######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_001189 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: عبد الرحمن الشيزري #META# 010.AuthorNAME :: عبد الرحمن بن عبد الله بن نصر بن عبد الرحمن الشيزري #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 589 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المنهج المسلوك في سياسة الملوك #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب التراث السياسي #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: المنهج المسلوك في سياسة الملوك #META# 030.LibURI :: JK_001189 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: علي عبد الله الموسى #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة المنار #META# 044.EdPLACE :: الزرقاء #META# 045.EdYEAR :: 1407هـ- 1987م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدمة الكتاب وتراجم أبوابه # بسم الله الرحمن الرحيم وبه أثق وعليه أتوكل # الحمدلله الذي عجزت العقول عن معرفة ذاته وقصرت الأفكار عن الإحاطة بكنه ~~صفاته وتحيرت الأبصار في بدائع مصنوعاته وشهدت له بالوحدانية عجائب أرضه ~~وسماواته أحمده على منه العظام وأياديه الحسان حمد معترف بسوابغ الإنعام ~~وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له الها لم يزل منعوتا بالجلال ~~موصوفا PageV01P153 # بالكمال منزها عن الحركة والسكون والإنتقال مقدسا عن الجسم والشبح ~~والخيال وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أرسله ببرهان لامع المنار وقرآن ~~ساطع الأنوار قاطع بإعجازه حجج الكفار والطغاة المعاندين أولي الإنكار # وصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأبرار صلاة دائمة بالعشي ~~والإبكار # قال عبد الرحمن بن نصر بن عبد الله لما كان المولى الملك الناصر ~~PageV01P154 PageV01P155 صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين أبو ~~المظفر PageV01P156 يوسف بن أيوب بن شادي محيي PageV01P157 دولة أمير ~~المؤمنين أدام الله دولته وحرس على الإسلام مهجته ممن أتاه الله ملكه ~~العظيم وهداه صراطه المستقيم وأورثه مشارق الأرض ومغاربها وأوطأه من الملوك ~~رقابها ومناكبها وكان ممن يرى الأدب وفضله ويؤثر العلم واهله جمعت لخزانة ~~علومه هذا الكتاب وهو يحتوي على ظرائف من الحكمة وجواهر من الأدب وأصول ~~PageV01P158 في السياسة وتدبير الرعية ومعرفة أركان المملكة وقواعد التدبير ~~وقسمة الفيء والغنيمة على الأجناد وما يلزم اهل الجيش من حقوق الجهاد ونبهت ~~فيه على الشيم الكريمة والأخلاق الذميمة وأشرت فيه إلى فضل المشورة والحث ~~عليها وكيفية مصابرة الأعداء وسياسة الجيش وأودعته من الأمثال ما يسبق إلى ~~الذهن شواهد صحتها ومعالم أدلتها مع نوادر من الأخبار وشواهد من الأشعار ~~وفصلته أبوابا تتضمن حكايات لائقة ومواعظ شافية وحكما بالغة وسلكت في ذلك ~~كله طريق الإختصار ومذهب الإيجاز لئلا تمجه الخواطر وترفضه الأسماع وسميته ~~المنهج المسلوك في سياسة الملوك . PageV01P159 # وكنت في أيداعه خزانة علومه كمهدي التمر إلى هجر أو الكافور إلى قيصور ~~ولكني قصدت بذلك إيصال الحكمة أهلها وأن أضعها محلها وبالله اعتصم وعليه ~~أتوكل وهو عشرون بابا وبالله التوفيق ms001 وهو حسبي ونعم الوكيل . # الباب الأول في بيان افتقار الرعية إلى ملك عادل # الباب الثاني في بيان فضل الأدب وافتقار الملك إليه PageV01P160 # الباب الثالث في معرفة قواعد الأدب # الباب الرابع في معرفة أركان المملكة # الباب الخامس في معرفة أوصاف الكريمة والحث عليها # الباب السادس في معرفة الأوصاف الذميمة والنهي عنها # الباب السابع في كيفية رتبة الملك مع اوليائه في حال جلوسه وركوبه # الباب الثامن في بيان فضل المشورة والحث عليها # الباب التاسع في بيان أوصاف أهل المشورة وحكايات لائقة # الباب العاشر في معرفة أصول السياسة والتدبير # الباب الحادي عشر في الجلوس لكشف المظالم # الباب الثاني عشر في ذكر أدب صحبة الملوك # الباب الثالث عشر في معرفة ما تكاد به الملوك في غالب الأحوال # الباب الرابع عشر فيما ينبغي للملك من سياسة الجيش وتدبير الجنود # الباب الخامس عشر فيما يلزم أهل الجيش من حقوق الجهاد # الباب السادس عشر في مصابرة المشركين # الباب السابع عشر في معرفة قتال قطاع الطريق واهل الردة والبغي ~~PageV01P161 # الباب الثامن عشر في معرفة قسمة الغنيمة والفيء # الباب التاسع عشر فيما ينبغي للملك فعله عند قفوله بالجيش # الباب العشرون في الحث على استماع المواعظ وقبولها من النساك # الباب الخاتمة PageV01P162 ### | الباب الأول في بيان إفتقار الرعية إلى ملك عادل # قال عبد الرحمن لما كانت الرعية ضروبا مختلفة وشعوبا مختلفة متباينة ~~الأغراض والمقاصد مفترقة الأوصاف والطبائع افتقرت ضرورة إلى ملك عادل يقوم ~~PageV01P163 PageV01P164 أودها ويقيم عمدها ويمنع ضررها ويأخذ حقها ويذب ~~عنها ما أشقها ومتى خلت من سياسة تدبير الملك كانت كسفينة في البحر ~~اكتنفتها الرياح المتواترة والأمواج المتظاهرة قد أسلمها الملاحون واستسلم ~~أهلها إلى المنون . # واعلم أن الرعية تستظمىء إلى عدل الملك وتدبيره استظماء أهل الجدب إلى ~~الغيث الوابل وينتعشون بطلعته عليهم كانتعاش النبت بما يناله من ذلك القطر ~~بل الرعية بالملك أعظم انتفاعا منها . PageV01P165 بالغيث لأن للغيث وقتا ~~معلوما وسياسة الملك دائمة لا حد لها ولا وقت # والرعية في تباين أوصافها كنبت الأرض فمنه الطيب المثمر ومنه الخبيث ~~القاتل ms002 فمن كان منه طيبا فإنه لا تزكي أصوله في أرضه ولا تنمى فروعه إذا ~~جاوره الخبيث فيها لان الخبيث يسبق إلى ما دونه في القرار فيشربها ويكثف ~~فروعه في الفضاء فلا يصل إليه حظه من النسيم فإذا أصلحت الأرض فأسدها وأخرج ~~ما فيها من النبت الخبيث انتعش نبتها الطيب وقوى أصله ونما فرعه وطاب ثمره ~~وكذلك الرعية لما جاور الخبيث طيبها افتقرت ضرورة إلى ملك يصلح فاسدها ~~ويقمع صائلها ويكسر شوكة أهل التعدي عليها لتنتعش أحوالها وتزكي أموالها ~~ويكثر خيرها وتصلح PageV01P166 أمورها وقد قيل الرعية بلا وال كالأنعام بلا ~~راع فانظر سائمة الانعام في مراعيها إذا خلت من راعيها ما أشد اختلال حالها ~~واختلاف افعالها بل الرعية أشد اختلالا وأكثر اختلافا فلا بد من زعيم ~~يمنعهم من المظالم ويفضل بينهم في التنازع والتخاصم ولولاه لكانوا فوضى ~~مهملين وهمجا مضاعين # قال الأفوه الأودي PageV01P167 # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم %~% ولا سراة إذا جهالهم سادوا # والبيت لا يبتنى إلا باعمدة %~% ولا عماد إذا لم ترس أوتاد # فإن تجمع أوتاد واعمدة %~% وساكن بلغوا الأمر الذي رادوا PageV01P168 ### | الباب الثاني في فضل الأدب وافتقار الملك إليه # قال عبد الرحمن لما افتقرت الرعية في أمورها إلى تدبير الملك وكان الأدب ~~مجموع خلال حميدة وخصال جميلة افتقر إليه الملك ضرورة لتصدر عنه تصاريف ~~التدبير في الرعية على قانون العدل الذي به دوام المملكة فقد قيل من حسنت ~~سياسته دامت رياسته # واعلم أن الأدب أحد الأوصاف الأربعة التي يشترط قيامها بالملك في تدبير ~~المملكة على ما سنوضحه فإذا عرى الملك PageV01P169 عنه اختلت سياسة وتدبيره وقد قيل الأدب صورة العقل فمن لا أدب له لا عقل ~~له ومن لا عقل له لا سياسة له ومن لا سياسة لا ملك له # وقال بعضهم قرأت في التورة إن أحسن الحلية الحسب ولا حسب لمن لا مروءة له ~~ومن لا مروءة لمن لا عقل له ولا عقل لمن لا أدب له . # وقال بعض الحكماء الأدب عصمة الملوك لأنه يمنعهم من الظلم ms003 ويردهم إلى ~~الحلم ويصدهم عن الأذية ويعطفهم على الرعية فمن حقهم أن يعرفوا فضله ~~ويعظموا أهله . PageV01P170 # وقال بعض العلماء ليس للمرء أن يتبجح بحالة جليلة نالها بغير عقل أو ~~منزلة رفيعة نالها بغير أدب فإن الجهل ينزله منها ويزيله عنها ويحطه إلى ~~رتبته ويرده إلى قيمته بعد أن تظهر عيوبه وتكثر ذنوبه ويصير مادحه هاجيا ~~ووليه معاديا . # وكان يقال عقل الأديب أبدا في إرشاد ورأيه أبدا في سداد فقوله سديد وفعله ~~حميد . # وقال رجل من قيس لسيد من قريش يا أخا قريش أطلب الأدب PageV01P171 فإنه ~~زيادة في العقل وكمال في المنصب ودليل على المروءة وصاحب في الغربة وصلة في ~~المجالس وما أحسن قول الذي يقول # أدب المرء كلحم ودم %~% ما حواه أحد إلا صلح # لو وزنا رجلا ذا أدب %~% بألوف من ذوي الجهل رجح # وكان يقال الأدب مال واستعماله كمال وأوصى ملك ولده فقال يا بني خصلتان ~~يسود بهما المرء وإن كان غير ذي مال العلم والأدب يا بني جالس الكبراء ~~وناطق العلماء فإن مؤاخاتهم كريمة ومجالستهم غنيمة وصحبتهم سليمة # وأوصى رجل ولده فقال يا بني عليك بالأدب فإنك إن كنت غنيا PageV01P172 ~~كنت شريف قومك وإن كنت مكتفيا كنت سري قومك وإن كنت محتاجا لم يستغن عنك ~~ويحتاجك رؤساء البلاد وأشرافهم # وقيل من قعد به نسبه نهض به أدبه وقال بزر جمهر ما أورثت الآباء أبناءها ~~أفضل من الأدب لأنها إذا أورثتها الأدب اكتسبت به الأموال ونالت به أعلى ~~المراتب وإذا أورثتها الأموال أضاعتها وبقيت عدما من الأدب وكان يقال الأدب ~~خير ميراث وحسن PageV01P173 الخلق خير قرين والتوفيق خير قائد والاجتهاد ~~أربح تجارة ولا مال أعود من العقل ولا عقل أوثق من المشورة ولا فقر أشد من ~~الجهل # وقيل الأدب ثوب جديد لا يبلى / والعلم كنز عظيم لا يفنى وقيل من أدب ابنه ~~أرغم عدوه وقيل ثلاثة ليس معهن غربة حسن الأدب ومجانبة الريب وكف الأذية ~~وقال نصر بن سيار كل شيء PageV01P174 يبدو صغيرا ثم يكبر إلا المصيبة فإنها ~~تبدو ms004 كبيرة ثم تصغر وكل شيء يرخص إذا كثر إلا الأدب فإنه إذا كثر غلا واعلم ~~أن فضل الأدب أشهر من أن يسطر وفي النفس الأبية باعث عليه إذا كانت تأبى ~~ضده وتكره مخالفته وله قواعد تبتنى عليه أركانه سنذكرها إن شاء الله تعالى ~~PageV01P175 ### | الباب الثالث في معرفة قواعد الأدب # لما كان الأدب وصفا مشروطا للملك في تدبير المملكة افتقر في ذلك إلى ~~معرفة قواعده التي لا يتحقق بدونها ولا يبتنى إلا عليها وهما قاعدتان لا ~~يسع الملك تركهما إذ هما أصلان في السياسة والتدبير. ### || القاعدة الأولى العلم # إعلم أن العلم بأحكام الدين وضبط أصول الشريعة واجب على كل مسلم وعلى ~~الملوك أشد وجوبا لافتقارهم إلى إقامة الحدود PageV01P176 الشرعية بما ~~يستحق كل جان منهم على الوجه الشرعي وأخذ الحقوق من وجوهها وصرفها في ~~أربابها وجهاتها ليتحقق منهم العدل الذي قامت به السموات والأرض ومتى كان ~~الملك جاهلا كان تدبيره هدما لقواعد PageV01P177 المملكة قال عمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه من عمل بغير علم كان ما يهدم أكثر مما يبني # قال عبد الرحمن ولا محالة أن الملك إذا كان خاليا من العلم ركب هواه ~~وتخبط ما يليه إذ لا تحجبه فكرة سليمة ولا تمنعه حجة صحيحة ويكون كالفيل ~~الهائج في البلد القفر لا يمر بشيء إلا تخبطه وإذا كان الملك عالما كان له ~~من علمه وازع يقمع هواه ويميل به إلى سنن الحق كالفيل الهائج إذا خرج من ~~البلد القفر إلى الأنيس ذللته السلسلة وقهره الكلوب حتى يحمل عليه الأثقال ~~PageV01P178 # وقال بعض الحكماء الملك إذا لم يوطده علم كان مذلة اجلة والعلم إذا لم ~~يؤيده عقل كان مضلة عاجلة # وكان يقال إذا أراد الله بالناس خيرا جعل العلم في ملوكهم والملك في ~~علمائهم وقال بعض الحكماء العلم عصمة الملوك لأنه يمنعهم من الظلم ويردهم ~~إلى الحلم ويصدهم عن الأذية ويعطفهم على الرعية # وقال ابن عباس رضي الله عنهما إن سليمان بن داود عليهما السلام خيره الله ~~تعالى بين العلم والملك فاختار ms005 العلم فأعطاه الله PageV01P179 تعالى العلم ~~والملك جميعا # وأوصى ملك من ملوك اليمن ولي عهده فقال اتق من فوقك يتقيك من تحتك وكما ~~تحب أن يفعل بك فافعل برعيتك وانظر كل حسن فافعله واستكثر من مثله وكل قبيح ~~فارفضه وبالنصحاء يستبين لك ذلك وخيرهم أهل الدين وأهل النظر في العواقب ~~واستكثر من العلم فإنه أساس التدبير وما ليس له أساس فمهدوم وإنما رأيت ~~الملوك تولي من ثلاثة أمور فاحسم عنك واحدا وأحكم اثنين وهي اتباع الهوى ~~وتولية من يستحق وكشف أمور الرعية فإنك إن ملكت هواك PageV01P180 لم تستأثر ~~ولم تعمل إلا بالحق وإن وليت المستحق كان عونا لك على ما تحب ولم تضع على ~~يديه الأمور وإذا تناهت إليك أمور رعيتك عاش الوضيع وحذر الرفيع وأمسك ~~الظالم وأمن المظلوم والسلام # وحكي أن عبد الله بن صالح بن PageV01P181 علي دخل بغداد على بعض شبان بني ~~العباس فحادثه فوجده على خلاف ما عهد عليه أسلافه فساءه ذلك فلما خرج من ~~عنده قال إن الجهل يحط أولى المراتب ويصغر ذوي المناصب ثم أنشد متمثلا # تعلم فليس المرء يولد عالما %~% وليس أخو علم كمن هو جاهل # وإن كبير القوم لا علم عنده %~% صغير إذا التفت عليه المحافل # وقال بعض العلماء الجهل مطية من ركبها زل ومن صحبها ضل PageV01P182 ~~وأنشدني بعض أهل العلم # احفظ العلم ما استطعت %~% فإنك إن كنت خاملا رفعك # واترك الجهل ما استطعت %~% فإنك إن كنت عاليا وضعك # وقال بعض العلماء من غرس العلم اجتنى النباهة ومن غرس الزهد اجتنى العزة ~~ومن غرس الإحسان اجتنى المحبة ومن غرس الفكرة اجتنى الحكمة ومن غرس الوقار ~~اجتنى المهابة ومن غرس المداراة اجتنى السلامة ومن غرس الكبر اجتنى المقت ~~ومن غرس الحرص اجتنى الذلة ومن غرس الطمع اجتنى الخزي ومن غرس الحسد اجتنى ~~الكمد PageV01P183 ### || القاعدة الثانية من قواعد الأدب نهي النفس عن الهوى # وذلك لازم للملك في التدبير لأن صواب الرأي وخطأه إنما يكون بحسب قوة ~~التخيل الفكري وضعفه فمن قوى تخيل فكره كان في سلطان ms006 الهوى غالبا ومن ضعف ~~تخيل فكره كان في سلطان الهوى مغلوبا وإنما يضعف التخيل الفكري إذا استولت ~~على النفس الشهوات PageV01P184 فيحتجب العقل عن صواب الرأي فإذا قهر الملك ~~نفسه عن هواها ومنعها شهواتها الصائرة بها ونهاها ظهر له صواب التدبير في ~~مرآة العقل ومتى لم يملك الملك ضبط نفسه عن هواها وهي واحدة لم يملك ضبط ~~حواسه وهي خمس وإذا لم يملك ضبط حواسه مع قلتها وذلتها صعب عليه ضبط خاصته ~~من أعوانه وعامته مع كثرة جمعهم وخشونة جانبهم ومن لم يضبط خاصته من أعوانه ~~وهم نصب عينيه لم يضبط عامته من رعيته في أقاصي بلاده وأطراف مملكته فليس ~~من عدو بعد قهر النفس أحق بالقهر من الحواس الخمس لأنهن أعوان النفس ~~ودليلها إلى الشهوات الموبقة وقد رأينا قوة الحاسة الواحدة منهن على ~~انفرادها إذا أتت على نفس من النفوس القوية الحذرة ألهتها عن مصلحتها حتى ~~توردها حياض الموت فكيف بها إذا اجتمعت خمسا PageV01P185 على نفس واحدة فمن ~~ذلك أن الظبي مع شدة نفوره إذا سمع صوت أواني الصفر مع تواتر النقرات ~~واصطخابها الهاه سماع ذلك عما يراد به فيلبث في كنانته حتى يأتيه الصياد ~~فيقتنصه # والفيل مع عظم جسمه وشدة قوته يلهيه لين اللمس ويذهله عن نفسه حتى تنصب ~~له المصائد فيصاد ويذل ويركب عنقه # والفراش الذي يسكن PageV01P186 من حر الشمس إذا رأى ضوء النار أعجبه ~~نورها وحسن منظرها فيلهيه ذلك حتى يلقى نفسه فيها فتحرقه # وذباب الورد المتتبع لطيب الأوائح يطلب ما يقطر من أصل أذن الفيل عند ~~هيجانه فإنه يكون في طيب رائحة المسك ولا يهوله تحريك أذن الفيل بل يلهيه ~~شم ذلك القاطر عن الإحتراس حتى يلج في أصل أذنه فيقع عليه ضربة الأذن ~~فتقتله # والسمك في البحر يسليه ذوق الطعم ويلهيه ويذهله عن PageV01P187 الشص الذي ~~فيه اللحم فيبتلعه فيكون فيه حتفه فمن ملك هذه الحواس الخمس فقد ملك نفسه ~~ومن ملك نفسه حسنت سياسته ومن حسنت سياسته دامت رياسته # ومن أعطى نفسه هواها باتباع ملاذ ms007 شهواته اشتغل عن تدبير مهماته فتختل ~~أمور دولته وتنحل عرى مملكته # وقد سئل رجل من بني أمية عن سبب زوال PageV01P188 دولتهم فقال مثله ما ~~قال بزرجمهر شغلتنا لذاتنا عن مهماتنا وقل عطاؤنا لجندنا فقل ناصرنا وجرنا ~~على أهل خراجنا فدعوا علينا وطلبوا الراحة منا وأشد من ذلك أنا استعملنا ~~صغار العمال على كبار الأعمال فآل ملكنا إلى ما آل # وقال بعض الحكماء العقل كالزوج والنفس كالزوجة والجسم كالبيت لهما فإذا ~~كان سلطان العقل غالبا قاهرا للنفس اشتغلت النفس بمصالح الجسم إما لمنفعة ~~تجلبها أو لمضرة تجتنبها كما تشتغل الزوجة التي قهرها زوجها بمصالح بيتها ~~العائدة عليها وعلى زوجها وإن كان سلطان النفس على العقل غالبا كان سعي ~~النفس فاسدا ونزعاتها مذمومة كفعل الزوجة التي قهرت زوجها # وكان يقال لا يزال الملك الحازم يخاف ظهور عدوه عليه حتى يجاوز عدوه ~~قضايا العقل إلى قضايا الهوى فحينئذ يبشر بالغلب ويثق بحسن المنقلب ~~PageV01P189 # وكان يقال الهوى كالنار إذا استحكم إيقادها عسر إخمادها وكالسيل إذا اتصل ~~مده تعذر صده # قال المأمون الهوى ينتج من الأخلاق قبائحها ويظهر من الأفعال فضائحها ~~أنشدني بعض أهل العلم # إذا ما رأيت المرء يقتاده الهوى %~% فقد ثكلته عند ذاك ثواكله # وقد أشمت الأعداء جهلا بنفسه %~% وقد وجدت فيه مقالا عواذله # وما يردع النفس الحرون عن الهوى %~% من الناس إلا حازم الرأي كامله ~~PageV01P190 # وقال أردشير ما استعان ملك على عدل في رعيته بمثل مجانبة الهوى وقال أيضا ~~الزلل مع اتباع الهوى # وأوصى رجل ولده فقال يا بني أعص هواك والنساء واصنع ما شئت # وكان يقال إذا غلب عليك عقلك فهو لك وإذا غلب عليك هواك فهو لعدوك # وقال بعض الحكماء أكثر مخالفة الهوى فإن النفس أمارة PageV01P191 بالسوء ~~تكره ما لها وتحب ما عليها ولن يحور عن القصد من ائتمن عقله واتهم هواه ~~واستغش العقل وأنشدني بعضهم # إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى %~% إلى بعض ما فيه عليك مقال # وقال سابق البربري # اعص الهوى حين لا ترضى معاذره %~% وقد تبينت ms008 ما تأتي وما تذر ~~PageV01P192 # وأوصى ملك من ملوك حمير أخاه فقال لا يكون الإفراط من شأنك في نكال ولا ~~نوال فإنه في النوال يجحفك وفي النكال يؤثمك ويحنق عليك وإذا أنكرت نفسك ~~فامسك وغالب هواك فإنه أضر ما اتبعت واعمل بالحق فإنه لا يضيق معه شيء ولا ~~يتعب فيه عاقل ولا يعقبك فيه تبعة وليكن خوف بطانتك لك أشد من أنسهم بك # وأوصى ملك من العرب ولي عهده فقال كن بالحق عمولا وعما جهلت سئولا وأول ~~شيء تؤدب به نفسك قمعها عن شهواتها وردعها عن هواها فلا شيء أضر بالمملكة ~~من اتباع الهوى وافحص عن الأمور تظهر PageV01P193 لك حقائقها واستبطن أهل ~~التقوى وذوي الأحساب تزين نفسك وتحكم أمرك وإياك وقبول التزكية فيما لا تشك ~~أنك مكذوب فيه فإنها خدعة يتبعها صرعة ولا تحصن سرك إلا عند من يكتمه ولا ~~تثق برجل تتهمه ولا تعود لسانك الخنا ولا تكلف نفسك ما لا تقوى عليه وإذا ~~هممت بخير فعجله وإذا هممت بخلافه فتأن فيه وإياك وكثرة التألي فمن تألى ~~على الله أكذبه وأرحم ترحم # وقال بعض الشعراء # قد يدرك الحازم ذو الرأي المنى %~% بطاعة الحزم وعصيان الهوى ~~PageV01P194 ### | الباب الرابع في معرفة أركان المملكة وقاعدتها # إعلم أن أركان المملكة تبنى على قاعدة كلية لا قوام لها بدونها ولا تثبت ~~إلا عليها وهي منها بمنزلة الرأس من الجسد فكما لا بقاء للجسد بعد قطع ~~الرأس كذلك لا بقاء للمملكة بدون هذه القاعدة وهذه القاعدة يقلها أركان ~~خمسة بها قوام القاعدة فإذا انتقض منها ركن أوهن القاعدة وأفضى إلى ~~اضطرابها فتختل المملكة PageV01P195 فكما أن النفس يقوم بها أركان خمسة وهي ~~الغذاء والشحم والدم والمخ والعظم فإذا انتقض منها ركن أوهن النفس وأفضى ~~إلى ذهاب القوة وكذلك دين الإسلام أركانه خمسة فإذا انتقض منها ركن في شخص ~~بطل عنه البواقي وخرج عنه الإسلام # وهذه القاعدة أركانها الخمسة يقلها أساس باطن لا تثبت إلا عليه فإذا ~~انشعث هذا الأساس اختلت الأركان واضطربت القاعدة وأفضى الأمر إلى هدم ms009 ~~الجميع وسنوضح ذلك إن شاء الله تعالى # أما القاعدة التي تبتنى عليها المملكة فهي الملك المنتصب لتدبير الرعية ~~وسياسة المملكة ويقيمه أوصاف أربعة لا ينفك عنه واحدة PageV01P196 ~~PageV01P197 PageV01P198 PageV01P199 منهن وهي أدبه وعقله وعدله وإقدامه ~~فإذا عرى عن شيء من ذلك ذهبت قوته وضعف عن حمل المملكة كالطبائع الأربع ~~المركبة في جسد الإنسان لا قوام له إلا بها فإذا خلا عن واحد منهن انحل ~~تركيب الجسد وزهقت منه النفس فإذا استقام الملك بهذه الأوصاف الأربعة قامت ~~به مملكته ### || وأما الركن الأول من أركان المملكة فهو الوزارة PageV01P200 # وهي على ضربين وزارة تفويض ووزارة تنفيذ PageV01P201 # فأما وزارة التفويض فهو أن يستووزر الملك من يفوض إليه تدبير الأمور ~~برأيه PageV01P202 PageV01P203 PageV01P204 PageV01P205 لأن ما وكل إلى ~~الملك من تدبير الرعية لا يقدر على مباشرة جميعه إلا بالاستنابة # وأما وزارة التنفيذ فالنظر فيها مقصور على رأي الملك وتدبيره وهذا الوزير ~~واسطة بين الملك وبين الرعية يؤدي عنه ما أمر به PageV01P206 وينفذ ما ذكر ~~ويمضي ما حكم ويخبر عنه بتقليد الولاة وتجهيز الجيوش ويعرض عليه ما ورد من ~~أمر مهم وما تجدد من حدث ملم ولا مندوحة للملك عن نظر الوزير واستعمال رأيه ~~فيما يجهله من أمور التدبير PageV01P207 والوقائع الحادثة وقد روت عائشة ~~رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم = قال من استعمل على عمل وأراد ~~الله به خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه # وقد يثب المصروع من الملوك برأي وزيره حتى PageV01P208 يعلو من صرعته ~~بقوة رأيه ولطف حيلته وإن كان ضعيفا والصارع قويا كالماء الذي هو أقوى من ~~النار فإنه يحتال فيه المحتال حتى تنفذ منه النار وهو في القدر ولا يضر ~~النار بل ينقلب الضرر على الماء الذي هو أقوى حتى تنفذ من القدر بلطف ~~الحيلة # واعلم أنه لا بد أن يعتبر في الوزير عشرة أوصاف # أحدها العلم لأن تدبير الجاهل يقع مخالفا للشرع فيكون وبالا # الثاني السن لأن الشيخ حنكته التجارب وعركته النوائب وشاهد من ~~PageV01P209 اختلاف الدول ونزول الحوادث ما ms010 أوضح لعقله صواب الرأي في ~~التدبير # الثالث الأمانة حتى لا يخون فيما ائتمن عليه ولا يغش فيما استنصح فيه # الرابع صدق اللهجة حتى يوثق بخبره فيما يؤديه ويعمل بقوله فيما ينهيه # الخامس قلة الطمع حتى لا يرتشي ولا ينخدع # السادس أن يسلم فيما بينه وبين الناس من عداوة أو شحنا لأن العداوة تصد ~~عن التناصف وتمنع من التعاطف PageV01P210 # السابع أن يكون ذكورا لما يؤديه إلى الملك أو ينقله عنه لأنه شاهد له ~~وعليه # الثامن الذكاء والفطنة لئلا تدلس عليه الأمور فتشتبه ولا تموه عليه ~~الأحوال فتلتبس لأن الأمور لا يصح مع اشتباهها عزم ولا يتم مع التباسها حزم # التاسع أن لا يكون من أهل الأهواء فيخرجه الهوى من الحق الباطل ويتدلس ~~عليه المحق من المبطل لأن الهوى خادع الألباب وصارف عن الصواب # العاشر أن يكون من أهل الكفاية فيما وكل إليه من أمر PageV01P211 الحرب ~~والخراج خبيرا بهما عارفا بتفصيلهما لأنه يكون مباشرا لهما تارة ومستنيبا ~~فيهما تارة أخرى وعلى هذا الوصف مدار الوزارة وبه ينتظم أمور السياسة ومتى ~~لم تجتمع في الوزير هذه الأوصاف العشرة كان تدبيره ناقصا بقدر ما نقض منها # وحكي أن المأمون كتب في اختيار وزير إني التمست لنفسي PageV01P212 وتدبير ~~أموري رجلا جامعا لخصال الخير ذا عفة في خلائقه قد هذبته الآداب وأحكمته ~~التجارب إن ائتمن على الأسرار قام بها وإن قلد مهمات الأمور نهض فيها يسكته ~~الحلم وينطقه العلم وتكفيه اللحظة وتغنيه اللمحة له صولة الأمراء وأناة ~~الحكماء وتواضع العلماء وفهم الفقهاء إن أحسن إليه شكر وإن ابتلي بالإساءة ~~صبر لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده يسترق قلوب الرجال بخلابة لسانه وحسن ~~بيانه # قال عبدالرحمن وهذه الأوصاف إن كملت في الوزير وقل ما تكمل فالصلاح بنظره ~~عام وبتدبيره تام وإن اختلت فالصلاح بحسب نقصها مختل والتدبير على قدرها ~~معتل # وقد كان الفضل بن سهل وزير المأمون يبعث أصحابه إلى PageV01P213 البلاد ~~عيونا ليسمعوا ما تقول الناس فيه من خير أو شر فيطالعونه بذلك فما سمع من ~~خير ms011 ازداد منه وما سمع من عيب فيه أزاله # وإن وفدا قدموا على المأمون من بلاد الروم فأكرمهم فلما رجعوا إلى بلادهم ~~قال عقلاؤهم ما رأينا مثل المأمون جلالة وعظمة وعقلا ولا رأينا مثل وزيره ~~في حسن سمته وكمال أوصافه لولا أنه حديث السن ومن شأن الملوك أن يستوزروا ~~المشايخ الذين اجتمعت لهم الحيلة والرياسة والعلم والتجربة فأخبره أصحابه ~~بذلك قال فاحتجب ثلاثة أيام في داره يعالج لحيته حتى ظهر للناس وهي بيضاء ~~ولا يجوز أن يكون الوزير امرأة لقوله صلى الله عليه وسلم = ما أفلح قوم ~~أسندوا أمرهم إلى امرأة PageV01P214 PageV01P215 PageV01P216 PageV01P217 ~~PageV01P218 ### || الركن الثاني من أركان المملكة: الرعية # إعلم أن الرعية ركن شديد من أركان المملكة وهي قسمان خاصة وعامة والخاصة ~~قسمان متضع في خدمة الملك ومطبوع على الإنكماش والقيام بحقوق الخدمة فليعرف ~~الملك المتضع منهم والمطبوع فإن العون من الخاصة المتضع في خدمته يكون في ~~أول ذلك نشيطا مواظبا للخدمة ثم يدركه خور الطبيعة وقصور الهمة فيفتر ~~PageV01P219 عما تعاطاه أولا ويذهب تصنعه والمطبوع على الإنكماش في الخدمة ~~يكون نشيطا في كل وقت مثل نشاطه في أول خدمته وأما العامة فهم ثلاث طبقات ~~أخيار وأشرار ومتوسطون بين ذلك ولكل طبقة منهم سياسة سنذكرها في موضعها إن ~~شاء الله تعالى والمطلوب من الرعية طاعة الملك وذل الجانب وعمارة البلاد ~~وأداء الحقوق وإنما يحصل PageV01P220 منهم ذلك بنشر العدل عليهم على ما ~~سنذكره في بابه إن شاء الله تعالى PageV01P221 ### || الركن الثالث من أركان المملكة: القوة # فقوة الملك تنقسم إلى ثلاثة أنواع # أحدها قوة رتبته في الناس وهيبته عليهم وما يقع في نفوسهم من عزه وسطوته ~~واستعلائه وقدرته # الثاني قوة احتماله بنفسه لما يرد عليه من الأمور واستقلاله بذلك # الثالث قوة التدبير لأمور المملكة والنفاذ فيها بحسن نظر العواقب بالأمور # أما القوة الأولى فتحصل بحسن السياسة على ما سنذكره في موضعه # والقوة الثانية تحصل بأدب النفس كما ذكرناه في الباب الذي قبله # القوة الثالثة تنقسم إلى أربعة أقسام أحدها تدبير وإبرام PageV01P222 ~~الأمور بلا احتيال قبل التدبير ms012 بل بالنظر والقياس من المدبر لها # الثاني تدبير وإبرام الأمور بعد الإحتيال فيها ووضع الأصول لها الثالث ~~تدبير معرفة الوقوف على الأمر الذي لا يوجد فيه للتدبير حيلة حتى يصير إلى ~~ما صار إليه ثم يطلب الحيلة فيه بعد ذلك # الرابع تدبير ما لا حيلة فيه واعلم أن أفضل هذه القوات قوة التدبير فأما ~~الأمر الذي لا حيلة فيه ولا رفق فالحيلة فيه الصبر واللين لأن متعاطي الشدة ~~فيه ينقلب الضرر عليه إذا لم يرفق # ألا ترى أن ذا القوة بقوته لو حاول سباحة في الماء على لينه لم يقطعه ~~بقوته حتى يبهره PageV01P223 # فإذا رفق به سهل عليه عبوره وأمكنه قطعه وكذلك من حاول أن يعقد بكفه على ~~الهواء لم يجد إلى ذلك سبيلا ولو أن الفيل بقوته تعاطى ثلم الجبل بنابه ~~انكسر نابه ولم يقدح في صفاته شيئا # والرجل على ضعف بنيته يتخذ برفقه من الجبل الصلد مسكنا وقد يذيب الحديد ~~الشديد برفقه في حيلته # واعلم أن الملك القوي قد ينبو حد قوته إذا لم يقم رفق التدبير كما ينبو ~~حد السيف عن ضربته وإن كان من الحديد الشديد حتى يسقى من الماء الذي هو لين ~~سيال فيحشد مضاربه حتى إذا حمل PageV01P224 # على الحديد الذي هو من جنسه قطعه وكل ذلك إنما يحصل بالرفق دون الخرق ~~وسنوضح كيفية التدبير في مواضعه إن شاء الله تعالى PageV01P225 ### || الركن الرابع من أركان المملكة: المال # إعلم أن بيت المال ركن عظيم للمملكة PageV01P226 PageV01P227 يتعلق به ~~المصالح الكلية من أرزاق المقاتلة والولاة وأعوانهم PageV01P228 وتجهيز ~~الجيوش وأرزاق الفقراء والمساكين وأهل العلم وسد الثغور وبناء المعاقل ~~والحصون وغير ذلك مما يقوم به مصالح الرعية وبقدر زيادته ونقصانه يكون حال ~~المملكة # وناموس الملك عند نظرائه وخاصته وأعوانه لأنه ذخيرة يرجع إليها الملك ~~والأعوان والرعية عند نزول الحوادث فإذا اشتهر بكثرة أنواع الأموال واختلاف ~~أجناس الجواهر اشتد أزر الرعية وقويت نفوس الجند وعظم قدر الملك عند نظرائه ~~وإذا اشتهر بالنفاد والقلة صغر قدر الملك واختلت أمور المملكة وطمع فيه ms013 ~~أعداؤه فيجب PageV01P229 حفظه والاحتياط عليه بتولية الثقات وأهل الأمانة ~~ويتوقى الإسراف في بذله وصرفه إلى غير أهله ولا يمنعه أهل الحقوق فيحصل ~~بذلك الزلل ويتطرق إليه الخلل # سيما الجند وأعوان المملكة فإن PageV01P230 تقتير الأرزاق عليهم يفضي ~~بالملك إلى المهالك وقد كان يقال المال ناموس الملك به تظهر هيبته وتقوى ~~أبهته # حكي أن سابور ملك الفرس اتخذ أعمدة وقواعد من الذهب وجعلها على باب خزانة ~~ماله يجلس عليها الخزنة وغيرهم فعظم بذلك عند نظرائه وأهل مملكته فلما أفضت ~~المملكة إلى ولد ولده جعل يغدق PageV01P231 الأموال ويسرف في العطايا فلما ~~نفدت تلك الأموال أخذ تلك الأعمدة وسكبها فوجدها مجوفة وقد ملئت رملا فذهب ~~حينئذ ناموسه وتظاهرت أعداؤه وقلت هيبته عند أهل مملكته حين علموا سر هذه ~~الأعمدة # وحكي أن بعض ملوك مصر أخذ حبابا من الخزف وملأها ذهبا ثم سكبه فيها ثم ~~كسر الخزف وأزاله فبقيت كهيئة الحباب ثم جعلها على باب قصره يجلس عليها ~~الناس وسماها الحسرات وإنما قصد بذلك أيضا لإقامة ناموس مملكته وتقوية ~~لنفوس جنده فلهذه المعاني يجب حفظه والاحتياط عليه PageV01P232 ### || الركن الخامس من أركان المملكة: الحصون # اعلم أن الحصون التي يتحصن بها الملوك ويمتنع بها جانبهم تنقسم إلى خمسة ~~أنواع كل نوع منها يحصل به التحصن وامتناع الجانب وهي الماء والجبال ~~والمفاوز والقلاع والرجال # وأحصن هذه الحصون الرجال ثم القلاع وتحصين القلاع وتحصين القلاع # بالرجال وتحصين الرجال بالأموال وأفضل الأموال الأطعمة وجمع الأطعمة ~~وتحصيلها إنما يتحقق بالعدل # قيل كان مكتوبا على منطقة بعض ملوك الفرس لا ملك إلا PageV01P233 # بالرجال وتحصين الرجال بالأموال وأفضل الأموال الأطعمة وجمع الأطعمة ~~وتحصيلها إنما يتحقق بالعدل # قيل كان مكتوبا على منطقة بعض ملوك الفرس لا ملك إلا PageV01P234 برجال ~~ولا رجال إلا بمال ولا مال إلا برعية ولا رعية إلا بعدل # وقالت أم جبفويه ملك طبرستان لنصر بن سيار الملك الحازم من اتخذ لنفسه ~~سبعة أشياء حصن يلجأ إليه إذا تظاهر عليه نظراؤه ووزير صالح يثق برأيه ~~ويفضي بسره إليه وذخيرة خفيفة المحمل يرجع ms014 إليها عند النوائب وفرس يثق ~~بجريه إذا دهمته الأعداء PageV01P235 وسيف إذا نازل الأقران لم يخف أن ~~يخونه وامرأة حسناء إذا دخل عليها ذهب همه وطباخ إذا لم يشته الطعام صنع له ~~ما يشتهيه # وكتب ملك إلى حكيم فقال دلني على ما تبقى به المملكة واختصر في ذلك فكتب ~~إليه بأربعة أشياء حصن شاهق ووزير حاذق ومال وافر وعدل عامر # وبلغ بعض الملوك حسن سياسة ملك فكتب إليه قد بلغت من السياسة مالم يبلغه ~~ملك قبلك فأفدني ذلك فكتب إليه إني تحصنت بالرجال وحصنت الرجال بالأموال ~~ولم أهزل في أمر ولا نهي ولا وعد PageV01P236 ولا وعيد وأودعت القلوب هيبة ~~لم يشبها مقت وودا لم يشبه كذب وعممت بالقوت ومنعت الفضول # وسأل ملك من ملوك الفرس حكيما من حكمائهم فقال ما عز الملك قال الطاعة ~~قال فما سبب الطاعة قال التودد إلى الخاصة والعدل على العامة قال فما حصن ~~الملك قال وزراؤه وأعوانه فإنهم إذا صلحوا صلح الملك وإذا فسدوا فسد الملك ~~قال فما سبب صلاحهم قال البذل والإنعام والإحسان الشامل قال فأي الأمور ~~أحمد للملك قال الرفق بالرعية وأخذ الأموال منهم من غير مشقة وأداؤه إليهم ~~عند أوانه وسد الثغور وأمن السبل وإنصاف المظلوم من الظالم وزجر القوي عن ~~الضعيف قال فأي خصلة تكون في الملك أنفع قال الصدق في جميع الأحوال وأما ~~الأساس للمملكة وأركانها فهو الدين PageV01P237 # اعلم أن الدين أساس المملكة لا قوام لها إلا به ولا تثبت أركانها إلا ~~عليه وهو إقامة منار الإسلام وإظهار شعائر الحق واتباع أحكام الشرع والعمل ~~بالفرائض والسنن ومندوبات الشريعة وإقامة الحدود وامتثال أمر الشارع ~~والانتهاء عن نواهيه وإيصال الحقوق الواجبة إلى أربابها والعمل بما يرضي ~~الله تعالى سرا وعلانية فإنه لا دوام للملك بغير هذه الأشياء قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم = من أصلح