######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007235 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد الرحمن بن نصر بن عبد الله، أبو النجيب، جلال الدين العدوي الشيزري الشافعي (المتوفى: نحو 590هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المنهج المسلوك في سياسة الملوك #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: السياسة الشرعية والقضاء #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007235 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7235 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7235 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: علي عبد الله الموسى #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة المنار - الزرقاء #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # المنهج المسلوك في سياسة الملوك ### | بسم الله الرحمن الرحيم وبه أثق وعليه أتوكل ### | مقدمة الكتاب وتراجم أبوابه # الحمدلله الذي عجزت العقول عن معرفة ذاته وقصرت الأفكار عن الإحاطة بكنه ~~صفاته وتحيرت الأبصار في بدائع مصنوعاته وشهدت له بالوحدانية عجائب أرضه ~~وسماواته أحمده على منه العظام وأياديه الحسان حمد معترف بسوابغ الإنعام ~~وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له الها لم يزل منعوتا بالجلال ~~موصوفا # PageV01P153 # بالكمال منزها عن الحركة والسكون والإنتقال مقدسا عن الجسم والشبح ~~والخيال وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أرسله ببرهان لامع المنار وقرآن ~~ساطع الأنوار قاطع بإعجازه حجج الكفار والطغاة المعاندين أولي الإنكار # وصلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأبرار صلاة دائمة بالعشي ~~والإبكار # قال عبد الرحمن بن نصر بن عبد الله لما كان المولى الملك الناصر # PageV01P154 # صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين أبو المظفر # PageV01P156 # يوسف بن أيوب بن شادي محيي # PageV01P157 # دولة أمير المؤمنين أدام الله دولته وحرس على الإسلام مهجته ممن أتاه ~~الله ملكه العظيم وهداه صراطه المستقيم وأورثه مشارق الأرض ومغاربها وأوطأه ~~من الملوك رقابها ومناكبها وكان ممن يرى الأدب وفضله ويؤثر العلم واهله ~~جمعت لخزانة علومه هذا الكتاب وهو يحتوي على ظرائف من الحكمة وجواهر من ~~الأدب وأصول # PageV01P158 # في السياسة وتدبير الرعية ومعرفة أركان المملكة وقواعد التدبير وقسمة ~~الفيء والغنيمة على الأجناد وما يلزم اهل الجيش من حقوق الجهاد ونبهت فيه ~~على الشيم الكريمة والأخلاق الذميمة وأشرت فيه إلى فضل المشورة والحث عليها ~~وكيفية مصابرة الأعداء وسياسة الجيش وأودعته من الأمثال ما يسبق إلى الذهن ~~شواهد صحتها ومعالم أدلتها مع نوادر من الأخبار وشواهد من الأشعار وفصلته ~~أبوابا تتضمن حكايات لائقة ومواعظ شافية وحكما بالغة وسلكت في ذلك كله طريق ~~الإختصار ومذهب الإيجاز لئلا تمجه الخواطر وترفضه الأسماع وسميته المنهج ~~المسلوك في سياسة الملوك. # PageV01P159 # وكنت في أيداعه خزانة علومه كمهدي التمر إلى هجر أو الكافور إلى قيصور ~~ولكني قصدت بذلك إيصال الحكمة أهلها وأن أضعها محلها وبالله اعتصم وعليه ~~أتوكل ms001 وهو عشرون بابا وبالله التوفيق وهو حسبي ونعم الوكيل. # الباب الأول في بيان افتقار الرعية إلى ملك عادل # الباب الثاني في بيان فضل الأدب وافتقار الملك إليه # PageV01P160 # الباب الثالث في معرفة قواعد الأدب # الباب الرابع في معرفة أركان المملكة # الباب الخامس في معرفة أوصاف الكريمة والحث عليها # الباب السادس في معرفة الأوصاف الذميمة والنهي عنها # الباب السابع في كيفية رتبة الملك مع اوليائه في حال جلوسه وركوبه # الباب الثامن في بيان فضل المشورة والحث عليها # الباب التاسع في بيان أوصاف أهل المشورة وحكايات لائقة # الباب العاشر في معرفة أصول السياسة والتدبير # الباب الحادي عشر في الجلوس لكشف المظالم # الباب الثاني عشر في ذكر أدب صحبة الملوك # الباب الثالث عشر في معرفة ما تكاد به الملوك في غالب الأحوال # الباب الرابع عشر فيما ينبغي للملك من سياسة الجيش وتدبير الجنود # الباب الخامس عشر فيما يلزم أهل الجيش من حقوق الجهاد # الباب السادس عشر في مصابرة المشركين # الباب السابع عشر في معرفة قتال قطاع الطريق واهل الردة والبغي # PageV01P161 # الباب الثامن عشر في معرفة قسمة الغنيمة والفيء # الباب التاسع عشر فيما ينبغي للملك فعله عند قفوله بالجيش # الباب العشرون في الحث على استماع المواعظ وقبولها من النساك # الباب الخاتمة # PageV01P162 # الباب الأول في بيان إفتقار الرعية إلى ملك عادل # قال عبد الرحمن لما كانت الرعية ضروبا مختلفة وشعوبا مختلفة متباينة ~~الأغراض والمقاصد مفترقة الأوصاف والطبائع افتقرت ضرورة إلى ملك عادل يقوم # PageV01P163 # أودها ويقيم عمدها ويمنع ضررها ويأخذ حقها ويذب عنها ما أشقها ومتى خلت ~~من سياسة تدبير الملك كانت كسفينة في البحر اكتنفتها الرياح المتواترة ~~والأمواج المتظاهرة قد أسلمها الملاحون واستسلم أهلها إلى المنون. # واعلم أن الرعية تستظمىء إلى عدل الملك وتدبيره استظماء أهل الجدب إلى ~~الغيث الوابل وينتعشون بطلعته عليهم كانتعاش النبت بما يناله من ذلك القطر ~~بل الرعية بالملك أعظم انتفاعا منها. # PageV01P165 # بالغيث لأن للغيث وقتا معلوما وسياسة الملك دائمة لا حد لها ولا وقت # والرعية في تباين أوصافها كنبت الأرض فمنه ms002 الطيب المثمر ومنه الخبيث ~~القاتل فمن كان منه طيبا فإنه لا تزكي أصوله في أرضه ولا تنمى فروعه إذا ~~جاوره الخبيث فيها لان الخبيث يسبق إلى ما دونه في القرار فيشربها ويكثف ~~فروعه في الفضاء فلا يصل إليه حظه من النسيم فإذا أصلحت الأرض فأسدها وأخرج ~~ما فيها من النبت الخبيث انتعش نبتها الطيب وقوى أصله ونما فرعه وطاب ثمره ~~وكذلك الرعية لما جاور الخبيث طيبها افتقرت ضرورة إلى ملك يصلح فاسدها ~~ويقمع صائلها ويكسر شوكة أهل التعدي عليها لتنتعش أحوالها وتزكي أموالها ~~ويكثر خيرها وتصلح # PageV01P166 # أمورها وقد قيل الرعية بلا وال كالأنعام بلا راع فانظر سائمة الانعام في ~~مراعيها إذا خلت من راعيها ما أشد اختلال حالها واختلاف افعالها بل الرعية ~~أشد اختلالا وأكثر اختلافا فلا بد من زعيم يمنعهم من المظالم ويفضل بينهم ~~في التنازع والتخاصم ولولاه لكانوا فوضى مهملين وهمجا مضاعين # قال الأفوه الأودي # PageV01P167 # (لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا) # (والبيت لا يبتنى إلا باعمدة ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد) # (فإن تجمع أوتاد واعمدة ... وساكن بلغوا الأمر الذي رادوا) # PageV01P168 # في فضل الأدب وافتقار الملك إليه # قال عبد الرحمن لما افتقرت الرعية في أمورها إلى تدبير الملك وكان الأدب ~~مجموع خلال حميدة وخصال جميلة افتقر إليه الملك ضرورة لتصدر عنه تصاريف ~~التدبير في الرعية على قانون العدل الذي به دوام المملكة فقد قيل من حسنت ~~سياسته دامت رياسته # واعلم أن الأدب أحد الأوصاف الأربعة التي يشترط قيامها بالملك في تدبير ~~المملكة على ما سنوضحه فإذا عرى الملك 170 # عنه اختلت سياسة وتدبيره وقد قيل الأدب صورة العقل فمن لا أدب له لا عقل ~~له ومن لا عقل له لا سياسة له ومن لا سياسة لا ملك له # وقال بعضهم قرأت في التورة إن أحسن الحلية الحسب ولا حسب لمن لا مروءة له ~~ومن لا مروءة لمن لا عقل له ولا عقل لمن لا أدب له. # وقال بعض الحكماء الأدب عصمة الملوك ms003 لأنه يمنعهم من الظلم ويردهم إلى ~~الحلم ويصدهم عن الأذية ويعطفهم على الرعية فمن حقهم أن يعرفوا فضله ~~ويعظموا أهله. # PageV01P169 # عنه اختلت سياسته وتدبيره وقد قيل الأدب صورة العقل فمن لا أدب له لا عقل ~~له ومن لا عقل له لا سياسة له ومن لا سياسة لا ملك له # وقال بعضهم قرأت في التوراة إن أحسن الحلية الحسب ولا حسب لمن لا مروءة ~~له ولا مروءة لمن لا عقل له ولا عقل لمن لا أدب له. # وقال بعض الحكماء الأدب عصمة الملوك لأنه يمنعهم من الظلم ويردهم إلى ~~الحلم ويصدهم عن الأذية ويعطفهم على الرعية فمن حقهم أن يعرفوا فضله ~~ويعظموا أهله. # PageV01P170 # وقال بعض العلماء ليس للمرء أن يتبجح بحالة جليلة نالها بغير عقل أو ~~منزلة رفيعة نالها بغير أدب فإن الجهل ينزله منها ويزيله عنها ويحطه إلى ~~رتبته ويرده إلى قيمته بعد أن تظهر عيوبه وتكثر ذنوبه ويصير مادحه هاجيا ~~ووليه معاديا. # وكان يقال عقل الأديب أبدا في إرشاد ورأيه أبدا في سداد فقوله سديد وفعله ~~حميد. # وقال رجل من قيس لسيد من قريش يا أخا قريش أطلب الأدب # PageV01P171 # فإنه زيادة في العقل وكمال في المنصب ودليل على المروءة وصاحب في الغربة ~~وصلة في المجالس وما أحسن قول الذي يقول # (أدب المرء كلحم ودم ... ما حواه أحد إلا صلح # (لو وزنا رجلا ذا أدب ... بألوف من ذوي الجهل رجح # وكان يقال الأدب مال واستعماله كمال وأوصى ملك ولده فقال يا بني خصلتان ~~يسود بهما المرء وإن كان غير ذي مال العلم والأدب يا بني جالس الكبراء ~~وناطق العلماء فإن مؤاخاتهم كريمة ومجالستهم غنيمة وصحبتهم سليمة # وأوصى رجل ولده فقال يا بني عليك بالأدب فإنك إن كنت غنيا # PageV01P172 # كنت شريف قومك وإن كنت مكتفيا كنت سري قومك وإن كنت محتاجا لم يستغن عنك ~~ويحتاجك رؤساء البلاد وأشرافهم # وقيل من قعد به نسبه نهض به أدبه وقال بزر جمهر ما أورثت الآباء أبناءها ~~أفضل من الأدب لأنها إذا أورثتها الأدب اكتسبت ms004 به الأموال ونالت به أعلى ~~المراتب وإذا أورثتها الأموال أضاعتها وبقيت عدما من الأدب وكان يقال الأدب ~~خير ميراث وحسن # PageV01P173 # الخلق خير قرين والتوفيق خير قائد والاجتهاد أربح تجارة ولا مال أعود من ~~العقل ولا عقل أوثق من المشورة ولا فقر أشد من الجهل # وقيل الأدب ثوب جديد لا يبلى / والعلم كنز عظيم لا يفنى وقيل من أدب ابنه ~~أرغم عدوه وقيل ثلاثة ليس معهن غربة حسن الأدب ومجانبة الريب وكف الأذية ~~وقال نصر بن سيار كل شيء # PageV01P174 # يبدو صغيرا ثم يكبر إلا المصيبة فإنها تبدو كبيرة ثم تصغر وكل شيء يرخص ~~إذا كثر إلا الأدب فإنه إذا كثر غلا واعلم أن فضل الأدب أشهر من أن يسطر ~~وفي النفس الأبية باعث عليه إذا كانت تأبى ضده وتكره مخالفته وله قواعد ~~تبتنى عليه أركانه سنذكرها إن شاء الله تعالى # PageV01P175 # الباب الثالث في معرفة قواعد الأدب # لما كان الأدب وصفا مشروطا للملك في تدبير المملكة افتقر في ذلك إلى ~~معرفة قواعده التي لا يتحقق بدونها ولا يبتنى إلا عليها وهما قاعدتان لا ~~يسع الملك تركهما إذ هما أصلان في السياسة والتدبير ### | القاعدة الأولى العلم # إعلم أن العلم بأحكام الدين وضبط أصول الشريعة واجب على كل مسلم وعلى ~~الملوك أشد وجوبا لافتقارهم إلى إقامة الحدود # PageV01P176 # الشرعية بما يستحق كل جان منهم على الوجه الشرعي وأخذ الحقوق من وجوهها ~~وصرفها في أربابها وجهاتها ليتحقق منهم العدل الذي قامت به السموات والأرض ~~ومتى كان الملك جاهلا كان تدبيره هدما لقواعد # PageV01P177 # المملكة قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه من عمل بغير علم كان ما يهدم ~~أكثر مما يبني # قال عبد الرحمن ولا محالة أن الملك إذا كان خاليا من العلم ركب هواه ~~وتخبط ما يليه إذ لا تحجبه فكرة سليمة ولا تمنعه حجة صحيحة ويكون كالفيل ~~الهائج في البلد القفر لا يمر بشيء إلا تخبطه وإذا كان الملك عالما كان له ~~من علمه وازع يقمع هواه ويميل به إلى سنن الحق كالفيل الهائج ms005 إذا خرج من ~~البلد القفر إلى الأنيس ذللته السلسلة وقهره الكلوب حتى يحمل عليه الأثقال # PageV01P178 # وقال بعض الحكماء الملك إذا لم يوطده علم كان مذلة اجلة والعلم إذا لم ~~يؤيده عقل كان مضلة عاجلة # وكان يقال إذا أراد الله بالناس خيرا جعل العلم في ملوكهم والملك في ~~علمائهم وقال بعض الحكماء العلم عصمة الملوك لأنه يمنعهم من الظلم ويردهم ~~إلى الحلم ويصدهم عن الأذية ويعطفهم على الرعية # وقال ابن عباس رضي الله عنهما إن سليمان بن داود عليهما السلام خيره الله ~~تعالى بين العلم والملك فاختار العلم فأعطاه الله # PageV01P179 # تعالى العلم والملك جميعا # وأوصى ملك من ملوك اليمن ولي عهده فقال اتق من فوقك يتقيك من تحتك وكما ~~تحب أن يفعل بك فافعل برعيتك وانظر كل حسن فافعله واستكثر من مثله وكل قبيح ~~فارفضه وبالنصحاء يستبين لك ذلك وخيرهم أهل الدين وأهل النظر في العواقب ~~واستكثر من العلم فإنه أساس التدبير وما ليس له أساس فمهدوم وإنما رأيت ~~الملوك تولي من ثلاثة أمور فاحسم عنك واحدا وأحكم اثنين وهي اتباع الهوى ~~وتولية من يستحق وكشف أمور الرعية فإنك إن ملكت هواك # PageV01P180 # لم تستأثر ولم تعمل إلا بالحق وإن وليت المستحق كان عونا لك على ما تحب ~~ولم تضع على يديه الأمور وإذا تناهت إليك أمور رعيتك عاش الوضيع وحذر ~~الرفيع وأمسك الظالم وأمن المظلوم والسلام # وحكي أن عبد الله بن صالح بن # PageV01P181 # علي دخل بغداد على بعض شبان بني العباس فحادثه فوجده على خلاف ما عهد ~~عليه أسلافه فساءه ذلك فلما خرج من عنده قال إن الجهل يحط أولى المراتب ~~ويصغر ذوي المناصب ثم أنشد متمثلا # (تعلم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل) # (وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل) # وقال بعض العلماء الجهل مطية من ركبها زل ومن صحبها ضل # PageV01P182 # وأنشدني بعض أهل العلم # (احفظ العلم ما استطعت ... فإنك إن كنت خاملا رفعك) # (واترك الجهل ما استطعت ... فإنك إن كنت عاليا ms006 وضعك) # وقال بعض العلماء من غرس العلم اجتنى النباهة ومن غرس الزهد اجتنى العزة ~~ومن غرس الإحسان اجتنى المحبة ومن غرس الفكرة اجتنى الحكمة ومن غرس الوقار ~~اجتنى المهابة ومن غرس المداراة اجتنى السلامة ومن غرس الكبر اجتنى المقت ~~ومن غرس الحرص اجتنى الذلة ومن غرس الطمع اجتنى الخزي ومن غرس الحسد اجتنى ~~الكمد # PageV01P183 ### | القاعدة الثانية من قواعد الأدب نهي النفس عن الهوى # وذلك لازم للملك في التدبير لأن صواب الرأي وخطأه إنما يكون بحسب قوة ~~التخيل الفكري وضعفه فمن قوى تخيل فكره كان في سلطان الهوى غالبا ومن ضعف ~~تخيل فكره كان في سلطان الهوى مغلوبا وإنما يضعف التخيل الفكري إذا استولت ~~على النفس الشهوات # PageV01P184 # فيحتجب العقل عن صواب الرأي فإذا قهر الملك نفسه عن هواها ومنعها شهواتها ~~الصائرة بها ونهاها ظهر له صواب التدبير في مرآة العقل ومتى لم يملك الملك ~~ضبط نفسه عن هواها وهي واحدة لم يملك ضبط حواسه وهي خمس وإذا لم يملك ضبط ~~حواسه مع قلتها وذلتها صعب عليه ضبط خاصته من أعوانه وعامته مع كثرة جمعهم ~~وخشونة جانبهم ومن لم يضبط خاصته من أعوانه وهم نصب عينيه لم يضبط عامته من ~~رعيته في أقاصي بلاده وأطراف مملكته فليس من عدو بعد قهر النفس أحق بالقهر ~~من الحواس الخمس لأنهن أعوان النفس ودليلها إلى الشهوات الموبقة وقد رأينا ~~قوة الحاسة الواحدة منهن على انفرادها إذا أتت على نفس من النفوس القوية ~~الحذرة ألهتها عن مصلحتها حتى توردها حياض الموت فكيف بها إذا اجتمعت خمسا # PageV01P185 # على نفس واحدة فمن ذلك أن الظبي مع شدة نفوره إذا سمع صوت أواني الصفر مع ~~تواتر النقرات واصطخابها الهاه سماع ذلك عما يراد به فيلبث في كنانته حتى ~~يأتيه الصياد فيقتنصه # والفيل مع عظم جسمه وشدة قوته يلهيه لين اللمس ويذهله عن نفسه حتى تنصب ~~له المصائد فيصاد ويذل ويركب عنقه # والفراش الذي يسكن # PageV01P186 # من حر الشمس إذا رأى ضوء النار أعجبه نورها وحسن منظرها فيلهيه ذلك حتى ~~يلقى ms007 نفسه فيها فتحرقه # وذباب الورد المتتبع لطيب الأوائح يطلب ما يقطر من أصل أذن الفيل عند ~~هيجانه فإنه يكون في طيب رائحة المسك ولا يهوله تحريك أذن الفيل بل يلهيه ~~شم ذلك القاطر عن الإحتراس حتى يلج في أصل أذنه فيقع عليه ضربة الأذن ~~فتقتله # والسمك في البحر يسليه ذوق الطعم ويلهيه ويذهله عن # PageV01P187 # الشص الذي فيه اللحم فيبتلعه فيكون فيه حتفه فمن ملك هذه الحواس الخمس ~~فقد ملك نفسه ومن ملك نفسه حسنت سياسته ومن حسنت سياسته دامت رياسته # ومن أعطى نفسه هواها باتباع ملاذ شهواته اشتغل عن تدبير مهماته فتختل ~~أمور دولته وتنحل عرى مملكته # وقد سئل رجل من بني أمية عن سبب زوال # PageV01P188 # دولتهم فقال مثله ما قال بزرجمهر شغلتنا لذاتنا عن مهماتنا وقل عطاؤنا ~~لجندنا فقل ناصرنا وجرنا على أهل خراجنا فدعوا علينا وطلبوا الراحة منا ~~وأشد من ذلك أنا استعملنا صغار العمال على كبار الأعمال فآل ملكنا إلى ما ~~آل # وقال بعض الحكماء العقل كالزوج والنفس كالزوجة والجسم كالبيت لهما فإذا ~~كان سلطان العقل غالبا قاهرا للنفس اشتغلت النفس بمصالح الجسم إما لمنفعة ~~تجلبها أو لمضرة تجتنبها كما تشتغل الزوجة التي قهرها زوجها بمصالح بيتها ~~العائدة عليها وعلى زوجها وإن كان سلطان النفس على العقل غالبا كان سعي ~~النفس فاسدا ونزعاتها مذمومة كفعل الزوجة التي قهرت زوجها # وكان يقال لا يزال الملك الحازم يخاف ظهور عدوه عليه حتى يجاوز عدوه ~~قضايا العقل إلى قضايا الهوى فحينئذ يبشر بالغلب ويثق بحسن المنقلب # PageV01P189 # وكان يقال الهوى كالنار إذا استحكم إيقادها عسر إخمادها وكالسيل إذا اتصل ~~مده تعذر صده # قال المأمون الهوى ينتج من الأخلاق قبائحها ويظهر من الأفعال فضائحها ~~أنشدني بعض أهل العلم # (إذا ما رأيت المرء يقتاده الهوى ... فقد ثكلته عند ذاك ثواكله) # (وقد أشمت الأعداء جهلا بنفسه ... وقد وجدت فيه مقالا عواذله) # (وما يردع النفس الحرون عن الهوى ... من الناس إلا حازم الرأي كامله) # PageV01P190 # وقال أردشير ما استعان ملك على عدل في رعيته بمثل مجانبة ms008 الهوى وقال أيضا ~~الزلل مع اتباع الهوى # وأوصى رجل ولده فقال يا بني أعص هواك والنساء واصنع ما شئت # وكان يقال إذا غلب عليك عقلك فهو لك وإذا غلب عليك هواك فهو لعدوك # وقال بعض الحكماء أكثر مخالفة الهوى فإن النفس أمارة # PageV01P191 # بالسوء تكره ما لها وتحب ما عليها ولن يحور عن القصد من ائتمن عقله واتهم ~~هواه واستغش العقل وأنشدني بعضهم # (إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال) # وقال سابق البربري # (اعص الهوى حين لا ترضى معاذره ... وقد تبينت ما تأتي وما تذر) # PageV01P192 # وأوصى ملك من ملوك حمير أخاه فقال لا يكون الإفراط من شأنك في نكال ولا ~~نوال فإنه في النوال يجحفك وفي النكال يؤثمك ويحنق عليك وإذا أنكرت