعن شبهته، وعن حق الملك وعن ~~حقيقة النكاح وشبهته، وعن شبهة الاشتباه في موضع الاشتباه في الملك والنكاح # PageV07P033 # جميعا. # والأصل في اعتبار الشبهة في هذا الباب الحديث المشهور، وهو قوله - عليه ~~الصلاة والسلام -: «ادرءوا الحدود بالشبهات» ؛ ولأن الحد عقوبة متكاملة ~~فتستدعي جناية متكاملة، والوطء في القبل في غير ملك ولا نكاح لا يتكامل ~~جناية؛ إلا عند انتفاء الشبهة كلها إذا عرف الزنا في عرف الشرع فنخرج عليه ~~بعض المسائل فنقول: الصبي أو المجنون إذا وطئ امرأة أجنبية لا حد عليه؛ لأن ~~فعلهما لا يوصف بالحرمة، فلا يكون الوطء منهما زنا، فلا حد على المرأة إذا ~~طاوعته عند أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم -، وقال زفر والشافعي - رضي ~~الله عنهم -: عليها الحد. # ولا خلاف في أن العاقل البالغ إذا زنى بصبية أو مجنونة أنه يجب عليه الحد ~~ولا حد عليها، لهما أن المانع من وقوع الفعل زنا خص أحد الجانبين فيختص به ~~المنع، كالعاقل البالغ إذا زنى بصبية أو مجنونة أنه يجب عليه الحد، وإن كان ~~لا يجب عليها؛ لما قلنا. # كذا هذا. # (ولنا) أن وجوب الحد على ms4038 المرأة في باب الزنا ليس لكونها زانية؛ لأن فعل ~~الزنا لا يتحقق منها وهو الوطء؛ لأنها موطوءة وليست بواطئة، وتسميتها في ~~الكتاب العزيز زانية مجاز لا حقيقة، وإنما وجب عليها؛ لكونها مزنيا بها، ~~وفعل الصبي والمجنون ليس بزنا فلا تكون هي مزنيا بها، فلا يجب عليها الحد، ~~وفعل الزنا يتحقق من العاقل البالغ فكانت الصبية أو المجنونة مزنيا بها، ~~إلا أن الحد لم يجب عليها؛ لعدم الأهلية والأهلية ثابتة في جانب الرجل ~~فيجب، وكذلك الوطء في الدبر في الأنثى أو الذكر لا يوجب الحد عند أبي حنيفة ~~وإن كان حراما؛ لعدم الوطء في القبل فلم يكن زنا، وعندهما والشافعي يوجب ~~الحد - وهو الرجم - إن كان محصنا والجلد إن كان غير محصن لا لأنه زنا؛ بل ~~لأنه في معنى الزنا؛ لمشاركة الزنا في المعنى المستدعي لوجوب الحد وهو ~~الوطء الحرام على وجه التمحض، فكان في معنى الزنا، فورود النص بإيجاب الحد ~~هناك يكون ورودا ههنا دلالة. # ولأبي حنيفة ما ذكرنا أن اللواطة ليست بزنا؛ لما ذكرنا أن الزنا اسم ~~للوطء في قبل المرأة، ألا ترى أنه يستقيم أن يقال: لاط وما زنى، وزنى وما ~~لاط، ويقال: فلان لوطي وفلان زاني، فكذا يختلفان اسما، واختلاف الأسامي ~~دليل اختلاف المعاني في الأصل؛ ولهذا اختلف الصحابة - رضي الله عنهم - في ~~حد هذا الفعل، ولو كان هذا زنا - لم يكن لاختلافهم معنى؛ لأن موجب الزنا ~~كان معلوما لهم بالنص فثبت أنه ليس بزنا ولا في معنى الزنا أيضا؛ لما في ~~الزنا من اشتباه الأنساب وتضييع الولد ولم يوجد ذلك في هذا الفعل، إنما فيه ~~تضييع الماء المهين الذي يباح مثله بالعزل، وكذا ليس في معناه فيما شرع له ~~الحد وهو الزجر؛ لأن الحاجة إلى شرع الزاجر فيما يغلب وجوده ولا يغلب وجود ~~هذا الفعل؛ لأن وجوده يتعلق باختيار شخصين، ولا اختيار إلا لداع يدعو إليه، ~~ولا داعي في جانب المحل أصلا، وفي الزنا وجد الداعي من الجانبين جميعا - ~~وهو الشهوة المركبة فيهما جميعا - فلم يكن ms4039 في معنى الزنا - فورود النص هناك ~~ليس ورودا ههنا، وكذا اختلاف اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - دليل على أن ~~الواجب بهذا الفعل هو التعزير؛ لوجهين: أحدهما - أن التعزير هو الذي يحتمل ~~الاختلاف في القدر والصفة لا الحد. # والثاني - أنه لا مجال للاجتهاد في الحد بل لا يعرف إلا بالتوقيف، ~~وللاجتهاد مجال في التعزير. # وكذا وطء المرأة الميتة لا يوجب الحد ويوجب التعزير؛ لعدم وطء المرأة ~~الحية. # وكذا وطء البهيمة وإن كان حراما؛ لانعدام الوطء في قبل المرأة فلم يكن ~~زنا، ثم إن كانت البهيمة ملك الواطئ قيل: إنها تذبح ولا تؤكل، ولا رواية ~~فيه عن أصحابنا - رحمهم الله - لكن روى محمد عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - ~~أنه لم يحد واطئ البهيمة، وأمر بالبهيمة حتى أحرقت بالنار. # وكذلك الوطء عن إكراه لا يوجب الحد. # وكذلك الوطء في دار الحرب، وفي دار البغي لا يوجب الحد، حتى إن من زنى في ~~دار الحرب أو دار البغي ثم خرج إلينا لا يقام عليه الحد؛ لأن الزنا لم ~~ينعقد سببا لوجوب الحد حين وجوده؛ لعدم الولاية فلا يستوفى بعد ذلك، وكذلك ~~الحربي المستأمن إذا زنى بمسلمة أو ذمية أو، ذمي زنى بحربية مستأمنة لا حد ~~على الحربي والحربية عندهما، وعند أبي يوسف يحدان. # وجه قوله أنه لما دخل دار الإسلام فقد التزم أحكام الإسلام مدة إقامته ~~فيها فصار كالذمي؛ ولهذا يقام عليه حد القذف كما يقام على الذمي؛ ولهما أنه ~~لم يدخل دار الإسلام على سبيل الإقامة والتوطن بل على سبيل العارية؛ ~~ليعاملنا ونعامله، ثم يعود فلم يكن دخوله دار الإسلام دلالة التزامه حق ~~الله - سبحانه وتعالى - خالصا، بخلاف حد القذف؛ لأنه لما طلب الأمان من ~~المسلمين فقد # PageV07P034 # التزم أمانهم عن الإيذاء بنفسه وظهر حكم الإسلام في حقه، ثم يحد المسلمة ~~والذمية عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعند محمد - رحمه الله - لا يحد، ويحد ~~الذمي بلا خلاف. # (وجه) قول محمد - رحمه الله - أن الأصل فعل الرجل، وفعلها يقع تبعا فلما ~~لم يجب على ms4040 الأصل لا يجب على التبع كالمطاوعة للصبي والمجنون. # (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن فعل الحربي حرام محض، ألا ترى أنه ~~يؤاخذ فكان زنا فكانت هي مزنيا بها، إلا أن الحد لم يجب على الرجل؛ لعدم ~~التزامه أحكامنا، وهذا أمر يخصه، ويحد الذمي؛ لأنه بالذمة والعهد التزم ~~أحكام الإسلام مطلقا إلا في قدر ما وقع الاستثناء فيه ولم يوجد ههنا. # وكذلك وطء الحائض والنفساء والصائمة والمحرمة والمجنونة والموطوءة بشبهة ~~والتي ظاهر منها أو آلى منها؛ لا يوجب الحد وإن كان حراما؛ لقيام الملك ~~والنكاح فلم يكن زنا. # وكذلك وطء الجارية المشتركة والمجوسية والمرتدة والمكاتبة والمحرمة برضاع ~~أو صهرية أو جمع؛ لقيام الملك وإن كان حراما وعلم بالحرمة، وكذلك وطء الأب ~~جارية الابن لا يوجب الحد وإن علم بالحرمة؛ لأن له في مال ابنه شبهة الملك ~~- وهو الملك من وجه - أو حق الملك لقوله - عليه الصلاة والسلام - «أنت ~~ومالك لأبيك» فظاهر إضافة مال الابن إلى الأب بحرف اللام يقتضي حقيقة ~~الملك، فلئن تقاعد عن إفادة الحقيقة فلا يتقاعد على إيراث الشبهة أو حق ~~الملك، وكذلك وطء جارية المكاتب؛ لأن المكاتب عندنا عبد ما بقي عليه درهم ~~فكان مملوك المولى رقبة، وملك الرقبة يقتضي ملك الكسب فإن لم يثبت مقتضاه ~~حقيقة فلا أقل من الشبهة، وكذلك وطء جارية العبد المأذون، سواء كان عليه ~~دين أو لم يكن، أما إذا لم يكن عليه دين فظاهر؛ لأنها ملك المولى، وكذلك إن ~~كان عليه دين؛ لأن رقبة المأذون ملك المولى وملك الرقبة يقتضي ملك الكسب ~~كما في جارية المكاتب وبل أولى؛ لأن كسب المأذون أقرب إلى المولى من كسب ~~المكاتب، فلما لم يجب الحد هناك فههنا أولى؛ ولأن هذا الملك محل الاجتهاد؛ ~~لأن العلماء اختلفوا فيه - واختلافهم يورث شبهة - فأشبه وطئا حصل في نكاح ~~وهو محل الاجتهاد، وذا لا يوجب الحد كذا هذا. # وكذلك وطء الجد - أب الأب وإن علا - عند عدم الأب بمنزلة وطء الأب؛ لأن ~~له ولادا فنزل منزلة الأب، وكذلك الرجل ms4041 من الغانمين إذا وطئ جارية من ~~المغنم قبل القسمة بعد الإحراز بدار الإسلام أو قبله - لا حد عليه، وإن علم ~~أن وطأها عليه حرام لثبوت الحق له بالاستيلاء؛ لانعقاد سبب الثبوت، فإن لم ~~يثبت فلا أقل من ثبوت الحق فيورث شبهة، ولو جاءت هذه الجارية بولد فادعاه ~~لا يثبت نسبه منه؛ لأن ثبوت النسب يعتمد الملك في المحل، أما من كل وجه، أو ~~من وجه، ولم يوجد قبل القسمة، بل الموجود حق عام، وأنه يكفي لسقوط الحد ولا ~~يكفي لثبوت النسب. # وكذلك وطء امرأة تزوجها بغير شهود أو بغير ولي عند من لا يجيزه لا يوجب ~~الحد؛ لأن العلماء اختلفوا منهم من قال: يجوز النكاح بدون الشهادة ~~والولاية، فاختلافهم يورث شبهة، وكذلك إذا تزوج معتدة الغير أو مجوسية أو ~~مدبرة أو أمة على حرة أو أمة بغير إذن مولاها، أو العبد تزوج امرأة بغير ~~إذن مولاه فوطئها لا حد عليه؛ لوجود لفظ النكاح من الأهل في المحل، وأنه ~~يوجب شبهة. # وكذلك إذا نكح محارمه أو الخامسة أو أخت امرأته فوطئها - لا حد عليه عند ~~أبي حنيفة وإن علم بالحرمة، وعليه التعزير، وعندهما والشافعي - رحمهم الله ~~تعالى - عليه الحد، والأصل عند أبي حنيفة عليه الرحمة أن النكاح إذا وجد من ~~الأهل مضافا إلى محل قابل لمقاصد النكاح - يمنع وجوب الحد، سواء كان حلالا ~~أو حراما، وسواء كان التحريم مختلفا فيه أو مجمعا عليه، وسواء ظن الحل ~~فادعى الاشتباه أو علم بالحرمة، والأصل عندهما أن النكاح إذا كان محرما على ~~التأبيد أو كان تحريمه مجمعا عليه يجب الحد، وإن لم يكن محرما على التأبيد ~~أو كان تحريمه مختلفا فيه لا يجب عليه. # (وجه) قولهم أن هذا نكاح أضيف إلى غير محله فيلغو، ودليل عدم المحلية أن ~~محل النكاح هي المرأة المحللة؛ لقوله سبحانه وتعالى {وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم} [النساء: 24] والمحارم محرمات على التأبيد؛ لقول الله تعالى {حرمت ~~عليكم أمهاتكم وبناتكم} [النساء: 23] الآية إلا أنه إذا ادعى الاشتباه، ~~وقال: ظننت أنها تحل. ms4042 # لي سقط الحد؛ لأنه ظن أن صيغة لفظ النكاح من الأهل في المحل دليل الحل ~~فاعتبر هذا الظن في حقه، وإن لم يكن معتبرا حقيقة إسقاطا لما يدرأ ~~بالشبهات، وإذا لم يدع خلا الوطء عن الشبهة فيجب الحد. # (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن لفظ النكاح صدر من أهله مضافا إلى ~~محله فيمنع وجوب الحد، كالنكاح بغير شهود، ونكاح # PageV07P035 # المتعة ونحو ذلك، ولا شك في وجود لفظ النكاح والأهلية، والدليل على ~~المحلية - أن محل النكاح هو الأنثى من بنات سيدنا آدم - عليه الصلاة ~~والسلام - النصوص والمعقول، أما النصوص، فقوله سبحانه وتعالى {فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء} [النساء: 3] ، وقوله سبحانه وتعالى {ومن آياته أن خلق ~~لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها} [الروم: 21] ، وقوله سبحانه وتعالى ~~{وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى} [النجم: 45] جعل الله سبحانه وتعالى ~~النساء على العموم والإطلاق محل النكاح والزوجية. # وأما المعقول؛ فلأن الأنثى من بنات سيدنا آدم - عليه الصلاة والسلام - ~~محل صالح لمقاصد النكاح من السكنى والولد والتحصين وغيرها، فكانت محلا لحكم ~~النكاح؛ لأن حكم التصرف وسيلة إلى ما هو المقصود من التصرف، فلو لم يجعل ~~محل المقصود محل الوسيلة لم يثبت معنى التوسل، إلا أن الشرع أخرجها من أن ~~تكون محلا للنكاح شرعا مع قيام المحلية حقيقة، فقيام صورة العقد والمحلية ~~يورث شبهة، إذ الشبهة اسم لما يشبه الثابت وليس بثابت، أو نقول: وجد ركن ~~النكاح والأهلية والمحلية على ما بينا، إلا أنه فات شرط الصحة فكان نكاحا ~~فاسدا، والوطء في النكاح الفاسد لا يكون زنا بالإجماع، وعلى هذا ينبغي أن ~~يعلل فيقال: هذا الوطء ليس بزنا. # فلا يوجب حد الزنا قياسا على النكاح بغير شهود وسائر الأنكحة الفاسدة. # ولو وطئ جارية الأب أو الأم فإن ادعى الاشتباه بأن قال: ظننت أنه تحل لي. # لم يجب الحد وإن لم يدع - يجب، وهو تفسير شبهة الاشتباه، وأنها تعتبر في ~~سبعة مواضع: في جارية الأب وجارية الأم وجارية المنكوحة وجارية المطلقة ~~ثلاثا - ما دامت في العدة - وأم ms4043 الولد - ما دامت تعتد منه - والعبد إذا وطئ ~~جارية مولاه والجارية المرهونة إذا وطئها المرتهن، في رواية كتاب الرهن، ~~وفي رواية كتاب الحدود يجب الحد ولا يعتبر ظنه، أما إذا وطئ جارية أبيه أو ~~أمه أو زوجته؛ فلأن الرجل ينبسط في مال أبويه وزوجته وينتفع به من غير ~~استئذان وحشمة عادة، ألا ترى أنه يستخدم جارية أبويه ومنكوحته من غير ~~استئذان؛ فظن أن هذا النوع من الانتفاع مطلق له شرعا أيضا، وهذا وإن لم ~~يصلح دليلا على الحقيقة لكنه لما ظنه دليلا اعتبر في حقه؛ لإسقاط ما يندرئ ~~بالشبهات. # وإذا لم يدع ذلك فقد عرى الوطء عن الشبهة فتمحض حراما - فيجب الحد ولا ~~يثبت نسب الولد سواء ادعى بالاشتباه أو لا؛ لأن ثبات النسب يعتمد قيام معنى ~~في المحل وهو الملك من كل وجه أو من وجه ولم يوجد، ولو ادعى أحدهما الظن ~~ولم يدع الآخر - لا حد عليهما ما لم يقرا جميعا أنهما قد علما بالحرمة؛ لأن ~~الوطء يقوم بهما جميعا فإذا تمكنت فيه الشبهة من أحد الجانبين؛ فقد تمكنت ~~من الجانب الآخر ضرورة. # وأما من سوى الأب والأم من سائر ذوي الرحم المحرم، كالأخ والأخت ونحوهما ~~إذا وطئ جاريته يجب الحد، وإن قال: ظننت أنها تحل لي؛ لأن هذا دعوى ~~الاشتباه في غير موضع الاشتباه؛ لأن الإنسان لا ينبسط بالانتفاع بمال أخيه ~~وأخته عادة، فلم يكن هذا ظنا مستندا إلى دليل فلا يعتبر. # ، وكذلك إذا وطئ جارية ذات رحم محرم من امرأته؛ لما قلنا، أما إذا وطئ ~~المطلقة ثلاثا في العدة؛ فلأن النكاح قد زال في حق الحل أصلا؛ لوجود المبطل ~~لحل المحلية وهو الطلقات الثلاث، وإنما بقي في حق الفراش والحرمة على ~~الأزواج فقط فتمحض الوطء حراما فكان زنا فيوجب الحد؛ إلا إذا ادعى الاشتباه ~~وظن الحل؛ لأنه بنى ظنه على نوع دليل وهو بقاء النكاح في حق الفراش وحرمة ~~الأزواج فظن أنه بقي في حق الحل أيضا، وهذا وإن لم يصلح دليلا على الحقيقة ~~لكنه لما ms4044 ظنه دليلا اعتبر في حقه درأ لما يندرئ بالشبهات، وإن كان طلاقها ~~واحدة بائنة - لم يجب الحد، وإن قال: علمت أنها علي حرام؛ لأن زوال الملك ~~بالإبانة وسائر الكنايات مجتهد فيه؛ لاختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - فإن ~~مثل سيدنا عمر - رضي الله عنه - يقول في الكنايات: إنها رواجع، وطلاق ~~الرجعي لا يزيل الملك فاختلافهم يورث شبهة. # ولو خالعها أو طلقها على مال فوطئها في العدة ذكر الكرخي أنه ينبغي أن ~~يكون الحكم فيه كالحكم في المطلقة ثلاثا، وهو الصحيح؛ لأن زوال الملك ~~بالخلع والطلاق على مال مجمع عليه فلم تتحقق الشبهة فيجب الحد إلا إذا ادعى ~~الاشتباه؛ لما ذكرنا في المطلقة الثلاث، وكذلك إذا وطئ أم ولده وهي تعتد ~~منه بأن أعتقها؛ لأن زوال الملك بالإعتاق مجمع عليه فلم تثبت الشبهة. # وأما العبد إذا وطئ جارية مولاه، فإن العبد ينبسط في مال مولاه عادة ~~بالانتفاع فكان وطؤه مستندا إلى ما هو دليل في حقه فاعتبر في حقه؛ لإسقاط ~~الحد وإذا لم يدع يحد؛ لعراء الوطء عن # PageV07P036 # الشبهة. # وأما المرتهن إذا وطئ الجارية المرهونة، (فوجه) رواية كتاب الرهن أن يد ~~المرتهن يد استيفاء الدين؛ فصار المرتهن مستوفيا الدين من الجارية يدا، فقد ~~وطئ جارية هي مملوكة له يدا؛ فلا يجب، الحد، كالجارية المبيعة إذا وطئها ~~البائع قبل التسليم؛ إلا إذا ادعى الاشتباه وقال: ظننت أنها تحل لي؛ لأنه ~~استند ظنه إلى نوع دليل وهو ملك اليد، فيعتبر في حقه درأ للحد، وإذا لم يدع ~~فلا شبهة - فلا يجب الحد. # (وجه) رواية كتاب الحدود أن الاستيفاء في باب الرهن إنما يتحقق من مالية ~~الرهن لا من عينه؛ لأن الاستيفاء لا يتحقق إلا في الجنس ولا مجانسة بين ~~التوثيق وبين عين الجارية، فلا يتصور الاستيفاء من عينها فلا يعتبر ظنه. # ولو وطئ البائع الجارية المبيعة قبل التسليم - لا حد عليه، وكذلك الزوج ~~إذا وطئ الجارية التي تزوج عليها قبل التسليم؛ لأن ملك الرقبة وإن زال ~~بالبيع والنكاح فملك اليد قائم فيورث شبهة. # ولو ms4045 وطئ المستأجر جارية الإجارة، والمستعير جارية الإعارة، والمستودع ~~جارية الوديعة يحد، وإن قال: ظننت أنها تحل لي؛ لأن هذا ظن عري عن دليل ~~فكان في غير موضعه فلا يعتبر. # ولو زفت إليه غير امرأته، وقلن النساء: إن هذه امرأتك فوطئها - لا حد ~~عليه، منهم من قال: إنما لم يجب الحد؛ لشبهة الاشتباه، وهذا غير سديد، ~~فإنها إذا جاءت بولد يثبت النسب، ولو كان امتناع الوجوب لشبهة الاشتباه ~~ينبغي أن لا يثبت؛ لأن النسب لا يثبت في شبهة الاشتباه كما فيما ذكرنا من ~~المسائل، وههنا يثبت النسب، دل أن الامتناع ليس لشبهة الاشتباه بل لمعنى ~~آخر. # وهو إن وطئها بناء على دليل ظاهر - يجوز بناء الوطء عليه، وهو الإخبار ~~بأنها امرأته، بل لا دليل ههنا سواه فلئن تبين الأمر بخلافه فقيام الدليل ~~المبيح من حيث الظاهر يورث شبهة، ولو وطئ أجنبية وقال: ظننت أنها امرأتي أو ~~جاريتي أو شبهتها بامرأتي أو جاريتي - يجب الحد؛ لأن هذا الظن غير معتبر؛ ~~لعدم استناده إلى دليل فكان ملحقا بالعدم فلا يحل الوطء بناء على هذا الظن، ~~ما لم يعرف أنها امرأته بدليل، إما بكلامها أو بإخبار مخبر، ولم يوجد، مع ~~ما أنا لو اعتبرنا هذا الظن في إسقاط الحد لم يقم حد الزنا في موضع ما، إذ ~~الزاني لا يعجز عن هذا القدر فيؤدي إلى سد باب الحد، وهكذا روي عن إبراهيم ~~النخعي - رحمه الله - أنه قال: لو قيل هذا لما أقيم الحد على أحد، وكذلك لو ~~كان الرجل أعمى فوجد امرأة في بيته فوقع عليها وقال: ظننتها امرأتي عليه ~~الحد؛ لأن هذا ظن لم يستند إلى دليل، إذ قد يكون في البيت من لا يجوز وطؤها ~~من المحارم والأجنبيات؛ فلا يحل الوطء بناء على هذا الظن فلم تثبت الشبهة. # وروي عن محمد في رجل أعمى دعا امرأته فقال: يا فلانة، فأجابت غيرها، فوقع ~~عليها؛ أنه يحد، ولو أجابته غيرها وقالت: أنا فلانة فوقع عليها - لم يحد، ~~ويثبت النسب وهي كالمرأة المزفوفة إلى غير ms4046 زوجها؛ لأنه لا يحل له وطؤها ~~بنفس الإجابة ما لم تقل أنا فلانة؛ لأن الإجابة قد تكون من التي ناداها، ~~وقد تكون من غيرها، فلا يجوز بناء الوطء على نفس الإجابة، فإذا فعل لم ~~يعذر، بخلاف ما إذا قالت: أنا فلانة فوطئها؛ لأنه لا سبيل للأعمى إلى أن ~~يعرف أنها امرأته إلا بذلك الطريق، فكان معذورا فأشبه المرأة المزفوفة، حتى ~~لو كان الرجل بصيرا لا يصدق على ذلك؛ لإمكان الوصول إلى أنها امرأته ~~بالرؤية. # وروي عن زفر في رجل أعمى وجد على فراشه أو مجلسه امرأة نائمة فوقع عليها ~~وقال: ظننت أنها امرأتي؛ يدرأ عنه الحد وعليه العقر، وقال أبو يوسف: لا ~~يدرأ. # (وجه) قول زفر أنه ظن في موضع الظن، إذ الظاهر أنه لا ينام على فراشه غير ~~امرأته، فكان ظنه مستندا إلى دليل ظاهر؛ فيوجب درأ الحد، كما لو زفت إليه ~~غير امرأته فوطئها. # (وجه) قول أبي يوسف أن النوم على الفراش لا يدل على أنها امرأته لجواز أن ~~ينام على فراشه غير امرأته، فلا يجوز استحلال الوطء بهذا القدر، فإذا استحل ~~وظهر الأمر بخلافه - لم يكن معذورا، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في أنواع الإحصان] # (فصل) : # وأما الإحصان، فالإحصان نوعان: إحصان الرجم، وإحصان القذف أما إحصان ~~الرجم فهو عبارة - في الشرع - عن اجتماع صفات اعتبرها الشرع لوجوب الرجم، ~~وهي سبعة: العقل والبلوغ والحرية والإسلام والنكاح الصحيح وكون الزوجين ~~جميعا على هذه الصفات، وهو أن يكونا جميعا عاقلين بالغين حرين مسلمين، ~~فوجود هذه الصفات جميعا فيهما شرط؛ لكون كل واحد منهما محصنا، والدخول في ~~النكاح الصحيح بعد سائر الشرائط متأخرا عنها، فإن تقدمها لم يعتبر ما لم ~~يوجد دخول آخر بعدها، فلا إحصان للصبي والمجنون والعبد والكافر، ولا ~~بالنكاح الفاسد # PageV07P037 # ولا بنفس النكاح ما لم يوجد الدخول. # وما لم يكن الزوجان جميعا وقت الدخول على صفة الإحصان، حتى أن الزوج ~~العاقل البالغ الحر المسلم إذا دخل بزوجته، وهي صبية أو مجنونة أو أمة أو ~~كتابية، ثم أدركت الصبية ms4047 وأفاقت المجنونة وأعتقت الأمة وأسلمت الكافرة؛ لا ~~يصير محصنا ما لم يوجد دخول آخر بعد زوال هذه العوارض، حتى لو زنى قبل دخول ~~آخر - لا يرجم، فإذا وجدت هذه الصفات صار الشخص محصنا؛ لأن الإحصان في ~~اللغة عبارة عن الدخول في الحصن، يقال: أحصن، أي دخل الحصن، كما يقال: أعرق ~~أي دخل العراق، وأشأم أي دخل الشام، وأحصن أي دخل في الحصن، ومعناه دخل ~~حصنا عن الزنا إذا دخل فيه، وإنما يصير الإنسان داخلا في الحصن عن الزنا ~~عند توفر الموانع، وكل واحد من هذه الجملة مانع عن الزنا، فعند اجتماعها ~~تتوفر الموانع. # أما العقل؛ فلأن للزنا عاقبة ذميمة، والعقل يمنع عن ارتكاب ما له عاقبة ~~ذميمة. # وأما البلوغ فإن الصبي؛ لنقصان عقله ولقلة تأمله لاشتغاله باللهو واللعب ~~لا يقف على عواقب الأمور فلا يعرف الحميدة منها والذميمة. # وأما الحرية؛ فلأن الحر يستنكف عن الزنا وكذا الحرة؛ ولهذا «لما قرأ رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - آية المبايعة على النساء وبلغ إلى قول الله ~~تعالى {ولا يزنين} [الممتحنة: 12] قالت هند امرأة أبي سفيان: أوتزني الحرة ~~يا رسول الله؟» وأما الإسلام؛ فلأنه نعمة كاملة موجبة للشكر فيمنع من الزنا ~~الذي هو وضع الكفر في موضع الشكر. # وأما اعتبار اجتماع هذه الصفات في الزوجين جميعا؛ فلأن اجتماعها فيهما ~~يشعر بكمال حالهما، وذا يشعر بكمال اقتضاء الشهوة من الجانبين؛ لأن اقتضاء ~~الشهوة بالصبية والمجنونة قاصر، وكذا بالرقيق؛ لكون الرق من نتائج الكفر ~~فينفر عنه الطبع، وكذا بالكافرة؛ لأن طبع المسلم ينفر عن الاستمتاع ~~بالكافرة. # ولهذا «قال النبي - عليه الصلاة والسلام - لحذيفة - رضي الله عنه - حين ~~أراد أن يتزوج يهودية: دعها فإنها لا تحصنك» وأما الدخول بالنكاح الصحيح؛ ~~فلأنه اقتضاء الشهوة بطريق حلال فيقع به الاستغناء عن الحرام، والنكاح ~~الفاسد لا يفيد فلا يقع به الاستغناء. # وأما كون الدخول آخر الشرائط؛ فلأن الدخول قبل استيفاء سائر الشرائط لا ~~يقع اقتضاء الشهوة على سبيل الكمال، فلا تقع الغنية به عن الحرام على ~~التمام، وبعد استيفائها ms4048 تقع به الغنية على الكمال والتمام، فثبت أن هذه ~~الجملة موانع عن الزنا فيحصل بها معنى الإحصان وهو الدخول في الحصن عن ~~الزنا، ولا خلاف في هذه الجملة إلا في الإسلام، فإنه روي عن أبي يوسف أنه ~~ليس من شرائط الإحصان حتى لا يصير المسلم محصنا بنكاح الكتابية، والدخول ~~بها في ظاهر الرواية. # وكذلك الذمي العاقل البالغ الحر الثيب إذا زنى لا يرجم في ظاهر الرواية ~~بل يجلد، وعلى ما روي عن أبي يوسف يصير المسلم محصنا بنكاح الكتابية، ويرجم ~~الذمي به، وبه أخذ الشافعي - رحمه الله تعالى - واحتجا بما روي «أنه - عليه ~~الصلاة والسلام - رجم يهوديين» ولو كان الإسلام شرطا لما رجم؛ ولأن اشتراط ~~الإسلام للزجر عن الزنا، والدين المطلق يصلح للزجر عن الزنا؛ لأن الزنا ~~حرام في الأديان كلها. # (ولنا) في زنا الذمي قوله تعالى {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة} [النور: 2] أوجب سبحانه وتعالى الجلد على كل زان وزانية، أو على ~~مطلق الزاني والزانية من غير فصل بين المؤمن والكافر، ومتى وجب الجلد انتفى ~~وجوب الرجم ضرورة؛ ولأن زنا الكافر لا يساوي زنا المسلم في كونه جناية، فلا ~~يساويه في استدعاء العقوبة كزنا البكر مع زنا الثيب. # وبيان ذلك: أن زنا المسلم اختص بمزيد قبح انتفى، ذلك في زنا الكافر وهو ~~كون زناه وضع الكفران في موضع الشكر؛ لأن دين الإسلام نعمة ودين الكفر ليس ~~بنعمة، وفي زنا المسلم بالكتابية «قوله - عليه الصلاة والسلام - لحذيفة - ~~رضي الله عنه - حين أراد أن يتزوج يهودية: دعها فإنها لا تحصنك» وقوله - ~~عليه الصلاة والسلام - «من أشرك بالله فليس بمحصن» والذمي مشرك على الحقيقة ~~فلم يكن محصنا وما ذكرنا أن في اقتضاء الشهوة بالكافرة قصورا، فلا يتكامل ~~معنى النعمة فلا يتكامل الزاجر، وقوله الزجر يحصل بأصل الدين قلنا: نعم، ~~لكنه لا يتكامل إلا بدين الإسلام؛ لأنه نعمة فيكون الزنا - من المسلم - وضع ~~الكفران في موضع الشكر، ودين الكفر ليس بنعمة؛ فلا يكون في كونه زاجرا ~~مثله. # وأما حديث رجم ms4049 اليهوديين فيحتمل أنه كان قبل نزول آية الجلد؛ فانتسخ بها. # ويحتمل أنه كان بعد نزولها، ونسخ خبر الواحد أهون من نسخ الكتاب العزيز، ~~وإحصان كل واحد من الزانيين ليس بشرط # PageV07P038 # لوجوب الرجم على أحدهما، حتى لو كان أحدهما محصنا والآخر غير محصن، ~~فالمحصن منهما يرجم، وغير المحصن يجلد، ثم إذا ظهر إحصان الزاني بالبينة أو ~~بالإقرار يرجم بالنص والمعقول، أما النص فالحديث المشهور، وهو قوله - عليه ~~الصلاة والسلام - «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى معان ثلاث: كفر بعد ~~إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق» . # وروي «أنه - عليه الصلاة والسلام - رجم ماعزا وكان محصنا» . # وأما المعقول فهو أن المحصن إذا توفرت عليه الموانع من الزنا، فإذا أقدم ~~عليه مع توفر الموانع - صار زناه غاية في القبح، فيجازى بما هو غاية في ~~العقوبات الدنيوية وهو الرجم؛ لأن الجزاء على قدر الجناية، ألا ترى أن الله ~~سبحانه وتعالى توعد نساء النبي - عليه الصلاة والسلام - بمضاعفة العذاب إذا ~~أتين بفاحشة؛ لعظم جنايتهن؛ لحصولها مع توفر الموانع فيهن؛ لعظم نعم الله - ~~سبحانه وتعالى - عليهن؛ لنيلهن صحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ومضاجعته، فكانت جنايتهن على تقدير الإتيان غاية في القبح، فأوعدن بالغاية ~~من الجزاء. # كذا ههنا، ولا يجمع بين الجلد والرجم عند عامة العلماء، وقال بعض الناس: ~~يجمع بينهما؛ لظاهر قوله - عليه الصلاة والسلام - «والثيب بالثيب جلد مائة، ~~ورجم بالحجارة» . # (ولنا) «أنه - عليه الصلاة والسلام - رجم ماعزا ولم يجلده» ، ولو وجب ~~الجمع بينهما لجمع؛ ولأن الزنا جناية واحدة فلا يوجب إلا عقوبة واحدة، ~~والجلد والرجم كل واحد منهما عقوبة على حدة، فلا يجبان لجناية واحدة، ~~والحديث محمول على الجمع بينهما في الجلد والرجم، لكن في حالين فيكون عملا ~~بالحديث، وإذا فقد شرط من شرائط الإحصان لا يرجم بل يجلد؛ لأن الواجب بنفس ~~الزنا هو الجلد بآية الجلد؛ ولأن زنا غير المحصن لا يبلغ غاية في القبح فلا ~~تبلغ عقوبته النهاية، فيكتفى بالجلد وهل يجمع بين الجلد والتغريب؟ اختلف ~~فيه قال أصحابنا: ms4050 لا يجمع إلا إذا رأى الإمام المصلحة في الجمع بينهما؛ ~~فيجمع وقال الشافعي - رحمه الله -: يجمع بينهما، احتج بما روي أنه - عليه ~~الصلاة والسلام - قال: «البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام» وروي عن سيدنا ~~عمر - رضي الله عنه - أنه جلد وغرب، وكذا روي عن سيدنا علي - رضي الله عنه ~~- أنه فعل كذا، ولم ينكر عليهما أحد من الصحابة، فيكون إجماعا. # (ولنا) قوله عز وجل {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} ~~[النور: 2] . # والاستدلال به من وجهين: أحدهما - أنه - عز وجل - أمر بجلد الزانية ~~والزاني، ولم يذكر التغريب، فمن أوجبه فقد زاد على كتاب الله - عز وجل - ~~والزيادة عليه نسخ، ولا يجوز نسخ النص بخبر الواحد، والثاني - أنه سبحانه ~~وتعالى جعل الجلد جزاء، والجزاء اسم لما تقع به الكفاية مأخوذ من الاجتزاء ~~- وهو الاكتفاء - فلو أوجبنا التغريب لا تقع الكفاية بالجلد، وهذا خلاف ~~النص؛ لأن التغريب تعريض للمغرب على الزنا؛ لأنه ما دام في بلده يمتنع عن ~~العشائر والمعارف حياء منهم، وبالتغريب يزول هذا المعنى فيعرى الداعي عن ~~الموانع فيقدم عليه، والزنا قبيح فما أفضى إليه مثله، وفعل الصحابة محمول ~~على أنهم رأوا ذلك مصلحة على طريق التعزير، ألا يرى أنه روي عن سيدنا عمر - ~~رضي الله عنه - أنه نفى رجلا فلحق بالروم فقال: لا أنفي بعدها أبدا. # وعن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال: كفى بالنفي فتنة فدل أن فعلهم ~~كان على طريق التعزير، ونحن به نقول: إن للإمام أن ينفي إن رأى المصلحة في ~~التغريب، ويكون النفي تعزيرا لا حدا، والله - سبحانه وتعالى - أعلم وأما ~~إحصان القذف فنذكره في حد القذف إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في حد الشرب] # (فصل) : # وأما حد الشرب فسبب وجوبه الشرب؛ وهو شرب الخمر خاصة، حتى يجب الحد بشرب ~~قليلها وكثيرها، ولا يتوقف الوجوب على حصول السكر منها، وحد السكر سبب ~~وجوبه السكر الحاصل بشرب ما سوى الخمر من الأشربة المعهودة المسكرة كالسكر ~~ونقيع الزبيب، والمطبوخ أدنى طبخة من عصير العنب أو ms4051 التمر والزبيب والمثلث ~~ونحو ذلك، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في شرائط وجوب حد الشرب] # (فصل) : # وأما شرائط وجوبها فمنها العقل، ومنها البلوغ، فلا حد على المجنون والصبي ~~الذي لا يعقل، ومنها الإسلام فلا حد على الذمي والحربي المستأمن بالشرب ولا ~~بالسكر في ظاهر الرواية، ومنها عدم الضرورة في شرب الخمر، فلا حد على من ~~أكره على شرب خمر ولا على من أصابته مخمصة، وإنما كان كذلك؛ لأن الحد عقوبة ~~محضة فتستدعي جناية محضة، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بالجناية، وكذا ~~الشرب لضرورة المخمصة، والإكراه حلال فلم # PageV07P039 # يكن جناية، وشرب الخمر مباح لأهل الذمة عند أكثر مشايخنا فلا يكون جناية، ~~وعند بعضهم وإن كان حراما لكنا نهينا على التعريض لهم وما يدينون وفي إقامة ~~الحد عليهم تعرض لهم من حيث المعنى؛ لأنها تمنعهم من الشرب، وعن الحسن بن ~~زياد أنهم إذا شربوا وسكروا يحدون لأجل السكر لا لأجل الشرب؛ لأن السكر ~~حرام في الأديان كلها، وما قاله الحسن حسن. # ومنها بقاء اسم الخمر للمشروب وقت الشرب في حد الشرب؛ لأن وجوب الحد ~~بالشرب تعلق به، حتى لو خلط الخمر بالماء، ثم شرب نظر فيه إن كانت الغلبة ~~للماء لا حد عليه؛ لأن اسم الخمرية يزول عند غلبة الماء، وإن كانت الغلبة ~~للخمر أو كانا سواء يحد؛ لأن اسم الخمر باق وهي عادة بعض الشربة أنهم ~~يشربونها ممزوجة بالماء، وكذلك من شرب دردي الخمر لا حد عليه؛ لأن دردي ~~الخمر لا يسمى خمرا وإن كان لا يخلو عن أجزاء الخمر. # (فأما) الذكورة فليست بشرط حتى يجب الحد على الذكر والأنثى. # وأما الحرية فكذلك إلا أن حد الرقيق يكون على النصف من حد الحر ولا حد ~~على من توجد منه رائحة الخمر؛ لأن وجود رائحة الخمر لا يدل على شرب الخمر؛ ~~لجواز أنه تمضمض بها ولم يشربها، أو شربها عن إكراه أو مخمصة، وكذلك من ~~تقيأ خمرا لا حد عليه؛ لما قلنا، والله - سبحانه وتعالى - أعلم وأما ~~الأشربة التي تتخذ من الأطعمة ms4052 كالحنطة والشعير والدخن والذرة والعسل والتين ~~والسكر ونحوها، فلا يجب الحد بشربها؛ لأن شربها حلال عندهما، وعند محمد وإن ~~كان حراما لكن هي حرمة محل الاجتهاد، فلم يكن شربها جناية محضة فلا تتعلق ~~بها عقوبة محضة ولا بالسكر منها، وهو الصحيح؛ لأن الشرب إذا لم يكن حراما ~~أصلا فلا عبرة بنفس السكر كشرب البنج ونحوه، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في سبب وجوب حد القذف] # (فصل) : # وأما حد القذف فسبب وجوبه القذف بالزنا؛ لأنه نسبه إلى الزنا، وفيها ~~إلحاق العار بالمقذوف فيجب الحد دفعا للعار، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في شرائط وجوب حد القذف وبعضها يرجع إلى القاذف] # (فصل) : # وأما شرائط وجوبه فأنواع: بعضها يرجع إلى القاذف، وبعضها يرجع إلى ~~المقذوف، وبعضها يرجع إليهما جميعا، وبعضها إلى المقذوف به، وبعضها يرجع ~~إلى المقذوف فيه، وبعضها يرجع إلى نفس القذف. # أما الذي يرجع إلى القاذف فأنواع ثلاثة: أحدها - العقل، والثاني - ~~البلوغ، حتى لو كان القاذف صبيا أو مجنونا لا حد عليه؛ لأن الحد عقوبة ~~فيستدعي كون القذف جناية، وفعل الصبي والمجنون لا يوصف بكونه جناية، ~~والثالث - عدم إثباته بأربعة شهداء، فإن أتى بهم لا حد عليه؛ لقوله سبحانه ~~وتعالى {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة} [النور: 4] علق - سبحانه وتعالى - وجوب إقامة الحد بعد الإثبات ~~بأربعة شهود، وليس المراد منه عدم الإتيان في جميع العمر، بل عند القذف ~~والخصومة، إذ لو حمل على الأبد لما أقيم حد أصلا، إذ لا يقام بعد الموت؛ ~~ولأن الحد إنما وجب لدفع عار الزنا عن المقذوف، وإذا ظهر زناه بشهادة ~~الأربعة لا يحتمل الاندفاع بالحد؛ ولأن هذا شرط يزجر عن قذف المحصنات. # وأما حرية القاذف وإسلامه وعفته عن فعل الزنا فليس بشرط؛ فيحد الرقيق ~~والكافر ومن لا عفة له عن الزنا، والشرط إحصان المقذوف لا إحصان القاذف، ~~والله - سبحانه وتعالى - الموفق. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى المقذوف] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المقذوف فشيئان: أحدهما - أن يكون محصنا رجلا ms4053 كان أو ~~امرأة وشرائط إحصان القذف خمسة: العقل والبلوغ والحرية والإسلام والعفة عن ~~الزنا، فلا يجب الحد بقذف الصبي والمجنون والرقيق والكافر ومن لا عفة له عن ~~الزنا. # أما العقل والبلوغ؛ فلأن الزنا لا يتصور من الصبي والمجنون فكان قذفهما ~~بالزنا كذبا محضا فيوجب التعزير لا الحد. # وأما الحرية؛ فلأن الله سبحانه وتعالى شرط الإحصان في آية القذف، وهي ~~قوله تبارك وتعالى {والذين يرمون المحصنات} [النور: 4] والمراد من المحصنات ~~ههنا الحرائر لا العفائف عن الزنا، فدل أن الحرية شرط، ولأنا لو أوجبنا على ~~قاذف المملوك الجلد؛ لأوجبنا ثمانين، وهو لو أتى بحقيقة الزنا لا يجلد إلا ~~خمسين وهذا لا يجوز؛ لأن القذف نسبة إلى الزنا وأنه دون حقيقة الزنا. # وأما الإسلام والعفة عن الزنا؛ فلقوله تعالى {إن الذين يرمون المحصنات ~~الغافلات المؤمنات} [النور: 23] والمحصنات الحرائر، والغافلات العفائف عن ~~الزنا، والمؤمنات معلومة فدل أن الإيمان والعفة عن # PageV07P040 # الزنا والحرية شرط، ودلت هذه الآية على أن المراد من المحصنات في هذه ~~الآية الحرائر لا العفائف؛ لأنه سبحانه وتعالى جمع في هذه الآية بين ~~المحصنات والغافلات في الذكر والغافلات العفائف؛ فلو أريد بالمحصنات ~~العفائف لكان تكرارا؛ ولأن الحد إنما يجب لدفع العار عن المقذوف، ومن لا ~~عفة له عن الزنا لا يلحقه العار بالقذف بالزنا، وكذا قوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «من أشرك بالله فليس بمحصن» يدل على أن الإسلام شرط؛ ولأن الحد ~~إنما وجب بالقذف دفعا لعار الزنا عن المقذوف، وما في الكافر من عار الكفر ~~أعظم، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # ثم تفسير العفة عن الزنا: هو إن لم يكن المقذوف وطئ في عمره وطئا حراما ~~في غير ملك ولا نكاح أصلا، ولا في نكاح فاسد فسادا مجمعا عليه في السلف، ~~فإن كان فعل سقطت عفته سواء كان الوطء زنا موجبا للحد، أو لم يكن، بعد أن ~~يكون على الوصف الذي ذكرنا، وإن كان وطئ وطئا حراما لكن في الملك أو النكاح ~~حقيقة، أو في نكاح فاسد لكن فسادا هو محل الاجتهاد؛ لا ms4054 تسقط عفته، وبيان ~~هذه الجملة في مسائل: إذا وطئ امرأة بشبهة بأن زفت إليه غير امرأته فوطئها ~~سقطت عفته؛ لوجود الوطء الحرام في غير ملك ولا نكاح أصلا، إلا أنه لم يجب ~~الحد؛ لقيام الدليل المبيح من حيث الظاهر على ما ذكرنا فيما تقدم، وكذلك ~~إذا وطئ جارية مشتركة بينه وبين غيره؛ لأن الوطء يصادف كل الجارية - وكلها ~~ليس ملكه - فيصادف ملك الغير لا محالة، فكان الفعل زنا من وجه، لكن درئ ~~الحد للشبهة. # وكذلك إذا وطئ جارية أبويه أو زوجته أو جارية اشتراها، وهو يعلم أنها ~~لغير البائع، ثم استحقت؛ لما قلنا، وكذلك لو وطئ جارية ابنه فأعلقها أو لم ~~يعلقها؛ لوجود الوطء المحرم في غير ملك حقيقة. # ولو وطئ الحائض أو النفساء أو الصائمة أو المحرمة أو الحرة التي ظاهر ~~منها، أو الأمة المزوجة - لم تسقط عفته؛ لقيام الملك أو النكاح حقيقة، وأنه ~~محلل إلا أنه منع من الوطء لغيره، وكذا إذا وطئ مكاتبته في قولهما، وإحدى ~~الروايتين عن أبي يوسف وفي رواية أخرى عنه، وهو قول زفر؛ تسقط عفته. # (وجه) قولهما أن هذا وطء حصل في غير الملك؛ لأن عقد الكتابة أوجب زوال ~~الملك في حق الوطء، ألا ترى أنه لا يباح له أن يطأها، وكذا المهر يكون لها ~~لا للمولى، وهذا دليل زوال الملك في حق الوطء، ولنا أن الوطء يصادف الذات، ~~وملك الذات قائم بعد الكتابة، فكان الملك المحلل قائما، وإنما الزائل ملك ~~اليد فمنع من الوطء؛ لما فيه من استرداد يدها على نفسها فأشبهت الجارية ~~المزوجة. # ولو تزوج معتدة الغير أو منكوحة الغير أو مجوسية أو أخته من الرضاع؛ سقطت ~~عفته، سواء علم أو لم يعلم في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعندهما إذا ~~كان لا يعلم - لا تسقط. # (وجه) قولهما أنه إذا لم يعلم - لا يكون الوطء حراما، بدليل أنه لا يأثم ~~ولو كان حراما لأثم، وإذا لم يكن حراما - لم تسقط العفة، ولأبي حنيفة - ~~رحمه الله - أن حرمة الوطء ههنا ثابتة ms4055 بالإجماع، إلا أن الإثم منتف، والإثم ~~ليس من لوازم الحرمة على ما عرف، وإذا كانت الحرمة ثابتة بيقين سقطت العفة، ~~ولو قبل امرأة بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة، ثم تزوج بابنتها فوطئها أو ~~تزوج بأمها فوطئها؛ لا تسقط عفته في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما ~~تسقط. # وجه قولهما أن التقبيل أو النظر أوجب حرمة المصاهرة، وإنها حرمة مؤبدة ~~فتسقط العصمة كحرمة الرحم المحرم، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن هذه الحرمة ~~ليست مجمعا عليها، بل هي محل الاجتهاد في السلف، فلا تسقط العفة. # فأما إذا تزوج امرأة فوطئها، ثم تزوج ابنتها أو أمها فوطئها سقطت عفته ~~بالإجماع؛ لأن هذا النكاح مجمع على فساده، فلم يكن محل الاجتهاد. # ولو تزوج امرأة بغير شهود فوطئها - سقطت عفته؛ لأن فساد هذا النكاح مجمع ~~عليه لا اختلاف فيه في السلف، إذ لا يعرف الخلاف فيه بين الصحابة فلا يعتد ~~بخلاف مالك فيه. # ولو تزوج أمة وحرة في عقدة واحدة فوطئها، أو تزوج أمة على حرة فوطئهما - ~~لم تسقط عفته؛ لأن فساد هذا النكاح ليس مجمعا عليه في السلف، بل هو محل ~~الاجتهاد فالوطء فيه لا يوجب سقوط العفة. # ولو تزوج ذمي امرأة ذات رحم محرم منه ثم أسلم فقذفه رجل إن كان قد دخل ~~بها بعد الإسلام - سقطت عفته بالإجماع، وإن كان الدخول في حال الكفر - لم ~~تسقط في قول أبي حنيفة، وعندهما تسقط، هكذا ذكر الكرخي وذكر محمد - رحمه ~~الله - في الأصل أنه يشترط إحصانه، ولم يذكر الخلاف وهو الصحيح؛ لأن هذا ~~النكاح مجمع على فساده، وإنما سقط الحد على أصل أبي حنيفة - عليه الرحمة - ~~لنوع شبهة، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # ولا حد على من قذف امرأة محدودة # PageV07P041 # في الزنا، أو معها ولد لا يعرف له أب أو لاعنت بولد؛ لأن أمارة الزنا ~~معها ظاهرة فلم تكن عفيفة، فإن لاعنت بغير الولد أو مع الولد لكنه لم يقطع ~~النسب أو قطع لكن الزوج عاد وأكذب نفسه وألحق النسب بالأب - حد؛ لأنه لم ms4056 ~~يظهر منها علامة الزنا - فكانت عفيفة، والثاني - أن يكون المقذوف معلوما ~~فإن كان مجهولا لا يجب الحد كما إذا قال لجماعة: كلكم زان إلا واحدا، أو ~~قال: ليس فيكم زان إلا واحد، أو قال لرجلين: أحدكما زان؛ لأن المقذوف ~~مجهول، ولو قال لرجلين: أحدكما زان، فقال له رجل: أحدهما هذا، فقال: لا، لا ~~حد للآخر؛ لأنه لم يقذف بصريح الزنا، ولا بما هو في معنى الصريح، ولو قال ~~لرجل: جدك زان لا حد عليه لأن اسم الجد ينطلق على الأسفل وعلى الأعلى فكان ~~المقذوف مجهولا ولو قال لرجل أخوك زان، فإن كان له إخوة، أو أخوان سواه - ~~لا حد على القاذف؛ لأن المقذوف مجهول، وإن لم يكن له إلا أخ واحد فعليه ~~الحد إذا حضر وطالب؛ لأن المقذوف معلوم وليس لهذا الأخ ولاية المطالبة؛ لما ~~نذكر في موضعه، إن شاء الله تعالى. # (وأما) حياة المقذوف وقت القذف فليس بشرط؛ لوجوب الحد على القاذف، حتى ~~يجب الحد بقذف الميت؛ لما نذكر في موضعه، إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى القاذف والمقذوف] # وأما الذي يرجع إليهما جميعا فواحد، وهو أن لا يكون القاذف أب المقذوف ~~ولا جده وإن علا، ولا أمه ولا جدته وإن علت، فإن كان - لا حد عليه؛ لقول ~~الله تعالى {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] والنهي عن التأفيف نصا، نهي عن ~~الضرب دلالة؛ ولهذا لا يقتل به قصاصا؛ ولقوله تبارك وتعالى {وبالوالدين ~~إحسانا} [الإسراء: 23] والمطالب بالقذف ليس من الإحسان في شيء فكان منفيا ~~بالنص؛ ولأن توقير الأب واحترامه واجب شرعا وعقلا، والمطالبة بالقذف للجد ~~ترك التعظيم والاحترام فكان حراما، والله - سبحانه وتعالى - الموفق. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى المقذوف به] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المقذوف به فنوعان: أحدهما - أن يكون القذف بصريح ~~الزنا وما يجري مجرى الصريح، وهو نفي النسب فإن كان بالكناية - لا يوجب ~~الحد؛ لأن الكناية محتملة والحد لا يجب مع الشبهة، فمع الاحتمال أولى، ~~وبيان هذه الجملة في مسائل: إذا ms4057 قال لرجل: يا زاني أو قال: زنيت، أو قال ~~أنت زاني - يحد، لأنه أتى بصريح القذف بالزنا، ولو قال: يا زانئ (بالهمز) ~~أو: زنأت (بالهمز) - يحد، ولو قال: عنيت به الصعود في الجبل - لا يصدق، لأن ~~العامة لا تفرق بين المهموز والملين، وكذا من العرب من يهمز الملين فبقي ~~مجرد النية، فلا يعتبر، ولو قال: زنأت في الجبل - يحد، ولو قال: عنيت به ~~الصعود في الجبل لا يصدق في قولهما، وعند محمد - رحمه الله - يصدق، ولو ~~قال: زنأت على الجبل، وقال: عنيت به الصعود - لا يصدق بالإجماع. # (وجه) قول محمد - رحمه الله - أن الزنا الذي هو فاحشة ملين يقال: زنى ~~يزني زنى، والزنا الذي هو صعود مهموز، يقال: زنأ يزنأ زنئا، وقال الشاعر # وارق إلى الخيرات زنئا في الجبل # وأراد به الصعود إلا أنه إذا لم يقل عنيت به الصعود - حمل على الزنا ~~المعروف؛ لأن اسم الزنا يستعمل في الفجور عرفا وعادة، وإذا قال عنيت به ~~الصعود فقد عنى به ما هو موجب اللفظ لغة فلزم اعتباره. # (وجه) قولهما أن اسم الزنا يستعمل في الفجور عرفا وعادة، والعامة لا تفصل ~~بين المهموز والملين بل تستعمل المهموز ملينا والملين مهموزا، فلا يصدق في ~~الصرف عن المتعارف، كما إذا قال: زنيت في الجبل، وقال عنيت به الصعود، أو: ~~زنأت ولم يذكر الجبل، إلا أنه استعمل كلمة " في " مكان كلمة " على "، وأنه ~~جائز، قال الله سبحانه وتعالى {ولأصلبنكم في جذوع النخل} [طه: 71] أي على ~~جذوع النخل ومن مشايخنا من علل لهما بأن المهموز منه يحتمل معنى الملين وهو ~~الزنا المعروف؛ لأن من العرب من يهمز الملين فيتعين معنى الملين بدلالة ~~الحال وهي حال الغضب؛ لأن المسألة مقصورة فيها، وإذا قال: زنأت على الجبل، ~~وقال عنيت به الصعود - لم يصدق؛ لأنه لا تستعمل كلمة " على " في الصعود، ~~فلا يقال: صعد على الجبل، وإنما يقال: صعد في الجبل. # ولو قال لرجل: يا ابن الزاني - فهو قاذف لأبيه، كأنه قال: أبوك زاني، ولو ~~قال: يا ابن ms4058 الزانية - فهو قاذف لأمه، كأنه قال: أمك زانية، ولو قال: يا ~~ابن الزاني والزانية - فهو قاذف لأبيه وأمه، كأنه قال: أبواك زانيان، ولو ~~قال: يا ابن الزنا أو يا ولد الزنا - كان قذفا؛ لأن معناه في عرف الناس ~~وعادتهم أنك مخلوق من ماء الزنا، ولو قال: يا ابن الزانيتين - يكون قذفا، ~~ويعتبر إحصان أمه التي ولدته لا إحصان جدته، حتى لو كانت أمه مسلمة فعليه ~~الحد، وإن كانت # PageV07P042 # جدته كافرة وإن كانت أمه كافرة - فلا حد عليه، وإن كانت جدته مسلمة؛ لأن ~~أمه في الحقيقة والدته والجدة تسمى أما مجازا. # وكذلك لو قال: يا ابن مائة زانية، أو يا ابن ألف زانية - يكون قاذفا ~~لأمه، ويعتبر في الإحصان حال الأم؛ لما قلنا، ويكون المراد من العدد ~~المذكور عدد المرات لا عدد الأشخاص، أي أمك زنت مائة مرة أو ألف مرة، ولو ~~قال: يا ابن القحبة لم يكن قاذفا؛ لأن هذا الاسم كما يطلق على الزانية ~~يستعمل على المهيأة المستعدة للزنا وإن لم تزن، فلا يجعل قذفا مع الاحتمال، ~~وكذلك لو قال: يا ابن الدعية؛ لأن الدعية هي المرأة المنسوبة إلى قبيلة لا ~~نسب لها منهم، وهذا لا يدل على كونها زانية؛ لجواز ثبوت نسبها من غيرهم. # ولو قال لرجل: يا زاني فقال الرجل: لا، بل أنت الزاني، أو قال: لا، بل ~~أنت - يحدان جميعا؛ لأن كل واحد منهما قذف صاحبه صريحا، ولو قال لامرأة: يا ~~زانية، فقالت: زنيت بك - لا حد على الرجل؛ لأن المرأة صدقته في القذف، فخرج ~~قذفه من أن يكون موجبا للحد، وتحد المرأة؛ لأنها قذفته بالزنا نصا ولم يوجد ~~منه التصديق، ولو قال لامرأة: يا زانية، فقالت زنيت معك - لا حد على الرجل، ~~ولا على المرأة، أما على الرجل؛ فلوجود التصديق منها إياه. # وأما على المرأة؛ فلأن قولها زنيت معك يحتمل أن يكون المراد منه زنيت بك، ~~ويحتمل أن يكون معناه زنيت بحضرتك، فلا يجعل قذفا مع الاحتمال، ولو قال ~~لامرأته: يا زانية، فقالت لا، بل ms4059 أنت - حدت المرأة حد القذف، ولا لعان على ~~الرجل؛ لأن كل واحد من الزوجين قذف صاحبه، وقذف المرأة يوجب حد القذف، وقذف ~~الزوج امرأته يوجب اللعان، وكل واحد منهما حد. # وفي البداية بحد المرأة إسقاط الحد عن الرجل؛ لأن اللعان شهادات مؤكدة ~~بالأيمان، والمحدود في القذف لا شهادة له ونظير هذا ما قالوا فيمن قال ~~لامرأته: يا زانية بنت الزانية، فخاصمت الأم أولا فحد الزوج حد القذف - سقط ~~اللعان؛ لأنه بطلت شهادته، ولو خاصمت المرأة أولا فلاعن القاضي بينهما، ثم ~~خاصمت الأم - يحد الرجل حد القذف، ولو قال لامرأته: يا زانية، فقالت زنيت ~~بك - لا حد ولا لعان؛ لأنه يحتمل أنها أرادت بقولها زنيت بك أي قبل النكاح ~~ويحتمل أنها أرادت أي ما مكنت من الوطء غيرك فإن كان ذلك زنا فهو زنا؛ لأن ~~هذا متعارف فإن أرادت الأول - لا يجب اللعان، ويجب الحد؛ لأنها أقرت بالزنا ~~وإن أرادت به الثاني - يجب اللعان؛ لأن الزوج قذفها بالزنا، وهي لم تصدقه ~~فيما قذفها به؛ ولا حد عليها فوقع الاحتمال في ثبوت كل واحد منهما فلا ~~يثبت، ولو قال لامرأة: أنت زانية، فقالت المرأة: أنت أزنى مني - يحد الرجل. # ولا تحد المرأة، أما الرجل؛ فلأنه قذفها بصريح الزنا ولم يوجد منها ~~التصديق. # وأما المرأة؛ فلأن قولها: أنت أزنى مني يحتمل أنها أرادت به النسبة إلى ~~الزنا على الترجيح، ويحتمل أنها أرادت أنت أقدر على الزنا وأعلم به مني، ~~فلا يحمل على القذف مع الاحتمال، وكذلك إذا قال لإنسان: أنت أزنى الناس، أو ~~أزنى الزناة، أو أزنى من فلان - لا حد عليه؛ لما قلنا # وروي عن أبي يوسف أنه فرق بين قوله: أزنى الناس، وبين قوله: أزنى مني أو ~~من فلان، فقال في الأول: يحد، وفي الثاني: لا يحد. # (ووجه) الفرق له أن قوله: أنت أزنى الناس، أمكن حمله على ما يقتضيه ظاهر ~~الصيغة وهو الترجيح في وجود فعل الزنا منه؛ لتحقق الزنا من الناس في الجملة ~~فيحمل عليه، وقوله: أنت أزنى مني ms4060 أو من فلان، لا يمكن حمله على الترجيح في ~~وجود الزنا؛ لجواز أنه لم يوجد الزنا منه أو من فلان، فيحمل على الترجيح في ~~القدرة أو العلم، فلا يكون قذفا بالزنا، ولو قال لرجل: زنيت وفلان معك - ~~كان قاذفا لهما؛ لأنه قذف أحدهما وعطف الآخر عليه بحرف " الواو " وأنها ~~للجمع المطلق، فكان مخبرا عن وجود الزنا من كل واحد منهما. # رجلان استبا فقال أحدهما لصاحبه: ما أبي بزان ولا أمي بزانية، لم يكن هذا ~~قذفا؛ لأن ظاهره نفي الزنا عن أبيه وعن أمه، إلا أنه قد يكني بهذا الكلام ~~عن نسبة أب صاحبه وأمه إلى الزنا. # لكن القذف على سبيل الكناية والتعريض لا يوجب الحد، ولو قال لرجل: أنت ~~تزني لا حد عليه؛ لأن هذا اللفظ يستعمل للاستقبال ويستعمل للحال، فلا يجعل ~~قذفا مع الاحتمال، وكذلك لو قال: أنت تزني وأنا - أضرب الحد؛ لأن مثل هذا ~~الكلام في عرف الناس لا يدل على قصد القذف، وإنما يدل على طريق ضرب المثل ~~على الاستعجاب أن كيف تكون العقوبة على إنسان والجناية من غيره؟ كما قال ~~الله تبارك وتعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الإسراء: 15] ولو قال لامرأة: ~~ما رأيت زانية خيرا منك، أو قال لرجل: ما رأيت زانيا خيرا منك - لم يكن ~~قذفا؛ لأنه ما جعل # PageV07P043 # هذا المذكور خير الزناة، وإنما جعله خيرا من الزناة. # وهذا لا يقتضي وجود الزنا منه، ولو قال لامرأة: زنى بك زوجك قبل أن ~~يتزوجك - فهو قاذف؛ فإنه نسب زوجها إلى زنا حصل منه قبل التزوج في كلام ~~موصول فيكون قذفا، ولو قال لامرأة: وطئك فلان وطئا حراما، أو جامعك حراما، ~~أو فجر بك، أو قال لرجل: وطئت فلانة حراما، أو باضعتها أو جامعتها حراما - ~~فلا حد عليه؛ لأنه لم يوجد منه القذف بالزنا بل بالوطء الحرام. # ويجوز أن يكون الوطء حراما ولا يكون زنا، كالوطء بشبهة ونحو ذلك، ولو قال ~~لغيره: اذهب إلى فلان فقل له: يا زاني أو يا ابن الزانية - لم يكن المرسل ms4061 ~~قاذفا؛ لأنه أمر بالقذف ولم يقذف. # وأما الرسول فإن ابتدأ فقال - لا على وجه الرسالة: يا زاني أو يا ابن ~~الزانية - فهو قاذف وعليه الحد، وإن بلغه على وجه الرسالة بأن قال: أرسلني ~~فلان إليك وأمرني أن أقل لك: يا زاني أو يا ابن الزانية - لا حد عليه؛ لأنه ~~لم يقذف بل أخبر عن قذف غيره، ولو قال لآخر: أخبرت أنك زان أو أشهدت على ~~ذلك - لم يكن قاذفا؛ لأنه حكى خبر غيره بالقذف وإشهاد غيره بذلك، فلم يكن ~~قاذفا، ولو قال لرجل: يا لوطي - لم يكن قاذفا بالإجماع؛ لأن هذا نسبه إلى ~~قوم لوط فقط، وهذا لا يقتضي أنه يعمل عملهم وهو اللواط، ولو أفصح وقال: أنت ~~تعمل عمل قوم لوط، وسمى ذلك - لم يكن قاذفا عند أبي حنيفة أيضا. # وعندهما هو قاذف بناء على أن هذا الفعل ليس بزنا عند أبي حنيفة، وعندهما ~~هو في معنى الزنا، والمسألة مرت في موضعها، ولو قال لرجل: يا زاني، فقال له ~~آخر: صدقت - يحد القاذف ولا حد على المصدق. # أما الأول؛ فلوجود القذف الصريح منه. # وأما المصدق؛ فلأن قوله: صدقت قذف بطريق الكناية، ولو قال: صدقت هو كما ~~قلت - يحد؛ لأن هذا في معنى الصريح، ولو قال لرجل: أخوك زان، فقال الرجل: ~~لا، بل أنت - يحد الرجل؛ لأن كلمة " لا بل "؛ لتأكيد الإثبات، فقد قذف ~~الأول بالزنا على سبيل التأكيد. # وأما الأول فينظر إن كان للرجل إخوة أو أخوان سواه - فلا حد عليه، وإن لم ~~يكن له إلا أخ واحد - فله أن يطالبه بالحد، وليس لهذا الأخ المخاطب أن ~~يطالبه؛ لما ذكرنا فيما تقدم، ولو قال: لست لأبيك - فهو قاذف لأمه، سواء ~~قال في غضب أو رضا؛ لأن هذا الكلام لا يذكر إلا لنفي النسب عن الأب، فكان ~~قذفا لأمه، ولو قال: ليس هذا أبوك، أو قال: لست أنت ابن فلان لأبيه، أو ~~قال: أنت ابن فلان لأجنبي، إن كان في حال الغضب - فهو قذف، وإن كان في غير ~~حال الغضب ms4062 - فليس بقذف؛ لأن هذا الكلام قد يذكر لنفي النسب وقد يذكر لنفي ~~التشبه في الأخلاق، أي أخلاقك لا تشبه أخلاق أبيك، أو أخلاقك تشبه أخلاق ~~فلان الأجنبي، فلا يجعل قذفا مع الشك والاحتمال. # وكذلك إذا قال لرجل: يا ابن مزيقيا، أو يا ابن ماء السماء - أنه يكون ~~قذفا في حالة الغضب لا في حالة الرضا؛ لأنه يحتمل أنه أراد به نفي النسب، ~~ويحتمل أنه أراد به المدح بالتشبيه برجلين من سادات العرب، فعامر بن حارثة ~~كان يسمى ماء السماء؛ لصفائه وسخائه، وعمرو بن عامر كان يسمى المزيقيا؛ ~~لمزقه الثياب، إذ كان ذا ثروة ونخوة، كان يلبس كل يوم ثوبا جديدا، فإذا ~~أمسى خلعه ومزقه؛ لئلا يلبسه غيره فيساويه، فيحكم الحال في ذلك، فإن كان في ~~حال الغضب فالظاهر أنه أراد به نفي النسب؛ فيكون قذفا، وإن كان في حال ~~الرضا فالظاهر أنه أراد به المدح؛ فلم يكن قذفا، ولو قال لرجل: أنت ابن ~~فلان لعمه أو لخاله، أو لزوج أمه - لم يكن قذفا؛ لأن العم يسمى أبا. # وكذلك الخال وزوج الأم، قال الله سبحانه وتعالى {قالوا نعبد إلهك وإله ~~آبائك إبراهيم وإسماعيل} [البقرة: 133] وإسماعيل كان عم يعقوب - عليه ~~الصلاة والسلام - وقد سماه أباه، وقال سبحانه وتعالى {ورفع أبويه على ~~العرش} [يوسف: 100] وقيل: إنهما أبوه وخالته وإذا كانت الخالة أما - كان ~~الخال أبا، وقال الله تعالى {إن ابني من أهلي} [هود: 45] قيل في التفسير: ~~إنه كان ابن امرأته من غيره، ولو قال: لست بابن لفلان لجده - لم يكن قاذفا؛ ~~لأنه صادق في كلامه حقيقة؛ لأن الجد لا يسمى أبا حقيقة بل مجازا، ولو قال ~~للعربي: يا نبطي - لم يكن قذفا، وكذلك إذا قال: لست من بني فلان، للقبيلة ~~التي هو منها - لم يكن قاذفا عند عامة العلماء. # وقال ابن أبي ليلى: يكون قذفا، والصحيح قول العامة؛ لأن بقوله: يا نبطي؛ ~~لم يقذفه، ولكنه نسبه إلى غير بلده، كمن قال للبلدي: يا رستاقي، وكذلك إذا ~~قال: يا ابن الخياط، أو يا ابن ms4063 الأصفر أو الأسود، وأبوه ليس كذلك - لم يكن ~~قاذفا بل يكون كاذبا، وكذلك إذا قال: يا ابن الأقطع، أو يا ابن الأعور، ~~وأبوه ليس كذلك - يكون كاذبا لا قاذفا، كما إذا قال للبصير: يا أعمى، ثم ~~القذف بلسان العرب وغيره سواء ويجب الحد؛ لأن معنى القذف هو النسبة إلى ~~الزنا، وهذا يتحقق بكل لسان، والله - تعالى - أعلم. # والثاني # PageV07P044 # أن يكون المقذوف به متصور الوجود من المقذوف، فإن كان لا يتصور - لم يكن ~~قاذفا، وعلى هذا يخرج ما إذا قال لآخر: زنى فخذك، أو ظهرك - أنه لا حد ~~عليه؛ لأن الزنا لا يتصور من هذه الأعضاء حقيقة، فكان المراد منه المجاز من ~~طريق النسب، كما قال - عليه الصلاة والسلام -: " العينان تزنيان، واليدان ~~تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه "، وكذلك لو قال: ~~زنيت بأصبعك؛ لأن الزنا بالأصبع لا يتصور حقيقة، ولو قال: زنى فرجك - يحد؛ ~~لأن الزنا بالفرج يتحقق، كأنه قال: زنيت بفرجك، ولو قال لامرأة: زنيت بفرس ~~أو حمار أو بعير أو ثور - لا حد عليه؛ لأنه يحتمل أنه أراد به تمكينها من ~~هذه الحيوانات؛ لأن ذلك متصور حقيقة. # ويحتمل أنه أراد به جعل هذه الحيوانات عوضا وأجرة على الزنا، فإن أراد ~~الأول - لا يكون قذفا؛ لأنها بالتمكين منها لا تصير مزنيا بها؛ لعدم تصور ~~الزنا من البهيمة، وإن أراد به الثاني - يكون قذفا، كما إذا قال زنيت ~~بالدراهم أو بالدنانير أو بشيء من الأمتعة - فلا يجعل قذفا مع الاحتمال، ~~ولو قال لها: زنيت بناقة أو ببقرة أو أتان أو رمكة - فعليه الحد؛ لأنه تعذر ~~حمله على التمكين فيحمل على العوض. # لأن حرف " الباء " قد يستعمل في الأعواض، ولو قال ذلك لرجل - لم يكن قذفا ~~في جميع ذلك سواء كان ذكرا أو أنثى؛ لأنه يمكن حمله على حقيقة الوطء، ~~ووطؤها لا يتصور أن يكون زنا فلا يكون قذفا، ويمكن حمله على العوض فيكون ~~قذفا فوقع الاحتمال في كونه قذفا فلا يجعل قذفا مع الاحتمال، ومن مشايخنا ~~من فصل ms4064 بين الذكر والأنثى فقال: يكون قذفا في الذكر لا في الأنثى؛ لأن فعل ~~الوطء من الرجل يوجد في الأنثى فلا يحمل على العوض، ولا يوجد في الذكر ~~فيحمل على العوض، والصحيح أنه لا فرق بين الذكر والأنثى؛ لأن الوطء يتصور ~~في الصنفين في الجملة، ولو قال لامرأة زنيت وأنت مكرهة أو معتوهة أو مجنونة ~~أو نائمة - لم يكن قذفا؛ لأنه نسبها إلى الزنا في حال لا يتصور منها وجود ~~الزنا فيها، فكان كلامه كذبا لا قذفا، وبمثله لو قال لأمة أعتقت: زنيت وأنت ~~أمة، أو قال لكافرة أسلمت: زنيت وأنت كافرة - يكون قذفا وعليه الحد؛ لأن في ~~المسألة الأولى قذفها للحال بالزنا في حال لا يتصور منها وجود الزنا فيها، ~~فكان كلامه كذبا لا قذفا، وفي المسألة الثانية قذفها للحال لوجود الزنا ~~منها في حال يتصور منها الزنا وهي حال الرق والكفر؛ لأنهما لا يمنعان وقوع ~~الفعل زنا، وإنما يمنعان الإحصان. # والإحصان يشترط وجوده وقت القذف؛ لأنه السبب الموجب للحد وقد وجد، ولو ~~قال لإنسان: لست لأمك - لا حد عليه؛ لأنه كذب محض؛ لأنه نفي النسب من الأم ~~ونفي النسب من الأم لا يتصور، ألا ترى أن أمه ولدته حقيقة، وكذلك لو قال ~~له: لست لأبويك؛ لأنه نفي نسبه عنهما ولا ينتفي عن الأم؛ لأنها ولدته فيكون ~~كذبا، بخلاف قوله: لست لأبيك؛ لأن ذلك ليس بنفي لولادة الأم، بل هو نفي ~~النسب عن الأب، ونفي النسب عن الأب يكون قذفا للأم، وكذلك لو قال له: لست ~~لأبيك ولست لأمك في كلام موصول - لم يكن قذفا؛ لأن هذا وقوله: لست لأبويك ~~سواء. # ولو قال له: لست لآدم أو لست لرجل أو لست لإنسان - لا حد عليه؛ لأنه كذب ~~محض؛ لأن نسبه لا يحتمل الانقطاع عن هؤلاء فكان كذبا محضا لا قذفا فلا يجب ~~الحد، وعلى هذا يخرج ما إذا قال لرجل: يا زانية، أنه - لا يكون قذفا ~~عندهما، وعند محمد يكون قذفا. # (وجه) قوله أن " الهاء " قد تدخل صلة زائدة في ms4065 الكلام، قال الله - تعالى ~~عز شأنه - خبرا عن الكفار {ما أغنى عني ماليه} [الحاقة: 28] {هلك عني ~~سلطانيه} [الحاقة: 29] ومعناه: مالي وسلطاني " والهاء " زائدة؛ فيحذف ~~الزائد فيبقى قوله: يا زاني، وقد تدخل في الكلام للمبالغة في الصفة، كما ~~يقال: علامة ونسابة ونحو ذلك فلا يختل به معنى القذف، يدل عليه إن حذفه في ~~نعت المرأة لا يخل بمعنى القذف، حتى لو قال لامرأة: يا زاني - يجب الحد ~~بالإجماع، فكذلك الزيادة في نعت الرجل، ولهما أنه قذفه بما لا يتصور فيلغو، ~~ودليل عدم التصور؛ أنه قذفه بفعل المرأة وهو التمكين؛ لأن " الهاء " في ~~الزانية " هاء " التأنيث كالضاربة والقاتلة والسارقة ونحوها، وذلك لا يتصور ~~من الرجل بخلاف ما إذا قال لامرأة: يا زاني؛ لأنه أتى بمعنى الاسم وحذف " ~~الهاء " وهاء التأنيث قد تحذف في الجملة كالحائض والطالق والحامل ونحو ذلك، ~~والله - تعالى - أعلم. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى المقذوف فيه] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المقذوف فيه - وهو المكان - فهو أن يكون القذف في دار ~~العدل فإن كان في دار الحرب أو في دار البغي فلا يوجب الحد؛ لأن المقيم ~~للحدود هم الأئمة، ولا ولاية لإمام أهل العدل على دار الحرب، ولا على دار ~~البغي # PageV07P045 # فلا يقدر على الإقامة فيهما، فالقذف فيهما لا ينعقد موجبا للحد حين وجوده ~~فلا يحتمل الاستيفاء بعد ذلك؛ لأن الاستيفاء للواجب، والله - سبحانه وتعالى ~~- أعلم. ### | [فصل في الشرائط التي ترجع إلى نفس القذف] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى نفس القذف فهو أن يكون مطلقا عن الشرط والإضافة إلى ~~وقت، فإن كان معلقا بشرط أو مضافا إلى وقت - لا يوجب الحد؛ لأن ذكر الشرط ~~أو الوقت يمنع وقوعه قذفا للحال، وعند وجود الشرط أو الوقت يجعل كأنه نجز ~~القذف - كما في سائر التعليقات والإضافات - فكان قاذفا تقديرا مع انعدام ~~القذف حقيقة؛ فلا يجب الحد، وعلى هذا يخرج ما إذا قال رجل: من قال كذا وكذا ~~فهو زان أو ابن الزانية، فقال رجل: أنا قلت - أنه لا حد على ms4066 المبتدئ؛ لأنه ~~علق القذف بشرط القول، وكذلك إذا قال لرجل: إن دخلت هذه الدار فأنت زان أو ~~ابن الزانية فدخل - لا حد على القائل؛ لما قلنا، وكذا من قال لغيره: أنت ~~زان أو ابن الزانية غدا أو رأس شهر كذا، فجاء الغد والشهر - لا حد عليه؛ ~~لأن إضافة القذف إلى وقت يمنع تحقق القذف في الحال وفي المآل على ما بينا، ~~والله - عز وجل - أعلم. ### | [فصل في بيان ما تظهر به الحدود عند القاضي] # وأما بيان ما تظهر به الحدود عند القاضي فنقول - وبالله التوفيق: الحدود ~~كلها تظهر بالبينة والإقرار، لكن عند استجماع شرائطها، أما شرائط البينة ~~القائمة على الحد (فمنها) ما يعم الحدود كلها. # (ومنها) ما يخص البعض دون البعض. # أما الذي يعم الكل: فالذكورة والأصالة، فلا تقبل شهادة النساء ولا ~~الشهادة على الشهادة، ولا كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود كلها؛ لتمكن ~~زيادة شبهة فيها - ذكرناها في كتاب الشهادات والحدود - لا تثبت مع الشبهات، ~~ولو ادعى القاذف أن المقذوف صدقه وأقام على ذلك رجلا وامرأتين - جاز، وكذلك ~~الشهادة على الشهادة وكتاب القاضي إلى القاضي؛ لأن الشهادة ههنا قامت على ~~إسقاط الحد لا على إثباته، والشبهة تمنع من إثبات الحد لا من إسقاطه. # (وأما) الذي يخص البعض دون البعض (فمنها) عدم التقادم، وأنه شرط في حد ~~الزنا والسرقة وشرب الخمر، وليس بشرط في حد القذف، والفرق أن الشاهد إذا ~~عاين الجريمة فهو مخير بين أداء الشهادة حسبة لله تعالى؛ لقوله تعالى عز ~~وجل {وأقيموا الشهادة لله} [الطلاق: 2] وبين التستر على أخيه المسلم؛ لقوله ~~«- عليه الصلاة والسلام - من ستر على أخيه المسلم ستر الله عليه في الآخرة» ~~فلما لم يشهد على فور المعاينة حتى تقادم العهد؛ دل ذلك على اختيار جهة ~~الستر، فإذا شهد بعد ذلك - دل على أن الضغينة حملته على ذلك فلا تقبل ~~شهادته. # لما روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قال: " أيما قوم شهدوا على حد ~~لم يشهدوا عند حضرته فإنما شهدوا عن ضغن ولا ms4067 شهادة لهم "، ولم ينقل أنه ~~أنكر عليه منكر، فيكون إجماعا فدل قول سيدنا عمر - رضي الله عنه - أن مثل ~~هذه الشهادة شهادة ضغينة، وأنها غير مقبولة؛ ولأن التأخير والحالة هذه يورث ~~تهمة، ولا شهادة للمتهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخلاف ~~حد القذف؛ لأن التأخير ثمة لا يدل على الضغينة والتهمة؛ لأن الدعوى هناك ~~شرط فاحتمل أن التأخير كان لتأخير الدعوى من المدعي، والدعوى ليست بشرط في ~~الحدود الثلاثة فكان التأخير؛ لما قلنا، ويشكل على هذا فصل السرقة فإن ~~الدعوى هناك شرط ومع هذا التقادم مانع، واختلفت عبارات مشايخنا في الجواب ~~عن هذا الإشكال فقال بعضهم: إن معنى الضغينة والتهمة حكمة المنع من قبول ~~الشهادة. # والسبب الظاهر هو كون الحد خالص حق الله تعالى، والحكم يدار على السبب ~~الظاهر لا على الحكمة، وقد وجد السبب الظاهر في السرقة؛ فيوجب المنع من ~~قبول الشهادة وهذا ليس بسديد؛ لأن الأصل تعليق الحكم بالحكمة إلا إذا كان ~~وجه الحكمة خفيا لا يوقف عليه إلا بحرج، فيقام السبب الظاهر مقامه وتجعل ~~الحكمة موجودة تقديرا، وههنا يمكن الوقوف عليه من غير حرج ولم توجد في ~~السرقة؛ لما بينا، فيجب أن تقبل الشهادة بعد التقادم. # وقال بعضهم: إنما لا تقبل الشهادة في السرقة؛ لأن دعوى السرقة بعد ~~التقادم لم تصح؛ لأن المدعي في الابتداء مخير بين أن يدعي السرقة ويقطع ~~طمعه عن ماله احتسابا لإقامة الحد، وبين أن يدعي أخذ المال سترا على أخيه ~~المسلم فلما أخر - دل تأخيره على اختيار جهة الستر والإعراض عن جهة الحسبة، ~~فلما شهد بعد ذلك؛ فقد قصد الإعراض عن جهة الستر فلا يصح إعراضه ولم يجعل ~~قاصدا جهة الحسبة؛ لأنه قد كان أعرض عنها عند اختياره جهة الستر فلم تصح ~~دعواه السرقة فلم تقبل # PageV07P046 # الشهادة على السرقة؛ لأن قبول الشهادة يقف على دعوى صحيحة فيما تشترط فيه ~~الدعوى، فبقي مدعيا أخذ المال لا غير؛ فتقبل الشهادة حسبة، إذ التقادم لا ~~يمنع قبول الشهادة على الأموال بخلاف حد ms4068 القذف؛ لأن المقذوف ليس بمخير بين ~~بدل النفس وبين إقامة الحد بالدعوى، بل الواجب عليه دفع العار عن نفسه ~~ودعوى القذف، فلا يتهم بالتأخير فكانت الدعوى صحيحة منه. # والشيخ منصور الماتريدي - رحمه الله - أشار إلى معنى آخر في شرح الجامع ~~الصغير حكيته بلفظه: وهو أن عادة السراق الإقدام على السرقة في حالة الغفلة ~~وانتهاز الفرصة في موضع الخفية، وصاحب الحق لا يطلع على من شهد ذلك ولا ~~يعرفهم إلا بهم وبخبرهم، فإذا كتموا - أثموا، وقد يعلم المدعي شهوده في غير ~~ذلك من الحقوق، ويطلبها إذا احتاج إليها فكانوا في سعة من تأخيرها. # وإذا بطلت الشهادة على السرقة بالتقادم قبلت في حق المال؛ لأن بطلانها في ~~حق الحد لتمكن الشبهة فيها، والحد لا يثبت مع الشبهة. # وأما المال فيثبت معها، ثم التقادم إنما يمنع قبول الشهادة في الحدود ~~الثلاثة؛ إذا كان التقادم في التأخير من غير عذر ظاهر، فأما إذا كان لعذر ~~ظاهر بأن كان المشهود عليه في موضع ليس فيه حاكم فحمل إلى بلد فيه حاكم، ~~فشهدوا عليه - جازت شهادتهم وإن تأخرت؛ لأن هذا موضع العذر فلا يكون ~~التقادم فيه مانعا، ثم لم يقدر أبو حنيفة - رحمه الله - للتقادم تقديرا، ~~وفوض ذلك إلى اجتهاد كل حاكم في زمانه، فإنه روي عن أبي يوسف - رحمه الله - ~~أنه قال: كان أبو حنيفة - رحمه الله - لا يوقت في التقادم شيئا، وجهدنا به ~~أن يوقت؛ فأبى، وأبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - قدراه بشهر فإن كان شهرا ~~أو أكثر - فهو متقادم، وإن كان دون شهر - فليس بمتقادم؛ لأن الشهر أدنى ~~الأجل فكان ما دونه في حكم العاجل. # ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن التأخير قد يكون لعذر، والأعذار في اقتضاء ~~التأخير مختلفة فتعذر التوقيت فيه؛ ففوض إلى اجتهاد القاضي فيما يعد إبطاء ~~وما لا يعد، وإذا لم تقبل شهادة الشهود بزنا متقادم هل يحدون حد القذف؟ حكى ~~الحسن بن زياد أنهم يحدون، وتأخيرهم محمول على اختيار جهة الستر، فخرج ~~كلامهم عن كونه شهادة؛ فبقي قذفا فيوجب ms4069 الحد، وقال الكرخي - رحمه الله - ~~الظاهر أنه لا يجب عليهم الحد، وهكذا ذكر القاضي في شرحه أنه لا حد عليهم؛ ~~لأن تأخيرهم وإن أورث تهمة وشبهة في الشهادة - فأصل الشهادة باق، فلما ~~اعتبرت الشبهة في إسقاط حد الزنا عن المشهود عليه، فلأن تعتبر حقيقة ~~الشهادة لإسقاط حد القذف عن الشهود أولى. # (ومنها) قيام الرائحة وقت أداء الشهادة في حد الشرب في قولهما. # وعند محمد ليس بشرط، والحجج ستأتي في موضعها. # (ومنها) عدد الأربع في الشهود في حد الزنا؛ لقوله عز اسمه {واللاتي يأتين ~~الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15] وقوله سبحانه ~~وتعالى {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4] وقوله ~~تبارك وتعالى {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء} [النور: 13] ؛ ولأن الشهادة ~~أحد نوعي الحجة فيعتبر بالنوع الآخر؛ وهو الإقرار، وهناك عدد الأربع شرط. # كذا ههنا، بخلاف سائر الحدود فإن عدد الأقارير الأربع لم يشترط فيها، ~~فكذا عدد الأربع من الشهود؛ ولأن اشتراط عدد الأربع في الشهادة يثبت معدولا ~~به عن القياس بالنص، والنص ورد في الزنا خاصة فإن شهد على الزنا أقل من ~~أربعة لم تقبل شهادتهم؛ لنقصان العدد المشروط، وهل يحدون حد القذف؟ قال ~~أصحابنا: يحدون. # وقال الشافعي - رحمه الله - إذا جاءوا مجيء الشهود - لم يحدوا، وعلى هذا ~~الخلاف إذا شهد ثلاثة، وقال الرابع: رأيتهما في لحاف واحد ولم يزد عليه - ~~أنه يحد الثلاثة عندنا ولا حد على الرابع؛ لأنه لم يقذف إلا إذا كان قال في ~~الابتداء: أشهد أنه قد زنى، ثم فسر الزنا بما ذكر فحينئذ يحد. # (وجه) قول الشافعي - رحمه الله - أنهم إذا جاءوا مجيء الشهود كان قصدهم ~~إقامة الشهادة حسبة لله - تعالى - لا القذف، فلم يكن جناية فلم يكن قذفا. # (ولنا) ما روي أن ثلاثة شهدوا على مغيرة بالزنا، فقام الرابع وقال: رأيت ~~أقداما بادية ونفسا عاليا وأمرا منكرا، ولا أعلم ما وراء ذلك، فقال سي دنا ~~عمر - رضي الله عنه - له: الحمد لله الذي لم يفضح رجلا من أصحاب محمد - صلى ms4070 ~~الله عليه وسلم - وحد الثلاثة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة الكرام - رضي ~~الله عنهم -، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر فيكون إجماعا؛ ولأن الموجود من ~~الشهود كلام قذف حقيقة، إذ القذف هو النسبة إلى الزنا وقد وجد من الشهود ~~حقيقة، فيدخلون تحت آية القذف، إلا أنا اعتبرنا تمام عدد الأربع إذا جاءوا ~~مجيء الشهود فقد قصدوا إقامة الحسبة واجبا؛ حقا لله # PageV07P047 # تعالى فخرج كلامهم عن كونه قذفا وصار شهادة شرعا، فعند النقصان بقي قذفا ~~حقيقة فيوجب الحد. # ولو شهد ثلاثة على الزنا، وشهد رابع على شهادة غيره - تحد الثلاثة؛ لأن ~~شهادتهم صارت قذفا؛ لنقصان العدد، ولا حد على الرابع؛ لأنه لم يقذف بل حكى ~~قذف غيره، ولو علم أن أحد الأربع عبد أو مكاتب أو صبي أو أعمى أو محدود في ~~قذف - حدوا جميعا؛ لأن الصبي والعبد ليست لهما أهلية الشهادة أصلا ورأسا، ~~فانتقص العدد فصار كلامهم قذفا، والأعمى والمحدود في القذف ليست لهم أهلية ~~الشهادة، أو إن كانت لهم أهلية الشهادة تحملا وسماعا فقصرت أهليتهما ~~للشهادة فانتقص العدد فصار كلامهم قذفا، وسواء علم ذلك قبل القضاء أو بعد ~~القضاء قبل الإمضاء، وإن علم ذلك بعد الإمضاء فإن كان الحد جلدا - فكذلك ~~يحدون ولا يضمنون أرش الضرب في قول أبي حنيفة، وعندهما يجب في بيت المال ~~على ما ذكرنا في كتاب الرجوع عن الشهادات، وإن كان رجما - لا يحدون؛ لأنه ~~تبين أن كلامهم وقع قذفا ومن قذف حيا، ثم مات المقذوف - سقط الحد، وتكون ~~الدية في بيت المال؛ لأن الخطأ حصل من القاضي، وخطأ القاضي على بيت المال؛ ~~لأنه عامل لعامة المسلمين وبيت المال مال المسلمين. # ولو شهد الزوج وثلاثة نفر - حد الثلاثة ولاعن الزوج امرأته؛ لأن قذف ~~الزوج يوجب اللعان لا الحد، فانتقص العدد في حق الباقين، فصار كلامهم قذفا؛ ~~فيحدون حد القذف. # ولو علم أن الشهود الأربعة عبيد أو كفار أو محدودون في قذف أو عميان - ~~يحدون حد القذف، وإن علم أنهم فساق - لا يحدون، والفرق ما ذكرنا ms4071 أن العبد ~~والكافر لا شهادة لهما أصلا، والأعمى والمحدود في القذف لهما شهادة سماعا ~~وتحملا لا أداء، فكان كلامهم قذفا، والفاسق له شهادة على أصل أصحابنا ~~سماعا، وإذا كان كلام الفاسق شهادة لا قذفا فلا يحدون حد القذف، والله ~~تعالى أعلم ولو ادعى المشهود عليه أن أحد الشهود الأربعة عبد - فالقول ~~قوله، حتى يقيم البينة أنه حر؛ لما روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه ~~قال: الناس أحرار إلا في أربع: الشهادة والقصاص والعقل والحدود، والمعنى ~~فيه ما ذكرنا في غير موضع. # (ومنها) اتحاد المجلس، وهو أن يكون الشهود مجتمعين في مجلس واحد عند أداء ~~الشهادة، فإن جاءوا متفرقين - يشهدون واحدا بعد واحد، لا تقبل شهادتهم، ~~ويحدون وإن كثروا؛ لما ذكرنا أن كلامهم قذف حقيقة، وإنما يخرج عن كونه قذفا ~~شرعا بشرط أن يكونوا مجتمعين في مجلس واحد وقت أداء الشهادة، فإذا انعدمت ~~هذه الشريطة - بقي قذفا فيوجب الحد، حتى لو جاءوا مجتمعين أو متفرقين، ~~وقعدوا في موضع الشهود في ناحية من المسجد، ثم جاءوا واحدا بعد واحد وشهدوا ~~- جازت شهادتهم؛ لوجود اجتماعهم في مجلس واحد وقت الشهادة، إذ المسجد كله ~~مجلس واحد، وإن كانوا خارجين من المسجد، فجاء واحد منهم ودخل المسجد وشهد، ~~ثم جاء الثاني والثالث والرابع - يضربون الحد، وإن كانوا مثل ربيعة ومضر، ~~هكذا روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قال: لو جاء ربيعة ومضر فرادى ~~- لحددتهم عن آخرهم، وإنما قال ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم -، ~~ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد منهم؛ فيكون إجماعا منهم، والله - تعالى - ~~أعلم. # (ومنها) أن يكون المشهود عليه بالزنا ممن يتصور منه الوطء، فإن كان ممن ~~لا يتصور منه كالمجبوب - لا تقبل شهادتهم ويحدون حد القذف. # ولو كان المشهود عليه خصيا أو عنينا - قبلت شهادتهم ويحد؛ لتصور الزنا ~~منهما؛ لقيام الآلة - بخلاف المجبوب - (ومنها) أن يكون المشهود عليه بالزنا ~~ممن يقدر على دعوى الشبهة، فإن كان ممن لا يقدر كالأخرس - لا تقبل شهادتهم؛ ~~لأن من الجائز ms4072 أنه لو كان قادرا لادعى شبهة، ولو كان المشهود عليه بالزنا ~~أعمى قبلت شهادتهم؛ لأن الأعمى قادر على دعوى الشبهة لو كانت عنده شبهة. # ولو شهدوا بالزنا، ثم قالوا: تعمدنا النظر إلى فرجها - لا تبطل شهادتهم؛ ~~لأن أداء الشهادة لا بد له من التحمل، ولا بد للتحمل من النظر إلى عين ~~الفرج، ويباح لهم النظر إليها لقصد إقامة الحسبة، كما يباح للطبيب لقصد ~~المعالجة، ولو قالوا: نظرنا مكررا - بطلت شهادتهم؛ لأنه سقطت عدالتهم، ~~والله - تعالى - أعلم. # (ومنها) اتحاد الشهود، وهو أن يجمع الشهود الأربعة على فعل واحد فإن ~~اختلفوا - لا تقبل شهادتهم، وعلى هذا يخرج ما إذا شهد اثنان أنه زنى في ~~مكان كذا، وشهد آخران أنه زنى في مكان آخر، والمكانان متباينان؛ بحيث يمتنع ~~أن يقع فيهما فعل واحد عادة، كالبلدين والدارين والبيتين - لا تقبل شهادتهم ~~ولا حد على المشهود عليه؛ لأنهم شهدوا بفعلين مختلفين لاختلاف المكانين، ~~وليس # PageV07P048 # على أحدهما شهادة الأربع ولا حد على الشهود أيضا عند أصحابنا، وعند زفر ~~يحدون. # (وجه) قوله أن عدد الشهود قد انتقص؛ لأن كل فريق شهد بفعل غير الذي شهد ~~به الفريق الآخر، ونقصان عدد الشهود يوجب صيرورة الشهادة قذفا، كما لو شهد ~~ثلاثة بالزنا. # (ولنا) أن المشهود به لم يختلف عند الشهود؛ لأن عندهم أن هذا زنا واحد، ~~وإنما وقع اختلافهم في المكان فثبت بشهادتهم شبهة اتحاد الفعل؛ فيسقط الحد، ~~وعلى هذا إذا اختلفوا في الزمان فشهد اثنان أنه زنى بها في يوم كذا، واثنان ~~في يوم آخر، ولو شهد اثنان أنه زنى في هذه الزاوية من البيت، وشهد اثنان ~~أنه زنى في هذه الزاوية الأخرى منه - يحد المشهود عليه؛ لجواز أن ابتداء ~~الفعل وقع في هذه الزاوية من البيت وانتهاؤه في زاوية أخرى منه؛ لانتقالهما ~~منه واضطرابهما فلم يختلف المشهود به فتقبل شهادتهم، حتى لو كان البيت ~~كبيرا لا تقبل؛ لأنه يكون بمنزلة البيتين، ولو شهد أربعة بالزنا بامرأة، ~~فشهد اثنان أنه استكرهها، واثنان أنها طاوعته - لا حد على المرأة ms4073 بالإجماع؛ ~~لأن الحد لا يجب إلا بالزنا طوعا ولم تثبت الطواعية في حقها، (وأما) الرجل ~~فلا حد عليه أيضا عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما يحد. # (وجه) قولهما أن زنا الرجل عن طوع ثبت بشهادة الأربع، إلا أنه تفرد اثنان ~~منهم بإثبات زيادة الإكراه منه، وأنه لا يمنع وجوب الحد، كما لو زنى بها ~~مستكرهة، ولأبي حنيفة - عليه الرحمة - أن المشهود قد اختلف؛ لأن فعل المكره ~~غير فعل من ليس بمكره فقد شهدوا بفعلين مختلفين، وليس على أحدهما شهادة ~~الأربع فلا يحد المشهود عليه ولا الشهود عند أصحابنا الثلاثة، خلافا لزفر ~~وقد مر الكلام فيه في اختلافهم في المكان والزمان، والله - تعالى - أعلم. # ثم الشهود إذا استجمعوا شرائط صحة الشهادة، وشهدوا عند القاضي سألهم ~~القاضي عن الزنا ما هو وكيف هو ومتى زنى وأين زنى وبمن زنى؟ أما السؤال عن ~~ماهية الزنا؛ فلأنه يحتمل أنهم أرادوا به غير الزنا المعروف؛ لأن اسم الزنا ~~يقع على أنواع لا توجب الحد، قال - عليه الصلاة والسلام -: " العينان ~~تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه. # " وأما السؤال عن الكيفية؛ فلأنه يحتمل أنهم أرادوا به الجماع فيما دون ~~الفرج؛ لأن ذلك يسمى جماعا حقيقة أو مجازا فإنه لا يوجب الحد. # وأما السؤال عن الزمان؛ فلأنه يحتمل أنهم شهدوا بزنا متقادم، والتقادم ~~يمنع قبول الشهادة بالزنا، وأما السؤال عن المكان؛ فلأنه يحتمل أنه زنى في ~~دار الحرب أو في دار البغي، وأنه لا يوجب الحد، وأما السؤال عن المزني بها؛ ~~فلأنه يحتمل أن تكون الموطوءة ممن لا يجب الحد بوطئها كجارية الابن وغير ~~ذلك، فإذا سألهم القاضي عن هذه الجملة - فوصفوا، سأل المشهود عليه أهو محصن ~~أم لا؟ فإن أنكر الإحصان، وشهد على الإحصان رجلان أو رجل وامرأتان على ~~الاختلاف - سأل الشهود عن الإحصان ما هو؛ لأن له شرائط يجوز أن تخفى على ~~الشهود، فإذا وصفوا - قضي بالرجم ولو شهدت بينة الإحصان أنه جامعها أو ~~باضعها - صار محصنا؛ لأن هذا اللفظ في ms4074 العرف مستعمل في الوطء في الفرج، ولو ~~شهدوا أنه دخل بها - صار محصنا، وهذا وقوله جامعها سواء في قول أبي حنيفة ~~وأبي يوسف - رحمهما الله - وقال محمد - رحمه الله - لا يصير محصنا. # (وجه) قوله أن هذا اللفظ يستعمل في الوطء ويستعمل في الزفاف، فلا يثبت ~~الإحصان مع الاحتمال، ولهما أن الدخول بالمرأة في عرف اللغة والشرع يراد به ~~الوطء، قال الله - تعالى عز شأنه - {وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ~~اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23] حرم - سبحانه وتعالى - الربيبة بشرط الدخول ~~بأمها، فعلم أن المراد من الدخول هو الوطء؛ لأنها تحرم بمجرد نكاح الأم من ~~غير وطء، وذكر القاضي في شرحه الاختلاف على القلب فقال على قول أبي حنيفة - ~~رحمه الله -: لا يصير محصنا ما لم يصرح بالوطء، وعلى قول محمد - رحمه الله ~~- يصير محصنا، ولو شهدوا على الدخول وكان له منها ولد - هو محصن بالإجماع، ~~وكفى بالولد شاهدا، والله - تعالى - أعلم. # (وأما) شرائط الإقرار بالحد فمنها ما يعم الحدود كلها، ومنها ما يخص ~~البعض دون البعض، أما الذي يعم الحدود كلها فمنها: البلوغ، فلا يصح إقرار ~~الصبي في شيء من الحدود؛ لأن سبب وجوب الحد لا بد وأن يكون جناية، وفعل ~~الصبي لا يوصف بكونه جناية؛ فكان إقراره كذبا محضا، ومنها: النطق: وهو أن ~~يكون الإقرار بالخطاب والعبارة دون الكتاب والإشارة، حتى إن الأخرس لو كتب ~~الإقرار في كتاب أو أشار إليه إشارة معلومة - لا حد عليه؛ لأن الشرع علق ~~وجوب الحد بالبيان المتناهي، ألا ترى أنه لو أقر # PageV07P049 # بالوطء الحرام - لا يقام عليه الحد ما لم يصرح بالزنا، والبيان لا يتناهى ~~إلا بالصريح والكتابة - والإشارة بمنزلة - الكتابة فلا يوجب الحد. # وأما البصر فليس بشرط لصحة الإقرار، فيصح إقرار الأعمى في الحدود كلها ~~كالبصير؛ لأن الأعمى لا يمنع مباشرة سبب وجوبها، وكذا الحرية والإسلام ~~والذكورة ليست بشرط؛ حتى يصح إقرار الرقيق والذمي والمرأة في جميع الحدود، ~~وعند زفر - رحمه الله - لا يصح إقرار العبد بشيء من أسباب الحدود من غير ms4075 ~~تصديق المولى، والكلام في التصديق على نحو ما ذكرنا في كتاب السرقة، والله ~~- سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) الذي يخص البعض دون البعض فمنها: عدد الأربع في حد الزنا خاصة، ~~وهو أن يقر أربع مرات، وهذا عندنا، وعند الشافعي - عليه الرحمة - ليس بشرط، ~~ويكتفى بإقراره مرة واحدة. # (وجه) قوله أن الإقرار إنما صار حجة في الشرع لرجحان جانب الصدق فيه على ~~جانب الكذب، وهو المعنى عند التكرار والتوحد سواء؛ لأن الإقرار إخبار ~~والخبر لا يزيد رجحانا بالتكرار، ولهذا لم يشترط في سائر الحدود، بخلاف عدد ~~المثنى في الشهادة؛ لأن ذلك يوجب زيادة ظن عليه فيها، إلا أن شرط العدد ~~الأربع في باب الزنا تعبد فيقتصر على موضع التعبد. # (ولنا) أن القياس ما قاله، إلا أنا تركنا القياس بالنص وهو ما روي «أن ~~ماعزا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقر بالزنا فأعرض عنه - ~~عليه الصلاة والسلام - بوجهه الكريم، هكذا إلى الأربع، فلو كان الإقرار مرة ~~مظهرا للحد لما أخره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الأربع» ؛ لأن ~~الحد بعد ما ظهر وجوبه للإمام لا يحتمل التأخير. # (وأما) العدد في الإقرار بالقذف فليس بشرط بالإجماع، وهل يشترط في ~~الإقرار بالسرقة والشرب والسكر؟ قال أبو حنيفة - رحمه الله -: ليس بشرط. # وقال أبو يوسف - رحمه الله -: إنه كلما يسقط بالرجوع فعدد الإقرار فيه ~~كعدد الشهود وذكر الفقيه أبو الليث - رحمه الله -: إن عند أبي يوسف يشترط ~~الإقرار مرتين في مكانين. # (وجه) قوله أن حد السرقة والشرب والسكر خالص حق الله - تعالى - كحد ~~الزنا، فتلزم مراعاة الاحتياط فيه باشتراط العدد كما في الزنا، إلا أنه ~~يكتفى ههنا بالمرتين، ويشترط الأربع هناك استدلالا بالبينة؛ لأن السرقة ~~والشرب كل واحد منهما يثبت بنصف ما يثبت به الزنا؛ وهو شهادة شاهدين، فكذلك ~~الإقرار، ولهما أن الأصل أن لا يشترط التكرار في الإقرار؛ لما ذكرنا أنه ~~إخبار والمخبر لا يزداد بتكرار الخبر، وإنما عرفنا عدد الأربع في باب الزنا ~~بنص غير معقول المعنى؛ فيقتصر على مورد ms4076 النص، ومنها عدد المجالس فيه، وهو ~~أن يقر أربع مجالس، واختلف المشايخ في أنه يعتبر مجالس القاضي أو مجالس ~~المقر، والصحيح أنه يعتبر مجالس المقر، وهكذا روي عن أبي حنيفة أنه يعتبر ~~مجالس المقر؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - اعتبر اختلاف مجالس ماعز، حيث ~~كان يخرج من المسجد في كل مرة، ثم يعود ومجلسه - عليه الصلاة والسلام - لم ~~يختلف، وقد روي عن أبي حنيفة في تفسير اختلاف مجالس المقر: هو أن يقر مرة، ~~ثم يذهب حتى يتوارى عن بصر القاضي، ثم يجيء فيقر ثم يذهب، هكذا أربع مرات، ~~ومنها أن يكون إقراره بين يدي الإمام فإن كان عند غيره - لم يجز إقراره؛ ~~لأن إقرار ماعز كان عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # ولو أقر في غير مجلس القاضي وشهد الشهود على إقراره لا تقبل شهادتهم؛ ~~لأنه إن كان مقرا فالشهادة لغو؛ لأن الحكم للإقرار لا للشهادة، وإن كان ~~منكرا فالإنكار منه رجوع، والرجوع عن الإقرار في الحدود الخالصة حقا لله - ~~عز وجل - صحيح، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # ومنها الصحة في الإقرار بالزنا والسرقة والشرب والسكر حتى لو كان سكران - ~~لا يصح إقراره، أما على أصل أبي حنيفة - رحمه الله - فلأن السكران: من صار ~~بالشرب إلى حال لا يعقل قليلا ولا كثيرا فكان عقله زائلا مستورا حقيقة. # وأما على أصلهما؛ فلأنه إذا غلب الهذيان على كلامه؛ فقد ذهبت منفعة ~~العقل، ولهذا لم تصح ردته فيورث ذلك شبهة في وجوب الحد، وليس بشرط في ~~الإقرار بالحدود والقصاص؛ لأن القصاص خالص حق العبد، وللعبد حق في حد ~~القذف؛ فيصح مع السكر كالإقرار بالمال وسائر التصرفات، وإذا صحا فإن دام ~~على إقراره - تقام عليه الحدود كلها، وإن أنكره فالإنكار منه رجوع فيصح في ~~الحدود الخالصة وهو حد الزنا والشرب والسرقة في حق القطع، ولا يصح في القذف ~~والقتل العمد، والله - تعالى - أعلم. # ومنها: أن يكون الإقرار بالزنا ممن يتصور وجود الزنا منه، فإن كان لا ~~يتصور كالمجبوب - لم يصح إقراره؛ لأن الزنا لا يتصور ms4077 منه؛ لانعدام # PageV07P050 # الآلة، ويصح إقرار الخصي والعنين لتصور الزنا منهما؛ لتحقق الآلة، والذي ~~يجن ويفيق إذا أقر في حال إفاقته - فهو مثل الصحيح؛ لأنه في حال إفاقته ~~صحيح، ومنها: أن يكون المزني به في الإقرار بالزنا ممن يقدر على دعوى ~~الشبهة، فإن لم يكن بأن أقر رجل أنه زنى بامرأة خرساء أو أقرت امرأة أنها ~~زنت بأخرس - لم يصح إقراره؛ لأن من الجائز أنه لو كان يقدر على النطق؛ ~~لادعى النكاح أو أنكر الزنا ولم يدع شيئا فيندرئ عنه الحد؛ لما نذكر في ~~موضعه - إن شاء الله تعالى. # وأما حضرة المزني بها في الإقرار بالزنا والشهادة عليه فليست بشرط، حتى ~~لو أقر أنه زنى بامرأة غائبة أو شهد عليه الشهود بالزنا بامرأة غائبة - صح ~~الإقرار وقبلت الشهادة ويقام الحد على الرجل؛ لأن الغائب بالغيبة ليس إلا ~~الدعوى وإنها ليست بشرط؛ ولهذا رجم ماعز من غير شرط حضور تلك المرأة، وكذلك ~~العلم بالمزني بها ثم إذا صح إقراره بالزنا بامرأة غائبة يعرفها، فحضرت ~~المرأة فلا يخلو إما أن حضرت قبل إقامة الحد على الرجل، وإما أن حضرت بعد ~~الإقامة، فإن حضرت بعد الإقامة، فإن أقرت بمثل ما أقر به الرجل - تحد أيضا ~~كما حد الرجل، وإن أنكرت وادعت على الرجل حد القذف - لا يحد الرجل حد ~~القذف؛ لأنه لا يجب عليه حدان، وقد أقيم أحدهما فلا يقام الآخر. # وإن حضرت قبل إقامة الحد على الرجل فإن أنكرت الزنا وادعت النكاح أو لم ~~تدع، وادعت حد القذف على الرجل أو لم تدع فحكمه نذكره في موضعه - إن شاء ~~الله تعالى، والعلم بالمزني بها ليس بشرط لصحة الإقرار، حتى لو قال: زنيت ~~بامرأة ولا أعرفها - صح إقراره ويحد والعلم بالمشهود به شرط صحة الشهادة، ~~حتى لو شهد الشهود على رجل أنه زنى بامرأة وقالوا: لا نعرفها - لا تقبل ~~شهادتهم ولا يقام الحد على المشهود عليه، والفرق أن المقر في الإقرار على ~~نفسه يبني الأمر على حقيقة الحال - خصوصا في الزنا، فكان إقراره إخبارا ms4078 عن ~~وجود الزنا منه حقيقة، إلا أنه لم يعرف اسم المرأة ونسبها وذا لا يورث ~~شبهة، فأما الشاهد فإنه بشهادته بنى الأمر على الظاهر لا على الحقيقة؛ ~~لقصور علمه عن الوصول إلى الحقيقة، فقولهم: لا نعرف تلك المرأة يورث شبهة؛ ~~لجواز أنها امرأته أو امرأة له فيها شبهة حل أو ملك، فهو الفرق، والله - ~~تعالى - أعلم. # وأما عدم التقادم فهل هو شرط لصحة الإقرار بالحد؟ أما في حد القذف فليس ~~بشرط؛ لأنه ليس بشرط لقبول الشهادة، فأولى أن لا يكون شرطا لصحة الإقرار، ~~وكذلك في حد الزنا عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر - رحمه الله - كما في ~~الشهادة. # (ولنا) الفرق بين الإقرار والشهادة، وهو أن المانع في الشهادة تمكن ~~التهمة والضغينة، وهذا لا يوجد في الإقرار؛ لأن الإنسان غير متهم في ~~الإقرار على نفسه وكذا في حد السرقة؛ لما قلنا. # وأما في حد الشرب فشرط عندهما، وعند محمد - رحمه الله - ليس بشرط؛ بناء ~~على أن قيام الرائحة شرط صحة الإقرار والشهادة عندهما، ولهذا لا يبقى مع ~~التقادم، وعنده ليس بشرط ولو لم يتقادم العهد، ولكن ريحها لا يوجد منه - لم ~~يصح الإقرار عندهما، خلافا له. # (وجه) قول محمد - رحمه الله - أن حد الشرب ليس بمنصوص عليه في الكتاب ~~والسنة، وإنما عرف بإجماع الصحابة، وإجماعهم لا ينعقد بدون عبد الله بن ~~مسعود - رضي الله عنه - ولم يثبت فتواه عند زوال الرائحة، فإنه روي أن رجلا ~~جاء بابن أخ له إلى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - فاعترف عنده بشرب ~~الخمر، فقال له عبد الله: بئس ولي اليتيم أنت، لا أدبته صغيرا ولا سترت ~~عليه كبيرا، ثم قال - رضي الله عنه -: تلتلوه ومزمزوه واستنكهوه، فإن وجدتم ~~رائحة الخمر - فاجلدوه، وأفتى - رضي الله عنه - بالحد عند وجود الرائحة. # ولم يثبت فتواه عند عدمها، وإذا لم يثبت فلا ينعقد الإجماع بدونه، فلا ~~يجب بدونه؛ لأن وجوبه بالإجماع، ولا إجماع، ثم إنما تعتبر الرائحة إذا لم ~~يكن سكران، فأما إذا كان سكرانا - فلا؛ لأن السكر ms4079 أدل على الشرب من ~~الرائحة، ولذلك لو جيء به من مكان بعيد لا تبقى الرائحة بالمجيء من مثله ~~عادة - يحد، وإن لم توجد الرائحة للحال؛ لأن هذا موضع العذر فلا يعتبر قيام ~~الرائحة فيه، والله - تعالى - أعلم. # وإذا أقر إنسان بالزنا عند القاضي؛ ينبغي أن يظهر الكراهة أو يطرده، وكذا ~~في المرة الثانية والثالثة هكذا فعل - عليه الصلاة والسلام - بماعز، وكذا ~~روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قال: " اطردوا المعترفين ". # أي بالزنا، فإذا أقر أربعا نظر في حاله أهو صحيح العقل أم به آفة؟ هكذا ~~قال - عليه الصلاة والسلام - لماعز أبك خبل أم بك جنون؟ وبعث إلى قومه ~~فسألهم عن حاله. # فإذا عرف أنه صحيح العقل سأله عن ماهية الزنا وعن كيفيته وعن مكانه وعن ~~المزني بها؛ لما ذكرنا في الشهادة، # PageV07P051 # ولا يسأله عن الزمان؛ لأن السؤال عن الزمان لمكان احتمال التقادم، ~~والتقادم في الإقرار، وإنما يقدح في الشهادة ويجوز أن يسأل عن الزمان أيضا؛ ~~لاحتمال أنه زنى في حال الصغر، فإذا بين ذلك كله - سأله عن حاله أهو محصن ~~أم لا؟ لأن حكم الزنا يختلف بالإحصان وعدمه، فإن قال: أنا محصن - سأله عن ~~ماهية الإحصان أنه ما هو؟ لأنه عبارة عن اجتماع شرائط لا يقدر عليها كل أحد ~~فإذا بين رجمه. # وأما علم القاضي فلا يظهر به حد الزنا والشرب والسكر والسرقة؛ حتى لا ~~يقضي بشيء من ذلك بعلمه، لكنه يقضي بالمال في السرقة؛ لأن القاضي يقضي ~~بعلمه في الأموال، سواء علم بذلك قبل زمان القضاء ومكانه أو بعدهما بلا ~~خلاف بين أصحابنا، وسواء علم بذلك معاينة بأن رأى إنسانا يزني ويشرب ويسرق، ~~أو بسماع الإقرار به في غير مجلسه الذي يقضي فيه بين الناس، فإن كان إقراره ~~في مجلس القضاء - لزمه موجب إقراره، إذ لو لم يقبل إقراره - لاحتاج القاضي ~~إلى أن يكون معه جماعة على الإقرار في كل حادثة، وإجماع الأمة بخلافه، ~~والله - تعالى - أعلم. # ويظهر به حد القذف في زمان القضاء ومكانه كالقصاص وسائر ms4080 الحقوق والأموال ~~بلا خلاف بين أصحابنا، وإنما اختلفوا في ظهور ذلك بعلمه في غير زمان القضاء ~~ومكانه، وقد ذكرنا جملة ذلك بدلائله في كتاب آداب القاضي، ولا يظهر حد ~~السرقة بالنكول، لكنه يقضي بالمال؛ لأن النكول إما بدل، وإما إقرار فيه ~~شبهة العدم، والحد لا يحتمل البدل ولا يثبت بالشبهة، والمال يحتمل البدل ~~والثبوت بالشبهة. # وأما الخصومة فهل هي شرط ثبوت الحد بالشهادة والإقرار؟ فلا خلاف في أنها ~~ليست بشرط في حد الزنا والشرب؛ لأنه خالص حق الله - عز وجل - والخصومة ليست ~~بشرط في الحدود الخالصة لله تعالى؛ لأنها تقام حسبة لله - تعالى - فلا ~~يتوقف ظهورها على دعوى العبد. # ولا خلاف في حد السرقة أن الخصومة فيها شرط الظهور بالشهادة؛ لأن حد ~~السرقة وإن كان حق الله تعالى خالصا، لكن هذا الحق لا يثبت إلا بعد كون ~~المسروق ملكا للمسروق منه، ولا يظهر ذلك إلا بالخصومة، وفي كونها شرط ~~الظهور بالإقرار خلاف ذكرناه في كتاب السرقة، ولا خلاف أيضا في أنها شرط ~~الظهور بالشهادة على القذف والإقرار به، أما على أصل الشافعي - رحمه الله - ~~فلأنه خالص حق العبد، فيشترط فيه الدعوى كما في سائر حقوق العباد، وعندنا ~~حق الله تعالى عز شأنه - وإن كان هو المغلب فيه، لكن للعبد فيه حق؛ لأنه ~~ينتفع به بصيانة عرضه عن الهتك، فيشترط فيه الدعوى عن هذه الجهة وإذا عرف ~~أن الخصومة في حد القذف شرط كون النية والإقرار مظهرين فيه فيقع الكلام في ~~موضعين: أحدهما - في بيان الأحكام التي تتعلق بالدعوى والخصومة، والثاني - ~~في بيان من يملك الخصومة ومن لا يملكها، أما الأول - فنقول - ولا قوة إلا ~~بالله تعالى: الأفضل للمقذوف أن يترك الخصومة؛ لأن فيها إشاعة الفاحشة وهو ~~مندوب إلى تركها، وكذا العفو عن الخصومة والمطالبة التي هي حقها من باب ~~الفضل والكرامة. # وقد قال الله تعالى {وأن تعفوا أقرب للتقوى} [البقرة: 237] ، وقال سبحانه ~~وتعالى {ولا تنسوا الفضل بينكم} [البقرة: 237] ، وإذا رفع إلى القاضي ~~يستحسن للقاضي أن يقول قبل الإتيان بالبينة: أعرض ms4081 عن هذا؛ لأنه ندب إلى ~~الستر والعفو، وكل ذلك حسن، فإذا لم يترك الخصومة، وادعى القذف على القاذف، ~~فأنكر ولا بينة للمدعي فأراد استحلافه بالله تعالى ما قذفه، هل يحلف؟ ذكر ~~الكرخي - عليه الرحمة - أنه لا يحلف عند أصحابنا، خلافا للشافعي - رحمه ~~الله - وذكر في آداب القاضي أنه يحلف في ظاهر الرواية عندهم، وإذا نكل - ~~يقضي عليه بالحد، وقال بعضهم: يحتمل أن يحلف، فإذا نكل يقضي عليه بالتعزير ~~لا بالحد. # وهذه الأقاويل ترجع إلى أصل وهو أن عند الشافعي - رحمه الله - حد القذف ~~خالص حق العبد، فيجري فيه الاستحلاف كما في سائر حقوق العباد. # وأما على أصل أصحابنا ففيه حق الله تعالى - عز وجل - وحق العبد فمن قال ~~منهم: إنه يحلف ويقضي بالحد عند النكول اعتبر ما فيه من حق العبد فألحقه في ~~التحليف بالتعزير، ومن قال منهم: إنه لا يحلف أصلا اعتبر حق الله سبحانه ~~وتعالى فيه؛ لأنه المغلب، فألحقه بسائر حقوق الله - سبحانه وتعالى - ~~الخالصة، والجامع أن المقصود من الاستحلاف هو النكول، وأنه على أصل أبي ~~حنيفة عليه الرحمة بدل، والحد لا يحتمل البدل، وعلى أصلهما إقرار فيه شبهة ~~العدم؛ لأنه ليس بصريح إقرار، بل هو إقرار بطريق السكوت، فكان فيه شبهة ~~العدم، والحد لا يثبت بدليل فيه شبهة العدم، ومن قال منهم. # إنه يحلف ويقضي عليه بالتعزير عند النكول # PageV07P052 # دون الحد، اعتبر حق العبد فيه للاستحلاف كالتعزير واعتبر حق الله سبحانه ~~وتعالى للمنع من إقامة الحد عند النكول كسائر الحدود، ومثل هذا جائز كحد ~~السرقة أنه يجري فيه الاستحلاف، ولا يقضي عند النكول بالحد، ولكن يقضي ~~بالمال، وكما قال أبو يوسف ومحمد - عليهما الرحمة - في القصاص في الطرف ~~والنفس: إنه يحلف، وعند النكول لا يقضي بالقصاص بل بالدية على ما عرف، وإن ~~قال المدعي: لي بينة حاضرة في المصر على قذفه - يحبس المدعى عليه القذف إلى ~~قيام الحاكم من مجلسه. # والمراد من الحبس الملازمة أي يقال للمدعي: لازمه إلى هذا الوقت، فإن ~~أحضر البينة فيه وإلا خلي ms4082 سبيله، ولا يؤخذ منه كفيل بنفسه، هذا قول أبي ~~حنيفة - رحمه الله - وعندهما يؤخذ منه الكفيل، وهذا بناء على أن الكفالة في ~~الحدود غير جائزة عند أبي حنيفة - رحمه الله - حيث قال في الكتاب: ولا ~~كفالة في حد ولا قصاص، وعندهما يكفل ثلاثة أيام، وذكر الجصاص في تفسير قول ~~أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن معناه لا يؤخذ الكفيل في الحدود والقصاص ~~جبرا، فأما إذا بذل من نفسه وأعطى الكفيل - فهو جائز بالإجماع، وظاهر إطلاق ~~الكتاب يدل على عدم الجواز عنده؛ لأن كلمة النفي إذا دخلت على الأفعال ~~الشرعية؛ يراد بها نفي الجواز من الأصل كما في قوله - عليه الصلاة والسلام ~~- «لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بشهود» ونحو ذلك. # (وجه) قولهما أن الحبس جائز في الحدود، فالكفالة أولى؛ لأن معنى الوثيقة ~~في الحبس أبلغ منه في الكفالة، فلما جاز الحبس فالكفالة أحق بالجواز، ولأبي ~~حنيفة - رحمه الله - أن الكفالة شرعت للاستيثاق، والحدود مبناها على الدرء ~~والإسقاط، قال - عليه الصلاة والسلام -: «ادرءوا الحدود ما استطعتم» . # فلا يناسبها الاستيثاق بالكفالة، بخلاف الحبس فإن الحبس للتهمة مشروع، ~~روي «أنه - عليه الصلاة والسلام - حبس رجلا بالتهمة» وقد ثبتت التهمة في ~~هذه المسألة بقوله: لي بينة حاضرة في المصر، فجاز الحبس فإذا أقام المدعي ~~شاهدين لا يعرفهما القاضي - أي لم تظهر عدالتهما بعد الحبس - فلا خلاف، ولا ~~يؤخذ منه كفيل، وإن أقام شاهدا واحدا عدلا حبس عند أبي حنيفة - رحمه الله ~~-، وعندهما لا يحبس ويؤخذ منه كفيل. # (وجه) قولهما أن الحق لا يظهر بقول الواحد وإن كان عدلا، فالحبس من أين ~~بخلاف الشاهدين؟ فإن سبب ظهور الحق قد وجد وهو كمال عدد الحجة، إلا أن توقف ~~الظهور لتوقف ظهور العدالة فثبتت الشبهة؛ فيحبس. # (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن قول الشاهد الواحد وإن كان لا يوجب ~~الحق فإنه يوجب التهمة، وحبس المتهم جائز، ولو قال المدعي: لا بينة لي أو ~~بينتي غائبة أو خارج المصر - لا يحبس بالإجماع؛ لعدم التهمة، فإن قامت ms4083 ~~البينة للمقذوف على القذف، أو أقر القاذف به فإن القاضي يقول له: أقم ~~البينة على صحة قذفك. # فإن أقام أربعة من الشهود على معاينة الزنا من المقذوف أو على إقراره ~~بالزنا - سقط الحد عن القاذف، ويقام حد الزنا على المقذوف، وإن عجز عن ~~إقامة البينة - يقيم حد القذف على القاذف؛ لقوله تعالى {والذين يرمون ~~المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4] وإن ~~طلب التأجيل من القاضي، وقال: شهودي غيب، أو خارج المصر - لم يؤجله، ولو ~~قال: شهودي في المصر أجله إلى آخر المجلس، ولازمه المقذوف، ويقال له: ابعث ~~أحدا إلى شهودك فأحضرهم، ولا يؤخذ منه كفيل بنفسه في قول أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه - وعندهما يؤجل يومين أو ثلاثة، ويؤخذ منه الكفيل. # (وجه) قولهما أنه يحتمل أن يكون صادقا في إخباره أن له بينة في المصر، ~~وربما لا يمكنه الإحضار في ذلك الوقت فيحتاج إلى التأخير إلى المجلس الثاني ~~وأخذ الكفيل؛ لئلا يفوت حقه عسى، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن في التأجيل ~~إلى آخر المجلس الثاني منعا من استيفاء الحد بعد ظهوره، وهذا لا يجوز، ~~بخلاف التأخير إلى آخر المجلس؛ لأن ذلك القدر لا يعد تأجيلا ولا منعا من ~~استيفاء الحد بعد ظهوره. # وروي عن محمد - رحمه الله - أنه إذا ادعى أن له بينة حاضرة في المصر ولم ~~يجد أحدا يبعثه إلى الشهود، فإن القاضي يبعث معه من الشرط من يحفظه ولا ~~يتركه حتى يقر، فإن لم يجد - ضرب الحد، ولو ضرب بعض الحد ثم أقام القاذف ~~البينة على صدق مقالته - قبلت بينته وسقطت بينة الجلدات، ولا تبطل شهادته ~~ويقام حد الزنا على المقذوف، كما لو أقامها قبل أن يضرب الحد أصلا ولو ضرب ~~الحد بتمامه، ثم أقام البينة على زنا المقذوف قبلت بينته ويظهر أثر القبول ~~في جواز شهادة القاذف، وأن لا يصير مردود الشهادة؛ لأنه تبين أنه لم يكن # PageV07P053 # محدودا في القذف حقيقة، حيث تبين أن المقذوف لم يكن محصنا؛ لأن من شرائط ~~الإحصان العفة ms4084 عن الزنا، وقد ظهر زناه بشهادة الشهود؛ فلم يصر القاذف مردود ~~الشهادة، ولا يظهر أثر قبول هذه الشهادة في إقامة حد الزنا على المقذوف؛ ~~لأن معنى القذف قد تقرر بإقامة الحد على القاذف. # ولو قذف رجلا فقال: يا ابن الزانية، ثم ادعى القاذف أن أم المقذوف أمة أو ~~نصرانية، والمقذوف يقول: هي حرة مسلمة - فالقول قول القاذف، وعلى المقذوف ~~إقامة البينة على الحرية والإسلام،. # وكذلك لو قذف إنسانا في نفسه، ثم ادعى القاذف أن المقذوف عبد - فالقول ~~قول القاذف، وكذلك لو قال القاذف: أنا عبد وعلي حد العبد، وقال المقذوف: ~~أنت حر - فالقول قول القاذف؛ لأن الظاهر وإن كان هو الحرية والإسلام؛ لأن ~~دار الإسلام دار الأحرار، لكن الظاهر لا يصلح للإلزام على الغير، فلا بد من ~~الإتيان بالبينة. # وروي عن أبي يوسف فيمن قذف أم رجل فإن كان القاضي يعرف أمه حرة مسلمة - ~~جلد القاذف؛ لأن الحرية والإسلام يثبتان بالبينة فعلم القاضي أولى؛ لأنه ~~فوق البينة؛ لأن الحرية والإسلام من شرائط الإحصان، والإحصان شرط الوجوب ~~والقاضي يقضي بعلمه بسبب وجوب هذا الحد؛ فلأن يقضي بعلمه بشرط الوجوب أولى، ~~فإن لم يعلم القاضي - حبسه في السجن حتى يأتي بالبينة؛ لأنه ظهر منه القذف، ~~وأنه يوجب العقوبة سواء كان المقذوف أمه حرة أو أمة، فجاز أن يستوثق منه ~~بالحبس، وإن لم تقم بينته - أخذ منه كفيلا أو أخرجه وأخذ الكفيل على مذهبه، ~~فأما على مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - فلا يؤخذ الكفيل على ما بينا ولا ~~يعزره؛ لأن التعزير من القاضي حكم بإبطال إحصان المقذوف؛ لأن قذف المحصن ~~يوجب الحد لا التعزير، ولا يجوز الحكم بإبطال الإحصان، ولو شهد شاهدان على ~~القذف واختلفا في مكان القذف أو زمانه بأن شهد أحدهما أنه قذف في مكان كذا، ~~وشهد الآخر أنه قذف في مكان آخر، أو شهد أحدهما أنه قذف يوم الخميس، وشهد ~~الآخر أنه قذف يوم الجمعة - قبلت شهادتهما، ووجب الحد عند أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه - وعندهما لا تقبل. # (وجه) ms4085 قولهما أنهما شهدا بقذفين مختلفين؛ لأن القذف في هذا المكان ~~والزمان يخالف القذف في مكان آخر وزمان آخر، فقد شهد كل واحد منهما بقذف ~~غير القذف الذي شهد به الآخر، وليس على أحدهما شهادة شاهدين فلا يثبت، ~~ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن اختلاف مكان القذف وزمانه لا يوجب اختلاف ~~القذف؛ لجواز أنه كرر القذف الواحد في مكانين وزمانين؛ لأن القذف من باب ~~الكلام والكلام مما يحتمل التكرار والإعادة، والمعاد عين الأول حكما، وإن ~~كان غيره حقيقة فكان القذف واحدا، فقد اجتمع عليه شهادة شاهدين، وإن اتفقا ~~في المكان والزمان واختلفا في الإنشاء والإقرار، بأن شهد أحدهما أنه قذفه ~~في هذا المكان يوم الجمعة، وشهد الآخر أنه قذفه في هذا المكان يوم الجمعة - ~~لا تقبل ولا حد عليه في قولهم جميعا استحسانا والقياس أن تقبل ويحد. # (وجه) القياس أن اختلاف كلامهما في الإنشاء والإقرار لا يوجب اختلاف ~~القذف، كما إذا شهد أحدهما بإنشاء البيع والآخر بالإقرار به - أنه تقبل ~~شهادتهما، كذا هذا. # (وجه) الاستحسان أن الإنشاء مع الإقرار أمران مختلفان حقيقة؛ لأن الإنشاء ~~إثبات أمر لم يكن، والإقرار إخبار عن أمر كان، فكانا مختلفين حقيقة فكان ~~المشهود به مختلفا، وليس على أحدهما شاهدان فلا تقبل. # ونظيره من قال لامرأته: زنيت قبل أن أتزوجك - فعليه اللعان لا الحد، ولو ~~قال لها: قذفتك بالزنا قبل أن أتزوجك - فعليه الحد لا اللعان؛ لأن قوله ~~زنيت إنشاء القذف فكان قاذفا لها للحال، وهي للحال زوجته، وقذف الزوج يوجب ~~اللعان لا الحد، وقوله: قذفتك بالزنا، إقرار منه بقذف كان منه قبل التزوج، ~~وهي كانت أجنبية قبل التزوج، وقذف الأجنبية؛ يوجب الحد لا اللعان، والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان من يملك الخصومة ومن لا يملكها في القذف] # (فصل) : # وأما بيان من يملك الخصومة ومن لا يملكها فنقول - ولا قوة إلا بالله ~~تعالى: المقذوف لا يخلو إما أن يكون حيا وقت القذف، وإما أن يكون ميتا، فإن ~~كان حيا فلا خصومة لأحد سواه، وإن كان ولده ms4086 أو والده، وسواء كان حاضرا أو ~~غائبا؛ لأنه إذا كان حيا وقت القذف كان هو المقذوف صورة ومعنى بإلحاق العار ~~به، فكان حق الخصومة له، وهل تجوز الإنابة في هذه الخصومة وهو التوكيل ~~بالإثبات بالبينة اختلف أصحابنا فيه عندهما يجوز، وقال أبو يوسف # PageV07P054 # لا يجوز - والمسألة مرت في كتاب الوكالة - ولا يجوز التوكيل فيه ~~بالاستيفاء عندنا، خلافا للشافعي - رحمه الله - والمراد بذلك أن حضرة ~~المقذوف بنفسه شرط جواز الاستيفاء عندنا، وعنده ليس بشرط، وتقوم حضرة ~~الوكيل مقام حضرته على أن هذا الحد عنده حد المقذوف على الخلوص، فتجري فيه ~~النيابة في الإثبات والاستيفاء جميعا. # (ولنا) أن الاستيفاء عند غيبة الموكل بنفسه استيفاء مع الشبهة؛ لجواز أنه ~~لو كان حاضرا لصدق القاذف في قذفه، والحدود لا تستوفى مع الشبهات ولو كان ~~المقذوف حيا وقت القذف، ثم مات قبل الخصومة أو بعدها - سقط الحد عندنا، ~~خلافا للشافعي بناء على أن حد القذف لا يورث عندنا، وعنده يورث - وستأتي ~~المسألة في موضعها - هذا إذا كان حيا وقت القذف. # (وأما) إذا كان ميتا فلا خلاف في أن لولده ذكرا كان أو أنثى، ولابن ابنه، ~~وبنت ابنه وإن سفلوا، ولوالده وإن علا، أن يخاصم القاذف في القذف؛ لأن معنى ~~القذف: هو إلحاق العار بالمقذوف، والميت ليس بمحل لإلحاق العار به، فلم يكن ~~معنى القذف راجعا إليه بل إلى فروعه وأصوله؛ لأنه يلحقهم العار بقذف الميت؛ ~~لوجود الجزئية والبعضية، وقذف الإنسان يكون قذفا لأجزائه فكان القذف بهم من ~~حيث المعنى فيثبت لهم حق الخصومة؛ لدفع العار عن أنفسهم، بخلاف ما إذا كان ~~المقذوف حيا وقت القذف، ثم مات - أنه ليس للولد والوالد حق الخصومة بل ~~يسقط؛ لأن القذف أضيف إليه وهو كان محلا قابلا للقذف صورة ومعنى بإلحاق ~~العار به؛ فانعقد القذف موجبا حق الخصومة له خاصة، فلو انتقل إلى ورثته ~~لانتقل إليهم بطريق الإرث، وهذا الحد لا يحتمل الإرث - لما نذكر - فسقط ~~ضرورة، ولا خلاف في أن الإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات ~~لا يملكون ms4087 الخصومة؛ لأن العار لا يلحقهم؛ لانعدام الجزئية والبعضية فالقذف ~~لا يتناولهم لا صورة ولا معنى، وكذا ليس لمولى العتاقة ولاية الخصومة؛ لأن ~~القذف لم يتناوله صورة ومعنى بإلحاق العار به، واختلف أصحابنا - رضي الله ~~عنهم - في أولاد البنات أنهم هل يملكون الخصومة؟ عندهما يملكون، وعند محمد ~~لا يملكون. # (وجه) قوله أن ولد البنت ينسب إلى أبيه لا إلى جده فلم يكن مقذوفا معنى ~~بقذف جده. # (ولهما) أن معنى الولاد موجود والنسبة الحقيقية ثابتة بواسطة أمه؛ فصار ~~مقذوفا معنى فيملك الخصومة. # وهل يراعى فيه الترتيب بتقديم الأقرب على الأبعد؟ قال أصحابنا الثلاثة: ~~لا يراعى والأقرب والأبعد سواء فيه، حتى كان لابن الابن أن يخاصم فيه مع ~~قيام الابن الصلبي. # وعند زفر - رحمه الله - يراعى فيه الترتيب وتثبت للأقرب فالأقرب، وليس ~~للأبعد حق الخصومة والمطالبة بالقذف لإلحاق العار بالمخاصم، ولا شك أن عار ~~الأقرب يزيد على الأبعد فكان أولى بالخصومة. # (ولنا) أن هذا الحق ليس يثبت بطريق الإرث على معنى أنه يثبت الحق للميت، ~~ثم ينتقل إلى الورثة بل يثبت لهم ابتداء لا بطريق الانتقال من الميت إليهم؛ ~~لما ذكرنا أن الميت بالموت خرج عن احتمال لحوق العار به فلم يكن ثبوت الحق ~~لهم بطريق الإرث، فلا يراعى فيه الأقرب والأبعد، وكذا لا يراعى فيه إحصان ~~المخاصم، بل الشرط إحصان المقذوف عند أصحابنا الثلاثة، حتى لو كان الولد أو ~~الوالد عبدا أو ذميا - فله حق الخصومة. # وقال زفر - رحمه الله -: إحصان المخاصم شرط، وليس للعبد ولا الكافر أن ~~يخاصم. # (وجه) قوله أن إثبات حق الخصومة له لصيرورته مقذوفا معنى بإضافة القذف ~~إلى الميت، ولو أضيف إليه القذف ابتداء - لا يجب الحد فههنا أولى. # (ولنا) أن الحد لا يجب لعين القذف بل للحوق عار كامل بالمقذوف، وإن كان ~~الميت محصنا فقد لحق الولد عار كامل فلا يشترط إحصانه؛ لأن اشتراطه للحوق ~~عار كامل به، وقد لحقه بدونه ولو كان الوارث قتله حتى حرم الميراث - فله أن ~~يخاصم؛ لما ذكرنا أن هذا الحق لا ms4088 يثبت بطريق الإرث، ولو قذف رجل أم ابنه ~~وهي ميتة - فليس للولد أن يخاصم أباه؛ لأن الأب لو قذف ولده وهو حي محصن - ~~ليس للولد أن يخاصم أباه؛ تعظيما له، ففي قذف الأم الميتة أولى. # وكذلك المولى إذا قذف أم عبده وهي حرة ميتة - فليس للعبد أن يخاصم مولاه ~~في القذف؛ لأنه عبد مملوك لا يقدر على شيء، والله - تعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان صفات الحدود] # (فصل) : # وأما صفات الحدود فنقول - وبالله التوفيق: لا خلاف في حد الزنا والشرب ~~والسكر والسرقة أنه لا يحتمل العفو والصلح والإبراء بعد ما ثبت بالحجة؛ ~~لأنه حق الله تعالى خالصا، لا حق للعبد فيه فلا يملك إسقاطه، وكذا يجري # PageV07P055 # فيه التداخل؛ حتى لو زنى مرارا أو شرب الخمر مرارا أو سكر مرارا - لا يجب ~~عليه إلا حد واحد؛ لأن المقصود من إقامة الحد هو الزجر وأنه يحصل بحد واحد، ~~فكان في الثاني والثالث احتمال عدم حصول المقصود، فكان فيه احتمال عدم ~~الفائدة، ولا يجوز إقامة الحد مع احتمال عدم الفائدة، ولو زنى أو شرب أو ~~سكر أو سرق فحد، ثم زنى أو شرب أو سرق يحد ثانيا؛ لأنه تبين أن المقصود لم ~~يحصل، وكذا إذا سرق سرقات من أناس مختلفة فخاصموا جميعا فقطع لهم - كان ~~القطع عن السرقات كلها، والكلام في الضمان نذكره في كتاب السرقة - إن شاء ~~الله تعالى. # (وأما) حد القذف إذا ثبت بالحجة فكذلك عندنا لا يجوز العفو عنه والإبراء ~~والصلح، وكذلك إذا عفا المقذوف قبل المرافعة، أو صالح على مال - فذلك باطل ~~ويرد به الصلح، وله أن يطالبه بعد ذلك، وعند الشافعي - رحمه الله - يصح ذلك ~~كله، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف - رحمه الله - وكذا يجري فيه التداخل ~~عندنا حتى لو قذف إنسانا بالزنا بكلمة، أو قذف كل واحد بكلام على حدة - لا ~~يجب عليه إلا حد واحد سواء حضروا جميعا أو حضر واحد، وقال الشافعي - رحمه ~~الله - إذا قذف كل واحد بكلام على حدة - فعليه لكل واحد حد ms4089 على حدة، ولو ~~ضرب القاذف تسعة وسبعين سوطا، ثم قذف آخر ضرب السوط الأخير فقط عندنا، ~~وعنده يضرب السوط الأخير للأول وثمانين سوطا أخر للثاني، ولو قذف رجلا فحد، ~~ثم قذف آخر - يحد للثاني بلا خلاف، وكذا هذا الحد لا يورث عند أصحابنا - ~~رضي الله عنهم -، وعندهم يورث، ويقسم بين الورثة على فرائض الله - عز شأنه ~~- في قول، وفي قول يقسم بين الورثة إلا الزوج والزوجة، والكلام في هذا ~~الفرع بناء على أصل مختلف بيننا وبينه، وهو أن حد القذف خالص حق الله - ~~سبحانه وتعالى - أو المغلب فيه حقه، وحق العبد مغلوب عندنا، وعنده هو حق ~~العبد أو المغلب حق العبد. # (وجه) قوله أن سبب وجوب هذا الحد؛ هو القذف، والقذف جناية على عرض ~~المقذوف بالتعرض، وعرضه حقه بدليل أن بدل نفسه حقه وهو القصاص في العمد، أو ~~الدية في الخطأ، فكان البدل حقه، والجزاء الواجب على حق الإنسان حقه ~~كالقصاص، والدليل عليه أنه يشترط فيه الدعوى، والدعوى لا تشترط في حقوق ~~الله - تبارك وتعالى - كسائر الحقوق، إلا أنه لم يفوض استيفاؤه إلى المقذوف ~~لأجل التهمة؛ لأن ضرب القذف أخف الضربات في الشرع، فلو فوض إليه إقامة هذا ~~الحد - فربما يقيمه على وجه الشدة؛ لما لحقه من الغيظ بسبب القذف ففوض ~~استيفاؤه إلى الإمام؛ دفعا للتهمة لا لأنه حق الله - تعالى عز شأنه. # (ولنا) أن سائر الحدود إنما كانت حقوق الله - تبارك وتعالى - على الخلوص؛ ~~لأنها وجبت لمصالح العامة وهي دفع فساد يرجع إليهم ويقع حصول الصيانة لهم، ~~فحد الزنا وجب؛ لصيانة الأبضاع عن التعرض، وحد السرقة وقطع الطريق وجب؛ ~~لصيانة الأموال والأنفس عن القاصدين، وحد الشرب وجب؛ لصيانة الأنفس ~~والأموال والأبضاع في الحقيقة بواسطة صيانة العقول عن الزوال والاستتار ~~بالسكر، وكل جناية يرجع فسادها إلى العامة ومنفعة جزائها يعود إلى العامة، ~~كان الجزاء الواجب بها حق الله - عز شأنه - على الخلوص تأكيدا للنفع ~~والدفع؛ كي لا يسقط بإسقاط العبد وهو معنى نسبة هذه الحقوق إلى الله - ~~تبارك وتعالى، وهذا ms4090 المعنى موجود في حد القذف؛ لأن مصلحة الصيانة ودفع ~~الفساد يحصل للعامة بإقامة هذا الحد، فكان حق الله عز شأنه على الخلوص ~~كسائر الحدود، إلا أن الشرع شرط فيه الدعوى من المقذوف، وهذا لا ينفي كونه ~~حقا لله - تعالى عز شأنه - على الخلوص، كحد السرقة أنه خالص حق الله - عز ~~شأنه - وإن كانت الدعوى من المسروق منه شرطا. # ثم نقول: إنما شرط فيه الدعوى وإن كان خالص حق الله - تعالى عز اسمه؛ لأن ~~المقذوف يطالب القاذف ظاهرا أو غالبا؛ دفعا للعار عن نفسه فيحصل ما هو ~~المقصود من شرع الحد كما في السرقة؛ ولأن حقوق العباد تجب بطريق المماثلة ~~إما صورة ومعنى، وإما معنى لا صورة؛ لأنها تجب بمقابلة المحل جبرا، والجبر ~~لا يحصل إلا بالمثل، ولا مماثلة بين الحد والقذف لا صورة ولا معنى؛ فلا ~~يكون حقه. # وأما حقوق الله - سبحانه وتعالى - فلا يعتبر فيها المماثلة؛ لأنها تجب ~~جزاء للفعل كسائر الحدود. # (ولنا) أيضا دلالة الإجماع من وجهين: أحدهما - أن ولاية الاستيفاء للإمام ~~بالإجماع ولو كان حق المقذوف لكان ولاية الاستيفاء له كما في القصاص. # (والثاني) - أنه يتنصف برق القاذف، # PageV07P056 # وحق الله - تعالى - هو الذي يحتمل التنصيف بالرق لا حق العبد؛ لأن حقوق ~~الله - تعالى - تجب جزاء للفعل، والجزاء يزداد بزيادة الجناية وينتقص ~~بنقصانها، والجناية تتكامل بكمال حال الجاني وتنتقص بنقصان حاله، فأما حق ~~العبد فإنه يجب بمقابلة المحل ولا يختلف باختلاف حال الجاني، وإذا ثبت أن ~~حد القذف حق الله - تعالى - خالصا أو المغلب فيه حقه فنقول: لا يصح العفو ~~عنه؛ لأن العفو إنما يكون من صاحب الحق، ولا يصح الصلح والاعتياض؛ لأن ~~الاعتياض عن حق الغير لا يصح ولا يجري فيه الإرث؛ لأن الإرث إنما يجري في ~~المتروك من ملك أو حق للمورث على ما قال «- عليه الصلاة والسلام - من ترك ~~مالا أو حقا فهو لورثته» ولم يوجد شيء من ذلك فلا يورث ولا يجري فيه ~~التداخل؛ لما ذكرنا، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان مقدار ms4091 الواجب من الحدود] # (فصل) : # وأما بيان مقدار الواجب منها فمقدار الواجب في حد الزنا إذا لم يكن ~~الزاني محصنا - مائة جلدة إن كان حرا، وإن كان مملوكا - فخمسون؛ لقوله عز ~~شأنه {فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} ~~[النساء: 25] ؛ ولأن العقوبة على قدر الجناية، والجناية تزداد بكمال حال ~~الجاني وتنتقص بنقصان حاله، والعبد أنقص حالا من الحر؛ لاختصاص الحر بنعمة ~~الحرية، فكانت جنايته أنقص، ونقصان الجناية يوجب نقصان العقوبة؛ لأن الحكم ~~يثبت على قدر العلة، هذا أمر معقول إلا أن التنقيص بالتنصيف في غيره من ~~المقادير ثبت شرعا بقوله تعالى جل شأنه {فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب} [النساء: 25] ، وفي حد الشرب والسكر والقذف ثمانون في الحر وأربعون ~~في العبد؛ لما قلنا، وفي حد السرقة لا يختلف قدر الواجب بالرق والحرية؛ ~~لعموم قوله تبارك وتعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ~~ولا يختلف بالذكورة والأنوثة في شيء من الحدود والله - سبحانه وتعالى - ~~أعلم. ### | [فصل في شرائط جواز إقامة الحدود] # (فصل) : # وأما شرائط جواز إقامتها فمنها ما يعم الحدود كلها، ومنها ما يخص البعض ~~دون البعض، أما الذي يعم الحدود كلها فهو الإمامة: وهو أن يكون المقيم للحد ~~هو الإمام أو من ولاه الإمام وهذا عندنا، وعند الشافعي هذا ليس بشرط، ~~وللرجل أن يقيم الحد على مملوكه - إذا ظهر الحد عنده بالإقرار أربعا عندنا، ~~ومرة عنده وبالمعاينة بأن رأى عبده زنى بأجنبية، ولو ظهر عنده بالشهود بأن ~~شهدوا عنده والمولى من أهل القضاء - فله فيه قولان، وكذا في إقامة المرأة ~~الحد على مملوكها، وإقامة المكاتب الحد على عبد من أكسابه له فيه قولان، ~~احتج بما روي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» وهذا نص. # وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، ~~فإن عادت - فليجلدها، فإن عادت - فليجلدها، فإن عادت - فليبعها ولو بضفير» ~~أي بحبل، وهذا أيضا ms4092 نص في الباب؛ ولأن السلطان إنما ملك الإقامة؛ لتسلطه ~~على الرعية، وتسلط المولى على مملوكه فوق تسلط السلطان على رعيته، ألا ترى ~~أنه يملك الإقرار عليه بالدين، ويملك عليه التصرفات، والإمام لا يملك شيئا ~~من ذلك: فلما ثبت الجواز للسلطان فالمولى أولى؛ ولهذا ملك إقامة التعزير ~~عليه، كذا الحد. # (ولنا) أن ولاية إقامة الحدود ثابتة للإمام بطريق التعيين، والمولى لا ~~يساويه فيما شرع له بهذه الولاية، فلا يثبت له ولاية الإقامة استدلالا ~~بولاية إنكاح الصغار والصغائر؛ لأنها لما ثبتت للأقرب - لم تثبت لمن لا ~~يساويه فيما شرع له الولاية وهو الأبعد، وبيان ذلك أن ولاية إقامة الحد ~~إنما ثبتت للإمام؛ لمصلحة العباد وهي صيانة أنفسهم وأموالهم وأعراضهم؛ لأن ~~القضاة يمتنعون من التعرض خوفا من إقامة الحد عليهم، والمولى لا يساوي ~~الإمام في هذا المعنى؛ لأن ذلك يقف على الإمامة، والإمام قادر على الإقامة؛ ~~لشوكته ومنعته وانقياد الرعية له قهرا وجبرا، ولا يخاف تبعة الجناة ~~وأتباعهم؛ لانعدام المعارضة بينهم وبين الإمام، وتهمة الميل والمحاباة ~~والتواني عن الإقامة منتفية في حقه فيقيم على وجهها فيحصل الغرض المشروع له ~~الولاية بيقين. # وأما المولى فربما يقدر على الإقامة نفسها وربما لا يقدر؛ لمعارضة العبد ~~إياه؛ ولأنه رقباني مثله يعارضه فيمنعه عن الإقامة - خصوصا عند خوف الهلاك ~~على نفسه - فلا يقدر على الإقامة، وكذا المولى يخاف على نفسه وماله من ~~العبد الشرير، ولو قصد إقامة الحد عليه أن يأخذ بعض أمواله ويقصد إهلاكه، ~~ويهرب منه فيمتنع عن الإقامة، ولو قدر على الإقامة فقد يقيم # PageV07P057 # وقد لا يقيم؛ لما في الإقامة من نقصان قيمته بسبب عيب الزنا والسرقة، أو ~~يخاف سراية الجلدات إلى الهلاك. # والمرء مجبول على حب المال، ولو أقام - فقد يقيم على الوجه وقد لا يقيم ~~على الوجه، بل من حيث الصورة فلا يحصل الزجر، فثبت أن المولى لا يساوي ~~الإمام في تحصيل ما شرع له إقامة الحد، فلا يزاحمه في الولاية بخلاف ~~التعزير من وجهين: أحدهما - أن التعزير: هو التغيير والتوبيخ وذلك غير ms4093 ~~مقدر، فقد يكون بالحبس وقد يكون برفع الصوت وتعبيس الوجه، وقد يكون بضرب ~~أسواط على حسب الجناية وحال الجاني؛ لما نذكره في موضعه، والمولى يساوي ~~الإمام في هذا؛ لأنه من باب التأديب فله قدرة التأديب، والعبد ينقاد لمثله ~~للمولى ولا يعارضه، فالمولى أيضا لا يمتنع عن هذا القدر من الإيلام؛ لأنه ~~لا يوجب نقصانا في مالية العبد ولا تعييبا فيه، بخلاف الحد. # والثاني - أن في التعزير ضرورة ليست في الحد؛ لأن أسباب التعزير مما يكثر ~~وجودها، فيحتاج المولى إلى أن يعزر مملوكه في كل يوم وفي كل ساعة، وفي ~~الرفع إلى الإمام في كل حين وزمان حرج عظيم على الموالي؛ ففوضت إقامة الحد ~~إلى الموالي شرعا، أو صار المولى مأذونا في ذلك من جهة الإمام دلالة، وصار ~~نائبا عن الإمام فيه، ولا حرج في الحد؛ لأنه لا يكثر وجوده؛ لانعدام كثرة ~~أسباب وجوبه وأما الحديثان فيحتمل أن يكون خطابا لقوم معلومين، علم - عليه ~~الصلاة والسلام - منهم من طريق الوحي أنهم يقيمون الحدود من غير تقصير مثل ~~الأمير والسلطان، ويحتمل أن يكون ذلك خطابا للأئمة في حق عبيدهم، والتخصيص ~~للترغيب في إقامة الحد؛ لما أن الأئمة والسلاطين لا يباشرون الإقامة ~~بأنفسهم عادة بل يفوضونها إلى الحكام والمحتسبين، وقد يجيء منهم في ذلك ~~تقصير، ويحتمل الإقامة بطريق التسبب بالسعي لرفع ذلك إلى الإمام بطريق ~~الحسبة، وتخصيص المولى للترغيب لهم في الإقامة؛ لاحتمال الميل والتقصير في ~~ذلك، ويحتمل أن يكون المراد من الحد المذكور في الحديث التعزير؛ لوجود معنى ~~الحد فيه - وهو المنع - فلا يصح الاحتجاج بهما مع الاحتمال، والله - تعالى ~~- أعلم. # وللإمام أن يستخلف على إقامة الحدود؛ لأنه لا يقدر على استيفاء الجميع ~~بنفسه؛ لأن أسباب وجوبها توجد في أقطار دار الإسلام، ولا يمكنه الذهاب ~~إليها، وفي الإحضار إلى مكان الإمام حرج عظيم، فلو لم يجز الاستخلاف - ~~لتعطلت الحدود وهذا لا يجوز؛ ولهذا «كان - عليه الصلاة والسلام - يجعل إلى ~~الخلفاء تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود» ، ثم الاستخلاف نوعان: تنصيص، ~~وتولية، أما التنصيص: فهو ms4094 أن ينص على إقامة الحدود؛ فيجوز للخليفة إقامتها ~~بلا شك. # وأما التولية فعلى ضربين: عامة، وخاصة فالعامة: هي أن يولي رجلا ولاية ~~عامة، مثل إمارة إقليم أو بلد عظيم فيملك المولى إقامة الحدود وإن لم ينص ~~عليها؛ لأنه لما قلده إمارة ذلك البلد فقد فوض إليه القيام بمصالح المسلمين ~~- وإقامة الحدود معظم مصالحهم - فيملكها، والخاصة: هي أن يولي رجلا ولاية ~~خاصة، مثل جباية الخراج ونحو ذلك فلا يملك إقامة الحدود؛ لأن هذه التولية ~~لم تتناول إقامة الحدود، ولو استعمل أمير على الجيش الكبير فإن كان أمير ~~مصر أو مدينة فغزا بجنده - فإنه يملك إقامة الحدود في معسكره؛ لأنه كان ~~يملك الإقامة في بلده، فإذا خرج بأهله أو ببعضهم ملك عليهم ما كان يملك ~~فيهم قبل الخروج. # وأما من أخرجه أمير البلد غازيا فما كان يملك إقامة الحد عليهم قبل ~~الخروج وبعد الخروج، لم يفوض إليه الإقامة فلا يملك الإقامة، والإمام العدل ~~له أن يقيم الحدود وينفذ القضاء في معسكره، كما له أن يفعل ذلك في المصر؛ ~~لأن للإمام ولاية على جميع دار الإسلام ثابتة، وكذا إذا استعمل قاضيا له أن ~~يفعل ذلك في المعسكر؛ لأنه نائب الإمام، والله - تعالى - أعلم. # وأما الذي يخص البعض دون البعض فمنها البداية من الشهود في حد الرجم إذا ~~ثبت بالشهادة، حتى لو امتنع الشهود عن البداية أو ماتوا أو غابوا كلهم أو ~~بعضهم - لا يقام الرجم على المشهود عليه، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وإحدى ~~الروايتين عن أبي يوسف استحسانا. # وروي عن أبي يوسف رواية أخرى أنها ليست بشرط ويقام الرجم على المشهود ~~عليه وهو قول الشافعي - رحمه الله - وهو القياس، وجه القياس أن الشهود فيما ~~وراء الشهادة وسائر الناس سواء، ثم لا تشترط البداية من أحد منهم فكذا من ~~الشهود؛ ولأن الرجم أحد نوعي الحد فيعتبر بالنوع الآخر وهو الجلد، والبداية ~~من الشهود ليست بشرط فيه كذا في الرجم. # (ولنا) ما روي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال: يرجم الشهود أولا، ms4095 ~~ثم الإمام، ثم الناس وكلمة " ثم " للترتيب، وكان ذلك بمحضر من الصحابة - ~~رضي الله عنهم - # PageV07P058 # ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد؛ فيكون إجماعا؛ ولأن في اعتبار الشرط احتياطا ~~في درء الحد؛ لأن الشهود إذا بدءوا بالرجم - ربما استعظموا فعله فيحملهم ~~ذلك على الرجوع عن الشهادة فيسقط الحد عن المشهود عليه بخلاف الجلد؛ لأنا ~~إنما عرفنا البداية شرطا استحسانا بالأثر - فيسقط الحد عليه، والأثر ورد في ~~الرجم خاصة فيبقى أمر الجلد على أصل القياس؛ ولأن الجلد لا يحسنه كل أحد ~~ففوض استيفاؤه إلى الأئمة - بخلاف الرجم، والله - تعالى - أعلم. # ومنها أهلية أداء الشهادة للشهود عند الإقامة في الحدود كلها، حتى لو ~~بطلت الأهلية بالفسق أو الردة أو الجنون أو العمى أو الخرس أو حد القذف، ~~بأن فسق الشهود أو ارتدوا أو جنوا أو عموا أو خرسوا أو ضربوا حد القذف كلهم ~~أو بعضهم - لا يقام الحد على المشهود عليه؛ لأن اعتراض أسباب الجرح على ~~الشهادة عند إمضاء الحد بمنزلة اعتراضها عند القضاء به، واعتراضها عند ~~القضاء يبطل الشهادة فكذا عند الإمضاء في باب الحدود عن القضاء. # وأما موت الشهود وغيبتهم عند الإقامة فلا يمنعان من الإقامة في سائر ~~الحدود إلا الرجم، حتى لو ماتوا كلهم أو غابوا كلهم أو بعضهم - يقام الحد ~~على المشهود عليه إلا الرجم؛ لأنهما ليسا من أسباب الجرح؛ لأن أهلية ~~الشهادة لا تبطل بالموت والغيبة بل تتناهى وتتقرر وتختم بها العدالة على ~~وجه لا يحتمل الجرح، وفي حد الرجم إنما يمنعان الإقامة لا لأنهما يجرحان في ~~الشهادة بل؛ لأن البداية من الشهود شرط جواز الإقامة - ولم توجد. # وروي عن محمد في الشهود إذا كانوا مقطوعي الأيدي أو بهم مرض لا يستطيعون ~~الرمي - أن الإمام يرمي، ثم الناس، وجعل قطع اليد أو المرض عذرا في فوات ~~البداية، ولم يجعل الموت عذرا فيه، وإن ثبت الرجم بالإقرار يبدأ به الإمام، ~~ثم الناس، والله - تعالى - أعلم. # ومنها أن لا يكون في إقامة الجلدات خوف الهلاك؛ لأن هذا الحد شرع زاجرا ms4096 ~~لا مهلكا، فلا يجوز الإقامة في الحر الشديد والبرد الشديد؛ لما في الإقامة ~~فيهما من خوف الهلاك، ولا يقام على مريض حتى يبرأ؛ لأنه يجتمع عليه وجع ~~المرض وألم الضرب؛ فيخاف الهلاك، ولا يقام على النفساء حتى ينقضي النفاس؛ ~~لأن النفاس نوع مرض ويقام على الحائض؛ لأن الحيض ليس بمرض، ولا يقام على ~~الحامل حتى تضع وتطهر من النفاس؛ لأن فيه خوف هلاك الولد والوالدة، ويقام ~~الرجم في هذا كله إلا على الحامل؛ لأن ترك الإقامة في هذه الأحوال للاحتراز ~~عن الهلاك والرجم حد مهلك، فلا معنى للاحتراز عن الهلاك فيه إلا أنه لا ~~يقام على الحامل؛ لأن فيه إهلاك الولد بغير حق. # ولا يجمع الضرب في عضو واحد؛ لأنه يفضي إلى تلف ذلك العضو، أو إلى تمزيق ~~جلده، وكل ذلك لا يجوز، بل يفرق الضرب على جميع الأعضاء من الكتفين ~~والذراعين والعضدين والساقين والقدمين إلا الوجه والفرج والرأس؛ لأن الضرب ~~على الفرج مهلك عادة، وقد روي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - موقوفا عليه ~~ومرفوعا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اتق وجهه ~~ومذاكيره» والضرب على الوجه يوجب المثلة وقد «نهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن المثلة» ، والرأس مجمع الحواس وفيه العقل فيخاف من الضرب ~~عليه فوات العقل أو فوات بعض الحواس. # وفيه إهلاك الذات من وجه وقال أبو يوسف - رحمه الله - أيضا: لا يضرب ~~الصدر والبطن، ويضرب الرأس سوطا أو سوطين أما الصدر والبطن؛ فلأن فيه خوف ~~الهلاك. # وأما الرأس؛ فلقول سيدنا عمر - رضي الله عنه -: اضربوا الرأس فإن فيه ~~شيطانا، والجواب أن الحديث ورد في قتل أهل الحرب خصوصا قوما كانوا بالشام ~~يحلقون أوساط رءوسهم، ثم تفريق الضرب على الأعضاء مذهبنا، وقال الشافعي - ~~عليه الرحمة: يضرب كله على الظهر، وهذا ليس بسديد؛ لأن المأمور به هو الجلد ~~وأنه مأخوذ من ضرب الجلد، والضرب على عضو واحد ممزق للجلد، وبعد تمزيق ~~الجلد لا يمكن الضرب على الجلد بعد ذلك؛ ولأن في الجمع على ms4097 عضو واحد خوف ~~الهلاك، وهذا الحد شرع زاجرا لا مهلكا، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وأما كيفية إقامة الحدود فأما حد الرجم فلا ينبغي أن يربط المرجوم بشيء، ~~ولا أن يمسك، ولا أن يحفر له إذا كان رجلا بل يقام قائما؛ لأن ماعزا لم ~~يربط ولم يمسك ولا حفر له، ألا يرى أنه روي أنه هرب من أرض قليلة الحجارة ~~إلى أرض كثيرة الحجارة ولو ربط أو مسك أو حفر له لما قدر على الهرب، وإن ~~كان المرجوم امرأة فإن شاء الإمام حفر لها، وإن شاء لم يحفر، أما الحفر؛ ~~فلأنه أستر لها، وقد روي «أنه - عليه الصلاة والسلام - حفر للمرأة الغامدية # PageV07P059 # إلى ثندوتها، وأخذ حصاة مثل الحمصة ورماها بها» . # وحفر سيدنا علي - رضي الله عنه - لشراحة الهمذانية إلى سرتها وأما ترك ~~الحفر؛ فلأن الحفر للستر وهي مستورة بثيابها؛ لأنها لا تجرد عند إقامة الحد ~~ولا بأس لكل من رمى أن يتعمد مقتله؛ لأن الرجم حد مهلك فما كان أسرع إلى ~~الهلاك كان أولى، إلا إذا كان الرامي ذا رحم محرم من المرجوم فلا يستحب له ~~أن يتعمد مقتله؛ لأنه قطع الرحم من غير ضرورة؛ لأن غيره يكفيه ويغنيه، وقد ~~روي «أن حنظلة - غسيل الملائكة - استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في قتل أبيه أبي عامر - وكان مشركا - فنهاه - عليه الصلاة والسلام - عن ~~ذلك، وقال: دعه يكفيك غيرك» . # وأما حد الجلد: فأشد الحدود ضربا حد الزنا ثم حد الشرب ثم حد القذف؛ لأن ~~جناية الزنا أعظم من جناية الشرب والقذف، أما من جناية القذف فلا شك فيه؛ ~~لأن القذف نسبة إلى الزنا فكانت دون حقيقة الزنا. # وأما من جناية الشرب؛ فلأن قبح الزنا ثبت شرعا وعقلا وحرمة نفس الشرب ~~ثبتت شرعا لا عقلا؛ ولهذا كان الزنا حراما في الأديان كلها بخلاف الشرب، ~~وكذا الخمر يباح عند ضرورة المخمصة والإكراه ولا يباح الزنا عند الإكراه ~~وغلبة الشبق، وكذا وجوب الجلد في الزنا ثبت بنص الكتاب العزيز المكنون ولا ~~نص في الشرب ms4098 وإنما استخرجه الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - بالاجتهاد ~~والاستدلال بالقذف فقالوا: إذا سكر - هذى، وإذا هذى - افترى، وحد المفتري ~~ثمانون وقال سبحانه وتعالى - جل شأنه - في حد الزنا في حد الزنا {ولا ~~تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله} [النور: 2] قيل في ~~التأويل: أي بتخفيف الجلدات، وإنما كان ضرب القذف أخف الضربين؛ لوجهين: ~~أحدهما - أن وجوده ثبت بسبب متردد؛ لأن القاذف يحتمل أن يكون صادقا في ~~قذفه، ولا حد عليه. # والثاني - أنه انضاف إليه رد الشهادة على التأبيد؛ فجرى فيه نوع تخفيف ~~ويضرب قائما ولا يمد على العقابين ولا على الأرض، كما يفعل في زماننا؛ لأنه ~~بدعة، بل يضرب قائما ولا يمد السوط بعد الضرب بل يرفع؛ لأن المد بعد الضرب ~~بمنزلة ضربة أخرى؛ فيكون زيادة على الحد، ولا يمد الجلاد يده إلى ما فوق ~~رأسه؛ لأنه يخاف فيه الهلاك أو تمزيق الجلد، ولا يضرب بسوط له ثمرة؛ لأن ~~اتصال الثمرة بمنزلة ضربة أخرى، فيصير كل ضربة بضربتين؛ فيكون زيادة على ~~القدر المشروع، وينبغي أن يكون الجلاد عاقلا بصيرا بأمر الضرب، فيضرب ضربة ~~بين ضربتين ليس بالمبرح ولا بالذي لا يوجد فيه مس، ويجرد الرجل في حد الزنا ~~ويضرب على إزار واحد؛ لأنه أشد الحدود ضربا، ومعنى الشدة لا يحصل إلا ~~بالتجريد، وفي حد الشرب يجرد أيضا في الرواية المشهورة، وروي عن محمد - ~~رحمه الله - أنه لا يجرد. # وجه هذه الرواية أن ضرب الشرب أخف من ضرب الزنا، فلا بد من إظهار آية ~~التخفيف وذلك بترك التجريد وجه الرواية المشهورة أنه قد جرى التخفيف فيه ~~مرة في الضرب، فلو خفف فيه ثانيا بترك التجريد - لا يحصل المقصود من الحد ~~وهو الزجر، ولا يجرد في حد القذف بلا خلاف؛ لأن وجوبه بسبب متردد محتمل ~~فيراعى فيه التخفيف بترك التجريد، كما روعي في أصل الضرب، بخلاف حد الشرب؛ ~~لأن وجوبه ثبت بسبب لا تردد فيه. # وأما المرأة فلا ينزع عنها ثيابها إلا الحشو والفرو في الحدود كلها؛ ~~لأنها عورة ms4099 وتضرب قاعدة؛ لأن ذلك أستر لها، ويفرق الضرب في الأعضاء كلها؛ ~~لما ذكرنا؛ لأن الجمع في عضو واحد يقع إهلاكا للعضو أو تمزيقا أو تخريقا ~~للجلد، وكل ذلك ليس بمشروع، فيفرق على الأعضاء كلها إلا الوجه والمذاكير ~~والرأس، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم. # ولا يقام شيء من ذلك في المسجد؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تقام الحدود في المساجد» ~~وهذا نص في الباب؛ ولأن تعظيم المسجد واجب، وفي إقامة الحدود فيه ترك ~~تعظيمه، يؤيده أنا نهينا عن سل السيوف في المساجد، قال: - عليه الصلاة ~~والسلام - «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وبياعاتكم وأشريتكم وسل سيوفكم ~~تعظيما للمسجد» ومعلوم أن سل السيف في ترك التعظيم دون الجلد والرجم فلما ~~كره ذلك؛ فلأن يكره هذا أولى؛ ولأن إقامة الحدود في المسجد لا تخلو عن ~~تلويثه؛ فتجب صيانة المسجد عن ذلك، وينبغي أن تقام الحدود كلها في ملإ من ~~الناس؛ لقوله تبارك وتعالى - عز اسمه - {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} ~~[النور: 2] والنص وإن ورد في حد الزنا، لكن النص الوارد فيه يكون واردا في ~~سائر الحدود دلالة؛ لأن المقصود من الحدود كلها واحد وهو زجر العامة، وذلك # PageV07P060 # لا يحصل إلا وأن تكون الإقامة على رأس العامة؛ لأن الحضور ينزجرون ~~بأنفسهم بالمعاينة والغيب ينزجرون بإخبار الحضور فيحصل الزجر للكل، وكذا ~~فيه منع الجلاد من المجاوزة عن الحد الذي جعل له؛ لأنه لو جاوز لمنعه الناس ~~عن المجاوزة، وفيه أيضا دفع التهمة والميل فلا يتهمه الناس أن يقيم الحد ~~عليه بلا جرم سبق منه، والله - تعالى - الموفق. ### | [فصل في بيان ما يسقط الحد بعد وجوبه] # (فصل) : # وأما بيان ما يسقط الحد بعد وجوبه فالمسقط له أنواع: منها الرجوع عن ~~الإقرار بالزنا والسرقة والشرب والسكر؛ لأنه يحتمل أن يكون صادقا في الرجوع ~~وهو الإنكار، ويحتمل أن يكون كاذبا فيه، فإن كان صادقا في الإنكار يكون ~~كاذبا في الإقرار، وإن كان كاذبا في الإنكار - يكون صادقا في ms4100 الإقرار فيورث ~~شبهة في ظهور الحد، والحدود لا تستوفى مع الشبهات، وقد روي «أن ماعزا لما ~~أقر بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالزنا؛ لقنه الرجوع فقال - ~~عليه الصلاة والسلام -: لعلك قبلتها، لعلك مسستها» . # «وقال - عليه الصلاة والسلام -: لتلك المرأة أسرقت قولي: لا ما إخالك ~~سرقت» وكان ذلك منه - عليه الصلاة والسلام - تلقينا للرجوع فلو لم يكن ~~محتملا للسقوط بالرجوع - ما كان للتلقين معنى، وهذا هو السنة للإمام إذا ~~أقر إنسان عنده بشيء من أسباب الحدود الخالصة أن يلقنه الرجوع درأ للحد، ~~كما فعل - عليه الصلاة والسلام - في الزنا والسرقة، وسواء رجع قبل القضاء ~~أو بعده قبل الإمضاء أو بعد إمضاء بعض الجلدات أو بعض الرجم وهو حي بعد؛ ~~لما قلنا، ثم الرجوع عن الإقرار قد يكون نصا، وقد يكون دلالة، بأن أخذ ~~الناس في رجمه؛ فهرب ولم يرجع، أو أخذ الجلاد في الجلد؛ فهرب ولم يرجع، حتى ~~لا يتبع ولا يتعرض له؛ لأن الهرب في هذه الحالة دلالة الرجوع وروي أنه «لما ~~هرب ماعز ذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: هلا خليتم ~~سبيله» دل أن الهرب دليل الرجوع، وأن الرجوع مسقط للحد، وكما يصح الرجوع عن ~~الإقرار بالزنا يصح عن الإقرار بالإحصان، حتى لو ثبت على الإقرار بالزنا، ~~ورجع عن الإقرار بالإحصان - يسقط عنه الرجم ويجلد؛ لأن الإحصان شرط صيرورة ~~الزنا علة؛ لوجوب الرجم فيصح الرجوع عنه، كما يصح عن الزنا؛ فيبطل الإحصان ~~ويبقى الزنا، فيجب الجلد. # وأما الرجوع عن الإقرار بالقذف فلا يسقط الحد؛ لأن هذا الحد حق العبد من ~~وجه، وحق العبد بعد ما ثبت لا يحتمل السقوط بالرجوع كالقصاص وغيره، ومنها ~~تصديق المقذوف والقاذف في القذف؛ لأنه لما صدقه فقد ظهر صدقه في القذف، ومن ~~المحال أن يحد الصادق على الصدق؛ ولأن حد القذف إنما وجب؛ لدفع عار الزنا ~~وشينه عن المقذوف، ولما صدقه في القذف فقد التزم العار بنفسه، فلا يندفع ~~عنه بالحد فيسقط ضرورة، ومنها تكذيب المقذوف المقر في ms4101 إقراره بالقذف بأن ~~يقول له: إنك لم تقذفني بالزنا؛ لأنه لما كذبه في القذف فقد كذب نفسه في ~~الدعوى، والدعوى شرط ظهور هذا الحد. # (ومنها) تكذيب المقذوف حجته على القذف - وهي البينة - بأن يقول بعد ~~القضاء بالحد قبل الإمضاء: شهودي شهدوا بزور؛ لأنه يحتمل أن يكون صادقا في ~~التكذيب فثبت الشبهة، ولا يجوز استيفاء الحد مع الشبهة. # (ومنها) تكذيب المزني بها المقر بالزنا قبل إقامة الحد عليه بأن قال رجل: ~~زنيت بفلانة فكذبته وأنكرت الزنا، وقالت: لا أعرفك - ويسقط الحد عن الرجل، ~~وهذا قولهما، وقال محمد: لا يسقط، كذا ذكر الكرخي - رحمه الله - الاختلاف، ~~وذكر القاضي في شرحه قول أبي يوسف مع قول محمد. # (وجه) قوله أن زنا الرجل قد ظهر بإقراره، وامتناع الظهور في جانب المرأة ~~لمعنى يخصها وهو إنكارها؛ فلا يمنع الظهور في جانب الرجل، ولهما أن الزنا ~~لا يقوم إلا بالفاعل والمحل، فإذا لم يظهر في جانبها - امتنع الظهور في ~~جانبه، هذا إذا أنكرت ولم تدعي على الرجل حد القذف، فإن ادعت على الرجل حد ~~القذف - يحد حد القذف ويسقط حد الزنا؛ لأنه لا يجب عليه حدان، هذا إذا ~~كذبته ولم تدعي النكاح. # (فأما) إذا ادعت النكاح والمهر قبل إقامة الحد عليه - يسقط الحد عن الرجل ~~بالإجماع؛ لأنه لم يجب عليها للشبهة؛ لاحتمال أن تكون صادقة في دعوى النكاح ~~فتمكنت الشبهة في وجوب الحد عليها، وإذا لم يجب عليها الحد - تعدى إلى جانب ~~الرجل فسقط عنه وعليه المهر؛ لأن الوطء لا يخلو عن عقوبة أو غرامة، وإن كان ~~دعوى النكاح منها بعد إقامة الحد على الرجل - لا مهر لها عليه؛ لأن الوجوب ~~في الفصل الأول لضرورة إقامة الحد ولم توجد، وعلى هذا إذا أقرت المرأة # PageV07P061 # بالزنا مع فلان، فأنكر الرجل وكذبها أو ادعى النكاح على الاتفاق ~~والاختلاف، ولو أقر الرجل بالزنا بفلانة فادعت المرأة الاستكراه - يحد ~~الرجل بالاتفاق، فرق بين هذا وبين الأول. # (ووجه) الفرق أن المرأة في الفصل الأول أنكرت وجود الزنا فلم يثبت الزنا ~~من ms4102 جانبها؛ فتعدى إلى جانب الآخر، وههنا أقرت بالزنا لكنها ادعت الشبهة ~~لمعنى يخصها - وهو كونها مكرهة - فلا يتعدى إلى جانب الرجل، والدليل على ~~التفرقة بينهما أنا لو تيقنا بالإكراه - يقام الحد على الرجل بالإجماع، ولو ~~تيقنا بالنكاح في الفصل الأول - لا يقام الحد على الرجل، والله - تعالى - ~~أعلم. # (ومنها) رجوع الشهود بعد القضاء قبل الإمضاء؛ لأن رجوعهم يحتمل الصدق ~~والكذب فيورث شبهة، والحدود لا تستوفى مع الشبهات، وقد ذكرنا الأحكام ~~المتعلقة برجوع الشهود في باب الحدود كلهم أو بعضهم قبل القضاء أو بعده، ~~قبل الإمضاء أو بعد الإمضاء، بما فيه من الاتفاق والاختلاف في كتاب الرجوع ~~عن الشهادات. # (ومنها) بطلان أهلية شهادتهم بعد القضاء قبل الإمضاء بالفسق والردة ~~والجنون والعمى والخرس وحد القذف؛ لما ذكرنا فيما تقدم. # (ومنها) موتهم في حد الرجم خاصة في ظاهر الرواية؛ لما ذكرنا أن البداية ~~بالشهود شرط جواز الإقامة، وقد فات بالموت على وجه لا يتصور عوده فسقط الحد ~~ضرورة. # (وأما) اعتراض ملك النكاح أو ملك اليمين فهل يسقط الحد بأن زنى بامرأة، ~~ثم تزوجها أو بجارية، ثم اشتراها؟ عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - فيه ثلاث ~~روايات، روى محمد - رحمه الله - عنه أنه لا يسقط، وهو قول أبي يوسف ومحمد، ~~وروى أبو يوسف عنه أنه يسقط، وروى الحسن عنه أن اعتراض الشراء يسقط، ~~واعتراض النكاح لا يسقط. # (وجه) رواية الحسن أن البضع لا يصير مملوكا للزوج بالنكاح، بدليل أنها ~~إذا وطئت بشبهة - كان العقر لها، والعقر بدل البضع، والبدل إنما يكون لمن ~~كان له المبدل، فلم يحصل استيفاء منافع البضع من محل مملوك له، فلا يورث ~~شبهة، وبضع الأمة يصير مملوكا للمولى بالشراء، ألا ترى أنها لو وطئت بشبهة ~~كان العقر للمولى فحصل الاستيفاء من محل مملوك له؛ فيورث شبهة فصار كالسارق ~~إذا ملك المسروق بعد القضاء قبل الإمضاء. # (وجه) رواية أبي يوسف أن المرأة تصير مملوكة للزوج بالنكاح في حق ~~الاستمتاع فحصل الاستيفاء من محل مملوك؛ فيصير شبهة كالسارق إذا ملك ~~المسروق. # (وجه) ms4103 رواية محمد - رحمه الله - أن الوطء حصل زنا محضا؛ لمصادفته محلا ~~غير مملوك له فحصل موجبا للحد والعارض - وهو الملك - لا يصلح مسقطا؛ ~~لاقتصاره على حالة ثبوته؛ لأنه يثبت بالنكاح والشراء، وكل واحد منهما وجد ~~للحال فلا يستند الملك الثابت به إلى وقت وجود الوطء، فبقي الوطء خاليا عن ~~الملك، فبقي زنا محضا موجبا للحد، بخلاف السارق إذا ملك المسروق؛ لأن هناك ~~وجد المسقط وهو بطلان ولاية الخصومة؛ لأن الخصومة هناك شرط، وقد خرج ~~المسروق منه من أن يكون خصما بملك المسروق، ولذلك افترقا، والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # ولو غصب جارية فزنى بها فماتت؛ روى أبو يوسف عن أبي حنيفة - رضي الله ~~عنهما - أن عليه الحد وقيمة الجارية، وروى الحسن عنهما أن عليه القيمة ولا ~~حد عليه، وذكر الكرخي أن هذا أصح الروايتين. # (وجه) رواية أبي يوسف أن الضمان لا يجب إلا بعد هلاك الجارية، وهي بعد ~~الهلاك لا تحتمل الملك فلا يملكها الغاصب بالضمان فلا يمتنع وجوب الحد. # (وجه) رواية الحسن أن الضمان لا يجب بعد الهلاك وإنما يجب في آخر جزء من ~~أجزاء الحياة، وهي محتملة للملك في ذلك الوقت فيستند إلى وقت وجود السبب؛ ~~ولأن حياة المحل تشترط؛ لثبوت الملك فيه مقصودا بمبادلة مقصودة، والملك ~~ههنا يثبت ضرورة استحالة اجتماع البدل والمبدل في ملك رجل واحد في عقد ~~المبادلة، فلا يشترط له حياة المحل فيثبت الملك في الميت، وأنه يمنع وجوب ~~الحد ولو غصب حرة فزنى بها فماتت - فعليه الحد والدية؛ لأن ملك الضمان في ~~الحرة لا يوجب ملك المضمون؛ لأن المحل لا يحتمل التملك فلا يمتنع وجوب ~~الحد، بخلاف الأمة، والله - عز وجل - أعلم. ### | [فصل في بيان حكم الحدود إذا اجتمعت] # (فصل) : # وأما حكم الحدود إذا اجتمعت، فالأصل في أسباب الحدود إذا اجتمعت أن يقدم ~~حق العبد في الاستيفاء على حق الله - عز وجل؛ لحاجة العبد إلى الانتفاع ~~بحقه، وتعالى الله - تعالى - عن الحاجات، ثم ينظر إن لم يمكن استيفاء حقوق ~~الله - تعالى - تسقط ضرورة، وإن ms4104 أمكن استيفاؤها فإن كان في إقامة شيء منها ~~إسقاط البواقي - يقام ذلك درءا للبواقي # PageV07P062 # لقوله - عليه الصلاة والسلام -: «ادرءوا الحدود ما استطعتم» وإن لم يكن ~~في إقامة شيء منها إسقاط البواقي - يقام الكل جمعا بين الحقين في ~~الاستيفاء، وإذا ثبت هذا - فنقول: إذا اجتمع القذف والشرب والسكر والزنا من ~~غير إحصان - والسرقة - بأن قذف إنسانا بالزنا، وشرب الخمر وسكر من غير ~~الخمر من الأشربة المعهودة، وزنى وهو غير محصن، وسرق مال إنسان، ثم أتي به ~~إلى الإمام؛ بدأ الإمام بحد القذف فيضربه؛ لأنه حق الله - عز شأنه - من ~~وجه، وما سواه حقوق العباد على الخلوص فيقدم استيفاؤه، ثم يستوفي حقوق الله ~~- تعالى؛ لأنه يمكن استيفاؤها. # وليس في إقامة شيء منها إسقاط البواقي فلا يسقط، ثم إذا ضرب حد القذف - ~~يحبس حتى يبرأ من الضرب، ثم الإمام بالخيار في البداية إن شاء بدأ بحد ~~الزنا، وإن شاء بحد السرقة، ويؤخر حد الشرب عنهما؛ لأنهما ثبتا بنص الكتاب ~~العزيز، وحد الشرب لم يثبت بنص الكتاب الكريم، إنما ثبت بإجماع مبني على ~~الاجتهاد أو على خبر الواحد، ولا شك أن الثابت بنص الكتاب آكد ثبوتا، ولا ~~يجمع ذلك كله في وقت واحد، بل يقام كل واحد منهما بعد ما برأ من الأول؛ لأن ~~الجمع بين الكل في وقت واحد يفضي إلى الهلاك. # ولو كان من جملة هذه الحدود حد الرجم، بأن زنى وهو محصن - يبدأ بحد ~~القذف، ويضمن السرقة، ويرجم، ويدرأ عنه ما سوى ذلك؛ لأن حد القذف حق العبد ~~فيقدم في الاستيفاء، وفي إقامة حد الرجم إسقاط البواقي فيقام درءا للبواقي؛ ~~لأن الحدود واجبة الدرء ما أمكن؛ فيدرأ، إلا أنه يضمن السرقة؛ لأن المال لا ~~يحتمل الدرء، وكذا لو كان مع هذه الحدود قصاص في النفس - يبدأ بحد القذف ~~ويضمن السرقة ويقتل قصاصا، ويدرأ ما سوى ذلك وإنما بدئ بحد القذف دون ~~القصاص الذي هو خالص حق العبد؛ لأن في البداية بالقصاص إسقاط حد القذف ولا ~~سبيل إليه؛ لذلك يبدأ بحد القذف ms4105 ويقتل قصاصا ويبطل ما سوى ذلك؛ لتعذر ~~الاستيفاء بعد القتل، إلا أنه يضمن السرقة؛ لما قلنا. # ولو كان مع القصاص في النفس قصاص فيما دون النفس - يحد حد القذف، ويقتص ~~فيما دون النفس، ويقتص في النفس، ويلغى ما سوى ذلك، ولو لم يكن في الحدود ~~حد القذف ويقتص فيما دون النفس، ثم يقتص في النفس، ويلغى ما سوى ذلك، ولو ~~اجتمعت الحدود الخالصة والقتل يقتص ويلغى ما سوى ذلك؛ لأن تقديم القصاص على ~~الحدود في الاستيفاء واجب، ومتى قدم استيفاؤه تعذر استيفاء الحدود؛ فتسقط ~~ضرورة، والله - تعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان حكم المحدود] # (فصل) : # وأما حكم المحدود فالحد إن كان رجما فإذا قتل - يدفع إلى أهله فيصنعون به ~~ما يصنع بسائر الموتى، فيغسلونه ويكفنونه ويصلون عليه ويدفنونه، بهذا «أمر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رجم ماعزا فقال - عليه الصلاة ~~والسلام -: اصنعوا به ما تصنعون بموتاكم» ، وإن كان جلدا فحكم المحدود ~~وغيره سواء في سائر الأحكام من الشهادة وغيرها، إلا المحدود في القذف خاصة ~~في أداء الشهادة، فإنه تبطل شهادته على التأبيد، حتى لا تقبل، وإن تاب إلا ~~في الديانات عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - تقبل شهادته بعد التوبة - ~~وقد ذكرنا المسألة وفروعها في كتاب الشهادات - والله الموفق. ### | [فصل في التعزير] ### | [بيان سبب وجوب التعزير] # (فصل) : # وأما التعزير فالكلام فيه في مواضع في بيان سبب وجوب التعزير، وفي بيان ~~شرط وجوبه، وفي بيان قدره، وفي بيان وصفه، وفي بيان ما يظهر به. # (أما) سبب وجوبه فارتكاب جناية ليس لها حد مقدر في الشرع، سواء كانت ~~الجناية على حق الله - تعالى - كترك الصلاة والصوم ونحو ذلك، أو على حق ~~العبد بأن آذى مسلما بغير حق بفعل أو بقول يحتمل الصدق والكذب بأن قال له: ~~يا خبيث، يا فاسق، يا سارق، يا فاجر، يا كافر، يا آكل الربا، يا شارب ~~الخمر، ونحو ذلك، فإن قال له: يا كلب، يا خنزير، يا حمار يا ثور، ونحو ذلك ~~- لا يجب عليه التعزير؛ لأن ms4106 في النوع الأول إنما وجب التعزير؛ لأنه ألحق ~~العار بالمقذوف، إذ الناس بين مصدق ومكذب فعزر؛ دفعا للعار عنه، والقاذف في ~~النوع الثاني ألحق العار بنفسه بقذفه غيره بما لا يتصور؛ فيرجع عار الكذب ~~إليه لا إلى المقذوف. ### | [فصل في شرط وجوب التعزير] # (فصل) : # وأما شرط وجوبه فالعقل فقط؛ فيعزر كل عاقل ارتكب جناية ليس لها حد مقدر، ~~سواء كان حرا أو عبدا، ذكرا أو أنثى، مسلما أو كافرا، بالغا أو صبيا، بعد ~~أن يكون عاقلا؛ لأن هؤلاء من أهل العقوبة، إلا الصبي العاقل فإنه # PageV07P063 # يعزر تأديبا لا عقوبة؛ لأنه من أهل التأديب، ألا ترى إلى ما روي عنه - ~~عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «مروا صبيانكم بالصلاة؛ إذا بلغوا سبعا ~~واضربوهم عليها؛ إذا بلغوا عشرا» وذلك بطريق التأديب والتهذيب لا بطريق ~~العقوبة؛ لأنها تستدعي الجناية، وفعل الصبي لا يوصف بكونه جناية، بخلاف ~~المجنون والصبي الذي لا يعقل؛ لأنهما ليسا من أهل العقوبة ولا من أهل ~~التأديب. ### | [فصل في قدر التعزير] # (فصل) : # وأما قدر التعزير فإنه إن وجب بجناية ليس من جنسها ما يوجب الحد، كما إذا ~~قال لغيره: يا فاسق، يا خبيث، يا سارق، ونحو ذلك - فالإمام فيه بالخيار إن ~~شاء عزره بالضرب، وإن شاء بالحبس، وإن شاء بالكهر والاستخفاف بالكلام، وعلى ~~هذا يحمل قول سيدنا عمر - رضي الله عنه - لعبادة بن الصامت: يا أحمق # أن ذلك كان على سبيل التعزير منه إياه، لا على سبيل الشتم، إذ لا يظن ذلك ~~من مثل سيدنا عمر - رضي الله عنه - لا بأحد فضلا عن الصحابي، ومن مشايخنا ~~من رتب التعزير على مراتب الناس، فقال: التعازير على أربعة مراتب: تعزير ~~الأشراف، وهم الدهاقون والقواد، وتعزير أشراف الأشراف وهم العلوية ~~والفقهاء، وتعزير الأوساط: وهم السوقة، وتعزير الأخساء: وهم السفلة. # فتعزير أشراف الأشراف بالإعلام المجرد، وهو أن يبعث القاضي أمينه إليه ~~فيقول له: بلغني أنك تفعل كذا وكذا، وتعزير الأشراف بالإعلام والجر إلى باب ~~القاضي والخطاب بالمواجهة، وتعزير الأوساط بالإعلام والجر والحبس، وتعزير ~~السفلة بالإعلام ms4107 والجر والضرب والحبس؛ لأن المقصود من التعزير هو الزجر، ~~وأحوال الناس في الانزجار على هذه المراتب، وإن وجب بجناية في جنسها الحد ~~لكنه لم يجب؛ لفقد شرطه كما إذا قال لصبي أو مجنون: يا زاني، أو لذمية أو ~~أم ولد: يا زانية، فالتعزير فيه بالضرب ويبلغ أقصى غاياته، وذلك تسعة ~~وثلاثون في قول أبي حنيفة - عليه الرحمة، وعند أبي يوسف خمسة وسبعون وفي ~~رواية النوادر عنه تسعة وسبعون، وقول محمد عليه الرحمة مضطرب ذكره الفقيه ~~أبو الليث - رحمه الله - والحاصل أنه لا خلاف بين أصحابنا - رضي الله عنهم ~~- أنه لا يبلغ التعزير الحد؛ لما روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ~~«من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين» إلا أن أبا يوسف - رحمه الله - صرف ~~الحد المذكور في الحديث على الأحرار. # وزعم أنه الحد الكامل لا حد المماليك؛ لأن ذلك بعض الحد وليس بحد كامل، ~~ومطلق الاسم ينصرف إلى الكامل في كل باب؛ ولأن الأحرار هم المقصودون في ~~الخطاب، وغيرهم ملحق بهم فيه، ثم قال في رواية ينقص منها سوط، وهو الأقيس؛ ~~لأن ترك التبليغ يحصل به، وفي رواية قال: ينتقص منها خمسة. # وروي ذلك أثرا عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال: يعزر خمسة وسبعين ~~قال أبو يوسف - رحمه الله - فقلدته في نقصان الخمسة واعتبرت عنه أدنى ~~الحدود. # وروي عنه أنه قال: أخذت كل نوع من بابه، وأخذت التعزير في اللمس والقبلة ~~من حد الزنا، والقذف بغير الزنا من حد القذف؛ ليكون إلحاق كل نوع ببابه، ~~وأبو حنيفة صرفه إلى حد المماليك وهو أربعون؛ لأنه ذكر حدا منكرا فيتناول ~~حدا ما، وأربعون حد كامل في المماليك فينصرف إليه؛ ولأن في الحمل على هذا ~~الحد أخذا بالثقة والاحتياط؛ لأن اسم الحد يقع على النوعين، فلو حملناه على ~~ما قاله أبو حنيفة يقع الأمن عن وعيد التبليغ؛ لأنه لا يبلغ، ولو حملناه ~~على ما قاله أبو يوسف - لا يقع الأمن عنه؛ لاحتمال أنه أراد به حد المماليك ~~فيصير ms4108 مبلغا غير الحد - الحد؛ فيلحقه الوعيد فكان الاحتياط فيما قاله أبو ~~حنيفة - رحمه الله - والله تعالى الموفق. ### | [فصل في صفة التعزير] # (فصل) : # وأما صفته فله صفات منها: أنه أشد الضرب، واختلف المشايخ في المراد ~~بالشدة المذكورة قال بعضهم: أريد بها الشدة من حيث الجمع، وهي أن يجمع ~~الضربات فيه على عضو واحد ولا يفرق بخلاف الحدود، وقال بعضهم: المراد منها ~~الشدة في نفس الضرب وهو الإيلام، ثم إنما كان أشد الضرب لوجهين: أحدهما - ~~أنه شرع للزجر المحض ليس فيه معنى تكفير الذنب، بخلاف الحدود فإن معنى ~~الزجر فيها يشوبه معنى التكفير للذنب، قال «- عليه الصلاة والسلام -: ~~الحدود كفارات لأهلها» فإذا تمحض التعزير للزجر - فلا شك أن الأشد أزجر ~~فكان في تحصيل ما شرع له أبلغ. # والثاني - أنه قد نقص عن عدد الضربات فيه فلو لم يشدد في الضرب - لا يحصل ~~المقصود منه وهو الزجر، ومنها: أنه يحتمل العفو # PageV07P064 # والصلح والإبراء؛ لأنه حق العبد خالصا، فتجري فيه هذه الأحكام، كما تجري ~~في سائر الحقوق للعباد من القصاص وغيره بخلاف الحدود، ومنها: أنه يورث ~~كالقصاص وغيره؛ لما قلنا، ومنها: أنه لا يتداخل؛ لأن حقوق العبد لا تحتمل ~~التداخل - بخلاف الحدود - ويؤخذ فيه الكفيل إلا أنه لا يحبس؛ لتعديل ~~الشهود، أما التكفيل؛ فلأن التكفيل للتوثيق، والتعزير حق للعبد فكان ~~التوثيق ملائما له بخلاف الحدود على أصل أبي حنيفة - رحمه الله - وأما عدم ~~الحبس؛ فلأن الحبس يصلح تعزيرا في نفسه فلا يكون مشروعا قبل تعديل الشهود، ~~بخلاف الحدود أنه يحبس فيها لتعديل الشهود؛ لأن الحبس لا يصلح حدا، والله - ~~تعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان ما يظهر به التعزير] # (فصل) : # وأما بيان ما يظهر به فنقول: إنه يظهر به سائر حقوق العباد من الإقرار ~~والبينة والنكول وعلم القاضي، ويقبل فيه شهادة النساء مع الرجال، والشهادة ~~على الشهادة، وكتاب القاضي إلى القاضي، كما في سائر حقوق العباد، وروى ~~الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله - لا يقبل فيه شهادة النساء، والصحيح هو ~~الأول؛ لأنه حق العبد على ms4109 الخلوص فيظهر بما يظهر به حقوق العباد، ولا يعمل ~~فيه الرجوع كما لا يعمل في القصاص وغيره، بخلاف الحدود الخالصة لله تعالى، ~~والله تعالى - عز شأنه - أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ### | [كتاب السرقة] ### | [فصل في ركن السرقة] # (كتاب السرقة) # يحتاج لمعرفة مسائل السرقة إلى معرفة ركن السرقة، وإلى معرفة شرائط ~~الركن، وإلى معرفة ما يظهر به السرقة عند القاضي، وإلى معرفة حكم السرقة. # (فصل) : # أما ركن السرقة فهو الأخذ على سبيل الاستخفاء قال الله تبارك وتعالى {إلا ~~من استرق السمع} [الحجر: 18] سمى سبحانه وتعالى أخذ المسموع على وجه ~~الاستخفاء استراقا؛ ولهذا يسمى الأخذ على سبيل المجاهرة مغالبة أو نهبة، أو ~~خلسة، أو غصبا، أو انتهابا واختلاسا لا سرقة وروي عن سيدنا علي - رضي الله ~~عنه - أنه سئل عن المختلس، والمنتهب فقال: تلك الدعابة لا شيء فيها. # وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «لا قطع على نباش ولا ~~منتهب ولا خائن» ، ثم الأخذ على وجه الاستخفاء نوعان: مباشرة، وتسبب (أما) ~~المباشرة فهو أن يتولى السارق أخذ المتاع، وإخراجه من الحرز بنفسه حتى لو ~~دخل الحرز، وأخذ متاعا فحمله، أو لم يحمله حتى ظهر عليه وهو في الحرز قبل ~~أن يخرجه فلا قطع عليه؛ لأن الأخذ إثبات اليد، ولا يتم ذلك إلا بالإخراج من ~~الحرز ولم يوجد. # وإن رمى به خارج الحرز، ثم ظهر عليه قبل أن يخرج هو من الحرز فلا قطع ~~عليه؛ لأن يده ليست بثابتة عليه عند الخروج من الحرز، فإن لم يظهر عليه حتى ~~خرج، وأخذ ما كان رمى به خارج الحرز يقطع، وروي عن زفر - رحمه الله -: أنه ~~لا يقطع. # (وجه) قوله: أن الأخذ من الحرز لا يتم إلا بالإخراج منه، والرمي ليس ~~بإخراج، والأخذ من الخارج ليس أخذا من الحرز فلا يكون سرقة. # (ولنا) أن المال في حكم يده ما لم تثبت عليه يد غيره، فقد وجد منه الأخذ ~~والإخراج من الحرز، ولو رمى به إلى صاحب له خارج الحرز فأخذه المرمي إليه ~~فلا ms4110 قطع على واحد منهما: (أما) الخارج؛ فلأنه لم يوجد منه الأخذ من الحرز. # (وأما) الداخل؛ فلأنه لم يوجد منه الإخراج من الحرز لثبوت يد الخارج ~~عليه، ولو ناول صاحبا له مناولة من وراء الجدار ولم يخرج هو: فلا قطع على ~~واحد منهما عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما يقطع الداخل، ولا يقطع ~~الخارج إذا كان الخارج لم يدخل يده إلى الحرز. # (وجه) قولهما: أن الداخل لما ناول صاحبه فقد أقام يد صاحبه مقام يده، ~~فكأنه خرج والمال في يده. # (وجه) قوله على نحو ما ذكرنا في المسألة المتقدمة: أنه لا سبيل إلى إيجاب ~~القطع على الخارج لانعدام فعل السرقة منه، وهو الأخذ من الحرز، ولا سبيل ~~إلى إيجابه على الداخل؛ لانعدام ثبوت يده عليه حالة الخروج من الحرز؛ لثبوت ~~يد صاحبه، بخلاف ما إذا رمى به إلى السكة، ثم خرج وأخذه؛ لأنه لما لم تثبت ~~عليه يد غيره فهو في حكم يده، فكأنه خرج به حقيقة، وإن كان الخارج أدخل يده ~~في الحرز فأخذه من يد الداخل: فلا قطع على واحد منهما في قول أبي حنيفة، ~~وقال # PageV07P065 # أبو يوسف: أقطعهما جميعا. # (أما) عدم وجوب القطع على الداخل على أصل أبي حنيفة - رحمه الله -؛ فلعدم ~~الإخراج من الحرز، يحققه أنه لو أخرج يده، وناول صاحبا له لم يقطع، فعند ~~عدم الإخراج أولى، والوجوب عليه على أصل أبي يوسف - رحمه الله - لما ذكرنا ~~في المسألة المتقدمة. # (وأما) الكلام في الخارج فمبني على مسألة أخرى، وهي أن السارق إذا نقب ~~منزلا، وأدخل يده فيه، وأخرج المتاع، ولم يدخل فيه هل يقطع؟ ذكر في الأصل، ~~وفي الجامع الصغير: أنه لا يقطع، ولم يحك خلافا، وقال أبو يوسف في الإملاء: ~~" أقطع ولا أبالي دخل الحرز، أو لم يدخل "، وعلى هذا الخلاف إذا نقب ودخل، ~~وجمع المتاع عند النقب، ثم خرج، وأدخل يده فرفع. # (وجه) قوله أن الركن في السرقة هو الأخذ من الحرز، فأما الدخول في الحرز ~~فليس بركن، ألا ترى أنه لو أدخل يده ms4111 في الصندوق، أو في الجوالق، وأخرج ~~المتاع يقطع، وإن لم يوجد الدخول، ولهما ما روي عن سيدنا علي - رضي الله ~~عنه - أنه قال: " إذا كان اللص ظريفا لم يقطع قيل: وكيف يكون ظريفا؟ قال: ~~يدخل يده إلى الدار ويمكنه دخولها "، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر فيكون ~~إجماعا؛ ولأن هتك الحرز على سبيل الكمال شرط؛ لأن به تتكامل الجناية، ولا ~~يتكامل الهتك فيما يتصور فيه الدخول إلا بالدخول، ولم يوجد، بخلاف الأخذ من ~~الصندوق، والجوالق؛ لأن هتكهما بالدخول متعذر، فكان الأخذ بإدخال اليد فيها ~~هتكا متكاملا فيقطع ولو أخرج السارق المتاع من بعض بيوت الدار إلى الساحة: ~~لا يقطع ما لم يخرج من الدار؛ لأن الدار مع اختلاف بيوتها حرز، واحد، ألا ~~ترى أنه إذا قيل لصاحب الدار احفظ هذه الوديعة في هذا البيت فحفظ في بيت ~~آخر فضاعت لم يضمن. # وكذا إذا أذن لإنسان في دخول الدار فدخلها فسرق من البيت لا يقطع، وإن لم ~~يأذن له بدخول البيت دل أن الدار مع اختلاف بيوتها حرز، واحد فلم يكن ~~الإخراج إلى صحن الدار إخراجا من الحرز، بل هو نقل من بعض الحرز إلى البعض ~~بمنزلة النقل من زاوية إلى زاوية أخرى، هذا إذا كانت الدار مع بيوتها لرجل ~~واحد، فأما إذا كان كل منزل فيها لرجل فأخرج المتاع من البيت إلى الساحة ~~يقطع؛ لأن كل بيت حرز على حدة، فكان الإخراج منه إخراجا من الحرز، وكذلك ~~إذا كان في الدار حجر، ومقاصير فسرق من مقصور منها وخرج به إلى صحن الدار ~~قطع؛ لأن كل مقصورة منها حرز على حدة، فكان الإخراج منها إخراجا من الحرز ~~بمنزلة الدار المختلفة في محلة واحدة. # ولو نقب رجلان، ودخل أحدهما فاستخرج المتاع فلما خرج به إلى السكة حملاه ~~جميعا ينظر: إن عرف الداخل منهما بعينه قطع؛ لأنه هو السارق لوجود الأخذ ~~والإخراج منه، ويعزر الخارج؛ لأنه أعانه على المعصية، وهذه معصية ليس فيها ~~حد مقدر فيعزر، وإن لم يعرف الداخل منهما لم يقطع ms4112 واحد منهما؛ لأن من عليه ~~القطع مجهول، ويعزران: أما الخارج فلما ذكرنا. # وأما الداخل فلارتكابه جناية لم يستوف فيها الحد لعذر فتعين التعزير، ولو ~~نقب بيت رجل، ودخل عليه مكابرة ليلا حتى سرق منه متاعه يقطع؛ لأنه إن لم ~~يوجد الأخذ على سبيل الاستخفاء من المالك فقد وجد من الناس؛ لأن الغوث لا ~~يلحق بالليل؛ لكونه وقت نوم، وغفلة فتحققت السرقة والله تعالى أعلم. # وأما التسبب فهو أن يدخل جماعة من اللصوص منزل رجل، ويأخذوا متاعا ~~ويحملوه على ظهر واحد، ويخرجوه من المنزل: فالقياس أن لا يقطع إلا الحامل ~~خاصة، وهو قول زفر، وفي الاستحسان يقطعون جميعا. # (وجه) القياس: أن ركن السرقة لا يتم إلا بالإخراج من الحرز، وذلك وجد منه ~~مباشرة، فأما غيره فمعين له، والحد يجب على المباشر لا على المعين كحد ~~الزنا والشرب. # (وجه) الاستحسان: أن الإخراج حصل من الكل معنى؛ لأن الحامل لا يقدر على ~~الإخراج إلا بإعانة الباقين وترصدهم للدفع، فكان الإخراج من الكل من حيث ~~المعنى. # ولهذا ألحق المعين بالمباشر في قطع الطريق، وفي الغنيمة كذا هذا؛ ولأن ~~الحامل عامل لهم فكأنهم حملوا المتاع على حمار، وساقوه حتى أخرجوه من ~~الحرز؛ ولأن السارق لا يسرق وحده عادة، بل مع أصحابه، ومن عادة السراق أنهم ~~كلهم لا يشتغلون بالجمع والإخراج، بل يرصد البعض، فلو جعل ذلك مانعا من ~~وجوب القطع لانسد باب القطع، وانفتح باب السرقة وهذا لا يجوز؛ ولهذا ألحقت ~~الإعانة بالمباشرة في باب قطع الطريق كذا هذا والله تعالى أعلم. ### | [فصل في شرائط ركن السرقة وبعضها يرجع إلى السارق] # (فصل) : # وأما الشرائط فأنواع: بعضها يرجع إلى السارق، وبعضها يرجع إلى المسروق، ~~وبعضها يرجع إلى المسروق منه # PageV07P066 # وبعضها يرجع إلى المسروق فيه، وهو المكان أما ما يرجع إلى السارق: فأهلية ~~وجوب القطع وهي: العقل، والبلوغ فلا يقطع الصبي، والمجنون؛ لما روي عن ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى ~~يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» ms4113 أخبر - عليه الصلاة ~~والسلام - أن القلم مرفوع عنهما. # وفي إيجاب القطع إجراء القلم عليهما، وهذا خلاف النص؛ ولأن القطع عقوبة ~~فيستدعي جناية، وفعلهما لا يوصف بالجنايات؛ ولهذا لم يجب عليهما سائر ~~الحدود كذا هذا، ويضمنان السرقة؛ لأن الجناية ليست بشرط لوجوب ضمان المال، ~~وإن كان السارق يجن مدة، ويفيق أخرى فإن سرق في حال جنونه لم يقطع، وإن سرق ~~في حال الإفاقة؛ يقطع ولو سرق جماعة فيهم صبي، أو مجنون يدرأ عنهم القطع في ~~قول أبي حنيفة وزفر - رحمهما الله - وقال أبو يوسف - رحمه الله -: " إن كان ~~الصبي، والمجنون هو الذي تولى إخراج المتاع درئ عنهم جميعا، وإن كان وليه ~~غيرهما؛ قطعوا جميعا إلا الصبي والمجنون ". # (وجه) قوله: أن الإخراج من الحرز هو الأصل في السرقة، والإعانة كالتابع ~~فإذا وليه الصبي، أو المجنون؛ فقد أتى بالأصل، فإذا لم يجب القطع بالأصل ~~كيف يجب بالتابع؟ فإذا وليه بالغ عاقل؛ فقد حصل الأصل منه، فسقوطه عن التبع ~~لا يوجب سقوطه عن الأصل. # (وجه) قول أبي حنيفة وزفر - رحمهما الله - أن السرقة واحدة، وقد حصلت ممن ~~يجب عليه القطع، وممن لا يجب عليه القطع فلا يجب القطع على أحد كالعامد مع ~~الخاطئ إذا اشتركا في القطع، أو في القتل، وقوله الإخراج أصل في السرقة ~~مسلم، لكنه حصل من الكل معنى؛ لاتحاد الكل في معنى التعاون على ما بينا ~~فيما تقدم، فكان إخراج غير الصبي، والمجنون كإخراج الصبي والمجنون ضرورة ~~الاتحاد. # على هذا الخلاف إذا كان فيهم ذو رحم محرم؛ لأنه المسروق منه أنه لا قطع ~~على أحد عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف " يدرأ عن ذي الرحم المحرم، ويجب على ~~الأجنبي "، ولا خلاف في أنه إذا كان فيهم شريك المسروق منه أنه لا قطع على ~~أحد، فأما الذكورة فليست بشرط لثبوت الأهلية فتقطع الأنثى؛ لقوله تعالى عز ~~شأنه {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ، وكذلك الحرية ~~فيقطع العبد، والأمة، والمدبر، والمكاتب، وأم الولد؛ لعموم الآية الشريفة، ~~ويستوي الآبق وغيره؛ لما قلنا، وذكر في الموطأ ms4114 أن عبدا لعبد الله ابن سيدنا ~~عمر - رضي الله عنهما - سرق - وهو آبق - فبعث به عبد الله إلى سعيد بن ~~العاص - رضي الله عنه - ليقطع يده فأبى سعيد أن يقطع يده وقال: " لا نقطع ~~يد الآبق إذا سرق " فقال عبد الله: في أيما كتاب الله عز شأنه وجدت هذا: أن ~~العبد الآبق إذا سرق لا تقطع يده، فأمر به عبد الله - رضي الله عنه - فقطعت ~~يده؛ ولأن الذكورة، والحرية ليست من شرائط سائر الحدود، فكذا هذا الحد، ~~وكذا الإسلام ليس بشرط فيقطع المسلم، والكافر لعموم آية السرقة. ### | [فصل في الشرط الذي يرجع إلى المسروق] # (فصل) : # وأما ما يرجع إلى المسروق فأنواع: (منها) أن يكون مالا مطلقا لا قصور في ~~ماليته، ولا شبهة، وهو أن يكون مما يتموله الناس، ويعدونه مالا؛ لأن ذلك ~~يشعر بعزته، وخطره عندهم، وما لا يتمولونه فهو تافه حقير، قد روي عن - ~~سيدتنا - عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «لم تكن اليد تقطع على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشيء التافه» ، وهذا منها بيان شرع ~~متقرر؛ ولأن التفاهة تخل في الحرز؛ لأن التافه لا يحرز عادة، أو لا يحرز ~~إحراز الخطر، والحرز المطلق شرط على ما نذكر. # وكذا تخل في الركن، وهو الأخذ على سبيل الاستخفاء؛ لأن أخذ التافه مما لا ~~يستخفي منه فيتمكن الخلل والشبهة في الركن، والشبهة في باب الحدود ملحقة ~~بالحقيقة ويخرج على هذا مسائل: إذا سرق صبيا حرا لا يقطع؛ لأن الحر ليس ~~بمال، ولو سرق صبيا عبدا لا يتكلم، ولا يعقل يقطع في قول أبي حنيفة. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله -: لا يقطع (ووجهه) : أن العبد ليس بمال ~~محض، بل هو مال من وجه، آدمي من وجه، فكان محل السرقة من وجه دون وجه؛ فلا ~~تثبت المحلية بالشك فلا يقطع كالصبي العاقل. # (ولنا) أنه مال من كل وجه؛ لوجود معنى المالية فيه على الكمال، ولا يد له ~~على نفسه فيتحقق ركن السرقة - كالبهيمة - وكونه آدميا لا ينفي كونه ms4115 مالا، ~~فهو آدمي من كل وجه، ومال من كل وجه؛ لعدم التنافي فيتعلق القطع بسرقته من ~~حيث إنه مال، لا من حيث إنه آدمي، بخلاف العاقل؛ لأنه وإن كان مالا من كل ~~وجه لكنه في يد نفسه، فلا يتصور ثبوت يد غيره عليه؛ للتنافي فلا يتحقق فيه ~~ركن السرقة: وهو الأخذ، ولو سرق ميتة، أو جلد ميتة لم يقطع؛ لانعدام المال # PageV07P067 # ولا يقطع في التبن، والحشيش، والقصب، والحطب؛ لأن الناس لا يتمولون هذه ~~الأشياء. # ولا يظنون بها؛ لعدم عزتها، وقلة خطرها عندهم، بل يعدون الظنة بها من باب ~~الخساسة، فكانت تافهة، ولا قطع في التراب، والطين، والجص، واللبن، والنورة، ~~والآجر، والفخار، والزجاج؛ لتفاهتها فرق بين التراب، وبين الخشب، حيث سوى ~~في التراب بين المعمول منه وغير المعمول، وفرق في الخشب؛ لأن الصنعة في ~~الخشب أخرجته عن حد التفاهة، والصنعة في التراب لم تخرجه عن كونه تافها، ~~يعرف ذلك بالرجوع إلى عرف الناس وعاداتهم، ومن أصحابنا من فصل في الجواب في ~~الزجاج بين المعمول، وغير المعمول، كما في الخشب، ومنهم من سوى بينهما، وهو ~~الصحيح؛ لأن الزجاج بالعمل لم يخرج عن حد التفاهة؛ لأنه يتسارع إليه الكسر، ~~بخلاف الخشب. # ولا يقطع في الخشب إلا إذا كان معمولا بأن صنع منه أبوابا، أو آنية، ونحو ~~ذلك ما خلا الساج، والقنا، والأبنوس، والصندل؛ لأن غير المصنوع من الخشب لا ~~يتمول عادة، فكان تافها، وبالصنعة يخرج عن التفاهة فيتمول. # وأما الساج، والأبنوس، والصندل فأموال لها عزة وخطر عند الناس فكانت ~~أموالا مطلقة. # (وأما) العاج فقد ذكر محمد: أنه لا يقطع إلا في المعمول منه، وقيل هذا ~~الجواب في العاج الذي هو من عظم الجمل، فلا يقطع إلا في المعمول منه؛ لأنه ~~لا يتمول لتفاهته، ويقطع في المعمول؛ لخروجه عن حد التفاهة بالصنعة - ~~كالخشب المعمول - فأما ما هو من عظم الفيل فلا يقطع فيه أصلا سواء كان ~~معمولا، أو غير معمول؛ لأن الفقهاء اختلفوا في ماليته. # حتى حرم بعضهم بيعه، والانتفاع به، فأوجب ذلك قصورا ms4116 في المالية، ولا قطع ~~في قصب النشاب، فإن كان اتخذ منه نشابا قطع؛ لما قلنا في الخشب، ولا قطع في ~~القرون معمولة كانت، أو غير معمولة، وقال أبو يوسف: " إن كانت معمولة وهي ~~تساوي عشرة دراهم قطع " قيل إن اختلاف الجواب لاختلاف الموضوع، فموضوع ~~المسألة على قول أبي حنيفة - رحمه الله -: في قرون الميتة؛ لأنها ليست بمال ~~مطلق لاختلاف الفقهاء في ماليتها، وجواب أبي يوسف - رحمه الله -: في قرون ~~المذكى فلم يوجب القطع في غير المعمول منها؛ لأنها من أجزاء الحيوان، وأوجب ~~في المعمول كما في الخشب المعمول، وعن محمد في جلود السباع المدبوغة: أنه ~~لا قطع فيها فإن جعلت مصلاة، أو بساطا قطع؛ لأن غير المعمول منها من أجزاء ~~الصيد ولا قطع في الصيد فكذا في أجزائه، وبالصنعة صارت شيئا آخر فأشبه ~~الخشب المصنوع. # وهذا يدل على أن محمدا لم يعتد، بخلاف من يقول من الفقهاء: إن جلود ~~السباع لا تطهر بالزكاة، ولا بالدباغ، ولا قطع في البواري؛ لأنها تافهة ~~لتفاهة أصلها وهو القصب، ولا قطع في سرقة كلب، ولا فهد، ولا في سرقة ~~الملاهي: من الطبل، والدف، والمزمار ونحوها؛ لأن هذه الأشياء مما لا يتمول، ~~أو في ماليتها قصور، ألا ترى أنه لا ضمان على كاسر الملاهي عند أبي يوسف، ~~ومحمد، ولا على قاتل الكلب، والفهد عند بعض الفقهاء. # ولو سرق مصحفا، أو صحيفة فيها حديث، أو عربية، أو شعر فلا قطع وقال أبو ~~يوسف: يقطع إذا كان يساوي عشرة دراهم؛ لأن الناس يدخرونها ويعدونها من ~~نفائس الأموال. # (ولنا) أن المصحف الكريم يدخر لا للتمول، بل للقراءة، والوقوف على ما ~~يتعلق به مصلحة الدين والدنيا والعمل به، وكذلك صحيفة الحديث، وصحيفة ~~العربية، والشعر يقصد بها معرفة الأمثال والحكم لا التمول. # (وأما) دفاتر الحساب ففيها القطع إذا بلغت قيمتها نصابا؛ لأن ما فيها لا ~~يصلح مقصودا بالأخذ، فكان المقصود هو قدر البياض من الكاغد، وكذلك الدفاتر ~~البيض إذا بلغت نصابا؛ لما قلنا، على هذا يخرج ما قال أبو حنيفة ms4117 ومحمد - ~~رحمهما الله -: " إن كل ما يوجد جنسه تافها مباحا في دار الإسلام فلا قطع ~~فيه؛ لأن كل ما كان كذلك فلا عز له، ولا خطر فلا يتمول الناس، فكان تافها ~~"، والاعتماد على معنى التفاهة دون الإباحة؛ لما نذكر - إن شاء الله تعالى ~~-، وعن أبي حنيفة أنه لا قطع في عفص، ولا إهليلج، ولا أشنان ولا فحم؛ لأن ~~هذه الأشياء مباحة الجنس في دار الإسلام. # وهي تافهة، وروي عن أبي يوسف أنه لا يقطع في العفص، والإهليلج، والأدوية ~~اليابسة، ولا قطع في طير ولا صيد وحشيا كان، أو غيره؛ لأن الطير لا يتمول ~~عادة، قد روي عن - سيدنا - عثمان، وسيدنا - علي - رضي الله عنهما - أنهما ~~قالا: " لا قطع في الطير " ولم ينقل عن غيرهما خلاف ذلك، فيكون إجماعا، ~~وكذلك ما علم من الجوارح فصار صيودا فلا قطع على سراقه؛ لأنه - وإن علم - ~~فلا يعد مالا وعلى هذا يخرج # PageV07P068 # النباش أنه لا يقطع فيما أخذ من القبور في قولهما وقال أبو يوسف: يقطع. # (وجه) قوله أنه أخذ مالا من حرز مثله فيقطع، كما لو أخذ من البيت، ولهما ~~أن الكفن ليس بمال؛ لأنه لا يتمول بحال؛ لأن الطباع السليمة تنفر عنه أشد ~~النفار، فكان تافها، ولئن كان مالا ففي ماليته قصور؛ لأنه لا ينتفع به مثل ~~ما ينتفع بلباس الحي، والقصور فوق الشبهة، ثم الشبهة تنفي وجوب الحد، ~~فالقصور أولى، روى الزهري أنه قال: أخذ نباش في زمن مروان بالمدينة فأجمع ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم متوافرون أنه لا يقطع. # وعلى هذا يخرج سرقة ما لا يحتمل الادخار، ولا يبقى من سنة إلى سنة، بل ~~يتسارع إليه الفساد أنه لا قطع فيه؛ لأن ما لا يحتمل الادخار لا يعد مالا، ~~فلا قطع في سرقة الطعام الرطب، والبقول، والفواكه الرطبة في قولهما، وعند ~~أبي يوسف يقطع. # (وجه) قوله أنه مال منتفع به حقيقة، مباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق، ~~فكان مالا، فيقطع كما في سائر الأموال، ولهما أن هذه ms4118 الأشياء مما لا يتمول ~~عادة، وإن كانت صالحة للانتفاع بها في الحال؛ لأنها لا تحتمل الادخار، ~~والإمساك إلى زمان حدوث الحوائج في المستقبل؛ فقل خطرها عند الناس فكانت ~~تافهة. # ولو سرق تمرا من نخل، أو شجر آخر معلقا فيه فلا قطع عليه، وإن كان عليه ~~حائط استوثقوا منه وأحرزوه، أو هناك حائط؛ لأن ما على رأس النخل لا يعد ~~مالا؛ ولأنه ما دام على رأس الشجر لا يستحكم جفافه فيتسارع إليه الفساد، قد ~~روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا قطع في ثمر ولا كثر» قال ~~محمد: الثمر ما كان في الشجر، والكثر الجمار فإن كان قد جذ الثمر، وجعله في ~~الجرين، ثم سرق فإن كان قد استحكم جفافه قطع؛ لأنه صار مالا مطلقا قابلا ~~للادخار، وإليه أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: «لا قطع في ~~ثمر، ولا كثر حتى يؤويه الجرين» فإذا آواه فبلغ ثمن المجن ففيه القطع؛ لأنه ~~لا يؤويه الجرين ما لم يستحكم جفافه عادة. # فإذا استحكم جفافه لا يتسارع إليه الفساد، فكان مالا مطلقا، وكذلك الحنطة ~~إذا كانت في سنبلها فهي بمنزلة الثمر المعلق في الشجر؛ لأن الحنطة ما دامت ~~في السنبل لا تعد مالا، ولا يستحكم جفافها أيضا. # (وأما) الفاكهة اليابسة التي تبقى من سنة إلى سنة فالصحيح من الرواية عن ~~أبي حنيفة - رحمه الله -: أنه يقطع فيما يتمول الناس إياها؛ لقبولها ~~الادخار فانعدم معنى التفاهة المانعة من وجوب القطع. # وروي عنه أنه سوى بين رطب الفاكهة ويابسها، وليست بصحيحة. # ولو سرق من الحائط نخلة بأصلها لا يقطع؛ لأن أصل النخلة مما لا يتمول، ~~فكان تافها، وروينا عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «لا قطع في ~~ثمر ولا كثر» وقيل في تفسير ذلك: إنه النخل الصغار، ويقطع في الحناء، ~~والوسمة؛ لأنه لا يتسارع إليه الفساد فلم يختل معنى المالية، ولا قطع في ~~اللحم الطري، والصفيق؛ لأنه يتسارع إليه الفساد، وكذلك لا قطع في السمك ~~طريا كان، أو مالحا؛ ms4119 لأن الناس لا يعدونه مالا لتفاهته، ولتسارع الفساد إلى ~~الطري منه، ولما أنه يوجد جنسه مباحا في دار الإسلام، ولا قطع في اللبن؛ ~~لأنه يتسارع إليه الفساد، فكان تافها، ويقطع في الخل، والدبس لعدم التفاهة. # ألا ترى أنه لا يتسارع إليهما الفساد، ولا قطع في: عصير العنب، ونقيع ~~الزبيب، ونبيذ التمر؛ لأنه يتسارع إليه الفساد، فكان تافها كاللبن، ولا قطع ~~في الطلاء وهو المثلث؛ لأنه مختلف في إباحته، وفي كونه مالا، فكان قاصرا في ~~معنى المالية، وكذلك المطبوخ أدنى طبخة من نقيع الزبيب، ونبيذ التمر ~~لاختلاف الفقهاء في إباحة شربه. # وأما المطبوخ أدنى طبخة من عصير العنب فلا شك أنه لا قطع فيه؛ لأنه حرام ~~فلم يكن مالا، ويقطع في الذهب، والفضة؛ لأنهما من أعز الأموال، ولا تفاهة ~~فيهما بوجه، وكذلك الجواهر، واللآلئ؛ لما قلنا. # وبهذا تبين أن التعويل في هذا الباب في منع وجوب القطع على معنى التفاهة، ~~وعدم المالية لا على إباحة الجنس؛ لأن ذلك موجود في الذهب، والفضة، ~~والجواهر، واللآلئ، وغيرها، ويقطع في الحبوب كلها، وفي الأدهان، والطيب ~~كالعود، والمسك، وما أشبه ذلك لانعدام معنى التفاهة، ويقطع في الكتان، ~~والصوف، والخز، ونحو ذلك، ويقطع في جميع الأواني من الصفر، والحديد، ~~والنحاس، والرصاص؛ لما قلنا، وكذلك لو سرق النحاس نفسه أو الحديد نفسه، أو ~~الرصاص لعزة هذه الأشياء، وخطرها في أنفسها: كالذهب، والفضة ومنها أن يكون ~~متقوما مطلقا فلا يقطع في سرقة الخمر من مسلم، مسلما كان السارق، أو ذميا؛ ~~لأنه لا قيمة للخمر في حق المسلم. # وكذا الذمي إذا سرق من ذمي خمرا، أو خنزيرا لا يقطع # PageV07P069 # لأنه - وإن كان متقوما عندهم - فليس بمتقوم عندنا، فلم يكن متقوما على ~~الإطلاق، ولا يقطع في المباح الذي ليس بمملوك، وإن كان مالا لانعدام تقومه، ~~والله تعالى أعلم ومنها أن يكون مملوكا في نفسه فلا يقطع في سائر المباحات ~~التي لا يملكها أحد، وإن كانت من نفائس الأموال: من الذهب، والفضة، ~~والجواهر المستخرجة من معادنها لعدم المالك، وعلى هذا أيضا ms4120 يخرج النباش على ~~أصل أبي حنيفة، ومحمد أنه لا يقطع؛ لأن الكفن ليس بمملوك؛ لأنه لا يخلو إما ~~أن يكون على ملك الميت، وإما أن يكون على ملك الورثة، لا سبيل إلى الأول؛ ~~لأن الميت ليس من أهل الملك، ولا، وجه للثاني؛ لأن ملك الوارث مؤخر عن حاجة ~~الميت إلى الكفن كما هو مؤخر عن الدين، والوصية فلم يكن مملوكا أصلا. # ومنها أن لا يكون للسارق فيه ملك، ولا تأويل الملك أو شبهته؛ لأن ~~المملوك، أو ما فيه تأويل الملك، أو الشبهة لا يحتاج فيه إلى مسارقة الأعين ~~فلا يتحقق ركن السرقة، وهو الأخذ على سبيل الاستخفاء، والاستسرار على ~~الإطلاق، ولأن القطع عقوبة السرقة قال الله في آية السرقة {جزاء بما كسبا ~~نكالا من الله} [المائدة: 38] فيستدعي كون الفعل جناية محضة، وأخذ المملوك ~~للسارق لا يقع جناية أصلا فالأخذ بتأويل الملك، أو الشبهة لا يتمحض جناية ~~فلا يوجب القطع إذا عرف هذا فنقول: لا قطع على من سرق ما أعاره من إنسان، ~~أو آجره منه؛ لأن ملك الرقبة قائم، ولا على من سرق رهنه من بيت المرتهن؛ ~~لأن ملك العين له. # وإنما الثابت للمرتهن حق الحبس لا غير ولو كان الرهن في يد العدل فسرقه ~~المرتهن، أو الراهن فلا قطع على واحد منهما، أما الراهن فلما ذكرنا أنه ~~ملكه فلا يجب القطع بأخذه، وإن منع من الأخذ كما لا يجب الحد عليه بوطئه ~~الجارية المرهونة، وإن منع من الوطء (وأما) المرتهن فلأن يد العدل يده من ~~وجه؛ لأن منفعة يده عائدة إليه؛ لأنه يمسكه لحقه فأشبه يد المودع، ولا على ~~من سرق مالا مشتركا بينه، وبين المسروق منه؛ لأن المسروق ملكهما على ~~الشيوع، فكان بعض المأخوذ ملكه فلا يجب القطع بأخذه، فلا يجب بأخذ الباقي؛ ~~لأن السرقة سرقة واحدة، ولا على من سرق من بيت المال الخمس؛ لأن له فيه ~~ملكا، وحقا. # ولو سرق من عبده المأذون فإن لم يكن عليه دين فلا قطع؛ لأن كسبه خالص ملك ~~المولى، وإن ms4121 كان عليه دين يحيط به، وبما في يده لا يقطع أيضا (أما) على ~~أصلهما فظاهر؛ لأن كسبه ملك المولى، وعلى أصل أبي حنيفة - رحمه الله -: إن ~~لم يكن ملكه فله فيه ضرب اختصاص يشبه الملك ألا ترى أنه يملك استخلاصه ~~لنفسه بقضاء دينه من مال آخر، فكان في معنى الملك؛ ولهذا لو كان الكسب ~~جارية لم يجز له أن يتزوجها فيورث شبهة، أو نقول إذا لم يملكه المولى، ولا ~~المأذون يملكه أيضا؛ لأنه عبد مملوك لا يقدر على شيء، والغرماء لا يملكون ~~أيضا فهذا مال مملوك لا مالك، له معين فلا يجب القطع بسرقته، كمال بيت ~~المال، وكمال الغنيمة. # ولو سرق من مكاتبه لم يقطع؛ لأن كسب مكاتبه ملكه من، وجه، أو فيه شبهة ~~الملك له ألا ترى أنه لو كان جارية لا يحل له أن يتزوجها، والملك من وجه، ~~أو شبهة الملك يمنع وجوب القطع مع ما أن هذا ملك موقوف على المكاتب، وعلى ~~مولاه في الحقيقة؛ لأنه إن أدى تبين أنه كان ملك المولى فتبين أنه أخذ مال ~~نفسه، وإن عجز فرد في الرق تبين أنه كان ملك المكاتب، فكان الملك موقوفا ~~للحال فيوجب شبهة، فلا يجب القطع كأحد المتبايعين إذا سرق ما شرط فيه ~~الخيار، ولا قطع على من سرق من، ولده؛ لأن له في مال، ولده تأويل الملك، أو ~~شبهة الملك لقوله - عليه الصلاة والسلام -: «أنت، ومالك لأبيك» فظاهر ~~الإضافة إليه فاللام التمليك يقتضي ثبوت الملك له من كل وجه، إلا أنه لم ~~يثبت لدليل، ولا دليل في الملك من وجه فيثبت، أو يثبت لشبهة الملك، وكل ذلك ~~يمنع وجوب القطع؛ لأنه يورث شبهة في وجوبه. # (وأما) السرقة من سائر ذي الرحم المحرم فلا توجب القطع أيضا لكن لفقد شرط ~~آخر نذكره في موضعه - إن شاء الله تعالى - ولو دخل لص دار رجل فأخذ ثوبا ~~فشقه في الدار نصفين، ثم أخرجه وهو يساوي عشرة دراهم مشقوقا يقطع في ~~قولهما، وقال أبو يوسف - رحمه الله -: " لا يقطع ms4122 " ولو أخذ شاة فذبحها، ثم ~~أخرجها مذبوحة لا يقطع بالإجماع. # (وجه) قوله: أن السارق وجد منه سبب ثبوت الملك قبل الإخراج، وهو الشق؛ ~~لأن ذلك سبب لوجوب الضمان، ووجوب الضمان يوجب ملك المضمون من وقت وجود ~~السبب على أصل أصحابنا، وذلك يمنع وجوب القطع؛ ولهذا لم يقطع إذا كان ~~المسروق شاة فذبحها، ثم أخرجها كذا هذا، ولهما أن السرقة تمت في ملك # PageV07P070 # المسروق منه فيوجب القطع، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الثوب المشقوق لا يزول عن ~~ملكه مادام مختارا للعين، وإنما يزول عند اختيار الضمان، فقبل الاختيار كان ~~الثوب على ملكه فصار سارقا ثوبين قيمتهما عشرة دراهم فيقطع، وهكذا نقول في ~~الشاة: إن السرقة تمت في ملك المسروق منه إلا أنها تمت في اللحم، ولا قطع ~~في اللحم. # وقوله: وجب الضمان عليه بالشق، قلنا قبل الاختيار: ممنوع فإذا اختار ~~تضمين السارق، وسلم الثوب إليه لا يقطع؛ لأنه عند اختيار الضمان ملكه من ~~حين وجود الشق؛ فتبين أنه أخرج ملك نفسه عن الحرز فلا قطع عليه، وحكي عن ~~الفقيه أبي جعفر الهندواني - رحمه الله - أنه قال: موضوع المسألة أنه شق ~~الثوب عرضا، فأما لو شقه طولا فلا قطع؛ لأنه بالشق طولا خرقه خرقا متفاحشا ~~فيملكه بالضمان، وذكر ابن سماعة أن السارق إذا خرق الثوب تخريقا مستهلكا، ~~وقيمته بعد تخريقه عشرة: أنه لا قطع عليه في قول أبي حنيفة، ومحمد - رحمهما ~~الله - وهذا يؤيد قول الفقيه أبي جعفر الهندواني - رحمه الله -؛ لأن ~~التخريق إذا وقع استهلاكا أوجب استقرار الضمان، وذلك يوجب ملك المضمون. # وإذا لم يقع استهلاكا؛ كان وجوب الضمان فيه موقوفا على اختيار المالك، ~~فلا يجب قبل الاختيار، فلا يملك المضمون، - والله تعالى أعلم - وعلى هذا ~~يخرج ما إذا سرق عشرة دراهم من غريم له عليه عشرة أنه لا يقطع؛ لأنه ملك ~~المأخوذ بنفس الأخذ فصار قصاصا بحقه، فلم يبق في حق هذا المال سارقا، فلا ~~يقطع، ولو كان المسروق من خلاف جنس حقه يقطع؛ لأنه لا يملكه بنفس الأخذ، بل ~~بالاستبدال ms4123 والبيع، فكان سارقا ملك غيره فيقطع كالأجنبي إلا إذا قال: أخذته ~~لأجل حقي على ما نذكر، وههنا جنس من المسائل يمكن تخريجها إلى أصل آخر هو ~~أولى بالتخريج عليه، وسنذكره - إن شاء الله تعالى بعد. # منها أن يكون معصوما ليس للسارق فيه حق الأخذ، ولا تأويل الأخذ، ولا شبهة ~~التناول؛ لأن القطع عقوبة محضة فيستدعي جناية محضة، وأخذ غير المعصوم لا ~~يكون جناية أصلا، وما فيه تأويل التناول، أو شبهة التناول لا يكون جناية ~~محضة، فلا تناسبه العقوبة المحضة، ولأن ما ليس بمعصوم يؤخذ مجاهرة لا ~~مخافتة فيتمكن الخلل في ركن السرقة، وإذا عرف هذا فنقول: لا قطع في سائر ~~المباحات التي لا يملكها أحد، ولا في المباح المملوك، وهو مال الحربي في ~~دار الحرب. # (وأما) مال الحربي المستأمن في دار الإسلام فلا قطع فيه استحسانا، ~~والقياس أن يقطع. # (وجه) القياس أنه سرق مالا معصوما؛ لأن الحربي استفاد العصمة بالأمان ~~بمنزلة الذمي؛ ولهذا كان مضمونا بالإتلاف كمال الذمي. # (وجه) الاستحسان: أن هذا مال فيه شبهة الإباحة؛ لأن الحربي المستأمن من ~~أهل دار الحرب، وإنما دخل دار الإسلام ليقضي بعض حوائجه، ثم يعود عن قريب، ~~فكونه من أهل دار الحرب يورث شبهة الإباحة في ماله؛ ولهذا أورث شبهة ~~الإباحة في دمه حتى لا يقتل به المؤمن قصاصا؛ ولأنه كان مباحا، وإنما تثبت ~~العصمة بعارض أمان هو على شرف الزوال، فعند الزوال يظهر أن العصمة لم تكن ~~على الأصل المعهود، إن كل عارض على أصل، إذا زال؛ يلحق بالعدم من الأصل ~~كأنه لم يكن فيجعل كأن العصمة لم تكن ثابتة، بخلاف الذمي؛ لأنه من أهل دار ~~الإسلام، قد استفاد العصمة بأمان مؤبد، فكان معصوم الدم، والمال عصمة مطلقة ~~ليس فيها شبهة الإباحة. # وبخلاف ضمان المال؛ لأن الشبهة لا تمنع وجوب ضمان المال لأنه حق العبد، ~~وحقوق العباد لا تسقط بالشبهات، وكذا لا قطع على الحربي المستأمن في سرقة ~~مال المسلم، أو الذمي عند أبي حنيفة، ومحمد - رحمهما الله - لأنه أخذه على ~~اعتقاده ms4124 الإباحة، ولذا لم يلتزم أحكام الإسلام، وعند أبي يوسف يقطع، ~~والخلاف فيه كالخلاف في حد الزنا، ولا يقطع العادل في سرقة مال الباغي؛ لأن ~~ماله ليس بمعصوم في حقه كنفسه، ولا الباغي في سرقة مال العادل؛ لأنه أخذه ~~عن تأويل، وتأويله. # وإن كان فاسدا، لكن التأويل الفاسد عند انضمام المنعة إليه ملحق بالتأويل ~~الصحيح في منع وجوب القطع؛ ولهذا ألحق به في حق منع وجوب القصاص والحد - ~~والله تعالى أعلم - وعلى هذا تخرج السرقة من الغريم، وجملة الكلام فيه: أن ~~الأمر لا يخلو إما أن كان سرق منه من جنس حقه، وإما إن كان سرق منه خلاف ~~جنس حقه، فإن سرق جنس حقه بأن سرق منه عشرة دراهم، وله عليه عشرة فإن كان ~~دينه عليه حالا - لا يقطع؛ لأن الأخذ مباح له لأنه ظفر بجنس حقه، ومن له ~~الحق إذا ظفر بجنس حقه؛ يباح له أخذه، وإذا أخذه يصير مستوفيا حقه. # وكذلك إذا سرق منه أكثر من مقدار حقه؛ لأن # PageV07P071 # بعض المأخوذ حقه على الشيوع، ولا قطع فيه، فكذا في الباقي - كما إذا سرق ~~مالا مشتركا - وإن كان دينه مؤجلا فالقياس أن يقطع، وفي الاستحسان لا يقطع. # (وجه) القياس أن الدين إذا كان مؤجلا فليس له حق الأخذ قبل حلول الأجل ~~ألا ترى أن للغريم أن يسترده منه فصار كما لو سرقه أجنبي (وجه) الاستحسان: ~~أن حق الأخذ إن لم يثبت قبل حل الأجل؛ فسبب ثبوت حق الأخذ قائم، وهو الدين؛ ~~لأن تأثير التأجيل في تأخير المطالبة لا في سقوط الدين، فقيام سبب ثبوته ~~يورث الشبهة. # وإن سرق خلاف جنس حقه بأن كان عليه دراهم فسرق منه دنانير، أو عروضا قطع، ~~هكذا أطلق الكرخي - رحمه الله - وذكر في كتاب السرقة أنه إذا سرق العروض، ~~ثم قال أخذت لأجل حقي لا يقطع فيحمل مطلق قول الكرخي على المطلق، وهو ما ~~إذا سرق، ولم يقل: أخذت لأجل حقي؛ لأنه إذا لم يقل فقد أخذ مالا ليس له حق ~~أخذه ألا ترى أنه ms4125 لا يصير قصاصا إلا بالاستبدال، والتراضي، ولم يتأول الأخذ ~~أيضا، فكان أخذه بغير حق، ولا شبهة حق، وهذا يدل على أنه لا يعيد، بخلاف ~~قول من يقول من الفقهاء: إن لصاحب الحق إذا ظفر، بخلاف جنس حقه أن يأخذه؛ ~~لأنه قول لم يقل به أحد من السلف فلا يعتبر خلافا مؤذنا للشبهة. # وإذا قال أخذت لأجل حقي فقد أخذه متأولا؛ لأنه اعتبر المعنى، وهي المالية ~~لا الصورة، والأموال كلها في معنى المالية متجانسة، فكان أخذا عن تأويل فلا ~~يقطع ولو أخذ صنفا من الدراهم أجود من حقه، أو أردأ لم يقطع؛ لأن المأخوذ ~~من جنس حقه من حيث الأصل، وإنما خالفه من حيث الوصف ألا ترى أنه لو رضي به ~~يصير مستوفيا حقه، ولا يكون مستبدلا حتى يجوز في الصرف والسلم، مع أن ~~الاستبدال ببدل الصرف، والسلم لا يجوز، وإذا كان المأخوذ من جنس حقه من حيث ~~الأصل تثبت شبهة حق الأخذ فيلحق بالحقيقة في باب الحد كما في الدين المؤجل. # ولو سرق حليا من فضة، وعليه دراهم، أو حليا من ذهب، وعليه دنانير يقطع؛ ~~لأن هذا لا يصير قصاصا من حقه إلا بالمراضاة، ويكون ذلك بيعا، واستبدالا ~~فأشبه العروض، وإن كان السارق قد استهلك العروض، أو الحلي، ووجبت عليه ~~قيمته، وهو مثل الذي عليه من العين فإن هذا يقطع أيضا؛ لأن المقاصد إنما ~~تقع بعد الاستهلاك فلا يوجب سوى القطع ولو سرق مكاتب، أو عبد من غريم مولاه ~~يقطع؛ لأنه ليس له حق قبض دين المولى من غير أمره؛ فصار كالأجنبي حتى لو ~~كان المولى وكله بقبض الدين لا يقطع لثبوت حق القبض له بالوكالة، فصار ~~كصاحب الدين. # ولو سرق من غريم مكاتبه، أو من غريم عبده المأذون فإن لم يكن على العبد ~~دين لم يقطع؛ لأن ذلك ملك مولاه، فكان له حق أخذه، وإن كان عليه دين قطع؛ ~~لأنه ليس له حق القبض؛ فصار كالأجنبي ولو سرق من غريم أبيه، أو ولده يقطع؛ ~~لأنه لا حق له فيه، ms4126 ولا في قبضه، إلا إذا كان غريم ولده الصغير فلا يقطع؛ ~~لأن حق القبض له كما في دين نفسه، والله تعالى أعلم. # وعلى هذا أيضا يخرج سرقة المصحف على أصل أبي حنيفة أنه لا قطع فيه؛ لأن ~~له تأويل الأخذ إذ الناس لا يضنون ببذل المصاحف الشريفة لقراءة القرآن ~~العظيم عادة فأخذه الآخذ متأولا، وكذلك سرقة البربط، والطبل، والمزمار، ~~وجميع آلات الملاهي؛ لأن آخذها يتأول أنه يأخذها لمنع المالك عن المعصية، ~~ونهيه عن المنكر، وذلك مأمور به شرعا، وكذلك سرقة شطرنج ذهب، أو فضة؛ لما ~~قلنا، وكذلك سرقة صليب، أو صنم من فضة من حرز؛ لأنه يتأول أنه أخذه للكسر. # (وأما) الدراهم التي عليها التماثيل فيقطع فيها؛ لأنها لا تعبد عادة فلا ~~تأويل له في الأخذ للمنع من العبادة فيقطع، وعلى هذا يخرج ما إذا قطع سارق ~~في مال، ثم سرقه منه سارق آخر أنه لا يقطع؛ لأن المسروق ليس بمعصوم في حق ~~المسروق منه، ولا متقوم في حقه لسقوط عصمته، وتقومه في حقه بالقطع، ولأن ~~كون يد المسروق منه يدا صحيحة؛ شرط وجوب القطع، ويد السارق ليست يدا صحيحة؛ ~~لما نذكره إن شاء الله تعالى ولو سرق مالا فقطع فيه فرده إلى المالك، ثم ~~عاد فسرقه منه ثانيا فجملة الكلام فيه أن المردود لا يخلو: إما أن كان على ~~حاله لم يتغير، وإما إن أحدث المالك فيه ما يوجب تغيره، فإن كان على حاله ~~لم يقطع استحسانا، والقياس أن يقطع، وهو رواية الحسن عن أبي يوسف، وبه أخذ ~~الشافعي - رحمهم الله -. # (أما) الكلام مع الشافعي - رحمه الله - فمبني على أن العصمة الثابتة ~~للمسروق حقا للعبد قد سقطت عند السرقة الأولى لضرورة وجوب القطع على أصلنا، ~~وعلى أصله لم تسقط، بل بقيت على ما كانت، وسنذكر # PageV07P072 # تقرير هذا الأصل في موضعه إن شاء الله تعالى # (وأما) الكلام مع أبي يوسف (وجه) ما روى أن المحل وإن سقطت قيمته الثابتة ~~حقا للمالكية في السرقة الأولى فقد عادت بالرد إلى المالك، ألا ms4127 ترى أنها ~~عادت في حق الضمان، حتى لو أتلفه السارق يضمن فكذا في حق القطع. # (ولنا) أن العصمة، وإن عادت بالرد لكن مع شبهة العدم؛ لأن السقوط لضرورة ~~وجوب القطع، وأثر القطع قائم بعد الرد فيورث شبهة في العصمة؛ ولأنه سقط ~~تقوم المسروق في حق السارق بالقطع في السرقة الأولى، ألا ترى أنه لو أتلفه ~~لا يضمن. # وأثر القطع بعد الرد قائم فيورث شبهة عدم التقوم في حقه فيمنع وجوب ~~القطع، ولا يمنع وجوب الضمان؛ لأن الضمان لا يسقط بالشبهة؛ لما بينا هذا ~~إذا كان المردود على حاله لم يتغير (فأما) إذا أحدث المالك فيه حدثا يوجب ~~تغيره عن حاله، ثم سرقه السارق الأول فالأصل فيه أنه لو فعل فيه ما لو فعله ~~الغاصب في المغصوب لأوجب انقطاع حق المالك يقطع، وإلا فلا؛ لأنه إذا فعل ~~ذلك فقد تبدلت العين، وتصير في حكم عين أخرى، وإذا لم يفعل لم تتبدل، وعلى ~~هذا يخرج ما إذا سرق غزلا فقطع فيه، ورد إلى المالك فنسجه ثوبا فعاد فسرقه ~~أنه يقطع؛ لأن المسروق قد تبدل. # ألا ترى أنه لو كان مغصوبا لا يقطع حق المالك، ولو سرق ثوب خز فقطع فيه، ~~ورد إلى المالك فنقضه فسرق النقض لم يقطع؛ لأن العين لم تتبدل ألا ترى أنه ~~لو فعله الغاصب لا ينقطع حق المالك، ولو نقضه المالك، ثم غزله غزلا، ثم ~~سرقه السارق لم يقطع؛ لأن هذا لو وجد من الغاصب لا ينقطع حق المغصوب منه ~~فيدل على تبدل العين ولو سرق بقرة فقطع فيها، وردها على المالك فولدت، ولدا ~~ثم سرق الولد يقطع؛ لأن الولد عين أخرى لم يقطع فيها فيقطع بسرقتها، وعلى ~~هذا يخرج جنس هذه المسائل، والله سبحانه وتعالى أعلم. # (ومنها) أن يكون محرزا مطلقا خاليا عن شبهة العدم مقصودا بالحرز، والأصل ~~في اعتبار شرط الحرز ما روي في الموطإ عن النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~أنه قال: «لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح، أو ~~الجرين ms4128 فالقطع فيما بلغ ثمن المجن» . # وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «لا قطع في ثمر، ولا كثر حتى ~~يؤويه الجرين، فإذا آواه الجرين ففيه القطع» علق - عليه الصلاة والسلام - ~~القطع بإيواء المراح، والمراح حرز الإبل، والبقر، والغنم، والجرين حرز ~~الثمر فدل أن الحرز شرط، ولأن ركن السرقة هو الأخذ على سبيل الاستخفاء، ~~والأخذ من غير حرز لا يحتاج إلى الاستخفاء فلا يتحقق ركن السرقة؛ لأن القطع ~~وجب لصيانة الأموال على أربابها قطعا لأطماع السراق عن أموال الناس. # والأطماع إنما تميل إلى ما له خطر في القلوب، وغير المحرز لا خطر له في ~~القلوب عادة، فلا تميل الأطماع إليه فلا حاجة إلى الصيانة بالقطع، وبهذا لم ~~يقطع فيما دون النصاب، وما ليس بمال متقوم محتمل الادخار، ثم الحرز نوعان: ~~حرز بنفسه، وحرز بغيره. # (أما) الحرز بنفسه فهو: كل بقعة معدة للإحراز ممنوعة الدخول فيها إلا ~~بالإذن: كالدور، والحوانيت، والخيم، والفساطيط، والخزائن، والصناديق. # (وأما) الحرز بغيره: فكل مكان غير معد للإحراز يدخل إليه بلا إذن، ولا ~~يمنع منه كالمساجد، والطرق، وحكمه حكم الصحراء إن لم يكن هناك حافظ. # وإن كان هناك حافظ فهو حرز؛ لهذا سمي حرزا بغيره حيث وقف صيرورته حرزا ~~على وجود غيره، وهو الحافظ، وما كان حرزا بنفسه لا يشترط فيه وجود الحافظ ~~لصيرورته حرزا، ولو وجد فلا عبرة بوجوده، بل وجوده، والعدم سواء، وكل واحد ~~من الحرزين معتبر بنفسه على حياله بدون صاحبه؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام ~~- علق القطع بإيواء المراح، والجرين من غير شرط وجود الحافظ. # وروي أن «صفوان - رضي الله عنه - كان نائما في المسجد متوسدا بردائه ~~فسرقه سارق من تحت رأسه فقطعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يعتبر ~~الحرز بنفسه» فدل أن كل واحد من نوعي الحرز معتبر بنفسه، فإذا سرق من النوع ~~الأول يقطع سواء كان ثمة حافظ، أو لا لوجود الأخذ من الحرز. # وسواء كان مغلق الباب، أو لا باب له بعد أن كان محجوزا بالبناء؛ لأن ~~البناء يقصد به ms4129 الإحراز كيف ما كان، وإذا سرق من النوع الثاني يقطع إذا كان ~~الحافظ قريبا منه في مكان يمكنه حفظه، ويحفظ في مثله المسروق عادة، وسواء ~~كان الحافظ مستيقظا في ذلك المكان، أو نائما؛ لأن الإنسان يقصد الحفظ في ~~الحالين جميعا، ولا يمكن الأخذ إلا بفعله، ألا ترى أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - قطع سارق صفوان، وصفوان كان نائما ولو أذن لإنسان بالدخول في داره ~~فسرق المأذون له بالدخول شيئا منها لم يقطع # PageV07P073 # وإن كان فيها حافظ، أو كان صاحب المنزل نائما عليه؛ لأن الدار حرز بنفسها ~~لا بالحافظ، وقد خرجت من أن تكون حرزا بالإذن فلا يعتبر وجود الحافظ؛ ولأنه ~~لما أذن له بالدخول فقد صار في حكم أهل الدار. # فإذا أخذ شيئا فهو خائن قد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «لا قطع على خائن» ، وكذلك لو سرق من بعض بيوت الدار المأذون في ~~دخولها، وهو مقفل، أو من صندوق في الدار، أو من صندوق في بعض البيوت، وهو ~~مقفل عليه إذا كان البيت من جملة الدار المأذون في دخولها؛ لأن الدار ~~الواحدة حرز واحد قد خرجت بالإذن له من أن تكون حرزا في حقه فكذلك بيوتها، ~~وما روي أن أسود بات عند سيدنا أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فسرق حليا ~~لهم فيحتمل أن يكون مسروقا من دار النساء لا من دار الرجال، والداران ~~المختلفان إذا أذن بالدخول في إحداهما لا تصير الأخرى مأذونا بالدخول فيها، ~~والمحتمل لا يكون حجة. # وروي عن أبي يوسف أنه قال في رجل كان في حمام، أو خان، وثيابه تحت رأسه ~~فسرقها سارق: إنه لا قطع عليه، سواء كان نائما أو يقظانا، وإن كان في ~~صحراء، وثوبه تحت رأسه قطع، وكذلك روي عن محمد في رجل سرق من رجل، وهو معه ~~في الحمام، أو سرق من رجل، وهو معه في سفينة، أو نزل قوم في خان فسرق بعضهم ~~من بعض أنه لا قطع على السارق، وكذلك الحانوت؛ لأن الحمام، ms4130 والخان، ~~والحانوت كل واحد حرز بنفسه، فإذا أذن للناس في دخوله خرج من أن يكون حرزا ~~فلا يعتبر فيه الحافظ فلا يصير حرزا بالحافظ؛ ولهذا قالوا: إذا سرق من ~~الحمام ليلا يقطع؛ لأن الناس لم يؤذنوا بالدخول فيه ليلا فأما الصحراء، أو ~~المسجد - وإن كان مأذون الدخول إليه - فليس حرزا بنفسه، بل بالحافظ، ولم ~~يوجد الإذن من الحافظ فلا يبطل معنى الحرز فيه. # وقالوا في السارق من المسجد: إذا كان ثمة حافظ يقطع، وإن لم يخرج من ~~المسجد؛ لأن المسجد ليس بحرز بنفسه، بل بالحافظ، فكانت البقعة التي فيها ~~الحافظ هي الحرز لا كل المسجد فإذا انفصل منها فقد انفصل من الحرز فيقطع. # (فأما) الدار، فإنما صارت حرزا بالبناء، فما لم يخرج منها لم يوجد ~~الانفصال من الحرز، وروي عن محمد في رجل سرق في السوق من حانوت فتخرب ~~الحانوت، وقعد للبيع، وأذن للناس بالدخول فيه أنه لم يقطع، وكذلك لو سرق ~~منه، وهو مغلق على شيء لم يقطع لأنه لما أذن للناس بالدخول فيه فقد أخرج ~~الحانوت من أن يكون حرزا في حقهم، وكذلك إن أخذ من بيت قبة، أو صندوق فيه ~~مقفل؛ لأن الحانوت كله حرز واحد كالدار على ما مر. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه قال في رجل بأرض فلاة، ومعه جوالق ~~وضعه، ونام عنده يحفظه فسرق منه رجل شيئا، أو سرق الجوالق: فإني أقطعه؛ لأن ~~الجوالق بما فيها محرز بالحافظ فيستوي أخذ جميعه، وأخذ بعضه، وكذلك إذا سرق ~~فسطاطا ملفوفا قد، وضعه، ونام عنده يحفظه أنه يقطع، وإن كان مضروبا لم ~~يقطع؛ لأنه إذا كان ملفوفا كان محرزا بالحافظ كالباب المقلوع إذا كان في ~~الدار فسرقه سارق، وإذا كان الفسطاط مضروبا كان حرزا بنفسه فإذا سرقه فقد ~~سرق نفس الحرز، ونفس الحرز ليس في الحرز فلا يقطع كسارق باب الدار ولو كان ~~الجوالق على ظهر دابة فشق الجوالق، وأخرج المتاع يقطع؛ لأن الجوالق حرز؛ ~~لما فيه. # وإن أخذ الجوالق كما هي لم يقطع؛ لأنه ms4131 أخذ نفس الحرز، وكذلك إذا سرق ~~الجمل مع الجوالق؛ لأن الحمل لا يوضع على الجمل للحفظ، بل للحمل؛ لأن الجمل ~~ليس بمحرز، وإن ركبه صاحبه فلم يكن الجمل حرزا للجوالق فإذا أخذ الجوالق ~~فقد أخذ نفس الحرز ولو سرق من المراعي بعيرا، أو بقرة، أو شاة لم يقطع سواء ~~كان الراعي معها، أو لم يكن، وإن سرق من العطن، أو المراح الذي يأوي إليه ~~يقطع إذا كان معها حافظ، أو ليس معها حافظ، غير أن الباب مغلق فكسر الباب، ~~ثم دخل فسرق بقرة قادها قودا حتى أخرجها أو ساقها سوقا حتى أخرجها، أو ~~ركبها حتى أخرجها؛ لأن المراعي ليست بحرز للمواشي. # وإن كان الراعي معها؛ لأن الحفظ لا يكون مقصودا من الرعي، وإن كان قد ~~يحصل به؛ لأن المواشي لا تجعل في مراعيها للحفظ، بل للرعي فلم يوجد الأخذ ~~من حرز، بخلاف العطن، أو المراح فإن ذلك يقصد به الحفظ، ووضع له، فكان ~~حرزا، وقال - عليه الصلاة والسلام -: «في حريسة الجبل غرامة مثليها، وجلدات ~~نكالا» فإذا أواها المراح، وبلغت قيمتها ثمن المجن ففيها القطع، والله ~~تعالى أعلم، ولا يقطع عبد في سرقة من مولاه مكاتبا كان العبد، أو مدبرا، أو ~~تاجرا عليه دين، أو أم ولد سرقت من مال مولاها؛ لأن هؤلاء مأذونون بالدخول ~~في بيوت ساداتهم للخدمة فلم # PageV07P074 # يكن بيت مولاهم حرزا في حقهم. # وذكر في الموطأ أن عبد الله ابن - سيدنا - عمر، والحضرمي جاءا إلى عمر - ~~رضي الله عنه - بعبد له فقال: اقطع هذا فإنه سرق فقال: وما سرق قال: مرآة ~~لامرأتي ثمنها ستون درهما فقال - سيدنا - عمر - رضي الله عنه -: أرسله ليس ~~عليه قطع، خادمكم سرق متاعكم، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر؛ فيكون إجماعا، ~~ولا قطع على خادم قوم سرق متاعهم، ولا على ضيف سرق متاع من أضافه، ولا على ~~أجير سرق من موضع أذن له في دخوله؛ لأن الإذن بالدخول أخرج الموضع من أن ~~يكون حرزا في حقه، وكذا الأجير إذا أخذ المتاع المأذون له ms4132 في أخذه من موضع ~~لم يأذن له بالدخول فيه لم يقطع؛ لأن الإذن بأخذ المتاع يورث شبهة الدخول ~~في الحرز، ولأن الإذن بالأخذ فوق الإذن بالدخول، وذا يمنع القطع فهذا أولى. # ولو سرق المستأجر من المؤاجر، وكل واحد منهما في منزل على حدة يقطع بلا ~~خلاف؛ لأنه لا شبهة في الحرز. # وأما المؤاجر إذا سرق من المستأجر فكذلك يقطع في قول أبي حنيفة - عليه ~~الرحمة - وعندهما لا يقطع. # (وجه) قولهما: أن الحرز ملك السارق فيورث شبهة في درء الحد؛ لأنه يورث ~~شبهة في إباحة الدخول فيختل الحرز فلا قطع. # (وجه) قول أبي حنيفة: أن معنى الحرز لا تعلق له بالملك إذ هو اسم لمكان ~~معد للإحراز يمنع من الدخول فيه إلا بالإذن، قد وجد؛ لأن المؤاجر ممنوع عن ~~الدخول في المنزل المستأجر من غير إذن فأشبه الأجنبي. # ولا قطع على من سرق من ذي رحم محرم عندنا سواء كان بينهما ولاد، أو لا، ~~وقال الشافعي: في الوالدين، والمولودين كذلك فأما في غيرهم فيقطع، وهو على ~~اختلاف العتق، والنفقة، قد ذكرنا المسألة في كتاب العتاق، والصحيح قولنا؛ ~~لأن كل واحد منهما يدخل في منزل صاحبه بغير إذن عادة، وذلك دلالة الإذن من ~~صاحبه فاختل معنى الحرز، ولأن القطع بسبب السرقة فعل يفضي إلى قطع الرحم. # وذلك حرام، والمفضي إلى الحرام حرام ولو سرق جماعة فيهم ذو رحم محرم من ~~المسروق لا يقطع واحد منهم عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف لا يقطع ذو الرحم ~~المحرم، ويقطع سواه، والكلام على نحو الكلام فيما تقدم فيما إذا كان فيهم ~~صبي، أو مجنون، قد ذكرناه فيما تقدم ولو سرق من ذي رحم غير محرم يقطع ~~بالإجماع؛ لأن المباسطة بالدخول من غير استئذان غير ثابتة في هذه القرابة ~~عادة، وكذا هذه القرابة لا تجب صيانتها عن القطيعة؛ ولهذا لم يجب في العتق، ~~والنفقة، وغير ذلك. # ولو سرق من ذي محرم لا رحم له بسبب الرضاع فقد قال أبو حنيفة، ومحمد - ~~رحمهما الله - يقطع الذي سرق ms4133 ممن يحرم عليه من الرضاع كائنا من كان، وقال ~~أبو يوسف إذا سرق من أمه من الرضاع لا يقطع. # (وجه) قوله: أن المباسطة بينهما في الدخول ثابتة عرفا، وعادة فإن الإنسان ~~يدخل في منزل أمه من الرضاع من غير إذن كما يدخل في منزل أمه من النسب، ~~بخلاف الأخت من الرضاع، ولهما أن الثابت بالرضاع ليس إلا الحرمة المؤبدة، ~~وأنها لا تمنع وجوب القطع كما لو سرق من أم موطوءته؛ ولهذا يقطع في الأخت ~~من الرضاع ولو سرق من امرأة أبيه، أو من زوج أمه، أو من حليلة ابنه، أو من ~~ابن امرأته أو بنتها، أو أمها ينظر إن سرق مالهم من منزل من يضاف السارق ~~إليه من أبيه، وأمه، وابنه، وامرأته لا يقطع بلا خلاف؛ لأنه مأذون بالدخول ~~في منزل هؤلاء فلم يكن المنزل حرزا في حقه. # وإن سرق من منزل آخر فإن كانا فيه لم يقطع بالإجماع، وإن كان لكل واحد ~~منهما منزل على حدة اختلف فيه: قال أبو حنيفة - عليه الرحمة -: لا يقطع، ~~وقال أبو يوسف: يقطع إذا سرق من غير منزل السارق، أو منزل أبيه أو ابنه، ~~وذكر القاضي في شرح مختصر الطحاوي قول محمد مع قول أبي يوسف - رحمهم الله - ~~(وجه) قولهما: أن المانع هو القرابة، ولا قرابة بين السارق، وبين المسروق، ~~بل كل واحد منهما أجنبي عن صاحبه فلا يمنع وجوب القطع، كما لو سرق من أجنبي ~~آخر. # (وجه) قول أبي حنيفة: أن في الحرز شبهة؛ لأن حق التزاور ثابت بينه، وبين ~~قريبه؛ لأن كون المنزل لغير قريبه لا يقطع التزاور، وهذا يورث شبهة إباحة ~~الدخول للزيارة فيختل معنى الحرز، ولا قطع على أحد الزوجين إذا سرق من مال ~~صاحبه سواء سرق من البيت الذي هما فيه، أو من بيت آخر؛ لأن كل واحد منهما ~~يدخل في منزل صاحبه، وينتفع بماله عادة، وذلك يوجب خللا في الحرز، وفي ~~الملك أيضا، وهذا عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله -: إذا سرق من البيت ~~الذي هما فيه لا ms4134 يقطع، وإن سرق من بيت آخر يقطع، والمسألة مرت في كتاب ~~الشهادة. # وكذلك لو سرق أحد الزوجين من عبد صاحبه، أو أمته، أو مكاتبه، أو سرق عبد ~~أحدهما، أو أمته، أو مكاتبه من صاحبه # PageV07P075 # أو سرق خادم أحدهما من صاحبه لا يقطع؛ لأنه مأذون في الدخول في الحرز ولو ~~سرقت امرأة من زوجها، أو سرق رجل من امرأته، ثم طلقها قبل الدخول بها فبانت ~~بغير عدة لم يقطع واحد منهما؛ لأن الأخذ حين، وجوده لم ينعقد موجبا للقطع ~~لقيام الزوجية فلا ينعقد عند الإبانة؛ لأن الإبانة طارئة، والأصل أن لا ~~يعتبر الطارئ مقارنا في الحكم؛ لما فيه من مخالفة الحقيقة إلا إذا كان في ~~الاعتبار إسقاط الحد وقت الاعتبار وفي الاعتبار ههنا إيجاب الحد فلا يعتبر ~~ولو سرق من مطلقته، وهي في العدة، أو سرقت مطلقته، وهي في العدة لم يقطع ~~واحد منهما سواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا، أو ثلاثا؛ لأن النكاح في حال ~~قيام العدة قائم من وجه أو أثره قائم، وهو العدة، وقيام النكاح من كل وجه ~~يمنع القطع فقيامه من وجه، أو قيام أثره يورث شبهة. # ولو سرق رجل من امرأة أجنبية، ثم تزوجها فهذا لا يخلو من أحد، وجهين: ~~(إما) أن تزوجها قبل أن يقضى عليه بالقطع، وإما أن تزوجها بعدما قضي عليه ~~بالقطع فإن تزوجها قبل أن يقضى عليه بالقطع؛ لم يقطع بلا خلاف؛ لأن هذا ~~مانع طرأ على الحد، والمانع الطارئ في الحد كالمقارن؛ لأن الحدود تدرأ ~~بالشبهات فيصير طريان الزوجية شبهة مانعة من القطع كقرانها، وإن تزوجها بعد ~~ما قضي بالقطع لم يقطع عند أبي حنيفة - رحمه الله - وقال أبو يوسف: يقطع. # (وجه) قوله: أن الزوجية القائمة عند السرقة إنما تمنع وجوب القطع باعتبار ~~الشبهة، وهي شبهة عدم الحرز، أو شبهة الملك فالطارئة لو اعتبرت مانعة لكان ~~ذلك اعتبار الشبهة، وإنها ساقطة في باب الحدود. # (وجه) قول أبي حنيفة: أن الإمضاء في باب الحدود من القضاء فكانت الشبهة ~~المعترضة على الإمضاء كالمعترضة ms4135 على القضاء ألا ترى أنه لو قذف رجلا ~~بالزنا، وقضي عليه بالحد، ثم إن المقذوف زنى قبل إقامة الحد على القاذف سقط ~~الحد عن القاذف، وجعل الزنا المعترض على الحد كالموجود عند القذف ليعلم أن ~~الطارئ على الحدود قبل الإمضاء بمنزلة الموجود قبل القضاء، والله تعالى ~~أعلم. # وذكر في الجامع الصغير في الطرار إذا طر الصرة من خارج الكم أنه لا قطع ~~عند أبي حنيفة - رحمه الله - فإن أدخل يده في الكم فطرها؛ يقطع، وقال أبو ~~يوسف هذا كله سواء، ويقطع، وبتفصيل الكلام فيه يرتفع الخلاف، ويتفق الجواب، ~~وهو أن الطر لا يخلو إما أن يكون بالقطع، وإما أن يكون بحل الرباط، ~~والدراهم لا تخلو إما أن كانت مصرورة على ظاهر الكم، وإما أن كانت مصرورة ~~في باطنه، فإن كان الطر بالقطع، والدراهم مصرورة على ظاهر الكم لم يقطع؛ ~~لأن الحرز هو الكم. # والدراهم بعد القطع تقع على ظاهر الكم فلم يوجد الأخذ من الحرز، وعليه ~~يحمل قول أبي حنيفة - رحمه الله - وإن كانت مصرورة في داخل الكم يقطع؛ ~~لأنها بعد القطع تقع في داخل الكم، فكان الطر أخذا من الحرز، وهو الكم ~~فيقطع، وعليه يحمل قول أبي يوسف، وإن كان الطر بحل الرباط ينظر إن كان بحال ~~لو حل الرباط تقع الدراهم على ظاهر الكم بأن كانت العقدة مشدودة من داخل ~~الكم لا يقطع؛ لأنه أخذها من غير حرز، وهو تفسير قول أبي حنيفة - رحمه الله ~~- وإن كان إذا حل تقع الدراهم في داخل الكم، وهو يحتاج إلى إدخال يده في ~~الكم للأخذ يقطع لوجود الأخذ من الحرز، وهو تفسير قول أبي يوسف، والله ~~تعالى أعلم. # وعلى هذا الأصل أيضا يخرج النباش على أصل أبي حنيفة، ومحمد - رحمهما الله ~~- أنه لا يقطع؛ لأن القبر ليس بحرز بنفسه أصلا إذ لا تحفظ الأموال فيه عادة ~~ألا ترى أنه لو سرق منه الدراهم، والدنانير لا يقطع، ولا حافظ للكفن ليجعل ~~حرزا بالحافظ فلم يكن القبر حرزا بنفسه، ولا بغيره، أو فيه ms4136 شبهة عدم الحرز؛ ~~لأنه إن كان حرز مثله فليس حرزا لسائر الأموال فتمكنت الشبهة في كونه حرزا ~~فلا يقطع، ثم اختلف أنه يعتبر في كل شيء حرز مثله، أو حرز نوعه قال بعض ~~مشايخنا إنه: يعتبر في كل شيء حرز مثله كالإصطبل للدابة، والحظيرة للشاة حق ~~لو سرق اللؤلؤة من هذه المواضع لا يقطع. # وذكر الكرخي في مختصره عن أصحابنا أن ما كان حرز النوع يكون حرزا للأنواع ~~كلها، وجعلوا سريجة البقال حرزا للجواهر فالطحاوي - رحمه الله - اعتبر ~~العرف، والعادة، وقال: حرز الشيء هو المكان الذي يحفظ فيه عادة، والناس في ~~العادات لا يحرزون الجواهر في الإصطبل، والكرخي - رحمه الله - اعتبر ~~الحقيقة؛ لأن حرز الشيء ما يحرز ذلك الشيء حقيقة، وسريجة البقال تحرز ~~الدراهم، والدنانير، والجواهر حقيقة، فكانت حرزا لها، والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # (ومنها) أن يكون نصابا، والكلام في هذا الشرط يقع في ثلاثة مواضع: أحدها ~~في أصل النصاب أنه شرط أم لا؟ ، والثاني: في بيان # PageV07P076 # قدره، والثالث: في بيان صفاته. # (أما) الأول فقد اختلف فيه قال عامة العلماء: إنه شرط فلا قطع فيما دون ~~النصاب، وحكي عن الحسن البصري - رحمه الله - أنه ليس بشرط، ويقطع في ~~القليل، والكثير، وهو قول الخوارج، واحتجوا بظاهر قوله سبحانه، وتعالى ~~{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] من غير شرط النصاب. # وروي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «لعن الله السارق يسرق ~~الحبل فتقطع يده، ويسرق البيضة فتقطع يده» ، ومعلوم أن من الحبال ما لا ~~يساوي دانقا، والبيضة لا تساوي حبة. # (ولنا) دلالة النص، والإجماع من الصحابة، أما دلالة النص؛ فلأن الله ~~سبحانه وتعالى أوجب القطع على السارق والسارقة، والسارق اسم مشتق من معنى، ~~وهو السرقة، والسرقة اسم للأخذ على سبيل الاستخفاء، ومسارقة الأعين، وإنما ~~تقع الحاجة في الاستخفاء فيما له خطر، والحبة لا خطر لها فلم يكن أخذها ~~سرقة، فكان إيجاب القطع على السارق اشتراطا للنصاب دلالة. # (وأما) الإجماع فإن الصحابة - رضوان الله عليهم - أجمعوا على اعتبار ~~النصاب، وإنما جرى الاختلاف بينهم ms4137 في التقدير، واختلافهم في التقدير إجماع ~~منهم على أن أصل النصاب شرط، وبه تبين أن ما رووا من الحديث غير ثابت، أو ~~منسوخ، أو يحمل المذكور على حبل له خطر كحبل السفينة، وبيضة خطيرة كبيضة ~~الحديد توفيقا بين الدلائل، والله تعالى أعلم. # (وأما) الكلام في قدر النصاب فقد اختلف فيه أيضا قال أصحابنا - رضي الله ~~عنهم -: إنه مقدر بعشرة دراهم فلا قطع في أقل من عشرة دراهم، وقال مالك - ~~رحمه الله - وابن أبي ليلى بخمسة، وذكر القدوري - رحمه الله - عند مالك - ~~رحمه الله - بثلاثين، وقال الشافعي: بربع دينار حتى لو سرق ربع دينار إلا ~~حبة، وهو مع نقصانه يساوي عشرة لا يقطع عنده، وعندنا يقطع ولو سرق ربع ~~دينار لا يساوي عشرة لم يقطع عندنا، وعنده يقطع، وقيمة الدينار عندنا عشرة، ~~وعنده اثنا عشر على ما نبين في كتاب الديات احتج من اعتبر الخمسة بما روي ~~عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «لا تقطع الخمسة إلا بخمسة» ، ~~واحتج الشافعي - رحمه الله - بما روي عن - سيدتنا - عائشة - رضي الله عنها ~~- عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «تقطع يد السارق في ربع دينار ~~فصاعدا» . # وروي عن - سيدنا - عمر - رضي الله عنه - «أنه - عليه الصلاة والسلام - ~~قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم:» ، وهي قيمة ربع دينار عنده؛ لأن الدينار ~~على أصله مقوم باثني عشر درهما. # (ولنا) ما روى محمد في الكتاب بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~عبد الله بن عمرو بن العاص عنه - عليه الصلاة والسلام - «أنه كان لا يقطع ~~إلا في ثمن مجن» ، وهو يومئذ يساوي عشرة دراهم، وفي رواية عن عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا قطع فيما ~~دون عشرة دراهم» . # وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه ~~قال: «لا تقطع اليد إلا في دينار، أو في عشرة دراهم» ، وعن ابن عباس - رضي ~~الله عنه - عن رسول الله - عليه الصلاة ms4138 والسلام - أنه قال: «لا يقطع السارق ~~إلا في ثمن المجن» ، وكان يقوم يومئذ بعشرة دراهم، وعن ابن أم أيمن أنه قال ~~«ما قطعت يد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا في ثمن المجن:» ~~، وكان يساوي يومئذ عشرة دراهم، وذكر محمد في الأصل أن - سيدنا - عمر - رضي ~~الله عنه - أمر بقطع يد سارق ثوب بلغت قيمته عشرة دراهم فمر به - سيدنا - ~~عثمان - رضي الله عنه - فقال: إن هذا لا يساوي إلا ثمانية فدرأ - سيدنا - ~~عمر القطع عنه، وعن - سيدنا - عمر، وسيدنا عثمان، وسيدنا علي، وابن مسعود - ~~رضي الله عنه - مثل مذهبنا، والأصل أن الإجماع انعقد على وجوب القطع في ~~العشرة. # وفيما دون العشرة اختلف العلماء؛ لاختلاف الأحاديث فوقع الاحتمال في وجوب ~~القطع فلا يجب مع الاحتمال، وإذا عرف أن النصاب شرط وجوب القطع بالسرقة فإن ~~وجد ذلك القدر في أخذ سرقة واحدة قطع؛ لوجود الشرط، وهو كمال النصاب، وإن ~~اختلفت السرقة لم يقطع؛ لفقد الشرط، وعلى هذا مسائل إذا دخل رجل دار الرجل ~~فسرق من بيت فيها درهما فأخرجه إلى صحنها، ثم عاد فأخذ درهما من البيت ~~فأخرجه، ثم عاد فأخذ درهما من البيت فأخرجه فلم يزل يفعل حتى أخذ عشرة ~~دراهم، ثم أخرج العشرة من الدار قطع؛ لأن هذه سرقة واحدة؛ لأن الدار مع ~~صحنها، وبيوتها حرز، واحد فما دام في الدار لم يوجد الإخراج من الحرز فإذا ~~أخرج من الدار جملة فقد وجد إخراج نصاب من الحرز فيجب القطع. # ولو كان خرج في كل مرة من الدار، ثم عاد حتى فعل ذلك عشر مرات لم يقطع؛ ~~لأن هذه سرقات إذ كل فعل منه إخراج من الحرز، فكان # PageV07P077 # كل فعل منه معتبرا بنفسه، وأنه سرقة ما دون النصاب فلا يوجب القطع، وكذلك ~~جماعة دخلوا دارا، وأخرجوا من بيت من بيوتها المتاع مرة بعد أخرى إلى صحن ~~الدار، ثم أخرجوه من الصحن دفعة واحدة يقطعون إذا كان ما أخرجوا يخص كل ~~واحد منهم عشرة دراهم، وإن تفرق الإخراج ms4139 يعتبر كل واحد بنفسه؛ لأن الإخراج ~~جملة واحدة فهو سرقة واحدة فإذا تفرق فهو سرقات، فكان كل واحد معتبرا بنفسه ~~ولو سرق رجل واحد عشرة دراهم من منزلين مختلفين بأن سرق منه درهما، أو تسعة ~~لم يقطع؛ لأنهما سرقتان مختلفتان؛ لأن كل واحد من المنزلين حرز بانفراده ~~فهتك أحدهما بما دون النصاب لا يعتبر في هتك الآخر فيبقى كل، واحد منهما ~~معتبرا في نفسه. # ولو سرق رجل عشرة دراهم لعشرة أنفس في موضع واحد قطع، وإن تفرق ملاكها ~~يعتبر في ذلك حال السارق، والسارق واحد، فكان النصاب كاملا، وإنما اعتبر ~~حال السارق دون المسروق منه؛ لأن كمال النصاب شرط وجوب القطع، والقطع عليه ~~فيعتبر جانب من عليه، ولا يعتبر جانب المسروق منه؛ لأن الحكم لم يجب له، بل ~~لله - سبحانه وتعالى - وإن كان عشرة أنفس في دار كل واحد في بيت على حدة ~~فسرق من كل واحد منهم درهما يقطع إذا خرج بالجميع من الدار؛ لما ذكرنا أن ~~الدار حرز واحد. # وقد أخرج منها نصابا كاملا، فكانت السرقة واحدة، وإن اختلف المسروق منه ~~ولو كانت الدار عظيمة فيها حجر لكل واحد حجرة فسرق من كل حجرة أقل من عشرة ~~لم يقطع؛ لأن ذلك سرقات إذ كل حجرة حرز بانفرادها، والسرقات إذا اختلفت ~~يعتبر في كل واحد منها كمال النصاب، ولم يوجد ولو سرق عشرة أنفس من رجل ~~واحد عشرة دراهم لم يقطعوا، بخلاف الواحد إذا سرق عشرة دراهم من عشرة أنفس ~~أنه يقطع إذا كانت الدراهم في حرز واحد؛ لما بينا أن المعتبر جانب السارق ~~لا جانب المسروق منه، فكانت السرقة واحدة فيعتبر كمال النصاب في حق السارق ~~لا في حق المسروق منه. # وسواء كانت الدراهم مجتمعة، أو متفرقة بعد أن كان الحرز واحدا حتى لو سرق ~~عشرة دراهم متفرقا من كل كيس درهما من عشرة أنفس من منزل واحد يقطع؛ لأن ~~الحرز واحد فإذا أخرجها منه فقد خرج بنصاب كامل من السرقة فيقطع ولو سرق ~~ثوبا قيمته تسعة دراهم ms4140 فوضعه على باب الدار، ثم دخل فأخذ ثوبا آخر يساوي ~~تسعة فأخرجه لم يقطع؛ لأنه لم يبلغ المأخوذ في كل واحد منهما نصابا فلا ~~يقطع، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) صفات النصاب (فمنها) أن تكون الدراهم المسروقة جيادا حتى لو سرق ~~عشرة زيوفا، أو نبهرجة، أو ستوقة لا يقطع إلا أن تكون كثيرة تبلغ قيمة عشرة ~~جياد، وكذلك المسروق من غير الدراهم إذا كان لا تبلغ قيمته قيمة عشرة دراهم ~~جياد لا يقطع؛ لأن مطلق اسم الدراهم في الأحاديث ينصرف إلى الجياد. # (ومنها) أن يعتبر عشرة دراهم وزن سبعة كذا قالوا؛ لأن اسم الدراهم عند ~~الإطلاق يقع على ذلك، ألا ترى أنه قدر به النصاب في الزكوات، والديات، وكذا ~~الناس أجمعوا على هذا في، وزن الدراهم. # ولأن هذا أوسط المقادير؛ لأن الدراهم على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كانت صغارا، وكبارا فإذا جمع صغير، وكبير كانا درهمين من وزن سبعة، ~~فكان هذا الوزن هو أوسط المقادير فاعتبر به لقوله - عليه الصلاة والسلام - ~~«خير الأمور أوساطها:» ، وهل يعتبر أن تكون مضروبة؟ ذكر الكرخي - عليه ~~الرحمة - أنه يعتبر عشرة دراهم مضروبة، وهكذا روى بشر عن أبي يوسف، وابن ~~سماعة عن محمد حتى لو كان تبرا قيمته عشرة دراهم مضروبة لا يقطع، وروى ~~الحسن عن أبي حنيفة - عليهم الرحمة - أن السارق إذا سرق عشرة دراهم مما ~~يجوز بين الناس، ويروج في معاملاتهم قطع، وهذا يدل على أن كونها مضروبة ليس ~~بشرط. # بل يقطع في المضروبة، وغيرها إذا كان مما يجوز بين الناس، ويروج في ~~معاملاتهم لهما أن تقدير نصاب السرقة وقع بالدراهم، أو تقويم المجن، وقع ~~بالدراهم، والدراهم اسم للمضروبة، والتبر ليس بمضروب، ولا في معنى المضروب ~~في المالية أيضا؛ لأنه ينقص عنه في القيمة فأشبه نقصان الوزن، وأبو حنيفة - ~~رحمه الله - اعتبر الجواز، والرواج في معاملات الناس فأجرى به التعامل بين ~~الناس، يستوي في نصابه المضروب، والصحيح، والمكسر كما في نصاب الزكاة فما ~~قاله أبو حنيفة - رحمه الله - أقرب إلى ms4141 القياس، وما قاله أبو يوسف، ومحمد ~~أقرب إلى الاحتياط في باب الحدود، ثم كمال النصاب في قيمة المسروق يعتبر ~~وقت السرقة لا غير، أم وقت السرقة، والقطع جميعا؟ . # وفائدة هذا تظهر فيما # PageV07P078 # إذا كانت قيمة المسروق كاملة وقت السرقة، ثم نقصت أنه هل يسقط القطع؟ ~~فجملة الكلام فيه: أن نقصان المسروق لا يخلو إما أن كان نقصان العين بأن ~~دخل المسروق عيب، أو ذهب بعضه. # (وإما) أن كان نقصان السعر فإن كان نقصان العين يقطع السارق، ولا يعتبر ~~كمال النصاب وقت القطع، بل وقت السرقة بلا خلاف؛ لأن نقصان عينه هلاك بعضه، ~~وهلاك الكل لا يسقط القطع، فهلاك البعض أولى، وإن كان نقصان السعر - ذكر ~~الكرخي - رحمه الله -: لا يقطع في ظاهر الرواية، وتعتبر قيمته في الوقتين ~~جميعا. # وروى محمد - رحمه الله - أنه يقطع، وهكذا ذكر الطحاوي - رحمه الله -: أنه ~~تعتبر قيمته وقت الإخراج من الحرز، وهو قول الشافعي - رحمه الله -. # (وجه) هذه الرواية أن نقصان السعر دون نقصان العين؛ لأن ذلك لا يؤثر في ~~المحل، وهذا يؤثر فيه، ثم نقصان العين لم يؤثر في إسقاط القطع، فنقصان ~~السعر أولى # (وجه) ظاهر الرواية على ما ذكره الكرخي - رحمه الله - الفرق بين ~~النقصانين. # (ووجه) الفرق بينهما أن نقصان السعر يورث شبهة نقصان في المسروق وقت ~~السرقة؛ لأن العين بحالها قائمة لم تتغير، وتغير السعر ليس بمضمون على ~~السارق أصلا فيجعل النقصان الطارئ كالموجود عند السرقة، بخلاف نقصان العين؛ ~~لأنه يوجب تغير العين إذ هو هلاك بعض العين، وهو مضمون عليه في الجملة فلا ~~يمكن تقدير وجوده وقت السرقة، وكذا إذا سرق في بلد فأخذ في بلد آخر، ~~والقيمة فيه أنقص ذكر الكرخي - رحمه الله -: أنه لا يقطع حتى تكون القيمة ~~جميعا في السعر عشرة دراهم، وعلى رواية الطحاوي - رحمه الله -: تعتبر قيمته ~~وقت السرقة لا غير، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (ومنها) أن يكون المسروق الذي يقطع فيه في الجملة مقصودا بالسرقة لا تبعا ~~لمقصود، ولا يتعلق القطع بسرقته في قولهما، وقال ms4142 أبو يوسف - رحمه الله -: ~~هذا ليس بشرط، والأصل في هذا أن المقصود بالسرقة إذا كان مما يقطع فيه لو ~~انفرد، وبلغ نصابا بنفسه يقطع بلا خلاف، وإن لم يبلغ بنفسه نصابا إلا ~~بالتابع يكمل النصاب به فيقطع، وكذلك إذا كان واحدا منهما مقصودا، ولا يبلغ ~~بنفسه نصابا يكمل أحدهما بالآخر ويقطع، وإن كان المقصود بالسرقة مما لا ~~يقطع فيه لو انفرد لا يقطع، وإن كان معه غيره مما يبلغ نصابا إذا لم يكن ~~الغير مقصودا بالسرقة، بل يكون تابعا في قولهما. # وعند أبي يوسف - رحمه الله - يقطع إذا كان ذلك الغير نصابا كاملا، وبيان ~~هذه الجملة في مسائل: إذا سرق إناء من ذهب، أو فضة فيه شراب، أو ماء أو ~~لبن، أو ماء ورد، أو ثريد، أو نبيذ أو غير ذلك مما لا يقطع فيه لو انفرد؛ ~~لم يقطع عندهما، وعند أبي يوسف يقطع. # (وجه) قوله: أن ما في الإناء إذا كان مما لا يقطع فيه التحق بالعدم ~~فيعتبر أخذ الإناء على الانفراد فيقطع فيه. # (وجه) قولهما: أن المقصود من هذه السرقة ما في الإناء، والإناء تابع. # ألا يرى أنه لو قصد الإناء بالأخذ لأبقى ما فيه، وما في الإناء لا يجب ~~القطع بسرقته، فإذا لم يجب القطع بالمقصود لا يجب بالتابع، وإلى هذا أشار ~~محمد - رحمه الله - في الكتاب فقال: إنما أنظر إلى ما في جوفه فإن كان ما ~~في جوفه لا يقطع فيه؛ لم أقطعه ولو سرق ما في الإناء في الدار قبل أن يخرج ~~الإناء منها، ثم أخرج الإناء فارغا منه قطع؛ لأنه لما سرق ما فيه في الدار ~~علم أن مقصوده هو الإناء، والمقصود بالسرقة إذا كان مما يجب القطع بسرقته، ~~وبلغ نصابا يقطع، وعلى هذا الخلاف إذا سرق صبيا حرا لا يعبر عن نفسه، وعليه ~~حلي. # وإن كان يعبر عن نفسه لا يقطع بالإجماع؛ لأن له يدا على نفسه، وعلى ما ~~عليه من الحلي فلا يكون أخذه سرقة، بل يكون خداعا فلا يقطع، وكذلك إذا ms4143 سرق ~~عبدا صبيا يعبر عن نفسه وعليه حلي، أو لم يكن لا يقطع بلا خلاف، وإن كان لا ~~يعبر عن نفسه يقطع عندهما، وعند أبي يوسف لا يقطع؛ بناء على أن سرقة مثل ~~هذا العبد يوجب القطع عندهما، وعنده لا يوجب، والمسألة قد مرت ولو سرق ~~كلبا، أو غيره من السباع في عنقه طوق لم يقطع، وكذلك لو سرق مصحفا مفضضا، ~~أو مرصعا بياقوت لم يقطع عندهما، وعند أبي يوسف يقطع؛ لما ذكرنا. # ولو سرق كوزا قيمته تسعة دراهم، وفيه عسل يساوي درهما يقطع؛ لأن المقصود ~~ما فيه من العسل، والكوز تبع فيكمل نصاب الأصل به، وكذلك لو سرق حمارا ~~يساوي تسعة، وعليه إكاف يساوي درهما يقطع؛ لما قلنا ولو سرق عشرة دراهم من ~~ثوب، والثوب لا يساوي عشرة ينظر إن كان ذلك الثوب يصلح وعاء للدراهم بأن ~~تشد فيه الدراهم عادة بأن كانت خرقة، ونحوها يقطع؛ لأن المقصود بالأخذ هو ~~ما فيه، وإن كان لا يصلح بأن كان ثوب كرباس فإن كان تبلغ قيمة الثوب # PageV07P079 # نصابا بأن كان يساوي عشرة يقطع بلا خلاف؛ لأن الثوب مقصود بنفسه بالسرقة، ~~وإن كان لا يبلغ نصابا قال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا يقطع. # وذكر في الأصل أن اللص إن كان يعلم بالدراهم يقطع، وإن كان لا يعلم لا ~~يقطع، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف، وروي عنه أنه ~~يقطع علم بها أو لم يعلم. # (ووجهه) : أن العلم بالمسروق ليس بشرط لوجوب القطع، بل الشرط أن يكون ~~نصابا، قد وجد. # (وجه) رواية الأصل: أنه إذا كان يعلم بالدراهم كان مقصوده بالأخذ الدراهم ~~وقد بلغت نصابا فيقطع، وإذا كان لا يعلم بها كان مقصوده الثوب، وأنه لم ~~يبلغ النصاب فلا يقطع. # (وجه) الرواية الأخرى لأبي حنيفة - عليه الرحمة - أن مثل هذا الثوب إذا ~~كان مما لا تشد به الدراهم عادة كان مقصودا بنفسه بالسرقة، وإن لم يبلغ ~~نصابا فلم يجب فيه القطع فكذا فيما فيه؛ لأنه تابع له ولو سرق ms4144 جوالقا، أو ~~جرابا فيه مال كثير قطع؛ لأن المقصود بالسرقة هو المظروف لا الظرف، ~~والمقصود مما يجب القطع بسرقته فيقطع، وكذا إذا كان الثوب لا يساوي عشرة، ~~وفيه مال عظيم علم به اللص يقطع؛ لأن الثوب يصلح وعاء للمال الكثير، ولا ~~يصلح وعاء لليسير، ففيما صلح وعاء له يعتبر ما فيه، لأنا نعلم يقينا أن ~~مقصوده ما فيه وفيما لا يصلح يعتبر نفسه مقصودا بالسرقة، وما فيه تابعا له ~~ولا قطع في المقصود لنقصان النصاب فكذا في التابع؛ لأن التبع حكمه حكم ~~الأصل، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في الشرط الذي يرجع إلى المسروق منه] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المسروق منه فهو أن يكون له يد صحيحة، وهو يد الملك، ~~أو يد الأمانة كيد المودع، والمستعير، والمضارب، والمبضع، أو يد الضمان كيد ~~الغاصب، والقابض على سوم الشراء، والمرتهن فيجب القطع على السارق من هؤلاء، ~~أما من المالك فلا شك فيه، وكذا من أمينه؛ لأن يد أمينه يده فالأخذ منه ~~كالأخذ من المالك، فأما من الغاصب فإن منفعة يده عائدة إلى المالك إذ بها ~~يتمكن من الرد على المالك؛ ليخرج عن العهدة، فكانت يده يد المالك من وجه، ~~ولأن المغصوب مضمون على الغاصب. # وضمان الغصب عندنا ضمان ملك فأشبه يد المشتري، والمقبوض على سوم الشراء ~~مضمون على القابض، والمرهون مضمون على المرتهن بالدين؛ فيجب القطع على ~~السارق منهم، وهل يستوفي بخصومتهم حال غيبة المالك؟ فيه خلاف نذكره - إن ~~شاء الله تعالى - ولا يجب القطع على السارق من السارق؛ لأن يد السارق ليست ~~بيد صحيحة إذ ليست يد ملك، ولا يد أمانة، ولا يد ضمان، فكان الأخذ منه ~~كالأخذ من الطريق، وإن كان القطع درئ عن الأول قطع الثاني؛ لأنه إذا درئ ~~عنه القطع صارت يده يد ضمان، ويد الضمان يد صحيحة كيد الغاصب، ونحوه والله ~~تعالى عز شأنه أعلم. ### | [فصل في الشرط الذي يرجع إلى المسروق فيه] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المسروق فيه، وهو المكان فهو أن تكون السرقة ms4145 في دار ~~العدل فلا يقطع بالسرقة في دار الحرب، ودار البغي؛ لأنه لا يد للإمام في ~~دار الحرب، ولا على دار البغي، فالسرقة الموجودة فيهما لا تنعقد سببا لوجوب ~~القطع، وبيان هذا في مسائل التجار، أو الأسارى من أهل الإسلام في دار الحرب ~~إذا سرق بعضهم من بعض، ثم خرجوا إلى دار الإسلام فأخذ السارق لا يقطعه ~~الإمام؛ لأنه لا يد للإمام في دار الحرب، فالسرقة الموجودة فيهما لم تنعقد ~~سببا لوجوب القطع، فلا تستوفي في دار الإسلام، وكذلك التجار من أهل العدل ~~في معسكر أهل البغي، أو الأسارى في أيديهم إذا سرق بعضهم من بعض. # ثم خرجوا إلى أهل العدل فأخذ السارق لم يقطعه الإمام؛ لأن السرقة وجدت في ~~موضع لا يد للإمام عليه فأشبهت السرقة في دار الحرب، وكذلك رجل من أهل ~~البغي جاء للإمام تائبا، وقد سرق من أهل البغي لم يقطعه؛ لما قلنا، وكذلك ~~رجل من أهل العدل أغار على معسكر أهل البغي فسرق منهم لم يقطعه الإمام؛ لأن ~~السرقة لم تنعقد موجبة للقطع لعدم ولاية الاستيفاء فيه؛ ولأنه أخذ عن ~~تأويل؛ لأن لأهل العدل أن يأخذوا أموال أهل البغي، ويحبسونها عندهم حتى ~~يتوبوا، فكان في العصمة شبهة العدم، وكذلك الرجل من أهل البغي إذا سرق من ~~معسكر أهل العدل، وعاد إلى معسكره، ثم أخذ بعد ذلك لم يقطع؛ لأنهم يعتقدون ~~إباحة أموالنا، ولهم منعة، فكان أخذه عن تأويل فلا يقطع بالسرقة كما لا ~~يضمن بالإتلاف. # ولو أن رجلا من أهل العدل سرق من إنسان مالا، وهو يشهد عليه بالكفر، ~~ويستحل دمه، وماله يقطع؛ لأن مجرد اعتقاد الإباحة لا عبرة به، ولأنا لو ~~اعتبرنا ذلك لأدى إلى سد باب الحد # PageV07P080 # لأن كل سارق لا يعجز عن إظهار ذلك فيسقط القطع عن نفسه، وهذا قبيح فما ~~يؤدي إليه مثله. ### | [فصل في بيان ما تظهر به السرقة عند القاضي] # (فصل) : # وأما بيان ما تظهر به السرقة عند القاضي فنقول: - وبالله التوفيق - ~~السرقة الموجبة للقطع عند القاضي تظهر بأحد ms4146 أمرين: أحدهما: البينة، ~~والثاني: الإقرار. # أما البينة فتظهر بها السرقة إذا استجمعت شرائطها؛ لأنها خبر يرجح فيه ~~جنبة الصدق على جنبة الكذب فيظهر المخبر به، وشرائط قبول البينة في باب ~~السرقة بعضها يعم البينات كلها، قد ذكرنا ذلك في كتاب الشهادات، وبعضها يخص ~~أبواب الحدود، والقصاص، وهو الذكورة، والعدالة، والأصالة فلا تقبل فيها ~~شهادة النساء، ولا شهادة الفساق، ولا الشهادة على الشهادة؛ لأن في شهادة ~~هؤلاء زيادة شبهة، لا ضرورة إلى تحملها فيما يحتال لدفعه، ويحتاط لدرئه، ~~وكذا عدم تقادم العهد إلا في حد القذف، والقصاص حتى لو شهدوا بالسرقة بعد ~~حين لم تقبل ولا يقطع، ويضمن المال، والأصل أن التقادم يبطل الشهادة على ~~الحدود الخالصة، ولا يبطلها على حد القذف، ولا يبطل الإقرار أيضا. # والفرق ذكرناه في كتاب الحدود، وإنما ضمن المال؛ لأن التقادم إنما يمنع ~~من الشهادة على الحدود الخالصة للشبهة، والشبهة تمنع وجوب الحد، ولا تمنع ~~وجوب المال، وبعضها يخص أرباب الأموال والحقوق، وهو الخصومة، والدعوى ممن ~~له يد صحيحة، حتى لو شهدوا أنه سرق من فلان الغائب لم تقبل شهادتهم ما لم ~~يحضر المسروق، منه ويخاصم لما ذكرنا أن كون المسروق ملكا لغير السارق شرط ~~لكون الفعل سرقة ولا يظهر ذلك إلا بالخصومة فإذا لم توجد الخصومة لم تقبل ~~شهادتهم، ولكن يحبس السارق؛ لأن إخبارهم أورث تهمة، ويجوز الحبس بالتهمة؛ ~~لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «حبس رجلا بالتهمة» وهل يشترط ~~حضور المولى لقبول البينة القائمة على سرقة عبده مال إنسان، والعبد يجحد ~~اختلف فيه قال أبو حنيفة - عليه الرحمة -: يشترط حتى لو كان مولاه غائبا لم ~~تقبل البينة، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - رواية أخرى أنه لا يشترط، ويقضى عليه ~~بالقطع، وإن كان مولاه غائبا. # (وجه) هذه الرواية أن القطع إنما يجب على العبد بالسرقة من حيث إنه آدمي ~~مكلف لا من حيث إنه مال مملوك للمولى، ومن هذا الوجه المولى أجنبي عنه فلا ~~معنى ms4147 لاشتراط حضرته، كما لا تشترط حضرة سائر الأجانب؛ ولهذا لو أقر بالسرقة ~~نفذ إقراره، ولا يشترط حضور المولى كذا هذا. # (وجه) قول أبي حنيفة - عليه الرحمة -: أن هذه البينة تتضمن إتلاف ملك ~~المولى فلا يقضى بها مع غيبة المولى كالبينة القائمة على ملك شيء من رقبة ~~العبد، ولأن من الجائز أنه لو كان حاضرا لادعى شبهة مانعة من قبول الشهادة، ~~والحدود تدرأ ما أمكن، بخلاف الإقرار؛ لأنه بعد ما وقع موجبا للحد لا يملك ~~المولى رده بوجه فلم تتمكن فيه شبهة، ولا تظهر السرقة بالنكول حتى لو ادعى ~~على رجل سرقة فأنكر فاستخلف فنكل لا يقضى عليه بالقطع، ويقضى بالمال؛ لأن ~~النكول إما أن يجري مجرى البدل. # والقطع مما لا يحتمل البدل والإباحة، والمال يحتمل البدل والإباحة، وإما ~~أن يجري مجرى إقرار فيه شبهة العدم؛ لكونه إقرارا من طريق السكوت لا صريحا، ~~والشبهة تمنع وجوب الحد، ولا تمنع وجوب المال. # (وأما) الإقرار فتظهر به السرقة الموجبة للقطع أيضا؛ لأن الإنسان غير ~~متهم في الإقرار على نفسه بالإضرار بنفسه فتظهر به السرقة، كما تظهر ~~بالبينة، وبل أولى؛ لأن المرء قد يتهم في حق غيره ما لا يتهم في حق نفسه، ~~وسواء كان الذي أقر بالسرقة عبدا مأذونا، أو محجورا بعد أن كان من أهل وجوب ~~القطع عليه، وعند زفر - رحمه الله - لا يقطع بإقرار العبد من غير تصديق ~~المولى. # وجملة الكلام: أن العبد إذا أقر بسرقة عشرة دراهم لا يخلو إما أن كان ~~مأذونا، أو محجورا، والمال قائم، أو هالك فإن كان مأذونا؛ يقطع ثم إن كان ~~المال هالكا، أو مستهلكا لا ضمان عليه سواء صدقه مولاه في إقراره، أو كذبه؛ ~~لأن القطع مع الضمان لا يجتمعان عندنا، وإن كان المال قائما فهو للمسروق ~~منه، وهذا قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر - رحمه الله -: لا يقطع من غير ~~تصديق المولى، والمال للمسروق منه. # (وجه) قوله: أن إقرار العبد يتضمن إتلاف مال المولى؛ لأن ما في يد العبد ~~مال مولاه فلا يقبل من ms4148 غير تصديق المولى. # (ولنا) أن العبد غير متهم في هذا الإقرار؛ لأن المولى إن كان يتضرر به ~~فضرر العبد أعظم، فلم يكن متهما في إقراره فيقبل؛ ولأنه لا ملك للمولى في ~~يد العبد في حق القطع، كما لا ملك له في نفسه في حق القتل، فكان العبد فيه ~~مبقى على أصل الحرية فيقبل إقراره كالحر، وبه # PageV07P081 # تبين أن إقراره لم يتضمن إبطال حق المولى في حق القطع لعدم الحق له في ~~حقه، وإن كان محجورا تقطع يده، ثم إن كان المال هالكا، أو مستهلكا لا ضمان ~~عليه كذبه مولاه، أو صدقه، وإن كان قائما، فإن صدقه مولاه؛ تقطع يده، ~~والمال للمسروق منه، وإن كذبه بأن قال: هذا مالي اختلف فيه أصحابنا الثلاثة ~~قال أبو حنيفة: " تقطع يده، والمال للمسروق منه "، وقال أبو يوسف: " تقطع ~~يده، والمال للمولى، ولا ضمان على العبد في الحال، ولا بعد العتق ". # وقال محمد: " لا تقطع يده، والمال للمولى، ويضمن مثله للمقر له بعد العتق ~~". # (وجه) قوله ظاهر؛ لأن إقرار المحجور بالمال لا يصح؛ لأن ما في يده ملك ~~مولاه ظاهرا وغالبا، وإذا لم ينفذ إقراره بالمال بقي المال على حكم ملك ~~المولى، ولا قطع في مال المولى، بخلاف المأذون؛ لأن إقراره بالمال جائز، ~~وإذا جاز إقراره بالمال لغيره تثبت السرقة منه فيقطع. # (وجه) قول أبي يوسف: أن إقراره بالحد جائز، وإن كان لا يجوز بالمال إذ ~~ليس من ضرورة جواز إقراره في حق الحد جوازه في المال ألا ترى أنه لو قال: ~~سرقت هذا المال الذي في يد زيد من عمرو يقبل إقراره في القطع، ولا يقبل في ~~المال كذا هذا. # (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله -: أن إقرار العبد بالحد جائز؛ لما ~~ذكرنا في العبد المأذون فلزمه القطع، فبعد ذلك لا يخلو إما أن يقطع في ~~المال المقر به بعينه، ويرد المسروق إلى المولى، وإما أن يقطع في مال بغير ~~عينه لا سبيل إلى الأول؛ لأن قطع اليد في مال محكوم به لمولاه لا ms4149 يجوز، ولا ~~يجوز أن يقطع في مال بغير عينه؛ لأن الإقرار صادف مالا معينا فتعين أن يقطع ~~في المال المقر به بعينه، ويرد المال إلى المسروق منه هذا إذا كان العبد ~~بالغا عاقلا وقت الإقرار، فأما إذا كان صبيا عاقلا فلا قطع عليه؛ لأنه ليس ~~من أهل الخطاب بالشرائع، ثم ينظر إن كان مأذونا يصح إقراره بالمال فإن كان ~~قائما يرد عليه. # وإن كان هالكا يضمن، وإن كان محجورا لا يصح إقراره إلا بتصديق المولى، ~~فإن كذبه فالمال للمولى إن كان قائما، وإن كان هالكا لا ضمان عليه لا في ~~الحال، ولا بعد العتاق ولو أقر العبد بسرقة ما دون العشرة لا يقطع؛ لأن ~~النصاب شرط، ثم ينظر إن كان مأذونا يصح إقراره، ويرد المال إلى المسروق ~~منه، وإن كان هالكا يضمن سواء كان العبد مخاطبا أو لم يكن، وإن كان محجورا، ~~فإن صدقه مولاه فكذلك، وإن كذبه فالمال للمولى، ويضمن العبد بعد العتق إن ~~كان مخاطبا وقت الإقرار. # وإن كان صغيرا لا ضمان عليه، والأصل في جنس هذه المسائل: أن كل ما لا يصح ~~إقرار المولى على عبده يصح إقرار العبد فيه، ثم المولى إذا أقر على عبده ~~بالقصاص، أو حد الزنا، أو حد القذف، أو السرقة، أو القطع في السرقة لا يصح، ~~فإذا أقر العبد بهذه الأشياء يصح. # (وأما) إذا أقر المولى على عبده بالجناية فيما دون النفس فيما يجب فيه ~~الدفع، أو الفداء فإنه ينظر إن لم يكن عليه دين صح؛ لأن الجناية فيما دون ~~النفس يسلك فيها مسلك الأموال فكأن المولى أقر عليه بالدين. # ولو أقر عليه بالدين يصح كذا هذا، وإن كان عليه دين لا يصح؛ لأنه لو أقر ~~عليه بالدين، وعليه دين لا يصح كذا إذا أقر عليه بالجناية، والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم، وعدم التقادم في الإقرار (إقرار العبد بالسرقة) ليس بشرط ~~لجوازه فيجوز سواء تقادم عهد السرقة، أو لا، بخلاف البينة، والفرق ذكرناه ~~في كتاب الحدود، واختلف في العدد في هذا الإقرار: أنه ms4150 هل هو شرط: قال أبو ~~حنيفة، ومحمد - رحمهما الله -: ليس بشرط، ويظهر بالإقرار مرة واحدة، وقال ~~أبو يوسف - رحمه الله - شرط فلا يقطع ما لم يقر مرتين في مكانين، والدلائل ~~ذكرناها في كتاب الحدود. # وكذا اختلف في دعوى المسروق منه أنها هل هي شرط كون الإقرار مظهرا للسرقة ~~كما هي شرط كون البينة مظهرة لها؟ قال أبو حنيفة، ومحمد - رحمهما الله - ~~شرط حتى لو أقر السارق أنه سرق مال فلان الغائب لم يقطع ما لم يحضر المسروق ~~منه، ويخاصم عندهما، وقال أبو يوسف الدعوى في الإقرار ليست بشرط، ويقطع حال ~~غيبة المسروق منه. # (وجه) قوله: أن إقراره بالسرقة إقرار على نفسه، والإنسان يصدق في الإقرار ~~على نفسه؛ لعدم التهمة، ولهذا لو أقر بالزنا بامرأة، وهي غائبة قبل إقراره ~~حد كذا هذا، ولهما ما روي «أن سمرة - رضي الله عنه - قال للنبي - عليه ~~الصلاة والسلام -: إني سرقت لآل فلان فأنفذ إليهم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فسألهم فقالوا: إنا فقدنا بعيرا لنا في ليلة كذا فقطعه» فلولا ~~أن المطالبة شرط ظهور السرقة بالإقرار لم يكن ليسألهم، بل كان يقطع السارق، ~~ولأن كل من في يده شيء فالظاهر أنه ملكه. # (فأما) إذا أقر به لغيره لم يحكم بزوال ملكه عنه حتى يصدقه المقر له، ~~والغائب يجوز أن يصدقه فيه، ويجوز أن يكذبه فبقي على حكم # PageV07P082 # ملك السارق فلا يقطع، ولأن في ظهور السرقة بهذا الإقرار شبهة العدم ~~لاحتمال التكذيب من المسروق منه فإنه يحتمل أن يحضر فيكذبه في إقراره، ~~بخلاف الإقرار بالزنا بامرأة غائبة أنه يحد المقر، وإن كان يحتمل أن تحضر ~~المرأة فتدعي شبهة؛ لأن هناك لو كانت حاضرة، وادعت الشبهة يسقط الحد لأجل ~~الشبهة فلو سقط عند غيبتها لسقط لشبهة الشبهة، وأنها غير معتبرة في درء ~~الحد، وههنا، بخلافه؛ لأن المسروق منه لو كان حاضرا، وكذب السارق في إقراره ~~بالسرقة منه لم يقطع لا لمكان الشبهة، بل لانعدام فعل السرقة. # فلم يكن السقوط حال الغيبة اعتبار شبهة الشبهة والله ms4151 تعالى أعلم قال ~~محمد: لو قال سرقت هذه الدراهم، ولا أدري لمن هي، أو قال: سرقتها، ولا ~~أخبرك من صاحبها: لا يقطع؛ لأن جهالة المسروق منه فوق غيبته، ثم الغيبة لما ~~منعت القطع على أصله فالجهالة أولى؛ ولأن الخصومة لما كانت شرطا، فإذا كان ~~المسروق منه مجهولا تتحقق الخصومة فلا يقطع، وإذا عرف أن الخصومة شرط ظهور ~~السرقة الموجبة للقطع بالبينة على الاتفاق، وبالإقرار على الاختلاف فلا بد ~~من بيان من يملك الخصومة، ومن لا يملكها فنقول: - وبالله التوفيق - الأصل ~~أن كل من كان له يد صحيحة يملك الخصومة، ومن لا فلا، فللمالك أن يخاصم ~~السارق إذا سرق منه لا شك فيه؛ لأن يد المالك يد صحيحة. # وأما المودع، والمستعير، والمضارب، والمبضع، والغاصب، والقابض على سوم ~~الشراء، والمرتهن فلا خلاف بين أصحابنا - رضي الله عنهم - في أن لهم أن ~~يخاصموا السارق، وتعتبر خصومتهم في حق ثبوت ولاية الاسترداد، والإعادة إلى ~~أيديهم. # وأما في حقوق القطع فكذلك عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله - ويقطع ~~السارق بخصومتهم، وعند زفر - رحمه الله -: لا تعتبر خصومتهم في حق القطع، ~~ولا يقطع السارق بخصومة هؤلاء، وعند الشافعي - رحمه الله -: لا يعتبر ~~بخصومة غير المالك أصلا لا في حق القطع، ولا في حق ولاية الاسترداد. # (ووجه) قول زفر - رحمه الله -: أن يد هؤلاء ليست بيد صحيحة في الأصل أما ~~يد المرتهن فظاهر؛ لأنها يد حفظ لا أنه يثبت له ولاية الخصومة لضرورة ~~الإعادة إلى يد الحفظ ليتمكن من التسليم من المالك، وكذلك يد الغاصب، ~~والقابض - على سوم الشراء - والمرتهن يدهم يد ضمان لا يد خصومة، وإنما يثبت ~~لهم ولاية الخصومة لإمكان الرد إلى المالك، فكان ثبوت ولاية الخصومة لهم ~~بطريق الضرورة، والثابت بضرورة يكون عدما فيما، وراء محل الضرورة؛ لانعدام ~~علة الثبوت، وهي الضرورة، فكانت الخصومة منعدمة في حق القطع، ولا قطع بدون ~~الخصومة؛ ولهذا لا يقطع بخصومة السارق كذا هذا. # (ولنا) أن الخصومة شرط صيرورة البينة: حجة مظهرة للسرقة؛ لما بينا أن ~~الفعل لا يتحقق سرقة ms4152 ما لم يعلم أن المسروق ملك غير السارق، وإنما يعلم ذلك ~~بالخصومة، فكانت الخصومة شرط كون البينة مظهرة للسرقة، وكونها مظهرة للسرقة ~~ثبت بخصومة هؤلاء، وإذا ظهرت السرقة يقطع لقوله تعالى {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ، بخلاف السارق أنه لا يقطع بخصومته؛ لأن ~~يده ليست بصحيحة؛ لما نذكر على أن عدم القطع هناك لخلل في ملك المسروق؛ لما ~~بينا فيما تقدم، وههنا لا خلل في العصمة ألا ترى أن هناك لا يقطع بخصومة ~~المالك، وههنا يقطع ولو حضر المالك، وغاب المرتهن هل له أن يخاصم السارق، ~~ويقطعه، ذكر في الجامع الصغير أن له ذلك، وروى ابن سماعة عن محمد - رحمه ~~الله - أنه ليس له ذلك. # (وجه) رواية ابن سماعة أن ولاية الخصومة للمسروق منه، والمالك ليس بمسروق ~~منه؛ لأن السارق لم يسرق منه، وإنما سرق من غيره فلم يكن له ولاية الخصومة. # (وجه) رواية الجامع أن الخصومة في باب السرقة إنما شرطت ليعلم أن المسروق ~~ملك غير السارق، وهذا يحصل بخصومة المالك فتصح خصومته كما تصح خصومة ~~المرتهن، بل أولى؛ لأن يد المرتهن يد نيابة فلما صحت الخصومة بيد النيابة ~~فيد الأصالة أولى. # ولو حضر المغصوب منه، وغاب الغاصب، ذكر في الجامع الصغير أن له أن يخاصم، ~~ويطالب بالقطع، ولم يذكر ابن سماعة في الغصب خلافا، وذكر القدوري - عليه ~~الرحمة - أنه ينبغي أن يكون الخلاف فيهما، واحدا، وليس للراهن أن يخاصم ~~السارق فيقطعه؛ لأنه ليس له حق القبض قبل قضاء الدين فلا يملك المطالبة، ~~حتى لو قضى الدين له أن يخاصم؛ لأنه ثبت ولاية القبض بالفكاك قال القدوري - ~~رحمه الله -: وعلى قياس رواية ابن سماعة لا يثبت للراهن ولاية المطالبة مع ~~غيبة المرتهن كما في المودع، بل أولى؛ لأن يد المرتهن أقوى من يد المودع؛ ~~لأن يد المرتهن لنفسه، ويد المودع لغيره. # ولو هلك الرهن # PageV07P083 # في يد السارق كان للمرتهن أن يقطعه، ولا سبيل للراهن عليه؛ لأن المرتهن ~~كان له ولاية القطع قبل الهلاك، وهلاك المحل لا يسقط القطع فيثبت ms4153 الولاية. # (فأما) الراهن فلم يبق له حق في المرهون ألا ترى أنه سقط عنه الدين ~~بهلاكه فلا تثبت له ولاية المطالبة. # (وأما) السارق فلا يملك الخصومة؛ لأن يده ليست بمضمونة؛ لأنها ليست بيد ~~ملك، ولا يد ضمان، ولا يد أمانة فصار الأخذ من يده كالأخذ من الطريق فلم ~~يكن له أن يخاصم الثاني بالقطع، ولا للمالك أيضا ولاية المخاصمة؛ لأن أخذ ~~المال من اليد الصحيحة شرط وجوب القطع، ولم يوجد فلا يجب القطع، فلا تثبت ~~له ولاية المطالبة. # وهل للسارق الأول أن يطالب الثاني برد المسروق إلى يده قالوا: فيه ~~روايتان في رواية له ذلك، وفي رواية ليس له ذلك. # (وجه) الرواية الأولى على نحو ما بينا: أن المسروق منه لم تكن له يد ~~صحيحة فصار الأخذ منه كالأخذ من الطريق سواء. # (وجه) الرواية الثانية: أن من الجائز أن يختار المالك الضمان، ويترك ~~القطع فيحتاج إلى أن يسترده من يده فيدفع إليه فيتخلص عن الضمان كما في ~~الغصب، ونحوه على ما مر وذكر القدوري - عليه الرحمة - أنه يجوز أن يقال ما ~~لم يقطع فله ذلك. # (وأما) بعد القطع فليس له ذلك؛ لأن قبل القطع يحتمل اختيار الضمان، وبعده ~~لا، قال ويجوز أن يقال له ذلك بعد القطع أيضا؛ لأن الضمان إن لم يجب عليه ~~في القضاء فهو واجب عليه فيما بينه وبين الله تعالى؛ فيحتاج إلى الاسترداد ~~ليتخلص عن الضمان الواجب عليه فيما بينه وبين الله - سبحانه وتعالى - ولا ~~تظهر السرقة الموجبة للقطع بعلم القاضي، سواء استفاده قبل زمان القضاء، أو ~~في زمان القضاء؛ لما ذكرنا في كتاب أدب القاضي، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في حكم السرقة] # (فصل) : # وأما حكم السرقة فنقول - وبالله التوفيق -: للسرقة حكمان: أحدهما: يتعلق ~~بالنفس، والآخر: يتعلق بالمال (أما) الذي يتعلق بالنفس فالقطع لقوله سبحانه ~~وتعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ؛ ولما روينا من ~~الأخبار، وعليه إجماع الأمة، فالكلام في هذا الحكم يقع في مواضع: في بيان ~~صفات هذا الحكم، وفي بيان محل إقامته، وفي ms4154 بيان من يقيمه، وفي بيان ما يسقط ~~بعد ثبوته، وفي بيان حكم السقوط بعد الثبوت، أو عدم الثبوت أصلا لمانع من ~~الشبهة. # (أما) صفات هذا الحكم فأنواع: (منها) أن يبقى وجوب ضمان المسروق عندنا ~~فلا يجب الضمان والقطع في سرقة واحدة، ولقب المسألة أن الضمان، والقطع هل ~~يجتمعان في سرقة واحدة؟ عندنا لا يجتمعان حتى لو هلك المسروق في يد السارق ~~بعد القطع، أو قبله لا ضمان عليه، وعند الشافعي - رحمه الله -: فيقطع، ~~ويضمن ما استهلكه. # (وجه) قوله: أنه وجد من السارق سبب وجوب القطع والضمان؛ فيجبان جميعا، ~~وإنما قلنا ذلك؛ لأنه وجد منه السرقة، وإنها سبب لوجوب القطع، والضمان؛ ~~لأنها جناية حقين: حق الله - عز وجل - وحق المسروق منه. # (أما) الجناية على حق الله - سبحانه وتعالى - فهتك حرمة حفظ الله - ~~سبحانه وتعالى - إذ المال حال غيبة المالك محفوظ بحفظ الله - سبحانه وتعالى ~~-. # (وأما) الجناية على حق العبد فبإتلاف ماله، فكانت الجناية على حقين، ~~فكانت مضمونة بضمانين فيجب ضمان القطع من حيث إنها جناية على حق الله - ~~سبحانه وتعالى - وضمان المال من حيث إنها جناية على حق العبد، كمن شرب خمر ~~الذمي أنه يجب عليه الحد حقا لله تعالى، والضمان حقا للعبيد، وكذا قتل ~~الخطأ يوجب الكفارة حقا لله تعالى، والدية حقا للعبد، كذا هذا، والدليل ~~عليه أن المسروق لو كان قائما يجب رده على المالك فدل أنه بقي معصوما حقا ~~للمالك. # (ولنا) الكتاب، والسنة، والمعقول: أما الكتاب العزيز فقوله سبحانه وتعالى ~~{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا} [المائدة: 38] ، ~~والاستدلال بالآية من وجهين: أحدهما: أن الله - سبحانه وتعالى - سمى القطع ~~جزاء، والجزاء يبنى على الكفاية فلو ضم إليه الضمان لم يكن القطع كافيا فلم ~~يكن جزاء تعالى الله - سبحانه عز شأنه - عن الخلف في الخبر والثاني: أنه ~~جعل القطع كل الجزاء؛ لأنه عز شأنه ذكره، ولم يذكر غيره فلو أوجبنا الضمان ~~لصار القطع بعض الجزاء؛ فيكون نسخا لنص الكتاب العزيز. # وأما السنة فما روي عن - سيدنا - عبد الرحمن بن ms4155 عوف - رضي الله عنه - عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا قطع السارق فلا غرم عليه» ، ~~والغرم في اللغة ما يلزم أداؤه، وهذا نص في الباب. # (وأما) المعقول فمن وجهين: أحدهما: بناء، والآخر ابتداء (أما) وجه البناء ~~فهو: أن المضمونات عندنا تملك عند أداء الضمان، أو اختياره من وقت الأخذ ~~فلو ضمنا السارق # PageV07P084 # قيمة المسروق، أو مثله لملك المسروق من وقت الأخذ فتبين أنه قطع في ملك ~~نفسه، وذلك لا يجوز. # (وأما) ، وجه الابتداء فما قاله بعض مشايخنا وهو: أن الضمان إنما يجب ~~بأخذ مال معصوم ثبتت عصمته حقا للمالك؛ فيجب أن يكون المضمون بهذه الصفة؛ ~~ليكون اعتداء بالمثل في ضمان العدوانات، والمضمون حالة السرقة خرج من أن ~~يكون معصوما حقا للمالك بدلالة وجوب القطع، ولو بقي معصوما حقا للمالك لما ~~وجب، إذ الثابت حقا للعبد يثبت لدفع حاجته، وحاجة السارق كحاجة المسروق منه ~~فتتمكن فيه شبهة الإباحة، وإنها تمنع وجوب القطع. # والقطع واجب فينتفي الضمان ضرورة إلا أنه وجب رد المسروق حال قيامه؛ لأن ~~وجوب الرد يقف على الملك لا على العصمة، ألا ترى أن من غصب خمر المسلم يؤمر ~~بالرد إليه؛ لقيام ملكه فيها، ولو هلكت في يد الغاصب لا ضمان عليه؛ لعدم ~~العصمة فلم يكن من ضرورة سقوط العصمة الثابتة حقا للعبد زوال ملكه عن ~~المحل، وههنا الملك قائم فيؤمر بالرد إليه، والعصمة زائلة فلا يكون مضمونا ~~بالهلاك، ويخرج على هذا الأصل مسائل إذا استهلك السارق المسروق بعد القطع ~~لا يضمن في ظاهر الرواية، وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه يضمن. # (وجه) هذه الرواية: أن المسروق بعد القطع بقي على ملك المسروق منه ألا ~~ترى أنه يجب رده على المالك، وقبض السارق ليس بقبض مضمون، فكان المسروق في ~~يده بمنزلة الأمانة فإذا استهلكها ضمن. # (وجه) ظاهر الرواية: أن عصمة المحل الثابتة حقا للمالك قد سقطت في حق ~~السارق لضرورة إمكان إيجاب القطع، فلا يعود إلا بالرد إلى المالك فلم يكن ~~معصوما قبله؛ فلا ms4156 يكون مضمونا، ولو استهلك؛ رجل آخر يضمنه؛ لأن العصمة إنما ~~سقطت في حق السارق لا في حق غيره؛ فيضمن، ولو سقط القطع لشبهة ضمن؛ لأن ~~المانع من الضمان هو القطع، قد زال المانع. # ولو باع السارق المسروق من إنسان، أو ملكه منه بوجه من الوجوه، فإن كان ~~قائما فلصاحبه أن يأخذه؛ لأنه عين ملكه، وللمأخوذ منه أن يرجع على السارق ~~بالثمن الذي دفعه؛ لأن الرجوع بالثمن لا يوجب ضمانا على السارق في عين ~~المسروق؛ لأنه يرجع عليه بثمن المسروق لا بقيمته ليوجب ذلك ملك المسروق ~~للسارق، وإن كان هلك في يده فلا ضمان على السارق، ولا على القابض هكذا روي ~~عن أبي يوسف، أما السارق؛ فلأن القطع ينفي الضمان. # (وأما) المشتري؛ فلأنه لو ضمنه المالك لكان له أن يرجع بالضمان على ~~السارق فيصير كأن المالك ضمن السارق، وقطعه ينفي الضمان عنه، وإن كان ~~استهلكه القابض كان للمالك أن يضمنه القيمة؛ لأنه قبض ماله بغير إذنه، وهلك ~~في يده، وللمشتري أن يرجع على السارق بالثمن؛ لأن الرجوع بالثمن ليس بتضمين ~~ولو اغتصبه إنسان من السارق فهلك في يده بعد القطع فلا ضمان للسارق، ولا ~~للمسروق منه، (أما) السارق؛ فلأنه ليس بمالك. # (وأما) المالك؛ فلأن العصمة الثابتة له حقا قد بطلت، قال القدوري: وكان ~~للمولى أن يضمنه الغاصب؛ لأنه لو ضمن لا يرجع بالضمان على السارق، وعلى هذا ~~يخرج ما إذا سرق ثوبا فخرقه في الدار خرقا فاحشا، ثم أخرجه وهو يساوي عشرة ~~دراهم لا يقطع؛ لأن الخرق الفاحش سبب لوجوب الضمان، وأنه يوجب ملك المضمون، ~~وذلك يمنع القطع، وإن خرقه عرضا؛ فقد مر الاختلاف فيه. # (ومنها) أن يجري فيه التداخل، حتى إنه لو سرق سرقات فرفع فيها كلها فقطع، ~~أو رفع في بعضها فقطع فيما رفع فالقطع للسرقات كلها، ولا يقطع في شيء منها ~~بعد ذلك؛ لأن أسباب الحدود إذا اجتمعت - وأنها من جنس واحد - يكتفى فيها ~~بحد واحد كما في الزنا، وهذا؛ لأن المقصود من إقامة الحد هو الزجر، والردع، ms4157 ~~وذلك يحصل بإقامة الحد الواحد، فكان في إقامة الثاني. # والثالث شبهة عدم الفائدة فلا يقام؛ ولهذا يكتفى في باب الزنا بالإقامة ~~لأول حد كذا هذا، ولأن محل الإقامة قد فات، إذ محلها اليد اليمنى؛ لأن كل ~~سرقة وجدت ما أوجبت إلا قطع اليد اليمنى، فإذا قطعت في واحدة منها فقد فات ~~محل الإقامة، وصار كما لو ذهبت اليد اليمنى بآفة سماوية. # وأما حكم الضمان فلا خلاف بين أصحابنا - رضي الله عنهم - في أنه إذا حضر ~~أصحاب السرقات، وخاصموا فيها فقطع بمخاصمتهم أنه لا ضمان على السارق في ~~السرقات كلها؛ لأن مخاصمة المسروق منه بالقطع بمنزلة الإبراء عن الضمان ~~عندنا، فإذا خاصموا جميعا فكأنهم أبرءوا. # وأما إذا خاصم واحد في سرقة فقطع فلا ضمان على السارق فيما خوصم بإجماع ~~بين أصحابنا # PageV07P085 # - رضي الله عنهم -. # وأما فيما لم يخاصم فيه فقد اختلفوا، قال أبو حنيفة - رحمه الله -: " لا ~~ضمان عليه في شيء من السرقات خاصموا، أو لم يخاصموا "، وقال أبو يوسف، ~~ومحمد - رحمهما الله -: " يضمن في السرقات كلها إلا فيما خوصم ". # (وجه) قولهما: أن المسروق منه مخير بين أن يدعي المال ليستوفي حقه، وهو ~~الضمان، وبين أن يدعي السرقة ليستوفي في حق الله - سبحانه وتعالى - وهو ~~القطع، ولا ضمان له، فكان سقوط الضمان مبنيا على دعوى السرقة والخصومة ~~فيها، فمن خاصم منهم فقد وجد منه ما يوجب سقوط الضمان، ومن لم يخاصم؛ لم ~~يوجد منه المسقط فيبقى حقه في الضمان كما كان. # ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أن النافي للضمان هو القطع، والقطع وقع ~~للسرقات كلها فينفي الضمان في السرقات كلها، هذا إذا كان المسروق هالكا، ~~أما إذا كان قائما رد كل مسروق إلى صاحبه؛ لأن القطع ينفي الضمان لا الرد ~~ومنها أنه لا يحتمل العفو حتى لو أمر الإمام بقطع السارق فعفا عنه المسروق ~~منه كان عفوه باطلا؛ لأن صحة العفو يعتمد كون المعفو عنه حقا للعافي، ~~والقطع خالص حق الله - سبحانه وتعالى - لا حق للعبد فيه فلا يصح عفوه، ~~والله - سبحانه ms4158 وتعالى - أعلم. # وأما محل إقامة هذا الحكم فالكلام فيه في موضعين: أحدهما: في بيان أصل ~~المحل، ومراعاة الترتيب فيه، والثاني: في بيان موضع إقامة الحكم منه أما ~~الأول فأصل المحل عند أصحابنا طرفان فقط، وهما: اليد اليمنى، والرجل اليسرى ~~فتقطع اليد اليمنى في السرقة الأولى، وتقطع الرجل اليسرى في السرقة ~~الثانية، ولا يقطع بعد ذلك أصلا، ولكنه يضمن السرقة، ويعزر، ويحبس حتى يحدث ~~توبة عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله -: الأطراف الأربعة محل القطع على ~~الترتيب: فتقطع اليد اليمنى في المرة الأولى، وتقطع الرجل اليسرى في المرة ~~الثانية، وتقطع اليد اليسرى في المرة الثالثة، وتقطع الرجل اليمنى في ~~السرقة الرابعة، احتج الشافعي - رحمه الله - بقوله تعالى {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ، والأيدي اسم جمع، والاثنان فما فوقهما ~~جماعة على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال الله تعالى {إن ~~تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] ، وأنه لم يكن لكل واحد إلا ~~قلب واحد إلا أن الترتيب في قطع الأيدي ثبت بدليل آخر. # وهذا لا يخرج اليد اليسرى من أن تكون محلا للقطع في الجملة، وروي أن - ~~سيدنا - أبا بكر - رضي الله عنه - قطع سارق حلي أسماء، وكان أقطع اليد، ~~والرجل. # (ولنا) ما روي أن - سيدنا - عليا - رضي الله عنه - أتي بسارق فقطع يده، ~~ثم أتي به الثانية وقد سرق فقطع رجله، ثم أتي به الثالثة وقد سرق فقال: لا ~~أقطعه إن قطعت يده فبأي شيء يأكل بأي شيء يتمسح، وإن قطعت رجله بأي شيء ~~يمشي إني لأستحي من الله فضربه بخشبة، وحبسه. # وروي أن - سيدنا - عمر - رضي الله عنه - أتي بسارق أقطع اليد، والرجل قد ~~سرق نعالا يقال له سدوم، وأراد أن يقطعه فقال له - سيدنا - علي - رضي الله ~~عنه - إنما عليه قطع يد ورجل فحبسه - سيدنا - عمر - رضي الله عنه - ولم ~~يقطعه، وسيدنا عمر وسيدنا علي - رضي الله عنهما - لم يزيدا في القطع على ~~قطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى، وكان ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله ~~عنهم -، ولم ms4159 ينقل أنه أنكر عليهما منكر؛ فيكون إجماعا من الصحابة - رضي ~~الله عنهم -. # (ولنا) أيضا دلالة الإجماع، والمعقول، أما دلالة الإجماع فهي أنا أجمعنا ~~على أن اليد اليمنى إذا كانت مقطوعة لا يعدل إلى اليد اليسرى، بل إلى الرجل ~~اليسرى، ولو كان لليد اليسرى مدخلا في القطع لكان لا يعدل إلا إليها؛ لأنها ~~منصوص عليها، ولا يعدل عن المنصوص عليه إلى غيره فدل العدول إلى الرجل ~~اليسرى لا إليها على أنه لا مدخل لها في القطع بالسرقة أصلا. # وهذا النوع من الاستدلال ذكره الكرخي - رحمه الله - وأما المعقول فهو أن ~~في قطع اليد اليسرى تفويت جنس منفعة من منافع النفس أصلا، وهي منفعة البطش؛ ~~لأنها تفوت بقطع اليد اليسرى بعد قطع اليمنى فتصير النفس في حق هذه المنفعة ~~هالكة، فكان قطع اليد اليسرى إهلاك النفس من وجه، وكذا قطع الرجل اليمنى ~~بعد قطع الرجل اليسرى تفويت منفعة المشي؛ لأن منفعة المشي تفوت بالكلية، ~~فكان قطع الرجل اليمنى إهلاك النفس من كل وجه، وإهلاك النفس من كل وجه لا ~~يصلح حدا في السرقة، كذا إهلاك النفس من وجه؛ لأن الثابت من وجه ملحق ~~بالثابت من كل وجه في الحدود احتياطا، ولا حجة له في الآية الشريفة؛ لأن ~~ابن مسعود - رضي الله عنه - قرأ " فاقطعوا أيمانهما "، ولا يظن بمثله أن ~~يقرأ ذلك من تلقاء نفسه. # بل سماعا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرجت قراءته مخرج التفسير ~~لمبهم الكتاب العزيز، وهكذا روي عن عبد الله بن عباس # PageV07P086 # - رضي الله عنهما - في قوله - عز وجل - {فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ~~أنه قال أيمانهما، وهكذا روي عن الحسن، وإبراهيم - رحمهما الله - وأما حديث ~~لا قطع فقد روى الزهري في الموطأ عن - سيدتنا - عائشة - رضي الله عنها - ~~أنها قالت لما كان الذي سرق حلي أسماء أقطع اليد اليمنى فقطع - سيدنا - أبو ~~بكر - رضي الله عنه - رجله اليسرى، وكانت تنكر أن يكون أقطع اليد، والرجل، ~~ثم إنما تقطع يده اليمنى في الكرة الأولى إذا كانت اليد اليسرى صحيحة ms4160 يمكنه ~~أن ينتفع بها بعد قطع اليد اليمنى. # والرجل اليمنى صحيحة يمكنه الانتفاع بها بعد قطع الرجل اليسرى، فإن كانت ~~اليد اليسرى مقطوعة، أو شلاء، أو مقطوعة الإبهام، أو أصبعين سوى الإبهام لا ~~تقطع اليد اليمنى؛ لأن القطع في السرقة شرع زاجرا لا مهلكا، فإذا لم تكن ~~اليد اليسرى يمكن الانتفاع بها؛ فقطع اليد اليمنى يقع تفويتا لجنس المنفعة، ~~وهي منفعة البطش أصلا فيقع إهلاكا للنفس من وجه فلا تقطع، ولا يقطع رجله ~~اليسرى أيضا؛ لأنه يذهب أحد الشقين على الكمال فيهلك النفس من وجه ولو كانت ~~اليد اليسرى مقطوعة أصبع واحدة سوى الإبهام تقطع يده اليمنى؛ لأن القطع لا ~~يتضمن فوات جنس المنفعة. # وكذا إن كانت الرجل اليمنى مقطوعة، أو شلاء، أو بها عرج يمنع المشي عليها ~~لا تقطع اليد اليمنى؛ لما فيه من فوات الشق، ولا رجله اليسرى، وإن كانت ~~صحيحة؛ لأنه يبقى بلا رجلين فيفوت جنس المنفعة ولو كانت رجله اليمنى مقطوعة ~~الأصابع كلها فإن كان يستطيع القيام، والمشي عليها تقطع يده اليمنى؛ لأن ~~الجنس لا يفوت، وإن كان لا يستطيع لا يقطع لفوات الشق ولو كانت يداه ~~صحيحتين، ولكن رجله اليسرى مقطوعة، أو شلاء أو مقطوعة الإبهام أو الأصابع ~~تقطع يده اليمنى؛ لأن جنس المنفعة لا يفوت، ولا فيه فوات الشق أيضا. # ولو سرق ويمناه شلاء، أو مقطوعة الإبهام، أو الأصابع لقوله - سبحانه ~~وتعالى - {فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] أي: أيمانهما من غير فصل بين ~~يمين، ويمين، ولأنها لو كانت سليمة تقطع فالناقصة المعيبة أولى بالقطع، ثم ~~فرق بين القطع في السرقة، وبين الإعتاق في الكفارة حيث جعل فوات إصبعين سوى ~~الإبهام من اليد اليسرى نقصانا مانعا من قطع اليد اليمنى، ولم يجعل فوات ~~إصبعين نقصانا مانعا من جواز الإعتاق ما لم يكن ثلاثا. # (وجه) الفرق: أن القطع حد فهذا القدر من النقصان يورث شبهة، بخلاف العتق، ~~والله - سبحانه وتعالى - أعلم ولو قال الحاكم للحداد اقطع يد السارق فقطع ~~اليد اليسرى فهذا على، وجهين: إما أن قال اقطع ms4161 يده مطلقا، وإما أن قيده ~~فقال: اقطع يده اليمنى فإن أطلق فقال: له اقطع يده فقطع اليسرى لا ضمان ~~عليه للحال؛ لأنه فعل ما أمر به حيث أمره بقطع اليد، وقد قطع اليد، وإن قيد ~~فقال: اقطع يده اليمنى فقطع اليسرى فإن أخرج السارق يده، وقال هذا هو يميني ~~فلا ضمان عليه أيضا؛ لأنه قطع بأمره فلا يضمن كمن قال لآخر اقطع يدي فقطعه ~~لا ضمان عليه كذا هذا، وإن لم يخرج السارق يده، ولم يقل ذلك، ولكنه قطع ~~اليسرى خطأ لا ضمان عليه عند أصحابنا - رضي الله عنهم -، وعند زفر - رضي ~~الله عنه - يضمن؛ لأن الخطأ في حقوق العباد ليس بعذر. # (ولنا) أن هذا خطأ في الاجتهاد؛ لأنه أقام اليسار مقام اليمين باجتهاده ~~متمسكا بظاهر قوله - سبحانه وتعالى - {فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] من ~~غير فصل بين اليمين، واليسار، فكان هذا خطأ من المجتهد في الاجتهاد، وأنه ~~موضوع، وموضوع المسألة في هذا الخطأ لا فيما إذا أخطأ فظن اليسار يمينا مع ~~اعتقاد وجوب قطع اليمين مع ما أن عند أبي حنيفة - رحمه الله -: لا يضمن ~~هناك أيضا على ما نبين، وإن قطع اليسرى عمدا لا ضمان عليه أيضا عند أبي ~~حنيفة، وعندهما يضمن لهما أنه تعمد الظلم بإقامة اليسار مقام اليمين فلم ~~يكن معذورا فيضمن، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه أتلف، وأخلف خيرا مما ~~أتلف، فلا يضمن كرجلين شهدا على رجل ببيع عبد قيمته ألف بألفين، ثم رجعا ~~أنهما لا يضمنان؛ لما قلنا كذا هذا. # وإنما قلنا: إنه أخلف خيرا مما أتلف؛ لأنه لما قطع اليسرى فقد سلمت له ~~اليمنى؛ لأنها لا تقطع بعد ذلك؛ لأنه لا يؤتى على أطرافه الأربعة، واليمنى ~~خير من اليسرى ثم على قول أبي حنيفة - عليه الرحمة - هل يكون هذا القطع - ~~وهو قطع اليسرى - قطعا من السرقة حتى إذا هلك المال في يد السارق، أو ~~استهلكه لا يضمن، أو لا يكون من السرقة حتى يضمن؟ اختلف المشايخ فيه قال ~~بعضهم: يكون، وقال بعضهم: لا يكون ms4162 هذا كله إذا قطع الحداد بأمر الحاكم، ~~فأما الأجنبي إذا قطع يده اليسرى فإن كان خطأ تجب الدية، وإن كان عمدا يجب ~~القصاص، وسقط عنه القطع في اليمين؛ لأنه لو قطع يؤدي إلى إهلاك النفس من، ~~وجه على ما بينا # PageV07P087 # ويرد عليه المسروق إن كان قائما، وعليه ضمانه في الهلاك؛ لأن المانع من ~~الضمان هو القطع وقد سقط، ولو وجب عليه قطع اليد اليمين في السرقة فلم تقطع ~~حتى قطع قاطع يمينه فهذا على وجهين: إما أن يكون قبل الخصومة، وإما أن يكون ~~بعدها، فإن كان قبل الخصومة فعلى قاطعه القصاص إن كان عمدا، والأرش إن كان ~~خطأ، وتقطع رجله اليسرى في السرقة كأنه سرق، ولا يمين له، وإن كان بعد ~~الخصومة فإن كان قبل القضاء فكذلك الجواب، إلا أنا ههنا لا نقطع رجله ~~اليسرى؛ لأنه لما خوصم كان الواجب في اليمين وقد فاتت؛ فسقط الواجب كما لو ~~ذهب بآفة سماوية، وإن كان بعد القضاء فلا ضمان على القاطع؛ لأنه احتسب ~~لإقامة حد الله - سبحانه وتعالى - فكان قطعه عن السرقة حتى لا يجب الضمان ~~على السارق فيما هلك من مال السرقة في يده، أو استهلك. # وأما الموضع الذي يقطع من اليد اليمنى فهو مفصل الزند عند عامة العلماء - ~~رضي الله عنهم -. # وقال بعضهم تقطع الأصابع، وقال الخوارج: تقطع من المنكب لظاهر قوله ~~سبحانه وتعالى {فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ، واليد اسم لهذه الجملة، ~~والصحيح قولنا؛ لما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - «قطع يد السارق من ~~مفصل الزند» ، فكان فعله بيانا للمراد من الآية الشريفة كأنه نص - سبحانه ~~وتعالى - فقال: {فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] من مفصل الزند، وعليه عمل ~~الأمة من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا، والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم. # وأما بيان من يقيم هذا الحكم فالذي يقيمه الإمام، أو من ولاه؛ لأن هذا حد ~~والمتولي لإقامة الحدود الأئمة أو من ولوهم من القضاة، والحكام، وهذا ~~عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله -: المولى يملك إقامة الحد على مملوكه، ~~والكلام في ms4163 هذا الفصل استوفيناه في كتاب الحدود. # وأما بيان ما يسقط الحد بعد وجوبه فنقول: ما يسقطه بعد وجوبه أنواع: منها ~~تكذيب المسروق منه السارق في إقراره بالسرقة بأن يقول له: لم تسرق مني، ~~ومنها تكذيبه البينة بأن يقول: شهد شهودي بزور؛ لأنه إذا كذب فقد بطل ~~الإقرار والشهادة؛ فسقط القطع، ومنها رجوع السارق عن الإقرار بالسرقة فلا ~~يقطع، ويضمن المال؛ لأن الرجوع يقبل في الحدود، ولا يقبل في المال؛ لأنه ~~يورث شبهة في الإقرار، والحد يسقط بالشبهة، ولا يسقط المال رجلان أقرا ~~بسرقة ثوب يساوي مائة درهم، ثم قال أحدهما: الثوب ثوبنا لم نسرقه، أو قال: ~~هذا لي درئ القطع عنهما؛ لأنهما لما أقرا بالسرقة فقد ثبتت الشركة بينهما ~~في السرقة. # ثم لما أنكر أحدهما فقد رجع عن إقراره فبطل الحد عنه برجوعه فيورث شبهة ~~في حق الشريك؛ لاتحاد السرقة ولو قال أحدهما: سرقنا هذا الثوب من فلان ~~فكذبه الآخر، وقال كذبت لم نسرقه قطع المقر وحده في قول أبي حنيفة، وقال ~~أبو يوسف: لا يقطع واحد منهما. # (وجه) قول أبي يوسف: أنه أقر بسرقة واحدة بينهما على الشركة، فإذا لم ~~تثبت في حق شريكه بإنكاره يؤثر ذلك في حق صاحبه ضرورة اتحاد السرقة، وهذا، ~~بخلاف ما إذا أقر بالزنا بامرأة فأنكرت: إنه يحد الرجل على أصله؛ لأن إنكار ~~المرأة لا يؤثر في إقرار الرجل إذ ليس من ضرورة عدم الزنا من جانبها عدمه ~~من جانبه، كما لو زنى بصبية، أو مجنونة، بخلاف الإقرار بالسرقة؛ لأن ذلك ~~وجد من أحدهما على وجه الشركة، فعدم السرقة من أحدهما يؤثر في حق الآخر. # (وجه) قول أبي حنيفة: أن إقراره بالشركة في السرقة إقرار بوجود السرقة من ~~كل واحد منهما، إلا أنه لما أنكر صاحبه السرقة لم يثبت منه فعل السرقة، ~~وعدم الفعل منه لا يؤثر في وجود الفعل من صاحبه فبقي إقرار صاحبه على نفسه ~~بالسرقة فيؤخذ به، بخلاف إقرار الرجل على نفسه بالزنا بامرأة، وهي تجحد؛ ~~إنه لا يجب الحد على ms4164 الرجل على أصله؛ لأن الزنا لا يقوم إلا بالرجل والمرأة ~~فإذا أنكرت لم يثبت منها فلا يتصور الوجود من الرجل، بخلاف الإقرار بالسرقة ~~على ما بينا، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (ومنها) رد السارق المسروق إلى المالك قبل المرافعة عندهما، وإحدى ~~الروايتين عن أبي يوسف. # وروي عنه أنه لا يسقط، ولا خلاف في أن الرد بعد المرافعة لا يسقط الحد. # (وجه) رواية أبي يوسف: أن السرقة حين وجودها انعقدت موجبة للقطع فرد ~~المسروق بعد ذلك لا يخل بالسرقة الموجودة؛ فلا يسقط القطع الواجب، كما لو ~~رده بعد المرافعة، ولهما أن الخصومة شرط لظهور السرقة الموجبة للقطع؛ لما ~~بينا فيما تقدم، ولما رد المسروق على المالك فقد بطلت الخصومة، بخلاف ما ~~بعد المرافعة؛ لأن الشرط وجود الخصومة لا بقاؤها، وقد وجدت. # (ومنها) ملك السارق المسروق قبل القضاء نحو ما إذا وهب المسروق منه # PageV07P088 # المسروق من السارق قبل القضاء، وجملة الكلام فيه أن الأمر لا يخلو إما أن ~~وهبه منه قبل القضاء، وإما أن وهبه بعد القضاء قبل الإمضاء فإن وهبه قبل ~~القضاء يسقط القطع بلا خلاف، وإن وهبه بعد القضاء قبل الإمضاء يسقط عندهما، ~~وقال أبو يوسف: لا يسقط، وهو قول الشافعي - رحمهما الله - احتج أبو يوسف ~~بما روي: «أن سارق رداء صفوان أخذ فأتي به إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقطع يده فقال صفوان يا ~~رسول الله إني لم أرد هذا هو عليه صدقة فقال - عليه الصلاة والسلام -: فهلا ~~قبل أن تأتيني به» فدل أن الهبة قبل القضاء تسقط، وبعده لا تسقط. # ولأن وجوب القطع حكم معلق بوجود السرقة وقد تمت السرقة، ووقعت موجبة ~~للقطع لاستجماع شرائط الوجوب فطريان الملك بعد ذلك لا يوجب خللا في السرقة ~~الموجودة فبقي القطع واجبا كما كان، كما لو رد المسروق على المالك بعد ~~القضاء، بخلاف ما قبل القضاء؛ لأن الخصومة شرط ظهور السرقة الموجبة للقطع ~~عند القاضي، وقد بطل حق الخصومة. # (وجه) قولهما: أن ms4165 القبض شرط لثبوت الملك في الهبة، والملك في الهبة يثبت ~~من، وقت القبض فيظهر الملك له من ذلك الوقت من كل وجه، أو من وجه، وكون ~~المسروق ملكا للسارق على الحقيقة أو الشبهة يمنع من القطع؛ ولهذا لم يقطع ~~قبل القضاء فكذلك بعده؛ لأن القضاء في باب الحدود إمضاؤها فما لم يمض فكأنه ~~لم يقض، ولو كان لم يقض أليس أنه لا يقطع فكذا إذا لم يمض. # ولأن الطارئ في باب الحدود ملحق بالمقارن؛ إذا كان في الإلحاق إسقاط ~~الحد، وههنا فيه إسقاط الحد فيلحق به. # (وأما) الحديث فلا حجة له فيه؛ لأن المروي قوله " هو عليه صدقة "، وقوله ~~" هو " يحتمل أنه أراد به المسروق، ويحتمل أنه أراد به القطع، وهبة القطع ~~لا تسقط الحد يدل عليه أنه روي في بعض الروايات أنه قال: وهبت القطع، وكذا ~~يحتمل أنه تصدق عليه بالمسروق، أو وهبه منه، ولكنه لم يقبضه، والقطع إنما ~~يسقط بالهبة مع القبض، وعلى هذا إذا باع المسروق من السارق قبل القضاء، أو ~~بعده على الاتفاق، والاختلاف ولو زنى بامرأة ثم تزوجها لا يسقط الحد؛ لأن ~~الملك الثابت بالنكاح لا يحتمل الاستناد إلى وقت الوطء فلا تثبت الشبهة في ~~الزنا؛ فيحد. # (وأما) حكم السقوط بعد الثبوت لمانع، وهو الشبهة وغيرها، فدخول المسروق ~~في ضمان السارق حتى لو هلك في يده بنفسه، أو استهلكه السارق يضمن؛ لأن ~~المانع من الضمان هو القطع، فإذا سقط القطع زال المانع فيضمن، والله تعالى ~~أعلم. # والثاني وجوب رد عين المسروق على صاحبه إذا كان قائما بعينه، وجملة ~~الكلام فيه: أن المسروق في يد السارق لا يخلو إما أن كان على حاله لم ~~يتغير، وإما أن أحدث السارق فيه حدثا، فإن كان على حاله رده على المالك؛ ~~لما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «على اليد ما أخذت حتى ~~ترده» . # وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال «من وجد عين ماله فهو أحق به» . # وروي «أنه - عليه الصلاة والسلام - رد رداء صفوان - رضي الله ms4166 عنه - عليه، ~~وقطع السارق فيه» ، وكذلك إن كان السارق قد ملك المسروق رجلا ببيع أو هبة، ~~أو صدقة، أو تزوج امرأة عليه، أو كان السارق امرأته فاختلعت من نفسها به. # وهو قائم في يد المالك فلصاحبه أن يأخذه؛ لأنه ملكه، إذ السرقة لا توجب ~~زوال الملك عن العين المسروقة، فكان تمليك السارق باطلا، ويرجع المشتري على ~~السارق بالثمن الذي اشتراه به؛ لما مر، فإن كان قد هلك في يدي القابض، وكان ~~البيع قبل القطع، أو بعده فلا ضمان لا على السارق، ولا على القابض؛ لما ~~بينا فيما تقدم، وإن أحدث السارق فيه حدثا لا يخلو إما أن أحدث حدثا أوجب ~~النقصان، وإما إن أحدث حدثا أوجب الزيادة، فإن أحدث حدثا أوجب النقصان ~~يقطع، وتسترد العين على المالك، وليس عليه ضمان النقصان؛ لأن نقصان المسروق ~~هلاك بعضه، ولو هلك كله يقطع، ولا ضمان عليه كذا إذا هلك البعض، ويرد ~~العين؛ لأن القطع لا يمنع الرد. # ألا ترى أنه لا يمنع رد الكل فكذا البعض، وإن أحدث حدثا أوجب الزيادة ~~فالأصل في هذا أن السارق إذا أحدث في المسروق حدثا لو أحدثه الغاصب في ~~المغصوب لا يقطع حق المالك، ينقطع حق المسروق منه، وإلا فلا، إلا أن في باب ~~الغصب يضمن الغاصب للمالك مثل المغصوب، أو قيمته، وههنا لا يضمن السارق ~~لمانع وهو القطع، إذا عرف هذا فنقول: السارق إذا قطع الثوب المسروق، وخاطه ~~قميصا؛ انقطع حق المالك؛ لأنه لو فعله الغاصب لانقطع حق المغصوب منه كذا ~~إذا فعله السارق، ولا # PageV07P089 # ضمان على السارق؛ لما بينا ولو صبغه أحمر أو أصفر فكذلك لا سبيل للمالك ~~على العين المسروقة في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وفي قولهما يأخذ المالك ~~الثوب، ويعطيه ما زاد الصبغ فيه. # (وجه) قولهما: أنه لو وجد هذا من الغاصب لخير المالك بين أن يضمن الغاصب ~~قيمة الثوب، وبين أن يأخذ الثوب، ويعطيه ما زاد الصبغ فيه، إلا أن التضمين ~~ههنا متعذر لضرورة القطع فتعين الوجه الآخر وهو: أن يأخذ ms4167 الثوب، ويعطيه ما ~~زاد الصبغ فيه إذ الغصب، والسرقة لا يختلفان في هذا الباب إلا في الضمان، ~~ولأبي حنيفة الفرق بين الغصب، والسرقة ههنا وهو: أن حق المغصوب منه إنما لم ~~ينقطع عن الثوب بالصبغ؛ لأن أصل الثوب ملكه، وهو متقوم، وللغاصب فيه حق ~~متقوم أيضا، إلا أنا أثبتنا الخيار للمالك لا للغاصب؛ لأن المالك صاحب أصل، ~~والغاصب صاحب وصف، وههنا حق السارق في الصبغ متقوم، وحق المالك في أصل ~~الثوب ليس بمتقوم في حق السارق لأجل القطع. # ألا ترى أنه لو أتلفه السارق لا ضمان عليه، فاعتبر حق السارق، وجعل حق ~~المالك في الأصل تبعا لحقه في الوصف، وتعذر تضمينه لضرورة القطع فيكون له ~~مجانا، ولكن لا يحل له أن ينتفع بهذا الثوب بوجه من الوجوه كذا قال أبو ~~حنيفة - رحمه الله -؛ لأن الثوب على ملك المسروق منه إلا أنه تعذر رده، ~~وتضمينه في الحكم، والقضاء، فما لم يملكه السارق لا يحل له الانتفاع به؛ ~~لأنه ملكه بوجه محظور من غير بدل لتعذر إيجاب الضمان؛ فلا يباح له الانتفاع ~~به، ويجوز أن يصير مال إنسان في يد غيره على وجه يخرج من أن يكون واجب ~~الرد، والضمان إليه من طريق الحكم والقضاء، لكن لا يحل له الانتفاع به فيما ~~بينه، وبين الله - تبارك وتعالى - كالمسلم إذا دخل دار الحرب بأمان فأخذ ~~شيئا من أموالهم لا يحكم عليه بالرد، ويلزمه ذلك فيما بينه، وبين الله - جل ~~جلاله. # وكذلك الباغي إذا أتلف مال العادل، ثم تاب لا يحكم عليه بالضمان، ويفتى ~~به فيما بينه، وبين الله - تبارك وتعالى - وكذلك الحربي إذا أتلف شيئا من ~~مالنا، ثم أسلم لا يحكم عليه بالرد، ويفتى بذلك فيما بينه، وبين الله - جلت ~~عظمته - وكذلك السارق إذا استهلك المسروق لا يقضى عليه بالضمان، ولكن يفتى ~~به فيما بينه، وبين الله تعالى، وكذا قاطع الطريق إذا قتل إنسانا بعصا ثم ~~جاء تائبا بطل عنه الحد، ويؤمر بأداء الدية إلى ولي القتيل، ولو قتل حربي ~~مسلما بعصا، ثم ms4168 أسلم لا يفتى بدفع الدية إلى الولي، بخلاف الباغي، وقاطع ~~الطريق، والفرق أن القتل من الحربي لم يقع سببا لوجوب الضمان؛ لأن عصمة ~~المقتول لم تظهر في حقه، فلا يجب بالإسلام؛ لأنه يجب ما قبله. # وقال الله تعالى {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} ~~[الأنفال: 38] ، بخلاف قاطع الطريق؛ لأن فعله، وقع سببا لوجوب الضمان إلا ~~أنه لا يحكم بالضمان لمانع، وهو ضرورة إقامة الحد، إلا أن الحد إذا لم يجب ~~لشبهة يحكم بالضمان فيظهر أثر المانع في الحكم، والقضاء لا في الفتوى، وكذا ~~فعل الباغي، وقع سببا لوجوب الضمان لكن لم يحكم بالوجوب لمانع، وهو عدم ~~الفائدة لقيام المنعة، وهذا المانع يخص الحكم، والقضاء، فكان الوجوب ثابتا ~~عند الله - سبحانه وتعالى - فيقضى به، وعلى هذا يخرج ما إذا سرق نقرة فضة ~~فضربها دراهم أنه يقطع، والدراهم ترد على صاحبها في قول أبي حنيفة. # وعندهما ينقطع حق المالك عن الدراهم؛ بناء على أن هذا الصنع لا يقطع حق ~~المالك في باب الغصب عنده، وعندهما ينقطع، ولو سرق حديدا، أو صفرا، أو ~~نحاسا، أو ما أشبه ذلك فضربها أواني ينظر إن كان بعد الصناعة، والضرب تباع ~~وزنا فهو على الاختلاف الذي ذكرنا، وإن كانت تباع عددا فيقطع حق المالك ~~بالإجماع - كما في الغصب - وعلى هذا إذا سرق حنطة فطحنها، وغير ذلك من هذا ~~الجنس، وسنذكر جملة ذلك في كتاب الغصب - إن شاء الله تعالى -، والله أعلم ~~بالصواب. ### | [كتاب قطاع الطريق] ### | [فصل في بيان ركن قطع الطريق] # (كتاب قطاع الطريق) # الكلام في هذا الكتاب على نحو الكلام في كتاب السرقة، وذلك في أربعة ~~مواضع: في بيان ركن قطع الطريق، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان ما يظهر به ~~قطع الطريق عند القاضي، وفي بيان حكم قطع الطريق (فصل) : # أما ركنه فهو الخروج على المارة لأخذ المال على سبيل المغالبة على وجه ~~يمتنع المارة عن المرور، وينقطع الطريق سواء كان القطع من جماعة، أو من ~~واحد بعد أن يكون له ms4169 قوة القطع، وسواء كان القطع بسلاح أو غيره من العصا # PageV07P090 # والحجر، والخشب، ونحوها؛ لأن انقطاع الطريق يحصل بكل من ذلك، وسواء كان ~~بمباشرة الكل، أو التسبيب من البعض بالإعانة، والأخذ؛ لأن القطع يحصل بالكل ~~كما في السرقة؛ ولأن هذا من عادة القطاع أعني: المباشرة من البعض، والإعانة ~~من البعض بالتسمير للدفع، فلو لم يلحق التسبب بالمباشرة في سبب وجوب الحد؛ ~~لأدى ذلك إلى انفتاح باب قطع الطريق، وانسداد حكمه، وأنه قبيح؛ ولهذا ألحق ~~التسبب بالمباشرة في السرقة كذا ههنا. ### | [فصل في شرائط قطع الطريق وبعضها يرجع إلى القاطع] # (فصل) : # وأما الشرائط فأنواع: بعضها يرجع إلى القاطع خاصة، وبعضها يرجع إلى ~~المقطوع عليه خاصة، وبعضها يرجع إليهما جميعا، وبعضها يرجع إلى المقطوع له، ~~وبعضها يرجع إلى المقطوع فيه. # (أما) الذي يرجع إلى القاطع خاصة فأنواع: (منها) أن يكون عاقلا. # (ومنها) أن يكون بالغا فإن كان صبيا، أو مجنونا فلا حد عليهما؛ لأن الحد ~~عقوبة فيستدعي جناية، وفعل الصبي، والمجنون لا يوصف بكونه جناية؛ ولهذا لم ~~يتعلق به القطع في السرقة كذا هذا ولو كان في القطاع صبي، أو مجنون فلا حد ~~على أحد في قولهما، وقال أبو يوسف - رحمه الله -: إن كان الصبي هو الذي يلي ~~القطع فكذلك، وإن كان غيره؛ حد العقلاء البالغين، قد ذكرنا المسألة في كتاب ~~السرقة. # (ومنها) الذكورة في ظاهر الرواية حتى لو كانت في القطاع امرأة فوليت ~~القتال، وأخذ المال دون الرجال لا يقام الحد عليها في الرواية المشهورة، ~~وذكر الطحاوي - رحمه الله - وقال: النساء، والرجال في قطع الطريق سواء، ~~وعلى قياس قوله تعالى يقام الحد عليها، وعلى الرجال. # (وجه) ما ذكره الطحاوي: أن هذا حد يستوي في وجوبه الذكر، والأنثى كسائر ~~الحدود؛ ولأن الحد إن كان هو القطع فلا يشترط في وجوبه الذكورة، والأنوثة ~~كسائر الحدود، فلا يشترط في وجوبه الذكورة كحد السرقة، وإن كان هو القتل ~~فكذلك كحد الزنا، وهو الرجم إذا كانت محصنة. # (وجه) الرواية المشهورة: أن ركن القطع، وهو الخروج على المارة ms4170 على وجه ~~المحاربة، والمغالبة لا يتحقق من النساء عادة لرقة قلوبهن، وضعف بنيتهن، ~~فلا يكن من أهل الحراب؛ ولهذا لا يقتلن في دار الحرب، بخلاف السرقة؛ لأنها ~~أخذ المال على وجه الاستخفاء، ومسارقة الأعين، والأنوثة لا تمنع من ذلك، ~~وكذا أسباب سائر الحدود تتحقق من النساء كما تتحقق من الرجال. # (وأما) الرجال الذين معها فلا يقام عليهم الحد في قول أبي حنيفة، ومحمد - ~~رحمهما الله - سواء باشروا معها، أو لم يباشروا فرق أبو يوسف بين الصبي، ~~وبين المرأة حيث قال: إذا باشر الصبي لا حد على من لم يباشر من العقلاء ~~البالغين، وإذا باشرت المرأة تحد الرجال. # (ووجه) الفرق: له أن امتناع الوجوب على المرأة ليس لعدم الأهلية؛ لأنها ~~من أهل التكليف، ألا ترى أنه تتعلق سائر الحدود بفعلها، بل لعدم المحاربة ~~منها أو نقصانها عادة، وهذا لم يوجد في الرجال فلا يمتنع وجوب الحد عليهم، ~~وامتناع الوجوب على الصبي لعدم أهلية الوجوب؛ لأنه ليس من أهل الإيجاب ~~عليه؛ ولهذا لم يجب عليه سائر الحدود فإذا انتفى الوجوب عليه، وهو أصل ~~امتنع التبع ضرورة. # (وجه) قولهما: أن سبب الوجوب شيء، واحد، وهو قطع الطريق، وقد حصل ممن يجب ~~عليه، وممن لا يجب عليه فلا يجب أصلا كما إذا كان فيهم صبي، أو مجنون، ~~والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) الحرية فليست بشرط لعموم قوله تبارك، وتعالى {إنما جزاء الذين ~~يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} [المائدة: 33] الآية من غير ~~فصل بين الحر والعبد؛ ولأن الركن، وهو قطع الطريق يتحقق من العبد حسب تحققه ~~من الحر؛ فيلزمه حكمه كما يلزم الحر، وكذلك الإسلام؛ لما قلنا، والله تعالى ~~أعلم. ### | [فصل في ما يرجع إلى المقطوع عليه] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المقطوع عليه خاصة فنوعان: أحدهما: أن يكون مسلما، أو ~~ذميا فإن كان حربيا مستأمنا لا حد على القاطع؛ لأن مال الحربي المستأمن ليس ~~بمعصوم مطلقا، بل في عصمته شبهة العدم؛ لأنه من أهل دار الحرب، وإنما ~~العصمة بعارض الأمان مؤقتة إلى ms4171 غاية العود إلى دار الحرب، فكان في عصمته ~~شبهة الإباحة فلا يتعلق الحد بالقطع عليه، كما لا يتعلق بسرقة ماله، بخلاف ~~الذمي؛ لأن عقد الذمة أفاد له عصمة ماله على التأبيد؛ فتعلق الحد بأخذه كما ~~يتعلق بسرقته والثاني: أن تكون يده صحيحة بأن كانت يد ملك، أو يد أمانة، أو ~~يد ضمان، فإن لم تكن صحيحة كيد السارق لا حد على القاطع كما لا حد على ~~السارق على ما مر في كتاب السرقة، والله تعالى أعلم. ### | [فصل في ما يرجع إلى القاطع والمقطوع عليه] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إليهما جميعا فواحد، وهو أن لا يكون في القطاع ذو رحم ~~محرم من أحد من المقطوع عليهم # PageV07P091 # فإن كان لا يجب الحد؛ لأن بينهما تبسطا في المال، والحرز؛ لوجود الإذن ~~بالتناول عادة فقد أخذ مالا لم يحرزه عنه الحرز المبني في الحضر، ولا ~~السلطان الجاري في السفر فأورث ذلك شبهة في الأجانب لاتحاد السبب، وهو قطع ~~الطريق، وكان الجصاص يقول: جواب الكتاب محمول على ما إذا كان المأخوذ ~~مشتركا بين المقطوع عليهم، وفي القطاع من هو ذو رحم محرم من أحدهم، فأما ~~إذا كان لكل واحد منهم مال مفرز يجب الحد على الباقين، وجواب الكتاب مطلق ~~عن هذا التفصيل، والله تعالى أعلم. ### | [فصل في ما يرجع إلى المقطوع له] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المقطوع له فما ذكر في كتاب السرقة، وهو أن يكون ~~المأخوذ مالا متقوما معصوما ليس فيه لأحد حق الأخذ، ولا تأويل التناول، ولا ~~تهمة التناول مملوكا لا ملك فيه للقاطع، ولا تأويل الملك، ولا شبهة الملك ~~محرزا مطلقا بالحافظ ليس فيه شبهة العدم نصابا كاملا: عشرة دراهم، أو مقدرا ~~بها حتى لو كان المال المأخوذ لا يصيب كل واحد من القطاع عشرة لا حد عليهم، ~~قد ذكرنا دلائل هذه الشرائط، والمسائل التي تخرج عليها في كتاب السرقة، ~~وشرط الحسن بن زياد في نصاب قطع الطريق أن يكون عشرين درهما فصاعدا، وقال ~~عيسى بن زياد: إن قتلوا قتلوا، وإن ms4172 كان ما أخذ كل واحد منهم أقل من عشرة. # (وجه) قول الحسن: أن الشرع قدر نصاب السرقة بعشرة، والواجب فيها قطع طرف ~~الواحد، وههنا يقطع طرفان فيشترط نصابان، وذلك عشرون. # (وجه) قول عيسى - رحمه الله -: أنا أجمعنا على أنهم لو قتلوا، ولم يأخذوا ~~المال أصلا قتلوا، فإذا أخذوا شيئا من المال، وإن قل أولى أن يقتلوا. # (ولنا) الفرق بين النوعين، وهو أنهم لما قتلوا، ولم يأخذوا المال أصلا ~~علم أن مقصودهم القتل لا المال، والقتل جناية متكاملة في نفسها فيجازى ~~بعقوبة متكاملة، وهي القتل، ولما أخذوا المال، وقتلوا دل أن مقصودهم المال، ~~وإنما قتلوا ليتمكنوا من أخذ المال، وأخذ المال لا يتكامل جناية إلا إذا ~~كان المأخوذ نصابا كما في السرقة، والله تعالى أعلم. ### | [فصل في ما يرجع إلى المقطوع فيه] # (فصل) : # وأما الذي يرجع إلى المقطوع فيه، وهو المكان فنوعان: أحدهما: أن يكون قطع ~~الطريق في دار الإسلام، فإن كان في دار الحرب لا يجب الحد؛ لأن المتولي ~~لإقامة الحد هو الإمام، وليس له ولاية في دار الحرب فلا يقدر على الإقامة ~~فالسبب حين وجوده لم ينعقد سببا للوجوب؛ لعدم الولاية فلا يستوفيه في دار ~~الإسلام؛ ولهذا لا يستوفي سائر الحدود في دار الإسلام إذا وجد أسبابها في ~~دار الحرب كذا هذا والثاني: أن يكون في غير مصر فإن كان في مصر لا يجب ~~الحد، سواء كان القطع نهارا، أو ليلا، وسواء كان بسلاح، أو غيره، وهذا ~~استحسان، وهو قولهما، والقياس أن يجب، وهو قول أبي يوسف. # (وجه) القياس: أن سبب الوجوب قد تحقق، وهو قطع الطريق فيجب الحد كما لو ~~كان في غير مصر. # (وجه) الاستحسان: أن القطع لا يحصل بدون الانقطاع، والطريق لا ينقطع في ~~الأمصار، وفيما بين القرى؛ لأن المارة لا تمتنع عن المرور عادة فلم يوجد ~~السبب، وقيل: إنما أجاب أبو حنيفة - عليه الرحمة - على ما شاهده في زمانه؛ ~~لأن أهل الأمصار كانوا يحملون السلاح فالقطاع ما كانوا يتمكنون من مغالبتهم ~~في المصر، والآن ترك ms4173 الناس هذه العادة؛ فتمكنهم المغالبة فيجري عليهم الحد، ~~وعلى هذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - فيمن قطع الطريق بين الحيرة، ~~والكوفة: إنه لا يجري عليه الحد؛ لأن الغوث كان يلحق هذا الموضع في زمانه؛ ~~لاتصاله بالمصر، والآن صار ملتحقا بالبرية فلا يلحق الغوث؛ فيتحقق قطع ~~الطريق. # والثالث: أن يكون بينهم، وبين المصر مسيرة سفر، فإن كان أقل من ذلك لم ~~يكونوا قطاع الطريق، وهذا على قولهما، فأما على قول أبي يوسف فليس بشرط، ~~ويكونون قطاع الطريق، والوجه ما بينا فيجب الحد. # وروي عن أبي يوسف في قطاع الطريق في المصر إن قاتلوا نهارا بسلاح يقام ~~عليهم الحد، وإن خرجوا بخشب لهم لم يقم عليهم؛ لأن السلاح لا يلبث فلا يلحق ~~الغوث، والخشب يلبث فالغوث يلحق، وإن قاتلوا ليلا بسلاح، أو بخشب يقام ~~عليهم الحد؛ لأن الغوث قلما يلحق بالليل؛ فيستوي فيه السلاح، وغيره، والله ~~- سبحانه، وتعالى - أعلم. # ولو أشهر على رجل سلاحا نهارا أو ليلا في غير مصر، أو في مصر فقتله ~~المشهور عليه عمدا فلا شيء عليه، وكذلك إن شهر عليه عصا ليلا في غير مصر، ~~أو في مصر، وإن كان نهارا في مصر فقتله المشهور عليه يقتل به، والأصل في ~~هذا أن من قصد قتل # PageV07P092 # إنسان لا ينهدر دمه، ولكن ينظر إن كان المشهور عليه يمكنه دفعه عن نفسه ~~بدون القتل لا يباح له القتل، وإن كان لا يمكنه الدفع إلا بالقتل يباح له ~~القتل؛ لأنه من ضرورات الدفع، فإن شهر عليه سيفه يباح له أن يقتله؛ لأنه لا ~~يقدر على الدفع إلا بالقتل ألا ترى أنه لو استغاث الناس لقتله قبل أن يلحقه ~~الغوث إذ السلاح لا يلبث، فكان القتل من ضرورات الدفع؛ فيباح قتله فإذا ~~قتله فقد قتل شخصا مباح الدم فلا شيء عليه. # وكذا إذا أشهر عليه العصا ليلا؛ لأن الغوث لا يلحق بالليل عادة سواء كان ~~في المفازة، أو في المصر، وإن أشهر عليه نهارا في المصر لا يباح قتله؛ لأنه ~~يمكنه دفع شره ms4174 بالاستغاثة بالناس، وإن كان في المفازة يباح قتله؛ لأنه لا ~~يمكنه الاستغاثة فلا يندفع شره إلا بالقتل؛ فيباح له القتل، وروى أبو يوسف ~~عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما - أنه لو قصد قتله بما لو قتله به لوجب عليه ~~القصاص فقتله المقصود قتله لا يجب عليه القصاص؛ لأنه يباح قتله إذ لو لم ~~يبح لقتله القاصد. # وإذا قتله يقتل به قصاصا، فكان فيه إتلاف نفسين، فإذا أبيح قتله كان فيه ~~إتلاف أحدهما، فكان أهون ولو قصد قتله بما لو قتله به لكان لا يجب القصاص ~~لا يباح للمقصود قتله أن يقتل القاصد فإن قتله يجب عليه القصاص؛ لأنه ليس ~~في ترك الإباحة ههنا إتلاف نفس فلا يباح، فإذا قتله فقد قتل شخصا معصوم ~~الدم على الأبد فيجب القصاص، والله تعالى أعلم. ### | [فصل في بيان ما يظهر به القطع عند القاضي] # (فصل) : # وأما بيان ما يظهر به القطع عند القاضي: فالذي يظهر به البينة أو الإقرار ~~عقيب خصومة صحيحة، ولا يظهر بعلم القاضي على ما ذكرنا في كتاب السرقة، ~~والله تعالى أعلم. ### | [فصل في حكم قطع الطريق] # (فصل) : # وأما حكم قطع الطريق فله حكمان: أحدهما: يتعلق بالنفس، والآخر يتعلق ~~بالمال: أما الذي يتعلق بالنفس فهو وجوب الحد، والكلام في هذا الحكم في ~~مواضع: في بيان أصل هذا الحكم، وفي بيان صفاته، وفي بيان محل إقامته، وفي ~~بيان من يقيمه، وفي بيان ما يسقطه بعد الوجوب، وفي بيان حكم السقوط بعد ~~الوجوب، أو عدم الثبوت لمانع: أما أصل الحكم الذي يتعلق بالنفس فلن يمكن ~~الوصول إلى معرفته إلا بعد معرفة أنواع قطع الطريق؛ لأنه يختلف باختلاف ~~أنواعه فنقول وبالله التوفيق: قطع الطريق أربعة أنواع:. # إما أن يكون بأخذ المال لا غير، وإما أن يكون بالقتل لا غير، وإما أن ~~يكون بهما جميعا، وإما أن يكون بالتخويف من غير أخذ، ولا قتل، فمن أخذ ~~المال، ولم يقتل قطعت يده، ورجله من خلاف، ومن قتل، ولم يأخذ المال قتل، ~~ومن أخذ المال، وقتل قال ms4175 أبو حنيفة - رضي الله عنه -: الإمام بالخيار إن ~~شاء قطع يده، ورجله، ثم قتله أو صلبه، وإن شاء لم يقطه، وقتله أو صلبه، ~~وقيل: إن تفسير الجمع بين القطع والقتل عند أبي حنيفة - رحمه الله - هو: أن ~~يقطعه الإمام، ولا يحسم موضع القطع، بل يتركه حتى يموت، وعندهما يقتل، ولا ~~يقطع، ومن أخاف، ولم يأخذ مالا، ولا قتل نفسا ينفى، وقال مالك - رحمه الله ~~- في قاطع الطريق: مخير بين الأجزية المذكورة. # والأصل فيه قوله - عز وجل - {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون ~~في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ~~ينفوا من الأرض} [المائدة: 33] احتج مالك - رحمه الله - بظاهر الآية، وهو ~~أن الله تبارك وتعالى ذكر الأجزية فيها بحرف، أو، وأنها للتخيير كما في ~~كفارة اليمين، وكفارة جزاء الصيد؛ فيجب العمل بحقيقة هذا الحرف إلا حيث قام ~~الدليل، بخلافها. # (ولنا) أنه لا يمكن إجراء الآية على ظاهر التخيير في مطلق المحارب؛ لأن ~~الجزاء على قدر الجناية يزداد بزيادة الجناية، وينتقص بنقصانها هذا هو ~~مقتضى العقل، والسمع أيضا قال الله - تبارك وتعالى - {وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها} [الشورى: 40] فالتخيير في الجناية القاصرة بالجزاء في الجزاء الذي ~~هو جزاء في الجناية الكاملة، وفي الجناية الكاملة بالجزاء الذي هو جزاء في ~~الجناية القاصرة خلاف المشروع يحققه أن الأمة اجتمعت على أن القطاع لو ~~أخذوا المال، وقتلوا لا يجازون بالنفي وحده. # وإن كان ظاهر الآية يقتضي التخيير بين الأجزية الأربع دل أنه لا يمكن ~~العمل بظاهر التخيير على أن التخيير الوارد في الأحكام المختلفة من حيث ~~الصورة بحرف التخيير إنما يجري على ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحدا، كما في ~~كفارة اليمين، وكفارة جزاء الصيد، أما إذا كان مختلفا فيخرج مخرج بيان ~~الحكم لكل في نفسه كما في قوله تعالى {قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما ~~أن تتخذ فيهم حسنا} [الكهف: 86] إن ذلك ليس للتخيير بين المذكورين، بل ~~لبيان # PageV07P093 # الحكم لكل في نفسه؛ لاختلاف سبب الوجوب، ms4176 وتأويله إما أن تعذب من ظلم أو ~~تتخذ الحسن فيمن آمن، وعمل صالحا. # ألا ترى إلى قوله {أما من ظلم فسوف نعذبه} [الكهف: 87] الآية {وأما من ~~آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى} [الكهف: 88] الآية، وقطع الطريق متنوع في ~~نفسه، وإن كان متحدا من حيث الذات قد يكون بأخذ المال وحده، وقد يكون ~~بالقتل لا غير، وقد يكون بالجمع بين الأمرين، قد يكون بالتخويف لا غير، ~~فكان سبب الوجوب مختلفا فلا يحمل على التخيير، بل على بيان الحكم لكل نوع، ~~أو يحتمل هذا، ويحتمل ما ذكرتم فلا يكون حجة مع الاحتمال. # وإذا لم يمكن صرفت الآية الشريفة إلى ظاهر التخيير في مطلق المحارب فإما ~~أن يحمل على الترتيب، ويضمر في كل حكم مذكور نوع من أنواع قطع الطريق كأنه ~~قال - سبحانه وتعالى - {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا} [المائدة: 33] إن أخذوا المال، وقتلوا ~~{أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف} [المائدة: 33] إن أخذوا المال لا غير {أو ~~ينفوا من الأرض} [المائدة: 33] إن أخافوا هكذا «ذكر - سيدنا - جبريل - عليه ~~الصلاة والسلام - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قطع أبو بردة - ~~رضي الله عنه - بأصحابه الطريق على أناس جاءوا يريدون الإسلام أن من قتل ~~قتل، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ومن قتل وأخذ المال ~~صلب، ومن جاء مسلما هدم الإسلام ما كان قبله من الشرك» ، وإلى هذا التأويل ~~يذهب عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -، وإبراهيم النخعي، وإما أن يعمل ~~بظاهر التخيير بين الأجزية الثلاثة، لكن في محارب خاص، وهو الذي أخذ المال، ~~وقتل، فكان العمل بظاهر التخيير على هذا الوجه أقرب من ظاهر الآية؛ لأن ~~الله - تبارك وتعالى - جمع بين القتل، وقطع الطريق في الذكر بقوله - تبارك ~~وتعالى - {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا} ~~[المائدة: 33] فالمحاربة هي القتل، والفساد في الأرض هو قطع الطريق فأوجب - ~~سبحانه وتعالى - أحد الأجزية من الفعلين بما ذكر، وفيه ms4177 عمل بحقيقة حرف ~~التخيير، وعمل بحقيقة ما أضيف إليه الجزاء. # وهو ما ذكر سبحانه - وتعالى - من المحاربة، والسعي في الأرض بالفساد، ~~فكان أقرب إلى ظاهر الآية، إلى هذا التأويل يذهب الحسن، وابن المسيب، ~~ومجاهد، وغيرهم - رضي الله عنهم -، ثم أبو يوسف، ومحمد - رحمهما الله - ~~أخذا بالتأويل الأول، وهو تأويل الترتيب في المحارب إذا أخذ المال، وقيل: ~~إنه يقتل لا غير؛ لأن - سيدنا - جبريل - عليه الصلاة والسلام - ذكر لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على ما مر، وحد قطاع الطريق لم يعرف إلا بهذا ~~النص، ولأن أخذ المال، والقتل جناية واحدة، وهي جناية قطع الطريق فلا يقابل ~~إلا بعقوبة واحدة، والقتل، والقطع عقوبتان على أنهما إن كانتا جنايتين يجب ~~بكل واحدة منهما جزاء عند الانفراد حقا لله تعالى لكنهما إذا اجتمعا يدخل ~~ما دون النفس في النفس كالسارق إذا زنى، وهو محصن. # وكمن زنى وهو غير محصن ثم أحصن فزنى: أنه لا يرجم لا غير كذا ههنا؛ ولأنه ~~لا فائدة في إقامة القطع؛ لأن ما هو المقصود من الحد وهو الزجر، وما هو غير ~~مقصود به وهو التكفير يحصل بالقتل وحده فلا يفيد القطع، فلا يشرع، وأبو ~~حنيفة - رحمه الله - أخذ بالتأويل الثاني، وهو التخيير بين الأجزية الثلاثة ~~في المحارب الذي جمع بين أخذ المال، والقتل، وهو أحق التأويلين للآية؛ لما ~~ذكرنا أن فيه عملا بحقيقة حرف التخيير، وبحقيقة ما أضيف إليه الجزاء، وهو ~~المحاربة، والسعي في الأرض بالفساد، فكان أقرب إلى ظاهر الآية، وإنما عرفنا ~~حكم أخذ المال وحده، وحكم القتل وحده لا بهذه الآية الشريفة، ولكن بحديث - ~~سيدنا - جبريل - عليه الصلاة والسلام - أو غيره، أو بالاستدلال بحالة ~~الاجتماع. # وهو أنه لما وجب الجمع بين الموجبين عند وجود القطعين؛ يجب القبول بإفراد ~~كل واحد منهما عند الانفراد، ويمكن أن يقال: إنه يقول في تأويل الآية ~~الكريمة بالترتيب فيوجب الصلب بظاهر الآية الشريفة، والقطع بالاستدلال ~~بحالة الانفراد أنه يجب على كل واحد منهما، فعند الاجتماع يجب أن يجمع إلا ~~أن في ms4178 بعض المواضع قام دليل إسقاط الأخف، ولم يقم ههنا، بل قام دليل ~~الوجوب؛ لأن مبنى هذا الباب على التغليظ ألا ترى أنه يجمع بين قطع اليد، ~~والرجل في أخذ المال، ولا يجمع بينهما في أخذ المال في المصر، وكذلك يصلب ~~في القتل وحده ههنا، ولم يجب أن يصلب في غيره من القتل في المصر فكذا جاز ~~أن يجمع بين الموجبين عند مباشرة النوعين ههنا دون سائر المواضع، والله - ~~سبحانه # PageV07P094 # وتعالى - أعلم. # وأما كيفية الصلب فقد روي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه يصلب حيا، ثم ~~يطعن برمح حتى يموت، وكذا ذكر الكرخي، وعن أبي عبيد أنه يقتل، ثم يصلب، ~~وكذا ذكر الطحاوي - رحمه الله - أن الصلب حيا من باب المثلة، قد «نهى النبي ~~- عليه الصلاة والسلام - عن المثلة» ، والصحيح هو الأول؛ لأن الصلب في هذا ~~الباب شرع لزيادة في العقوبة تغليظا، والميت ليس من أهل العقوبة؛ ولأنه لو ~~جاز أن يقال: يصلب بعد الموت؛ لجاز أن يقال: تقطع يده، ورجله من خلاف بعد ~~الموت، وذلك بعيد فكذا هذا. # والمراد من المثلة في الحديث قطع بعض الجوارح كذا قاله محمد - رحمه الله ~~- وقيل: إذا صلبه الإمام تركه ثلاثة أيام عبرة للخلق، ثم يخلي بينه، وبين ~~أهله؛ لأنه بعد الثلاث يتغير؛ فيتضرر به الناس. # وأما النفي في قوله تبارك وتعالى {أو ينفوا من الأرض} [المائدة: 33] فقد ~~اختلف أهل التأويل فيه قال بعضهم: المراد منه، وينفوا من الأرض بحذف الألف، ~~ومعناه: وينفوا من الأرض بالقتل، والصلب إذا هو النفي من وجه الأرض حقيقة، ~~وهذا على قول من تأول الآية الشريفة في المحارب الذي أخذ المال، وقيل: إن ~~الإمام يكون مخيرا بين الأجزية الثلاثة، والنفي من الأرض ليس غير واحد من ~~هذه الثلاثة في التخيير؛ لأن بالقتل، والصلب يحصل النفي فكذا لا يجوز أن ~~يجعل النفي مشاركا الأجزية الثلاثة في التخيير؛ لأنه لا يزاحم القتل؛ لأنه ~~دونه بكثير، وقيل: نفيه أن يطرد حتى يخرج من دار الإسلام، وهو قول الحسن. # وعن إبراهيم النخعي - رحمه ms4179 الله - في رواية أن نفيه طلبه وبه قال الشافعي ~~- رحمه الله -: إنه يطلب في كل بلد، والقولان لا يصحان؛ لأنه إن طلب في ~~البلد الذي قطع الطريق، ونفي عنه فقد ألقى ضرره إلى بلد آخر، وإن طلب من كل ~~بلد من بلاد الإسلام، ونفي عنه يدخل دار الحرب، وفيه تعريض له على الكفر، ~~وجعله حربا لنا، وهذا لا يجوز، وعن النخعي - رحمه الله - في رواية أخرى أنه ~~يحبس حتى يحدث توبة، وفيه نفي عن وجه الأرض مع قيام الحياة إلا عن الموضع ~~الذي حبس فيه، ومثل هذا في عرف الناس يسمى نفيا عن وجه الأرض، وخروجا عن ~~الدنيا كما أنشد لبعض المحبوسين # خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى # إذا جاءنا السجان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا. ### | [فصل في صفات حكم قطع الطريق] # (فصل) : # وأما صفات هذا الحكم فأنواع: منها أنه ينفي وجوب ضمان المال، والجراحات ~~عمدا كانت الجراحة، أو خطأ، أما المال؛ فلأنه لا يجمع بين الحد، والضمان ~~عندنا. # وأما الجراحات إذا كانت خطأ؛ فلأنها توجب الضمان وإن كانت عمدا؛ فلأن ~~الجناية فيما دون النفس يسلك بها مسلك الأموال، ولا يجب ضمان المال فكذا ~~ضمان الجراحات، قد ذكرنا ما يتعلق من المسائل بهذا الأصل في كتاب السرقة ~~ومنها أن يجري فيها التداخل حتى لو قطع قطعات فرفع في بعضها فقطعت يده، ~~ورجله فيما رفع فيه كان ذلك للقطعات كلها كما في السرقة إلا أن ثمة التداخل ~~لاحتمال عدم الفائدة مع بقاء محل القطع، وهو الرجل اليسرى، وههنا التداخل ~~لعدم المحل. # والكلام في الضمان فيما لم يخاصم فيه ما هو الكلام في السرقة أنه إذا كان ~~المال قائما يرده، وإن كان هالكا فعلى الاختلاف الذي ذكرنا في كتاب السرقة، ~~ومنها أنه لا يحتمل العفو، والإسقاط، والإبراء، والصلح عنه فكل ما وجب على ~~قاطع الطريق من قتل، أو قطع، أو صلب يستوفى منه، سواء عفا الأولياء، وأرباب ~~الأموال عن ذلك، أو لم يعفو ms4180 أو سواء أبرءوا منه، أو صالحوا عليه، وليس ~~للإمام أيضا إذا ثبت ذلك عنده تركه، وإسقاطه، والعفو عنه؛ لأن الواجب حد، ~~والحدود حقوق الله - تبارك وتعالى - فلا يعمل فيها العبد، ولا صلحه، ولا ~~الإبراء عنها. ### | [فصل في محل إقامة حكم قطع الطريق] # (فصل) : # وأما محل إقامة هذا الحكم فنقول: محل إقامة هذا الحكم يختلف باختلاف ~~الحكم، فإن كان الحكم هو القتل بأن قتل، أو أخذ المال، وقتل، أو الحبس بأن ~~لم يأخذ المال، ولم يقتل، ولكنه خوف لا غير فمحل إقامته النفس، وإن كان ~~الحكم هو القطع بأن أخذ المال لا غير فمحل إقامته اليد اليمنى، والرجل ~~اليسرى؛ لقوله - تبارك وتعالى - {أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف} ~~[المائدة: 33] ، ويعتبر في ذلك سلامة اليد اليسرى، والرجل اليمنى على ما ~~ذكرنا في كتاب السرقة، وكذلك حكم فعل الحداد إذا قطع اليد اليسرى مكان ~~اليمنى متعمدا، أو مخطئا، وحكم فعل الأجنبي إذا قطع اليد اليسرى خطأ أو ~~عمدا ههنا # PageV07P095 # مثل الحكم في السرقة، قد استوفينا الكلام فيه في كتاب السرقة، وكذا محل ~~القطع من اليد اليمنى هو المفصل كما في السرقة، والله - سبحانه وتعالى - ~~أعلم. ### | [فصل في بيان من يقيم حد قطع الطريق] # (فصل) : # وأما بيان من يقيم هذا الحكم فالذي يقيمه الإمام، أو من ولاه الإمام ~~الإقامة، ليس إلى الأولياء، ولا إلى أرباب الأموال شيء، بل يقيمه الإمام ~~طالب الأولياء، وأرباب الأموال بالإقامة، أو لم يطالبوا، وهذا عندنا، وعند ~~الشافعي - رحمه الله -: المولى يملك إقامة الحد على مملوكه من غير تولية ~~الإمام، والكلام في هذا الفصل على الاستقصاء ذكرناه في كتاب الحدود. ### | [فصل في بيان ما يسقط حد قطع الطريق بعد وجوبه] # (فصل) : # وأما بيان ما يسقط هذا الحكم بعد وجوبه فالمسقط له بعد الوجوب أشياء ~~ذكرناها في كتاب السرقة: (منها) تكذيب المقطوع عليه القاطع في إقراره بقطع ~~الطريق أنه لم يقطع عليه الطريق. # (ومنها) رجوع القاطع عن إقراره بقطع الطريق. # (ومنها) تكذيب المقطوع عليه البينة. # (ومنها) ملك القاطع المقطوع له، وهو ms4181 المال قبل الترافع أو بعده على ~~التفصيل على الاختلاف الذي ذكرناه في كتاب السرقة. # (ومنها) توبة القاطع قبل أن يقدر عليه؛ لقوله تعالى {إلا الذين تابوا من ~~قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} [المائدة: 34] أي: رجعوا ~~عما فعلوا فندموا على ذلك، وعزموا على أن لا يفعلوا مثله في المستقبل فدلت ~~هذه الآية الشريفة على أن قاطع الطريق إذا تاب قبل أن يظفر به يسقط عنه ~~الحد، وتوبته برد المال على صاحبه إن كان أخذ المال لا غير، مع العزم على ~~أن لا يفعل مثله في المستقبل. # ويسقط عنه القطع أصلا، ويسقط عنه القتل حدا، وكذلك إن أخذ المال، وقتل ~~حتى لم يكن للإمام أن يقتله، ولكن يدفعه إلى أولياء القتيل ليقتلوه قصاصا ~~إن كان القتل بسلاح على ما نذكره - إن شاء الله تعالى -، وإن لم يأخذ ~~المال، ولم يقتل فتوبته الندم على ما فعل، والعزم على ترك مثله في ~~المستقبل، وهو أن يأتي الإمام عن طوع، واختيار، ويظهر التوبة عنده، ويسقط ~~عنه الحبس؛ لأن الحبس للتوبة، وقد تاب فلا معنى للحبس، وكذلك السرقة ~~الصغرى، إذا تاب السارق قبل أن يظفر به، ورد المال إلى صاحبه يسقط عنه ~~القطع، بخلاف سائر الحدود أنها لا تسقط بالتوبة. # والفرق أن الخصومة شرط في السرقة الصغرى والكبرى؛ لأن محل الجناية خالص ~~حق العباد، والخصومة تنتهي بالتوبة، والتوبة تمامها برد المال إلى صاحبه، ~~فإذا وصل المال إلى صاحبه لم يبق له حق الخصومة مع السارق، بخلاف سائر ~~الحدود فإن الخصومة فيها ليست بشرط فعدمها لا يمنع من إقامة الحدود، وفي حد ~~القذف إن كانت شرطا لكنها لا تبطل بالتوبة؛ لأن بطلانها برد المال إلى ~~صاحبه، ولم يوجد، وقد روي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه كتب إليه ~~عامله بالبصرة أن حارثة بن زيد حارب الله، ورسوله، وسعى في الأرض فسادا ~~فكتب إليه - سيدنا - علي - رضي الله عنه - أن حارثة قد تاب قبل أن تقدر ~~عليه فلا تتعرض له إلا بخير هذا ms4182 إذا تاب قاطع الطريق قبل القدرة عليه. # فأما إذا تاب بعد ما قدر عليه بأن أخذ، ثم تاب لا يسقط عنه الحد؛ لأن ~~التوبة عن السرقة إذا أخذ المال برد المال على صاحبه، وبعد الأخذ لا يكون ~~رد المال، بل يكون استردادا منه جبرا فلا يسقط الحد، وإذا لم يأخذ المال ~~فهو بعد الأخذ متهم في إظهار التوبة فلا تتحقق توبته، والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. ### | [فصل في حكم سقوط حد قطع الطريق بعد وجوبه] # (فصل) : # وأما حكم سقوط الحد بعد الوجوب، وحكم عدم الوجوب لمانع فنقول: - وبالله ~~التوفيق - إذا سقط الحد بعد التوبة قبل أن يقدر عليهم، فإن كانوا أخذوا ~~المال لا غير ردوه على صاحبه إن كان قائما، وإن كان هالكا، أو مستهلكا؛ ~~فعليهم الضمان، وإن كانوا قتلوا لا غير يدفع من قتل منهم بسلاح إلى ~~الأولياء ليقتلوه، أو يعفوا عنه، ومن قتل بعصا، أو حجر فعلى عاقلته الدية ~~لورثة المقتول، وإن كانوا أخذوا المال، وقتلوا فحكم أخذ المال، والقتل عند ~~الاجتماع ما هو حكمهما عند الانفراد وقد ذكرناه، وإنما كان كذلك؛ لأن الحد ~~إذا سقط بالتوبة قبل القدرة صار حكم القتل، وأخذ المال، وهلاكه، واستهلاكه ~~ما هو حكمها في غير قطع الطريق ما قلنا. # وإن كانوا أخذوا المال، وجرحوا، أو أخذوا المال، وقتلوا، وجرحوا قوما، أو ~~جرحوا قوما، ولم يكن منهم أخذ، ولا قتل فحكم القتل، والمال ما ذكرنا، ~~والجراحات فيها القصاص فيما يقدر # PageV07P096 # فيه على القصاص، والأرش فيما لا يقدر عليه؛ لأن عند سقوط الحد صار كأن ~~الجراحة حصلت من غير قطع الطريق، ولو كان كذلك كان حكمه ما ذكرنا فكذا هذا، ~~وكذلك إن قدر عليهم قبل التوبة، ولم يكن منهم قتل، ولا أخذ مال قد أخافوا ~~قوما بجراحات يجب القصاص فيما يستطاع فيه الاقتصاص، والدية فيما لا يستطاع ~~فيودعون السجن؛ لأن الحبس وجب عليهم تعزيرا لا حدا. # والتعزير لا تدخل فيه الجراحة، بخلاف ما إذا قدر عليهم قبل التوبة، قد ~~قتلوا أو أخذوا المال، أو جمعوا ms4183 بينهما؛ لأن الواجب فيه الحد فيدخل فيه ~~الجراحة، وكذلك إذا سقط الحد بالرجوع عن الإقرار؛ لأن الرجوع عن الإقرار ~~يصح في حق سقوط الحد، ولا يصح في حق ضمان المال، والقصاص فبقي إقراره ~~معتبرا في حقهما. # (وأما) إذا كان السقوط بتكذيب الحجة من الإقرار، أو البينة لا شيء عليهم؛ ~~لأن سبب الوجوب لم يثبت؛ لأن ثبوته بالحجة وقد بطلت أصلا، ورأسا، بخلاف ~~الرجوع عن الإقرار؛ لأن الأصل أن إقرار المقر حجة في حقه إلا أنه تعذر ~~اعتباره بعد الرجوع في حق الحد درءا للحد بالشبهة فبقي معتبرا في حق ضمان ~~المال، والقصاص فهو الفرق، وعلى هذا حكم عدم الوجوب لمانع بأن فات شرط من ~~شرائط وجوب الحد نحو نقصان النصاب بأن كان المأخوذ من المال لا يصيب كل ~~واحد منهم عشرة دراهم أنهم يردونه إن كان قائما. # ويضمنون إن كان هالكا أو مستهلكا، ومن قتل منهم فإن كان بسلاح فعليه ~~القصاص، وإن كان بعصا أو حجر فعلى عاقلته الدية، ومن جرح يقتص منه فيما ~~يمكن القصاص، وفيما لا يمكن يجب الأرش؛ لما ذكرنا أن الحد إذا امتنع وجوبه ~~فقد حصل الأخذ، والقتل، والجراحة من غير قطاع الطريق، وحكمها في غير قطاع ~~الطريق ما قلنا، وكذلك إذا كان في المحاربين صبي، أو مجنون حتى امتنع وجوب ~~الحد يدفع كل بالغ عاقل قتل منهم بسلاح إلى الأولياء فيقتلون، أو يعفون. # وإن كان الذي ولي القتل منهم صبي، أو مجنون فعلى عاقلته الدية، وإن قتل ~~بسلاح؛ لأن الصبي، والمجنون ليسا من أهل وجوب القصاص عليهما، فكان عمدهما ~~خطأ، وإن كانا أخذا المال ضمنا؛ لأنهما من أهل وجوب ضمان المال، وكذلك إذا ~~امتنع وجوب الحد على القطاع لمعنى من المعاني رجعوا في ذلك إلى حكم غير ~~القطاع، والله تعالى أعلم. ### | [فصل في حكم المال الذي أخذه قاطع الطريق] # (فصل) : # وأما الحكم الذي يتعلق بالمال فهو وجوب الرد إن كان قائما بعينه، ولصاحبه ~~أن يأخذه أينما وجده سواء وجده في يد المحارب، أو في يد ms4184 من ملكه المحارب ~~ببيع، أو هبة، أو غير ذلك ولو تغير المال إلى الزيادة، أو النقصان فقد ~~ذكرنا حكمه في كتاب السرقة، والله تعالى أعلم. ### | [كتاب السير] ### | [بيان معنى السير والجهاد] # (كتاب السير) # وقد يسمى كتاب الجهاد، والكلام في هذا الكتاب في مواضع: في بيان معنى ~~السير، والجهاد لغة وشرعا، وفي بيان كيفية الجهاد، وفي بيان من يفترض عليه ~~الجهاد، وفي بيان ما يندب إليه الإمام عند بعث الجيش، أو السرية إلى ~~الجهاد، وفي بيان ما يجب على الغزاة الافتتاح به حال شهود الوقعة، وفي بيان ~~من يحل قتله من الكفرة ومن لا يحل، وفي بيان من يجوز تركه ممن لا يحل قتله ~~في دار الحرب ومن لا يجوز، وفي بيان ما يكره حمله إلى دار الحرب، وما لا ~~يكره، وفي بيان ما يعترض من الأسباب المحرمة للقتال، وفي بيان حكم الغنائم ~~وما يتصل بها، وفي بيان حكم استيلاء الكفرة على أموال المسلمين، وفي بيان ~~أحكام تختلف باختلاف الدارين، وفي بيان أحكام المرتدين، وفي بيان أحكام ~~الغزاة. # (أما) الأول: فالسير جمع سيرة، والسيرة في اللغة تستعمل في معنيين، ~~أحدهما: الطريقة، يقال: هما على سيرة واحدة أي طريقة واحدة، والثاني: ~~الهيئة، قال الله - سبحانه وتعالى - {سنعيدها سيرتها الأولى} [طه: 21] أي ~~هيئتها فاحتمل تسمية هذا الكتاب كتاب السير لما فيه من بيان طرق الغزاة ~~وهيئاتهم مما لهم وعليهم وأما الجهاد في اللغة فعبارة عن بذل الجهد بالضم ~~وهو الوسع والطاقة، أو عن المبالغة في العمل من الجهد بالفتح، وفي عرف ~~الشرع يستعمل في بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله - عز وجل - بالنفس ~~والمال واللسان، أو غير ذلك، أو المبالغة في ذلك والله - تعالى - أعلم. # PageV07P097 ### | [فصل في بيان كيفية فرضية الجهاد] # فصل) : # وأما بيان كيفية فرضية الجهاد، فالأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين، إما إن ~~كان النفير عاما (وإما) إن لم يكن فإن لم يكن النفير عاما فهو فرض كفاية، ~~ومعناه: أن يفترض على جميع من هو من أهل الجهاد، لكن ms4185 إذا قام به البعض سقط ~~عن الباقين؛ لقوله - عز وجل - {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى} [النساء: 95] وعد الله - عز وجل - ~~المجاهدين والقاعدين الحسنى ولو كان الجهاد فرض عين في الأحوال كلها لما ~~وعد القاعدين الحسنى؛ لأن القعود يكون حراما وقوله - سبحانه وتعالى - {وما ~~كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في ~~الدين} [التوبة: 122] الآية ولأن ما فرض له الجهاد وهو الدعوة إلى الإسلام، ~~وإعلاء الدين الحق، ودفع شر الكفرة وقهرهم، يحصل بقيام البعض به. # وكذا النبي - عليه الصلاة والسلام - كان يبعث السرايا، ولو كان فرض عين ~~في الأحوال كلها لكان لا يتوهم منه القعود عنه في حال، ولا أذن غيره ~~بالتخلف عنه بحال، وإذا كان فرضا على الكفاية فلا ينبغي للإمام أن يخلي ~~ثغرا من الثغور من جماعة من الغزاة فيهم غنى وكفاية لقتال العدو، فإذا ~~قاموا به يسقط عن الباقين، وإن ضعف أهل ثغر عن مقاومة الكفرة، وخيف عليهم ~~من العدو فعلى من وراءهم من المسلمين الأقرب فالأقرب أن ينفروا إليهم، وأن ~~يمدوهم بالسلاح، والكراع، والمال؛ لما ذكرنا أنه فرض على الناس كلهم ممن هو ~~من أهل الجهاد، لكن الفرض يسقط عنهم بحصول الكفاية بالبعض، فما لم يحصل لا ~~يسقط ولا يباح للعبد أن يخرج إلا بإذن مولاه، ولا المرأة إلا بإذن زوجها؛ ~~لأن خدمة المولى، والقيام بحقوق الزوجية. # كل ذلك فرض عين فكان مقدما على فرض الكفاية، وكذا الولد لا يخرج إلا بإذن ~~والديه أو أحدهما إذا كان الآخر ميتا؛ لأن بر الوالدين فرض عين فكان مقدما ~~على فرض الكفاية، والأصل أن كل سفر لا يؤمن فيه الهلاك، ويشتد فيه الخطر لا ~~يحل للولد أن يخرج إليه بغير إذن والديه؛ لأنهما يشفقان على ولدهما ~~فيتضرران بذلك، وكل سفر لا يشتد فيه الخطر يحل له أن يخرج إليه بغير إذنهما ~~إذا لم يضيعهما؛ لانعدام الضرر، ومن مشايخنا من رخص في سفر التعلم بغير ~~إذنهما؛ لأنهما لا يتضرران ms4186 بذلك بل ينتفعان به، فلا يلحقه سمة العقوق، هذا ~~إذا لم يكن النفير عاما، فأما إذا عم النفير بأن هجم العدو على بلد، فهو ~~فرض عين يفترض على كل واحد من آحاد المسلمين ممن هو قادر عليه؛ لقوله ~~سبحانه وتعالى {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41] قيل: نزلت في النفير. # وقوله سبحانه وتعالى {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه} [التوبة: 120] ولأن ~~الوجوب على الكل قبل عموم النفير ثابت؛ لأن السقوط عن الباقين بقيام البعض ~~به، فإذا عم النفير لا يتحقق القيام به إلا بالكل، فبقي فرضا على الكل عينا ~~بمنزلة الصوم والصلاة، فيخرج العبد بغير إذن مولاه، والمرأة بغير إذن ~~زوجها؛ لأن منافع العبد والمرأة في حق العبادات المفروضة عينا مستثناة عن ~~ملك المولى والزوج شرعا، كما في الصوم والصلاة، وكذا يباح للولد أن يخرج ~~بغير إذن والديه؛ لأن حق الوالدين لا يظهر في فروض الأعيان كالصوم والصلاة، ~~والله - تعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان من يفترض عليه الجهاد] # (فصل) : # وأما بيان من يفترض عليه فنقول إنه لا يفترض إلا على القادر عليه فمن لا ~~قدرة له لا جهاد عليه؛ لأن الجهاد بذل الجهد، وهو الوسع والطاقة بالقتال، ~~أو المبالغة في عمل القتال، ومن لا وسع له كيف يبذل الوسع والعمل، فلا يفرض ~~على الأعمى والأعرج، والزمن والمقعد، والشيخ الهرم، والمريض والضعيف، والذي ~~لا يجد ما ينفق، قال الله - سبحانه وتعالى - {ليس على الأعمى حرج} [النور: ~~61] الآية وقال - سبحانه وتعالى عز من قائل - {ليس على الضعفاء ولا على ~~المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} ~~[التوبة: 91] إذا نصحوا لله ورسوله فقد عذر الله - جل شأنه - هؤلاء بالتخلف ~~عن الجهاد ورفع الحرج عنهم. # ولا جهاد على الصبي والمرأة؛ لأن بنيتهما لا تحتمل الحرب عادة، وعلى هذا ~~الغزاة إذا جاءهم جمع من المشركين ما لا طاقة لهم به، وخافوهم أن يقتلوهم، ~~فلا بأس لهم أن ينحازوا إلى ms4187 بعض أمصار المسلمين أو إلى بعض جيوشهم، والحكم ~~في هذا الباب لغالب الرأي، وأكبر الظن دون العدد، فإن غلب على ظن الغزاة ~~أنهم يقاومونهم يلزمهم الثبات، وإن كانوا أقل عددا منهم، وإن كان غالب ظنهم ~~أنهم يغلبون فلا بأس أن ينحازوا إلى المسلمين؛ ليستعينوا بهم، وإن كانوا ~~أكثر عددا من الكفرة، وكذا الواحد من الغزاة ليس معه سلاح مع اثنين منهم ~~معهما سلاح، أو مع واحد منهم من الكفرة ومعه # PageV07P098 # سلاح، لا بأس أن يولي دبره متحيزا إلى فئة والأصل فيه: قوله - تبارك ~~وتعالى - {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد ~~باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} [الأنفال: 16] الله - عز شأنه - ~~نهى المؤمنين عن تولية الأدبار عاما بقوله - تبارك وتعالى - {يا أيها الذين ~~آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار} [الأنفال: 15] وأوعد ~~عليهم بقوله - سبحانه وتعالى - {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو ~~متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله} [الأنفال: 16] الآية؛ لأن في الكلام ~~تقديما وتأخيرا معناه والله - سبحانه وتعالى - أعلم {يا أيها الذين آمنوا ~~إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار} [الأنفال: 15] {ومن يولهم ~~يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله} ~~[الأنفال: 16] ثم استثنى - سبحانه وتعالى - ومن يولي دبره لجهة مخصوصة فقال ~~- عز من قائل - {إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة} [الأنفال: 16] # والاستثناء من الحظر إباحة، فكان المحظور تولية مخصوصة، وهي أن يولي دبره ~~غير متحرف لقتال، ولا متحيز إلى فئة فبقيت التولية إلى جهة التحرف والتحيز ~~مستثناة من الحظر، فلا تكون محظورة، ونظير هذه الآية قوله - سبحانه وتعالى ~~- {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من ~~شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} [النحل: 106] إنه على ~~التقديم والتأخير على ما نذكره في كتاب الإكراه إن شاء الله - تعالى - وبه ~~تبين أن الآية الشريفة غير منسوخة، وكذا قوله - سبحانه ms4188 وتعالى - {إن يكن ~~منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} [الأنفال: 65] وقوله {وإن يكن منكم مائة ~~يغلبوا ألفا} [الأنفال: 65] ليس بمنسوخ؛ لأن التولية للتحيز إلى فئة خص ~~فيها، فلم تكن الآيتان منسوختين، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # والدليل عليه قوله - عليه الصلاة والسلام - للذين فروا إلى المدينة وهو ~~فيها «أنتم الكرارون، أنا فئة كل مسلم» أخبر - عليه الصلاة والسلام - أن ~~المتحيز إلى فئة كرار وليس بفرار من الزحف، فلا يلحقه الوعيد وعلى هذا إذا ~~كانت الغزاة في سفينة فاحترقت السفينة وخافوا الغرق، حكموا فيه غالب رأيهم، ~~وأكبر ظنهم، فإن غلب على رأيهم أنهم لو طرحوا أنفسهم في البحر لينجوا ~~بالسباحة، وجب عليهم الطرق ليسبحوا فيتحيزوا إلى فئة، وإن استوى جانبا ~~الحرق والغرق، بأن كان إذا قاموا حرقوا، وإذا طرحوا غرقوا، فلهم الخيار عند ~~أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - وقال محمد - رحمه الله -: لا يجوز لهم ~~أن يطرحوا أنفسهم في الماء. # (وجه) قوله أنهم لو ألقوا أنفسهم في الماء لهلكوا، ولو أقاموا في السفينة ~~لهلكوا أيضا، إلا أنهم لو طرحوا لهلكوا بفعل أنفسهم، ولو صبروا لهلكوا بفعل ~~العدو، فكان الصبر أقرب إلى الجهاد، فكان أولى. # (وجه) قولهما أنه استوى الجانبان في الإفضاء إلى الهلاك، فيثبت لهم ~~الخيار؛ لجواز أن يكون الهلاك بالغرق أرفق قوله لو أقاموا لهلكوا بفعل ~~العدو وقلنا ولو طرحوا لهلكوا بفعل العدو أيضا، إذ العدو هو الذي ألجأهم ~~إليه، فكان الهلاك في الحالين مضافا إلى فعل العدو، ثم قد يكون الهلاك ~~بالغرق أسهل فيثبت لهم الخيار، ولو طعن مسلم برمح فلا بأس بأن يمشي إلى من ~~طعنه من الكفرة حتى يجهزه؛ لأنه يقصد بالمشي إليه بذل نفسه؛ لإعزاز دين ~~الله - سبحانه وتعالى - وتحريض المؤمنين على أن لا يبخلوا بأنفسهم في قتال ~~أعداء الله - سبحانه وتعالى - فكان جائزا والله - سبحانه وتعالى - أعلم -. ### | [فصل في بيان ما يندب إليه الإمام عند بعث الجيش أو السرية إلى الجهاد] # (فصل) : # وأما بيان ما يندب إليه الإمام عند بعث الجيش أو السرية إلى الجهاد، ~~فنقول ms4189 - وبالله التوفيق: إنه يندب إلى أشياء، منها أن يؤمر عليهم أميرا؛ ~~لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - ما بعث جيشا إلا وأمر عليهم أميرا، ولأن ~~الحاجة إلى الأمير ماسة؛ لأنه لا بد من تنفيذ الأحكام وسياسة الرعية، ولا ~~يقوم ذلك إلا بالأمير لتعذر الرجوع في كل حادثة إلى الإمام # (ومنها) أن يكون الذي يؤمر عليهم عالما بالحلال والحرام، عدلا عارفا ~~بوجوه السياسات، بصيرا بتدابير الحروب وأسبابها؛ لأنه لو لم يكن بهذه الصفة ~~لا يحصل ما ينصب له الأمير. # (ومنها) أن يوصيه بتقوى الله - عز شأنه - في خاصة نفسه، وبمن معه من ~~المؤمنين خيرا، كذا روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا ~~بعث جيشا أوصاه بتقوى الله - سبحانه وتعالى - في نفسه خاصة وبمن معه من ~~المؤمنين خيرا؛ ولأن الإمارة أمانة عظيمة فلا يقوم بها إلا المتقي وإذا أمر ~~عليهم يكلفهم طاعة الأمير فيما يأمرهم به، وينهاهم عنه؛ لقول الله - تبارك ~~وتعالى - {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم} [النساء: 59] وقال - عليه الصلاة والسلام -: «اسمعوا وأطيعوا، ولو ~~أمر عليكم عبد حبشي أجدع ما حكم فيكم بكتاب الله - تعالى» ولأنه نائب ~~الإمام، وطاعة الإمام لازمة كذا طاعته؛ لأنها طاعة الإمام، إلا أن يأمرهم # PageV07P099 # بمعصية فلا تجوز طاعتهم إياه فيها؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام -: «لا ~~طاعة لمخلوق في معصية الخالق» ولو أمرهم بشيء لا يدرون أينتفعون به أم لا، ~~فينبغي لهم أن يطيعوه فيه إذا لم يعلموا كونه معصية؛ لأن اتباع الإمام في ~~محل الاجتهاد واجب، كاتباع القضاة في مواضع الاجتهاد والله تعالى - عز شأنه ~~- أعلم. ### | [فصل في بيان ما يجب على الغزاة الافتتاح به حالة الوقعة ولقاء العدو] # (فصل) : # وأما بيان ما يجب على الغزاة الافتتاح به حالة الوقعة، ولقاء العدو، ~~فنقول - وبالله التوفيق: إن الأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين إما أن كانت ~~الدعوة قد بلغتهم، وإما أن كانت لم تبلغهم، فإن كانت الدعوة لم تبلغهم ~~فعليهم الافتتاح بالدعوة إلى الإسلام باللسان؛ لقول الله ms4190 - تبارك وتعالى - ~~{ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: ~~125] ولا يجوز لهم القتال قبل الدعوة؛ لأن الإيمان وإن وجب عليهم قبل بلوغ ~~الدعوة بمجرد العقل فاستحقوا القتل بالامتناع، لكن الله - تبارك وتعالى - ~~حرم قتالهم قبل بعث الرسول - عليه الصلاة والسلام - وبلوغ الدعوة إياهم ~~فضلا منه ومنة قطعا لمعذرتهم بالكلية وإن كان لا عذر لهم في الحقيقة؛ لما ~~أقام - سبحانه وتعالى - من الدلائل العقلية التي لو تأملوها حق التأمل، ~~ونظروا فيها لعرفوا حق الله - تبارك وتعالى - عليهم، لكن تفضل عليهم بإرسال ~~الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -؛ لئلا يبقى لهم شبهة عذر ~~{فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك} [القصص: 47] . # وإن لم يكن لهم أن يقولوا ذلك في الحقيقة لما بينا، ولأن القتال ما فرض ~~لعينه بل للدعوة إلى الإسلام، والدعوة دعوتان: دعوة بالبنان، وهي القتال ~~ودعوة بالبيان، وهو اللسان، وذلك بالتبليغ والثانية أهون من الأولى؛ لأن في ~~القتال مخاطرة الروح والنفس والمال، وليس في دعوة التبليغ شيء من ذلك، فإذا ~~احتمل حصول المقصود بأهون الدعوتين لزم الافتتاح بها، هذا إذا كانت الدعوة ~~لم تبلغهم، فإن كانت قد بلغتهم جاز لهم أن يفتتحوا القتال من غير تجديد ~~الدعوة؛ لما بينا أن الحجة لازمة، والعذر في الحقيقة منقطع، وشبهة العذر ~~انقطعت بالتبليغ مرة، لكن مع هذا الأفضل أن لا يفتتحوا القتال إلا بعد ~~تجديد الدعوة لرجاء الإجابة في الجملة. # وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يقاتل الكفرة حتى ~~يدعوهم إلى الإسلام فيما كان دعاهم غير مرة دل أن الافتتاح بتجديد الدعوة ~~أفضل، ثم، إذا دعوهم إلى الإسلام فإن أسلموا كفوا عنهم القتال؛ لقوله - ~~عليه الصلاة والسلام - «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ~~فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» وقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «من قال لا إله إلا الله فقد عصم مني دمه وماله» فإن أبوا ~~الإجابة إلى الإسلام دعوهم إلى الذمة، إلا مشركي العرب والمرتدين ms4191 لما نذكره ~~إن شاء الله - تعالى - بعد فإن أجابوا كفوا عنهم؛ لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «فإن قبلوا عقد الذمة فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على ~~المسلمين وإن أبوا، استعانوا بالله - سبحانه وتعالى - على قتالهم» ووثقوا ~~بعهد الله - سبحانه وتعالى - النصر لهم بعد أن بذلوا جهدهم، واستفرغوا ~~وسعهم، وثبتوا وأطاعوا الله - سبحانه وتعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم ~~- وذكروا الله كثيرا على ما قال - تبارك وتعالى - {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} [الأنفال: 45] ~~{وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع ~~الصابرين} [الأنفال: 46] ولهم أن يقاتلوهم وإن لم يبدءوا بالدعوة؛ لقول ~~الله - تعالى {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] وسواء كان في ~~الأشهر الحرم أو في غيرها؛ لأن حرمة القتال في الأشهر الحرم صارت منسوخة ~~بآية السيف، وغيرها من آيات القتال، ولا بأس بالإغارة والبيات عليهم، ولا ~~بأس بقطع أشجارهم المثمرة، وغير المثمرة، وإفساد زروعهم؛ لقوله - تبارك ~~وتعالى - {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله ~~وليخزي الفاسقين} [الحشر: 5] أذن - سبحانه وتعالى - بقطع النخيل في صدر ~~الآية الشريفة، ونبه في آخرها أن ذلك يكون كبتا وغيظا للعدو بقوله - تبارك ~~وتعالى {وليخزي الفاسقين} [الحشر: 5] . # ولا بأس بإحراق حصونهم بالنار، وإغراقها بالماء، وتخريبها وهدمها عليهم، ~~ونصب المنجنيق عليها؛ لقوله - تبارك وتعالى {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين} [الحشر: 2] ولأن كل ذلك من باب القتال؛ لما فيه من قهر العدو ~~وكبتهم وغيظهم، ولأن حرمة الأموال؛ لحرمة أربابها، ولا حرمة لأنفسهم حتى ~~يقتلون، فكيف لأموالهم؟ ولا بأس برميهم بالنبال، وإن علموا أن فيهم مسلمين ~~من الأسارى والتجار لما فيه من الضرورة، إذ حصون الكفرة قلما تخلو من مسلم ~~أسير، أو تاجر فاعتباره يؤدي إلى انسداد باب # PageV07P100 # الجهاد، ولكن يقصدون بذلك الكفرة دون المسلمين؛ لأنه لا ضرورة في القصد ~~إلى قتل مسلم بغير حق. # وكذا إذا تترسوا بأطفال المسلمين فلا بأس بالرمي إليهم؛ لضرورة إقامة ~~الفرض، لكنهم يقصدون الكفار دون الأطفال، فإن ms4192 رموهم فأصاب مسلما فلا دية ~~ولا كفارة وقال الحسن بن زياد - رحمه الله -: تجب الدية، والكفارة وهو أحد ~~قولي الشافعي - رحمه الله -. # (وجه) قول الحسن أن دم المسلم معصوم فكان ينبغي أن يمنع من الرمي، إلا ~~أنه لم يمنع لضرورة إقامة الفرض فيتقدر بقدر الضرورة والضرورة في رفع ~~المؤاخذة لا في نفي الضمان، كتناول ماء الغير حالة المخمصة إنه رخص له ~~التناول لكن يجب عليه الضمان لما ذكرنا، كذلك هاهنا. # (ولنا) أنه كما مست الضرورة إلى دفع المؤاخذة لإقامة فرض القتال، مست ~~الضرورة إلى نفي الضمان أيضا؛ لأن وجوب الضمان يمنع من إقامة الفرض؛ لأنهم ~~يمتنعون منه خوفا من لزوم الضمان، وإيجاب ما يمنع من إقامة الواجب متناقض، ~~وفرض القتال لم يسقط، دل أن الضمان ساقط بخلاف حالة المخمصة؛ لأن وجوب ~~الضمان هناك لا يمنع من التناول؛ لأنه لو لم يتناول لهلك، وكذا حصل له مثل ~~ما يجب عليه، فلا يمنع من التناول، فلا يؤدي إلى التناقض، ولا ينبغي ~~للمسلمين أن يستعينوا بالكفار على قتال الكفار؛ لأنه لا يؤمن غدرهم، إذ ~~العداوة الدينية تحملهم عليه، إلا إذا اضطروا إليهم والله - سبحانه وتعالى ~~- أعلم. ### | [فصل في بيان من يحل قتله من الكفرة ومن لا يحل] # (فصل) : # وأما بيان من يحل قتله من الكفرة ومن لا يحل، فنقول: الحال لا يخلو إما ~~أن يكون حال القتال، أو حال ما بعد الفراغ من القتال، وهي ما بعد الأخذ ~~والأسر، أما حال القتال فلا يحل فيها قتل امرأة ولا صبي، ولا شيخ فان، ولا ~~مقعد ولا يابس الشق، ولا أعمى، ولا مقطوع اليد والرجل من خلاف، ولا مقطوع ~~اليد اليمنى، ولا معتوه، ولا راهب في صومعة، ولا سائح في الجبال لا يخالط ~~الناس، وقوم في دار أو كنيسة ترهبوا وطبق عليهم الباب، أما المرأة والصبي، ~~فلقول النبي - عليه الصلاة والسلام - «لا تقتلوا امرأة ولا وليدا» وروي أنه ~~- عليه الصلاة والسلام - رأى في بعض غزواته امرأة مقتولة فأنكر ذلك وقال - ~~عليه الصلاة والسلام -: «هاه ما ms4193 أراها قاتلت، فلم قتلت؟ ونهى عن قتل النساء ~~والصبيان» ولأن هؤلاء ليسوا من أهل القتال، فلا يقتلون، ولو قاتل واحد منهم ~~قتل، وكذا لو حرض على القتال، أو دل على عورات المسلمين، أو كان الكفرة ~~ينتفعون برأيه، أو كان مطاعا، وإن كان امرأة أو صغيرا؛ لوجود القتال من حيث ~~المعنى. # وقد روي «أن ربيعة بن رفيع السلمي - رضي الله عنه - أدرك دريد بن الصمة ~~يوم حنين، فقتله وهو شيخ كبير كالقفة، لا ينفع إلا برأيه، فبلغ ذلك رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر عليه» والأصل فيه أن كل من كان من ~~أهل القتال يحل قتله، سواء قاتل أو لم يقاتل، وكل من لم يكن من أهل القتال ~~لا يحل قتله إلا إذا قاتل حقيقة أو معنى بالرأي والطاعة والتحريض، وأشباه ~~ذلك على ما ذكرنا، فيقتل القسيس والسياح الذي يخالط الناس، والذي يجن ~~ويفيق، والأصم والأخرس، وأقطع اليد اليسرى، وأقطع إحدى الرجلين، وإن لم ~~يقاتلوا؛ لأنهم من أهل القتال، ولو قتل واحد ممن ذكرنا أنه لا يحل قتله فلا ~~شيء فيه من دية ولا كفارة، إلا التوبة والاستغفار؛ لأن دم الكافر لا يتقوم ~~إلا بالأمان ولم يوجد وأما حال ما بعد الفراغ من القتال، وهي ما بعد الأسر ~~والأخذ، فكل من لا يحل قتله في حال القتال لا يحل قتله بعد الفراغ من ~~القتال، وكل من يحل قتله في حال القتال إذا قاتل حقيقة أو معنى، يباح قتله ~~بعد الأخذ والأسر إلا الصبي، والمعتوه الذي لا يعقل، فإنه يباح قتلهما في ~~حال القتال إذا قاتلا حقيقة ومعنى، ولا يباح قتلهما بعد الفراغ من القتال ~~إذا أسرا، وإن قتلا جماعة من المسلمين في القتال؛ لأن القتل بعد الأسر ~~بطريق العقوبة، وهما ليسا من أهل العقوبة، فأما القتل في حالة القتال فلدفع ~~شر القتال، وقد وجد الشر منهما فأبيح قتلهما لدفع الشر، وقد انعدم الشر ~~بالأسر، فكان القتل بعده بطريق العقوبة، وهما ليسا من أهلها والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # ويكره للمسلم ms4194 أن يبتدئ أباه الكافر الحربي بالقتل؛ لقوله تعالى {وصاحبهما ~~في الدنيا معروفا} [لقمان: 15] أمر - سبحانه وتعالى - بمصاحبة الأبوين ~~الكافرين بالمعروف، والابتداء بالقتل ليس من المصاحبة بالمعروف. # وروي «أن حنظلة - رضي الله عنه - غسيل الملائكة - عليهم الصلاة والسلام - ~~استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتل أبيه، فنهاه - عليه الصلاة ~~والسلام -» ولأن الشرع أمر بإحيائه بالنفقة عليه، فالأمر بالقتل فيه ~~إفناؤه، يكون متناقضا فإن قصد الأب قتله، يدفعه عن # PageV07P101 # نفسه، وإن أتى ذلك على نفسه ولا يكره ذلك؛ لأنه من ضرورات الدفع، ولكن لا ~~يقصد بالدفع القتل؛ لأنه لا ضرورة إلى القصد والله - تعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان من يسع تركه في دار الحرب ممن لا يحل قتله، ومن لا يسع] # (فصل) : # وأما بيان من يسع تركه في دار الحرب ممن لا يحل قتله، ومن لا يسع فالأمر ~~فيه لا يخلو من أحد وجهين، أما إذا كان الغزاة قادرين على عمل هؤلاء، ~~وإخراجهم إلى دار الإسلام وأما إن لم يقدروا عليه، فإن قدروا على ذلك، فإن ~~كان المتروك ممن يولد له ولد، لا يجوز تركهم في دار الحرب؛ لأن في تركهم في ~~دار الحرب عونا لهم على المسلمين باللقاح، وإن كان ممن لا يولد له ولد، ~~كالشيخ الفاني الذي لا قتال عنده، ولا لقاح، فإن كان ذا رأي ومشورة، فلا ~~يباح تركه في دار الحرب، لما فيه من المضرة بالمسلمين؛ لأنهم يستعينون على ~~المسلمين برأيه. # وإن لم يكن له رأي فإن شاءوا تركوه، فإنه لا مضرة عليهم في تركه، وإن ~~شاءوا أخرجوه لفائدة المفاداة على قول من يرى مفاداة الأسير بالأسير، وعلى ~~قول من لا يرى لا يخرجونهم؛ لما أنه لا فائدة في إخراجهم، وكذلك العجوز ~~التي لا يرجى ولدها، وكذلك الرهبان، وأصحاب الصوامع إذا كانوا حضورا، لا ~~يلحقون وإن لم يقدر المسلمون على حمل هؤلاء ونقلهم إلى دار الإسلام، لا يحل ~~قتلهم، ويتركون في دار الحرب؛ لأن الشرع نهى عن قتلهم، ولا قدرة على نقلهم، ~~فيتركون ضرورة. # وأما الحيوان ms4195 والسلاح إذا لم يقدروا على الإخراج إلى دار الإسلام أما ~~الحيوان فيذبح ثم يحرق بالنار؛ لئلا يمكنهم الانتفاع به وأما السلاح فما ~~يمكن إحراقه بالنار يحرق، وما لا يحتمل الإحراق كالحديد ونحوه، فيدفن ~~بالتراب لئلا يجدوه والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان ما يكره حمله إلى دار الحرب وما لا يكره] # (فصل) : # وأما بيان ما يكره حمله إلى دار الحرب، وما لا يكره، فنقول: ليس للتاجر ~~أن يحمل إلى دار الحرب ما يستعين به أهل الحرب على الحرب من الأسلحة، ~~والخيل، والرقيق من أهل الذمة، وكل ما يستعان به في الحرب؛ لأن فيه ~~إمدادهم، وإعانتهم على حرب المسلمين قال الله - سبحانه وتعالى {ولا تعاونوا ~~على الإثم والعدوان} [المائدة: 2] فلا يمكن من الحمل وكذا الحربي إذا دخل ~~دار الإسلام لا يمكن من أن يشتري السلاح، ولو اشترى لا يمكن من أن يدخله ~~دار الحرب لما قلنا، إلا إذا كان داخل دار الإسلام بسلاح فاستبدله، فينظر ~~في ذلك، إن كان الذي استبدله خلاف جنس سلاحه، بأن استبدل القوس بالسيف، ~~ونحو ذلك، لا يمكن من ذلك أصلا، وإن كان من جنس سلاحه، فإن كان مثله، أو ~~أردأ منه يمكن منه، وإن كان أجود منه لا يمكن منه لما قلنا. # ولا بأس بحمل الثياب والمتاع والطعام، ونحو ذلك إليهم؛ لانعدام معنى ~~الإمداد، والإعانة، وعلى ذلك جرت العادة من تجار الأعصار، أنهم يدخلون دار ~~الحرب للتجارة من غير ظهور الرد والإنكار عليهم، إلا أن الترك أفضل؛ لأنهم ~~يستخفون بالمسلمين، ويدعونهم إلى ما هم عليه، فكان الكف والإمساك عن الدخول ~~من باب صيانة النفس عن الهوان، والدين عن الزوال، فكان أولى. # وأما المسافرة بالقرآن العظيم إلى دار الحرب فينظر في ذلك، إن كان العسكر ~~عظيما مأمونا عليه لا بأس بذلك؛ لأنهم يحتاجون إلى قراءة القرآن، وإذا كان ~~العسكر عظيما يقع الأمن عن الوقوع في أيدي الكفرة والاستخفاف به، وإن لم ~~يكن مأمونا عليه، كالسرية يكره المسافرة به لما فيه من خوف الوقوع في ~~أيديهم والاستخفاف ms4196 به، فكان الدخول به في دار الحرب تعريضا للاستخفاف ~~بالمصحف الكريم. # وما روي عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه نهى أن يسافر بالقرآن ~~العظيم إلى أرض العدو، محمول على المسافرة في هذه الحالة، وكذلك حكم إخراج ~~النساء مع أنفسهم إلى دار الحرب على هذا التفصيل، إن كان ذلك في جيش عظيم ~~مأمون عليه، غير مكروه؛ لأنهم يحتاجون إلى الطبخ والغسل، ونحو ذلك وإن كانت ~~سرية لا يؤمن عليها يكره إخراجهن لما قلنا والله - تعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان ما يعترض من الأسباب المحرمة للقتال] # (فصل) : # وأما بيان ما يعترض من الأسباب المحرمة للقتال فنقول - ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم: الأسباب المعترضة المحرمة للقتال أنواع ثلاثة، الإيمان، ~~والأمان، والالتجاء إلى الحرم، أما الإيمان فالكلام فيه في موضعين، أحدهما: ~~في بيان ما يحكم به بكون الشخص مؤمنا والثاني: في بيان حكم الإيمان أما ~~الأول فنقول: الطرق التي يحكم بها بكون الشخص مؤمنا ثلاثة: نص، ودلالة، ~~وتبعية. # أما النص فهو أن يأتي بالشهادة، أو بالشهادتين، أو يأتي بهما مع التبرؤ ~~مما هو عليه صريحا. # وبيان هذه الجملة أن الكفرة أصناف أربعة: صنف منهم ينكرون الصانع أصلا، ~~وهم الدهرية المعطلة، وصنف منهم # PageV07P102 # يقرون بالصانع وينكرون توحيده، وهم الوثنية والمجوس، وصنف منهم يقرون ~~بالصانع وتوحيده وينكرون الرسالة رأسا، وهم قوم من الفلاسفة، وصنف منهم ~~يقرون بالصانع وتوحيده والرسالة في الجملة، لكنهم ينكرون رسالة نبينا محمد ~~- عليه أفضل الصلاة والسلام - وهم اليهود والنصارى، فإن كان من الصنف الأول ~~والثاني، فقال: لا إله إلا الله يحكم بإسلامه؛ لأن هؤلاء يمتنعون عن ~~الشهادة أصلا. # فإذا أقروا بها كان ذلك دليل إيمانهم وكذلك إذا قال: أشهد أن محمدا رسول ~~الله؛ لأنهم يمتنعون من كل واحدة من كلمتي الشهادة، فكان الإتيان بواحد ~~منهما - أيتهما كانت - دلالة الإيمان، وإن كان من الصنف الثالث فقال: لا ~~إله إلا الله لا يحكم بإسلامه؛ لأن منكر الرسالة لا يمتنع عن هذه المقالة، ~~ولو قال: أشهد أن محمدا رسول الله يحكم بإسلامه؛ لأنه يمتنع ms4197 عن هذه ~~الشهادة، فكان الإقرار بها دليل الإيمان. # وإن كان من الصنف الرابع فأتى بالشهادتين فقال: لا إله إلا الله، محمد ~~رسول الله لا يحكم بإسلامه حتى يتبرأ من الدين الذي عليه؛ من اليهودية أو ~~النصرانية؛ لأن من هؤلاء من يقر برسالة رسول الله؛ - صلى الله عليه وسلم - ~~لكنه يقول: إنه بعث إلى العرب خاصة دون غيرهم فلا يكون إتيانه بالشهادتين ~~بدون التبرؤ دليلا على إيمانه، وكذا إذا قال يهودي أو نصراني: أنا مؤمن أو ~~مسلم أو قال: آمنت أو: أسلمت لا يحكم بإسلامه؛ لأنهم يدعون أنهم مؤمنون ~~ومسلمون، والإيمان والإسلام هو الذي هم عليه وروى الحسن عن أبي حنيفة - ~~رحمه الله - أنه قال: إذا قال اليهودي أو النصراني: أنا مسلم أو قال: أسلمت ~~سئل عن ذلك أي شيء أردت به إن قال: أردت به ترك اليهودية، أو النصرانية، ~~والدخول في دين الإسلام يحكم بإسلامه، حتى لو رجع عن ذلك كان مرتدا وإن ~~قال: أردت بقولي: أسلمت أني على الحق، ولم أرد بذلك الرجوع عن ديني لم يحكم ~~بإسلامه ولو قال يهودي أو نصراني: أشهد أن لا إله إلا الله، وأتبرأ عن ~~اليهودية، أو النصرانية لا يحكم بإسلامه؛ لأنهم لا يمتنعون عن كلمة ~~التوحيد، والتبرؤ عن اليهودية والنصرانية، لا يكون دليل الدخول في دين ~~الإسلام لاحتمال أنه تبرأ عن ذلك، ودخل في دين آخر سوى دين الإسلام، فلا ~~يصلح التبرؤ دليل الإيمان مع الاحتمال، ولو أقر مع ذلك فقال: دخلت في دين ~~الإسلام أو في دين محمد - صلى الله عليه وسلم - حكم بالإسلام؛ لزوال ~~الاحتمال بهذه القرينة والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) بيان ما يحكم به بكونه مؤمنا من طريق الدلالة، فنحو أن يصلي ~~كتابي، أو واحد من أهل الشرك في جماعة، ويحكم بإسلامه عندنا وعند الشافعي - ~~رحمه الله - لا يحكم بإسلامه ولو صلى وحده لا يحكم بإسلامه. # (وجه) قول الشافعي - رحمه الله - إن الصلاة لو صلحت دلالة الإيمان لما ~~افترق الحال فيها بين حال الانفراد، وبين حال الاجتماع ولو ms4198 صلى وحده لم ~~يحكم بإسلامه فعلى ذلك إذا صلى بجماعة. # (ولنا) أن الصلاة بالجماعة على هذه الهيئة التي نصليها اليوم، لم تكن في ~~شرائع من قبلنا، فكانت مختصة بشريعة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~فكانت دلالة على الدخول في دين الإسلام، بخلاف ما إذا صلى وحده؛ لأن الصلاة ~~وحده غير مختصة بشريعتنا وروي عن محمد - رحمه الله - أنه إذا صلى وحده ~~مستقبل القبلة يحكم بإسلامه؛ لأن الصلاة مستقبل القبلة دليل الإسلام؛ لقوله ~~- عليه الصلاة والسلام - «من شهد جنازتنا، وصلى إلى قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، ~~فاشهدوا له بالإيمان» . # وعلى هذا الخلاف إذا أذن في مسجد جماعة يحكم بإسلامه عندنا، خلافا ~~للشافعي - رحمه الله تعالى - لنا أن الأذان من شعائر الإسلام، فكان الإتيان ~~به دليل قبول الإسلام، ولو قرأ القرآن أو تلقنه لا يحكم بإسلامه؛ لاحتمال ~~أنه فعل ذلك ليعلم ما فيه من غير أن يعتقده حقيقة، إذ لا كل من يعلم شيئا ~~يؤمن به، كالمعاندين من الكفرة، ولو حج هل يحكم بإسلامه قالوا: ينظر في ذلك ~~إن تهيأ للإحرام، ولبى وشهد المناسك مع المسلمين يحكم بإسلامه؛ لأن عبادة ~~الحج على هذه الهيئة المخصوصة، لم تكن في الشرائع المتقدمة، فكانت مختصة ~~بشريعتنا، فكانت دلالة الإيمان كالصلاة بالجماعة. # وإن لبى ولم يشهد المناسك، أو شهد المناسك، ولم يلب لا يحكم بإسلامه؛ ~~لأنه لا يصير عبادة في شريعتنا إلا بالأداء على هذه الهيئة، والأداء على ~~هذه الهيئة لا يكون دليل الإسلام، ولو شهد شاهدان أنهما رأياه يصلي سنة، ~~وما قالا: رأيناه يصلي في جماعة وهو يقول: صليت صلواتي لا يحكم بإسلامه؛ ~~لأنهم يصلون أيضا، فلا تكون الصلاة المطلقة دلالة الإسلام، ولو شهد أحدهما ~~وقال: رأيته يصلي في المسجد الأعظم وشهد # PageV07P103 # الآخر وقال: رأيته يصلي في المسجد كذا وهو منكر لا تقبل، ولكن يجبر على ~~الإسلام؛ لأن الشاهدين اتفقا على وجود الصلاة منه بجماعة في المسجد، لكنهما ~~اختلفا في المسجد، وذا يوجب اختلاف المكان لا نفس الفعل، وهو الصلاة، فقد ~~اجتمع شاهدان على فعل واحد ms4199 حقيقة، لكن تعتبر شهادتهما في الجبر على ~~الإسلام، لا في القتل؛ لأن فعل الصلاة وإن كان متحدا حقيقة، فهو مختلف صورة ~~لاختلاف محل الفعل فأورث شبهة في القتل والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # وأما الحكم بالإسلام من طريق التبعية فإن الصبي يحكم بإسلامه تبعا لأبويه ~~عقل أو لم يعقل ما لم يسلم بنفسه إذا عقل، ويحكم بإسلامه تبعا للدار أيضا، ~~والجملة فيه: أن الصبي يتبع أبويه في الإسلام والكفر، ولا عبرة بالدار مع ~~وجود الأبوين أو أحدهما؛ لأنه لا بد له من دين تجري عليه أحكامه، والصبي لا ~~يهتم لذلك إما لعدم عقله، وإما لقصوره، فلا بد وأن يجعل تبعا لغيره، وجعله ~~تبعا للأبوين أولى؛ لأنه تولد منهما وإنما الدار منشأ، وعند انعدامهما في ~~الدار التي فيها الصبي تنتقل التبعية إلى الدار؛ لأن الدار تستتبع الصبي في ~~الإسلام في الجملة كاللقيط، فإذا أسلم أحد الأبوين، فالولد يتبع المسلم؛ ~~لأنهما استويا في جهة التبعية، وهي التولد والتفرع، فيرجح المسلم بالإسلام؛ ~~لأنه يعلو ولا يعلى عليه، ولو كان أحدهما كتابيا، والآخر مجوسيا، فالولد ~~كتابي؛ لأن الكتابي إلى أحكام الإسلام أقرب، فكان الإسلام منه أرجى وبيان ~~هذه الجملة: إذا سبي الصبي، وأخرج إلى دار الإسلام،. # فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن سبي مع أحدهما، وإما أن سبي مع ~~أحدهما، وإما أن سبي وحده فإن سبي مع أبويه فما دام في دار الحرب، فهو على ~~دين أبويه، حتى لو مات لا يصلى عليه وهذا ظاهر وكذا إذا سبي مع أحدهما ~~وكذلك إذا خرج إلى دار الإسلام ومعه أبواه أو أحدهما لما بينا، فإن مات ~~الأبوان بعد ذلك فهو على دينهما حتى يسلم بنفسه، ولا تنقطع تبعية الأبوين ~~بموتهما؛ لأن بقاء الأصل ليس بشرط لبقاء الحكم في التبع، وإن أخرج إلى دار ~~الإسلام وليس معه أحدهما فهو مسلم؛ لأن التبعية انتقلت إلى الدار على ما ~~بينا، ولو أسلم أحد الأبوين في دار الحرب، فهو مسلم تبعا له؛ لأن الولد ~~يتبع خير الأبوين دينا لما ms4200 بينا، وكذا إذا أسلم أحد الأبوين في دار الإسلام ~~ثم سبي الصبي بعده وأدخل في دار الإسلام، فهو مسلم تبعا له؛ لأنه جمعهما ~~دار واحدة؛ لأن تبعية الدار لا تعتبر مع أحد الأبوين لما ذكرنا. # فأما قبل الإدخال في دار الإسلام فلا يكون مسلما؛ لأنهما في دارين ~~مختلفين، واختلاف الدار يمنع التبعية في الأحكام الشرعية والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم ثم إنما تعتبر تبعية الأبوين والدار إذا لم يسلم بنفسه وهو ~~يعقل الإسلام، فأما إذا أسلم وهو يعقل الإسلام فلا تعتبر التبعية، ويصح ~~إسلامه عندنا وعند الشافعي - رحمه الله - لا يصح واحتج بقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، ~~وعن النائم حتى يستيقظ» أخبر - عليه الصلاة والسلام - أن الصبي مرفوع القلم ~~والفقه مستنبط منه، وهو أن الصبي لو صح إسلامه إما أن يصح فرضا، وإما أن ~~يصح نفلا ومعلوم أن التنفل بالإسلام محال، والفرضية بخطاب الشرع، والقلم ~~عنه مرفوع، ولأن صحة الإسلام من الأحكام الضارة، فإنه سبب لحرمان الميراث ~~والنفقة، ووقوع الفرق بين الزوجين. # والصبي ليس من أهل التصرفات الضارة، ولهذا لم يصح طلاقه وعتاقه، ولم يجب ~~عليه الصوم والصلاة، فلا يصح إسلامه. # (ولنا) أنه آمن بالله - سبحانه وتعالى - عن غيب فيصح إيمانه كالبالغ، ~~وهذا لأن الإيمان عبارة عن التصديق لغة وشرعا، وهو تصديق الله - سبحانه ~~وتعالى - في جميع ما أنزل على رسله، أو تصديق رسله في جميع ما جاءوا به عن ~~الله - تبارك وتعالى - وقد وجد ذلك منه لوجود دليله، وهو إقرار العاقل، ~~وخصوصا عن طوع، فترتب عليه الأحكام؛ لأنها مبنية على وجود الإيمان حقيقة ~~قال الله - تبارك وتعالى - {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} [البقرة: 221] ~~وقال - عليه الصلاة والسلام -: «لا يرث المؤمن الكافر، ولا الكافر المؤمن» ~~وقوله: إنه مرفوع القلم قلنا: نعم. # في الفروع الشرعية فأما في الأصول العقلية فممنوع، ووجوب الإيمان من ~~الأحكام العقلية، فيجب على كل عاقل والحديث يحمل على الأحكام الشرعية ~~توفيقا بين الدلائل، وبه نقول والله - سبحانه ms4201 وتعالى - أعلم. # وأما أحكام الإيمان فنقول - والله سبحانه وتعالى الموفق للإيمان - حكمان: ~~أحدهما يرجع إلى الآخرة، والثاني يرجع إلى الدنيا، أما الذي يرجع إلى ~~الآخرة فكينونة المؤمن من أهل الجنة إذا ختم عليه قال الله تعالى {من جاء ~~بالحسنة فله خير منها} [النمل: 89] # PageV07P104 # وأما الذي يرجع إلى الدنيا فعصمة النفس والمال؛ لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها، ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» إلا أن عصمة النفس تثبت مقصودة، ~~وعصمة المال تثبت تابعة لعصمة النفس، إذ النفس أصل في التخلق، والمال خلق ~~بذله للنفس استبقاء لها، فمتى ثبتت عصمة النفس ثبتت عصمة المال، تبعا إلا ~~إذا وجد القاطع للتبعية على ما نذكر فعلى هذا إذا أسلم أهل بلدة من أهل دار ~~الحرب قبل أن يظهر عليهم المسلمون حرم قتلهم، ولا سبيل لأحد على أموالهم ~~على ما قلنا وقد روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ~~أسلم على مال فهو له» . # ولو أسلم حربي في دار الحرب ولم يهاجر إلينا فقتله مسلم عمدا أو خطأ فلا ~~شيء عليه إلا الكفارة وعند أبي يوسف عليه الدية في الخطأ وعند الشافعي - ~~رحمه الله - عليه الدية مع الكفارة في الخطأ، والقصاص في العمد واحتجا ~~بالعمومات الواردة في باب القصاص والدية من غير فصل بين مؤمن قتل في دار ~~الإسلام أو في دار الحرب. # (ولنا) قوله - تبارك وتعالى - {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير ~~رقبة مؤمنة} [النساء: 92] أوجب - سبحانه وتعالى - الكفارة وجعلها كل موجب ~~قتل المؤمن الذي هو من قوم عدو لنا؛ لأنه جعله جزاء، والجزاء ينبئ عن ~~الكفاية، فاقتضى وقوع الكفاية بها عما سواها من القصاص والدية جميعا، ولأن ~~القصاص لم يشرع إلا لحكمة الحياة قال الله - تعالى - {ولكم في القصاص حياة} ~~[البقرة: 179] والحاجة إلى الإحياء عند قصد القتل لعداوة حاملة عليه، ولا ~~يكون ذلك إلا عند المخالطة، ولو لم توجد هاهنا وعلى هذا إذا أسلم ولم ms4202 يهاجر ~~إلينا حتى ظهر المسلمون على الدار، فما كان في يده من المقتول فهو له، ولا ~~يكون فيئا إلا عبدا يقاتل فإنه يكون فيئا؛ لأن نفسه استفادت العصمة ~~بالإسلام، وماله الذي في يده تابع له من كل وجه، فكان معصوما تبعا لعصمة ~~النفس، إلا عبدا يقاتل؛ لأنه إذا قاتل فقد خرج من يد المولى، فلم يبق تبعا ~~له، فانقطعت العصمة لانقطاع التبعية، فيكون محلا للتملك بالاستيلاء. # وكذلك ما كان في يد مسلم أو ذمي وديعة له فهو له، ولا يكون فيئا؛ لأن يد ~~المودع يده من وجه من حيث إنه يحفظ الوديعة له، ويد نفسه من حيث الحقيقة ~~وكل واحد منهما معصوم فكان ما في يده معصوما فلا يكون محلا للتملك وأما ما ~~كان في يد حربي وديعة، فيكون فيئا عند أبي حنيفة. # وعندهما يكون له؛ لأن يد المودع يده، فكان معصوما والصحيح قول أبي حنيفة ~~- رحمه الله -؛ لأنه من حيث إنه يحفظ له تكون يده فيكون تبعا له، فيكون ~~معصوما، ومن حيث الحقيقة لا يكون معصوما؛ لأن نفس الحربي غير معصومة، فوقع ~~الشك في العصمة، فلا تثبت العصمة مع الشك، وكذا عقاره يكون فيئا عند أبي ~~حنيفة، وأبي يوسف وعند محمد هو والمنقول سواء والصحيح قولهما؛ لأنه من حيث ~~إنه يتصرف فيه بحسب مشيئته يكون في يده، فيكون تبعا له من حيث إنه محصن ~~محفوظ بنفسه ليس في يده، فلا يكون تبعا له، فلا تثبت العصمة مع الشك وأما ~~أولاده الصغار فأحرار مسلمون تبعا له، وأولاده الكبار وامرأته يكونون فيئا؛ ~~لأنهم في حكم أنفسهم لانعدام التبعية. # وأما الولد الذي في البطن فهو مسلم تبعا لأبيه ورقيق تبعا لأمه، وفيه ~~إشكال، وهو أن هذا إنشاء الرق على المسلم، وأنه ممنوع والجواب أن الممتنع ~~إنشاء الرق على من هو مسلم حقيقة، لا على من له حكم الوجود، والإسلام شرعا، ~~هذا إذا أسلم ولم يهاجر إلينا، فظهر المسلمون على الدار، فلو أسلم وهاجر ~~إلينا ثم ظهر المسلمون على الدار. # أما أمواله فما ms4203 كان في يد مسلم أو ذمي وديعة فهو له، ولا يكون فيئا لما ~~ذكرنا، وما سوى ذلك فهو فيء لما ذكرنا أيضا وقيل ما كان في يد حربي وديعة ~~فهو على الخلاف الذي ذكرنا. # وأما أولاده الصغار فيحكم بإسلامه تبعا لأبيهم، ولا يسترقون؛ لأن الإسلام ~~يمنع إنشاء الرق إلا رقا ثبت حكما بأن كان الولد في بطن الأم، وأولاده ~~الكبار فيء؛ لأنهم في حكم أنفسهم، فلا يكونون مسلمين بإسلام أبيهم. # وكذلك زوجته والولد الذي في البطن يكون مسلما تبعا لأبيه، ورقيقا تبعا ~~لأمه، ولو دخل الحربي دار الإسلام ثم أسلم، ثم ظهر المسلمون على الدار، ~~فجميع ماله وأولاده الصغار، والكبار، وامرأته، وما في بطنها فيء، لما لم ~~يسلم في دار الحرب حتى خرج إلينا لم تثبت العصمة لماله؛ لانعدام عصمة ~~النفس. # فبعد ذلك وإن صارت معصومة، لكن بعد تباين الدارين، وأنه يمنع ثبوت ~~التبعية ولو دخل مسلم أو ذمي دار الحرب فأصاب هناك مالا، ثم ظهر المسلمون ~~على الدار فحكمه وحكم الذي # PageV07P105 # أسلم من أهل الحرب ولم يهاجر إلينا سواء والله - عز وجل - أعلم. # وأما الأمان فنقول: الأمان في الأصل نوعان: أمان مؤقت، وأمان مؤبد أما ~~المؤقت فنوعان أيضا: أحدهما الأمان المعروف، وهو أن يحاصر الغزاة مدينة أو ~~حصنا من حصون الكفرة، فيستأمنهم الكفار فيؤمنوهم. # والكلام فيه في مواضع: في بيان ركن الأمان، وفي بيان شرائط الركن، وفي ~~بيان حكم الأمان، وفي بيان صفته، وفي بيان ما يبطل به الأمان. # فأما ركنه فهو اللفظ الدال على الأمان، نحو قول المقاتل: أمنتكم أو: أنتم ~~آمنون أو: أعطيتكم الأمان وما يجري هذا المجرى وأما شرائط الركن فأنواع: ~~منها أن يكون في حال يكون بالمسلمين ضعف، وبالكفرة قوة؛ لأن القتال فرض، ~~والأمان يتضمن تحريم القتال، فيتناقض. # إلا إذا كان في حال ضعف المسلمين وقوة الكفرة؛ لأنه إذ ذاك يكون قتالا ~~معنى؛ لوقوعه وسيلة إلى الاستعداد للقتال، فلا يؤدي إلى التناقض. # ومنها العقل فلا يجوز أمان المجنون، والصبي الذي لا يعقل؛ لأن العقل شرط ms4204 ~~أهلية التصرف، ومنها البلوغ وسلامة العقل عن الآفة عند عامة العلماء. # وعند محمد - رحمه الله - ليس بشرط حتى إن الصبي المراهق الذي يعقل ~~الإسلام، والبالغ المختلط العقل إذا أمن لا يصح عند العامة وعند محمد يصح. # (وجه) قوله أن أهلية الأمان مبنية على أهلية الإيمان، والصبي الذي يعقل ~~الإسلام من أهل الإيمان فيكون من أهل الأمان كالبالغ. # (ولنا) أن الصبي ليس من أهل حكم الأمان، فلا يكون من أهل الأمان وهذا لأن ~~حكم الأمان حرمة القتال، وخطاب التحريم لا يتناوله، ولأن من شرط صحة الأمان ~~أن يكون بالمسلمين ضعف وبالكفرة قوة، وهذه حالة خفية لا يوقف عليها إلا ~~بالتأمل والنظر، ولا يوجد ذلك من الصبي لاشتغاله باللهو واللعب، ومنها ~~الإسلام فلا يصح أمان الكافر، وإن كان يقاتل مع المسلمين؛ لأنه متهم في حق ~~المسلمين، فلا تؤمن خيانته، ولأنه إذا كان متهما فلا يدري أنه بنى أمانه ~~على مراعاة مصلحة المسلمين من التفرق عن حال القوة والضعف أم لا، فيقع الشك ~~في وجود شرط الصحة، فلا يصح مع الشك. # وأما الحرية فليست بشرط لصحة الأمان، فيصح أمان العبد المأذون في القتال ~~بالإجماع، وهل يصح أمان العبد المحجور عن القتال؟ اختلف فيه قال أبو حنيفة ~~- عليه الرحمة - وأبو يوسف - رحمه الله -: لا يصح وقال محمد - رحمه الله -: ~~يصح وهو قول الشافعي - رحمه الله -. # (وجه) قوله ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم» والذمة العهد، والأمان نوع ~~عهد، والعبد المسلم أدنى المسلمين، فيتناوله الحديث ولأن حجر المولى يعمل ~~في التصرفات، الضارة دون النافعة، بل هو في التصرفات النافعة غير محجور ~~كقبول الهبة والصدقة، ولا مضرة للمولى في أمان العبد بتعطيل منافعه عليه؛ ~~لأنه يتأدى في زمان قليل، بل له ولسائر المسلمين فيه منفعة، فلا يظهر ~~انحجاره عنه، فأشبه المأذون بالقتال. # (وجه) قولهما أن الأصل في الأمان أن لا يجوز؛ لأن القتال فرض والأمان ~~يحرم القتال، إلا إذا وقع في حال يكون بالمسلمين ضعف ms4205 وبالكفرة قوة، لوقوعه ~~وسيلة إلى الاستعداد للقتال في هذه الحالة، فيكون قتالا معنى إذ الوسيلة ~~إلى الشيء حكمها حكم ذلك الشيء، وهذه حالة لا تعرف إلا بالتأمل والنظر في ~~حال المسلمين في قوتهم وضعفهم، والعبد المحجور لاشتغاله بخدمة المولى لا ~~يقف عليهما، فكان أمانه تركا للقتال المفروض صورة ومعنى، فلا يجوز، فبهذا ~~فارق المأذون؛ لأن المأذون بالقتال يقف على هذه الحالة، فيقع أمانه وسيلة ~~إلى القتال، فكان إقامة للفرض معنى فهو الفرق. # (وأما) الحديث فلا يتناول المحجور؛ لأن الأدنى إما أن يكون من الدناءة، ~~وهي الخساسة وإما أن يكون من الدنو، وهو القرب والأول ليس بمراد؛ لأن ~~الحديث يتناول المسلمين بقوله - عليه الصلاة والسلام -: «المسلمون تتكافأ ~~دماؤهم» ولا خساسة مع الإسلام والثاني لا يتناول المحجور؛ لأنه لا يكون في ~~صف القتال، فلا يكون أقرب إلى الكفرة والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # وكذلك الذكورة ليست بشرط، فيصح أمان المرأة؛ لأنها بما معها من العقل لا ~~تعجز عن الوقوف على حال القوة والضعف وقد روي أن سيدتنا زينب بنت النبي ~~المكرم - عليه الصلاة والسلام - «أمنت زوجها أبا العاص - رضي الله عنه - ~~وأجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمانها» وكذلك السلامة عن العمى، ~~والزمانة والمرض، ليست بشرط، فيصح أمان الأعمى والزمن والمريض؛ لأن الأصل ~~في صحة الأمان صدوره عن رأي ونظر في الأحوال الخفية من الضعف والقوة، وهذه # PageV07P106 # العوارض لا تقدح فيه، ولا يجوز أمان التاجر في دار الحرب، والأسير فيها، ~~والحربي الذي أسلم هناك؛ لأن هؤلاء لا يقفون على حال الغزاة من القوة ~~والضعف، فلا يعرفون للأمان مصلحة، ولأنهم متهمون في حق الغزاة؛ لكونهم ~~مقهورين في أيدي الكفرة، وكذلك الجماعة ليست بشرط، فيصح أمان الواحد؛ لقوله ~~- عليه الصلاة والسلام -: «ويسعى بذمتهم أدناهم» ولأن الوقوف على حالة ~~القوة والضعف لا يقف على رأي الجماعة، فيصح من الواحد وسواء أمن جماعة ~~كثيرة أو قليلة، أو أهل مصر أو قرية، فذلك جائز. # وأما حكم الأمان، فهو ثبوت الأمن للكفرة؛ لأن لفظ الأمان يدل عليه، وهو ms4206 ~~قوله: أمنت فثبت الأمن لهم عن القتل والسبي والاستغنام، فيحرم على المسلمين ~~قتل رجالهم، وسبي نسائهم وذراريهم، واستغنام أموالهم وأما صفته فهو أنه عقد ~~غير لازم، حتى لو رأى الإمام المصلحة في النقض ينقض؛ لأن جوازه مع أنه ~~يتضمن ترك القتال المفروض، كان للمصلحة، فإذا صارت المصلحة في النقض نقض. # وأما بيان ما ينتقض به الأمان فالأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين، إما أن ~~كان الأمان مطلقا، وإما أن كان مؤقتا إلى وقت معلوم فإن كان مطلقا فانتقاضه ~~يكون بطريقين، أحدهما: نقض الإمام، فإذا نقض الإمام انتقض، لكن ينبغي أن ~~يخبرهم بالنقض، ثم يقاتلهم لئلا يكون منهم غدر في العهد. # والثاني: أن يجيء أهل الحصن بالأمان فينقض، وإذا جاءوا الإمام بالأمان ~~ينبغي أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فإلى الذمة، فإن أبوا ردهم إلى ~~مأمنهم، ثم قاتلهم احترازا عن الغدر، فإن أبوا الإسلام والجزية، وأبوا أن ~~يلحقوا بمأمنهم، فإن الإمام يؤجلهم على ما يرى فإن رجعوا إلى مأمنهم في ~~الأجل المضروب، وإلا صاروا ذمة لا يمكنون بعد ذلك أن يرجعوا إلى مأمنهم؛ ~~لأن مقامهم بعد الأجل المضروب التزام الذمة دلالة، وإن كان الأمان مؤقتا ~~إلى وقت معلوم ينتهي بمضي الوقت من غير الحاجة إلى النقض، ولهم أن يقاتلوهم ~~إلا إذا دخل واحد منهم دار الإسلام، فمضى الوقت، وهو فيه، فهو آمن حتى يرجع ~~إلى مأمنه، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # هذا إذا حاصر الغزاة مدينة أو حصنا من حصون الكفرة، فجاءوا فاستأمنوهم، ~~فأما إذا استنزلوهم عن الحكم فهذا على وجهين. # (إما) أن استنزلوهم على حكم الله - سبحانه وتعالى، وإما أن استنزلوهم على ~~حكم العباد، بأن استنزلوهم على حكم رجل فإن استنزلوهم على حكم الله - ~~سبحانه وتعالى - جاز إنزالهم عليه عند أبي يوسف. # والخيار إلى الإمام إن شاء قتل مقاتلتهم وسبى نساءهم وذراريهم، وإن شاء ~~سبى الكل، وإن شاء جعلهم ذمة مقاتلتهم وعند محمد لا يجوز الإنزال على حكم ~~الله - تعالى - فلا يجوز قتلهم واسترقاقهم، ولكنهم يدعون إلى الإسلام، فإن ~~أبوا ms4207 جعلوا ذمة واحتج محمد بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال في وصايا الأمراء عند بعث الجيش: «وإذا حاصرتم مدينة أو حصنا، فإن ~~أرادوا أن تنزلوهم على حكم الله - عز وجل - فإنكم لا تدرون ما حكم الله - ~~تعالى - فيهم» نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الإنزال على حكم ~~الله - تعالى - ونبه - عليه الصلاة والسلام - على المعنى، وهو أن حكم الله ~~- سبحانه وتعالى - غير معلوم، فكان الإنزال على حكم الله - تعالى - من ~~الإمام قضاء بالمجهول، وإنه لا يصح. # وإذا لم يصح الإنزال على حكم الله - سبحانه وتعالى - فيدعون إلى الإسلام، ~~فإن أجابوا فهم أحرار مسلمون لا سبيل على أنفسهم وأموالهم، وإن أبوا لا ~~يقتلهم الإمام ولا يسترقهم، ولكن يجعلهم ذمة، فإن طلبوا من الإمام أن ~~يبلغهم مأمنهم لم يجبهم إليه؛ لأنه لو ردهم إلى مأمنهم لصاروا حربا لنا. # (وجه) قول أبي يوسف أن الاستنزال على حكم الله - عز وجل - هو الاستنزال ~~على الحكم المشروع للمسلمين في حق الكفرة والقتل والسبي وعقد الذمة كل ذلك ~~حكم مشروع في حقهم، فجاز الإنزال عليه قوله: إن ذلك مجهول لا يدري المنزل ~~عليه، أي حكم هو؟ . # قلنا: نعم لكن يمكن الوصول إليه والعلم به؛ لوجود سبب العلم، وهو ~~الاختيار وهذا لا يكفي لجواز الإنزال عليه، كما قلنا في الكفارات: إن ~~الواجب أحد الأشياء الثلاثة، وذلك غير معلوم، ثم لم يمنع ذلك وقوع تعلق ~~التكليف به؛ لوجود سبب العلم به، وهو اختيار الكفر المكلف، كذا هذا يدل ~~عليه أنه يجوز الإنزال على حكم العباد بالإجماع على حكم العباد إنزال على ~~حكم الله - تعالى - حقيقة، إذ العبد لا يملك إنشاء الحكم من نفسه قال الله ~~- تعالى - {ولا يشرك في حكمه أحدا} [الكهف: 26] وقال - تبارك وتعالى - {إن ~~الحكم إلا لله} [يوسف: 40] ولكنه يظهر حكم الله - عز وجل - المشروع في ~~الحادثة، ولهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن معاذ - رضي ~~الله عنه - «لقد حكمت # PageV07P107 # بحكم الله - تعالى - من فوق سبعة ms4208 أرقعة» . # (وأما) الحديث فيحتمل أنه مصروف إلى زمان جواز ورود النسخ، وهو حال حياة ~~النبي؛ - عليه الصلاة والسلام - لانعدام استقرار الأحكام الشرعية في حياته ~~- عليه الصلاة والسلام - لئلا يكون الإنزال على الحكم المنسوخ عسى؛ لاحتمال ~~النسخ فيما بين ذلك وقد انعدم هذا المعنى بعد وفاته؛ - عليه الصلاة والسلام ~~- لخروج الأحكام عن احتمال النسخ بوفاته. # - صلى الله عليه وسلم - وإذا جاز الإنزال على حكم الله سبحانه وتعالى عند ~~أبي يوسف، فالخيار فيه إلى الإمام، فأيما كان أفضل للمسلمين من القتل ~~والسبي والذمة فعل؛ لأن كل ذلك حكم الله - سبحانه وتعالى - المشروع ~~للمسلمين في حق الكفرة فإن أسلموا قبل الاختيار، فهم أحرار مسلمون، لا سبيل ~~لأحد عليهم وعلى أموالهم، والأرض لهم، وهي عشرية وكذلك إذا جعلهم ذمة فهم ~~أحرار، ويضع على أراضيهم الخراج فإن أسلموا قبل توظيف الخراج صارت عشرية، ~~هذا إذا كان الإنزال على حكم الله - سبحانه وتعالى. # فأما إذا كان على حكم العباد بأن استنزلوهم على حكم رجل فهذا لا يخلو من ~~أحد وجهين (إما) أن استنزلوهم على حكم رجل معين، بأن قالوا: على حكم فلان ~~لرجل سموه (وإما) أن استنزلوهم على حكم رجل غير معين، فإن كان الاستنزال ~~على حكم رجل معين فنزلوا على حكمه، فحكم عليهم بشيء مما ذكرنا، وهو رجل ~~عاقل مسلم عدل، غير محدود في قذف، جاز بالإجماع؛ لما روي «أن بني قريظة لما ~~حاصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسا وعشرين ليلة، استنزلوا على ~~حكم سعد بن معاذ، فحكم سعد أن تقتل رجالهم، وتقسم أموالهم، وتسبى نساؤهم ~~وذراريهم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لقد حكمت بحكم الله - ~~تعالى - من فوق سبعة أرقعة» فقد استصوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حكمه، حيث أخبر - عليه الصلاة والسلام - أن ما حكم به حكم الله - سبحانه ~~وتعالى - لأن حكم الله - سبحانه وتعالى - لا يكون إلا صوابا. # وليس للحاكم أن يحكم بردهم إلى دار الحرب فإن حكم فهو باطل؛ لأنه حكم غير ~~مشروع لما بينا؛ لأنهم ms4209 بالرد يصيرون حربيين لنا، وإن كان الحاكم عبدا أو ~~صبيا لم يجز حكمه بالإجماع كان فاسقا، أو محدودا في القذف، لم يجز حكمه عند ~~أبي يوسف وعند محمد يجوز. # (وجه) قول محمد - رحمه الله - أن الفاسق يصلح قاضيا، فيصلح حكما بالطريق ~~الأولى. # (وجه) قول أبي يوسف أن المحدود في القذف لا يصلح حكما؛ لأنه ليس من أهل ~~الولاية، ولهذا لم يصلح قاضيا، وكذا الفاسق لا يصلح حكما وإن صلح قاضيا، ~~لكنه لا يلزم قضاؤه، ولهذا لو رفعت قضية إلى قاض آخر، إن شاء أمضاه وإن شاء ~~رده، وإن كان ذميا جاز حكمه في الكفرة؛ لأنه من أهل الشهادة على جنسه، وإن ~~نزلوا على حكم رجل يختارونه، فاختاروا رجلا فإن كان موضعا للحكم جاز حكمه. # وإن كان غير موضع للحكم لا يقبل منهم حتى يختاروا رجلا موضعا للحكم، فإن ~~لم يختاروا أبلغهم الإمام مأمنهم؛ لأن النزول كان على شرط، وهو حكم رجل ~~يختارونه، فإذا لم يختاروا فقد بقوا في يد الإمام بالأمان، فيردهم إلى ~~مأمنهم، إلا أنه لا يردهم إلى حصن هو أحصن من الأول، ولا إلى حد يمتنعون ~~به؛ لأن الرد إلى المأمن للتحرج عن توهم العذر، وأنه يحصل بالرد إلى ما ~~كانوا عليه، فلا ضرورة في الرد إلى غيره، وإن نزلوا على حكم رجل غير معين ~~فللإمام أن يعين رجلا صالحا للحكم فيهم، أو يحكم للمسلمين بنفسه بما هو ~~أفضل لهم والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # والثاني، الموادعة وهي: المعاهدة والصلح على ترك القتال يقال: توادع ~~الفريقان أي تعاهدا على أن لا يغزو كل واحد منهما صاحبه والكلام في ~~الموادعة في مواضع: في بيان ركنها، وشرطها، وحكمها، وصفتها، وما ينتقض به ~~أما ركنها: فهو لفظة الموادعة، أو المسالمة، أو المصالحة، أو المعاهدة، أو ~~ما يؤدي معنى هذه العبارات وشرطها الضرورة، وهي ضرورة استعداد القتال، بأن ~~كان بالمسلمين ضعف، وبالكفرة قوة المجاوزة إلى قوم آخرين، فلا تجوز عند عدم ~~الضرورة؛ لأن الموادعة ترك القتال المفروض، فلا يجوز إلا في حال يقع ms4210 وسيلة ~~إلى القتال؛ لأنها حينئذ تكون قتالا معنى قال الله - تبارك وتعالى - {فلا ~~تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم} [محمد: 35] . # وعند تحقق الضرورة لا بأس به؛ لقول الله - تبارك وتعالى - {وإن جنحوا ~~للسلم فاجنح لها وتوكل على الله} [الأنفال: 61] وقد روي أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وادع أهل مكة عام الحديبية على أن توضع الحرب عشر سنين ~~ولا يشترط إذن الإمام بالموادعة، حتى لو وادعهم الإمام، أو فريق من ~~المسلمين من غير إذن الإمام جازت موادعتهم؛ لأن المعول عليه كون عقد ~~الموادعة مصلحة # PageV07P108 # للمسلمين وقد وجد. # ولا بأس بأن يأخذ المسلمون على ذلك جعلا؛ لأن ذلك في معنى الجزية، ويوضع ~~موضع الخراج في بيت المال، ولا بأس أن يطلب المسلمون الصلح من الكفرة ~~ويعطوا على ذلك مالا إذا اضطروا إليه؛ لقوله - سبحانه وتعالى - {وإن جنحوا ~~للسلم فاجنح لها} [الأنفال: 61] أباح - سبحانه وتعالى - لنا الصلح مطلقا، ~~فيجوز ببدل أو غير بدل، ولأن الصلح على مال لدفع شر الكفرة للحال، ~~والاستعداد للقتال في الثاني من باب المجاهدة بالمال والنفس، فيكون جائزا ~~وتجوز موادعة المرتدين إذا ` غلبوا على دار من دور الإسلام، وخيف منهم، ولم ~~تؤمن غائلتهم لما فيه من مصلحة دفع الشر للحال، ورجاء رجوعهم إلى الإسلام ~~وتوبتهم، ولا يؤخذ منهم على ذلك مال؛ لأن ذلك في معنى الجزية، ولا يجوز أخذ ~~الجزية من المرتدين، فإن أخذ منهم شيئا لا يرد؛ لأنه مال غير معصوم. # ألا ترى أن أموالهم محل للاستيلاء كأموال أهل الحرب؟ وكذلك البغاة تجوز ~~موادعتهم؛ لأنه لما جازت موادعة الكفرة؛ فلأن تجوز موادعة المسلمين أولى، ~~ولكن لا يؤخذ منهم على ذلك مال؛ لأن المال المأخوذ على ترك القتال، يكون في ~~معنى الجزية، ولا تؤخذ الجزية إلا من كافر. # (وأما) حكم الموادعة فهو حكم الأمان المعروف وهو أن يأمن الموادعون على ~~أنفسهم وأموالهم، ونسائهم وذراريهم؛ لأنها عقد أمان أيضا، ولو خرج قوم من ~~الموادعين إلى بلدة أخرى ليست بينهم وبين المسلمين موادعة، فغزا المسلمون ~~تلك البلدة، ms4211 فهؤلاء آمنون لا سبيل لأحد عليهم؛ لأن عقد الموادعة أفاد ~~الأمان لهم فلا ينتقض بالخروج إلى موضع آخر، كما في الأمان المؤبد، وهو عقد ~~الذمة إنه لا يبطل بدخول الذمي دار الحرب كذا هذا، وكذلك لو دخل في دار ~~الموادعة رجل من غير دراهم بأمان، ثم خرج إلى دار الإسلام بغير أمان، فهو ~~آمن؛ لأنه لما دخل دار الموادعين بأمانهم صار كواحد من جملتهم فلو عاد إلى ~~داره ثم دخل دار الإسلام بغير أمان كان فيئا، لنا أن نقتله ونأسره؛ لأنه ~~لما رجع إلى داره فقد خرج من أن يكون من أهل دار الموادعة، فبطل حكم ~~الموادعة في حقه فإذا دخل دار الإسلام، فهذا حربي دخل دار الإسلام ابتداء ~~بغير أمان، ولو أسر واحد من الموادعين أهل دار أخرى فغزا المسلمون على تلك ~~الدار، كان فيئا، وقد ذكرنا أنه لو دخل إليهم تاجر فهو آمن. # (ووجه) الفرق أنه لما أسر فقد انقطع حكم دار الموادعة في حقه، وإذا دخل ~~تاجرا لم ينقطع، والله - تعالى - أعلم. # (وأما) صفة عقد الموادعة، فهو أنه عقد غير لازم محتمل للنقض، فللإمام أن ~~ينبذ إليهم؛ لقوله - سبحانه وتعالى - {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم ~~على سواء} [الأنفال: 58] فإذا وصل النبذ إلى ملكهم، فلا بأس للمسلمين أن ~~يغزوا عليهم؛ لأن الملك يبلغ قومه ظاهرا إلا إذا استيقن المسلمون أن خبر ~~النبذ لم يبلغ قومه، ولم يعلموا به، فلا أحب أن يغزوا عليهم؛ لأن الخبر إذا ~~لم يبلغهم فهم على حكم الأمان الأول، فكان قتالهم منا غدرا وتغريرا، وكذلك ~~إذا كان النبذ من جهتهم بأن أرسلوا إلينا رسولا بالنبذ، وأخبروا الإمام ~~بذلك فلا بأس للمسلمين أن يغزوا عليهم، لما قلنا إلا إذا استيقن المسلمون ~~أن أهل ناحية منهم لم يعلموا بذلك لما بينا. # ولو وادع الإمام على جعل، أخذه منهم، ثم بدا له أن ينقض فلا بأس به؛ لما ~~بينا أنه عقد غير لازم، فكان محتملا للنقض، ولكن يبعث إليهم بحصة ما بقي من ~~المدة من ms4212 الجعل الذي أخذه؛ لأنهم إنما أعطوه ذلك بمقابلة الأمان في كل ~~المدة، فإذا فات بعضها لزم الرد بقدر الفائت، هذا إذا وقع الصلح على أن ~~يكونوا مستبقين على أحكام الكفر. # (فأما) إذا وقع الصلح على أنه يجري عليهم أحكام الإسلام فهو لازم، لا ~~يحتمل النقض؛ لأن الصلح الواقع على هذا الوجه عقد ذمة، فلا يجوز للإمام أن ~~ينبذ إليهم والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) بيان ما ينقض به عقد الموادعة، فالجملة فيه أن عقد الموادعة (إما) ~~أن كان مطلقا عن الوقت. # (وإما) أن كان موقتا بوقت معلوم فإن كان مطلقا عن الوقت فالذي ينتقض به ~~نوعان: نص، ودلالة فالنص، هو النبذ من الجانبين صريحا. # (وأما) الدلالة، فهي أن يوجد منهم ما يدل على النبذ، نحو أن يخرج قوم من ~~دار الموادعة بإذن الإمام ويقطعوا الطريق في دار الإسلام؛ لأن إذن الإمام ~~بذلك دلالة النبذ، ولو خرج قوم من غير إذن الإمام، فقطعوا الطريق في دار ~~الإسلام فإن كانوا جماعة لا منعة لهم، لا يكون ذلك نقضا للعهد؛ لأن قطع ~~الطريق بلا منعة لا يصلح دلالة للنقض، ألا ترى أنه لو نص واحد منهم على ~~النقض لا ينتقض؟ كما في الأمان المؤبد، وهو عقد الذمة. # وإن كانوا جماعة لهم منعة فخرجوا بغير إذن الإمام ولا إذن أهل مملكته، # PageV07P109 # فالملك وأهل مملكته على موادعتهم؛ لانعدام دلالة النقض في حقهم، ولكن ~~ينتقض العهد فيما بين القطاع، حتى يباح قتلهم واسترقاقهم؛ لوجود دليل النقض ~~منهم، وإن كان موقتا بوقت معلوم، ينتهي العهد بانتهاء الوقت من غير الحاجة ~~إلى النبذ، حتى كان للمسلمين أن يغزوا عليهم؛ لأن العقد المؤقت إلى غاية ~~ينتهي بانتهاء الغاية من غير الحاجة إلى الناقض، ولو كان واحد منهم دخل ~~الإسلام بالموادعة المؤقتة، فمضى الوقت وهو في دار الإسلام، فهو آمن حتى ~~يرجع إلى مأمنه؛ لأن التعرض له يوهم الغدر والتغرير، فيجب التحرز عنه ما ~~أمكن، والله - تعالى - أعلم. # (وأما) الأمان المؤبد فهو المسمى بعقد الذمة، والكلام فيه في مواضع: في ms4213 ~~بيان ركن العقد، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان حكم العقد، وفي بيان صفة ~~العقد، وفي بيان ما يؤخذ به أهل الذمة، وما يتعرض له وما لا يتعرض له. # (أما) ركن العقد فهو نوعان: نص، ودلالة. # (أما) النص فهو لفظ يدل عليه، وهو لفظ العهد والعقد على وجه مخصوص. # (وأما) الدلالة فهي فعل يدل على قبول الجزية نحو أن يدخل حربي في دار ~~الإسلام بأمان، فإن أقام بها سنة بعد ما تقدم إليه في أن يخرج أو يكون ~~ذميا، والأصل أن الحربي إذا دخل دار الإسلام بأمان، ينبغي للإمام أن يتقدم ~~إليه، فيضرب له مدة معلومة على حسب ما يقتضي رأيه ويقول له: إن جاوزت المدة ~~جعلتك من أهل الذمة فإذا جاوزها صار ذميا؛ لأنه لما قال له ذلك فلم يخرج ~~حتى مضت المدة، فقد رضي بصيرورته ذميا، فإذا أقام سنة من يوم قال له ~~الإمام، أخذ منه الجزية ولا يتركه يرجع إلى وطنه قبل ذلك. # وإن خرج بعد تمام السنة فلا سبيل عليه، ولو قال الإمام عند الدخول: ادخل ~~ولا تمكث سنة فمكث سنة، صار ذميا، ولا يمكن من الرجوع إلى وطنه لما قلنا، ~~ولو اشترى المستأمن أرضا خراجية، فإذا وضع عليه الخراج صار ذميا؛ لأن وظيفة ~~الخراج يختص بالمقام في دار الإسلام، فإذا قبلها فقد رضي بكونه من أهل دار ~~الإسلام، فيصير ذميا، ولو باعها قبل أن يجبي خراجها، لا يصير ذميا؛ لأن ~~دليل قبول الذمة، وجوب الخراج لا نفس الشراء فما لم يوضع عليه الخراج لا ~~يصير ذميا، ولو استأجر أرضا خراجية فزرعها لم يصر ذميا؛ لأن الخراج على ~~الآجر دون المستأجر، فلا يدل على التزام الذمة إلا إذا كان خراجا مقاسمة، ~~فإذا أخرجت الأرض وأخذ الإمام الخراج من الخارج وضع عليه الجزية، وجعله ~~ذميا. # ولو اشترى المستأمن أرض المقاسمة، وأجرها من رجل من المسلمين، فأخذ ~~الإمام الخراج من ذلك لا يصير المستأمن ذميا لما بينا أن نفس الشراء لا يدل ~~على الالتزام، بل دليل الالتزام هو ms4214 وجوب الخراج عليه، ولم يجب ولو اشترى ~~الحربي المستأمن أرض خراج فزرعها، فأخرجت زرعا، فأصاب الزرع آفة، إنه لا ~~يصير ذميا؛ لأنه إذا أصاب الزرع آفة لم يجب الخراج، فصار كأنه لم يزرعها ~~فبقي نفس الشراء، وإنه لا يصلح دليل قبول الذمة ولو وجب على المستأمن ~~الخراج في أقل من سنة منذ يوم ملكها، صار ذميا حين وجوب الخراج، ويؤخذ منه ~~خراج رأسه بعد سنة مستقبلة؛ لأنه بوجوب خراج الأرض صار ذميا كان عقد الذمة ~~نصا، فيعتبر ابتداء العقد من حين وجوب الخراج، فيؤخذ خراج الرأس بعد تمام ~~السنة من ذلك الوقت ولو تزوجت الحربية المستأمنة في دار الإسلام ذميا، صارت ~~ذمية ولو تزوج الحربي المستأمن في دار الإسلام ذمية لم يصر ذميا. # (ووجه) الفرق أن المرأة تابعة لزوجها، فإذا تزوجت بذمي فقد رضيت بالمقام ~~في دارنا، فصارت ذمية تبعا لزوجها فأما الزوج فليس بتابع للمرأة، فلا يكون ~~تزوجه إياها دليل الرضا بالمقام في دارنا، فلا يصير ذميا والله - تعالى - ~~أعلم. # (وأما) شرائط الركن فأنواع (منها) أن لا يكون المعاهد من مشركي العرب، ~~فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف لقوله تعالى {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} [التوبة: 5] إلى قوله تعالى {فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5] أمر - ~~سبحانه وتعالى - بقتل المشركين، ولم يأمر بتخلية سبيلهم إلا عند توبتهم، ~~وهي الإسلام ويجوز عقد الذمة مع أهل الكتاب؛ لقول الله - تبارك وتعالى - ~~{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] إلى قوله ~~تعالى {من الذين أوتوا الكتاب} [التوبة: 29] الآية وسواء كانوا من العرب، ~~أو من العجم؛ لعموم النص ويجوز مع المجوس؛ لأنهم ملحقون بأهل الكتاب في حق ~~الجزية لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في المجوس ~~«سنوا بهم سنة أهل الكتاب» وكذلك فعل سيدنا عمر - رضي الله عنه - بسواد ~~العراق وضرب الجزية على جماجمهم، والخراج على أراضيهم. # ثم وجه الفرق بين مشركي العرب وغيرهم من أهل الكتاب، ومشركي # PageV07P110 # العجم أن أهل الكتاب إنما تركوا بالذمة وقبول الجزية لا ms4215 لرغبة فيما يؤخذ ~~منهم، أو طمع في ذلك، بل للدعوة إلى الإسلام ليخالطوا المسلمين، فيتأملوا ~~في محاسن الإسلام وشرائعه، وينظروا فيها فيروها مؤسسة على ما تحتمله ~~العقول، وتقبله، فيدعوهم ذلك إلى الإسلام، فيرغبون فيه، فكان عقد الذمة ~~لرجاء الإسلام. # وهذا المعنى لا يحصل بعقد الذمة مع مشركي العرب؛ لأنهم أهل تقليد وعادة، ~~لا يعرفون سوى العادة وتقليد الآباء، بل يعدون ما سوى ذلك سخرية وجنونا، ~~فلا يشتغلون بالتأمل والنظر في محاسن الشريعة ليقفوا عليها فيدعوهم إلى ~~الإسلام فتعين السيف داعيا لهم إلى الإسلام، ولهذا لم يقبل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - منهم الجزية، ومشركو العجم ملحقون بأهل الكتاب في هذا ~~الحكم بالنص الذي روينا. # (ومنها) أن لا يكون مرتدا فإنه لا يقبل من المرتد أيضا إلا الإسلام، أو ~~السيف؛ لقول الله - تبارك وتعالى - {تقاتلونهم أو يسلمون} [الفتح: 16] قيل: ~~إن الآية نزلت في أهل الردة من بني حنيفة، ولأن العقد في حق المرتد لا يقع ~~وسيلة إلى الإسلام؛ لأن الظاهر أنه لا ينتقل عن دين الإسلام بعد ما عرف ~~محاسنه وشرائعه المحمودة في العقول إلا لسوء اختياره وشؤم طبعه، فيقع اليأس ~~عن فلاحه، فلا يكون عقد الذمة وقبول الجزية في حقه وسيلة إلى الإسلام والله ~~- تعالى - أعلم (وأما) الصابئون فيعقد لهم عقد الذمة لما ذكرنا في كتاب ~~النكاح عند أبي حنيفة قوم من أهل الكتاب يقرءون الزبور، وعندهما قوم يعبدون ~~الكواكب، فكانوا في حكم عبدة الأوثان، فتؤخذ منهم الجزية إذا كانوا من ~~العجم والله - تعالى - أعلم. # (ومنها) أن يكون مؤبدا فإن وقت له وقتا لم يصح عقد الذمة؛ لأن عقد الذمة ~~في إفادة العصمة كالخلف عن عقد الإسلام، وعقد الإسلام لا يصح إلا مؤبدا، ~~فكذا عقد الذمة والله - تعالى - أعلم. # (وأما) بيان حكم العقد فنقول - وبالله التوفيق: إن لعقد الذمة أحكاما ~~(منها) عصمة النفس لقوله تعالى {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} [التوبة: ~~29] إلى قوله - عز وجل - {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] ~~نهى - سبحانه وتعالى - إباحة القتال إلى ms4216 غاية قبول الجزية، وإذا انتهت ~~الإباحة، تثبت العصمة ضرورة. # (ومنها) عصمة المال؛ لأنها تابعة لعصمة النفس وعن سيدنا علي - رضي الله ~~عنه - أنه قال: إنما قبلوا عقد الذمة؛ لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم ~~كدمائنا. # والكلام في وجوب الجزية في مواضع: في بيان سبب وجوب الجزية، وفي بيان ~~شرائط الوجوب، وفي بيان وقت الوجوب، وفي بيان مقدار الواجب، وفي بيان ما ~~يسقط به بعد الوجوب. # (أما) الأول فسبب وجوبها عقد الذمة. # وأما شرائط الوجوب فأنواع: (منها) العقل (ومنها) البلوغ (ومنها) الذكورة، ~~فلا تجب على الصبيان والنساء والمجانين؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - أوجب ~~الجزية على من هو من أهل القتال بقوله تعالى {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ~~ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] الآية والمقاتلة مفاعلة من القتال فتستدعي ~~أهلية القتال من الجانبين، فلا تجب على من ليس من أهل القتال، وهؤلاء ليسوا ~~من أهل القتال فلا تجب عليهم. # (ومنها) الصحة، فلا تجب على المريض إذا مرض السنة كلها؛ لأن المريض لا ~~يقدر على القتال، وكذلك إن مرض أكثر السنة، وإن صح أكثر السنة وجبت؛ لأن ~~للأكثر حكم الكل. # (ومنها) السلامة عن الزمانة والعمى والكبر في ظاهر الرواية، فلا تجب على ~~الزمن والأعمى والشيخ الكبير وروي عن أبي يوسف أنها ليست بشرط، وتجب على ~~هؤلاء إذا كان لهم مال، والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأن هؤلاء ليسوا من أهل ~~القتال عادة ألا ترى أنهم لا يقتلون؟ وكذا الفقير الذي لا يعتمل لا قدرة له ~~لأن من لا يقدر على العمل لا يكون من أهل القتال. # (وأما) أصحاب الصوامع فعليهم الجزية إذا كانوا قادرين على العمل؛ لأنهم ~~من أهل القتال، فعدم العمل مع القدرة على العمل لا يمنع الوجوب، كما إذا ~~كان له أرض خراجية فلم يزرعها مع القدرة على الزراعة، لا يسقط عنه الخراج ~~والله - تعالى - أعلم. # (ومنها) الحرية، فلا تجب على العبد؛ لأن العبد ليس من أهل ملك المال. # (وأما) وقت الوجوب فأول السنة؛ لأنها تجب لحقن الدم في المستقبل، فلا ~~تؤخر إلى آخر السنة، ms4217 ولكن تؤخذ في كل شهر من الفقير درهم، ومن المتوسط ~~درهمان، ومن الغني أربعة دراهم. # (وأما) بيان مقدار الواجب فنقول - وبالله التوفيق: الجزية على ضربين: ~~جزية توضع بالتراضي، وهو الصلح، وذلك يتقدر بقدر ما وقع عليه الصلح، كما ~~صالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV07P111 # أهل نجران على ألف ومائتي حلة وجزية يضعها الإمام عليهم من غير رضاهم، ~~بأن ظهر الإمام على أرض الكفار، وأقرهم على أملاكهم، وجعلهم ذمة، وذلك على ~~ثلاثة مراتب؛ لأن الذمة ثلاث طبقات: أغنياء، وأوساط، وفقراء، فيضع على ~~الغني ثمانية وأربعين درهما، وعلى الوسط أربعة وعشرين درهما، وعلى الفقير ~~المعتمل اثني عشر درهما كذا روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه أمر ~~عثمان بن حنيف حين بعثه إلى السواد أن يضع هكذا وكان ذلك من سيدنا عمر - ~~رضي الله عنه - بمحضر من الصحابة من المهاجرين والأنصار - رضي الله عنهم - ~~ولم ينكر عليه أحد، فهو كالإجماع على ذلك مع ما أنه لا يحتمل أن يكون من ~~سيدنا عمر - رضي الله عنه - رأيا؛ لأن المقدرات سبيل معرفتها التوقيف ~~والسمع لا العقل، فهو كالمسموع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ~~اختلف في تفسير الغني في هذا الباب، والوسط، والفقير، قال بعضهم: من لم ~~يملك نصابا تجب في مثله الزكاة على المسلمين، وهو مائتا درهم، فهو فقير، ~~ومن ملك مائتي درهم فهو من الأواسط، ومن ملك أربعة آلاف درهم فصاعدا فهو من ~~الأغنياء، لما روي عن سيدنا علي وعبد الله ابن سيدنا عمر - رضي الله تعالى ~~عنهم - أنهما قالا: أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة، وما فوق ذلك كنز وقيل: ~~من ملك مائتي درهم إلى عشرة آلاف فما دونها فهو من الأوساط ومن ملك زيادة ~~على عشرة آلاف فهو من الأغنياء والله - تعالى - أعلم. # (وأما) ما يسقطها بعد الوجوب فأنواع (منها) الإسلام (ومنها) الموت عندنا، ~~فإن الذمي إذا أسلم أو مات سقطت الجزية عندنا وعند الشافعي - رحمه الله - ~~لا تسقط بالموت والإسلام. # (وجه) قوله أن الجزية وجبت ms4218 عوضا عن العصمة بقوله تعالى {قاتلوا الذين لا ~~يؤمنون بالله} [التوبة: 29] إلى قوله - جل شأنه - {حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون} [التوبة: 29] أباح - جلت عظمته - دماء أهل القتال ثم حقنها ~~بالجزية، فكانت الجزية عوضا عن حقن الدم، وقد حصل له العوض في الزمان ~~الماضي، فلا يسقط عنه العوض. # (ولنا) ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «ليس على ~~مسلم جزية» وعن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه رفع الجزية بالإسلام، فقال: ~~والله إن في الإسلام لمعاذا إن فعل ولأنها وجبت وسيلة إلى الإسلام، فلا ~~تبقى بعد الإسلام والموت، كالقتال على أنها وجبت وسيلة إلى الإسلام أن ~~الإسلام فرض بالنصوص والجزية تتضمن ترك القتال، فلا يجوز شرع عقد الذمة ~~والجزية الذي فيه ترك القتال إلا لما شرع له القتال، وهو التوسل إلى ~~الإسلام، وإلا فيكون تناقضا، والشريعة لا تتناقض وتعذر تحقيق معنى التوسل ~~بعد الموت والإسلام، فيسقط ضرورة وقوله: إنها وجبت عوضا عن حقن الدم ممنوع ~~بل ما وجبت إلا وسيلة إلى الإسلام؛ لأن تمكين الكفرة في دار الإسلام، وترك ~~قتالهم مع قولهم في الله ما لا يليق بذاته وصفاته - تبارك وتعالى - للوصول ~~إلى عرض يسير من الدنيا، خارج عن الحكم والعقل فأما التوسل إلى الإسلام، ~~وإعدام الكفرة فمعقول، مع ما أنها إن وجبت لحقن الدم، فإنما تجب كذلك في ~~المستقبل، وإذا صار دمه محقونا فيما مضى فلا يجوز أخذ الجزية لأجله فتسقط. # (ومنها) مضي سنة تامة، ودخول سنة أخرى عند أبي حنيفة وعندهما لا تسقط، ~~حتى إنه إذا مضى على الذمة سنة كاملة ودخلت سنة أخرى قبل أن يؤديها الذمي ~~تؤخذ منه للسنة المستقبلة، ولا تؤخذ للسنة الماضية عنده وعندهما تؤخذ لما ~~مضى ما دام ذميا والمسألة تعرف بالموانيد أنها تؤخذ أم لا؟ (وجه) قولهما أن ~~الجزية أحد نوعي الخراج فلا تسقط بالتأخير إلى سنة أخرى استدلالا بالخراج ~~الآخر، وهو خراج الأرض؛ وهذا لأن كل واحد منهما دين، فلا تسقط بالتأخير ~~كسائر الديون، ولأبي حنيفة ms4219 - رحمه الله - وجهان (أحدهما) أن الجزية ما وجبت ~~إلا لرجاء الإسلام، وإذا لم يوجد حتى دخلت سنة أخرى، انقطع الرجاء فيما مضى ~~وبقي الرجاء في المستقبل، فيؤخذ للسنة المستقبلة والثاني أن الجزية إنما ~~جعلت لحقن الدم في المستقبل، فإذا صار دمه محقونا في السنة الماضية، فلا ~~تؤخذ الجزية لأجلها؛ لانعدام الحاجة إلى ذلك كما إذا أسلم أو مات تسقط عنه ~~الجزية؛ لعدم الحاجة إلى الحقن بالجزية كذا هذا والاعتبار بخراج الأرض غير ~~سديد، فإن المجوسي إذا أسلم بعد مضي السنة لا يسقط عنه خراج الأرض، ويسقط ~~عنه خراج الرأس بلا خلاف بين أصحابنا - رحمهم الله - وبه تبين أن هذا ليس ~~كسائر الديون، فبطل الاعتبار بها والله - تعالى - أعلم. # (وأما) صفة العقد فهو أنه لازم في حقنا حتى لا يملك المسلمون نقضه بحال ~~من الأحوال. # وأما في حقهم فغير لازم بل # PageV07P112 # يحتمل الانتفاع في الجملة؛ لكنه لا ينتقض إلا بأحد أمور ثلاثة أحدها: أن ~~يسلم الذمي لما مر أن الذمة عقدت وسيلة إلى الإسلام، وقد حصل المقصود ~~والثاني: أن يلحق بدار الحرب؛ لأنه إذا لحق بدار الحرب صار بمنزلة المرتد، ~~إلا أن الذمي إذا لحق بدار الحرب يسترق، والمرتد إذا لحق بدار الحرب لا ~~يسترق لما نذكره إن شاء - الله تعالى - (والثالث) أن يغلبوا على موضع ~~فيحاربون؛ لأنهم إذا فعلوا ذلك فقد صاروا أهل الحرب وينتقض العهد ضرورة، ~~ولو امتنع الذمي من إعطاء الجزية لا ينتقض عهده؛ لأن الامتناع يحتمل أن ~~يكون لعذر العدم فلا ينتقض العهد بالشك والاحتمال، وكذلك لو سب النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - لا ينتقض عهده؛ لأن هذا زيادة كفر على كفر، والعهد ~~يبقى مع أصل الكفر فيبقى مع الزيادة، وكذلك لو قتل مسلما أو زنى بمسلمة؛ ~~لأن هذه معاص ارتكبوها وهي دون الكفر في القبح والحرمة ثم بقيت الذمة مع ~~الكفر، فمع المعصية أولى والله - تعالى - أعلم. # (وأما) بيان ما يؤخذ به أهل الذمة، وما يتعرض له وما لا يتعرض فنقول - ~~وبالله التوفيق: إن أهل الذمة يؤخذون ms4220 بإظهار علامات يعرفون بها، ولا يتركون ~~يتشبهون بالمسلمين في لباسهم ومركبهم وهيئتهم، فيؤخذ الذمي بأن يجعل على ~~وسطه كشحا مثل الخيط الغليظ، ويلبس قلنسوة طويلة مضروبة ويركب سرجا على ~~قربوسه مثل الرمانة، ولا يلبس طيلسانا مثل طيالسة المسلمين ورداء مثل أردية ~~المسلمين، والأصل فيه ما روي أن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - مر على ~~رجال ركوب ذوي هيئة فظنهم مسلمين فسلم عليهم، فقال له رجل من أصحابه: أصلحك ~~الله، تدري من هؤلاء؟ فقال: من هم؟ فقال: هؤلاء نصارى بني تغلب فلما أتى ~~منزله أمر أن ينادي في الناس أن لا يبقى نصراني إلا عقد ناصيته، وركب ~~الإكاف. # ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد فيكون كالإجماع، ولأن السلام من شعائر ~~الإسلام فيحتاج المسلمون إلى إظهار هذه الشعائر عند الالتقاء، ولا يمكنهم ~~ذلك إلا بتمييز أهل الذمة بالعلامة، ولأن في إظهار هذه العلامات إظهار آثار ~~الذلة عليهم، وفيه صيانة عقائد ضعفة المسلمين عن التغيير على ما قال - ~~سبحانه وتعالى - {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ~~لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون} [الزخرف: 33] وكذا يجب أن يتميز ~~نساؤهم عن نساء المسلمين في حال المشي في الطريق، ويجب التمييز في الحمامات ~~في الأزر، فيخالف أزرهم أزر المسلمين لما قلنا، وكذا يجب أن تميز الدور ~~بعلامات تعرف بها دورهم من دور المسلمين؛ ليعرف السائل المسلم أنها دور ~~الكفرة، فلا يدعو لهم بالمغفرة، ويتركون أن يسكنوا في أمصار المسلمين ~~يبيعون ويشترون؛ لأن عقد الذمة شرع ليكون وسيلة لهم إلى الإسلام، وتمكينهم ~~من المقام في أمصار المسلمين أبلغ إلى هذا المقصود. # وفيه أيضا منفعة المسلمين بالبيع والشراء، فيمكنون من ذلك ولا يمكنون من ~~بيع الخمور والخنازير فيها ظاهرا؛ لأن حرمة الخمر والخنزير ثابتة في حقهم ~~كما هي ثابتة في حق المسلمين؛ لأنهم مخاطبون بالحرمات وهو الصحيح عند أهل ~~الأصول على ما عرف في موضعه، فكان إظهار بيع الخمر والخنزير منهم إظهارا ~~للفسق فيمنعون من ذلك. # وعندهم: أن ذلك مباح فكان إظهار ms4221 شعائر الكفر في مكان معد لإظهار شعائر ~~الإسلام، وهو أمصار المسلمين فيمنعون من ذلك وكذا يمنعون من إدخالها في ~~أمصار المسلمين ظاهرا وروي عن أبي يوسف: إني لا أمنعهم من إدخال الخنازير ~~فرق بين الخمر والخنزير لما في الخمر من خوف وقوع المسلم فيها ولا يتوهم ~~ذلك في الخنزير. # ولا يمكنون من إظهار صليبهم في عيدهم؛ لأنه إظهار شعائر الكفر، فلا ~~يمكنون من ذلك في أمصار المسلمين، ولو فعلوا ذلك في كنائسهم لا يتعرض لهم ~~وكذا لو ضربوا الناقوس في جوف كنائسهم القديمة لم يتعرض لذلك؛ لأن إظهار ~~الشعائر لم يتحقق، فإن ضربوا به خارجا منها لم يمكنوا منه لما فيه من إظهار ~~الشعائر، ولا يمنعون من إظهار شيء مما ذكرنا من بيع الخمر والخنزير، ~~والصليب، وضرب الناقوس في قرية، أو موضع ليس من أمصار المسلمين، ولو كان ~~فيه عدد كثير من أهل الإسلام وإنما يكره ذلك في أمصار المسلمين، وهي التي ~~يقام فيها الجمع والأعياد والحدود؛ لأن المنع من إظهار هذه الأشياء؛ لكونه ~~إظهار شعائر الكفر في مكان إظهار شعائر الإسلام، فيختص المنع بالمكان المعد ~~لإظهار الشعائر وهو المصر الجامع. # (وأما) إظهار فسق يعتقدون حرمته كالزنا وسائر الفواحش التي هي حرام في ~~دينهم، فإنهم يمنعون من ذلك سواء كانوا في أمصار المسلمين، أو في أمصارهم # PageV07P113 # ومدائنهم وقراهم، وكذا المزامير والعيدان، والطبول في الغناء، واللعب ~~بالحمام، ونظيرها، يمنعون من ذلك كله في الأمصار والقرى؛ لأنهم يعتقدون ~~حرمة هذه الأفعال كما نعتقدها نحن فلم تكن مستثناة عن عقد الذمة ليقروا ~~عليها. # (وأما) الكنائس والبيع القديمة فلا يتعرض لها ولا يهدم شيء منها. # (وأما) إحداث كنيسة أخرى فيمنعون عنه فيما صار مصرا من أمصار المسلمين؛ ~~لقوله - عليه الصلاة والسلام -: «لا كنيسة في الإسلام إلا في دار الإسلام» ~~. # ولو انهدمت كنيسة فلهم أن يبنوها كما كانت؛ لأن لهذا البناء حكم البقاء، ~~ولهم أن يستبقوها فلهم أن يبنوها، وليس لهم أن يحولوها من موضع إلى موضع ~~آخر؛ لأن التحويل من موضع إلى موضع آخر ms4222 في حكم إحداث كنيسة أخرى. # (وأما) في القرى أو في موضع ليس من أمصار المسلمين فلا يمنعون من إحداث ~~الكنائس والبيع، كما لا يمنعون من إظهار بيع الخمور والخنازير لما بينا ولو ~~ظهر الإمام على قوم من أهل الحرب فرأى أن يجعلهم ذمة، ويضع على رءوسهم ~~الجزية. # وعلى أراضيهم الخراج، لا يمنعون من اتخاذ الكنائس والبيع، وإظهار بيع ~~الخمر والخنزير؛ لأن الممنوع إظهار شعائر الكفر في مكان إظهار شعائر ~~الإسلام، وهو أمصار المسلمين، ولم يوجد بخلاف ما إذا صاروا ذمة بالصلح، بأن ~~طلب قوم من أهل الحرب منا أن يصيروا ذمة يؤدون عن رقابهم وأراضيهم شيئا ~~معلوما، ونجري عليهم أحكام الإسلام فصالحناهم على ذلك، فكانت أراضيهم مثل ~~أراضي الشام مدائن وقرى، ورساتيق وأمصارا، إنه لا يتعرض لكنائسهم القديمة، ~~ولكنهم لو أرادوا أن يحدثوا شيئا منها يمنعوا من ذلك؛ لأنها صارت مصرا من ~~أمصار المسلمين. # وإحداث الكنيسة في مصر من أمصار المسلمين ممنوع عنه شرعا فإن مصر الإمام ~~مصرا للمسلمين، كما مصر سيدنا عمر - رضي الله عنه - الكوفة والبصرة، فاشترى ~~قوم من أهل الذمة دورا، وأرادوا أن يتخذوا فيها كنائس لا يمكنوا من ذلك لما ~~قلنا، وكذلك لو تخلى رجل في صومعته منع من ذلك؛ لأن ذلك في معنى اتخاذ ~~الكنيسة، وكل مصر من أمصار المشركين ظهر عليه الإمام عنوة، وجعلهم ذمة فما ~~كان فيه كنيسة قديمة منعهم من الصلاة في تلك الكنائس؛ لأنه لما فتح عنوة ~~فقد استحقه المسلمون، فيمنعهم من الصلاة فيها، ويأمرهم أن يتخذوها مساكن، ~~ولا ينبغي أن يهدمها وكذلك كل قرية جعلها الإمام مصرا، ولو عطل الإمام هذا ~~المصر وتركوا إقامة الجمع والأعياد والحدود فيه، كان لأهل القرية أن يحدثوا ~~ما شاءوا؛ لأنه عاد قرية كما كانت نصرانية تحت مسلم لا يمكنها من نصب ~~الصليب في بيته؛ لأن نصب الصليب كنصب الصنم، وتصلي في بيته حيث شاءت هذا ~~الذي ذكرنا حكم أرض العجم. # (وأما) أرض العرب فلا يترك فيها كنيسة، ولا بيعة ولا يباع فيها الخمر ~~والخنزير ms4223 مصرا كان أو قرية، أو ماء من مياه العرب، ويمنع المشركون أن ~~يتخذوا أرض العرب مسكنا ووطنا كذا ذكره محمد تفضيلا لأرض العرب على غيرها، ~~وتطهيرا لها عن الدين الباطل قال - عليه الصلاة والسلام -: «لا يجتمع دينان ~~في جزيرة العرب» . # وأما الالتجاء إلى الحرم فإن الحربي إذا التجأ إلى الحرم، لا يباح قتله ~~في الحرم، ولكن لا يطعم ولا يسقى ولا يؤوى، ولا يبايع حتى يخرج من الحرم ~~وعند الشافعي - رحمه الله -: يقتل في الحرم أصحابنا فيما بينهم قال أبو ~~حنيفة ومحمد - رحمهما الله: لا يقتل في الحرم، ولا يخرج منه أيضا وقال أبو ~~يوسف - رحمه الله -: لا يباح قتله في الحرم، ولكن يباح إخراجه من الحرم ~~للشافعي - رحمه الله - قوله تبارك وتعالى {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ~~[التوبة: 5] وحيث يعبر به عن المكان، فكان هذا إباحة لقتل المشركين في ~~الأماكن كلها. # (ولنا) قوله - تبارك وتعالى - {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا} ~~[العنكبوت: 67] إذا دخل ملتجئا، أما إذا دخل مكابرا أو مقاتلا يقتل؛ لقوله ~~تعالى {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم} [البقرة: 191] ولأنه لما دخل مقاتلا فقد هتك حرمة الحرم، فيقتل ~~تلافيا للهتك زجرا لغيره عن الهتك وكذلك لو دخل قوم من أهل الحرب للقتال، ~~فإنهم يقتلون، ولو انهزموا من المسلمين فلا شيء على المسلمين في قتلهم ~~وأسرهم والله - تعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان حكم الغنائم وما يتصل بها] # (فصل) . # وأما بيان حكم الغنائم وما يتصل بها، فنقول - وبالله التوفيق - هاهنا ~~ثلاثة أشياء: النفل، والفيء، والغنيمة فلا بد من بيان معاني هذه الألفاظ ~~وما يتعلق بها من الشرائط والأحكام. # (أما) النفل في اللغة فعبارة عن الزيادة، ومنه سمي ولد الولد نافلة؛ لأنه ~~زيادة على الولد الصلبي، وسميت نوافل العبادات لكونها زيادات على الفرائض، ~~وفي الشريعة عبارة # PageV07P114 # عما خصه الإمام لبعض الغزاة تحريضا لهم على القتال، سمي نفلا لكونه زيادة ~~على ما يسهم لهم من الغنيمة، والتنفيل هو تخصيص بعض الغزاة بالزيادة، نحو ~~أن يقول الإمام: من ms4224 أصاب شيئا فله ربعه أو ثلثه أو قال: من أصاب شيئا فهو ~~له أو قال: من أخذ شيئا أو قال: من قتل قتيلا فله سلبه أو قال لسرية: ما ~~أصبتم فلكم ربعه أو ثلثه أو قال: فهو لكم وذلك جائز؛ لأن التخصيص بذلك ~~تحريض على القتال، وأنه أمر مشروع ومندوب إليه. # قال الله - تعالى عز شأنه - {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال} ~~[الأنفال: 65] إلا أنه لا ينبغي للإمام أن ينفل بكل المأخوذ؛ لأن التنفيل ~~بكل المأخوذ قطع حق الغانمين عن النفل أصلا، لكن مع هذا لو رأى الإمام ~~المصلحة في ذلك ففعله مع سرية جاز؛ لأن المصلحة قد تكون فيه في الجملة، ~~ويجوز التنفيل في سائر الأموال من الذهب والفضة والسلب وغير ذلك؛ لأن معنى ~~التحريض على القتال يتحقق في الكل، والسلب هو ثياب المقتول وسلاحه الذي ~~معه، ودابته التي ركبها بسرجها وآلاتها، وما كان معه من مال في حقيبة على ~~الدابة، أو على وسطه. # (وأما) حقيبة غلامه، وما كان مع غلامه من دابة أخرى، فليس بسلب ولو ~~اشتركا في قتل رجل كان السلب بينهما، فإن بدأ أحدهما فضربه، ثم أجهزه الآخر ~~بأن كانت الضربة الأولى قد أثخنته وصيرته إلى حال لا يقاتل ولا يعين على ~~القتال فالسلب للأول؛ لأنه قتيل الأول. # وإن كانت الضربة الأولى لم تصيره إلى هذه الحالة فالسلب للثاني؛ لأنه ~~قتيل الثاني ولو قتل رجل واحد قتيلين أو أكثر فله سلبه وهل يدخل الإمام في ~~التنفيل؟ إن قال: في جميع ذلك منكم لا يدخل؛ لأنه خصهم وإن لم يقل: منكم ~~يدخل؛ لأنه عم الكلام، هذا إذا نفل الإمام، فإن لم ينفل شيئا، فقتل رجل من ~~الغزاة قتيلا لم يختص بسلبه عندنا. # وقال الشافعي - رحمه الله تعالى -: إن قتله مدبرا منهزما لم يختص بسلبه، ~~وإن قتله مقبلا مقاتلا يختص بسلبه واحتج بما روي عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال «من قتل قتيلا فله سلبه وهذا منه - عليه الصلاة ~~والسلام -» نصب الشرع، ولأنه إذا ms4225 قتله مقبلا مقاتلا فقد قتله بقوة نفسه ~~فيختص بالسلب، وإذا قتله موليا منهزما فإنما قتله بقوة الجماعة فكان السلب ~~غنيمة مقسومة. # (ولنا) أن القياس يأبى جواز التنفيل والاختصاص بالمصاب من السلب وغيره؛ ~~لأن سبب الاستحقاق إن كان هو الجهاد وجد من الكل، وإن كان هو الاستيلاء ~~والإصابة، والأخذ بذلك حصل بقوة الكل فيقتضي الاستحقاق للكل، فتخصيص البعض ~~بالتنفيل يخرج مخرج قطع الحق عن المستحق، فينبغي أن لا يجوز إلا أنا ~~استحسنا الجواز بالنص وهو قوله - تبارك وتعالى: {يا أيها النبي حرض ~~المؤمنين على القتال} [الأنفال: 65] والتنفيل تحريض على القتال بإطماع ~~زيادة المال؛ لأن من له زيادة غنى وفضل شجاعة، لا يرضى طبعه بإظهار ذلك مع ~~ما فيه من مخاطرة الروح، وتعريض النفس للهلاك، إلا بإطماع زيادة لا يشاركه ~~فيه غيره فإذا لم يطمع لا يظهر فلا يستحق الزيادة والله - سبحانه وتعالى - ~~أعلم. # (وأما) الحديث فلا حجة له فيه؛ لأنه يحتمل أنه نصب ذلك القول شرعا، ~~ويحتمل أن يكون نصبه شرطا، ويحتمل أنه نفل قوما بأعيانهم فلا يكون حجة، مع ~~الاحتمال نظيره قوله - عليه الصلاة والسلام - «من أحيا أرضا ميتة فهي له» ~~أنه لم يجعله أبو حنيفة حجة لملك الأرض المحياة بغير إذن الإمام لمثل هذا ~~الاحتمال والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) شرط جوازه فهو أن يكون قبل حصول الغنيمة في يد الغانمين، فإذا ~~حصلت في أيديهم فلا نفل؛ لأن جواز التنفيل للتحريض على القتال، وذا لا ~~يتحقق إلا قبل أخذ الغنيمة فإن قيل: أليس أنه روي «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نفل بعد إحراز الغنيمة» فالجواب أنه يحتمل أنه - عليه الصلاة ~~والسلام - إنما نفل من الخمس، أو من الصفي الذي كان له في الغنائم، ويحتمل ~~أنه كان مما أفاء الله - تعالى - عليه، فسماه الراوي غنيمة والله - تعالى - ~~أعلم. # (وأما) حكم التنفيل فنوعان، أحدهما: اختصاص النفل بالمنفل حتى لا يشاركه ~~فيه غيره وهل يثبت الملك فيه قبل الإحراز بدار الإسلام؟ ففيه كلام نذكره في ~~موضعه إن - شاء الله تعالى ms4226 - والثاني: أنه لا خمس في النفل؛ لأن الخمس إنما ~~يجب في غنيمة مشتركة بين الغانمين والنفل ما أخلصه الإمام لصاحبه، وقطع ~~شركة الأغيار عنه فلا يجب فيه الخمس ويشارك المنفل له الغزاة في أربعة ~~أخماس ما أصابوا؛ لأن الإصابة أو الجهاد حصل بقوة الكل، إلا أن الإمام خص ~~البعض ببعضها، وقطع حق الباقين عنه، فبقي حق الكل متعلقا بما وراءه ~~فيشاركهم فيه والله سبحانه وتعالى - أعلم. # PageV07P115 # وأما) الفيء فهو اسم لما لم يوجف عليه المسلمون بخيل، ولا ركاب، نحو ~~الأموال المبعوثة بالرسالة إلى إمام المسلمين، والأموال المأخوذة على ~~موادعة أهل الحرب، ولا خمس فيه؛ لأنه ليس بغنيمة إذ هي للمأخوذ من الكفرة ~~على سبيل القهر والغلبة، ولم يوجد وقد كان الفيء لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - خاصة يتصرف فيه كيف شاء، يختصه لنفسه، أو يفرقه فيمن شاء قال ~~الله - تعالى عز شأنه: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من ~~خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير} ~~[الحشر: 6] . # وروي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قال: كانت أموال بني النضير مما ~~أفاء الله - عز وجل - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وكانت خالصة له ~~وكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في الكراع والسلاح، ولهذا ~~كانت فدك خالصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ كانت لم يوجف عليها ~~الصحابة - رضي الله عنهم - من خيل ولا ركاب فإنه روي أن أهل فدك لما بلغهم ~~أهل خيبر «أنهم سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجليهم ويحقن ~~دماءهم ويخلوا بينه وبين أموالهم، بعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وصالحوه على النصف من فدك، فصالحهم - عليه الصلاة والسلام - على ~~ذلك» ثم الفرق بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين الأئمة في المال ~~المبعوث إليهم من أهل الحرب أنه يكون لعامة المسلمين، وكان لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - خاصة أن الإمام إنما أشرك ms4227 قومه في المال المبعوث إليه ~~من أهل الحرب؛ لأن هيبة الأئمة بسبب قومهم، فكانت شركة بينهم. # (وأما) هيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكانت بما نصر من الرعب لا ~~بأصحابه، كما قال - عليه الصلاة والسلام -: «نصرت بالرعب مسيرة شهرين» لذلك ~~كان له أن يختص لنفسه والله - سبحانه وتعالى - أعلم وعلى هذا إذا دخل حربي ~~في دار الإسلام بغير أمان فأخذه واحد من المسلمين، يكون فيئا لجماعة ~~المسلمين، ولا يختص به الآخذ عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعند أبي يوسف ~~ومحمد - رحمهما الله - يكون للآخذ خاصة. # (وجه) قولهما أن سبب الملك وجد من الآخذ خاصة فيختص بملكه، كما إذا دخلت ~~طائفة من أهل الحرب دار الإسلام، فاستقبلتها سرية من أهل الإسلام فأخذتها ~~إنهم يختصون بملكها. # والدليل عن أن سبب الملك وجد من الآخذ خاصة أن السبب هو الأخذ، ~~والاستيلاء هو إثبات اليد، وقد وجد ذلك حقيقة من الآخذ خاصة، وأهل الدار إن ~~كانت لهم يد لكنها يد حكمية، ويد الحربي حقيقية؛ لأنه حر، والحر في يد ~~نفسه، واليد الحكمية لا تصلح مبطلة لليد الحقيقية؛ لأنها دونها، ونقض الشيء ~~بما هو مثله، أو بما هو فوقه، لا بما هو دونه فأما يد الآخذ فيد حقيقة، وهي ~~محقة ويد الحربي مبطلة، فجاز إبطالها بها. # (وجه) قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه وجد سبب ثبوت الملك لعامة ~~المسلمين في محل قابل للملك، وهو المباح فيصير ملكا للكل، كما إذا استولى ~~جماعة على صيد. # وإنما قلنا ذلك؛ لأنه كلما دخل دار الإسلام فقد ثبت يد أهل الدار عليه؛ ~~لأن الدار في أيديهم فما في الدار يكون في أيديهم أيضا، ولهذا قلنا إنه لا ~~يثبت الملك للغانمين في الغنائم ما داموا في دار الحرب، كهذا هاهنا قوله: ~~يد أهل الدار يد حكمية، ويد الحربي حقيقية، فلا تبطلها. # قلنا ويد أهل الدار حقيقية أيضا؛ لأن المعنى من اليد في هذه الأبواب ~~القدرة من حيث سلامة الأسباب والآلات، ولأهل الدار آلات سليمة لو استعملوها ~~في التصرف ms4228 عليه لحدثت لهم بمجرى العادة قدرة حقيقية على وجه لا يمكنهم ~~مقاومتهم ومعارضتهم، مع ما أنه إذا ثبت يد الآخذ عليه حقيقة، فقد ثبت يد ~~أهل الدار؛ لأن يده يد أهل الدار؛ لأن أهل دار الإسلام كلهم منعة واحدة، ~~فإنهم يذبون عن دين واحد، فكانت يده يد الكل معنى، كما إذا دخل الغزاة دار ~~الحرب، فأخذ واحد منهم شيئا من أموال الكفرة، فإن المأخوذ يكون غنيمة ~~مقسومة بين الكل كذا هذا والله - سبحانه وتعالى أعلم. # وأما السريتان إذا التقتا في دار الإسلام، فأخذ منها سرية الإمام فإنما ~~اختصوا بملكها للحاجة والضرورة، وهي أن بالإمام حاجة إلى بعث السرايا ~~لحراسة الحوزة وحماية البيضة عن شر الكفرة، إذ الكفرة يقصدون دار الإسلام ~~والدخول في حدودها بغتة، فإذا علموا ببعث السرايا وتهيئهم للذب عن حريم ~~الإسلام، قطعوا الأطماع فبقيت البيضة محروسة، فلو لم يختصوا بالمأخوذ، لما ~~انقاد طبعهم لكفاية هذا الشغل، فتمتد أطماع الكفرة إلى دار الإسلام، ولهذا ~~إذا نفل الإمام سرية، فأصابوا شيئا يختصون به لوقوع الحاجة إلى التنفيل؛ ~~لاختصاص بعض الغزاة بزيادة # PageV07P116 # شجاعة؛ لأنه لا ينقاد طبعه لإظهاره، إلا بالترغيب بزيادة من المصاب ~~بالتنفيل كذا هذا. # وهل يجب فيه الخمس؟ فعن أبي حنيفة - رضي الله عنه - روايتان والصحيح أنه ~~لا يجب؛ لأن الخمس إنما يجب في الغنائم، والغنيمة اسم للمال المأخوذ عنوة ~~وقهرا بإيجاف الخيل والركاب، ولم يوجد لحصوله في أيديهم بغير قتال، فكان ~~مباحا، ملك لا على سبيل القهر والغلبة فلا يجب فيه الخمس كسائر المباحات. # وكذا روي عن محمد روايتان، والصحيح أنه يجب فيه الخمس؛ لأن الملك عنده ~~يثبت بأخذه، وإنما أخذه على سبيل القهر والغلبة، فكان في حكم الغنائم، ولو ~~دخل دار الإسلام فأسلم قبل أن يؤخذ، ثم أخذه واحد من المسلمين يكون فيئا ~~لجماعة المسلمين أيضا عند أبي حنيفة، وعندهما يكون حرا لا سبيل لأحد عليه، ~~وهذا فرع الأصل الذي ذكرنا أن عند أبي حنيفة - رحمه الله - كما دخل دار ~~الإسلام فقد انعقد سبب الملك فيه لوقوعه ms4229 في يد أهل الدار، فاعتراض الإسلام ~~بعد انعقاد سبب الملك لا يمنع الملك، وعندهما سبب الملك هو: الأخذ حقيقة، ~~فكان حرا قبله حيث وجد الإسلام قبل وجود سبب الملك فيه فيمنع ثبوت الملك ~~على ما مر، ولو رجع هذا الحربي إلى دار الحرب خرج من أن يكون فيئا ~~بالإجماع. # أما عند أبي حنيفة فلأن حق أهل دار الإسلام لا يتأكد إلا بالأخذ حقيقة، ~~ولم يوجد وأما عندهما فلأنه لم يثبت الملك أصلا إلا بحقيقة الأخذ، ولم ~~يوجد، وصار هذا كما إذا انفلت واحد من الأسارى قبل الإحراز بدار الإسلام، ~~والتحق بمنعتهم إنه يعود حرا كما كان كذا هذا ولو ادعى هذا الحربي بأمان، ~~لم يقبل قوله عند أبي حنيفة، وعندهما يقبل. # أما عنده فلأن دخول دار الحرب سبب ثبوت الملك، والأمان عارض مانع من ~~انعقاد السبب، فلا تقبل دعوى العارض إلا بحجة وأما عندهما فلأن الملك فيه ~~يقف على حقيقة الأخذ فكان حرا قبله فكأن دعوى الأمان دعوى حكم الأصل فتقبل، ~~وكذلك لو قال الآخذ: إني آمنته لم يقبل قوله عند أبي حنيفة، وعندهما يقبل. # أما عنده فلأن هذا إقرار يتضمن إبطال حق الغير فلا يقبل، وعندهما هذا ~~إقرار على نفسه، وإنه غير متهم في حق نفسه ولو دخل هذا الحربي الحرم قبل أن ~~يؤخذ، فهو فيء عند أبي حنيفة ودخول الحرم لا يبطل ذلك عنه؛ لأن ما ذكرنا من ~~المعنى لا يوجب الفصل بين الحرم وغيره، والدليل عليه أن الإسلام لم يبطل ~~الملك، فالحرم أولى ولأن الإسلام أعظم حرمة من الحرم، وعندهما لا يكون فيئا ~~إلا بحقيقة الأخذ فيبقى على أصل الحرية، ولا يتعرض له، لكنه لا يطعم، ولا ~~يسقى، ولا يؤوى، ولا يبايع، حتى يخرج من الحرم. # ولو أمنه رجل من المسلمين في الحرم أو بعد ما خرج من الحرم قبل أن يؤخذ ~~لم يصح عند أبي حنيفة وعندهما يصح، ويرد إلى مأمنه؛ لأن عنده صار فيئا ~~لجماعة المسلمين بنفس دخول دار الإسلام، وعندهما لا يصير فيئا إلا ms4230 بحقيقة ~~الأخذ، فإذا أمنه قبل الأخذ يصح ولا يصح بعده؛ لأنه مرموق ولو أخذه رجل في ~~الحرم وأخرجه منه فقد أساء، وكان فيئا لجماعة المسلمين عند أبي حنيفة ~~وعندهما يكون لمن أخذه، أما عنده فلأن الملك قد ثبت بدخوله دار الإسلام، ~~فالأخذ في الحرم لا يبطله وأما عندهما فلأن الملك وإن كان يثبت بالأخذ وإنه ~~منهي لكن النهي لغيره، وهو حرمة الحرم فلا يمنع كونه سببا للملك في ذاته ~~كالبيع وقت النداء ونحو ذلك، ولو أخذه في الحرم ولم يخرجه فينبغي أن يخلي ~~سبيله في الحرم رعاية لحرمة الحرم ما دام فيه، والله - سبحانه وتعالى - ~~أعلم. # وأما الغنيمة فالكلام فيها في مواضع في تفسير الغنيمة، وفي بيان ما يملكه ~~الإمام من التصرف في الغنائم، وفي بيان مكان قسمة الغنائم، وفي بيان ما ~~يباح الانتفاع به من الغنائم، وفي بيان كيفية قسمة الغنائم، وفي بيان ~~مصارفها أما. # الأول: فالغنيمة عندنا اسم للمأخوذ من أهل الحرب على سبيل القهر والغلبة، ~~والأخذ على سبيل القهر والغلبة لا يتحقق إلا بالمنعة إما بحقيقة المنعة، أو ~~بدلالة المنعة، وهي إذن الإمام وعند الشافعي - رحمه الله - هي اسم للمأخوذ ~~من أهل الحرب كيف ما كان ولا يشترط له المنعة أصلا، وبيان ذلك في مسائل إذا ~~دخل جماعة لهم منعة دار الحرب فأخذوا أموالا منهم، فإنها تقسم قسمة الغنائم ~~بالإجماع. # سواء دخلوا بإذن الإمام، أو بغير إذنه؛ لوجود الأخذ على سبيل القهر ~~والغلبة؛ لوجود المنعة القائمة مقام المقاتلة حقيقة، وأقل المنعة أربعة في ~~ظاهر الرواية؛ لقوله - عليه الصلاة والسلام - «خير الأصحاب أربعة» وروي عن ~~أبي يوسف أنها تسعة ولو دخل من لا منعة له بإذن الإمام، كان المأخوذ غنيمة ~~في ظاهر الرواية عن أصحابنا؛ لوجود المنعة دلالة على ما # PageV07P117 # نذكره ولو دخل بغير إذن الإمام لم يكن غنيمة عندنا؛ لانعدام المنعة أصلا، ~~وعند الشافعي - رحمه الله - يكون غنيمة. # والصحيح قولنا؛ لأن الغنيمة والغنم والمغنم في اللغة اسم لمال أصيب من ~~أموال أهل الحرب، وأوجف عليه المسلمون بالخيل ms4231 والركاب. # وكذا إشارة النص دليل عليه وهي قوله - سبحانه وتعالى - {وما أفاء الله ~~على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} [الحشر: 6] أشار - سبحانه ~~وتعالى - إلى أنه ما لم يوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب لا يكون غنيمة، ~~وإصابة مال أهل الحرب بإيجاف الخيل والركاب لا يكون إلا بالمنعة، إما حقيقة ~~أو دلالة؛ لأن من لا منعة له لا يمكنه الأخذ على طريق القهر والغلبة، فلم ~~يكن المأخوذ غنيمة بل كان مالا مباحا، فيختص به الآخذ كالصيد، إلا إن أخذاه ~~جميعا فيكون المأخوذ بينهما كما لو أخذا صيدا، أما عند وجود المنعة فيتحقق ~~الأخذ على سبيل القهر والغلبة. # أما حقيقة المنعة فظاهرة، وكذا دلالة المنعة وهي إذن الإمام؛ لأنه لما ~~أذن له الإمام بالدخول فقد ضمن له المعونة بالمدد والنصرة عند الحاجة، فكان ~~دخوله بإذن الإمام امتناعا بالجيش الكثيف معنى، فكان المأخوذ مأخوذا على ~~سبيل القهر والغلبة فكان غنيمة، فهو الفرق ولو اجتمع فريقان أحدهما دخل ~~بإذن الإمام، والآخر بغير إذنه ولا منعة لهم، فالحكم في كل فريق عند ~~الاجتماع ما هو الحكم عند الانفراد، أنه إن تفرد كل فريق بأخذ شيء فلكل ~~فريق ما أخذ، كما لو انفرد كل فريق بالدخول، فأخذ شيئا فإن اشترك الفريقان ~~في الأخذ، فالمأخوذ بينهم على عدد الآخذين، ثم ما أصاب المأذون لهم بخمس ~~ويكون أربعة أخماسه بينهم مشتركة فيه الآخذ وغير الآخذ؛ لأنه غنيمة، وهذا ~~سبيل الغنائم، وما أصاب الذين لم يؤذن لهم لا خمس فيه، فيكون بين الآخذين، ~~ولا يشاركهم الذين لم يأخذوا؛ لأنه مال مباح. # وهذا حكم المال المباح على ما بينا هذا إذا اجتمع فريقان ولا منعة لهم، ~~فأما إذا اجتمعا وكان لهم باجتماعهم منعة، فما أصاب واحدا منهم أو جماعتهم ~~بخمس، وأربعة أخماسه بينهم؛ لأن المأخوذ غنيمة لوجود المنعة، فكان وجود ~~الإذن وعدمه بمنزلة واحدة، ولو كان الذين دخلوا بإذن الإمام لهم منعة، ثم ~~لحقهم لص أو لصان لا منعة لهما بغير إذن الإمام ثم لقوا قتالا وأصابوا ms4232 مالا ~~وأصابوا غنائم، فما أصاب العسكر قبل أن يلحقهم اللص، فإن هذا اللص لا ~~يشاركهم فيه، وما أصابوه بعد أن لحق هذا اللص بهم فإنه يشاركهم؛ لأن ~~الإصابة قبل اللحاق حصلت بقتال العسكر حقيقة، وكذلك الإحراز بدار الإسلام؛ ~~لأن لهم غنية عن معونة اللص فكان دخوله في الاستيلاء على المصاب قبل اللحاق ~~وعدمه بمنزلة واحدة، ولا يشبه هذا الجيش إذا لحقهم المدد أنه يشاركهم فيما ~~أصابوا؛ لأن الجيش يستعين بالمدد لقوتهم، فكان الإحراز حاصلا بالكل. # وكذلك الإصابة بعد اللحوق حصلت باستيلاء الكل، لذلك شاركهم بخلاف اللص ~~والله - تعالى - أعلم -. # ولو أخذ واحد من الجيش شيئا من المتاع الذي له قيمة، وليس في يد إنسان ~~منهم، كالمعادن والكنوز والخشب والسمك، فذلك غنيمة، وفيه الخمس، وذلك ~~الواحد إنما أخذه بمنعة الجماعة وقوتهم، فكان مالا مأخوذا على سبيل القهر ~~والغلبة، فكان غنيمة، وإن لم يكن لذلك الشيء في دار الحرب وفي دار الإسلام ~~قيمة فهو له خاصة؛ لأنه إذا لم يكن له قيمة لا يقع فيه تمانع وتدافع، فلا ~~يقع أخذه على سبيل القهر والغلبة فلم يكن غنيمة، ولو أخذ شيئا له قيمة في ~~دار الحرب نحو الخشب فعمله آنية أو غيرها رده إلى الغنيمة؛ لأنه إذا كان له ~~قيمة بذاته فالعمل فيه فضل له، فإن لم يكن ذلك الشيء متقوما فهو له خاصة ~~لما قلنا، ولا خمس فيما يؤخذ على موادعة أهل الحرب؛ لأنه ليس بمأخوذ على ~~سبيل القهر والغلبة، فلم يكن غنيمة، وكذا ما بعث رسالة إلى إمام المسلمين ~~لا خمس فيه لما قلنا، ولو حاصر المسلمون قلعة في دار الحرب، فافتدوا أنفسهم ~~بمال ففيه الخمس؛ لأنه غنيمة لكونه مأخوذا على سبيل القهر والغلبة والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم. # وأما بيان ما يملكه الإمام من التصرف في الغنائم، فجملة الكلام فيه أنه ~~إذا ظهر الإمام على بلاد أهل الحرب فالمستولى عليه لا يخلو من أحد أنواع ~~ثلاثة: المتاع، والأراضي، والرقاب، أما المتاع: فإنه يخمس ويقسم الباقي بين ~~الغانمين، ولا خيار للإمام فيه. ms4233 # وأما الأراضي فللإمام فيها خياران إن شاء خمسها ويقسم الباقي بين ~~الغانمين لما بينا، وإن شاء تركها في يد أهلها بالخراج وجعلهم ذمة إن كانوا ~~بمحل الذمة، بأن كانوا من أهل الكتاب أو من مشركي العجم، ووضع الجزية على ~~رءوسهم والخراج على أراضيهم وهذا عندنا، وعند # PageV07P118 # الشافعي - رحمه الله - ليس للإمام أن يترك الأراضي في أيديهم بالخراج بل ~~يقسمها. # (وجه) قوله أن الأراضي صارت ملكا للغزاة بالاستيلاء، فكان الترك في ~~أيديهم إبطالا لملك الغزاة فلا يملكه الإمام كالمتاع. # (ولنا) إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإن سيدنا عمر - رضي الله عنه - ~~لما فتح سواد العراق ترك الأراضي في أيديهم، وضرب على رءوسهم الجزية، وعلى ~~أراضيهم الخراج بمحضر من الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - ولم ينقل أنه ~~أنكر عليه منكر، فكان ذلك إجماعا منهم. # وأما الرقاب فالإمام فيها بين خيارات، ثلاث، إن شاء قتل الأسارى منهم، ~~وهم الرجال المقاتلة، وسبى النساء والذراري؛ لقوله تبارك وتعالى {فاضربوا ~~فوق الأعناق} [الأنفال: 12] وهذا بعد الأخذ والأسر؛ لأن الضرب فوق الأعناق ~~هو الإبانة من المفصل، ولا يقدر على ذلك حال القتال، ويقدر عليه بعد الأخذ ~~والأسر وروي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما استشار الصحابة ~~الكرام - رضي الله عنهم - في أسارى بدر، فأشار بعضهم إلى الفداء، وأشار ~~سيدنا عمر - رضي الله عنه - إلى القتل، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: لو جاءت من السماء نار ما نجا إلا عمر» . # أشار - عليه الصلاة والسلام - إلى أن الصواب كان هو القتل وكذا روي أنه - ~~عليه الصلاة والسلام - أمر بقتل عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث يوم ~~بدر، وبقتل هلال بن خطل ومقيس بن صبابة يوم فتح مكة، ولأن المصلحة قد تكون ~~في القتل لما فيه من استئصالهم، فكان للإمام ذلك، وإن شاء استرق الكل ~~فخمسهم وقسمهم، لأن الكل غنيمة حقيقة لحصولها في أيديهم عنوة وقهرا بإيجاف ~~الخيل والركاب، فكان له أن يقسم الكل إلا رجال مشركي العرب والمرتدين، ~~فإنهم لا يسترقون عندنا، بل يقتلون ms4234 أو يسلمون وعند الشافعي - رحمه الله - ~~يجوز استرقاقهم. # (وجه) قوله أنه يجوز استرقاق مشركي العجم، وأهل الكتاب من العجم، والعرب ~~فكذا استرقاق مشركي العرب، والمرتدين، وهذا لأن للاسترقاق حكم الكفر، وهم ~~في الكفر سواء، فكانوا في احتمال الاسترقاق سواء. # (ولنا) قوله - سبحانه وتعالى - {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: ~~5] إلى قوله - سبحانه وتعالى - {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5] ولأن ترك القتل بالاسترقاق في حق أهل الكتاب ~~ومشركي العجم؛ للتوسل إلى الإسلام ومعنى الوسيلة لا يتحقق في حق مشركي ~~العرب والمرتدين على نحو ما بينا من قبل وأما النساء والذراري منهم ~~فيسترقون كما يسترق نساء مشركي العجم وذراريهم؛ لأن النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - استرق نساء هوازن وذراريهم، وهم من صميم العرب. # وكذا الصحابة استرقوا نساء المرتدين من العرب وذراريهم، وإن شاء من عليهم ~~وتركهم أحرارا بالذمة، كما فعل سيدنا عمر - رضي الله عنه - بسواد العراق ~~إلا مشركي العرب والمرتدين، فإنه لا يجوز تركهم بالذمة وعقد الجزية، كما لا ~~يجوز بالاسترقاق لما بينا، ولو شهدوا بشهادة قبل أن يجعلهم الإمام ذمة لم ~~تجز شهادتهم؛ لأنهم أهل الحرب، فإن جعلهم ذمة فأعادوا الشهادة جازت؛ لأن ~~شهادة أهل الذمة مقبولة في الجملة، فأما شهادة أهل الحرب فغير مقبولة أصلا، ~~وليس للإمام أن يمن على الأسير فيتركه من غير ذمة، لا يقتله ولا يقسمه؛ ~~لأنه لو فعل ذلك لرجع إلى المنعة فيصير حربا علينا، فإن قيل: إن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - من على الزبير بن باطال من بني قريظة. # وكذا من على أهل خيبر فالجواب أنه ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- من على الزبير ولم يقتله إما لأنه لم يثبت أنه ترك بالجزية أم بدونها، ~~فاحتمل أنه تركه بالجزية وبعقد الذمة وأما أهل خيبر فقد كانوا أهل الكتاب ~~فتركهم ومن عليهم ليصيروا كرة للمسلمين، ويجوز المن لذلك لأن ذلك في معنى ~~الجزية، فيكون تركا بالجزية من حيث المعنى. # وهل للإمام أن يفادي الأسارى؟ أما المفاداة بالمال فلا ms4235 تجوز عند أصحابنا ~~في ظاهر الروايات وقال محمد: مفاداة الشيخ الكبير الذي لا يرجى له ولد ~~تجوز، وعند الشافعي - رحمه الله - تجوز المفاداة بالمال كيف ما كان، واحتج ~~بظاهر قوله - عز وجل - {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] وقد فادى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أسارى بدر بالمال، وأدنى درجات فعله - عليه ~~الصلاة والسلام - الجواز، والإباحة. # (ولنا) أن قتل الأسرى مأمور به؛ لقوله تعالى {فاضربوا فوق الأعناق} ~~[الأنفال: 12] وأنه منصرف إلى ما بعد الأخذ والاسترقاق لما قلنا، وقوله - ~~سبحانه وتعالى - {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] والأمر ~~بالقتل للتوسل إلى الإسلام، فلا يجوز تركه إلا لما شرع له القتل، وهو أن ~~يكون وسيلة إلى الإسلام ولا يحصل معنى التوسل بالمفاداة، فلا يجوز # PageV07P119 # ترك المفروض لأجله، ويحصل بالذمة والاسترقاق لما بينا فكان إقامة للفرض ~~معنى لا تركا له، ولأن المفاداة بالمال إعانة لأهل الحرب على الحراب؛ لأنهم ~~يرجعون إلى المنعة فيصيرون حربا علينا، وهذا لا يجوز. # ومحمد - رحمه الله - يقول: معنى الإعانة لا يحصل من الشيخ الكبير الذي لا ~~يرجى منه ولد فجاز فداؤه بالمال، ولكننا نقول: إن كان لا يحصل بهذا الطريق ~~يحصل بطريق آخر، وهو الرأي والمشورة وتكثير السواد وأما قوله تعالى {فإما ~~منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] فقد قال بعض أهل التفسير: إن الآية منسوخة ~~بقوله - تبارك وتعالى - {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] . # وقوله تبارك وتعالى - {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} ~~[التوبة: 29] الآية لأن سورة براءة نزلت بعد سورة محمد - عليه الصلاة ~~والسلام - ويحتمل أن تكون الآية في أهل الكتاب، فيمن من عليهم بعد أسرهم ~~على أن يصيروا كرة للمسلمين كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأهل ~~خيبر، أو ذمة كما فعل سيدنا عمر - رضي الله عنه - بأهل السواد، ويسترقون. # (وأما) أسارى بدر فقد قيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما فعل ~~ذلك باجتهاده ولم ينتظر الوحي فعوتب عليه بقوله - سبحانه وتعالى - {لولا ~~كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب ms4236 عظيم} [الأنفال: 68] حتى قال - ~~عليه الصلاة والسلام - «لو أنزل الله من السماء نارا ما نجا إلا عمر - رضي ~~الله عنه -» يدل عليه قوله تعالى {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض} [الأنفال: 67] على أحد وجهي التأويل أي ما كان لنبي أن يأخذ الفداء ~~في الأسارى حتى يثخن في الأرض، أي حتى يغلب في الأرض منعة عن أخذ الفداء ~~بها، وأشار إلى أن ذلك ليغلب في الأرض؛ إذ لو أطلقهم لرجعوا إلى المنعة، ~~وصاروا حربا على المسلمين فلا تتحقق الغلبة، ويحتمل أن المفاداة كانت جائزة ~~ثم انتسخت بقوله - تبارك وتعالى - {فاضربوا فوق الأعناق} [الأنفال: 12] ~~{فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] . # وإنما عوتب - عليه الصلاة والسلام - {لولا كتاب من الله سبق} [الأنفال: ~~68] لا لخطر المفاداة، بل لأنه - عليه الصلاة والسلام - لم ينتظر بلوغ ~~الوحي، وعمل باجتهاده، أي لولا من حكم الله - تعالى - أن لا يعذب أحدا على ~~العمل بالاجتهاد، لمسكم العذاب بالعمل بالاجتهاد، وترككم انتظار الوحي ~~والله - تعالى - أعلم. # وكذا لا تجوز مفاداة الكراع والسلاح بالمال؛ لأن كل ذلك يرجع إلى إعانتهم ~~على الحرب، وتجوز مفاداة أسارى المسلمين بالدراهم والدنانير والثياب ونحوها ~~مما ليس فيها إعانة لهم على الحرب، ولا يفادون بالسلاح؛ لأن فيه إعانة لهم ~~على الحرب والله - تعالى - أعلم. # (وأما) مفاداة الأسير فلا تجوز عند أبي حنيفة - عليه الرحمة - وعند أبي ~~يوسف ومحمد تجوز. # (وجه) قولهما أن في المفاداة إنقاذ المسلم، وذلك أولى من إهلاك الكافر ~~ولأبي حنيفة ما ذكرنا أن قتل المشركين فرض بقوله - تعالى - {فاقتلوا ~~المشركين} [التوبة: 5] وقوله تعالى {فاضربوا فوق الأعناق} [الأنفال: 12] ~~فلا يجوز تركه إلا لما شرع له إقامة الفرض وهو التوسل إلى الإسلام؛ لأنه لا ~~يكون تركا معنى، وذا لا يحصل بالمفاداة، ويحصل بالذمة والاسترقاق فيمن ~~يحتمل ذلك على ما بينا، ولما ذكرنا أن فيها إعانة لأهل الحرب على الحرب؛ ~~لأنهم يرجعون إلى المنعة فيصيرون حربا على المسلمين، ثم اختلف أبو يوسف ~~ومحمد فيما بينهما قال أبو يوسف: تجوز المفاداة قبل القسمة، ms4237 ولا تجوز بعدها ~~وقال محمد: تجوز في الحالين. # (وجه) قول محمد أنه لما جازت المفاداة قبل القسمة، فكذا بعد القسمة؛ لأن ~~الملك إن لم يثبت قبل القسمة فالحق ثابت، ثم قيام الحق لم يمنع جواز ~~المفاداة، فكذا قيام الملك. # (وجه) قول أبي يوسف أن المفاداة بعد القسمة إبطال ملك المقسوم له من غير ~~رضاه، وهذا لا يجوز في الأصل، بخلاف ما قبل القسمة؛ لأنه لا ملك قبل ~~القسمة، إنما الثابت حق غير متقرر، فجاز أن يكون محتملا للإبطال بالمفاداة ~~والله - تعالى - أعلم. # ولا يجوز أن يعطى رجل واحد من الأسارى، ويؤخذ بدله رجلين من المشركين؛ ~~لأن كم من واحد يغلب اثنين وأكثر من ذلك فيؤدي إلى الإعانة على الحرب، وهذا ~~لا يجوز، وإذا عزم المسلمون على قتل الأسارى، فلا ينبغي أن يعذبوهم بالجوع ~~والعطش وغير ذلك من أنواع التعذيب؛ لأن ذلك تعذيب من غير فائدة وقد روي أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في بني قريظة «لا تجمعوا عليهم حر ~~هذا اليوم، وحر السلاح، ولا تمثلوا بهم؛» لقوله - عليه الصلاة والسلام - في ~~وصايا الأمراء «ولا تمثلوا ولا ينبغي للرجل أن يقتل أسير صاحبه» ؛ لأنه له ~~ضرب اختصاص به حيث أخذه وأسره، فلم يكن لغيره أن يتصرف فيه، كما لو التقط ~~شيئا والأفضل # PageV07P120 # أن يأتي به الإمام إن قدر عليه حتى يكون الإمام هو الحكم فيه؛ لتعلق حق ~~الغزاة به، فكان الحكم فيه للإمام، وإنما يقتل من الأسارى من بلغ إما ~~بالسن، أو بالاحتلام على قدر ما اختلف فيه، فأما من لم يبلغ أو شك في بلوغه ~~فلا يقتل، وكذا المعتوه الذي لا يعقل لما بينا من قبل، فلو قتل رجل من ~~المسلمين أسيرا في دار الحرب أو في دار الإسلام، فإن كان قبل القسمة فلا ~~شيء فيه من دية ولا كفارة ولا قيمة؛ لأن دمه غير معصوم قبل القسمة، فإن ~~للإمام فيه خيرة القتل، وإن كان بعد القسمة فلا شيء فيه من دية ولا كفارة ~~ولا قيمة؛ لأن ms4238 دمه غير معصوم قبل القسمة فإن للإمام فيه خيرة القتل، وإن ~~كان بعد القسمة أو بعد البيع فيراعى فيه حكم القتل؛ لأن الإمام إذا قسمهم ~~أو باعهم فقد صار دمهم معصوما، فكان مضمونا بالقتل، إلا أنه لا يجب القصاص ~~لقيام شبهة الإباحة كالحربي المستأمن، ثم ما ذكرنا من خيار القتل للإمام في ~~الأسارى قبل القسمة إذا لم يسلموا، فإن أسلموا قبل القسمة فلا يباح قتلهم؛ ~~لأن الإسلام عاصم، وللإمام خياران فيهم، إن شاء استرقهم فقسمهم، وإن شاء ~~تركهم أحرارا بالذمة إن كانوا بمحل الذمة والاسترقاق؛ لأن الإسلام لا يرفع ~~الرق، إما لا يرفعه؛ لأن الرفع فيه إبطال حق الغزاة وهذا لا يجوز. # (وأما) بيان قسمة الغنائم فنقول - وبالله التوفيق: القسمة نوعان، قسمة ~~حمل ونقل، وقسمة ملك. # (أما) قسمة الحمل، فهي إن عزت الدواب، ولم يجد الإمام حمولة يفرق الغنائم ~~على الغزاة فيحمل كل رجل على قدر نصيبه إلى دار الإسلام، ثم يستردها منهم ~~فيقسمها قسمة ملك، وهذه القسمة جائزة بلا خلاف، ولا تكون قسمة ملك ~~كالمودعين يقتسمان الوديعة ليحفظ كل واحد منهما بعضها جاز ذلك، وتكون قسمة ~~ملك فكذا هذا. # (وأما) قسمة الملك فلا تجوز في دار الحرب عند أصحابنا، وعند الشافعي - ~~رحمه الله - تجوز وهذا الاختلاف مبني على أصل، وهو أن الملك هل يثبت في ~~الغنائم في دار الحرب للغزاة؟ فعندنا لا يثبت الملك أصلا فيها، لا من كل ~~وجه، ولا من وجه، ولكن ينعقد سبب الملك فيها على أن تصير علة عند الأحرار ~~بدار الإسلام، وهو تفسير حق الملك، أو حق التملك عندنا، وعنده يثبت الملك ~~قبل الإحراز بدار الإسلام بعد الفراغ من القتال قولا واحدا، وله في حال فور ~~الهزيمة قولان، ويبنى على هذا الأصل مسائل: (منها) أنه إذا مات واحد من ~~الغانمين في دار الحرب لا يورث نصيبه عندنا، وعنده يورث والله تعالى - ~~أعلم. # (ومنها) أن المدد إذا لحق الجيش فأحرزوا الغنائم جملة إلى دار الإسلام ~~يشاركونهم فيها عندنا، وعنده لا يشاركونهم. # (ومنها) أنه إذا أتلف ms4239 واحد من الغانمين شيئا من الغنيمة لا يضمن عندنا، ~~وعنده يضمن. # (ومنها) أن الإمام إذا باع شيئا من الغنائم لا لحاجة الغزاة، لا يجوز ~~عندنا، وعنده يجوز. # (ومنها) أن الإمام إذا قسم الغنائم في دار الحرب مجازفا غير مجتهد ولا ~~معتقد جواز القسمة لا تجوز عندنا، وعنده تجوز. # (فأما) إذا رأى الإمام القسمة فقسمها نفذت قسمته بالإجماع، وكذلك لو رأى ~~البيع فباعها؛ لأنه حكم أمضاه في محل الاجتهاد، بالاجتهاد فينفذ. # (وجه) قول الشافعي - رحمه الله - ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «قسم غنائم خيبر بخيبر، وقسم غنائم أوطاس بأوطاس، وقسم غنائم بني ~~المصطلق في ديارهم، وقسم غنائم بدر بالجعرانة» وهي واد من أودية بدر، وأدنى ~~ما يحمل عليه فعل النبي - عليه الصلاة والسلام - هو الجواز والإباحة، ولأنه ~~وجد الاستيلاء على مال مباح فيفيد الملك استدلالا بالاستيلاء على الحطب ~~والحشيش، ولا شك أن المستولى عليه مال مباح؛ لأنه مال الكافر، وأنه مباح، ~~والدليل على تحقق الاستيلاء أن الاستيلاء عبارة عن إثبات اليد على المحل، ~~وقد وجد ذلك حقيقة، وإنكار الحقائق مكابرة، ورجعة الكفار بعد انهزامهم ~~واستردادهم أمر موهوم لا دليل عليه، فلا يعتبر. # (ولنا) أن الاستيلاء إنما يفيد الملك إذا ورد على مال مباح غير مملوك، ~~ولم يوجد هاهنا؛ لأن ملك الكفرة قائم؛ لأن ملك الكفرة كان ثابتا لهم، ~~والملك متى ثبت لإنسان لا يزول إلا بإزالته، أو يخرج المحل من أن يكون ~~منتفعا به حقيقة بالهلاك، أو بعجز المالك عن الانتفاع به دفعا للتناقض فيما ~~شرع الملك له، ولم يوجد شيء من ذلك. # (أما) الإزالة وهلاك المحل فظاهر العدم. # (وأما) قدرة الكفرة على الانتفاع بأموالهم؛ فلأن الغزاة ما داموا في دار ~~الحرب فالاسترداد ليس بنادر، بل هو ظاهر أو محتمل احتمالا على السواء، ~~والملك كان ثابتا لهم فلا يزول مع الاحتمال. # وأما الأحاديث: فأما غنائم خيبر وأوطاس والمصطلق، فإنما قسمها رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في تلك الديار؛ لأنه افتتحها فصارت ديار الإسلام. # (وأما) غنائم بدر ms4240 فقد روي أنه - عليه الصلاة والسلام - قسمها بالمدينة، ~~فلا يصح الاحتجاج # PageV07P121 # به مع التعارض ثم الملك إن لم يثبت للغزاة في الغنائم في دار الحرب، فقد ~~ثبت الحق لهم حتى يجوز لهم الانتفاع بها من غير حاجة على ما نذكره، ولولا ~~تعلق الحق لجاز؛ لأنه يكون مالا مباحا وكذا لو وطئ واحد من الغزاة جارية من ~~المغنم لا يجب عليه الحد؛ لأن له فيها حقا فأورث شبهة في درء الحد، ولا يجب ~~عليه العقر أيضا؛ لأنه بالوطء أتلف جزءا من منافع بضعها، ولو أتلفها لا ~~يضمن، فهاهنا أولى ولا يثبت النسب أيضا لو ادعى الولد؛ لأن ثبات النسب ~~معتمد الملك أو الحق الخاص، ولا ملك هاهنا، والحق عام. # وكذا لو أسلم الأسير في دار الحرب لا يكون حرا، ويدخل في القسمة؛ لتعلق ~~حق الغانمين به بنفس الأخذ والاستيلاء، فاعتراض الإسلام عليه لا يبطله ~~بخلاف ما إذا أسلم قبل الأسر أنه يكون حرا، ولا يدخل في القسمة؛ لأن عند ~~الأخذ والأسر لم يتعلق به حق أحد، فكان الإسلام دافعا الحق، لا رافعا إياه ~~على ما بينا. # (وأما) بعد الإحراز بدار الإسلام قبل القسمة فيثبت الملك، أو يتأكد الحق ~~ويتقرر؛ لأن الاستيلاء الثابت انعقد سببا لثبوت الملك، أو تأكد الحق على أن ~~يصير علة عند وجود شرطها، وهو الإحراز بدار الإسلام، وقد وجد، فتجوز القسمة ~~ويجري فيه الإرث، ويضمن المتلف، وتنقطع شركة المدد ونحو ذلك، إلا أنه لو ~~أعتق واحد من الغانمين عبدا من المغنم لا ينفذ إعتاقه استحسانا؛ لأن نفاذ ~~الإعتاق يقف على الملك الخاص، ولا يتحقق ذلك إلا بالقسمة، فأما الموجود قبل ~~القسمة فملك عام، أو حق متأكد، وأنه لا يحتمل الإعتاق لكنه يحتمل الإرث ~~والقسمة، ويكفي لإيجاب الضمان، وانقطاع شركة المدد على ما بينا، وكذلك لو ~~استولد جارية من المغنم وادعى الولد لا تصير أم ولد استحسانا؛ لما بينا أن ~~إثبات النسب وأمومية الولد يقفان على ملك خاص، وذلك بالقسمة، أو حق خاص، ~~ولم يوجد، ويلزمه العقر؛ لأن ذلك ms4241 الملك العام أو الحق الخاص يكون مضمونا ~~بالإتلاف. # (وأما) بعد القسمة فيثبت الملك الخاص لكل واحد منهم في نصيبه؛ لأن القسمة ~~إفراز الأنصباء وتعيينها، ولو قسم الإمام الغنائم فوقع عبد في سهم رجل ~~فأعتقه، لا شك أنه ينفذ إعتاقه؛ لأن الإعتاق صادف ملكا خاصا فأما إذا وقع ~~في سهم جماعة منهم عبد فأعتقه أحدهم، ينفذ إعتاقه عند أبي حنيفة قل الشركاء ~~أو كثروا. # (وروي) عن أبي يوسف إن كانوا عشرة أو أقل منها ينفذ إعتاقه، وإن كانوا ~~أكثر من ذلك لا ينفذ فأبو حنيفة - رحمه الله - نظر في خصوص الملك إلى ~~القسمة، وأبو يوسف إلى العدد، والصحيح نظر أبي حنيفة؛ لأن القسمة تمييز ~~وتعيين، فكانت قاطعة لعموم الشركة، مخصصة للملك وإن كثر العدد والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم. # ولو أخذ المسلمون غنيمة ثم غلبهم العدو فاستنقذوها من أيديهم، ثم جاء ~~عسكر آخر فأخذها من العدو فأخرجوها إلى دار الإسلام، ثم اختصم الفريقان نظر ~~في ذلك، فإن كان الأولون لم يقتسموها ولم يحرزوها بدار الإسلام فالغنيمة ~~للآخرين، لأن الأولين لم يثبت لهم إلا مجرد حق غير متقرر، وقد ثبت للآخرين ~~ملك عام أو حق متقرر يجري مجرى الملك، فكانوا أولى بالغنائم، وإن كان ~~الأولون قد اقتسموها فالقسمة لهم، وإن كانوا لم يحرزوها بدار الإسلام؛ ~~لأنهم ملكوها بالقسمة ملكا خاصا، فإذا غلبهم الكفار فقد استولوا على ~~أملاكهم، فإن وجدوها في يد الآخرين قبل القسمة أخذوها بغير شيء، وإن وجدوها ~~بعد القسمة أخذوها بالقيمة إن شاءوا كما في سائر أموالهم التي استولى عليها ~~العدو، ثم وجدوها في يد الغانمين قبل القسمة وبعدها، وإن كانوا لم يقتسموها ~~ولكنهم أحرزوها بدار الإسلام، فإن وجدوها بعد قسمة الآخرين فالآخرون أولى؛ ~~لأن الثابت لهم ملك خاص بالقسمة والثابت للأولين ملك عام أو حق متقرر عام، ~~فكان اعتبار الملك الخاص أولى. # (وأما) إذا وجدها قبل قسمة الآخرين ففيه روايتان: ذكر في الزيادات أن ~~الأولين أولى، وذكر في السير الكبير أن الآخرين أولى. # (وجه) رواية الزيادات أن الثابت لكل واحد ms4242 من الفريقين، وإن كان هو الحق ~~المتأكد، لكن نقض الحق بالحق جائز؛ لأن الشيء يحتمل الانتقاض بمثله كما في ~~النسخ، ولهذا جاز نقض الملك بالملك. # (وجه) الرواية الأخرى أن حق الآخرين ثابت متقرر، وحق الأولين زائل ذاهب، ~~فاستصحاب الحالة الثابتة أولى، إذ هو يصلح للترجيح وهذا هو القياس في ~~الملك، فكان ينبغي أن لا ينتقض الحادث بالقديم إلا أن النقض هناك ثبت نصا ~~(بخلاف) القياس، فيقتصر على مورد النص، هذا إذا كان الكفار أحرزوا الأموال ~~بدار الحرب، فإن كانوا لم يحرزوها حتى أخذها الفريق الآخر من المسلمين منهم # PageV07P122 # في دار الإسلام، فالغنائم للأولين سواء قسمها الآخرون أو لم يقسموها؛ لأن ~~الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء إلا بعد الإحراز بدار الحرب، ~~ولم يوجد، فكانت الغنائم في حكم يد الأولين ما دامت في دار الإسلام، فكان ~~الآخرون أخذوه من أيدي الأولين فيلزمهم الرد عليه، إلا إذا كان الإمام ~~قسمها بين الآخرين ورأيه أن الكفرة قد ملكوها بنفس الأخذ والاستيلاء. # وإن كانوا في دار الإسلام، كما هو مذهب بعض الناس، فكانت قسمة في محل ~~الاجتهاد فتنفذ، وتكون للآخرين والله - تعالى - أعلم هذا الذي ذكرنا من كون ~~الإحراز بدار الإسلام شرطا لثبوت الملك في الغنائم المشتركة. # (وأما) الغنائم الخالصة وهي الأنفال، فهل هو شرط فيها؟ (قال) بعض ~~المشايخ: إنه شرط عند أبي حنيفة حتى لا يثبت الملك بينهما فيها قبل الإحراز ~~بدار الإسلام وعند محمد ليس بشرط، فيثبت الملك فيها بنفس الأخذ والإصابة ~~استدلالا بمسألة ظهر فيها اختلاف، وهي أن الإمام إذا نفل، فقال: من أصاب ~~جارية فهي له. # فأصاب رجل من المسلمين جارية، فاستبرأها في دار الحرب بحيضة، لا يحل له ~~وطؤها عند أبي حنيفة وعند محمد يحل وقال بعضهم: الإحراز بالدار ليس بشرط؛ ~~لثبوت الملك في الأنفال بالإجماع واختلافهما في تلك المسألة لا يدل على ~~الاختلاف في ثبوت الملك؛ لأنه كما ظهر الاختلاف بينهما في النفل، فقد ظهر ~~الاختلاف في الغنيمة المقسومة، فإن الإمام إذا قسم الغنائم في دار الحرب ~~فأصاب ms4243 رجل جارية فاستبرأها بحيضة، فهو على الاختلاف وكذا لو رأى الإمام بيع ~~الغنائم، فباع من رجل جارية فاستبرأها المشتري بحيضة فهو على الاختلاف. # (ولا خلاف) بين أصحابنا في الغنائم المقسومة أنه لا يثبت الملك فيها قبل ~~الإحراز بدار الإسلام دل أن منشأ الخلاف هناك شيء آخر وراء ثبوت الملك ~~وعدمه والصحيح أن ثبوت الملك في النفل لا يقف على الإحراز بدار الإسلام بين ~~أصحابنا، بخلاف الغنائم المقسومة؛ لأن سبب الملك قد تحقق وهو الأخذ ~~والاستيلاء، ولا يجوز تأخير الحكم عن سبب إلا لضرورة، وفي الغنائم المقسومة ~~ضرورة، وهي خوف شر الكفرة؛ لأنه لو ثبت الملك بنفس الأخذ لاشتغلوا بالقسمة، ~~ولتسارع كل أحد إلى إحراز نصيبه بدار الإسلام، وتفرق الجمع، وفيه خوف توجه ~~الشر عليهم من الكفرة، فتأخر الملك فيها إلى ما بعد الإحراز بدار الإسلام ~~لهذه الضرورة، وهذه الضرورة منعدمة في الأنفال؛ لأنها خالصة غير مقسومة، ~~فلا معنى لتأخير الحكم عن السبب. # والدليل على التفرقة بينهما أن المدد إذا لحق الجيش لا يشارك المنفل له ~~كما بعد الإحراز بالدار بخلاف الغنيمة المقسومة، وكذا لو مات المنفل له ~~يورث نصيبه، كما لو مات بعد الإحراز بالدار، بخلاف الغنيمة المقسومة فيثبت ~~بهذه الدلائل أن الملك في النفل لا يقف على الإحراز بالدار بلا خلاف بين ~~أصحابنا، إلا أن هذا النوع من الملك لا يظهر في حق حل الوطء عند أبي حنيفة ~~- رحمه الله - وهذا لا يدل على عدم الملك أصلا، ألا ترى أن حل الوطء قد ~~يمتنع مع قيام الملك لعوارض: من الحيض، والنفاس، والمحرمية، والصهرية، ونحو ~~ذلك؟ . # ثم إنما لم يثبت الحل هناك مع ثبوت الملك؛ لأنه ملك متزلزل غير متقرر ~~لاحتمال الزوال ساعة فساعة؛ لأن الدار دارهم فكان احتمال الاسترداد قائما، ~~ومتى استردوا يرتفع السبب من حين وجوده، ويلتحق بالعدم، إما من كل وجه، أو ~~من وجه فتبين أن الوطء لم يصادف محله وهو الملك المطلق، ولهذا - والله ~~تعالى أعلم -. # قال أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - إنه لا يحل ms4244 وطؤها بعد قسمة الإمام ~~وبيعه إذا رأى ذلك، وإن وقعت قسمته جائزة وبيعه نافذا مفيدا للملك في هذه ~~الصورة، كما ذكرنا من المعنى والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما بيان) ما يجوز به الانتفاع من الغنائم، وما لا يجوز، فالكلام فيه ~~في موضعين: (أحدهما) في بيان ما ينتفع به منها. # (والثاني) في بيان من ينتفع به. # (أما الأول) فلا بأس بالانتفاع بالمأكول والمشروب، والعلف والحطب منها ~~قبل الإحراز بدار الإسلام فقيرا كان المنتفع أو غنيا؛ لعموم الحاجة إلى ~~الانتفاع بذلك في حق الكل، فإنهم لو كلفوا حملها من دار الإسلام إلى دار ~~الحرب مدة ذهابهم وإيابهم ومقامهم فيها لوقعوا في حرج عظيم، بل يتعذر عليهم ~~ذلك، فسقط اعتبار حق كل واحد من الغانمين في حق صاحبه، والتحق بالعدم شرعا ~~والتحقت هذه المحال بالمباحات الأصلية لهذه الضرورة، وكذلك كل ما كان ~~مأكولا مثل السمن والزيت والخل لا # PageV07P123 # بأس أن يتناول الرجل ويدهن به نفسه، ودابته؛ لأن الحاجة إلى الانتفاع ~~بهذه الأشياء قبل الإحراز بدار الإسلام لازمة. # وما كان من الأدهان لا يؤكل مثل البنفسج والخيري فلا ينبغي أن ينتفع به؛ ~~لأن الانتفاع به ليس من الحاجات اللازمة، بل من الحاجات الزائدة، ولا ينبغي ~~أن يبيعوا شيئا من الطعام والعلف وغير ذلك مما يباح الانتفاع به بذهب ولا ~~فضة ولا عروض؛ لأن إطلاق الانتفاع، وإسقاط اعتبار الحقوق وإلحاقها بالعدم ~~للضرورة التي ذكرنا، ولا ضرورة في البيع، ولأن محل البيع هو المال المملوك، ~~وهذا ليس بمال مملوك؛ لأن الإحراز بالدار شرط ثبوت الملك، ولم يوجد، فإن ~~باع رجل شيئا رد الثمن إلى الغنيمة؛ لأن الثمن بدل مال تعلق به حق الغانمين ~~فكان مردودا إلى المغنم، ولو أحرزوا شيئا من ذلك بدار الإسلام وهو في ~~أيديهم، وإن كانت لم تقسم الغنائم ردوها إلى المغنم؛ لاندفاع الضرورة. # وإن كانت قد قسمت الغنيمة فإن كانوا أغنياء تصدقوا به على الفقراء، وإن ~~كانوا فقراء انتفعوا به لتعذر قسمته على الغزاة لكثرتهم وقلته، فأشبه ~~اللقطة والله - سبحانه - أعلم. # هذا ms4245 إذا كانت قائمة بعد القسمة فإن كان انتفع بها بعد القسمة، فإن كان ~~غنيا تصدق بقيمته على الفقراء؛ لأنه أكل مالا لو كان قائما لكان سبيله ~~التصدق لكونه مالا يتعلق به حق الغانمين، وتعذر صرفه إليهم لقلته وكثرتهم، ~~فيقوم بدله مقامه، وهو قيمته، وإن كان فقيرا لم يجب عليه شيء؛ لأنه أكل ~~مالا لو كان قائما لكان له أن يأكله، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # وأما ما سوى المأكول والمشروب، والعلف والحطب، فلا ينبغي أن ينتفعوا به؛ ~~لأن حق الغانمين متعلق به، وفي الانتفاع إبطال حقهم، إلا أنه إذا احتاج إلى ~~استعمال شيء من السلاح أو الدواب أو الثياب، فلا بأس باستعماله، بأن انقطع ~~سيفه، فلا بأس بأن يأخذ سيفا من الغنيمة فيقاتل به لكنه إذا استغنى عنه رده ~~إلى المغنم. # وكذا إذا احتاج إلى ركوب فرس، أو لبس ثوب إذا دفع حاجته بذلك، رده إلى ~~المغنم؛ لأن هذا موضع الضرورة أيضا، لكن الثابت بالضرورة لا يتعدى محل ~~الضرورة، حتى إنه لو أراد أن يستعمل شيئا من ذلك وقاية لسلاحه ودوابه ~~وثيابه وصيانة لها، فلا ينبغي له ذلك؛ لانعدام تحقق الضرورة، وهكذا إذا ~~ذبحوا البقر أو الغنم وأكلوا اللحم وردوا الجلود إلى المغنم؛ لأن الانتفاع ~~به ليس من الحاجات اللازمة، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) بيان من ينتفع بالغنائم، فنقول: إنه لا ينتفع بها إلا الغانمون، ~~فلا يجوز للتجار أن يأكلوا شيئا من الغنيمة إلا بثمن؛ لأن سقوط اعتبار حق ~~كل واحد من الغانمين في حق صاحبه لمكان الضرورة، ولا يجوز إسقاط اعتبار ~~الحقيقة من غير ضرورة، ولا ضرورة في حق غيرهم، وللغانمين أن يأكلوا ويطعموا ~~عبيدهم ونساءهم وصبيانهم؛ لأن إنفاق الرجل على هؤلاء إنفاق على نفسه؛ لأن ~~نفقتهم عليه، والأصل أن كل من عليه نفقته، فله أن يطعمه، ومن لا فلا ولا ~~يجوز لأجير الرجل للخدمة أن يأكل منه؛ لأن نفقته على نفسه لا عليه وللمرأة ~~إذا دخلت دار الحرب لمداواة المرضى والجرحى أن تأكل وتعلف دابتها وتطعم ~~رقيقها؛ لأن ms4246 المرأة تستحق الرضخ من الغنيمة، فكانت من الغانمين والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) بيان كيفية قسمة الغنائم، وبيان مصارفها، فنقول - وبالله التوفيق: ~~الغنائم تقسم على خمسة أسهم، منها وهو خمس الغنيمة لأربابه، وأربعة أخماسها ~~للغانمين أما الخمس، فالكلام فيه في بيان كيفية قسمة الخمس، وفي بيان ~~مصرفه، فنقول: لا خلاف في أن خمس الغنيمة في حال حياة النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - كان يقسم على خمسة أسهم، سهم للنبي - عليه الصلاة والسلام - وسهم ~~لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل قال الله - ~~تبارك وتعالى - {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [الأنفال: 41] وإضافة الخمس إلى ~~الله - تعالى - يحتمل أن يكون لكونه مصروفا إلى وجوه القرب التي هي لله - ~~تبارك وتعالى - وهي قوله سبحانه وتعالى {وللرسول ولذي القربى} [الأنفال: ~~41] الآية على ما تضاف المساجد والكعبة إلى الله - سبحانه وتعالى - لكونها ~~مواضع إقامة العبادات والقرب التي هي لله - تعالى ويحتمل أن يكون تعظيما ~~للخمس على ما بينا والأصل في إضافة جزئية الأشياء إلى الله - سبحانه وتعالى ~~- أنها تخرج مخرج تعظيم المضاف، كقوله: ناقة الله، وبيت الله ويحتمل أن ~~يكون لخلوصه - لله تعالى - بخروجه عن تصرف الغانمين كقوله تعالى {الملك ~~يومئذ لله} [الحج: 56] والملك في كل الأيام كلها لله - تعالى - لكن خص - ~~سبحانه وتعالى - ذلك اليوم بالملك له # PageV07P124 # فيه؛ لانقطاع تصرف الأغيار والله - تعالى - أعلم ثم اختلف العلماء في سهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي سهم ذوي القربى بعد وفاته أما سهم ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد قال علماؤنا - رحمهم الله -: إنه سقط ~~بعد وفاته - عليه الصلاة والسلام - وقال الشافعي - رحمه الله -: إنه لم ~~يسقط، ويصرف إلى الخلفاء؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - إنما كان يأخذه ~~كفاية له لاشتغاله بمصالح المسلمين والخلفاء بعده مشغولون بذلك فيصرف سهمه ~~إليهم كفاية لهم. # (ولنا) أن ذلك الخمس كان خصوصية له - عليه الصلاة والسلام - كالصفي الذي ~~كان له خاصة، والفيء وهو المالية لم يوجف عليه ms4247 المسلمون بخيل ولا ركاب، ثم ~~لم يكن لأحد خصوص من الفيء والصفي، فكذا يجب أن لا يكون لأحد خصوص من ~~الخمس، ولهذا لم يكن للخلفاء الراشدين بعده يحققه أنه لو بقي بعده لكان ~~بطريق الإرث وقد قال - عليه الصلاة والسلام - «إنا - معاشر الأنبياء - لا ~~نورث، ما تركنا صدقة» (وأما) سهم ذوي القربى فقد قال الشافعي - رحمه الله - ~~إنه باق ويصرف إلى أولاد بني هاشم من أولاد سيدتنا فاطمة - رضي الله تعالى ~~عنها - وغيرها، يستوي فيه فقيرهم وغنيهم. # (وأما) عندنا فعلى الوجه الذي كان بقي واختلف المشايخ فيه أنه كيف كان؟ ~~والصحيح أنه كان لفقراء القرابة دون أغنيائهم، يعطون لفقرهم وحاجتهم لا ~~لقرابتهم، وقد بقي كذلك بعد وفاته، فيجوز أن يعطى فقراء قرابته - عليه ~~الصلاة والسلام - كفايتهم دون أغنيائهم، ويقدمون على غيرهم من الفقراء ~~ويجاوز لهم من الخمس أيضا لما لا حظ لهم من الصدقات، لكن يجوز أن يعطى ~~غيرهم من فقراء المسلمين دونهم فيقسم الخمس عندنا على ثلاثة أسهم: سهم ~~لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل ويدخل فقراء ذوي القربى فيهم، ~~ويقدمون، ولا يدفع إلى أغنيائهم شيء وعند الشافعي - رحمه الله - لذوي ~~القربى سهم على حدة يصرف إلى غنيهم وفقيرهم احتج الشافعي - رحمه الله - ~~بقوله تعالى {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى} ~~[الأنفال: 41] الآية فإن - الله تعالى - جعل سهما لذوي القربى، وهم القرابة ~~من غير فصل بين الفقير والغني وكذا روي أنه - عليه الصلاة والسلام - «قسم ~~الخمس على خمسة أسهم، وأعطى سهما منها لذوي القربى» ، ولم يعرف له ناسخ في ~~حال حياته ولا نسخ بعد وفاته. # (ولنا) ما رواه محمد بن الحسن في كتاب السير أن سيدنا أبا بكر، وسيدنا ~~عمر، وسيدنا عثمان، وسيدنا عليا - رضي الله عنهم - قسموا الغنائم على ثلاثة ~~أسهم: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل بمحضر من الصحابة ~~الكرام، ولم ينكر عليهم أحد فيكون إجماعا منهم على ذلك وبه تبين أن ليس ~~المراد من ذوي القربى قرابة الرسول - عليه الصلاة ms4248 والسلام - إذ لا يظن بهم ~~مخالفة كتاب الله - تعالى - ومخالفة رسوله - عليه الصلاة والسلام - في فعله ~~ومنع الحق عن المستحق، وكذا لا يظن بمن حضرهم من الصحابة - رضي الله تعالى ~~عنهم - السكوت عما لا يحل مع ما وصفهم الله - تعالى - بالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وكذا ظاهر الآية الشريفة يدل عليه؛ لأن اسم ذوي القربى ~~يتناول عموم القرابات ألا ترى إلى قوله تعالى {للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون} [النساء: 7] ولم يفهم منه قرابة الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - خاصة وكذا قوله {الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] لم ~~ينصرف إلى قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما روي «أنه قسم - عليه ~~الصلاة والسلام - الخمس على خمسة أسهم، فأعطى - عليه الصلاة والسلام - ذا ~~القربى سهما» فنعم، لكن الكلام في أنه أعطاهم خاصة وكذا قوله {الوصية ~~للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] ولم ينصرف إلى قرابة الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - لفقرهم وحاجتهم أو لقرابتهم وقد علمنا بقسمة الخلفاء الراشدين ~~- رضي الله تعالى عنهم - أنه أعطاهم لحاجتهم وفقرهم لا لقرابتهم والدليل ~~عليه أنه - عليه الصلاة والسلام - كان يشدد في أمر الغنائم فتناول من وبر ~~بعير، وقال: «ما يحل لي من غنائمكم ولا وزن هذه الوبرة إلا الخمس وهو مردود ~~فيكم، ردوا الخيط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على صاحبه يوم ~~القيامة» لم يخص - عليه الصلاة والسلام - القرابة بشيء من الخمس بل عم ~~المسلمين جميعا بقوله - عليه الصلاة والسلام - والخمس مردود فيكم فدل أن ~~سبيلهم سبيل سائر فقراء المسلمين، يعطى من يحتاج منهم كفايته والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم ولو أعطي أي فريق اتفق ممن سماهم الله تعالى جاز؛ لأن ~~ذكر هؤلاء الأصناف لبيان المصارف لا لإيجاب الصرف إلى كل صنف منهم شيئا، بل ~~لتعيين المصرف حتى لا يجوز الصرف إلى غير هؤلاء، # PageV07P125 # كما في الصدقات والله - تعالى - أعلم وأما الكلام في الأربعة الأخماس ففي ~~موضعين في بيان. # من يستحق السهم منه ومن لا يستحق وفي بيان مقدار الاستحقاق. # أما الأول فالذي يستحق السهم منها هو ms4249 الرجل المسلم المقاتل، وهو أن يكون ~~من أهل القتال، ودخل دار الحرب على قصد القتال، وسواء قاتل أو لم يقاتل؛ ~~لأن الجهاد والقتال إرهاب العدو، وذا كما يحصل بمباشرة القتل يحصل بثبات ~~القدم في صف القتال ردا للمقاتلة خشية كر العدو عليهم وكذا روي أن أصحاب ~~بدر كانوا ثلاثا: ثلث في نحر العدو ويقتلون ويأسرون، وثلث يجمعون الغنائم، ~~وثلث يكونون ردا لهم خشية كر العدو عليهم. # وسواء كان مريضا أو صحيحا، شابا أو شيخا حرا أو عبدا مأذونا بالقتال؛ ~~لأنهم من أهل القتال. # (فأما) المرأة والصبي العاقل، والذمي والعبد المحجور، فليس لهم سهم كامل؛ ~~لأنهم ليسوا من أهل القتال ألا ترى أنه لا يجب القتال على الصبي والذمي ~~أصلا؟ ولا يجب على المرأة والعبد إلا عند الضرورة؟ وهي ضرورة عموم النفير، ~~ولذلك لم يستحقوا كمال السهم، ولكن يرضخ لهم على حسب ما يرى الإمام وكذا ~~روي أنه - عليه الصلاة والسلام - «كان لا يعطي العبيد والصبيان والنسوان ~~سهما كاملا من الغنائم» . # وكذا لا سهم للتاجر؛ لأنه لم يدخل الدار على قصد القتال إلا إذا قاتل مع ~~العسكر، فإنه يستحق ما يستحقه العسكر؛ لأنه تبين أنه دخل الدار على قصد ~~القتال فكان مقاتلا، ولا سهم للأجير لانعدام الدخول على قصد القتال، فإن ~~قاتل نظر في ذلك إن ترك الخدمة فقد دخل في جملة العسكر، وإن لم يترك فلا ~~شيء له أصلا؛ لأنه إذا لم يترك تبين أنه لم يدخل على قصد القتال والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) بيان مقدار الاستحقاق وبيان حال المستحق وهو المقاتل فنقول - ~~وبالله التوفيق: المقاتل إما أن يكون راجلا. # (وإما) أن يكون فارسا فإن كان راجلا فله سهم واحد، وإن كان فارسا فله ~~سهمان عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - ~~له ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه وبه أخذ الشافعي - رحمه الله - ~~وروايات الأخبار تعارضت في الباب، روي في بعضها أنه - عليه الصلاة والسلام ~~- «قسم للفارس سهمين» وفي بعضها «أنه - عليه الصلاة ms4250 والسلام - قسم له ثلاثة ~~أسهم» إلا أن رواية السهمين عاضدها القياس، وهو أن الرجل أصل في الجهاد، ~~والفرس تابع له؛ لأنه آلة. # ألا ترى أن فعل الجهاد يقوم بالرجل وحده، ولا يقوم بالفرس وحده، فكان ~~الفرس تابعا في باب الجهاد ولا يجوز تنفيل التبع على الأصل في السهم، ~~وأخبار الآحاد إذا تعارضت، فالعمل بما عاضده القياس أولى والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # ويستوي فيه العتيق من الخيل والفرس والبرذون؛ لأنه لا فضل في النصوص بين ~~فارس وفارس، ولأن استحقاق سهم الفرس لحصول إرهاب العدو به والله - سبحانه ~~وتعالى - وصف جنس الخيل بذلك بقوله - تبارك وتعالى - {ومن رباط الخيل ~~ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60] فلا يفصل بين نوع ونوع، ولا يسهم ~~لأكثر من فرس واحد عند أبي حنيفة ومحمد وزفر - رحمهم الله - وعند أبي يوسف ~~يسهم لفرسين. # (وجه) قول أبي يوسف - رحمه الله - أن الغازي تقع الحاجة له إلى فرسين، ~~يركب أحدهما ويجنب الآخر حتى إذا أعيا المركوب عن الكر والفر تحول إلى ~~الجنيبة. # (وجه) قولهم أن الإسهام للخيل في الأصل ثبت على مخالفة القياس؛ لأن الخيل ~~آلة الجهاد ثم لا يسهم لسائر آلات الجهاد، فكذا الخيل إلا أن الشرع ورد به ~~كفرس واحد، فالزيادة على ذلك ترد إلى أصل القياس على أن ورود الشرع إن كان ~~معلولا بكونه آلة مرهبة للعدو، بخلاف سائر الآلات فالمعتبر هو أصل الإرهاب، ~~بدليل أنه لا يسهم لما زاد على فرسين بالإجماع، مع أن معنى الإرهاب يزداد ~~بزيادة الفرس. # ثم اختلف في حال المقاتل من كونه فارسا، أو راجلا في أي وقت يعتبر وقت ~~دخوله دار الحرب أم وقت شهود الوقعة، فعندنا يعتبر وقت دخول دار الحرب إذا ~~دخلها على قصد القتال، وعند الشافعي - رحمه الله - يعتبر وقت شهود الوقعة، ~~حتى إن الغازي إذا دخل دار الحرب فارسا فمات فرسه أو نفر، أو أخذه العدو ~~فله سهم الفرسان عندنا، وعنده له سهم الرجالة واحتج بما روي عن سيدنا عمر - ~~رضي الله عنه - أنه قال: الغنيمة ms4251 لمن شهد الوقعة ولأن استحقاق الغنيمة ~~بالجهاد، ولم يوجد وقت دخول دار الحرب؛ لأن الجهاد بالمقاتلة، ودخول دار ~~الحرب من باب قطع المسافة لا من باب المقاتلة. # (ولنا) أن الله - تبارك وتعالى - جعل الغنائم للمجاهدين، قال - سبحانه ~~وتعالى - {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} [الأنفال: 69] # PageV07P126 # وقال - تعالى عز شأنه - {واعلموا أنما غنمتم من شيء} [الأنفال: 41] وقال ~~- جلت عظمته وكبرياؤه - {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها} [الفتح: 20] ~~وقال - سبحانه وتعالى - {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} ~~[الأنفال: 7] وغير ذلك من النصوص، والذي جاوز الدرب فارسا على قصد القتال ~~مجاهد لوجهين: أحدهما، أن المجاوزة على هذا الوجه إرهاب العدو، وأنه جهاد ~~والدليل على أنه إرهاب العدو، وأنه جهاد قوله - عز وجل - {ومن رباط الخيل ~~ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60] ولأن دار الحرب لا تخلو عن عيون ~~الكفار وطلائعهم، فإذا دخلها جيش كثيف رجالا وركبانا فالجواسيس يخبرونهم ~~بذلك، فيقع الرعب في قلوبهم حتى يتركوا القرى والرساتيق هربا إلى القلاع ~~والحصون المنيعة، فكان مجاوزة الدرب على قصد القتال إرهاب العدو، وأنه ~~جهاد. # والثاني أن فيه غيظ الكفرة وكبتهم؛ لأن وطء أرضهم وعقر دارهم مما يغيظهم ~~قال الله - تبارك وتعالى - {ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار} [التوبة: 120] ~~وفيه قهرهم وما الجهاد إلا قهر أعداء الله - تعالى - لإعزاز دينه، وإعلاء ~~كلمته فدل أن مجاوزة الدرب فارسا على قصد القتال جهاد ومن جاهد فارسا فله ~~سهم الفرسان، ومن جاهد راجلا فله سهم الرجالة، بقوله - عليه الصلاة والسلام ~~- للفارس سهمان وللراجل سهم. # وأما أمر سيدنا عمر - رضي الله عنه - فيحتمل أنه قال ذلك في وقعة خاصة، ~~بأن وقع القتال في دار الإسلام أو في أرض فتحت عنوة وقهرا، ثم لحق المدد أو ~~يحمل على هذا توفيقا بين الدلائل بقدر الإمكان صيانة لها عن التناقض، ونحن ~~به نقول: إن المدد لا يشاركونهم في الغنيمة في تلك الوقعة إلا إذا شهدوها، ~~ولا كلام فيه، وعلى هذا إذا دخل راجلا ثم اشترى فرسا أو استأجر، أو استعار ~~أو وهب له فله سهم ms4252 الرجال عندنا؛ لاعتبار وقت الدخول وعند الشافعي له سهم ~~الفرسان؛ لاعتبار وقت الشهود وقال الحسن - رحمه الله - في هذه الصورة إذا ~~قاتل فارسا فله سهم فارس، وعلى هذا إذا دخل فارسا ثم باع فرسه أو آجره، أو ~~وهبه أو أعاره فقاتل وهو راجل فله سهم راجل، ذكره في السير الكبير. # وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمهما الله - أن له سهم فارس، وسوى على هذه ~~الرواية بين البيع والموت، وبين البيع قبل شهود الوقعة وبعدها والصحيح جواب ~~ظاهر الرواية؛ لأن المجاوزة فارسا على قصد القتال دليل الجهاد فارسا، ولما ~~باع فرسه تبين أنه لم يقصد به الجهاد فارسا، بل قصد به التجارة، وكذا هذا ~~في الإجارة والإعارة والرهن، بخلاف ما بعد شهود الوقعة؛ لأن البيع بعده لا ~~يدل على قصد التجارة؛ لأن الغازي لا يبيع فرسه ذلك الوقت لقصد التجارة ~~عادة، بل لقصد ثبات القدم والتشمر للقتال بعامة ما في وسعه وإمكانه والله - ~~تعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان حكم الاستيلاء من الكفرة على أموال المسلمين] # (فصل) . # وأما بيان حكم الاستيلاء من الكفرة على أموال المسلمين، فالكلام فيه في ~~موضعين: أحدهما في بيان أصل الحكم، والثاني في بيان كيفيته أما الأول: ~~فنقول: لا خلاف في أن الكفار إذا دخلوا دار الإسلام واستولوا على أموال ~~المسلمين، ولم يحرزوها بدارهم، إنهم لا يملكونها حتى لو ظهر عليهم ~~المسلمون، وأخذوا ما في أيديهم، لا يصير ملكا لهم، وعليهم ردها إلى أربابها ~~بغير شيء، وكذا لو قسموها في دار الإسلام ثم ظهر عليهم المسلمون، فأخذوها ~~من أيديهم، أخذها أصحابها بغير شيء؛ لأن قسمتهم لم تجز لعدم الملك، فكان ~~وجودها والعدم بمنزلة واحدة، بخلاف قسمة الإمام الغنائم في دار الحرب، إنها ~~جائزة وإن لم يثبت الملك فيها في دار الحرب؛ لأن قسمة الإمام إنما تجوز ~~عندنا إذا اجتهد وأفضى رأيه إلى الملك، حتى لو قسم مجازفة لا تجوز على أن ~~القسمة هناك قضاء صدر من إمام جائز القضاء، ولم يوجد هاهنا. # ولا خلاف في أنهم أيضا إذا ms4253 استولوا على رقاب المسلمين، ومدبريهم، وأمهات ~~أولادهم، ومكاتبيهم، أنهم لا يملكونهم، وإن أحرزوهم بالدار واختلف فيما إذا ~~دخلوا دار الإسلام فاستولوا على أموال المسلمين، وأحرزوها بدار الحرب قال ~~علماؤنا: يملكونها حتى لو كان المستولى عليه عبدا فأعتقه الحربي، أو باعه، ~~أو كاتبه، أو دبره، أو كانت أمة فاستولدها جاز ذلك خاصة وقال الشافعي - ~~رحمه الله -: لا يملكونها وجه قوله أنهم استولوا على مال معصوم، والاستيلاء ~~على مال معصوم لا يفيد الملك كاستيلاء المسلم على مال المسلمين، واستيلائهم ~~على الرقاب وإنما قلنا ذلك لأن عصمة مال المسلم ثابتة في حقهم؛ لأنهم ~~يخاطبون بالحرمات إذا بلغتهم الدعوة، وإن اختلفا في العبادات والاستيلاء ~~يكون محظورا، والمحظور # PageV07P127 # لا يصلح سببا للملك. # (ولنا) أنهم استولوا على مال مباح غير مملوك، ومن استولى على مال مباح ~~غير مملوك يملكه، كمن استولى على الحطب والحشيش والصيد، ودلالة أن هذا ~~الاستيلاء على مال مباح غير مملوك أن ملك المالك يزول بعد الإحراز بدار ~~الحرب، فتزول العصمة ضرورة بزوال الملك، والدليل على زوال الملك أن الملك ~~هو الاختصاص بالمحل في حق التصرف، أو شرع للتمكن من التصرف في المحل، وقد ~~زال ذلك بالإحراز بالدار؛ لأن المالك لا يمكنه الانتفاع به إلا بعد الدخول، ~~ولا يمكنه الدخول بنفسه لما فيه من مخاطرة الروح، وإلقاء النفس في التهلكة، ~~وغيره قد لا يوافقه ولو وافقه فقد لا يظفر به، ولو ظفر به قلما يمكنهم ~~الاسترداد؛ لأن الدار دارهم، وأهل الدار يذبون عن دارهم، فإذا زال معنى ~~الملك أو ما شرع له الملك يزول الملك ضرورة. # وكذلك لو استولوا على عبيدنا فهو على هذا الاختلاف؛ لأن العبد مال قابل ~~للتمليك بالاستيلاء، ولهذا يحتمل التملك بسائر أسباب الملك، بخلاف الأحرار، ~~والمدبرين، والمكاتبين، وأمهات الأولاد، وهذا إذا دخلوا دار الإسلام ~~فاستولوا على عبيد المسلمين وأحرزوهم بدار الحرب، فأما إذا أبق عبد أو أمة، ~~ولحق بدار الحرب فأخذه الكفار لا يملكونه عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف، ~~ومحمد يملكونه. # وجه قولهما أنهم استولوا على مال مباح ms4254 غير مملوك فيملكونه قياسا على ~~الدابة التي ندت من دار الإسلام إلى دار الحرب فأخذها الكفار وسائر أموال ~~المسلمين التي استولوا عليها والدليل على أنهم استولوا على مال مباح غير ~~مملوك أنه كما دخل دار الحرب فقد زال ملك المالك لما ذكرنا في المسألة ~~الأولى، وزوال الملك لا يوجب زوال المالية ألا ترى أنه لا يوجب زوال الرق؟ ~~. # (وجه) قول أبي حنيفة أن الاستيلاء لم يصادف محله، فلا يفيد الملك قياسا ~~على الاستيلاء على الأحرار والمدبرين، والمكاتبين، وأمهات الأولاد، ودلالة ~~أن الاستيلاء لم يصادف محله أن محل الاستيلاء هو المال، ولم يوجد؛ لأن ~~المالية في هذا المحل إنما ثبتت ضرورة ثبوت الملك للغانمين؛ لأن الأصل فيه ~~هو الحرية، وكما دخل دار الحرب فقد زال الملك كما ذكرنا في المسألة ~~المتقدمة، فتزول المالية الثابتة ضرورة ثبوته، فكان ينبغي أن يزول الرق ~~أيضا، إلا أنه بقي شرعا، بخلاف القياس فيقتصر على مورد النص، بخلاف الدابة؛ ~~لأن المالية فيها لا تثبت ضرورة ثبوت الملك؛ لأنها مال والأموال كلها محل ~~لثبوت الملك، وبخلاف الآبق المتردد في دار الإسلام؛ لأن الاستيلاء حقيقة ~~صادفه وهو مال مملوك فكان ينبغي أن يثبت الملك للحال لوجود سببه، إلا أنه ~~تأخر إلى وقت الإحراز بالدار لمانع وهو ملك المالك، فإذا أحرزوه بدارهم فقد ~~زال المانع لزوال الملك، فيعمل الاستيلاء السابق، وعمله في إثبات الملك. # والملك لا يثبت إلا في المال فبقيت المالية ضرورة المرء هاهنا؛ لاستيلاء ~~حال كونه مالا أصلا، وبعد ما وجد الاستيلاء لا مالية لزوال الملك، فلم ~~يصادف الاستيلاء محله فلا يفيد الملك والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) بيان كيفية الحكم فنقول: ملك المسلم يزول عن ماله باستيلاء الكفار ~~عليه، ويثبت لهم عندنا على وجه له حق الإعادة، إما بعوض، أو بغير عوض، حتى ~~لو ظهر عليهم المسلمون فأخذوها وأحرزوها بدار الإسلام، فإن وجده المالك ~~القديم قبل القسمة أخذه بغير شيء، سواء كان من ذوات القيم أو من ذوات ~~الأمثال، وإن وجده بعد القسمة فإن كان من ms4255 ذوات الأمثال لا يأخذه؛ لأنه لو ~~أخذه لأخذه بمثله فلا يفيد، وإن لم يكن من ذوات الأمثال يأخذه بقيمته إن ~~شاء؛ لأن الأخذ بالقيمة مراعاة الجانبين: جانب الملك القديم بإيصاله إلى ~~قديم ملكه الخاص المأخوذ منه بغير عوض، وجانب الغانمين بصيانة ملكهم الخاص ~~عن الزوال من غير عوض. # فكان الأخذ بالقيمة نظرا للجانبين ومراعاة الحقين، بخلاف ما إذا وجده قبل ~~القسمة، إنه يأخذه بغير شيء؛ لأن الثابت للغانمين قبل القسمة بعد الإحراز ~~ليس إلا الحق المتأكد، أو الملك العام، فكانت الإعادة إلى قديم الملك رعاية ~~للملك الخاص أولى وقد روي أن بعيرا لرجل من المسلمين استولى عليه أهل ~~الحرب، ثم ظهر عليهم المسلمون فوجده صاحبه في المغنم، فسأل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عنه فقال: «إن وجدته قبل القسمة فهو لك بغير شيء، وإن ~~وجدته بعد القسمة فهو لك بالقيمة» . # وكذلك لو كان الحربي باع المأخوذ من المسلمين، ثم ظهر عليه المسلمون، فإن ~~المالك القديم يأخذه قبل القسمة بغير شيء، وبعد القسمة بالقيمة؛ لأنه باعه ~~مستحق الإعادة إلى قديم # PageV07P128 # الملك فبقي كذلك، ولو كان المستولى عليه مدبرا أو مكاتبا أو أم ولد، ثم ~~ظهر عليه المسلمون فأخرجوه إلى دار الإسلام، أخذه المالك القديم بغير شيء ~~قبل القسمة وبعدها؛ لأنه حر من وجه، والحر من وجه أو من كل وجه لا يحتمل ~~التملك بالاستيلاء، ولهذا لا يحتمله بسائر أسباب الملك، فإذا حصلوا في أيدي ~~الغانمين وجب ردهم إلى المالك القديم. # ولو وهب الحربي ما ملكه بالاستيلاء لرجل من المسلمين، أخذه المالك القديم ~~بالقيمة إن شاء؛ لأن فيه نظرا للجانبين على ما بينا وكذلك لو باعه من مسلم ~~بعوض فاسد، بأن باع من مسلم عبد المسلم بخمر أو خنزير، أخذه صاحبه بقيمة ~~العبد؛ لأن تسمية الخمر والخنزير لم تصح، فكان هذا بيعا فاسدا، والبيع ~~الفاسد مضمون بقيمة المبيع، فصار كأنه اشتراه بقيمته، ولو لم يكن العوض ~~فاسدا أخذه بالثمن الذي اشتراه به إن شاء، إن كان اشتراه بخلاف جنسه؛ لأن ~~الأخذ ms4256 عند اختلاف الجنس مفيد، وكذلك لو كان اشتراه بجنسه لكن بأقل منه، ~~فإنه يأخذه بمثل ما اشتراه، ولا يكون هذا ربا، لأن الربا فضل مال قصد ~~استحقاقه بالبيع من غير عوض يقابله. # والمالك القديم لا يأخذه بطريق البيع، بل بطريق الإعادة إلى قديم ملكه، ~~فلا يتحقق الربا، وإن كان اشتراه بجنسه بمثله قدرا لا يأخذه؛ لأنه لا يفيد ~~ولو اشتراه رجل من العدو ثم باعه من رجل آخر، ثم حضر المالك القديم أخذه من ~~الثاني بالثمن الثاني، وليس له أن ينقض البيع الثاني، ويأخذ بالثمن الأول ~~من المشتري الأول في ظاهر الرواية وروي عن محمد - رحمه الله - في النوادر - ~~أن المالك بالخيار إن شاء نقض البيع وأخذه بالثمن الأول، وإن شاء أخذه ~~بالثمن الثاني. # (وجه) رواية النوادر أن أخذ المالك القديم تملك ببدل فأشبه حق الشفعة، ثم ~~حق الشفيع مقدم على حق المشتري، فكذا حقه والجامع أن حق كل واحد منهما سابق ~~على حق المشتري، والسبق من أسباب الترجيح. # وجه ظاهر الرواية أنه لا ملك للمالك القديم في المحل بوجه، بل هو زائل من ~~كل وجه، وإنما الثابت له حق الإعادة، وإنه ليس بمعنى في المحل، فلا يمنع ~~جواز البيع، فلا يملك نقضه بخلاف حق الشفعة، فإن الشفيع يتملك نقض المشفوع ~~فيقتضي الأخذ بالشفعة بتمليك البائع منه على ما عرف، وعلى هذا الأصل إذا ~~علم المالك القديم بشراء المأسور، وترك الطلب زمانا لا يبطل حقه؛ لأن هذا ~~الأخذ ليس في معنى الأخذ بالشفعة ليشترط له الطلب على سبيل المواثبة، وعلى ~~قياس ما روي عن محمد - رحمه الله - يبطل كما يبطل حق الشفعة بترك الطلب على ~~المواثبة. # وكذلك هذا الحق يورث في ظاهر الرواية، حتى لو مات المالك القديم، كان ~~لورثته أن يأخذوه، وعلى قياس ما روي عن محمد - رحمه الله - لا يورث كما لا ~~يورث حق الشفعة والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأن هذا الأخذ ليس ابتداء تملك، ~~بل هو إعادة إلى قديم الملك، بخلاف الأخذ بالشفعة، وحق الإعادة إلى قديم ms4257 ~~الملك مما يحتمل الإرث كحق الرد بالعيب، وليس لبعض الورثة أن يأخذوا ذلك ~~دون البعض؛ لأنه حق ثبت للكل فلا ينفرد به البعض، ولو اشترى المأسور رجل ~~فأدخله دار الإسلام، ثم اشتراه العدو ثانيا، فاشتراه رجل آخر، فأدخله دار ~~الإسلام، فالمشتري الأول أحق من المالك القديم، وليس للمالك القديم أن ~~يأخذه من المشتري الثاني؛ لأنه لما أسر من يد المشتري الأول نزل المشتري ~~الأول منزلة المالك القديم، فكان حق الأخذ له. # لكن إذا أخذه المشتري الأول فللمالك القديم أن يأخذه بالثمنين إن شاء أو ~~يدع؛ لأنه لما أخذه المشتري الأول بالثمن فقد قام عليه بالثمنين، فكأنه ~~اشتراه بهذا القدر من المال ولم يوجد الأسر أصلا، ولو أعتق الحربي العبد ~~المأسور في دار الحرب، أو دبره، أو كاتبه، أو كانت له أمة فاستولدها، ثم ~~ظهر المسلمون عليها، فذلك كله جائز، وعتقت هي وأولادها، وكذا المدبر ~~والمكاتب. # (أما) إذا أعتقه فلأن يده زالت عنه وهو مسلم، فحصل في يد نفسه فعتق عليه، ~~كالعبد الحربي إذا خرج إلينا مسلما، والاستيلاد فرع النسب، والنسب يثبت في ~~دار الحرب، وقهر الحربي كموته، وإن مات عتقت أم ولده، كما إذا غلب عليه، ~~وعتق المدبر لهذا المعنى، والمكاتب صار في يد نفسه؛ لزوال يد المولى عنه ~~وهو مسلم فيعتق، ولأنه إذا قهر المولى سقط عنه بدل الكتابة، فعتق لزوال ~~رقه، ولو كان المأسور حرا فاشتراه مسلم وأخرجه إلى دار الإسلام، فلا شيء ~~للمشتري على الحر؛ لأنه ما اشتراه حقيقة؛ إذ الحر لا يحتمل التملك، لكنه ~~بذل مالا لاستخلاص الأسير بغير إذنه، فكان متطوعا فيه، فلا يملك الرجوع ~~عليه، وإن أمره الحر بذلك ففعله بأمره رجع # PageV07P129 # عليه؛ لأنه لما أمره بذلك فكأنه استقرض منه هذا القدر من المال، فأقرضه ~~إياه، ثم أمره أن يدفعه إلى فلان ففعل، فيرجع عليه بحكم الاستقراض، ولو ~~أسلم أهل الحرب، ومتاع المسلمين الذي أحرزوه في أيديهم فهو لهم ولا حق ~~للمالك القديم فيه؛ لأنه مال أسلموا عليه، ومن أسلم على مال فهو له ms4258 على ~~لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الذي ذكرنا حكم استيلاء الكافر ~~فأما حكم الشراء، فنقول: الحربي إذا خرج إلينا فاشترى عبدا مسلما ثبت الملك ~~له فيه عندنا؛ لكنه يجبر على البيع، وكذلك لو خرج إلينا بعبده فأسلم في يده ~~يجبر على البيع، وعند الشافعي - رحمه الله -: لا يجوز شراء الكافر العبد ~~المسلم وهي مسألة كتاب البيوع، فإن لم يبعه حتى دخل دار الحرب به عتق عند ~~أبي حنيفة - رحمه الله - تعالى، وعندهما لا يعتق وجه قولهما أن لإحراز ~~الكافر ماله بدار الحرب أثرا في زوال العصمة لا في زوال الملك، فإن مال ~~الكافر مملوك لكنه غير معصوم وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن الثابت ~~للحربي بالشراء ملك مجبور على إزالته، فلو لم يعتق بإدخاله دار الحرب لم ~~يبق الملك الثابت له شرعا بهذه الصفة؛ لتعذر الجبر بالإحراز بوجه، فيؤدي ~~إلى تغيير المشروع، وهذا لا يجوز ثم طريق الزوال هو الإحراز بالدار، وإن ~~كان هو في الأصل شرط زوال الملك والعصمة في استيلاء الكفار لتعذر تحصيل ~~العلة، فأقيم الشرط مقامه على الأصل المعهود من إقامة الشرط مقام العلة عند ~~تعذر تعليق الحكم بالعلة، ولو اشترى عبدا ذميا فهو على هذا الاختلاف أيضا؛ ~~لأن الحربي مجبور على بيع الذمي أيضا، ولا يترك ليدخل دار الحرب ولو. # أسلم عبد لحربي في دار الحرب لا يعتق، وهو عبد على حاله بالإجماع؛ لأن ~~الملك وإن كان واجب الإزالة لكن لا طريق للزوال هاهنا، فبقي على حاله، ولو ~~خرج هذا العبد إلينا، فإن خرج مراغما لمولاه ولحق بعسكر المسلمين عتق؛ لأن ~~دار الحرب دار قهر وغلبة، وقد قهر مولاه بخروجه مراغما إياه، فصار مستوليا ~~على نفسه مستغنما إياها، فيزول ملك المالك عنه وقد روي أنه - عليه الصلاة ~~والسلام - قال في إباق الطائف: «هؤلاء عتقاء الله سبحانه وتعالى» ولو خرج ~~غير مراغم فإن خرج بإذن المولى للتجارة فهو عبد لمولاه لكن يبيعه الإمام، ~~ويقف ثمنه لمولاه أما كونه عبدا لمولاه فلأنه لم يخرج ms4259 قاهرا مستوليا، ولأنه ~~ملك مستحق الزوال بالإسلام. # وأما وقف ثمنه لمولاه، فلأنه باعه على ملكه. # وكذا لو لم يخرج مراغما ولكن ظهر المسلمون على الدار يعتق أيضا؛ لأنه لما ~~أسلم فقد بقي عليه ملك مستحق الزوال، محتاج إلى طريق الزوال، وقد وجد وهو ~~إحراز نفسه بمنعه المسلمين، وإنه أسبق من إحراز المسلمين إياه بدار الإسلام ~~ليملكوه، فكان أولى ولو لم يخرج ولم يظهر على الدار، ولكن باعه الحربي من ~~مسلم أو حربي، عتق عند أبي حنيفة قبل المشتري البيع أو لم يقبل، وعندهما لا ~~يعتق وجه قولهما أنه كما زال ملك البائع عنه فقد ثبت ملك المشتري فيه، فلا ~~يعتق وجه قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ما ذكرنا أن هذا ملك مستحق ~~الزوال موقوف زواله على سبب الزوال أو شرط الزوال على ما بينا، فإذا عرضه ~~على البيع، والبيع سبب لزوال الملك فقد رضي بزواله إلى غيره فكان بزواله ~~إليه أرضى. # لأنه استحق الزوال وغيره ما استحقه، والرضا بالزوال شرط الزوال ولو أسلم ~~حربي في دار الحرب وله رقيق فيها، فخرج هو إلى دار الإسلام ثم تبعه عبده ~~بعد ذلك كافرا كان أو مسلما فهو عبد لمولاه؛ لأن خروجه إلى مولاه كخروجه مع ~~مولاه ولو كان خرج مع مولاه لكان عبدا لمولاه كذا هذا والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان معنى الدارين دار الإسلام ودار الكفر] # (فصل) . # وأما بيان الأحكام التي تختلف باختلاف الدارين، فنقول: لا بد أولا من ~~معرفة معنى الدارين، دار الإسلام ودار الكفر؛ لتعرف الأحكام التي تختلف ~~باختلافهما، ومعرفة ذلك مبنية على معرفة ما به، تصير الدار دار إسلام أو ~~دار كفر فنقول: لا خلاف بين أصحابنا في أن دار الكفر تصير دار إسلام بظهور ~~أحكام الإسلام فيها واختلفوا في دار الإسلام، إنها بماذا تصير دار الكفر؟ ~~قال أبو حنيفة: إنها لا تصير دار الكفر إلا بثلاث شرائط، أحدها: ظهور أحكام ~~الكفر فيها والثاني: أن تكون متاخمة لدار الكفر والثالث: أن لا يبقى فيها ms4260 ~~مسلم ولا ذمي آمنا بالأمان الأول، وهو أمان المسلمين. # وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله: إنها تصير دار الكفر بظهور أحكام ~~الكفر فيها. # (وجه) قولهما أن قولنا دار الإسلام ودار الكفر إضافة دار إلى الإسلام ~~وإلى الكفر، وإنما تضاف الدار إلى الإسلام أو إلى الكفر # PageV07P130 # لظهور الإسلام أو الكفر فيها، كما تسمى الجنة دار السلام، والنار دار ~~البوار؛ لوجود السلامة في الجنة، والبوار في النار وظهور الإسلام والكفر ~~بظهور أحكامهما، فإذا ظهر أحكام الكفر في دار فقد صارت دار كفر فصحت ~~الإضافة، ولهذا صارت الدار دار الإسلام بظهور أحكام الإسلام فيها من غير ~~شريطة أخرى، فكذا تصير دار الكفر بظهور أحكام الكفر فيها والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن المقصود من إضافة الدار إلى ~~الإسلام والكفر ليس هو عين الإسلام والكفر، وإنما المقصود هو الأمن والخوف. # ومعناه أن الأمان إن كان للمسلمين فيها على الإطلاق، والخوف للكفرة على ~~الإطلاق، فهي دار الإسلام، وإن كان الأمان فيها للكفرة على الإطلاق، والخوف ~~للمسلمين على الإطلاق، فهي دار الكفر والأحكام مبنية على الأمان والخوف لا ~~على الإسلام والكفر، فكان اعتبار الأمان والخوف أولى، فما لم تقع الحاجة ~~للمسلمين إلى الاستئمان بقي الأمن الثابت فيها على الإطلاق، فلا تصير دار ~~الكفر، وكذا الأمن الثابت على الإطلاق لا يزول إلا بالمتاخمة لدار الحرب، ~~فتوقف صيرورتها دار الحرب على وجودهما مع أن إضافة الدار إلى الإسلام احتمل ~~أن يكون لما قلتم، واحتمل أن يكون لما قلنا، وهو ثبوت الأمن فيها على ~~الإطلاق للمسلمين وإنما يثبت للكفرة بعارض الذمة والاستئمان، فإن كانت ~~الإضافة لما قلتم تصير دار الكفر بما قلتم. # وإن كانت الإضافة لما قلنا لا تصير دار الكفر إلا بما قلنا، فلا تصير ما ~~به دار الإسلام بيقين دار الكفر بالشك والاحتمال على الأصل المعهود أن ~~الثابت بيقين لا يزول بالشك والاحتمال، بخلاف دار الكفر حيث تصير دار ~~الإسلام؛ لظهور أحكام الإسلام فيها؛ لأن هناك الترجيح لجانب الإسلام؛ لقوله ~~- عليه الصلاة ms4261 والسلام - «الإسلام يعلو ولا يعلى» فزال الشك على أن الإضافة ~~إن كانت باعتبار ظهور الأحكام، لكن لا تظهر أحكام الكفر إلا عند وجود هذين ~~الشرطين - أعني المتاخمة وزوال الأمان الأول - لأنها لا تظهر إلا بالمنعة، ~~ولا منعة إلا بهما والله - سبحانه وتعالى - أعلم وقياس هذا الاختلاف في أرض ~~لأهل الإسلام ظهر عليها المشركون، وأظهروا فيها أحكام الكفر، أو كان أهلها ~~أهل ذمة فنقضوا الذمة. # وأظهروا أحكام الشرك، هل تصير دار الحرب؟ فهو على ما ذكرنا من الاختلاف، ~~فإذا صارت دار الحرب فحكمها إذا ظهرنا عليها، وحكم سائر دور الحرب سواء، ~~وقد ذكرناه ولو فتحها الإمام ثم جاء أربابها، فإن كان قبل القسمة أخذوا ~~بغير شيء، وإن كان بعد القسمة أخذوا بالقيمة إن شاءوا لما ذكرنا من قبل ~~وعاد المأخوذ على حكمه الأول الخراجي عاد خراجيا، والعشري عاد عشريا؛ لأن ~~هذا ليس استحداث الملك، بل هو عود قديم الملك إليه، فيعود بوظيفته إلا إذا ~~كان الإمام وضع عليها الخراج قبل ذلك، فلا يعود عشريا؛ لأن تصرف الإمام صدر ~~عن ولاية شرعية، فلا يحتمل النقض والله - تعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان الأحكام التي تختلف باختلاف الدارين] # (فصل) . # وأما الأحكام التي تختلف باختلاف الدارين فأنواع، منها أن المسلم إذا زنا ~~في دار الحرب، أو سرق، أو شرب الخمر، أو قذف مسلما لا يؤخذ بشيء من ذلك؛ ~~لأن الإمام لا يقدر على إقامة الحدود في دار الحرب؛ لعدم الولاية. # ولو فعل شيئا من ذلك ثم رجع إلى دار الإسلام لا يقام عليه الحد أيضا؛ لأن ~~الفعل لم يقع موجبا أصلا، ولو فعل في دار الإسلام ثم هرب إلى دار الحرب ~~يؤخذ به؛ لأن الفعل وقع موجبا للإقامة، فلا يسقط بالهرب إلى دار الحرب، ~~وكذلك إذا قتل مسلما لا يؤخذ بالقصاص، وإن كان عمدا؛ لتعذر الاستيفاء إلا ~~بالمنعة؛ إذ الواحد يقاوم الواحد، والمنعة منعدمة، ولأن كونه في دار الحرب ~~أورث شبهة في الوجوب. # والقصاص لا يجب مع الشبهة، ويضمن الدية خطأ كان أو عمدا، وتكون ms4262 في ماله ~~لا على العاقلة؛ لأن الدية تجب على القاتل ابتداء. # أو لأن القتل وجد منه. # ولهذا وجب القصاص والكفارة على القاتل لا على غيره، فكذا الدية تجب عليه ~~ابتداء، وهو الصحيح # ثم العاقلة تتحمل عنه بطريق التعاون لما يصل إليه بحياته من المنافع من ~~النصرة، والعز، والشرف بكثرة العشائر، والبر والإحسان لهم ونحو ذلك، وهذه ~~المعاني لا تحصل عند اختلاف الدارين، فلا تتحمل عنه العاقلة، وكذلك لو كان ~~أميرا على سرية، أو أمير جيش وزنا رجل منهم، أو سرق، أو شرب الخمر، أو قتل ~~مسلما خطأ أو عمدا، لم يأخذه الأمير بشيء من ذلك؛ لأن الإمام ما فوض إليه ~~إقامة # PageV07P131 # الحدود والقصاص؛ لعلمه أنه لا يقدر على إقامتها في دار الحرب، إلا أنه ~~يضمنه السرقة إن كان استهلكها ويضمنه الدية في باب القتل؛ لأنه يقدر على ~~استيفاء ضمان المال. # ولو غزا الخليفة أو أمير الشام، ففعل رجل من العسكر شيئا من ذلك أقام ~~عليه الحد واقتص منه في العمد وضمنه الدية في ماله في الخطأ؛ لأن إقامة ~~الحدود إلى الإمام، وتمكنه الإقامة بماله من القوة والشوكة باجتماع الجيوش ~~وانقيادها له، فكان لعسكره حكم دار الإسلام، ولو شذ رجل من العسكر ففعل ~~شيئا من ذلك درئ عنه الحد والقصاص؛ لاقتصار ولاية الإمام على المعسكر، وعلى ~~هذا يخرج الحربي إذا أسلم في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا فقتله مسلم عمدا ~~أو خطأ؛ لأنه لا قصاص عليه عندنا على ما ذكرنا وهذا مبني على أن التقوم ~~عندنا يثبت بدار الإسلام؛ لأن التقوم بالعزة، ولا عزة إلا بمنعة المسلمين. # وعند الشافعي - رحمه الله - التقوم يثبت بالإسلام وعلى هذا إذا أسلم ~~الحربي في دار الحرب - ولم يعرف أن عليه صلاة ولا صياما ثم خرج إلى دار ~~الإسلام فليس عليه قضاء ما مضى وقال أبو يوسف: أستحسن أن يجب عليه القضاء. # (وجه) قوله أن الصلاة قد وجبت عليه لوجود سبب الوجوب وهو الوقت، وشرطه ~~وهو الإسلام، والصلاة الواجبة إذا فاتت عن وقتها تقضى، كالذمي إذا ms4263 أسلم في ~~دار الإسلام ولم يعرف أن عليه ذلك حتى مضى عليه أوقات صلوات ثم علم. # (وجه) قول أبي حنيفة أن وجوب الشرائع يعتمد البلوغ، وهو العلم بالوجوب؛ ~~لأن وجوبها لا يعرف إلا بالشرع، بالإجماع إن اختلفا في وجوب الإيمان، إلا ~~أن حقيقة العلم ليست بشرط بل إمكان الوصول إليه كاف، وقد وجد ذلك في دار ~~الإسلام؛ لأنها دار العلم بالشرائع، ولم يوجد في دار الحرب؛ لأنها دار ~~الجهل بها بخلاف وجوب الإيمان، وشكر النعم، وحرمة الكفر، والكفران ونحو ~~ذلك؛ لأن هذه الأحكام لا يقف وجوبها على الشرع، بل تجب بمجرد العقل عندنا ~~فإن أبا يوسف روى عن أبي حنيفة - رحمه الله - هذه العبارة فقال: كان أبو ~~حنيفة - رضي الله عنه - يقول: لا عذر لأحد من الخلق في جهله معرفة خالقه؛ ~~لأن الواجب على جميع الخلق معرفة الرب - سبحانه وتعالى - وتوحيده؛ لما يرى ~~من خلق السماوات والأرض، وخلق نفسه، وسائر ما خلق الله - سبحانه وتعالى ~~فأما الفرائض فمن لم يعلمها، ولم تبلغه، فإن هذا لم تقم عليه حجة حكمية ~~بلفظه. # وعلى هذا إذا دخل مسلم أو ذمي دار الحرب بأمان، فعاقد حربيا عقد الربا أو ~~غيره من العقود الفاسدة في حكم الإسلام جاز عند أبي حنيفة، ومحمد - رحمهما ~~الله - وكذلك لو كان أسيرا في أيديهم أو أسلم في دار الحرب ولم يهاجر ~~إلينا، فعاقد حربيا وقال أبو يوسف: لا يجوز للمسلم في دار الحرب إلا ما ~~يجوز له في دار الإسلام. # (وجه) قوله أن حرمة الربا ثابتة في حق العاقدين، أما في حق المسلم فظاهر. # وأما في حق الحربي فلأن الكفار مخاطبون بالحرمات وقال - تعالى جل شأنه - ~~{وأخذهم الربا وقد نهوا عنه} [النساء: 161] ولهذا حرم مع الذمي والحربي ~~الذي دخل دارنا بأمان. # (وجه) قولهما أن أخذ الربا في معنى إتلاف المال، وإتلاف مال الحربي مباح، ~~وهذا لأنه لا عصمة لمال الحربي، فكان المسلم بسبيل من أخذه إلا بطريق الغدر ~~والخيانة، فإذا رضي به انعدم معنى الغدر، بخلاف الذمي والحربي المستأمن؛ ms4264 ~~لأن أموالهما معصومة على الإتلاف، ولو عاقد هذا المسلم الذي دخل بأمان ~~مسلما أسلم هناك ولم يهاجر إلينا جاز عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز ولو ~~كانا أسيرين أو دخلا بأمان للتجارة فتعاقدا عقد الربا أو غيره من البياعات ~~الفاسدة لا يجوز بالاتفاق. # (وجه) قولهما أن أخذ الربا من المسلم إتلاف مال معصوم من غير رضاه معنى؛ ~~لأن الشرع حرم عليه أن تطيب نفسه بذلك بقوله - عليه الصلاة والسلام -: «من ~~زاد واستزاد فقد أربى» والساقط شرعا، والعدم حقيقة سواء فأشبه تعاقد ~~الأسيرين والتاجرين. # (وجه) قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن أخذ الربا في معنى إتلاف المال، ~~ومال الذي أسلم في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا غير مضمون بالإتلاف، يدل ~~عليه أن نفسه غير مضمونة بالقصاص ولا بالدية عندنا، وحرمة المال تابعة ~~لحرمة النفس، بخلاف التاجرين والأسيرين، فإن مالهما مضمون بالإتلاف، وعلى ~~هذا إذا دخل مسلم دار الحرب بأمان، فأدانه حربي أو أدان حربيا، ثم خرج ~~المسلم وخرج الحربي مستأمنا، فإن القاضي لا يقضي لواحد منهما على صاحبه ~~بالدين، وكذلك لو غصب أحدهما صاحبه شيئا لا يقضي بالغصب؛ لأن المداينة في ~~دار الحرب وقعت هدرا؛ # PageV07P132 # لانعدام ولايتنا عليهم وانعدام ولايتهم أيضا في حقنا، وكذا غصب كل واحد ~~منهما صادف مالا غير مضمون فلم ينعقد سببا لوجوب الضمان. # وكذلك لو كان حربيين داين أحدهما صاحبه ثم خرجا مستأمنين، ولو خرجا ~~مسلمين لقضي بالدين لثبوت الولاية، ولا يقضى بالغصب لما بينا إلا أن المسلم ~~لو كان هو الغاصب يفتى بأن يرد عليهم ولا يقضى عليه؛ لأنه صار غادرا بهم ~~ناقضا عهدهم، فتلزمه التوبة، ولا تتحقق التوبة إلا برد المغصوب، وعلى هذا: ~~مسلمان دخلا دار الحرب بأمان بأن كانا تاجرين مثلا فقتل أحدهما صاحبه عمدا ~~لا قصاص على القاتل لما بينا، وإن كان خطأ فعليه الدية في ماله، والكفارة؛ ~~لأنهما من أهل دار الإسلام، وإنما دخلا دار الحرب لعارض أمر، إلا أنه يجب ~~القصاص للشبهة، أو لتعذر الاستيفاء على ما بينا ولو كانا ms4265 أسيرين، أو كان ~~المقتول أسيرا مسلما فلا شيء على القاتل إلا الكفارة في الخطأ عند أبي ~~حنيفة - رضي الله عنه - وعندهما عليه الكفارة والدية. # (وجه) قولهما أن الأسيرين من أهل دار الإسلام كالمستأمنين، وإنما الأسر ~~أمر عارض، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أن الأسير مقهور في يد أهل الحرب، ~~فصار تابعا لهم فبطل تقومه - والله سبحانه وتعالى - أعلم وعلى هذا: الحربي ~~إذا أعتق عبده الحربي في دار الحرب لا ينفذ عندهما، وعند أبي يوسف - رحمه ~~الله - ينفذ وقيل لا خلاف في العتق أنه ينفذ، إنما الخلاف في الولاء أنه هل ~~يثبت منه؟ عندهما لا يثبت وعنده يثبت. # (وجه) قوله أن ركن الإعتاق صدر من أهل الإعتاق في محل مملوك للمعتق، فيصح ~~كما لو أعتق في دار الإسلام. # (وجه) قولهما أن الإعتاق في دار الحرب لا يفيد زوال الملك؛ لأن الملك في ~~دار الحرب بالقهر والغلبة حقيقة، فكل مقهور مملوك، وكل قاهر مالك، هذا ~~ديانتهم فإنهم لا يعرفون سوى القدرة الحقيقية، حتى إن العبد منهم إذا قهر ~~مولاه يصير هو مالكا، ومولاه مملوكا، وهذا لا يفيده الإعتاق في دار الحرب، ~~فلا يوجب زوال ملك المالك، هذا معنى قول مشايخنا لأبي حنيفة - رضي الله عنه ~~- معتق بلسانه مسترق بيده. # وكذلك لو اشترى قريبا لا يعتق عليه؛ لأنه لا يعتق بصريح الإعتاق فكيف ~~يعتق بالشراء وكذلك لو دبره أو كاتبه في دار الحرب حتى لو دخل دار الإسلام، ~~ومعه مدبر أو مكاتب دبره أو كاتبه في دار الحرب جاز بيعه؛ لأن التدبير ~~إعتاق مضاف إلى ما بعد الموت، والكتابة تعليق العتق بشرط أداء بدل الكتابة، ~~ثم لم ينفذ إعتاقه المنجز، فكذا المعلق والمضاف، ولو استولد أمته في دار ~~الحرب صح استيلاده إياها، حتى لو خرج إلينا بها إلى دار الإسلام لا يجوز ~~بيعها؛ لأن الاستيلاد اكتساب ثبات النسب للولد. # والحربي من أهل ذلك، ألا ترى أن أنساب أهل الحرب ثابتة؟ وإذا ثبت النسب ~~صارت أم ولد، فخرجت عن محلية البيع؛ لكونها حرة من ms4266 وجه قال - عليه الصلاة ~~والسلام -: «أعتقها ولدها» ولو دخل الحربي إلينا بأمان ففعل شيئا من ذلك ~~نفذ كله؛ لأنه لما دخل بأمان فقد لزمه أحكام الإسلام ما دام في دار ~~الإسلام. # ومن أحكام الإسلام أن لا يملك المعتق أن يسترق بيده ما أعتقه بلسانه، ولو ~~دبر عبده في دار الإسلام، ثم رجع إلى دار الحرب، وخلف المدبر، أو خلف أم ~~ولده التي استولدها في دار الإسلام، أو في دار الحرب، ثم مات على كفره أو ~~قتل أو أسر يحكم بعتقهما أما إذا مات أو قتل فظاهر؛ لأن أم الولد والمدبر ~~يعتقان بموت سيدهما، والمقتول ميت بأجله، وإن رغم أنف المعتزلة (وأما) إذا ~~أسر فلأنه صار مملوكا فلم يبق مالكا ضرورة. # وأما مكاتبه الذي كاتبه في دار الإسلام، ودخل هو إلى دار الحرب فهو مكاتب ~~على حاله، وبدل الكتابة عليه لورثته إذا مات، وكذلك الرهون والودائع ~~والديون التي له على الناس. # وما كان للناس عليه فهي كلها على حالها إذا مات؛ لأنه دخل دار الإسلام ~~بأمان ومعه هذه الأموال، فكان حكم الأمان فيها باقيا، وكذلك لو ظهر على ~~الدار فظهر الحربي أو قتل ولم يظهر على الدار، فملكه على حاله يعود فيأخذ، ~~أو يجيء ورثته فيأخذونه له أما إذا هرب ولم يقتل ولم يؤسر فظاهر. # وأما إذا قتل ولم يظهر، فلأن ماله صار ميراثا لورثته، فيجيئون فيأخذونه، ~~والمكاتب على حاله يؤدي إلى ورثته فيعتق، فأما إذا ظهر وأسر، أو أسر ولم ~~يظهر، أو ظهر وقتل يعتق مكاتبه أما إذا ظهر وأسر، أو أسر ولم يظهر فظاهر؛ ~~لأنه ملك بالأسر وكذا إذا ظهر وقتل؛ لأن القتل بعد الظهور قتل بعد الأسر، ~~ويبطل ما كان له من الدين؛ لما ذكرنا أنه بالأسر صار مملوكا فلم يبق مالكا، # PageV07P133 # فسقطت ديونه ضرورة. # ولا يصير مالكا للأسر؛ لأن الدين في الذمة، وما في الذمة لا يعمل عليه ~~الأسر، وكذلك ما عليه من الديون يسقط أيضا؛ لأنه لو بقي لتعلق برقبته فلا ~~يخلص السبي للسابي وأما ودائعه ms4267 فهي في جماعة المسلمين. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنها تكون فيئا للمودع. # (ووجهه) أن يده عن يد الغانمين أسبق، والمباح مباح لمن سبق على لسان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وجه ظاهر الرواية أن يد المودع يده تقديرا، ~~فكان الاستيلاء عليه بالأسر استيلاء على ما في يده تقديرا، ولا يختص به ~~الغانمون؛ لأنه مال لم يؤخذ على سبيل القهر والغلبة حقيقة، فكان فيئا حقيقة ~~لا غنيمة، فيوضع موضع الفيء وأما الرهن فعند أبي يوسف يكون للمرتهن بدينه، ~~والزيادة له وعند محمد - رحمه الله - يباع فيستوفي قدر دينه، والزيادة في ~~جماعة المسلمين والله - تعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان أحكام المرتدين] # (فصل) . # وأما بيان أحكام المرتدين فالكلام فيه في مواضع، في بيان ركن الردة، وفي ~~بيان شرائط صحة الركن، وفي بيان حكم الردة أما ركنها، فهو إجراء كلمة الكفر ~~على اللسان بعد وجود الإيمان، إذ الردة عبارة عن الرجوع عن الإيمان، ~~فالرجوع عن الإيمان يسمى ردة في عرف الشرع. # وأما شرائط صحتها فأنواع، منها العقل، فلا تصح ردة المجنون والصبي الذي ~~لا يعقل؛ لأن العقل من شرائط الأهلية خصوصا في الاعتقادات، ولو كان الرجل ~~ممن يجن ويفيق فإن ارتد في حال جنونه لم يصح، وإن ارتد في حال إفاقته صحت؛ ~~لوجود دليل الرجوع في إحدى الحالتين دون الأخرى، وكذلك السكران الذاهب ~~العقل لا تصح ردته استحسانا، والقياس أن تصح في حق الأحكام. # (وجه) القياس أن الأحكام مبنية على الإقرار بظاهر اللسان لا على ما في ~~القلب، إذ هو أمر باطن لا يوقف عليه. # (وجه) الاستحسان أن أحكام الكفر مبنية على الكفر، كما أن أحكام الإيمان ~~مبنية على الإيمان، والإيمان والكفر يرجعان إلى التصديق والتكذيب، وإنما ~~الإقرار دليل عليهما، وإقرار السكران الذاهب العقل لا يصلح دلالة على ~~التكذيب، فلا يصح إقراره. # وأما البلوغ فهل هو شرط اختلف فيه؟ قال أبو حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما ~~-: ليس بشرط فتصح ردة الصبي العاقل، وقال أبو يوسف - رحمه الله -: شرط حتى ~~لا تصح ms4268 ردته. # (وجه) قوله أن عقل الصبي في التصرفات الضارة المحضة ملحق بالعدم؛ ولهذا ~~لم يصح طلاقه وإعتاقه وتبرعاته، والردة مضرة محضة فأما الإيمان فيقع محضا؛ ~~لذلك صح إيمانه ولم تصح ردته. # (وجه) قولهما أنه صح إيمانه فتصح ردته، وهذا لأن صحة الإيمان والردة ~~مبنية على وجود الإيمان والردة حقيقة؛ لأن الإيمان والكفر من الأفعال ~~الحقيقية، وهما أفعال خارجة القلب بمنزلة أفعال سائر الجوارح، والإقرار ~~الصادر عن عقل دليل وجودهما، وقد وجد هاهنا إلا أنهما مع وجودهما منه حقيقة ~~لا يقتل، ولكن يحبس لما نذكر إن شاء - الله تعالى - والقتل ليس من لوازم ~~الردة عندنا فإن المرتدة لا تقتل بلا خلاف بين أصحابنا، والردة موجودة وأما ~~الذكورة فليست بشرط فتصح ردة المرأة عندنا؛ لكنها لا تقتل بل تجبر على ~~الإسلام، وعند الشافعي - رحمه الله - تقتل؛ وستأتي المسألة في موضعها إن ~~شاء - الله تعالى ومنها الطوع، فلا تصح ردة المكره على الردة استحسانا إذا ~~كان قلبه مطمئنا بالإيمان، والقياس أن تصح في أحكام الدنيا وسنذكر وجه ~~القياس والاستحسان في كتاب الإكراه إن شاء - الله تعالى. # وأما حكم الردة فنقول - وبالله تعالى التوفيق: إن للردة أحكاما كثيرة ~~بعضها يرجع إلى نفس المرتد، وبعضها يرجع إلى ملكه، وبعضها يرجع إلى ~~تصرفاته، وبعضها يرجع إلى ولده أما الذي يرجع إلى نفسه فأنواع: منها إباحة ~~دمه إذا كان رجلا، حرا كان أو عبدا؛ لسقوط عصمته بالردة قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من بدل دينه فاقتلوه» . # وكذا العرب لما ارتدت بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجمعت ~~الصحابة - رضي الله عنهم - على قتلهم، ومنها أنه يستحب أن يستتاب ويعرض ~~عليه الإسلام لاحتمال أن يسلم، لكن لا يجب؛ لأن الدعوة قد بلغته فإن أسلم ~~فمرحبا وأهلا بالإسلام، وإن أبى نظر الإمام في ذلك فإن طمع في توبته، أو ~~سأل هو التأجيل، أجله ثلاثة أيام وإن لم يطمع في توبته ولم يسأل هو ~~التأجيل، قتله من ساعته. # والأصل فيه ما روي عن سيدنا عمر - رضي الله ms4269 عنه - أنه قدم عليه رجل من ~~جيش المسلمين، فقال: هل عندك من مغرية خبر؟ قال: نعم، رجل كفر بالله تعالى ~~بعد إسلامه فقال سيدنا عمر - رضي الله عنه -: ماذا # PageV07P134 # فعلتم به قال: قربناه فضربنا عنقه فقال سيدنا عمر - رضي الله عنه -: هلا ~~طينتم عليه بيتا ثلاثا، وأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتبتموه لعله يتوب ~~ويرجع إلى الله - سبحانه وتعالى - اللهم إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ ~~بلغني. # وهكذا روي عن سيدنا علي - كرم الله وجهه - أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثا، ~~وتلا هذه الآية {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا ~~كفرا} [النساء: 137] ولأن من الجائز أنه عرضت له شبهة حملته على الردة، ~~فيؤجل ثلاثا لعلها تنكشف في هذه المدة، فكانت الاستتابة ثلاثا وسيلة إلى ~~الإسلام - عسى - فندب إليها فإن قتله إنسان قبل الاستتابة يكره له ذلك، ولا ~~شيء عليه لزوال عصمته بالردة، وتوبته أن يأتي بالشهادتين، ويبرأ عن الدين ~~الذي انتقل إليه، فإن تاب ثم ارتد ثانيا فحكمه في المرة الثانية كحكمه في ~~المرة الأولى أنه إن تاب في المرة الثانية قبلت توبته، وكذا في المرة ~~الثالثة والرابعة؛ لوجود الإيمان ظاهرا في كل كرة؛ لوجود ركنه، وهو إقرار ~~العاقل وقال الله - تبارك وتعالى - {إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم ~~كفروا} [النساء: 137] فقد أثبت - سبحانه وتعالى - الإيمان بعد وجود الردة ~~منه، والإيمان بعد وجود الردة لا يحتمل الرد، إلا أنه إذا تاب في المرة ~~الرابعة يضربه الإمام ويخلي سبيله وروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه ~~إذا تاب في المرة الثالثة حبسه الإمام ولم يخرجه من السجن حتى يرى عليه أثر ~~خشوع التوبة والإخلاص وأما المرأة فلا يباح دمها إذا ارتدت، ولا تقتل ~~عندنا، ولكنها تجبر على الإسلام، وإجبارها على الإسلام أن تحبس وتخرج في كل ~~يوم فتستتاب ويعرض عليها الإسلام، فإن أسلمت وإلا حبست ثانيا، هكذا إلى أن ~~تسلم أو تموت وذكر الكرخي - رحمه الله - وزاد عليه - تضرب أسواطا في كل مرة ms4270 ~~تعزيرا لها على ما فعلت وعند الشافعي - رحمه الله - تقتل لعموم قوله - عليه ~~الصلاة والسلام - «من بدل دينه فاقتلوه» ولأن علة إباحة الدم هو الكفر بعد ~~الإيمان، ولهذا قتل الرجل وقد وجد منها ذلك، بخلاف الحربية وهذا لأن الكفر ~~بعد الإيمان أغلظ من الكفر الأصلي؛ لأن هذا رجوع بعد القبول والوقوف على ~~محاسن الإسلام وحججه، وذلك امتناع من القبول بعد التمكن من الوقوف دون ~~حقيقة الوقوف، فلا يستقيم الاستدلال. # (ولنا) ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا تقتلوا ~~امرأة ولا وليدا» ولأن القتل إنما شرع وسيلة إلى الإسلام بالدعوة إليه ~~بأعلى الطريقين عند وقوع اليأس عن إجابتها بأدناهما، وهو دعوة اللسان ~~بالاستتابة، بإظهار محاسن الإسلام والنساء أتباع الرجال في إجابة هذه ~~الدعوة في العادة، فإنهن في العادات الجارية يسلمن بإسلام أزواجهن على ما ~~روي أن رجلا أسلم وكانت تحته خمس نسوة فأسلمن معه، وإذا كان كذلك فلا يقع ~~شرع القتل في حقها وسيلة إلى الإسلام، فلا يفيد ولهذا لم تقتل الحربية ~~بخلاف الرجل فإن الرجل لا يتبع رأي غيره، خصوصا في أمر الدين بل يتبع رأي ~~نفسه، فكان رجاء الإسلام منه ثابتا، فكان شرع القتل مفيدا، فهو الفرق ~~والحديث محمول على الذكور عملا بالدلائل صيانة لها عن التناقض، وكذلك الأمة ~~إذا ارتدت لا تقتل عندنا، وتجبر على الإسلام، ولكن يجبرها مولاها إن احتاج ~~إلى خدمتها، ويحبسها في بيته؛ لأن ملك المولى فيها بعد الردة قائم، وهي ~~مجبورة على الإسلام شرعا فكان الرفع إلى المولى رعاية للحقين، ولا يطؤها؛ ~~لأن المرتدة لا تحل لأحد، وكذلك الصبي العاقل لا يقتل، وإن صحت ردته عند ~~أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -؛ لأن قتل البالغ بعد الاستتابة والدعوة ~~إلى الإسلام باللسان وإظهار حججه وإيضاح دلائله لظهور العناد ووقوع اليأس ~~عن فلاحه، وهذا لا يتحقق من الصبي فكان الإسلام منه مرجوا والرجوع إلى ~~الدين منه مأمولا، فلا يقتل ولكن يجبر على الإسلام بالحبس؛ لأن الحبس يكفيه ~~وسيلة إلى الإسلام، وعلى ms4271 هذا: صبي أبواه مسلمان حتى حكم بإسلامه تبعا ~~لأبويه، فبلغ كافرا ولم يسمع منه إقرار باللسان بعد البلوغ لا يقتل؛ ~~لانعدام الردة منه إذ هي اسم للتكذيب بعد سابقة التصديق، ولم يوجد منه ~~التصديق بعد البلوغ أصلا لانعدام دليله وهو الإقرار، حتى لو أقر بالإسلام ~~ثم ارتد يقتل لوجود الردة منه بوجود دليلها وهو الإقرار، فلم يكن الموجود ~~منه ردة حقيقة فلا يقتل، ولكنه يحبس؛ لأنه كان له حكم الإسلام قبل البلوغ ~~ألا ترى أنه حكم بإسلامه بطريق التبعية؟ والحكم في إكسابه كالحكم في إكساب ~~المرتد؛ لأنه مرتد حكما وسنذكر الكلام في إكساب المرتد في موضعه إن شاء - ~~الله تعالى. # ومنها حرمة الاسترقاق # PageV07P135 # فإن المرتد لا يسترق، وإن لحق بدار الحرب؛ لأنه لم يشرع فيه إلا الإسلام ~~أو السيف؛ لقوله - سبحانه وتعالى - {تقاتلونهم أو يسلمون} [الفتح: 16] وكذا ~~الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعوا عليه في زمن سيدنا أبي بكر - رضي الله ~~عنه - ولأن استرقاق الكافر للتوسل إلى الإسلام، واسترقاقه لا يقع وسيلة إلى ~~الإسلام على ما مر من قبل ولهذا لم يجز إبقاؤه على الحرية، بخلاف المرتدة ~~إذا لحقت بدار الحرب، إنها تسترق؛ لأنه لم يشرع قتلها، ولا يجوز إبقاء ~~الكافر على الكفر إلا مع الجزية أو مع الرق، ولا جزية على النسوان، فكان ~~إبقاؤها على الكفر مع الرق أنفع للمسلمين من إبقائها من غير شيء وكذا ~~الصحابة - رضي الله عنهم - استرقوا نساء من ارتد من العرب وصبيانهم حتى ~~قيل: إن أم محمد ابن الحنفية، وهي خولة بنت إياس كانت من سبي بني حنيفة، ~~ومنها حرمة أخذ الجزية، فلا تؤخذ الجزية من المرتد لما ذكرنا، ومنها أن ~~العاقلة لا تعقل جنايته لما ذكرنا من قبل أن موجب الجناية على الجاني، ~~وإنما العاقلة تتحمل عنه بطريق التعاون. # والمرتد لا يعاون، ومنها الفرقة إذا ارتد أحد الزوجين، ثم إن كانت الردة ~~من المرأة كانت فرقة بغير طلاق بالاتفاق، وإن كانت من الرجل ففيه خلاف ~~مذكور في كتاب النكاح، ولا ترتفع هذه الفرقة بالإسلام ms4272 ولو ارتد الزوجان ~~معا، أو أسلما معا، فهما على نكاحهما عندنا وعند زفر - رحمه الله - فسد ~~النكاح. # ولو أسلم أحدهما قبل الآخر فسد النكاح بالإجماع، وهي من مسائل كتاب ~~النكاح ومنها أنه لا يجوز إنكاحه؛ لأنه لا ولاية له، ومنها حرمة ذبيحته؛ ~~لأنه لا ملة له لما ذكرنا، ومنها أنه لا يرث من أحد لانعدام الملة ~~والولاية، ومنها أنه تحبط أعماله لكن بنفس الردة عندنا، وعند الشافعي - ~~رحمه الله - بشريطة الموت عليها، وهي مسألة كتاب الصلاة ومنها أنه لا يجب ~~عليه شيء من العبادات عندنا؛ لأن الكفار غير مخاطبين بشرائع هي عبادات ~~عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - يجب عليه وهي من مسائل أصول الفقه. # وأما الذي يرجع إلى ماله فثلاثة أنواع حكم الملك وحكم الميراث، وحكم ~~الدين أما الأول فنقول: لا خلاف في أنه إذا أسلم تكون أمواله على حكم ملكه ~~ولا خلاف أيضا في أنه إذا مات أو قتل أو لحق بدار الحرب تزول أمواله عن ~~ملكه واختلف في أنه تزول بهذه الأسباب مقصورا على الحال، أم بالردة من حين ~~وجودها على التوقف، فعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - ملك المرتد لا ~~يزول عن ماله بالردة، وإنما يزول بالموت أو القتل أو باللحاق بدار الحرب. # وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - الملك في أمواله موقوف على ما يظهر من ~~حاله وعلى هذا الأصل بني حكم تصرفات المرتد أنها جائزة عندهما كما تجوز من ~~المسلم، حتى لو أعتق أو دبر أو كاتب أو باع أو اشترى أو وهب نفذ ذلك كله، ~~وعقدة تصرفاته موقوفة لوقوف أملاكه، فإن أسلم جاز كله، وإن مات أو قتل أو ~~لحق بدار الحرب بطل كله. # (وجه) قولهما أن الملك كان ثابتا له حالة الإسلام لوجود سبب الملك ~~وأهليته وهي الحرية والردة لا تؤثر في شيء من ذلك ثم اختلفا فيما بينهما في ~~كيفية الجواز، فقال أبو يوسف - رحمه الله -: جوازها جواز تصرف الصحيح وقال ~~محمد - رحمه الله -: جواز تصرفات المريض مرض الموت. # (وجه) قول محمد ms4273 - رحمه الله - أن المرتد على شرف التلف؛ لأنه يقتل، فأشبه ~~المريض مرض الموت وجه قول أبي يوسف أن اختيار الإسلام بيده، فيمكنه الرجوع ~~إلى الإسلام فيخلص عن القتل، والمريض لا يمكنه دفع المرض عن نفسه، فأنى ~~يتشابهان. # (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - أنه وجد سبب زوال الملك وهو الردة؛ ~~لأنها سبب لوجوب القتل. # والقتل سبب لحصول الموت، فكان زوال الملك عند الموت مضافا إلى السبب ~~السابق، وهو الردة، ولا يمكنه اللحاق بدار الحرب بأمواله؛ لأنه لا يمكن من ~~ذلك بل يقتل، فيبقى ماله فاضلا عن حاجته، فكان ينبغي أن يحكم بزوال ملكه ~~للحال، إلا أنا توقفنا فيه لاحتمال العود إلى الإسلام؛ لأنه إذا عاد ترتفع ~~الردة من الأصل، ويجعل كأن لم يكن، فكان التوقف في الزوال للحال لاشتباه ~~العاقبة، فإن أسلم تبين أن الردة لم تكن سببا لزوال الملك لارتفاعها من ~~الأصل، فتبين أن تصرفه صادف محله فيصح، وإن قتل أو مات أو لحق بدار الحرب ~~تبين أنها وقعت سببا للزوال من حين وجودها، فتبين أن الملك كان زائلا من ~~حين وجود الردة؛ لأن الحكم لا يتخلف عن سببه، فلم يصادف التصرف محله فبطل. # فأما قبل ذلك كان ملكه موقوفا فكانت تصرفاته المبنية عليه موقوفة ضرورة ~~وأجمعوا على أنه يصح استيلاده حتى إنه لو استولد أمته فادعى ولدها، إنه ~~يثبت # PageV07P136 # النسب، وتصير الجارية أم ولد له أما عندهما فلأن المحل مملوك له ملكا ~~تاما. # (وأما) عند أبي حنيفة - رحمه الله - فلأن الملك الموقوف لا يكون أدنى ~~حالا من حق الملك، ثم حق الملك يكفي لصحة الاستيلاد، فهذا أولى، وأجمعوا ~~على أنه يصح طلاقه، وتسليمه الشفعة؛ لأن الردة لا تؤثر في ملك النكاح، ~~والثابت للشفيع حق لا يحتمل الإرث، ومعاوضته موقوفة بالإجماع؛ لأنها مبنية ~~على المساواة. # (وأما) المرتدة فلا يزول ملكها عن أموالها بلا خلاف، فتجوز تصرفاتها في ~~مالها بالإجماع؛ لأنها لا تقتل، فلم تكن ردتها سببا لزوال ملكها عن أموالها ~~بلا خلاف، فتجوز تصرفاتها، وإذا عرف حكم ملك المرتد ms4274 وحال تصرفاته المبنية ~~عليه، فحال المرتد لا يخلو من أن يسلم، أو يموت، أو يقتل، أو يلحق بدار ~~الحرب فإن أسلم فقد عاد على حكم ملكه القديم؛ لأن الردة ارتفعت من الأصل ~~حكما، وجعلت كأن لم تكن أصلا، وإن مات أو قتل صار ماله لورثته، وعتق أمهات ~~أولاده ومدبروه ومكاتبوه إذا أدى إلى ورثته، وتحل الديون التي عليه وتقضى ~~عنه؛ لأن هذه أحكام الموت، وكذلك إذا لحق بدار الحرب مرتدا، وقضى القاضي ~~بلحاقه؛ لأن اللحاق بدار الحرب بمنزلة الموت في حق زوال ملكه عن أمواله ~~المتروكة في دار الإسلام؛ لأن زوال الملك عن المال بالموت حقيقة لكونه مالا ~~فاضلا عن حاجته لانتهاء حاجته بالموت وعجزه عن الانتفاع به. # وقد وجد هذا المعنى في اللحاق؛ لأن المال الذي في دار الإسلام خرج من أن ~~يكون منتفعا به في حقه، لعجزه عن الانتفاع به، فكان في حكم المال الفاضل عن ~~حاجته لعجزه عن قضاء حاجته به، فكان اللحاق بمنزلة الموت في كونه مزيلا ~~للملك، فإذا قضى القاضي باللحاق، يحكم بعتق أمهات أولاده ومدبريه، ويقسم ~~ماله بين ورثته، وتحل ديونه المؤجلة؛ لأن هذه أحكام متعلقة بالموت، وقد وجد ~~معنى. # وأما المكاتب فيؤدي إلى ورثته فيعتق، وإذا عتق فولاؤه للمرتد؛ لأنه ~~المعتق، ولو لحق بدار الحرب ثم عاد إلى دار الإسلام مسلما فهذا لا يخلو من ~~أحد وجهين، أحدهما: أن يعود قبل قضاء القاضي بلحاقه بدار الحرب، والثاني: ~~أن يعود بعد ذلك. # فإن عاد قبل أن يقضي القاضي بلحاقه عاد على حكم أملاكه في المدبرين ~~وأمهات الأولاد وغير ذلك؛ لما ذكرنا أن هذه الأحكام متعلقة بالموت، واللحوق ~~بدار الحرب ليس بموت حقيقة لكنه يلحق بالموت إذا اتصل به قضاء القاضي ~~باللحاق، فإذا لم يتصل به لم يلحق، فإذا عاد يعود على حكم ملكه، وإن عاد ~~بعد ما قضى القاضي باللحاق فما وجد من ماله في يد ورثته بحاله فهو أحق به؛ ~~لأن ولده جعل خلفا له في ماله، فكان تصرفه في ماله بطريق الخلافة ms4275 له كأنه ~~وكيله، فله أن يأخذ ما وجده قائما على حاله. # وما زال ملك الوارث عنه بالبيع، أو بالعتق، فلا رجوع فيه لأن تصرف الخلف ~~كتصرف الأصل، بمنزلة تصرف الوكيل وأما ما أعتق الحاكم من أمهات أولاده ~~ومدبريه فلا سبيل عليهم، لأن الإعتاق مما لا يحتمل الفسخ، وكذا المكاتب إذا ~~كان أدى المال إلى الورثة، لا سبيل عليه أيضا؛ لأن المكاتب عتق بأداء ~~المال، والعتق لا يحتمل الفسخ، وما أدي إلى الورثة إن كان قائما أخذ وإن ~~زال ملكهم عنه لا يجب عليهم ضمانه كسائر أمواله لما بينا، وإن كان لم يؤد ~~بدل الكتابة بعد، يؤخذ بدل الكتابة. # وإن عجز عاد رقيقا له ولو رجع كافرا إلى دار الإسلام، وأخذ طائفة من ماله ~~وأدخلها إلى دار الحرب ثم ظهر المسلمون عليه، فإن رجع بعد ما قضي بلحاقه ~~فالورثة أحق به، وإن وجدته قبل القسمة أخذته مجانا بلا عوض، وإن وجدته بعد ~~القسمة أخذته بالقيمة في ذوات القيم؛ لأنه إذا لحق وقضي بلحاقه فقد زال ~~ملكه إلى الورثة، فهذا مال مسلم استولى عليه الكافر وأحرزه بدار الحرب، ثم ~~ظهر المسلمون على الدار فوجده المالك القديم فالحكم فيه ما ذكرنا وإن رجع ~~قبل الحكم باللحاق، ففيه روايتان في رواية هذا، ورجوعه بعد الحكم باللحاق ~~سواء، وفي رواية أنه يكون فيئا لا حق للورثة فيه أصلا والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # ولو جنى المرتد جناية ثم لحق بدار الحرب ثم عاد إلينا ثانيا، فما كان من ~~حقوق العباد كالقتل والغصب والقذف يؤخذ به، وما كان من حقوق الله - تبارك ~~وتعالى - كالزنا والسرقة وشرب الخمر يسقط عنه؛ لأن اللحاق يلتحق بالموت ~~فيورث شبهة في سقوط ما يسقط بالشبهات، ولو فعل شيئا من ذلك بعد اللحاق بدار ~~الحرب ثم مات لم يؤخذ بشيء منه؛ لأن فعله لم ينعقد موجبا لصيرورته في حكم ~~أهل الحرب، هذا الذي ذكرنا حكم ماله الذي خلفه في دار الإسلام وأما الذي ~~لحق به في دار # PageV07P137 # الحرب فهو ملكه حتى لو ظهر ms4276 المسلمون عليه يكون فيئا؛ لأن ملك الورثة لم ~~يثبت في المال المحمول إلى دار الحرب فبقي على ملك المرتد، وهو غير معصوم ~~فكان محل التملك بالاستيلاء لسائر أموال أهل الحرب. # وأما حكم الميراث فنقول: لا خلاف بين أصحابنا - رضي الله عنهم - في أن ~~المال الذي اكتسبه في حالة الإسلام يكون ميراثا لورثته المسلمين إذا مات أو ~~قتل أو لحق وقضي باللحاق وقال الشافعي - رحمه الله -: هو فيء واحتج بما روي ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «لا يرث الكافر المسلم ولا ~~المسلم الكافر» نفى أن يرث المسلم الكافر، ووارثه مسلم فيجب أن لا يرثه. # (ولنا) ما روي أن سيدنا عليا - رضي الله عنه - قتل المستورد العجلي ~~بالردة، وقسم ماله بين ورثته المسلمين، وكان ذلك بمحضر من الصحابة - رضي ~~الله عنهم - ولم ينقل أنه أنكر منكر عليه، فيكون إجماعا من الصحابة - رضي ~~الله تعالى عنهم - ولأن الردة في كونها سببا لزوال الملك، كالموت على أصل ~~أبي حنيفة - رضي الله عنه - على ما قررناه. # فإذا ارتد فهذا مسلم مات، فيرثه المسلم فكان هذا إرث المسلم من المسلم لا ~~من الكافر، فقد قلنا بموجب الحديث بحمد الله - تعالى وأما على أصلهما ~~فالردة إن كانت لا توجب زوال الملك يمكن احتمال العود إلى الإسلام، ألا ترى ~~أنه يجبر على الإسلام فيبقى على حكم الإسلام في حق حكم الإرث؟ وذلك جائز. # ألا ترى أنه بقي على حكم الإسلام في حق المنع من التصرف في الخمر ~~والخنزير؟ فجاز أن يبقى عليه في حق حكم الإرث أيضا؟ فلا يكون إرث المسلم من ~~الكافر فيكون عملا بالحديث أيضا والله - سبحانه وتعالى - أعلم واختلفوا في ~~المال الذي اكتسبه في حال الردة قال أبو حنيفة: - رضي الله عنه - هو فيء ~~وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - هو ميراث. # (وجه) قولهما أن كسب الردة ملكه لوجود سبب الملك من أهل الملك في محل ~~قابل، ولا شك أن المرتد أهل الملك؛ لأن أهلية الملك بالحرية، والردة لا ~~تنافيها بل ms4277 تنافي ما ينافيها، وهو الرق؛ إذ المرتد لا يحتمل الاسترقاق، ~~وإذا ثبت ملكه فيه، احتمل الانتقال إلى ورثته بالموت، أو ما هو في معنى ~~الموت على ما بينا. # (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - ما ذكرنا أن الردة سبب لزوال الملك من ~~حين وجودها بطريق الظهور على ما بينا، ولا وجود للشيء مع وجود سبب زواله ~~فكان الكسب في الردة مالا لا مالك له، فلا يحتمل الإرث فيوضع في بيت مال ~~المسلمين كاللقطة، ثم اختلفوا فيما يورث من مال المرتد أنه يعتبر حال ~~الوارث، وهي أهلية الوراثة وقت الردة، أم وقت الموت، أم من وقت الردة إلى ~~وقت الموت، فعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - تعتبر أهلية الوراثة وقت ~~الموت؛ لأن ملك المرتد إنما يزول عندهما بالموت فتعتبر الأهلية في ذلك ~~الوقت لا غير وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه - روايتان في رواية، يعتبر وقت ~~الردة لا غير، حتى لو كان أهلا وقت الردة ورث، وإن زالت أهليته بعد ذلك وفي ~~رواية يعتبر دوام الأهلية من وقت الردة إلى وقت الموت. # (وجه) هذه الرواية أن الإرث يثبت بطريق الاستناد لا بطريق الظهور؛ لأن ~~الموت أمر لا بد منه للإرث. # والقول بالإرث بطريق الظهور إيجاب الإرث قبل الموت، ولا سبيل إليه فإذا ~~وجد الموت يثبت الإرث ثم يستند إلى وقت وجود الردة وزوال الأهلية، فيما بين ~~الوقتين يمنع من الاستناد، فيشترط دوام الأهلية من وقت الردة إلى وقت ~~الموت، حتى لو كان بعض الورثة مسلما وقت الردة، ثم ارتد عن الإسلام قبل موت ~~المرتد، لا يورث وكذا إذا مات قبل موته، أو المرأة انقضت عدتها قبل موته. # (وجه) الرواية الأولى أن الإرث يتبع زوال الملك، والملك زال بالردة من ~~وقت وجودها، فيثبت الإرث في ذلك الوقت بطريق الظهور قوله هذا إيجاب الإرث ~~قبل الموت قلنا: هذا ممنوع بل هذا إيجاب الإرث بعد الموت؛ لأن الردة في ~~معنى الموت؛ لأنها تعمل عمل الموت في زوال الملك على ما بينا، فكانت الردة ~~موتا ms4278 معنى، وكذا اختلف أبو يوسف، ومحمد - رحمهما الله - فيما إذا لحق بدار ~~الحرب وقضى القاضي باللحاق، إنه تعتبر أهلية الوراثة وقت القضاء باللحاق أم ~~وقت اللحاق؟ فعند أبي يوسف - رحمه الله - وقت القضاء، وعند محمد - رحمه ~~الله - تعتبر وقت اللحاق. # (وجه) قول محمد أن وقت الإرث وقت زوال الملك، وملك المرتد إنما يزول ~~باللحاق؛ لأن به يعجز عن الانتفاع بماله المتروك في دار الإسلام، إلا أن ~~العجز قبل القضاء غير متقرر لاحتمال العود، فإذا قضي تقرر العجز وصار العود ~~بعده كالممتنع عادة، فكان العامل في زوال الملك هو اللحاق فتعتبر الأهلية ~~وقتئذ. # (وجه) قول # PageV07P138 # أبي يوسف أن الملك لا يزول إلا بالقضاء، فكان المؤثر في الزوال هو ~~القضاء، وعلى هذا الاختلاف المرتدة إذا لحقت بدار الحرب؛ لأن المعنى لا ~~يوجب الفصل، ولو. # ارتد الزوجان معا ثم جاءت بولد ثم قتل الأب على ردته فإن جاءت به لأقل من ~~ستة أشهر من حين الردة يرثه؛ لأنه علم أن العلوق حصل في حالة الإسلام قطعا، ~~وإن جاءت به لستة أشهر فصاعدا من حين الردة لم يرثه؛ لأنه يحتمل أنه علق في ~~حالة الردة، فلا يرث مع الشك، ولو ارتد الزوج دون المرأة، أو كانت له أم ~~ولد مسلمة ورثه مع ورثته المسلمين، وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر؛ لأن ~~الأم مسلمة، فكان الولد على حكم الإسلام تبعا لأمه فيرث أباه، ولو مات مسلم ~~عن امرأته وهي حامل فارتدت ولحقت بدار الحرب، فولدت هناك ثم ظهرنا على ~~الدار، فإنه لا يسترق ويرث أباه؛ لأنه مسلم تبعا لأبيه، ولو لم تكن ولدته ~~حتى سبيت ثم ولدته في دار الإسلام، فهو مسلم مرقوق مسلم تبعا لأبيه، مرقوق ~~تبعا لأمه، ولا يرث أباه؛ لأن الرق من أسباب الحرمان، ولو تزوج المرتد ~~مسلمة فولدت له غلاما، أو وطئ أمة مسلمة فولدت له فهو مسلم تبعا للأم ويرث ~~أباه لثبوت النسب، وإن كانت الأم كافرة لا يحكم بإسلامه؛ لأنه لم يوجد ~~إسلام أحد الأبوين - والله سبحانه وتعالى ms4279 - أعلم. # وأما حكم الدين فعند أبي يوسف، ومحمد: ديون المرتد في كسب الإسلام، ~~والردة جميعا؛ لأن كل ذلك عندهما ميراث وأما عند أبي حنيفة - عليه الرحمة - ~~فقد ذكر أبو يوسف عنه أنه في كسب الردة، إلا أن لا يفي به فيقضي الباقي من ~~كسب الإسلام وروى الحسن - رحمه الله - عنه أنه في كسب الإسلام إلا أن لا ~~يفي به فيقضي الباقي من كسب الردة وقال الحسن - رحمه الله -: دين الإسلام ~~في كسب الإسلام، ودين الردة في كسب الردة وهو قول زفر - رحمه الله - ~~والصحيح رواية الحسن؛ لأن دين الإنسان يقضى من ماله لا من مال غيره، وكذا ~~دين الميت يقضى من ماله لا من مال وارثه؛ لأن قيام الدين يمنع زوال ملكه ~~إلى وارثه بقدر الدين؛ لكون الدين مقدما على الإرث، فكان قضاء دين كل ميت ~~من ماله لا من مال وارثه وماله كسب الإسلام، فأما كسب الردة فمال جماعة ~~المسلمين، فلا يقضى منه الدين إلا لضرورة، فإذا لم يف به كسب الإسلام مست ~~الضرورة فيقضي الباقي منه والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان حكم ولد المرتد] # (فصل) . # وأما حكم ولد المرتد فولد المرتد لا يخلو من أن يكون مولودا في الإسلام، ~~أو في الردة، فإن كان مولودا في الإسلام، بأن ولد للزوجين ولد وهما مسلمان، ~~ثم ارتدا لا يحكم بردته ما دام في دار الإسلام؛ لأنه لما ولد وأبواه مسلمان ~~فقد حكم بإسلامه تبعا لأبويه، فلا يزول بردتهما لتحول التبعية إلى الدار، ~~إذ الدار وإن كانت لا تصلح لإثبات التبعية ابتداء عند استتباع الأبوين، ~~تصلح للإبقاء؛ لأنه أسهل من الابتداء، فما دام في دار الإسلام يبقى على حكم ~~الإسلام، تبعا للدار، ولو لحق المرتدان بهذا الولد بدار الحرب فكبر الولد، ~~وولد له ولد وكبر، ثم ظهر عليهم أما حكم المرتد والمرتدة فمعلوم، وقد ذكرنا ~~أن المرتد لا يسترق ويقتل، والمرتدة تسترق ولا تقتل وتجبر على الإسلام ~~بالحبس وأما حكم الأولاد فولد الأب يجبر على الإسلام، ولا يقتل؛ لأنه ms4280 كان ~~مسلما بإسلام أبويه تبعا لهما، فلما بلغ كافرا فقد ارتد عنه، والمرتد يجبر ~~على الإسلام، إلا أنه لا يقتل؛ لأن هذه ردة حكمية لا حقيقية لوجود الإيمان ~~حكما بطريق التبعية لا حقيقة، فيجبر على الإسلام لكن بالحبس لا بالسيف ~~إثباتا للحكم على قدر العلة، ولا يجبر ولد ولده على الإسلام؛ لأن ولد الولد ~~لا يتبع الجد في الإسلام، إذ لو كان كذلك لكان الكفار كلهم مرتدين لكونهم ~~من أولاد آدم ونوح - عليهما الصلاة والسلام - فينبغي أن تجري عليهم أحكام ~~أهل الردة، وليس كذلك بالإجماع، وإن كان مولودا في الردة بأن ارتد الزوجان ~~ولا ولد لهما، ثم حملت المرأة من زوجها بعد ردتها، وهما مرتدان على حالهما، ~~فهذا الولد بمنزلة أبويه له حكم الردة، حتى لو مات لا يصلى عليه؛ لأن ~~المرتد لا يرث أحدا، ولو لحقا بهذا الولد بدار الحرب فبلغ، وولد له أولاد ~~فبلغوا، ثم ظهر على الدار وسبوا جميعا، يجبر ولد الأب وولد ولده على ~~الإسلام، ولا يقتلون كذا ذكر محمد في كتاب السير وذكر في الجامع الصغير أنه ~~لا يجبر ولد ولده على الإسلام. # (وجه) ما ذكر في السير أن ولد الأب تبع لأبويه، فكان محكوما بردته تبعا ~~لأبويه، وولد الولد تبع له فكان محكوما بردته تبعا له، والمرتد يجبر على ~~الإسلام، إلا أنه لا يقتل؛ لأن هذه ردة حكمية فيجبر على الإسلام بالحبس لا ~~بالقتل # PageV07P139 # وجه) المذكور في الجامع أن هذا الولد إنما صار محكوما بردته تبعا لأبيه، ~~والتبع لا يستتبع غيره. # وأما حكم الاسترقاق فذكر في السير أنه يسترق الإناث والذكور الصغار من ~~أولاده؛ لأن أمهم مرتدة وهي تحتمل الاسترقاق، والولد كما تبع الأم في الرق ~~يتبعها في احتمال الاسترقاق. # وأما الكبار فلا يسترقون لانقطاع التبعية بالبلوغ، ويجبرون على الإسلام ~~وذكر في الجامع الصغير: الولدان فيء أما الأول فلأن أمه مرتدة. # وأما الآخر فلأنه كافر أصلي؛ لأن تبعية الأبوين في الردة قد انقطعت ~~بالبلوغ، وهو كافر، فكان كافرا أصليا، فاحتمل الاسترقاق ولو ارتدت امرأة ms4281 ~~وهي حامل ولحقت بدار الحرب، ثم سبيت وهي حامل كان ولدها فيئا؛ لأن السبي ~~لحقه وهو في حكم جزء الأم، فلا يبطل بالانفصال من الأم والذمي الذي نقض ~~العهد ولحق بدار الحرب بمنزلة المرتد في سائر الأحكام من الإرث والحكم بعتق ~~أمهات الأولاد والمدبرين ونحو ذلك؛ لأن المعنى الذي يوجب لحاقه، اللحاق ~~بالموت في الأحكام التي ذكرنا لا يفصل، إلا أنهما يفترقان من وجه: وهو أن ~~الذمي يسترق والمرتد لا يسترق وجه الفرق أن شرع الاسترقاق للتوسل إلى ~~الإسلام، واسترقاق المرتد لا يقع وسيلة إلى الإسلام لما ذكرنا أنه رجع بعد ~~ما ذاق طعم الإسلام، وعرف محاسنه فلا يرجى فلاحه، بخلاف الذمي والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان أحكام البغاة] # (فصل) . # وأما بيان أحكام البغاة فالكلام فيه في مواضع: في تفسير البغاة، وفي بيان ~~ما يلزم إمام أهل العدل عند خروجهم عليه، وفي بيان ما يصنع بهم وبأموالهم ~~عند الظفر بهم والاستيلاء على أموالهم، وفي بيان من يجوز قتله منهم، ومن لا ~~يجوز، وفي بيان حكم إصابة الدماء والأموال من الطائفتين، وفي بيان ما يصنع ~~بقتلى الطائفتين، وفي بيان حكم قضاياهم أما تفسير البغاة، فالبغاة هم ~~الخوارج، وهم قوم من رأيهم أن كل ذنب كفر، كبيرة كانت أو صغيرة، يخرجون على ~~إمام أهل العدل، ويستحلون القتال والدماء والأموال بهذا التأويل، ولهم منعة ~~وقوة. # وأما بيان ما يلزم إمام العدل عند خروجهم فنقول - وبالله التوفيق: إن علم ~~الإمام أن الخوارج يشهرون السلاح ويتأهبون للقتال، فينبغي له أن يأخذهم ~~ويحبسهم حتى يقلعوا عن ذلك، ويحدثوا توبة؛ لأنه لو تركهم لسعوا في الأرض ~~بالفساد، فيأخذهم على أيديهم ولا يبدؤهم الإمام بالقتال حتى يبدءوه؛ لأن ~~قتالهم لدفع شرهم لا لشر شركهم لأنهم مسلمون، فما لم يتوجه الشر منهم لا ~~يقاتلهم، وإن لم يعلم الإمام بذلك حتى تعسكروا وتأهبوا للقتال فينبغي له أن ~~يدعوهم إلى العدل، والرجوع إلى رأي الجماعة أولا لرجاء الإجابة وقبول ~~الدعوة، كما في حق أهل الحرب. # وكذا روي أن سيدنا ms4282 عليا - رضي الله عنه - لما خرج عليه أهل حروراء ندب ~~إليهم عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - ليدعوهم إلى العدل، فدعاهم ~~وناظر هم، فإن أجابوا كف عنهم وإن أبوا قاتلهم؛ لقوله تعالى {فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} [الحجرات: 9] ~~وكذا قاتل سيدنا علي - رضي الله عنه - أهل حروراء بالنهروان بحضرة الصحابة ~~- رضي الله عنهم - تصديقا لقوله - عليه الصلاة والسلام - لسيدنا علي «إنك ~~تقاتل على التأويل كما تقاتل على التنزيل» والقتال على التأويل هو القتال ~~مع الخوارج، ودل الحديث على إمامة سيدنا علي - رضي الله عنه -؛ لأن النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - شبه قتال سيدنا علي - رضي الله عنه - على التأويل ~~بقتاله على التنزيل، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتاله ~~بالتنزيل، فلزم أن يكون سيدنا علي محقا في قتاله بالتأويل، فلو لم يكن إمام ~~حق لما كان محقا في قتاله إياهم، ولأنهم ساعون في الأرض بالفساد فيقتلون ~~دفعا للفساد على وجه الأرض. # وإن قاتلهم قبل الدعوة لا بأس بذلك؛ لأن الدعوة قد بلغتهم لكونهم في دار ~~الإسلام، ومن المسلمين أيضا ويجب على كل من دعاه الإمام إلى قتالهم أن ~~يجيبه إلى ذلك ولا يسعه التخلف إذا كان عنده غنى وقدرة؛ لأن طاعة الإمام ~~فيما ليس بمعصية فرض، فكيف فيما هو طاعة؟ والله - سبحانه وتعالى الموفق وما ~~روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه إذا وقعت الفتنة بين المسلمين ~~فينبغي للرجل أن يعتزل الفتنة، ويلزم بيته، محمول على وقت خاص، وهو أن لا ~~يكون إمام يدعوه إلى القتال وأما إذا كان فدعاه يفترض عليه الإجابة لما ~~ذكرنا. # وأما بيان ما يصنع بهم وبأموالهم عند الظفر بهم والاستيلاء على أموالهم ~~فنقول: الإمام إذا قاتل أهل البغي فهزمهم وولوا مدبرين، فإن كانت لهم فئة ~~ينحازون إليها، فينبغي لأهل العدل أن يقتلوا مدبرهم ويجهزوا على # PageV07P140 # جريحهم لئلا يتحيزوا إلى الفئة فيمتنعوا بها فيكروا على أهل العدل وأما ~~أسيرهم فإن شاء الإمام قتله استئصالا لشأفتهم، ms4283 وإن شاء حبسه لاندفاع شره ~~بالأسر والحبس، وإن لم يكن لهم فئة يتحيزون إليها لم يتبع مدبرهم، ولم يجهز ~~على جريحهم ولم يقتل أسيرهم؛ لوقوع الأمن عن شرهم عند انعدام الفئة. # (وأما) أموالهم التي ظهر أهل العدل عليها فلا بأس بأن يستعينوا بكراعهم ~~وسلاحهم على قتالهم كسرا لشوكتهم، فإذا استغنوا عنها أمسكها الإمام لهم؛ ~~لأن أموالهم لا تحتمل التملك بالاستيلاء لكونهم مسلمين، ولكن يحبسها عنهم ~~إلى أن يزول بغيهم فإذا زال ردها عليهم، وكذا ما سوى الكراع والسلاح من ~~الأمتعة لا ينتفع به، ولكن يمسك ويحبس عنهم إلى أن يزول بغيهم فيدفع إليهم ~~لما قلنا ويقاتل أهل البغي بالمنجنيق والحرق والغرق وغير ذلك مما يقاتل به ~~أهل الحرب؛ لأن قتالهم لدفع شرهم وكسر شوكتهم فيقاتلون بكل ما يحصل به ذلك، ~~وللإمام أن يوادعهم لينظروا في أمورهم، ولكن لا يجوز أن يأخذوا على ذلك ~~مالا لما ذكرنا من قبل. # (وأما) بيان من يجوز قتله منهم، ومن لا يجوز فكل من لا يجوز قتله من أهل ~~الحرب من الصبيان والنسوان والأشياخ والعميان لا يجوز قتله من أهل البغي؛ ~~لأن قتلهم لدفع شر قتالهم فيختص بأهل القتال وهؤلاء ليسوا من أهل القتال، ~~فلا يقتلون إلا إذا قاتلوا، فيباح قتلهم في حال القتال وبعد الفراغ من ~~القتال، إلا الصبيان والمجانين على ما ذكرنا في حكم أهل الحرب والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) العبد المأسور من أهل البغي فإن كان قاتل مع مولاه يجوز قتله، وإن ~~كان يخدم مولاه لا يجوز قتله، ولكن يحبس حتى يزول بغيهم فيرد عليهم. # (وأما) الكراع فلا يمسك ولكنه يباع ويحبس ثمنه لمالكه؛ لأن ذلك أنفع له، ~~ولا يجوز للعادل أن يبتدئ بقتل ذي رحم محرم منه من أهل البغي مباشرة، وإذا ~~أراد هو قتله، له أن يدفعه وإن كان لا يندفع إلا بالقتل فيجوز له أن يتسبب ~~ليقتله غيره، بأن يعقر دابته ليترجل فيقتله غيره بخلاف أهل الحرب فإنه يجوز ~~قتل سائر ذوي الرحم المحرم منه مباشرة وتسببا ابتداء ms4284 إلا الوالدين. # (ووجه) الفرق أن الشرك في الأصل مبيح لعموم قوله تبارك وتعالى {فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] إلا أنه خص منه الأبوان بنص خاص حيث ~~قال الله - تبارك وتعالى - {وصاحبهما في الدنيا معروفا} [لقمان: 15] فبقي ~~غيرهما على عموم النص بخلاف أهل البغي؛ لأن الإسلام في الأصل عاصم لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - «فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم» والباغي ~~مسلم، إلا أنه أبيح قتل غير ذي الرحم المحرم من أهل البغي دفعا لشرهم لا ~~لشوكتهم، ودفع الشر يحصل بالدفع والتسبيب ليقتله غيره، فبقيت العصمة عما ~~وراء ذلك بالدليل العاصم. # (وأما) بيان حكم إصابة الدماء والأموال من الطائفتين فنقول: لا خلاف في ~~أن العادل إذا أصاب من أهل البغي من دم أو جراحة أو مال استهلكه، إنه لا ~~ضمان عليه (وأما) الباغي إذا أصاب شيئا من ذلك من أهل العدل فقد اختلفوا ~~فيه، قال أصحابنا: إن ذلك موضوع وقال الشافعي - رحمه الله -: إنه مضمون. # (وجه) قوله أن الباغي جان فيستوي في حقه وجود المنعة وعدمها؛ لأن الجاني ~~يستحق التغليظ دون التخفيف. # (ولنا) ما روي عن الزهري أنه قال: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - متوافرون فاتفقوا أن كل دم استحل بتأويل القرآن فهو ~~موضوع، وكل مال استحل بتأويل القرآن فهو موضوع، وكل فرج استحل بتأويل ~~القرآن فهو موضوع ومثله لا يكذب فانعقد الإجماع من الصحابة - رضي الله عنهم ~~- على ما قلنا. # وإنه حجة قاطعة، والمعنى في المسألة ما نبه عليه الصحابة - رضي الله عنهم ~~- وهو أن لهم في الاستحلال تأويلا في الجملة وإن كان فاسدا لكن لهم منعة، ~~والتأويل الفاسد عند قيام المنعة يكفي لرفع الضمان، كتأويل أهل الحرب، ولأن ~~الولاية من الجانبين منقطعة لوجود المنعة، فلم يكن الوجوب مفيدا لتعذر ~~الاستيفاء فلم يجب، ولو فعلوا شيئا من ذلك قبل الخروج وظهور المنعة أو بعد ~~الانهزام وتفرق الجمع يؤخذون به؛ لأن المنعة إذا انعدمت الولاية وبقي مجرد ~~تأويل فاسد، فلا يعتبر في دفع الضمان، ولو قتل تاجر ms4285 من أهل العدل تاجرا آخر ~~من أهل العدل في عسكر أهل البغي، أو قتل الأسير من أهل العدل أسيرا آخر أو ~~قطع، ثم ظهر عليه فلا قصاص عليه؛ لأن الفعل لم يقع موجبا لتعذر الاستيفاء ~~وانعدام الولاية، كما لو قطع في دار الحرب؛ لأن عسكر أهل البغي في حق ~~انقطاع الولاية. # PageV07P141 # ودار الحرب سواء والله - عز وجل - أعلم ثم لا خلاف في أن العادل إذا قتل ~~باغيا لا يحرم الميراث؛ لأنه لم يوجد قتل نفس بغير حق لسقوط عصمة نفسه وأما ~~الباغي إذا قتل العادل يحرم الميراث عند أبي يوسف وعند أبي حنيفة ومحمد إن ~~قال: قتلته، وكنت على حق وأنا الآن على حق لا يحرم الميراث وإن قال: قتلته ~~وأنا أعلم أني على باطل يحرم. # (وجه) قول أبي يوسف أن تأويله فاسد، إلا أنه ألحق بالصحيح عند وجود ~~المنعة في حق الدفع لا في حق الاستحقاق، فلا يعتبر في حق استحقاق الميراث. # (وجه) قولهما أنا نعتبر تأويله في حق الدفع والاستحقاق؛ لأن سبب استحقاق ~~الميراث هو القرابة، وأنها موجودة، إلا أن قتل نفس بغير حق سبب الحرمان ~~فإذا قتله على تأويل الاستحلال، والمنعة موجودة اعتبرناه في حق الدفع وهو ~~دفع الحرمان، فأشبه الضمان، إلا أنه إذا قال: قتلته وأنا أعلم أني على باطل ~~يحرم الميراث؛ لأن التأويل الفاسد إنما يلحق بالصحيح إذا كان مصرا عليه، ~~فإذا لم يصر، فلا تأويل له، فلا يندفع عنه الضمان والله - سبحانه وتعالى - ~~أعلم. # (وأما) بيان ما يصنع بقتلى الطائفتين فنقول - وبالله تعالى التوفيق: ~~(أما) قتلى أهل العدل فيصنع بهم ما يصنع بسائر الشهداء، لا يغسلون، ويدفنون ~~في ثيابهم، ولا ينزع عنهم إلا ما لا يصلح كفنا، ويصلى عليهم؛ لأنهم شهداء ~~لكونهم مقتولين ظلما وقد روي أن زيد بن صوحان اليمني كان يوم الجمل تحت ~~راية سيدنا علي - رضي الله عنهما - فأوصى في رمقه: لا تنزعوا عني ثوبا، ولا ~~تغسلوا عني دما، وارمسوني في التراب رمسا، فإني رجل محاج أحاج يوم القيامة ~~(وأما) قتلى ms4286 أهل البغي فلا يصلى عليهم؛ لأنه روي أن سيدنا عليا - رضي الله ~~عنه - ما صلى على أهل حروراء، ولكنهم يغسلون ويكفنون ويدفنون؛ لأن ذلك من ~~سنة موتى بني سيدنا آدم - عليه الصلاة والسلام -. # ويكره أن تؤخذ رءوسهم، وتبعث إلى الآفاق، وكذلك رءوس أهل الحرب؛ لأن ذلك ~~من باب المثلة، وإنه منهي لقوله - عليه الصلاة والسلام - «لا لا تمثلوا» ~~فيكره إلا إذا كان في ذلك وهن لهم، فلا بأس به لما روي «أن عبد الله بن ~~مسعود - رضي الله عنه - جز رأس أبي جهل - عليه اللعنة - يوم بدر وجاء به ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إن أبا جهل كان فرعون هذه الأمة» ولم ينكر عليه. # ويكره بيع السلاح من أهل البغي وفي عساكرهم؛ لأنه إعانة لهم على المعصية، ~~ولا يكره بيع ما يتخذ منه السلاح كالحديد ونحوه؛ لأنه لا يصير سلاحا إلا ~~بالعمل ونظيره أنه يكره بيع المزامير، ولا يكره بيع ما يتخذ منه المزمار، ~~وهو الخشب والقصب، وكذا بيع الخمر باطل، ولا يبطل بيع ما يتخذ منه، وهو ~~العنب كذا هذا والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) بيان حكم قضاياهم، فنقول: الخوارج إذا ولوا قاضيا فالأمر لا يخلو ~~من أحد وجهين: إما أن ولوا رجلا من أهل البغي، وإما أن ولوا رجلا من أهل ~~العدل فإن ولوا رجلا من أهل البغي فقضى بقضايا ثم رفعت قضاياه إلى قاضي أهل ~~العدل لا ينفذها؛ لأنه لا يعلم كونها حقا؛ لأنهم يستحلون دماءنا وأموالنا، ~~فاحتمل أنه قضى بما هو باطل على رأي الجماعة، فلا يجوز له تنفيذه مع ~~الاحتمال، ولو كتب قاضي أهل البغي إلى قاضي أهل العدل بكتاب، فإن علم أنه ~~قضى بشهادة أهل العدل أنفذه؛ لأنه تنفيذ لحق ظاهر، وإن كان لا يعلم لا ~~ينفذه؛ لأنه لا يعلم كونه حقا، فلا يجوز تنفيذه لقوله - تبارك وتعالى - ~~{ولا تقف ما ليس لك به علم} [الإسراء: 36] # وإن ولوا رجلا من أهل العدل فقضى فيما بينهم ms4287 بقضايا، ثم رفعت قضاياه إلى ~~قاضي أهل العدل نفذها؛ لأن التولية إياه قد صحت، ولأنه يقدر على تنفيذ ~~القضايا بمنعتهم وقوتهم، فصحت التولية، والظاهر أنه قضى على رأي أهل العدل، ~~فلا يملك إبطاله، كما إذا رفعت قضايا قاضي أهل العدل إلى بعض قضاة أهل ~~العدل. # وما أخذوا من البلاد التي ظهروا عليها من الخراج والزكاة التي ولاية ~~أخذها للإمام لا يأخذه الإمام ثانيا؛ لأن حق الأخذ للإمام لمكان حمايته، ~~ولم توجد، إلا أنهم يفتون بأن يعيدوا الزكاة استحسانا؛ لأن الظاهر أنهم لا ~~يصرفونها إلى مصارفها، فأما الخراج فمصرفه المقاتلة، وهم يقاتلون أهل الحرب ~~والله - تعالى - أعلم. ### | [كتاب الغصب] # جمع محمد - رحمه الله - في كتاب الغصب بين مسائل الغصب وبين مسائل ~~الإتلاف، وبدأ بمسائل الغصب، فنبدأ بما بدأ به # PageV07P142 # فنقول وبالله التوفيق: معرفة مسائل الغصب في الأصل مبنية على معرفة حد ~~الغصب، وعلى معرفة حكم اختلاف الغاصب والمغصوب منه. # (أما) حد الغصب فقد اختلف العلماء فيه قال أبو حنيفة وأبو يوسف - رضي ~~الله عنهما -: هو إزالة يد المالك عن ماله المتقوم على سبيل المجاهرة ~~والمغالبة بفعل في المال وقال محمد - رحمه الله -: الفعل في المال ليس ~~بشرط؛ لكونه غصبا وقال الشافعي - رحمه الله -: هو إثبات اليد على مال الغير ~~بغير إذنه، والإزالة ليست بشرط. # (أما) الكلام مع الشافعي - رحمه الله - فهو احتج لتمهيد أصله بقوله ~~سبحانه وتعالى: {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} [الكهف: 79] جعل ~~الغصب مصدر الأخذ، فدل أن الغصب والأخذ واحد، والأخذ: إثبات اليد، إلا أن ~~الإثبات إذا كان بإذن المالك يسمى: إيداعا وإعارة وإبضاعا في عرف الشرع، ~~وإذا كان بغير إذن المالك يسمى في متعارف الشرع: غصبا، ولأن الغصب إنما جعل ~~سببا لوجوب الضمان بوصف كونه تعديا، فإذا وقع الإثبات بغير إذن المالك وقع ~~تعديا، فيكون سببا لوجوب الضمان بوصف كونه تعديا، والدليل عليه: أن غاصب ~~الغاصب ضامن، وإن لم يوجد منه إزالة يد المالك لزوالها بغصب الغاصب الأول، ~~وإزالة الزائل محال، والله سبحانه وتعالى أعلم. # (ولنا) ms4288 الاستدلال بضمان الغصب من وجهين: أحدهما: أن المالك استحق إزالة ~~يد الغاصب عن الضمان، فلا بد وأن يكون الغصب منه إزالة يد المالك؛ لأن الله ~~تبارك وتعالى لم يشرع الاعتداء إلا بالمثل بقوله سبحانه وتعالى: {فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] والثاني: أن ضمان ~~الغصب لا يخلو إما أن يكون ضمان زجر، وإما أن يكون ضمان جبر، ولا سبيل إلى ~~الأول؛ لأنه يجب على من ليس من أهل الزجر، ولأن الانزجار لا يحصل به، فدل ~~أنه: ضمان جبر، والجبر يستدعي الفوات، فدل أنه لا بد من التفويت لتحقق ~~الغصب، ولا حجة له في الآية؛ لأن الله تعالى فسر أخذ الملك تلك السفينة ~~بغصبه إياها، كأنه قال سبحانه وتعالى: وكان وراءهم ملك يغصب كل سفينة وهذا ~~لا يدل على أن كل أخذ غصب، بل هي حجة عليه؛ لأن غصب ذلك الملك كان إثبات ~~اليد على السفينة مع إزالة أيدي المساكين عنها، فدل على أن الغصب إثبات على ~~وجه يتضمن الإزالة. # (وأما) قوله: الغصب إنما أوجب الضمان لكونه تعديا فمسلم، لكن التعدي في ~~الإزالة لا في الإثبات؛ لأن وقوعه تعديا بوقوعه ضارا بالمالك، وذلك بإخراجه ~~من أن يكون منتفعا به في حق المالك، وإعجازه عن الانتفاع به، وهو تفسير ~~تفويت اليد وإزالتها. # (فأما) مجرد الإثبات فلا ضرر فيه، فلم يكن الإثبات تعديا، وعلى هذا الأصل ~~يخرج زوائد الغصب أنها ليست بمضمونة، سواء كانت منفصلة كالولد واللبن ~~والثمرة، أو متصلة كالسمن والجمال؛ لأنها لم تكن في يد المالك وقت غصب ~~الأم، فلم توجد إزالة يده عنها، فلم يوجد الغصب. # وعند محمد مضمونة؛ لأن الغصب عنده: إثبات اليد على مال الغير بغير إذن ~~مالكه، وقد وجد الغصب، وهل تصير مضمونة عندنا بالبيع والتسليم والمنع أو ~~الاستهلاك أو الاستخدام جبرا. # (أما) المنفصلة: فلا خلاف بين أصحابنا - رضي الله عنهم - في أنها تصير ~~مضمونة بها. # (وأما) المتصلة: فذكر في الأصل أنها تصير مضمونة بالبيع والتسليم، ولم ~~يذكر الخلاف، وصورة المسألة: إذا غصب ms4289 جارية قيمتها ألف درهم، فازدادت في ~~بدنها خيرا حتى صارت قيمتها ألفي درهم فباعها، وسلمها إلى المشتري فهلكت في ~~يده، فالمالك بالخيار إن شاء ضمن المشتري قيمتها ألفي درهم، وإن شاء ضمن ~~البائع، فإن اختار تضمين المشتري ضمنه قيمتها يوم القبض ألفي درهم، وإن ~~اختار تضمين البائع ضمنه بالبيع والتسليم قيمتها ألفي درهم أيضا، كذا ذكر ~~في الأصل، ولم يذكر الخلاف. # وحكى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله الخلاف: أن على قول أبي حنيفة - رحمه ~~الله - إن شاء ضمن المشتري قيمتها يوم القبض ألفي درهم، وإن شاء ضمن الغاصب ~~قيمتها يوم الغصب ألف درهم، وليس له أن يضمنه زيادة بالبيع والتسليم وكذا ~~ذكره الحاكم الشهيد في المنتقى، وحكى الخلاف، وهكذا ذكر الطحاوي في مختصره، ~~إلا أنه ذكر الاستهلاك مطلقا، فقال: إلا أن يستهلكها، وفسره الجصاص في شرحه ~~مختصر الطحاوي فقال: إلا أن يكون عبدا أو جارية فيقتل، وهذا هو الصحيح، أن ~~المغصوب إذا كان عبدا أو جارية فقتله الغاصب خطأ يكون المالك بالخيار، إن ~~شاء ضمن الغاصب قيمته يوم الغصب، وإن شاء ضمن عاقلة القاتل قيمته وقت القتل ~~زائدة في ثلاث سنين. # (وجه) قولهما أن البيع والتسليم غصب؛ لأنه تفويت إمكان الأخذ؛ لأن المالك # PageV07P143 # كان متمكنا من أخذه منه قبل البيع والتسليم، وبعد البيع والتسليم لم يبق ~~متمكنا، وتفويت إمكان الأخذ تفويت اليد معنى، فكان غصبا موجبا للضمان، وهذا ~~لأن تفويت يد المالك إنما كان غصبا موجبا للضمان؛ لكونه إخراج المال من أن ~~يكون منتفعا به في حق المالك، وإعجازه عن الانتفاع بماله، وهذا يحصل بتفويت ~~إمكان الأخذ فيوجب الضمان، ولهذا يجب الضمان على غاصب الغاصب ومودع الغاصب ~~والمشتري من الغاصب، كذا هذا ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أن الأصل مضمون ~~بالغصب الأول، فلا يقع البيع والتسليم غصبا له؛ لأن غصب المغصوب لا يتصور، ~~والزيادة المتصلة لا يتصور إفرادها بالغصب لتصير مغصوبة بالبيع والتسليم، ~~بخلاف الزيادة المنفصلة فإن إفرادها بالغصب بدون الأصل متصور، فلم تكن ~~مغصوبة بالغصب الأول لانعدامها، فجاز ms4290 أن تصير مغصوبة بالبيع والتسليم، فهذا ~~الفرق بين الزيادتين، وبخلاف القتل؛ لأن قتل المغصوب متصور؛ لأن محل القتل ~~غير محل الغصب، فمحل القتل هو الحياة، ومحل الغصب هو مالية العين، فتحقق ~~الغصب لا يمنع تحقق القتل، إلا أن المضمون واحد، والمستحق للضمان واحد، ~~فيخير، ولأن الأصل مضمون بالغصب السابق لا شك فيه، فيصير مملوكا للغاصب من ~~ذلك الوقت بلا خلاف بين أصحابنا - رحمهم الله -. # (وأما) الزيادة المتصلة: فالزيادة حصلت على ملك الغاصب؛ لأنها نماء ملكه ~~فتكون ملكه، فكان البيع والتسليم والمنع والاستخدام والاستهلاك في غير بني ~~آدم تصرفا في ملك نفسه، فلا يكون مضمونا عليه، كما لو تصرف في سائر أملاكه ~~بخلاف الزيادة المنفصلة؛ لأنا أثبتنا الملك بطريق الاستناد فالمستند يظهر ~~من وجه ويقتصر على الحال من وجه، فيعمل بشبهة الظهور في الزوائد المتصلة ~~وبشبهة الاقتصار في المنفصلة، إذ لا يكون العمل به على العكس ليكون عملا ~~بالشبهين بقدر الإمكان. # (وأما) على طريق الظهور المحض فتخريجهما مشكل والله تعالى الموفق، بخلاف ~~القتل؛ لأن العبد إنما يضمن بالقتل من حيث إنه آدمي لا من حيث إنه مال، ~~والغاصب إنما ملكه بالضمان من وقت الغصب من حيث إنه مال لا من حيث إنه ~~آدمي؛ لأنه من حيث إنه آدمي لا يحتمل التملك، فلم يكن هو بالقتل متصرفا في ~~ملك نفسه، لهذا افترقا والله سبحانه وتعالى أعلم. # ثم على أصلها: إذا اختار المالك تضمين البائع، هل يثبت له الخيار بين أن ~~يضمنه ألفي درهم وقت البيع، وبين أن يضمنه ألف درهم وقت الغصب، قال بعض ~~مشايخنا: يثبت، وهذا غير سديد؛ لأن التخيير بين القليل والكثير عند اتحاد ~~الذمة من باب السفه، بخلاف التخيير بين البائع والمشتري عند أبي حنيفة - ~~رحمه الله -؛ لأن هناك الذمة مختلفة، فمن الجائز أن يكون أحدهما مليا ~~والآخر مفلسا، فكان التخيير مفيدا وبخلاف القتل؛ لأن ضمان القتل ضمان الدم ~~وأنه مؤجل إلى ثلاث سنين، وضمان الغصب ضمان المال وأنه حال، فكان التخيير ~~مفيدا، ثم إذا ضمن المالك الغاصب قيمة ms4291 المغصوب وقت الغصب أو وقت البيع ~~والتسليم جاز البيع؛ لأنه تبين أنه باع ملك نفسه والثمن له؛ لأنه بدل ملكه ~~وإن ضمن المشتري قيمته وقت القبض بطل البيع ورجع المشتري بالثمن على ~~البائع؛ لأنه تبين أنه أخذه بغير حق. # وليس له أن يرجع على البائع بالضمان. # ، ولو غصب من إنسان شيئا، فجاء آخر وغصبه منه فهلك في يده، فالمالك ~~بالخيار، إن شاء ضمن الأول، وإن شاء ضمن الثاني أما تضمين الأول فلوجود فعل ~~الغصب منه: وهو تفويت يد المالك. # وأما تضمينه الثاني؛ فلأنه فوت يد الغاصب الأول، ويده يد المالك من وجه؛ ~~لأنه يحفظ ماله ويتمكن من رده على المالك ويستقر بهما الضمان في ذمته، ~~فكانت منفعة يده عائدة إلى المالك، فأشبهت يد المودع، وقد وجد من كل واحد ~~منهما سبب وجوب الضمان، إلا أن المضمون واحد فخيرنا المالك لتعين المستحق، ~~فإن اختار أن يضمن الأول رجع بالضمان على الثاني؛ لأنه ملك المغصوب من وقت ~~غصبه، فتبين أن الثاني غصب ملكه، وإن اختار تضمين الثاني لا يرجع على أحد؛ ~~لأنه ضمن بفعل نفسه وهو تفويت يد المالك من وجه على ما بينا، وكذلك إن ~~استهلكه الغاصب الثاني، ومتى اختار تضمين أحدهما، هل يبرأ الآخر عن الضمان ~~بنفس الاختيار؟ ذكر في الجامع أنه يبرأ، حتى لو أراد تضمينه بعد ذلك لم يكن ~~له ذلك. # وروى ابن سماعة - رحمه الله - في نوادره عن محمد أنه لا يبرأ ما لم يرض ~~من اختار تضمينه أو يقضي به عليه. # (وجه) رواية النوادر أن عند وجود الرضا أو القضاء بالضمان صار المغصوب ~~ملكا للذي ضمنه؛ لأنه باعه منه، فلا يملك # PageV07P144 # الرجوع بعد تمليكه، كما لو باعه من الأول، فأما قبل وجود الرضا أو القضاء ~~بالضمان صار المغصوب ملكا للذي ضمنه؛ لأنه باعه منه، فلا يملك الرجوع بعد ~~تمليكه، كما لو باعه من الأول، فأما قبل وجود الرضا أو القضاء، فلم يوجد ~~منه التمليك من أحدهما، فله أن يملكه من أيهما شاء. # (وجه) رواية الجامع ما ms4292 ذكرنا أنه باختياره تضمين الغاصب الآخر أظهر أنه ~~راض بأخذ الأول، وإنه بمنزلة المودع، وباختيار تضمين الأول أظهر أن الثاني ~~ما أتلف عليه شيئا؛ لأنه لم يفوت يده والله سبحانه وتعالى أعلم ولو باع ~~الغاصب المغصوب من الثاني فهلك في يده، يتخير المالك فيضمن أيهما شاء، فإن ~~ضمن الغاصب جاز بيعه والثمن له لما ذكرنا. # وإن ضمن المشتري بطل البيع ولا يرجع بالضمان على البائع، ولكنه يرجع ~~بالثمن عليه لما ذكرنا، وكذلك لو استهلكه المشتري، ولو كان المغصوب عبدا ~~فأعتقه المشتري من الغاصب، ثم أجاز المالك البيع، نفذ إعتاقه استحسانا، ~~وعند محمد وزفر رحمهما الله لا ينفذ قياسا، ولا خلاف في أنه لو باعه ~~المشتري، ثم أجاز المالك البيع الأول أنه لا ينفذ البيع الثاني. # (وجه) القياس ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا ~~عتق فيما لا يملكه ابن آدم ولا ملك للمشتري في العبد» ؛ لأنه ملك المغصوب ~~منه، فلا ينعقد إعتاقه فيه فينفذ عليه عند الإجازة، ولهذا لم ينفذ بيعه. # (وجه) الاستحسان أن إعتاق المشتري صادف ملكا على التوقف فينعقد على ~~التوقف، كالمشتري من الوارث عبدا من التركة المستغرقة بالدين إذا أعتقه، ثم ~~أبرأ الغرماء الميت عن ديونهم، والدليل على أن الإعتاق صادف ملكا على ~~التوقف: أن سبب الملك انعقد على التوقف وهو البيع المطلق الخالي عن الشرط ~~ممن هو من أهل البيع في محل قابل، إلا أنه لم ينفذ دفعا للضرر عن المالك، ~~ولا ضرر عليه في التوقف فيتوقف، وإذا توقف سبب الملك يتوقف الملك فيتوقف ~~الإعتاق، بخلاف البيع فإنه يعتمد شروطا أخر، ألا ترى أنه لا يجوز بيع ~~المنقول قبل القبض مع قيام الملك لمعنى الغرر، وفي توقيف نفاذ البيع الأول ~~تحقيق معنى الغرر، ولو أودع الغاصب المغصوب فهلك في يد المودع يتخير المالك ~~في التضمين، فإن ضمن الغاصب لا يرجع بالضمان على أحد؛ لأنه تبين أنه أودع ~~ملك نفسه. # وإن ضمن المودع يرجع على الغاصب؛ لأنه غره بالإيداع فيرجع عليه بضمان ms4293 ~~الغرر، وهو ضمان الالتزام في الحقيقة، ولو استهلكه المودع فالجواب على ~~القلب من الأول أنه إن ضمن الغاصب فالغاصب يرجع بالضمان على المودع؛ لأنه ~~تبين أنه استهلك ماله، وإن ضمن المودع لم يرجع على الغاصب؛ لأنه ضمن بفعل ~~نفسه، فلا يرجع على أحد، ولو آجر الغاصب المغصوب أو رهنه من إنسان فهلك في ~~يده يتخير المالك، فإن ضمن الغاصب لا يرجع على المستأجر والمرتهن؛ لأنه ~~تبين أنه آجر ورهن ملك نفسه، إلا أن في الرهن يسقط دين المرتهن على ما هو ~~حكم هلاك الرهن، وإن ضمن المستأجر أو المرتهن يرجع على الغاصب بما ضمن، ~~والمرتهن يرجع بدينه أيضا. # أما رجوع المرتهن بالضمان، فلا شك فيه لصيرورته مغرورا. # وأما رجوع المستأجر؛ فلأنه وإن استفاد ملك المنفعة لكن بعوض وهو الأجرة ~~فيتحقق الغرور فأشبه المودع، ولو استهلكه المستأجر أو المرتهن يتخير ~~المالك، إلا أنه إن ضمن الغاصب يرجع على المستأجر والمرتهن؛ لأنه تبين أنه ~~آجر ملك نفسه ورهن ملك نفسه فاستهلكه المستأجر والمرتهن، وإن ضمن المستأجر ~~أو المرتهن لم يرجع على أحد؛ لأنه ضمن بفعل نفسه والله سبحانه وتعالى أعلم ~~ولو أعاره الغاصب فهلك في يد المستعير يتخير المالك، وأيهما ضمن لا يرجع ~~بالضمان على صاحبه أما الغاصب، فلا شك فيه؛ لأنه أعار ملك نفسه فهلك في يد ~~المستعير. # وأما المستعير فلأنه استفاد ملك المنفعة فلم يتحقق الغرور والله تعالى ~~أعلم. # وعلى هذا تخرج منافع الأعيان المنقولة المغصوبة أنها ليست بمضمونة عندنا، ~~وعند الشافعي - رحمه الله - مضمونة، نحو ما إذا غصب عبدا أو دابة فأمسكه ~~أياما ولم يستعمله، ثم رده على مالكه؛ لأنه لم يوجد تفويت يد المالك عن ~~المنافع؛ لأنها أعراض تحدث شيئا فشيئا على حسب حدوث الزمان، فالمنفعة ~~الحادثة على يد الغاصب لم تكن موجودة في يد المالك، فلم يوجد تفويت يد ~~المالك عنها، فلم يوجد الغصب، وعنده حد الغصب إثبات اليد على مال الغير ~~بغير إذن مالكه. # وقد وجد في المنافع والمنفعة مال بدليل أنه يجوز أخذ العوض عنها ms4294 في ~~الإجارة، وتصلح مهرا في النكاح، فتحقق الغصب فيها، فيجب الضمان، وعلى هذا ~~يخرج ما إذا غصب دارا أو عقارا فانهدم شيء من # PageV07P145 # البناء، أو جاء سيل فذهب بالبناء والأشجار، أو غلب الماء على الأرض فبقيت ~~تحت الماء أنه لا ضمان عليه في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وأبي يوسف ~~الآخر، وعند محمد وهو قول أبي يوسف الأول يضمن، وهو قول الشافعي - رحمه ~~الله - أما الشافعي فقد مر على أصله في تحديد الغصب أنه إثبات اليد على مال ~~الغير بغير إذن مالكه، وهذا يوجد في العقار، كما يوجد في المنقول. # وأما محمد - رحمه الله - تعالى فقد مر على أصله في حد الغصب أنه إزالة يد ~~المالك عن ماله، والفعل في المال ليس بشرط، وقد وجد تفويت يد المالك عن ~~العقار؛ لأن ذلك عبارة عن إخراج المال من أن يكون منتفعا به في حق المالك، ~~أو إعجاز المالك عن الانتفاع به، وهذا كما يوجد في المنقول يوجد في العقار ~~فيتحقق الغصب، والدليل عليه مسألة ذكرناها في الرجوع عن الشهادات وهي: أن ~~من ادعى على آخر دارا فأنكر المدعى عليه فأقام المدعي شاهدين وقضى القاضي ~~بشهادتهما، ثم رجعا يضمنان. # كما لو كانت الدعوى في المنقول، فقد سوى بين العقار والمنقول في ضمان ~~الرجوع، فدل أن الغصب الموجب للضمان يتحقق فيهما جميعا وأما أبو حنيفة وأبو ~~يوسف رحمهما الله فمرا على أصلهما أن الغصب إزالة يد المالك عن ماله بفعل ~~في المال ولم يوجد في العقار، والدليل على أن هذا شرط تحقق الغصب: ~~الاستدلال بضمان الغصب، فإن أخذ الضمان من الغاصب تفويت يده عنه بفعل في ~~الضمان، فيستدعي وجود مثله منه في المغصوب، ليكون اعتداء بالمثل، وعلى ~~أنهما إن سلما تحقق الغصب في العقار، فالأصل في الغصب أن لا يكون سببا ~~لوجوب الضمان؛ لأن أخذ الضمان من الغاصب إتلاف ماله عليه. # ألا ترى أنه تزول يده وملكه عن الضمان، فيستدعي وجود الإتلاف منه إما ~~حقيقة أو تقديرا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم ms4295 يشرع الاعتداء، إلا بالمثل، ~~قال الله سبحانه وتعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى ~~عليكم} [البقرة: 194] ولم يوجد هاهنا الإتلاف من الغاصب لا حقيقة ولا ~~تقديرا أما الحقيقة فظاهرة. # وأما التقدير فلأن ذلك بالنقل والتحويل والتغييب عن المالك على وجه لا ~~يقف على مكانه، ولهذا لو حبس رجلا حتى ضاعت مواشيه، وفسد زرعه لا ضمان ~~عليه، والعقار لا يحتمل النقل والتحويل، فلم يوجد الإتلاف حقيقة وتقديرا ~~فينتفي الضمان لضرورة النص، وعلى هذا الاختلاف إذا غصب عقارا فجاء إنسان ~~فأتلفه فالضمان على المتلف عندهما؛ لأن الغصب لا يتحقق في العقار فيعتبر ~~الإتلاف، وعند محمد يتحقق الغصب فيه فيتخير المالك، فإن اختار تضمين الغاصب ~~فالغاصب يرجع بالضمان على المتلف، وإن اختار تضمين المتلف لا يرجع على أحد؛ ~~لأنه ضمن بفعل نفسه. # (وأما) مسألة الرجوع عن الشهادة فمن أصحابنا من منعها، وقال: إن محمدا - ~~رحمه الله - بنى الجواب على أصل نفسه، فأما على قولهما فلا يضمنان، ومنهم ~~من سلم ولا بأس بالتسليم؛ لأن ضمان الرجوع ضمان إتلاف لا ضمان غصب والعقار ~~مضمون بالإتلاف بلا خلاف، وعلى هذا يخرج ما إذا غصب صبيا حرا من أهله فمات ~~في يده من غير آفة أصابته، بأن مرض في يده فمات، أنه لا يضمن؛ لأن كون ~~المغصوب مالا شرط تحقق الغصب، والحر ليس بمال ولو مات في يده بآفة بأن عقره ~~أسد أو نهشته حية ونحو ذلك يضمن لوجود الإتلاف منه تسبيبا، والحر يضمن ~~بالإتلاف مباشرة وتسبيبا على ما نذكره في مسائل الإتلاف إن شاء الله تعالى ~~ولو غصب مدبرا فهلك في يده يضمن؛ لأن المدبر مال متقوم، إلا أنه امتنع جواز ~~بيعه إذا كان مدبرا مطلقا مع كونه مالا متقوما لانعقاد سبب الحرية للحال. # وفي البيع إبطال السبب على ما عرف، وكذلك لو غصب مكاتبا فهلك في يده؛ ~~لأنه عبد ما بقي عليه درهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان ~~مالا متقوما، ومعتق البعض بمنزلة المكاتب على أصل أبي حنيفة فكان ms4296 مضمونا ~~بالغصب كالمكاتب، وعلى أصلهما هو حر عليه دين، والحر لا يضمن بالغصب، ولو ~~غصب أم ولد إنسان فهلكت عندهم لم يضمن عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ~~وعندهما يضمن، وأم الولد لا تضمن بالغصب، ولا بالقبض في البيع الفاسد، ولا ~~بالإعتاق كجارية بين رجلين جاءت بولد فادعياه جميعا، ثم أعتقها أحدهما لا ~~يضمن لشريكه شيئا، ولا تسعى هي في شيء أيضا عنده، وعندهما يضمن في ذلك كله ~~كالمدبر، ولقب المسألة: أن أم الولد هل هي متقومة من حيث إنها مال أم لا ~~ولا خلاف أنها متقومة بالقتل، ولا خلاف في أن المدبر متقوم. # (وجه) قولهما أنها كانت مالا متقوما، والاستيلاد لا يوجب المالية ~~والتقوم؛ لأنه # PageV07P146 # لا يثبت به إلا حق الحرية فإنه لا يبطل المالية والتقوم، كما في المدبر. # (وجه) قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن الاستيلاد إعتاق لما روي عن ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه «قال في جاريته مارية: أعتقها ولدها» ~~فظاهره يقتضي ثبوت العتق للحال في جميع الأحكام، إلا أنه تأخر في حق بعض ~~الأحكام، فمن ادعى التأخر في حق سقوط المالية والتقوم فعليه الدليل بخلاف ~~المدبر؛ لأن التدبير ليس بإعتاق للحال على معنى أنه لا يثبت به العتق للحال ~~أصلا، وإنما الموجود للحال مباشرة سبب العتق من غير عتق، وهذا لا يمنع بقاء ~~المالية والتقويم، ويمنع جواز البيع لما قلنا، وعلى هذا يخرج ما إذا غصب ~~جلد ميتة لذمي أو لمسلم فهلك في يده أو استهلكه أنه لا يضمن؛ لأن الميتة ~~والدم ليسا بمال في الأديان كلها. # ولو دبغه الغاصب وصار مالا فحكمه نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، وعلى ~~هذا يخرج ما إذا غصب خمرا لمسلم أو خنزيرا له فهلك في يده أنه لا يضمن، ~~سواء كان الغاصب مسلما أو ذميا؛ لأن الخمر ليست بمال متقوم في حق المسلم ~~وكذا الخنزير، فلا يضمنان بالغصب. # ولو غصب خمرا أو خنزيرا لذمي فهلك في يده يضمن سواء كان الغاصب ذميا أو ~~مسلما غير أن الغاصب ms4297 إن كان ذميا فعليه في الخمر مثلها، وفي الخنزير قيمته ~~وإن كان مسلما فعليه القيمة فيهما جميعا، وهذا عندنا وقال الشافعي: لا ضمان ~~على غاصب الخمر والخنزير كائنا من كان. # (وجه) قوله: أن حرمة الخمر والخنزير ثابتة في حق الناس كافة لقوله سبحانه ~~وتعالى في صفة الخمور أنه: {رجس من عمل الشيطان} [المائدة: 90] وصفة المحل ~~لا تختلف باختلاف الشخص وقوله - عليه الصلاة والسلام -: «حرمت الخمر ~~لعينها» أخبر - عليه الصلاة والسلام - كونها محرمة وجعل علة حرمتها عينها، ~~فتدور الحرمة مع العين، وإذا كانت محرمة لا تكون مالا؛ لأن المال ما يكون ~~منتفعا به حقيقة، مباح الانتفاع به شرعا على الإطلاق. # (ولنا) ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في الحديث المعروف: ~~«فأعلموهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين» وللمسلم الضمان إذا ~~غصب منه خله وشاته ونحو ذلك إذا هلك في يد الغاصب، فيلزم أن يكون للذمي ~~الضمان إذا غصب منه خمره أو خنزيره؛ ليكون لهم ما للمسلمين عملا بظاهر ~~الحديث وأما الكلام في المسألة من حيث المعنى: فبعض مشايخنا قالوا: الخمر ~~مباح في حق أهل الذمة وكذا الخنزير، فالخمر في حقهم كالخل في حقنا، ~~والخنزير في حقهم كالشاة في حقنا في حق الإباحة شرعا. # فكان كل واحد منهما مالا متقوما في حقهم، ودليل الإباحة في حقهم أن كل ~~واحد منهم منتفع به حقيقة؛ لأنه صالح لإقامة مصلحة البقاء، والأصل في أسباب ~~البقاء هو الإطلاق، إلا أن الحرمة في حق المسلم تثبت نصا غير معقول المعنى، ~~أو معقول المعنى لمعنى لا يوجد هاهنا، أو يوجد لكنه يقتضي الحل لا الحرمة، ~~وهو قوله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في ~~الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: ~~91] لأن الصد لا يوجد في الكفرة، والعداوة فيما بينهم واجب الوقوع، ولأنها ~~سبب المنازعة والمنازعة سبب الهلاك، وهذا يوجب الحل لا الحرمة، فلا تثبت ~~الحرمة في حقهم، وبعضهم قالوا: إن الحرمة ثابتة في حقهم، ms4298 كما هي ثابتة في ~~حق المسلمين؛ لأن الكفار مخاطبون بشرائع هي حرمات عندنا، وهو الصحيح من ~~الأقوال على ما عرف في أصول الفقه، وعلى هذا طريق وجوب الضمان وجهان:. # أحدهما: أن الخمر، وإن لم يكن مالا متقوما في الحال فهي بعرض أن تصير ~~مالا متقوما في الثاني بالتخلل والتخليل، ووجوب ضمان الغصب والإتلاف يعتمد ~~كون المحل المغصوب والمتلف مالا متقوما في الجملة ولا يقف على ذلك للحال، ~~ألا ترى أن المهر والجحش وما لا منفعة له في الحال مضمون بالغصب والإتلاف، ~~والثاني: أن الشرع منعنا عن التعرض لهم بالمنع عن شرب الخمر وأكل الخنزير؛ ~~لما روي عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه قال: «أمرنا بأن نتركهم وما ~~يدينون» ، ومثله لا يكذب، وقد دانوا شرب الخمر وأكل الخنزير فلزمنا ترك ~~التعرض لهم في ذلك، وبقي الضمان بالغصب والإتلاف يفضي إلى التعرض؛ لأن ~~السفيه إذا علم أنه إذا غصب أو أتلف لا يؤاخذ بالضمان يقدم على ذلك، وفي ~~ذلك منعهم وتعرض لهم من حيث المعنى والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو كان لمسلم خمر غصبها ذمي أو مسلم فهلكت عند الغاصب أو خللها، فلا ~~ضمان عليه، ولو استهلكها يضمن خلا مثلها؛ لأن الغصب حين وجوده لم ينعقد ~~سببا لوجوب الضمان، ولم يوجد من الغاصب صنع آخر؛ لأن الهلاك ليس من صنعه، ~~فلا يضمن، وإن استهلكه فقد وجد منه # PageV07P147 # صنع آخر سوى الغصب، وهو إتلاف خل مملوك للمغصوب منه فيضمن ولو غصب مسلم ~~من نصراني صليبا له فهلك في يده يضمن قيمته صليبا؛ لأنه مقر على ذلك والله ~~سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا استخدم عبد رجل بغير أمره، أو ~~بعثه في حاجة، أو قاد دابة له، أو ساقها، أو ركبها، أو حمل عليها بغير إذن ~~صاحبها أنه ضامن بذلك، سواء عطب في تلك الخدمة أو في مضيه في حاجته أو مات ~~حتف أنفه؛ لأن يد المالك كانت ثابتة عليه. # وإذا أثبت يد التصرف عليه فقد فوت يد المالك فيتحقق الغصب ms4299 ولو دخل دار ~~إنسان بغير إذنه، وليس في الدار أحد فهلك في يده لم يضمن في قولهما، وعند ~~محمد يضمن، وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم ولو جلس على فراش غيره أو بساط ~~غيره بغير إذنه فهلك لا يضمن بالإجماع؛ لأن تفويت يد المالك فيما يحتمل ~~النقل لا يحصل بدون النقل، فلم يتحقق الغصب، فلا يجب الضمان والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | [فصل في حكم الغصب] # (فصل) : # وأما حكم الغصب فله في الأصل حكمان: أحدهما: يرجع إلى الآخرة، والثاني: ~~يرجع إلى الدنيا. # أما الذي يرجع إلى الآخرة فهو الإثم واستحقاق المؤاخذة إذا فعله عن علم؛ ~~لأنه معصية، وارتكاب المعصية على سبيل التعمد سبب لاستحقاق المؤاخذة، وقد ~~روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «من غصب شبرا من أرض طوقه الله ~~تعالى من سبع أرضين يوم القيامة» وإن فعله لا عن علم، بأن ظن أنه ملكه فلا ~~مؤاخذة عليه؛ لأن الخطأ مرفوع المؤاخذة شرعا ببركة دعاء النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - بقوله - عليه الصلاة والسلام -: «ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينا أو أخطأنا» وقوله - عليه الصلاة والسلام -: «رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان وما استكرهوا عليه» . # (وأما) الذي يرجع إلى الدنيا، فأنواع: بعضها يرجع إلى حال قيام المغصوب، ~~وبعضها يرجع إلى حال هلاكه، وبعضها يرجع إلى حال نقصانه، وبعضها يرجع إلى ~~حال زيادته. # (أما) الذي يرجع إلى حال قيامه فهو وجوب رد المغصوب على الغاصب، والكلام ~~في هذا الحكم في ثلاثة مواضع: في بيان سبب وجوب الرد، وفي بيان شرط وجوبه، ~~وفي بيان ما يصير المالك به مستردا أما السبب فهو أخذ مال الغير بغير إذنه ~~لقوله - عليه الصلاة والسلام -: «على اليد ما أخذت حتى ترد» ، وقوله - عليه ~~الصلاة والسلام -: «لا يأخذ أحدكم مال صاحبه لاعبا ولا جادا، فإذا أخذ ~~أحدكم عصا صاحبه فليرد عليه» ولأن الأخذ على هذا الوجه معصية، والردع عن ~~المعصية واجب، وذلك برد المأخوذ، ويجب رد الزيادة المنفصلة، كما يجب رد ~~الأصل؛ لوجود سبب وجوب الرد فيه، ومؤنة الرد على الغاصب؛ لأنها ms4300 من ضرورات ~~الرد، فإذا وجب عليه الرد وجب عليه ما هو من ضروراته، كما في رد العارية. # (وأما) شرط وجوب الرد فقيام المغصوب في يد الغاصب حتى لو هلك في يده أو ~~استهلك صورة ومعنى، أو معنى لا صورة، ينتقل الحكم من الرد إلى الضمان؛ لأن ~~الهالك لا يحتمل الرد، وعلى هذا يخرج ما إذا كان المغصوب حنطة فزرعها ~~الغاصب أو نواة فغرسها حتى نبتت، أو باقلة فغرسها حتى صارت شجرة، أو بيضة ~~فحضنها حتى صارت دجاجة، أو قطنا فغزله، أو غزلا فنسجه، أو ثوبا فقطعه أو ~~خاطه قميصا، أو لحما فشواه أو طبخه، أو شاة فذبحها وشواها أو طبخها، أو ~~حنطة فطحنها، أو دقيقا فخبزه، أو سمسما فعصره، أو عنبا فعصره، أو حديدا ~~فضربه سيفا، أو سكينا أو صفرا أو نحاسا فعمله آنية، أو ترابا له قيمة فلبنه ~~أو اتخذه خزفا، أو لبنا فطبخه آجرا، ونحو ذلك: أنه ليس للمالك أن يسترد ~~شيئا من ذلك عندنا، ويزول ملكه بضمان المثل أو القيمة. # وعند الشافعي له ولاية الاسترداد، ولا يزول ملكه وجه قوله: أن ذات ~~المغصوب وعينه قائم بعد فعل الغاصب، وإنما فات بعض صفاته، فلا يبطل حق ~~الاسترداد، كما إذا غصب ثوبا فقطعه ولم يخطه، أو صبغه أحمر أو أصفر؛ لأن ~~الملك في المغصوب كان ثابتا للمالك، والعارض وهو فعل الغاصب محظور، فلا ~~يصلح سببا لثبوت الملك له، فيلحق بالعدم، فيبقى المغصوب على ملك المالك، ~~فتبقى له ولاية الاسترداد. # (ولنا) أن فعل الغاصب في هذه المواضع وقع استهلاكا للمغصوب إما صورة ~~ومعنى أو معنى لا صورة، فيزول ملك المالك عنه، وتبطل ولاية الاسترداد، كما ~~إذا استهلكه حقيقة، ودلالة تحقق الاستهلاك أن المغصوب قد تبدل وصار شيئا ~~آخر بتخليق الله تعالى وإيجاده؛ لأنه لم تبق صورته ولا معناه الموضوع له في ~~بعض المواضع ولا اسمه، وقيام الأعيان بقيام صورها # PageV07P148 # ومعانيها المطلوبة منها، وفي بعضها إن بقيت الصورة فقد فات معناه الموضوع ~~له المطلوب منه عادة، فكان فعله استهلاكا للمغصوب صورة ms4301 ومعنى أو معنى فيبطل ~~حق الاسترداد، إذ الهالك لا يحتمل الرد كالهالك الحقيقي، ولأنه إذا حصل ~~الاستهلاك يزول ملك المالك؛ لأن الملك لا يبقى في الهالك، كما في الهالك ~~الحقيقي، فتنقطع ولاية الاسترداد ضرورة، ولأن الاستهلاك يوجب ضمان المثل أو ~~القيمة للمالك لوقوعه اعتداء عليه أو إضرارا به، وهذا يوجب زوال ملكه عن ~~المغصوب لما نذكره إن شاء الله تعالى. # وإذا زال ملك المالك بالضمان يثبت الملك للغاصب في المضمون لوجود سبب ~~الثبوت في محل قابل، وهو إثبات الملك على مال غير مملوك لأحد، وبه تبين أن ~~فعله الذي هو سبب لثبوت الملك مباح لا حظر فيه، فجاز أن يثبت الملك به، ~~وعلى هذا يخرج ما إذا غصب لبنا أو آجرا أو ساجة فأدخلها في بنائه أنه لا ~~يملك الاسترداد عندنا، وتصير ملكا للغاصب بالقيمة خلافا للشافعي - رحمه ~~الله - فهو على أصله المعهود في جنس هذه المسائل أن فعل الغاصب محظور، فلا ~~يصلح سببا لثبوت الملك، لكون الملك نعمة وكرامة فالتحق فعله بالعدم شرعا ~~فبقي ملك المغصوب منه، كما كان. # (ولنا) أن المغصوب بالإدخال في البناء والتركيب صار شيئا آخر غير الأول ~~لاختلاف المنفعة، إذ المطلوب من المركب غير المطلوب من المفرد، فصار بها ~~تبعا له، فكان الإدخال إهلاكا معنى فيوجب زوال ملك المغصوب منه ويصير ملكا ~~للغاصب، ولأن الغاصب يتضرر بنقض البناء، والمالك وإن كان يتضرر بزوال ملكه ~~أيضا لكن ضرره دون ضرر الغاصب؛ لأنه يقابله عوض، فكان ضرر الغاصب أعلى، ~~فكان أولى بالدفع، ولهذا لو غصب من آخر خيطا فخاط به بطن نفسه أو دابته ~~ينقطع حق المالك، كذا هذا وذكر الكرخي - رحمه الله - أن موضوع مسألة الساجة ~~ما إذا بنى الغاصب في حوالي الساجة لا على الساجة، فأما إذا بنى على نفس ~~الساجة لا يبطل ملك المالك، بل ينقض، وهو اختيار الفقيه أبي جعفر الهندواني ~~- رحمه الله -؛ لأن البناء إذا لم يكن على نفس الساجة، لم يكن الغاصب ~~متعديا بالبناء لينقض إزالة للتعدي. # وإذا كان البناء عليها ms4302 كان متعديا على الساجة، فيزال تعديه بالنقض، ~~والصحيح أن الجواب في الموضعين، والخلاف في الفصلين ثابت؛ لأنه كيف ما كان ~~لا يمكنه رد الساجة، إلا بنقض البناء ولزوم ضرر معتبر، هذا موضوع المسألة، ~~حتى لو كان يمكنه الرد بدون ذلك لا ينقطع حق المالك بالاتفاق، بل يؤمر ~~بالرد، ولو بيعت الدار في حياة الغاصب أو بعد وفاته كان صاحب هذه الأشياء ~~أسوة الغرماء في الثمن، فلا يكون أخص بشيء من ذلك؛ لأن ملكه قد زال عن ~~العين إلى القيمة، فبطل اختصاصه بالعين، وكذلك لو غصب خوصا فجعله زنبيلا لا ~~سبيل للمغصوب منه عليه، وهو بمنزلة الساجة إذا جعلها بناء، ولو غصب نخلة ~~فشقها فجعلها جذوعا كان له أن يأخذ الجذوع؛ لأن عين المغصوب قائمة. # وإنما فرق الأجزاء فأشبه الثوب إذا قطعه ولم يخطه، ولو غصب أرضا فبنى ~~عليها أو غرس فيها لا ينقطع ملك المالك، ويقال للغاصب أقلع البناء والغرس ~~وردها فارغة؛ لأن الأرض بحالها لم تتغير ولم تصر شيئا آخر، ألا ترى أنها لم ~~تتركب بشيء، وإنما جاورها البناء والغرس بخلاف الساجة؛ لأنها ركبت وصارت من ~~جملة البناء، ألا يرى أنه يسمي الكل بناء واحدا، فإن كانت الأرض تنقص بقلع ~~ذلك فللمالك أن يضمن له قيمة البناء والغرس مقلوعا، ويكون له البناء ~~والغرس؛ لأن الغاصب يتضرر بالمنع من التصرف في ملك نفسه بالقلع، والمالك ~~أيضا يتضرر بنقصان ملكه، فلزم رعاية الجانبين، وذلك فيما قلنا، ولو غصب تبر ~~ذهب أو فضة فصاغه إناء، أو ضربه دراهم أو دنانير فللمغصوب منه أن يأخذه ولا ~~يعطيه شيئا لأجل الصياغة على قول أبي حنيفة - رحمه الله - وفي قولهما لا ~~سبيل له على ذلك، وعلى الغاصب مثل ما غصب. # وأجمعوا على أنه إذا سبكه ولم يصغه، أو جعله مربعا أو مطولا أو مدورا أن ~~له أن يسترده، ولا شيء عليه. # (وجه) قولهما أن صنع الغاصب وقع استهلاكا؛ لأن المغصوب بالصياغة صار شيئا ~~آخر، فأشبه ما إذا غصب حديدا فاتخذه سيفا أو سكينا وجه قوله ms4303 أن استهلاك ~~الشيء إخراجه من أن يكون منتفعا به منفعة موضوعة له مطلوبة منه عادة، ولم ~~يوجد هاهنا؛ لأن المطلوب من الذهب والفضة الثمنية، وهي باقية بعد ما استحدث ~~الصنعة، فلم يتحقق الاستهلاك فبقي على ملك المغصوب منه، ولو غصب صفرا أو ~~نحاسا أو حديدا فضربه آنية ينظر إن # PageV07P149 # كان يباع وزنا فهو على الخلاف الذي ذكرنا في الذهب والفضة؛ لأنه لم يخرج ~~بالضرب والصناعة عن حد الوزن. # وإن كان يباع عددا ليس له أن يسترده بلا خلاف؛ لأنه خرج عن كونه موزونا ~~بخلاف الذهب والفضة؛ لأن الوزن فيهما أصل لا يتصور سقوطه أبدا، ولو غصب ~~ثوبا فقطعه ولم يخطه، أو شاة فذبحها ولم يشوها ولا طبخها لا ينقطع حق ~~المالك، إذ الذبح ليس باستهلاك، بل هو تنقيص وتعييب، فلا يوجب زوال الملك، ~~بل يوجب الخيار للمالك على ما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. # (وأما) بيان ما يصير المالك به مستردا للمغصوب فنقول وبالله التوفيق: ~~الأصل أن المالك يصير مستردا للمغصوب بإثبات يده عليه؛ لأنه صار مغصوبا ~~بتفويت يده عنه، فإذا أثبت يده عليه، فقد أعاده إلى يده فزالت يد الغاصب ~~ضرورة، إلا أن يغصبه ثانيا. # وعلى هذا تخرج المسائل إذا كان المغصوب عبدا فاستخدمه، أو ثوبا فلبسه، أو ~~دابة فركبها أو حمل عليها صار مستردا له، ويبرأ الغاصب من الضمان لما قلنا ~~سواء علم المالك أنه ملكه أو لم يعلم؛ لأن إثبات اليد على العين أمر حسي لا ~~يختلف بالعلم أو الجهل، ولهذا لم يكن العلم شرطا لتحقق الغصب، فلا يكون ~~شرطا لبطلانه، وكذلك لو كان طعاما فأكله؛ لأنه أثبت يده عليه فبطلت يد ~~الغاصب، وكذا إذا أطعمه الغاصب يبرأ عن الضمان عندنا، وعند الشافعي - رحمه ~~الله - لا يبرأ وجه قوله أنه غره في ذلك حيث أطعمه ولم يعلمه أنه ملكه، فلا ~~يسقط عنه الضمان. # (ولنا) أنه أكل طعام نفسه، فلا يستحق الضمان على غيره، كما لو كان في يد ~~الغاصب فاستهلكه، وقوله غره الغاصب ممنوع، بل ms4304 هو الذي اغتر بنفسه حيث تناول ~~من غير بحث أنه ملكه أو ملك الغاصب، والمغتر بنفسه لا يستحق الضمان على ~~غيره، ولو كان المغصوب عبدا فآجره من الغاصب للخدمة، أو ثوبا فآجره منه ~~للبس، أو دابة للركوب وقبل الغاصب الإجارة برئ عن الضمان؛ لأن الإجارة إذا ~~صحت صارت يد الغاصب على المحل يد إجارة، وأنها يد محقة فتبطل يد الغصب ~~ضرورة، فيبرأ عن الضمان حين وجبت عليه الإجارة بالإجارة، وقالوا في الغاصب ~~إذا آجر العبد المغصوب من مولاه ليبني له حائطا معلوما أنه يسقط ضمان الغصب ~~حين يبتدئ بالبناء؛ لأن البراءة عن الضمان في الموضعين جميعا متعلقة بوجوب ~~الأجرة، والأجرة في استئجار العبد والثوب تجب بالتسليم وهو التخلية. # وههنا تجب بالعمل لا بنفس التخلية؛ لذلك افترقا، ولو زوج الأمة المغصوبة ~~من الغاصب لا يبرأ عن الضمان في. # قياس. # قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وعند أبي يوسف يبرأ بناء على أن المشتري هل ~~يصير قابضا بالتزويج أم لا؟ وقد ذكرنا المسألة في كتاب البيوع في بيان حكم ~~البيع، ولو استأجر الغاصب لتعليم العبد المغصوب عملا من الأعمال فهو جائز، ~~لكنه لا يصير مستردا للعبد ولا يبرأ الغاصب عن الضمان، بل هو في يد الغاصب ~~على ضمانه، حتى لو هلك قبل أن يأخذ في ذلك العمل أو بعده ضمن. # وكذلك لو استأجره لغسل الثوب المغصوب؛ لأن الإجارة هاهنا ما وقعت على ~~المغصوب، فلم تثبت يد الإجارة عليه لتبطل عنه يد الغاصب، فبقي في يد الغصب ~~كما كان، فبقي مضمونا كما كان بخلاف استئجار المغصوب على ما بينا، وإذا رد ~~الغاصب الثاني المغصوب على الغاصب الأول برئ؛ لأن يده يد المالك من وجه ~~فيصح الرد عليه والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) الذي يتعلق بحال هلاك المغصوب فنوعان: أحدهما: وجوب الضمان على ~~الغاصب، والثاني: ملك الغاصب المضمون. # (أما) وجوب الضمان فالكلام فيه في مواضع: في بيان كيفية الضمان، وفي بيان ~~شرط وجوبه، وفي بيان وقت وجوبه، وفي بيان ما يخرج به الغاصب عن عهدته. ms4305 # (أما) الأول فالمغصوب لا يخلو إما أن يكون مما له مثل، وإما أن يكون مما ~~لا مثل له، فإن كان مما له مثل كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة، ~~فعلى الغاصب مثله؛ لأن ضمان الغصب ضمان اعتداء، والاعتداء لم يشرع إلا ~~بالمثل، قال الله تبارك وتعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم} [البقرة: 194] والمثل المطلق هو المثل صورة ومعنى، فأما ~~القيمة فمثل من حيث المعنى دون الصورة، ولأن ضمان الغصب ضمان جبر الفائت، ~~ومعنى الجبر بالمثل أكمل منه من القيمة، فلا يعدل عن المثل إلى القيمة إلا ~~عند التعذر، وقال زفر - رحمه الله -: الجوز والبيض مضمونان بالقيمة لا ~~بالمثل. # وقد ذكرنا المسألة في كتاب البيوع، وإن كان مما لا مثل له من المذروعات ~~والمعدودات المتفاوتة فعليه قيمته؛ لأنه تعذر إيجاب المثل صورة ومعنى؛ لأنه ~~لا مثل له فيجب # PageV07P150 # المثل معنى وهو القيمة؛ لأنها المثل الممكن، والأصل في ضمان القيمة ما ~~روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في عبد بين شريكين أعتق ~~أحدهما نصيبه بنصف قيمته للذي لم يعتق والنص الوارد في العبد يكون واردا في ~~إتلاف كل ما لا مثل له دلالة والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) شرط وجوب الضمان فشرط وجوب ضمان المثل والقيمة على الغاصب: عجزه ~~عن رد المغصوب، فما دام قادرا على رده على الوجه الذي أخذه لا يجب عليه ~~الضمان؛ لأن الحكم الأصلي للغصب: هو وجوب رد عين المغصوب؛ لأن بالرد يعود ~~عين حقه إليه وبه يندفع الضرر عنه من كل وجه والضمان خلف عن رد العين، ~~وإنما يصار إلى الخلف عند العجز عن رد الأصل، وسواء عجز عن الرد بفعله بأن ~~استهلكه، أو بفعل غيره بأن استهلكه غيره، أو بآفة سماوية بأن هلك بنفسه؛ ~~لأن المحل إنما صار مضمونا بالغصب السابق؛ لأن فعله ذلك لا بالهلاك؛ لأن ~~الهلاك ليس صنعه، لكن عند الهلاك يتقرر الضمان؛ لأن عنده يتقرر العجز عن رد ~~العين فيتقرر الضمان. # وعلى هذا يخرج ما إذا ادعى الغاصب ms4306 هلاك المغصوب، ولم يصدقه المغصوب منه ~~أنه يطلب منه بينة، فإن أقامها وإلا حبسه القاضي مدة يغلب على ظنه أنه لو ~~كان في يده لأظهره، ثم قضى عليه بالضمان؛ لأن بذلك ثبت عجزه عن رد العين ~~فيحبس، كمن كان عليه دين فطولب به فادعى الإفلاس، ومن شرط الخطاب بأداء ~~الضمان أن يكون المثل موجودا في أيدي الناس، حتى لو غصب شيئا له مثل، ثم ~~انقطع عن أيدي الناس لا يخاطب بأدائه للحال؛ لأنه ليس بمقدور، بل يخاطب ~~بالقيمة، ولو اختصما في حال انقطاعه عن أيدي الناس، فقد اختلف أصحابنا ~~الثلاثة: قال أبو حنيفة: يحكم على الغاصب بقيمته يوم يختصمون، وقال أبو ~~يوسف - رحمه الله -: يوم الغصب، وقال محمد - رحمه الله -: يوم الانقطاع وجه ~~قوله أن الغصب أوجب المثل على الغاصب والمصير إلى القيمة للتعذر، والتعذر ~~حصل بسبب الانقطاع، فتعتبر قيمته يوم الانقطاع، كما لو استهلكه في ذلك ~~الوقت. # وجه قول أبي يوسف - رحمه الله - أن سبب وجوب ضمان المثل عند القدرة، ~~والقيمة عند العجز هو الغصب، والحكم يعتبر من وقت وجود سببه وجه قول أبي ~~حنيفة عليه الرحمة أن الواجب كان مثل المغصوب، وبالانقطاع عن أيدي الناس لم ~~يبطل الواجب؛ لأن الأصل أن ما ثبت يبقى لتوهم الفائدة، وتوهم العود ههنا ~~ثابت، ألا ترى أن للمالك أن يختار الانتظار إلى وقت إدراكه فيأخذ المثل، ~~وإذا بقي المثل واجبا بعد الانقطاع فإنما ينتقل حقه من المثل إلى القيمة ~~بالخصومة فتعتبر قيمته وقت الخصومة، فأما علم الغاصب بكون المغصوب ملك غيره ~~فليس بشرط لوجوب الضمان، حتى لو أخذ مالا على وجه يحق له أخذه ظاهرا وفي ~~الباطن بخلافه، كما إذا اشترى شيئا أو ملكه بوجه من الوجوه فتصرف فيه، ثم ~~تبين أنه مستحق يضمن لكن لا إثم عليه؛ لأن العلم ليس بشرط لتحقق الغصب، وهو ~~شرط ثبوت المؤاخذة قال الله سبحانه وتعالى: {وليس عليكم جناح فيما أخطأتم ~~به ولكن ما تعمدت قلوبكم} [الأحزاب: 5] . # (وأما) وقت وجوب الضمان فوقت وجود الغصب؛ لأن الضمان ms4307 يجب بالغصب، ووقت ~~ثبوت الحكم: وقت وجود سببه، فتعتبر قيمة المغصوب يوم الغصب، حتى لا يتغير ~~بتغير السعر؛ لأن السبب لم يتغير ولا تغير المحل أيضا؛ لأن تراجع السعر ~~لفتور يحدثه الله سبحانه وتعالى في قلوب عباده. # (وأما) بيان ما يخرج به الغاصب عن عهدة الضمان: فالذي يخرج به عن عهدته ~~شيئان: أحدهما: أداء الضمان إلى المالك أو من يقوم مقامه؛ لأن الأصل في ~~طريق الخروج عن عهدة الواجب أداؤه، ولو هلك المغصوب في يد الغاصب الثاني ~~فأدى القيمة إلى الغاصب الأول يبرأ عن الضمان في الرواية المشهورة. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه لا يبرأ إلا بقضاء القاضي. # وجه هذه الرواية أن الضمان الواجب عليه للمالك فلا يسقط عنه إلا بالأداء ~~إلى المالك وجه الرواية المشهورة أن الضمان خلف عن العين قائم مقامه، ثم لو ~~رد العين برئ عن الضمان، فكذا إذا رد القيمة؛ لأن ذلك رد العين من حيث ~~المعنى والثاني الإبراء وهو نوعان: صريح وما يجري مجرى الصريح دلالة. # (أما) الأول فنحو أن يقول: أبرأتك عن الضمان، أو أسقطته عنك، أو وهبته ~~منك، وما أشبه ذلك فيبرأ عن الضمان؛ لأنه أسقط حق نفسه وهو من أهل الإسقاط، ~~والمحل قابل للسقوط فيسقط. # وأما الثاني فهو أن يختار المالك تضمين أحد الغاصبين فيبرأ الآخر؛ لأن ~~اختيار تضمين أحدهما إبراء للآخر دلالة لما ذكرنا فيما تقدم # PageV07P151 # فيبرأ إما بنفس الاختيار، أو بشريطة رضا من اختار تضمينه، أو القضاء على ~~اختلاف الروايتين اللتين ذكرناهما. # ولو أبرأه عن ضمان العين وهي قائمة في يده صح الإبراء وسقط عنه الضمان ~~عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله -، وقال زفر - رحمه الله -: لا يصح وجه ~~قوله أن الإبراء إسقاط، وإسقاط الأعيان لا يعقل فالتحق بالعدم وبقيت العين ~~مضمونة كما كانت، وإذا هلكت ضمن. # (ولنا) أن العين صارت مضمونة بنفس الغصب؛ لأن الغصب سبب لوجوب الضمان ~~فكان هذا إبراء عن الضمان بعد وجود سبب وجوبه فيصح، كالعفو عن القصاص بعد ~~الجرح قبل الموت، ولو أجل المغصوب ms4308 منه الغاصب ببدل الغصب صح التأجيل عند ~~أصحابنا، وعند زفر لا يصح استدلالا بالقرض. # (ولنا) أن عدم اللزوم في القرض لكونه جاريا مجرى الإعارة لما بين في كتاب ~~القرض، والأجل لا يلزم في العواري، وهذا المعنى لا يوجد في الغصب فيلزمه، ~~وهذا لأن الأصل هو لزوم التأجيل؛ لأنه تصرف صدر من أهله في محله وهو الدين، ~~إلا أن عدم اللزوم في باب القرض لضرورة الإعارة، ولم يوجد ههنا فيلزم على ~~الأصل والله تعالى أعلم. # (وأما) ملك الغاصب المضمون فالكلام في هذا الحكم في مواضع: في بيان أصل ~~الحكم أنه سبب أم لا، وفي بيان وقت ثبوته، وفي بيان صفة الحكم الثابت. # (أما) الأول فقد اختلف العلماء فيه، قال أصحابنا - رحمهم الله -: يثبت ~~إذا كان المحل قابلا للثبوت ابتداء، وقال الشافعي - رحمه الله -: لا يثبت ~~أصلا، حتى أن من غصب عبدا واكتسب في يد الغاصب، ثم هلك العبد وضمن الغاصب ~~قيمته فالكسب ملك للغاصب عندنا، وعنده ملك للمالك، ولو أبق العبد المغصوب ~~من يد الغاصب وعجز عن رده إلى المالك، فالمغصوب منه بالخيار إن شاء انتظر ~~إلى أن يظهر، وإن شاء لم ينتظر وضمن الغاصب قيمته، ولو ضمنه قيمته، ثم ظهر ~~العبد ينظر إن أخذ صاحبه القيمة بقول نفسه التي سماها ورضي بها، أو ~~بتصادقهما عليه، أو بقيام البينة، أو بنكول الغاصب عن اليمين، فلا سبيل له ~~على العبد عندنا، وعنده يأخذ عبده بعينه، ولو كان المغصوب مدبرا يعود على ~~ملك المالك بالإجماع. # وجه قوله أن المالك لا بد له من سبب، والغصب لا يصلح سببا؛ لأنه محظور، ~~والملك نعمة وكرامة فلا يستفاد بالمحظور، ولأن ضمان الغصب لا يقابل العين، ~~وإنما يقابل اليد الفائتة، فلا تملك به العين، كما في غصب المدبر. # (ولنا) أن ملك الغاصب يزول عن الضمان، فلو لم يزل ملك المغصوب منه عن ~~المضمون لم يكن الاعتداء بالمثل، ولأنه إذا زال ملك الغاصب عن الضمان وأنه ~~بدل المغصوب؛ لأنه مقدر بقيمته وملك المغصوب منه البدل بكماله لو لم ms4309 يزل ~~ملكه عن المغصوب لاجتمع البدل والمبدل في ملك المالك، وهذا لا يجوز. # وإذا زال ملك المالك عن المغصوب فالغاصب أثبت يده على مال قابل للملك لا ~~ملك لأحد فيه، فيملكه كما يملك الحطب والحشيش بإثبات يده عليهما، وبه تبين ~~أن ما هو سبب الملك فهو مباح لا حظر فيه، فجاز أن يثبت به الملك بخلاف ~~المدبر؛ لأنه لا يحتمل ابتداء الملك فيزول ملك المالك، لكن لا يملكه الغاصب ~~لعدم قبول المحل التملك ابتداء، وههنا بخلافه والله تعالى أعلم ولو أخذ ~~صاحبه القيمة بقول الغاصب بأن اختلفا في القيمة وقضى القاضي بالقيمة بقول ~~الغاصب وبيمينه، ثم ظهر العبد، ذكر في ظاهر الرواية أن المغصوب منه بالخيار ~~إن شاء رضي بالمأخوذ وترك العبد عند الغاصب، وإن شاء رد المأخوذ وأخذ ~~العبد؛ لأنه تبين أن المأخوذ بعض بدل العين لا كله، فلم يملك بدل المغصوب ~~بكماله فيثبت له الخيار، وإن أراد استرداد العبد، فللغاصب أن يحبس العبد، ~~حتى يأخذ القيمة. # ولو مات العبد في يد الغاصب قبل رد القيمة لا يرد القيمة ولكن يأخذ من ~~الغاصب فضل القيمة إن كان في قيمة العبد فضل على ما أخذه، وإن لم يكن فيها ~~فضل، فلا شيء له سوى القيمة. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه إذا ظهر العبد وقيمته أكثر مما قاله ~~الغاصب فالمغصوب منه بالخيار على ما بينا، فأما إذا كانت قيمته مثل ما قال ~~الغاصب، أو أقل منه، فلا سبيل لصاحبه عليه، وهكذا فصل الكرخي - رحمه الله ~~-؛ لأنه رضي بزوال ملكه بهذا البدل وفي ظاهر الرواية أثبت الخيار من غير ~~تفصيل، ولو اختلفا في زيادة القيمة فادعى الغاصب أنها حدثت بعد التضمين، ~~وادعى المغصوب منه أنها كانت قبله، كان الجصاص يقول من تلقاء نفسه: أن ~~القول قول الغاصب؛ لأن التمليك قد صح فلا يفسخ الشك. # (وأما) وقت ثبوت الملك: فهو وقت وجود الغصب؛ لأن الملك في الضمان يستند ~~إلى وقت وجود الغصب. # فكذا # PageV07P152 # في المضمون، فيظهر في الكسب والغلة والربح. # وأما ms4310 شرط ثبوت الملك في المضمون فما هو شرط ثبوت الملك في الضمان، وهو ~~اختيار الضمان عند أبي حنيفة - رحمه الله - فالمغصوب قبل اختيار الضمان على ~~حكم ملكه عنده، فإنه لو أراد أن لا يختار الضمان، حتى يهلك المغصوب على ~~ملكه ويكون له ثواب هلاكه على ملكه ويخاصم الغاصب في القيمة له ذلك، وعند ~~أبي يوسف ومحمد رحمهما الله هذا ليس بشرط، ويثبت الملك قبل الاختيار في ~~الضمان والمضمون جميعا، وعلى هذا الأصل يبنى الصلح عن المغصوب الذي لا مثل ~~له على أضعاف قيمته أنه جائز عنده، وعندهما لا يجوز. # (ووجه) البناء أنه لما وجب الضمان بنفس الهلاك عندهما وهو مال مقدر، ~~والزيادة عليه تكون ربا، ولما توقف الوجوب على اختيار المالك عنده، ولم ~~يوجد منه الاختيار، كان الصلح تقديرا لقيمة المغصوب هذا القدر، وتمليكا ~~للمغصوب به، كأنه باعه من الغاصب به، فجاز والله تعالى أعلم. # (وأما) صفة الملك الثابت للغاصب في المضمون: فلا خلاف بين أصحابنا في أن ~~الملك الثابت له يظهر في حق نفاذ التصرفات، حتى لو باعه، أو وهبه، أو تصدق ~~به قبل أداء الضمان ينفذ، كما تنفذ هذه التصرفات في المشترى شراء فاسدا، ~~واختلفوا في أنه هل يباح له الانتفاع به بأن يأكله بنفسه، أو يطعمه غيره ~~قبل أداء الضمان، فإذا حصل فيه فضل هل يتصدق بالفضل؟ قال أبو حنيفة - رضي ~~الله عنه - ومحمد - رحمه الله -: لا يحل له الانتفاع، حتى يرضي صاحبه، وإن ~~كان فيه فضل يتصدق بالفضل، وقال أبو يوسف - رحمه الله -: يحل له الانتفاع ~~ولا يلزمه التصدق بالفضل إن كان فيه فضل، وهو قول الحسن وزفر رحمهما الله ~~وهو القياس، وقول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله استحسان. # (وجه) القياس أن المغصوب مضمون لا شك فيه، وهو مملوك للغاصب من وقت الغصب ~~على أصل أصحابنا، فلا معنى للمنع من الانتفاع وتوقيف الحل على رضا غير ~~المالك، كما في سائر أملاكه، ويطيب له الربح؛ لأنه ربح ما هو مضمون ومملوك، ~~وربح ما هو مضمون غير مملوك ms4311 يطيب له عنده لما نذكر، فربح المملوك المضمون ~~أولى. # (وجه) الاستحسان ما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - أضافه قوم من ~~الأنصار فقدموا إليه شاة مصلية فجعل - عليه الصلاة والسلام - يمضغه ولا ~~يسيغه، فقال - عليه الصلاة والسلام -: «إن هذه الشاة لتخبرني أنها ذبحت ~~بغير حق، فقالوا: هذه الشاة لجار لنا ذبحناها لنرضيه بثمنها، فقال - عليه ~~الصلاة والسلام - أطعموها الأسارى، أمر - عليه الصلاة والسلام - بأن ~~يطعموها الأسارى» ، ولم ينتفع به ولا أطلق لأصحابه الانتفاع بها، ولو كان ~~حلالا طيبا لأطلق مع خصاصتهم وشدة حاجتهم إلى الأكل، ولأن الطيب لا يثبت ~~إلا بالملك المطلق. # وفي هذا الملك شبهة العدم؛ لأنه يثبت من وقت الغصب بطريق الاستناد، ~~والمستند يظهر من وجه ويقتصر على الحال من وجه، فكان في وجوده من وقت الغصب ~~شبهة العدم، فلا يثبت به الحل والطيب، ولأن الملك من وجه حصل بسبب محظور، ~~أو وقع محظورا بابتدائه، فلا يخلو من خبث، ولأن إباحة الانتفاع قبل الإرضاء ~~يؤدي إلى تسليط السفهاء على أكل أموال الناس بالباطل، وفتح باب الظلم على ~~الظلمة، وهذا لا يجوز، وعلى هذا يخرج ما إذا غصب حنطة فطحنها أنه لا يحل له ~~الانتفاع بالدقيق، حتى يرضي صاحبه ولو غصب حنطة فزرعها قال أبو حنيفة ~~ومحمد: يكره له أن ينتفع به، حتى يرضي صاحبه ويتصدق بالفضل، وقال أبو يوسف ~~لا يكره له الانتفاع به قبل أداء الضمان، ولا يلزمه التصدق بالفضل فظاهر ~~هذا الإطلاق يدل على أن عندهما يكره الانتفاع به، حتى يرضى صاحبه بأداء ~~الضمان، وفرق أبو يوسف بين الزرع والطحن فقال في الطحن مثل قولهما: أنه لا ~~يحل له الانتفاع به، حتى يرضي صاحبه؛ لأن الحنطة لم تهلك بالطحن، وإنما ~~تغيرت صفتها من التركيب إلى التفريق، فكأن عين الحنطة قائمة، فكان حق ~~المالك فيها قائما خلاف الزرع؛ لأن البذر يهلك بالزراعة؛ لأنه يغيب في ~~الأرض فيخرج من أن يكون مالا متقوما، فلم يبق للمالك فيه حق، فلم يكره ~~الانتفاع به، وكذلك قال أبو يوسف - رحمه الله - فيمن ms4312 غصب نوى فصار نخلا أنه ~~يحل الانتفاع به، كما في الحنطة إذا زرعها. # وقال في الودي إذا غرسه فصار نخلا أنه يكره الانتفاع به، حتى يرضي صاحبه؛ ~~لأن النوى يعفن ويهلك، والودي يزيد في نفسه. # وروي عن أبي حنيفة في الشاة إذا ذبحها فشواها أنه لا يسع له أن يأكلها ~~ولا يطعم أحدا، حتى يضمن القيمة، وإن كان صاحبها غائبا، أو حاضرا لا يرضى ~~بالضمان لا يحل له أكلها، وإذا دفع الغاصب # PageV07P153 # قيمتها يحل له الأكل كذلك إذا ضمنه المالك القيمة، أو ضمنه الحاكم، وهذا ~~عندي ليس باختلاف رواية، بل هذه الرواية تفسير للأولى؛ لأن قوله، حتى يرضى ~~صاحبه بحله يحتمل الإرضاء بأداء الضمان ويحتمل الإرضاء باختيار الضمان. # فالمذكور ههنا مفسر فيحمل المجمل على المفسر، فيحمل قوله: حتى يرضيه على ~~الإرضاء باختيار الضمان، ورضاه لا على الإرضاء بأداء الضمان توفيقا بين ~~الروايتين، فلا يحل له الانتفاع به قبل اختيار الضمان، ويحل بعده سواء أدى ~~الضمان أو لا، وهذا قولهما، وهو. # قياس. # قول أبي يوسف - رحمه الله - في الشاة المشوية أنه يحل له الانتفاع بها ~~فيأكلها ويطعمها من شاء سواء أدى الضمان أم لا، ولا خلاف في أنه إذا أدى ~~الضمان أنه يحل له الأكل، وكذلك إذا أبرأه عن الضمان، وكذلك إذا ضمنه ~~المالك القيمة، أو ضمنه القاضي؛ لأن القاضي لا يضمنه، إلا بعد طلبه، فكان ~~منه اختيارا للضمان ورضا به، وعلى هذا يخرج ما إذا غصب عبدا فاستغله فنقصته ~~الغلة أنه يضمن النقصان والغلة له ويتصدق بها في قولهما، وعند أبي يوسف - ~~رحمه الله - هي طيبة أما ضمان النقصان فلأن الاستغلال وقع إتلافا، فيضمن ~~قدر ما أتلف ويطيب له قدر المضمون؛ لأن ذلك القدر ليس بربح والنهي وقع عن ~~الربح. # (وأما) الغلة فللغاصب عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - للمالك، وهي ~~فريعة مسألة المنافع، وقد مرت في موضعها. # (وأما) التصدق بالغلة وهي الأجرة عندهما فلأنها خبيثة لحصولها بسبب خبيث، ~~فكان سبيلها التصدق، ولأبي يوسف أنه - عليه الصلاة والسلام - نهى عن ربح ms4313 ما ~~لم يضمن، وهذا ربح مضمون، والجواب أن التحريم لعدم الضمان يدل على التحريم ~~لعدم الملك من طريق الأولى؛ لأن الملك فوق الضمان، ولو غصب أرضا فزرعها كرا ~~فنقصتها الزراعة، وأخرجت ثلاثة أكرار، يغرم النقصان ويأخذ رأس المال، ~~ويتصدق بالفضل أما ضمان النقصان فلأن الغاصب نقص الأرض بالزراعة، وذلك ~~إتلاف منه، والعقار مضمون بالإتلاف بلا خلاف. # وأما التصدق بالفضل فلحصوله بسبب خبيث، وهي الزراعة في أرض الغصب، وإن ~~كان البذر ملكا له، ويطيب له قدر النقصان وقدر البذر لما ذكرنا أن النهي ~~ورد عن الربح، وذا ليس بربح فلم يحرم والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا ~~يخرج ما إذا غصب ألفا فاشترى جارية فباعها بألفين، ثم اشترى بالألفين جارية ~~فباعها بثلاثة آلاف أنه يتصدق بجميع الربح في قولهما، وعند أبي يوسف - رحمه ~~الله - لا يلزمه التصدق بشيء؛ لأنه ربح مضمون مملوك؛ لأنه عند أداء الضمان ~~يملكه مستندا إلى وقت الغصب ومجرد الضمان يكفي للطيب، فكيف إذا اجتمع ~~الضمان والملك وهما يقولان الطيب، كما لا يثبت بدون الضمان لا يثبت بدون ~~الملك من طريق الأولى، وفي هذا الملك شبهة العدم على ما بينا فيما تقدم، ~~فلا يفيد الطيب. # ولو اشترى بالألف جارية تساوي ألفين فوهبها، أو اشترى به طعاما يساوي ~~ألفين فأكله لم يتصدق بشيء؛ لأنه لم يحصل له الربح، ولأن الخبث إنما يثبت ~~بشبهة عدم الملك، والشبهة توجب التصدق أما لا توجب التضمين، وعلى هذا يخرج ~~ما إذا خلط المستودع إحدى الوديعتين بالأخرى خلطا لا يتميز أن المخلوط يصير ~~ملكا له عند أبي حنيفة - رحمه الله - لكن لا يطيب له، حتى يرضي صاحبه على ~~ما نذكره إن شاء الله تعالى ولو اشترى بالدراهم المغصوبة شيئا هل يحل له ~~الانتفاع به أو يلزمه التصدق؟ . # ذكر الكرخي - رحمه الله - وجعل ذلك على أربعة أوجه: إما أن يشير إليها ~~وينقد منها، وإما أن يشير إليها وينقد من غيرها، وإما أن يشير إلى غيرها ~~وينقد منها، وإما أن يطلق إطلاقا وينقد منها، وإذا ثبت ms4314 الطيب في الوجوه ~~كلها، إلا في وجه واحد وهو أن يجمع بين الإشارة إليها والنقد منها، وذكر ~~أبو نصر الصفار والفقيه أبو الليث رحمهما الله أنه يطيب في الوجوه كلها، ~~وذكر أبو بكر الإسكاف - رحمه الله - أنه لا يطيب في الوجوه كلها وهو ~~الصحيح. # (وجه) قول أبي نصر وأبي الليث رحمهما الله تعالى أن الواجب في ذمة ~~المشتري دراهم مطلقة، والمنقودة بدل عما في الذمة، أما عند عدم الإشارة ~~فظاهر، وكذا عند الإشارة؛ لأن الإشارة إلى الدراهم لا تفيد التعيين، ~~فالتحقت الإشارة إليها بالعدم، فكان الواجب في ذمته دراهم مطلقة، والدراهم ~~المنقودة بدلا عنها، فلا يخبث المشترى، والكرخي كذلك يقول: إذا لم تتأكد ~~الإشارة بمؤكد وهو النقد منها فإذا تأكدت بالنقد منها تعين المشار إليه، ~~فكان المنقود بدل المشترى، فكان خبيثا. # (وجه) قول أبي بكر أنه استفاد بالحرام ملكا من طريق الحقيقة، أو الشبهة # PageV07P154 # فيثبت الخبث، وهذا لأنه إن أشار إلى الدراهم المغصوبة فالمشار إليه إن ~~كان لا يتعين في حق الاستحقاق يتعين في حق جواز العقد بمعرفة جنس النقد ~~وقدره، فكان المنقود بدل المشترى من وجه نقد منها، أو من غيرها. # وإن لم يشر إليها ونقد منها، فقد استفاد بذلك سلامة المشترى فتمكنت ~~الشبهة فيخبث الربح، وإطلاق الجواب في الجامعين والمضاربة دليل صحة هذا ~~القول، ومن مشايخنا من اختار الفتوى في زماننا بقول الكرخي تيسيرا للأمر ~~على الناس لازدحام الحرام، وجواب الكتب أقرب إلى التنزه والاحتياط، والله ~~تعالى أعلم ولأن دراهم الغصب مستحقة الرد على صاحبها، وعند الاستحقاق ينفسخ ~~العقد من الأصل، فتبين أن المشترى كان مقبوضا بعقد فاسد، فلم يحل الانتفاع ~~به، ولو تزوج بالدراهم المغصوبة امرأة وسعه أن يطأها، بخلاف الشراء لما ~~ذكرنا أن عند الاستحقاق ينفسخ الشراء، والنكاح لا يحتمل الفسخ، ولو كان ~~المغصوب ثوبا فاشترى به جارية لا يسعه أن يطأها، ولو تزوج عليه امرأة حل له ~~وطؤها لما قلنا والله عز وجل أعلم. # وأما الذي يتعلق بحال نقصان المغصوب فالكلام فيه في موضعين: أحدهما: ms4315 في ~~بيان ما يكون مضمونا من النقصان، وما لا يكون مضمونا منه والثاني: في بيان ~~طريق معرفة النقصان أما الأول فنقول وبالله التوفيق: إذا عرض في يد الغاصب ~~ما يوجب نقصان قيمة المغصوب، والعارض لا يخلو إما أن يكون بغير السعر، وإما ~~أن يكون فوات جزء من المغصوب، أو فوات صفة مرغوب فيها، أو معنى مرغوب فيه، ~~فإن كان بغير السعر لم يكن مضمونا؛ لأن المضمون نقصان المغصوب، ونقصان ~~السعر ليس بنقصان المغصوب، بل لفتور يحدثه الله تعالى عز شأنه في قلوب ~~العباد لا صنع للعبد فيه، فلا يكون مضمونا. # وإن كان فوات جزء من المغصوب، أو فوات صفة مرغوب فيها، أو معنى مرغوب فيه ~~فالمغصوب لا يخلو إما أن يكون من غير أموال الربا، وإما أن يكون من أموال ~~الربا، فإن كان من غير أموال الربا يكون مضمونا إذا لم يكن للمغصوب منه فيه ~~صنع ولا اختيار؛ لأنه هلك بعض المغصوب صورة ومعنى، أو معنى لا صورة وهلاك ~~كل المغصوب مضمون بكل القيمة، فهلاك بعضه يكون مضمونا بقدره لما ذكرنا أن ~~ضمان الغصب ضمان جبر الفائت فيتقدر بقدر الفوات، وعلى هذا يخرج ما إذا سقط ~~عضو من المغصوب في يد الغاصب بآفة سماوية، أو لحقه زمانة، أو عرج، أو شلل، ~~أو عمى، أو عور، أو صمم، أو بكم، أو حمى، أو مرض آخر أنه يأخذه المولى ~~ويضمنه النقصان لوجود فوات جزء من البدن، أو فوات صفة مرغوب فيها، ولو زال ~~البياض من عينه في يد المولى، أو أقلع الحمى رد على الغاصب ما أخذه منه ~~بسبب النقصان؛ لأنه تبين أن ذلك النقصان لم يكن موجبا للضمان لانعدام شرط ~~الوجوب وهو العجز عن الانتفاع على طريق الدوام. # وكذلك لو أبق المغصوب من يد الغاصب من عبد، أو أمة إذا لم يكن أبق قبل ~~ذلك، أو زنت الجارية المغصوبة، أو سرقت إذا لم تكن زنت قبل ذلك؛ لفوات معنى ~~مرغوب فيه وهو الصيانة عن هذه القاذورات؛ ولهذا كانت عيوبا موجبة للرد ms4316 في ~~باب البيع، وجعل الآبق على المالك، وهل يرجع به على الغاصب؟ قال أبو يوسف - ~~رحمه الله -: لا يرجع، وقال محمد - رحمه الله -: يرجع. # (وجه) قوله أن الجعل من ضرورات رد المغصوب؛ لأن رد المغصوب واجب على ~~الغاصب ولا يمكنه الرد إلا بإعطاء الجعل، فكان من ضرورات الرد فيكون عليه ~~مؤنة الرد. # (وجه) قول أبي يوسف - رحمه الله - أن الجعل إنما يجب بحق المالك، والملك ~~للمغصوب منه، فيكون الجعل عليه كمداواة الجراحة. # ولو قتل العبد المغصوب، أو الجارية المغصوبة في يد الغاصب قتيلا، أو جنى ~~على حر، أو عبد في نفس، أو ما دونها جناية رد إلى مولاه، ويقال له ادفعه ~~بجنايته، أو افده؛ لأن الملك له ويرجع المولى على الغاصب بالأقل من قيمته ~~ومن أرش الجناية؛ لأن هذا الضمان إنما وجب بسبب كان في ضمانه، ولو استهلك ~~لرجل مالا يخاطب المولى بالبيع، أو الفداء، ويرجع على الغاصب بالأقل من ~~قيمته، ومما أداه عنه من الدين لما قلنا ولو قتل المغصوب نفسه في يد الغاصب ~~ضمن الغاصب قيمته بالغصب، ولا يضمن قيمته بقتل نفسه؛ لأن قتله نفسه هدر ~~فصار كموته حتف أنفه ولو كان المغصوب أمة فولدت، ثم قتلت ولدها، ثم ماتت ~~ضمن قيمة الأم ولا يضمن قيمة الولد؛ لأنه أمانة. # وكذلك إذا كبر المغصوب في يد الغاصب من الغلام والجارية بأن غصب عبدا ~~شابا فشاخ في يد الغاصب، أو جارية شابة فصارت # PageV07P155 # عجوزا في يده ضمن النقصان؛ لأن الكبر يوجب فوات جزء، أو صفة مرغوب فيها، ~~وكذلك إذا غصب جارية ناهدا فانكسر ثديها في يد الغاصب؛ لأن نهود الثديين ~~صفة مرغوب فيها، ألا يرى إلى قوله عز وجل: {وكواعب أترابا} [النبأ: 33] ~~وأما نبات اللحية للأمرد فليس بمضمون؛ لأنه ليس بنقصان، بل هو زيادة في ~~الرجال، ألا ترى أن حلق اللحية يوجب كمال الدية. # وكذلك لو غصب عبدا قارئا فنسى القرآن العظيم، أو محترفا فنسى الحرفة ~~يضمن؛ لأن العلم بالقرآن والحرفة معنى مرغوب فيه. # وأما حبل الجارية المغصوبة بأن غصب ms4317 جارية فحبلت في يده، فإن كان المولى ~~أحبلها في يد الغاصب لا شيء على الغاصب؛ لأن النقصان حصل بفعل المولى، فلا ~~يضمنه الغاصب، كما لو قتلها المولى في يد الغاصب، وكذلك لو حبلت في يد ~~الغاصب من زوج كان لها في يد المولى؛ لأن الوطء من الزوج حصل بتسليط المولى ~~فصار كأنه حصل منه، أو حدث في يده، وإن حبلت في يد الغاصب من زنا أخذها ~~المولى وضمنه نقصان الحبل، والكلام في قدر الضمان قال أبو يوسف - رحمه الله ~~-: ينظر إلى ما نقصها الحبل وإلى أرش عيب الزنا فيضمن الأكثر ويدخل الأقل ~~فيه، وهذا استحسان والقياس أن يضمن الأمرين جميعا، وروي عن محمد - رحمه ~~الله - أنه أخذ بالقياس. # (وجه) القياس أن الحبل والزنا كل واحد منهما عيب على حدة، فكان النقصان ~~الحاصل بكل واحد منهما نقصانا على حدة، فيفرد بضمان على حدة. # (وجه) الاستحسان أن الجمع بين الضمانين غير ممكن؛ لأن نقصان الحبل إنما ~~حصل بسبب الزنا، فلم يكن نقصانا بسبب على حدة، حتى يفرد بحكم على حدة، فلا ~~بد من إيجاب أحدهما فأوجبنا الأكثر؛ لأن الأقل يدخل في الأكثر، ولا يتصور ~~دخول الأكثر في الأقل، فإن ردها الغاصب حاملا فماتت في يد المولى من ~~الولادة فبقي ولدها ضمن الغاصب جميع قيمتها عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - ~~وعندهما لا يضمن إلا نقصان الحبل خاصة. # (وجه) قولهما أن الرد وقع صحيحا من الغاصب في القدر المردود وهو ما وراء ~~الفائت بالحبل، والهلاك بعد الرد حصل في يد المالك بسبب وجد في يده وهو ~~الولادة، فلا يكون مضمونا على الغاصب، كما لو ماتت بسبب آخر، وكما لو باع ~~جارية حبلى فولدت عند المشتري، ثم ماتت من نفاسها أنه لا يرجع المشتري على ~~البائع بشيء كذا هذا وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن الموت حصل بسبب ~~كان في ضمان الغاصب وهو الحبل أو الزنا؛ لأن ذلك أفضى إلى الولادة، ~~والولادة أفضت إلى الموت، فكان الموت مضافا إلى السبب السابق، وإذا حصل ms4318 ~~الهلاك بذلك السبب تبين أن الرد لم يصح لانعدام شرط صحته، وهو أن يكون الرد ~~مثل الأخذ من جميع الوجوه، فصار كأنها ولدت في يد الغاصب فماتت من الولادة، ~~ولو كان كذلك يضمن الغاصب جميع قيمتها كذا هذا بخلاف مسألة البيع؛ لأن ~~الواجب هناك هو التسليم ابتداء لا الرد، وقد وجد التسليم فخرج عن العهدة. # وبخلاف الحرة إذا زنا بها مكرهة فماتت من الولادة أنه لا يضمن؛ لأنها غير ~~مضمونة بالأخذ ليلزمه الرد على وجه الأخذ بخلاف الأمة. # ولو كانت الجارية زنت في يد الغاصب ثم ردها على المالك فحدث في يده، ~~ونقصها الضرب ضمن الغاصب الأكثر من نقصان الضرب ومما نقصها الزنا في قول ~~أبي حنيفة عليه الرحمة، وعندهما ليس عليه إلا نقصان الزنا. # (وجه) قولهما إن النقصان حصل في يد المالك بسبب آخر، ولأبي حنيفة - رحمه ~~الله - أن النقصان حصل بسبب كان في ضمان الغاصب فيضاف إلى حين وجود السبب ~~في يد الغاصب بسبب وجد في يده وهو الضرب، فلا يكون مضمونا على الغاصب، كما ~~لو حصل في يد المالك، فأبو حنيفة - رضي الله عنه - نظر إلى وقت وجود السبب ~~وهما نظرا إلى وقت ثبوت الحكم وهو النقصان. # ولهذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - فيمن اشترى عبدا فوجده مباح الدم فقتل ~~في يد المشتري: أنه ينتقض العقد ويرجع على البائع بكل القيمة، وكذلك لو كان ~~سارقا فقطع في يده رجع بنصف الثمن اعتبارا للسبب السابق، وعندهما يقتصر ~~الحكم على الحال، ويكون في ضمان المشتري، ويرجع على البائع بنقصان العيب، ~~فإن قيل كيف يضاف النقصان إلى سبب كان في ضمان الغاصب، وذلك السبب لم يوجب ~~ضربا جارحا فكيف يضاف نقصان الجرح إليه. # ولهذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - في شهود الزنا: إذا رجعوا بعد إقامة ~~الجلدات أنهم لا يضمنون بنقصان الجرح؛ لأن شهادتهم لم توجب ضربا جارحا، فلم ~~يضف نقصان الجرح إليها كذا هذا، قيل له: إن النقصان لا يضاف إلى السبب # PageV07P156 # السابق ههنا، كما لا يضاف إلى شهادة ms4319 الشهود هناك، إلا أنه وجب الضمان ~~ههنا؛ لأن وجوب ضمان الغصب لا يقف على الفعل فيستند الضرب إلى سبب كان في ~~يد الغاصب، ولا يستند إليه أثره، فيصير كأنها ضربت في يد الغاصب فانجرحت ~~عند الضرب لا بالضرب، ولو كان كذلك لضمن الغاصب، كذا هذا، وإنما اعتبر ~~الأكثر من نقصان الضرب ومن نقصان الزنا لما ذكرنا فيما تقدم أن النقصانين ~~جميعا حصلا بسبب واحد، فتعذر الجمع بين الضمانين، فيجب الأكثر، ويدخل الأقل ~~فيه، والله تعالى أعلم. # ولو كانت الجارية المغصوبة سرقت في يد الغاصب فردها على المالك فقطعت ~~عنده، يضمن الغاصب نصف قيمتها في قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما لا ~~يضمن إلا نقصان السرقة والكلام في هذه المسألة في الطرفين جميعا على نحو ~~الكلام في المسألة الأولى، إلا أن أبا حنيفة - رحمه الله - اعتبر نقصان ~~القطع ههنا، ولم يعتبر نقصان عيب السرقة، واعتبر نقصان عيب الزنا هناك؛ لأن ~~نقصان القطع يكون أكثر من نقصان السرقة ظاهرا وغالبا، فدخل الأقل في الأكثر ~~بخلاف نقصان عيب الزنا؛ لأنه قد يكون أكثر من نقصان الضرب؛ لذلك اختلف ~~اعتباره والله سبحانه وتعالى أعلم، ولو حمت الجارية المغصوبة في يد الغاصب ~~فردها على المولى فماتت في يده من الحمى التي كانت في يد الغاصب لم يضمن ~~الغاصب، إلا ما نقصها الحمى في قولهم جميعا؛ لأن الموت يحصل بالآلام التي ~~لا تتحملها النفس وإنها تحدث شيئا فشيئا إلى أن يتناهى، فلم يكن الموت ~~حاصلا بسبب كان في ضمان الغاصب، فلا يضمن إلا قدر نقصان الحمى، ولو غصب ~~جارية محمومة أو حبلى، أو بها جراحة، أو مرض آخر سوى الحمى فماتت من ذلك في ~~يد الغاصب فهو ضامن لقيمتها وبها ذلك فرق بين هذا وبين ما إذا ماتت في يد ~~المولى بحبل كان في يد الغاصب، حيث جعل هنالك موتها في يد المالك كموتها في ~~يد الغاصب، ولم يجعل ههنا موتها في يد الغاصب كموتها في يد المالك. # (ووجه) الفرق أن الهلاك هناك حصل بسبب كان ms4320 في ضمان الغاصب وهو الحبل؛ ~~لأنه يفضي إليه فأضيف إليه كأنه حصل في يده، فتبين أن الرد لم يصح لعدم شرط ~~الصحة على ما بينا، والهلاك ههنا إن حصل بسبب كان في يد المولى لكن لم يحصل ~~بسبب كان في ضمانه؛ لأن الحبل لم يكن مضمونا عليه. # فإذا غصبها فقد صارت مضمونة بالغصب؛ لأن انعقاد سبب الهلاك لا يمنع ~~دخولها في ضمان الغاصب؛ لأن وجوب ضمان الغصب لا يقف على فعل الغاصب، فإذا ~~هلك في يده تقرر الضمان لكن منقوصا بما بها من المرض ونحوه؛ لأنها لم تدخل ~~في ضمان الغصب إلا كذلك والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا يخرج ما إذا غصب ~~جارية سمينة فهزلت في يد الغاصب أن عليه نقصان الهزال، ولو عادت سمينة في ~~يده فردها لا شيء عليه؛ لأن نقصان الهزال انجبر بالسمن فصار كأن لم يكن ~~أصلا، وكذا إذا قلعت سنها في يده فنبتت فردها؛ لأنها لما نبتت ثانيا جعل ~~كأنها لم تقلع، وكذا إذا قطعت يدها في يده فردها مع الأرش لما قلنا، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا يخرج نقصان الولادة أنه مضمون على الغاصب ~~لفوات جزء من المغصوب بالولادة، إلا إذا كان له جابر فينعدم الفوات من حيث ~~المعنى. # وجملة الكلام في الجارية المغصوبة إذا نقصتها الولادة أن الأمر لا يخلو ~~إما أن كان الأم أو الولد جميعا قائمين في يد الغاصب، وإما أن هلكا جميعا ~~في يده، وإما أن هلك أحدهما وبقي الآخر، فإن كانا قائمين ردهما على المغصوب ~~منه، ثم ينظر إن كان في قيمة الولد وفاء لنقصان الولادة انجبر به ولا شيء ~~على الغاصب، وإن لم يكن في قيمته وفاء بالنقصان انجبر بقدره وضمن الباقي ~~استحسانا، وهو قول أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم -، والقياس أن لا يجوز ~~وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله، ولو لم يكن في الولد وفاء بالنقصان وقت ~~الرد، ثم حصل به وفاء بعد الرد، لم يعتبر ذلك؛ لأن الزيادة لم تحصل في ضمان ~~الغاصب، فلا ms4321 تصلح لجبر النقصان، وقالوا: إن نقصان الحبل على هذا الخلاف، ~~بأن غصب جارية حائلا فحملت في يد الغاصب فردها إلى المالك فولدت عنده، ~~ونقصتها الولادة. # وفي الولد وفاء لا يضمن الغاصب شيئا، خلافا لزفر - رحمه الله -، وعلى هذا ~~الخلاف إذا بيعت بيعا فاسدا وهي حامل فولدت في يد المشتري ونقصتها الولادة ~~وفي الولد وفاء فرد المشتري الجارية مع الولد إلى البائع لا يضمن شيئا ~~خلافا لزفر، وعلى هذا الخلاف إذا كان له جارية للتجارة، فحال عليها الحول ~~وقيمتها ألف درهم، فولدت فنقصتها الولادة مائتي درهم، وفي الولد وفاء ~~بالنقصان أنه يبقى الواجب في جميع الألف ولا يسقط منه شيء، وعند # PageV07P157 # زفر - رحمه الله - يبقى فيما وراء النقصان ويسقط بقدره. # (وجه) قول زفر - رحمه الله - في مسألة الغصب أنه وجد سبب وجوب الضمان وهو ~~النقصان، فيجب الضمان جبرا له؛ لأن ضمان الغصب ضمان جبر الفائت، وقد حصل ~~الفوات، فلا بد له من جابر والولد لا يصلح جابرا له؛ لأن الفائت ملك ~~المغصوب منه والولد ملكه أيضا، ولا يعقل أن يكون ملك الإنسان جابرا لملكه ~~فلزم جبره بالضمان. # (ولنا) أن هذا نقصان صورة لا معنى، فلا يكون مضمونا كنقصان السن والسمن ~~والقطع، وقد مر، والدليل على أن هذا ليس نقصانا معنى: أن سبب الزيادة ~~والنقصان واحد وهو الولادة، واتحاد سبب الزيادة والنقصان يمنع تحقق النقصان ~~من حيث المعنى؛ لأن الزيادة مال متقوم مثل الفائت، فالسبب الذي فوت أفاد له ~~مثله من حيث المعنى، فلم يحصل الفوات إلا من حيث الصورة، والصورة غير ~~مضمونة بالقيمة في ضمان العدوان. # وقد خرج الجواب عن قوله أن جبر ملكه بملكه غير معقول؛ لأن ما ذكرنا يمنع ~~تحقق النقصان من حيث المعنى فيمتنع تحقق الفوات من حيث المعنى فلا حاجة إلى ~~الجابر، وإن هلكا جميعا في يد الغاصب ضمن قيمة الأم يوم غصب؛ لتحقق الغصب ~~فيها، ولم يضمن قيمة الولد عندنا؛ لأنه غير مغصوب، وعند الشافعي - رحمه ~~الله - يضمن لوجود الغصب فيه، وقد مرت المسألة في صدر ms4322 الكتاب، وإن كان ~~الغاصب قتل الولد، أو باعه ضمن قيمته مع قيمة أمه؛ لأن الولد إن كان أمانة ~~في يد الغاصب عندنا فالأمانة تصير مضمونة بوجود سبب الضمان فيها، وقد وجد ~~على ما بينا فيما تقدم، فإن كانت قيمة الأم ألف درهم فنقصتها الولادة مائة ~~درهم والولد يساوي مائتين ضمن قيمة الأم يوم الغصب ألف درهم، وضمن من الولد ~~نصف قيمته مائة درهم، يدخل ذلك النصف في قيمة الأم، وإن شئت ضمنته قيمة ~~الأم يوم ولدت وقيمة الولد بأمه، وكل ذلك سواء؛ لأن النقصان إذا انجبر ~~بالولد كان الواجب من الضمان في الحاصل ألفا ومائة، فإن اعتبرت قيمة الأم ~~تامة بقي نصف قيمة الولد، وإن اعتبرت قيمة الأم تسعمائة بقي كل قيمة الولد، ~~وإن هلك أحدهما وبقي الآخر، فإن هلك الولد قبل الرد رد الأم وضمن نقصان ~~الولادة، وليس عليه ضمان الولد عندنا؛ لأنه هلك أمانة فإن هلكت الأم وبقي ~~الولد ضمن قيمة الأم يوم غصب ورد الولد ولا تجبر الأم بالولد. # وإن كان في قيمة الولد وفاء بقيمة الأم بخلاف ضمان النقصان أنه يجبر ~~بالولد؛ لأن الجبر هناك لاتحاد سبب النقصان والزيادة وهو الولادة، ولم توجد ~~ههنا؛ لأن الولادة سبب لحصول الولد وليست سببا لهلاك الأم؛ لأنها لا تفضي ~~إلى الهلاك غالبا، فلم يتحد السبب فيتعذر الجبر والله سبحانه وتعالى أعلم ~~وعلى هذا يخرج ما إذا غصب ثوبا فقطعه ولم يخطه أن للمغصوب منه أن يضمنه ~~النقصان غير أن النقصان إن كان يسيرا لا خيار للمغصوب منه، وليس له، إلا ~~ضمان النقصان؛ لأن ذلك نقص وتعييب فيوجب ضمان نقصان العيب، وإن كان فاحشا ~~بأن قطعه قباء، أو قميصا فهو بالخيار إن شاء أخذه مقطوعا وضمنه ما نقصه ~~القطع وإن شاء تركه عليه وضمنه قيمة ثوب غير مقطوع؛ لأن القطع الفاحش يفوت ~~بعض المنافع المطلوبة من الثوب، ألا ترى أنه لا يصلح لما كان يصلح له قبل ~~القطع، فكان استهلاكا له من وجه فيثبت له الخيار، وكذلك لو غصب شاة ms4323 فذبحها، ~~ولم يشوها ولا طبخها، فالمغصوب منه بالخيار إن شاء أخذ الشاة وضمنه نقصان ~~الذبح، وإن شاء تركها عليه وضمنه قيمتها يوم الغصب، كذا ذكر في الأصل، ~~وسواء سلخها الغاصب وأربها أو لا، بعد أن لم يكن شواها ولا طبخها، وروى ~~الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه إن شاء أخذ الشاة ولا شيء له غيرها، ~~وإن شاء ضمنه قيمتها يوم الغصب. # (وجه) هذه الرواية أن ذبح الشاة إن كان نقصانا صورة فهو زيادة من حيث ~~المعنى؛ لأن المقصود من الشاة اللحم، والذبح وسيلة إلى هذا المقصود، فلم ~~يكن نقصانا، بل كان زيادة حيث رفع عنه مؤنة الوسيلة، فكان الغاصب محسنا في ~~الذبح، وقد قال الله تبارك وتعالى: {ما على المحسنين من سبيل} [التوبة: 91] ~~فإذا اختار أخذ اللحم لا يلزمه شيء آخر، إلا أنه ثبت له خيار الترك عليه، ~~ويضمنه القيمة لفوات مقصود ما في الجملة. # (وجه) رواية الأصل أن الشاة كما يطلب منها اللحم يطلب منها مقاصد أخر من ~~الدر والنسل والتجارة، فكان الذبح تفويتا لبعض المقاصد المطلوبة منها، فكان ~~تنقيصا لها واستهلاكا من وجه، فيثبت له خيار تضمين النقصان وخيار تضمين ~~القيمة كما في مسألة الثوب. # وعلى هذا # PageV07P158 # الأصل يخرج ما إذا غصب من إنسان عينا من ذوات القيم، أو من ذوات الأمثال، ~~ونقلها إلى بلدة أخرى فالتقيا والعين في يد الغاصب، وقيمتها في ذلك المكان ~~أقل من قيمتها في مكان الغصب أن للمغصوب منه أن يطالبه في ذلك المكان ~~بقيمتها التي في مكان الغصب؛ لأنها قيم أعيان تختلف باختلاف الأماكن ~~بالزيادة والنقصان، فإذا نقلها إلى ذلك المكان وقيمتها فيه أقل من قيمتها ~~في مكان الغصب فقد نقصها من حيث المعنى بالنقل، فلو أجبر على أخذ العين ~~لتضرر به من جهة الغاصب، فيثبت له الخيار إن شاء طالبه بالقيمة التي في ~~مكان الغصب، وإن شاء انتظر العود إلى مكان الغصب، بخلاف ما إذا وجده في ~~البلد الذي غصبه فيه. # وقد انتقص السعر أنه لا يكون له خيار؛ لأن ms4324 النقصان هناك ما حصل بصنعه؛ ~~لأنه حصل بتغير السعر ولا صنع للعبد في ذلك، بل هو محض صنع الله عز وجل ~~أعني مصنوعه، فلم يكن مضمونا عليه، ولو كانت قيمة العين في المكان المنقول ~~إليه مثل قيمتها في مكان الغصب، أو أكثر ليس له ولاية المطالبة بالقيمة؛ ~~لأن الحكم الأصلي للغصب هو وجوب رد العين حال قيام العين، والمصير إلى ~~القيمة لدفع الضرر، وههنا يمكن الوصول إلى العين من غير ضرر يلزمه، فلا ~~يملك العدول إلى القيمة، ولو كان المغصوب دراهم أو دنانير فليس له أن ~~يطالبه بالقيمة وإن اختلف السعر لأن الدراهم والدنانير جعلت أثمان الأشياء، ~~ومعنى الثمنية لا يختلف باختلاف الأماكن عادة؛ لأنه ليس لها حمل ومؤنة ~~لعزتها وقلتها عادة، فلم يكن النقل نقصانا لها باختلاف الأماكن للحاجة إلى ~~الحمل والمؤنة، ولم يوجد، فلم يكن له ولاية المطالبة بالقيمة، وله أن ~~يطالبه برد عينها؛ لأنه هو الحكم الأصلي للغصب. # والمصير إلى القيمة لعارض العجز أو الضرر، ولم يوجد هذا إذا كانت العين ~~المغصوبة قائمة في يد الغاصب، فأما إذا كانت هالكة فالتقيا، فإن كانت من ~~ذوات القيم أخذ قيمتها التي كانت وقت الغصب؛ لأنها إذا هلكت تبين أن الغصب ~~السابق وقع إتلافا من حين وجوده، والحكم يثبت من حين وجود سببه، وإن كان من ~~ذوات الأمثال، ينظر إن كان سعرها في المكان الذي التقيا فيه أقل من سعرها ~~في مكان الغصب، فالمغصوب منه بالخيار إن شاء أخذ القيمة التي للعين في مكان ~~الغصب، وإن شاء انتظر ولا يجبر على أخذ المثل في هذا المكان؛ لما ذكرنا أنه ~~نقص العين بالنقل إلى هذا المكان؛ لما بينا أن اختلاف قيمة الأشياء التي ~~لها حمل ومؤنة يختلف باختلاف المكان لمكان الحمل والمؤنة، فالجبر على الأخذ ~~في هذا المكان يكون إضرارا به، فيثبت له الخيار إن شاء أخذ القيمة، وإن شاء ~~انتظر، كما لو كانت العين قائمة، وقيمتها في هذا المكان أقل وإن كانت ~~قيمتها في هذا المكان مثل قيمتها في مكان ms4325 الغصب كان للمغصوب منه أن يطالبه ~~بالمثل؛ لأنه لا ضرر فيه على أحد، وإن كانت قيمتها في مكان الخصومة أكثر من ~~قيمتها في مكان الغصب، فالغاصب بالخيار إن شاء أعطى المثل في مكان الخصومة، ~~وإن شاء أعطى القيمة في مكان الغصب؛ لأن في إلزام تسليم المثل في مكان ~~الخصومة ضررا بالغاصب، وفي التأخير إلى العود إلى مكان الغصب ضررا بالمغصوب ~~منه، فيسلم إليه في هذا المكان القيمة التي له في مكان الغصب، إلا أن يرضى ~~المغصوب منه بالتأخير والله سبحانه وتعالى أعلم وإن كان المغصوب من أموال ~~الربا لا يجوز بيعه بجنسه متفاضلا كالمكيلات والموزونات، فانتقص في يد ~~الغاصب بصنعه، أو بغير صنعه، فليس للمغصوب منه أن يأخذ منه ويضمنه قيمة ~~النقصان؛ لأنه يؤدي إلى الربا، وعلى هذا يخرج ما إذا غصب حنطة فعفنت في يد ~~الغاصب، أو ابتلت، أو صب الغاصب فيها ماء فانتقصت قيمتها أن صاحبها ~~بالخيار. # إن شاء أخذها بعينها ولا شيء له غيرها، وإن شاء تركها على الغاصب وضمنه ~~مثل ما غصبت، وليس له أن يأخذها ويضمنه النقصان، وهذا عندنا، وعند الشافعي ~~- رحمه الله - له ذلك بناء على أن الجودة بانفرادها لا قيمة لها في أموال ~~الربا عندنا، وعنده لها قيمة، والمسألة مرت في كتاب البيوع، وإذا لم تكن ~~متقومة لا تكون مضمونة؛ لأن المضمون هو المال المتقوم، ولأنها إذا لم تكن ~~متقومة تؤدي إلى الربا، ولو غصب درهما صحيحا، أو دينارا صحيحا فانكسر في ~~يده، أو كسره إن كان في موضع لا يتفاوت الصحيح والمكسر في القيمة لا شيء ~~على الغاصب، وإن كان في موضع يتفاوت فصاحبها بالخيار، إن شاء أخذه بعينه ~~ولا شيء له غيره وإن شاء تركه عليه وضمنه مثل ما أخذ، وليس له أن يأخذه ~~بعينه ويضمنه # PageV07P159 # النقصان عندنا خلافا للشافعي - رحمه الله - بناء على الأصل الذي ذكرنا، ~~وإن كان المغصوب إناء فضة، أو ذهب فانهشم في يد الغاصب، أو هشمه، فالمالك ~~بالخيار إن شاء أخذه بعينه ولا شيء له غيره، وإن ms4326 شاء ضمنه قيمته من خلاف ~~الجنس؛ لأن الجودة لا قيمة لها بانفرادها، فأما مع الأصل فمتقومة، خصوصا ~~إذا حصلت بصنع العباد، فلا بد من التضمين، والتضمين بالمثل غير ممكن؛ لأنه ~~لا مثل له فوجب التضمين بالقيمة، ثم لا سبيل إلى تضمينه بجنسه؛ لأنه يؤدي ~~إلى الربا فلزم تضمينه بخلاف جنسه بخلاف الدراهم والدنانير؛ لأن هناك إيجاب ~~المثل ممكن وهو الأصل في الباب، فلا يعدل عن الأصل من غير ضرورة. # ولو قضى عليه بالقيمة من خلاف الجنس، ثم تفرقا قبل التقابض من الجانبين ~~لا يبطل القضاء عند أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم -؛ لأن القيمة قامت ~~مقام العين، وعند زفر - رحمه الله - يبطل؛ لأنه صرف، وكذلك آنية الصفر ~~والنحاس والشبة والرصاص إن كانت تباع وزنا فهي وآنية الذهب والفضة سواء؛ ~~لأنها إذا كانت تباع وزنا لم تخرج بالصناعة عن حد الوزن، فكانت موزونة، ~~فكانت من أموال الربا كالذهب والفضة، فإذا انهشمت في يد الغاصب نفسه أو ~~غيره، فحدث فيها عيب فاحش أو يسير إن شاء أخذه كذلك ولا شيء له غيره، وإن ~~شاء تركه عليه بالقيمة من الدراهم والدنانير ولا يكون التقابض فيه شرطا ~~بالإجماع، وكذلك هذا الحكم في كل مكيل وموزون إذا نقص من وصفه لا من الكيل ~~والوزن، وإن كانت تباع عددا فانكسرت أو كسرت إن كان ذلك لم يورث فيه عيبا ~~فاحشا، فليس لصاحبه فيه خيار الترك، ولكنه يأخذها ويضمنه نقصان القيمة، وإن ~~كان أورث عيبا فاحشا فصاحبها بالخيار إن شاء أخذها وأخذ قيمة النقصان. # وإن شاء تركها عليه وضمنه قيمتها صحيحا، وعلى هذا يخرج ما إذا غصب عصيرا ~~فصار خلا في يده، أو لبنا حليبا فصار مخيضا، أو عنبا فصار زبيبا، أو رطبا ~~فصار تمرا أن المغصوب منه بالخيار إن شاء أخذ ذلك الشيء بعينه ولا شيء له ~~غيره؛ لأن هذه من أموال الربا، فلم تكن الجودة فيها بانفرادها متقومة، فلا ~~تكون متقومة، وإن شاء تركه على الغاصب وضمنه مثل ما غصب لما ذكرنا فيما ~~تقدم وأما طريق ms4327 معرفة النقصان فهو أن يقوم صحيحا ويقوم وبه العيب، فيجب قدر ~~ما بينهما؛ لأنه لا يمكن معرفة قدر النقصان، إلا بهذا الطريق، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # وأما الذي يتعلق بحال زيادة المغصوب: فنقول وبالله التوفيق: إذا حدثت ~~زيادة في المغصوب في يد الغاصب، فالزيادة لا تخلو إما أن كانت منفصلة عن ~~المغصوب، وإما أن كانت متصلة به فإن كانت منفصلة عنه أخذها المغصوب منه مع ~~الأصل ولا شيء عليه للغاصب، سواء كانت متولدة من الأصل كالولد والثمرة ~~واللبن والصوف، أو ما هو في حكم المتولد كالأرش والعقر، أو غير متولدة منه ~~أصلا كالكسب من الصيد والهبة والصدقة ونحوها؛ لأن المتولد منها نماء ملكه، ~~فكان ملكه، وما هو في حكم المتولد بدل جزء مملوك، أو بدل ما له حكم الجزء، ~~فكان مملوكا له وغير المتولد كسب ملكه، فكان ملكه. # وأما بدل المنفعة وهو الأجرة بأن آجر الغاصب المغصوب يملكه الغاصب عندنا، ~~ويتصدق به خلافا للشافعي - رحمه الله - بناء على أن المنافع ليست بأموال ~~متقومة بأنفسها عندنا، حتى لا تضمن بالغصب والإتلاف وإنما يتقوم بالعقد ~~وإنه وجد من الغاصب، وعنده هي أموال متقومة بأنفسها مضمونة بالغصب والإتلاف ~~كالأعيان، وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم وإن كانت ~~متصلة به فإن كانت متولدة كالحسن والجمال والسمن والكبر ونحوها أخذها ~~المالك مع الأصل ولا شيء عليه للغاصب؛ لأنها نماء ملكه، وإن كانت غير ~~متولدة منه ينظر، إن كانت الزيادة عين مال متقوم قائم في المغصوب وهو تابع ~~للمغصوب، فالمغصوب منه بالخيار على ما نذكر إن شاء الله تعالى، وإن لم تكن ~~عين مال متقوم قائم أخذها المغصوب منه ولا شيء للغاصب وإن كانت عين مال ~~متقوم ولكنه ليس ببيع للمغصوب، بل هي أصل بنفسها، تزول عن ملك المغصوب منه ~~وتصير ملكا للغاصب للضمان، وبيان هذا في مسائل إذا غصب من إنسان ثوبا فصبغه ~~الغاصب بصبغ نفسه، فإن صبغه أحمر، أو أصفر بالعصفر والزعفران وغيرهما من ~~الألوان سوى السواد، فصاحب الثوب بالخيار إن ms4328 شاء أخذ الثوب من الغاصب ~~وأعطاه ما زاد الصبغ فيه، أما ولاية أخذ الثوب؛ فلأن الثوب ملكه لبقاء اسمه ~~ومعناه. # وأما ضمان ما زاد الصبغ فيه؛ فلأن للغاصب عين مال متقوم قائم، فلا سبيل ~~إلى إبطال # PageV07P160 # ملكه عليه من غير ضمان، فكان الأخذ بضمان رعاية للجانبين، وإن شاء ترك ~~الثوب على الغاصب وضمنه قيمة ثوبه أبيض يوم الغصب؛ لأنه لا سبيل إلى جبره ~~على أخذ الثوب، إذ لا يمكنه أخذه إلا بضمان وهو قيمة ما زاد الصبغ فيه. # ولا سبيل إلى جبره على الضمان لانعدام مباشرة سبب وجوب الضمان منه وقيل ~~له خيار ثالث وهو أن له ترك الثوب على حاله، وكان الصبغ فيه للغاصب فيباع ~~الثوب ويقسم الثمن على قدر حقهما، كما إذا انصبغ لا بفعل أحد؛ لأن الثوب ~~ملك المغصوب منه والصبغ ملك الغاصب والتمييز متعذر، فصارا شريكين في الثوب ~~فيباع الثوب ويقسم الثمن بينهما على قدر حقهما، وإنما كان الخيار للمغصوب ~~منه لا للغاصب، وإن كان للغاصب فيه ملك أيضا وهو الصبغ؛ لأن الثوب أصل ~~والصبغ تابع له، فتخيير صاحب الأصل أولى من أن يخير صاحب التبع، وليس ~~للغاصب أن يحبس الثوب بالعصفر؛ لأنه صاحب تبع، وإن صبغه أسود اختلف فيه، ~~قال أبو حنيفة - رحمه الله -: صاحب الثوب بالخيار إن شاء تركه على الغاصب ~~وضمنه قيمة ثوبه أبيض، وإن شاء أخذ الثوب ولا شيء للغاصب، بل يضمنه ~~النقصان، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: السواد وسائر الألوان سواء، ~~وهذا بناء على أن السواد نقصان عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنه يحرق ~~الثوب فينقصه، وعندهما زيادة كسائر الألوان. # وقيل إنه لا خلاف بينهم في الحقيقة، وجواب أبي حنيفة - رحمه الله - في ~~سواد ينقص وجوابهما في سواد يزيد، وقيل كان السواد يعد نقصانا في زمنه، ~~وزمنهما كان يعد زيادة، فكان اختلاف زمان والله سبحانه وتعالى أعلم وأما ~~العصفر إذا نقص الثوب بأن كانت قيمة الثوب ثلاثين فعادت قيمته بالصبغ إلى ~~عشرين فإنه ينظر إلى قدر ما يزيد هذا ms4329 الصبغ لو كان في ثوب يزيد هذا الصبغ ~~قيمته ولا ينقص، فإن كان يزيده قدر خمسة دراهم، فصاحب الثوب بالخيار إن شاء ~~ترك الثوب على الغاصب وضمنه قيمة الثوب أبيض ثلاثين درهما، وإن شاء أخذ ~~الثوب وأخذ من الغاصب خمسة دراهم، كذا قال محمد - رحمه الله -؛ لأن العصفر ~~نقص من هذا الثوب عشرة دراهم إلا أن يقدر خمسة فيه صبغ فانجبر نقصان الخمسة ~~به، أو صارت الخمستان قصاصا وبقي نقصان خمسة دراهم فيرجع عليه بخمسة، وكذلك ~~السواد على هذا والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو صبغ الثوب المغصوب بعصفر نفسه وباعه وغاب، ثم حضر صاحب الثوب يقضي له ~~بالثوب ويستوثق منه بكفيل أما القضاء بالثوب لصاحب الثوب، فلما ذكرنا أن ~~الثوب أصل والصبغ تابع له، فكان صاحب الثوب صاحب أصل، فكان اعتبار جانبه ~~أولى. # وأما الاستيثاق بكفيل؛ فلأن للغاصب فيه عين مال متقوم قائم، ولو وقع ~~الثوب المغصوب في صبغ إنسان فصبغ به، أو هبت الريح بثوب إنسان فألقته في ~~صبغ غيره فانصبغ به، فإن كان الصبغ عصفرا أو زعفرانا، فصاحب الثوب بالخيار ~~إن شاء أخذ الثوب وأعطاه ما زاد الصبغ فيه لما مر، وإن شاء امتنع لما ذكرنا ~~أنه لا سبيل إلى جبره على الضمان؛ لانعدام مباشرة سبب وجوب الضمان منه، ~~فيباع الثوب، فيضرب كل واحد منهما بحقه فيضرب صاحب الثوب بقيمة ثوبه أبيض؛ ~~لأن حقه في الثوب الأبيض. # وصاحب الصبغ يضرب بقيمة الصبغ في الثوب وهو قيمة ما زاد الصبغ فيه؛ لأن ~~حقه في الصبغ القائم في الثوب لا في الصبغ المنفصل، وإنما ثبت الخيار لصاحب ~~الثوب لا للغاصب لما بينا، وإن كان سوادا أخذه صاحب الثوب ولا شيء عليه من ~~قيمة الصبغ، بل يضمنه النقصان إن كان غاصبا؛ لأن النقصان حصل في ضمانه، ~~وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما حكمه حكم سائر الألوان على ما ~~بينا والله سبحانه وتعالى أعلم وكذلك السمن يخلط بالسويق المغصوب، أو يخلط ~~به، فالسويق بمنزلة الثوب والسمن بمنزلة الصبغ؛ لأن السويق أصل ms4330 والسمن ~~كالتابع له، ألا ترى أنه يقال: سويق ملتوت، ولا يقال: سمن ملتوت. # وأما العسل إذا خلط بالسمن، أو اختلط به فكلاهما أصل. # وإذا خلط المسك بالدهن أو اختلط به، فإن كان يزيد الدهن ويصلحه كان المسك ~~بمنزلة الصبغ، وإن كان دهنا لا يصلح بالخلط ولا تزيد قيمته كالأدهان ~~المنتنة فهو هالك ولا يعتد به والله سبحانه وتعالى أعلم ولو غصب من إنسان ~~ثوبا ومن إنسان صبغا فصبغه به ضمن لصاحب الصبغ صبغا مثل صبغه؛ لأنه أتلف ~~عليه صبغه وهو من ذوات الأمثال، فيكون مضمونا بالمثل فبعد ذلك حكمه # PageV07P161 # وحكم ما إذا صبغ الثوب المغصوب بصبغ نفسه سواء؛ لأنه ملك الصبغ بالضمان، ~~وقد بينا ذلك، ولو غصب من إنسان ثوبا ومن آخر صبغا فصبغه فيه، ثم غاب، ولم ~~يعرف فهذا وما إذا انصبغ بغير فعل أحد سواء استحسانا، والقياس أن لا يكون ~~لصاحب الصبغ على صاحب الثوب سبيل. # (وجه) القياس ما ذكرنا أن الصبغ صار مضمونا عليه لوجود الإتلاف منه، ~~فملكه بالضمان وزال عنه ملك صاحبه. # (وجه) الاستحسان أنه إذا غاب الغاصب على وجه لا يعرف لا يمكن اعتبار فعله ~~في إدارة الحكم عليه، فيجعل كأنه حصل لا بصبغ أحد، ولو غصب ثوبا وعصفرا من ~~رجل واحد فصبغه به، فالمغصوب منه يأخذ الثوب مصبوغا ويبرئ الغاصب من الضمان ~~في العصفر والثوب استحسانا، والقياس أن يضمن الغاصب عصفرا مثله ثم يصير ~~كأنه صبغ ثوبه بعصفر نفسه، فيثبت الخيار لصاحب الثوب لما ذكرنا أنه أتلف ~~عليه عصفره وملكه بالضمان، فهذا رجل صبغ ثوبا بعصفر نفسه فيثبت الخيار ~~لصاحب الثوب. # (وجه) الاستحسان أن المغصوب منه واحد فالغاصب خلط مال المغصوب منه بماله، ~~وخلط مال الإنسان بماله لا يعد استهلاكا له بل يكون نقصانا، فإذا اختار أخذ ~~الثوب فقد أبرأه عن النقصان، ولو كان العصفر لرجل والثوب لآخر فرضيا أن ~~يأخذاه، كما يأخذ الواحد أن لو كانا له فليس لهما ذلك؛ لأن المالك ههنا ~~اختلف، فكان الخلط استهلاكا والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو غصب ms4331 إنسان عصفرا وصبغ به ثوب نفسه ضمن عصفرا مثله؛ لأنه استهلك عليه ~~عصفره وله مثل فيضمن مثله، وليس لصاحب العصفر أن يحبس الثوب؛ لأن الثوب أصل ~~والعصفر تبع له والسواد في هذا بمنزلة العصفر في قول أبي حنيفة - رضي الله ~~عنه - أيضا؛ لأن هذا ضمان الاستهلاك، والألوان كلها في حكم ضمان الاستهلاك ~~سواء والله سبحانه وتعالى أعلم ولو غصب دارا فجصصها، ثم ردها قيل لصاحبها: ~~أعطه ما زاد التجصيص فيها، إلا أن يرضى صاحب الدار أن يأخذ الغاصب جصه؛ لأن ~~للغاصب فيها عين مال متقوم قائم وهو الجص، فلا يجوز إبطال حقه عليه من غير ~~عوض فيخير صاحب الدار؛ لأنه صاحب أصل فإن شاء أخذها وغرم للغاصب ما زاد ~~التجصيص فيها وإن شاء رضي بأن يأخذ جصه، ولو غصب مصحفا فنقطه روي عن أبي ~~يوسف - رحمه الله - أن لصاحبه أخذه ولا شيء عليه، وقال محمد - رحمه الله -: ~~صاحبه بالخيار إن شاء أعطاه ما زاد النقط فيه، وإن شاء ضمنه قيمته غير ~~منقوط. # (وجه) قوله أن النقط زيادة في المصحف، فأشبه الصبغ في الثوب. # (وجه) ما روي عن أبي يوسف أن النقط أعيان لا قيمة لها، فلم يكن للغاصب ~~فيه عين مال متقوم قائم بقي مجرد عمله وهو النقط ومجرد العمل لا يتقوم إلا ~~بالعقد، ولم يوجد ولأن النقط في المصحف مكروه، ألا ترى إلى ما روي عنه - ~~عليه الصلاة والسلام - أنه قال «جردوا القرآن» ، وإذا كان التجريد مندوبا ~~إليه كان النقط مكروها، فلم يكن زيادة، فكان لصاحب المصحف أخذه، ولو غصب ~~حيوانا فكبر في يده أو سمن، أو ازدادت قيمته بذلك، فلصاحبه أن يأخذه ولا ~~شيء عليه للغاصب؛ لأنه ليس للغاصب فيه عين مال متقوم قائم، وإنما الزيادة ~~نماء ملك المالك، وكذلك لو غصب جريحا، أو مريضا فداواه حتى برأ وصح لما ~~قلنا، ولا يرجع الغاصب على المالك بما أنفق؛ لأنه أنفق على مال الغير بغير ~~إذنه فكان متبرعا. # وكذلك لو غصب أرضا فيها زرع أو شجر فسقاه الغاصب وأنفق ms4332 عليه، حتى انتهى ~~بلوغه، وكذلك لو كان نخلا أطلع فأبره ولقحه وقام عليه فهو للمغصوب منه ولا ~~شيء للغاصب فيما أنفق لما قلنا، ولو كان حصد الزرع فاستهلكه، أو جذ من ~~الثمر شيئا، أو جز الصوف، أو حلب كان ضامنا؛ لأنه أتلف مال الغير بغير إذنه ~~فيضمن، ولو غصب ثوبا ففتله، أو غسله، أو قصره فلصاحبه أن يأخذه ولا شيء ~~للغاصب؛ لأنه ليس للغاصب عين مال متقوم قائم فيه، أما الفتل فإنه تغيير ~~الثوب من صفة إلى صفة. # (وأما) الغسل فإنه إزالة الوسخ عن الثوب وإعادة له في الحالة الأولى، ~~والصابون أو الحرض فيه يتلف ولا يبقى. # وأما القصارة فإنها تسوية أجزاء الثوب، فلم يحصل في المغصوب زيادة عين ~~مال متقوم قائم فيه، ولو غصب من مسلم خمرا فخللها فلصاحبها أن يأخذ الخل من ~~غير شيء؛ لأن الخل ملكه؛ لأن الملك كان ثابتا له في الخمر، وإذا صار خلا ~~حدث الخل على ملكه، وليس للغاصب فيه عين مال متقوم قائم؛ لأن الملح الملقى ~~في الخمر يتلف فيها، فصار كما لو تخللت بنفسها في يده، ولو كان كذلك لأخذه ~~من غير شيء كذا # PageV07P162 # هذا وقيل موضوع المسألة أنه خللها بالنقل من الظل إلى الشمس لا بشيء له ~~قيمة وهو الصحيح، وعلى هذا يخرج ما إذا غصب جلد ميتة ودبغه أنه إن دبغه ~~بشيء لا قيمة له كالماء والتراب والشمس كان لصاحبه أن يأخذه ولا شيء عليه ~~للغاصب؛ لأن الجلد كان ملكه وبعدما صار مالا بالدباغ بقي على حكم ملكه. # وليس لصاحبه فيه عين مال متقوم قائم إنما فيه مجرد فعل الدباغ، ومجرد ~~العمل لا يتقوم، إلا بالعقد، ولم يوجد هذا إذا أخذه من منزله فدبغه فأما ~~إذا كانت الميتة ملقاة على الطريق فأخذ جلدها فدبغه فلا سبيل له على الجلد؛ ~~لأن الإلقاء في الطريق إباحة للأخذ كإلقاء النوى وقشور الرمان على قوارع ~~الطرق، ولو هلك الجلد المغصوب بعد ما دبغه بشيء لا قيمة له لا ضمان عليه؛ ~~لأن الضمان لو وجب ms4333 عليه إما أن يجب بالغصب السابق، وإما أن يجب بالإتلاف لا ~~سبيل إلى الأول؛ لأنه لا قيمة له وقت الغصب ولا سبيل إلى الثاني؛ لأنه لم ~~يوجد الإتلاف من الغاصب، وإن استهلكه يضمن بالإجماع؛ لأنه كان ملكه قبل ~~الدباغ وبعدما صار مالا بالدباغ بقي على حكم ملكه لا حق للغاصب فيه، وإتلاف ~~مال مملوك للغير بغير إذنه لا حق له فيه فيوجب الضمان. # ولو دبغه بشيء متقوم كالقرظ والعفص ونحوهما فلصاحبه أن يأخذه ويغرم له ما ~~زاد الدباغ فيه؛ لأنه ملك صاحبه، وللغاصب فيه عين ملك متقوم قائم فلزم ~~مراعاة الجانبين وذلك فيما قلنا، وليس له أن يضمنه قيمة الجلد؛ لأنه لو ~~ضمنه قيمته لضمنه يوم الغصب، ولم يكن له قيمة يوم الغصب، ولو هلك في يده ~~بعد ما دبغه لا ضمان عليه لما بينا، ولو استهلكه فكذلك عند أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه - وذكر في ظاهر الرواية أن على قولهما يضمن قيمته مدبوغا ويعطيه ~~المالك ما زاد الدباغ فيه، وذكر الطحاوي - رحمه الله - في مختصره أن عندهما ~~يغرم قيمته أن لو كان الجلد ذكيا غير مدبوغ. # (وجه) قولهما أنه أتلف مالا متقوما مملوكا بغير إذن مالكه فيوجب الضمان، ~~كما إذا دبغه بشيء لا قيمة له فاستهلكه، وإنما قلنا ذلك، أما المالية ~~والتقوم فلأن الجلد بالدباغ صار مالا متقوما. # (وأما) الملك فلأنه كان ثابتا له قبل الدباغ، وبعده بقي على حكم ملكه؛ ~~ولهذا وجب عليه الضمان فيما إذا دبغه بما لا قيمة له كذا هذا، ولأبي حنيفة ~~- رضي الله عنه - أن التقوم حدث بصنع الغاصب، فلا يجب الضمان عليه؛ لأن ~~الأصل أن الحادث بفعل الإنسان يكون حقا له، فلا يمكن إيجاب الضمان عليه ~~فالتحق هذا الوصف بالعدم، فكان هذا إتلاف مال لا قيمة له من حيث المعنى، ~~فلا يجب الضمان، ولأن تقوم الجلد تابع لما زاد الدباغ فيه؛ لأنه حصل ~~بالدباغ وما زاد الدباغ مضمون فيه فكذا ما هو تابع له يكون ملحقا به، ~~والمضمون ببدل لا يضمن بالقيمة عند ms4334 الإتلاف كالمبيع قبل القبض. # بخلاف ما إذا دبغه بشيء لا قيمة له؛ لأن هناك ما زاد الدباغ فيه غير ~~مضمون فلم يوجد الأصل، فلا يلحق به غيره، وإن كان الجلد ذكيا فدبغه فإن ~~دبغه بما لا قيمة له، فلصاحبه أن يأخذه ولا شيء عليه لما ذكرنا أنه ملك ~~صاحبه، وليس للغاصب فيه عين مال متقوم قائم، وليس له أن يضمن الغاصب شيئا؛ ~~لأن الجلد قائم لم ينتقص، ولو دبغه بما له قيمة، فصاحبه بالخيار إن شاء ~~ضمنه قيمته غير مدبوغ، وإن شاء أخذه وأعطاه ما زاد الدباغ فيه لما ذكرنا في ~~الثوب المغصوب إذا صبغه أصفر، أو أحمر بصبغ نفسه، ولو أن الغاصب جعل هذا ~~الجلد أديما، أو زقا، أو دفترا، أو جرابا، أو فروا لم يكن للمغصوب منه على ~~ذلك سبيل؛ لأنه صار شيئا آخر حيث تبدل الاسم والمعنى، فكان استهلاكا له ~~معنى، ثم إن كان الجلد ذكيا فله قيمته يوم الغصب، وإن كان ميتة فلا شيء، ~~ولو غصب عصير المسلم فصار خمرا في يده، أو خلا ضمن عصيرا مثله؛ لأنه هلك في ~~يده بصيرورته خمرا، أو خلا، والعصير من ذوات الأمثال فيكون مضمونا بالمثل، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في حكم اختلاف الغاصب والمغصوب منه] # (فصل) : # وأما حكم اختلاف الغاصب والمغصوب منه إذا قال الغاصب هلك المغصوب في يدي، ~~ولم يصدقه المغصوب منه ولا بينة للغاصب، فإن القاضي يحبس الغاصب مدة لو كان ~~قائما لأظهره في تلك المدة، ثم يقضي عليه بالضمان لما قلنا فيما تقدم أن ~~الحكم الأصلي للغصب هو وجوب رد عين المغصوب، والقيمة خلف عنه فما لم يثبت ~~العجز عن الأصل لا يقضي بالقيمة التي هي خلف، ولو اختلفا في أصل الغصب، أو ~~في جنس المغصوب ونوعه، أو قدره، أو صفته، أو قيمته وقت الغصب، فالقول في ~~ذلك كله قول الغاصب؛ لأن المغصوب منه يدعي عليه الضمان وهو ينكر، فكان ~~القول قوله # PageV07P163 # إذ القول في الشرع قول المنكر. # ولو أقر الغاصب بما يدعي المغصوب منه ms4335 وادعى الرد عليه لا يصدق، إلا ~~ببينة؛ لأن الإقرار بالغصب إقرار بوجود سبب وجود الضمان منه فهو بقوله: ~~رددت عليك يدعي انفساخ السبب، فلا يصدق من غير بينة، وكذلك لو ادعى الغاصب ~~أن المغصوب منه هو الذي أحدث العيب في المغصوب لا يصدق إلا ببينة؛ لأن ~~الإقرار بوجود الغصب منه إقرار بوجود الغصب بجميع أجزائه في ضمانه فهو يدعي ~~إحداث العيب من المغصوب منه، ويدعي خروج بعض أجزائه عن ضمانه، فلا يصدق إلا ~~ببينة، ولو أقام المغصوب منه البينة أنه غصب الدابة ونفقت عنده وأقام ~~الغاصب البينة أنه ردها إليه وأنها نفقت عنده، فلا ضمان عليه؛ لأن من ~~الجائز أن شهود المغصوب منه اعتمدوا في شهادتهم على استصحاب الحال لما أنهم ~~علموا بالغصب وما علموا بالرد، فبنوا الأمر على ظاهر بقاء المغصوب في يد ~~الغاصب إلى وقت الهلاك وشهود الغاصب اعتمدوا في شهادتهم بالرد حقيقة الأمر ~~وهو الرد؛ لأنه أمر لم يكن، فكانت الشهادة القائمة على الرد أولى، كما في ~~شهود الجرح مع شهود التزكية. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - أن الغاصب ضامن، والله تعالى أعلم ولو ~~أقام المغصوب منه البينة أنه غصب منه هذا العبد ومات عنده وأقام الغاصب ~~البينة أن العبد مات في يد مولاه قبل الغصب لم ينتفع بهذه الشهادة؛ لأن ~~موته في يد مولاه قبل الغصب لا يتعلق به حكم، فلم تقبل الشهادة عليه ~~والتحقت بالعدم، فيجب العمل بشهادة شهود المغصوب منه، ولأن من الجائز أن ~~شهود الغاصب اعتمدوا استصحاب الحال، وهو حال اليد التي كانت عليه للمولى ~~لجواز أنهم علموها ثابتة، ولم يعلموها بالغصب وظنوا تلك اليد قائمة ~~فاستصحبوها وشهود المغصوب منه اعتمدوا في شهادتهم تحقق الغصب، فكانت ~~شهادتهم أولى بالقبول. # ولو أقام المغصوب منه البينة أن الغاصب غصب هذا العبد يوم النحر بالكوفة ~~وأقام الغاصب البينة أنه كان يوم النحر بمكة هو والعبد، فالضمان واجب على ~~الغاصب؛ لأن بينة الغاصب لا يتعلق بها حكم فالتحقت بالعدم، فبقيت بينة ~~المغصوب منه بلا معارض فلزم ms4336 العمل بها، وقال محمد - رحمه الله - في ~~الإملاء: إذا أقام الغاصب البينة أنه مات في يد المغصوب منه، وأقام المغصوب ~~منه البينة أنه مات في يد الغاصب، فالبينة بينة الغاصب لما ذكرنا أن بينته ~~قامت على إثبات أمر لم يكن وهو الرد، وبينة المغصوب منه قامت على إبقاء ما ~~كان على ما كان وهو الغصب، فكانت بينة الرد أولى والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو أقام المغصوب منه البينة أن الدابة نفقت عند الغاصب من ركوبه، وأقام ~~الغاصب البينة أنه ردها إليه فالبينة بينة المغصوب منه، وعلى الغاصب ~~القيمة؛ لأن بينة الغاصب لا تدفع بينة المغصوب منه؛ لأنها قامت على رد ~~المغصوب، ومن الجائز أنه ردها، ثم غصبها ثانيا وركبها فنفق في يده فأمكن ~~الجمع بين البينتين، وكذلك لو شهد شهود صاحب الدابة أن الغاصب قتلها، وشهد ~~شهود الغاصب أنه ردها إليه لما قلنا، كما إذا قال رجل لآخر غصبنا منك ألفا، ~~ثم قال: كنا عشرة، قال أبو يوسف - رحمه الله -: لا يصدق، وقال زفر - رحمه ~~الله -: يصدق. # (وجه) قوله أن قوله: غصبنا منك حقيقة للجمع، والعمل بحقيقة اللفظ واجب ~~وفي الحمل على الواحد ترك للعمل بالحقيقة فيصدق. # (وجه) قول أبي يوسف أن العمل بالحقيقة واجب ما أمكن وههنا لا يمكن؛ لأن ~~قوله غصبنا إخبار عن وجود الغصب من جماعة مجهولين، فلو عملنا بحقيقته ~~لألغينا كلامه، ولا شك أن العمل بالمجاز أولى من الإلغاء، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | [فصل في مسائل الإتلاف] # (فصل) : # وأما مسائل الإتلاف فالكلام فيها أن الإتلاف لا يخلو إما أن ورد على بني ~~آدم، وإما أن ورد على غيرهم من البهائم والجمادات، فإن ورد على بني آدم ~~فحكمه في النفس وما دونها نذكره في كتاب الجنايات إن شاء الله تعالى، وإن ~~ورد على غير بني آدم، فإنه يوجب الضمان إذا استجمع شرائط الوجوب فيقع ~~الكلام فيه في ثلاثة مواضع: في بيان كونه سببا لوجوب الضمان، وفي بيان شروط ~~وجوب الضمان، وفي بيان ماهية الضمان الواجب. # (أما) الأول: ms4337 فلا شك أن الإتلاف سبب لوجوب الضمان عند استجماع شرائط ~~الوجوب؛ لأن إتلاف الشيء إخراجه من أن يكون منتفعا به منفعة مطلوبة منه ~~عادة، وهذا اعتداء وإضرار، وقد قال الله سبحانه وتعالى: {فمن اعتدى عليكم ~~فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] ، # PageV07P164 # وقال - عليه الصلاة والسلام -: «لا ضرر ولا إضرار في الإسلام» وقد تعذر ~~نفي الضرر من حيث الصورة، فيجب نفيه من حيث المعنى بالضمان ليقوم الضمان ~~مقام المتلف فينتفي الضرر بالقدر الممكن، ولهذا وجب الضمان بالغصب ~~فبالإتلاف أولى؛ لأنه في كونه اعتداء وإضرارا فوق الغصب، فلما وجب بالغصب ~~فلأن يجب بالإتلاف أولى، سواء وقع إتلافا له صورة ومعنى بإخراجه عن كونه ~~صالحا للانتفاع، أو معنى بإحداث معنى فيه يمنع من الانتفاع به مع قيامه في ~~نفسه حقيقة؛ لأن كل ذلك اعتداء وإضرار سواء كان الإتلاف مباشرة بإيصال ~~الآلة بمحل التلف، أو تسبيبا بالفعل في محل يفضي إلى تلف غيره عادة؛ لأن كل ~~واحد منهما يقع اعتداء وإضرارا فيوجب الضمان. # وبيان ذلك في مسائل إذا قتل دابة إنسان، أو أحرق ثوبه، أو قطع شجرة ~~إنسان، أو أراق عصيره، أو هدم بناءه ضمن، سواء كان المتلف في يد المالك، أو ~~في يد الغاصب لتحقق الإتلاف في الحالين، غير أن المغصوب إن كان منقولا وهو ~~في يد الغاصب يخير المالك إن شاء ضمن الغاصب، وإن شاء ضمن المتلف لوجود سبب ~~وجوب الضمان من كل واحد منهما، فإن ضمن الغاصب فالغاصب يرجع بما ضمن على ~~المتلف؛ لأنه ملك المغصوب بالضمان فتبين أن الإتلاف ورد على ملكه، وإن ضمن ~~المتلف لا يرجع بالضمان على أحد، وإن كان عقارا ضمن المتلف ولا يضمن الغاصب ~~عندهما، وعند محمد - رحمه الله - الجواب فيه، وفي المنقول سواء بناء على أن ~~العقار غير مضمون بالغصب عندهما، وعنده مضمون به، فكان له أن يضمن أيهما ~~شاء، كما في المنقول. # وكذلك إذا نقص مال إنسان بما لا يجري فيه الربا ضمن النقصان سواء كان في ~~يد المالك، أو في يد الغاصب؛ ms4338 لأن النقص إتلاف جزء منه وتضمينه ممكن؛ لأنه ~~لا يؤدي إلى الربا فيضمن قدر النقصان بخلاف الأموال الربوية على ما مر، غير ~~أن النقصان إن كان بفعل غير الغاصب، فالمغصوب منه بالخيار إن شاء ضمن ~~الغاصب ويرجع الغاصب على الذي نقص، وإن شاء ضمن الذي نقص وهو لا يرجع على ~~أحد لما قلنا، ولو غصب عبدا قيمته ألف درهم فازداد في يد الغاصب، حتى صارت ~~قيمته ألفين فقتله إنسان خطأ، فالمالك بالخيار إن شاء ضمن الغاصب قيمته وقت ~~الغصب ألف درهم، وإن شاء ضمن القاتل قيمته وقت القتل ألفين؛ لأنه وجد سببا ~~وجوب الضمان الغصب والقتل. # والزيادة الحادثة في يد الغاصب غير مضمونة بالغصب وهي مضمونة بالقتل؛ ~~لذلك ضمن الغاصب ألفا والقاتل ألفين، فإن ضمن القاتل فإنه لا يرجع على أحد، ~~وإن ضمن الغاصب فالغاصب يرجع على عاقلة القاتل بألفين ويتصدق بالفضل على ~~الألف. # وأما الرجوع عليهم بألفين فلأنه ملك المغصوب بالضمان فتبين أن القتل ورد ~~على عبد الغاصب فيضمن قيمته. # وأما التصدق بالفضل على الألف فلتمكن الخبث فيه لاختلال الملك، وينبغي أن ~~يكون هذا على أصل أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أظهر، فأما على أصل أبي يوسف ~~- رحمه الله - فالفضل طيب له ولا يلزمه التصدق به، وإن قتله الغاصب بعد ~~الزيادة خطأ، فالمغصوب منه بالخيار إن شاء ضمنه الغاصب قيمته يوم الغصب ألف ~~درهم، وإن شاء ضمن عاقلته قيمته يوم القتل ألفي درهم وهو الصحيح، بخلاف ~~المغصوب إذا كان حيوانا سوى بني آدم فقتله الغاصب بعد الزيادة أنه لا يضمن ~~قيمته، إلا يوم الغصب ألف درهم عند أبي حنيفة - رحمه الله -. # وقد بينا له الفرق بينهما فيما تقدم، ولو قتل العبد نفسه في يد الغاصب ~~بعد حدوث الزيادة ضمن الغاصب قيمته يوم الغصب ألفا؛ لأن قتله نفسه يهدر ~~فيلحق بالعدم كأنه مات بنفسه، ولو كان كذلك يضمن قيمته يوم الغصب ألف درهم ~~كذا هذا، ولو كانت الجارية ولدت ولدا فقتلت ولدها، ثم ماتت الجارية، فعلى ~~الغاصب قيمتها يوم الغصب ms4339 ألف درهم، وليس عليه ضمان الولد؛ لأن قتلها ولدها ~~هدر ولا حكم له فالتحق بالعدم كأنه مات حتف أنفه فهلك أمانة وبقيت الأم ~~مضمونة بالغصب، ولو أودع رجلان رجلا كل واحد منهما ألف درهم فخلط المستودع ~~أحد الألفين بالآخر خلطا لا يتميز ضمن لكل واحد منهما ألفا، وملك المخلوط ~~في قول أبي حنيفة - رحمه الله -؛ لأن الخلط وقع إتلافا معنى، وعندهما هما ~~بالخيار بين أن يأخذا ذلك ويقتسماه بينهما وبين أن يضمناه والمسألة مرت في ~~كتاب الوديعة. # ثم قال محمد - رحمه الله - ولا يسع المودع أكل هذه الدراهم حتى يؤدي ~~مثلها إلى أصحابها، وهذا صحيح لا خلاف فيه # PageV07P165 # لأن عندهما لم ينقطع حق المالك، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - إن انقطع ~~وثبت الملك للمستودع لكن فيه خبث فيمنع من الصرف فيه، حتى يرضى صاحبه، ولو ~~أن رجلا له كران اغتصب رجل أحدهما، أو سرقه، ثم إن المالك أودع الغاصب، أو ~~السارق ذلك الآخر فخلطه بكر الغصب ثم ضاع ذلك كله ضمن كر الغصب، ولم يضمن ~~كر الوديعة بسبب الخلط؛ لأنه خلط ملكه بملكه وذلك ليس باستهلاك، فلا يجب ~~الضمان عليه بسبب الخلط وبقي الكر المضمون وكر الأمانة في يده على حالهما ~~فصار كأنهما هلكا قبل الخلط، ولو خلط الغاصب دراهم الغصب بدراهم نفسه خلطا ~~لا يتميز ضمن مثلها وملك المخلوط؛ لأنه أتلفها بالخلط. # وإن مات كان ذلك لجميع الغرماء والمغصوب منه أسوة الغرماء؛ لأنه زال ملكه ~~عنها وصار ملكا للغاصب، ولو اختلطت دراهم الغصب بدراهم نفسه بغير صنعه، فلا ~~يضمن وهو شريك للمغصوب منه؛ لأن الاختلاط من غير صنعه هلاك، وليس بإهلاك، ~~فصار كما لو تلفت بنفسها وصارا شريكين لاختلاط الملكين على وجه لا يتميز ~~والله عز وجل أعلم ولو صب ماء في طعام في يد إنسان فأفسده وزاد في كيله ~~فلصاحب الطعام أن يضمنه قيمته قبل أن يصب فيه الماء، وليس له أن يضمنه ~~طعاما مثله ولا يجوز أن يضمنه مثل كيله قبل صب الماء، وكذلك لو صب ماء ms4340 في ~~دهن، أو زيت؛ لأنه لا سبيل إلى أن يضمنه مثل الطعام المبلول والدهن المصبوب ~~فيه الماء؛ لأنه لا مثل له ولا سبيل إلى أن يضمنه مثل كيل الطعام قبل صب ~~الماء فيه؛ لأنه لم يكن منه غصب متقدم، حتى لو غصب ثم صب، فعليه مثله والله ~~تعالى أعلم. # ولو فتح باب قفص فطار الطير منه وضاع لم يضمن في قولهما، وقال محمد - ~~رحمه الله -: يضمن، وقال الشافعي - رحمه الله -: إن طار من فوره ذلك ضمن، ~~وإن مكث ساعة، ثم طار لا يضمن. # (وجه) قول محمد أن فتح باب القفص وقع إتلافا للطير تسبيبا؛ لأن الطيران ~~للطير طبع له، فالظاهر أنه يطير إذا وجد المخلص، فكان الفتح إتلافا له ~~تسبيبا فيوجب الضمان، كما إذا شق زق إنسان فيه دهن مائع فسال وهلك، وهذا ~~وجه قول الشافعي - رحمه الله - أيضا، إلا أنه يقول: إذا مكث ساعة لم يكن ~~الطيران بعد ذلك مضافا إلى الفتح، بل إلى اختياره، فلا يجب الضمان. # (وجه) قولهما أن الفتح ليس بإتلاف مباشرة ولا تسبيبا (أما) المباشرة ~~فظاهرة الانتفاء. # (وأما) التسبيب فلأن الطير مختار في الطيران؛ لأنه حي وكل حي له اختيار، ~~فكان الطيران مضافا إلى اختياره والفتح سببا محضا، فلا حكم له كما إذا حل ~~القيد عن عبد إنسان، حتى آبق أنه لا ضمان عليه لما قلنا كذا هذا بخلاف شق ~~الزق الذي فيه دهن مائع؛ لأن المائع سيال بطبعه بحيث لا يوجد منه الاستمساك ~~عند عدم المانع، إلا على نقض العادة، فكان الفتح تسببا للتلف فيجب الضمان، ~~وعلى هذا الخلاف إذا حل رباط الدابة، أو فتح باب الإصطبل، حتى خرجت الدابة ~~وضلت، وقالوا إذا حل رباط الزيت أنه إن كان ذائبا فسال منه ضمن، وإن كان ~~السمن جامدا فذاب بالشمس وزال لم يضمن لما ذكرنا أن المائع يسيل بطبعه إذا ~~وجد منفذا بحيث يستحيل استمساكه عادة، فكان حل الرباط إتلافا له تسبيبا ~~فيوجب الضمان بخلاف الجامد؛ لأن السيلان طبع المائع لا طبع الجامد، وهو وإن ms4341 ~~صار مائعا لكن لا بصنعه، بل بحرارة الشمس، فلم يكن التلف مضافا إليه لا ~~مباشرة ولا تسبيبا، فلا يضمن والله عز وجل أعلم. # وعلى هذا يخرج ما إذا غصب صبيا صغيرا حرا من أهله فعقره سبع، أو نهشته ~~حية، أو وقع في بئر، أو من سطح فمات أن على عاقلة الغاصب الدية لوجود ~~الإتلاف من الغاصب تسبيبا؛ لأنه كان محفوظا بيد وليه، إذ هو لا يقدر على ~~حفظ نفسه بنفسه، فإذا فوت حفظ الأهل عنه ولم يحفظه بنفسه، حتى أصابته آفة ~~فقد ضيعه، فكان ذلك منه إتلافا تسبيبا، والحر إن لم يكن مضمونا بالغصب يكون ~~مضمونا بالإتلاف مباشرة كان أو تسبيبا، ولو قتله إنسان خطأ في يد الغاصب ~~فلأوليائه أن يتبعوا أيهما شاءوا الغاصب أو القاتل. # (أما) القاتل فلوجود الإتلاف منه مباشرة. # (وأما) الغاصب فلوجود الإتلاف منه تسبيبا لما ذكرنا، والتسبب ينزل منزلة ~~المباشرة في وجوب الضمان كحفر البئر على قارعة الطريق والشهادة على القتل، ~~حتى لو رجع شهود القصاص ضمنوا فإن اتبعوا القاتل بالمال لا يرجع على أحد، ~~وإن اتبعوا الغاصب فالغاصب يرجع على القاتل؛ لأن الغصب بأداء الضمان قام ~~مقام المستحق في حق ملك الضمان، وإن تعذر أن يقوم مقامه في حق ملك المضمون ~~كغاصب المدبر إذا قتل المدبر في يده # PageV07P166 # واختار المالك تضمين الغاصب يرجع بالضمان على القاتل، وإن لم يملك نفس ~~المدبر بأداء الضمان كذا هذا، وكذلك لو وقع عليه حائط إنسان فالغاصب ضامن ~~ويرجع على عاقلة صاحب الحائط إن كان تقدم إليه لما قلنا، ولو قتله إنسان في ~~يد الغاصب عمدا فأولياؤه بالخيار إن شاءوا قتلوا القاتل وبرئ الغاصب. # وإن شاءوا اتبعوا الغاصب بالدية على عاقلته ويرجع عاقلة الغاصب في مال ~~القاتل عمدا، ولا يكون لهم القصاص. # (أما) ولاية القصاص من القاتل فلوجود القتل العمد الخالي عن الموانع. # (وأما) ولاية اتباع الغاصب بالدية فلوجود الإتلاف منه تسبيبا على ما بينا ~~فإن قتلوا القاتل برئ الغاصب؛ لأنه لا يجمع بين القصاص والدية في نفس واحدة ~~في ms4342 قتل واحد، وإن اتبعوا الغاصب فالدية على عاقلته ترجع عاقلته على مال ~~القاتل، ولا يكون لهم أن يقتصوا من القاتل؛ لأن القصاص لم يصر ملكا لهم ~~بأداء الضمان، إذ هو لا يحتمل التمليك، فلم يقم الغاصب مقام الولي في ملك ~~القصاص فسقط القصاص وينقلب مالا، والمال يحتمل التمليك، فجاز أن يقوم ~~الغاصب مقام الولي في ملك المال. # ولو قتل الصبي إنسانا في يد الغاصب فرده على الولي وضمن عاقلة الصبي لم ~~يكن لهم أن يرجعوا على الغاصب بشيء؛ لأنه لا سبيل إلى إيجاب ضمان الغصب؛ ~~لأن الحر غير مضمون بالغصب، ولا سبيل إلى إيجاب ضمان الإتلاف؛ لأن الغاصب ~~إنما يصير متلفا إياه تسبيبا بجناية غيره عليه لا بجنايته على غيره، ولو ~~قتل الصبي نفسه، أو أتى على شيء من نفسه من اليد والرجل وما أشبه ذلك، أو ~~أركبه الغاصب دابة فألقى نفسه منها فالغاصب ضامن عند أبي يوسف، وعند محمد ~~لا يضمن، وجه قول محمد أن فعله على نفسه هدر فالتحق بالعدم فصار كأنه مات ~~حتف أنفه، أو سقطت يده بآفة سماوية ولو كان كذلك لا ضمان عليه كذا هذا، ~~والجامع أنه لو وجب الضمان لوجب بالغصب والحر غير مضمون بالغصب، ولهذا لو ~~جنى على غيره لا يضمن الغاصب كذا هذا. # وجه قول أبي يوسف أن الحر إن لم يكن مضمونا بالغصب فهو مضمون بالإتلاف ~~مباشرة أو تسبيبا، وقد وجد التسبيب من الغاصب حيث ترك حفظه عن أسباب الهلاك ~~في الحالين جميعا، فكان متلفا إياه تسبيبا، فيجب الضمان عليه ولا يرجع ~~الغاصب على عاقلة الصبي بما ضمن؛ لأن حكم فعله على نفسه لا يعتبر، فلا يمكن ~~إيجابه على العاقلة والله سبحانه وتعالى أعلم ولو غصب مدبرا فمات في يده ~~ضمن بالإجماع، ولو غصب أم ولد فماتت في يده من غير آفة لم يضمن عند أبي ~~حنيفة، وقد ذكرنا المسألة في موضعها، ولو ماتت في يده بآفة على الوجه الذي ~~بينا أنه يضمن في الصبي الحر، فإن الغاصب يغرم قيمتها حالة ms4343 في ماله لوجود ~~الإتلاف منه تسبيبا، وأم الولد مضمونة بالإتلاف بلا خلاف، ولهذا وجب الضمان ~~في الصبي الحر ففي أم الولد أولى والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في بيان شروط وجوب ضمان الإتلاف] # (فصل) : # وأما شرائط وجوب هذا الضمان فمنها أن يكون المتلف مالا، فلا يجب الضمان ~~بإتلاف الميتة والدم وجلد الميتة وغير ذلك مما ليس بمال، وقد ذكرنا ذلك في ~~كتب البيوع ومنها أن يكون متقوما، فلا يجب الضمان بإتلاف الخمر والخنزير ~~على المسلم سواء كان المتلف مسلما، أو ذميا لسقوط تقوم الخمر والخنزير في ~~حق المسلم، ولو أتلف مسلم، أو ذمي على ذمي خمرا، أو خنزيرا يضمن عندنا ~~خلافا للشافعي - رحمه الله -، والدلائل مرت في مسائل الغصب، ولو أتلف ذمي ~~على ذمي خمرا، أو خنزيرا، ثم أسلما، أو أسلم أحدهما أما في الخنزير، فلا ~~يبرأ المتلف عن الضمان الذي لزمه سواء أسلم الطالب، أو المطلوب، أو أسلما ~~جميعا؛ لأن الواجب بإتلاف الخنزير القيمة وإنها دراهم، أو دنانير والإسلام ~~لا يمنع من قبض الدراهم والدنانير. # (وأما) في الخمر فإن أسلما جميعا، أو أسلم أحدهما وهو الطالب المتلف عليه ~~برئت ذمة المطلوب وهو المتلف وسقطت عنه الخمر بالإجماع، ولو أسلم المطلوب ~~أولا، ثم أسلم الطالب، أو لم يسلم ففي قول أبي يوسف وهو روايته عن أبي ~~حنيفة يبرأ المطلوب من الخمر ولا يتحول إلى القيمة، كما لو أسلم الطالب، ~~وعند محمد وزفر وعافية بن زيد القاضي وهو روايتهم عن أبي حنيفة لا يبرأ ~~المطلوب ويتحول ما عليه من الخمر إلى القيمة، كما لو كان الإتلاف بعد ~~الإسلام أنه يضمن قيمتها للذمي، فكذا إذا أتلف بعد الإسلام، وقد ذكرنا ~~المسألة في كتاب البيوع، ولو كسر على إنسان بربطا أو طبلا يضمن قيمته خشبا ~~منحوتا عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وذكر في المنتقى خشبا ألواحا. # وعندهما # PageV07P167 # لا يضمن وجه قولهما أن هذا آلة اللهو والفساد، فلم يكن متقوما كالخمر، ~~ولأبي حنيفة - رحمه الله - أنه كما يصلح للهو والفساد يصلح للانتفاع به من ms4344 ~~وجه آخر، فكان مالا متقوما من ذلك الوجه، وكذلك لو أراق لإنسان مسكرا، أو ~~منصفا فهو على هذا الاختلاف والمسألة قد ذكرناها في كتاب البيوع، ولو أحرق ~~بابا منحوتا عليه تماثيل منقوشة ضمن قيمته غير منقوش بتماثيل؛ لأنه لا قيمة ~~لنقش التماثيل؛ لأن نقشها محظور، وإن كان صاحبه قطع رءوس التماثيل ضمن ~~قيمته منقوشا؛ لأنه لا يكون تمثالا بلا رأس، ألا ترى أنه ليس بمحظور، فكان ~~النقش منقوشا ولو أحرق بساطا فيه تماثيل رجال ضمن قيمته مصورا؛ لأن التمثال ~~على البساط ليس بمحظور؛ لأن البساط يوطأ، فكان النقش متقوما، ولو هدم بيتا ~~مصورا ضمن قيمة البيت، والصور غير مضمونة؛ لأن الصور على البيت لا قيمة ~~لها؛ لأنه محظور فأما الصبغ فمتقوم، ولو قتل جارية مغنية ضمن قيمتها غير ~~مغنية؛ لأن الغناء لا قيمة له؛ لأنه محظور، هذا إذا كان الغناء زيادة في ~~الجارية فأما إذا كان نقصانا فيها فإنه يضمن قدر قيمتها، وعلى هذا تخرج ~~المباحات التي ليست بمملوكة لأحد؛ لأنها غير مضمونة بالإتلاف لعدم تقومها ~~إذ التقوم يبنى على العزة والحظر ولا يتحقق ذلك، إلا بالإحراز والاستيلاء. # (وأما) المباح المملوك وهو مال الحربي، فلا يجب الضمان بإتلافه أيضا، وإن ~~كان متقوما لفقد شرط آخر نذكره إن شاء الله تعالى، وإن شئت قلت ومنها أن ~~يكون مملوكا، فلا يجب الضمان بإتلاف المباحات التي لا يملكها أحد، والتخريج ~~على شرط التقوم أصح؛ لأن كون الشيء مملوكا في نفسه ليس بشرط لوجوب الضمان، ~~فإن الموقوف مضمون بالإتلاف وليس بمملوك أصلا، أرض بين شريكين زرعها أحدهما ~~وتراضيا على أن يعطي الذي لم يزرع نصف البذر، ويكون الخارج بينهما فهذا لا ~~يخلو (إما) أن كان الزرع نبت (وإما) أن كان لم ينبت، فإن كان قد نبت جاز؛ ~~لأن هذا بيع الحشيش بالحنطة وأنه جائز. # وإن كان لم ينبت لم يجز؛ لأنه لا يدري ما بقي تحت الأرض مما تلف مع أن ~~ذلك ليس بمال متقوم، فلا يجوز بيعه فإن نبت الزرع وطلب الذي لم ms4345 يزرع القسمة ~~قسم، وأمر الذي زرع أن يقلع ما في نصيب الشريك؛ لأن نصيبه مشغول بملكه ~~فيجبر على تفريغه وتضمينه نقصان الزراعة، والله سبحانه وتعالى أعلم. # (ومنها) أن يكون المتلف من أهل وجوب الضمان عليه، حتى لو أتلفت مال إنسان ~~بهيمة لا ضمان على مالكها؛ لأن فعل العجماء جبار، فكان هدرا ولا إتلاف من ~~مالكها، فلا يجب الضمان عليه ومنها أن يكون في الوجوب فائدة، فلا ضمان على ~~المسلم بإتلاف مال الحربي ولا على الحربي بإتلاف مال المسلم في دار الحرب، ~~وكذا لا ضمان على العادل إذا أتلف مال الباغي، ولا على الباغي إذا أتلف مال ~~العادل؛ لأنه لا فائدة في الوجوب لعدم إمكان الوصول إلى الضمان لانعدام ~~الولاية، فأما العصمة فليست بشرط لوجوب ضمان المال، إلا أن الصبي مأخوذ ~~بضمان الإتلاف، وإن لم تثبت عصمة المتلف في حقه، وكذا يجب الضمان بتناول ~~مال الغير حال المخمصة مع إباحة التناول، وكذا كسر آلات الملاهي مباح وهي ~~مضمونة بالإتلاف عند أبي حنيفة - رحمه الله -، ولا يلزم إذا أتلف مال إنسان ~~بإذنه أنه لا يجب الضمان؛ لأن عدم الوجوب ليس لعدم العصمة بل لعدم الفائدة؛ ~~لأنه لو وجب الضمان عليه لكان له أن يرجع عليه بما ضمن، فلا يفيد والله عز ~~شأنه أعلم. # وكذلك العلم بكون المتلف مال الغير ليس بشرط لوجوب الضمان، حتى لو أتلف ~~مالا على ظن أنه ملكه ثم تبين أنه ملك غيره ضمن؛ لأن الإتلاف أمر حقيقي لا ~~يتوقف وجوده على العلم كما في الغصب على ما مر، إلا أنه إذا علم بذلك يضمن ~~ويأثم، وإذا لم يعلم يضمن ولا يأثم؛ لأن الخطأ مرفوع المؤاخذة شرعا لما ~~ذكرنا في مسائل الغصب، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وأما بيان ماهية الضمان الواجب بإتلاف ما سوى بني آدم: فالواجب به ما هو ~~الواجب بالغصب وهو ضمان المثل إن كان المتلف مثليا، وضمان القيمة إن كان ~~مما لا مثل له؛ لأن ضمان الإتلاف ضمان اعتداء، والاعتداء لم يشرع إلا ~~بالمثل، فعند الإمكان ms4346 يجب العمل بالمثل المطلق وهو المثل صورة ومعنى، وعند ~~التعذر يجب المثل معنى وهو القيمة، كما في الغصب، والله سبحانه وتعالى أعلم ~~بالصواب. # PageV07P168 ### | [كتاب الحجر والحبس] ### | [الفصل الأول في الحجر] # [أسباب الحجر] # كتاب الحجر) # والحبس في هذا الكتاب فصلان: فصل في الحجر، وفصل في الحبس، أما الحجر ~~فالكلام فيه يقع في ثلاثة مواضع: أحدها: في بيان ### | أسباب الحجر، # والثاني: في بيان حكم الحجر، والثالث: في بيان ما يرفع الحجر. # (أما) الأول: فقد اختلف فيه قال أبو حنيفة عليه الرحمة الأسباب الموجبة ~~للحجر ثلاثة ما لها رابع: الجنون، والصبا، والرق، وهو قول: زفر، وقال: أبو ~~يوسف، ومحمد، والشافعي، وعامة أهل العلم - رحمهم الله - تعالى والسفه، ~~والتبذير، ومطل الغني، وركوب الدين، وخوف ضياع المال بالتجارة، والتلجئة. # والإقرار لغير الغرماء من أسباب الحجر أيضا فيجري عندهم في السفيه المفسد ~~للمال بالصرف إلى الوجوه الباطلة، وفي المبذر الذي يسرف في النفقة، ويغبن ~~في التجارات، وفيمن يمتنع عن قضاء الدين مع القدرة عليه إذا ظهر مطله عند ~~القاضي، وطلب الغرماء من القاضي أن يبيع عليه ماله، ويقضي به دينه وفيمن ~~ركبته الديون وله مال فخاف الغرماء ضياع أمواله بالتجارة فرفعوا الأمر إلى ~~القاضي، وطلبوا منه أن يحجر عليه، أو خافوا أن يلجئ أمواله فطلبوا من ~~القاضي أن يحجره عن الإقرار لا للغرماء فيجري الحجر في هذه المواضع عندهم، ~~وعنده لا يجري وما روي عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه كان لا يجري الحجر ~~إلا على ثلاثة: المفتي الماجن والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس، وليس ~~المراد منه حقيقة الحجر، وهو المعنى الشرعي الذي يمنع نفوذ التصرف، ألا ترى ~~أن المفتي لو أفتى بعد الحجر، وأصاب في الفتوى جاز، ولو أفتى قبل الحجر ~~وأخطأ لا يجوز، وكذا الطبيب لو باع الأدوية بعد الحجر نفذ بيعه فدل أنه ما ~~أراد به الحجر حقيقة، وإنما أراد به المنع الحسي أي: يمنع هؤلاء الثلاثة عن ~~عملهم حسا؛ لأن المنع عن ذلك من باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأن ~~المفتي الماجن ms4347 يفسد أديان المسلمين، والطبيب الجاهل يفسد أبدان المسلمين، ~~والمكاري المفلس يفسد أموال الناس في المفازة، فكان منعهم من ذلك من باب ~~الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا من باب الحجر فلا يلزمه التناقض بحمد ~~الله تعالى عز شأنه ولو حجر القاضي على السفيه ونحوه لم ينفذ حجره عند أبي ~~حنيفة - رحمه الله - حتى لو تصرف بعد الحجر ينفذ تصرفه عنده، وإن كان الحجر ~~ههنا محل الاجتهاد؛ لأن الحجر من القاضي قضاء منه، وقضاء القاضي في ~~المجتهدات إنما ينفذ، ويصير كالمتفق عليه إذا لم يكن نفس القضاء محل ~~الاجتهاد. # فأما إذا كان فلا بخلاف سائر المجتهدات التي لا يرجع الاجتهاد فيها إلى ~~نفس القضاء، وقد ذكرنا الفرق في كتاب أدب القاضي واختلف أبو يوسف ومحمد ~~فيما بينهما في السفيه أنه هل يصير محجورا عليه بنفس السفه أم يقف الانحجار ~~على حجر القاضي قال أبو يوسف: " لا يصير محجورا إلا بحجر القاضي "، وقال ~~محمد: ينحجر بنفس السفه من غير الحاجة إلى حجر القاضي، وحجة العامة قوله ~~تبارك وتعالى: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل ~~هو فليملل وليه بالعدل} [البقرة: 282] جعل الله سبحانه وتعالى لكل واحد من ~~المذكورين وليا، منهم السفيه، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - لا ولي للسفيه؛ ~~لأنه إذا كان له ولي دل أنه مولى عليه فلا ينفذ تصرفه كالصبي والمجنون ~~وقوله تبارك وتعالى {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم} [النساء: 5] نهى عن إعطاء ~~الأموال السفهاء، وعنده يدفع إليه ماله إذا بلغ خمسا وعشرين سنة، وإن كان ~~سفيها. # وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «باع على معاذ ماله بسبب ديون ~~ركبته» وهذا نص في الباب؛ لأن البيع عليه لا يذكر إلا في غير موضع الرضا؛ # ولأن # التصرفات شرعت لمصالح العباد. # والمصلحة تتعلق بالإطلاق مرة وبالحجر أخرى، والمصلحة ههنا؛ في الحجر ~~ولهذا إذا بلغ الصبي سفيها يمنع عنه ماله إلى خمس وعشرين سنة بلا خلاف، ~~ولهذا حجر على الصبي، والمجنون لكون الحجر مصلحة في حقهما، ms4348 كذا ههنا ولأبي ~~حنيفة - رضي الله عنه - عمومات البيع، والهبة، والإقرار، والظهار، واليمين ~~من نحو قوله تبارك وتعالى {وأحل الله البيع} [البقرة: 275] وقوله سبحانه ~~وتعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} ~~[البقرة: 282] إلى قوله عز شأنه {ولا يبخس منه شيئا} [البقرة: 282] أجاز ~~الله تعالى البدلين حيث ندب إلى الكتابة وأثبت الحق حيث أمر من عليه الحق ~~بالإملاء، ونهى عن البخس عاما من غير تخصيص، وقوله تبارك وتعالى {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم} [النساء: 29] . # PageV07P169 # وبيع مال المديون عليه تجارة لا عن تراض فلا يجوز وبيع السفيه ماله تجارة ~~عن تراض فيجوز وقوله سبحانه وتعالى {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ~~بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء: 135] عاما وشهادة الإنسان على ~~نفسه إقرار وقوله تبارك وتعالى {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ~~ردوها} [النساء: 86] وقوله - عليه الصلاة والسلام - «تهادوا تحابوا» وآية ~~الظهار وآية كفارة اليمين، شرع الله تعالى هذه التصرفات عاما والحجر عن ~~المشروع متناقض، وكذا نص الظهار واليمين يقتضيان وجوب التحرير على المظاهر ~~والحالف الحانث وجوازه عن الكفارة عاما. # وعند أبي يوسف ومحمد لا يجب التحرير على السفيه ولو حرر لا يجزيه عن ~~الكفارة؛ لأنه تجب السعاية على العبد فيكون إعتاقا بعوض، فلا يقع التحرير ~~تكفيرا فكانت الآية حجة عليهما، ولأن بيع السفيه مال نفسه تصرف صدر من ~~الأهل بركنه في محل هو خالص ملكه فينفذ كتصرف الرشيد، وهذا؛ لأن وجود ~~التصرف حقيقة بوجود ركنه، ووجوده شرعا بصدوره من أهله وحلوله في محله وقد ~~وجد، وبيع مال المديون عليه تصرف في ملك الغير من غير رضا المالك وأنه لا ~~ينفذ كالفضولي. # (وأما) الآية فقد قال بعض أهل التأويل: السفيه هو الصغير وبه نقول وقيل: ~~إن الولي ههنا هو من له الحق يملي بالعدل عند حضرة من عليه الدين لئلا يزيد ~~على ما عليه شيئا، ولو زاد أنكر عليه، وقوله تبارك وتعالى {ولا تؤتوا ms4349 ~~السفهاء أموالكم} [النساء: 5] فقد قال بعض أهل التأويل المراد من السفهاء ~~النساء، والأولاد الصغار يؤيده في سياق الآية قوله {وارزقوهم فيها واكسوهم} ~~[النساء: 5] ورزق النساء والأولاد الصغار هو الذي يجب على الأولياء ~~والأزواج لا رزق السفيه وكسوته، فإن ذلك يكون من مال السفيه على أن في ~~الآية الشريفة أن لا تؤتوهم مال أنفسكم؛ لأنه سبحانه وتعالى أضاف الأموال ~~إلى المعطي لا إلى المعطى له وبه نقول. # (وأما) بيع مال معاذ - رضي الله عنه - فقد كان برضاه إذ لا يظن به أنه ~~يكره بيع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويمتنع بنفسه عن قضاء الدين مع ~~مع أنه قد روي أنه طلب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع ماله ~~لينال بركته فيصير دينه مقضيا ببركته، كما روي عن جابر - رضي الله عنه - ~~«أنه لما استشهد أبوه يوم أحد وترك ديونا فطلب جابر من النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - أن يبيع أمواله لينال بركته فيصير دينه بذلك مقضيا» وكان كما ظن، ~~والاستدلال بمنع المال إذا بلغ سفيها لا يستقيم؛ لأن المنع تصرف في المال، ~~والحجر تصرف على النفس والنفس أعظم خطرا من المال، فثبوت أدنى الولايتين لا ~~يدل على ثبوت أعلاهما، ثم نقول إنما يمنع عن ماله نظرا له تقليلا للسفه لما ~~أن السفه غالبا يجري في الهبات والتبرعات، فإذا منع منه ماله ينسد باب ~~السفه فيقل السفه. # (فأما) المعاوضات فلا يغلب فيها السفه فلا حاجة إلى الحجر لتقليل السفه، ~~وأنه يقل بدونه فيتمحض الحجر ضررا بإبطال أهليته، وهذا لا يجوز بخلاف الصبي ~~والمجنون؛ لأنهما ليسا من أهل التصرف فلم يتضمن الحجر إبطال الأهلية والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في بيان حكم الحجر] # (فصل) : # وأما بيان حكم الحجر فحكمه يظهر في مال المحجور، وفي التصرف في ماله ~~(أما) حكم المال فأما المجنون فإنه يمنع عنه ماله مادام مجنونا، وكذلك ~~الصبي الذي لا يعقل؛ لأن وضع المال في يد من لا عقل له إتلاف المال. # (وأما) الصبي العاقل فيمنع عنه ماله ms4350 إلى أن يؤنس منه رشده ولا بأس للولي ~~أن يدفع إليه شيئا من أمواله، ويأذن له بالتجارة للاختبار عندنا لقوله ~~تعالى {وابتلوا اليتامى} [النساء: 6] أذن سبحانه وتعالى للأولياء في ابتلاء ~~اليتامى، والابتلاء الاختبار، وذلك بالتجارة فكان الإذن بالابتلاء إذنا ~~بالتجارة، وإذا اختبره فإن آنس منه رشدا دفع الباقي إليه لقوله تعالى {فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6] والرشد هو الاستقامة ~~والاهتداء في حفظ المال وإصلاحه وهذا عندنا وعند الشافعي - رحمه الله - ~~يمنع منه ماله ولا يجوز للولي أن يدفع شيئا من أمواله إليه، وأن يأذن له ~~بالتجارة قبل البلوغ، والمسألة نذكرها في كتاب المأذون إن شاء الله تعالى، ~~وإن لم يأنس منه رشدا منعه منه إلى أن يبلغ، فإن بلغ رشيدا دفع إليه، وإن ~~بلغ سفيها مفسدا مبذرا فإنه يمنع عنه ماله إلى خمس وعشرين بالإجماع، فإذا ~~بلغ هذا المبلغ ولم يؤنس رشده دفع إليه عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - ~~وعندهما لا يدفع إليه ما دام سفيها. # (وأما) الرقيق فلا مال له يمنع فلا يظهر أثر الحجر في حقه في المال، ~~وإنما يظهر في التصرفات، هذا حكم الحجر في مال المحجور. # (وأما) حكمه في تصرفه فالتصرف لا يخلو إما أن يكون من # PageV07P170 # الأقوال، وإما أن يكون من الأفعال. # (أما) التصرفات القولية فعلى ثلاثة أقسام: نافع محض، وضار محض ودائر بين ~~الضرر والنفع. # (أما) المجنون فلا تصح منه التصرفات القولية كلها فلا يجوز طلاقه وعتاقه ~~وكتابته وإقراره، ولا ينعقد بيعه وشراؤه حتى لا تلحقه الإجازة، ولا يصح منه ~~قبول الهبة والصدقة والوصية، وكذا الصبي الذي لا يعقل؛ لأن الأهلية شرط ~~جواز التصرف وانعقاده ولا أهلية بدون العقل. # (وأما) الصبي العاقل فتصح منه التصرفات النافعة بلا خلاف، ولا تصح منه ~~التصرفات الضارة المحضة بالإجماع # (وأما) الدائرة بين الضرر والنفع كالبيع والشراء والإجارة ونحوها فينعقد ~~عندنا موقوفا على إجازة وليه فإن أجاز جاز، وإن رد بطل وعند الشافعي - رحمه ~~الله - لا تنعقد أصلا وهي مسألة تصرفات الصبي العاقل، وقد مرت ms4351 في موضعها. # (وأما) الرقيق فيصح منه قبول الهبة، والصدقة والوصية، وكذا يصح طلاقه ~~وإقراره بالحدود والقصاص. # (وأما) إقراره بالمال فلا يصح في حق مولاه، ويصح في حق نفسه حتى يؤاخذ به ~~بعد العتاق. # (وأما) البيع وغيره من التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع فلا ينفذ بل ~~ينعقد موقوفا على إجازة المولى، ودلائل هذه المسائل ذكرت في مواضعها (وأما) ~~التصرفات الفعلية وهي الغصوب والإتلافات فهذه العوارض وهي: الصبا، والجنون، ~~والرق لا توجب الحجر فيها حتى لو أتلف الصبي والمجنون شيئا، فضمانه في ~~مالهما، وكذا العبد إذا أتلف مال إنسان فإنه يؤاخذ به لكن بعد العتاق. # (وأما) السفيه فعند أبي حنيفة عليه الرحمة ليس بمحجور عن التصرفات أصلا ~~وحاله وحال الرشيد في التصرفات سواء لا يختلفان إلا في وجه واحد: وهو أن ~~الصبي إذا بلغ سفيها يمنع عنه ماله إلى خمس وعشرين سنة، وإذا بلغ رشيدا ~~يدفع إليه ماله. # (فأما) في التصرفات فلا يختلفان حتى لو تصرف بعد ما بلغ سفيها ومنع عنه ~~ماله نفذ تصرفه، كما ينفذ بعد أن دفع المال إليه عنده. # (وأما) عندهما فحكمه وحكم الصبي العاقل والبالغ المعتوه سواء فلا ينفذ ~~بيعه، وشراؤه، وإجارته وهبته، وصدقته وما أشبه ذلك من التصرفات التي تحتمل ~~النقض والفسخ. # (وأما) فيما سوى ذلك فحكمه وحكم البالغ العاقل الرشيد سواء، فيجوز طلاقه ~~ونكاحه وإعتاقه وتدبيره واستيلاده، وتجب عليه نفقة زوجاته وأقاربه، والزكاة ~~في ماله، وحجة الإسلام، وينفق على زوجاته، وأقاربه، ويؤدي الزكاة من ماله، ~~ولا يمنع من حجة الإسلام ولا من العمرة، ولا من القرابين، وسوق البدنة لكن ~~يسلم القاضي النفقة والكراء والهدي على يد أمين لينفق عليه في الطريق، ولا ~~ولاية عليه لأبيه وجده ووصيهما، ويجوز إقراره على نفسه بالحدود والقصاص، ~~وتجوز وصاياه بالقرب في مرض موته من ثلث ماله، وغير ذلك من التصرفات التي ~~تصح من العاقل البالغ الرشيد، إلا أنه إذا تزوج امرأة بأكثر من مهر مثلها ~~فالزيادة باطلة، وإذا أعتق عبده يسعى في قيمته في ظاهر الرواية وذكر ~~الطحاوي عن ms4352 محمد رحمهما الله أنه رجع عن ذلك، وقال يعتق من غير سعاية فأما ~~فيما سوى ذلك فلا يختلفان، ولو باع السفيه أو اشترى نظر القاضي في ذلك فما ~~كان خيرا أجاز وما كان فيه مضرة رده والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في بيان ما يرفع الحجر] # (فصل) : # وأما بيان ما يرفع الحجر (أما) الصبي فالذي يرفع الحجر عنه شيئان: ~~أحدهما: إذن الولي إياه بالتجارة، والثاني: بلوغه إلا أن الإذن بالتجارة ~~يزيل الحجر عن التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع. # (وأما) التصرفات الضارة المحضة فلا يزول الحجر عنها إلا بالبلوغ وهذا ~~عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - لا يزول الحجر عن الصبي إلا بالبلوغ وقد ~~مرت المسألة ثم عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - يزول الحجر عن التصرفات ~~بالبلوغ سواء بلغ رشيدا أو سفيها، وكذا عند أبي يوسف إلا أن يحجر عليه ~~القاضي بعد البلوغ فينحجر بحجره، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - لا ينحجر ~~الصبي عن التصرف بحجر القاضي لكن يمنع ماله إلى خمس وعشرين سنة، وعند محمد. # والشافعي لا يزول إلا ببلوغه رشيدا، ثم البلوغ في الغلام يعرف بالاحتلام ~~والإحبال والإنزال، وفي الجارية يعرف بالحيض والاحتلام والحبل، فإن لم يوجد ~~شيء من ذلك فيعتبر بالسن. # (أما) معرفة البلوغ بالاحتلام فلما روي عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «رفع القلم عن ثلاثة منها الصبي حتى يحتلم» جعل - عليه ~~الصلاة والسلام - الاحتلام غاية لارتفاع الخطاب، والخطاب بالبلوغ دل أن ~~البلوغ يثبت بالاحتلام؛ ولأن البلوغ والإدراك عبارة عن بلوغ المرء كمال ~~الحال وذلك بكمال القدرة والقوة، والقدرة # PageV07P171 # من حيث سلامة الأسباب والآلات هي إمكان استعمال سائر الجوارح السليمة، ~~وذلك لا يتحقق على الكمال إلا عند الاحتلام، فإن قيل الإدراك إمكان استعمال ~~سائر الجوارح إن كان ثابتا، فأما إمكان استعمال الآلة المخصوصة وهو قضاء ~~الشهوة على سبيل الكمال فليس بثابت؛ لأن كمالها بالإنزال والاحتلام سبب ~~لنزول الماء على الأغلب فجعل علما على البلوغ؛ ولأن الله تعالى أمر بابتغاء ~~الولد وأخبر أنه مكتوب له ms4353 بقوله تبارك وتعالى {وابتغوا ما كتب الله لكم} ~~[البقرة: 187] والتكليف بابتغاء الولد إنما يتوجه في وقت لو ابتغى الولد ~~لوجد، ولا يكون ذلك إلا في خروج الماء للشهوة وذلك في حق الصبي بالاحتلام ~~في المتعارف، ولأن عند الاحتلام يخرج عن حيز الأولاد ويدخل في حيز الآباء ~~حتى يسمى أبا فلان لا ولد فلان في المتعارف؛ لأن عنده يصير من أهل العلوق ~~فكان الاحتلام علما على البلوغ، وإذا ثبت أن البلوغ يثبت بالاحتلام يثبت ~~بالإنزال؛ لأن ما ذكرنا من المعاني يتعلق بالنزول لا بنفس الاحتلام إلا أن ~~الاحتلام سبب لنزول الماء عادة فعلق الحكم به، وكذا الإحبال؛ لأنه لا يتحقق ~~بدون الإنزال عادة فإن لم يوجد شيء مما ذكرنا فيعتبر البلوغ بالسن، وقد ~~اختلف العلماء في أدنى السن التي يتعلق بها البلوغ قال أبو حنيفة - رضي ~~الله عنه -: ثماني عشرة سنة في الغلام وسبع عشرة في الجارية، وقال أبو يوسف ~~ومحمد والشافعي - رحمهم الله - خمس عشرة سنة في الجارية والغلام جميعا وجه ~~قولهم: أن المؤثر في الحقيقة هو العقل، وهو الأصل في الباب إذ به قوام ~~الأحكام، وإنما الاحتلام جعل حدا في الشرع لكونه دليلا على كمال العقل، ~~والاحتلام لا يتأخر عن خمس عشرة سنة عادة فإذا لم يحتلم إلى هذه المدة علم ~~أن ذلك لآفة في خلقته، والآفة في الخلقة لا توجب آفة في العقل فكان العقل ~~قائما بلا آفة فوجب اعتباره في لزوم الأحكام، وقد روي عن سيدنا عمر - رضي ~~الله عنه - أنه «عرض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غلام وهو ابن ~~أربع عشرة سنة فرده وعرض وهو ابن خمس عشرة فأجازه» فقد جعل - عليه الصلاة ~~والسلام - خمس عشرة حدا للبلوغ، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أن الشرع لما ~~علق الحكم والخطاب بالاحتلام بالدلائل التي ذكرناها فيجب بناء الحكم عليه، ~~ولا يرتفع الحكم عنه ما لم يتيقن بعدمه، ويقع اليأس عن وجوده، وإنما يقع ~~اليأس بهذه المدة؛ لأن الاحتلام إلى هذه المدة متصور في الجملة، فلا يجوز ms4354 ~~إزالة الحكم الثابت بالاحتلام عنه مع الاحتمال، على هذا أصول الشرع، فإن ~~حكم الحيض لما كان لازما في حق الكبيرة لا يزول بامتداد الطهر ما لم يوجد ~~اليأس، ويجب الانتظار لمدة اليأس لاحتمال عود الحيض، وكذا التفريق في حق ~~العنين لا يثبت ما دام طمع الوصول ثابتا، بل يؤجل سنة لاحتمال الوصول في ~~فصول السنة، فإذا مضت السنة ووقع اليأس الآن يحكم بالتفريق، وكذا أمر الله ~~سبحانه وتعالى بإظهار الحجج في حق الكفار والدعاء إلى الإسلام إلى أن يقع ~~اليأس عن قبولهم، فما لم يقع اليأس لا يباح لنا القتال، فكذلك ههنا مادام ~~الاحتلام يرجى يجب الانتظار ولا يأس بعد مدة خمس عشرة إلى هذه المدة، بل هو ~~مرجو فلا يقطع الحكم الثابت بالاحتلام عنه مع رجاء وجوده بخلاف ما بعد هذه ~~المدة، فإنه لا يحتمل وجوده بعدها فلا يجوز اعتباره في زمان اليأس عن ~~وجوده. # (وأما) الحديث فلا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أنه أجاز ذلك لما علم - عليه ~~الصلاة والسلام - أنه احتلم في ذلك الوقت، ويحتمل أيضا أنه أجاز ذلك لما ~~رآه صالحا للحرب محتملا له على سبيل الاعتياد للجهاد، كما أمرنا باعتبار ~~سائر القرب في أول أوقات الإمكان والاحتمال لها، فلا يكون حجة مع الاحتمال، ~~وإذا أشكل أمر الغلام المراهق في البلوغ فقال: قد بلغت يقبل قوله ويحكم ~~ببلوغه، وكذلك الجارية المراهقة؛ لأن الأصل في البلوغ هو الاحتلام على ما ~~بينا، وأنه لا يعرف إلا من جهته فألزمت الضرورة قبول قوله، كما في الإخبار ~~عن الطهر والحيض والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) المجنون فلا يزول الحجر عنه إلا بالإفاقة فإذا أفاق رشيدا أو ~~سفيها فحكمه في ذلك حكم الصبي، وقد ذكرناه. # (وأما) الرقيق فالحجر يزول عنه بالإعتاق مرة وبالإذن بالتجارة أخرى إلا ~~أن الإعتاق يزيل الحجر عنه على الإطلاق، والإذن بالتجارة لا يزيل إلا في ~~التصرفات الدائرة بين الضرر والنفع. # (وأما) السفيه فلا حجر عليه عن التصرف أصلا عند أبي حنيفة - رضي الله عنه ~~- فلا يتصور الزوال. # (وأما) ms4355 على مذهبهم فزواله عند أبي يوسف بضده وهو الإطلاق من القاضي فكما ~~لا ينحجر إلا بحجره # PageV07P172 # لا ينطلق إلا بإطلاقه، وعند محمد والشافعي رحمهما الله زوال الحجر على ~~السفيه بظهور رشده؛ لأن الحجارة كان بسفهه، فانطلاقه يكون بضده وهو رشده ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [الفصل الثاني الحبس] # (وأما) الفصل الثاني وهو فصل الحبس فالحبس على نوعين: حبس المديون بما ~~عليه من الدين، وحبس العين بالدين، أما الأول فالكلام فيه في مواضع في بيان ~~سبب وجوب الحبس، وفي بيان شرائط الوجوب، وفي بيان ما يمنع، عنه المحبوس وما ~~لا يمنع أما سبب وجوب الحبس فهو الدين قل أو كثر. # وأما شرائط الوجوب فأنواع بعضها يرجع إلى الدين، وبعضها يرجع إلى ~~المديون، وبعضها يرجع إلى صاحب الدين. # (أما) الذي يرجع إلى الدين فهو أن يكون حالا فلا يحبس في الدين المؤجل؛ ~~لأن الحبس لدفع الظلم المتحقق بتأخير قضاء الدين، ولم يوجد من المديون؛ لأن ~~صاحب الدين هو الذي أخر حق نفسه بالتأجيل؛ وكذا لا يمنع من السفر قبل حلول ~~الأجل سواء بعد محله أو قرب؛ لأنه لا يملك مطالبته قبل حل الأجل، ولا يمكن ~~منعه ولكن له أن يخرج معه حتى إذا حل الأجل منعه من المضي في سفره إلى أن ~~يوفيه دينه. # (وأما) الذي يرجع إلى المديون فمنها القدرة على قضاء الدين حتى لو كان ~~معسرا لا يحبس لقوله سبحانه وتعالى {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} ~~[البقرة: 280] ، ولأن الحبس لدفع الظلم بإيصال حقه إليه ولو ظلم فيه لعدم ~~القدرة ولأنه إذا لم يقدر على قضاء الدين لا يكون الحبس مفيدا؛ لأن الحبس ~~شرع للتوسل إلى قضاء الدين لا لعينه، ومنها المطل وهو تأخير قضاء الدين ~~لقوله - عليه الصلاة والسلام - مطل الغني ظلم فيحبس دفعا للظلم لقضاء الدين ~~بواسطة الحبس، وقوله - عليه الصلاة والسلام - «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته» ~~والحبس عقوبة، وما لم يظهر منه المطل لا يحبس لانعدام المطل واللي منه ~~ومنها، أن يكون من عليه الدين ممن سوى ms4356 الوالدين لصاحب الدين فلا يحبس ~~الوالدون وإن علوا بدين المولودين وإن سفلوا لقوله تبارك وتعالى {وصاحبهما ~~في الدنيا معروفا} [لقمان: 15] وقوله تعالى {وبالوالدين إحسانا} [الإسراء: ~~23] وليس من المصاحبة بالمعروف والإحسان حبسهما بالدين إلا أنه إذا امتنع ~~الوالد من الإنفاق على ولده الذي عليه نفقته فإن القاضي يحبسه لكن تعزيرا ~~لا حبسا بالدين. # (وأما) الولد فيحبس بدين الوالد؛ لأن المانع من الحبس حق الوالدين، وكذا ~~سائر الأقارب يحبس المديون بدين قريبه كائنا من كان، ويستوي في الحبس الرجل ~~والمرأة؛ لأن الموجب للحبس لا يختلف بالذكورة والأنوثة ويحبس ولي الصغير ~~إذا كان ممن يجوز له قضاء دينه؛ لأنه إذا كان الظلم بسبيل من قضاء دينه صار ~~بالتأخير ظالما فيحبس ليقضي الدين فيندفع الظلم. # (وأما) الذي يرجع إلى صاحب الدين فطلب الحبس من القاضي فما لم يطلب لا ~~يحبس؛ لأن الدين حقه، والحبس وسيلة إلى حقه، ووسيلة حق الإنسان حقه وحق ~~المرء إنما يطلب بطلبه فلا بد من الطلب للحبس، وإذا عرف سبب وجوب الدين ~~وشرائطه. # فإن ثبت عند القاضي السبب مع شرائطه بالحجة حبسه لتحقق الظلم عنده بتأخير ~~حقه من غير ضرورة، والقاضي نصب لدفع الظلم فيندفع الظلم عنه، وإن اشتبه على ~~القاضي حاله في يساره وإعساره، ولم يقم عنده حجة على أحدهما وطلب الغرماء ~~حبسه فإنه يحبس ليتعرف عن حاله أنه فقير أم غني، فإن علم أنه غني حبسه إلى ~~أن يقضي الدين؛ لأنه ظهر ظلمه بالتأخير، وإن علم أنه فقير خلى سبيله؛ لأنه ~~ظهر أنه لا يستوجب الحبس فيطلقه، ولكن لا يمنع الغرماء عن ملازمته عند ~~أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم -، إلا إذا قضى القاضي بالإنظار لاحتمال ~~أن يرزقه الله سبحانه وتعالى مالا، إذ المال غاد ورائح وعند زفر - رحمه ~~الله - لا يلازمونه لقوله تبارك وتعالى {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} ~~[البقرة: 280] ذكر النظرة بحرف الفاء فثبت من غير قضاء القاضي. # (ولنا) أن النظرة هي التأخير فلا بد وأن يؤخر وهو أن يؤخره القاضي أو ~~صاحب الحق، ولا ms4357 يمنعونه من التصرف، ولا من السفر فإذا اكتسب يأخذون فضل ~~كسبه فيقتسمونه بينهم بالحصص، وإذا مضى على حبسه شهر، أو شهران أو ثلاثة ~~ولم ينكشف حاله في اليسار والإعسار خلى سبيله؛ لأن هذا الحبس كان لاستبراء ~~حاله وإبلاء عذره والثلاثة الأشهر مدة صالحة لاشتهار الحال وإبلاء العذر ~~فيطلقه، لكن الغرماء لا يمنعون من ملازمته فيلازمونه لكن لا يمنعونه من ~~التصرف والسفر على ما ذكرنا، ولو اختلفا في اليسار والإعسار فقال الطالب: ~~هو موسر وقال المطلوب: أنا معسر فإن قامت لأحدهما بينة قبلت بينته، وإن ~~أقاما جميعا البينة فالبينة بينة الطالب؛ لأنها تثبت # PageV07P173 # زيادة وهي اليسار. # وإن لم يقم لهما بينة فقد ذكر محمد في الكفالة، والنكاح، والزيادات أنه ~~ينظر إن ثبت الدين بمعاقدة كالبيع، والنكاح، والكفالة، والصلح عن دم العمد، ~~والصلح عن المال والخلع، أو ثبت تبعا فيما هو معاقدة كالنفقة في باب النكاح ~~فالقول قول الطالب، وكذا في الغصب والزكاة، وإن ثبت الدين بغير ذلك كإحراق ~~الثوب، أو القتل الذي لا يوجب القصاص، ويوجب المال في مال الجاني، وفي ~~الخطأ فالقول قول المطلوب وذكر الخصاف - رحمه الله - في أدب القاضي أنه إن ~~وجب الدين عوضا عن مال سالم للمشتري نحو ثمن المبيع الذي سلم له البيع ~~والقرض والغصب والسلم الذي أخذ المسلم إليه رأس المال فالقول قول الطالب، ~~وكل دين ليس له عوض أصلا كإحراق الثوب، أو له عوض ليس بمال كالمهر وبدل ~~الخلع وبدل الصلح عن دم العمد والكفالة فالقول قول المطلوب، واختلف المشايخ ~~فيه قال بعضهم: القول قول المطلوب على كل حال ولا يحبس؛ لأن الفقر أصل في ~~بني آدم، والغنى عارض فكان الظاهر شاهدا للمطلوب فكان القول قوله مع يمينه، ~~وقال بعضهم: القول قول الطالب على كل حال لقوله - عليه الصلاة والسلام - " ~~لصاحب الحق اليد واللسان " وقال بعضهم يحكم زيه إذا كان زيه زي الأغنياء ~~فالقول قول الطالب وإن كان زيه زي الفقراء فالقول قول المطلوب، وعن الفقيه ~~أبي جعفر الهندواني - رحمه الله - أنه يحكم زيه ms4358 فيؤخذ بحكمه في الفقر ~~والغنى، إلا إذا كان المطلوب من الفقهاء، أو العلوية، أو الأشراف؛ لأن من ~~عاداتهم التكلف في اللباس والتجمل بدون الغنى فيكون القول قول المديون أنه ~~معسر (وجه) ما ذكره الخصاف - رحمه الله -: أن القول في الشرع قول من يشهد ~~له الظاهر، وإذا وجب الدين بدلا عن مال سلم له، كان الظاهر شاهدا للطالب؛ ~~لأنه ثبتت قدرة المطلوب بسلامة المال، وكذا في الزكاة أنها لا تجب إلا على ~~الغني، فكان الظاهر شاهدا للطالب. # (وجه) قول محمد - رحمه الله - وهو ظاهر الرواية: أن الظاهر شاهد للطالب ~~فيما ذكرنا أيضا من طريق الدلالة وهو إقدامه على المعاقدة، فإن الإقدام على ~~التزوج دليل القدرة، إذ الظاهر أن الإنسان لا يتزوج حتى يكون له شيء، ولا ~~يتزوج أيضا حتى يكون له قدرة على المهر، وكذا الإقدام على الخلع؛ لأن ~~المرأة لا تخالع عادة حتى يكون عندها شيء، وكذا الصلح لا يقدم الإنسان عليه ~~إلا عند القدرة، فكان الظاهر شاهدا للطالب في هذه المواضع فكان القول قوله، ~~والله تعالى أعلم. ### | [فصل في بيان ما يمنع المحبوس عنه وما لا يمنع] # وأما بيان ما يمنع المحبوس عنه وما لا يمنع فالمحبوس ممنوع عن الخروج إلى ~~أشغاله ومهماته، وإلى الجمع، والجماعات، والأعياد وتشييع الجنائز، وعيادة ~~المرضى، والزيارة والضيافة؛ لأن الحبس للتوسل إلى قضاء الدين فإذا منع عن ~~أشغاله ومهماته الدينية والدنيوية تضجر فيسارع إلى قضاء الدين، ولا يمنع من ~~دخول أقاربه عليه؛ لأن ذلك لا يخل بما وضع له الحبس بل قد يقع وسيلة إليه، ~~ولا يمنع من التصرفات الشرعية: من البيع، والشراء، والهبة، والصدقة، ~~والإقرار لغيرهم من الغرماء حتى لو فعل شيئا من ذلك نفذ ولم يكن للغرماء ~~ولاية الإبطال؛ لأن الحبس لا يوجب بطلان أهلية التصرفات ولو طلب الغرماء ~~الذين حبس لأجلهم من القاضي أن يحجر على المحبوس من الإقرار والهبة والصدقة ~~وغيرها لم يجبهم إلى ذلك عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما له أن يجيبهم ~~إليه. # وكذا إذا طلبوا من القاضي ms4359 بيع ماله عليه مما سوى الدراهم والدنانير من ~~المنقول والعقار له أن يجيبهم إليه عندهما. # وأما عند أبي حنيفة - رحمه الله - فلا يجيبهم إلى ذلك وهي مسألة الحجر، ~~لكن إذا كان دينه دراهم، وعنده دراهم فإن القاضي يقضي بها دينه؛ لأنها من ~~جنس حقه، وإن كان دينه دراهم وعنده دنانير باعها القاضي بالدراهم وقضى بها ~~دينه. # وكذا إذا كان دينه دنانير وعنده دراهم باعها القاضي بالدنانير وقضى بها ~~دينه، فرق بين الدنانير والدراهم وبين سائر الأموال أنه يبيع أحدهما بالآخر ~~لقضاء الدين، ولا يبيع سائر الأموال (ووجه) الفرق: أن الدراهم والدنانير من ~~جنس واحد من وجه بدليل أنه يكمل نصاب أحدهما بالآخر في باب الزكاة، والمؤدى ~~عن أحدهما كان مؤدى عن الآخر عند الهلاك فكان بينهما مجانسة من وجه، فصار ~~كل واحد منهما كعين الآخر حكما، وليس بين العروض وبين الدراهم والدنانير ~~مجانسة بوجه فلا يملك التصرف على المحبوس ببيعهما بها؛ ولأن العروض إذا ~~بيعت لقضاء الدين فإنها لا تشترى مثل ما تشترى في سائر الأوقات، بل دون # PageV07P174 # ذلك وفيه ضرر به، ولا ضرر في الدراهم والدنانير لأنها؛ لا تتفاوت وهذا ~~بخلاف ما بعد الموت أن القاضي يبيع جميع ماله لقضاء دينه؛ لأن؛ بيع القاضي ~~ليس تصرفا على الميت لبطلان أهليته بالموت؛ ولأنه رضي بذلك في آخر جزء من ~~أجزاء حياته، هذا هو الظاهر؛ لأن قضاء الديون من حوائجه الأصلية فكان راضيا ~~بقضاء الدين من أي مال كان تخليصا لنفسه عن عهدة الدين عندما سده عن حياته ~~والله سبحانه وتعالى أعلم وينفق المحبوس على نفسه وعياله وأقاربه ولا يمنع ~~من ذلك ولا عن شيء من التصرفات الشرعية والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في حبس العين بالدين] # وأما حبس العين بالدين فالمحبوس بالدين في الأصل على نوعين: محبوس هو ~~مضمون ومحبوس هو أمانة، والمضمون على نوعين أيضا مضمون بالثمن ومضمون ~~بالقيمة فالمضمون بالثمن كالمبيع في يد البائع حتى لو هلك سقط الثمن؛ لأنه ~~لو بقي لطالبه البائع به فيطالبه المشتري بتسليم ms4360 المبيع؛ لأن البيع تمليك ~~بإزاء تمليك، وتسليم بإزاء تسليم، وهو عاجز عن التسليم لهلاك المبيع فلا ~~يملك مطالبته فلا يملك البائع مطالبته بالثمن، فيسقط ضرورة عدم الفائدة في ~~البقاء؛ ولأن المبيع في يد البائع لا يكون أدنى حالا من المقبوض على سوم ~~الشراء وذلك مضمون، فهذا أولى إلا أن ذلك مضمون بالقيمة، وهذا بالثمن لوجود ~~التسمية الصحيحة ههنا، وانعدام التسمية هناك أصلا. # وأما الوكيل بالشراء إذا أدى الثمن من مال نفسه فحبس السلعة لاستيفاء ~~الثمن من الموكل فهلك فإن كان قبل الطلب يهلك أمانة عند أصحابنا - رحمهم ~~الله - الثلاثة، وعند زفر - رحمه الله - يهلك مضمونا، ولو كان بعد الطلب ~~يهلك مضمونا، لكن ضمان المبيع عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف ضمان ~~الرهن، وعند زفر - رحمه الله - ضمان الغصب، وقد ذكرنا المسألة في كتاب ~~الوكالة وأما المضمون بالقيمة فكالمبيع بيعا فاسدا إذا لم يكن من ذوات ~~الأمثال إذا فسخ البائع البيع والمبيع في يد المشتري فحبسه ليرد البائع ~~الثمن عليه فهلك في يده، يهلك بقيمته ويتقاصان ويترادان الفضل، وكذا ~~المرهون مضمون عندنا، لكن بالأقل من قيمته ومن الدين، وعند الشافعي - رحمه ~~الله - ليس بمضمون أصلا، وهي مسألة كتاب الرهن وأما المحبوس الذي هو أمانة ~~فنحو نماء الرهن فإنه محبوس بالدين لكنه أمانة في يد المرتهن حتى لو هلك لا ~~يسقط شيء من الدين، وكذا المستأجر دابة إجارة فاسدة إذا كان عجل الأجرة ~~فحبسها لاستيفاء الأجرة المعجلة حتى هلكت في يده تهلك أمانة والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | [كتاب الإكراه] # الكلام في هذا الكتاب في مواضع في بيان معنى الإكراه لغة وشرعا، وفي بيان ~~أنواع الإكراه، وفي بيان شرائط الإكراه، وفي بيان حكم ما يقع عليه الإكراه ~~إذا أتى به المكره وفي بيان ما عدل المكره إلى غير ما وقع عليه الإكراه أو ~~زاد على ما وقع عليه الإكراه أو نقص عنه (أما) الأول فالإكراه في اللغة ~~عبارة عن إثبات الكره، والكره معنى قائم بالمكره ينافي المحبة والرضا؛ ~~ولهذا يستعمل كل واحد ms4361 منهما مقابل الآخر قال الله سبحانه وتعالى: {وعسى أن ~~تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} [البقرة: 216] ؛ ~~ولهذا قال أهل السنة: إن الله تبارك وتعالى يكره الكفر والمعاصي، أي لا ~~يحبها ولا يرضى بها، وإن كانت الطاعات والمعاصي بإرادة الله عز وجل، وفي ~~الشرع عبارة عن الدعاء إلى الفعل بالإيعاد والتهديد مع وجود شرائطها التي ~~نذكرها في مواضعها إن شاء الله تعالى. ### | [فصل في بيان أنواع الإكراه] # (فصل) : # وأما بيان أنواع الإكراه فنقول: إنه نوعان: نوع يوجب الإلجاء والاضطرار ~~طبعا كالقتل والقطع والضرب الذي يخاف فيه تلف النفس أو العضو قل الضرب أو ~~كثر، ومنهم من قدره بعدد ضربات الحد، وأنه غير سديد؛ لأن المعول عليه تحقق ~~الضرورة فإذا تحققت فلا معنى لصورة العدد، وهذا النوع يسمى إكراها تاما، ~~ونوع لا يوجب الإلجاء والاضطرار وهو الحبس والقيد والضرب الذي لا يخاف منه ~~التلف، وليس فيه تقدير لازم سوى أن يلحقه منه الاغتمام البين من هذه ~~الأشياء أعني الحبس والقيد والضرب، وهذا النوع من الإكراه يسمى إكراها ~~ناقصا. # PageV07P175 ### | [فصل في شرائط الإكراه] # فصل) : # وأما شرائط الإكراه فنوعان: نوع يرجع إلى المكره ونوع يرجع إلى المكره. # (أما) الذي يرجع إلى المكره فهو أن يكون قادرا على تحقيق ما أوعد؛ لأن ~~الضرورة لا تتحقق إلا عند القدرة، وعلى هذا قال أبو حنيفة: - رضي الله عنه ~~- إن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان، وقال أبو يوسف ومحمد: - رحمهما الله ~~- إنه يتحقق من السلطان وغيره. # (وجه) قولهما: إن الإكراه ليس إلا إيعاد بإلحاق المكروه، وهذا يتحقق من ~~كل مسلط وأبو حنيفة - رضي الله عنه - يقول: غير السلطان لا يقدر على تحقيق ~~ما أوعد؛ لأن المكره يستغيث بالسلطان فيغيثه فإذا كان المكره هو السلطان ~~فلا يجد غوثا، وقيل: إنه لا خلاف بينهم في المعنى إنما هو خلاف زمان ففي ~~زمن أبي حنيفة - رضي الله عنه - لم يكن لغير السلطان قدرة الإكراه ثم تغير ~~الحال في زمانهما فغير الفتوى على حسب الحال، ms4362 والله سبحانه وتعالى أعلم ~~فأما البلوغ فليس بشرط لتحقق الإكراه حتى يتحقق من الصبي العاقل إذا كان ~~مطاعا مسلطا، وكذلك العقل والتمييز المطلق ليس بشرط فيتحقق الإكراه من ~~البالغ المختلط العقل بعد أن كان مطاعا مسلطا. # (وأما) النوع الذي يرجع إلى المكره فهو أن يقع في غالب رأيه وأكثر ظنه ~~أنه لو لم يجب إلى ما دعي إليه تحقق ما أوعد به؛ لأن غالب الرأي حجة خصوصا ~~عند تعذر الوصول إلى التعين حتى أنه لو كان في أكثر رأي المكره أن المكره ~~لا يحقق ما أوعده لا يثبت حكم الإكراه شرعا، وإن وجد صورة الإيعاد؛ لأن ~~الضرورة لم تتحقق، ومثله لو أمره بفعل ولم يوعده عليه ولكن في أكثر رأي ~~المكره أنه لو لم يفعل تحقق ما أوعد يثبت حكم الإكراه لتحقق الضرورة ولهذا ~~إنه لو كان في أكثر رأيه أنه لو امتنع عن تناول الميتة وصبر إلى أن يلحقه ~~الجوع المهلك لأزيل عنه الإكراه لا يباح له أن يعجل بتناولها، وإن كان في ~~أكثر رأيه أنه، وإن صبر إلى تلك الحالة لما أزيل عنه الإكراه يباح أن ~~يتناولها للحال دل أن العبرة لغالب الرأي وأكثر الظن دون صورة الإيعاد ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في بيان ما يقع عليه الإكراه] # (فصل) : # وأما بيان ما يقع عليه الإكراه فنقول - وبالله التوفيق - ما يقع عليه ~~الإكراه في الأصل نوعان: حسي وشرعي، وكل واحد منهما على ضربين: معين ومخير ~~فيه، أما الحسي المعين في كونه مكرها عليه فالأكل والشرب والشتم والكفر ~~والإتلاف والقطع عينا. # وأما الشرعي فالطلاق والعتاق والتدبير والنكاح والرجعة واليمين والنذر ~~والظهار والإيلاء والفيء في الإيلاء والبيع والشراء والهبة والإجارة ~~والإبراء عن الحقوق والكفالة بالنفس وتسليم الشفعة وترك طلبها ونحوها والله ~~تعالى أعلم ### | [فصل في بيان حكم ما يقع عليه الإكراه] # (فصل) : # وأما بيان حكم ما يقع عليه الإكراه فنقول - وبالله التوفيق - أما ~~التصرفات الحسية فيتعلق بها حكمان: أحدهما يرجع إلى الآخرة، والثاني يرجع ~~إلى الدنيا أما الذي يرجع إلى ms4363 الآخرة فنقول - وبالله التوفيق -. # التصرفات الحسية التي يقع عليها الإكراه في حق أحكام الآخرة ثلاثة أنواع: ~~نوع هو مباح، ونوع هو مرخص، ونوع هو حرام ليس بمباح ولا مرخص. # (أما) النوع الذي هو مباح فأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب الخمر إذا ~~كان الإكراه تاما بأن كان بوعيد تلف؛ لأن هذه الأشياء مما تباح عند ~~الاضطرار قال الله تبارك وتعالى: {إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119] ، ~~أي دعتكم شدة المجاعة إلى أكلها، والاستثناء من التحريم إباحة وقد تحقق ~~الاضطرار بالإكراه فيباح له التناول بل لا يباح له الامتناع عنه، ولو امتنع ~~عنه حتى قتل يؤاخذ به كما في حالة المخمصة؛ لأنه بالامتناع عنه صار ملقيا ~~نفسه في التهلكة، والله سبحانه وتعالى نهى عن ذلك بقوله تعالى {ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] ، وإن كان الإكراه ناقصا لا يحل له ~~الإقدام عليه ولا يرخص أيضا؛ لأنه لا يفعله للضرورة بل لدفع الغم عن نفسه، ~~فكانت الحرمة بحكمها قائمة، وكذلك لو كان الإكراه بالإجاعة بأن قال: لتفعلن ~~كذا وإلا لأجيعنك لا يحل له أن يفعل حتى يجيئه من الجوع ما يخاف منه تلف ~~النفس أو العضو؛ لأن الضرورة لا تتحقق إلا في تلك الحالة والله تعالى أعلم. # (وأما) النوع الذي هو مرخص فهو إجراء كلمة الكفر على اللسان مع اطمئنان ~~القلب بالإيمان إذا كان الإكراه تاما وهو محرم في نفسه مع ثبوت الرخصة، ~~فأثر الرخصة في تغير حكم الفعل وهو المؤاخذة لا في تغير وصفه وهو الحرمة؛ ~~لأن كلمة الكفر مما لا يحتمل الإباحة بحال فكانت الحرمة # PageV07P176 # قائمة إلا أنه سقطت المؤاخذة؛ لعذر الإكراه قال الله تبارك وتعالى: {من ~~كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح ~~بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} [النحل: 106] إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان على التقديم والتأخير في الكلام، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # والامتناع عنه أفضل من الإقدام عليه حتى لو امتنع فقتل كان مأجورا؛ لأنه ~~جاد بنفسه ms4364 في سبيل الله تعالى فيرجو أن يكون له ثواب المجاهدين بالنفس هنا، ~~وقال: - عليه الصلاة والسلام - «من قتل مجبرا في نفسه فهو في ظل العرش يوم ~~القيامة، وكذلك التكلم بشتم النبي - عليه الصلاة والسلام - مع اطمئنان ~~القلب بالإيمان، والأصل فيه ما روي أن عمار بن ياسر - رضي الله عنهما - لما ~~أكرهه الكفار ورجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: ما وراءك ~~يا عمار فقال: شر يا رسول الله ما تركوني حتى نلت منك فقال رسول الله: - ~~صلى الله عليه وسلم - إن عادوا فعد» فقد رخص - عليه الصلاة والسلام - في ~~إتيان الكلمة بشريطة اطمئنان القلب بالإيمان حيث أمره - عليه الصلاة ~~والسلام - بالعود إلى ما وجد منه، لكن الامتناع عنه أفضل لما مر، ومن هذا ~~النوع شتم المسلم، لأن عرض المسلم حرام التعرض في كل حال قال النبي: - عليه ~~الصلاة والسلام - «كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله» إلا أنه رخص ~~له، لعذر الإكراه. # وأثر الرخصة في سقوط المؤاخذة دون الحرمة، والامتناع عنه حفظا لحرمة ~~المسلم وإيثارا له على نفسه أفضل ومن هذا النوع: إتلاف مال المسلم؛ لأن ~~حرمة مال المسلم حرمة دمه على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا ~~يحتمل السقوط بحال إلا أنه رخص له الإتلاف لعذر الإكراه حال المخمصة على ما ~~نذكر، ولو امتنع حتى قتل لا يأثم بل يثاب؛ لأن الحرمة قائمة فهو بالامتناع ~~قضى حق الحرمة فكان مأجورا لا مأزورا وكذلك إتلاف مال نفسه مرخص بالإكراه ~~لكن مع قيام الحرمة حتى أنه لو امتنع فقتل لا يأثم بل يثاب؛ لأن حرمة ماله ~~لا تسقط بالإكراه ألا ترى أنه أبيح له الدفع قال النبي - عليه الصلاة ~~والسلام -: «قاتل دون مالك وكذا من أصابته المخمصة فسأل صاحبه الطعام فمنعه ~~فامتنع من التناول حتى مات أنه لا يأثم» لما ذكرنا أنه بالامتناع راعى حق ~~الحرمة هذا إذا كان الإكراه تاما، فإن كان ناقصا من الحبس والقيد والضرب ~~الذي لا يخاف منه تلف النفس والعضو ms4365 لا يرخص له أصلا، ويحكم بكفره. # وإن قال: كان قلبي مطمئنا بالإيمان فلا يصدق في الحكم على ما نذكر، ويأثم ~~بشتم المسلم وإتلاف ماله؛ لأن الضرورة لم تتحقق، وكذا إذا كان الإكراه تاما ~~ولكن في أكبر رأي المكره أن المكره لا يحقق ما أوعده لا يرخص له الفعل ~~أصلا، ولو فعل يأثم لانعدام تحقق الضرورة لانعدام الإكراه شرعا، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) النوع الذي لا يباح ولا يرخص بالإكراه أصلا فهو قتل المسلم بغير ~~حق سواء كان الإكراه ناقصا أو تاما؛ لأن قتل المسلم بغير حق لا يحتمل ~~الإباحة بحال قال الله تبارك وتعالى {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق} [الأنعام: 151] ، وكذا قطع عضو من أعضائه، والضرب المهلك قال الله ~~سبحانه وتعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد ~~احتملوا بهتانا وإثما مبينا} [الأحزاب: 58] ، وكذلك ضرب الوالدين قل أو كثر ~~قال الله تعالى {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] ، والنهي عن التأفيف نهي ~~عن الضرب دلالة بالطريق الأولى فكانت الحرمة قائمة بحكمها فلا يرخص الإقدام ~~عليه، ولو أقدم يأثم، والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) ضرب غير الوالدين إذا كان مما لا يخاف منه التلف كضرب سوط أو نحوه ~~فيرجى أن لا يؤاخذ به، وكذا الحبس والقيد؛ لأن ضرره دون ضرر المكره بكثير ~~فالظاهر أنه يرضى بهذا القدر من الضرر لإحياء أخيه، ولو أذن له المكره عليه ~~أو قطعه أو ضربه، فقال للمكره: افعل لا يباح له أن يفعل؛ لأن هذا مما لا ~~يباح بالإباحة ولو فعل فهو آثم ألا ترى أنه لو فعل بنفسه أثم فبغيره أولى، ~~وكذا الزنا من هذا القبيل أنه لا يباح ولا يرخص للرجل بالإكراه، وإن كان ~~تاما ولو فعل يأثم؛ لأن حرمة الزنا ثابتة في العقول قال الله سبحانه ~~وتعالى: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} [الإسراء: 32] فدل ~~أنه كان فاحشة في العقل قبل ورود الشرع فلا يحتمل الرخصة بحال كقتل المسلم ~~بغير حق ولو أذنت المرأة به لا يباح ms4366 أيضا حرة كانت أو أمة أذن لها مولاها؛ ~~لأن الفرج لا يباح بالإباحة. # وأما المرأة فيرخص لها؛ لأن الذي يتصور منها ليس إلا التمكين، وهي مع ذلك ~~مدفوعة إليه، وهذا عندي فيه نظر؛ لأن فعل الزنا كما يتصور من الرجل يتصور ~~من المرأة ألا ترى أن الله سبحانه وتعالى # PageV07P177 # سماها زانية إلا أن زنا الرجل بالإيلاج، وزناها بالتمكين والتمكين فعل ~~منها لكنه فعل سكوت فاحتمل الوصف بالحظر والحرمة، فينبغي أن لا يختلف فيه ~~حكم الرجل والمرأة فلا يرخص للمرأة كما لا يرخص للرجل والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # (وأما) الحكم الذي يرجع إلى الدنيا في الأنواع الثلاثة: أما النوع الأول ~~فالمكره على الشرب لا يجب عليه الحد إذا كان الإكراه تاما؛ لأن الحد شرع ~~زاجرا عن الجناية في المستقبل، والشرب خرج من أن يكون جناية بالإكراه، وصار ~~مباحا بل واجبا عليه على ما مر، وإذا كان ناقصا يجب؛ لأن الإكراه الناقص لم ~~يوجب تغير الفعل عما كان عليه قبل الإكراه بوجه ما، فلا يوجب تغير حكمه ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) النوع الثاني فالمكره على الكفر لا يحكم بكفره إذا كان قلبه ~~مطمئنا بالإيمان بخلاف المكره على الإيمان أنه يحكم بإيمانه، والفرق بينهما ~~من وجهين: أحدهما أن الإيمان في الحقيقة تصديق والكفر في الحقيقة تكذيب، ~~وكل ذلك عمل القلب، والإكراه لا يعمل على القلب فإن كان مصدقا بقلبه كان ~~مؤمنا لوجود حقيقة الإيمان، وإن كان مكذبا بقلبه كان كافرا لوجود حقيقة ~~الكفر إلا أن عبارة اللسان جعلت دليلا على التصديق والتكذيب ظاهرا حالة ~~الطوع، وقد بطلت هذه الدلالة بالإكراه فبقي الإيمان منه والكفر محتملا، ~~فكان ينبغي أن لا يحكم بالإسلام حالة الإكراه مع الاحتمال كما لم يحكم ~~بالكفر فيها بالاحتمال إلا أنه حكم بذلك؛ لوجهين أحدهما أنا إنما قبلنا ~~ظاهر إيمانه مع الإكراه ليخالط المسلمين فيرى محاسن الإسلام فيئول أمره إلى ~~الحقيقة، وإن كنا لا نعلم بإيمانه لا قطعا ولا غالبا. # وهذا جائز ألا ترى أن الله تباك وتعالى أمرنا في ms4367 النساء المهاجرات ~~بامتحانهن بعد وجود ظاهر الكلمة منهن بقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} [الممتحنة: 10] ليظهر لنا إيمانهن ~~بالدليل الغالب؛ لقوله عز شأنه {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار} [الممتحنة: 10] كذا ههنا، وهذا المعنى لا يتحقق في الإكراه على ~~الكفر والثاني أن اعتبار الدليل المحتمل في باب الإسلام يرجع إلى إعلاء ~~الدين الحق، وأن اعتبار الغالب يرجع إلى ضده، وإعلاء الدين الحق واجب قال ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - «الإسلام يعلو ولا يعلى» فوجب اعتبار ~~المحتمل دون الغالب إعلاء لدين الحق، وذلك في الحكم بإيمان المكره على ~~الإيمان والحكم بعدم كفر المكره، والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو أكره على الإسلام فأسلم ثم رجع يجبر على الإسلام، ولا يقتل بل يحبس ~~ولكن لا يقتل، والقياس أن يقتل لوجود الردة منه وهي الرجوع عن الإسلام. # (وجه) الاستحسان أنا إنما قبلنا كلمة الإسلام منه ظاهرا طمعا للحقيقة، ~~ليخالط المسلمين فيرى محاسن الإسلام فينجع التصديق في قلبه على ما مر فإذا ~~رجع تبين أنه لا مطمع لحقيقة الإسلام فيه، وأنه على اعتقاده الأول فلم يكن ~~هذا رجوعا عن الإسلام بل إظهارا لما كان في قلبه من التكذيب فلا يقتل، ~~وكذلك الكافر إذا أسلم وله أولاد صغار حتى حكم بإسلامهم تبعا لأبيهم فبلغوا ~~كفارا يجبرون على الإسلام ولا يقتلون، لأنه لم يوجد منهم الإسلام حقيقة فلم ~~يتحقق الرجوع عنه والله سبحانه وتعالى أعلم ولو أكره على أن يقر أنه أسلم ~~أمس فأقر لا يحكم بإسلامه؛ لأن الإكراه يمنع صحة الإقرار لما نذكر في موضعه ~~- إن شاء الله تعالى - وإذا لم يحكم بكفره بإجراء الكلمة لا تثبت أحكام ~~الكفر حتى لا تبين منه امرأته، والقياس أن تثبت البينونة؛ لوجود سبب الفرقة ~~وهو الكلمة أو هي من أسباب الفرقة بمنزلة كلمة الطلاق ثم حكم تلك لا يختلف ~~بالطوع والكره فكذا حكم هذه. # (وجه) الاستحسان أن سبب الفرقة الردة دون نفس الكلمة، وإنما الكلمة دلالة ~~عليها حالة الطوع، ولم يبق دليلا حالة الإكراه ms4368 فلم تثبت الردة فلا تثبت ~~البينونة، ولو قال المكره خطر ببالي في قولي: كفرت بالله أن أخبر عن الماضي ~~كاذبا، ولم أكن فعلت لا يصدق في الحكم ويحكم بكفره؛ لأنه دعي إلى إنشاء ~~الكفر، وقد أخبر أنه أتى بالإخبار وهو غير مكره على الإخبار بل هو طائع ~~فيه، ولو قال طائعا: كفرت بالله ثم قال عنيت به الإخبار عن الماضي كاذبا ~~ولم أكن فعلت لا يصدق في القضاء كذا هذا ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ ~~لأنه يحتمله كلامه، وإن كان خلاف الظاهر، ولو أكره على الإخبار فيما مضى ثم ~~قال ما أردت به الخبر عن الماضي فهو كافر في القضاء، وفيما بينه وبين الله ~~تعالى؛ لأنه لم يجبه إلى ما دعاه إليه بل أخبر أنه أنشأ الكفر طوعا ولو قال ~~لم # PageV07P178 # يخطر ببالي شيء آخر لا يحكم بكفره؛ لأنه إذا لم يرد شيئا يحمل على ~~الإجابة إلى ظاهر الكلمة مع اطمئنان القلب بالإيمان فلا يحكم بكفره، وكذلك ~~لو أكره على الصلاة للصليب فقام يصلي فخطر بباله أن يصلي لله تعالى وهو ~~مستقبل القبلة أو غير مستقبل القبلة، فينبغي أن ينوي بالصلاة أن تكون لله ~~عز وجل فإذا قال نويت به ذلك لم يصدق في القضاء ويحكم بكفره؛ لأنه أتى بغير ~~ما دعي إليه فكان طائعا، والطائع إذا فعل ذلك وقال: نويت به ذلك لا يصدق في ~~القضاء كذا هذا، ويصدق فيما بينه وبين الله عز شأنه؛ لأنه نوى ما يحتمله ~~فعله، ولو صلى للصليب ولم يصل لله سبحانه وتعالى قد خطر بباله ذلك فهو كافر ~~بالله في القضاء، وفيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه صلى للصليب طائعا مع ~~إمكان الصلاة لله تعالى. # وإن كان مستقبل الصليب، فإن لم يخطر بباله شيء وصلى للصليب ظاهرا، وقلبه ~~مطمئن بالإيمان لا يحكم بكفره ويحمل على الإجابة إلى ظاهر ما دعي إليه مع ~~سكون قلبه بالإيمان، وكذلك لو أكره على سب النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~فخطر بباله رجل آخر اسمه محمد فسبه، وأقر ms4369 بذلك لا يصدق في الحكم، ويحكم ~~بكفره؛ لأنه إذا خطر بباله رجل آخر فهذا طائع في سب النبي محمد - عليه ~~الصلاة والسلام - ثم قال: عنيت به غيره فلا يصدق في الحكم ويصدق فيما بينه ~~وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل كلامه، ولو لم يقصد بالسب رجلا آخر، فسب النبي ~~- عليه الصلاة والسلام - فهو كافر في القضاء وفيما بينه وبين الله جل شأنه، ~~ولو لم يخطر بباله شيء لا يحكم بكفره ويحمل على جهة الإكراه على ما مر، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا كان الإكراه على الكفر تاما، فأما إذا ~~كان ناقصا يحكم بكفره؛ لأنه ليس بمكره في الحقيقة؛ لأنه ما فعله للضرورة بل ~~لدفع الغم عن نفسه، ولو قال: كان قلبي مطمئنا بالإيمان لا يصدق في الحكم؛ ~~لأنه خلاف الظاهر كالطائع إذا أجرى الكلمة ثم قال: كان قلبي مطمئنا ~~بالإيمان ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى. # (وأما) المكره على إتلاف مال الغير إذا أتلفه يجب الضمان على المكره دون ~~المكره إذا كان الإكراه تاما؛ لأن المتلف هو المكره من حيث المعنى، وإنما ~~المكره بمنزلة الآلة على معنى أنه مسلوب الاختيار إيثارا وارتضاء، وهذا ~~النوع من الفعل مما يمكن تحصيله بآلة غيره بأن يأخذ المكره فيضربه على ~~المال فأمكن جعله آلة المكره، فكان التلف حاصلا بإكراهه فكان الضمان عليه ~~وإن كان الإكراه ناقصا فالضمان على المكره لأن الإكراه الناقص لا يجعل ~~المكره آلة المكره؛ لأنه لا يسلب الاختيار أصلا، فكان الإتلاف من المكره ~~فكان الضمان عليه. # وكذلك لو أكره على أن يأكل مال غيره فالضمان عليه؛ لأن هذا النوع من ~~الفعل وهو الأكل مما لا يعمل عليه الإكراه؛ لأنه لا يتصور تحصيله بآلة غيره ~~فكان طائعا فيه فكان الضمان عليه، ولو أكره على أن يأكل طعام نفسه فأكل أو ~~على أن يلبس ثوب نفسه فلبس حتى تخرق لا يجب الضمان على المكره؛ لأن الإكراه ~~على أكل مال غيره لما لم يوجب الضمان على المكره فعلى مال نفسه أولى مع ما ~~أن ms4370 أكل مال نفسه ولبس ثوب نفسه ليس من باب الإتلاف بل هو صرف مال نفسه إلى ~~مصلحة بقائه، ومن صرف مال نفسه إلى مصلحته لا ضمان له على أحد. # ولو أذن صاحب المال المكره بإتلاف ماله من غير إكراه فأتلفه لا ضمان على ~~أحد؛ لأن الإذن بالإتلاف يعمل في الأموال؛ لأن الأموال مما تباح بالإباحة، ~~وإتلاف مال مأذون فيه لا يوجب الضمان، والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) النوع الثالث فأما المكره على القتل فإن كان الإكراه تاما فلا ~~قصاص عليه عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما -، ولكن يعزر ويجب على ~~المكره، وعند أبي يوسف - رحمه الله - لا يجب القصاص عليهما ولكن تجب الدية ~~على المكره وعند زفر - رحمه الله - يجب القصاص على المكره دون المكره، وعند ~~الشافعي - رحمه الله - يجب عليهما. # (وجه) قول الشافعي - رحمه الله - أن القتل اسم لفعل يفضي إلى زهوق الحياة ~~عادة، وقد وجد في كل واحد منهما إلا أنه حصل من المكره مباشرة ومن المكره ~~تسبيبا، فيجب القصاص عليهما جميعا. # (وجه) قول زفر - رحمه الله - أن القتل وجد من المكره حقيقة حسا ومشاهدة، ~~وإنكار المحسوس مكابرة فوجب اعتباره منه دون المكره إذ الأصل اعتبار ~~الحقيقة لا يجوز العدول عنها إلا بدليل. # (وجه) قول أبي يوسف - رحمه الله - أن المكره ليس بقاتل حقيقة بل هو مسبب ~~للقتل، وإنما القاتل هو المكره حقيقة ثم لما لم يجب القصاص عليه فلأن لا ~~يجب على المكره أولى # PageV07P179 # (وجه) قول أبي حنيفة ومحمد - عليهما الرحمة - ما روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «عفوت عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا ~~عليه» ، وعفو الشيء عفو عن موجبه فكان موجب المستكره عليه معفوا بظاهر ~~الحديث، ولأن القاتل هو المكره من حيث المعنى، وإنما الموجود من المكره ~~صورة القتل فأشبه الآلة إذ القتل مما يمكن اكتسابه بآلة الغير كإتلاف ~~المال، ثم المتلف هو المكره حتى كان الضمان عليه، فكذا القاتل ألا ترى أنه ~~إذا أكره على قطع يد نفسه له ms4371 أن يقتص من المكره، ولو كان هو القاطع حقيقة ~~لما اقتص، ولأن معنى الحياة أمر لا بد منه في باب القصاص قال الله تعالى: ~~{ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] # ومعنى الحياة شرعا واستيفاء لا يحصل بشرع القصاص في حق المكره واستيفائه ~~منه على ما مر في مسائل الخلاف؛ لذلك وجب على المكره دون المكره، وإن كان ~~الإكراه ناقصا وجب القصاص على المكره بلا خلاف؛ لأن الإكراه الناقص يسلب ~~الاختيار أصلا فلا يمنع وجوب القصاص، وكذلك لو كان المكره صبيا أو معتوها ~~يعقل ما أمر به فالقصاص على المكره عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - ~~لما ذكرنا، ولو كان الصبي المكره يعقل وهو مطاع أو بالغ مختلط العقل - وهو ~~مسلط - لا قصاص عليه وعلى عاقلته الدية؛ لأن عمد الصبي خطأ. # ولو قال المكره على قتله المكره: اقتلني من غير إكراه فقتله لا قصاص عليه ~~عند أصحابنا الثلاثة؛ لأنه لو قتله من غير إذن لا يجب عليه، فهذا أولى، ~~وعند زفر يجب عليه القصاص وكذا لا قصاص على المكره عندنا، وفي وجوب الدية ~~روايتان وموضع المسألة كتاب الديات، ومن الأحكام التي تتعلق بالإكراه على ~~القتل أن المكره على قتل مورثه لا يحرم الميراث عند أصحابنا الثلاثة؛ لما ~~ذكرنا أن الموجود من المكره صورة القتل لا حقيقته بل هو في معنى الآلة، ~~فكان القتل مضافا إلى المكره، ولأنه قتل لا يتعلق به وجوب القصاص ولا وجوب ~~الكفارة فلا يوجب حرمان الميراث، وعلى قياس قول زفر والشافعي - رحمهما الله ~~- يحرم الميراث؛ لأنه يتعلق به وجوب القصاص. # (وأما) المكره فيحرم الميراث عند أبي حنيفة ومحمد والشافعي - رضي الله ~~عنهم -؛ لوجوب القصاص عليه، وعند أبي يوسف وزفر - رحمهما الله - لا يحرم ~~لانعدام وجوب القصاص عليه والكفارة، والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا كان ~~المكره بالغا فإن كان صبيا وهو وارث المقتول لا يحرم الميراث؛ لأن من شرط ~~كون القتل جازما أن يكون حراما وفعل الصبي لا يوصف بالحرمة، ولهذا إذا قتله ~~بيد نفسه لا يحرم فإذا ms4372 قتله بيد غيره أولى، وكذلك المكره على قطع يد إنسان ~~إذا قطع فهو على الاختلاف الذي ذكرنا في القتل غير أن صاحب اليد إذا كان ~~أذن للمكره بقطع يده من غير إكراه فقطع لا ضمان على أحد، وفي باب القتل إذا ~~أذن المكره على قتله للمكره بالقتل فقتل فهو اختلاف الرواية في وجوب الدية ~~على المكره، والله سبحانه وتعالى أعلم والفرق أن الأطراف يسلك بها مسلك ~~الأموال في بعض الأحوال، والإذن بإتلاف المال المحض مبيح، فالإذن بإتلاف ~~ماله حكم المال في الجملة يورث شبهة الإباحة فيمنع وجوب الضمان بخلاف النفس ~~يدل على التفرقة بينهما أنه إذا قال له: لتقطعن يدك وإلا لأقتلنك كان في ~~سعة من ذلك ولا يسعه ذلك في النفس، والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) المكره على الزنا فقد كان أبو حنيفة - رحمه الله - يقول أولا إذا ~~أكره الرجل على الزنا يجب عليه الحد وهو القياس؛ لأن الزنا من الرجل لا ~~يتحقق إلا بانتشار الآلة، والإكراه لا يؤثر فيه فكان طائعا في الزنا فكان ~~عليه الحد ثم رجع وقال: إذا كان الإكراه من السلطان لا يجب بناء على أن ~~الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان عنده، وعندهما يتحقق من السلطان وغيره ~~فإذا جاء من غير السلطان ما يجيء من السلطان لا يجب، والفرق لأبي حنيفة ما ~~ذكرنا من قبل أن المكره يلحقه الغوث إذا كان الإكراه من غير السلطان، ولا ~~يجد غوثا إذا كان الإكراه منه. # (وأما) قوله إن الزنا لا يتحقق إلا بانتشار الآلة فنعم لكن ليس كل من ~~تنتشر آلته يفعل، فكان فعله بناء على إكراهه فيعمل فيه لضرورته مدفوعا إليه ~~خوفا من القتل فيمنع وجوب الحد، ولكن يجب العقر على المكره؛ لأن الزنا في ~~دار الإسلام لا يخلو عن إحدى الغرامتين، وإنما يجب العقر على المكره دون ~~المكره؛ لأن الزنا مما لا يتصور تحصيله بآلة غيره، والأصل أن كل ما لا ~~يتصور تحصيله بآلة الغير فضمانه على المكره، وما يتصور تحصيله # PageV07P180 # بآلة الغير فضمانه على ms4373 المكره كذلك المرأة إذا أكرهت على الزنا لا حد ~~عليها؛ لأنها بالإكراه صارت محمولة على التمكين خوفا من مضرة السيف، فيمنع ~~وجوب الحد عليها كما في جانب الرجل بل أولى؛ لأن الموجود منها ليس إلا ~~التمكين ثم الإكراه لما أثر في جانب الرجل فلأن يؤثر في جانبها أولى هذا ~~إذا كان إكراه الرجل تاما، فأما إذا كان ناقصا بحبس أو قيد أو ضرب لا يخاف ~~منه التلف يجب عليه الحد لما مر أن الإكراه الناقص لا يجعل المكره مدفوعا ~~إلى فعل ما أكره فبقي مختارا مطلقا فيؤاخذ بحكم فعله. # (وأما) في حق المرأة فلا فرق بين الإكراه التام والناقص ويدرأ الحد عنها ~~في نوعي الإكراه؛ لأنه لم يوجد منها فعل الزنا بل الموجود هو التمكين، وقد ~~خرج من أن يكون دليل الرضا بالإكراه فيدرأ عنها الحد هذا الذي ذكرنا إذا ~~كان المكره عليه معينا. # ، فأما إذا كان مخيرا فيه بأن أكره على أحد فعلين من الأنواع الثلاثة غير ~~معين، فنقول - وبالله التوفيق - أما الحكم الذي يرجع إلى الآخرة وهو ما ~~ذكرنا من الإباحة والرخصة والحرمة المطلقة فلا يختلف التخيير بين المباح ~~والمرخص أنه يبطل حكم الرخصة أعني به أن كل ما يباح حالة التعيين يباح حالة ~~التخيير، وكل ما لا يباح ولا يرخص حالة التعيين لا يباح ولا يرخص حالة ~~التخيير، وكل ما يرخص حالة التعيين يرخص حالة التخيير إلا إذا كان التخيير ~~بين المباح وبين المرخص، وبيان هذه الجملة إذا أكره على أكل ميتة أو قتل ~~مسلم يباح له الأكل ولا يرخص له القتل، وكذا إذا أكره على أكل ميتة أو أكل ~~ما لا يباح، ولا يرخص حالة التعيين من قطع اليد وشتم المسلم والزنا يباح له ~~الأكل ولا يباح له شيء من ذلك، ولا يرخص كما في حالة التعيين، ولو امتنع من ~~الأكل حتى قتل يأثم كما في حالة التعيين، ولو أكره على القتل والزنا لا ~~يرخص له أن يفعل أحدهما، ولو امتنع عنهما لا يأثم إذا قتل ms4374 بل يثاب كما في ~~حالة التعيين، ولو أكره على القتل أو الإتلاف لمال إنسان رخص له الإتلاف، ~~ولو لم يفعل أحدهما حتى قتل لا يأثم بل يثاب كما في حالة التعيين، وكذا إذا ~~أكره على قتل إنسان وإتلاف مال نفسه يرخص له الإتلاف دون القتل كما في حالة ~~التعيين، ولو امتنع عنهما حتى قتل لا يأثم، وكذا لو أكره على القتل أو ~~الكفر يرخص له أن يجري كلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان ولا يرخص ~~له القتل، ولو امتنع حتى قتل فهو مأجور كما في حالة التعيين، فأما إذا أكره ~~على أكل ميتة أو الكفر لم يذكر هذا الفصل في الكتاب وينبغي أن لا يرخص له ~~كلمة الكفر أصلا كما لا يرخص له القتل؛ لأن الرخصة في إجراء الكلمة لمكان ~~الضرورة ويمكنه دفع الضرورة بالمباح المطلق وهو الأكل فكان إجراء الكلمة ~~حاصلا باختياره مطلقا فلا يرخص له، والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الحكم ~~الذي يرجع إلى الدنيا فقد يختلف بالتخيير حتى أنه لو أكره على أكل الميتة ~~أو قتل المسلم فلم يأكل وقتل يجب القصاص على المكره؛ لأنه أمكنه دفع ~~الضرورة بتناول المباح فكان القتل حاصلا باختياره من غير ضرورة فيؤاخذ ~~بالقصاص، ولو أكره على القتل أو الكفر فلم يأت بالكلمة وقتل، فالقياس أن ~~يجب القصاص على المكره؛ لأنه مختار في القتل حيث آثر الحرام المطلق على ~~المرخص فيه وفي الاستحسان أنه لا قصاص عليه، ولكن تجب الدية في ماله إن لم ~~يكن عالما أن لفظ الكفر مرخص له منهم من استدل بهذه اللفظة على أنه لو كان ~~عالما، ومع ذلك تركه وقتل يجب القصاص على المكره؛ لأنه أخرجها مخرج الشرط ~~ومنهم من قال: لا يجب علم أو لم يعلم وجه الاستحسان ما ذكر في الكتاب أن ~~أمر هذا الرجل محمول على أنه ظن أن إجراء كلمة الكفر على اللسان أعظم حرمة ~~من القتل فأورث شبهة الرخصة في القتل، والقصاص لا يجب مع الشبهات حتى لو ~~كان عالما يجب ms4375 القصاص عند بعضهم؛ لانعدام الظن المورث للشبهة، وعند بعضهم ~~لا يجب؛ لأنه وإن علم بالرخصة فقد استعظم حرف الكفر بالامتناع عنه فجعل ~~استعظامه شبهة دارئة للقصاص، والله سبحانه وتعالى أعلم وإنما وجب الدية في ~~ماله لا على العاقلة؛ لأنه عمد. # (وقال) - عليه الصلاة والسلام - «لا تعقل العاقلة عمدا» ولا يرجع على ~~المكره؛ لأن القتل حصل باختياره فلا يملك الرجوع عليه، ولو أكره على القتل ~~أو الزنا فزنا القياس أن يجب عليه الحد، وفي الاستحسان يدرأ عنه لما مر، ~~ولو قتل لا يجب القصاص على المكره، ولكنه يؤدب بالحبس والتعزير ويقتص من ~~المكره كما في حالة التعيين على ما مر، والله سبحانه وتعالى أعلم هذا كله ~~إذا كان الإكراه على الأفعال # PageV07P181 # الحسية. # فأما إذا كان على التصرفات الشرعية فنقول - وبالله التوفيق - التصرفات ~~الشرعية في الأصل نوعان: إنشاء وإقرار، والإنشاء نوعان: نوع لا يحتمل الفسخ ~~ونوع يحتمله أما الذي لا يحتمل الفسخ فالطلاق والعتاق والرجعة والنكاح ~~واليمين والنذر والظهار والإيلاء والفيء في الإيلاء والتدبير والعفو عن ~~القصاص، وهذه التصرفات جائزة مع الإكراه عندنا وعند الشافعي - رحمه الله - ~~لا تجوز واحتج بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «عفوت ~~عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» فلزم أن يكون حكم كل ما استكره ~~عليه عفوا، ولأن القصد إلى ما وضع له التصرف شرط جوازه، ولهذا لا يصح تصرف ~~الصبي والمجنون، وهذا الشرط يفوت بالإكراه؛ لأن المكره لا يقصد بالتصرف ما ~~وضع له، وإنما يقصد دفع مضرة السيف عن نفسه. # (ولنا) أن عمومات النصوص وإطلاقها يقتضي شرعية هذه التصرفات من غير تخصيص ~~وتقييد. # (أما) الطلاق فلقوله سبحانه وتعالى {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] وقوله - ~~عليه الصلاة والسلام - «كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي والمعتوه» ولأن الفائت ~~بالإكراه ليس إلا الرضا طبعا، وأنه ليس بشرط لوقوع الطلاق، فإن طلاق الهازل ~~واقع وليس براض به طبعا، وكذلك الرجل قد يطلق امرأته الفائقة حسنا وجمالا ~~الرائقة تغنجا ودلالا لخلل في دينها، وإن كان لا يرضى ms4376 به طبعا ويقع الطلاق ~~عليها. # وأما الحديث فقد قيل إن المراد منه الإكراه على الكفر؛ لأن القوم كانوا ~~حديثي العهد بالإسلام، وكان الإكراه على الكفر ظاهرا يومئذ وكان يجري على ~~ألسنتهم كلمات الكفر خطأ وسهوا، فعفا الله جل جلاله عن ذلك عن هذه الأمة ~~على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع ما أنا نقول بموجب الحديث أن ~~كل مستكره عليه معفو عن هذه الأمة لكنا لا نسلم أن الطلاق والعتاق وكل تصرف ~~قولي مستكره عليه، وهذا لأن الإكراه لا يعمل على الأقوال كما يعمل على ~~الاعتقادات؛ لأن أحدا لا يقدر على استعمال لسان غيره بالكلام على تغيير ما ~~يعتقده بقلبه جبرا فكان كل متكلم مختارا فيما يتكلم به فلا يكون مستكرها ~~عليه حقيقة فلا يتناوله الحديث. # وقوله القصد إلى ما وضع له التصرف بشرط اعتبار التصرف قلنا: هذا باطل ~~بطلاق الهازل ثم إن كان شرطا فهو موجود ههنا؛ لأنه قاصد دفع الهلاك عن نفسه ~~ولا يندفع عنه إلا بالقصد إلى ما وضع له فكان قاصدا إليه ضرورة ثم لا يخلو ~~إما أن أكره على تنجيز الطلاق أو على تعليقه بشرط أو على تحصيل الشرط الذي ~~علق به وقوع الطلاق، وحكم الجواز لا يختلف في نوعي التنجيز والتعليق، وحكم ~~الضمان يتفق مرة ويختلف أخرى، وسنذكر تفصيل هذه الجملة في فصل الإكراه على ~~الإعتاق، وإنما نذكر هاهنا حكم جواز التطليق المنجز فنقول إذا جاز طلاق ~~المكره فإن كان قبل الدخول بها يجب عليه نصف المفروض إن كان المهر مفروضا ~~والمتعة إذا لم يكن مفروضا؛ لأن هذا حكم الطلاق قبل الدخول ويرجع به على ~~المكره؛ لأنه هو الذي دفعه إلى مباشرة سببه وهو الطلاق فكان قرار الضمان ~~عليه، وإذا كان بعد الدخول بها يجب عليه كمال المهر ولا سبيل له على ~~المكره؛ لأن المهر يتأكد باستيفاء منفعة البضع على وجه لا يحتمل السقوط وهو ~~الذي استوفى المبدل باختياره فعليه تسليم البدل، والله سبحانه وتعالى أعلم ~~وكذلك إذا كان الإكراه ناقصا لا ms4377 سبيل على المكره؛ لأنه لا يخل باختيار ~~المكره أصلا على ما مر هذا إذا كان الإكراه على الطلاق، فأما إذا كان ~~الإكراه على التوكيل بالطلاق ففعله الوكيل فحكمه يذكر في فصل الإكراه على ~~الإعتاق - إن شاء الله تعالى -. # وأما العتاق فلما روي «أن رجلا جاء إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~وقال: علمني عملا يدخلني الجنة فقال: اعتق النسمة وفك الرقبة فقال: أوليسا ~~واحدا؟ فقال: - عليه الصلاة والسلام - لا عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك ~~الرقبة أن تعين في عتقها» ، وغيره من الأحاديث التي فيها الندب إلى الإعتاق ~~من غير فصل بين المكره والطائع، ولأن الإعتاق تصرف قولي فلا يؤثر فيه ~~الإكراه كالطلاق ثم لا يخلو. # إما أن كان على تنجيز العتق بشرط أو على شرط العتق المعلق به أما إذا كان ~~الإكراه على تنجيز العتق فأعتق يضمن المكره قيمة العبد موسرا كان أو معسرا، ~~ولا يرجع المكره على العبد بالضمان، ولا سعاية على العبد والولاء لمولاه، ~~أما وجوب الضمان على المكره فلأن العبد آدمي هو مال، والإعتاق إتلاف ~~المالية، والأموال مضمونة على المكره بالإتلاف فكان الضمان على المكره كما ~~في سائر الأموال ويستوي فيه يساره وإعساره # PageV07P182 # لأن ضمان الإتلاف لا يختلف باليسار والإعسار ولا يرجع على العبد بالضمان؛ ~~لأن سبب وجوب الضمان منه باختياره فلا معنى للرجوع إلى غيره والولاء ~~للمكره؛ لأن الإعتاق من حيث هو كلام مضاف إلى المكره لاستحالة ورود الإكراه ~~على الأقوال فكان الولاء له، ولا سعاية على العبد؛ لأن العبد إنما يستسعى ~~إما لتخريجه إلى العتق تكميلا له، وإما لتعليق حق الغير به، وقد عتق كله ~~فلا حاجة إلى التكميل، وكذا لا حق لأحد تعلق به فلا سعاية عليه. # ولو أكره على شراء ذي رحم محرم منه عتق عليه؛ لأن شراء القريب إعتاق ~~بالنص والإكراه لا يمنع جواز الإعتاق لكن لا يرجع المكره ههنا بقيمة العبد ~~على المكره؛ لأنه حصل له عوض وهو صلة الرحم، ولو كان العبد مشتركا بين ~~اثنين فأكره أحدهما على إعتاقه فأعتقه ms4378 جاز عتقه، لما ذكرنا أن الإكراه لا ~~يمنع جواز الإعتاق لكن يعتق نصفه عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعندهما ~~يعتق كله بناء على أن الإعتاق يتجزأ عنده، وعندهما لا يتجزأ. # ولا يضمن الشريك المكره للشريك الآخر نصيبه، ولكن يضمن المكره نصيب ~~المكره؛ لأن الإعتاق من حيث هو إتلاف المال مضاف إلى المكره فكان المتلف من ~~حيث المعنى هو المكره فكان الضمان عليه سواء كان موسرا أو معسرا، وهذا ~~بخلاف حالة الاختيار إذا أعتقه أحد الشريكين أنه لا يضمن لشريكه الساكت إذا ~~كان المعتق معسرا وههنا يضمن موسرا كان أو معسرا؛ لأن الضمان الواجب على ~~المكره ضمان إتلاف على ما مر، والأصل أن ضمان الإتلاف لا يختلف باليسار ~~والإعسار، فالواجب على أحد الشريكين حالة الاختيار ليس بضمان إتلاف؛ ~~لانعدام الإتلاف منه في نصيب شريكه أما على أصل أبي حنيفة - رضي الله عنه - ~~فظاهر؛ لأنه لا يعتق نصيب شريكه. # وأما على أصلهما فإن عتق لكن لا بإعتاقه؛ لأن إعتاقه تصرف في ملك نفسه ~~إلا أنه عتق نصيب شريكه عند تصرفه لا بتصرفه فلا يكون مضافا إليه كمن حفر ~~بئرا في دار نفسه فوقع فيها غيره أو سقى أرض نفسه ففسدت أرض غيره حتى لا ~~يجب عليه الضمان إلا أن وجوب الضمان على أحد الشريكين حالة الاختيار عرف ~~شرعا. # والشرع ورد به على الموسر فيقتصر على مورد الشرع، وشريك المكره بالخيار ~~إن شاء أعتق نصيبه، وإن شاء دبره، وإن شاء كاتبه، وإن شاء استسعاه معسرا ~~كان المكره أو موسرا، وإن شاء ضمن المكره إن كان موسرا، فإن اختار تضمين ~~المكره فالولاء بين المكره والمكره؛ لأنه انتقل نصيبه إليه باختيار طريق ~~الضمان، وإن اختار الإعتاق أو السعاية فالولاء بينه وبين شريكه، وهذا قول ~~أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعندهما إن كان المكره موسرا فلشريك المكره أن ~~يضمنه لا غير، وإن كان معسرا فله أن يستسعي العبد لا غير كما في حالة ~~الاختيار، وموضع المسألة في كتاب العتاق، وإنما ذكرنا بعض ما يختص بالإكراه ms4379 ~~والله تعالى الموفق. # (وأما) التدبير فلأن التدبير تحرير قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«المدبر لا يباع ولا يوهب» وهو حر من الثلث إلا أنه للحال تحرير من وجه، ~~والإكراه لا يمنع نفاذ التحرير من كل وجه فلا يمنع نفاذ التحرير من وجه ~~بالطريق الأولى، ويرجع المكره على المكره للحال بما نقصه التدبير، وبعد ~~موته يرجع ورثته على المكره ببقية قيمته؛ لأن التدبير للحال إثبات الحرية ~~من وجه، وإنما تثبت الحرية من كل وجه في آخر جزء من أجزاء حياته، فكان ~~الإكراه على التدبير إتلافا لمال المكره للحال من وجه فيضمن بقدره من ~~النقصان ثم يتكامل الإتلاف في آخر جزء من أجزاء حياته فيتكامل الضمان عند ~~ذلك، وذلك بقية قيمته، فإذا مات المكره صار ذلك ميراثا لورثته فكان لهم أن ~~يرجعوا به على المكره والله تعالى الموفق هذا إذا أكره على تنجيز العتق. # ، فأما إذا أكره على تعليق العتق بشرط، أما حكم الجواز فلا يختلف في ~~النوعين لما ذكرنا. # وأما حكم الضمان فقد يختلف بيان ذلك إذا أكره على تعليق العتق بفعل نفسه ~~فإنه ينظر، فإن كان فعلا لا بد منه بأن كان مفروضا عليه أو يخاف من تركه ~~الهلاك على نفسه كالأكل والشرب ففعله حتى عتق يرجع بالضمان على المكره؛ لأن ~~الإكراه على تعليق العتق بفعل لا بد له منه إكراه على ذلك الفعل فكان مضافا ~~إلى المكره، وإن كان فعلا له منه بد كتقاضي دين الغريم أو تناول شيء له منه ~~بد ففعل حتى عتق لا يرجع بالضمان على المكره؛ لأنه إذا كان له منه بد لا ~~يكون مضطرا إلى تحصيله إذ لا يلحقه بتركه كثير ضرر فأشبه الإكراه الناقص ~~فلا يكون الإكراه على تعليق # PageV07P183 # العتق إكراها عليه فلا يكون تلف المال مضافا إلى المكره فلا يرجع عليه ~~بالضمان. # ولو أكره على أن يقول: كل مملوك أملكه فيما أستقبله فهو حر فقال ذلك، ثم ~~ملك مملوكا حتى عتق عليه، فإن ملك بشراء أو هبة أو صدقة أو وصية ms4380 لا ضمان ~~على المكره؛ لأنه إنما ملكه باختياره فيقطع إضافة إكراه الإتلاف إلى ~~المكره، وإن ملك بإرث فكذلك في القياس وفي الاستحسان يضمن؛ لأنه لا صنع ~~للمكره في الإرث فبقي الإتلاف مضافا إلى المكره، ولو أكره على أن يقول ~~لعبده: إن شئت فأنت حر فقال: شئت حتى عتق ضمن المكره؛ لأن مشيئة العبد ~~العتق توجد غالبا فأشبه التعليق بفعل لا بد منه فكان الإكراه على الإعتاق ~~إكراها عليه هذا إذا أكره على تعليق العتق بالشرط. # ، فأما إذا أكره على تحصيل الشرط الذي علق به العتق عن طوع بأن قال رجل ~~لعبد: إن ملكتك فأنت حر فأكره على الشراء فاشتراه حتى عتق لا يرجع على ~~المكره بشيء؛ لأن العتق لم يثبت بالشرط وهو الشراء، وإنما ثبت بالكلام ~~السابق وهو طائع فيه، وكذا إذا قال لعبده إن دخلت الدار فأنت حر فأكره على ~~الدخول حتى عتق لا ضمان على المكره لما ذكرنا ثم إنما يضمن المكره في جميع ~~ما وصفنا إذا كان الإكراه تاما، فأما إذا كان ناقصا فلا ضمان لما مر أن ~~الإكراه الناقص لا يقطع الإضافة عن المكره بوجه فلا يوجب الضمان على ~~المكره، والله تعالى أعلم هذا الذي ذكرنا إذا أكره على الإعتاق المطلق ~~عينا. # ، فأما إذا أكره على أحدهما غير عين بأن أكره على أن يعتق عبده أو يطلق ~~امرأته، فإن لم تكن المرأة مدخولا بها ففعل المكره أحدهما غرم المكره الأقل ~~من قيمة العبد ومن نصف مهر المرأة، أما إذا فعل أقلهما ضمانا فظاهر؛ لأنه ~~ما أتلف عليه إلا هذا القدر، وكذلك إذا فعل أكثرهما ضمانا؛ لأنه أمكنه دفع ~~الضرورة بأقل الفعلين ضمانا فإذا فعل أكثرهما ضمانا كان مختارا في الزيادة؛ ~~لانعدام الاضطرار في هذا القدر فلا يكون تلف هذا القدر مضافا إلى المكره، ~~وإن كانت المرأة مدخولا بها ففعل المكره أحدهما لا شيء على المكره أما إذا ~~طلق فظاهر؛ لأن الطلاق بعد الدخول لا يوجب الضمان على المكره لما ذكرنا من ~~قبل، وكذلك إذا أعتق؛ لأنه ms4381 أمكنه دفع الضرورة بما لا يتعلق فيه ضمان أصلا ~~وهو الطلاق فكان مختارا في الإعتاق فلا يكون الإتلاف مضافا إلى المكره فلا ~~يضمن، وكذلك إذا كانت المرأة غير مدخول بها. # ولكن الإكراه ناقص ففعل المكره أحدهما لا ضمان على المكره لما مر أن ~~الإكراه الناقص لا يقطع إضافة الفعل إلى المكره؛ لأن الضرورة لا تتحقق به ~~فكان مختارا مطلقا فيه فلا يؤاخذ به المكره هذا إذا أكره على الإعتاق، فأما ~~إذا أكره على التوكيل بالإعتاق فوكل غيره به ففعل الوكيل، فالقياس أن لا ~~يصح التوكيل ولا يجوز إعتاق الوكيل؛ لأن التوكيل تصرف يحتمل الفسخ فأشبه ~~البيع؛ ولهذا يبطله الهزل كالبيع فلا يصح مع الإكراه كما لا يصح البيع وفي ~~الاستحسان يجوز؛ لأن الإكراه لا يمنع صحة الإعتاق فلا يمنع صحة التوكيل ~~بالإعتاق بخلاف البيع فإن الإكراه يمنع صحة البيع فيمنع صحة التوكيل به. # وأما قوله إنه يحتمل الفسخ والهزل فنعم لكنه تصرف قولي فلا يعمل عليه ~~الإكراه كما لا يعمل على الإعتاق والطلاق والنكاح وغيرهما بخلاف البيع فإنه ~~اسم للمبادلة حقيقة، وحقيقة المبادلة بالتعاطي، وإنما الإيجاب والقبول دليل ~~عليه حالة الطوع فيعمل عليه الإكراه، على ما نذكره في موضعه - إن شاء الله ~~تعالى - وإذا نفذ إعتاق الوكيل يرجع المكره على المكره بقيمة العبد ~~استحسانا. # والقياس أن لا يرجع؛ لأن الموجود من المكره الإكراه على التوكيل بالإعتاق ~~لا على الإعتاق، وإنما الإعتاق حصل باختيار الوكيل ورضاه فلا يكون مضافا ~~إلى المكره كشهود التوكيل بالإعتاق إذا رجعوا لا يضمنون؛ لأنهم شهدوا ~~بالوكالة بالإعتاق كذا ههنا وجه الاستحسان أن الإكراه على التوكيل بالإعتاق ~~إكراه على الإعتاق؛ لأنه إذا وكل بالإعتاق ملك الوكيل إعتاقه عقيب التوكيل ~~بلا فصل فيعتقه فيتلف ماله، فكان الإتلاف مضافا إلى المكره فيؤاخذ بضمانه ~~ولا ضمان على الوكيل؛ لأنه فعل بأمره أمرا صحيحا، وإن كان الإكراه ناقصا ~~فلا ضمان على المكره لما مر غير مرة. # وأما النكاح فلعموم قوله تبارك وتعالى {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: ~~32] وغيره من عمومات النكاح من ms4382 غير تخصيص، ولأن النكاح تصرف قولي فلا يؤثر ~~فيه الإكراه كالطلاق والعتاق ثم إذا جاز النكاح مع الإكراه فلا يخلو إما أن ~~أكره الزوج أو المرأة، فإن أكره الزوج # PageV07P184 # فلا يخلو إما أن يكون المسمى في النكاح مقدار مهر المثل وإما أن يكون أقل ~~من مهر المثل، وإما أن يكون منه فإن كان المسمى قدر مهر المثل أو أقل منه ~~يجب المسمى ولا يرجع به على المكره؛ لأنه ما أتلف عليه ماله حيث عوضه ~~بمثله؛ لأن منافع البضع جعلت أموالا متقومة شرعا عند دخولها في ملك الزوج ~~لكونها سببا لحصول الآدمي تعظيما للآدمي وصيانة له عن الابتذال، وإذا لم ~~يوجد الإتلاف فلا يجب عليه الضمان. # وإن كان المسمى أكثر من مهر المثل يجب قدر مهر المثل وتبطل الزيادة؛ لأن ~~تسمية الزيادة على قدر مهر المثل لم تصح مع الإكراه فبطلت وجعل كأنه لم ~~يفرض إلا قدر مهر المثل وهذا؛ لأن الإكراه وقع على النكاح وعلى إيجاب المال ~~إلا أن الإكراه لا يؤثر في النكاح ويؤثر في إيجاب المال كما يؤثر في ~~الإقرار بالمال فكان ينبغي أن لا تصح تسمية المهر أصلا إلا أنها صحت في قدر ~~مهر المثل شرعا؛ لأن الشرع لو أبطل هذا القدر لأثبته ثانيا فلم يكن الإبطال ~~مفيدا فلم يبطل لئلا يخرج الإبطال مخرج العيب، ولا ضرورة في الزيادة فلا ~~تصح تسميتها هذا إذا أكره الزوج على النكاح، فأما إذا أكرهت المرأة، فإن ~~كان المسمى في النكاح قدر مهر المثل أو أكثر منه جاز النكاح ولزم، وإن كان ~~المسمى أقل من مهر المثل بأن أكرهت على النكاح بألف درهم، ومهر مثلها عشرة ~~آلاف فزوجها أولياؤها وهم مكرهون جاز النكاح لما ذكرنا، وليس للمرأة على ~~المكره من مهر مثلها شيء؛ لأن المكره ما أتلف عليها مالا؛ لأن منافع البضع ~~ليست بمتقومة بأنفسها، وإنما تصير متقومة بالعقد. # والعقد قومها بالقدر المسمى فلم يوجد من المكره إتلاف مال متقوم عليها ~~فلا يجب عليه الضمان، ولا يجب الضمان على الشهود أيضا؛ ms4383 لأنه لما لم يجب على ~~المكره فلأن لا يجب على الشهود أولى، ثم ينظر إن كان الزوج كفئا فقال ~~للزوج: إن شئت فكمل لها مهر مثلها وإلا فنفرق بينكما، فإن فعل لزم النكاح، ~~وإن أبى تكميل مهر المثل يفرق بينهما إن لم ترض بالنقصان؛ لأن لها في كمال ~~مهر مثلها حقا؛ لأنها تعير بنقصان مهر المثل فيلحقها ضرر العار، وإذا فرق ~~بينهما قبل الدخول بها لا شيء على الزوج؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها قبل ~~الدخول بها، ولو رضيت بالنقصان صريحا أو دلالة بأن دخل بها عن طوع منها ~~فلها المسمى وبطل حقها في التفريق لكن بقي حق الأولياء فيه عند أبي حنيفة ~~فلهم أن يفرقوا، وعندهما ليس للأولياء حق التفريق لنقصان المهر على ما عرف ~~في كتاب النكاح. # ولو دخل بها على كره منها لزمه تكميل مهر المثل؛ لأن ذلك دلالة اختيار ~~التكميل، وإن لم يكن الزوج كفئا فللمرأة خيار التفريق لانعدام الكفاءة ~~ونقصان مهر المثل أيضا، وكذا الأولياء عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما ~~لهم خيار عدم الكفاءة إما لا خيار لهم لنقصان مهر المثل، فإن سقط أحد ~~الخيارين عنها يبقى لها حق التفريق لبقاء الخيار الآخر، وإن سقط الخياران ~~جميعا فللأولياء خيار عدم الكفاءة بالإجماع وفي خيار نقصان المهر خلاف على ~~ما عرف حتى أن الزوج إذا دخل بها قبل التفريق على كره منها حتى لزمه ~~التكميل بطل خيار النقصان وبقي لها عدم خيار الكفاءة. # ولو رضيت بعدم الكفاءة أيضا صريحا ودلالة بأن دخل بها الزوج على طوع منها ~~سقط الخياران جميعا وبطل حقها في التفريق أصلا لكن للأولياء الخياران ~~جميعا، وعندهما أحدهما دون الآخر، ولو فرق بينهما قبل الدخول بها لا شيء ~~على الزوج؛ لأن الفرقة ما جاءت من قبله بل من قبل غيره فلا يلزمه شيء. # وأما الرجعة فلعموم قوله تبارك وتعالى {وبعولتهن أحق بردهن} [البقرة: ~~228] عاما من غير تخصيص، ولأن الرجعة لا تخلو من أن تكون بالقول أو بالفعل ~~وهو الوطء واللمس عن شهوة ms4384 والنظر إلى الفرج عن شهوة والإكراه لا يعمل على ~~النوعين فلا يمنع جوازها، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وأما اليمين والنذر بأن أكره على أن يوجب على نفسه صدقة أو حجا أو شيئا ~~من وجوه القرب والظهار والإيلاء والفيء في الإيلاء فلعمومات النصوص الواردة ~~في هذه الأبواب من غير تخصيص الطبائع قال الله تبارك وتعالى {لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] ~~وقال سبحانه وتعالى {وليوفوا نذورهم} [الحج: 29] وقال جل شأنه {يا أيها ~~الذين آمنوا أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] أي بالعهود، ولأن النذر يمين ~~وكفارته كفارة اليمين على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال ~~سبحانه وتعالى {والذين يظاهرون من نسائهم} [المجادلة: 3] وقال جلت عظمته ~~وكبرياؤه {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور ~~رحيم} [البقرة: 226] {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} [البقرة: 227] ~~، ولأن هذه تصرفات قولية. # وقد مر أن الإكراه # PageV07P185 # لا يعمل على الأقوال والفيء في الإيلاء في حق القادر بالجماع وفي حق ~~العاجز بالقول، والإكراه لا يؤثر في النوعين جميعا فكان طائعا في الفيء ~~فتلزمه الكفارة ولا تلزمه في هذه التصرفات من الكفارة والقربة المنذور بها ~~على المكره؛ لأن الكفارة وجبت على المكره على سبيل التوسع، وكذا المنذور ~~به؛ لأن الأمر بها مطلق عن الوقت وهما مما لا يجبر على فعلهما أيضا فلو وجب ~~على المكره لكان لا يخلو من أن يجب عليه على الوجه الذي وجب على المكره أو ~~على الوجه الذي وجب عليه ولا سبيل إلى الأول؛ لأن الإيجاب على هذا الوجه لا ~~يفيد المكره شيئا فلا معنى لرجوعه عليه ولا سبيل إلى الثاني؛ لأنه يؤدي إلى ~~تغيير المشروع من وجهين: أحدهما جعل الموسع مضيقا، والثاني جعل ما لا يجبر ~~على فعله مجبورا على فعله، وكل ذلك تغيير ولا يجوز تغيير المشروع من وجه ~~فكيف يجوز من وجهين؟ وكذا في الإيلاء إذا لم يقربها حتى بانت بتطليقة لا ~~يرجع بما لزمه على المكره؛ لأنه إنما لزمه ترك ms4385 القربان وهو مختار في تركه؛ ~~لأنه يمكنه أن يقربها في المدة حتى لا تبين فلا يلزمه فإذا لم يقرب كان ترك ~~القربان حاصلا باختياره فلا يكون مضافا إلى المكره، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # ولو أكره على كفارة اليمين لم يرجع على المكره؛ لأنها لزمته بفعله. # ولو أكره على أن يعتق عبده عن ظهاره ينظر إن كانت قيمته قيمة عبد وسط لا ~~يرجع على المكره بشيء؛ لأن ذلك وجب عليه بفعله فلا يرجع به عليه، وإن كانت ~~قيمته أكثر من ذلك يرجع عليه بالزيادة؛ لأنه أتلف ذلك القدر عليه؛ لأن ~~الزيادة على عبد وسط لا تجب عليه بالظهار ولا تجزيه عن الظهار؛ لأنه إعتاق ~~دخله عوض والإعتاق بعوض، وإن قل لا يجزي عن التكفير. # وأما العفو عن دم العمد فلعمومات قوله تبارك وتعالى {فمن تصدق به فهو ~~كفارة له} [المائدة: 45] ولقوله به أي بالقصاص؛ لأنه أقرب المذكور والتصدق ~~بالقصاص هو العفو وقوله عز شأنه {وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل ~~بينكم} [البقرة: 237] فقد ندب سبحانه وتعالى إلى العفو عاما، ولأنه تصرف ~~قولي فلا يؤثر فيه الإكراه ولا ضمان على المكره؛ لأنه لم يوجد منه إتلاف ~~المال؛ لأن القصاص ليس بمال، ولهذا لا يجب الضمان على شهود العفو إذا رجعوا ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # وأما النوع الذي يحتمل الفسخ فالبيع والشراء والهبة والإجارة ونحوها ~~فالإكراه يوجب فساد هذه التصرفات عند أصحابنا الثلاثة - رضي الله عنهم - ~~وعند زفر - رحمه الله - يوجب توقفها على الإجازة كبيع الفضولي، وعند ~~الشافعي - رحمه الله - يوجب بطلانها أصلا (ووجه) قولهما أن الرضا شرط البيع ~~شرعا قال الله تعالى {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] ~~والإكراه يسلب الرضا يدل عليه أنه لو أجاز المالك يجوز، والبيع الفاسد لا ~~يحتمل الجواز بالإجازة كسائر البياعات الفاسدة فأشبه بيع الفضولي، وهذه ~~شبهة زفر - رحمه الله -. # (ولنا) ظواهر نصوص البيع عاما مطلقا من غير تخصيص وتقييد، ولأن ركن البيع ~~وهو المبادلة صدر مطلقا من أهل البيع في محل وهو مال ms4386 مملوك البائع فيفيد ~~الملك عند التسليم كما في سائر البياعات الفاسدة، ولا فرق سوى أن المفسد ~~هناك لمكان الجهالة أو الربا أو غير ذلك، وهنا الفاسد لعدم الرضا طبعا فكان ~~الرضا طبعا شرط الصحة لا شرط الحكم، وانعدام شرط الصحة لا يوجب انعدام ~~الحكم كما في سائر البياعات الفاسدة إلا أن سائر البياعات لا تلحقها ~~الإجازة؛ لأن فسادها لحق الشرع من حرمة الربا ونحو ذلك فلا يزول برضا ~~العبد، وهنا الفساد لحق العبد وهو عدم رضاه فيزول بإجازته ورضاه، وإذا فسد ~~البيع والشراء بالإكراه فلا بد من بيان ما يتعلق به من الأحكام في الجملة، ~~والجملة فيه أن الأمر لا يخلو من ثلاثة أوجه. # إما إن كان المكره هو البائع وإما أن كان هو المشتري. # وإما أن كانا جميعا مكرهين، فإن كان المكره هو البائع فلا يخلو الأمر فيه ~~من وجهين: إما أن كان مكرها على البيع طائعا في التسليم وإما إن كان مكرها ~~على البيع والتسليم جميعا، فإن كان مكرها على البيع طائعا في التسليم فباع ~~مكرها وسلم طائعا جاز؛ لأن البيع في الحقيقة اسم للمبادلة فإذا سلم طائعا ~~فقد أتى بحقيقة البيع باختياره فيجوز بطريق التعاطي، فكان ما أتى به من لفظ ~~البيع بالإكراه وجوده وعدمه بمنزلة واحدة إلا أنه لا يكون التسليم منه ~~طائعا إجازة لذلك البيع بل يكون هذا بيعا مبتدأ بطريق التعاطي. # والثاني: أن التسليم منه إجازة لذلك البيع؛ لأنه ليس من شرط صحة البيع ~~صحة التسليم حتى يكون الإكراه على البيع إكراها على ما لا صحة له بدونه إذ ~~البيع يصح بدون التسليم فكان طائعا في التسليم فصلح أن يكون دليلا للإجازة ~~بخلاف المكره # PageV07P186 # على الهبة والصدقة إذا سلم طائعا أنه لا يجوز، ولا يكون التسليم إجازة؛ ~~لأن القبض شرط لصحتها ألا ترى أنهما لا يصحان بدون القبض فكان الإكراه ~~عليهما إكراها على القبض فلم يصح التسليم دليلا على الإجازة فهو الفرق هذا ~~إذا كان مكرها على البيع طائعا في التسليم، فأما إذا كان ms4387 مكرها عليهما ~~جميعا فباع مكرها وسلم مكرها كان البيع فاسدا؛ لأن حقيقة البيع هو ~~المبادلة، والإكراه يؤثر فيها بالفساد ويثبت الملك للمشتري لما قلنا حتى لو ~~كان المشترى عبدا فأعتقه نفذ إعتاقه، وعليه قيمة العبد؛ لأن بالإعتاق تعذر ~~عليه الفسخ إذ الإعتاق مما لا يحتمل الفسخ فتقرر الهلاك فتقررت عليه القيمة ~~فكان له أن يرجع بقيمة العبد عليه كالبائع. # والمكره بالخيار إن شاء رجع على المكره بقيمته ثم المكره يرجع على ~~المشتري، وإن شاء رجع على المشتري أما حق الرجوع على المكره فلأنه أتلف ~~عليه ماله بإزالة يده عنه فأشبه الغاصب فيرجع عليه بضمان ما أتلفه كالغاصب ~~ثم يرجع بما ضمنه على المشتري؛ لأنه ملكه بأداء الضمان فنزل منزلة البائع. # وأما حق الرجوع على المشتري فلأنه في حق البائع بمنزلة غاصب الغاصب ~~وللمالك ولاية تضمين غاصب الغاصب كذا هذا، ولو أعتقه المشتري قبل القبض لا ~~ينفذ إعتاقه؛ لأن البيع الفاسد لا يفيد الملك قبل القبض، والإعتاق لا ينفذ ~~في غير الملك، فإن أجاز البائع البيع بعد الإعتاق نفذ البيع ولم ينفذ ~~الإعتاق وهذه المسألة من حيث الظاهر تدل على أن الملك يثبت بالإجازة فكانت ~~الإجازة في حكم الإنشاء، ولكنا نقول: إن الملك يثبت بالبيع السابق عند ~~الإجازة بطريق الاستناد والمستند مقتصر من وجه ظاهر من وجه فجاز أن لا يظهر ~~في حق المعلق بل يقتصر، وللبائع خيار الفسخ والإجازة في هذا البيع قبل ~~القبض وبعده؛ لأن الملك. # وإن ثبت بعد القبض لكنه غير لازم لأجل الفساد فيثبت له خيار الفسخ ~~والإجازة قبل القبض وبعده دفعا للفساد. # وأما المشتري فله حق الفسخ قبل القبض؛ لأنه لا حكم لهذا البيع قبل القبض، ~~وليس له حق الفسخ بعد القبض؛ لأنه طائع في الشراء فكان لازما في جانبه لكن ~~إنما يملك البائع فسخ هذا العقد إذا كان بمحل الفسخ، فأما إذا لم يكن بأن ~~تصرف المشتري تصرفا لا يحتمل الفسخ كالإعتاق والتدبير والاستيلاد لا يملك ~~الفسخ وتلزمه القيمة، وإن تصرف تصرفا يحتمل الفسخ كالبيع ms4388 والإجارة والكفالة ~~ونحوها يملك الفسخ بخلاف سائر البياعات الفاسدة، فإن تصرف المشتري بإزالة ~~الملك يوجب بطلان حق الفسخ أي تصرف كان. # (ووجه) الفرق أن حق الفسخ هناك ثبت لمعنى يرجع إلى المملوك من الزيادة ~~والجهالة ونحو ذلك، وقد زال ذلك المعنى بزوال المملوك عن ملك المشتري بطل ~~حق الفسخ، فلما ثبت حق الفسخ لمعنى يرجع إلى المالك وهو كراهته وفوات رضاه ~~وأنه قائم، فكان حق الفسخ ثابتا، وكذلك لو باعه المشتري الثاني حتى تداولته ~~الأيدي له أن يفسخ العقود كلها لما ذكرنا، وكذا إنما يملك الإجازة إلا إذا ~~كان بمحل الإجازة، فأما إذا لم يكن بأن تصرف المشتري تصرفا لا يحتمل الفسخ ~~لا تجوز إجازته حتى لا يجب الثمن على المشتري بل تجب عليه قيمة العبد؛ لأن ~~قيام المحل وقت الإجازة شرط لجواز الإجازة؛ لأن الحكم يثبت في المحل ثم ~~يستند، والهالك لا يحتمل الملك فلا يحتمل الإجازة، والمحل بالإعتاق صار في ~~حكم الهالك وتقرر هلاكه؛ لأنه لا يحتمل الفسخ فيتقرر على المشتري قيمته، ~~وإن تصرف تصرفا يحتمل الفسخ كالبيع ونحوه يملك الإجازة، وإن تداولته ~~الأيدي. # وإذا أجاز واحدا من العقود جازت العقود كلها ما بعد هذا العقد، وما قبله ~~أيضا بخلاف الغاصب إذا باع المغصوب ثم باعه المشتري هكذا حتى تداولته ~~الأيدي وتوقفت العقود كلها، فأجاز المالك واحدا منها إنما كان يجوز ذلك ~~العقد خاصة دون غيره، ولو لم يجز المالك شيئا من العقود، ولكنه ضمن واحدا ~~منهم يجوز ما بعد عقده دون ما قبله، والفرق أن في باب الغصب لم ينفذ شيء من ~~العقود بل توقف نفاذ الكل على الإجازة فكانت الإجازة شرط النفاذ فينفذ ما ~~لحقه الشرط دون غيره أما ههنا فالعقود ما توقف نفاذها على الإجازة لوقوعها ~~نافذة قبل الإجازة إذ الفساد لا يمنع النفاذ فكانت الإجازة إزالة الإكراه ~~من الأصل، ومتى جاز الإكراه من الأصل جاز العقد الأول فتجوز العقود كلها ~~فهو الفرق وبخلاف ما إذا ضمن المغصوب منه أحدهم؛ لأنه ملك المغصوب عند ~~اختيار ms4389 أخذ الضمان منه من وقت جنايته وهو القبض إما # PageV07P187 # بطريق الظهور وإما بطريق الاستناد على ما عرف في مسائل الخلاف فلا يظهر ~~فيما قبله من العقود، وههنا بخلافه على ما مر. # وإذا قال البائع: أجزت جاز البيع؛ لأن المانع من الجواز هو الإكراه، ~~والإجازة إزالة الإكراه، وكذا إذا قبض الثمن؛ لأن قبض الثمن دليل الإجازة ~~كالفضولي إذا باع مال غيره فقبض المالك الثمن، ولو لم يعتقه المشتري الأول ~~ولكن أعتقه المشتري قبل الإجازة نفذ إعتاقه؛ لأن الملك ثابت له بالشراء ~~وسواء كان قبض العبد أو لا؛ لأن شراءه صحيح فيفيد الملك بنفسه بخلاف إعتاق ~~المشتري الأول قبل القبض؛ لأن البيع الفاسد لا يفيد الملك بنفسه بل بواسطة ~~القبض، ولو أعتقه المشتري الأخير ثم أجاز البائع العقد الأول لم تجز إجازته ~~حتى لا يملك المطالبة بالثمن بل تجب القيمة، وهو بالخيار إن شاء رجع بها ~~على المكره، والمكره يرجع على المشتري الأول. # وإن شاء رجع على أحد المشتريين أيهما كان، أما الرجوع على المكره فلما ~~ذكرنا في إعتاق المشتري الأول أنه أتلف عليه ملكه معنى فله أن يأخذ منه ~~ضمان الإتلاف، وللمكره أن يرجع بذلك على المشتري الأول؛ لأنه ملك المضمون ~~بأداء الضمان فنزل منزلة البائع، وكان للبائع أن يرجع عليه بالضمان فكذا له ~~ويصح كل عقد وجد بعد ذلك، وإن شاء المكره رجع على أحد المشتريين أيهما شاء؛ ~~لأن كل واحد منهما في حق البائع بمنزلة غاصب الغاصب، فإن اختار تضمين ~~المشتري الأول برئ المكره وصحت البياعات كلها؛ لأنه ملك المشتري الأول ~~باختيار تضمينه فتبين أنه باع ملك نفسه فصح، فيصح كل بيع وجد بعد ذلك، وإن ~~اختار تضمين المشتري الآخر صح كل بيع وجد بعد ذلك وبطل كل بيع كان قبله؛ ~~لأنه لما اختار تضمينه فقد خصه بملك المضمون فتبين أن كل بيع كان قبله كان ~~بيع ما لا يملكه البائع فبطل والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا كان المكره ~~هو البائع. # ، فأما إذا كان المكره هو المشتري دون ms4390 البائع فلكل واحد منهما حق الفسخ ~~قبل القبض وبعد القبض حق الفسخ للمشتري دون البائع لما ذكرنا في إكراه ~~البائع، وللمشتري أن يجيز هذا العقد كما للبائع إذا كان مكرها، ولو أكره ~~على الشراء والقبض ودفع الثمن والمشترى عبد فأعتقه المشتري فذلك إجازة ~~للبيع؛ لأن هذه التصرفات لا تحتمل الفسخ بعد وجودها فكان الإقدام عليها ~~التزاما للمالك كالمشتري بشرط الخيار إذا فعل شيئا من ذلك، وكذلك لو كان ~~المشترى أمة فوطئها أو قبلها بشهوة فهو إجازة للبيع؛ لأنه لو نقض البيع ~~لتبين أن الوطء صادف ملك الغير، وذلك حرام والظاهر من حال المسلم التحرز عن ~~الحرام فكان إقدامه عليه التزاما للبيع دلالة، ولو لم يقبضه المشتري حتى ~~أعتقه البائع نفذ إعتاقه؛ لأنه على ملكه قبل التسليم. # وإن أعتقه المشتري نفذ إعتاقه استحسانا، والقياس أن لا ينفذ وجه القياس ~~ظاهر؛ لأنه أعتق ما لا يملكه «ولا عتق فيما لا يملكه ابن آدم» على لسان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # (وجه) الاستحسان أن المشتري يملك إجازة هذا البيع، فإقدامه على الإعتاق ~~إجازة له تصحيحا لتصرفه وهذا؛ لأن تصرف العاقل تجب صيانته على الإلغاء ما ~~أمكن، ولا صحة لتصرفه إلا بالملك ولا يثبت الملك قبل القبض إلا بالإجازة ~~فيقتضي الإعتاق إجازة هذا العقد سابقا عليه أو مقارنا له تصحيحا له كما في ~~قوله لغيره أعتق عبدك عني على ألف درهم، ولهذا نفذ إعتاق المشتري بشرط ~~الخيار كذا هذا. # هذا إذا أعتقه المشتري وحده، ولو أعتقاه جميعا معا قبل القبض فإعتاق ~~البائع أولى لوجهين: أحدهما أن ملك البائع ثابت مقصود، وملك المشتري يثبت ~~ضمنا للإجازة الثابتة ضمنا للإعتاق فكان تنفيذ إعتاق البائع أولى، والثاني ~~أن ملك البائع ثابت في الحال وملك المشتري يثبت في الثاني فاعتبار الموجود ~~للحال أولى هذا إذا كان المكره هو البائع أو المشتري، فأما إذا كانا جميعا ~~مكرهين على البيع والشراء فلكل واحد منهما خيار الفسخ والإجازة؛ لأن البيع ~~فاسد في حقهما. # والثابت بالبيع الفاسد ملك غير لازم فكان ms4391 بمحل الفسخ والإجازة، فإن أجازا ~~جميعا جاز، وإن أجاز أحدهما دون الآخر جاز في جانبه وبقي الخيار في حق ~~صاحبه، ولو أعتقه المشتري قبل وجود الإجازة من أحدهما أصلا نفذ إعتاقه ~~ولزمه القيمة؛ لأن الإعتاق تصرف لا يحتمل النقض فكان إقدامه عليه التزاما ~~للبيع في جانبه ولا تجوز إجازة البائع بعد ذلك؛ لأنه خرج من أن يكون محلا ~~للإجازة بالإعتاق لما ذكرنا أن قيام المحل وقت الإجازة شرط صحة الإجازة، ~~وقد هلك بالإعتاق، ولو لم يعتقه المشتري ولكن أجاز أحدهما البيع ثم أعتقاه ~~معا نفذ إعتاق البائع وبطل # PageV07P188 # إعتاق المشتري؛ لأنه لا يخلو إما أن كانت الإجازة من المشتري أو من ~~البائع، فإن كانت من المشتري نفذ إعتاق البائع؛ لأن إجازة المشتري لم تعمل ~~في جانب البائع فبقي البائع على خياره فإذا أعتق نفذ إعتاقه وبطل إعتاق ~~المشتري؛ لأنه أبطل خياره بالإجازة، وإن كانت الإجازة من البائع فتنفيذ ~~إعتاقه أولى أيضا لما ذكرنا من الوجهين في إكراه المشتري. # ولو أجاز البائع البيع ثم أعتق المشتري ثم أعتق البائع بعده نفذ إعتاق ~~المشتري ولزمه الثمن، ولا ينفذ إعتاق البائع أما نفوذ إعتاق المشتري فلبقاء ~~الخيار له. # وأما عدم نفوذ إعتاق البائع فلسقوط خياره بالإجازة. # (وأما) لزوم الثمن المشتري فللزوم البيع في الجانبين جميعا، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم ويستوي أيضا في باب البيع والشراء الإكراه التام والناقص؛ لأن ~~كل ذلك يفوت الرضا ويستوي في الإكراه على البائع تسمية المشتري وترك ~~التسمية حتى يفسد البيع في الحالين جميعا؛ لأن غرض المكره في الحالين جميعا ~~واحد وهو إزالة ملك البائع، وذلك يحصل بالبيع من أي إنسان كان، ولو أوعده ~~بضرب سوط أو الحبس يوما أو القيد يوما فليس ذلك من الإكراه في شيء؛ لأن ذلك ~~لا يغير حال المكره عما كان عليه من قبل هذا إذا ورد الإكراه على البيع ~~والتسليم. # فأما إذا ورد على التوكيل بالبيع والتسليم فباع الوكيل وسلم وهو طائع، ~~والمبيع عبده فمولى العبد بالخيار إن شاء ضمن المكره، وإن شاء ms4392 ضمن الوكيل ~~أو المشتري، فإن ضمن الوكيل رجع على المشتري، وإن ضمن المشتري لا يرجع على ~~أحد، أما ولاية تضمين المكره فلأن الإكراه على التوكيل بالبيع إكراه على ~~البيع لكن بواسطة التوكيل؛ لأن التوكيل بالبيع تسبيب إلى إزالة اليد وأنه ~~إتلاف معنى، فكان التلف بهذه الواسطة مضافا إلى المكره فكان له ولاية تضمين ~~المكره. # وأما تضمين الوكيل فلأنه قبض ماله بغير رضاه، وكذلك المشتري، وقبض مال ~~الإنسان بغير رضاه سبب لوجوب الضمان فكان له ولاية تضمين أيهما شاء. # فإن ضمن الوكيل يرجع عن المشتري بقيمة العبد؛ لأنه لما أدى الضمان فقد ~~نزل منزلة البائع فيملك تضمينه كالبائع ولكن لا ينفذ ذلك البيع بأداء ~~الضمان؛ لأنه ما ملكه بأداء الضمان؛ لأنه لم يبعه لنفسه بل لغيره وهو ~~المالك فيقف نفاذه على إجازة من وقع له العقد وهو المالك لا على فعل يوجد ~~منه وهو أداء الضمان، وهذا بخلاف ما إذا باع الغاصب المغصوب ثم أدى الضمان ~~أنه ينفذ بيعه؛ لأن هناك باعه لنفسه لا لغيره وهو المالك؛ لأنه ملكه بأداء ~~الضمان فجاز وقوفه على فعله وهو أداء الضمان، وجاز وقوفه على فعل مالكه ~~أيضا قبل أداء الضمان؛ لأن الغاصب إنما يملكه بأداء الضمان ومن الجائز أن ~~لا يختار المالك الضمان فلا يملكه الغاصب لذلك وقف على إجازة المالك، وإن ~~اختار تضمين المشتري لا يرجع المشتري على أحد؛ لأن القيمة بدل المبيع، وقد ~~سلم له المبدل ثم إن كان البائع قبض الثمن من المشتري يسترده منه، وإن كان ~~لم يقبضه فلا شيء، والله سبحانه وتعالى أعلم. # هذا إذا كان الإكراه تاما، فإن كان ناقصا لا يرجع المكره بالضمان على ~~المكره؛ لأن الإكراه الناقص لا يوجب نسبة الإتلاف إليه على ما بينا، ولكنه ~~يرجع إلى الوكيل أو المشتري لما بينا والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) الإكراه على الهبة فيوجب فسادها كالإكراه على البيع حتى أنه لو ~~وهب مكرها وسلم مكرها ثبت الملك كما في البيع إلا أنهما يفترقان من وجه وهو ~~أن في ms4393 باب البيع إذا باع مكرها وسلم طائعا يجوز البيع وفي باب الهبة مكرها ~~لا يجوز سواء سلم مكرها أو طائعا، وقد بينا الفرق بينهما فيما تقدم، وكذلك ~~تسليم الشفعة من هذا القبيل أنه لا يصح مع الإكراه؛ لأن الشفعة في معنى ~~البيع ألا ترى أنه لا يتعلق صحته باللسان كالبيع حتى تبطل الشفعة بالسكوت ~~فأشبه البيع ثم البيع يعمل عليه الإكراه فكذلك تسليم الشفعة. # ومن هذا القبيل الإكراه على الإبراء عن الحقوق؛ لأن الإبراء فيه معنى ~~التمليك، ولهذا لا يحتمل التعليق بالشرط ولا يصح في المجهول كالبيع، ثم ~~البيع يعمل عليه الإكراه فكذلك الإبراء عن الكفالة بالنفس إبراء عن حق ~~المطالبة بتسليم النفس الذي هو وسيلة المال فكان ملحقا بالبيع الذي هو ~~تمليك المال فيعمل عليه الإكراه كما يعمل على البيع، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم هذا إذا كان الإكراه على الإنشاء، فأما إذا كان على الإقرار فيمنع صحة ~~الإقرار سواء كان المقر به محتملا للفسخ أو لم يكن؛ لأن الإقرار إخبار، ~~وصحة الإخبار عن الماضي بوجود المخبر به سابقا على الإخبار، والمخبر به ~~ههنا يحتمل الوجود والعدم، وإنما يترجح جنبة الوجود على جنبة العدم # PageV07P189 # بالصدق، وحال الإكراه لا يدل على الصدق؛ لأن الإنسان لا يتحرج عن الكذب ~~حالة الإكراه فلا يثبت الرجحان ولأن الإقرار من باب الشهادة قال الله تبارك ~~وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم} [النساء: 135] . # والشهادة على أنفسهم ليس إلا الإقرار على أنفسهم، والشهادة ترد بالتهمة ~~وهو متهم حالة الإكراه، ولو أكره على الإقرار بالحدود والقصاص لما قلنا بل ~~أولى؛ لأن الحدود والقصاص تسقط بالشبهات، فأما المال فلا يسقط بالشبهة فلما ~~لم يصح هناك فلأن لا يصح ههنا أولى، ولو أكره على الإقرار بذلك ثم خلى ~~سبيله قبل أن يقر به، ثم أخذه فأقر به من غير تجديد الإكراه، فهذا على ~~وجهين: إما أن توارى عن بصر المكره حين ما خلى سبيله، وإما أن لم يتوار عن ~~بصره حتى بعث من ms4394 أخذه ورده إليه، فإن كان قد توارى عن بصره ثم أخذه فأقر ~~إقرارا مستقبلا جاز إقراره؛ لأنه لما خلى سبيله حتى توارى عن بصره، فقد زال ~~الإكراه عنه فإذا أقر به من غير إكراه جديد فقد أقر طائعا فصح، وإن لم ~~يتوار عن بصره بعد حتى رده إليه فأقر به من غير تجديد الإكراه لم يصح ~~إقراره؛ لأنه إذا لم يتوار عن بصره فهو على الإكراه الأول. # ولو أكره على الإقرار بالقصاص فأقر به فقتله حين ما أقر به من غير بينة، ~~فإن كان المقر معروفا بالذعارة يدرأ عنه القصاص استحسانا، وإن لم يكن ~~معروفا بها يجب القصاص، والقياس أن لا يجب القصاص كيف ما كان وجه القياس أن ~~الإقرار عنه الإكراه لما لم يصح شرعا صار وجوده وعدمه بمنزلة واحدة فصار ~~كما لو قتله ابتداء، وجه الاستحسان أن الإقرار إن كان لا يصح مع الإكراه ~~لكن لهذا الإقرار شبهة الصحة إذا كان المقر معروفا بالذعارة، لوجود دليل ~~الصدق في الجملة وذا يورث شبهة في وجوب القصاص فبدأ للشبهة، وإذا لم يكن ~~معروفا بالذعارة فإقراره لا يورث شبهة في الوجوب فيجب، ومثال هذا إذا دخل ~~رجل على رجل في منزله فخاف صاحب المنزل أنه ذاعر دخل عليه ليقتله ويأخذ ~~ماله فبادره وقتله، فإن كان الداخل معروفا بالذعارة لا يجب القصاص على صاحب ~~المنزل. # وإن لم يكن معروفا بالذعارة يجب القصاص عليه كذا هذا، وإذا لم يجب القصاص ~~يجب الأرش؛ لأن سقوط القصاص للشبهة، وأنها لا تمنع وجوب المال وروى الحسن ~~عن أبي حنيفة - رضي الله عنهما - أنه لا يجب الأرش أيضا إذا كان معروفا ~~بالذعارة. ### | [فصل في بيان حكم ما عدل المكره إلى غير ما وقع عليه الإكراه] # (فصل) : # وأما بيان حكم ما عدل المكره إلى غير ما وقع عليه الإكراه أو زاد على ما ~~وقع عليه الإكراه أو نقص عنه فنقول - وبالله التوفيق - العدول عما وقع عليه ~~الإكراه إلى غيره لا يخلو من وجهين: إما أن يكون بالعقد في ms4395 الاعتقادات أو ~~بالفعل في المعاملات أما حكم العدول عما وقع عليه الإكراه بالعقد في ~~الاعتقادات فقد ذكرناه فيما تقدم. # (وأما) العدول إلى غير ما وقع عليه الإكراه بالفعل في المعاملات فنقول: ~~إذا عدل المكره إلى غير ما وقع عليه الإكراه بالفعل جاز ما فعل؛ لأنه طائع ~~فيما عدل إليه حتى لو أكره على بيع جاريته فوهبها جاز؛ لأنه عدل عما أكره ~~عليه لتغاير البيع والهبة، وكذلك لو طولب بمال وذلك المال أصله باطل وأكره ~~على أدائه، ولم يذكر له بيع الجارية فباع جاريته جاز البيع؛ لأنه في بيع ~~الجارية طائع، ولو أكره على الإقرار بألف درهم فأقر بمائة دينار أو صنف آخر ~~غير ما أكره عليه جاز؛ لأنه طائع فيما أقر به، وهذا بخلاف ما إذا أكره على ~~أن يبيع عبده من فلان بألف درهم فباعه منه بمائة دينار أن البيع فاسد ~~استحسانا جائز قياسا، فقد اعتبر الدراهم والدنانير جنسين مختلفين في ~~الإقرار قياسا واستحسانا واعتبرها جنسا واحدا في الإنشاء استحسانا؛ لأنهما ~~جنسان مختلفان حقيقة إلا أنهما جعلا جنسا في موضع الإنشاء بل مخالفة ~~الحقيقة لمعنى هو منعدم في الإقرار، وهو أن الفائت بالإكراه هو الرضا طبعا. # والإكراه على البيع بألف درهم كما يعدم الرضا بالبيع بألف درهم يعدم ~~الرضا بالبيع بمائة دينار قيمته ألف، لاتحاد المقصود منها وهو الثمنية فكان ~~انعدام الرضا بالبيع بأحدهما دليلا على انعدام الرضا بالبيع بالآخر فكان ~~الإكراه على البيع بأحدهما إكراها على البيع بالآخر بخلاف ما إذا أكره على ~~البيع بألف فباعه بمكيل أو موزون آخر سوى الدراهم والدنانير؛ لأن هناك ~~المقصود مختلف فلم يكن كراهة البيع بأحدهما كراهة البيع بالآخر، وهذا ~~المعنى لا يوجد في الإقرار؛ لأن بطلان إقرار المكره لانعدام رجحان جانب ~~الصدق على جانب الكذب في اختياره بدلالة الإكراه فيختص بمورد الإكراه وهو ~~الدراهم، فكان # PageV07P190 # صادقا في الإقرار بالدنانير لانعدام المانع من الرجحان فيه فهو الفرق. # (وأما) إذا زاد على ما وقع عليه الإكراه بأن أكره على الإقرار بألف درهم ~~فأقر ms4396 بألفين جاز إقراره بألف وبطل بألف؛ لأنه في الإقرار بالألف الزائد ~~طائع فصح، ولو أكره على الإقرار لفلان فأقر له ولغيره، فإن صدقه الغير في ~~الشركة لم يجز أصلا بالإجماع، وإن كذبه فكذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ~~وعند محمد يجوز في نصيب الغير خاصة وجه قول محمد أن المانع من الصحة عند ~~التصديق هو الشركة في مال لم يصح الإقرار بنصفه شائعا فإذا كذبه لم تثبت ~~الشركة فيصح إقراره للغير إذ هو فيما أقر له به طائع وجه قولهما أن الإقرار ~~إخبار، وصحة الإخبار عن الماضي بوجود المخبر به سابقا على الإخبار، والمخبر ~~به ألف مشتركة فلو صح إقراره لغير المقر له بالإكراه لم يكن المخبر به على ~~وصف الشركة فلم يصح إخباره عن المشترك فلم يصح إقراره. # وهذه فريعة اختلافهم في المريض مرض الموت إذا أقر لوارثه ولأجنبي بالدين ~~أنه لا يصح إقراره أصلا بالإجماع إن صدقه الأجنبي بالشركة، وإن كذبه فعلى ~~الاختلاف الذي ذكرنا، ولو أكره على هبة عبده لعبد الله فوهبه لعبد الله ~~وزيد فسدت الهبة في حصة عبد الله، وصحت في حصة زيد؛ لأنه مكره في حصة عبد ~~الله لورود الإكراه على كل العبد، والإكراه على كل الشيء إكراه على بعضه ~~فلم تصح الهبة في حصته طائع في حصة زيد، وأنه هبة المشاع فيما لا يحتمل ~~القسمة فصحت في حصته، ولو كان مكان العبد ألف فالهبة في الكل فاسدة ~~بالإجماع بين أصحابنا، أما على أصل أبي حنيفة - رضي الله عنه - فظاهر؛ لأن ~~هبة الطائع من اثنين لا تصح عنده فهبة المكره أولى. # (وأما) على أصلهما فلأنه لما وهب الألف منهما، والهبة من أحدهما لا تصح ~~بحكم الإكراه كان واهبا نصف الألف من الآخر، وهذه هبة المشاع فيما يحتمل ~~القسمة، وأنه لا يصح بلا خلاف بين أصحابنا بخلاف حالة الطواعية، والله ~~تعالى أعلم. # هذا إذا زاد على ما وقع عليه الإكراه، فأما إذا نقص عنه بأن أكره على ~~الإقرار بألف درهم فأقر بخمسمائة فإقراره باطل؛ لأن ms4397 الإكراه على ألف إكراه ~~على خمسمائة؛ لأنها بعض الألف، والإكراه على كل شيء إكراه على بعضه فكان ~~مكرها بالإقرار بخمسمائة فلم يصح، ولو أكره على بيع جاريته بألف درهم ~~فباعها بألفين جاز البيع بالإجماع، ولو باعها بأقل من ألف فالبيع فاسد ~~استحسانا جائز قياسا وجه القياس أن المكره عليه هو البيع بألف فإذا باع ~~بأقل منه فقد عقد عقدا آخر إذ البيع بألف غير البيع بخمسمائة فكان طائعا ~~فيه فجاز وجه الاستحسان أن غرض المكره هو الإضرار بالبائع بإزالة ملكه. # وإن قل الثمن فكان الإكراه على البيع بألف إكراها على البيع بأقل منه ~~فبطل بخلاف ما إذا باعه بألفين؛ لأن حال المكره دليل على أنه لا يأمره ~~بالبيع بأوفر الثمنين فكان طائعا في البيع بألفين فجاز، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | [كتاب المأذون] # الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان ركن الإذن بالتجارة، وفي بيان ~~شرائط الركن وفي بيان ما يظهر به الإذن بالتجارة وفي بيان ما يملك المأذون ~~من التصرف وما لا يملك حكم تصرفه وفي بيان ما يملك المولى من التصرف في ~~المأذون وكسبه، وما لا يملك حكم تصرفه، وفي بيان حكم الغرور في العبد ~~المأذون وفي بيان حكم الدين الذي يلحق المأذون، وفي بيان ما يبطل به الإذن ~~ويصير محجورا وفي بيان حكم تصرف المحجور. # (أما) الأول فنقول - وبالله التوفيق - ركن الإذن بالتجارة نوعان: صريح ~~ودلالة، والصريح نوعان: خاص وعام، وكل واحد منهما أنواع ثلاثة: منجز ومعلق ~~بشرط ومضاف إلى وقت. # (أما) الخاص المنجز فهو أن يأذن له في شيء بعينه مما لا يؤذن في مثله ~~للتجارة عادة بأن يقول له اشتر لي بدرهم لحما أو اشتر لي طعاما رزقا لي أو ~~لأهلي أو لك أو اشتر لي ثوبا أو لأهلي أو لأهلك أو اشتر ثوبا اقطعه قميصا، ~~ونحو ذلك مما لا يقصد به التجارة عادة ويصير مأذونا فيما تناوله الإذن خاصة ~~استحسانا، والقياس أن يصير مأذونا بالتجارات كلها؛ لأن الإذن بالتجارة مما ~~لا يجزي فكان ms4398 الإذن في تجارة إذنا في الكل وجه الاستحسان أن الإذن على هذا ~~الوجه لا يوجد إلا على وجه الاستخدام عرفا وعادة فيحمل على المتعارف وهو ~~الاستخدام دون الإذن بالتجارة مع ما أنه لو جعل الإذن بمثله إذنا # PageV07P191 # بالتجارات كلها لصار المأذون بشراء البقل مأذونا في التجارة، وفيه سد باب ~~استخدام المماليك وبالناس حاجة إليه فاقتصر على مورد الضرورة. # (وأما) العام المنجز فهو أن يقول أذنت لك في التجارات أو في التجارة ~~ويصير مأذونا في الأنواع كلها بالإجماع. # (وأما) إذا أذن له في نوع بأن قال: اتجر في البر أو في الطعام أو في ~~الدقيق يصير مأذونا في التجارات كلها عندنا، وعند زفر والشافعي - رحمهما ~~الله - لا يصير مأذونا إلا في النوع الذي تناوله ظاهر الإذن، وكذلك إذا قال ~~له اتجر في البر ولا تتجر في الخبز لا يصح نهيه وتصرفه ويصير مأذونا في ~~التجارات كلها، وعلى هذا إذا أذن له في ضرب من الصنائع بأن قال له: اقعد ~~قصارا أو صباغا يصير مأذونا في التجارات والصنائع كلها حتى كان له أن يقعد ~~صيرفيا وصائغا، وكذلك إذا أذن له أن يتجر شهرا أو سنة يصير مأذونا أبدا ما ~~لم يحجر عليه وجه قولهما أن العبد متصرف عن إذن فلا يتعدى تصرفه مورد الإذن ~~كالوكيل والمضارب، ولهذا يثبت حكم تصرفه لمولاه. # (ولنا) أن تقييد الإذن بالنوع غير مفيد فيلغو استدلالا بالمكاتب وهذا؛ ~~لأن فائدة الإذن بالتجارة تمكين العبد من تحصيل النفع المطلوب من التجارة ~~وهو الربح، وهذا في النوعين على نمط واحد، وكذا الضرر الذي يلزمه في العقد ~~عسى لا يتفاوت فكان الرضا بالضرر في أحد النوعين رضا به في النوع الآخر فلم ~~يكن التقييد بالنوع مفيدا فيلغو، ويبقى الإذن بالتجارة عاما فيتناول ~~الأنواع كلها مع ما أنه وجد الإذن في النوع الآخر دلالة؛ لأن الغرض من ~~الإذن هو حصول الربح، والنوعان في احتمال الربح على السواء فكان الإذن ~~بأحدهما إذنا بالآخر دلالة، ولهذا يملك قبول الهبة والصدقة من غير إذن ~~المولى ms4399 صريحا لوجوده دلالة كذا ههنا. # (وأما) الخاص المعلق بشرط فهو أن يقول: إن قدم فلان فاشتر لي بدرهم لحما ~~ونحو ذلك، والمضاف إلى وقت أن يقول: اشتر لي بدرهم لحما غدا أو رأس شهر ~~كذا. # (وأما) العام المعلق بشرط فهو أن يقول: إن قدم فلان فقد أذنت لك ~~بالتجارة، والمضاف إلى وقت أن يقول: أذنت لك بالتجارة غدا أو رأس شهر كذا، ~~وكل واحد من النوعين يصح معلقا ومضافا كما يصح مطلقا بخلاف الحجر أنه لا ~~يصح تعليقه بشرط ولا إضافة إلى وقت بأن يقول للمأذون: إن قدم فلان فأنت ~~محجور أو فقد حجرت عليك غدا أو رأس شهر كذا، ووجه الفرق أن الإذن تصرف ~~إسقاط؛ لأن انحجار العبد ثبت حقا لمولاه وبالإذن أسقطه والإسقاطات تحتمل ~~التعليق والإضافة كالطلاق والعتاق ونحوهما، فأما الحجر فإثبات الحق ~~وإعادته، والإثبات لا يحتمل التعليق والإضافة كالرجعة ونحوها، ولهذا قال ~~أصحابنا: إن الإذن لا يحتمل التوقيت حتى لو أذن لعبده بالتجارة شهرا أو سنة ~~يصير مأذونا أبدا ما لم يوجد المبطل للإذن كالحجر وغيره إلا أن يؤقت الإذن ~~إلى وقت إضافة الحجر إليه؛ لأن معناه إذا مضى شهر أو سنة فقد حجرت عليك أو ~~حجرت عليك رأس شهر كذا، والحجر لا يحتمل الإضافة إلى الوقت فلغت الإضافة ~~وبقي الإذن بالتجارة مطلقا إلى أن يوجد المبطل. # (وأما) الإذن بطريق الدلالة فنحو أن يرى عبده يبيع ويشتري فلا ينهاه ~~ويصير مأذونا في التجارة عندنا إلا في البيع الذي صادفه السكوت. # وأما في الشراء فيصير مأذونا، وعند زفر والشافعي - رحمهما الله - لا يصير ~~مأذونا وجه قولهما أن السكوت يحتمل الرضا ويحتمل السخط فلا يصلح دليل الإذن ~~مع الاحتمال، ولهذا لم ينفذ تصرفه الذي صادفه السكوت. # (ولنا) أنه يرجح جانب الرضا على جانب السخط؛ لأنه لو لم يكن راضيا لنهاه ~~إذ النهي عن المنكر واجب، فكان احتمال السخط احتمالا مرجوحا فكان ساقط ~~الاعتبار شرعا. # (وأما) التصرف الذي صادفه السكوت، فإن كان شراء ينفذ، وإن كان بيعا قائما ~~لم ينفذ ms4400 لانعدام المقصود من الإذن بالتجارة على ما نذكره - إن شاء الله ~~تعالى - وسواء رآه يبيع بيعا صحيحا أو بيعا فاسدا إذا سكت ولم ينهه يصير ~~مأذونا؛ لأن وجه دلالة السكوت على الإذن لا يختلف، وكذلك لو رآه المولى ~~يبيع مال أجنبي فسكت يصير مأذونا، وإن لم يجز البيع لما قلنا، وكذلك لو باع ~~مال مولاه والمولى حاضر فسكت لم يجز ذلك البيع ويصير مأذونا في التجارة؛ ~~لأن غرض المولى من الإذن بالتجارة حصول المنفعة دون المضرة، وذلك باكتساب ~~ما لم يكن لا بإزالة الملك عن مال كائن، ولا ينجبر هذا الضرر بالثمن؛ لأن ~~الناس رغائب في الأعيان ما ليس في أبدالها حتى لو كان شراء ينفذ؛ لأنه نفع ~~محض، ثم لا حكم للسكوت إلا في مواضع # PageV07P192 # منها سكوت المولى عند تصرف العبد بالبيع والشراء، وقد ذكرناه. # (ومنها) سكوت البالغة البكر عند استئمار الولي أنه يكون إذنا وقت العقد ~~وبعده يكون إجازة. # (ومنها) سكوت الشفيع إذا علم بالشراء أنه يكون تسليما للشفعة. # (ومنها) سكوت الواهب أو المتصدق عند قبض الموهوب له والمتصدق عليه بحضرته ~~أن يكون إذنا بالقبض. # (ومنها) سكوت المجهول النسب إذا باعه إنسان بحضرته، وقال له: قم فاذهب مع ~~مولاك فقام وسكت أنه يكون إقرارا منه بالرق حتى لا تسمع دعواه الحرية بعد ~~ذلك. # (وأما) سكوت البائع بيعا صحيحا بثمن حال عند قبض المشتري بحضرته هل يكون ~~إذنا بالقبض؟ ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يكون إذنا بالقبض وذكر الطحاوي - ~~رحمه الله - أنه يكون إذنا كما في البيع الفاسد، ودلائل هذه المسائل نذكرها ~~في موضعها - إن شاء الله تعالى - وعلى هذا إذا قال لعبده: أد إلي كل يوم ~~كذا أو كل شهر كذا يصير مأذونا؛ لأنه لا يتمكن من أداء الغلة إلا بالكسب ~~فكان الإذن بأداء الغلة إذنا بالتجارة، وكذلك لو قال لعبده: أد إلي ألفا ~~وأنت حر أو قال: إن أديت إلي ألفا فأنت حر يصير مأذونا؛ لأن غرضه حمل العبد ~~على العتق بواسطة تحصيل الشرط ولا يتمكن ms4401 من تحصيله إلا بالتصرف فكان ~~التعليق دليلا على الإذن، وكذلك إذا قال له: أد إلي ألفا وأنت حر، فهذا ~~والأول سواء؛ لأنه يستعمل في التعليق عرفا وعادة # ولو قال له: أد وأنت حر لا يصير مأذونا ويعتق للحال؛ لأن هذا تنجيز وليس ~~بتعليق، وعلى هذا إذا كاتب عبده يصير مأذونا؛ لأنه لما كاتبه فقد جعله أحق ~~بكسبه ولا يكون ذلك إلا بالتجارة، والله تعالى أعلم. ### | [فصل في شرائط ركن الإذن بالتجارة] # (فصل) : # وأما شرائط الركن فأنواع منها أن يكون الإذن لمن يعقل التجارة؛ لأن الإذن ~~بالتجارة لمن لا يعقل سفه، فأما البلوغ فليس بشرط لصحة الإذن فيصح الإذن ~~للعبد بالغا كان أو صبيا بعد أن كان يعقل البيع والشراء لما روي أن النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - «كان يجيب دعوة المملوك من غير فصل» فدل الحديث على ~~جواز الإذن بالتجارة؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - ما كان ليجيب دعوة ~~المحجور ويأكل من كسبه فتعين المأذون، وكذا الإذن للأمة والمدبرة وأم الولد ~~بعد أن عقلوا التجارة؛ لأن اسم المملوك يتناول الكل، وكذا يجوز الإذن للصبي ~~الحر بالتجارة إذا كان يعقل التجارة وهذا عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله ~~- لا يجوز الإذن للصبي بالتجارة بحال حرا كان أو عبدا، وكذا سلامة العقل عن ~~الفساد أصلا ليس بشرط لصحة الإذن عندنا حتى يجوز الإذن للمعتوه الذي يعقل ~~البيع والشراء بالتجارة وعنده شرط. # (وجه) قوله أن الصبي ليس من أهل التجارة فلا يصح الإذن له بالتجارة وهذا؛ ~~لأن أهلية التجارة بالعقد الكامل؛ لأنه تصرف دائر بين الضرر والنفع فلا بد ~~لها من كمال العقل وعقل الصبي ناقص فلا يكفي لأهلية التجارة، ولهذا لم ~~يعتبر عقله في الهبة والصدقة والطلاق والعتاق كذا ههنا. # (ولنا) قوله تبارك وتعالى {وابتلوا اليتامى} [النساء: 6] أمر سبحانه ~~وتعالى الأولياء بابتلاء اليتامى، والابتلاء هو الإظهار فابتلاء اليتيم ~~إظهار عقله بدفع شيء من أمواله إليه؛ لينظر الولي أنه هل يقدر على حفظ ~~أمواله عند النوائب ولا يظهر ذلك إلا بالتجارة فكان الأمر بالابتلاء إذنا ~~بالتجارة، ms4402 ولأن الصبي إذا كان يعقل التجارة يعقل النافع من الضار فيختار ~~المنفعة على المضرة ظاهرا فكان أهلا للتجارة كالبالغ بخلاف الهبة والصدقة ~~والطلاق ونحوها؛ لأنها من التصرفات الضارة المحضة لكونها إزالة ملك لا إلى ~~عوض فلم يجعل الصبي أهلا لها نظرا دفعا للضرر عنه ومنها العلم بالإذن ~~بالتجارة في أحد نوعي الإذن بلا خلاف. # وبيان ذلك أن الإذن بالإضافة إلى الناس ضربان: إذن إسرار وإذن إعلان وهو ~~المسمى بالخاص والعام في الكتاب، فالخاص أن يقول أذنت لعبدي في التجارة لا ~~على وجه ينادي أهل السوق فيقول: بايعوا عبدي فلانا فإني قد أذنت له في ~~التجارة ولا خلاف في أن العلم بالإذن شرط لصحة الإذن في هذا النوع؛ لأن ~~الإذن هو الإعلام قال الله تعالى: {وأذان من الله ورسوله} [التوبة: 3] أي ~~إعلام، والفعل لا يعرف إعلاما إلا بعد تعلقه بالعلم، ولأن إذن العبد يعتبر ~~بإذن الشرع ثم حكم الإذن من الشرع لا يثبت في حق المأذون إلا بعد علمه به ~~فعلى ذلك إذن العبد، ولهذا كان العلم بالوكالة شرطا لصحتها على ما ذكرنا في ~~كتاب الوكالة كذا هذا حتى لم يصح تصرف الوكيل قبل العلم بالوكالة. # وأما في الإذن العام فقد ذكرنا في كتاب المأذون أنه يصير مأذونا، وإن لم ~~يعلم به العبد، وذكر في الزيادات فيمن قال: لأهل السوق بايعوا ابني فلانا ~~فبايعوه والصبي لا يعلم # PageV07P193 # بالإذن أنه لا يصير مأذونا ما لم يعلم بإذن الأب منهم من أثبت اختلاف ~~الروايتين في جواز الإذن القائم من غير علم العبد ومنهم من لم يثبت ~~الاختلاف وفرق بين العبد والصبي فجعل العلم شرطا في الصبي دون العبد. # (ووجه) الفرق أن انحجار العبد لحق مولاه، فإذا أذن انفك بمبايعته فقد ~~أسقط حق نفسه فانفك الحجر فصار مأذونا بخلاف الصبي؛ لأن انحجاره عن التصرف ~~لحق نفسه لا لحق أبيه ألا ترى أن العهدة تلزمه دون أبيه، فشرط علمه بالإذن ~~الذي هو إزالة الحجر ليكون لزوم العهدة في التجارة مضافا إليه، ويحتمل أن ~~يفرق بينهما ms4403 من وجه آخر وهو أن الإذن على سبيل الاستفاضة سبب لحصول العلم ~~لهما جميعا إلا أن السبب لا يقام مقام المسبب إلا لضرورة، والضرورة في حق ~~العبد دون الصبي؛ لأن الناس يحتاجون إلى مبايعة العبد المأذون؛ لأن الإذن ~~للعبد بالتجارة من عادات التجار وإذا وجد الإذن على الاستفاضة وأنه سبب ~~لحصول العلم غالبا فالناس يعاملونه بناء على هذه الدلالة ثم يظهر أنه ليس ~~بمأذون؛ لانعدام العلم حقيقة فتتعلق ديونهم بذمة المفلس وتتأخر إلى ما بعد ~~العتق فيؤدي إلى الضرر بهم بخلاف الصبيان؛ لأن إذن الصبي بالتجارة ليس من ~~عادة التجار، والناس أيضا لا يعاملون الصبيان عادة، ولو توقف الإذن على ~~حقيقة العلم لا يلحقهم الضرر إلا على سبيل الندرة، والنادر ملحق بالعدم، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في بيان ما يظهر به الإذن بالتجارة] # (فصل) : # وأما بيان ما يظهر به الإذن بالتجارة فنقول ما يظهر به الإذن بالتجارة ~~نوعان: أحدهما من جهة المولى والثاني من جهة العبد، أما الذي من جهة المولى ~~فهو تشهيره الإذن وإشاعته بأن ينادي أهل السوق: إني قد أذنت لعبدي فلانا ~~بالتجارة فبايعوه، وهو المسمى بالإذن العام. # وأما الذي من جهة العبد فهو إخباره عن كونه مأذونا بالتجارة بأن لم يكن ~~الإذن من المولى عاما أو قدم مصرا لم يشتهر فيه إذن المولى فقال: إن مولاي ~~أذن لي في التجارة، والإذن بالتجارة يظهر بكل واحد من النوعين. # أما الأول فلا شك فيه لحصول العلم للسامعين بحس السمع من الإذن ولغير ~~السامعين بالنقل بطريق التواتر. # وأما الثاني فلأن خبر الواحد مقبول في المعاملات، ولا يشترط فيه العدد ~~ولا العدالة ألا ترى أنه لو جاء عبد أو أمة إلى إنسان فقال: هذه هدية بعثني ~~بها مولاي إليك جاز له القبول كذا هذا وهذا؛ لأن هذه المعاملات في العادات ~~يتعاطاها العبيد والخدم، والفسق فيهم غالب فلو لم يقبل خبرهم فيها لوقع ~~الناس في الحرج، وإذا قبل خبره ظهر الإذن فيسع الناس أن يعاملوه غير أنهم ~~إن بنوا معاملاتهم على ms4404 الإذن العام فعاملوه، فلحقه دين يباع فيه كسبه ~~ورقبته بدين التجارة، وإن عاملوه بناء على إخباره فلحقه دين يباع كسبه ~~بالدين ولا تباع رقبته ما لم يحضر المولى فيقر بإذنه، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم بالصواب. ### | [فصل في بيان ما يملكه المأذون من التصرف وما لا يملكه] # (فصل) : # وأما بيان ما يملكه المأذون من التصرف، وما لا يملكه فنقول - وبالله ~~تعالى التوفيق - كل ما كان من باب التجارة أو توابعها أو ضروراتها يملكه ~~المأذون وما لا فلا؛ لأن كل ذلك داخل في الإذن بالتجارة فيملك الشراء ~~والبيع بالنقد والنسيئة والعروض؛ لأن كل ذلك من التجارة ومن عادة التجار، ~~وكذلك يملك البيع والشراء بغبن يسير بالإجماع؛ لأنه من التجارة ولا يمكن ~~التحرز عنه حتى ملكه الأب والوصي، وكذا بالغبن الفاحش عند أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه -، وعندهما لا يملك. # (وجه) قولهما أن البيع بغبن فاحش في معنى التبرع ألا يرى أنه لو فعله ~~المريض يعتبر من الثلث كما في سائر التبرعات والمأذون لا يملك التبرع. # (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن هذا بيع وشراء على الإطلاق؛ لوقوع ~~اسم الشراء والبيع عليه مطلقا فكان تجارة مطلقة فدخلت تحت الإذن بالتجارة ~~ثم فرق أبو حنيفة - رحمه الله - بين المأذون وبين الوكيل حيث سوى بين البيع ~~والشراء في المأذون وفرق بينهما في الوكيل حيث قال: إن المأذون يملك البيع ~~والشراء بالغبن الفاحش والوكيل لا يملك الشراء بالغبن الفاحش بالإجماع. # (ووجه) الفرق له أن امتناع جواز الشراء بالغبن الفاحش في باب الوكالة ~~لمكان التهمة لجواز أنه اشترى لنفسه فلما ظهر الغبن أظهر الشراء لموكله فلم ~~يجز للتهمة حتى أن الوكيل لو كان وكل بشراء شيء بعينه ينفذ على الموكل ~~لانعدام التهمة؛ لأنه لا يملك الشراء لنفسه ومعنى التهمة لا يتقدر في ~~المأذون؛ لأنه لا يملك الشراء لنفسه فاستوى فيه البيع والشراء. # وهل يملك المأذون أن # PageV07P194 # يبيع شيئا من مولاه، فإن لم يكن عليه دين لا يتصور البيع من المولى ~~لاستحالة بيع مال الإنسان منه، وإن ms4405 كان عليه دين، فإن باعه بمثل قيمته أو ~~أكثر جاز، وإن باعه بأقل من قيمته لم يجز عند أبي حنيفة أصلا، وعندهما لا ~~يجوز بقدر المحاباة، وكذلك لو باع المولى شيئا منه، فإن لم يكن عليه دين لم ~~يكن بيعا لما قلنا، وإن كان عليه دين، فإن باعه بمثل قيمته أو بأقل من ~~قيمته جاز، وإن باعه بأكثر من قيمته لم يجز البيع عند أبي حنيفة، وعندهما ~~يجوز وتبطل الزيادة، وعلى هذا إذا اشترى المولى دارا بجنب دار العبد إن لم ~~يكن على العبد دين فالشفعة له؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين فالدار التي في يد ~~العبد خالص ملك المولى فلو أخذها بالشفعة لأخذها هو فكيف يأخذ ملك نفسه ~~بالشفعة من نفسه وإن كان على العبد دين فله أن يأخذها بالشفعة، ولو اشترى ~~العبد دارا بجنب دار المولى، فإن لم يكن على العبد دين فلا حاجة للمولى إلى ~~الأخذ بالشفعة؛ لأنها خالص ملكه، وإن كان عليه دين فله أن يأخذها بالشفعة، ~~وكذلك الصبي المأذون في الشراء والبيع بالنقد والنسيئة والعروض والغبن ~~اليسير والبيع بالغبن الفاحش بمنزلة العبد المأذون على الاتفاق والاختلاف، ~~وهذا إذا باع من أجنبي أو اشترى منه، فإن باع من أبيه شيئا أو اشترى منه، ~~فإن باع بمثل القيمة أو أكثر واشترى بمثل القيمة أو أقل جاز، ولو كان فيه ~~غبن، فإن كان مما يتغابن الناس فيه جاز؛ لأن الاحتراز عنه غير ممكن، وإن ~~كان مما لا يتغابن الناس فيه لم يجز؛ لأنه يتصرف بولاية مستفادة من قبل ~~أبيه كأنه نائبه في التصرف فصار كما لو اشترى الأب شيئا من مال ابنه بنفسه ~~لنفسه أو اشترى شيئا من ماله بنفسه لابنه الصغير كان الجواب فيه هكذا كذا ~~هذا. # ولو باع من وصيه أو اشترى منه فإن لم يكن فيهما نفع ظاهر له لا يجوز ~~بالإجماع، وإن كان فيهما نفع ظاهر، فإن كان بأكثر من قيمته بما لا يتغابن ~~الناس في مثله فكذلك عند محمد - رحمه الله - وعندهما ms4406 يجوز وللمأذون أن يسلم ~~فيما يجوز فيه السلم ويقبل السلم فيه؛ لأن السلم من قبل المسلم إليه بيع ~~الدين بالعين ومن قبل رب السلم شراء الدين بالعين، وكل ذلك تجارة، وله أن ~~يوكل غيره بالبيع والشراء؛ لأن ذلك من عادات التجار، أو التاجر لا يمكنه أن ~~يتولى ذلك كله بنفسه فكان توكيله فيه من أعمال التجارة، وكذا له أن يتوكل ~~عن غيره بالبيع بالإجماع وتكون العهدة عليه، ولو توكل عن غيره بالشراء ينظر ~~إن وكله أن يشتري أشياء بالنقد جاز استحسانا دفع إليه الثمن أو لم يدفع ~~وتكون العهدة عليه، والقياس أن لا تجوز هذه الوكالة. # (ووجهه) أنها لو جازت للزمته العهدة وهي تسليم الثمن فيصير في معنى ~~الكفيل بالثمن، ولا تجوز كفالته فلا تجوز وكالته. # (وجه) الاستحسان أن التوكيل بالشراء بالنقد في معنى التوكيل بالبيع ألا ~~ترى أنه لا يجب عليه تسليم المبيع فكان هذا في معنى البيع لا في معنى ~~الكفالة، ولو توكل عن غيره بشراء شيء نسيئة فاشترى لم يجز حتى كان الشراء ~~للعبد دون الآخر؛ لأن الثمن إذا كان نسيئة لا يملك حبس المشتري لاستيفائه ~~بل يلزمه التسليم إلى الموكل فكانت وكالته في هذه الصورة التزام الثمن ~~فكانت كفالة معنى فلا يملكها المأذون، وله أن يستأجر إنسانا يعمل معه أو ~~مكانا يحفظ فيه أمواله أو دواب يحمل عليها أمتعته؛ لأن استئجار هذه الأشياء ~~من توابع التجارة وكذا له أن يؤاجر الدواب والرقيق ونفسه لما قلنا، ولأن ~~الإجارة من التجارة حتى كان الإذن بالإجارة إذنا بالتجارة، وله أن يرهن ~~ويرتهن ويعير ويودع ويقبل الوديعة؛ لأن ذلك كله من عادات التجار ويحتاج ~~إليه التاجر أيضا، وله أن يدفع المال مضاربة ويأخذ من غير مضاربة لما قلنا، ~~ولأن الأخذ والدفع من باب الإجارة والاستئجار، والمأذون يملك ذلك كله وله ~~أن يشارك غيره شركة عنان؛ لأنها من صنيع التجار ويحتاج إليه التاجر، وليس ~~له أن يشارك شركة مفاوضة؛ لأن المفاوضة تتضمن الكفالة له، ولا يملك الكفالة ~~فلا يملك المفاوضة فإذا ms4407 فاوض تنقلب شركة عنان؛ لأن هذا حكم فساد المفاوضة، ~~ولو اشترك عبدان مأذونان شركة عنان على أن يشتريا بالنقد والنسيئة جاز ما ~~اشتريا بالنقد، وما اشتريا بالنسيئة فهو له خاصة؛ لأن الشركة تتضمن ~~الوكالة. # وقد ذكرنا أنه يجوز أن يتوكل المأذون عن غيره بالشراء نقدا، ولا يجوز أن ~~يتوكل لغيره بالشراء نسيئة ويملك الإقرار بالدين؛ لأن هذا من ضرورات ~~التجارة إذ لو لم يملك لامتنع الناس عن مبايعته خوفا من تواء أموالهم ~~بالإنكار عند تعذر إقامة البينة فكان إقراره بالدين من ضرورات التجارة فيصح ~~ويملك الإقرار بالعين؛ لأن العادة قد جرت بشراء # PageV07P195 # كثير من الأشياء بظروفها فلو علم الناس أنه لا يصح إقراره بالعين ~~لامتنعوا عن تسليم الأعيان إليه فلا يلتئم أمر التجارة ولا يملك الإقرار ~~بالجناية؛ لأن الإقرار بالجناية ليس من ضرورات التجارة فلا يتناوله الإذن ~~بالتجارة فلا يصح منه ولا يطالب بها بعد العتاق أيضا؛ لأن موجب الجناية ~~يلزم المولى دون العبد فكان ذلك شهادة على المولى لا إقرارا على نفسه فلم ~~يصح أصلا إلا إذا صدقه المولى فيجوز عليه، ولا يجوز على الغرماء. # وهل يصح إقراره بافتضاض أمة بأصبعه غصبا قال أبو حنيفة ومحمد - رضي الله ~~عنهما - لا يصح وقال أبو يوسف - رحمه الله - يصح سواء كان عليه دين أو لا ~~ويضرب مولى الأمة مع الغرماء في ثمن العبد، وهذا الخلاف مبني على أن هذا ~~الإقرار بالجناية أم بالمال، فعندهما هذا إقرار بالجناية فلا يصح من غير ~~تصديق المولى، وعنده هذا إقرار بالمال فيصح من غير تصديقه، وعلى هذا إذا ~~أقر بمهر وجب عليه بنكاح جائز أو فاسد أو شبهة، فإن لم يصدقه المولى لم يصح ~~إقراره حتى لا يؤاخذ به للحال؛ لأن المهر يجب بالنكاح، وأنه ليس بتجارة ولا ~~هو في معنى التجارة فيستوي فيه إقرار المأذون والمحجور، وإن صدقه المولى ~~جاز ذلك عليه، ولم يجز على الغرماء؛ لأن تصديقه يعتبر في حق نفسه لا في ~~إبطال حق الغير فيباع في دين الغرماء، فإن فضل شيء ms4408 منه يصرف إلى دين المرأة ~~وإلا فيتأخر إلى ما بعد العتق، ويملك الإقرار بالحدود والقصاص؛ لأن المحجور ~~يملك فالمأذون أولى، وإذا أقر به فلا يشترط حضرة المولى للاستيفاء بلا ~~خلاف. # وهل يشترط حضور المولى عند قيام البينة عليها؟ فيه خلاف نذكره في موضعه ~~وهل يملك تأخير دين له وجب على إنسان، فإن وجب له وحده يملك بالإجماع؛ لأن ~~التأخير يحتاج إليه، وكذا هو من عادة التجار، وإن وجب له ولرجل آخر دين على ~~إنسان فأخر المأذون نصيب نفسه فالتأخير باطل عند أبي حنيفة - رحمه الله - ~~وعندهما جائز. # (وجه) قولهما أن التأخير منه تصرف في ملك نفسه فيصح كما لو كان كل الدين ~~له فأخره. # (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن التأخير لو صح لا يخلو إما أن يصح ~~في نصيب شريكه، وإما أن يصح في نصيب نفسه لا سبيل إلى الأول لانعدام الملك ~~والولاية، وتصرف الإنسان لا يصح في غير ملك ولا ولاية ولا سبيل إلى الثاني؛ ~~لأنه قسمة الدين قبل القبض ألا ترى أن شريكه لو قبض شيئا من نصيبه قبل حلول ~~الأجل يختص بالمقبوض ولا يشاركه فيه، ومعنى القسمة هو الاختصاص بالمقسوم، ~~وقد وجد فثبت أن هذا قسمة الدين قبل القبض وإنها غير جائزة؛ لأن الدين اسم ~~لفعل واجب وهو فعل تسليم المال، والمال حكمي في الذمة، وكل ذلك عدم حقيقة ~~إلا أنه أعطي له حكم الوجود لحاجة الناس؛ لأن كل أحد لا يملك ما يدفع به ~~حاجته من الأعيان القائمة فيحتاج إلى الاستقراض والشراء بثمن دين فأعطي له ~~حكم الوجود لهذه الحاجة، ولا حاجة إلى قسمته فبقي في حق القسمة على أصل ~~العدم، والعدم لا يحتمل القسمة وإذا لم يصح التأخير عند أبي حنيفة - رحمه ~~الله - فلو أخذ شريكه من الدين كان المأخوذ بينهما على الشركة كما قبل ~~التأخير، وعندهما كان المأخوذ له خاصة ولا يشاركه حتى يحل الأجل؛ لأنه ~~بالتأخير أسقط حق نفسه والمطالبة، فإذا حل الأجل فهو بالخيار إن شاء شاركه ~~في المقبوض، وإن ms4409 شاء أخذ حقه من الغريم؛ لأن الدين حل بحلول الأجل، ولو كان ~~الدين في الأصل منهما جميعا مؤجلا فأخذ أحدهما شيئا قبل حل الأجل شاركه فيه ~~صاحبه؛ لأنه لما أخذ شيئا قبل حل الأجل فقد سقط الأجل عن قدر المقبوض وصار ~~حالا فصار المقبوض من النصيبين جميعا فيشاركه فيه صاحبه كما في الدين الحال ~~ولو كان الدين كله بينهما مؤجلا إلى سنة فأخره العبد سنة أخرى لم يجز ~~التأخير عند أبي حنيفة. # وعندهما يجوز حتى لو أخذ شريكه من الغريم شيئا في السنة الأولى شاركه فيه ~~عنده، وعندهما لا يشاركه حتى يحل دينه فإذا حل فله الخيار على ما ذكرنا، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم ولا يملك الإبراء عن الدين بالإجماع؛ لأنه ليس من ~~التجارة بل هو تبرع فلا يملكه المأذون وهل يملك الحط، فإن كان الحط من غير ~~عيب لا يملكه أيضا لما قلنا، وإن كان الحط من عيب بأن باع شيئا ثم حط من ~~ثمنه ينظر إن حط بالمعروف بأن حط مثل ما يحطه التجار عادة جاز؛ لأن مثل هذا ~~الحط من توابع التجارة، وإن لم يكن بالمعروف بأن كان فاحشا جاز عند أبي ~~حنيفة، وعندهما لا يجوز، وقد ذكرنا أصل المسألة فيما قبل، وهل يملك الصلح ~~بأن وجب له على إنسان دين فصالحه على بعض # PageV07P196 # حقه؟ . # فإن كان له عليه بينة لا يملكه؛ لأنه حط بعض الدين، والحط من غير عيب ليس ~~من التجارة بل هو تبرع فلا يملكه المأذون، وإن لم يكن له عليه بينة جاز؛ ~~لأنه إذا لم يكن له عليه بينة فلا حق له إلا الخصومة والحلف، والمال خير من ~~ذلك فكان في هذا الصلح منفعة فيصح، وكذا الصلح على بعض الحق عند تعذر ~~استيفاء كله من عادات التجار فكان داخلا تحت الإذن بالتجارة، ويملك الإذن ~~بالتجارة بأن يشتري عبدا فيأذن له بالتجارة؛ لأن الإذن بالتجارة من عادات ~~التجار بخلاف الكتابة أنه لا يملكها المأذون؛ لأن الكتابة ليست من التجارة ~~بل هي إعتاق معلق بشرط ms4410 أداء بدل الكتابة فلا يملكها ويملك الاستقراض؛ لأنه ~~تجارة حقيقة وفيه منفعة وهو من عادات التجار وليس للمأذون أن يقرض؛ لأن ~~القرض تبرع للحال، ولهذا لم يلزم فيه الأجل. # ولا يكفل بمال ولا بنفس؛ لأن الكفالة تبرع إلا إذا أذن له المولى ~~بالكفالة، ولم يكن عليه دين بخلاف المكاتب أنه لا تجوز كفالته أصلا على ما ~~مر في كتاب الكفالة ولا يهب درهما تاما لا بغير عوض ولا بعوض، وكذا لا ~~يتصدق بدرهم ولا يكسو ثوبا؛ لأنه تبرع ويجوز تبرعه بالطعام اليسير إذا وهب ~~أو أطعم استحسانا، والقياس أن لا يجوز؛ لأنه تبرع، وإن قل إلا أنا استحسنا ~~الجواز لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان يجيب دعوة ~~المملوك» ، ولأن هذا من ضرورات التجارة عادة فكان الإذن فيه ثابتا بطريق ~~الدلالة فيملكه ولهذا ملكت المرأة التصدق بشيء يسير كالرغيف ونحوه من مال ~~زوجها لكونها مأذونة في ذلك دلالة كذا هذا، ولا يتزوج من غير إذن مولاه؛ ~~لأن التزوج ليس من باب التجارة وفيه ضرر بالمولى ولا يتسرى جارية من ~~إكسابه؛ لأنه لا ملك للعبد حقيقة، وحل الوطء بدون أحد الملكين منفي شرعا. # وسواء أذن له المولى بالتسري أو لم يأذن له لما ذكرنا أن العبد لا يملك ~~شيئا؛ لأنه مملوك فيستحيل أن يكون مالكا وبالإذن لا يخرج عن كونه مملوكا ~~فلا تندفع الاستحالة ولا يزوج عبده بالإجماع؛ لأن التزويج ليس من التجارة ~~وفيه أيضا ضرر بالمولى وهل له أن يزوج أمته قال أبو حنيفة: ومحمد لا يزوج، ~~وقال أبو يوسف: يزوج. # (وجه) قوله أن هذا تصرف نافع في حق المولى؛ لأنه مقابلة ما ليس بمال فكان ~~أنفع من البيع؛ لأنه يملك البيع فالنكاح أولى وجه قولهما أن الداخل تحت ~~الإذن هو التجارة، وإنكاح الأمة وإن كان نافعا في حق المولى فليس بتجارة إذ ~~التجارة مبادلة مال بمال، ولم توجد فلا يملكه ولا يعتق، وإن كان على مال؛ ~~لأنه ليس بتجارة بل هو تبرع للحال ألا ترى أنه ms4411 يعتق بنفس القبول فأشبه ~~القرض ولا يملك القرض فلا يملك الإعتاق على مال، وإن أعتق على مال، فإن لم ~~يكن عليه دين وقف على إجازة المولى بالإجماع، فإن أجاز جاز؛ لأنه إذا لم ~~يكن عليه دين يملك المولى إنشاء العتق فيه فيملك الإجازة بالطريق الأولى، ~~وولاية قبض العوض للمولى لا للعبد لما نذكر، وإن لحقه دين بعد ذلك لم يكن ~~للغرماء حق في هذا المال؛ لأنه كسب الحر، وإن كان عليه دين لم يجز الإعتاق. # وإن أجاز المولى عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما يجوز ويضمن المولى ~~قيمة العبد للغرماء ولا سبيل للغرماء على العوض بخلاف ما إذا كان مكان ~~الإعتاق كتابة أن عندهما يتعلق حق الغرماء بالبدل، وههنا لا يتعلق؛ لأن هذا ~~كسب الحر وذاك كسب الرقيق وحق الغريم يتعلق بكسب الرقيق، ولا يتعلق بكسب ~~الحر ولا يكاتب سواء كان عليه دين أو لم يكن؛ لأن الكتابة ليست بتجارة فلا ~~يملكها المأذون، ولأنها إعتاق معلق بالشرط وهو لا يملك الإعتاق، فإن كاتب، ~~فإن لم يكن عليه دين وقف على إجازة المولى؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين فكسبه ~~خالص ملك المولى لا حق لأحد فيه فيملك الإجازة ألا ترى أنه يملك الإنشاء، ~~فالإجازة أولى. # فإن أجاز نفذ وصار مكاتبا للمولى، وولاية قبض بدل الكتابة للمولى لا ~~للعبد؛ لأن الإجازة اللاحقة بمنزلة الوكالة السابقة فكان العبد بمنزلة وكيل ~~المولى في الكتابة، وحقوق الكتابة ترجع إلى المولى لا إلى الوكيل لذلك لم ~~يملك المأذون قبض بدل الكتابة وملكه المولى، ولو لحق العبد بعد ذلك دين ~~فليس للغرماء فيما على المكاتب حق؛ لأنه لما صار مكاتبا للمولى فقد صار ~~كسبا منتزعا من يد المأذون فلا يكون للغرماء عليه سبيل. # وإن كان المكاتب قد أدى جميع بدل الكتابة إلى المأذون قبل إجازة المولى ~~لم يعتق؛ لأن الكتابة لم تنفذ لانعدام شرط النفاذ وهو الإجازة، وإن كان ~~عليه دين محيط برقبته وبما في يده لا تصح إجازة المولى عند أبي حنيفة - ~~رحمه الله - حتى ms4412 لا يعتق إذا أدى البدل # PageV07P197 # لأن كسب العبد المأذون الذي عليه دين محيط لا يكون ملكا للمولى عنده ~~ولهذا لا يملك إنشاء الكتابة فلا يملك الإجازة، وعندهما تصح إجازته كما يصح ~~إنشاء الكتابة منه ويعتق إذا أدى ويضمن المولى قيمته للغرماء لتعلق حقهم به ~~فصار متلفا عليهم حقهم، وما قبض المأذون من بدل الكتابة قبل الإجازة يستوفى ~~منه الدين عندهما لتعلق حق الغرماء به قبل الإجازة بخلاف الإعتاق على مال، ~~وقد ذكرنا وجه الفرق لهما فكانت الإجازة في المعنى إنشاء الكتابة، ولو أنشأ ~~ضمن القيمة عندهما كذا هذا، وإن لم يكن الدين محيطا برقبته وبما في يده ~~جازت إجازته بالإجماع ويضمن قيمته للغرماء لإتلاف حقهم، والله الموفق ~~للصواب. ### | [فصل في بيان ما يملكه المولى من التصرف في المأذون وما لا يملك] # (فصل) : # وأما بيان ما يملكه المولى من التصرف في المأذون وكسبه، وما لا يملك ~~وبيان حكم تصرفه # فنقول - وبالله التوفيق - إن المولى يملك إعتاق عبده المأذون سواء لم يكن ~~عليه دين أو كان عليه دين؛ لأن صحة الإعتاق تقف على ملك الرقبة، وقد وجد ~~إلا أنه إذا لم يكن على العبد دين لا شيء على المولى، وإن كان عليه دين ~~فالغرماء بالخيار إن شاءوا اتبعوا المولى بالأقل من قيمته ومن الدين؛ لأنه ~~تصرف في ملك نفسه وأتلف حق الغير لتعلق الغرماء بالرقبة فيراعى جانب ~~الحقيقة بتنفيذ الإعتاق، ويراعى جانب الحق بإيجاب الضمان مراعاة للجانبين ~~عملا بالدليلين فينظر إن كانت قيمة العبد مثل الدين غرم ذلك وإن كانت أكثر ~~منه غرم قيمة الدين، وإن كانت أقل منه غرم ذلك القدر؛ لأنه ما أتلف عليهم ~~بالإعتاق إلا القدر المتعلق برقبة العبد فيؤاخذ المولى بذلك ويتبع الغرماء ~~العبد بالباقي، وإن شاءوا اتبعوا العبد بكل الدين فيستسعوه فيه؛ لأن كل ~~الدين كان واجبا عليه لمباشرة سبب الوجوب منه حقيقة وهو المعاملة إلا أن ~~رقبته تعينت لاستيفاء قدر ما يحتمله من الدين منها بتعيين المولى أو شرعا ~~على ما نذكر في موضعه - إن شاء ms4413 الله تعالى - فبقيت الزيادة على ذلك في ذمة ~~العبد، وقد عتق فيطالب به، وأيهما اختاروا اتباعه لا يبرأ الآخر؛ لأن ~~اختيار التضمين في باب الغصب يتضمن المغصوب، والتمليك بعوض لا يحتمل الرجوع ~~عنه، فأما اختيار اتباع أحدهما ههنا لا يوجب ملك الدين منه، ولو لم يكن على ~~العبد دين ولكنه قتل عبدا آخر خطأ وعلم المولى به فأعتقه وهو عالم به يصير ~~مختارا للفداء يغرم المولى تمام قيمة العبد المقتول إن كان قليل القيمة، ~~وإن كان كثير القيمة بأن كانت قيمته عشرة آلاف أو أكثر غرم عشرة آلاف إلا ~~عشرة فرق بين الجناية والدين إذا أعتقه، وعليه دين وهو عالم به لا يلزمه ~~تمام الدين بل الأقل من قيمته ومن الدين علم بالدين أو لم يعلم. # وههنا يلزمه تمام القيمة إذا كان عالما بالجناية، ووجه أن الفرق موجب ~~جناية العبد على المولى وهو الدفع لكن جعل له سبيل الخروج عنه بالفداء ~~بجميع الأرش فإذا أعتقه مع العلم بالجناية فقد صار مختارا للفداء فيلزمه ~~الفداء بجميع قيمة العبد المقتول إلا أن تكون عشرة آلاف أو أكثر فينقص منه ~~عشرة إذ لا مزيد لدية العبد على هذا القدر، فأما موجب معاملة العبد وهو ~~الدين فعلى العبد حقا للغرماء إلا أن القيمة التي في مالية الرقبة فإنها ~~تعلق بها وبالإعتاق ما أبطل عليهم إلا ذلك القدر من حقهم فيضمنه، والزيادة ~~بقيت في ذمة العبد فيطالب به بعد العتق، وكذلك إن كان قتل حرا خطأ فأعتقه ~~المولى وهو عالم به غرم المولى دية الحر؛ لأن الإعتاق مع العلم بالجناية ~~دليل اختيار الفداء. # ودية الحر مقدرة بعشرة آلاف درهم فيغرمها المولى هذا إذا أعتقه المولى ~~وهو عالم بالجناية، فأما إذا لم يكن عالما بالجناية يغرم قيمة عبده لأولياء ~~الجناية؛ لأنه إذا لم يكن عالما بالجناية وقت الإعتاق لم يكن إعتاقه دليل ~~اختيار الفداء؛ لأن هذا النوع من الاختيار لا يتحقق بدون العلم ويلزمه قيمة ~~عبده؛ لأن الواجب الأصلي على المولى هو دفع العبد بالجناية ألا ms4414 ترى أنه لو ~~هلك العبد قبل اختيار الفداء لا شيء على المولى، وإنما ينتقل من العين إلى ~~الفداء باختيار الفداء، فإذا لم يكن الإعتاق قبل العلم دليل الاختيار بقي ~~الدفع واجبا وتعذر عليه دفع عينه فيلزمه دفع ماليته إذ هو دفع العين من حيث ~~الصورة. # ولو كان على العبد المأذون دين محيط برقبته وجنى جنايات تحيط بقيمته ~~فأعتقه المولى وهو لا يعلم بالجناية فإنه يغرم لأصحاب الدين قيمته كاملة ~~ويغرم لأصحاب الجناية قيمة أخرى إلا أن تكون قيمته عشرة آلاف أو أكثر فينقص ~~منها عشرة؛ لأن حق أصحاب الدين قد تعلق بمالية العين، وحق أصحاب الجناية قد ~~تعلق بالعين، والمولى بالإعتاق # PageV07P198 # أبطل الحقين جمعا فيضمنها ولو قتله أجنبي يضمن قيمة واحدة؛ لأن الضمان ~~الواجب بالقتل ضمان إتلاف النفس، والنفس واحدة فلا يتعدد ضمانها، فأما ~~الضمان الواجب بالإعتاق فضمان إبطال الحق فيتعدد ضمانه فهو الفرق، والله ~~تعالى الموفق فإن قيل لم لا يشارك أصحاب الدين أصحاب الجناية فالجواب ~~لاختلاف محل الحقين فالدفع يتعلق بالعين، والدين يتعلق بمالية العين وهما ~~محلان مختلفان فتعذرت المشاركة والله تعالى أعلم. # وكذلك يملك إعتاق المدبر وأم الولد المأذونين في التجارة لما قلنا ولو ~~أعتقهما وعليهما دين فلا ضمان على المولى من الدين ولا من قيمة المدبر وأم ~~الولد؛ لأن دين التجارة لم يتعلق برقبتهما فخروجهما عن احتمال الاستيفاء ~~منهما بالتدبير والاستيلاء فلم يوجد منه إتلاف حق الغرماء فلا يضمن، وهل ~~يملك إعتاق كسب عبده المأذون؟ لا خلاف في أنه إذا لم يكن على المأذون دين ~~أصلا يملك وينفذ إعتاقه ولا شيء عليه؛ لأن الإعتاق صادف محلا هو خالص ملكه ~~لا حق لأحد فيه فينفذ، ولا يضمن شيئا، وإن كان عليه دين، فإن كان كثيرا ~~يحيط برقبته وكسبه لا يملك ولا ينفذ إعتاقه عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - ~~إلا أن يسقط حق الغرماء بأن يقضي المولى دينهم أو تبرئه الغرماء من الدين ~~أو يشتريه المولى من الغرماء. # وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - يملك وينفذ إعتاقه ms4415 ويضمن قيمته إن ~~كان موسرا، وإن كان معسرا سعى العبد فيه ويرجع على المالك، والمسألة تعرف ~~بأن المولى يملك كسب عبده المأذون المديون دينا مستغرقا لرقبته وكسبه عنده ~~لا يملك، وعندهما يملك وجه قولهما أن رقبة المأذون وإن تعلق بها حق الغرماء ~~فهي ملك المولى ألا ترى أنه ملك إعتاقه، وملك الرقبة علة ملك الكسب فيملك ~~الكسب كما يملك الرقبة وجه قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن شرط ثبوت ~~الملك للمولى في كسب العبد فراغه عن حاجة العبد ولم يوجد فلا يثبت الملك له ~~فيه كما لا يثبت للوارث في التركة المستغرقة بالدين والدليل على أن الفراغ ~~شرط أن الملك للمولى في كسب العبد ثبت معدولا به عن الأصل أنه لم يحصل ~~بكسبه حقيقة، وقال الله تبارك وتعالى {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: ~~39] . # وهذا ليس من سعيه حقيقة فلا يكون له بظاهر النص إلا أن الكسب الفارغ عن ~~حاجة العبد خص عن عموم النص وجعل ملكا للمولى فبقي الكسب المشغول بحاجته ~~على ظاهر النص هذا إذا كان الدين محيطا بالرقبة والكسب، فإن لم يكن محيطا ~~بهما فلا شك أنه لا يمنع الملك عندهما؛ لأن المحيط عندهما لا يمنع فغير ~~المحيط أولى. # (وأما) أبو حنيفة - رضي الله عنه - فقد كان يقول أولا يمنع حتى لا يصح ~~إعتاقه شيئا من كسبه، ثم رجع وقال: لا يمنع وجه قوله الأول ما ذكرنا أن ~~الفراغ شرط ثبوت الملك له، فالشغل وإن قل يكون مانعا وجه قوله الآخر أن ~~المانع من ملك المولى كون الكسب مشغولا لحاجة العبد وبعضه مشغول وبعضه ~~فارغ. # (فإما) أن يعتبر جانب الشغل في المنع من ثبوت الملك له في كله. # (وإما) أن يعتبر جانب الفراغ في إيجاب الملك له في كله، واعتبار جانب ~~الفراغ أولى؛ لأنا إذا اعتبرنا جانب الفراغ فقد راعينا حق الملك بإثبات ~~الملك له وحق الغرماء بإثبات الحق لهم فإذا اعتبرنا جانب الشغل فقد راعينا ~~جانب الغرماء وأبطلنا حق المالك أصلا فقضينا حق المالك ms4416 بتنفيذ إعتاقه، ~~وقضينا حق الغرماء بالضمان صيانة للحقين عن الإبطال عملا بالدليلين بقدر ~~الإمكان، ولهذا أثبت الملك للوارث في كل التركة إذا لم يكن الدين محيطا بها ~~كذا هذا، ولو أعتقه ثم قضى المولى دين الغرماء من خالص ملكه أو أبرأه ~~الغرماء نفذ إعتاقه عند عامة أصحابنا - رحمهم الله تعالى - وقال الحسن بن ~~زياد - رحمه الله - لا ينفذ وجه قول الحسن أن الإعتاق صادف كسبا مشغولا ~~بحاجة العبد؛ لأن الملك ثبت مقصورا على حال القضاء والإبراء فيمنع النفاذ ~~كما إذا أعتق عبد مكاتبه ثم عجز المكاتب أنه لا ينفذ إعتاقه كذا هذا. # (ولنا) أن النفاذ كان موقوفا على سقوط حق الغرماء، وقد سقط حقهم بالقضاء ~~والإبراء فظهر النفاذ من حين وجوده من كل وجه بخلاف ما إذا أعتق عبدا من ~~أكساب مكاتبه؛ لأن المكاتب أحق بأكسابه من المولى؛ لأنه فيما يرجع إلى ~~أكسابه كالحر وبالعجز لا يتبين أنه لم يكن أحق بكسبه فلم ينفذ إعتاق ~~المولى، وعلى هذا الخلاف لو أعتق الوارث عبدا من التركة المستغرقة بالدين، ~~ثم قضى الوارث الدين من مال نفسه أو أبرأ الغرماء الميت من الدين أنه ينفذ ~~إعتاقه خلافا للحسن، ولو وطئ المولى جارية العبد المأذون وعليه دين محيط ~~فجاءت بولد فادعاه ثبت نسبه منه وصارت # PageV07P199 # الجارية أم ولد له وغرم قيمة الجارية للغرماء، ولا يغرم لهم شيئا من ~~عقرها قليلا ولا كثيرا أما صحة الدعوة فلأن ملك المولى إن لم يظهر في الكسب ~~في الحال عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - فله فيه حق الملك فصحت دعوته. # (وأما) لزوم قيمة الجارية للغرماء فلأنه بالدعوة أبطل حقهم. # (وأما) عدم وجوب العقر فلأن المانع من ظهور ملكه في الكسب حق الغرماء، ~~وقد سقط حقهم بالضمان فيظهر الملك له فيه من حين اكتسبه العبد فتبين أنه ~~وطئ ملك نفسه فلا يلزمه العقر، ولو أعتق المولى جارية العبد المأذون، وعليه ~~دين محيط ثم وطئها فجاءت بولد فادعاه المولى صحت دعوته والولد حر، ويضمن ~~قيمة الجارية للغرماء لما قلنا؛ ms4417 لأن الإعتاق السابق منه لم يحكم بنفاذه ~~للحال فكان حق الملك ثابتا له إلا أن الجارية ههنا تصير حرة بالإعتاق ~~السابق، وعلى المولى العقر للجارية أما صيرورتها حرة بالإعتاق السابق فلأن ~~الإعتاق السابق كان نفاذه موقوفا على سقوط حق الغرماء، وقد سقط بدعوة ~~المولى فنفذ فصارت حرة بذلك الإعتاق. # (وأما) لزوم العقر للجارية فلأن الوطء صادف الحرة من وجه، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم بالصواب ويملك المولى بيع العبد المأذون إذا لم يكن عليه دين؛ ~~لأنه خالص ملكه، وإن كان عليه دين لا يملك بيعه إلا بإذن الغرماء أو بإذن ~~القاضي بالبيع للغرماء أو بقضاء الدين ولو أذن له بعض الغرماء بالبيع لا ~~يملك بيعه إلا بإجازة الباقين لما نذكره في بيان حق تعلق الدين ويملك أخذ ~~كسب العبد من يده إذا لم يكن عليه دين؛ لأنه فارغ عن حاجته فكان خالص ملكه، ~~ولو لحقه دين بعد ذلك فالمأخوذ سالم للمولى؛ لأن شرط خلوص الملك له فيه ~~كونه فارغا عند الأخذ، وقد وجد. # ولو كان الكسب في يد العبد ولا دين عليه فلم يأخذ المولى حتى لحقه دين ثم ~~أراد أن يأخذه لا يملك أخذه؛ لأنه لم يوجد الفراغ عند الأخذ فلم يوجد ~~الشرط، وإن كان عليه دين وفي يده كسب لا يملك أخذه؛ لأنه مشغول بحاجته ~~لتعلق حق الغرماء به، ولو أخذه المولى فللغرماء أن يأخذوه منه إن كان قائما ~~وقيمته إن كان هالكا؛ لتعلق حقهم بالمأخوذ فعليه رد عينه أو بدله، ولو لحقه ~~دين آخر بعدما أخذه المولى اشترك الغرماء الأولون والآخرون في المأخوذ ~~وأخذوا عينه أو قيمته؛ لأن زمان الإذن مع تعدده حقيقة في حكم زمان واحد ~~كزمان المرض فكان زمان تعلق الديون كلها واحدا لذلك اشتركوا فيه ولو كان ~~المولى يأخذ الغلة من العبد في كل شهر فلحقه دين محيط برقبته وكسبه فهل ~~يجوز له قبض الغلة مع قيام الدين؟ ينظر إن كان يأخذ عليه مثله جاز له ذلك ~~استحسانا. # والقياس أن لا يجوز؛ لأن حقهم يتعلق ms4418 بالغلة إلا أنا استحسنا الجواز نظرا ~~للغرماء؛ لأن الغلة لا تحصل إلا بالتجارة فلو منع المولى عن أخذ غلة المثل ~~لحجره عن التجارة فلا يتمكن من الكسب فيتضرر به الغرماء فكان إطلاق هذا ~~القدر وسيلة إلى غرضهم فكان تحصيلا للغلة من حيث المعنى، وليس له أن يأخذ ~~أكثر من غلة المثل، ولو أخذ رد الفضل على الغرماء؛ لأن امتناع ظهور حقهم في ~~غلة المثل للضرورة ولا ضرورة في الزيادة فيظهر حقهم فيها مع ما أن في إطلاق ~~ذلك إضرارا بالغرماء؛ لأن المولى يوظف عليه غلة تستغرق كسب الشهر فيتضرر به ~~الغرماء، وعلى هذا إذا كان على العبد دين وفي يده مال فاختلف العبد والمولى ~~فالقول قول العبد ويقضي منه الدين؛ لأن الكسب في يده والمأذون في إكسابه ~~التي في يده كالحر، ولو كان المال في يدهما فهو بينهما لاستوائهما في اليد. # وإن كان ثمة ثالث فهو بينهم أثلاثا لما قلنا، ولو لم يكن عليه دين فاختلف ~~العبد والمولى وأجنبي فهو بين المولى والأجنبي؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين ~~فلا عبرة ليده فكانت يده ملحقة بالعدم فبقيت يد المولى والأجنبي فكان الكسب ~~بينهما نصفين، وهذا إذا لم يكن العبد في منزل المولى، فإن كان في منزل ~~المولى وفي يده ثوب فاختلفا، فإن كان الثوب من تجارة العبد فهو له؛ لأنهما ~~استويا في ظاهر اليد وترجح يد العبد بالتجارة، وإن لم يكن من تجارته فهو ~~للمولى؛ لأن الظاهر شاهد للمولى، ولو كان العبد راكبا على دابة أو لابسا ~~ثوبا فهو للعبد سواء كان من تجارته أو لم يكن؛ لأنه ترجح يده بالتصرف فكانت ~~أولى من يد المولى، ولو تنازع المأذون وأجنبي فيما في يده من المال فالقول ~~قول العبد لما ذكرنا أنه فيما يرجع إلى السيد كالحر. # ، ولو آجر الحر أو المأذون نفسه من خياط يخيط معه أو من تاجر يعمل معه، ~~وفي يد الأجير ثوب واختلفا فقال المستأجر: هو لي، وقال الأجير: هو لي، فإن ~~كان الأجير في حانوت التاجر ms4419 والخياط فهو للتاجر والخياط # PageV07P200 # وإن لم يكن في منزله وكان في السكة فهو للأجير؛ لأن الأجير إذا كان في ~~دار الخياط، ودار الخياط في يد الخياط كان الأجير مع ما في يده في يد ~~الخياط ضرورة، وإذا كان في السكة لم يكن هو في يده فكذا ما في يده كما لو ~~كان مكان الأجير أجنبي، ولو آجر المولى عبده المحجور من رجل ومعه ثوب ~~فادعاه المولى والمستأجر فهو للمستأجر سواء كان العبد في منزل المستأجر أو ~~لم يكن بخلاف الأجير إذا لم يكن في منزل المستأجر أنه يكون للأجير دون ~~المستأجر، ووجه الفرق بأن يد العبد يد نيابة عن المولى، وقد صار مع ما في ~~يده بالإجارة في يد المستأجر فكان القول قول صاحب اليد، فأما يد الأجير فيد ~~أصالة إذ هو في حق اليد كالحر فلا يصير بنفس الإجارة في يد المستأجر، ولو ~~كان المحجور في منزل المولى فهو للمولى؛ لأنه إذا كان في منزل المولى كان ~~في يده لكون منزله في يده فتزول يد المستأجر، والله سبحانه وتعالى أعلم ~~بالصواب. ### | [فصل في بيان حكم الغرور في العبد المأذون] # (فصل) : # وأما بيان حكم الغرور في العبد المأذون فنقول - وبالله التوفيق - إذا جاء ~~رجل بعبد إلى السوق وقال: هذا عبدي أذنت له بالتجارة فبايعوه فبايعه أهل ~~السوق فلحقه دين ثم استحق أو تبين أنه كان حرا أو مدبرا أو أم ولد فهذا لا ~~يخلو من أحد وجهين: إما أن كان الرجل حرا وإما إن كان عبدا، فإن كان حرا ~~فعليه الأقل من قيمة العبد ومن الدين أما وجوب أصل الضمان عليه فلأنه غرهم ~~بقوله: هذا عبدي فبايعوه حيث أضاف العبد إلى نفسه وأمرهم بمبايعته فيلزمه ~~ضمان الغرور وهذا لأن أمره إياهم بالمبايعة إخبار منه عن كونه مأذونا في ~~التجارة، وإضافة العبد إلى نفسه إخبار عن كونه ملكا له، والإذن بالتجارة مع ~~عبد الإذن يوجب تعلق الدين برقبته فكان الإذن مع الإضافة دليلا على الكفالة ~~بما يتعلق برقبته التي هي مملوكة ms4420 له فيؤخذ بضمان الكفالة إذ ضمان الغرور في ~~الحقيقة ضمان الكفالة، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. # (وأما) وجوب الأقل من قيمة العبد ومن الدين فلأن الداخل تحت الكفالة هذا ~~القدر، وللغرماء أن يرجعوا على الذي ولي مبايعتهم إن كان حرا؛ لأنه الذي ~~باشر سبب الوجوب حقيقة، وإن كان مستحقا أو مدبرا أو مكاتبا أو أم ولد يرجع ~~عليهم بعد العتاق؛ لأن رقابهم لا تحتمل الاستيفاء قبل العتاق وسواء قال: ~~أذنت له بالتجارة أو لم يقل؛ لأن الأمر بالمبايعة يغني عن التصريح بالإذن، ~~وسواء أمر بتجارة عامة أو خاصة؛ لأن التخصيص لغو عندنا بخلاف ما إذا قال: ~~ما بايعت فلانا من البز فهو على أنه لا يصير كفيلا بغيره؛ لأن هناك التخصيص ~~صحيح لوقوع التصرف في كفالة مقصودة، والكفالة المقصودة محتملة للتخصيص، ~~فأما ههنا فالكفالة له ما ثبتت مقصودة، وإنما ثبتت مقتضى الأمر بالمبايعة، ~~والأمر لا يحتمل التخصيص فكذا الكفالة هذا إذا أضاف العبد نفسه وأمرهم ~~بمبايعته، فأما إذا وجد أحدهما دون الآخر لا ضمان عليه؛ لأن معنى الكفالة ~~لا يثبت بأحدهما دون الآخر فلا بد من وجودهما. # ولو كان هذا العبد الذي أضافه إلى نفسه وأمر الناس بمبايعته ملكا للآمر ~~فدبره المولى ثم لحقه دين بعد التدبير لم يضمن المولى شيئا؛ لأنه لم يغرهم ~~حيث لم يظهر الأمر بخلافه فلا يلزمه ضمان الغرور، وكذا لم يتلف عليهم حقهم ~~بالتدبير لانعدام الدين عنده، وكذا لو أعتقه المولى ثم بايعوه لما قلنا هذا ~~إذا كان الآمر حرا، فأما إذا كان عبدا، فإن كان محجورا فلا ضمان عليه حتى ~~يعتق؛ لأن هذا ضمان كفالة وكفالة العبد المحجور لا تنفذ للحال، وإن كان ~~مأذونا أو مكاتبا وكان المأذون حرا لا ضمان على الآمر في شيء، وكذا لو كان ~~الآمر صبيا مأذونا؛ لأن المأذون والمكاتب لا تنفذ كفالتهما للحال، ولكنها ~~تنعقد فيؤاخذن به بعد العتق والصبي لا تنعقد كفالته فلا يؤاخذ بالضمان، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ### | [فصل في بيان حكم الدين الذي يلحق المأذون] ms4421 # (فصل) : # وأما بيان حكم الدين الذي يلحق المأذون فنقول - وبالله التوفيق - حكمه ~~تعلقه بمحل يستوفى منه إذا ظهر فلا بد من بيان سبب تعلق الدين وبيان سبب ~~ظهور الدين وبيان حكم التعلق أما بيان سبب تعلق الدين فلتعلق الدين أسباب ~~منها: التجارة من البيع والشراء والإجارة والاستئجار والاستدانة، ومنها ما ~~هو في معنى التجارة كالغصب وجحود الأمانات من الودائع ونحوها؛ لأن الغصب ~~وجحود الأمانة سبب لوجوب الملك في المغصوب والمجحود فكان في معنى التجارة، ~~وكذا الاستهلاك مأذونا كان أو محجورا بأن عقر دابة أو خرق ثوبا خرقا فاحشا # PageV07P201 # لأنه سبب لثبوت الملك في العين قبل الهلاك فكان في معنى التجارة، وكذلك ~~عقر الجارية المستحقة بأن اشترى جارية فوطئها ثم استحقت؛ لأن الواجب، وإن ~~كان قيمة منافع البضع لكن منافع البضع لا تتقوم إلا بالعقد فتلحق بالواجب ~~بالعقد فكان في حكم ضمان التجارة، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، ~~ومنها: النكاح بإذن المولى؛ لأنه لم يشرع بدون المهر. ### | [فصل في بيان سبب ظهور الدين الذي يلحق المأذون] # (فصل) : # وأما بيان سبب ظهور الدين فسبب ظهوره شيئان: أحدهما إقراره بالدين وبكل ~~ما هو سبب لتعلق الدين بمحل يستوفى منه وهو ما ذكرنا؛ لأن إظهار ذلك ~~بالإقرار من ضرورات التجارة على ما بينا فيملكه المأذون، والثاني قيام ~~البينة على ذلك عند الإنكار؛ لأن البينة حجة مظهرة للحق ولا ينتظر حضور ~~المولى بل يقضى عليه ولو كان محجورا فقامت البينة عليه بالغصب لم يقض عليه ~~حتى يحضر المولى. # (ووجه) الفرق أن الشهادة في المأذون قامت عليه لا على المولى؛ لأن يد ~~التصرف له لا للمولى فيملك الخصومة فكانت الشهادة قائمة عليه لا على المولى ~~فلا معنى لشرط حضور المولى بخلاف المحجور؛ لأنه لا يد له فلا يملك الخصومة ~~فكانت الشهادة قائمة على المولى فشرط حضوره لئلا يكون قضاء على الغائب، ولو ~~ادعى على العبد المحجور وديعة مستهلكة أو بضاعة أو شيئا كان أصله أمانة لا ~~يقضى بها للحال عند أبي حنيفة ومحمد - عليهما الرحمة - وعند ms4422 أبي يوسف - ~~رحمه الله - يقضى بها للحال بناء على أن العبد لا يؤاخذ بضمان وديعة ~~مستهلكة للحال عندهما، وإنما يؤاخذ به بعد العتاق فيتوقف القضاء بالضمان ~~إليه، وعنده يؤاخذ به للحال فلا يتوقف، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وكذلك لو أقامت البينة على إقرار المأذون بذلك قضي عليه ولا يشترط حضور ~~المولى، ولو قامت البينة على إقرار المحجور بالغصب لم يقض عليه، وإن كان ~~المولى حاضرا؛ لأن المحجور لو أقر بذلك لما نفذ على مولاه للحال كذا إذا ~~قامت البينة على إقراره بخلاف المأذون، ولو قامت البينة على العبد المأذون ~~أو المحجور على سبب قصاص أو حد من القتل والقذف والزنا والشرب لم يقض بها ~~حتى يحضر المولى عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يقضى بها، وإن كان ~~غائبا وأجمعوا على أنه لو أقر بالحدود والقصاص فإنها تقام من غير حضرة ~~المولى. # (وجه) قول أبي يوسف أن العبد أجنبي عن المولى فيما يرجع إلى الحدود ~~والقصاص ألا ترى أنه يصح إقراره بهما من غير تصديق المولى ولا يصح إقرار ~~المولى من غير تصديقه فكانت هذه شهادة قائمة عليه لا على المولى فلا يشترط ~~حضوره؛ ولهذا لم يشترط حضرة المولى في الإقرار. # (وجه) قولهما أن العبد بجميع أجزائه مال المولى، وإقامة الحدود والقصاص ~~إتلاف ماله عليه فيصان حقه عن الإتلاف ما أمكن، وفي شرط الحضور صيانة حقه ~~عن الإتلاف بقدر الإمكان؛ لأنه لو كان حاضرا عسى يدعي شبهة مانعة من ~~الإقامة، وحق المسلم تجب صيانته عن البطلان ما أمكن ومثل هذه الشبهة مما لا ~~يعد في الإقرار بعد صحته لذلك افترقا، وكذلك إذا قامت البينة على عبد أنه ~~سرق عشرة دراهم وهو يجحد ذلك أنه لو كان المولى حاضرا يقطع ولا يضمن السرقة ~~مأذونا كان أو محجورا بلا خلاف؛ لأن القطع مع الضمان لا يجتمعان، وإن كان ~~غائبا فإذا كان العبد مأذونا يضمن السرقة ولا يقطع؛ لأن غيبة المولى لا ~~تمنع القضاء بالضمان في حق المأذون ومتى وجب الضمان امتنع القطع؛ ms4423 لأنهما لا ~~يجتمعان وعلى قياس أبي يوسف هذا والفصل الأول سواء يقطع ولا يضمن السرقة، ~~ولأن حضرة المولى عنده ليس بشرط للقضاء بالقطع والقطع يمنع الضمان، وإن كان ~~محجورا لا تسمع البينة على السرقة فلا يقضى عليه بقطع ولا ضمان عندهما. # (أما) القطع فلأن حضرة المولى شرط ولم يوجد (وأما) الضمان فلأن غيبة ~~المولى تمنع القضاء بالضمان في حق المحجور وعنده يقطع ولا يضمن لما قلنا، ~~ولو قامت البينة على سرقة ما دون النصاب، فإن كان مأذونا قبلت ولزمه الضمان ~~دون القطع سواء حضر المولى أو غاب؛ لأن سرقة ما دون النصاب لا توجب القطع ~~فبقي دعوى السرقة ودعوى الضمان على المأذون وحضرة المولى ليست بشرط للقضاء ~~بالضمان على المأذون، وإن كان محجورا لا تسمع بينته أصلا. # (أما) على القطع فظاهر. # وأما على المال فلأن حضور المولى شرط القضاء على # PageV07P202 # المحجور بالمال، ولو قامت البينة على إقرار المأذون أو المحجور بسبب ~~القصاص أو الحد لزمه القود وحد حد القذف حضر المولى أو غاب ولا يلزمه ما ~~سواهما من الحدود، وإن كان المولى حاضرا؛ لأن القصاص حق العبد، وكذا حد ~~القذف فيه حق العبد، وسائر الحدود حقوق الله سبحانه وتعالى خالصا فالبينة، ~~وإن أظهرت الإقرار فالإنكار منه رجوع عن الإقرار، والرجوع عن الإقرار يصح ~~في حقوق الله تبارك وتعالى لا في حقوق العباد فيجب القصاص وحد القذف ويسقط ~~ما سواهما غير أنه إذا قامت البينة على إقراره بالسرقة يلزمه الضمان إن كان ~~مأذونا سواء بلغ نصابا أو لم يبلغ حضر المولى أو غاب؛ لأن سقوط القطع ~~للرجوع، والرجوع في حق المال لم يصح فيجب الضمان سواء كان المولى حاضرا أو ~~غائبا؛ لأن القضاء بالمال على المأذون لا يقف على حضور المولى، ولو كان ~~محجورا لا قطع عليه ولا ضمان أما القطع فلمكان الرجوع. # وأما الضمان فلأن إقرار المحجور بالمال غير نافذ في الحال فلا تصح إقامة ~~البينة عليه، ولو قامت البينة على الصبي المأذون أو المعتوه المأذون على ~~قتل أو سبب ms4424 حد قبلت على القتل، وتجب الدية على العاقلة ولا تقبل على الحد ~~لتصور سبب وجوب الدية منه وهو القتل الخطأ؛ لأن عمد الصبي خطأ، وانعدام ~~تصور سبب وجوب الحد منه من الزنا وغيره غير أنه إذا قامت البينة عليه على ~~السرقة قبلت على المال وضمنه القاضي؛ لأن الصبي المأذون من أهل القضاء عليه ~~بالمال، ولو قامت البينة على إقراره بالقتل لم تقبل؛ لأن إقرار الصبي غير ~~صحيح فلا تقبل البينة عليه - والله سبحانه وتعالى - أعلم بالصواب. ### | [فصل في بيان محل تعلق الدين بالمأذون] # (فصل) : # وأما بيان محل التعلق فنقول - وبالله التوفيق - لا خلاف في أن الدين ~~يتعلق بكسب العبد؛ لأن المولى بالإذن بالتجارة عينه للاستيفاء أو تعين شرعا ~~نظرا للغرماء سواء كان كسب التجارة أو غيره من الهبة والصدقة والوصية ~~وغيرها، وهذا قول علمائنا الثلاثة - رضي الله عنهم - وقال زفر - رحمه الله ~~- لا يتعلق إلا بكسب التجارة وتكون الهبة وغيرها للمولى. # (وجه) قول زفر أن التعلق حكم الإذن، والإذن بالتجارة لا لغيرها، وهذه ~~ليست من كسب التجارة فلا يتعلق بها الدين. # (ولنا) أن شرط ثبوت الملك للمولى في كسب العبد أي كسب كان فراغه عن حاجة ~~العبد للفقه الذي ذكرنا من قبل ولم يوجد الفراغ فلا يثبت الملك له، وسواء ~~حصل الكسب بعد لحوق الدين أو كان حاصلا قبله إلا الولد والأرش فإن ما ولدت ~~المأذونة من غير مولاها بعد لحوق الدين يتعلق به، وما ولدته قبل ذلك لا ~~يتعلق الدين به ويكون للمولى، وكذلك الأرش بأن فقئت عينها فوجب الأرش على ~~الفاقئ. # (ووجه) الفرق أن التعلق بالولد بحكم السراية من الأم إليه؛ لأن الولد ~~يحدث على وصف الأم ومعنى السراية إنما يتحقق في الحادث بعد لحوق الدين لا ~~قبله؛ لأنه كان ولا دين على الأم فلما حدث حدث على ملك المولى، وكذلك الأرش ~~في حكم الولد لأن الولد جزء منفصل من الأصل والأرش بدل جزء منفصل من الأصل ~~وحكم البدل حكم الأصل # وأما تعلقه بغيرهما فليس بحكم السراية بل ms4425 الشغل بحاجة العبد فإذا لم ~~ينزعه المولى من يده حتى لحقه دين محيط فقد صار مشغولا بحاجته فلا يظهر ملك ~~المولى فيه فهو الفرق، والله سبحانه وتعالى أعلم، وههنا فرق آخر وهو أن ~~الولد المولود بعد لحوق الدين يدخل في الدين وولد الجناية لا يدخل في ~~الجناية؛ لأن دخوله في الدين بحكم السراية؛ لأن الدين يتعلق برقبة الأم ~~فسرى ذلك إلى الولد فحدث على وصف الأم، والجناية لا تحتمل التعلق بالرقبة ~~فلا تحتمل السراية فهو الفرق، ولو أذن له المولى دفع إليه مالا ليعمل به ~~فباع واشترى ولحقه دين لا يتعلق الدين بالمال المدفوع إليه؛ لأن الدين ~~يتعلق بكسب العبد، وذا ليس كسبه أصلا فلا يتعلق به. # وأما رقبة العبد فهل يتعلق الدين بها اختلف فيه قال علماؤنا الثلاثة - ~~رضي الله تعالى عنهم -: يتعلق وقال زفر والشافعي - رحمهما الله تعالى - لا ~~يتعلق. # (وجه) قولهما أن هذا إن كان دين العبد فالرقبة ملك المولى، ودين الإنسان ~~لا يقضى من مال مملوك لغيره إلا بإذنه ولم يوجد، وإن كان دين المولى فلا ~~يتعين له مال دون مال كسائر ديون المولى، وإنما يقضى من الكسب لوجود ~~التعيين فالإذن من المولى دلالة الإذن بالتجارة؛ لأنه قضاء دين التجارة من ~~كسب التجارة فكان مأذونا فيه دلالة، ومثل هذه الدلالة لم يوجد في الرقبة؛ ~~لأن رقبة العبد ليست من كسب التجارة. # (ولنا) أن نقول هذا دين العبد لكن ظهر وجوبه عند # PageV07P203 # المولى، ودين العبد إذا ظهر وجوبه عند المولى يقضى من رقبته التي هي مال ~~المولى كدين الاستهلاك أو نقول هذا دين المولى فيقضى من المال الذي عينه ~~المولى للقضاء منه كالرهن والمولى بالإذن عين الرقبة لقضاء الدين منها ~~فيتعين بتعيين المولى - والله سبحانه وتعالى أعلم - وإذا كانت الرقبة ~~والكسب كل واحد منهما محلا لتعلق الدين به فإذا اجتمع الكسب والرقبة يبدأ ~~بالاستيفاء من الكسب؛ لأن الكسب محل للتعلق قطعا، ومحلية الرقبة لتعلق محل ~~الاجتهاد فكانت البدلية بالكسب أولى فإذا قضي الدين منه، فإن فضل من ms4426 الكسب ~~شيء فهو للمولى؛ لأنه كسب فارغ عن حاجة العبد، وإن فضل الدين يستوفى من ~~الرقبة عندنا، فإن فضل على الثمن يتبع العبد به بعد العتاق على ما نذكره. ### | [فصل في بيان حكم تعلق الدين بالمأذون] # (فصل) : # وأما بيان حكم التعلق فنقول - وبالله تعالى التوفيق - إن لتعلق الدين ~~أحكاما منها ولاية طلب البيع للغرماء من القاضي؛ لأن معنى تعلق الدين منه ~~ليس إلا تعينه لاستيفاء الدين منه وهو في الحقيقة تعين ماليته للاستيفاء؛ ~~لأن استيفاء الدين من جنسه يكون، وذلك ماليته لا عينه وذلك بيعه وأخذ ثمنه ~~إلا أن يقضي المولى ديونهم فتخلص له الرقبة؛ لأن حقهم في المالية دون ~~العين، وقد قضى حقهم فبطل التعلق، ومنها أنه إذا بيع العبد كان ثمنه بين ~~الغرماء بالحصص؛ لأن الثمن بدل الرقبة فيكون لهم على قدر تعلق حقهم بالمبدل ~~وهو الرقبة، وكان ذلك بالحصص فكذا الثمن كثمن التركة إذا بيعت ثم إذا بيع ~~العبد، فإن فضل شيء من ثمنه فهو للمولى وإن فضل الدين لا يطالب المولى به؛ ~~لأنه لا دين على المولى ويتبع العبد به بعد العتاق؛ لأن الدين كان عليه إلا ~~أن القدر الذي تعلق برقبته صار مقضيا فبقي الفاضل عليه، وإنما يباع العبد ~~في الدين إذا كان حالا، فإن كان مؤجلا لا يباع إلى حل الأجل؛ لأن البيع ~~يتبع التعلق، والتعلق يتبع الوجوب، والوجوب على التضييق لا يثبت إلا بعد حل ~~الأجل فكذا التعلق، ولو كان بعضه حالا وبعضه مؤجلا فطلب أصحاب الحال البيع ~~باعه القاضي وأعطى أصحاب الحال قدر حصتهم وأمسك حصة أصحاب الأجل؛ لأن ~~التعليق على التضييق ثبت في حق أصحاب الحال لا في حق أصحاب الأجل، وكذلك لو ~~كان الغرماء بعضهم حضورا وبعضهم غيبا فطلب الحضور البيع من القاضي باعه ~~القاضي وأعطى الحضور حصتهم، ووقف حصة الغيب؛ لأن لكل واحد منهم على ~~الانفراد دينا متعلقا بالرقبة، وذا يوجب التحويج إلى البيع فغيبة البعض لا ~~تكون مانعة، وكذلك إذا كان بعض الديون ظاهرا، والبعض لا يظهر لكن ms4427 ظهر سبب ~~وجوبه بأن كان عليه دين فحفر بئرا على طريق المسلمين فطلب الغريم البيع ~~باعه القاضي في دينه وأعطاه دينه. # وإن كان لا يفضل الثمن عن دينه شيئا؛ لأن ظهور دينه أوجب التعلق برقبته ~~فلا يجوز ترك العمل بالظاهر بما لم يظهر ثم إذا وقعت فيها بهيمة فعطبت رجع ~~صاحب البهيمة على الغريم فيتضاربان، فيضرب صاحب البهيمة بقيمتها ويضرب ~~الغريم بدينه فيكون الثمن بينهما بالحصص؛ لأن الحكم مستند إلى وقت وجود ~~سببه فيتبين أنه كان شريكه في الرقبة في تعلق الدين فيتشاركان في بدلها ~~بالحصص ولو كان عليه دين فأقر قبل أن يباع لغائب يصدق في ذلك صدقه المولى ~~والغرماء أو كذبوه؛ لأن إقرار المأذون بالدين صحيح من غير تصديق المولى لما ~~بينا، وإذا بيع وقف القاضي من ثمنه حصة الغائب، ولو أقر بدين لغائب بعد ما ~~بيع في الدين لم يجز إقراره. # وإن صدقه المولى؛ لأنه إذا بيع فقد صار محجورا عليه، وإقرار المحجور ~~بالدين لا يصح، وإن صدقه المولى، فإن قدم الغائب وأقام بينة على الدين أتبع ~~الغرماء بحصته من الثمن؛ لأنه بإقامة البينة ظهر إن كان شريكهم في الرقبة ~~في تعلق الدين فشاركهم في بدلها ولا سبيل له على العبد ولا على المشتري؛ ~~لأن حقه في الدين، ومحل تعلقه الرقبة لا غير فلا سبيل له على غيرها، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم ومنها أنه لا يجوز للمولى بيع العبد الذي عليه دين إلا ~~بإذن الغرماء أو بقضاء الدين أو بإذن القاضي بالبيع للغرماء، ولو باع لا ~~ينفذ إلا إذا وصل إليهم الثمن وفيه وفاء بديونهم؛ لأن حق الغرماء متعلق ~~برقبته وفي البيع إبطال هذا الحق عليهم فلا ينفذ من غير رضاهم كبيع المرهون ~~إلا أن يصل ثمنه إليهم وفيه وفاء بديونهم فينفذ لما بينا أن حقهم في معنى ~~الرقبة لا في صورتها فصار كما لو قضى المولى الدين من خالص ماله، ودل إطلاق ~~هذه الرواية على أن الدين حال قيام الكسب يتعلق بالكسب والرقبة جميعا؛ لأنه ~~بقي ms4428 جواز بيع المولى مطلقا عن شرط عدم الكسب، ولو كان قيام الكسب مانعا من ~~التعلق بالرقبة # PageV07P204 # لجاز؛ لأن الرقبة إذ ذاك تكون خالص ملك المولى، وتصرف الإنسان في خالص ~~ملكه نافذ إلا أن يحمل على حال عدم الكسب حملا للمطلق على المقيد، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # ولو أذن له بعض الغرماء بالبيع لم يجز إلا أن يجيزه الباقون لتعلق حق كل ~~واحد بالرقبة فكان البيع تصرفا في حق الكل فلا ينفذ من غير إجازتهم ثم فرق ~~بين بيع المولى وبين بيع الوصي التركة في الدين من غير إذن الغرماء أنه ~~ينفذ هناك، وهنا لا ينفذ. # (ووجه) الفرق أن للغرماء حق استسعاء المأذون، وهذا الحق يبطل بالبيع فكان ~~امتناع النفاذ مفيدا، وليس للغرماء ولاية استسعاء التركة لما فيه من تأخير ~~قضاء دين الميت فكان عدم النفاذ للوصول إلى الثمن خاصة، وأنه يحصل ببيع ~~الوصي فلم يكن التوقف مفيدا فلا يتوقف هذا إذا كان الدين حالا، فإن كان ~~مؤجلا نفذ البيع في ظاهر الرواية؛ لأن المانع من النفاذ هو التعلق عن ~~التضييق ولم يوجد ثم إذا حل الأجل، فإن كانت ديونهم مثل الثمن أو أقل أخذوا ~~منه، وإن كانت ديونهم أكثر من الثمن ضمنوا المولى إلى تمام قيمة العبد وروي ~~عن محمد - رحمه الله - في النوادر أنه لا ينفذ بيع المولى لوجود أصل ~~التعليق هذا إذا كان العبد قائما في يد المشتري، فإن كان هالكا، فالغرماء ~~بالخيار إن شاءوا ضمنوا المولى. # وإن شاءوا ضمنوا المشتري قيمة العبد؛ لأن كل واحد منهما غاصب لحقهم فكان ~~لهم تضمين أيهما شاءوا، فإن اختاروا تضمين المولى نفذ بيعه؛ لأنه خلص ملكه ~~فيه عند البيع باختيار الضمان فكأنهم باعوه منه بثمن هو قدر قيمته واشتراه ~~منهم به حتى لو وجد المشتري به عيبا بعد هلاكه له أن يرجع بالنقصان على ~~المولى، وللمولى أن يرجع به على الغرماء، وإن اختاروا تضمين المشتري بطل ~~البيع؛ لأنه يمكن تمليكه منه بالضمان فبطل واسترد الثمن، ولو لم يهلك العبد ~~في يد ms4429 المشتري ولكن غاب المولى، فإن وجدوه ضمنوه القيمة، وإن لم يجدوه فلا ~~خصومة بينهم وبين المشتري عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وعند أبي ~~يوسف - رحمه الله - هذا وما إذا كان المولى حاضرا سواء، والله أعلم ~~بالصواب. # هذا الذي ذكرنا حكم تعلق الدين بالرقبة عند الانفراد، فأما حكم تعلقه عند ~~الاجتماع بأن اجتمع الدين والجناية فنقول - وبالله التوفيق - إذا اجتمع ~~الدين والجناية بأن قتل العبد المأذون رجلا خطأ - وعليه دين - لا يبطل ~~الدين بالجناية؛ لأن حكم الجناية في الأصل وجوب الدفع وله سبيل الخروج عنه ~~بالفداء أو التخيير بين الدفع والفداء وهذا لا ينافي الدين؛ لأنه يمكنه ~~دفعه متعلقا رقبته بالدين، وكذا لا ينافيه الفداء لا شك فيه، فإن اختار ~~الدفع فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن حضر أصحاب الدين والجناية معا ~~وإما إن حضر أصحاب الجناية وإما إن حضر أصحاب الدين، فإن حضر أصحاب الدين ~~والجناية جميعا يدفع العبد إلى أولياء الجناية ثم يبيعه القاضي للغرماء في ~~دينهم، فإنا إذا دفعناه بالجناية فقد راعينا حق أصحاب الجناية بالدفع إليهم ~~وراعينا حق الغرماء بالبيع بدينهم وإذا دفعناه إلى أصحاب الدين أبطلنا حق ~~أصحاب الجناية لتعذر الدفع بعد البيع إذ الثابت للمشتري ملك جديد خال عن ~~الجناية فكانت البداية بالجناية مراعاة الحقين من الجانبين فكان أولى ثم في ~~الدفع إلى أصحاب الجناية ثم البيع بالدين فائدة وهي الاستخلاص بالفداء؛ لأن ~~للناس في أعيان الأشياء رغائب ما ليس في إبدالها، وإذا دفعه المولى إلى ~~أصحاب الجناية فالقياس أن يضمن قيمته للغرماء؛ لأنه يصير ملكا لهم بالدفع ~~فكان الدفع منه تمليكا منهم بمنزلة البيع وفي الاستحسان لا يضمن؛ لأن الدفع ~~واجب عليه ومن أتى بفعل واجب عليه لا يضمن؛ لأن الضمان يمنعه عن إقامة ~~الواجب فيتناقض، ثم إذا دفعه إليهم فبيع للغرماء، فإن فضل عن دينهم شيء من ~~الثمن صرف إلى أصحاب الجناية؛ لأن العبد صار ملكا لهم بالدفع إليهم، وإنما ~~بيع على ملكهم إلا أن أصحاب الدين أولى بثمنه بقدر ms4430 دينهم فبقي الفاضل من ~~دينهم على ملك أصحاب الجناية كما إذا لم يكن هناك جناية فباعه القاضي ~~للغرماء وفضل من ثمنه شيء أن الفاضل يكون للمولى كذا هذا. # ولو دفعه المولى إلى أصحاب الدين بدينهم إن كان عالما بالجناية لزمه ~~الأرش؛ لأنه صار مختارا للفداء، وإن لم يكن عالما بها يلزمه قيمة العبد؛ ~~لأن الواجب الأصلي دفع عين العبد، وإنما الفداء للخروج عنه بطريق الرخصة ~~على ما بينا، والدفع من غير علم لا يصلح دليل اختيار الفداء فبقي دفع العين ~~واجبا، وقد تعدد دفع عينه بالدفع إلى أصحاب الدين فيجب دفع قيمته إذ هو دفع ~~العين معنى، وإن حضر أصحاب الجناية أولا فكذلك يدفع العبد إليهم ولا # PageV07P205 # ينتظر حضور الغرماء؛ لأنهم لو كانوا حضورا لكان الحكم هكذا فلا معنى ~~للانتظار، وإن حضر أصحاب الدين أولا، فإن كان القاضي عالما بالجناية لا ~~يبيعه في ديونهم؛ لأن في البيع إبطال حق أصحاب الجناية، وإن لم يكن عالما ~~بها فباعه بطل حق أصحاب الجناية حتى لو حضروا بعد ذلك لا ضمان على القاضي ~~ولا على المولى أما القاضي فلأنه لا عهدة تلزم القاضي فيما يفعله لكونه ~~أمينا. # وأما المولى فلأنه باعه بأمر القاضي فكان مضافا إلى القاضي، ولو كان باعه ~~بغير إذن القاضي، فإن باعه مع علمه بالجناية يلزمه الأرش؛ لأنه صار مختارا ~~للفداء، وإن لم يكن عالما بالجناية يلزمه الأقل من قيمة العبد ومن الأرش ~~لما بينا، والله تعالى أعلم. ### | [فصل في بيان ما يبطل به الإذن بعد وجوده ويصير محجورا] # (فصل) : # وأما بيان ما يبطل به الإذن بعد وجوده فنقول إن الإذن بالتجارة يبطل بضده ~~وهو الحجر فيحتاج إلى بيان ما يصير العبد به محجورا وذلك أنواع بعضها يرجع ~~إلى المولى وبعضها إلى العبد أما الذي يرجع إلى المولى فثلاثة أنواع: صريح ~~ودلالة وضرورة، والصريح نوعان: خاص وعام أما العام فهو الحجر باللسان على ~~سبيل الإشهار والإشاعة بأن يحجره في أهل سوقه بالنداء بالحجر، وهذا النوع ~~من الحجر يبطل به الإذن ms4431 الخاص والعام جميعا؛ لأن الإذن بالتجارة غير لازم ~~فكان محتملا للبطلان والشيء يبطل بمثله وبما هو فوقه. # وأما الخاص فهو أن يكون بين العبد وبين المولى ولا يكون على سبيل ~~الاستفاضة والاشتهار وهذا النوع لا يبطل به الإذن العام؛ لأن الشيء لا يبطل ~~بما هو دونه، ولأن الحجر إذا لم يشتهر فالناس يعاملونه بناء على الإذن ~~العام ثم يظهر الحجر فيلحقهم ضرر الغرور وهو إتلاف ديونهم في ذمة المفلس. # ومعنى التغرير لا يتحقق في الإذن العام؛ لأن الناس يمتنعون عن معاملته ~~فلا يلحقهم ضرر الغرور ويبطل به الإذن الخاص؛ لأن الحجر صحيح في حقهما حسب ~~صحة الإذن فجاز أن يبطل به؛ لأن الشيء يحتمل البطلان بمثله ومن شرط صحة ~~هذين النوعين علم العبد بهما، فإن لم يعلم لا يصير محجورا؛ لأن الحجر منع ~~من تصرف شرعي، وحكم المنع في الشرائع لا يلزم الممنوع إلا بعد العلم كما في ~~سائر الأحكام الشرعية، ولو أخبره بالحجر رجلان أو رجل وامرأتان عدلا كان أو ~~غير عدل صار محجورا بالإجماع، وكذلك إذا أخبره واحد عدل رجلا كان أو امرأة ~~حرا كان أو عبدا أو أخبره واحد غير عدل وصدقه؛ لأن خبر الواحد في المعاملات ~~مقبول من غير شرط العدد والعدالة والذكورة والحرية إذا صدقه فيه. # وأما إذا كذبه فلا يصير محجورا عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وإن ظهر صدق ~~المخبر، وعندهما يصير محجورا صدقه أو كذبه إذا ظهر صدق المخبر، ولو كان ~~المخبر رسولا يصير محجورا بالإجماع صدقه أو كذبه، ولو اشترى المأذون عبدا ~~فأذن له بالتجارة فحجر المولى على أحدهما، فإن حجر على الأسفل لم يصح سواء ~~كان على الأعلى دين أو لم يكن؛ لأنه مأذون من جهة الأعلى لا من جهة المولى، ~~وإن حجر على الأعلى ينظر إن لم يكن عليه دين لا يصير الأسفل محجورا عليه؛ ~~لأنه إذا لم يكن عليه دين فهما عبدان مملوكان للمولى فيصير كأنه أذن لهما ~~ثم حجر على أحدهما، ولو كان كذلك ينحجر أحدهما بحجر الآخر ms4432 كذا هذا، وإن كان ~~على الأعلى دين يصير محجورا عند أبي حنيفة، وعندهما لا يصير محجورا بناء ~~على أن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون عنده، وعندهما يملك. # (ووجه) البناء أنه لما لم يملك عبده، وقد استفاد الإذن من جهة الأعلى لا ~~من جهة المولى صار حجر الأعلى كموته، ولو مات لصار الثاني محجورا كذا هذا، ~~ولما ملك عندهما صار الجواب في هذا وفي الأول سواء، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم بالصواب وأما الدلالة فأنواع منها البيع وهو أن يبيعه المولى ولا دين ~~عليه؛ لأنه زال ملكه بالبيع وحدث للمشتري فيه ملك جديد فيزول إذن البائع ~~لزوال ملكه ولم يوجد الإذن من المشتري فيصير محجورا ومنها الاستيلاد بأن ~~كان المأذون جارية فاستولدها المولى استحسانا، والقياس أن لا يبطل به ~~الإذن؛ لأنها قادرة على التصرف بعد الاستيلاد. # (وجه) الاستحسان أن التجارة لا بد لها من الخروج إلى الأسواق، وأمهات ~~الأولاد ممنوعات عن الخروج في العادات فكان الاستيلاد حجرا دلالة. # وأما التدبير فلا يكون حجرا؛ لأنه لا ينفي الإذن إذ الإذن إطلاق والتدبير ~~لا ينافيه، ومنها لحوقه بدار الحرب مرتدا؛ لأن الردة مع اللحوق توجب زوال ~~الملك وذا يمنع بقاء الإذن فكان حجرا دلالة، فإن لم يلحق بدار الحرب فعلى ~~قياس قول # PageV07P206 # أبي حنيفة - رضي الله عنه - ينبغي أن يقف تصرف المأذون بعد الردة وعلى ~~قياس قولهما ينفذ، والله تعالى أعلم بالصواب وأما الضرورة فأنواع أيضا: ~~منها موته؛ لأن الموت مبطل للملك وبطلان الملك يوجب بطلان الإذن على ما ~~بينا ومنها جنونه جنونا مطبقا؛ لأن أهلية الإذن شرط بقاء الإذن؛ لأن الإذن ~~بالتجارة غير لازم فكان لبقائه حكم الابتداء ثم ابتداء الإذن لا يصح من غير ~~الأهل فلا يبقى أيضا والجنون المطبق مبطل للأهلية فصار محجورا. # فإن أفاق يعد مأذونا؛ لأن بطلان الإذن لبطلان الأهلية مع احتمال العود ~~فإذا أفاق عادت الأهلية فعاد مأذونا، وصار كالموكل إذا أفاق بعد جنونه أنه ~~تعود الوكالة كذا هذا. # وأما الإغماء فلا يوجب الحجر؛ لأنه لا ms4433 يبطل الأهلية لكونه على شرف الزوال ~~ساعة فساعة عادة، ولهذا لا يمنع وجوب سائر العبادات. # وأما الذي يرجع إلى العبد فأنواع أيضا: منها إباقه؛ لأنه بالإباق تنقطع ~~منافع تصرفه عن المولى فلا يرضى به المولى وهذا ينافي الإذن؛ لأن تصرف ~~المأذون برضا المولى، ومنها جنونه جنونا مطبقا؛ لأنه مبطل أهلية التجارة ~~على وجه لا يحتمل العود إلا على سبيل الندرة لزوال ما هو مبني عليه وهو ~~العقل فلم يكن في بقاء الإذن فائدة فيبطل، ولو أفاق بعد ذلك لا يعود مأذونا ~~بخلاف الموكل، والله سبحانه وتعالى أعلم وأما الجنون الذي هو غير مطبق فلا ~~يوجب الحجر؛ لأن غير المطبق منه ليس بمبطل للأهلية لكونه على شرف الزوال ~~فكان في حكم الإغماء ومنها ردته عند أبي حنيفة، وعندهما لا توجب الحجر بناء ~~على وقوف تصرفاته عنده ونفوذها عندهما، ومنها لحوقه بدار الحرب مرتدا؛ لأن ~~اللحوق بدار الحرب مرتدا بمنزلة الموت فكان مبطلا للأهلية فيصير محجورا لكن ~~عند أبي حنيفة - رحمه الله - من وقت الردة، وعندهما من وقت اللحوق والله ~~تعالى أعلم. ### | [فصل في حكم تصرف المحجور] # (فصل) : # وأما حكم الحجر فهو انحجار العبد في حق المولى عن كل تصرف كان يملكه بسبب ~~الإذن فلا يملك الإقرار بالدين إذا لم يكن في يده مال؛ لأن صحة إقرار ~~المأذون بالدين لكونه من ضرورات التجارة على ما بينا ولا يملك التجارة فلا ~~يملك الإقرار بما هو من ضروراتها في حق المولى لكن يتبع به بعد العتاق؛ لأن ~~إقراره صحيح في نفسه لصدوره من الأهل لكن لم يظهر للحال لحق المولى فإذا ~~عتق فقد زال المانع فيظهر، وإن كان في يده مال ينفذ إقراره فيما في يده عند ~~أبي حنيفة، وعندهما لا ينفذ؛ لأنه إقرار المحجور فكيف ينفذ، ولأبي حنيفة - ~~رضي الله عنه - أنه غير محجور فيما في يده ولم يصح الحجر في حق ما في يده؛ ~~لأنه لو صح لتبادر الموالي إلى حجر عبيدهم المأذونين في التجارة إذا علموا ~~أن عليهم دينا لتسلم لهم ms4434 أكسابهم التي في أيديهم. # وقد لا يكون للغرماء بينة على ذلك فيتضرر به الغرماء لتعلق ديونهم بذمة ~~العبد المفلس فكان إقراره فيما في يده من المال من ضرورات التجارة فأشبه ~~إقرار المأذون بخلاف ما إذا لم يكن في يده مال؛ لأن الحجر من المولى للوصول ~~إلى الكسب فإذا لم يكن في يده كسب فلا يحجر فهو الفرق بين الفصلين، ولو ظهر ~~عليه الدين بالبينة أو المعاينة وفي يده كسب فحجره المولى لا سبيل للمولى ~~على الكسب؛ لأن حق الغرماء متعلق به ويملك الإقرار على نفسه بالحدود ~~والقصاص صدقه المولى أو كذبه؛ لأنه لا ملك للمولى في نفسه في حق الحدود ~~والقصاص فاستوى فيه تصديقه وتكذيبه ولا يحتاج في إقامتها إلى حضور المولى ~~بالإجماع، وفيما إذا ثبت ذلك ببينة قام عليه اختلاف ذكرناه فيما قبل ~~والمحجور في الجناية عمدا أو خطأ والمأذون سواء، وموضع معرفة حكم جنايتهما ~~كتاب الديات وسنذكره فيه إن شاء الله تعالى. ### | [كتاب الإقرار] ### | [ركن الإقرار] # (كتاب الإقرار) # الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع: في بيان ركن الإقرار وفي بيان ~~الشرائط التي يصير الركن بها إقرارا شرعا وفي بيان ما يصدق المقر فيما ألحق ~~بإقراره من القرائن ما لا يكون رجوعا حقيقة وما لا يصدق فيه مما يكون رجوعا ~~عنه وفي بيان ما يبطل به الإقرار بعد وجوده. # أما ركن الإقرار فنوعان: صريح ودلالة، فالصريح نحو أن يقول: لفلان علي ~~ألف درهم؛ لأن كلمة علي كلمة إيجاب لغة وشرعا قال الله تبارك وتعالى {ولله ~~على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] وكذا إذا قال # PageV07P207 # لرجل لي عليك ألف درهم فقال الرجل نعم؛ لأن كلمة نعم خرجت جوابا لكلامه، ~~وجواب الكلام إعادة له لغة كأنه قال: لك علي ألف درهم وكذلك إذا قال: لفلان ~~في ذمتي ألف درهم؛ لأن ما في الذمة هو الدين فيكون إقرارا بالدين ولو قال: ~~لفلان قبلي ألف درهم، ذكر القدوري - رحمه الله - أنه إقرار بأمانة في يده ~~وذكر الكرخي - رحمه ms4435 الله - أنه يكون إقرارا بالدين وجه ما ذكره الكرخي أن ~~القبالة هي الكفالة قال الله - سبحانه وتعالى عز من قائل {والملائكة قبيلا} ~~[الإسراء: 92] أي كفيلا والكفالة هي الضمان قال الله تبارك وتعالى: {وكفلها ~~زكريا} [آل عمران: 37] على قراءة التخفيف أي ضمن القيام بأمرها وجه ما ذكره ~~القدوري - رحمه الله - أن القبالة تستعمل بمعنى الضمان وتستعمل بمعنى ~~الأمانة فإن محمدا - رحمه الله - ذكر في الأصل أن من قال: لا حق لي على ~~فلان يبرأ عن الدين، ومن قال: لا حق لي عند فلان أو معه يبرأ عن الأمانة. # ولو قال: لا حق لي قبله يبرأ عن الدين والأمانة جميعا فكانت القبالة ~~محتملة للضمان والأمانة، والضمان لم يعرف وجوبه فلا يجب بالاحتمال ولو قال ~~له: في دراهمي هذه ألف درهم يكون إقرارا بالشركة ولو قال له: في مالي ألف ~~درهم، ذكر في الأصل أن هذا إقرار له ولم يذكر أنه مضمون أو أمانة واختلف ~~المشايخ فيه قال الجصاص - رحمه الله - إنه يكون إقرارا بالشركة له كما في ~~الفصل الأول؛ لأنه جعل ماله ظرفا للمقر به وهو الألف فيقتضي الخلط وهو معنى ~~الشركة. # وقال بعضهم: إن كان ماله محصورا يكون إقرارا بالشركة، وإن لم يكن محصورا ~~يكون إقرارا بالدين فظاهر إطلاق الكتاب يدل على الإقرار بالدين كيفما كان؛ ~~لأن كلمة الظرف في مثل هذا تستعمل في الوجوب؛ قال النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - «في الرقة ربع العشر وفي خمس من الإبل السائمة شاة وفي الركاز ~~الخمس» ولو قال: له في مالي ألف درهم لا يكون إقرارا بل يكون هبة لأنه ليس ~~فيه ما يدل على الوجوب في الذمة؛ لأن اللام المضاف إلى أهل الملك للتمليك، ~~والتمليك بغير عوض هبة وإذا كان هبة فلا يملكها إلا بالقبول والتسليم. # ولو قال: له في مالي ألف درهم لا حق له فيها فهو إقرار بالدين لأن الألف ~~التي لا حق له فيها لا تكون دينا، إذ لو كانت هبة لكان له فيها حق ولو قال: ~~له عندي ألف ms4436 درهم فهو وديعة؛ لأن عندي لا تدل على الوجوب في الذمة بل هي ~~كلمة حضرة وقرب ولا اختصاص لهذا المعنى بالوجوب في الذمة فلا يثبت الوجوب ~~إلا بدليل زائد وكذلك لو قال: لفلان معي أو في منزلي أو في بيتي أو صندوقي ~~ألف درهم فذلك كله وديعة؛ لأن هذه الألفاظ لا تدل إلا على قيام اليد على ~~المذكور، وذا لا يقتضي الوجوب في الذمة لا محالة فلم يكن إقرارا بالدين ~~فكانت وديعة؛ لأنها في متعارف الناس تستعمل في الودائع فعند الإطلاق تصرف ~~إليها ولو قال: له عندي ألف درهم عارية، فهو قرض؛ لأن عندي تستعمل في ~~الأمانات وقد فسر بالعارية، وعارية الدراهم والدنانير تكون قرضا إذ لا يمكن ~~الانتفاع بها إلا باستهلاكها، وإعارة ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه ~~يكون قرضا في المتعارف، وكذلك هذا في كل ما يكال أو يوزن لتعذر الانتفاع ~~بها بدون الاستهلاك، فكان الإقرار بإعارتها إقرارا بالقرض، والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # (وأما) الدلالة فهي أن يقول له رجل: لي عليك ألف، فيقول: قد قضيتها؛ لأن ~~القضاء اسم لتسليم مثل الواجب في الذمة فيقتضي سابقية الوجوب فكان الإقرار ~~بالقضاء إقرارا بالوجوب ثم يدعي الخروج عنه بالقضاء فلا يصح إلا بالبينة ~~وكذلك إذا قال له رجل: لي عليك ألف درهم فقال: اتزنها لأنه أضاف الاتزان ~~إلى الألف المدعاة، والإنسان لا يأمر المدعي باتزان المدعى إلا بعد كونه ~~واجبا عليه، فكان الأمر بالاتزان إقرارا بالدين دلالة. # وكذلك إذا قال انتقدها لما قلنا ولو قال: أتزن أو أنتقد لم يكن إقرارا ~~لأنه لم توجد الإضافة إلى المدعى فيحتمل الأمر باتزان شيء آخر فلا يحمل على ~~الإقرار بالاحتمال وكذا إذا قال: أجلني بها؛ لأن التأجيل تأخير المطالبة مع ~~قيام أصل الدين في الذمة كالدين المؤجل، والله - تعالى - أعلم ولو قال له ~~رجل: لي عليك ألف درهم، فقال: حقا، يكون إقرارا؛ لأن معناه حققت فيما قلت ~~لأن انتصاب المصدر لا بد له من إظهار صدره وهو الفعل ويحتمل أن يكون معناه: ms4437 ~~قل حقا أو الزم حقا، ولكن الأول أظهر وكذلك إذا قال: الحق؛ لأنه تعريف ~~المصدر وهو قوله حقا وكذلك لو قال: صدقا، أو الصدق، أو يقينا، أو اليقين ~~لما قلنا ولو قال: برا، أو البر لا يكون إقرارا؛ لأن لفظة البر مشترك، تذكر ~~على إرادة الصدق وتذكر على إرادة التقوى وتذكر على إرادة الخير فلا يحمل ~~على الإقرار بالاحتمال وكذلك لو قال: صلاحا أو # PageV07P208 # الصلاح، لا يكون إقرارا لأن لفظة الصلاح لا تكون بمعنى التصديق والإقرار، ~~فإنه لو صرح وقال له: صلحت، لا يكون تصديقا فيحمل على الأمر بالصلاح ~~والاجتناب عن الكذب هذا إذا ذكر لفظة مفردة من هذه الألفاظ الخمسة فإن جمع ~~بين لفظتين متجانستين أو مختلفتين فحكمه يعرف في إقرار الجامع إن شاء الله ~~تعالى. ### | [القرينة المغيرة في ركن الإقرار] # ثم ركن الإقرار لا يخلو إما أن يكون مطلقا وإما أن يكون ملحقا بقرينة ~~فالمطلق هو قوله: لفلان علي كذا، وما يجري مجراه خاليا عن القرائن (وأما) ~~الملحق بالقرينة فبيانه يشتمل على فصل بيان ما يصدق للمقر فيما ألحق ~~بإقراره من القرائن ما لا يكون رجوعا وما لا يصدق فيه مما يكون رجوعا، ~~فنقول: القرينة في الأصل نوعان: قرينة مغيرة من حيث الظاهر مبنية على ~~الحقيقة، وقرينة مبنية على الإطلاق. # أما القرينة المغيرة من حيث الظاهر والمبنية على الحقيقة فهي المسقطة ~~لاسم الجملة فيعتبر بها الاسم لكن يتبين بها المراد فكان تغييرا صورة ~~تبيينا معنى (وأما) القرينة المغيرة فتتنوع ثلاثة أنواع: نوع يدخل في أصل ~~الإقرار، ونوع يدخل على وصف المقر به، ونوع يدخل على قدره وكل ذلك قد يكون ~~متصلا وقد يكون منفصلا (أما) الذي يدخل على أصل الإقرار فنحو التعليق ~~بمشيئة الله تعالى متصلا باللفظ بأن قال: لفلان علي ألف درهم إن شاء الله ~~تعالى، وهذا يمنع صحة الإقرار أصلا؛ لأن تعليق مشيئة الله تبارك وتعالى ~~بكون الألف في الذمة أمرا لا يعرف فإن شاء كان وإن لم يشأ لم يكن، فلا يصح ~~الإقرار مع الاحتمال، ms4438 ولأن الإقرار إخبار عن كائن، والكائن لا يحتمل تعليق ~~كونه بالمشيئة فإن الفاعل إذا قال: أنا فاعل إن شاء الله تعالى، يستحق؛ ~~ولهذا أبطلنا القول بالاستثناء في الأيمان، والله تعالى أعلم بالصواب. # وكذا إذا علقه بمشيئة فلان لا يصح الإقرار لما قلنا ولو أقر بشرط الخيار ~~بطل الشرط وصح الإقرار لما ذكرنا أن الإقرار إخبار عن ثابت في الذمة، وشرط ~~الخيار في معنى الرجوع، والإقرار في حقوق العباد لا يحتمل الرجوع (وأما) ~~الذي يدخل على وصف المقر به فإن كان متصلا باللفظ بأن قال: لفلان علي ألف ~~درهم وديعة، يصح ويكون إقرارا الوديعة وإن كان منفصلا عنه بأن سكت ثم قال: ~~عنيت به الوديعة لا يصح ويكون إقرارا بالدين؛ لأن بيان المغير لا يصح إلا ~~بشرط الوصل كالاستثناء؛ وهذا لأن قوله: لفلان علي ألف درهم إخبار عن وجوب ~~الألف عليه من حيث الظاهر ألا ترى أنه لو سكت عليه لكان كذلك فإن قرن به ~~قوله وديعة، وحكمها وجوب الحفظ، فقد غير حكم الظاهر من وجوب العين إلى وجوب ~~الحفظ فكان بيان تغيير من حيث الظاهر فلا يصح إلا موصولا كالاستثناء. # وإنما يصح موصولا؛ لأن قوله علي ألف درهم يحتمل وجوب الحفظ أي علي حفظ ~~ألف درهم، وإن كان خلاف الظاهر فيصح بشرط الوصل ولو قال علي ألف درهم وديعة ~~قرضا أو مضاربة قرضا أو بضاعة قرضا أو قال دينا مكان قوله قرضا فهو إقرار ~~بالدين لأن الجمع بين اللفظين في معناهما ممكن لجواز أن يكون أمانة في ~~الابتداء ثم يصير مضمونا في الانتهاء إذ الضمان قد يطرأ على الأمانة ~~كالوديعة المستهلكة ونحوها، سواء وصل أو فصل؛ لأن الإنسان في الإقرار ~~بالضمان على نفسه غير متهم. ### | [فصل في القرينة الداخلة على قدر المقر به في ركن الإقرار] # (وأما) الذي يدخل على قدر المقر به فنوعان: أحدهما الاستثناء والثاني ~~الاستدراك. # أما الاستثناء في الأصل فنوعان: أحدهما أن يكون المستثنى من جنس المستثنى ~~منه والثاني أن يكون من خلاف جنسه وكل واحد منهما ms4439 نوعان متصل ومنفصل فإن ~~كان المستثنى من جنس المستثنى منه والاستثناء متصل فهو على ثلاثة أوجه: ~~استثناء القليل من الكثير واستثناء الكثير من القليل واستثناء الكل من الكل ~~أما استثناء القليل من الكثير فنحو أن يقول علي عشرة دراهم إلا ثلاثة ~~دراهم، ولا خلاف في جوازه ويلزمه سبعة دراهم؛ لأن الاستثناء في الحقيقة ~~تكلم بالباقي بعد الثنيا كأنه قال: لفلان علي سبعة دراهم إلا أن للسبعة ~~اسمين: أحدهما سبعة، والآخر عشرة إلا ثلاثة؛ قال الله تبارك وتعالى {فلبث ~~فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} [العنكبوت: 14] معناه أنه لبث فيهم تسعمائة ~~وخمسين عاما وكذلك إذا قال: لفلان علي ألف درهم سوى ثلاثة دراهم؛ لأن سوى ~~من ألفاظ الاستثناء. # وكذا إذا قال: غير ثلاثة؛ لأن غير بالنصب للاستثناء، فإن قال: لفلان علي ~~درهم غير دانق، يلزمه خمسة دوانق ولو قال: غير دانق بالرفع يلزمه درهم تام ~~(وأما) استثناء الكثير من القليل بأن قال: لفلان علي تسعة دراهم إلا عشرة ~~فجائز في ظاهر الرواية ويلزمه درهم # PageV07P209 # إلا ما روي عن أبي يوسف - رحمه الله - لا يصح وعليه العشرة، والصحيح جواب ~~ظاهر الرواية؛ لأن المنقول عن أئمة اللغة - رحمهم الله - أن الاستثناء تكلم ~~بالباقي بعد الثنيا، وهذا المعنى كما يوجد في استثناء القليل من الكثير ~~يوجد في استثناء الكثير من القليل إلا أن هذا النوع من الاستثناء غير ~~مستحسن عند أهل اللغة؛ لأنهم إنما وضعوا الاستثناء لحاجتهم إلى استدراك ~~الغلط، ومثل هذا الغلط مما يندر وقوعه غاية الندرة فلا حاجة إلى استدراكه ~~لكن يحتمل الوقوع في الجملة فيصح (وأما) استثناء الكل من الكل بأن يقول: ~~لفلان علي عشرة دراهم إلا عشرة دراهم فباطل وعليه عشرة كاملة لأن هذا ليس ~~باستثناء إذ هو تكلم بالحاصل بعد الثنيا، ولا حاصل ههنا بعد الثنيا فلا ~~يكون استثناء بل يكون إبطالا للكلام ورجوعا عما تكلم به والرجوع عن الإقرار ~~في حق العباد لا يصح فبطل الرجوع وبقي الإقرار. # ولو قال: لفلان علي عشرة دراهم إلا درهما زائفا، لا ms4440 يصح الاستثناء عند ~~أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعليه عشرة جياد وقال أبو يوسف يصح وعليه عشرة ~~جياد للمقر له وعلى المقر له درهم زائف للمقر بناء على أن الأصل عند أبي ~~حنيفة - رحمه الله - أن المقاصة لا تقف على صفة الجودة بل تقف على الوزن. # وعند أبي يوسف لا تتحقق المقاصة إلا بهما جميعا ووجه البناء على هذا ~~الأصل أنه لو صح الاستثناء لوجب على المقر له درهم زائف وحينئذ تقع ~~المقاصة؛ لأن اختلاف صفة الجودة لا تمنع المقاصة عنده، وإذا وقعت المقاصة ~~يصير المستثنى درهما جيدا لا زائفا وهذا خلاف موجب تصرفه فلم يصح الاستثناء ~~وعند أبي يوسف - رحمه الله - لما كان اتحادهما في صفة الجودة شرطا لتحقق ~~المقاصة - ولم يوجد ههنا - لا تقع المقاصة وإذا لم تقع كان الواجب على كل ~~واحد منهما أداء ما عليه فلا يؤدي إلى تغيير موجب الاستثناء فيصح ~~الاستثناء، والصحيح أصل أبي حنيفة - رضي الله عنه - لأن الجودة في الأموال ~~الربوية ساقطة الاعتبار شرعا لقول النبي - عليه الصلاة والسلام - «جيدها ~~ورديئها سواء» والساقط شرعا والعدم حقيقة سواء. # ولو انعدمت حقيقة لوقعت المقاصة، كذا إذا انعدمت شرعا ولو قال: لفلان علي ~~عشرة دراهم إلا درهم ستوق فقياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - ~~أنه يصح الاستثناء وعليه عشرة دراهم إلا قيمة درهم ستوق وقياس قول محمد ~~وزفر - رحمهما الله - أنه لا يصح الاستثناء أصلا وعليه عشرة كاملة بناء على ~~أن المجانسة ليست بشرط لصحة الاستثناء عند أبي حنيفة وأبي يوسف - عليهما ~~الرحمة - وعند محمد وزفر شرط على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. # ولو قال لفلان: علي ألف إلا قليلا فعليه أكثر من نصف الألف، والقول في ~~الزيادة على الخمسمائة قوله؛ لأن القليل من أسماء الإضافة فيقتضي أن يكون ~~ما يقابله أكثر منه ليكون هو بالإضافة إليه قليلا فإذا استثنى القليل من ~~الألف فلا بد وأن يكون المستثنى منه أكثر من المستثنى، وهو الأكثر من نصف ~~الألف ولهذا قال بعض أهل التأويل ms4441 في قوله تبارك وتعالى {يا أيها المزمل} ~~[المزمل: 1] {قم الليل إلا قليلا} [المزمل: 2] إن استثناء القليل من الأمر ~~بقيام الليل يقتضي الأمر بقيام أكثر الليل، والقول في مقدار الزيادة على ~~نصف الألف قوله لأنه المجمل في قدر الزيادة فكان البيان إليه وكذلك إذا ~~قال: إلا شيئا؛ لأن الاستثناء بلفظة شيء لا يستعمل إلا في القليل هذا إذا ~~كان المستثنى من جنس المستثنى منه. # فإن كان من خلاف جنسه ينظر إن كان المستثنى مما لا يثبت دينا في الذمة ~~مطلقا كالثوب، لا يصح الاستثناء، وعليه جميع ما أقر به عندنا بأن قال: له ~~علي عشرة دراهم إلا ثوبا، وعند الشافعي - رحمه الله - يصح ويلزمه قدر قيمة ~~الثوب وإن كان المستثنى مما يثبت دينا في الذمة مطلقا من المكيل والموزون ~~والعددي المتقارب بأن قال: لفلان علي عشرة إلا درهما أو إلا قفيز حنطة أو ~~مائة دينار إلا عشرة دراهم أو دينار إلا مائة جوزة، يصح الاستثناء عند أبي ~~حنيفة وأبي يوسف - رضي الله عنهما - ويطرح مما أقر به قدر قيمة المستثنى ~~وعند محمد وزفر - رحمهما الله - لا يصح الاستثناء أصلا (أما) الكلام مع ~~الشافعي - رحمه الله - في المسألة الأولى فوجه قول الشافعي - رحمه الله - ~~أن لنص الاستثناء حكما على حدة كما لنص المستثنى منه من النفي والإثبات؛ ~~لأن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي لغة، فقوله: لفلان علي عشرة ~~دراهم إلا درهما معناه إلا درهما فإنه ليس علي، فيصير دليل النفي معارضا ~~لدليل الإثبات في قدر المستثنى، ولهذا قال: إن الاستثناء يعمل بطريق ~~المعارضة فصار قوله: لفلان علي ألف درهم إلا ثوبا أي إلا ثوبا فإنه ليس علي ~~من الألف، ومعلوم أن عين # PageV07P210 # الثوب من الألف ليس عليه فكان المراد قدر قيمته أي مقدار قيمة الثوب ليس ~~علي من الألف. # وجه قول أصحابنا - رضي الله عنهم - أنه لا حكم لنص الاستثناء إلا بيان أن ~~القدر المستثنى لم يدخل تحت المستثنى منه أصلا؛ لأن أهل اللغة قالوا: إن ~~الاستثناء تكلم بالباقي بعد ms4442 الثنيا، وإنما يكون تكلما بالباقي إذا كان ~~ثابتا فكان انعدام حكم نص المستثنى منه في المستثنى لانعدام تناول اللفظ ~~إياه لا للمعارضة مع ما أن القول بالمعارضة فاسد؛ لوجوه: أحدها أن ~~الاستثناء مقارن للمستثنى منه فكانت المعارضة مناقضة. # والثاني أن المعارضة إنما تكون بدليل قائم بنفسه، ونص الاستثناء ليس بنص ~~قائم بنفسه فلا يصلح معارضا إلا أن يزاد عليه قوله إلا كذا فإنه كذا، وهذا ~~تغيير ومهما أمكن العمل بظاهر اللفظ من غير تغيير كان أولى والثالث أن ~~القول بالمعارضة يكون رجوعا عن الإقرار، والرجوع عن الإقرار في حقوق العباد ~~لا يصح كما إذا قال له علي عشرة دراهم وليس له علي عشرة دراهم، وإذا كان ~~بيانا فمعنى البيان لا يتحقق إلا إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه إما ~~في الاسم أو في احتمال الوجوب في الذمة على الإطلاق، ولم يوجد ههنا على ما ~~نذكره إن شاء الله تعالى وقولهم: الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات ~~- محمول على الظاهر إذ هو في الظاهر كذلك دون الحقيقة لأنه تحقق معنى ~~المعارضة وهو محال على ما ذكرنا وجه إحالته فيكون بيانا حقيقة نفيا أو ~~إثباتا جمعا بين النقلين بقدر الإمكان، والله - سبحانه وتعالى - أعلم ~~بالصواب. # (وأما) الكلام في المسألة الثانية فوجه قول محمد وزفر - رحمهما الله - أن ~~الاستثناء استخراج بعض ما لولاه لدخل تحت نص المستثنى منه، وذا لا يتحقق ~~إلا في الجنس ولهذا لو كان المستثنى ثوبا لم يصح الاستثناء وجه قول أبي ~~حنيفة وأبي يوسف أن الداخل تحت قوله: لفلان علي عشرة دراهم، عشرة موصوفة ~~بأنها واجبة مطلقا مسماة بالدراهم فإن لم يمكن تحقيق معنى المجانسة في اسم ~~الدراهم أمكن تحقيقها في الوجوب في الذمة على الإطلاق؛ لأن الحنطة في ~~احتمال الوجوب في الذمة على الإطلاق من جنس الدراهم ألا ترى أنها تجب دينا ~~موصوفا في الذمة حالا بالاستقراض والاستهلاك كما تجب سلما وثمنا حالا ~~كالدراهم. # (فأما) الثوب فلا يحتمل الوجوب في الذمة على الإطلاق بل سلما أو ms4443 ثمنا ~~مؤجلا (فأما) ما لا يحتمله استقراضا واستهلاكا وثمنا حالا غير مؤجل فأمكن ~~تحقيق معنى المجانسة بينهما في وصف الوجوب في الذمة على الإطلاق إن لم يكن ~~في اسم الدراهم فأمكن العمل بالاستثناء في تحقق معناه وهو البيان من وجه، ~~ولا مجانسة بين الثياب والدراهم لا في الاسم ولا في احتمال الوجوب في الذمة ~~على الإطلاق فانعدم معنى الاستثناء أصلا فهو الفرق، والله تعالى أعلم. # ولو أقر لإنسان بدار واستثنى بناءها لنفسه فالاستثناء باطل لأن اسم الدار ~~لا يتناول البناء لغة بل وضع دلالة على العرصة في اللغة، وإنما البناء فيها ~~بمنزلة الصفة فلم يكن المستثنى من جنس المستثنى منه فلم يصح الاستثناء ~~وتكون الدار مع البناء للمقر له لأنه إن لم يكن اسما عاما لكنه يتناول هذه ~~الأجزاء بطريق التضمن كمن أقر لغيره بخاتم كان له الحلقة والفص لا لأنه اسم ~~عام بل هو اسم لمسمى واحد وهو المركب من الحلقة والفص ولكنه يتناوله بطريق ~~التضمن وكذا من أقر بسيف لغيره كان له النصل والجفن والحمائل لما قلنا وكذا ~~من أقر بحجلة كان له العيدان والكسوة بخلاف ما إذا استثنى ربع الدار أو ~~ثلثها أو شيئا منها أنه يصح الاستثناء لما بينا أن الدار اسم للعرصة فكان ~~المستثنى من جنس المستثنى منه فصح. # ولو قال بناء هذه الدار لي والعرصة لفلان صح؛ لأن اسم البناء لا يتناول ~~العرصة إذ هي اسم للبقعة، والله سبحانه وتعالى أعلم. # هذا الذي ذكرنا حكم الاستثناء إذا ورد على الجملة الملفوظة، فأما إذا ورد ~~الاستثناء على الاستثناء فالأصل فيه أن الاستثناء الداخل على الاستثناء ~~يكون استثناء من المستثنى منه؛ لأن المستثنى منه أقرب المذكور إليه فيصرف ~~الاستثناء الثاني إليه ويجعل الباقي منه مستثنى من الجملة الملفوظة وعلى ~~هذا إذا ورد الاستثناء على الاستثناء مرة بعد أخرى وإن كثر فالأصل فيه أن ~~يصرف كل استثناء إلى ما يليه لكونه أقرب المذكور إليه فيبدأ من الاستثناء ~~الأخير فيستثنى الباقي مما يليه ثم ينظر إلى الباقي مما ms4444 يليه ثم ينظر إلى ~~الباقي هكذا إلى الاستثناء الأول ثم ينظر إلى الباقي منه فيستثنى ذلك من ~~الجملة الملفوظة فما بقي منها فهو القدر المقر به. # بيان هذه الجملة إذا قال: لفلان علي عشرة دراهم إلا إلا ثلاثة دراهم إلا ~~درهما يكون إقرارا بثمانية دراهم لأنا صرفنا # PageV07P211 # الاستثناء الأخير إلى ما يليه فبقي درهمان يستثنيهما من العشرة فيبقى ~~ثمانية، والأصل فيه قوله سبحانه وتعالى خبرا عن الملائكة {قالوا إنا أرسلنا ~~إلى قوم مجرمين} [الحجر: 58] {إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين} [الحجر: 59] ~~{إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين} [الحجر: 60] استثنى الله تبارك ~~وتعالى آل لوط من أهل القرية لا من المجرمين؛ لأن حقيقة الاستثناء من الجنس ~~وآل لوط لم يكونوا مجرمين ثم استثنى امرأته من آله فبقيت في الغابرين. # ولو قال: لفلان علي عشرة دراهم إلا خمسة دراهم إلا ثلاثة دراهم إلا درهما ~~يكون إقرارا بسبعة لأنا جعلنا الدرهم مستثنى مما يليه وهي ثلاثة فبقي ~~درهمان استثناهما من خمسة فبقي ثلاثة استثناها من الجملة الملفوظة فبقي ~~سبعة وكذلك لو قال: لفلان علي عشرة دراهم إلا سبعة دراهم إلا خمسة دراهم ~~إلا ثلاثة دراهم إلا درهما يكون إقرارا بستة لما ذكرنا من الأصل وهذا الأصل ~~لا يخطئ في إيراد الاستثناء على الاستثناء وإن كثر هذا إذا كان الأصل متصلا ~~بالجملة المذكورة فأما إذا كان منفصلا عنها بأن قال: لفلان علي عشرة دراهم ~~وسكت ثم قال إلا درهما لا يصح الاستثناء عند عامة العلماء وعامة الصحابة - ~~رضي الله تعالى عنهم - إلا ما روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - ~~أنه يصح وبه أخذ بعض الناس، ووجهه أن الاستثناء بيان لما ذكرنا فيصح متصلا ~~ومنفصلا كبيان المجمل والتخصيص للعام عندنا. # وجه قول العامة أن صيغة الاستثناء إذا انفصلت عن الجملة الملفوظة لا تكون ~~كلام استثناء لغة؛ لأن العرب ما تكلمت به أصلا، ولو اشتغل به أحد يضحك عليه ~~كمن قال: لفلان علي كذا، ثم قال: بعد شهر إن شاء الله تعالى لا ms4445 يعد ذلك ~~تعليقا بالمشيئة حتى لا يصح، كذا هذا والرواية عن ابن عباس لا تكاد تصح، ~~بخلاف بيان المجمل والعام؛ لأنهم يتكلمون بذلك مستعمل عندهم متصلا ومنفصلا ~~على ما عرف في أصول الفقه، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # وعلى هذا قال أبو حنيفة فيمن قال: أنت حر وحر إن شاء الله تعالى، أنه لا ~~يصح الاستثناء؛ لأن تكرير صيغة التحرير لغو فكان في معنى السكتة ولو قال: ~~لفلان علي كر حنطة وكر شعير إلا كر حنطة وقفيز شعير، لا يصح استثناء كر ~~الحنطة بالاتفاق لانصراف كر الحنطة إلى جنسه فيكون استثناء للكل من الكل ~~فلم يصح، وهل يصح استثناء القفيز من الشعير؟ قال أبو حنيفة - رحمه الله -: ~~لا يصح لأنه لما لم يصح استثناء كر الحنطة فقد لغا فكأنه سكت ثم استثنى ~~قفيز شعير فلم يصح استثناؤه أصلا، والله - عز وجل - أعلم. # (وأما) الاستدراك فهو في الأصل لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون في ~~القدر، وإما أن يكون في الصفة فإن كان في القدر فهو على ضربين: إما أن يكون ~~في الجنس، وإما أن يكون في خلاف الجنس، فنحو أن يقول: لفلان علي ألف درهم ~~لا بل ألفان فعليه ألفان استحسانا، والقياس أن يكون عليه ثلاثة آلاف. # (وجه) القياس أن قوله لفلان علي ألف درهم إقرار بألف وقوله لا رجوع وقوله ~~بل استدراك، والرجوع عن الإقرار في حقوق العباد غير صحيح، والاستدراك صحيح ~~فأشبه الاستدراك في خلاف الجنس وكما إذا قال لامرأته: أنت طالق واحدة لا بل ~~ثنتين أنه يقع ثلاث تطليقات وجه الاستحسان أن الإقرار إخبار والمخبر عنه ~~مما يجري الغلط في قدره أو وصفه عادة فتقع الحاجة إلى استدراك الغلط فيه ~~فيقبل إذا لم يكن متهما فيه، وهو غير متهم في الزيادة على المقر به فتقبل ~~منه بخلاف الاستدراك في خلاف الجنس؛ لأن الغلط في خلاف الجنس لا يقع عادة ~~فلا تقع الحاجة إلى استدراكه. # وبخلاف مسألة الطلاق أن قوله أنت طالق إنشاء الطلاق لغة وشرعا، والإنشاء ms4446 ~~لا يحتمل الغلط حتى لو كان إخبارا بأن قال لها: كنت طلقتك أمس واحدة لا بل ~~اثنتين لا يقع عليها إلا طلاقان، والله تعالى أعلم وكذلك إذا قال: لفلان ~~علي كر حنطة لا بل كران ولو قال: لفلان علي ألف درهم لا بل ألف درهم فعليه ~~ألفان لأنه متهم في النقصان فلا يصح استدراكه مع ما أن مثل هذا الغلط نادر ~~فلا حاجة إلى استدراكه لالتحاقه بالعدم. # (وأما) في خلاف الجنس كما لو قال: لفلان علي ألف درهم لا بل مائة دينار ~~أو لفلان علي كر حنطة لا بل كر شعير لزمه الكل لما بينا أن مثل هذا الغلط ~~لا يقع إلا نادرا، والنادر ملحق بالعدم هذا إذا وقع الاستدراك في قدر المقر ~~به (فأما) إذا وقع في صفة المقر به بأن قال: لفلان علي ألف درهم بيض لا بل ~~سود ينظر فيه إلى أرفع الصفتين، وعليه ذلك لأنه غير متهم في زيادة الصفة ~~متهم في النقصان فكان مستدركا في الأول راجعا في الثاني فيصح استدراكه ولا ~~يصح رجوعه كما في الألف # PageV07P212 # والألفين، والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا رجع الاستدراك إلى المقر به ~~فأما إذا رجع إلى المقر له بأن قال: هذه الألف لفلان لا بل لفلان وادعاها ~~كل واحد منهما يدفع إلى المقر له الأول لأنه لما أقر بها للأول صح إقراره ~~له فصار واجب الدفع إليه، فقوله: لا بل لفلان - رجوع عن الإقرار الأول فلا ~~يصح رجوعه في حق الأول ويصح إقراره بها للثاني في حق الثاني ثم إن دفعه إلى ~~الأول بغير قضاء القاضي يضمن للثاني؛ لأن إقراره بها للثاني في حق الثاني ~~صحيح وإن لم يصح في حق الأول، وإذا صح صار واجب الدفع إليه فإذا دفعها إلى ~~الأول فقد أتلفها عليه فيضمن وإن دفعها إلى الأول بقضاء القاضي لا يضمن؛ ~~لأنه لو ضمن لا يخلو إما أن يضمن بالدفع. # (وإما) أن يضمن بالإقرار، لا سبيل إلى الأول؛ لأنه مجبور في الدفع من جهة ~~القاضي ms4447 فيكون كالمكره، ولا سبيل إلى الثاني لأن الإقرار للغير بملك الغير ~~لا يوجب الضمان ولو قال: غصبت هذا العبد من فلان لا بل من فلان، يدفع إلى ~~الأول ويضمن للثاني، سواء دفع إلى الأول بقضاء أو بغير قضاء بخلاف المسألة ~~الأولى (ووجه) الفرق أن الغصب سبب لوجوب الضمان فكان الإقرار به إقرارا ~~بوجود سبب وجوب الضمان، وهو رد العين عند القدرة وقيمة العين عند العجز، ~~وقد عجز عن رد العين إلى المقر له الثاني فيلزمه رد قيمته بخلاف المسألة ~~الأولى؛ لأن الإقرار بملك الغير للغير ليس بسبب لوجوب الضمان لانعدام ~~الإتلاف وإنما التلف في تسليم مال الغير إلى الغير باختياره على وجه يعجز ~~عن الوصول إليه فلا جرم إذا وجد يجب الضمان وكذلك لو قال: هذه الألف لفلان، ~~أخذتها من فلان، أو أقرضنيها فلان، وادعاها كل واحد منهما فهي للمقر له ~~الأول ويضمن للذي أقر أنه أخذ منه أو أقرضه ألفا مثله؛ لأن الأخذ والقرض كل ~~واحد منهما سبب لوجوب الضمان فكان الإقرار بهما إقرارا بوجود سبب وجوب ~~الضمان فيرد الألف القائمة إلى الأول لصحة إقراره بها له، ويضمن للثاني ~~ألفا أخرى ضمانا للأخذ والقرض ولو قال: أودعني فلان هذه الألف لا بل فلان، ~~يدفع إلى المقر له الأول لما بينا ثم إن دفع إليه بغير قضاء القاضي يضمن ~~للثاني بالإجماع وإن دفع بقضاء القاضي فعند أبي يوسف لا يضمن، وعند محمد ~~يضمن (وجه) قول محمد - رحمه الله - أن إقراره بالإيداع من الثاني صحيح في ~~حق الثاني فوجب عليه الحفظ بموجب العقد وقد فوته بالإقرار للأول بل استهلكه ~~فكان مضمونا عليه (وجه) قول أبي يوسف - رحمه الله - أن فوات الحفظ والهلاك ~~حصل بالدفع إلى الأول بالإقرار، والدفع بقضاء القاضي لا يوجب الضمان لما ~~بينا ولو قال دفع إلي هذه الألف فلان وهي لفلان، وادعى كل واحد منهما أنها ~~له فهي للدافع؛ لأن إقراره بدفع فلان قد صح فصار واجب الرد عليه وهذا يمنع ~~صحة إقراره للثاني في حق الأول لكن ms4448 يصح في حق الثاني ولو قال: هذه الألف ~~لفلان، دفعها إلي فلان فهي للمقر له بالملك، ولا يكون للدافع شيء، فإذا ~~ادعى الثاني ضمن له ألفا أخرى لما بينا أن الإقرار بها للأول يوجب الرد ~~إليه، وهذا يمنع صحة إقراره للثاني في حق الأول لكنه يصح في حق الثاني ثم ~~إن دفعه إلى الأول بغير قضاء القاضي يضمن وإن دفعه بقضاء القاضي، فكذلك عند ~~محمد وعند أبي يوسف لا يضمن، والحجج من الجانبين على نحو ما ذكرنا ولو قال: ~~هذه الألف لفلان أرسل بها إلى فلان، فإنه يردها على الذي أقر أنها ملكه ~~وهذا قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - لما قلنا، ولا ~~يصح إقراره للثاني عند أبي حنيفة، فرق أبو حنيفة - عليه الرحمة - بين العين ~~والدين بأن قال: لفلان علي ألف درهم قبضتها من فلان، فادعاها كل واحد منهما ~~أن عليه لكل واحد منهما ألفا (ووجه) الفرق أن المقر به للأول هناك ألف في ~~الذمة فيلزمه ذلك بإقراره له، ولزمه ألف أخرى لفلان بإقراره بقبضها منه إذ ~~القبض سبب لوجوب الضمان فلزمه ألفان، وههنا المقر به عين مشار إليها فمتى ~~صح إقراره بها لم يصح للثاني وذكر قول أبي يوسف في الأصل في موضعين: أحدهما ~~أنه لا ضمان عليه للثاني بحال بانتهاء الرسالة بالوصول إلى المقر، وفي ~~الآخر أنه إن دفع بغير قضاء القاضي يضمن فإن قال الذي أقر له: إنها ملكه ~~ليست الألف لي، وادعاها الرسول؛ لأن إقراره للأول قد ارتد برده، وقد أقر ~~باليد للرسول، فيؤمر بالرد إليه ولو كان الذي أقر له أنها ملكه غائبا وأراد ~~الرسول أن يأخذها وادعاها لنفسه لم يأخذها، كذا روي عن أبي يوسف؛ لأن ~~رسالته قد انتهت بالوصول إلى المقر ولو أقر إلى خياط فقال: هذا الثوب أرسله ~~إلي فلان لأقطعه قميصا وهو لفلان، فهو للذي # PageV07P213 # أرسله إليه، وليس للثاني شيء؛ لأنه أقر باليد للمرسل فصار واجب الرد ~~عليه، وهذا يمنع صحة إقراره بالملك الثاني، كما إذا قال: ms4449 دفع إلي هذه الألف ~~فلان وهي لفلان، على ما بينا ولو قال الخياط: هذا الثوب الذي في يدي لفلان ~~أرسله إلي فلان، وكل واحد منهما يدعيه فهو للذي أقر له أول مرة، ولا يضمن ~~للثاني شيئا في قياس قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يضمن بناء على أن ~~الأجير المشترك لا ضمان عليه فيما هلك في يده عنده فأشبه الوديعة، وعندهما ~~عليه الضمان فأشبه الغصب، والله - سبحانه وتعالى - العليم. ### | [فصل في القرينة المبنية على الإطلاق في ركن الإقرار] # (فصل) : # (وأما) القرينة المبنية على الإطلاق فهي المعينة لبعض ما يحتمله اللفظ ~~بأن كان اللفظ يحتمل هذا وذاك قبل وجود القرينة، فإذا وجدت القرينة يتعين ~~البعض مرادا باللفظ من غير تغيير أصلا ثم ينظر إن كان اللفظ يحتملهما على ~~السواء يصح بيانه متصلا كان أو منفصلا. # وإن كان لأحدهما ضرب رجحان فإن كان الإفهام إليه أسبق عند الإطلاق من غير ~~قرينة، فإن كان منفصلا لا يصح، وإن كان متصلا يصح إذا لم يتضمن الرجوع، وإن ~~تضمن معنى الرجوع لا يصح إلا بتصديق المقر له وهذا النوع من القرينة أيضا ~~يتنوع ثلاثة أنواع: نوع يدخل على أصل المقر به، ونوع يدخل على وصف المقر ~~به، ونوع يدخل على قدر المقر به (أما) الذي يدخل على أصل المقر به فهو أن ~~يكون المقر به مجهول الذات بأن قال: لفلان علي شيء أو حق يصح؛ لأن جهالة ~~المقر به لا تمنع صحة الإقرار؛ لأن الإقرار إخبار عن كائن، وذلك قد يكون ~~معلوما وقد يكون مجهولا بأن أتلف على آخر شيئا ليس من ذوات الأمثال فوجبت ~~عليه قيمته أو جرح آخر جراحة ليس لها في الشرع أرش مقدر فأقر بالقيمة ~~والأرش فكان الإقرار بالمجهول إخبارا عن المخبر على ما هو به وهو حد الصدق. # بخلاف الشهادة؛ لأن جهالة المشهود به تمنع القضاء بالشهادة لتعذر القضاء ~~بالمجهول بخلاف الإقرار فيصح ويقال له بين لأنه المجمل فكان البيان عليه ~~قال الله تبارك وتعالى {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} ms4450 [القيامة: 18] {ثم إن ~~علينا بيانه} [القيامة: 19] ويصح بيانه متصلا ومنفصلا لأنه بيان محض فلا ~~يشترط فيه الوصل كبيان المجمل والمشترك لكن لا بد وأن يبين شيئا له قيمة ~~لأنه أقر بما في ذمته وما لا قيمة له لا يثبت في الذمة ثم إذا بين شيئا له ~~قيمة فالأمر لا يخلو من أحد وجهين: إما أن صدقه في ذلك وادعى عليه زيادة ~~وإما إن كذبه وادعى عليه مالا آخر. # فإن صدقه فيما بين وادعى عليه زيادة أخذ ذلك القدر المبين وأقام البينة ~~على الزيادة وإلا حلفه عليها إن أراد لأنه منكر للزيادة، والقول قول المنكر ~~مع يمينه وإن كذبه وادعى عليه مالا آخر أقام بينة على مال آخر وإلا حلفه ~~عليه وليس له أن يأخذ القدر المبين لأنه أبطل إقراره له بالتكذيب وكذلك إذا ~~أقر أنه غصب من فلان شيئا ولم يبين يلزمه البيان لما قلنا، ولكن لا بد وأن ~~يبين شيئا يتمانع في العادة ويقصد بالغصب؛ لأن ما لا يتمانع عادة ولا يقصد ~~غصبه نحو كف من تراب أو غيره لا يطلق فيه اسم الغصب، وهل يشترط مع ذلك أن ~~يكون مالا متقوما؟ اختلف المشايخ فيه، قال مشايخ العراق: لا يشترط، وقال ~~مشايخنا - رحمهم الله تعالى: يشترط حتى لو بين أنه غصب صبيا حرا أو غصب جلد ~~ميتة أو خمر مسلم يصدق عند الأولين ولا يصدق عند الآخرين حتى يبين شيئا هو ~~مال متقوم (وجه) قول مشايخ العراق أن الحكم الأصلي للغصب وجوب رد المغصوب، ~~وهذا لا يقف على كون المغصوب مالا متقوما (وجه) قول مشايخنا أن المغصوب ~~مضمون على الغاصب وله ضمانان: أحدهما وجوب رد العين عند القدرة، والثاني ~~وجوب قيمتها عند العجز فكان إقراره بغصب شيء إقرارا بغصب ما يحتمل موجبه ~~وهو المال المتقوم ولو بين غصب العقار؟ ذكر القدوري - رحمه الله - أنه ~~يصدق، وهذا على قياس قول مشايخ العراق؛ لأن العقار وإن لم يكن مضمون القيمة ~~بالغصب عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله - فهو مضمون الرد ms4451 بالاتفاق ~~وعند محمد - رحمه الله - هو مضمون القيمة أيضا فأما على قياس قول مشايخنا ~~على قياس قول محمد يصدق (وأما) على قياس قولهما لا يصدق لأنه غير مضمون ~~القيمة بالغصب عندهما، والله - عز وجل - أعلم وعلى هذا إذا قال: لفلان علي ~~مال يصدق في القليل والكثير؛ لأن المال اسم ما يتمول وذا يقع على القليل ~~والكثير فيصح بيانه متصلا ومنفصلا ولو قال: لفلان علي ألف، ولم يبين ~~فالبيان إليه، والله تعالى أعلم بالصواب. # PageV07P214 ### | [فصل في القرينة الداخلة على وصف المقر به في ركن الإقرار] # فصل) : # وأما الذي يدخل على وصف المقر به فهو أن يكون المقر به معلوم الأصل مجهول ~~الوصف نحو أن يقول غصب من فلان عبدا أو جارية أو ثوبا من العروض فيصدق في ~~البيان من جنس ذلك، سليما كان أو معيبا؛ لأن الغصب يرد على السليم والمعيب ~~عادة، وقد بين الأصل، وأجمل الوصف فيرجع في بيان الوصف إليه فيصح متصلا ~~ومنفصلا، ومتى صح بيانه يلزمه الرد إن قدر عليه وإن عجز عنه تلزمه القيمة؛ ~~لأن المغصوب مضمون على هذا الوجه. # والقول قوله في مقدار قيمته مع يمينه لأنه منكر للزيادة، والقول قول ~~المنكر مع اليمين وكذلك لو أقر أنه غصب من فلان دارا، وقال: هي بالبصرة، ~~يصدق لأنه أجمل المكان فكان القول في بيان المكان إليه فيلزمه تسليم الدار ~~إليه إن قدر عليه، وإن عجز عنه بأن خربت أو قال: هي هذه الدار التي في يدي ~~زيد وزيد ينكر فالقول قول المقر عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله ~~تعالى - الآخر ولا يضمن وعند محمد يضمن قيمة الدار بناء على أن العقار غير ~~مضمون القيمة بالغصب عندهما خلافا له فإذا أقر بألف درهم، وقال: هي زيوف أو ~~نبهرجة فهذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين إما أن أقر بذلك مطلقا من غير ~~بيان الجهة وإما إن بين الجهة. # فإن أطلق بأن قال: لفلان علي ألف درهم ولم يذكر له جهة أصلا وقال: هي ~~زيوف أو نبهرجة، ms4452 فإن وصل يصدق، وإن فصل لا يصدق لأن اسم الدراهم اسم جنس ~~يقع على الجياد والزيوف فكان قوله زيوف بيانا للنوع إلا أنه يصح موصولا لا ~~مفصولا لأنها عند الإطلاق تصرف إلى الجياد فكان فصل البيان رجوعا عما أقر ~~به فلا يصح ولو قال: لفلان عندي ألف درهم، وقال: هي زيوف أو نبهرجة يصدق، ~~وصل أو فصل؛ لأن هذا إقرار الوديعة، الوديعة مال محفوظ عند المودع وقد يكون ~~ذلك جيدا وقد يكون زيوفا أو نبهرجة على حسب ما يودع فيقبل بيانه هذا إذا ~~أطلق ولم يبين الجهة أما إذا بين الجهة بأن قال: لفلان علي ألف درهم ثمن ~~مبيع وقال هي زيوف أو نبهرجة فلا يصدق وإن وصل وعليه الجياد إذا ادعى المقر ~~له الجياد عند أبي حنيفة وعند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد إن وصل يصدق ~~وإن فصل لا يصدق. # (وجه) قولهما ما ذكرنا آنفا أن اسم الدراهم يقع على الزيوف كما يقع على ~~الجياد إذ هو اسم جنس والزيافة عيب فيها، واسم كل جنس يقع على السليم ~~والمعيب من ذلك الجنس لأنه نوع من الجنس لكن عند الإطلاق ينصرف إلى الجياد ~~فيصح بيانه موصولا لوقوعه تعيينا لبعض ما يحتمله اللفظ ولا يصح مفصولا ~~لكونه رجوعا عن الإقرار (وجه) قول أبي حنيفة - عليه الرحمة - أن قوله هي ~~زيوف بعد النسبة إلى ثمن المبيع رجوع عن الإقرار فلا يصح بيانه أن البيع ~~عقد مبادلة فيقتضي سلامة البدلين؛ لأن كل واحد من العاقدين لا يرضى إلا ~~بالبدل السليم فكان إقراره بكون الدراهم ثمنا إقرارا بصفة السلامة فإخباره ~~عن الزيافة يكون رجوعا فلا يصح، كما إذا قال: بعتك هذا العبد على أنه معيب ~~لا يصدق وإن وصل، كذا هذا ولو قال: لفلان علي ألف درهم قرضا، وقال هي زيوف، ~~فالجواب فيه كالجواب في البيع إن وصل يصدق وإن فصل لا يصدق بخلاف البيع ~~(وجه) الرواية الأولى أن القرض في الحقيقة مبادلة المال بالمال كالبيع فكان ~~في استدعاء صفة السلامة كالبيع (وجه) ms4453 الرواية الأخرى أن القرض يشبه الغصب ~~لأنه يتم بالقبض كالغصب ثم بيان الزيافة مقبول في الغصب، كذا في القرض ~~ويشبه البيع؛ لأنه تمليك مال بمال فلشبهه بالغصب احتمل البيان في الجملة ~~ولشبهه بالبيع شرطنا الوصل عملا بالشبهين بقدر الإمكان ولو قال: غصب من ~~فلان ألف درهم وقال هي زيوف أو نبهرجة يصدق سواء وصل أو فصل وروي عن أبي ~~يوسف أنه لا يصدق إذا فصل، والصحيح جواب ظاهر الرواية؛ لأن الغصب في الأجود ~~لا يستدعي صفة السلامة؛ لأنه كما يرد على السليم يرد على المعيب على حسب ما ~~يتفق فكان محتملا للبيان متصلا أو منفصلا لانعدام معنى الرجوع فيه، ولهذا ~~لو كان المقر به غصب عبد بأن قال: غصبت من فلان عبدا ثم قال: غصبته وهو ~~معيب، يصدق وإن فصل، كذا هذا ولو قال: أودعني فلان ألف درهم وقال هي زيوف ~~يصدق بلا خلاف فصل أو وصل؛ لأن الإيداع استحفاظ المال، وكما يستحفظ السليم ~~يستحفظ المعيب فكان الإخبار عن الزيافة بيانا محضا فلا يشترط لصحته الوصل ~~لانعدام تضمن معنى الرجوع وأبو يوسف - رحمه الله - على ما روي عنه فرق بين ~~الوديعة وبين الغصب حيث صدقه في الوديعة موصولا كان البيان أو مفصولا ولم ~~يصدقه # PageV07P215 # في الغصب إلا موصولا (ووجه) الفرق له أن ضمان الغصب مبادلة إذا المضمونات ~~تملك عند أداء الضمان فأشبه ضمان المبيع وهو الثمن، وفي باب البيع لا يصدق ~~إذا فصل عنده كذا في الغصب (فأما) الواجب في باب الوديعة فهو الحفظ، ~~والمعيب في احتمال الحفظ كالسليم فهو الفرق له، والله أعلم بالصواب هذا إذا ~~أقر بالدراهم وقال هي زيوف أو نبهرجة فأما إذا أقر بها وقال هي ستوقة أو ~~رصاص ففي الوديعة والغصب يصدق إن وصل وإن فصل لا يصدق؛ لأن الستوق والرصاص ~~ليسا من جنس الدراهم إلا أنه يسمى بها مجازا فكان الإخبار عن ذلك بيانا ~~مغيرا فيصح موصولا لا مفصولا كالاستثناء (وأما) في البيع إذا قال: ابتعت ~~بألف ستوقة أو رصاص فلا يصدق عند أبي ms4454 حنيفة، فصل أو وصل وهذا لا يشكل عنده؛ ~~لأنه لو قال: ابتعت بألف زيوف لا يصدق عنده، وصل أو فصل، فههنا أولى وعند ~~أبي يوسف يصدق ولكن يفسد البيع أما التصديق فلأن قوله ستوقة أو رصاص خرج ~~بيانا لوصف الثمن فيصح، كما إذا قال بألف بيض أو بألف سود (وأما) فساد ~~البيع فلأن تسمية الستوقة في البيع يوجب فساده كتسمية العروض وروي عن أبي ~~يوسف فيمن قال: لفلان علي ألف درهم بيض زيوف أو وضح زيوف أنه يصدق إذا وصل ~~ولو قال: لفلان علي ألف درهم جياد زيوف أو نقد بيت المال زيوف لا يصدق، ~~والفرق ظاهر؛ لأن البياض يحتمل الجودة والزيافة إذ البيض قد تكون جيادا وقد ~~تكون زيوفا فاحتمل البيان بخلاف قوله جياد؛ لأن الجودة لا تحتمل الزيافة ~~لتضاد بين الصفتين فلا يصدق أصلا وعلى هذا إذا أقر بألف ثمن عبد اشتراه لم ~~يقبضه فهذا لا يخلو من أحد وجهين: إما أن ذكر عبدا معينا مشارا إليه بأن ~~قال: ثمن هذا العبد وإما إن ذكر عبدا من غير تعيين بأن قال: لفلان علي ألف ~~درهم ثمن عبد اشتريته منه ولم أقبضه فإن ذكرا عبدا بعينه، فإن صدقه في ~~البيع يقال للمقر له إن شئت أن تأخذ الألف فسلم العبد وإلا فلا شيء لك لأن ~~المقر به ثمن المبيع وقد ثبت البيع بتصادقهما والبيع يقتضي تسليما بإزاء ~~تسليم، وإن كذبه في البيع وقال: ما بعت منك شيئا والعبد عبدي ولي عليك ألف ~~درهم بسبب آخر، فالعبد للمقر له لأنه يدعي عليه البيع وهو ينكر، ولا شيء له ~~على المقر من الثمن؛ لأن المقر به ثمن المبيع لا غيره ولم يثبت البيع فإن ~~ذكر عبدا بغير عينه فعليه الألف عند أبي حنيفة ولا يصدق في عدم القبض سواء ~~وصل أم فصل، صدقه المقر له في البيع أو كذبه وكان أبو يوسف أولا يقول إن ~~وصل يصدق وإن فصل لا يصدق، ثم رجع وقال يسأل المقر له عن الجهة فإن صدقه ms4455 ~~فيها لكن كذبه في القبض كان القول قول المقر، سواء وصل أو فصل وإن كذبه في ~~البيع وادعى عليه ألفا أخرى إن وصل يصدق وإن فصل لا يصدق وهو قول محمد ~~(وجه) قوله الأول أن المقر به ثمن المبيع، والمبيع قد يكون مقبوضا وقد لا ~~يكون إلا أن الغالب هو القبض فكان قوله لم أقبضه بيانا فيه معنى التغيير من ~~حيث الظاهر فيصدق بشرط الوصل كالاستثناء (وجه) قوله الآخر وهو قول محمد أن ~~القبض بعد ثبوت الجهة بتصادقهما يحتمل الوجود والعدم؛ لأن القبض لا يلزم في ~~البيع فكان قوله لم أقبضه تعيينا لبعض ما يحتمله كلامه فكان بيانا محضا فلا ~~يشترط له الوصل لبيان المجمل والمشترك، وإذا كذبه يشترط الوصل لأنه لو ~~اقتصر على قوله لفلان علي ألف درهم لوجب عليه التسليم للمال، فإذا قال: ثمن ~~عبد لم أقبضه، لا يجب عليه التسليم إلا بتسليم العبد فكان بيانا فيه معنى ~~التغيير فلا يصح إلا بشرط الوصل كالاستثناء (ووجه) قول أبي حنيفة - رحمه ~~الله - أن قوله لم أقبضه رجوع عن الإقرار فلا يصح، بيانه أن قوله لفلان علي ~~ألف درهم إقرار بولاية المطالبة للمقر له بالألف ولا تثبت ولاية المطالبة ~~إلا بقبض المبيع فكان الإقرار به إقرارا بقبض المبيع، فقوله لم أقبضه يكون ~~رجوعا عما أقر به فلا يصح ولو قال: لفلان علي ألف درهم ثمن خمر أو خنزير ~~فعليه ألف ولا يقبل تفسيره عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد لا يلزمه ~~شيء (وجه) قولهما أن المقر به مما لا يحتمل الوجوب في ذمة المسلم لأنه ثمن ~~خمر أو خنزير، وذمة المسلم لا تحتمله فلا يصح إقراره أصلا (وجه) قول أبي ~~حنيفة - رحمه الله - أن قوله لفلان علي ألف درهم إقرار بألف واجب في ذمته، ~~وقوله ثمن خمر أو خنزير إبطال لما أقر به لأن ذمة المسلم لا تحتمل ثمن ~~الخمر والخنزير فكان رجوعا فلا يصح ولو قال: اشتريت من فلان عبدا بألف درهم ~~لكني لم أقبضه يصدق، وصل أو ms4456 فصل؛ لأن الشراء قد # PageV07P216 # يتصل به القبض وقد لا يتصل فكان قوله لم أقبض بيانا محضا فيصح متصلا أو ~~منفصلا ولو قال: أقرضني فلان ألف درهم ولم أقبض إنما طلبت إليه القبض ~~فأقرضني ولم أقبض، إن وصل يصدق وإن فصل لا يصدق، وهذا استحسان والقياس أن ~~يصدق وصل أو فصل (وجه) القياس أن المقر به هو القرض وهو اسم للعقد لا للقبض ~~فلا يكون الإقرار به إقرارا بالقبض كما لا يكون الإقرار بالبيع إقرارا ~~بالقبض (وجه) الاستحسان أن تمام القرض بالقبض كما أن تمام الإيجاب بالقبول ~~فكان الإقرار به إقرارا بالقبض ظاهرا لكن يحتمل الانفصال في الحكم فكان ~~قوله لم أقبض بيانا معنى فلا يصح إلا بشرط الوصل كالاستثناء والاستدراك ~~وكذلك لو قال: أعطيتني ألف درهم أو أودعتني أو أسلفتني أو أسلمت إلي وقال ~~لم أقبض لا يصدق إن فصل، وإن وصل يصدق؛ لأن الإعطاء والإيداع والإسلاف ~~يستدعي القبض حقيقة خصوصا عند الإضافة فلا يصح منفصلا لكن يحتمل العدم في ~~الجملة فيصح متصلا ولو قال بعتني دارك أو آجرتني أو أعرتني أو وهبتني أو ~~تصدقت علي وقال لم أقبض يصدق وصل أم فصل أما البيع والإجارة والإعارة؛ لأن ~~القبض ليس بشرط لصحة هذه التصرفات فلا يكون الإقرار بها إقرارا بالقبض وأما ~~الهبة والصدقة فلأن الهبة اسم للركن وهو التمليك وكذلك الصدقة وإنما القبض ~~فيهما شرط الحكم ولهذا لو حلف لا يهب ولا يتصدق ففعل ولم يقبض الموهوب له ~~والمتصدق عليه يحنث ولو قال: نقدتني ألف درهم أو دفعت إلي ألف درهم وقال لم ~~أقبض، إن فصل لا يصدق بالإجماع، وإن وصل لا يصدق عند أبي يوسف، وعند محمد ~~يصدق وجه قوله أن النقد والدفع يقتضي القبض حقيقة بمنزلة الأداء والتسليم ~~والإعطاء والإسلام ويحتمل الانفصال في الجملة فيصح بشريطة الوصل كما في هذه ~~الأشياء (وجه) قول أبي يوسف أن القبض من لوازم هذين الفعلين أعني النقد ~~والدفع خصوصا عند صريح الإضافة، والإقرار بأحد المتلازمين إقرار بالآخر ~~فقوله لم أقبض يكون رجوعا ms4457 عما أقر به فلا يصح وعلى هذا إذا قال لرجل: أخذت ~~منك ألف درهم وديعة فهلكت عندي فقال الرجل: لا بل أخذتها غصبا، لا يصدق فيه ~~المقر، والقول قول المقر له مع يمينه والمقر ضامن ولو قال المقر له: لا بل ~~أقرضتك، فالقول قول المقر مع يمينه (ووجه) الفرق أن أخذ مال الغير سبب ~~لوجوب الضمان في الأصل لقول النبي - عليه الصلاة والسلام - «على اليد ما ~~أخذت حتى ترد» فكان الإقرار بالأخذ إقرارا بسبب الوجوب فدعوى الإذن تكون ~~دعوى البراءة عن الضمان وصاحبه ينكر فكان القول قوله مع يمينه بخلاف قوله ~~أقرضتك لأن إقراره بالقبض إقرار بالأخذ بالإذن فتصادقا على أن الأخذ كان ~~بإذن والأخذ بإذن لا يكون سببا لوجوب الضمان في الأصل فكان دعوى الإقراض ~~دعوى الأخذ بجهة الضمان فلا يصدق إلا ببينة ولو قال: أودعتني ألف درهم أو ~~دفعت إلي ألف درهم وديعة أو أعطيتني ألف درهم وديعة فهلكت عندي، وقال المقر ~~له: لا بل غصبتها مني كان القول قول المقر مع يمينه لأنه ما أقر بسبب وجوب ~~الضمان إذ المقر به هو الإيداع والإعطاء وإنهما ليسا من أسباب الضمان ولو ~~قال له: أعرتني ثوبك أو دابتك فهلكت عندي، وقال المقر له غصبت مني نظر في ~~ذلك: إن هلك قبل اللبس أو الركوب فلا ضمان عليه؛ لأن المقر به الإعارة ~~وإنها ليست بسبب لوجوب الضمان وإن هلك بعد اللبس والركوب فعليه الضمان؛ لأن ~~لبس ثوب الغير وركوب دابة الغير سبب لوجوب الضمان في الأصل فكان دعوى الإذن ~~دعوى البراءة عن الضمان فلا يثبت إلا بحجة وكذلك إذا قال له: دفعت إلي ألف ~~درهم مضاربة فهلكت عندي فقال المقر له: بل غصبتها مني أنه إن هلك قبل ~~التصرف فلا ضمان عليه، وإن هلك بعده يضمن لما قلنا في الإعارة ولو أقر بألف ~~درهم مؤجلة بأن قال: لفلان علي ألف درهم إلى شهر، وقال المقر له: لا بل هي ~~حالة فالقول قول المقر له؛ لأن هذا إقرار على نفسه، ودعوى ms4458 الأجل على الغير ~~فإقراره مقبول ولا تقبل دعواه إلا بحجة ويحلف المقر له على الأجل لأنه منكر ~~للأجل، والقول قول المنكر مع اليمين وهذا بخلاف ما إذا أقر وقال: كفلت ~~لفلان بعشرة دراهم إلى شهر، وقال المقر له لا بل كفلت بها حالة أن القول ~~قول المقر عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الظاهر شاهد للمقر؛ لأن الكفالة تكون ~~مؤجلة عادة بخلاف الدين، والله تعالى أعلم وعلى هذا إذا أقر أنه اقتضى من ~~فلان ألف درهم كانت له عليه وأنكر المقر # PageV07P217 # له أن يكون له عليه شيء، وقال هو مالي قبضته مني، فالقول قوله مع يمينه ~~ويؤمر بالرد إليه لأن الإقرار بالاقتضاء إقرار بالقبض، والقبض سبب لوجوب ~~الضمان في الأصل بالنص فكان الإقرار بالقبض إقرارا بوجود سبب وجوب الضمان ~~منه فهو بدعوة القبض بجهة الاقتضاء يدعي براءته عن الضمان، وصاحبه ينكر ~~فيكون القول قوله مع يمينه وكذلك إذا أقر أنه قبض منه ألف درهم كانت عنده ~~وديعة وأنكر المقر له فالقول قول المقر له لما قلنا. # ولو قال: أسكنت فلانا بيتي ثم أخرجته وادعى الساكن أنه له فالقول قول ~~المقر عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد القول قول الساكن مع يمينه ولو ~~قال: أعرته دابتي ثم أخذتها منه، وقال صاحبه: هي لي فهو على هذا الاختلاف. # (وجه) قولهما أن قوله أسكنته داري ثم أخرجته وأعرته دابتي ثم أخذتها منه ~~إقرار منه باليد لهما ثم الأخذ منهما فيؤمر بالرد عليهما لقوله - عليه ~~الصلاة والسلام - «على اليد ما أخذت حتى ترد» ولهذا لو غايباه سكن الدار ~~فزعم المقر أنه أعارهما (1) منه لم يقبل قوله فكذا إذا أقر وجه قول أبي ~~حنيفة أن المقر به ليس هو اليد المطلقة بل اليد بجهة الإعارة والسكنى، وهذا ~~لأن اليد لهما ما عرفت إلا بإقراره فبقيت على الوجه الذي أقر به فيرجع في ~~بيان كيفية اليد إليه ولو أقر فقال: إن فلانا الخياط خاط قميصي بدرهم وقبضت ~~منه القميص وادعى الخياط أنه له فهو على هذا ms4459 الاختلاف الذي ذكرنا ولو قال: ~~خاط لي هذا القميص ولم يقل قبضه منه لم يؤمر بالرد عليه بالإجماع لأنه إذا ~~لم يقبل قبضه منه لم يوجد منه الإقرار باليد للخياط لجواز أنه خاطه في بيته ~~فلم تثبت يده عليه فلا يجبر على الرد هذا إذا لم يكن الدار والثوب معروفا ~~له فإن كان معروفا للمقر فالقول قوله بالإجماع لأنه إذا لم يكن معروفا له ~~كان قول صاحبه هو لي منه دعوى التملك فلا يسمع منه إلا ببينة ولو أقر أن ~~فلانا ساكن في هذا البيت والبيت لي وادعى ذلك الرجل البيت فهو له وعلى ~~المقر البينة؛ لأن الإقرار بالسكنى إقرار باليد فصار هو صاحب يد فلا يثبت ~~الملك للمدعي إلا ببينة. # ولو أقر أن فلانا زرع هذه الأرض أو بنى هذه الدار أو غرس هذا الكرم وذلك ~~في يدي المقر وادعى المقر له أنه له فالقول قول المقر لأن الإقرار بالزرع ~~والغرس والبناء لا يكون إقرارا باليد لجواز وجودها في يد الغير فلا يؤمر ~~بالرد إليه، والله تعالى أعلم وعلى هذا أن من أعتق عبده ثم أقر المولى أنه ~~أخذ منه هذا الشيء في حال الرق وهو قائم بعينه وقال العبد: لا بل أخذته بعد ~~العتق فالقول قول العبد ويؤمر بالرد إليه بالإجماع؛ لأن قول العبد يقتضي ~~وجوب الرد وقول المولى لا ينفي الوجوب بل يقتضيه لأن الأخذ في الأصل سبب ~~لوجوب ضمان الرد، والإضافة إلى حال الرق لا تنفي الوجوب فإن المولى إذا أخذ ~~كسب عبده المأذون المديون يلزمه الرد إليه ولو أقر بالإتلاف بأن قال: أتلفت ~~عليك مالا وأنت عبدي، وقال العبد: لا بل أتلفته وأنا حر فالقول قول العبد ~~عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد القول قول المولى وعلى هذا الاختلاف ~~إذا قال المولى: قطعت يدك قبل العتق، وقال العبد: لا بل قطعتها بعد العتق ~~ولو تنازعا في الضريبة فقال المولى: أخذت منك ضريبة كل شهر كذا، وهي ضريبة ~~مثله، وقال العبد: لا بل كان بعد ms4460 العتق فالقول قول المولى بالاتفاق. # وكذلك لو ادعى المولى وطء الأمة قبل العتق وادعت الأمة بعد العتق فالقول ~~قول المولى بالإجماع (وجه) قول محمد وزفر - رحمهما الله - أن المولى ينكر ~~وجوب الضمان فكان القول قوله، وهذا لأنه أضاف الضمان إلى حال الرق حيث قال: ~~أتلفت وهو رقيق والرق ينافي الضمان، إذ المولى لا يجب عليه لعبده ضمان فكان ~~منكرا وجوب الضمان، والعبد بقوله أتلفت بعد العتق يدعي وجوب الضمان عليه ~~وهو ينكر فكان القول قوله، ولهذا كان القول قوله في الغلة والوطء، كذا هذا ~~(وجه) قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - أن اعتبار قول العبد ~~يوجب الضمان على المولى لأن إتلاف مال الحر يوجب الضمان واعتبار قول المولى ~~لا ينفي الوجوب لأنه أقر بالأخذ والأخذ في الأصل سبب لوجوب الضمان، ~~والإضافة إلى حال الرق لا تنفي الوجوب فإن إتلاف كسب العبد المأذون المديون ~~دينا مستغرقا للرقبة والكسب موجب للضمان فإذا وجد الموجب وانعدم المانع بقي ~~خبره واجب القبول بخلاف الوطء والغلة؛ لأن وطء الرقيقة لا يوجب الضمان ~~أصلا، وكذلك أخذ ضريبة العبد وهي الغلة لا يوجب الضمان على المولى فإن ~~المولى إذا أخذ ضريبة العبد وعليه دين مستغرق ليس للغرماء حق الاسترداد على ~~ما مر في كتاب المأذون فكان المولى بقوله كان # PageV07P218 # قبل العتق منكرا وجوب الضمان، فكان القول قوله مع ما أن الظاهر شاهد ~~للمولى؛ لأن الأصل في الوطء أن لا يكون سببا لوجوب الضمان لأنه إتلاف منافع ~~البضع، والأصل في المنافع أن لا تكون مضمونة بالإتلاف فترجح خبر المولى ~~بشهادة الأصل له فكان أولى بالقبول كما في الإخبار عن طهارة الماء ونجاسته ~~فأما الأصل في أخذ المال أن يكون سببا لوجوب الضمان فكان الظاهر شاهدا ~~للعبد وكذلك الغلة لأنها بدل المنفعة، والمنافع في الأصل غير مضمونة، والله ~~- سبحانه وتعالى - أعلم وعلى هذا إذا استأمن الحربي أو صار ذمة فقال له رجل ~~مسلم: أخذت منك ألف درهم وأنت حربي في دار الحرب، فقال له المقر: لا بل ms4461 ~~أخذته وأنا مستأمن أو ذمي في دار الإسلام، والألف قائمة بعينهما، فالقول ~~قول المقر له ويؤمر بالرد إليه بالإجماع قال أخذت منك ألفا فاستهلكتها وأنت ~~حربي في دار الحرب أو قال قطعت يدك وقال المقر له لا بل فعلت وأنا مستأمن ~~أو ذمي في دار الإسلام فالقول قول المقر له ويضمن له المقر ما قطع وأتلف ~~عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد وزفر - رحمهم الله - لا يضمن شيئا ~~(وجه) قول محمد وزفر أن المولى منكر وجوب الضمان لإضافة الفعل إلى حالة ~~منافية للوجوب وهي حالة الحراب والقول قول المنكر. # (وجه) قول أبي حنيفة وأبي يوسف أن الظاهر شاهد للعبد إذ العصمة أصل في ~~النفوس، والسقوط بعارض المسقط فالقول قول من يشهد له الأصل وعلى هذا إذا ~~قال: لفلان علي ألف درهم ولم يذكر الوزن يلزمه الألف وزنا لا عددا لأن ~~الدراهم في الأصل موزونة إلا إذا كان الإقرار في بلدة دراهمها عددية فينصرف ~~إلى العدد المتعارف إذا ذكر العدد بأن قال: لفلان علي ألف درهم عددا يلزمه ~~ألف درهم وزنا ويلغو ذكر العدد ويقع على ما يتعارفه أهل البلد من الوزن وهو ~~في ديارنا وخراسان والعراق وزن سبعة، وهو الذي يكون كل عشرة منها سبعة ~~مثاقيل فإن كان الإقرار في هذه البلاد يلزمه بهذا الوزن، وإن كان الإقرار ~~في بلد يتعاملون فيه بدراهم وزنها ينقص عن وزن سبعة مثاقيل يقع إقراره على ~~ذلك الوزن لانصراف مطلق الكلام إلى المتعارف حتى لو ادعى وزنا أقل من وزن ~~بلده يصدق لأنه يكون رجوعا. # ولو كان في البلد أوزان مختلفة يعتبر فيه الغالب كما في نقد البلد فإن ~~استوت يحمل على الأقل منها؛ لأن الأقل متيقن به والزيادة مشكوك فيها ~~والوجوب في الذمة أو لم يكن والوجوب في أقله لم يكن فمتى وقع الشك في ثبوته ~~فلا يثبت مع الشك ولو سمى زيادة على وزن البلد أو أنقص منه بأن قال: لفلان ~~علي ألف درهم وزن خمسة، إن كان موصولا يقبل وإلا ms4462 فلا؛ لأن اسم الدراهم ~~يحتمله لكنه خلاف الظاهر فاحتمل البيان الموصول، ولا يصدق إذا فصل لانصراف ~~الأفهام عند الإطلاق إلى وزن البلد فكان الإخبار عن غيره رجوعا فلا يصح ~~وكذلك إذا قال: لفلان علي ألف درهم مثاقيل يلزمه ذلك لأنه زاد على الوزن ~~المعروف وهو غير متهم في الإقرار على نفسه بالزيادة فيقبل منه ولو أقر وهو ~~ببغداد فقال: لفلان علي ألف درهم طبرية يلزمه ألف درهم طبرية لكن بوزن سبعة ~~لأن قوله طبرية خرج وصفا للدراهم أي دراهم منسوبة إلى طبرستان فلا يوجب ~~تغيير وزن البلد وكذلك إذا قال: لفلان علي كر حنطة موصلية، والمقر ببغداد ~~يلزمه كر حنطة موصلية لكن بكيل بغداد لما قلنا. # ولو قال: لفلان علي دينار شامي أو كوفي فعليه أن يعطيه دينارا واحدا وزنه ~~مثقال، ولا يجوز أن يعطيه دينارين وزنهما جميعا مثقال، بخلاف الدراهم أنه ~~إذا أعطاه درهمين صغيرين مكان درهم واحد كبير أنه يجبر على القبول كذا ذكر ~~في الكتاب وكان في عرفهم أن الدينار إذا كان ناقص الوزن يكون ناقص القيمة ~~فكان نقصان الوزن فيه وضيعة، كذلك اعتبر الوزن والعدد جميعا وفي الدراهم ~~بخلاف فأما في عرف ديارنا فالعبرة للوزن، فسواء أعطاه دينارا واحدا أو ~~دينارين يجبر على القبول بعد أن يكون وزنهما مثقالا، وكذلك لو قال: لفلان ~~علي قفيز حنطة فهو بقفيز البلد، وكذلك الأوقار والأمنان لما قلنا في ~~الدراهم، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # وأما الذي يدخل على قدر المقر به فهو أن يكون المقر به مجهول القدر وأنه ~~في الأصل لا يخلو من أحد وجهين إما أن يذكر عددا واحدا وإما أن يجمع بين ~~عددين، فالأول نحو أن يقول: لفلان علي دراهم أو دنانير لا يصدق في أقل من ~~ثلاثة؛ لأن الثلاثة أقل الجمع الصحيح فكان ثابتا بيقين، وفي الزيادة عليها ~~شك وحكم الإقرار لا يلزم بالشك. # ولو قال: لفلان علي دريهم # PageV07P219 # أو دنينير فعليه درهم تام ودينار كامل لأن التصغير له قد يذكر لصغر الحجم ~~وقد يذكر لاستحقار ms4463 الدرهم واستقلاله وقد يذكر لنقصان الوزن فلا ينقص عن ~~الوزن بالشك وروي عن أبي يوسف فيمن قال: لفلان علي شيء من دراهم أو شيء من ~~الدراهم أن عليه ثلاثة دراهم لأنه أجمل الشيء وفسره بدراهم أي الشيء الذي ~~هو دراهم كما في قوله تبارك وتعالى {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} [الحج: 30] ~~أي الرجس التي هي أوثان والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # ولو قال: لفلان علي دراهم مضاعفة لا يصدق في أقل من ستة؛ لأن أقل الجمع ~~الصحيح للدراهم ثلاثة، وأقل التضعيف مرة واحدة فإذا ضعفنا الثلاثة مرة تصير ~~ستة ولو قال: لفلان علي دراهم أضعافا مضاعفة لا يصدق في أقل من ثمانية عشر ~~لما بينا أن الدراهم المضاعفة ستة، وأقل أضعاف الستة ثلاث مرات فذلك ثمانية ~~عشر. # ولو قال: لفلان علي عشرة دراهم وأضعافها مضاعفة لا يصدق في أقل من ثمانين ~~لأنه ذكر عشرة دراهم وضاعف عليها أضعافها مضاعفة، وأقل أضعاف العشرة ثلاثون ~~فذلك أربعون، وأقل تضعيف الأربعين مرة فذلك ثمانون. # وروي عن محمد فيمن قال: لفلان علي غير ألف أن عليه ألفين ولو قال: غير ~~ألفين، عليه أربعة آلاف؛ لأن غير من أسماء الإضافة فيقتضي ما يغايره ~~لاستحالة مغايرة الشيء نفسه فاقتضى ألفا تغاير الألف الذي عليه فصار معناه: ~~لفلان علي غير ألف أي غير هذا الألف ألف آخر فكان إقرارا بألفين، وكذا هذا ~~الاعتبار في قوله غير ألفين، ويحتمل أن يكون قوله غير ألف أي مثل ألف؛ لأن ~~المغايرة من لوازم المماثلة لاستحالة كون الشيء مماثلا لنفسه ولهذا قيل في ~~حدها: غير أن ينوب كل واحد منهما مناب صاحبه ويسد مسده والملازمة بين شيئين ~~طريق الكتابة فصحت الكتابة عن المماثلة بالمغايرة، فإذا قال: لفلان علي غير ~~ألف درهم فكأنه قال مثل ألف ومثل الألف ألف مثله فكان إقرارا بألفين، وكذا ~~هذا الاعتبار في قوله غير ألفين. # ولو قال علي زهاء ألف أو عظم ألف أو جل ألف فعليه خمسمائة وشيء؛ لأن هذه ~~عبارات عن أكثر هذا القدر في العرف وكذا ms4464 إذا قال: قريب من ألف؛ لأن خمسمائة ~~وشيئا أقرب إلى الألف من خمسمائة ولو قال: لفلان علي دراهم كثيرة لا يصدق ~~في أقل من عشرة دراهم عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهم الله - لا ~~يصدق في أقل من مائتي درهم (وجه) قولهما أن المقر به دراهم كثيرة وما دون ~~المائتين في حد القلة، ولهذا لم يعتبر ما دونه نصاب الزكاة (وجه) قول أبي ~~حنيفة - رضي الله عنه - أنه جعل الكثرة صفة للدراهم، وأكثر ما يستعمل فيه ~~اسم الدراهم العشرة، ألا ترى أنه إذا زاد على العشرة يقال: أحد عشر درهما ~~واثني عشر درهما هكذا، ولا يقال دراهم فكانت العشرة أكثر ما يستعمل فيه اسم ~~الدراهم فلا تلزمه الزيادة عليها ولو قال: لفلان علي مال عظيم أو كثير لا ~~يصدق في أقل من مائتي درهم في المشهور وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله - أن ~~عليه عشرة (وجه) ما روي عنه أنه وصف المال بالعظم، والعشرة لها عظم في ~~الشرع، ألا ترى أنه علق قطع اليد بها في باب السرقة، وقدر بها بدل البضع ~~وهو المهر في باب النكاح. # (وجه) القول المشهور أن العشرة لا تستعظم في العرف وإنما يستعظم النصاب ~~ولهذا استعظمه الشرع حيث علق وجوب المعظم وهو الزكاة به فكان هذا أقل ما ~~استعظمه الشرع عرفا فلا يصدق في أقل من ذلك وقيل: إن كان الرجل غنيا يقع ~~على ما يستعظم عند الأغنياء، وإن كان فقيرا يقع على ما يستعظم عند الفقراء ~~ولو قال: علي أموال عظام فعليه ستمائة درهم؛ لأن " عظام " جمع عظيم، وأقل ~~الجمع الصحيح ثلاثة وهذا على المشهور من الروايات فأما على ما روي عن أبي ~~حنيفة - رضي الله عنه - فيقع على ثلاثين درهما ولو قال: غصبت فلانا إبلا ~~كثيرة فهو على خمس وعشرين لأنه وصف بالكثرة ولا تكثر إلا إذا بلغت نصابا ~~تجب الزكاة فيها في جنسها، وأقل ذلك خمس وعشرون ولو قال: لفلان علي حنطة ~~كثيرة فعند أبي حنيفة - رحمه الله - البيان إليه، ms4465 وعندهما لا يصدق في أقل ~~من خمسة أوسق بناء على أن النصاب في باب العشر ليس بشرط عند أبي حنيفة، ~~وعندهما شرط ولو قال: لفلان علي ما بين مائة إلى مائتين أو من مائة إلى ~~مائتين فعليه مائة وتسعة وتسعون عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد عليه ~~مائتان، وعند زفر عليه تسعة وتسعون. # وكذلك إذا قال: لفلان علي ما بين درهم إلى عشرة أو من درهم إلى عشرة ~~فعليه تسعة دراهم عند أبي حنيفة، وعندهما # PageV07P220 # عليه عشرة، وعند زفر عليه ثمانية ولو قال: ما بين هذين الحائطين لفلان، ~~لم يدخل الحائطان في إقراره بالإجماع لو وضع بين يديه عشرة مرتبة فقال: ما ~~بين هذا الدرهم إلى هذا الدرهم وأشار إلى الدرهمين لفلان لم يدخل الدرهمان ~~تحت إقراره بالاتفاق، والأصل فيه أن الغايتان لا يدخلان، وعندهما يدخلان، ~~وعند أبي حنيفة يدخل الأول دون الآخر وجه قول زفر أن المقر به ما ضربت به ~~الغاية لا الغاية فلا تدخل الغاية تحت ما ضربت له الغاية وهنا لم يدخل في ~~باب البيع (وجه) قولهما أنه لما جعلهما غايتين فلا بد من وجودهما ومن ضرورة ~~وجودهما لزومهما (وجه) قول أبي حنيفة الرجوع إلى العرف والعادة فإن من تكلم ~~بمثل هذا الكلام يريد به دخول الغاية الأولى دون الثانية ألا ترى أنه إذا ~~قيل: سن فلان ما بين تسعين إلى مائة لا يراد به دخول المائة، كذا ههنا ولو ~~قال: لفلان علي ما بين كر شعير إلى كر حنطة فعليه كر شعير وكر حنطة إلا ~~قفيزا على قياس قول أبي حنيفة، وعندهما عليه كران ولو قال: لفلان علي من ~~درهم إلى عشرة دنانير أو من دينار إلى عشرة دراهم فعند أبي حنيفة - رحمه ~~الله - عليه أربعة دنانير وخمسة دراهم تجعل الغاية الأخيرة من أفضلهما، ~~وعندهما عليه خمسة دنانير وخمسة دراهم، وعند زفر عليه من كل جنس أربعة ولو ~~قال له علي من عشرة دراهم إلى عشرة دنانير عليه عشرة دراهم وتسعة دنانير ~~عند أبي ms4466 حنيفة - رحمه الله - وكذلك لو قال له علي من عشرة دنانير إلى عشرة ~~دراهم قدم أو أخر، وعندهما عليه الكل وكذلك هذا الاختلاف في الوصية ~~والطلاق. # ولو قال: لفلان علي خمسة دراهم في خمسة دراهم ونوى الضرب والحساب فعليه ~~خمسة، وقال زفر عليه خمسة وعشرون (وجه) قوله أن خمسة في خمسة على طريق ~~الضرب والحساب خمسة وعشرون فيلزمه ذلك. # (ولنا) أن الشيء لا يتكثر في نفسه بالضرب وإنما يتكثر بأجزائه فخمسة في ~~خمسة له خمسة أجزاء فيلزمه ذلك بالإقرار وإن نوى به خمسة مع خمسة فعليه ~~عشرة؛ لأن " في " تحتمل " مع " لمناسبة بينهما في معنى الاتصال ولو أقر ~~بتمر في قوصرة فعليه التمر والقوصرة جميعا وكذلك إذا قال: غصبت من فلان ~~ثوبا في منديل يلزمه الثوب والمنديل، وهذا عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله ~~- لا يلزمه الظرف ولو أقر بدابة في إصطبل لا يلزمه الإصطبل بالإجماع (وجه) ~~قول الشافعي - رحمه الله - أن الداخل تحت الإقرار التمر والثوب لا القوصرة ~~والمنديل؛ لما ذكرنا أن ذلك ظرفا فالإقرار بشيء في ظرفه لا يكون إقرارا به ~~وبظرفه كالإقرار بدابة في الإصطبل وبنخلة في البستان أنه لا يكون إقرارا ~~بالإصطبل والبستان. # (ولنا) أن الإقرار بالتمر في قوصرة إقرار بوجود سبب وجوب الضمان فيهما ~~وكذلك الإقرار بغصب الثوب في منديل؛ لأن الثوب يغصب مع المنديل الملفوف فيه ~~عادة، وكذلك التمر مع القوصرة. # وأما غصب الدابة مع الإصطبل فغير معتاد مع ما أن العقار لا يحتمل الغصب ~~عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله ولو قال: لفلان علي ثوب في ثوب، ~~فعليه ثوبان لما قلنا ولو قال: ثوب في عشرة أثواب فليس عليه إلا ثوب واحد ~~عند أبي يوسف، وعند محمد - رحمه الله - أحد عشر ثوبا (وجه) قول محمد - رحمه ~~الله - أنه جعل عشرة أثواب ظرفا لثوب واحد، وذلك محتمل بأن يكون في وسط ~~العشرة فأشبه الإقرار بثوب في منديل أو في ثوب. # (وجه) قول أبي يوسف أن ما ذكره محمد ممكن لكنه غير معتاد ومطلق الكلام ms4467 ~~للمعتاد هذا إذا ذكر عددا واحدا مجملا فإن ذكر عددا واحدا معلوما لكن أضافه ~~إلى صنفين بأن قال: لفلان علي مائتا مثقال ذهب وفضة أو كرا حنطة وشعير فله ~~من كل واحد منهما النصف وكذلك لو سمى أجناسا ثلاثة فعليه من كل واحد الثلث ~~وكذلك لو تزوج على ذلك لأنه ذكر عددا واحدا وأضافه إلى عددين من غير بيان ~~حصة كل واحد منهما فتكون حصة كل واحد منهما على السواء كما إذا أضافه إلى ~~شخص واحد بأن أقر بمائتي درهم لرجلين فإن لكل واحد منهما النصف، كذا هذا ~~ولو قال: استودعني ثلاثة أثواب زطي ويهودي فالقول قول المقر إن شاء جعل ~~زطيين ويهوديا، وإن شاء جعل يهوديين وزطيا لأنه جعل الأثواب الثلاثة من جنس ~~الزطي واليهودي فيكون زطي ويهودي مرادا بيقين فكان البيان في الآخر إليه ~~لتعذر اعتبار المساواة فيه. # ولو قال: استودعني عشرة أثواب هروية ومروية كان من كل صنف النصف؛ لأن ~~اعتبار المساواة ههنا ممكن وأما إذا جمع بين عددين فلا يخلو إما أن جمع بين ~~عددين مجملين وإما إن أجمل # PageV07P221 # أحدهما وبين الآخر فإن جمع بين عددين مجملين بأن قال: لفلان علي كذا كذا ~~درهما، لا يصدق في أقل من أحد عشر درهما لأنه جمع بين عددين مبهمين وجعلهما ~~اسما واحدا من غير حرف الجمع وذلك يحتمل أحد عشر واثني عشر هكذا إلى تسعة ~~عشر إلا أن أقل عدد يعبر عنه بهذه الصيغة أحد عشر فيحمل عليه لكونه متيقنا ~~به ويلزمه أحد عشر درهما لأنه فسر هذا العدد بالدراهم لا بغيرها ولو قال: ~~لفلان علي كذا وكذا درهما لا يصدق في أقل من إحدى وعشرين درهما لأنه جمع ~~بين عددين مبهمين بحرف الجمع وجعلهما اسما واحدا، وأقل ذلك إحدى وعشرون ~~وأما إذا أجمل أحدهما وبين الآخر فنحو أن يقول: لفلان علي عشرة دراهم ونيف ~~فعليه عشرة والقول قوله في النيف من درهم أو أكثر أو أقل لأنه عبارة عن ~~مطلق الزيادة ولو قال: لفلان علي بضع وخمسون ms4468 درهما لا يصدق في بيان البضع ~~في أقل من ثلاثة دراهم؛ لأن البضع في اللغة اسم لقطعة من العدد، وفي عرف ~~اللغة يستعمل في الثلاثة إلى التسعة فيحمل على أقل المتعارف لأنه متيقن به ~~ولو قال: لفلان علي عشرة دراهم ودانق أو قيراطا فالدانق والقيراط من ~~الدراهم لأنه عبارة عن جزء من الدراهم كأنه قال: لفلان علي عشرة وسدس ولو ~~قال: لفلان علي مائة ودرهم فالمائة دراهم ولو قال: مائة ودينار فالمائة ~~دنانير ويكون المعطوف عليه من جنس المعطوف وهذا استحسان والقياس أن يلزمه ~~درهم والقول قوله في المائة. # (وجه) القياس أنه أبهم المائة وعطف الدرهم عليها فيعتبر تصرفه على حسب ما ~~أوقعه فيلزمه درهم والقول في المبهم قوله (وجه) الاستحسان أن قوله: لفلان ~~علي مائة ودرهم أي مائة درهم ودرهم، هذا معنى هذا في عرف الناس، إلا أنه ~~حذف الدرهم طلبا للاختصار على ما عليه عادة العرب من الإضمار والحذف في ~~الكلام وكذلك لو قال: لفلان علي مائة وشاة فالمائة من الشياه عليه الناس ~~ولو قال: لفلان علي مائة وثوب فعليه ثوب، والقول في المائة قوله؛ لأن مثل ~~هذا لا يستعمل في بيان كون المعطوف عليه من جنس المعطوف فبقيت المائة مجملة ~~فكان البيان فيما أجمل عليه وكذلك إذا قال: مائة وثوبان ولو قال: مائة ~~وثلاثة أثواب فالكل ثياب؛ لأن قوله مائة وثلاثة كل واحد منهما مجمل، وقوله ~~أثواب يصلح تفسيرا لهما فجعل تفسيرا لهما وكذلك روي عن أبي يوسف - رحمه ~~الله - فيمن قال: لفلان علي عشرة وعبد أن عليه عبدا، والبيان في العشرة ~~إليه، والله سبحانه وتعالى أعلم وكذلك إذا قال: لفلان علي عشرة ووصيفة أن ~~عليه وصيفة، والبيان في العشرة إليه ولو أقر لرجل بألف في مجلس ثم أقر له ~~بألف أخرى نظر في ذلك: فإن أقر له في مجلس آخر فعليه ألفان عند أبي حنيفة - ~~رحمه الله - وعند أبي يوسف ومحمد عليه ألف واحدة، وهو إحدى الروايتين عن ~~أبي حنيفة - رضي الله عنه - أيضا. # وإن أقر ms4469 له في مجلس واحد فعندهما لا يشكل أن عليه ألفا واحدا وأما عند ~~أبي حنيفة ذكر عن الكرخي أن عليه ألفين وذكر عن الطحاوي أن عليه ألفا واحدا ~~وهو الصحيح (وجه) قول أبي يوسف ومحمد أن العادة بين الناس بتكرار الإقرار ~~بمال واحد في مجلسين مختلفين لتكثير الشهود كما جرت العادة بذلك في مجلس ~~واحد ليفهم الشهود فلا يحمل على إنشاء الإقرار مع الشك (وجه) قول أبي حنيفة ~~أن الألف المذكور في الإقرار الثاني غير الألف المذكور في الإقرار الأول ~~لأنه ذكر كل واحد من الألفين منكرا، والأصل أن النكرة إذا كررت يراد ~~بالثاني غير الأول قال الله تبارك وتعالى {فإن مع العسر يسرا} [الشرح: 5] ~~{إن مع العسر يسرا} [الشرح: 6] حتى قال ابن عباس - رضي الله عنه - لن يغلب ~~عسر يسرين إلا أنا تركنا هذا الأصل في المجلس الواحد للعادة، والله تعالى ~~أعلم. ### | [فصل في شرائط ركن الإقرار] # (فصل) : # وأما شرائط الركن فأنواع لكن بعضها يعم الأقارير كلها وبعضها يخص البعض ~~دون البعض، أما الشرائط العامة فأنواع: منها العقل فلا يصح إقرار المجنون ~~والصبي الذي لا يعقل فأما البلوغ فليس بشرط فيصح إقرار الصبي العاقل بالدين ~~والعين؛ لأن ذلك من ضرورات التجارة على ما ذكرنا في كتاب المأذون إلا أنه ~~لا يصح إقرار المحجور لأنه من التصرفات الضارة المحضة من حيث الظاهر، ~~والقبول من المأذون للضرورة ولم يوجد. # وأما الحرية فليست بشرط لصحة الإقرار فيصح إقرار العبد المأذون بالدين ~~والعين لما بينا في كتاب المأذون، وكذا بالحدود والقصاص، وكذا العبد ~~المحجور يصح إقراره بالمال لكن لا ينفذ على المولى للحال حتى لا تباع رقبته ~~بالدين بخلاف # PageV07P222 # المأذون؛ لأن إقرار المأذون إنما صح لكونه من ضرورات التجارة على ما ذكر ~~في كتاب المأذون، والمحجور لا يملك التجارة فلا يملك ما هو من ضروراتها إلا ~~أنه يصح إقراره في حق نفسه حتى يؤاخذ به بعد الحرية لأنه من أهل الإقرار ~~لوجود العقل والبلوغ إلا أنه امتنع النفاذ على المولى للحال لحقه فإذا ms4470 عتق ~~فقد زال المانع فيؤاخذ به وكذا يصح إقراره بالحدود والقصاص فيؤاخذ به ~~للحال؛ لأن نفسه في حق الحدود والقصاص كالخارج عن ملك المولى ولهذا لو أقر ~~المولى عليه بالحدود والقصاص لا يصح. # وكذلك الصحة ليست بشرط لصحة الإقرار والمرض ليس بمانع حتى يصح إقرار ~~المريض في الجملة لأن صحة إقرار الصحيح برجحان جانب الصدق على جانب الكذب، ~~وحال المريض أدل على الصدق فكان إقراره أولى بالقبول على ما نذكره في موضعه ~~وكذلك الإسلام ليس بشرط لصحة الإقرار لأنه في الإقرار على نفسه غير متهم ~~ومنها أن لا يكون متهما في إقراره لأن التهمة تخل برجحان الصدق على جانب ~~الكذب في إقراره؛ لأن إقرار الإنسان على نفسه شهادة قال الله تعالى {يا ~~أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} [النساء: ~~135] والشهادة على نفسه إقرار دل أن الإقرار شهادة وأنها ترد بالتهمة. # وفروع هذه المسائل تأتي في خلال المسائل إن شاء الله تعالى ومنها الطوع ~~حتى لا يصح إقرار المكره لما ذكرنا في كتاب الإكراه ومنها أن يكون المقر ~~معلوما حتى لو قال: رجلان لفلان على واحد منا ألف درهم، لا يصح لأنه إذا لم ~~يكن معلوما لا يتمكن المقر له من المطالبة فلا يكون في هذا الإقرار فائدة ~~فلا يصح وكذلك إذا قال أحدهما: غصب واحد منا، وكذلك إذا قال: واحد منا زنى ~~أو سرق أو شرب أو قذف؛ لأن من عليه الحد غير معلوم فلا يمكن إقامة الحد. # وأما الذي يخص بعض الأقارير دون البعض فمعرفته مبنية على معرفة أنواع ~~المقر به فنقول - ولا قوة إلا بالله تعالى - إن المقر به في الأصل نوعان: ~~أحدهما حق الله تعالى - عز شأنه - والثاني حق العبد أما حق الله - سبحانه ~~وتعالى - فنوعان أيضا: أحدهما أن يكون خالصا لله تعالى وهو حد الزنا ~~والسرقة والشرب، والثاني أن يكون للعبد فيه حق وهو حد القذف، ولصحة الإقرار ~~بها شرائط ذكرناها في كتاب الحدود. ### | [فصل أنواع المقر به ومنها حق العبد] ms4471 # (فصل) : # وأما حق العبد فهو المال من العين والدين والنسب والقصاص والطلاق والعتاق ~~ونحوها، ولا يشترط لصحة الإقرار بها ما يشترط لصحة الإقرار بحقوق الله ~~تعالى، وهي ما ذكرنا من العدد ومجلس القضاء والعبارة حتى إن الأخرس إذا كتب ~~الإقرار بيده أو أومأ بما يعرف أنه إقرار بهذه الأشياء يجوز بخلاف الذي ~~اعتقل لسانه لأن للأخرس إشارة معهودة فإذا أتى بها يحصل العلم بالمشار ~~إليه، وليس ذلك لمن اعتقل لسانه ولأن إقامة الإشارة مقام العبارة أمر ~~ضروري، والخرس ضرورة لأنه أصلي (فأما) اعتقال اللسان فليس من باب الضرورة ~~لكونه على شرف الزوال بخلاف الحدود لأنه لا يجعل ذلك إقرارا بالحدود لما ~~بينا أن مبنى الحدود على صريح البيان بخلاف القصاص فإنه غير مبني على صريح ~~البيان، فإنه إذا أقر مطلقا عن صفة التعمد بذكر آلة دالة عليه، وهي السيف ~~ونحوه يستوفى بمثله القصاص وكذا لا يشترط لصحة الإقرار بها الصحو حتى يصح ~~إقرار السكران لأنه يصدق في حق المقر له أنه غير صاح أو لأنه ينزل عقله ~~قائما في حق هذه التصرفات فيلحق فيها بالصاحي مع زواله حقيقة عقوبة عليه، ~~وحقوق العباد تثبت مع الشبهات بخلاف حقوق الله تعالى. # لكن الشرائط المختصة بالإقرار بحقوق العباد نوعان: نوع يرجع إلى المقر ~~له، ونوع يرجع إلى المقر به (أما) الذي يرجع إلى المقر له فنوع واحد وهو أن ~~يكون معلوما موجودا كان أو حملا حتى لو كان مجهولا بأن قال لواحد من الناس ~~علي أو لزيد علي ألف درهم لا يصح لأنه لا يملك أحد مطالبته فلا يفيد ~~الإقرار حتى لو عين واحدا بأن قال: عنيت به فلانا يصح، ولو قال لحمل فلانة ~~علي ألف درهم فإن بين جهة يصح وجوب الحق للحمل من تلك الجهة بأن قال المقر: ~~أوصى بها فلان له أو مات أبوه فورثه صح الإقرار؛ لأن الحق يجب له من هذه ~~الجهة فكان صادقا في إقراره فيصح. # وإن أجمل الإقرار لا يصح عند أبي يوسف وعند محمد يصح ms4472 (وجه) قول محمد أن ~~إقرار العاقل يجب حمله على الصحة ما أمكن وأمكن حمله على إقراره على جهة ~~مصححة له وهي ما ذكرنا فوجب # PageV07P223 # حمله عليه (وجه) قول أبي يوسف أن الإقرار المبهم له جهة الصحة والفساد ~~لأنه إن كان يصح بالحمل على الوصية، والإرث يفسد بالحمل على البيع والغصب ~~والقرض فلا يصح مع الشك مع ما أن الحمل في نفسه محتمل الوجود والعدم، والشك ~~من وجه واحد يمنع صحة الإقرار فمن وجهين أولى، والله سبحانه وتعالى أعلم ~~هذا إذا أقر للحمل (أما) إذا أقر بالحمل بأن أقر بحمل جارية أو بحمل شاة ~~لرجل صح أيضا؛ لأن حمل الجارية والشاة مما يحتمل الوجوب في الذمة بأن أوصى ~~له به مالك الجارية والشاة فأقر به والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) الذي يرجع إلى المقر به أما الإقرار بالعين والدين فشرط صحة ~~الفراغ عن تعلق حق الغير فإن كان مشغولا بحق الغير لم يصح؛ لأن حق الغير ~~معصوم محترم فلا يجوز إبطاله من غير رضاه فلا بد من معرفة وقت التعلق ~~ومعرفة محل التعلق (أما) وقت التعلق فهو وقت مرض الموت، فما دام المديون ~~صحيحا فالدين في ذمته فإذا مرض مرض الموت يتعلق بتركته أي يتعين فيها ~~ويتحول من الذمة إليها إلا أنه لا يعرف كون المرض مرض الموت إلا بالموت ~~فإذا اتصل به الموت تبين أن المرض كان مرض الموت من وقت وجوده فتبين أن ~~التعلق يثبت من ذلك الوقت وبيان ذلك الوقت ببيان حكم إقرار المريض والصحيح ~~وما يفترقان فيه وما يتصل به وما يستويان فيه فنقول - وبالله التوفيق - ~~إقرار المريض في الأصل نوعان: إقراره بالدين لغيره وإقراره باستيفاء الدين ~~من غيره (فأما) إقراره بالدين لغيره فلا يخلو من أحد وجهين (أما) إن أقر به ~~لأجنبي أو لوارث: فإن أقر به لوارث فلا يصح إلا بإجازة الباقين عندنا، وعند ~~الشافعي يصح (وجه) قول الشافعي - رحمه الله - أن جهة الصحة للإقرار هي ~~رجحان جانب الصدق على جانب الكذب، وهذا في الوارث ms4473 مثل ما في الأجنبي ثم ~~يقبل إقرار الأجنبي كذا الوارث. # (ولنا) ما روي عن سيدنا عمر وابنه سيدنا عبد الله - رضي الله عنهما - ~~أنهما قالا: إذا أقر المريض لوارثه لم يجز وإذا أقر لأجنبي جاز # ولم يرو عن غيرهما خلاف ذلك فيكون إجماعا ولأنه متهم في هذا الإقرار ~~لجواز أنه آثر بعض الورثة على بعض بميل الطبع أو بقضاء حق موجب للبعث على ~~الإحسان وهو لا يملك ذلك بطريق التبرع والوصية به فأراد تنفيذ غرضه بصورة ~~الإقرار من غير أن يكون للوارث عليه دين فكان متهما في إقراره فيرد، ولأنه ~~لما مرض مرض الموت فقد تعلق حق الورثة بماله ولهذا لا يملك أن يتبرع عليه ~~بشيء من الثلث مع ما أنه خالص ملكه لا حق لأجنبي فيه فكان إقراره للبعض ~~إبطالا لحق الباقين فلا يصح في حقهم ولأن الوصية لم تجز لوارث فالإقرار ~~أولى لأنه لو جاز الإقرار لارتفع بطلان الوصية لأنه يميل إلى الإقرار ~~اختيارا للإيثار بل هو أولى من الوصية لأنه لا يذهب بالوصية إلا الثلث، ~~وبالإقرار يذهب جميع المال فكان إبطال الإقرار إبطال الوصية بالطريق ~~الأولى، ويصح إقرار الصحيح لوارث؛ لأن ما ذكرنا من الموانع منعدمة في ~~إقراره هذا إذا أقر لوارث فإن أقر لأجنبي فإن لم يكن عليه دين ظاهر معلوم ~~في حالة الصحة يصح إقراره من جميع التركة استحسانا والقياس أن لا يصح إلا ~~في الثلث. # (وجه) القياس أن حق الورثة بما زاد على الثلث متعلق ولهذا لم يملك التبرع ~~بما زاد على الثلث لكنا تركنا القياس بالأثر، وهو ما روي عن ابن سيدنا عمر ~~- رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: إذا أقر المريض بدين لأجنبي جاز ذلك من ~~جميع تركته ولم يعرف له فيه من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - مخالف ~~فيكون إجماعا ولأنه في الإقرار للأجنبي غير متهم فيصح، ويصح إقرار الصحيح ~~للأجنبي من جميع المال لانعدام تعلق حق الورثة بماله في حالة الصحة بل ~~الدين في الذمة، وإنما يتعلق بالتركة حالة المرض ms4474 وكذا لو أقر الصحيح بديون ~~لأناس كثيرة متفرقة بأن أقر بدين جاز عليه كله؛ لأن حال الصحة حال الإطلاق ~~لوجود الموجب للإطلاق وإنما الامتناع لعارض تعلق حق الورثة أو للتهمة، وكل ~~ذلك ههنا منعدم ويستوي فيه المتقدم والمتأخر لحصول الكل في حالة الإطلاق ~~ولو أقر المريض بديون لأناس كثيرة متفرقة بأن أقر بدين ثم بدين جاز ذلك كله ~~واستوى فيه المتقدم والمتأخر استواء الكل في التعلق لاستوائهما في زمان ~~التعلق وهو زمان المرض إذ زمن المرض مع امتداده بتجدد أمثاله حقيقة بمنزلة ~~زمان واحد في الحكم فلا يتصور فيه التقدم والتأخر ولو أقر وهو مريض بدين ثم ~~بعين بأن أقر أن هذا الشيء الذي في يده وديعة لفلان فهما دينان ولا تقدم # PageV07P224 # الوديعة لأن إقراره بالدين قد صح فأوجب تعلق حق الغرماء بالعين لكونها ~~مملوكة له من حيث الظاهر، والإقرار الوديعة لا يبطل التعلق؛ لأن حق الغير ~~يصان عن الإبطال ما أمكن وأمكن أن يجعل ذلك إقرارا بالدين لإقراره باستهلاك ~~الوديعة بتقديم الإقرار بالدين عليه، وإذا صار مقرا باستهلاك الوديعة ~~فالإقرار باستهلاك الوديعة يكون إقرارا بالدين لذلك كانا دينين ولو أقر ~~الوديعة أولا ثم أقر بالدين فالإقرار الوديعة أولى لأن الإقرار الوديعة لما ~~صح خرجت الوديعة من أن تكون محلا للتعلق لخروجها عن ملكه فلا يثبت التعلق ~~بالإقرار؛ لأن حق غريم المريض يتعلق بالتركة لا بغيرها ولم يوجد وكذلك لو ~~أقر المريض بمال في يده أنه بضاعة أو مضاربة فحكمه وحكم الوديعة سواء، ~~والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # هذا إذا أقر المريض بالدين وليس عليه دين ظاهر معلوم في حال الصحة يعتبر ~~إقراره فأما إذا كان عليه دين ظاهر معلوم بغير إقراره ثم أقر بدين آخر نظر ~~في ذلك: فإن لم يكن المقر به ظاهرا معلوما بغير إقراره تقدم الديون الظاهرة ~~لغرماء الصحة في القضاء فتقضى ديونهم أولا من التركة فما فضل يصرف إلى غير ~~غرماء الصحة، وهذا عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - يستويان (وجه) قوله ~~أن غريم المرض مع غريم ms4475 الصحة استويا في سبب الاستحقاق وهذا؛ لأن الإقرار ~~إنما كان سببا لظهور الحق لرجحان جانب الصدق على جانب الكذب، وحالة المرض ~~أدل على الصدق لأنها حالة يتدارك الإنسان فيها ما فرط في حالة الصحة فإن ~~الصدق فيها أغلب فكان أولى بالقبول. # (ولنا) أن شرط صحة الإقرار في حق غريم الصحة لم يوجد فلا يصح في حقه، ~~ودليل ذلك أن الشرط فراغ المال عن تعلق حق الغير به لما بينا، ولم يوجد؛ ~~لأن حق غريم الصحة متعلق بماله من أول المرض بدليل أنه لو تبرع بشيء من ~~ماله لا ينفذ تبرعه ولولا تعلق حق الغير به لنفذ لأنه حينئذ كان التبرع ~~تصرفا من الأصل في محل هو خالص ملكه وحكم الشرع في مثله النفاذ فدل عدم ~~النفاذ على تعلق النفاذ، وإذا ثبت التعلق فقد انعدم الفراغ الذي هو شرط صحة ~~الإقرار في حق غريم الصحة فلا يصح في حقه ولأنه إذا لم يعلم وجوبه بسبب ~~ظاهر معلوم سوى إقراره كان متهما في هذا الإقرار في حق غرماء الصحة لجواز ~~أن يكون له ضرب عناية في حق شخص يميل طبعه إلى الإحسان إليه أو بينهما حقوق ~~تبعثه على المعروف والصلة في حقه ولا يملك ذلك بطريق التبرع فيريد به تحصيل ~~مراده بصورة الإقرار فكان متهما في حق أصحاب الديون الظاهرة أنه أظهر ~~الإقرار من غير أن يكون عليه دين فيرد إقراره بالتهمة وكذلك إذا كان عليه ~~دين الصحة فأقر بعبده في يده أنه لفلان لا يصح إقراره في حق غرماء الصحة ~~وكانوا أحق بالغرماء من الذي أقر له لأنه لما مرض مرض الموت فقد تعلق حق ~~الغرماء بالعبد لما بينا وكان الإقرار بالعبد لفلان إبطالا لحقهم فلا يصح ~~إقراره في حقهم هذا الذي ذكرنا إذا لم يكن الدين المقر به ظاهرا معلوما ~~بغير إقراره. # (فأما) إذا كان بأن كان بدلا عن مال ملكه كبدل القرض وثمن المبيع أو بدلا ~~عن مال استهلكه فهو بمنزلة دين الصحة ويقدمان جميعا على دين المرض لأنه ms4476 إذا ~~كان ظاهرا معلوما بسبب معلوم لم يحتمل الرد فيظهر وجوبه بإقراره وتعلقه ~~بالتركة من أول المرض وكذا إذا كان ظاهرا معلوما بسبب معلوم لا يتهم في ~~إقراره، والله - سبحانه وتعالى - أعلم وكذلك إذا تزوج امرأة في مرضه بألف ~~درهم ومهر مثلها ألف درهم جاز ذلك على غرماء الصحة والمرأة تخاصمهم بمهرها ~~لأنه لما جاز النكاح - ولا يجوز إلا بوجوب المهر - كان وجوبه ظاهرا معلوما ~~لظهور سبب وجوبه وهو النكاح فلم يكن وجوبه محتملا للرد فيتعلق بماله ضرورة ~~يحققه أن النكاح إذا لم يجز بدون وجوب المهر، والنكاح من الحوائج الأصلية ~~للإنسان، فكذلك وجوب المهر الذي هو من لوازمه شرعا والمريض غير محجور عن ~~صرف ماله إلى حوائجه الأصلية كثمن الأغذية والأدوية وإن كان عليه دين ~~الصحة، وللصحيح أن يؤثر بعض الغرماء على بعض حتى أنه لو قضى دين أحدهم لا ~~يشاركه فيه الباقون لما بينا أن الدين في حالة الصحة لم يتعلق بالمال بل هو ~~في الذمة فلا يكون في إيثار البعض إبطال حق الباقين إلا أن يقر لرجلين بدين ~~واحد فما قبض أحدهما منه شيئا كان لصاحبه أن يشاركه فيه لأنه قضى دينا ~~مشتركا فكان المقبوض على الشركة وليس للمريض أن يؤثر بعض غرمائه على بعض، ~~سواء كانوا غرماء المرض أو غرماء الصحة حتى أنه لو قضى # PageV07P225 # دين أحدهم شاركه الباقون في المقبوض؛ لأن المرض أوجب تعلق الحق بالتركة، ~~وحقوقهم في التعلق على السواء فكان في إيثار البعض إبطال حق الباقين إلا أن ~~يكون ذلك بدل قرض أو ثمن مبيع بأن استقرض في مرضه أو اشترى شيئا بمثل ~~قيمته، وكان ذلك ظاهرا معلوما فله أن يقضي القرض وينقد الثمن ولا يشاركه ~~الغرماء في المقبوض والمنقود لأن الإيثار في هذه الصورة ليس إبطالا لحق ~~الباقين؛ لأن حقوقهم متعلقة بمعنى التركة لا بصورتها والتركة قائمة من حيث ~~المعنى لقيام بدلها لأن بدل الشيء يقوم مقامة كأنه هو فلم يكن ذلك إبطالا ~~معنى ولو تزوج امرأة أو استأجر أجيرا فنقدهما المهر ms4477 والأجرة لا يسلم لهما ~~المنقود بل الغرماء يتبعونهما ويخاصمونهما بديونهم وكانوا أسوة الغرماء؛ ~~لأن التسليم أعني جعل المنقود سالما لهما إبطال حق الغرماء صورة ومعنى؛ لأن ~~المهر بدل عن ملك النكاح وملك النكاح لا يحتمل تعلق حق الغرماء به وكذلك ~~الأجرة بدل عن المنفعة المستوفاة وهي مما لا يحتمل تعلق الحق به لذلك لزم ~~الاستواء في القسمة، والله - تعالى - أعلم. # وعلى هذا الأصل يخرج تقديم الدين على الوصية والميراث؛ لأن الميراث حق ~~وضع في المال الفارغ عن حاجة الميت، فإذا مات وعليه دين مستغرق للتركة ~~والتركة مشغولة بحاجته فلم يوجد شرط جريان الإرث فيه قال الله تعالى - عز ~~من قائل {من بعد وصية يوصى بها أو دين} [النساء: 12] وقد قدم الدين على ~~الميراث، وسواء كان دين الصحة أو دين المرض؛ لأن الدليل لا يوجب الفصل ~~بينهما وهو ما بينا، وإذا اجتمعت الديون فالغرماء يقسمون التركة على قدر ~~ديونهم بالحصص ولو توى شيء من التركة قبل القسمة اقتسموا الباقي بينهم ~~بالحصص ويجعل التاوي كأنه لم يكن أصلا لأن حق كل واحد منهم تعلق بكل جزء من ~~التركة فكان الباقي بينهم على قدر ديونهم، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان محل تعلق الحق في الإقرار] # (فصل) : # وأما بيان محل تعلق الحق فمحل تعلق الحق هو المال؛ لأن الدين يقضى من ~~المال لا من غيره فيتعلق حق الغرماء بكل متروك وهو مال من العين، والدين، ~~ودية المديون، وأرش الجنايات الواجبة له بالجناية عليه خطأ أو عمدا؛ لأن كل ~~ذلك مال ولا يتعلق بالقصاص في النفس وما دونها حتى لا يصح عفوهم لأنه ليس ~~بمال ولو عفا بعض الورثة عن القصاص حتى انقلب نصيب الباقين مالا يتعلق حق ~~الغرماء به ويقضى منه ديونهم لأنه بدل نفس المقتول فكان حقه فيصرف إلى ~~ديونه كسائر أمواله المتروكة. # وكذلك المديون إذا كانت امرأة يتعلق حق الغرماء بمهرها ويقسم بينهم ~~بالحصص؛ لأن المهر مال، والله - سبحانه وتعالى - أعلم وما عرف من أحكام ~~الأقارير وتفاصيلها في الصحة والمرض ms4478 في إقرار الحر فهو الحكم في إقرار ~~العبد المأذون لأنه يملك الإقرار بالدين والعين لكونه من ضرورات التجارة ~~على ما بينا في كتاب المأذون فكان هو في حكم الإقرار والحر سواء ولو تصرف ~~المأذون في مرضه جازت محاباته من جميع المال ومحاباة الحر المريض لا تجوز ~~إلا من الثلث (ووجه) الفرق أن انحجار الحر عن المحاباة لتعلق حق الورثة، ~~والعبد لا وارث له وحكم تصرفه يقع لمولاه فأشبه الوكيل بالبيع إذا باع في ~~مرض موته وحابى أنه تجوز محاباته من جميع المال، كذا هذا ولو كان على العبد ~~دين وفي يده وفاء بالدين أخذ الغرماء ديونهم وجازت المحاباة فيما بقي من ~~المال، وإن كان الدين محيطا بما في يده يقال للمشتري إن شئت فأد جميع ~~المحاباة وإلا فاردد المبيع، كالحر المريض إذا حابى وعليه دين، والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في إقرار المريض باستيفاء دين وجب له على غيره] # (فصل) : # وأما إقرار المريض باستيفاء دين وجب له على غيره فلا يخلو من أحد وجهين ~~إما أن أقر باستيفاء دين وجب له على وارث، وإما إن أقر باستيفاء دين وجب له ~~على أجنبي فإن أقر باستيفاء دين وجب له على أجنبي فإما إن أقر باستيفاء دين ~~وجب له في حالة الصحة وإما إن أقر باستيفاء دين وجب له في حالة المرض: فإن ~~أقر باستيفاء دين وجب له في حالة الصحة يصح ويصدق في إقراره بالاستيفاء حتى ~~يبرأ الغريم عن الدين، سواء كان الدين الواجب في حالة الصحة بدلا عما ليس ~~بمال نحو أرش جناية أو بدل صلح عن عمد أو كان بدلا عما هو مال نحو بدل قرض ~~أو ثمن مبيع، وسواء لم يكن عليه دين الصحة أو كان عليه دين الصحة. # أما إذا وجب بدلا عما هو مال فلان المريض # PageV07P226 # بهذا الإقرار لم يبطل حق الغرماء؛ لأن المديون استحق البراءة عن الدين ~~بالإقرار باستيفاء الدين حالة الصحة كما استحقها بإيفاء الدين بالتخلية بين ~~المال وبين صاحب الدين، والعارض هو المرض ms4479 وأثره في حجر المريض عما كان له ~~لا في حجره عما كان حقا مستحقا عليه كالعبد المأذون إذا أقر بعد الحجر ~~باستيفاء دين ثبت له في حالة الإذن أنه يصح إقراره لما قلنا، كذا هذا بل ~~أولى؛ لأن حجر العبد أقوى لأنه يصير محجورا عن البيع والشراء، والمريض لا ~~يصير محجورا عن البيع والشراء ثم أثر الحجر هناك ظهر فيما له لا فيما عليه ~~فههنا أولى (وأما) إذا وجب بدلا عما ليس بمال فلأن بالمرض لم يتعلق حق ~~الغرماء بالمبدل وهو النفس لأنه ليس بمال فلا يتعلق بالبدل، وإذا لم يتعلق ~~حقهم به فلا يكون الإقرار باستيفاء الدين إبطالا لحق الغرماء فيصح ويبرأ ~~الغريم وكذلك إذا أقر المولى باستيفاء بدل الكتابة الواقعة في حالة الصحة ~~يصدق ويبرأ المكاتب لما قلنا: هذا إذا أقر باستيفاء دين وجب له في حالة ~~الصحة فأما إذا أقر باستيفاء دين وجب له في حالة المرض فإن وجب بدلا عما هو ~~مال لم يصح إقراره لا يصدق في حق غرماء الصحة ويجعل ذلك منه إقرارا بالدين ~~لأنه لما مرض فقد تعلق حق الغرماء بالمبدل لأنه مال فكان البيع والقرض ~~إبطالا لحقهم عن المبدل إلا أن يصل البدل إليهم فيكون بدلا معنى لقيام ~~البدل مقامه لما أقر بالاستيفاء فلا وصول للبدل إليهم فلم يصح إقراره ~~بالاستيفاء في حقهم فبقي إقرارا بالدين؛ لأن الإقرار بالاستيفاء إقرار ~~بالدين؛ لأن كل من استوفى دينا من غيره يصير المستوفى دينا في ذمة المستوفي ~~ثم تقع المقاصة فكان الإقرار بالاستيفاء إقرارا بالدين وإقرار المريض ~~بالدين - وعليه دين الصحة - لا يصح في حق غرماء الصحة. # وكذلك لو أتلف رجل على المريض شيئا في مرضه فأقر المريض بقبض القيمة منه ~~لم يصدق في ذلك إذا كان عليه دين الصحة؛ لأن الحق كان متعلقا بالمبدل حالة ~~المرض فيتعلق بالبدل ولو أتلف في حالة الصحة فأقر في حالة المرض صح؛ لأن ~~الإقرار بقبض دين الصحة في حالة المرض صحيح وإن كان بدلا عما هو بالمال لما ms4480 ~~بينا، وإن وجب بدلا عما ليس بمال يصح إقراره لأنه بالمرض لم يتعلق حق غرماء ~~الصحة بالمبدل لأنه لا يحتمل التعلق لأنه ليس بمال فلا يتعلق بالبدل فصار ~~الإقرار باستيفائه والإقرار باستيفاء دين وجب له في حال الصحة سواء وذلك ~~صحيح، وكذا هذا. # وكذلك لو أقر رجل للمريض أنه قتل عبدا في مرضه خطأ أو قطع يد العبد أو ~~قامت البينة على ذلك فلزمه نصف القيمة فأقر المريض بالاستيفاء فهو مصدق؛ ~~لأن الواجب بقتل العبد بدل النفس عندنا لا بدل المال بدليل أنه يجب مقدرا ~~كأرش الأحرار حتى لو قطع يد عبد قيمته ثلاثون ألف درهم فعليه عشرة آلاف ~~درهم إلا أحد عشر درهما عند أبي يوسف - رحمه الله - فينقص عشرة عن عشرة ~~آلاف لئلا يبلغ دية الحر وينقص الدرهم الحادي عشر لئلا تبلغ بدل يده بدل ~~نفسه، وعند محمد - رحمه الله - يجب بقطع يد هذا العبد خمسة آلاف إلا عشرة ~~دراهم دل أن أرش يد العبد وجب مقدرا فكان بدلا عما ليس بمال كأرش الحر فلا ~~يتعلق به حق الغرماء فلا يكون الإقرار بالاستيفاء إبطالا لحقهم وكذلك لو ~~كان الجاني قتل العبد متعمدا فصالحه المريض على مال ثم أقر أنه استوفى بدل ~~الصلح جاز وكان مصدقا؛ لأن بدل الصلح بدل عما ليس بمال، والله تعالى أعلم. ### | [فصل في إقرار المريض بدين وجب له على وارثه] # (فصل) : # وإن أقر باستيفاء دين وجب له على وارث لا يصح سواء وجب بدلا عما هو مال ~~أو بدلا عما ليس بمال لأنه إقرار بالدين لما بينا أن استيفاء الدين بطريق ~~المقاصة، وهو أن يصير المستوفى دينا في ذمة المستوفي فكان إقراره ~~بالاستيفاء إقرارا بالدين، وإقرار المريض لوارثه باطل. # وعلى هذا إذا تزوج امرأة فأقرت في مرض موتها أنها استوفت مهرها من زوجها ~~ولا يعلم ذلك إلا بقولها وعليها دين الصحة ثم ماتت قبل أن يطلقها زوجها ولا ~~مال لها غير المهر لا يصح إقرارها ويؤمر الزوج برد المهر إلى الغرماء فيكون ~~بين الغرماء ms4481 بالحصص؛ لأن الزوج وارثها وإقرار المريض بدين وجب له على وارثه ~~لا يصح وإن وجب بدلا عما ليس بمال لما بينا أن ذلك إقرار بالدين للوارث ~~وأنه باطل ولو أقرت في مرضها أنها استوفت المهر من زوجها ثم طلقها الزوج ~~قبل الدخول بها يصح إقرارها؛ لأن الزوج بالطلاق قبل الدخول خرج من أن يكون ~~وارثا لها فلم يكن إقرارها باستيفاء المهر منه إقرارا بالدين للوارث فصح، ~~وليس # PageV07P227 # للزوج أن يضارب الغرماء بنصف المهر فيقول أنها أقرت باستيفاء جميع المهر ~~مني وهي لا تستحق بالطلاق قبل الدخول إلا نصف المهر فصار نصف المهر دينا لي ~~عليها فأنا أضرب مع غرمائها؛ لأن إقرارها بالاستيفاء إنما يصح في حق براءة ~~الزوج عن المهر لا في حق إثبات الشركة في مالها مع غرمائها؛ لأن ديونهم ~~ديون الصحة، وإقرارها للزوج في حالة المرض فلا يصح في حقهم ولو كان الزوج ~~دخل بها فأقرت باستيفاء المهر ثم طلقها طلاقا بائنا أو رجعيا ثم ماتت بعد ~~انقضاء العدة فكذلك الجواب؛ لأن الزوج عند الموت ليس بوارث ولو ماتت قبل ~~انقضاء العدة لا يصح إقرارها (أما) في الطلاق الرجعي فلأن الزوجية باقية ~~والوراثة قائمة (وأما) في البائن فلأن العدة باقية، وكانت ممنوعة من هذا ~~الإقرار لقيام النكاح في حالة العدة فكان النكاح قائما من وجه فلا يزول ~~المنع ما دام المانع قائما من وجه، ولهذا لا تقبل شهادة المعتدة لزوجها وإن ~~كان الطلاق بائنا، وإذا لم يصح إقرارها وعليها ديون الصحة فيستوفي أصحاب ~~ديون الصحة ديونهم فإن فضل من مالها شيء ينظر إلى المهر وإلى ميراثه منها ~~فيسلم له الأقل منهما ومشايخنا يقولون إن هذا الجواب على قول. # أبي حنيفة - رضي الله عنه - (وأما) على قولهما يجب أن يكون إقرارها ~~باستيفاء المهر من الزوج صحيحا في حق التقديم على الورثة في جميع ما أقرت ~~(وأصل) المسألة في كتاب الطلاق في المريض يطلق امرأته بسؤالها ثم يقر لها ~~بمال أنه يصح إقراره عندهما لأنها أجنبية لا ميراث لها منه، ms4482 وأبو حنيفة - ~~رضي الله عنه - يقول لها الأقل من نصيبها من الميراث ومما أقر لها به فهما ~~يعتبران ظاهر كونها أجنبية، وأبو حنيفة - رحمه الله - يقول: يحتمل أنهما ~~تواضعا على ذلك ليقر لها بأكثر من نصيبها فكان متهما فيما زاد على ميراثها ~~في حق سائر الورثة فلم يصح فهذا كذلك، والعبد المأذون في حالة المرض في ~~الإقرار باستيفاء دين الصحة والمرض كالحر؛ لأنه يملك الإقرار باستيفاء ~~الدين وقبضه كالحر، فكل ما صح من الحر يصح منه وما لا فلا، والله تعالى ~~أعلم. ### | [فصل في إقرار المريض بالإبراء] # (فصل) : # وأما إقرار المريض بالإبراء بأن أقر المريض أنه كان أبرأ فلانا من الدين ~~الذي عليه في صحته لا يجوز لأنه لا يملك إنشاء الإبراء للحال فلا يملك ~~الإقرار به بخلاف الإقرار باستيفاء الدين لأنه إقرار بقبض الدين وأنه يملك ~~إنشاء القبض فيملك الإخبار عنه بالإقرار، والله تعالى أعلم. ### | [فصل في الإقرار بالنسب] # (فصل) : # وأما الإقرار بالنسب فهو الإقرار بالوارث وهو نوعان: أحدهما إقرار الرجل ~~بوارث والثاني إقرار الوارث بوارثه، ويتعلق بكل واحد منهما حكمان: حكم ~~النسب وحكم الميراث أما الإقرار بوارث فلصحته في حق ثبات النسب شرائط، ~~منها: أن يكون المقر به محتمل الثبوت؛ لأن الإقرار إخبار عن كائن فإذا ~~استحال كونه فالإخبار عن كائن يكون كذبا محضا، وبيانه أن من أقر بغلام أنه ~~ابنه ومثله لا يلد مثله لا يصح إقراره لأنه يستحيل أن يكون ابنا له فكان ~~كذبا في إقراره بيقين ومنها أن لا يكون المقر بنسبه معروف النسب من غيره، ~~فإن كان لم يصح لأنه إذا ثبت نسبه من غيره لا يحتمل ثبوته له بعده، ومنها ~~تصديق المقر بنسبه إذا كان في يد نفسه؛ لأن إقراره يتضمن إبطال يده فلا ~~تبطل إلا برضاه، ولا يشترط صحة المقر لصحة إقراره بالنسب حتى يصح من الصحيح ~~والمريض جميعا؛ لأن المرض ليس بمانع لعينه بل لتعلق حق الغير أو التهمة فكل ~~ذلك منعدم، أما التعلق فظاهر العدم لأنه لا يعرف التعلق في ms4483 مجهول النسب ~~وكذلك معنى التهمة؛ لأن الإرث ليس من لوازم النسب فإن لحرمان الإرث أسبابا ~~لا تقدح في النسب من القتل والرق واختلاف الدين والدار، والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # ومنها أن يكون فيه حمل النسب على الغير سواء كذبه المقر بنسبه أو صدقه؛ ~~لأن إقرار الإنسان حجة على نفسه لا على غيره لأنه على غيره شهادة أو دعوى ~~والدعوى المفردة ليست بحجة وشهادة الفرد فيما يطلع عليه الرجال، وهو من باب ~~حقوق العباد، غير مقبولة والإقرار الذي فيه حمل نسب الغير على غيره إقرار ~~على غيره لا على نفسه فكان دعوى أو شهادة وكل ذلك لا يقبل إلا بحجة وعلى ~~هذا يجوز إقرار الرجل بخمسة نفر: الوالدين والولد والزوجة والمولى، ويجوز ~~إقرار المرأة بأربعة نفر: الوالدين والزوج والمولى، ولا يجوز بالولد لأنه ~~ليس في الإقرار بهؤلاء حمل نسب الغير على غيره أما الإقرار بالولاء فظاهر ~~لأنه ليس فيه حمل نسب إلى أحد # PageV07P228 # وكذلك الإقرار بالزوجية ليس فيه حمل نسب الغير على غيره لكن لا بد من ~~التصديق لما ذكرنا، ثم إن وجد التصديق في حال حياة المقر جاز بلا خلاف وإن ~~وجد بعد وفاته فإن كان الإقرار من الزوج يصح تصديق المرأة سواء صدقته في ~~حال حياته أو بعد وفاته بالإجماع بأن أقر الرجل بالزوجية فمات ثم صدقته ~~المرأة؛ لأن النكاح يبقى بعد الموت من وجه لبقاء بعض أحكامه في العدة فكان ~~محتملا للتصديق، وإن كان الإقرار بالزوجية من المرأة فصدقها الزوج بعد ~~موتها لا يصح عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد يصح (وجه) قولهما ما ~~ذكرنا أن النكاح يبقى بعد الموت من وجه فيجوز التصديق كما إذا أقر الزوج ~~بالزوجية وصدقته المرأة بعد موته (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن ~~النكاح للحال عدم حقيقة فلا يكون محلا للتصديق إلا أنه أعطي له حكم البقاء ~~لاستيفاء أحكام كانت ثابتة قبل الموت، والميراث حكم لا يثبت إلا بعد الموت ~~فكان زائلا في حق هذا الحكم فلا يحتمل التصديق، والله ms4484 - سبحانه وتعالى - ~~أعلم وأما الإقرار بالولد فلأنه ليس فيه حمل نسب غيره على غيره بل على نفسه ~~فيكون إقرارا على نفسه لا على غيره فيقبل لكن لا بد من التصديق إذا كان في ~~يد نفسه لما قلنا، وسواء وجده في حال حياته أو بعد وفاته؛ لأن النسب لا ~~يبطل بالموت فيجوز التصديق في الحالين جميعا، وكذلك الإقرار بالوالدين ليس ~~فيه حمل نسب غيره على غيره فيكون إقرارا على نفسه لا على غيره فيقبل وكذلك ~~إقرار المرأة بهؤلاء لما ذكرنا إلا الولد؛ لأن فيه حمل نسب غيره على غيره ~~وهو نسب الولد على الزوج فلا يقبل إلا إذا صدقها الزوج أو تشهد امرأة على ~~الولادة بخلاف الرجل؛ لأن فيه حمل نسب الولد على نفسه ولا يجوز الإقرار ~~بغير هؤلاء من العم والأخ؛ لأن فيه حمل نسب غيره على غيره وهو الأب والجد ~~وكذلك الإقرار بوارث في حق حكم الميراث يشترط له ما يشترط للإقرار به في حق ~~ثبات النسب وهو ما ذكرنا إلا شرط حمل النسب على الغير فإن الإقرار بنسب ~~يحمله المقر على غيره لا يصح في حق ثبات النسب أصلا ويصح في حق الميراث لكن ~~بشرط أن لا يكون له وارث أصلا ويكون ميراثه له؛ لأن تصرف العاقل واجب ~~التصحيح ما أمكن، فإن لم يمكن في حق ثبات النسب لفقد شرط الصحة أمكن في حق ~~الميراث، وإن كان ثمة وارث قريبا كان أو بعيدا لا يصح إقراره أصلا ولا شيء ~~له في الميراث بأن أقر بأخ وله عمة أو خالة فميراثه لعمته أو لخالته ولا ~~شيء للمقر له لأنهما وارثان بيقين فكان حقهما ثابتا بيقين فلا يجوز إبطاله ~~بالصرف إلى غيرهما وكذلك إذا أقر بأخ أو ابن ابن وله مولى الموالاة ثم مات ~~فالميراث للمولى ولا شيء للمقر له لأن الولاء من أسباب الإرث ولا يكون ~~إقراره بذلك رجوعا عن عقد الموالاة لانعدام الرجوع حقيقة فبقي العقد وأنه ~~يمنع صحة الإقرار بالمذكور وكذلك لو كان مولى الموالاة هو مولى ms4485 العتاقة من ~~طريق الأولى لأنه عصبته ولو لم يكن له وارث ولكنه أوصى بجميع ماله لرجل ~~فالثلث للموصى له والباقي للأخ المقر به لأنه وارث في زعمه وظنه، ولو كان ~~مع الموصى له بالمال مولى الموالاة أيضا فللموصى له الثلث والباقي للمولى ~~ولا شيء للمقر له؛ لأن الموالاة لا تمنع صحة الوصية لكنها تمنع صحة الإقرار ~~بالمذكور لما بينا وكذلك لو كان مكان مولى الموالاة مولى العتاقة؛ لأن مولى ~~العتاقة آخر العصبات مقدم على ذوي الأرحام، ومولى الموالاة آخر الورثة مؤخر ~~عن ذوي الأرحام فأضعف الولاءين لما منع صحة الإقرار بالمذكور فأقواهما أولى ~~ولو أقر بأخ في مرض الموت وصدقه المقر له ثم أنكر المريض بعد ذلك وقال ليس ~~بيني وبينك قرابة بطل إقراره في حق الميراث أيضا حتى أنه لو أوصى بعد ~~الإنكار بماله لإنسان ثم مات ولا وارث له فالمال كله للموصى له بجميع المال ~~لأن الإنكار منه رجوع، والرجوع عن مثل هذا الإقرار صحيح لأنه يشبه الوصية ~~وإن لم يكن وصية في الحقيقة والرجوع عن الوصية صحيح ولو أنكر وليس هناك ~~موصى له بالمال أصلا فالمال لبيت المال لبطلان الإقرار أصلا بالرجوع، والله ~~تعالى أعلم. # وأما الإقرار بوارث فالكلام فيه في موضعين: أحدهما في حق ثبات النسب، ~~والثاني في حق الميراث أما الأول فالأمر فيه لا يخلو من أحد وجهين: إما إن ~~كان الوارث واحدا وإما إن كان أكثر من واحد بأن مات رجل وترك ابنا فأقر بأخ ~~هل يثبت نسبه من الميت؟ اختلف فيه. # قال أبو حنيفة ومحمد: لا يثبت النسب بإقرار وارث واحد، وقال أبو يوسف: ~~يثبت وبه أخذ # PageV07P229 # الكرخي - رحمه الله - وإن كان أكثر من واحد بأن كانا رجلين أو رجلا ~~وامرأتين فصاعدا يثبت النسب بإقرارهم بالإجماع (وجه) قول أبي يوسف - رحمه ~~الله - أن إقرار الواحد مقبول في حق الميراث فيكون مقبولا في حق النسب ~~كإقرار الجماعة. # (وجه) قول أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما - أن الإقرار بالأخوة إقرار ~~على غيره لما فيه من ms4486 حمل نسب غيره على غيره فكان شهادة وشهادة الفرد غير ~~مقبولة بخلاف ما إذا كانا اثنين فصاعدا؛ لأن شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ~~في النسب مقبولة وأما في حق الميراث فإقرار الوارث الواحد بوارث يصح ويصدق ~~في حق الميراث بأن أقر الابن المعروف بأخ، وحكمه أنه يشاركه فيما في يده من ~~الميراث؛ لأن الإقرار بالأخوة إقرار بشيئين: النسب واستحقاق المال والإقرار ~~بالنسب إقرار على غيره وذلك غير مقبول لأنه دعوى في الحقيقة أو شهادة، ~~والإقرار باستحقاق المال إقرار على نفسه وأنه مقبول، ومثل هذا جائز أن يكون ~~الإقرار الواحد مقبولا بجهة غير مقبول بجهة أخرى كمن اشترى عبدا ثم أقر أن ~~البائع كان أعتقه قبل البيع يقبل إقراره في حق العتق ولا يقبل في حق ولاية ~~الرجوع بالثمن على البائع فعلى ذلك ههنا جاز أن يقبل الإقرار بوارث في حق ~~الميراث، ولا يقبل في حق ثبات النسب. # ولو أقر الابن المعروف بأخت أخذت ثلث ما في يده لأن إقراره قد صح في حق ~~الميراث ولها مع الأخ ثلث الميراث ولو أقر بامرأة أنها زوجة أبيه فلها ثمن ~~ما في يده ولو أقر بجدة هي أم الميت فلها سدس ما في يده، والأصل أن المقر ~~فيما في يده يعامل معاملة ما لو ثبت النسب ولو أقر ابن الميت بابن ابن ~~للميت وصدقه لكن أنكر أن يكون المقر ابنه فالقول قول المقر والمال بينهما ~~نصفان استحسانا، والقياس أن يكون القول قول المقر له والمال كله له ما لم ~~يقم البينة على النسب (وجه) القياس أنهما تصادقا على إثبات وراثة المقر له ~~واختلفا في وراثة المقر فيثبت المتفق عليه ويقف المختلف فيه على قيام ~~الدليل (وجه) الاستحسان أن المقر له إنما استفاد الميراث من جهة المقر فلو ~~بطل إقراره لبطلت وراثته وفي بطلان وراثته بطلان وراثة المقر له وكذلك لو ~~أقر بابنة للميت وصدقته لكنها أنكرت أن يكون المقر ابنه فالقول قول المقر ~~استحسانا لما قلنا ولو أقرت امرأة بأخ للزوج الميت وصدقها ms4487 الأخ ولكنه أنكر ~~أن تكون هي امرأة الميت فالقول قول المقر له عند أبي حنيفة ومحمد وزفر - ~~رحمهم الله تعالى، وهو القياس، وعلى المرأة إثبات الزوجية بالبينة وعند أبي ~~يوسف - رحمه الله - القول قول المرأة والمال بينهما على قدر مواريثها ولو ~~أقر زوج المرأة الميتة بأخ لها وصدقه الأخ لكنه أنكر أن يكون هو زوجها فهو ~~على الاختلاف. # (وجه) قول أبي يوسف قياس هذه المسألة على المسألة الأولى بالمعنى الجامع ~~الذي ذكرناه في المسألة الأولى ولأبي حنيفة - رحمه الله - الفرق بين ~~المسألتين (ووجهه) أن النكاح ينقطع بالموت والإقرار بسبب منقطع لا يسمع إلا ~~ببينة بخلاف النسب ولو ترك ابنين فأقر أحدهما بأخ ثالث فإن صدقه الأخ ~~المعروف في ذلك شاركهما في الميراث كما إذا أقرا جميعا لما بينا وإن كذبه ~~فيه فإنه يقسم المال بين الأخوين المعروفين أولا نصفين فيدفع النصف إلى ~~الأخ المنكر وأما النصف الآخر فيقسم بين الأخ المقر وبين المقر له نصفين ~~عند عامة العلماء. # وعند ابن أبي ليلى أثلاثا ثلثاه للمقر وثلثه للمقر له (وجه) قول ابن أبي ~~ليلى أن من زعم المقر أن المال بين الإخوة الثلاثة أثلاث وأن ثلث المقر له ~~نصفه في يده ونصفه في يد أخيه المنكر على الشيوع إلا أن إقراره على أخيه لا ~~ينفذ فيما في يد أخيه فينفذ فيما في يده فيعطيه ثلث ذلك. # (ولنا) أن من زعم المقر أن حق المقر بنسبه في الميراث حقه وأن المنكر ~~فيما يأخذ من الزيادة وهو النصف التام ظالم فيجعل ما في يده بمنزلة الهالك ~~فيكون النصف الباقي بينهما بالسوية لكل واحد منهما ربع المال ولو أقر ~~أحدهما بأخت فإن صدقه الآخر فالأمر ظاهر، وإن كذبه فيقسم المال أولا نصفين ~~بين الأخوين، النصف للأخ المنكر ثم يقسم النصف الباقي بين الأخ المقر وأخته ~~للذكر مثل حظ الأنثيين ولو أقر أحدهما لامرأة أنها زوجة أبينا فإن صدقه ~~الآخر فالأمر واضح للمرأة الثمن والباقي بينهما لكل واحد منهما سبعة لا ~~تستقيم عليها فتصحح المسألة ms4488 فتضرب سهمين في ثمانية فتصير ستة عشر لها ثمنها ~~والباقي بينهما لكل واحد منهما سبعة، وإن كذبه فلها تسع ما في يده عند عامة ~~العلماء - رضي الله عنهم -. # وعند ابن أبي ليلى - رحمه الله - لها ثمن ما في يده (وجه) قوله في أن زعم ~~المقر أن # PageV07P230 # للمرأة ثمن ما في يدي الأخوين إلا أن إقراره صح فيما في يد نفسه ولم يصح ~~في حق صاحبه، وإذا صح في حق نفسه يعطيها ثمن ما في يده (وجه) قول العامة أن ~~في زعم المقر أن ثمن التركة لها وسبعة أثمانها لهما بينهما على السوية، أصل ~~المسألة وقسمتها ما ذكرنا إلا أن الأخ المنكر فيما يأخذ من الزيادة ظالم ~~فيجعل ما في يده كالهالك ويقسم النصف الذي في يد المقر بينه وبينها على قدر ~~حقهما ويجعل ما يحصل للمقر، وذلك سبعة على تسعة أسهم سهمان من ذلك لها ~~وسبعة أسهم له، وإذا جعل هذا النصف على تسعة صار كل المال على ثمانية عشر: ~~تسعة منها للأخ المنكر وسهمان للمرأة وسبعة أسهم للأخ المقر هذا إذا أقر ~~الوارث بوارث واحد. # فأما إذا أقر بوارث بعد وارث بأن أقر بوارث ثم أقر بوارث آخر فالأصل في ~~هذا الإقرار أنه إن صدق المقر بوراثة الأول وفي إقراره بالوراثة للثاني ~~فالمال بينهم على فرائض الله تعالى، وإن كذبه فيه فإن كان المقر دفع نصيب ~~الأول إليه بقضاء القاضي لا يضمن ويجعل ذلك كالهالك، ويقسمان على ما في يد ~~المقر على قدر حقهما، وإن كان الدفع بغير قضاء القاضي يضمن ويجعل المدفوع ~~كالقائم في يده فيعطى الثاني حقه من كل المال. # بيان هذه الجملة فيمن هلك وترك ابنا فأقر بأخ له من أبيه وأمه فإنه يدفع ~~إليه نصف الميراث لما ذكرنا أن إقراره بالإخوة صحيح في حق الميراث، فإن أقر ~~بأخ آخر فهذا على وجهين: إما أن أقر به بعدما دفع إلى الأول، وإما إن أقر ~~قبل أن يدفع إلى الأول نصيبه، فإن أقر به بعد ما دفع ms4489 إلى الأول نصيبه فإن ~~كان الدفع بقضاء القاضي فللثاني ربع المال ويبقى في يد المقر الربع؛ لأن ~~الربع في القضاء في حكم الهالك لكونه مجبورا في الدفع فيكون الباقي بينهما ~~نصفين؛ لأن في زعم المقر أن الثاني يساويه في استحقاق الميراث فيكون لكل ~~واحد منهما نصف النصف وهو ربع الكل. # وكذلك إذا كان لم يدفع إلى الأول شيئا؛ لأن نصف المال صار مستحق الصرف ~~إليه والمستحق كالمصروف كان دفع إليه بغير قضاء القاضي أعطى الثاني ثلث ~~جميع المال لما ذكرنا أن الدفع بغير قضاء مضمون عليه، والمضمون كالقائم ~~فيدفع ثلث جميع المال إليه ويبقى في يده الثلث فإن دفع ثلث المال إلى ~~الثاني بعد قضاء القاضي ثم أقر بأخ ثالث وكذبه الثالث في الإقرار بالأولين ~~أخذ الثالث من الابن المعروف ربع جميع المال؛ لأن كل المال قائم معنى؛ لأن ~~الدفع بغير القضاء مضمون على الدافع فيأخذ السدس الذي في يد المقر ونصف سدس ~~آخر؛ لأن الدفع إلى الأولين من غير قضاء القاضي لم يصح في حق الثالث فيضمن ~~له قدر نصف سدس فيدفعه مع السدس الذي في يده إليه وعلى هذا إذا ترك ابنين ~~فأقر أحدهما بأخ ثم أقر بأخ آخر فإن صدقه الابن المعروف اشتركوا في ~~الميراث، وإن كذبه فإن صدقه المقر بوراثته الأول فنصف المال بينهم أثلاث ~~لأن إقراره بالوراثة في حقه وفي حق المقر بوراثته الأول صحيح لكنه لم يصح ~~في حق الابن المعروف وكان النصف للابن المعروف، والنصف الباقي بينهم أثلاثا ~~وإن كذبه فإن كان المقر دفع نصف ما في يده وهو ربع جميع المال إليه بقضاء ~~القاضي كان الباقي بينه وبين الثاني نصفين؛ لأن الدفع بقضاء القاضي في حكم ~~الهالك فكان الباقي بينهما نصفين لكل واحد ثمن المال، وإن كان دفع إليه ~~بغير قضاء القاضي فإن كان المقر يعطي الثاني مما في يده وهو ربع المال سدس ~~جميع المال؛ لأن الدفع بغير قضاء مضمون على الدافع فيكون ذلك الربع ~~كالقائم. # ولو أقر أحدهما بأخت ودفع ms4490 إليها نصيبها ثم أقر بأخت أخرى وكذبه الأخ فإن ~~صدقته الأخت الأولى فنصف المال للأخ المنكر والنصف بين الأخ المقر وبين ~~الأختين للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كذبته فإن كان دفع إليها نصيبها وهو ~~ثلث النصف، وذلك سدس الكل بقضاء والباقي بين المقر وبين الأخت الأخرى للذكر ~~مثل حظ الأنثيين لما مر أن المدفوع بغير قضاء في حكم الهالك فلا يكون ~~مضمونا على الدافع، وإن كان الدفع بغير قضاء فإن المقر يعطي للأخت الأخرى ~~مما في يده نصف ربع جميع المال لأن الدفع بغير القضاء إتلاف فصار كأنه قائم ~~في يده وقد أقر بأختين ولو كان كذلك يكون لهما ربع جميع المال لكل واحدة ~~الثمن كذلك ههنا يعطي الأخت الأخرى مما في يده نصف ربع جميع المال، والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم لو أقر أحدهما بامرأة لأبيه ثم أقر بأخرى فإن أقر ~~بهما معا فذلك التسعان لهما جميعا وهذا ظاهر؛ لأن فرض الزوجات لا يختلف ~~بالقلة والكثرة، وإن أقر بالأولى ودفع إليها ثم # PageV07P231 # بالأخرى فإن صدقته الأولى فكذلك الجواب وإن كذبته فالنصف للأخ المنكر ~~وتسعان للأولى فبقي هناك الابن المعروف والمرأة الأخرى فينظر إن كان دفع ~~التسعين إلى الأولى بالقضاء يجعل ذلك كالهالك ويجعل كأن لم يكن له مال سوى ~~الباقي وهو سبعة أسهم، فيكون ذلك بين الابن المقر وبين المرأة الأخرى على ~~ثمانية أسهم: ثمن من ذلك للمرأة وسبعة للابن المقر وإن كان دفع إليها بغير ~~قضاء يعطي من التسعة التي هي عنده سهما للمرأة الأخرى وهو سبع نصف جميع ~~المال لأن المدفوع كالقائم عنده ولو كان نصف المال عنده قائما يعطي الأخرى ~~التسع وذلك سهم؛ لأن المقر به ثمن المال للمرأتين جميعا، والثمن هو تسعان ~~تسع للأولى وتسع للأخرى إلا أن الأولى ظلمت حيث أخذت زيادة سهم، وذلك الظلم ~~حصل على الأخ المقر لأنه هو الذي دفع بغير قضاء القاضي فيدفع التسع الثاني ~~إلى الأخرى وهو سبع نصف المال والباقي للابن وهو ستة أسهم، والله - سبحانه ~~وتعالى - أعلم. # ولو ms4491 مات رجل وترك ابنا معروفا وألف درهم في يده فادعى رجل على الميت ألف ~~درهم فصدقه الابن أو نكل عن اليمين فدفع إلى الغريم ذلك ثم ادعى رجل آخر ~~على الميت ألف درهم فصدقه الابن أو نكل عن اليمين فإن كان دفع إلى الأول ~~بقضاء لم يضمن للثاني شيئا؛ لأنه في الدفع مجبور فكان في حكم الهالك، وإن ~~كان بغير قضاء يضمن للثاني نصف المال لأنه مختار في الدفع فكان إتلافا ~~فيضمن، كما إذا أقر لهما ثم دفع إلى أحدهما ولو مات وترك ألف درهم فأقر بأخ ~~ثم رجع وقال لست بأخ لي وإنما أخي هذا الرجل الآخر وصدقه الآخر بذلك وكذبه ~~في الإقرار الأول، فإن كان دفع النصف إلى الأول بقضاء يشاركه الثاني فيما ~~في يده فيقتسمان نصفين؛ لما بينا أن الدفع بقضاء في حكم الهلاك، وإن كان ~~بغير قضاء يدفع جميع ما في يده وهو نصف المال إلى الآخر لما بينا. # ولو مات وترك ابنا وألف درهم فادعى رجل على الميت ألف درهم فصدقه الوارث ~~ودفع إليه بقضاء أو بغير قضاء وادعى رجل آخر على الميت دينا ألف درهم وكذبه ~~الوارث وصدقه الغريم الأول وأنكر الغريم الثاني دين الغريم الأول لم يلتفت ~~إلى إنكاره ويقتسمان الألف بينهما نصفين؛ لأن استحقاق الغريم الثاني إنما ~~يثبت بإقرار الغريم الأول وهو يصدقه، وهو ما أقر له إلا بالنصف وكذلك لو ~~أقر الغريم الثاني لغريم ثالث فإن الغريم الثالث يأخذ نصف ما في يده لما ~~قلنا ولو مات وترك ألفا في يد رجل فقال الرجل: أنا أخوه لأبيه وأمه وأنت ~~أخوه لأبيه وأمه وأنكر المقر به أن يكون المقر أخا له فالقول قول المقر ~~استحسانا على ما بينا ولو قال المقر للمقر به: أنا وأنت أخواه لأبيه وأمه ~~ولي عليه ألف درهم دين وأنكر المقر به الدين فالمال بينهما نصفان؛ لأن دعوى ~~الدين دعوى أمر عارض مانع من الإرث فلا يثبت إلا بحجة. # ولو مات وترك ابنا وألف درهم فادعى رجل على ms4492 الميت ألف درهم فصدقه الوارث ~~بذلك ودفع إليه ثم ادعى رجل آخر أن الميت أوصى له بثلث ماله أو ادعى أنه ~~ابن الميت وصدقهما بذلك الابن المعروف وكذباه فيما أقر فإن كان دفع بغير ~~قضاء فلا ضمان على الدافع؛ لأن الإرث والوصية مؤخران عن الدين فإقراره لم ~~يصح في حق ثبات النسب، وإنما يصح في حق الميراث ولم يوجد الميراث ولو أقر ~~لهما أول مرة ودفع إليهما ثم أقر للغريم كان للغريم أن يضمنه ما دفع إلى ~~الأولين؛ لأن الدين مقدم فإذا دفع بغير قضاء فقد أتلف على الغريم حقه، وإن ~~كان الدفع بقضاء لا ضمان عليه لما بينا ولو ثبت الوصية أو الميراث بالبينة ~~بقضاء أو بغير قضاء ثم أقر الغريم بدينه فلا ضمان عليه للغريم فيما دفعه ~~إلى الوارث والموصى له لأنه لما قامت البينة على الميراث أو الوصية فقد ظهر ~~أنه وارث معروف أو موصى له فالإقرار بالدين لا يوجب بطلان حقهما ولو لم يكن ~~دفع إليه لا يجوز له أن يدفع إلى الغريم ويجبره القاضي على الدفع إلى ~~الوارث والموصى له لما قلنا، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان ما يبطل به الإقرار بعد وجوده] # (فصل) : # وأما بيان ما يبطل به الإقرار بعد وجوده فنقول - وبالله التوفيق: الإقرار ~~بعد وجوده يبطل بشيئين أحدهما تكذيب المقر له في أحد نوعي الإقرار وهو ~~الإقرار بحقوق العباد؛ لأن إقرار المقر دليل لزوم المقر به وتكذيب المقر ~~دليل عدم اللزوم، واللزوم لم يعرف ثبوته فلا يثبت مع الشك. # والثاني رجوع المقر عن إقراره فيما يحتمل الرجوع في أحد نوعي الإقرار ~~بحقوق الله تبارك وتعالى خالصا كحد الزنا لأنه يحتمل أن يكون صادقا في ~~الإنكار فيكون كاذبا # PageV07P232 # في الإقرار ضرورة فيورث شبهة في وجوب الحد وسواء رجع قبل القضاء أو بعده ~~قبل تمام الجلد أو الرجم قبل الموت لما قلنا. # وروي «أن ماعزا لما رجم بعض الحجارة هرب من أرض قليلة الحجارة إلى أرض ~~كثيرة الحجارة فلما بلغ ذلك إلى ms4493 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال - ~~عليه الصلاة والسلام - سبحان الله هلا خليتم سبيله» ولهذا يستحب للإمام ~~تلقين المقر الرجوع بقوله: لعلك لمستها أو قبلتها كما لقن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ماعزا وكما لقن - عليه الصلاة والسلام - السارق والسارقة ~~بقوله - عليه الصلاة والسلام - «ما إخاله سرق أو أسرقت، قولي لا» لو لم يكن ~~محتملا للرجوع لم يكن للتلقين معنى وفائدة فكان التلقين منه - عليه أفضل ~~التحية والتسليم - احتيالا للدرء لأنه أمرنا به بقوله - عليه أفضل التحية - ~~«ادرءوا الحدود بالشبهات» وقوله - عليه الصلاة والسلام - «ادرءوا الحدود ما ~~استطعتم» وكذلك الرجوع عن الإقرار بالسرقة والشرب لأن الحد الواجب بهما حق ~~الله - سبحانه وتعالى - خالصا فيصح الرجوع عن الإقرار بهما إلا أن في ~~السرقة يصح الرجوع في حق القطع لا في حق المال لأن القطع حق الله تعالى - ~~عز شأنه - على الخلوص فيصح الرجوع عنه، فأما المال فحق العبد فلا يصح ~~الرجوع فيه. # وأما حد القذف فلا يصح الرجوع عن الإقرار فيه لأن للعبد فيه حقا فيكون ~~متهما في الرجوع فلا يصح كالرجوع عن سائر الحقوق المتمحضة للعباد وكذلك ~~الرجوع عن الإقرار بالقصاص؛ لأن القصاص خالص حق العباد فلا يحتمل الرجوع، ~~والله تعالى أعلم بالصواب. ### | [كتاب الجنايات] ### | [القتل وأنواعه] # (كتاب الجنايات) # الجناية في الأصل نوعان: جناية على البهائم والجمادات، وجناية على ~~الآدمي. # (أما) الجناية على البهائم والجمادات فنوعان أيضا: غصب وإتلاف، وقد ذكرنا ~~كل واحد منهما في كتاب الغصب، وهذا الكتاب وضع لبيان حكم الجناية على ~~الآدمي خاصة، فنقول وبالله تعالى التوفيق: الجناية على الآدمي في الأصل ~~أنواع ثلاثة: جناية على النفس مطلقا، وجناية على ما دون النفس مطلقا، ~~وجناية على ما هو نفس من وجه دون وجه. # (أما) الجناية على النفس مطلقا فهي قتل المولود، والكلام في القتل في ~~مواضع: في بيان أنواع القتل، وفي بيان صفة كل نوع، وفي بيان حكم كل نوع ~~منه. # (أما) الأول: فالقتل أربعة أنواع: قتل هو عمد محض ليس فيه شبهة العمد، ~~وقتل ms4494 عمد فيه شبهة العمد، وهو المسمى بشبه العمد، وقتل هو خطأ محض ليس فيه ~~شبهة العمد، وقتل هو في معنى القتل الخطأ. # (أما) الذي هو عمد محض فهو أن يقصد القتل بحديد له حد أو طعن كالسيف، ~~والسكين، والرمح، والإشفى، والإبرة، وما أشبه ذلك، أو ما يعمل عمل هذه ~~الأشياء في الجرح، والطعن كالنار، والزجاج، وليطة القصب، والمروة، والرمح ~~الذي لا سنان له، ونحو ذلك، وكذلك الآلة المتخذة من النحاس، وكذلك القتل ~~بحديد لا حد له كالعمود، وصنجة الميزان، وظهر الفأس، والمرو، ونحو ذلك عمد ~~في ظاهر الرواية، (وروى) الطحاوي عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم - أنه ليس ~~بعمد، فعلى ظاهر الرواية العبرة للحديد نفسه سواء جرح أو لا، وعلى رواية ~~الطحاوي العبرة للجرح نفسه حديدا كان أو غيره، وكذلك إذا كان في معنى ~~الحديد كالصفر، والنحاس، والآنك، والرصاص، والذهب، والفضة فحكمه حكم ~~الحديد. # وأما شبه العمد فثلاثة أنواع بعضها متفق على كونه شبه عمد، وبعضها مختلف ~~فيه، أما المتفق عليه فهو أن يقصد القتل بعصا صغيرة أو بحجر صغير أو لطمة، ~~ونحو ذلك مما لا يكون الغالب فيه الهلاك كالسوط، ونحوه إذا ضرب ضربة أو ~~ضربتين، ولم يوال في الضربات. # وأما المختلف فيه فهو أن يضرب بالسوط الصغير، ويوالي في الضربات إلى أن ~~يموت، وهذا شبه عمد بلا خلاف بين أصحابنا - رحمهم الله تعالى - وعند ~~الشافعي - رحمه الله - هو عمد، وإن قصد قتله بما يغلب فيه الهلاك مما ليس ~~بجارح، ولا طاعن كمدقة القصارين، والحجر الكبير، والعصا الكبيرة، ونحوها ~~فهو شبه عمد عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعندهما، والشافعي هو عمد، ولا ~~يكون فيما دون النفس شبه عمد، فما كان شبه عمد في النفس فهو عمد فيما دون ~~النفس؛ لأن ما دون النفس لا يقصد إتلافه بآلة دون آلة عادة فاستوت الآلات ~~كلها في الدلالة على القصد فكان الفعل عمدا # PageV07P233 # محضا فينظر إن أمكن إيجاب القصاص يجب القصاص، وإن لم يمكن يجب الأرش. # وأما القتل الخطأ فالخطأ قد ms4495 يكون في نفس الفعل، وقد يكون في ظن الفاعل ~~أما الأول: فنحو أن يقصد صيدا فيصيب آدميا، وأن يقصد رجلا فيصيب غيره، فإن ~~قصد عضوا من رجل فأصاب عضوا آخر منه فهذا عمد، وليس بخطأ. # وأما الثاني: فنحو أن يرمي إلى إنسان على ظن أنه حربي أو مرتد فإذا هو ~~مسلم. # وأما الذي هو في معنى الخطأ فنذكر حكمه، وصفته بعد هذا - إن شاء الله ~~تعالى - فهذه صفات هذه الأنواع. # وأما بيان أحكامها فوقوع القتل بإحدى هذه الصفات لا يخلو إما أن علم، ~~وإما أن لم يعلم بأن وجد قتيل لا يعلم قاتله فإن علم ذلك. ### | [وجوب القصاص وشرائطه] # أما القتل العمد المحض فيتعلق به أحكام: منها وجوب القصاص، والكلام في ~~القصاص في مواضع: في بيان شرائط وجوب القصاص، وفي بيان كيفية وجوبه، وفي ~~بيان من يستحق القصاص، وفي بيان من يلي استيفاء القصاص، وشرط جواز ~~استيفائه، وفي بيان ما يستوفى به القصاص، وكيفية الاستيفاء، وفي بيان ما ~~يسقط القصاص بعد وجوبه. # (أما) الأول:. # فلوجوب القصاص شرائط: بعضها يرجع إلى القاتل، وبعضها يرجع إلى المقتول، ~~وبعضها يرجع إلى نفس القتل، وبعضها يرجع إلى ولي القتيل أما الذي يرجع إلى ~~القاتل فخمسة: أحدها: أن يكون عاقلا، والثاني: أن يكون بالغا، فإن كان ~~مجنونا أو صبيا لا يجب؛ لأن القصاص عقوبة، وهما ليسا من أهل العقوبة، لأنها ~~لا تجب إلا بالجناية، وفعلهما لا يوصف بالجناية. # ولهذا لم تجب عليهما الحدود. # وأما ذكورة القاتل، وحريته، وإسلامه فليس من شرائط الوجوب، والثالث: أن ~~يكون متعمدا في القتل قاصدا إياه فإن كان مخطئا فلا قصاص عليه لقول النبي ~~«العمد قود» أي القتل العمد يوجب القود، شرط العمد لوجوب القود، ولأن ~~القصاص عقوبة متناهية فيستدعي جناية متناهية، والجناية لا تتناهى إلا ~~بالعمد، والرابع: أن يكون القتل منه عمدا محضا ليس فيه شبهة العمد، لأنه - ~~عليه الصلاة والسلام - شرط العمد مطلقا بقول النبي «العمد قود» ، والعمد ~~المطلق هو العمد من كل وجه، ولا كمال مع شبهة العمد. ms4496 # ولأن الشبهة في هذا الباب ملحقة بالحقيقة، وعلى هذا يخرج القتل بضربة أو ~~ضربتين على قصد القتل أنه لا يوجب القود؛ لأن الضربة أو الضربتين مما لا ~~يقصد به القتل عادة بل التأديب والتهذيب، فتمكنت في القصد شبهة العمد، وعلى ~~هذا يخرج قول أصحابنا - رضي الله عنهم - في الموالاة في الضربات أنها لا ~~توجب القصاص خلافا للشافعي. # (وجه) قوله أن الموالاة في الضربات دليل قصد القتل لأنها لا يقصد بها ~~التأديب عادة، وأصل القصد موجود فيتمحض القتل عمدا فيوجب القصاص. # (ولنا) أن شبهة عدم القصد ثابتة، لأنه يحتمل حصول القتل بالضربة، ~~والضربتين على سبيل الاستقلال من غير الحاجة إلى الضربات الأخر، والقتل ~~بضربة أو ضربتين لا يكون عمدا، فتبين بذلك أنه لا يوجب القصاص، وإذا جاء ~~الاحتمال جاءت الشبهة وزيادة، وعلى هذا يخرج قول أبي حنيفة - رضي الله عنه ~~- في القتل بالمثقل أنه لا يوجب القود خلافا لهما، والشافعي - رحمهم الله ~~-. # (وجه) قولهم أن الضرب بالمثقل مهلك عادة ألا ترى أنه لا يستعمل إلا في ~~القتل فكان استعماله دليل القصد إلى القتل كاستعمال السيف، وقد انضم إليه ~~أصل القصد فكان القتل الحاصل به عمدا محضا، ولأبي حنيفة - رحمه الله - ~~طريقان مختلفان على حسب اختلاف الروايتين عنه، أحدهما أن القتل بآلة غير ~~معدة للقتل دليل عدم القصد، لأن تحصيل كل فعل بالآلة المعدة له، فحصوله ~~بغير ما أعد له دليل عدم القصد، والمثقل، ما يجري مجراه ليس بمعد للقتل ~~عادة فكان القتل به دلالة عدم القصد، فيتمكن في العمدية شبهة العمد، بخلاف ~~القتل بحديد لا حد له؛ لأن الحديد آلة معدة للقتل قال الله تبارك، وتعالى ~~{وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} [الحديد: 25] ، والقتل بالعمود معتاد، فكان ~~القتل به دليل القصد فيتمحض عمدا، وهذا على قياس ظاهر الرواية، والثاني وهو ~~قياس رواية الطحاوي - رحمه الله - هو اعتبار الجرح أنه يمكن القصور في هذا ~~القتل لوجود فساد الباطن دون الظاهر، وهو نقض التركيب، وفي الاستيفاء إفساد ~~الباطن والظاهر جميعا، فلا تتحقق المماثلة، وعلى ms4497 هذا الخلاف إذا خنق رجلا ~~فقتله أو غرقه بالماء أو ألقاه من جبل أو سطح فمات أنه لا قصاص فيه عند أبي ~~حنيفة، وعندهما يجب، ولو طين على أحد بيتا حتى مات جوعا أو عطشا لا يضمن ~~شيئا عند أبي حنيفة، وعندهما يضمن الدية. # (وجه) قولهما أن الطين الذي عليه تسبيب لإهلاكه، لأنه لا بقاء للآدمي إلا ~~بالأكل، والشرب فالمنع عند استيلاء الجوع والعطش عليه يكون # PageV07P234 # إهلاكا له، فأشبه حفر البئر على قارعة الطريق، ولأبي حنيفة - رحمه الله - ~~أن الهلاك حصل بالجوع والعطش لا بالتطيين، ولا صنع لأحد في الجوع والعطش، ~~بخلاف الحفر فإنه سبب للوقوع، والحفر حصل من الحافر فكان قتلا تسبيبا، ولو ~~أطعم غيره سما فمات، فإن كان تناول بنفسه فلا ضمان على الذي أطعمه؛ لأنه ~~أكله باختياره، لكنه يعزر، ويضرب، ويؤدب؛ لأنه ارتكب جناية ليس لها حد ~~مقدر، وهي الغرور فإن أوجره السم فعليه الدية عندنا، وعند الشافعي - رحمه ~~الله - عليه القصاص، ولو غرق إنسانا فمات أو صاح على وجهه فمات فلا قود ~~عليه عندنا، وعليه الدية، وعنده عليه القود، والخامس: أن يكون القاتل ~~مختارا، اختيار الإيثار عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله - وعند زفر، ~~والشافعي رحمهما الله هذا ليس بشرط، وعلى هذا يخرج المكره على القتل أنه لا ~~قصاص عليه عندنا، خلافا لهما، والمسألة مرت في كتاب الإكراه. # وأما الذي يرجع إلى المقتول فثلاثة أنواع: أحدها: أن لا يكون جزء القاتل، ~~حتى لو قتل الأب ولده لا قصاص عليه، وكذلك الجد أب الأب أو أب الأم وإن ~~علا، وكذلك إذا قتل الرجل ولد ولده وإن سفلوا، وكذا الأم إذا قتلت ولدها أو ~~أم الأم أو أم الأب إذا قتلت ولد ولدها، والأصل فيه ما روي عن النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - أنه قال: «لا يقاد الوالد بولده» ، واسم الوالد والولد ~~يتناول كل والد، وإن علا، وكل ولد وإن سفل، ولو كان في ورثة المقتول ولد ~~القاتل أو ولد ولده فلا قصاص، لأنه تعذر إيجاب القصاص للولد في نصيبه، ms4498 فلا ~~يمكن الإيجاب للباقين، لأنه لا يتجزأ وتجب الدية للكل. # ويقتل الولد بالوالد لعمومات القصاص من غير فصل، ثم خص منها الوالد بالنص ~~الخالص فبقي الولد داخلا تحت العموم، ولأن القصاص شرع لتحقيق حكمة الحياة ~~بالزجر، والردع، والحاجة إلى الزجر في جانب الولد لا في جانب الوالد؛ لأن ~~الوالد يحب ولده لولده لا لنفسه بوصول النفع إليه من جهته، أو يحبه لحياة ~~الذكر لما يحيا به ذكره، وفيه أيضا زيادة شفقة تمنع الوالد عن قتله، فأما ~~الولد فإنما يحب والده لا لوالده بل لنفسه، وهو وصول النفع إليه من جهته، ~~فلم تكن محبته وشفقته مانعة من القتل، فلزم المنع بشرع القصاص كما في ~~الأجانب، ولأن محبة الولد لوالده لما كانت لمنافع تصل إليه من جهته لا ~~لعينه فربما يقتل الوالد ليتعجل الوصول إلى أملاكه، لا سيما إذا كان لا يصل ~~النفع إليه من جهته لعوارض، ومثل هذا يندر في جانب الأب. # والثاني: أن لا يكون ملك القاتل، ولا له فيه شبهة الملك حتى لا يقتل ~~المولى بعبده لقوله - عليه الصلاة والسلام - «لا يقاد الوالد بولده، ولا ~~السيد بعبده» ، ولأنه لو وجب القصاص لوجب له والقصاص الواحد كيف يجب له ~~وعليه وكذا إذا كان يملك بعضه فقتله لا قصاص عليه لأنه لا يمكن استيفاء بعض ~~القصاص دون بعض؛ لأنه غير متجزئ، وكذا إذا كان له فيه شبهة الملك كالمكاتب ~~إذا قتل عبدا من كسبه؛ لأن للمكاتب شبهة في أكسابه، والشبهة في هذا الباب ~~ملحقة بالحقيقة، ولا يقتل المولى بمدبره، وأم ولده، ومكاتبه، لأنهم مماليكه ~~حقيقة، ألا ترى أنه لو قال: " كل مملوك لي فهو حر " عتق هؤلاء إلا المكاتب ~~فإنه لا يعتق إلا بالنية لقصور في الإضافة إليه بالملك لزوال ملك اليد. # ويقتل العبد بمولاه، وكذا المدبر، وأم الولد، والمكاتب لعمومات النصوص، ~~ولتحقيق ما شرع له القصاص، وهو الحياة بالزجر والردع، بخلاف المولى إذا قتل ~~هؤلاء؛ لأن شفقة المولى على ماله تمنعه عن القتل عند سيحان العداوة الحامل ~~على القتل إلا ms4499 نادرا، فلا حاجة إلى الزجر بالقصاص بخلاف العبد، ولو اشترك ~~اثنان في قتل رجل أحدهما ممن يجب القصاص عليه لو انفرد، والآخر لا يجب عليه ~~لو انفرد ممن ذكرنا كالصبي مع البالغ، والمجنون مع العاقل، والخاطئ مع ~~العامد، والأب مع الأجنبي، والمولى مع الأجنبي لا قصاص عليهما عندنا، وقال ~~الشافعي - رحمه الله - يجب القصاص على العاقل، والبالغ، والأجنبي إلا ~~العامد فإنه لا قصاص عليه إذا شاركه الخاطئ. # (وجه) قوله أن سبب الوجوب وجد من كل واحد منهما، وهو القتل العمد، إلا ~~أنه امتنع الوجوب على أحدهما لمعنى يخصه فيجب على الآخر، ولنا أنه تمكنت ~~شبهة عدم القتل في فعل كل واحد منهما، لأنه يحتمل أن يكون فعل من لا يجب ~~عليه القصاص لو انفرد مستقلا في القتل، فيكون فعل الآخر فضلا، ويحتمل على ~~القلب، وهذه الشبهة ثابتة في الشريكين الأجنبيين، إلا أن الشرع أسقط ~~اعتبارها، وألحقها بالعدم فتحا لباب القصاص، وسدا لباب العدوان، لأن ~~الاجتماع ثم يكون أغلب، وههنا أندر فلم يكن في معنى مورد الشرع فلا يلحق # PageV07P235 # به، وعليهما الدية لوجود القتل إلا أنه امتنع وجوب القصاص للشبهة فتجب ~~الدية، ثم ما يجب على الصبي والمجنون والخاطئ تتحمله العاقلة، وما يجب على ~~البالغ والعاقل والعامد يكون في ماله؛ لأن القتل عمد لكن سقط القصاص ~~للشبهة، والعاقلة لا تعقل العمد وفي الأب، والأجنبي الدية في مالهما؛ لأن ~~القتل عمد، وفي المولى مع الأجنبي على الأجنبي نصف قيمة العبد في ماله لما ~~قلنا، وكذلك إذا جرح نفسه، وجرحه أجنبي فمات لا قصاص على الأجنبي عندنا ~~خلافا للشافعي، وعلى الأجنبي نصف الدية، لأنه مات بجرحين أحدهما هدر، ~~والآخر معتبر، وعلى هذا مسائل تأتي في موضع آخر إن شاء الله تعالى. # والثالث: أن يكون معصوم الدم مطلقا، فلا يقتل مسلم، ولا ذمي بالكافر ~~الحربي، ولا بالمرتد لعدم العصمة أصلا ورأسا، ولا بالحربي المستأمن في ظاهر ~~الرواية؛ لأن عصمته ما ثبتت مطلقة بل مؤقتة إلى غاية مقامه في دار الإسلام، ~~وهذا لأن المستأمن من ms4500 أهل دار الحرب، وإنما دخل دار الإسلام لا لقصد ~~الإقامة بل لعارض حاجة يدفعها ثم يعود إلى وطنه الأصلي، فكانت في عصمته ~~شبهة العدم. # وروي عن أبي يوسف أنه يقتل به قصاصا لقيام العصمة وقت القتل، وهل يقتل ~~المستأمن بالمستأمن؟ ذكر في السير الكبير أنه يقتل، وروى ابن سماعة عن محمد ~~أنه لا يقتل. # ولا يقتل العادل بالباغي لعدم العصمة بسبب الحرب، لأنهم يقصدون أموالنا ~~وأنفسنا ويستحلونها، وقد قال: - عليه الصلاة والسلام - «قاتل دون نفسك» ، ~~وقال - عليه الصلاة والسلام - «قاتل دون مالك» ، ولا يقتل الباغي بالعادل ~~أيضا عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - يقتل، لأن المقتول معصوم مطلقا. # (ولنا) أنه غير معصوم في زعم الباغي، لأنه يستحل دم العادل بتأويل، ~~وتأويله وإن كان فاسدا لكن له منعة، والتأويل الفاسد عند وجود المنعة ألحق ~~بالتأويل الصحيح في حق وجوب الضمان بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، فإنه ~~روي عن الزهري أنه قال: وقعت الفتنة، والصحابة متوافرون، فاتفقوا على أن كل ~~دم استحل بتأويل القرآن العظيم فهو موضوع، وعلى هذا يخرج ما إذا قال الرجل ~~لآخر: اقتلني، فقتله أنه لا قصاص عليه عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر يجب ~~القصاص. # (وجه) قوله أن الآمر بالقتل لم يقدح في العصمة، لأن عصمة النفس مما لا ~~تحتمل الإباحة بحال، ألا ترى أنه يأثم بالقول؟ فكان الأمر ملحقا بالعدم ~~بخلاف الأمر بالقطع، لأن عصمة الطرف تحتمل الإباحة في الجملة فجاز أن يؤثر ~~الأمر فيها، ولنا أنه تمكنت في هذه العصمة شبهة العدم، لأن الأمر، وإن لم ~~يصح حقيقة فصيغته تورث شبهة، والشبهة في هذا الباب لها حكم الحقيقة، وإذا ~~لم يجب القصاص فهل تجب الدية؟ فيها روايتان عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - ~~في رواية تجب، وفي رواية لا تجب، وذكر القدوري - رحمه الله - أن هذا أصح ~~الروايتين، وهو قول أبي يوسف، ومحمد - رحمهما الله -، وينبغي أن يكون الأصح ~~هي الأولى؛ لأن العصمة قائمة مقام الحرمة، وإنما سقط القصاص لمكان الشبهة، ~~والشبهة لا تمنع وجوب المال، ولو قال ms4501 اقطع يدي فقطع لا شيء عليه بالإجماع؛ ~~لأن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال، وعصمة الأموال تثبت حقا له، فكانت ~~محتملة للسقوط بالإباحة والإذن، كما لو قال له: أتلف مالي فأتلفه، ولو قال: ~~اقتل عبدي أو اقطع يده فقتل أو قطع فلا ضمان عليه؛ لأن عبده ماله، وعصمة ~~ماله ثبتت حقا له فجاز أن يسقط بإذنه كما في سائر أمواله، ولو قال: اقتل ~~أخي فقتله، وهو وارثه القياس أن يجب القصاص، وهو قول زفر - رحمه الله -، ~~وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - أستحسن أن آخذ الدية من القاتل. # (وجه) القياس أن الأخ الآمر أجنبي عن دم أخيه فلا يصح إذنه بالقتل فالتحق ~~بالعدم. # (وجه) الاستحسان أن القصاص لو وجب بقتل أخيه لوجب له، والقتل حصل بإذنه، ~~والإذن إن لم يعمل شرعا لكنه وجد حقيقة من حيث الصيغة، فوجوده يورث شبهة ~~كالإذن بقتل نفسه، والشبهة لا تؤثر في وجوب المال، وروى أبو يوسف عن أبي ~~حنيفة - رضي الله عنهما - فيمن أمر إنسانا أن يقتل ابنه فقتله أنه يقتل به، ~~وهذا يوجب اختلاف الروايتين في المسألتين، ولو أمره أن يشجه فشجه فلا شيء ~~عليه إن لم يمت من الشجة؛ لأن الأمر بالشجة كالأمر بالقطع، وإن مات منها ~~كانت عليه الدية كذا ذكر في الكتاب، ويحتمل هذا أن يكون على أصل أبي حنيفة ~~- رحمه الله - خاصة بناء على أن العفو عن الشجة لا يكون عفوا عن القتل ~~عنده، فكذا الأمر بالشجة لا يكون أمرا بالقتل، ولما مات تبين أن الفعل، وقع ~~قتلا من حين وجوده لا شجا، وكان # PageV07P236 # القياس أن يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة فتجب الدية، فأما على أصلهما ~~فينبغي أن لا يكون عليه شيء، لأن العفو عن الشجة يكون عفوا عن القتل ~~عندهما، فكذا الأمر بالشجة يكون أمرا بالقتل. # روى ابن سماعة عن محمد - رحمهما الله - فيمن أمر إنسانا بأن يقطع يده ~~ففعل فمات من ذلك أنه لا شيء على قاطعه، ويحتمل أن يكون هذا قولهما خاصة، ~~كما قالا فيمن له ms4502 القصاص في الطرف إذا قطع طرف من عليه القصاص فمات: إنه لا ~~شيء عليه فأما على قول أبي حنيفة - رحمه الله - فينبغي أن تجب الدية؛ لأنه ~~لما مات تبين أن الفعل وقع قتلا، والمأمور به القطع لا القتل، وكان القياس ~~أن يجب القصاص كما قال فيمن له القصاص في الطرف، إلا أنه سقط لمكان الشبهة ~~فتجب الدية، وعلى هذا يخرج الحربي إذا أسلم في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا ~~فقتله مسلم أنه لا قصاص عليه عندنا، لأنه وإن كان مسلما فهو من أهل دار ~~الحرب قال الله تبارك وتعالى {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن} [النساء: ~~92] فكونه من أهل دار الحرب أورث شبهة في عصمته، ولأنه إذا لم يهاجر إلينا ~~فهو مكثر سواد الكفرة، ومن كثر سواد قوم فهو منهم على لسان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو وإن لم يكن منهم دينا فهو منهم دارا فيورث الشبهة. # ولو كانا مسلمين تاجرين أو أسيرين في دار الحرب فقتل أحدهما صاحبه فلا ~~قصاص أيضا، وتجب الدية، والكفارة في التاجرين، وفي الأسيرين خلاف ما ذكرناه ~~في كتاب السير، ولا يشترط أن يكون المقتول مثل القاتل في كمال الذات، وهو ~~سلامة الأعضاء، ولا أن يكون مثله في الشرف، والفضيلة فيقتل سليم الأطراف ~~بمقطوع الأطراف، والأشل، ويقتل العالم بالجاهل، والشريف بالوضيع، والعاقل ~~بالمجنون، والبالغ بالصبي، والذكر بالأنثى، والحر بالعبد، والمسلم بالذمي ~~الذي يؤدي الجزية، وتجري عليه أحكام الإسلام، وقال الشافعي - رحمه الله -: ~~كون المقتول مثل القاتل في شرف الإسلام والحرية شرط وجوب القصاص، ونقصان ~~الكفر، والرق يمنع من الوجوب، فلا يقتل المسلم بالذمي، ولا الحر بالعبد، ~~ولا خلاف في أن الذمي إذا قتل ذميا ثم أسلم القاتل أنه يقتل به قصاصا، وكذا ~~العبد إذا قتل عبدا ثم عتق القاتل احتج في عدم قتل المسلم بالذمي بما روي ~~عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال «لا يقتل مؤمن بكافر» ، وهذا نص في ~~الباب، ولأن في عصمته شبهة العدم لثبوتها مع القيام المنافي، وهو ms4503 الكفر؛ ~~لأنه مبيح في الأصل لكونه جناية متناهية فيوجب عقوبة متناهية، وهو القتل ~~لكونه من أعظم العقوبات الدنيوية، إلا أنه منع من قتله لغيره، وهو نقض ~~العهد الثابت بالذمة فقيامه يورث شبهة؛ ولهذا لا يقتل المسلم بالمستأمن ~~فكذا الذمي؛ ولأن المساواة شرط وجوب القصاص، ولا مساواة بين المسلم، ~~والكافر، ألا ترى أن المسلم مشهود له بالسعادة، والكافر مشهود له بالشقاء ~~فأنى يتساويان؟ . # (ولنا) عمومات القصاص من نحو قوله تبارك وتعالى {كتب عليكم القصاص في ~~القتلى} [البقرة: 178] ، وقوله سبحانه، وتعالى {وكتبنا عليهم فيها أن النفس ~~بالنفس} [المائدة: 45] ، وقوله جلت عظمته {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا} [الإسراء: 33] من غير فصل بين قتيل وقتيل، ونفس ونفس، ومظلوم ~~ومظلوم، فمن ادعى التخصيص والتقييد فعليه الدليل، وقوله سبحانه، وتعالى عز ~~من قائل {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179] ، وتحقيق معنى الحياة في قتل ~~المسلم بالذمي أبلغ منه في قتل المسلم بالمسلم؛ لأن العداوة الدينية تحمله ~~على القتل خصوصا عند الغضب، ويجب عليه قتله لغرمائه فكانت الحاجة إلى ~~الزاجر أمس فكان في شرع القصاص فيه في تحقيق معنى الحياة أبلغ، وروى محمد ~~بن الحسن - رحمهما الله - بإسناده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~«أقاد مؤمنا بكافر، وقال - عليه الصلاة والسلام - أنا أحق من وفى ذمته» . # وأما الحديث فالمراد من الكافر المستأمن، لأنه قال - عليه الصلاة والسلام ~~- «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» عطف قوله، «ولا ذو عهد في ~~عهده» على المسلم فكان معناه لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد به، ونحن به ~~نقول أو نحمله على هذا توفيقا بين الدلائل صيانة لها عن التناقض. # وأما قوله: " في عصمته شبهة العدم " ممنوع بل دمه حرام لا يحتمل الإباحة ~~بحال مع قيام الذمة بمنزلة دم المسلم مع قيام الإسلام، وقوله: " الكفر مبيح ~~على الإطلاق " ممنوع بل المبيح هو الكفر الباعث على الحراب، وكفره ليس ~~بباعث على الحراب فلا يكون مبيحا، وقوله: " لا مساواة بين المسلم والكافر " ~~قلنا: المساواة في الدين ليس ms4504 بشرط، ألا ترى أن الذمي إذا قتل ذميا ثم أسلم ~~القاتل يقتل به قصاصا، ولا # PageV07P237 # مساواة بينهما في الدين، لكن القصاص محنة امتحنوا الخلق بذلك، فكل من كان ~~أقبل بحق الله تعالى، وأشكر لنعمه كان أولى بهذه المحنة، لأن العذر له في ~~ارتكاب المحذور أقل، وهو بالوفاء بعهد الله تعالى أولى، ونعم الله تعالى في ~~حقه أكمل فكانت جنايته أعظم، واحتج في قتل الحر بالعبد بقول الله تبارك ~~وتعالى {الحر بالحر والعبد بالعبد} [البقرة: 178] ، وفسر القصاص المكتوب في ~~صدر الآية بقتل الحر بالحر، والعبد بالعبد فيجب أن لا يكون قتل الحر بالعبد ~~قصاصا، ولأنه لا مساواة بين النفسين في العصمة لوجهين: أحدهما: أن الحر ~~آدمي من كل وجه، والعبد آدمي من وجه، مال من وجه، وعصمة الحر تكون له، ~~وعصمة المال تكون للمالك، والثاني: أن في عصمة العبد شبهة العدم؛ لأن الرق ~~أثر الكفر، والكفر مبيح في الأصل فكان في عصمته شبهة العدم، وعصمة الحر ~~تثبت مطلقة فأنى يستويان في العصمة، وكذا لا مساواة بينهما في الفضيلة، ~~والكمال؛ لأن الرق يشعر بالذل والنقصان، والحرية تنبئ عن العزة، والشرف. # (ولنا) عمومات القصاص من غير فصل بين الحر والعبد؛ ولأن ما شرع له ~~القصاص، وهو الحياة لا يحصل إلا بإيجاب القصاص على الحر بقتل العبد؛ لأن ~~حصوله يقف على حصول الامتناع عن القتل خوفا على نفسه، فلو لم يجب القصاص ~~بين الحر والعبد لا يخشى الحر تلف نفسه بقتل العبد فلا يمتنع عن قتله بل ~~يقدمه عليه عند أسباب حاملة على القتل من الغيظ المفرط، ونحو ذلك، فلا يحصل ~~معنى الحياة، ولا حجة له في الآية، لأن فيها أن قتل الحر بالحر، والعبد ~~بالعبد قصاص، وهذا لا ينفي أن يكون قتل الحر بالعبد قصاصا، لأن التنصيص لا ~~يدل على التخصيص، ونظيره قوله - عليه الصلاة والسلام - «البكر بالبكر جلد ~~مائة، وتغريب عام، والثيب جلد مائة، ورجم بالحجارة» ثم البكر إذا زنى ~~بالثيب وجب الحكم الثابت بالحديث، فدل أنه ليس في ذكر شكل بشكل ms4505 تخصيص الحكم ~~به، يدل عليه أن العبد يقتل بالحر، والأنثى بالذكر، ولو كان التنصيص على ~~الحكم في نوع موجبا تخصيص الحكم به لما قتل، ثم قوله تعالى {والأنثى ~~بالأنثى} [البقرة: 178] حجة عليكم، لأنه قال: " الأنثى بالأنثى " مطلقا ~~فيقتضي أن تقتل الحرة بالأمة، وعندكم لا تقتل، فكان حجة عليكم، وقوله: " ~~العبد آدمي من وجه مال من وجه " قلنا: لا، بل آدمي من كل وجه؛ لأن الآدمي ~~اسم لشخص على هيئة مخصوصة منسوب إلى سيدنا آدم - عليه الصلاة والسلام - ~~والعبد بهذه الصفة فكانت عصمته مثل عصمة الحر بل فوقها، على أن نفس العبد ~~في الجناية له، لا لمولاه، بدليل أن العبد لو أقر على نفسه بالقصاص والحد ~~يؤخذ به، ولو أقر عليه مولاه بذلك لا يؤخذ به فكان نفس العبد في الجناية له ~~لا للمولى كنفس الحر للحر. # وأما قوله: " الحر أفضل من العبد " فنعم لكن التفاوت في الشرف، والفضيلة ~~لا يمنع وجوب القصاص؟ ألا ترى أن العبد لو قتل عبدا ثم أعتق القاتل يقتل به ~~قصاصا، وإن استفاد فضل الحرية. # وكذا الذكر يقتل بالأنثى وإن كان أفضل من الأنثى، وكذا لا تشترط ~~المماثلة، في العدد في القصاص في النفس، وإنما تشترط في الفعل بمقابلة ~~الفعل زجرا، وفي الفائت بالفعل جبرا، حتى لو قتل جماعة واحدا يقتلون به ~~قصاصا وإن لم يكن بين الواحد والعشرة مماثلة لوجود المماثلة في الفعل، ~~والفائت به زجرا، وجبرا على ما نذكره إن شاء الله تعالى وأحق ما يجعل فيه ~~القصاص إذا قتل الجماعة الواحد؛ لأن القتل لا يوجد عادة إلا على سبيل ~~التعاون، والاجتماع فلو لم يجعل فيه القصاص لانسد باب القصاص؛ إذ كل من رام ~~قتل غيره استعان بغير يضمه إلى نفسه ليبطل القصاص عن نفسه، وفيه تفويت ما ~~شرع له القصاص، وهو الحياة، هذا إذا كان القتل على الاجتماع، فأما إذا كان ~~على التعاقب بأن شق رجل بطنه ثم حز آخر رقبته فالقصاص على الحاز إن كان ~~عمدا. # وإن كان خطأ فالدية على عاقلته، ms4506 لأنه هو القاتل لا الشاق، ألا ترى أنه قد ~~يعيش بعد شق البطن بأن يخاط بطنه، ولا يحتمل أن يعيش بعد حز رقبته عادة، ~~وعلى الشاق أرش الشق، وهو ثلث الدية؛ لأنه جائفة، وإن كان الشق نفذ من ~~الجانب الآخر فعليه ثلثا الدية في سنتين، في كل سنة ثلث الدية، لأنهما ~~جائفتان، هذا إذا كان الشق مما يحتمل أن يعيش بعده يوما أو بعض يوم، فأما ~~إذا كان لا يتوهم ذلك، ولم يبق معه إلا غمرات الموت، والاضطراب فالقصاص على ~~الشاق، لأنه القاتل، ولا ضمان على الحاز، لأنه قتل المقتول من حيث المعنى، ~~لكنه يعزر لارتكابه جناية ليس لها مقدر، وكذلك لو جرحه رجل جراحة مثخنة لا ~~يعيش # PageV07P238 # معها عادة ثم جرحه آخر جراحة أخرى فالقصاص على الأول، لأنه القاتل؛ ~~لإتيانه بفعل مؤثر في فوات الحياة عادة، فإن كانت الجراحتان معا فالقصاص ~~عليهما، لأنهما قاتلان. # ولو جرحه أحدهما جراحة واحدة، والآخر عشر جراحات فالقصاص عليهما، ولا ~~عبرة بكثرة الجراحات؛ لأن الإنسان قد يموت بجراحة واحدة ولا يموت بجراحات ~~كثيرة، والله سبحانه وتعالى أعلم. # وكذلك الواحد يقتل بالجماعة قصاصا اكتفاء، ولا يجب مع القود شيء من المال ~~عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله - ينظر إن قتلهم على التعاقب يقتل بالأول ~~قصاصا، وتؤخذ ديات الباقين من تركته، وإن قتلهم معا فله فيه قولان: في قول: ~~يقرع بينهم فمن خرجت قرعته يقتل، وتجب الدية للباقين، وفي قول: يجتمع ~~أولياء القتلى فيقتلونه، وتقسم ديات الباقين بينهم. # (وجه) قوله أن المماثلة مشروطة في باب القصاص، ولا مماثلة بين الواحد ~~والجماعة، فلا يجوز أن يقتل الواحد بالجماعة على طريق الاكتفاء به، فيقتل ~~الواحد بالواحد، وتجب الديات للباقين، كما لو قطع واحد يميني رجلين أنه لا ~~يقطع بهما اكتفاء بل يقطع بإحداهما، وعليه أرش الأخرى؛ لما قلنا، كذا هذا، ~~وكان ينبغي أن لا يقتل الجماعة بالواحد قصاصا إلا أنا عرفنا ذلك بإجماع ~~الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - غير معقول أو معقولا بحكمة الزجر والردع ~~لما يغلب وجود القتل ms4507 بصفة الاجتماع، فتقع الحاجة إلى الزجر فيجعل كل واحد ~~منهم قاتلا على الكمال كأن ليس معه غيره تحقيقا للزجر، وقتل الواحد الجماعة ~~لا يغلب وجوده بل يندر فلم يكن في معنى ما ورد الشرع به فلا يلحق به، وإنا ~~نقول: حق الأولياء في القتل مقدور الاستيفاء لهم فلو أوجبنا معه المال لكان ~~زيادة على القتل. # وهذا لا يجوز، والدليل على أن القتل مقدور الاستيفاء لهم أن التماثل في ~~باب القصاص إما أن يراعى في الفعل زجرا، وإما أن يراعى في الفائت بالفعل ~~جبرا، وإما أن يراعى فيهما جميعا، وكل ذلك موجود ههنا، أما في الفعل زجرا ~~فلأن الموجود من الواحد في حق كل واحد من الجماعة فعل مؤثر في فوات الحياة ~~عادة، والمستحق لكل واحد من أولياء القتلى قبل القاتل قتله، فكان الجزاء ~~مثل الجناية. # وأما في الفائت جبرا فلأنه بقتله الجماعة ظلما انعقد سبب هلاك ورثة ~~القتلى؛ لأنهم يقصدون قتله طلبا للثأر وتشفيا للصدر فيقصد هو قتلهم دفعا ~~للهلاك عن نفسه فتقع المحاربة بين القبيلتين، ومتى قتل منهم قصاصا سكنت ~~الفتنة، واندفع سبب الهلاك عن ورثتهم فتحصل الحياة لكل قتيل معنى ببقاء ~~حياة ورثته بسبب القصاص، فيصير كأن القاتل دخر حياة كل قتيل تقديرا بدفع ~~سبب الهلاك عن ورثته، فيتحقق الجبر بالقدر الممكن كما في قتل الواحد ~~بالواحد، والجماعة بالواحد من غير تفاوت. # وأما الذي يرجع إلى نفس القتل فنوع واحد، وهو أن يكون القتل مباشرة فإن ~~كان تسبيبا لا يجب القصاص؛ لأن القتل تسبيبا لا يساوي القتل مباشرة، ~~والجزاء قتل بطريق المباشرة، وعلى هذا يخرج من حفر بئرا على قارعة الطريق ~~فوقع فيها إنسان ومات أنه لا قصاص على الحافر؛ لأن الحفر قتل سببا لا ~~مباشرة، وعلى هذا يخرج شهود القصاص إذا رجعوا بعد قتل المشهود عليه أو جاء ~~المشهود بقتله حيا أنه لا قصاص عليهم عندنا خلافا للشافعي - رحمه الله -. # (وجه) قوله أن شهادة الشهود وقعت قتلا، لأن القتل اسم لفعل مؤثر في فوات ~~الحياة عادة، وقد ms4508 وجد من الشهود؛ لأن شهادتهم مؤثرة في ظهور القصاص، ~~والظهور مؤثر في وجوب القضاء على القاضي وقضاء القاضي مؤثر في ولاية ~~الاستيفاء، وولاية الاستيفاء مؤثرة في الاستيفاء طبعا وعادة، فكانت فوات ~~الحياة بهذه الوسائط مضافة إلى الشهادة السابقة فكانت شهادتهم قتلا تسبيبا، ~~والقتل تسبيبا مثل القتل مباشرة في حق وجوب القصاص كالإكراه على القتل أنه ~~يوجب القصاص على المكره، وإن لم يكن قتلا بطريق المباشرة لوقوعه قتلا بطريق ~~التسبيب، كذا هذا. # (ولنا) ما ذكرنا أن القتل تسبيبا لا يساوي القتل مباشرة؛ لأن القتل ~~تسبيبا قتل معنى لا صورة، والقتل مباشرة قتل صورة ومعنى، والجزاء قتل ~~مباشرة بخلاف الإكراه على القتل؛ لأنه قتل مباشرة، لأنه يجعل المكره آلة ~~المكره كأنه أخذه وضربه على المكره على قتله، والفعل لمستعمل الآلة لا ~~للآلة فكان قتلا مباشرة، ويضمنون الدية بوجود القتل منهم، وهل يرجعون بها ~~على الولي؟ اختلف أصحابنا الثلاثة فيه، قال أبو حنيفة عليه الرحمة: لا ~~يرجعون، وعندهما يرجعون، ولهما أن الشهود بأداء الضمان قاموا مقام المقتول ~~في ملك بدله إن لم يقوموا مقامه في ملك # PageV07P239 # عينه فأشبه غاصب المدبر إذا غصب منه فمات في يد الغاصب الثاني أن للأول ~~أن يرجع على الثاني بما ضمنه المالك لما ذكرنا كذا هذا ولأبي حنيفة - رحمه ~~الله - أن الدية بدل النفس، ونفس الحر لا يحتمل التملك فلا يثبت الملك لهم ~~في البدل بخلاف المدبر؛ لأنه محتمل للتملك لكونه قاتلا، إلا أنه امتنع ثبوت ~~الملك فيه لمعارض وهو التدبير، فيثبت في بدله، والله سبحانه، وتعالى أعلم. # وأما الذي يرجع إلى ولي القتيل فواحد أيضا، وهو أن يكون الولي معلوما، ~~فإن كان مجهولا لا يجب القصاص؛ لأن وجوب القصاص وجوب للاستيفاء، والاستيفاء ~~من المجهول متعذر فتعذر الإيجاب له، وعلى هذا يخرج ما إذا قتل المكاتب، ~~وترك وفاء وورثة أحرارا غير المولى أنه لا قصاص على القاتل بالإجماع؛ لأن ~~المولى مشتبه، يحتمل أن يكون هو الوارث، ويحتمل أن يكون هو المولى لاختلاف ~~الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - في ms4509 موته حرا أو عبدا، فإن مات حرا كان ~~وليه الوارث، وإن مات عبدا كان وليه المولى وموضع الاختلاف موضع التعارض ~~والاشتباه، فلم يكن الولي معلوما فامتنع الوجوب، وإن اجتمعا ليس لهما أن ~~يستوفيا؛ لأن الاشتباه لا يزول بالاجتماع هذا إذا ترك وفاء وورثة غير ~~المولى، فأما إذا ترك وفاء ولم يترك ورثة غير المولى فقد اختلف أصحابنا ~~فيه: عندهما يجب القصاص للمولى. # وعند محمد لا يجب القصاص أصلا، وهو رواية عن أبي يوسف أيضا وجه قول محمد ~~أنه وقع الاشتباه في سبب ثبوت الولاية؛ لأنه إن مات حرا كان سبب ثبوت ~~الولاية فلا تثبت الولاية للمولى، وإن مات عبدا كان السبب هو الملك فتثبت ~~الولاية للمولى، فوقع الاشتباه في ثبوت الولاية فلا تثبت ولهما أن من له ~~الحق متعين غير مشتبه؛ لأن الاشتباه موجب المزاحمة، ولم يوجد، ولو قتل ولم ~~يترك وفاء وجب القصاص بالإجماع؛ لأن الولي معلوم، وهو المولى؛ لأنه يموت ~~رقيقا بلا خلاف فكان القصاص للمولى كالعبد القن إذا قتل، وكذلك المدبر، ~~والمدبرة، وأم الولد، وولدها بمنزلة العبد القن؛ لأنهم قتلوا على ملك ~~المولى فكان الولي معلوما، ولو قتل عبد المكاتب فلا قصاص؛ لأن المكاتب له ~~نوع ملك، وللمولى أيضا فيه نوع ملك فاشتبه الولي فامتنع الوجوب، وعلى هذا ~~يخرج ما إذا قطع رجل يد عبد فأعتقه مولاه ثم مات من ذلك أنه إن كان للعبد ~~وارث حر غير المولى فلا قصاص لاشتباه ولي القصاص؛ لأن القصاص يجب عند الموت ~~مستندا إلى القطع السابق، والحق عند القطع للمولى لا للورثة، وعند ثبوت ~~الحكم، وهو الوجوب، وذلك عند الموت، الحق للوارث لا للمولى، فاشتبه المولى ~~فلم يجب القصاص، ولو اجتمع المولى مع الوارث فلا قصاص؛ لأن الاشتباه لا ~~يزول باجتماعهما. # فرق بين هذا وبين العبد الموصى برقبته لإنسان، وبخدمته لآخر قتل، ~~واجتمعا، أنه يجب القصاص؛ لأن هناك لم يشتبه الولي؛ لأن لصاحب الرقبة ملكا، ~~ولصاحب الخدمة حقا يشبه الملك فلم يشتبه الولي، وههنا اشتبه الولي؛ لأن وقت ~~القطع لم ms4510 يكن للوارث فيه حق، ووقت الموت لم يكن للمولى فيه حق فصار الولي ~~مشتبها فامتنع الوجوب، وإن لم يكن وارث سوى المولى فهو على الاختلاف الذي ~~ذكرنا أن على قولهما: للمولى أن يستوفي القصاص؛ لأن الحق له وقت القطع، ~~ووقت الموت، وعلى قول محمد ليس له حق الاقتصاص لاشتباه سبب الولاية؛ لأن ~~الثابت للمولى وقت القطع كان ولاية الملك، وبعد الموت له ولاية العتاقة، ~~فاشتبه سبب الولاية، هذا إذا كان القطع عمدا، فأما إذا كان خطأ فأعتقه ثم ~~مات من ذلك فلا شيء على القاطع غير أرش اليد، وهو نصف قيمة العبد، وإعتاقه ~~إياه بمنزلة برئه في اليد لتبدل المحل حكما بالإعتاق فتنقطع آية السراية، ~~هذا إذا أعتقه المولى بعد القطع عمدا أو خطأ فمات من ذلك، فأما إذا لم ~~يعتقه، ولكنه دبره أو كانت أمة فاستولدها ثم مات من ذلك فإن كان القطع عمدا ~~فللمولى القصاص؛ لأن الحق له وقت القطع، والموت جميعا فلم يشبه الولي، وإن ~~كان خطأ لا تنقطع السراية فيجب نصف القيمة دية اليد، ويجب ما نقص بعد ~~الجناية قبل الموت لحصول ذلك في ملك المولى ولو كاتبه والمسألة بحالها، فإن ~~كان القطع عمدا ينظر إن مات عاجزا فللمولى القصاص؛ لأنه مات عبدا. # وإن مات عن وفاء فإن كان له وارث يحجب المولى أو يشاركه لا يجب القصاص ~~لاشتباه الولي، وعليه أرش اليد لا غير، ولو لم يكن له وارث غير المولى ~~فللمولى أن يقتص عندهما، وعند محمد ليس له أن يقتص، وعليه أرش اليد، وإن ~~كان القطع خطأ لا شيء على القاطع إلا أرش اليد، وهو نصف القيمة للمولى، ~~وتنقطع السراية # PageV07P240 # هذا إذا كان القطع قبل الكتابة، فإن كان بعدها فمات فإن كان القطع عمدا ~~ينظر إن مات عاجزا فللمولى أن يقتص؛ لأنه مات عبدا، وإن مات عن وفاء فإن ~~كان مع المولى وارث آخر أو غيره يشاركه في الميراث فلا قصاص لاشتباه الولي، ~~وإن لم يكن له وارث غير المولى فعلى الاختلاف الذي ذكرنا، ms4511 وإن كان القطع ~~خطأ فإن مات عاجزا فالقيمة للمولى؛ لأنه مات عبدا، وإن مات عن وفاء فالقيمة ~~للورثة؛ لأنه مات حرا، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في كيفية وجوب القصاص] # (فصل) : # وأما كيفية وجوب القصاص فهو أنه واجب عينا حتى لا يملك الولي أن يأخذ ~~الدية من القاتل من غير رضاه، ولو مات القاتل أو عفا الولي سقط الموجب ~~أصلا، وهذا عندنا، وللشافعي - رحمه الله - قولان: في قول: القصاص ليس بواجب ~~عينا بل الواجب أحد الشيئين غير عين (إما) القصاص (وإما) الدية، وللولي ~~خيار التعيين إن شاء استوفى القصاص، وإن شاء أخذ الدية من غير رضا القاتل، ~~فعلى هذا القول إذا مات القاتل يتعين المال واجبا، فإذا عفا الولي سقط ~~الموجب أصلا، وفي قول القصاص واجب عينا لكن للولي أن يأخذ المال من غير رضا ~~القاتل، وإذا عفا له أن يأخذ المال، وإذا مات القاتل سقط الموجب أصلا احتج ~~بقوله تعالى {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان} ~~[البقرة: 178] . # معناه فليتتبع وليؤد الدية، أوجب سبحانه وتعالى على القاتل أداء الدية ~~إلى الولي مطلقا عن شرط الرضا؛ لأن أداء الدية صيانة النفس عن الهلاك، وإنه ~~واجب قال الله تعالى جل شأنه {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: ~~195] ، ولأن ضمان القتل يجب حقا للمقتول؛ لأن الجناية وردت على حقه فكان ~~الواجب بها حقا له، وحق العبد ما ينتفع به. # والمقتول لا ينتفع بالقصاص، وينتفع بالمال؛ لأنه تقضى منه ديونه، وتنفذ ~~منه وصاياه، وكان ينبغي أن لا يشرع القصاص أصلا إلا أنه شرع لحكمة الزجر؛ ~~لأن الإنسان لا يمتنع من قتل عدوه خوفا من لزوم المال، فشرع ضمانا زاجرا ~~كان ينبغي أن يجمع بينهما كما في شرب خمر الذمي إلا أنه تعذر الجمع؛ لأن ~~الدية بدل النفس، وفي القصاص معنى البدلية قال الله تبارك وتعالى {وكتبنا ~~عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] ، والباء تستعمل في الإبدال ~~فتؤدي إلى الجمع بين البدلين، وهذا لا يجوز فخير بينهما. # (ولنا) قوله تعالى ms4512 {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى} ~~[البقرة: 178] ، وهذا يفيد تعين القصاص موجبا، ويبطل مذهب الإبهام جميعا، ~~أما الإبهام فلأنه أخبر عن كون القصاص واجبا فيصدق القول عليه بأنه واجب، ~~وإن كان عليه أحد حقين لا يصدق القول على أحدهما بأنه أوجب (وأما) التعيين ~~فلأنه إذا أوجب القصاص على الإشارة إليه بطل القول بوجوب الدية بضرورة ~~النص؛ لأنه لا يقابل بالجمع بينهما، فبطل القول باختيار الدية من غير رضا ~~القاتل؛ ولأن القصاص إذا كان عين حقه كانت الدية بدل حقه، وليس لصاحب الحق ~~أن يعدل من غير الحق إلى بدله من غير رضا من عليه الحق كمن عليه حنطة ~~موصوفة فأراد صاحب الحق أن يأخذ منه قيمتها من غير رضاه ليس له ذلك، كذا ~~هذا، وقوله - عليه الصلاة والسلام - «العمد قود» وجه الاستدلال به على نحو ~~وجه الاستدلال بالآية الشريفة؛ ولأن ضمان العدوان الوارد على حق العبد مقيد ~~بالمثل، والقصاص وهو القتل الثاني مثل القتل الأول لأنه ينوب مناب الأول ~~ويسد مسده، ومثل الشيء غيره الذي ينوب منابه، ويسد مسده، وأخذ المال لا ~~ينوب مناب القتل، ولا يسد مسده، فلا يكون مثلا له فلا يصلح ضمانا للقتل ~~العمد، وكان ينبغي أن لا يجب أصلا إلا أن الوجوب في قتل الخطأ ثبت شرعا ~~تخفيفا على الخاطئ نظرا له إظهارا لخطر الدم صيانة له عن الهدر، والعامد لا ~~يستحق التخفيف، والصيانة تحصل بالقصاص، فبقي ضمانا أصليا في الباب. # (وأما) الآية الشريفة فالمراد من قوله سبحانه وتعالى {فمن عفي له من أخيه ~~شيء} [البقرة: 178] هو الولي لا القاتل؛ لأنه قال الله تبارك وتعالى {فمن ~~عفي له} [البقرة: 178] ، والقاتل معفو عنه لا معفو له، ولأنه قال تعالى ~~اسمه {فاتباع بالمعروف} [البقرة: 178] فليتبع، وإنه أمر لمن دخل تحت كلمة ~~فمن، ومعلوم أن القاتل لا يتبع أحدا بل هو المتبع، وإنما المتبع هو الولي، ~~فكان هو الداخل تحت كلمة فمن فكان معنى الآية الكريمة فمن بذل له، وأعطي له ~~من أخيه شيء بطريق الفضل، ms4513 والسهولة فليتبع بالمعروف، ويجوز استعمال لفظ ~~العفو بمعنى الفضل لغة قال الله سبحانه وتعالى {ويسألونك ماذا ينفقون قل ~~العفو} [البقرة: 219] أي الفضل، وتقول العرب خذ ما أتاك عفوا أي فضلا، ونحن ~~به نقول: إنه يجوز أخذ المال من القاتل برضاه، وقيل الآية # PageV07P241 # الشريفة نزلت في الصلح عن دم العمد، وقيل نزلت في دم بين نفر يعفو أحدهم ~~عن القاتل فللباقين أن يتبعوا بالمعروف في نصيبهم؛ لأنه قال سبحانه وتعالى ~~{فمن عفي له من أخيه شيء} [البقرة: 178] ، وهو العفو عن بعض الحق، ونحن به ~~نقول: أوقع الاحتمال في المراد بالآية فلا يصح الاحتجاج بها مع الاحتمال، ~~وقوله: في دفع الدية صيانة نفس القاتل عن الهلاك، وأنه واجب، قلنا: نعم لكن ~~قضيته أن يصير آثما بالامتناع لا أن يملك الولي أخذه من غير رضاه كمن ~~أصابته مخمصة، وعند صاحبه طعام يبيعه بمثل قيمته يجب عليه أن يشتريه دفعا ~~للهلاك عن نفسه، فإن امتنع عن الشراء ليس لصاحب الطعام أن يدفع الطعام ~~إليه، ويأخذ الثمن من غير رضاه، كذا هذا، وقوله المقتول: لا ينتفع بالقصاص، ~~قلنا: ممنوع، بل ينتفع به أكثر مما ينتفع بالمال؛ لأن فيه إحياءه بإكفاء ~~ورثته أحياء، وهذا لا يحصل بالمال على ما عرف، والله تعالى أعلم. ### | [فصل في بيان من يستحق القصاص] # (فصل) : # وأما بيان من يستحق القصاص فنقول - ولا قوة إلا بالله -: المقتول لا يخلو ~~إما أن يكون حرا، وإما أن يكون عبدا، فإن كان حرا لا يخلو إما أن يكون له ~~وارث، وإما أن لم يكن، فإن كان له وارث فالمستحق للقصاص هو الوارث كالمستحق ~~للمال؛ لأنه حق ثابت، والوارث أقرب الناس إلى الميت فيكون له، ثم إن كان ~~الوارث واحدا استحقه، وإن كان جماعة استحقوه على سبيل الشركة كالمال ~~الموروث عنه وجه قولهما في تمهيد هذا الأصل أن القصاص موجب الجناية، وأنها ~~وردت على المقتول فكان موجبها حقا له إلا أنه بالموت عجز عن الاستيفاء ~~بنفسه فتقوم الورثة مقامه بطريق الإرث عنه، ويكون مشتركا بينهم، ولهذا ms4514 تجري ~~فيه سهام الورثة من النصف، والثلث، والسدس، وغير ذلك، كما تجري في المال ~~وهذا آية الشركة، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أن المقصود من القصاص هو ~~التشفي، وأنه لا يحصل للميت، ويحصل للورثة فكان حقا لهم ابتداء، والدليل ~~على أنه يثبت لكل واحد منهم على الكمال كأن ليس معه غيره لا على سبيل ~~الشركة أنه حق لا يتجزأ، والشركة فيما لا يتجزأ محال، إذ الشركة المعقولة ~~هي أن يكون البعض لهذا، والبعض لذلك، كشريك الأرض والدار، وذلك فيما لا ~~يتبعض محال. # والأصل أن ما لا يتجزأ من الحقوق إذا ثبت لجماعة، وقد وجد سبب ثبوته في ~~حق كل واحد منهم يثبت لكل واحد منهم على سبيل الكمال كأن ليس معه غيره ~~كولاية الإنكاح، وولاية الأمان، وعلى هذا يخرج ما إذا قتل إنسان عمدا، وله ~~وليان أحدهما غائب فأقام الحاضر البينة على القتل، ثم حضر الغائب أنه يعيد ~~البينة عنده، وعندهما لا يعيد، ولا خلاف في أن القتل إذا كان خطأ لا يعيد، ~~وكذلك الدين بأن كان لأبيهما دين على إنسان، ووجه البناء على هذا الأصل أن ~~عند أبي حنيفة لما كان القصاص حقا ثابتا للورثة ابتداء كان كل واحد منهما ~~أجنبيا عن صاحبه، فيقع إثبات البينة له لا للميت، فلا يكون خصما عن الميت ~~في الإثبات فتقع الحاجة إلى إعادة البينة، ولما كان حقا موروثا على فرائض ~~الله تبارك وتعالى عندهما، والورثة خلفاؤه في استيفاء الحق يقع الإثبات ~~للميت، وكل واحد من آحاد الورثة خصم عن الميت في حقوقه كما في الدية ~~والدين، فيصح منه إثبات الكل للميت ثم يخلفونه كما في المال. # ولو قتل إنسان، وله وليان وأحدهما غائب، وأقام القاتل البينة على الحاضر ~~أن الغائب قد عفا فالشاهد خصم؛ لأن تحقق العفو من الغائب يوجب بطلان حق ~~الحاضر عن القصاص، فكان القاتل مدعيا على الحاضر بطلان حقه فكان خصما له، ~~ويقضي عليه، ومتى قضى عليه يصير الغائب مقضيا عليه تبعا له - والله تعالى ~~أعلم -، وإن لم يكن ms4515 للقاتل بينة لم يكن له أن يستحلف الحاضر؛ لأن الإنسان ~~قد ينتصب خصما عن غيره في إقامة البينة، أما لا ينتصب خصما عن غيره في ~~اليمين، وعلى هذا يخرج القصاص إذا كان بين صغير وكبير أن للكبير ولاية ~~الاستيفاء عنده، وعندهما ليس له ذلك، وينتظر بلوغ الصغير، ووجه البناء أن ~~عند أبي حنيفة - رحمه الله - لما كان القصاص حقا ثابتا للورثة ابتداء لكل ~~واحد منهم على سبيل الاستقلال لاستقلال سبب ثبوته في حق كل واحد منهم، وعدم ~~تجزئه في نفسه ثبت لكل واحد منهم على الكمال كأن ليس معه غيره، فلا معنى ~~لتوقف الاستيفاء على بلوغ الصغير. # وعندهما لما كان حقا مشتركا بين الكل فأحد الشريكين لا ينفرد بالتصرف في ~~محل مشترك بدون رضا شريكه إظهارا لعصمة المحل، وتحرزا عن الضرر، والصحيح ~~أصل أبي حنيفة # PageV07P242 # - رضي الله عنه - لما ذكرنا أن القصاص لا يحتمل التجزئة، والشركة في غير ~~المتجزئ محال، وإنما تثبت الشركة إذا انقلب مالا؛ لأن المال محل قابل ~~للشركة على أن أبا حنيفة إن سلم أن القصاص مشترك بين الصغير والكبير فلا ~~بأس بالتسليم؛ لأنه يمكن القتل بثبوت ولاية الاستيفاء للكبير في نصيبه بطرق ~~الأصالة، وفي نصيب الصغير بطريق النيابة شرعا، كالقصاص إذا كان بين إنسان ~~وابنه الصغير، والجامع بينهما حاجتهما إلى استيفاء القصاص لاستيفاء النفس، ~~وعجز الصغير عن الاستيفاء بنفسه، وقدرة الكبير على ذلك، وكون تصرفه في ~~النظر، والشفقة في حق الصغير مثل تصرف الصغير بنفسه لو كان أهلا؛ ولهذا يلي ~~الأب والجد استيفاء قصاص وجب كله للصغير فهذا أولى، ولأبي حنيفة - رحمه ~~الله - إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإنه روي أنه لما جرح ابن ملجم - ~~لعنه الله - سيدنا عليا كرم الله تعالى وجهه فقال للحسن - رضي الله عنه -: ~~إن شئت فاقتله، وإن شئت فاعف عنه وأن تعفو خير لك، فقتله سيدنا الحسن - رضي ~~الله عنه -، وكان في ورثة سيدنا علي - رضي الله عنه - صغار، والاستدلال من ~~وجهين: أحدهما بقول سيدنا علي - رضي الله عنه - والثاني بفعل ms4516 سيدنا الحسن - ~~رضي الله عنه - (أما) الأول فلأنه خير سيدنا الحسن - رضي الله عنه - حيث ~~قال: " إن شئت فاقتله " مطلقا من غير التقييد ببلوغ الصغار. # (وأما) الثاني: فلأن الحسن - رضي الله عنه - قتل ابن ملجم - لعنه الله - ~~ولم ينتظر بلوغ الصغار، وكل ذلك بمحضر من الصحابة الكرام - رضي الله عنهم ~~-، ولم ينقل أنه أنكر عليهما أحد فيكون إجماعا، وإن لم يكن له وارث، وكان ~~له مولى العتاقة، وهو المعتق فالمستحق للقصاص هو؛ لأن مولى العتاقة آخر ~~العصبات ثم إن كان واحدا استحق كله، وإن كانوا جماعة استحقوه، وإن كان ~~للمقتول وارث، ومولى العتاقة أيضا فلا قصاص؛ لأن الولي مشتبه لاشتباه سبب ~~الولاية، فالسبب في حق الوارث هو القرابة، وفي حق المولى الولاء، وهما ~~سببان مختلفان، واشتباه الولي يمنع الوجوب للقصاص، وكذلك إن لم يكن له مولى ~~العتاقة، وله مولى الموالاة؛ لأنه آخر الورثة فجاز أن يستحق القصاص كما ~~يستحق المال، وإن لم يكن له وارث، ولا له مولى العتاقة، ولا مولى الموالاة ~~كاللقيط وغيره فالمستحق هو السلطان في قولهما، وقال أبو يوسف - رحمه الله - ~~لا يستحقه إذا كان المقتول في دار الإسلام، والحجج تأتي في موضعها إن شاء ~~الله تعالى، وإن كان المقتول عبدا فالمستحق هو المولى لأن الحق قد ثبت، ~~وأقرب الناس إلى العبد مولاه ثم إن كان المولى، واحدا استحق كله، وإن كان ~~جماعة استحقوه لوجود سبب الاستحقاق في حق الكل، وهو الملك، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | [فصل في بيان من يلي استيفاء القصاص وشرط جواز استيفائه] # (فصل) : # وأما بيان من يلي استيفاء القصاص، وشرط جواز استيفائه فولاية استيفاء ~~القصاص تثبت بأسباب: منها: الوراثة، وجملة الكلام فيه أن الوارث لا يخلو ~~إما أن كان واحدا (وإما) إن كانوا جماعة، فإن كان واحدا لا يخلو إما أن كان ~~كبيرا، وإما أن كان صغيرا، فإن كان كبيرا فله أن يستوفي القصاص لقوله تبارك ~~وتعالى {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: 33] ، ولوجود ~~سبب الولاية في حقه على الكمال، وهو ms4517 الوراثة من غير مزاحمة، وإن كان صغيرا ~~اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: ينتظر بلوغه، وقال بعضهم: يستوفيه القاضي، ~~وإن كانوا جماعة فإن كان الكل كبارا فلكل واحد منهم ولاية استيفاء القصاص ~~حتى لو قتله أحدهم صار القصاص مستوفى؛ لأن القصاص إن كان حق الميت فكل واحد ~~من آحاد الورثة خصما في استيفاء حق الميت كما في المال وإذا كان حق الورثة ~~ابتداء كما قال أبو حنيفة - رحمه الله - فقد وجد سبب ثبوت الحق في حق كل ~~واحد منهم، إلا أن حضور الكل شرط جواز الاستيفاء، وليس للبعض ولاية ~~الاستيفاء مع غيبة البعض؛ لأن فيه احتمال استيفاء ما ليس بحق له لاحتمال ~~العفو من الغائب، وإلى هذا أشار محمد - رحمه الله - فقال: لا أدري لعل ~~الغائب عفا، وكذا إذا كان الكل حضورا لا يجوز لهم، ولا لأحدهم أن يوكل في ~~استيفاء القصاص على معنى أنه لا يجوز للوكيل استيفاء القصاص مع غيبة الموكل ~~لاحتمال أن الغائب قد عفا، ولأن في اشتراط حضرة الموكل رجاء العفو منه عند ~~معاينة حلول العقوبة بالقاتل، وقد قال الله تعالى {وأن تعفوا أقرب للتقوى ~~ولا تنسوا الفضل بينكم} [البقرة: 237] (فأما) الاستيفاء بالوكيل فجائز إذا ~~كان الموكل حاضرا على ما نذكر، وإن كان فيهم صغير وكبير، فإن كان الكبير هو ~~الأب بأن كان القصاص مشتركا بين الأب وابنه الصغير فللأب أن يستوفي ~~بالإجماع؛ لأنه لو كان # PageV07P243 # لم يقاصص كان للأب أن يستوفيه فههنا أولى، وإن كان الكبير غير الأب بأن ~~كان أخا فللكبير أن يستوفي قبل بلوغ الصغير عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ~~والشافعي - رحمهما الله - تعالى ليس له ذلك قبل بلوغ الصغير، والكلام فيه ~~يرجع إلى أصل ذكرناه بدلائله فيما تقدم، ومنها: الأبوة فللأب، والجد أن ~~يستوفي قصاصا وجب للصغير في النفس، وفيما دون النفس؛ لأن هذه ولاية نظر ~~ومصلحة كولاية الإنكاح، فتثبت لمن كان مختصا بكمال النظر والمصلحة في حق ~~الصغير. # (وأما) الوصي فلا يلي استيفاء القصاص في النفس بأن قتل شخص عبد اليتيم؛ ms4518 ~~لأن تصرف الوصي لا يصدر عن كمال النظر والمصلحة في حق الصغير لقصور في ~~الشفقة الباعثة عليه بخلاف الأب، والجد، وله أن يستوفي القصاص فيما دون ~~النفس؛ لأن ما دون النفس يسلك به مسلك الأموال على ما نذكر، وللوصي ولاية ~~استيفاء المال. # (ومنها) الملك المطلق وقت القتل، فللمولى أن يستوفي القصاص إذا قتل ~~مملوكه إذا لم يكن في استيفاء القصاص إبطال حق الغير من غير رضاه؛ لأن الحق ~~قد ثبت له، وهو أقرب الناس إليه، فله أن يستوفيه، وكذا إذا قتل مدبره، ~~ومدبرته، وأم ولده، وولدها؛ لأن التدبير، والاستيلاد يوجب زوال الملك، وكذا ~~إذا قتل المكاتب، ولم يترك وفاء؛ لأنه مات رقيقا، فكان ملك المولى قائما ~~وقت القتل، وذكر في المنتقى عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - في معتق البعض ~~إذا قتل عاجزا أنه لا قصاص، ففرق بينه، وبين المكاتب (ووجه) الفرق أن موت ~~المكاتب عاجزا يوجب انفساخ الكتابة، وجعلها كأن لم تكن فالقتل صادفه وهو ~~قن، وموت معتق البعض لا يوجب انفساخ العتق إذ الإعتاق بعد وجوده لا يحتمل ~~الفسخ فالقتل صادفه، ولا ملك للمولى في كله، ولو قتل المكاتب، وترك وفاء، ~~وورثة أحرارا سوى المولى لا قصاص بالإجماع؛ لأنه لا يستوفيه المولى لوقوع ~~الشك في قيام المولى وقت القتل، ولا الوارث لاحتمال أنه مات عبدا لاختلاف ~~الصحابة - رضي الله عنهم - أنه يموت حرا أو عبدا، فامتنع الوجوب، وإن لم ~~يكن له وارث حر غير المولى فله أن يستوفي القصاص عندهما خلافا لمحمد، وقد ~~ذكرنا المسألة ولو قتل العبد في يد البائع قبل القبض، فإن اختار المشتري ~~إجازة البيع فله ولاية الاستيفاء بالإجماع؛ لأن الملك كان له وقت القتل، ~~وقد تقرر بالإجازة، فكان له أن يستوفي، وإن اختار فسخ البيع فللبائع أن ~~يستوفي القصاص في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وقال أبو يوسف للبائع ~~القيمة، ولا قصاص له. # (وجه) قوله أن الملك لم يكن ثابتا له وقت القتل، وإنما حدث بعد ذلك ~~بالفسخ، والسبب حين وجوده لم ينعقد ms4519 موجبا الحكم له فلا يثبت له بمعنى وجد ~~بعد ذلك، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن رد البيع فسخ له من الأصل، وجعل ~~إياه كأن لم يكن فإذا انفسخ من الأصل تبين أن الجناية، وردت على ملك البائع ~~فيوجب القصاص له فكان له أن يستوفي، وليس للمشتري ولاية الاستيفاء؛ لهذا ~~المعنى، إن بالفسخ يظهر أن العبد وقت القتل لم يكن على ملك البائع، ولو قتل ~~العبد الذي هو بدل الصداق في يد الزوج، أو بدل الخلع في يد المرأة، أو بدل ~~الصلح عن دم العمد في يدي الذي صالح عليه فذلك بمنزلة البيع؛ لأن المستحق ~~للصداق وبدل الخلع والصلح إن اختار إتباع القاتل فقد تقرر ملكه، فيجب ~~القصاص له، وإن طالب بالقيمة فالملك في العبد قد انفسخ، فيجب القصاص للآخر ~~على ما ذكرنا في البيع ولو قتل في يد المشتري، وللمشتري خيار الشرط أو خيار ~~الرؤية فالقصاص للمشتري قبض البائع الثمن أو لم يقبض؛ لأن الخيار قد سقط ~~بموت العبد، وانبرم البيع، وتقرر الملك فيه للمشتري فوجب القصاص له فكان له ~~أن يستوفي القصاص، كما إذا قتل في يده، ولا خيار في البيع أصلا، ولو كان ~~الخيار للبائع فإن شاء أتبع القاتل فقتله قصاصا، وإن شاء ضمن المشتري ~~القيمة (وأما) اختيار إتباع القاتل فلأن العبد وقت القتل كان ملكا له. # (وأما) اختيار تضمن المشتري القيمة فلأنه كان مضمونا في يده القيمة، ألا ~~ترى لو هلك بنفسه في يده كان عليه قيمته؟ ولا قصاص للمشتري وإن هلك العبد ~~بالضمان؛ لأن الملك ثبت له بطريق الاستناد، والمستند يظهر من وجه، ويقتصر ~~من وجه فشبه الظهور يقتضي وجوب القصاص له، وشبه الاستناد يقتضي أن لا يجب، ~~فتمكنت الشبهة في الوجوب له فلا يجب، وكذا العبد المغصوب إذا قتل في يدي ~~الغاصب واختار المالك تضمينه لم يكن للغاصب القصاص؛ لما قلنا، ولو قتل عبد ~~موصى برقبته لرجل، وبخدمته لآخر لم ينفرد أحدهما باستيفاء القصاص؛ لأن ~~الموصى له بالخدمة # PageV07P244 # لا ملك له في الرقبة فلا يملك ms4520 الاستيفاء بنفسه، والموصى له بالرقبة وإن ~~ملك الرقبة لكن في استيفاء القصاص إبطال حق الموصى له بالخدمة لا إلى بدل ~~هو مال فلا يملك إبطال حقه عليه من غير رضاه، وإذا اجتمعا فللموصى له ~~بالرقبة أن يستوفي؛ لأن المطلق للاستيفاء موجود، وهو قيام ملك الرقبة، ~~والامتناع كان لحق الموصى له بالخدمة فإذا رضي بسقوط حقه فقد زال المانع. # ولو قتل العبد المرهون في يد المرتهن لم يكن لواحد منهما أن ينفرد ~~باستيفاء القصاص (أما) المرتهن فظاهر؛ لأن ملك الرقبة لم يكن ثابتا له وقت ~~القتل فلم يوجد سبب ثبوت ولاية الاستيفاء في حقه (وأما) الراهن فلأن ~~استيفاءه يتضمن إبطال حق المرتهن في الدين من غير رضاه؛ لأن الرهن يصير ~~هالكا من غير بدل؛ لأن العبد إنما كان رهنا من حيث إنه مال، والقصاص لا ~~يصلح بدلا عن المالية؛ لأنه ليس بمال فيصير الرهن هالكا من غير بدل فيسقط ~~دينه فكان في استيفائه القصاص إبطال حق المرتهن من غير رضاه، وهذا لا يجوز، ~~ولو اجتمعا ذكر الكرخي - رحمه الله - أن للراهن أن يستوفي القصاص عند أبي ~~حنيفة - رحمه الله -؛ لأن الامتناع كان لحق المرتهن، وقد رضي بسقوطه، وعند ~~محمد ليس له أن يستوفي، وإن اجتمعا على الاستيفاء، وذكر القاضي في شرحه ~~مختصر الطحاوي - رحمه الله - أنه لا قصاص على قاتله، ولم يذكر الخلاف، وقد ~~ذكرنا وجه كل من ذلك في كتاب الرهن. # (ومنها) الولاء إذا لم يكن لمولى الأسفل وارث؛ لأن الولاء سبب الولاية في ~~الجملة. # ألا ترى أن مولى العتاقة يزوج بالإجماع؛ لأنه آخر العصبات، ومولى ~~الموالاة يزوج على أصل أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأنه آخر الورثة، فإن ~~كان له وارث فلا قصاص لاشتباه الولي فلا يتصور الاستيفاء. # (ومنها) السلطنة عند عدم الورثة، والملك، والولاء كاللقيط، ونحوه إذا ~~قتل، وهذا قولهما، وقال أبو يوسف - رحمه الله - ليس للسلطان أن يستوفي إذا ~~كان المقتول من أهل دار الإسلام، وله أن يأخذ الدية، وإن كان من أهل دار ~~الحرب فله أن ms4521 يستوفي القصاص، وله أن يأخذ الدية (وجه) قوله أن المقتول في ~~دار الإسلام لا يخلو عن ولي له عادة إلا أنه ربما لا يعرف، وقيام ولاية ~~الولي تمنع ولاية السلطان، وبهذا لا يملك العفو، بخلاف الحربي إذا دخل دار ~~الإسلام فأسلم أن الظاهر أن لا ولي له في دار الإسلام، ولهما أن الكلام في ~~قتيل لم يعرف له ولي عند الناس فكان وليه السلطان لقوله - عليه الصلاة ~~والسلام - «السلطان ولي من لا ولي له» . # وقد روي أنه لما قتل سيدنا عمر - رضي الله عنه - خرج الهرمزان، والخنجر ~~في يده فظن عبيد الله أن هذا الذي قتل سيدنا عمر - رضي الله عنه - فقتله ~~فرفع ذلك إلى سيدنا عثمان - رضي الله عنه - فقال سيدنا علي - رضي الله عنه ~~- لسيدنا عثمان اقتل عبيد الله فامتنع سيدنا عثمان - رضي الله عنه - وقال: ~~كيف أقتل رجلا قتل أبوه أمس؟ لا أفعل، ولكن هذا رجل من أهل الأرض، وأنا ~~وليه أعفو عنه، وأؤدي ديته وأراد بقوله أعفو عنه، وأؤدي ديته الصلح على ~~الدية وللإمام أن يصالح على الدية إلا أنه لا يملك العفو؛ لأن القصاص حق ~~المسلمين بدليل أن ميراثه لهم، وإنما الإمام نائب عنهم في الإقامة، وفي ~~العفو إسقاط حقهم أصلا ورأسا، وهذا لا يجوز؛ ولهذا لا يملكه الأب، والجد، ~~وإن كانا يملكان استيفاء القصاص، وله أن يصالح على الدية كما فعل سيدنا ~~عثمان - رضي الله عنه - والله تعالى الموفق بالصواب. ### | [فصل في بيان ما يستوفى به القصاص وكيفية الاستيفاء] # (فصل) : # وأما بيان ما يستوفى به القصاص، وكيفية الاستيفاء فالقصاص لا يستوفى إلا ~~بالسيف عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله -: يفعل به مثل ما فعل، فإن مات، ~~وإلا تحز رقبته حتى لو قطع يد رجل عمدا فمات من ذلك فإن الولي يقتله، وليس ~~له أن يقطع يده عندنا، وعنده تقطع يده، فإن مات في المدة التي مات الأول ~~فيها، وإلا تحز رقبته. # (وجه) قوله أن مبنى القصاص على المماثلة في الفعل؛ لأنه جزاء الفعل ~~فيشترط أن ms4522 يكون مثل الفعل الأول، وذلك فيما قلنا، وهو أن يفعل به مثل ما ~~فعل هو، والموجود منه القطع فيجب أن يجازى بالقطع، والظاهر في القطع عدم ~~السراية، فإن اتفقت السراية، وإلا تحز رقبته، ويكون الحز تتميما للفعل ~~الأول لا حزا مبتدأ. # (ولنا) قوله - عليه الصلاة والسلام - «لا قود إلا بالسيف» والقود هو ~~القصاص، والقصاص هو الاستيفاء، فكان هذا نفي استيفاء القصاص بالسيف، ولأن ~~القطع إذا اتصلت به السراية تبين أنه وقع قتلا من حين وجوده فلا يجازى إلا ~~بالقتل فلو قطع ثم احتيج إلى الحز كان ذلك جمعا بين القتل والحز فلم # PageV07P245 # يكن مجازاة بالمثل، وقوله: " الحز يقع تتميما للقطع " فاسد؛ لأن المتمم ~~للشيء من توابعه، والحز قتل، وهو أقوى من القطع، فكيف يكون من تمامه؟ وإن ~~أراد الولي أن يقتل بغير السيف لا يمكن لما قلنا. # ولو فعل يعزر لكن لا ضمان عليه، ويصير مستوفيا بأي طريق قتله سواء قتله ~~بالعصا أو بالحجر أو ألقاه من السطح أو ألقاه في البئر أو ساق عليه دابة ~~حتى مات، ونحو ذلك؛ لأن القتل حقه، فإذا قتله فقد استوفى حقه بأي طريق كان، ~~إلا أنه يأثم بالاستيفاء لا بطريق مشروع لمجاوزته حد الشرع، وله أن يقتل ~~بنفسه وبنائبه بأن يأمر غيره بالقتل؛ لأن كل أحد لا يقدر على الاستيفاء ~~بنفسه إما لضعف بدنه أو لضعف قلبه أو لقلة هدايته إليه، فيحتاج إلى ~~الإنابة، إلا أنه لا بد من حضوره عند الاستيفاء لما ذكرنا فيما تقدم ثم إذا ~~قتله المأمور، والآمر حاضر صار مستوفيا، ولا ضمان عليه، فأما إذا قتله ~~والآمر غير حاضر، وأنكر ولي هذا القتيل الأمر فإنه يجب القصاص على القاتل، ~~ولا يعتبر تصديق الولي؛ لأن القتل عمدا سبب لوجوب القصاص في الأصل فلو خرج ~~من أن يكون سببا إنما يخرج بالأمر، وقد كذبه ولي هذا القتيل في الأمر، ~~وتصديق ولي القصاص غير معتبر؛ لأنه صدقه بعد ما بطل حقه عن القصاص لفوات ~~محله فصار أجنبيا عنه، فلا يعتبر تصديقه فلم ms4523 يثبت الأمر فبقي القتل العمد ~~موجبا القصاص، ولو حفر بئرا في دار إنسان فوقع فيها إنسان، ومات فادعى، ولي ~~القتيل الدية فقال الحافر: حفرته بإذن صاحب الدار، وصدقه صاحب الدار في ذلك ~~فلا ضمان على الحافر، ويعتبر تصديقه؛ لأنه صدقه في فعل يملك إنشاء الأمر به ~~للحال، وهو الحفر في ملكه، فلم يكن هذا تصديقا بعد فوات المحل فاعتبر بخلاف ~~الأول، والله تعالى أعلم بالصواب. ### | [فصل في بيان ما يسقط القصاص بعد وجوبه] # (فصل) : # وأما بيان ما يسقط القصاص بعد وجوبه فالمسقط له أنواع: منها فوات محل ~~القصاص بأن مات من عليه القصاص بآفة سماوية؛ لأنه لا يتصور بقاء الشيء في ~~غير محله، وإذا سقط القصاص بالموت لا تجب الدية عندنا؛ لأن القصاص هو ~~الواجب عينا عندنا، وهو أحد قولي الشافعي - رحمه الله -، وعلى قوله الآخر ~~تجب الدية، وقد بينا فساده فيما تقدم، وكذا إذا قتل من عليه القصاص بغير حق ~~أو بحق بالردة والقصاص بأن قتل إنسانا فقتل به قصاصا يسقط القصاص، ولا يجب ~~لما قلنا، وكذلك القصاص الواجب فيما دون النفس إذا فات ذلك العضو بآفة ~~سماوية أو قطع بغير حق يسقط القصاص من غير مال عندنا لما قلنا، وإن قطع بحق ~~بأن قطع يد غيره فقطع به أو سرق مال إنسان فقطع يسقط القصاص أيضا لفوات ~~محله، لكن يجب أرش اليد فيقع الفرق في موضعين أحدهما بين القتل والقطع بحق. # والثاني بين القطع بغير حق، وبين القطع بحق، والفرق أنه إذا قطع طرفه بحق ~~فقد قضى به حقا واجبا عليه فجعل كالقائم، وجعل صاحبه ممسكا له تقديرا كأنه ~~أمسكه حقيقة، وتعذر استيفاء القصاص لعذر الخطأ، ونحو ذلك، وهناك يجب الأرش، ~~كذا هذا، وهذا المعنى لم يوجد فيما إذا قطع بغير حق؛ لأنه لم يقض حقا واجبا ~~عليه، وفي القتل إن قضى حقا واجبا عليه، لكن لا يملك أن يجعل ممسكا للنفس ~~بعد موته تقديرا؛ لأنه لا يتصور حقيقة بخلاف الطرف، والله تعالى أعلم ومنها ~~العفو، والكلام فيه ms4524 في ثلاثة مواضع: أحدها: في بيان ركنه، والثاني: في بيان ~~شرائط الركن، والثالث: في بيان حكمه أما ركنه فهو أن يقول العافي عفوت أو ~~أسقطت أو أبرأت أو وهبت، وما يجري هذا المجرى. # وأما الشرائط فمنها أن يكون العفو من صاحب الحق؛ لأنه إسقاط الحق، وإسقاط ~~الحق ولا حق محال فلا يصح العفو من الأجنبي لعدم الحق، ولا من الأب، والجد ~~في قصاص وجب للصغير؛ لأن الحق للصغير لا لهما، وإنما لهما ولاية استيفاء حق ~~وجب للصغير، ولأن ولايتهما مقيدة بالنظر للصغير، والعفو ضرر محض؛ لأنه ~~إسقاط الحق أصلا، ورأسا فلا يملكانه، ولهذا لا يملكه السلطان فيما له ولاية ~~الاستيفاء على ما بينا، والله تعالى أعلم ومنها أن يكون العافي عاقلا. # (ومنها) أن يكون بالغا، فلا يصح العفو من الصبي، والمجنون، وإن كان الحق ~~ثابتا لهما؛ لأنه من التصرفات المضرة المحضة فلا يملكانه كالطلاق، والعتاق، ~~ونحو ذلك (وأما) حكم العفو فالعفو في الأصل لا يخلو إما أن يكون من الولي، ~~وإما أن يكون من المجروح، فإن كان من الولي لا يخلو من أن يكون منه بعد ~~الموت أو قبل الموت بعد الجرح، فإن كان بعد الموت فإما أن يكون الولي ~~واحدا، وإما أن يكون أكثر، فإن كان واحدا بأن كان القاتل # PageV07P246 # والمقتول واحدا فعفا عن القاتل سقط القصاص؛ لأن استيفاءه لتحقق معنى ~~الحياة، وهذا المعنى يحصل بدون الاستيفاء بالعفو؛ لأنه إذا عفا فالظاهر أنه ~~لا يطلب الثأر بعد العفو، فلا يقصد قتل القاتل فلا يقصد القاتل قتله فيحصل ~~معنى الحياة بدون الاستيفاء، فيسقط القصاص لحصول ما شرع له استيفاؤه بدونه، ~~وهكذا قال الحسن - رحمه الله - في تأويل قوله تعالى {ومن أحياها فكأنما ~~أحيا الناس جميعا} [المائدة: 32] أي من أحياها بالعفو، وقيل في قوله تبارك ~~وتعالى {ذلك تخفيف من ربكم ورحمة} [البقرة: 178] أن ذلك العفو والصلح على ~~ما قيل أن حكم التوراة القتل لا غير، وحكم الإنجيل العفو بغير بدل لا غير، ~~فخفف سبحانه وتعالى على هذه الأمة فشرع العفو بلا ms4525 بدل أصلا، والصلح ببدل ~~سواء عفا عن الكل أو عن البعض؛ لأن القصاص لا يتجزأ وذكر البعض فيما لا ~~يتبعض ذكر الكل كالطلاق، وتسليم الشفعة، وغيرهما، وإذا سقط القصاص بالعفو ~~لا ينقلب مالا عندنا؛ لأن حق الولي في القصاص عينا، وهو أحد قولي الشافعي - ~~رحمه الله -، وقد أسقطه لا إلى بدل، ومن له الحق إذا أسقط حقه مطلقا، وهو ~~من أهل الإسقاط، والمحل قابل للسقوط يسقط مطلقا كالإبراء عن الدين، ونحو ~~ذلك. # وعلى قوله الآخر الواجب أحدهما، فإذا عفا عن القصاص انصرف الواجب تصحيحا ~~لتصرفه كمن له على آخر دراهم أو دنانير، ولا ينوي أحدهما بعينه، فأبرأه ~~المديون عن أحدهما، ليس له أن يطالبه بالآخر لما قلنا، كذا هذا، ولو عفا ~~عنه ثم قتله بعد العفو يجب عليه القصاص عند عامة العلماء - رضي الله عنهم ~~-. # وقال بعض الناس: لا يجب، واحتجوا بقوله تبارك وتعالى {فمن اعتدى بعد ذلك ~~فله عذاب أليم} [البقرة: 178] جعل جزاء المعتدي، وهو القاتل بعد العفو ~~العذاب الأليم، وهو عذاب الآخرة - نستجير بالله سبحانه وتعالى من هوله - ~~فلو وجب القصاص في الدنيا لصار المذكور بعض الجزاء، ولأن القصاص في الدنيا ~~يرفع عذاب الآخرة لقوله - عليه الصلاة والسلام - «السيف محاء للذنوب» ، ~~وفيه نسخ الآية الشريفة. # (ولنا) عمومات القصاص من غير فصل بين شخص وشخص، وحال وحال، إلا شخصا أو ~~حالا قيد بدليل، وكذا الحكمة التي لها شرع القصاص، وهو الحياة على ما بينا ~~يقتضي الوجوب. # وأما الآية فقد قيل في بعض وجوه التأويل: إن العذاب الأليم ههنا هو ~~القصاص فإن القتل غاية العذاب الدنيوي في الإيلام فعلى هذا التأويل كانت ~~الآية حجة عليهم، وتحتمل هذا وتحتمل ما قالوا فلا تكون حجة مع الاحتمال، ~~وإن كان القصاص أكثر بأن قتل رجلان واحدا، فإن عفا عنهما سقط القصاص أصلا؛ ~~لما ذكرنا، وإن عفا عن أحدهما سقط القصاص عنه، وله أن يقتل الآخر لأنه ~~استحق على كل واحد منهما قصاصا كاملا، والعفو عن أحدهما لا يوجب العفو عن ~~الآخر، وذكر في ms4526 المنتقى عن أبي يوسف - رحمه الله - أنه يسقط القصاص عنهما؛ ~~لأن طريق إيجاب القصاص عليهما أن يجعل كل واحد منهما قاتلا على الانفراد ~~كأن ليس معه غيره، إذ القتل تفويت الحياة، ولا يتصور تفويت حياة واحدة من ~~كل واحد منهما على الكمال فيجعل كل واحد منهما قاتلا على الانفراد، ويجعل ~~قتل صاحبه عدما في حقه، فإذا عفا عن أحدهما، والعفو عن القاتل جعل فعل ~~الآخر عدما تقديرا فيورث شبهة، والقصاص لا يستوفى مع الشبهة. # وهذا ليس بسديد؛ لأن طريق إيجاب القصاص عليهما ليس ما ذكر، وليس القتل ~~اسما لتفويت الحياة بل هو اسم لفعل مؤثر في فوات الحياة عادة، وهذا حصل لكل ~~واحد منهما على الكمال، فالعفو عن أحدهما لا يؤثر في الآخر، هذا إذا كان ~~الولي واحدا، فأما إذا كان اثنين أو أكثر فعفا أحدهما سقط القصاص عن ~~القاتل؛ لأنه سقط نصيب العافي بالعفو فيسقط نصيب الآخر ضرورة أنه لا يتجزأ ~~إذ القصاص قصاص واحد فلا يتصور استيفاء بعضه دون بعض، وينقلب نصيب الآخر ~~مالا بإجماع الصحابة الكرام - رضي الله تعالى عنهم - فإنه روي عن عمر، وعبد ~~الله بن مسعود، وابن عباس - رضي الله تعالى عنهم -، ولم ينقل أنه أنكر أحد ~~عليهم فيكون إجماعا، وقيل: إن قوله تبارك وتعالى {فمن عفي له من أخيه شيء} ~~[البقرة: 178] نزلت في دم بين شركاء يعفو أحدهم عن القاتل فللآخرين أن ~~يتبعوه بالمعروف في نصيبهم؛ لأنه قال سبحانه، وتعالى {فمن عفي له من أخيه ~~شيء} [البقرة: 178] ، وهذا العفو عن بعض الحق، ويكون نصيب الآخر، وهو # PageV07P247 # نصف الدية في مال القاتل؛ لأن القتل عمد إلا أنه تعذر استيفاء القصاص لما ~~ذكرنا، والعاقلة لا تعقل العمد، ويؤخذ منه في ثلاث سنين عند أصحابنا ~~الثلاثة، وعند زفر في سنتين. # (وجه) قوله أن الواجب نصف الدية فيؤخذ في سنتين كما لو قطع يد إنسان خطأ، ~~ووجب عليه نصف الدية، أنه يؤخذ في سنتين، كذا ههنا. # (ولنا) أن الواجب جزء مما يؤخذ في ثلاث سنين، وحكم الجزء حكم ms4527 الكل بخلاف ~~القطع فإن الواجب هناك كل لا جزء؛ لأن كل دية يد واحدة هذا القدر، إلا أنه ~~قدر كل ديتها بنصف دية النفس، وهذا لا ينفي أن يكون كل دية الطرف. # ولو عفا أحدهما فقتله الآخر ينظر إن قتله ولم يعلم بالعفو أو علم به لكنه ~~لم يعلم بالحرمة لا قصاص عليه عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله -، وعند ~~زفر - رحمه الله - عليه القصاص. # (وجه) قوله أنه قتل نفسا بغير حق؛ لأن عصمته عادت بالعفو، ألا ترى أنه ~~حرم قتله فكانت مضمونة بالقصاص كما لو قتله قبل وجود القتل منه؟ فلو سقط ~~إنما سقط بالشبهة، ومطلق الظن لا يورث شبهة كما لو قتل إنسانا. # وقال: ظننت أنه قاتل أبي. # (ولنا) أن في عصمته شبهة العدم في حق القاتل؛ لأنه قتله على ظن أن قتله ~~مباح له، وهو ظن مبني على نوع دليل، وهو ما ذكرنا أن القصاص وجب حقا ~~للمقتول، وكل واحد من الأولياء بسبيل من استيفاء حق وجب للمقتول، فالعفو من ~~أحدهما ينبغي أن لا يؤثر في حق الآخر، ولأن سبب ولاية الاستيفاء وجد في حق ~~كل واحد منهما على الكمال، وهو القرابة فينبغي أن لا يؤثر عفو أحدهما في حق ~~صاحبه، إلا أنه امتنع هذا الدليل عن العمل بإجماع الصحابة - رضي الله تعالى ~~عنهم - على ما بينا، فقيامه يورث شبهة عدم العصمة، والشبهة في هذا الباب ~~تعمل عمل الحقيقة فتمنع وجوب القصاص، ويجب عليه نصف الدية؛ لأن القصاص إذا ~~تعذر إيجابه للشبهة وجب عليه كمال الدية، كان على القاتل الدية، فصار النصف ~~قصاصا بالنصف فيوجب عليه النصف الآخر، ويكون في ماله لا على العاقلة؛ لأنه ~~وجب بالقتل، وهو عمد، والعاقلة لا تعقل العمد. # وإن علم بالعفو والحرمة يجب عليه القصاص؛ لأن المانع من الوجوب الشبهة، ~~وإنها نشأت عن الظن، ولم يوجد، فزال المانع، وله على المقتول نصف الدية؛ ~~لأنه قد كان انقلب نصيبه مالا بعفو صاحبه فبقي ذلك على المقتول، هذا إذا ~~كان القصاص الواحد مشتركا بينهما فعفا ms4528 أحدهما عن نصيبه، فأما إذا وجب لكل ~~واحد منهما قصاص كامل قبل القاتل بأن قتل واحد رجلين فعفا أحدهما عن القاتل ~~لا يسقط قصاص الآخر؛ لأن كل واحد منهما استحق عليه قصاصا كاملا، ولا ~~استحالة له في ذلك؛ لأن القتل ليس تفويت الحياة ليقال: إن الحياة الواحدة ~~لا يتصور تفويتها من اثنين بل هو اسم لفعل مؤثر في فوات الحياة عادة، وهذا ~~يتصور من كل واحد منهما في محل واحد على الكمال، فعفو أحدهما عن حقه، وهو ~~القصاص، لا يؤثر في حق صاحبه بخلاف القصاص الواحد المشترك، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم هذا إذا عفا الولي عن القاتل بعد موت وليه. # (فأما) إذا عفا عنه بعد الجرح قبل الموت فالقياس أن لا يصح عفوه، وفي ~~الاستحسان يصح. # (وجه) القياس أن العفو عن القتل يستدعي وجود القتل، والفعل لا يصير قتلا ~~إلا بفوات الحياة عن المحل، ولم يوجد، فالعفو لم يصادف محله فلم يصح، ~~وللاستحسان وجهان: أحدهما: أن الجرح متى اتصلت به السراية تبين أنه وقع ~~قتلا من حين وجوده، فكان عفوا عن حق ثابت، فيصح، ولهذا لو كان الجرح خطأ ~~فكفر بعد الجرح قبل الموت ثم مات جاز التكفير، والثاني: أن القتل إن لم ~~يوجد للحال فقد وجد سبب وجوده، وهو الجرح المفضي إلى فوات الحياة، والسبب ~~المفضي إلى الشيء يقام مقام ذلك الشيء في أصول الشرع كالنوم مع الحدث، ~~والنكاح مع الوطء، وغير ذلك، ولأنه إذا وجد سبب، وجود القتل كان العفو ~~تعجيل الحكم بعد وجود سببه، وإنه جائز، كالتكفير بعد الجرح قبل الموت في ~~قتل الخطإ، والله سبحانه وتعالى أعلم وكذلك العفو من المولى واحدا كان أو ~~أكثر، والعفو من الوارث سواء في جميع ما وصفنا إلا أن في القصاص بين ~~الموليين إذا عفا أحدهما فللآخر حصته من قيمة العبد، وههنا من الدية؛ لأن ~~القيمة في دم العمد كالدية في دم الحر. # (فأما) فيما وراء ذاك فلا يختلفان، هذا كله إذا كان العفو من المولى أو ~~من الولي، فأما ms4529 إذا كان من المجروح بأن كان المجروح عفا لا يصح عفوه؛ لأن ~~القصاص يجب حقا للمولى لا له، وإن كان حرا، فإن عفا عن القتل ثم مات # PageV07P248 # صح استحسانا، والقياس أن لا يصح. # (وجه) القياس، والاستحسان على نحو ما ذكرنا. # وإن عفا عن القطع أو الجراحة أو الشجة أو الجناية ثم مات أولا فجملة ~~الكلام فيه أن الجرح لا يخلو إما أن يكون عمدا أو خطأ، فإن كان عمدا ~~فالمجروح لا يخلو إما أن يقول: عفوت عن القطع أو الجراحة أو الشجة أو ~~الضربة، وهذا كله قسم واحد. # (وإما) أن يقول: عفوت عن الجناية، والقسم الأول لا يخلو (إما) أن ذكر معه ~~ما يحدث منها. # (وإما) إن لم يذكر، وحال المجروح لا يخلو (إما) أن برئ وصح. # (وإما) إن مات من ذلك، فإن برئ من ذلك صح العفو في الفصول كلها؛ لأن ~~العفو وقع عن ثابت، وهو الجراحة أو موجبها، وهو الأرش فيصح، وإن سرى إلى ~~النفس ومات، فإن كان العفو بلفظ الجناية أو بلفظ الجراحة، وما يحدث منها صح ~~بالإجماع، ولا شيء على القاتل؛ لأن لفظ الجناية يتناول القتل، وكذا لفظ ~~الجراحة، وما يحدث منها، فكان ذلك عفوا عن القتل فيصح. # وإن كان بلفظ الجراحة، ولم يذكر ما يحدث منها لم يصح العفو في قول أبي ~~حنيفة - رضي الله عنه - والقياس أن يجب القصاص، وفي الاستحسان تجب الدية في ~~مال القاتل، وعندهما يصح العفو، ولا شيء على القاتل. # (وجه) قولهما أن السراية أثر الجراحة، والعفو عن الشيء يكون عفوا عن أثره ~~كما إذا قال عفوت عن الجراحة، وما يحدث منها، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - ~~وجهان: أحدهما: أنه عفا عن غير حقه، فإن حقه في موجب الجناية لا في عينها؛ ~~لأن عينها عرض لا يتصور بقاؤها فلا يتصور العفو عنها، ولأن عينها جناية ~~وجدت من الخارج، والجناية لا تكون حق المجني عليه فكان هذا عفوا عن موجب ~~الجراحة. # وبالسراية يتبين أنه لا موجب بهذه الجراحة؛ لأن عند السراية يجب ms4530 موجب ~~القتل بالإجماع، وهو القصاص إن كان عمدا، والدية إن كان خطأ، ولا يجب الأرش ~~وقطع اليد مع موجب القتل؛ لأن الجمع بينهما غير مشروع، والثاني: إن كان ~~العفو عن القطع والجرح صحيحا لكن القطع غير، والقتل غير فالقطع إبانة ~~الطرف، والقتل فعل مؤثر في فوات الحياة عادة، وموجب أحدهما القطع والأرش، ~~وموجب الآخر القتل والدية، والعفو عن أحد الغيرين لا يكون عفوا عن الآخر في ~~الأصل فكان القياس أن يجب القصاص لوجود القتل العمد، وعدم ما يسقطه، إلا ~~أنه سقط للشبهة فتجب الدية، وتكون في ماله؛ لأنها وجبت بالقتل العمد، ~~والعاقلة لا تعقل العمد، هذا إذا كان القتل عمدا، فأما إذا كان خطأ فإن برئ ~~من ذلك صح العفو بالإجماع، ولا شيء على القاطع سواء كان بلفظ الجناية أو ~~الجراحة، وذكر وما يحدث منها أو لم يذكر لما قلنا، وإن سرى إلى النفس فإن ~~كان بلفظ الجناية أو الجراحة، وما يحدث منها صح أيضا لما ذكرنا، ثم إن كان ~~العفو في حال صحة المجروح بأن كان يذهب ويجيء ولم يصر صاحب فراش يعتبر من ~~جميع ماله، وإن كان في حال المرض بأن صار صاحب فراش يعتبر عفوه من ثلث ~~ماله؛ لأن العفو تبرع منه، وتبرع المريض مرض الموت يعتبر من ثلث ماله، فإن ~~كان قدر الدية يخرج من الثلث سقط ذلك القدر عن العاقلة، وإن كان لا يخرج ~~كله من الثلث فثلثه يسقط عن العاقلة، وثلثاه يؤخذ منهم، وإن كان بلفظ ~~الجراحة ولم يذكر وما يحدث منها لم يصح العفو، والدية على العاقلة عند أبي ~~حنيفة، وعندهما يصح العفو، وهذا وقوله عفوت عن الجراحة وعن الجناية وما ~~يحدث منها سواء، وقد بينا حكمه، والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو كان مكان العفو صلح بأن صالح من القطع أو الجراحة على مال فهو على ~~التفصيل الذي ذكرنا أنه إن برئ المجروح فالصلح صحيح بأي لفظ كان، وسواء كان ~~القطع عمدا أو خطأ؛ لأن الصلح وقع عن حق ثابت فيصح، وإن سرى ms4531 إلى النفس، فإن ~~كان الصلح بلفظ الجناية أو بلفظ الجراحة وما يحدث منها فالصلح صحيح أيضا؛ ~~لأنه صلح عن حق ثابت، وهو القصاص، وإن كان بلفظ الجراحة، ولم يذكر وما يحدث ~~منها فعند أبي حنيفة - رحمه الله - لا يصح الصلح، ويؤخذ جميع الدية من ماله ~~في العمد، وإن كان خطأ يرد بدل الصلح، ويجب جميع الدية على العاقلة، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم ولو كان مكان الصلح نكاح بأن قطعت امرأة يد رجل أو ~~جرحته فتزوجها على ذلك فهو على ما ذكرنا من التفاصيل أنه إن برئ من ذلك جاز ~~النكاح، وصار أرش ذلك مهرا لها؛ لأنه تبين أن موجب ذلك الأرش، سواء كان ~~القطع عمدا أو خطأ؛ لأن القصاص بين الذكور والإناث لا يجري فيما دون النفس، ~~فكان الواجب هو المال، فإذا تزوجها عليه فقد سمى المال فكان مهرا لها، وإن ~~سرى إلى النفس فإن كان النكاح بلفظ الجناية أو بلفظ الجراحة وما يحدث منها # PageV07P249 # وكان القطع خطأ جاز النكاح، وصار دم الزوج مهرا لها؛ لأنه لما اتصلت به ~~السراية تبين أنه وقع قتلا موجبا للدية على العاقلة، فكان التزوج على موجب ~~الجناية، وهو الدية، وسقطت عن العاقلة لصيرورتها مهرا لها، وهذا إذا كان ~~وقت النكاح صحيحا، فإن كان مريضا فبقدر مهر المثل يسقط عن العاقلة؛ لأنه ~~ليس بمتبرع في هذا القدر. # (وأما) الزيادة على ذلك فينظر إن كانت تخرج من ثلث ماله يسقط أيضا، وإن ~~كانت لا تخرج من ثلث ماله فبقدر الثلث يسقط أيضا، والزيادة تكون للزوج ترجع ~~إلى ورثته، وإنما اعتبر خروج الزيادة من ثلث ماله؛ لأنه متبرع بالزيادة، ~~وهو مريض مرض الموت، هذا في الخطأ. # (وأما) في العمد جاز النكاح، وصار عفوا. # (وأما) جواز النكاح فلا شك فيه؛ لأن جوازه لا يقف على تسمية ما هو مال. # (وأما) صيرورة النكاح على القصاص عفوا له؛ لأنه لما تزوجها على القصاص ~~فقد أزال حقه عنه، وأسقطه وهذا معنى العفو، ولها مهر المثل من تركة الزوج؛ ~~لأن النكاح لا ms4532 يجوز إلا بالمهر، والقصاص لا يصلح مهرا؛ لأنه ليس بمال، فيجب ~~لها العوض الأصلي وهو مهر المثل، فإن كان بلفظ الجراحة، ولم يذكر وما يحدث ~~منها فكذلك الجواب عندهما في العمد والخطأ، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - ~~بطل العفو إذا كان عمدا، ولها مهر المثل من مال الزوج، وتجب الدية من ~~مالها، فيتناقصان بقدر مهر المثل، وتضمن المرأة الزيادة، وإن كانت خطأ فتجب ~~الدية على عاقلتها، ولها مهر المثل من مال الزوج، ولا ترث المرأة من مال ~~الزوج شيئا؛ لأنها قاتلة، ولا ميراث للقاتل، والله تعالى أعلم. # ولو كان مكان النكاح خلع بأن قطع يد امرأته أو جرحها جراحة فخلعها على ~~ذلك فهو على ما ذكرنا أنها إن برئت جاز الخلع، وكان بائنا؛ لأنه تبين أنه ~~خلعها على أرش اليد، فصح الخلع، وصار أرش اليد بدل الخلع، والخلع على مال ~~طلاق بائن، ويستوي فيه العمد، والخطأ لما مر، وإن سرى إلى النفس، وكان خطأ، ~~فإن ذكر بلفظ الجناية أو بلفظ الجراحة، وما يحدث منها جاز الخلع، ويكون ~~بائنا؛ لأنه تبين أن الفعل وقع قتلا، فتبين أنه وقع موجبا للدية، فكان ~~الخلع واقعا على ماله، وهو الدية، فيصح، ويكون بائنا، ثم إن كانت المرأة ~~صحيحة وقت الخلع جاز ذلك من جميع المال، وإن كانت مريضة صارت الدية بدل ~~الخلع، ويعتبر خروج جميع الدية من الثلث بخلاف النكاح حيث يعتبر هناك خروج ~~الزيادة على قدر مهر المثل من الثلث؛ لأن تلك الحال حال دخول البضع في ملك ~~الزوج، وهذه حالة الخروج، والبضع يعد مالا حال الدخول في ملك الزوج، ولا ~~يعد مالا حال الخروج عن ملكه، وإن كان يخرج من الثلث سقط عن العاقلة، وإن ~~لم يكن لها مال يسقط، والثلثان على العاقلة، ويكون بمنزلة الوصية هذا في ~~الخطأ، فأما في العمد جاز العفو، ولا يكون مالا، وخلعها بغير مال يكون ~~رجعيا، وإن كان الخلع بلفظ الجراحة، ولم يذكر وما يحدث منها فعندهما: كذلك ~~الجواب، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - لم يصح ms4533 العفو، وتجب جميع الدية في ~~ماله في العمد، وفي الخطأ على العاقلة، ويكون الخلع بغير مال فيكون الطلاق ~~رجعيا، والله تعالى أعلم. # ومنها الصلح على مال؛ لأن القصاص حق للمولى، ولصاحب الحق أن يتصرف في حقه ~~استيفاء وإسقاطا إذا كان من أهل الإسقاط، والمحل قابل للسقوط، ولهذا يملك ~~العفو فيملك الصلح، ولأن المقصود من استيفاء القصاص، وهو الحياة، يحصل به؛ ~~لأن الظاهر أن عند أخذ المال عن صلح، وتراض تسكن الفتنة فلا يقصد الولي قتل ~~القاتل، فلا يقصد القاتل قتله فيحصل المقصود من استيفاء القصاص بدونه، وقيل ~~إن قوله تبارك وتعالى {فمن عفي له من أخيه شيء} [البقرة: 178] الآية نزلت ~~في الصلح عن دم العمد فيدل على جواز الصلح وسواء كان بدل الصلح قليلا أو ~~كثيرا، من جنس الدية أو من خلاف جنسها، حالا أو مؤجلا، بأجل معلوم أو مجهول ~~جهالة متفاوتة كالحصاد، والدياس، ونحو ذلك، بخلاف الصلح من الدية على أكثر ~~مما تجب فيه الدية أنه لا يجوز؛ لأن المانع من الجواز هناك تمكن الربا. # ولم يوجد ههنا؛ لأن الربا يختص بمبادلة المال بالمال، والقصاص ليس بمال، ~~وقد ذكرنا شرائط جواز الصلح، ومن يملك الصلح ومن لا يملكه في كتاب الصلح، ~~ولو صالح الولي القاتل على مال ثم قتله يقتص منه عند عامة العلماء - رضي ~~الله عنهم -. # وقال بعض الناس لا قصاص عليه، وقد مرت المسألة في العفو، ولو كان الولي ~~اثنين، والقصاص واحد فصالح أحدهما سقط القصاص عن القاتل، وينقلب نصيب الآخر ~~مالا لما ذكرنا في العفو، ولو قتله الآخر بعد عفو صاحبه فهو على التفصيل ~~والخلاف # PageV07P250 # والوفاق الذي ذكرناه في العفو ولو كان القصاص أكثر فصالح ولي أحد ~~القتيلين فللآخر أن يستوفي، وكذا لو صالح الولي مع أحد القاتلين كان له أن ~~يقتص للآخر لما ذكرنا في العفو، وكذلك حكم المولى في الصلح عن دم العمد في ~~جميع ما وصفنا ومنها إرث القصاص بأن وجب القصاص لإنسان فمات من له القصاص، ~~فورث القاتل القصاص سقط القصاص لاستحالة ms4534 وجوب القصاص له وعليه، فيسقط ~~ضرورة، ولو قتل رجلان رجلين كل واحد منهما ابن الآخر عمدا، وكل منهما وارث ~~الآخر قال أبو يوسف - رحمه الله -: لا قصاص عليهما، وقال الحسن بن زياد - ~~رحمه الله -: يوكل كل واحد منهما وكيلا يستوفي القصاص فيقتلهما الوكيلان ~~معا، وقال زفر - رحمه الله -: يقال للقاضي: ابتدئ بأيهما شئت، وسلمه إلى ~~الآخر حتى يقتله، ويسقط القصاص عن الآخر. # (وجه) قول زفر - رحمه الله - أن القصاص وجب على كل واحد منهما لوجود ~~السبب من كل واحد منهما، وهو القتل العمد، إلا أنه لا يتمكن استيفاؤهما؛ ~~لأنه إذا استوفي أحدهما يسقط الآخر لصيرورة القصاص ميراثا للقاتل الآخر، ~~فكان الخيار فيه إلى القاضي يبتدئ بأيهما شاء ويسلمه إلى الآخر حتى يقتله، ~~ويسقط القصاص عن الآخر. # (وجه) قول الحسن - رحمه الله - أن استيفاء القصاص منهما ممكن بالوكالة ~~بأن يقتل كل واحد من الوكيلين كل واحد من القاتلين في زمان واحد، فلا ~~يتوارثان، كما في الغرقى، والحرقى. # (وجه) قول أبي يوسف - رحمه الله - أن وجوب القصاص وجوب الاستيفاء لا يعقل ~~له معنى سواه، ولا سبيل إلى استيفاء القصاص؛ لأنه إذا استوفي أحدهما سقط ~~الآخر، وليس أحدهما بالاستيفاء أولى من الآخر، فتعذر القول بالوجوب أصلا؛ ~~ولأن في استيفاء أحد القصاصين بقاء حق أحدهما، وإسقاط حق الآخر، وهذا لا ~~يجوز، والقول باستيفائهما بطريق التوكيل غير سديد؛ لأن الفعلين قلما يتفقان ~~في زمان واحد بل يسبق أحدهما الآخر عادة، وكذا أثرهما الثابت عادة، وهو ~~فوات الحياة، وفي ذلك إسقاط القصاص عن الآخر، وقالوا في رجل قطع يد رجل ثم ~~قتل المقطوع يده ابن القاطع عمدا، ثم مات المقطوع يده من القطع إن على ~~القاطع القصاص، وهو القتل لولي المقطوع يده؛ لأنه مات بسبب سابق على وجود ~~القتل منه، وهو القطع السابق؛ لأن ذلك القطع صار بالسراية قتلا، فوجب ~~القصاص على القاطع، ولا يسقط بقتل المقطوع يده ابن القاطع، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # (ومنها) حرمان الميراث لحصول القتل مباشرة بغير حق، ولهذا يثبت بالقتل ~~الخطأ ms4535 فبالعمد أولى. # وأما الكفارة فلا تجب عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - تجب (وجه) قوله ~~أن الكفارة لرفع الذنب، ومحو الإثم؛ ولهذا وجبت في القتل الخطأ، والذنب في ~~القتل العمد أعظم فكانت الحاجة إلى الدفع أشد. # (ولنا) أن التحرير أو الصوم في الخطأ إنما وجب شكرا للنعمة حيث سلم له ~~أعز الأشياء إليه في الدنيا، وهو الحياة، مع جواز المؤاخذة بالقصاص، وكذا ~~ارتفع في المؤاخذة في الآخرة مع جواز المؤاخذة، وهذا لم يوجد في العمد، ~~فيقدر الإيجاب شكرا أوجب لحق التوبة عن القتل بطريق الخطأ، وألحق بالتوبة ~~الحقيقية لخفة الذنب بسبب الخطأ، والذنب ههنا أعظم فلا يصلح لتحرير توبة، ~~والله تعالى أعلم. # وأما شبه العمد فيتعلق به أحكام منها وجوب الدية المغلظة على العاقلة، ~~أما وجوب الدية فلأن القصاص امتنع وجوبه مع وجود القتل العمد للشبهة فتجب ~~الدية. # وأما صفة التغليظ فلإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لأنهم اختلفوا في ~~كيفية التغليظ على ما نذكر إن شاء الله تعالى، واختلافهم في الكيفية دليل ~~ثبوت الأصل. # وأما الوجوب على العاقلة فلأن العاقلة إنما تعقل الخطأ تخفيفا على القاتل ~~نظرا له لوقوعه فيه لا عن قصد، وفي هذا القتل شبهة عدم القصد لحصوله بآلة ~~لا يقصد بها القتل عادة، فكان مستحقا لهذا النوع من التخفيف، ومنها حرمان ~~الميراث، ومنها عدم جواز الوصية؛ لأنه قتل مباشرة بغير حق، وهل تجب الكفارة ~~في هذا القتل؟ ذكر الكرخي - رحمه الله - أنها تجب، وألحقه بالقتل الخطأ ~~المحض في وجوب الكفارة، وقال بعض مشايخنا: لا تجب، وألحقه بالعمد المحض في ~~عدم وجوب الكفارة. # (وجه) ما ذكره الكرخي - رحمه الله - أن الكفارة إنما وجبت في الخطأ إما ~~لحق الشكر أو لحق التوبة على ما بينا، والداعي إلى الشكر، والتوبة ههنا ~~موجود، وهو سلامة البدن، وكون الفعل جناية فيها نوع خفة لشبهة عدم القصد، ~~فأمكن أن يجعل # PageV07P251 # التحرير فيه توبة. # (وجه) القول الآخر أن هذه جناية مغلظة، ألا ترى أن المؤاخذة فيها ثابتة، ~~بخلاف الخطأ فلا يصلح التحرير توبة بها كما ms4536 في العمد؟ والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # وأما القتل الخطأ فيختلف حكمه باختلاف حال القاتل والمقتول فنفصل الكلام ~~فيه فنقول: القاتل والمقتول إما أن يكونا جميعا حرين، وإما أن كان القاتل ~~حرا، والمقتول عبدا، وإما أن كان القاتل عبدا، والمقتول حرا، وإما أن كانا ~~جميعا عبدين، فإن كانا حرين فيتعلق به أحكام منها وجوب الكفارة عند وجود ~~شرائط الوجوب، وهي نوعان: بعضها يرجع إلى القاتل، وبعضها إلى المقتول، أما ~~الذي يرجع إلى القاتل فالإسلام، والعقل، والبلوغ فلا تجب الكفارة على ~~الكافر، والمجنون، والصبي؛ لأن الكفار غير مخاطبين بشرائع هي عبادات، ~~والكفارة عبادة، والصبي، والمجنون لا يخاطبان بالشرائع أصلا. # وأما الذي يرجع إلى المقتول فهو أن يكون المقتول معصوما فلا تجب بقتل ~~الحربي، والباغي لعدم العصمة. # وأما كونه مسلما فليس بشرط فيجب، سواء كان مسلما أو ذميا أو مستأمنا ~~وسواء كان مسلما أسلم في دار الإسلام أو في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا؛ ~~لقوله سبحانه، وتعالى {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] ~~إلى قوله تعالى {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن ~~كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة} ~~[النساء: 92] . # ولأن القاتل قد سلم له الحياة في الدنيا، وهي من أعظم النعم، ورفعت عنه ~~المؤاخذة في الآخرة مع جواز المؤاخذة في الحكمة لما في وسع الخاطئ في ~~الجملة حفظ نفسه عن الوقوع في الخطأ، وهذا أيضا نعمة فكان وجوب الشكر لهذه ~~النعمة موافقا للعقل، فبين الله تعالى مقداره وجنسه بهذه الآية ليقدر العبد ~~على أداء ما وجب عليه من أصل الشكر بتعظيمه العقل؛ ولأن فعل الخطأ جناية، ~~ولله تعالى المؤاخذة عليه بطريق العدل؛ لأنه مقدور الامتناع بالتكلف ~~والجهد. # وإذا كان جناية فلا بد لها من التكفير والتوبة، فجعل التحرير من العبد ~~بحق التوبة عن القتل الخطأ بمنزلة التوبة الحقيقية في غيره من الجنايات، ~~إلا أنه جعل التحرير أو الصوم توبة له دون التوبة الحقيقية لخفة الجناية ~~بسبب الخطأ، إذ ms4537 الخطأ معفو في الجملة، وجائز العفو عن هذا النوع فخفت توبته ~~لخفة في الجناية، فكان التحرير في هذه الجناية بمنزلة التوبة في سائر ~~الجنايات ومنها حرمان الميراث؛ لأنه وجد القتل مباشرة بغير حق، أما ~~المباشرة فلا شك فيها. # وأما الخطر والحرمة فلأن فعل الخطأ جناية جائز المؤاخذة عليها عقلا لما ~~بينا، والدليل عليه قوله عز اسمه {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} ~~[البقرة: 286] ولو لم يكن جائز المؤاخذة لكان معنى الدعاء اللهم لا تجر ~~علينا، وهذا محال، وإنما رفع حكمها شرعا ببركة دعاء النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - وقوله - عليه الصلاة والسلام - «رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، ~~وما استكرهوا عليه» مع بقاء وصف الفعل على حاله، وهو كونه جناية. ### | [وجوب الدية] # ومنها وجوب الدية، والكلام في الدية في مواضع في بيان شرائط وجوب الدية، ~~وفي بيان ما تجب منه الدية من الأجناس، وفي بيان مقدار الواجب من كل جنس، ~~وفي بيان صفته، وفي بيان ### | من تجب عليه الدية، # وفي بيان كيفية الوجوب. # أما الشرائط فبعضها شرط أصل الوجوب، وبعضها شرط كمال الواجب، أما شرط أصل ~~الوجوب فنوعان: أحدهما: العصمة، وهو أن يكون المقتول معصوما فلا دية في قتل ~~الحربي والباغي لفقد العصمة، فأما الإسلام فليس من شرائط وجوب الدية لا من ~~جانب القاتل ولا من جانب المقتول، فتجب الدية سواء كان القاتل أو المقتول ~~مسلما أو ذميا أو حربيا مستأمنا. # وكذلك العقل، والبلوغ حتى تجب الدية في مال الصبي، والمجنون، والأصل فيه ~~قوله سبحانه وتعالى {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى ~~أهله إلا أن يصدقوا} [النساء: 92] . # ولا خلاف في أنه إذا قتل ذميا أو حربيا مستأمنا تجب الدية لقوله تبارك ~~وتعالى {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله} [النساء: ~~92] ، والثاني: التقوم، وهو أن يكون المقتول متقوما، وعلى هذا يبنى أن ~~الحربي إذا أسلم في دار الحرب فلم يهاجر إلينا فقتله مسلم أو ذمي خطأ أنه ~~لا تجب الدية عند أصحابنا، خلافا للشافعي ms4538 بناء على أن التقوم بدار الإسلام ~~عندنا، وعنده بالإسلام، وقد ذكرنا تقرير هذا الأصل في كتاب السير. # ثم نتكلم في المسألة: ابتداء احتج الشافعي - رحمه الله - بقوله تبارك ~~وتعالى {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} ~~[النساء: 92] وهذا مؤمن قتل خطأ فتجب الدية. # (ولنا) قوله جلت عظمته وكبرياؤه {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير ~~رقبة مؤمنة} [النساء: 92] # PageV07P252 # والاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنه جعل التحرير جزاء القتل، والجزاء ~~يقتضي الكفاية فلو وجبت الدية معه لا تقع الكفاية بالتحرير، وهذا خلاف ~~النص، والثاني: أنه سبحانه، وتعالى جعل التحرير كل الواجب بقتله؛ لأنه كل ~~المذكور، فلو أوجبنا معه الدية لصار بعض الواجب، وهذا تغيير حكم النص. # وأما صدر الآية الكريمة فلا يتناول هذا المؤمن لوجهين: أحدهما: أنه ~~سبحانه وتعالى ذكر المؤمن مطلقا فيتناول المؤمن من كل وجه، وهو المستأمن ~~دينا، ودارا، وهذا مستأمن دينا لا دارا؛ لأنه مكثر سواد الكفرة، ومن كثر ~~سواد قوم فهو منهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # والثاني: أنه أفرد هذا المؤمن بالذكر والحكم، ولو تناوله صدر الآية ~~الشريفة لعرف حكمه به، فكان الثاني تكرارا، ولو حمل على المؤمن المطلق لم ~~يكن تكرارا فكان الحمل عليه أولى، أو يحتمل ما ذكرنا، فيحمل عليه توفيقا ~~بين الدليلين عملا بهما جميعا، ثم عصمة المقتول تعتبر وقت القتل أم وقت ~~الموت أم في الوقتين جميعا؟ على أصل أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ~~تعتبر وقت القتل لا غير، وعلى أصلهما تعتبر وقت القتل والموت جميعا، وعلى ~~قول زفر - رحمه الله - تعتبر وقت الموت لا غير، وعلى هذا تخرج مسائل الرمي ~~إذا رمى مسلما فارتد المرمي إليه ثم وقع به السهم، وهو مرتد فمات، فعلى ~~الرامي الدية في قول أبي حنيفة - رحمه الله - إن كان خطأ تتحمله العاقلة، ~~وإن كان عمدا يكون في ماله، وعندهما لا شيء عليه. # وكذا عند زفر، وإن رمى مرتدا أو حربيا فأسلم ثم وقع السهم به، ومات ms4539 لا ~~شيء عليه عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر عليه الدية. # (وجه) قوله أن الضمان إنما يجب بالقتل، والفعل إنما يصير قتلا بفوات ~~الحياة، ولا عصمة للمقتول وقت فوات الحياة، فكان دمه هدرا، كما لو جرحه ثم ~~ارتد فمات، وهو مرتد، لهما أن للقتل تعلقا بالقاتل والمقتول؛ لأنه فعل ~~القاتل، وأثره يظهر في المقتول بفوات الحياة، فلا بد من اعتبار العصمة في ~~الوقتين جميعا، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أن الضمان إنما يجب على ~~الإنسان بفعله، ولا فعل منه سوى الرمي السابق فكان الرمي السابق عند وجود ~~زهوق الروح قتلا من حين وجوده، والمحل كان معصوما في ذلك الوقت، فكان ينبغي ~~أن يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة فتجب الدية. # ولهذا لو كان مرتدا أو حربيا وقت الرمي ثم أسلم فأصابه السهم وهو مسلم ~~أنه لا شيء عليه عندهما، وهذه المسألة حجة قوية لأبي حنيفة - رضي الله عنه ~~- عليهما في اعتبار وقت الرمي لا غير، والدليل عليه أن في باب الصيد يعتبر ~~وقت الرمي في قولهم جميعا، حتى لو كان الرامي مسلما وقت الرمي ثم ارتد ~~فأصاب السهم الصيد، وهو مرتد، يؤكل، وإن كان الباب باب الاحتياط، وبمثله لو ~~كان مجوسيا وقت الرمي ثم أسلم ثم وقع السهم بالصيد وهو مسلم لا يؤكل، وكذلك ~~حلال رمى صيدا ثم أحرم ثم أصابه، لا شيء عليه. # وإن رمى وهو محرم ثم حل فأصابه فعليه الجزاء فهذه المسائل حجج أبي حنيفة ~~- رضي الله عنه - في اعتبار وقت الفعل، والأصل أن ما يرجع إلى الأهلية ~~تعتبر فيه أهلية الفاعل وقت الفعل بلا خلاف، وما كان راجعا إلى المحل فهو ~~على الاختلاف الذي ذكرنا، بخلاف ما إذا جرح مسلما ثم ارتد المجروح فمات وهو ~~مرتد أنه يهدر دمه؛ لأن الجرح السابق انقلب قتلا بالسراية، وقد تبدل المحل ~~حكما بالردة، فيوجب انقطاع السراية عن ابتداء الفعل كتبدل المحل حقيقة، ولم ~~يوجد هذا المعنى في مسألتنا. # ولو رمى عبدا فأعتقه مولاه ثم وقع به السهم فمات فلا دية ms4540 عليه، وعليه ~~قيمته لمولاه في قول أبي حنيفة عليه الرحمة. # وقال محمد على الرامي لمولى العبد فضل ما بين قيمته مرميا إلى غير مرمي، ~~لا شيء عليه غير ذلك، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي - رحمه الله - قول ~~أبي يوسف مع قول محمد أنه لما رمى إليه فقد صار ناقصا بالرمي في ملك مولاه ~~قبل وقوع السهم به؛ لأنه أشرف على الهلاك بتوجه السهم إليه، فوجب عليه ضمان ~~النقصان، فصار كما لو جرحه ثم أعتقه مولاه، ولو كان كذلك لانقطعت السراية، ~~ولا يضمن الدية، ولا القيمة، وإنما يضمن النقصان كذا هذا، وأبو حنيفة - رضي ~~الله عنه - مر على أصله، وهو اعتبار وقت الفعل؛ لأنه صار قاتلا بالرمي ~~السابق، وهو كان ملك المولى حينئذ. # (وأما) بيان ما تجب فيه الدية فقد اختلف أصحابنا فيه، قال أبو حنيفة - ~~رحمه الله -: الذي تجب منه الدية وتقضى منه ثلاثة أجناس: الإبل والذهب ~~والفضة، وعندهما ستة أجناس: الإبل والذهب والفضة والبقر والغنم والحلل، ~~واحتجا بقضية سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنه - فإنه روي أنه قضى بالدية من ~~هذه الأجناس # PageV07P253 # بمحضر من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم -، ولأبي حنيفة - رضي الله تعالى ~~عنه - قوله - عليه الصلاة والسلام - «في النفس المؤمنة مائة من الإبل» جعل ~~- عليه الصلاة والسلام - الواجب من الإبل على الإشارة إليها، فظاهره يقتضي ~~الوجوب منها على التعيين، إلا أن الواجب من الصنفين الأخيرين ثبت بدليل ~~آخر، فمن ادعى الوجوب من الأصناف الأخر فعليه الدليل. # وأما قضية سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنه - فقد قيل: إنه إنما قضى بذلك ~~حين كانت الديات على العواقل، فلما نقلها إلى الديوان قضى بها من الأجناس ~~الثلاثة. # وذكر في كتاب المعاقل ما يدل على أنه لا خلاف بينهم، فإنه قال: لو صالح ~~الولي على أكثر من مائتي بقرة ومائتي حلة لم يجز بالإجماع، ولو لم يكن ذلك ~~من جنس الدية لجاز، والله أعلم بالصواب. # وأما بيان مقدار الواجب من كل جنس، وبيان صفته فقدر الواجب من كل جنس ~~يختلف ms4541 بذكورة المقتول وأنوثته، فإن كان ذكرا فلا خلاف، في أن الواجب بقتله ~~من الإبل مائة لقوله - عليه الصلاة والسلام - «في النفس المؤمنة مائة من ~~الإبل» ولا خلاف أيضا في أن الواجب من الذهب ألف دينار لما روي أنه - عليه ~~الصلاة والسلام - جعل «دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار» ، والتقدير في حق ~~الذمي يكون تقديرا في حق المسلم من طريق الأولى. # وأما الواجب من الفضة فقد اختلف فيه، قال أصحابنا رحمهم الله تعالى: عشرة ~~آلاف درهم وزنا وزن سبعة. # وقال مالك، والشافعي رحمهما الله: اثنا عشر ألفا، والصحيح قولنا لما روي ~~عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قال الدية عشرة آلاف درهم بمحضر من ~~الصحابة - رضي الله عنهم -، ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد، فيكون إجماعا مع ~~ما أن المقادير لا تعرف إلا سماعا فالظاهر أنه سمع من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وقدر الواجب من البقر عندهما مائتا بقرة، ومن الحلل مائتا حلة، ~~ومن الغنم ألفا شاة، ثم دية الخطأ من الإبل أخماس بلا خلاف، عشرون بنت ~~مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وهذا ~~قول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وقد رفعه إلى النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - أنه قال «دية الخطأ أخماس عشرون بنات مخاض، وعشرون بنو مخاض، ~~وعشرون بنو لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة» ، وعندهما قدر كل بقرة خمسون ~~درهما، وقدر كل حلة خمسون درهما، والحلة اسم لثوبين إزار ورداء، وقيمة كل ~~شاة خمسة دراهم. # ودية شبه العمد أرباع، عندهما خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت ~~لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وهو مذهب عبد الله بن مسعود - ~~رضي الله عنه - وعند محمد أثلاث، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة. # وأربعون ما بين ثنية إلى بازل عامها كله خلفة، وهو مذهب سيدنا عمر، وزيد ~~بن ثابت - رضي الله تعالى عنهما -، وعن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه ~~قال: في شبه العمد أثلاث ثلاثة وثلاثون حقة، وثلاثة وثلاثون جذعة، ms4542 وأربعة ~~وثلاثون خلفة، والصحابة - رضي الله عنهم - متى اختلفت في مسألة على قولين ~~أو ثلاثة يجب ترجيح قول البعض على البعض، والترجيح ههنا لقول ابن مسعود - ~~رضي الله عنه - لوجهين: أحدهما: أنه موافق للحديث المشهور الذي تلقته ~~العلماء - رضي الله عنهم - بالقبول، وهو قوله - عليه الصلاة والسلام - «في ~~النفس المؤمنة مائة من الإبل» ، وفي إيجاب الحوامل إيجاب الزيادة على ~~المائة؛ لأن الحمل أصل من وجه، والثاني: أن ما قاله أقرب إلى القياس؛ لأن ~~الحمل معنى موهوم لا يوقف عليه حقيقة فإن انتفاخ البطن قد يكون للحمل، وقد ~~يكون للداء، ونحو ذلك. # وإن كان أنثى فدية المرأة على النصف من دية الرجل لإجماع الصحابة - رضي ~~الله عنهم - فإنه روي عن سيدنا عمر، وسيدنا علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت ~~رضوان الله تعالى عليهم أنهم قالوا في دية المرأة: إنها على النصف من دية ~~الرجل، ولم ينقل أنه أنكر عليهم أحد فيكون إجماعا، ولأن المرأة في ميراثها، ~~وشهادتها على النصف من الرجل فكذلك في ديتها وهل يختلف قدر الدية بالإسلام، ~~والكفر؟ قال أصحابنا - رحمهم الله -: لا يختلف ودية الذمي والحربي ~~والمستأمن كدية المسلم، وهو قول إبراهيم النخعي والشعبي رحمهما الله، ~~والزهري - رحمه الله -. # وقال الشافعي - رحمه الله -: تختلف دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ~~ودية المجوسي ثمانمائة، واحتج بحديث رواه عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - «أنه جعل دية هؤلاء على هذه المراتب» ولأن الأنوثة لما أثرت في ~~نقصان البدل فالكفر أولى؛ لأن نقيصة الكفر فوق كل نقيصة. # (ولنا) قوله تبارك وتعالى {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة ~~إلى أهله} [النساء: 92] أطلق سبحانه وتعالى # PageV07P254 # القول بالدية في جميع أنواع القتل من غير فصل فدل أن الواجب في الكل على ~~قدر واحد (وروينا) أنه - عليه الصلاة والسلام - جعل «دية كل ذي عهد في عهده ~~ألف دينار» (وروي) " أن «عمرو بن أمية الضمري قتل مستأمنين فقضى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فيهما بدية حرين مسلمين» ، وعن الزهري - رحمه الله ~~- أنه ms4543 قال: قضى سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر - رضي الله تعالى عنهما - في دية ~~الذمي بمثل دية المسلم، ومثله لا يكذب. # وكذا روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال دية أهل الكتاب مثل دية ~~المسلمين، ولأن وجوب كمال الدية يعتمد كمال حال القتيل فيما يرجع إلى أحكام ~~الدنيا، وهي الذكورة، والحرية، والعصمة، وقد وجد، ونقصان الكفر يؤثر في ~~أحكام الدنيا. ### | [من تجب عليه الدية] # (وأما) بيان من تجب عليه الدية فالدية تجب على القاتل؛ لأن سبب الوجوب هو ~~القتل، وإنه وجد من القاتل، ثم (الدية) الواجبة على القاتل نوعان: نوع يجب ~~عليه في ماله، ونوع يجب عليه كله، وتتحمل عنه العاقلة، بعضه بطريق التعاون ~~إذا كان له عاقلة، وكل دية وجبت بنفس القتل الخطأ أو شبه العمد تتحمله ~~العاقلة، وما لا فلا، فلا تعقل الصلح؛ لأن بدل الصلح ما وجب بالقتل بل بعقد ~~الصلح، ولا الإقرار؛ لأنها وجبت بالإقرار بالقتل لا بالقتل، وإقراره حجة في ~~حقه لا في حق غيره، فلا يصدق في حق العاقلة، حتى لو صدقوا عقلوا، ولا العبد ~~بأن قتل إنسانا خطأ؛ لأن الواجب بنفس القتل الدفع لا الفداء. # والفداء يجب باختيار المولى لا بنفس القتل، ولا العمد بأن قتل الأب ابنه ~~عمدا؛ لأنها وإن وجبت بالقتل فلم تجب بالقتل الخطأ أو شبه العمد، وهذا لأن ~~التحمل من العاقلة في الخطأ وشبه العمد على طريق التخفيف على الخاطئ، ~~والعامد لا يستحق التخفيف، وقد روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: ~~«لا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما دون أرش ~~الموضحة» وقيل في معنى قوله - عليه الصلاة والسلام - " ولا عبدا " أن ~~المراد منه العبد المقتول، وهو الذي قتله مولاه، وهو مأذون مديون، أو ~~المكاتب لا العبد القاتل؛ لأنه لو كان كذلك لكان من حق الكلام أن يقول: لا ~~تعقل العاقلة عن عبد؛ لأن العرب تقول: عقلت عن فلان إذا كان فلان قاتلا، ~~وعقلت فلانا إذا كان فلان مقتولا. # كذا فرق الأصمعي ثم الوجوب ms4544 على القاتل فيما تتحمله العاقلة قول عامة ~~المشايخ. # وقال بعضهم: كل الدية في هذا النوع تجب على الكل ابتداء، القاتل والعاقلة ~~جميعا والصحيح هو الأول لقوله سبحانه وتعالى {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير ~~رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] ، ومعناه فليتحرر، وليود، ~~وهذا خطاب للقاتل لا للعاقلة دل أن الوجوب على القاتل، ولما ذكرنا أن سبب ~~الوجوب هو القتل. # وأنه وجد من القاتل لا من العاقلة فكان الوجوب عليه لا على العاقلة، ~~وإنما العاقلة تتحمل دية واجبة عليه، ثم دخول القاتل مع العاقلة في التحمل ~~مذهبنا. # وقال الشافعي - رحمه الله -: القاتل لا يدخل معهم بل تتحمل العاقلة الكل ~~دون القاتل. # وقال أبو بكر الأصم يتحمل القاتل دون العاقلة؛ لأنه لا يجوز أن يؤاخذ أحد ~~بذنب غيره قال الله سبحانه، وتعالى {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} [الأنعام: ~~164] وقال جلت عظمته {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الإسراء: 15] ولهذا لم ~~تتحمل العاقلة ضمان الأموال، ولا ما دون نصف عشر الدية، كذا هذا. # (ولنا) أنه - عليه الصلاة والسلام - «قضى بالغرة على عاقلة الضاربة» ، ~~وكذا قضى سيدنا عمر - رضي الله عنه - بالدية على العاقلة بمحضر من الصحابة ~~- رضي الله عنهم - من غير نكير. # وأما الآية الشريفة فنقول بموجبها لكن لم قلتم أن الحمل على العاقلة أخذ ~~بغير ذنب؟ ، فإن حفظ القاتل واجب على عاقلته، فإذا لم يحفظوا فقد فرطوا، ~~والتفريط منهم ذنب، ولأن القاتل إنما يقتل بظهر عشيرته فكانوا كالمشاركين ~~له في القتل، ولأن الدية مال كثير فإلزام الكل القاتل إجحاف به فيشاركه ~~العاقلة في التحمل تخفيفا، وهو مستحق التخفيف؛ لأنه خاطئ، وبهذا فارق ضمان ~~المال؛ لأن ضمان المال لا يكثر عادة فلا تقع الحاجة إلى التخفيف، وما دون ~~نصف عشر الدية حكمه حكم ضمان الأموال. # (وأما) الكلام مع الشافعي - رحمه الله - فوجه قوله أنه - عليه السلام - ~~«قضى بالدية على العاقلة» فلا يدخل فيه القاتل، وإنا نقول نعم، لكن معلولا ~~بالنصرة والحفظ، وذلك على القاتل أوجب فكان أولى بالتحمل. # ثم الكلام في العاقلة ms4545 في موضعين: أحدهما: في تفسير العاقلة من هم، ~~والثاني: في بيان القدر الذي تتحمله العاقلة من الدية. # (أما) الأول: فالقاتل لا يخلو إما أن كان حر الأصل، وإما إن كان معتقا، ~~وإما أن كان مولى الموالاة، فإن كان حر الأصل فعاقلته أهل ديوانه إن كان # PageV07P255 # من أهل الديوان، وهم المقاتلة من الرجال الأحرار البالغين العاقلين تؤخذ ~~من عطاياهم، وهذا عندنا. # وعند الشافعي - رحمه الله - عاقلته قبيلته من النسب، والصحيح قولنا ~~لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على ذلك فإنه روي عن إبراهيم النخعي - ~~رحمه الله - أنه قال: كانت الديات على القبائل فلما وضع سيدنا عمر - رضي ~~الله عنه - الدواوين جعلها على أهل الدواوين، فإن قيل: «قضى - عليه الصلاة ~~والسلام - بالدية على العاقلة من النسب إذ لم يكن هناك ديوان» فكيف يقبل ~~قول سيدنا عمر - رضي الله عنه - على مخالفته فعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؟ فالجواب لو كان سيدنا عمر - رضي الله عنه - فعل ذلك وحده لكان يجب ~~حمل فعله على وجه لا يخالف فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف وكان ~~فعله بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم -، ولا يظن من عموم الصحابة - رضي ~~الله عنهم - مخالفة فعله؟ - عليه الصلاة والسلام - فدل أنهم فهموا أنه كان ~~معلولا بالنصرة، وإذا صارت النصرة في زمانهم الديوان نقلوا العقل إلى ~~الديوان فلا تتحقق المخالفة، وهذا لأن التحمل من العاقلة للتناصر، وقبل وضع ~~الديوان كان التناصر بالقبيلة، وبعد الوضع صار التناصر بالديوان، فصار ~~عاقلة الرجل أهل ديوانه. # ولا تؤخذ من النساء، والصبيان، والمجانين، والرقيق؛ لأنهم ليسوا من أهل ~~النصرة، ولأن هذا الضمان صلة، وتبرع بالإعانة، والصبيان، والمجانين، ~~والمماليك ليسوا من أهل التبرع، وإن لم يكن له ديوان فعاقلته قبيلته من ~~النسب؛ لأن استنصاره بهم. # وإن كان القاتل معتقا أو مولى الموالاة فعاقلته مولاه، وقبيلة مولاه ~~لقوله - عليه الصلاة والسلام - «مولى القوم منهم» ثم عاقلة المولى الأعلى ~~قبيلته إذا لم يكن من أهل الديوان، فكذا عاقلة مولاه، ولأن استنصاره بمولاه ~~وقبيلته فكانوا عاقلته، ms4546 هذا إذا كان للقاتل عاقلة، فأما إذا لم يكن له ~~عاقلة كاللقيط، والحربي أو الذمي الذي أسلم فعاقلته بيت المال في ظاهر ~~الرواية، وروى محمد عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه تجب الدية عليه من ~~ماله لا على بيت المال. # وجه هذه الرواية أن الأصل هو الوجوب في مال القاتل؛ لأن الجناية وجدت ~~منه، وإنما الأخذ من العاقلة بطريق التحمل، فإذا لم يكن له عاقلة يرد الأمر ~~فيه إلى حكم الأصل وجه ظاهر الرواية أن الوجوب على العاقلة لمكان التناصر، ~~فإذا لم يكن له عاقلة كان استنصاره بعامة المسلمين، وبيت المال مالهم، فكان ~~ذلك عاقلته (وأما) بيان مقدار ما تتحمله العاقلة من الدية فلا يؤخذ من كل ~~واحد منهم إلا ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم، ولا يزاد على ذلك؛ لأن الأخذ ~~منهم على وجه الصلة والتبرع تخفيفا على القاتل، فلا يجوز التغليظ عليهم ~~بالزيادة، ويجوز أن ينقص عن هذا القدر إذا كان في العاقلة كثرة، فإن قلت ~~العاقلة حتى أصاب الرجل أكثر من ذلك يضم إليهم أقرب القبائل إليهم من النسب ~~سواء كانوا من أهل الديوان أو لا، ولا يعسر عليهم، ويدخل القاتل مع العاقلة ~~ويكون فيما يؤدي كأحدهم؛ لأن العاقلة تتحمل جناية وجدت منه، وضمانا وجب ~~عليه، فكان هو أولى بالتحمل. ### | [كيفية وجوب الدية] # (وأما) بيان كيفية وجوب الدية فنقول: لا خلاف في أن دية الخطأ تجب مؤجلة ~~على العاقلة في ثلاث سنين لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على ذلك، فإنه ~~روي أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - قضى بذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله ~~عنهم -، ولم ينقل أنه خالفه أحد فيكون إجماعا. # وتؤخذ من ثلاث عطايا إن كان القاتل من أهل الديوان؛ لأن لهم في كل سنة ~~عطية، فإن تعجل العطايا الثلاث في سنة واحدة يؤخذ الكل في سنة واحدة، وإن ~~تأخرت يتأخر حق الأخذ، وإن لم يكن من أهل الديوان تؤخذ منه ومن قبيلته من ~~النسب في ثلاث سنين، ولا خلاف في أن الدية بالإقرار بالقتل ms4547 الخطأ تجب في ~~ماله في ثلاث سنين؛ لأن الإقرار بالقتل إخبار عن وجود القتل، وإنه يوجب حقا ~~مؤجلا تتحمله العاقلة، إلا أنه لا يصدق على العاقلة فيجب مؤجلا في ماله، ~~واختلف في شبه العمد، والعمد الذي دخلته شبهة، وهو الأب إذا قتل ابنه عمدا، ~~قال أصحابنا - رحمهم الله -: إنها تجب مؤجلة في ثلاث سنين إلا أن دية شبه ~~العمد تتحمله العاقلة، ودية العمد في مال الأب. # وقال الشافعي - رحمه الله -: دية الدم كدية العمد تجب حالا وجه قوله أن ~~سبب الوجوب وجد حالا فتجب الدية حالا، إذ الحكم يثبت على وفق السبب هو ~~الأصل، إلا أن التأجيل في الخطأ ثبت معدولا به عن الأصل لإجماع الصحابة - ~~رضي الله عنهم - أو يثبت معلولا بالتخفيف على القاتل حتى تحمل عنه العاقلة. # والعامد يستحق التغليظ؛ ولهذا وجب في ماله لا على العاقلة. # (ولنا) أن وجوب الدية لم يعرف إلا بنص الكتاب العزيز، وهو قوله # PageV07P256 # تبارك وتعالى {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} ~~[النساء: 92] والنص وإن ورد بلفظ الخطأ لكن غيره ملحق به، إلا أنه مجمل في ~~بيان القدر، والوصف فبين - عليه الصلاة والسلام - قدر الدية بقوله - عليه ~~الصلاة والسلام - «في النفس المؤمنة مائة من الإبل» وبيان الوصف وهو الأجل ~~ثبت بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - بقضية سيدنا عمر - رضي الله عنه - ~~بمحضر منهم فصار الأجل وصفا لكل دية وجبت بالنص، وقوله: دية الخطأ وجبت ~~بطريق التخفيف والعامد يستحق التغليظ، قلنا: وقد غلظنا عليه من وجهين: ~~أحدهما: بإيجاب دية مغلظة، والثاني: بالإيجاب في ماله، والجاني لا يستحق ~~التغليظ من جميع الوجوه، وكذلك كل جزء من الدية تتحمله العاقلة أو تجب في ~~مال القاتل فذلك الجزء تجب في ثلاث سنين، كالعشرة إذا قتلوا رجلا خطأ أو ~~شبه عمد حتى وجبت عليهم دية واحدة، فعاقلة كل واحد منهم تتحمل عشرها في ~~ثلاث سنين. # وكذلك العشرة إذا قتلوا رجلا وأحدهم أبوه حتى وجبت عليهم دية واحدة في ~~مالهم يجب على كل واحد ms4548 منهم عشرها في ثلاث سنين؛ لأن الواجب على كل واحد ~~منهم جزء من دية مؤجلة في ثلاث سنين، فكان تأجيل الدية تأجيلا لكل جزء من ~~أجزائها إذ الجزء لا يخالف الكل في وصفه، ولا خلاف في أن بدل الصلح عن دم ~~العمد يجب في ماله حالا؛ لأنه لم يجب بالقتل، وإنما وجب بالعقد فلا يتأجل ~~إلا بالشرط كثمن المبيع ونحو ذلك. # وكذلك العبد إذا قتل إنسانا خطأ واختار المولى الفداء يجب الفداء حالا؛ ~~لأن الفداء لم يجب بالقتل بدلا من القتيل، وإنما وجب بدلا عن دفع العبد، ~~والعبد لو دفع يدفع حالا، فكذلك بدله، والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا ~~كان القاتل حرا، والمقتول حرا. ### | [بيان من يجب عليه ومن يتحملها] # فأما إذا كان القاتل حرا والمقتول عبدا فالعبد المقتول لا يخلو إما أن ~~كان عبد أجنبي (وإما) أن كان عبدا لقاتل، فإن كان عبد أجنبي فيتعلق بهذا ~~القتل حكمان: أحدهما: وجوب القيمة، والكلام في القيمة في مواضع: في بيان ~~مقدار الواجب منها، وفي بيان من تجب عليه، وفي بيان من يتحمله، وفي بيان ~~كيفية الوجوب. # أما الأول: فالعبد لا يخلو إما إن كان قليل القيمة. # (وإما) إن كان كثير القيمة، فإن كان قليل القيمة بأن كان قيمته أقل من ~~عشرة آلاف درهم يجب قيمته بالغة ما بلغت بالإجماع، وإن كانت قيمته عشرة ~~آلاف أو أكثر اختلف فيه، قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: يجب عشرة آلاف ~~إلا عشرة. # وروي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول أنه يجب قيمته بالغة ما بلغت، وهو ~~قول الشافعي - رحمه الله -. # والمسألة مختلفة بين الصحابة - رضي الله عنهم - روي عن عبد الله بن مسعود ~~- رضي الله عنه - مثل مذهبنا. # وروي عن سيدنا عثمان وسيدنا علي - رضي الله تعالى عنهما - مثل مذهبه، ~~والحاصل أن العبد آدمي ومال؛ لوجود معنى الآدمية والمالية فيه، وكل واحد ~~منهما معتبر مضمون بالمثل والقيمة حالة الانفراد، وبالقتل فوت المعنيين ~~جميعا، ولا وجه إلى إيجاب الضمان بمقابلة كل واحدة منهما ms4549 على الانفراد فلا ~~بد من إيجابه بمقابلة أحدهما وإهدار الآخر، فيقع الكلام في الترجيح، فادعى ~~الشافعي - رحمه الله - الترجيح من وجهين: أحدهما: أن الواجب مال، ومقابلة ~~المال بالمال أولى من مقابلة المال بالآدمي؛ لأن الأصل في ضمان العدوان ~~الوارد على حق العبد أن يكون مقيدا بالمثل، ولا مماثلة بين المال والآدمي، ~~فكان إيجابه بمقابلة المال موافقا للأصل، فكان أولى. # والثاني: أن الضمان وجب حقا للعبد، وحقوق العباد تجب بطريق الجبر. # وفي إيجاب الضمان بمقابلة المالية جبر حق المفوت عليه من كل وجه. # (ولنا) النص ودلالة الإجماع والمعقول، أما النص فقوله تبارك وتعالى {ومن ~~قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92] وهذا ~~مؤمن قتل خطأ فتجب الدية، والدية ضمان الدم، وضمان الدم لا يزاد على عشرة ~~آلاف بالإجماع. # (وأما) دلالة الإجماع فهو أنا أجمعنا على أنه لو أقر على نفسه بالقصاص ~~يصح وإن كذبه المولى، لولا أن الترجيح لمعنى الآدمية لما صح؛ لأنه يكون ~~إقراره إهدارا لمال المولى قصدا من غير رضاه، وإنه لا يملك ذلك. # (وأما) المعقول فمن وجهين: أحدهما: أن الآدمية فيه أصل، والمالية عارض، ~~وتبع، والعارض لا يعارض والتبع لا يعارض الأصل، والتبع لا يعارض الأصل ~~المتبوع، ودليل أصالة الآدمية من وجوه: أحدها: أنه كان خلق خلقا آدميا ثم ~~ثبت فيه وصف المالية بعارض الرق، والثاني: أن قيام المالية فيه بالآدمية ~~وجودا وبقاء لا على القلب، والثالث: أن المال خلق وقاية للنفس، والنفس ما ~~خلقت وقاية للمال، فكانت الآدمية فيه أصلا وجودا # PageV07P257 # وبقاء وعرضا، والثاني: أن حرمة الآدمي فوق حرمة المال؛ لأن حرمة المال ~~لغيره، وحرمة الآدمي لعينه، فكان اعتبار النفسية، وإهدار المالية أولى من ~~القلب، إلا أنه نقصت ديته عن دية الحر لكون الكفر منقصا في الجملة، وإظهارا ~~لشرف الحرية، وتقدير النقصان بالعشرة ثبت توفيقا قال ابن مسعود - رضي الله ~~عنه -: ينقص من دية الحر عشرة دراهم فالظاهر أنه قال ذلك سماعا منه - عليه ~~الصلاة والسلام -؛ لأنه من باب المقادير، أو لأن هذا ms4550 أدنى مال له في خطر ~~الشرع كما في نصاب السرقة والمهر في النكاح قوله: " المال ليس بمثل للآدمي ~~" قلنا: نعم، لكن لشرف الآدمي وجه المال لم يجعل مثلا له عند إمكان إيجاب ~~ما هو مثل له من كل وجه، وهو النفس، فأما عند تعذر اعتباره من كل وجه ~~فاعتبار المثل من وجه أولى من الإهدار، وقوله: " الجبر في المال أبلغ " ~~قلنا: بلى، لكن فيه إهدار الآدمي، ومقابلة الجابر بالآدمي الفائت أولى من ~~المقابلة بالمال الهالك، وإن كان الجبر ثمة أكثر لكن فيه اعتبار جانب ~~المولى فيكون لغيره، وفيما قلنا الجبر أقل لكن فيه اعتبار جانب نفس الآدمي، ~~وهو العبد، وحرمة الآدمي لعينه، فكان ما قلناه أولى. # ولو كان المقتول أمة فإن كانت قليلة القيمة بأن كانت قيمتها أقل من خمسة ~~آلاف فهي مضمونة بقدر قيمتها بالغة ما بلغت، وإن كانت كثيرة القيمة بأن ~~كانت قيمتها خمسة آلاف أو أكثر يجب خمسة آلاف إلا عشرة عند أبي حنيفة ومحمد ~~رحمهما الله، وعلى رواية أبي يوسف - رحمه الله - له، فهو قول الشافعي - ~~رحمه الله -: تبلغ بالغة ما بلغت. # والكلام في الأمة كالكلام في العبد، وإنما ينقص منها عشرة كما نقصت من ~~دية العبد، وإن اختلفا في قدر البدل؛ لأن هذه دية البدل؛ لأن هذه دية كاملة ~~في الأمة فينقص في العبد، بخلاف ما إذا قطع يد عبد تزيد نصف قيمته على خمسة ~~آلاف أنه تجب خمسة آلاف إلا خمسة؛ لأن الواجب هناك ليس بدية كاملة، بل هو ~~بعض الدية؛ لأن اليد منه نصف، فيجب نصف ما يجب في الكل، والواجب في الأنثى ~~ليس بعض دية الذكر بل هو دية كاملة في نفسها، لكنها دية الأنثى. # (وأما) بيان من يجب عليه ومن يتحملها فإنها تجب على القاتل لوجود سبب ~~الوجوب منه، وهو القتل، وتتحملها العاقلة في قولهما، وعلى رواية أبي يوسف، ~~وهو قول الشافعي - رحمه الله - تجب في مال القاتل، وهذا بناء على الأصل ~~الذي ذكرنا: أن عندهما ضمان العبد بمقابلة النفس، وضمان ms4551 النفس تتحمله ~~العاقلة. # وكدية الحر، وعند الشافعي بمقابلة المالية، وضمان المال لا تتحمله ~~العاقلة بل يكون في مال المتلف كضمان سائر الأموال. # وروي عن أبي يوسف في كثير القيمة أن يقدر عشرة آلاف تعقله العاقلة؛ لأن ~~ذلك القدر يجب بمقابلة النفسية، وما زاد عليها لا تعقله؛ لأنه يجب بمقابلة ~~المالية. # (وأما) كيفية وجوب القيمة على العاقلة عندنا، وقدر ما يتحمل كل واحد منهم ~~فما ذكرنا في دية الحر من غير تفاوت، والله تعالى أعلم. ### | [أحكام جناية الحر على العبد] # والثاني: وجوب الكفارة لعموم قوله تبارك وتعالى {ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] من غير فصل بين الحر والعبد، والله تعالى ~~الموفق. # ولو كان المقتول مدبر إنسان أو أم ولده أو مكاتبه فحكمه حكم القن في جميع ~~ما وصفنا، وإن كان عبد القاتل فجناية المولى عليه هدر. # وكذا لو كان مدبره أو أم ولده لأن القيمة لو وجبت لوجبت له عليه. # وهذا ممتنع، وإن كان مكاتبه فجناية المولى عليه لازمة، وعلى المولى قيمته ~~في ثلاث سنين؛ لأن المكاتب فيما يرجع إلى كسبه وأرش جنايته حر فكان كسبه، ~~وأرشه له فالجناية عليه من المولى والأجنبي سواء، ولا تعقلها العاقلة بل ~~تكون على ماله لقوله - عليه الصلاة والسلام - «لا تعقل العاقلة عمدا ولا ~~عبدا» ، والمكاتب عندنا عبد ما بقي عليه درهم؛ ولأن المكاتب على ملك مولاه، ~~وإنما ضمن جنايته بعد الكتابة. # والعقد ثابت بينهما غير ثابت في حق العاقلة، ولهذا لا تعقل العاقلة ~~الاعتراف؛ لأن إقرار المقر حجة في حقه لا في حق غيره. # وكذلك جناية المولى على رقيق المكاتب، وعلى ماله لازمة لما ذكرنا أنه أحق ~~بكسبه من المولى، والمولى كالأجنبي فيه. # وكذا إذا كان مأذونا مديونا فعلى المولى قيمته لتعلق حق الغرماء برقبته، ~~وبالقتل أبطل محل حقهم فتجب عليه قيمته، وتكون في ماله بالنص، وتكون حالة؛ ~~لأنه ضمان إتلاف المال. # هذا إذا كان القاتل حرا والمقتول عبدا، فأما إذا كان القاتل عبدا ~~والمقتول حرا فالحر المقتول لا يخلو من ms4552 أن يكون أجنبيا أو يكون ولي العبد، ~~فإن كان أجنبيا فالعبد القاتل لا يخلو من أن يكون قنا أو مدبرا أو أم ولد ~~أو مكاتبا، فإن كان قلنا: يدفع إذا ظهرت جنايته إلا أن # PageV07P258 # يختار المولى الفداء فلا بد من بيان ما تظهر به هذه الجناية، وبيان حكم ~~هذه الجناية، وبيان صفة الحكم، وبيان ما يصير به المولى مختارا للفداء، ~~وشرط صحة الاختيار، وبيان صفة الفداء الواجب عند الاختيار. # أما الأول: فهذه الجناية تظهر بالبينة وإقرار المولى وعلم القاضي، ولا ~~تظهر بإقرار العبد محجورا كان أو مأذونا؛ لأن العبد يملك بالإذن بالتجارة ~~ما كان من مال التجارة، والإقرار بالجناية ليس من التجارة، وإذا لم يصح ~~إقراره لا يؤخذ به لا في الحال ولا بعد العتاق؛ لأن موجب إقراره لا يلزمه، ~~وإنما يلزم مولاه، فكان هذا إقرارا على المولى حتى لو صدقه المولى صح ~~إقراره، وكذلك لو أقر بعد العتاق أنه كان جنى في حال الرق لا شيء عليه لما ~~ذكرنا أن هذا إقرار له على المولى، ألا يرى لو صدقه المولى وأقر أنه أعتقه، ~~وهو يعلم بالجناية فعلى المولى قيمته؟ والله سبحانه وتعالى أعلم. # وأما حكم هذه الجناية فوجب دفع العبد إلى ولي الجناية إلا أن يختار ~~المولى الفداء عندنا، وقال الشافعي - رحمه الله - حكمها تعلق الأرش برقبة ~~العبد يباع فيه ويستوفى الأرش من ثمنه، فإن فضل منه شيء فالفضل للمولى، وإن ~~لم يف ثمنه بالأرش يتبع بما بقي بعد العتاق، وللمولى أن يستخلصه، ويؤدي ~~الأرش من مال آخر. # (وجه) قوله أن الأصل في ضمان الجناية أنه يجب على الجاني، والواجب على ~~الإنسان إما أن يكون في ماله أو تتحمل العاقلة عنه، والعبد لا مال له، ولا ~~عاقلة فتعذر الإيجاب عليه، فتجب في رقبته، يباع فيه كدين الاستهلاك في ~~الأموال. # (ولنا) إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإنه روي عن سيدنا علي وعن عبد ~~الله بن عباس - رضي الله عنهما - مثل مذهبنا بمحضر من الصحابة - رضي الله ~~عنهم -، ولم ينقل الإنكار ms4553 عليهما من أحد منهم فيكون إجماعا منهم، والقياس ~~يترك بمعارضة الإجماع، ودين الاستهلاك في باب الأموال يجب على العبد على ما ~~عرف. # وأما صفة هذا الحكم فصيرورة العبد واجب الدفع على سبيل التعيين، كثرت ~~قيمة العبد أو قلت، وعند اختيار المولى الفداء ينتقل الحق من الدفع إلى ~~الفداء سواء كان المجني عليه واحدا أو أكثر، غير أنه إن كان واحدا دفع ~~إليه، ويصير كله مملوكا له، وإن كانوا جماعة يدفع إليهم، وكان مقسوما بينهم ~~على قدر أروش جنايتهم، وسواء كان على العبد دين وقت الجناية أو لم يكن، ~~وبيان هذه الجملة في مسائل. # إذا مات العبد الجاني قبل اختيار الفداء بطل حق المجني عليه أصلا؛ لأن ~~الواجب دفع العبد على طريق التعيين، وذلك لا يتصور بعد هلاك العبد فيسقط ~~الحق أصلا ورأسا، وهذا يدل على أن قول من يقول: " حكم هذه الجناية تخير ~~المولى بين الدفع، والفداء " ليس بسديد؛ لأنه لو كان كذلك لتعين الفداء عند ~~هلاك العبد، ولم يبطل حق المجني عليه أصلا على ما هو الأصل في المخير بين ~~شيئين إذا هلك أحدهما أنه يتعين عليه الآخر، ولو مات بعد اختيار الفداء لا ~~يبرأ بموت العبد؛ لأنه لما اختار الفداء فقد انتقل الحق من رقبته إلى ذمة ~~المولى فلا تحتمل السقوط بهلاك العبد بعد ذلك. # ولو كانت قيمة العبد أقل من الدية فليس على المولى إلا الدفع؛ لأن وجوب ~~الدفع حكمه لهذه الجناية ثبت بإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، ولم يفصلوا ~~بين قليل القيمة وكثيرها فلو جنى العبد على جماعة، فإن شاء المولى دفعه ~~إليهم؛ لأن تعلق حق المجني عليه للأول لا يمنع حق الثاني والثالث؛ لأن ملك ~~المولى لما لم يمنع التعلق فالحق أولى؛ لأنه دونه، وإذا دفعه إليهم كان ~~مقسوما بينهم بالحصص قدر أروش جنايتهم، فإن حصة كل واحد منهم من العبد عوض ~~عن الفائت فيتقدر بقدر الفائت، وإن شاء أمسك العبد، وغرم الجنايات بكمال ~~أروشها، ولو أراد المولى أن يدفع من العبد إلى بعضهم مقدار ms4554 ما يتعلق به حقه ~~ويفدي بعض الجنايات له ذلك، بخلاف ما إذا كان القتيل واحدا وله وليان فأراد ~~المولى دفع العبد إلى أحدهما، والفداء إلى الآخر أنه ليس له ذلك؛ لأن ~~الجناية هناك واحدة، ولها حكم واحد، وهو وجوب الدفع على التعيين، وعند ~~اختيار الفداء وجوب الفداء على التعيين، ولا يجوز أن يجمع في جناية واحدة ~~بين حكمين مختلفين بخلاف ما إذا جنى على جماعة؛ لأن الجناية هناك متعددة، ~~وله خيار الدفع والفداء في كل واحد منهما، والدفع في البعض والفداء في ~~البعض لا يكون جمعا بين حكمين مختلفين في جناية واحدة فهو الفرق، ولو قتل ~~إنسانا، وفقأ عين آخر، فإن اختار الدفع دفعه إليهما أثلاثا لتعلق حقهما ~~بالعبد أثلاثا، وإن اختار الفداء فدى عن كل جناية بأرشها، وكذلك إذا شج ~~إنسانا شجاجا مختلفة أنه إن دفع العبد إليهم كان مقسوما بينهم على قدر ~~جناياتهم، وإن اختار الفداء فدى عن الكل # PageV07P259 # بأرشها. # ولو قتل العبد رجلا، وعلى العبد دين يخير المولى بين الدفع، والفداء، ولا ~~يبطل الدين بحدوث الجناية؛ لأن موجب الجناية وجوب الدفع، وتعلق الدين برقبة ~~العبد لا يمنع من الدفع إلا أنه يدفعه مشغولا بالدين، فإن فدى بالدية يباع ~~العبد في الدين؛ لأنه لما فدى فقد طهرت رقبة العبد عن الجناية فيباع، إلا ~~أن يستخلصه المولى لنفسه، ويقضي دين الغرماء، وإن اختار الدفع إلى أولياء ~~الجناية فدفعه إليهم يباع لأجل الغرماء في دينهم، وإنما بدئ بالدفع لا ~~بالدين؛ لأن فيه رعاية الحقين: حق أولياء الجناية بالدفع إليهم، وحق أصحاب ~~الدين بالبيع لهم. # ولو بدئ بالدين فبيع به لبطل حق أولياء الجناية في الدفع؛ لأنه بالبيع ~~يصير ملكا للمشتري، لذلك بدئ بالدفع، وفائدة الدفع إلى أولياء الجناية ثم ~~البيع هي أن يثبت لهم حق استخلاص العبد بالفداء؛ لأن للناس أغراضا في ~~الأعيان، ثم إذا بيع فإن فضل شيء من ثمن العبد كان الفضل لأولياء الجناية؛ ~~لأن العبد بيع على ملكهم لصيرورته ملكا لهم بالدفع إليهم، وإن لم يف ثمنه ms4555 ~~بالدين يتأخر ما بقي إلى ما بعد العتاق، كما لو بيع على ملك المولى الأول، ~~ولا يضمن المولى لأصحاب الدين بدفع العبد إلى أولياء الجناية شيئا ~~استحسانا. # والقياس أن يضمن. # (وجه) القياس أن الدفع إليهم تمليك منهم بعد تعلق الدين برقبته فصار كأنه ~~باعه منهم، ولو باعه منهم لضمن، كذا هذا. # (وجه) الاستحسان أن الدفع واجب عليه لما فيه من رعاية الحقين لما بينا، ~~ومن فعل ما وجب عليه لا يضمن، ولو حضر الغرماء أولا فباع المولى العبد، فإن ~~فعل ذلك بغير أمر القاضي ينظر إن كان عالما بالجناية صار مختارا للفداء، ~~ولزمه الأرش، وإن كان غير عالم بالجناية فعليه الأقل من قيمة العبد ومن ~~الأرش، وهو الدية، وإن كان رفع إلى القاضي، فإن كان القاضي عالما بالجناية ~~فإنه لا يبيع العبد بالدين؛ لأن فيه إبطال حق أولياء الجناية فلا يملك ذلك، ~~وإن لم يكن عالما بالجناية فباعه بالدين ببينة قامت عنده أو بعلمه ثم حضر ~~أولياء الجناية ولا فضل في الثمن بطلت الجناية، وسقط حق أولياء الجناية؛ ~~لأنه خرج عن ملك المولى بغير رضاه، فصار كأنه مات، وهذا لأنه لا سبيل إلى ~~تضمين القاضي؛ لأنه فيما يصنعه أمين فلا تلحقه العهدة، ولا سبيل إلى فسخ ~~البيع؛ لأنه لو فسخ البيع ودفع بالجناية لوقعت الحاجة إلى البيع ثانيا، ~~فتعذر القول بالفسخ، فصار كأنه مات، ولو مات لبطل حق أولياء الجناية أصلا، ~~كذا هذا، والله سبحانه وتعالى أعلم، ولو قتل العبد الجاني قبل الدفع، فإن ~~كان القاتل حرا يأخذ المولى قيمته، ويدفعها إلى ولي الجناية إن كان واحدا، ~~وإن كانوا جماعة يدفعها إليهم على قدر حقوقهم؛ لأن القيمة بدل العبد فتقوم ~~مقامه إلا أنه لا خيار للمولى بين القيمة والفداء حتى لو تصرف في تلك ~~القيمة لا يصير مختارا للفداء، ولو تصرف في العبد يصير مختارا للفداء على ~~ما نذكر، وإنما كان كذلك؛ لأن القيمة دراهم أو دنانير، فإن كانت مثل الأرش ~~فلا فائدة في التخيير. # وكذلك إن كانت أقل من ms4556 الأرش أو أكثر منه؛ لأنه يختار الأقل لا محالة ~~بخلاف العبد فإنه وإن كان قليل القيمة فللناس رغائب في الأعيان، وكذلك قتله ~~عبد أجنبي فخير مولاه بين الدفع والفداء، وفدى بقيمة العبد المقتول أن ~~المولى يأخذ القيمة ويدفعها إلى ولي الجناية لما قلنا، ولو دفع القاتل إلى ~~مولى العبد المقتول يخير مولى العبد المقتول بين الدفع والفداء، حتى لو ~~تصرف في العبد المدفوع بالبيع ونحوه يصير مختارا للفداء؛ لأن العبد القاتل ~~قام مقام المقتول لحما ودما، فكان الأول قائما، وإن قتله عبد آخر لمولاه ~~يخير المولى في شيئين في العبد القاتل: بين الدفع والفداء؛ لأن تعلق حق ولي ~~الجناية بالعبد جعل المولى كالأجنبي، فصار كأن عبد أجنبي قتل العبد الجاني، ~~وهناك يخير بين الدفع والفداء بقيمة المقتول، كذا ههنا. # وكذلك لو قتل عبد رجلا خطأ، وقتلت أمة لمولاه هذا العبد يخير المولى بين ~~دفعها وفدائها بقيمة العبد لما قلنا، ولو كان العبد قتل رجلا خطأ، وقتلت ~~أمة لمولاه رجلا آخر خطأ ثم إن العبد قتل الأمة خير المولى بين الدفع ~~والفداء، فإن اختار الفداء فدى بالدية وقيمة الأمة، وإن اختار الدفع ضرب ~~فيه أولياء قتيل العبد بالدية، وأولياء قتيل الأمة بقيمة الأمة؛ لأن ~~الجناية عليها كالجناية على أمة أجنبي قتلت رجلا خطأ، ولو كانت قيمة الأمة ~~ألفا كان العبد مقسوما بينهم على أحد عشر سهما: سهم لأولياء قتيل الأمة، ~~وعشرة أسهم لأولياء قتيل العبد، فإن قطع عبد لأجنبي يد العبد الجاني أو فقأ ~~عينه أو جرحه جراحة فخير مولى العبد القاطع أو الفاقئ أو الجارح بين الدفع ~~والفداء، فإن دفع عبده أو فداه بالأرش فمولى العبد المقطوع يخير بين الدفع، ~~والفداء، فإن # PageV07P260 # شاء دفع عبده المقطوع مع العبد القاطع أو مع أرش يد عبده المقطوع، وإن ~~شاء فدى عن الجناية بالأرش؛ لأن العبد المقطوع كان واجب الدفع بجميع ~~أجزائه، وأرش يده بدل جزئه، وكذا العبد المدفوع قائم مقام يده، فكان واجب ~~الدفع، إلا أن يختار الفداء فينقل الحق من العبد ms4557 إلى الأرش، ولو كسب العبد ~~الجاني كسبا أو كان الجاني أمة فولدت بعد الجناية فاختار المولى الدفع لم ~~يدفع الكسب ولا الولد، بخلاف الأرش أنه يدفع، والفرق أن الأرش بدل جزء كان ~~واجب الدفع، وحكم البدل حكم المبدل بخلاف الكسب والولد، ولو قطعت يد العبد ~~فأخذ المولى الأرش ثم اختلف المولى وولي الجناية فادعى المولى أن القطع كان ~~قبل جنايته. # وأن الأرش سالم له، وادعى ولي الجناية أنه كان بعدها، وأنه مستحق الدفع ~~مع العبد، فالقول قول المولى؛ لأن الأرش ملك المولى كالعبد؛ لأنه بدل ملكه، ~~فولي الجناية يدعي عليه وجوب تمليك مال هو ملكه منه، وهو ينكر، فكان القول ~~قوله مع يمينه، ولو قطعت يد عبد أو فقئت عينه، وأخذ المولى الأرش ثم جنى ~~جناية، فإن شاء المولى اختار الفداء، وإن شاء دفع العبد كذلك ناقصا، وسلم ~~له ما كان أخذ من الأرش؛ لأن وجوب الدفع بسبب الجناية، وهو كان عند الجناية ~~ناقصا بخلاف ما إذا قطعت يده بعد الجناية أنه يدفع مع أرش اليد؛ لأن العبد ~~وقت الجناية عليه كان واجب الدفع بجميع أجزائه، والأرش بدل الجزء فيجب دفعه ~~مع العبد. # ولو قتل قتيلا خطأ ثم قطعت يده ثم قتل قتيلا آخر خطأ فأرش يده يسلم لولي ~~الجناية الأولى؛ لأن حقه كان متعلقا بجميع أجزائه وقت الجناية، والأرش بدل ~~الجزء، فيقوم مقامه فيسلم له، فأما حق الثاني فلم يتعلق بالجزء لانعدامه ~~وقت الجناية، ثم يدفع العبد فيكون بين ولي الجنايتين على تسعة، وثمانين ~~جزءا؛ لأن موضوع المسألة فيما إذا كانت قيمة العبد ألف درهم فنقول: حق ولي ~~كل جناية في عشرة آلاف، وقد استوفى ولي الجناية الأولى من حقه خمسمائة ~~فيجعل كل خمسمائة سهما فيكون كل العبد أربعين سهما، حق كل واحد منهما في ~~عشرين، وقد أخذ ولي الجناية الأولى من حقه خمسمائة، أو بقي حقه في تسعة عشر ~~سهما ولم يأخذ ولي الجناية الثانية شيئا، فبقي حقه في عشرين جزءا من العبد. # وإن اختار الفداء فدى عن ms4558 كل واحد من الجنايتين بعشرة آلاف؛ لأن ذلك ~~أرشها. # ولو شج إنسانا موضحة، وقيمته ألف درهم ثم قتل آخر، وقيمته ألفان، فإن ~~اختار الفداء فدى عن كل واحدة من الجنايتين بأرشها، وإن اختار الدفع دفعه ~~مقسوما بينهما على أحد وعشرين سهما: سهم لصاحب الموضحة، وعشرون لولي ~~القتيل؛ لما ذكرنا أن قسمة العبد بينهما على قدر تعلق حق كل واحد منهما به، ~~وصاحب الموضحة حقه في خمسمائة. # وحق ولي القتيل في عشرة آلاف فيجعل كل خمسمائة سهما، فتكون القسمة على ~~أحد وعشرين، وما حدث من زيادة القيمة للعبد، والزيادة على الشركة أيضا؛ ~~لأنها صفة الأصل، وإذا ثبتت الشركة في الأصل ثبتت في الصفة، وكذلك لو قتل ~~إنسانا خطأ، وقيمته وقت القتل ألفان ثم عمي بعد القتل قبل الشجة ثم شج ~~إنسانا موضحة كانت القسمة بينهما على أحد وعشرين. # وما حدث فيه من النقصان فهو على الشركة أيضا لما قلنا، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. # ولو جنى جناية ففداه المولى ثم جنى جناية أخرى خير المولى بين الدفع، ~~والفداء؛ لأنه لما فدى فقد طهر العبد عن الجناية، وصار كأنه لم يجن، فإذا ~~جنى بعد ذلك فهذه جناية مبتدأة، فيبتدأ بحكمها، وهو الدفع أو الفداء، بخلاف ~~ما إذا جنى ثم جنى جناية أخرى قبل اختيار الفداء أنه يدفع إليهما جميعا أو ~~يفدي؛ لأنه لما لم يفد للأولى حتى جنى ثانيا فحق كل واحد منهما تعلق ~~بالعبد، فيدفع إليهما أو يفدي، ولو قتل العبد رجلا وله وليان فدفعه المولى ~~إلى أحدهما فقتل عبده رجلا آخر ثم حضروا، يقال للمدفوع إليه ادفع نصف العبد ~~إلى ولي القتيل الثاني أو نصف الدية. # وأما النصف الآخر فيؤمر بالرد على المولى بين الدفع إلى ولي الجناية ~~الثانية، وولي الجناية الأولى الذي لم يدفع إليه. # (أما) وجوب دفع نصف العبد على المدفوع إليه إلى ولي القتيل الثاني أو ~~الفداء فلأنه ملك نصف العبد بالدفع، فيخير في جنايته بين الدفع والفداء. # (وأما) وجوب رد نصف العبد إلى المولى فلأنه أخذه بغير ms4559 حق فعليه رده لقوله ~~- عليه الصلاة والسلام - «على اليد ما أخذت حتى ترده» ولا يخير المولى في ~~النصف بين الدفع إلى ولي الجنايتين وبين الفداء؛ لأن وقت الجناية الأولى ~~كان كل العبد على ملكه، ووقت وجود الثانية كان نصفه على ملكه فيوجب الدفع ~~أو الفداء # PageV07P261 # فإن اختار الفداء فدى لكل واحد منهما بنصف الدية، وإن دفع دفع نصف العبد ~~إليهما نصفين؛ لأن الدفع على قدر تعلق الحق، وحق كل واحد منهما تعلق بنصف، ~~فيكون نصف العبد بينهما نصفين، وقد كان، وصل النصف إلى ولي الجناية الثانية ~~من جهة المدفوع إليه، ووصل إليه بالدفع من المولى الربع فسلم له ثلاثة ~~أرباع العبد، وسلم لولي الجناية الأولى الذي لم يدفع إليه العبد الربع، ~~فصار العبد بينهما أرباعا: ثلاثة أرباعه لولي الجناية الثانية، وربعه لولي ~~الجناية الأولى، وبقي إلى تمام حقه الربع، ثم لا يخلو إما أن كان المولى ~~دفع كل العبد بقضاء القاضي أو بغير قضاء القاضي، فإن كان الدفع بقضاء لا ~~يضمن المولى؛ لأن الدفع إذا كان بقضاء كان هو مضطرا في الدفع فلا يضمن، ولا ~~سبيل إلى تضمين القاضي؛ لأن القاضي فيما يصنع أمين فلا تلحقه العهدة، ويضمن ~~القابض؛ لأنه قبض نصيب صاحبه بغير حق، والقبض بغير حق سبب لوجوب الضمان ~~كقبض الغصب، ولا يخرج عن الضمان بالرد إلى المولى؛ لأنه لم يرده على الوجه ~~الذي قبض العبد فارغا، ورده مشغولا، وإن كان الدفع بغير قضاء القاضي فولي ~~الجناية الذي لم يدفع إليه العبد بالخيار: إن شاء ضمن الولي ربع قيمة ~~العبد، وإن شاء ضمن القابض؛ ليسلم له نصف العبد، ربعه لحم ودم، وربعه دراهم ~~ودنانير؛ لأنه وجد سبب وجوب الضمان في حق كل واحد منهما: الدفع من المولى، ~~والقبض من القابض، فإن اختار تضمين المولى فالمولى يرجع على القابض، وإن ~~اختار تضمين القابض لا يرجع على المولى؛ لأن حاصل الضمان عليه. # ولو قتل العبد قتيلين خطأ فدفعه المولى إلى أحد وليي القتيلين فقتل عنده ~~قتيلا آخر واجتمعوا. # فإن القابض ms4560 يدفع نصف العبد بالجناية أو يفدي نصف الجناية لما ذكرنا في ~~الفصل الأول، ثم يقال للمولى: ادفع النصف الباقي إلى ولي الجناية الثالثة، ~~أو افد بنصف الدية خمسة آلاف؛ لأنه قد وصل إليه نصف العبد، وبقي حقه في ~~النصف، ويفدي لولي الجناية الثانية بكمال الدية عشرة آلاف؛ لأنه لم يصل ~~إليه شيء من حقه، وله أن يدفع نصف العبد إليهما. # فإن دفع إليهما كان مقسوما بينهما على قدر حقيهما، فيضرب ولي الجناية ~~الثانية فيه بعشرة آلاف، وولي الجناية الثالثة بخمسة آلاف، فيصير نصف العبد ~~بينهما أثلاثا: ثلثاه لولي الجناية الثانية، وثلثه لولي الجناية الثالثة، ~~وبقي من حق الثاني السدس؛ لأن حقه في نصف العبد، وقد حصل له ثلثا النصف، ~~وهو ثلث كل العبد، فبقي إلى تمام حقه السدس، فإن كان الدفع بقضاء القاضي ~~ضمن القابض المولى، وإن كان بغير قضاء. # فإن شاء ضمن المولى، وإن شاء ضمن القابض كما في المسألة المتقدمة. # ولو قتل العبد إنسانا، وفقأ عين آخر فدفع المولى العبد إلى المفقوءة عينه ~~فقتل في يده قتيلا يقال للمفقوءة عينه ادفع ثلث العبد إلى ولي القتيل ~~الثاني أو افده بالثلث، ورد الثلثين على المولى؛ لأنه أخذ الثلث بحق ملكه، ~~وأخذ الثلثين بغير حق، فيؤمر بالرد إلى المولى، ثم يخير المولى بين الدفع ~~والفداء، فإن اختار الفداء فدى للأول بتمام الدية عشرة آلاف، وللثاني بثلثي ~~الدية، وذلك ستمائة وستة وستون وثلثان، وإن اختار الدفع دفع إليهما مقسوما ~~بينهما على قدر حقهما فيتضاربان، يضرب الأول بتمام الدية عشرة آلاف، ~~والثاني بثلثي الدية ستة آلاف وستة وستين وثلثين، فاجعل كل ألف سهما ~~وستمائة، فيصير ثلثا الدية بينهما على ستة عشر سهما وثلثين، فيكون كل العبد ~~على خمسة وعشرين سهما، وقد أخذ ولي القتيل الثاني منه ثلثه، وهو ثمانية ~~وثلث، وبقي ثلثاه فيكون بينهما لولي القتيل الأول عشرة، ولولي القتيل ~~الثاني ستة، وثلثان، ثم ولي القتيل الأول يرجع على القابض وهو المفقوءة ~~عينه بستة أجزاء من ستة عشر جزءا، وثلثي جزء من ms4561 ثلثي قيمته؛ لأن هذا القدر ~~كان حقه، وقد فات عليه بسبب كان في يد القابض، فيجعل كأنه هلك عنده فيضمنه ~~لولي القتيل الأول، فإن كان الدفع بغير قضاء القاضي له أن يأخذ أيهما شاء، ~~كما في الفصل الأول، وطريقة أخرى في الحساب أنه إذا دفع ثلثي العبد إليهما، ~~وضرب أحدهما بالدية، والآخر بثلثي الدية يجعل كل ثلث سهما فيصير كل الدية ~~ثلاثة أسهم، وثلثا الدية سهمين، فيصير ثلثا العبد على خمسة أسهم للأول ~~ثلاثة وللآخر سهمان، ويصير الثلث الآخر سهمين ونصف، فيصير جميع العبد على ~~سبعة ونصف، فوقع فيه كسر فيضعف فيصير خمسة عشر، فالثلث منه خمسة، وقد دفع ~~إلى الآخر، وثلثا العبد عشرة فيقسم بينهما فيضرب الأول بثلاثة أخماسه، وهو ~~ستة أسهم، والآخر بأربعة أسهم، ثم # PageV07P262 # يرجع الأول على القابض بخمس ثلثي قيمة العبد، والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو قتلت أمة رجلا ثم ولدت بنتا فقتلت البنت رجلا ثم إن البنت قتلت أمها ~~فالمولى يخير بين دفع البنت إلى وليي الجنايتين، وبين الفداء، فإن اختار ~~الفداء فدى، لأولياء قتيل البنت بالدية، ولأولياء قتيل الأم بقيمة الأم لما ~~ذكرنا فيما تقدم تعلق حق المجني عليه وهو حق الدفع ألحق المولى بالأجنبي، ~~فتصير كأنها جنت على جارية أخرى لأجنبي، وإن اختار الدفع ضرب أولياء قتيل ~~البنت بالدية، وأولياء قتيل الأم بقيمة العبد فيقسم العبد بينهم على ذلك، ~~حتى لو كانت قيمة الأم ألف درهم كانت القسمة على إحدى عشر سهما، كل ألف ~~درهم سهم، سهم من ذلك لأولياء قتيل الأم، وعشرة أسهم لأولياء قتيل البنت، ~~ولو كانت البنت فقأت عين الأم ولم تقتلها فالمولى يخير بين الدفع والفداء ~~لا يخلو (إما) أن يختار دفعهما جميعا. # (وإما) أن يختار فداءهما جميعا. # (وإما) أن يختار فداء البنت ودفع الأم. # (وإما) أن يختار فداء الأم ودفع البنت، فإن اختار دفعهما جميعا يدفع الأم ~~إلى أولياء قتيل الأم، وهذا ظاهر، ويدفع البنت إلى أولياء قتيل البنت وإلى ~~أولياء قتيل الأم. # وكانت مقسومة بينهم على قدر ms4562 حقوقهم فيتضاربون فيها، يضرب أولياء قتيل ~~البنت فيها بالدية؛ لأن حقهم تعلق بكل البنت، وأولياء قتيل الأم بنصف قيمة ~~الأم؛ لأنها فقأت إحدى عينيها، والعين من الآدمي نصفه، فإن اختار فداءهما ~~جميعا فدى الكل فريق من أولياء الجنايتين بتمام الدية؛ لأن ذلك أرش كل واحد ~~من الجنايتين، وسقطت جناية البنت على الأم؛ لأنهما جميعا ملك المولى، وقد ~~طهرتا عن الجناية بالفداء، وخلص ملك المولى فيهما، فبقيت جناية البنت ~~عليهما جناية ملك المولى على ملكه، فتكون هدرا، وإن اختار دفع الأم وفداء ~~البنت دفع الأم إلى أولياء قتيل الأم، ثم يفدي البنت، يفدي لأولياء قتيل ~~البنت بالدية، ولأولياء قتيل الأم بنصف قيمة الأم لما بينا وإن اختار دفع ~~البنت وفداء الأم يدفع البنت إلى أولياء قتيل البنت، ويفدي لأولياء قتيل ~~الأم بكمال الدية، وبطلت جناية البنت على الأم؛ لأن الأم طهرت بالفداء، ~~وخلص ملك المولى فيها فصار جناية البنت على أمها جناية ملك المولى على ~~ملكه، فتكون هدرا، ولو أن الأم بعد ذلك فقأت عين البنت قبل أن تدفع واحدة ~~منهما فإن المولى يخير فيهما جميعا فيبدأ بالبنت؛ لأنها هي التي بدأت ~~بالجناية، فيدفع إلى أولياء الجنايتين، فيتضاربون فيها، فيضرب فيها أولياء ~~قتيل البنت بالدية، وأولياء قتيل الأم بنصف قيمة الأم لما بينا في المسألة ~~الأولى. # ثم يدفع الأم إليهم فيتضاربون فيها، فيضرب فيها أولياء قتيل الأم بالدية ~~إلا ما وصل إليهم من أرش البنت، ويضرب فيها أولياء قتيل البنت بنصف قيمة ~~البنت؛ لأن كل واحدة منهما جنت جنايتين فتدفع كل واحدة بجنايتها طعن في هذا ~~الجواب، وقيل ينبغي إذا دفع البنت في الابتداء أن يضرب فيها أولياء قتيل ~~الأم بنصف قيمة الأم، وأولياء قتيل البنت بالدية إلا ما يصل إليهم في ~~المستأنف؛ لأنه يصل إليهم بعض الأم، فينبغي أن لا يضربوا بتمام الدية، ~~والصحيح ما ذكر في الكتاب؛ لأن البنت حين دفعت كان حق أولياء قتيل البنت في ~~تمام الدية، ولم يكن وصل إليهم شيء فوجب أن يضربوا بجميع ذلك، ms4563 والزيادة ~~التي تظهر لهم في المستأنف لا عبرة بها؛ لأن القسمة قد صحت وقت الدفع فلا ~~تتغير بعد ذلك، كما قالوا في رجل مات وعليه لرجل ألف ولآخر ألفان، وترك ~~ألفا فاقتسماها أثلاثا ثم إن صاحب الألفين أبرأ الميت عن ألف: إن القسمة ~~الأولى لا تنتقض، كذا هذا، ولو جنت الأمة جناية ثم، ولدت ولدا فقطع ولدها ~~يدها يدفع الولد مع الأم لما ذكرنا أن الولد في حكم الجناية على الأم ~~بمنزلة الأجنبي فصار كأن عبد أجنبي قطع يدها، ودفع بالجناية، وهناك يدفع ~~العبد مع الجارية لكونه قائما مقام يد الجارية، كذا هذا، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | [بيان ما يصير به المولى مختارا للفداء وبيان صحة الاختيار] # (وأما) بيان ما يصير به المولى مختارا للفداء، وبيان صحة الاختيار، ~~فنقول: ما يصير به المولى مختارا للفداء نوعان: نص ودلالة. # (أما) النص فهو الصريح بلفظ الاختيار، وما يجري مجراه، نحو أن يقول: ~~اخترت الفداء، أو آثرته، أو رضيت به، ونحو ذلك سواء كان المولى موسرا أو ~~معسرا في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - فيسار المولى ليس بشرط لصحة ~~الاختيار عنده، حتى لو اختار الفداء ثم تبين أنه فقير معسر صح اختياره، ~~وصارت الدية دينا عليه (وعندهما) يسار المولى شرط صحة اختياره الفداء، ولا ~~يصح اختياره إذا كان معسرا إلا برضا الأولياء، ويقال له إما أن تدفع أو ~~تفدي حالا، كذا ذكر الاختلاف # PageV07P263 # في ظاهر الرواية. # وذكر الطحاوي قول محمد مع قول أبي حنيفة في جواز الاختيار. # وقال: إلا أن عند محمد الدية تكون في عين العبد لولي الجناية يبيعه فيها ~~المولى لولي الجناية. # وهكذا روي عن أبي يوسف. # (وجه) قولهما أن الحكم الأصلي لهذه الجناية هو لزوم الدفع، وعند الاختيار ~~ينتقل إلى الذمة فيتقيد الاختيار بشرط السلامة، ولا سلامة مع الإعسار فلا ~~ينتقل إليها فيبقى العبد واجب الدفع، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن العزيمة ~~ما قالا، وهو وجوب الدفع لكن الشرع رخص له الفداء عند الاختيار، والإعسار ~~لا يمنع صحة الاختيار؛ ms4564 لأنه لا يقدح في الأهلية والولاية، وقد وجد الاختيار ~~مطلقا عن شرط السلامة فلا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل. # (وأما) الدلالة فهي أن يتصرف المولى في العبد تصرفا يفوت الدفع أو يدل ~~على إمساك العبد مع العلم بالجناية، فكل تصرف يفوت الدفع أو يدل على إمساك ~~العبد مع العلم بالجناية يكون اختيارا للفداء؛ لأن حق المجني عليه متعلق ~~بالعبد، وهو حق الدفع، وفي تفويت الدفع تفويت حقه، والظاهر أن المولى لا ~~يرضى بتفويت حقه مع العلم بذلك إلا بما يقوم مقامه، وهو الفداء فكان إقدامه ~~عليه اختيارا للفداء، وعلى هذا الأصل يخرج المسائل: إذا باع العبد بيعا ~~باتا، وهو عالم بالجناية صار مختارا؛ لأنه تصرف مزيل للملك فيفوت الدفع، ~~وكذا إذا باع بشرط خيار المشتري، أما على أصلهما فلا يشكل؛ لأن المبيع دخل ~~في ملك المشتري. # (وأما) على أصل أبي حنيفة فلأن خيار المشتري إن كان يمنع دخول المبيع في ~~ملكه فلا يمنع زواله عن ملك البائع، وهذا يكفي دلالة الاختيار؛ لأنه يفوت ~~الدفع، ولو باع على أنه بالخيار فإن مضت مدة الخيار قبل مضي المدة كان ~~مختارا؛ لأن البيع انبرم قبل الدفع، ولو نقض البيع لم يكن مختارا؛ لأن ~~الملك لم يزل فلم يفت الدفع، ولو عرض العبد على البيع لم يكن ذلك اختيارا ~~عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله -. # وقال زفر - رحمه الله - يكون اختيارا (وجه) قوله أن العرض على البيع دليل ~~استيفاء الملك. # ألا ترى أن المشتري بشرط الخيار إذا عرض المشترى على البيع بطل اختياره ~~فكان دليل إمساك العبد لنفسه وذلك دليل اختيار الفداء لما بينا. # (ولنا) أن العرض على البيع لا يوجب زوال الملك فلا يفوت الدفع، وليس دليل ~~إمساك العبد أيضا بل هو دليل الإخراج من الملك فلا يصلح دليل اختيار ~~الفداء، ولو باعه بيعا فاسدا لم يكن مختارا حتى يسلمه إلى المشتري؛ لأن ~~الملك لا يزول قبل التسليم فلا يفوت الدفع، ولو وهبه من إنسان، وسلمه إليه ~~صار مختارا؛ لأن الهبة والتسليم يزيلان الملك ms4565 فيفوت الدفع، ولو كانت ~~الجناية فيما دون النفس فوهبه المولى من المجني عليه لا يصير مختارا، ولا ~~شيء على المولى، ولو باعه من المجني عليه كان مختارا؛ لأن التسليم بالهبة ~~في معنى الدفع؛ لأن كل واحد منهما تمليك بغير عوض، فوقعت الهبة موقع الدفع، ~~بخلاف البيع؛ لأنه تمليك بعوض، والدفع تمليك بغير عوض فلا يقوم مقامه، فكان ~~الإقدام على البيع منه اختيارا للفداء، وكذلك لو تصدق به على إنسان أو على ~~المجني عليه فهو والهبة سواء؛ لأن كل واحد منهما تمليك بغير عوض، ولو أعتقه ~~أو دبره أو كانت أمة فاستولدها، وهو عالم بالجناية صار مختارا؛ لأن هذه ~~التصرفات تفوت الدفع إذ الدفع تمليك، وإنها تمنع من التمليك، فكانت اختيارا ~~للفداء، ولو كانت جناية العبد فيما دون النفس فأمر المولى المجني عليه ~~بإعتاقه وهو عالم بالجناية صار المولى مختارا للفداء؛ لأن إعتاقه بأمره ~~مضاف إليه فكان دليل اختيار الفداء، كما لو أعتق بنفسه، ولو قال لعبده: إن ~~قتلت فلانا فأنت حر فقتله صار مختارا للفداء عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم ~~الله -، وعند زفر - رحمه الله - لا يكون مختارا. # (وجه) قوله أنه إنما صار معتقا بالقول السابق، وهو قوله أنت حر، ولا ~~جناية عند ذلك، وبعد وجود الجناية لا إعتاق فكيف يصير مختارا. # (ولنا) أن المعلق بالشرط يصير منجزا عند وجود الشرط بتنجيز مبتدأ كأنه ~~قال له بعد وجود الجناية: أنت حر، ونظيره إذا قال لامرأته وهو صحيح: إذا ~~مرضت فأنت طالق ثلاثا، فمرض حتى وقع الطلاق عليها يصير فارا عن الميراث حتى ~~ترثه المرأة وإن كان التعليق في حالة الصحة لما قلنا، كذا هذا ولو أخبر ~~المولى إنسان أن عبده قد جنى فأعتقه، فإن صدقه ثم أعتقه صار مختارا للفداء ~~بلا خلاف، وإن كذبه فأعتقه لا يصير مختارا عند أبي حنيفة - رحمه الله - ما ~~لم يكن المخبر رجلان أو رجل # PageV07P264 # واحد عدل، وعندهما يصير مختارا للفداء، ولا يشترط العدد في المخبر، ولا ~~عدالته، وقد ذكرنا المسألة في كتاب الوكالة. # ولو كاتبه ms4566 وهو عالم بالجناية صار مختارا اختيارا على التوقف لفوات الدفع ~~في الحال على التوقف، فإن أدى بدل الكتابة فعتق تقرر الاختيار، وإن عجز ورد ~~في الرق ينظر في ذلك إن خوصم قبل أن يعجز فقضى بالدية ثم عجز لا يرتفع ~~القضاء؛ لأن الدية كانت وجبت بالكتابة من حيث الظاهر، وتقرر الوجوب باتصال ~~القضاء به، وإن لم يخاصم حتى عجز كان للمولى أن يدفعه؛ لأن الدفع كأن لم ~~يثبت على القطع والبتات لاحتمال أن يعجز، فإن عجز جعل كأن الكتابة لم تكن ~~فكان له أن يدفعه. # وروي عن أبي يوسف أنه يصير مختارا بنفس الكتابة لتعذر الدفع بنفسها لزوال ~~يده عنه، ثم عادت إليه بسبب جديد وهو العجز، ولو كاتبه كتابة فاسدة كان ذلك ~~اختيارا منه، بخلاف البيع الفاسد أنه لا يكون اختيارا بدون التسليم؛ لأن ~~الكتابة الفاسدة، وهي تعلق العتق بالأداء تثبت بنفس العقد، والبيع الفاسد ~~لا يفيد الحكم بنفسه بل بواسطة التسليم. # (وأما) الإجارة، والرهن، والتزويج بأن زوج العبد الجاني امرأة أو زوج ~~الأمة الجانية إنسانا فهل يكون اختيارا؟ ذكر في ظاهر الرواية أنه لا يكون ~~اختيارا؛ لأن الدفع لم يفت؛ لأن الملك قائم فكان الدفع ممكنا في الجملة، ~~وذكر الطحاوي - رحمه الله - أنه يكون اختيارا؛ لأن الدفع للحال متعذر فأشبه ~~البيع، والتزويج تعييب فأشبه التعييب حقيقة. # ولو أقر به لغيره لا يكون مختارا، كذا ذكر في الأصل؛ لأن الإقرار به ~~لغيره لا يفوت الدفع؛ لأن المقر مخاطب بالدفع أو الفداء، وذكر الكرخي - ~~رحمه الله - في مختصره أنه يكون مختارا؛ لأن إقراره به لغيره في معنى ~~التمليك منه إذ العبد ملكه من حيث الظاهر لوجود دليل الملك وهو اليد، فإذا ~~أقر به لغيره فكأنه ملكه منه، ولو قتله المولى صار مختارا؛ لأنه فوت الدفع ~~بالقتل، ولو قتله أجنبي فإن كان عمدا بطلت الجناية، وللمولى أن يقتله ~~قصاصا؛ لأنه فات محل الدفع لا إلى خلف هو مال فتبطل الجناية، وإن كان خطأ ~~يأخذ المولى القيمة، ويدفعها إلى ولي الجناية، ولا ms4567 يخير المولى في القيمة ~~على ما بينا فيما تقدم، ولو لم يقتله المولى ولكن عيبه بأن قطع يده أو فقأ ~~عينه أو جرحه جراحة أو ضربه ضربا أثر فيه ونقصه، وهو عالم بالجناية صار ~~مختارا للفداء؛ لأنه بالنقصان حبس عن المجني عليه جزءا من العبد، وحبس الكل ~~دليل اختيار الفداء؛ لأنه دليل إمساك العبد لنفسه، فكذا حبس الجزء، ولأن ~~حكم الجزء حكم الكل، والله سبحانه أعلم. # ولو ضرب المولى عينه فابيضت، وهو عالم بالجناية حتى جعل مختارا ثم ذهب ~~البياض، فإن ذهب قبل أن يخاصم فيه بطل الاختيار، ويؤمر بالدفع أو الفداء؛ ~~لأنه إنما جعل مختارا لأجل النقصان، وقد زال فجعل كأن ذلك لم يكن، وإن خوصم ~~في حال البياض فضمنه القاضي القيمة ثم زال البياض فقضاء القاضي نافذ لا ~~يرد، ولا يبطل اختياره؛ لأن اختياره وقع صحيحا، ووجب الدين، وقد استقر ~~باتصال القضاء به، وإن استخدمه، وهو عالم بالجناية لا يصير مختارا للفداء؛ ~~لأنه لا يفوت الدفع بالاستخدام؛ لقيام الملك، وكذا الاستخدام لا يختص ~~بالملك، ولهذا لا يبطل به خيار الشرط فلا يكون دليلا على إمساك العبد ~~لنفسه، فإن عطب في الخدمة فلا ضمان عليه، وبطل حق ولي الجناية؛ لأن ~~الاستخدام ليس باختيار لما بينا، ولم يوجد منه تصرف آخر يدل على الاختيار ~~فصار كأنه عطب قبل الاستخدام. # ولو كان الجاني أمة فوطئها المولى، فإن كانت بكرا فقد صار مختارا؛ لأنه ~~فوت جزءا منها حقيقة بإزالة البكارة، وهي إزالة العذرة، وإن كانت ثيبا، فإن ~~علقت منه صار مختارا، وإن لم تعلق لا يصير مختارا، وهذا جواب ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف أنه يصير مختارا سواء علقت منه أو لم تعلق. # (وجه) هذه الرواية أن حل الوطء لا بد له من الملك إما ملك النكاح أو ملك ~~اليمين، ولم يوجد ههنا ملك النكاح، فتعين ملك اليمين لثبوت الحل، فكان ~~إقدامه على الوطء دليلا على إمساكها لنفسه فكان دليل الاختيار. # (وجه) ظاهر الرواية أن الوطء ليس إلا استيفاء منفعة البضع، ms4568 وأنه لا يوجب ~~نقصان العين حقيقة؛ لأن منفعة البضع لا جزءا من العين حقيقة إلا أنها ألحقت ~~بالأجزاء، وقدر النقصان عند الاستيفاء في غير الملك إظهارا لخطر البضع، ~~والاستيفاء ههنا حصل في الملك فلا حاجة إلى الإلحاق، فانعدم النقصان حقيقة ~~وتقديرا، ولو أذن له في التجارة فركبه دين لم يصر المولى مختارا، وعليه ~~قيمته. # (أما) عدم صيرورته مختارا فلأن الإذن لا يوجب تعذر الدفع لا قبل لحوق ~~الدين، ولا بعده وأما لزوم # PageV07P265 # القيمة فلأن تعلق الدين برقبة العبد يوجب نقصانا فيه بسبب كان من جهة ~~المولى، وهو الإذن بالتجارة فتلزمه قيمته، حين لو رضي ولي الجناية بقبوله ~~مع النقصان لا شيء على المولى، ثم جميع ما يصير به مختارا للفداء مما ذكرنا ~~إذا فعله وهو عالم بالجناية، فإن كان لم يعلم لم يكن مختارا سواء كانت ~~الجناية على النفس أو على ما دون النفس؛ لأن الاختيار ههنا اختيار الإيثار، ~~وإنه لا يتحقق بدون العلم بما يختاره، وهو الفداء عن الجناية، واختيار ~~الفداء عن الجناية اختيار الإيثار، واختيار الإيثار بدون العلم بالجناية ~~محال، ثم الجناية إن كانت على النفس فعليه الأقل من قيمة العبد ومن الدية، ~~وإن كانت على ما دون النفس فعليه الأقل من قيمته ومن الأرش؛ لأنه فوت الدفع ~~المستحق من غير اختيار الفداء فيضمن القيمة ولو باعه بيعا باتا، وهو لا ~~يعلم بالجناية فلم يخاصم فيها حتى رد العبد إليه بعيب بقضاء القاضي أو ~~بخيار رؤية أو شرط يقال له ادفع أو افد؛ لأنه إذا لم يعلم بالجناية لم يصر ~~مختارا لما بينا، ولو كان بعد العلم فعليه الفداء؛ لأنه إذا باعه بعد العلم ~~بالجناية فقد صار مختارا للفداء لتعذر الدفع لزوال ملكه بالبيع فلا يعود ~~بالرد، وهذا مشكل؛ لأن الرد بهذه الأشياء فسخ للعقد من الأصل، وسيتضح ~~المعنى فيه إن شاء الله تعالى. # ، ولو قطع العبد يد إنسان أو جرحه جراحة فخير فيه فاختار الدفع ثم مات من ~~ذلك فالدفع على حاله لا يبطل؛ لأن وجوب الدفع ms4569 لا يختلف بالقتل والقطع؛ لأنه ~~يدفع في الحالين جميعا، وإن اختار الفداء ثم مات يبطل الاختيار ثم يخير ~~ثانيا عند محمد استحسانا، وهو قول أبي يوسف الأول، والقياس أن لا يبطل، ~~وعليه الدية، وهو قول أبي يوسف الأخير. # ولم يذكر في ظاهر الرواية قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وذكر الطحاوي ~~قوله مثل قول محمد، ولو كان اختار الفداء بالإعتاق بأن عتق العبد للحال حتى ~~صار مختارا للفداء ثم مات المجني عليه لا يبطل الاختيار، ويلزمه جميع الدية ~~قياسا، واستحسانا. # (وجه) القياس أن المولى لما اختار الفداء عن أصل الجناية فقد صح اختياره، ~~ولزمه موجبها، وبالسراية لم يتغير أصل الجناية، وإنما تغير وصفها، والوصف ~~تبع للأصل فكان اختيار الفداء عن المتبوع اختيارا عن التابع. # (وجه) الاستحسان أن اختيار الفداء عن القطع لما سرى إلى النفس، ومات فقد ~~صار قتلا، وهما متغايران، فاختيار الفداء عن أحدهما لا يكون اختيارا عن ~~الآخر فيخير اختيارا مستقبلا بخلاف ما إذا كان الاختيار بالإعتاق؛ لأن ~~إقدامه على الإعتاق مع علمه أنه ربما يسري إلى النفس فيلزمه كل الدية، ولا ~~يمكنه الدفع بعد الإعتاق دلالة اختيار الكل والرضا به، وهذا المعنى لم يوجد ~~ههنا؛ لأنه لم يرض بالزيادة على ما كان ثابتا وقت الاختيار، والعبد للحال ~~محل للدفع، والله سبحانه وتعالى أعلم (وأما) صفة الفداء الواجب عند ~~الاختيار فهو أنها تجب في ماله حالا لا مؤجلا؛ لأن الحكم الأصلي لهذه ~~الجناية هو وجوب الدفع، والفداء كالخلف عنه فيكون على نعت الأصل، ثم الدفع ~~يجب حالا في ماله لا مؤجلا فكذلك الفداء، والله سبحانه وتعالى الموفق هذا ~~إذا كان العبد القاتل قنا. ### | [بيان أصل الواجب بجناية العبد] # فإن كان مدبرا فجنايته على مولاه إذا ظهرت فيقع الكلام في مواضع في بيان ~~ما تظهر به جنايته، وفي بيان أصل الواجب، ومن عليه، وفي بيان مقدار الواجب، ~~وفي بيان صفته أما الأول: فجنايته تظهر بما تظهر به جناية القن، وقد ~~ذكرناه، ولا تظهر بإقراره حتى لا يلزم المولى شيء، ولا ms4570 يتبع المدبر بعد ~~العتاق كجناية القن؛ لأن هذا إقرار على المولى فلا يصح. # (وأما) بيان أصل الواجب بهذه الجناية فأصل الواجب بها قيمة المدبر على ~~المولى لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - فإنه روي عن سيدنا عمر، وأبي ~~عبيدة بن الجراح - رضي الله عنهما - أنهما قضيا بجناية المدبر على مولاه ~~بمحضر من الصحابة، ولم ينقل أنه أنكر عليهما أحد منهم، فيكون إجماعا من ~~الصحابة. # والقياس يترك بمقابلة الإجماع، ولأن الأصل في جناية العبد هو وجوب الدفع ~~على المولى، وبالتدبير منع من الدفع من غير اختيار الفداء، والمنع من الدفع ~~من غير اختيار الفداء يوجب القيمة على المولى كما لو دبر القن، وهو لا يعلم ~~الجناية. # (وأما) مقدار الواجب فمقدار الواجب بهذه الجناية الأقل من قيمته ومن ~~الدية؛ لأن الدية إن كانت هي الأقل فلا حق لولي الجناية في الزيادة، وإن ~~كانت القيمة أقل فلم يمنع المولى بالتدبير إلا الرقبة، فإن كانت قيمته أقل ~~من الدية فعليه قدر قيمته لما كان قنا، ولا يخير بين قيمته وبين الدية؛ ~~لأنه يخير بين الأقل والأكثر، وأنه خارج عن قضية الحكمة، وإن كانت قيمته ~~أكثر من الدية أو مثل # PageV07P266 # الدية فعليه قدر الدية، وينقص منها عشرة دراهم؛ لأن قيمة العبد في ~~الجناية لا تزاد على دية الحر بل ينقص منها عشرة، وسواء قلت جنايته أو كثرت ~~لا يلزم المولى من جناياته أكثر من قيمة واحدة؛ لأن سبب الوجوب هو المنع ~~عند الجناية. # والمنع منع واحد فكان الواجب قيمة واحدة، ولأن القيمة في جناية المدبر ~~بمنزلة العين في جناية القن قلت جنايته أو كثرت، ولا يجب شيء آخر مع الدفع، ~~كذلك ههنا، وتقسم قيمته بين أولياء الجنايات على قدر جناياتهم، يستوي فيها ~~الأول والثاني؛ لأن القسمة في دفع العين هكذا، فكذلك قيمة المدبر، وسواء ~~قبض ما على المولى أو لم يقبض يشتركون فيه فيتضاربون بقدر حقوقهم، وتعتبر ~~قيمة المدبر لكل واحد منهم يوم الجناية عليه لا يوم التدبير، وإن كان سبب ~~وجوب الضمان هو المنع، وهو ms4571 التدبير السابق لكن إنما يصير ذلك سببا عند وجود ~~شرطه، وهو الجناية فكأنه أنشأ التدبير عندهما، وبيان هذه الجملة في مسائل: ~~إذا مات المدبر بعد الجناية لم تبطل على المولى القيمة؛ لأن حكم جنايته ~~يلزم مولاه فيستوي فيه بقاء المدبر، وهلاكه بخلاف القن إذا جنى ثم هلك أنه ~~يبطل حكم الجناية أصلا؛ لأن حكم جنايته وجوب الدفع، وبالموت خرج عن احتمال ~~الدفع، ولو انتقصت قيمته بعد الجناية بأن جنى وقيمته ألف ثم عمي لم يحط عن ~~المولى شيء، وعليه قيمته تامة؛ لأن نقصانه هلاك جزء منه ثم هلاك كله لا ~~يسقط عنه شيئا فكذا هلاك البعض، ولو قتل إنسانا ثم قتل آخر لا يلزم المولى ~~إلا قيمة واحدة لما قلنا. # وكذلك لو جنى جنايات ثم أعتقه المولى لم يلزمه إلا قيمة واحدة؛ لأن سبب ~~وجوب الضمان هو المنع، وأنه متحد، فكان وجود الإعتاق، وعدمه بمنزلة واحدة، ~~ولو قتل إنسانا خطأ ثم قتل آخر خطأ ثم دفع المولى القيمة إلى ولي القتيل ~~الأول فالدفع لا يخلو إما أن كان بقضاء القاضي، أو بغير قضاء القاضي، فإن ~~كان بقضاء القاضي فلا سبيل لولي القتيل الثاني على المولى؛ لأنه كان مجبورا ~~على الدفع، والمجبور معذور، وله أن يتبع ولي القتيل الأول بنصف القيمة؛ ~~لأنه قبض نصف القيمة بغير حق، وإن كانت الجنايتان مختلفتين بإن كانت ~~إحداهما نفسا، والأخرى ما دون النفس فالثاني يتبع الأول بقدر حصته من ~~القيمة، وإن كان الدفع بغير قضاء القاضي فولي القتيل الثاني بالخيار: إن ~~شاء ضمن المولى نصف القيمة، وإن شاء ضمن ولي القتيل الأول لوجود سبب وجوب ~~الضمان من كل واحد منهما؛ لأن المولى متعد في دفع العبد، والقابض متعد في ~~قبضه، فإن ضمن المولى فإنه يرجع على القابض، وإن ضمن القابض لا يرجع على ~~المولى. # ولو قتل إنسانا خطأ فدفع القيمة إلى ولي القتيل ثم قتل آخر خطأ فهذا ~~والأول سواء في قول أبي حنيفة عليه الرحمة، والأمر فيه على التفصيل الذي ~~ذكرنا، وعندهما لولي القتيل ms4572 الثاني أن يضمن المولى، وله أن يضمن ولي القتيل ~~الأول سواء كان الدفع بقضاء أو بغير قضاء فهما فرقا بين الفصلين، وأبو ~~حنيفة عليه الرحمة جمع بينهما. # (وجه) الفرق لهما أن المولى ههنا ليس بمتعد في حق ولي القتيل الثاني؛ لأن ~~الجناية الثانية كانت منعدمة وقت الدفع فلا سبيل إلى تضمينه، وفي الفصل ~~الأول كانت الجنايتان موجودتين وقت الدفع، فكان الدفع منه إلى الأول تعديا ~~فيضمن. # (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - ما ذكرنا أن سبب وجوب الضمان على ~~المولى هو المنع، والمنع منع واحد في حق الأول والثاني جميعا، فصار كأن ~~الجنايات كلها موجودة وقت الدفع فيصير المولى متعديا في الدفع فكان له ~~تضمينه بخلاف ما إذا كان الدفع بقضاء؛ لأن قضاء القاضي صيره مجبورا في ~~الدفع، هذا إذا كانت قيمته وقت الجنايتين على السواء، فأما إذا كانت مختلفة ~~بأن قتل رجلا وقيمته ألف ثم ازدادت قيمته فصارت ألفين ثم قتل آخر يضمن ~~المولى لولي القتيل الثاني ألفا آخر، ولا حق لولي القتيل الأول في الزيادة؛ ~~لأنها لم تكن موجودة وقت الجناية على الأول فيسلم الزيادة إلى الثاني، ~~ويقسم تلك القيمة وهي الألف بين أولياء الأول، والثاني يتضاربون فيها فيضرب ~~الأول فيها بعشرة آلاف، والثاني بتسعة آلاف؛ لأنه قد وصل إليه ألف من عشرة ~~آلاف فكانت قسمة تلك الألف على تسعة عشر سهما: عشرة أسهم للأول، وتسعة أسهم ~~للثاني، ولو كانت قيمته وقت قتل الأول ألفين، ووقت قتل الثاني ألفا لا يضمن ~~المولى شيئا، والألف تكون لولي القتيل الأول سالما، والألف للآخر تقسم ~~بينهما على تسعة عشر سهما: عشرة أسهم لولي القتيل الثاني، وتسعة أسهم لولي ~~القتيل الأول، ولو قتل إنسانا # PageV07P267 # وقيمته ألف ثم ازدادت قيمته، وصارت ألفا وخمسمائة ثم قتل آخر فزيادة ~~الخمسمائة سالمة لولي القتيل الثاني لا حق فيها لولي القتيل الأول؛ لأنها ~~لم تكن موجودة وقت الجناية الأولى، والألف تكون بين ولي القتيلين يتضاربون ~~فيها، فيضرب ولي القتيل الأول بتمام الدية عشرة آلاف، والثاني بتسعة آلاف ms4573 ~~وخمسمائة؛ لأنه وصل إليه خمسمائة من عشرة آلاف فكانت قسمة الألف بينهما على ~~تسعة وثلاثين سهما؛ لأنا نجعل كل خمسمائة سهما، تسعة عشر لولي القتيل ~~الثاني، وعشرون لولي القتيل الأول، والله سبحانه، وتعالى أعلم. ### | [صفة الواجب بجناية العبد] # (وأما) صفة الواجب بهذه الجناية فهي أنها تجب في مال المولى حالا؛ لأنه ~~ضمان المنع من الدفع من غير اختيار الفداء، وأنه يوجب القيمة في مال المولى ~~حالا كما لو دبر العبد الجاني وهو لا يعلم بالجناية، وهذا لأن ضمان المنع ~~كالخلف عن ضمان الدفع، والدفع يجب من ماله حالا، كذلك ههنا، والله تعالى ~~الموفق للصواب، وإن كان القاتل أم ولد فأم الولد في جميع ما وصفنا والمدبر ~~سواء؛ لأن الواجب في جنايتهما ضمان المنع أيضا، إلا أن جهة المنع تختلف، ~~فالمنع في أم الولد بالاستيلاد، وفي المدبر بالتدبير؛ لذلك استويا في حكم ~~الجناية، والله تعالى أعلم. # وإن كان القاتل مكاتبا فقتل أجنبيا خطأ فجنايته على نفسه إذا ظهرت لا على ~~مولاه، فيقع الكلام فيما تظهر به جنايته، وفي بيان أصل الواجب، ومن عليه، ~~وفي بيان كيفية الوجوب، وفي بيان مقدار الواجب، وفي بيان صفته. # (أما) الأول: فجنايته تظهر بما تظهر به جناية القن، والمدبر، وأم الولد، ~~وتظهر أيضا بإقراره بالجناية بخلاف جنايتهم؛ لأن ذلك إقرار على المولى فلم ~~يصح أصلا، وإقرار المكاتب على نفسه؛ لأنه أحق بكسبه من المولى فيجوز ~~إقراره. # وكذا يجوز صلحه من الجناية على مال؛ لأنه صالح عن حق ثابت له ظاهرا، ولو ~~أقر وصالح ثم عجز فحكمه نذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى. # وأما أصل الواجب بجنايته، ومن عليه الواجب فالواجب هو قيمة نفسه عليه لا ~~على مولاه؛ لأن كسب المكاتب لنفسه لا لمولاه، فكان موجب جنايته عليه لا على ~~مولاه ليكون الخراج بالضمان، بخلاف القن، والمدبر، وأم الولد؛ لأن امتناع ~~الدفع حصل بشيء من قبله، وهو قبول الكتابة، فكانت قيمته عليه بخلاف القن، ~~والمدبر، وأم الولد. # (وأما) كيفية الوجوب فقد اختلف أصحابنا فيه قال علماؤنا ms4574 الثلاثة: إن ~~قيمته تصير دينا في ذمته على طريق القطع، والبتات، وفائدة هذا الاختلاف ~~تظهر فيما إذا جنى ثم عجز عقيب الجناية بلا فصل أنه يخاطب المولى بالدفع أو ~~الفداء عندنا، وعنده يباع ويدفع ثمنه إلى أولياء القتيل. # وكذلك إذا جنى ثم جنى جناية أخرى عقيب الأولى بلا فصل لا يجب عليه إلا ~~قيمة واحدة عندنا، وعنده يجب عليه قيمة أخرى عقيب الأولى، ولا خلاف في أنه ~~إذا جنى جناية، وقضى القاضي عليه بالقيمة ثم جنى جناية أخرى أنه تجب عليه ~~قيمة أخرى، ووجه الفرق لأصحابنا الثلاثة - رحمهم الله - أن القاضي لما قضى ~~بالقيمة في الجناية الأولى فقد صارت القيمة دينا في ذمته حتما من غير تردد، ~~والجناية الثانية صادفت رقبة فارغة فتقضى بقيمة أخرى. # وأما قبل القضاء فالرقبة مشغولة بالأولى، والمشغول لا يشغل. # (وجه) قول زفر - رحمه الله - أن الموجب للقيمة على المكاتب هو امتناع ~~الدفع لحق ثبت للمكاتب بعقد الكتابة؛ لأن امتناع الدفع إذا كان لحقه كانت ~~القيمة عليه، إذ لا خراج مع الضمان، وهذا المعنى لا يوجب التوقف على قضاء ~~القاضي. # (ولنا) أن الحكم الأصلي في جناية العبد هو وجوب الدفع، وامتناعه ههنا ~~لعارض لم يقع اليأس عن زواله وهو الكتابة، لاحتمال العجز؛ لأنه ربما يعجز ~~فيرد في الرق، فيتبين أن الجناية صدرت من القن فلا يمكن قطع القول بصيرورة ~~قيمته دينا في ذمته إلا من حيث الظاهر، والأمر في الحقيقة على التوقف، ~~وإنما يرتفع التوقف بإحدى معان: إما بأداء القيمة إلى ولي القتيل؛ لأن ~~الأداء كان واجبا عليه، فإذا أدى فقد وصل الحق إلى المستحق فلا يسترد منه ~~أو بالعتق (إما) بأداء بدل الكتابة (وإما) بالإعتاق المبتدأ وبالموت عن ~~وفاء أو ولد؛ لأنه يعتق في آخر جزء من أجزاء حياته، وإذا عتق يتقرر حقه في ~~كسبه، ويقع اليأس عن الدفع فتتقرر القيمة، وإذا ترك ولدا ولم يترك وفاء ~~فعقد الكتابة يبقى ببقاء الولد، فيسعى على نجوم أبيه، فيؤدي فيعتق ويعتق ~~أبوه، ويستند عتقه إلى آخر جزء ms4575 من أجزاء حياته أو بقضاء القاضي بالقيمة؛ ~~لأنها كانت واجبة، وتقرر الوجوب باتصال القضاء به أو بالصلح على القيمة؛ ~~لأن الصلح بمنزلة القضاء، هذا إذا ظهرت جناية بالمعاينة أو بالبينة. # (فأما) إذا ظهرت بإقراره فإن كان قد أدى القيمة ثم عجز لم يبطل إقراره # PageV07P268 # ولا يسترد القيمة؛ لأنه وصل الحق إلى المستحق فلا يسترد. # وكذا إذا لم يؤد، ولكنه عتق بأداء بدل الكتابة أو بإعتاق مبتدأ أو بموت ~~المكاتب عن وفاء أو، ولد لما قلنا، ولو لم يعتق، ولكنه عجز، فإن كان عجزه ~~قبل قضاء القاضي عليه بالقيمة - فإقراره باطل في حق المولى بلا خلاف حتى لا ~~يؤخذ به للحال، ولكن يتبع به بعد العتاق، لأنه لما عجز قبل القضاء فقد ~~انفسخ العقد من الأصل، وعاد قنا كما كان فتبين أنه أقر على مولاه، وإقرار ~~العبد على المولى باطل إلا أنه يتبع بعد العتاق؛ لأن إقراره في حق نفسه ~~صحيح، وإن كان بعد ما قضى به القاضي عليه بالقيمة - بطل إقراره في حق ~~المولى، ولا يؤخذ به للحال عند أبي حنيفة - عليه الرحمة - ويتبع بعد ~~العتاق، وعندهما لا يبطل إقراره في حق المولى، ويؤخذ به للحال، ويباع. # وجه قولهما: إن القيمة قد وجبت عليه بإقراره من حيث الظاهر لصحة إقراره ~~ظاهرا أو بقضاء القاضي تقرر الوجوب فلا يحتمل البطلان بالعجز، كما لو أقر ~~بدين لإنسان ثم عجز، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن صحة إقراره من حيث ~~الظاهر لم تكن لمكان الكتابة، لأن الداخل تحت الكتابة ما كان من التجارة، ~~والإقرار بالجناية ليس من التجارة، وإنما كانت لكونه أحق بكسبه من المولى، ~~فإذا عجز فقد صار المولى أحق بإكسابه فبطل إقراره، ولو كان مكان الإقرار ~~صلح بأن جنى المكاتب جناية خطأ فصالح منها على مال جاز صلحه على ما ذكرنا ~~ثم إن كان قد أدى بدل الصلح إلى ولي الجناية أو كان لم يؤد لكنه عتق بأي ~~طريق كان فقد تقرر الصلح، ولا يبطل، وإن كان لم يؤد بدل الصلح، ولا ms4576 عتق حتى ~~عجز بطل المال عنه في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ويخاطب المولى ~~بالدفع أو الفداء، وعندهما لا يبطل، ويصير دينا عليه، وعلى هذا الخلاف إذا ~~قتل المكاتب إنسانا عمدا ثم صالح من دم العمد على مال ثم عجز قبل أداء بدل ~~الصلح إنه يبطل الصلح، ولا يؤخذ للحال عند أبي حنيفة، وعندهما لا يبطل، ~~ويؤخذ للحال، ولو كان ولي القتيل اثنين فصالح المكاتب أحدهما دون الآخر سقط ~~القصاص عنه، وعليه أن يؤدي إلى من صالحه ما صالح عليه، وينقلب نصيب الآخر ~~مالا فيغرم المكاتب له الأقل من نصف قيمته، ومن نصف الدية؛ لأن الواجب عليه ~~في كل الجناية الأقل من قيمته، ومن الدية، فالواجب في نصفها الأقل من نصف ~~قيمته، ومن نصف الدية اعتبارا للنصف بالكل فإن عجز قبل الأداء فنصيب ~~المصالح لا يؤخذ للحال، وإنما يؤخذ بعد العتاق. # وأما نصيب الآخر فيقال للمولى: ادفع نصف العبد أو افد بنصف الدية على قول ~~أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأن الصلح قد بطل عنده، وعلى قولهما يدفع نصف ~~العبد أو يفدي بنصف الدية، والنصف الآخر يباع في حصة المصالح أو يقضي عنه ~~المولى. # (وأما) القن إذا قتل رجلا عمدا، وله وليان فصالح العبد أحدهما ينقلب نصيب ~~الآخر مالا، ونصيب المصالح يؤخذ بعد العتاق بلا خلاف. # وأما غير المصالح فيخاطب المولى بدفع نصف العبد إليه، أو الفداء بنصف ~~الدية، ولو مات المكاتب قبل أن يؤخذ شيء من ذلك، ولم يترك شيئا أصلا أو لم ~~يترك، وفاء بالكتابة بطلت الجناية؛ لأنه إذا مات عاجزا فقد مات قنا، والقن ~~إذا جنى جناية ثم مات تبطل الجناية أصلا ورأسا، وما تركه يكون للولي، إذا ~~مات عبدا كان المتروك مال المولى فيكون له ولو مات المكاتب، وترك مالا، ~~وعليه دين، وكتابة يبدأ بدين الأجنبي؛ لأن دين المولى دين ضعيف؛ إذ لا يجب ~~للمولى على عبده دين فكانت البداية بالأقوى أولى. # وحكي عن قتادة - رضي الله عنه - عنه قال: قلت لابن المسيب: إن شريحا ms4577 ~~يقول: الأجنبي، والمولى يتحاصان فقال سعيد بن المسيب أخطأ شريح، وإن كان ~~قاضيا قضاء زيد بن ثابت أولى، وكان زيد يقول يبدأ بدين الأجنبي فالظاهر أنه ~~كان لا يخفى قضاؤه على الصحابة، ولم يعرف له مخالف فيكون إجماعا، ولو مات ~~المكاتب، وترك وفاء بالكتابة، وجناية فالجناية أولى؛ لأنها أقوى، ولو مات، ~~وترك مالا، وعليه دين، وكتابة، وجناية، فإن كان قضى عليه بالجناية فصاحب ~~الجناية، وصاحب الدين سواء؛ لأن الجناية إذا قضي بها صارت دينا فهما دينان ~~فلا يكون أحدهما بالبداية به أولى من صاحبه، وإن كان لم يقض عليه بالجناية ~~يبدأ بالدين؛ لأنه متعلق بذمته، ودين الجناية لم يتعلق بذمته بعد، فكان ~~الأول آكد وأقوى، فيبدأ به، ويقضى الدين منه ثم ينظر إلى ما بقي فإن كان به ~~وفاء بالكتابة فصاحب الجناية أولى فيبدأ به، وإن لم يكن به وفاء بالكتابة ~~فما بقي يكون للمولى؛ لأنه يموت قنا على ما بينا، وهذا بخلاف ما قبل الموت ~~إن المكاتب يبدأ بأي الديون شاء، إن شاء بدين الأجنبي، وإن # PageV07P269 # شاء بأرش الجناية، وإن شاء بمال الكتابة؛ لأنه يؤدي من كسبه، والتدبير في ~~إكسابه إليه فكان له أن يبدأ بأي ديونه شاء، وعلى هذا قالوا في المكاتب إذا ~~مات فترك ولدا: إن ولده يبدأ من كسبه بأي الديون شاء؛ لأنه قام مقام ~~المكاتب، فتدبير كسبه إليه بخلاف ما إذا مات، ولم يترك ولدا؛ لأن الأمر في ~~موته إلى القاضي فيبدأ بالأولى فالأولى، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # ولو اختلف المولى وولي الجناية في قيمته وقت الجناية - فالقول قول ~~المكاتب في قول أبي يوسف الآخر، وهو قول محمد، وفي قول أبي يوسف الأول ينظر ~~إلى قيمته للحال؛ لأن الحال يصلح حكما في الماضي فيحكم. # (وجه) قوله الأخير: أن ولي الجناية يدعي زيادة الضمان، وهو ينكر فكان ~~القول قوله، والله تعالى الموفق (وأما) قدر الواجب بجنايته فهو الأقل من ~~قيمته، ومن الدين؛ لأن الأرش إن كان أقل فلا حق لولي الجناية في الزيادة، ~~وإن كانت القيمة ms4578 أقل فلم يوجد من الكاتب منع الزيادة فلا تلزمه الزيادة، ~~وإن كانت قيمته أقل من الدية، وجبت قيمته ولا يخير، وإن كانت أكثر من الدية ~~أو قدر الدية ينقص من الدية عشرة دراهم؛ لأن العبد لا يتقوم في الجناية ~~بأكثر من هذا القدر سواء كانت الجناية منه أو عليه، وتعتبر قيمته يوم ~~الجناية؛ لأن القيمة كالبدل عن الدفع، والدفع يجب عند الجناية. # وكذا المنع بالكتابة السابقة لحق المكاتب إنما يصير سببا عند وجود ~~الجناية فيعتبر الحكم، وهو وجوب القيمة عند وجود الجناية، والله - تعالى - ~~أعلم. # (وأما) صفة الواجب فهي أن يجب عليه حالا لا على العاقلة مؤجلا؛ لأن الحكم ~~الأصلي في جناية العبد هو الدفع، وهذا كالخلف عنه، والدفع يجب عليه حالا لا ~~مؤجلا فكذا الخلف، والله - تعالى - أعلم. # هذا إذا كان المقتول أجنبيا (فأما) إذا كان مولى القاتل فالقاتل لا يخلو: ~~(إما) إن كان قنا (وإما) إن كان مدبرا (وإما) إن كان أم ولد (وإما) إن كان ~~مكاتبا فإن كان قنا فقتل مولاه خطأ - فجنايته هدر؛ لأن المولى لا يجب له ~~على عبده دين، وإن قتله عمدا فعليه القصاص لما مر، ولو قتله عمدا، وله ~~وليان فعفا أحدهما حتى سقط القصاص بطلت الجناية، ولا يجب للذي لم يعف شيء ~~في قولهما. # وقال أبو يوسف - رحمه الله -: يقال للذي عفا: إما أن تدفع نصف نصيبك، وهو ~~ربع العبد إلى الذي لم يعف أو تفديه بربع الدية (وجه) قوله أن القصاص كان ~~مشتركا بينهما لكل واحد منهما النصف، فإذا عفا أحدهما فقد سقط نصف القصاص، ~~وانقلب نصيب صاحبه، وهو النصف مالا شائعا في النصفين نصفه، وهو الربع في ~~نصيبه ونصفه في نصيب الشريك فما كان في نصيبه يسقط، وما كان في نصيب الشريك ~~يثبت (وجه) قولهما أن الدية إما أن تجب حقا للمولى، والوارث يقوم مقامه في ~~استيفاء حق وجب له، وإما أن تجب حقا للورثة بانتقال الملك إليهم بطريق ~~الوراثة. # وكيف ما كان فالمولى لا يجب له على عبده دين، ms4579 وإن كان مدبرا فقتل مولاه ~~خطأ فجنايته هدر، وعليه السعاية في قيمته؛ لأنه لو وجبت الدية لوجبت على ~~المولى؛ لأنه لو جنى على أجنبي لوجبت الدية عليه فههنا أولى، ولا سبيل إلى ~~الإيجاب له، وعليه إلا أنه يسعى في قيمة نفسه؛ لأن العتق يثبت بطريق ~~الوصية. # ألا ترى أنه يعتبر من الثلث؟ ، والوصية لا تسلم للقاتل إلا أن العتق بعد ~~وقوعه لا يحتمل الفسخ فوجب عليه قيمة نفسه، ولو قتله عمدا فعليه القصاص، ~~ويسعى في قيمته لما قلنا، وورثته بالخيار إن شاءوا عجلوا استيفاء القصاص، ~~وبطلت السعاية، وإن شاءوا استوفوا السعاية ثم قتلوه قصاصا؛ لأنهما حقان ~~ثبتا لهم، واختيار السعاية لا يكون مسقطا للقصاص؛ لأن السعاية ليست بعوض عن ~~المقتول بل هي بدل عن الرق، ولو كان للمولى وليان عفا أحدهما - ينقلب نصيب ~~الآخر مالا بخلاف القن؛ لأن هناك لا يمكن إيجاب الضمان؛ لأنه لو وجب لوجب ~~للمولى على عبده، وليس يجب للمولى على عبده دين، وههنا يمكن؛ لأن المدبر ~~يعتق بموت سيده فيسعى، وهو حر فلم يكن في إيجاب الدية عليه إيجاب الدين ~~للمولى على عبده فهو الفرق وإن كان أم ولد فقتلت مولاها خطأ أو عمدا فحكمها ~~حكم المدبر، وإنما يختلفان في السعاية فأم الولد لا سعاية عليها، والمدبر ~~يسعى في قيمته؛ لأن العتق هناك يثبت بطريق الوصية، وعتق أم الولد ليس بوصية ~~حتى لا يعتبر من الثلث، ولو قتلت أم الولد مولاها عمدا، وله ابنان من غيرها ~~فعفا أحدهما سعت في نصف قيمتها للذي لم يعف؛ لأن القصاص قد سقط بعفو ~~أحدهما، وانقلب نصيب الآخر مالا، وإنما وجب عليها السعاية في نصف قيمتها لا ~~في نصف الدية، وإن كانت هي حرة وقت وجوب السعاية لأنها عتقت بموت سيدها # PageV07P270 # وتسعى، وهي حرة؛ لأنها كانت مملوكة وقت الجناية فيجب اعتبار الحالين حال ~~وجود الجناية، وحال وجوب السعاية، ولو كانت مملوكة في الحالين بأن قتلت ~~أجنبيا خطأ لوجبت القيمة. # وكانت على المولى لا عليها، فإن كانت مملوكة حال الجناية حرة ms4580 حال السعاية ~~اعتبرنا بالحالين فأوجبنا نصف القيمة اعتبارا إلى وجود الجناية. # وأوجدنا ذلك عليها لا على المولى اعتبارا بحال وجوب السعاية اعتبارا ~~للحالين بقدر الإمكان، ولو كان أحد الابنين منها لا يجب القصاص عليها، وسعت ~~في جميع قيمتها أما عدم وجوب القصاص - فلأنه لو وجب لوجب مشتركا بينهما، ~~ولا يمكن الإيجاب في نصيب ولدها؛ إذ لا يجب للولد على أمه قصاص لتعذر ~~الاستيفاء احتراما للأم (وأما) لزوم السعاية فلأن القصاص سقط للتعذر، ولا ~~تعذر في القيمة فتسعى في جميع قيمتها، وتكون بينهما، وإن كان مكاتبا فقتل ~~مولاه خطأ فعليه الأقل من قيمته أو الدية؛ لأن جناية المكاتب على مولاه ~~لازمة كجناية مولاه عليه؛ لأنه فيما يرجع إلى إكسابه، وأرش جناياته ~~كالأجنبي؛ لأنه أحق بإكسابه من المولى، وتجب القيمة حالة؛ لأنها تجب بالمنع ~~من الدفع فتكون حالة كما تجب على المولى بجناية مدبره، وإن كان عمدا فعليه ~~القصاص، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (هذا) إذا كان القاتل والمقتول حرين أو كان القاتل حرا والمقتول عبدا أو ~~كان القاتل عبدا والمقتول حرا. # فأما إذا كانا عبدين بأن قتل عبد عبدا خطأ فالمقتول لا يخلو: إما أن كان ~~عبدا لأجنبي، وإما إن كان عبدا لمولى القاتل، فإن كان عبدا لأجنبي بأن كان ~~القاتل قنا يخاطب المولى بالدفع أو الفداء سواء كان المقتول قنا أو مدبرا ~~أو أم ولد أو مكاتبا، وهذا وما إذا كان المقتول حرا أجنبيا سواء إلا أن ~~هناك يخاطب المولى بالدفع أو بالفداء بالدية، وههنا يخاطب بالدفع أو الفداء ~~بالقيمة، وإن كان القاتل مدبرا أو أم ولد فعلى المولى قيمة الولد والمدبر ~~وأم الولد سواء كان المقتول قنا أو مدبرا أو مكاتبا كما إذا كان المقتول ~~حرا أجنبيا وإن كان القاتل مكاتبا فعليه قيمة نفسه سواء كان المقتول قنا أو ~~مدبرا أو أم ولد أو مكاتبا كما إذا كان المقتول حرا أجنبيا، هذا إذا كان ~~المقتول عبدا لأجنبي فإن كان عبدا لولي القاتل فجناية القاتل عليه هدر، وإن ~~كان القاتل قنا ms4581 أو مدبرا أو أم ولد، سواء كان المقتول قنا أو مدبرا أو أم ~~ولد أو مكاتبا، وإن كان القاتل مكاتبا فجنايته عليه لازمة كائنا من كان ~~المقتول لما ذكرنا فيما تقدم، والله تعالى أعلم بالصواب هذا إذا قتل عبد ~~عبدا خطأ فإن قتل عمدا فعليه القصاص كائنا من كان المقتول، والله - جل شأنه ~~- الموفق. ### | [القتل الذي هو في معنى القتل الخطأ نوعان] # (وأما) القتل الذي هو في معنى القتل الخطأ فنوعان: نوع في معناه من كل ~~وجه، وهو أن يكون على طريق المباشرة، ونوع هو في معناه من وجه، وهو أن يكون ~~من طريق التسبيب، أما الأول: فنحو النائم ينقلب على إنسان فيقتله فهذا ~~القتل في معنى القتل الخطأ من كل وجه لوجوده لا عن قصد؛ لأنه مات بثقله ~~فترتب عليه أحكامه من وجوب الكفارة والدية وحرمان الميراث والوصية؛ لأنه ~~إذا كان في معناه من كل وجه كان ورود الشرع بهذه الأحكام هناك ورودا ههنا ~~دلالة. # وكذلك لو سقط إنسان من سطح على قاعد فقتله (أما) وجوب الدية فلوجود معنى ~~الخطأ، وهو عدم القصد (وأما) وجوب الكفارة وحرمان الميراث والوصية فلوجود ~~القتل مباشرة؛ لأنه مات بثقله، سواء كان القاعد في طريق العامة أو في ملك ~~نفسه، ولو مات الساقط دون القاعد ينظر إن كان في ملك نفسه أو في موضع لا ~~يكون قعوده فيه جناية لا شيء على القاعد؛ لأنه ليس بمتعد في القعود فما ~~تولد منه لا يكون مضمونا عليه، ويهدر دم الساقط، وإن كان في موضع يكون ~~قعوده فيه جناية فدية الساقط على القاعد تتحملها العاقلة؛ لأنه متعد في ~~القعود فالمتولد منه يكون مضمونا عليه كما في حفر البئر، ولا كفارة عليه ~~لحصول القتل بطريق التسبيب كما في البئر. # وكذلك إذا كان يمشي في الطريق حاملا سيفا أو حجرا أو لبنة أو خشبة فسقط ~~من يده فقتله لوجود معنى الخطأ فيه وحصوله على سبيل المباشرة لوصول الآلة ~~لبشرة المقتول (ولو) كان لابسا سيفا فسقط على غيره فقتله أو ms4582 سقط عنه ثوبه ~~أو رداؤه أو طيلسانه أو عمامته، وهو لابسه على إنسان فتعقل به فتلف فلا ~~ضمان عليه أصلا؛ لأن في اللبس ضرورة؛ إذ الناس يحتاجون إلى لبس هذه، ~~والتحرز عن السقوط ليس في وسعهم، فكانت البلية فيه عامة فتعذر التضمين، ولا ~~ضرورة في الحمل، والاحتراز عن سقوط المحمول ممكن أيضا، وإن كان الذي لبسه ~~مما لا يلبس عادة فهو ضامن. # وكذلك الراكب إذا كان يسير في الطريق # PageV07P271 # العامة فوطئت دابته رجلا بيديها أو برجلها لوجود معنى الخطأ في هذا القتل ~~وحصوله على سبيل المباشرة؛ لأن ثقل الراكب على الدابة، والدابة آلة له فكان ~~القتل الحاصل بثقلها مضافا إلى الراكب فكان قتلا مباشرة، ولو كدمت أو صدمت ~~أو خبطت فهو ضامن إلا أنه لا كفارة عليه، ولا يحرم الميراث، والوصية لحصول ~~القتل على سبيل التسبب دون المباشرة، ولا كفارة على السائق، والقائد، ولا ~~يحرمان الميراث والوصية؛ لأن فعل السوق والقود يقرب الدابة من القتل فكان ~~قتلا تسبيبا لا مباشرة، والقتل تسببا لا مباشرة لا يتعلق بهذه الأحكام ~~بخلاف الراكب؛ لأنه قاتل مباشرة على ما بينا، والرديف والراكب سواء، ~~وعليهما الكفارة، ويحرمان الميراث والوصية؛ لأن ثقلهما على الدابة، والدابة ~~آلة لهما فكانا قاتلين على طريق المباشرة، ولو نفحت الدابة برجلها أو ~~بذنبها، وهو يسير فلا ضمان في ذلك على راكب ولا سائق ولا قائد، والأصل أن ~~السير والسوق والقود في طريق العامة مأذون فيه بشرط سلامة العاقبة فما لم ~~تسلم عاقبته - لم يكن مأذونا فيه فالمتولد منه يكون مضمونا إلا إذا كان مما ~~لا يمكن الاحتراز عنه بسد باب الاستطراق على العامة، ولا سبيل إليه، والوطء ~~والكدم والصدم والخبط في السير والسوق والقود مما يمكن الاحتراز عنه بحفظ ~~الدابة وذود الناس، والنفح مما لا يمكن التحرز عنه وكذا البول والروث ~~واللعاب، فسقط اعتباره والتحق بالعدم، وقد روي أن النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - «قال: الرجل جبار أي نفحها» ولهذا أسقط اعتبار ما ثار من الغبار ~~من مشي الماشي حتى لو أفسد ms4583 متاعا لم يضمن. # وكذا ما أثارت الدابة بسنابكها من الغبار أو الحصى الصغار، ولا ضمان فيه ~~لما قلنا كذا هذا. # وأما الحصى الكبار فيجب الضمان فيها؛ لأنه يمكن التحرز عن إثارتها؛ إذ لا ~~يكون ذلك إلا بتعنيف في السوق، ولو كبح الدابة باللجام فنفحت برجلها أو ~~بذنبها فهو هدر لعموم البلوى به، ولو أوقف الدابة في الطريق فقتلت إنسانا، ~~فإن كان ذلك في غير ملكه كطريق العامة - فهو ضامن لذلك كله سواء وطئت ~~بيديها أو برجلها أو كدمت أو صدمت أو خبطت بيديها أو نفحت برجلها أو بذنبها ~~أو عطب شيء بروثها أو بولها أو لعابها، كل ذلك مضمون عليه، وسواء كان راكبا ~~أو لا؛ لأن روث الدابة في طريق العامة ليس بمأذون فيه شرعا إنما المأذون ~~فيه هو المرور لا غير؛ إذ الناس يتضررون بالوقوف ولا ضرورة فيه فكان الوقوف ~~فيه تعديا من غير ضرورة فما تولد منه يكون مضمونا عليه سواء كان مما يمكن ~~التحرز عنه أو لا يمكن غير أنه إن كان راكبا فعليه الكفارة في الوطء باليد ~~والرجل؛ لكونه قاتلا من طريق المباشرة، وإن لم يكن راكبا لا كفارة عليه ~~لوجود القتل منه تسبيبا لا مباشرة. # وكذلك لو أوقف دابة على باب المسجد فهو مثل وقفه في الطريق؛ لأنه متعد في ~~الوقف إلا أن يكون الإمام جعل للمسلمين عند باب المسجد موقفا يقفون فيه ~~دوابهم فلا ضمان عليه فيما أصابت في وقوفها؛ لأن للإمام أن يفعل ذلك إذا لم ~~يتضرر الناس به فلم يكن متعديا في الوقوف فأشبه الوقوف في ملك نفسه إلا إذا ~~كان راكبا فوطئت دابته إنسانا فقتلته؛ لأن ذلك قتل بطريق المباشرة فيستوي ~~في المواضع كلها. # ألا ترى أنه لو كان في ملكه يضمن. # وكذلك لو أوقف دابته في موضع أذن الإمام بالوقوف فيه كما في سوق الخيل ~~والبغال لما قلنا، وكذلك إذا أوقف دابته في الفلاة؛ لأن الوقوف في الفلاة ~~مباح لعدم الإضرار بالناس فلم يكن متعديا فيه. # وكذلك في الطريق إن ms4584 كان وقف في المحجة فالوقوف فيها كالوقوف في سائر ~~الطرق العامة، ولو كان سائرا في هذه المواضع التي أذن الإمام فيها بالوقوف ~~للناس أو سائقا أو قائدا فهو ضامن؛ لأن أثر الإذن في سقوط ضمان الوقف لا في ~~غيره؛ لأن إباحة الوقف فيها استفيد بالإذن؛ لأنه لم يكن ثابتا قبله، فأما ~~إباحة السير والسوق والقود فلم يثبت بالإذن من الإمام؛ لأنه كان ثابتا قبله ~~فبقي الأمر فيها على ما كان قبل الإذن، وإن كان الوقف أو السير أو السوق أو ~~القود في ملكه فلا ضمان عليه في شيء مما ذكر إلا فيما وطئت دابته بيديها أو ~~برجلها، وهو راكب؛ لأن هذه الأفعال تقع تعديا في الملك، والتسبيب إذا لم ~~يكن تعديا لا يكون سببا لوجوب الضمان. # فأما الوطء باليد والرجل في حال السير أو الوقوف فهو قتل مباشرة لا ~~تسبيبا حتى تجب الكفارة لوجود الضمان على كل سواء كان في ملكه أو في غير ~~ملكه، وسواء كان الذي لحقته الجناية مأذونا في الدخول أو غير مأذون؛ لأن ~~التلف حصل بفعله مباشرة، ومن دخل ملك غيره بغير إذنه لا يباح إتلافه، ولو ~~ربط الدابة في غير ملكه فما دامت تجول في رباطها إذا أصابت شيئا بيديها # PageV07P272 # أو برجلها أو راثت أو بالت فعطب به شيء - فذلك كله مضمون عليه؛ لأنه متعد ~~في الوقوف في غير ملكه، ولو انفتح الرباط وذهبت من ذلك الموضع فما عطب به ~~شيء فهو هدر؛ لأن معنى التعدي قد زال بزوالها من موضع الوقوف، وإن أوقفها ~~غير مربوطة فزالت عن موضعها بعد ما أوقفها ثم جنت على إنسان أو عطب بها شيء ~~فهو هدر؛ لأنها لما زالت عن موضع الوقف فقد زال التعدي فكأنها دخلت في هذه ~~المواضع بنفسها وجنت، ولو نفرت الدابة من الرجل أو انفلتت منه فما أصابت في ~~فورها ذلك - فلا ضمان عليه لقوله - عليه الصلاة والسلام - «العجماء جبار» ~~أي البهيمة جرحها جبار ولأنه لا صنع له في نفارها وانفلاتها، ولا يمكنه ~~الاحتراز عن ms4585 فعلها، فالمتولد منه لا يكون مضمونا، ولو أرسل دابته فما أصابت ~~من فورها ضمن؛ لأن سيرها في فورها مضاف إلى إرسالها، فكان متعديا في ~~الإرسال، فصار كالدافع لها أو كالسائق، فإن عطفت يمينا وشمالا ثم أصابت، ~~فإن لم يكن لها طريق إلا ذلك - فذلك مضمون على المرسل؛ لأنها باقية على حكم ~~الإرسال، وإن كان لها طريق آخر لا يضمن؛ لأنها عطفت باختيارها فينقطع حكم ~~الإرسال، وصارت كالمنفلتة، ولو أرسل طيرا فأصاب شيئا في فوره ذلك لا يضمن ~~ذلك بالإجماع ذكره في الزيادات فيمن أرسل بازيا في الحرم فأتلف طيبة الحرم ~~إنه لا يضمن؛ لأنه يفعل باختياره وفعله جبار، ولو أغرى به كلبا حتى عقر ~~رجلا فلا ضمان عليه في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - كما لو أرسل طيرا، ~~وعند أبي يوسف - رحمه الله - يضمن كما لو أرسل البهيمة وقال محمد - رحمه ~~الله -: إن كان سائقا له أو قائدا يضمن، وإن لم يكن سائقا له ولا قائدا لا ~~يضمن، وبه أخذ الطحاوي - رحمه الله -. # (وجه) قول محمد أن العقر فعل الكلب باختياره فالأصل هو الاقتصار عليه، ~~وفعله جبار إلا أنه بالسوق أو القود يصير مغريا إياه إلى الإتلاف فيصير ~~سببا للتلف فأشبه سوق الدابة وقودها. # (وجه) قول أبي يوسف إن إغراء الكلب بمنزلة إرسال البهيمة، فالمصاب على ~~فور الإرسال مضمون على المرسل، فكذا هذا، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه -: أن ~~الكلب يعقر باختياره، والإغراء للتحريض، وفعله جبار، ولو دخل رجل دار غيره ~~فعقره كلبه لا يضمن، سواء دخل داره بإذنه أو بغير إذنه؛ لأن فعل الكلب ~~جبار، ولم يوجد من صاحبه التسبيب إلى العقر؛ إذ لم يوجد منه إلا الإمساك في ~~البيت وأنه مباح قال الله - تبارك وتعالى، وهو أصدق القائلين: {مكلبين ~~تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] ، ولو ألقى ~~حية أو عقربا في الطريق فلدغت إنسانا - فضمانه على الملقي؛ لأنه متعد في ~~الإلقاء إلا إذا عدلت عن ذلك الموضع إلى موضع آخر فلا يضمن لارتفاع التعدي ms4586 ~~بالعدول إذا اصطدم فارسان فماتا فدية كل واحد منهما على عاقلة الآخر في قول ~~أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله - وعند زفر - رحمه الله - على عاقلة كل واحد ~~منهما نصف دية الآخر، وهو قول الشافعي - رحمه الله - (وجه) قول زفر: أن كل ~~واحد منهما مات بفعلين: فعل نفسه، وفعل صاحبه، وهو صدمة صاحبه، وصدمة نفسه ~~فيهدر ما حصل بفعل نفسه، ويعتبر ما حصل بفعل صاحبه، فيلزم أن يكون عاقلة كل ~~واحد منهما نصف دية الآخر، كما لو جرح نفسه، وجرحه أجنبي فمات أن على ~~الأجنبي نصف الدية لما قلنا كذا هذا. # (ولنا) ما روي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال مثل مذهبنا؛ ولأن ~~كل واحد منهما مات من صدم صاحبه إياه فيضمن صاحبه كمن بنى حائطا في الطريق، ~~فصدم رجلا فمات إن الدية على صاحب الحائط كذا هذا، وبه تبين أن صدمة نفسه ~~مع صدم صاحبه إياه فيه غير معتبر؛ إذ لو اعتبر لما لزم باني الحائط على ~~الطريق جميع الدية؛ لأن الرجل قد مشى إليه وصدمه. # وكذلك حافر البئر يلزمه جميع الدية، وإن كان الماشي قد مشى إليها رجلان ~~مدا حبلا حتى انقطع فسقط كل واحد منهما، فإن سقطا على ظهرهما فماتا - فلا ~~ضمان أصلا؛ لأن كل واحد منهما لم يمت من فعل صاحبه؛ إذ لو مات من فعل صاحبه ~~لخر على وجهه، فلما سقط على قفاه علم أنه سقط بفعل نفسه، وهو مده، فقد مات ~~كل واحد منهما من فعل نفسه فلا ضمان على أحد، وإن سقطا على وجهيهما فماتا ~~فدية كل واحد منهما على عاقلة الآخر؛ لأنه لما خر على وجهه علم أنه مات من ~~جذبه، وإن سقط أحدهما على ظهره، والآخر على وجهه فماتا جميعا - فدية الذي ~~سقط على وجهه على عاقلة الآخر؛ لأنه مات بفعله، وهو جذبه، ودية الذي سقط ~~على ظهره هدر؛ لأنه مات من فعل نفسه، ولو قطع قاطع الحبل فسقطا جميعا فماتا ~~فالضمان على القاطع # PageV07P273 # لأنه تسبب في إتلافهما والإتلاف تسبيبا يوجب ms4587 الضمان كحفر البئر، ونحو ~~ذلك: صبي في يد أبيه جذبه رجل من يده، والأب يمسكه حتى مات فديته على الذي ~~جذبه ويرثه أبوه؛ لأن الأب محق في الإمساك والجاذب متعد في الجذب، فالضمان ~~عليه، ولو تجاذب رجلا صبيا، وأحدهما يدعي أنه ابنه، والآخر يدعي أنه عبده، ~~فمات من جذبهما - فعلى الذي يدعي أنه عبده ديته؛ لأنه متعد في الجذب؛ لأن ~~المتنازعين في الصبي، إذا زعم أحدهما أنه أبوه - فهو أولى به من الذي يدعي ~~أنه عبده - فكان إمساكه بحق، وجذب الآخر بغير حق؛ فيضمن. # رجل في يده ثوب تشبث به رجل فجذبه صاحب الثوب من يده فخرق الثوب ضمن ~~الممسك نصف الخرق؛ لأن حق صاحب الثوب في دفع الممسك، وعليه دفعه بغير جذب ~~فإذا جذب فقد حصل التلف من فعلهما فانقسم الضمان بينهما رجل عض ذراع رجل ~~فجذب المعضوض ذراعه من فيه؛ فسقطت أسنان العاض، وذهب لحم ذراع هذا - تهدر ~~دية الأسنان، ويضمن العاض أرش الذراع؛ لأن العاض متعد في العض، والجاذب غير ~~متعد في الجذب؛ لأن العض ضرر، وله أن يدفع الضرر عن نفسه رجل جلس إلى جنب ~~رجل فجلس على ثوبه، وهو لا يعلم، فقام صاحب الثوب فانشق ثوبه من جلوس هذا ~~عليه يضمن الجالس نصف ذلك؛ لأن التلف حصل من الجلوس والجذب، والجالس متعد ~~في الجلوس؛ إذ لم يكن له أن يجلس عليه، فكان التلف حاصلا من فعليهما فينقسم ~~الضمان عليهما. # رجل أخذ بيد إنسان، فصافحه، فجذب يده من يده، فانقلب، فمات - فلا شيء ~~عليه؛ لأن الآخذ غير معتد في الأخذ للمصافحة بل هو مقيم سنة، وإنما الجاذب ~~هو الذي تعدى على نفسه حيث جذب يده لا لدفع ضرر لحقه من الآخذ، وإن كان أخذ ~~يده ليعصرها، فآذاه، فجر يده - ضمن الآخذ ديته؛ لأنه هو المتعدي، وإنما ~~صاحب اليد دفع الضرر عن نفسه بالجر، وله ذلك، فكان الضمان على المتعدي، فإن ~~انكسرت يد الممسك، وهو الآخذ بالجذب - لم يضمن الجاذب؛ لأن التعدي من ~~الممسك، فكان جانيا على ms4588 نفسه - فلا ضمان على غيره، والله - سبحانه وتعالى - ~~أعلم. # (وأما) الثاني فنحو جناية الحافر ومن في معناه ممن يحدث شيئا في الطريق ~~أو المسجد، وجناية السائق والقائد، وجناية الناخس، وجناية الحائط (أما) ~~جناية الحافر، فالحفر لا يخلو (إما) إن كان في غير الملك أصلا (وأما) إن ~~كان في الملك، فإن كان في غير الملك ينظر إن كان في غير الطريق بأن كان في ~~المفازة - لا ضمان على الحافر؛ لأن الحفر ليس بقتل حقيقة بل هو تسبيب إلى ~~القتل إلا أن التسبيب قد يلحق بالقتل إذا كان المسبب متعديا في التسبيب، ~~والمتسبب ههنا ليس بمتعد؛ لأن الحفر في المفازة مباح مطلق فلا يلحق به، ~~فانعدم القتل حقيقة وتقديرا فلا يجب الضمان، وإن كان في طريق المسلمين فوقع ~~فيها إنسان فمات - فلا يخلو: أما إن مات بسبب الوقوع. # وإما إن مات غما أو جوعا، فإن مات بسبب الوقوع فالحافر لا يخلو: إما إن ~~كان حرا، وإما إن كان عبدا، فإن كان حرا يضمن الدية؛ لأن حفر البئر على ~~قارعة الطريق سبب لوقوع المار فيها إذا لم يعلم، وهو متعد في هذا التسبيب، ~~فيضمن الدية، وتتحمل عنه العاقلة؛ لأن التحمل في القتل الخطأ المطلق ~~للتخفيف على القاتل نظرا له، والقتل بهذه الطريق دون القتل الخطأ، فكانت ~~الحاجة إلى التخفيف أبلغ، ولا كفارة عليه؛ لأن وجوبها متعلق بالقتل مباشرة. # والحفر ليس بقتل أصلا حقيقة إلا أنه ألحق بالقتل في حق وجوب الدية فبقي ~~في حق وجوب الكفارة على الأصل، ولأن الكفارة في الخطأ المطلق إنما وجبت ~~شكرا لنعمة الحياة بالسلامة عند وجود سبب فوت السلامة، وذلك بالقتل، فإذا ~~لم يوجد لم يجب الشكر. # وكذا لا يحرم الميراث، إن كان وارثا للمجني عليه، ولا الوصية إن كان ~~أجنبيا؛ لأن حرمان الميراث والوصية حكم متعلق بالقتل قال النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - «لا ميراث لقاتل» وقال - عليه الصلاة والسلام - «لا وصية ~~لقاتل» ولم يوجد القتل حقيقة، وإن مات غما أو جوعا فقد اختلف أصحابنا فيه ~~قال أبو ms4589 حنيفة: - رضي الله عنه - لا يضمن. # وقال محمد: يضمن، وقال أبو يوسف - رحمه الله - إن مات غما يضمن وإن مات ~~جوعا لا يضمن (وجه) قول محمد - رحمه الله - إن الضمان عند الموت بسبب ~~السقوط إنما وجب لكون الحفر تسبيبا إلى الهلاك، ومعنى التسبيب موجود ههنا؛ ~~لأن الوقوع سبب الغم والجوع؛ لأن البئر يأخذ نفسه، وإذا طال مكثه يلحقه ~~الجوع، والوقوع بسبب الحفر، فكان مضافا إليه، كما إذا حبسه في موضع حتى مات ~~(وجه) قول أبي يوسف أن الغم من آثار # PageV07P274 # الوقوع، فكان مضافا إلى الحفر، فأما الجوع فليس من آثاره، فلا يضاف إلى ~~الحفر ولأبي حنيفة - رحمه الله - أنه لا صنع للحافر في الغم، ولا في الجوع ~~حقيقة؛ لأنهما يحدثان بخلق الله - تعالى - لا صنع للعبد فيهما أصلا لا ~~مباشرة، ولا تسبيبا أما المباشرة فلا شك في انتقائها. # وأما التسبيب فلأن الحفر ليس بسبب للجوع لا شك فيه؛ لأنه لا ينشأ منه بل ~~من سبب آخر، والغم ليس من لوازم البئر فإنها قد تغم، وقد لا تغم، فلا يضاف ~~ذلك إلى الحفر، وإن أصابته جناية فيما دون النفس فضمانها على الحافر؛ لأنها ~~حصلت بسبب الوقوع، والوقوع بسبب الحفر، ثم إن بلغ القدر الذي تتحمله ~~العاقلة حمله عليهم، وإلا فيكون في ماله، وكذا إذا كان الواقع غير بني آدم؛ ~~لأن ضمان المال لا تتحمله العاقلة كما لا تتحمل سائر الديون ثم إن جنايات ~~الحفر، وإن كثرت من الحر يجب عليه لكل جناية أرشها ولا يسقط شيء من ذلك ~~بشيء منه ولا يشرك المجني عليهم فيما يجب لكل واحد منهم؛ لأنه بالحفر جنى ~~على كل واحد منهم بحياله، فيؤخذ بكل واحدة من الجنايات بحيالها، هذا هو ~~الأصل، وإن كان الحافر عبدا، فإن كان قنا فجنايته بالحفر بمنزلة جنايته ~~بيده، وقد ذكرنا حكم ذلك فيما تقدم، وهو أن يخاطب المولى بالدفع أو الفداء، ~~قلت جنايته أو كثرت غير أنه إن كان المجني عليه واحدا يدفع إليه أو يفدي، ~~وإن كانوا جماعة يدفع إليهم ms4590 أو يفدي بجميع الأروش؛ لأن جنايات القن في ~~رقبته يقال للمولى: ادفع أو أفد، والرقبة تتضايق عن الحقوق فيتضاربون في ~~الرقبة، والواجب بجناية الحر يتعلق بذمة العاقلة، والذمة لا تتضايق عن ~~الحقوق، فإن وقع فيها واحد فمات فدفعه المولى إلى ولي جنايته ثم وقع آخر ~~يشارك الأول في الرقبة المدفوعة. # وكذلك الثالث والرابع فكلما يحدث من جناية بعد الدفع فإنهم يشاركون ~~المدفوع إليه الأول في رقبة العبد، وكل واحد منهم يضرب بقدر جنايته؛ لأن ~~المولى بالدفع إلى الأول خرج عن عهدة الجناية؛ لأنه فعل ما وجب عليه فخرج ~~عن عهدة الواجب ثم الجناية في حق الثاني والثالث حصلت بسبب الحفر أيضا، ~~والحكم فيها وجوب الدفع، فكان الدفع إلى الأول دفعا إلى الثاني والثالث ~~لاستواء الكل في سبب الوجوب كأنه دفعه إلى الأول دفعة واحدة، ولو حفرها ثم ~~أعتقه المولى بعد الحفر قبل الوقوع ثم لحقت الجنايات، فذلك على المولى في ~~قيمته يوم عتق يشترك فيها أصحاب الجنايات التي كانت قبل العتق وبعده يضرب ~~في ذلك كل واحد بقدر أرش الجناية؛ لأن جناية القن، وإن كثرت - فالواجب فيها ~~الدفع والولي بالإعتاق فوت الدفع من غير اختيار الفداء فتعتبر قيمته وقت ~~الإعتاق؛ لأن فوات الدفع حصل بالإعتاق فتعتبر قيمته يوم الإعتاق بخلاف ~~المدبر أنه لا تعتبر قيمته يوم التدبير بل يوم الجناية، وإن كان فوات الدفع ~~بالتدبير، لكن التدبير إنما يصير سببا عند وجود شرطه، وهو الجناية فتعتبر ~~قيمته حينئذ على ما بينا فيما تقدم، وإن كان الحافر مدبرا أو أم ولد فعلى ~~المولى قيمة واحدة قلت الجناية أو كثرت وتعتبر قيمته يوم الجناية، وهو يوم ~~الحفر ولا تعتبر زيادة القيمة ونقصانها؛ لأنه صار جانيا بسبب الحفر عند ~~الوقوع فتعتبر قيمته وقت الجناية كما إذا جنى بيده، وإن كان مكاتبا فجنايته ~~على نفسه لا على مولاه، كما إذا جنى بيده، وتعتبر قيمته يوم الحفر؛ لما ~~بينا، ولو حفر بئرا في الطريق، فجاء إنسان، ودفع إنسانا، وألقاه فيها - ~~فالضمان على الدافع لا على ms4591 الحافر؛ لأن الدافع قاتل مباشرة ولو وضع رجل ~~حجرا في قعر البئر فسقط إنسان فيها لا ضمان على الحافر مع الواضع ههنا ~~كالدافع مع الحافر، ولو جاء رجل فحفر من أسفلها ثم وقع فيها إنسان فالضمان ~~على الأول كذا ذكر الكرخي وذكر محمد - رحمه الله - في الكتاب ينبغي في ~~القياس أن يضمن الأول ثم قال: وبه نأخذ ولم يذكر الاستحسان، وذكر القاضي في ~~شرحه مختصر الطحاوي - رحمه الله - في الاستحسان: الضمان عليهما لاشتراكهما ~~في الجناية، وهي الحفر فيشتركان في الضمان. # (وجه) القياس: أن سبب الوقوع حصل من الأول، وهو الحفر بإزالة المسكة، ~~والحفر من الثاني بمنزلة نصب السكين أو وضع الحجر في قعر البئر، فكان الأول ~~كالدافع، فكان الضمان عليه، ولو حفر رجل بئرا فجاء إنسان ووسع رأسها فوقع ~~فيها إنسان - فالضمان عليهما نصفان هكذا أطلق في الكتاب، ولم يفصل، وقيل: ~~جواب الكتاب محمول على ما إذا وسع قليلا بحيث يقع رجل في حفرهما (فأما) إذا ~~وسع كثيرا بحيث يقع قدمه في حفر الثاني فالضمان على الثاني لا على الأول؛ ~~لأن التوسع إذا كان قليلا بحيث يقع قدمه في حفرهما كان الوقوع بسبب # PageV07P275 # وجد منهما، وهو حفرهما فكان الضمان عليهما وإذا كان كثيرا كان الوقوع ~~بسبب وجد من الثاني فكان الضمان عليه، ولو حفر بئرا ثم كبسها فجاء رجل، ~~وأخرج ما كبس، فوقع فيها إنسان - فالكبس لا يخلو: إما إن كان بالتراب ~~والحجارة (وأما) إن كان بالحنطة والشعير، فإن كان بالأول فالضمان على ~~الثاني، وإن كان بالثاني فالضمان على الأول؛ لأن الكبس بالتراب والحجارة ~~يعد طما للبئر، وإلحاقا له بالعدم، فكان إخراج ذلك منها بمنزلة إخراج بئر ~~أخرى (فأما) الحنطة والشعير ونحوهما - فلا يعد ذلك طما بل يعد شغلا لها. # ألا يرى أنه بقي أثر الحفر بعد الكبس بالحنطة والشعير، ولا يبقى أثره بعد ~~الكبس بالتراب والحجارة، ولو حفر بئرا وسد الحافر رأسها ثم جاء إنسان ~~فنقضه، فوقع فيها إنسان - فالضمان على الحافر؛ لأن أثر الحفر لم ينعدم ~~بالسد، لكن ms4592 السد صار مانعا من الوقوع، والفاتح بالفتح أزال المانع، وزوال ~~المانع شرط للوقوع، والحكم يضاف إلى السبب لا إلى الشرط، ولو وضع رجل حجرا ~~في الطريق فتعثر عليه رجل فوقع في بئر حفرها آخر - فالضمان على واضع الحجر؛ ~~لأن الوقوع بسبب التعثر، والتعثر بسبب وضع الحجر، والوضع تعد منه فكان ~~التلف مضافا إلى وضع الحجر، فكان الضمان على واضعه، وإن كان لم يضعه أحد، ~~ولكنه حمل السيل - فالضمان على الحافر؛ لأنه لا يمكن أن يضاف إلى الحجر ~~لعدم التعدي منه، فيضاف إلى الحافر؛ لكونه متعديا في الحفر، ولو اختلف ~~الحافر وورثة الميت فقال الحافر: هو ألقى نفسه فيها متعمدا. # وقال الورثة: بل وقع فيها - فالقول قول الحافر في قول أبي يوسف الآخر، ~~وهو قول محمد وفي قول أبي يوسف الأول: القول قول الورثة. # (وجه) قوله الأول: أن الظاهر شاهد للورثة؛ لأن العاقل لا يلقي نفسه في ~~البئر عمدا، والقول قول من يشهد له الظاهر. # (وجه) قوله الآخر: أن حاصل الاختلاف يرجع إلى وجوب الضمان، فالورثة يدعون ~~على الحافر الضمان، وهو ينكر، والقول قول المنكر مع يمينه، وما ذكر من ~~الظاهر معارض بظاهر آخر، وهو أن الظاهر أن المار على الطريق الذي يمشي فيه ~~يرى البئر فتعارض الظاهران فبقي الضمان على أصل العدم. # ولو حفر بئرا في الطريق فوقع رجل فيها فتعلق بآخر، وتعلق الثاني بثالث، ~~فوقعوا، فماتوا - فهذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين: (أما) إن علم حال ~~موتهم بأن خرجوا أحياء فأخبروا عن حالهم. # (وإما) إن لم يعلم، فإن علم ذلك (فأما) موت الأول فلا يخلو من سبعة أوجه ~~(إما) إن علم أنه مات بوقوعه في البئر خاصة. # (وإما) إن علم أنه مات بوقوع الثاني عليه خاصة. # (وإما) إن علم إن مات بوقوع الثالث عليه خاصة. # (وإما) إن علم أنه مات بوقوع الثاني والثالث عليه. # (وإما) إن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثاني عليه. # (وإما) إن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثالث عليه، وإما ms4593 إن علم ~~أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثاني والثالث عليه، فإن علم أنه مات ~~بوقوعه في البئر خاصة - فالضمان على الحافر؛ لأن الحافر هو القاتل تسبيبا، ~~وهو متعد فيه، فكان الضمان عليه، فإن علم أنه مات بوقوع الثاني عليه خاصة ~~فدمه هدر؛ لأنه هو الذي قتل نفسه حيث جره على نفسه، وجناية الإنسان على ~~نفسه هدر، وإن علم أنه مات بوقوع الثالث عليه خاصة - فالضمان على الثاني؛ ~~لأن الثاني هو الذي جر الثالث على الأول حتى أوقعه عليه، وإن علم أنه مات ~~بوقوع الثاني والثالث عليه فنصفه هدر، ونصفه على الثاني؛ لأن جره الثاني ~~على نفسه هدر؛ لأنه جناية على نفسه وجر الثاني والثالث عليه معتبر فهدر ~~النصف وبقي النصف. # وإن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثاني عليه فالنصف على الحافر ~~لوجود الجناية منه بالحفر والنصف هدر لجره الثاني على نفسه، وإن علم أنه ~~مات بوقوعه في البئر ووقوع الثالث عليه فالنصف على الحافر، والنصف على ~~الثاني؛ لأنه هو الذي جر الثالث على الأول، وإن علم أنه مات بوقوعه في ~~البئر ووقوع الثاني والثالث عليه فالثلث هدر، والثلث على الحافر، والثلث ~~على الثاني؛ لأنه مات بثلاث جنايات: أحدهما هدر، وهي جره الثاني على نفسه ~~فبقيت جناية الحافر، وجناية الثاني بجرة الثالث على الأول فتعتبر. # (وأما) موت الثاني فلا يخلو من ثلاثة أوجه: (إما) إن علم أنه مات بوقوعه ~~في البئر خاصة، وإما إن علم أنه مات بوقوع الثالث عليه خاصة، وإما إن علم ~~أنه مات بوقوع في البئر، ووقوع الثالث عليه، فإن علم أنه مات بسقوطه في ~~البئر خاصة - فديته على الأول، وليس على الحافر شيء لأن الأول هو الذي جره ~~إلى البئر، فكان كالدافع، وإن علم أنه مات بوقوع الثالث عليه خاصة فدمه ~~هدر؛ لأنه مات بفعل # PageV07P276 # نفسه حيث جر الثالث على نفسه فهدر دمه، وإن علم أنه مات بسقوطه في البئر ~~ووقوع الثالث عليه فالنصف هدر، والنصف على الأول؛ لأنه مات بشيئين: أحدهما ~~فعل نفسه، ms4594 وهو جره الثالث على نفسه وجنايته على نفسه هدر، والثاني فعل ~~غيره، وهو جر الأول وإيقاعه في البئر. # وأما موت الثالث فله وجه واحد لا غير، وهو سقوطه في البئر، وديته على ~~الثاني؛ لأنه هو الذي جره إلى البئر وأوقعه فيه هذا كله إذا علم حال ~~وقوعهم. # وأما إذا لم يعلم - فلا يخلو: إما أن وجد بعضهم على بعض، وإما إن وجدوا ~~متفرقين، فإن كانوا متفرقين فدية الأول على الحافر، ودية الثاني على الأول، ~~ودية الثالث على الثاني، وإن كان بعضهم على بعض - فالقياس هكذا أيضا، وهو ~~أن يكون دية الأول على الحافر، ودية الثاني على الأول، ودية الثالث على ~~الثاني، وهو قول محمد - رحمه الله - وفي الاستحسان: دية الأول أثلاث: ثلث ~~على الحافر، وثلث على الثاني، وثلث هدر، ودية الثاني نصفان: نصف هدر ونصف ~~على الأول، ودية الثالث كلها على الثاني، ولم يذكر محمد - رحمه الله - في ~~الاستحسان: أنه قول من وجه القياس أنه وجد لموت كل واحد سبب ظاهر، وهو ~~الحفر للأول، والجر من الأول للثاني، والجر من الثاني للثالث، وإضافة ~~الأحكام إلى الأسباب الظاهرة أصل في الشريعة. # (وجه) الاستحسان أنه اجتمع في الأول ثلاثة أسباب كل واحد منها صالح ~~للموت: وقوعه في البئر، ووقوع الثاني، ووقوع الثالث عليه إلا أن وقوع ~~الثاني عليه حصل بجره إياه على نفسه فهدر الثلث وبقي الثلثان: ثلث على ~~الحافر بحفره: وثلث على الثاني بجره الثالث على نفسه، ووجد في الثاني ~~شيئان: الحفر، ووقوع الثالث عليه إلا أن وقوعه عليه حصل بجره فهدر نصف ~~الدية، وبقي النصف على الحافر، ولم يوجد في الثالث إلا سبب واحد، وهو جر ~~الثاني إياه إلى البئر، والأصل في الأسباب اعتبارها ما أمكن، واعتبارها ~~يقتضي أن يكون الحكم ما ذكرنا، والله - تعالى - أعلم. # ولو استأجر رجلا ليحفر له بئرا في الطريق فحفر فوقع فيها إنسان، فإن كانت ~~البئر في فناء المستأجر فالضمان عليه لا على الأجير؛ لأن له ولاية الانتفاع ~~بفنائه إذا لم يتضمن الضرر بالمارة على ms4595 أصلهما مطلقا، وعلى أصل أبي حنيفة - ~~رحمه الله - إذا لم يمنع منه مانع فانصرف مطلق الأمر بالحفر إليه، فإذا حفر ~~في فنائه انتقل فعل المأمور إليه كأنه حفر بنفسه، فوقع فيها إنسان، ولو كان ~~كذلك - وجب الضمان عليه كذا هذا، وإن لم يكن ذلك في فنائه، فإن أعلم ~~المستأجر الأجير أن ذلك ليس من فنائه فالضمان على الأجير لا على الآمر؛ لأن ~~الأجير لم يحفر بأمره فبقي فعله مقصورا عليه كأنه ابتدأ الحفر من نفسه من ~~غير أمر فوقع فيها إنسان، وإن لم يعلمه فالضمان على الآمر؛ لأنه غره بالأمر ~~بحفر البئر في الطريق مطلقا إنما يأمر بما يملكه مطلقا عادة، فيلزمه ضمان ~~الغرور، وهو ضمان الكفالة في الحقيقة كأنه ضمن له ما يلزمه من الحفر بمنزلة ~~ضمان الدرك. # ولو أمر عبده أن يحفر بئرا في الطريق فحفر فوقع فيها إنسان فإن كان الحفر ~~في فنائه فالضمان على عاقلة المولى؛ لأنه يملك الأمر بالحفر في هذا المكان ~~فينتقل فعله إلى المولى كأنه حفر بنفسه، وإن كان في غير فنائه فالضمان في ~~رقبة العبد يخاطب المولى بالدفع أو الفداء؛ لأن الأمر بالحفر لا ينصرف إلى ~~غير فنائه فصار مبتدئا في الحفر بنفسه سواء أعلم العبد أنه ليس من فنائه أو ~~لم يعلمه بخلاف الأجير؛ لأن وجوب الضمان على الآمر هناك بمعنى الغرور على ~~ما بينا، ولا يتحقق الغرور فيما بين العبد وبين مولاه، فيستوي فيه العلم ~~والجهل، وإن كان الحفر في الملك فإن كان الحفر في ملك غيره بأن حفر بئرا في ~~دار إنسان بغير إذنه فوقع فيها إنسان يضمن الحافر؛ لأنه متعد في التسبيب، ~~ولو قال صاحب الدار: أنا أمرته بالحفر وأنكر أولياء الميت - فالقياس أن لا ~~يصدق صاحب الدار، والقول قول الورثة، وفي الاستحسان: يصدق والقول قول ~~الحافر. # (وجه) القياس أن الحفر وقع موجبا للضمان ظاهرا؛ لأنه صادف ملك الغير، ~~وأنه محظور، فكان متعديا في الحفر من حيث الظاهر، فصاحب الدار بالتصديق ~~يريد إبراء الجاني عن الضمان فلا يصدق. ms4596 # (وجه) الاستحسان: أن قول صاحب الدار: أمرته بذلك إقرار منه بما يملك ~~إنشاءه للحال، وهو الأمر بالحفر فيصدق، وإن كان في ملك نفسه لا ضمان عليه؛ ~~لأن الحفر مباح مطلق له، فلم يكن متعديا في التسبيب، وإن كان في فنائه ~~يضمن؛ لأن الانتفاع به مباح بشرط السلامة كالسير في الطريق. # ولو استأجر أربعة يحفرون له بئرا، فوقعت عليهم من حفرهم، فمات أحدهم - ~~فعلى كل واحد من الثلاثة ربع الدية، وهدر # PageV07P277 # الربع؛ لأنه مات من أربع جنايات إلا أن جناية المرء على نفسه هدر، فبطل ~~الربع، وبقي جنايات أصحابه عليه، فتعتبر، ويجب عليهم ثلاث أرباع الدية على ~~كل واحد منهم الربع. # وقد روى الشعبي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قضى على القارصة ~~والقامصة والواقصة بالدية أثلاثا وهن ثلاث جوار ركبت إحداهن الأخرى فقرصت ~~الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فقضى للتي وقصت بثلثي الدية على ~~صاحبتها، وأسقط الثلث؛ لأن الواقصة أعانت على نفسها وروي أن عشرة مدوا نخلة ~~فسقطت على أحدهم، فمات فقضى سيدنا علي - رضي الله عنه - على كل واحد منهم ~~بعشر الدية، وأسقط العشر؛ لأن المقتول أعان على نفسه. # ولو استأجر أجراء حرا وعبدا محجورا ومكاتبا يحفرون له بئرا، فوقعت البئر ~~عليهم من حفرهم، فماتوا - فلا ضمان على المستأجر في الحر ولا في المكاتب، ~~ويضمن قيمة العبد المحجور لمولاه أما الحر والمكاتب فلأنه لم يوجد فيهما من ~~المستأجر سبب وجوب الضمان؛ لأن استئجارهما وقع صحيحا، فكان استعماله إياهما ~~في الحفر بناء على عقد صحيح، فلا يكون سببا لوجوب الضمان، ووقوع البئر ~~عليهما حصل من غير صنعه فلا يجب الضمان عليه. # وأما العبد فلأن استئجاره لم يصح، فصار المستأجر باستعماله في الحفر ~~غاصبا إياه فدخل في ضمانه، فإذا هلك فقد تقرر الضمان، فعليه قيمته لمولاه ~~ثم إذا دفع قيمته إلى المولى - فالمولى يدفع القيمة إلى ورثة الحر والمكاتب ~~فيتضاربون فيها فيضرب ورثة الحر بثلث دية الحر وورثة المكاتب بثلث قيمة ~~المكاتب. # وإنما كان كذلك؛ لأن موت كل واحد منهم ms4597 حصل بثلاث جنايات: بجناية نفسه، ~~وجناية صاحبيه، فصار قدر الثلث من الحر والمكاتب تالفا بجناية العبد، ~~وجناية القن توجب الدفع، ولو كان قنا لوجب دفعه إلى ورثة الحر والمكاتب ~~يتضاربون في رقبته على قدر حقوقهم، فإذا هلك وجب دفع القيمة إليهم يتضاربون ~~فيها أيضا فيضرب ورثة الحر فيها بثلث دية الحر، وورثة المكاتب بثلث قيمة ~~المكاتب؛ لأن الحر مضمون بالدية، والمكاتب مضمون بالقيمة ثم يرجع المولى ~~على المستأجر بقيمة العبد مرة أخرى، ويسلم له تلك القيمة؛ لأنه، وإن رد ~~المغصوب إلى المغصوب منه برد قيمته إليه، لكنه رده مشغولا، وقد كان غصبه ~~فارغا، فلم يصح رده في حق الشغل، فيضمن القيمة مرة أخرى، وللمستأجر أن يرجع ~~على عاقلة الحر بثلث قيمة العبد؛ لأن ملك العبد بالضمان من وقت الغصب فتبين ~~أن الجناية حصلت من الحر على ثلث عبد المستأجر، فيضمن ثلث قيمته فتؤخذ من ~~عاقلته، ويأخذ ورثة المكاتب أيضا من عاقلة الحر ثلث قيمة المكاتب لوجود ~~الجناية من الحر على ثلث قيمته فيضمن ثلث قيمته، فتؤخذ من عاقلته ثم يؤخذ ~~من تركة المكاتب مقدار قيمته فتكون بين ورثة الحر وبين المستأجر؛ لوجود ~~الجناية منه على الحر وعلى العبد يضرب ورثة الحر بثلث دية الحر، ويضرب ~~المستأجر بثلث قيمة العبد لأنه جنى على ثلث الحر وعلى ثلث العبد فأتلف من ~~كل واحد منهما ثلثه، والحر مضمون بالدية، والعبد بالقيمة، وقد ملك المستأجر ~~العبد بالضمان، فكان ضمان الواردة على ملكه، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # وقالوا فيمن حفر بئرا في سوق العامة لمصلحة المسلمين فوقع فيها إنسان ~~ومات: أنه إن كان الحفر بإذن السلطان لا يضمن، وإن كان بغير إذنه يضمن، ~~وكذلك اتخذ قنطرة للعامة. # وروي عن أبي يوسف أنه لا يضمن (ووجهه) أن ما كان من مصالح المسلمين كان ~~الإذن به ثابتا دلالة، والثابت دلالة، كالثابت نصا. # (وجه) ظاهر الرواية أن ما يرجع إلى مصالح عامة المسلمين كان حقا لهم، ~~والتدبير في أمر العامة إلى الإمام، فكان الحفر فيه بغير إذن الإمام ms4598 كالحفر ~~في دار إنسان بغير إذن صاحب الدار، هذا الذي ذكرنا حكم الحافر في الطريق، ~~وكذلك من كان في معنى الحافر ممن يحدث شيئا في الطريق، كمن أخرج جناحا إلى ~~طريق المسلمين، أو نصب فيه ميزابا، فصدم إنسانا، فمات، أو بنى دكانا، أو ~~وضع حجرا أو خشبة أو متاعا، أو قعد في الطريق ليستريح، فعثر بشيء من ذلك ~~عاثر، فوقع، فمات أو وقع على غيره، فقتله أو حدث به أو بغيره من ذلك العثرة ~~والسقوط جناية من قتل أو غيره، أو صب ماء في الطريق فزلق به إنسان، فهو في ~~ذلك كله ضامن. # وكذلك ما عطب بذلك من الدواب؛ لأنه سبب التلف بإحداث هذه الأشياء، وهو ~~متعد في التسبيب، فما تولد منه، يكون مضمونا عليه، كالمتولد من الرمي ثم ما ~~كان من الجناية في بني آدم تتحملها العاقلة إذا بلغت # PageV07P278 # القدر الذي تتحمل العاقلة، وهو نصف عشر دية الرجل. # وما لم يبلغ ذلك القدر، أو كان منها في غير بني آدم يكون في ماله؛ لأن ~~تحميل العاقلة ثبت بخلاف القياس لعدم الجناية منهم، وقد قال الله - تبارك ~~وتعالى - {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الإسراء: 15] عرفناه بنص خاص في بني ~~آدم بهذا القدر فبقي الأمر فيما دونه، وفي غير بني آدم على الأصل ولا كفارة ~~عليه. # ولا يحرم الميراث لو كان وارثا للمجني عليه، ولا الوصية لو كان أجنبيا؛ ~~لأنه لم يباشر القتل، وقد قالوا فيمن وضع كناسة في الطريق فعطب بها إنسان: ~~إنه يضمن؛ لأن التلف حصل بوضعه، وهو في الوضع معتد. # وقال محمد: إن وضع ذلك في طريق غير نافذة، وهو من أهله - لم يضمن لعدم ~~التعدي منه؛ إذ الطريق مشترك بين أهل السكة، فيكون لكل واحد من أهلها ~~الانتفاع به كالدار المشتركة، ولو سقط الميزاب الذي نصبه صاحب الدار إلى ~~طريق المسلمين على إنسان فقتله إن أصابه الطرف الداخل في الحائط - لم يضمن؛ ~~لأنه في ذلك القدر متصرف في ملك نفسه، فلم يكن متعديا فيه، وإن أصابه الطرف ms4599 ~~الخارج إلى الطريق يضمن؛ لأنه متعد في إخراجه إلى الطريق، وإن أصابه ~~الطرفان جميعا يضمن النصف؛ لأنه متعد في النصف لا غير، وإن كان لا يدري - ~~فالقياس: أن لا يضمن شيئا؛ لأنه إن كان أصابه الطرف الداخل لا: يضمن. # وإن كان أصابه الطرف الخارج: يضمن: والضمان لم يكن واجبا فوقع الشك في ~~وجوبه فلا يجب بالشك، وفي الاستحسان: يضمن النصف؛ لأنه إذا لم يعرف الطرف ~~الذي أصابه إنه الداخل أو الخارج - يجعل كأنه أصابه الطرفان جميعا كما في ~~الغرقى والحرقى إنه إذا لم يعرف التقدم والتأخر في موتهم يجعل كأنهم ماتوا ~~جملة واحدة في أوان واحد حتى لا يرث البعض من البعض كذا هذا. # ولو أحدث شيئا مما ذكرنا في المسجد بأن حفر بئرا في المسجد لأجل الماء أو ~~بنى فيه بناء: دكانا أو غيره، فعطب به إنسان، فإن كان الحافر والباني من ~~أهل المسجد - فلا ضمان عليه، وإن كان من غير أهله فإن فعل بإذن أهل المسجد ~~فكذلك، وإن فعل بغير إذنهم يضمن بالإجماع؛ لأن تدبير مصالح المسجد إلى أهل ~~المسجد، فما فعلوه - لا يكون مضمونا عليهم، كالأب أو الوصي إذا فعل شيئا من ~~ذلك في دار اليتيم، ومتولي الوقف إذا فعل في الوقف. # وأما غير أهل المسجد فليس له ولاية التصرف في المسجد بغير إذن أهل ~~المسجد، فإذا فعل بغير إذنهم كان متعديا في فعله، فكان مضمونا، ولو علق ~~قنديلا أو بسط حصيرا أو ألقى فيه الحصى، فإن كان من أهل المسجد فلا ضمان ~~عليه، وإن لم يكن من أهل ذلك المسجد، فإن فعله بإذن أهل المسجد فكذلك، وإن ~~فعل بغير إذنهم يضمن في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وفي قولهما لا ~~يضمن. # (وجه) قولهما أن المسجد لعامة المسلمين فكان كل واحد من آحاد المسلمين ~~بسبيل من إقامة مصالحه؛ ولأن هذه المصالح من عمارة المسجد، وقد قال الله - ~~تبارك وتعالى -: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله} [التوبة: 18] من غير ~~تخصيص إلا أن لأهل المسجد ضرب اختصاص ms4600 به فيظهر ذلك في التصرف في نفسه ~~بالحفر والبناء لا في القنديل والحصير، كالمالك مع المستعير أن للمستعير ~~ولاية بسط الحصير، وتعليق القنديل في دار الإعارة، وليس له ولاية الحفر ~~والبناء كذا هذا ولأبي حنيفة - رحمه الله - ما ذكرنا أن التدبير في مصالح ~~المسجد إلى أهل المسجد لا إلى غيرهم بدليل أن لهم ولاية منع غيرهم عن ~~التعليق والبسط وعمارة المسجد، فكان الغير متعديا في فعله فالمتولد منه ~~يكون مضمونا عليه، كما لو وضع شيئا في دار غيره بغير إذنه، فعطب به إنسان. # ولهذا ضمن بالحفر والبناء كذا هذا. # وكون المسجد لعامة المسلمين لا يمنع اختصاص أهله بالتدبير والنظر في ~~مصالحه كالكعبة، فإنها لجميع المسلمين ثم اختص بنو شيبة بمفاتحها حتى روي ~~أنه - عليه الصلاة والسلام - لما أخذ مفاتح الكعبة منهم، ودفعه إلى عمه ~~العباس - رضي الله عنه - عند طلبه ذلك أمره الله - تبارك وتعالى - برده إلى ~~بني شيبة بقوله - تبارك وتعالى -: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها} [النساء: 58] . # ولو جلس في المسجد فعطب به إنسان إن كان في الصلاة لا يضمن الجالس سواء ~~كان الجالس من أهل المسجد أو لم يكن من أهله؛ لأن المسجد بني للصلاة، فلو ~~أخذ المصلي بالضمان لصار الناس ممنوعين عن الصلاة في المساجد، وهذا لا ~~يجوز، وإن جلس لحديث أو نوم فعطب به إنسان يضمن في قول أبي حنيفة - رحمه ~~الله - تعالى - وفي قولهما: لا يضمن. # وجه قولهما: أن الجلوس في المسجد لغير الصلاة من الحديث والنوم مباح فلم # PageV07P279 # يكن الهلاك حاصلا بسبب هو متعد فيه - فلا يجب الضمان، كما لو جلس في داره ~~فعبر عليه إنسان فعطب به أنه لا يضمن كذا هذا، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه ~~- أن المسجد بني للصلاة لا للحديث والنوم، فإذا شغله بذلك صار متعديا ~~فيضمن، كما لو جلس في الطريق للاستراحة فعطب به إنسان أنه يضمن؛ لأن الطريق ~~جعل للاجتياز لا للجلوس، وإذا جلس فقد صار متعديا - فيضمن كذا هذا، وقولهما ~~الحديث والنوم مباح في ms4601 المسجد مسلم لكن بشرط سلامة العاقبة ولم يوجد الشرط ~~فكان تعديا، ولو جلس لانتظار الصلاة أو لقراءة قرآن أو لعبادة من العبادات ~~غير الصلاة فلا شك أن على أصلهما لا يضمن؛ لأنه لو جلس لغير قربة لا يضمن ~~فإذا جلس لقربة فهو أولى. # وأما على أصل أبي حنيفة - رضي الله عنه - فقد اختلف المشايخ فيه، قال ~~بعضهم: لا يضمن؛ لأن المنتظر للصلاة في الصلاة على لسان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وقال بعضهم: يضمن؛ لأنه ليس في الصلاة حقيقة، وإنما ألحق ~~بالمصلي في حق الثواب لا غير، والله - تعالى - أعلم. # ومن هذا الجنس جناية السائق والقائد بأن ساق دابة في طريق المسلمين أو ~~قادها فوطئت إنسانا بيديها أو برجلها أو كدمت أو صدمت أو خبطت فهو ضامن لما ~~ذكرنا من الأصل أن السوق والقود في الطريق مباح بشرط سلامة العاقبة، فإذا ~~حصل التلف بسببه، ولم يوجد الشرط فوقع تعديا فالمتولد منه فيما يمكن التحرز ~~عنه يكون مضمونا، وهذا مما يمكن الاحتراز عنه بأن يذود الناس عن الطريق ~~فيكون مضمونا. # وسواء كان السائق أو القائد راجلا أو راكبا إلا أنه إذا كان راكبا فعليه ~~الكفارة إذا وطئت دابته إنسانا بيديها أو برجلها، ويحرم الميراث والوصية، ~~وإن كان راجلا لا كفارة عليه، ولا يحرم الميراث والوصية؛ لأن هذه الأحكام ~~يتعلق ثبوتها بمباشرة القتل لا بالتسبيب والمباشرة من الراكب لا من غيره، ~~وإن كان أحدهما سائقا والآخر قائدا - فالضمان عليهما؛ لأنهما اشتركا في ~~التسبيب فيشتركان في الضمان. # وكذلك إذا كان أحدهما سائقا والآخر راكبا، أو كان أحدهما قائدا والآخر ~~راكبا، - فالضمان عليهما لوجود سبب وجوب الضمان من كل واحد منهما إلا أن ~~الكفارة تجب على الراكب وحده فيما وطئت دابته إنسانا فقتلته لوجود القتل ~~منه وحده مباشرة. # فإن قاد قطارا فما أصاب الأول أو الآخر أو الأوسط إنسانا بيد أو رجل أو ~~صدم إنسانا فقتله - فهو ضامن لذلك؛ لأنه فعل فعلا هو سبب حصول التلف فيضمن، ~~وهو مما يمكن الاحتراز عنه، كما ms4602 إذا وضع حجرا في الطريق أو حفر فيه بئرا، ~~فإن كان معه سائق في آخر القطار - فالضمان عليهما؛ لأن كل واحد منهما سبب ~~التلف، وإن كان السائق في وسط القطار فما أصاب مما خلف هذا السائق وما بين ~~يديه شيئا - فهو عليهما؛ لأن ما بين يديه هو له سائق، والأول له قائد، وما ~~خلفه هما له قائدان (أما) قائد القطار فلا شك فيه؛ لأن بعضه مربوط ببعض. # (وأما) السائق الذي في وسط القطار فلأنه بسوقه ما بين يديه قائد لما خلفه ~~لأن ما خلفه ينقاد بسوقه، فكان قائدا له، والقود والسوق كل واحد منهما سبب ~~لوجوب الضمان لما بينا، وإن كان أحيانا في وسط القطار، وأحيانا يتأخر، ~~وأحيانا يتقدم، وهو يسوقها في ذلك - فهو والأول سواء؛ لأنه سائق وقائد ~~والسوق والقود كل واحد منهما سبب لوجوب الضمان، وإن كانوا ثلاثة أحدهم في ~~مقدمة القطار، والآخر في مؤخرة القطار، وآخر في وسطه، فإن كان الذي في ~~الوسط والمؤخر لا يسوقان، ولكن المقدم يقود فما أصاب الذي قدام الوسط شيئا ~~فذلك كله على القائد؛ لأن التلف حصل بسبب القود، وما أصاب الذي خلفه - فذلك ~~على القائد الأول وعلى الذي في الوسط؛ لأنهما قائدان لما بينا وعلى المؤخر ~~أيضا إن كان يسوق هو، وإن كان لا يسوق لا شيء عليه؛ لأنه لم يوجد منه صنع، ~~وإن كانوا جميعا يسوقون فما تلف بذلك فضمانه عليهم جميعا لوجود التسبيب ~~منهم جميعا، وذكر محمد - رحمه الله - في الكيسانيات لو أن رجلا يقود قطارا، ~~وآخر من خلف القطار يسوقه يزجر الإبل فينزجرن بسوقه، وعلى الإبل قوم في ~~المحامل نيام، فوطئ بعير منها إنسانا فقتله فالدية على عاقلة القائد ~~والسائق والراكب على البعير الذي وطئ، وعلى الراكبين على الذين قدام البعير ~~الذي وطئ على عواقلهم جميعا على عدد الرءوس، والكفارة على راكب البعير الذي ~~وطئ خاصة، أما السائق والقائد فلأنهما مقربان القطار إلى الجناية، فكانا ~~مسببين للتلف. # (وأما) الراكب للبعير الذي وطئ فلا شك فيه؛ لأن التلف حصل ms4603 بفعله # PageV07P280 # وأما) الراكبون أمام البعير الذي وطئ فلأنهم قادة لجميع ما خلفهم، فكانوا ~~قائدين للبعير الواطئ ضرورة، فكانوا مسببين للتلف أيضا فاشتركوا في سبب ~~وجوب الضمان فانقسم الضمان عليهم. # وإنما كانت الكفارة على راكب البعير الذي وطئ خاصة؛ لأنه قاتل بالمباشرة ~~لحصول التلف بثقله وثقل الدابة إلا أن الدابة آلة له، فكان الأثر الحاصل ~~بفعله مضافا إليه، فكان قاتلا بالمباشرة، ومن كان من الركبان خلف البعير ~~الذي وطئ لا يزجر الإبل، ولا يسوقها راكبا على بعير منها أو غير راكب - فلا ~~ضمان على أحد منهم؛ لأنه لم يوجد منهم سبب وجوب الضمان؛ إذ لم يسرقوا ~~البعير الذي وطئ، ولم يقودوه فصاروا كالمتاع على الإبل، ولو قاد قطارا، ~~وعلى بعير في وسط القطار راكب لا يسوق منه شيئا - فضمان ما كان بين يديه ~~على القائد خاصة، وضمان ما خلفه عليهما جميعا؛ لأن الراكب غير سائق لما بين ~~يديه؛ لأن ركوبه لهذا البعير لا يكون سوقا لما بين يديه كما أن مشيه إلى ~~جانب البعير لا يكون سوقا إياه إذا لم يسقه، ولكنه سائق لما ركبه؛ لأن ~~البعير إنما يسير بركوب الراكب وحثه، وإذا كان سائقا له كان قائدا لما ~~خلفه، فكان ضمانه عليهما. # وإذا كان الرجل يقود قطارا، فجاء رجل، وربط إليه بعيرا فوطئ البعير ~~إنسانا - فالقائد لا يخلو: إما إن كان لا يعلم بربطه، وإما إن علم ذلك، فإن ~~لم يعلم فالدية على القائد تتحمل عنه عاقلته ثم عاقلته يرجعون على عاقلة ~~الرابط (أما) وجوب الدية على القائد فلأنه قاتل تسبيبا، وضمان القتل ضمان ~~إتلاف وإنه لا يختلف بالعلم والجهل (وأما) رجوع عاقلة القائد على عاقلة ~~الرابط فلأن الرابط متعد في الربط، وهو السبب في لزوم الضمان للقائد، فكان ~~الرجوع عليه، وكذلك لو كانت الإبل وقوفا لا تقاد، فجاء رجل وربط إليها ~~بعيرا، والقائد لا يعلم فقاد البعير معها فوطئ البعير إنسانا فقتله فالدية ~~على القائد يتحمل عنه عاقلته إلا أن ههنا لا ترجع عاقلة القائد على عاقلة ~~الرابط؛ لأن ms4604 الرابط، وإن تعدى في الربط، وأنه سبب لوجوب الضمان لكن القائد ~~لما قاد البعير عن ذلك المكان فقد أزال تعديه فيزول الضمان عنه، ويتعلق ~~بالقائد كمن وضع حجرا في الطريق، فجاء إنسان فدحرجه عن ذلك المكان ثم عطب ~~به إنسان - فالضمان على الثاني لا على الأول لما قلنا كذا هذا، بخلاف ~~المسألة الأولى؛ لأن هناك وجد الربط والإبل سائرة، فلم يستقر مكان التعدي؛ ~~ليزول بالانتقال عنه فبقي التعدي ببقاء الربط، وإن كان القائد علم بالربط ~~في المسألتين جميعا فقاده على ذلك فوطئ البعير إنسانا فقتله فالدية على ~~القائد تتحمل عنه عاقلته ولا ترجع عاقلته على عاقلة الرابط؛ لأنه لما قاد ~~مع علمه بالربط فقد رضي بما لحقه من العهدة في ذلك فصار علمه بالربط بمنزلة ~~أمره بالربط، ولو ربط بأمره كان الأمر على ما وصفنا كذا هذا. # ولو سقط سرج دابة فعطب به إنسان فالدية على السائق أو القائد؛ لأن السقوط ~~لا يكون إلا بتقصير منه في شد الحزام، فكان مسببا للقتل متعديا في التسبيب ~~والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # ومن هذا النوع جناية الناخس والضارب وجملة الكلام فيه: أن الدابة ~~المنخوسة أو المضروبة (إما) أن يكون عليها راكب (وإما) إن لا يكون عليها ~~راكب، فإن كان عليها راكب فالراكب لا يخلو: إما إن كان سائرا، وإما إن كان ~~واقفا، والسير والوقوف إما أن يكون في موضع أذن له بذلك. # (وإما) أن يكون في موضع لم يؤذن له به، والناخس أو الضارب لا يخلو: من أن ~~يكون نخس أو ضرب بغير أمر الراكب، أو بأمره، فإن فعل ذلك بغير أمر الراكب ~~فنفحت الدابة برجلها أو ذنبها أو نفرت فصدمت إنسانا فقتلته، فإن فعلت شيئا ~~من ذلك على فور النخسة والضربة - فالضمان على الناخس والضارب يتحمل عنهما ~~عاقلتهما لا على الراكب، سواء كان الراكب واقفا أو سائرا، وسواء كان في ~~سيره أو وقوفه فيما أذن له بالسير فيه والوقوف، أو فيما لم يؤذن بأن كان ~~يسير في ملكه أو في طريق المسلمين، ms4605 أو في ملك الغير أو كان يقف في ملكه أو ~~في سوق الخيل ونحوه أو في طريق المسلمين، وإنما كان كذلك؛ لأن الموت حصل ~~بسبب النخس أو الضرب، وهو متعد في السبب فيضمن ما تولد منه كما لو دفع ~~الدابة على غيره، والراكب الواقف على طريق العامة، وإن كان متعديا أيضا ~~لكنه ليس بمتعد في التعدي، والناخس متعد في التعدي. # وكذا الضارب فأشبه الدافع مع الحافر وقد روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه ~~- أنه ضمن الناخس دون الراكب، وكذا روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه ~~فعل هكذا # وكان ذلك منهما بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - ولم يعرف # PageV07P281 # الإنكار من أحد، فيكون إجماعا من الصحابة، وإنما شرط الفور لوجوب الضمان ~~على الناخس والضارب؛ لأن الهلاك عند سكون الفور يكون مضافا إلى الدابة لا ~~إلى الناخس والضارب، ولو نخسها أو ضربها، وهو سائر عليها فوطئت إنسانا ~~فقتلته لم يذكر هذا في ظاهر الرواية وروى ابن سماعة عن أبي يوسف: أن الضمان ~~عليهما؛ لأن الموت حصل بثقل الراكب وفعل الناخس، وكل واحد منهما سبب لوجوب ~~الضمان فقد اشتركا في سبب وجوب الضمان، وكذلك إذا كان واقفا عليها لما ~~قلنا، وتجب الكفارة على الراكب لوجود القتل منه مباشرة كما قلنا في الراكب ~~مع السائق أو القائد، ولو نخسها أو ضربها فوثبت وألقت الراكب فالناخس أو ~~الضارب ضامن لحصول التلف بسبب هو متعد فيه، وهو النخس والضرب، فيضمن ما ~~تولد منه، فإن لم تلقه، ولكنها جمحت به فما أصابت في فورها ذلك فعلى الناخس ~~أو الضارب لما ذكرنا أن فعل كل واحد منهما وقع سببا للهلاك، وهو متعد في ~~التسبيب، فإن نفحت الدابة الناخس أو الضارب فقتلته فدمه هدر؛ لأنه هلك من ~~جناية نفسه، وجناية الإنسان على نفسه هدر، هذا إذا نخس أو ضرب بغير أمر ~~الراكب. # فأما إذا فعل ذلك بأمر الراكب فإن كان الراكب سائرا فيما أذن له بالسير ~~فيه بأن كان يسير في ملك نفسه أو في طريق ms4606 المسلمين أو واقفا فيما أذن له ~~بالوقوف بأن وقف في ملك نفسه، أو في سوق الخيل، وغيره من المواضع التي أذن ~~بالوقوف فيها، فنفحت الدابة برجلها إنسانا فقتلته فلا ضمان على الناخس، ولا ~~على الضارب، ولا على الراكب؛ لأنه أمره بما يملكه بنفسه فصح أمره به؛ فصار ~~كأنه نخس أو ضرب بنفسه، فنفحت، وقد ذكرنا أن النفحة في حال السير، والوقوف ~~في موضع أذن بالسير أو الوقوف فيه غير مضمون على أحد لا على الراكب، ولا ~~على السائق، ولا على القائد، وإن كان الراكب سائرا فيما لم يؤذن له بالسير ~~بأن كان يسير في ملك الغير، أو كان واقفا فيما لم يؤذن له بالوقوف فيه، كما ~~إذا كان واقفا في ملك غيره أو في طريق المسلمين، فنفحت - فالدية عليهما ~~نصفان: نصف على الناخس أو الضارب، ونصف على الراكب، ولا كفارة عليهما كذا ~~ذكر في ظاهر الرواية وروى ابن سماعة عن محمد - رحمهما الله -: أن الضمان ~~على الراكب. # ووجهه: أن الناخس أو الضارب نخس أو ضرب لها بإذن الراكب، وهو راكب، وهو ~~يملك ذلك بنفسه فانتقل فعله إليه، فكان فعله بنفسه، فكان الضمان عليه. # وجه ظاهر الرواية أن الناخس أو الضارب مع الراكب اشتركا في سبب وجوب ~~الضمان أما الناخس أو الضارب فلا يشكل؛ لوجود سبب القتل من كل واحد منهما ~~على سبيل التعدي. # (وأما) الراكب فلأنه صار بالأمر بالنخس أو الضرب ناخسا أو ضاربا، والنفحة ~~المتولدة من نخسه وضربه في هذه المواضع مضمونة عليه إلا أنه لا كفارة ~~عليهما لحصول القتل بالتسبيب لا بالمباشرة، هذا إذا نفحت، فأما إذا صدمت، ~~فإن كان الراكب سائرا أو واقفا في ملك نفسه - فلا ضمان على الناخس والضارب، ~~ولا على الراكب؛ لأن فعل النخس والضرب مضاف إلى الراكب لحصوله بأمره، ~~والصدمة في الملك غير مضمونة على الراكب سواء كان سائرا أو واقفا، وإن كان ~~سيره أو وقوفه في طريق المسلمين أو في ملك الغير، فينبغي أن يكون على ~~الاختلاف الذي ذكرنا في النفحة إذا ms4607 كان الراكب واقفا في موضع لم يؤذن ~~بالوقوف فيه؛ لأن الصدمة مضمونة على الراكب، إذا كان في طريق المسلمين ~~واقفا كان أو سائرا. # وكذا في ملك الغير، فيأتي فيه الخلاف الذي ذكرنا في النفحة، والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم هذا إذا نفحت أو صدمت، فأما إذا وطئت إنسانا فقتلته - ~~فالضمان عليهما سواء كان الراكب سائرا أو واقفا في أي موضع كان فيما أذن ~~فيه أو لم يؤذن؛ لأنهما اشتركا في سبب القتل لحصول الموت بثقل الراكب ~~والدابة وفعل الناخس، وتجب الكفارة على الراكب؛ لأنه قاتل مباشرة فصار ~~الراكب مع الناخس كالراكب مع السائق والقائد أن الدية عليهما نصفان، ~~والكفارة على الراكب خاصة، كذا ههنا هذا الذي ذكرنا إذا كان على الدابة ~~المنخوسة أو المضروبة راكب فأما إذا لم يكن عليها راكب، فإن لم يكن لا سائق ~~ولا قائد، فنخسها إنسان أو ضربها فما أصابت شيئا على فور النخسة والضربة ~~فضمانه على الناخس والضارب في أي موضع كانت الدابة؛ لأنه سبب الإتلاف ~~بالنخس والضرب، وهو متعد في التسبيب فما تولد منه يكون مضمونا عليه، وإن ~~كان عليها سائق أو قائد فنخس أو ضرب # PageV07P282 # بغير أمره فنفحت أو نفرت فصدمت أو وطئت إنسانا فقتلته فالضمان على الناخس ~~أو الضارب لا على السائق والقائد في أي موضع كان الناخس والقائد؛ لأن ~~الناخس مع السائق والقائد كالدافع مع الحافر؛ لأنه بالنخس أو الضرب كأنه ~~دفع الدابة على غيره. # وكذلك إذا كان لها سائق وقائد، يقود أحدهما، ويسوق الآخر، فنخس أو ضرب ~~بغير إذن واحد منهما - فالضمان على الناخس والضارب لا عليهما في أي موضع ~~كان الناخس والقائد لما ذكرنا أن الناخس متعمد كالدافع للدابة. # وكذا الضارب ولا تعمد من السائق والقائد، وإن كان كل واحد منهما أمره ~~بذلك فنفحت، فإن كان سوقه أو قوده فيما أذن له بالسوق والقود فيه - فلا ~~ضمان على الناخس والضارب، وإن فعل ذلك بأمر السائق أو القائد، فإن كان يسوق ~~أو يقود فيما أذن له بالسوق والقود فيه بأن كان ms4608 في ملكه أو في طريق ~~المسلمين لا ضمان على أحد؛ لأن فعله يضاف إليه كالسائق أو القائد، وإن كان ~~يسوق أو يقود فيما أذن له بذلك بأن كان في ملك الغير - فعلى قياس ما ذكرنا ~~في ظاهر الرواية: الضمان على الناخس والضارب، وعلى السائق أو القائد ولا ~~كفارة عليهما، وعلى قياس ما ذكره ابن رستم عن أبي يوسف: الضمان على السائق ~~أو القائد خاصة، وإن صدمت فقتلت إنسانا، فإن كان السائق يسوق في ملك نفسه - ~~فلا ضمان على أحد؛ لأن فعل الناخس أو الضارب بأمر السائق أو القائد مضاف ~~إليه، والصدمة في الملك غير مضمونة على السائق والقائد والراكب، وإن كان ~~يسوق أو يقود في طريق المسلمين أو في ملك الغير - فهو على الاختلاف، وإن ~~وطئت إنسانا فقتلته - فهو على الاختلاف أيضا سواء كان سوقه أو قوده فيما ~~أذن له بالسوق أو القود فيه أو لم يكن؛ لأن الوطأة مضمونة على كل حال والله ~~- تعالى - أعلم. # وإن وطئت تجب القيمة بلا خلاف، لكن في قياس ظاهر الرواية على الناخس ~~والضارب، وعلى السائق والقائد نصفان، وعلى قياس رواية ابن سماعة عن أبي ~~يوسف: على السائق والقائد خاصة، والله - تعالى - أعلم بالصواب. # ومن هذا القبيل جناية الحائط المائل إذا سقط على رجل فقتله، أو على متاع، ~~فأفسده، أو على دار فهدمها أو على حيوان فعطب به، وجملة الكلام فيه: أن ~~الحائط لا يخلو: إما أن بني مستويا مستقيما ثم مال (وإما) إن بني مائلا من ~~الأصل، فإن بني مستقيما ثم مال فميلانه لا يخلو: إما أن يكون إلى الطريق. # (وإما) أن يكون إلى ملك إنسان، فإن كان إلى الطريق لا يخلو: من أن يكون ~~نافذا، وهو طريق العامة أو غير نافذ، وهو السكة التي ليست بنافذة، فإن كان ~~نافذا فسقط فعطب به شيء مما ذكرنا يجب الضمان على صاحب الحائط إذا وجد ~~شرائط وجوبه، فيقع الكلام في سبب وجوب الضمان، وفي بيان شرائط الوجوب، وفي ~~بيان ما هية الضمان الواجب وكيفيته (أما) ms4609 الأول: فسبب وجوب الضمان هو ~~التعدي بالتسبيب إلى الإتلاف بترك النقض المستحق مع القدرة على النقض؛ لأنه ~~إذا مال إلى طريق العامة فقد حصل الهواء في يد صاحب الحائط من غير فعله، ~~وهو الطريق حق العامة كنفس الطريق فقد حصل حق الغير في يده بغير صنعه، فإذا ~~طولب بالنقض فقد لزمه إزالة يده عنه بهدم الحائط، فإذا لم يفعل مع الإمكان، ~~فقد صار متعديا باستبقاء يده عليه كثوب هبت به الريح فألقته في دار إنسان ~~فطولب به فامتنع من الرد مع إمكان الرد حتى هلك - يضمن لما قلنا، كذا هذا، ~~وقد روي عن جماعة من التابعين مثل الشعبي وشريح وإبراهيم وغيرهم - رحمهم ~~الله - أنهم قالوا: إذا تقدم إليه في الحائط فلم يهدمه وجب عليه الضمان ~~والله - سبحانه وتعالى - أعلم بالصواب. ### | [فصل في وجوب الضمان إذا وقع عليه حائط وسبب الوجوب] # (فصل) : # وأما شرائط الوجوب فمنها المطالبة بالنقض حتى لو سقط قبل المطالبة فعطب ~~به شيء لا ضمان على صاحب الحائط؛ لأن الضمان يجب بترك النقض المستحق؛ لأن ~~به يصير متعديا في التسبيب إلى الإتلاف، ولا يثبت الاستحقاق بدون المطالبة، ~~وصورة المطالبة: هي أن يتقدم إليه واحد من عرض الناس فيقول له: إن حائطك ~~هذا مائل أو مخوف فارفعه، فإذا قال ذلك لزمه رفعه؛ لأن هذا حق العامة، فإذا ~~قام به البعض صار خصما عن الباقين سواء كان الذي تقدم إليه مسلما أو ذميا ~~حرا أو عبدا بعد إن كان أذن له مولاه بالخصومة فيه بالغا أو صبيا بعد إن ~~كان عاقلا، وقد أذن له وليه بالخصومة فيه؛ لأن الطريق حق جميع أهل الدار، ~~فكان لكل واحد من أهل الدار حق المطالبة بإزالة سبب الضرر عنه إلا أنه لا ~~بد من عقل الطالب وكونه مأذونا بالتصرف؛ لأن كلام المجنون والمحجور عليه ~~غير معتبر في الشرع، فكان # PageV07P283 # ملحقا بالعدم، وينبغي أن يشهد على الطلب وتفسير الإشهاد ما ذكره محمد - ~~رحمه الله -، وهو أن يقول الرجل اشهدوا أني قد تقدمت إلى هذا الرجل ms4610 في هدم ~~حائطه، هذا والإشهاد للتحرز عن الجحود والإنكار لجواز أن ينكر صاحب الحائط ~~المطالبة بالنقض فتقع الحاجة إلى الإشهاد لإثبات الطلب عند القاضي لا لصحة ~~الطلب فإن الطلب يصح بدون الإشهاد حتى لو اعترف صاحب الدار بالطلب يجب عليه ~~الضمان، وإن لم يشهد عليه. # وكذا إذا أنكر يجب عليه الضمان فيما بينه وبين الله - سبحانه وتعالى - ~~ونظيره ما قلنا في الشفعة: أن الشرط فيها الطلب لا الإشهاد، وإنما الإشهاد ~~للحاجة إلى إثبات الطلب على تقدير الإنكار حتى لو أقر المشتري بالطلب يثبت ~~حق الشفعة، وإن لم يشهد على الطلب وكذا لو جحد الطلب يثبت الحق له فيما ~~بينه وبين الله - تبارك وتعالى - وكذا الإشهاد في باب اللقطة على أصل أبي ~~حنيفة - رحمه الله - من هذا القبيل وقد ذكرنا ذلك في كتاب اللقطة، ولو طولب ~~صاحب الحائط بالنقض فلم ينقض حتى سقط على الطريق فعثر بنقضه إنسان فعطب به، ~~فإن كان قد طولب بدفع النقض يضمن؛ لأنه إذا طولب بالرفع لزمه الرفع فإذا لم ~~يرفع صار متعديا فيضمن من تولد منه، وإن كان لم يطالب برفعه لا ضمان عليه ~~عند أبي يوسف وعند محمد: يضمن. # وجه قوله أنه لما طولب بالنقض فلم ينقض حتى سقط صار متعديا بترك النقض ~~فحصل التلف بسبب هو متعد فيه فيضمن؛ ولهذا ضمن إذا وقع على إنسان كذا إذا ~~عطب بنقضه إنسان. # وجه قول أبي يوسف أن الحائط قد زال عن الموضع الذي طولب فيه لانتقاله عن ~~محل الجناية، وهو الهواء إلى محل آخر بغير صنع صاحبه فلا بد من مطالبة أخرى ~~كمن وضع حجرا في الطريق فدحرجته الريح إلى موضع آخر فعطب به إنسان أنه لا ~~ضمان على الواضع كذا ههنا بخلاف ما إذا سقط على إنسان؛ لأنه لما زال عن محل ~~المطالبة، وهو الهواء الذي هو محل الجناية فلا يحتاج إلى مطالبة أخرى، وإن ~~كان الطريق غير نافذ - فالخصومة إلى واحد من أهل تلك السكة؛ لأن الطريق ~~حقهم، فكان لكل واحد منهم ولاية ms4611 التقدم إلى صاحب الحائط، وإن كان ميلان ~~الحائط إلى ملك رجل - فالمطالبة بالنقض والإشهاد إلى صاحب الملك؛ لأنه هواء ~~ملكه حقه، وقد شغل الحائط حق صاحب الملك فكانت المطالبة بالتفريغ إليه، فإن ~~كان في الدار ساكن كالمستأجر والمستعير فالمطالبة والإشهاد إلى الساكن، ~~فيشترط طلب الساكن أو المالك؛ لأن الساكن له حق المطالبة بإزالة ما يشغل ~~الدار فكان له ولاية المطالبة بإزالة ما يشغل الهواء أيضا، ولو طولب صاحب ~~الحائط بالنقض فاستأجل الذي طالبه أو استأجل القاضي فأجله، فإن كان ميلان ~~الحائط إلى الطريق فالتأجيل باطل، وإن كان ميلانه إلى دار رجل فأجله صاحب ~~الدار أو أبرأه منه أو فعل ذلك ساكن الدار فذلك جائز، ولا ضمان عليه فيما ~~تلف بالحائط، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # ووجه الفرق بينهما أن الحق في الطريق لجماعة المسلمين فإذا طالب واحد ~~منهم بالنقض فقد تعلق الضمان بالحائط لحق الجماعة، فكان التأجيل والإبراء ~~إسقاطا لحق الجماعة فلا يملك ذلك بخلاف ما إذا كان الميلان إلى دار إنسان؛ ~~لأن هناك الحق لصاحب الدار خاصة. # وكذلك الساكن فكان التأجيل والإبراء منه إسقاطا لحق نفسه فيملكه. # وكذلك لو وضع رجل في دار غيره حجرا أو حفر فيها بئرا أو بنى فيها بناء ~~وأبرأه صاحب الدار منه كان بريئا، ولا يلزمه ما عطب بشيء من ذلك سواء عطب ~~به صاحب الدار أو داخل دخل؛ لأن الحق له فيملك إسقاطه كأنه فعل ذلك بإذنه. # (ومنها) أن يكون المطالب بالنقض ممن يلي النقض؛ لأن المطالبة بالنقض ممن ~~لا يلي النقض سفه، فكان وجودها والعدم بمنزلة واحدة فلا تصح مطالبة ~~المستودع والمستعير والمستأجر والمرتهن؛ لأنه ليس لهم ولاية النقض فتصح ~~مطالبة الراهن؛ لأن له ولاية النقض لقيام الملك فينقض ويقضي الدين، فيصير ~~متعديا بترك النقض، وتصح مطالبة الأب والوصي في هدم حائط الصغير لثبوت ~~ولاية النقض لهما، فإن لم ينقضا حتى سقط يجب الضمان على الصبي؛ لأن التلف ~~بترك النقض المستحق على الولي والوصي مضاف إلى الصبي لقيامهما مقام الصبي، ~~والصبي مؤاخذ بأفعاله، ms4612 فيضمن وتتحمل عنه عاقلته فيما تتحمل العاقلة، ويكون ~~في ماله فيما لا تتحمله العاقلة كالبالغ سواء، وعلى هذا يخرج ما إذا كان ~~الحائط المائل لجماعة فطولب بعضهم بالنقض فلم ينقض حتى سقط فعطب به شيء أن ~~القياس # PageV07P284 # أن لا يضمن أحد منهم شيئا، وفي الاستحسان يضمن الذي طولب. # وجه القياس: أنه لم يوجد أحد منهم ترك النقض المستحق (أما) الذين لم ~~يطالبوا بالنقض فظاهر (وإما) الذي طولب به فلأن أحد الشركاء لا يلي النقض ~~بدون الباقين: وجه الاستحسان أن المطالب بالنقض ترك النقض مع القدرة عليه؛ ~~لأنه يمكنه أن يخاصم الشركاء ويطالبهم بالنقض إن كانوا حضورا، وإن كانوا ~~غيبا يمكنه أن يرفع الأمر إلى القاضي حتى يأمره القاضي بالنقض؛ لأن فيه حقا ~~لجماعة المسلمين، والإمام يتولى ذلك لهم فيأمر الحاضر بنقض نصيبه ونصيب ~~الغائبين، فإذا لم يفعل - فقد صار متعديا بترك النقض المستحق، فيضمن ما ~~تولد منه لكن بقدر حصته من الحائط في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وفي ~~قولهما: عليه ضمان النصف. # وجه قولهما أن أنصباء الشركاء الآخرين لم يجب بها ضمان، فكانت كنصيب ~~واحد، كمن جرحه رجل، وعقره سبع، ونهشته حية، فمات من ذلك كله أن على الجارح ~~النصف؛ لأن عقر السبع ونهش الحية لم يجب بهما ضمان، فكانا كالشيء الواحد، ~~كذا هذا، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أن التلف حصل بثقل الحائط، وليس ذلك ~~معنى مختلفا في نفسه فيضمن بمقدار نصيبه والله - تعالى - أعلم. # ومنها قيام ولاية النقض وقت السقوط، ولا يكتفي بثبوتها وقت المطالبة؛ ~~لأنه إنما يصير متعديا بترك النقض عند السقوط كأنه أسقطه، فإذا لم يبق له ~~ولاية النقض عند السقوط - لم يصر متعديا بترك النقض فلا يجب الضمان عليه، ~~وعلى هذا يخرج ما إذا طولب بالنقض فلم ينقض حتى باع الدار التي فيها الحائط ~~من إنسان وقبضه المشتري أو لم يقبضه ثم سقط على شيء، فعطب به - أنه لا ضمان ~~على البائع؛ لانعدام ولاية النقض وقت السقوط بخروج الحائط عن ملكه، ولا على ~~المشتري ms4613 أيضا لانعدام المطالبة في حقه فرق بين هذا وبين ما إذا شرع جناحا ~~إلى الطريق ثم باع الدار مع الجناح ثم وقع على إنسان إنه يضمن البائع، ووجه ~~الفرق أن وجوب الضمان هناك على البائع قبيل البيع لكونه متعديا بإشراع ~~الجناح، والإشراع على حاله لم يتغير فلا يتغير ما تعلق به من الضمان، ووجوب ~~الضمان لكونه متعديا بترك النقض المستحق، وذلك عند سقوط الحائط، وقد بطل ~~الاستحقاق بالبيع، فلم يوجد التعدي عند السقوط بترك النقض، فلا يجب الضمان، ~~وعلى هذا يخرج ما إذا طولب الأب بنقض حائط الصغير، فلم ينقض حتى مات الأب ~~أو بلغ الصبي ثم سقط الحائط إنه لا ضمان فيه؛ لأن قيام الولاية وقت السقوط ~~شرط، وقد بطلت بالموت والبلوغ والله - تعالى - أعلم. # (ومنها) : إمكان النقض بعد المطالبة، وهو أن يكون سقوط الحائط بعد ~~المطالبة بالنقض في مدة يمكنه نقضه فيها؛ لأن الضمان يجب بترك النقض ~~الواجب، ولا وجوب بدون الإمكان حتى لو طولب بالنقض فلم يفرط في نقضه، ولكنه ~~ذهب يطلب من ينقضه، فسقط الحائط، فتلف به شيء - لا ضمان عليه؛ لأنه إذا لم ~~يتمكن من النقض لم يكن بترك النقض متعديا، فبقي حق الغير حاصلا في يده بغير ~~صنعه فلا يكون مضمونا عليه والله - سبحانه وتعالى - أعلم بالصواب. ### | [فصل في بيان ماهية الضمان الواجب بهذه الجناية] # (فصل) : # وأما بيان ماهية الضمان الواجب بهذه الجناية وكيفيته فالواجب بهذه ~~الجناية ما هو الواجب بجنسها من جناية الحافر، ومن في معناه، وجناية السائق ~~والقائد والناخس، وهو ما ذكرنا أن الجناية إن كانت على بني آدم وكانت نفسا ~~- فالواجب بها الدية، وإن كانت ما دون النفس فالواجب بها الأرش فإذا بلغ ~~الواجب بها نصف عشر دية الذكر، وهو عشر دية الأنثى فما فوقه تتحمله ~~العاقلة، ولا تتحمل ما دون ذلك، ولا ما يجب بالجناية على غير بني آدم بل ~~يكون في ماله؛ لما بينا فيما تقدم إلا أن ظهور الملك لصاحب الحائط في الدار ~~عند الإنكار بحجة مطلقة، وهي ms4614 البينة شرط تحمل العاقلة، حتى لو أنكرت ~~العاقلة كون الدار ملكا لصاحب الحائط لا عقل عليهم حتى يقيم صاحب الدار ~~البينة على الملك كذا ذكر محمد - رحمه الله - فقال: لا تضمن العاقلة حتى ~~يشهد الشهود على ثلاثة أشياء: على التقديم إليه من سقوط الحائط، وعلى أن ~~الدار له يريد به عند الإنكار، أما الشهادة على الملك فلأن الملك، وإن كان ~~ثابتا له بظاهر اليد لكن الظاهر لا يستحق به حق على غيره؛ إذ هو حجة للدفع ~~لا حجة الاستحقاق لحياة المفقود وغير ذلك فلا بد من الإثبات بالبينة، وعند ~~زفر - رحمه الله - تتحمل العاقلة بظاهر اليد، وهو على الاختلاف الذي ذكرنا ~~في الشفعة، (وأما) الشهادة على المطالبة # PageV07P285 # لأن المطالبة شرط وجوب الضمان لما ذكرنا فيما تقدم - فلا بد من إثباتها ~~بالبينة عند الإنكار. # (وأما) الشهادة على الموت من سقوط الحائط فلأن به يظهر سبب وجوب الضمان، ~~وهو التعدي؛ لأنه ما لم يعلم أنه مات من السقوط لا يعلم كون صاحب الحائط ~~متعديا عليه والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في القسامة] # في القسامة هذا الذي ذكرنا حكم قتل نفس علم قاتلها، فأما حكم نفس لم يعلم ~~قاتلها - فوجوب القسامة والدية عند عامة العلماء - رحمهم الله تعالى - وعند ~~مالك - رحمه الله -: وجوب القسامة والقصاص، والكلام في القسامة يقع في ~~مواضع في تفسير القسامة، وبيان محلها، وفي بيان شرائط وجوب القسامة والدية، ~~وفي بيان سبب وجوب القسامة والدية، وفي بيان من يدخل في القسامة والدية، ~~وفي بيان ما يكون إبراء عن القسامة والدية أما تفسير القسامة، وبيان محلها ~~- فالقسامة في اللغة: تستعمل بمعنى الوسامة، وهو الحسن والجمال، يقال: فلان ~~قسيم أي حسن جميل، وفي صفات النبي - عليه الصلاة والسلام - قسيم، وتستعمل ~~بمعنى القسم، وهو اليمين إلا أن في عرف الشرع تستعمل في اليمين بالله - ~~تبارك وتعالى - بسبب مخصوص وعدد مخصوص، وعلى شخص مخصوص، وهو المدعى عليه ~~على وجه مخصوص، وهو أن يقول خمسون من أهل المحلة إذا وجد قتيل فيها: بالله ~~ما قتلناه ms4615 ولا علمنا له قاتلا، فإذا حلفوا يغرمون الدية وهذا عند أصحابنا - ~~رحمهم الله - وقال مالك - رحمه الله -: إن كان هناك لوث يستحلف الأولياء ~~خمسين يمينا فإذا حلفوا يقتص من المدعى عليه، وتفسير اللوث عنده أن يكون ~~هناك علامة القتل في واحد بعينه أو يكون هناك عداوة ظاهرة، وقال الشافعي - ~~رحمه الله -: إن كان هناك لوث أي عداوة ظاهرة. # وكان بين دخوله المحلة وبين وجوده قتيلا مدة يسيرة يقال للولي: عين ~~القاتل، فإن عين القاتل يقال للولي احلف خمسين يمينا، فإن حلف فله قولان: ~~في قول يقتل القاتل الذي عينه، كما قال مالك - رحمه الله - وفي قول يغرمه ~~الدية، فإن عدم أحد هذين الشرطين اللذين ذكرناهما يحلف أهل المحلة فإذا ~~حلفوا لا شيء عليهم كما في سائر الدعاوى احتجا لوجوب القسامة على المدعي ~~بحديث سهل بن أبي حثمة أنه قال: «وجد عبد الله بن سهل قتيلا في قليب خيبر ~~فجاء أخوه عبد الرحمن بن سهل وعماه حويصة ومحيصة إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فذهب عبد الرحمن يتكلم عند النبي - عليه الصلاة والسلام - ~~فقال: - عليه الصلاة والسلام - الكبر الكبر فتكلم أحد عميه: إما حويصة وإما ~~محيصة الكبير منهما فقال: يا رسول الله، إنا وجدنا عبد الله قتيلا في قليب ~~من قليب خيبر وذكر عداوة اليهود لهم فقال: - عليه الصلاة والسلام - يحلف ~~لكم اليهود خمسين يمينا أنهم لم يقتلوه فقالوا: كيف نرضى بأيمانهم، وهم ~~مشركون فقال: - عليه الصلاة والسلام - فيقسم منكم خمسون أنهم قتلوه فقالوا: ~~كيف نقسم على ما لم نره فوداه - عليه الصلاة والسلام - من عنده» ووجه ~~الاستدلال بالحديث أنه - عليه الصلاة والسلام - عرض الأيمان على أولياء ~~القتيل فدل أن اليمين على المدعي. # (ولنا) ما روي عن زياد بن أبي مريم أنه قال: «جاء رجل إلى النبي - عليه ~~الصلاة والسلام - فقال: يا رسول الله، إني وجدت أخي قتيلا في بني فلان ~~فقال: - عليه الصلاة والسلام - اجمع منهم خمسين فيحلفون بالله ما قتلوه ولا ~~علموا له قاتلا فقال: يا رسول الله، ms4616 ليس لي من أخي إلا هذا؟ فقال: بل لك ~~مائة من الإبل» فدل الحديث على وجوب القسامة على المدعى عليهم وهم أهل ~~المحلة لا على المدعي، وعلى وجوب الدية عليهم مع القسامة وروي عن ابن عباس ~~- رضي الله عنهما - أنه قال: «وجد قتيل بخيبر فقال: - عليه الصلاة والسلام ~~- أخرجوا من هذا الدم فقالت اليهود: قد كان وجد في بني إسرائيل على عهد ~~سيدنا موسى - عليه الصلاة والسلام - فقضى في ذلك، فإن كنت نبيا فاقض، فقال ~~لهم النبي - عليه الصلاة والسلام - تحلفون خمسين يمينا ثم يغرمون الدية ~~فقالوا: قضيت بالناموس» أي بالوحي وهذا نص في الباب، وبه يبطل قول مالك - ~~رحمه الله - بإيجاب القصاص به؛ لأن النبي - عليه الصلاة والسلام - غرمهم ~~الدية لا القصاص، ولو كان الواجب هو القصاص لغرمهم القصاص لا الدية وروي أن ~~سيدنا عمر - رضي الله عنه - حكم في قتيل وجد بين قريتين فطرحه على أقربهما ~~وألزم أهل القرية القسامة والدية، وكذا روي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - ~~ولم ينقل الإنكار عليهما من أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - فيكون ~~إجماعا. # (وأما) حديث سهل ففيه ما يدل على عدم الثبوت؛ ولهذا ظهر النكير فيه من ~~السلف؛ فإن فيه أنه # PageV07P286 # - عليه الصلاة والسلام - دعاهم إلى أيمان اليهود فقالوا: كيف نرضى ~~بأيمانهم، وهم مشركون؟ وهذا يجري مجرى الرد لما دعاهم إليه مع ما أن رضا ~~المدعي لا مدخل له في يمين المدعى عليه، وفيه أيضا أنه لما قال لهم: يحلف ~~منكم خمسون أنهم قتلوه قالوا: كيف نحلف على ما لم نشهد، وهذا أيضا يجري ~~مجرى الرد لقوله - عليه الصلاة والسلام - ثم إنهم أنكروا ذلك لعدم علمهم ~~بالمحلوف عليه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يعلم أنهم لا علم ~~لهم بذلك، فكيف استخار عرض اليمين عليهم، ولئن ثبت فهو مؤول، وتأويله: أنهم ~~لما قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود فقال لهم - عليه الصلاة والسلام - يحلف ~~منكم خمسون على الاستفهام أي: أيحلف؟ إذ الاستفهام قد يكون بحذف حرف ~~الاستفهام كما قال ms4617 الله - تعالى - جل شأنه - {تريدون عرض الدنيا} [الأنفال: ~~67] أي أتريدون كما روي في بعض ألفاظ حديث سهل أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ ~~على سبيل الرد والإنكار عليهم، كما قال الله - تبارك وتعالى - {أفحكم ~~الجاهلية يبغون} [المائدة: 50] حملناه على هذا توفيقا بين الدلائل، والحديث ~~المشهور دليل على ما قلنا، وهو قوله - عليه الصلاة والسلام - «البينة على ~~المدعي واليمين على المدعى عليه» جعل جنس اليمين على المدعى عليه، فينبغي ~~أن لا يكون شيء من الأيمان على المدعي، فإن قيل روي عنه - عليه الصلاة ~~والسلام - أنه قال «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه إلا في ~~القسامة» استثنى القسامة فينبغي أن لا تكون اليمين على المدعى عليه في ~~القسامة؛ لأن حكم المستثنى يخالف حكم المستثنى منه - فالجواب: أن الاستثناء ~~لو ثبت فله تأويلان: أحدهما اليمين على المدعى عليه بعينه إلا في القسامة، ~~فإنه يحلف من لم يدع عليه القتل بعينه، والثاني: اليمين كل الواجب على ~~المدعى عليه إلا في القسامة فإنه تجب معها الدية، والله - سبحانه وتعالى - ~~أعلم. # وإنما جمعنا في القسامة بين اليمين البتات والعلم إلى آخره؛ لأن إحدى ~~اليمينين كانت على فعلهم، فكانت على البتات، والأخرى على فعل غيرهم، فكانت ~~على العلم والله - تعالى - عز وجل - أعلم فإن قيل: أي فائدة في الاستحلاف ~~على العلم، وهم لو علموا القاتل فأخبروا به لكان لا يقبل قولهم؛ لأنهم ~~يسقطون به الضمان عن أنفسهم فكانوا متهمين دافعين الغرم عن أنفسهم، وقد قال ~~- عليه الصلاة والسلام - «لا شهادة للمتهم وقال - عليه الصلاة والسلام - لا ~~شهادة لجار المغنم ولا لدافع المغرم» ؟ قيل: إنما استحلفوا على العلم ~~إتباعا للسنة؛ لأن السنة هكذا وردت لما روينا من الأخبار فاتبعنا السنة من ~~غير أن نعقل فيه المعنى، ثم فيه فائدة من وجهين: أحدهما: أن من الجائز أن ~~يكون القاتل عبدا لواحد منهم فيقر عليه بالقتل فيقبل إقراره؛ لأن إقرار ~~المولى على عبده بالقتل الخطأ صحيح، فيقال له: ادفعه أو أفده ويسقط الحكم ~~عن غيره، فكان التحليف على العلم مفيدا، وجائز ms4618 أن يقر على عبد غيره، ويصدقه ~~مولاه فيؤمر بالدفع أو الفداء ويسقط الحكم عن غيره، فكان مفيدا فجاز أن ~~يكون التحليف على العلم؛ لهذا المعنى في الأصل ثم بقي هذا الحكم، وإن لم ~~يكن لواحد من الحالين عبد كالرمل في الطواف؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - ~~«كان يرمل في الطواف» إظهارا للجلادة والقوة مرآة للكفرة بقوله - عليه ~~الصلاة والسلام - «رحم الله امرأ أظهر اليوم الجلادة من نفسه» ثم زال ذلك ~~اليوم ثم بقي الرمل سنة في الطواف حتى روي أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - ~~كان يرمل في الطواف، ويقول ما أهز كتفي، ولا أحدا رأيته لكني رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك كذا هذا، والثاني: أنه لا يمتنع أن ~~يكون واحد منهم أمر صبيا أو مجنونا أو عبدا محجورا عليه بالقتل، ولو أقر به ~~يلزمه في ماله يحلف بالله ما علمت له قاتلا؛ لأنه لو قال: علمت له قاتلا، ~~وهو الصبي الذي أمره بقتله لكان حاصل الضمان عليه، ويسقط الحكم عن غيره، ~~فكان مفيدا والله - تعالى - أعلم. ### | [فصل في شرائط وجوب القسامة والدية] # (فصل) : # وأما شرائط وجوب القسامة والدية فأنواع: منها أن يكون الموجود قتيلا وهو ~~أن يكون به أثر القتل من جراحة أو أثر ضرب أو خنق، فإن لم يكن شيء من ذلك ~~فلا قسامة فيه، ولا دية؛ لأنه إذا لم يكن به أثر القتل فالظاهر أنه مات حتف ~~أنفه، فلا يجب فيه شيء، فإذا احتمل أنه مات حتف أنفه واحتمل أنه قتل ~~احتمالا على السواء فلا يجب شيء بالشك والاحتمال؛ ولهذا لو وجد في المعركة، ~~ولم يكن به أثر القتل لم يكن شهيدا حتى يغسل، وعلى هذا قالوا: إذا وجد ~~والدم يخرج من فمه أو من أنفه أو من دبره أو ذكره لا شيء فيه؛ لأن الدم ~~يخرج من هذه المواضع عادة بدون الضرب بسبب القيء والرعاف وعارض آخر فلا ~~يعرف كونه قتيلا، وإن كان يخرج من عينه أو أذنه ففيه القسامة والدية؛ لأن ~~الدم ms4619 # PageV07P287 # لا يخرج من هذه المواضع عادة فكان الخروج مضافا إلى ضرب حادث، فكان ~~قتيلا؛ ولهذا لو وجد هكذا في المعركة كان شهيدا، وفي الأول لا يكون شهيدا، ~~ولو مر في محلة فأصابه سيف أو خنجر فجرحه ولا يدري من أي موضع أصابه فحمل ~~إلى أهله فمات من تلك الجراحة، فإن كان لم يزل صاحب فراش حتى مات - فعلى ~~عاقلة القبيلة القسامة والدية، وإن لم يكن صاحب فراش فلا قسامة، ولا دية ~~وهذا قولهما. # وقال أبو يوسف - رحمه الله -: لا قسامة فيه ولا ضمان في الوجهين جميعا، ~~وهو قول ابن أبي ليلى - رحمه الله - وجه قول أبي يوسف: أن المجروح إذا لم ~~يمت في المحلة كان الحاصل في المحلة ما دون النفس ولا قسامة فيما دون النفس ~~كما لو وجد مقطوع اليد في المحلة؛ ولهذا لو لم يكن صاحب الفراش فلا شيء فيه ~~كذا هذا. # (وجه) قول أبي حنيفة - رحمه الله - أنه إذا لم يبرأ عن الجراحة. # وكان لم يزل صاحب فراش حتى مات علم أنه مات من الجراحة فعلم أن الجراحة ~~حصلت قتلا من حين وجودها، فكان قتيلا في ذلك الوقت كأنه مات في المحلة ~~بخلاف ما إذا لم يكن صاحب فراش؛ لأنه إذا لم يصر صاحب فراش لم يعلم أن ~~الموت حصل من الجراحة فلم يوجد قتيلا في المحلة فلا يثبت حكمه، وعلى هذا ~~يخرج ما إذا وجد من القتيل أكثر بدنه أن فيه القسامة والدية؛ لأنه يسمى ~~قتيلا؛ لأن للأكثر حكم الكل، ولو وجد عضو من أعضائه كاليد والرجل أو وجد ~~أقل من نصف البدن فلا قسامة فيه ولا دية؛ لأن الأقل من النصف لا يسمى قتيلا ~~ولأنا لو أوجبنا في هذا القدر القسامة لأوجبنا في الباقي قسامة أخرى فيؤدي ~~إلى اجتماع قسامتين في نفس واحدة وهذا لا يجوز، وإن وجد النصف، فإن كان ~~النصف الذي فيه الرأس - ففيه القسامة والدية، وإن كان النصف الآخر فلا ~~قسامة فيه ولا دية؛ لأن الرأس إذا كان معه يسمى قتيلا وإذا ms4620 لم يكن لا يسمى ~~قتيلا؛ لأن الرأس أصل ولأنا لو أوجبنا في النصف الذي لا رأس فيه للزمنا ~~الإيجاب في النصف الذي معه الرأس فيؤدي إلى ما قلنا، وإن وجد الرأس وحده ~~فلا قسامة ولا دية؛ لأن الرأس وحده لا يسمى قتيلا، وإن وجد النصف مشقوقا ~~فلا شيء فيه؛ لأن النصف المشقوق لا يسمى قتيلا، ولأن في اعتباره إيجاب ~~القسامتين على ما بينا، ونظير هذا ما قلنا في صلاة الجنازة: إذا وجد أكثر ~~البدن أو أقله أو نصفه على التفصيل الذي ذكرنا، والله - سبحانه وتعالى - ~~أعلم. # (ومنها) : أن لا يعلم قاتله، فإن علم فلا قسامة فيه، ولكن يجب القصاص إن ~~كان قتيلا يوجب القصاص، وتجب الدية إن كان قتيلا يوجب الدية وقد ذكرنا جميع ~~ذلك فيما تقدم (ومنها) : أن يكون القتيل من بني آدم - عليه الصلاة والسلام ~~- فلا قسامة في بهيمة وجدت في محلة قوم ولا غرم فيها؛ لأن لزوم القسامة في ~~نفسها أمر ثبت بخلاف القياس؛ لأن تكرار اليمين غير مشروع، واعتبار عدد ~~الخمسين غير معقول؛ ولهذا لم يعتبر في سائر الدعاوى، وكذا وجوب الدية معها؛ ~~لأن اليمين في الشرع جعلت دافعة للاستحقاق بنفسها كما في سائر الدعاوى إلا ~~أنا عرفنا ذلك بالنصوص والإجماع في بني آدم فبقي الأمر فيما وراءهم على ~~الأصل؛ ولهذا لم تجب القسامة والغرامة في سائر الأموال، كذا في البهائم، ~~وتجب في العبد القسامة والقيمة إذا وجد قتيلا في غير ملك صاحبه؛ لأنه آدمي ~~من كل وجه؛ ولهذا يجب فيه القصاص في العمد، والكفارة في الخطأ، وتغرم ~~العاقلة قيمته في الخطأ، وهذا على أصلهما، فأما على أصل أبي يوسف فلا قسامة ~~فيه ولا دية؛ لأن العبد عنده مضمون بالخطأ من حيث إنه مال لا من حيث إنه ~~آدمي؛ ولهذا قال: تجب قيمته في القتل الخطأ بالغة ما بلغت، ولا تتحملها ~~العاقلة، فكان بمنزلة البهيمة. # وكذا الجواب في المدبر وأم الولد والمكاتب والمأذون لما قلنا وسواء كان ~~القتيل مسلما أو ذميا عاقلا أو مجنونا بالغا أو ms4621 صبيا ذكرا أو أنثى؛ لأنه - ~~عليه الصلاة والسلام - أطلق القضية بالقسامة والدية في مطلق قتيل أخبر به ~~في بعض الأحاديث ولم يستفسر، ولو كان الحكم يختلف لاستفسروا؛ لأن دم هؤلاء ~~مضمون بالقصاص والدية في العمد والخطأ، فيكون مضمونا بالقسامة والدية، ~~وسواء وجد المسلم قتيلا في محلة المسلمين أو في محلة أهل الذمة؛ لأن عبد ~~الله بن سهل الأنصاري - رضي الله عنه - وجد قتيلا في قليب من قليب خيبر ~~وأوجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القسامة على اليهود. # وكذا الذمي؛ لأن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم إلا ما نص بدليل. # (ومنها) : الدعوى من أولياء القتيل؛ لأن القسامة يمين، واليمين لا تجب ~~بدون الدعوى كما في سائر الدعاوى، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (ومنها:) إنكار المدعى # PageV07P288 # عليه؛ لأن اليمين وظيفة المنكر قال - عليه الصلاة والسلام - «واليمين على ~~من أنكر» جعل جنس اليمين على المنكر فينفي وجوبها على غير المنكر. # (ومنها) : المطالبة بالقسامة؛ لأن اليمين حق المدعي، وحق الإنسان يوفى ~~عند طلبه كما في سائر الأيمان؛ ولهذا كان الاختيار في حال القسامة إلى ~~أولياء القتيل؛ لأن الأيمان حقهم فلهم أن يختاروا من يتهمونه ويستحلفون ~~صالحي العشيرة الذين يعلمون أنهم لا يحلفون كذبا، ولو طولب من عليه القسامة ~~بها فنكل عن اليمين حبس حتى يحلف أو يقر؛ لأن اليمين في باب القسامة حق ~~مقصود بنفسه لا أنه وسيلة إلى المقصود، وهو الدية بدليل أنه يجمع بينه وبين ~~الدية؛ ولهذا قال الحارث بن الأزمع لسيدنا عمر - رضي الله عنه -: أنبذل ~~أيماننا وأموالنا؟ فقال: نعم وروي أن الحارث قال: أما تجزي هذه عن هذه؟ ~~فقال: لا. وروي أنه قال: فبم يبطل دم صاحبكم؟ فإذا كانت مقصودة بنفسها فمن ~~امتنع عن أداء حق مقصود بنفسه، وهو قادر على الأداء يجبر عليه بالحبس، كمن ~~امتنع عن قضاء دين عليه مع القدرة على القضاء بخلاف اليمين في سائر الحقوق ~~فإنها ليست مقصودة بنفسها بل هي وسيلة إلى المقصود، وهو المال المدعى. # ألا ترى أنه لا يجمع بينهما؟ بل ms4622 إذا حلف المدعى عليه برئ، أو لا ترى أنه ~~إذا لم يحلف المدعى عليه ولم يقر وبذل المال لا يلزمه شيء؟ وههنا لو لم ~~يحلفوا، ولم يقروا، وبذلوا الدية لا تسقط عنهم القسامة فدل أنها مقصودة ~~بنفسها فيجبرون عليها بالحبس، {وروي عن أبي يوسف} أنهم لا يحبسون، والدية ~~على العاقلة ذكره القاضي في شرحه مختصر الطحاوي - رحمه الله - وذكر فيه ~~أيضا أن الإمام إذا أيس عن الحلف وسأله الأولياء أن يغرمهم الدية يقضى ~~عليهم بالدية، والله - تعالى - أعلم. # (ومنها) : أن يكون الموضع الذي وجد فيه القتيل ملكا لأحد أو في يد أحد، ~~فإن لم يكن ملكا لأحد ولا في يد أحد أصلا فلا قسامة فيه ولا دية، وإن كان ~~في يد أحد، يد العموم، لا يد الخصوص، وهو أن يكون التصرف فيه لعامة ~~المسلمين لا لواحد منهم، ولا لجماعة يحصون - لا تجب القسامة، وتجب الدية ~~وإنما كان كذلك؛ لأن القسامة أو الدية إنما تجب بترك الحفظ اللازم على ما ~~نذكر، فإذا لم يكن ملك أحد، ولا في يد أحد أصلا لا يلزم أحدا حفظه - فلا ~~تجب القسامة والدية، وإذا كان في يد العامة فحفظه على العامة لكن لا سبيل ~~إلى إيجاب القسامة على الكل لتعذر الاستيفاء من الكل، وأمكن إيجاب الدية ~~على الكل؛ لإمكان الاستيفاء منهم بالأخذ من بيت المال؛ لأن مال بيت المال ~~مالهم، فكان الأخذ من بيت المال استيفاء منهم، وعلى هذا يخرج ما إذا وجد ~~القتيل في فلاة من الأرض ليس بملك لأحد أنه لا قسامة فيه ولا دية إذا كان ~~بحيث لا يسمع الصوت من الأمصار، ولا من قرية من القرى، فإن كان بحيث يسمع ~~الصوت تجب القسامة على أقرب المواضع إليه، فإن كان أقرب إلى القرى، فعلى ~~أقرب القرى، وإن كان أقرب إلى المصر - فعلى أقرب محال المصر إليه؛ لأنه إذا ~~كان بحيث لا يسمع الصوت والغوث لا يلحق ذلك الموضع، فلم يكن الموضع في يد ~~أحد، فلم يوجد القتيل في ملك أحد، ولا في ms4623 يد أحد أصلا فلا تجب فيه القسامة، ~~ولا الدية، وإذا كانت بحيث يسمع الصوت والغوث يلحق، فكان من توابع أقرب ~~المواضع إليه، وقد ورد باعتبار القرب حديث عنه - عليه الصلاة والسلام - ~~وقضى به أيضا سيدنا عمر - رضي الله عنه - على ما نذكر، ولو وجد في نهر عظيم ~~كدجلة والفرات وسيحون ونحوها، فإن كان النهر يجري به فلا قسامة ولا دية؛ ~~لأن النهر العظيم ليس ملكا لأحد ولا في يد أحد. # وقال زفر - رحمه الله -: تجب على أقرب القرى من ذلك الموضع كما إذا وجد ~~على الدابة، وهي تسير، وليست في يد أحد، وهذا القياس ليس بسديد؛ لأن الموضع ~~الذي تسير فيه الدابة تابع لأقرب المواضع إليه، فكان في يد أهله بخلاف ~~النهر الكبير فإنه لا يدخل تحت يد أحد لا بالأصالة ولا بالتبعية، وإن كان ~~النهر لا يجري به ولكنه كان محتسبا في الشط أو مربوطا على الشط أو ملقى على ~~الشط، فإن كان الشط ملكا فحكمه حكم الأرض المملوكة أو الدار المملوكة، إذا ~~وجد فيها قتيل، وسنذكره إن شاء الله - تعالى -، فإن لم يكن ملكا لأحد فعلى ~~أقرب المواضع إليه من الأمصار والقرى من حيث يسمع الصوت: القسامة والدية؛ ~~لأنهم يستقون منه الماء ويوردون دوابهم؛ فكان لهم تصرف في الشط؛ فكان الشط ~~في أيديهم. # وكذلك لو كان في الجزيرة فعلى أقرب المواضع إلى الجزيرة من الأمصار ~~والقرى من حيث يسمع الصوت: القسامة والدية؛ لأن الجزيرة تكون في تصرفهم، ~~فكانت # PageV07P289 # في أيديهم، وإن وجد في نهر صغير مما يقضى فيه بالشفعة للشركاء في الشرب ~~ففيه القسامة والدية على أهل النهر؛ لأن النهر مملوك لهم وسواء كان القتيل ~~محتبسا أو مربوطا على الشط أو كان النهر يجري به بخلاف النهر الكبير؛ لأنه ~~إذا كان ملكا لأربابه - كان الموضع الذي يجري به مملوكا لهم، وليس كذلك ~~النهر الكبير، ولا قسامة في قتيل يوجد في مسجد الجامع، ولا في شوارع ~~العامة، ولا في جسور العامة؛ لأنه لم يوجد الملك، ولا يد الخصوص، وتجب ms4624 ~~الدية على بيت المال؛ لأن تدبير هذه المواضع ومصلحتها إلى العامة فكان ~~حفظها عليهم فإذا قصروا ضمنوا بيت المال مالهم فيؤخذ من بيت المال. # وكذلك لا قسامة في قتيل في سوق العامة، وهي الأسواق التي ليست بمملوكة، ~~وهي سوق السلطان؛ لأنها إذا لم تكن مملوكة وليس لأحد عليها يد الخصوص كانت ~~كالشوارع العامة؛ لأن سوق السلطان لعامة المسلمين فلا تجب القسامة، وتجب ~~الدية؛ لأن حفظها والتدبير فيها إلى جماعة المسلمين فيضمنون بالتقصير؛ فبيت ~~المال مال عامة المسلمين، فيؤخذ منه. # وكذا إذا وجد في مسجد جماعتهم، ولا قسامة، والدية في بيت المال؛ لأنه لا ~~ملك لأحد فيه، ولا يد الخصوص، ويد العموم توجب الدية لا القسامة؛ لما بينا، ~~فإن كان السوق ملكا تجب القسامة والدية لكن على من تجب فيه اختلاف نذكره في ~~موضعه إن شاء الله - تعالى - ولا قسامة في قتيل يوجد في السجن لانعدام ~~الملك ويد الخصوص؛ لأنه لا تصرف لأهل السجن في السجن؛ لكونهم مقهورين فيه ~~وتجب الدية على بيت المال؛ لأن يد العموم ثابتة عليه، ولأن منفعة السجن ~~لعامة المسلمين؛ لأنه بني لاستيفاء حقوقهم، ودفع الضرر عنهم، ويد العموم ~~توجب الدية لا القسامة، وهذا قولهما وقال أبو يوسف - رحمه الله -: تجب ~~القسامة والدية على أهل السجن؛ لأن لهم ضرب تصرف في السجن فكأن لهم يدا على ~~السجن فعليهم حفظه. # (ومنها) أن لا يكون القتيل ملكا لصاحب الملك الذي وجد فيه فلا قسامة، ولا ~~دية في قن أو مدبر أو أم ولد أو مكاتب أو مأذون وجد قتيلا في دار مولاه؛ ~~لأنه ملكه ووجوده في داره قتيلا، كمباشرة القتل منه، وقتل المملوك لا يتعلق ~~به ضمان إلا أن في المكاتب تجب على المولى قيمته؛ لأنه فيما يرجع إلى كسبه ~~وأرش جنايته حر؛ فكان كسبه وأرشه له، والمولى فيه كالأجنبي، ولا تعقله ~~العاقلة؛ لأنه إذا صار مضمونا بعقد الكتابة، والعقد ثبت في حق المولى ~~والمكاتب لا في حق العاقلة، وفي المأذون عليه قيمته لغرمائه إن كان له دين؛ ~~لتعلق ms4625 حق الغرماء بماليته، وقد استهلك حقهم بالقتل باستهلاك محل الحق فيجب ~~عليه قيمته لغرمائه، وتكون حالة في ماله؛ لأن هذا ليس ضمان النفس؛ لأن نفسه ~~ملك المولى بل هذا ضمان المال لتعلق الغرماء بماليته، فكان هذا ضمان ~~الاستهلاك، فتكون في ماله حالة لا مؤجلة كما لو استهلكه بالإعتاق، وإن لم ~~يكن عليه دين - لا شيء فيه. # وكذلك إن قتله عمدا. # وكذلك لو كان العبد جنى جناية ثم وجد قتيلا في دار مولاه فعلى المولى ~~قيمته حالة وكذلك إن قتله خطأ وهو لا يعلم بجنايته لما قلنا، ولو وجد العبد ~~الرهن قتيلا في دار الراهن أو المرتهن، فإن وجد قتيلا في دار الراهن فلا ~~قسامة، والقيمة على رب الدار دون العاقلة؛ لأنه ملكه وقتل الإنسان ملك نفسه ~~لا يوجب الضمان عليه، وإنما وجب الضمان بعقد الرهن، والعقد ثبت في حق ~~الراهن والمرتهن لا في حق العاقلة فلا يلزم حكمه العاقلة، وإن وجد في دار ~~المرتهن فالقسامة والقيمة على عاقلته؛ لأن هذا الضمان لا يجب بالعقد وإنما ~~يجب بالجناية؛ لأن وجوده في داره قتيلا كمباشرة القتل منه، كعبد ليس برهن ~~وجد في داره قتيلا، وثمة القسامة والقيمة عليه، كذا ههنا. ### | [فصل في بيان سبب وجوب القسامة والدية] # (فصل) : # (وأما) بيان سبب وجوب القسامة والدية فنقول: سبب وجوبهما هو التقصير في ~~النصرة وحفظ الموضع الذي وجد فيه القتيل ممن وجب عليه النصرة والحفظ؛ لأنه ~~إذا وجب عليه الحفظ فلم يحفظ مع القدرة على الحفظ صار مقصرا بترك الحفظ ~~الواجب فيؤاخذ بالتقصير زجرا عن ذلك وحملا على تحصيل الواجب، وكل من كان ~~أخص بالنصرة والحفظ كان أولى بتحمل القسامة والدية؛ لأنه أولى بالحفظ فكان ~~التقصير منه أبلغ، ولأنه إذا اختص بالموضع ملكا أو يدا بالتصرف كانت منفعته ~~له، فكانت النصرة عليه؛ إذ الخراج بالضمان على لسان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وقال - تبارك وتعالى - {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} ~~[البقرة: 286] ولأن القتيل إذا وجد في موضع اختص به واحد أو جماعة إما ms4626 ~~بالملك أو باليد، وهو التصرف فيه فيتهمون أنهم قتلوه، فالشرع ألزمهم ~~القسامة دفعا للتهمة # PageV07P290 # والدية لوجود القتيل بين أظهرهم وإلى هذا المعنى أشار سيدنا عمر - رضي ~~الله تعالى عنه - حينما قيل: أنبذل أموالنا وأيماننا؟ فقال: أما أيمانكم ~~فلحقن دمائكم، وأما أموالكم فلوجود القتيل بين أظهركم # وإذا عرف هذا فنقول القتيل إذا وجد في المحلة - فالقسامة والدية على أهل ~~المحلة للأحاديث وإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على ما ذكرنا، ولأن حفظ ~~المحلة عليهم، ونفع ولاية التصرف في المحلة عائد إليهم، وهم المتهمون في ~~قتله؛ فكانت القسامة والدية عليهم. # وكذا إذا وجد في مسجد المحلة أو في طريق المحلة؛ لما قلنا فيحلف منهم ~~خمسون، فإن لم يكمل العدد خمسين رجلا تكرر الأيمان عليهم حتى تكمل خمسين ~~يمينا؛ لما روي عن سيدنا عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه حلف رجال القسامة ~~فكانوا تسعة وأربعين رجلا، فأخذ منهم واحدا، وكرر عليه اليمين حتى كملت ~~خمسين يمينا. # وكان ذلك بمحضر الصحابة - رضي الله عنهم - ولم ينقل أنه خالفه أحد؛ فيكون ~~إجماعا، ولأن هذه الأيمان حق ولي القتيل، فله أن يستوفيها ممن يمكن ~~استيفاؤها منه، فإن أمكن الاستيفاء من عدد الرجال الخمسين استوفى، وإن لم ~~يمكن - يستوفي عدد الأيمان التي هي حقه، وإن كان العدد كاملا فأراد الولي ~~أن يكرر اليمين على بعضهم ليس له ذلك كذا ذكر محمد - رحمه الله - لأن موضوع ~~هذه الأيمان على عدد الخمسين في الأصل لا على واحد، وإنما التكرار على واحد ~~لضرورة نقصان العدد، ولا ضرورة عند الكمال، وإن كان في المحلة قبائل شتى، ~~فإن كان فيها أهل الخطة والمشترون - فالقسامة والدية على أهل الخطة ما بقي ~~منهم واحد في قول أبي حنيفة ومحمد - عليهما الرحمة - وقال أبو يوسف - رحمه ~~الله -: عليهم وعلى المشترين جميعا. # (وجه) قوله: أن الوجوب على أهل الخطة باعتبار الملك، والملك ثابت ~~للمشترين؛ ولهذا إذا لم يكن من أهل الخطة أحد كانت القسامة على المشترين. # (وجه) قولهما: أن أهل الخطة أصول في الملك؛ لأن ابتداء الملك ms4627 ثبت لهم، ~~وإنما انتقل عنهم إلى المشترين، فكانوا أخص بنصرة المحلة وحفظها من ~~المشترين، فكانوا أولى بإيجاب القسامة والدية عليهم وكان المشتري بينهم ~~كالأجنبي فما بقي واحد منهم لا ينتقل إلى المشتري، وقيل: إن أبا حنيفة بنى ~~الجواب على ما شاهد بالكوفة وكان تدبير أمر المحلة فيها إلى أهل الخطة، ~~وأبو يوسف رأى التدبير إلى الأشرف ومن أهل المحلة كانوا من أهل الخطة أو ~~لا، فبنى الجواب على ذلك فعلى هذا لم يكن بينهما خلاف في الحقيقة؛ لأن كل ~~واحد منهما عول على معنى الحفظ والنصرة، فإن فقد أهل الخطة. # وكان في المحلة ملاك وسكان - فالدية على الملاك لا على السكان عند أبي ~~حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف: عليهم جميعا له ما روي أن رسول الله - عليه ~~الصلاة والسلام - «أوجب القسامة على أهل خيبر وكانوا سكانا» ولأن للساكن ~~اختصاصا بالدار يدا كما أن للمالك اختصاصا بها ملكا، ويد الخصوص تكفي لوجوب ~~القسامة. # (وجه) قولهما: أن المالك أخص بحفظ الموضع ونصرته من السكان؛ لأن اختصاصه ~~اختصاص ملك، وأنه أقوى من اختصاص اليد. # ألا يرى أن السكان يسكنون زمانا ثم ينتقلون. # وأما إيجاب القسامة على يهود خيبر فممنوع أنهم كانوا سكانا، بل كانوا ~~ملاكا فإنه روي أنه - عليه الصلاة والسلام - أقرهم على أملاكهم ووضع الجزية ~~على رءوسهم، وما كان يؤخذ منهم كان يؤخذ على وجه الجزية لا على سبيل ~~الأجرة. # ولو وجد قتيل في سفينة، فإن لم يكن معهم ركاب - فالقسامة والدية على ~~أرباب السفينة، وعلى من يمدها ممن يملكها أو لا يملكها، وإن كان معهم فيها ~~ركاب فعليهم جميعا، وهذا في الظاهر يؤيد قول أبي يوسف في إيجابه القسامة ~~والدية على الملاك والسكان جميعا، وأبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - يفرقان ~~بين السفينة والمحلة؛ لأن السفينة تنقل وتحول من مكان إلى مكان فتعتبر فيها ~~اليد دون الملك كالدابة إذا وجد عليها قتيل، بخلاف الدار فإنها لا تحتمل ~~النقل والتحويل، فيعتبر فيها الملك والتحويل ما أمكن لا اليد. # وكذلك العجلة حكمها حكم السفينة؛ ms4628 لأنها تنقل وتحول، ولو وجد القتيل معه ~~رجل يحمله على ظهره فعليه القسامة والدية؛ لأن القتيل في يده، ولو وجد جريح ~~معه به رمق يحمله حتى أتى به أهله فمكث يوما أو يومين ثم مات لا يضمن عند ~~أبي يوسف. # وقال أبو يوسف: وفي قياس قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - يضمن. # (وجه) القياس: أن الحامل قد ثبتت يده عليه مجروحا فإذا مات من الجرح ~~فكأنه مات في يده وهذا تفريع على من جرح في قبيلة فتحامل إلى قبيلة أخرى # PageV07P291 # فمات فيهم، وقد ذكرناه فيما تقدم. # وكذلك إذا كان على دابة، ولها سائق أو قائد أو عليها راكب - فعليه ~~القسامة والدية؛ لأنه في يده، وإن اجتمع السائق والقائد والراكب - فعليهم ~~جميعا؛ لأن القتيل في أيديهم، فصار كأنه وجد في دارهم، وإن وجد على دابة لا ~~سائق لها ولا قائد ولا راكب عليها، فإن كان ذلك الموضع ملكا لأحد فالقسامة ~~والدية على المالك، وإن كان لا مالك له فعلى أقرب المواضع إليه من حيث يسمع ~~الصوت من الأمصار والقرى، وإن كان بحيث لا يسمع - فهو هدر لما قلنا فيما ~~تقدم، فإن وجدت الدابة في محلة - فعلى أهل تلك المحلة. # وكذلك إذا وجد في فلاة من الأرض أنه ينظر إن كان ذلك المكان الذي وجد فيه ~~ملكا لإنسان - فالقسامة والدية عليه، وإن لم يكن له مالك فعلى أقرب المواضع ~~إليه من الأمصار والقرى، إذا كانت بحيث يبلغ الصوت منها إليه، فإن كان بحيث ~~لا يبلغ - فهو هدر لما قلنا، وذكر في الأصل في قتيل وجد بين قريتين أنه ~~يضاف إلى أقربهما لما روي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن «النبي - ~~عليه الصلاة والسلام - أمر بأن يوزع بين قريتين في قتيل وجد بينهما» وكذا ~~روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - في قتيل وجد بين وداعة وأرحب، وكتب إليه ~~عامله بذلك، فكتب إليه سيدنا عمر - رضي الله عنه - أن قس بين القريتين ~~فأيهما كان أقرب فألزمهم فوجد القتيل إلى وداعة أقرب ms4629 فألزموا القسامة ~~والدية، وذلك كله محمول على ما إذا كان بحيث يبلغ الصوت إلى الموضع الذي ~~وجد فيه القتيل، كذا ذكر محمد في الأصل حكاه الكرخي - رحمه الله - والفقه ~~ما ذكرنا فيما تقدم. # وكذا إذا وجد بين سكتين - فالقسامة والدية على أقربهما، فإن وجد في ~~المعسكر في فلاة من الأرض، فإن كانت الأرض التي وجد فيها لها أرباب - ~~فالقسامة والدية على أرباب الأرض؛ لأنهم أخص بنصرة الموضع وحفظه، فكانوا ~~أولى بإيجاب القسامة والدية عليهم، وهذا على أصلهما؛ لأن المعسكر كالسكان، ~~والقسامة على الملاك لا على السكان على أصلهما (فأما) على أصل أبي يوسف - ~~رحمه الله - فالقسامة والدية عليهم جميعا، وإن يكن في ملك أحد بأن وجد في ~~خباء أو فسطاط - فعلى من يسكن الخباء والفسطاط، وعلى عواقلهم القسامة ~~والدية؛ لأن صاحب الخيمة خص بموضع الخيمة من أهل العسكر بمنزلة صاحب الدار ~~مع أهل المحلة ثم القسامة على صاحب الدار إذا وجد فيها قتيل لا على أهل ~~المحلة، كذا ههنا. # وإن وجد خارجا من الفسطاط والخباء فعلى أقرب الأخبية والفساطيط منهم ~~القسامة والدية، كذا ذكر في ظاهر الرواية؛ لأن الأقرب أولى بإيجاب القسامة ~~والدية؛ لما ذكرنا وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: إذا وجد بين الخيام ~~فالقسامة والدية على جماعتهم، كالقتيل يوجد في المحلة جعل الخيام المحمولة ~~كالمحلة على هذه الرواية، هذا إذا لم يكن العسكر لقوا عدوا، فإن كانوا قد ~~لقوا عدوا فقاتلوا - فلا قسامة، ولا دية في قتيل يوجد بين أظهرهم؛ لأنهم ~~إذا لقوا عدوا وقاتلوا فالظاهر أن العدو قتله لا المسلمون؛ إذ المسلمون لا ~~يقتل بعضهم بعضا، ولو وجد قتيل في أرض رجل إلى جانب قرية ليس صاحب الأرض من ~~أهل القرية - فالقسامة والدية على صاحب الأرض لا على أهل القرية؛ لأن صاحب ~~الأرض أخص بنصرة أرضه وحفظها من أهل القرية، فكان أولى بإيجاب القسامة ~~والدية عليه، كصاحب الدار مع أهل المحلة. # لو وجد قتيل في دار إنسان، وصاحب الدار من أهل القسامة - فالقسامة والدية ~~على صاحب الدار، ms4630 وعلى عاقلته كذا ذكر في الأصل ولم يفصل بين ما إذا كانت ~~العاقلة حضورا أو غيبا، وذكر في اختلاف زفر ويعقوب - رحمهما الله - أن ~~القسامة على رب الدار وعلى عاقلته حضورا كانوا أو غيبا. # وقال أبو يوسف - رحمه الله -: لا قسامة على العاقلة، هكذا ذكر فيه وقال ~~الكرخي - رحمه الله -: إن كانت العاقلة حضورا في المصر دخلوا في القسامة، ~~وإن كانت غائبة فالقسامة على صاحب الدار تكرر عليه الأيمان، والدية عليه ~~وعلى عاقلته أما دخول العاقلة في القسامة، إذا كانوا حضورا - فهو قولهما، ~~وظاهر قول أبي يوسف: لا قسامة على العاقلة يقتضي أن لا يدخلوا في القسامة. # (وجه) قول زفر - رحمه الله -: أنه لما لزمتهم الدية لزمتهم القسامة، كأهل ~~المحلة، ولأبي يوسف أن صاحب الدار أخص بالنصرة وبالولاية والتهمة فلا ~~يشاركه العاقلة كما لا يشارك أهل المحلة غيرهم. # (وجه) قولهما: أن العاقلة إذا كانوا حضورا يلزمهم حفظ الدار ونصرتها كما ~~يلزم صاحب الدار. # وكذا يتهمون بالقتل كما يتهم صاحب الدار فقد شاركوا في سبب وجوب القسامة # PageV07P292 # فيشاركونه في القسامة أيضا وبهذا يقع الفرق بين حال الحضور والغيبة على ~~ما ذكره الكرخي - رحمه الله - لأن معنى التهمة ظاهر الانتفاء من الغيب. # وكذا معنى النصرة؛ لأنه لا يلحق ذلك الموضع نصرة من جهتهم إلا أنه تجب ~~عليهم الدية؛ لأن وجوب الدية على العاقلة لا يتعلق بالتهمة؛ فإنهم يتحملون ~~عن القاتل المعين، إذا كان صبيا أو مجنونا أو خاطئا وسواء كانت الدار فيها ~~ساكن أو كانت مفرغة مغلقة فوجد فيها قتيل - فعلى رب الدار وعلى عاقلته ~~القسامة والدية وأما على أصل أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهما - فظاهر؛ ~~لأنهما يعتبران الملك دون السكنى؛ فكان وجود السكنى فيها والعدم بمنزلة ~~واحدة. # (وأما) أبو يوسف - رحمه الله - فإنما يوجب على الساكن لاختصاصه بالدار ~~يدا ولم يوجد ههنا، وسواء كان الملك الذي وجد فيه القتيل خاصا أو مشتركا - ~~فالقسامة والدية على أرباب الملك؛ لما قلنا، وسواء اتفق قدر أنصباء الشركاء ~~أو اختلف فالقسامة والدية بينهم بالسوية ms4631 حتى لو كانت الدار بين رجلين ~~لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث - فالقسامة عليهما وعلى عاقلتهما نصفان، ~~ويعتبر في ذلك عدد الرءوس لا قدر الأنصباء كما في الشفعة؛ لأن حفظ الدار ~~واجب على كل واحد منهما، والحفظ لا يختلف؛ ولهذا تساويا في استحقاق الشفعة؛ ~~لأن الاستحقاق لدفع ضرر الدخيل، وإنه لا يختلف باختلاف قدر الملك، وذكر في ~~الجامع الصغير فيمن باع دارا، وجد فيها قتيل قبل أن يقبضها المشتري: أن ~~القسامة والدية على البائع، إذا لم يكن في البيع خيار، فإن كان فيه خيار - ~~فعلى من الدار في يده في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: الدية على ~~مالك الدار إن لم يكن في البيع خيار، فإن كان فيه خيار فعلى من تصير الدار ~~له وعند زفر - رحمه الله -: الدية على المشتري إلا أن يكون للبائع خيار، ~~فتكون الدية عليه. # (وجه) قول زفر: أن الملك للمشتري إذا لم يكن فيه خيار. # وكذا إذا كان الخيار للمشتري؛ لأن خيار المشتري لا يمنع دخول المبيع في ~~ملكه عنده، فإذا كان الخيار للبائع - فالملك له؛ لأن خياره يمنع زوال ~~المبيع عن ملكه بلا خلاف. # (وجه) قولهما: أنه إذا لم يكن فيه خيار فالملك للمشتري، وإنما للبائع ~~صورة يد من غير تصرف، وصورة اليد لا مدخل لها في القسامة، كيد المودع، ~~فكانت القسامة والدية على المشتري، وإذا كان فيه خيار فعلى من تصير الدار ~~له؛ لأنها إذا صارت للبائع - فقد انفسخ البيع، وجعل كأنه لم يكن، وإن صارت ~~للمشتري - فقد انبرم البيع وتبين أنه ملكها بالعقد من حين وجوده. # (وأما) تصحيح مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - فمشكل من حيث الظاهر؛ لأنه ~~يعتبر الملك فيما يحتمل النقل والتحويل لا اليد، وإن كانت اليد يد تصرف كيد ~~الساكن، والثابت للبائع صورة يد من غير تصرف، فأولى أن لا يعتبره، لكن لا ~~إشكال في الحقيقة؛ لأن الوجوب بترك الحفظ، والحفظ باليد حقيقة، إلا أنه ~~يضاف الحفظ إلى الملك؛ لأن استحقاق اليد به عادة، فيقام مقام اليد، فكانت ms4632 ~~الإضافة إلى ما به حقيقة الحفظ أولى إلا أن مطلق اليد لا يعتبر بل اليد ~~المستحقة بالملك، وهذه يد مستحقة بالملك بخلاف يد الساكن. # وإذا وجد رجل قتيلا في دار نفسه فالقسامة والدية على عاقلته لورثته في ~~قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وفي قولهما - رحمهما الله - لا شيء فيه، ~~وهو قول زفر والحسن بن زياد - رحمهم الله - وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله ~~- مثل قولهم (وجه) قولهم: أن القتل صادفه، والدار ملكه، وإنما صار ملك ~~الورثة عند الموت، والموت ليس بقتل؛ لأن القتل فعل القاتل، ولا صنع لأحد في ~~الموت، بل هو من صنع الله - تبارك وتعالى - فلم يقتل في ملك الورثة فلا ~~سبيل إلى إيجاب الضمان على الورثة وعواقلهم، ولأن وجوده قتيلا في دار نفسه ~~بمنزلة مباشرة القتل بنفسه كأنه قتل نفسه بنفسه فيكون هدرا، ولأبي حنيفة - ~~رضي الله عنه - أن المعتبر في القسامة - وقت ظهور القتيل، لا وقت وجود ~~القتل بدليل أن من مات قبل ذلك لا يدخل في الدية، والدار وقت ظهور القتيل ~~لورثته؛ فكانت القسامة والدية عليهم وعلى عواقلهم تجب، كما لو وجد قتيلا في ~~دار ابنه، فإن قيل كيف تجب الدية عليهم وعلى عواقلهم، وأن الدية تجب لهم؟ ~~فكيف تجب لهم وعليهم؟ وكذا عاقلتهم تتحمل عنهم لهم أيضا، وفيه إيجاب لهم ~~أيضا وعليهم، وهذا ممتنع - فالجواب: ممنوع أن الدية تجب لهم بل للقتيل؛ ~~لأنها بدل نفسه فتكون له، وبدليل أنه يجهز منها، وتقضى منها ديونه، وتنفذ ~~منها وصاياه ثم ما فضل عن حاجته تستحقه ورثته لاستغناء الميت عنه، والورثة ~~أقرب الناس إليه وصار كما لو وجد الأب قتيلا في دار ابنه أو في بئر حفرها ~~ابنه أليس أنه تجب القسامة والدية على الابن وعلى عاقلته ولا # PageV07P293 # يمتنع ذلك؛ لما قلنا كذا هذا، وإن اعتبرنا وقت وجود القتل - فهو ممكن ~~أيضا؛ لأنه تجب على عاقلته لتقصيرهم في حفظ الدار فتجب عليهم الدية حقا ~~للمقتول ثم تنتقل منه إلى ورثته عند فراغه عن حاجته، وذكر محمد ms4633 إذا وجد ابن ~~الرجل أو أخوه قتيلا في داره أن على عاقلته دية ابنه ودية أخيه، وإن كان هو ~~وارثه؛ لما قلنا: إن وجود القتيل في الدار كمباشرة صاحبها القتل فيلزم ~~عاقلته ذلك للمقتول ثم يستحقها صاحب الدار بالإرث، ولو وجد مكاتب قتيلا في ~~دار نفسه فدمه هدر؛ لأن داره في وقت ظهور القتيل ليست لورثته بل هي على حكم ~~ملك نفسه إلى أن يؤدي بدل الكتابة، فصار كأنه قتل نفسه فهدر دمه رجلان كانا ~~في بيت ليس معهما ثالث وجد أحدهما مذبوحا قال أبو يوسف: يضمن الآخر الدية. # وقال محمد: لا ضمان عليه. # (وجه) قوله: أنه يحتمل أنه قتله صاحبه ويحتمل أنه قتل نفسه فلا يجب ~~الضمان بالشك، ولأبي يوسف أن الظاهر أنه قتله صاحبه؛ لأن الإنسان لا يقتل ~~نفسه ظاهرا وغالبا، واحتمال خلاف الظاهر ملحق بالعدم. # ألا ترى أن مثل هذا الاحتمال ثابت في قتيل المحلة ولم يعتبر. ### | [فصل في بيان من يدخل في القسامة والدية بعد وجوبهما ومن لا يدخل في ذلك] # (فصل) : # وأما بيان من يدخل في القسامة والدية بعد وجوبهما، ومن لا يدخل في ذلك ~~فنقول - وبالله التوفيق -: الصبي والمجنون لا يدخلان في القسامة في أي موضع ~~وجد القتيل سواء وجد في غير ملكهما أو في ملكهما؛ لأن القسامة يمين، وهما ~~ليسا من أهل اليمن؛ ولهذا لا يستحلفان في سائر الدعاوى، ولأن القسامة تجب ~~على من هو من أهل النصرة، وهما ليسا من أهل النصرة؛ فلا تجب القسامة ~~عليهما، وتجب على عاقلتهما إذا وجد القتيل في ملكهما لتقصيرهم بترك النصرة ~~اللازمة. # وهل يدخلان في الدية مع العاقلة؟ فإن وجد القتيل في غير ملكهما كالمحلة ~~وملك إنسان لا يدخلان فيها، وإن وجد في ملكهما يدخلان؛ لأن وجود القتيل في ~~ملكهما كمباشرتهما القتل، وهما مؤاخذان بضمان الأفعال، وعلى قياس ما ذكره ~~الطحاوي - رحمه الله - لا يدخلان في الدية مع العاقلة أصلا، لكنه ليس ~~بسديد؛ لأن هذا ضمان القتل، والقتل فعل والصبي والمجنون مؤاخذان بأفعالهما ~~ولا يدخل العبد ms4634 المحجور والمدبر وأم الولد في القسامة والدية؛ لأن هؤلاء لا ~~يستنصر بهم عادة، وليسوا من أهل ملك المال أيضا؛ فلا تلزمهم الدية. # وأما المأذون والمكاتب - فلا يدخلان في قسامة وجبت في قتيل وجد في غير ~~دارهما، وإن وجد في دارهما أما المأذون - إن لم يكن عليه دين - فلا قسامة ~~عليه، بل على مولاه وعاقلته - استحسانا، والقياس أن تجب عليه القسامة، وإذا ~~حلف يخاطب المولى بالدفع أو الفداء. # (وجه) القياس: أن العبد من أهل اليمين. # ألا يرى أنه يستحلف في الدعاوى؟ ووجود القتيل في داره بمنزلة مباشرة ~~القتل خطأ، وإن قتله خطأ يخير المولى بين الدفع والفداء، كذا هذا. # وجه الاستحسان: أن فائدة الاستحلاف جريان القسامة لسبب هو النكول؛ لأنه ~~لا يقضى بالنكول في هذا الباب بل يحبس حتى يحلف أو يقر، ولو أقر بالقتل - ~~خطأ - لا يصح إقراره؛ لأنه إقرار على مولاه فلم يكن الاستحلاف مفيدا فلا ~~تجب عليه القسامة، وتجب على المولى، وعلى عاقلته؛ لأن الملك له، وإن كان ~~عليه دين فينبغي في قياس قول أبي حنيفة: إنه تجب القسامة على العبد؛ لأن ~~المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون عنده؛ فلا يملك الدار، وفي ~~الاستحسان: تجب على المولى؛ لأن المولى إن كان لا يملكها فالغرماء لا ~~يملكونها أيضا، والعبد لا ملك له، والمولى أقرب الناس إليه، فكانت القسامة ~~عليه مع ما أن للمولى حقا في الدار، وهو حق استخلاصها لنفسه بقضاء دين ~~الغرماء، فكان أولى بإيجاب القسامة (وأما) المكاتب إذا وجد قتيلا في داره ~~فعليه الأقل من قيمته، ومن الدار؛ لأن وجود القتيل في داره كمباشرته القتل ~~فلا يكون على مولاه كما لا يكون عليه في مباشرته. # وهل تجب عليه القسامة؟ ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه يكرر عليه ~~الأيمان، فإن حلف يجب عليه الأقل من قيمته ومن الدية إلا قدر عشرة دراهم؛ ~~لأن عاقلة المكاتب نفسه، وتكون القيمة حالة؛ لأنها تجب بالمنع من الدفع، ~~فتكون حالة كما تجب على المولى بجناية المدبر، ولو كان القتيل مولى ms4635 المكاتب ~~كان عليه الأقل من قيمته ومن الدية؛ لأن وجود القتيل في داره كمباشرته ~~القتل وتكون القيمة حالة لا مؤجلة؛ لما قلنا، ولا تدخل المرأة في القسامة ~~والدية في قتيل يوجد في غير ملكها؛ لأن وجوبهما بطريق النصرة وهي ليست من ~~أهلها، وإن وجد في دارها أو في قرية لها لا يكون بها غيرها - عليها القسامة ~~فتستحلف # PageV07P294 # ويكرر عليها الأيمان، وهذا قولهما. # وقال أبو يوسف: عليها لا على عاقلتها. # وجه قوله: أن لزوم القسامة للزوم النصرة، وهي ليست من أهل النصرة فلا ~~تدخل في القسامة؛ ولهذا لم تدخل مع أهل المحلة. # (وجه) قولهما: أن سبب الوجوب على المالك هو الملك مع أهلية القسامة، وقد ~~وجد في حقها، أما الملك فثابت لها. # وأما الأهلية فلأن القسامة يمين، وأنها من أهل اليمين. # ألا ترى أنها تستحلف في سائر الحقوق؟ ومعنى النصرة يراعى وجوده في الجملة ~~لا في كل فرد كالمشقة في السفر. # وهل تدخل مع العاقلة في الدية؟ ذكر الطحاوي ما يدل على أنها لا تدخل فإنه ~~قال: لا يدخل القاتل في التحمل إلا أن يكون ذكرا عاقلا بالغا، فإذا لم تدخل ~~عند وجود القتل منها عينا فههنا أولى، وأصحابنا - رضي الله عنهم - قالوا: ~~إن المرأة تدخل مع العاقلة في الدية في هذه المسألة، وأنكروا على الطحاوي ~~قوله وقالوا: إن القاتل يدخل في الدية بكل حال، ويدخل في القسامة والدية ~~الأعمى والمحدود في القذف والكافر؛ لأنهم من أهل الاستحلاف والحفظ والله - ~~سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في ما يكون إبراء عن القسامة والدية] # وأما ما يكون إبراء عن القسامة والدية فنوعان: نص ودلالة، أما النص فهو ~~التصريح بلفظ الإبراء وما يجري مجراه كقوله: أبرأت أو أسقطت أو عفوت ونحو ~~ذلك؛ لأن ركن الإبراء صدر ممن هو من أهل الإبراء في محل قابل للبراءة فيصح. # وأما الدلالة - فهي: أن يدعي ولي القتيل على رجل من غير أهل المحلة فيبرأ ~~أهل المحلة عن القسامة والدية؛ لأن ظهور القتيل في المحلة يدل على كون هذا ~~المدعى ms4636 عليه قاتلا، فإقدام الولي على الدعوى عليه يكون نفيا للقتل عن أهل ~~المحلة، فيتضمن براءتهم عن القسامة والدية، فإن أقام البينة على المدعى ~~عليه، وإلا حلف، فإن حلف برئ، وإن نكل حبس حتى يحلف أو يقر في قول أبي ~~حنيفة - رحمه الله - (وعندهما) : يقضى بالدية، ولو شهد اثنان من أهل المحلة ~~للولي بهذه الدعوى لا تقبل شهادتهما في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ~~وعندهما: تقبل. # (وجه) قولهما: أن المانع من القبول قبل الدعوى - كانت - التهمة، وقد زالت ~~بالبراءة فلا معنى لرد الشهادة ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أنه تمكنت ~~التهمة في شهادتهم من وجهين: أحدهما: أن من الجائز أنه أبرأهم ليتوسل ~~بالإبراء إلى تصحيح شهادتهم، والثاني أنه أحسن إليهم بالإبراء حيث أسقط ~~القسامة والدية عنهم، فمن الجائز أنهم أرادوا بالمكافأة على ذلك، والشهادة ~~ترد بالتهمة من وجه واحد فمن وجهين أولى، ولأن أهل المحلة كانوا خصماء في ~~هذه الدعوى فلا تقبل شهادتهم، وإن خرجوا بالإبراء عن الخصومة؛ لأن السبب ~~الموجب لكونهم خصماء قائم، وهو وجود القتيل فيهم كالوكيل بالخصومة إذا خاصم ~~ثم عزل فشهد لا تقبل شهادته، كذا هذا، ولو ادعى ولي القتيل على رجل بعينه ~~من أهل المحلة فالقسامة والدية بحالها في ظاهر الرواية وروى عبد الله بن ~~المبارك عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن القسامة تسقط. # وكذا روى محمد. # وقال أبو يوسف: القياس أن تسقط القسامة إلا أنا تركناه للأثر. # (وجه) رواية ابن المبارك - رحمه الله -: أن تعيين الولي واحدا منهم - ~~إبراء عن الباقين - دلالة فتسقط عنهم القسامة، كما لو أبرأهم نصا. # (وجه) ظاهر الرواية: أن القاتل أحد أهل المحلة ظاهرا، والولي كذلك إلا ~~أنه عين، وهو متهم في التعيين فلا يعتبر تعيينه إلا بالبينة فلا يعتبر حكم ~~القسامة إلا بها، فإن أقام البينة من غير أهل المحلة على دعواه يقضى بها، ~~فيجب القصاص في العمد، والدية في الخطأ، ولو شهد شاهدان من المحلة عليه لا ~~تقبل شهادتهما على ظاهر الرواية عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأن ms4637 ~~الخصومة بعد هذه الدعوى قائمة فكان الشاهد خصما؛ لأنه يقطع الخصومة عن نفسه ~~بشهادته ولا شهادة للخصم، وإذا لم تقبل شهادة أهل المحلة عليه، ولم يقم ~~بينة أخرى، وبقيت القسامة على أهل المحلة على حالها يحلف المدعى عليه ~~والشاهدان مع أهل المحلة حتى يكمل خمسون رجلا من أهل المحلة ثم كيف يستحلف ~~الشهود مع أهل المحلة؟ عندهما يحلفون بالله - سبحانه وتعالى - ما قتلناه، ~~ولا علمنا له قاتلا غير فلان، وعند أبي يوسف يحلفون بالله - جل شأنه - ما ~~قتلناه ولا يزادون على ذلك؛ لأن عندهم أن المشهود عليه قاتل فلا سبيل إلى ~~استحلافهم على العلم، وما قاله أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - أولى؛ لأن ~~فيما قالاه مراعاة موضوع القسامة، وهو الجمع بين اليمين على البتات والعلم ~~بالقدر الممكن فيما وراء المستثنى، وفيما قاله أبو يوسف ترك اليمين على ~~العلم أصلا فكان ما قالاه # PageV07P295 # أولى، ولو ادعى على أهل تلك المحلة على رجل منهم أو من غيرهم تصح دعواهم، ~~فإن أقاموا البينة على ذلك الرجل يجب القصاص في العمد، والدية في الخطأ إن ~~وافقهم الأولياء في الدعوى على ذلك الرجل، وإن لم يوافقهم في الدعوى عليه ~~لا يجب عليه شيء؛ لأن الأولياء قد أبرءوه حيث أنكروا وجود القتل منه، ولا ~~يجب على أهل المحلة أيضا لأنهم أثبتوا القتل على غيرهم وإن لم يقم لهم ~~البينة وحلف ذلك الرجل تجب القسامة على أهل المحلة ثم كيف يحلفون؟ فهو على ~~الاختلاف الذي ذكرنا والله - سبحانه وتعالى - الموفق. ### | [فصل في الجناية على ما دون النفس مطلقا وأنواعها] # وأما الجناية على ما دون النفس مطلقا فالكلام في هذه الجناية يقع في ~~موضعين: أحدهما: في بيان أنواعها، والثاني في بيان حكم كل نوع منها، أما ~~الأول فالجناية على ما دون النفس مطلقا أنواع أربعة: أحدها: إبانة الأطراف، ~~وما يجري مجرى الأطراف، والثاني: إذهاب معاني الأطراف مع إبقاء أعيانها، ~~والثالث: الشجاج، والرابع: الجراح، أما النوع الأول فقطع اليد والرجل ~~والأصبع والظفر والأنف واللسان والذكر والأنثيين والأذن والشفة وفقء ms4638 ~~العينين وقطع الأشفار والأجفان وقلع الأسنان وكسرها وحلق شعر الرأس واللحية ~~والحاجبين والشارب. # وأما النوع الثاني فتفويت السمع والبصر والشم والذوق والكلام والجماع ~~والإيلاد والبطش والمشي، وتغير لون السن إلى السواد والحمرة والخضرة ونحوها ~~مع قيام المحال الذي تقوم بها هذه المعاني، ويلحق بهذا الفصل إذهاب العقل. # وأما النوع الثالث: فالشجاج أحد عشر أولها: الخارصة، ثم الدامعة، ثم ~~الدامية، ثم الباضعة، ثم المتلاحمة، ثم السمحاق، ثم الموضحة، ثم الهاشمة، ~~ثم المنقلة، ثم الآمة، ثم الدامغة. # (فالخارصة) : هي التي تخرص الجلد أي تشقه، ولا يظهر منها الدم والدامعة: ~~هي التي يظهر منها الدم ولا يسيل كالدمع في العين والدامية: هي التي يسيل ~~منها الدم والباضعة: هي التي تبضع اللحم أي تقطعه والمتلاحمة: هي التي تذهب ~~في اللحم أكثر مما تذهب الباضعة فيه هكذا روى أبو يوسف وقال محمد: ~~المتلاحمة قبل الباضعة، وهي التي يتلاحم منها الدم ويسود والسمحاق: اسم ~~لتلك الجلدة إلا أن الجراحة سميت بها والموضحة: التي تقطع السمحاق، وتوضح ~~العظم أي: تظهره والهاشمة: هي التي تهشم العظم أي تكسره والمنقلة: هي التي ~~تنقل العظم بعد الكسر أي: تحوله من موضع إلى موضع والآمة: هي التي تصل إلى ~~أم الدماغ، وهي جلدة تحت العظم فوق الدماغ والدامغة: هي التي تخرق تلك ~~الجلدة، وتصل إلى الدماغ فهذه إحدى عشر شجة، ومحمد ذكر الشجاج تسعا، ولم ~~يذكر الخارصة ولا الدامغة؛ لأن الخارصة لا يبقى لها أثر عادة، والشجة التي ~~لا يبقى لها أثر لا حكم لها في الشرع، والدامغة لا يعيش الإنسان معها عادة ~~بل تصير نفسا ظاهرا وغالبا فتخرج من أن تكون شجة فلا معنى لبيان حكم الشجة ~~فيها؛ لذلك ترك محمد ذكرهما والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) النوع الرابع فالجراح نوعان: جائفة وغير جائفة، فالجائفة: هي التي ~~تصل إلى الجوف، والمواضع التي تنفذ الجراحة منها إلى الجوف: هي الصدر، ~~والظهر، والبطن، والجنبان، وما بين الأنثيين والدبر، ولا تكون في اليدين ~~والرجلين ولا في الرقبة والحلق جائفة؛ لأنه لا يصل إلى ms4639 الجوف. # وروي عن أبي يوسف إن ما وصل من الرقبة إلى الموضع الذي لو وصل إليه من ~~الشراب قطرة يكون جائفة؛ لأنه لا يقطر إلا إذا وصل إلى الجوف، ولا تكون ~~الشجة إلا في الرأس والوجه وفي مواضع العظم مثل: الجبهة، والوجنتين، ~~والصدغين، والذقن دون الخدين، ولا تكون الآمة إلا في الرأس والوجه، وفي ~~الموضع الذي تتخلص منه إلى الدماغ، ولا يثبت حكم هذه الجراحات إلا في هذه ~~المواضع عند عامة العلماء - رضي الله عنهم - وقال بعض الناس: يثبت حكم هذه ~~الجراحات في كل البدن، وهذا غير سديد؛ لأن هذا القائل إن رجع في ذلك إلى ~~اللغة فهو غلط؛ لأن العرب تفصل بين الشجة وبين مطلق الجراحة فتسمي ما كان ~~في الرأس والوجه في مواضع العظم منها شجة، وما كان في سائر البدن جراحة، ~~فتسمية الكل شجة يكون غلطا في اللغة، وإن رجع فيه إلى المعنى فهو خطأ؛ لأن ~~حكم هذه الشجاج يثبت للشين الذي يلحق المشجوج ببقاء أثرها بدليل أنها لو ~~برئت ولم يبق لها أثر لم يجب بها أرش والشين إنما يلحق فيها فيما يظهر في ~~البدن، وذلك هو الوجه والرأس، وأما ما سواهما فلا يظهر بل لعلها يغطى عادة ~~فلا يلحق الشين فيه مثل ما يلحق في الوجه والرأس # PageV07P296 # والله - سبحانه وتعالى - الموفق. ### | [فصل في أحكام كل نوع من أنواع الجناية فيما دون النفس] # (فصل) : # وأما أحكام هذه الأنواع فهذه الأنواع مختلفة الأحكام (منها) : ما يجب فيه ~~القصاص، ومنها ما يجب فيه دية كاملة، ومنها ما يجب فيه أرش مقدر (ومنها) ما ~~يجب فيه أرش غير مقدر (أما) الذي فيه القصاص فهو الذي استجمع شرائط الوجوب ~~فيقع الكلام في موضعين: (أحدهما) : في بيان شرائط وجوب القصاص (والثاني) : ~~في بيان وقت الحكم بالقصاص (أما) الأول: فنقول: شرائط وجوب القصاص أنواع: ~~(بعضها) : يعم النفس وما دونها، وبعضها يخص ما دون النفس. # (أما) الشرائط العامة: فما ذكرنا في بيان شرائط وجوب القصاص في النفس من ~~كون الجاني عاقلا بالغا متعمدا ms4640 مختارا، وكون المجني عليه معصوما مطلقا لا ~~يكون جزء الجاني ولا ملكه. # وكون الجناية حاصلة على طريق المباشرة لما ذكرنا من الدلائل (وأما) ~~الشرائط التي تخص الجناية فيما دون النفس فمنها المماثلة بين المحلين في ~~المنافع والفعلين وبين الأرشين؛ لأن المماثلة فيما دون النفس معتبرة بالقدر ~~الممكن فانعدامها يمنع وجوب القصاص، والدليل على أن المماثلة فيما دون ~~النفس معتبرة شرعا للنص والمعقول (أما) النص فقوله - تبارك وتعالى - ~~{وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين} [المائدة: 45] إلى قوله ~~تعالى - جل شأنه - {والجروح قصاص} [المائدة: 45] ، فإن قيل: ليس في كتاب ~~الله - تبارك وتعالى - بيان حكم ما دون النفس، لا في هذه الآية الشريفة، ~~وأنه إخبار عن حكم التوراة، فيكون شريعة من قبلنا، وشريعة من قبلنا لا ~~تلزمنا (فالجواب) : أن من القراء المعروفين من ابتدأ الكلام من قوله عز ~~شأنه: {والعين بالعين} [المائدة: 45] بالرفع إلى قوله - تبارك وتعالى -: ~~{فمن تصدق به} [المائدة: 45] على ابتداء الإيجاب لا على الإخبار عما في ~~التوراة، فكان هذا شريعتنا، لا شريعة من قبلنا على أن هذا إن كان إخبارا عن ~~شريعة التوراة لكن لم يثبت نسخه بكتابنا، ولا بسنة رسولنا - صلى الله عليه ~~وسلم - فيصير شريعة لنبينا - صلى الله عليه وسلم - مبتدأة فيلزمنا العمل به ~~على أنه شريعة رسولنا - صلى الله عليه وسلم - لا على أنه شريعة من قبله من ~~الرسل على ما عرف في أصول الفقه إلا أنه لم يذكر وجوب القصاص في اليد ~~والرجل نصا لكن الإيجاب في العين والأنف والأذن والسن إيجاب في اليد والرجل ~~دلالة؛ لأنه لا ينتفع بالمذكور من السمع والبصر والشم والسن إلا صاحبه ~~(ويجوز) أن ينتفع باليد والرجل غير صاحبهما، فكان الإيجاب في العضو المنتفع ~~به في حقه على الخصوص إيجابا فيما هو منتفع به في حقه، وفي حق غيره من طريق ~~الأولى، فكان ذكر هذه الأعضاء ذكرا لليد والرجل بطريق الدلالة له، كما في ~~التأفف مع الضرب في الشتم على أن في كتابنا حكم ما دون النفس قال الله ms4641 {فمن ~~اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194] وقال الله - ~~تعالى - عز شأنه (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) وأحق ما يعمل فيه ~~بهاتين الآيتين ما دون النفس (وقال) تبارك وتعالى {من عمل سيئة فلا يجزى ~~إلا مثلها} [غافر: 40] ونحو ذلك من الآيات (وأما) المعقول فهو: أن ما دون ~~النفس له حكم الأموال؛ لأنه خلق وقاية للنفس كالأموال. # ألا ترى أنه يستوفى في الحل والحرم كما يستوفى المال. # وكذا الوصي يلي استيفاء ما دون النفس للصغير، كما يلي استيفاء ماله ~~فتعتبر فيه المماثلة كما تعتبر في إتلاف الأموال (ومنها) : أن يكون المثل ~~ممكن الاستيفاء؛ لأن استيفاء المثل بدون إمكان استيفائه ممتنع، فيمتنع وجوب ~~الاستيفاء ضرورة، وينبني على هذين الأصلين مسائل (فنقول) وبالله - تعالى - ~~التوفيق -: لا يؤخذ شيء من الأصل إلا بمثله فلا تؤخذ اليد إلا باليد؛ لأن ~~غير اليد ليس من جنسها فلم يكن مثلا لها؛ إذ التجانس شرط للمماثلة. # (وكذا) الرجل والأصبع والعين والأنف ونحوها لما قلنا (وكذا) الإبهام لا ~~تؤخذ إلا بالإبهام، ولا السبابة إلا بالسبابة، ولا الوسطى إلا بالوسطى، ولا ~~البنصر إلا بالبنصر، ولا الخنصر إلا بالخنصر؛ لأن منافع الأصابع مختلفة؛ ~~فكانت كالأجناس المختلفة. # وكذلك لا تؤخذ اليد اليمين إلا باليمين، ولا اليسرى إلا باليسرى؛ لأن ~~لليمين فضلا على اليسار؛ ولذلك سميت يمينا. # وكذلك الرجل. # وكذلك أصابع اليدين والرجلين لا تؤخذ اليمين منهما إلا باليمين، ولا ~~اليسرى إلا باليسرى. # وكذلك الأعين؛ لما قلنا وكذلك الأسنان لا تؤخذ الثنية إلا بالثنية، ولا ~~الناب إلا بالناب، ولا الضرس إلا بالضرس لاختلاف منافعها فإن بعضها قواطع ~~وبعضها طواحن وبعضها ضواحك، واختلاف المنفعة بين الشيئين يلحقهما بجنسين، ~~ولا مماثلة عند اختلاف الجنس. # وكذا لا يؤخذ الأعلى منها بالأسفل، ولا الأسفل # PageV07P297 # بالأعلى لتفاوت بين الأعلى والأسفل في المنفعة، ولا يؤخذ الصحيح من ~~الأطراف إلا بالصحيح منها فلا تقطع اليد الصحيحة، ولا كاملة الأصابع بناقصة ~~الأصابع، أو مفصل من الأصابع. # وكذلك الرجل والأصبع وغيرها؛ لعدم المماثلة بين الصحيحين والمعيب، وإن ms4642 ~~كان العيب في طرف الجاني فالمجني عليه بالخيار إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ ~~أرش الصحيح؛ لأن حقه في المثل، وهو السليم، ولا يمكنه استيفاء حقه من كل ~~وجه مع فوات صفة السلامة، وأمكنه الاستيفاء من وجه، ولا سبيل إلى إلزام ~~الاستيفاء حتما لما فيه من إلزام استيفاء حقه ناقصا، وهذا لا يجوز فيخير إن ~~شاء رضي بقدر حقه، واستوفاه ناقصا، وإن شاء عدل إلى بدل حقه، وهو كمال ~~الأرش، كمن أتلف على إنسان شيئا له مثل، والمتلف جيد، فانقطع عن أيدي ~~الناس، ولم يبق منه إلا الرديء، وإن صاحب الحق يكون بالخيار إن شاء أخذ ~~الموجود ناقصا، وإن شاء عدل إلى قيمة الجيد لما قلنا كذا هذا (ولو أراد) ~~المجني عليه أن يأخذه ويضمنه النقصان هل له ذلك؟ قال أصحابنا - رحمهم الله ~~- تعالى -: ليس له ذلك. # (وقال) الشافعي: له ذلك قوله: إن حقه في المثل ولا يمكنه استيفاؤه من هذه ~~اليد من كل وجه فيستوفي حقه منها بقدر ما يمكن، ويضمنه الباقي، كما لو أتلف ~~على آخر شيئا من المثليات فانقطع عن أيدي الناس إلا قدر بعض حقه إنه يأخذ ~~القدر الموجود من المتلف ويضمنه الباقي، كذا هذا. # (ولنا) أنه قادر على استيفاء أصل حقه، وإنما الفائت هو الوصف، وهو صفة ~~السلامة، فإذا رضي باستيفاء أصل حقه ناقصا - كان ذلك رضا منه بسقوط حقه عن ~~الصفة، كما لو أتلف شيئا من ذوات الأمثال، وهو جيد، فانقطع عن أيدي الناس ~~نوع الجيد، ولا يوجد إلا الرديء منه إنه ليس له إلا أن يأخذه، أو قيمة ~~الجيد كذلك هذا بخلاف ما ذكره من المسألة؛ لأن هناك حق المتلف عليه متعلق ~~بمثل المتلف بكل جزء من أجزائه صورة ومعنى، فكان له أن يستوفي الموجود، ~~ويأخذ قيمة الباقي، وههنا حق المجني عليه لم يتعلق إلا بالقطع من المفصل ~~دون الأصابع بدليل أنه لو أراد أن يقطع الأصابع، ويبرأ عن الكف ليس له ذلك، ~~فلم تكن الأصابع عين حقه، إن كان البعض قطع الأصابع ms4643 بأن كانت جارية مجرى ~~الصفة كالجودة في المكيل فلا يكون له أن يطالب بشيء آخر كما في تلك ~~المسألة. # (ولو) ذهبت الجارحة المعينة قبل أن يختار المجني عليه، أخذها أو قطعها ~~قاطع - بطل حق المجني عليه في القصاص لفوات محله (وهل يجب) الأرش على ~~الجاني؟ فالكلام فيه كالكلام فيما إذا قطع يدا صحيحة، وهو على التفصيل الذي ~~ذكرنا فيما تقدم أنها إن سقطت بآفة سماوية أو قطعت ظلما لا شيء عليه، ولو ~~قطعت بحق من قصاص أو سرقة فعليه أرش اليد المقطوعة (وعند) الشافعي - رحمه ~~الله -: عليه الأرش في الوجهين، والكلام فيه راجع إلى أصل، وقد تقدم ذكره، ~~وهو أن موجب العمد القصاص عينا عندنا في النفس، وما دونه (وعنده) أحدهما: ~~غير عين في قول، وفي قول القصاص عينا لكن مع حق العدول إلى المال (وقد) ~~ذكرنا هذا الأصل بفروعه في بيان حكم الجناية على النفس إلا أنه إذا كان ~~القطع بحق يجب الأرش؛ لأنه قضى بالطرف حقا مستحقا عليه فصار كأنه قائم ~~وتعذر استيفاء القصاص لعذر الخطأ وغيره على ما مر ذكره، وإذا ثبت هذا في ~~الصحيحة فنقول: حق المجني عليه كان متعلقا باليد المعينة بعينها، وإنما ~~ينتقل عنها إلى الأرش عند اختياره، فإذا لم يختر حتى هلكت بقي حقه متعلقا ~~باليد، فإن قيل: أليس أنه كان مخيرا بين القصاص والأرش فإذا فات أحدهما ~~تعين الآخر؟ قيل: لا بل حقه كان في اليد على التعيين إلا أن له أن يعدل عنه ~~إلى بدله عند الاختيار، فإذا هلك قبل الاختيار بقي حقه في اليد، فإذا هلكت ~~فقد بطل محل الحق، فبطل الحق أصلا ورأسا، والله - تعالى - عز وجل - الموفق ~~(ولو كانت) يد القاطع صحيحة وقت القطع ثم شلت بعده فلا حق للمقطوع في ~~الأرش؛ لأن حقه ثبت في اليد عينا بالقطع فلا ينتقل إلى الأرش بالنقصان، كما ~~إذا ذهب الكل بآفة سماوية أنه يسقط حقه أصلا ولا ينتقل إلى الأرش لما قلنا ~~كذا هذا، ولا قصاص إلا فيما يقطع من ms4644 المفاصل مفصل الزند، أو مفصل المرفق، ~~أو مفصل الكتف في اليد، أو مفصل الكعب، أو مفصل الركبة، أو مفصل الورك في ~~الرجل، وما كان من غير المفاصل فلا قصاص فيه كما إذا قطع من الساعد أو ~~العضد أو الساق أو الفخذ؛ لأنه يمكن استيفاء المثل من المفاصل، ولا يمكن من ~~غيرها. # (وليس) في لحم الساعد والعضد والساق والفخذ، ولا # PageV07P298 # في الألية قصاص، ولا في لحم الخدين، ولحم الظهر، والبطن، ولا في جلدة ~~الرأس، وجلدة اليدين إذا قطعت لتعذر استيفاء المثل، ولا في اللطمة، ~~والوكزة، والوجأة، والدقة لما قلنا، ولا يؤخذ العدد بالعدد فيما دون النفس ~~مما يجب على أحدهما فيه القصاص لو انفرد كالاثنين إذا قطعا يد رجل أو رجله ~~أو إصبعه أو أذهبا سمعه أو بصره أو قلعا سنا له أو نحو ذلك من الجوارح التي ~~على الواحد منهما فيها القصاص لو انفرد به فلا قصاص عليهما، وعليهما الأرش ~~نصفان. # وكذلك ما زاد على الثلاث من العدد فهو بمنزلة الاثنين، ولا قصاص عليهم، ~~وعليهم الأرش على عددهم بالسواء، وهذا عندنا، وعند الشافعي يجب القصاص ~~عليهم وإن كثروا، كما في النفس، واحتج بما روي أن رجلين شهدا بين يدي سيدنا ~~علي - رضي الله تعالى عنه - على رجل بالسرقة فأمر بقطع يده ثم جاءا بآخر ~~وقالا أوهمنا إنما السارق هذا يا أمير المؤمنين فقال سيدنا علي - رضي الله ~~تعالى عنه -: لا أصدقكما على هذا، وأغرمكما دية الأول، ولو علمت أنكما ~~تعمدتما لقطعت أيديكما، فقد اعتقد سيدنا علي - رضي الله تعالى عنه - قطع ~~اليدين بيد واحدة، وإنما قال ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم ~~-، ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد منهم فيكون إجماعا، ولأن اليد تابعة للنفس ~~ثم الأنفس تقتل بنفس واحدة فكذا الأيدي تقطع بيد واحدة؛ لأن حكم التبع حكم ~~الأصل. # (ولنا) أن المماثلة فيما دون النفس معتبرة لما ذكرنا من الدلائل، ولا ~~مماثلة بين الأيدي، ويد واحدة لا في الذات، ولا في المنفعة، ولا في الفعل ~~(أما) في ms4645 الذات فلا شك فيه، لأنه لا مماثلة بين العدد بين الفرد من حيث ~~الذات يحققه أنه لا تقطع الصحيحة بالشلاء، والفائت هو المماثلة من حيث ~~الوصف فقط ففوات المماثلة في الوصف لما منع جريان القصاص ففواتها في الذات ~~أولى (وأما) في المنفعة فلأن من المنافع ما لا يتأتى إلا باليدين كالكتابة، ~~والخياطة، ونحو ذلك. # وكذا منفعة اليدين أكثر من منفعة يد واحدة عادة (وأما) في الفعل فلأن ~~الموجود من كل واحد منهما قطع بعض اليد كأنه وضع أحدهما السكين من جانب، ~~والآخر من جانب آخر، والجزاء قطع كل واحد من كل واحد منهما، وقطع كل اليد ~~أكثر من قطع بعض اليد، وانعدام المماثلة من وجه تكفي لجريان القصاص كيف وقد ~~انعدمت من وجوه؟ وأما قول سيدنا علي - رضي الله عنه - فلا حجة له فيه، لأنه ~~إنما قال ذلك على سبيل السياسة بدليل أنه أضاف القطع إلى نفسه، وذا لا يكون ~~إلا بطريق السياسة، والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو قطع رجل يمينا رجلين تقطع يمينه ثم إن حضرا جميعا فلهما أن يقطعا ~~يمينه، ويأخذا منه دية يد بينهما نصفين، وهذا قول أصحابنا - رحمهم الله -. # وقال الشافعي - رحمه الله -: إذا كان على التعاقب يقطع للأول، ويغرم ~~الدية للثاني كما قال في القتل، وإن كان على الاجتماع يقرع بينهما فيقطع ~~لمن خرجت قرعته، ويغرم للآخر الدية كما قال في النفس. # (وجه) قوله أنه إذا قطع على الترتيب صارت يده حقا للأول فلا تصير حقا ~~للثاني فتجب الدية للثاني، وإذا قطع اليدين على الاجتماع فقد صارت يده حقا ~~لأحدهما غير عين، وتتعين بالقرعة. # (ولنا) أنهما استويا في سبب استحقاق القصاص فيستويان في الاستحقاق، ودليل ~~الوصف أن سبب الاستحقاق قطع اليد، وقد وجد قطع اليد في حق كل واحد منهما ~~فيستحق كل واحد منهما قطع يده، ولا يحصل من كل واحد منهما في يد واحدة إلا ~~قطع بعضها فلم يستوف كل واحد منهما بالقطع إلا بعض حقه فيستوفى الباقي من ~~الأرش، ولأن كل واحد منهما ms4646 لما استوفى بعض حقه بقطع اليد صار القاطع قاضيا ~~ببعض يده حقا مستحقا عليه فيجعل كأن يده قائمة، وتعذر استيفاء القصاص لعذر ~~فتجب الدية (وقوله) صارت يده حقا لمن له القصاص ممنوع فإن ملك القصاص ليس ~~ملك المحل بل هو ملك الفعل، وهو إطلاق الاستيفاء؛ لأن حرية من عليه تمنع ~~ثبوت الملك؛ لأنها تنبئ عن الخلوص. # والملك في المحل بثبوت فيه فينافيه الخلوص (والدليل) عليه أنه لو قطعت ~~يده بغير حق ثابت كانت الدية له ولو صارت يده مملوكة لمن له القصاص لكانت ~~الدية له دل أن ملك القصاص ليس هو ملك المحل بل ملك الفعل، وهو إطلاق ~~الاستيفاء، ولا تنافي فيه فإطلاق الاستيفاء للأول لا يمنع إطلاق استيفاء ~~الثاني. # وهذا بخلاف النفس أن الواحد يقتل بالجماعة اكتفاء؛ لأن هناك كل واحد منهم ~~استوفى حقه على الكمال؛ لأن حقه في القتل، وكل واحد منهم استوفى القتل ~~بكماله لما ذكرنا في الجناية على النفس فيما تقدم، وإن حضر أحدهما - والآخر ~~غائب - فللحاضر # PageV07P299 # أن يقتص، ولا ينتظر الغائب لما ذكرنا أن حق كل واحد منهما ثابت في كل ~~اليد، وإنما التمانع في استيفاء الكل بحكم التزاحم بحكم المشاركة في ~~الاستيفاء، فإذا كان أحدهما غائبا فلا يزاحم الحاضر فكان له أن يستوفي كأحد ~~الشفيعين إذا حضر يقضى له بالشفعة في كل المبيع (ولأن) حق الحاضر إذا كان ~~ثابتا في كل اليد، وأراد الاستيفاء، والغائب قد يحضر وقد لا يحضر، وقد ~~يطالب بعض الحضور، وقد يعفو فلا يجوز تأخير حق الحاضر في الاستيفاء والمنع ~~منه للحال بعد طلبه لأمر محتمل، ولهذا قضي بالشفعة لأحد الشفيعين إذا حضر ~~وطلب، ولا ينتظر حضور الغائب كذا هذا. # وللآخر دية يده على القاطع، لأنه تعذر استيفاء حقه بعد ثبوته فيصار إلى ~~البدل ولأن القاطع قضى به حقا مستحقا عليه فيلزمه الدية، وإن عفا أحدهما ~~بطل حقه. # وكان للآخر القصاص إذا كان العفو قبل قضاء القاضي بالإجماع؛ لأن حق كل ~~واحد منهما ثابت في اليد على الكمال فالعفو من ms4647 أحدهما لا يؤثر في حق الآخر ~~كما في القصاص في النفس. # وكذلك لو عدا أحدهما على القاطع فقطع يده فقد استوفى حقه فللآخر الدية ~~لما ذكرنا (وأما) إذا قضى القاضي بالقصاص بينهما ثم عفا أحدهما فللآخر أن ~~يستوفي القصاص في قولهما استحسانا (وقال) محمد - رحمه الله -: إذا قضى ~~القاضي بالقصاص في اليد بينهما نصفين وبدية اليد بينهما نصفين ثم عفا ~~أحدهما - بطل القصاص. # (وجه) قوله إن حق كل واحد منهما - وإن كان ثابتا في كل اليد لكن القاضي ~~لما قضى بالقصاص بينهما فقد أثبت الشركة بينهما فصار حق كل واحد منهما في ~~البعض، فإذا عفا أحدهما سقط البعض، ولا يتمكن الآخر من استيفاء الكل. # (وجه) قولهما أن قضاء القاضي بالشركة لم يصادف محله؛ لأن الشرع ما ورد ~~بوجوب القطع في بعض اليد فيلحق بالعدم أو يجعل مجازا عن الفتوى كأنه أفتى ~~بما يجب لهما، وهو أن يجتمعا على القطع، ويأخذ الدية بينهما فكان عفو ~~أحدهما بعد القضاء كعفوه قبله ولو قضى القاضي بالدية بينهما فقبضاها ثم عفا ~~أحدهما لم يكن للآخر القصاص وينقلب نصيبه مالا؛ لأنهما لما قبضا الدية فقد ~~ملكاها، وثبوت الملك في الدية يقتضي أن لا يبقى الحق في كل اليد فسقط حق كل ~~واحد منهما عن نصف اليد، فإذا عفا أحدهما لا يثبت للآخر ولاية استيفاء كل ~~اليد (وكذلك) لو أخذ بالدية رهنا؛ لأن قبض الرهن قبض استيفاء؛ لأن الدين ~~كأنه في الرهن بدليل أنه إذا هلك يسقط الدين فصار قبضهما الرهن كقبضهما ~~الدين (ولو) أخذ بالدية كفيلا ثم عفا أحدهما فللآخر القصاص، لأنه ليس في ~~الكفالة معنى الاستيفاء بل هو للتوثق لجانب الوجوب فكان الحكم بعد الكفالة ~~كالحكم قبلها. # (ولو قطع) من رجل يديه أو رجليه قطعت يداه ورجلاه؛ لأن استيفاء المثل ~~ممكن. # ولو قطع من رجل يمينه، ومن آخر يساره قطعت يمينه لصاحب اليمين، ويساره ~~لصاحب اليسار؛ لأن تحقيق المماثلة فيه، وأنه ممكن (فإن قيل) القاطع ما أبطل ~~عليهما منفعة الجنسين فكيف تبطل عليه منفعة ms4648 الجنس؟ فالجواب أن كل واحد ~~منهما ما استحق عليه إلا قطع يد واحدة، وليس في قطع يد واحدة تفويت منفعة ~~الجنس فكان الجزاء مثل الجناية إلا أن فوات منفعة الجنس عند اجتماع الفعلين ~~حصل ضرورة غير مضاف إليهما. # ولو قطع أصبع رجل كلها من المفصل ثم قطع يد آخر أو يدا باليد ثم يقطع ~~الأصبع، وذلك كله في يد واحدة في اليمين أو في اليسار فلا يخلو (إما) أن ~~جاءا جميعا يطلبان القصاص، وإما إن جاءا متفرقين فإن جاءا جميعا يبدأ ~~بالقصاص في الأصبع فتقطع الأصبع بالأصبع ثم يخير صاحب اليد فإن شاء قطع ما ~~بقي، وإن شاء أخذ دية يده من مال القاطع؛ لأن حق كل واحد منهما في مثل ما ~~قطع منه فحق صاحب اليد في قطع اليد، وحق صاحب الأصبع في قطع الأصبع فيجب ~~إيفاء حق كل واحد منهما بقدر الإمكان، وذلك في البداية بالقصاص في الأصبع، ~~لأنا لو بدأنا بالقصاص في اليد لبطل حق صاحب الأصبع في القصاص أصلا ورأسا، ~~ولو بدأنا بالقصاص في الأصبع لم يبطل حق الآخر في القصاص أصلا ورأسا، لأنه ~~يتمكن من استيفائه مع النقصان فكانت البداية بالأصبع أولى، وإنما خير صاحب ~~اليد بعد قطع الأصبع؛ لأن الكف صارت معيبة بقطع الأصبع فوجد حقه ناقصا ~~فيثبت له الخيار كالأشل إذا قطع يد الصحيح. # وإن جاءا متفرقين فإن جاء صاحب اليد - وصاحب الأصبع غائب - تقطع اليد ~~لصاحب اليد؛ لأن حق صاحب اليد ثابت في اليد فلا يجوز منعه من استيفاء حقه ~~لحق غائب يحتمل أن يحضر ويطالب ويحتمل # PageV07P300 # أن لا يحضر، ولا يطالب فإن جاء صاحب الأصبع بعد ذلك أخذ الأرش لتعذر ~~استيفاء حقه عليه بعد ثبوته فيأخذ بدله ولأن القاطع قضى بطرفه حقا مستحقا ~~عليه فصار كأنه قائم، وتعذر الاستيفاء لمانع فيلزمه الأرش، وإن جاء صاحب ~~الأصبع، وصاحب اليد غائب تقطع الأصبع لصاحب الأصبع لما ذكرنا في صاحب اليد ~~ثم إذا جاء صاحب اليد بعد ذلك أخذ الأرش لما قلنا. # ولو قطع ms4649 أصبع رجل من مفصل ثم قطع أصبع رجل آخر من مفصلين ثم قطع أصبع آخر ~~كلها، وذلك كله في أصبع واحدة فهو على التفصيل الذي ذكرنا أن الأمر لا يخلو ~~(إما) إن جاءوا جميعا يطلبون القصاص، وإما إن جاءوا متفرقين: فإن جاءوا ~~جميعا يبدأ بقطع المفصل الأعلى لصاحب الأعلى ثم يخير صاحب المفصلين فإن شاء ~~استوفى الأوسط بحقه كله، ولا شيء له من الأرش، وإن شاء أخذ ثلثي دية أصبعه ~~من ماله ثم يخير صاحب الأصبع فإن شاء أخذ ما بقي بأصبعه، وإن شاء أخذ دية ~~أصبعه من مال الذي قطعها، وإنما كان كذلك لما بينا أن حق كل واحد منهما في ~~مثل ما قطع منه فيجب إيفاء حقوقهم بقدر الإمكان، وذلك في البداية بما لا ~~يسقط حق بعضهم، وهو أن يبدأ بقطع المفصل الأعلى لصاحب الأعلى؛ لأن البداية ~~لا تبطل حق الباقين في القصاص أصلا لإمكان استيفاء حقيهما مع النقصان، وفي ~~البداية بالقصاص في الأصبع إبطال حق الباقين أصلا، ورب رجل يختار القصاص - ~~وإن كان ناقصا - تشفيا للصدر، وإذا قطع منه المفصل الأعلى لصاحب الأعلى ~~يخير الباقيان؛ لأن كل واحد منهما وجد حقه ناقصا لحدوث العيب بالطرف. # وإن جاءوا متفرقين فإن جاء صاحب الأصبع أولا تقطع له الأصبع لما ذكرنا في ~~المسألة المتقدمة، فإذا جاء الباقيان بعد ذلك يقضى لهما بالأرش، لصاحب ~~المفصل الأعلى ثلث دية الأصبع، ولصاحب المفصلين ثلثا دية الأصبع لما قلنا. # وإن جاء صاحب المفصلين أولا يقطع له المفصلان لما ذكرنا في المسألة ~~المتقدمة، ويقضى لصاحب المفصل الأعلى بالأرش لما مر، وصاحب الأصبع بالخيار ~~إن شاء أخذ ما بقي واستوفى حقه ناقصا، وإن شاء أخذ دية الأصبع لما مر. # وإن جاء صاحب الأعلى أولا فهو كما إذا جاءوا معا، وقد ذكرنا حكمه، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # ولو قطع كف رجل من مفصل ثم قطع يد آخر من المرفق أو بدأ بالمرفق ثم ~~بالكف، وهما في يد واحدة في اليمين أو في اليسار ثم اجتمعا فإن الكف ms4650 يقطع ~~لصاحب الكف ثم يخير صاحب المرفق فإن شاء قطع ما بقي بحقه كله، وإن شاء أخذ ~~الأرش لما بينا. # وإن جاء أحدهما، والآخر غائب فإن جاء صاحب الكف قطع له الكف، ولا ينتظر ~~الغائب لما مر ثم إذا جاء صاحب المرفق أخذ الأرش، وإن جاء صاحب المرفق أولا ~~يقطع له المرفق أولا ثم إذا جاء صاحب اليد بعد ذلك يأخذ أرش اليد، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # ولو قطع المفصل الأعلى من سبابة رجل ثم عاد فقطع المفصل الثاني منها ~~فعليه القصاص من المفصل الأول، ولا قصاص عليه في المفصل الثاني وعليه قيمة ~~الأرش. # وكذلك لو قطع أصبع رجل من أصلها ثم قطع الكف التي منها الأصبع كان عليه ~~القصاص في الأصبع، ولا قصاص عليه في الكف وعليه الأرش في الكف ناقصة بأصبع. # وكذلك لو قطع يد رجل، وهي صحيحة ثم قطع ساعده من المرفق من اليد التي قطع ~~منها الكف عليه في اليد القصاص، ولا قصاص عليه في الساعد بل فيه أرش حكومة ~~كذا روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - ولم يفصل بين ما إذا كانت الجناية ~~الثانية بعد برء الأولى أو قبلها. # وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - إذا كانت الثانية بعد برء ~~الأولى فهما جنايتان متفرقتان، وإن كانت قبل البرء فهي جناية واحدة، ذكر ~~قولهما في الزيادات (وجه) قولهما أن الجنايتين إذا كانتا قبل البرء فهما في ~~حكم جناية واحدة بدليل أن من قطع يد رجل خطأ ثم قتله وجبت عليه دية واحدة ~~فصار كأنه قطع المفصلين معا بضربة واحدة فيجب القصاص فيهما، وإذا برئت ~~الأولى فقد استقرت واستقر حكمها فكانت الثانية جناية مفردة في مفصل مفرد ~~فتفرد بحكمها فيجب القصاص في الأولى والأرش في الثانية، ولأبي حنيفة - رضي ~~الله عنه - أن وقت قطع المفصل الأعلى كانت الأصبعان صحيحتين أعني أصبع ~~القاطع والمقطوع له المفصل أولا، فكانت بين الأصبعين مماثلة فأمكن استيفاء ~~القصاص على وجه المماثلة، ولم يكن بينهما مماثلة وقت قطع المفصل الثاني؛ ~~لأن ms4651 # PageV07P301 # أصبع القاطع كامل وقت القطع فيكون استيفاء الكامل بالناقص، وهذا لا يجوز ~~فإن قيل: وقت قطع المفصل الثاني كان القصاص مستحقا في المفصل الأعلى من ~~القاطع، والمستحق كالمستوفى فكان استيفاء الناقص بالناقص، فالجواب عنه من ~~وجهين؛ أحدهما إن نفس الاستحقاق لا يوجب النقصان بدليل أنه لو جاء الأجنبي ~~وقطع ذلك المفصل عمدا وجب القصاص عليه. # ولو ثبت القصاص بنفس الاستحقاق لما وجب فثبت أن النقصان لا يثبت بمجرد ~~الاستحقاق، وإنما يثبت بالاستيفاء، ولم يوجد، فلو وجب النقصان لكان استيفاء ~~الكامل بالناقص، والثاني إن سلم أن النقصان يثبت بنفس الاستحقاق والوجوب ~~لكن حكما لا حقيقة، والأول ناقص حقيقة فلم يكن بينهما مماثلة. # ولو قطع المفصل الأعلى منها فاقتص منه ثم قطع المفصل الثاني، وبرئ اقتص ~~منه؛ لأن أصبع القاطع كانت ناقصة وقت قطع المفصل الثاني فيكون استيفاء ~~الناقص بالناقص فتحققت المماثلة. # ولو كان غيره قطع المفصل الأعلى منها ثم قطع هو المفصل الثاني منها فلا ~~قصاص عليه لانعدام المساواة بين أصبع القاطع والمقطوع، وعليه ثلث دية اليد. # ولو قطع المفصل الأعلى فبرئ ثم قطع المفصل الثاني فمات فالولي بالخيار إن ~~شاء قطع المفصل ثم قتل لأن فيه استيفاء مثل حقه في القطع والقتل، وإن شاء ~~ترك المفصل وقتل؛ لأن في إتلاف النفس إتلاف الطرف فكان المقصود حاصلا، ~~بخلاف ما إذا كانت الجنايتان من رجلين فمات من إحداهما دون الأخرى أنه إن ~~كان ذلك كله عمدا فعلى صاحب النفس القصاص في النفس، وعلى صاحب الجناية فيما ~~دون النفس القصاص في ذلك إن كان يستطاع، وإن كان لا يستطاع فالأرش، وإن كان ~~ذلك خطأ فعلى صاحب النفس دية النفس، وعلى صاحب الجراحة فيما دون النفس أرش ~~ذلك. # وإن كان أحدهما عمدا، والآخر خطأ فعلى العامد القصاص، وعلى الخاطئ الأرش، ~~ولا يدخل أحدهما في الآخر، سواء كان بعد البرء أو قبل البرء ولأن الجنايتين ~~إذا كانتا من شخص واحد يمكن جعلهما كجناية واحدة كأنهما حصلا بضربة واحدة، ~~وإذا كانتا من شخصين لا يمكن أن ms4652 يجعلا كجناية واحدة؛ لأن جعل فعل أحدهما ~~فعل الآخر لا يتصور فلا بد أن نعتبر فعل كل واحد منهما بانفراده، سواء برئت ~~الجناية الأولى أو لم تبرأ على ما نبين إن شاء الله تعالى. # ولو قطع من رجل نصف المفصل الأعلى من السبابة ثم قطع نصف المفصل الباقي ~~إن كان قبل البرء يقتص منه فيقطع منه المفصل كله؛ لأنه إذا كان قبل البرء ~~صار كأنه قطع المفصلين جميعا بضربة واحدة، ولو كان كذلك يقتص منه ويقطع منه ~~المفصل كله، كذا هذا. # وإن كان بعد البرء لا يقتص منه، وتجب حكومة العدل في كل نصف؛ لأنه لا ~~يمكن استيفاء القصاص من نصف المفصل، وليس له أرش مقدر فتجب حكومة العدل. # ولو قطع من رجل نصف المفصل الأعلى من السبابة ثم عاد فقطع المفصل الثاني ~~فإن كان قبل البرء فلا قصاص عليه، وعليه القصاص في المفصل، والحكومة في نصف ~~المفصل لأنه يصير كأنه قطعهما دفعة واحدة، ولو فعل ذلك لا قصاص عليه لتعذر ~~الاستيفاء بصفة المماثلة فكان عليه الأرش في المفصل وحكومة العدل في نصف ~~المفصل، كذا هذا. # وإن كان بعد البرء يجب القصاص في المفصل وحكومة العدل في نصف المفصل لأنه ~~إذا برئ الأول فقد استقر حكمه، والاستيفاء بصفة المماثلة ممكن فثبت ولاية ~~الاستيفاء فلا يمكن استيفاء القصاص في نصف المفصل، وليس له أرش مقدر فتجب ~~فيه حكومة العدل. # ولو قطع من رجل يمينه من المفصل فاقتص منه ثم إن أحدهما قطع من الآخر ~~الذراع من المرفق فلا قصاص فيه، وفيه حكومة العدل عند أصحابنا الثلاثة - ~~رضي الله عنهم -. # وقال زفر - رحمه الله - يجب القصاص كذا ذكر القاضي الخلاف في شرحه مختصر ~~الطحاوي - رحمه الله - وذكر الكرخي عليه الرحمة الخلاف بين أبي حنيفة وأبي ~~يوسف - رضي الله عنهما - (وجه) قول أبي يوسف وزفر أن استيفاء القصاص على ~~سبيل المماثلة ممكن؛ لأن المحلين استويا، والمرفق مفصل فكان المثل مقدور ~~الاستيفاء فلا معنى للمصير إلى الحكومة كما لو قطع يد إنسان من مفصل ms4653 الزند، ~~ولأبي حنيفة ومحمد أن القصاص فيما دون النفس يعتمد المساواة في الأرش؛ لأن ~~ما دون النفس يسلك به مسلك الأموال لما بينا، والمساواة في إتلاف الأموال ~~معتبرة، ولهذا لا يجري القصاص بين طرفي الذكر والأنثى، والحر والعبد # PageV07P302 # لاختلاف الأرش، وههنا لا يعرف التساوي في الأرش لأن أرش الذراع حكومة ~~العدل، وذلك يكون بالحزر والظن فلا يعرف التساوي بين أرشيهما؛ لأن قطع الكف ~~يوجب وهن الساعد وضعفه، وليس له أرش مقدر، وقيمة الوهن والضعف فيه لا تعرف ~~إلا بالحزر والظن فلا تعرف المماثلة بين أرشي الساعدين فيمتنع وجوب القصاص. # وعلى هذا الخلاف إذا قطع يد رجل وفيها أصبع زائدة، وفي يد القاطع أصبع ~~زائدة مثل ذلك أنه لا قصاص عند أبي حنيفة ومحمد، وفيهما حكومة العدل. # وعند أبي يوسف يجب القصاص لوجود المساواة بين اليدين، ولهما أن الأصبع ~~الزائدة في الكف نقص فيها وعيب، وهو نقص يعرف بالحزر والظن فلا تعرف ~~المماثلة بين الكفين. # ولو قطع أصبعا زائدة وفي يده مثلها فلا قصاص عليه بالإجماع؛ لأن الأصبع ~~الزائدة في معنى التزلزل، ولا قصاص في المتزلزل؛ ولأنها نقص ولا تعرف قيمة ~~النقصان إلا بالحزر والظن؛ ولأنه ليس لهما أرش مقدر فلا تعرف المماثلة. # ولو قطع الكف التي فيها أصبع زائدة فإن كانت تلك الأصبع توهن الكف ~~وتنقصها فلا قصاص فيها، وإن كانت لا تنقصها ففيها القصاص. # ولا قصاص بين الأشلين، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة سواء كانت يد المقطوعة ~~يده أقلهما شللا أو أكثر أو هما سواء، وهو قول أبي يوسف. # وقال زفر إن كانا سواء ففيهما القصاص، وإن كانت يد المقطوعة يده أقلهما ~~شللا كان بالخيار إن شاء قطع يد القاطع، وإن شاء ضمنه أرش يده شلاء. # وإن كانت يد المقطوعة يده أكثرهما شللا فلا قصاص وله أرش يده، والصحيح ~~قولنا لأن بعض الشلل في يديهما يوجب اختلاف أرشيهما، وذلك يعرف بالحزر ~~والظن فلا تعرف المماثلة وكذلك مقطوع الإبهام كلها إذا قطع يدا مثل يده لم ~~يكن بينهما قصاص ms4654 في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن قطع الإبهام يوهن الكف ~~ويسقط تقدير الأرش فلا يعرف إلا بالحزر والظن فلا تعرف المماثلة. # ولو قطع يد رجل ثم قتله فإن كان بعد البرء لا تدخل اليد في النفس بلا ~~خلاف، والولي بالخيار إن شاء قطع يده ثم قتله، وإن شاء اكتفى بالقتل، وإن ~~شاء عفا عن النفس وقطع يده، وإن كان قبل البرء فكذلك في قول أبي حنيفة، وفي ~~قولهما تدخل اليد في النفس وله أن يقتله وليس له أن يقطع يده (وجه) قولهما ~~أن الجناية على ما دون النفس إذا لم يتصل بها البرء لا حكم لها مع الجناية ~~على النفس في الشريعة بل يدخل ما دون النفس في النفس كما إذا قطع يده خطأ ~~ثم قتله قبل البرء حتى لا يجب عليه إلا دية النفس ولأبي حنيفة - رضي الله ~~عنه - أن حق المجني عليه في المثل وذلك في القطع والقتل، والاستيفاء بصفة ~~المماثلة ممكن فإذا قطع المولى يده ثم قتله كان مستوفيا للمثل فيكون الجزاء ~~مثل الجناية جزاء وفاقا بخلاف الخطأ؛ لأن المثل هناك غير مستحق بل المستحق ~~غير المثل؛ لأن المال ليس بمثل النفس. # وكان ينبغي أن لا يجب أصلا إلا أن وجوبه ثبت معدولا به عن الأصل عند ~~استقرار سبب الوجوب فبقيت الزيادة حال عدم استقرار السبب لعدم البرء مردودة ~~إلى حكم الأصل، والله تعالى أعلم هذا إذا كانا جميعا عمدا فأما إذا كانا ~~جميعا خطأ فإن كان بعد البرء لا يدخل ما دون النفس في النفس، وتجب دية ~~كاملة ونصف دية تتحمله العاقلة، وتؤدى في ثلاث سنين: في السنة الأولى ثلثا ~~الدية ثلث من الدية الكاملة، وثلث من نصف الدية. # وفي السنة الثانية نصف الدية ثلث من الدية الكاملة، وسدس من النصف. # وفي السنة الثالثة ثلث الدية؛ لأن الدية الكاملة تؤدى في ثلاث سنين، ونصف ~~الدية يؤدى في سنتين من الثلاث، وهذا يوجب أن يكون قدر المؤدى منهما، وإنما ~~لم يدخل ما دون النفس في النفس؛ ms4655 لأن الأول لما برئ فقد استقر حكمه فكان ~~الباقي جناية مبتدأ فيبتدأ بحكمها، وإن كان قبل البرء يدخل ما دون النفس في ~~النفس، ويجب دية واحدة؛ لأن حكم الأول لم يستقر. # وإن كان أحدهما عمدا والآخر خطأ لا يدخل ما دون النفس في النفس بل يعتبر ~~كل واحدة منهما بحكمه، سواء كان بعد البرء أو قبله لأن العمد مع الخطأ ~~جنايتان مختلفان فلا يحتملان التداخل فيعطى لكل واحد منهما حكم نفسها فيجب ~~في العمد القصاص، وفي الخطأ الأرش هذا كله إذا كان الجاني واحدا فقطع ثم ~~قتل فأما إذا كانا اثنين فقطع أحدهما يده ثم قتله الآخر فلا يدخل ما دون ~~النفس في النفس كيفما كان بعد البرء أو قبله؛ لأن الأصل اعتبار كل جناية ~~بحيالها لأن كل واحد منهما جناية على حدة فكان الأصل عدم التداخل # PageV07P303 # وإفراد كل جناية بحكمها إلا أن عند اتحاد الجاني، وعدم البرء قد يجعلان ~~كجناية واحدة كأنهما حصلا بضربة واحدة تقديرا، ولا يمكن هذا التقدير عند ~~اختلاف الجاني لاستحالة أن يكون فعل كل واحد منهما فعلا لصاحبه حقيقة فتعذر ~~التقدير فبقي فعل كل واحد منهما جناية مفردة حقيقة وتقديرا فيفرد حكمها، ~~فإن كانتا جميعا عمدا يجب القصاص على كل واحد منهما من القطع والقتل، وإن ~~كانتا جميعا خطأ يجب الدية عليهما يتحمل عنهما عاقلتهما في القطع والقتل، ~~وإن كان أحدهما عمدا، والآخر خطأ يجب القصاص في العمد، والأرش في الخطأ. # ولو قطع أصبع يد رجل عمدا، وقطع آخر يده من الزند فمات فالقصاص على ~~الثاني في قول أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله -. # وقال زفر - رحمه الله -: عليهما جميعا، وبه أخذ الشافعي (وجه) قول زفر أن ~~السراية باعتبار الألم، والقطع الأول اتصل ألمه بالنفس، وتكامل بالثاني ~~فكانت السراية مضافة إلى الفعلين فيجب القصاص عليهما. # (ولنا) أن السراية باعتبار الآلام المترادفة التي لا تتحملها النفس إلى ~~أن يموت، وقطع اليد يمنع وصول الألم من الأصبع إلى النفس فكان قطعا للسراية ~~فبقيت السراية مضافة إلى قطع اليد، وصار ms4656 كما لو قطع الأصبع فبرئت ثم قطع ~~آخر يده فمات، وهناك القصاص على الثاني، كذا هذا بل أولى؛ لأن القطع في ~~المنع من الأثر، وهو وصول الألم إلى النفس فوق البرء إذ البرء يحتمل ~~الانتقاص، والقطع لا يحتمل ثم زوال الأثر بالبرء يقطع السراية فزواله ~~بالقطع كان أولى وأحرى ولو جنى على ما دون النفس فسرى فالسراية لا تخلو إما ~~إن كانت إلى النفس، وإما إن كانت إلى عضو آخر فإن كانت إلى النفس فالجاني ~~لا يخلو إما أن كان متعديا في الجناية وإما إن لم يكن فإن كان متعديا في ~~الجناية والجناية بحديد أو بخشبة تعمل عمل السلاح فمات من ذلك فعليه القصاص ~~سواء كانت الجناية مما توجب القصاص لو برئت أو لا توجب، كما إذا قطع يد ~~إنسان من الزند أو من الساعد أو شجه موضحة أو آمة أو جائفة أو أبان طرفا من ~~أطرافه أو جرحه جراحة مطلقة فمات من ذلك فعليه القصاص لأنه لما سرى بطل حكم ~~ما دون النفس، وتبين أنه وقع قتلا من حين وجوده، وللولي أن يقتله، وليس له ~~أن يفعل به مثل ما فعل حتى لو كان قطع يده ليس له أن يقطع يده عندنا، وعند ~~الشافعي - رحمه الله - أنه يفعل به مثل ما فعل فإن مات من ذلك وإلا قتله. # وكذلك إذا قطع رجل يد رجل ورجليه فمات من ذلك تحز رقبته عندنا، وعنده ~~يفعل به مثل ما فعل، وقد ذكرنا المسألة فيما تقدم. # ولو قطع يده فعفا المقطوع عن القطع ثم سرى إلى النفس ومات فإن عفا عن ~~الجناية أو عن القطع، وما يحدث منه أو الجراحة، وما يحدث منها فهو عن النفس ~~بالإجماع، وإن عفا عن القطع أو الجراحة ولم يقل وما يحدث منها لا يكون عفوا ~~عن النفس، وعلى القاطع دية النفس في ماله في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه ~~- وفي قولهما يكون عفوا عن النفس ولا شيء عليه، والمسألة بأخواتها قد مرت ~~في مسائل العفو عن ms4657 القصاص في النفس. # ولو كان له على رجل قصاص في النفس فقطع يده ثم عفا عن النفس، وبرئت اليد ~~ضمن دية اليد في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف، ومحمد لا ضمان عليه (وجه) ~~قولهما إن نفس القاتل بالقتل صارت حقا لولي القتيل، والنفس اسم لجملة ~~الأجزاء فإذا قطع يده فقد استوفى حق نفسه فلا يضمن، ولهذا لو قطع يده ثم ~~قتله لا يجب عليه ضمان اليد ولو لم تكن اليد حقه لوجب الضمان عليه دل أنه ~~بالقطع استوفى حق نفسه فبعد ذلك إن عفا عن النفس فالعفو ينصرف إلى القائم ~~لا إلى المستوفي كمن استوفى بعض ديته ثم أبرأ الغريم إن الإبراء ينصرف إلى ~~ما بقي لا إلى المستوفي كذا هذا ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - إن حق من له ~~القصاص في الفعل وهو القتل لا في المحل وهو النفس، أو يقال حقه في النفس ~~لكن في القتل لا في حق القطع؛ لأن حقه في المثل والموجود منه القتل لا ~~القطع، ومثل القتل هو القتل فكان أجنبيا عن اليد فإذا قطع اليد فقد استوفى ~~ما ليس بحق له وهو متقوم فيضمن. # وكان القياس أن يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة فتجب الدية إلا أنه إذا ~~قطع اليد ثم قتله لا يجب عليه ضمان اليد، وإن كان متعديا في القطع مسيئا ~~فيه لأنه لا قيمة لها مع إتلاف النفس بالقصاص فلا يضمن كما لو قطع يد مرتد ~~أنه لا يضمن وإن كان متعديا في القطع لما قلنا، كذا هذا ولأنه كان مخيرا ~~بين القصاص وبين العفو فإذا عفا استند العفو إلى الأصل كأنه عفا ثم قطع ~~فكان القطع استيفاء غير حقه فيضمن هذا إذا كان متعديا في الجناية على # PageV07P304 # ما دون النفس فأما إذا لم يكن متعديا فيها فلا يجب القصاص للشبهة، وتجب ~~الدية في بعضها، ولا تجب في البعض. # وبيان ذلك في مسائل: إذا قطع يد رجل عمدا حتى وجب عليه القصاص فقطع الرجل ~~يده فمات من ذلك ضمن ms4658 الدية في قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وفي قولهما لا ~~شيء عليه. # ولو قطع الإمام يد السارق فمات منه لا ضمان على الإمام ولا على بيت ~~المال. # وكذلك الفصاد والبزاغ والحجام إذا سرت جراحاتهم لا ضمان عليهم بالإجماع ~~(وجه) قولهما إن الموت حصل بفعل مأذون فيه وهو القطع فلا يكون مضمونا ~~كالإمام إذا قطع السارق فمات منه ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه استوفى ~~غير حقه؛ لأن حقه في القطع وهو أتى بالقتل؛ لأن القتل اسم لفعل يؤثر في ~~فوات الحياة عادة، وقد وجد فيضمن، كما إذا قطع يد إنسان ظلما فسرى إلى ~~النفس. # وكان القياس أن يجب القصاص إلا أنه سقط للشبهة فتجب الدية، وهكذا نقول في ~~الإمام أن فعله وقع قتلا إلا أنه لا سبيل إلى إيجاب الضمان للضرورة؛ لأن ~~إقامة الحد مستحقة عليه، والتحرز عن السراية ليس في وسعه فلو أوجبنا الضمان ~~لامتنع الأئمة عن الإقامة خوفا عن لزوم الضمان، وفيه تعطيل الحدود، والقطع ~~ليس بمستحق على من له القصاص بل هو مخير فيه، والأولى هو العفو ولا ضرورة ~~إلى إسقاط الضمان بعد وجود سببه. # ولو ضرب امرأته للنشوز فماتت منه يضمن؛ لأن المأذون فيه هو التأديب لا ~~القتل، ولما اتصل به الموت تبين أنه وقع قتلا. # ولو ضرب الأب أو الوصي الصبي للتأديب فمات ضمن في قول أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه - وفي قولهما لا يضمن. # وجه قولهما أن الأب والوصي مأذونان في تأديب الصبي وتهذيبه، والمتولد من ~~الفعل المأذون فيه لا يكون مضمونا كما لو عزر الإمام إنسانا فمات (وجه) قول ~~أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن التأديب اسم لفعل يبقى المؤدب حيا بعده فإذا ~~سرى تبين أنه قتل وليس بتأديب، وهما غير مأذونين في القتل. # ولو ضربه المعلم أو الأستاذ فمات؛ إن كان الضرب بغير أمر الأب أو الوصي ~~يضمن لأنه متعد في الضرب، والمتولد منه يكون مضمونا عليه، وإن كان بإذنه لا ~~يضمن للضرورة لأن المعلم إذا علم أنه يلزمه الضمان بالسراية وليس ms4659 في وسعه ~~التحرز عنها يمتنع عن التعليم فكان في التضمين سد باب التعليم وبالناس حاجة ~~إلى ذلك فسقط اعتبار السراية في حقه لهذه الضرورة، وهذه الضرورة لم توجد في ~~الأب؛ لأن لزوم الضمان لا يمنعه عن التأديب لفرط شفقته على ولده فلا يسقط ~~اعتبار السراية من غير ضرورة. # ولو قطع يد مرتد فأسلم ثم مات فلا شيء على القاطع، وهذا يؤيد مذهب أبي ~~حنيفة - رضي الله عنه - في اعتبار وقت الفعل، والأصل في هذا أن الجناية إذا ~~وردت على ما ليس بمضمون فالسراية لا تكون مضمونة؛ لأن الضمان يجب بالفعل ~~السابق، والفعل صادف محلا غير مضمون. # وكذلك لو قطع يد حربي ثم أسلم ثم مات من القطع أنه لا شيء على القاطع؛ ~~لأن الجناية وردت على محل غير مضمون فلا تكون مضمونة. # وهكذا لو قطع يد عبده ثم أعتقه ثم مات لم يضمن السراية؛ لأن يد العبد غير ~~مضمونة في حقه. # ولو قطع يده، وهو مسلم ثم ارتد، والعياذ بالله، ثم مات فعلى القاطع دية ~~اليد لا غير لأنه أبطل عصمة نفسه بالردة فصارت الردة بمنزلة الإبراء عن ~~السراية، ولو رجع إلى الإسلام ثم مات فعلى القاطع دية النفس في قولهما، ~~وعند محمد عليه دية اليد لا غير. # وجه قوله على نحو ما ذكرنا أنه لما ارتد فكأنه أبرأ القاطع عن السراية. # وجه قولهما أن الجناية يتعلق حكمها بالابتداء أو بالانتهاء، وما بينهما ~~لا يتعلق به حكم، والمحل ههنا مضمون في الحالين فكانت الجناية مضمونة فيهما ~~فلا تعتبر الردة العارضة فيما بينهما (وأما) قول محمد الردة بمنزلة البراءة ~~فنعم لكن بشرط الموت عليها؛ لأن حكم الردة موقوف على الإسلام والموت، وقد ~~كانت الجناية مضمونة فوقف حكم السراية أيضا وكذلك لو لحق بدار الحرب، ولم ~~يقض القاضي بلحوقه ثم رجع إلينا مسلما ثم مات من القطع فهو على هذا الخلاف، ~~وإن كان القاضي قضى بلحوقه ثم عاد مسلما ثم مات من القطع فعلى القاطع دية ~~يده لا غير بالإجماع؛ لأن لحوقه ms4660 بدار الحرب يقطع حقوقه بدليل أنه يقسم ماله ~~بين ورثته بعد اللحوق، ولا يقسم قبله فصار كالإبراء عن الجناية. # ولو قطع يد عبد خطأ فأعتقه مولاه ثم مات منها فلا شيء على القاطع غير أرش ~~اليد وعتقه كبرء اليد لأن السراية لو كانت مضمونة على الجاني فإما أن تكون ~~مضمونة عليه للمولى (وإما) أن تكون مضمونة عليه للعبد، لا سبيل إلى الأول؛ ~~لأن المولى ليس بمالك له بعد العتق، ولا # PageV07P305 # وجه للثاني؛ لما ذكرنا أن السراية تكون تابعة للجناية فالجناية لما لم ~~تكن مضمونة للعبد لا تكون سرايتها مضمونة له، ولهذا قلنا إذا باعه المولى ~~بعد القطع سقط حكم السراية وليس قطع اليد في هذا مثل الرمي في قول أبي ~~حنيفة - رحمه الله - حيث أوجب عليه بالرمي القيمة وإن أعتقه المولى ولم ~~يوجب في القطع إلا أرش اليد لما ذكرنا أن الرمي سبب الإصابة لا محالة فصار ~~جانيا به وقت الرمي (فأما) القطع فليس بموجب للسراية لا محالة، والله تعالى ~~أعلم. # وإن كان قطع يد العبد عمدا فأعتقه مولاه ثم مات العبد ينظر إن كان المولى ~~هو وارثه لا وارث له غيره فله أن يقتل الجاني في قولهما خلافا لمحمد، وقد ~~مرت المسألة، وإن كان له وارث غيره يحجبه عن ميراثه ويدخل معه في ميراثه ~~فلا قصاص لاشتباه الولي على ما مر، ولو لم يعتقه بعد القطع ولكنه دبره أو ~~كانت أمة فاستولدها فإنه لا تنقطع السراية ويجب نصف القيمة، ويجب ما نقص ~~بعد الجناية قبل الموت هذا إذا كان خطأ، وإن كان عمدا فللمولى أن يقتص ~~بالإجماع ولو كاتبه والمسألة بحالها فبالكتابة برئ عن السراية فيجب نصف ~~القيمة للمولى فإذا مات وكان خطأ لا يجب عليه شيء آخر، وإن كان عمدا فإن ~~كان عاجزا فللمولى أن يقتص لأنه مات عبدا، وإن مات عن وفاء فقد مات حرا ~~فينظر إن كان له وارث يحجب المولى أو يشاركه فلا قصاص عليه، ويجب عليه أرش ~~اليد لا غير، وإن لم يكن له ms4661 وارث غير المولى فللمولى أن يقتص عندهما، وعند ~~محمد - رحمه الله - ليس له أن يقتص، وعليه أرش اليد لا غير، وإن كان القطع ~~بعد الكتابة فمات وكان القطع خطأ أو مات عاجزا فالقيمة للمولى، وإن مات عن ~~وفاء فالقيمة للورثة، وإن كان عمدا فإن مات عاجزا فللمولى أن يقتص، وإن مات ~~عن وفاء مات حرا ثم ينظر إن كان مع المولى وارث يحجبه أو يشاركه في الميراث ~~فلا قصاص، وإن لم يكن له وارث غير المولى فعلى الاختلاف الذي ذكرنا، والله ~~تعالى أعلم هذا إذا كانت السراية إلى النفس فأما إذا كانت إلى العضو فالأصل ~~أن الجناية إذا حصلت في عضو فسرت إلى عضو آخر - والعضو الثاني لا قصاص فيه ~~- فلا قصاص في الأول أيضا، وهذا الأصل يطرد على أصل أبي حنيفة عليه الرحمة ~~في مسائل. # إذا قطع أصبعا من يد رجل فشلت الكف فلا قصاص فيهما، وعليه دية اليد بلا ~~خلاف بين أصحابنا - رحمهم الله - لأن الموجود من القاطع قطع مشل للكف، ولا ~~يقدر المقطوع على مثله فلم يكن المثل ممكن الاستيفاء فلا يجب القصاص؛ ولأن ~~الجناية واحدة فلا يجب بها ضمانان مختلفان وهو القصاص والمال خصوصا عند ~~اتحاد المحل لأن الكف مع الأصبع بمنزلة عضو واحد. # وكذا إذا قطع مفصلا من أصبع فشل ما بقي أو شلت الكف لما قلنا فإن قال ~~المقطوع: أنا أقطع المفصل، وأترك ما يبس ليس له ذلك؛ لأن الجناية وقعت غير ~~موجبة للقصاص من الأصل لعدم إمكان الاستيفاء على وجه المماثلة على ما بينا ~~فكان الاقتصار على البعض استيفاء ما لا حق له فيه فيمنع من ذلك كما لو شجه ~~منقلة فقال المشجوج أنا أشجه موضحة وأترك أرش ما زاد لم يكن له ذلك. # وكذلك إذا كسر بعض سن إنسان واسود ما بقي فليس في شيء من ذلك قصاص؛ لأن ~~قصاصه هو كسر مسود للباقي، وذلك غير ممكن؛ ولأن الجناية واحدة فلا توجب ~~ضمانين مختلفين ولو قطع أصبعا فشلت إلى جنبها أخرى فلا ms4662 قصاص في شيء من ذلك ~~في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعليه دية الأصبعين. # وقال أبو يوسف ومحمد وزفر والحسن في الأول لا قصاص وفي الثاني الأرش، وجه ~~قولهم أن المحل متعدد والفعل يتعدد بتعدد المحل حكما، وإن كان متحدا حقيقة ~~لتعدد أثره، وههنا تعدد الأثر فيجعل فعلين فيفرد كل واحد منهما بحكمه فيجب ~~القصاص في الأول والدية في الثاني كما لو قطع أصبع إنسان فانسل السكين إلى ~~أصبع أخرى خطأ فقطعها حتى يجب القصاص في الأول والدية في الثاني. # وكما لو رمى سهما إلى إنسان فأصابه ونفذ منه وأصاب آخر حتى يجب القصاص في ~~الأول والدية في الثاني لما قلنا. # وكذلك هذا. # وإذا تعددت الجناية تفرد كل واحدة منهما بحكمها فيجب القصاص في الأولى ~~والأرش في الثانية. # وجه قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - ما ذكرنا أن المستحق فيما دون النفس ~~هو المثل، والمثل وهو القطع المشل ههنا غير مقدور الاستيفاء فلا يثبت ~~الاستحقاق؛ ولأن الجناية متحدة حقيقة، وهي قطع الأصبع، وقد تعلق به ضمان ~~المال فلا يتعلق به ضمان القصاص بخلاف ما إذا قطع أصبعا عمدا فنفذ السكين ~~إلى أخرى خطأ لأن الموجود # PageV07P306 # هناك فعلان حقيقة فجاز أن يفرد كل واحد منهما بحكم، وفي مسألة الرمي جعل ~~الفعل المتحد حقيقة متعددا شرعا بخلاف الحقيقة، ومن ادعى خلاف الحقيقة ههنا ~~يحتاج إلى الدليل. # ولو قطع أصبعا فسقط إلى جنبها أخرى فلا قصاص في شيء من ذلك في قول أبي ~~حنيفة - رضي الله عنه - وعندهما في ظاهر الرواية عنهما يجب في الأول ~~القصاص، وفي الثاني الأرش، وفي رواية ابن سماعة عن محمد أنه يجب القصاص ~~فيهما؛ لأن من أصله على هذه الرواية أن الجراحة التي فيها القصاص إذا تولد ~~منها ما يمكن فيه القصاص يجب القصاص فيهما جميعا، وههنا يمكن وفيما إذا قطع ~~أصبعا فشلت أخرى بجنبها لا يمكن فوجب القصاص في الأولى والأرش في الثانية. # وجه ظاهر قولهما على نحو ما ذكرنا فيما تقدم أن المحل متعدد، وأنه ms4663 يوجب ~~تعدد الفعل عند تعدد الأثر، وقد وجد ههنا فيجعل كجنايتين مختلفتين فيتعلق ~~بكل واحدة منهما حكمها، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه لا سبيل إلى ~~استيفاء القصاص على وجه المماثلة لأن ذلك هو القطع المسقط للأصبع، وذلك غير ~~ممكن؛ ولأن الجناية واحدة حقيقة فلا توجب إلا ضمانا واحدا، وقد وجب المال ~~فلا يجب القصاص. # ولو قطع أصبع رجل عمدا فسقطت الكف من المفصل فلا قصاص في ذلك في قول أبي ~~حنيفة - رحمه الله - وفيه دية اليد؛ لأن استيفاء المثل - وهو القطع المسقط ~~للكف - متعذر فيمتنع الوجوب؛ ولأن الكف مع الأصبع كعضو واحد فكانت الجناية ~~واحدة حقيقة وحكما، وقد تعلق بهما ضمان المال فلا يتعلق بهما القصاص وقال ~~أبو يوسف يقتص منه فتقطع يده من المفصل فرق أبو يوسف بين هذا، وبين ما إذا ~~قطع أصبعا فسقطت أخرى إلى جنبها أنه لا يجب القصاص في الثانية؛ لأن الأصبع ~~جزء من الكف، والسراية تتحقق من الجزء إلى الجملة كما تتحقق من اليد إلى ~~النفس، والأصبعان عضوان مفردان ليس أحدهما جزء الآخر فلا تتحقق السراية من ~~أحدهما إلى الآخر فوجب القصاص في الأولى دون الثانية، وعلى ما روى محمد - ~~رحمه الله - في النوادر يجب القصاص ههنا أيضا كما قال أبو يوسف - رحمه الله ~~- الله - لأنه جناية واحدة، وقد سرت إلى ما يمكن القصاص فيه فيجعل كأنه قطع ~~الكف من الزند. # ولو كسر بعض سن إنسان فسقطت لا قصاص فيه في قول أبي حنيفة عليه الرحمة ~~لأنه لا يمكن الاقتصاص بكسر مسقط للسن. # وقال أبو يوسف يجب القصاص كما قال في الأصبع إذا قطعت فسقطت منها الكف. # وكذلك عند محمد يجب القصاص على رواية النوادر لما ذكرنا من أصله. # وكذلك لو ضرب سن إنسان فتكسر بعضها وتحرك الباقي واستوفى حولا أنها إن ~~اسودت فلا قصاص فيها لتعذر استيفاء المثل، وهو الكسر المسود، وإن سقطت ~~فكذلك في قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وفيها الأرش لعدم إمكان استيفاء ~~المثل، وهو الكسر المسقط، فيجب فيها الأرش. ms4664 # وقال أبو يوسف فيها القصاص كما قال في الأصبع إذا قطعت الكف. # ولو شج إنسانا موضحة متعمدا فذهب منها بصره فلا قصاص في قول أبي حنيفة، ~~وفيها وفي البصر الأرش وقالا في الموضحة القصاص وفي البصر الدية، هذه رواية ~~الجامع الصغير عن محمد. # وروى ابن سماعة في نوادره عنه أن فيهما جميعا القصاص. # وجه هذه الرواية أنه تولد من جناية العمد إلى عضو يمكن فيه القصاص فيجب ~~فيه القصاص كما إذا سرى إلى النفس وجه ظاهر قولهما أن تلف البصر حصل من ~~طريق التسبيب لا من طريق السراية بدليل أن الشجة تبقى بعد ذهاب البصر، ~~وحدوث السراية يوجب تغير الجناية كالقطع إذا سرى إلى النفس أنه لا يبقى ~~قطعا بل يصير قتلا، وهنا الشجة لم تتغير بل بقيت شجة كما كانت فدل أن ذهاب ~~البصر ليس من طريق السراية بل من طريق التسبيب، والجناية بطريق التسبيب لا ~~توجب القصاص كما في حفر البئر ونحو ذلك. # ولو ذهبت عيناه ولسانه وسمعه وجماعه فلا قصاص في شيء من ذلك على أصل أبي ~~حنيفة - رضي الله عنه - وعلى قولهما في الموضحة القصاص ولا قصاص في العينين ~~في ظاهر قولهما بل فيهما الأرش، وعلى رواية النوادر عن محمد فيهما القصاص ~~دون اللسان والسمع والجماع لأنه لا يمكن فيهما القصاص إذ لا قصاص في ذهاب ~~منفعة اللسان والسمع والجماع في الشرع، وفي ذهاب البصر قصاص في الشريعة. # ولو ضربه بعصا فأوضحه ثم عاد فضربه أخرى إلى جنبها ثم تآكلتا حتى صارت ~~واحدة فهما موضحتان ولا قصاص فيهما، أما على أصل أبي حنيفة - رحمه الله - # PageV07P307 # فلعدم إمكان استيفاء المثل، وهما شجتان موضحتان تأكل بينهما (وأما) على ~~أصلهما فلأن ما تأكل بين الموضحتين تلف بسبب الجراحة، والإتلاف تسبيبا لا ~~يوجب القصاص، والله سبحانه وتعالى الموفق. # ولا قصاص في العين إذا قورت أو فسخت لأنا إذا فعلنا ما فعل، وهو التقوير ~~والفسخ لا يمكن استيفاء المثل إذ ليس له حد معلوم، وإن أذهبنا ضوءه فلم ~~نفعل مثل ما ms4665 فعل فتعذر الاستيفاء بصفة المماثلة فامتنع الوجوب وصار كمن قطع ~~يد إنسان من الساعد أنه لا يجب القصاص لأنه لا سبيل إلى القطع من الساعد ~~ولا من الزند لما قلنا فامتنع الوجوب، كذا هذا. # وإن ضرب عليها فذهب ضوءها مع بقاء الحدقة على حالها لم تنخسف ففيها ~~القصاص لقوله تبارك وتعالى {والعين بالعين} [المائدة: 45] ولأن القصاص على ~~سبيل المماثلة ممكن بأن يجعل على وجهه القطن المبلول، وتحمى المرآة، وتقرب ~~من عينه حتى يذهب ضوءها، وقيل أول من اهتدى إلى ذلك سيدنا علي - رضي الله ~~عنه - وأشار إلى ما ذكرنا فإنه روي أنه وقعت هذه الحادثة في زمن سيدنا ~~عثمان - رضي الله عنه - فجمع الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - وشاورهم في ~~ذلك فلم يكن عندهم حكمها حتى جاء سيدنا علي - رضي الله عنه - وأشار إلى ما ~~ذكرنا فلم ينكر عليه أحد فقضى به سيدنا عثمان بمحضر من الصحابة الكرام - ~~رضي الله عنهم - فيكون إجماعا، وإن انخسفت فلا قصاص لأن الثاني قد لا يقع ~~خاسفا بها فلا يكون مثل الأول. # وروي عن أبي يوسف أنه لا قصاص في عين الأحول؛ لأن الحول نقص في العين ~~فيكون استيفاء الكامل بالناقص فلا تتحقق المماثلة، ولهذا لا تقطع اليد ~~الصحيحة باليد الشلاء، كذا هذا ولا قصاص في الأشفار والأجفان لأنه لا يمكن ~~استيفاء المثل فيها (وأما) الأذن فإن استوعبها ففيها القصاص لقوله تبارك ~~وتعالى {والأذن بالأذن} [المائدة: 45] ولأن استيفاء المثل فيها ممكن فإن ~~قطع بعضها فإن كان له حد يعرف ففيه القصاص، وإلا فلا (وأما) الأنف فإن قطع ~~المارن ففيه القصاص بلا خلاف بين أصحابنا - رحمهم الله - لقوله سبحانه ~~وتعالى {والأنف بالأنف} [المائدة: 45] ولأن استيفاء المثل فيه ممكن؛ لأن له ~~حدا معلوما، وهو ما لان منه فإن قطع بعض المارن فلا قصاص فيه لتعذر استيفاء ~~المثل، وإن قطع قصبة الأنف فلا قصاص فيه لأنه عظم، ولا قصاص في العظم ولا ~~في السن لما نذكر إن شاء الله تعالى. # وقال أبو يوسف إن استوعب ففيه القصاص ms4666 وقال محمد لا قصاص فيه وإن استوعب. # ولا خلاف بينهما في الحقيقة؛ لأن أبا يوسف أراد استيعاب المارن، وفيه ~~القصاص بلا خلاف، ومحمد - رحمه الله - أراد به استيعاب القصبة، ولا قصاص ~~فيها بلا خلاف. # (وأما) الشفة فقد روي عن أبي حنيفة أنه قال إذا قطع شفة الرجل السفلى أو ~~العليا. # وكان يستطاع أن يقتص منه ففيه القصاص، وذكر الكرخي - رحمه الله - أنه إن ~~استقصاها بالقطع ففيها القصاص لإمكان استيفاء المثل عند الاستقصاء، وإن قطع ~~بعضها فلا قصاص فيه لعدم الإمكان، ولا قصاص في عظم إلا في السن لأنه لا ~~يعلم موضعه، ولا يؤمن فيه عن التعدي أيضا. # وقد روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه «لا قصاص في عظم» ، وفي السن ~~القصاص سواء كسر أو قلع لقول الله تبارك وتعالى {والسن بالسن} [المائدة: ~~45] ولأنه يمكن استيفاء المثل فيه بأن يؤخذ في الكسر من سن الكاسر مثل ما ~~كسر بالمبرد، وفي القلع يؤخذ سنه بالمبرد إلى أن ينتهي إلى اللحم ويسقط ما ~~سوى ذلك، وقيل في القلع أنه يقلع سنه؛ لأن تحقق المماثلة فيه، والأول ~~استيفاء على وجه النقصان إلا أن في القلع احتمال الزيادة لأنه لا يؤمن فيه ~~أن يفعل المقلوع أكثر مما فعل القالع (وأما) اللسان فإن قطع بعضه فلا قصاص ~~فيه لعدم إمكان استيفاء المثل، وإن استوعب فقد ذكر في الأصل أن اللسان لا ~~يقتص فيه وقال أبو يوسف فيه القصاص وجه قوله أن القطع إذا كان مستوعبا أمكن ~~استيفاء المثل فيه بالاستيعاب فيكون الجزاء مثل الجناية. # وجه ما ذكر في الأصل أن اللسان ينقبض وينبسط فلا يمكن استيفاء القصاص فيه ~~بصفة المماثلة، وإن قطع الحشفة ففيها القصاص لإمكان استيفاء المثل؛ لأن لها ~~حدا معلوما، وإن قطع بعضها أو بعض الذكر فلا قصاص فيه لأنه لا حد لذلك فلا ~~يمكن القطع بصفة المماثلة كما لو قطع بعض اللسان، ولو قطع الذكر من أصله ~~ذكر في الأصل أنه لا قصاص فيه. # وقال أبو يوسف فيه القصاص. # وجه قوله أن عند ms4667 الاستيعاب أمكن الاستيفاء على وجه المماثلة فيجب القصاص. # وجه ما ذكر في الأصل أن الذكر ينقبض مرة وينبسط أخرى فلا يمكن مراعاة # PageV07P308 # المماثلة فيه فلا يجب القصاص. # ولا قصاص في جز شعر الرأس وحلقه وحلق الحاجبين والشارب واللحية وإن لم ~~ينبت بعد الحلق والنتف (أما) الجز فلأنه لا يعلم موضعه فلا يمكن أخذ المثل ~~(وأما) الحلق والنتف الموجود من الحالق والناتف فلأن المستحق حلق ونتف غير ~~منبت، وذلك ليس في وسع المحلوق والمنتوف لجواز أن يقع حلقه ونتفه منبتا فلا ~~يكون مثل الأول. # وذكر في النوادر أنه يجب القصاص إذا لم ينبت، ولم يذكر حكم ثدي المرأة ~~أنه هل يجب فيه القصاص أم لا؟ وكذا لم يذكر حكم الأنثيين في وجوب القصاص ~~فيهما، وينبغي أن لا يجب القصاص فيهما؛ لأن كل ذلك ليس له مفصل معلوم فلا ~~يمكن استيفاء المثل. # (وأما) حلمة ثدي المرأة فينبغي أن يجب القصاص فيها؛ لأن لها حدا معلوما ~~فيمكن استيفاء المثل فيها كالحشفة # ولو ضرب على رأس إنسان حتى ذهب عقله أو سمعه أو كلامه أو شمه أو ذوقه أو ~~جماعه أو ماء صلبه فلا قصاص في شيء من ذلك لأنه لا يمكنه أن يضرب ضربا تذهب ~~به هذه الأشياء فلم يكن استيفاء المثل ممكنا فلا يجب القصاص. # وكذلك لو ضرب على يد رجل أو رجله فشلت لا قصاص عليه لأنه لا يمكنه أن ~~يضرب ضربا مشلا فلم يكن المثل مقدور الاستيفاء فلا يجب القصاص، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # وأما الشجاج فلا خلاف في أن الموضحة فيها القصاص لعموم قوله سبحانه ~~وتعالى {والجروح قصاص} [المائدة: 45] إلا ما خص بدليل ولأنه يمكن استيفاء ~~القصاص فيها على سبيل المماثلة؛ لأن لها حدا تنتهي إليه السكين، وهو العظم، ~~ولا خلاف في أنه لا قصاص فيما بعد الموضحة لتعدد الاستيفاء فيه على وجه ~~المماثلة؛ لأن الهاشمة تهشم العظم، والمنقلة تهشم وتنقل بعد الهشم، ولا ~~قصاص في هشم العظم لما بينا، والآمة لا يؤمن فيها من أن ينتهي السكين إلى ms4668 ~~الدماغ فلا يمكن استيفاء القصاص في هذه الشجاج على وجه المماثلة فلا يجب ~~القصاص بخلاف الموضحة (وأما) ما قبل الموضحة فقد ذكر محمد في الأصل أنه يجب ~~القصاص في الموضحة والسمحاق والباضعة والدامية، وروى الحسن عن أبي حنيفة - ~~رضي الله عنه - أنه لا قصاص في الشجاج إلا في الموضحة والسمحاق إن أمكن ~~القصاص في السمحاق. # وروي عن النخعي - رحمه الله - أنه قال ما دون الموضحة خدوش وفيها حكومة ~~عدل. # وكذا روي عن عمر بن عبد العزيز رحمهما الله. # وعن الشعبي - رحمه الله - أنه قال ما دون الموضحة فيه أجرة الطبيب (وجه) ~~رواية الحسن - رحمه الله - أن ما دون الموضحة مما ذكرنا لا حد له ينتهي ~~إليه السكين فلا يمكن الاستيفاء بصفة المماثلة (وجه) رواية الأصل أن ~~استيفاء المثل فيه ممكن لأنه يمكن معرفة قدر غور الجراحة بالمسبار ثم إذا ~~عرف قدره به يعمل حديدة على قدره فتنفذ في اللحم إلى آخرها فيستوفي منه مثل ~~ما فعل، ثم ما يجب فيه القصاص من الشجاج لا يقتص من الشاج إلا في موضع ~~الشجة من المشجوج من مقدم رأسه ومؤخره ووسطه وجنبيه؛ لأن وجوب القصاص للشين ~~الذي يلحق المشجوج، وذا يختلف باختلاف المواضع من الرأس. # ألا ترى أن الشين في مؤخر الرأس لا يكون مثل الشين الذي في مقدمه؟ ولهذا ~~يستوفى على مساحة الشجة من طولها وعرضها ما أمكن لاختلاف الشين باختلاف ~~الشجة في الصغر والكبر، وعلى هذا يخرج ما إذا شج رجلا موضحة فأخذت الشجة ما ~~بين قرني المشجوج، وهي لا تأخذ ما بين قرني الشاج لصغر رأس المشجوج وكبر ~~رأس الشاج أنه لا يستوعب ما بين قرني الشاج في القصاص؛ لأن في الاستيعاب ~~استيفاء الزيادة، وفيه زيادة الشين وهذا لا يجوز، ولكن يخير المشجوج إن شاء ~~اقتص من الشاج حتى يبلغ مقدار شجته في الطول ثم يكف، وإن شاء عدل إلى الأرش ~~لأنه وجد حقه ناقصا؛ لأن الشجة الأولى وقعت مستوعبة، والثانية لا يمكن ~~استيعابها فيثبت له الخيار فإن شاء استوفى ms4669 حقه ناقصا تشفيا للصدر، وإن شاء ~~عدل إلى الأرش كما قلنا في الأشل إذا قطع يد الصحيح فإن اختار القصاص فله ~~أن يبدأ من أي الجانبين شاء؛ لأن كل ذلك حقه فله أن يبتدأ من أيهما شاء، ~~وإن كانت الشجة تأخذ ما بين قرني المشجوج ولا تفضل وهي ما بين قرني الشاج، ~~وتفضل عن قرنيه لكبر رأس المشجوج وصغر رأس الشاج فللمشجوج الخيار إن شاء ~~أخذ الأرش، وإن شاء اقتص ما بين قرني الشاج لا يزيد على ذلك شيئا لأنه لا ~~سبيل إلى استيفاء الزيادة على ما بين قرني الشاج؛ لأنه ما زاد على ما بين ~~قرني المشجوج فلا يزاد على ما بين قرنيه فيخير المشجوج لأنه وجد حقه ناقصا ~~إذ الثانية دون الأولى في قدر الجراحة فإن شاء رضي # PageV07P309 # باستيفاء حقه ناقصا، واقتصر على ما بين قرني الشاج طلبا للتشفي. # وإن شاء عدل إلى الأرش، وإن كانت الشجة لا تأخذ بين قرني المشجوج، وهي ~~تأخذ ما بين قرني الشاج لا يجوز أن يستوعب بين قرني الشاج كله بالقصاص؛ لأن ~~الشجة الأولى وقعت غير مستوعبة فالاستيعاب في الجزء يكون زيادة، وهذا لا ~~يجوز وإن كان ذلك مقدار شجته في المساحة كما لا يجوز استيفاء ما فضل عن ~~قرني الشاج في المسألة الأولى، وإن كان ذلك مقدار الشجة الأولى في المساحة ~~وله الخيار لتعذر استيفاء مثل شجته في مقدارها في المساحة في الطول فإن شاء ~~اقتص ونقص عما بين قرني الشاج، وإن شاء ترك وأخذ الأرش. # وإن كانت الشجة في طول رأس المشجوج، وهي تأخذ من جبهته إلى قفاه ولا تبلغ ~~من الشاج إلى قفاه يخير المشجوج إن شاء اقتص مقدار شجته إلى مثل موضعها من ~~رأس الشاج لا يزيد عليه، وإن شاء أخذ الأرش لما بينا فيما تقدم. # وحكى الطحاوي عن علي بن العباس الرازي أنه قال إذا استوعبت الشجة ما بين ~~قرني المشجوج، ولم تستوعب ما بين قرني الشاج يقتص من الشاج ما بين قرنيه ~~كله، وإن زاد ذلك ms4670 على طول الشجة الأولى لأنه لا عبرة للصغر والكبر في ~~القصاص بين العضوين كما في اليدين والرجلين أنه يجري القصاص بينهما، وإن ~~كانت إحداهما أكبر من الأخرى فكذا في الشجة، وهذا الاعتبار غير سديد؛ لأن ~~وجوب القطع هناك لفوات المنفعة وأنها لا تختلف بالصغر والكبر. # ألا يرى أن اليد الصغيرة قد تكون أكثر منفعة من الكبيرة فإذا لم يختلف ما ~~وجب له لم يختلف الوجوب بخلاف الشجة لأن وجوب القصاص فيها للشين الذي يلحق ~~المشجوج وأنه يختلف فيزداد بزيادة الشجة وينتقص بنقصانها لذلك افترق ~~الأمران، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. # (وأما) الجراح فإن مات من شيء منها المجروح وجب القصاص؛ لأن الجراحة صارت ~~بالسراية نفسا، وإن لم يمت فلا قصاص في شيء منها، سواء كانت جائفة أو غيرها ~~لأنه لا يمكن استيفاء القصاص فيها على وجه المماثلة. # ومنها أن يكون الجاني، والمجني عليه حرين فإن كان أحدهما حرا والآخر عبدا ~~أو كانا عبدين فلا قصاص فيه. # ومنها أن يكونا ذكرين أو أنثيين عندنا فإن كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى ~~فلا قصاص فيه عند أصحابنا. # وعند الشافعي - رحمه الله - هذا ليس بشرط، ويجري القصاص بين الذكر ~~والأنثى فيما دون النفس كما يجرى في النفس، وهذان الشرطان في الحقيقة عندنا ~~متداخلان لأنهما دخلا في شرط المماثلة؛ لأن المماثلة في الأروش شرط وجوب ~~القصاص فيما دون النفس بدليل أن الصحيح لا يقطع بالأشل، ولا كامل الأصابع ~~بناقص الأصابع، ولما ذكرنا فيما تقدم أن ما دون النفس يسلك به مسلك الأموال ~~والمماثلة في الأموال في باب الأموال معتبرة، ولم توجد المماثلة بين ~~الأحرار والعبيد في الأروش؛ لأن أرش طرف العبد ليس بمقدر بل يجب باعتبار ~~قيمته، وأرش طرف الحر مقدر فلا يوجد التساوي بين أرشيهما، ولئن اتفق ~~استواؤهما في القدر فلا يعتبر ذلك؛ لأن قيمة طرف العبد تعرف بالحزر والظن ~~بتقويم المقومين فلا تعرف المساواة فلا يجب القصاص. # وكذا لم يوجد بين العبيد والعبيد لأنهم إن اختلفت قيمتهم فلم يوجد ~~التساوي في الأرش، وإن ms4671 استوت قيمتهم فلا يعرف ذلك إلا بالحزر والظن لأنه ~~يعرف بتقويم المقومين، وذلك يختلف فلا يعرف التساوي في أروشهم فلا يجب ~~القصاص أوتبقى فيه شبهة العدم، والشبهة في باب القصاص ملحقة بالحقيقة. # ولا بين الذكور والإناث فيما دون النفس؛ لأن أرش الأنثى نصف أرش الذكر. # وعند الشافعي - رحمه الله - المساواة في الأروش في الأحرار غير معتبرة ~~(وجه) قوله أن القصاص جرى بين نفسيهما فيجري بين طرفيهما؛ لأن الطرف تابع ~~للنفس (ولنا) أنه لا مساواة بين أرشيهما فلا قصاص في طرفيهما كالصحيح مع ~~الأشل. # ولا قصاص في الأظفار لانعدام المساواة في أروشها لأن أرش الظفر الحكومة، ~~وأنها معتبرة بالحزر والظن، والله تعالى الموفق. ### | [فصل في الجناية فيما دون النفس بالسلاح] # وأما كون الجناية فيما دون النفس بالسلاح فليس بشرط لوجوب القصاص فيه ~~فسواء كانت بسلاح أو غيره يجب فيه القصاص لأنه ليس فيما دون النفس شبهة ~~عمد، وإنما فيه عمد أو خطأ لما ذكرنا فيما تقدم فاستوى فيهما السلاح وغيره ~~هذا الذي ذكرنا شرائط وجوب القصاص فيما دون النفس (وأما) بيان وقت الحكم ~~بالقصاص فيما دون النفس فوقته ما بعد البرء فلا يحكم بالقصاص فيه ما لم ~~يبرأ، وهذا عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله - # PageV07P310 # وقته ما بعد الجناية ولا ينتظر (وجه) قوله أنه وجب القصاص للحال فله أن ~~يستوفي الواجب للحال. # (ولنا) ما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - قال «لا يستقاد من الجراحة ~~حتى يبرأ» . # وروي أن «رجلا جرح حسان بن ثابت - رحمه الله - في فخذه بعظم فجاء الأنصار ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطلبوا القصاص فقال - عليه الصلاة ~~والسلام - انتظروا ما يكون من صاحبكم فأنا والله منتظره» ، وهو أنه يحتمل ~~السراية، والجراحة عند السراية تصير قتلا فيتبين أنه استوفى غير حقه، وهذا ~~فرع مسألة ذكرناها، وهي أن المجروح إذا مات بالجراحة يجب القصاص بالنفس ~~عندنا لا في الطرف، وعند الشافعي - رحمه الله - يفعل به مثل ما فعل، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ### | [في الأعضاء التي تجب فيها الدية ms4672 كاملة] # وأما الذي فيه دية كاملة فالكلام فيه في موضعين: أحدهما في بيان سبب ~~الوجوب والثاني في بيان شرائطه. # أما السبب فهو تفويت المنفعة المقصودة من العضو على الكمال، وذلك في ~~الأصل بأحد أمرين: إبانة العضو وإذهاب معنى العضو مع بقاء العضو صورة. # أما الأول فالأعضاء التي تتعلق بانتهاء كمال الدية أنواع ثلاثة: نوع لا ~~نظير له في البدن، ونوع في البدن منه اثنان، ونوع في البدن منه أربعة (أما) ~~الذي لا نظير له في البدن فستة أعضاء أحدها الأنف سواء استوعب جدعا أو قطع ~~المارن منه وحده، وهو ما لان من الأنف، والثاني اللسان سواء استوعب قطعا أو ~~قطع منه ما يذهب بالكلام كله، والثالث الذكر سواء استوعب قطعا أو قطع ~~الحشفة منه وحدها، والأصل فيه ما روي عن سعيد بن المسيب أن رسول - صلى الله ~~عليه وسلم - قال «في النفس الدية وفي اللسان الدية وفي الذكر الدية وفي ~~الأنف الدية وفي المارن الدية» وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - كتب في ~~كتاب عمرو بن حزم «في النفس الدية وفي الأنف الدية وفي اللسان الدية» ولأنه ~~أبطل المنافع المقصودة من هذه الأعضاء، والجمال أيضا من بعضها فالمقصود من ~~الأنف الشم والجمال أيضا، ومن اللسان الكلام، ومن الذكر الجماع، والحشفة ~~يتعلق بها منفعة الإنزال، وقد زال ذلك كله بالقطع. # وإن كان ذهب بعض الكلام بقطع بعض اللسان دون بعض ففيه حكومة العدل لأنه ~~لم يوجد تفويت المنفعة على سبيل الكمال، وقيل تقسم الدية على عدد حروف ~~الهجاء فيجب من الدية بقدر ما فات من الحروف. # ونقلت هذه القضية عن سيدنا علي - رضي الله عنه - لأن المقصود من اللسان ~~هو الكلام، وقد فات بعضه دون بعض فيجب من الدية بقدر الفائت منها لكن إنما ~~يدخل في القسمة الحروف التي تفتقر إلى اللسان فأما ما لا يفتقر إلى اللسان ~~من الشفوية والحلقية كالباء والفاء والهاء ونحوهما فلا تدخل في القسمة. # والرابع الصلب إذا احدودب بالضرب وانقطع الماء، وهو المني، فيه دية كاملة ~~لوجود ms4673 تفويت منفعة الجنس. # والخامس مسلك البول. # والسادس مسلك الغائط من المرأة إذا أفضاها إنسان فصارت لا تستمسك البول ~~أو الغائط فعليه دية كاملة فإن صارت لا تستمسكهما فعليه لكل واحد منهما دية ~~كاملة لأنه فوت منفعة مقصودة بالعضو على الكمال فيجب عليه كمال الدية ~~(وأما) الأعضاء التي في البدن منها اثنان فالعينان، والأذنان، والشفتان، ~~والحاجبان إذا ذهب شعرهما ولم ينبت، والثديان والحلمتان والأنثيان، والأصل ~~فيه ما روي عن ابن المسيب أنه - عليه الصلاة والسلام - قال «وفي الأذنين ~~الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجلين الدية» ولأن في القطع كل اثنين من ~~هذين العضوين تفويت منفعة الجنس منفعة مقصودة أوتفويت الجمال على الكمال ~~كمنفعة البصر في العينين والبطش في اليدين والمشي في الرجلين والجمال في ~~الأذنين والحاجبين إذا لم ينبتا والشفتين ومنفعة إمساك الريق في إحداهما ~~وهي السفلى. # والثديان وكاء للبن، وفي الحلمتين منفعة الرضاع، والأنثيان وكاء المني ~~(وأما) الأعضاء التي منها أربعة في البدن فنوعان: أحدهما أشفار العينين، ~~وهي منابت الأهداب إذا لم تنبت لما في تفويتها من تفويت منفعة البصر ~~والجمال أيضا على الكمال، وفي كل شفر منها ربع الدية. # والثاني الأهداب، وهي شعر الأشفار إذا لم تنبت لما قلنا (وأما) إذهاب ~~معنى العضو مع بقاء صورته فنحو العقل والبصر والشم والذوق والجماع والإيلاد ~~بأن ضرب على رأس إنسان فذهب عقله أو سمعه أو كلامه أو شمه أو ذوقه أو جماعه ~~أو إيلاده بأن ضرب على ظهره فذهب ماء صلبه، والأصل فيه ما روي عن سيدنا عمر ~~- رضي الله عنه - أنه قضى في رجل واحد # PageV07P311 # بأربع ديات، ضرب على رأسه فذهب عقله وكلامه وبصره وذكره لأنه فوت المنافع ~~المقصودة عن هذه الأعضاء على سبيل الكمال (أما) العقل فلأن تفويته تفويت ~~منافع الأعضاء كلها لأنه لا يمكن الانتفاع بها فيما وضعت له بفوت العقل. # ألا ترى أن أفعال المجانين تخرج مخرج أفعال البهائم فكان إذهابه إبطالا ~~للنفس معنى (وأما) السمع والبصر والكلام والشم والذوق والجماع والإيلاد فكل ~~واحد منهما منفعة مقصودة، ms4674 وقد فوتها كلها. # ولو ضرب على رأس رجل فسقط شعره أو على رأس امرأة فسقط شعرها أو حلق لحية ~~رجل أو نتفها أو حلق شعر امرأة ولم ينبت فإن كان حرا ففيه الدية عند ~~أصحابنا - رضي الله عنهم -، وعند الشافعي فيه حكومة (وجه) قوله أنه لا يجب ~~كمال الدية إلا بإتلاف النفس؛ لأن الدية بدل النفس إلا أن الشرع ورد بذلك ~~عند تفويت منفعة الجنس كما في قطع اليدين والرجلين ونحو ذلك؛ لأن تفويت ~~منفعة الجنس يجعل النفس تالفة من وجه، ولم يوجد ذلك في حلق الشعر فبقي ~~الحكم فيه مردودا إلى الأصل، ولهذا لم يجب في حلق شعر سائر البدن (ولنا) أن ~~الشعر للنساء والرجال جمال كامل. # وكذا اللحية للرجال. # والدليل عليه ما روي من الحديث «أن الله تبارك وتعالى عز وجل خلق في سماء ~~الدنيا ملائكة من تسبيحهم سبحان الذي زين الرجال باللحى والنساء بالذوائب» ~~وتفويت الجمال على الكمال في حق الحر يوجب كمال الدية كالمارن والأذن ~~الشاخصة، والجامع بينهما إظهار شرف الآدمي وكرامته، وشرفه في الجمال فوق ~~شرفه في المنافع ثم تفويت المنافع على الكمال لما أوجب كمال الدية فتفويت ~~الجمال على الكمال أولى بخلاف شعر سائر البدن لأنه لا جمال فيه على الكمال ~~لأنه لا يظهر للناس فتفويته لا يوجب كمال الدية. # وقد روي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال في الرأس إذا حلق فلم ~~ينبت الدية كاملة. # وكذا روي عنه أنه قال في اللحية إذا حلقت فلم تنبت الدية # وروي أن رجلا أغلى ماء فصبه على رأس رجل فانسلخ جلد رأسه فقضى سيدنا علي ~~- رضي الله عنه - بالدية. # وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه قال إنما يجب كمال الدية في اللحية ~~إذا كانت كاملة بحيث يتجمل بها فأما إذا كانت طاقات متفرقة لا يتجمل بها ~~فلا شيء فيها، وإن كانت غير متوفرة بحيث يقع بها الجمال الكامل، وليست مما ~~يشين ففيها حكومة عدل. # وأما شعر العبد ولحيته فذكر في الأصل أن فيه حكومة. ms4675 # وروى الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن فيه القيمة (وجه) هذه ~~الرواية أن القيمة في العبيد كالدية في الأحرار فلما وجبت في الحر الدية ~~تجب في العبد القيمة (وجه) رواية الأصل أن الجمال في العبد ليس بمقصود بل ~~المقصود منهم الخدمة، وتفويت ما ليس بمقصود لا يتعلق به كمال الدية. # ولو حلق رأس إنسان أو لحيته ثم نبت فلا شيء عليه؛ لأن النابت قام مقام ~~الفائت فكأنه لم يفت الجمال أصلا. # وفي الصعر - وهو اعوجاج الرقبة - كمال الدية لوجود تفويت منفعة مقصودة ~~وتفويت الجمال على الكمال، والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) شرائط الوجوب (فمنها) أن تكون الجناية خطأ فيما في عمده القصاص ~~وأما ما لا قصاص في عمده فيستوي فيه العمد، والخطأ، وقد بينا ما في عمده ~~القصاص وما لا قصاص فيه فيما تقدم (ومنها) أن يكون المجني عليه ذكرا فإن ~~كان أنثى فعليه دية أنثى، وهو نصف دية الذكر سواء كان الجاني ذكرا أو أنثى ~~لإجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - على ذلك، وهو تنصيف دية الأنثى من ~~دية الذكر على ما ذكرنا في دية النفس (ومنها) أن يكون الجاني والمجني عليه ~~حرين فإن كان الجاني حرا والمجني عليه عبدا فلا دية فيه، وفيه القيمة في ~~قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - ثم إن كان قليل القيمة وجبت جميع القيمة، ~~وإن كان كثير القيمة بأن بلغت الدية ينقص من قيمته عشرة كذا روى أبو يوسف - ~~رحمه الله - تعالى عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه قال: كل شيء من الحر ~~فيه الدية فهو من العبد فيه القيمة، وكل شيء من الحر فيه نصف الدية فهو من ~~العبد فيه نصف القيمة. # وكذلك الجراحات. # وعموم هذه الرواية يقتضي أن كل شيء من الحر فيه قدر من الدية فمن العبد ~~فيه ذلك القدر من قيمته من غير فصل بين ما يقصد به المنفعة كالعين واليد ~~والرجل وبين ما يقصد به الجمال والزينة مثل الحاجب والشعر والأذن، وهكذا ~~روى الحسن - رحمه ms4676 الله - عنه أنه إن حلق أحد حاجبيه فلم ينبت أو نتف أشفار ~~عينيه الأسفل أو الأعلى يعني أهدابه فلم تنبت أو قطع إحدى شفتيه العليا أو ~~السفلى أن عليه في كل واحد من ذلك نصف القيمة. # وقال أبو يوسف # PageV07P312 # رجع أبو حنيفة في حاجب العبد وفي أذنيه وقال فيه حكومة العدل. # وكذا قال محمد استقبح أبو حنيفة - رحمه الله - أن يضمن في أذن العبد نصف ~~القيمة، وهذا دليل الرجوع أيضا، والحاصل أن الواجب فيما يقصد به المنفعة هو ~~القيمة رواية واحدة عنه، وفيما يقصد به الزينة والجمال عنه روايتان. # وقال محمد: الواجب في ذلك كله النقصان يقوم العبد مجنيا عليه ويقوم وليس ~~به الجناية فيغرم الجاني ما بين القيمتين، وهو قول أبي يوسف الآخر، وقوله ~~الأول مع أبي حنيفة (وجه) قول محمد أن ما دون النفس من العبد له حكم المال ~~لأنه خلق لمصلحة النفس كالمال وبدليل أنه لا يجب فيه القصاص ولا تتحمله ~~العاقلة فكان ضمانه ضمان الأموال، وضمان الأموال غير مقدر بل يجب بقدر ~~نقصان المال كما في سائر الأموال (وجه) رواية الجمع لأبي حنيفة - رضي الله ~~عنه - أن القيمة في العبد كالدية في الحر فلما جاز تقدير ضمان جناية الحر ~~بديته جاز تقدير ضمان جناية العبد بقيمته ولأن التقدير قد دخل على الجناية ~~عليه في النفس حتى لا يبلغ الدية إذا كان كثير القيمة فجاز أن يدخل في ضمان ~~الجناية فيما دون النفس كالحر (ووجه) رواية الفرق له أن الجمال ليس بمقصود ~~في العبيد بل المقصود منهم الخدمة فأما المنفعة فمقصودة من الأحرار والعبيد ~~جميعا ولأن ما دون النفس من العبيد له شبه النفس وشبه المال أما شبه النفس ~~فظاهر لأنه من أجزاء النفس حقيقة (وأما) شبه المال فإنه لا يجب فيه القصاص ~~ولا تتحمله العاقلة فيجب العمل بالشبهين فيعمل بشبه النفس فيما يقصد به ~~المنفعة بتقدير ضمانه بالقيمة كما لو جنى على النفس ويعمل بشبه المال فيما ~~يقصد به الجمال فلم يقدر ضمانه بالقيمة كما إذا ms4677 أتلف المال عملا بالشبهين ~~بقدر الإمكان، وقد خرج الجواب عما ذكر محمد من عدم وجوب القصاص وتحمل ~~العاقلة؛ لأن ذلك عمل بشبه المال، وأنه لا ينفي العمل بشبه النفس فيجب ~~العمل بهما جميعا، وذلك فيما قلنا. # ثم الحر إذا فقأ عيني عبد إنسان أو قطع يديه أو رجليه حتى وجب عليه كمال ~~القيمة فمولاه بالخيار إن شاء سلمه إلى الفاقئ وأخذ قيمته، وإن شاء أمسكه ~~ولا شيء له. # وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - له أن يمسكه ويأخذ ما نقصه. # وقال الشافعي - رحمه الله - له أن يمسكه ويأخذ جميع القيمة (وجه) قوله أن ~~الواجب فيه - وهو القيمة - ضمان العضوين الفائتين لا غير فيبقى الباقي على ~~ملكه كما لو فقأ إحدى عينيه أو قطع إحدى يديه أنه يضمن نصف قيمته ويبقى ~~الباقي على ملك مالكه، كذا هذا. # (وجه) قولهما أن الضمان بمقابلة العينين كما قال الشافعي عليه الرحمة لكن ~~الرقبة هلكت من وجه لفوات منفعة الجنس فيخير المولى إن شاء مال إلى جهة ~~الهلاك وضمنه القيمة وسلم العبد إلى الفاقئ لوصول عوض الرقبة إليه، وإن شاء ~~مال إلى جهة القيام وأمسكه وضمن النقصان وهو بدل العينين، كما يخير صاحب ~~المال عند النقصان الفاحش في المواضع كلها ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - ~~أنه لما وصل إلى المولى بدل النفس فلو بقي العبد على ملكه لاجتمع البدل ~~والمبدل في ملك رجل فيما يصح تمليكه بعقود المعاوضات، وهذا لا يجوز كما لا ~~يجوز اجتماع المبيع والثمن في ملك رجل واحد، ولا يلزم ما إذا غصب مدبرا ~~فأبق من يده أن المولى يضمنه قيمته، والمدبر على ملكه لأنه لا يحتمل ~~التمليك بعقد المعاوضة، ولا تلزم الهبة بشرط العوض إذا سلم الهبة، ولم يقبض ~~العوض أنه اجتمع على ملك الموهوب له العوض والمعوض؛ لأن العوض قبل القبض لا ~~يكون عوضا فلم يجتمع العوض والمعوض، ولا يلزم البيع الفاسد إذا قبض المشتري ~~المبيع، ولم يسلم الثمن لأن الثمن ليس ببدل في البيع الفاسد إنما البدل ~~القيمة، وقد ms4678 ملكها البائع حين ملك المشتري المبيع فلم يجتمع البدل والمبدل ~~في ملكه. # ولا يلزم ما إذا اشترى عبدا بجارية على أنه بالخيار فقبض العبد فأعتقهما ~~جميعا أنه ينفذ إعتاقه فيهما جميعا، وقد اجتمع العوض والمعوض على ملكه لأنه ~~لما أعتقهما فسد البيع في الجارية وصار العوض عن العبد القيمة، وملكها ~~البائع في مقابلة ملك العبد فلم يجتمع العوض والمعوض، ولا يلزم ما إذا ~~استأجر شيئا وعجل الأجرة أن المؤاجر يملكها، والمنافع على ملكه فقد اجتمع ~~البدل والمبدل في ملك واحد؛ لأن المنافع لا تملك عندنا إلا بعد وجودها، ~~وكلما وجد جزء منها حدث على ملك المستأجر فلم يجتمع العوض والمعوض على ملك ~~المؤاجر، ولا يلزم ما إذا غصب عبدا فجنى عنده جناية ثم رده على مولاه فجنى ~~عنده # PageV07P313 # جناية أخرى ودفعه بالجنايتين أنه يرجع على الغاصب بنصف القيمة فيدفعها ~~إلى ولي الجناية الأولى، ومعلوم أن نصف القيمة عوض عن نصف الرقبة الذي سلم ~~له فقد اجتمع في ملكه، وهو نصف العبد العوض والمعوض لأن الممتنع اجتماع ~~العوض والمعوض في ملك رجل بعقد المعاوضة، ولم يوجد هناك؛ لأن ولي الجناية ~~إنما يأخذ عوضا عن جنايته لا عن المال، واجتماع العوض والمعوض في ملك رجل ~~واحد بغير عقد المعاوضة جائز كمن استوهب المبيع من البائع والثمن من ~~المشتري أو ورثهما، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # وإن كان الجاني عبدا والمجني عليه حرا، أو كانا جميعا عبدين فحكم هذه ~~الجناية وجوب الدفع إلا أن يختار المولى الفداء على ما ذكرنا في جنايات ~~العبيد، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في الجروح التي يجب فيها أرش مقدر] # وأما الذي يجب فيه أرش مقدر ففي كل اثنين من البدن فيهما كمال الدية في ~~أحدهما نصف الدية من إحدى العينين واليدين والرجلين والأذنين والحاجبين إذا ~~لم تنبت والشفتين والأنثيين والثديين والحلمتين لما روي أنه - عليه الصلاة ~~والسلام - «كتب في كتاب عمرو بن حزم وفي العينين الدية وفي إحداهما نصف ~~الدية وفي اليدين الدية وفي إحداهما نصف الدية» ؛ ولأن ms4679 كل الدية عند قطع ~~العضوين يقسم عليهما فيكون في أحدهما النصف؛ لأن وجوب الكل في العضوين ~~لتفويت كل المنفعة المقصودة من العضوين، والفائت بقطع أحدهما النصف فيجب ~~فيه نصف الدية، ويستوي فيه اليمين واليسار لأن الحديث لا يوجب الفصل ~~بينهما، وسواء ذهب بالجناية على العين نور البصر دون الشحمة أو ذهب البصر ~~مع الشحمة لأن المقصود من العين البصر، والشحمة فيه تابعة. # وكذا العليا والسفلى من الشفتين سواء عند عامة الصحابة رضوان الله تعالى ~~عنهم. # وروي عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أنه فصل بينهما فأوجب في السفلى ~~الثلثين وفي العليا الثلث لزيادة جمال في العليا ومنفعة في السفلى، وبقية ~~الصحابة سووا بينهما، وهو قول جماعة من التابعين مثل شريح، وإبراهيم - رضي ~~الله عنهما - وغيرهما، سواء قطع الحلمة من ثدي المرأة أو قطع الثدي وفيه ~~الحلمة ففيه نصف الدية للحلمة، والثدي تبع؛ لأن المقصود من الثدي وهو منفعة ~~الرضاع يفوت بفوات الحلمة، وسواء كان ذلك بضربة أو ضربتين إذا كان قبل ~~البرء من الأولى لأن الجناية لا تستقر قبل البرء فإذا أتبعها الثانية قبل ~~استقرارها صار كأنه أوقعهما معا. # وفي أصابع اليدين والرجلين في كل واحدة منها عشر الدية، وهي في ذلك سواء ~~لا فضل لبعض على بعض، والأصل فيه ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال «في كل أصبع عشر من الإبل» من غير فصل بين أصبع وأصبع وروي عن عبد الله ~~بن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال هذه وهذه سواء، وأشار إلى الخنصر ~~والإبهام، وسواء قطع أصابع اليد وحدها أو قطع الكف ومعها الأصابع. # وكذلك القدم مع الأصابع لما روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال «في ~~الأصابع في كل أصبع عشر من الإبل» من غير فصل بين ما إذا قطع الأصابع وحدها ~~أو قطع الكف التي فيها الأصابع ولأن الأصابع أصل والكف تابعة لها لأن ~~المنفعة المقصودة من اليد البطش، وأنها تحصل بالأصابع فكان إتلافها إتلافا ~~لليد، وسواء قطع الأصابع أو شل من ms4680 الجراحة أو يبس ففيه عقله تاما؛ لأن ~~المقصود منه يفوت، وما كان من الأصابع فيه ثلاث مفاصل ففي كل مفصل ثلث دية ~~الأصبع، وما كان فيه مفصلان ففي كل واحد منهما نصف دية الإصبع؛ لأن ما في ~~الإصبع ينقسم على مفاصلها كما ينقسم ما في اليد على عدد الأصابع، وفي إحدى ~~أشفار العينين ربع الدية، وفي الاثنين نصف الدية، وفي الثلاث ثلاثة أرباع ~~الدية إن لم ينبت؛ لأن في الأشفار كلها كل الدية فتقسم الدية على عددها كما ~~تقسم الدية على اليدين، وإن نبت فلا شيء فيه سواء قطع الشفر وحده أو قطع ~~معه الجفن لأن الجفن تبع للشفر كالكف والقدم للأصابع. # وكذا أهداب العينين إذا لم تنبت حكمها حكم الأشفار. # وفي كل سن خمس من الإبل يستوي فيه المقدم والمؤخر والثنايا والأضراس ~~والأنياب، والأصل فيه ما روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال «في كل ~~سن خمس من الإبل» من غير فصل بين سن وسن، ومن الناس من فضل أرش الطواحن على ~~أرش الضواحك، وهذا غير سديد لأن الحديث # PageV07P314 # لا يوجب الفضل وهذا لا يجري على قياس الأصابع؛ لأن الشرع ورد في كل سن ~~بخمس من الإبل؛ لأن الأسنان اثنان وثلاثون فيزيد الواجب في جملتها على قدر ~~الدية. # ولو ضرب رجلا ضربة فألقى أسنانه كلها فعليه دية وثلاثة أخماس الدية؛ لأن ~~جملة الأسنان اثنان وثلاثون سنا، عشرون ضرسا وأربعة أنياب، وأربع ثنايا ~~وأربع ضواحك في كل سن نصف عشر الدية فيكون جملتها ستة عشر ألف درهم، وهي ~~دية وثلاثة أخماس دية تؤدى هذه الجملة في ثلاث سنين، في السنة الأولى ثلثا ~~الدية ثلث من ذلك من الدية الكاملة، وهي عشرة آلاف درهم، وثلث من ثلاثة ~~أخماس الدية وهي ستة آلاف درهم، وفي السنة الثانية الثلث من الدية الكاملة ~~والباقي من ثلاثة أخماس الدية، وفي السنة الثالثة ثلث الدية، وهو ما بقي من ~~الدية الكاملة، وإنما كان كذلك لأن الدية الكاملة تؤدى في ثلاث سنين في كل ~~سنة ثلثها وثلاثة ms4681 أخماس الدية، وهي ستة آلاف درهم تؤدى في سنتين من السنين ~~الثلاث، وهذا يلزم أن يكون قدر المؤدى من الدية الكاملة والناقصة في ~~السنتين الأوليين، وقدر المؤدى من الدية الكاملة في السنة الثالثة ما ~~وصفنا، والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو ضرب أسنان رجل وتحركت ينتظر بها حولا لما روي عنه - عليه الصلاة ~~والسلام - أنه قال «يستأنى بالجراح حتى تبرأ» والتقدير بالسنة لأنها مدة ~~يظهر فيها حقيقة حالها من السقوط والتغير والثبوت، وسواء كان المضروب صغيرا ~~أو كبيرا، كذا روي في المجرد عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه يؤجل سنة ~~سواء كان صغيرا أو كبيرا وقال أبو يوسف - رحمه الله - ينتظر في الصغير ولا ~~ينتظر في الرجل. # وعن محمد - رحمه الله - أنه ينتظر إذا تحركت وإذا سقطت لا ينتظر. # وجه قوله أن السن إذا تحركت قد تثبت وقد تسقط فأما إذا سقطت فالظاهر أنها ~~لا تثبت. # وجه قول أبي يوسف في الفرق بين الصغير، والكبير أن سن الصغير يثبت ظاهرا ~~وغالبا، وسن الكبير لا تثبت ظاهرا. # وجه قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن احتمال النبات ثابت فيجب التوقف ~~فيه فإن اشتدت ولم تسقط فلا شيء فيها. # وروي عن أبي يوسف - رحمه الله - فيها حكومة عدل، وإن تغيرت فإن كان ~~التغير إلى السواد أو إلى الحمرة أو إلى الخضرة ففيها الأرش تاما لأنه ذهبت ~~منفعتها، وذهاب منفعة العضو بمنزلة ذهاب العضو، وإن كان التغير إلى الصفرة ~~ففيها حكومة العدل. # وروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه إن كان حرا فلا شيء فيه، وإن كان ~~مملوكا ففيه الحكومة. # وهذه الرواية لا تكاد تصح عنه؛ لأن الحر أولى بإيجاب الأرش من العبد. # وقال زفر - رحمه الله - في الصفرة الأرش تاما كما في السواد؛ لأن كل ذلك ~~يفوت الجمال. # (ولنا) أن الصفرة لا توجب فوات المنفعة، وإنما توجب نقصانها فتوجب حكومة ~~العدل. # وروي عن أبي يوسف أنه إن كثرت الصفرة حتى تكون عيبا كعيب الحمرة والخضرة ~~ففيها عقلها تاما، ويجب أن يكون ms4682 هذا قولهم جميعا. # وإن سقطت فإن نبت مكانها أخرى ينظر إن نبتت صحيحة فلا شيء فيها في قول ~~أبي حنيفة - رضي الله عنه - وقال أبو يوسف - رحمه الله - عليه الأرش كاملا، ~~كذا ذكر الكرخي - رحمه الله -، وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي - رحمه ~~الله - أن على قول أبي يوسف فيها حكومة العدل. # وجه قول أبي يوسف أنه فوت السن، والنابت لا يكون عوضا عن الفائت؛ لأن هذا ~~العوض من الله تبارك وتعالى فلا يسقط به الضمان الواجب كمن أتلف مال إنسان ~~ثم إن الله تبارك وتعالى رزق المتلف عليه مثل المتلف ولأبي حنيفة - رحمه ~~الله - أن السن يستأنى بها فلولا أن الحكم يختلف بالنبات لم يكن للاستيناء ~~فيه معنى لأنه لما نبتت فقد عادت المنفعة والجمال، وقامت الثانية مقام ~~الأولى كأن الأولى قائمة كسن الصبي هذا إذا نبتت بنفسها فأما إذا ردها ~~صاحبها إلى مكانها فاشتدت ونبت عليها اللحم فعلى القالع الأرش بكماله؛ لأن ~~المعادة لا ينتفع بها لانقطاع العروق بل يبطل بأدنى شيء فكانت إعادتها ~~والعدم بمنزلة واحدة، ولهذا جعلها محمد في حكم الميتة حتى قال إن كانت أكثر ~~من قدر الدرهم لم تجز الصلاة معها، وأبو يوسف - رحمه الله - فرق بين سن ~~نفسه وسن غيره فأجاز الصلاة في سن نفسه دون سن غيره، وعلى هذا إذا قطع أذنه ~~فخاطها فالتحمت إنه لا يسقط عنه الأرش لأنها لا تعود إلى ما كانت عليه فلا ~~يعود الجمال هذا إذا نبتت مكانها أخرى صحيحة فأما إذا نبتت معوجة ففيها ~~حكومة العدل بالإجماع، وإن نبتت متغيرة بأن نبتت سوداء أو حمراء أو خضراء ~~أو صفراء فحكمها حكم ما لو كانت قائمة فتغيرت بالضربة لأن النابت قام مقام # PageV07P315 # الذاهب فكأن الأولى قائمة وتغيرت، وقد بينا حكم ذلك. # (وأما) سن الصبي إذا ضرب عليها فسقطت فإن كان قد ثغر فسنه وسن البالغ ~~سواء، وقد ذكرناه، وإن كان قبل أن يثغر فإن لم تنبت أو نبتت متغيرة فكذلك، ~~وإن نبتت صحيحة فلا شيء فيها في ms4683 قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - كما في سن ~~البالغ، وفي قول أبي يوسف - رحمه الله - فيها حكومة الألم فرق أبو يوسف على ~~ما ذكره الكرخي - رحمه الله - بين سن البالغ والصبي؛ لأن سن الصبي إذا لم ~~يثغر لا نبات له إلا على شرف السقوط، بخلاف سن البالغ، وهذه فريعة مسألة ~~الشجة إذا التحمت ونبت الشعر عليها أنه لا شيء على الشاج في قول أبي حنيفة، ~~وعند أبي يوسف عليه الرحمة فيها حكومة الألم، وعند محمد عليه الرحمة فيها ~~أجرة الطبيب. # والمسألة تأتي في بيان حكم الشجاج إن شاء الله تعالى ولو ضرب على سن ~~إنسان فتحرك فأجله القاضي سنة ثم جاء المضروب وقد سقطت سنه فقال إنما سقطت ~~من ضربتك وقال الضارب ما سقطت بضربتي فالمضروب لا يخلو (إما) أن جاء في ~~السنة (وإما) أن جاء بعد مضي السنة فإن جاء في السنة فالقياس أن يكون القول ~~قول الضارب، وفي الاستحسان القول قول المضروب. # ولو شج رأس إنسان موضحة فصارت منقلة فاختلفا في ذلك فقال المشجوج صارت ~~منقلة بضربتك وعليك أرش المنقلة وقال الشاج لا بل صارت منقلة بضربة أخرى ~~حدثت فالقياس على السن أن يكون القول قول الشاج، وفي الاستحسان القول قول ~~المشجوج، وللقياس وجهان: أحدهما أن المضروب والمشجوج يدعيان على الضارب ~~والشاج الضمان وهما ينكران، والقول قول المنكر مع يمينه والثاني أنه وقع ~~التعارض بين قوليهما، والضمان لم يكن واجبا فلا تجب بالشك. # وإلى هذا أشار محمد في الأصل فقال استحسن في السن لورود الأثر، والأثر عن ~~إبراهيم النخعي - رحمه الله -، وللاستحسان وجهان من الفرق: أحدهما أن ~~الظاهر شاهد للمضروب في مسألة السن؛ لأن سبب السقوط حصل من الضارب وهو ~~الضرب المحرك لأن التحرك سبب السقوط فكان الظاهر شاهدا للمضروب بخلاف ~~الشجة؛ لأن الشجة الموضحة لا تكون سببا لصيرورتها منقلة فلم يكن الظاهر ~~شاهدا له، والقول قول من يشهد له الظاهر. # والثاني أنه لما جرى التأجيل حولا في السن، والتأجيل مدة الحول لانتظار ~~ما يكون من الضربة ms4684 فإذا جاء في الحول، وقد سقطت سنه فقد جاء بما وقع له ~~الانتظار من الضربة في مدة الانتظار فكان الظاهر شاهدا له (فأما) الشجة فلم ~~يقدر في انتظارها وقت فكان القول قول الشاج في قدر الشجة، وإن جاء بعد مضي ~~السنة فالقول قول الضارب؛ لأن التأجيل مدة الحول لاستقرار حال السن لظهور ~~حالها في هذه المدة عادة فإذا لم يجئ دل على سلامتها عن السقوط بالضربة ~~فكان السقوط محالا إلى سبب حادث فكان الظاهر شاهدا للضارب أو لم يشهد ~~لأحدهما فيبقى المضروب مدعيا ضمانا على الضارب، وهو ينكر فالقول قوله. # أو يقع التعارض فيقع الشك في وجوب الضمان، والضمان لا يجب بالشك. # وكذا على الوجه الثاني زمان ما بعد الحول لم يجعل لانتظار حال السن ~~فاحتمل السقوط من ضربة أخرى من غيره، واحتمل من ضربته فلا يمكن القول بوجوب ~~الضمان مع وقوع الشك في وجوبه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. # (وأما) الشجاج فالكلام في الشجة يقع في موضعين: أحدهما في بيان حكمها ~~بنفسها، والثاني في بيان حكمها بغيرها. # أما الأول فالموضحة إذا برئت وبقي لها أثر ففيها خمس من الإبل، وفي ~~الهاشمة عشر، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي الآمة ثلث الدية هكذا روي عنه - ~~عليه الصلاة والسلام - أنه قال «في الموضحة خمس من الإبل، وفي الهاشمة عشر، ~~وفي المنقلة خمس عشرة، وفي الآمة ثلث الدية» ، وليس فيما قبل الموضحة من ~~الشجاج أرش مقدر، وإن لم يبق لها أثر بأن التحمت، ونبت عليها الشعر فلا شيء ~~فيها في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وقال أبو يوسف عليه حكومة الألم ~~وقال محمد عليه أجرة الطبيب (وجه) قوله أن أجرة الطبيب إنما لزمته بسبب هذه ~~الشجة فكأنه أتلف عليه هذا القدر من المال ولأبي يوسف أن الشجة قد تحققت، ~~ولا سبيل إلى إهدارها، وقد تعذر إيجاب أرش الشجة فيجب أرش الألم (وجه) قول ~~أبي حنيفة - رحمه الله - أن الأرش إنما يجب بالشين الذي يلحق المشجوج ~~بالأثر وقد زال ذلك فسقط الأرش # PageV07P316 # والقول ms4685 بلزوم حكومة الألم غير سديد لأن مجرد الألم لا ضمان له في الشرع ~~كمن ضرب رجلا ضربا وجيعا، وكذا إيجاب أجرة الطبيب لأن المنافع على أصل ~~أصحابنا - رضي الله عنهم - لا تتقوم مالا بالعقد أو شبهة العقد، ولم يوجد ~~في حق الجاني العقد ولا شبهته فلا يجب عليه أجرة الطبيب. # (وأما) حكمها بغيرها بأن شج رأس إنسان موضحة فسقط شعر رأسه أو ذهب عقله ~~أو بصره أو سمعه أو كلامه أو شمه أو ذوقه أو جماعه أو إيلاده فلا شك في أنه ~~يجب عليه أرش هذه الأشياء، وهل يجب عليه أرش الموضحة أم يدخل في أرشها؟ ~~عندهما لا يدخل أرش الموضحة إلا في الشعر والعقل ولا يدخل فيما وراء ذلك. # وقال أبو يوسف - رحمه الله - في الإملاء يدخل في الكل إلا في البصر. # وقال الحسن بن زياد - رحمه الله - لا يدخل إلا في الشعر فقط. # وقال زفر - رحمه الله - لا يدخل في شيء من ذلك أصلا (وجه) قوله أن الشجة ~~وإذهاب الشعر والعقل وغيرهما جنايتان مختلفتان فلا يدخل إحداهما في الأخرى ~~كسائر الجنايات من قطع اليدين والرجلين ونحو ذلك (وجه) قول الحسن - رحمه ~~الله - أنهما جنايتان اختلف محلهما والمقصود منهما فلا يدخل أرش إحداهما في ~~الأخرى كأرش اليدين والرجلين، ولأبي يوسف أن السمع والكلام والشم والذوق ~~ونحوها من البواطن فيدخل فيها أرش الموضحة كالعقل (وأما) البصر فظاهر فلا ~~يدخل فيه الموضحة كاليد والرجل، وهذا الفرق يبطل بالشعر لأنه ظاهر، ويدخل ~~أرش الموضحة فيه، ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى الفرق بين الشعر ~~والعقل وبين غيرهما، ووجهه أن في الشعر الجناية حلت في عضو واحد بفعل واحد ~~بسبب واحد (وأما) اتحاد العضو فلا شك فيه؛ لأن كل ذلك حصل في الرأس (وأما) ~~العقل فلأنه لم يوجد منه إلا الشجة (وأما) اتحاد السبب فلأن دية الشعر تجب ~~بفوات الشعر، وأرش الموضحة يجب بفوات جزء من الشعر فكان سبب وجوبها واحدا ~~فيدخل الجزء في الكل كما إذا قطع رجل أصبع رجل فشلت اليد ms4686 إن أرش الأصبع ~~يدخل في دية اليد، كذا هذا. # وفي العقل الواجب دية النفس من حيث المعنى؛ لأن جميع منافع النفس يتعلق ~~به فكان تفويته تفويت النفس معنى فكان الواجب دية النفس فيدخل فيه أرش ~~الموضحة كما إذا شج رأسه موضحة فسرى إلى النفس فمات، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # (وأما) السمع، والبصر والكلام ونحوها فقد اختلف السبب والمحل؛ لأن سبب ~~الوجوب في كل واحد منهما تفويت المنفعة المقصودة منه فاختلف المحل والسبب ~~والمقصود فامتنع التداخل، وقد روي عن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنه قضى ~~في شجة واحدة بأربع ديات فإن اختلفا في ذهاب البصر والسمع والكلام والشم ~~فطريق معرفتها اعتراف الجاني وتصديق المجني عليه أو نكوله عن اليمين، وقد ~~يعرف البصر بنظر الأطباء بأن ينظر إليه طبيبان عدلان لأنه ظاهر تمكن ~~معرفته. # وقد قيل يمتحن بإلقاء حية بين يديه، وفي السمع يستغفل المدعي، كما روي عن ~~إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنهم - أن رجلا ضرب امرأة ~~فادعت عنده ذهاب سمعها فتشاغل عنها بالنظر في القضاء ثم التفت إليها وقال: ~~يا هذه غطي عورتك فجمعت ذيلها فعلم أنها كاذبة في دعواها. # وفي الكلام يستغفل أيضا، وفي الشم يختبر بالروائح الكريهة، وسواء ذهب ~~جميع هذه الأشياء بالشجة أو ذهب بعضها دون البعض الاجتماع والافتراق في هذا ~~سواء؛ لأن التداخل فيما يجري فيه التداخل ليس للكثرة بل لما ذكرنا من ~~المعنى وأنه لا يوجب الفصل بين الاجتماع والافتراق، ولا تدخل ديات هذه ~~الأشياء بعضها في بعض إلا عند السراية إنه يسقط ذلك كله وعليه دية النفس لا ~~غير لما ذكرنا أن كل واحد من هذه الأشياء من السمع والبصر والكلام ونحوها ~~أصل بنفسه لاختصاصه بمحل مخصوص ومنفعة مقصودة فلا يجعل تبعا لصاحبه في ~~الأرش، وإنما دخلت أروشها في دية النفس عند السراية؛ لأن الأعضاء كلها ~~تابعة للنفس فتدخل أروشها في دية النفس ثم إن كان الأول خطأ تتحمل العاقلة، ~~وإن كان عمدا فدية النفس في ماله، وكل ذلك ms4687 في ثلاث سنين، وسواء كانت الشجة ~~موضحة أو هاشمة أو منقلة أو آمة فالشجاج كلها في التداخل سواء؛ لأن المعنى ~~لا يوجب الفصل، وسواء قلت الشجاج أو كثرت بعد أن لا يجاوز أرشها الدية حتى ~~لو كانت آمتين أو ثلاث أوام، وذهب منها الشعر أو العقل يدخل أرشها في الشعر ~~والعقل. # وإن كانت أربع أوام # PageV07P317 # يدخل قدر الدية لا غير، ويجب فيها دية وثلث دية لأن الكثير لا يتبع ~~القليل فيما دون النفس. # وعلى قول زفر - رحمه الله - عليه ديتان وثلث دية لأنه لا يرى التداخل في ~~الشجاج أصلا ورأسا. # ولو سقط بالموضحة بعض شعر رأسه ينظر إلى أرش الموضحة وإلى حكومة العدل في ~~الشعر فإن كانا سواء لا يجب إلا أرش الموضحة، وإن كان أحدهما أكثر يدخل ~~الأقل في الأكثر أيهما كان لأنهما يجبان لمعنى واحد فيتداخل الجزء في ~~الجملة. # ولو كانت الشجة في حاجبه فسقط ولم ينبت يدخل أرش الموضحة في أرش الحاجب، ~~وهو نصف الدية كما يدخل في أرش الشعر لما قلنا. # وهذه المسائل من الشجاج الخطأ (فأما) إذا كانت الشجة عمدا فذهب منها ~~العقل أو الشعر أو السمع أو غيره ففيه خلاف ذكرناه فيما تقدم، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | [فصل في ما يلحق بمسائل التداخل في الدية والأرش] # (فصل) : # ومما يلحق بمسائل التداخل ما إذا قطعت اليد وفيها أصبع واحدة أو أصبعان ~~أو ثلاث أو أكثر من ذلك أو أقل، وجملة الكلام فيه أنه إذا قطع الكف وفيها ~~ثلاث أصابع فصاعدا تجب دية الأصابع، ولا شيء في الكف في قولهم جميعا لأن ~~الكف تبع لجميع الأصابع بدليل أنه إذا قطع الكف يجب عليه أرش الأصابع لا ~~غير، ولا يجب لأجل الكف شيء فإذا بقي أكثر الأصابع فللأكثر حكم الكل، وإن ~~بقي من الكف أقل من ثلاث أصابع يجب أرش ما بقي منها وإن كان مفصلا واحدا، ~~ولا يجب في الكف شيء في قول أبي حنيفة، والأصل عند أبي حنيفة - رحمه الله - ~~أنه إذا بقي من الأصابع ms4688 شيء له أرش معلوم ولو مفصلا واحدا دخل أرش اليد فيه ~~حتى لو لم يكن في الكف إلا ثلث مفصل من أصبع فيها ثلاث مفاصل فقطع إنسان ~~الكف فعليه ثلث خمس دية اليد. # ولو كان فيها إصبع واحدة فعليه خمس دية اليد ولو كان فيها أصبعان فعليه ~~خمسا دية اليد. # وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - في الرواية المشهورة عنهما ~~يدخل القليل في الكثير أيهما كان فينظر إلى حكومة الكف وإلى أرش ما بقي من ~~الأصابع فيدخل أقلهما في أكثرهما أيهما كان؛ لأن القليل يتبع الكثير لا ~~عكسا فيدخل القليل في الكثير ولا يدخل الكثير في القليل (وجه) قول أبي ~~حنيفة - رحمه الله - أن ما بقي من الأصابع أو من مفاصلها فهو أصل لأن له ~~أرشا مقدرا، والكف ليس لها أرش مقدر، وهي متصلة بالأصابع فيتبعها في أرشها ~~كما يتبع جميع الأصابع أو أكثرها. # ونظير هذا ما قالوا في القسامة أنه ما بقي واحد من أهل المحلة فالقسامة ~~عليهم لا على المشترين، وكذلك الوصية لولد فلان أنه ما بقي له ولد من صلبه ~~وإن كان واحدا لا يدخل ولد الولد في الوصية. # وقال أبو يوسف إذا قطع كفا لا أصابع فيها فعليه حكومة لا يبلغ بها أرش ~~أصبع؛ لأن الواحدة يتبعها الكف في قول أبي حنيفة - رحمه الله -، والتبع لا ~~يساوي المتبوع في الأرش. # ولو قطع اليد مع الذراع من المفصل خطأ ففي الكف مع الأصابع الدية، وفي ~~الذراع حكومة العدل في قولهما. # وقال أبو يوسف تجب دية اليد، والذراع تبع. # وهو قول ابن أبي ليلى - رحمه الله - واحتجا بقوله - عليه الصلاة والسلام ~~- «وفي اليدين الدية، وفي إحداهما نصف الدية» واليد عبارة عن العضو المخصوص ~~من رءوس الأصابع إلى المنكب ولأن ما ليس له أرش مقدر إذا اتصل بما له أرش ~~مقدر يتبعه في الأرش كالكف مع الأصابع (وجه) قولهما أن الدية إنما تجب في ~~الأصابع، والكف تابعة للأصابع بدليل أنه إذا أفرد الأصابع بالقطع يجب نصف ~~الدية ms4689 ولو قطعها مع الكف لا يجب إلا نصف الدية أيضا فلو جعل الذراع تبعا ~~لكان لا يخلو إما أن يجعل تبعا للأصابع (وإما) أن يجعل تبعا للكف، لا سبيل ~~إلى الأول؛ لأن بينهما عضو فاصل وهو الكف فلا يكون تبعا لها، ولا وجه ~~للثاني لأن الكف تابعة في نفسها فلا تستتبع غيرها. # وعلى هذا الخلاف إذا قطع اليد من المنكب، والرجل من الورك أو قطع اليد من ~~العضد، والرجل من الفخذ، والأصل عند أبي حنيفة، ومحمد عليهما الرحمة أن ~~أصابع اليد لا يتبعها إلا الكف فلا يدخل في أرشها غير أرش الكف. # وكذلك أصابع الرجل لا يتبعها غير القدم فلا يدخل في أرشها غير أرش القدم، ~~والأصل عند أبي يوسف، وابن أبي ليلى أن ما فوق الكف من اليد تبع. # وكذا ما فوق القدم من الرجل تبع فيدخل أرش التبع في المتبوع كما يدخل أرش ~~الكف في الأصابع. # (وأما) الجراح ففي الجائفة ثلث الدية لما روي عنه - عليه الصلاة والسلام ~~- # PageV07P318 # أنه قال «في الجائفة ثلث الدية» فإن نفذت إلى الجانب الآخر فهما جائفتان ~~وفيهما ثلثا الدية. # وقد روي عن سيدنا أبي بكر الصديق أنه حكم في جائفة نفذت إلى الجانب الآخر ~~بثلثي الدية. # وكان ذلك بمحضر من الصحابة الكرام، ولم ينقل أنه خالفه في ذلك أحد منهم ~~فيكون إجماعا. # وعلى هذا يخرج ما إذا رمى امرأة بحجر فأصاب فرجها فأفضاها به بأن جعل ~~موضع البول والغائط واحدا، وهي تستمسك البول أن عليه ثلث الدية لأن هذا في ~~معنى الجائفة، وجملة الكلام أن المفضاة لا يخلو (إما) أن كانت أجنبية ~~(وإما) أن كانت زوجته، والإفضاء لا يخلو (إما) أن يكون بالآلة (وإما) أن ~~يكون بالحجر أو بالخشب أو الأصبع وما يجري مجراه فإن كانت أجنبية والإفضاء ~~بالآلة فإن كانت مطاوعة ولم يوجد دعوى الشبهة لا من الرجل ولا من المرأة ~~فعليهما الحد لوجود الزنا منهما، ولا مهر على الرجل لأن العقر مع الحد لا ~~يجتمعان، ولا أرش لها بالإفضاء سواء كانت ms4690 تستمسك البول أو لا تستمسك؛ لأن ~~التلف تولد من فعل مأذون فيه من قبلها فلا يجب به الضمان كما لو أذنت بقطع ~~يدها فقطعت لا ضمان على القاطع، كذا هذا. # وإن كان الرجل يدعي الشبهة سقط عنه الحد وعنها أيضا، وعلى الزوج العقر ~~لأن الوطء لا يخلو من إيجاب حد أو غرامة، ولا أرش لها بالإفضاء لما ذكرنا. # وإن كانت مستكرهة فإن لم يدع الرجل الشبهة فعليه الحد لوجود الزنا منه، ~~ولا حد عليها لعدم الزنا منها، ولا عقر على الرجل لوجوب الحد عليه، والحد ~~مع العقر لا يجتمعان. # وعلى الرجل الأرش بالإفضاء لعدم الرضا منها بذلك ثم إن كانت تستمسك البول ~~ففيه ثلث الدية لأنه جائفة، وإن كانت لا تستمسك البول ففيه كمال الدية ~~لوجود إتلاف العضو بتفويت منفعة الحبس، وإن كان الرجل يدعي الشبهة سقط الحد ~~عنه للشبهة وعنها أيضا لوجود الإكراه ولها الأرش بالإفضاء لما ذكرنا ثم إن ~~كانت تستمسك البول فلها ثلث الدية لأنها جائفة وكمال المهر، وإن كانت لا ~~تستمسك فلها الدية ولا مهر لها في قولهما. # وعند محمد - رحمه الله - لها المهر والدية. # وجه قوله أن سبب وجوب المهر والدية مختلف؛ لأن المهر يجب بإتلاف المنفعة ~~والدية تجب بإتلاف العضو فلا يدخل أحدهما في الآخر، ولهذا لم يدخل المهر في ~~ثلث الدية فيما إذا كانت تستمسك البول حتى وجب عليه كمال المهر مع ثلث ~~الدية، كذا هذا. # ولهما أن سبب الوجوب متحد لأن الدية تجب بإتلاف هذا العضو. # والعقر يجب بإتلاف منافع البضع، ومنافع البضع ملحقة بأجزاء البضع فكان ~~سبب وجوبهما واحدا فكان المهر عوضا عن جزء من البضع وضمان الجزء والكل إذا ~~وجد السبب واحد يدخل ضمان الجزء في ضمان الكل كالأب إذا استولد جارية ابنه ~~أنه لا يلزمه العقر، ويدخل في قيمة الجارية لما قلنا، كذا هذا. # وأما وجوب كمال المهر مع ثلث الدية حالة الاستمساك فعلى رواية الحسن عن ~~أبي حنيفة - رضي الله عنهما - لا يجمع بينهما بل الأقل يدخل في ms4691 الأكثر كما ~~يدخل أرش الموضحة في دية الشعر فكانت المسألة ممنوعة. # ولئن سلمنا على ظاهر الرواية فلا يلزم؛ لأن المنافي لضمان الجزء هو ضمان ~~كل العين وثلث الدية ضمان الجزء، وضمان الجزء لا يمنع ضمان جزء واحد هذا ~~إذا كان الإفضاء بالآلة (فأما) إذا كان بغيرها من الحجر ونحوه فالجواب في ~~هذا الفصل في جميع وجوهه كالجواب في الفصل الأول في الوفاق والخلاف والجمع ~~بين الضمانين وعدم الجمع إلا أن الأرش في هذا الفصل يجب في ماله، وفي الفصل ~~الأول تتحمله العاقلة لأن الإفضاء بالآلة يكون في معنى الخطأ وبغيرها يكون ~~عمدا. # وقال بعض مشايخنا لا وجه لإيجاب المهر في هذا الفصل؛ لأن وجوبه متعلق ~~بقضاء الشهوة ولم يوجد. # وقال بعضهم يجب ويلحق غير الآلة بالآلة تعظيما لأمر الأبضاع كما ألحق ~~الإيلاج بدون الإنزال بالإيلاج مع الإنزال في وجوب الحد وغيره من الأحكام ~~مع قيام شبهة القصور في قضاء الشهوة تفخيما لشأن الفروج، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم هذا إذا كانت المرأة أجنبية (فأما) إذا كانت زوجته فأفضاها فلا ~~شيء عليه سواء كانت تستمسك البول أو لا تستمسك في قولهما. # وقال أبو يوسف كانت لا تستمسك البول فعليه الدية في ماله، وإن كانت ~~تستمسك فعليه ثلث الدية في ماله (وجه) قوله أنه مأذون في الوطء لا في ~~الإفضاء فكان متعديا في الإفضاء فكان مضمونا عليه (ولهما) أن الوطء مأذون ~~فيه شرعا فالمتولد منه لا يكون # PageV07P319 # مضمونا كالبكارة. # ولو وطئ زوجته فماتت فلا شيء في قولهما وقال أبو يوسف على عاقلته الدية ~~(وجه) قوله على نحو ما ذكرنا في الإفضاء أنه مأذون في الوطء لا في القتل، ~~وهذا قتل فكان مضمونا عليه إلا أن ضمان هذا على العاقلة، وضمان الإفضاء في ~~ماله؛ لأن الإفضاء لا يكون إلا بالمجاوزة عن المعتاد فكان عمدا فكان الواجب ~~به في ماله (فأما) القتل فغير مقصود بهذا الفعل في معنى الخطأ فتتحمله ~~العاقلة (وأما) وجه قولهما فعلى نحو ما ذكرنا في الإفضاء. # ولو وطئها فكسر فخذها ضمن ms4692 في قولهم جميعا؛ لأن الكسر لا يتولد من الوطء ~~المأذون فيه بل هو فعل مبتدأ فكان فعلا متعديا محضا فكان مضمونا عليه، ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) سائر جراح البدن إذا برئت وبقي لها أثر ففيها حكومة العدل، وإن لم ~~يبق لها أثر فلا شيء فيها في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - على ما بينا ~~في الشجة، وإن مات فالجراحة لا تخلو (إما) أن كانت من واحد (وإما) أن كانت ~~من عدد فإن كانت من واحد ففيها القصاص إن كانت عمدا، والدية إن كانت خطأ. # وإن كانت من عدد فالجراحة المجتمعة من أعداد (إما) أن كانت كلها مضمونة ~~(وإما) إن كان بعضها مضمونا والبعض غير مضمون فإن كان الكل مضمونا بأن جرحه ~~رجل جراحة وجرحه آخر جراحة أخرى خطأ فمات من ذلك كله كانت الدية عليهما ~~نصفين، وسواء جرحه أحدهما جراحة واحدة، والآخر جرحه جراحتين أو أكثر لا ~~ينظر إلى عدد الجراحات وإنما ينظر إلى الجارح؛ لأن الإنسان قد يموت من ~~جراحة واحدة ويسلم من عشرة، وقد يموت من عشرة ويسلم من واحدة حتى لو جرحه ~~أحدهما جراحة واحدة والآخر عشر جراحات فمات من ذلك كانت الدية بينهما نصفين ~~لما قلنا. # وكذلك إذا جرحه رجل جراحة واحدة وجرحه آخر جراحتين، وآخر ثلاثا فمات من ~~ذلك كله كانت الدية بينهم أثلاثا لما قلنا، وعلى هذا يخرج ما إذا جرحه رجل ~~جراحة واحدة وجرحه آخر عشر جراحات فعفا المجروح للجارح عن جراحة واحدة من ~~العشر وما يحدث منها ثم مات من ذلك أن على صاحب الجراحة الواحدة نصف الدية، ~~وعلى صاحب العشرة الربع، ويسقط الربع لأنه لما سقط اعتبار عدد الجراحات ~~كانت الجراحة الواحدة كالعشر في الضمان ثم لما عفا عن واحدة من الجراحات ~~العشر انقسمت العشر فيتغير حكمها فصار لتسعة منها الربع وللواحدة الربع ~~فسقط بالعفو عن الواحدة من العشرة الربع وبقي الربع تبعا للتسعة. # وإن كان البعض مضمونا، والبعض غير مضمون ينقسم الضمان فيسقط بقدر ما ليس ~~بمضمون ويبقى ms4693 بقدر المضمون، وعلى هذا يخرج ما إذا جرح رجلا جراحة وجرحه سبع ~~فمات من ذلك على الرجل نصف الدية، ونصفها هدر لأنه مات بجراحتين إحداهما ~~مضمونة والأخرى ليست بمضمونة فانقسم الضمان فسقط بقدر غير المضمون وبقي ~~بقدر المضمون. # وكذلك لو جرحه الرجل جراحتين والسبع جراحة واحدة أو جرحه السبع جراحتين ~~والرجل جراحة واحدة فمات من ذلك أنه يجب على الرجل نصف الدية ويهدر النصف ~~لأنه لا عبرة لكثرة الجراحة لما بينا. # وكذلك لو جرحه رجل جراحة وعقره سبع ونهشته حية، وخرج به خراج، وأصابه حجر ~~رمت به الريح فمات من ذلك فعلى الرجل نصف الدية ويهدر النصف، والأصل أنه ~~يجعل الجراحات التي ليس لها حكم يلزم أحدا كجراحة واحدة، ويصير كأنه مات من ~~جراحتين إحداهما مضمونة والأخرى غير مضمونة فيلزم الرجل نصف الدية ويبطل ~~نصفها، سواء كثر عدد الهدر أو قل، هو كجراحة واحدة؛ لأن الهدر له حكم واحد ~~فصار كجراحات الرجل الواحد إنها في الحكم كجراحة واحدة، كذا هذا وكذلك لو ~~جرحه رجل جراحة وجرحه آخر جراحة أخرى ثم انضم إلى ذلك شيء مما ذكرنا أنه لا ~~حكم له يلزم فاعله فإن على كل رجل ثلث الدية، ويهدر الثلث لما ذكرنا أن ~~الهدر من الجراحات وإن كثر فهو كجراحة واحدة، وكل واحدة من جراحتي الرجلين ~~مضمونة فقد مات من ثلاث جراحات جراحتان منها مضمونتان وجراحة هدر فتقسم ~~الدية أثلاثا فيسقط قدر ما ليس بمضمون وهو الثلث ويبقى قدر المضمون وهو ~~الثلثان فإن كان لبعض الجناة جنايات مختلفة الأحكام فإنه يقسم ما يخصه على ~~جناياته بعد ما قسم عدد الجناية على أحكام الجنايات، وذلك نحو رجل أمر رجلا ~~أن يقطع يده لعلة بها # PageV07P320 # ثم إن المأمور جرح الآمر جراحة أخرى بغير أمره ثم جرحه رجلان آخران كل ~~واحد منهما جراحة ثم عقره سبع ثم نهشته حية، وخرج به خراج فمات من ذلك كله ~~تقسم الدية أرباعا؛ لأن الموت حصل من أربع جنايات؛ لأن الهدر من الجنايات ~~لها حكم جناية واحدة، ms4694 وجراحتا المأمور وإن اختلف حكمهما فإنهما حصلا من رجل ~~واحد فلا يثبت لهما في حق شركائه إلا حكم جناية واحدة فثبت أن الموت حصل من ~~أربع جنايات فكانت قسمة الدية أرباعا، هدر الربع منها وبقيت ثلاثة أرباع ~~تقسم على الجنايات الثلاثة فيكون على كل واحد منهم الربع ثم ما أصاب ~~المأمور بالقطع تقسم حصته، وهي الربع على جراحتيه فإحداهما مضمونة، وهي ~~التي فعلها بغير أمر المجروح والأخرى غير مضمونة، وهي التي فعلها بأمره، ~~وهي القطع فيسقط بقدر ما ليس بمضمون وهو نصف الربع وهو الثمن، وبقي قدر ما ~~هو مضمون وهو نصف الربع الآخر وهو الثمن الآخر، والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو أن رجلا أمر عشرة أن يضربوا عبده أمر كل واحد منهم أن يضربه سوطا ~~فضربه كل واحد منهم ما أمره ثم ضربه رجل آخر - لم يأمره - سوطا فمات من ذلك ~~كله فعلى الذي لم يؤمر أرش السوط الذي ضربه من قيمته مضروبا عشرة أسواط، ~~وعليه أيضا جزء من أحد عشر جزءا من قيمته مضروبا أحد عشر سوطا، وإنما كان ~~كذلك (أما) وجوب أرش السوط الذي ضربه فلأنه نقصه بالضرب فيلزمه ضمان ~~النقصان (وأما) اعتبار قيمة العبد مضروبا عشرة أسواط فلأنه ضربه بعدما ~~انتقص من ضرب العشرة، وذلك حصل من فعل غيره فلا يكون عليه، وإنما عليه ضمان ~~ما نقصه سوطه الحادي عشر من قيمته لذلك اعتبرت قيمته، وهو مضروب عشرة فيقوم ~~وهو غير مضروب ويقوم وهو مضروب عشرة أسواط فيلزم الذي لم يؤمر بالضرب ذلك ~~القدر (وأما) وجوب جزء من أحد عشر جزءا من قيمته فلأنه مات من أحد عشر سوطا ~~كل سوط حصل ممن يتعلق بفعله حكم في الجملة، وهو الآدمي فانقسم الضمان على ~~عددهم ثم ما أصاب العشرة سقط عنهم لحصوله بإذن المالك، وما أصاب الحادي عشر ~~ضمنه الذي لم يؤمر بالضرب لأنه ضرب بغير إذن المالك (وأما) اعتبار تضمينه ~~مضروبا بأحد عشر سوطا فلأن البعض الحاصل بضرب العشرة حصل بفعل غيره فلا ~~يكون عليه ضمانه ms4695 (وأما) السوط الحادي عشر فلأنه قد ضمن نقصانه مرة فلا ~~يضمنه ثانيا، وإنما لم يدخل نقصان السوط فيما وجب عليه من القيمة؛ لأن كل ~~واحد منهما ضمان الجزء، وضمان الجزء إذا تعلق بسبب واحد لا يدخل أحدهما في ~~الآخر بخلاف ما إذا ضربه واحد ومات من ذلك إنه يضمن القيمة دون النقصان ~~لأنه اجتمع هناك ضمان جزء وضمان كل فيدخل ضمان الجزء في ضمان الكل لاتحاد ~~سبب الضمانين هذا إذا أمر المولى عشرة أن يضربه كل واحد منهم سوطا فإن كان ~~المولى هو الذي ضربه عشرة أسواط بيده ثم ضربه أجنبي سوطا ثم مات من ذلك كله ~~فعلى الأجنبي ما نقصه السوط الحادي عشر من قيمته مضروبا بعشرة أسواط، وعليه ~~أيضا نصف قيمته مضروبا أحد عشر سوطا أما وجوب ضمان نقصان السوط، واعتبار ~~قيمته مضروبا بعشرة أسواط فلما ذكرنا (وأما) وجوب نصف قيمته فلأنه مات من ~~سوطين في الحاصل؛ لأن ضرب الأسواط العشرة من المولى بمنزلة جناية واحدة ~~لأنها حصلت من رجل واحد، والجنايات من واحد وإن كثرت فهي في حكم جناية ~~واحدة فصار كأنه مات من سوطين سوط المولى وسوط الأجنبي، وسوط المولى ليس ~~بمضمون، وسوط الأجنبي مضمون فسقط نصف القيمة وثبت نصفها (وأما) اعتبار ~~قيمته مضروبا أحد عشر سوطا وعدم دخول ضمان النقصان في ضمان القيمة فلما ~~ذكرنا في المسألة المتقدمة. # رجل أمر غيره أن يجرحه جراحة واحدة فجرحه عشر جراحات وجرحه آخر جراحة ~~أخرى واحدة بغير أمر ثم عفا المجروح لصاحب العشرة عن واحدة من التسع التي ~~كانت بغير أمره ثم مات المجروح من ذلك كله فعلى صاحب الجراحة الواحدة نصف ~~الدية وعلى صاحب العشرة ثمن الدية؛ لأن نصف الدية على صاحب الجراحة الواحدة ~~والنصف الآخر تعلق بصاحب العشرة واحدة منها بأمر المجروح فصار عليه الربع ~~ثم انقسم ذلك بالعفو فسقط نصفه، وهو الثمن، وبقي عليه الثمن، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم هذا إذا كان المجني عليه حرا # PageV07P321 # ذكرا فأما إذا كان أنثى حرة فإنه يعتبر ما دون ms4696 النفس منها بديتها كديتها ~~قل أو كثر عند عامة العلماء وعامة الصحابة - رضي الله عنهم - وعن ابن مسعود ~~- رضي الله عنه - أنه قال: تعاقل المرأة الرجل فيما كان أرشه نصف عشر الدية ~~كالسن والموضحة أي ما كان أرشه هذا القدر فالرجل والمرأة فيه سواء لا فضل ~~للرجل على المرأة. # وعن سعيد بن المسيب أنه قال: تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث ديتها أي أرش ~~الرجل والمرأة إلى ثلث ديتها سواء، وهو مذهب أهل المدينة. # ويروون أنه - عليه الصلاة والسلام - قال «تعاقل المرأة الرجل إلى ثلث ~~ديتها» وهذا نص لا يتحمل التأويل. # واحتج ابن مسعود - رضي الله عنه - بحديث الغرة أنه - عليه الصلاة والسلام ~~- «قضى في الجنين بالغرة» وهي نصف عشر الدية، ولم يفصل - عليه الصلاة ~~والسلام - بين الذكر والأنثى فيدل على استواء أرش الذكر والأنثى في هذا ~~القدر. # (ولنا) أنه بنصف بدل النفس بالإجماع، وهو الدية، فكذا بدل ما دون النفس؛ ~~لأن المنصف في الحالين واحد، وهو الأنوثة، ولهذا ينصف ما زاد على الثلث ~~فكذا الثلث وما دونه ولأن القول بما قاله أهل المدينة يؤدي إلى القول بقلة ~~الأرش عند كثرة الجناية وأنه غير معقول، وإلى هذا أشار ربيعة بن عبد الرحمن ~~المعروف بربيعة الرأي - رحمه الله - فإنه روى أنه سأل سعيد بن المسيب عن ~~رجل قطع أصبع المرأة فقال: فيها عشر من الإبل، قال: فإن قطع ثلاثة؟ قال: ~~ففيها ثلاثون من الإبل، قال: فإن قطع أربعة؟ فقال: عشرون من الإبل، فقال ~~ربيعة: لما كثرت جروحها، وعظمت مصيبتها قل أرشها؟ فقال: أعراقي أنت؟ قال: ~~لا، بل جاهل متعلم أو عالم متبين، فقال: هكذا السنة يا ابن أخي. # وعنى به سنة زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أشار ربيعة إلى ما ذكرنا من ~~المعنى، وقبله سعيد حيث لم يعترض عليه وأحال الحكم إلى السنة، وبهذا تبين ~~أن روايتهم عنه عليه - عليه الصلاة والسلام - لم تصح إذ لو صحت لما اشتبه ~~الحديث على مثل سعيد، ولأحال الحكم إلى قوله - عليه الصلاة والسلام - لا ms4697 ~~إلى سنة زيد فدل أن الرواية لا تكاد تثبت عنه - عليه الصلاة والسلام -. # وأما حديث الغرة في الجنين فنقول بموجبه أن الحكم في أرش الجنين لا يختلف ~~بالذكورة والأنوثة وإنما الكلام في أرش المولود، والحديث ساكت عن بيانه، ثم ~~نقول: احتمل أنه - عليه الصلاة والسلام - لم يفصل في الجنين بين الذكر ~~والأنثى؛ لأن الحكم لا يختلف، ويحتمل أنه لم يفصل لتعذر الفصل لعدم استواء ~~الخلقة فلا يكون حجة مع الاحتمال هذا الذي ذكرنا إذا كان الجاني حرا ~~والمجني عليه حرا فأما إذا كان الجاني حرا والمجني عليه عبدا فالأصل فيه ~~عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - ما ذكرنا في الفصل المتقدم أن كل شيء من ~~الحر فيه قدر من الدية فمن العبد فيه ذلك القدر من قيمته سواء كان فيما ~~يقصد به المنفعة أو الجمال والزينة في رواية عنه، وفي رواية فيما يقصد به ~~الجمال والزينة يجب النقصان، وعندهما في جميع ذلك يجب النقصان فيقوم العبد ~~مجنيا عليه، ويقوم غير مجني عليه فيغرم الجاني فضل ما بين القيمتين، وقد ~~بينا وجه الروايتين عنه ووجه قولهما في الفصل الأول. ### | [فصل في شرائط وجوب الدية] # (فصل) : # وأما شرائط الوجوب فهو أن تكون الجناية خطأ إذا كانت الجناية فيما في ~~عمده القصاص فإن كانت مما لا قصاص في عمده يستوي فيه الخطأ والعمد، وقد مر ~~بيان الجنايات التي في عمدها القصاص، وما لا قصاص في عمدها. ### | [فصل في بيان الجناية التي تتحملها العاقلة والتي لا تتحملها فيما دون النفس] # (فصل) : # وأما بيان الجناية التي تتحملها العاقلة، والتي لا تتحملها فيما دون ~~النفس فنقول: لا خلاف أنه إذا بلغ أرش الجناية فيما دون النفس من الأحرار ~~نصف عشر الدية فصاعدا، وذلك خمسمائة في الذكور ومائتان وخمسون في الإناث ~~تتحمله العاقلة، واختلف فيما دون ذلك في الرجل والمرأة، قال أصحابنا - ~~رحمهم الله تعالى: يكون في مال الجاني ولا تتحمله العاقلة وقال الشافعي - ~~رحمهم الله تعالى: العاقلة تتحمل القليل والكثير (وجه) قوله أن التحمل من ~~العاقلة ms4698 لتفريط منهم في الحفظ والنصرة، وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين ~~القليل والكثير. # (ولنا) أن القياس يأبى التحمل؛ لأن الجناية حصلت من غيرهم، وإنما عرفنا ~~ذلك بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأرش الجنين على العاقلة وهو ~~الغرة، وهي نصف عشر الدية فبقي الأمر فيما دون ذلك على أصل القياس ولأن ما ~~دون ذلك ليس له أرش مقدر بنفسه فأشبه ضمان الأموال فلا تتحمله العاقلة كما ~~لا تتحمل ضمان المال، ولا يلزم على هذا أرش الأنملة فإن لها أرشا # PageV07P322 # مقدرا، هو ثلث دية الإصبع فينبغي أن تتحمله العاقلة لأن الأنملة ليس لها ~~أرش مقدر بنفسها بل بالإصبع فكانت جزءا مما له أرش مقدر، وهو الإصبع فلا ~~تتحمله العاقلة ثم ما كان أرشه نصف عشر الدية إلى ثلث الدية يؤخذ من ~~العاقلة في سنة واحدة استدلالا بكمال الدية فإن كل الدية تؤخذ من العاقلة ~~في ثلاث سنين لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على ذلك فإن سيدنا عمر - ~~رضي الله عنه - قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين، ولم ينكر عليه أحد من ~~الصحابة فيكون إجماعا فكلما كان من الأرش قدر ثلث الدية يؤخذ في سنة واحدة ~~لأن في الدية الكاملة هكذا فإذا ازداد الأرش على ثلث الدية فقدر الثلث يؤخذ ~~في سنة، والزيادة في سنة أخرى؛ لأن الزيادة على الثلث في كل الدية تؤخذ في ~~السنة الثانية فكذلك إذا انفردت فإن زاد على الثلثين فالثلثان في سنتين، ~~وما زاد على ذلك في السنة قياسا على كل الدية، والله تعالى أعلم. # (وأما) ما دون النفس من العبيد فلا تتحمله العاقلة بالإجماع؛ لأن ما دون ~~النفس من العبيد له حكم الأموال لما ذكرنا فيما تقدم، ولهذا لا يجب فيه ~~القصاص، وضمان المال لا تتحمله العاقلة، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [فصل في الجنايات التي تجب فيها أرش غير مقدر] # (فصل) : # وأما الذي يجب فيه أرش غير مقدر وهو المسمى بالحكومة فالكلام فيه في ~~مواضع: في. # بيان الجنايات التي تجب فيها الحكومة، وفي تفسير ms4699 الحكومة. # أما الأول فالأصل فيه أن ما لا قصاص فيه من الجنايات على ما دون النفس ~~وليس له أرش مقدر ففيه الحكومة؛ لأن الأصل في الجناية الواردة على محل ~~معصوم اعتبارها بإيجاب الجابر أو الزاجر ما أمكن إذا عرف هذا فنقول: في كسر ~~العظام كلها حكومة عدل إلا السن خاصة لأن استيفاء القصاص بصفة المماثلة ~~فيما سوى السن متعذر، ولم يرد الشرع فيه بأرش مقدر فتجب الحكومة، وأمكن ~~استيفاء المثل في السن، والشرع ورد فيها بأرش مقدر أيضا فلم تجب فيها ~~الحكومة. # وفي لسان الأخرس والعين القائمة الذاهب نورها والسن السوداء القائمة ~~واليد الشلاء والرجل الشلاء وذكر الخصي والعنين - حكومة عدل لأنه لا قصاص ~~في هذه الأشياء، وليس فيها أرش مقدر أيضا؛ لأن المقصود ههنا المنفعة، ولا ~~منفعة فيها ولا زينة أيضا لأن العين القائمة الذاهب نورها لا جمال فيها عند ~~من يعرفها على أن المقصود من هذه الأشياء المنفعة، ومعنى الزينة فيها تابع ~~فلا يتقدر الأرش لأجله. # وفي الإصبع والسن الزائدة حكومة عدل لأنه لا قصاص فيها، وليس لها أرش ~~مقدر أيضا لانعدام المنفعة والزينة لكنها جزء من النفس، وأجزاء النفس ~~مضمونة مع عدم المنفعة والزينة لما ذكرنا (وأما) الصغير الذي لم يمش ولم ~~يقعد ورجله ولسانه وأذنه وأنفه وعينه وذكره: ففي أنفه وأذنه كمال الدية، ~~وكذلك في يديه ورجليه إذا كان يحركهما. # وكذا في ذكره إذا كان يتحرك، وفي لسانه حكومة العدل لا الدية وإن استهل ~~ما لم يتكلم؛ لأن الاستهلال صياح وأما العينان فإن كان يستدل بشيء على ~~بصرهما ففيهما مثل عين الكبير، وإنما كان كذلك (أما) الأنف والأذن فلأن ~~المقصود منهما الجمال لا المنفعة، وذلك يوجد في الصغير بكماله كما يوجد في ~~الكبير (وأما) الأعضاء التي يقصد بها المنفعة فلا يجب فيها أرش كامل حتى ~~يعلم صحتها بما ذكرنا فإذا علم ذلك فقد وجد تفويت منفعة الجنس في كل واحد ~~من ذلك فيجب فيه أرش كامل فإذا لم يعلم يقع الشك في وجود سبب وجوب كمال ms4700 ~~الأرش فلا يجب بالشك، ولا يقال إن الأصل هو الصحة والآفة عارض فكانت الصحة ~~ثابتة ظاهرا لأنا لا نسلم هذا الأصل في الصغير بل الأصل فيه عدم الصحة ~~والسلامة لأنه كان نطفة وعلقة ومضغة فما لم يعلم صحة العضو فهو على الأصل ~~على أن هذا الأصل متعارض لأن براءة ذمة الجاني أصل أيضا فتعارض الأصلان ~~فسقط الاحتجاج بالأصل على الصحة على أن الصحة إن كانت ثابتة ظاهرا بحكم ~~الأصل؛ لأن الظاهر حجة الدفع لا حجة الاستحقاق كحياة المفقود أنها تصلح ~~لدفع الإرث لا لاستحقاقه، وفي الظفر إذا نبت لا شيء فيه في قول أبي حنيفة - ~~رضي الله عنه - لأنه عادت المنفعة والزينة. # وإن مات ففيه حكومة عدل لأنه لا قصاص فيه ولا له أرش مقدر، وكذا إذا نبت ~~على عيب ففيه حكومة عدل دون ذلك؛ لأن النابت عوض عن الذاهب فكأن الأول قائم ~~ودخله عيب، وكذلك قال أبو يوسف - رحمه الله - أنه إذا نبت أسود إن فيه ~~حكومة لما أصاب من الألم بالجراحة الأولى بناء على أصله أن الألم مضمون. # وفي ثدي الرجل حكومة العدل لأنه لا قصاص فيه # PageV07P323 # ولا أرش مقدر لأنه لا منفعة فيه ولا جمال فتجب الحكومة فيهما، وفي أحدهما ~~نصف ذلك الحكم وفي حلمة ثدييه حكم عدل دون ما في ثدييه لما قلنا، وثدي ~~المرأة تبع للحلمة حتى لو قطع الحلمة ثم الثدي فإن كان قبل البرء لا يجب ~~إلا نصف الدية، وإن كان بعد البرء يجب نصف الدية في الحلمة والحكومة في ~~الثدي لأن منفعة الثدي الرضاع وذلك يبطل بقطع الحلمة. # وكذلك الأنف مع المارن حتى لو قطع المارن دون الأنف تجب الدية. # ولو قطع مع المارن لا تجب إلا دية. # واحدة. # ولو قطع المارن ثم الأنف فإن كان قبل البرء تجب دية واحدة، وإن كان بعد ~~البرء ففي المارن الدية، وفي الأنف الحكومة، وكذلك الجفن مع الأشفار حتى لو ~~قطع الشفر بدون الجفن يجب الأرش المقدر. # ولو قطع الجفن معه لا يجب ذلك الأرش ms4701 كالكف مع الأصابع ولو قطع الشفر ثم ~~الجفن فإن كان قبل البرء فكذلك، وإن كان بعد البرء يجب في الشفر أرشه. # وفي الجفن الحكومة لأنه قطع الشفر وهو كامل المنفعة، وقطع الجفن وهو ناقص ~~المنفعة فلا يجب إلا الأرش الناقص، وهو الحكومة ولو قطع أنفا مقطوع الأرنبة ~~ففيه حكومة العدل لأن المقصود من الأنف الجمال، وقد نقص جماله بقطع الأرنبة ~~فينتقص أرشه. # وكذلك إذا قطع كفا مقطوعة الأصابع لأن المقصود من الكف البطش وأنه لا ~~يحصل بدون الأصابع. # وكذلك إذا قطع ذكرا مقطوع الحشفة لأن منفعة الذكر تزول بزوالها فلا يمكن ~~إيجاب أرش مقدر، ولا قصاص فيه فتجب الحكومة (ولو) قطع الذكر، والأنثيين فإن ~~قطعهما معا بأن قطعهما من جانب عرضا يجب ديتان لأنه فوت منفعة الجماع بقطع ~~الذكر ومنفعة الإنزال بقطع الأنثيين فقد وجد تفويت منفعة الجنس في قطع كل ~~واحد منهما فيجب في كل واحد منهما دية كاملة، وإن قطع إحداهما بعد الآخر ~~بأن قطعهما طولا فإن قطع الذكر أولا تجب ديتان أيضا: دية بقطع الذكر لوجود ~~تفويت منفعة الجماع، ودية بقطع الأنثيين؛ لأن بقطع الذكر لا تنقطع منفعة ~~الأنثيين وهو الإنزال لأن الإنزال يتحقق مع عدم الذكر، وإن بدأ بقطع ~~الأنثيين ثم الذكر ففي الأنثيين الدية، وفي الذكر حكومة العدل لأن منفعة ~~الأنثيين كانت كاملة وقت قطعهما، ومنفعة الذكر تفوت بقطع الأنثيين إذ لا ~~يتحقق الإنزال بعد قطع الأنثيين فنقص أرشه ولو حلق رأس رجل فنبت أبيض فلا ~~شيء فيه في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - (وقال) أبو يوسف فيه حكومة عدل، ~~وإن كان عبدا ففيه ما نقص (وجه) قوله أن المقصود من الشعر الزينة، والزينة ~~معتبرة في الأحرار، ولا زينة في الشعر الأبيض فلا يقوم النابت مقام الفائت ~~(وجه) قول أبي حنيفة أن الشيب في الأحرار ليس بعيب بل هو جمال وكمال فلا ~~يجب به أرش بخلاف العبيد فإن الشيب فيهم عيب ألا يرى أنه ينقص الثمن فكان ~~مضمونا على الجاني؟ . # وفيما دون الموضحة من ms4702 الشجاج حكومة عدل. # وكذا روي عن سيدنا عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - أنه قال: ما ~~دون الموضحة خدوش فيها حكم عدل (وكذلك) روي عن إبراهيم النخعي - رحمه الله ~~تعالى - ولأنه لا قصاص فيه، والشرع ما ورد فيه بأرش مقدر فتجب فيه الحكومة، ~~والخلاف الذي ذكرنا في المتلاحمة بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يرجع ~~إلى المعنى بل إلى الاسم لأن أبا يوسف لا يمنع أن تكون الشجة التي قبل ~~الباضعة أقل منها أرشا. # وكذلك محمد لا يمنع أن تكون أرش الشجة التي ذهبت في اللحم أكثر مما ذهبت ~~الباضعة زائدا على أرش الباضعة فكان الاختلاف بينهما في العبارة. # وفيما سوى الجائفة من الجراحات التي في البدن إذا اندملت ولم يبق لها أثر ~~لا شيء فيها عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف رحمهما الله فيه أرش الألم، وعند ~~محمد - رحمه الله - أجرة الطبيب، وقد مرت المسألة وإن بقي لها أثر ففيها ~~حكومة عدل. # وكذا في شعر سائر البدن إذا لم ينبت حكومة عدل وإن نبت لا شيء فيه، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # (وأما) تفسير الحكومة فإن كان الجاني والمجني عليه عبدا يقوم العبد مجنيا ~~عليه وغير مجني عليه فيجب نقصان ما بين القيمتين بلا خلاف، وإن كان الجاني ~~والمجني عليه حرا فقد ذكر الطحاوي - رحمه الله - أنه يقوم المجني عليه لو ~~كان عبدا ولا جناية به، ويقوم وبه الجناية فينظر كم بين القيمتين فعليه ~~القدر من الدية (وقال) الكرخي - رحمه الله - تقرب هذه الجناية إلى أقرب ~~الجنايات التي لها أرش مقدر فينظر ذوا عدل من أطباء الجراحات كم مقدار هذه ~~ههنا في قلة الجراحات وكثرتها بالحزر والظن فيأخذ القاضي بقولهما ويحكم من # PageV07P324 # الأرش بمقداره من أرش الجراحة المقدرة (وجه) ما ذكره الطحاوي - رحمه الله ~~- أن القيمة في العبد كالدية في الحر فيقدر العبد حرا فما أوجب نقصا في ~~العبد يعتبر به الحر. # وكان الكرخي - رحمه الله - ينكر هذا القول ويقول: هذا يؤدي إلى أمر فظيع، ~~وهو أن يجب ms4703 في قليل الشجاج أكثر مما يجب في كثيرها لجواز أن يكون نقصان شجة ~~السمحاق في العبد أكثر من نصف عشر قيمته فلو أوجبنا مثل ذلك من دية الحر ~~لأوجبنا في السمحاق أكثر مما يجب في الموضحة، وهذا لا يصح، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | [فصل في الجناية على ما هو نفس من وجه دون وجه] # (فصل) : # وأما الجناية على ما هو نفس من وجه دون وجه وهو الجنين بأن ضرب على بطن ~~حامل فألقت جنينا فيتعلق بها أحكام وجملة الكلام فيه أن الجنين لا يخلو إما ~~أن يكون حرا بأن كانت أمه حرة أو أمة علقت من مولاها أو من مغرور. # وإما أن يكون رقيقا، ولا يخلو إما أن ألقته ميتا وإما أن ألقته حيا فإن ~~كان حرا وألقته ميتا ففيه الغرة. # والكلام في. # الغرة في مواضع: في بيان وجوبها وفي تفسيرها وتقديرها وفي بيان من تجب ~~عليه وفي بيان من تجب له. # أما الأول: فالغرة واجبة استحسانا، والقياس أن لا شيء على الضارب لأنه ~~يحتمل أن يكون حيا وقت الضرب ويحتمل أنه لم يكن بأن لم تخلق فيه الحياة بعد ~~فلا يجب الضمان بالشك، ولهذا لا يجب في جنين البهيمة شيء إلا نقصان ~~البهيمة، كذا هذا، إلا أنهم تركوا القياس بالسنة، وهو ما روي عن مغيرة بن ~~شعبة - رضي الله عنه - أنه قال: «كنت بين جاريتين فضربت إحداهما الأخرى ~~بمسطح فألقت جنينا ميتا وماتت فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~عاقلة الضاربة بالدية وبغرة الجنين» وروي أن سيدنا عمر اختصم إليه في إملاص ~~المرأة الجنين فقال سيدنا عمر - رضي الله عنه - أنشدكم الله تعالى هل سمعتم ~~من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شيئا؟ فقام المغيرة - رضي الله ~~عنه - فقال: كنت بين جاريتين وذكر الخبر وقال فيه: فقام عم الجنين فقال إنه ~~أشعر، وقام والد الضاربة فقال: كيف ندي من لا صاح ولا استهل ولا شرب ولا ~~أكل، ودم مثل ذلك يطل؟ فقال - عليه الصلاة والسلام ms4704 -: «أسجع كسجع الكهان. ~~وروي كسجع الأعراب، فيه غرة عبد أو أمة» ، فقال سيدنا عمر - رضي الله عنه ~~-: من شهد معك بهذا؟ فقام محمد بن سلمة فشهد، فقال سيدنا عمر - رضي الله ~~عنه -: كدنا أن نقضي فيها برأينا وفيها سنة عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وروى هذه القصة أيضا حمل بن مالك بن النابغة ولأن الجنين إن كان حيا فقد ~~فوت الضارب حياته، وتفويت الحياة قتل، وإن لم يكن حيا فقد منع من حدوث ~~الحياة فيه فيضمن كالمغرور لما منع من حدوث الرق في الولد وجب الضمان عليه، ~~وسواء استبان خلقه أو بعض خلقه لأنه - عليه الصلاة والسلام - قضى بالغرة ~~ولم يستفسر فدل أن الحكم لا يختلف. # وإن لم يستبن شيء من خلقه فلا شيء فيه لأنه ليس بجنين إنما هو مضغة، ~~وسواء كان ذكرا أو أنثى لما قلنا. # ولأن عند عدم استواء الخلقة يتعذر الفصل بين الذكر والأنثى فسقط اعتبار ~~الذكورة والأنوثة فيه. # (وأما) تفسير الغرة فالغرة في اللغة عبد أو أمة، كذا قال أبو عبيد من أهل ~~اللغة وكذا فسرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي روينا ~~فقال - عليه الصلاة والسلام - «فيه غرة عبد أو أمة» فسر الغرة بالعبد ~~والأمة. # وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - «قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة أو ~~خمسمائة» . # وهذه الرواية خرجت تفسيرا للرواية الأولى فصارت الغرة في عرف الشرع اسما ~~لعبد أو أمة يعدل خمسمائة أو بخمسمائة. # وهذه الرواية خرجت تفسيرا للرواية الأولى ثم تقدير الغرة بالخمسمائة مذهب ~~أصحابنا - رحمهم الله تعالى. # وعند الشافعي - رحمه الله - مقدرة بستمائة. # وهذا فرع أصل ما ذكرناه فيما تقدم لأنهم اتفقوا على أن الواجب نصف عشر ~~الدية لكنهم اختلفوا في الدية فالدية من الدراهم عندنا مقدرة بعشرة آلاف ~~فكان نصف عشرها خمسمائة وعنده مقدرة باثني عشر ألفا فكان نصف عشرها ستمائة ~~ثم ابتدأ الدليل على صحة مذهبنا أن في بعض الروايات أنه - عليه الصلاة ~~والسلام - «قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة ms4705 أو خمسمائة» ، وهذا نص في الباب. # (وأما) بيان من تجب عليه الغرة فالغرة تجب على العاقلة لما روينا من ~~الحديث أنه - عليه الصلاة والسلام - «قضى على عاقلة الضاربة بالدية وبغرة ~~الجنين» . # وروي أن عاقلة الضاربة قالوا: أندي من لا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل، ~~ودم مثل هذا بطل؟ وهذا يدل على أن القضاء بالدية كان عليهم # PageV07P325 # حيث أضافوا الدية إلى أنفسهم على وجه الإنكار ولأنها بدل نفس فكانت على ~~العاقلة كالدية (وأما) من تجب له فهي ميراث بين ورثة الجنين على فرائض الله ~~تبارك وتعالى عند عامة العلماء. # وقال مالك - رحمه الله - أنها لا تورث وهي للأم خاصة (وجه) قوله أن ~~الجنين في حكم جزء من أجزاء الأم فكانت الجناية على الأم فكان الأرش لها ~~كسائر أجزائها. # (ولنا) أن الغرة بدل نفس الجنين، وبدل النفس يكون ميراثا كالدية ~~(والدليل) على أنها بدل نفس الجنين لا بدل جزء من أجزاء الأم أن الواجب في ~~جنين أم الولد ما هو الواجب في جنين الحرة. # ولا خلاف في أن جنين أم الولد جزء ولو كان في حكم عضو من أعضاء الأم لكان ~~جزءا من الأم حرا، وبقية أجزائها أمة، وهذا لا يجوز (والدليل) عليه أنه - ~~عليه الصلاة والسلام - «قضى بدية الأم على العاقلة وبغرة الجنين» ، ولو كان ~~في معنى أجزاء الأم لما أفرد الجنين بحكم بل دخلت الغرة في دية الأمة كما ~~إذا قطعت يد الأم فماتت أنه تدخل دية اليد في النفس. # وكذا لما أنكرت عاقلة الضاربة حمل الدية إياهم فقالت: أندي من لا صاح ولا ~~استهل ولا شرب ولا أكل ومثل دمه يطل؟ لم يقل لهم النبي - عليه الصلاة ~~والسلام - إني أوجبت ذلك بجناية الضاربة على المرأة لا بجنايتها على الجنين ~~ولو كان وجوب الأرش فيه لكونه جزءا من أجزاء الأم لرفع إنكارهم بما قلنا ~~فدل أن الغرة وجبت بالجناية على الجنين لا بالجناية على الأم فكانت معتبرة ~~بنفسه لا بالأم. # ولا يرث الضارب من الغرة شيئا لأنه قاتل ms4706 بغير حق والقتل بغير حق من أسباب ~~حرمان الميراث، ولا كفارة على الضارب لأنه - عليه الصلاة والسلام - لما قضى ~~بالغرة على الضاربة لم يذكر الكفارة مع أن الحال حال الحاجة إلى البيان، ~~ولو كانت واجبة لبينها ولأن وجوبها متعلق بالقتل وأوصاف أخرى لم يعرف ~~وجودها في الجنين من الإيمان والكفر حقيقة أو حكما قال الله تعالى {ومن قتل ~~مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92] وقال تبارك وتعالى {وإن كان من ~~قوم بينكم وبينهم ميثاق} [النساء: 92] أي كان المقتول، ولم يعرف قتله لأنه ~~لم تعرف حياته وكذا إيمانه وكفره حقيقة وحكما (أما) الحقيقة فلا شك في ~~انتفائها؛ لأن الإيمان والكفر لا يتحققان من الجنين. # وكذلك حكما لأن ذلك بواسطة الحياة ولم تعرف حياته ولأن الكفارة من باب ~~المقادير، والمقادير لا تعرف بالرأي والاجتهاد بل بالتوقيف، وهو الكتاب ~~العزيز والسنة والإجماع، ولم يوجد في الجنين الذي ألقي ميتا شيء من ذلك فلا ~~تجب فيه الكفارة ولأن وجوبها متعلق بالنفس المطلقة، والجنين نفس من وجه دون ~~وجه بدليل أنه لا يجب فيه كمال الدية مع ما أن الضرب لو وقع قتل نفس لكان ~~قتلا تسبيبا لا مباشرة. # والقتل تسبيبا لا يوجب الكفارة كحفر البئر، ونحو ذلك. # وذكر محمد - رحمه الله - قال: ولا كفارة على الضارب وإن سقط كامل الخلق ~~ميتا إلا أن يشاء ذلك فهو أفضل وليس ذلك عليه عندنا واجب وليتقرب إلى الله ~~تبارك وتعالى بما يشاء إن استطاع ويستغفر الله سبحانه وتعالى مما صنع، وهذا ~~قول أبي يوسف - رحمه الله - وقولنا كذا ذكر محمد - رحمه الله - لأنه ارتكب ~~محظورا فندب إلى أن يتقرب بالكفارة لمحوه هذا إذا ألقته ميتا، فأما إذا ~~ألقته حيا فمات ففيه الدية كاملة لا يرث الضارب منها شيئا، وعليه الكفارة ~~(أما) حرمان الميراث فلما قلنا وأما وجوب الدية والكفارة فلأنه لما خرج حيا ~~فمات علم أنه كان حيا وقت الضرب فحصل الضرب قتل النفس، وأنه في معنى الخطأ ~~فتجب فيه الدية والكفارة هذا إذا ألقت جنينا واحدا. ms4707 # فأما إذا ألقت جنينين فإن كانا ميتين ففي كل واحد منهما غرة، وإن كانا ~~حيين ثم ماتا ففي كل واحد منهما دية لوجود سبب وجوب كل واحد منهما وهو ~~الإتلاف إلا أنه أتلفهما بضربة واحدة ومن أتلف شخصين بضربة واحدة يجب عليه ~~ضمان كل واحد منهما كما لو أفرد كل واحد منهما بالضرب كما في الكبيرين فإن ~~ألقت أحدهما ميتا والآخر حيا ثم مات فعليه في الميت الغرة وفي الحي الدية ~~لوجود سبب وجوب الغرة في الجنين الميت والدية في الجنين الحي فيستوي فيه ~~الجمع في الإتلاف والإفراد فيه فإن ماتت الأم من الضربة وخرج الجنين بعد ~~ذلك حيا ثم مات فعليه ديتان دية في الأم ودية في الجنين لوجود سبب وجوبهما ~~وهو قتل شخصين. # فإن خرج بعد موتها ميتا فعليه دية الأم، ولا شيء عليه في الجنين. # وقال الشافعي - رحمه الله -: يجب عليه في الجنين الغرة (وجه) قوله إن ~~أتلفهما جميعا فيؤاخذ بضمان كل واحد منهما كما لو خرج الجنين ميتا ثم ماتت ~~الأم. # (ولنا) أن القياس يأبى كون الجنين مضمونا أصلا # PageV07P326 # لما بينا من احتمال عدم الحياة، وازداد ههنا احتمال آخر، وهو أنه يحتمل ~~أنه مات بالضرب ويحتمل أنه مات بموت الأم، وإنما عرفنا الضمان فيه بالنص، ~~والنص ورد بالضمان في حال مخصوصة، وهي ما إذا خرج ميتا قبل موت الأم فسقط ~~اعتبار أحد الاحتمالين فيتعين الثاني في نفي وجوب الضمان في غير هذه الحالة ~~هذا إذا كان الجنين حرا فأما إذا كان رقيقا فإن خرج ففيه نصف عشر قيمته إن ~~كان ذكرا، وعشر قيمته إن كان أنثى. # وروي عن أبي يوسف أن في جنين الأمة ما نقص الأم وقال الشافعي - رحمه الله ~~-: فيه عشر قيمة الأم. # أما الكلام مع أبي يوسف - رحمه الله - فبناء على أصل ذكرناه فيما تقدم، ~~وهو أن ضمان الجناية الواردة على العبد ضمان النفس أم ضمان المال؟ فعلى ~~أصلهما ضمان النفس حتى قالا أنه لا تزاد قيمته على دية الحر بل تنقص ههنا. ms4708 # وكذا تتحمله العاقلة، وعلى أصل أبي يوسف - رحمه الله - ضمانها ضمان المال ~~حتى قال تبلغ قيمته بالغة ما بلغت ولا تتحمله العاقلة فصار جنينها كجنين ~~البهيمة، وهناك لا يجب إلا نقصان الأم كذا ههنا (وأما) الكلام مع الشافعي - ~~رحمه الله - فبناء على أن الجنين معتبر بنفسه أم بأمه؟ وقد ذكرنا الدلائل ~~على أنه معتبر بنفسه لا بأمه فيما تقدم والدليل عليه أيضا أن ضمان جنين ~~الحرة موروث عنه على فرائض الله - عز وجل. # ولو كان معتبرا بأمه لسلم لها كما يسلم لها أرش عضوها، وإذا ثبت أن ~~الجنين معتبر بنفسه وأن الواجب فيه ضمان فهذا الاعتبار يوجب أن يكون في ~~جنين الأمة إذا كان رقيقا نصف عشر قيمته إن كان ذكرا، وعشر قيمته إن كان ~~أنثى؛ لأن الواجب في الجنين الحر خمسمائة ذكرا كان أو أنثى، وهي نصف عشر ~~دية الذكر وعشر دية الأنثى، والقيمة في الرقيق كالدية في الحر فيلزم أن ~~يكون في الجنين الرقيق نصف عشر قيمته إن كان ذكرا اعتبارا بالحر وعشر قيمته ~~إن كان أنثى اعتبارا بالحرة. # وإن خرج حيا ثم مات قيمته لما ذكرنا في الجنين الحر فإن ألقت جنينين ~~ميتين أو جنينين حيين ثم ماتا ففي كل واحد منهما حالة الاجتماع ما فيه حال ~~الانفراد لما ذكرنا في الجنين الحر فإن ألقت أحدهما ميتا والآخر حيا ثم مات ~~ففي كل واحد منهما ما هو ضمانه حالة الانفراد لما مر فإن ماتت الأم من ~~الضرب وخرج الجنين بعد ذلك حيا ثم مات فعليه قيمتان قيمة في الأم وقيمة في ~~الجنين، وإن خرج الجنين ميتا بعد موت الأم فعليه في الأم القيمة ولا شيء ~~عليه في الجنين لما ذكرنا، والأصل أن في كل موضع يجب في الجنين الحر الغرة ~~ففي الرقيق نصف عشر قيمته إن كان ذكرا وعشر قيمته إن كان أنثى، وكل موضع ~~يجب في المضروبة - إذا كانت حرة - الدية ففي الأمة القيمة، وفي كل موضع لا ~~يجب في الجنين هناك شيء لا يجب هنا ms4709 شيء أيضا لما ذكرنا في جانب الحر من غير ~~تفاوت إلا أن الواجب في جنين الأمة يكون في مال الضارب يؤخذ منه حالا ولا ~~تتحمله العاقلة، والواجب في جنين الحرة يكون على العاقلة لأن تحمل العاقل ~~ثبت بخلاف القياس بالنص، والنص ورد بالتحمل في الغرة في جنين الحرة فبقي ~~الحكم في جنين الأمة على أصل القياس، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. ### | [كتاب الخنثى] ### | [تفسير الخنثى] # (كتاب الخنثى) # (الكلام) فيه يقع في مواضع: في تفسير الخنثى، وفي بيان ما يعرف به أنه ~~ذكر، أو أنثى، وفي بيان حكم الخنثى المشكل. # (أما الأول) فالخنثى من له آلة الرجال والنساء، والشخص الواحد لا يكون ~~ذكرا وأنثى حقيقة، فإما أن يكون ذكرا، وإما أن يكون أنثى. ### | [فصل في بيان ما يعرف به الخنثى أنه ذكر أو أنثى] # (فصل) : # وأما بيان ما يعرف به أنه ذكر، أو أنثى، فإنما يعرف ذلك بالعلامة، وعلامة ~~الذكورة بعد البلوغ نبات اللحية، وإمكان الوصول إلى النساء وعلامة الأنوثة ~~في الكبر نهود ثديين كثديي المرأة ونزول اللبن في ثدييه والحيض والحبل، ~~وإمكان الوصول إليها من فرجها؛ لأن كل واحد مما ذكرنا يختص بالذكورة ~~والأنوثة فكانت علامة صالحة للفصل بين الذكر والأنثى. # وأما العلامة في حالة الصغر فالمبال، لقوله عليه الصلاة والسلام «الخنثى ~~من حيث يبول» ، فإن كان يبول من مبال الذكور فهو ذكر، وإن كان يبول من مبال ~~النساء فهو أنثى " وإن كان يبول منهما جميعا يحكم السبق؛ لأن سبق البول من ~~أحدهما يدل على أنه هو المخرج الأصلي وأن الخروج من الآخر بطريق الانحراف ~~عنه. # وإن كان لا يسبق # PageV07P327 # أحدهما الآخر فتوقف أبو حنيفة - رضي الله عنه -. # وقال: هو خنثى مشكل، وهذا من كمال فقه أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأن ~~التوقف عند عدم الدليل واجب. # وقال أبو يوسف ومحمد: تحكم الكثرة؛ لأنها في الدلالة على المخرج الأصلي ~~كالسبق فيجوز تحكيمه. # ووجه قول أبي حنيفة - عليه الرحمة - أن كثرة البول وقلته لسعة المحل ~~وضيقه فلا يصلح للفصل بين الذكورة ms4710 والأنوثة، بخلاف السبق، وحكي أنه لما بلغ ~~أبا حنيفة قول أبي يوسف في تحكيم الكثرة لم يرض به، وقال: هل رأيت حاكما ~~يزن البول، فإن استويا توقفا أيضا، وقالا هو خنثى مشكل، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. ### | [فصل في حكم الخنثى المشكل] # (فصل) : # وأما حكم الخنثى المشكل فله في الشرع أحكام: حكم الختان وحكم الغسل بعد ~~الموت وحكم الميراث ونحو ذلك من الأحكام. # أما حكم الختان فلا يجوز للرجل أن يختنه لاحتمال أنه أنثى ولا يحل له ~~النظر إلى عورتها ولا يحل لامرأة أجنبية أن تختنه لاحتمال أنه رجل فلا يحل ~~لها النظر إلى عورته فيجب الاحتياط في ذلك وذلك أن يشتري له من ماله جارية ~~تختنه إن كان له مال؛ لأنه إن كان أنثى فالأنثى تختن بالأنثى عند الحاجة، ~~وإن كان ذكرا فتختنه أمته لأنه يباح لها النظر إلى فرج مولاها، وإن لم يكن ~~له مال يشتري له الإمام من مال بيت المال جارية ختانة فإذا ختنته باعها ورد ~~ثمنها إلى بيت المال؛ لأن الختان من سنة الإسلام وهذا من مصالح المسلمين ~~فيقام من بيت مالهم عند الحاجة والضرورة، ثم تباع ويرد ثمنها إلى بيت المال ~~لاندفاع الحاجة والضرورة، وقيل: يزوجه الإمام امرأة ختانة؛ لأنه إن كان ~~ذكرا فللمرأة أن تختن زوجها، وإن كان أنثى فالمرأة تختن المرأة عند الحاجة. # وأما حكم غسله بعد الموت فلا يحل للرجل أن يغسله لاحتمال أن يكون أنثى ~~ولا يحل للمرأة أن تغسله لاحتمال أنه ذكر ولكنه ييمم، كان الميمم رجلا، أو ~~امرأة، غير أنه إن كان ذا رحم محرم منه يممه من غير خرقة، وإن كان أجنبيا ~~يممه بالخرقة ويكف بصره عن ذراعيه. # وأما حكم الوقوف في الصفوف في الصلاة فإنه يقف بعد صف الرجال والصبيان ~~قبل صف النساء احتياطا على ما ذكرنا في كتاب الصلاة. # وأما حكم إمامته في الصلاة أيضا فقد مر فلا يؤم الرجال لاحتمال أنه أنثى ~~ويؤم النساء. # وأما حكم وضع الجنائز على الترتيب فتقدم جنازته على جنازة النساء ms4711 وتؤخر ~~عن جنازة الرجال والصبيان على ما مر في كتاب الصلاة لجواز أنه ذكر فيسلك ~~مسلك الاحتياط في ذلك كله. # وأما حكم الغنائم فلا يعطى سهما ولكن يرضخ له كأنه امرأة؛ لأن في استحقاق ~~الزيادة شكا، فلا يثبت بالشك. # وأما حكم الميراث فقد اختلف العلماء فيه قال أصحابنا - رحمهم الله - يعطى ~~له أقل الأنصباء وهو نصيب الأنثى إلا أن يكون أسوأ أحواله أن يجعل ذكرا ~~فحينئذ يجعل ذكرا حكما، وبيان هذا في مسائل: إذا مات رجل وترك ابنا معروفا ~~وولدا خنثى فعند أصحابنا - رحمهم الله تعالى - يقسم المال بينهم أثلاثا ~~للابن المعروف الثلثان وللخنثى الثلث ويجعل الخنثى هاهنا أنثى كأنه ترك ~~ابنا وبنتا، ولو ترك ولدا خنثى وعصبة فالنصف للخنثى والباقي للعصبة ويجعل ~~الخنثى أنثى كأنه ترك بنتا وعصبة، ولو ترك أختا لأب وأم وخنثى لأب، وعصبة ~~فللأخت للأب والأم النصف، والخنثى لأب السدس تكملة الثلثين، والباقي ~~للعصبة، ويجعل الخنثى أيضا هاهنا أنثى كأنه ترك أختا لأب وأم، وأختا لأب، ~~وعصبة. # فإن تركت زوجا وأختا لأب، وأم وخنثى لأب فللزوج النصف وللأخت للأب والأم ~~النصف ولا شيء للخنثى ويجعل هاهنا ذكرا؛ لأن هذا أسوأ أحواله؛ لأنا لو ~~جعلناه أنثى لأصاب السدس وتعول الفريضة، ولو جعلناه ذكرا لا يصيب شيئا ~~كأنها تركت زوجا وأختا لأب وأم وأخا لأب وهذا الذي ذكرنا قول أصحابنا - ~~رحمهم الله - تعالى. # وقال الشعبي - رحمه الله - يعطى نصف ميراث الذكر ونصف ميراث الأنثى؛ لأنه ~~يحتمل أن يكون ذكرا ويحتمل أن يكون أنثى فيعطى له نصف ميراث الرجال ونصف ~~ميراث النساء (والصحيح) قول أصحابنا - رحمهم الله - تعالى؛ لأن الأقل ثابت ~~بيقين، وفي الأكثر شك؛ لأنه إن كان ذكرا فله الأكثر، وإن كان أنثى فلها ~~الأقل فكان استحقاق الأقل ثابتا بيقين وفي استحقاق الأكثر شك فلا يثبت ~~الاستحقاق مع الشك على الأصل المعهود في غير الثابت بيقين أنه لا يثبت ~~بالشك، ولأن سبب استحقاق كل المال ثابت للابن المعروف وهو ذكر فيه وإنما ~~ينتقص حقه بمزاحمة الآخر فإذا احتمل ms4712 أنه ذكر واحتمل أنه أنثى وقع الشك في ~~سقوط حقه عن الزيادة على الثلث فلا يسقط بالشك على الأصل المعهود في # PageV07P328 # الثابت بيقين أنه لا يسقط بالشك. # واختلف أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - في تفسير قول الشعبي - رحمه الله ~~- وتخريجه فيما إذا ترك ابنا معروفا وولدا خنثى فقال أبو يوسف على قياس ~~قوله: يقسم المال على سبعة: أربعة أسهم منها للابن المعروف، وثلاثة للخنثى. # وقال محمد - رحمه الله تعالى - على قياس قوله: يقسم المال على اثني عشر ~~سهما: سبعة منها للابن المعروف، وخمسة للخنثى، وجه تفسير محمد وتخريجه لقول ~~الشعبي أن للخنثى في حال سهما وهو أن يكون ذكرا وللابن المعروف سهم، وله في ~~حال ثلثا سهم وهو أن يكون أنثى وللابن المعروف سهم وثلث سهم فيعطى نصف ما ~~يستحقه في حالين؛ لأنه لا يستحق على حالة واحدة من الذكورة والأنوثة ~~لاستحالة أن يكون الشخص الواحد ذكرا وأنثى وليست إحدى الحالتين أولى من ~~الأخرى فيعطى نصف ما يستحقه في الحالتين وهو خمسة أسداس سهم وانكسر الحساب ~~بالأسداس فيصير كل سهم ستة فيصير جميع المال اثني عشر سهما للخنثى منها ~~خمسة وللابن المعروف سبعة، أو يقال إذا جعلنا جميع المال اثني عشر سهما ~~فالخنثى يستحق في حال ستة من اثني عشر وهي أن يكون ذكرا وفي حال أربعة من ~~اثني عشر وهي أن يكون أنثى فالأربعة ثابتة بيقين، وسهمان يثبتان في حال ولا ~~يثبتان في حال وليست إحدى الحالتين أولى من الأخرى فينصف. # وذلك سهم فذلك خمسة أسهم للخنثى. # وأما الابن المعروف فالستة من الاثني عشر ثابتة بيقين وسهمان يثبتان في ~~حال ولا يثبتان في حال فينصف وذلك سهم فذلك سبعة أسهم للابن المعروف، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم. # (وجه) قول أبي يوسف وتخريجه لقول الشعبي أنه يحتمل أن يكون ذكرا ويحتمل ~~أن يكون أنثى، فإن كان ذكرا فله نصيب ابن وهو سهم، وللابن المعروف سهم، وإن ~~كان أنثى فله نصيب بنت وهو نصف سهم وللابن المعروف سهم فله في حال سهم ms4713 تام ~~وفي حال نصف سهم، وإنما يستحق على حالة واحدة وليست إحداهما بأولى من ~~الأخرى فيعطى نصف ما يستحقه في حالتين وذلك ثلاثة أرباع سهم، وللابن ~~المعروف سهم تام فيكون الميراث بينهما على سبعة أسهم للابن المعروف أربعة ~~وللخنثى ثلاثة، والله سبحانه وتعالى أعلم. # (ووجدت) في شرح مسائل المجرد المنسوب إلى الإمام إسماعيل بن عبد الله ~~البيهقي - رضي الله عنه - الذي اختصر المبسوط والجامعين والزيادات في مجلدة ~~واحدة وشرحه بكتاب لقبه الشامل بابا في الخنثى فأحببت أن ألحقه بهذا الفصل ~~وهو ليس من أصل الشيخ وهو باب الخنثى. # (قال) ابن عباس - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«يورث الخنثى من حيث يبول» وهو مذهبنا، الخنثى المشكل معتبر بالنساء في حق ~~بعض الأحكام إذا كان الاحتياط في الإلحاق بهن، وبالرجال إذا كان الاحتياط ~~فيه، فحكمه في الصلاة حكم المرأة في القعود والستر، وفي الوقوف بجنب الرجال ~~في إفساد صلاة الرجل، ويقوم خلف الرجال وقدام النساء ولا يلبس الحرير ~~إلحاقا بالرجال، وفي القصاص فيما دون النفس مثل المرأة، ولو مات يمم ~~بالصعيد ولا يغسله رجل ولا امرأة ويسجى قبره ويدخل قبره ذو رحم محرم منه. # فإن قبله رجل بشهوة لم يتزوج بأمه، ولو زوجه أبوه امرأة يؤجل كالعنين سنة ~~ولا حد على قاذفه اعتبارا بالمجبوب والرتقاء، وفي الكل يعتبر الاحتياط قال: ~~" كل عبد لي حر " وقال: " كل أمة " لم يعتق الخنثى المشكل؛ لأن الملك ثابت ~~فلا يزول بالشك، ولو قال القولين جميعا عتق لما عرف. # (وقوله) أنا ذكر، أو أنثى لا يقبل؛ لأنه متهم ويشتري امرأة بأن يشتري له ~~أمة من ماله للخدمة، فإن لم يكن له مال فمن بيت المال؛ لأنه من مصالح أهل ~~الإسلام. # (مات) وأقام رجل البينة إنها كانت امرأته وكانت تبول من مبال النساء، ~~وامرأة أنه كان زوجها وكان يبول من مبال الرجال لم يقض لأحدهما إلا إن ذكرت ~~إحدى البينتين وقتا أقدم فيقضى له وفي حبسه في الدعاوى، ولا يفرض له في ~~الديوان؛ ms4714 لأنه حق الرجل المقاتل، فإن شهد القتال يرضخ له؛ لأن الرضخ نوع ~~إعانة. # وإن أسر لم يقتل، ولا يدخل في قسامة ولا تؤخذ منه الجزية؛ لأن هذا من ~~أحكام الرجال أوصى رجل لما في بطن فلانة بألف درهم إن كان غلاما، وبخمسمائة ~~إن كانت جارية وكان مشكلا لم يزد على خمسمائة عند أبي حنيفة - عليه الرحمة ~~- وعندهما - رحمهما الله - له نصف الألف والخمسمائة، قال: وخروج اللحية ~~دليل أنه رجل، والثدي على مثال ثدي المرأة مع عدم اللحية والحيض دليل كونه ~~امرأة. # زوج خنثى # PageV07P329 # من خنثى مشكلان على أن أحدهما رجل والآخر امرأة صح الوقف في النكاح حتى ~~تتبين، فإن ماتا قبل البيان لم يتوارثا لما مر شهد شهود على خنثى أنه غلام، ~~وشهود أنه جارية، والمطلوب ميراث، قضيت بشهادة الغلام؛ لأنها أكثر إثباتا، ~~فإن كان المدعى مهرا قضيت بكونها جارية، وإن كان المقيم لا يطلب شيئا لم ~~تسمع البينة، والله سبحانه وتعالى أعلم. ### | [كتاب الوصايا] ### | [بيان جواز الوصية] # (كتاب الوصايا) # الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع: في بيان جواز الوصية، وفي بيان ركن ~~الوصية، وفي بيان معنى الوصية، وفي بيان شرائط ركن الوصية، وفي بيان صفة ~~عقد الوصية، وفي بيان حكم الوصية، وفي بيان ما تبطل به الوصية. # (أما) الأول فالقياس يأبى جواز الوصية؛ لأنها تمليك مضاف إلى ما بعد ~~الموت والموت مزيل للملك فتقع الإضافة إلى زمان زوال الملك فلا يتصور وقوعه ~~تمليكا فلا يصح، إلا أنهم استحسنوا جوازها بالكتاب العزيز والسنة الكريمة ~~والإجماع، أما الكتاب العزيز فقوله تبارك وتعالى في آية المواريث: {يوصيكم ~~الله في أولادكم} [النساء: 11] إلى قوله جلت عظمته {من بعد وصية يوصي بها ~~أو دين} [النساء: 11] و {يوصى بها أو دين} [النساء: 12] و {يوصين بها أو ~~دين} [النساء: 12] و {توصون بها أو دين} [النساء: 12] شرع الميراث مرتبا ~~على الوصية فدل أن الوصية جائزة، وقوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو ~~آخران ms4715 من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض} [المائدة: 106] ، ندبنا سبحانه ~~وتعالى إلى الإشهاد على حال الوصية فدل أنها مشروعة. # (وأما) السنة فما روي «أن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - وهو سعد بن ~~مالك كان مريضا فعاده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله: ~~أوصي بجميع مالي؟ فقال: لا، فقال بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: فبنصف مالي؟ ~~قال: لا قال: فبثلث مالي؟ فقال - عليه السلام - الثلث، والثلث كثير إنك أن ~~تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» . # وروي: فقراء يتكففون الناس فقد جوز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الوصية بالثلث. # وروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «إن الله - تبارك وتعالى - ~~تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة على أعمالكم فضعوه حيث شئتم» ~~. # أخبر - عليه الصلاة والسلام - أن الله تبارك وتعالى جعلنا أخص بثلث ~~أموالنا في آخر أعمارنا لنكسب به زيادة في أعمالنا. # والوصية تصرف في ثلث المال في آخر العمر زيادة في العمل فكانت مشروعة. # وأما الإجماع: فإن الأمة من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~يومنا هذا يوصون من غير إنكار من أحد، فيكون إجماعا من الأمة على ذلك، ~~والقياس يترك بالكتاب العزيز، والسنة الكريمة والإجماع مع ما أن ضربا من ~~القياس يقتضي الجواز وهو أن الإنسان يحتاج إلى أن يكون ختم عمله بالقربة ~~زيادة على القرب السابقة على ما نطق به الحديث أو تداركا لما فرط في حياته ~~وذلك بالوصية، وهذه العقود ما شرعت إلا لحوائج العباد، فإذا مست حاجتهم إلى ~~الوصية وجب القول بجوازها، وبه تبين أن ملك الإنسان لا يزول بموته فيما ~~يحتاج إليه ألا يرى: أنه بقي في قدر جهازه من الكفن، والدفن وبقي في قدر ~~الدين الذي هو مطالب به من جهة العباد لحاجة إلى ذلك كذلك ههنا، وبعض الناس ~~يقول: الوصية واجبة لما روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «لا يحل ~~لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر له مال يريد أن ms4716 يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ~~ووصيته عند رأسه» . # وفي نفس الحديث ما ينفي الوجوب؛ لأن فيه تحريم ترك الإيصاء عند إرادة ~~الإيصاء، والواجب لا يقف وجوبه على إرادة من عليه كسائر الواجبات، أو يحمل ~~الحديث بما عليه من الفرائض، والواجبات كالحج والزكاة، والكفارات، والوصية ~~بها واجبة - عندنا - على أنه من أخبار الآحاد ورد فيما تعم به البلوى، وأنه ~~دليل على عدم الثبوت فلا يقبل، وقيل إنها كانت واجبة في الابتداء للوالدين ~~والأقربين المسلمين لقول الله - تبارك وتعالى - {كتب عليكم إذا حضر أحدكم ~~الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين} ~~[البقرة: 180] ، ثم نسخت واختلف في الناسخ قال بعضهم: نسخها الحديث وهو ما ~~روي عن أبي قلابة - رضي الله عنه - # PageV07P330 # عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «لا وصية لوارث» # والكتاب العزيز قد ينسخ بالسنة فإن قيل إنما ينسخ الكتاب عندكم بالسنة ~~المتواترة، وهذا من الآحاد، فالجواب أن هذا الحديث متواتر غير أن التواتر ~~ضربان: تواتر من حيث الرواية، وهو أن يرويه جماعة لا يتصور تواطؤهم على ~~الكذب، وتواتر من حيث ظهور العمل به قرنا فقرنا من غير ظهور المنع والنكير ~~عليهم في العمل به إلا أنهم ما رووه على التواتر؛ لأن ظهور العمل به أغناهم ~~عن روايته، وقد ظهر العمل بهذا مع ظهور القول أيضا من الأئمة بالفتوى به ~~بلا تنازع منهم، ومثله يوجب العمل قطعا، فيجوز نسخ الكتاب العزيز به كما ~~يجوز بالمتواتر في الرواية إلا أنهما يفترقان من وجه، وهو أن جاحد المتواتر ~~في الرواية يكفر وجاحد المتواتر في ظهور العمل لا يكفر لمعنى عرف في أصول ~~الفقه. # وقال بعض العلماء: نسختها آية المواريث، وفي الحديث ما يدل عليه، فإنه - ~~عليه الصلاة والسلام - قال: «إن الله تبارك وتعالى أعطى كل ذي حق حقه، فلا ~~وصية لوارث» وقوله كل ذي حق حقه أي: كل حقه فقد أشار - عليه الصلاة والسلام ~~- إلى أن الميراث الذي أعطي للوارث كل حقه، فيدل على ارتفاع الوصية، وتحول ~~حقه من الوصية ms4717 إلى الميراث وإذا تحول فلا يبقى له حق له في الوصية كالقبلة ~~لما تحولت من بيت المقدس إلى الكعبة لم يبق ببيت المقدس قبلة. # وكالدين إذا تحول من ذمة إلى ذمة لا يبقى في الذمة الأولى. # وكما في الحوالة الحقيقية. # وقال بعضهم: الوصية بقيت واجبة للوالدين والأقربين غير الوارثين بسبب ~~الكفر والرق والآية، وإن كانت عامة في المخرج لكن خص منها الوالدان ~~والأقربون الوارثون بالحديث وهو قوله - عليه الصلاة والسلام - «لا وصية ~~لوارث» فكان الحديث مخصصا لعموم الكتاب لا ناسخا والحمل على التخصيص أولى ~~من الحمل على النسخ إلا أن عامة أهل التأويل قالوا: إن الوصية في الابتداء ~~كانت فريضة للوالدين والأقربين المسلمين، ثم نسخت بحديث أبي قلابة. # وقال بعضهم: إن كان عليه حج، أو زكاة، أو كفارة، أو غير ذلك من الواجبات ~~فالوصية بذلك واجبة، وإن لم يكن فهي غير واجبة بل جائزة وبه أخذ الفقيه أبو ~~الليث (وأما) الكلام في الاستحباب فقد قالوا: إن كان ماله قليلا، وله ورثة ~~فقراء فالأفضل أن لا يوصي لقوله - عليه الصلاة والسلام - في حديث سعد - رضي ~~الله تعالى عنه -: «إنك إن تركت ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة ~~يتكففون الناس» ، ولأن الوصية في هذه الحالة تكون صلة بالأجانب، والترك ~~يكون صلة بالأقارب، فكان أولى، وإن كان ماله كثيرا، فإن كانت ورثته فقراء ~~فالأفضل أن يوصي بما دون الثلث ويترك المال لورثته؛ لأن غنية الورثة تحصل ~~بما زاد على الثلث إذا كان المال كثيرا ولا تحصل عند قلته. # والوصية بالخمس أفضل من الوصية بالربع، والوصية بالربع أفضل من الوصية ~~بالثلث لما روي عن سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال: لأن أوصي بالخمس ~~أحب إلي من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث، ~~ومن أوصى بالثلث لم يترك شيئا أي: لم يترك من حقه شيئا لورثته؛ لأن الثلث ~~حقه، فإذا أوصى بالثلث، فلم يترك من حقه شيئا لهم. # وروي عن سيدنا أبي بكر، وسيدنا عمر، وسيدنا ms4718 عثمان - رضي الله تعالى عنهم ~~- أنهم قالوا: الخمس اقتصاد، والربع جهد، والثلث حيف، وإن كان ورثته ~~أغنياء، فالأفضل الوصية بالثلث، ثم الوصية بالثلث لأقاربه الذين لا يرثون ~~أفضل من الوصية به للأجانب، والوصية للقريب المعادي أفضل من الوصية للقريب ~~الموالي؛ لأن الصدقة على المعادي تكون أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء، ~~ونظير قوله - عليه الصلاة والسلام - لذلك الذي اشترى عبدا، فأعتقه، فإن ~~شكرك فهو خير له وشر لك، وإن كفرك، فهو شر له وخير لك، ولأن الوصية للمعادي ~~سبب لزوال العداوة، وصيانة للقرابة عن القطيعة فكانت أولى هذا إذا استوى ~~الفريقان في الفضل، والدين والحاجة، وأحدهما معادي (فأما) إذا كان الموالي ~~منهما أعفهما، وأصلحهما وأحوجهما، فالوصية له أفضل؛ لأن الوصية له تقع ~~إعانة على طاعة الله تبارك وتعالى. ### | [فصل في ركن الوصية] # (فصل) : # وأما ركن الوصية فقد اختلف فيه قال أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله -: هو ~~الإيجاب، والقبول الإيجاب من الموصي، والقبول من الموصى له فما لم يوجدا ~~جميعا لا يتم الركن، وإن شئت قلت: ركن الوصية الإيجاب من الموصي، وعدم الرد ~~من الموصى له وهو أن يقع اليأس عن رده، وهذا أسهل لتخريج المسائل على ما ~~نذكر. # وقال زفر - رحمه الله -: الركن هو # PageV07P331 # الإيجاب من الموصي فقط. # (وجه) قول زفر أن ملك الموصى له بمنزلة ملك الوارث؛ لأن كل واحد من ~~الملكين ينتقل بالموت، ثم ملك الوارث لا يفتقر إلى قبوله. # وكذا ملك الموصى له (ولنا) : قوله تبارك وتعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى} [النجم: 39] فظاهره أن لا يكون للإنسان شيء بدون سعيه فلو ثبت الملك ~~للموصى له من غير قبول لثبت من غير سعيه، وهذا منفي إلا ما خص بدليل، ولأن ~~القول بثبوت الملك له من غير قبوله يؤدي إلى الإضرار به من وجهين: أحدهما ~~أنه يلحقه ضرر المنة؛ ولهذا توقف ثبوت الملك للموهوب له على قبوله دفعا ~~لضرر المنة، والثاني أن الموصى به قد يكون شيئا يتضرر به الموصى له، كالعبد ~~الأعمى والزمن، والمقعد، ونحو ذلك، وإلى ms4719 هذا أشار في الأصل فقال: أريت لو ~~أوصى بعبيد عميان أيجب عليه القبول شاء، أو أبى، وتلحقه نفقتهم من غير أن ~~يكون له منهم نفع فلو لزمه الملك من غير قبوله للحقه الضرر من غير التزامه ~~وإلزام من له ولاية الإلزام إذ ليس للموصي ولاية إلزام الضرر، فلا يلزمه، ~~بخلاف ملك الوارث؛ لأن اللزوم هناك بإلزام من له ولاية الإلزام، وهو الله - ~~تبارك وتعالى - فلم يقف على القبول كسائر الأحكام التي تلزم بإلزام الشرع ~~ابتداء. # وعلى هذا يخرج ما إذا كان الموصى له أنه لا يعتق عليه ما لم يقبل، أو يمت ~~من غير قبول؛ لأنه لا عتق بدون الملك ولا ملك بدون القبول، أو بدون عدم ~~الرد، ووقوع اليأس عنه، ولم يوجد القبول منه، ولا وقع اليأس عن الرد ما دام ~~حيا فلا يعتق. # ولو مات الموصي، ثم مات الموصى له قبل القبول صار الموصى به ملكا لورثة ~~الموصى له استحسانا، والقياس: أن تبطل الوصية ويكون لورثته الخيار إن شاءوا ~~قبلوا، وإن شاءوا ردوا (وجه) القياس الأول أن القبول أحد ركني العقد، وقد ~~فات بالموت، فيبطل الركن الآخر كما إذا أوجب البيع، ثم مات المشتري قبل ~~القبول، أو أوجب الهبة، ثم مات الموهوب له قبل القبول، أنه يبطل الإيجاب ~~لما قلنا كذا هذا (وجه) القياس الثاني: أن الموصى له في حياته كان له ~~القبول، والرد فإذا مات تقوم ورثته مقامه. # (وجه) الاستحسان: أن أحد الركنين من جانب الموصى له هو عدم الرد منه، ~~وذلك بوقوع اليأس على الرد منه، وقد حصل ذلك بموته فتم الركن. # (وأما) على عبارة القبول فنقول: إن القبول من الموصى له لا يشترط لعينه ~~بل لوقوع اليأس عن الرد، وقد حصل ذلك بموت الموصى له وعلى هذا يخرج ما إذا ~~أوصى له بجاريته التي ولدت من الموصى له بالنكاح أنها لا تصير أم ولد له ما ~~لم يقبل الوصية، أو يموت قبل القبول، فإذا مات صارت أم ولد له؛ لأنه ملك ~~جارية قد ولدت منه ms4720 بالنكاح، فتصير أم ولد له، وينفسخ النكاح، وإن لم يعلم ~~الموصى له بالوصية حتى مات، أو علم ولم يقبل حتى مات فهو على القياس ~~والاستحسان اللذين ذكرنا، ولو كان حيا ولم يعلم بالوصية، وهو يطؤها بالنكاح ~~حتى ولدت أولادا، ثم علم بالوصية، فهو بالخيار إن شاء قبل الوصية، فكانت ~~الجارية أم ولد له، وأولادها أحرار إن كانوا يخرجون من الثلث، وإن شاء لم ~~يقبل فلا تكون الجارية أم ولد له؛ لأن قبوله شرط، فإن قبل، فقد صارت ~~الجارية أم ولد له؛ لأنه ملكها بالقبول، ومن استولد جارية غيره بالنكاح، ثم ~~ملكها تصير أم ولد له، وأولادها أحرار إن كانوا يخرجون من الثلث؛ لأن عند ~~القبول يثبت الملك من وقت موت الموصي، فتبين أن الملك ثبت له في الجارية من ~~ذلك الوقت كما في البيع بشرط الخيار أن عند الإجازة يثبت الحكم، وهو الملك ~~من وقت البيع كذا ههنا وإذا ثبت الملك من وقت موت الموصي يحكم بفساد النكاح ~~من ذلك الوقت فتبين أن الأولاد ولدوا على فراش ملك اليمين، فدخلوا تحت ~~الوصية فيملكهم بالقبول فيعتقون إذا كانوا يخرجون من الثلث، وإن لم يقبل ~~الوصية كانت الجارية ملكا لورثة الموصي، والأولاد أرقاء؛ لأن الولد يتبع ~~الأم في الرق، والحرية. # ولو أوصى بالثلث لرجلين ومات الموصي فرد أحدهما وقبل الآخر الوصية كان ~~للآخر حصته من الوصية؛ لأنه أضاف الثلث إليهما، وقد صحت الإضافة فانصرف إلى ~~كل واحد منهما نصف الثلث فإذا رد أحدهما الوصية ارتد في نصفه وبقي النصف ~~الآخر لصاحبه الذي قبل كمن أقر بألف لرجلين فرد أحدهما إقراره ارتد في ~~نصيبه خاصة، وكان للآخر نصف الإقرار كذا ههنا، بخلاف ما إذا أوصى بالثلث ~~لهذا، والثلث لهذا فرد أحدهما وقبل الآخر أن كل الثلث للذي قبل إلا أنه إذا ~~قبل صاحبه يقسم الثلث بينهما لضرورة المزاحمة إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر ~~فإذا رد أحدهما زالت المزاحمة فكان جميع الثلث له وإذا ثبت أن القبول ركن ~~في عقد الوصية # PageV07P332 # فوقت القبول ms4721 ما بعد موت الموصي، ولا حكم للقبول والرد قبل موته حتى لو رد ~~قبل الموت، ثم قبل بعده صح قبوله؛ لأن الوصية إيجاب الملك بعد الموت، ~~والقبول أو الرد يعتبر، كذا الإيجاب؛ لأنه جواب، والجواب لا يكون إلا بعد ~~تقدم السؤال. # ونظيره إذا قال لامرأته: إذا جاء غد فأنت طالق على ألف درهم أنه إنما ~~يعتبر القبول أو الرد إذا جاء غد كذا هذا، فإذا كان التصرف يقع إيجابا بعد ~~الموت يعتبر القبول بعده، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في معنى الوصية] # (فصل) : # وأما بيان معنى الوصية فالوصية اسم لما أوجبه الموصي في ماله بعد موته ~~وبه تنفصل عن البيع، والإجارة، والهبة؛ لأن شيئا من ذلك لا يحتمل الإيجاب ~~بعد الموت ألا ترى: أنه لو أوجبها بعد الموت بطل. # وذكر الكرخي - عليه الرحمة - في حد الوصية ما أوجبه الموصي في ماله تطوعا ~~بعد موته، أو في مرضه الذي مات فيه فقوله: ما أوجبه الموصي في ماله تطوعا ~~بعد موته لا يشمل جميع أفراد الوصايا فإنه لا يتناول الوصية بالقرب الواجبة ~~التي تسقط بالموت من غير وصية: كالحج، والزكاة، والكفارات، ونحوها فلم يكن ~~الحد جامعا. # وقوله: أو في مرضه حد مقسم وأنه فاسد، وكذا تبرع الإنسان بماله في مرضه ~~الذي مات فيه من الإعتاق، والهبة والمحاباة، والكفالة وضمان الدرك لا يكون ~~وصية حقيقة؛ لأن حكم هذه التصرفات منجز نافذ في الحال قبل الموت. # وحكم الوصية يتأخر إلى ما بعد الموت فلم تكن هذه التصرفات من المريض وصية ~~حقيقة إلا أنها تعتبر بالوصايا في حق اعتبار الثلث، فأما أن تكون وصية ~~حقيقة فلا، وعلى هذا يخرج ما إذا أوصى بثلث ماله، أو ربعه، وقد ذكر قدرا من ~~ماله مشاعا، أو معينا أن قدر ما يستحقه الموصى له من مال هو: ماله الذي عند ~~الموت لا ما كان عند الوصية حتى لو أوصى بثلث ماله، وماله يوم أوصى ثلاثة ~~آلاف، ويوم مات ثلثمائة لا يستحق الموصى له إلا مائة، ولو لم يكن له ms4722 مال ~~يوم أوصى، ثم اكتسب مالا، ثم مات فله ثلث المال يوم مات. # ولو كان له مال يوم أوصى فمات، وليس له مال بطلت، وصيته، وإنما كان كذلك ~~لما ذكرنا أن الوصية تمليك مضاف إلى وقت الموت؛ فيستحق الموصى له ما كان ~~على ملك الموصي عند موته، ويصير المضاف إلى الوقت كالمنجز عنده كأنه قال ~~عند الموت: لفلان ثلث مالي فيعتبر ما يملكه في ذلك الوقت لا ما قبله، وذكر ~~ابن سماعة في نوادره عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - فقال: إذا أوصى رجل ~~فقال: لفلان شاة من غنمي، أو نخلة من نخلي، أو جارية من جواري، ولم يقل: من ~~غنمي هذه، ولا من جواري هؤلاء، ولا من نخلي هذه فإن الوصية في هذا تقع يوم ~~موت الموصي، ولا تقع يوم أوصى حتى لو ماتت غنمه تلك، أو باعها فاشترى ~~مكانها أخرى، أو ماتت جواريه فاشترى غيرهن، أو باع النخل، واشترى غيرها، ~~فإن للموصى له نخلة من نخله يوم يموت. # وليس للورثة أن يعطوه غير ذلك لما بينا: أن الوصية عقد مضاف إلى الموت ~~فكانه قال في تلك الحالة: لفلان شاة من غنمي فيستحق شاة من الموجود دون ما ~~قبله قال: فإن ولدت الغنم قبل أن يموت الموصي، أو ولدت الجواري قبل موته، ~~فلحقت الأولاد الأمهات، ثم مات الموصي فإن للورثة أن يعطوه إن شاءوا من ~~الأمهات، وإن شاءوا من الأولاد؛ لأن الاسم يتناول الكل عند الموت فكان ~~المستفاد بالولادة كالمستفاد بالشراء قال فإن اختار الورثة أن يعطوه شاة من ~~غنمه، ولها ولد قد ولدته بعد موت الموصي فإن ولدها يتبعها. # وكذلك صوفها، ولبنها؛ لأن الوصية وإن تعلقت بشاة غير معينة لكن التعيين ~~من الورثة يكون بيانا أن الشاة المعينة، هي من الموصى بها كأن الوصية وقعت ~~بهذه المعينة ابتداء فما حدث من نمائها بعد الموت يكون للموصى له قال: فأما ~~ما ولدت قبل موت الموصي فلا يستحقه الموصى له؛ لأن الوصية اعتبارها عند ~~الموت فالحادث قبل الموت يحدث على ms4723 ملك الورثة، وكذلك الصوف المنفصل، واللبن ~~المنفصل قبل الموت لما قلنا، فأما إن كان متصلا بها فهو للموصى له، وإن حدث ~~قبل الموت؛ لأنه لا ينفرد عنها بالتمليك قال: ولو استهلكت الورثة لبن ~~الشاة، أو صوفها، وقد حدث بعد الموت فعليهم ضمانه؛ لأن الموصى له ملكه بملك ~~الأصل، فيكون مضمونا بالإتلاف قال: ولو قال: أوصيت له بشاة من غنمي هذه، أو ~~بجارية من جواري هؤلاء، أو قال: قد أوصيت له بإحدى جاريتي هاتين فهذا على ~~هذه الغنم، وهؤلاء الجواري؛ لأنه عين الموصى به، وهو الشاة من الغنم المشار ~~إليها حتى لو ماتت الغنم، أو باعها بطلت الوصية كما لو قال أوصيت بهذه ~~الشاة، أو بهذه الجارية فهلكت. # ولو ولدت الغنم أو الجواري في حال # PageV07P333 # حياة الموصي، ثم أراد الورثة أن يعطوه من الأولاد ليس لهم ذلك؛ لأن ~~الوصية تعلقت بعين مشار إليها، وإن لم يثبت الملك فيها ينزل في غيرها، فإن ~~دفع الورثة إليه جارية من الجواري لم يستحق ما ولدت قبل الموت؛ لأن الوصية ~~لم تكن، وجبت فيها؛ لأن الملك في الوصية إنما ينقل بالموت فما حدث قبل ~~الموت يحدث على ملك الميت، فيكون للورثة، وما ولدت بعد الموت فهو للموصى ~~له؛ لأنه ملكها بالموت فحدث الولد على ملكه قال: فإن ماتت الأمهات كلها إلا ~~واحدة تعينت الوصية فيها؛ لأنه لم يبق من يزاحمها في تعلق الوصية فتعينت ~~ضرورة انتفاء المزاحم، فإن ماتت الأمهات كلها، وقد بقي لها أولاد حدثت بعد ~~الموت، أو أحرق النخل، وبقي لها ثمر حدث بعد الموت فعلى الورثة أن يدفعوا ~~إليه ولد جارية، وثمرة نخلة؛ لأن الوصية كانت متعلقة بها فيظهر الاستحقاق ~~في الولد الحادث بعده، فإذا هلكت الأم بقي الحق في الولد على حاله، ولا ~~يظهر فيما حدث قبل الموت، والله - سبحانه وتعالى عز وجل - أعلم. ### | [فصل في شرائط ركن الوصية] # (فصل) : # وأما شرائط الركن فبعضها يرجع إلى نفس الركن، وبعضها يرجع إلى الموصي، ~~وبعضها يرجع إلى الموصى له، وبعضها يرجع إلى الموصى ms4724 به (أما) الذي يرجع إلى ~~نفس الركن: فهو أن يكون القبول موافقا للإيجاب، فإن خالف الإيجاب لم يصح ~~القبول؛ لأنه إذا خالفه لم يرتبط فبقي الإيجاب بلا قبول فلا يتم الركن، ~~وبيان ذلك إذا قال لرجلين: أوصيت بهذه الجارية لكما فقبل أحدهما بعد موت ~~الموصي، ورد الآخر لم يصح القبول؛ لأنه أوصى لهما جميعا فكان وصية لكل، ~~واحد منهما بنصف الجارية. # وكانت الجارية بينهما لو قبلا فإذا رد أحدهما لم يوجد الشرط، وهو قبولهما ~~جميعا، فبطلت الوصية، ولو أوصى بها لإنسان، ثم أوصى بها لآخر، فقبل أحدهما ~~الوصية بعد موت الموصي، ورد الآخر فالنصف للموصى له، والنصف لورثة الموصي؛ ~~لأنه أوصى لكل واحد منهما على حياله فلا يشترط اجتماعهما في القبول، فإذا ~~رد أحدهما بعد موت الموصي لم يتم الركن في حقه، بل بطل الإيجاب في حقه فعاد ~~نصيبه إلى ورثة الموصي فصح القبول من الآخر فاستحق نصف الوصية كالشفيعين ~~إذا سلم أحدهما الشفعة بعد قضاء القاضي بالشفعة أن ذلك النصف يكون للمشتري، ~~ولا يكون للشفيع الآخر. ### | [الشرط الذي يرجع إلى الموصي] # (وأما) الذي يرجع إلى الموصي فأنواع: منها أن يكون من أهل التبرع في ~~الوصية بالمال، وما يتعلق به؛ لأن الوصية بذلك تبرع بإيجابه بعد موته فلا ~~بد من أهلية التبرع فلا تصح من الصبي، والمجنون؛ لأنهما ليسا من أهل التبرع ~~لكونه من التصرفات الضارة المحضة إذ لا يقابله عوض دنيوي، وهذا عندنا. # وقال الشافعي - رحمه الله - في أحد قوليه، وصية الصبي العاقل في القرب ~~صحيحة، واحتج بما روي أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - أجاز، وصية غلام يافع، ~~وهو الذي قرب إدراكه؛ ولأن في وصيته نظرا له؛ لأنه يثاب عليه، ولو لم يوص ~~لزال ملكه إلى الوارث من غير ثواب؛ لأنه يزول عنه جبرا شاء، أو أبى فكان ~~هذا تصرفا نافعا في حقه فأشبه صلاة التطوع، وصوم التطوع، والجواب إما إجازة ~~سيدنا عمر - رضي الله عنه - فيحتمل أن وصية ذلك الصبي كانت لتجهيزه، ~~وتكفينه، ودفنه. # ووصية الصبي في ms4725 مثله جائزة - عندنا - لأنه يثبت من غير وصية (وأما) قوله: ~~يحصل له عوض، وهو الثواب فمسلم لكنه ليس بعوض دنيوي، فلا يملكه الصبي ~~كالصدقة مع ما أن هذا في حد التعارض؛ لأنه كما يثاب على الوصية يثاب على ~~الترك للوارث، بل هو أولى في بعض الأموال لما بينا فيما تقدم. # وسواء مات قبل الإدراك، أو بعده؛ لأنها، وقعت باطلة، فلا تنقلب إلى ~~الجواز بالإدراك إلا بالاستئناف، وسواء كان الصبي مأذونا في التجارة، أو ~~محجورا؛ لأن الوصية ليست من باب التجارة إذ التجارة معاوضة المال بالمال، ~~ولو أضاف الوصية إلى ما بعد الإدراك بأن قال: إذا أدركت، ثم مت فثلث مالي ~~لفلان لم يصح؛ لأن عبارته لم تقع صحيحة، فلا تعتبر في إيجاب الحكم بعد ~~الموت. # ولا تصح وصية العبد المأذون، والمكاتب؛ لأنهما ليسا من أهل التبرع، ولو ~~أوصيا، ثم أعتقا وملكا مالا، ثم ماتا: لم تجز لوقوعها باطلة من الابتداء، ~~ولو أضاف أحدهما الوصية إلى ما بعد العتق بأن قال: إذا أعتقت، ثم مت فثلث ~~مالي لفلان: صح فرقا بين العبد، والصبي. # ووجه الفرق: أن عبارة الصبي فيما يتضرر به ملحقة بالعدم لنقصان عقله فلم ~~تصح عبارته من الأصل، بل بطلت. # والباطل لا حكم له بل هو ذاهب متلاش في حق الحكم، فأما عبارة العبد: ~~فصحيحة لصدورها عن عقل مميز إلا أن امتناع تبرعه لحق المولى فإذا # PageV07P334 # عتق فقد زال المانع والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # ومنها رضا الموصي؛ لأنها إيجاب ملك، أو ما يتعلق بالملك فلا بد فيه من ~~الرضا كإيجاب الملك بسائر الأشياء فلا تصح، وصية الهازل، والمكره، والخاطئ؛ ~~لأن هذه العوارض تفوت الرضا. # وأما إسلام الموصي فليس بشرط لصحة وصيته فتصح وصية الذي بالمال للمسلم، ~~والذمي في الجملة؛ لأن الكفر لا ينافي أهلية التمليك ألا ترى: أنه يصح بيع ~~الكافر، وهبته فكذا وصيته وكذا الحربي المستأمن إذا أوصى للمسلم، أو الذمي ~~يصح في الجملة لما ذكرنا غير أنه إن كان دخل وارثه معه في دار الإسلام، ~~وأوصى بأكثر ms4726 من الثلث وقف ما زاد على الثلث على إجازة وارثه؛ لأنه بالدخول ~~مستأمنا التزم أحكام الإسلام، أو ألزمه من غير التزامه لإمكان إجراء ~~الإحكام عليه ما دام في دار الإسلام، ومن أحكام الإسلام: أن الوصية بما زاد ~~على الثلث ممن له وارث تقف على إجازة وارثه. # وإن لم يكن له وارث أصلا: تصح من جميع المال، كما في المسلم، والذمي. # وكذلك إذا كان له وارث لكنه في دار الحرب؛ لأن امتناع الزيادة على الثلث ~~لحق الورثة. # وحقهم غير معصوم؛ لأنه لا عصمة لأنفسهم، وأموالهم فلأن لا يكون لحقهم ~~الذي في مال مورثهم عصمة أولى. # وذكر في الأصل، ولو أوصى الحربي في دار الحرب بوصية، ثم أسلم أهل الدار، ~~أو صاروا ذمة، ثم اختصما إلي في تلك الوصية، فإن كانت قائمة بعينها أجزتها، ~~وإن كانت قد استهلكت قبل الإسلام أبطلتها؛ لأن الحربي من أهل التمليك. # ألا يرى: أنه من أهل سائر التمليكات كالبيع، ونحوه فكانت وصيته جائزة في ~~نفسها إلا أنه ليس لنا ولاية إجراء أحكام الإسلام، وتنفيذها في دارهم، فإذا ~~أسلموا أو صاروا ذمة قدرنا على التنفيذ فننفذها ما دام الموصى به قائما، ~~فأما إذا صار مستهلكا أبطلنا الوصية، وألحقناها بالعدم؛ لأن أهل الحرب إذا ~~أسلموا، أو صاروا ذمة لا يؤاخذون بما استهلك بعضهم على بعض. # وبما اغتصب بعضهم من بعض بل يبطل ذلك كذا هذا، ومنها أن لا يكون على ~~الموصي دين مستغرق لتركته، فإن كان لا تصح وصيته؛ لأن الله - تبارك وتعالى ~~- قدم الدين على الوصية، والميراث لقوله - تبارك، وتعالى - في آية ~~المواريث: {من بعد وصية يوصى بها أو دين} [النساء: 12] و {يوصي بها أو دين} ~~[النساء: 11] ، و {يوصين بها أو دين} [النساء: 12] ، ولما روي عن سيدنا علي ~~- رضي الله تعالى عنه - أنه قال: إنكم تقرءون الوصية قبل الدين، وقد «شهدت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالدين قبل الوصية» أشار سيدنا علي - ~~رضي الله عنه - إلى أن الترتيب في الذكر لا يوجب الترتيب في الحكم. # وروي ms4727 أنه قيل لابن عباس - رضي الله عنهما - إنك تأمر بالعمرة قبل الحج، ~~وقد بدأ الله تبارك، وتعالى بالحج، فقال - تبارك، وتعالى - {وأتموا الحج ~~والعمرة لله} [البقرة: 196] فقال - رضي الله عنه - كيف تقرءون آية الدين، ~~فقالوا من بعد وصية يوصي بها أو دين، فقال: وبماذا تبدءون قالوا بالدين قال ~~- رضي الله عنه - هو ذاك، ولأن الدين واجب، والوصية تبرع والواجب مقدم على ~~التبرع، ومعنى تقدم الدين على الوصية والميراث أنه يقضى الدين أولا، فإن ~~فضل منه شيء يصرف إلى الوصية والميراث، وإلا فلا (وأما) معنى تقدم الوصية ~~على الميراث، فليس معناه أن يخرج الثلث، ويعزل عن التركة، ويبدأ بدفعه إلى ~~الموصى له، ثم يدفع الثلثان إلى الورثة؛ لأن التركة بعد قضاء الدين تكون ~~بين الورثة وبين الموصى له على الشركة والموصى له شريك الورثة في الاستحقاق ~~كأنه واحد من الورثة لا يستحق الموصى له من الثلث شيئا قل، أو كثر إلا. # ويستحق منه الورثة ثلثيه، ويكون فرضهما معا لا يقدم أحدهما على الآخر حتى ~~لو هلك شيء من التركة قبل القسمة يهلك على الموصى له والورثة جميعا، ولا ~~يعطى الموصى له كل الثلث من الباقي بل الهالك يهلك على الحقين والباقي يبقى ~~على الحقين، كما إذا هلك شيء من المواريث بعد الوصايا، بخلاف الدين، فإنه ~~إذا هلك بعض التركة، وبقي البعض يستوفى كل الدين من الباقي وإنما معناه أنه ~~يحسب قدر الوصية من جملة التركة، أولا؛ لتظهر سهام الورثة، كما تحسب سهام ~~أصحاب الفرائض، أولا ليظهر الفاضل للعصبة، ويحتمل أن يكون معنى قوله تبارك، ~~وتعالى يوصيكم {الله في أولادكم للذكر} [النساء: 11] إلى قوله تعالى {من ~~بعد وصية يوصي بها} [النساء: 11] أي سوى ما لكم أن توصوه من الثلث أوصاكم ~~الله بكذا وتكون بعد بمعنى سوى والله تعالى عز شأنه أعلم. ### | [الشرط الذي يرجع إلى الموصى له] # (وأما) الذي يرجع إلى الموصى له، فمنها أن يكون موجودا، فإن لم يكن ~~موجودا لا تصح الوصية؛ لأن الوصية للمعدوم لا تصح، وعلى هذا يخرج ms4728 ما إذا ~~قال: أوصيت بثلث مالي لما في بطن فلانة إنها، إن ولدت لما يعلم أنه كان ~~موجودا في البطن؛ صحت الوصية وإلا فلا # PageV07P335 # وإنما يعلم ذلك إذا ولدت لأقل من ستة أشهر، ثم يعتبر ذلك من وقت موت ~~الموصي في ظاهر الرواية، وعند الطحاوي - رحمه الله - من وقت وجود الوصية ~~وجه ما ذكره الطحاوي - رحمه الله - أن سبب الاستحقاق هو الوصية، فيعتبر ~~وجوده (وجه) ظاهر الرواية أن وقت نفوذ الوصية واعتبارها في حق الحكم وقت ~~الموت، فيعتبر وجوده من ذلك الوقت؛ لأنها إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر من ~~وقت الموت، أو من وقت الوصية على اختلاف الروايتين تيقنا أنه كان موجودا إذ ~~المرأة لا تلد لأقل من ستة أشهر. # وإذا جاءت به لستة أشهر فصاعدا لا يعلم وجوده في البطن لاحتمال أنها علقت ~~بعده. # فلا يعلم وجوده بالشك إلا إذا كانت المرأة معتدة من زوجها من طلاق، أو ~~وفاة، فولدت إلى سنتين منذ طلقها، أو مات عنها زوجها، فله الوصية؛ لأن نسب ~~الولد يثبت من زوجها إلى سنتين، ومن ضرورة ثبات النسب الحكم بوجوده في ~~البطن وقت موت الموصي فرق بين الوصية لما في البطن وبين الهبة لما في البطن ~~أن الهبة لا تصح، والوصية صحيحة؛ لأن الهبة لا صحة لها بدون القبض، ولم ~~يوجد، والوصية لا تقف صحتها على القبض. # ولو قال: إن كان في بطن فلانة جارية؛ فلها وصية ألف وإن كان في بطنها ~~غلام؛ فله وصية ألفان، فولدت جارية لستة أشهر إلا يوما وولدت غلاما بعد ذلك ~~بيومين؛ فلهما جميع الوصية؛ لأنهما أوصي لهما جميعا لكن لأحدهما بألف ~~وللآخر بألفين، وقد علم كونهما في البطن أما الجارية، فلا شك فيها؛ لأنها ~~ولدت لأقل من ستة أشهر من وقت الموصي فعلم أنها كانت موجودة في البطن في ~~ذلك الوقت. # وكذا الغلام؛ لأنه لما ولد لأكثر من ستة أشهر بيوم، أو يومين علم أنه كان ~~في البطن مع الجارية؛ لأنه توأم، فكان من ضرورة كون أحدهما ms4729 في البطن كون ~~الآخر كذلك؛ لأنهما علقا من ماء واحد، فإن ولدت غلامين وجاريتين لأقل من ~~ستة أشهر، فذلك إلى الورثة يعطون أي الغلامين شاءوا وأي الجاريتين شاءوا ~~إلا أنه ما أوصى لهما جميعا، وإنما أوصى لأحدهما وليس أحدهما بأولى من ~~الآخر، فكان البيان إلى الورثة؛ لأنهم قائمون مقام المورث، وقيل إن هذا ~~الجواب على مذهب محمد - رحمه الله تعالى -، فأما على قول أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه - فالوصية باطلة بناء على مسألة أخرى، وهو ما إذا أوصى بثلث ماله ~~لفلان وفلان أو أوصى بثلث ماله لأحد هذين الرجلين روي عن أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه - أن الوصية باطلة، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - أنها ~~صحيحة غير أن عند أبي يوسف الوصية لهما جميعا، وعند محمد لأحدهما وخيار ~~التعيين إلى الورثة يعطون أيهما شاءوا، فقاسوا هذه المسألة على تلك؛ لأن ~~المعنى يجمعهما، وهو جهالة الموصى له، ومنهم من قال: ههنا يجوز في قولهم ~~جميعا وفرق بين المسألتين من حيث إن الجهالة هناك مقارنة للعقد، وههنا ~~طارئة؛ لأن الوصية هناك حال وجودها أضيفت إلى ما في البطن لا إلى أحد ~~الغلامين وإحدى الجاريتين، ثم طرأت بعد ذلك بالولادة. # والبقاء أسهل من الابتداء كالعدة إذا قارنت النكاح منعته من الانعقاد، ~~فإذا طرأت عليه لا ترفعه كذا ههنا، ولو قال: إن كان الذي في بطن فلانة ~~غلاما؛ فله ألفان، وإن كان جارية؛ فلها ألف، فولدت غلاما وجارية، فليس ~~لواحد منهما شيء من الوصية؛ لأنه جعل شرط استحقاق الوصية لكل واحد منهما أن ~~يكون هو كل ما في البطن بقوله إن كان الذي في بطنها كذا فله كذا، وكل واحد ~~منهما ليس هو كل ما في البطن بل بعض ما فيه، فلم يوجد شرط صحة استحقاق ~~الوصية، في كل واحد منهما، فلا يستحق أحدهما شيئا، بخلاف المسألة الأولى؛ ~~لأن قوله إن كان في بطن فلانة جارية؛ فلها كذا، وإن كان في بطنها غلام؛ فله ~~كذا ليس فيه شرط أن يكون كل واحد كل ms4730 ما في البطن بل الشرط فيه أن يكون في ~~بطنها غلام، وأن يكون في بطنها جارية، وقد كان في بطنها غلام وجارية، فوجد ~~شرط الاستحقاق، وكذلك لو أوصى بما في بطن دابة فلان أن ينفق عليه، أن ~~الوصية جائزة إذا قبل صاحبها، وتعتبر فيه المدة على ما ذكرنا هذا هو حكم ~~الوصية لما في البطن، فأما حكم الإقرار بمال لما في بطن فلانة، فهذا في ~~الأصل على وجهين (أما) إن بين السبب (وأما) إن لم يبين بل أطلق، فإن بين ~~السبب (فإما) إن بين سببا هو جائز الوجود. # (وإما) إن بين سببا هو مستحيل الوجود عادة، فإن بين سببا هو جائز الوجود ~~عادة بأن قال: لما في بطن فلانة علي ألف درهم؛ لأني استهلكت ماله، أو غصبت ~~أو سرقت؛ جاز إقراره في قولهم جميعا، وإن بين سببا، هو مستحيل الوجود عادة ~~بأن قال: لما في بطن فلانة # PageV07P336 # علي ألف درهم لأني استقرضت منه لا يجوز في قولهم جميعا؛ لأنه أسند إقراره ~~إلى سبب هو محال عادة، وإن لم يبين للإقرار سببا بل سكت عنه بأن قال: لما ~~في بطن فلانة علي ألف درهم، ولم يزد عليه، فهذا الإقرار باطل في قولهما ~~وعند محمد صحيح. # (وجه) قوله أن تصرف العاقل يحمل على الصحة ما أمكن؛ وأمكن تصحيحه بالحمل ~~على سبب متصور الوجود، فيحمل عليه تصحيحا له؛ ولهما أن الإقرار المطلق ~~بالدين يراد به الإقرار بسبب المداينة؛ لأنه هو السبب الموضوع لثبوت الدين، ~~وإنه في الدين ههنا محال عادة، والمستحيل عادة كالمستحيل حقيقة. # ومنها أن يكون حيا وقت موت الموصي حتى لو قال: أوصيت بثلث مالي لما في ~~بطن فلانة، فولدت لأقل من ستة أشهر من وقت موت الموصي ولدا ميتا لا وصية ~~له؛ لأن الميت ليس من أهل استحقاق الوصية، كما ليس من أهل استحقاق الميراث ~~بأن ولد ميتا، وإنها أخت الميراث، ولو ولدت ولدين حيا وميتا، فجميع الوصية ~~للحي؛ لأن الميت لا يصلح محلا لوضع الوصية فيه؛ ولهذا لو أوصى ms4731 لحي وميت كان ~~كل الوصية للحي، كما لو أوصى لآدمي وحائط والله سبحانه وتعالى أعلم. # (ومنها) أن لا يكون وارث الموصي وقت موت الموصي، فإن كان لا تصح الوصية ~~لما روي عن أبي قلابة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال «إن الله تبارك وتعالى أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» وفي ~~هذا حكاية، وهي ما حكي أن سليمان بن الأعمش - رحمه الله تعالى - كان مريضا، ~~فعاده أبو حنيفة - رضي الله عنه - فوجده يوصي لابنيه، فقال أبو حنيفة: - ~~رضي الله عنه - إن هذا لا يجوز، فقال: ولم يا أبا حنيفة فقال: لأنك رويت ~~لنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا وصية لوارث» فقال سليمان ~~- رحمه الله -: يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة. # فقد نفى الشارع - عليه الصلاة والسلام - أن يكون لوارث وصية نصا. # وأشار إلى تحول الحق من الوصية إلى الميراث على ما بينا فيما تقدم، ولأنا ~~لو جوزنا الوصية للورثة؛ لكان للموصي أن يؤثر بعض الورثة، وفيه إيذاء البعض ~~وإيحاشهم، فيؤدي إلى قطع الرحم، وإنه حرام وما أفضى إلى الحرام، فهو حرام ~~دفعا للتناقض، ثم الشرط أن لا يكون وارث الموصي وقت موت الموصي لا وقت ~~الوصية حتى لو أوصى لأخيه وله ابن وقت الوصية، ثم مات قبل موت الموصي، ثم ~~مات الموصي لم تصح الوصية؛ لأن الموصى له، وهو الأخ صار وارث الموصي عند ~~موته ولو أوصى لأخيه ولا ابن له وقت الوصية، ثم ولد له ابن، ثم مات الموصي ~~صحت الوصية؛ لأن الأخ ليس بوارثه عند الموت لصيرورته محجوبا بالابن. # وإنما اعتبرت الوراثة وقت موت الموصي لا وقت وصيته؛ لأن الوصية ليست ~~بتمليك للحال ليعتبر كونه وارثا وقت وجودها، بل هي تمليك عند الموت، فيعتبر ~~ذلك عند الموت، وكذلك الهبة في المرض بأن وهب المريض لوارثه شيئا، ثم مات ~~إنه يعتبر كونه وارثا له وقت الموت لا وقت الهبة؛ لأن هبة المريض في معنى ~~الوصية حتى ms4732 تعتبر من الثلث. # وعلى هذا يخرج ما إذ أوصى لامرأة أجنبية، وهو مريض أو صحيح، ثم تزوجها ~~إنه لا يصح، ولو أقر المريض لامرأة أجنبية بدين، ثم تزوجها جاز إقراره؛ لأن ~~الوصية إنما تصير ملكا عند موت الموصي فيعتبر كونها وارثة له حينئذ، وهي ~~وارثته عند موته؛ لأنها زوجته فلم تصح الوصية (فأما) الإقرار فاعتباره حال ~~وجوده وهي أجنبية حال وجوده فاعتراض الزوجية بعد ذلك لا يبطله وكذا لو وهب ~~لها هبة في مرض موته، ثم تزوجها بطلت الهبة؛ لأن تبرعات المريض مرض الموت ~~تعتبر بالوصايا ولو أوصى وهو مريض، أو صحيح لابنه النصراني صح؛ لأنه ليس ~~بوارثه، فلو أسلم الابن قبل موته بطلت وصيته لما قلنا أن اعتبارها بعد ~~الموت وهو وارث بعد الموت، ولو أقر المريض بدين لابنه النصراني، ثم أسلم لم ~~يجز إقراره عند أصحابنا الثلاثة - رحمهم الله - تعالى وعند زفر - رحمه الله ~~تعالى - يصح (وجه) قوله على نحو ما ذكرنا في المرأة أن الإقرار يعتبر حال ~~وقوعه وإنه غير وارث وقت الإقرار، فاعتراض الوراثة بعد ذلك لا يبطل الدين ~~الثابت، كما قلنا في المرأة. # (ولنا) أن الوراثة، وإن لم تكن موجودة عند الإقرار لكن سببها كان قائما ~~وهو القرابة لكن لم يظهر عملها للحال لمانع، وهو الكفر، فعند زوال المانع ~~يلحق بالعدم من الأصل، ويعمل السبب من وقت وجوده لا من وقت زاول المانع، ~~كما في البيع بشرط الخيار إن عند سقوط الخيار يعمل السبب، وهو البيع في ~~الحكم من، وقت وجوده لا من وقت # PageV07P337 # سقوط الخيار، والجامع أن العامل عند ارتفاع المانع ذات البيع وذات ~~القرابة فتستند السببية إلى وقت وجود ذاته فيظهر أنه أقر لوارثه فلم يصح، ~~أو يقال إن إقرار المريض لوارثه إنما يرد للتهمة، وسبب التهمة وقت الإقرار ~~موجود، وهو القرابة، بخلاف ما إذا أقر لامرأة أجنبية، ثم تزوجها؛ لأن هناك ~~سبب القرابة لم يكن موجودا وقت الإقرار؛ لأن السبب هو الزوجية، ولم تكن وقت ~~الإقرار، وإنما وجدت بعد ذلك، وبعد وجودها ms4733 لا تحتمل الاستناد، فيقتصر على ~~حال وجودها ولم يكن ذلك إقرارا لوارثه فيصح، ويثبت الدين في ذمته، فلا يسقط ~~بحدوث الزوجية، وعلى التقريب الثاني لم يوجد سبب التهمة وقت الإقرار فيصح، ~~ولو كان ابنه مسلما، لكنه مملوك، فأوصى له، ثم أعتق، فالوصية باطلة لما ~~ذكرنا أن أوان اعتبار الوصية أوان الموت، وهو وارثه عند الموت. # ولو أقر له بالدين وهو مريض، أو وهب له هبة، فقبضها، فإن لم يكن عليه ~~دين؛ جاز ذلك؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين كان الإقرار والهبة لمولاه وإنه ~~أجنبي عن الموصي، فجاز، وإن كان عليه دين لا يجوز؛ لأن الإقرار والهبة ~~يقعان له لا لمولاه؛ لأنه يقضي منه ديونه فتبين أن الإقرار كان لوارثه من ~~طريق الاستناد، فلا يصح، أو لا يصح لقيام سبب شبهة التهمة وقت الإقرار، كما ~~قلنا في الإقرار لابنه النصراني إذا أسلم. # ولو أوصى لبعض ورثته، فأجاز الباقون؛ جازت الوصية؛ لأن امتناع الجواز كان ~~لحقهم لما يلحقهم من الأذى والوحشة بإيثار البعض، ولا يوجد ذلك عند ~~الإجازة، وفي بعض الروايات عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال «لا وصية ~~لوارث إلا أن يجيزها الورثة» ، ولو أوصى بثلث ماله لبعض ورثته ولأجنبي، فإن ~~أجاز بقية الورثة؛ جازت الوصية لهما جميعا. # وكان الثلث بين الأجنبي وبين الوارث نصفين، وإن ردوا، جازت في حصة ~~الأجنبي، وبطلت في حصة الوارث. # وقال بعض الناس: يصرف الثلث كله إلى الأجنبي؛ لأن الوارث ليس بمحل للوصية ~~فالتحقت الإضافة إليه بالعدم، كما لو أوصى لحي وميت إن الوصية كلها للحي ~~لما قلنا كذا هذا وهذا غير سديد؛ لأن الوصية للوارث ليست وصية باطلة بدليل ~~أنه لو اتصلت بها الإجازة جازت، والباطل لا يحتمل الجواز بالإجازة، وبه ~~تبين أن الوارث محل للوصية؛ لأن التصرف المضاف إلى غير محله يكون باطلا دل ~~أنه محل، وأن الإضافة إليه وقعت صحيحة إلا أنها تبطل في حصته برد الباقين، ~~وإذا وقعت صحيحة، فقد أوصى لكل واحد منهما بنصف الثلث، ثم بطلت الوصية في ~~حق ms4734 الوارث بالرد، فبقيت في حق الأجنبي على حالها، كما لو أوصى لأجنبيين؛ ~~فرد أحدهما دون الآخر، بخلاف المريض إذا أقر بدين لبعض ورثته ولأجنبي، كما ~~إذ أقر لهما بألف درهم والوارث مع الأجنبي تصادقا إنه لا يصح لهما الإقرار ~~أصلا لا للوارث، ولا للأجنبي؛ لأن الوصية تمليك، فبطلانه في حق أحدهما لا ~~يوجب البطلان في حق الآخر؛ لأنه لا يوجب الشركة، والإقرار لهما بالدين ~~إخبار عن دين مشترك بينهما، فلو صح في حق الأجنبي؛ لكان فيه قسمة الدين قبل ~~القبض، وأنها باطلة؛ ولأنه إذا كان إخبارا عن دين مشترك بينهما فالوارث ~~يشارك الأجنبي فيما يقبض، ثم تبطل حصته وفيه إقرار للوارث وأنه باطل، بخلاف ~~الوصية، فإن الوارث لا يشارك الأجنبي. # وإذا بطل الإقرار أصلا تقسم التركة بين ورثة المقر فما أصاب الوارث المقر ~~له من ذلك يكون بينه وبين الأجنبي إلى تمام الإقرار وما زاد على ذلك يكون ~~للوارث؛ لأنهما إذا تصادقا، فمن زعمهما أن هذا القدر دين على الميت، والدين ~~مقدم على الميراث هذا إذا تصادقا، فإن تكاذبا، أو أنكر الأجنبي شركة ~~الوارث، أو رد الورثة إقراره فالإقرار باطل أيضا في قول أبي حنيفة وأبي ~~يوسف - رحمهما الله - لما ذكرنا، وإذا بطل كان المال ميراثا بين ورثة ~~المقر، فما أصاب الوارث، فهو له كله ولا شركة للأجنبي فيه؛ لأنه يكذبه في ~~ذلك وعند محمد يصح إقراره في حق الأجنبي، ويكون له خمسمائة وإن كان الأجنبي ~~يكذب الوارث، والوارث يصدقه في ذلك فالخمسمائة مما أصابه للأجنبي؛ لأنه لما ~~صدقه الوارث فقد أقر أنه كان له على الميت خمسمائة دين وأنه مقدم على ~~الميراث إلا أنه ادعى الشركة فيه وهو يكذبه في الشركة، فكان القول قول ~~الأجنبي، ويأخذ تلك الخمسمائة كلها، ولو أوصى لعبد وارثه لا يصح سواء كان ~~على العبد دين، أو لم يكن. # (أما) إذا لم يكن عليه دين، فظاهر؛ لأن الوصية تقع لمولاه؛ لأن الملك يقع ~~له، فكانت الوصية لوارثه، وإن كان عليه دين؛ فالوصية تقع لمولاه من ms4735 وجه؛ ~~لأنه إذا سقط عنه الدين يصير الموصى به للوارث وقت الوصية فكان وصية للوارث ~~من # PageV07P338 # وجه، فلا تصح إلا إذا عتق قبل موت الموصي، فتصح الوصية؛ لأن الوصية إيجاب ~~الملك عند موت الموصي، وهو كان حرا عند موته. # وكذا إذا أوصى لعبد نفسه فأعتقه قبل موته صحت وصيته له، فإن مات وهو عبد ~~بطلت؛ لأن وصيته لمولاه ومولاه وارثه، ولو أوصى لمكاتب وارثه لا يصح؛ لأن ~~منفعة الوصية تحصل لوارثه في الحال والمآل، في الحال بأداء بدل الكتابة، ~~وفي المآل بالعجز، ولو أوصى لمكاتب نفسه جاز؛ لأنه (إما) أن يعتق بأداء بدل ~~الكتابة، فيصير أجنبيا، فتجوز له الوصية (وإما) أن يعجز ويرد في الرق، ~~فيصير ميراثا لجميع ورثته لا لبعضهم دون بعض، فلا يكون في هذه الوصية إيثار ~~بعض الورثة على بعض، فتجوز، كما أوصى بثلث ماله لورثته. # (ومنها) أن لا يكون قاتل الموصي قتلا حراما على سبيل المباشرة، فإن كان؛ ~~لم تصح الوصية له عندنا وبه أخذ الشافعي - رحمه الله - وقال مالك - رحمه ~~الله - هذا ليس بشرط، وتصح الوصية للقاتل، واحتج بما ذكرنا من الدلائل ~~لجواز الوصية في أول الكتاب من غير فصل بين القاتل وغيره؛ ولأن الوصية ~~تمليك، وتملك والقتل لا ينافي أهلية التمليك. # (ولنا) ما روي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «لا وصية لقاتل» ~~وهذا نص ويروى أنه قال: «ليس لقاتل شيء» ذكر الشيء نكرة في محل النفي فتعم ~~الميراث والوصية جميعا وبه تبين أن القاتل مخصوص عن عمومات الوصية؛ ولأن ~~الوصية أخت الميراث ولا ميراث للقاتل لما روي عن سيدنا عمر وسيدنا علي - ~~رضي الله عنهما - أنهما لم يجعلا للقاتل ميراثا وعن عبيدة السلماني أنه ~~قال: لا يرث قاتل بعد صاحب البقرة ويروى لا يورث قاتل بعد صاحب البقرة. # وهذا منه بيان لإجماع المسلمين من زمن سيدنا موسى - عليه الصلاة والسلام ~~- إلى زمن التابعين - رضي الله عنهم - على أنه لا ميراث للقاتل، وذكر محمد ~~- رحمه الله - هذه الآثار في الأصل. # وقال: والوصية عندنا بمنزلة ms4736 ذلك لا وصية للقاتل؛ ولأن الورثة تتأذى بوضع ~~الوصية في القاتل، كما يتأذى البعض بوضعها في البعض فيؤدي إلى قطع الرحم، ~~وإنه حرام؛ ولأن المجروح إذا صار صاحب فراش، فقد تعلق حق الورثة بماله نظرا ~~لهم لئلا يزيل المورث ملكه إلى غيرهم لعداوة، أو أذى لحقه من جهتهم ~~فيتضررون بذلك لكن مع بقاء ملك المورث نظرا له لحاجته إلى دفع حوائجه ~~الأصلية وسبب ثبوت حقهم في مرض الموت ما هو سبب ثبوت ملكهم بعد الموت، وهو ~~القرابة، فكان ينبغي أن لا يملك التبرع بشيء من ماله إلا أنه ملك ذلك على ~~غير القاتل والوارث. # بخلاف القياس، فيبقى الأمر فيهما على أصل القياس؛ ولأن القتل بغير حق ~~جناية عظيمة، فتستدعي الزجر بأبلغ الوجوه، وحرمان الوصية يصلح زاجرا لحرمان ~~الميراث فيثبت وسواء كان القتل عمدا أو خطأ؛ لأن القتل الخطأ قتل وإنه جاز ~~المؤاخذة عليه عقلا وسواء أوصى له بعد الجناية أو قبلها؛ لأن الوصية إنما ~~تقع تمليكا بعد الموت فتقع وصية للقاتل تقدمت الجناية، أو تأخرت ولا تجوز ~~الوصية لعبد القاتل كان على العبد دين، أو لم يكن ولا لمكاتبه لما ذكرنا في ~~عبد الوارث ومكاتبه وتجوز الوصية لابن القاتل ولأبويه ولجميع قرابته؛ لأن ~~ملك كل واحد منهما منفصل عن ملك صاحبه، فلا تكون الوصية لأحدهما وصية ~~لصاحبه. # ولو اشترك عشرة في قتل رجل، فأوصى لبعضهم بعد الجناية لم تصح؛ لأن كل ~~واحد منهم قاتل على الكمال حين وجب القصاص على كل واحد منهم، فكانت وصية ~~لقاتله، فلم تصح، ولو كان أحدهم عبد الموصي فأوصى لبعضهم بعد الجناية، ~~وأعتق عبده، ثم مات، فالوصية باطلة، ولا يبطل العتق، ولكن العبد يسعى في ~~قيمته (وأما) بطلان الوصية فلما ذكرنا أن كل واحد منهم قاتل، فكان الموصى ~~له قاتلا، فلم تصح الوصية له (وأما) صحة الإعتاق ونفاذه ففيه ضرب إشكال وهو ~~أن الإعتاق حصل في مرض الموت، والإعتاق في مرض الموت وصية، والوصية للقاتل ~~لا تصح، والعبد قاتل، فينبغي أن لا ينفذ إعتاقه، والجواب ms4737 عنه من وجهين ~~أحدهما أن الإعتاق في مرض الموت ليس بوصية حقيقة؛ لأن الوصية تمليك ~~والإعتاق إسقاط الملك وإزالته لا إلى أحدهما متغايران بل متنافيان حقيقة، ~~وكذا الإعتاق ينجر حكمه للحال وحكم الوصية يتأخر إلى ما بعد الموت فلم يكن ~~الإعتاق في مرض الموت وصية حقيقة إلا أنه يشبه الوصية من حيث إنه يعتبر من ~~الثلث لا غير والثاني إن كان في معنى الوصية فالوصية بالإعتاق مردودة من ~~حيث المعنى. # وإن كانت نافذة صورة ألا # PageV07P339 # ترى أن العبد يسعى في قيمته والسعاية قيمة الرقبة، فكانت السعاية ردا ~~للوصية معنى، والعتق بعد وقوعه، وإن كان لا يحتمل النقض صورة يحتمله معنى ~~برد السعاية التي هي قيمة الرقبة. # ولو أوصى لعبده بالثلث، ثم قتله العبد لم تصح وصيته، غير أنه يعتق، ويسعى ~~في جميع قيمته أما بطلان الوصية فلأنه وصية للقاتل. # وأما نفاذ العتق فلأن الوصية للقاتل ليست بباطلة، بل هي صحيحة ألا ترى ~~أنها تقف على إجازة الورثة في ظاهر الرواية، فإذا أوصى له بثلث ماله، فقد ~~أوصى له بثلث رقبته؛ لأن رقبته من ماله، فدخلت تحت الوصية بالثلث، فلما مات ~~الموصى ملك ثلث رقبته وتمليك ثلث رقبته منه يكون إعتاقا لثلثه عند الموت، ~~فيعتق ثلثه عند الموت، ثم ينقض من حيث المعنى برد السعاية، كما لو أعتقه ~~نصا في مرض موته، أو أضاف العتق إلى ما بعد الموت بالتدبير غير أن عند أبي ~~حنيفة - رضي الله عنه - وقعت الوصية له بثلث الرقبة. # لأن الإعتاق متجزئ عنده فيعتق ثلث رقبته ويسعى في ثلثيه؛ لأنه معتق البعض ~~ويسعى في ذلك الثلث الذي عتق ردا للوصية معنى بالسعاية؛ لأنه لا وصية ~~للقاتل فيرد برد السعاية، وعندهما وقعت الوصية له بكل الرقبة؛ لأنه عتق ~~كله؛ لأن الإعتاق لا يتجزأ عندهما، ومتى عتق كله يسعى في كل قيمته ردا ~~للوصية معنى فاتفق الجواب، وهو السعاية في جميع قيمته، وإنما اختلف الطريق، ~~ولو أوصى للقاتل، ثم أجازت الورثة الوصية بعد موت الموصى ذكر في الأصل أنه ms4738 ~~يجوز، ولم يذكر خلافا، وذكر في الزيادات أن على قول أبي يوسف لا يجوز، وسكت ~~عن قولهما، فيدل على الجواز عند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -، لأبي ~~يوسف ما روينا عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال: «لا وصية لقاتل» وقال ~~- عليه الصلاة والسلام - «ليس لقاتل شيء» من غير فصل بين حال الإجازة ~~وعدمها. # ولأن المانع من الجواز هو القتل، والإجازة لا تمنع القتل، ولهما أن ~~امتناع الجواز كان لحق الورثة؛ لأنهم يتأذون بوضع الوصية في القاتل أكثر ~~مما يتأذى البعض بإيثار البعض بالوصية، ثم جازت الوصية للبعض بإجازة ~~الباقين، فههنا أولى، والدليل على أن المانع هو حق الورثة أن الورثة ~~ينتفعون ببطلان الوصية للقاتل، وحق الإنسان ما ينتفع به، فإذا جازوا، فقد ~~زال المانع، فجازت؛ ولهذا جازت الوصية لبعض الورثة بإجازة الباقين كذا هذا، ~~ولو كان القتل قصاصا لا يمنع صحة الوصية؛ لأنه ليس بقتل حرام. # وكذا لو كان القاتل صبيا؛ لأن قتله لا يوصف بالحرمة؛ ولهذا لم يتعلق بشيء ~~من ذلك حرمان الميراث، فكذا حرمان الوصية. # وكذا القتل تسبيبا لا يمنع جواز الوصية، كما لا يمنع حرمان الميراث على ~~ما عرف في كتاب الفرائض. # وأما الإقرار للقاتل بالدين، فإن صار صاحب فراش لم يجز، وإن كان يذهب، ~~ويجيء؛ جاز؛ لأن إقرار المريض مرض الموت في معنى الوصية ألا ترى أنه لا يصح ~~لوارثه، كما لا تصح وصيته له، وإذا كان يذهب، ويجيء كان في حكم الصحيح ~~فيجوز، كما لو أقر لوارثه في هذه الحالة. # وكذا الهبة في المرض في معنى الوصية، فلا تصح للقاتل، وعفو المريض عن ~~القاتل في دم العمد جائز لقوله تعالى {وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا ~~الفضل بينكم} [البقرة: 237] مطلقا من غير فصل بين حال المرض والصحة؛ ولأن ~~المانع من نفاذ تصرف المريض هو تعلق حق الورثة، أو الغرماء، وإنما يتعلق ~~حقهم بالمال، والقصاص ليس بمال، وبهذا علل في الأصل، وإن كان القتل خطأ؛ ~~يجوز العفو من الثلث؛ لأن القتل الخطأ يوجب المال، فكان عفوه ms4739 بمنزلة الوصية ~~بالمال وإنها جائزة من الثلث ودلت هذه المسألة على أن الدية كلها تجب على ~~العاقلة، ولا يجب على القاتل شيء؛ لأنه لو وجب لم يصح عفوه من الثلث في حصة ~~القاتل؛ لأنه يكون وصية للقاتل في ذلك القدر، ولا وصية للقاتل، ولما جاز ~~العفو ههنا من الثلث علم أن الدية لا تجب على القاتل، وإنما تجب على عاقلة ~~القاتل حتى تكون وصية لعاقلة القاتل، ثم الوصية للقاتل إنما لا تجوز إذا لم ~~تجز الورثة، فإن أجازوا؛ جازت، ولم يذكر في الأصل اختلافا وذكر في الزيادات ~~قول أبي يوسف إنها لا تجوز، وإن أجازت الورثة، وسكت عن قول أبي حنيفة ومحمد ~~- رحمهم الله - تعالى وجه قول أبي يوسف أن المانع من الجواز هو القتل، وإنه ~~لا ينعدم بالإجازة؛ ولهذا حرم الميراث أجازته الورثة أو لا؛ ولأنه لما قتله ~~بغير حق صار كالحربي والوصية للحربي لا تجوز، أجازت الورثة أم لم تجز كذا ~~القاتل وجه ظاهر الرواية أن عدم الجواز لمكان حق الورثة لما ذكرنا في ~~الوصية لبعض الورثة، فيجوز عند إجازتهم، كما جازت لبعض الورثة عند إجازة ~~الباقين # PageV07P340 # بل أولى؛ لأن من الناس من يقول بجواز الوصية للقاتل وهو مالك، ولا أحد ~~يقول بجواز الوصية للوارث، فلما لحقتها الإجازة هناك فلأن تلحقها ههنا ~~أولى. # ومنها أن لا يكون حربيا عند مستأمن، فإن كان لا تصح الوصية له من مسلم أو ~~ذمي؛ لأن التبرع بتمليك المال إياه يكون إعانة له على الخراب، وإنه لا ~~يجوز. # وأما كونه مسلما، فليس بشرط حتى لو كان ذميا، فأوصى له مسلم أو ذمي؛ جاز. # وكذا لو أوصى ذمي ذميا لقوله - عليه الصلاة والسلام - «فإذا قبلوا عقد ~~الذمة، فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وللمسلم» أن ~~يوصي مسلما أو ذميا كذا لهم، وسواء أوصى لأهل ملته أو لغير أهل ملته لعموم ~~الحديث؛ ولأن الاختلاف بينه وبين غير أهل ملته لا يكون أكثر من الاختلاف ~~بيننا وبينهم، وذا لا يمنع جواز الوصية، فهذا ms4740 أولى. # وإن كان مستأمنا، فأوصى له مسلم، أو ذمي. # ذكر في الأصل أنه يجوز؛ لأنه في عهدنا، فأشبه الذمي الذي هو في عهدنا، ~~وتجوز الوصية للذمي. # وكذا الحربي المستأمن وروي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أنه لا يجوز، ~~وهذه الرواية بقول أصحابنا - رحمهم الله -: أشبه فإنهم قالوا: إنه لا يجوز ~~صرف الكفارة والنذر وصدقة الفطر والأضحية إلى الحربي المستأمن لما فيه من ~~الإعانة على الحراب، ويجوز صرفها إلى الذمي؛ لأنا ما نهينا عن بر أهل الذمة ~~لقوله سبحانه وتعالى {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم ~~يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم} [الممتحنة: 8] وقيل إن في ~~التبرع عليه في حال الحياة بالصدقة والهبة روايتين عن أصحابنا، فالوصية له ~~على تلك الروايتين أيضا وكذا كونه من أهل الملك ليس بشرط حتى لو أوصى مسلم ~~بثلث ماله للمسجد أن ينفق عليه في إصلاحه وعمارته وتجصيصه يجوز؛ لأن قصد ~~المسلم من هذه الوصية التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بإخراج ماله إلى الله ~~سبحانه وتعالى لا التمليك إلى أحد ولو أوصى المسلم لبيعة أو كنيسة بوصية، ~~فهو باطل؛ لأنه معصية. # ولو أوصى الذمي بثلث ماله للبيعة، أو لكنيسة أن ينفق عليها في إصلاحها. # أو أوصى لبيت النار أو أوصى بأن يذبح لعيدهم، أو للبيعة أو لبيت النار ~~ذبيحة جاز في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما لا يجوز، وجملة الكلام ~~في وصايا أهل الذمة أنها لا تخلو إما إن كان الموصى به أمرا، هو قربة عندنا ~~وعندهم، أو كان أمرا هو قربة عندنا لا عندهم وأما إن كان أمرا هو قربة ~~عندهم لا عندنا. # فإن كان الموصى به شيئا هو قربة عندنا وعندهم بإن أوصى بثلث ماله أن ~~يتصدق به على فقراء المسلمين أو على فقراء أهل الذمة، أو بعتق الرقاب، أو ~~بعمارة المسجد الأقصى ونحو ذلك جاز في قولهم جميعا؛ لأن هذا مما يتقرب به ~~المسلمون وأهل الذمة. # وإن كان شيئا هو قربة عندنا وليس بقربة عندهم بأن ms4741 أوصى بأن يحج عنه، أو ~~أوصى أن يبني مسجدا للمسلمين، ولم يبين لا يجوز في قولهم جميعا؛ لأنهم لا ~~يتقربون به فيما بينهم، فكان مستهزئا في وصيته، والوصية يبطلها الهزل ~~والهزل، وإن كان شيئا هو قربة عندهم لا عندنا بأن أوصى بأرض له تبنى بيعة ~~أو كنيسة، أو بيت نار أو بعمارة البيعة، أو الكنيسة، أو بيت النار، أو ~~بالذبح لعيدهم، أو للبيعة أو لبيت النار ذبيحة، فهو على الاختلاف الذي ~~ذكرنا إن عند أبي حنيفة - رحمه الله - يجوز، وعندهما لا يجوز وجه قولهما أن ~~الوصية بهذه الأشياء وصية بما هو معصية، والوصية بالمعاصي لا تصح وجه قول ~~أبي حنيفة - رحمه الله - إن المعتبر في وصيتهم ما هو قربة عندهم لا ما هو ~~قربة حقيقة؛ لأنهم ليسوا من أهل القربة الحقيقة؛ ولهذا لو أوصى بما هو قربة ~~عندنا، وليس بقربة عندهم لم تجز وصيته كالحج وبناء المسجد للمسلمين، فدل أن ~~المعتبر ما هو قربة عندهم، وقد وجد ولكنا أمرنا أن لا نتعرض لهم فيما ~~يدينون، كما لا نتعرض لهم في عبادة الصليب وبيع الخمر والخنزير فيما بينهم. # ولو بنى الذمي في حياته بيعة أو كنيسة أو بيت نار كان ميراثا بين ورثته ~~في قولهم جميعا على اختلاف المذهبين أما على أصلهما، فظاهر؛ لأنه معصية. # وأما عنده فلأنه بمنزلة الوقف والمسلم لو جعل دارا وقفا إن مات؛ صارت ~~ميراثا كذا هذا، فإن قيل لم لا يجعل حكم البيعة فيما بينهم كحكم المسجد ~~فيما بين المسلمين، فالجواب أن حال المسجد يخالف حال البيعة؛ لأن المسجد ~~صار خالصا لله تبارك وتعالى، وانقطعت عنه منافع المسلمين. # وأما البيعة، فإنها باقية على منافعهم، فإنه يسكن فيها أساقفتهم ويدفن ~~فيها موتاهم، فكانت باقية على منافعهم، فأشبه الوقف فيما بين المسلمين، ~~والوقف فيما بين المسلمين لا يزيل ملك الرقبة عنده، فكذا هذا. # ولو أوصى مسلم بغلة جاريته أن تكون في نفقة المسجد ومؤنته # PageV07P341 # فانهدم المسجد، وقد اجتمع من غلتها شيء أنفق ذلك في بنائه؛ لأنه ~~بالانهدام لم ms4742 يخرج من أن يكون مسجدا، وقد أوصى له بغلتها، فتنفق في بنائه ~~وعمارته، والله سبحانه وتعالى أعلم. # ومنها أن لا يكون مملوكا للموصي إذا كانت الوصية بدراهم أو دنانير مسماة، ~~أو بشيء معين من ماله سوى رقبة العبد حتى لو أوصى لعبده بدراهم، أو دنانير ~~مسماة، أو بشيء معين من ماله سوى رقبة العبد لا تصح الوصية؛ لأنه إذ ذاك ~~يكون موصيا لنفسه، ولو أوصى له بشيء من رقبته بأن أوصى له بثلث رقبته جاز؛ ~~لأن الوصية له بثلث رقبته تمليك ثلث رقبته منه، وتمليك نفس العبد منه يكون ~~إعتاقا، فيصير ثلثه مدبرا في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وعندهما ~~يصير كله مدبرا؛ لأن التدبير يتجزأ عنده كالإعتاق، وعندهما لا يتجزأ. # ولو أوصى له بثلث ماله؛ جازت وصيته، وعتق ثلثه بعد موته؛ لأن رقبته دخلت ~~في الوصية؛ لأنها ماله، فوقعت الوصية عليها وعلى سائر أملاكه، ثم ينظر إن ~~كان ماله دراهم ودنانير ينظر إلى ثلثي العبد، فإن كانت قيمة ثلثي العبد مثل ~~ما وجب له في سائر أمواله صار قصاصا، وإن كان في المال زيادة تدفع إليه ~~الزيادة، وإن كان في ثلثي قيمة العبد زيادة تدفع الزيادة إلى الورثة، وإن ~~كانت التركة عروضا لا تصير قصاصا إلا بالتراضي لاختلاف الجنس وعليه أن يسعى ~~في ثلثي قيمته، وله الثلث من سائر أمواله، وللورثة أن يبيعوا الثلث من سائر ~~أمواله حتى تصل إليهم السعاية، وهذا قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وأما ~~عندهما صار كله مدبرا، فإذا مات عتق كله ويكون العتق مقدما على سائر ~~الوصايا. # فإن زاد الثلث على مقدار قيمته، فعلى الورثة أن يدفعوا إليه، فإن كانت ~~قيمته أكثر، فعليه أن يسعى في الفضل والله سبحانه وتعالى أعلم. # ومنها أن لا يكون مجهولا جهالة لا يمكن إزالتها، فإن كان لم تجز الوصية ~~له؛ لأن الجهالة التي لا يمكن استدراكها تمنع من تسليم الموصى به إلى ~~الموصى له، فلا تفيد الوصية وعلى هذا يخرج ما إذا أوصى بثلث ماله لرجل ms4743 من ~~الناس إنه لا يصح بلا خلاف، ولو أوصى لأحد هذين الرجلين لا يصح في قول أبي ~~حنيفة - رضي الله عنه -. # وعندهما يصح غير أن عند أبي يوسف - رحمه الله - الوصية تكون بينهما ~~نصفين، وعند محمد - رحمه الله - الخيار إلى الوارث يعطى أيهما شاء. # (وجه) قول محمد أن الإيجاب وقع صحيحا؛ لأن أحدهما وإن كان مجهولا، ولكن ~~هذه جهالة تمكن إزالتها ألا ترى أن الموصي لو عين أحدهما حال حياته لتعين، ~~ثم إن محمدا يقول: لما مات عجز عن التعيين بنفسه، فيقوم وارثه مقامه في ~~التعيين وأبو يوسف يقول: لما مات قبل التعيين شاعت الوصية لهما، وليس ~~أحدهما بأولى من الآخر كمن أعتق أحد عبديه، ثم مات قبل البيان إن العتق ~~يشيع فيهما جميعا فيعتق من كل واحد منهما نصفه كذا ههنا يكون لكل واحد ~~منهما نصف الوصية ولأبي حنيفة أن الوصية تمليك عند الموت، فتستدعي كون ~~الموصى له معلوما عند الموت والموصى له عند الموت مجهول، فلم تصح الوصية من ~~الأصل، كما لو أوصى لواحد من الناس فلا يمكن القول بالشيوع ولا يقام الوارث ~~مقام الموصي في البيان؛ لأن ذلك حكم الإيجاب الصحيح. # ولم يصح إلا أن الموصي لو بين الوصية في أحدهما حال حياته صحت؛ لأن ~~البيان إنشاء الوصية لأحدهما فكان وصية مستأنفة لأحدهما عينا، وإنها صحيحة. # ولو كان عبدان فأوصى بأرفعهما لرجل وبأخسهما لآخر، ثم مات الموصي، ثم مات ~~أحد العبدين، ولا يدرى أيهما هو فالوصية بطلت في قول أبي حنيفة وزفر - ~~رحمهما الله - اجتمعا على أخذ الباقي أو لم يجتمعا. # وقال أبو يوسف - رحمه الله -: إن اجتمعا على أخذ الباقي، فهو بينهما ~~نصفان، وإن لم يجتمعا على أخذه، فلا شيء لهما. # وروي عن أبي يوسف أنه بينهما نصفان اجتمعا، أو لم يجتمعا، وعلى هذا يخرج ~~الوصية لقوم لا يحصون أنها باطلة إذا لم يكن في اللفظ ما ينبئ عن الحاجة، ~~وإن كان فيه ما ينبئ عن الحاجة، فالوصية جائزة؛ لأنهم إذا كانوا لا يحصون. # ولم يذكر ms4744 في اللفظ ما يدل على الحاجة، وقعت الوصية تمليكا منهم، وهم ~~مجهولون، والتمليك من المجهول جهالة لا يمكن إزالتها لا يصح، ثم اختلف في ~~تفسير الإحصاء قال أبو يوسف إن كانوا لا يحصون إلا بكتاب أو حساب فهم لا ~~يحصون. # وقال محمد إن كانوا أكثر من مائة فهم لا يحصون، وقيل إن كانوا بحيث لا ~~يحصيهم محص حتى يولد منهم مولود، ويموت منهم ميت، فهم لا يحصون، وقيل يفوض ~~إلى رأي القاضي، وإن كان في اللفظ ما يدل على الحاجة كان وصيته بالصدقة، ~~وهي إخراج المال إلى الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى، واحد معلوم ~~فصحت # PageV07P342 # الوصية، ثم إذا صحت الوصية فالأفضل للوصي أن يعطي الثلث لمن يقرب إليهم ~~منهم، فإن جعله في، واحد فما زاد جاز عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، وعند محمد ~~لا يجوز إلا أن يعطي اثنين منهم فصاعدا، ولا يجوز أن يعطي واحدا إلا نصف ~~الوصية، وبيان هذه الجملة في مسائل إذا أوصى بثلث ماله للمسلمين لم تصح؛ ~~لأن المسلمين لا يحصون، وليس في لفظ المسلمين ما ينبئ عن الحاجة فوقعت ~~الوصية تمليكا من مجهول، فلم تصح. # ولو أوصى لفقراء المسلمين، أو لمساكينهم صحت الوصية؛ لأنهم، وإن كانوا لا ~~يحصون لكن عندهم اسم الفقير. # والمسكين ينبئ عن الحاجة، فكانت الوصية لهم تقربا إلى الله تبارك، وتعالى ~~طلبا لمرضاته لا لمرضاة الفقير، فيقع المال لله تعالى عز وجل، ثم الفقراء ~~يتملكون بتمليك الله تعالى منهم، والله سبحانه وتعالى عز شأنه واحد معلوم؛ ~~ولذا كان إيجاب الصدقة من الله سبحانه، وتعالى من الأغنياء على الفقراء ~~صحيحا، وإن كانوا لا يحصون، وإذا صحت الوصية، فلو صرف الوصي جميع الثلث إلى ~~فقير واحد جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف. # وقال محمد: لا يجوز إلا أن يعطي منهم اثنين فصاعدا، ولا يجوز أن يعطي ~~واحدا منهم إلا نصف الثلث وجه قول محمد إن الفقراء اسم جمع، وأقل الجمع ~~الصحيح ثلاثة إلا أنه أقام الدليل على أن الاثنين في باب الوصية يقومان ms4745 ~~مقام الثلاث؛ لأن الوصية أخت الميراث. # والله تعالى أقام الثنتين من البنات مقام الثلاث منهن في استحقاق ~~الثلثين. # وكذا الاثنان من الإخوة والأخوات يقومان مقام الثلاث في نقص حق الأم من ~~الثلث إلى السدس، ولا دليل على قيام الواحد مقام الجماعة مع ما أن الجمع ~~مأخوذ من الاجتماع، وأقل ما يحصل به الاجتماع اثنان، ومراعاة معنى الاسم، ~~واجب ما أمكن، ولهما أن هذا النوع من الوصية، وصية بالصدقة، وهي إلزام ~~المال حقا لله تبارك وتعالى، وجنس الفقراء مصرف ما يجب لله عز وجل من ~~الحقوق المالية، فكان ذكر الفقراء لبيان المصرف لا لإيجاب الحق لهم، فيجب ~~الحق لله تبارك وتعالى، ثم يصرف إلى من ظهر رضا الله سبحانه وتعالى بصرف ~~حقه المآل إليه، وقد حصل بصرفه إلى، فقير واحد؛ ولهذا جاز صرف ما وجب من ~~الصدقات الواجبة بإيجاب الله عز وجل إلى فقير واحد، وإن كان المذكور بلفظ ~~الجماعة بقوله تبارك وتعالى {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة: 60] . # وقد خرج الجواب عما ذكره محمد - رحمه الله - على أن مراعاة معنى الجمع ~~إنما تجب عند الإمكان، فأما عند التعذر، فلا بل يحمل اللفظ على مطلق الجنس ~~كما في قوله، والله لا أتزوج النساء، وقوله إن كلمت بني آدم، أو إن اشتريت ~~العبيد إنه يحمل على الجنس، ولا يراعى فيه معنى الجمع حتى يحنث بوجود الفعل ~~منه في واحد من الجنس، وههنا لا يمكن اعتبار معنى الجمع؛ لأن ذلك مما لا ~~غاية له، ولا نهاية، فيحمل على الجنس، بخلاف ما إذا أوصى لمواليه، وله مولى ~~واحد أنه لا يصرف كل الثلث إليه بل نصفه؛ لأن هناك ما التزم المال حقا لله ~~تعالى عز وجل بل ملكه للموالي، وهو اسم جمع، فلا بد من اعتباره. # وكذا ذلك الجمع له غاية ونهاية، فكان اعتبار معنى الجمع ممكنا، فلا ضرورة ~~إلى الحمل على الجنس، بخلاف جمع الفقراء. # وكذلك لو أوصى لفقراء بني فلان دون أغنيائهم، وبنو فلان قبيلة لا تحصى، ~~ولا يحصى فقراؤهم، فالوصية جائزة لما قلنا ms4746 بل أولى؛ لأنه لما صحت الوصية ~~لفقراء المسلمين مع كثرتهم، فلأن تصح لفقراء القبيلة أولى. # فإن لم يقل لفقرائهم، ولكنه أوصى لبني فلان، ولم يزد عليه، فهذا لا يخلو ~~من أحد، وجهين: (إما) إن كان فلان أبا قبيلة. # (وإما) إن لم يكن أبا قبيلة بل هو رجل من الناس يعرف بأبي فلان فإن كان ~~أبا قبيلة مثل تميم، وأسد، ووائل، فإن كان بنوه يحصون؛ جازت الوصية لهم؛ ~~لأنهم إذا كانوا يحصون، فقد قصد الموصي تمليك المال منهم لا الإخراج إلى ~~الله تعالى، فكان الموصى له بالثلث معلوما، فتصح الوصية له، كما لو أوصى ~~لأغنياء بني فلان، وهم يحصون، ويدخل فيه الذكور والإناث؛ لأن الإضافة إلى ~~أب القبيلة إضافة النسبة كالإضافة إلى القبيلة ألا يرى أنه يصح أن يقال هذه ~~المرأة من بني تميم، كما يصح أن يقال هذا الرجل من بني تميم، فيدخل فيه كل ~~من ينتسب إلى فلان ذكرا كان أو أنثى غنيا كان أو فقيرا؛ لأنه ليس في اللفظ ~~ما ينبئ عن الحاجة، وصار، كما لو أوصى لقبيلة فلان، ولو كان لبني فلان ~~موالي عتاقة يدخلون في الوصية، وكذا موالي مواليهم وحلفائهم وعبيدهم. # وكذا لو كان لهم موالي الموالاة لما ذكرنا أن المراد من قوله بني فلان ~~إذا كان فلان أبا قبيلة هو القبيلة لا أبناؤه حقيقة، فكان المراد منه ~~المنتسبين إلى هذه القبيلة، والمنتمون إليهم، والحلفاء، والموالي # PageV07P343 # ينتسبون إلى القبيلة، وينتمون إليهم في العرف، والشرع قال: - عليه الصلاة ~~والسلام - «موالي القوم منهم» . # وفي رواية «موالي القوم من أنفسهم، وحليفهم منهم» . # وروي أنه قال في جملة ذلك: وعبيدهم منهم؛ ولأن بني فلان إذا كانوا لا ~~يحصون سقط اعتبار حقيقة البنوة، فصار عبارة عمن يقع بهم لهم التناصر، ~~والموالي يقع بهم لهم التناصر. # وكذا الحليف، والعديد إذ الحليف هو الذي حلف للقبيلة أنه ينصرهم، ويذب ~~عنهم كما يذب عن نفسه، وهم حلفوا له كذلك، والعديد هو الذي يلحق بهم من غير ~~حلف. # ولو أوصى لقبيلة فلان دخل فيه الموالي؛ ms4747 لأن المراد من القبيلة الذين ~~ينسبون إليه والموالي ينسبون إليه هذا إذا كانوا يحصون، فإن كانوا لا يحصون ~~لا تجوز الوصية لما قلنا في الوصية لبني فلان، بخلاف ما إذا أوصى لبني ~~فلان، وهم يحصون، وفلان أب خاص لهم، وليس بأبي قبيلة حيث كان الثلث لبني ~~صلبه، ولا يدخل فيه مواليه؛ لأنه ما جرى العرف هناك أنهم يريدون بهذه ~~اللفظة المنتسب إليهم، فبقيت اللفظة محمولة على الحقيقة؛ ولهذا لا يدخل في ~~الوصية بنو بنيه، والدليل على التفرقة بين الفصلين أن زيدا لو أعتق عبدا لا ~~يقول المعتق أنا من بني زيد إذا كان زيد أبا خاصا، وإن كان زيد أبا قبيلة ~~يقول: المعتق أنا من بني زيد هذا هو المتعارف عندهم، ولأن بني فلان إذا ~~كانوا لا يحصون لم تصح الوصية؛ لأن الوصية، وقعت لهم تمليك المال منهم، وهم ~~مجهولون، ولا يمكن أن يجعل هذا، وصية بالصدقة؛ لأنه ليس في لفظ الابن ما ~~ينبئ عن الحاجة لغة، فلا يصح، كما لو أوصى للمسلمين أنه لا يصح لجهالة ~~الملك منه، ولم يجعل وصية بالصدقة لما قلنا كذا هذا، وإن كان أبا نسب، وهو ~~رجل من الناس يعرف كابن أبي ليلى، وابن سيرين، ونحو ذلك. # فإن كانوا كلهم ذكورا دخلوا في الوصية؛ لأن حقيقة اسم البنين للذكور؛ ~~لأنه جمع الابن، فيجب العمل بالحقيقة ما أمكن، وقد أمكن، وإن كانوا كلهم ~~إناثا لا يدخل فيه، واحدة منهن؛ لأن اللفظ لا يتناولهن عند انفرادهن، وإن ~~كانوا ذكورا وإناثا، فقد اختلف فيه قال أبو حنيفة، وأبو يوسف - رضي الله ~~عنهم -: الوصية للذكور دون الإناث. # وقال محمد: عليه الرحمة يدخل فيه الذكور والإناث، وهو إحدى الروايتين عن ~~أبي حنيفة رواه يوسف بن خالد السمتي، وذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي ~~الخلاف بين أبي حنيفة، وصاحبيه. # (وجه) قول محمد - رحمه الله - إن الذكور مع الإناث إذا اجتمعا غلب الذكور ~~الإناث، ويتناول اسم الذكور الذكور والإناث، وإن كان لا يتناولهن حالة ~~الانفراد؛ ولهذا تتناول الخطابات التي في القرآن ms4748 العظيم باسم الجمع الذكور، ~~والإناث جميعا، فكذا في الوصية، ولهما اعتبار الحقيقة، وهو أن البنين جمع ~~ابن، والابن اسم للذكر حقيقة. # وكذا البنون، فلا يتناول إلا الذكور، ولهذا لم يتناولهن حالة الانفراد، ~~فكذا حالة الاجتماع، وهكذا نقول في خطابات القرآن العظيم إن خطاب الذكور لا ~~يتناول الإناث بصيغته بل بدليل زائد، والدليل عليه ما روي أن النساء شكون ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلن يا رسول الله إن الله سبحانه، ~~وتعالى يخاطب الرجال دوننا، فنزل قوله تبارك وتعالى {إن المسلمين ~~والمسلمات} [الأحزاب: 35] الآية، فلو كان خطاب الرجال يتناولهن لم يكن ~~لشكايتهن معنى، بخلاف ما إذا كان فلان أبا قبيلة أو بطن أو فخذ؛ لأن ~~الإضافة إلى القبيلة، والبطن والفخذ لا يراد بها الأعيان. # وإنما يراد بها الإنسان، وهي أن يكون منسوبا إلى القبيلة، والبطن والفخذ ~~والذكر والأنثى في النسبة على السواء، ولهذا يتناول الاسم الإناث منهم، وإن ~~لم يكن فيهن ذكر، ولا يتناول الاسم من ولد الرجل المعروف الإناث اللاتي لا ~~ذكر معهن، فإن كان لفلان بنو صلب وبنو ابن، فالوصية لبني الصلب؛ لأنهم بنوه ~~في الحقيقة (وأما) بنو الابن، فبنو بنيه حقيقة لا بنوه، وإنما يسمون بنيه ~~مجازا، وإطلاق اللفظ يحمل على الحقيقة ما أمكن، فإن لم يكن له بنو الصلب، ~~فالوصية لبني الابن؛ لأنهم بنوه مجازا، فيحمل عليه عند تعذر العمل ~~بالحقيقة. # وأما أبناء البنات، فلا يدخلون في الوصية عند أبي حنيفة - عليه الرحمة -، ~~وذكر الخصاف عن محمد - رحمه الله - أنهم يدخلون كأبناء البنين، وسنذكر ~~المسألة إن شاء الله تعالى. # فإن كان له ابنان لصلبه، فالوصية لهما في قولهم جميعا؛ لأن اسم الجمع في ~~باب الوصية يتناول الاثنين فصاعدا، فقد وجد من يستحق كل الوصية، فلا يحمل ~~على غيرهم، وإن كان له ابن واحد لصلبه؛ صرف نصف الثلث إليه؛ لأن المذكور ~~بلفظ الجمع، وليس في الواحد معنى الجمع، فلا يستحق الواحد كل الوصية بل ~~النصف، ويرد النصف الباقي إلى، ورثة الموصي، وإن كان له ابن، واحد ms4749 لصلبه ~~وابن # PageV07P344 # ابنه، فالنصف لابنه، والباقي يرد على ورثة الموصي في قول أبي حنيفة - رضي ~~الله عنه - وعندهما النصف لابنه، وما بقي، فلابن ابنه، والصحيح قول أبي ~~حنيفة؛ لأن اللفظ الواحد لا يحمل على الحقيقة، والمجاز في زمان واحد، وإذا ~~صارت الحقيقة مرادة سقط المجاز، وعندهما يجوز حمل اللفظ الواحد على الحقيقة ~~والمجاز في حالة واحدة، وهذا غير سديد؛ لأن الحقيقة اسم للثابت المستقر في ~~موضعه، والمجاز ما انتقل عن موضعه، والشيء الواحد في زمان واحد يستحيل أن ~~يكون ثابتا في محله، ومنتقلا عن محله. # ولو كان له بنات وبنو ابن، فلا شيء للفريقين في قول أبي حنيفة - رضي الله ~~عنه - وفي قولهما هو بينهم بالسوية؛ لأن عند أبي حنيفة، ولد الصلب إذا كان ~~حيا يسقط معه، ولد الولد غير أن ولد الصلب ههنا البنات على الانفراد، واسم ~~البنين لا يتناول البنات على الانفراد، فلم تصح الوصية في الفريقين جميعا، ~~وعلى أصلهما تحمل الوصية على ولد الولد إذا لم يجز أولاد الولد بالوصية، ~~ويتناولهما الاسم على الاشتراك، وصاروا كالبطن الواحد، فيشترك ذكورهم ~~وإناثهم، ولو قال: أوصيت بثلث مالي لإخوة فلان، وهم ذكور وإناث، فهو على ~~الخلاف الذي ذكرنا عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - هو للذكور دون ~~الإناث، وعند محمد - رحمه الله - هو بينهم بالسواء لا يزاد الذكر على ~~الأنثى، والحجج على نحو ما ذكرنا في المسألة المتقدمة. # ولو أوصى لولد فلان، فالذكر فيه والأنثى سواء في قولهم جميعا؛ لأن الولد ~~اسم للمولود، وإنه يتناول الذكر، والأنثى، ولو كانت له امرأة حامل دخل ما ~~في بطنها في الوصية؛ لأن الوصية أخت الميراث؛ لأن الاستحقاق في كل واحد ~~منهما يتعلق بالموت، ثم الحمل يدخل في الميراث، فيدخل في الوصية، فإن كان ~~له بنات وبنو ابن، فالوصية لبناته دون بني ابنه؛ لأن اسم الولد للبنات ~~بانفرادهن حقيقة ولأولاد الابن مجاز، ومهما أمكن حمل اللفظ على الحقيقة لا ~~يحمل على المجاز، فإن لم يكن له ولد صلب، فالوصية لولد الابن يستوي فيه ms4750 ~~ذكورهم وإناثهم؛ لأنه تعذر العمل بحقيقة اللفظ، فيعمل بالمجاز تصحيحا لكلام ~~العاقل، ولا يدخل أولاد البنات في الوصية في قول أبي حنيفة - رضي الله عنه ~~- وذكر الخصاف عن محمد - رحمهما الله - أن ولد البنات يدخلون فيها كولد ~~البنين، وذكر في السير الكبير إذا أخذ الأمان لنفسه، وولده لم يدخل فيه ~~أولاد البنات، فصار عن محمد - رحمه الله - روايتان (وجه) رواية الخصاف أن ~~الولد ينسب إلى أبويه جميعا؛ لأنه ولد أبيه وولد أمه حقيقة لانخلاقه من ~~مائهما جميعا، ثم ولد ابنه ينسب إليه، فكذا ولد بنته؛ ولهذا يضاف أولاد ~~سيدتنا، فاطمة - رضي الله عنها - إلى أبيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- «وقال - صلى الله عليه وسلم - للحسن - رضي الله عنه - إن ابني هذا لسيد، ~~وإن الله تبارك وتعالى يصلح به بين الفئتين» . # وروي أنه - عليه الصلاة والسلام - «قال للحسن والحسين - رضي الله عنهما - ~~إن ابني لسيدا كهول أهل الجنة» . # وكذا يقال لسيدنا عيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسلام - أنه من بني آدم، ~~وإن كان لا ينتسب إليه إلا من قبل أمه، ولأبي حنيفة أن أولاد البنات ينسبون ~~إلى آبائهم لا إلى أب الأم قال الشاعر # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد # (وأما) قوله إن الولد ينسب إلى أبيه وإلى أمه قلنا: نعم، وبنت الرجل ولده ~~حقيقة، فكان ولدها ولده حقيقة بواسطتها حتى تثبت جميع أحكام الأولاد في ~~حقه، كما تثبت في أولاد البنين إلا أن النسب إلى الأمهات مهجور عادة، فلا ~~ينسب أولاد البنات إلى آباء الأمهات بوساطتهن، ولا يدخلون تحت النسبة ~~المطلقة، وأولاد سيدتنا، فاطمة - رضي الله تعالى عنهم - لم تهجر نسبتهم ~~إليها، فينسبون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بواسطتها، وقيل إنهم ~~خصوا بالنسبة إليه - عليه الصلاة والسلام - تشريفا وإكراما لهم، وقد روى ~~بعض مشايخنا عن شمس الأئمة الحلواني - رحمه الله - في هذا حديثا عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «كل بني بنت بنو أبيهم إلا أولاد، ~~فاطمة - رضي الله تعالى عنها ms4751 - فإنهم أولادي» ، فإن لم يكن له إلا ولد ~~واحد، فالثلث له سواء كان ذكرا أو أنثى؛ لأن اسم الولد يتناول الولد ~~الواحد، فما زاد عليه حقيقة، ولا يتناول الجمع قال هشام: سألت محمدا عن رجل ~~له ابن وبنت، فقال: أوصيت لفلان بمثل نصيب أحد ابني، ثم مات الموصي، فكم ~~يجعل للموصى له قال: ذلك إلى الورثة إن شاءوا أعطوه أقل الأنصباء قلت له: ~~فإن كان له ابنتان، وابن قال: فكذلك أيضا قلت # PageV07P345 # فإن كان له ابنان وبنت أو ابنان وبنتان أو بنون وبنات، فقال: قد أوصيت: ~~لفلان بمثل نصيب أحد ابني، فقال: يعطى الموصى له في هذا نصيب ابن، وإنما ~~كان كذلك؛ لأنه إذا قال: أحد ابني وله ابن وبنت علم أنه سمى الأنثى ابنا ~~لاجتماعها مع الذكر، فدخلت في الكلام، فكان للورثة أن يحملوا الوصية على ~~نصيبهما، وإذا كان له بنون، وبنات أو ابنان وبنات فقال: أحد بني يقع على ~~الذكور، فتحمل الوصية على نصيب، واحد منهم دون نصيب البنات قال محمد - رحمه ~~الله -: فإذا كان له بنت وابن أو ابن وبنتان أو ابن وبنات فالابن وحده لا ~~يكون بنين. # والأمر على ما ذكره محمد؛ لأن اسم الجمع لا يتناول الواحد، فلا بد من ~~إدخال الإناث معه، فحملت الوصية على نصيب أحدهم، فهذا إشارة إلى اعتباره ~~حقيقة اللفظ، وإن الاسم يحمل على الذكور إلا عند التعذر. # ولو أوصى ليتامى بني فلان فإن كان يتاماهم يحصون جازت الوصية؛ لأنهم إذا ~~كانوا يحصون، وقعت الوصية لهم بأعيانهم؛ لكونهم معلومين، فأمكن إيقاعها ~~تمليكا منهم، فصحت كما لو أوصى ليتامى هذه السكة، أو هذه الدار، ويستوي ~~فيها الغني والفقير؛ لأن اليتيم في اللغة اسم لمن مات أبوه، ولم يبلغ ~~الحلم، وهذا لا يتعرض للفقر والغنى. # وقال الله سبحانه وتعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} [النساء: ~~10] # وقال - عليه الصلاة والسلام - «ابتغوا في أموال اليتامى خيرا كي لا ~~تأكلها الصدقة» قد سموا يتامى، وإن كان لهم مال، فكل صغير مات أبوه يدخل ~~تحت الوصية، ms4752 ومن لا فلا، فإن كانوا لا يحصون، فالوصية جائزة، وتصرف إلى ~~الفقراء منهم؛ لأنها لو صرفت إلى الأغنياء لبطلت لجهالة الموصى له، ولو ~~صرفت إلى الفقراء لجازت؛ لأنها وصية بالصدقة، وإخراج للمال إلى الله تعالى، ~~والله تعالى واحد معلوم، وأمكن أن تجعل الوصية للفقراء، وإن لم يكن في ~~اللفظ ما ينبئ عن الحاجة لغة لكنه ينبئ عن سبب الحاجة، وعما يوجب الحاجة ~~بطريق الضرورة؛ لأن الصغر والانفراد عن الأب أعظم أسباب الحاجة إذ الصغير ~~عاجز عن الانتفاع بماله، ولا بد له ممن يقوم بإيصال منافع ماله إليه، وكذا ~~هو عاجز عن القيام بحفظ ماله، واستنمائه، ولا بقاء للمال عادة إلا بالحفظ ~~والاستنماء، وهو عاجز عن ذلك كله، فيصير في الحكم كمن انقطعت عليه منافع ~~ماله بسبب بعده عن ماله، وهو ابن السبيل، فصار الاسم بهذه الوساطة منبئا عن ~~الحاجة؛ ولهذا المعنى جعل الله لليتامى سهما من خمس الغنيمة بقوله تبارك ~~وتعالى {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى} [الأنفال: 41] . # وقال تبارك وتعالى {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ~~ولذي القربى واليتامى} [الحشر: 7] ، وأراد به المحتاجين منهم دون الأغنياء. # وإذا كان كذلك أمكن تصحيح هذا التصرف بجعله إيصاء بالصدقة. # وكذلك إذا أوصى لزمنى بني فلان أو لعميانهم؛ لأن الاسم يدل على سبب ~~الحاجة عادة، وهو الزمانة، والعمى، بخلاف ما إذا أوصى لبني فلان، وهم لا ~~يحصون إنه لا يصح؛ لأنه لا يمكن تصحيحه بطريق التمليك بجهالة الموصى لهم، ~~ولا بطريق الإيصاء بالصدقة؛ لأنه ليس في لفظ الابن ما ينبئ عن الحاجة، ولا ~~ما يوجب الحاجة، وههنا، بخلافه على ما بينا، فتصح الوصية، ثم إذا صحت، ~~وانصرفت الوصية إلى الفقراء من اليتامى، فإن صرف إلى اثنين منهم فصاعدا؛ ~~جاز بالإجماع، وإن صرف جميع الثلث إلى، واحد؛ فهو على الخلاف الذي ذكرنا، ~~والأفضل للموصي أن يصرف إلى كل من قدر منهم؛ لأنه أقرب إلى العمل بحقيقة ~~اللفظ، وتحقيق مقصود الموصي، ولو أوصى بثلث ماله ms4753 لأرامل بني فلان؛ جازت ~~الوصية سواء كن يحصين، أو لا يحصين أما إذا كن يحصين، فلا يشكل، فإن الوصية ~~وقعت تمليكا منهن بأعيانهن؛ لكونهن معلومات. # وكذلك إذا كن لا يحصين؛ لأن في الاسم ما يدل على الحاجة؛ لأن الأرملة اسم ~~لامرأة بالغة، فارقت زوجها بطلاق أو وفاة دخل بها أو لم يدخل كذا قال محمد ~~- رحمه الله -. # وقال ابن الأنباري: الأرملة التي لا زوج لها من قولهم أرمل القوم، فهم ~~مرملون إذا فني زادهم ومن فني زاده كان محتاجا، فكان في الاسم ما ينبئ عن ~~الحاجة، فتقع وصية بالصدقة، وإخراج المال إلى الله تبارك وتعالى والله ~~سبحانه وتعالى واحد معلوم وهل يدخل في هذه الوصية الرجال الذين فارقوا ~~أزواجهم؟ قال عامة العلماء: - رضي الله عنهم - لا يدخلون. # وقال الشافعي: - رحمه الله - يدخل في كل من خرج من كرمة فلان ذكرا كان أو ~~أنثى، وإليه ذهب القتبي، واحتجا بقول جرير الشاعر # PageV07P346 # هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر # أطلق اسم الأرمل على الرجل. # (ولنا) أن حقيقة هذا الاسم للمرأة لما ذكرنا عن محمد، وهو من كبار أهل ~~اللغة روى عنه أبو عبيد وأبو العباس ثعلب وأقرانهم كما روينا عن الخليل، ~~والأصمعي، وأقرانهما. # وقال الخليل: يقال: امرأة أرملة، ولا يقال: رجل أرمل إلا في المليح من ~~الشعر. # وقال ابن الأنباري - رحمه الله - لا يقال: رجل أرمل إلا في الشعر، ونحو ~~ذلك، ولأن الاسم لما كان مشتقا من قولهم أرمل القوم إذا، فني زادهم، ~~فالمرأة هي التي فني زادها بموت زوجها؛ لأن النفقة على الزوج لا على ~~المرأة، فإذا مات، فقد فني زادها، وبه تبين أن قول جرير محمول على مليح ~~الشعر كما قال الخليل أو هو شاذ كما قال ابن الأنباري، أو لازدواج الكلام ~~قال الله سبحانه وتعالى {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40] . # وقال تعالى {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: ~~194] ، وقوله سبحانه وتعالى {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} ~~[النحل: 126] . # وكما قال الشاعر: ms4754 # ، فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... مدى الدهر ما لم تنكحي أتأيم # (ومعلوم) أن الرجل لا يسمى أيما لكن أطلق عليه لازدواجه بقوله، وإن ~~تتأيمي كذا ههنا، وإطلاق الاسم لا ينصرف إلى ما لا يذكر إلا لضرورة تمليح ~~الشعر، وازدواج الكلام، أو في الشذوذ؛ لأن مطلق الاسم ينصرف إلى ما تتسارع ~~إليه الأفهام والأوهام، وذلك ما قلنا، ولو أوصى لأيامى بني فلان، فإن كن ~~يحصين؛ جازت الوصية لما قلنا، وإن كن لا يحصين لا تجوز؛ لأنه ليس في لفظ ~~الأيم ما ينبئ عن الحاجة لتجعل، وصيته بالصدقة؛ لأن الأيم في اللغة اسم ~~لامرأة جومعت في قبلها، وفارقها زوجها، وشرحه محمد - رحمه الله - قال الأيم ~~كل امرأة جومعت بنكاح جائز أو فاسد أو فجور، ولا زوج لها غنية كانت أو ~~فقيرة صغيرة كانت أو كبيرة، وليس في هذه المعاني ما ينبئ عن الحاجة، فلا ~~يكون إيصاء بالتصدق، بخلاف الوصية لأرامل بني فلان، وهن لا يحصين إنها ~~جائزة؛ لأن اسم الأرملة ينبئ عن الحاجة على ما بينا، فجعل وصية بالصدقة، ثم ~~إذا كن يحصين حتى جازت الوصية يدخل فيها الصغيرة، والبالغة، والغنية ~~والفقيرة؛ لأن الاسم في اللغة لا يتعرض لما سوى الأنوثة وحلول الجماع بها ~~في قبلها وفراقها زوجها. # وقال الله تبارك وتعالى {وأنكحوا الأيامى منكم} [النور: 32] ، وأنه ~~يتناول الكبيرة والصغيرة حتى يجوز إنكاح الصغار، كما يجوز إنكاح الكبار، ~~وكذا لا يتعرض للفقر والغنى؛ لأنه سبحانه وتعالى قال عز من قائل {إن يكونوا ~~فقراء يغنهم الله من فضله} [النور: 32] ، ولو كان متعرضا لشيء من ذلك لم ~~يكن لقوله سبحانه، وتعالى {إن يكونوا فقراء} [النور: 32] معنى، وهذا الذي ~~ذكرنا أن الأيم اسم لامرأة جومعت في قبلها، فارقها زوجها قول عامة ~~المسلمين. # وقال أبو القاسم الصفار البلخي، وأبو الحسن الكرخي - رحمهما الله - إن ~~الجماع ليس بشرط لثبوت هذا الاسم. # وكذا الأنوثة بل يقع هذا الاسم على المدخول بها وعلى البكر، ويقع على ~~الرجل كما يقع على المرأة، واحتجا بقول الشاعر # إن القبور تنكح الأيامى ... النسوة ms4755 الأرامل اليتامى # ، ومعلوم أن القبر يضم البكر إلى نفسه كما يضم الثيب. # وقال الشاعر: # فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... مدى الدهر ما لم تنكحي أتأيم # أي أمكث بلا زوج ما مكثت أنت بلا زوج. # وقال آخر: # فلا تنكحن جبارة إن شرها ... عليك حرام فانكحن أو تأيما # ، والجواب أن حقيقة اللغة ما حكينا عن نقلة اللغة، وهم أهل دقائق ~~الألفاظ، فيقبل نقلهم إياه فيما وضعت له، وما ورد في استعمال بعض الفصحاء ~~معدولا به عن تلك الحقائق، فحمل على المجاز إما بطريق المقابلة، والازدواج ~~أو باعتبار بعض المعاني التي وضع لها الاسم، والدليل على أن الأنوثة أصل، ~~وأنه لا يقع على الذكر أنه لا يدخل علامة التأنيث فيه يقال: امرأة أيم، ولا ~~يقال أيمة، ولو كان الاسم يتناول الذكر، والأنثى لفرقوا بينهما بإدخال ~~علامة التأنيث في المرأة، وذكر الفقيه أبو جعفر الهندواني أن ما ذكر محمد ~~في صفة الأيم جومعت بفجور، أو غير فجور مذهبهما، فأما عند أبي حنيفة - رحمه ~~الله - التي جومعت بفجور لا تدخل في هذه الوصية؛ لأن التي جومعت بفجور بكر ~~لا أيم عنده حتى # PageV07P347 # تزوج، كما تزوج الأبكار عنده، ومنهم من قال: هذا قولهم جميعا؛ لأنها أيم ~~حقيقة لوجود الجماع إلا أنها تزوج كما تزوج الأبكار عنده لمشاركتها الأبكار ~~عنده في المعنى الذي أقيم فيه السكوت مقام الرضا نطقا في حقها باعتبار ~~السكوت، وهو الحياء على ما عرف في مسائل الخلاف، ولو أوصى لكل ثيب من بني ~~فلان إن كن يحصين صحت الوصية لما ذكرنا في المسائل المتقدمة، ويدخل تحت هذه ~~الوصية كل امرأة جومعت بحلال أو حرام لها زوج، أو لم يكن لها زوج بلغت مبلغ ~~النساء، أو لم تبلغ كذا ذكر محمد، ويدخل فيه الفقيرة والغنية والصغيرة ~~والكبيرة؛ لأن اللفظ لا يتعرض لذلك. # وقال الله تبارك وتعالى {ثيبات وأبكارا} [التحريم: 5] أدخل فيه الصغار ~~والكبار، والفقيرات والغنيات يدل عليه أنهن دخلن فيما يقابله، وهو قوله ~~سبحانه وتعالى، وأبكارا فكذا في قوله تعالى ثيبات فدل الأمر على ms4756 اشتراط ~~الدخول؛ لأنه قابل الثيبات بالأبكار، وهن اللاتي لم يجامعن، فكانت الثيبات ~~اللاتي جومعن لتصح المقابلة، ولا تشترط مفارقتها زوجها، بخلاف الأرملة؛ لأن ~~اللغة كذا تقتضي، فيتبع فيه وضع أرباب اللغة، ولا يدخل فيه الرجل؛ لأن هذا ~~الاسم لا يتناول الرجل حقيقة، وإن ورد في الحديث عنه - عليه الصلاة والسلام ~~- أنه قال: «والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة» ؛ لأن ذلك إطلاق بطريق ~~المجاز للازدواج والمقابلة، وإن كن لا يحصين لم تجز الوصية؛ لأنه ليس في ~~الاسم ما ينبئ عن الحاجة لما ذكرنا أنه اسم لأنثى من بنات آدم - عليه ~~الصلاة والسلام - جومعت، وليس في الأوصاف المذكورة في الحد ما ينبئ عن ~~الحاجة، فلا يراد بهذه الوصية إلا التمليك والمتملك مجهول، فلا يصح، ولو ~~أوصى لكل بكر من بني فلان يجوز إذا كن محصوات لما قلنا، ويدخل فيه الصغيرة ~~والكبيرة الغنية والفقيرة إذ البكر اسم لامرأة لم تجامع بنكاح، ولا غيره ~~كذا قال محمد - رحمه الله -، وإطلاق هذا الاسم على الذكر في الحديث، وهو ~~قوله - عليه الصلاة والسلام - «البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام» بطريق ~~المجاز، وهو المجاز بطريق المقابلة والازدواج، أو كان لها حقيقة، ثم غلب ~~استعماله في متعارف الخلق على الأنثى، فصار بحال لا تنصرف أوهام الناس عند ~~إطلاقه إلا إلى الأنثى، فيحمل الحديث على المجاز، ولو كانت عذرتها زالت ~~بالوضوء أو بالوثبة، أو بذرور الدم تستحق الوصية؛ لأنها لم تجامع ومن الناس ~~من خالف محمدا - رحمه الله - قالوا إن هذه أيضا لا تستحق الوصية؛ لأنها ~~ليست ببكر، والصحيح ما ذكره محمد - رحمه الله - لما ذكرنا، وذكر محمد - ~~رحمه الله - أن التي زالت بكارتها بفجور لا تكون بكرا، ولا تكون لها، وصية. # وقال بعض مشايخنا منهم الفقيه أبو جعفر الهندواني - رحمه الله -: إن هذا ~~قولهما (فأما) عند أبي حنيفة - رحمه الله -، فإنها بكر، وتستحق الوصية، ~~ومنهم من قال: لا خلاف في أنها لا تستحق الوصية؛ لأنها ليست ببكر حقيقة ~~لعدم حد البكارة، وإنما تزوج تزوج الأبكار عند أبي حنيفة ms4757 - رحمه الله - لما ~~ذكرنا، والله سبحانه، وتعالى أعلم بالصواب. # ولو أوصى لذوي قرابته أو قراباته، أو لأنسابه أو لأرحامه، أو لذوي أرحامه ~~هذه الألفاظ الخمسة سواء، فعند أبي حنيفة الوصية بهذه الألفاظ للأقرب، ~~فالأقرب فالحاصل أن عند أبي حنيفة - عليه الرحمة - يعتبر في هذه الوصية ~~خمسة أشياء الرحم المحرم والأقرب فالأقرب وجمع الوصية وهو اثنان فصاعدا، ~~وأن يكون سوى الوالدين والمولودين، وأن يكون ممن لا يرث، وعندهما يدخل في ~~هذه الوصية ذو الرحم المحرم والقريب والبعيد إلى أقصى أب له في الإسلام حتى ~~لو أوصى للعلوية والعباسية يصرف الثلث إلى من اتصل بسيدنا علي، وبسيدنا ~~العباس - رضي الله عنهما - لا إلى من فوقهما من الآباء، ولا خلاف في اعتبار ~~الأوصاف الثلاثة، وهي: اعتبار جمع الوصية وأن لا يكون والدا ولا ولدا وأن ~~يكون ممن لا يرث (أما) الأول؛ فلأن لفظ ذوي: لفظ جمع، وأقل الجمع في باب ~~الوصية اثنان؛ لأن الوصية أخت الميراث، وفي باب الميراث كذلك، فإن الثنتين ~~من البنات، والأخوات ألحقتا بالثلاث، فصاعدا في استحقاق الثلثين، وحجب الأم ~~من الثلث إلى السدس على ما مر حتى لو أوصى لذوي قرابته استحق الواحد فصاعدا ~~كل الوصية؛ لأن ذي ليس بلفظ جمع. # وأما الثاني؛ فلأن الوالد والولد لا يسميان قرابتين عرفا وحقيقة أيضا؛ ~~لأن الأب أصل، والولد فرعه وجزؤه، والقريب من يقرب من غيره لا من نفسه، فلا ~~يتناوله اسم القريب. # وقال الله سبحانه وتعالى {الوصية للوالدين والأقربين} [البقرة: 180] عطف ~~الأقرب على الوالد، والعطف يقتضي المغايرة في الأصل، وإذا لم يدخل الوالد ~~والولد في # PageV07P348 # هذه الوصية، فهل يدخل فيها الجد وولد الولد؟ ذكر في الزيادات أنهما ~~يدخلان، ولم يذكر فيه خلافا، وذكر الحسن بن زياد عن أبي حنيفة - رحمه الله ~~- أنهما لا يدخلان، وهكذا روي عن أبي يوسف - رحمه الله - وهو الصحيح؛ لأن ~~الجد بمنزلة الأب، وولد الولد بمنزلة الولد، فإذا لم يدخل فيها الوالد، ~~والولد كذا الجد وولد الولد (وأما) الثالث فلما روينا عنه - عليه الصلاة ~~والسلام - أنه قال: ms4758 «لا، وصية لوارث» ، وإنما الخلاف في موضعين: أحدهما: ~~أنه يعتبر المحرم عند أبي حنيفة، وعندهما لا يعتبر، والثاني: أنه يعتبر ~~الأقرب، فالأقرب عنده، وعندهما لا يعتبر (وجه) قولهما أن القريب اسم مشتق ~~من معنى، وهو القرب، وقد وجد القرب، فيتناول الرحم المحرم، وغيره والقريب ~~والبعيد، وصار كما لو أوصى لإخوته أنه يدخل الإخوة لأب وأم والإخوة لأب ~~والإخوة لأم؛ لكونه اسما مشتقا من الأخوة كذا هذا. # والدليل عليه ما روي عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أنه «لما نزل ~~قوله تبارك وتعالى {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] جمع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قريشا، فخص، وعم، فقال يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من ~~النار، فإني لا أملك لكم من الله تبارك وتعالى ضرا ولا نفعا يا معشر بني ~~قصي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله عز شأنه ضرا، ولا ~~نفعا» ، وكذلك قال - عليه الصلاة والسلام - لبني عبد المطلب، ومعلوم أنه ~~كان فيهم الأقرب والأبعد وذو الرحم المحرم وغير المحرم، فدل أن الاسم ~~يتناول كل قريب إلا أنه لا يمكن العمل بعمومه لتعذر إدخال أولاد سيدنا آدم ~~- عليه الصلاة والسلام - فيه، فتعتبر النسبة إلى أقصى أب في الإسلام؛ لأنه ~~لما ورد الإسلام صارت المعرفة بالإسلام، والشرف به، فصار الجد المسلم هو ~~النسب، فتشرفوا به، فلا يعتبر من كان قبله، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن ~~الوصية لما كانت باسم القرابة أو الرحم، فالقرابة المطلقة هي قرابة ذي ~~الرحم المحرم؛ ولأن معنى الاسم يتكامل بها. # وأما في غيرها من الرحم غير المحرم فناقص، فكان الاسم للرحم المحرم لا ~~لغيره؛ لأنه لو كان حقيقة لغيره، فأما أن يعتبر الاسم مشتركا أو عاما، ولا ~~سبيل إلى الاشتراك؛ لأن المعنى متجانس، ولا إلى العموم؛ لأن المعنى متفاوت، ~~فتعين أن يكون الاسم لما قلنا حقيقة، ولغيره مجازا، بخلاف الوصية لإخوته؛ ~~لأن مأخذ الاسم، وهو الإخوة لا يتفاوت، فكان اسما عاما، فيتناول الكل، ~~وههنا بخلافه على ما بينا. # ولأن المقصود من هذه الوصية ms4759 هو صلة القرابة، وهذه القرابة هي واجبة الوصل ~~محرمة القطع لا تلك، والظاهر من حال المسلم الدين المسارعة إلى إقامة ~~الواجب، فيحمل مطلق اللفظ عليه، بخلاف ما إذا أوصى لإخوته؛ لأن قرابة ~~الإخوة واجبة الوصل محرمة القطع على اختلاف جهاتها، فهو الفرق بين الفصلين، ~~وجواب أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - على زعمهما كان يستقيم في زمانهما؛ ~~لأن أقصى أب الإسلام كان قريبا يصل إليه بثلاثة آباء أو أربعة آباء، فكان ~~الموصى له معلوما، فأما في زماننا، فلا يستقيم؛ لأن عهد الإسلام قد طال، ~~فتقع الوصية لقوم مجهولين، فلا تصح إلا أن نقول أنه يصرف إلى أولاد أبيه ~~وأولاد جده وأولاد جد أبيه وإلى أولاد أمه وأولاد جدته وجدة أمه؛ لأن هذا ~~القدر قد يكون معلوما، فيصرف إليهم، فأما الزيادة على ذلك فلا، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم، فإن ترك عمين وخالين، وهم ليسوا بورثته بأن مات، وترك ~~ابنا وعمين وخالين، فالوصية للعمين لا للخالين في قول أبي حنيفة - رضي الله ~~عنه -؛ لأنه يعتبر الأقرب، فالأقرب، والعمان أقرب إليه من الخالين، فكانا ~~أولى بالوصية، وعندهما الوصية تكون بين العمين، والخالين أرباعا؛ لأن ~~القريب والبعيد سواء عندهما. # ولو كان له عم واحد وخالان، فللعم نصف الثلث، وللخالين النصف الآخر؛ لأن ~~الوصية حصلت باسم الجمع، وأقل من يدخل تحت اسم الجمع في الوصية اثنان، فلا ~~يستحق العم الواحد أكثر من نصف الوصية؛ لأن أقل من ينضم إليه مثله، وإذا ~~استحق هو النصف بقي النصف الآخر لا مستحق له أقرب من الخالين، فكان لهما، ~~وعندهما يقسم الثلث بينهم أثلاثا لاستواء الكل في الاستحقاق، فإن كان له عم ~~واحد، ولم يكن له غيره من ذوي الرحم المحرم، فنصف الثلث لعمه، والنصف يرد ~~على ورثة الموصي عنده؛ لأن العم الواحد لا يستحق أكثر من النصف، فبقي النصف ~~الآخر لا مستحق له، فتبطل فيه الوصية، وعندهما يصرف النصف الآخر إلى ذي ~~الرحم الذي ليس بمحرم. # ولو أوصى لأهل بيته يدخل فيه من جمعه آباؤهم أقصى أب في الإسلام ms4760 حتى أن ~~الموصي لو كان علويا يدخل في هذه الوصية كل من ينسب إلى سيدنا علي - رضي ~~الله عنه - # PageV07P349 # من قبل الأب، وإن كان عباسيا يدخل فيها كل من ينسب إلى العباس - رضي الله ~~عنه - من قبل الأب سواء كان بنفسه ذكرا أو أنثى بعد إن كانت نسبته إليه من ~~قبل الآباء، ولا يدخل من كانت نسبته من قبل الأم؛ لأن المراد من أهل البيت ~~أهل بيت النسب والنسب إلى الآباء وأولاد النساء آباؤهم قوم آخرون، فلا يكون ~~من أهل بيته، ويدخل تحت الوصية لأهل بيته أبوه وجده إذا كان ممن لا يرث؛ ~~لأن بيت الإنسان أبوه ومن ينسب إلى بيته، فالأب أصل البيت، فيدخل في ~~الوصية، ولا يدخل في الوصية بالقرابة؛ لأن القرابة من تقرب إلى الإنسان ~~بغيره لا بنفسه، وذلك لا يوجد في أب. # وكذلك لو أوصى لنسبه أو حسبه، فهو على قرابته الذين ينسبون إلى أقصى أب ~~له في الإسلام حتى لو كان آباؤه على غير دينه دخلوا في الوصية؛ لأن النسب ~~عبارة عمن ينسب إلى الأب دون الأم. # وكذلك الحسب، فإن الهاشمي إذا تزوج أمة، فولدت منه ينسب الولد إليه لا ~~إلى أمه، وحسبه أهل بيت أبيه دون أمه، فثبت أن النسب والحسب يختص بالأب دون ~~الأم. # وكذلك إذا أوصى لجنس فلان، فهم بنو الأب؛ لأن الإنسان يتجنس بأبيه، ولا ~~يتجنس بأمه، فكان المراد منه جنسه في النسب. # وكذلك اللحمة عبارة عن الجنس، وذكر المعلى عن أبي يوسف إذا أوصى لقرابته، ~~فالقرابة من قبل الأب والأم والجنس واللحمة من قبل الأب؛ لأن القرابة من ~~يتقرب إلى الإنسان بغيره، وهذا المعنى يوجد في الطرفين، بخلاف الجنس على ما ~~بينا. # وكذلك الوصية لآل فلان هو بمنزلة الوصية لأهل بيت فلان، فلا يدخل أحد من ~~قرابة الأم في هذه الوصية، ولو أوصى لأهل فلان، فالوصية لزوجة فلان خاصة في ~~قول أبي حنيفة، وعندهما هذا على جميع من يعولهم فلان ممن تضمه نفقته من ~~الأحرار، فيدخل فيه زوجته واليتيم في ms4761 حجره، والولد إذا كان يعوله، فإن كان ~~كبيرا قد اعتزل عنه، أو كان بنتا قد تزوجت، فليس من أهله، ولا يدخل فيه ~~مماليكه، ولا وارث الموصي، ولا الموصى لأهله (وجه) قولهما أن الأهل عبارة ~~عمن ينفق عليه قال الله تبارك وتعالى خبرا عن نبيه سيدنا نوح - عليه الصلاة ~~والسلام - {إن ابني من أهلي} [هود: 45] . # وقال تبارك وتعالى في قصة لوط - عليه الصلاة والسلام - {فنجيناه وأهله} ~~[الأنبياء: 76] ، ولأبي حنيفة - رحمه الله - أن الأهل عند الإطلاق يراد به ~~الزوجة في متعارف الناس يقال: فلان متأهل وفلان لم يتأهل، وفلان له أهل، ~~وفلان ليس له أهل، ويراد به الزوجة، فتحمل الوصية على ذلك، ولا يدخل فيه ~~المماليك؛ لأنهم لا يسمون أهل المولى، ولا يدخل فيه وارث الموصي؛ لأنه إن ~~خرج منه لا يدخل، فعند الإطلاق أولى، ولا يدخل فلان الذي أوصى لأهله؛ لأن ~~الوصية وقعت للمضاف إليه، والمضاف غير المضاف إليه، فلا يدخل في الوصية كما ~~لو أوصى لولد فلان إن فلانا لا يدخل في الوصية لما قلنا كذا هذا والله ~~سبحانه، وتعالى أعلم ولو أوصى بثلث ماله لإخوته، وله ستة إخوة متفرقة، وله ~~أولاد يحوزون ميراثه، فالثلث بين إخوته سواء؛ لأنهم في استحقاق الاسم سواء، ~~بخلاف الوصية لأقرباء فلان أنه يصرف إلى الأقرب فالأقرب عند أبي حنيفة؛ لأن ~~القرابة تحتمل التفاوت في القرب والبعد. # وأما الأخوة، فلا تحتمل التفاوت ألا ترى أنه يقال هذا أقرب من فلان، ولا ~~يقال هذا أكثر أخوة من فلان هذا إذا كان له، ولد يحوز ميراثه، فإن لم يكن؛ ~~فلا شيء للإخوة من الأب والأم والإخوة من الأم؛ لأنهم ورثة، ولا وصية ~~لوارث، وللإخوة من قبل الأب ثلث ذلك الثلث؛ لأنهم لا يرثون، ولا يقال: إذا ~~لم تصح الوصية للإخوة لأب وأم، وللإخوة لأم ينبغي أن يصرف كل الثلث إلى ~~الإخوة للأب لأنا نقول نعم هكذا لو لم تصح الإضافة إلى الإخوة لأب، وأم ~~وإلى الإخوة لأم، والإضافة إليهم وقعت صحيحة بدليل أنه لو أجازت الورثة؛ ~~جازت ms4762 الوصية لهم، وصار هذا كرجل أوصى بثلث ماله لثلاثة نفر، فمات اثنان ~~منهم قبل موت الموصي، فللباقي منهم ثلث الثلث؛ لأن الإضافة إليهم، وقعت ~~صحيحة كذا هذا، بخلاف ما إذا أوصى لفلان وفلان، وأحدهما ميت؛ لأن هناك ~~الإضافة لم تصح؛ لأن الميت ليس بمحل للوصية أصلا، فلم يدخل تحت الإضافة قال ~~أبو يوسف - رحمه الله - في رجل أوصى بثلث ماله في الصلة وله إخوة وأخوات ~~وبنو أخ وبنو أخت: يوضع الثلث في جميع قرابته من هؤلاء، ومن ولد منهم بعد ~~موته لأقل من ستة أشهر؛ لأن الصلة يراد بها صلة الرحم، فكأنه نص عليه، ومن ~~ولد منهم لأقل من ستة أشهر علم أنه كان موجودا يوم موت الموصي، فيدخل في ~~الوصية. # وذكر محمد - رحمه الله - # PageV07P350 # في الزيادات إذا أوصى بثلث ماله لأختانه، ثم مات، فالأختان أزواج البنات، ~~والأخوات، والعمات، والخالات، فكل امرأة ذات رحم محرم من الموصي، فزوجها من ~~أختانه، وكل ذي رحم محرم من زوجها من ذكر، وأنثى، فهو أيضا من أختانه، ولا ~~يكون الأختان إلا أزواج ذوات الرحم المحرم، ومن كان من قبلهم من ذي الرحم ~~المحرم، ولا يكون من الأختان من كان من قبل نساء الموصي أي: زوجاته؛ لأن من ~~ينسب إلى الزوجة، فهو صهر، وليس بختن على ما نذكر إن شاء الله تعالى، وقول ~~محمد - رحمه الله - حجة في اللغة، وذكر محمد - رحمه الله - في الإملاء أيضا ~~إذا قال: قد أوصيت لأختاني، فأختانه أزواج كل ذات رحم محرم من الزوج، فإن ~~كانت له أخت، وبنت أخت، وخالة، ولكل واحدة منهن زوج، ولزوج كل واحدة منهن ~~أب، فكلهم جميعا أختان، والثلث بينهم بالسوية الذكر، والأنثى فيه سواء، أم ~~الزوج، وأختانه، وغير ذلك فيه سواء على ما بينا، فقد نص محمد - رحمه الله - ~~في موضعين على أن الأختان ما ذكر، وقول محمد حجة في اللغة. # وقال في الإملاء: إذا قال: أوصيت بثلث مالي لأصهاري، فهو على كل ذي رحم ~~محرم من زوجته، وزوجة أبيه، وزوجة ابنه، وزوجة كل ms4763 ذي رحم محرم منه، فهؤلاء ~~كلهم أصهاره، ولا تدخل في ذلك الزوجة، ولا امرأة أبيه، ولا امرأة أخيه، ~~وقول محمد - رحمه الله - حجة في اللغة، والدليل أيضا على أن الأصهار من كان ~~من أهل الزوجة ما روي «أنه - عليه الصلاة والسلام - لما أعتق صفية، وتزوجها ~~أعتق من ملك ذا رحم محرم منها إكراما لها» . # وكانوا يسمون أصهاره - عليه الصلاة والسلام -. # وقال في الإملاء: قال أبو حنيفة: - رضي الله عنه - إذا أوصى فقال: ثلث ~~مالي لجيراني، فهو لجيرانه الملاصقين لداره من السكان عبيدا كانوا أو ~~أحرارا نساء كانوا أو رجالا ذمة كانوا أو مسلمين بالسوية قربت الأبواب، أو ~~بعدت إذا كانوا ملاصقين للدار، وعندهما الثلث لهؤلاء الذين ذكرهم أبو حنيفة ~~- رضي الله عنه - ولغيرهم من الجيران من أهل المحلة ممن يضمهم مسجد، أو ~~جماعة واحدة، ودعوة واحدة، فهؤلاء جيرانه في كلام الناس. # وقال في الزيادات عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - إذا أوصى لجيرانه، ~~فقياسه أن يكون للملاصقين، وقول أبي حنيفة - عليه الرحمة - ينبغي أن يكون ~~الثلث للسكان، وغيرهم ممن يسكن تلك الدور التي تجب لأجلها الشفعة، ومن كان ~~منهم له دار في تلك الدور، وليس بساكن فيها، فليس من جيرانه قال محمد - ~~رحمه الله -: فأما أنا، فأستحسن أن أجعل الوصية لجيرانه الملاصقين ممن يملك ~~الدور، وغيرهم ممن لا يملكها، ولمن يجمعه مسجد تلك المحلة التي فيها الموصي ~~من الملاصقين، وغيرهم من السكان ممن في تلك المحلة، وغيرهم سواء في الوصية ~~الأقربون، والأبعدون، والكافر، والمسلم، والصبي، والمرأة في ذلك سواء، وليس ~~للمماليك، والمدبرين، وأمهات الأولاد في ذلك شيء (وأما) المكاتبون، فهم في ~~الوصية إذا كانوا سكانا في المحلة (وجه) قولهما: إن اسم الجار كما يقع على ~~الملاصق يقع على المقابل، وغيره ممن يجمعهما مسجد واحد، فإن كل واحد منهما ~~يسمى جارا. # وقال «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (وروي) أن سيدنا عليا - رضي ~~الله عنه - فسر ذلك، فقال: هم الذين يجمعهم مسجد واحد؛ ولأن مقصود الموصي ~~من الوصية للجار هو ms4764 البر به، والإحسان إليه، وإنه لا يختص بالملاصق، ولأبي ~~حنيفة - رحمه الله - أن الجوار المطلق ينصرف إلى الحقيقة، وهي الاتصال بين ~~الملكين بلا حائل بينهما هو حقيقة المجاورة، فأما مع الحائل، فلا يكون ~~مجاورا حقيقة، ولهذا وجبت الشفعة للملاصق لا للمقابل؛ لأنه ليس بجار حقيقة ~~(ومطلق) الاسم محمول على الحقيقة؛ ولأن الجيران الملاصقين هم الذين يكون ~~لبعضهم على بعض حقوق يلزم الوفاء بها حال حياتهم، فالظاهر أنه أراد بهذه ~~الوصية قضاء حق كان عليه، وإذا كان كذلك، فتنصرف الوصية إلى الجيران ~~الملاصقين إلا أنه لا بد من السكنى في الملك الملاصق لملك الموصي، فإذا وجد ~~ذلك صار كأنه جار له، فيستحق الوصية، والمذكور في الحديث جار المسجد، وجار ~~المسجد فسره علي - رضي الله تعالى عنه -، فإذا أوصى لموالي فلان، وهو أبو ~~فخذ أو قبيلة، أو لبني فلان، فإنه يصير كأنه قال: لموالي قبيلة فلان، ولبني ~~قبيلة فلان، ويريد به المنتسبين إليهم بالنسب، والمنتمين إليهم بالولاء هذا ~~هو المتعارف بين أهل اللسان، ومطلق الكلام ينصرف إليه، ويصير كالمنطوق بما ~~هو المتعارف عندهم، ولو قال: نص هذا ثبت المال للمنتسبين إلى هذه القبيلة، ~~والمنتمين إليهم بالولاء كان الجواب ما قلنا كذا ههنا، بخلاف ما إذا لم يكن ~~فلان أبا فخذ أو قبيلة # PageV07P351 # فإن هناك لا عرف فعمل بحقيقة اللفظ، ولا يصار إلى المجاز إلا بالدليل ~~الظاهر، ولا يدخل فيه مولى الموالاة؛ لأن مولى العتاقة يتقدم عليه، والله ~~سبحانه وتعالى أعلم، ثم لا خلاف في أنه إذا قال: ثلث مالي لموالي فلان أنه ~~يدخل في الوصية جميع من نجز عتاقه في صحته، وفي مرضه، وسواء كان أعتقه قبل ~~الوصية أو بعدها؛؛ لأن نفاذ الوصية متعلق بالموت، وكل من أعتقه في المرض أو ~~في الصحة بعد أن نجز إعتاقه صار مولى بعد الموت، فيستحق الوصية، فأما ~~المدبرون، وأمهات الأولاد، فهل يدخلون تحت هذه الوصية؟ (روي) عن أبي يوسف ~~أنهم يدخلون، وروي عنه رواية أخرى أنهم لا يدخلون، وهو قول محمد ذكره في ~~الجامع، وجه ms4765 الرواية الأولى أن تعلق نفوذ الوصية أوان الموت، وهم مواليه في ~~ذلك الوقت، فإنهم يستحقون الوصية (وجه) ظاهر الرواية أن أوان نفوذ الوصية، ~~وهو وقت الموت أوان عتقهم، فيعتقون في تلك الحالة، ثم يصيرون مواليه بعده، ~~والوصية تناولت من كان مولى عند موته، وهم في تلك الحالة ليسوا بمواليه، ~~فلا يدخلون في الوصية (ولو كان) قال ذلك بعد أن قال إن لم أضربك، فأنت حر، ~~فمات قبل أن يضربه عتق، ودخل في الوصية؛ لأنه عتق في آخر جزء من أجزاء ~~حياته لتحقق عدم الضرب منه في تلك الحالة، ووقوع اليأس عن حصوله من قبله، ~~فيصير مولى له، ثم يعتقه الموت، ثم تنفذ الوصية، فكان مولى وقت نفوذ ~~الوصية، ووجوبها، بخلاف المسألة الأولى، والله تعالى أعلم بالصواب. ### | [الشرط الذي يرجع إلى الموصى به] # (وأما) الذي يرجع إلى الموصى به، فأنواع منها أن يكون مالا، أو متعلقا ~~بالمال؛ لأن الوصية إيجاب الملك، أو إيجاب ما يتعلق بالملك من البيع، ~~والهبة، والصدقة، والإعتاق، ومحل الملك هو المال، فلا تصح الوصية بالميتة، ~~والدم من أحد، ولأحد؛ لأنهما ليس بمال في حق أحد، ولا بجلد الميتة قبل ~~الدباغ، وكل ما ليس بمال، وقد ذكرنا ذلك في كتاب البيوع. # (ومنها) أن يكون المال متقوما، فلا تصح الوصية بمال غير متقوم كالخمر ~~فإنها، وإن كانت مالا حتى تورث لكنها غير متقومة في حق المسلم حتى لا تكون ~~مضمونة بالإتلاف، فلا تجوز الوصية من المسلم، وله بالخمر، ويجوز ذلك من ~~الذمي؛ لأنها مال متقوم في حقهم كالخل، وتجوز بالكلب المعلم؛ لأنه متقوم ~~عندنا ألا ترى أنه مضمون بالإتلاف، ويجوز بيعه، وهبته سواء كان المال عينا، ~~أو منفعة عند عامة العلماء حتى تجوز الوصية بالمنافع من خدمة العبد، وسكنى ~~الدار، وظهر الفرس. # وقال ابن أبي ليلى - رحمه الله - لا تجوز الوصية بالمنافع (وجه) قوله: أن ~~الوصية بالمنافع وصية بمال الوارث؛ لأن نفاذ الوصية عند الموت، وعند الموت ~~تحصل المنافع على ملك الورثة؛ لأن الرقبة ملكهم، وملك المنافع تابع لملك ms4766 ~~الرقبة، فكانت المنافع ملكهم؛ لأن الرقبة ملكهم، فكانت الوصية بالمنافع ~~وصية من مال الوارث، فلا تصح؛ ولأن الوصية بالمنافع في معنى الإعارة إذ ~~الإعارة تمليك المنفعة بغير عوض، والوصية بالمنفعة كذلك، والعارية تبطل ~~بموت المعير، فالموت لما أثر في بطلان العقد على المنفعة بعد صحته، فلأن ~~يمنع من الصحة أولى؛ لأن المنع أسهل من الرفع. # (ولنا) أنه لما ملك تملك حال حياته بعقد الإجارة، والإعارة، فلأن يملك ~~بعقد الوصية أولى؛ لأنه أوسع العقود ألا ترى أنها تحتمل ما لا يحتمله سائر ~~العقود من عدم المحل، والحظر، والجهالة، ثم لما جاز تمليكها ببعض العقود، ~~فلأن يجوز بهذا العقد أولى، والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب (وأما) قوله ~~إن الوصية وقعت بمال الوارث، فممنوع، وقوله: ملك الرقبة عند موت الموصي ~~مسلم لكن ملك المنفعة يتبع ملك الرقبة إذا أفرد المنفعة بالتمليك وإذا لم ~~يفرد الأول ممنوع والثاني مسلم وهنا أفرد بالتمليك فلا يتبع ملك الرقبة ~~وهذا لأن الموصي إذا أفرد ملك المنفعة بالوصية، فقد جعله مقصودا بالتمليك، ~~وله هذه الولاية، فلا يبقى تبعا لملك الذات بل يصير مقصودا بنفسه، بخلاف ~~الإعارة؛ لأن المعير، وإن جعل ملك المنفعة مقصودا بالتمليك لكن في الحال لا ~~بعد الموت؛ لأنه إنما يعار الشيء للانتفاع في حال الحياة عادة لا بعد ~~الموت، فينتفي العقد بالموت. # وأما الوصية، فتمليك بعد الموت، فكان قصده تمليكه المنفعة بعد الموت، ~~فكانت المنافع مقصودة بالتمليك بعد الموت، فهو الفرق، ونظيره من وكل وكيلا ~~في حال حياته، فمات الموكل ينعزل الوكيل، ولو أضاف الوكالة إلى ما بعد ~~موته؛ جاز حتى يكون وصيا بعد موته، وسواء كانت الوصية بالمنافع مؤقتة بوقت ~~من سنة أو شهر، أو كانت مطلقة عن التوقيت؛ لأن الوصية بالمنافع في معنى ~~الإعارة؛ لأنها تمليك المنفعة بغير عوض، ثم الإعارة تصح مؤقتة، ومطلقة عن ~~الوقت. # وكذا الوصية غير أنها إذا كانت # PageV07P352 # مطلقة، فللموصى له أن ينتفع بالعين ما عاش، وإذا كانت مؤقتة بوقت، فله أن ~~ينتفع به إلى ذلك الوقت، وإذا جازت ms4767 الوصية بالمنافع يعتبر فيها خروج العين ~~التي أوصى بمنفعتها من الثلث، ولا يضم إليها قيمة، وإن كان الموصى به هو ~~المنفعة، والعين ملك لم يزل عنه؛؛ لأن الموصي بوصيته بالمنافع منع العين عن ~~الوارث، وحبسها عنه لفوات المقصود من العين، وهو الانتفاع بها، فصارت ~~ممنوعة عن الوارث محبوسة عنه، والموصي لا يملك منع ما زاد عن الثلث على ~~الوارث، فاعتبر خروج العين من ثلث المال (ولهذا) لو أجل المريض مرض الموت ~~دينا معجلا له لا يصح إلا في الثلث، وإن كان التأجيل لا يتضمن إبطال ملك ~~الدين لكن لما كان فيه منع الوارث عن الدين قبل حلول الأجل لم يصح إلا في ~~قدر الثلث كذا ههنا، وإذا كان المعتبر خروج العين من الثلث، فإن خرجت من ~~الثلث؛ جازت الوصية في جميع المنافع، فللموصى له أن ينتفع بها، فيستخدم ~~العبد، ويسكن الدار ما عاش إن كانت الوصية مطلقة عن الوقت، فإذا مات الموصى ~~له بالمنفعة انتقلت إلى ملك صاحب العين؛ لأن الوصية بالمنفعة قد بطلت بموت ~~الموصى له؛ لأنها تمليك المنفعة بغير عوض كالإعارة، فتبطل بموت المالك إياه ~~كما تبطل الإعارة بموت المستعير على أن المنافع بانفرادها لا تحتمل الإرث، ~~وإن كان تملكها بعوض على أصل أصحابنا - رضي الله عنهم - كإجارة فلان لا ~~يحتمل فيما هو تمليك بغير عوض أولى، بخلاف ما إذا أوصى بغلة داره، أو ثمرة ~~نخله، فمات الموصى له، وفي النخل ثمر. # وكان وجب بما استغل الدار آخر أن ذلك يكون لورثة الموصى له؛ لأن ذلك عين ~~ملكها الموصى له، وتركه بالموت، فيصير ميراثا لورثته، وفي المنفعة لا حتى ~~أن ما يحصل بعد موته لا يكون لورثته بل لورثة الموصي؛ لأنه لم يملكه الموصى ~~له، فلا يورث، وإن كانت العين لا تخرج من ثلث ماله؛ جازت الوصية في المنافع ~~في قدر ما تخرج العين من ثلث ماله بأن لم يكن له مال آخر سوى العين من ~~العبد، والدار، تقسم المنفعة بين الموصى له، وبين الورثة أثلاثا ثلثها ~~للموصى ms4768 له، وثلثاها للورثة، فيستخدم الموصى له العبد يوما، والورثة يومين، ~~وفي الدار يسكن الموصى له ثلثها، والورثة ثلثيها ما دام الموصى له حيا، ~~فإذا مات ترد المنفعة إلى الورثة، وحكى أبو يوسف عن ابن أبي ليلى - رحمهما ~~الله - أنه إذا أوصى بسكنى داره لرجل، وليس له مال غيرها، ولم تجز الورثة ~~إن الوصية باطلة؛ لأن الوصية لم تصح في الثلثين، والشيوع شائع في الثلثين، ~~والشيوع يؤثر في المنافع كما في الإجارة (وهذا) لا يتفرع على أصل ابن أبي ~~ليلى؛ لأن الوصية بالمنافع باطلة على أصله، فتبقى السكنى كلها على ملك ~~الورثة، فلا يتحقق الشيوع، ولو أراد الورثة بيع الثلثين، أو القسمة ليس لهم ~~ذلك (عند) أبي حنيفة، وعند أبي يوسف لهم ذلك (وجه) قول أبي يوسف إن الملك ~~مطلق للتصرف في الأصل، وإنما الامتناع لتعلق حق الغير به، وحق الغير ههنا ~~تعلق بالثلث لا بالثلثين؛ لأن الوصية تعلقت بالثلث لا غير، فخلا ثلثا الدار ~~عن تعلق حق الغير بها، فكان لهم ولاية البيع، والقسمة. # وكذا الحاجة دعت إلى القسمة لتكميل المنفعة، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه ~~- أن حق الموصى له بالمنفعة متعلق بمنافع كل الدار على الشيوع، وذلك بمنع ~~جواز البيع كما في الإجارة، فإن رقبة المستأجر ملك المؤجر لكن لما تعلق بها ~~حق المستأجر منع جواز البيع، ونفاذه بدون إجازة المستأجر كذا ههنا. # وكذا في القسمة إبطال حق الموصى له هذا إذا كانت الوصية بالمنافع مطلقة ~~عن الوقت، فإن كانت مؤقتة، فإن كانت العين تخرج من ثلث ماله؛ فإن الموصى له ~~ينتفع بها إلى الوقت المذكور، فإن كان المذكور سنة غير معينة، فينتفع بها ~~الموصى له سنة كاملة، ثم يعود بعد ذلك إلى الورثة، وإن كانت لا تخرج من ثلث ~~ماله فبقدر ما يخرج، وإن لم يكن له مال آخر كانت المنفعة بين الموصى له، ~~وبين الورثة أثلاثا يخدم العبد يوما للموصى له، ويومين للورثة، فيستوفي ~~الموصى له خدمة السنة في ثلاث سنين، وإن كانت العين الموصى بمنفعتها دارا ms4769 ~~يسكن الموصى له ثلثها، والورثة ثلثيها يهايئان مكانا؛ لأن التهايؤ بالمكان ~~في الدار ممكن، وفي العبد لا يمكن لاستحالة خدمة العبد بثلثه لأحدهما، ~~وبثلثيه للآخر، فمست الضرورة إلى المهايئات زمانا، وإن كان المذكور من ~~الوقت سنة بعينها بأن قال: سنة كذا، أو شهر كذا، فإن كان الموصى به خدمة ~~العبد، فإن كان العبد يخرج من الثلث ينتفع بها تلك السنة أو الشهر، وإن لم ~~يكن له مال آخر، ففي العبد ينتفع به الورثة يومين # PageV07P353 # والموصى له يوما، وفي الدار يسكن الموصى له ثلثها، والورثة ثلثيها على ~~طريق المهايأة، فإذا مضت تلك السنة، أو ذلك الشهر على هذا الحساب يحصل ~~للموصى له منفعة السنة أو الشهر، ولو أراد أن يكمل ذلك من سنة أخرى، أو من ~~شهر آخر ليس له ذلك؛ لأن الوصية أضيفت إلى تلك السنة، أو ذلك الشهر لا إلى ~~غيرهما. # ولو عين الشهر الذي هو فيه أو السنة التي هو فيها بأن قال: هذا الشهر، أو ~~هذه السنة ينظر إن مات بعد مضي ذلك الشهر، أو تلك السنة بطلت وصيته؛ لأن ~~الوصية نفاذها عند موته، وقد مضى ذلك الشهر، أو تلك السنة قبل موته فبطلت ~~الوصية، وإن مات قبل أن يمضي ذلك الشهر، أو السنة، فإن كانت العين تخرج من ~~الثلث ينتفع بها فما بقي من الشهر، أو السنة، وإن كانت لا تخرج، وليس له ~~مال آخر ففي العبد ينتفع بها الموصى له يوما، والورثة يومين إلى أن يمضي ~~ذلك الشهر، أو السنة، وفي الدار يسكناها أثلاثا على طريق المهايأة على ما ~~بينا، ولو أوصى بخدمة عبده لإنسان، وبرقبته لآخر، أو بسكنى داره لإنسان، ~~وبرقبتها لآخر، والرقبة تخرج من الثلث فالرقبة لصاحب الرقبة، والخدمة كلها ~~لصاحب الخدمة؛ لأن المنفعة لما احتملت الإفراد من الرقبة بالوصية حتى لا ~~تملك الورثة الرقبة، والموصى له المنفعة، فيستوي فيها الإفراد باستيفاء ~~الرقبة لنفسه، وتمليكها من غيره، فيكون أحدهما موصى له بالرقبة، والآخر ~~بالمنفعة، فإذا مات الموصى ملك صاحب الرقبة الرقبة، وصاحب المنفعة ms4770 المنفعة، ~~وكذلك إذا أوصى برقبة شجرة أو بستان لإنسان، وبثمرته لآخر، أو برقبة أرض ~~لرجل، وبغلتها لآخر، أو بأمة لرجل، وبما في بطنها لآخر؛ لأن الثمر، والغلة، ~~والحمل كل واحد منها يحتمل الإفراد بالوصية، فلا فرق بين أن يستبقي الأصل ~~لنفسه، وبين أن يملكه من غيره على ما ذكرنا في الوصية بالمنفعة # وسواء كان الموصى به موجودا وقت كلام الوصية، أو لم يكن موجودا عنده، ~~فالوصية جائزة إلا إذا كان في كلام الموصي ما يقتضي الوجود للحال، فتصح ~~الوصية بثلث ماله، ولا مال له عند كلام الوصية. # وكذا تصح الوصية بغلة بستانه، أو بغلة أرضه، أو بغلة أشجاره أو بغلة ~~عبده، أو بسكنى داره، أو بخدمة عبده، وتصح الوصية بما في بطن جاريته، أو ~~دابته، وبالصوف على ظهر غنمه،، وباللبن في ضرعها، وثمرة بستانه، وثمرة ~~أشجاره، وإن لم يكن شيء من ذلك موجودا للحال. ### | [وجود الموصى به عند موت الموصي هل هو شرط بقاء الوصية] # (وأما) وجوده عند موت الموصي، فهل هو شرط بقاء الوصية على الصحة؟ (فأما) ~~في الثلث، والعين المشار إليها فشرط، حتى لو أوصى بثلث ماله، وله مال عند ~~كلام الوصية، ثم هلك، ثم مات الموصى بطلت الوصية. # وكذلك الوصية بما في البطن، والضرع، وبما على الظهر من الصوف، واللبن، ~~والولد، حتى لو مات الموصى بطلت الوصية إذا لم يكن ذلك موجودا وقت موته. # وأما في الوصية بالثمرة فليس بشرط استحسانا، والقياس أن يكون شرطا، ولا ~~يشترط ذلك في الوصية بغلة الدار، والعبد، والحاصل أن جنس هذه الوصايا على ~~أقسام بعضها يقع على الموجود وقت موت الموصي، والذي يوجد بعد موته سواء ذكر ~~الموصي في وصيته الأبد، أو لم يذكر، وهو الوصية بالغلة، وسكنى الدار، وخدمة ~~العبد، وبعضها يقع على الموجود قبل الموت، ولا يقع على ما يحدث بعد موته ~~سواء ذكر الأبد أو لم يذكر، وهو الوصية بما في البطن، والضرع، وبما على ~~الظهر، فإن كان في بطنها، ولد، وفي ضرعها لبن، وعلى ظهرها صوف وقت ms4771 موت ~~الموصي فالوصية جائزة، وإلا فلا، وفي بعضها إن ذكر لفظ الأبد يقع على ~~الموجود، والحادث، وإن لم يذكر، فإن كان موجودا وقت موت الموصي يقع على ~~الموجود، ولا يقع على الحادث، وإن لم يكن موجودا فالقياس أن تبطل الوصية ~~كما في الصوف، والولد، واللبن، وفي الاستحسان لا تبطل، وتقع على ما يحدث ~~كما لو ذكر الأبد، وهذه الوصية بثمرة البستان. # والشجر إنما كان كذلك؛ لأن الوصية إنما تجوز فيما يجري فيه الإرث، أو ~~فيما يدخل تحت عقد من العقود في حالة الحياة، والحادث من الولد، وأخواته لا ~~يجري فيه الإرث، ولا يدخل تحت عقد من العقود فلا يدخل تحت الوصية، بخلاف ~~الغلة فإن له نظيرا في العقود، وهو عقد المعاملة، والإجارة،. # وكذلك سكنى الدار، وخدمة العبد يدخلان تحت عقد الإجارة، والإعارة فكان ~~لهما نظير في العقود. # وأما الوصية بثمرة البستان، والشجر فلا شك أنها تقع عن الموجود وقت موت ~~الموصي، والحادث بعد موته إن ذكر الأبد؛ لأن اسم الثمرة يقع على الموجود، ~~والحادث، والحادث منها يحتمل الدخول تحت بعض العقود، وهو عقد المعاملة، ~~والوقف، فإذا ذكر الأبد يتناوله، وإن لم يذكر الأبد، فإن كان وقت موت # PageV07P354 # الموصي ثمرة موجودة دخلت تحت الوصية، ولا يدخل ما يحدث بعد الموت، وإن لم ~~يكن فالقياس أن لا يتناول ما يحدث، وتبطل الوصية، وفي الاستحسان يتناوله، ~~ولا تبطل الوصية. # (وجه) القياس أن الثمرة بمنزلة الولد، والصوف، واللبن، والوصية بشيء من ~~ذلك لا يتناول الحادث كذا الثمرة. # (وجه) الاستحسان أن الاسم يحتمل الحادث، وفي حمل الوصية عليه تصحيح ~~العقد، ويمكن تصحيحه؛ لأن له نظيرا من العقود، وهو الوقف، والمعاملة، ولهذا ~~لو نص على الأبد يتناوله، بخلاف الولد، والصوف، واللبن؛ لأنه عقد ما لا ~~يحتمله فلم يكن ممكن التصحيح، ولهذا لو نص على الأبد لا يتناول الحادث، ~~وههنا بخلافه، ولو أوصى لرجل ببستانه يوم يموت، وليس له يوم أوصى بستان، ثم ~~اشترى بستانا، ثم مات فالوصية جائزة؛ لأن الوصية بالمال إيجاب الملك عند ~~الموت فيراعى ms4772 وجود الموصى به وقت الموت. # ألا ترى أنه لو أوصى له بعين البستان، وليس في ملكه البستان يوم الوصية، ~~ثم ملكه، ثم مات صحت الوصية، ولو قال: أوصيت لفلان بغلة بستاني، ولا بستان ~~له فاشترى بعد ذلك ذلك ومات ذكر الكرخي - عليه الرحمة - أن الوصية جائزة، ~~وذكر في الأصل أنها غير جائزة. # (وجه) رواية الأصل أن قوله بستاني يقتضي وجود البستان للحال، فإذا لم ~~يوجد لم يصح. # (والصحيح) ما ذكره الكرخي؛ لأن الوصية إيجاب الملك بعد الموت فيستدعي ~~وجود الموصى به عند الموت لا وقت كلام الوصية، ولو أوصى لرجل بثلث غنمه ~~فهلكت الغنم قبل موته، أو لم يكن له غنم من الأصل فمات ولا غنم له فالوصية ~~باطلة. # وكذلك العروض كلها؛ لأن الوصية تمليك عند الموت، ولا غنم له عند الموت، ~~فإن لم يكن له غنم وقت كلام الوصية، ثم استفاد بعد ذلك ذكر في الأصل أن ~~الوصية باطلة؛ لأن قوله غنمي يقتضي غنما موجودة وقت الوصية كما قلنا في ~~البستان. # وعلى رواية الكرخي - رحمه الله - ينبغي أن يجوز لما ذكرنا في البستان. # وكذلك لو قال أوصيت له بشاة من غنمي، أو بقفيز من حنطتي، ثم مات وليس له ~~غنم ولا حنطة فالوصية باطلة لما قلنا، ولو لم يكن له غنم، ولا حنطة ثم ~~استفاد بعد ذلك ثم مات، فهو على الروايتين اللتين ذكرناهما، وبمثله لو قال: ~~شاة من مالي أو قفيز حنطة من مالي، وليس له غنم، ولا حنطة فالوصية جائزة، ~~ويعطى قيمة الشاة؛ لأنه لما أضاف إلى المال، وعين الشاة لا توجد في المال ~~علم أنه أراد به قدر مالية الشاة، وهي قيمتها، ولو أوصى بشاة، ولم يقل من ~~غنمي، ولا من مالي فمات وليس له غنم لم يذكر هذا الفصل في الكتاب، واختلف ~~المشايخ فيه قال بعضهم: لا تصح الوصية؛ لأن الشاة اسم للصورة. # والمعنى جميعا إلا أنا حملنا هذا الاسم على المعنى في الفصل الأول بقرينة ~~الإضافة إلى المال، ولم توجد ههنا. # وقال بعضهم: يصح؛ ms4773 لأن الشاة إذا لم تكن موجودة في ماله فالظاهر أنه أراد ~~به مالية الشاة تصحيحا لتصرفه فيعطى قيمة شاة، وقد ذكر في السير الكبير ~~مسألة تؤيد هذا القول، وهي أن الإمام إذا نفل سرية فقال: من قتل قتيلا فله ~~جارية من السبايا. # فإن كان في السبي جارية يعطى من قتل قتيلا، وإن لم يكن في السبي جارية لا ~~يعطى شيئا، ولو قال: من قتل قتيلا فله جارية، ولم يقل من السبي فإنه يعطى ~~من قتل قتيلا قدر مالية الجارية كذا ههنا. # ولا تجوز الوصية بسكنى داره، أو خدمة عبده أو ظهر فرسه للمساكين في قول ~~أبي حنيفة - عليه الرحمة -، ولا بد من أن يكون ذلك لإنسان معلوم. # وعندهما - رحمهما الله - تجوز الوصية بذلك كله للمساكين، كذا ذكر الكرخي ~~في مختصره، وذكر في الأصل، والوصية بسكنى الدار، وخدمة العبد أنها لا تجوز، ~~ولم يذكر فيها الاختلاف، وإنما ذكره في الوصية بظهر الفرس. # (وجه) قولهما أن الوصية للمساكين وصية بطريق الصدقة، والصدقة إخراج المال ~~إلى الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل واحد معلوم، ولهذا جازت الوصية بسائر ~~الأعيان للمساكين فكذا بالمنافع،، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - أن الموصى ~~له بالخدمة. # والركوب، والسكنى تلزمه النفقة على العبد، والفرس، والدار؛ لأنه لا يمكنه ~~الانتفاع إلا بعد بقاء الدين، ولا يبقى عادة بدون النفقة فبعد ذلك لا يخلو ~~إما أن تلزمه النفقة أو لا، فإن لم تلزمه النفقة لا يمكن تنفيذ هذه الوصية؛ ~~لأنه لا يمكن إيجابها على الورثة؛ لأن المؤنة لا تجب إلا على من له ~~المنفعة، والمنفعة للموصى له لا للورثة، ولا يمكن الاستغلال بأن يستغل ~~فينفق عليه من الغلة؛ لأن الوصية لم تقع بالغلة؛ ولأن الاستغلال يقع تبديلا ~~للوصية، وأنه لا يجوز فتعذر تنفيذ هذه الوصية، وإن لزمه النفقة فكان هذا ~~معاوضة معنى # PageV07P355 # لا وصية، ولا صدقة. # والجهالة تمنع صحة المعاوضة، وهذا المعنى لا يوجد في الأعيان، وفي الوصية ~~لرجل بعينه، وقيل: إن الوصية بظهر فرسه للمساكين، أو في سبيل الله تبارك ms4774 ~~وتعالى فريعة مسألة الوقف، أن عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - لو جعل فرسه ~~للمساكين وقفا في حال الحياة لا يجوز، ولا تجوز الوصية به بعد الوفاة. # وعندهما لو جعله وقفا في حال حياته جاز فكذا إذا أوصى بعد وفاته، وسواء ~~كان الموصى به معلوما، أو مجهولا فالوصية جائزة؛ لأن هذه جهالة تمكن ~~إزالتها من جهة الموصي ما دام حيا، ومن جهة ورثته بعد موته فأشبهت جهالة ~~المقر به في حال الإقرار، وإنها لا تمنع صحة الإقرار، بخلاف جهالة المقر له ~~تمنع صحة الإقرار كذا جهالة الموصى له تمنع صحة الوصية أيضا. # وعلى هذا مسائل: بعضها يرجع إلى. # بيان قدر ما يستحقه الموصى له من الوصايا التي فيها ضرب إبهام، وبعضها ~~يرجع إلى بيان استخراج القدر المستحق من الوصية المجهول بالحساب، وهي ~~المسائل الحسابية، وبيان هذه الجملة في مسائل منها ما إذا أوصى لرجل بجزء ~~من ماله أو بنصيب من ماله أو بطائفة من ماله أو ببعض أو بشقص من ماله، فإن ~~بين في حياته شيئا، وإلا أعطاه الورثة بعد موته ما شاءوا؛ لأن هذه الألفاظ ~~تحتمل القليل، والكثير، فيصح البيان فيه مادام حيا، ومن ورثته إذا مات؛ ~~لأنهم قائمون مقامه لو أوصى بألف إلا شيئا، أو إلا قليلا، أو إلا يسيرا، أو ~~زهاء ألف، أو جل هذه الألف، أو عظم هذا الألف، وذلك يخرج من الثلث فله ~~النصف من ذلك، وزيادة. # وما زاد على النصف فهو إلى الورثة يعطون منه ما شاءوا؛ لأن القليل، ~~والكثير، واليسير من أسماء المقابلة فلا يكون قليلا إلا، وبمقابلته أكثر ~~منه، فيقتضي وجود الأكثر، وهو النصف، وزيادة عليه، وتلك الزيادة مجهولة ~~فيعطيه الورثة من الزيادة ما شاءوا. # والشيء في مثل هذا الموضع يراد به اليسير، وقوله: جل هذه الألف، وعامة ~~هذه الألف، وعظم هذه الألف عبارات عن أكثر الألف، وهو الزيادة على النصف، ~~وزهاء ألف عبارة عن القريب من الألف، وأكثر الألف قريب من الألف، ولو أوصى ~~له بسهم من ماله فله مثل أخس ms4775 الأنصباء يزاد على الفريضة ما لم يزد على ~~السدس عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -. # وعندهما - رحمهما الله - ما لم يزد على الثلث كذا ذكر في الأصل، وذكر في ~~الجامع الصغير له مثل نصيب أحد الورثة، ولا يزاد على السدس عند أبي حنيفة، ~~وعندهما لا يزاد على الثلث، فعلى رواية الأصل يجوز النقصان عن السدس عنده، ~~وعلى رواية الجامع الصغير لا يجوز، وبيان هذه الجملة إذا مات الموصي، وترك ~~زوجة، وابنا، فللموصى له على رواية الأصل أخس سهام الورثة، وهو الثمن، ~~ويزاد على ثمانية أسهم سهم آخر فيصير تسعة فيعطى تسعة المال، وعلى رواية ~~الجامع الصغير يعطى السدس؛ لأنه أخس سهام الورثة. # ولو ترك زوجة، وأخا لأب، وأم، أو لأب فللموصى له السدس عنده؛ لأن أخس ~~سهام الورثة الربع ههنا، وهو لا يجوز الزيادة على السدس، وعندهما له الربع؛ ~~لأنه أقل سهام الورثة، وأنه أقل من الثلث فزاد على أربعة مثل ربعها، وذلك ~~سهم، وهو خمس المال. # وكذلك لو ماتت امرأة، وتركت زوجا، وابنا، ولو ترك ابنين فله السدس عنده، ~~وعندهما له ثلث جميع المال. # وكذلك إن ترك ثلاث بنين، فإن ترك خمسة بنين فله سدس جميع المال عنده، ~~وعندهما يجعل المال على ثلاثة أسهم، ثم يزاد عليه سهم فيعطى أربعة إذا، وإن ~~أقر بسهم من داره لإنسان فله السدس عنده، وعندهما البيان إلى المقر. # وكذلك إذا أعتق سهما من عبده يعتق سدسه عنده لا غير، وعندهما يعتق كله؛ ~~لأن العتق يتجزأ عنده، وعندهما لا يتجزأ. # (وجه) قولهما أن السهم اسم لنصيب مطلق ليس له حد مقدر بل يقع على القليل، ~~والكثير كاسم الجزء إلا أنه لا يسمى سهما إلا بعد القسمة فيقدر بواحد من ~~أنصباء الورثة، والأقل متيقن فيقدر به إلا إذا كان يزيد ذلك على الثلث ~~فيزاد إلى الثلث؛ لأن الوصية لا جواز لها بأكثر من الثلث من غير إجازة ~~الورثة،، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - (ما روي) عن ابن مسعود - رضي الله ~~عنه - أنه سئل عن رجل ms4776 أوصى بسهم من ماله فقال له السدس. # (والظاهر) أن الصحابة - رضي الله عنهم - بلغتهم فتواه، ولم ينقل أنه أنكر ~~عليه أحد فيكون إجماعا. # وروي عن إياس بن معاوية - رضي الله عنه - أنه قال: السهم في كلام العرب ~~السدس إلا أنه يستعمل أيضا في أحد سهام الورثة، والأقل متيقن به فيصرف ~~إليه، فإن كان أقل منه لا يبلغ به السدس؛ لأنه يحتمل أنه أراد به السدس، ~~ويحتمل أنه أراد به مطلق سهم من سهام الورثة، فلا يزاد على أقل سهامهم ~~بالشك # PageV07P356 # والاحتمال. # ولو أوصى له بمائة دينار إلا درهم، أو بكر حنطة إلا درهم أو إلا محتوم ~~شعير جائز، وهو كما قال، وكذلك لو قال: داري هذه، أو عبدي هذا إلا مائة ~~درهم جاز عن الثلث، وبطل عنه قيمة مائة درهم، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي ~~يوسف رحمهما الله. # وقال محمد - رحمه الله -: الاستثناء باطل، ولقب المسألة أن استثناء ~~المقدر من المقدر في الجنس، وخلاف الجنس بعد إن كان الاستثناء مقدرا بعد إن ~~كان من المكيلات، أو الموزونات، أو العدديات المتقاربة صحيح عندهما، وعنده ~~لا يصح إلا في الجنس، وهي من مسائل كتاب الإقرار. # ولو قال: أوصيت لفلان ما بين العشرة والعشرين، أو ما بين العشرة إلى ~~العشرين، أو من العشرة إلى عشرين فهو سواء، وله تسعة عشر درهما. # وكذلك لو قال: ما بين المائة، والمائتين، أو ما بين المائة إلى المائتين، ~~أو من المائة إلى المائتين، فله مائة وتسعة وتسعون درهما، وهذا قول أبي ~~حنيفة، وعندهما له في الأول عشرون، وفي الثاني مائتان، وعند زفر له ثمانية ~~عشر في الأول، ومائة وثمانية وتسعون في الثاني، وأصل المسألة أن الغايتين ~~يدخلان عندهما، وعند زفر - رحمه الله - لا يدخلان، وعند أبي حنيفة - عليه ~~الرحمة - تدخل الأولى دون الثانية،، والمسألة مرت في كتاب الطلاق. # ولو أوصى لفلان بعشرة دراهم في عشرة ونوى الضرب والحساب فله عشرة دراهم ~~عند أصحابنا الثلاثة، وعند زفر له مائة درهم،، وقد ذكرنا المسألة في كتاب ~~الطلاق، وبمثله لو ms4777 أوصى لفلان بعشرة أذرع في عشرة أذرع من داره فله مائة ~~ذراع مكسرة. # (ووجه) الفرق بين المسألتين على أصل أصحابنا الثلاثة أن الضرب يراد به ~~تكسير الأجزاء فيما يحتمل المساحة في الطول، والعرض، وذلك يوجد في الدار، ~~والدراهم موزونة، وليس لها طول، ولا عرض، فلا يراد بالضرب فيها تكسير ~~أجزائها، ومعنى قوله: المكسرة، أي: المكسرة في المساحة، وهو أن يكون طولها ~~عشرة أذرع، وعرضها عشرة. # ولو أوصى له بثوب سبعة في أربعة فله كما قال، وهو ثوب طوله سبعة أذرع، ~~وعرضه أربعة أذرع؛ لأن مفهوم هذا اللفظ في الثوب هذا فينصرف اللفظ إليه. # ولو قال: عبدي هذا وهذا لفلان وصية وهما يخرجان من الثلث كان للورثة أن ~~يعطوه أيهما شاءوا؛ لما ذكرنا أن الوارث يقوم مقام المورث في جهالة يمكن ~~إزالتها، ولو كان المورث حيا كان البيان إليه فإذا مات قام الوارث مقامه، ~~والفقه في ذلك أن الوصية تمليك بعد الموت، والورثة تقوم مقامه في التمليك، ~~بخلاف ما إذا قال: عبدي هذا، أو هذا حر أن البيان إليه لا إلى الورثة، ~~وينقسم العتق عليهما؛؛ لأن ذلك ليس بتمليك بل هو إتلاف الملك، وقد انقسم ~~ذلك عليهما إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر فلا يحتمل البيان من جهة الوارث. # ولو أوصى له بحنطة في جوالق فله الحنطة دون الجوالق؛ لأن الموصى به ~~الحنطة دون الجوالق، والجوالق ليس من توابع الحنطة ألا يرى لو باع الحنطة ~~في الجوالق لا يدخل فيه الجوالق، وبيع الحنطة مع الجوالق ليس بمعتاد فلا ~~يدخل في الوصية، ولو أوصى له بهذا الجراب الهروي فله الجراب، وما فيه؛ لأن ~~الجراب يعد تابعا لما فيه عادة حتى يدخل في البيع فكذا في الوصية. # وكذا لو أوصى له بهذا الدن من الخل فله الدن، والخل. # وكذا لو أوصى بقوصرة تمر فله القوصرة، وما فيها؛ لأن الدن يعد تابعا ~~للخل، والقوصرة للتمر، ولهذا يدخل ذلك في عقد البيع كذا في الوصية، ولو ~~أوصى له بالسيف فله السيف بجفنه، وحمائله (وقال) أبو ms4778 يوسف: له النصل دون ~~الجفن، والحمائل، فأصل أبي يوسف في هذا الباب أنه يعتبر الاتصال، والانفصال ~~فما كان متصلا به يدخل، وما كان منفصلا عنه لا يدخل، والجفن، والحمائل ~~منفصلان عن السيف فلا يدخلان تحت الوصية به. # ولهذا لو أوصى بدار لا يدخل ما فيها من المتاع كذا هذا، والمعتبر على ~~ظاهر الرواية التبعية، والأصالة في العرف، والعادة، والجفن، والحمائل يعدان ~~تابعان للسيف عرفا، وعادة. # ألا ترى أنهما يدخلان في البيع كذا في الوصية، ولو أوصى له بسرج فله ~~السرج، وتوابعه من اللبد، والرفادة، والطفر، والركابات، واللبب في ظاهر ~~الرواية؛ لأنه لا ينتفع بالسرج إلا بهذه الأشياء فكانت من توابعه فتدخل في ~~الوصية به. # وقال أبو يوسف: له الدفتان، والركابان، واللبب، ولا يكون له اللبد، ولا ~~الرفادة، ولا الطفر؛ لأنها منفصلة عن السرج، ولو أوصى له بمصحف، وله غلاف ~~فله المصحف دون الغلاف في قول أبي يوسف، وهو قول أبي حنيفة - رضي الله ~~عنهما - كذا ذكر القدوري عليه الرحمة. # وقال زفر - رحمه الله -: له المصحف، والغلاف أما على أصل أبي يوسف؛ فلأن ~~الغلاف منفصل # PageV07P357 # عن المصحف فلا يدخل في الوصية من غير تسمية،، وأبو حنيفة - رحمه الله - ~~يقول ليس بتابع للمصحف بدليل أنه لا يكره للجنب، والمحدث مس المصحف بغلافه ~~فلا يدخل، وزفر يقول: هو تابع للمصحف فيدخل في الوصية، ولو أوصى بميزان قال ~~أبو يوسف: له الكفتان، والعمود الذي فيه الكفتان، واللسان، وليس له ~~الطرازدان، والصنجات (وأما) الشاهين فله الكفتان، والعمود، وليس له ~~الصنجات، والتخت. # (وقال) زفر: إذا أوصى بميزان فله الطرازدان، والصنجات، والكفتان، وإن ~~أوصى له بشاهين فله التخت والصنجات (1) فأبو يوسف مر على أصله أن الصنجة ~~والطرازدان شيئان منفصلان فلا يدخلان في الوصية إلا بالتسمية،، وزفر يجعل ~~ذلك من توابع الميزان لما أن الانتفاع لا يكون إلا بالجميع فصار كتوابع ~~السرج، ولو أوصى له بالقبان والفرسطون فله العمود، والحديد، والرمانة، ~~والكفة التي يوضع فيها المتاع في قولهم جميعا؛ لأن اسم القبان يشمل هذه ~~الجملة فيستوى فيها الاتصال، ms4779 والانفصال، ولو أوصى له بقبة فله عيدان القبة ~~دون كسوتها؛ لأن القبة اسم للخشب لا للثياب، وإنما الثياب اسم للزينة ألا ~~ترى أنه يقال: كسوة القبة، والشيء لا يضاف إلى نفسه هو الأصل. # وكذا الكسوة منفصلة منها على أصل من يعتبر الاتصال. # ولو أوصى بقبة تركية، وهي ما يقال لها بالعجمية: خركاه فله القبة مع ~~الكسوة، وهي اللبود؛ لأنه لا يقال لها قبة تركية إلا بلبودها، بخلاف القبة ~~البلدية، ويعتبر في ذلك العرف، والعادة، ويختلف الجواب باختلاف العرف، ~~والعادة، ولو أوصى له بحجلة فله الكسوة دون العيدان؛ لأنها اسم للكسوة في ~~العرف. # ولو أوصى بسلة زعفران فله الزعفران دون السلة هكذا ذكر في الأصل، وذكر ~~القدوري - رحمه الله - أن محمدا إنما أجاب فيه على عادة زمانه؛ لأن في ذلك ~~الوقت كان لا تباع السلة مع الزعفران بل كانت تفرد عنه في البيع. # وأما الآن في العادة أن الزعفران يباع بظروفه فيدخل في الوصية، والتعويل ~~في الباب على العرف، والعادة، ولو أوصى له بهذا العسل وهو في زق فله العسل ~~دون الزق. # وكذلك السمن، والزيت، وما أشبه ذلك؛ لأنه أوصى له بالعسل لا بالزق، ~~والعسل يباع بدون ظرفه عادة فلا يتبعه في الوصية، والله سبحانه وتعالى ~~أعلم. # ولو أوصى بنصيب ابنه أو ابنته لإنسان، فإن كان له ابن أو ابنة لم يصح؛ ~~لأن نصيب ابنه أو ابنته ثابت بنص قاطع فلا يحتمل التحويل إلى غيره بالوصية، ~~وإن لم يكن له ابن، أو ابنة صحت الوصية؛ لأنها لم تتضمن تحويل نصيب ثابت، ~~فكان وصية بمثل نصيب ابنه أو ابنته، وليس له ابن أو ابنة، وإنها صحيحة لما ~~نذكر، وإن أوصى بمثل نصيب ابنه أو ابنته، وله ابن أو ابنة جازت؛ لأن مثل ~~الشيء غيره لا عينه فليس في هذه الوصية تحويل نصيب ثابت إلى الموصى له بل ~~يبقى نصيبه، ويزاد عليه بمثله فيعطى الموصى له، ثم إن كان أكثر من الثلث ~~تحتاج الزيادة إلى الإجازة. # وإن كان ثلثا أو أقل منه لا ms4780 تحتاج إلى الإجازة، حتى لو أوصى بمثل نصيب ~~ابنه، وله ابن واحد فللموصى له نصف المال، ولابنه النصف؛ لأنه جعل له مثل ~~نصيبه، فيقتضي أن يكون للابن نصيب، وأن يكون نصيب الموصى له مثل نصيبه، ~~وذلك هو النصف فكان المال بينهما نصفين كما لو كانا ابنين، غير أن الزيادة ~~على الثلث ههنا تقف على إجازة الابن إن أجاز جازت الزيادة، وإلا فلا، وإن ~~كان له ابنان فللموصى له ثلث المال؛ لأنه جعل للموصى له مثل نصيب ابن واحد ~~منهما، ولا يكون له مثل نصيب ابن واحد منهما إلا، وأن يكون المال بينهم ~~أثلاثا، ولا يحتاج ههنا إلى الإجازة، ولو أوصى بمثل نصيب بنته، فإن كان له ~~بنت واحدة فللموصى له نصف المال إن أجازت؛ لأن نصيب البنت الواحدة النصف، ~~فكان مثل نصيبها النصف، فكان له النصف إن أجازت، وإلا فالثلث، وإن كان له ~~بنتان فللموصى له ثلث المال؛ لأنه إذا كان لهما الثلثان كان لكل واحد منهما ~~الثلث، وقد جعل نصيبه مثل نصيب واحدة منهما، ونصيب واحدة منهما الثلث فكان ~~نصيبه أيضا الثلث، ولو أوصى له بنصيب ابن لو كان فهو كما لو أوصى بمثل نصيب ~~ابنه، وله نصف المال إن أجازت الورثة. # ولو أوصى له بمثل نصيب ابن لو كان فللموصى له ثلث المال؛ لأنه أوصى بمثل ~~نصيب مقدر لابن مقدر، ونصيب الابن المقدر سهم فمثل نصيبه يكون سهما، فكان ~~هذا وصية له بسهم من ثلاثة أسهم، والله سبحانه وتعالى أعلم. # ولو أوصى لرجل بمثل نصيب أحد بنيه وله ثلاثة بنين وأوصى لرجل آخر بثلث ما ~~يبقى من الثلث بعد # PageV07P358 # النصب فالمسألة تخرج من ثلاثة، وثلاثين للموصى له بالنصيب ثمانية، ~~وللموصى له الآخر سهم، ولكل واحد من البنين ثمانية أما تخريجها بطريقة ~~الحشو فهو أن تأخذ عدد البنين، وذلك ثلاثة وزد عليه واحدا لأجل الوصية بمثل ~~نصيب أحد البنين؛ لأن مثل الشيء يزاد عليه فيصير أربعة ثم اضرب الأربعة في ~~ثلاثة لأجل تنفيذ الوصية الأخرى، وهي الوصية بثلث ما ms4781 يبقى من الثلث بعد ~~النصب فيصير اثني عشر، ثم تطرح منها سهما واحدا؛ لأن الوصية الثانية توجب ~~النقصان في نصيب الورثة. # ونصيب الموصى له الأول شائعا في كل المال فتنقص من كل ثلث سهما؛ ولأنك لو ~~لم تنقص لا يستقيم الحساب لو اعتبرته لوجدته كذلك، فإذا أنقصت سهما من اثني ~~عشر بقي أحد عشر هو ثلث المال، وثلثاه، وهو اثنان وعشرون، وجميع المال ~~ثلاثة وثلاثون، وإذا أردت معرفة النصيب فخذ النصيب الذي كان، وذلك سهم ~~واحد، واضربه في ثلاثة كما ضربت أصل المال، وهو ثلاثة ثم اضرب ثلاثة في ~~ثلاثة كما ضربت أصل المال؛ لأنك احتجت إلى ضرب أصل المال في ثلاثة مرة أخرى ~~حتى بلغ جميع المال ثلاثة وثلاثين، فإذا ضربت ثلاثة في ثلاثة صار تسعة، ثم ~~اطرح منها سهما كما طرحت من أصل المال فيبقى ثمانية فهو نصيب الموصى له ~~بمثل النصيب، ثم أعط للموصى له نصيبه، وهو ثلث ما يبقى من الثلث، وذلك سهم ~~يبقى إلى تمام الثلث سهمان ضمهما ثلثي المال، وذلك اثنان، وعشرون فتصير ~~أربعة، وعشرين لكل واحد من البنين الثلاثة ثمانية فاستقام الحساب بحمد الله ~~سبحانه وتعالى. # (وأما) تخريجها على طريق الخطأين فهو أن تجعل ثلث المال عددا لو أعطيت ~~منه النصيب، وهو سهم، يبقى، وراءه عدد له ثلث لحاجتك إلى تنفيذ الوصية ~~الأخرى، وهو الوصية بثلث ما يبقى من الثلث بعد النصيب، وأقله أربعة فإذا ~~جعلت ثلث المال أربعة أعط للموصى له بالنصيب سهما من أربعة يبقى ثلاثة فأعط ~~للموصى له بثلث ما بقي ثلث ما بقي، وذلك سهم، يبقى سهمان ضمهما إلى ثلثي ~~المال، وذلك ثمانية؛ لأن ثلث المال لما كان أربعة كان ثلثاه مثليه، وذلك ~~ثمانية، ومتى ضممت اثنين إلى ثمانية صارت عشرة، وحاجتك إلى ثلاثة أسهم لا ~~غير للبنين الثلاثة؛ لأنك قد أعطيت الموصى له بالنصيب سهما، فظهر أنك قد ~~أخطأت بزيادة سبعة فزد في النصيب؛ لأنه ظهر أن هذا الخطأ ما جاء إلا من قبل ~~نقصان النصيب، فظهر أن ms4782 النصيب يجب أن يكون أزيد من سهم فزد في النصيب ~~فاجعله سهمين. # فيصير الثلث خمسة فأعط الموصى له بمثل النصيب سهمين، ثم أعط للموصى له ~~الآخر سهما مما بقي، يبقى سهمان ضمهما إلى ثلثي المال، وذلك عشرة فتصير ~~اثني عشر، وحاجتك إلى ستة فظهر أنك أخطأت في هذه الكرة بزيادة ستة أسهم. # وكان الخطأ الأول بزيادة سبعة فانتقص بزيادة سهم في النصيب سهم من سهام ~~الخطأ، فعلمت أنك مهما زدت في النصيب سهما ينتقص من سهام الخطأ سهم، وأنك ~~تحتاج إلى أن يذهب ما بقي من سهام الخطأ، والباقي من سهام الخطأ ستة فالذي ~~يذهب به ستة أسهم من الخطأ ستة أسهم من النصيب فزد في النصيب ستة أسهم، ~~فتصير ثمانية فهذا هو النصيب،، وبقي إلى تمام الثلث ثلاثة أعط منها سهما ~~للموصى له الآخر يبقى سهمان ضمهما إلى ثلثي المال، وذلك اثنان، وعشرون ~~فتصير أربعة، وعشرين لكل واحد من البنين ثمانية، وطريقة الجامع الأصغر، أو ~~الأكبر، أو الصغير، أو الكبير مبنية على هذه الطريقة. # أما طريقة الجامع الأصغر أو الصغير: فهي أنه إذا تبين لك أنك أخطأت ~~مرتين، وأردت معرفة الثلث فاضرب الثلث الأول في الخطأ الثاني، والثلث ~~الثاني في الخطأ الأول فما اجتمع فاطرح الأقل من الأكثر فما بقي فهو الثلث، ~~وإن أردت معرفة النصيب فاضرب النصيب الأول في الخطأ الثاني، واضرب النصيب ~~الثاني في الخطأ الأول، ثم اطرح الأقل من الأكثر فما بقي فهو النصيب، وإذا ~~عرفت هذا ففي هذه المسألة الثلث الأول أربعة، والخطأ الثاني ستة فاضرب ~~أربعة في ستة فتصير أربعة، وعشرين، والثلث الثاني خمسة، والخطأ الأول سبعة ~~فاضرب خمسة في سبعة فتكون خمسة، وثلاثين، ثم اطرح أربعة، وعشرين من خمسة، ~~وثلاثين فيبقى أحد عشر فهو ثلث المال، والنصيب الأول سهم، والخطأ الثاني ~~ستة فاضرب سهما في ستة تكون ستة، والنصيب الثاني سهمان، والخطأ الأول سبعة ~~فاضرب سهمين في سبعة فتكون أربعة عشر، واطرح الأقل، وهو ستة # PageV07P359 # من الأكثر، وهو أربعة عشر فيبقى ثمانية فهو ms4783 النصيب. # (وأما) طريقة الجامع الكبير، أو الأكبر: فهي أنه إذا ظهر لك الخطأ الأول ~~فلا تزد في النصيب، ولكن ضعف ما وراء النصيب من الثلث، ثم انظر في الخطأين، ~~واعمل ما عملت في طريقة الجامع الأصغر، إذا عرفت هذا ففي هذه المسألة ظهر ~~الخطأ الأول سبعة فضعف ما وراء النصيب من الثلث، وذلك بأن تزيد عليه مثله ~~فتصير ستة فصار الثلث مع النصيب سبعة فأعط بالنصيب سهما، وأعط بالوصية ~~الأخرى ثلث الباقي، وذلك سهمان يبقى أربعة ضم ذلك إلى ثلثي المال، وذلك ~~أربعة عشر فتصير ثمانية عشر، وحاجتك إلى ثلاثة فظهر الخطأ بخمسة عشر فإذا ~~أردت معرفة الثلث فخذ الثلث الأول، وذلك أربعة، واضربه في الخطأ الثاني، ~~وذلك خمسة عشر فتصير ستين، وخذ الثلث الثاني، وذلك سبعة واضربه في الخطأ ~~الأول، وذلك سبعة فتصير تسعة، وأربعين، ثم اطرح الأقل، وذلك تسعة، وأربعون ~~من الأكثر، وذلك ستون، يبقى أحد عشر فهو الثلث، وإن أردت معرفة النصيب فخذ ~~النصيب الأول، وذلك سهم، واضربه في الخطأ الثاني، وذلك خمسة عشر فتكون خمسة ~~عشر، وخذ النصيب الثاني، وذلك سهم، واضربه في الخطأ الأول، وذلك سبعة ثم ~~اطرح سبعة من خمسة عشر تبقى ثمانية فهو النصيب. # ولو كان له خمس بنين فأوصى لرجل بمثل نصيب، أحدهم وأوصى لرجل آخر بثلث ما ~~بقي من الثلث بعد النصيب، فالفريضة من أحد، وخمسين سهما لصاحب النصيب ~~ثمانية أسهم، ولصاحب ثلث ما بقي ثلثه، ولكل ابن ثمانية. # (أما) تخريج المسألة على طريق الحشو: فهو أن تأخذ عدد البنين، وذلك خمسة، ~~وتفرز نصيبهم، وذلك خمسة أسهم، وتزيد عليه سهما آخر لأجل الموصى له بمثل ~~النصيب؛ لأن مثل الشيء غيره فتصير ستة فاضربها في مخرج الثلث، وذلك ثلاثة ~~لأجل وصيته بثلث ما يبقى من الثلث بعد النصيب فتصير ثمانية عشر، ثم اطرح ~~منها سهما واحدا لأجل الوصية بثلث ما يبقى من الثلث؛ لأنه زاد في الوصية، ~~والزيادة في الوصية توجب نقصانا في نصيب الموصى له الأول، وثلث ما يبقى من ~~الثلث ms4784 ثمانية لما نذكر إن شاء الله تعالى، ويستحق ذلك من جميع الثلث من كل ~~ثلث سهم فوجب أن ينقص من هذا الثلث سهم؛ لذلك قلنا: إنه يطرح من هذا الثلث ~~سهم فيبقى سبعة عشر فاجعل هذا ثلث المال، وثلثا المال مثلاه. # وذلك أربعة وثلاثون، وجميع المال أحد، وخمسون وثلث المال سبعة عشر، وإذا ~~أردت أن تعرف قدر النصيب فخذ النصيب، وذلك سهم، واضربه في ثلاثة، ثم اضرب ~~ثلاثة في ثلاثة لقوله: ثلث ما بقي من الثلث بعد النصيب فتصير تسعة ثم انقص ~~منها واحدا لأجل الموصى له كما نقصت في الابتداء، فيبقى ثمانية فذلك نصيب ~~الموصى له بمثل النصيب من ثلث المال يبقى إلى تمام المال تسعة فأعط الموصى ~~له بثلث ما بقي من الثلث بعد النصيب ثلثها، وذلك ثلاثة فيبقى ستة ضمها إلى ~~ثلثي المال، وذلك أربعة وثلاثون فتصير أربعين سهما فتقسم بين البنين الخمس ~~لكل واحد ثمانية مثل ما أعطيت الموصى له بمثل النصيب. # (وأما) التخريج على طريقة الخطأين: فهو أن تجعل ثلث المال عددا لو أعطيت ~~منه سهما، وهو النصيب يبقى وراءه عدد له ثلث لحاجتك إلى إعطاء الموصى له ~~الآخر ثلث ما يبقى من الثلث بعد النصيب، وأقله أربعة فاجعل ثلث المال أربعة ~~فأنفذ منه الوصيتين، فأعط الموصى له بالنصيب سهما، والآخر ثلث ما بقي، وهو ~~سهم آخر فيبقى وراءه سهمان ضمهما إلى ثلثي المال، وذلك ثمانية فتصير عشرة ~~بين البنين الخمس فتبين أنك قد أخطأت بخمسة؛ لأن حاجتك إلى خمسة؛ لأنك قد ~~أعطيت للموصى له بالنصيب سهما فلا تحتاج إلا إلى خمسة فأزل هذا الخطأ، وذلك ~~بالزيادة في النصيب؛ لأن هذا الخطأ إنما جاء من قبل نقصان النصيب فزد في ~~النصيب سهما فتصير الثلث على خمسة، فنفذ منها الوصيتين فأعط الموصى له ~~بالنصيب سهمين. # والموصى له بثلث ما يبقى سهما يبقى سهمان ضمهما إلى ثلثي المال، وذلك ~~عشرة فتصير اثني عشر بين البنين الخمس فيظهر أنك أخطأت بسهمين؛ لأن حاجتك ~~إلى عشرة. # وكان الخطأ الأول ms4785 خمسة فذهب من سهام الخطأ ثلاثة فتبين أنك مهما زدت في ~~النصيب سهما تماما يذهب من سهام الخطأ ثلاثة، وأنك تحتاج إلى أن يذهب ما ~~بقي من سهام الخطأ، وهو سهمان، وطريقة أن تزيد على النصيب ثلثي سهم حتى ~~يذهب الخطأ كله؛ لأن بزيادة سهم تام إذا كان يذهب ثلاثة أسهم من سهام الخطأ # PageV07P360 # يعلم ضرورة أن بزيادة كل ثلث على النصيب يذهب سهم من سهام الخطأ، فيذهب ~~بزيادة ثلثي سهم سهمان فصار النصيب سهمين، وثلثي سهم، وتمام الثلث وراءه ~~ثلاثة فصار الثلث كله خمسة أسهم، وثلثي سهم فانكسر فاضرب خمسة، وثلثين في ~~ثلاثة فتصير سبعة عشر؛ لأن خمسة في ثلاثة تكون خمسة عشر، وثلثان في ثلاثة ~~تكون سهمين فذلك سبعة عشر فهو الثلث، والثلثان مثلا ذلك فتصير أحدا، ~~وخمسين، والنصيب سهمان، وثلثا سهم مضروب في ثلاثة فتصير ثمانية. # ؛ لأن سهمين في ثلاثة ستة، وثلثان في ثلثين سهمان فتصير ثمانية فذلك ~~للموصى له بمثل النصيب بقي إلى تمام الثلث تسعة فأعط للموصى له بثلث ما ~~يبقى من الثلث بعد النصيب ثلثها، وذلك ثلاثة يبقى ستة ضمها إلى ثلثي المال، ~~وذلك أربعة وثلاثون فتصير أربعين لكل واحد من البنين الخمسة ثمانية. # (وأما) تخريجه على طريقة الجامع الأصغر، وهو أنه إذا ظهر لك الخطأ فلا ~~تزيد على النصيب شيئا، ولكن اضرب الثلث الأول في الخطأ الثاني، والثلث ~~الثاني في الخطأ الأول فما بلغ فاطرح منه أقلهما من أكثرهما فما بقي فهو ~~ثلث المال، والثلث الأول ههنا كان أربعة، والخطأ الثاني كان سهمين فاضرب ~~سهمين في أربعة فتصير ثمانية، والثلث الثاني خمسة، والخطأ الأول كان خمسة ~~فاضرب خمسة في خمسة فتصير خمسة وعشرين فاطرح الأقل من خمسة، وعشرين، وذلك ~~ثمانية فيبقى سبعة عشر فهو ثلث المال، وهكذا اعمل في النصيب، وهو أنك تضرب ~~النصيب الأول في الخطأ الثاني، والنصيب الثاني في الخطأ الأول فما بلغ ~~فاطرح مثل أقلهما من أكثرهما فما بقي فهو النصيب، والنصيب الأول سهم، ~~والخطأ الثاني سهمان فسهم في سهمين ms4786 يكون سهمين، والنصيب الثاني سهمان، ~~والخطأ الأول خمسة فاضرب سهمين في خمسة تكون عشرة، ثم اطرح الأقل، وهو ~~سهمان من الأكثر، وهو عشرة فيبقى ثمانية وهو النصيب، والقسمة بينهم على نحو ~~ما ذكرنا، واختار الحساب في الخطأين هذه الطريقة لما فيها من اللين، ~~والسهولة؛ لأنه لو زيد على النصيب بعد ظهور الخطأين يتعين الآخر؛ لأنه قد ~~زاد عليه من حيث الأجزاء من الثلث، والثلثين، ثم يحتاج إلى الضرب، وفيه نوع ~~عسر. # (وأما) التخريج على طريقة الجامع الأكبر: فهو أنه إذا تبين لك الخطأ ~~الأول فلا تزد على النصيب، ولكن ضعف ما وراء النصيب ووراء النصيب ههنا ~~ثلاثة فإذا ضعفت الثلاثة صارت ستة، والثلث سبعة فأعط بالنصيب سهما، وبثلث ~~ما يبقى سهمين، يبقى أربعة ضمها إلى ثلثي المال، وهو أربعة عشر فيصير ~~ثمانية عشر بين البنين الخمسة، وحاجتك إلى خمسة فتبين أنك قد أخطأت بثلاثة ~~عشر، ثم اضرب هذا الخطأ في الثلث الأول يصير اثنين، وخمسين، واضرب الخطأ ~~الأول، وهو خمسة في الثلث الثاني، وهو سبعة فتصير خمسة وثلاثين، ثم اطرح ~~الأقل من الأكثر فتصير سبعة عشر، وفي النصيب اعمل هكذا فاضرب النصيب الأول ~~في الخطأ الثاني فتصير ثلاثة عشر، والنصيب الثاني في الخطأ الأول فتصير ~~خمسة ثم اطرح خمسة من ثلاثة عشر فما بقي فهو النصيب، وطريقة الجامع الأصغر ~~أسهل. # ولو أوصى بمثل نصيب، أحدهم ولآخر بربع ما يبقى من الثلث بعد النصيب، ~~فالمسألة تخرج من تسعة، وستين للموصى له بمثل النصيب أحد عشر، وللموصى له ~~بربع ما يبقى من الثلث ثلاثة، ولكل ابن أحد عشر. # (أما) التخريج على طريقة الحشو فهو أن تأخذ عدد البنين، وهو خمسة، وتزيد ~~عليها سهما لأجل صاحب النصيب فتصير ستة ثم اضرب الستة في مخرج الربع، وذلك ~~أربعة لأجل صاحب الربع فتصير أربعة وعشرين، ثم اطرح منها سهما لما ذكرنا ~~فيبقى ثلاثة وعشرون فهو ثلث المال، وثلثاه مثلاه، وذلك ستة وأربعون، وجملة ~~المال تسعة وستون، والنصيب سهم مضروب في أربعة، ثم الأربعة في ثلاثة ms4787 فتصير ~~اثني عشر، ثم اطرح منه سهما يبقى أحد عشر فهو للموصى له بمثل النصيب، فيبقى ~~إلى تمام الثلث اثنا عشر فأعط منها ربع ما بقي من الثلث بعد النصيب، وذلك ~~ثلاثة يبقى تسعة ضمها إلى ثلثي المال، وذلك ستة وأربعون فتصير خمسة وخمسين ~~بين البنين الخمسة لكل واحد أحد عشر فاستقام الحساب. # (وأما) التخريج على طريقة الخطائين: فهو أن تجعل ثلث المال عددا لو أعطيت ~~منه النصيب يبقى وراءه عدد له ربع، وأقله خمسة فأعط بالنصيب سهما يبقى ~~أربعة فأعط ربع ما يبقى سهما، ويبقى ثلاثة ضمها إلى ثلثي المال، وذلك عشرة ~~فتصير ثلاثة # PageV07P361 # عشر، وحاجتك إلى خمسة لكل واحد من البنين سهم ليكون نصيب كل واحد منهم ~~مثل نصيب صاحب النصيب، فظهر أنك أخطأت بثمانية أسهم فزد في النصيب سهما ~~فيصير الثلث ستة فأعط بالنصيب سهمين، وبربع ما يبقى سهما يبقى ثلاثة ضمها ~~إلى ثلثي المال، وهو اثنا عشر فيصير خمسة عشر فظهر لك أنك أخطأت بخمسة؛ لأن ~~حاجتك إلى عشرة لكل واحد من البنين الخمسة سهمان كما للموصى له النصيب إلا ~~أنه انتقص من سهام الخطأ في هذه الكرة ثلاثة؛ لأن الخطأ الأول كان بثمانية، ~~وفي هذه الكرة بخمسة، فتبين أنك مهما زدت في النصيب سهما كاملا يذهب من ~~سهام الخطأ ثلاثة فزد ثلثي سهم على سهمين حتى يذهب الخطأ كله، فصار النصيب ~~ثلاثة أسهم، وثلثي سهم ووراءه أربعة أسهم فيصير الثلث سبعة أسهم، وثلثي ~~سهم. # وانكسر بالأثلاث فاضرب سبعة أسهم، وثلثي سهم في ثلاثة ليزول الكسر فيصير ~~ثلاثة، وعشرين فهو ثلث المال، وثلثاه مثلاه، وهو ستة، وأربعون، فكل المال ~~تسعة وستون، والنصيب ثلاثة وثلثان مضروبا في ثلاثة فيكون أحد عشر، والباقي ~~إلى تمام الثلث اثنا عشر، ثلاثة منها وهي ربع ما بقي من كل الثلث بعد ~~النصيب للموصى له بالربع، فيبقى تسعة ضمها إلى ثلثي المال فيصير خمسة ~~وخمسين لكل واحد من البنين أحد عشر، والتخريج على طريقة الأصغر، والأكبر ~~على نحو ما بينا. # ولو أوصى ms4788 بمثل نصيب أحدهم ولآخر بخمس ما بقي من الثلث بعد النصيب، ~~فالمسألة تخرج من سبعة وثمانين لصاحب النصيب أربعة عشر، ولصاحب الخمس ~~ثلاثة، ولكل ابن أربعة عشر. # (أما) التخريج على طريقة الحشو: فعلى نحو ما ذكرنا أنك تأخذ عدد البنين، ~~وذلك خمسة، وتزيد عليها واحدا كما فعلت في المسائل المتقدمة فتصير ستة ثم ~~اضرب ستة في مخرج الخمس، وهو خمسة فتصير ثلاثين، ثم انقص منها واحدا للمعنى ~~الذي ذكرنا فيبقى تسعة وعشرون فاجعل هذا ثلث المال، وثلثاه مثلاه، وذلك ~~ثمانية وخمسون، وجميع المال سبعة وثمانون فإذا أردت أن تعرف النصيب فخذ ~~النصيب، وذلك سهم فاضربه في خمسة، ثم اضرب خمسة في ثلاثة لما ذكرنا فيما ~~تقدم فيصير خمسة عشر، ثم انقص منها سهما فيبقى أربعة عشر فهذا هو النصيب. # فأعط للموصى له بمثل النصيب، يبقى إلى تمام الثلث خمسة عشر، فأعط للموصى ~~له بالخمس خمس ذلك، وذلك ثلاثة يبقى هناك اثنا عشر ضمها إلى ثلثي المال، ~~وذلك ثمانية وخمسون فتصير سبعين فاقسمها بين البنين الخمسة لكل ابن أربعة ~~عشر مثل ما كان للموصى له بالنصيب. # (وأما) التخريج على طريقة الخطائين فعلى نحو ما بينا أنك تجعل ثلث المال ~~عددا لو أعطينا منه نصيبا يبقى وراءه عدد له خمس، وأقل ذلك ستة فتعطي منها ~~سهما بالنصيب، وسهما بخمس ما يبقى من الثلث بعد النصيب، فيبقى وراءه أربعة ~~ضمها إلى ثلثي المال فتصير ستة عشر، فتبين أنك أخطأت بأحد عشر؛ لأن حاجتك ~~إلى خمسة لكل واحد من البنين سهم مثل ما كان للموصى له بالنصيب، فزد في ~~النصيب سهما فيصير الثلث سبعة فأعط بالنصيب سهمين، ثم أعط بخمس ما بقي سهما ~~فيبقى هناك أربعة ضمها إلى ثلثي المال، وذلك أربعة عشر فتصير ثمانية عشر، ~~فتبين أنك أخطأت في هذه الكرة بزيادة ثمانية؛ لأن حاجتك إلى عشرة لكل ابن ~~سهمان كما كان للموصى له، فظهر لك أن بزيادة كل سهم على النصيب يذهب ثلاثة ~~أسهم من الخطأ، وأنك تحتاج إلى أن يذهب ما ms4789 بقي من سهام الخطأ، وهي ثمانية ~~أسهم فزد سهمين، وثلثي سهم على سهمين فتصير أربعة أسهم، وثلثي سهم. # وما وراءه خمسة أسهم فصار الثلث تسعة أسهم، وثلثي سهم فاضرب هذه الجملة ~~في ثلاثة فتصير تسعة وعشرين فهو ثلث المال، وثلثاه مثلاه فتصير جملة المال ~~سبعة وثمانين، فالنصيب أربعة، وثلثان مضروب في ثلاثة فتصير أربعة عشر، ~~والباقي إلى تمام الثلث خمسة عشر فأخرج منها الخمس، وضم الباقي إلى ثلثي ~~المال على ما علمناك، وطريقنا الجامع الأصغر، والأكبر على نحو ما ذكرنا. # ولو أوصى بمثل نصيب أحدهم إلا ثلث ما بقي من الثلث بعد النصيب فالمسألة ~~تخرج من سبعة وخمسين، فالنصيب عشرة، والاستثناء ثلاثة، ولكل ابن عشرة. # (أما) على طريقة الحشو فهو أنك تأخذ نصيب الورثة على عددهم، وذلك خمسة، ~~وتزيد عليها واحدا فتصير ستة ثم اضرب ستة في ثلاثة لقوله: إلا ثلث ما بقي ~~من الثلث بعد النصيب فتصير ثمانية عشر، ثم زد عليها سهما؛ لأن الاستثناء من ~~وصيته يوجب زيادة # PageV07P362 # في نصيب الورثة، وهي شائعة في كل المال فتزيد على كل ثلث سهما كما كنت ~~تنقص في المسائل المتقدمة من كل ثلث سهما؛ لأن النقصان هناك ما كان لذاته ~~لما ذكرنا، ولاستقامة الحساب، وههنا لا يستقيم إلا بالزيادة فتزاد فتصير ~~تسعة عشر، فاجعل هذا ثلث المال، وثلثاه مثلاه، وذلك ثمانية وثلاثون، وجميع ~~المال سبعة وخمسون. # وإذا أردت معرفة النصيب فالنصيب كان واحدا فاضربه في ثلاثة، ثم اضرب ~~ثلاثة في ثلاثة لما ذكرنا فتصير تسعة ثم زد عليها واحدا كما زدت في ~~الابتداء فتصير عشرة فهذا هو النصيب، وبقي إلى تمام ثلث المال تسعة فاستثن ~~من النصيب مقدار ثلث ما بقي، وهو ثلاثة فإذا استثنيت من العشرة ثلاثة يبقى ~~للموصى له سبعة أسهم فضم المستثنى، وهو الثلاثة مع ما بقي، وهو تسعة وذلك ~~اثنا عشر إلى ثلثي المال، وذلك ثمانية وثلاثون فتصير خمسين فاقسمها على ~~البنين الخمس لكل ابن عشرة، مثل ما كان للموصى له قبل الاستثناء. # وأما طريقة الخطائين: فهي ms4790 أن تجعل الثلث على عدد لو أعطيت منه نصيبا يبقى ~~وراءه ثلاثة، ولو استثنيت من النصيب ثلث ما يبقى يبقى وراءه سهم. # وأقل ذلك أن يجعل الثلث على خمسة أسهم فأعط للموصى له بالنصيب سهمين، ثم ~~استثن منه مثل ثلث ما يبقى، وهو واحد، وضمه إلى ما بقي فتصير أربعة فضمها ~~إلى ثلثي المال، وهو عشرة أسهم فتصير أربعة عشر سهما. # وحاجتك إلى عشرة أسهم لكل ابن سهمان مثل ما أعطيت للموصى له بالنصيب، ~~فظهر أنك أخطأت بزيادة أربعة أسهم، فزد في النصيب سهما فتصير ثلاثة ووراءه ~~ثلاثة ثم استثن منه سهما، وضمه إلى ما بقي فتصير أربعة ثم ضمها إلى ثلثي ~~المال، وذلك اثنا عشر فتصير ستة عشر، وحاجتك إلى خمسة عشر لكل ابن ثلاثة، ~~مثل ما أعطيت للموصى له بالنصيب، فظهر أنك أخطأت بسهم، والخطأ الأول كان ~~بأربعة، فظهر أن بزيادة سهم على النصيب يذهب ثلاثة أسهم من الخطأ، فتعلم أن ~~بزيادة ثلاثة أسهم أخر يذهب ما بقي من الخطأ، فرد ثلثا آخر فيصير النصيب ~~ثلاثة أسهم، وثلث سهم، وما بقي ثلاثة أسهم فتصير ستة أسهم، وثلث سهم، ~~فاضربها في ثلاثة فتصير تسعة عشر فهذا ثلث المال، والنصيب ثلاثة وثلث سهم ~~مضروب في ثلاثة فيكون عشرة، والاستثناء منه ثلاثة فذلك سبعة، وهي للموصى ~~له، ولكل ابن عشرة فخرجت الفريضة من سبعة وخمسين. # وهذا إذا استثنى ثلث ما يبقى من الثلث بعد النصيب، فأما إذا استثنى ربع ~~ما يبقى من الثلث بعد النصيب، بأن أوصى له بمثل نصيب أحد بنيه الخمس إلا ~~ربع ما يبقى من الثلث بعد النصيب، فالفريضة من خمسة وسبعين، النصيب منها ~~ثلاثة عشر، والاستثناء ثلاثة، ولكل ابن أربعة عشر. # (أما) طريقة الحشو: فما ذكرنا أن تأخذ عدد البنين، وتزيد عليه سهما فتصير ~~ستة ثم اضربه في مخرج الربع، وذلك أربعة فتصير أربعة وعشرين، ثم زد عليها ~~واحدا لما ذكرنا فتصير خمسة وعشرين فاجعل هذا ثلث المال، وثلثاه مثلاه، ~~وذلك خمسون، وجميع المال خمسة وسبعون، هذا ms4791 لمعرفة أصل المال. # (وأما) معرفة النصيب: فإن كان واحدا فاضربه في أربعة لما ذكرنا فيما تقدم ~~فيصير أربعة ثم اضرب أربعة في ثلاثة فتصير اثني عشر فزد عليها واحدا لما ~~ذكرنا أيضا، فتصير ثلاثة عشر هذا هو النصيب، فيبقى إلى تمام ثلث المال، وهو ~~خمسة، وعشرون اثنا عشر فاسترجع من النصيب بحكم الاستثناء ربع ذلك، وهو ~~ثلاثة فبقي للموصى له عشرة، ثم ضم هذه الثلاثة إلى اثني عشر فاسترجع من ~~النصيب بحكم الاستثناء ربع ذلك، وهو ثلاثة فبقي للموصى له عشرة، ثم ضم هذه ~~الثلاثة إلى اثني عشر فتصير خمسة عشر، ثم تضمها إلى ثلثي المال خمسون فتصير ~~خمسة وستين، فاقسم بين البنين الخمس لكل واحد ثلاثة عشر، مثل ما كان للموصى ~~له بالنصيب قبل الاستثناء. # (وأما) طريقة الخطائين: فهي أن تجعل ثلث المال عددا إذا أعطيت منه النصيب ~~يبقى وراءه أربعة، وإذا استثنيت من النصيب مثل ربع ما بقي من الثلث بعد ~~النصيب يبقى وراءه سهم، وأقل ذلك ستة فاجعلها ثلثي المال، فأعط بالنصيب ~~سهمين، ثم استرجع منه بالاستثناء مثل ربع ما بقي، وذلك سهم، وضمه إلى ما ~~بقي فتصير خمسة ثم ضمها إلى ثلثي المال، وذلك اثنا عشر فتصير سبعة عشر، ~~فتبين أنك أخطأت بزيادة سبعة، وإن حاجتك إلى العشرة لكل ابن سهمان، مثل ما ~~أعطيت لصاحب النصيب؛ لأن نصيبه مثل نصبهم فزد في النصيب سهما فتصير ثلاثة ~~فأعط بالنصيب ثلاثة أسهم، ثم استرجع منه مثل ربع ما يبقى، وهو سهم، وضمه ~~إلى ما بقي، وذلك أربعة فتصير خمسة فضمها إلى ثلثي المال، وذلك أربعة عشر ~~فتصير تسعة عشر فيظهر أنك أخطأت في # PageV07P363 # هذه الكرة بأربعة؛ لأن حاجتك إلى خمسة عشر لكل ابن ثلاثة مثل ما أعطيت ~~للموصى له بالنصيب، وتبين لك أنك مهما زدت في النصيب سهما انتقص من سهام ~~الخطأ ثلاثة، وقد بقي من سهام الخطأ أربعة، وأنك تحتاج إلى إذهابها، فزد في ~~النصيب قدر ما يذهب به، وهو أربعة فزد في النصيب سهما، وثلث سهم ms4792 حتى تذهب ~~به سهام الخطأ كلها فصار النصيب أربعة أسهم، وثلث سهم، وما بقي أربعة أسهم ~~فتصير ثمانية أسهم، وثلث سهم فاضربها في ثلاثة فتصير خمسة، وعشرين، وهي ثلث ~~المال، وثلثاه مثلاه، وذلك خمسون، وجملته خمسة، وسبعون، والنصيب أربعة ~~أسهم، وثلث سهم مضروب في ثلاثة فيكون ثلاثة عشر استثن منها ثلاثة فيبقى ~~عشرة، ثم ضم هذه الثلاثة إلى اثني عشر يصير خمسة عشر، ثم تضم إلى ثلثي ~~المال، وذلك خمسون فتصير خمسة وستين، واقسمه بين البنين الخمسة لكل ابن ~~ثلاثة عشر، مثل ما كان للموصى له قبل الاستثناء، والتخريج على طريقة الجامع ~~الأصغر، والأكبر على نحو ما ذكرنا. # ولو كان ثلاث بنين، وأوصى لرجل بمثل نصيب أحدهم إلا ثلث ما يبقى من الثلث ~~بعد النصيب، فالمسألة تخرج من تسعة وثلاثين الثلث منها ثلاثة عشر، والنصيب ~~بعد الاستثناء تسعة، وتخريجها على طريقة الحشو أن تأخذ عدد البنين، وهو ~~ثلاثة ثم زد عليها سهما لأجل النصيب فتصير أربعة ثم اضرب الأربعة في ~~ثلاثة؛؛ لأن المستثنى ثلاثة فتصير اثني عشر، ثم زد واحدا فتصير ثلاثة عشر ~~فهذا ثلث المال، وثلثاه مثلاه، وذلك ستة وعشرون. # (وأما) معرفة النصيب الكامل فهو أن تأخذ النصيب، وذلك سهم واحد، واضربه ~~في مخرج الثلث فتصير ثلاثة، ثم اضرب ثلاثة في ثلاثة لمكان الثلث فتصير ~~تسعة، ثم زد عليها واحدا كما زدت في الثلث فتصير عشرة فهو النصيب الكامل، ~~فأعط لصاحب النصيب عشرة من الثلث، وهو ثلاثة عشر، فيبقى من الثلث بعد ~~النصيب ثلاثة ثم استرجع من النصيب بسبب الاستثناء ثلث ما يبقى من الثلث، ~~وذلك واحد، وضمه إلى ما بقي من الثلث، فتصير أربعة. # فهذه الأربعة فضلت عن الوصية فضمها إلى ثلثي المال، وذلك ستة وعشرون ~~فتصير ثلاثين لكل ابن عشرة مثل النصيب الكامل قبل الاستثناء، وحصل للموصى ~~له بعد الاستثناء تسعة. # (وأما) التخريج على طريقة الخطائين: فهو أن تجعل ثلث المال عددا لو أعطيت ~~بالنصيب شيئا، ثم استرجعت من النصيب بالاستثناء ثلث ما بقي من الثلث بعد ms4793 ~~النصيب، يبقى في يد الموصى له شيء، وأقل ذلك خمسة فأعط بالنصيب سهمين، ثم ~~استرجع منه سهما لمكان الاستثناء، وضمه إلى ما بقي من الثلث بعد النصيب ~~فتصير أربعة فهي فاضلة من الوصية فضمها إلى ثلثي المال، وذلك عشرة فصار ~~أربعة عشر، وحاجتك إلى ستة؛ لأنك أعطيت بالنصيب الكامل سهمين فظهر أنك ~~أخطأت بثمانية، فزد على النصيب سهما آخر حتى إذا أعطيت بالنصيب ثلاثة يبقى ~~بعده ماله ثلث لمكان الاستثناء. # فاجعل الثلث ستة فأعط النصيب ثلاثة يبقى ثلاثة ثم استرجع من النصيب سهما ~~فصار معك أربعة فضمها إلى ثلثي المال، وذلك اثنا عشر فصار ستة عشر، وحاجتك ~~إلى تسعة؛ لأنك أعطيت بالنصيب ثلاثة فيجب أن يكون لكل ابن مثل ذلك ثلاثة ~~فظهر أنك أخطأت في هذه الكرة بزيادة سبعة، والخطأ الأول كان بزيادة ثمانية، ~~فتبين لك أن كل سهم زيد على الثلث يذهب سهما من الخطأ، فزد سبعة على الثلث ~~الأول، وهو ستة فتصير ثلاثة عشر فهو الثلث، فأعط بالنصيب عشرة يبقى إلى ~~تمام الثلث ثلاثة ثم استرجع سهما فصار أربعة فضمها إلى ثلث المال، وهو ستة ~~وعشرون فتصير ثلاثين على نحو ما ذكرنا، وطريقة الجامع الأصغر على ما بينا، ~~وهو أن لا تزيد على النصيب عند ظهور الخطأين، ولكن خذ الثلث الأول، وذلك ~~خمسة، واضربه في الخطأ الثاني، وذلك سبعة فتصير خمسة وثلاثون، ثم خذ الثلث ~~الثاني، وذلك ستة واضربه في الخطأ الأول، وذلك ثمانية يصير ثمانية وأربعين، ~~ثم اطرح الأقل من الأكثر يبقى ثلاثة عشر فهو ثلث المال. # (وأما) معرفة النصيب: فخذ النصيب الأول بعد الاستثناء، وذلك سهم، واضربه ~~في الخطأ الثاني، وذلك سبعة فتصير سبعة ثم خذ النصيب الثاني، وذلك سهمان، ~~واضربه في الخطأ الأول، وذلك ثمانية فتصير ستة عشر، ثم اطرح الأقل من ~~الأكثر يبقى تسعة فهو النصيب، ثم الباقي على نحو ما ذكرنا. # (وأما) طريقة الجامع الأكبر: فهو أن تضعف الثلث الأول سوى النصيب، وذلك ~~أربعة فضعفها فتصير # PageV07P364 # ثمانية ثم زد عليه النصيب، وذلك سهم ms4794 فتصير تسعة فهو الثلث الثاني، فأعط ~~بالنصيب ثلاثة يبقى ستة فثلث ما بقي سهمان، ثم استرجع من النصيب ثلث ما ~~يبقى، وذلك سهمان، وضمهما إلى ما معك، وذلك ستة فتصير ثمانية فهي فاضلة عن ~~الوصية، وضمها إلى ثلثي المال، وذلك ثمانية عشر فتصير ستة وعشرين، وحاجتك ~~إلى تسعة؛ لأنك أعطيت بالنصيب ثلاثة فيجب أن يكون لكل ابن ثلاثة فظهر أنك ~~أخطأت بزيادة سبعة عشر في طريقة الجامع الأكبر، والخطأ الأول في طريقة ~~الخطائين كان بزيادة ثمانية، فخذ الثلث الأول في طريقة الخطائين وذلك خمسة، ~~واضربه في الخطأ الثاني، وذلك سبعة عشر فتصير خمسة وثمانين، ثم خذ الثلث ~~الثاني، وذلك تسعة، واضربه في الخطأ الأول، وذلك ثمانية فتصير اثنين، ~~وسبعين، ثم اطرح الأقل من الأكثر يبقى ثلاثة عشر فهو ثلث المال. # (وأما) معرفة النصيب: فخذ النصيب الأول من طريق الخطائين، وذلك سهم، ~~واضربه في الخطأ الثاني من الجامع الأكبر، وذلك سبعة عشر بسبعة عشر، وخذ ~~النصيب الثاني، وذلك سهم من طريقة الجامع الأكبر، واضربه في الخطأ الأول، ~~وذلك ثمانية بثمانية، واطرح الأقل من الأكثر فيبقى تسعة فهو النصيب يبقى ~~ثلاثون بين البنين لكل واحد منهم عشرة، هذا إذا قال: إلا ثلث ما يبقى من ~~الثلث بعد النصيب (فأما) إذا قال: إلا ثلث ما يبقى من الثلث بعد الوصية، ~~فأصل المسألة ما ذكرنا في الفصل الأول إلا أن في تخريجه ضرب تفاوت. # (أما) على طريقة الحشو: فهو أن تأخذ عدد البنين، وذلك ثلاثة، وتزيد عليه ~~واحدا، ثم تضربها في مخرج النصف، وهو سهمان، وإنما ضربنا هذا في سهمين، ~~والأول في ثلاثة؛ لأن مقصود الموصي ههنا أن يكون المستثنى بعد الوصية ~~الحاصلة ثلث ما بقي، ولن يكون ذلك إلا أن يكون قبل الاسترجاع معه سهمان، ~~حتى إذا استرجعت منه شيئا يكون المسترجع ثلث ما بقي، ومقصوده في المسألة ~~الأولى إلا أن يكون المستثنى بعد النصيب قبل الاسترجاع مثل ثلاثة، ولن يكون ~~ذلك إلا وأن يكون معه ثلاثة قبل الاسترجاع، حتى إذا استرجعت شيئا ms4795 يكون ~~المسترجع ربعه، فإذا ضربت أربعة في اثنين بلغ ثمانية ثم تزيد واحدا فتصير ~~تسعة فهذا ثلث المال، وثلثاه مثلاه، وهو ثمانية عشر. # (فأما) معرفة النصيب فخذ النصيب، وذلك واحد، واضربه في مخرج الثلث، فتصير ~~ثلاثة فاضرب الثلاثة في مخرج النصف، وذلك سهمان فتصير ستة ثم زد عليه سهما ~~فتصير سبعة فهو النصيب، فأعط صاحب النصيب سبعة يبقى إلى تمام الثلث سهمان، ~~ثم استرجع منه سهما فضمه إلى ذلك فتصير ثلاثة فضمها إلى ثلث المال فيصير ~~واحدا وعشرين لكل ابن سبعة. # (وأما) طريقة الخطائين: فهي أن تجعل ثلث المال عددا لو أعطيت منه نصيبا، ~~واسترجعت منه شيئا يكون المسترجع مثل نصف، وأقل ذلك أربعة ادفع للموصى له ~~بالنصيب سهمين، ثم استرجع منه سهما، ضمه إلى ما بقي، وهي اثنان وما بقي وهو ~~سهم المال فتصير ثلاثة فضمها إلى ثلثي المال، وذلك ثمانية فتصير أحد عشر، ~~وحاجتك إلى ستة؛ لأنك أعطيت بالنصيب سهمين فظهر أنك أخطأت بزيادة خمسة فزد ~~في النصيب سهما، وأعط بالنصيب ثلاثة ثم استرجع منه سهما، وضمه إلى ما بقي ~~فتصير ثلاثة فضمها إلى ثلثي المال، وذلك عشرة فتصير ثلاثة عشر، وحاجتك إلى ~~تسعة؛ لأنك أعطيت بالنصيب ثلاثة فظهر أنك قد أخطأت بزيادة أربعة، فظهر أنك ~~كلما زدت درهما يزول خطأ درهم، فزد في الابتداء على النصيب قدر خطأ الأول، ~~وهو خمسة فبلغ سبعة، وبقي إلى تمام الثلث بعد النصيب سهمان فاسترجع منه ~~سهما، وضمه مع الباقي إلى ثلثي المال، وهو ثمانية عشر فصار أحدا، وعشرين، ~~فأعط لكل ابن سبعة، وللموصى له ستة هذا إذا قيد قوله: إلا ثلث ما يبقى من ~~الثلث بالنصيب، أو بالوصية. # (فأما) إذا أطلق بأن قال: إلا ثلث ما يبقى من الثلث ولم يزد عليه، قال ~~محمد: قال عامة الحساب يعني: المعروفين بعلم الحساب من أصحاب أبي حنيفة - ~~رضي الله عنه - مثل الحسن بن زياد، وغيره: هذا بمنزلة الفصل الأول، وهو ما ~~إذا قال: إلا ثلث ما يبقى من الثلث بعد النصيب. # وقال ms4796 محمد - رحمه الله - هو بمنزلة الفصل الثاني، وهو ما إذا قال: إلا ~~ثلث ما يبقى من الثلث بعد الوصية. # (وجه) قول العامة: أنه لما قال: أوصيت لك بمثل نصيب أحد بني، فقد أتى ~~بوصية صحيحة، واستحق ربع المال؛ لأنه جعل نصيبه مثل نصيب أحد بنيه كأنه أحد ~~بنيه، فلما قال: إلا ثلث ما يبقى من الثلث، فقد استخرج بالاستثناء بعض ~~الوصية مطلقا، وذلك # PageV07P365 # يحتمل بعد الوصية، ويحتمل بعد النصيب إلا أن المستخرج بالاستثناء بعد ~~النصيب أقل، والمستخرج بعد الوصية أكثر، والأقل متيقن به في استخراجه، وفي ~~استخراج الزيادة شك فلا يثبت استخراج الزيادة بالشك، بل تبقى الزيادة داخلة ~~تحت المستثنى منه. # (وجه) قول محمد أن الاستثناء ليس باستخراج بعض الكلام لما فيه من التناقض ~~على ما عرف في أصول الفقه، بل هو تكلم بالباقي بعد الثنيا فلم يدخل ~~المستثنى في صدر الكلام؛ لأنه دخل، ثم خرج بكلام الاستثناء، فلفظ الوصية ~~ههنا مع الاستثناء لم يتناول إلا المستثنى منه، والمستثنى يحتمل الأقل، ~~والأكثر، فلا يتناول اللفظ إلا القدر المتيقن به، وهو الأقل. # ولو أوصى بمثل نصيب أحدهم إلا ربع ما يبقى من الثلث بعد النصيب فالمسألة ~~تخرج من أحد وخمسين، النصيب إثناء عشر، والاستثناء خمسة، ولكل ابن ثلاثة ~~عشر. # (أما) تخريجها على طريقة الحشو: فهو أن تأخذ عدد البنين، وهو ثلاثة، ~~وتزيد عليه واحدا فيصير أربعة فاضرب أربعة في مخرج السهم المستثنى، وهو ~~أربعة فتصير ستة عشر، ثم زد سهما فتصير سبعة عشر هذا ثلث المال، وثلثاه ~~مثلاه أربعة وثلاثون فجملته واحد وخمسون، هذا لمعرفة أصل المال. # (وأما) معرفة النصيب: فهي أن تأخذ النصيب، وذلك سهم، وتضربه في مخرج ~~الثلث فتصير ثلاثة ثم تضرب الثلاثة في مخرج السهم المستثنى، وذلك أربعة ~~فتصير اثني عشر، ثم تزيد عليه سهما فتصير ثلاثة عشر هذا هو النصيب، بقي إلى ~~تمام الثلث أربعة فأعط بالنصيب ثلاثة عشر، ثم استرجع مثل ربع ما بقي، وهو ~~سهم، وضمه إلى ما بقي فصار خمسة فضمها إلى ثلثي المال، ms4797 وذلك أربعة وثلاثون ~~فيبلغ تسعة وثلاثين، فأعط لكل ابن ثلاثة عشر كما أعطيت بالنصيب قبل ~~الاسترجاع. # (وأما) التخريج على طريقة الخطائين: فهو أن تجعل ثلث المال ستة ليبقى بعد ~~إعطاء النصيب، والاسترجاع منه مثل ربع ما يبقى فأعط بالنصيب سهمين، ثم ~~استرجع منه مثل ربع ما يبقى، وذلك سهم، وضمه إلى ثلثي المال، وذلك اثنا عشر ~~فتصير سبعة عشر، وحاجتك إلى ستة؛ لأنك أعطيت بالنصيب سهمين فظهر أنك أخطأت ~~بزيادة أحد عشر، فزد في النصيب سهما تصير ثلاثة فأعط بالنصيب ثلاثة ثم ~~استرجع منه سهما، وضمه مع الباقي إلى ثلثي المال، وذلك أربعة عشر فتصير ~~تسعة عشر، وحاجتك إلى تسعة؛ لأنك أعطيت بالنصيب ثلاثة. # فظهر أنك أخطأت بزيادة عشرة، وظهر أن كل سهم زائد يزيل خطأ سهم، فزد على ~~النصيب قدر الخطأ الأول، وذلك أحد عشر ليزول الخطأ، فصار ثلاثة عشر، فأعط ~~بالنصيب ثلاثة عشر، ثم استرجع منه سهما، وضمه إلى ما بقي، وهي أربعة فضمها ~~إلى ثلثي المال، وذلك أربعة وثلاثون فتصير تسعة وثلاثين كما ذكرنا. # ولو كان له خمس بنين فأوصى لرجل بمثل نصيب أحدهم إلا ثلث وربع ما يبقى من ~~الثلث بعد النصيب، فتخريج المسألة على طريقة الحشو: أن تأخذ عدد البنين ~~خمسة، وتزيد عليها واحدا فتصير ستة ثم تضرب ستة في مخرج الجزء المستثنى، ~~وهو مثل الثلث، والربع، وذلك اثنا عشر فتصير اثنين وسبعين، ثم تزيد ثلث ~~مخرج المستثنى، وربعه، وذلك اثنا عشر، وثلثه، وربعه سبعة فتصير تسعة وسبعين ~~فهذا ثلث المال، وثلثاه مثلاه، وذلك مائة وثمانية وخمسون. # (وأما) معرفة النصيب: فهو أن تأخذ النصيب، وذلك سهم، وتضربه في مخرج ~~الثلث، وذلك ثلاثة فتصير ثلاثة ثم تضرب الثلاثة في مخرج السهم المستثنى، ~~وذلك اثنا عشر فتصير ستة، وثلاثة ثم تزيد عليه مثل ثلثه وربعه، وهو سبعة ~~فتصير ثلاثة وأربعين فهو النصيب، بقي إلى تمام الثلث ستة وثلاثون، وأعط ~~بالنصيب ثلاثة وأربعين، ثم استرجع مثل ثلث ما بقي، وربعه بعد النصيب، وذلك ~~واحد وعشرون، وضمها إلى ما ms4798 بقي، وهو ستة وثلاثون فتصير سبعة وخمسين، ثم ~~ضمها إلى ثلثي المال، وذلك مائة وثمانية وخمسون فتبلغ مائتين وخمسة عشر، ~~فأعط لكل ابن ثلاثة وأربعين مثل ما أعطيت بالنصيب قبل الاسترجاع، وللموصى ~~له اثنين وعشرين. # ولو قال: إلا ثلث، وربع ما بقي من الثلث بعد الوصية الحاصلة فتخريجها على ~~طريقة الحشو: أن تأخذ عدد البنين خمسة ثم زد عليه واحدا فتصير ستة ثم تضربه ~~في خمسة لما بينا فتصير ثلاثين، ثم زد عليه مخرج الثلث، والربع، وذلك سبعة ~~فتصير سبعة وثلاثين فهو الثلث، والثلثان أربعة وسبعون. # (وأما) معرفة النصيب: فخذ النصيب، وذلك واحد، واضربه في ثلاثة، ثم ثلاثة ~~في خمسة فصارت خمسة عشر # PageV07P366 # ثم زد عليه مثل مخرج الثلث، والربع، وهو سبعة فتصير اثنين وعشرين. # وبقي إلى تمام الثلث خمسة عشر فأعط صاحب النصيب اثنين وعشرين، ثم استرجع ~~منه مثل ثلث ما بقي، وربعه بعد النصيب، وذلك أحد وعشرون، وضمها إلى ما بقي ~~من الثلث، وهو خمسة عشر فتصير ستة وثلاثين ضمها إلى ثلثي المال، وذلك أربعة ~~وسبعون تبلغ مائة، وعشرة لكل ابن اثنان وعشرون مثل ما أعطيت صاحب الوصية ~~قبل الاسترجاع، وللموصى له درهم، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # ولو ترك خمسة بنين وقد أوصى بمثل نصيب أحدهم وثلثي ما بقي من الثلث ~~فالثلث سبعة عشر، والنصيبين أربعة عشر، والباقي بعد النصيبين من الثلث ~~ثلاثة تعطي ثلثي ما يبقى من الثلث سهمان من ذلك يبقى سهم يرد إلى ثلثي ~~المال، وذلك أربعة وثلاثون، فتصير خمسة وثلاثين، وتخريجه على طريقة الحشو: ~~أن تأخذ عدد البنين، وذلك خمسة، وتزيد عليه بالنصيبين سهمين؛ لأن الموصى له ~~بالنصيبين بمنزلة الابنين، فكان البنون سبعة فتصير الفريضة من سبعة. # ثم اضربها في ثلاثة لأجل الثلث فتصير أحدا وعشرين، ثم اطرح منه أربعة: ~~سهمين بالوصية بالنصيبين، وسهمين بثلثي ما يبقى من الثلث لتخريج المسألة ~~فيبقى سبعة عشر، وهو الثلث، وإذا أردت معرفة النصيب. # فالوجه فيه أن تأخذ النصيبين، وذلك سهمان، وتضربهما في ثلاثة فتصير ستة؛ ~~لأن الوصية ms4799 تنفذ من الثلث، ثم اضربه في ثلاثة لأجل ما يبقى من الثلث فيصير ~~ثمانية عشر، ثم اطرح منه أربعة مثل ما طرحت من الأول يبقى أربعة عشر فهو ~~النصيبان، يبقى إلى تمام الثلث ثلاثة. # فأعط بثلثي ما يبقى من الثلث سهمين، يبقى سهم فاضل عن الوصايا يرد إلى ~~ثلثي المال، وذلك أربعة وثلاثون فتصير خمسة وثلاثين بين البنين الخمسة لكل ~~ابن سبعة، وهو نصف النصيبين، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) التخريج على طريقة الخطائين: فهو أن تجعل ثلث المال سهاما لو ~~أعطيت بالنصيبين سهمين يبقى بعده ما يخرج منه ثلثان، وذلك خمسة فأعط ~~بالنصيبين سهمين يبقى ثلاثة فأعط بثلثي ما يبقى سهمين يبقى سهم يرد إلى ~~ثلثي المال، وذلك عشرة فتصير أحد عشر، وحاجتنا إلى خمسة حتى يكون لكل ابن ~~سهم، فظهر أنك أخطأت بزيادة ستة فزد في ثلثي المال سهمين فتصير سبعة فأعط ~~بالنصيبين أربعة يبقى ثلاثة فأعط بثلثي ما يبقى سهمين يبقى سهم فزده إلى ~~ثلث المال، وذلك أربعة عشر فيصير خمسة عشر، وحاجتك إلى عشرة؛ لأنك أعطيت ~~بالنصيبين أربعة فيجب أن يكون لكل ابن سهمان، وهم خمسة فيكون لهم عشرة، ~~فظهر أنك أخطأت في هذه الكرة بزيادة خمسة، والخطأ الأول كان ستة فمتى زدت ~~سهمين ذهب به من الخطأ سهم، فعلم أن كل سهم يزاد على الثلث يذهب به سهم من ~~الخطأ، فيزاد اثنا عشر على الثلث الأول، وهو خمسة حتى يزول الخطأ كله فتصير ~~سبعة عشر فهو الثلث، ثم الباقي إلى آخره. # وأما على طريقة الجامع الأصغر، فهو أن تأخذ الثلث الأول، وهو خمسة، ~~واضربه في الخطأ الثاني، وهو خمسة فتصير خمسة وعشرين، وتأخذ الثلث الثاني، ~~وذلك سبعة، وتضربه في الخطأ الأول، وذلك ستة فتصير اثنين وأربعين، ثم اطرح ~~الأقل من الأكثر يبقى سبعة عشر فهو الثلث. # (والوجه) في معرفة النصيب: أن تأخذ النصيب الأول، وذلك سهمان، وتضربه في ~~الخطأ الثاني، وذلك خمسة، فتصير عشرة، ثم تضرب النصيب الثاني، وذلك أربعة ~~في الخطأ الأول، وذلك ستة ms4800 فتصير أربعة وعشرين، ثم اطرح الأقل من الأكثر ~~فيبقى أربعة عشر فهو النصيبان. # (وأما) على طريقة الجامع الأكبر: فهو أن تضعف الثلث الأول إلا النصيبين، ~~وذلك ثلاثة فتصير ستة ثم زد عليه النصيبين فتصير ثمانية، وهذا هو الثلث ~~فأعط بالنصيبين سهمين فيبقى ستة، وأعط ثلثي ما يبقى أربعة يبقى سهمان، يرد ~~إلى ثلثي المال، وذلك ستة عشر فتصير ثمانية عشر، وحاجتك إلى خمسة؛ لأنك ~~أعطيت بالنصيبين سهمين فيجب أن يكون لكل ابن سهم، فالخطأ الثاني في الجامع ~~الأكبر زيادة ثلاثة، والخطأ الأول في الخطأين كان زيادة ستة، فخذ الثلث ~~الأول في الخطأين، وذلك خمسة، واضربه في الخطأ الثاني، وذلك ثلاثة عشر، ~~فتصير خمسة وستين، وخذ الثلث الثاني في الجامع الأكبر، وذلك ثمانية، واضربه ~~في الخطأ الأول، وذلك ستة فتصير ثمانية وأربعين، ثم اطرح الأقل من الأكثر ~~يبقى سبعة عشر فهو الثلث. # (والوجه) في معرفة النصيب أن تأخذ ما جمع من الخطأين أحدهما ستة، والآخر ~~ثلاثة عشر فاطرح الأقل من الأكثر، فإذا طرحت ستة # PageV07P367 # من ثلاثة عشر يبقى سبعة فهو النصيب، ولو أوصى بثلث ما يبقى، والمسألة ~~بحالها فالفريضة من سبعة وخمسين، والثلث تسعة عشر، والنصيبان ستة عشر وثلث ~~ما يبقى واحد. # (وتخريجها) على طريقة الحشو: أن تأخذ عدد البنين خمسة ثم زد عليها ~~النصيبين، وذلك سهمان فتصير سبعة ثم اضربها في ثلاثة فتصير أحدا وعشرين، ثم ~~اطرح منها النصيبين، وذلك سهمان يبقى تسعة عشر فهو الثلث، فقد طرح محمد - ~~رحمه الله - في هذه المسألة سهمين، وفي المسألة المتقدمة طرح أربعة أسهم: ~~سهمين بالنصيبين، وسهمين بثلثي ما يبقى، فعلى قياس ما ذكر هناك يجب أن يطرح ~~ههنا أيضا أربعة. # (والوجه) في معرفة النصيب: أن تأخذ النصيبين، وذلك سهمان، وتضربهما في ~~ثلاثة فتصير ستة ثم تضرب ستة في ثلاثة فتصير ثمانية عشر، ثم اطرح منه سهمين ~~يبقى ستة عشر فهو النصيب، وبقي إلى تمام ثلث المال ثلاثة فأعط بثلث ما يبقى ~~ثلثه، وذلك سهم، يبقى سهمان يرد إلى ثلثي المال، وذلك ثمانية ms4801 وثلاثون فتصير ~~أربعين تقسم بين البنين لكل ابن ثمانية. # (وأما) التخريج على طريقة الخطائين: فهو أن تجعل ثلث المال خمسة فأعط ~~بالنصيبين سهمين يبقى ثلاثة فأعط بثلث ما يبقى سهما يبقى سهم ترد إلى ثلثي ~~المال، وذلك عشرة فتصير اثني عشر، وحاجتك إلى خمسة فتبين أنك أخطأت بزيادة ~~سبعة فزد على الثلث سهمين فتصير سبعة، فأعط بالنصيبين أربعة يبقى ثلاثة ~~فأعط بثلث ما يبقى سهما يبقى سهمان تضم إلى ثلثي المال، وذلك أربعة عشر ~~فتصير ستة عشر، وحاجتك إلى عشرة، فظهر أنك أخطأت في هذه الكرة بزيادة ستة، ~~والخطأ الأول كان زيادة سبعة، فعلمت أن كل سهمين تزاد في الثلث تذهب من ~~الخطأ سهما، فزد في الثلث الأول أربعة عشر سهما، حتى يزول الخطأ كله، فإذا ~~زدت على خمسة أربعة عشر تصير تسعة عشر فهو الثلث، ثم يأتي الكلام على نحو ~~ما ذكرنا. # (والتخريج) على طريقة الجامع الأصغر، والأكبر على نحو ما بينا. # فإذا مات رجل، وترك أما وابنتين وامرأتين وعصبة وأوصى لرجل بمثل نصيب ~~إحدى ابنتيه، وبثلث ما يبقى من الثلث لآخر، فالفريضة من ستة وستين، والنصيب ~~ستة عشر، وثلث الباقي اثنان وللبنتين اثنان وثلاثون، وللأم ثمانية، وللمرأة ~~ستة، وللعصبة سهمان، هكذا خرجها محمد - رحمه الله - في الأصل، ومشايخنا - ~~رحمهم الله - خرجوها من نصف ما خرجها في الكتاب من غير كسر، وهو ثلاثة ~~وثلاثون. # (وطريق) هذا التخريج أن أصل هذه الفريضة من أربعة وعشرين لحاجتك إلى ~~الثمن، والثلثين، والسدس، فللمرأة الثمن ثلاثة أسهم، وللبنتين الثلثان ستة ~~عشر، وللأم السدس أربعة أسهم، وللعصبة سهم، فالبنتان يستحقان السهمين، وهو ~~الثلثان، والباقون يستحقون سهما واحدا، وهو الثلث، فصار في المعنى كأن عدد ~~الورثة ثلاثة؛ لأن سهامهم ثلاثة فاجعل كأن له ثلاثة بنين أوصى لرجل بمثل ~~نصيب أحدهم، وبثلث ما يبقى من الثلث. # ولو كان هكذا فالجواب سهل، وهو أن تأخذ عدد البنين ثلاثة، وتزيد عليها ~~سهما لأجل الوصية الأولى، وتضربها في ثلاثة لأجل الوصية الثانية فتصير اثني ~~عشر، ثم اطرح منها سهما ms4802 لأجل الوصية الثانية، فيصير ثلث المال أحد عشر، ~~وثلثاه مثلاه، وذلك اثنان وعشرون فتصير جملة المال ثلاثة وثلاثين، والنصيب ~~سهم واحد مضروب في ثلاثة، ثم في ثلاثة فتصير تسعة ثم اطرح منها سهما فيبقى ~~ثمانية فأعط لصاحب النصيب ثمانية، وأعط ثلث ما يبقى، وذلك سهم واحد فتصير ~~تسعة، وبقي إلى تمام الثلث سهمان ضمها إلى الثلثين، وهو اثنان وعشرون فتصير ~~أربعة وعشرين للبنتين الثلثان لكل واحدة ثمانية مثل ما أعطيت لصاحب النصيب، ~~وللأم أربعة أسهم، وللمرأة ثلاثة أسهم، وللعصبة سهم فخرجت المسألة من نصف ~~ما خرج في الكتاب. # ولو أوصى بمثل نصيب إحدى البنتين إلا ثلث ما بقي من الثلث بعد النصيب ~~فالفريضة من ستمائة وأربعة وعشرين، والنصيب مائة وستون، وثلث الباقي ستة ~~عشر، وطريق التخريج أن تجعل كأن عدد الورثة ثلاثة زد عليها سهما لأجل ~~الوصية فتصير أربعة ثم اضرب أربعة في ثلاثة فتصير اثني عشر، ثم زد عليها ~~سهما فتصير ثلاثة عشر، فاجعل هذا ثلث المال، وثلثاه مثلاه فتصير تسعة ~~وثلاثين، والنصيب سهم في ثلاثة، ثم في ثلاثة فذلك تسعة ثم زد عليها سهما ~~فتصير عشرة، ثم استثن منها سهما مثل ثلث ما يبقى، وضمه إلى ما بقي فتصير ~~أربعة ثم ضم الأربعة إلى ثلثي المال فتصير ثلاثين لكل بنت عشرة مثل ما ~~أعطيت قبل الاستثناء، وللأم السدس خمسة بقي خمسة # PageV07P368 # بين المرأة، والعصبة أرباعا؛ لأن حق المرأة في ثلاثة أسهم، وحق العصبة في ~~سهم فيكون حقها ثلاثة أضعاف حق العصبة، فإن رضيت بالكسر فاجعل الخمسة ~~الباقية بينهما أرباعا، وإن لم ترض فاضرب أصل الحساب في أربعة فتكون مائة ~~وستة وخمسين منها تخرج السهام على الصحة، وهو ربع ما خرجه محمد في الكتاب. # ولو أوصى بمثل نصيب المرأة، وبثلث ما يبقى من الثلث، فالفريضة من مائتين ~~وأربعة وثلاثين، والنصيب أربعة وعشرون، وثلث الباقي ثمانية عشر، وطريقه أن ~~تجعل كأن عدد الورثة ثمانية لأن السهام ثمانية فكأنه أوصى بمثل نصيب أحدهم، ~~فزد عليه سهما فتصير تسعة ثم اضربها في ms4803 ثلاثة فتصير سبعة وعشرين، ثم اطرح ~~منها سهما فيبقى ستة وعشرون فهذا ثلث المال، وجميع المال ثمانية وسبعون، ~~والنصيب سهم مضروب في ثلاثة، ثم في ثلاثة فتصير تسعة ثم اطرح منها سهما ~~فيبقى ثمانية، وثلث ما يبقى ستة فيبقى اثنا عشر ضمها إلى ثلثي المال، وذلك ~~اثنان وخمسون فتصير أربعة وستين للمرأة منها ثمانية وتبين أنك. # أعطيت للموصى له بمثل نصيبها مثل نصيبها ثمانية فيبقى ستة وخمسون لا ~~تستقيم بين الأم، والبنتين، والعصبة؛ لأنه يجب أن يكون للبنتين ثلثا أربعة ~~وستين. # وليس لها ثلث صحيح، وللأم سدسها، وليس لها سدس صحيح أيضا غير أن بين مخرج ~~السدس وحسابنا موافقة بنصف، ونصف، فاضرب أحدهما في وفق الآخر، وهو ثمانية ~~وسبعون في ثلاثة، فيبلغ الحساب مائتين وأربعة وثلاثين كما قال في الكتاب، ~~فكل من كان له سهم في الحساب الأول صار له ثلاثة في الحساب الثاني، كان حق ~~الموصى له في ثمانية فصار أربعة وعشرين، وحق البنتين في اثنين وأربعين، ~~وثلثي درهم فصار مائة وثمانية وعشرين، وحق الأم في عشرة، وثلثي درهم مضروبا ~~في ثلاثة، فيكون اثنين وثلاثين، وحق العصبة في درهمين، وثلثي درهم مضروب في ~~ثلاثة فيكون ثمانية دراهم. # ولو كان لرجل خمسة بنين فأوصى لأحدهم بكمال الربع، بنصيبه ولآخر بثلث ما ~~يبقى من الثلث فأجازوا، فالفريضة من اثني عشر النصيب اثنان، وتكملة الربع ~~سهم واحد، وثلث ما يبقى من الثلث واحد؛ لأن الوصية للوارث صحيحة عند إجازة ~~الورثة، وتفاوت ما بين نصيبه، والربع سهم؛ لأنه لو لم يكن ههنا وصية لأجنبي ~~لكان له الربع، والباقي بين البنين الأربعة أرباعا فاحتجنا إلى حساب له ~~ربع، ولباقيه ربع، وأقله ستة عشر فيعطى له ربع المال أربعة، والباقي بين ~~البنين الأربعة أرباعا لكل ابن ثلاثة، وله أربعة فتبين أنه بهذه الوصية لا ~~يستحق إلا سهما. # فإذا أوصى لغيره بثلث ما يبقى من الثلث فخذ حسابا له ثلث، وربع، وأقله ~~اثنا عشر فثلثه أربعة، وربعه ثلاثة فأعط للموصى له بكمال الربع سهمان، ~~وللآخر سهما؛ ms4804 لأن ثلث ما يبقى من الثلث بعد كمال الربع سهم بقي اثنان ضمهما ~~إلى ثلثي المال فتصير بين البنين الخمسة لكل ابن سهمان. # (فتبين) أنا إذا أعطينا له ربع المال فنصيبه بنصيبه سهمان مثل ما أصاب ~~هؤلاء، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (ومنها) التقدير بثلث المال إذا كان هناك وارث، ولم يجز الزيادة، فلا ~~تجوز الزيادة على الثلث إلا بإجازة الوارث الذي هو من أهل الإجازة، والأصل ~~في اعتبار هذا الشرط ما روينا من حديث سعد - رضي الله عنه - أنه «قال لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: أوصي بجميع مالي؟ فقال: لا، فقال: فبثلثيه؟ ~~فقال: لا، فقال: فبنصفه؟ قال - عليه الصلاة والسلام -: لا، قال: فبثلثه؟ ~~فقال - عليه الصلاة والسلام -: الثلث، والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء ~~خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» ، وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ~~«إن الله تبارك وتعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم آخر أعماركم زيادة في ~~أعمالكم» ؛ ولأن الوصية بالمال إيجاب الملك عند الموت، وعند الموت حق ~~الورثة متعلق بماله إلا في قدر الثلث، فالوصية بالزيادة على الثلث تتضمن ~~إبطال حقهم، وذلك لا يجوز من غير إجازتهم، وسواء كانت وصيته في المرض، أو ~~في الصحة؛ لأن الوصية إيجاب مضاف إلى زمان الموت فيعتبر وقت الموت لا وقت ~~وجود الكلام. # واعتبارها وقت الموت يوجب اعتبارها من الثلث لما ذكرنا أنه وقت تعلق حق ~~الورثة بالتركة، إذ الموت لا يخلو عن مقدمة مرض، وحقهم يتعلق بماله في مرض ~~موته إلا في القدر المستثنى، وهو الثلث فرق بين الوصية، وغيرها من التبرعات ~~كالهبة، والصدقة أن المعتبر هناك وقت العقد، فإن كان صحيحا تجوز في جميع ~~ماله، وإن كان مريضا لا تجوز إلا في الثلث؛ لأن الهبة، والصدقة كل واحد ~~منهما إيجاب الملك # PageV07P369 # للحال فيعتبر فيهما حال العقد، فإذا كان صحيحا فلا حق لأحد في ماله فيجوز ~~من جميع المال وإذا كان مريضا كان حق الورثة متعلقا بماله، فلا يجوز إلا في ~~قدر الثلث، وكذا الإعتاق في مرض الموت، والبيع، ms4805 والمحاباة قدر ما لا يتغابن ~~الناس فيه، وإبراء الغريم، والعفو عن دم الخطأ يعتبر ذلك كله من الثلث ~~كالهبة، والصدقة لتعلق حق الورثة بمال المريض مرض الموت فيما وراء الثلث. # ويجوز العفو عن دم العمد، ولا يعتبر فيه الثلث؛ لأن حق الورثة إنما يتعلق ~~بالمال، والقصاص ليس بمال. # وكذا إن شاء الكفالة بالدين في حال المرض، وضمان الدرك؛ لأنه تبرع ~~بالتزام الدين فيعتبر من الثلث كما تعتبر الهبة؛ لأنه يتهم فيه كما يتهم في ~~الهبة. # ولو أقر في مرضه بكفالته بالدين حال صحته فحكم هذا الدين حكم دين المرض ~~حتى لا يصدق في حق غرماء الصحة، ويكون المكفول له مع غرماء المرض سواء، ولو ~~كفل في صحته، وأضاف ذلك إلى ما يستقبل بأن قال للمكفول له: كفلت بما يذوب ~~لك على فلان، ثم وجب له على فلان دين في حال مرض الكفيل فحكم هذا الدين، ~~وحكم دين الصحة سواء حتى يضرب المكفول له بجميع ما يضرب به غريم الصحة؛ لأن ~~الكفالة وجدت في حالة الصحة. # وعن إبراهيم النخعي - رحمه الله - فيمن أوصى لأم ولده في حياته وصحته، ثم ~~مات أنه ميراث، ولو أوصى عند موته لها بوصية فهي لها من الثلث، والأول ~~محمول على ما إذا أعطاها شيئا في حياته على وجه الهبة؛ لأن الهبة منها لا ~~تتصور حقيقة لكونها تمليكا، وهي ليست من أهل الملك؛ لأنها مملوكة، والثاني ~~يجرى على ظاهره؛ لأن الوصية بالمال إيجاب الملك عند الموت، وهي عند الموت ~~من أهل الملك لكونها حرة، فكانت من أهل الوصية لها. # ولو أوصى بما زاد على الثلث، ولا وارث له تجوز من جميع المال عندنا، وعند ~~الشافعي لا تجوز إلا من الثلث، والمسألة ذكرناها في كتاب الولاء. # وكذلك إذا كان له وارث وأجاز الزيادة على الثلث؛ لأن امتناع النفاذ في ~~الزيادة لحقه، وإلا فالمنفذ للتصرف، وهو الملك - قائم فإذا أجاز فقد زال ~~المانع، ثم إذا جازت بإجازته فالموصى له يملك الزيادة من قبل الموصي لا من ~~قبل الوارث، فالزيادة ms4806 جوازها جواز وصيته من الموصي، لا جواز عطية من ~~الوارث، وهذا قول أصحابنا - رضي الله عنهم -. # وقال الشافعي - رحمه الله -: جوازها جواز هبة، وعطية حتى يقف ثبوت الملك ~~فيها على القبض عنده، وعندنا لا يقف. # (وجه) قوله: أن النفاذ لما، وقف على إجازة الوارث فدل أن الإجازة هبة ~~منه، والدليل عليه أن الوارث لو أجاز الوصية في مرض موته تعتبر إجازته من ~~ثلثه وثبت أن التمليك منه. # (ولنا) أن الموصي بالوصية متصرف في ملك نفسه، والأصل فيه النفاذ لصدور ~~التصرف من الأهل في المحل، وإنما الامتناع لمانع، وهو حق الوارث، فإذا أجاز ~~فقد أزال المانع، وينفذ بالسبب السابق لا بإزالة المانع؛ لأن إزالته شرط، ~~والحكم بعد وجود الشرط يضاف إلى السبب لا إلى الشرط، ويتوقف ثبوته على ~~السبب في الحقيقة لا على الشرط؛ لأن الشروط كلها شروط الأسباب، لا شروط ~~الأحكام على ما عرف في أصول الفقه، وقد خرج الجواب عما ذكر. # (وأما) إجازته في مرض موته - فإنما اعتبرت من ثلثه لا لكون الإجازة منه ~~تمليكا، وإيجابا للملك؛ لأن الإجازة لا تنبئ عن التمليك بل هي إزالة المانع ~~عن وقوع التصرف تمليكا بإسقاط الحق عن مال التصرف، وهو متبرع في هذا ~~الإسقاط فيعتبر تبرعه من الثلث كما يعتبر تبرعه بالتمليك بالهبة من الثلث ~~فإن أجاز بعض الورثة، ورد بعضهم جازت الوصية بقدر حصة المجيز منهم، وبطلت ~~بقدر أنصباء الرادين؛ لأن لكل واحد منهم ولاية الإجازة والرد في قدر حصته ~~فتصرف كل واحد منهم في نصيبه صدر عن ولاية شرعية فينفذ، ثم إنما تعتبر ~~إجازة من أجاز إذا كان المجيز من أهل الإجازة بأن كان بالغا عاقلا. # فإن كان مجنونا أو صبيا لا يعقل لا تعتبر إجازته، فإن كان عاقلا بالغا ~~لكنه مريض مرض الموت - جازت إجازته، ثم إن كان الوارث واحدا كانت إجازته ~~بمنزلة ابتداء الوصية حتى لو كان الموصى له وارثه لا تجوز إجازته إلا أن ~~تجيزها ورثة المريض بعد موته، وإن كان أجنبيا تجوز إجازته، وتعتبر من ~~الثلث، ms4807 ثم وقت الإجازة هو ما بعد موت الموصي، ولا تعتبر الإجازة حال حياته ~~حتى إنهم لو أجازوا في حياته لهم أن يرجعوا عن ذلك بعد موته، وهذا قول عامة ~~العلماء - رضي الله عنهم -. # وقال ابن أبي ليلى - رحمه الله -: تجوز إجازتهم بعد موته، وحال حياته، ~~وإذا أجازوا في حياته فليس لهم أن يرجعوا بعد موته، ولا خلاف في أنهم إذا ~~أجازوا بعد موته ليس لهم أن # PageV07P370 # يرجعوا بعد ذلك. # (وجه) قول ابن أبي ليلى: أن إجازتهم في حال الحياة صادفت محلها؛ لأن حقهم ~~يتعلق بماله في مرض موته إلا أنه لا يظهر كون هذا المرض مرض الموت إلا ~~بالموت، فإذا اتصل به الموت تبين أنه كان مرض الموت، فتبين أن حقهم كان ~~متعلقا بماله فتبين أنهم أسقطوا حقهم بالإجازة فجازت إجازتهم. # (ولنا) أن حقهم إنما يثبت عند الموت؛ لأنه إنما يعلم بكون المرض مرض ~~الموت عند الموت، فإذا مات الآن علم كونه مرض الموت فيثبت حقهم الآن إلا ~~أنه إذا ثبت حقهم عند الموت استند الحق الثابت إلى أول المرض، والاستناد ~~إنما يظهر في القائم لا في الماضي، وإجازتهم قد مضت لغوا ضائعا؛ لانعدام ~~الحق حال وجودها فلا تلحقها الإجازة، والدليل على أن حق الورثة لا يثبت في ~~حال المرض بطريق الظهور المحض: أن المريض يحل له أن يطأ جاريته، ولو ثبت ~~الملك عند الموت بطريق الظهور المحض لتبين أنه وطئ ملك غيره فتبين أنه كان ~~حراما، وليس كذلك بالإجماع على أن في إثبات الحق في المرض على طريق الظهور ~~المحض إبطال الحقيقة عند الموت فلا يجوز اعتبار الحق للحال؛ لإبطال الحقيقة ~~عند الموت، فكان اعتباره من طريق الاستناد فيظهر في القائم لا في الماضي. # ولو أوصى بألف درهم من مال رجل، أو عبد أو شيء آخر له فأجازه ذلك الرجل ~~قبل موته، أو بعد موته فله أن يرجع عنه ما لم يدفعه إلى الموصى له، فإذا ~~دفعه إليه جاز؛ لأن جوازه ليس بجواز وصيته؛ إذ لا ولاية على مال ms4808 الغير، ~~وإنما جوازه جواز هبة من صاحب المال فلم تكن إجازته إجازة إسقاط حق بل هو ~~عقد هبة منه؛ لأن تصرف الموصي صادف ملك غيره، فوقف على إجازته، فإذا أجازه ~~الغير فوقع هبة من جهته لا وصية من الموصي كأنه وهبه ابتداء، فإن سلم جازت ~~الهبة، وإلا فلا، بخلاف الوصية بما زاد على الثلث إذا أجازها الورثة إنها ~~تجوز. # ولا يشترط فيها التسليم إلى الموصى له؛ لأن التصرف هناك وقع وصية ~~لمصادفته ملك نفسه فلا يفتقر إلى التسليم، وإنما يفتقر إلى الإجازة، فإذا ~~وجدت الإجازة جازت الوصية، ونفذت، وسواء كان الموصى به جزءا مسمى كالثلث، ~~والنصف، أو كان جميع المال، أو كان عينا مشارا إليها بأن أوصى بعبد له أو ~~ثوب له إنه يعتبر في ذلك كله الثلث، فإن كان يخرج من ثلث جميع ماله فهو له، ~~وإن كان لا يخرج فله منه قدر ما يخرج، وإن لم يكن له مال آخر فله ثلثه، ~~والثلثان للورثة، وسواء كانت الوصية واحدة أو اجتمعت الوصايا إنه ينفذ الكل ~~من الثلث إن أمكن تنفيذ الكل منه، وإن لم يمكن وضاق الثلث عن الكل يتضارب ~~فيه، ويقدم البعض على البعض عند وجود سبب التقدم. # وبيان هذه الجملة: أن الوصايا إذا اجتمعت فالثلث لا يخلو: إما إن كان يسع ~~كل الوصايا، وإما أن لا يسع الكل، فإن كان يسع الكل تنفذ الوصية من الثلث ~~في الكل؛ لأن الوصية تعلقت بالكل، وأمكن تنفيذها في الكل فتنفذ سواء كانت ~~الوصايا لله - تبارك وتعالى - كالوصية بالقرب من الوصية بالحج الفرض، ~~والزكاة، والصوم، والصلاة، والكفارات، والنذور وصدقة الفطر، والأضحية، وحج ~~التطوع وصوم التطوع، وبناء المساجد، وإعتاق النسمة، وذبح البدنة، ونحو ذلك ~~أو كانت للعباد كالوصية لزيد، وعمرو، وبكر، وخالد. # وكذلك لو كان الثلث لا يسع الكل لكن الورثة أجازت (فأما) إذا كان الثلث ~~لا يسع، ولم تجز الورثة؛ فالوصايا لا تخلو: (إما) إن كانت كلها لله - تعالى ~~- عز وجل -، وهي الوصية بالقرب، أو كان بعضها لله - تعالى -، والبعض ~~للعباد، ms4809 فإن كان الكل لله - تعالى - فلا يخلو (إما) إن كان الكل فرائض أو ~~واجبات، أو نوافل أو اجتمع في الوصايا من كل جنس من الفرائض، والواجبات، ~~والتطوعات. # فإن كان الكل فرائض متساوية يبدأ بما قدمه الموصي؛ لأن عند تساويهما لا ~~يمكن الترجيح بالذات فيرجح بالبداية؛ لأن البداية دليل اهتمامه بما بدأ به؛ ~~لأن الإنسان يبدأ بالأهم فالأهم عادة، واختلفت الرواية عن أبي يوسف في ~~الحج، والزكاة روي عنه أنه يبدأ بالحج، وإن أخره الموصي في الذكر، وروي عنه ~~أنه يبدأ بالزكاة، وهو قول محمد. # (وجه) الرواية الأولى: أن الحج عبادة بدنية، والزكاة عبادة مالية، ~~والعبادة البدنية أولى؛ لأن النفس أنفس، وأعز من المال فكان تقربا إلى الله ~~- تبارك وتعالى - بأعز الأشياء، وأنفسها عنده فكان أقوى فكانت البداية به ~~أولى على أن الحج عبادة بدنية لها تعلق بالمال، والزكاة عبادة مالية لا ~~تعلق لها بالبدن فكان الحج أقوى فكان أولى بالتقدم. # (وجه) الرواية الأخرى: أن الحج تمحض حقا لله - تعالى -. # والزكاة يتعلق بها حق العبد فيقدم لحاجة العبد، وغنى الله - عز وجل -. # وقالوا في الحج، والزكاة: إنهما # PageV07P371 # يقدمان على الكفارات؛ لأنهما واجبان بإيجاب الله ابتداء من غير تعلق ~~وجوبهما بسبب من جهة العبد، والكفارات يتعلق وجوبها بأسباب توجد من العبد ~~من القتل، والظهار، واليمين، والواجب ابتداء أقوى فيقدم، والكفارات متقدمة ~~على صدقة الفطر؛ لأن صدقة الفطر واجبة، والكفارات فرائض، والفرض مقدم على ~~الواجب؛ ولأن هذه الكفارات منصوص عليها في الكتاب العزيز، ولا نص في الكتاب ~~على صدقة الفطر، وإنما عرفت بالسنة المطهرة، فكان المنصوص عليه في الكتاب ~~العزيز أقوى فكان أولى وصدقة الفطر مقدمة على الأضحية، وإن كانت الأضحية ~~أيضا واجبة عندنا لكن صدقة الفطر متفق على وجوبها، والأضحية وجوبها محل ~~الاجتهاد فالمتفق على الوجوب أقوى فكان بالبداية أولى، وكذا صدقة الفطر ~~مقدمة على كفارة الفطر في رمضان؛ لأن وجوب تلك الكفارة ثبت بخبر الواحد ~~وصدقة الفطر ثبت وجوبها بأخبار مشهورة. # والثابت بالخبر المشهور أقوى فيقدم. # وقالوا: إن صدقة الفطر تقدم ms4810 على المنذور به؛ لأنها وجبت بإيجاب الله - ~~تبارك وتعالى - ابتداء، والمنذور به، وجب بإيجاب العبد، وقد تعلق وجوبه ~~أيضا بسبب مباشرة العبد فتقدم الصدقة، والإشكال عليه: أن صدقة الفطر من ~~الواجبات لا من الفرائض؛ لأن وجوبها ثبت بدليل مقطوع به بل بدليل فيه شبهة ~~العدم، ولهذا لا يكفر جاحده، والوفاء بالمنذور به فرض؛ لأنه وجوبه ثبت ~~بدليل مقطوع به، وهو النص المفسر من الكتاب العزيز قال الله - تبارك وتعالى ~~- {وليوفوا نذورهم} [الحج: 29] ، والفرض مقدم على الواجب، ولهذا يكفر جاحد ~~وجوب الوفاء بالنذر، وفي كتاب الله - عز وجل - دليل عليه، وهو قوله - ~~سبحانه وتعالى - {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين} [التوبة: 75] {فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون} ~~[التوبة: 76] {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما ~~وعدوه وبما كانوا يكذبون} [التوبة: 77] ، والمنذور به مقدم على الأضحية؛ ~~لأنه واجب الوفاء بيقين وفي وجوب الأضحية شبهة العدم لكونه محل الاجتهاد. # والأضحية تقدم على النوافل؛ لأنها واجبة عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - ~~وسنة مؤكدة عندهما، والشافعي - رحمه الله -، والواجب، والسنة المؤكدة أولى ~~من النافلة، فالظاهر من حال الموصي أنه قصد تقديمها على النافلة تحسينا ~~للظن بالمسلم إلا أنه تركه سهوا فيقدم بدلالة حالة التقديم، وإن أخره ~~بالذكر على سبيل السهو، هذا الذي ذكرنا، إذا لم يكن في الوصايا بالقرب ~~إعتاق منجز، وهو الإعتاق في مرض الموت، أو إعتاق معلق بالموت، وهو التدبير، ~~فإن كان تقدم ذلك؛ لأن الإعتاق المنجز، والمعلق بالموت لا يحتمل الفسخ فكان ~~أقوى فيقدم. # (وأما) الوصية بالإعتاق، فإن كان إعتاقا واجبا في كفارة فحكمه حكم ~~الكفارات، وقد ذكرنا ذلك، وإن لم يكن واجبا فحكمه حكم سائر الوصايا المتنفل ~~بها من الصدقة على الفقراء، وبناء المساجد، وحج التطوع، ونحو ذلك؛ لأن ~~الوصية بالإعتاق يلحقها الفسخ كما يلحق سائر الوصايا فكانت الوصية بالإعتاق ~~غير واجبة مثل سائر الوصايا فلا تقدم، بخلاف الإعتاق المنجز في المرض، ~~والمعلق بالموت؛ لأنه لا يلحقهما ms4811 الفسخ فكان أقوى فيقدم على سائر الوصايا. # وإن كانت الوصايا بعضها لله - سبحانه وتعالى وبعضها للعباد، فإن أوصى ~~لقوم بأعيانهم يتضاربون بوصاياهم في الثلث، ثم ما أصاب العباد فهو لهم لا ~~يقدم بعضهم على بعض لما نبين، وما كان لله - تبارك وتعالى - يجمع ذلك فيبدأ ~~منها بالفرائض، ثم بالواجبات، ثم بالنوافل، وإن كان مع الوصايا لله - تبارك ~~وتعالى - وصية لواحد معين من العباد فإنه يضرب بما أوصى له به مع الوصايا ~~بالقرب، ويجعل كل جهة من جهات القرب مفردة بالضرب، فإن قال: ثلث مالي في ~~الحج، والزكاة، والكفارات، ولزيد فإن الثلث يقسم على أربعة أسهم: سهم ~~للموصى له، وسهم للحج، وسهم للزكاة، وسهم للكفارات؛ لأن كل جهة من هذه ~~الجهات غير الأخرى فتفرد كل جهة بسهم، كما لو أوصى بثلث ماله لقوم معينين، ~~فإن قيل: جهات القرب، وإن اختلفت فالمقصود منها كلها واحد، وهو طلب مرضات ~~الله - تبارك وتعالى - وابتغاء وجهه الكريم فينبغي أن يضرب للموصى له بسهم، ~~والقرب بسهم. # فالجواب: أن المقصود من الكل، وإن كان واحدا، وهو ابتغاء وجه الله - عز ~~وجل - وطلب مرضاته لكن الجهة منصوص عليها فيجب اعتبارها كما لو أوصى بثلث ~~ماله للفقراء، والمساكين، وأبناء السبيل، إن كان كل واحد منهم يضرب بسهمه، ~~وإن # PageV07P372 # كان المقصود من الكل التقرب إلى الله - سبحانه وتعالى - لكن لما كانت ~~الجهة منصوصا عليها اعتبر المنصوص عليه كذا ههنا هذا؛ إذ كانت الوصايا كلها ~~لله - تبارك وتعالى - أو بعضها لله - تبارك وتعالى - وبعضها للعباد. # (فأما) إذا كانت كلها للعباد فإنها لا تخلو من أحد وجهين: (إما) إن كانت ~~كلها في الثلث لم يجاوز واحدة منها قدر الثلث. # (وإما) إن جاوزت، فإن لم تجاوز بأن أوصى لإنسان بثلث ماله، ولآخر بالربع، ~~ولآخر بالسدس فإنهم يتضاربون في الثلث بقدر حقوقهم فيضرب صاحب الثلث بثلث ~~الثلث. # وصاحب الربع بربع الثلث، وصاحب السدس بسدس الثلث فيضرب كل واحد منهم بقدر ~~فريضته من الثلث فلا يقدم بعضهم على بعض إلا إذا كان مع هذه الوصايا ms4812 أحد ~~الأشياء الثلاثة: الإعتاق المنجز في المرض، أو المعلق بالموت في المرض أو ~~في الصحة، وهو التدبير أو البيع بالمحاباة بما لا يتغابن الناس فيه في ~~المرض فيقدم هو على سائر الوصايا التي هي للعباد كما يقدم على الوصايا ~~بالقرب فيبدأ بذلك قبل كل وصية ثم يتضارب أهل الوصايا فيما يبقى من الثلث، ~~ويكون بينهم على قدر وصاياهم. # وإنما قلنا إنه لا يقدم البعض على البعض في غير المواضع المستثناة؛ لأن ~~تقديم البعض على البعض يستدعي وجود المرجح، ولم يوجد؛ لأن الوصايا كلها ~~استوت في سبب الاستحقاق؛ لأن سبب استحقاق كل واحد منهم مثل سبب صاحبه، ~~والاستواء في السبب يوجب الاستواء في الحكم، ولا استواء في سبب الاستحقاق ~~في مواضع الاستثناء؛ لأن الإعتاق المنجز، والمعلق بالموت لا يحتمل الفسخ، ~~والمحاباة تستحق بعقد ضمان، وهو البيع؛ إذ هو عقد معاوضة فكان البيع مضمونا ~~بالثمن، والوصية تبرع فكانت المحاباة المتعلقة بعقد الضمان أقوى فكانت أولى ~~بالتقديم. # وإن اجتمع العتق، والمحاباة وضاق الثلث عنهما فقد قال أبو حنيفة - رحمه ~~الله -: إن كانت المحاباة قبل العتق يبدأ بالمحاباة، وإلا استويا هكذا روى ~~المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة. # وقال أبو يوسف، ومحمد: يبدأ بالعتق تقدم أو تأخر. # (وجه) قولهما: أن العتق أقوى من المحاباة؛ لأنه لا يحتمل الفسخ، ~~والمحاباة تحتمل، وفي باب الوصايا يقدم الأقوى فالأقوى إذا كان الثلث لا ~~يسع الكل، ولهذا قدم العتق على سائر الوصايا، وبه تبين أنه لا عبرة ~~بالتقديم في الذكر فإنه يقدم على سائر الوصايا، وإن كانت مقدمة في الذكر ~~على العتق على أن التقدم في الذكر يعتبر ترجيحا، والترجيح إنما يكون بعد ~~الاستواء في ركن العلة، ولا استواء ههنا لما بينا، فبطل الترجيح، ولأبي ~~حنيفة - رحمه الله -: أن المحاباة أقوى من العتق؛ لأنها تستحق بعقد ضمان ~~على ما بينا. # والعتق تبرع محض، فلا يزاحمها. # وكان ينبغي أن يقدم على العتق تقدمت في الذكر أو تأخرت إلا أن مزاحمة ~~العتق إياها حالة التأخير ثبت لضرورة التعارض حالة ms4813 التقدم على ما نذكره ~~(وأما) قولهما: إن الإعتاق لا يحتمل الفسخ فبعض المشايخ قالوا: إن كل واحد ~~منهما لا يحتمل الفسخ من جهة الموصي فإن من باع ماله بالمحاباة في مرض موته ~~لا يملك فسخه كما لو أعتق عبده في مرض موته أنه لا يملك فسخه فاستويا في ~~عدم احتمال الفسخ من جهة الموصي، وهو المعتق، والبائع، فإذا كانت البداية ~~بالمحاباة ترجحت بالبداية لكون البداية بها دليل الاهتمام، ولا يمكن ترجيح ~~العتق عند البداية به؛ لأن تعلق المحاباة بعقد الضمان يقتضي ترجيحها على ~~العتق الذي هو تبرع محض، فتعارض الوجهان، فسقطا والتحقا بالعدم، فبقي أصل ~~التعارض بلا ترجيح، فتقع المزاحمة بين المحاباة، والعتق، فيقسم الثلث ~~بينهما. # وهذا الجواب ضعيف؛ لأن البيع بالمحاباة تصرف يحتمل الفسخ في نفسه في ~~الجملة، فيفسخ بخيار العيب، والرؤية، والشرط، والإقالة؛ إذ هي فسخ في حق ~~المتعاقدين عند أبي حنيفة، ومحمد - رحمهما الله - فكانت المحاباة محتملة ~~للفسخ في الجملة، والعتق لا يحتمله رأسا، فكان أقوى من المحاباة، فيجب أن ~~يقدم عليها، كما هو مذهبهما (ومنهم) من قال: إن عدم احتمال العتق للفسخ إن ~~كان يقتضي ترجيحه على المحاباة، كما ذكرنا من تعلق المحاباة بعقد الضمان ~~يقتضي ترجيحا على العتق، فوقع التعارض، فترجح المحاباة بالبداية، وإذا لم ~~يبدأ بها، فلم يوجد الترجيح، فبقيت المعارضة، فثبتت المزاحمة، وهذا أيضا ~~ضعيف؛ لأنه لو كان كذلك للزم تقديم العتق على المحاباة؛ إذا بدأ بالعتق ~~لوجود المرجح للعتق عند وقوع التعارض، ولا يقدم غيره بل يقسم الثلث بينهما ~~(ومنهم) من قال: تعلق المحاباة بعقد الضمان من حيث استحقاقها به أقوى في ~~الدلالة من العتق من # PageV07P373 # حيث عدم احتمال الفسخ بدليل أن الدين مقدم على الإعتاق حتى لو أعتق عبدا ~~مستغرقا بالدين لا ينفذ، وإن كان الإعتاق لا يحتمل الفسخ، والمعارضة محتملة ~~للفسخ لكونها عقد ضمان، فلا يعارضها العتق إلا عند البداية، وعلى الجملة ~~تقرير مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - في هذه المسألة بالإضافة إلى عقولنا ~~مشكل، والله - سبحانه وتعالى - أعلم، ms4814 وفرع أبو حنيفة - رضي الله عنه - على ~~هذا، فقال: إذا أعتق ثم حابى ثم أعتق - يقسم الثلث بين العتق الأول، وبين ~~المحاباة نصفين ثم ما أصاب العتق الأول يقسم بينه، وبين العتق الثاني ~~لاستوائهما في القوة، ولو حابى ثم أعتق ثم حابى يقسم الثلث بين المحابتين ~~نصفين ثم ما أصاب المحاباة الأخيرة يقسم بينهما، وبين العتق نصفين، كما إذا ~~أعتق ثم حابى، والله - سبحانه وتعالى - أعلم هذا إذا كان مع الوصايا للعباد ~~عتق أو محاباة. # ، فإن لم يكن يضرب كل واحد منهما بقدر حقه من الثلث حتى لو أوصى لرجل ~~بثلث ماله ولآخر بالسدس ولم تجز الورثة - يقسم الثلث بينهما أثلاثا: سهمان ~~لصاحب الثلث، وسهم لصاحب السدس، أصل المسألة من ستة: ثلث المال ثلاثة، ~~وثلثاه مثلاه، وذلك ستة فجملة المال تسعة ثلثه، وذلك ثلاثة للموصى لهما ~~بالثلث، والسدس بينهما أثلاثا، وثلثاه، وذلك ستة للورثة، فاستقام الثلث، ~~والثلثان، وإن أجازت الورثة فللموصى له بالثلث سهمان، وللموصى له بالسدس ~~سهم، والباقي، وهو ثلاثة من ستة للورثة على فرائض الله - تبارك وتعالى -. # ولو أوصى لرجل بالثلث ولآخر بالربع، ولم تجز الورثة فالثلث بينهما على ~~سبعة أسهم: لصاحب الثلث أربعة، ولصاحب الربع ثلاثة. # أصل المسألة من اثني عشر للموصى له بالثلث ثلثها، وذلك أربعة عشر، فيكون ~~كل المال أحدا وعشرين: الثلث من ذلك سبعة للموصى له بالثلث، والثلثان، وهو ~~أربعة عشر للورثة، وإن أجازت الورثة فللموصى له بالثلث ما أوصى له، وهو ~~أربعة وللموصى له بالربع ما أوصى له، وهو ثلاثة، والباقي، وهو خمسة من اثني ~~عشر للورثة على فرائض الله تعالى. # ولو أوصى لرجل بالثلث ولآخر بالربع ولآخر بالسدس، فثلث المال تسعة أصل ~~المسألة من اثني عشر: لصاحب الثلث أربعة، ولصاحب الربع ثلاثة، ولصاحب السدس ~~سهمان، وذلك تسعة، وثلثا المال مثلاه، وذلك ثمانية عشر، فيكون جملته سبعة ~~وعشرين، سهام الوصية منها تسعة: ثلاثة وأربعة، وسهمان، وثمانية عشر، سهام ~~الورثة، هذا إذا لم يكن في الوصايا ما يزيد على الثلث. # ، فإن كان بأن أوصى ms4815 لرجل بثلث ماله ولآخر بالنصف، فإن أجازت الورثة فلكل ~~واحد ما أوصى له به فالثلث للموصى له بالثلث، والنصف للموصى له بالنصف، أصل ~~المسألة من ستة للموصى له بالثلث سهمان، وللموصى له بالنصف ثلاثة، وذلك ~~خمسة، والباقي للورثة، وإن لم تجز الورثة فالثلث بينهما نصفين في قول أبي ~~حنيفة لكل واحد منهما سهم من ستة، وعند أبي يوسف، ومحمد - رحمهما الله - ~~على خمسة: لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب النصف الثلث سهمان. # وإن أوصى لرجل بربع، ماله ولآخر بنصف ماله، فإن أجازت الورثة فلكل واحد ~~منهما ما أوصى له به فالربع للموصى له بالربع، والنصف للموصى له بالنصف ~~والربع الباقي بين الورثة على فرائض الله تعالى؛ لأن المانع من الزيادة على ~~الثلث حق الورثة، وقد زال بإجازتهم، وإن ردوا فلا خلاف في أن الوصية ~~بالزيادة على الثلث لم تنفذ، وإن نفذت ففي الثلث لا غير. # وإنما الخلاف في كيفية قسمة الثلث بينهما فعلى قول أبي حنيفة - رحمه الله ~~- تعالى: يقسم الثلث بينهما على سبعة أسهم للموصى له بالنصف أربعة، وللموصى ~~له بالربع ثلاثة، وعند أبي يوسف، ومحمد: على ثلاثة سهمان للموصى له بالربع؛ ~~لأن الموصى له بالنصف لا يضرب إلا بالثلث عنده، والموصى له بالربع يضرب ~~بالربع، فيحتاج إلى حساب له ثلث، وربع، وأقله اثنا عشر ثلثها أربعة، وربعها ~~ثلاثة فتجعل وصيتهما على سبعة، وذلك ثلث الميراث، وثلثاه مثلاه، وذلك أربعة ~~عشر، وجميع المال أحد وعشرون: سبعة منها للموصى لهما: أربعة للموصى له ~~بالنصف، وثلاثة للموصى له بالربع. # وعند أبي يوسف، ومحمد: يقسم الثلث بينهما على ثلاثة أسهم؛ لأن الموصى له ~~بالنصف يضرب بجميع وصيته عندهما، والموصى له بالربع يضرب بالربع، والربع ~~مثل نصف النصف فيجعل كل ربع سهما، فالنصف يكون سهمين، والربع سهما، فيكون ~~ثلاثة فيصير الثلث بينهما على ثلاثة أسهم: سهمان للموصى له بالنصف، وسهم ~~للموصى له بالربع، وهذا بناء على أصل، وهو: أن الموصى له بأكثر من الثلث لا ~~يضرب في الثلث بأكثر من الثلث من غير إجازة الورثة ms4816 عند أبي حنيفة - رحمه ~~الله - # PageV07P374 # تعالى - إلا في خمس مواضع: في العتق في المرض، وفي الوصية بالعتق في ~~المرض، وفي المحاباة في المرض، وفي الوصية بالمحاباة، وفي الوصية بالدراهم ~~المرسلة، فإنه يضرب في هذه المواضع بجميع وصية من غير إجازة الورثة. # وصورة ذلك في الوصية بالعتق إذا كان له عبدان لا مال له غيرهما أوصى ~~بعتقهما، وقيمة أحدهما ألف، وقيمة الآخر ألفان، ولم تجز الورثة - عتقا من ~~الثلث، وثلث ماله ألف درهم، فالألف بينهما على قدر، وصيتهما ثلثا الألف ~~للذي قيمته ألفان فيعتق ثلثه، ويسعى في الثلثين للورثة، والثلث للذي قيمته ~~ألف فيعتق ثلثه، ويسعى في الثلثين للورثة، فإن أجازت الورثة عتقا جميعا، ~~وصورة ذلك في المحاباة إذا كان له عبدان أوصى بأن يباع أحدهما من فلان، ~~والآخر من فلان آخر - بيعا بالمحاباة، وقيمة أحدهما مثلا ألف، ومائة، وقيمة ~~الآخر ستمائة، فأوصى بأن يباع الأول من فلان بمائة، والآخر من فلان آخر ~~بمائة، فههنا حصلت المحاباة لأحدهما بألف، وللآخر بخمسمائة، وذلك كله وصية؛ ~~لأنها حصلت في حالة المرض، فإن خرج ذلك من الثلث أو أجازت الورثة جاز، وإن ~~لم يخرج من الثلث، ولا أجازت الورثة جازت محاباتهما بقدر الثلث، وذلك يكون ~~بينهما على قدر وصيتهما يضرب أحدهما فيها بألف، والآخر بخمسمائة. # وصورة ذلك في الدراهم المرسلة، إذا أوصى لإنسان بألف وللآخر بالدين، وثلث ~~ماله ألف فالثلث يكون بينهما أثلاثا كل واحد منهما يضرب بجميع وصيته، ولا ~~خلاف أيضا في الوصية بأقل من الثلث كالربع، والسدس، ونحو ذلك أن الموصى له ~~يضرب بجميع وصيته. # (وجه) قولهما: أن الوصية وقعت باسم الزيادة على الثلث من النصف، ونحوه، ~~فيجب اعتبارها ما أمكن إلا أنه تعذر اعتبارها في حق الاستحقاق؛ لما فيه من ~~إبطال حق الورثة، وأنه إضرار بهم فوجب اعتبارها في حق الضرب، وأنه يمكن؛ إذ ~~لا ضرر فيه على الورثة، ولهذا اعتبرت التسمية في حق الضرب. # فيما ذكرنا من المسائل، ولأبي حنيفة - رحمه الله -: أن الوصية بالزيادة ~~على الثلث عند رد الورثة ms4817 وصية باطلة من كل وجه بيقين. # والضرب بالوصية الباطلة من كل وجه بيقين باطل، وإنما قلنا: إن الوصية ~~بالزيادة وصية باطلة؛ لأنها في قدر الزيادة صادفت حق الورثة إلا أنها وقفت ~~على الإجازة، والرد، فإذا ردوا تبين أنها وقعت باطلة، وقوله من كل وجه يعني ~~به استحقاقا، وتسمية، وهي تسمية النصف فالكل، فلم تقع الوصية صحيحة في ~~مخرجها، وقولنا: بيقين؛ لأنها لا يحتمل النفاذ لحال. # ألا يرى أنه لو ظهر للميت مال آخر لنفذت هذه الوصية، وهي الوصية بالزيادة ~~على الثلث بخلاف المواضع الخمس فإن هناك ما وقعت باطلة بيقين بل تحتمل ~~التنفيذ في الجملة بأن يظهر مال آخر للميت يخرج هذا القدر من الثلث فبين أن ~~الوصية ما وقعت بالزيادة على الثلث، فلم تقع باطلة بيقين. # وههنا بخلافه؛ لأنه، وإن ظهر له مال آخر يدخل ذلك المال في الوصية، ولا ~~يخرج من الثلث، وهذا القدر يشكل بالوصية بيقين، فإن زادت قيمته على الثلث ~~بأن أوصى بثلث عبد لرجل، وبثلثيه لآخر، ولا مال له سواه فردت الورثة أن ~~صاحب الثلثين لا يضرب بالثلث الزائد عندنا، وإن لم تكن الوصية باطلة بيقين ~~لجواز أن يظهر له مال آخر فتنفذ تلك الوصية فينتفي أن يضرب الموصى له ~~بالثلثين بالثلث الزائد، ومع هذا لا يضرب عندنا، فأشكل القدر، وبخلاف ~~الوصية بالأقل من الثلث؛ لأن الوصية هناك وقعت صحيحة في مخرجها من حيث ~~التسمية؛ لأن التسمية وقعت بالربع، والسدس، وكل ذلك مخارج الوصية بالتسمية ~~صادفت محل الوصية، وإنما يظهر الفرق عند اجتماع الوصيتين، فإذا ردت الورثة ~~فالرد ورد عليهما جميعا فيقسم بينهما على قدر نصيبهما. # ولو أوصى لرجل بجميع ماله ثم أوصى لآخر بثلث ماله فأجازت الورثة الوصيتين ~~جميعا فقد روى أبو يوسف، ومحمد عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه قال: الموصى ~~له بالجميع يأخذ الثلثين خاصة، ويكون الباقي بين صاحب الجميع، وبين صاحب ~~الثلث. # وقال حسن بن زياد: ليس هذا قول أبي حنيفة إن للموصى له ربع المال، ~~وللموصى له بالجميع ثلاثة أرباعه، ms4818 وذكر الكرخي - رحمه الله -: أنه ليس في ~~هذه المسألة نص رواية عن أبي حنيفة - رحمه الله -، وإنما اختلفوا في قياس ~~قوله، والصحيح أن قول أبي حنيفة - رحمه الله - تعالى فيها ما روى عنه أبو ~~يوسف، ومحمد - رحمهما الله -؛ لأنه قسمة على اعتبار المنازعة، وما ذكر حسن ~~- رحمه الله تعالى - اعتبار العول، والمضاربة، والقسمة على اعتبار العول، ~~والمضاربة من أصولهما لا من أصله فإن من أصله اعتبار المنازعة في القسمة ~~(ووجهه) ههنا أن ما زاد على # PageV07P375 # الثلث يعطى كله للموصى له بجميع المال؛ لأنه لا ينازعه فيه أحد. # وأما قدر الثلث فينازعه فيه الموصى له بالثلث - فاستوت منازعتهما فيه؛ إذ ~~لا ترجيح لأحدهما على الآخر فيقسم بينهما نصفين، فيكون أصل مسألة الحساب من ~~ثلاثة لحاجتنا إلى الثلث: الثلثان للموصى له بالجميع بلا منازعة، والثلث ~~بينهما نصفان إلا أنه ينكسر الحساب فيضرب اثنين في ثلاثة فيصير ستة فيسلم ~~ثلثاها للموصى له بالجميع بلا منازعة، وثلثها، وهو سهمان ينازعه فيه الموصى ~~له بالثلث، فيقسم بينهما، فحصل للموصى له بالجميع خمسة، وللموصى له بالثلث ~~سهم. # وأما القسمة على طريق العول، والمضاربة عندهما ههنا أن كل واحد منهما ~~يضرب بجميع وصيته فالموصى له بالثلث يضرب بالثلث، وهو سهم، والموصى له ~~بالجميع يضرب بكل المال وهو ثلاثة أسهم فيجعل المال على أربعة أسهم: لصاحب ~~الثلث سهم، ولصاحب الجميع ثلاثة هذا إذا أجازت الورثة، فإن ردت الورثة جازت ~~الوصية من الثلث ثم الثلث يكون بينهما نصفين في قول أبي حنيفة - رحمه الله ~~-؛ لأن الموصى له بأكثر من الثلث لا يضرب إلا بالثلث، إذا لم تجز الورثة ~~عنده، وعندهما يضرب لكل واحد منهما بجميع وصيته أرباعا على ما بينا، والله ~~- تعالى - الموفق هذا إذا اجتمعت الوصايا فيما سوى العين. # ، فإن اجتمعت الوصايا في العين، فإن اجتمعت في عين مشار إليها بأن أوصى ~~بعين واحدة لاثنين أو أكثر أو أوصى لكل واحد بجميع العين - فقد قال أبو ~~حنيفة - رحمه الله تعالى -: تقسم العين بين أصحاب الوصايا على عددهم فيضرب ms4819 ~~كل واحد منهم بالقدر الذي حصل له بالقسمة،، ولا يضرب بجميع تلك العين، وإن ~~وقعت القسمة بجميع العين، وذلك نحو أن يقول: أوصيت بعبدي هذا لفلان ثم قال: ~~وقد أوصيت بعبدي هذا لفلان آخر، والعبد يخرج من ثلث ماله؛ فإن العبد يقسم ~~بينهما نصفين على عددهما، وهما اثنان فيضرب كل واحد منهما بنصف العبد، ولا ~~يضرب بأكثر من ذلك. # وكذلك إن أوصى به لثلاثة أو لأربعة. # وقال أبو يوسف، ومحمد - رحمهما الله -: يضرب كل واحد منهما بجميع وصيته، ~~ويتفق الجواب في تقديم ما يستحق كل واحد منهما من العبد في هذه الصورة لكن ~~بناء على أصلين مختلفين، وإنما يظهر ثمرة اختلاف الأصلين فيما إذا انضمت ~~إلى الوصية لهما وصية لثالث بأن كان له عبد، وألفا درهم سوى ذلك فأوصى ~~بالعبد لإنسان، ثم أوصى به لآخر، وأوصى لرجل آخر بألف درهم فعند أبي حنيفة ~~- رحمه الله - يضرب كل واحد من الموصى له بالعبد بنصف العبد، وهذا بنصفه، ~~وهذا بنصفه، ويضرب الموصى له بألف درهم بألف، فيقتسمون بالثلث أرباعا، وعند ~~أبي يوسف،، ومحمد - رحمهما الله -: يضرب كل واحد من الموصى لهما بالعبد ~~بجميع العبد، والموصى له بألف يضرب بألف فيقتسمون الثلث أثلاثا بناء على ~~الأصل الذي ذكرنا فيما تقدم: أن الموصى له بأكثر من الثلث لا يضرب بأكثر من ~~الثلث عنده، وعندهما يضرب بجميع وصيته، فهما يقولان:؛ لأن التسمية وقعت ~~لجميع العين إلا أنها لا تظهر في حق الاستحقاق فتظهر في حق الضرب، كما في ~~أصحاب الديون، وأصحاب العول، وأبو حنيفة - رحمه الله - يقول: إن الموصى قد ~~أبطل وصية كل واحد منهما في نصف العين فله ولاية الإبطال. # ألا يرى أن له أن يرجع فيبطل استحقاق كل واحد منهما نصف العين، فالضرب ~~بالجميع يكون ضربا بوصية باطلة فكان باطلا، بخلاف الغرماء فإنه ليس لمن ~~عليه الدين ولأنه إبطال حقهم فيضرب كل واحد منهم بكل حقه، وبخلاف أصحاب ~~العول؛ لأنه لم يؤخذ من جهة الميت سبب يبطل شهادتهم فيضربون بجميع ما ثبت ~~حقهم ms4820 فيه. # ولو كان له عبد آخر قيمته ألف درهم وألف درهم فأوصى بعبد لرجل وأوصى لرجل ~~آخر بثلث ماله فالثلث، وهو قدر ألف درهم يكون بينهما نصفين: خمسمائة للموصى ~~له بجميع العبد وخمسمائة للموصى له بالثلث غير أن ما أصابه الموصى له ~~بالجميع يكون في العبد، وذلك خمسة أسداس العبد، وما أصاب الموصى له بالثلث ~~يكون بعضه في العبد، وهو سدس ما بقي من العبد، وهو عشر العبد، والبعض في ~~الدراهم، وهو خمس الألفين، فيضرب الموصى له بجميع العبد بخمسة أسداسه، ~~والموصى له بالثلث يضرب بسدس العبد، وبخمس الألفين على أصل أبي حنيفة - ~~رحمه الله تعالى -؛ لأنه اجتمع في العبد، وصيتان: وصية بجميعه، ووصية ~~بثلثه؛ لأن الوصية بثلث المال تناولت العبد لكونه مالا فاجتمعت في العبد ~~وصيتان فسلم للموصى له بجميع العبد: ثلثاه بلا منازعة، والثلث ينازعه فيه ~~الموصى له بالثلث، فيكون على الحساب من ثلاثة؛ لحاجتنا إلى الثلث، وأقل ~~حساب يخرج # PageV07P376 # منه الثلث ثلاثة: قسمان خليا عن منازعة الموصى له بالثلث فسلم ذلك للموصى ~~له بالجميع بلا منازعة بقي سهم استوت منازعتهما فيه فيكون بينهما فينكسر ~~فنضرب اثنين في ثلاثة فيكون ستة فثلثا الستة، وهو أربعة سلم للموصى له ~~بالجميع؛ لأنه لا ينازعه فيه أحد، وثلثها، وهو سهمان ينازعه فيه الموصى له ~~بالثلث، واستوت منازعتهما فيه فيقسم بينهما لكل واحد منهما سهم، وإذا صار ~~العبد، وقيمته ألف على ستة يصير كل ألف من الدراهم على ستة فصار الألفان ~~على اثني عشر للموصى له بالثلث منهما: أربعة أسهم فصار له خمسة أسهم: أربعة ~~أسهم من الدراهم، وسهم من العبد، وللموصى له بالجميع خمسة أسهم كلها في ~~العبد؛ لأنه لا وصية له في الدراهم فصارت وصيتهما جميعا عشرة أسهم فاجعل ~~ثلث المال على عشرة أسهم، فالثلثان عشرون سهما فالكل ثلاثون سهما، والعبد ~~ثلث المال؛ لأن قيمته ألف درهم فصار العبد على عشرة أسهم، والألفان على ~~عشرين سهما فادفع وصيتهما من العبد فوصية الموصى له بالجميع خمسة، وهو نصف ~~العبد، ووصية الموصى ms4821 له بالثلث سهم، وذلك خمس ما بقي من العبد، وادفع وصية ~~الموصى له بالثلث من الدراهم، وذلك عشرون سهما: أربعة أسهم، وهو خمس ~~الألفين على ما ذكره في الأصل فبقي من العبد أربعة أسهم لا وصية فيها فيدفع ~~إلى الورثة فيكمل لهم الثلثان؛ لأن الموصى له بالثلث قد أخذ من الألفين ~~أربعمائة، وذلك أربعة أسهم، وحصل للموصى له بالعبد خمسة أسهم من العبد، ~~وذلك نصفه، وحصل للموصى له بالثلث أربعمائة من الدراهم، وذلك خمسها؛ لأنا ~~جعلنا الألفين على عشرين سهما، وأربعة من عشرين خمسها، وحصل له من العبد ~~سهم، وذلك خمس العبد، وحصل للورثة عشرون سهما، وهي الثلثان ستة عشر سهما، ~~وذلك أربعة أخماسها، وأربعة أسهم من العبد، وذلك خمساه، هذا قول أبي حنيفة ~~- رحمه الله - (وأما) على قولهما فيقسم على طريق العول، والمضاربة، فصاحب ~~العبد يضرب بجميع ثلثه وصاحب الثلث يضرب بالثلث سهما، فيحتاج إلى حساب له ~~ثلث، وأقله ثلاثة فصاحب العبد يضرب بالجميع، وذلك ثلاثة وصاحب الثلث يضرب ~~بالثلث، وذلك سهم فصار العبد على أربعة أسهم، وإذا صار العبد على أربعة ~~أسهم مع العول صار كل ألف على ثلاثة بغير عول؛ لأنه لا حاجة إلى العول في ~~الألف فصارت الألفان على ستة أسهم فللموصى له بالثلث ثلثها، وذلك سهمان ~~فتبين أن وصيتهما ستة أسهم، وصية صاحب العبد ثلاثة كلها في العبد، ووصية ~~صاحب الثلث ثلاثة أسهم: سهمان في الدراهم، وسهم في العبد فاجعل ذلك ثلث ~~المال واجعل العبد ثلث المال، واجعل العبد على ستة أسهم، وادفع إليهما ~~وصيتهما من العبد لصاحب العبد ثلاثة أسهم، ولصاحب الثلث سهم بقي سهمان ~~فاضلان لا وصية فيهما فادفع ذلك إلى الورثة حتى يكمل لهم الثلثان؛ لأن صاحب ~~الثلث قد أخذ سهمين من الدراهم، وانتقص نصيب الورثة من الدراهم، فيدفع ~~سهمين من العبد إليهم حتى يكمل لهم الثلثان، وقد جعل ثلث المال، وهو العبد ~~على ستة أسهم فالثلثان يكونان اثني عشر، فادفع وصية صاحب الثلث من ذلك ~~سهمين ثم ضم السهمين من العبد ms4822 الذي لا وصية فيهما إلى عشرة أسهم حتى يكمل ~~لهم الثلثان فحصل للورثة عشرة أسهم من الدراهم، وسهمان من العبد، وللموصى ~~له بالعبد ثلاثة أسهم، وذلك نصف العبد، كله في العبد، وللموصى له بالثلث ~~سهم في العبد، وذلك سدس العبد، وسدس الألفين، وهما سهمان من اثني عشر، ~~والله - تعالى - أعلم. # ولو كان له عبدان قيمتهما واحدة لا مال له غيرهما فأوصى لرجل بأحدهما ~~بعينه، ولآخر بثلث ماله فإن الثلث يقسم بينهما على سبعة أسهم، وهذه المسألة ~~مبنية على مسألتين: إحداهما: أن الثلث يقسم بينهما على طريقة المنازعة في ~~قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -، وعندهما على طريق العول، والثانية: أن ~~المذهب عند أبي حنيفة أن الموصى له بأكثر من الثلث لا يضرب إلا بالثلث إلا ~~في مواضع الاستثناء على ما بينا إذا عرفت هذا فنقول: القسمة في هذه المسألة ~~على طريق المنازعة عند أبي حنيفة - رحمه الله -؛ لأنه اجتمع في العبد ~~وصيتان: وصية بجميعه، ووصية بثلثه، والثلثان يسلمان لصاحب الجميع بلا ~~منازعة؛ لأنه لا ينازعه فيه صاحب الثلث، وذلك سهمان من ثلاثة، والثلث، وهو ~~سهم استوت منازعتهما فيه فيقسم بينهما لكل واحد منهما نصف سهم فانكسر فنضرب ~~اثنين في ثلاثة فيصير ستة قلنا: الستة تسلم لصاحب الجميع بلا منازعة، وهو ~~أربعة والثلث، وهو سهمان استوت # PageV07P377 # منازعتهما فيه فيقسم بينهما كل واحد منهما سهم فصار لصاحب الجميع خمسة ~~أسهم، ولصاحب الثلث سهم فلما صار هذا العبد على ستة أسهم صار العبد الآخر ~~على ستة للموصى له بالثلث منهما سهمان فصار وصية صاحب الثلث ثلاثة أسهم: ~~سهمان في العبد الذي لا وصية فيه، وسهم في العبد الذي فيه وصية، ووصية صاحب ~~العبد خمسة أسهم، وذلك أكثر من ثلث المال؛ لأن جميع المال اثنا عشر فثلثها ~~أربعة. # والمذهب عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -: أن الموصى له بأكثر من الثلث ~~لا يضرب له إلا بالثلث فنطرح من وصيته سهما فتصير وصيته أربعة أسهم، ووصية ~~الآخر ثلاثة أسهم وذلك سبعة أسهم فاجعل هذا ثلث ms4823 المال، وثلثاه مثلاه، وذلك ~~أربعة عشر، وجميع المال أحد وعشرون، وماله عبدان فتبين أن كل عبد على عشرة، ~~ونصف؛ لأن كل عبد مقدار نصف المال فيدفع من العبد الموصى به وصيتهما فيه، ~~ويدفع إليهما بوصية صاحب الجميع أربعة أسهم في العبد فيدفع ذلك إليه، ووصية ~~صاحب العبد سهم واحد في العبد، فيدفع ذلك إليه فبقي من العبد خمسة أسهم، ~~ونصف فادفع ذلك إلى الورثة فيقسم بينهم على فرائض الله - تعالى -، ويؤخذ من ~~العبد الذي لا وصية فيه سهمان، ويدفع إلى الموصى له بالثلث فيبقى من هذا ~~العبد ثمانية ونصف يدفع إلى الورثة فيقسم بينهم على فرائض الله - تعالى - ~~فصارت كلها سبعة أسهم، وهي ثلث المال، فحصل للموصى له بالعبد منهما خمسة ~~أسهم، وللموصى له بالثلث سهمان، وحصل للورثة من العبد الموصى به خمسة ونصف، ~~ومن العبد الذي لا وصية فيه ثمانية ونصف فذلك أربعة عشر، وهي ثلثا المال ~~فاستقام الحساب على الثلث، والثلثين. # وأما على قول أبي يوسف، ومحمد: فيقسم على طريق العول فنقول: اجتمع في ~~العبد وصيتان: وصية بجميعه، ووصية بثلثه، ومخرج الثلث ثلاثة فصاحب الجميع ~~يضرب بالجميع، وذلك ثلاثة أسهم، وصاحب الثلث يضرب بثلثه، وهو سهم فصار ~~العبد على أربعة أسهم، وهو معنى العول فلما صار هذا العبد على أربعة بالعول ~~يجعل العبد الآخر على ثلاثة بغير عول؛ لأنه لا حاجة إلى العول في ذلك العبد ~~فسهم من ذلك العبد للموصى له بالثلث فصارت وصية صاحب الثلث سهمين: سهم من ~~العبد الذي فيه الوصية، وسهم من العبد الذي لا وصية فيه، ووصية صاحب العبد ~~ثلاثة أسهم فذلك خمسة أسهم فاجعل هذا ثلث المال، وثلثاه مثلاه، وذلك عشرة، ~~والجميع خمسة عشر، وماله عبدان فيصير كل عبد على سبعة، ونصف فيدفع وصية ~~صاحب العبد من العبد إليه، وذلك ثلاثة، ووصية صاحب الثلث إليه، وذلك سهم ~~يبقى من هذا العبد ثلاثة ونصف فيدفع ذلك إلى الورثة، ويدفع من العبد الآخر ~~سهم إلى الموصى له بالثلث يبقى ستة أسهم، ونصف من العبد ms4824 الذي فيه الوصية ~~وستة أسهم، ونصف من العبد الآخر فاستقامت القسمة على الثلث، والثلثين، ~~والله - تعالى - أعلم. ### | [فصل في صفة عقد الوصية] # (فصل) : # وأما صفة هذا العقد فله صفتان إحداهما قبل الوجود، والأخرى بعد الوجود، ~~أما التي هي قبل الوجود فهي أن الوصية بالفرائض والواجبات واجبة، وبما ~~وراءها جائزة، ومندوب إليها، ومستحبة في بعض الأحوال، وعند بعض الناس: الكل ~~واجب، وقد بينا ذلك كله في صدر الكتاب. # وأما التي هي بعد الوجود فهي أن هذا عقد غير لازم في حق الموصى حتى يملك ~~الرجوع عندنا ما دام حيا؛ لأن الموجود قبل موته مجرد إيجاب، وأنه محتمل ~~الرجوع في عقد المعاوضة فهي بالتبرع أولى كما في الهبة، والصدقة إلا ~~التدبير المطلق خاصة فإنه لازم لا يحتمل الرجوع أصلا، وإن كان وصية؛ لأنه ~~إيجاب يضاف إلى الموت، ولهذا يعتبر من الثلث؛ لأنه سبب لثبوت العتق، والعتق ~~لازم. # وكذا سببه؛ لأنه سبب حكم لازم. # وكذا التدبير المقيد لا يحتمل الرجوع نصا، ولكنه يحتمله دلالة بالتمليك ~~من غيره؛ لأن العتق فيه تعلق بموت موصوف بصفة، وقد لا توجد تلك الصفة فلم ~~يستحكم السبب، ثم الرجوع قد يكون نصا، وقد يكون دلالة، وقد يكون ضرورة، أما ~~النص فهو أن يقول الموصي: رجعت، أما الدلالة فقد تكون فعلا، وقد تكون قولا، ~~وهو أن يفعل في الموصى به فعلا يستدل به على الرجوع أو يتكلم بكلام يستدل ~~به على الرجوع، وبيان هذه الجملة إذا فعل في الموصى به فعلا لو فعله في ~~المغصوب لانقطع به ملك المالك - كان رجوعا كما إذا أوصى بثوب ثم قطعه، ~~وخاطه قميصا أو قباء أو بقطن ثم غزله أو لم يغزله ثم نسجه أو بحديدة ثم صنع ~~منها إناء أو سيفا أو سكينا أو بفضة ثم صاغ منها حليا، ونحو ذلك؛ لأن هذه ~~الأفعال لما # PageV07P378 # أوجبت بطلان حكم ثابت في المحل، وهو الملك؛ فلأن توجب بطلان مجرد كلام من ~~غير حكم أصلا أولى، ثم وجه الدلالة منها على التفصيل: أن كل واحد ms4825 منها ~~تبديل العين، وتصييرها شيئا آخر معنى، واسما، فكان استهلاكا لها من حيث ~~المعنى، فكان دليل الرجوع فصار كالمشتري بشرط الخيار إذا فعل في المبيع ~~فعلا يدل على إبطال الخيار يبطل خياره، والأصل في اعتبار الدلالة إشارة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله للمخيرة «إن وطئك زوجك فلا خيار لك» . # ولو أوصى بقميص ثم نقضه فجعله قباء فهو رجوع؛ لأن الخياطة في ثوب غير ~~منقوض دليل الرجوع فمع النقض أولى، وإن نقضه، ولم يخطه لم يذكر في الكتاب، ~~واختلف المشايخ فيه، والأشهر أنه ليس برجوع؛ لأن العين بعد النقض قائمة ~~تصلح لما كانت تصلح له قبل النقض. # ولو باع الموصى به أو أعتقه أو أخرجه عن ملكه بوجه من الوجوه - كان ~~رجوعا؛ لأن هذه التصرفات وقعت صحيحة لمصادفتها ملك نفسه فأوجبت زوال الملك ~~فلو بقيت الوصية مع وجودها لتعينت في غير ملكه، ولا سبيل إليه. # ولو باع الموصى به ثم اشتراه أو وهبه، وسلم، ورجع في الهبة - لا تعود ~~الوصية؛ لأنها قد بطلت بالبيع، والهبة مع التسليم لزوال الملك، والعائد ملك ~~جديد غير موصى به فلا يصير موصى به إلا بوصية جديدة. # ولو أوصى بعبد فغصبه رجل ثم رده بعينه فالوصية على حالها؛ لأن الغصب ليس ~~فعل الموصي، والموصى به على حاله فبقيت الوصية إلا إذا استهلكه الغاصب أو ~~هلك في يده فتبطل الوصية لبطلان محل الوصية. # وكذا لو أوصى بعبد ثم دبره أو كاتبه، أو باع نفسه منه كان رجوعا؛ لأن ~~التدبير إعتاق من وجه أو مباشرة سبب لازم لا يحتمل الفسخ، والنقض، وكل ذلك ~~دليل الرجوع، والمكاتبة معاوضة إلا أن العوض متأخر إلى وقت أداء البدل، ~~فكان دليل الرجوع كالبيع، وبيع نفس العبد منه إعتاق فكان رجوعا. # ولو أوصى بعبد لإنسان، ثم أوصى أن يباع من إنسان آخر - لم يكن رجوعا، ~~وكانت الوصية لهما جميعا؛ لأنه لا تنافي بين الوصيتين؛ لأن كل واحدة منهما ~~تمليك إلا أن إحداهما تمليك بغير بدل، والأخرى تمليك ببدل فيكون العبد ~~بينهما: نصفه ms4826 للموصى له به، ونصفه يباع للموصى له بالبيع. # ولو أوصى أن يعتق عبده، ثم أوصى بعد ذلك أن يباع من فلان أو أوصى أولا ~~بالبيع ثم أوصى بالإعتاق - كان رجوعا لما بين الوصيتين من التنافي؛ إذ لا ~~يمكن الجمع بين الإعتاق، والبيع، فكان الإقدام على الثانية دليل الرجوع عن ~~الأولى، وهذا هو الأصل في جنس هذه المسائل أنه إذا أوصى بوصيتين متنافيتين ~~كانت الثانية مبطلة للأولى، وهو معنى الرجوع، وإن كانتا غير متنافيتين ~~نفذتا جميعا. # ولو أوصى بشاة ثم ذبحها كان رجوعا؛ لأن الملك في باب الوصية يثبت عند ~~الموت، والشاة المذبوحة لا تبقى إلى وقت الموت عادة بل تفسد، فكان الذبح ~~دليل الرجوع. # ولو أوصى بثوب ثم غسله أو بدار ثم جصصها أو هدمها - لم يكن شيء من ذلك ~~رجوعا؛ لأن الغسل إزالة الدرن، والوصية لم تتعلق به فلم يكن الغسل تصرفا في ~~الموصى به، وتجصيص الدار ليس تصرفا في الدار بل في البناء؛ لأن الدار اسم ~~للعرصة، والبناء بمنزلة الصفة فيكون تبعا للدار، والتصرف في التبع لا يدل ~~على الرجوع عن الأصل، ونقض البناء تصرف في البناء، والبناء صفة، وأنها ~~تابعة. # ولو أوصى لرجل أن يشتري له عبدا بعينه ثم رجع العبد إلى الموصي بهبة أو ~~صدقة أو وصية أو ميراث - فالوصية لا تبطل، ويجب تنفيذها؛ لأن الوصية ما ~~وقعت بثمن العبد بل بعين العبد، وهو مقصود الموصى، وإنما ذكر الشراء للتوصل ~~به إلى ملكه، وقد ملكه فتنفذ فيه الوصية. # ولو أوصى بشيء لإنسان ثم أوصى به لآخر فجملة الكلام فيه أنه إذا أعاد عند ~~الوصية الثانية الوصية الأولى، والموصى له الثاني محل قابل للوصية - كان ~~رجوعا. # وكان إشراكا في الوصية، وبيان هذه الجملة إذا قال: أوصيت بثلث مالي لفلان ~~ثم قال: أوصيت بثلث مالي لفلان آخر ممن تجوز له الوصية - فالثلث بينهما ~~نصفان. # وكذا لو قال: أوصيت بهذا العبد لفلان، وهو يخرج من الثلث، ثم قال: أوصيت ~~به لفلان آخر ممن تجوز له الوصية - كان العبد بينهما ms4827 نصفين. # ولو قال: أوصيت بثلث مالي لفلان أو بعبدي هذا لفلان ثم قال: الذي أوصيت ~~به لفلان أو العبد الذي أوصيت به لفلان فهو لفلان - كان رجوعا عن الأولى، ~~وإمضاء للثانية، وإنما كان كذلك؛ لأن الأصل في الوصية بشيء لإنسان ثم ~~الوصية به لآخر هو الإشراك؛ لأن فيه عملا بالوصيتين بقدر الإمكان،، والأصل ~~في تصرف العاقل صيانته عن الإبطال ما أمكن، وفي الحمل على الرجوع إبطال ~~إحدى الوصيتين من كل وجه، وفي الحمل على # PageV07P379 # الإشراك عمل بكل واحد منهما من وجه فيحمل عليه ما أمكن، وعند الإعادة. # وكون الثاني محلا للوصية لا يمكن الحمل على الإشراك؛ لأنه لما أعاد علم ~~أنه أراد نقل تلك الوصية من الأول إلى الثاني، ولا ينتقل إلا بالرجوع، فكان ~~ذلك منه رجوعا هذا إذا قال: الوصية التي أوصيت بها لفلان فهي لفلان. # وكذا إذا قال: الوصية التي أوصيت بها لفلان قد أوصيتها لفلان أو فقد ~~أوصيتها لفلان، فأما إذا قال: وقد أوصيت بها لفلان، فهذا يكون إشراكا؛ لأن ~~الواو للشركة، وللاجتماع. # ولو قال: كل وصية أوصيت بها لفلان فهي باطلة فهذا رجوع؛ لأنه نص على ~~إبطال الوصية الأولى، وهو من أهل الإبطال، والمحل قابل للبطلان فتبطل، وهو ~~معنى الرجوع. # ولو قال: كل وصية أوصيت بها لفلان فهي حرام أو هي ربا لا يكون رجوعا؛ لأن ~~الحرمة لا تنافي الوصية فلم يكن دليل الرجوع. # ولو قال: كل وصية أوصيت بها لفلان فهي لفلان وارثي كان هذا رجوعا عن ~~وصيته لفلان، ووصيته للوارث فيقف على إجازة الورثة؛ لأنه نقل الوصية الأولى ~~بعينها إلى من يصح النقل إليه؛ لأن الوصية للوارث صحيحة بدليل أنها تقف على ~~إجازة بقية الورثة، والباطل لا يحتمل التوقف، وإذا انتقلت إليه لم يبق ~~للأول ضرورة، وهذا معنى الرجوع ثم إن أجازت بقية الورثة الوصية لهذا الوارث ~~نفذت وصار الموصى به للموصى له، وإن ردوا بطلت، ولم يكن للموصى له الأول ~~لصحة الرجوع لانتقال الوصية منه، وصار ميراثا لورثة الموصى كما لو رجع ~~صريحا. ms4828 # ولو قال: الوصية التي أوصيت بها لفلان فهي لعمرو بن فلان، وعمرو حي يوم ~~قال الموصي هذه المقالة كان رجوعا عن وصيته؛ لأن الوصية لعمرو وقعت صحيحة؛ ~~لأنه كان حيا وقت كلام الوصية فيصح النقل إليه فصح الرجوع، ولو كان عمرو ~~ميتا يوم كلام الوصية لم تصح الوصية؛ لأن الميت ليس بمحل للوصية فلم يصح ~~إيجاب الوصية له فلم يثبت ما في ضمنه، وهو الرجوع، ولو كان عمرو حيا يوم ~~الوصية حتى صحت، ثم مات عمرو قبل موت الموصي بطلت الوصية؛ لأن نفاذها عند ~~موت الموصي، وتعذر تنفيذها عند موته؛ لكون الموصى له ميتا، فكان المال كله ~~للورثة. # ولو قال: الثلث الذي أوصيت به لفلان فهو لعقب عمرو، فإذا عمرو حي، ولكنه ~~مات قبل موت الموصي - فالثلث لعقبه. # وكان رجوعا عن وصية فلان؛ لأن قوله لعقب عمرو وقع صحيحا إذا كان لعمرو ~~عقب يوم موت الموصي؛ لأن عقب الرجل من يعقبه بعد موته، وهو ولده فلما مات ~~عمرو قبل موت الموصي - فقد صار ولده عقبا له يوم نفاذ الإيجاب، وهو يوم موت ~~الموصي فصحت الوصية كما لو أوصى بثلث ماله لولد فلان، ولا ولد له يومئذ ثم ~~ولد له ولد ثم مات الموصي - إن الثلث يكون له كذا ههنا ثم إذا صح إيجاب ~~الثلث له بطل حق الأول؛ لما قلنا، فإن مات عقب عمرو بعد موت عمرو قبل موت ~~الموصي - رجع الثلث إلى الورثة؛ لأن الإيجاب لهم قد صح لكونهم عقبا لعمرو، ~~فثبت الرجوع عن الأول ثم بطل استحقاقهم بموتهم قبل موت الموصي فلا يبطل ~~الرجوع. # ولو مات الموصي في حياة عمرو فالثلث للموصى له؛ لأن الموصي قد مات، ولم ~~يثبت للموصى لهم اسم العقب بعد فبطل الإيجاب لهم أصلا، فبطل ما كان ثبت في ~~ضمنه، وهو الرجوع عن الوصية الأولى. # ولو أوصى ثم جحد الوصية ذكر في الأصل أنه يكون رجوعا، ولم يذكر خلافا قال ~~المعلى عن أبي يوسف في نوادره قال أبو يوسف - رحمه الله تعالى -: في رجل ms4829 ~~أوصى بوصية ثم عرضت عليه من الغد فقال: لا أعرف هذه الوصية، قال: هذا رجوع ~~منه. # وكذلك لو قال: لم أوص بهذه الوصية قال: وسألت محمدا عن ذلك فقال: لا يكون ~~الجحد رجوعا، وذكر في الجامع إذا أوصى بثلث ماله لرجل ثم قال بعد ذلك: ~~اشهدوا أني لم أوص لفلان بقليل، ولا كثير - لم يكن هذا رجوعا منه عن وصية ~~فلان، ولم يذكر خلافا، فيجوز أن يكون ما ذكر في الأصل قول أبي يوسف، وما ~~ذكر في الجامع قول محمد، ويجوز أن يكون في المسألة روايتان. # (وجه) ما ذكر في الجامع: أن الرجوع عن الوصية يستدعي سابقية وجود الوصية، ~~والجحود إنكار وجودها أصلا، فلا يتحقق فيه معنى الرجوع فلا يمكن أن يجعل ~~رجوعا، ولهذا لم يكن جحود النكاح طلاقا؛ ولأن إنكار الوصية بعد وجودها يكون ~~كذبا محضا، فكان باطلا لا يتعلق به حكم كالإقرار الكاذب حتى لو أقر بجارية ~~لإنسان كاذبا، والمقر له يعلم ذلك - لا يثبت الملك حتى لا يحل وطؤها. # وكذا سائر الأقارير الكاذبة إنها باطلة في الحقيقة كذا الإنكار الكاذب # PageV07P380 # وجه) ما ذكر في الأصل: أن معنى الرجوع عن الوصية هو فسخها، وإبطالها، ~~وفسخ العقد كلام يدل على عدم الرضا بالعقد السابق، وبثبوت حكمه، والجحود في ~~معناه؛ لأن الجاحد لتصرف من التصرفات غير راض به، وبثبوت حكمه فيتحقق فيه ~~معنى الفسخ فحصل معنى الرجوع. # وروى ابن رستم عن محمد - رحمه الله تعالى -: لو أن رجلا أوصى بوصايا إلى ~~رجل فقيل له: إنك ستبرأ فأخر الوصية فقال: أخرتها - فهذا ليس برجوع، ولو ~~قيل له: اتركها، فقال: قد تركتها - فهذا رجوع؛ لأن الرجوع عن الوصية هو ~~إبطال الوصية، والتأخير لا ينبئ عن الإبطال، والترك ينبئ عنه. # ألا يرى أنه لو قال: أخرت الدين كان تأجيلا له لا إبطالا؟ ، ولو قال: ~~تركته كان إبراء؟ . # روى بشر عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - في رجل أوصى بثلث ماله لرجل ~~مسمى، وأخبر الموصي أن ثلث ماله ألف أو قال: هو هذا، فإذا ms4830 ثلث ماله أكثر من ~~ألف فإن أبا حنيفة - رحمه الله - قال: أن له الثلث من جميع ماله، والتسمية ~~التي سمى باطلة - لا ينقض الوصية خطؤه في ماله إنما غلط في الحساب، ولا ~~يكون رجوعا في الوصية (وهذا) قول أبي يوسف - رحمه الله تعالى -؛ لأنه لما ~~أوصى بثلث ماله فقد أتى بوصية صحيحة؛ لأن صحة الوصية لا تقف على بيان مقدار ~~الموصى به، فوقعت الوصية صحيحة بدونه ثم بين المقدار، وغلط فيه، والغلط في ~~قدر الموصى به لا يقدح في أصل الوصية فبقيت الوصية متعلقة بثلث جميع المال؛ ~~ولأنه يحتمل أن يكون هذا رجوعا عن الزيادة على القدر المذكور، ويحتمل أن ~~يكون غلطا، فوقع الشك في بطلان الوصية، فلا تبطل مع الشك على الأصل المعهود ~~أن الثابت بيقين لا يزول بالشك. # ولو قال: أوصيت بغنمي كلها وهي مائة شاة، فإذا هي أكثر من مائة وهي تخرج ~~من الثلث - فالوصية جائزة في جميعها؛ لما ذكرنا أنه أوصى بجميع غنمه ثم غلط ~~في العدد قال: ولو قال: أوصيت له بغنمي، وهي هذه، وله غنم غيرها تخرج من ~~الثلث فإن هذا في القياس مثل ذلك، ولكني أدع القياس في هذا، وأجعل له الغنم ~~التي تسمى من الثلث؛ لأنه جمع بين التسمية، والإشارة، وكل واحد منهما ~~للتعيين غير أن هذه الإشارة أقوى؛ لأنها تحصر العين، وتقطع الشركة، فتعلقت ~~الوصية بالمشار إليه فلا يستحق الموصى له غيره بخلاف ما إذا قال: أوصيت له ~~بثلث مالي، وهو هذا، وله مال آخر غيره إنه يستحق ثلث جميع المال؛ لأن ~~الإشارة هناك لم تصح؛ لأنه قال: ثلث مالي، والثلث اسم للشائع والمعين غير ~~الشائع فلغت الإشارة فتعلقت الوصية بالمسمى، وهو ثلث المال، وههنا صحت، ~~وصية الإشارة، وهي أقوى من التسمية فتعلقت الوصية بالمشار إليه. # ولو قال: قد أوصيت لفلان برقيقي، وهم ثلاثة فإذا هم خمسة جعلت الخمسة ~~كلهم في الثلث؛ لأنه أوصى برقيقه كلهم لكنه غلط في عددهم، والغلط في العدد ~~لا يمنع استحقاق الكل بالوصية العامة. # ولو أوصى ms4831 بثلث ماله لبني عمرو بن حماد وهم سبعة فإذا بنوه خمسة كان الثلث ~~كله لهم؛ لأنه جعل الثلث لبني عمرو بن حماد ثم وصف بنيه، وهم خمسة بأنهم ~~سبعة غلطا فيلغو الغلط، ويلحق بالعدم كأنه لم يتكلم به؛ لأنه لما قال: وهم ~~سبعة، ولم يكونوا إلا خمسة فقد أوصى لخمسة موجودين، ولمعدومين، ومتى جمع ~~بين موجود، ومعدوم، وأوصى لهما يلغو ذكر المعدوم، وتكون الوصية للموجود، ~~كما لو قال: أوصيت بثلث مالي لعمرو، وخالد ابني فلان، فإذا أحدهما ميت إن ~~الثلث كله للحي منهما كذا هذا. # وكذلك لو قال: لبني فلان، وهم خمسة فإذا هم ثلاثة أو قال: وهم سبعة، فإذا ~~هم ثلاثة أو اثنان؛ لما قلنا. # ولو قال: أوصيت بثلث مالي لبني فلان وله ثلاث بنين أو ابنان كان جميع ~~الثلث لهم؛ لأن الثلاث يقال لهم: بنون، والاثنان في هذا الباب ملحق ~~بالجميع؛ لأن الوصية أخت الميراث، وهناك ألحق الاثنتان بالثلاث في حق ~~استحقاق الثلثين كذا هذا ولو كان لفلان ابن واحد استحق نصف الثلث؛ لأنه جعل ~~الثلث للبنين، والواحد لا ينطلق عليه اسم البنين لغة، ولا له حكم الجماعة ~~في باب الوصية، والميراث فلا يستحق الكل، وإنما صرف إليه نصف الثلث؛ لأن ~~أقل من يستحق كمال الثلث في هذا الباب اثنان، ولو كان معه آخر لصرف إليهما ~~كمال الثلث، فإذا كان، وحده يصرف إليه نصف الثلث. # ولو قال: قد أوصيت بثلث مالي لابني فلان عمرو وحماد، فإذا ليس له إلا ~~عمرو كان جميع الثلث له؛ لأنه جعل عمرا، وحمادا بدلين عن قوله ابني فلان، ~~كما يقال: جاءني أخوك عمرو، والبدل عند أهل النحو: هو الإعراض عن قوله ~~الأول، والأخذ بالثاني، فكان المعتبر هو الثاني، والأول يلغو، كما إذا قلت: ~~جاءني أخوك زيد يصير كأنك قلت جاءني زيد، واعتمدت عليه، وأعرضت # PageV07P381 # عن قولك: أخوك إلى هذا ذهب الأئمة من النحويين وهذا قول سيبويه وإذا كان ~~كذلك صار الموصي معتمدا على قوله: عمرو، وحماد، معرضا عن قوله: ابني فلان، ~~فصار كأنه ms4832 قال: أوصيت بثلث مالي لعمرو، وحماد، وحماد ليس بموجود، ولو كان ~~كذلك لصرف كل الثلث إلى عمر وكذا ههنا، والإشكال على هذا أن قوله: عمرو، ~~وحماد، كما يصلح أن يكون بدلا عن قوله: ابني فلان، يصلح أن يكون عطف بيان، ~~والمعتبر في عطف البيان: المذكور أولا، والثاني يذكر لإزالة الجهالة عن ~~الأول، كما في قول القائل جاءني أخوك زيد إذا كان في إخوته كثرة - كان زيد ~~مذكورا بطريق عطف البيان لإزالة الجهالة المتمكنة في قوله: أخوك لكثرة ~~الإخوة بمنزلة النعت، وإذا كان المعتبر هو المذكور أولا، وهو قوله: ابني ~~فلان، فإذا لم يكن لفلان إلا ابن، واحد، وهو عمرو، فينبغي أن لا يكون له ~~إلا نصف الثلث، والجواب: نعم، هذا الكلام يصلح لهما جميعا لكن الحمل على ما ~~قلنا أولى؛ لأن فيه تصحيح جميع تصرفه، وهو تمليكه جميع الثلث، وأنه أوصى ~~بتمليك جميع الثلث، وفي الحمل على عطف البيان: إثبات تمليك النصف، فكان ما ~~قلناه أولى على أن من شرط عطف البيان: أن يكون الثاني معلوما، كما في قول ~~القائل جاءني أخوك زيد كان زيد معلوما، فزال به وصف الجهالة المعترضة في ~~قوله: أخوك بسبب كثرة الإخوة، وفي مسألتنا: الثاني غير معلوم؛ لأن اسم حماد ~~ليس له مسمى موجود له ليكون معلوما، فيحصل به بإزالة الجهالة فتعذر حمله ~~على عطف البيان فيجعل بدلا للضرورة. # (ولو) قال: أوصيت لبني فلان وهم خمسة ولفلان ابن فلان بثلث مالي، فإذا ~~بنو فلان ثلاثة فإن لبني فلان ثلاثة أرباع الثلث، ولفلان ابن فلان ربع ~~الثلث ذكرنا أن قوله، وهم خمسة لغو إذا كانوا ثلاثة فبقي قوله: أوصيت بثلث ~~مالي لبني فلان، ولفلان ابن فلان، فيكون الثلث بينهم أرباعا لحصول الوصية ~~لأربعة، فيكون بينهم أرباعا؛ لاستواء كل سهم فيها. # (ولو) قال: قد أوصيت لبني فلان وهم ثلاثة بثلث مالي، فإذا بنو فلان خمسة ~~- فالثلث لثلاثة منهم؛ لأن قوله: لبني فلان اسم عام، وقوله: وهم ثلاثة ~~تخصيص أي: أوصيت لثلاثة من بني فلان، فصح الإيصاء لثلاثة ms4833 منهم غير معينين، ~~وهذه الجهالة لا تمنع صحة الوصية؛ لأنها محصورة مستدركة، ومثل هذه الجهالة ~~لا تمنع صحة الوصية؛ لأن تنفيذها ممكن، كما لو أوصى لأولاد فلان. # وكما لو أوصى بثلث ماله، وهو مجهول لا يدري كم يكون عند موت الموصي؟ ~~بخلاف ما أوصى لواحد من عرض الناس حيث لم يصح؛ لأن تلك الجهالة غير ~~مستدركة. # وكذا لو أوصى لقبيلة لا يحصون؛ لأنه لا يمكن حصرها، والخيار في تعيين ~~الثلاثة من بنيه إلى ورثة الموصي؛ لأنهم قائمون مقامه، والبيان كان إليه؛ ~~لأنه هو المبهم، فلما مات عجز عن البيان بنفسه، فقام من يخلفه مقامه بخلاف ~~ما إذا أوصى لمواليه حيث لم تصح، ولم تقم الورثة مقامه؛ لأن هناك تخلف ~~المقصود من الوصية، ولا يقف على مقصود الموصي أنه أراد به زيادة في الإنعام ~~أو الشكر أو مجازاة أحد من الورثة، فلا يمكنهم التعيين، وههنا الأمر ~~بخلافه، واستشهد محمد - رحمه الله - لصحة هذه الوصية فقال: ألا يرى أن رجلا ~~لو قال: أوصيت بثلث مالي لبني فلان، وهم ثلاثة: فلان،، وفلان، وفلان، فإذا ~~بنو فلان غير الذين سماهم - إن الوصية جائزة لمن سمى؛ لأنه خص البعض فكذا ~~ههنا. # أوضح محمد - رحمه الله تعالى - جواز تخصيص ثلاثة مجهولين بعلمه لجواز ~~تخصيص ثلاثة معينين، وأنه إيضاح صحيح، ولو قال: قد أوصيت بثلث مالي لبني ~~فلان، وهم ثلاثة، ولفلان ابن فلان، فإذا بنو فلان خمسة - فلفلان ابن فلان ~~ربع الثلث؛ لأن قوله وهم ثلاثة صحيح لما ذكرنا أنه تخصيص العام فصار موصيا ~~بثلث ماله لثلاثة من بني فلان، ولفلان ابن فلان، فكان فلان رابعهم، فكان له ~~ربع الثلث، وثلاثة أرباعه لثلاثة من بني فلان، ولو أوصى لرجل بمائة، ولرجل ~~آخر بمائة ثم قال لآخر: قد أشركتك معهما فله ثلث كل مائة؛ لأن الشركة تقتضي ~~التساوي، وقد أضافها إليهما فيقتضي أن يستوي كل واحد منهما، ولا تتحقق ~~المساواة إلا بأن يأخذ من كل واحد منهما ثلث ما في يده، فيكون لكل واحد ~~ثلثا المائة فتحصل المساواة، ms4834 وإن أوصى لرجل بأربعمائة، ولآخر بمائتين ثم ~~قال لآخر: قد أشركتك معهما فله نصف ما أوصى لكل واحد منهما؛ لأن تحقيق ~~المشاركة بينهم على سبيل الجملة غير ممكن في هذه الصورة لاختلاف الأنصباء، ~~فيتحقق التساوي على سبيل الانفراد تحقيقا لمقتضى الشركة بقدر الإمكان ~~(وكذا) لو أوصى لاثنين لكل واحد جارية ثم أشرك فيهما ثالثا كان له نصف كل ~~واحدة منهما؟ لما ذكرنا # PageV07P382 # أن إثبات الاستواء على سبيل الاجتماع غير ممكن. # (ولو قال:) سدس مالي لفلان، ثم قال في ذلك المجلس أو في مجلس آخر: ثلث ~~مالي لفلان، فأجازت الورثة - فله ثلث المال؛ لأن الموصي أثبت الثلث، فثبت، ~~وهو يتضمن السدس، فثبت المتضمن به بثبوت المتضمن، فيصير كأنه أعاد الأول ~~زيادة. # ولو قال: سدس مالي لفلان وصية سدس مالي لفلان - فإنما هو سدس واحد؛ لأن ~~الأصل أن المعرفة إذا كررت كان المراد بالثاني هو الأول، والسدس ههنا ذكر ~~معرفة لإضافته إلى المال المعروف بالإضافة إلى ضمير المتكلم، والله - تعالى ~~- أعلم. # وعلى هذا يخرج ما إذا أوصى بخاتم لفلان وبفصه لفلان آخر، وجملة الكلام ~~فيه: أن الأمر لا يخلو: إما إن كانت الوصيتان في كلام واحد متصل، وإما إن ~~كانتا في كلام منفصل، فإن كانتا في كلام منفصل - فالحلقة للموصى له ~~بالخاتم، والفص للموصى له بالفص بلا خلاف، وإن كانتا في كلام منفصل فكذلك ~~في قول أبي يوسف، وقيل: إنه قول أبي حنيفة - رحمه الله - تعالى أيضا. # وقال محمد - رحمه الله تعالى -: الحلقة للموصى له بالخاتم، والفص بينهما ~~(وجه) قوله: أن الوصية بالخاتم تتناول الحلقة، والفص، وبالوصية لآخر بالفص ~~لم يتبين أن الفص لم يدخل، وإذا كان كذلك بقي الفص داخلا في الوصية ~~بالخاتم، وإذا أوصى بالفص لآخر فقد اجتمع في الفص وصيتان، فيشتركان فيه، ~~ويسلم الحلقة للأول، ولأبي يوسف - رحمه الله تعالى -: إن اسم الخاتم يتناول ~~الفص الذي فيه، إما بطريق التضمن؛ لأنه جزء من أجزاء الخاتم بمنزلة اسم ~~الإنسان أنه يتناول جميع أجزائه بطريق التضمن، وإما بطريق التبعية لكن عند ms4835 ~~الإطلاق، فإذا أفرد البعض بالوصية لآخر تبين أنه لم يتناوله حيث جعله ~~منصوصا عليه أو مقصودا بالوصية - فبطلت التبعية؛ لأن الثابت نصا فوق الثابت ~~ضمنا، وتبعا. # والأصل في الوصايا أن يقدم الأقوى فالأقوى وصار هذا كما إذا أوصى بعبده ~~لإنسان، وبخدمته لآخر إن الرقبة تكون للموصى له الأول، والخدمة للموصى له ~~الثاني؟ لما قلنا كذا هذا، وبهذا تبين أن هذا ليس نظير اللفظ العام، إذا ~~ورد عليه التخصيص؛ لأن اللفظ العام يتناول كل فرد من أفراد العموم بحروفه، ~~فيصير كل فرد من أفراده منصوصا عليه، وههنا كل جزء من أجزاء الخاتم لا يصير ~~منصوصا عليه بذكر الخاتم. # ألا يرى أن كل جزء من أجزاء الخاتم لا يسمى خاتما كما لا يسمى كل جزء من ~~أجزاء الإنسان إنسانا، فلم يكن هذا نظير اللفظ العام، فلا يستقيم قياسه ~~عليه مع ما أن المذهب الصحيح في العام أنه يحتمل التخصيص بدليل متصل، ~~ومنفصل، والبيان المتأخر لا يكون نسخا لا محالة بل قد يكون نسخا، وقد يكون ~~تخصيصا على ما عرف في أصول الفقه على أن الوصية بالخاتم، وإن تناولت ~~الحلقة، والفص لكنه لما أوصى بالفص لآخر فقد رجع عن وصيته بالفص للأول، ~~والوصية عقد غير لازم ما دام الموصي حيا فتحتمل الرجوع. # ألا يرى أنه يحتمل الرجوع عن كل ما أوصى به ففي البعض أولى، فيجعل رجوعا ~~في الوصية بالفص للموصى له بالخاتم. # وعلى هذا إذا أوصى بهذه الأمة لفلان، وبما في بطنها لآخر أو أوصى بهذه ~~الدار لفلان، وببنائها لآخر أو أوصى بهذه القوصرة لفلان، وبالثمر الذي فيها ~~لآخر إنه إن كان موصولا كان لكل واحد منهما ما أوصى له به بالإجماع، وإن ~~كان مفصولا، فعلى الاختلاف الذي ذكرنا، ولو أوصى بهذا العبد لفلان، وبخدمته ~~لفلان آخر، أو أوصى بهذه الدار لفلان، وبسكناها لآخر، وبهذه الشجرة لفلان، ~~وثمرتها لآخر أو بهذه الشاة لفلان، وبصوفها لآخر - فلكل واحد منهما ما سمى ~~له بلا خلاف سواء كان موصولا أو مفصولا؛ لأن اسم العبد لا ms4836 يتناول الخدمة. # واسم الدار لا يتناول السكنى، واسم الشجرة لا يتناول الثمرة لا بطريق ~~العموم، ولا بطريق التضمن؛ لأن هذه الأشياء ليست من أجزاء العين إلا أن ~~الحكم متى ثبت في العين ثبت فيها بطريق التبعية لكن إذا لم يفرد التبع ~~بالوصية، فإذا أفردت صارت مقصودة بالوصية، فلم تبق تابعة، فيكون لكل واحد ~~منهما ما أوصى له به أو تجعل الوصية الثابتة رجوعا عن الوصية بالخدمة، ~~والسكنى، والثمرة، والوصية تقبل الرجوع، وهذه المسائل حجة أبي يوسف في ~~المسألة الأولى. # ولو ابتدأ بالتبع في هذه المسائل ثم بالأصل بأن أوصى بخدمة العبد لفلان ~~ثم بالعبد لآخر أو أوصى بسكنى هذه الدار لإنسان ثم بالدار لآخر، أو بالثمرة ~~لإنسان ثم بالشجرة لآخر، فإذا ذكر موصولا - فلكل واحد منهما ما أوصى له به، ~~وإن ذكر مفصولا - فالأصل للموصى له بالأصل، والتبع بينهما نصفان؛ لأن ~~الوصية الثابتة # PageV07P383 # تناولت الأصل، والتبع جميعا، فقد اجتمع في التبع وصيتان، فيشتركان فيه، ~~ويسلم الأصل لصاحب الأصل، وهذا حجة محمد - رحمه الله تعالى - في المسألة ~~المتقدمة. # ولو أوصى بعبده لإنسان ثم أوصى بخدمته لآخر ثم أوصى له بالعبد بعد ما ~~أوصى له بالخدمة، أو أوصى بخاتمه لإنسان ثم أوصى بفصه لآخر ثم أوصى له ~~بالخاتم بعد ما أوصى له بالفص أو أوصى بجاريته لإنسان ثم أوصى بولدها لآخر ~~ثم أوصى له بالجارية بعد ما أوصى له بولدها - فالأصل، والتبع بينهما نصفان: ~~نصف العبد لهذا، ونصفه للآخر، ولهذا نصف خدمته، وللآخر نصف خدمته، وكذا في ~~الجارية مع ولدها، والخاتم مع الفص؛ لأن الوصية لأحدهما بالأصل وصية ~~بالتبع، ويبطل حكم الوصية بالتبع بانفراده وصار كأنه أوصى لكل واحد بالأصل، ~~والتبع نصا، ولو كان كذلك لاشتركا في الأصل، والتبع كذا هذا، فإن كان أوصى ~~للثاني بنصف العبد يقسم العبد بينهما أثلاثا. # وكان للثاني نصف الخدمة؛ لأنه لما أوصى له بنصف العبد بطلت وصيته في خدمة ~~ذلك النصف لدخولها تحت الوصية بنصف العبد، وبقيت وصيته بالخدمة في النصف ~~الآخر، وذكر ابن سماعة أن ms4837 أبا يوسف رجع عن هذا. # وقال: إذا أوصى بالعبد لرجل، وأوصى بخدمته لآخر ثم أوصى برقبة العبد أيضا ~~لصاحب الخدمة، فإن العبد بينهما، والخدمة كلها للموصى له بالخدمة لإفراده ~~بالوصية بالخدمة، فوقع صحيحا، فلا تبطل بالوصية بالرقبة، فصار الموصى له ~~الثاني موصى له بالرقبة، والخدمة على الانفراد، فيستحق نصف الرقبة لمساواته ~~صاحبه في الوصية بها، وينفرد بالوصية بالخدمة. # وقال: لو أوصى لرجل بأمة تخرج من الثلث، وأوصى لآخر بما في بطنها، وأوصى ~~بها أيضا للذي أوصى له بما في البطن، فالأمة بينهما نصفان، والولد كله للذي ~~أوصى له به خاصة لا يشركه فيه صاحبه؛ لما ذكرنا أنهما تساويا في استحقاق ~~الرقبة، وانفرد صاحب الولد بالوصية به خاصة. # ولو أوصى بالدار لرجل وأوصى ببيت فيها بعينه لآخر، فإن البيت بينهما ~~بالحصص. # وكذا لو أوصى بألف درهم بعينها لرجل، وأوصى بمائة منها لآخر كان تسعمائة ~~لصاحب الألف، والمائة بينهما نصفان؛ لأن اسم الدار يتناول البيوت التي فيها ~~بطريق الأصالة لا بطريق التبعية. # وكذا اسم الألف يتناول كل مائة منها بطريق الأصالة،. # وكان كل واحد منهما أصلا في كونه موصى به، فيكون بينهما، وهذا مما لا ~~خلاف فيه، وإنما الخلاف في كيفية القسمة، فعند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى ~~- على طريق المنازعة، وعند أبي يوسف على طريق المضاربة، فيقسم على أحد عشر: ~~لصاحب المائة جزء من أحد عشر في المائة، ولصاحب الألف عشرة أجزاء في جميع ~~الألف. # وكذلك الدار، والبيت. # ولو أوصى ببيت بعينه لرجل، وساحته لآخر كان البناء بينهما بالحصص؛ لأن ~~البيت لا يسمى بيتا بدون البناء، فكانت وصية الأول متناولة للبناء بطريق ~~الأصالة، فيشارك الموصى له بالساحة بخلاف الوصية بدار لإنسان، وببنائها ~~لآخر أنهما لا يشتركان في البناء بل تكون العرصة للموصى له بالدار، والبناء ~~لآخر؛ لأن اسم الدار لا يتناول البناء بطريق الأصالة بل بطريق التبعية؛ إذ ~~الدار اسم للعرصة في اللغة، والبناء فيها تبع بدليل أنها تسمى دارا بعد ~~زوال البناء، فكان دخول البناء في الوصية بالدار من طريق ms4838 التبعية، فكانت ~~العرصة للأول، والبناء للثاني، والله - تعالى - أعلم. # (وأما) . # الرجوع الثابت من طريق الضرورة فنوعان: أحدهما أن يتصل بالعين الموصى به ~~زيادة لا يمكن تسليم العين بدونها، كما إذا أوصى بسويق ثم لته بالسمن؛ لأن ~~الموصى به اتصل بما ليس بموصى به بحيث لا يمكن تسليمه بدونه لتعذر التمييز ~~بينهما، فثبت الرجوع ضرورة. # وكذا إذا وصى بدار ثم بنى فيها أو أوصى بقطن ثم حشاه جبة فيه أو أوصى ~~ببطانة، ثم بطن بها أو بظهارة، ثم ظهر بها؛ لأنه لا يمكن تسليم الموصى به ~~إلا بتسليم ما اتصل به، ولا يمكن تسليمه إلا بالنقض، ولا سبيل إلى التكليف ~~بالنقض؛ لأنه تصرف في ملك نفسه، فجعل رجوعا من طريق الضرورة، ويمكن إثبات ~~الرجوع في هذه المسائل من طريق الدلالة أيضا؛ لأن اتصال الموصى به بغيره ~~حصل بصنع الموصي، فكان تعدد التسليم مضافا إلى فعله، وكان رجوعا منه دلالة. # والثاني: أن يتغير الموصى به بحيث يزول معناه، واسمه سواء كان التغيير ~~إلى الزيادة أو إلى النقصان، كما إذا أوصى لإنسان بثمر هذا النخل ثم لم يمت ~~الموصي حتى صار بسرا أو أوصى له بهذا البسر ثم صار رطبا أو أوصى بهذا ~~العنب، فصار زبيبا، أو بهذا السنبل، فصار حنطة، أو بهذا القصيل، فصار شعيرا ~~أو بالحنطة المبذورة في # PageV07P384 # الأرض، فنبتت وصارت بقلا أو بالبيضة، فصارت فرخا أو نحو ذلك ثم مات ~~الموصي بطلت الوصية فيما أوصى به، فيثبت الرجوع ضرورة هذا إذا تغير الموصى ~~به قبل موت الموصي؛ لأنه صار شيئا آخر لزوال معناه، واسمه، فتعذر تنفيذ ~~الوصية فيما أوصى به. # وأما إذا تغير بعد موته، فحكمه يذكر في بيان ما تبطل به - إن شاء الله - ~~تعالى، ولو أوصى برطب هذا النخل، فصار بسرا فالقياس أن تبطل الوصية لتغير ~~الموصى به، وهو الرطب من الرطوبة إلى اليبوسة. # وزوال اسمه، وفي الاستحسان لا تبطل؛ لأن معنى الذات لم يتغير من كل وجه ~~بل بقي من وجه. # ألا يرى أن غاصبا لو غصب ms4839 رطب إنسان، فصار تمرا في يده لا ينقطع حق المالك ~~بل يكون له الخيار إن شاء أخذه تمرا، وإن شاء ضمنه رطبا مثل رطبه. ### | [فصل في حكم الوصية] # (فصل) : # وأما بيان حكم الوصية فالوصية في الأصل نوعان: وصية بالمال، ووصية بفعل ~~متعلق بالمال لا يتحقق بدون المال، أما الوصية بالمال فحكمها ثبوت الملك في ~~المال الموصى به للموصى له. # والمال قد يكون عينا، وقد يكون منفعة، ويتعلق بالملك في كل واحد منهما ~~أحكام أما ملك العين فحكم مطلق ملكه، وحكم سائر الأعيان المملوكة بالأسباب ~~الموضوعة لها سواء كالبيع، والهبة، والصدقة، ونحوها، فيملك الموصى له ~~التصرف فيها بالانتفاع بعينها، والتمليك من غيره بيعا، وهبة، ووصية؛ لأنه ~~ملك بسبب مطلق، فيظهر في الأحكام كلها، ويظهر في الزوائد المتصلة أو ~~المنفصلة الحادثة بعد موت الموصي سواء حدثت بعد قبول الموصى له أو قبل ~~قبوله بأن حدثت ثم قبل الوصية، أما بعد القبول فظاهر؛ لأنها حدثت بعد ملك ~~الأصل، وملك الأصل موجب ملك الزيادة. # (وأما) قبل القبول فلأن الملك بعد القبول ثبت من وقت الموت؛ لأن الكلام ~~السابق صار سببا لثبوت الملك في الأصل وقت الموت لكونه مضافا إلى وقت ~~الموت، فصار سببا عند الموت، فإذا قبل ثبت الملك فيه من ذلك الوقت لوجود ~~السبب في ذلك الوقت كالجارية المبيعة بشرط الخيار للمشتري إذا ولدت في مدة ~~الخيار ثم أجاز المشتري البيع إنه يملك الولد؛ لما قلنا، كذا هذا. # وكانت الزوائد موصى بها حتى يعتبر خروجها من الثلث؛ لأن الملك فيها ~~بواسطة ملك الأصل مضاف إلى كلام سابق كأنها كانت موجودة في ذلك الوقت، وهل ~~يكون موصى بها بعد القبول قبل القسمة؟ لم يذكر في الأصل، واختلف المشايخ ~~فيه قال بعضهم: لا يكون حتى لا يعتبر فيها الثلث. # ويكون في جميع المال كما لو حدثت بعد القسمة؛ لأنها حدثت بعد ملك الأصل. # وقال عامتهم: يكون؛ لأن ملك الأصل، وإن ثبت لكنه لم يتأكد بدليل أنه لو ~~هلك ثلث التركة قبل القسمة وصارت الجارية بحيث ms4840 لا تخرج من ثلث المال كانت ~~له الجارية بقدر ثلث الباقي، ويستوي فيما ذكرنا من الزيادة المنفصلة ~~المتولدة من الأصل أو في معنى المتولدة كالولد، والأرش، والعقر وما لم يكن ~~متولدا من الأصل رأسا كالكسب. # والغلة فرقا بين الوصية، وبين البيع حيث ألحق الكسب، والغلة بالمتولد في ~~الوصية، ولم يلحقهما في البيع، والفرق: أن الكسب، والغلة بدل المنفعة، ~~والمنفعة تملك بالوصية مقصودا كذا بدلها، بخلاف البيع ثم إذا صارت الزوائد ~~موصى بها حتى يعتبر خروجها من الثلث، فإن كانت الجارية مع الزيادة يخرجان ~~من الثلث يعطيان للموصى له، وإن كان لا يخرجان جميعا من الثلث فعند أبي ~~حنيفة - رحمه الله - يعطى للموصى له الجارية أولا من الثلث، فإن فضل من ~~الثلث شيء يعطى من الزيادة بقدر ما فضل، وعند أبي يوسف، ومحمد - رحمهما ~~الله - يعطى الثلث منهما جميعا بقدر الحصص. # (وجه) قولهما: أن الزيادة إن صارت موصى بها صارت كالموجودة عند العقد، ~~فيعطى الثلث منهما جميعا. # أكثر ما في الباب: أن فيه تغيير حكم العقد في الأصل بسبب الزيادة لكن هذا ~~جائز، كما في الزيادة المتصلة، ولأبي حنيفة - رحمه الله تعالى -: أن القول ~~بانقسام الثلث على الأصل، والزيادة إضرار بالموصى له من غير ضرورة، وهذا لا ~~يجوز، بيان ذلك: أن حكم الوصية في الأصل قبل حدوث الزيادة كان سلامة كل ~~الجارية للموصى له، وبعد الانقسام لا تسلم الجارية له بل تصير مشتركة، ~~والشركة في الأعيان عيب خصوصا في الجواري، فيتضرر به الموصى له ولا ضرورة ~~إلى إلحاق هذا الضرر لإمكان تنفيذ الوصية في الأصل بدون الزيادة بخلاف ~~الزيادة المتصلة، فإن هناك ضرورة لتعذر تنفيذ الوصية في الأصل بدون الزيادة ~~لعدم إمكان التمييز، فمست الضرورة إلى التنفيذ فيهما من الثلث. # وأما الزوائد الحادثة قبل موت الموصي فلا يملكها الموصى له؛ لأنها حدثت ~~قبل # PageV07P385 # ملك الأصل، وقبل انعقاد سبب الملك؛ لأن الكلام السابق إنما يصير سببا عند ~~الموت، فإذا مات الموصي ملكها الورثة، والله - تعالى - أعلم. # (وأما) ملك المنفعة بالوصية المضافة إليها ms4841 مقصودا، فيتعلق بها أحكام ~~مختلفة، فنذكرها، فنقول -، وبالله التوفيق -: إن الملك في المنفعة ثبت ~~موقتا لا مطلقا، فإن كانت الوصية مؤقتة إلى مدة تنتهي بانتهاء المدة، ويعود ~~ملك المنفعة إلى الموصى له بالرقبة إن كان قد أوصى بالرقبة إلى إنسان، وإن ~~لم يكن يعود إلى ورثة الموصي، وإن كانت مطلقة تثبت إلى وقت موت الموصى له ~~بالمنفعة ثم ينتقل إلى الموصى له بالرقبة إن كان هناك موصى له بالرقبة وإن ~~لم يكن ينتقل إلى ورثة الموصي وليس للموصى له بالخدمة، والسكنى أن يؤاجر ~~العبد أو الدار من غيره عندنا، وعند الشافعي: له ذلك. # (وجه) قوله: أن الموصى له بالمنفعة قد ملك المنفعة كالمستأجر له أن يؤاجر ~~من غيره كذا هذا، ولهذا يملك الإعارة كذا الإجارة (ولنا) أن الثابت للموصى ~~له بالسكنى، والخدمة ملك المنفعة بغير عوض، فلا يحتمل التمليك بعوض كالملك ~~الثابت للمستعير بالإعارة حتى لا يملك الإجارة كذا هذا أو يخدم العبد ~~بنفسه. # ولو أوصى بغلة الدار والعبد، فأراد أن يسكن بنفسه أو يستخدم العبد بنفسه ~~هل له ذلك؟ لم يذكر في الأصل، واختلف المشايخ فيه قال أبو بكر الإسكاف: له ~~ذلك. # وقال أبو بكر الأعمش: ليس له ذلك، وهو الصحيح؛ لأنه أوصى له بالغلة لا ~~بالسكنى، والخدمة، وليس له أن يخرج العبد من الكوفة إلا أن يكون أهل الموصى ~~له في غير الكوفة، فله أن يخرجه إلى أهله ليخدمه هناك إذا كان يخرج من ~~الثلث؛ لأن الوصية بالخدمة تقع على الخدمة المعهودة المتعارفة، وهي الخدمة ~~عند أهله، فكان ذلك مأذونا فيه دلالة؛ لأن لصاحب الرقبة حق الحفظ، ~~والصيانة. # وإنما يمكنه إذا كانت الخدمة بحضرته، هذا إذا كان العبد يخرج من الثلث، ~~فإن كان لا يخرج من الثلث فليس له أن يخرجه إلى مصير آخر؛ لأنه إذا لم يكن ~~له مال آخر سواه يخدم الموصى له يوما، والورثة يومين، فيكون كالعبد ~~المشترك، فلا يملك إخراجه؛ لما في الإخراج من إبطال حق الورثة. # وما وهب للعبد أو تصدق به عليه ms4842 أو اكتسبه - فهو لصاحب الرقبة؛ لأن ذلك ~~مال العبد، والعبد في الحقيقة لصاحب الرقبة، فكان كسبه له قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - «من باع عبدا وله مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه ~~المبتاع» ، ولو كان مكان العبد أمة، فولدت ولدا - فهو لصاحب الرقبة؛ لأنه ~~متولد من الرقبة، والرقبة له؛ ولأنه أوصى له بخدمة شخص واحد، فلا يستحق ~~خدمة شخصين. # ونفقة العبد العبد وكسوته على صاحب الخدمة إن كان العبد كبيرا؛ لأن ~~منفعته له، فكانت النفقة، والكسوة عليه؛ إذ الخراج بالضمان، ولهذا كانت ~~نفقة العبد المستعار على المستعير كذا هذا بخلاف العبد الرهن إن نفقته على ~~الراهن لا على المرتهن؛ لأن منفعته للراهن. # ألا يرى أنه لو هلك يسقط عنه من الدين بقدره، كذا له أن يفتكه في أي وقت ~~شاء فينتفع به، وإن كان العبد صغيرا يخرج من الثلث، فنفقته على صاحب الرقبة ~~إلى أن يدرك الخدمة. # ويصير من أهلها؛ لأنه لا منفعة لصاحب الخدمة للحال، ومنفعة النماء، ~~والزيادة لصاحب الرقبة، فكانت النفقة عليه حتى يبلغ الخدمة فإذا بلغ، ~~فنفقته على صاحب الخدمة؛ لأن المنفعة تحصل له. # وعلى هذا إذا أوصى بغلة نخل أبر لرجل ولآخر برقبته ولم تدرك، أو لم تحمل ~~- فالنفقة في سقيها، والقيام عليها على صاحب الرقبة، فإذا أثمرت فالنفقة ~~على صاحب الغلة لأنها إذا لم تدرك أو لم تحمل، فصاحب الغلة لا ينتفع بها، ~~فلا يكون عليه نفقتها. # وكانت على صاحب الرقبة لإصلاح ملكه إلى أن تثمر، فإذا أثمرت فقد صارت ~~منتفعا بها في حق صاحب الغلة، فكانت عليه نفقتها، فإن حملت عاما واحدا ثم ~~حالت ولم تحمل شيئا - فالقياس: أن لا يكون عليه نفقتها في العام الذي حالت ~~فيه؛ لأنه لا ينتفع بها فيه، وفي الاستحسان عليه نفقتها؛ لأن بانعدام حملها ~~عاما لا تعد منقطعة المنفعة؛ لأن من الأشجار ما لا يحمل كل عام ولا يعد ذلك ~~انقطاع النفع بل يعد نفعا، ونماء، كذا الأشجار ولا تخرج إلا في بعض فصول ~~السنة. # ولا ms4843 يعد ذلك انقطاع النفع بل يعد نفعا، ونماء حتى كانت نفقتها على الموصى ~~له بالغلة، فكذا هذا، فإن لم ينفق الموصى له بالغلة، وأنفق صاحب الرقبة ~~عليها حتى حملت فإنه يستوفي نفقته من ذلك الحمل، وما يبقى من الحمل فهو ~~لصاحب الغلة؛ لأنه فعل ذلك مضطرا لإصلاح ملك نفسه، ودفع الفساد عن ماله، ~~فلم يكن متبرعا، فله أن يرجع فيما حملت؛ لأنه إنما حصل هذه الفائدة بسبب ~~نفقته. # ولو هلكت الغلة قبل أن تصل إلى صاحب الغلة ليس له أن يرجع عليه بما أنفق؛ ~~لأن هذا ليس بدين واجب # PageV07P386 # عليه، وإنما هو شيء يفتى به ولا يقضى. # ولو جنى العبد جناية فالفداء على صاحب الخدمة؛ لأن منفعة الرقبة له، فكان ~~الفداء عليه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الخراج بالضمان» ، وصار ~~كعبد الرهن إذا جنى جناية إن الفداء على المرتهن؛ لأنه هو المنتفع به بحبسه ~~في دينه أو يقال: إن الفداء على صاحب الرقبة؛ لأن الجناية حصلت من الرقبة ~~حقيقة، والرقبة له، ولكن يقال لصاحب الخدمة: إن حقك يفوت لو فدى صاحب ~~الرقبة، أو دفع، وإن أردت أن تحيي حقك فافد، وهكذا يقال للمرتهن في العبد ~~الرهن إذا جنى؛ لأن الرقبة للراهن، فإذا فدى صاحب الخدمة فقد طهره عن ~~الجناية، فتكون الخدمة على حالها. # وإن أبى أن يفدي يقال لصاحب الرقبة: ادفعه أو افده؛ لأن الرقبة له، وأي ~~شيء اختاره بطل حق صاحب الخدمة في الخدمة، أما إذا دفع، فلا شك فيه؛ لأنه ~~بطل ملك الموصى له بالخدمة بالدفع، فلا يستحق الخدمة على ملك غيره. # وكذلك إذا أفدى؛ لأنه يصير كالمشتري منهم الرقبة، فيتجدد الملك، ويبطل ~~حكم الملك الأول فيه، فإن مات صاحب الخدمة، وقد فدى قبل ذلك بطلت وصيته؛ ~~لما قلنا: إن ملك المنفعة بالوصية بمنزلة ملك المستعير، والعارية تبطل بموت ~~المستعير؛ لأن المعير ملك المنفعة منه لا من غيره كذا ههنا، ويقال لصاحب ~~الرقبة: أد إلى ورثته الفداء الذي فدى؛ لأنه تبين أن الفداء كان عليه لا ~~على ms4844 صاحب الخدمة؛ لأنه إنما التزم ذلك على ظن أن كل منفعة الرقبة مصروف ~~إليه، ومتى ظهر أنه مصروف إلى غيره ظهر أنه على غيره، فتبين أنه تحمل عن ~~غيره، وهو صاحب الرقبة إحياء لملكه، وهو مضطر فيه، فرجع عليه (وليس) لصاحب ~~الرقبة أن ينتفع به ما لم يدفع إليهم ما دفع صاحب الخدمة من الفداء، فإن ~~أبى صاحب الرقبة دفع ذلك الفداء إلى ورثة صاحب الخدمة - بيع العبد فيه. # وكان بمنزلة الدين في عتقه؛ لأن هذا الدين وجب بسبب كان في رقبته، فصار ~~كسائر الديون. # ولو لم يجن العبد ولكن قتله رجل خطأ - فعلى عاقلة القاتل قيمته يشتري بها ~~عبدا يخدم صاحب الخدمة؛ لأن البدل يقوم مقام المبدل كالعبد الرهن إذا قتل ~~في يد المرتهن، وغرم القاتل قيمته يكون رهنا مكانه، بخلاف العبد المستأجر ~~إذا قتل، وغرم القاتل القيمة إنه لا يشتري بها عبدا آخر حتى يستعمله ~~المستأجر؛ لأن القاتل يغرم القيمة دراهم أو دنانير، والدراهم، والدنانير لا ~~يجوز استئناف عقد الإجارة عليها، فلا يبقى عليها العقد، فتبطل، ويجوز ~~استئناف عقد الوصية على الدراهم، والدنانير، فجاز أن تبقى عليها، فيشتري ~~بها عبدا آخر يقوم مقام الأول (وإن) كان القتل عمدا فلا قصاص على القاتل ~~إلا أن يجتمع على ذلك صاحب الرقبة وصاحب الخدمة؛ لأن لصاحب الرقبة ملكا، ~~ولصاحب الخدمة حقا يشبه الملك، فصار كعبد بين شريكين قتل عمدا إنه لا ينفرد ~~أحدهما باستيفاء القصاص كذا هذا، وإن اختلفا في ذلك بأن طلب أحدهما القصاص ~~ولم يطلب الآخر سقط القصاص للشبهة، وصار مالا، فصار بمعنى الخطأ، فيشتري به ~~عبدا للخدمة كما لو كان القتل خطأ. # (ولو) فقأ رجل عينيه أو قطع يديه دفع إليه العبد، وأخذ قيمته صحيحا ~~فاشترى بها عبدا مكانه؛؛ لأن فقء العينين، وقطع اليدين بمنزلة استهلاكه إلا ~~أنه مما يصلح خراجا بضمان، فيضمن قيمته، ويأخذه خراجا بضمانه ثم يفعل ~~بالقيمة ما وصفنا، وهو أن يشتري بها عبدا للخدمة. # (ولو) فقئت عينه أو قطعت يده أو شج موضحته، فأدى ms4845 القاتل أرش ذلك - فهذا ~~على وجهين: إما أن كانت الجناية تنقص الخدمة، وإما أن كانت لا تنقص، فإن ~~كانت تنقص، فإن اتفق الموصى له بالرقبة، والموصى له بالخدمة على أن يشتريا ~~بالأرش عبدا بأن كان الأرش يبلغ قيمة عبد حتى يخدم الموصى له بالخدمة مع ~~العبد الأول فعلا ذلك وجاز (وإن) اتفقا على أن يباع هذا العبد، ويضم ثمنه ~~إلى ذلك الأرش فاشتريا بهما عبدا آخر جاز أيضا؛ لأن الجناية إذا كانت تنقص ~~الخدمة كان لكل واحد منهما حق في ذلك الأرش، فكان لهما أن يتفقا على أحد ~~هذين الشيئين (وإن) اختلفا، ولم يتفقا فلا يباع العبد الموصى به؛ لأن لكل ~~واحد منهما حقا، فلا يباع إلا برضاهما، ويشترى بالأرش عبد لخدمتهما حتى ~~يقوم مقام الجزء الفائت، فإن لم يؤخذ بالأرش عبد يوقف ذلك حتى يصطلحا عليه، ~~فإن اصطلحا على أن يقتسماه نصفين جاز؛ لأن الحق لهما، وإذا اقتسماه جاز ذلك ~~(وإن لم) يصطلحا لا يقضي القاضي بشيء ولكن يوقف ذلك المال، وإن كانت ~~الجناية لا تنقص الخدمة فوصيته على حالها، والأرش لصاحب الرقبة؛ لأن الأرش ~~بدل جزء من أجزاء الرقبة، فيكون لمالك الرقبة. # (ولو) كان لرجل # PageV07P387 # ثلاثة أعبد فأوصى برقبة أحدهم لرجل وأوصى بخدمة آخر لرجل آخر ولا مال له ~~غيرهم، وقيمة الذي أوصى بخدمته خمسمائة، وقيمة الذي أوصى برقبته ثلاثمائة، ~~وقيمة الباقي ألف درهم - فالثلث بينهما على ثلاثة أسهم، والأصل: أن الوصية ~~بالخدمة تعتبر من الثلث كالوصية بالرقبة؛ لأن الوصية بالخدمة وصية بحبس ~~الرقبة عن الوارث، فيعتبر من الثلث، وإذا عرف هذا فجميع مال الميت ألف ~~وثمانمائة درهم: ثلثها ستمائة، وجميع سهام الوصايا ثمانمائة، فإذا زادت ~~سهام الوصايا على ثلث المال مائتين، وذلك بالنسبة إلى سهام الوصايا ربعها، ~~فينقص من وصية كل واحد منها مثل ربعها، وينفذ في ثلاثة أرباعها، فيكون ~~ثلاثة أرباع وصيتهما، وثلث المال سواء، فأما قيمة العبد الموصى له برقبته ~~فثلاثمائة، فينقص منه ربعها، وذلك خمسة وسبعون، وتنفذ الوصية في ثلاثة ~~أرباعها، وذلك مائتان وخمسة ms4846 وعشرون، وقيمة العبد الموصى له بخدمته خمسمائة، ~~فينقص منه ربعها، وذلك مائة وخمسة وعشرون، وتنفذ الوصية في ثلاثة أرباعها، ~~وذلك ثلاثمائة وخمسة وسبعون، فيضم إلى وصية صاحب الرقبة، وذلك مائتان وخمس ~~وعشرون، فيصير ستمائة، وذلك ثلث المال، وخمسة وسبعون من العبد الموصى ~~برقبته وخمسة وعشرون من العبد الموصى بخدمته يضم إلى العبد الباقي، وقيمته ~~ألف درهم، فصار ألفا، ومائتين، وذلك ثلثا المال، فاستقام على الثلث، ~~والثلثين. # (وإذا) نفذت الوصية في ثلاثة أرباع العبد الموصى بخدمته يخدم الموصى له ~~ثلاثة أيام، والورثة يوما واحدا، فإن مات صاحب الخدمة استكمل صاحب الرقبة ~~عبده كله؛ لأن وصية صاحب الخدمة قد بطلت بموته، وبقيت وصية صاحب الرقبة، ~~وهي تخرج من الثلث، فتكون له (وكذلك) إن مات العبد الذي كان يخدمه كان ~~العبد الآخر كله لصاحب الرقبة؛ لأن التوزيع، والتقسيم إنما كان بينهما ~~لثبوت حقهما، فإذا ذهب أحدهما صار كأنه أوصى له وحده، فيعتبر من الثلث، وهو ~~يخرج من الثلث (ولو) كانت قيمة العبيد سواء كان لصاحب الخدمة نصف خدمة ~~العبد، ولصاحب الرقبة نصف رقبة الآخر؛ لأن قيمة العبد خمسمائة، وقيمة ~~العبدين اللذين أوصى بهما ألف درهم قيمة كل واحد خمسمائة، فصار ثلث ماله ~~خمسمائة، فيقسم الثلث بينهما، فصح من وصية كل واحد منهما نصفان، فيكون ~~لصاحب الرقبة نصف الرقبة وللموصى له بالخدمة نصف الخدمة يخدمه يوما، ~~والورثة يوما (وإنما) يضرب لصاحب الخدمة، كما يضرب لصاحب الرقبة؟ لما ذكرنا ~~أنه أوصى بحبس الرقبة عن الوارث، فكأنه أوصى بالتمليك لانقطاع حق الورثة، ~~فهي، والوصية بالتمليك سواء. # (ولو) أوصى بالعبيد كلهم لصاحب الرقبة وبخدمة أحدهم لصاحب الخدمة لم يضرب ~~صاحب الرقاب إلا بقيمة واحد منهم، ويضرب الآخر بخدمة الآخر، فيكون كالباب ~~الذي قبله (وهذا) قول أبي حنيفة - رحمه الله - تعالى -؛ لأن الموصى له ~~بالرقاب في الحكم كأنه أوصى له برقبتين؛ لأن العبد الذي أوصى بخدمته لغيره ~~هو ممنوع؛ لأنه مشغول بحق غيره، فما دام مشغولا جعل كأنه لم يوص له به. # (ومن) أصل أبي حنيفة أن الموصى ms4847 له بأكثر من الثلث لا يضرب له إلا بالثلث ~~فالموصى له بالعبدين ههنا لا يضرب له إلا بالثلث، وهو عبد واحد، والموصى له ~~بالخدمة يضرب أيضا بعبد واحد، فيصير الثلث بينهما نصفين لكل واحد منهما نصف ~~الرقبة، فالذي أوصى له بالعبدين له نصف العبد في العبدين جميعا؛ لأن حقه في ~~العبدين، فيكون له من كل عبد ربعه، والموصى له بالخدمة له نصف العبد الذي ~~أوصى له بخدمته يخدم الموصى له يوما، والورثة يوما، كما في الفصل الأول. # (وأما) على قولهما الموصى له بالرقاب يضرب بالعبدين، والموصى له بخدمة ~~العبد يضرب بعبد واحد، فيصير الثلث بينهما أثلاثا: سهمان لصاحب الرقاب، ~~وسهم لصاحب الخدمة، فلما صار الثلث على ثلاثة صار الثلثان على ستة، والجميع ~~تسعة: كل عبد ثلاثة أسهم، فللموصى له بالرقاب سهمان في العبدين من كل رقبة ~~سهم وللموصى له بالخدمة سهم في العبد الذي أوصى له بخدمته يخدم العبد ~~الموصى به للموصى له بالخدمة يوما، وللورثة يومين، فحصل للموصى لهما ثلاثة ~~أسهم، وللورثة ستة أسهم (ولو) كانوا يخرجون من الثلث كان لصاحب الرقبة ما ~~أوصى له به، ولصاحب الخدمة ما أوصى له به؛ لأن كل واحد منهما يصل إلى تمام ~~حقه. # ولو لم يكن له مال غيرهم، فأوصى بثلث كل عبد منهم لفلان وأوصى بخدمة ~~أحدهم # PageV07P388 # لفلان فإنه يقسم الثلث بينهما على خمسة أسهم لصاحب الخدمة ثلاثة أخماس ~~الثلث في خدمة ذلك العبد يخدمه ثلاثة أيام، ويخدم الورثة يومين؛ فيكون ~~للآخر خمس الثلث في العبدين الباقيين في كل واحد منهما خمس رقبته (وجه) ~~ذلك: أن الموصى له بثلث الرقاب أن الموصى له بالرقاب لا حق له في العبد ~~الذي أوصى بخدمته ما دام الموصى له باقيا، فصار كأنه أوصى بخدمة أحدهم ~~لرجل، وبثلث العبدين الآخرين لرجل، فاجعل كل ثلث سهما، فيضرب صاحب الرقبة ~~بثلث كل عبد، وذلك سهمان، ويضرب صاحب الخدمة بالجميع، وذلك ثلاثة أسهم، ~~فاجعل ثلث المال على خمسة، فيقسم بينهما لصاحب الرقبة سهمان في كل عبد من ~~العبدين ms4848 سهم ولصاحب الخدمة ثلاثة أسهم في العبد الموصى له بخدمته، فيخدمه ~~ثلاثة أيام وللورثة يومين، فجميع ما حصل للموصى لهما خمسة أسهم: سهمان ~~للموصى له بالرقبة، وثلاثة أسهم للموصى له بالخدمة، وجميع ما حصل للورثة ~~عشرة أسهم: ثمانية أسهم في العبدين في كل عبد أربعة، وسهمان من العبد ~~الموصى له بالخدمة، فاستقام على الثلث، والثلثين. # ولو كان أوصى بثلث ماله لصاحب الرقاب، وبخدمة أحدهم بعينه لصاحب، الخدمة ~~ولا مال غيرهم له قسم الثلث بينهما نصفين. # ووجه ذلك: أن العبد الموصى بخدمته اجتمع فيه وصيتان: وصية بجميعه، ووصية ~~بثلثه؛ لأنه أوصى له بثلث ماله، وخدمة العبد مال. # ألا ترى أن من أوصى لآخر بخدمة عبده اعتبر ذلك من الثلث بخلاف ما ذكرنا ~~في المسألة الأولى أنه إذا أوصى له بثلث الرقاب أن الموصى له بالرقاب لا حق ~~له في العبد الذي أوصى بخدمته ما دام الموصى له باقيا؛ لأنه أوصى له ~~بالرقبة، والخدمة ليست من الرقبة في شيء، وههنا أوصى له بالمال، والخدمة ~~مال؛ فلذلك قلنا: إنه إذا اجتمع في العبد الموصى بخدمته وصيتان: وصية ~~بجميعه، ووصية بثلثه فالثلثان لصاحب الخدمة بلا منازعة، والثلث بينهما ~~نصفان، فيجعل العبد على ستة أسهم: أربعة أسهم خلت عن دعوى صاحب الثلث، ~~وسلمت لصاحب الخدمة بلا منازعة، وسهمان استوت منازعتهما فيهما، فينقسم ~~بينهما لكل واحد منهما سهم. # فصار لصاحب الخدمة خمسة أسهم ولصاحب الثلث سهم، فإذا صار هذا العبد على ~~ستة أسهم صار العبدان الآخران على اثني عشر: فثلثها أربعة ضمت إلى ستة، ~~فتصير عشرة، فهذه جملة وصاياهم، فاجعل هذا ثلث المال، وثلثاه مثلاه عشرون، ~~وجميع المال ثلاثون، فيتبين أن كل عبد صار عشرة، فالعبد الموصى بخدمته عشرة ~~يخدم الموصى له بخدمته خمسة أيام وللورثة أربعة أيام، ويخدم صاحب الثلث ~~يوما ولصاحب الثلث من العبدين الآخرين أربعة أسهم، فتصير الوصية عشرة: ستة ~~في العبد الموصى بخدمته وأربعة أسهم في العبدين الباقيين، وللورثة عشرون في ~~كل عبد من الباقيين ثمانية أسهم وأربعة من الموصى بخدمته، فاستقام ms4849 على ~~الثلث، والثلثين، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله - (وأما) على قولهما ~~فإنهما يسلكان مسلك العول، فالعبد الذي أوصى بخدمته اجتمع فيه وصيتان: وصية ~~بجميعه، ووصية بثلثه، ومخرج الثلث ثلاثة فصاحب الجميع يضرب له بالجميع ~~ثلاثة وصاحب الثلث يضرب له بالثلث سهم وصار هذا العبد على أربعة، فلما صار ~~هذا العبد على أربعة صار العبدان الآخران كل واحد منهما على ثلاثة بغير ~~عول؛ لأنه لا حاجة إلى العول في ذلك، فالثلث بينهما سهمان ضمه إلى أربعة، ~~فيصير ستة فاجعل هذا ثلث المال، وثلثاه مثلاه اثنا عشر، والجميع ثمانية ~~عشر، فتبين أن العبد الموصى بخدمته صار على ستة: يخدم لصاحب الخدمة ثلاثة ~~أيام وللآخر يوما وللورثة يومين، وللموصى له بالثلث من العبدين الآخرين ~~سهمان، فصارت الوصية ستة: أربعة أسهم في العبد الموصى له بخدمته، وسهمان في ~~العبدين، وللورثة اثنا عشر سهما: سهمان في العبد الموصى له بخدمته، وعشرة ~~أسهم في العبدين، فاستقام على الثلث، والثلثين. # ولو أوصى بخدمة عبده لرجل وبغلته لآخر، وهو يخرج من الثلث، فإنه يخدم ~~صاحب الخدمة شهرا، وعليه طعامه، ولصاحب الغلة شهرا، وعليه طعامه، وكسوته ~~عليهما نصفان، وإنما كان كذلك؛ لأنه أوصى لكل واحد منهما بجميع الرقبة؛ لأن ~~الوصية بالخدمة وصية بحبس الرقبة؛ لأنه لا يمكن الاستخدام إلا بعد حبسها، ~~والوصية بالغلة أيضا وصية بالقربة؛ لأنه لا يمكن استغلاله إلا بعد حبس ~~الرقبة، فقد أوصى لكل واحد منهما بجميع الرقبة، وحظهما سواء، فيخدم هذا ~~شهرا، ويستغله الآخر شهرا؛ لأن العبد مما لا يمكن قسمته بالأجزاء، فيقسم ~~بالأيام، وطعامه في مدة الخدمة على صاحب # PageV07P389 # الخدمة؛ لأنه هو الذي ينتفع به دون صاحب الغلة، والنفقة على من يحصل له ~~المنفعة، وفي مدة الغلة على صاحب الغلة؛ لأن منفعته في تلك المدة تحصل له ~~(وأما) الكسوة فعليهما جميعا لأن الكسوة لا تتقدر بهذه المدة؛ لأنها تبقى ~~أكثر من هذه المدة ولا تتجدد الحاجة إليها بانقضاء هذا القدر من المدة، كما ~~تتجدد إلى الطعام في كل وقت، وهما فيه سواء، فكانت ms4850 الكسوة عليهما؛ لهذا ~~المعنى. # فإن جنى هذا العبد جناية قيل لهما: افدياه؛ لأن منفعته لهما فيخاطبان به ~~كما يخاطب به المرتهن في العبد المرهون، فإن فدياه كانا على حالهما، وإن ~~أبيا الفداء، ففداه الورثة بطلت وصيتهما؛ لأنهما لما أبيا الفداء، فقد رضيا ~~بهلاك الرقبة، فبطل حقهما، والله - تعالى - أعلم. # ولو أوصى لرجل من غلة عبده كل شهر بدرهم، ولآخر بثلث ماله، ولا مال له ~~غير العبد، فإن ثلث المال بينهما نصفان في قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى ~~-؛ لأنه أوصى للموصى له بالغلة بجميع الرقبة؛ إذ لا يمكن استيفاء ذلك من ~~غلته في كل شهر إلا بحبس الرقبة، والمذهب عند أبي حنيفة - رحمه الله تعالى ~~- أن الموصى له بأكثر من الثلث لا يضرب إلا بالثلث، فالثلث يكون بينهما لكل ~~واحد منهما السدس، ويخرج الحساب من ستة، فالثلث، وذلك سهمان يكون بينهما ~~سهم لصاحب الثلث يعطى له من الرقبة، وسهم لصاحب الغلة يستغل، وحسبت عليه ~~غلته، وينفق عليه منها كل شهر درهما؛ لأنه هكذا أوصى، وأربعة أسهم من ~~الرقبة للورثة. # فإذا مات الموصى له بالغلة وقد بقي من الغلة شيء رد ذلك إلى صاحب الرقبة. # وكذلك ما حبس له من ثمن الرقبة يرد على صاحب الرقبة؛ لأنه بطلت وصيته ~~بموته، فيرجع ذلك إلى صاحب الرقبة، وعلى قولهما يقسم الثلث بينهما على ~~أربعة: صاحب الغلة يضرب بالجميع ثلاثة وصاحب الثلث يضرب بالثلث سهم # ولو أوصى لرجل بغلة داره، ولآخر بعبد ولآخر بثوب، فهذه المسألة على ~~وجهين: إما أن تخرج هذه الأشياء كلها من الثلث، أو لا تخرج من الثلث، فإن ~~كانت تخرج من الثلث أخذ كل واحد منهم ما أوصى له به؛ لأنه أوصى بالجميع، ~~والوصية بغلة الدار وصية بحبس رقبتها على ما بينا، وإن كانت لا تخرج من ~~الثلث لكن الورثة أجازوا فكذلك، وإن لم تجز الورثة ضرب كل واحد منهم بقدر ~~حقه إلا أن تكون وصية أحدهم تزيد على الثلث، فلا يضرب بالزيادة على قول أبي ~~حنيفة - رحمه الله -، وإذا ms4851 مات صاحب الغلة بطلت وصيته، وقسم الثلث بين ما ~~بقي منهم؟ لما ذكرنا. # ولو أوصى بغلة داره لرجل وبسكناها لآخر، وبرقبتها لآخر، وهي الثلث، ~~فهدمها رجل بعد موت الموصي غرم قيمة ما هدمه من بنائها ثم تبنى مساكن، كما ~~كانت، فتؤاجر، ويأخذ غلتها صاحب الغلة، ويسكنها الآخر؛ لأن الوصية بالغلة، ~~والسكنى لا تبطل بهدم الدار لقيام القيمة مقام الدار، كما قلنا في العبد ~~الموصى بخدمته لرجل، وبرقبته لآخر إذا قتل: إن الوصية لا تبطل، ويشتري ~~بقيمته عبدا آخر لخدمته، وكذا البستان إذا أوصى بغلته لرجل، وبرقبته لآخر، ~~فقطع رجل نخله أو شجره يغرم قيمتها، فيشتري بها أشجارا مثلها، فتغرس. # فإذا أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بغلة داره وقيمة الدار ألف درهم، وله ~~ألفا درهم سوى ذلك فلصاحب الغلة نصف غلة الدار، ولصاحب الثلث نصف الثلث ~~فيما بقي من المال، والدار، خمس ذلك في الدار، وأربعة أخماسه في المال. # (ووجه) ذلك: أن يقول: إن الوصية بثلث المال وصية بثلث الغلة أيضا؛ لأن ~~الغلة مال الميت يقضى منه ديونه، وإذا كان كذلك فالدار تخرج من ثلث ماله؛ ~~لأن قيمة الدار ألف درهم، وله ألفا درهم سوى ذلك، فقد اجتمع في الدار ~~وصيتان: وصية بجميعها، ووصية بثلثها، فيجعل الدار على ثلاثة، ويقسم بينهما ~~على طريق المنازعة وصاحب الثلث لا يدعي أكثر من الثلث، وهو سهم واحد، ~~والثلثان سهمان لصاحب الغلة، وهو صاحب الجميع بلا منازعة؛ لأن الوصية ~~بالغلة وصية بجميع الدار على ما ذكرنا أنه يحبس جميع الدار لأجله. # واستوت منازعتهما في سهم واحد. # وكان بينهما، فانكسر على سهمين، فاضرب سهمين في ثلاثة، فيصير ستة فصاحب ~~الثلث لا يدعي أكثر من سهمين، وأربعة أسهم خلت عن دعواه، وسلمت لصاحب ~~الجميع، وهو صاحب الغلة بلا منازعة، واستوت منازعتهما في سهمين، فيقسم ~~بينهما لكل واحد منهما سهم. # وإذا صارت الدار، وهي الثلث على ستة، والألفان اثنا عشر فلصاحب الثلث من ~~ذلك الثلث أربعة أسهم فضمها إلى ستة تصير سهام الوصايا عشرة، وجملة ذلك ~~ثلاثون، فنقول: ms4852 ثلث المال عشرة، فنقسمها بينهم لصاحب الغلة خمسة أسهم كلها ~~في الدار # PageV07P390 # ولصاحب الثلث خمسة أسهم: أربعة أسهم في الألفين، وسهم في الدار، فهذا ~~معنى قوله في الأصل لصاحب الغلة نصف غلة الدار، وذلك خمسة؛ لأنا جعلنا ~~الدار على عشرة. # ولصاحب الثلث نصف الثلث خمسة: أربعة أخماسه في المال، وخمس ذلك في الدار، ~~وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وعلى قولهما تقسم الدار على طريق ~~العول، فصاحب الجميع يضرب بالجميع، وصاحب الثلث يضرب بالثلث، ومخرج الثلث ~~ثلاثة فصاحب الجميع يضرب بالجميع ثلاثة وصاحب الثلث يضرب بسهم، فاجعل الدار ~~على أربعة أسهم. # وإذا صارت الدار على أربعة أسهم مع العول صار كل ألف من الألفين على ~~ثلاثة من غير عول فالألفان تصير ستة أسهم، فللموصى له بالثلث ثلث ذلك، وذلك ~~سهمان ضم ذلك إلى أربعة أسهم، فيصير ستة فاجعل هذا ثلث المال، والثلثان ~~اثنا عشر، والجميع ثمانية عشر، فللموصى له بثلث المال ثلث الألفين، وذلك ~~أربعة أسهم من اثني عشر، وذلك ثلثا الثلث؛ لأنا جعلنا الثلث على ستة أسهم، ~~وأربعة أسهم من ستة ثلثاه، وهذا معنى قوله في الأصل: وإن شئت قلت: ثلثا ذلك ~~في ثلث المال. # وقال أيضا: ثلاثة في الدار؛ لأنك جعلت الدار على ثلاثة قبل العول وللموصى ~~له بالثلث سهم من الدار وذلك ثلث الدار، فإن مات صاحب الغلة فلصاحب الثلث ~~ثلث الدار، والمال؛ لأنه لما مات الموصى له بالغلة بطلت وصيته، وصار كأنه ~~لم يوص له بشيء، وإنما أوصى لصاحب الثلث بثلث المال، والدار، فيكون له ذلك. # وإن استحقت الدار بطلت وصية صاحب الغلة، وأخذ صاحب الثلث ثلث المال؛ لأنه ~~لا يملك استغلالها بعد استحقاقها ولو لم يستحق ولكنها انهدمت قيل لصاحب ~~الغلة: ابن نصيبك فيها، ويبني صاحب الثلث نصيبه، والورثة نصيبهم؛ لأن ذلك ~~مشترك بينهم، فيبني كل واحد نصيبه، وأيهم أبى أن يبني لم يجبر على ذلك؛ لأن ~~الإنسان لا يجبر على إصلاح حقه، ولم يمنع الآخر أن يبني نصيبه من ذلك، ~~ويؤاجره، ويسكنه؛ لأن ms4853 الذي امتنع من البناء رضي ببطلان حقه، فلا يوجب ذلك ~~بطلان حق صاحبه، وليس هذا كالسفل إذا كان لرجل، وعلوه لآخر، فانهدما، وأبى ~~صاحب السفل أن يبني سفله إنه يقال لصاحب العلو: ابن سفله من مالك ثم ابن ~~علية العلو، فإذا أراد صاحب السفل أن ينتفع بالسفل، فامنعه حتى يدفع إليك ~~قيمة السفل؛ لأن هناك لا يمكن بناء العلو إلا بعد بناء السفل، فكان لصاحب ~~العلو أن يبني سفله حتى يمكنه بناء العلو عليه، فأما ههنا، فيمكن أن يقسم ~~عرصة الدار، فيبني كل واحد منهم في نصيبه. # ولو أوصى لرجل بسكنى داره أو بغلتها، فادعاها رجل وأقام البينة أنها له، ~~فشهد الموصى له بالغلة أو السكنى أنه أقر بها للميت لم تجز شهادته؛ لأنه ~~يجر بشهادته إلى نفسه مغنما؛ لأنه لو قبلت شهادته لسلمت له الوصية ولا ~~شهادة لجار المغنم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وكذا إذا شهد للميت بمال أو بقتل خطأ لا تقبل شهادته؛ لأنه مهما كثر مال ~~الميت كثرت وصيته. # وكان بشهادته جارا المغنم إلى نفسه، فلا تقبل. # ولو أوصى لرجل بثلث غلة بستانه أبدا ولا مال له غيره، فقاسم الورثة ~~البستان، فأغل أحد النصيبين، ولم يغل الآخر، فإنهم يشتركون فيما خرج من ~~الغلة؛ لأن قسمته وقعت باطلة؛ لأن الموصى له بالغلة لا يملك رقبة البستان، ~~والقسمة فيما ليس بملك له باطلة، والثمرة غير موجودة، وإنما حدثت بعد ذلك، ~~وقسمة المعدوم باطلة وللورثة أن يبيعوا ثلثي البستان؛ فيكون المشتري شريك ~~صاحب الغلة أراد به أنه يبيع ثلثي البستان مشاعا؛ لأن الثلث مشغول بحق صاحب ~~الغلة، والورثة ممنوعون عن ذلك الثلث ما دام الموصى له حيا، فإذا كان هكذا ~~فلا يجوز البيع إلا في مقدار نصيبهم. # وروي عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه قال: لا يجوز بيع نصيبهم؛ لأن ~~ذلك ضرر بالموصى له؛ لأنه تنقص الغلة، وتعيب. # ولو أوصى بغلة بستانه الذي فيه لرجل وأوصى له بغلته أيضا أبدا، ثم مات ~~الموصي ولا مال ms4854 له غيره، والغلة القائمة للحال تساوي مائة درهم، والبستان ~~يساوي ثلاثمائة درهم، فللموصى له ثلث الغلة فيه، وثلث ما يخرج من الغلة ~~فيما يستقبل أبدا؛ لأنه أوصى له هكذا، فإنه أوصى له بالغلة القائمة للحال، ~~وبالغلة التي تحدث أبدا، فيعتبر في كل واحد منهما ثلثه، ولا يسلم إليه كل ~~الغلة القائمة في الحال، وإن كان يخرج من ثلث المال؛ لأنه أوصى له أيضا ~~بثلث ما يخرج من بستانه فيما يستقبل، وإذا ضمت تلك الوصية إلى هذه الوصية ~~زادت الوصية على الثلث. # PageV07P391 # ولو أوصى بعشرين درهما من غلته كل سنة ولو أوصى بعشرين درهما من غلته كل ~~سنة لرجل، فأغل سنة قليلا وسنة كثيرا، فله ثلث الغلة يحبس، وينفق عليه كل ~~سنة من ذلك عشرون درهما؛ لأن الوصية بعشرين درهما من غلته وصية بجميع الغلة ~~لجواز أن يطول عمره فيستوفي ذلك كله، فلذلك جاز في ثلثه، وتحبس غلته حتى ~~ينفق عليه كل سنة عشرون درهما إلى أن يموت. # ولو أوصى أن ينفق عليه أربعة كل شهر من عرض ماله وعلى آخر خمسة كل شهر من ~~غلة، بستانه ولا مال له غير البستان فثلث غلة البستان بينهما نصفين، يباع ~~سدس غلة البستان لكل واحد منهما فيوقف ثمنه على يد الوصي. # أو على يد ثقة إن لم يكن هناك وصي، وينفق على كل واحد منهما كما سمى. # وكذلك الوصية بإنفاق درهم، ولا عبرة بالأقل. # والأكثر لجواز أن يعيش صاحب الأقل أكثر مما يعيش صاحب الأكثر فيباع سدس ~~الغلة لكل واحد منهما، ويوقف ثمنه، وينفق على كل واحد منهما ما سمى له؛ ~~لأنه أوصى لأحدهما أن ينفق عليه من عرض ماله، والبستان ماله ولا يسلم المال ~~إليهما بل يوضع على يد الوصي، فإن لم يكن له وصي فالقاضي يضعه على يد ثقة ~~عدل؛ لأنه أمر بالإنفاق عليهما ولم يوص بدفع المال إليهما، فإن ماتا، وقد ~~بقي شيء من المال رد على ورثة الموصي لأن الوصية قد بطلت بموته فيعود إلى ~~الورثة. # وكذلك لو قال: ms4855 ينفق على فلان أربعة وعلى فلان، وفلان خمسة حبس السدس على ~~المنفرد، والسدس الآخر على المجموعين في النفقة؛ لأنه أضاف الأربعة إلى شخص ~~واحد، وأضاف الخمسة إلى شخصين؛ لأنه جمعهما في الوصية، فصار كأنه أوصى بأن ~~ينفق على فلان أربعة، وعلى فلان خمسة؛ لذلك يقسم الثلث بينهم: سدس يوقف ~~للمنفرد، وسدس للمجموعين. # ولو أوصى بغلة بستانه لرجل وبنصف غلته لآخر، وهو ثلث ماله قسم ثلث الغلة ~~بينهما نصفين كل سنة؛ لأن الوصية بالزيادة على الثلث لا تجوز، فيصير كأنه ~~أوصى لكل واحد منهما بالثلث، فيكون الثلث بينهما لاستوائهما. # ولو كان البستان يخرج من ثلث ماله فإنه يقسم غلة البستان بينهما على طريق ~~المنازعة على قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -؛ لأن صاحب النصف لا يدعي إلا ~~النصف، فالنصف خلا عن دعواه فسلم لصاحب الجميع بلا منازعة، والنصف الآخر ~~استوت منازعتهما فيه فيقسم بينهما نصفين فيحتاج إلى حساب له نصف، ولنصفه ~~نصف، وذلك أربعة فصاحب النصف لا يدعي أكثر من سهمين فسهمان خليا عن دعواه ~~سلما لصاحب الجميع بلا منازعة، وسهمان آخران استوت منازعتهما فيهما فيقسم ~~بينهما لكل واحد منهما سهم، فصار لصاحب الجميع ثلاثة أسهم، ولصاحب النصف ~~سهم. # وعلى قولهما يقسم على طريق العول، فصاحب الجميع يضرب بالجميع، وصاحب ~~النصف يضرب بالنصف، والحساب الذي له نصف سهمان، فصاحب الجميع يضرب بسهمين ~~وصاحب النصف يضرب بسهم واحد، فيقسم بينهما أثلاثا: سهمان لصاحب الجميع، ~~وسهم لصاحب النصف. # ولو أوصى لرجل بغلة بستانه وقيمته ألف درهم ولآخر بقيمة عبده وقيمته ~~خمسمائة، وله سوى ذلك ثلاثمائة، فالثلث بينهما على أحد عشر سهما في قول أبي ~~حنيفة - رضي الله عنه - لصاحب العبد خمسة أسهم في العبد، ولصاحب البستان ~~ستة أسهم في غلته؛ لأن جميع ماله ألف درهم وثمانمائة درهم، والثلث من ذلك ~~ستمائة، ووصية صاحب البستان ألف درهم، وذلك أكثر من الثلث. # ومن مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - أن الموصى له بأكثر من الثلث لا يضرب ~~إلا بالثلث، فاطرح ما زاد على ستمائة؛ لأن ذلك ms4856 زيادة على الثلث، فصاحب ~~البستان يضرب بستمائة وصاحب العبد يصرف بخمسمائة، فاجعل ثلث المال، وهو ~~ستمائة على أحد عشر سهما، لصاحب البستان ستة أسهم، ولصاحب العبد خمسة أسهم، ~~فما أصاب صاحب البستان كان في البستان في غلته، وما أصاب صاحب العبد كان في ~~العبد، وهذا قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعلى قولهما صاحب البستان يضرب ~~بجميع البستان، وهو ألف وصاحب العبد بخمسمائة، فيقسم ثلث المال بينهما ~~أثلاثا على طريق العول. # ولو أوصى لرجل بغلة أرضه وليس فيها نخل ولا شجر ولا مال له غيرها، فإنها ~~تؤاجر، فتكون تلك الغلة له. # ولو كان فيها شجر أعطي ثلث ما يخرج منها؛ لأن اسم الغلة يقع على الثمرة، ~~وعلى الأجرة، فإن كان فيها ثمر انصرفت الوصية إلى ما يخرج منها؛ لأن الغلة ~~في الحقيقة اسم لما يخرج إذا كان # PageV07P392 # في الأرض أشجار، وإن لم يكن فيها شجر فالوصية بالغلة وصية بالدراهم، ~~والدنانير، وذلك هي الأجرة، فإن قيل: إذا لم يكن في الأرض شجر، فينبغي أن ~~يزرعها فيستوفي زرعها، فالجواب أنه لو زرع لحصل له ملك الخارج ببذره، ~~والموصى به غلة أرضه لا غلة بذره. # ولو أوصى لرجل بغلة أرضه ولآخر برقبتها وهي تخرج من الثلث، فباعها صاحب ~~الرقبة وسلم صاحب الغلة المبيع جاز، وبطلت وصية صاحب الغلة ولا حق له في ~~الثمن، أما جواز الوصية بالغلة فلما ذكرنا فيما تقدم. # وأما جواز بيع الرقبة من صاحبها إذا سلم صاحب الغلة المبيع فلأن ملك ~~الرقبة لصاحب الرقبة، وأنه يقتضي النفاذ إلا أن حق صاحب الغلة متعلق به، ~~فإذا أجاز فقد رضي بإبطال حقه، فزال المانع فنفذ، وبطلت وصية صاحب الغلة؛ ~~لأنه إنما أوصى له بالغلة في ملك الموصى له بالرقبة، وقد زال ملكه عن ~~الرقبة، ولا حق له في الثمن؛ لأن الثمن بدل الرقبة ولا ملك له في الرقبة. # ولو أوصى له بغلة بستانه فأغل البستان سنتين قبل موت الموصي ثم مات ~~الموصي لم يكن للموصى له من تلك الغلة شيء إنما له ms4857 الغلة التي فيه يوم يموت ~~لما ذكرنا أن الوصية إيجاب الملك عند الموت، فتكون له الثمرة التي فيه يوم ~~الموت، وما يحدث بعد الموت لا ما كان قبل الموت. # فإن اشترى الموصى له البستان من الورثة بعد موته جاز الشراء، وبطلت ~~الوصية؛ لأنه ملك العين بالشراء، فاستغنى بملكها عن الوصية كمن استعار ~~شيئا، ثم اشتراه أنه تبطل الإعارة. # وكمن تزوج أمة إنسان ثم اشتراها يبطل النكاح لما قلنا، كذا هذا. # وكذلك لو أعطوه شيئا على أن يبرأ من الغلة. # وكذلك سكنى الدار، وخدمة العبد إذا صالحوه منه على شيء جاز، وتبطل ~~الوصية؛ لأن له حقا، وقد أسقط حقه بعوض، فجاز كالخلع، والطلاق على مال، ~~والله - سبحانه وتعالى - أعلم. # (وأما) الوصية بأمر متعلق بالمال فالوصية بالعتق، والوصية بالإعتاق، ~~والوصية بالإنفاق، والوصية بالقرب من الفرائض، والواجبات، والنوافل (أما) ~~الوصية بالعتق فحكمها ثبوت العتق بعد موت الموصي بلا فصل، كما إذا قال وهو ~~مريض أو صحيح: أنت حر بعد موتي، أو قال: دبرتك أو أنت مدبر أو إن مت من ~~مرضي هذا أو في سفري هذا فأنت حر، فمات من مرضه ذلك أو سفره ذلك يعتق من ~~غير الحاجة إلى إعتاق أحد؛ لأن معنى ذلك: أنت حر بعد موتي، أو بعد موتي من ~~هذا المرض، أو في هذا السفر، ويعتبر في ذلك كله الثلث، فإن كان العبد يخرج ~~كله من ثلث ماله يعتق كله، وإن لم يخرج كله يعتق منه بقدر ما يخرج من ~~الثلث، وإن لم يكن له مال سواه يعتق ثلثه، ويسعى في الثلثين للورثة؛ لأن ~~هذا كله وصية، فلا تنفذ فيما زاد على الثلث إلا بإجازة الورثة على ما بينا ~~فيما تقدم. # (وأما) الوصية بالإعتاق فحكمها وجوب الإعتاق بعد موت الموصي، ولا يعتق من ~~غير إعتاق من الوارث أو الوصي أو القاضي، والأصل فيه أن كل عتق تأخر عن موت ~~الموصي ولو بساعة، لا يثبت، ولا يعتق من غير إعتاق، كما إذا قال: هو حر بعد ~~موتي بساعة أو بأقل ms4858 أو بأكثر؛ لأن غرض الموصي هو عتق العبد بعد الموت، ~~والعتق لا بد له من الإعتاق ولا يمكن جعل الموصي معتقا بعد الموت فكان أمرا ~~بالإعتاق دلالة، فيعتق الوارث أو الوصي أو القاضي. # (وأما) الوصية بإعتاق نسمة، وهي أن يوصي بأن يشترى رقبة، فتعتق عنه، ~~والنسمة اسم لرقبة تشترى للعتق فحكمها حكم وجوب الشراء، والإعتاق يعتبر من ~~الثلث. # ولو أوصى أن يعتق عنه نسمة بمائة درهم فلم يبلغ ثلث ماله مائة درهم لم ~~يعتق عنه عند أبي حنيفة، وعندهما يعتق عنه بالثلث. # ولو أوصى بأن يحج عنه بمائة وثلث ماله لا يبلغ مائة، فإنه يحج عنه من حيث ~~يبلغ بالإجماع (وجه) قولهما أن تنفيذ الوصية واجب ما أمكن، والتقدير ~~بالمائة لا يقتضي التنفيذ؛ لأنه يحتمل أنه إنما قدر ظنا منه أن ثلث ماله ~~يبلغ ذلك أو رجاء إجازة الورثة، فإذا لم يبلغ ذلك أو لم تجز الورثة يجب ~~تنفيذها فيما دون ذلك، كما في الوصية بالحج، ولأبي حنيفة - رضي الله عنه - ~~أنه أوصى بعتق عبد يشترى بمائة درهم فلو نفذنا الوصية في عبد يشترى بخمسين ~~كان ذلك تنفيذ الوصية لغير من أوصى له، وهذا؛ لأن الوصية للعبد في الحقيقة ~~فهو الموصى له، وقد جعل الوصية بعبد موصوف بأنه يشترى بمائة، والمشترى بدون ~~المائة غير المشترى بمائة، فلا يمكن تنفيذ الوصية له بخلاف الوصية بالحج ~~فإنها وصية بالوصول إلى البيت، وأنه يحصل بالحج عنه من حيث يبلغ الثلث. # وعلى هذا إذا أوصى أن يعتق عنه نسمة بجميع ماله فلم تجز ذلك الورثة لم ~~يشتر به شيء، والوصية باطلة في قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما يشترى ~~بالثلث، وهذا بناء على المسألة الأولى، وقد ذكرنا وجه القولين، والله ~~الموفق. # (وأما) الوصية بالإنفاق على فلان، وأوصى بالقرب فحكمها وجوب فعل ما دخل ~~تحت الوصية؛ لأنه هكذا أوصى، ويعتبر # PageV07P393 # ذلك كله من الثلث، والله - سبحانه وتعالى - أعلم. ### | [فصل في بيان ما تبطل به الوصية] # (فصل) : # وأما بيان ما تبطل به الوصية فالوصية تبطل بالنص ms4859 على الإبطال، وبدلالة ~~الإبطال، وبالضرورة (أما) النص فنحو أن يقول: أبطلت الوصية التي أوصيتها ~~لفلان أو فسختها أو نقضتها فتبطل إلا التدبير خاصة، فإنه لا يبطل بالتنصيص ~~على الإبطال مطلقا كان التدبير أو مقيدا إلا أن المقيد منه يبطل منه بدلالة ~~الإبطال بالتمليك على ما ذكرنا، كذا إذا قال: رجعت؛ لأن الرجوع عن الوصية ~~إبطال لها في الحقيقة. # (وأما) الدلالة، والضرورة فعلى نحو ما ذكرنا في الرجوع، وقد ذكرنا ما ~~يكون رجوعا عن الوصية. # وما لا يكون فيما تقدم، وتبطل بجنون الموصي جنونا مطبقا؛ لأن الوصية عقد ~~جائز كالوكالة، فيكون لبقائه حكم الإنشاء كالوكالة فتعتبر أهلية العقد إلى ~~وقت الموت، كما تعتبر أهلية الأمر في باب الوكالة. # والجنون المطبق هو أن يمتد شهرا عند أبي يوسف، وعند محمد سنة،، وقد ذكرنا ~~ذلك في كتاب الوكالة. # ولو أغمي عليه لا تبطل؛ لأن الإغماء لا يزيل العقل، ولهذا لم تبطل ~~الوكالة بالإغماء وتبطل بموت الموصى له قبل موت الموصي؛ لأن العقد وقع له ~~لا لغيره فلا يمكن إبقاؤه على غيره، وتبطل بهلاك الموصى به إذا كان عينا ~~مشارا إليها لبطلان محل الوصية أعني محل حكمه، ويستحيل ثبوت حكم التصرف أو ~~بقاؤه بدون وجود محله أو بقائه كما لو أوصى بهذه الجارية أو بهذه الشاة، ~~فهلكت الجارية، والشاة. # وهل تبطل الوصية باستثناء كل الموصى به في كلام متصل؟ اختلف فيه؛ قال أبو ~~حنيفة، وأبو يوسف - رحمهما الله - لا تبطل، ويبطل الاستثناء، وللموصى له ~~جميع ما أوصى له به. # وقال محمد - رحمه الله - يصح الاستثناء، وتبطل الوصية ولا خلاف في أن ~~استثناء الكل من الكل في باب الإقرار باطل، ويلزم المقر جميع ما أقر به. # (وجه) قوله أن الاستثناء ههنا رجوع عما أوصى به، والوصية محتملة للرجوع، ~~فيحمل على الرجوع. # وبهذا فارقت الإقرار؛ لأن الإقرار بالمال مما لا يحتمل الرجوع فيبطل ~~الاستثناء، ويبقى المقر به على حاله. # ولهما أن هذا ليس باستثناء، ولا رجوع، فيبطل الاستثناء رأسا، وتبقى ~~الوصية صحيحة. # وبيان ذلك أن الاستثناء ms4860 تكلم بالباقي بعد الثنيا، واستخراج بعض الجملة ~~الملفوظة ولا يوجد ذلك في استثناء الكل من الكل، والرجوع فسخ الوصية، ~~وإبطالها، ولا يتصور ذلك في الكلام المتصل، ولهذا شرطنا لجواز النسخ في ~~الأحكام الشرعية أن يكون النص الناسخ متراخيا عن المنسوخ، والله - تعالى - ~~أعلم. ### | [كتاب القرض] ### | [ركن القرض] # (كتاب القرض) # الكلام فيه يقع في مواضع: في بيان ركن القرض، وفي بيان شرائط الركن، وفي ~~بيان حكم القرض. # (أما) ركنه فهو الإيجاب، والقبول، والإيجاب قول المقرض: أقرضتك هذا ~~الشيء، أو خذ هذا الشيء قرضا، ونحو ذلك، والقبول هو أن يقول المستقرض: ~~استقرضت، أو قبلت، أو رضيت، أو ما يجري هذا المجرى، وهذا قول محمد - رحمه ~~الله -، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف # وروي عن أبي يوسف أخرى: أن الركن فيه الإيجاب. # (وأما) القبول فليس بركن، حتى لو حلف: لا يقرض فلانا، فأقرضه ولم يقبل؛ ~~لم يحنث، عند محمد، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف، وفي رواية أخرى يحنث. # (وجه) هذه الرواية أن الإقراض إعارة؛ لما نذكر، والقبول ليس بركن في ~~الإعارة. # (وجه) قول محمد أن الواجب في ذمة المستقرض مثل المستقرض؛ فلهذا اختص ~~جوازه بما له مثل، فأشبه البيع، فكان القبول ركنا فيه كما في البيع. # وروي عن أبي يوسف فيمن حلف: لا يستقرض من فلان، فاستقرض منه، فلم يقرضه؛ ~~أنه يحنث؛ لأن شرط الحنث هو الاستقراض، وهو طلب القرض كالاستيام في البيع، ~~وهو طلب البيع، فإذا استقرض فقد طلب القرض، فوجد شرط الحنث؛ فيحنث، والله ~~تعالى أعلم. ### | [فصل في شرائط ركن القرض] # (فصل) : # ، القرض وأما الشرائط فأنواع، بعضها يرجع إلى المقرض، وبعضها يرجع إلى ~~المقرض، وبعضها يرجع إلى نفس القرض. # (أما) الذي يرجع إلى المقرض فهو أهليته للتبرع؛ فلا يملكه من لا يملك ~~التبرع، من الأب، والوصي، والصبي، والعبد المأذون، والمكاتب؛ لأن القرض ~~للمال تبرع ألا ترى أنه لا يقابله عوض للحال؛ فكان تبرعا للحال، فلا يجوز ~~إلا ممن يجوز منه التبرع، وهؤلاء ليسوا من أهل التبرع؛ فلا يملكون القرض. # (وأما) ms4861 الذي يرجع إلى المقرض: فمنها # PageV07P394 # القبض؛ لأن القرض هو القطع في اللغة، سمي هذا العقد قرضا لما فيه من قطع ~~طائفة من ماله، وذلك بالتسليم إلى المستقرض؛ فكان مأخذ الاسم دليلا على ~~اعتبار هذا الشرط # ومنها أن يكون مما له مثل كالمكيلات، والموزونات، والعدديات المتقاربة، ~~فلا يجوز قرض ما لا مثل له من المذروعات، والمعدودات المتقاربة؛ لأنه لا ~~سبيل إلى إيجاب رد العين ولا إلى إيجاب رد القيمة؛ لأنه يؤدي إلى المنازعة ~~لاختلاف القيمة باختلاف تقويم المقومين؛ فتعين أن يكون الواجب فيه رد ~~المثل؛ فيختص جوازه بما له مثل. # ولا يجوز القرض في الخبز - لا وزنا، ولا عددا - عند أبي حنيفة، وأبي يوسف ~~رحمهما الله، وقال محمد: يجوز عددا، وما قالاه هو القياس؛ لتفاوت فاحش بين ~~خبز، وخبز لاختلاف العجن، والنضج، والخفة، والثقل في الوزن، والصغر، والكبر ~~في العدد، ولهذا لم يجز السلم فيه بالإجماع، فالقرض أولى؛ لأن السلم أوسع ~~جوازا من القرض، والقرض أضيق منه. # ألا ترى أنه يجوز السلم في الثياب ولا يجوز القرض فيها فلما لم يجز السلم ~~فيه؛ فلأن لا يجوز القرض أولى إلا أن محمدا - رحمه الله - استحسن في جوازه ~~عددا؛ لعرف الناس، وعاداتهم في ذلك، وترك القياس؛ لتعامل الناس فيه هكذا ~~روي عن إبراهيم النخعي - رحمه الله - أنه جوز ذلك؛ فإنه روى أنه سئل عن أهل ~~بيت يقرضون الرغيف، فيأخذون أصغر أو أكبر؟ فقال: لا بأس به. # ويجوز القرض في الفلوس؛ لأنها من العدديات المتقاربة كالجوز، والبيض، ولو ~~استقرض فلوسا، فكسدت؛ فعليه مثلها عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - وعند أبي ~~يوسف، ومحمد - رحمهما الله - عليه قيمتها. # (وجه) قولهما أن الواجب في باب القرض رد مثل المقبوض، وقد عجز عن ذلك؛ ~~لأن المقبوض كان ثمنا، وقد بطلت الثمنية بالكساد، فعجز عن رد المثل؛ فيلزمه ~~رد القيمة كما لو استقرض رطبا، فانقطع عن أيدي الناس؛ أنه يلزمه قيمته؛ لما ~~قلنا كذا هذا، ولأبي حنيفة أن رد المثل كان واجبا، والفائت بالكساد ليس إلا ~~وصف الثمنية، ms4862 وهذا وصف لا تعلق لجواز القرض به. # ألا ترى أنه يجوز استقراضه بعد الكساد ابتداء -، وإن خرج من كونه ثمنا، ~~فلأن يجوز بقاء القرض فيه أولى؛ لأن البقاء أسهل، وكذلك الجواب في الدراهم ~~التي يغلب عليها الغش؛ لأنها في حكم الفلوس. # وروي عن أبي يوسف أنه أنكر استقراض الدراهم المكحلة، والمزيفة. # وكره إنفاقها -، وإن كانت تنفق بين الناس - لما في ذلك من ضرورات العامة، ~~وإذا نهي عنها. # وكسدت؛ فهي بمنزلة الفلوس إذا كسدت. # ولو كان له على رجل دراهم جياد، فأخذ منه مزيفة أو مكحلة أو زيوفا أو ~~بهرجة أو ستوقة؛ جاز في الحكم؛ لأنه يجوز بدون حقه؛ فكان كالحط عن حقه إلا ~~أنه يكره له أن يرضى به، وأن ينفقه -، وإن بين وقت الإنفاق - إذ لا يخلو عن ~~ضرر العامة بالتلبيس، والتدليس قال أبو يوسف: كل شيء من ذلك لا يجوز بين ~~الناس؛ فإنه ينبغي أن يقطع، ويعاقب صاحبه إذا أنفقه، وهو يعرفه. # وهذا الذي ذكره احتساب حسن في الشريعة # ولو استقرض دراهم تجارية، فالتقيا في بلد لا يقدر فيه على التجارية، فإن ~~كانت تنفق في ذلك البلد؛ فصاحب الحق بالخيار: إن شاء انتظر مكان الأداء، ~~وإن شاء أجله قدر المسافة ذاهبا وجائيا، واستوثق منه بكفيل، وإن شاء أخذ ~~القيمة؛ لأنها كانت نافقة لم تتغير؛ بقيت في الذمة كما كانت. # وكان له الخيار، إن شاء لم يرض بالتأخير، وأخذ القيمة؛ لما في التأخير من ~~تأخير حقه، وفيه ضرر به كمن عليه الرطب إذا انقطع عن أيدي الناس، أنه يتخير ~~صاحبه بين التربص، والانتظار لوقت الإدراك، وبين أخذ القيمة لما قالوا، كذا ~~هذا. # وإن كان لا ينفق في ذلك البلد؛ فعليه قيمتها، والله تعالى أعلم # (وأما) الذي يرجع إلى نفس القرض: فهو أن لا يكون فيه جر منفعة، فإن كان ~~لم يجز، نحو ما إذا أقرضه دراهم غلة، على أن يرد عليه صحاحا، أو أقرضه وشرط ~~شرطا له فيه منفعة؛ لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ms4863 «نهى ~~عن قرض جر نفعا» ؛ ولأن الزيادة المشروطة تشبه الربا؛ لأنها فضل لا يقابله ~~عوض، والتحرز عن حقيقة الربا، وعن شبهة الربا واجب هذا إذا كانت الزيادة ~~مشروطة في القرض، فأما إذا كانت غير مشروطة فيه ولكن المستقرض أعطاه ~~أجودهما؛ فلا بأس بذلك؛ لأن الربا اسم لزيادة مشروطة في العقد، ولم توجد، ~~بل هذا من باب حسن القضاء، وأنه أمر مندوب إليه قال النبي - عليه السلام -: ~~«خيار الناس أحسنهم قضاء» . # «وقال النبي - عليه الصلاة والسلام - عند قضاء دين لزمه - للوازن: زن، ~~وأرجح» . # وعلى هذا تخرج مسألة السفاتج، التي يتعامل بها التجار، أنها مكروهة؛ لأن ~~التاجر ينتفع بها بإسقاط خطر الطريق؛ فتشبه قرضا جر نفعا فإن قيل: أليس أنه ~~روي عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يستقرض بالمدينة على ~~أن يرد بالكوفة، وهذا انتفاع بالقرض بإسقاط # PageV07P395 # خطر الطريق؟ فالجواب: أن ذلك محمول على أن السفتجة لم تكن مشروطة في ~~القرض مطلقا، ثم تكون السفتجة، وذلك مما لا بأس به على ما بينا، والله ~~تعالى أعلم. # والأجل لا يلزم في القرض - سواء كان مشروطا في العقد أو متأخرا عنه - ~~بخلاف سائر الديون، والفرق من وجهين: أحدهما - أن القرض تبرع. # ألا يرى أنه لا يقابله عوض للحال. # وكذا لا يملكه من لا يملك التبرع؛ فلو لزم فيه الأجل؛ لم يبق تبرعا؛ ~~فيتغير المشروط، بخلاف الديون -، والثاني - أن القرض يسلك به مسلك العارية، ~~والأجل لا يلزم في العواري، والدليل على أنه يسلك به مسلك العارية: أنه لا ~~يخلو، إما أن يسلك به مسلك المبادلة -، وهي تمليك الشيء بمثله - أو يسلك به ~~مسلك العارية لا سبيل إلى الأول؛ لأنه تمليك العين بمثله نسيئة، وهذا لا ~~يجوز؛ فتعين أن يكون عارية؛ فجعل التقدير كأن المستقرض انتفع بالعين مدة، ~~ثم رد عين ما قبض، وإن كان يرد بدله في الحقيقة، وجعل رد بدل العين بمنزلة ~~رد العين - بخلاف سائر الديون - وقد يلزم الأجل في القرض بحال؛ بأن يوصي ~~بأن يقرض من ماله بعد ms4864 موته فلانا ألف درهم، إلى سنة، فإنه ينفذ وصيته، ~~ويقرض من ماله - كما أمر -، وليس لورثته أن يطالبوا قبل السنة، والله تعالى ~~أعلم ### | [فصل في حكم القرض] # (فصل) : # وأما حكم القرض فهو ثبوت الملك للمستقرض في المقرض للحال، وثبوت مثله في ~~ذمة المستقرض للمقرض للحال، وهذا جواب ظاهر الرواية. # وروي عن أبي يوسف في النوادر لا يملك القرض بالقبض ما لم يستهلك. # حتى لو أقرض كرا من، طعام وقبضه المستقرض، ثم إنه اشترى الكر الذي عليه ~~بمائة درهم؛ جاز البيع، وعلى رواية أبي يوسف لا يجوز؛ لأن المقرض باع ~~المستقرض الكر الذي عليه وليس عليه الكر؛ فكان هذا بيع المعدوم؛ فلم يجز، ~~كما لو باعه الكر الذي في هذا البيت، وليس في البيت كر، وجاز في ظاهر ~~الرواية؛ لأنه باع ما في ذمته؛ فصار كما إذا باعه الكر الذي في البيت، وفي ~~البيت كر. # وكذلك لو كان الكر المقرض قائما في يد المستقرض؛ كان المستقرض بالخيار: ~~إن شاء دفع إليه هذا الكر، وإن شاء دفع إليه كرا آخر. # ولو أراد المقرض أن يأخذ هذا الكر من المستقرض، وأراد المستقرض أن يمنعه ~~من ذلك، ويعطيه كرا آخر مثله؛ له ذلك في ظاهر الرواية، وعلى ما روي عن أبي ~~يوسف - رحمه الله - في النوادر أن لا خيار للمستقرض، ويجبر على دفع ذلك ~~الكر إذا طالب به المقرض، وعلى هذا فروع ذكرت في الجامع الكبير. # (وجه) رواية أبي يوسف: أن الإقراض إعارة؛ بدليل أنه لا يلزم فيه الأجل، ~~ولو كان معاوضة للزم، كما في سائر المعاوضات. # وكذا لا يملكه الأب، والوصي، والعبد المأذون، والمكاتب، وهؤلاء لا يملكون ~~المعاوضات. # وكذا إقراض الدراهم، والدنانير لا يبطل بالافتراق قبل قبض البدلين، وإن ~~كان مبادلة لبطل؛ لأنه صرف، والصرف يبطل بالافتراق قبل قبض البدلين. # وكذا إقراض المكيل لا يبطل بالافتراق ولو كان مبادلة لبطل؛ لأن بيع ~~المكيل بمكيل مثله في الذمة لا يجوز؛ فثبت بهذه الدلائل أن الإقراض إعارة، ~~فبقي العين على حكم ملك المقرض. # (وجه) ظاهر ms4865 الرواية أن المستقرض بنفس القبض صار بسبيل من التصرف في القرض ~~من غير إذن المقرض بيعا، وهبة وصدقة، وسائر التصرفات، وإذا تصرف نفذ تصرفه ~~ولا يتوقف على إجازة المقرض، وهذه أمارات الملك. # وكذا مأخذ الاسم دليل عليه فإن القرض قطع، في اللغة؛ فيدل على انقطاع ملك ~~المقرض بنفس التسليم. # (وأما) قوله: إعارة، والإعارة تمليك المنفعة لا تمليك العين، فنعم، لكن ~~ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقيام عينه مقام المنفعة صار قبض ~~العين قائما مقام قبض المنفعة، والمنفعة في باب " الإعارة تملك بالقبض "؛ ~~لأنها تبرع بتمليك المنفعة، فكذا ما هو ملحق بها، وهو العين، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والحمد لله وحده PageV07P396 ms4866