سريرته PageV01P238 أصلح الله علانيته ومن ~~أصلح فيما بينه وبين الله أصلح الله فيما بينه وبين الناس # وحكي أن أردشير قال لولده يا بني إن الملك والدين أخوان ms015 لا غنى لأحدهما ~~عن الآخر ولا قوام له إلا به # الدين أس والملك حارس فما لم يكن له أس فمهدوم وما لم يكن له حارس فضائع ~~يابني اجعل مرتبتك مع أهل المراتب وعطيتك لأهل الجهاد وبشرك لأهل الدين ~~وسرك لمن يعنيه ما عناك ولتكن من أهل العقل PageV01P239 # وقال الأحنف بن قيس من هدم دينه كان لمجده أهدم ومن ظلم نفسه كان لغيره ~~أظلم وقال بعض الحكماء الدولة بلا دين كالبناء على الثلج PageV01P240 ### | الباب الخامس في معرفة الأوصاف الكريمة وفضلها وحث الملك عليها # ينبغي للملك المنتصب لتدبير الرعية أن يتصف بالأوصاف الكريمة ويتلبس بها ~~ويجعلها له خلقا مطبوعا ولا يهمل منها وصفا واحدا إذ بها قوام دولته ودوام ~~مملكته وهي خمسة عشر وصفا # العدل والعقل والشجاعة والسخاء والرفق والوفاء والصدق والرأفة والصبر ~~والعفو والشكر والأناة والحلم والعفاف والوقار وسنشرح فضل هذه الأوصاف وما ~~يتعلق بها من المصالح الكلية في تدبير المملكة PageV01P241 ### || الوصف الأول العدل # إعلم أن العدل أشرف أوصاف الملك وأقوم لدولته لأنه يبعث على الطاعة ~~ويدعوا إلى الألفة وبه تصلح الأعمال وتنمو الأموال PageV01P242 وتنتعش ~~الرعية وتكمل المزية وقد ندب الله عز وجل الخلق إليه وحثهم عليه # قال الله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون # قال الحسن إن الله تعالى جمع الخير كله والشر كله في إن الآية وقال إن ~~استقامة الملك بالثلاثة المأمور بها في الآية واضطرابه بالثلاثة المنهي ~~عنها فيها PageV01P243 # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم = ثلاث منجيات وثلاث مهلكات فأما ~~المنجيات فالعدل في الغضب والرضاء PageV01P244 وخشية الله تعالى في السر ~~والعلانية والقصد في الغنى والفقر وأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب ~~المرء بنفسه # وحكي أن الإسكندر قال لحكماء الهند وقد رأى قلة الشرائع في بلادهم لم ~~صارت سنن بلادكم قليلة قالوا لإعطائنا الحق من أنفسنا ولعدل ملوكنا فينا ~~فقال لهم أيما أفضل العدل أم الشجاعة قالوا إذا استعمل العدل استغني عن ~~الشجاعة وقال أردشير ms016 إذا رغب الملك عن العدل رغبت الرعية عن الطاعة # وعوتب كسرى أنوشروان %~% على ترك عقاب المذنبين PageV01P245 # فقال هم المرضى فإذا لم نداوهم بالعدل فمن لهم # وقال أفلاطون بالعدل ثبات الأشياء وبالجوز زوالها وقيل لأردشير من الذي ~~لايخاف أحدا قال من عدل في حكمه وكف عن ظلمه نصره الحق وأطاعه الخلق وصفت ~~له النعمة وأقبلت عليه الدنيا فهنىء بالعيش واستغنى عن الجيش وملك القلوب ~~وأمن الحروب # وقال بعض العلماء إن أيدي الرعية تبع لألسنتها فمتى قدرت أن PageV01P246 ~~تقول قدرت أن تصول ولن يملك الملك ألسنتها حتى يملك جسومها ولن يملك جسومها ~~حتى يملك قلوبها فتحبه ولن تحبه حتى يعدل عليها عدلا يتساوى فيه الخاصة ~~والعامة PageV01P247 # وقال كسرى أنو شروان لبزرجمهر ابن لي قبة واكتب عليها كلمات انتفع بها في ~~بقاء الدولة فبناها وكتب في طرازها العالم بستان سياجه الدولة والدولة ~~ولاية تحرسها الشريعة والشريعة سنة يستنها الملك والملك راع يعضده الجيش ~~والجيش أعوان يكفلهم المال والمال رزق تجمعه الرعية والرعية عبيد يستعبدهم ~~العدل والعدل مألوف به قوام العالم # وقال الوليد بن هشام إن الرعية لتفسد بفساد الملك وتصلح بصلاحه ~~PageV01P248 # وقال سفيان الثوري للمنصور إني لأعرف رجلا إن صلح صلحت الأمة قال ومن ~~هوقال أنت # واعلم أن العدل لايتحقق من الملك إلا بلزوم عشر خصال أحدها إقامة منار ~~الدين وحفظ PageV01P249 شعائره والحث على العمل به من غير إهمال له ولا ~~تفريط بحقوقه # الثاني حراسة البيضة والذب عن الرعية من عدو في الدين أو باغ في النفس ~~والمال # الثالث عمارة البلدان باعتماد المصالح وتهذيب السبل PageV01P250 والمسالك ~~الرابع النظر في تعدي الولاة وأهل العز من الأعوان على الرعية لأن تعديهم ~~منسوب إليه قال الشاعر # ومن يربط الكلب العقور ببابه %~% فعقر جميع الناس من رابط الكلب # كذلك من ولى ابنه وهو ظالم %~% فظلم جميع الناس من قبل الأب # الخامس النظر في أحوال الجند وغيرهم من أهل الرزق لئلا تبخسهم العمال ~~أرزاقهم أو يؤخرون العطاء فيجحف الانتظار بهم PageV01P251 # السادس الجلوس لكشف المظالم والنظر بين المتشاجرين من ms017 الرعية والفصل ~~بينهم بالنصفة على وجه الشرع # السابع تقدير ما يخرج من بيت المال على طبقات أربابه من غير إسراف ولا ~~إقتار # الثامن إقامة الحدود على أهل الجرائم بالشرع المطهر على قدر الجريمة ~~PageV01P252 # التاسع اختيار خلفائه في الأمور وولاته وقضاته وعماله بأن يكونوا من أهل ~~الكفاية والأمانة والحذق والدراية فيما هم بصدده # العاشر تنفيذ ما وقف من أحكام القضاة وأهل الحسبة وما عجزوا عن تنفيذه ~~لقوة يد المحكوم عليه وتعززه فينفذ الملك ما حكموه عليه بالشرع PageV01P253 # فإذا فعل الملك هذه العشر خصال كان مؤديا لحق الله تعالى في الرعية ~~بالعدل الذي أمر الله تعالى به وكان مستوجبا لطاعتهم ومستحقا لمناصحتهم وإن ~~ترك شيئا من ذلك كان عن العدل ناكبا وفي الجور راغبا PageV01P254 # وأنشدني بعضهم # إختم وطينك رطب إن قدرت فكم %~% قد أمكن الختم أقواما فما ختموا # ولوا فما عدلوا أيام دولتهم %~% حتى إذا عزلوا ذلوا فما رحموا ~~PageV01P255 ### || الوصف الثاني العقل # إعلم أن العقل وصف شريف وخلق عظيم لايبطل حقا ولايحق باطلا وهو عبارة عما ~~يستفاد من التجارب بمجاري الأحوال وقيل هو العلم بجواز الجائزات واستحالة ~~المستحيلات ومن نتائجه PageV01P256 الفكرة السليمة والنظر الثاقب في حقائق ~~الأمور ومصالح التدبير وسئل بعض الحكماء عن العقل فقال الإصابة بالنظر ~~ومعرفة ما لم يكن بما كان وقال ابن المعتز العقل غريزة تربتها النوائب # وقال بعض الحكماء خير مواهب الملك العقل وشر مصائبه الجهل وكان يقال ~~الجاهل يعتمد على أمله والعاقل يعتمد على عمله PageV01P257 وقيل نظر العاقل ~~بقلبه وخاطره ونظر الجاهل بعينه وناظره وقال ابن المعتز بأيدي العقول تمسك ~~أعنة النفوس عن اتباع الهوى وقال بعض الحكماء العاقل من نفسه في تعب والناس ~~منه في راحة والأحمق من نفسه في راحة والناس منه في تعب # أنشدني بعض أهل العام PageV01P258 # وأفضل قسم الله للمرء عقله %~% وليس من الأشياء شيء يقادبه # إذا أكمل الرحمن للمرء عقله %~% فقد كملت أخلاقه ومناقبه # وقال بعض الحكماء العلم قائد والعقل سائق والنفس حرون فإذا كان قائد بلا ~~سائق أحجمت النفس وإذا كان ms018 سائق بلا قائد عدلت يمينا وشمالا فإذا اجتمع ~~القائد والسائق سارت طوعا أو كرها # وقال بعضهم شعرا # تأمل بعينيك هذا الأنام %~% وكن مثل من صانه عقله # فحلية كل فتى فضله %~% وقيمة كل امرىء نبله # ولا تتكل في طلاب العلا %~% على نسب ثابت أصله # فهل من فتى زانه قوله %~% بشيء يخالفه فعله PageV01P259 # وقال بعضهم يعرف العاقل بحسن سمته وطول صمته وصحة تصرفه # وقال بعض الحكماء ليس للمرء أن يتبجج بحالة جليلة نالها بغير عقل أو ~~منزلة رفيعة حلها بغير فضل فالجهل ينزله منها ويزيله عنها ويحطه إلى رتبته ~~ويرده إلى قيمته بعد أن تظهر عيوبه وتكثر ذنوبه ويصير مادحه هاجيا ووليه ~~معاديا # وكان يقال الناس ثلاثة عاقل واحمق وفاجر فأما العاقل فإن الدين شريعته ~~والحلم طبيعته والرأي الحسن سجيته إن كلم أجاب وإن نطق أصاب وإن سمع العلم ~~وعى وإن حدث الفقه روى PageV01P260 # وأما الأحمق فإن تكلم عجل وإن حدث وهل وإن استنزل عن رأيه نزل # وأما الفاجر فإن أمنته خانك وإن حدثته شانك وإن استكتم أمرا لم يكتم وإن ~~علم علما لم يعلم # وكان يقال لا عطية أعظم من عقل ولا داء أدوى من جهل # وقال المبارك الطبري ليس العاقل PageV01P261 # الذي يحتال للأمر الذي غشيه حتى لا يقع فيه بل العاقل الذي يتحذر الشدائد ~~قبل الوقوع فيها حتى لا يقع # وقال فيروز حصين إذا أراد الله تعالى أن يزيل عن عبد نعمة كان أول ما ~~يغير منه عقله # أنشدني بعضهم # يعد رفيع القوم من كان عاقلا %~% وإن لم يكن في قومه بحسيب # إذا حل أرضا عاش فيها بعقله %~% وما عاقل في بلدة بغريبPageV01P262 ### || الوصف الثالث الشجاعة # إعلم أن الشجاعة من أحمد الأوصاف التي تلزم الملك أن يتصف بها ضرورة وإن ~~لم تكن له طبعا فيتطبع بها ليحسم بهيبته مواد PageV01P263 الأطماع المتعلقة ~~بقلوب نظرائه ويحصل منه حماية البيضة ورعاية المملكة والذب عن الرعية # وحقيقة الشجاعة ثبات الجأش وذهاب الرعب وزوال هيبة الخصم أو استصغاره عند ~~لقائه ولا بد أن يتقدم هذا رأي ms019 ثاقب ونظر صائب وحيلة في التدبير وخداع في ~~الممارسة فقد قال صلى الله هليه وسلم الحرب خدعة PageV01P264 PageV01P265 # قال أبو الطيب المتنبي # الرأي قبل شجاعة الشجعان %~% هو أول وهي المحل الثاني # فإذا هما اجتمعا في النفس مرة %~% بلغت من العلياء كل مكان # ولربما قتل الفتى أقرانه %~% بالرأي قبل تطاعن الفرسان # واعلم أن ثمرة الشجاعة من الجند الكر والفر وثمرتها من الملوك الثبات ~~PageV01P266 حتى يكون قطبا يدورون عليه ومعقلا يلجأون إليه هذا إذا كان ~~بحضرته من يذب عنه من أعوانه الذين يثق بهم فإذا لم يكن بحضرته من يذب عنه ~~حسن منه حينئذ أن يذب عن نفسه إما بالإقدام وإما بالانهزام حيلة # ولقد حكي أن فيلا اغتلم فدخل قصر كسرى أنوشروان والفيل PageV01P267 إذا ~~اغتلم أنكر سايسه ولا يمر بشيء إلا حطمه وإن ذلك الفيل قصد الإيوان الذي ~~فيه كسرى وعنده جماعة من كفاته أو ثقاته فلما نظروا إلى الفيل مقبلا إليهم ~~فروا من حول كسرى وثبت كسرى على سريره ولم يتغير عن سريره ولا عن هيئته ~~وثبت عنده واحد من الرجال بيده طبر فقام ذلك الرجل أما سرير كسرى وقصده ~~الفيل فثبت له فلما غشيه ضربه بالطبر على خرطومه فقده فولى الفيل راجعا ~~وكسرى في هذا كله لم يتحلحل عن سريره ولا تغير لونه ولا فارقته أبهته وهذه ~~غاية الشجاعة المطلوبة من الملوك # وكذلك حكى أن موسى الهادي كان يوما في بستان على حمار له PageV01P268 ~~وليس معه سلاح وبحضرته جماعة من أهل بيته وبطانته فدخل عليه حاجبه وأخبره ~~عن رجل من الخوارج كان ذا بأس شديد ونكاية في الناس وأنه قد ظفر به بعض ~~القواد وهو معه على الباب فأمر الهادي بإدخاله عليه فأدخل بين رجلين قد ~~قبضا على يديه فلما نظر الخارجي إلى الهادي جذب يديه من الرجلين واخترط سيف ~~أحدهما وقصد الهادي ففر عنه كل من كان بحضرته من اهله وبطانته وبقي الهادي ~~وحده على حمار بمكانه ذلك حتى قرب الخارجي منه ورفع يده بالسيف ليعلوه به ~~فقال ياغلام اضرب ms020 عنقه فالتفت الخارجي ينظر من خلفه فوثب الهادي من سرج ~~حماره فإذا هو على الخارجي فقبض عليه وانتزع السيف من يده فذبحه ثم عاد إلى ~~ظهر حماره من فوره وتراجع إليه خاصته يتسللون وقد ملئوا منه رعبا وحياء فما ~~خاطبهم بشيء من ذلك ولم يكن بعد ذلك يفارقه السلاح PageV01P269 ولم يركب ~~إلا جوادا من الخيل وهذا أعجب ما يكون من الشجاعة وثبات الجأش في الملوك ~~PageV01P270 ### || الوصف الرابع السخاء # إعلم ان السخاء عماد البر الذي هو سبب الألفة لما يوصل إلى القلوب من ~~الراحة والألطاف ولذلك ندب الشرع إليه وحث الخلق عليه لما فيه عموم المصلحة ~~في الدنيا والآخرة لأن في السخاء PageV01P271 رضا الله سبحانه وتعالى ورضا ~~الناس جميعا قال رسول الله صلى الله هليه وسلم السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من ~~الجنة بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة ~~قريب من النار PageV01P272 # وقال رسول الله صلى الله هليه وسلم تجافوا عن ذنب الكريم فإن الله يأخذ بيده كلما عتر # وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها الجنة دار الأسخياء والنار دار البخلاء ~~PageV01P273 # وقيل اوحى الله إلى موسى عليه السلام ألا تقتل السامري فإنه كريم # وحدث أبو قاسم قال حضرت الحكم بن المطلب لما PageV01P274 مات بمدينة منبج ~~فلما أخذ في النزع وأشخص ببصره قال أبو معيوف الحمصي اللهم أرفق به فقد كان ~~جوادا شجاعا صواما قواما قال فأفاق من غشيته ثم نظر إلينا وقال من المتكلم ~~فقال أبو معيوف أنا قال إن ملك الموت يسلم ويقول لك إن الله تعالى أمرني أن ~~أرفق بقبض روح كل كريم ثم اضطجع فكأنه كان فتيلة طفئت رحمه الله # وكان يقال سؤدد بلا جود كملك بلا جنود # وقيل من جاد ساد ومن أضعف ازداد وكان يقال جود الرجل يحببه إلى أضداده ~~وبخله يبغضه إلى أولاده PageV01P275 # واعلم أن السخاء على نوعين النوع الأول هو أن يبتدئ به الإنسان من غير ~~سؤال وهذا أطبع السخاء وأشرف العطاء لأن علي ms021 بن أبي طالب رضي الله عنه سئل ~~عن السخاء فقال ما كان منه ابتداء فأما ما كان منه عن مسألة فحياء وتكريم # وقال بعض الحكماء أجل النوال ما كان قبل السؤال وقال بعض الشعراء ~~PageV01P276 # وفتى خلا من ماله %~% ومن المروءة غير خال # أعطاك قبل سؤاله %~% وكفاك مكروه السؤال # وهذا النوع من السخاء قد يكون لأسباب ثلاثة # أحدها أن يكون قد يرى حلة يقدر على سدها أو فاقة يتمكنمن إزالتها فلا ~~يدعه الكرم وسماحة النفس والطبيعة أن يهمل ذلك بل يكون متكفلا بنجازها رغبة ~~في الأجر # الثاني أن يرى في ماله فضله عن حاجته فيرى انتهاز الفرصة PageV01P277 بها ~~فيضعها عند من يكون له ذخرا # الثالث أن يفعل ذلك سجية قد فطر عليها فلا يميز بين مستحق ومحروم ولا ~~يفرق بين محمود ومذموم وهذا هو السخي طبعا غير أن هذا لا يصلح بالملك لأنه ~~خارج إلى السرف والتبذير # وبيت المال قد يقل عن الحقوق ويقصر عن الواجبات فإذا أعطى غير مستحق فقد ~~يمنع مستحقا وحال الملوك لا تقتضي ذلك # النوع الثاني من السخاء ما كان عن طلب وسؤال وعلامة السخي عند ذلك أن ~~يلقى السائل بالترحيب وطلاقة الوجه وأن يكتفي بالتلويح ولا يلجىء السائل ~~إلى التصريح كما قال الشاعر PageV01P278 # تلقى الكريم فتستدل ببشره %~% وترى العبوس على اللئيم دليلا # واعلم بأنك عن قريب صائر %~% خبرا فكن خبرا تنال جزيلا # وينبغي له عند السؤال أن يعجل بالوعد قولا ثم يعقبه بالإنجاز فعلا ليكون ~~السائل مسرورا بعاجل الوعد ثم بآجل الإنجاز كما حكى أن الفضل بن سهل سأله ~~رجل فقال له إني أعدك اليوم وأحبوك غدالتذوق حلاوة الأمل ولكن لا تطيل ~~الوعد على السائل فلا تفي حلاوة الإعطاء بمرارة الانتظار # وقال بعضهم # إن العطية لا تكون هنية %~% حتى تكون قصيرة الأعمار PageV01P279 # وقد قال بعضهم # إن العطية ربما أزرى بها %~% عند الذي تقتضي له تطويلها # فإذا ضمنت لصاحب لك حاجة %~% فاعلم بأن تمامها تعجيلها # وقد مضت سنة الخلفاء الراشدين وملوك المسلمين بصلة المسترفدين على وجه ~~الشرح ms022 من غير إسراف ولا إقتار وذلك مشهور فاعرضنا عن شرحه PageV01P280 ### || الوصف الخامس الرفق # إعلم أن الرفق من أفضل أوصاف الملك وأحمد خلائقه في التدبير لأنه يبلغ به ~~جباية الأموال من الرعية ما لا يبلغ بالخرق PageV01P281 فإن الرعية قد ~~تعامل بالرفق فتزول أحقادها ويذل مقادها وقد تعامل بالخرق فتكاشف بما أضمرت ~~وتقدم على ما نهيت ثم إن غلبت كان غلبها دمارا وإن غلبت لم يحصل بغلبها ~~افتخار وقد قال رسول الله صلى الله هليه وسلم لو أن الرفق رجلا لكان حسنا ولو كان الخرق ~~رجلا لكان قبيحا # وقد يبلغ الملك برفقة ولينه في التدبير ما لا يبلغه بخرقه ألا ترى أن ~~الريح العاصف بقوتها وهول صوتها كيف يتداخل الشجر ولا يقلع المستخلف منه ~~والماء بلينه وسلاسته يبلغ في أصل الشجر فيقلع المستخلف من أصوله ~~PageV01P282 # والعلقة تنال من الدم بغير أذى ولا سماع صوت ما لا تنال البعوضة بهول ~~صوتها واليم لسعتها وبالرفق ولين التدبير ينقلب العدو صديقا كالسم القاتل ~~إذا رفق به المقدر له وأحسن في تقديره ولطف في تدبيره صار دواء وانقلب شفاء # قال الله سبحانه وتعالى @QB@ ادفع بالتي هي أحسن @QE@ PageV01P283 ~~وبالخرق ينقلب الصديق عدوا كالطعام الذي هو غذاء الإنسان وقوام جسده إذا ~~أساء المقدر له في تقديره وأفرط في تناوله صار داء وانقلب أذى # وحكى أن كسرى أنوشروان سأل حكيما منى حكمائهم فقال ما عز الملك قال ~~الطاعة قال فما سبب الطاعة قال التودد إلى الخاصة والعدل على العامة قال ~~فما صلاح الملك قال الرفق بالرعية وأخذ الحق منهم في غير مشقة وأداؤه إليهم ~~عند أوانه وحكى شجاع للأحمر قال PageV01P284 دخلت على المتوكل وبين يديه ~~نصر بن علي الجهضمي وهو يحث المتوكل على الرفق بالرعية ويرغبه فيه والمتوكل ~~ساكت فلما فرغ من كلامه التفت إليه المتوكل وقال حدثني مؤدبي الفضل قال ~~حدثني أبي عن جدي ورفعه إلى عمر بن الخطاب PageV01P285 رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أفضل عباد الله تعالى عند الله يوم ms023 ~~القيامة إمام عادل وإن شر عباد الله عند الله يوم القيامة إمام جائر ثم ~~التفت إلى يحيى بن أكثم فقال وأنت حدثتني حديثا ورفعته إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال من يحرم الرفق يحرم الخير ثم سكت PageV01P286 ساعة ~~وأنشد # الرفق يمن والأناة سعادة %~% فاستأن في رفق تلاق نجاحا # لا خير في حزم بغير روية %~% والشك وهن إن أردت سراحا # وقال بعضهم دخلت على المتوكل فسمعته يمدح الرفق فقلت يا أمير المؤمنين ~~أنشدني الأصمعي PageV01P287 # لم أر مثل الرفق في لينه %~% أخرج للعذراء من خدرها # من يستعن بالرفق في أمره %~% يستخرج الحية من جحرها # قال فدعا بداوة وكتبها مني # فلا تقطع أخا لك عند ذنب %~% فإن الذنب يغفره الكريم # ولا تعجل على أحد بظلم %~% فإن الظلم مرتعه وخيم # ولا تخرق عليه وكن رفيقا %~% فقد بالرفق يلتئم الكليم # فإن الرفق فيما قيل يمن %~% وإن الخرق فيما قيل شؤم # واعلم أنه لا ينبغي للملك أن يستعمل الرفق واللين في جميع المواطن بل ~~يجعل الرعية ثلاث طبقات ويسوسهم بثلاث سياسات طبقة PageV01P288 هم الخواص ~~من الأبرار فيسوسهم بالرفق واللين وطبقة هم خواص الأشرار فيسوسهم بالعنف ~~والشدة وطبقة هم العامة فيسوسهم باللين تارة وبالشدة تارة أخرى # قال مسلم بن قتيبة ملاك السلطان الشدة على المريب واللين على المحسن وسأل ~~ملك من ملوك الفرس بزرجمهر فقال ما أحمد سير الملوك فقال أن يعاملوا أحرار ~~الناس بمحض المودة ويعاملوا العامة بالرغبة والرهبة ويعاملوا السفلة ~~بالمخافة صراحا أنشدني بعضهم # إذا كنتم للناس في الأرض قادة %~% فسوسوا كرام الناس بالحلم والعدل # وسوسوا لئام الناس بالذل وحده %~% صريحا فإن الذل أصلح للنذل ~~PageV01P289 ### || الوصف السادس الوفاء # لما كان الوفاء من الأوصاف العلية والشيم السنية أمر الله تعالى الخلق به ~~ومدحهم على فعله فقال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أوفوا @QE@ ~~PageV01P290 بالعقود ) وقال تعالى @QB@ يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره ~~مستطيرا @QE@ # والوفاء خليق بالملك لما فيه من إيصال الراحة واستعطاف القلوب بإنجاز ~~الوعد أو دوام العهد قال بعض الحكماء لملك في PageV01P291 زمانه ms024 أوصيك ~~بأربع خصال ترضي بهن ربك وتصلح بهن رعيتك لا تعدن وعدا ليس في يديك وفاءه ~~ولا تتواعدن من لا تنفذ فيه الفعل فإن بالأولى تذهب عظمتك وبالثاني يجتزىء ~~عليك ولا يغرنك ارتقاء السهل إذا كان المنحدر وعرا ولالا تستغشن ناصحا ~~فتستتر عنك أمور الرعية # وكان يقال من أحسن الوفاء استوجب الصفاء وكان يقال الوفاء من أخلاق ~~الكرام والخلف من أخلاق اللئام وقال أبو الحسن المدائني كان عمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه لا يكاد PageV01P292 يوجب حاجة تخوفا من الخلف فإذا ~~أوجب وقال نعم لم يقر له قرار حتى يفي به وأنشد رجل من بني تميم في المعنى ~~شعرا # إذا قلت في شيء نعم فأتمه %~% فإن نعم دين على الحر واجب # وإلا فقل لا تسترح وترح بها %~% لئلا يقول الناس إنك كاذب # وأنشد بعضهم # لزمت نعم حتى كأنك لم تكن %~% عرفت من الأشياء شيئا سوى نعم # وأنكرت لا حتى كأنك لم تكن %~% سمعت بلا في سالف الدهر والأمم ~~PageV01P293 # وكان يقال وعد الكريم نقد وتعجيل ووعد اللئيم مطل وتسويف وكان يقال ~~العاقل لا يعد بما لا يستطيع إنجازه ولا يسأل ما يخاف منعه أنشدني بعض أهل ~~العلم # لا تقولن إذا لم ترد %~% أن تتم في شيء نعم # وإذا قلت نعم فاصبر لها %~% بنجاح الوعد إن الخلف ذم # حسن قول نعم من بعدلا %~% وقبيح قول لا بعد نعم # إن لا بعد نعم فاحشة %~% فبلا فأبدا إذا خفت الندم PageV01P294 ### || الوصف السابع الصدق # إعلم أن الصدق من أسنى السمات وأشرف الصفات وأسلم مناهج الصفات يدعو إليه ~~الشرع الموجب والعقل المؤكد لأن الشرع ورد باتباع الصدق ولو كانت الهلكة ~~فيه PageV01P295 # وحظر الكذب ولو جر نفعا أو دفع PageV01P296 ضررا علما من الشارع بما ~~ينقلب إليه عاقبتهما # والعقل يدعو إلى فعل ما كان مستحسنا ويمنع من إتيان ما كان مستقبحا ~~والكذب مستقبح عقلا لا سيما إذا كان لا يجلب نفعا ولا يدفع ضررا # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحروا الصدق وإن PageV01P297 رأيتم ~~الهلكة ms025 فيه فإن النجاة فيه وتجنبوا الكذب وإن رأيتم أن النجاة فية فإن فية ~~الهلكة # وقال بعض الحكماء دع الكذب حين ترى أنه ينفعك فإنه يضرك وات الصدق حين ~~ترى أنه يضرك فإنه ينفعك # وكانت العرب تقول لسان صدق مع العشرة خير من سوء الذكر مع الميسرة أنشدني ~~بعضهم # عود لسانك صدق القول تحظ به %~% إن اللسان لما عودت معتاد # موكل بتقاضي ما سننت له %~% فارتد لنفسك وانظر كيف تزداد # قال المهلب ما يكون السيف الصارم بيد الملك الشجاع بأعز له من الصدق ~~PageV01P298 # وكان يقال ينبغي للملك أن يكون صدوقا ليثق الأعوان بوعده وأن يكون شكورا ~~فيستوجب الزيادة # وقال الأحنف بن قيس كل الناس حقيق بالصدق وأحقهم به الملوك لأن الذي يدعو ~~إلى الكذب مهانة النفس والملك لا يكون مهينا # وقال بعض أهل الأدب فكن صادقا في كل شيء تقوله ولا تكن كذابا فتدعى ~~منافقا # وقال بعض الحكماء أول سعادة الملك صدقه وأول هلاكه جوره PageV01P299 ### || الوصف الثامن الرأفة # إعلم أن الرأفة حلية كريمة تقتضيها حال الملوك لأنها تبعثهم على حراسة ~~الأمة وكمال الشفقة على الرعية والتحنن على ضعفائهم واصطناع المعروف إليهم ~~وكف الأذية عنهم وقد قال رسول الله صلى الله هليه وسلم اطلبوا المعروف عند الرحماء من امتي ~~وعيشوا في أكنافهم PageV01P300 # وقال صلى الله هليه وسلم إن الله رحيم ولا يرحم من عباده إلا الرحماء إرحموا من في الأرض ~~يرحمكم من في السماء وروى مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعا رجلا ~~يستعمله على بعض PageV01P301 مدائن الشام فجاء ولد صغير لعمر رضي الله عنه ~~فأخذه عمر إلى صدره ثم قبله فقال ذلك الرجل يا أمير المؤمنين أتقبله قال ~~نعم فقال والله إن لي أولادا ما قبلت واحدا منهم قط فقال له عمر أنت لا ~~ترحم أولادك ولا تتحنن عليهم فأنت للناس أقل رحمة وتحننا ثم صرفه ولم ~~يستعمله ثم قال لا يصلح وال لا رحمة عنده لرعيته # وروى مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بطريق مكة ms026 فأبصر راعيا يرعى ~~غنمه في مكان جدب فناداه وقال انظر مكانا خصبا PageV01P302 فالحق به ثم قال ~~على إثر ذلك كل راع مسؤول عن رعيته وروى أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه قال طاف عمر ليلة في المدينة وأنا معه فإذا هو بامرأة في جوف دارها ~~وحولها صبية يبكون وهي توقد تحت قدر لها فأتاها من الباب وقال يا أمة الله ~~مم بكاء هؤلاء الصبيان فقالت من الجوع قال فما في هذا القدر قالت إني جعلت ~~فيه ماء أوهمهم أن فيها طعاما وأعللهم حتى يناموا PageV01P303 قال فجلس عمر ~~رضي الله عنه وبكى بكاء شديدا ثم قام وجاء إلى بيت الصدقة فأخذ غرارة وجعل ~~فيها دقيقا وشحما وسمنا وتمرا وثيابا ودراهم حتى ملأ الغرارة ثم قال يا ~~أسلم إحمل على ظهري قال فقلت له يا أمير المؤمنين أنا أحمله عنك فقال لا أم ~~لك يا أسلم احمل علي فأنا المطالب عنهم يوم القيامة قال فحمل الغرارة على ~~صلبه حتى أتى بها منزل المرأة فأخذ القدر وجعل فيها شيئا من دقيق وشحم وتمر ~~وجعل يحركه وينفخ تحت القدر قال أسلم وكانت له لحية عظيمة فلقد رأيت الدخان ~~يخرج من خلالها حتى طبخ لهم ثم جعل يغرف لهم بيده ويطعمهم حتى شبعوا قال ثم ~~خرج وربض بحذائهم على الباب كأنه سبع فخفت منه أن أكلمه فلم يزل كذلك حتى ~~لعب الصبيان وضحكوا ثم قام وقال يا أسلم هل تدري لم ربضت بحذائهم قلت لا يا ~~أمير المؤمنين فقال كنت رأيتهم يبكون فكرهت أن أذهب حتى أراهم يضحكون فلما ~~ضحكوا طابت نفسي # وحكى أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما ولى الخلافة PageV01P304 ~~أحضر عنده محمد بن كعب القرضي وقال له دلني عن النجاة في سياسة الرعية فقال ~~له إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين لك أبا وأوسطهم عندك ~~أخا وأصغرهم ولدا فوقر أباك وارحم أخاك وتحنن على ولدك # وقال نصر بن سيار الكناني كان عظماء الترك يقولون ينبغي ms027 للملك ~~PageV01P305 العظيم أن يكون فيه عشر خصال أربع من خصال الطير وست من خصال ~~الوحش وهي سماحة الديك وتحنن الدجاجة وحراسة الكركي وحذر الغراب وحملة ~~الخنزير وقلب الأسد وغارة الذئب وروغان الثعلب وصبر الكلب وشقاء الضب ~~PageV01P306 # وقد نظم هذا بعض الشعراء فقال # أبى الطير لا يتركن آثار خيلنا %~% لأكل لحوم من أعاد سواغب # وما ذاك من حب لنا غير عادة %~% لهن علينا في البقاء الكتائب # أرى الملك المقدام من تم أمره %~% بعشر خصال هن خير المناقب # سماحة ديك ثم رأف دجاجة %~% وحراسة كركي وحذرة ناعب # وحملة خنزير وقلب غضنفر %~% وغارة ذئب ثم روغ الثعالب # وصبر بصير حين يقرع بالعصا %~% وشقوة ضب في بلاد سباسب # فمن كان هذا وصفه فهو كامل %~% عظيم وإلا فهو أخيب خائب # وقال بعض العلماء خير الملوك من أشرب قلوب رعيته محبته كما أشعرها هيبته ~~ولن ينال ذلك منها حتى يكون عاملا بخمس خصال إكرام شريفها ورحمة ضعيفها ~~وإغاثة لهيفها وكف عدوان PageV01P307 عاديها وتأمين السبل لرائحها وغاديها ~~ومتى أعدم الرعية شيئا من ذلك فقد أحقدها بقدر ما أفقدها PageV01P308 ### || الوصف التاسع الصبر # إعلم أن صبر الملوك يتنوع أنواعا كثيرة أليقها بكتابي هذا صبر الملوك وهو ~~عبارة عن ثلاث قوى القوة الأولى قوة الحلم وثمرتها العفو القوة الثانية قوة ~~الكلأة وثمرتها عمارة المملكة الثالثة قوة الشجاعة وثمرتها في الملوك ~~الثبات لأن إقدامهم في المعارك تهور وطيش PageV01P309 والصبر سيد الأوصاف ~~الجليلة وأميرها ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم خليل المؤمن ~~والحلم وزيره والعقل دليله والعمل قائده والرفق والده والبر أخوه والصبر ~~أمير جنوده # وليس المراد تفضيل الصبر على العلم والعقل وإنما المراد أن الثبات على ~~هذه الخصائص إنما يكون بالصبر لأن معنى الصبر الثبات والحبس والإمساك فمن ~~اتصف بشيء من هذه الخصال PageV01P310 ولم يصبر كان عند مزايلته كمن لم يتصف ~~به فالصبر ضابط للأوصاف الشريفة كما يضبط الأمير جنوده # وقيل كان مكتوبا في الصحيفة الصفراء المعلقة في أعظم هياكل الفرس كما أن ~~الحديد يعشق المغناطيس فكذلك الظفر ms028 يعشق الصبر فاصبر تظفر أنشدني بعض أهل ~~العلم # إني وجدت وخير القول أحمده %~% للصبر عاقبة محمودة الأثر # وقل من جد في أمر يطالبه %~% واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر PageV01P311 # وقال بعض حكماء العرب ما ميز الرجل بين صبر وجزع إلا وجدهما متفاوتين ~~الصبر حسن العلانية محمود العاقبة والجزع غير معوض شيئا ولو كان في صورة ~~لكان الصبر أولاهما بالغلبة بحسن الخلقة وكرم الطبيعة # وقال بعض الحكماء الحوادث النازلة نوعان أحدهما لا حيلة فيه فدفعه بالصبر ~~الدائم والإعراض عنه الثاني يمكن فيه الحيلة فدفعه بالصبر عنه إلى حين نفوذ ~~الحيلة فيه # وقال بعض الفضلاء # من يمتطي الصبر يضع رجله %~% في ساحة الراحة واليسر # الصبر يمن وبه للفتى %~% صيانة النفس عن الغدر # وقال آخر # إصبر إذا تدهيك نائبة %~% ما خاب منقطع إلى الصبر # فالصبر أولى ما اعتصمت به %~% ولنعم حشو جوانب الصدر PageV01P312 # وقال الحسن البصري رضي الله عنه جربنا وجرب المجربون فلم نر شيئا أنفع من ~~الصبر به تداوى الأمور وهو لا يداوى بغيره # وروي عن سليمان بن داود عليهما السلام أنه قال إنا وجدنا خير عيشنا الصبر # وكان عيسى بن مريم عليه السلام يقول يا معشر الحواريين إنكم لا تدركون ما ~~تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون # وقال نهشل بن حري PageV01P313 # ويوم كأن المصطلين بحرة %~% وإن لم تكن نار قيام على الجمر # صبرنا له حتى يبوخ وإنما %~% تفرج ايا الكريهة بالصبر # وقال آخر # إني رايت مغبة الصبر %~% تفضي بصاحبها إلى اليسر # لابد من عسر وميسرة %~% بهما تدور دوائر الدهر # فكما يلذ اليسر صاحبه %~% فكذاك فليصبر على العسر وقال آخر # الصبر أولى بوقار الفتى %~% من قلق يهتك ستر الوقار # من لزم الصبر على حالة %~% كان على أيامه بالخيار # وقال آخر PageV01P314 # لا تيأسن وإن طالت مطالبة %~% إذا استغنت بصبر أن ترى فرجا # أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته %~% ومدمن القرع للأبواب أن يلجا ~~PageV01P315 ### || الوصف العاشر العفو # اعلم أن وصف العفو خليق بالملك لما فيه من المزية وكمال مصلحة الرعية لأن ~~الملك متى عاقب على ms029 الزلة وقابل على الهفوة وأخذ بالجرم الصغير ولم يتجاوز ~~عن الكبير قبحت سي رته وفسدت سريرته قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أفضل ~~القصد عند PageV01P316 الحدة وأفضل العفو عند القدرة وما أقبح مجازاة ~~القادر على سوء صنيع المقدور عليه وكان معاوية رضي الله عنه يقول إن أولى ~~الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة وإن أنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه ~~وقيل إن عظيما من عظماء قريش في سالف الدهر كان يطلب PageV01P317 رجلا فلما ~~ظفر به قال له لولا أن القدرة تذهب الحفيظة لا نتقمت منك ثم أطلقه فحسنت ~~سيرة الرجل بعد ذلك # وغضب سليمان بن عبد الملك على خالد بن عبد الله القسري فلما دخل عليه قال ~~يا أمير المؤمنين إن القدرة تذهب الحفيظة وإنك تجل عن العقوبة فإن تعف فأهل ~~ذلك أنت وإن تعاقب فاهل ذلك أنا فعفا عنه والله أعلم PageV01P318 وحكي أن ~~المأمون لما طفر بعم إبراهيم بن المهدي أحضر عنده جماعة من خواصه ثم قال ~~علي به فأدخل إليه وهو يحجل في قيوده فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين ~~قال لا سلم الله عليك ولا رعاك فقال إبراهيم على رسلك يا أمير المؤمنين ~~PageV01P319 ثم أنشد يقول PageV01P320 # أنا المذنب الخطأ والعفو واسع %~% ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو # سكرت فأبدت مني الكأس بعض ما %~% كرهت وما إن يستوي السكر والصحو # فإن تعف عني تلف خطوي واسعا %~% وإلا تداكرني فقد قصر الخطو # ثم قال يا أمير المؤمنين انت ولي ثأري وإن القدرة تذهب الحفيظة وإني قد ~~أصبحت فوق كل ذي ذنب كما أصبح كل ذي عفو دونك فإن تعاقب فبحقك وإن تعف ~~فبفضلك قال فاطرق المأمون ثم رفع رأسه وقال إن هذين اشارا علي بقتلك يعني ~~العباس والمعتصم فقال إنهما أشارا بما يشير به مثلهما على مثلك إذ كان مني ~~الذي كان فقال المأمون يا ثمامة إن من الكلام كلاما كالدر في لبات ~~PageV01P321 الغواني وإن هذا الكلام منه يا غلام حل القيود عن عمي # وكان المأمون ms030 يقول ليس علي في العفو مؤنة وإني وددت أن اهل الجرائم علموا ~~حلمي ورأى في العفو فيذهب عنهم الخوف # وكان يقال أقبح المجازاة المكافاة بالإساءة # وقيل إن عبد الملك بن مروان اشتد غضبه على رجل فلما صار PageV01P322 في ~~يده قال له يا فاجر لأمثلن بك أشر مثله فقال له رجاء بن حيوة # إن الله تعالى قد صنع ما أحببت يا أمير المؤمنين فاصنع ما يحبه الله من ~~العفو عنه قال فعفا عنه وأطلقه # وكان المأمون يقول لو علم الناس رغبتي في العفو ما تقربوا إلي إلا ~~بالذنوب وأنشدني بعضهم في المعنى # إقبل معاذير من يأتيك معتذرا %~% واغفر له ذنبه إن بر أو فجرا # فقد أطاعك من يرضيك ظاهره %~% وقد أجلك من يعصيك مستترا PageV01P323 # ويحكي أنه جرى بين شهرام المروزي وبين أبي مسلم الخراساني كلام شديد ~~ومنازعة فمازال أبو مسلم يقاوله إلى أن قال له شهرام يالقيط فلما قال ذلك ~~سكت أبو مسلم ثم إن شهرام ندم