نفسك ~~فامسك وغالب هواك فإنه أضر ما اتبعت واعمل بالحق فإنه لا يضيق معه شيء ولا ~~يتعب فيه عاقل ولا يعقبك فيه تبعة وليكن خوف بطانتك لك أشد من أنسهم بك # وأوصى ملك من العرب ولي عهده فقال كن بالحق عمولا وعما جهلت سئولا وأول ~~شيء تؤدب به نفسك قمعها عن شهواتها وردعها عن هواها فلا شيء أضر بالمملكة ~~من اتباع الهوى وافحص عن الأمور تظهر # PageV01P193 # لك حقائقها واستبطن أهل التقوى وذوي الأحساب تزين نفسك وتحكم أمرك وإياك ~~وقبول التزكية فيما لا تشك أنك مكذوب فيه فإنها خدعة يتبعها صرعة ولا تحصن ~~سرك إلا عند من يكتمه ولا تثق برجل تتهمه ولا تعود لسانك الخنا ولا تكلف ~~نفسك ما لا تقوى عليه وإذا هممت بخير فعجله وإذا هممت بخلافه فتأن فيه ~~وإياك وكثرة التألي فمن تألى على الله أكذبه وأرحم ترحم # وقال بعض الشعراء # (قد يدرك الحازم ذو الرأي المنى ... بطاعة الحزم وعصيان الهوى) # PageV01P194 # الباب الرابع في معرفة أركان المملكة وقاعدتها # إعلم أن أركان المملكة تبنى على قاعدة كلية لا قوام لها بدونها ولا تثبت ~~إلا عليها وهي منها بمنزلة الرأس من الجسد فكما لا بقاء للجسد بعد قطع ~~الرأس كذلك لا بقاء ms009 للمملكة بدون هذه القاعدة وهذه القاعدة يقلها أركان ~~خمسة بها قوام القاعدة فإذا انتقض منها ركن أوهن القاعدة وأفضى إلى ~~اضطرابها فتختل المملكة # PageV01P195 # فكما أن النفس يقوم بها أركان خمسة وهي الغذاء والشحم والدم والمخ والعظم ~~فإذا انتقض منها ركن أوهن النفس وأفضى إلى ذهاب القوة وكذلك دين الإسلام ~~أركانه خمسة فإذا انتقض منها ركن في شخص بطل عنه البواقي وخرج عنه الإسلام # وهذه القاعدة أركانها الخمسة يقلها أساس باطن لا تثبت إلا عليه فإذا ~~انشعث هذا الأساس اختلت الأركان واضطربت القاعدة وأفضى الأمر إلى هدم ~~الجميع وسنوضح ذلك إن شاء الله تعالى # أما القاعدة التي تبتنى عليها المملكة فهي الملك المنتصب لتدبير الرعية ~~وسياسة المملكة ويقيمه أوصاف أربعة لا ينفك عنه واحدة # PageV01P196 # منهن وهي أدبه وعقله وعدله وإقدامه فإذا عرى عن شيء من ذلك ذهبت قوته ~~وضعف عن حمل المملكة كالطبائع الأربع المركبة في جسد الإنسان لا قوام له ~~إلا بها فإذا خلا عن واحد منهن انحل تركيب الجسد وزهقت منه النفس فإذا ~~استقام الملك بهذه الأوصاف الأربعة قامت به مملكته # وأما الركن الأول من أركان المملكة فهو الوزارة # PageV01P200 # وهي على ضربين وزارة تفويض ووزارة تنفيذ # PageV01P201 # فأما وزارة التفويض فهو أن يستووزر الملك من يفوض إليه تدبير الأمور ~~برأيه # PageV01P202 # لأن ما وكل إلى الملك من تدبير الرعية لا يقدر على مباشرة جميعه إلا ~~بالاستنابة # وأما وزارة التنفيذ فالنظر فيها مقصور على رأي الملك وتدبيره وهذا الوزير ~~واسطة بين الملك وبين الرعية يؤدي عنه ما أمر به # PageV01P206 # وينفذ ما ذكر ويمضي ما حكم ويخبر عنه بتقليد الولاة وتجهيز الجيوش ويعرض ~~عليه ما ورد من أمر مهم وما تجدد من حدث ملم ولا مندوحة للملك عن نظر ~~الوزير واستعمال رأيه فيما يجهله من أمور التدبير # PageV01P207 # والوقائع الحادثة وقد روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم = قال من استعمل على عمل وأراد الله به خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ~~ذكره وإن ذكر أعانه # وقد يثب المصروع ms010 من الملوك برأي وزيره حتى # PageV01P208 # يعلو من صرعته بقوة رأيه ولطف حيلته وإن كان ضعيفا والصارع قويا كالماء ~~الذي هو أقوى من النار فإنه يحتال فيه المحتال حتى تنفذ منه النار وهو في ~~القدر ولا يضر النار بل ينقلب الضرر على الماء الذي هو أقوى حتى تنفذ من ~~القدر بلطف الحيلة # واعلم أنه لا بد أن يعتبر في الوزير عشرة أوصاف # أحدها العلم لأن تدبير الجاهل يقع مخالفا للشرع فيكون وبالا # الثاني السن لأن الشيخ حنكته التجارب وعركته النوائب وشاهد من # PageV01P209 # اختلاف الدول ونزول الحوادث ما أوضح لعقله صواب الرأي في التدبير # الثالث الأمانة حتى لا يخون فيما ائتمن عليه ولا يغش فيما استنصح فيه # الرابع صدق اللهجة حتى يوثق بخبره فيما يؤديه ويعمل بقوله فيما ينهيه # الخامس قلة الطمع حتى لا يرتشي ولا ينخدع # السادس أن يسلم فيما بينه وبين الناس من عداوة أو شحنا لأن العداوة تصد ~~عن التناصف وتمنع من التعاطف # PageV01P210 # السابع أن يكون ذكورا لما يؤديه إلى الملك أو ينقله عنه لأنه شاهد له ~~وعليه # الثامن الذكاء والفطنة لئلا تدلس عليه الأمور فتشتبه ولا تموه عليه ~~الأحوال فتلتبس لأن الأمور لا يصح مع اشتباهها عزم ولا يتم مع التباسها حزم # التاسع أن لا يكون من أهل الأهواء فيخرجه الهوى من الحق الباطل ويتدلس ~~عليه المحق من المبطل لأن الهوى خادع الألباب وصارف عن الصواب # العاشر أن يكون من أهل الكفاية فيما وكل إليه من أمر # PageV01P211 # الحرب والخراج خبيرا بهما عارفا بتفصيلهما لأنه يكون مباشرا لهما تارة ~~ومستنيبا فيهما تارة أخرى وعلى هذا الوصف مدار الوزارة وبه ينتظم أمور ~~السياسة ومتى لم تجتمع في الوزير هذه الأوصاف العشرة كان تدبيره ناقصا بقدر ~~ما نقض منها # وحكي أن المأمون كتب في اختيار وزير إني التمست لنفسي # PageV01P212 # وتدبير أموري رجلا جامعا لخصال الخير ذا عفة في خلائقه قد هذبته الآداب ~~وأحكمته التجارب إن ائتمن على الأسرار قام بها وإن قلد مهمات الأمور نهض ~~فيها يسكته الحلم وينطقه العلم وتكفيه ms011 اللحظة وتغنيه اللمحة له صولة ~~الأمراء وأناة الحكماء وتواضع العلماء وفهم الفقهاء إن أحسن إليه شكر وإن ~~ابتلي بالإساءة صبر لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده يسترق قلوب الرجال بخلابة ~~لسانه وحسن بيانه # قال عبد الرحمن وهذه الأوصاف إن كملت في الوزير وقل ما تكمل فالصلاح ~~بنظره عام وبتدبيره تام وإن اختلت فالصلاح بحسب نقصها مختل والتدبير على ~~قدرها معتل # وقد كان الفضل بن سهل وزير المأمون يبعث أصحابه إلى # PageV01P213 # البلاد عيونا ليسمعوا ما تقول الناس فيه من خير أو شر فيطالعونه بذلك فما ~~سمع من خير ازداد منه وما سمع من عيب فيه أزاله # وإن وفدا قدموا على المأمون من بلاد الروم فأكرمهم فلما رجعوا إلى بلادهم ~~قال عقلاؤهم ما رأينا مثل المأمون جلالة وعظمة وعقلا ولا رأينا مثل وزيره ~~في حسن سمته وكمال أوصافه لولا أنه حديث السن ومن شأن الملوك أن يستوزروا ~~المشايخ الذين اجتمعت لهم الحيلة والرياسة والعلم والتجربة فأخبره أصحابه ~~بذلك قال فاحتجب ثلاثة أيام في داره يعالج لحيته حتى ظهر للناس وهي بيضاء ~~ولا يجوز أن يكون الوزير امرأة لقوله صلى الله عليه وسلم = ما أفلح قوم ~~أسندوا أمرهم إلى امرأة # PageV01P214 ### | الركن الثاني من أركان المملكة ### | الرعية # إعلم أن الرعية ركن شديد من أركان المملكة وهي قسمان خاصة وعامة والخاصة ~~قسمان متضع في خدمة الملك ومطبوع على الإنكماش والقيام بحقوق الخدمة فليعرف ~~الملك المتضع منهم والمطبوع فإن العون من الخاصة المتضع في خدمته يكون في ~~أول ذلك نشيطا مواظبا للخدمة ثم يدركه خور الطبيعة وقصور الهمة فيفتر # PageV01P219 # عما تعاطاه أولا ويذهب تصنعه والمطبوع على الإنكماش في الخدمة يكون نشيطا ~~في كل وقت مثل نشاطه في أول خدمته وأما العامة فهم ثلاث طبقات أخيار وأشرار ~~ومتوسطون بين ذلك ولكل طبقة منهم سياسة سنذكرها في موضعها إن شاء الله ~~تعالى والمطلوب من الرعية طاعة الملك وذل الجانب وعمارة البلاد وأداء ~~الحقوق وإنما يحصل # PageV01P220 # منهم ذلك بنشر العدل عليهم على ما سنذكره في بابه إن شاء الله ms012 تعالى # PageV01P221 ### | الركن الثالث من أركان المملكة ### | القوة # فقوة الملك تنقسم إلى ثلاثة أنواع # أحدها قوة رتبته في الناس وهيبته عليهم وما يقع في نفوسهم من عزه وسطوته ~~واستعلائه وقدرته # الثاني قوة احتماله بنفسه لما يرد عليه من الأمور واستقلاله بذلك # الثالث قوة التدبير لأمور المملكة والنفاذ فيها بحسن نظر العواقب بالأمور # أما القوة الأولى فتحصل بحسن السياسة على ما سنذكره في موضعه # والقوة الثانية تحصل بأدب النفس كما ذكرناه في الباب الذي قبله # القوة الثالثة تنقسم إلى أربعة أقسام أحدها تدبير وإبرام # PageV01P222 # الأمور بلا احتيال قبل التدبير بل بالنظر والقياس من المدبر لها # الثاني تدبير وإبرام الأمور بعد الإحتيال فيها ووضع الأصول لها الثالث ~~تدبير معرفة الوقوف على الأمر الذي لا يوجد فيه للتدبير حيلة حتى يصير إلى ~~ما صار إليه ثم يطلب الحيلة فيه بعد ذلك # الرابع تدبير ما لا حيلة فيه واعلم أن أفضل هذه القوات قوة التدبير فأما ~~الأمر الذي لا حيلة فيه ولا رفق فالحيلة فيه الصبر واللين لأن متعاطي الشدة ~~فيه ينقلب الضرر عليه إذا لم يرفق # ألا ترى أن ذا القوة بقوته لو حاول سباحة في الماء على لينه لم يقطعه ~~بقوته حتى يبهره # PageV01P223 # فإذا رفق به سهل عليه عبوره وأمكنه قطعه وكذلك من حاول أن يعقد بكفه على ~~الهواء لم يجد إلى ذلك سبيلا ولو أن الفيل بقوته تعاطى ثلم الجبل بنابه ~~انكسر نابه ولم يقدح في صفاته شيئا # والرجل على ضعف بنيته يتخذ برفقه من الجبل الصلد مسكنا وقد يذيب الحديد ~~الشديد برفقه في حيلته # واعلم أن الملك القوي قد ينبو حد قوته إذا لم يقم رفق التدبير كما ينبو ~~حد السيف عن ضربته وإن كان من الحديد الشديد حتى يسقى من الماء الذي هو لين ~~سيال فيحشد مضاربه حتى إذا حمل # PageV01P224 # على الحديد الذي هو من جنسه قطعه وكل ذلك إنما يحصل بالرفق دون الخرق ~~وسنوضح كيفية التدبير في مواضعه إن شاء الله تعالى # PageV01P225 ### | الركن الرابع من أركان المملكة ### | المال # إعلم ms013 أن بيت المال ركن عظيم للمملكة # PageV01P226 # يتعلق به المصالح الكلية من أرزاق المقاتلة والولاة وأعوانهم # PageV01P228 # وتجهيز الجيوش وأرزاق الفقراء والمساكين وأهل العلم وسد الثغور وبناء ~~المعاقل والحصون وغير ذلك مما يقوم به مصالح الرعية وبقدر زيادته ونقصانه ~~يكون حال المملكة # وناموس الملك عند نظرائه وخاصته وأعوانه لأنه ذخيرة يرجع إليها الملك ~~والأعوان والرعية عند نزول الحوادث فإذا اشتهر بكثرة أنواع الأموال واختلاف ~~أجناس الجواهر اشتد أزر الرعية وقويت نفوس الجند وعظم قدر الملك عند نظرائه ~~وإذا اشتهر بالنفاد والقلة صغر قدر الملك واختلت أمور المملكة وطمع فيه ~~أعداؤه فيجب # PageV01P229 # حفظه والاحتياط عليه بتولية الثقات وأهل الأمانة ويتوقى الإسراف في بذله ~~وصرفه إلى غير أهله ولا يمنعه أهل الحقوق فيحصل بذلك الزلل ويتطرق إليه ~~الخلل # سيما الجند وأعوان المملكة فإن # PageV01P230 # تقتير الأرزاق عليهم يفضي بالملك إلى المهالك وقد كان يقال المال ناموس ~~الملك به تظهر هيبته وتقوى أبهته # حكي أن سابور ملك الفرس اتخذ أعمدة وقواعد من الذهب وجعلها على باب خزانة ~~ماله يجلس عليها الخزنة وغيرهم فعظم بذلك عند نظرائه وأهل مملكته فلما أفضت ~~المملكة إلى ولد ولده جعل يغدق # PageV01P231 # الأموال ويسرف في العطايا فلما نفدت تلك الأموال أخذ تلك الأعمدة وسكبها ~~فوجدها مجوفة وقد ملئت رملا فذهب حينئذ ناموسه وتظاهرت أعداؤه وقلت هيبته ~~عند أهل مملكته حين علموا سر هذه الأعمدة # وحكي أن بعض ملوك مصر أخذ حبابا من الخزف وملأها ذهبا ثم سكبه فيها ثم ~~كسر الخزف وأزاله فبقيت كهيئة الحباب ثم جعلها على باب قصره يجلس عليها ~~الناس وسماها الحسرات وإنما قصد بذلك أيضا لإقامة ناموس مملكته وتقوية ~~لنفوس جنده فلهذه المعاني يجب حفظه والاحتياط عليه # PageV01P232 ### | الركن الخامس من أركان المملكة ### | الحصون # اعلم أن الحصون التي يتحصن بها الملوك ويمتنع بها جانبهم تنقسم إلى خمسة ~~أنواع كل نوع منها يحصل به التحصن وامتناع الجانب وهي الماء والجبال ~~والمفاوز والقلاع والرجال # وأحصن هذه الحصون الرجال ثم القلاع وتحصين القلاع وتحصين القلاع # بالرجال وتحصين الرجال بالأموال وأفضل الأموال الأطعمة ms014 وجمع الأطعمة ~~وتحصيلها إنما يتحقق بالعدل # قيل كان مكتوبا على منطقة بعض ملوك الفرس لا ملك إلا # PageV01P233 # بالرجال وتحصين الرجال بالأموال وأفضل الأموال الأطعمة وجمع الأطعمة ~~وتحصيلها إنما يتحقق بالعدل # قيل كان مكتوبا على منطقة بعض ملوك الفرس لا ملك إلا # PageV01P234 # برجال ولا رجال إلا بمال ولا مال إلا برعية ولا رعية إلا بعدل # وقالت أم جبفويه ملك طبرستان لنصر بن سيار الملك الحازم من اتخذ لنفسه ~~سبعة أشياء حصن يلجأ إليه إذا تظاهر عليه نظراؤه ووزير صالح يثق برأيه ~~ويفضي بسره إليه وذخيرة خفيفة المحمل يرجع إليها عند النوائب وفرس يثق ~~بجريه إذا دهمته الأعداء # PageV01P235 # وسيف إذا نازل الأقران لم يخف أن يخونه وامرأة حسناء إذا دخل عليها ذهب ~~همه وطباخ إذا لم يشته الطعام صنع له ما يشتهيه # وكتب ملك إلى حكيم فقال دلني على ما تبقى به المملكة واختصر في ذلك فكتب ~~إليه بأربعة أشياء حصن شاهق ووزير حاذق ومال وافر وعدل عامر # وبلغ بعض الملوك حسن سياسة ملك فكتب إليه قد بلغت من السياسة مالم يبلغه ~~ملك قبلك فأفدني ذلك فكتب إليه إني تحصنت بالرجال وحصنت الرجال بالأموال ~~ولم أهزل في أمر ولا نهي ولا وعد # PageV01P236 # ولا وعيد وأودعت القلوب هيبة لم يشبها مقت وودا لم يشبه كذب وعممت بالقوت ~~ومنعت الفضول # وسأل ملك من ملوك الفرس حكيما من حكمائهم فقال ما عز الملك قال الطاعة ~~قال فما سبب الطاعة قال التودد إلى الخاصة والعدل على العامة قال فما حصن ~~الملك قال وزراؤه وأعوانه فإنهم إذا صلحوا صلح الملك وإذا فسدوا فسد الملك ~~قال فما سبب صلاحهم قال البذل والإنعام والإحسان الشامل قال فأي الأمور ~~أحمد للملك قال الرفق بالرعية وأخذ الأموال منهم من غير مشقة وأداؤه إليهم ~~عند أوانه وسد الثغور وأمن السبل وإنصاف المظلوم من الظالم وزجر القوي عن ~~الضعيف قال فأي خصلة تكون في الملك أنفع قال الصدق في جميع الأحوال وأما ~~الأساس للمملكة وأركانها فهو الدين # PageV01P237 # اعلم أن الدين أساس المملكة لا ms015 قوام لها إلا به ولا تثبت أركانها إلا ~~عليه وهو إقامة منار الإسلام وإظهار شعائر الحق واتباع أحكام الشرع والعمل ~~بالفرائض والسنن ومندوبات الشريعة وإقامة الحدود وامتثال أمر الشارع ~~والانتهاء عن نواهيه وإيصال الحقوق الواجبة إلى أربابها والعمل بما يرضي ~~الله تعالى سرا وعلانية فإنه لا دوام للملك بغير هذه الأشياء قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم = من أصلح سريرته # PageV01P238 # أصلح الله علانيته ومن أصلح فيما بينه وبين الله أصلح الله فيما بينه ~~وبين الناس # وحكي أن أردشير قال لولده يا بني إن الملك والدين أخوان لا غنى لأحدهما ~~عن الآخر ولا قوام له إلا به # الدين أس والملك حارس فما لم يكن له أس فمهدوم وما لم يكن له حارس فضائع ~~يابني اجعل مرتبتك مع أهل المراتب وعطيتك لأهل الجهاد وبشرك لأهل الدين ~~وسرك لمن يعنيه ما عناك ولتكن من أهل العقل # PageV01P239 # وقال الأحنف بن قيس من هدم دينه كان لمجده أهدم ومن ظلم نفسه كان لغيره ~~أظلم وقال بعض الحكماء الدولة بلا دين كالبناء على الثلج # PageV01P240 # الباب الخامس في معرفة الأوصاف الكريمة وفضلها وحث الملك عليها # ينبغي للملك المنتصب لتدبير الرعية أن يتصف بالأوصاف الكريمة ويتلبس بها ~~ويجعلها له خلقا مطبوعا ولا يهمل منها وصفا واحدا إذ بها قوام دولته ودوام ~~مملكته وهي خمسة عشر وصفا # العدل والعقل والشجاعة والسخاء والرفق والوفاء والصدق والرأفة والصبر ~~والعفو والشكر والأناة والحلم والعفاف والوقار وسنشرح فضل هذه الأوصاف وما ~~يتعلق بها من المصالح الكلية في تدبير المملكة # PageV01P241 ### | الوصف الأول العدل # إعلم أن العدل أشرف أوصاف الملك وأقوم لدولته لأنه يبعث على الطاعة ~~ويدعوا إلى الألفة وبه تصلح الأعمال وتنمو الأموال # PageV01P242 # وتنتعش الرعية وتكمل المزية وقد ندب الله عز وجل الخلق إليه وحثهم عليه # قال الله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن ~~الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون # قال الحسن إن الله تعالى جمع الخير كله والشر كله في إن الآية وقال إن ~~استقامة الملك بالثلاثة ms016 المأمور بها في الآية واضطرابه بالثلاثة المنهي ~~عنها فيها # PageV01P243 # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم = ثلاث منجيات وثلاث مهلكات فأما ~~المنجيات فالعدل في الغضب والرضاء # PageV01P244 # وخشية الله تعالى في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر وأما ~~المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه # وحكي أن الإسكندر قال لحكماء الهند وقد رأى قلة الشرائع في بلادهم لم ~~صارت سنن بلادكم قليلة قالوا لإعطائنا الحق من أنفسنا ولعدل ملوكنا فينا ~~فقال لهم أيما أفضل العدل أم الشجاعة قالوا إذا استعمل العدل استغني عن ~~الشجاعة وقال أردشير إذا رغب الملك عن العدل رغبت الرعية عن الطاعة # (وعوتب كسرى أنوشروان ... على ترك عقاب المذنبين) # PageV01P245 # فقال هم المرضى فإذا لم نداوهم بالعدل فمن لهم # وقال أفلاطون بالعدل ثبات الأشياء وبالجوز زوالها وقيل لأردشير من الذي ~~لايخاف أحدا قال من عدل في حكمه وكف عن ظلمه نصره الحق وأطاعه الخلق وصفت ~~له النعمة وأقبلت عليه الدنيا فهنىء بالعيش واستغنى عن الجيش وملك القلوب ~~وأمن الحروب # وقال بعض العلماء إن أيدي الرعية تبع لألسنتها فمتى قدرت أن # PageV01P246 # تقول قدرت أن تصول ولن يملك الملك ألسنتها حتى يملك جسومها ولن يملك ~~جسومها حتى يملك قلوبها فتحبه ولن تحبه حتى يعدل عليها عدلا يتساوى فيه ~~الخاصة والعامة # PageV01P247 # وقال كسرى أنو شروان لبزرجمهر ابن لي قبة واكتب عليها كلمات انتفع بها في ~~بقاء الدولة فبناها وكتب في طرازها العالم بستان سياجه الدولة والدولة ~~ولاية تحرسها الشريعة والشريعة سنة يستنها الملك والملك راع يعضده الجيش ~~والجيش أعوان يكفلهم المال والمال رزق تجمعه الرعية والرعية عبيد يستعبدهم ~~العدل والعدل مألوف به قوام العالم # وقال الوليد بن هشام إن الرعية لتفسد بفساد الملك وتصلح بصلاحه # PageV01P248 # وقال سفيان الثوري للمنصور إني لأعرف رجلا إن صلح صلحت الأمة قال ومن ~~هوقال أنت # واعلم أن العدل لايتحقق من الملك إلا بلزوم عشر خصال أحدها إقامة منار ~~الدين وحفظ # PageV01P249 # شعائره والحث على العمل به من غير إهمال له ولا تفريط بحقوقه # الثاني حراسة البيضة ms017 والذب عن الرعية من عدو في الدين أو باغ في النفس ~~والمال # الثالث عمارة البلدان باعتماد المصالح وتهذيب