فأقبل على أبي مسلم معتذرا وخاضعا ومتنصلا ~~فلما رأى أبو مسلم ذلك منه قال لسان سبق ووهم أخطأ وإنما الغضب من الشيطان ~~والعذر يسعك وقد عفونا عنك فقال شهرام أيها الأمير إن عفو مثلك لا يكون ~~غرورا قال أجل فقال إن عظم ذنبي لا يدع قلبي يسكن فقال أبو مسلم يا عجبا ~~PageV01P324 كنت تسىء وأنا أحسن فإذا إحسنت أسىء أنشدني بعضهم # تعفو الملوك عن العظيم %~% من الأمور لفضلها # ولقد تعاقب في اليسير %~% وليس ذاك لجهلها # إلا ليعرف فضلها %~% ويخاف شدة نكلها # ويحكي أن المنصور بعث إلى جعفر بن محمد فلما أتاه قال إني أريد أن ~~أستشيرك في أمر قد رأيت أطباق أهل المدينة على حربي وقد نهيتهم مرة بعد ~~أخرى فما رأيتهم ينتهون وقد رأيت أن أبعث إليهم من يقطع نخلها ويغور عيونها ~~فما ترى أنت فسكت جعفر فقال له ما لك لا تتكلم قال أتكلم آمنا قال نعم قال ~~يا أمير المؤمنين إن PageV01P325 سليمان عليه السلام أعطى فشكر وإن أيوب ~~عليه السلام أبتلى ms031 فصبر # وإن يوسف عليه السلام قدر فغفر وإن محمد صلى الله عليه وسلم أوذي فاحتمل ~~وقد جعلك الله من نسل الذين يغفرون ويعفون ويصفحون فانطفأ غيظه وأمسك عنهم # أنشدني بعضهم # أشكو إليك هموما ليس يكشفها %~% إلا رضاك فقوم بالرضا أودي # إن تعف عني فأهل العفو أنت %~% وإن عاقبتني فبما تجني علي يدي # وقال آخر # ولقد ناديت عفوك من قريب %~% كما سالمت شخصك من بعيد # فإن عاقبتني فبسوء فعلي %~% وما ظلمت عقوبة مستفيد # وإن تمنن فإحسان جديد %~% مننت به على شكر جديد PageV01P326 ### || الوصف الحادي عشر الشكر # إعلم أن الشكر ينقسم إلى ثلاثة أقسام عقد بالجنان وثناء باللسان ~~PageV01P327 ومكافاة بالأفعال الحسان # أما العقد بالجنان فهو ان يضمر إعظام المنعم واجلاله والخشية له والإقبال ~~عليه والعجز عن القيام بحقيقه شكره واستكثار النعمة منه وإن قلت واستقلالها ~~في غيره وإن جلت # وأما الثناء باللسان فهو إظهار الحمد للمنعم والثناء عليه والتحدث بما ~~خوله من تواتر النعم وبلوغ المقاصد وحصول الأغراض وغير ذلك مما خصه به ~~المنعم دون كثير من الناس # واما المكافأة بالأفعال فهي الإقبال على طاعته والوقوف عند حدوده ~~ومنهياته وان يواسي الضعفاء من نعمته ويعمهم بعدله ويخصهم ببذله سيما لمن ~~ناصح في دولته وأخلص في خدمته وصدق في ولائه من أعوانه وخاصته أو لمن أظهر ~~نكاية في عداته أو لمن PageV01P328 سارع في مرضاته وغير ذلك مما يجلب به ~~المسرة أو يدفع عنه به المضرة فإنه إذا فعل ذلك من نية وقول وعمل سمي شاكرا ~~على الحقيقة وكان لمزيد النعمة مستحقا ولتتابع الإحسان مستوجبا لقوله عز ~~وجل @QB@ لئن شكرتم لأزيدنكم @QE@ # وقد قال بعض الحكماء لا يكون الملك شاكرا للنعمة حتى يجتمع فيه أربعة ~~أشياء المواساة فيها والاستعانة بها على طاعة مولاها والإشادة بذكرها وتيقن ~~العجز عن القيام بحقيقة شكرها PageV01P329 # وكان يقال لا زوال للنعمة مع الشكر ولا بقاء لها مع الكفر # وقيل الشكر قيد النعمة # وقيل الشكر مثمر النعم وعصمة من النقم # وقال بعض الحكماء من لم يشكر على الإنعام فاعدده من الأنعام ms032 # وقال بعض ملوك الهند خير الملوك الشكور على حسن الأعمال والصبور على تحمل ~~الأثقال PageV01P330 # وكان يقال من كفر النعمة استوجب حرمان المزيد # وقال علي بن طالب رضي الله عنه # من جاور النعمة بالشكر لم %~% يخش على النعمة ما اغتالها # لو شكروا النعمة زادتهم %~% مقالة الله التي قالها # لئن شكرتم لأزيدنكم %~% لكنما كفرهم غالها # والكفر بالنعمة يدعو إلى %~% زوالها والشكر ابقى لها # وقال بعض البلغاء الشكر وإن قل ثمن كل نوال وإن جل وأنشد PageV01P331 # لو كنت أعرف فوق الشكر منزلة %~% أعلى من الشكر عند الله في الثمن # إذا منحتكما مني مهذبة %~% حذوا على حذو ما واليت من حسن # وقال آخر # فلو كان يستغني عن الشكر ماجد %~% لرفعة حال أو علو مكان # لما أمر الرحمن بالشكر خلقه %~% فقال اشكروني أيها الثقلان PageV01P332 ### || الوصف الثاني عشر الأناة # إعلم أن الأناة من أحمد أوصاف الملك وأكمل أخلاقه وعلامة توفيقه لأنه ~~يتعلق بها صواب الرأي في التدبير واتضاح الأمور في السياسة ولا يقترن بها ~~زلل ولا يعقبها ندامة ولا فشل فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~التوءدة من الرحمن والعجلة من الشيطان PageV01P333 وقال بعض الحكماء على ~~الملك أن يعمل بخصال ثلاث تأخير العقوبة في سلطان الغضب وتعجيل مكافأة ~~المحسن والعمل بالأناة فيما يحدث من الأمور فإن له في تأخير العقوبة إمكان ~~العفو وفي تعجيل المكافأة بالإحسان المسارعة إلى الطاعة من الرعية وفي ~~الأناة اتضاح الرأي وانفساح الصواب # وسأل ملك من الملوك حكيما فقال أي خلائق الملك أحمد العواقب قال الأناة ~~قال فأيها أجلب لمودة الرعية قال الكرم قال فأي الملوك أخرق PageV01P334 # قال أنهكهم عقوبة للرعية قال فأي الخلال أجمع للمكارم والمناقب قال العدل ~~قال أوصني وصية أنتفع بها في ملكي قال قد فعلت # ويحكى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سأل كبيرا من كبراء فارس فقال أي ~~ملوككم كان أحمد عندكم سيرة قال إن أردشير له فضيلة السبق في المملكة غير ~~أن أحمدهم سيرة أنوشروان قال فأي خلاله كان أغلب عليه قال ms033 الحلم والأناة # وقال علي رضي الله عنه إن الأناة والحلم توأمان ينتجهما علو الهمة والله ~~سبحانه وتعالى أعلم PageV01P335 ### || الوصف الثالث عشر الحلم # إعلم أن الحلم ضبط النفس عند هيجان الغضب وهو خليق بالملوك لما فيه من ~~الراحة واجتلاب الحمد وحسن العاقبة ورضا الخالق قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن الله يحب الحليم PageV01P336 ويبغض الفاحش وقال علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه من حلم ساد ومن تفهم ازداد # وقال بعض الحكماء كل ملك لا يجتمع فيه ثلاث قوى فملكه مسلوب القوة الأولى ~~قوة الحلم وثمرتها العفو القوة الثانية قوة حفظ الرعية وثمرتها عمارة ~~المملكة القوة الثالثة قوة الشجاعة وثمرتها في الملوك الثبات وفي الجند ~~الإقدام وكان يقال PageV01P337 أوكد أسباب الحلم رحمة الجهال # وقال بعض الحكماء الحلم حجاب الآفات # وقال معاوية إني لا رفع نفسي أن يكون لي ذنب أوسع من حلم # وكان يقال ليس الحليم من إذا ظلم حلم حتى إذا قدر انتقم ولكن الحليم من ~~إذا ظلم حلم حتى إذا قدر عفى ومما حفظ من وصيه أنوشروان لولده يا بني إن من ~~أخلاق الملوك الأنفة وعزة النفس وإنك ستبلى بمدارات أقوام وإن سفه السفيه ~~ربما بلغك فإن PageV01P338 PageV01P339 رفعت قدري عنه وإن كان نظيري تفضلت ~~عليه فأخذ محمود الوراق هذا الكلام ونظمه شعرا # سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب %~% وإن عظمت منه علي الجرائم # وما الناس إلا واحد من ثلاثة %~% شريف ومشروف ومثل مقاوم # فأما الذي فوقي فاعرف قدره %~% وأتبع فيه الحق والحق لازم # واما الذي دوني فإن قال صنت عن %~% إجابته عرضي وإن لام لائم # وأما الذي مثلي فإن زل أو هفا %~% تفضلت إن الحلم بالفضل حاكم ~~PageV01P340 # وأنشدني بعض أهل العلم # رجحنا وقد خفت حلوم كثيرة %~% وعدنا على أهل السفاهة بالفضل # وجهل رددناه بفضل حلومنا %~% ولو اننا شئنا رددناه بالجهل # وقال عبيدة بن غاضرة العنبري # إنا وإن كنا أسنة قومنا %~% وكان لنا فيهم مقام مقدم # لنصفح عن أشياء منهم تسؤنا %~% ونصدف عن ذي الجهل منهم ونحلم # ونمنح ms034 منهم معشرا يحسدوننا %~% هنيء عطاء ليس فيه تندم # وتكلؤهم بالغيب منا حفيظة %~% وأكبادنا وجدا عليهم تضرم # ولا نسأم النعماء منا عليهم %~% وإن كثرت حتى يملو ويسأموا # وليس بمحمود لدى الناس من جزي %~% بسيىء ما يأتي المسبيء الملوم ~~PageV01P341 # سأحمل عن قومي جميع كلومهم %~% وأدفع عنهم كل غرم وأغرم # واعلم أن كمال العقل وشرف النفس وعلو الهمة يبعث على الحلم عند هيجان ~~الغضب لأسباب خمسة # أحدها الترفع عن السفية والاستهانة به وإطراح جانبه # الثاني أن يكون السفيه ممن له خدمة سالفة وحرمة لازمة فيراعي منه ذلك ~~فيحلم عنه لأجله # الثالث الرحمة له والرافة به لضعفه عن القدرة عليه # الرابع أن يتألفه بالحلم ويتفضل عليه به PageV01P342 # الخامس الإستحياء من الله تعالى ومن الحاضرين ان يجيب السفيه بسفه مثله # وينبغي للملك ان يعرض على نفسه هذه الأسباب عند هيجان الغضب ليجلب إليه ~~الحلم واحدا منها # واعلم أن الحلم ليس بمحمود في كل المواطن لأنه قد يطرأ على الملك من ~~الأمور مايكون الحلم معها مفسدة والتراخي عنها مضرة لأن الرعية على قسمين ~~قسم لا يخشى فسادهم ولا يضره ما صدر عنهم فإطراح الملك لهم والترفع عن ~~مجازاتهم أليق والاستهانة بهم أصون وقسم لا يمكن للملك إهمال أمرهم وإطراح ~~جانبهم إما لخوف شرهم أو للزوم أمرهم فردعهم بالأفعال الزاجرة أولى للملك ~~من الحلم عنهم حتى لا يزدادون بالحلم شرا وتمردا PageV01P343 # وقد سأل يزيد بن معاوية أباه فقال يا امير المؤمنين هل ذممت عاقبة حلم قط ~~أو حمدت عاقبة إقدام قط فقال ما حلمت من لئيم قط وإن كان وليا إلا أعقبني ~~ندما ولا أقدمت على عقوبة كريم قط وإن كان عدوا إلا وأعقبني أسفا # وقال بعض الحكماء إن الحلم يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم # وقال بعض أهل العلم ليس الحلم بمحمود في كل المواطن كما أن الجهل ليس ~~بمذموم في جميع الأحوال وأنشد # لئن كان حلم المرء عون عدو %~% عليه فإن الجهل أعنى وأروح # وفي الحلم ضعف والعقوبة قوة %~% إذا كنت تخشى كيد من ms035 عنه تصفح ~~PageV01P344 # وقال لهم بن المهدي # إذا كنت بين الحلم والجهل ماثلا %~% وخيرت أني شئت فالحلم افضل # ولكن إذا أنصفت من ليس منصفا %~% ولم يرض منك الحلم فالجهل أمثل # وينبغي للملك ان يتلطف في تدبير من هذه صفته على وجه يحصل به الردع ~~والزجر من غير مبالغة في النكاية على ما تقتضيه المصلحة في تدبير السياسة ~~PageV01P345 العفاف ### || الوصف الرابع عشر العفاف # غعلم ان العفاف هو ضبط النفس عن الرذائل وكف الجوارح عن الأذى والمحارم ~~وذلك غاية السؤدد وكمال المروءة وختام مكارم الأخلاق # قالت السيدة عائشة رضي الله عنها كان الجاهلية لا يسودون رجلا حتى يجتمع ~~فيه ست خصال ثم زادت في الإسلام خصلة سبعا السماحة والنجدة والصبر والحلم ~~PageV01P346 والبيان والتواضع وتمامهن في الإسلام العفاف # وكان يقال من عف في جماله وعدل في سلطانه حشر في زمرة الأبرار # وقد قدمنا في صدر الكتاب ان من لا يقدر على ضبط نفسه من الرذائل لم يقدر ~~على ضبط خاصته وهم نصب عينيه ومن لم يقدر على ضبط خاصته من أعوانه لم يقدر ~~على ضبط رعيته وهم في أقاصي بلاده # فإذا عف نفسه وجوارحه فقد انتظم امر مملكته في دنياه وينقلب إلى الملك ~~الدائم في عقباه فأما أعفاف الجوارح فهو أن يعف بصره عن النظر إلى المحارم PageV01P347 # وأن يترك التطلع إلى ما حجب عنه ونهي # لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ~~فمن تركه من خوف الله آتاه الله تعالى إيمانا يجد حلاوته في قلبه وقال أبوه ~~الدرداء رضي الله عنه من غض بصره عن نظر الحرام زوجه الله تعالى من الحور ~~العين حيث أحب ومن أطلع فوق بيت من بيوت الناس حشر يوم القيامة أعمى ~~PageV01P348 # ثم يعف سمعه عن سماع الكلام القبيح والغيبة والنميمة وسماع المحرم من ~~الملاهي وينزه مجلسه عن جميع ذلك PageV01P349 # فقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما نهينا عن الغيبة PageV01P350 # والاستماع إليها والنميمة والاستماع لها وقال صلى الله هليه وسلم من ms036 استمع إلى قينة صب ~~في أذنيه الأنك يوم القيامة # ثم يعف لسانه عن قول الكذب والغيبة والنميمة والسخف من PageV01P351 ~~الكلام فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضمن لي ما بين لحييه وما ~~بين رجليه ضمنت له على الله الجنة # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه وهل يكب ~~الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم # ثم يعف يده فلا يتناول بها ما لايحل له من أموال الرعية PageV01P352 # ولا يبسطها إلى محظور في عقوبة ولا نكاية محرمة في حد ولا تعزير فقد قال ~~رسول الله PageV01P353 # صلى الله عليه وسلم حرمة مال المسلم كحرمة دمه PageV01P354 # وقال صلى الله عليه وسلم بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد ثم قال ~~يعف رجليه فلا يسعى بهما إلى مكروه فقد قال مسروق ما خطا العبد خطوة إلا ~~كتب له بها حسنة أوسيئة # ثم يعف فرجه عن مقارفة الزنا وذلك اصل العفاف وتمام المروءة وحصانة الدين ~~قال رسول الله صلى الله هليه وسلم من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له على الله ~~الجنة فإذا PageV01P355 فعل جميع ذلك كان عفيفا وكان للسيادة مستحقا ولمزيد ~~النعمة مستوجبا PageV01P356 ### || الوصف الخامس عشر الوقار # إعلم أن وقار الملك وسكينته من أعظم سياسات المملكة لما يتعلق به من ~~إظهار الهيبة وتعظيم الحرمة وقيام الأبهة وإرهاب العدو واهل الدعارة # وسنوضح ذلك في الباب السابع إن شاء الله تعالى وهذه أصول مكارم الخلاق ~~ومحاسنها التي تقوم بها السياسة وتدوم بها الرياسة وسنزيدها إيضاحا بذكر ~~قبائح أضدادها في الباب السادس إن شاء الله تعالى PageV01P357 ### | الباب السادس في معرفة الأوصاف الذميمة والنهي عنها # لما ذكرنا من مكارم الأخلاق أوصافا جميلة وأخلاقا حميدة يزداد المتصف بها ~~إجلالا وتعظيما أحببنا أن نوضح ما ذكرناه من محاسن بشرح قبائح أضدادها ~~المذمومة الخارجة بالنفس عن حد الاعتدال إلى ما يعقبها من الاضطراب في تأتي ~~الحال ليجتنبها الملك ونختم هذا الباب بذكر أغراض ردية ربما عرضت ms037 الملك ~~فأخرجته عن قانون الاعتدال وهي خمسة عشر وصفا وثلاثة أعراض # أما الأوصاف فهي الجور والجهل والبخل والسرف والخلف والكذل والغيبة ~~والغضب والعجب والكبر والحسد والعجلة والمزاح والضحك والغدر # وأما الأعراض فهي الهم والغم والسكر PageV01P358 ### || الوصف الأول الجور # إعلم أن الجور هو العدول عن الحق واستمراره يخل بنظام الطاعة PageV01P359 ~~من الرعية ويبعثهم على ترك المناصحة وعدم النصرة ويحملهم على نصب الغوائل ~~وتربص الدوائر وليس شيء أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق منه لأنه ~~ليس يقف على حد ولا ينتهي إلى PageV01P360 غاية وقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن أشد الناس عذابا يوم القيامة من أشركه الله في سلطانه فجار في ~~حكمة # وقال لى الله عليه وسلم لن تهلك الرعية وإن كانت ظالمه أو مسيئة إذا كانت الولاة هادية ~~مهدية وتهلك الرعية وإن كانت هادية مهدية إذا كانت الولاة ظالمة مسيئة # وقال عليه الصلاة السلام قال الله تعالى لانتقمن من PageV01P361 الظالم ~~في عاجله وآجله ولأنتقمن ممن رأى مظلوما فقدر على ان ينصره فلم يفعل # وقال عليه الصلاة والسلام بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد # وقال بعض الحكماء الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الجور # وقال حكيم آخر الجور مسلبة للنعم والبغي مجلبة النقم PageV01P362 # وقال افلاطون بالعدل ثبات الأشياء وبالجور زوالها وقال أيضا إياكم والجور ~~فإنه أداة العطب وعلة خراب البلاد ويحكي ان الرشيد PageV01P363 حبس أبا ~~العتاهية وأقسم أن لا يخرجه من حبسه فبقي في السجن مدة طويلة فلما ضاق به ~~الأمر كتب على حائط الحبس هذه الأبيات # أما والله إن الظلم شؤم %~% وما زال المسيء هو الظلوم # تنام ولم تنم عنك المنايا %~% تنبه للمنية يا نؤم # إلى ديان يوم الدين نمضي %~% وعند الله تجتمع الخصوم # قال فأخبر الرشيد بذلك فبكى وأحضر أبا العتاهية واستحله # ألف دينار وأطلقه وكفر عن يمينه # وأنشدني بعضهم لأبي الفتح البستي PageV01P364 # عليك بالعدل إن وليت مملكة %~% واحذر من الجور فيها غاية الحذر # فالملك يبقى على الكفر البهيم ولا %~% يبقى مع الجور ms038 في بدور ولا حضر # وقال بعض الحكماء ليس للجائر جار ولا تعمر له دار # وقال حكيم آخر اقرب الأشياء صرعة الظلوم وأنفذ السهام دعوة المظلوم # وقال بعضهم في المعنى شعرا PageV01P365 # لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا %~% فالظلم مرتعة يدعو إلى الوخم # تنام عينك والمظلوم منتبه %~% يدعو عليك وعين الله لم تنم # ويحكي ان يزدجرد الأثيم لما كثر عسفه لرعيته واشتد جوره عليهم باغتصاب ~~الأموال وامتهانهم بالعذاب وطال ذلك عليهم اجتمع جماعة من المظلومين في بعض ~~الهياكل ثم دعوا الله سبحانه وتعالى أن يريحهم منه فمكث بعد ذلك خمسة أيام ~~أو سبعة فجاءه حاجبه فأخبره أن فرسا مستوحشا جمع محاسن صفات الخيل قد جاء ~~PageV01P366 يشتد عدوا حتى وقف بباب الملك وقد تهيبه الناس فلم يجترىء أحد ~~عليه وقد نفرت منه الخيل فلا تقرب منه فلما سمع ذلك يزدجرد خرج من قصره ~~فنظر إلى الفرس قائما فرأى منظرا عجيبا فدنا منه فخضع له الفرس فخامره ~~الإعجاب بنفسه فمسك بناصيته فمسح وجهه ثم أمر بإسراجه وإلجامه ثم استدار به ~~ومسح كفله فرمحه رمحة خر منها ميتا وقيل بل ركبه وحركه فجمع به وسبق ~~الأبصار عدوا حتى أتى البحر فاقتحمه به فكان ذلك آخر ما علم من خبره # وقد يعلم قبح الجور وعقلا وشرعا فيجب اجتنابه والورع عنه لما فيه من ~~اختلال الرعية واضطراب الدولة وخراب البلاد وعذاب الآخرة PageV01P367 ### || الوصف الثاني الجهل # إعلم أن الجهل من الأوصاف الذميمة والأخلاق الردية لا سيما بالملوك فإن ~~صاحبه لا يعرى عن الفضيحة بالأفعال القبيحة ورأيه أبدا في ضلال وتدبيره في ~~وبال يقترن به الزلل ويحيط به الفشل قال بعض الحكماء الجهل مطية من ركبها ~~زل ومن صحبها ضل # وقال آخر خير المواهب العقل وشر المصائب الجهل # وقيل الجاهل يعتمد على أمله والعاقل يعتمد على عمله # وقيل نظر الجاهل بعينه وناظره ونظر العاقل بقلبه وخاطره # واعلم أن للجاهل أوصافا تظهر عليه وخصالا ترشد إليه فمن ذلك ما روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال للجاهل ms039 خصال PageV01P368 # يعرف بها يظلم من خالطه ويعتدي على من دونه ويتطاول على من فوقه ويتكلم ~~بغير تدبير إن عرضت عليه فتنة أردته وإذا رأى فضيله أعرض عنها # وقال زياد يعرف الجاهل بثلاث علامات كثرة الإلتفات وسرعة الإجابة وتحريك ~~رأسه إذا مشى # وقال بعض العلماء ست خصال يعرف بها الجاهل PageV01P369 الغضب في كل شيء ~~والكلام في غير نفع والعطية في غير موضعها وإفشاء السر والثقة بكل أحد وأن ~~لا يعرف صديقه من عدوه # وحكى صالح بن حسان قال كان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ~~صديقا للوليد بن يزيد بن عبد الملك PageV01P370 # وكان عبد الله يأتيه فخلوا يوما يلعبان الشطرنج فأتاه الحاجب فقال ~~PageV01P371 PageV01P372 PageV01P373 # إن بالباب رجلا سيدا من أخوالك من ثقيف قدم غازيا وقد أحب التسليم عليك ~~قال دعه ساعة حتى نفرغ من دستنا قال عبد الله وما عليك من ذلك إن حضر ائذن ~~له قال لما علمت أن اللعب متجه عليك أردت أن تفسده قال عبدالله فادع منديلا ~~وضعه عليها حتى يدخل الرجل فيسلم عليك ونعود إلى تمام الدست ففعل ذلك # ثم قال إئذن له فدخل رجل مشمر له هيئة حسنة وعليه عمامة فاخرة وبين عينيه ~~أثر السجود وقد رجل لحيته بالحناء فقال أصلح الله الأمير قد قدمت غازيا ~~فكرهت أن أجاوزك حتى أقضي حقك قال حياك الله وبارك فيك ثم سكت ساعة فلما ~~أنس به أقبل عليه الوليد وقال يا خالي هل جمعت القرآن قال لا قد كانت ~~شغلتنا عنه شواغل قال PageV01P374 # فهل حفظت من سنة رسول الله ومغازيه وأحاديثه شيئا قال قد كانت أموالنا ~~تشغلنا عن ذلك قال فأحاديث العرب وأيامها وأشعارها قال لا لأني كنت في شغل ~~عن ذلك قال فأحاديث العجم وآدابها قال إن ذلك لشيء ما طلبته قال فهل عرفت ~~من أقوال الحكماء وسير الملوك ما تسوس به قومك قال لا إن ذلك لشيء لم أكن ~~أبحث عنه قال فاستدار الوليد ورفع المنديل وقال شاهك فقال عبد الله سبحان ~~الله قال ms040 الوليد لا يستحي منه والله ما معنا في البيت إنسان فلما خرج ذلك ~~الرجل قال الوليد أما علمت أن الجهال كالأنعام لا يستحي منهم PageV01P375 ### || الوصف الثالث البخل # إعلم أن البخل من أذم الخلائق وأنكر الطرائق نهى عنه الشرع وقضى بقبحه ~~العقل وحقيقته منع الحقوق الواجبة وتقتير النفقات المستحقة وفي العرف ~~والعادة هو خزن المال ومنع المسترفدين من فضوله # واعلم أن البخيل لا يزال مسلوب الهيبه مفقود الرهبة ثقيلا على ~~PageV01P376 النفوس بغيضا إلى القلوب ترمقه الأبصار بالإحتقار وبقلة الوقار ~~وذلك أن البخل يدعوه إلى شدة الكدح وخزن المال ويمنعه من إيصال الحقوق إلى ~~أهلها وهو يغطي الفضائل ويظهر الرذائل أنشدني بعض أهل العلم # ويظهر عيب المرء في الناس بخله %~% ويستره عنهم جميعا سخاؤه ~~PageV01P377 # تغط بأثواب السخاء فإنني %~% أرى كل عيب والسخاء غطاؤه # وقد ينتج عن البخل أربعة أخلاق مذمومة كل خلق منها في نهاية القبح وهي ~~الحرص والشره وسوء الظن بالله ومنع الحقوق # أما الحرص فهو شدة الكدح والإسراف في الكدح والإسراف في الطلب والمبالغة ~~في جمع المال وهذا ربما أفضى بصاحبه إلى اقتحام الحرام وأخذ الشبهات فكان ~~مذموما # وأما الشره فهو استقلال الكفاية والاستكثار من المال لغير حاجة وذلك ~~مذموم لنزوعه إلى اللؤم PageV01P378 # وأما كونه يسيء الظن بالله تعالى فإن البخيل يعتقد أن المال يذهبه ~~الإنفاق وليس خلف من الله تعالى ولا عوض يرجع إليه فيحصل على عدم الثقة ~~بالله تعالى وذلك غاية المذمة والقبح # وأما منع الحقوق فإن نفس البخيل لا تسمح بفراق المال إذ هو محبوبها ~~ونهاية مطلوبها فلا تنقاد إلى إيصال الحق ولا تذعن بإنصاف الخلق وإذا كان ~~البخيل بهذه الأوصاف فليس عنده خير موجود ولا صلاح مأمول # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السخي قريب من الله قريب من الجنة ~~قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من ~~الجنة قريب من النار # وقال عليه السلام طعام الجواد دواء وطعام البخيل PageV01P379 داء وقال ~~عليه السلام بشر مال البخيل ms041 بحادث أو وارث أنشدني بعض أهل العلم # يفني البخيل بجمع المال مدته %~% وللحوادث والوراث ما يدع # كدودة القز ما تبنيه يهلكها %~% وغيرها بالذي تبنيه ينتفع PageV01P380 # قال بعض الحكماء البخل جلباب المسكنة # وقال حكيم آخر لا يدخل البخل مسكنا إلا أعقبه الحسرة ولا يدخل الطمع ~~مدخلا إلا أعقبته المذلة ولا يدخل الشره مدخلا إلا أعقبه الحيرة # وقيل البخيل ليس له خليل # وقيل المال كالماء فمن استكثر منه ولم يجعل له مسربا يتسرب فيه ما زاد ~~على القدر الكافي غرقه أنشدني بعضهم # أراك تؤمل حسن الثناء %~% ولم يرزق الله ذاك البخيل # وكيف يسود أخو بطنة %~% يمن كثيرا ويعطي قليلا PageV01P381 ### || الوصف الرابع السرف # إعلم أن السرف في إنفاق المال وصف خارج عن حد السخاء المحمود مجانس البخل ~~في الذم والقبح لأن الله سبحانه وتعالى ساوى بين حالتهيما في النهي فقال ~~@QB@ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا @QE@ PageV01P382 # فنهى عن بسطها سرفا كما نهى عن قبضها بخلا فدل ذلك على استوائهما ذما ~~واتفاقهما لوما ولأن المسرف في عطائه المبذر في سخائه لا يفرق بين محمود ~~ومذموم ولا يميز بين مستحق ومحروم # وهذه الحال تدل على خور الطبع وطيش الرأي وقصور التدبير وذلك لا يليق ~~بالملوك ولأن بيت المال يقل عن الحقوق ويقصر عن الواجبات فإذا أسرف في بذله ~~فقد وضع الشيء PageV01P383 بزيادته على قدر المستحق وقال بعض الحكماء الخطأ ~~في إعطاء ما لا ينبغي ومنع ما ينبغي # وقال سفيان الثوري رحمة الله الحلال لا يحتمل السرف # وقال بعض العلماء ثلاثة ترتفع عنهم الرحمة وتنزل بهم الشماتة في ثلاثة ~~أحوال أحدهم المبذر لماله حين تنزل به الفاقة # الثاني الشرة النهم حين تصيبه المصيبه PageV01P384 # الثالث الظالم المعتدي حين تنزل به العقوبة أنشدني بعضهم # وكان المال بأتينا فكنا %~% نبذره وليس لنا عقول # فلما أن تولى المال عنا %~% عقلنا حين ليس لنا فضول PageV01P385 ### || الوصف الخامس خلف الميعاد # إعلم أن خلف الميعاد به اللئام وتأباه الكرام لقبح صوري وشناعة سمعته وهو ~~من أركان ms042 النفاق ومساوىء الأخلاق # قال رسول الله صلى الله هليه وسلم علامة المنافق ثلاث PageV01P386 # إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا ائتمن خان # وقال طلحة الطلحات ما بات رجل مني على وعد إلا وبكر إلى الظفر بحاجته ~~وبكرت إلى قضائها تخوفا من عارض الخلف وإن الخلف من النفاق وليس من أخلاق ~~الكرام قال أبو الحسن المدائني كان عمر بن عبد العزيز لا يكاد يوجب حاجة ~~توقيا للخلف PageV01P387 # وقال دواد بن عبد الله في وصية أنجز إذا وعدت واتق الخلف فإنه يزيل ~~الهيبة ويذهب ببهاء الوجه # قال بعض الحكماء من أخلف وعده فقد صعر خده وجفاه القريب وتحاماه الغريب ~~انشدني بعضهم # لا تكسبن عداوة ومذمة بعد الصفاء %~% فببذل وعد مخلف أصل العداوة والجفاء ~~) # وكان يقال الخلف نتيجة اللؤم وأقبح كل خلق مذموم PageV01P388 # واعلم أن الخلف من فروع الكذب وسنذكره إن شاء الله تعالى PageV01P389 ### || الوصف السادس الكذب # اعلم أن الكذب وصف ذميم وخلق لئيم لا ينفك صاحبه عن الفضيحة لمناقضته ~~كلامه بالسهو ولا يكاد متعاطيه تسمو له رتبة ولا تعلو له منزلة لاحتقار ~~الناس له واستصغارهم إياه ونفورهم عنه وقلة ركونهم إليه لأنه إن عاقد لم ~~يوثق بعقده وإن نزل أوعد لم يركن إلى وعده وإن ذكر شيئا تسارعت إليه التهمة ~~وإن نزل به مكروه تراجعت عنه الرحمة كل ذلك لما قد علمته النفوس ~~PageV01P390 من مهانته وقلة أمانته وإن كان صادقا وفي المعنى بيت مفرد # ومن آفة الكذاب نسيان كذبه %~% وتلقاه ذا حفظ إذا كان صادقا # وقد سلب الله تعالى وصف الكذب عن المؤمنين فقال تعالى @QB@ إنما يفتري ~~الكذب الذين لا يؤمنون @QE@ # وقال رسول الله ص الكذب مجانب الإيمان PageV01P391 # وكان يقال لايقوم على الكذب دين ولا دنيا وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض ~~عماله إياك أن تستعين بكذوب في أمر تحتاج فيه إلى الحيلة فإنك إن تطع ~~الكذوب تهلك # وقال عبد الملك بن مروان اللحن هجنة الشريف PageV01P392 # والعجب آفة الرأي والكذب فساد كل شيء # وحكي أن قيصر كتب إلى كسرى أن عرفني ms043 بما ضبطت به ملكك فكتب إليه بثمان ~~خصال لم أكذب في جد ولاهزل قط ولم أخلف في وعد ولا وعيد قط ووليت للعنا ~~وركنت لا للهوى وعاقبت للأدب لا للغضب وأشربت قلوب الرعية المحبة من غير ~~جرأة وأودعت قلوبها هيبة من غير ضغينة وغمرت بالكفاف ومنعت الفضول # وقيل لعدي بن حاتم أي الأشياء أثقل عليك قال PageV01P393 تجربة الصديق ~~ورد السائل قيل فأي الأشياء أوضع للرجال قال كثرة الكلام والثقة بكل أحد ~~واللسان الكذوب # وقيل الصدق عز والكذب ذل وكان يقال الكذب من ذهاب المروءة ومهانة النفس ~~وقلة الحياء أنشدني بعضهم في ذلك # لايكذب المرء إلا من مهانته %~% أو عادة السوء أو من قلة الأدب ~~PageV01P394 # فجيفة الكلب عندي خير رائحة %~% من كذبة المرء في جد وفي لعب # وقال آخر # وما شيء إذا فكرت فيه %~% با ذهب للمروءة والجمال # من الكذب الذي لاخير فيه %~% وأبعد بالبهاء من الرجال # واعلم أن دواعي الكذب ثلاثة أشياء أحدها أن يجتلب به نفعا أو يدفع به ~~ضررا فيرى أن الكذب أسلم له أو أغنم فيرخص لنفسه فيه لأجل ذلك # الثاني أن يؤثر أن يكون حديثه مستعذبا وكلامه مستظرفا ولا يجد من الصدق ~~ما يزين به حديثه فيستمد من الكذب # الثالث هو أن يقصد بالكذب وصمة عدوه فيصمه بالقبائح وينسب إليه الفضائح ~~وهذه الدواعي تأباها النفوس الأبية والهمم PageV01P395 العلية سيما نفوس ~~الملوك لشرفها عن الرذائل وترفعها عن النقائص إلا أنه ربما مست الحاجة إلى ~~استعمال قليل الكذب في كيد الأعداء وتألف البعداء فإن مثله مثل السموم ~~القاتلة تقتل على انفرادها وتدخل في بعض الأدوية المركبة فتصير دواء شافيا ~~PageV01P396 ### || الوصف السابع الغيبة # إعلم أن الغيبة مع تحريمها شرعا وعقلا هي عين العجز ونفس اللؤم ودليل ~~النقص تأباها العقول الكاملة والنفوس الفاضلة لما فيها من انحطاط الرتبة ~~وانخفاض المنزلة قال علي بن الحسين الغيبة إدام كلاب الناس PageV01P397 # وقال عدي بن حاتم الغيبة مرعى اللئام # قال وسمع قتيبة بن مسلم رجلا يغتاب رجلا فقال أما والله لقد تلفظت بمضغة ~~ظالما ms044 لفظتها الكرام # وقال بعض الحكماء من أكثر من عيوب الناس سهل عليه الإكثار لأنه إنما ~~يطلبها بقدر ما فيه منها ولقد أحسن القائل حيث يقول PageV01P398 # إذا أنت عبت الناس عابوا وأكثروا %~% عليك وأبدوا منك ما كنت تستر # إذا ما ذكرت الناس فاترك عيوبهم %~% فلا عيب إلا دون عيبك يذكر # فإن عبت قوما بالذي فيك مثله %~% فذلك عند الله والناس أكبر # وإن عبت قوما بالذي فيك مثله %~% فكيف يعيب العور من هو أعور # وقال الوليد بن عتبة بن أبي سفيان كنت أسير مع أبي في موكب فلصق إلي رجل ~~وجعل يغتاب رجلا غائبا فسمعه أبي فالتفت إلي وقال ويحك أما علمت أن الملوك ~~ينزهون أسماعهم عن الخنا كما ينزهون ألسنتهم عن الكلام به فإن المستمع شريك ~~القائل وقد نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك # ويحكى أن بهرام ملك العجم ولى قائدا من قواده PageV01P399 تخوم أرضه مما ~~يلي أرض الترك فبلغه عنه أنه يكثر من غيبة خاقان فقال هذا دليل عجزه وضعفه ~~عن مقاومته ثم عزله وولى غيره وقال أبو الأسود في ذلك # وذي حسد يغتابني حيث لا يرى %~% مكاني ويثني صالحا حيث أسمع # تورعت أن أغتابه من ورائه %~% بما ليس فيه وهو لا يتورع PageV01P400 ### || الوصف الثامن الغضب # إعلم أن الغضب وصف طبعي ركبه الله في الحيوان ليكون له به الانتقام من ~~المؤذي له وسببه هجوم ما تكرهه النفس ممن هو دونها والحادث عن الغضب السطوة ~~والإنتقام # فإذا أفرط وجاوز حده سلب العقل وحجب عن صواب الرأي فيصير PageV01P401 ~~صاحبه مقطوع الحجة قليل الحيلة وربما عاد ضرر الغضب على الغضبان دون ~~المغضوب عليه # وقد يظهر ذلك في نفسه وجسده والعاقل في حال شدة غضبه ليس بينه وبين ~~المجنون فرق ولهذه الأوصاف صار قبيحا مذموما # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر ~~العسل PageV01P402 # قال عليه الصلاة والسلام ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد من ملك نفسه عند ~~الغضب # وقال عليه الصلاة والسلام من كظم غيظا وهو ms045 قادر على إنفاذه ملأ الله قلبه ~~أمنا وإيمانا PageV01P403 # وقال بعض الحكماء الغضب أوله جنون وآخره ندم # وقال آخر الغصب على من لا تملك عجز وعلى من تملك لؤم # وكان يقال ما كثر من كثره البغي إياك وعزة الغضب فإنها تفضي بك إلى ذل ~~العذر # وكان يقال ليس للملك أن يغضب ما كثر من كثره البغي ولا قوي من قواه الظلم ~~ولا ملك من ملكه الغضب PageV01P404 # وكان يقال ليس للملك أن يغضب لأن القدرة من وراء حاجته وليس له أن يكذب ~~لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد وليس له أن يكون حقودا لأن ~~خطره عظيم عن المجازاة # واعلم أن الذين كان منهم الفعل القبيح لشدة الإنتقام في وقت غيظهم إنما ~~كان ذلك منهم لفقد عقولهم في ذلك الوقت فينبغي لمن ثار به عند هجوم ما يغضب ~~أن يكف صورته بحزمه ويطفىء ناره بحلمه ليسلم من الندم في العواقب والذي ~~يسكن الغضب عند هيجانه خمسة أسباب # أحدهما أن يذكر الله تعالى عند غضبه فإن ذلك يدعوه إلى الخوف منه والخوف ~~يبعثه على الطاعة أو بالعفو فيزول عنه الغضب فقد ذكر PageV01P405 أنه مكتوب ~~في التوراة يا بن آدم أذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب # وقيل إن ملكا من ملوك الفرس كتب كتابا وناوله لوزيره وقال له إذا رأيتني ~~قد غضبت فاتركه بين يدي وكان فيه مكتوب ما لك والغضب إنما أنت شر إرحم من ~~في الأرض يرحمك من في السماء PageV01P406 PageV01P407 PageV01P408 ~~PageV01P409 PageV01P410 # قال فكان إذا غضب ذلك الملك ناوله الوزير الكتاب فيسكن غضبه # وقيل إن ملكا من ملوك الروم أخذ جمجمة ملك كان قبله فوضعها في طشت ~~وناولها بعض حجابه وقال له إذا رأيتني قد غضبت على إنسان فضعها بين يدي قال ~~فكان إذا غضب وضعها الحاجب بين يديه فيسكن غضبه # السبب الثاني أن يتذكر عند الغضب ثواب العفو وحسن جزاء الصفح فيقهر نفسه ~~على ردع الغضب رغبة في الثواب وما وعد الله به العافين عن الناس فقد قال ~~رسول الله ms046 صلى الله عليه وسلم ينادي مناد يوم القيامة من له أجر على الله ~~تعالى فليقم فيقوم العافون عن الناس PageV01P411 ثم تلى فمن عفا وأصلح ~~فأجره على الله # الثالث أن يتذكر إنعطاف القلوب عليه وميل النفوس إليه عند العفو وكظم ~~الغيظ فيمنعه التألف وجميل الثناء من إنفاذ الغضب # الرابع أن ينتقل من الحالة التي هو عليها إلى حالة أخرى فإنه إذا فعل ذلك ~~زال عنه الغضب وقد كان شعار المأمون إذا غضب # الخامس أن يتذكر ما يؤول إليه الغضب من الندم ومذمة الانتقام لا سيما ~~إنفاذه فيمن لا يستطيع الدفع عن نفسه # فهذه الأسباب الخمسة إذا تدبرها الملك وتذكرها في أوقات الرضا كان أحرى ~~أن يتذكرها في أوقات الغضب فتصده عن إنفاذ الفعل والإفراط في النكال ~~والانتقام PageV01P412 ### || الوصف التاسع العجب # اعلم أن العجب وصف رديء يسلب الفضائل ويجلب الرذائل ويظهر الحمل ويوجب ~~المقت ويخفي المحاسن ويشهر المساوىء ويفضي إلى المهالك قال الله تعالى @QB@ ~~ويوم حنين إذ @QE@ PageV01P413 أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت ~~عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الإعجاب ضد الصواب وآفة الألباب # وقال بعض الحكماء إعجاب المرء بنفسه أحد حساد عقله # وقال آخر العجب حمق وتيه ينتجه الكبر # وكان يقال ما أعجب بنفسه عاقل لأن العجب فضل حمق PageV01P414 لم يدر ~~صاحبه أين يذهب به فيصرفه إلى الكبر # وحكي أن رجلا نظر إلى المهلب بن أبي صفرة وعليه حلة فاخرة يسحبها ويمشي ~~بالخيلاء فقال له يا أبا عبد الله ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله ~~فقال له المهلب أو ما تعرفني قال بلى أعرفك أو لك نطفة مذرة وآخرك جيفة ~~قذرة وحياتك فيما بين ذلك بول وعذرة قال فخجل المهلب وأطرق منه حياء وقد ~~نظم هذا الكلام محمود الوراق فقال # عجبت من معجب بصورته %~% وكان بالأمس نطفة مذرة PageV01P415 # وفي غد بعد حسن هيئته %~% يصير في اللحد جيفة قذرة # وهو على تيهه وتخوته %~% ما بين جنبيه يحمل العذرة # وقال بعض البلغاء ms047 عجب الملك بتدبيره مفض به إلى تدميره # أنشدني بعضهم # إذا المرء لم يرض ما أمكنه %~% ولم يأت من أمره أزينه # وأعجب بالعجب فاقتاده %~% وتاه به التيه فاستحسنه PageV01P416 # فدعه فقد ساء تدبيره %~% سيضحك يوما ويبكي سنه # واعلم أن من لم يحسم عنه أسباب العجب المفضية إليه وقع فيه فيهلك في غالب ~~الأحوال ومن أقوى أسبابه مدح المتملقين الذين يجعلون التملق دأبهم والنفاق ~~مسكنهم فيمنع نفسه من تصديق المدح ليسا فإن للنفس ميلا إلى سماع المدح # ومتى كثر المدح وجاوز الحد صار كذبا وملقا وقد نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال إياكم وكثرة المدح فإنه الذبح PageV01P417 # وقال بعض الحكماء من رضي أن يمدح بما ليس فيه فقد أعان الساخر منه # وقال بعض العلماء قبح باللبيب أن يعجب بنفسه عند مدح المادح أو يغضب عند ~~سماع قدح القادح قبل أن يتفقد أعماله ويعلم ما عليه وما له ولا يترك النساء ~~أفضل منه فإن إحداهن إذا وصف وجهها بما تحب أو تكره امتحنت ذلك بالاطلاع في ~~المرآة # وكذلك ينبغي للعاقل أن يمتحن أحواله بأن يكل نفسه إلى غيره من أهل الثقة ~~والأمانة والأدب والديانة في اختبار محاسنه ومساويه وعيوب نفسه التي فيه ~~ويستنصحهم في ذلك فإن الإنسان قد يخفى عليه عيب نفسه لاستيلاء الهوى على ~~عقله فإذا أزاح عن نفسه ذلك فقد نال غاية الشرف بانعطاف القلوب عليه وميلها ~~إليه PageV01P418 ### || الوصف العاشر الكبر # اعلم أن الكبر خارج بالنفس عن حد الاعتدال وحقيقته استعظام النفس واحتقار ~~الغير وسببه علو اليد والتمييز بالمنصب والنسب أو الفضل ومتى جاوز حده ~~وتعدى طوره PageV01P419 # إلى البغي والعتو سلب الدين وأفسد الإيمان وخفض المنزلة وحط الرتبة لأنه ~~يطمس من المحاسن ما انتشر ويسلب من الفضائل ما اشتهر ويوغر الصدور ويوجب ~~النفور وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من في قلبه ~~مثقال ذرة من كبر # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه PageV01P420 العباس رضي الله عنه ~~أنهاك عن الشرك بالله وعن الكبر فإن ms048 الله تعالى يحتجب عنهما # وحكي أن سليمان بن داود عليهما السلام جلس يوما على بساطة بجنوده من ~~الإنس والجن والطير والوحش ثم أمر الريح فرفعت البساط نحوا السماء حتى ~~سمعوا زجل اللائكة بالتسبيح وسمعوا صوت قائل يقول لو كان في قلب صاحبكم ~~مثقال ذرة من كبر لخسفنا به اكثر ما رفعناه # وقال بعض العلماء إن للدولة أمراضا يخاف أن تموت بها أخطرها أربعة أشياء ~~أحدها ما يعرض للملك من الكبر الثاني ما يعرض له من PageV01P421 الغضب فإن ~~دولته في هاتين الحالتين تضطرب لخروجه عن حدود السياسة الثالث ما يعرض له ~~من الحرص فإنه إذا حرص ظلم وعسف الرعية الرابع هيجان الرعية فإذا عرض له ~~شيء من ذلك فليبادر الحسم # وحكى المدائني قال رأيت رجلا بعرفات وهو على بغلة بمركب من ذهب والغلمان ~~والخدم بين يديه والناس حوله وهو لا يعبأ بأحد منهم فنظرت إليه متعجبا وقلت ~~له يا هذا ليس هذا موضع التكبر إنما هو موضع التعظيم والخشوع فانزل عن ~~بغلتك واصرف الخدم من بين يديك في هذا الوقت وأقبل على الله تعالى بخضوع ~~وخشوع فإنه يقبل عليك برحمتة ورضوان قال فلم يلتفت إلى وتركته وانصرفت فلما ~~كان العام المقبل عبرت الجسر ببغداد فوجدت ذلك الرجل أعمى يتصدق من ~~PageV01P422 الناس فقلت له أنت الذي كنت في العام الماضي على بغلة بعرفات ~~قال نعم قال فما بالك قال لما تكبرت في موضع يتواضع الناس فيه وضعني الله ~~في موضع يتكبر عن مثله الناس # أنشدني بعض ال الأدب # يا مظهر الكبر إعجابا بصورته %~% مهلا فإنك بعد الكبر مسلوب # لو فكر الناس فيما في بطونهم %~% ما استشعر الكبر شبان ولا شيب # يا ابن التراب ومأكول التراب غدا %~% أقصر فإنك مأكول ومشروب # واعلم أن من قطع أسباب الكبر عنه وحسم مواده واعتاض به PageV01P423 ~~تواضعا وتعظيما لله سبحانه وخشوعا وتعظيا وتعالى فقد أكد أسباب ومواد النعم ~~وأزاح عنه المقت واستعطف إليه القلوب PageV01P424 ### || الوصف الحادي عشر الحسد # إعلم أن الحسد داء عظيم من أدواء النفس لا ms049 يشفى سقيمه ولا يرقى سليمه مع ~~ما فيه من إفساد الدين وإضرار البدن لأن الحاسد يدوم همه ويكثر غمة ويذوب ~~جسمه ويذهل عقله عن صواب الرأي ويشتغل قلبه عن صحيح الفكر وهو أقبح من ~~البخل لأن الحاسد يحب أن لا ينال أحد شيئا من مالا يملكه فكان أعظم ~~PageV01P425 # قبحا وأشد ذما وليس شيء أعظم ضررا من الحسد قال رسول الله صلى الله هليه وسلم إن الحسد ~~يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب # قال بعض الحكماء يكفيك من الحسود أنه يغتنم وقت سرورك وإذا رزق الله ~~المحسود نعمة كانت على الحاسد نقمة # وكان يقال الحسد نار في الجسد PageV01P426 # وكتب بعض الحكماء إلى صديق له وقد حسدك من لاينام دون الانتقام وطلبك من ~~لا يقصر دون الظفر بك فليكن حذرك بعد الثقة بالله تعالى على حسب ذلك # وقيل كان مكتوبا على فص خاتم بعض الملوك الحسود لا يسود أبدا والذي خبث ~~لا يخرج إلا نكدا # وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لن يصل الحسد إلى المحسود حتى يقتل ~~الحاسد نفسه بغم دائم وعقل هائم وهم لازم وما رايت ظالما يتشبه بالمظلوم ~~إلا الحاسد أنشدني بعض أهل العلم PageV01P427 # كم من حسود اطال الله حسرته %~% فاغتاظ هما على الأيام من حسده # وحاسد الخير طول الدهر في تعب %~% يزيده الحسد المذموم في كمده # وقال بعض الشعراء # إن الحسود الظلوم في كمد %~% يخاله من يراه مظلوما # ذا نفس دائم على نفس %~% يظهر منه ما كان مكتوما # وقال آخر # 0 إصبر على كيد الحسود %~% فإن صبرك قاتله # فالنار تأكل بعضها %~% إن لم تجد ما تأكله # واعلم أن أسباب الحسد ثلاثة PageV01P428 # أحدها بعض المحسود قبل ظهور النعمة عليه فإذا ظهرت عليه نعمة أو اشتهرت ~~عنه فضيلة أثارت البغضاء القديمة له حسدا على ذلك # الثاني أن يظهر على المحسود نعمة شاملة أو فضيلة كاملة يعجز الحاسد عن ~~تحصيلها أو تقصر همته عن إدراكها ويكره تقدمه عليه بذلك واختصاصه به دونه ~~فيصير حسدا # الثالث أن يكون بالحاسد شح ms050 بالفضائل المكتسبة وبخل بالنعم الموهوبة وليس ~~يقدر على منعها منه ودفعها عنه إذا هي ليست في يديه ولا مفوضة إليه فيحسده ~~على ما منحه الله تعالى من عطائه العميم وفضله الجسيم وهذا السبب داء ليس ~~له دواء فإن كان الحاسد ذا قسوة PageV01P429 واقتدار حدث عن حسده الانتقام ~~من المحسود وإن كان ذا عجز وضعف حدث عنه هم دائم وسقم لازم فينبغي أن يحسم ~~عنه أسباب الحسد ويأنف من تعاطيه ويستنكف من هجنة مساوية ليدفع ضرره ويتوقى ~~شره ولا يغالب قضاء الله تعالى فيرجع مغلوبا ولا يعارضه في أمره فيصير ~~مسلوبا وسنذكر من تأثير الحسد وضرر عواقبه حكاية نختم بها هذا الفصل ذكر ~~أهل التواريخ أن بهرام بن يزدجرد ملك الفرس كان صديقا لخاقان ملك الترك ~~وكان بينهما مهادلة وتلطف وإن بهرام اشتهر أمره بالقوة والشجاعة والكرم ~~وحسن السيرة والعدل في الرعية فحسده خاقان على ذلك حسدا شديدا وكان له ~~وزيران فذكر ذلك لأفضلهما وسأله التدبير في هلاك بهرام فقال له الوزير إن ~~كتم الملك ذلك سعيت له فيه فقال سأكتمه فلبث مدة ثم سأل الوزير عما صنع فيه ~~فاستصبره فلما تكرر ذلك منهما قال له الوزير أيها الملك لا حيلة لي فيما ~~كلفتنيه استصبرتك رجاء أن يزول ذلك من قلبك فإني رأيت الحامل لك عليه ~~PageV01P430 إنما هو فرط الحسد وتدبير الحاسد راجع عليه بالمضرة وأخاف أن ~~ينصب الملك مكيدة فيقع فيها قال فغضب خاقان عليه ثم أطلع وزيره الآخر على ~~ذلك وكان فيه شر وخبث وحسد وحيلة فتكفل لخاقان بنيل مراده ثم ندب له فاتكا ~~من فتاك الترك لم يكن في الترك أشد باسا في الحيلة منه ولا أجرأ منه في ذلك ~~وضمن له إن قتل بهرام ونجا أعطاه رياسة الجند وجعل ذلك خالدا في ولده وإن ~~هلك دون مرامه شرف ولده تشريفا يخلد ذكره فيه أبدا وإن الفاتك استصحب أخاه ~~معه وتوجها إلى دار ملك بهرام فلما وردا قصر بهرام قال الفاتك لأخيه بعني ~~من بعض خدمة قصر بهرام ms051 فلم يزل يتلطف الفاتك حتى باعه من حافظ القصر الموكل ~~بحراسته ليلا فجعل ذلك الفاتك يتحبب إلى مولاه بحسن الطاعة ونصح الخدمة حتى ~~نفق عنده واختص به وإن سيده PageV01P431 تخلف عن حراسته لمرض ناله فاستناب ~~الفاتك فعمد ذلك الفاتك إلى خزائن سلاح بهرام وكانت بإزاء قصره فألقى فيها ~~نارا وثبط أصحابه عن المبادرة إلى إطفائها حتى اشتد عملها فارتفعت الضجة ~~فخرج بهرام من قصره على فرس له ولا سلاح معه فانتهز الفاتك فيه الفرصة ودنا ~~من بهرام وفي يده خنجر وقد أخفاه في كمه فنظر إليه بهرام في ضوء من النار ~~فرأى دلائل الريبة ظاهرة عليه فتفرس فيه الشر فجمع رجليه ووثب عن ظهر فرسه ~~فإذا هو على الفاتك وقبض على يديه فوجد الخنجر فأخده منه بيمينه وجمع يديه ~~معا في شماله وانطلق به يقوده حتى أدخله القصر فخلا عنه وسأله عن أمره ~~فصدقه الحديث فقال له بهرام أما أنت فلك ذمتنا على حفظ نفسك والإحسان إليك ~~إذا كنت إنما أتيت الذي أتيت طاعة لخاقان ومناصحة له وبذلت نفسك في مرضاته ~~ومثلك من يصطنع ونحن نحفظ عليك نفسك التي ضيعها صاحبك غير أنا نريد أن ~~نحبسك مدة ثم نطلقك ونحسن إليك لغرض نريد أن نفعله فدلنا على أخيك فدله ~~عليه فأرسل إليه من قبض عليه وحسبهما في قصره PageV01P432 مكرمين وأخذ ~~عليهما أن يكتما أمرهما وكان قد رفع إلى بهرام أن رجلا من عتبة زراعا في ~~بعض الرساتيق له ابنه لم يسمع بامرأة خلقت على مثل صورتها طولها ستة أذرع ~~وشعرها يتسحب على مواطىء قدميها وكأن جلدها في لونه وصفائه كأنه قشور الدر ~~وهي متناسبة الخلق بديعة التركيب دقيقة التخطيط لا يستطيع من رأى عضوا من ~~أعضائها ان ينقل بصره عنه إلا بعد مجاهدة النفس وإذا قابلت عيناها عيني ذي ~~لب اضطرب قلبه فلا يسكن حتى يضمها إلى صدره ويرشف من ريقها وكان لها مع ذلك ~~الجمال الباهر أدب وعقل وحزم فشرهت نفس بهرام إليها ثم تنزه استنكافا أن ~~يكون PageV01P433 تحته ms052 ابنة زراع فقمع نفسه عنها أنفة ونخوة ثم نهى أن ~~يذكرها له أحد وأمر العامل على البلد الذي هي فيه أن يتفقد أمرها ومنع ~~أباها من إنكاحها حتى إذا حدث عليه من خاقان وما ذكرناه أحضر رجلا من ~~أصحابه ذا دهاء ومكر وحيلة فندبه للمكيدة من خاقان وأمره بما سنذكره في ~~أثناء الحكاية وأعطاه من الذهب والفضة ونفائس الجواهر وذخائر ما ظن أنه ~~يحتاج إليه في عمل المكيدة وأمره أن يسير متنكرا في زي تاجر لى والد تلك ~~الجارية التي ذكرناها فيشتريها منه ليستعين بها على ما ندبه إليه وأرسل إلى ~~العامل على بلد أبيها يأمره بأن يضيق على ابيها ويطالبه بما يعجز عنه من ~~المال ففعل ذلك فجاء التاجر واشترى منه ابنته بوزنها ذهبا وهذا شيء كان ~~يفعله PageV01P434 أهل الخراج من الفرس إذا ضيق السلطان عليهم باعوا ~~أولادهم PageV01P435 # قال ثم إن التاجر قصد بها بلاد الترك حتى حل بمدينة خاقان فقصده إلى ~~الوزير الساعي إليه في المكيدة لبهرام فأهدى إليه هدايا نفيسة وتنفق عنده ~~بالتحف إلى أن أنس به الوزير وخف على قلبه فلبث عنده عاما ثم إنه قال له ~~إنني أحببتك أيها الوزير حبا شديدا ولي عام أنازع نفسي في إتحافك بتحفة لم ~~يظفر أحد بمثلها وكانت نفسي تضن بها ثم قد سمحت بإيثارك فقال وما هذه ~~التحفة قال جارية طولها ستة أذرع وشعرها يتسحب على مواطىء قدميها كأنما كسا ~~جلدها قشور الدر قال فلما سمع الوزير الصفة استفزه الهوى إليها وجعل ~~يتقاضاه بإحضارها فلما أحضرها ووقع بصره عليها لم يملك نفسه أن وثب عليها ~~فعانقها وضمها وقبلها ثم التفت إلى سيدها وقال له سل ما سئت واحتكم فقال ~~حكمي القرب منك والحضور عندك قال هذا لك وخذ من المال ما شئت قال لا حاجة ~~لي فيه ثم خرج من عنده PageV01P436 مبادرا إلى باب قصر الملك خاقان فقال ~~لبعض ثقاته إن عندي نصيحة نخاف فوتها فأدخله على خاقان في الحال فسأله عن ~~نصيحته فقال إني قصدت الملك بتحفة ms053 لا تصلح إلا له فسألت الوزير فلان أن ~~يوصلها إلى الملك فاستأثر بها واعتدى وبذل مالا كثيرا على كتمان ذلك فلم ~~أفعل قال ما هذه التحفة قال هي جارية صفتها كذا وكذا فأرسل خاقان من فوره ~~رجالا من ذوي النسك في دينه وأمرهم بالهجوم عليه وحفظ الحال التي يرونه ~~عليها والإتيان به وبالجارية محجوبة عن الأبصار ففعلوا ذلك وقالوا إنهم ~~أبصروها بين يديه جالسة متجردة فسألها خاقان عما نال منها فقالت عانقني ~~وقبلني وجردني ونظر إلى سائر بدني وهم أن يفتضني فهجم هؤلاء القوم عليه ~~فأمر خاقان أن تقطع يداه وتقلع عيناه ويقطع لسانه وشفتاه ففعلوا ذلك ~~بالوزير ثم إن خاقان خلا بالجارية وسألها أبكر هي أم ثيب PageV01P437 فقالت ~~بل بكر فلم يملك نفسه أن افترعها فلما نزع منها أزالت عن رأسها قناعا فمسحت ~~به ذكره فأحس به من ساعته تنملا ثم بعد ذلك ظهر فيه نفخ ثم ابتدأ به الوجع ~~الشديد فعلم أنه سم فتناول موسا فقطع به ذكره وأمر بالجارية فنحيت عنه ~~وحفظت وطلبوا مولاها فلم يظفروا به وإن خاقان عالج نفسه حتى برئ ثم أحضر ~~الجارية فسألها عن نفسها وأهلها وبلدها فأخبرته وأنها لم تكن تعلم من أمر ~~مولاها أكثر من أنه رجل تاجر اشتراها من أبيها بوزنها ذهبا وسألها عن ~~القناع فقالت كسانيه سيدي وعرفني أنه يهديني للملك # وإن من شأن الملوك إذا وقع واحد منهم على جارية ونزع منها أن تسمح ذكره ~~بما على رأسها كائنا ما كان فإن لم تفعل ذلك سقطت من عين الملك وتعرضت ~~لسخطه فعلم خاقان أنها مخدوعة فلم يتعرض لها بشر ولما عاد صاحب بهرام إليه ~~وأخبره بما تم له من المكيدة PageV01P438 أمر بهرام بإحضار الفاتك وأخيه ~~وأحسن إليهما وكتب معها كتابا إلى خاقان يقول فيه إن الحسد والبغي أورداك ~~وأوردا وزيرك وزير السوء موارد الندم وقد كنا أنزلناك بمنزلة الاخ قبل أن ~~نعرف خبث نيتك فينا وحسدك لنا فلما علمنا ذلك أردنا بك ما أردته بنا فقضى ~~الله لنا ms054 عليك بنجاح السعي لعلمه بصلاح نيتنا وخبث نيتك والآن فاتق الله ~~على نفسك فلسنا نعرض لك بسوء إذا لزمت حسن النظر لنفسك بمسالمتنا قال فلما ~~انتهى الكتاب إلى خاقان عرف من أين أتى ثم إنه داخلته الحمية والأنفة فتجهز ~~لقتال بهرام في أمم من الترك لا تحصى وسار إلى أرض فارس فانتخب له بهرام ~~أجنادا من أساورة الفرس ولقيه فهزمه بهرام وقتل رجاله ونهب أمواله واستولى ~~على بلاده وكان سبب إثارة هذه الفتنة الحسد والبغي PageV01P439 ### || الوصف الثاني عشر العجلة # اعلم أن العجلة ردية الساقبة مذومة الأثر يتنجها طيش وتهور أولها ملامة ~~واخرها لا يفارقها الزلل ولا يتعداها الفشل وقد قال رسول الله صلى الله هليه وسلم العجلة ~~من الشيطان # وكان يقال لا يوجد العجول محمودا ولا الغضوب مسرورا ولا الشره غنيا # وقيل اجتمع أربعة ملوك من الروم عند حكيم من حكمائهم PageV01P440 # فقالوا أوصنا يها الحكيم وصية ننتفع بها فيما صار إلينا من أمر الملك ~~فقال من استطاع منكم أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو حقيق أن لا ينزل به ~~مكروه وهي العجلة واللجاجة والعجب والتواني فثمرة العجلة الندامة وثمرة ~~اللجاجة الحيرة وثمرة العجب البغضة وثمرة التواني الذلة # وكان يقال التثبت في النوائب معقل اهل التجارب والعجلة في الأمور داعية ~~إلى كل محذور # وأوصى ملك من ملوك اليمن من يخلفه من بعده فقال أوصيك بتقوى الله تعالى ~~فإنك إن تتقيه يهدك ويكفك ويرض عنك ومتى رضى الرب عن عبده أرضاه وأمرك أن ~~لا تعجل فيما تخاف فيه الفوت فإن العجلة ندامة وإذا شككت في أمر فشاور وإذا ~~اتهمت PageV01P441 فاستبدل وإذا استكفيت فاختبر وإذا قلت فاصدق وإذا وعدت ~~فانجز وإذا أوعدت في حق فانفذ واعلم انك إذا ضبطت حاشيتك ضبطت قاصيتك ~~والسلام # واعلم أن العجلة مذمومة إلا في أفعال البر وصنائع المعروف فإنها حسنة ~~محمودة # قال بعض الحكماء على الملك أن يعمل بخصال ثلاث تأخير العقوبة في سلطان ~~الغضب وتعجيل مكافأة المحسن والأناة فيما يحدث فإن له في تأخير العقوبة ~~إمكان ms055 العفو وفي تعجيل المكافأة بالأحسان المسارعة في الطاعة من الرعية وفي ~~الأناة اتضاح الرأي وانفساح الصواب # وذكر بعض الملوك في وصية له لولي عهده إذا هممت بخير فعجله وإذا هممت ~~بخلافه فتأن فيه وارحم ترحم # وكان يقال PageV01P442 # العجلة مكروهه قبيحة إلا في ثلاثة أشياء في اصطناع المعروف إذا أمكن وفي ~~تزويج البكر إذا خطبت وفي دفن الميت إذا مات PageV01P443 ### || الوصف الثالث عشر المزاح # إعلم أن المزاح شاغل عن الأمور المهمة مذهل عن النوائب الملمة يذهب ~~الهيبة والوقار وليس لمن وسم به مقدار يزيح عن الحقوق ويفضي إلى العقوق ~~ويوغر صدور الأصحاب ويجانب محاسن الآداب ويذهب البهاء ويجرئ السفهاء أوله ~~حلاوة وآخره عداوة وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه اتقوا المزاح فإنه ~~حمقة تورث الضغينة # وقال أكثم بن صيفي PageV01P444 يذهب بالبهاء والمهابة فاحذروه # وأوصى مسلم بن قتيبة أولاده فقال لا تمازحوا فيستخف بكم نظراؤكم ويجترئ ~~عليكم أكفاوكم وهو مسلبة للهيبة مقطعة للصحبة أوله فرح وآخره ترح # وقيل إذا مازح السلطان هان عند رعيته وإذا سفه ذهبت حرمته # وقيل في منثور الحكمة من قل عقله كثر هزله PageV01P445 # وقيل المزاح معضل الداء عزيز الدواء # وقيل خير المزاح لا ينال وشره لا يقال # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من كثر من شيء عرف به ومن مزح استخف به ~~ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته ومن عرض نفسه إلى التهمة فلا يلومن من أساء به ~~الظن # وقال سعيد بن العاص لابنه يا بني لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا الدنيء ~~فيجترىء عليك # وكان يقال لكل شيء بذر وبذر العداوة المزاح أنشدني بعضهم PageV01P446 # اترك مزاح الرجال إن مزحوا %~% ولم أر قوما تمازحوا سلموا # يفنى مزاح الفتى مرؤته %~% ورب قول يسيل منه دم # وقال آخر # فإياك إياك المزاح فإنه %~% يجري عليك الطفل والدنس النذلا # ويفسد ماء الوجه بعد حيائه %~% ويعقبه من بعد عزته ذلا # وقال آخر # ولقد حبوتك يا بني وصيتي %~% فاسمع مقال أب عليك شفيق # أما المزاحة والمراء فدعهما %~% خلقان لا أرضاهما لصديق ms056 PageV01P447 # إني بلوتهما فلم أحمدهما %~% لمجاور جار ولا لرفيق # والجهل قد يضع الفتى في قومه %~% وعروقه في الناس أي عروق # متى رآه مجانبا ذا بغضة %~% في الحي غير مجنب وموق # واعلم أن النفوس متى سلك بها الجد والتزمت به سئمت منه وضجرت واستثقلت ~~حمل الحق وربما أفضى بها ذلك إلى ضيق العطن وسوء الخلق فينبغي أن يريحها ~~بقليل المزاح ويسير الرعاية وليكن كما قال أبو الفتح البستي # أفد طبعك المكدود بالجد راحة %~% ترحه وعلله بشيء من المزح # ولكن إذا أعطيته المزح فليكن %~% بمقدار ما تعطي الطعام من الملح ~~PageV01P448 # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأمزح ولا أقول إلا حقا # وقال سعيد بن العاص لابنه يا بني اقتصد في مزاحك فإن الإفراط فيه يذهب ~~البهاء ويجريء عليك السفهاء والاقتصاد منه بالكلية يبغضك إلى أصحابك ~~ومؤنسيك فامزح معهم وليكن بمقدار ما يحصل لهم به الأنس منك من غير إفراط ~~وليحذر مع هذه الشريطة أن يمازح عدوه فيصير ذلك طريقا له إلى إعلان ~~المساوىء فقد قال بعض الحكماء إذا مازحت عدوك ظهرت عيوبك PageV01P449 ### || الوصف الرابع عشر الضحك # إعلم أن كثرة الضحك يضاهي المزح في المذمة والقبح ولا تقتضيه حال الملوك ~~وأرباب المناصب لما فيه من زوال الهيبة وذهاب الوقار وقلة الأدب وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه إياك وكثرة ~~الضحك فإنه يميت القلب ويذهب ببهاء الوجه PageV01P450 # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من كثر ضحكه قلت هيبته ومن أكثر من شيء ~~عرف به ولكن لا بد أن يرى الإنسان أو يسمع ما يغلب عليه الضحك منه أو تمسه ~~الحاجة إليه لا يناس الجليس فينبغي إذا طرأ شيء من ذلك أن يجعله تبسما من ~~غير قهقهة واسترسال وليراع فيه الشريطة التي قدمناها في المزح PageV01P451 ### || الوصف الخامس عشر الغدر # اعلم أن الغدر بعد عقد العهد حرام وعاقبته هلاك ودمار ولا نقض ~~PageV01P452 حتى ينتهي أمده وتنفضي مدده PageV01P453 # قال تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود @QE@ # وقال ms057 تعالى @QB@ فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم @QE@ PageV01P454 # وروى عن سليمان بن عامر قال كان بين معاوية وبين الروم عهد فسار معاوية ~~في أرضهم كأنه يريد أن يغير عليهم فقال عمرو بن عبسة سمعت رسول الله صلى الله هليه وسلم ~~يقول من كان بينه وبين PageV01P455 # قوم عهد فلا يحل عقده ولا يشدها حتى يمضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء ~~قال فانصرف معاوية ذلك العام # وقال بعض الحكماء الغدر يسرع إلى الهلك ويفضي إلى زوال الملك # وكان يقال يمين الغضب مهزول ووالي الغدر معزول وجيش العدوان مفلول وعرنين ~~الطغيان مشلول # وكان يقال لكل عاثر راحم إلا الغادر فإن القلوب مجمعة على الشماتة بمصرعه # وقال حكيم لبعض ملوك زمانه أوصيك بخمس خصال ترضي بهن ربك وتصلح بهن رعيتك ~~لا يغرنك ارتقاء السهل إذا كان المنحدر وعرا ولا تعدن وعدا ليس في يدك ~~وفاؤه واعلم أن الأمور بغتات فكن على حذر واعلم أن للأمور جزاء ومكافأة ~~فاتق العواقب وإياك والغدر فإنه أقرب الأشياء صرعة # وأوصي أبو مسلم الخرساني قوما بعثهم إلى منازلة قوم عدو PageV01P456 لهم ~~فقال أشعروا قلوبكم الجرأة فإنها سبب الظفر وأكثروا من ذكر الضغائن فإنها ~~تبعث على الإقدام والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب واحذروا من الغدر فإن ~~الغادر مصروع # ويحكى أن موبذان قال لفيروز ملك العجم لما عزم على نقض العهد الذي كان ~~بينه وبين اخشنوار ملك الهياطلة وخرج إلى بلاده أيها الملك إن الرب تعالى ~~يمهل الملوك على الجور مالم يشرعوا في هدم أركان الدين فإذا شرعوا في ذلك ~~لم يمهلهم وإن عقد الميثاق من أركان الدين فلا تنقضه قال فلم يلتفت إليه ~~فيروز وخرج طالبا اخشنوار فهزم PageV01P457 جيشه وقتله واستولى على بلاده # وقد أوضحنا في هذا الباب من الأوصاف الذميمة والأخلاق اللئيمة ما احتمله ~~كتابنا هذا وسنختمه بذكر عوارض ردية ربما عرضت للملوك أو بعضها فأضرت بهم ~~وأخرجتهم عن حدود الاعتدال # وهي ثلاثة اعراض العرض الأول والثاني الهم والغم # وإن هذين العرضين إذا طرأ واشتد إفراطهما فإنهما يجلبان من الألم ms058 والأذى ~~على النفس والجسم أمرا لا يمكن تلافيه ويؤديان إلى التقصير في المطالب ~~والقصور في التدبير مع ما يظهر في الجسم من النحول وفي العقل من الذهول ~~وهذان العرضان لا مندوحة لأحد عنهما ولا بد من طرؤهما في مقابلة الحوادث ~~الملمة والنوائب المهمة فالهم هو ما تتوقع النفس حدوثه وطروءه في الزمن ~~المستقبل من الأمور المهمة PageV01P458 # والغم هو الكمد للنفس وحزنها على فوات ما ذهب في الزمن الماضي فينبغي ~~للملك أن يريح نفسه وجسده عند طروء أحدهما وينال شيئا من اللذة والسرور ~~بالأشياء المباحة في الشرع بقدر ما يبلغ به مصلحته ويحفظ به صحته # وينبغي أن يكون مقدار إصابته من ذلك ما يحصل به الاعتدال من غير إفراط ~~فيه فإن الإكثار من اللهو يحصل به من الضرر فوق ما يحصل به من الهم لأنه ~~يلهيه عن مصالح المملكة فكان الاعتدال في ذلك أقسط # وقد كان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله إذا PageV01P459 # طرأ عليه أحد هذين العرضين نزل إلى الميدان وشرع يلعب بالكرة والصولجان ~~نهاره أجمع فإذا جن عليه الليل بسط رقعة الشطرنج وجعل يلعب حتى يغلب عليه ~~النوم # العرض الثالث السكر من الشراب إعلم أن السكر حرام في جميع الأديان ~~PageV01P460 PageV01P461 وإنما اختلفوا في عين المسكر PageV01P461 # وقد أجمع أهل العقل على قبح السكر مع تحريم الشرائع له # وهو من الأعراض الردية المفضية بصاحبها إلى البلايا والأسقام # وقد ذكر أهل الطب أن الإفراط من السكر ربما أحدث في وقته PageV01P462 على ~~صاحبه علة السكتة والاختناق وامتلاء بطن القلب الجالب للموت فجأة وربما حدث ~~منه انفجار الشريانات الدموية والصفراوية وتحدث منه الرعشة والفالج وهذا ~~كله مع ما يجلب على صاحبه من فقد العقل وهتك الستر وإفشاء السر والاشتغال ~~عن درك المطالب ولا يكاد صاحبه يسمو له حال ولا يستقيم له أمر في تدبير ولا ~~يزال منحط الرتبة عند نظرائه مسلوب الوقار في أعين الناس قال الشاعر # متى تبلغ الخيرات أو تستطيعها %~% ولو كانت الخيرات منك على شبر # إذا بت سكرانا ms059 وأصبحت مثخنا %~% حمارا وعاودت الشراب من العصر # وأكثر ما تنصب الغوائل والمكائد للملوك في حال سكرهم هذا كله مع ما يؤول ~~السكر بصاحبه في الآخرة من العذاب المهين والنكال الدائم PageV01P463 ### | الباب السابع في كيفية رتبة الملك مع أوليائه في حال جلوسه وركوبه # إعلم أن ملوك الأمم على اختلاف أجناسهم كانت لهم سنن وآداب تميزوا بها ~~وأقاموا أبهتهم بالمواظبة عليها يضيق كتابنا هذا عن شرحها ولا فائدة في ~~ذكرها لأن الشرع ورد بالنهي عن التشبه بها بل نقتصر في ذلك على مثال ما ~~رتبه خلفاء بني العباس إذ هم قدوة ملوك الناس لينسج الملوك على منوالهم ~~ويحذو حذو أمثالهم وسنذكر من ذلك قدر الحاجة على سبيل الاختصار فنقول ~~PageV01P464 ينبغي للملك أن يجعل جلوس طبقات أصحابه وأعوانه وأوليائه على ~~ثلاث مراتب # المرتبة الأولى يجلس فيها الجند والغلمان الذين ليست لهم مزية على غيرهم # المرتبة الثانية يجلس فيها القواد المتوسطون الذين قد ولوا الأعمال من ~~قبل الأمراء ومن يجري مجراهم من الطواشية وغيرهم # المرتبة الثالثة يجلس فيها القواد والأمراء والأكابر الذين يتولون ~~الأعمال ويخطب لهم على المنابر وكبراء الحجاب والعلماء وهذه المرتبة تسمى ~~دهليز الخاصة وهو القريب من الستر فإذا PageV01P465 جلس الناس لا يختلط قوم ~~بغيرهم ولا يعلوا أحد منهم في الجلسة على من هو فوقه وليتطرقهم الحجاب طول ~~جلوسهم فإذا وجدوا أحدا جلس في غير مرتبته أقاموه إليها ويجلس صاحب الحجاب ~~ملاصقا للوزير والباب الذي يوصل منه إلى الملك لأنه أول من يصل إليه ويكون ~~الستر مسبلا على الباب يمسكه البوابون الفحول ولا يطلقونه لأحد لأجل ~~الاطلاع منه إلى صحن الدار التي يجلس فيها الملك فإذا خرج الملك مع خدمه ~~وجلس على سريره المفروش وقف على رأسه الخادم صاحب المذبة ويكون متميزا له ~~طلل وصورة حسنة مقبولة ثم يخرج الخادم الحرمي صاحب الرسالة فيستدعي صاحب ~~PageV01P466 الحجاب فيدخل وحده ولا يشال الستر لكن بعضه حتى يقف في صحن ~~الدار بين يدي الملك ثم يستدعي الوزير فيتقدم الحاجب يمشي معه حتى يقرب من ~~السرير ms060 فيتقدم وحده ويرجع عنه الحاجب إفرادا له عما يعامل به سائر الناس من ~~التقدير فيخدم الملك ثم يقف على يمنة السرير على نحو خمسة أذرع منه ثم يدخل ~~أمير الجيش بعده فيمشي معه الحاجب كما فعل بالوزير فيخدم الملك ثم يقف على ~~يسرة السرير ثم يدعى بالحجاب فيدخلون وبالخدم الرؤساء الأستاذين فيدخلون ثم ~~يدعى بالأمراء القواد فيوصلهم الحجاب ويقفون على مراتبهم يمنة ويسرة على ~~حسب محلهم وموقعهم من الاختصاص ولا يتقدم أحد على غيره ثم يدعى بالعلماء ~~والفقهاء والقضاة فيجلسون دون الوزير على يمنة السرير ثم يستدعي رؤساء ~~الأطباء فيقفون بارزين فإذا احتيج إلى مسائلتهم عن شيء تقدموا إلى الملك ~~عند خروج الناس ثم يدعي بالغلمان والجند ومن حضر الدار ويقفون بارزين صفا ~~PageV01P467 مفردا خلف الناس ثم يخرج الناس عن طبقاتهم بعد وقوفهم ساعة ~~وبعد أن يلحظهم الملك ويشاهد حضورهم ويعرف من تخلف من وجوههم وليحذر كل من ~~وقف بين يدي الملك أن يتسار إثنان أو يتحدثا مع أحد ثم يتخلف الوزير ساعة ~~طويلة وقد تنحى صاحب المذبة الكبيرة من موضعه إلى أن يفرغ ما يحتاج إلى ~~ذكره ويأخذ الوزير المذبة الصغيرة فيذب بها ويكون صاحب الحجاب واقفا بالبعد ~~من السرير بحيث يستدعي إذا احتيج إليه ثم يخرج بعد ذلك الوزير ومعه الحاجب ~~فيجلسان في الدهليز # وينظران في أعمال الملك المهمة وحوائج داره ويرجع الناس إلى مراتبهم ~~وأعمالهم وإذا قدم الحاجب أحدا من الاولياء لتقبيل PageV01P468 اليد ~~والخدمة مشى مما يلي سيده وقدمه بعضده الأيسر وتكون يد الحاجب اليسرى على ~~سيف المقدم فإذا قبل يد الملك أخره الحاجب وتسلمه منه الحجاب الأقرب منه ~~فالأقرب إلى أن يقيموه في مرتبته # وإذا أراد الملك أن يركب في موكبه فسبيل جميع الناس أن يمشوا PageV01P469 ~~بين يديه وأسلحتهم مشهورة إلى أن يصلوا إلى مواضع الركوب # فيركبون وقد تقدمهم قطعة من الحجاب قدام الموكب يطوفون ويمنعون أحدا من ~~سلوك الطرقات وتكون الجنائب الخاصة قدام الموكب ليحضر منها ما أراد وكذلك ~~أصحاب الجوارح وكلاب الصيد والفهود يتقدمون ms061 الموكب ثم يسير خلفاء الحجاب ~~ونوابهم يتصفحون الموكب ويترددون فيه فيمنعون أحدا من العامة المرور في ~~خلاله ثم يسير صاحب الحجاب قدام الملك وبينه وبين الملك مقدار ما إذا ناداه ~~أو استدعاه سمعه ويتبعه الملك ويكون الوزير وراءه فإذا استدعى سار زائدا ~~على موكب الملك ليخاطبه ولا يكلف الملك أن يلتفت إليه بعنقه فإذا استتم ~~كلامه رجعوا إلى ورائه ويكون خلف الوزير وجوه الخدم والرؤساء وسائر طبقات ~~الأولياء ثم يتبع ذلك بغال الشراب والماء PageV01P470 المزمل وتكون بارزة ~~بحيث ترى ولا يزحمها الموكب ويكون معها بغال الكسوة وفيها خلع معدة ويكون ~~معها بغل عليه صندوقان يعد فيهما ما خف من الأطعمة مثل أوساط ولفات وأقراص ~~وغير ذلك ويكون خلف الخدم خادم الجوائز والصدقات ومعه عليمة فيها صرار من ~~خمسة دراهم إلى مائة إلى ألف درهم فإذا أمر الملك بمبلغ عرفه وأرسله إلى ~~صاحبه ويكون في الموكب العلماء والفقهاء والقضاة والمؤذنون لتحصل بهم ~~الرحمة ويسيرون في وسط الموكب لئلا تلحقهم الزحمة وإذا وصل الملك ~~PageV01P471 إلى باب من أبواب قصيره أو منتزهاته التي يسلكها نزل الحاجب ~~والخدم ومن في الموكب من أمير الجيش وصاحب الشرطة ووجوه الحجاب ومشوا بين ~~يديه إلى أن يخرج من ذلك الباب ثم يركبون فإذا عاد إلى قصره ترجل الناس ~~أجمع ومشوا إلى أن يصلوا الموضع الذي يقف فيه الحجاب وتكون البوقات التركية ~~والطبول تضرب عند ركوبه ونزوله ولا ينبغي للملك أن يكثر من الركوب والظهور ~~من قصره فإن هيبة الأسد في قلوب أهل البلدان الذين لم يتكرر منهم الرؤية له ~~أعظم من هيبته في قلوب رعاة االظأن الذين يرونه كل وقت ولا يطيل اللبث ~~والاحتباس في قصره فإن السباع الضارية إذا لم تشاهد الراعي بلغت مرادها من ~~الظأن PageV01P472 PageV01P473 PageV01P474 ### | الباب الثامن في بيان فضل المشورة