السبل # PageV01P250 # والمسالك الرابع النظر في تعدي الولاة وأهل العز من الأعوان على الرعية ~~لأن تعديهم منسوب إليه قال الشاعر # (ومن يربط الكلب العقور ببابه ... فعقر جميع الناس من رابط الكلب) # (كذلك من ولى ابنه وهو ظالم ... فظلم جميع الناس من قبل الأب) # الخامس النظر في أحوال الجند وغيرهم من أهل الرزق لئلا تبخسهم العمال ~~أرزاقهم أو يؤخرون العطاء فيجحف الانتظار بهم # PageV01P251 # السادس الجلوس لكشف المظالم والنظر بين المتشاجرين من الرعية والفصل ~~بينهم بالنصفة على وجه الشرع # السابع تقدير ما يخرج من بيت المال على طبقات أربابه من غير إسراف ولا ~~إقتار # الثامن إقامة الحدود على أهل الجرائم بالشرع المطهر على قدر الجريمة # PageV01P252 # التاسع اختيار خلفائه في الأمور وولاته وقضاته وعماله بأن يكونوا من أهل ~~الكفاية والأمانة والحذق والدراية فيما هم بصدده # العاشر تنفيذ ما وقف من أحكام القضاة وأهل الحسبة وما عجزوا عن تنفيذه ~~لقوة يد المحكوم عليه وتعززه فينفذ الملك ما حكموه عليه بالشرع # PageV01P253 # فإذا فعل الملك هذه العشر خصال كان مؤديا لحق الله تعالى في الرعية ~~بالعدل الذي أمر الله تعالى به وكان مستوجبا لطاعتهم ومستحقا لمناصحتهم وإن ~~ترك شيئا من ذلك كان عن العدل ناكبا وفي الجور راغبا # PageV01P254 # وأنشدني بعضهم # (إختم وطينك رطب إن قدرت فكم ... قد أمكن الختم أقواما فما ختموا) # (ولوا فما عدلوا أيام دولتهم ... حتى إذا عزلوا ذلوا فما رحموا) # PageV01P255 ### | الوصف الثاني العقل # إعلم أن العقل وصف شريف وخلق عظيم لايبطل حقا ولايحق باطلا وهو عبارة عما ~~يستفاد من التجارب بمجاري الأحوال وقيل هو العلم بجواز الجائزات واستحالة ~~المستحيلات ومن نتائجه # PageV01P256 # الفكرة السليمة والنظر الثاقب في حقائق الأمور ومصالح التدبير وسئل بعض ~~الحكماء عن العقل فقال الإصابة بالنظر ومعرفة ما لم يكن بما كان وقال ابن ~~المعتز العقل غريزة تربتها النوائب # وقال بعض الحكماء خير مواهب الملك العقل وشر مصائبه الجهل وكان يقال ~~الجاهل يعتمد على ms018 أمله والعاقل يعتمد على عمله # PageV01P257 # وقيل نظر العاقل بقلبه وخاطره ونظر الجاهل بعينه وناظره وقال ابن المعتز ~~بأيدي العقول تمسك أعنة النفوس عن اتباع الهوى وقال بعض الحكماء العاقل من ~~نفسه في تعب والناس منه في راحة والأحمق من نفسه في راحة والناس منه في تعب # أنشدني بعض أهل العام # PageV01P258 # (وأفضل قسم الله للمرء عقله ... وليس من الأشياء شيء يقادبه) # (إذا أكمل الرحمن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومناقبه) # وقال بعض الحكماء العلم قائد والعقل سائق والنفس حرون فإذا كان قائد بلا ~~سائق أحجمت النفس وإذا كان سائق بلا قائد عدلت يمينا وشمالا فإذا اجتمع ~~القائد والسائق سارت طوعا أو كرها # وقال بعضهم شعرا # (تأمل بعينيك هذا الأنام ... وكن مثل من صانه عقله) # (فحلية كل فتى فضله ... وقيمة كل امرىء نبله) # (ولا تتكل في طلاب العلا ... على نسب ثابت أصله) # (فهل من فتى زانه قوله ... بشيء يخالفه فعله) # PageV01P259 # وقال بعضهم يعرف العاقل بحسن سمته وطول صمته وصحة تصرفه # وقال بعض الحكماء ليس للمرء أن يتبجج بحالة جليلة نالها بغير عقل أو ~~منزلة رفيعة حلها بغير فضل فالجهل ينزله منها ويزيله عنها ويحطه إلى رتبته ~~ويرده إلى قيمته بعد أن تظهر عيوبه وتكثر ذنوبه ويصير مادحه هاجيا ووليه ~~معاديا # وكان يقال الناس ثلاثة عاقل واحمق وفاجر فأما العاقل فإن الدين شريعته ~~والحلم طبيعته والرأي الحسن سجيته إن كلم أجاب وإن نطق أصاب وإن سمع العلم ~~وعى وإن حدث الفقه روى # PageV01P260 # وأما الأحمق فإن تكلم عجل وإن حدث وهل وإن استنزل عن رأيه نزل # وأما الفاجر فإن أمنته خانك وإن حدثته شانك وإن استكتم أمرا لم يكتم وإن ~~علم علما لم يعلم # وكان يقال لا عطية أعظم من عقل ولا داء أدوى من جهل # وقال المبارك الطبري ليس العاقل # PageV01P261 # الذي يحتال للأمر الذي غشيه حتى لا يقع فيه بل العاقل الذي يتحذر الشدائد ~~قبل الوقوع فيها حتى لا يقع # وقال فيروز حصين إذا أراد الله تعالى أن يزيل عن عبد نعمة كان ms019 أول ما ~~يغير منه عقله # أنشدني بعضهم # (يعد رفيع القوم من كان عاقلا ... وإن لم يكن في قومه بحسيب) # (إذا حل أرضا عاش فيها بعقله ... وما عاقل في بلدة بغريب) # PageV01P262 ### | الوصف الثالث الشجاعة # إعلم أن الشجاعة من أحمد الأوصاف التي تلزم الملك أن يتصف بها ضرورة وإن ~~لم تكن له طبعا فيتطبع بها ليحسم بهيبته مواد # PageV01P263 # الأطماع المتعلقة بقلوب نظرائه ويحصل منه حماية البيضة ورعاية المملكة ~~والذب عن الرعية # وحقيقة الشجاعة ثبات الجأش وذهاب الرعب وزوال هيبة الخصم أو استصغاره عند ~~لقائه ولا بد أن يتقدم هذا رأي ثاقب ونظر صائب وحيلة في التدبير وخداع في ~~الممارسة فقد قال ص = الحرب خدعة # PageV01P264 # قال أبو الطيب المتنبي # (الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني) # (فإذا هما اجتمعا في النفس مرة ... بلغت من العلياء كل مكان) # (ولربما قتل الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الفرسان) # واعلم أن ثمرة الشجاعة من الجند الكر والفر وثمرتها من الملوك الثبات # PageV01P266 # حتى يكون قطبا يدورون عليه ومعقلا يلجأون إليه هذا إذا كان بحضرته من يذب ~~عنه من أعوانه الذين يثق بهم فإذا لم يكن بحضرته من يذب عنه حسن منه حينئذ ~~أن يذب عن نفسه إما بالإقدام وإما بالانهزام حيلة # ولقد حكي أن فيلا اغتلم فدخل قصر كسرى أنوشروان والفيل # PageV01P267 # إذا اغتلم أنكر سايسه ولا يمر بشيء إلا حطمه وإن ذلك الفيل قصد الإيوان ~~الذي فيه كسرى وعنده جماعة من كفاته أو ثقاته فلما نظروا إلى الفيل مقبلا ~~إليهم فروا من حول كسرى وثبت كسرى على سريره ولم يتغير عن سريره ولا عن ~~هيئته وثبت عنده واحد من الرجال بيده طبر فقام ذلك الرجل أما سرير كسرى ~~وقصده الفيل فثبت له فلما غشيه ضربه بالطبر على خرطومه فقده فولى الفيل ~~راجعا وكسرى في هذا كله لم يتحلحل عن سريره ولا تغير لونه ولا فارقته أبهته ~~وهذه غاية الشجاعة المطلوبة من الملوك # وكذلك حكى أن موسى الهادي كان يوما في بستان على حمار له # PageV01P268 # وليس معه ms020 سلاح وبحضرته جماعة من أهل بيته وبطانته فدخل عليه حاجبه وأخبره ~~عن رجل من الخوارج كان ذا بأس شديد ونكاية في الناس وأنه قد ظفر به بعض ~~القواد وهو معه على الباب فأمر الهادي بإدخاله عليه فأدخل بين رجلين قد ~~قبضا على يديه فلما نظر الخارجي إلى الهادي جذب يديه من الرجلين واخترط سيف ~~أحدهما وقصد الهادي ففر عنه كل من كان بحضرته من اهله وبطانته وبقي الهادي ~~وحده على حمار بمكانه ذلك حتى قرب الخارجي منه ورفع يده بالسيف ليعلوه به ~~فقال ياغلام اضرب عنقه فالتفت الخارجي ينظر من خلفه فوثب الهادي من سرج ~~حماره فإذا هو على الخارجي فقبض عليه وانتزع السيف من يده فذبحه ثم عاد إلى ~~ظهر حماره من فوره وتراجع إليه خاصته يتسللون وقد ملئوا منه رعبا وحياء فما ~~خاطبهم بشيء من ذلك ولم يكن بعد ذلك يفارقه السلاح # PageV01P269 # ولم يركب إلا جوادا من الخيل وهذا أعجب ما يكون من الشجاعة وثبات الجأش ~~في الملوك # PageV01P270 ### | الوصف الرابع السخاء # إعلم ان السخاء عماد البر الذي هو سبب الألفة لما يوصل إلى القلوب من ~~الراحة والألطاف ولذلك ندب الشرع إليه وحث الخلق عليه لما فيه عموم المصلحة ~~في الدنيا والآخرة لأن في السخاء # PageV01P271 # رضا الله سبحانه وتعالى ورضا الناس جميعا قال رسول الله ص = السخي قريب ~~من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار والبخيل بعيد من الله ~~بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار # PageV01P272 # وقال رسول الله ص = تجافوا عن ذنب الكريم فإن الله يأخذ بيده كلما عتر # وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها الجنة دار الأسخياء والنار دار البخلاء # PageV01P273 # وقيل اوحى الله إلى موسى عليه السلام ألا تقتل السامري فإنه كريم # وحدث أبو قاسم قال حضرت الحكم بن المطلب لما # PageV01P274 # مات بمدينة منبج فلما أخذ في النزع وأشخص ببصره قال أبو معيوف الحمصي ~~اللهم أرفق به فقد كان جوادا شجاعا صواما قواما قال فأفاق من غشيته ثم نظر ~~إلينا وقال ms021 من المتكلم فقال أبو معيوف أنا قال إن ملك الموت يسلم ويقول لك ~~إن الله تعالى أمرني أن أرفق بقبض روح كل كريم ثم اضطجع فكأنه كان فتيلة ~~طفئت رحمه الله # وكان يقال سؤدد بلا جود كملك بلا جنود # وقيل من جاد ساد ومن أضعف ازداد وكان يقال جود الرجل يحببه إلى أضداده ~~وبخله يبغضه إلى أولاده # PageV01P275 # واعلم أن السخاء على نوعين النوع الأول هو أن يبتدئ به الإنسان من غير ~~سؤال وهذا أطبع السخاء وأشرف العطاء لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل ~~عن السخاء فقال ما كان منه ابتداء فأما ما كان منه عن مسألة فحياء وتكريم # وقال بعض الحكماء أجل النوال ما كان قبل السؤال وقال بعض الشعراء # PageV01P276 # (وفتى خلا من ماله ... ومن المروءة غير خال) # (أعطاك قبل سؤاله ... وكفاك مكروه السؤال) # وهذا النوع من السخاء قد يكون لأسباب ثلاثة # أحدها أن يكون قد يرى حلة يقدر على سدها أو فاقة يتمكنمن إزالتها فلا ~~يدعه الكرم وسماحة النفس والطبيعة أن يهمل ذلك بل يكون متكفلا بنجازها رغبة ~~في الأجر # الثاني أن يرى في ماله فضله عن حاجته فيرى انتهاز الفرصة # PageV01P277 # بها فيضعها عند من يكون له ذخرا # الثالث أن يفعل ذلك سجية قد فطر عليها فلا يميز بين مستحق ومحروم ولا ~~يفرق بين محمود ومذموم وهذا هو السخي طبعا غير أن هذا لا يصلح بالملك لأنه ~~خارج إلى السرف والتبذير # وبيت المال قد يقل عن الحقوق ويقصر عن الواجبات فإذا أعطى غير مستحق فقد ~~يمنع مستحقا وحال الملوك لا تقتضي ذلك # النوع الثاني من السخاء ما كان عن طلب وسؤال وعلامة السخي عند ذلك أن ~~يلقى السائل بالترحيب وطلاقة الوجه وأن يكتفي بالتلويح ولا يلجىء السائل ~~إلى التصريح كما قال الشاعر # PageV01P278 # (تلقى الكريم فتستدل ببشره ... وترى العبوس على اللئيم دليلا) # (واعلم بأنك عن قريب صائر ... خبرا فكن خبرا تنال جزيلا) # وينبغي له عند السؤال أن يعجل بالوعد قولا ثم يعقبه بالإنجاز فعلا ليكون ~~السائل مسرورا ms022 بعاجل الوعد ثم بآجل الإنجاز كما حكى أن الفضل بن سهل سأله ~~رجل فقال له إني أعدك اليوم وأحبوك غدالتذوق حلاوة الأمل ولكن لا تطيل ~~الوعد على السائل فلا تفي حلاوة الإعطاء بمرارة الانتظار # وقال بعضهم # (إن العطية لا تكون هنية ... حتى تكون قصيرة الأعمار # PageV01P279 # وقد قال بعضهم # (إن العطية ربما أزرى بها ... عند الذي تقتضي له تطويلها) # (فإذا ضمنت لصاحب لك حاجة ... فاعلم بأن تمامها تعجيلها) # وقد مضت سنة الخلفاء الراشدين وملوك المسلمين بصلة المسترفدين على وجه ~~الشرح من غير إسراف ولا إقتار وذلك مشهور فاعرضنا عن شرحه # PageV01P280 ### | الوصف الخامس الرفق # إعلم أن الرفق من أفضل أوصاف الملك وأحمد خلائقه في التدبير لأنه يبلغ به ~~جباية الأموال من الرعية ما لا يبلغ بالخرق # PageV01P281 # فإن الرعية قد تعامل بالرفق فتزول أحقادها ويذل مقادها وقد تعامل بالخرق ~~فتكاشف بما أضمرت وتقدم على ما نهيت ثم إن غلبت كان غلبها دمارا وإن غلبت ~~لم يحصل بغلبها افتخار وقد قال رسول الله ص = لو أن الرفق رجلا لكان حسنا ~~ولو كان الخرق رجلا لكان قبيحا # وقد يبلغ الملك برفقة ولينه في التدبير ما لا يبلغه بخرقه ألا ترى أن ~~الريح العاصف بقوتها وهول صوتها كيف يتداخل الشجر ولا يقلع المستخلف منه ~~والماء بلينه وسلاسته يبلغ في أصل الشجر فيقلع المستخلف من أصوله # PageV01P282 # والعلقة تنال من الدم بغير أذى ولا سماع صوت ما لا تنال البعوضة بهول ~~صوتها واليم لسعتها وبالرفق ولين التدبير ينقلب العدو صديقا كالسم القاتل ~~إذا رفق به المقدر له وأحسن في تقديره ولطف في تدبيره صار دواء وانقلب شفاء # قال الله سبحانه وتعالى {ادفع بالتي هي أحسن} # PageV01P283 # وبالخرق ينقلب الصديق عدوا كالطعام الذي هو غذاء الإنسان وقوام جسده إذا ~~أساء المقدر له في تقديره وأفرط في تناوله صار داء وانقلب أذى # وحكى أن كسرى أنوشروان سأل حكيما منى حكمائهم فقال ما عز الملك قال ~~الطاعة قال فما سبب الطاعة قال التودد إلى الخاصة والعدل على العامة قال ~~فما صلاح الملك ms023 قال الرفق بالرعية وأخذ الحق منهم في غير مشقة وأداؤه إليهم ~~عند أوانه وحكى شجاع للأحمر قال # PageV01P284 # دخلت على المتوكل وبين يديه نصر بن علي الجهضمي وهو يحث المتوكل على ~~الرفق بالرعية ويرغبه فيه والمتوكل ساكت فلما فرغ من كلامه التفت إليه ~~المتوكل وقال حدثني مؤدبي الفضل قال حدثني أبي عن جدي ورفعه إلى عمر بن ~~الخطاب # PageV01P285 # رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أفضل عباد الله ~~تعالى عند الله يوم القيامة إمام عادل وإن شر عباد الله عند الله يوم ~~القيامة إمام جائر ثم التفت إلى يحيى بن أكثم فقال وأنت حدثتني حديثا ~~ورفعته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من يحرم الرفق يحرم الخير ~~ثم سكت # PageV01P286 # ساعة وأنشد # (الرفق يمن والأناة سعادة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا) # (لا خير في حزم بغير روية ... والشك وهن إن أردت سراحا) # وقال بعضهم دخلت على المتوكل فسمعته يمدح الرفق فقلت يا أمير المؤمنين ~~أنشدني الأصمعي # PageV01P287 # (لم أر مثل الرفق في لينه ... أخرج للعذراء من خدرها) # (من يستعن بالرفق في أمره ... يستخرج الحية من جحرها) # قال فدعا بداوة وكتبها مني # (فلا تقطع أخا لك عند ذنب ... فإن الذنب يغفره الكريم) # (ولا تعجل على أحد بظلم ... فإن الظلم مرتعه وخيم) # (ولا تخرق عليه وكن رفيقا ... فقد بالرفق يلتئم الكليم) # (فإن الرفق فيما قيل يمن ... وإن الخرق فيما قيل شؤم) # واعلم أنه لا ينبغي للملك أن يستعمل الرفق واللين في جميع المواطن بل ~~يجعل الرعية ثلاث طبقات ويسوسهم بثلاث سياسات طبقة # PageV01P288 # هم الخواص من الأبرار فيسوسهم بالرفق واللين وطبقة هم خواص الأشرار ~~فيسوسهم بالعنف والشدة وطبقة هم العامة فيسوسهم باللين تارة وبالشدة تارة ~~أخرى # قال مسلم بن قتيبة ملاك السلطان الشدة على المريب واللين على المحسن وسأل ~~ملك من ملوك الفرس بزرجمهر فقال ما أحمد سير الملوك فقال أن يعاملوا أحرار ~~الناس بمحض المودة ويعاملوا العامة بالرغبة والرهبة ويعاملوا السفلة ~~بالمخافة صراحا أنشدني بعضهم # (إذا كنتم ms024 للناس في الأرض قادة ... فسوسوا كرام الناس بالحلم والعدل) # (وسوسوا لئام الناس بالذل وحده ... صريحا فإن الذل أصلح للنذل) # PageV01P289 ### | الوصف السادس الوفاء # لما كان الوفاء من الأوصاف العلية والشيم السنية أمر الله تعالى الخلق به ~~ومدحهم على فعله فقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا أوفوا} # PageV01P290 # بالعقود) وقال تعالى {يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا} # والوفاء خليق بالملك لما فيه من إيصال الراحة واستعطاف القلوب بإنجاز ~~الوعد أو دوام العهد قال بعض الحكماء لملك في # PageV01P291 # زمانه أوصيك بأربع خصال ترضي بهن ربك وتصلح بهن رعيتك لا تعدن وعدا ليس ~~في يديك وفاءه ولا تتواعدن من لا تنفذ فيه الفعل فإن بالأولى تذهب عظمتك ~~وبالثاني يجتزىء عليك ولا يغرنك ارتقاء السهل إذا كان المنحدر وعرا ولالا ~~تستغشن ناصحا فتستتر عنك أمور الرعية # وكان يقال من أحسن الوفاء استوجب الصفاء وكان يقال الوفاء من أخلاق ~~الكرام والخلف من أخلاق اللئام وقال أبو الحسن المدائني كان عمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه لا يكاد # PageV01P292 # يوجب حاجة تخوفا من الخلف فإذا أوجب وقال نعم لم يقر له قرار حتى يفي به ~~وأنشد رجل من بني تميم في المعنى شعرا # (إذا قلت في شيء نعم فأتمه ... فإن نعم دين على الحر واجب) # (وإلا فقل لا تسترح وترح بها ... لئلا يقول الناس إنك كاذب) # وأنشد بعضهم # (لزمت نعم حتى كأنك لم تكن ... عرفت من الأشياء شيئا سوى نعم) # (وأنكرت لا حتى كأنك لم تكن ... سمعت بلا في سالف الدهر والأمم) # PageV01P293 # وكان يقال وعد الكريم نقد وتعجيل ووعد اللئيم مطل وتسويف وكان يقال ~~العاقل لا يعد بما لا يستطيع إنجازه ولا يسأل ما يخاف منعه أنشدني بعض أهل ~~العلم # (لا تقولن إذا لم ترد ... أن تتم في شيء نعم) # (وإذا قلت نعم فاصبر لها ... بنجاح الوعد إن الخلف ذم) # (حسن قول نعم من بعدلا ... وقبيح قول لا بعد نعم) # (إن لا بعد نعم فاحشة ... فبلا فأبدا إذا خفت الندم) # PageV01P294 ### | الوصف السابع الصدق # إعلم أن الصدق من ms025 أسنى السمات وأشرف الصفات وأسلم مناهج الصفات يدعو إليه ~~الشرع الموجب والعقل المؤكد لأن الشرع ورد باتباع الصدق ولو كانت الهلكة ~~فيه # PageV01P295 # وحظر الكذب ولو جر نفعا أو دفع # PageV01P296 # ضررا علما من الشارع بما ينقلب إليه عاقبتهما # والعقل يدعو إلى فعل ما كان مستحسنا ويمنع من إتيان ما كان مستقبحا ~~والكذب مستقبح عقلا لا سيما إذا كان لا يجلب نفعا ولا يدفع ضررا # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحروا الصدق وإن # PageV01P297 # رأيتم الهلكة فيه فإن النجاة فيه وتجنبوا الكذب وإن رأيتم أن النجاة فية ~~فإن فية الهلكة # وقال بعض الحكماء دع الكذب حين ترى أنه ينفعك فإنه يضرك وات الصدق حين ~~ترى أنه يضرك فإنه ينفعك # وكانت العرب تقول لسان صدق مع العشرة خير من سوء الذكر مع الميسرة أنشدني ~~بعضهم # (عود لسانك صدق القول تحظ به ... إن اللسان لما عودت معتاد) # (موكل بتقاضي ما سننت له ... فارتد لنفسك وانظر كيف تزداد) # قال المهلب ما يكون السيف الصارم بيد الملك الشجاع بأعز له من الصدق # PageV01P298 # وكان يقال ينبغي للملك أن يكون صدوقا ليثق الأعوان بوعده وأن يكون شكورا ~~فيستوجب الزيادة # وقال الأحنف بن قيس كل الناس حقيق بالصدق وأحقهم به الملوك لأن الذي يدعو ~~إلى الكذب مهانة النفس والملك لا يكون مهينا # وقال بعض أهل الأدب فكن صادقا في كل شيء تقوله ولا تكن كذابا فتدعى ~~منافقا # وقال بعض الحكماء أول سعادة الملك صدقه وأول هلاكه جوره # PageV01P299 ### | الوصف الثامن الرأفة # إعلم أن الرأفة حلية كريمة تقتضيها حال الملوك لأنها تبعثهم على حراسة ~~الأمة وكمال الشفقة على الرعية والتحنن على ضعفائهم واصطناع المعروف إليهم ~~وكف الأذية عنهم وقد