والحث عليها # اعلم أن المشورة عين الهداية وسبيل الرشاد إلى الأمر وإيضاح المبهم من ~~الرأي ومفتاح المغلق من الصواب وقد حث الشارع عليها وندب الخلق إليها وقد ~~قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله ms062 هليه وسلم فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ~~PageV01P475 PageV01P476 # قال الحسن البصري رضي الله عنه أمره بالمشاورة ليستقر له PageV01P477 # الرأي الصحيح فيعمل به # وقال الضحاك أمره بالمشاورة لما علم ما فيها من الفضل وما يعود بها من ~~النفع # ولأن إرسال الخواطر الثاقبة وإجالة الأفكار الصادقة لا يكاد يخرج عنها ~~ممكن ولا يخفى جائز والمستبد برأيه بعيد من الصواب قريب من الزلل وقد قال ~~رسول الله صلى الله هليه وسلم PageV01P478 رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى التودد إلى ~~الناس وما استغنى مستبد برأيه وما هلك أحد عن مشورة وإذا أراد الله بعبد ~~هلكة كان أول ما يهلكه رأيه # وقال رسول الله صلى الله هليه وسلم لقحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أموركم ~~بالمشاورة # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من ~~استغنى برأيه # وقال بعض البلغاء الخطأ مع الاسترشاد أحمد من الصواب مع الاستبداد وقال ~~بعض الحكماء نصف رأيك مع أخيك فشاوره ليكمل لك الرأي PageV01P479 # وكان يقال إذا أشكلت عليك الأمور فارجع إلى رأي العقلاء ولا تأنف من ~~الاسترشاد ولا تستنكف من الاستمداد فإن تسأل وتسلم خير لك من أن تستبد ~~وتندم وقال حكماء اليونان أضعف الحيل خير من أقوى الشدة وأقل التؤدة خير من ~~أكثر العجلة والزلة رسول القضاء المبرم وإذا استبد الملك برأيه عميت عليه ~~المراشد # وقال حكيم من الفرس النظر في الأمور من العزم والعزم في الرأي سلامة من ~~التفريط وداعية إلى الظفر والتدبير والفكر يبحثان عن الفطنة ويكشفان عن ~~الحزم ومشاورة الحكماء ثبات PageV01P480 في اليقين وقوة في البصيرة ففكر ~~قبل أن تعزم واعزم قبل أن تصرم وتدبر قبل أن تهجم وشاور قبل أن تقدم # وكان يقال ما استنبط الصواب بمثل المشاورة ولا حصنت النعم بمثل المواساة ~~ولا اكتسبت البغضة بمثل الكبر # وقال عبد الملك بن مروان لأن أخطىء وقد استشرت أحب إلي من أن أصيب وقد ~~استبددت برأي وأمضيته من غير مشورة لأن على رأيه يزرى به أمران تصديقه رأيه ~~الواجب عليه ms063 تكذيبه وتركه من المشورة ما يزداد به بصيرة أنشدني بعضهم PageV01P481 # إذا الأمر أشكل إنقاذه %~% ولم تر منه سبيلا فسيحا # فشاور بأمرك في سترة %~% أخاك أخاك اللبيب النصيحا # فربما فرج الناصحون %~% وأبدوا من الرأي رايا صحيحا # ولا يلبث المستشير الرجال %~% إذا هو شاور أن يستريحا # وقال محمود الوراق في المعنى # إن البيب إذا تفرق أمره %~% فتق الأمور مناظرا ومشاورا # وأخو الجهالة يستبد برأيه %~% فتراه يعتسف الأمور مخاطرا # وقال آخر # شاور صديقك في الخفى المشكل %~% واقبل نصيحة صاحب متفضل # فالله قد أوصى بذالك نبيه %~% في قوله شاورهم وتوكل PageV01P482 ### | الباب التاسع في بيان أوصاف أهل الشورى وحكايات لائقة # اختلف الناس في أهل الشورى هل الأولى أن يجمعهم الملك على الرأي أو ينفرد ~~بكل واحد منهم في المشورة فذهبت العرب والفرس وملوك الهند إلى أن الأولى ~~اجتماعهم في ارتياء الرأي وإجالة الفكر ليذكر كل واحد ما قدحه خاطره وينتجه ~~فكره حتى إذا كان هناك قدح في الرأي ذكروه وإن توجه عليه نقض نقضوه فإنه لا ~~يبقى في الرأي مع اجتماع القرائح عليه خلل إلا ظهر واشتهر PageV01P483 # وذهبت الروم وملوك القبط إلى أن الأولى انفراد كل واحد منهم بالمشورة ~~ليجيل فكره ويشحذ خاطره طمعا في الحظوة بصواب الرأي فإن القرائح إذا انفردت ~~استكدها الفكر واستفرغها الجهد وإذا اجتمعت فإن أول من بدا بالرأي متبوع # وينبغي أن يجتمع في أهل الشورى سبعة شروط عليها مدار المشورة وبها ينتظم ~~شمل الصواب PageV01P484 # أحدها الفطنة والذكاء لئلا تشتبه عليهم الأمور فتلتبس فلا يصح مع ~~اشتباهها عزم ولا يتم مع التباسها حزم # والثاني الأمانة لئلا يخونوا فيما ائتمنوا عليه ولا يغشوا فيما استنصحوا ~~فيه # الثالث صدق اللهجة ليثق الملك بخبرهم فيما ينهونه إليه PageV01P485 ويعمل ~~برأيهم فيما أشاروا به عليه # الرابع أن يسلموا فيما بينهم من التحاسد والتنافس فإن ذلك يمنعهم من ~~الكشف عن صواب الرأي # الخامس أن يسلموا فيما بينهم وبين الناس من العداوة والشحناء فإن العداوة ~~تصد عن التناصف وتحجب عن صواب الرأي # السادس أن لا يكونوا من أهل ms064 الأهواء فيخرجهم الهوى من الحق إلى الباطل ~~فإن الهوى خادع الألباب وصارف عن الصواب # السابع أن يكونوا من كبار الدولة ومشايخ الأعوان لأن PageV01P486 المشايخ ~~قد حنكتهم التجارب وعركتهم النوائب وقد شاهدوا من اختلاف الدول ما أوضح ~~لعقولهم صواب الرأي وقد كانت العرب تقول المشايخ أشجار الوقار ومنابع ~~الأخبار لا يطيش لهم فهم وإلا يسقط لهم وهم وقد كان يقال عليك بآراء ~~المشايخ فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرت على عيونهم وجوه العبر ~~PageV01P487 # وتصدت لأسماعهم آثار الغير # وحكى أن المأمون قال لأولاده يا بني ارجعوا فيما اشتبه عليكم إلى آراء ~~أهل الحزم من أعوانكم المجربين والمشايخ المشفقين فإنهم يرونكم ما لا ترون ~~ويكشفون لكم أغطية ما لا تعلمون PageV01P488 فقد صحبوا لكم الدهور ومارسوا ~~لكم الأمور وعرفوا حوادث الأزمنة وأعراضها وإقبالها وإدبارها فروضوا أنفسكم ~~لهم وتجرعوا مراراتهم فقد قيل من جرعك مرا لتبرأ أشفق عليك من جرعك حلوا ~~لتسقم وينبغي أن لا يدخل في مشورته بخيلا ولا جبانا ولا حريصا ولا معجبا ~~ولا كذابا لأن البخيل يقصر بعقلك والجبان يخوفك مالا تخاف والحريص يعدك ~~مالا يرجى وقد كان يقال الجبن والبخل والحرص طبيعة واحدة يجمعها سوء الظن ~~وقال عبد الملك بن PageV01P489 مروان لبعض عماله لا تستعن في أمر دهمك برأي ~~كذاب ولا معجب فإن الكذاب يقرب لك البعيد ويبعد عنك القريب وأما المعجب ~~فليس له رأي صحيح ولا روية تسلم # وينبغي للملك ذا أتى كل واحد بما عنده من الرأي أن يتصفح أقوالهم ويكشف ~~عن أصولها وأسبابها ويبحث عن نتائجها وعواقبها مع مشاركتهم جميعا في ~~الارتياء والاجتهاد ويتوقف في ذلك وليحذر مبادرة العمل بالرأي قبل إمعان ~~النظر فيه فقد قيل أضعف الرأي ما سنح للبديهة ابتداء # وقيل أصوب الرأي ما تكررت الفكرة بعده وأحكمت الروية عقدة وكان يقال كل ~~رأي لم تتمحص به الفكرة ليلة كاملة PageV01P490 فهو مولود لغير تمام # قال عبد الله بن وهب دعوا الرأي ثلاثا فإن عيوبه تكشف لكم عن محضه وقال ~~ابن هبيرة وهو يؤدب ولده لا ms065 تكونن أول مشير وإياك والرأي الفطير ولا نشر ~~على مستبد برأيه وتجنب ارتجال الكلام أنشدني بعض أهل العلم # وإذا الخطوب عليك يوما أشكلت %~% فاعمد لرأي أخ حكيم مرشد PageV01P491 # فإذا استشرت فكن لنفسك رائدا %~% متثبتا تجد الرشاد وتهتدي # قال فإذا تقرر الرأي الصحيح بعد الفكرة والروية شرع في إمضائه والعمل به ~~وينتهز فيه الفرصة وليحذر مخالفة النصحاء والاستهانة بنصائحهم فقد قيل من ~~عصى ناصحا فقد استفاد عدوه وكان يقال يستدل على إدبار أمر الملك بخمسة ~~أشياء أحدهما أن يستكفي الأحداث الذين لا خبرة لهم بموارد الأمور ومصادرها ~~الثاني أن يقصد أهل مودته بالأذى الثالث أن ينقص خراجه عن قدر مؤنة ملكه ~~الرابع أن يكون تقريبه وإبعاده للهوى لا للرأي الخامس استهانته بنصائح ~~العقلاء وآراء ذي الحفلة # قال كسرى أنو شروان حزم ذي الرأي ومن لا رأي له أن يستشير عالما ويطيعه ~~قال الشاعر PageV01P492 # إذا ما أمور أعوزت في اعتيادها %~% فلا تعص ذا لب وقل مثل قوله # وقال آخر # إذا الأمور عليك التوت %~% فشاور لبيبا ولا تعصه # وإن كنت في حاجة مرسة %~% فأرسل حكيما ولا توصه # وقال أبو الفتح البستي PageV01P493 # لا تستشر غير ندب حازم يقظ %~% قد استوى فيه أسرار وإعلان # فللتدابير فرسان إذا ركضوا %~% فيها أبروا كما للحرب فرسان # وللأمور مواقيت مقدرة %~% وكل أمر له حد وميزان # فلا تكن عجلا في الأمر تطلبه %~% فليس يحمد قبل النضج بحران # وسنختم هذا الباب بثلاث حكايات موضحة لما شرحناه # الحكاية الأولى قيل إن كسرى أنوشروان وصفت له أرض من التخوم الهندية ~~تقارب أقصى بلاده بحسن المنظر وطيب الهواء والماء وكثرة العمائر وحصانة ~~المعاقل ووصف له أهل تلك الأرض بعظم الجسوم وبلاده الفهوم وشجاعة النفوس ~~وقوة الأبدان والصبر على ملازمة الطاعة لملكهم ولين الانقياد فشرهت نفس ~~كسرى إلى PageV01P494 تملك تلك الأرض فسأل عن ملكها فأخبر أنه عظيم ~~الأراكنة وأنه شاب منقاد لشهوته مقبل على لذته غير أن رعيته قد أشربت ~~قلوبها وده وانصرفت آمالها إلى ما عنده قال فجمع كسرى وزراءه وأعلمهم أن ~~نفسه تائقة ms066 إلى تملك تلك الأرض وعرفهم صفات الأركن وإقبال رعيته على طاعته ~~ومحبته فاجتمع رأيهم على أن ينتدب لاستفساد رعية ذلك الأركن رجالا يحسنون ~~نصب الدعوات وقلب الدول قال فاحضر رجالا من دهاة الفرس ونساكهم وأمدهم ~~بالأموال ونصب لهم مثالا يحذون عليه فنفذوا لما أمرهم به وتفرقوا في تلك ~~المملكة وأعمل كل منهم قوته فيما انتدب فأحكموا أمرهم عي عامين وبثوا ~~الدعوة في مدينة الأركن وغيرها من قراه ورساتيقه ومعاقله وثغوره واستمالوا ~~قلوب الرعية ثم كتبوا بذلك PageV01P495 إلى كسرى فأحضر المرزبان الذي يلي ~~تلك الأرض وأمره بالتجهيز إليها ثم أخذ ذلك المرزبات في الإعداد والحشد ~~وكان عسكره خمسين ألف فارس سوى أتباعها فكتب إلى الأركن عيونه يخبرونه ~~بخروج المرزبان إليه ثم ظهر النفاق ببلاده وهمس الناس فيه فانتبه الأركن من ~~غفلته وبحث عن الأمر فوقف على حقيقته وكان امر مملكته يقوم على خمسة رجال ~~أربعة منهم وزراؤه وجلساؤه وسماره والخامس رئيس الزمارمة الذين يأخذون عنه ~~الدين وكان حكيما عالما قال فجمعهم الأركن وأطلعهم على ما انتهى إليه من ~~فساد الرعية وتجهيز جيوش أنو شروان إلى جهتهم وأمرهم في النظر في ذلك ~~وإمعان الفكر فيه # فجلسوا لإدارة الرأي فقال أحد الوزراء الأربعة الرأي أن PageV01P496 ~~يستصلح الملك رعيته فيملأ أيديها رغبات وقلوبها آمالا فإن العدو إذا علم ~~كان ذلك جريا عن الإقدام وإن أقدم لقيناه كلنا بكلمة مجتمعة وقلوب سليمة ~~فقال له رئيس الزمارمة هذا لو كان فساد الرعية أوجبه جور وعسف سيره فيزال ~~حكم الفساد بإزاحة علته وأما فساد هؤلاء فإنما أورده عليهم الجهل بمواقع ~~الصواب والنظر لترادف النعم وقد قيل أربعة إذا أفسدهم البطر لم تزدهم ~~التكرمة إلا فسادا الولد والزوجة والخادم والرعية فغن هذه الربعة إذا هاجمت ~~لم تزدهم المداراة والرفق إلا هيجانا وطغيانا وإنما تعان بحسم موادها قال ~~الملك صدق الحكيم # قال الوزير الثاني الرأي أن تضرب بمن صلح من الرعية من فسد منها حتى ترجع ~~راغمة منقادة ثم نلقي عدونا بمن لا نخاف PageV01P497 دغله فقال رئيس ~~الزمارمة هذا ms067 أنفع لعدوك من جيشه وأدعى إلى طاعته من دعاته لأنا نعلم أن ~~رعيتنا لا تخلو من عاقل محروم لم يمنعه من سل سيفه إلا الخوف وإذا فعل ~~الملك ما أشرت به فقد أباحه سل سيفه وإذا سله لم يسله لنا بل إنما يسله ~~علينا ويتبعه الجمهور لما قد طبعوا عليه من حسد الملوك والتعصب للضعفاء وقد ~~قيل أربعة من استقبلها بالعنف والردع في أربعة أحوال هلك بها وهي الملك في ~~حال غضبه والسيل في حال هجومه والفيل في حال غلمته والرعية في حال هيجها # وقالت الحكماء أشبه شيء يردع العامة عند هيجها معاناة الجدري في حال ~~إنبعاثه إلى سطح الجسد بالأطلية الرادعة فقال الملك صدق الحكيم PageV01P498 ~~وقال الوزير الثالث الراي ان يطلب الملك تعيين من فسدت طاعته بالأمناء ~~الثقات من الجواسيس فإذا تعينوا عوملوا بما تقتضيه أحوالهم من قلة أو كثرة ~~فقال رئيس الزمارمة إن البحث الان عن هذا خطر لأنه لابد أن يفطن له وإذا ~~فطن له خاف المريب فحذر ثم لايخلو أمره بعد ذلك من حالين أما أن يتحرك إلى ~~جهة عدونا فيعتمده بالنصائح والدلالة على العورات ثم يقاتل معه بصيرة ليست ~~للعدو لأنه يطلب العودة إلى وطنه وأهله وماله وأما أن لا ينفصل ولا يرهبنا ~~بل يكاشفنا في العداوة ويتكثر علينا بإشكاله من الرعية فينصرونه علينا وإن ~~لم يكونوا على مثل رأيه إلا أن في الرعية من أعقده الحرمان ومن أحقده ~~التأديب وجمهور الرعية يتعصبون على الأجناد لأنهم لن يعدموا منهم أذى ~~واستطالة فإن سومحوا أفسدوا المملكة وإن قصد المسيء بالعقوبة خاف البريء أن ~~تتعدى العقوبة إليه فانحاز إلى المسيء لعله المشاكلة له ولو كان عدوا له ~~كما أن الكلبين إذا تهارشا PageV01P499 فرأيا ذئبا فإنهما يتركان تهارشهما ~~ويجتمعان على الذئب وإن كان مثلهما في الخلقة لكنهما يعاديانه فيصطلحان عند ~~التعاون عليه وكذلك العامي لاينظر إلى الملك من حيث تحققه في الخلق ~~الإنساني بل ينظر إليه من حيث تفرده وأنفته وعلو همته وجرأته وشجاعته وكثرة ~~ماله فينافره ويألف ms068 بالعامي الذي هو يشاكله في جهله وطبعه وغير ذلك من ~~أخلاقه ولا تخلو الرعية من ناسك أحمق يظن أنه يغضب للدين فيحمله حمقه وجهله ~~على الخروج من واجب الطاعة فيكون أمره في الرعية أنفذ من أمر الملك في ~~الجند وقد قيل ثلاثة إن كاشفتهم في امتحان ما عندك في ثلاثة أحوال خسرتهم ~~أحدهم المؤدب لك إذا امتحنت ماعنده من العلم في حال تأدبك PageV01P500 # الثاني صديقك إذا امتحنت ما عنده من البذل في حال فاقتك الثالث زوجتك إذا ~~امتحنت ما عندها من محبتك في حال كهولتك وامتحان الرعية في هذه الحال أشبه ~~شيء بما ذكرناه وقد قال الحكماء إن للدولة أمراضا يخاف أن تموت بها أخطرها ~~أربعة أشياء مايعرض للملك من الكبر وما يعرض من له من الغضب فإن دولته في ~~هاتين الحالتين تضطرب لخروجه عن حد الاعتدال في السياسة والثالث ما يعرض له ~~من الحرص فإنه إذا حرص عسف وظلم والرابع هيج الرعية فقال الملك صدق الحكيم # قال الوزير الرابع وكان أوسعهم علما وأفضلهم رأيا إني وأصحابي كأصابع ~~الراحة في حاجة بعضها إلى بعضها وقوم بعضها ببعض وكل منا يستمد من نور عقل ~~الملك ينظره إلينا استمداد النجوم الدراري من نور الشمس وإني أرى غير رأي ~~أصحابي لا مترفعا عليهم PageV01P501 ولا عائبا لآرائهم لأن القبول والرد ~~إلى الملك لا إلى غيره فإن أذن الملك ذكرته فقال الملك قل أيها الوزير ~~الناصح فلك ولأصحابك عندنا الثقة بكم والكرامة لأنكم من المناصحة لنا ~~والأداء إلينا كالحواس الخمس للقلب فسجدوا له ثم رفعوا رؤوسهم فقال الوزير ~~إن الرعية قليلة النظر في العواقب غير متحفظة من المعاطب وقد دب فيها اسم ~~الفساد ومكاشفتها الآن خطر والظفر بها وهن في الملك والعدو قوي الطمع شديد ~~الحرص مستشعر بالظفر ولا يرضيه إلا الغلب فإن رأى الملك أن يصرف همته أولا ~~إلى الاستظهار باتخاذ معقل حرير يأمن فيه على أهله وخواصه وذخائره ومن خلصت ~~نيته من رعيته فإني أعرف في مملكته عقلا شاهقا يطل على أهل الأرض ms069 إطلال زحل ~~على الكواكب وهو مع ذلك لذيذ الهواء فرات الماء وقد كان بعض أسلاف الملك ~~أثر فيه آثارا محكمة فإن رأى الملك أن يتم به سعى سلفه ثم يودعه ذخائره ~~ويجعله للإقامة استظهارا ثم يلق عدوه إن أقدم على بلاده فإن ظهرت ~~PageV01P502 خيانة أنصاره انجاز بأوليائه إلى ذلك المعقل وألزم نفسه الصبر ~~وانتظار الفرج قال فسر الملك برأي الوزير ووقع إجماعهم على ترجيحه ثم ركب ~~في خاصته وحماته حتى أتى ذلك المعقل فحشد إليه الأعوان وألزمهم الإسراع في ~~إكمال بنائه وبادر من فوره فنقل إليه خاص بيوت أمواله ونفائس ذخائره وخزائن ~~سلاحه وشحنه بالأقوات والأطعمة وهو مع ذلك يسد الثغور وأن المرزبان اقتحم ~~أطراف بلاده بالجيوش المتوافرة ونازل الثغور وظهرت دعاة كسرى في تلك ~~الناحية فيمن استمالوه من أهلها فظهر المرزبان على من نازله ثم جعل يطوي ~~بلاد الأركن لا يمتنع عليه مرام حتى وافته جنود الأركن فدافعته بعض ~~المدافعه فانهزم من فسدت نيته في الأركن وانهزم المناصحون بإنهزامهم ~~واستولى المرزبان على تلك الأرض وإنحاز الأركن وأتباعه المناصحون إلى ذلك ~~المعقل فسار خلفه المرزبان حتى أشرف على معقله فرآه منظرا رائعا ومعقلا ~~مانعا فلم يمكنه النزول بساحته فرجع من فوره إلى البلاد فولي فيها الولاة ~~والعمال واستقامت المملكة للمرزبان PageV01P503 ثم إن اغتام الفرس جعلوا ~~يعاملون أهل الهند بالقسوة والفظاظة ويعبثون بهم ويسخرون منهم فبدت الشحناء ~~في النفوس ورأى أهل الهند خراج بلادهم يحمل ويصرف إلى غيرهم وقد دخلوا تحت ~~حكم الأعاجم فداخلتهم الغيرة والحمية فعرفوا فضل ما كانوا فيه ومشقة ما ~~صاروا إليه فبسطوا ألسنتهم بالتسخط وتوقف المرزبان عن ردعهم لئلا يوحشهم ~~فكان أمرهم إلى زيادة وأما الأركن فإن وزرائه أشاروا عليه بالصبر وكف الأذى ~~وبسط العدل والإحسان وبذل المال والصفح عن المجرم وتألف المستوحش فكانت ~~سمعته تزداد حسنا والنفوس إليه ميلا والألسنة له شكرا والمرزبان بعكس ذلك ~~واتفق أن غلاما من عمال المرزبان على بعض الثغور أساء السيرة فقام إليه ~~ناسك من نساك الهند يعظه فغضب عليه وأمر ms070 بقتله فثار أهل البلد على العامل ~~فقتلوه فبلغ الخبر إلى المرزبان فجاءه بجنوده فانحاز أهل تلك الناحية إلى ~~حصن الأركن ثم ثارت الهنود في البلاد وسار المرزبان راجعا إلى بلاده لما ~~قامت الرعية وخرج من تلك المملكة وعاد الأركن إلى دار ملكه فجرى على سنن ~~العدل قامعا للشهوات باذلا للراحات مستعملا ما أفادته التجارب من الأداب ~~حتى بلغ أجله PageV01P504 # الحكاية الثانية # قيل لما عزم الأمين على انتزاع العهد بالخلافة عن أخيه المأمون وكان ~~المأمون أميرا بخراسان كتب إليه الأمين يستدعيه PageV01P505 ويذكر حاجته ~~إليه وأنه يريده لأمر مهم تضيق عنه الكتب وإن جواسيس المأمون وعيونه ببغداد ~~كتبوا إليه يعرفونه أن أخاه الأمين يريد تحويل الخلافة عنه إلى ولده موسى ~~الناطق فاطلع المأمون خاصته على الخبر واستشارهم في أمره فأشاروا عليه أن ~~يثبت مكانه وينتظر الفرج ويكتب إلى أخيه يعتذر إليه ويتعلل بأعلال ففعل ذلك ~~فعلم الأمين أنه قد فطن PageV01P506 لما يراد به وأيس من نجح مكيدته # فحينئذ دعا الناس إلى خلع المأمون من عهد الخلافة ثم التفت إلى علي بن ~~عيسى بن ماهان وشاوره في أمر خراسان وكان علي بن عيسى قد ولى خراسان قبل ~~ذلك واصطنع إلى أهلها جلائل الصنائع وغمرهم بالإحسان والعدل PageV01P507 ~~فضمن له ما يريده منها فجهزه الأمين بأحسن جهاز وولاه خراسان وجهز معه ~~جمهور جنوده فخرج علي بن عيسى بالجيوش طالبا خراسان فبلغ ذلك إلى المأمون ~~فاضطرب أمره وعلم أنه يعجز عن مقاومة علي بن عيسى لميل أهل خراسان إليه ~~ومحبتهم له فركب إلى متنزه له ليشاور وزراءه في تدبير أمره فعارضه في ~~الطريق شيخ مجوسي قد احدودب من هرمه وكبره فناداه بالفارسية مستعينا به من ~~مظلمة نالته فلما نظر المأمون إلى هرمه وكبر سنه رق له وأمر أن يحمل على ~~دابة إلى الموضع الذي هو قاصده ويدخل عليه بغير استئذان ولما استقر المأمون ~~ووزراءه PageV01P508 في ذلك الموضع أدخل عليه ذلك الشيخ المجوسي فأمره ~~بالجلوس في حاشية المجلس ثم أقبل على خاصته وأخبرهم بما انتهى إليه من ms071 أمر ~~علي بن عيسى وأمرهم بإدارة الفكر في الرأي في ذلك وهو يظن أن ذلك الشيخ لا ~~يحسن العربية إلى أن قال أحد الوزراء الرأي اصطناع أجناد من الأغنام الذين ~~لا يعرفون علي بن عيسى فنلقاه بهم قبل دخوله أرض خراسان # فقال الوزير الثاني الرأي أن تبادر بالإرسال إلى أخيك معتذرا ومنقادا لما ~~يريده منك اليوم ومنتظرا نصر الله تعالى في غد فإنك مكره على الخروج ~~PageV01P509 من عهد الخلافة إكراها لم يخف على أحد من الناس فهو حق لك متى ~~أمكنك طلبه وكنت فيه على حجة ظاهرة # قال الوزير الثالث الرأي أن تجمع من تثق بموالاته من ذي النجدة والشجاعة ~~فتزيح عللهم وتقصد بهم بعض هذه الممالك الكافرة المجاورة لنا فتصدقهم ~~القتال فلعل الله تعالى أن يظفرنا بهم فنصير إلى مملكته منيعة قوية ويفزع ~~إلينا من كان على مثال أمرنا ونجاهد حتى يقضي الله أمره # قال الوزير الرابع الرأي أن تنحاز إلى ملك PageV01P510 الترك مستجيرا به ~~ومستيعنا على اخيك الغادر فهذا أمر لم تزل الملوك تفعله إذا دهمها مالا قبل ~~لها به فلما سمع المأمون كلامهم جميعا قال لهم قوموا عني حتى أنظر فيما ~~ذكره كل واحد منكم ثم إنه التفت إلى الشيخ فناداه ورفق به وسأله عن حاجته ~~فقال له بالعربية جئت لحاجة فعرض لي ما هو أوكد منها فقال له المامون تكلم ~~بما في نفسك قال أيها الأمير لا تصدنك حقارة قدري فإن الدرة النفسية لا ~~يزري بها حقارة الغواص PageV01P511 # فقال المأمون ما بنا عنك أيها الشيخ رغبة فتكلم بما عندك قال إني سمعت ما ~~أشار به القوم عليك وكل منهم متجهد في الإصابة وإني لست أرضي شيئا مما ~~قالوه وإني وجدت في الحكم التي أخذها آبائي عن آبائهم أنه ينبغي للعاقل إذا ~~دهمه ما لا قبل له به أن يلتزم نفسه التسليم لأحكام الحكيم واهب العقل ~~وقاسم الحظوظ ولا يترك بذلك الدفاع بحسب طاقته فإنه إن لم يحصل على الظفر ~~حصل على العذر فقال له المأمون إن ms072 هذا الرجل الذي هو قاصدنا أملك منا ~~بالبلاد ولا يمكننا مقاومته قال الشيخ ينبغي أن تمحو هذا من نفسك ولا تصغي ~~إلى من ينطق به فإنه ما كثر من كثرة البغي ولا قوي من قواه الظلم وإن أخاك ~~ظالم باغ عليك فهو هالك لا محالة وأنت منصور عليه ظافر به PageV01P512 # وسأحدثك حديثا إن حذوت مثاله نلت مناله فقال المأمون هات يا شيخ قال إن ~~اخشنوار ملك الهياطلة لما أسر فيروز بن يزدجرد ملك الفرس وأراد إطلاقه أخذ ~~عليه عهدا أن لا يغزو بلاده ولا يقصده بمكروه ولا يتعرض إليه بسوء ووضع في ~~أقصى تخوم أرض الهياطلة صخرة وواثق فيروز أن لا يتجاوز أحد منهما تلك ~~الصخرة بجيش ولا مكروه لصاحبه ثم أطلقه بعدما استوثق منه الخشنوار بالعهود ~~فلما وصل فيروز إلى دار ملكه داخلته الحمية والأنفة وعزم على غزو الخشنوار ~~وعلى أخذ بلاده واستيفاء ثأره فجمع وزراءه وشاورهم في ذلك فحذروه النكث ~~وخوفوه عاقبة البغي والغدر فما ردعه ذلك عما عزم عليه فاذكروه أيمانه التي ~~حلفها لا خشنوار والصخرة التي بين المملكتين فقال لهم إني عاهدته بأن لا ~~أتجاوزها بجيوشي وإذا أنا بلغتها حملتها على PageV01P513 فيل بين يدي جيوشي ~~فلا يتجاوزها أحد منهم وإذا فعلت ذلك فلا أكون ناكثا ولا غادرا فلما سمعوا ~~ذلك منه علموا أن الهوى قد وقف به على حد الرضا بهذا القول والتأويل ~~فامسكوا عنه ثم إن فيروز جمع مرازبته وهم أربعة مع كل مرزبان منهم خمسون ~~ألف فارس وامرهم بالتجهز لحرب الهياطلة فلما فعلوا ذلك سار بهم فيروز وظن ~~أن جيوشه لا غالب لها لكثرتها وشدة شوكتها فعارضه موبذان موبذ في طريقة ~~فقال أيها الملك لا تفعل فإن رب العزة وخالق العالم يمهل الملوك على الجور ~~ولا يمهلهم إذا أخذوا في هدم أركان الدين وإن العهود من أركان الدين فلا ~~تعرض له بسوء فتهلك فلم يلتفت إلى كلامه وسار راكبا هواه في معصيته ومخالف ~~نصحائه حتى انتهى إلى الصخرة التي جعلها حاجزا بين أرضه وأرض ms073 اخشنوار ~~فحملها على فيل وسيرها بين يدي عسكره وإن الخشنوار لما بلغه مسير فيروز ~~إليه حمل نفسه على التثبت وفوض أمره إلى الرب الأعلى وسأله أن يغضب لعهوده ~~PageV01P514 ومواثيقه التي لم يرع حقها فيروز ولا خاف تبعه نكثها وأخذ في ~~ذلك بالحزم في سد ثغوره وجمع جنده ثم خرج إلى فيروز بعدما توسط أرضه وعاث ~~في بلاده ففاجأه الخشنوار وصدقه الحملة فانكشف فيروز منهزما وأسلم ما كان ~~بيده فقتل اخشنوار رجاله وغنم أمواله وأمعن في طلب فيروز فظفر به وقتله ~~وأسر أهل بيته وحماة أصحابه واستولى على بلاده كل ذلك بسبب الغدر ونقص ~~الميثاق وكذلك سبب أخيك لغدره بك ونقض ميثاق أبيك وأنت ظافر به لا محالة ~~فلما سمع المأمون كلام الشيخ تهلل وجهه وطابت نفسه وقال قد سمعت مقالتك ~~فصادفت منا قبولا وشكرا عليها وسرورا ثم حياة وأكرمه وعمل برأيه فأنجح الله ~~عمله وبلغه من الخلافة أمله # الحكاية الثالثة قيل إن عبد الملك بن مروان لما ندب PageV01P515 الناس ~~لقتال عبد الله بن الزبير وخرج بالجيش متوجها إلى مكة شرفها الله تعالى ~~وعظمها وكان قد استصحب معه عمرو بن سعيد بن العاص PageV01P516 # وكان عمرو قد اطوى على دغل نية وفساد طوية وطماعية في نيل الخلافة فلما ~~كان ببعض الطرق تمارض عمرو بن سعيد واستأذن عبد الملك بن مروان في العود ~~إلى دمشق فأذن له فلما دخل دمشق صعد المنبر فخطب الناس خطبة نال فيها من ~~عبد الملك ودعا الناس إلى خلعه من الخلافة فأجابوه إلى ذلك وبايعوه ~~PageV01P517 # واستولى على دمشق وحصن سورها وحمى ثغورها وبذل الرغائب # ثم اتصل الخبر إلى النعمان بن بشير أميرحمص فنزع يده من الطاعة أيضا ~~وكذلك صنع زفر بن الحارث أمير PageV01P518 قنسرين وكذلك نائل بن قيس أمير ~~فلسطين ثم تشوف أهل الثغور للخلاف فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان فخرج على ~~وزرائه وأهل خاصته فا طلعهم على ما بلغه وقال هذه دمشق دار ملكنا قد استولى ~~عليها عمرو بن سعيد وهذا عبد الله بن الزبير قد ms074 استولى على الحجاز والعراق ~~واليمن وهذا النعمان بن بشير أميرحمص وزفر أمير قنسرين ونائل بن قيس أمير ~~فلسطين قد نزعوا أيديهم من الطاعة وبايع الناس لابن سعيد وقد تشوف أهل ~~الثغور للخلاف فما عندكم من الرأي PageV01P519 # قال فلما سمعوا مقالته ذهلت عقولهم ونكسوا رؤوسهم فقال لهم مالكم لا ~~تنطقون فهذا وقت الحاجة إليكم هل ترون الرجوع إلى دمشق أصوب أم التوجه إلى ~~ماخرجنا إليه أحزم أم اللحاق بفلسطين أجود أم النزول على حمص واستنزال ~~النعمان منها آكد أم الانحياز في هذا الوقت إلى مصر أغنم كيف ترون الرأي ~~فقال له أفضلهم لا أرى عندنا في هذا والله لقد وددت أن أكون حرباء ~~PageV01P520 على عود من أشجار تهامة حتى تنقضي هذه الفتنة قال فلما سمع عبد ~~الملك كلامه علم أنه لا غنى له عندهم فقام عنهم وأمرهم بلزوم مواضعهم وركب ~~من فوره منفردا وهو يقول # تكاثرت الظباء على خراش %~% فما يدري خراش من يصيد # وأمر جماعة من أصحابه أن يركبوا متباعدين منه بحيث يرون إشارته إذا أشار ~~إليهم وسار ثم تبعه القوم فلم يزل سائرا منفردا حتى أتى إلى شيخ كبير السن ~~ضعيف الجسم يجتني العفص من الأشجار PageV01P521 # فسلم عليه عبد الملك ثم قال له أيها الشيخ ألك علم بمنزل هذا العسكر فقال ~~بلغني أنهم نزلوا بأرض كذا وكذا قال فهل بلغك شيء مما يقول الناس في أمر ~~الخليفة قال فما سؤالك عن ذلك قال لأني أريد اللحاق به والدخول عليه وقد ~~سمعت أن عمرو بن سعيد قد خالفه إلى دمشق واستولى عليها فقال الشيخ إني أراك ~~أديبا وأحسبك حسيبا فهل تحب أن أنصح لك قال نعم أيها الشيخ قال ينبغي لك أن ~~تصرف نفسك عن هذا الأمر الذي ترغب إليه فإن الأمير الذي أنت قاصده قد انحلت ~~عرى ملكه وقد نابذه أتباعه واضطربت أموره # وإن السلطان في حال اضطراب أموره كالبحر في حال هيجه لاينبغي أن يقرب أحد ~~منه فقال له عبد الملك إن الحنكة لم تبلغ بي في مغالبة ms075 نفسي في كل ما نزعت ~~إليه وإني أجدها تنزع إلى صحبة PageV01P522 هذا الأمير نزاعا شديدا ولا بد ~~لي من ذلك فهل لك أن تخبرني بما تراه من الرأي في تدبيره لهذه الخطوب التي ~~دهمته حتى أعرض ذلك الرأي عليه وأتنفق به عنده فلعله أن يكون سببا لقربي ~~منه فقال الشيخ إن حكمة الله تعالى وعزته لتقضيان بحجب العقول والأراء عن ~~النفوذ في بعض النوازل وإني لأظن أن هذه النازلة التي نزلت بالخليفة من ~~النوازل التي لا ينفذ فيها الرأي وإني أكره مع ذلك أن أرد مسألتك بالخيبة ~~فها أنا أقول لك فيما سألتني عنه قولا أقضي به حقك وإن كان الخطب عظيما قال ~~عبد الملك إني لأرجوا أن يرشدك الله ويرشدني بك فقال الشيخ إن عبد الملك ~~خرج لمحاربة عبد الله بن الزبير فظهر من مشيئة الله تعالى ما صده عن ذلك ~~وإني مشير عليك أن تتفقد حال عبد الملك فإن رأيته قد قصد عبد الله بن ~~الزبير فاعلم أنه مخذول لامحالة لأنه لج في طلب ما منع منه وإن رأيته رجع ~~من حيث PageV01P523 جاء فارجوا له السلامة والنصر لأنه مستقيل فقال له عبد ~~الملك أيها الشيخ أوضح لي ما ذكرت لينطبع في فهمي صورته قال الشيخ إن عبد ~~الملك إذا قصد عبد الله بن الزبير كان في صورة ظالم له لأن ابن الزبير لم ~~يعطه قط طاعة ولا وثب له على مملكة فأما إذا قصد عمرو بن سعيد بدمشق فإنه ~~يكون في صورة مظلوم لأن عمرا رجل من رعيته طلب الخلافة لنفسه واغتصب دار ~~ملك لم تكن له ولا لأبيه بل كانت لعبد الملك ولأبيه ثم إن عمروا بن سعيد ~~ظالم له من وجه آخر وذلك أنه ابن عم عبد الملك وعز عبد الملك عز له وقد كان ~~محسنا إليه فلما خرج عبد الملك لتشييد عز نصب عمروا بن سعيد منه أوفر حظ ~~غدر به ونكث عهده فخذله ثم سعى في اجتثاثه من PageV01P524 أصله وأشمت به ~~عدوهما فرجوع عبد ms076 الملك إلى دمشق استقالة وهو أشبه بالتفويض والتسليم لأمر ~~الله تعالى ولا شك أنه يظفر بمن خانه وبغى عليه ونقض عهده فإن الباغي مصروع ~~وإذا ظفر به استقال النعمان وزفر ومن عداها من أهل الثغور ورجعوا إلى ~~الطاعة عند معاينة الظفر بعمرو بن سعيد # قال فسر عبد الملك بمقاله الشيخ وعزم على اتباع رأيه وقال له جزاك الله ~~خيرا يا شيخ فقد أحسنت فيما أشرت فاخبرني باسمك وأين منزلك فقال الشيخ وما ~~تريد من ذلك قال لأقضي حقك PageV01P525 فارفع إلي حوائجك فإني أنا عبد ~~الملك فقال الشيخ وأنا أيضا عبد الملك فهلم بنا نرفع حوائجنا جميعا إلى من ~~أنا وأنت له عبدان ثم تركه الشيخ وانصرف قال فذهب عبد الملك وعمل برأي ~~الشيخ فأنجح وبالله التوفيق PageV01P526 ### | الباب العاشر في معرفة أصول السياسة والتدبير # إعلم أن الملك العظيم يحسن به أن يكون في تصاريف تدبيره وسياسة أموره ~~متشبها بطباع ثمانية وهي الغيث والشمس والقمر والريح والنار والماء والأرض ~~والموت # أما الغيث فإنه ينزل متواترا في أربعة أشهر من السنة فيساوي بين كل أكمة ~~مشرفة وموضع منخفض فتخزن تلك البقاع ما تغذي منه نباتها في الثمانية الأشهر ~~الباقية من السنة وكذلك ينبغي PageV01P527 # للملك أن يعطي جنده وعماله في أربعة أشهر للثمانية أشهر الباقي حسب ما ~~يراه من المصلحة فيجعل رفيعهم ووضيعهم في الحق الذي يستوجبه في القسمة ~~بينهم على قدر مراتبهم كما يسوي الغيث بين بقاع الأرض PageV01P528 ~~PageV01P529 # وأما الشمس فإنها تستقض بحرها وحدة وقعها في الثمانية أشهر الباقية من ~~السنة نداوة الغيث الذي تواتر في أربعة أشهر كذلك ينبغي أن يستقضي قبض ما ~~حل من خراجه في الثمانية أشهر PageV01P530 الباقية من السنة واستيفاء جميع ~~حقوقه من رعيته من ثمن غلاتهم وما شيتهم وغير ذلك من الحقوق الواجبة له ~~عليهم كما تستقض الشمس نداوة الغيث من الأرض # وأما القمر فإنه إذا طلع لتمامه انتشر نوره على الخلق وأنس الناس لضوئة ~~وإشراقه واستوى في ذلك القريب والبعيد وكذلك ينبغي للملك أن يكون في بهجته ms077 ~~ورتبته وإشراقه في مجلسه وإيناس الرعية به وعدله مثل القمر في طلوعه ~~وإشراقه فلا يخص شريفا دون وضيع بعدله وإيناسه ولا يحتجب عنهم فتظلم ~~أحوالهم ويزول أنسهم PageV01P531 ويقل انتعاشهم كما إذا احتجب القمر في ~~الليالي السود # وأما الريح فإنها بلطفها محيطة بالعالم السفلي وكذلك ينبغي للملك أن يكون ~~بلطفه وحذق جواسيسه وعيونه محيطا بمعرفة أحوال رعيته وقواده وولاه ثغوره ~~وأعماله وحاشيته وجنده عارفا بأخبار أعدائه PageV01P532 # ونظرائه عالما بما يعملون وما يأتمرون بالعيون الثقاب والجواسيس المنتقاة ~~PageV01P533 PageV01P534 PageV01P535 # وأما النار فيكون مثلها في الحدة على أهل الدعارة والفساد PageV01P536 ~~وأصحاب الشر لايبقى أحدا منهم ولا يذر ولا يترك لهم عينا ولا أثرا # وأما الماء فإنه مع لينه وسلاسته يقلع الأشجار العظيمة ويقهر من قاومه ~~بالسباحة وكذلك ينبغي للملك أن يكون لينا لمن لاينه شديدا على من خالفه ~~ينصب لأعدائه الغوائل مع لينه ورفقه حتى يقلعهم PageV01P537 كما يفعل الماء # وأما الأرض فإنها توصف بكتمان السر واحتمال الأذى والصبر على المكاره ~~وكذلك ينبغي للملك أن يكون مثلها في جميع ذلك # وأما الموت فإنه يأتي بغتة ويعافص أهل اللذات على ما هم عليه ولا يقبل ~~ممن نزل به رشوة وكذلك ينبغي للملك أن يبغت PageV01P538 عدوة من حيث لا ~~يشعر به ويعافص أهل العداوة والدعارة في غفلاتهم كما يفعل الموت # واعلم أن المملكة مثلها مثل البستان فينبغي أن يسوسها الملك في غالب ~~الأحوال كما يسوس صاحب البستان بستانه فمن ذلك أنه ينتخب أهل الشكيمة من ~~جنده وذوي الشوكة من أعوانه