قال رسول الله ص = اطلبوا المعروف عند الرحماء من امتي ~~وعيشوا في أكنافهم # PageV01P300 # وقال ص = إن الله رحيم ولا يرحم من عباده إلا الرحماء إرحموا من في الارض ~~يرحمكم من في السماء وروى مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعا رجلا ~~يستعمله على بعض # PageV01P301 # مدائن الشام فجاء ولد ms026 صغير لعمر رضي الله عنه فأخذه عمر إلى صدره ثم قبله ~~فقال ذلك الرجل يا أمير المؤمنين أتقبله قال نعم فقال والله إن لي أولادا ~~ما قبلت واحدا منهم قط فقال له عمر أنت لا ترحم أولادك ولا تتحنن عليهم ~~فأنت للناس أقل رحمة وتحننا ثم صرفه ولم يستعمله ثم قال لا يصلح وال لا ~~رحمة عنده لرعيته # وروى مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بطريق مكة فأبصر راعيا يرعى ~~غنمه في مكان جدب فناداه وقال انظر مكانا خصبا # PageV01P302 # فالحق به ثم قال على إثر ذلك كل راع مسؤول عن رعيته وروى أسلم مولى عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه قال طاف عمر ليلة في المدينة وأنا معه فإذا هو ~~بامرأة في جوف دارها وحولها صبية يبكون وهي توقد تحت قدر لها فأتاها من ~~الباب وقال يا أمة الله مم بكاء هؤلاء الصبيان فقالت من الجوع قال فما في ~~هذا القدر قالت إني جعلت فيه ماء أوهمهم أن فيها طعاما وأعللهم حتى يناموا # PageV01P303 # قال فجلس عمر رضي الله عنه وبكى بكاء شديدا ثم قام وجاء إلى بيت الصدقة ~~فأخذ غرارة وجعل فيها دقيقا وشحما وسمنا وتمرا وثيابا ودراهم حتى ملأ ~~الغرارة ثم قال يا أسلم إحمل على ظهري قال فقلت له يا أمير المؤمنين أنا ~~أحمله عنك فقال لا أم لك يا أسلم احمل علي فأنا المطالب عنهم يوم القيامة ~~قال فحمل الغرارة على صلبه حتى أتى بها منزل المرأة فأخذ القدر وجعل فيها ~~شيئا من دقيق وشحم وتمر وجعل يحركه وينفخ تحت القدر قال أسلم وكانت له لحية ~~عظيمة فلقد رأيت الدخان يخرج من خلالها حتى طبخ لهم ثم جعل يغرف لهم بيده ~~ويطعمهم حتى شبعوا قال ثم خرج وربض بحذائهم على الباب كأنه سبع فخفت منه أن ~~أكلمه فلم يزل كذلك حتى لعب الصبيان وضحكوا ثم قام وقال يا أسلم هل تدري لم ~~ربضت بحذائهم قلت لا يا أمير المؤمنين فقال كنت رأيتهم يبكون فكرهت ms027 أن أذهب ~~حتى أراهم يضحكون فلما ضحكوا طابت نفسي # وحكى أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما ولى الخلافة # PageV01P304 # أحضر عنده محمد بن كعب القرضي وقال له دلني عن النجاة في سياسة الرعية ~~فقال له إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين لك أبا وأوسطهم ~~عندك أخا وأصغرهم ولدا فوقر أباك وارحم أخاك وتحنن على ولدك # وقال نصر بن سيار الكناني كان عظماء الترك يقولون ينبغي للملك # PageV01P305 # العظيم أن يكون فيه عشر خصال أربع من خصال الطير وست من خصال الوحش وهي ~~سماحة الديك وتحنن الدجاجة وحراسة الكركي وحذر الغراب وحملة الخنزير وقلب ~~الأسد وغارة الذئب وروغان الثعلب وصبر الكلب وشقاء الضب # PageV01P306 # وقد نظم هذا بعض الشعراء فقال # (أبى الطير لا يتركن آثار خيلنا ... لأكل لحوم من أعاد سواغب) # (وما ذاك من حب لنا غير عادة ... لهن علينا في البقاء الكتائب) # (أرى الملك المقدام من تم أمره ... بعشر خصال هن خير المناقب) # (سماحة ديك ثم رأف دجاجة ... وحراسة كركي وحذرة ناعب) # (وحملة خنزير وقلب غضنفر ... وغارة ذئب ثم روغ الثعالب) # (وصبر بصير حين يقرع بالعصا ... وشقوة ضب في بلاد سباسب) # (فمن كان هذا وصفه فهو كامل ... عظيم وإلا فهو أخيب خائب) # وقال بعض العلماء خير الملوك من أشرب قلوب رعيته محبته كما أشعرها هيبته ~~ولن ينال ذلك منها حتى يكون عاملا بخمس خصال إكرام شريفها ورحمة ضعيفها ~~وإغاثة لهيفها وكف عدوان # PageV01P307 # عاديها وتأمين السبل لرائحها وغاديها ومتى أعدم الرعية شيئا من ذلك فقد ~~أحقدها بقدر ما أفقدها # PageV01P308 ### | الوصف التاسع الصبر # إعلم أن صبر الملوك يتنوع أنواعا كثيرة أليقها بكتابي هذا صبر الملوك وهو ~~عبارة عن ثلاث قوى القوة الأولى قوة الحلم وثمرتها العفو القوة الثانية قوة ~~الكلأة وثمرتها عمارة المملكة الثالثة قوة الشجاعة وثمرتها في الملوك ~~الثبات لأن إقدامهم في المعارك تهور وطيش # PageV01P309 # والصبر سيد الأوصاف الجليلة وأميرها ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله والعمل قائده والرفق ms028 ~~والده والبر أخوه والصبر أمير جنوده # وليس المراد تفضيل الصبر على العلم والعقل وإنما المراد أن الثبات على ~~هذه الخصائص إنما يكون بالصبر لأن معنى الصبر الثبات والحبس والإمساك فمن ~~اتصف بشيء من هذه الخصال # PageV01P310 # ولم يصبر كان عند مزايلته كمن لم يتصف به فالصبر ضابط للأوصاف الشريفة ~~كما يضبط الأمير جنوده # وقيل كان مكتوبا في الصحيفة الصفراء المعلقة في أعظم هياكل الفرس كما أن ~~الحديد يعشق المغناطيس فكذلك الظفر يعشق الصبر فاصبر تظفر أنشدني بعض أهل ~~العلم # (إني وجدت وخير القول أحمده ... للصبر عاقبة محمودة الأثر) # (وقل من جد في أمر يطالبه ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر) # PageV01P311 # وقال بعض حكماء العرب ما ميز الرجل بين صبر وجزع إلا وجدهما متفاوتين ~~الصبر حسن العلانية محمود العاقبة والجزع غير معوض شيئا ولو كان في صورة ~~لكان الصبر أولاهما بالغلبة بحسن الخلقة وكرم الطبيعة # وقال بعض الحكماء الحوادث النازلة نوعان أحدهما لا حيلة فيه فدفعه بالصبر ~~الدائم والإعراض عنه الثاني يمكن فيه الحيلة فدفعه بالصبر عنه إلى حين نفوذ ~~الحيلة فيه # وقال بعض الفضلاء # (من يمتطي الصبر يضع رجله ... في ساحة الراحة واليسر) # (الصبر يمن وبه للفتى ... صيانة النفس عن الغدر) # وقال آخر # (إصبر إذا تدهيك نائبة ... ما خاب منقطع إلى الصبر) # (فالصبر أولى ما اعتصمت به ... ولنعم حشو جوانب الصدر) # PageV01P312 # وقال الحسن البصري رضي الله عنه جربنا وجرب المجربون فلم نر شيئا أنفع من ~~الصبر به تداوى الأمور وهو لا يداوى بغيره # وروي عن سليمان بن داود عليهما السلام أنه قال إنا وجدنا خير عيشنا الصبر # وكان عيسى بن مريم عليه السلام يقول يا معشر الحواريين إنكم لا تدركون ما ~~تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون # وقال نهشل بن حري # PageV01P313 # (ويوم كأن المصطلين بحرة ... وإن لم تكن نار قيام على الجمر) # (صبرنا له حتى يبوخ وإنما ... تفرج ايا الكريهة بالصبر) وقال آخر # (إني رايت مغبة الصبر ... تفضي بصاحبها إلى اليسر) # (لابد من عسر وميسرة ... بهما تدور دوائر الدهر) # (فكما يلذ اليسر ms029 صاحبه ... فكذاك فليصبر على العسر وقال آخر # (الصبر أولى بوقار الفتى ... من قلق يهتك ستر الوقار # (من لزم الصبر على حالة ... كان على أيامه بالخيار) وقال آخر # PageV01P314 # (لا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذا استغنت بصبر أن ترى فرجا) # (أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا) # PageV01P315 ### | الوصف العاشر العفو # اعلم أن وصف العفو خليق بالملك لما فيه من المزية وكمال مصلحة الرعية لأن ~~الملك متى عاقب على الزلة وقابل على الهفوة وأخذ بالجرم الصغير ولم يتجاوز ~~عن الكبير قبحت سي رته وفسدت سريرته قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أفضل ~~القصد عند # PageV01P316 # الحدة وأفضل العفو عند القدرة وما أقبح مجازاة القادر على سوء صنيع ~~المقدور عليه وكان معاوية رضي الله عنه يقول إن أولى الناس بالعفو أقدرهم ~~على العقوبة وإن أنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه وقيل إن عظيما من عظماء ~~قريش في سالف الدهر كان يطلب # PageV01P317 # رجلا فلما ظفر به قال له لولا أن القدرة تذهب الحفيظة لا نتقمت منك ثم ~~أطلقه فحسنت سيرة الرجل بعد ذلك # وغضب سليمان بن عبد الملك على خالد بن عبد الله القسري فلما دخل عليه قال ~~يا أمير المؤمنين إن القدرة تذهب الحفيظة وإنك تجل عن العقوبة فإن تعف فأهل ~~ذلك أنت وإن تعاقب فاهل ذلك أنا فعفا عنه والله أعلم # PageV01P318 # وحكي أن المأمون لما طفر بعم إبراهيم بن المهدي أحضر عنده جماعة من خواصه ~~ثم قال علي به فأدخل إليه وهو يحجل في قيوده فقال السلام عليك يا أمير ~~المؤمنين قال لا سلم الله عليك ولا رعاك فقال إبراهيم على رسلك يا أمير ~~المؤمنين # PageV01P319 # ثم أنشد يقول # PageV01P320 # (أنا المذنب الخطأ والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو) # (سكرت فأبدت مني الكأس بعض ما ... كرهت وما إن يستوي السكر والصحو) # (فإن تعف عني تلف خطوي واسعا ... وإلا تداكرني فقد قصر الخطو) # ثم قال يا أمير المؤمنين انت ولي ثأري وإن القدرة تذهب الحفيظة وإني قد ms030 ~~أصبحت فوق كل ذي ذنب كما أصبح كل ذي عفو دونك فإن تعاقب فبحقك وإن تعف ~~فبفضلك قال فاطرق المأمون ثم رفع رأسه وقال إن هذين اشارا علي بقتلك يعني ~~العباس والمعتصم فقال إنهما أشارا بما يشير به مثلهما على مثلك إذ كان مني ~~الذي كان فقال المأمون يا ثمامة إن من الكلام كلاما كالدر في لبات # PageV01P321 # الغواني وإن هذا الكلام منه يا غلام حل القيود عن عمي # وكان المأمون يقول ليس علي في العفو مؤنة وإني وددت أن اهل الجرائم علموا ~~حلمي ورأى في العفو فيذهب عنهم الخوف # وكان يقال أقبح المجازاة المكافاة بالإساءة # وقيل إن عبد الملك بن مروان اشتد غضبه على رجل فلما صار # PageV01P322 # في يده قال له يا فاجر لأمثلن بك أشر مثله فقال له رجاء بن حيوة # إن الله تعالى قد صنع ما أحببت يا أمير المؤمنين فاصنع ما يحبه الله من ~~العفو عنه قال فعفا عنه وأطلقه # وكان المأمون يقول لو علم الناس رغبتي في العفو ما تقربوا إلي إلا ~~بالذنوب وأنشدني بعضهم في المعنى # (إقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... واغفر له ذنبه إن بر أو فجرا) # (فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا) # PageV01P323 # ويحكي أنه جرى بين شهرام المروزي وبين أبي مسلم الخراساني كلام شديد ~~ومنازعة فمازال أبو مسلم يقاوله إلى أن قال له شهرام يالقيط فلما قال ذلك ~~سكت أبو مسلم ثم إن شهرام ندم فأقبل على أبي مسلم معتذرا وخاضعا ومتنصلا ~~فلما رأى أبو مسلم ذلك منه قال لسان سبق ووهم أخطأ وإنما الغضب من الشيطان ~~والعذر يسعك وقد عفونا عنك فقال شهرام أيها الأمير إن عفو مثلك لا يكون ~~غرورا قال أجل فقال إن عظم ذنبي لا يدع قلبي يسكن فقال أبو مسلم يا عجبا # PageV01P324 # كنت تسىء وأنا أحسن فإذا إحسنت أسىء أنشدني بعضهم # (تعفو الملوك عن العظيم ... من الأمور لفضلها) # (ولقد تعاقب في اليسير ... وليس ذاك لجهلها) (إلا ليعرف فضلها ... ويخاف ~~شدة نكلها) # ويحكي أن المنصور ms031 بعث إلى جعفر بن محمد فلما أتاه قال إني أريد أن ~~أستشيرك في أمر قد رأيت أطباق أهل المدينة على حربي وقد نهيتهم مرة بعد ~~أخرى فما رأيتهم ينتهون وقد رأيت أن أبعث إليهم من يقطع نخلها ويغور عيونها ~~فما ترى أنت فسكت جعفر فقال له ما لك لا تتكلم قال أتكلم آمنا قال نعم قال ~~يا أمير المؤمنين إن # PageV01P325 # سليمان عليه السلام أعطى فشكر وإن أيوب عليه السلام أبتلى فصبر # وإن يوسف عليه السلام قدر فغفر وإن محمد صلى الله عليه وسلم أوذي فاحتمل ~~وقد جعلك الله من نسل الذين يغفرون ويعفون ويصفحون فانطفأ غيظه وأمسك عنهم # أنشدني بعضهم # (أشكو إليك هموما ليس يكشفها ... إلا رضاك فقوم بالرضا أودي) # (إن تعف عني فأهل العفو أنت ... وإن عاقبتني فبما تجني علي يدي) # وقال آخر # (ولقد ناديت عفوك من قريب ... كما سالمت شخصك من بعيد # (فإن عاقبتني فبسوء فعلي ... وما ظلمت عقوبة مستفيد) # (وإن تمنن فإحسان جديد ... مننت به على شكر جديد) # PageV01P326 ### | الوصف الحادي عشر # = الشكر = # إعلم أن الشكر ينقسم إلى ثلاثة أقسام عقد بالجنان وثناء باللسان # PageV01P327 # ومكافاة بالأفعال الحسان # أما العقد بالجنان فهو ان يضمر إعظام المنعم واجلاله والخشية له والإقبال ~~عليه والعجز عن القيام بحقيقه شكره واستكثار النعمة منه وإن قلت واستقلالها ~~في غيره وإن جلت # وأما الثناء باللسان فهو إظهار الحمد للمنعم والثناء عليه والتحدث بما ~~خوله من تواتر النعم وبلوغ المقاصد وحصول الأغراض وغير ذلك مما خصه به ~~المنعم دون كثير من الناس # واما المكافأة بالأفعال فهي الإقبال على طاعته والوقوف عند حدوده ~~ومنهياته وان يواسي الضعفاء من نعمته ويعمهم بعدله ويخصهم ببذله سيما لمن ~~ناصح في دولته وأخلص في خدمته وصدق في ولائه من أعوانه وخاصته أو لمن أظهر ~~نكاية في عداته أو لمن # PageV01P328 # سارع في مرضاته وغير ذلك مما يجلب به المسرة او يدفع عنه به المضرة فإنه ~~إذا فعل ذلك من نية وقول وعمل سمي شاكرا على الحقيقة وكان لمزيد النعمة ~~مستحقا ولتتابع الإحسان ms032 مستوجبا لقوله عز وجل {لئن شكرتم لأزيدنكم} # وقد قال بعض الحكماء لا يكون الملك شاكرا للنعمة حتى يجتمع فيه أربعة ~~أشياء المواساة فيها والاستعانة بها على طاعة مولاها والإشادة بذكرها وتيقن ~~العجز عن القيام بحقيقة شكرها # PageV01P329 # وكان يقال لا زوال للنعمة مع الشكر ولا بقاء لها مع الكفر # وقيل الشكر قيد النعمة # وقيل الشكر مثمر النعم وعصمة من النقم # وقال بعض الحكماء من لم يشكر على الإنعام فاعدده من الأنعام # وقال بعض ملوك الهند خير الملوك الشكور على حسن الأعمال والصبور على تحمل ~~الأثقال # PageV01P330 # وكان يقال من كفر النعمة استوجب حرمان المزيد # وقال علي بن طالب رضي الله عنه # (من جاور النعمة بالشكر لم ... يخش على النعمة ما اغتالها) # (لو شكروا النعمة زادتهم ... مقالة الله التي قالها) # (لئن شكرتم لأزيدنكم ... لكنما كفرهم غالها) # (والكفر بالنعمة يدعو إلى ... زوالها والشكر ابقى لها) # وقال بعض البلغاء الشكر وإن قل ثمن كل نوال وإن جل وأنشد # PageV01P331 # (لو كنت أعرف فوق الشكر منزلة ... أعلى من الشكر عند الله في الثمن) # (إذا منحتكما مني مهذبة ... حذوا على حذو ما واليت من حسن) # وقال آخر # (فلو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لرفعة حال أو علو مكان) # (لما أمر الرحمن بالشكر خلقه ... فقال اشكروني أيها الثقلان) # PageV01P332 ### | الوصف الثاني عشر الأناة # إعلم أن الأناة من أحمد أوصاف الملك وأكمل أخلاقه وعلامة توفيقه لأنه ~~يتعلق بها صواب الرأي في التدبير واتضاح الأمور في السياسة ولا يقترن بها ~~زلل ولا يعقبها ندامة ولا فشل فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~التوءدة من الرحمن والعجلة من الشيطان # PageV01P333 # وقال بعض الحكماء على الملك أن يعمل بخصال ثلاث تأخير العقوبة في سلطان ~~الغضب وتعجيل مكافأة المحسن والعمل بالأناة فيما يحدث من الأمور فإن له في ~~تأخير العقوبة إمكان العفو وفي تعجيل المكافأة بالإحسان المسارعة إلى ~~الطاعة من الرعية وفي الأناة اتضاح الرأي وانفساح الصواب # وسأل ملك من الملوك حكيما فقال أي خلائق الملك أحمد العواقب قال الأناة ~~قال فأيها أجلب لمودة ms033 الرعية قال الكرم قال فأي الملوك أخرق # PageV01P334 # قال أنهكهم عقوبة للرعية قال فأي الخلال أجمع للمكارم والمناقب قال العدل ~~قال أوصني وصية أنتفع بها في ملكي قال قد فعلت # ويحكى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سأل كبيرا من كبراء فارس فقال أي ~~ملوككم كان أحمد عندكم سيرة قال إن أردشير له فضيلة السبق في المملكة غير ~~أن أحمدهم سيرة أنوشروان قال فأي خلاله كان أغلب عليه قال الحلم والأناة # وقال علي رضي الله عنه إن الأناة والحلم توأمان ينتجهما علو الهمة والله ~~سبحانه وتعالى أعلم # PageV01P335 ### | الوصف الثالث عشر الحلم # إعلم أن الحلم ضبط النفس عند هيجان الغضب وهو خليق بالملوك لما فيه من ~~الراحة واجتلاب الحمد وحسن العاقبة ورضا الخالق قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إن الله يحب الحليم # PageV01P336 # ويبغض الفاحش وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه من حلم ساد ومن تفهم ~~ازداد # وقال بعض الحكماء كل ملك لا يجتمع فيه ثلاث قوى فملكه مسلوب القوة الأولى ~~قوة الحلم وثمرتها العفو القوة الثانية قوة حفظ الرعية وثمرتها عمارة ~~المملكة القوة الثالثة قوة الشجاعة وثمرتها في الملوك الثبات وفي الجند ~~الإقدام وكان يقال # PageV01P337 # أوكد أسباب الحلم رحمة الجهال # وقال بعض الحكماء الحلم حجاب الآفات # وقال معاوية إني لا رفع نفسي أن يكون لي ذنب أوسع من حلم # وكان يقال ليس الحليم من إذا ظلم حلم حتى إذا قدر انتقم ولكن الحليم من ~~إذا ظلم حلم حتى إذا قدر عفى ومما حفظ من وصيه أنوشروان لولده يا بني إن من ~~أخلاق الملوك الأنفة وعزة النفس وإنك ستبلى بمدارات أقوام وإن سفه السفيه ~~ربما بلغك فإن # PageV01P338 # رفعت قدري عنه وإن كان نظيري تفضلت عليه فأخذ محمود الوراق هذا الكلام ~~ونظمه شعرا # (سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب ... وإن عظمت منه علي الجرائم) # (وما الناس إلا واحد من ثلاثة ... شريف ومشروف ومثل مقاوم) # (فأما الذي فوقي فاعرف قدره ... وأتبع فيه الحق والحق لازم) # (واما الذي دوني فإن ms034 قال صنت عن ... إجابته عرضي وإن لام لائم) # (وأما الذي مثلي فإن زل او هفا ... تفضلت إن الحلم بالفضل حاكم) # PageV01P340 # وأنشدني بعض أهل العلم # (رجحنا وقد خفت حلوم كثيرة ... وعدنا على أهل السفاهة بالفضل) # (وجهل رددناه بفضل حلومنا ... ولو اننا شئنا رددناه بالجهل) # وقال عبيدة بن غاضرة العنبري # (إنا وإن كنا أسنة قومنا ... وكان لنا فيهم مقام مقدم) # (لنصفح عن أشياء منهم تسؤنا ... ونصدف عن ذي الجهل منهم ونحلم) # (ونمنح منهم معشرا يحسدوننا ... هنيء عطاء ليس فيه تندم) # (وتكلؤهم بالغيب منا حفيظة ... وأكبادنا وجدا عليهم تضرم) # (ولا نسأم النعماء منا عليهم ... وإن كثرت حتى يملو ويسأموا) # (وليس بمحمود لدى الناس من جزي ... بسيىء ما يأتي المسبيء الملوم) # PageV01P341 # (سأحمل عن قومي جميع كلومهم ... وأدفع عنهم كل غرم وأغرم) # واعلم أن كمال العقل وشرف النفس وعلو الهمة يبعث على الحلم عند هيجان ~~الغضب لأسباب خمسة # أحدها الترفع عن السفية والاستهانة به وإطراح جانبه # الثاني أن يكون السفيه ممن له خدمة سالفة وحرمة لازمة فيراعي منه ذلك ~~فيحلم عنه لأجله # الثالث الرحمة له والرافة به لضعفه عن القدرة عليه # الرابع أن يتألفه بالحلم ويتفضل عليه به # PageV01P342 # الخامس الإستحياء من الله تعالى ومن الحاضرين ان يجيب السفيه بسفه مثله # وينبغي للملك ان يعرض على نفسه هذه الأسباب عند هيجان الغضب ليجلب إليه ~~الحلم واحدا منها # واعلم أن الحلم ليس بمحمود في كل المواطن لأنه قد يطرأ على الملك من ~~الأمور مايكون الحلم معها مفسدة والتراخي عنها مضرة لأن الرعية على قسمين ~~قسم لا يخشى فسادهم ولا يضره ما صدر عنهم فإطراح الملك لهم والترفع عن ~~مجازاتهم أليق والاستهانة بهم أصون وقسم لا يمكن للملك إهمال أمرهم وإطراح ~~جانبهم إما لخوف شرهم أو للزوم أمرهم فردعهم بالأفعال الزاجرة أولى للملك ~~من الحلم عنهم حتى لا يزدادون بالحلم شرا وتمردا # PageV01P343 # وقد سأل يزيد بن معاوية أباه فقال يا امير المؤمنين هل ذممت عاقبة حلم قط ~~أو حمدت عاقبة إقدام قط فقال ما حلمت من لئيم قط ms035 وإن كان وليا إلا أعقبني ~~ندما ولا أقدمت على عقوبة كريم قط وإن كان عدوا إلا وأعقبني أسفا # وقال بعض الحكماء إن الحلم يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم # وقال بعض أهل العلم ليس الحلم بمحمود في كل المواطن كما أن الجهل ليس ~~بمذموم في جميع الأحوال وأنشد # (لئن كان حلم المرء عون عدو ... عليه فإن الجهل أعنى وأروح) # (وفي الحلم ضعف والعقوبة قوة ... إذا كنت تخشى كيد من عنه تصفح) # PageV01P344 # وقال لهم بن المهدي # (إذا كنت بين الحلم والجهل ماثلا ... وخيرت أني شئت فالحلم افضل) # (ولكن إذا أنصفت من ليس منصفا ... ولم يرض منك الحلم فالجهل أمثل) # وينبغي للملك ان يتلطف في تدبير من هذه صفته على وجه يحصل به الردع ~~والزجر من غير مبالغة في النكاية على ما تقتضيه المصلحة في تدبير السياسة # PageV01P345 # العفاف ### | الوصف الرابع عشر # غعلم ان العفاف هو ضبط النفس عن الرذائل وكف الجوارح عن الأذى والمحارم ~~وذلك غاية السؤدد وكمال المروءة وختام مكارم الأخلاق # قالت السيدة عائشة رضي الله عنها كان الجاهلية لا يسودون رجلا حتى يجتمع ~~فيه ست خصال ثم زادت في الإسلام خصلة سبعا السماحة والنجدة والصبر والحلم # PageV01P346 # والبيان والتواضع وتمامهن في الإسلام العفاف # وكان يقال من عف في جماله وعدل في سلطانه حشر في زمرة الأبرار # وقد قدمنا في صدر الكتاب ان من لا يقدر على ضبط نفسه من الرذائل لم يقدر ~~على ضبط خاصته وهم نصب عينيه ومن لم يقدر على ضبط خاصته من أعوانه لم يقدر ~~على ضبط رعيته وهم في أقاصي بلاده # فإذا عف نفسه وجوارحه فقد انتظم امر مملكته في دنياه وينقلب إلى الملك ~~الدائم في عقباه فأما أعفاف الجوارح فهو أن يعف بصره عن النظر إلى المحارم ### | 348 # وأن يترك التطلع إلى ما حجب عنه ونهي # لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ~~فمن تركه من خوف الله آتاه الله تعالى إيمانا يجد حلاوته في قلبه وقال أبوه ms036 ~~الدرداء رضي الله عنه من غض بصره عن نظر الحرام زوجه الله تعالى من الحور ~~العين حيث أحب ومن أطلع فوق بيت من بيوت الناس حشر يوم القيامة أعمى # PageV00P000 # وأن يترك التطلع إلى ما حجب عنه ونهي # لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ~~فمن تركه من خوف الله آتاه الله تعالى إيمانا يجد حلاوته في قلبه وقال أبوه ~~الدرداء رضي الله عنه من غض بصره عن نظر الحرام زوجه الله تعالى من الحور ~~العين حيث أحب ومن أطلع فوق بيت من بيوت الناس حشر يوم القيامة أعمى # PageV01P348 # ثم يعف سمعه عن سماع الكلام القبيح والغيبة والنميمة وسماع المحرم من ~~الملاهي وينزه مجلسه عن جميع ذلك # PageV01P349 # فقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما نهينا عن الغيبة # PageV01P350 # والاستماع إليها والنميمة والاستماع لها وقال ص = من استمع إلى قينة صب ~~في أذنيه الأنك يوم القيامة # ثم يعف لسانه عن قول الكذب والغيبة والنميمة والسخف من # PageV01P351 # الكلام فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضمن لي ما بين لحييه وما ~~بين رجليه ضمنت له على الله الجنة # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه وهل يكب ~~الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم # ثم يعف يده فلا يتناول بها ما لايحل له من أموال الرعية # PageV01P352 # ولا يبسطها إلى محظور في عقوبة ولا نكاية محرمة في حد ولا تعزير فقد قال ~~رسول الله # PageV01P353 # صلى الله عليه وسلم حرمة مال المسلم كحرمة دمه # PageV01P354 # وقال صلى الله عليه وسلم بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد ثم قال ~~يعف رجليه فلا يسعى بهما إلى مكروه فقد قال مسروق ما خطا العبد خطوة إلا ~~كتب له بها حسنة أوسيئة # ثم يعف فرجه عن مقارفة الزنا وذلك اصل العفاف وتمام المروءة وحصانة الدين ~~قال رسول الله ص = من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له على ms037 الله ~~الجنة فإذا # PageV01P355 # فعل جميع ذلك كان عفيفا وكان للسيادة مستحقا ولمزيد النعمة مستوجبا # PageV01P356 ### | الوصف الخامس عشر الوقار # إعلم أن وقار الملك وسكينته من أعظم سياسات المملكة لما يتعلق به من ~~إظهار الهيبة وتعظيم الحرمة وقيام الأبهة وإرهاب العدو واهل الدعارة # وسنوضح ذلك في الباب السابع إن شاء الله تعالى وهذه أصول مكارم الخلاق ~~ومحاسنها التي تقوم بها السياسة وتدوم بها الرياسة وسنزيدها إيضاحا بذكر ~~قبائح أضدادها في الباب السادس إن شاء الله تعالى # PageV01P357 ### | الباب السادس في معرفة الأوصاف الذميمة والنهي عنها # لما ذكرنا من مكارم الأخلاق أوصافا جميلة وأخلاقا حميدة يزداد المتصف بها ~~إجلالا وتعظيما أحببنا أن نوضح ما ذكرناه من محاسن بشرح قبائح أضدادها ~~المذمومة الخارجة بالنفس عن حد الاعتدال الى ما يعقبها من الاضطراب في تأتي ~~الحال ليجتنبها الملك ونختم هذا الباب بذكر أغراض ردية ربما عرضت الملك ~~فأخرجته عن قانون الاعتدال وهي خمسة عشر وصفا وثلاثة أعراض # أما الأوصاف فهي الجور والجهل والبخل والسرف والخلف والكذل والغيبة ~~والغضب والعجب والكبر والحسد والعجلة والمزاح والضحك والغدر # وأما الأعراض فهي الهم والغم والسكر # PageV01P358 ### | الوصف الأول الجور # إعلم أن الجور هو العدول عن الحق واستمراره يخل بنظام الطاعة # PageV01P359 # من الرعية ويبعثهم على ترك المناصحة وعدم النصرة ويحملهم على نصب الغوائل ~~وتربص الدوائر وليس شيء أسرع في خراب الأرض ولا أفسد لضمائر الخلق منه لأنه ~~ليس يقف على حد ولا ينتهي إلى # PageV01P360 # غاية وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أشد الناس عذابا يوم ~~القيامة من أشركه الله في سلطانه فجار في حكمة # وقال ص = لن تهلك الرعية وإن كانت ظالمه او مسيئة إذا كانت الولاة هادية ~~مهدية وتهلك الرعية وإن كانت هادية مهدية إذا كانت الولاة ظالمة مسيئة # وقال عليه الصلاة السلام قال الله تعالى لانتقمن من # PageV01P361 # الظالم في عاجله وآجله ولأنتقمن ممن رأى مظلوما فقدر على ان ينصره فلم ~~يفعل # وقال عليه الصلاة والسلام بئس الزاد الى المعاد العدوان على العباد # وقال بعض الحكماء الملك يبقى ms038 على الكفر ولا يبقى على الجور # وقال حكيم آخر الجور مسلبة للنعم والبغي مجلبة النقم # PageV01P362 # وقال افلاطون بالعدل ثبات الأشياء وبالجور زوالها وقال أيضا إياكم والجور ~~فإنه أداة العطب وعلة خراب البلاد ويحكي ان الرشيد # PageV01P363 # حبس ابا العتاهية وأقسم أن لا يخرجه من حبسه فبقي في السجن مدة طويلة ~~فلما ضاق به الأمر كتب على حائط الحبس هذه الأبيات # (أما والله إن الظلم شؤم ... وما زال المسيء هو الظلوم # (تنام ولم تنم عنك المنايا ... تنبه للمنية يا نؤم # (إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم) # قال فأخبر الرشيد بذلك فبكى وأحضر أبا العتاهية واستحله # ألف دينار وأطلقه وكفر عن يمينه # وأنشدني بعضهم لأبي الفتح البستي # PageV01P364 # (عليك بالعدل إن وليت مملكة ... واحذر من الجور فيها غاية الحذر) 3 ~~(فالملك يبقى على الكفر البهيم ولا ... يبقى مع الجور في بدور ولا حضر) # وقال بعض الحكماء ليس للجائر جار ولا تعمر له دار # وقال حكيم آخر اقرب الأشياء صرعة الظلوم وأنفذ السهام دعوة المظلوم # وقال بعضهم في المعنى شعرا # PageV01P365 # (لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم مرتعة يدعو إلى الوخم) # (تنام عينك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم) # ويحكي ان يزدجرد الأثيم لما كثر عسفه لرعيته واشتد جوره عليهم باغتصاب ~~الأموال وامتهانهم بالعذاب وطال ذلك عليهم اجتمع جماعة من المظلومين في بعض ~~الهياكل ثم دعوا الله سبحانه وتعالى أن يريحهم منه فمكث بعد ذلك خمسة أيام ~~أو سبعة فجاءه حاجبه فأخبره أن فرسا مستوحشا جمع محاسن صفات الخيل قد جاء # PageV01P366 # يشتد عدوا حتى وقف بباب الملك وقد تهيبه الناس فلم يجترىء احد عليه وقد ~~نفرت منه الخيل فلا تقرب منه فلما سمع ذلك يزدجرد خرج من قصره فنظر الى ~~الفرس قائما فرأى منظرا عجيبا فدنا منه فخضع له الفرس فخامره الإعجاب بنفسه ~~فمسك بناصيته فمسح وجهه ثم أمر بإسراجه وإلجامه ثم استدار به ومسح كفله ~~فرمحه رمحة خر منها ميتا وقيل بل ركبه وحركه فجمع به وسبق الأبصار عدوا ms039 حتى ~~أتى البحر فاقتحمه به فكان ذلك آخر ما علم من خبره # وقد يعلم قبح الجور وعقلا وشرعا فيجب اجتنابه والورع عنه لما فيه من ~~اختلال الرعية واضطراب الدولة وخراب البلاد وعذاب الآخرة # PageV01P367 # الوصف الثاني ### | الجهل # إعلم أن الجهل من الأوصاف الذميمة والأخلاق الردية لا سيما بالملوك فإن ~~صاحبه لا يعرى عن الفضيحة بالأفعال القبيحة ورأيه أبدا في ضلال وتدبيره في ~~وبال يقترن به الزلل ويحيط به الفشل قال بعض الحكماء الجهل مطية من ركبها ~~زل ومن صحبها ضل # وقال آخر خير المواهب العقل وشر المصائب الجهل # وقيل الجاهل يعتمد على أمله والعاقل يعتمد على عمله # وقيل نظر الجاهل بعينه وناظره ونظر العاقل بقلبه وخاطره # واعلم أن للجاهل أوصافا تظهر عليه وخصالا ترشد إليه فمن ذلك ما روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال للجاهل خصال # PageV01P368 # يعرف بها يظلم من خالطه ويعتدي على من دونه ويتطاول على من فوقه ويتكلم ~~بغير تدبير إن عرضت عليه فتنة أردته وإذا رأى فضيله أعرض عنها # وقال زياد يعرف الجاهل بثلاث علامات كثرة الإلتفات وسرعة الإجابة وتحريك ~~رأسه إذا مشى # وقال بعض العلماء ست خصال يعرف بها الجاهل # PageV01P369 # الغضب في كل شيء والكلام في غير نفع والعطية في غير موضعها وإفشاء السر ~~والثقة بكل أحد وأن لا يعرف صديقه من عدوه # وحكى صالح بن حسان قال كان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ~~صديقا للوليد بن يزيد بن عبد الملك # PageV01P370 # وكان عبد الله يأتيه فخلوا يوما يلعبان الشطرنج فأتاه الحاجب فقال # PageV01P371 # إن بالباب رجلا سيدا من أخوالك من ثقيف قدم غازيا وقد أحب التسليم عليك ~~قال دعه ساعة حتى نفرغ من دستنا قال عبد الله وما عليك من ذلك إن حضر ائذن ~~له قال لما علمت أن اللعب متجه عليك أردت أن تفسده قال عبد الله فادع ~~منديلا وضعه عليها حتى يدخل الرجل فيسلم عليك ونعود إلى تمام الدست ففعل ~~ذلك # ثم قال إئذن له فدخل رجل ms040 مشمر له هيئة حسنة وعليه عمامة فاخرة وبين عينيه ~~أثر السجود وقد رجل لحيته بالحناء فقال أصلح الله الأمير قد قدمت غازيا ~~فكرهت أن أجاوزك حتى أقضي حقك قال حياك الله وبارك فيك ثم سكت ساعة فلما ~~أنس به أقبل عليه الوليد وقال يا خالي هل جمعت القرآن قال لا قد كانت ~~شغلتنا عنه شواغل قال # PageV01P374 # فهل حفظت من سنة رسول الله ومغازيه وأحاديثه شيئا قال قد كانت أموالنا ~~تشغلنا عن ذلك قال فأحاديث العرب وأيامها وأشعارها قال لا لأني كنت في شغل ~~عن ذلك قال فأحاديث العجم وآدابها قال إن ذلك لشيء ما طلبته قال فهل عرفت ~~من أقوال الحكماء وسير الملوك ما تسوس به قومك قال لا إن ذلك لشيء لم أكن ~~أبحث عنه قال فاستدار الوليد ورفع المنديل وقال شاهك فقال عبد الله سبحان ~~الله قال الوليد لا يستحي منه والله ما معنا في البيت إنسان فلما خرج ذلك ~~الرجل قال الوليد أما علمت أن الجهال كالأنعام لا يستحي منهم # PageV01P375 ### | الوصف الثالث البخل # إعلم أن البخل من أذم الخلائق وأنكر الطرائق نهى عنه الشرع وقضى بقبحه ~~العقل وحقيقته منع الحقوق الواجبة وتقتير النفقات المستحقة وفي العرف ~~والعادة هو خزن المال ومنع المسترفدين من فضوله # واعلم أن البخيل لا يزال مسلوب الهيبه مفقود الرهبة ثقيلا على # PageV01P376 # النفوس بغيضا إلى القلوب ترمقه الأبصار بالإحتقار وبقلة الوقار وذلك أن ~~البخل يدعوه إلى شدة الكدح وخزن المال ويمنعه من إيصال الحقوق إلى أهلها ~~وهو يغطي الفضائل ويظهر الرذائل أنشدني بعض أهل العلم # (ويظهر عيب المرء في الناس بخله ... ويستره عنهم جميعا سخاؤه) # PageV01P377 # (تغط بأثواب السخاء فإنني ... أرى كل عيب والسخاء غطاؤه) # وقد ينتج عن البخل أربعة أخلاق مذمومة كل خلق منها في نهاية القبح وهي ~~الحرص والشره وسوء الظن بالله ومنع الحقوق # أما الحرص فهو شدة الكدح والإسراف في الكدح والإسراف في الطلب والمبالغة ~~في جمع المال وهذا ربما أفضى بصاحبه إلى اقتحام الحرام وأخذ الشبهات فكان ~~مذموما # وأما الشره فهو ms041 استقلال الكفاية والاستكثار من المال لغير حاجة وذلك ~~مذموم لنزوعه إلى اللؤم # PageV01P378 # وأما كونه يسيء الظن بالله تعالى فإن البخيل يعتقد أن المال يذهبه ~~الإنفاق وليس خلف من الله تعالى ولا عوض يرجع إليه فيحصل على عدم الثقة ~~بالله تعالى وذلك غاية المذمة والقبح # وأما منع الحقوق فإن نفس البخيل لا تسمح بفراق المال إذ هو محبوبها ~~ونهاية مطلوبها فلا تنقاد إلى إيصال الحق ولا تذعن بإنصاف الخلق وإذا كان ~~البخيل بهذه الأوصاف فليس عنده خير موجود ولا صلاح مأمول # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السخي قريب من الله قريب من الجنة ~~قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من ~~الجنة قريب من النار # وقال عليه السلام طعام الجواد دواء وطعام البخيل # PageV01P379 # داء وقال عليه السلام بشر مال البخيل بحادث أو وارث أنشدني بعض أهل العلم # (يفني البخيل بجمع المال مدته ... وللحوادث والوراث ما يدع) # (كدودة القز ما تبنيه يهلكها ... وغيرها بالذي تبنيه ينتفع) # PageV01P380 # قال بعض الحكماء البخل جلباب المسكنة # وقال حكيم آخر لا يدخل البخل مسكنا إلا أعقبه الحسرة ولا يدخل الطمع ~~مدخلا إلا أعقبته المذلة ولا يدخل الشره مدخلا إلا أعقبه الحيرة # وقيل البخيل ليس له خليل # وقيل المال كالماء فمن استكثر منه ولم يجعل له مسربا يتسرب فيه ما زاد ~~على القدر الكافي غرقه أنشدني بعضهم # (أراك تؤمل حسن الثناء ... ولم يرزق الله ذاك البخيل) # (وكيف يسود أخو بطنة ... يمن كثيرا ويعطي قليلا) # PageV01P381 ### | الوصف الرابع السرف # إعلم أن السرف في إنفاق المال وصف خارج عن حد السخاء المحمود مجانس البخل ~~في الذم والقبح لأن الله سبحانه وتعالى ساوى بين حالتهيما في النهي فقال ~~{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا} # PageV01P382 # فنهى عن بسطها سرفا كما نهى عن قبضها بخلا فدل ذلك على استوائهما ذما ~~واتفاقهما لوما ولأن المسرف في عطائه المبذر في سخائه لا يفرق بين محمود ~~ومذموم ولا يميز بين ms042 مستحق ومحروم # وهذه الحال تدل على خور الطبع وطيش الرأي وقصور التدبير وذلك لا يليق ~~بالملوك ولأن بيت المال يقل عن الحقوق ويقصر عن الواجبات فإذا أسرف في بذله ~~فقد وضع الشيء # PageV01P383 # بزيادته على قدر المستحق وقال بعض الحكماء الخطأ في إعطاء ما لا ينبغي ~~ومنع ما ينبغي # وقال سفيان الثوري رحمة الله الحلال لا يحتمل السرف # وقال بعض العلماء ثلاثة ترتفع عنهم الرحمة وتنزل بهم الشماتة في ثلاثة ~~أحوال أحدهم المبذر لماله حين تنزل به الفاقة # الثاني الشرة النهم حين تصيبه المصيبه # PageV01P384 # الثالث الظالم المعتدي حين تنزل به العقوبة أنشدني بعضهم # (وكان المال بأتينا فكنا ... نبذره وليس لنا عقول) # (فلما أن تولى المال عنا ... عقلنا حين ليس لنا فضول) # PageV01P385 ### | الوصف الخامس خلف الميعاد # إعلم أن خلف الميعاد به اللئام وتأباه الكرام لقبح صوري وشناعة سمعته وهو ~~من أركان النفاق ومساوىء الأخلاق # قال رسول الله ص = علامة المنافق ثلاث # PageV01P386 # إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا ائتمن خان # وقال طلحة الطلحات ما بات رجل مني على وعد إلا وبكر إلى الظفر بحاجته ~~وبكرت إلى قضائها تخوفا من عارض الخلف وإن الخلف من النفاق وليس من أخلاق ~~الكرام قال أبو الحسن المدائني كان عمر بن عبد العزيز لا يكاد يوجب حاجة ~~توقيا للخلف # PageV01P387 # وقال دواد بن عبد الله في وصية أنجز إذا وعدت واتق الخلف فإنه يزيل ~~الهيبة ويذهب ببهاء الوجه # قال بعض الحكماء من أخلف وعده فقد صعر خده وجفاه القريب وتحاماه الغريب ~~انشدني بعضهم # (لا تكسبن عداوة ومذمة بعد الصفاء ... فببذل وعد مخلف أصل العداوة ~~والجفاء) # وكان يقال الخلف نتيجة اللؤم وأقبح كل خلق مذموم # PageV01P388 # واعلم أن الخلف من فروع الكذب وسنذكره إن شاء الله تعالى # PageV01P389 ### | الوصف السادس الكذب # اعلم أن الكذب وصف ذميم وخلق لئيم لا ينفك صاحبه عن الفضيحة لمناقضته ~~كلامه بالسهو ولا يكاد متعاطيه تسمو له رتبة ولا تعلو له منزلة لاحتقار ~~الناس له واستصغارهم إياه ونفورهم عنه وقلة ركونهم إليه لأنه إن عاقد لم ~~يوثق ms043 بعقده وإن نزل أوعد لم يركن إلى وعده وإن ذكر شيئا تسارعت إليه التهمة ~~وإن نزل به مكروه تراجعت عنه الرحمة كل ذلك لما قد علمته النفوس # PageV01P390 # من مهانته وقلة أمانته وإن كان صادقا وفي المعنى بيت مفرد # (ومن آفة الكذاب نسيان كذبه ... وتلقاه ذا حفظ إذا كان صادقا) # وقد سلب الله تعالى وصف الكذب عن المؤمنين فقال تعالى {إنما يفتري الكذب ~~الذين لا يؤمنون} # وقال رسول الله ص الكذب مجانب الإيمان # PageV01P391 # وكان يقال لايقوم على الكذب دين ولا دنيا وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض ~~عماله إياك أن تستعين بكذوب في أمر تحتاج فيه إلى الحيلة فإنك إن تطع ~~الكذوب تهلك # وقال عبد الملك بن مروان اللحن هجنة الشريف # PageV01P392 # والعجب آفة الرأي والكذب فساد كل شيء # وحكي أن قيصر كتب إلى كسرى أن عرفني بما ضبطت به ملكك فكتب إليه بثمان ~~خصال لم أكذب في جد ولاهزل قط ولم أخلف في وعد ولا وعيد قط ووليت للعنا ~~وركنت لا للهوى وعاقبت للأدب لا للغضب وأشربت قلوب الرعية المحبة من غير ~~جرأة وأودعت قلوبها هيبة من غير ضغينة وغمرت بالكفاف ومنعت الفضول # وقيل لعدي بن حاتم أي الأشياء أثقل عليك قال # PageV01P393 # تجربة الصديق ورد السائل قيل فأي الأشياء أوضع للرجال قال كثرة الكلام ~~والثقة بكل أحد واللسان الكذوب # وقيل الصدق عز والكذب ذل وكان يقال الكذب من ذهاب المروءة ومهانة النفس ~~وقلة الحياء أنشدني بعضهم في ذلك # (لايكذب المرء إلا من مهانته ... أو عادة السوء أو من قلة الأدب) # PageV01P394 # (فجيفة الكلب عندي خير رائحة ... من كذبة المرء في جد وفي لعب) # وقال آخر # (وما شيء إذا فكرت فيه ... با ذهب للمروءة والجمال) # (من الكذب الذي لاخير فيه ... وأبعد بالبهاء من الرجال) # واعلم أن دواعي الكذب ثلاثة أشياء أحدها أن يجتلب به نفعا أو يدفع به ~~ضررا فيرى أن الكذب أسلم له أو أغنم فيرخص لنفسه فيه لأجل ذلك # الثاني أن يؤثر أن يكون حديثه مستعذبا وكلامه مستظرفا ولا يجد ms044 من الصدق ~~ما يزين به حديثه فيستمد من الكذب # الثالث هو أن يقصد بالكذب وصمة عدوه فيصمه بالقبائح وينسب إليه الفضائح ~~وهذه الدواعي تأباها النفوس الأبية والهمم # PageV01P395 # العلية سيما نفوس الملوك لشرفها عن الرذائل وترفعها عن النقائص إلا أنه ~~ربما مست الحاجة إلى استعمال قليل الكذب في كيد الأعداء وتألف البعداء فإن ~~مثله مثل السموم القاتلة تقتل على انفرادها وتدخل في بعض الأدوية المركبة ~~فتصير دواء شافيا # PageV01P396 ### | الوصف السابع الغيبة # إعلم أن الغيبة مع تحريمها شرعا وعقلا هي عين العجز ونفس اللؤم ودليل ~~النقص تأباها العقول الكاملة والنفوس الفاضلة لما فيها من انحطاط الرتبة ~~وانخفاض المنزلة قال علي بن الحسين الغيبة إدام كلاب الناس # PageV01P397 # وقال عدي بن حاتم الغيبة مرعى اللئام # قال وسمع قتيبة بن مسلم رجلا يغتاب رجلا فقال أما والله لقد تلفظت بمضغة ~~ظالما لفظتها الكرام # وقال بعض الحكماء من أكثر من عيوب الناس سهل عليه الإكثار لأنه إنما ~~يطلبها بقدر ما فيه منها ولقد أحسن القائل حيث يقول # PageV01P398 # (إذا أنت عبت الناس عابوا وأكثروا ... عليك وأبدوا منك ما كنت تستر) # (إذا ما ذكرت الناس فاترك عيوبهم ... فلا عيب إلا دون عيبك يذكر) # (فإن عبت قوما بالذي فيك مثله ... فذلك عند الله والناس أكبر) # (وإن عبت قوما بالذي فيك مثله ... فكيف يعيب العور من هو أعور) # وقال الوليد بن عتبة بن أبي سفيان كنت أسير مع أبي في موكب فلصق إلي رجل ~~وجعل يغتاب رجلا غائبا فسمعه أبي فالتفت إلي وقال ويحك أما علمت أن الملوك ~~ينزهون أسماعهم عن الخنا كما ينزهون ألسنتهم عن الكلام به فإن المستمع شريك ~~القائل وقد نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك # ويحكى أن بهرام ملك العجم ولى قائدا من قواده # PageV01P399 # تخوم أرضه مما يلي أرض الترك فبلغه عنه أنه يكثر من غيبة خاقان فقال هذا ~~دليل عجزه وضعفه عن مقاومته ثم عزله وولى غيره وقال أبو الأسود في ذلك # (وذي حسد يغتابني حيث لا يرى ... مكاني ويثني صالحا حيث ms045 أسمع) # (تورعت أن أغتابه من ورائه ... بما ليس فيه وهو لا يتورع) # PageV01P400 ### | الوصف الثامن الغضب # إعلم أن الغضب وصف طبعي ركبه الله في الحيوان ليكون له به الانتقام من ~~المؤذي له وسببه هجوم ما تكرهه النفس ممن هو دونها والحادث عن الغضب السطوة ~~والإنتقام # فإذا أفرط وجاوز حده سلب العقل وحجب عن صواب الرأي فيصير # PageV01P401 # صاحبه مقطوع الحجة قليل الحيلة وربما عاد ضرر الغضب على الغضبان دون ~~المغضوب عليه # وقد يظهر ذلك في نفسه وجسده والعاقل في حال شدة غضبه ليس بينه وبين ~~المجنون فرق ولهذه الأوصاف صار قبيحا مذموما # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر ~~العسل # PageV01P402 # قال عليه الصلاة والسلام ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد من ملك نفسه عند ~~الغضب # وقال عليه الصلاة والسلام من كظم غيظا وهو قادر على إنفاذه ملأ الله قلبه ~~أمنا وإيمانا # PageV01P403 # وقال بعض الحكماء الغضب أوله جنون وآخره ندم # وقال آخر الغصب على من لا تملك عجز وعلى من تملك لؤم # وكان يقال ما كثر من كثره البغي إياك وعزة الغضب فإنها تفضي بك إلى ذل ~~العذر # وكان يقال ليس للملك أن يغضب ما كثر من كثره البغي ولا قوي من قواه الظلم ~~ولا ملك من ملكه الغضب # PageV01P404 # وكان يقال ليس للملك أن يغضب لأن القدرة من وراء حاجته وليس له أن يكذب ~~لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد وليس له أن يكون حقودا لأن ~~خطره عظيم عن المجازاة # واعلم أن الذين كان منهم الفعل القبيح لشدة الإنتقام في وقت غيظهم إنما ~~كان ذلك منهم لفقد عقولهم في ذلك الوقت فينبغي لمن ثار به عند هجوم ما يغضب ~~أن يكف صورته بحزمه ويطفىء ناره بحلمه ليسلم من الندم في العواقب والذي ~~يسكن الغضب عند هيجانه خمسة أسباب # أحدهما أن يذكر الله تعالى عند غضبه فإن ذلك يدعوه إلى الخوف منه والخوف ~~يبعثه على الطاعة أو بالعفو فيزول عنه الغضب فقد ذكر # PageV01P405 # أنه مكتوب ms046 في التوراة يا بن آدم أذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب # وقيل إن ملكا من ملوك الفرس كتب كتابا وناوله لوزيره وقال له إذا رأيتني ~~قد غضبت فاتركه بين يدي وكان فيه مكتوب ما لك والغضب إنما أنت شر إرحم من ~~في الأرض يرحمك من في السماء # PageV01P406 # قال فكان إذا غضب ذلك الملك ناوله الوزير الكتاب فيسكن غضبه # وقيل إن ملكا من ملوك الروم أخذ جمجمة ملك كان قبله فوضعها في طشت ~~وناولها بعض حجابه وقال له إذا رأيتني قد غضبت على إنسان فضعها بين يدي قال ~~فكان إذا غضب وضعها الحاجب بين يديه فيسكن غضبه # السبب الثاني أن يتذكر عند الغضب ثواب العفو وحسن جزاء الصفح فيقهر نفسه ~~على ردع الغضب رغبة في الثواب وما وعد الله به العافين عن الناس فقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي مناد يوم القيامة من له أجر على الله ~~تعالى فليقم فيقوم العافون عن الناس # PageV01P411 # ثم تلى فمن عفا وأصلح فأجره على الله # الثالث أن يتذكر إنعطاف القلوب عليه وميل النفوس إليه عند العفو وكظم ~~الغيظ فيمنعه التألف وجميل الثناء من إنفاذ الغضب # الرابع أن ينتقل من الحالة التي هو عليها إلى حالة أخرى فإنه إذا فعل ذلك ~~زال عنه الغضب وقد كان شعار المأمون إذا غضب # الخامس أن يتذكر ما يؤول إليه الغضب من الندم ومذمة الانتقام لا سيما ~~إنفاذه فيمن لا يستطيع الدفع عن نفسه # فهذه الأسباب الخمسة إذا تدبرها الملك وتذكرها في أوقات الرضا كان أحرى ~~أن يتذكرها في أوقات الغضب فتصده عن إنفاذ الفعل والإفراط في النكال ~~والانتقام # PageV01P412 ### | الوصف التاسع العجب # اعلم أن العجب وصف رديء يسلب الفضائل ويجلب الرذائل ويظهر الحمل ويوجب ~~المقت ويخفي المحاسن ويشهر المساوىء ويفضي إلى المهالك قال الله تعالى ~~{ويوم حنين إذ} # PageV01P413 # أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم ~~مدبرين # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الإعجاب ضد الصواب وآفة الألباب # وقال بعض ms047 الحكماء إعجاب المرء بنفسه أحد حساد عقله # وقال آخر العجب حمق وتيه ينتجه الكبر # وكان يقال ما أعجب بنفسه عاقل لأن العجب فضل حمق # PageV01P414 # لم يدر صاحبه أين يذهب به فيصرفه إلى الكبر # وحكي أن رجلا نظر إلى المهلب بن أبي صفرة وعليه حلة فاخرة يسحبها ويمشي ~~بالخيلاء فقال له يا أبا عبد الله ما هذه المشية التي يبغضها الله ورسوله ~~فقال له المهلب أو ما تعرفني قال بلى أعرفك أو لك نطفة مذرة وآخرك جيفة ~~قذرة وحياتك فيما بين ذلك بول وعذرة قال فخجل المهلب وأطرق منه حياء وقد ~~نظم هذا الكلام محمود الوراق فقال # (عجبت من معجب بصورته ... وكان بالأمس نطفة مذرة) # PageV01P415 # (وفي غد بعد حسن هيئته ... يصير في اللحد جيفة قذرة) # (وهو على تيهه وتخوته ... ما بين جنبيه يحمل العذرة) # وقال بعض البلغاء عجب الملك بتدبيره مفض به إلى تدميره # أنشدني بعضهم # (إذا المرء لم يرض ما أمكنه ... ولم يأت من أمره أزينه) # (وأعجب بالعجب فاقتاده ... وتاه به التيه فاستحسنه) # PageV01P416 # (فدعه فقد ساء تدبيره ... سيضحك يوما ويبكي سنه) # واعلم أن من لم يحسم عنه أسباب العجب المفضية إليه وقع فيه فيهلك في غالب ~~الأحوال ومن أقوى أسبابه مدح المتملقين الذين يجعلون التملق دأبهم والنفاق ~~مسكنهم فيمنع نفسه من تصديق المدح ليسا فإن للنفس ميلا إلى سماع المدح # ومتى كثر المدح وجاوز الحد صار كذبا وملقا وقد نهى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال إياكم وكثرة المدح فإنه الذبح # PageV01P417 # وقال بعض الحكماء من رضي أن يمدح بما ليس فيه فقد أعان الساخر منه # وقال بعض العلماء قبح باللبيب أن يعجب بنفسه عند مدح المادح أو يغضب عند ~~سماع قدح القادح قبل أن يتفقد أعماله ويعلم ما عليه وما له ولا يترك النساء ~~أفضل منه فإن إحداهن إذا وصف وجهها بما تحب أو تكره امتحنت ذلك بالاطلاع في ~~المرآة # وكذلك ينبغي للعاقل أن يمتحن أحواله بأن يكل نفسه إلى غيره من أهل الثقة ~~والأمانة والأدب والديانة في اختبار ms048 محاسنه ومساويه وعيوب نفسه التي فيه ~~ويستنصحهم في ذلك فإن الإنسان قد يخفى عليه عيب نفسه لاستيلاء الهوى على ~~عقله فإذا أزاح عن نفسه ذلك فقد نال غاية الشرف بانعطاف القلوب عليه وميلها ~~إليه # PageV01P418 ### | الوصف العاشر الكبر # اعلم أن الكبر خارج بالنفس عن حد الاعتدال وحقيقته استعظام النفس واحتقار ~~الغير وسببه علو اليد والتمييز بالمنصب والنسب أو الفضل ومتى جاوز حده ~~وتعدى طوره # PageV01P419 # إلى البغي والعتو سلب الدين وأفسد الإيمان وخفض المنزلة وحط الرتبة لأنه ~~يطمس من المحاسن ما انتشر ويسلب من الفضائل ما اشتهر ويوغر الصدور ويوجب ~~النفور وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من في قلبه ~~مثقال ذرة من كبر # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه # PageV01P420 # العباس رضي الله عنه أنهاك عن الشرك بالله وعن الكبر فإن الله تعالى ~~يحتجب عنهما # وحكي أن سليمان بن داود عليهما السلام جلس يوما على بساطة بجنوده من ~~الإنس والجن والطير والوحش ثم أمر الريح فرفعت البساط نحوا السماء حتى ~~سمعوا زجل اللائكة بالتسبيح وسمعوا صوت قائل يقول لو كان في قلب صاحبكم ~~مثقال ذرة من كبر لخسفنا به اكثر ما رفعناه # وقال بعض العلماء إن للدولة أمراضا يخاف أن تموت بها أخطرها أربعة أشياء ~~أحدها ما يعرض للملك من الكبر الثاني ما يعرض له من # PageV01P421 # الغضب فإن دولته في هاتين الحالتين تضطرب لخروجه عن حدود السياسة الثالث ~~ما يعرض له من الحرص فإنه إذا حرص ظلم وعسف الرعية الرابع هيجان الرعية ~~فإذا عرض له شيء من ذلك فليبادر الحسم # وحكى المدائني قال رأيت رجلا بعرفات وهو على بغلة بمركب من ذهب والغلمان ~~والخدم بين يديه والناس حوله وهو لا يعبأ بأحد منهم فنظرت إليه متعجبا وقلت ~~له يا هذا ليس هذا موضع التكبر إنما هو موضع التعظيم والخشوع فانزل عن ~~بغلتك واصرف الخدم من بين يديك في هذا الوقت وأقبل على الله تعالى بخضوع ~~وخشوع فإنه يقبل عليك برحمتة ورضوان قال فلم يلتفت إلى ms049 وتركته وانصرفت فلما ~~كان العام المقبل عبرت الجسر ببغداد فوجدت ذلك الرجل أعمى يتصدق من # PageV01P422 # الناس فقلت له أنت الذي كنت في العام الماضي على بغلة بعرفات قال نعم قال ~~فما بالك قال لما تكبرت في موضع يتواضع الناس فيه وضعني الله في موضع يتكبر ~~عن مثله الناس # أنشدني بعض ال الأدب # (يا مظهر الكبر إعجابا بصورته ... مهلا فإنك بعد الكبر مسلوب) # (لو فكر الناس فيما في بطونهم ... ما استشعر الكبر شبان ولا شيب) # (يا ابن التراب ومأكول التراب غدا ... أقصر فإنك مأكول ومشروب) # واعلم أن من قطع أسباب الكبر عنه وحسم مواده واعتاض به # PageV01P423 # تواضعا وتعظيما لله سبحانه وخشوعا وتعظيا وتعالى فقد أكد أسباب ومواد ~~النعم وأزاح عنه المقت واستعطف إليه القلوب # PageV01P424 ### | الوصف الحادي عشر الحسد # إعلم أن الحسد داء عظيم من أدواء النفس لا يشفى سقيمه ولا يرقى سليمه مع ~~ما فيه من إفساد الدين وإضرار البدن لأن الحاسد يدوم همه ويكثر غمة ويذوب ~~جسمه ويذهل عقله عن صواب الرأي ويشتغل قلبه عن صحيح الفكر وهو أقبح من ~~البخل لأن الحاسد يحب أن لا ينال أحد شيئا من مالا يملكه فكان أعظم # PageV01P425 # قبحا وأشد ذما وليس شيء أعظم ضررا من الحسد قال رسول الله ص = إن الحسد ~~يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب # قال بعض الحكماء يكفيك من الحسود أنه يغتنم وقت سرورك وإذا رزق الله ~~المحسود نعمة كانت على الحاسد نقمة # وكان يقال الحسد نار في الجسد # PageV01P426 # وكتب بعض الحكماء إلى صديق له وقد حسدك من لاينام دون الانتقام وطلبك من ~~لا يقصر دون الظفر بك فليكن حذرك بعد الثقة بالله تعالى على حسب ذلك # وقيل كان مكتوبا على فص خاتم بعض الملوك الحسود لا يسود أبدا والذي خبث ~~لا يخرج إلا نكدا # وقال علي بن ابي طالب كرم الله وجهه لن يصل الحسد الى المحسود حتى يقتل ~~الحاسد نفسه بغم دائم وعقل هائم وهم لازم وما رايت ظالما يتشبه بالمظلوم ~~إلا الحاسد أنشدني بعض أهل العلم ms050 # PageV01P427 # (كم من حسود اطال الله حسرته ... فاغتاظ هما على الأيام من حسده) # (وحاسد الخير طول الدهر في تعب ... يزيده الحسد المذموم في كمده) # وقال بعض الشعراء # (إن الحسود الظلوم في كمد ... يخاله من يراه مظلوما) # (ذا نفس دائم على نفس ... يظهر منه ما كان مكتوما) # وقال آخر ### | 0 - # إصبر على كيد الحسود ... فإن صبرك قاتله) # (فالنار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله) # واعلم أن أسباب الحسد ثلاثة # PageV01P428 # أحدها بعض المحسود قبل ظهور النعمة عليه فإذا ظهرت عليه نعمة أو اشتهرت ~~عنه فضيلة أثارت البغضاء القديمة له حسدا على ذلك # الثاني أن يظهر على المحسود نعمة شاملة أو فضيلة كاملة يعجز الحاسد عن ~~تحصيلها أو تقصر همته عن إدراكها ويكره تقدمه عليه بذلك واختصاصه به دونه ~~فيصير حسدا # الثالث أن يكون بالحاسد شح بالفضائل المكتسبة وبخل بالنعم الموهوبة وليس ~~يقدر على منعها منه ودفعها عنه إذا هي ليست في يديه ولا مفوضة إليه فيحسده ~~على ما منحه الله تعالى من عطائه العميم وفضله الجسيم وهذا السبب داء ليس ~~له دواء فإن كان الحاسد ذا قسوة # PageV01P429 # واقتدار حدث عن حسده الانتقام من المحسود وإن كان ذا عجز وضعف حدث عنه هم ~~دائم وسقم لازم فينبغي أن يحسم عنه أسباب الحسد ويأنف من تعاطيه ويستنكف من ~~هجنة مساوية ليدفع ضرره ويتوقى شره ولا يغالب قضاء الله تعالى فيرجع مغلوبا ~~ولا يعارضه في أمره فيصير مسلوبا وسنذكر من تأثير الحسد وضرر عواقبه حكاية ~~نختم بها هذا الفصل ذكر أهل التواريخ أن بهرام بن يزدجرد ملك الفرس كان ~~صديقا لخاقان ملك الترك وكان بينهما مهادلة وتلطف وإن بهرام اشتهر أمره ~~بالقوة والشجاعة والكرم وحسن السيرة والعدل في الرعية فحسده خاقان على ذلك ~~حسدا شديدا وكان له وزيران فذكر ذلك لأفضلهما وسأله التدبير في هلاك بهرام ~~فقال له الوزير إن كتم الملك ذلك سعيت له فيه فقال سأكتمه فلبث مدة ثم سأل ~~الوزير عما صنع فيه فاستصبره فلما تكرر ذلك منهما قال له الوزير أيها ms051 الملك ~~لا حيلة لي فيما كلفتنيه استصبرتك رجاء أن يزول ذلك من قلبك فإني رأيت ~~الحامل لك عليه # PageV01P430 # إنما هو فرط الحسد وتدبير الحاسد راجع عليه بالمضرة وأخاف أن ينصب الملك ~~مكيدة فيقع فيها قال فغضب خاقان عليه ثم أطلع وزيره الآخر على ذلك وكان فيه ~~شر وخبث وحسد وحيلة فتكفل لخاقان بنيل مراده ثم ندب له فاتكا من فتاك الترك ~~لم يكن في الترك أشد باسا في الحيلة منه ولا أجرأ منه في ذلك وضمن له إن ~~قتل بهرام ونجا أعطاه رياسة الجند وجعل ذلك خالدا في ولده وإن هلك دون ~~مرامه شرف ولده تشريفا يخلد ذكره فيه أبدا وإن الفاتك استصحب أخاه معه ~~وتوجها إلى دار ملك بهرام فلما وردا قصر بهرام قال الفاتك لأخيه بعني من ~~بعض خدمة قصر بهرام فلم يزل يتلطف الفاتك حتى باعه من حافظ القصر الموكل ~~بحراسته ليلا فجعل ذلك الفاتك يتحبب إلى مولاه بحسن الطاعة ونصح الخدمة حتى ~~نفق عنده واختص به وإن سيده # PageV01P431 # تخلف عن حراسته لمرض ناله فاستناب الفاتك فعمد ذلك الفاتك إلى خزائن سلاح ~~بهرام وكانت بإزاء قصره فألقى فيها نارا وثبط أصحابه عن المبادرة إلى ~~إطفائها حتى اشتد عملها فارتفعت الضجة فخرج بهرام من قصره على فرس له ولا ~~سلاح معه فانتهز الفاتك فيه الفرصة ودنا من بهرام وفي يده خنجر وقد أخفاه ~~في كمه فنظر إليه بهرام في ضوء من النار فرأى دلائل الريبة ظاهرة عليه ~~فتفرس فيه الشر فجمع رجليه ووثب عن ظهر فرسه فإذا هو على الفاتك وقبض على ~~يديه فوجد الخنجر فأخده منه بيمينه وجمع يديه معا في شماله وانطلق به يقوده ~~حتى أدخله القصر فخلا عنه وسأله عن أمره فصدقه الحديث فقال له بهرام أما ~~أنت فلك ذمتنا على حفظ نفسك والإحسان إليك إذا كنت إنما أتيت الذي أتيت ~~طاعة لخاقان ومناصحة له وبذلت نفسك في مرضاته ومثلك من يصطنع ونحن نحفظ ~~عليك نفسك التي ضيعها صاحبك غير أنا نريد أن نحبسك مدة ms052 ثم نطلقك ونحسن إليك ~~لغرض نريد أن نفعله فدلنا على أخيك فدله عليه فأرسل إليه من قبض عليه ~~وحسبهما في قصره # PageV01P432 # مكرمين وأخذ عليهما أن يكتما أمرهما وكان قد رفع إلى بهرام أن رجلا من ~~عتبة زراعا في بعض الرساتيق له ابنه لم يسمع بامرأة خلقت على مثل صورتها ~~طولها ستة أذرع وشعرها يتسحب على مواطىء قدميها وكأن جلدها في لونه وصفائه ~~كأنه قشور الدر وهي متناسبة الخلق بديعة التركيب دقيقة التخطيط لا يستطيع ~~من رأى عضوا من أعضائها ان ينقل بصره عنه إلا بعد مجاهدة النفس وإذا قابلت ~~عيناها عيني ذي لب اضطرب قلبه فلا يسكن حتى يضمها إلى صدره ويرشف من ريقها ~~وكان لها مع ذلك الجمال الباهر أدب وعقل وحزم فشرهت نفس بهرام إليها ثم ~~تنزه استنكافا أن يكون # PageV01P433 # تحته ابنة زراع فقمع نفسه عنها أنفة ونخوة ثم نهى أن يذكرها له أحد وأمر ~~العامل على البلد الذي هي فيه أن يتفقد أمرها ومنع أباها من إنكاحها حتى ~~إذا حدث عليه من خاقان وما ذكرناه أحضر رجلا من أصحابه ذا دهاء ومكر وحيلة ~~فندبه للمكيدة من خاقان وأمره بما سنذكره في أثناء الحكاية وأعطاه من الذهب ~~والفضة ونفائس الجواهر وذخائر ما ظن أنه يحتاج إليه في عمل المكيدة وأمره ~~أن يسير متنكرا في زي تاجر لى والد تلك الجارية التي ذكرناها