فيجعلهم في PageV01P539 أقاصي بلاده وأطرف ~~مملكته ليحفظ بهم الرعية كما يفعل صاحب البستان فإنه يخرج الشجر ذوات الشوك ~~وما فضل من العيدان فيحيط بها على الشجرة المثمرة والزرائع الطيبة لقيها من ~~أهل الفساد والدواب المؤدية ثم يطهر رعيته من أهل الفساد والدعارة ويخرجهم ~~من بينهم أو يصلحهم بإقامة الحدود وإظهار السياسة فإنه إذا فعل ذلك صلحت ~~أحوال الرعية وانتعشوا وكثر خيرهم كما يفعل صاحب البستان فإنه ينقي بستانه ~~من الحشيش الذي لا فائدة فيه ويخرج ما فيها من ms078 الشوك والنبات الخبيث فينتعش ~~زرعها وينموا شجرها ويطيب ثمرها ومتى حل خراج الملك أو تعين له حق على ~~رعيته من أموال الثمار والغلات فلا يؤخر قبضه عن وقت محله فيكون معرضا ~~للهلاك بآفات الزمان كما يفعل صاحب البستان فإنه لا يؤخر اجتناء ما نضج من ~~ثمره وما طلع من ورده لأنه إن لم يبادر ألى التقاطه سقط على الأرض ~~PageV01P540 وأحاطت به الآفات وينبغي أن يتعاهد أبناء جنده وأعوانهم الذين ~~ماتوا في خدمته وطاعته ويرضخ لهم من بيت ماله رزقا يقوم بكفايتهم فإنهم ~~أرجى للملك عند بلوغهم وأشد نصحا في خدمته من غيرهم كما يتعاهد صاحب ~~البستان خوالف شجرة الهالكة بالسقي والتربية PageV01P541 لما يرجوه من ~~خيرها واستطابة ثمرها ومتى تباغض قائدان من قواده وكانا متجاورين في موضع ~~فينبغي أن يفرق بينهما لأن خيرهما لا يرجى ما داما متجاورين وربما نتج ~~منهما أو من أحدهما ما لا يمكن تلافيه كما يفرق صاحب البستان بين الشجرتين ~~إذا تداخلت أغصانهما لعلمه أن خيرهما لا يرجى ما دامتا كذلك واعلم أن ~~الرعية وإن كانت ثمارا مجتناة وذخائر مقتناة وسيوفا منتقاة وأحراسا مرتضاة ~~فإن لها نفارا كنفار الوحوش وطغيانا كطغيان السيول ومتى قدرت على أن تقول ~~قدرت على أن تصول PageV01P542 # وهم ثلاثة أصناف ينبغي للملك أن يسوسهم بثلاث سياسات # صنف من أهل العقل والديانة والفضل يعلمون فضل الملك وطول عنائه ويرثون له ~~من ثقل أعبائه فسياسة هؤلاء تحصل بالبشر عند لقائهم واستماع أحاديثهم وحسن ~~الإصغاء إليهم # وصنف فيهم خير وشر فسياسة هؤلاء تحصل بالترغيب والترهيب PageV01P543 # وصنف هم السفلة الرعاع أتباع كل داع فسياسة هؤلاء بإخافة غير مقنطعة ~~وعقوبة غير مفرطة ولا يتحقق ذلك منه إلا أن يكون أغلب أوصافه عليه الرحمة ~~للرعية لأن الملك إنما يتميز عن السوقة بفضيلتين فضيلة ذاته وفضيلة آلاته # أما فضيلة ذاته فخمس خصال رحمة تشد رعيته ويقظة تحوطهم وصولة تذب عنهم ~~وفطنة يكيد بها الأعداء وحزامه ينتهز بها الفرص إذا أمكنته وأما فضيلة ~~آلاته فستة وهي وفور أمواله وكثرة PageV01P544 أجناده وحصانه ms079 معاقله واتخاذ ~~المباني الوثيقة وإعداد الملابس السنية وتحصيل الذخائر النفيسة ولا ينبغي ~~للملك أن يعتمد على فطنته وقوة حيلته وكثرة ماله وجنده وحصانه معاقلة فيترك ~~الاستعداد للنوازل ولكل ما يجوز وقوعه من الحوادث فيكون مثله كمثل خطيب ~~اعتمد على فصاحة لسانه وقوة بديهته فترك تزوير القول وترتيبه ثم صعد فيوشك ~~أن يستولي عليه العي عند الحاجة # بل ينبغي أن يتقدم في الحيلة للأمر قبل نزوله فإن الأمور إذا PageV01P545 ~~نزلت ضاقت عنها الحيل فهو في المثل كالسكر الذي يسكر على الأرض التي يخاف ~~غرقها فإنه إن عمل قبل وصول الماء إليها فإنه يثبت ويمنع الضرر عنها وإن ~~وصل الماء إليها فلا حيلة فيه بالسكر أنشدني بعض أهل العلم # أقدر بغيرك أمر نفسك واعتبر %~% وانظر وأنت من الأمور بمنظر # وإذا هممت بورد أمر فالتمس %~% من قبل مورده طريق المصدر # وإذا عرف الملك وجه الكيد الذي يكيد به عدوه فينبغي أن PageV01P546 يحترس ~~من مثلها لأنه إذا لم يحترس من مثلها كان بمنزلة الرامي PageV01P547 الخاسر ~~في الحرب الذي لا تصير معه فهو إن أصاب برمية فهو مستهدف رمية غيره وكذلك ~~الملك إذا احتال على عدوه بضروب الحيل ثم لم يتحفظ من كل مايظن أن يبلغه من ~~عدوه كان عمله معونة عليه غير نافع له في العاقبة وقد كان يقال احترس من ~~تدبيرك على عدوك كا حتراسك من تدبيره عليك # فرب هالك بما دبر وساقط في البئر الذي حفر وجريح بالسلاح الذي شهر وينبغي ~~للملك أن يأخذ في سائر أموره بالحزم وصدق العزم ولا يترك الاحتراس ~~PageV01P548 والحذر فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الحزم سوء ~~الظن ولا يكون ظنه حقيقة بل للحذر والاحتياط # وقيل لبعض الحكماء ما الحزم قال أن تحذر من كل ما يمكن وقوعه قيل فما ~~العجز قال أن تأمن مما يمكن وقوعه # وقال بعض الشعراء # لاتترك الحزم في شيء تحاذره %~% فإن سلمت فما في الحزم من بأس # العجزذل وترك الحزم منقصه %~% واحزم الحزم سوء الظن بالناس # وإذا حاول ms080 الملك أمرا عرض له فليشمر في طلبه عند إمكان PageV01P549 ~~الفرصة ولا يتراخ عنه لصغره فإن وثبه الأسد على الأرنب هي التي يثب بها على ~~الفيل ومتى استهان الملك بالأمر الصغير عاد كبيرا فإن القروح التي تظهر في ~~الجسد إذا استهان بها الإنسان لصغرها صارت إلى أعظم العلاج وأكبر المداواة ~~أنشدني بعضهم PageV01P550 # لا تحقرن عدوا رما %~% ك وإن كان في ساعديه قصر # فإن السيوف تحز الرقا %~% ب وتعجز عما تنال الابر # وإذا وقع الملك في أمر من عدوه يخاف فيه على نفسه وسلطانه فينبغي أن يعطي ~~بلسانه كل ما يرضي عدوه مظهرا للرقة والانقباض وهو مع ذلك يكون متيقظا ~~محترسا مستعدا للوثبة عليه إذا أمكنته الفرصة كالصقر الذي يظهر الذلة ~~والانقباض عند صيده ثم ينقض انقضاضة إذا أمكنته الفرصة ينال فيها حاجته وقد ~~كان يقال الحزم التزام مداجات العدو ما دامت له ريح هابة ودولة مقبلة كما ~~أن العجز إضاعة الفرصة فيه إذا ركدت وأدبرت دولته وأنشدني بعضهم ~~PageV01P551 في هذا المعنى # وإذا عجزت عن العدو فداره %~% وامزح له إن المزاح وفاق # فالنار بالماء الذي هو ضدها %~% تعطي النضاج وطبعها الإحراق # فإن دهمه أمر لا طاقة له به في أمر من أمور مملكته وأشرف منه على أن يذهب ~~كله ورأى أن يتلطف بالحيلة في أن يرجع إليه بعضه فليفعل ذلك ويكون رابحا ~~ولا يذهب به الأسف والأنفة والتمادي حتى يذهب كله فيكون مغبونا فإن العاقل ~~إذا أشرف له ابنان على الهلكة وطمع في نجاة أحدهما بموت الآخر فإن نفسه ~~تسمح موته لنجاة أخيه ولا يداخله الإشفاق عليهما والجزع فيهلكا جميعا # وإذا عادى الملك رجلا فلا يعادي كل جنسه فإنه ربما انتفع PageV01P552 ~~ببعضهم انتفاعه بأهل مودته فإن السيف الذي يقتل بحده ويقطع بمضاوته هو من ~~جنس الدرع الذي يتحصن به عن مضاوة حد السيف # ولا ينبغي للملك أن يشتد جزعه على ما فاته وذهب عنه فإن فعل ذلك تعجلت له ~~المساءة بما لا يقدر على ارتجاعه ويستسلف الحسرة على ما لا يقدر على ms081 ~~استدراكه ثم يشغله ذلك عن تدبير مستأنف أمره وإصلاح باقي شأنه وربما أفضى ~~به الحال إلى الهلاك فإن شدة الجزع مهلك فقد حكي أن ملكا من ملوك الفرس جلس ~~على سريره في يوم نيروز وجعل الناس يهدون له أصناف الهدايا فدخل عليه ~~PageV01P553 الموبذ ومعه ظرف مغطى فأهداه إليه فلما كشف عنه رأى فيه فحمتين ~~فقال الملك ما هذا فقال أيها الملك إن إحداهما بازي والآخر دراجة وإني رأيت ~~البازي أرسل على الدراجة فلم يزل يتبعها وهي تطير بين يديه إلى أن أتيا ~~أجمة قد وقعت فيها نار فحمل الجزع الدراجة على اقتحامها وحمل البازي الحرص ~~على إتباعها فاحترقا جميعا فرأيت أن خير الهدايا هذه الموعظة فأهديتها لك ~~فاجتنب أيها الملك الإفراط في الجزع والحرص فإنهما PageV01P554 سائقان إلى ~~الهلكة فقال الملك ما أهديت لي هدية أنفع من هذه الهدية # ومتى صنع الملك بخطأ الرأي شيئا فأصاب فيه فلا يعاودنه ثانيا طمعا فيما ~~ناله أولا فإن من وطىء حية فنجا منها جدير أن لا يتعرض لها بالوطء مرة أخرى # واعلم أن كبار أعوان الملك مشايخ دولته الذين صحبوا أسلافه من الملوك ~~لأنهم وإن برأهم الزمان بحده فقد بقي كرم جوهرهم ومحض مودتهم فهم يزدادون ~~في النصح اجتهادا وفي البؤس صبرا وجلادا ومثلهم كمثل دعائم الساج للبيت ~~فإنها كلما مر عليها الزمان ازدادت قوة وصلابة حتى أن الأرضة لو حاولت نقب ~~عودها لم ينفذ عملها فيها فيكون البيت بها أقوم وأثبت # وينبغي للملك أن لا يصحب في أعوانه كذابا ولا مطبوعا على شر لأن الكذاب ~~إذا حدث كذب وإذا حدثه الملك لم يصدقه لما يظن في PageV01P555 نفسه ~~والمطبوع على الشر غير تارك لطباعه لأنها أملك به فيكون الملك معه على خطر ~~ولا يطمع الملك في استصلاحهما ونقلهما عن طباعهما فإنهما بمنزلة القرد الذي ~~يطعم الدسم والحلاوة ليسمن جسمه ويحسن وجهه فهو وإن سمن جسمه لا يزداد وجهه ~~إلا قبحا # ومتى كان الملك يضبط أموره ويصول على عدوه بقوم ليس منهم على ثقة من ms082 رأى ~~ولا حفاظ فهو منهم على أعظم خطر حتى يحملهم إن استطاع على الرأي والأدب ~~الذي بمثله تكون الثقة أو يستبدل بهم ولا يغرنه منهم قوته بهم على غيرهم ~~فإنما هو كراكب الأسد الذي يهابه من ينظر إليه وهو لمركبه أهيب # ومتى أسرف الملك في توسعة الأرزاق على جنده أبطرهم ومتى ضيق عليهم أحقدهم ~~فيكون في هاتين الحالتين معرضا للهلاك PageV01P556 # فإن الأسباب التي تجر الهلك إلى الملك ثلاثة أسباب أحدها من جهة الملك ~~وهو أن تغلب شهواته على عقله فلا تسنح له لذة إلا افتضها ولا راحة إلا ~~افترضها الثاني الوزراء وهو تحاسدهم المقتضي لتعارض الآراء فلا يسبق أحدهم ~~إلى حق إلا فندوه وعارضوه الثالث من جهة الجند وخواص الأعوان وهو النكول عن ~~الجلاد وترك المناصحة في الجهاد وهم صنفان # الصنف الأول وسع الملك عليهم الأرزاق فأبطرهم الترف والتنعم وافتراص ~~اللذات فضنوا بنفوسهم وخافوا عليها عند لقاء الأعداء فمنعهم ذلك من الإقدام # الصنف الثاني قتر الملك عليهم الأرزاق فانطووا منه على حقد ونفاق فنصبوا ~~له الغوائل وأسلموه عند النوازل # وينبغي للملك أن يتعرف أسباب الفتن ونتائجها المفضية إلى PageV01P557 ~~اختلاف الكلمة والخروج عن الطاعة ليحسم موادها ويقطع أسبابها # فقد قيل إن ملكا من ملوك العجم كتب إلى حكيم من حكمائهم يقول إن الحكماء ~~قد أكثروا من وصف أسباب الفتن فاكتب إلي بما ينشئها وبما يميتها فكتب إليه ~~يقول ينشئها ضغائن وينتجها أطماع لم يقمعها هيبة وجرأة عامة يولدها استخفاف ~~بالخاصة وآكدها انبساط الألسن بضمائر القلوب وغفلة أمير ملتذ ويقظة قوى ~~PageV01P558 محروم ويميتها عز السالب وذل المسلوب ودرك البغية وموت الأمل ~~وتمكن الرعب فكتب إليه إن الذي وصفت كما وصف فأي الأمور أدفع لما ذكرت فكتب ~~إليه الحكيم أخذ العدة لكل ما يخاف وقوعه وإيثار الجد على الهزل والعمل ~~بالعدل في الرضا والغضب # وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف أن صف لي الفتنة حتى كأني ~~أنظر إليها فكتب إليه الحجاج إن الفتنة تلقح بالنجوى وتنتج بالشكوى ويقوم ~~بها الخطباء ms083 وحصارها بالسيف # وحكي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه PageV01P559 قال يوما لجلسائه وهو ~~محصور وددت لو أن رجلا صدوقا أخبرني عن نفسي وعن هؤلاء القوم يعني الذين ~~يحاصرونه فقام رجل من الأنصار فقال أنا أخبرك يا أمير المؤمنين إنك تطأطأت ~~لهم فركبوك وتغافلت عنهم فصلبوك وما جرأهم على ظلمك إلا إفراط حلمك قال ~~صدقت إجلس ثم قال له هل تعلم ما سبب ثيران الفتنة قال نعم PageV01P560 سألت ~~عن ذلك شيخا باعقة في العلم فقال لي إن الفتنة يثيرها أمران # أحدهما أثرة تضغن الخاصة # الثاني حلم يجرىء العامة # قال فهل سألته عما يخمدها قال نعم إن الذي يخمدها في ابتدائها استقالة ~~العثرة وتعميم الخاصة بالاثرة دون غيرهم فأما إذا استحكمت الفتنة فلا ~~يخمدها غير الصبر فقال عثمان رضي الله عنه هو ذاك حتى يحكم الله بيننا وهو ~~خير الحاكمين PageV01P561 ### | الباب الحادي عشر & في الجلوس لكشف المظالم # اعلم أن جلوس الملك لكشف قصص المظلومين والفصل بين المتنازعين من أعظم ~~قوانين العدل الذي لا يعم الصلاح إلا PageV01P562 بمراعاته ولا يتم التناصف ~~إلا به وقد كانت ملوك الفرس يرون ذلك من قواعد الملك PageV01P563 # وأول من أفرد للظلامات يوما معلوما يتصفح فيه قصص المتظلمين من غير ~~مباشرة للنظر عبد الملك بن مروان وكان إذا وقف منها على مشكل رده إلى قاضية ~~أبي إدريس الأودي فينفذ فيه الحكم # وكان أبو إدريس المباشر وعبد الملك هو الآمر ثم زاد ظلم الولاة وجور ~~النواب بعد ذلك فافتقرت الحاله إلى المباشرة فجلس عمر بن عبد العزيز رضي ~~الله عنه فكشف المظالم وهو أول من باشر ذلك بنفسه وجعل يراعي السنن العادلة ~~ورد مظالم بني أمية على أهلها PageV01P564 حتى قيل له وقد شدد عليهم إنا ~~نخاف عليك العواقب من ردها فقال كل يوم أخافه وأتقيه غير يوم القيامة لا ~~وقيته # ثم جلس لكشف المظالم من خلفاء بني العباس المهدي حتى عادت الأملاك إلى ~~مستحقيها ثم جلس لها من بعده الهادي ثم PageV01P565 الرشيد ثم المأمون وأخر ~~من جلس لها المهتدي ms084 # ثم احتجب الخلفاء لتظاهر الترك وغيرهم عليهم ودفعوا أمر المظالم إلى ~~وزرائهم ولما أفضى ملك الشام إلى الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ~~رحمه الله ابنتى له دارا في قلعة دمشق وسماها دار العدل فكان يجلس فيها ~~يتصفح قصص المظلومين ويفصل بين المتنازعين ولديه الفقهاء وأئمة الدين فيرجع ~~إليهم عما أشكل عليه من أمور الشرع ويبت القضايا ويفصل كلما انتهى إليه في ~~ذلك اليوم PageV01P566 وجعل هذا سنة في جميع مدائن الشام # حدثني الفقيه أبو طاهر إبراهيم بن الحسن بن الحصني الحموي قال كنت عند ~~الملك العادل محمود بن زنكي في دار العدل بدمشق وقد أخرج أملاك أهل الشام ~~فجعل ينظر فيها فلما انتهى إلى ذكر خراج معرة النعمان قال إني قد عزمت على ~~انتزاع PageV01P567 أملاك أهل المعرة من أيديهم فقد رفع إلي أهل الخير من ~~الثقات أن جميع أهل المعرة يتقارضون الشهادة فيشهد أحدهم لصاحبه في دعوى ~~ملك حتى يشهد ذلك معه في دعوى أخرى وأن الملك الذي في أيديهم إنما حصل لهم ~~بهذه الطريقة قال فقلت له أيها الملك إن الله تعالى أوجب عليك العدل في ~~رعيتك فانظر واكشف وتوقف في الأمور إذا رفعت إليك فإن أهل المعرة خلق كثير ~~يستحيل تواطؤهم على شهادة الزور وانتزاع الأملاك من أربابها بمجرد هذا ~~القول لا يجوز قال فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال إني أمسكها عليهم ثم أكشف ~~عنها بعد ذلك والتفت إلى كاتبه وقال اكتب كتابا إلى الوالي في المعرة ~~وليمسك جميع الملك الذي في أيدي أهلها حتى يستدعي البينة PageV01P568 في ~~ذلك فكتبه ووضعه بين يديه ليضع علامته عليه وإذا صبي على شاطىء بردى يغني ~~ويقول # اعدلوا ما دام أمركم %~% نافذا في النفع والضرر # واحفظوا أيام دولتكم %~% إنكم منها على خطر # إنما الدنيا وزينتها طيب %~% ما يبقى من الأثر PageV01P569 # فلما سمعه الملك العادل تغير لونه عيناه بالدموع ثم نظر إلي وقال @QB@ ~~فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله @QE@ ثم استدار ~~نحو القبلة وقال اللهم ms085 إني استغفرك وأتوب إليك مما عزمت عليه الآن ثم تناول ~~الكتاب فمزقه وجعل يستغفر الله تعالى جميع ذلك اليوم # وينبغي للملك إذا جلس لكشف المظالم أن يستكمل مجلسه بحضور خمسة أصناف من ~~الناس لا غنى له عن حضورهم ولا ينتظم أمور نظره إلا بهم الصنف الأول ~~الفقهاء والعلماء أصحاب الفتوى ليرجع إليهم فيما أشكل ويسألهم عما أشتبه ~~عليه وأعضل PageV01P570 # الصنف الثاني القضاة والحكام لاستعلام ما يثبت من الحقوق ومعرفة ما يجري ~~في مجالسهم بين الخصوم وتنفيذ القضايا والأحكام # الصنف الثالث العدول ومشايخ البلدة ليشهدهم على ما أوجبه من الحقوق ~~وأمضاه من الحكم # الصنف الرابع الكتاب ليثبتوا ما يجري بين الخصوم وما يوجبه الشرع المطهر ~~لهم أو عليهم من الحقوق # الصنف الخامس الكبار من حملة دولته وأعوانه وخاصته لتظهر بهم الرهبة ~~وتحصل بهم الهيبة فيخاف المعتدي فينزجر ويشتد أزر المظلوم فينتصر ~~PageV01P571 فإذا استكمل مجلس نظره بمن ذكرناه شرع حينئذ في تصفح القصص ~~وتنفيذ الأمور والنظر في أمور الرعية والولاة والعمال على ما قدمناه ~~PageV01P572 PageV01P573 في وصف العدل في الباب الخامس والله الموفق للصواب ~~PageV01P574 ### | الباب الثاني عشر & في آداب صحبة الملوك # إذا أخلصك الأمير لخاصته وجعلك من أهل مجالسته فالزم الصمت واستعمل ~~الوقار ولا تحدثه باديا ولا تعد حديثك عليه ثانيا ولا تصل حديثا بحديث ولا ~~تعارض أحدا في حديث واخفض من PageV01P575 صوتك واختصر في لفظك ولا تعب أحدا ~~عنده وإن كثرت عيوبه وعظمت ذنوبه # وإذا جالست الملك فغض عينيك وضم شفتيك ولا تقولن في غيبته ما لا تقوله في ~~حضرته ولا تأمن أن يكون له عليك عيون ترفع إليه أخبارك وتورد عليه أسرارك # وأنشدني بعضهم في المعنى يقول شعرا PageV01P576 # إذا صحبت الملوك فالبس %~% من التواقي أجل ملبس # وادخل إذا ما دخلت أعمى %~% واخرج إذا ما خرجت أخرس # وإذا كان لك إلى الملك حاجة فلا ترفعها إليه ما لم يكن وجهه بسيطا وقلبه ~~نشيطا وليكن على مقدار حقك لا على مقدار عزمك وإذا طلبتها منه فقصر المقال ~~وتوق الملال ولا يحملك فرط ميله ms086 إليك على التبسط عليه في السؤال فتنحط ~~رتبتك وتذهب حرمتك وإذا تحدث الملك فاقبل عليه بوجهك واصغ إليه بسمعك واشغل ~~بحديثه خاطرك وبمنظره ناظرك واسمعه استماع مستظرف له مستبشر به واحذر أن ~~تعاقب الملك على تقصير أو تلومه في تدبير فإن ذلك يفضي إلى مقتك وبعدك منه ~~بعد قربك ولا تكاشفه بالنصيحة في الخلوة ولا تنبسط عليه فإن النصح في الملأ ~~تقريع والتبسط عليه تضييع PageV01P577 # أنشدني بعض أهل العلم # تعمدني بنصح في انفراد %~% وجنبني النصيحة في الجماعة # فإن خالفتني لتريد نقصي %~% فلا تغضب إذا لم تعط طاعة # فإن النصح بين الناس ضرب %~% من التوبيخ لا أرضى استماعه # وإذا قربك بأنسه وأدناك من مجلسه فالزم الاحترام وقابله بالإعظام ولا ~~يخرجك ما تراه من أنسه إلى الصياح ومكروه المزاح وإياك وإزالة الحشمة ~~وإضاعة الحرمة والهزل في الكلام والشره في أكل الطعام فإن هذه الأحوال تدعو ~~الملك إلى الملال ولا تسارر في مجلسه إنسانا ولا تحدق إلى أحد من الغلمان ~~وإذا دخلت على الملك فحيه بأحسن تحية وتواضع له بالكلية ولا تكثر من الدعاء ~~له بحضرته ولا تسأله عن حالته ولا عن مبيته في ليلته ولا تكثر مدحه وتظهر ~~نصحه في PageV01P578 حضرته فجميع ذلك من مساوىء الأخلاق والتملق والنفاق ~~وإذا جلست على موائد الملوك فلا تكن في الطعام شرها ولا في الأكل نهما وكل ~~مما يليك وأطل المضغ في فيك واجعل نظرك إلى الطعام الذي بين يديك ولا تنظر ~~إلى من حواليك ولا تأكل بكل الأصابع وقم عن المائدة وأنت جائع ولا تحذف ~~ببصرك إلى الطعام ولا إلى ما حضر من طرائف الألوان بل يكون نظرك إلى الملك ~~عند كلامه والإطراق عند مضغه لطعامه ولا تنقل من الصحفة إلى الرغيف شيئا من ~~اللحم ولا تتعرض لمشمشة العظم ولا تحول لقمتك من جانب فيك إلى الجانب الآخر ~~ولا يسمع لمضغك وبلعك صوت ظاهر لأن المقصود من طعام الملك الشرف بمواكلته ~~والتجمل بلطف كرامته ومن قام عن الطعام لغسل يده فسبيله أن يبعد عن حضرته ms087 ~~إلى الموضع الذي خص بمرتبته ولا يبصق PageV01P579 في الطشت بصاقا يعلو صوته ~~ولا يستعمل بيديه التفرقع ولا بفيه التنخع ولا يدلك بالمنديل يديه بل يمسح ~~به فمه وشفتيه ولا يظهر في يديه شيئا من الخلال على حال من الأحوال وسبيل ~~من ساير الملك أن لا يساويه في محجته ولا يدني رأس دابته من دابته ولا يأخذ ~~عليه مهب الريح في مسايرته ولا يركب فرسا شغبا ولا حرونا فيقف عنه ولا كثير ~~الصهيل ولا ما فيه عيب يضحك منه PageV01P580 # وينبغي أن يكون عارفا بالمنازل والمناهل داريا بكل ما يقع عليه عين الملك ~~ويسأل عنه من المياه والأنهار والنبات والأشجار ومضى ساعات الليل والنهار ~~عارفا بالكواكب وانتقالاتها ومنازل القمر وهيآتها وأن لا يظهر التعب ~~والكلال وإن يخفي العطا والسعال وليكن متفقد النكتة ظريفا في محادثته صبورا ~~على السهر غير متشاغل بالفكر حافظا للأسرار وما يطلع عليه من الأخبار ~~ومعتمدا على الصيانة مؤديا للأمانة فإذا لاعب الملك بالشطرنج فلا يظهر في ~~لعبه التحاذق عليه فأما في حال الفروسية ولعب الصولجان PageV01P581 فقد ~~أطلق الملوك التحاذق عليهم في الميدان والله سبحانه وتعالى اعلم بالصواب ~~PageV01P582 ### | الباب الثالث عشر في معرفة ما تكاد به الملوك في غالب الأحوال # اعلم أن مكائد الأعداء وغوائل الحساد وطرق المضار وأسباب الدواهي كثيرة ~~ولا يحيط بطرقها علم البشر ولا يحصرها معقول ذوي الفكر فيجب على الملك ~~الاحتراز والتحفظ من كل ما يتصور عمله من المكائد ويمكن فعله من نصب ~~الغوائل ويعتبر بمن سلفه من أرباب الممالك وما نصب لهم من المكائد والمهالك ~~فيحسم عنه موادها ويقطع أسبابها ويحذر من مثلها وقد ذكرنا في الباب السادس ~~في وصف الحسد من حكاية بهرام وخاقان وما نصب كل واحد منهما لصاحبه من ~~المكائد ما فيه اعتبار لذوي البصائر والأفكار وأكثر ما رأينا الملوك ذهبت ~~في غالب الأحوال من أمور نحن ذاكروها إن شاء الله فمن ذلك السموم القاتلة ~~التي يتلطف بها الأعداء في الحيلة بوصولها إلى الملوك على يد النسوان ~~والغلمان PageV01P583 وهي تصنع غالبا ms088 في عشرة أشياء في السرج والسرير ~~والكرسي PageV01P584 والحلي والآنية والطعام والشراب والفاكهة والثياب ~~والفراش الذي ينام عليه # فينبغي للملك أن يكون متيقظا لذلك محترسا منه وسنذكر من العلامات الواضحة ~~على مصير السم في هذه الأشياء ما فيه كفاية للفطن بحيث إذا رآها علم أن ذلك ~~الشيء مسموم # فينبغي للملك أن يتفقد ثيابه في كل يوم وفراشه أيضا وغاشيته الذي على سرج ~~الحصان وكرسيه الذي يجلس عليه فإن علامة ذلك إن كان مسموما أن يظهر في صفاء ~~ألوانها لمع كالوسخ يضرب إلى سواد من غير وسخ ويكون هدبها وحواشيها في نظر ~~العين كأنها بالية وأما عود السرج والسرير والكرسي إذا كان PageV01P585 ~~ملطوخا بالسم فإنه يكمد لونه ويعلوه كالغبرة # وأما الحلى والآنية وما يستخرج من معادن الأرض كالذهب والفضة والنحاس ~~والرصاص والحديد والجواهر فإن ذلك كله إذا كان مسموما يعلوه كالوسخ وأما ~~أواني الخزف والفخار فإنها إذا كانت مسمومة تحدث دسومة وزهومة وربما أفرط ~~صفاء لونها حتى يظهر فيها بريق ليس من ذاتها وربما ذهب بريقها الذي هو من ~~ذاتها وأما الطعام المسموم فيستدل عليه من وجهين أحدهما بالنار فإن الطعام ~~المسموم إذا وضعت منه شيئا في النار لم يصعد دخانه مستطيلا إلى الهواء بل ~~يدور على ذلك الطعام يسمع له صوت شرار وأيضا يكون طرف PageV01P586 ما ينبعث ~~من النار كأنه عنق الطاووس وأيضا ربما ظهر منه إذا احترق رائحة منتنة # الوجه الثاني أن يعرض الطعام على الطير والدواب التي هي معدة في دار ~~الملك لمعرفة الطعام المسموم وأما الطير فمنها الغراب فإنه إذا أكل من ~~الطعام المسموم انكسر صوته ومنها الصرد والقفعا فإنهما إذا شما رائحة ~~الطعام المسموم صوتا بأعلا صوتيهما ومنها طائر من جنس PageV01P587 الأوز ~~الصيني يقال له الهيس فإنه إذا رأى الطعام المسموم أو شم رائحته هرب منه ~~وجعل يعثر في مشيته ومنها الكركي فإنه إذا شم رائحة الطعام المسموم وأكله ~~فإنه يدور حتى يظن أنه مغشي عليه ومنها الفواخت والعقعق فإنهما يموتان بأكل ~~الطعام المسموم وكذلك إذا شما ms089 رائحته PageV01P588 أيضا ومنها الطاووس فإنه ~~إذا رأى الطعام المسموم تشوف إليه وطفق يأكله ويهواه ومنها طائر من طيور ~~الماء أحمر العينين يقال له حسون فإنه إذا نظر إلى الطعام المسموم أو شم ~~رائحته ذهب حمرة عينيه ومنها طائر من طيور الماء أيضا يقال له حوصل فإنه ~~إذا رأى الطعام المسموم خر إلى الأرض مغشيا عليه # والذباب إذا سقط على الطعام المسموم مات من ساعته وأما PageV01P589 ~~الدواب المعدة لذلك فمنها السنور فإنه إذا أكل من الطعام المسموم أو شم ~~رائحته نفر من موضعه ولم يستقر فيه ومنها القرد فإنه إذا قدم إليه الطعام ~~المسموم أيضا لم يتمالك حتى يهرب منه ويصعد في الأشجار والحيطان فهذا كله ~~يستدل به على الطعام المسموم فينبغي للخادم المقدم للطعام أن يمتحن بالنار ~~ويعرضه على الطير والدواب التي ذكرناها قبل إحضاره بين يدي الملك وإذا كان ~~الطباخ بصيرا حاذقا عرف السم إذا طرح في القدر بالأمارات الدالة عليه فإن ~~قدر الأرز إذا وضع فيها السم أبطأ نضجها وإذا أنزل عن النار انعقد فيها ~~سريعا PageV01P590 # وصلب حبها ويفور من القدر بخار كلون عنق الطاووس وقدور المرق إذا وضع ~~فيها السم فإن تلبث إلا قليلا حتى ينشف المرقة منها ويبقى اللحم يابسا لا ~~مرقة عليه ومهما بقي منه تغير لونه وكدر # وأما دليل معرفة الشراب المسموم فإن كل شراب حلو إذا طرح فيه السم يظهر ~~فيه خط مستطيل كلون النحاس ويظهر في المخيض خطوط من الخضرة والصفرة والسمرة ~~ويظهر في ماء العسل خط كلون شعاع الشمس ويظهر في الماء والنبيذ خط أسود # وأما معرفة الفواكة المسمومة فإن الذي لم يدرك منها يظهر للعين كأنها ~~مدركة والتي قد أدركت منها تظهر كأنها لم تدرك لتغيرها وانقباضها وكل رطب ~~منها تراه كأنه منهري وكل يابس تراه منقبضا متسيسا PageV01P591 وجميع ~~الفاكهة يذهب صفاء لونها ويعلوها غبرة وكدرة # واللين منها يصلب والصلب منها يلين # واعلم أن من وضع السم في بعض هذه الأشياء أو صنع مكيدة من مكائد الأعداء ~~من النسوان والغلمان ms090 والخدام وغيرهم لا بد أن يظهر عليه من الريبة أمارات ~~لا يخفى بها عن الفطن اللبيب فينبغي للملك أن يتصفح وجوه خدمه وغلمانه ~~وجواريه ونسائه في كل وقت فإن المريب لا يملك نفسه أن يصفر لونه أو يخضر أو ~~يبتلع ريقه أو يخفق فؤاده أو يعض على شفته السفلى أو يدير عليها لسانه أو ~~يكثر تلفته وترعد فرائصه أو يعثر في مشيته أو يكثر تثاؤبه ويعرق جبينه أو ~~يفتل هدب ثيابه ويبعث بها أو ينكش الأرض بأبهام رجله أو ينقطع عما يريد أن ~~يتكلم به أو يكثر القيام من الذي بعلمه مثله ولم يتمه بغير عذر فجميع هذه ~~أمارات تدل على الريبة فليراعها الملك من متولي PageV01P592 طعامه وشرابه ~~ومتولي خزانة ثيابه وفراشه وسورج دوابه وغيرهم من خدم داره وأما الاحوال ~~التي يترصدها أهل المكائد في الغالب فمنها المواضع الضيقة والطرقات ~~المجهولة فلا ينبغي أن يسلكها حتى يكون أمامه دليل خبير بذلك الموضع ~~ويتقدمه في حال سلوكه جماعة من أعوانه ومنها ازدحام الموكب عليه في المواضع ~~الضيقة أو في الأعياد والمحافل فلا يأمن أن يلج بين خواصه من يريد به شرا ~~ومنها الإمعاء في طلب الصيد والانفراد فيه عن الخاصة وثقات الأعوان فلا ~~يأمن أن يدس عليه أهل العداوة من يوقع به الفعل أو يكمن له الاعداء على ~~الخيول السريعة في المواضع الوعرة أو يعرض له أحد السباع الضارية عند ~~انفراده # ومنها الورود إلى الأنهار فإن اغتيال المرء صاحبه في الماء الجاري من ~~أيسر الحيل وأسهلها على المغتال لأن الماء معين له على هربه لا سيما إذا ~~كان رجال الملك من وراء ظهره فينبغي أن لا يردها حتى يتقدمه من أعوانه من ~~يختبر شطوطها ومشارعها ومنها حالة شدة المطر وحال شدة الحر وحال ظلام الليل ~~لأن في هذه الأحوال تقل الحفظة ويشتغل كل واحد منهم بمصلحة نفسه ومنها حال ~~سروره ولهوه وطربه في PageV01P593 مجلسه وسكره من شرابه فإن الحفظة أيضا ~~يسكرون أو ينامون فيتمكن منه المغتال ومنها الثقة إلى النسوان والركون ms091 ~~إليهن فإن مكر النساء وحيلهن أكثر من أن تسطر مع ضعفهن ونقصان عقولهن فلا ~~يأمن مكرهن وغيرتهن وجرأتهن فقد يقدمن من الأهوال على ما يكنع منه الرجال ~~فليراعي الملك جميع ما ذكرناه وما يخطر بباله من أشباه ذلك أو أمثاله مع ~~تسليمه لأمر الله سبحانه وقضائه وقدره PageV01P594 ### | الباب الرابع عشر فيما ينبغي للملك من سياسة الجيش وتدبير الجنود # إذا فصل الملك بجنوده متوجها إلى أعدائه فينبغي له ان يضع في تدبيرهم ~~وسياسة أمورهم سبعة عشر حقا ليتم بذلك مصلحتهم PageV01P595 وينتظم به الفهم # أحدها استعراضهم قبل السير بهم فيتفقد خيلهم التي يجاهدون عليها فلا يدخل ~~عليهم كبيرا ولا كسيرا ولا صغيرا ولا حطيما كسيرا لأن ذلك كله وهنا في ~~المجاهدين وإنما يستعد للأعداء القوة وما يظهر به الهيبه والرهبة قال الله ~~تعالى @QB@ وأعدوا لهم @QE@ PageV01P596 # @QB@ ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم @QE@ # وقال رسول الله صلى الله هليه وسلم أرتبطوا الخيل فإن ظهورها لكم عز PageV01P597 وبطونها ~~لكم كنز ويتفقد جميع أسلحتهم وسائر آلاتهم وأمتعتهم ويامرهم باتخاذ قويها ~~واستبدال ضعيفها # الثاني أن يرفق بهم في السير الذي يقدر عليه ضعيفهم ويحفظ به قوة قويهم ~~ولا يجد السير فيهلك الضعيف ويستفرغ قوة القوي قال رسول الله صلى الله هليه وسلم إن هذا ~~الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ~~PageV01P598 # الثالث أن يراعي من معه من المقاتلة وهم صنفان مسترزقه ومتطوعة أما ~~المسترزقة فهم أصحاب الديوان فيفرض لهم من العطاء من بيت المال من الفيء ~~بحسب الغني والكفاية وأما المتطوعة فهم الخارجون عن الديوان الذين خرجوا في ~~النفير فيعطوا من بيت المال من PageV01P599 الصدقات دون الفيء من سهم رسول ~~الله صلى الله هليه وسلم المذكور في آية الصدقات # الرابع أن يعرف عليهم العرفاء وينقلب عليهم النقباء فيكون عارفا بجميع ~~أحوالهم من عرفائهم ونقبائهم وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله هليه وسلم PageV01P600 # الخامس أن يجعل لكل قائد من قواده شعارا يتميز به أصحابه ليصيروا ms092 به عن ~~غيرهم متميزين وبالاجتماع فيه متظافرين PageV01P601 # السادس أن يتصفح الجيش عند مسيره فيخرج منهم من كان به تخذيل للمجاهدين ~~وإرجاف بالمسلمين وكان عينا للمشركين فقد فعل ذلك رسول الله صلى الله هليه وسلم ورد عبد ~~الله بن أبي بن سلول المنافق في بعض غزواته لتخذيله المسلمين PageV01P602 # السابع أن يتعرض عند اللقاء لمن خالفه في العقيدة والمذهب أو لمن عليه ~~أمارات البغضاء أو لمن أساء أدبه على الملك أو قصر في خدمته لأن ~~PageV01P603 التعرض لهؤلاء في مثل هذا الوقت يفضي إلى افتراق الكلمة وحصول ~~الفشل قال الله تعالى @QB@ ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم @QE@ يعني ~~دولتكم وقيل معناه قوتكم PageV01P604 # الثامن حراسة الجيش من غرة يظفر بها العدو فينبغي أن ينتقي المكامن ~~ويحفظها عليهم ويحوط سوادهم بحرس يأمنون به على أنفسهم واموالهم وليسكنوا ~~في وقت الدعة ويأمنوا من وراءهم في وقت المحاربة PageV01P605 # التاسع أن يتخير لهم مواضع نزولهم لمحاربة عدوهم فيقصد أوطأ الأرض مكانا ~~وأكثرها مرعى وماء واحرسها أطرافا واكنافا ويكون المواضع قريبا من جبل أو ~~شجر فإن ذلك كله أعون لهم على المنازلة واقوى لهم على المرابطة PageV01P606 # العاشر إعداد ما يحتاج إليه الجيش من زاد وعلوفة ليغدق ذلك عليهم في ~~أوقات الحاجة حتى تسكن نفوسهم إلى مادة بغيتهم على طلب ليكونوا على الحرب ~~أوفر وعلى منازلة العدو أقدر # الحادي عشر أن يتعرف أخبار عدوه بالجواسيس الثقات التي تكون له عندهم ~~مكانة ليكون خبيرا بأحوالهم ويسلم من مكرهم ويلتمس الغرة في الهجوم عليهم ~~PageV01P607 # الثاني عشر ترتيب الجيش في مصاف الحرب والتعويل في كل جهة على من يراه ~~كفرءا لها ويتفقد الصفوف بنفسه من حصول خلل يقع فيها ويراعي كل جهة يميل ~~العدو إليها بمدد من يكون عونا لها PageV01P608 # الثالث عشر أن يحرض المجاهدين على القتال ويقوي نفوسهم ويشعرهم الظفر ~~ويذكر لهم أسباب النصرة ويصغر العدو في أعينهم PageV01P609 ويعدهم الإقطاع ~~والزيادة في الرزق إذا ظهرت منهم النكاية في العدو # الرابع عشر أن يذكرهم ثواب الله تعالى وما أعد لهم في الآخرة من ~~PageV01P610 النعيم ms093 المقيم ويذكرهم فضل الشهادة ويعدهم بإبقاء رزقهم على ~~بعدهم # الخامس عشر أن يشاور ذوي الرأي وأهل الخبرة بالقتال والمشايخ من أعوانه ~~وأهل دولته ويرجع فيما أعضل ويسلم الامر إليهم فيما أشكل عليه ليأمن الخطأ ~~ويسلم من الزلل PageV01P611 السادس عشر ان يلزم جيشه بما أوحبه الله تعالى ~~من حقوق وبما أمره الله تعالى من مراعاة حدوده لأنه من جاهد عن الدين كان ~~احق الناس بالتزام أحكامه والفصل بين حلاله وحرامه وقد قال رسول الله صلى الله هليه وسلم ~~انهوا جيوشكم عن الفساد فإنه ما فسد جيش قط إلا قذف الله تعالى في قلوبهم ~~الرعب وانهوا جيوشكم عن الغلول فإنه ما غل جيش قط إلا سلط الله عليهم ~~الرجلة وانهوا جيوشكم عن الزنا فإنه ما زنى جيش قط إلا سلط اله عليهم ~~الموتان PageV01P612 # السابع عشر أن لا يترك أحدا من