فيشتريها منه ~~ليستعين بها على ما ندبه إليه وأرسل إلى العامل على بلد أبيها يأمره بأن ~~يضيق على ابيها ويطالبه بما يعجز عنه من المال ففعل ذلك فجاء التاجر واشترى ~~منه ابنته بوزنها ذهبا وهذا شيء كان يفعله # PageV01P434 # أهل الخراج من الفرس إذا ضيق السلطان عليهم باعوا أولادهم # PageV01P435 # قال ثم إن التاجر قصد بها بلاد الترك حتى حل بمدينة خاقان فقصده إلى ~~الوزير الساعي إليه في المكيدة لبهرام فأهدى إليه هدايا نفيسة وتنفق عنده ~~بالتحف إلى أن أنس به الوزير وخف على قلبه فلبث عنده عاما ثم إنه قال له ~~إنني أحببتك أيها الوزير حبا شديدا ms053 ولي عام أنازع نفسي في إتحافك بتحفة لم ~~يظفر أحد بمثلها وكانت نفسي تضن بها ثم قد سمحت بإيثارك فقال وما هذه ~~التحفة قال جارية طولها ستة أذرع وشعرها يتسحب على مواطىء قدميها كأنما كسا ~~جلدها قشور الدر قال فلما سمع الوزير الصفة استفزه الهوى إليها وجعل ~~يتقاضاه بإحضارها فلما أحضرها ووقع بصره عليها لم يملك نفسه أن وثب عليها ~~فعانقها وضمها وقبلها ثم التفت إلى سيدها وقال له سل ما سئت واحتكم فقال ~~حكمي القرب منك والحضور عندك قال هذا لك وخذ من المال ما شئت قال لا حاجة ~~لي فيه ثم خرج من عنده # PageV01P436 # مبادرا إلى باب قصر الملك خاقان فقال لبعض ثقاته إن عندي نصيحة نخاف ~~فوتها فأدخله على خاقان في الحال فسأله عن نصيحته فقال إني قصدت الملك ~~بتحفة لا تصلح إلا له فسألت الوزير فلان أن يوصلها إلى الملك فاستأثر بها ~~واعتدى وبذل مالا كثيرا على كتمان ذلك فلم أفعل قال ما هذه التحفة قال هي ~~جارية صفتها كذا وكذا فأرسل خاقان من فوره رجالا من ذوي النسك في دينه ~~وأمرهم بالهجوم عليه وحفظ الحال التي يرونه عليها والإتيان به وبالجارية ~~محجوبة عن الأبصار ففعلوا ذلك وقالوا إنهم أبصروها بين يديه جالسة متجردة ~~فسألها خاقان عما نال منها فقالت عانقني وقبلني وجردني ونظر إلى سائر بدني ~~وهم أن يفتضني فهجم هؤلاء القوم عليه فأمر خاقان أن تقطع يداه وتقلع عيناه ~~ويقطع لسانه وشفتاه ففعلوا ذلك بالوزير ثم إن خاقان خلا بالجارية وسألها ~~أبكر هي أم ثيب # PageV01P437 # فقالت بل بكر فلم يملك نفسه أن افترعها فلما نزع منها أزالت عن رأسها ~~قناعا فمسحت به ذكره فأحس به من ساعته تنملا ثم بعد ذلك ظهر فيه نفخ ثم ~~ابتدأ به الوجع الشديد فعلم أنه سم فتناول موسا فقطع به ذكره وأمر بالجارية ~~فنحيت عنه وحفظت وطلبوا مولاها فلم يظفروا به وإن خاقان عالج نفسه حتى برئ ~~ثم أحضر الجارية فسألها عن نفسها وأهلها وبلدها فأخبرته وأنها لم ms054 تكن تعلم ~~من أمر مولاها أكثر من أنه رجل تاجر اشتراها من أبيها بوزنها ذهبا وسألها ~~عن القناع فقالت كسانيه سيدي وعرفني أنه يهديني للملك # وإن من شأن الملوك إذا وقع واحد منهم على جارية ونزع منها أن تسمح ذكره ~~بما على رأسها كائنا ما كان فإن لم تفعل ذلك سقطت من عين الملك وتعرضت ~~لسخطه فعلم خاقان أنها مخدوعة فلم يتعرض لها بشر ولما عاد صاحب بهرام إليه ~~وأخبره بما تم له من المكيدة # PageV01P438 # أمر بهرام بإحضار الفاتك وأخيه وأحسن إليهما وكتب معها كتابا إلى خاقان ~~يقول فيه إن الحسد والبغي أورداك وأوردا وزيرك وزير السوء موارد الندم وقد ~~كنا أنزلناك بمنزلة الاخ قبل أن نعرف خبث نيتك فينا وحسدك لنا فلما علمنا ~~ذلك أردنا بك ما أردته بنا فقضى الله لنا عليك بنجاح السعي لعلمه بصلاح ~~نيتنا وخبث نيتك والآن فاتق الله على نفسك فلسنا نعرض لك بسوء إذا لزمت حسن ~~النظر لنفسك بمسالمتنا قال فلما انتهى الكتاب إلى خاقان عرف من أين أتى ثم ~~إنه داخلته الحمية والأنفة فتجهز لقتال بهرام في أمم من الترك لا تحصى وسار ~~إلى أرض فارس فانتخب له بهرام أجنادا من أساورة الفرس ولقيه فهزمه بهرام ~~وقتل رجاله ونهب أمواله واستولى على بلاده وكان سبب إثارة هذه الفتنة الحسد ~~والبغي # PageV01P439 ### | الوصف الثاني عشر العجلة # اعلم أن العجلة ردية الساقبة مذومة الأثر يتنجها طيش وتهور أولها ملامة ~~واخرها لا يفارقها الزلل ولا يتعداها الفشل وقد قال رسول الله ص = العجلة ~~من الشيطان # وكان يقال لا يوجد العجول محمودا ولا الغضوب مسرورا ولا الشره غنيا # وقيل اجتمع أربعة ملوك من الروم عند حكيم من حكمائهم # PageV01P440 # فقالوا أوصنا يها الحكيم وصية ننتفع بها فيما صار إلينا من أمر الملك ~~فقال من استطاع منكم أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو حقيق أن لا ينزل به ~~مكروه وهي العجلة واللجاجة والعجب والتواني فثمرة العجلة الندامة وثمرة ~~اللجاجة الحيرة وثمرة العجب البغضة وثمرة التواني الذلة # وكان يقال ms055 التثبت في النوائب معقل اهل التجارب والعجلة في الأمور داعية ~~إلى كل محذور # وأوصى ملك من ملوك اليمن من يخلفه من بعده فقال أوصيك بتقوى الله تعالى ~~فإنك إن تتقيه يهدك ويكفك ويرض عنك ومتى رضى الرب عن عبده أرضاه وأمرك أن ~~لا تعجل فيما تخاف فيه الفوت فإن العجلة ندامة وإذا شككت في أمر فشاور وإذا ~~اتهمت # PageV01P441 # فاستبدل وإذا استكفيت فاختبر وإذا قلت فاصدق وإذا وعدت فانجز وإذا أوعدت ~~في حق فانفذ واعلم انك إذا ضبطت حاشيتك ضبطت قاصيتك والسلام # واعلم أن العجلة مذمومة إلا في أفعال البر وصنائع المعروف فإنها حسنة ~~محمودة # قال بعض الحكماء على الملك أن يعمل بخصال ثلاث تأخير العقوبة في سلطان ~~الغضب وتعجيل مكافأة المحسن والأناة فيما يحدث فإن له في تأخير العقوبة ~~إمكان العفو وفي تعجيل المكافأة بالأحسان المسارعة في الطاعة من الرعية وفي ~~الأناة اتضاح الرأي وانفساح الصواب # وذكر بعض الملوك في وصية له لولي عهده إذا هممت بخير فعجله وإذا هممت ~~بخلافه فتأن فيه وارحم ترحم # وكان يقال # PageV01P442 # العجلة مكروهه قبيحة إلا في ثلاثة أشياء في اصطناع المعروف إذا أمكن وفي ~~تزويج البكر إذا خطبت وفي دفن الميت إذا مات # PageV01P443 ### | الوصف الثالث عشر المزاح # إعلم أن المزاح شاغل عن الأمور المهمة مذهل عن النوائب الملمة يذهب ~~الهيبة والوقار وليس لمن وسم به مقدار يزيح عن الحقوق ويفضي إلى العقوق ~~ويوغر صدور الأصحاب ويجانب محاسن الآداب ويذهب البهاء ويجرئ السفهاء أوله ~~حلاوة وآخره عداوة وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه اتقوا المزاح فإنه ~~حمقة تورث الضغينة # وقال أكثم بن صيفي # PageV01P444 # يذهب بالبهاء والمهابة فاحذروه # وأوصى مسلم بن قتيبة أولاده فقال لا تمازحوا فيستخف بكم نظراؤكم ويجترئ ~~عليكم أكفاوكم وهو مسلبة للهيبة مقطعة للصحبة أوله فرح وآخره ترح # وقيل إذا مازح السلطان هان عند رعيته وإذا سفه ذهبت حرمته # وقيل في منثور الحكمة من قل عقله كثر هزله # PageV01P445 # وقيل المزاح معضل الداء عزيز الدواء # وقيل خير المزاح لا ينال وشره لا ms056 يقال # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من كثر من شيء عرف به ومن مزح استخف به ~~ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته ومن عرض نفسه إلى التهمة فلا يلومن من أساء به ~~الظن # وقال سعيد بن العاص لابنه يا بني لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا الدنيء ~~فيجترىء عليك # وكان يقال لكل شيء بذر وبذر العداوة المزاح أنشدني بعضهم # PageV01P446 # (اترك مزاح الرجال إن مزحوا ... ولم أر قوما تمازحوا سلموا) # (يفنى مزاح الفتى مرؤته ... ورب قول يسيل منه دم) # وقال آخر # (فإياك إياك المزاح فإنه ... يجري عليك الطفل والدنس النذلا) # (ويفسد ماء الوجه بعد حيائه ... ويعقبه من بعد عزته ذلا) # وقال آخر # (ولقد حبوتك يا بني وصيتي ... فاسمع مقال أب عليك شفيق) # (أما المزاحة والمراء فدعهما ... خلقان لا أرضاهما لصديق) # PageV01P447 # (إني بلوتهما فلم أحمدهما ... لمجاور جار ولا لرفيق) # (والجهل قد يضع الفتى في قومه ... وعروقه في الناس أي عروق) # (متى رآه مجانبا ذا بغضة ... في الحي غير مجنب وموق) # واعلم أن النفوس متى سلك بها الجد والتزمت به سئمت منه وضجرت واستثقلت ~~حمل الحق وربما أفضى بها ذلك إلى ضيق العطن وسوء الخلق فينبغي أن يريحها ~~بقليل المزاح ويسير الرعاية وليكن كما قال أبو الفتح البستي # (أفد طبعك المكدود بالجد راحة ... ترحه وعلله بشيء من المزح) # (ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما تعطي الطعام من الملح) # PageV01P448 # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأمزح ولا أقول إلا حقا # وقال سعيد بن العاص لابنه يا بني اقتصد في مزاحك فإن الإفراط فيه يذهب ~~البهاء ويجريء عليك السفهاء والاقتصاد منه بالكلية يبغضك إلى أصحابك ~~ومؤنسيك فامزح معهم وليكن بمقدار ما يحصل لهم به الأنس منك من غير إفراط ~~وليحذر مع هذه الشريطة أن يمازح عدوه فيصير ذلك طريقا له إلى إعلان ~~المساوىء فقد قال بعض الحكماء إذا مازحت عدوك ظهرت عيوبك # PageV01P449 ### | الوصف الرابع عشر الضحك # إعلم أن كثرة الضحك يضاهي المزح في المذمة والقبح ولا تقتضيه حال الملوك ~~وأرباب المناصب ms057 لما فيه من زوال الهيبة وذهاب الوقار وقلة الأدب وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه إياك وكثرة ~~الضحك فإنه يميت القلب ويذهب ببهاء الوجه # PageV01P450 # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من كثر ضحكه قلت هيبته ومن أكثر من شيء ~~عرف به ولكن لا بد أن يرى الإنسان أو يسمع ما يغلب عليه الضحك منه أو تمسه ~~الحاجة إليه لا يناس الجليس فينبغي إذا طرأ شيء من ذلك أن يجعله تبسما من ~~غير قهقهة واسترسال وليراع فيه الشريطة التي قدمناها في المزح # PageV01P451 ### | الوصف الخامس عشر الغدر # اعلم أن الغدر بعد عقد العهد حرام وعاقبته هلاك ودمار ولا نقض # PageV01P452 # حتى ينتهي أمده وتنفضي مدده # PageV01P453 # قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} # وقال تعالى {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} # PageV01P454 # وروى عن سليمان بن عامر قال كان بين معاوية وبين الروم عهد فسار معاوية ~~في أرضهم كأنه يريد أن يغير عليهم فقال عمرو بن عبسة سمعت رسول الله ص = ~~يقول من كان بينه وبين # PageV01P455 # قوم عهد فلا يحل عقده ولا يشدها حتى يمضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء ~~قال فانصرف معاوية ذلك العام # وقال بعض الحكماء الغدر يسرع إلى الهلك ويفضي إلى زوال الملك # وكان يقال يمين الغضب مهزول ووالي الغدر معزول وجيش العدوان مفلول وعرنين ~~الطغيان مشلول # وكان يقال لكل عاثر راحم إلا الغادر فإن القلوب مجمعة على الشماتة بمصرعه # وقال حكيم لبعض ملوك زمانه أوصيك بخمس خصال ترضي بهن ربك وتصلح بهن رعيتك ~~لا يغرنك ارتقاء السهل إذا كان المنحدر وعرا ولا تعدن وعدا ليس في يدك ~~وفاؤه واعلم أن الأمور بغتات فكن على حذر واعلم أن للأمور جزاء ومكافأة ~~فاتق العواقب وإياك والغدر فإنه أقرب الأشياء صرعة # وأوصي أبو مسلم الخرساني قوما بعثهم إلى منازلة قوم عدو # PageV01P456 # لهم فقال أشعروا قلوبكم الجرأة فإنها سبب الظفر وأكثروا من ذكر الضغائن ~~فإنها تبعث على الإقدام والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب واحذروا من ms058 الغدر ~~فإن الغادر مصروع # ويحكى أن موبذان قال لفيروز ملك العجم لما عزم على نقض العهد الذي كان ~~بينه وبين اخشنوار ملك الهياطلة وخرج إلى بلاده أيها الملك إن الرب تعالى ~~يمهل الملوك على الجور مالم يشرعوا في هدم أركان الدين فإذا شرعوا في ذلك ~~لم يمهلهم وإن عقد الميثاق من أركان الدين فلا تنقضه قال فلم يلتفت إليه ~~فيروز وخرج طالبا اخشنوار فهزم # PageV01P457 # جيشه وقتله واستولى على بلاده # وقد أوضحنا في هذا الباب من الأوصاف الذميمة والأخلاق اللئيمة ما احتمله ~~كتابنا هذا وسنختمه بذكر عوارض ردية ربما عرضت للملوك أو بعضها فأضرت بهم ~~وأخرجتهم عن حدود الاعتدال # وهي ثلاثة اعراض العرض الأول والثاني الهم والغم # وإن هذين العرضين إذا طرأ واشتد إفراطهما فإنهما يجلبان من الألم والأذى ~~على النفس والجسم أمرا لا يمكن تلافيه ويؤديان إلى التقصير في المطالب ~~والقصور في التدبير مع ما يظهر في الجسم من النحول وفي العقل من الذهول ~~وهذان العرضان لا مندوحة لأحد عنهما ولا بد من طرؤهما في مقابلة الحوادث ~~الملمة والنوائب المهمة فالهم هو ما تتوقع النفس حدوثه وطروءه في الزمن ~~المستقبل من الأمور المهمة # PageV01P458 # والغم هو الكمد للنفس وحزنها على فوات ما ذهب في الزمن الماضي فينبغي ~~للملك أن يريح نفسه وجسده عند طروء أحدهما وينال شيئا من اللذة والسرور ~~بالأشياء المباحة في الشرع بقدر ما يبلغ به مصلحته ويحفظ به صحته # وينبغي أن يكون مقدار إصابته من ذلك ما يحصل به الاعتدال من غير إفراط ~~فيه فإن الإكثار من اللهو يحصل به من الضرر فوق ما يحصل به من الهم لأنه ~~يلهيه عن مصالح المملكة فكان الاعتدال في ذلك أقسط # وقد كان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله إذا # PageV01P459 # طرأ عليه أحد هذين العرضين نزل إلى الميدان وشرع يلعب بالكرة والصولجان ~~نهاره أجمع فإذا جن عليه الليل بسط رقعة الشطرنج وجعل يلعب حتى يغلب عليه ~~النوم # العرض الثالث السكر من الشراب إعلم أن السكر حرام في جميع ms059 الأديان # PageV01P460 # وإنما اختلفوا في عين المسكر # PageV01P461 # وقد أجمع أهل العقل على قبح السكر مع تحريم الشرائع له # وهو من الأعراض الردية المفضية بصاحبها إلى البلايا والأسقام # وقد ذكر أهل الطب أن الإفراط من السكر ربما أحدث في وقته # PageV01P462 # على صاحبه علة السكتة والاختناق وامتلاء بطن القلب الجالب للموت فجأة ~~وربما حدث منه انفجار الشريانات الدموية والصفراوية وتحدث منه الرعشة ~~والفالج وهذا كله مع ما يجلب على صاحبه من فقد العقل وهتك الستر وإفشاء ~~السر والاشتغال عن درك المطالب ولا يكاد صاحبه يسمو له حال ولا يستقيم له ~~أمر في تدبير ولا يزال منحط الرتبة عند نظرائه مسلوب الوقار في أعين الناس ~~قال الشاعر # (متى تبلغ الخيرات أو تستطيعها ... ولو كانت الخيرات منك على شبر) # (إذا بت سكرانا وأصبحت مثخنا ... حمارا وعاودت الشراب من العصر) # وأكثر ما تنصب الغوائل والمكائد للملوك في حال سكرهم هذا كله مع ما يؤول ~~السكر بصاحبه في الآخرة من العذاب المهين والنكال الدائم # PageV01P463 # الباب السابع # في كيفية رتبة الملك مع أوليائه في حال جلوسه وركوبه # إعلم أن ملوك الأمم على اختلاف أجناسهم كانت لهم سنن وآداب تميزوا بها ~~وأقاموا أبهتهم بالمواظبة عليها يضيق كتابنا هذا عن شرحها ولا فائدة في ~~ذكرها لأن الشرع ورد بالنهي عن التشبه بها بل نقتصر في ذلك على مثال ما ~~رتبه خلفاء بني العباس إذ هم قدوة ملوك الناس لينسج الملوك على منوالهم ~~ويحذو حذو أمثالهم وسنذكر من ذلك قدر الحاجة على سبيل الاختصار فنقول # PageV01P464 # ينبغي للملك أن يجعل جلوس طبقات أصحابه وأعوانه وأوليائه على ثلاث مراتب # المرتبة الأولى يجلس فيها الجند والغلمان الذين ليست لهم مزية على غيرهم # المرتبة الثانية يجلس فيها القواد المتوسطون الذين قد ولوا الأعمال من ~~قبل الأمراء ومن يجري مجراهم من الطواشية وغيرهم # المرتبة الثالثة يجلس فيها القواد والأمراء والأكابر الذين يتولون ~~الأعمال ويخطب لهم على المنابر وكبراء الحجاب والعلماء وهذه المرتبة تسمى ~~دهليز الخاصة وهو القريب من الستر فإذا # PageV01P465 # جلس الناس لا يختلط قوم بغيرهم ms060 ولا يعلوا أحد منهم في الجلسة على من هو ~~فوقه وليتطرقهم الحجاب طول جلوسهم فإذا وجدوا أحدا جلس في غير مرتبته ~~أقاموه إليها ويجلس صاحب الحجاب ملاصقا للوزير والباب الذي يوصل منه إلى ~~الملك لأنه أول من يصل إليه ويكون الستر مسبلا على الباب يمسكه البوابون ~~الفحول ولا يطلقونه لأحد لأجل الاطلاع منه إلى صحن الدار التي يجلس فيها ~~الملك فإذا خرج الملك مع خدمه وجلس على سريره المفروش وقف على رأسه الخادم ~~صاحب المذبة ويكون متميزا له طلل وصورة حسنة مقبولة ثم يخرج الخادم الحرمي ~~صاحب الرسالة فيستدعي صاحب # PageV01P466 # الحجاب فيدخل وحده ولا يشال الستر لكن بعضه حتى يقف في صحن الدار بين يدي ~~الملك ثم يستدعي الوزير فيتقدم الحاجب يمشي معه حتى يقرب من السرير فيتقدم ~~وحده ويرجع عنه الحاجب إفرادا له عما يعامل به سائر الناس من التقدير فيخدم ~~الملك ثم يقف على يمنة السرير على نحو خمسة أذرع منه ثم يدخل أمير الجيش ~~بعده فيمشي معه الحاجب كما فعل بالوزير فيخدم الملك ثم يقف على يسرة السرير ~~ثم يدعى بالحجاب فيدخلون وبالخدم الرؤساء الأستاذين فيدخلون ثم يدعى ~~بالأمراء القواد فيوصلهم الحجاب ويقفون على مراتبهم يمنة ويسرة على حسب ~~محلهم وموقعهم من الاختصاص ولا يتقدم أحد على غيره ثم يدعى بالعلماء ~~والفقهاء والقضاة فيجلسون دون الوزير على يمنة السرير ثم يستدعي رؤساء ~~الأطباء فيقفون بارزين فإذا احتيج إلى مسائلتهم عن شيء تقدموا إلى الملك ~~عند خروج الناس ثم يدعي بالغلمان والجند ومن حضر الدار ويقفون بارزين صفا # PageV01P467 # مفردا خلف الناس ثم يخرج الناس عن طبقاتهم بعد وقوفهم ساعة وبعد أن ~~يلحظهم الملك ويشاهد حضورهم ويعرف من تخلف من وجوههم وليحذر كل من وقف بين ~~يدي الملك أن يتسار إثنان أو يتحدثا مع أحد ثم يتخلف الوزير ساعة طويلة وقد ~~تنحى صاحب المذبة الكبيرة من موضعه إلى أن يفرغ ما يحتاج إلى ذكره ويأخذ ~~الوزير المذبة الصغيرة فيذب بها ويكون صاحب الحجاب واقفا بالبعد من السرير ~~بحيث يستدعي ms061 إذا احتيج إليه ثم يخرج بعد ذلك الوزير ومعه الحاجب فيجلسان في ~~الدهليز # وينظران في أعمال الملك المهمة وحوائج داره ويرجع الناس إلى مراتبهم ~~وأعمالهم وإذا قدم الحاجب أحدا من الاولياء لتقبيل # PageV01P468 # اليد والخدمة مشى مما يلي سيده وقدمه بعضده الأيسر وتكون يد الحاجب ~~اليسرى على سيف المقدم فإذا قبل يد الملك أخره الحاجب وتسلمه منه الحجاب ~~الأقرب منه فالأقرب إلى أن يقيموه في مرتبته # وإذا أراد الملك أن يركب في موكبه فسبيل جميع الناس أن يمشوا # PageV01P469 # بين يديه وأسلحتهم مشهورة إلى أن يصلوا إلى مواضع الركوب # فيركبون وقد تقدمهم قطعة من الحجاب قدام الموكب يطوفون ويمنعون أحدا من ~~سلوك الطرقات وتكون الجنائب الخاصة قدام الموكب ليحضر منها ما أراد وكذلك ~~أصحاب الجوارح وكلاب الصيد والفهود يتقدمون الموكب ثم يسير خلفاء الحجاب ~~ونوابهم يتصفحون الموكب ويترددون فيه فيمنعون أحدا من العامة المرور في ~~خلاله ثم يسير صاحب الحجاب قدام الملك وبينه وبين الملك مقدار ما إذا ناداه ~~أو استدعاه سمعه ويتبعه