جيشه يتشاغل بتجارة أو زراعة لأن ذلك يصرف ~~الاهتمام عن مصابرة العدو وعن الصدق في الجهاد وقد روي أن نبيا من بني ~~إسرائيل غزا عدوا لهم فقال لا يغزون معي رجل بنى بناء لم يكمله ولا رجل ~~تزوج امرأة لم يدخل بها PageV01P613 ولا رجل زرع زرعا لم يحصده فإذا سار ~~الملك بالجيش ودخل أرض العدو فينبغي أن يكون طلائع عسكره ومقدمة جيشه ~~كالنهر الجاري فإن النهر في أول جريه يتخلل بما يمر به من الأرض المستوية ~~فإذا بلغ نشزا من الأرض وقف عنده حتى يقوى بالمدد من ورائه ثم يعلوا ذلك ~~النشز وكذلك ينبغي أن يكون طلائع الجيش التي تتقدم عليه لا يقتحم عند ما ~~يرى من القوة من العدو أمامها إلا بأن تستمد PageV01P614 من ورائها فإذا ~~أتاها المدد قويت على من تمر به وعلته كعلو النهر إذا استمد من ورائه ولا ~~ينبغي أن يورد مقاتلة الناحية المجهولة حتى يقدم إليها من يختبرها من ~~طلائعه فقد كان يقال لا تطأ أسفل أرض عدوك إلا على ترقي احتراس وتوقي ~~افتراس فإنك لا تأمن أن يكون قد نصب لك فيها الاشتراك ودفن الغوائل والشباك ms094 ~~PageV01P615 ### | الباب الخامس عشر فيما ينبغي لأهل الجيش ويلزمهم من حقوق الجهاد # إذا توجه الملك بالجيش إلى لقاء المشتركين لزم أهل الجيش من الحقوق أمران ~~أحدهما ما يلزمهم من حق الله تعالى والثاني ما يلزمهم من حق الملك # فأما ما يلزمهم من حق الله تعالى فأربعة أشياء أحدهما مصابرة العدو عند ~~التقاء الصفين ولا ينهزمون من مثليهم فما دون لآن الله تعالى كان قد فرض ~~على كل مسلم أن يقاتل عشرة من المشركين فقال تعالى @QB@ يا أيها النبي حرض ~~المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ~~مائة يغلبوا ألفا @QE@ ثم إن الله تعالى بعد ذلك خفف PageV01P616 ~~PageV01P617 PageV01P618 عنهم لما شق عليهم الأمر فأوجب على كل مسلم أن ~~يقاتل PageV01P619 رجلين من المشركين فقال عز وجل @QB@ الآن خفف الله عنكم ~~وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف ~~يغلبوا ألفين بإذن الله @QE@ # ثم إن الله تعالى حرم على كل مسلم أن ينهزم من مثليه إلا لأحد أمرين إما ~~متحرفا لقتال فيأوي للاستراحة أو لمكيدة ويعود إلى قتالهم وإما أن يتحيز ~~إلى فئة أخرى ليتجمع معها على قتالهم لقوله تعالى @QB@ ومن يولهم يومئذ ~~دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله @QE@ # الثاني أن يقصد بقتاله نصره دين الله تعالى وأبطال كلمة من خالفه من ~~الأديان فيكون بهذا الإعتقاد حائزا لثواب الله تعالى ومطيعا له PageV01P620 # في أمره ولا يقصد بقتاله فائدة تحصل من الغنيمة فيصير من المكتسبين لا من ~~المجاهدين PageV01P621 # الثالث أن يؤدي الأمانة فيما حازه من الغنائم ولا يغل منها شيئا بل يحمل ~~جميعه إلى المغنم ليقسم بين الغانمين الذين حضروا الوقعة لأن لكل واحد فيها ~~حقا PageV01P622 # الرابع أن لا يحابي في نصره دين الله ذا قرابة أو مودة فإن حق الله تعالى ~~أوجب ونصرة دينه ألزم قال الله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من ms095 الحق @QE@ ~~PageV01P623 # وأما ما يلزم الجيش من حق الملك فأربعة أشياء أحدها التزام طاعته والدخول ~~في ولا يته والقبول لنهيه وامره ما لم يأمرهم بالمعصية فإن طاعه الملك ~~واجبة في غير المعصية لقوله تعالى @QB@ يا أيها الذين آمنوا @QE@ ~~PageV01P624 أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) قال ابن عباس ~~رضي الله PageV01P625 عنه أولوا الأمر هم الأمراء قال رسول الله صلى الله هليه وسلم ~~اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي فأما إذا أمر بمعصية ~~PageV01P626 فلا يجوز طاعته لقوله صلى الله هليه وسلم لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق # الثاني أن يفوضوا أمرهم إلى رأيه ويكلوه إلى تدبيره حتى لا تختلف ~~PageV01P627 # آراؤهم فتختلف كلمتهم ويفترق جمعهم فإن ظهر لهم صواب في شيء خفى على ~~الملك فينبغي أن يبينوه له سرا ليرجع به إلى الصواب # والثالث المسارعة إلى امتثال أمره ونهيه في غير المعصية # الرابع أن لا ينازعه في شيء من قسمة الغنائم إذا قسمها فيهم بل ~~PageV01P628 # يرضوا به في القسمة فإنه يساوي بينهم فيها كما سوى الله تعالى فيها بين ~~القوي والضعيف وماثل بين الدني والشريف وسنذكر صفة القسمة في بابها إن شاء ~~الله تعالى PageV01P629 ### | الباب السادس عشر في مصابرة المشركين # إذا تقاتل فريق المؤمنين وفريق المشركين وجب على الملك مصابرتهم ما صبروا ~~وإن طالت بهم المدة ولا يولى عنهم وبه قوة فقد قال الله عز وجل @QB@ يا ~~أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون @QE@ ~~قال الحسن معناه اصبروا على طاعة PageV01P630 الله وصابروا أعداء الله ~~ورابطوا في سبيل الله PageV01P631 PageV01P632 # وينبغي للملك أن يرتب جيشه ويجعل لكل طبقة من أعدائه أشباههم من جيشه ~~فإنهم كالماء في الأذن إذا دخلها فلا حيلة أرفق في إخراجه من الماء الذي هو ~~من جنسه وإذا حمل على أعدائه فليكن كالنهر إذا جرى لا انثناء له ولا رجعة ~~حتى يبلغ غايته ومنتهاه من مغيضة وكذلك ينبغي أن يشتد الملك في حملته حتى ~~يوغل في عدوه ويبلغ غايته منه # وإذا دعي أحد من المشركين إلى البراز جاز ms096 للمسلم أن يخرج إليه ~~PageV01P633 لأن أبي بن خلف دعا رسول الله صلى الله هليه وسلم في يوم أحد إلى البراز فبرز ~~إليه فقتله PageV01P634 # وفي يوم بدر برز من المشركين ثلاثة نفر وهم عتبة بن ربيعة وابنه الوليد ~~وأخوه شيبة بن ربيعة ودعوا إلى البراز فبرز إليهم من الأنصار PageV01P635 ~~عوذ ومعاذ أبناء عفراء وعبد الله بن رواحة فقالوا إنا لا نعرفكم فليبرز ~~إلينا أكفاؤنا من قريش فبرز إليهم ثلاثة من بني هاشم وهم علي بن أبي طالب ~~وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث بن PageV01P636 المطلب فأما علي رضي ~~الله عنه فبرز إلى الوليد فقتله وبرز حمزة إلى عتبة فقتله وبرز عبيدة إلى ~~شيبة فاختلفا في ضربتين أثبت كل واحد منهما صاحبه فمات شيبة لوقته وحمل ~~عبيدة حيا فمات بعد ذلك # وروي أن عمرو بن ود العامري دعا إلى البراز يوم الخندق في أول يوم فلم ~~يجبه أحد ثم دعا إلى البراز في اليوم الثاني فلم يجبه أحد ثم دعا ~~PageV01P637 # في اليوم الثالث فلم يجبه أحد فقال يا محمد ألستم تؤمنون أن قتلاكم في ~~الجنة عند ربهم يرزقون وقتلانا في النار يعذبون فما يبالي أحدكم أن يقدم ~~على كرامة من ربه ويقدم عدوه إلى النار ثم أنشد # ولقد دنوت إلى الندا %~% ء لجمعهم هل من مبارز # ووقفت إذ جبن المشجع %~% موقف القرن المناجز # إني كذلك لم أزل %~% متسرعا نحو الهزاهز # إن الشجاعة في الفتى %~% والجود من خير الغرائز # قال فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فاستأذن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في مبارزته فأذن له وقال أخرج إليه في حفظ الله وعياذته فخرج علي ~~رضي الله عنه وهو يقول # إبشر أتاك مجيب صو %~% تك في الهزاهز غير عاجز # ذو نيه وبصيرة %~% يرجو الغداة نجاة فائز # إني لأرجو أن أق %~% يم عليك نائحة الجنائز # من طعنة نجلاء يب %~% هر ذكرها عند الهزاهز PageV01P638 # قال فتجاولا ساعة ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه وثارت بينهما عجاجة ~~أخفتهما عن الأبصار ms097 ثم انجلت عنهما وإذا علي رضي الله عنه يمسح سيفه بثوب ~~عمرو وهو قتيل # وإذا أراد المسلم أن يدعو إلى البراز مبتدئا جاز له ذلك لأن جماعة من ~~الصحابة رضي الله عنهم فعلوه وقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سئل عن المبارزة بين الصفين فقال لا بأس وينبغي PageV01P639 # أن لا يبارز إلا من اشتهرت قوته وعلمت شجاعته لأن الضعيف إذا بارز لم ~~يؤمن أن يقتل فتضعف قلوب المسلمين # ويجوز لآحاد الجيش أن يحمل منفردا على جيش المشركين وقد كان يفعل ذلك ~~جماعة من الصحابة رضي الله عنهم # وروي أن الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية حضرت حرب القادسية ومعها ~~بنوها الأربعة فقالت لهم يا بني أسلمتم طائعين PageV01P640 وهاجرتم مختارين ~~ووالله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنوا رجل واحد كما أنتم بنوا امرأة واحدة ~~ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم وقد تعلمون ما ~~أعد الله تعالى من الثواب للمسلمين في حرب الكافرين واعلموا أن الدار ~~الباقية خير من الدار الفانية لقول الله تعالى @QB@ ولا تحسبن الذين قتلوا ~~في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون @QE@ فإذا رأيتم الحرب غدا ~~قد شمرت عن PageV01P641 ساعداها واضطرمت لظى على ساقها فتيمموا وطيسها ~~وجالدوا رئيسها تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة قال فخرج ~~بنوها من عندها قابلين لنصحها فلما كان الصبح باكروا مراكزهم فحين تقابل ~~الصفان حمل أحدهم على جيش المشركين وهو ينشد ويقول # يا إخوتا إن العجوز الناصحة %~% قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة ~~PageV01P642 # مقالة ذات بيان واضحة %~% فبادروا الحرب الضروس الكالحة # فأنتم بين حياة صالحة %~% وميتة تورث غنما رابحة # فلم يزل يضربهم بسيفه ويطعنهم برمحه حتى استشهد رحمه الله تعالى ثم حمل ~~الثاني وهو يقول # قد أمرتنا بالسداد والرشد %~% نصيحة منها وبرا بالولد # فباكروا الحرب حماة في العدد %~% إما بفوز بارد على الكبد # أو ميتة تورثكم غنم الأبد %~% في جنة الفردوس والعيش الرغد PageV01P643 # فلم يزل يضربهم بسيفه ويطعنهم برمحه حتى ms098 استشهد رحمه الله ثم حمل الثالث ~~منهم وهو يقول # نصحا وبرا صادقا ولطفا %~% فبادروا الحرب العوان زحفا # حتى تكفوا آل كسرى كفا %~% وتكشفوهم عن حماكم كشفا # إنا نرى التقصير عنهم ضعفا %~% والقتل فيهم نجدة وعرفا # فلم يزل يقاتل فيهم حتى استشهد رحمه الله # ثم حمل الرابع منهم وهو يقول # لسنا لخنساء ولا للأكرم %~% أعني عمرا ذا السماح الأقدم # إن لم أرد في الحرب جيش الأعجم %~% إما لفوز عاجل أو مغنم # أو لوفاة في السبيل الأكرم %~% # فلم يزل يطعن فيهم برمحه حتى استشهد رحمه الله تعالى فلما بلغ خنساء ~~الخبر قالت الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن PageV01P644 ~~يجمعني وإياهم في مستقر رحمته فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ~~أعطوا الخنساء أرزاق أولادها الأربعة وأجروا عليها ذلك حتى تقبض قال فلم ~~تزل تأخذ عن كل واحد منهم مائتي درهم في كل شهر حتى قبضت رضي الله عنها ~~وينبغي أن يكون سواد العسكر وجمهور الموكب كامتداد النهر إذا طمي وزجر لا ~~يمر بشيء إلا علاه وغرقه PageV01P645 ### | الباب السابع عشر في معرفة قتال أهل الردة وأهل البغي وقطاع الطريق # نقتصر في هذا الباب على ذكر ما يجوز للملك فعله ونوضح قواعد المذهب في ~~ذلك من غير ذكر خلاف ولا تطويل ليقع الفعل في ممارستهم موافقا للشرع وهو ~~ثلاثة فصول PageV01P646 ### || الفصل الأول في معرفة قتال أهل الردة # إذا حكم بإسلام قوم ثم ارتدوا عن دين PageV01P647 # الإسلام إلى أي دين خالفه لم يجز إقرارهم عليه لأن الإقرار بالحق يوجب ~~التزام أحكامه ثم لم يخل حال أهل الردة من أمرين # أحدهما أن يكونوا في دار الإسلام أفرادا لم يتحيزوا بدار يمتنعون ~~PageV01P648 بها ويتميزون عن المسلمين فيها # الثاني أن يتجاوزوا إلى دار ينفردون بها عن المسلمين حتى يصيروا فيها ~~ممتنعين # فإن كانوا في دار الإسلام منفردين فلا حاجة إلى قتالهم لدخولهم تحت ~~القدرة بل يجب أن يأخذهم بالتوبة مما دخلوا فيه من الباطل فإن تابوا قبلت ~~توبتهم وأجري عليهم حكم الإسلام ms099 وممن أقام منهم على PageV01P649 ردته بعد ~~ذلك وجب قتله رجلا كان أو امرأة لقوله صلى الله PageV01P650 عليه وسلم من ~~بدل دينه فاقتلوه PageV01P651 # واختلف العلماء في كيفية قتل المرتد والوقت الذي يقتل فيه فمنهم من قال ~~يقتل في الحال لأن حق الله تعالى إذا وجب لا يجوز تأخيره ومنهم من قال يؤجل ~~ثلاثة أيام لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنظر المستورد العجلي بالردة ~~ثلاثة أيام ثم قتله بعد ذلك PageV01P652 PageV01P653 # ويقتل ضربا بالسيف ومنهم من قال يقتل ضربا بالخشب وإذا قتل لم يغسل ولم ~~يكفن ولم يصل عليه ولم يدفن في مقابر PageV01P654 المسلمين ويكون ماله فيئا ~~في بيت مال المسلمين # وأما إذا انحاز أهل الردة إلى دار ينفردون بها عن المسلمين حتى صاروا ~~فيها ممتنعين وجب قتالهم على ردتهم ويجري على قتالهم حكم قتال أهل الحرب في ~~جواز قتلهم غرة وبياتا ومقبلين ومدبرين ومن أسر منهم جاز قتله ولا يجوز ~~استرقاقه وإذا PageV01P655 غنمت أموالهم لم تقسم بين الغانمين بل يكون مال ~~من قتل منهم فيئا لبيت المال ومال من لم يقتل موقوفا على إسلامه فإن عاد ~~إلى الإسلام رد عليه ماله PageV01P656 ### || الفصل الثاني في معرفة قتال أهل البغي # وإذا خرجت طائفة من المسلمين وخالفوا رأي الجماعة وانفردوا PageV01P657 ~~عنهم وخرجوا عن قبضة الإمام الأعظم وتحيزوا بدار وامتنعوا بمنعة وجب قتالهم ~~بعد أن ينذرهم ويسألهم ما تنقمون لأن عليا رضي الله عنه PageV01P658 بعث ~~عبد الله بن عباس إلى الخوارج فسألهم ما تنقمون منه ثم PageV01P659 ~~PageV01P660 تأخذهم وانذرهم فإن رجعوا إلى الطاعة فكف عنهم فإن أبوا قاتلهم ~~لقوله تعالى @QB@ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله @QE@ ~~PageV01P661 # وقد قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة PageV01P662 وقاتل ~~علي رضي الله عنه الخوارد بالنهروان وقاتل معاوية بصفين PageV01P663 # واعلم أن قتالهم يخالف قتال المشركين من تسعة اوجه # أحدهما لا يهجم عليهم غرة ولا بياتا ويجوز ذلك في قتال المشركين # الثاني أن يقصد ms100 بقتلهم ردهم وردعهم ورجوعهم إلى الحق ولا يعمد إلى قتلهم # الثالث يقاتلهم مقبلين ويكف عنهم مدبرين PageV01P223 حذف PageV01P224 ~~PageV01P225 # الرابع أن لا يجهز على جريحهم # الخامس أن لا يقتل أسراهم PageV01P665 # السادس أن لا يغنم أموالهم ولا يسبي ذراريهم # السابع أن لا يستعين في قتالهم بمشرك معاهد ولا ذمي # الثامن أن لا يهادنهم إلى مدة ولا يوادعهم على مال فإن هادنهم إلى مدة لم ~~تلزم فإن ضعف عن قتالهم انتظر بهم القوة عليهم وإن وادعهم على مال بطلت ~~الموادعة ثم ينظر في المال فإن كان من صدقاتهم أو خراجهم لم يرده عليهم وإن ~~كان من خالص أموالهم رده عليهم ولا يجوز أن يتملكه عليهم # التاسع أن لا ينصب عليهم العرادات والمنجنيقات PageV01P666 ولا يحرق ~~عليهم المساكن ولا يقطع أشجارهم لأن دار الإسلام تمنع ما فيها كل ذلك بخلاف ~~قتال المشركين # فإن أحاطوا بأهل العدل وخافوا منهم الاصطدام جاز أن يدفعوا عنهم ما ~~استطاعوا من اعتماد قتلهم ونصب المنجنيقات عليهم وحريقهم وغير ذلك لأن ~~المسلم إذا أريدت نفسه جاز له الدفع عنها بقتل من أرادها إذا كان لا يندفع ~~إلا بالقتل ولا يجوز أن ينتفع بدوابهم ولا أسلحتهم ولا يستعان به في قتالهم ~~وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى يجوز ذلك كله PageV01P667 ### || الفصل الثالث في معرفة قتال قطاع الطرق # وإن اجتمعت طائفة من أهل الفساد على شهر السلاح وقطع الطريق وأخذ الأموال ~~وقتل النفوس ومنع السبل فهم المحاربون الذين قال PageV01P668 الله تعالى في ~~حقهم @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون @QE@ PageV01P669 في ~~الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا ~~من الأرض # قال الشافعي رحمه الله ورضي عنه من قتل منهم وأخذ المال قتل وصلب بعد ~~قتله ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب ومن أخذ PageV01P670 المال ولم ~~يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ومن لم يقتل ولم يأخذ المال ولكنه رهب وأخاف ~~السبيل عزر بالحبس وهو النفي من الأرض وقال مالك رضي الله عنه من كان منهم ms101 ~~ذا رأي وتدبير قتل ومن كان ذا بطش وقوة قطع يده ورجله من خلاف ومن لم يكن ~~منهم ذا رأي ولا بطش عزر وحبس PageV01P671 PageV01P672 # واعلم أن قتال قطاع الطريق كقتال أهل البغي في عامة أحوالهم ويخالفه من ~~خمسة أوجه # أحدها أنه يجوز قتالهم مقبلين ومدبرين # الثاني يجوز أن يعمد إلى قتل من قتل منهم في حال الحرب بخلاف قتال أهل ~~البغي # الثالث أنهم يؤاخذون بما استهلكوه من دم أو مال في حال PageV01P673 الحرب ~~وغيرها بخلاف أهل البغي # الرابع أنه يجوز حبس من أسر منهم ليعلم براءة حاله من غير خلاف بخلاف أهل ~~البغي # الخامس أن ماجبوه من الخراج والصدقات يكون كالمأخوذ على وجه الغصب والنهب ~~لا يسقط عن أهل الخراج والصدقات ويكون غرمه مستحقا عليهم لمن أخذوه منهم ~~بخلاف أهل البغي PageV01P674 ### | الباب الثامن عشر في معرفة قسم الغنيمة والأنفال # إذا أخذ المسلمون من الكفار مالا PageV01P675 بإيجاف الخيل والركاب فهو ~~غنيمة يجب على الملك أن يقسمه بين الغانمين فيجعله خمسة أخماس خمس منها ~~لأهل الخمس الذين قال الله عز وجل في حقهم @QB@ واعلموا أنما غنمتم من شيء ~~فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل @QE@ ~~وأربعة PageV01P676 PageV01P677 # أخماس للغانمين PageV01P678 # وينبغي أن يقسم ذلك جميعه في دار الحرب لأن رسول الله صلى PageV01P679 # الله عليه وسلم قسم غنائم بني المصطلق على مياههم وقسم غنائم PageV01P680 ~~حنين بأوطاس وهوواد من حنين ولا يدخل سلب المقتول في القسمة بل يكون للقاتل ~~دون غيره لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل السلب للقاتل PageV01P681 ~~PageV01P682 # فإن كان الجيش كلهم فرسانا سوي بينهم في القسمة وكذلك إن كانوا رجالة وإن ~~كان بعضهم فرسانا وبعضهم رجالة جعل للراجل سهما واحدا وللفارس ثلاثة أسهم ~~بينهما سهما للرجل وسهمين للفرس ويجعل من قاتل ومن لم يقاتل في القسمة ~~PageV01P683 سواء وكذلك من حضر بفرسين أو أكثر لم يزد سهمه على من حضر بفرس ~~واحد وإذا بعث الملك سرية من PageV01P684 الجيش إلى جهة الكفار فغنمت ~~السرية شاركهم في ذلك أهل الجيش وكذلك إن ms102 غنم أهل الجيش شاركهم أهل السرية ~~لأن رسول الله صلى الله هليه وسلم لما هزم هوزان بحنين أسرى سرية قبل أوطاس فغنمت فقسم ~~غنائمهم بين الجميع ومن فعل من أهل الجيش PageV01P685 فعلا يفضي إلى الظفر ~~بالعدو كالتجسس والدلالة على الطريق أو قلعة أو التقدم بالدخول إلى دار ~~الحرب جاز للملك أن ينفله من الغنيمة بزيادة على سهمه لأن رسول الله صلى الله هليه وسلم ~~كان يفعل ذلك وبالله التوفيق PageV01P686 ### | الباب التاسع عشر فيما ينبغي للملك أن يفعله عند قفوله بالجيش # ينبغي للملك إذا قفل بالجيش من غزاة أو سفر أن يفعل كما كان يفعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في قفوله من غزواته وأسفاره كان يكبر على كل شرف ~~من الأرض ثلاث تكبيرات ويقول لاإله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله ~~الحمد يحيى ويميت وهو حى لايموت بيدة الخير وهو على كل شيء قدير آيبون ~~تائبون عابدون ساجدون لربنا PageV01P687 حامدون صدق الله وعده ونصر عبدة ~~وأعز جندة وهزم الاحزاب وحدة كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإلية ترجعون # وينبغي إذا اشرف على مدينته أن يحرك دابته ويقول اللهم اجعل لنا بها ~~قرارا ورزقا حسنا ثم يرسل إلى نوابه وأهل مدينته فيخبرهم بقدومه ليخرجون ~~إلى لقائه لأن الرعية ينتعشون بطلعة الملك عليهم ورجوعه إليهم كانتعاش ~~النبت بوابل القطر # وإذا دخل البلد فليقصد المسجد وليصل فيه ركعتين كذلك كان يفعل رسول الله ~~صلى الله هليه وسلم # وإذا دخل منزله واستقر على سريره فليقل توبا توبا لربنا أوبا لا يغادر ~~خطيئة ولا حوبا ثم يرفع حجابه ويفتح بابه ويأذن لوجوه بلدته وبياض رعيته ~~بالدخول إليه لتهنئته بما أفاء الله عليه وحققه لديه من شمول النعمة وحسن ~~المنقلب ثم يكثر من الصدقة والصلات ويوسع في العطايا والهبات ويرد الغصوب ~~والظلامات ويكشف عن أحوال من حبسه من أهل الجنايات ويستكثر من صنائع ~~المعروف وأفعال البر فإنه PageV01P688 إذا فعل ذلك كان شاكرا لله تعالى ~~وكان لمزيد النعمة مستحقا ولتتابع الإحسان من الله ms103 مستوجبا PageV01P689 ### | الباب العشرون في الحث على استماع المواعظ وقبولها من النساك # اعلم أن استيلاء الدنيا على الملوك وإقبالها عليهم ربما شغلهم عن أمر ~~الآخرة وأغفلهم عن مهمات الدين فيجنحون إلى اللذات ويهملون أمر الديانات ~~لأن النفوس مطبوعة على الميل إلى الترف وإيثار التنعم وكراهة التكليف فلا ~~ينبغي أن تخلو مجالسهم من علماء الدين وأصالح المتنسكين لينهوهم عند طريان ~~الغفلة ويذكروهم عند ضراوة الشهوة ويوضحون لهم نهج الآخرة ومعالم الشريعة ~~وقد كان ذلك شعار الملوك الغابرين والخلفاء الراشدين في مجالسهم الحكماء ~~واستماع مواعظ العلماء وكانوا في ذلك ثلاث طبقات # فمنهم طبقة لما سمعوا الموعظة والتذكير نبذوا ملك الدنيا PageV01P690 ~~الذي يفنى ليعتاضوا عنه ملك الآخرة الذي يبقى وأخرجوا ذلك من قلوبهم ~~وايديهم واهتموا بأمر الآخرة والعمل لها لينالوا الفوز الاكبر والنعيم ~~الدائم . # ومنهم طبقة عند سماع الموعظة أخرجوا ملك الدنيا من قلوبهم ولم يخرجوه من ~~أيديهم واهتموا بأمر الآخرة مع بقائهم في الملك وهذه الطبقة مجاهدتهم عظيمة ~~ومثلهم في ذلك مثل من ألزم نفسه الظمأ وبحضرته نهر بارد ينظر إليه ويقدر ~~على تناول شربة وهذا كان مقام الخلفاء الراشدين وأمرائهم وعمالهم ومن سلك ~~سبيلهم # ومنهم طبقة أصمهم حب الدنيا ونيل لذاتها عن استماع المواعظ واعمى أبصارهم ~~عن كل مذكر وواعظ فآثروا اللذات على المهمات وقطعتهم الشهوات عن أمور ~~الديانات وسأذكر من أخبار هذه الطبقات الثلاث ما يكون فيه رياض لذوي ~~الأفكار ورياضات لأولي الأبصار والله اعلم بالصواب PageV01P692 ### || حكايات الطبقة الأولى خمس روضات ### ||| الروضة الأولى # ما حكاه أصحاب الحديث ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل عمير بن سعد ~~الأنصاري رضي الله عنه على حمص وأعمالها PageV01P962 فلبث بها سنة كاملة ~~فجلس يوما وعنده رجل من أصحاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان قد أتاه ~~يستدعي منه ما اجتمع عنده من المال فحضر عنده رجل معاهد فجعل يتكلم ويرفع ~~صوته فقال له عمير اسكت أخزاك الله # فقال له الرجل الذي عنده من اصحاب عمر يا عمير أما سمعت رسول الله صلى الله ms104 هليه وسلم ~~يقول أنا ولي خصم المعاهد واليتيم ومن خاصمه خصمته يا عمير اتق من فوقك ~~يتقك من تحتك وكما تحب أن يصنع الله بك فاصنع برعيتك قال فبكى عمير بكاء ~~شديدا ثم انثنى إلى منزله فعمد إلى جراب زاده واداته وقصعته فعلقهن على ~~عصاة PageV01P963 وحملهن على عاتقه وخرج من حمص ماشيا حتى قدم عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه فسلم عليه فرد عليه السلام متثاقلا ثم قال له عمير ما ~~هذا الذي أرى بك من سوء الحال أمرضت بعدي أم بلادك بلاد سوء أم هذه خديعة ~~منك فقال له عمير يا امير المؤمنين ألم ينهك الله عز وجل عن التجسس ثم ما ~~الذي ترى بي من سوء الحال ألست تراني صحيح البدن قد جئتك أحمل الدنيا فقال ~~له عمر وما الذي جئت به من الدنيا قال جرابي فيه زادي وإداتي فيها مائي ~~لشرابي ووضوئي وقصعتي لعجيني وعكازي أذب بها عن نفسي قال عمر صدقت رحمك ~~الله فما فعل المسلمون قال عمير تركتهم يوحدون الله تعالى ويصلون ولا ~~تسألني عما وراء ذلك قال فما فعل أهل لذمة قال أخذنا منهم الجزية عن يد وهم ~~صاغرون قال فما اجتلبت من المال قال ما أنت وذاك إني لما قدمت حمص اجتهدت ~~رأي وجمعت من بها من المسلمين فاخترت منهم رجالا فاستعملتهم ثم نظرت فيما ~~اجتمع من المال فقسمته في أهله ولو كان عندنا فضل لأتاك فقال يا عمير واين ~~راحلتك قال لم يكن لي راحلة فقال أما كان في رعيتك من يتبرع لك بدابة ~~تركبها بئس المسلمون وبئس المعاهدون ثم قال لابنه عبد الله جئني بصحيفة ~~لأجدد لعمير عهدا ليرجع إلى عمله فقال عمير لا والله لا أعمل على شيء أبدا ~~قال عمر ولم ذاك PageV01P694 قال لأني ما نجوت فإني قلت يوما لمعاهد أخزاك ~~الله وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ولي خصم المعاهد واليتيم ~~ومن خاصمه خصمته فنهض عمر وأخذ بيد عمير ثم أتى قبر رسول الله صلى ms105 الله ~~عليه وسلم فقال السلام عليك يا رسول الله ثم قال السلام عليك يا أبا بكر ثم ~~بكا عمر وقال ماذا لقيت بعدكما اللهم ألحقني بصاحبي لم أغير ولم أبدل وبكا ~~معه عمير طويلا ثم قال يا عمير الحق بأهلك وكان أهله على مسيرة ثلاثة فراسخ ~~من المدينة قال ثم قدم بعد ذلك رجل على عمر بمال من عند بعض عماله فدعى ~~رجلا من أصحابه اسمه حبيب فدفع إليه صرة فيها مائة دينار وقال انطلق إلى ~~منزل عمير فأقم عنده ثلاثا وتفقد حاله ثم أعطه هذه الصرة فأتاه حبيب فوجده ~~بفناء بيته يتفلى في الشمس فسلم عليه فقال له عمير من أين أقبلت قال من ~~المدينة قال كيف تركت عمر قال صالحا قال لعله جار في الحكم قال لا قال ~~فلعله وضع PageV01P695 السوط في أهل القبلة قال لا ولكنه ضرب ابنا له الحد ~~فمات فقال اللهم اغفر لعمر فإنه يحبك ويحب رسولك ويحب إقامة الحد فنزل عنده ~~حبيب ثلاثة أيام يقريه كل يوم قرصا مأدوما بزيت فلما انقضت الثلاث قال له ~~عمير ارتحل عنا رحمك الله فقد أجعتنا وإنك لم تصادف عندنا فضلا ولكن آثرناك ~~فقال له حبيب خذ هذه الصرة فإن عمر بعثها إليك فلما صارت في يده قال صحبت ~~رسول الله صلى الله هليه وسلم فلم نبتل بشيء من الدنيا وصحبت أبا بكر كذلك ثم صحبت عمر فشر ~~أيامي يوم صحبت عمر وجعل ينتحب ويبكي فقالت له امرأته لا تبك رحمك الله ~~ضعها حيث شئت قال صدقت فاطرحي إلي بعض خلقانك ففعلت فجعل يصر الدنانير ~~ثلاثة وأربعة وفوق ذلك حتى قسمها في فقراء جيرانه وعاد حبيب إلى عمر فأخبره ~~فارتاع لذلك ولبث أياما واستدعى عميرا فقال له ما صنعت بالدنانير قال ~~أقرضتها ربي ليوم فقري قال هل عليك دين PageV01P696 قال لا فأمر عمر رضي ~~الله عنه له بوقر بعير تمرا وبثوبين فقال أما الثوبان فاقبلهما وأما التمر ~~فلا حاجة بي إليه لأني قد تركت عند أهلي صاعا من ms106 الشعير وهو مبلغهم إلى وقت ~~ثم انصرف عمير إلى أهله فقال ما لبث أن توفي فجزع عليه عمر رضي الله عنه ~~وقال لأصحابه تمنوا فتمنوا فقال لكني أتمنى رجالا مثل عمير استعين بهم على ~~أمور المسلمين PageV01P697 ### ||| الروضة الثانية # ما حكاه الأصمعي قال ركب النعمان بن أمرئ القيس بن عمرو الأكبر حتى أشرف ~~على الخورنق وهو الذي بناه فلما نظر PageV01P698 إلى ما حوله وكان في فصل ~~الربيع وقد أخذت الأرض زينتها فرح طرفة مليا فيما حوله وكان معجبا بالشقائق ~~التي يقال لها شقائق النعمان ومن أجل إعجابه بها وتتبعه لها في الرياض نسبت ~~إليه قال وكان هناك روضة شقائق فلما تأملها ورأى حسن تنضد الشقيق في منابته ~~وقنو حمرته وخضرة سوقه وميسه وهبوب النسيم عليه وتناثر القطر في أرجائه ~~ارتاح قلبه إليه فأمر أن يبسط له بإزاء تلك الروضة بساط وشى من الحرير ~~المخمل فكان البساط كأنه روضة مختلفة بأصناف النوار وضربت عليه قبة من ~~الديباج الأحمر منضدة من الحشايا بما يضاهيها ويجانسها في PageV01P699 ~~لونها ولبس من ثياب الحرير افضل ما عنده ثم جلس في تلك القبة مواجها لتلك ~~الروضة وعنده أكابر قواده وخواص مملكته ووجوه رعيته وفيهم عدي بن زيد قال ~~فأعجب الملك بما هو فيه فقال لجلسائه هل رأيتم مثل ما أنا فيه أو علمتم أن ~~أحدا أوتي مثل ما أوتيت قالوا لا أيها الملك ما رأينا مثلك وعدي بن زيد ~~ساكت لا يتكلم فنظر إليه الملك مستدعيا لكلامه فقال عدي أيها الملك إن أذنت ~~لي تكلمت فقال تكلم قال أرأيت ماجمعت أشيء هو لك لم يزل أم شيء كان لمن كان ~~قبلك زال عنه وصار إليك قال بلى كان لمن كان قبلي ثم صار إلي قال أفيزول ~~عنك إلي غيرك أم يبقى إليك قال بلى يزول PageV01P700 عني ويصير إلي غيري ~~قال فأراك أيها الملك سررت بشيء تذهب عنك لذته ويبقى عليك تبعته تكون فيه ~~قليلا وترتهن فيه طويلا قال فبكى النعمان وقال له يا عدي فأين المهرب قال ms107 ~~أحد أمرين الأول أن تقيم في ملكك وتعمل بطاعة ربك على ما سرك وساءك والثاني ~~أن تضع تاجك وتخلع أطمارك وتلبس أمساحك ثم تلحق ببعض الجبال وحدك تعبد ربك ~~حتى يأتيك أجلك قال إذا فعلت ذلك فمالي عنده قال حياة لاتموت وشباب لايهرم ~~وصحة لاتسقم وملك جديد لايبلى قال وكل ما أرى إلى فناء وزوال قال نعم قال ~~فأي خير فيما يفنى ويزول ثم إنه ركب من موضعه وسار طالبا قصره وإلى جانبه ~~عدي بن زيد فأتوا على مقبرة فقال عدي أتدري ما تقول هذه المقبرة أيها الملك ~~قال لا قال إنها تقول # أيها الركب المحثون %~% على الأرض المجدون # كما أنتم كذا كنا %~% كما نحن تصيرون # قال ثم ساروا فمروا بشجرات متناوحات عند عين جارية فقال عدي أيها الملك ~~أتدري ما تقول هذه الشرجات قال لا قال إنها تقول PageV01P701 # من رآنا فليحدث نفسه %~% أنه موف على قرن زوال # وصروف الدهر لايبقى لها %~% ولما تأتي به صم الجبال # رب ركب قد أناخوا حولنا %~% يشربون الخمر بالماء الزلال # عمروا دهرا بعيش حسن %~% أفن ربي دهرهم غير عجال # ثم أضحوا عصف الدهر بهم %~% وكذاك الدهر حالا بعد حال # فلما انتهى الملك إلى قصره التفت إلى عدي وقال قد علمت أن المقبرة ~~والشجرات لا يتكلمن وإنما قصدت بذلك عظتي وقد حصلت الموعظة فإذا كان السحر ~~أحضر عندي فإن عندي خيرا حتى أطلعك عليه فلما كان وقت السحر حضر عنده عدي ~~فوجده قد لبس مسوح الشعر وأخذ أهبة السياحة فودع عديا ثم ارتقى إلى جبل فلم ~~يزل هناك يعبد ربه حتى لحق به رحمه الله تعالى PageV01P702 ### ||| الروضة الثالثة # ما روى نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال كان فيمن سلف ملك دان ~~له الناس فلما أعجب بملكه قال لوزرائه وقهارمته ابنوا لي دارا لايكون فيها ~~عيب ففعلوا ذلك قال اتخذوا لي فيها طعاما لايكون فيه عيب ففعلوا ذلك وأمر ~~أن يدعى الناس إلى طعامه في تلك الدار ثم أقعد بالباب رجلين وأمرهما ms108 أن ~~يسألا كل من خرج من الدار هل رأى فيها عيبا أو في الطعام قال فمر بهما ~~رجلان عليهما ثياب الشعر فسألاهما فقالا نعم رأينا في الدار عيبين قبيحين ~~قال وما هما قالا رأينا دارا تخرب PageV01P703 وصاحبها يموت فمضيا وأخبر ~~الملك بما قالا فأحضرهما وسألهما فذكرا له ذلك فأطرق الملك ساعة ثم قال ~~لهما فهل تعرفان دارا لا تخرب ولا يموت صاحبها قال نعم قال وأين هي فقالا ~~هي دار الله تعالى ربنا وربك وهي الجنة التي يدوم نعيمها ولا يزول ملكها ~~قال فصفاها لي فوصفاها له قال وبأي شيء تنال هذه الدار فقالا بعبادة الله ~~تعالى والانقطاع إليه قال وكيف تكون العبادة فشرحا له الدين فوقع في قلبه ~~أنه الحق فقال لهما أقيما عندي هذه الليلة حتى أنظر فيما ذكرتماه لي فإن ~~أقمت في ملكي جعلتكما وزيرين لا أعصيكما وإن خرجت منه تبعتكما على أمركما ~~ثم قام فدخل على ابنه له وكانت عاقلة فهمة فقص ما ذكراه له # وأخبرهما أنه تارك لملكه وخارج معهما فقالت يا أبتي تنجي نفسك وتتركني ~~أهلك قال يا بنية أنت عورة فكيف أصنع بك فقالت إني أكف شخصي فلا يعلم أحد ~~أذكر أنا أم أنثى قال فاخلعي ثيابك واحترمي ففعلت ذلك وخرجت مع أبيها إلى ~~الرجلين فقال لهما سيروا بنا ما دام علينا ظلام الليل وهذا ولدي معي فساروا ~~حتى قطعوا المدينة وخرجوا منها ثم ساروا حتى جاوزوا مملكة ذلك الملك ثم ~~ساروا حتى بلغوا إلى دير فقالا له هذا موضعنا الذي نعبد ربنا فيه فدخلوا ~~إليه جميعا فأقام عندهما مدة طويلة يتعلم منهما الدين وأحكام الشريعة ثم ~~تجهز للخروج عنهما فقالا له ما شأنك هل آذاك أحد منا قال لا ولكني أراكما ~~تكرماني لما كنت فيه من الملك فأريد أن آتي موضعا لا أعرف فيه PageV01P704 ~~فأكون في غمار الناس فتركاه ومضى حتى أتى ديرا كبيرا كثير الأهل فيه مساكن ~~كثيرة فقال هل من منزل فقيل له ادخل فدخل واختار مسكنا فكان هو وابنته ms109 ~~يعبدان الله تعالى فيه وكان لأهل ذلك الدير مزرعة وعلى كل رجل من سكان ~~الدير حراستها سنة كاملة فبلغت النوبة إلى الشيخ وكان مريضا فقيل له في ذلك ~~فقال إن عذري واضح فقالت له ابنته يا ابت انا أخرج عنك فخرجت إلى المزرعة ~~وهي مستترة فما كان يراها الناس إلا قائمة تصلي أو في أمر هي به مغتبطة قال ~~وكان بقربهم دير صغير ينسب إلى رجل بعينه وكانت له أبنة جميلة فجاءت تلك ~~الابنة فاتصلت بها وهي تظن أنها غلام فجعلت تعرض عليها نفسها وجعلت تلك ~~تعتصم بها من شرها فلما رأت الجارية أنها لا تفعل قالت والله لاهلكنك ~~ولاهلكن أباك ثم أنها ذهبت إلى راعي فأمكنت نفسها منه فحملت فلما عظم بطنها ~~قال لها أبوها ما هذا قالت إني كنت عند ولد الشيخ مطمئنة إليه لما رأيت من ~~كثرة عبادته واجتهاده وكان هذا منه فجاء أبوها واهل ديره فأخبروا أهل ذلك ~~الدير الكبير بذلك وقالوا لا ينبغي أن يكون هذا الشيخ وولده عندكم وهموا ~~بإخراجه إلا أنه لشدة مرضه لم يقدروا على ذلك ثم توفى الشيخ مكانه فلم ~~يأخذوا في جهازه فقال علماؤهم إنه لا ذنب له فاغسلوه وكفنوه وادفنوه ~~واطردوا ابنه فلا يدخل ديركم ففعلوا ذلك فقال دعوني ابني لي بيتا في ~~الصحراء أحرس نفسي فيه من السباع فبنت لها بيتا فكانت فيه تعبد الله تعالى ~~وتزور قبر أبيها حتى كانت ليلة من الليالي مر بها رجل من PageV01P705 أهل ~~الدير فإذا باب بيتها مفتوح فناداه يا فتى فأجابته بصوت ضعيف فقال أحسبك ~~مريضا قال نعم قال فهل لك حاجة قال نعم إذا انا مت فلا تكشفوني ولا تنزعوني ~~أثوابي واغسلوني فيها وادفنوني إلى قبر أبي فقد حفرت إلى جانبه قبرا ثم ~~أصبحوا فإذا قائل يقول مات الفتى ولد الشيخ فقال علماؤهم لا نغير سنتنا ~~أبعثوا إليه من يغسله مجردا من ثيابه ثم كفنوه وادفنوه إلى جانب قبر أبيه ~~كما اوصى قال فلما جاء الرجال فكشفوا عنها ليغسلوها فوجدوها ms110 امرأة فغطوها ~~وتنادوا في الدير إن الذي طردتموه إنما هو امرأة فابعثوا إليها النساء ~~فغسلوها فلما جهزوها حشدوا إلى الصلاة عليها جميع من في تلك الأرض ثم ~~دفنوها إلى جانب قبر أبيها قال عبد الله بن عمر فلقد كان اهل تلك الناحية ~~إذا قحطوا جاؤوا إلى قبريهما فاستقوا الله تعالى فيسقون والله سبحانه ~~وتعالى أعلم PageV01P706 ### ||| الروضة الرابعة # ما حكي أن ملكا من اليونان قام من منامه في بعض الغدوات فأتته القيمة على ~~ملابسه بثيابه فلبسها ثم ناولته المرآة فنظر فيها وجهه فرأى في لحيته شعرة ~~بيضاء فقال لها هات المقراض فأتته به فقصها فتناولتها الجارية وكانت حكيمة ~~لبيبة عاقلة فوضعتها في كفها وأصغت إليها بأذنها والملك ينظر إليها فقال ما ~~هذا الذي تصنعين قالت استمع ما تقول هذه الشعرة التي عظم مصابها بمفارقة ~~الكرامة لما سخطها الملك فأقصاها فقال الملك وما الذي سمعت من قولها فقالت ~~زعم PageV01P707 قلبي أنه سمعها تقول كلاما لا يجترىء عليه لساني خوفا من ~~سطوة الملك فقال لها الملك قولي ما شئت آمنة إن لزمت قانون الحكمة فقالت ~~إنها تقول أيها المسلط إلى أمد قصير إني كنت قد علمت منك البطش بي ~~والاعتداء علي إذا ظهرت على ظاهر بشرتك فلم أظهر في وقتي هذا حتى عهدت إلى ~~أخواتي من بعدي في الأخذ بثأري منك أما باستيصالك وأما بتنغيص لذتك وتنقيص ~~قوتك حتى تعد الموت راحة لك قال فقال لها الملك اكتبي كلامك فكتبته له في ~~لوح فجعل يتدبره ساعة ثم نهض مبادرا فأتى هيكلا من هياكلهم فنزع عنه تاجه ~~وثياب الملوك وتزيا بزي النساك وبلغ ذلك أهل مملكته فبادروا إليه وطالبوه ~~بأن يعود إلى ملكه وتدبيره فامتنع عليهم وسألهم إقالته وتمليك غيره ~~فامتنعوا عليه وهموا بأخذه قهرا فاصطلح أهل الهيكل معهم على أن يتركوه في ~~الهيكل يعبد ربه ويستنيب غيره فيما يستناب في مثله من الأمور ويلي هو غير ~~ذلك من الأمور العظام بنفسه مع إقامته في الهيكل فلبث على هذا الأمر حتى ~~قبضه الله الله ms111 تعالى إليه PageV01P708 ### ||| الروضة الخامسة # ما حكاه أبو عبد الله محمد بن أبي محمد بن ظفر الحجازي رحمه الله تعالى ~~أن ملكا من ملوك الآن كان كافرا عاتيا متكبرا حديث PageV01P709 السن مستحكم ~~الغرة وكان إذا ركب لم يرفع أحد صوته إلا بالثناء عليه وكان له وزير مؤمن ~~بالله تعالى قد أدرك بعض حواري المسيح وهو يكتم إيمانه ويتحين وقتا يمكن ~~فيه دعوة الملك إلى الله تعالى فركب الملك يوما فسمع شيخا رافعا صوته لبعض ~~شأنه فقال لبعض الأعوان خذوه فلما أخذوا ذلك الشيخ قال إن ربي الله فقال ~~الوزير خلوا عنه فخلى عنه الأعوان فاشتد غضب الملك على الوزير ولم يمكنه ~~الإنكار عليه في ذلك المقام فسكت ليوهم الناس أن الوزير فعل ذلك بأمره فلما ~~عاد الملك إلى قصره أحضر الوزير وقال له # ما دعاك إلى مناقضة أمري بمشهد من عبيدي فقال له الوزير إن لم يعجل الملك ~~علي أريته وجه نصحي له وشفقتي عليه فيما أتيته فقال الملك أرني ذلك فإني لا ~~أعجل عليك فقال الوزير أسأل الملك أن يختبي في مجلسه هذا خلف حجاب ويكون ~~بحيث يرى ويسمع ما يكون مني فقعد الملك لذلك ثم إن الوزير أحضر قوسا جيدة ~~صنعها للملك بعض خدمه وكتب الصانع اسمه عليها فأعطى القوس غلاما له وقال له ~~إني سأحضر صانع هذه القوس فإذا حضر وحادثته فاقرأ أنت اسم صاحبها جهلا حتى ~~تعلم أنه قد سمعك ثم أكسرها وهو ينظر إليك فحضر القواس وفعل الغلام ما أمره ~~به الوزير فلما كسر القوس لم يتمالك صانعها أن PageV01P710 ضرب الغلام فشجه ~~فقال الوزير أتضرب غلامي بحضرتي قال نعم لأنه كسر القوس التي هي صنعتي ~~وعملي وهي في نهاية الجودة والحسن فلأي شيء كسرها وهو يعلم أنها صنعتي قال ~~الوزير فلعله ما علم أنها صنعتك قال بلى إن القوس قد أخبرته أنها صنعتي قال ~~الوزير أرأيت قوسا تخبر قال نعم إن اسمي كان مكتوبا عليها وقد قرأه وأنا ~~أسمع ثم إن الوزير صرف الصانع والغلام ثم ms112 قال للملك قد أوضحت لك نصحي ~~وإشفاقي عليك وذلك أنك لما أردت البطش بالشيخ أخبرك أن الله ربه فخفت عليك ~~من ربه أن يغضب له كما غضب هذا القواس لقوسه فقال له الملك وهل للشيخ رب ~~غيري قال الوزير ألم يره الملك شيخا والملك شاب فهل كان قبل أن يولد الملك ~~لا رب له فقال الملك إن أبي كان ربه قال الوزير فما بال الرب هلك والمربوب ~~بقي فسكت الملك ساعة ثم قال الآن علمت أن للملك والمملوك ربا لا يزول فهل ~~تعرفه قال الوزير نعم أعرفه قال صفه لي ودلني عليه فشرع الوزير يشرح له ~~صفات الخالق وأوضح له الدلالة على ذلك فانشرح صدر الملك للإيمان فآمن بالله ~~تعالى فلما رسخ في قلبه PageV01P711 التوحيد قال له أما لربنا خدمة نتقرب ~~إليه بها قال إنه غني عن كل شئ قال فما أمرنا بشيء إذا فعلنا حظينا عنده ~~قال بلى إن له وظائف أمرنا بها ورضي لنا فعلها ووعدنا عليها رضوانه والقرب ~~منه فسأله عنها فذكر له الصلاة والصيام وغيرهما من شرائع المسيح عليه ~~السلام # فعرفها الملك وراض نفسه بها حتى صارت له طبعا ثم قال يوما للوزير مالك لا ~~تدعو الناس إلى الله تعالى كما دعوتني فقال لأن الأمة ذات قلوب قسية وفهوم ~~قصية ونفوس عصية ولست آمنهم على نفسي فقال الملك أنا أفعله إن لم تفعله أنت ~~فقال الوزير ليعلم الملك أنهم إن لم تردهم هيبته عني لم تردهم عنه وسأقيه ~~بنفسي آيسا من النجاة فليحذرهم الملك على نفسه إن اجترؤا بالقتل ثم إن ~~الوزير أحضر وجوه أهل تلك المملكة وولاة أحكام رعاياه وأفاضلها فلما ~~اجتمعوا في منزله قام فيهم خطيبا ثم بالدعوة إلى التوحيد فتواثبوا عليه ~~فقتلوه ثم أتوا إلى الملك فأخبروه بما كان من وزيره فأظهره لهم الرضى بقتله ~~فانقلبوا عنه راضين ثم إن الملك ضاق صدره على وزيره فلما كان الليل لبس مسح ~~الشعر والتحق بالرهبان ونبذ ما كان فيه من الملك ولم يزل يعبد الله ms113 حتى قضى ~~نحبه PageV01P712 ### || وهذه حكايات الطبقة الثانية من الملوك وهي خمس روضات أيضا ### ||| الروضة الأولى # ما حكاه مالك بن أنس رضي الله عنه أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما ~~ولي الخلافة دخل عليه محمد بن كعب عنده هشام بن مصاد وقد وعظه فأبكاه فقال ~~له محمد ما الذي أبكاك يا أمير المؤمنين قال أبكاني هشام حين ذكرني وقوفي ~~بين يدي ربي فقال له محمد يا امير المؤمنين إنما الدنيا سوق من الأسواق ~~فمنها خرج الناس بما نفعهم ومنها خرجوا بما ضرهم فلا تكن من قوم قد غرهم ~~منها مثل الذي أصبحنا PageV01P713 فيه حتى أتاهم الموت فاستوعبهم فخرجوا ~~منها ملومين لم يأخذوا لما أحبوه من الآخرة عدة ولا لما كرهوا جنة فاقتسم ~~ما جمعوا من لا يحمدهم وصاروا إلى من لا يعذرهم فانظر يا أمير المؤمنين إلى ~~تلك الأعمال التي تغيظهم بها فاخلفهم فيها وإلى الأعمال التي تتخوف عليهم ~~منها فكف عنها وانظر إلى الذي تحب أن يكون معك إذا قدمت على ربك فاصنع منه ~~وابدل حيث يوجد البدل ولا تذهبن إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك ترجو أن ~~تجوز عنك فاتق الله يا أمير المؤمنين وافتح الباب وسهل الحجاب وانصر ~~المظلوم واردع الظالم يا أمير المؤمنين ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان من ~~إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق وإذا قدر ~~لم يتناول ما ليس له قال فاشتد بكاء عمر بن عبد العزيز وعلا نحيبه قال ~~PageV01P714 # اللهم أعني على ما ابتليتني به من أمر عبادك وبلادك وارزقني فيهم العمل ~~بطاعتك واختم لي بخير منك وعافية منه PageV01P715 ### ||| الروضة الثانية # ما حكي أن سليمان بن عبد الملك لما قدم المدينة أقام بها ثلاثا فقال ما ~~ها هنا رجل ممن أدرك الصحابة يحدثنا فقيل له إن ها هنا رجلا عابدا من ~~التابعين اسمه أبو حازم أدرك جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونقل عنهم الأحاديث فبعث إليه ms114 فلما جاءه واستقر به المجلس قال له سليمان يا ~~أبا حازم ما لنا نكره الموت PageV01P716 قال لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم ~~دنياكم فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب قال صدقت يا أبا حازم ~~فكيف القدوم على الله تعالى قال أما المحسن فكغائب يقدم على أهله وأما ~~المسيء فكالعبد الآبق يقدم على مولاه قال فبكى سليمان وقال ليت شعري ما لنا ~~عند الله يا أبا حازم فقال إعرض نفسك على كتاب الله تعالى فإنك تعلم مالك ~~وما عليك قال وأين أصيب ذلك من كتاب الله قال عند قوله تعالى @QB@ إن ~~الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم @QE@ قال يا أبا حازم فأين رحمة الله ~~تعالى قال @QB@ قريب من المحسنين @QE@ قال فبكى سليمان وأطرق ساعة ثم رفع ~~رأسه إليه وقال يا أبا حازم من أعقل الناس قال من تعلم الحكمة وعلمها الناس ~~قال فمن أحمق الناس قال من دخل في هوى رجل ظالم PageV01P717 فباع آخرته ~~بدنيا غيره قال فما تقول فيما نحن فيه فقال أعفني من هذا السؤال قال سليمان ~~إنما هي نصيحة بلغتها فقال إن ناسا أخذوا هذا الأمر من غير مشورة من ~~المسلمين ولا إجماع من رأيهم فسفكوا الدماء على طلب الدنيا ثم ارتحلوا عنها ~~فليت شعري ما قالوا وما قيل لهم فقال رجل من جلسائه بئس ما قلت يا شيخ قال ~~أبو حازم كذبت والله يا جليس السوء إن الله تعالى أخذ الميثاق على العلماء ~~ليبينه للناس ولا يكتمونه فقال سليمان يا أبا حازم كيف لنا على الصلاح قال ~~تدع التكلف وتتمسك بالنصفة قال فكيف طريق المأخذ لذلك قال تأخذ المال من ~~حله وتضعفه في أهله قال ومن يقدر على ذلك PageV01P718 # قال من قلده الله تعالى من الأرض ما قلدك # قال أصحلبنا يا أبا حازم تصيب منا ونصيب منك قال أعوذ بالله من ذلك قال ~~ولم ذاك قال أخاف أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذقني ضعف الحياة وضعف الممات ~~قال يا أبا حازم فدلني على ما أصنع قال اتق ms115 الله أن يراك حيث نهاك أو يفقدك ~~حيث أمرك قال ادع لنا يا أبا حازم قال اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير ~~الدنيا والآخره وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى فعل الخير واصلحه في الدنيا ~~والآخره فقال سليمان يا غلام أعط أبا حازم مائة دينار ليقضي بها دينه قال ~~لاحاجة بي إليها فإني أخاف أن تكون عوضا عن كلامي فيكون أكل الميتة أحب إلي ~~من أخذها ثم نهض فخرج من عنده فلما كان من الغد بعث إليه PageV01P719 ~~فأحضره عنده فلما دخل عليه قال يا أبا حازم عظنا عظة ننتفع بها قال إن هذا ~~الأمر لم يصر إليك إلا بموت من كان قبلك وهو خارج من يدك بمثل ما صار إليك ~~فبكى سليمان وكان يسقط على جنبه فلما أفاق قال أبو حازم إنما أنت سوق فما ~~نفق عندك حمل إليك من خير أو شر فاختر لنفسك أيهما شئت قال سليمان إرفع إلي ~~حوائجك يا أبا حازم قال هيهات فإني قد رفعتها إلى من لا تحتجب دونه الحوائج ~~فما أعطاني منها قنعت وما منعني منها رضيت وذلك أني نظرت في هذا الأمر فإذا ~~هو على قسمين أحدهما لي والآخر لغيري أما ما كان لي فلو أني احتلت فيه بكل ~~PageV01P720 حيلة ما وصلت إليه قبل أوانه الذي قدر لي فيه وأما الذي لغيري ~~فذلك الذي لاتطمع نفسي فيه وكما منع غيري من رزقي كذلك منعت أنا من رزق ~~غيري ثم تركه وانصرف قال فما برح سليمان بعد ذلك متواضعا حتى مات ~~PageV01P721 ### ||| الروضة الثالثة # ما حكاه أبو القاسم عبد العزيز بن حسن بإسناده أن أمير المؤمنين المنصور ~~بعث إلى الأوزاعي وهو بالساحل فأحضره عنده فلما استقر PageV01P722 به ~~المجلس فالله المنصور ما الذي أبطأ بك عنا يا أوزاعي قال وما الذي تريد مني ~~يا أمير المؤمنين قال أريد الأخذ عنك والاقتباس منك قال يا أمير المؤمنين ~~لا تجهل شيئا مما أقوله لك قال وكيف لا أجهله وأنا أسألك عنه قال يا أمير ~~المؤمنين تسمعه ms116 ولا تعمل به قال فصاح به الربيع وأهوى إليه بيده إلى السيف ~~فانتهره المنصور وقال هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة فقال الأوزاعي رحمه ~~الله يا أمير المؤمنين حدثنا مكحول عن عطية قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه PageV01P723 وسلم أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنها نعمة من ~~الله تعالى سيقت إليه فإن قبلها بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه ليزداد ~~بها إثما ويزداد الله بها عليه سخطا وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال أيما وال بات غاشا لرعيته حرم الله عليه الجنة # يا أمير المؤمنين من كره الحق فقد كره الله تعالى لأن الله هو الحق ~~المبين PageV01P724 # يا أمير المؤمنين إن الذي لين لك قلوب الأمة حتى ولاك أمورهم لقرابتك من ~~نبيه صلى الله هليه وسلم لحقيق أن يقوم لهم فيهم بالحق وأن يكون بالقسط فيهم قائما ~~ولعوراتهم ساترا فلا تغلق عليك دونهم الأبواب ولا تقيم عليك دونهم الحجاب ~~وابتهج بالنعمة عندهم وابتئس لما أصابهم من مكروه يا أمير المؤمنين لقد كنت ~~في شغل شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت تملك أحمرهم وأسودهم ~~مسلمهم وكافرهم وكل له عليك نصيب من العدل فكيف بك إذا بعثك الله يوم ~~القيامه وليس منهم أحد إلا وهو يشكو بلية أدخلتها عليه أوظلامة سقتها إليه ~~يا أمير المؤمنين حدثني مكحول قال كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جريدة يستاك بها ويروع بها المنافقين فأتاه جبريل عليه السلام فقال يا محمد ~~ما هذه الجريدة التي كسرت بها قلوب أمتك وملأت قلوبهم بها رعبا فكيف بمن ~~شقق أستارهم وسفك دماءهم وخرب ديارهم وأخذ أموالهم وأجلاهم عن بلادهم ~~وأذاقهم الخوف يا أمير PageV01P725 المؤمنين حدثني مكحول عن زياد بن جارية ~~عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى القصاص من نفسه ~~من خدشه أعرابيا لم يتعمده فأتاه جبريل عليه السلام فقال يا محمد إن الله ~~تعالى لم ms117 يبعثك جبارا ولا متكبرا فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الأعرابي فقال اقتص مني فقال الأعرابي إني قد أحللتك يا رسول الله بأبي أنت ~~وأمي وما كنت لأفعل ذلك أبدا فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالخير # يا أمير المؤمنين رض نفسك بنفسك وخذ لها الأمان من ربك وارغب في جنة ~~السموات والأرض التي يقول فيها رسول الله صلى الله هليه وسلم PageV01P726 # لقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها # يا امير المؤمنين إن الملك لو بقي لمن كان قبلك لم يصل إليك وكذا لا يبقى ~~لك كما لم يبق لغيرك يا أمير المؤمنين أتدري ما جاء في تأويل قول الله ~~تعالى @QB@ ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها @QE@ قال ~~رسول الله صلى الله هليه وسلم الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك # فكيف بما عملته الأيدي وحصدته الألسن يا امير المؤمنين بلغني أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه قال لو ماتت سخلة على الشاطئ الفرات ضيعة لخشيت أن ~~أسأل عنها فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك يا أمير المؤمنين أتدري ما جاء ~~في تأويل هذه الآية عن جدك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما @QB@ يا داود ~~إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس @QE@ PageV01P727 بالحق ولا ~~تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) قال يا داود إذا جعلناك خليفة وقعد ~~الخصمان بين يديك وكان لك في احدهما هوى فلا تميز أن يكون الحق له فيفلج ~~على صاحبه فأمحوك من نبوتي يا داود إنما جعلت رسلي إلى عبادي رعاة كرعاة ~~الإبل لعلمهم بالرعية ورفقهم بالسياسة الذين يجبرون الكسير ويرعون الهزيل ~~على الكلأ والماء # يا أمير المؤمنين إنك قد بليت بأمر لو عرض على السموات والأرض والجبال ~~لأبين أن يحملنه وأشفقن منه وقد حدثني يزيد بن جابر عن عبد الرحمن بن عمرة ~~الأنصاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه PageV01P728 استعمل رجلا من ~~الأنصار على الصدقة فرآه بعد أيام مقيما فقال له ما منعك ms118 من الخروج إلى ~~عملك أما علمت أن لك فيه مثل أجر المجاهدين في سبيل الله قال لا قال فكيف ~~ذاك قال لأنه بلغني أن رسول الله صلى الله هليه وسلم قال # ما من وال يلي شيئا من أمور المسلمين إلا اتى به يوم القيامة مغلولة يده ~~إلى عنقه فيوقف على جسر من النار فينتفض به الجسر انتفاضة يزيل بها كل عضو ~~منه عن موضعه ثم يعاد فيحاسب فإن كان محسنا نجا بإحسانه وإن كان مسيئا ~~انخرق به ذلك الجسر فهوى فيه في النار سبعين خريفا فقال له عمر ممن سمعت ~~هذا قال من أبي ذر PageV01P729 وسلمان فأرسل إليهما عمر رضي الله عنه فقالا ~~نعم سمعنا من رسول الله صلى الله هليه وسلم فبكى عمر رضي الله عنه فقال واعمراه من يتولاها ~~بما فيها فقال أبو ذر من جدع الله أنفه والصق خده بالأرض قال فبكى المنصور ~~وأخذ المنديل فوضعه على وجهه وجعل ينتحب في بكائه حتى أبكى الحاضرين فأمسك ~~الأوزاعي ساعة ثم قال يا أمير المؤمنين إن جدك العباس سأل رسول الله ص = ~~إمارة على مكة والطائف واليمن فقال رسول الله صلى الله هليه وسلم يا عم النبي نفس تحييها ~~خير لك من إمارة لا تحصيها وهذه نصيحة منه لعمه وشفقة منه عليه يا أمير ~~الؤمنين بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال PageV01P730 الأمراء ~~أربعة أمير ظلف نفسه وعماله فذلك كمالمجاهد في سبيل الله تعالى يد الله ~~باسطة عليه بالرحمة وأمير فيه ضعف ظلف نفسه وارتع عماله بضعفة فهو على شفا ~~هلاك إلا أن يرحمه الله تعالى وأمير ظلف عماله وأرتع نفسه فذلك هو الحطمة ~~الذي قال رسول الله صلى الله هليه وسلم شر الرعاة الحطمة الهالك وحدة وأمير أرتع نفسه ~~وعماله فهلكوا جميعا # وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ~~PageV01P731 اللهم إن كنت تعلم اني أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من ~~كان الحق معه من قريب أو بعيد فلا ms119 تهملني طرفة عين # يا امير المؤمنين إن أشد الشدة القيام لله تعالى بحقه وإن أكرم الكرم عند ~~الله التقوى وإنه من طلب العز بطاعة الله رفعه الله وأعزه ومن طلبه بمعصية ~~الله وضعه الله تعالى وأذله وهذه نصيحتي إليك والسلام عليك ورحمة الله فلما ~~سكن عن المنصور البكاء رفع رأسه إليه وقال يا أوزاعي أنت المقبول القول غير ~~متهم في النصيحة وقد سمعناها منك فصادفت PageV01P732 قبولا إن شاء الله ~~تعالى والله الموفق للخير والمعين عليه يا ربيع إدفع إلى الأوزاعي ما ~~يستعين به على زمانه قال يا أمير المؤمنين إني في غني عن ذلك ما كنت أبيع ~~نصيحتي بشيء من عرض الدنيا ثم إنه ودع المنصور وانصرف PageV01P733 ### ||| الروضة الرابعة # ما حكاه ابن عبد ربه قال قدم أمير المؤمنين المنصور مكة حاجا فنزل في دار ~~الندوة وكان يخرج في آخر الليل إلى الطواف فيطوف ويصلي ولا يعلم به أحد من ~~الناس فإذا طلع الفجر رجع إلى دار الندوة وجاء المؤذنون فسلموا عليه ثم ~~تقام الصلاة فيصلي بالناس قال فخرج ذات ليلة حين أسحر فبينما هو يطوف إذ ~~سمع رجلا عند الملتزم وهو يقول اللهم أشكو إليك ظهور البغي والفساد في ~~الأرض وما يحول PageV01P734 بين الحق واهله من الظلم والطمع قال فأسرع ~~المنصور في مشيه حتى ملأ مسامعه من قوله فرجع فجلس ناحية من المسجد وأرسل ~~إليه فدعاه فلما حضر قال له المنصور ما هذا الذي سمعتك تقول من ظهور البغي ~~والفساد في الأرض وما يحول بين الحق واهله من الطمع # فقال الرجل إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصلها قال له المنصور ~~أنت آمن على نفسك فقال الرجل يا أمير المؤمنين إن الله تعالى استرعاك أمور ~~المسلمين وأموالهم فأهملت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم وجعلت بينك وبينهم ~~حجاجا من الجص والآجر وأبوابا من الحديد وحجبة معهم السلاح ثم سجنت نفسك ~~فيها وبعثت عمالك في جمع الأموال وجبايتها واتخذت وزراء ظلمة وأعوانا غشمة ~~إن PageV01P735 نسيت لم يذكروك وإن أحسنت لم يعينوك ثم ms120 قويتهم على ظلم ~~الناس إلا فلان وفلان نفر سميتهم ولم تأمر بإدخال المظلوم ولا الملهوف ولا ~~الجائع ولا العاري ولا الضعيف الفقير ولا أحد إلا وله في هذا المال حق فلما ~~رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك قد صنعت هذا كله ~~قالوا هذا قد خان الله فما بالنا لا نخونه وقد سخره الله لنا فائتمروا على ~~أن لا يوصلوا من أخبار رعيتك إلا ما أرادوا ومتى أخرجت عاملا فخالفهم في ~~أمر أقصوه وأبعدوه وبلغوك عنه المكروه حتى يسقط من عينك فلما اشتهر ذلك ~~عنهم أعظمهم الناس وهابوهم فكان أول من صانعهم بالهدايا والأموال عمالك ~~ليتفقوا على ظلم الرعية ثم فعل ذلك أهل القدرة والثروة من رعيتك لينالوا ~~ظلم من هودونهم من الرعية فامتلأت بلاد الله بالطمع بغيا وفسادا وصار هؤلاء ~~القوم شركاؤك في سلطانك وأنت غافل فإن جاء متظلم حيل بينه وبين الدخول إليك ~~وإن أراد قصة إليك عند ظهورك لم يأخذها أحد وإن أخذها لم يوصلها إليك وإذا ~~استغاث بك مظلوم بأعلا صوته ضربوه ضربا شديدا فما بقاء الإسلام بعد ذلك ~~ولقد كان بنوا أمية لا ينتهي PageV01P736 إليهم المظلوم إلا رفعت ظلامته ~~وكان الرجل يأتي من أقصى البلاد حتى يبلغ باب سلطانهم فيتنادى بأعلا صوته ~~يا أهل الأسلام فيبتدرون إليه ويقولون مالك مالك فيدفعون ظلامته إلى ~~سلطانهم فينصف بينه وبين ظالمه # ولقد كنت يا امير المؤمنين أسافر إلى بلاد الصين وبها ملك قد ذهب سمعه ~~فجعل يبكي فقال له وزراؤه لابكت عيناك أيها الملك مم بكاؤك فقال لست أبكي ~~على ذهاب سمعي وأنما أبكي لأن المظلوم يقف بالباب يصرخ فلا أسمعه ثم قال ~~لئن كان ذهب سمعي فما ذهب بصري نادوا في الناس لا يلبس ثوبا أحمر إلا مظلوم ~~وكان يركب في كل يوم فيله ويخرج لعله يرى مظلوما هذا يا أمير المؤمنين مشرك ~~بالله تعالى قد غلبت عليه الرأفه على المشركين وأنت مؤمن بالله تعالى وابن ~~عم نبيه لاتغلبنك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك فما ms121 تقول إذا نزع الله منك ~~ملك الدنيا ودعاك إلى الحساب هل ينفعك الندم إذا زلت بك القدم قال فبكى ~~المنصور وأعلن بالنحيب ثم قال يا ليتني لم أخلق ثم قال كيف احتيالي ولم أر ~~من الناس إلا خائنا فقال الرجل يا أمير المؤمنين عليك بالأئمة المرشدين قال ~~ومن هم قال العلماء قال فقد فروا عني وهربوا مني قال إنما فروا عنك وهربوا ~~مخافة أن تحملهم على ماظهر منك من قبل عمالك PageV01P737 ولكن افتح الباب ~~وسهل الحجاب وانصر المظلوم وخذ االمال من حله واقسمه في أهله وأنا ضامن لك ~~أن من هرب منك يأتيك فيعاونك على صلاح أمرك # فقال المنصور اللهم وفقني أن أعمل بما قال هذا الرجل ثم جاء المؤذنون ~~فسلموا عليه وأقيمت الصلاة فخرج يصلي بالناس وقال للحرس عليك بحفظ هذا ~~الرجل حتى أفرغ من الصلاة فلما فرغت الصلاة التفت الحرس يطلب الرجل في ~~موضعه فلم يره فأخبر المنصور بذلك فاشتد غضبه على الحرس وقال لئن لم يأتني ~~به لأضربن عنقك فخرج الحرس يطوف عليه وإذا به في بعض الشعاب قائم يصلي ~~الضحى فقال له أجب أمير المؤمنين قال ليس إلى ذلك من سبيل قال لأنه قد زعم ~~ليضربن عنقي إن لم آته بك قال إنه لن يقدر على ذلك ثم أخرج من جبته رقعة ~~مكتوبة وقال اجعل هذا في جيبك فإن فيها دعاء الفرج PageV01P738 فإنه إذا ~~رآك ذهب غيظه وخشع قلبه وأوصل إليك ما يسرك فقال له الحرس يرحمك الله فما ~~دعاء الفرج قال من دعا به صباحا ومساء ذهبت ذنوبه ودام سروره وبسط الله في ~~رزقه وأعانه على عدوه وكان امنا من ظلم الجبارين ولايموت إلا شهيدا قال ~~الحرس ثم كأنه حصاة ملح ذابت فلم أر له أثرا فرجع الحرس إلى المنصور فلما ~~دخل عليه نظر إليه وتبسم وقال ويلك أتحسن السحر قال لا والله ياأمير ~~المؤمنين ولكني وجدته وكان من حديثه كذا وكذا فقال المنصور ادفع إلي الرقعة ~~فدفعها إليه فنظر فينها وجعل يبكي ثم أمر ms122 بنسخها وأمر للحرس بعشرة الاف ~~درهم وقال أتعرفون من كان الرجل قال الحاضرون لا يا أمير المؤمنين قال ذاك ~~هو الخضر عليه السلام ثم دفع الرقعة إلى من قرأها على الحاضرين فكان فيها ~~اللهم PageV01P739 PageV01P740 كما لطفت بقدرتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك ~~على العظماء وعلمت ما تحت أرجل ارضك كعلمك بما فوق عرشك وكانت الوساوس ~~كالعلانية عندك وعلانية القول كالسر في علمك وانقاد كل شيء لعظمتك وخضع كل ~~ذي سلطان لسلطانك وصار أمر الدنيا والآخر كله بيدك اجعل لي من كل هم أمسيت ~~فيه فرجا ومخرجا اللهم إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك عن قبيح ~~عملي أطمعني أن أسألك مالا استوجبه مما قصرت فيه أدعوك امنا وأسألك مستأنسا ~~وأنت المحسن إلي وأنا المسيء إلى نفسي فيما بيني وبينك تتودد إلي وأتبغض ~~إليك ولكن الثقة بك حملتني على الجرأة عليك فعد بفضلك وأحسانك علي وأنت ~~التواب الرحيم قال فلما رجع المنصور إلى بغداد استبدل عماله وحجابه ثم إنه ~~فتح الباب وسهل الحجاب ولم يزل عاملا بقوله حتى مات PageV01P741 ### ||| الروضة الخامسة # ما حكاه الفضل بن الربيع قال لما حج الرشيد حججت معه فبينما أنا نائم ذات ~~لية إذا سمعت قرع االباب فخرجت فوجدته الرشيد فقلت يا أمير المؤمنين لو ~~أرسلت إلى أتيتك فقال ويحك إنه قد حاك في صدري شيء فانظر لي رجلا أسأله ~~فقلت إن ههنا سفيان بن عيينة فقال امض بنا إليه فأتياه فقرعت عليه الباب ~~فقال من هذا فقلت PageV01P742 أجب أمير المؤمنين فخرج مسرعا فقال يا أمير ~~المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك فقال خذ لما جئناك به يرحمك الله فحادثه ساعة ~~ثم قال له أعليك دين قال نعم يا أمير المؤمنين قال يا أبا العباس اقض دينه ~~ثم انصرفنا فقال ما أغنى عنى صاحبك شيئا فانظر لي رجلا أسأله فقلت ههنا عبد ~~الرازق بن همام قال امض بنا إليه فأتيناه فقرعت عليه الباب فقال من هذا قلت ~~أجب أمير المؤمنين فخرج مسرعا فقال يا أمير الم منين لو ms123 أرسلت إلي أتيتك ~~فقال خذ لما جئناك له يرحمك الله فحادثه ساعة ثم قال له أعليك دين قال نعم ~~يا أمير المؤمنين قال يا أبا العباس اقض دينه ثم انصرفنا من عنده فقال ما ~~أغنى عني صاحبك شيئا فانظر لي رجلا أسأله قلت هذا الفضيل بن عياض فقال امض ~~بنا إليه فأتيناه PageV01P743 فسمعناه يقرأ آية من كتاب الله تعالى وهو ~~يرددها فقرعت عليه الباب فأوجز في صلاته وقال من هذا قلت أجب أمير المؤمنين ~~فقال ما لي ولأمير المؤمنين قلت سبحان الله أما عليك طاعته فنزل وفتح الباب ~~ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ السراج ثم التجأ إلى زاوية وأخفى حسه فجعلنا ~~نجول عليه بأدينا فسبقت كف الرشيد إليه فقال آه من كف ما ألينها إن نجت غدا ~~من عذاب الله تعالى فقلت في نفسي ليكلمنه الليلة بكلام من قلب تقي فقال ~~الرشيد خذ لما جئناك له يرحمك الله فقال يا أمير المؤمنين إن عمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه لما ولى الخلافة دعا سالم بن عبد الله بن عمر ومحمد بن ~~كعب القرظي ورجاء بن حيوة وقال لهم إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا على ~~ما أصنع فعد الخلافة بلاء وانت وأصحابك تعدونها نعمة # فقال له سالم بن عبد الله إن أردت النجاة من عذاب الله عز وجل فصم عن ~~الدنيا وليكن إفطارك منها الموت وقال له محمد بن كعب إن أردت PageV01P744 # النجاة غدا من عذاب الله تعالى فليكن كبير المسلمين لك أبا ووسطهم عندك ~~أخا وصغيرهم عندك ولدا فوقر أباك وارحم أخاك وتحنن على ولدك وقال رجاء بن ~~حيوة إن أردت النجاة غدا من عذاب الله تعالى فأحب للمسلمين ما تحبه لنفسك ~~وأكره لهم ما تكره لنفسك ثم مت متى شئت فهل عندك يا أمير المؤمنين مثل ~~هؤلأء القوم أو من يأمرك بمثل هذا الأمر وإني لأقول لك هذا وأخاف عليك أشد ~~الخوف يوم تزل الأقدام قال فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشى عليه فقلت له ~~يرحمك الله ms124 أرفق بأمير المؤمنين فقال يا ابن الربيع تقتله أنت وأصحابك ~~وأرفق أنا به فلما أفاق قال زدني قال يا امير المؤمنين بلغني أن عاملا لعمر ~~بن عبد العزيز رضي الله عنه شكى إليه فكتب إليه عمر يا أخي أذكر سهر أهل ~~النار في النار وخلود الأبدان فإن ذلك يطردك إلى ربك نائما ويقظانا وإياك ~~أن تزل بك قدمك عن هذه السبيل فيكون آخر العهد بك منقطع الرجاء منك فلما ~~قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم عليه فقال له ما أقدمك علي فقال خلعت قلبي ~~بكتابك فوالله ما وليت لك ولاية قط حتى PageV01P745 ألقى الله تعالى قال ~~فبكى هارون بكاء شديدا ثم قال له زدني رحمك الله فقال يا أمير المؤمنين إن ~~العباس عم النبي صلى الله هليه وسلم جاء إليه وقال يا رسول الله أمرني إمارة فقال له رسول ~~الله صلى الله هليه وسلم يا عباس يا عم النبي نفس تحييها خير لك من إمارة لا تحصيها إن ~~الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل # قال فبكى هارون ثم قال له زدني يرحمك الله قال ياحسن الوجه أنت الذي ~~يسألك الله تعالى عن هذا الخلق يوم القيامة فإن استعطعت أن تقي هذا الوجه ~~من النار فافعل وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لرعيتك فقد قال رسول الله ~~صلى الله هليه وسلم من أصبح غاشا لرعيته لم يرح رائحة الجنة قال فاشتد بكاء هارون فأمسك ~~عنه الفضيل فلما أفاق قال هل عليك دين قال الفضيل نعم دين لربي لم يحاسبني ~~عليه فالويل لي إن حاسبني والويل لي إن لم يلهمني حجتي فقال الرشيد إنما ~~أردت دين العباد قال لا فإن ربي لم يأمرني بذلك بل أمرني PageV01P746 أن ~~أصدق وعده وأطيع أمره قال الله تعالى @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو ~~القوة المتين @QE@ # فقال له هارون هذه ألف دينار خذها وأنفقها على ms125 عيالك وتقو بها على عبادة ~~ربك فهي من وجه الحل فقال سبحان الله أنا أدلك على النجاة وأنت تدعوني إلى ~~النار # ثم صمت فلم يكلمنا فخرجنا من عنده فلما صرنا على الباب سمعنا امرأة من ~~نسائه تقول يا هذا قد ترى ما نحن فيه من الضائقة وسوء الحال فلو قبلت منه ~~هذا المال لتقوتنا به زمننا فقال لها إنما مثلي ومثلكم كقوم لهم بعير ~~يأكلون من كسبه فلما كبر وعجز عن الكسب نحروه وأكلوا لحمه قال فلما سمع ~~الرشيد ذلك قال يا ضل ادخل بنا إليه فلعله يقبل منا هذا المال فدخلنا عليه ~~ثانيا فما أحس بنا خرج فجلس على السطح على التراب فجلس الرشيد إلى جانبه ~~وجعل يكلمه فلم يجبه فخرجت جارية سوداء فقالت يا هذا قد آذيت الشيخ منذ ~~الليلة فانصرف عنه يرحمك الله قال فلما خرجنا من عنده قال لي الرشيد إذا ~~دللتني على رجل فدلني على مثل هذا الرجل هذا اليوم سيد المسلمين # وأما الطبقة الثالثة من الملوك فهم الأكثرون قلوبهم قسية وأنفسهم ~~PageV01P747 عصية يؤثرون اللذات على أمور الديانات وفي المشاهدة منهم ~~بالأبصار كفاية عن الأخبار وقد انتهينا بكتابنا هذا إلى ما حاولناه وأوردنا ~~فيه ما أردناه وأتينا بما ضمناه بعد ما أوضحناه وذلك وسع الطاقة وجهد المقل ~~وعلى الله أتوكل وبه أستعين وهو حسبي ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين ~~حمدا كثيرا وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين وعل آله وصحبه وسلامه ~~PageV01P748 ms126