الملك ويكون الوزير وراءه فإذا استدعى سار زائدا ~~على موكب الملك ليخاطبه ولا يكلف الملك أن يلتفت إليه بعنقه فإذا استتم ~~كلامه رجعوا إلى ورائه ويكون خلف الوزير وجوه الخدم والرؤساء وسائر طبقات ~~الأولياء ثم يتبع ذلك بغال الشراب والماء # PageV01P470 # المزمل وتكون بارزة بحيث ترى ولا يزحمها الموكب ويكون معها بغال الكسوة ~~وفيها خلع معدة ويكون معها بغل عليه صندوقان يعد فيهما ما خف من الأطعمة ~~مثل أوساط ولفات وأقراص وغير ذلك ويكون خلف الخدم خادم الجوائز والصدقات ~~ومعه عليمة فيها صرار من خمسة دراهم إلى مائة إلى ألف درهم فإذا أمر الملك ~~بمبلغ عرفه وأرسله إلى صاحبه ويكون في الموكب العلماء والفقهاء والقضاة ~~والمؤذنون لتحصل بهم الرحمة ويسيرون في وسط الموكب لئلا تلحقهم الزحمة وإذا ~~وصل الملك # PageV01P471 # إلى باب من أبواب قصيره أو منتزهاته التي يسلكها نزل الحاجب والخدم ومن ~~في الموكب من أمير الجيش وصاحب الشرطة ووجوه الحجاب ومشوا بين يديه إلى أن ~~يخرج من ذلك الباب ms062 ثم يركبون فإذا عاد إلى قصره ترجل الناس أجمع ومشوا إلى ~~أن يصلوا الموضع الذي يقف فيه الحجاب وتكون البوقات التركية والطبول تضرب ~~عند ركوبه ونزوله ولا ينبغي للملك أن يكثر من الركوب والظهور من قصره فإن ~~هيبة الأسد في قلوب أهل البلدان الذين لم يتكرر منهم الرؤية له أعظم من ~~هيبته في قلوب رعاة االظأن الذين يرونه كل وقت ولا يطيل اللبث والاحتباس في ~~قصره فإن السباع الضارية إذا لم تشاهد الراعي بلغت مرادها من الظأن # PageV01P472 # الباب الثامن # في بيان فضل المشورة والحث عليها # اعلم أن المشورة عين الهداية وسبيل الرشاد إلى الأمر وإيضاح المبهم من ~~الرأي ومفتاح المغلق من الصواب وقد حث الشارع عليها وندب الخلق إليها وقد ~~قال الله تعالى لنبيه محمد ص = فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر # PageV01P475 # قال الحسن البصري رضي الله عنه أمره بالمشاورة ليستقر له # PageV01P477 # الرأي الصحيح فيعمل به # وقال الضحاك أمره بالمشاورة لما علم ما فيها من الفضل وما يعود بها من ~~النفع # ولأن إرسال الخواطر الثاقبة وإجالة الأفكار الصادقة لا يكاد يخرج عنها ~~ممكن ولا يخفى جائز والمستبد برأيه بعيد من الصواب قريب من الزلل وقد قال ~~رسول الله ص = # PageV01P478 # رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى التودد إلى الناس وما استغنى مستبد ~~برأيه وما هلك أحد عن مشورة وإذا أراد الله بعبد هلكة كان أول ما يهلكه ~~رأيه # وقال رسول الله ص = لقحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أموركم ~~بالمشاورة # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من ~~استغنى برأيه # وقال بعض البلغاء الخطأ مع الاسترشاد أحمد من الصواب مع الاستبداد وقال ~~بعض الحكماء نصف رأيك مع أخيك فشاوره ليكمل لك الرأي # PageV01P479 # وكان يقال إذا أشكلت عليك الأمور فارجع إلى رأي العقلاء ولا تأنف من ~~الاسترشاد ولا تستنكف من الاستمداد فإن تسأل وتسلم خير لك من أن تستبد ~~وتندم وقال حكماء اليونان أضعف الحيل خير من أقوى الشدة وأقل التؤدة خير من ~~أكثر العجلة والزلة ms063 رسول القضاء المبرم وإذا استبد الملك برأيه عميت عليه ~~المراشد # وقال حكيم من الفرس النظر في الأمور من العزم والعزم في الرأي سلامة من ~~التفريط وداعية إلى الظفر والتدبير والفكر يبحثان عن الفطنة ويكشفان عن ~~الحزم ومشاورة الحكماء ثبات # PageV01P480 # في اليقين وقوة في البصيرة ففكر قبل أن تعزم واعزم قبل أن تصرم وتدبر قبل ~~أن تهجم وشاور قبل أن تقدم # وكان يقال ما استنبط الصواب بمثل المشاورة ولا حصنت النعم بمثل المواساة ~~ولا اكتسبت البغضة بمثل الكبر # وقال عبد الملك بن مروان لأن أخطىء وقد استشرت أحب إلي من أن أصيب وقد ~~استبددت برأي وأمضيته من غير مشورة لأن على رأيه يزرى به أمران تصديقه رأيه ~~الواجب عليه تكذيبه وتركه من المشورة ما يزداد به بصيرة أنشدني بعضهم 482 # (إذا الأمر أشكل إنقاذه ... ولم تر منه سبيلا فسيحا) # (فشاور بأمرك في سترة ... أخاك أخاك اللبيب النصيحا) # (فربما فرج الناصحون ... وأبدوا من الرأي رايا صحيحا) # (ولا يلبث المستشير الرجال ... إذا هو شاور أن يستريحا) # وقال محمود الوراق في المعنى # (إن البيب إذا تفرق أمره ... فتق الأمور مناظرا ومشاورا) # (وأخو الجهالة يستبد برأيه ... فتراه يعتسف الأمور مخاطرا) # وقال آخر # (شاور صديقك في الخفى المشكل ... واقبل نصيحة صاحب متفضل) # (فالله قد أوصى بذالك نبيه ... في قوله شاورهم وتوكل) # PageV01P481 # (إذا الأمر أشكل إنفاذه ... ولم تر منه سبيلا فسيحا) # (فشاور بأمرك في سترة ... أخاك أخاك اللبيب النصيحا) # (فربما فرج الناصحون ... وأبدوا من الرأي رأيا صحيحا) # (ولا يلبث المستشير الرجال ... إذا هو شاور أن يستريحا) # قال محمود الوراق في المعنى # (إن اللبيب إذا تفرق أمره ... فتق الأمور مناظرا ومشاورا) # (وأخو الجهالة يستبد برأيه ... فتراه يعتسف الأمور مخاطرا) # وقال آخر # (شاور صديقك في الخفى المشكل ... واقبل نصيحة صاحب متفضل) # (فالله قد أوصى بذالك نبيه ... في قوله شاورهم وتوكل) # PageV01P482 # الباب التاسع في بيان أوصاف أهل الشورى وحكايات لائقة # اختلف الناس في أهل الشورى هل الأولى أن يجمعهم الملك على الرأي أو ينفرد ~~بكل واحد منهم في المشورة فذهبت ms064 العرب والفرس وملوك الهند إلى أن الأولى ~~اجتماعهم في ارتياء الرأي وإجالة الفكر ليذكر كل واحد ما قدحه خاطره وينتجه ~~فكره حتى إذا كان هناك قدح في الرأي ذكروه وإن توجه عليه نقض نقضوه فإنه لا ~~يبقى في الرأي مع اجتماع القرائح عليه خلل إلا ظهر واشتهر # PageV01P483 # وذهبت الروم وملوك القبط إلى أن الأولى انفراد كل واحد منهم بالمشورة ~~ليجيل فكره ويشحذ خاطره طمعا في الحظوة بصواب الرأي فإن القرائح إذا انفردت ~~استكدها الفكر واستفرغها الجهد وإذا اجتمعت فإن أول من بدا بالرأي متبوع # وينبغي أن يجتمع في أهل الشورى سبعة شروط عليها مدار المشورة وبها ينتظم ~~شمل الصواب # PageV01P484 # أحدها الفطنة والذكاء لئلا تشتبه عليهم الأمور فتلتبس فلا يصح مع ~~اشتباهها عزم ولا يتم مع التباسها حزم # والثاني الأمانة لئلا يخونوا فيما ائتمنوا عليه ولا يغشوا فيما استنصحوا ~~فيه # الثالث صدق اللهجة ليثق الملك بخبرهم فيما ينهونه إليه # PageV01P485 # ويعمل برأيهم فيما أشاروا به عليه # الرابع أن يسلموا فيما بينهم من التحاسد والتنافس فإن ذلك يمنعهم من ~~الكشف عن صواب الرأي # الخامس أن يسلموا فيما بينهم وبين الناس من العداوة والشحناء فإن العداوة ~~تصد عن التناصف وتحجب عن صواب الرأي # السادس أن لا يكونوا من أهل الأهواء فيخرجهم الهوى من الحق إلى الباطل ~~فإن الهوى خادع الألباب وصارف عن الصواب # السابع أن يكونوا من كبار الدولة ومشايخ الأعوان لأن # PageV01P486 # المشايخ قد حنكتهم التجارب وعركتهم النوائب وقد شاهدوا من اختلاف الدول ~~ما أوضح لعقولهم صواب الرأي وقد كانت العرب تقول المشايخ أشجار الوقار ~~ومنابع الأخبار لا يطيش لهم فهم وإلا يسقط لهم وهم وقد كان يقال عليك بآراء ~~المشايخ فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرت على عيونهم وجوه العبر # PageV01P487 # وتصدت لأسماعهم آثار الغير # وحكى أن المأمون قال لأولاده يا بني ارجعوا فيما اشتبه عليكم إلى آراء ~~أهل الحزم من أعوانكم المجربين والمشايخ المشفقين فإنهم يرونكم ما لا ترون ~~ويكشفون لكم أغطية ما لا تعلمون # PageV01P488 # فقد صحبوا لكم الدهور ومارسوا لكم الأمور ms065 وعرفوا حوادث الأزمنة وأعراضها ~~وإقبالها وإدبارها فروضوا أنفسكم لهم وتجرعوا مراراتهم فقد قيل من جرعك مرا ~~لتبرأ أشفق عليك من جرعك حلوا لتسقم وينبغي أن لا يدخل في مشورته بخيلا ولا ~~جبانا ولا حريصا ولا معجبا ولا كذابا لأن البخيل يقصر بعقلك والجبان يخوفك ~~مالا تخاف والحريص يعدك مالا يرجى وقد كان يقال الجبن والبخل والحرص طبيعة ~~واحدة يجمعها سوء الظن وقال عبد الملك بن # PageV01P489 # مروان لبعض عماله لا تستعن في أمر دهمك برأي كذاب ولا معجب فإن الكذاب ~~يقرب لك البعيد ويبعد عنك القريب وأما المعجب فليس له رأي صحيح ولا روية ~~تسلم # وينبغي للملك ذا أتى كل واحد بما عنده من الرأي أن يتصفح أقوالهم ويكشف ~~عن أصولها وأسبابها ويبحث عن نتائجها وعواقبها مع مشاركتهم جميعا في ~~الارتياء والاجتهاد ويتوقف في ذلك وليحذر مبادرة العمل بالرأي قبل إمعان ~~النظر فيه فقد قيل أضعف الرأي ما سنح للبديهة ابتداء # وقيل أصوب الرأي ما تكررت الفكرة بعده وأحكمت الروية عقدة وكان يقال كل ~~رأي لم تتمحص به الفكرة ليلة كاملة # PageV01P490 # فهو مولود لغير تمام # قال عبد الله بن وهب دعوا الرأي ثلاثا فإن عيوبه تكشف لكم عن محضه وقال ~~ابن هبيرة وهو يؤدب ولده لا تكونن أول مشير وإياك والرأي الفطير ولا نشر ~~على مستبد برأيه وتجنب ارتجال الكلام أنشدني بعض أهل العلم # (وإذا الخطوب عليك يوما أشكلت ... فاعمد لرأي أخ حكيم مرشد) # PageV01P491 # (فإذا استشرت فكن لنفسك رائدا ... متثبتا تجد الرشاد وتهتدي) # قال فإذا تقرر الرأي الصحيح بعد الفكرة والروية شرع في إمضائه والعمل به ~~وينتهز فيه الفرصة وليحذر مخالفة النصحاء والاستهانة بنصائحهم فقد قيل من ~~عصى ناصحا فقد استفاد عدوه وكان يقال يستدل على إدبار أمر الملك بخمسة ~~أشياء أحدهما أن يستكفي الأحداث الذين لا خبرة لهم بموارد الأمور ومصادرها ~~الثاني أن يقصد أهل مودته بالأذى الثالث أن ينقص خراجه عن قدر مؤنة ملكه ~~الرابع أن يكون تقريبه وإبعاده للهوى لا للرأي الخامس استهانته بنصائح ~~العقلاء وآراء ذي الحفلة ms066 # قال كسرى أنو شروان حزم ذي الرأي ومن لا رأي له أن يستشير عالما ويطيعه ~~قال الشاعر # PageV01P492 # (إذا ما أمور أعوزت في اعتيادها ... فلا تعص ذا لب وقل مثل قوله) # وقال آخر # (إذا الأمور عليك التوت ... فشاور لبيبا ولا تعصه) # (وإن كنت في حاجة مرسة ... فأرسل حكيما ولا توصه) # وقال أبو الفتح البستي # PageV01P493 # (لا تستشر غير ندب حازم يقظ ... قد استوى فيه أسرار وإعلان) # (فللتدابير فرسان إذا ركضوا ... فيها أبروا كما للحرب فرسان) # (وللأمور مواقيت مقدرة ... وكل أمر له حد وميزان) # (فلا تكن عجلا في الأمر تطلبه ... فليس يحمد قبل النضج بحران) # وسنختم هذا الباب بثلاث حكايات موضحة لما شرحناه # الحكاية الأولى قيل إن كسرى أنوشروان وصفت له أرض من التخوم الهندية ~~تقارب أقصى بلاده بحسن المنظر وطيب الهواء والماء وكثرة العمائر وحصانة ~~المعاقل ووصف له أهل تلك الأرض بعظم الجسوم وبلاده الفهوم وشجاعة النفوس ~~وقوة الأبدان والصبر على ملازمة الطاعة لملكهم ولين الانقياد فشرهت نفس ~~كسرى إلى # PageV01P494 # تملك تلك الأرض فسأل عن ملكها فأخبر أنه عظيم الأراكنة وأنه شاب منقاد ~~لشهوته مقبل على لذته غير أن رعيته قد أشربت قلوبها وده وانصرفت آمالها إلى ~~ما عنده قال فجمع كسرى وزراءه وأعلمهم أن نفسه تائقة إلى تملك تلك الأرض ~~وعرفهم صفات الأركن وإقبال رعيته على طاعته ومحبته فاجتمع رأيهم على أن ~~ينتدب لاستفساد رعية ذلك الأركن رجالا يحسنون نصب الدعوات وقلب الدول قال ~~فاحضر رجالا من دهاة الفرس ونساكهم وأمدهم بالأموال ونصب لهم مثالا يحذون ~~عليه فنفذوا لما أمرهم به وتفرقوا في تلك المملكة وأعمل كل منهم قوته فيما ~~انتدب فأحكموا أمرهم عي عامين وبثوا الدعوة في مدينة الأركن وغيرها من قراه ~~ورساتيقه ومعاقله وثغوره واستمالوا قلوب الرعية ثم كتبوا بذلك # PageV01P495 # إلى كسرى فأحضر المرزبان الذي يلي تلك الأرض وأمره بالتجهيز إليها ثم أخذ ~~ذلك المرزبات في الإعداد والحشد وكان عسكره خمسين ألف فارس سوى أتباعها ~~فكتب إلى الأركن عيونه يخبرونه بخروج المرزبان إليه ثم ظهر النفاق ببلاده ~~وهمس الناس ms067 فيه فانتبه الأركن من غفلته وبحث عن الأمر فوقف على حقيقته وكان ~~امر مملكته يقوم على خمسة رجال أربعة منهم وزراؤه وجلساؤه وسماره والخامس ~~رئيس الزمارمة الذين يأخذون عنه الدين وكان حكيما عالما قال فجمعهم الأركن ~~وأطلعهم على ما انتهى إليه من فساد الرعية وتجهيز جيوش أنو شروان إلى جهتهم ~~وأمرهم في النظر في ذلك وإمعان الفكر فيه # فجلسوا لإدارة الرأي فقال أحد الوزراء الأربعة الرأي أن # PageV01P496 # يستصلح الملك رعيته فيملأ أيديها رغبات وقلوبها آمالا فإن العدو إذا علم ~~كان ذلك جريا عن الإقدام وإن أقدم لقيناه كلنا بكلمة مجتمعة وقلوب سليمة ~~فقال له رئيس الزمارمة هذا لو كان فساد الرعية أوجبه جور وعسف سيره فيزال ~~حكم الفساد بإزاحة علته وأما فساد هؤلاء فإنما أورده عليهم الجهل بمواقع ~~الصواب والنظر لترادف النعم وقد قيل أربعة إذا أفسدهم البطر لم تزدهم ~~التكرمة إلا فسادا الولد والزوجة والخادم والرعية فغن هذه الربعة إذا هاجمت ~~لم تزدهم المداراة والرفق إلا هيجانا وطغيانا وإنما تعان بحسم موادها قال ~~الملك صدق الحكيم # قال الوزير الثاني الرأي أن تضرب بمن صلح من الرعية من فسد منها حتى ترجع ~~راغمة منقادة ثم نلقي عدونا بمن لا نخاف # PageV01P497 # دغله فقال رئيس الزمارمة هذا أنفع لعدوك من جيشه وأدعى إلى طاعته من ~~دعاته لأنا نعلم أن رعيتنا لا تخلو من عاقل محروم لم يمنعه من سل سيفه إلا ~~الخوف وإذا فعل الملك ما أشرت به فقد أباحه سل سيفه وإذا سله لم يسله لنا ~~بل إنما يسله علينا ويتبعه الجمهور لما قد طبعوا عليه من حسد الملوك ~~والتعصب للضعفاء وقد قيل أربعة من استقبلها بالعنف والردع في أربعة أحوال ~~هلك بها وهي الملك في حال غضبه والسيل في حال هجومه والفيل في حال غلمته ~~والرعية في حال هيجها # وقالت الحكماء أشبه شيء يردع العامة عند هيجها معاناة الجدري في حال ~~إنبعاثه إلى سطح الجسد بالأطلية الرادعة فقال الملك صدق الحكيم # PageV01P498 # وقال الوزير الثالث الراي ان يطلب الملك تعيين من ms068 فسدت طاعته بالأمناء ~~الثقات من الجواسيس فإذا تعينوا عوملوا بما تقتضيه أحوالهم من قلة أو كثرة ~~فقال رئيس الزمارمة إن البحث الان عن هذا خطر لأنه لابد أن يفطن له وإذا ~~فطن له خاف المريب فحذر ثم لايخلو أمره بعد ذلك من حالين أما أن يتحرك إلى ~~جهة عدونا فيعتمده بالنصائح والدلالة على العورات ثم يقاتل معه بصيرة ليست ~~للعدو لأنه يطلب العودة إلى وطنه وأهله وماله وأما أن لا ينفصل ولا يرهبنا ~~بل يكاشفنا في العداوة ويتكثر علينا بإشكاله من الرعية فينصرونه علينا وإن ~~لم يكونوا على مثل رأيه إلا أن في الرعية من أعقده الحرمان ومن أحقده ~~التأديب وجمهور الرعية يتعصبون على الأجناد لأنهم لن يعدموا منهم أذى ~~واستطالة فإن سومحوا أفسدوا المملكة وإن قصد المسيء بالعقوبة خاف البريء أن ~~تتعدى العقوبة إليه فانحاز إلى المسيء لعله المشاكلة له ولو كان عدوا له ~~كما أن الكلبين إذا تهارشا # PageV01P499 # فرأيا ذئبا فإنهما يتركان تهارشهما ويجتمعان على الذئب وإن كان مثلهما في ~~الخلقة لكنهما يعاديانه فيصطلحان عند التعاون عليه وكذلك العامي لاينظر الى ~~الملك من حيث تحققه في الخلق الإنساني بل ينظر إليه من حيث تفرده وأنفته ~~وعلو همته وجرأته وشجاعته وكثرة ماله فينافره ويألف بالعامي الذي هو يشاكله ~~في جهله وطبعه وغير ذلك من أخلاقه ولا تخلو الرعية من ناسك أحمق يظن أنه ~~يغضب للدين فيحمله حمقه وجهله على الخروج من واجب الطاعة فيكون أمره في ~~الرعية أنفذ من أمر الملك في الجند وقد قيل ثلاثة إن كاشفتهم في امتحان ما ~~عندك في ثلاثة أحوال خسرتهم أحدهم المؤدب لك إذا امتحنت ماعنده من العلم في ~~حال تأدبك # PageV01P500 # الثاني صديقك إذا امتحنت ما عنده من البذل في حال فاقتك الثالث زوجتك إذا ~~امتحنت ما عندها من محبتك في حال كهولتك وامتحان الرعية في هذه الحال أشبه ~~شيء بما ذكرناه وقد قال الحكماء إن للدولة أمراضا يخاف أن تموت بها أخطرها ~~أربعة أشياء مايعرض للملك من الكبر وما يعرض من له ms069 من الغضب فإن دولته في ~~هاتين الحالتين تضطرب لخروجه عن حد الاعتدال في السياسة والثالث ما يعرض له ~~من الحرص فإنه إذا حرص عسف وظلم والرابع هيج الرعية فقال الملك صدق الحكيم # قال الوزير الرابع وكان أوسعهم علما وأفضلهم رأيا إني وأصحابي كأصابع ~~الراحة في حاجة بعضها إلى بعضها وقوم بعضها ببعض وكل منا يستمد من نور عقل ~~الملك ينظره إلينا استمداد النجوم الدراري من نور الشمس وإني أرى غير رأي ~~أصحابي لا مترفعا عليهم # PageV01P501 # ولا عائبا لآرائهم لأن القبول والرد إلى الملك لا إلى غيره فإن أذن الملك ~~ذكرته فقال الملك قل أيها الوزير الناصح فلك ولأصحابك عندنا الثقة بكم ~~والكرامة لأنكم من المناصحة لنا والأداء إلينا كالحواس الخمس للقلب فسجدوا ~~له ثم رفعوا رؤوسهم فقال الوزير إن الرعية قليلة النظر في العواقب غير ~~متحفظة من المعاطب وقد دب فيها اسم الفساد ومكاشفتها الآن خطر والظفر بها ~~وهن في الملك والعدو قوي الطمع شديد الحرص مستشعر بالظفر ولا يرضيه إلا ~~الغلب فإن رأى الملك أن يصرف همته أولا إلى الاستظهار باتخاذ معقل حرير ~~يأمن فيه على أهله وخواصه وذخائره ومن خلصت نيته من رعيته فإني أعرف في ~~مملكته عقلا شاهقا يطل على أهل الأرض إطلال زحل على الكواكب وهو مع ذلك ~~لذيذ الهواء فرات الماء وقد كان بعض أسلاف الملك أثر فيه آثارا محكمة فإن ~~رأى الملك أن يتم به سعى سلفه ثم يودعه ذخائره ويجعله للإقامة استظهارا ثم ~~يلق عدوه إن أقدم على بلاده فإن ظهرت # PageV01P502 # خيانة أنصاره انجاز بأوليائه إلى ذلك المعقل وألزم نفسه الصبر وانتظار ~~الفرج قال فسر الملك برأي الوزير ووقع إجماعهم على ترجيحه ثم ركب في خاصته ~~وحماته حتى أتى ذلك المعقل فحشد إليه الأعوان وألزمهم الإسراع في إكمال ~~بنائه وبادر من فوره فنقل إليه خاص بيوت أمواله ونفائس ذخائره وخزائن سلاحه ~~وشحنه بالأقوات والأطعمة وهو مع ذلك يسد الثغور وأن المرزبان اقتحم أطراف ~~بلاده بالجيوش المتوافرة ونازل الثغور وظهرت دعاة كسرى في تلك ms070 الناحية فيمن ~~استمالوه من أهلها فظهر المرزبان على من نازله ثم جعل يطوي بلاد الأركن لا ~~يمتنع عليه مرام حتى وافته جنود الأركن فدافعته بعض المدافعه فانهزم من ~~فسدت نيته في الأركن وانهزم المناصحون بإنهزامهم واستولى المرزبان على تلك ~~الأرض وإنحاز الأركن وأتباعه المناصحون إلى ذلك المعقل فسار خلفه المرزبان ~~حتى أشرف على معقله فرآه منظرا رائعا ومعقلا مانعا فلم يمكنه النزول بساحته ~~فرجع من فوره إلى البلاد فولي فيها الولاة والعمال واستقامت المملكة ~~للمرزبان # PageV01P503 # ثم إن اغتام الفرس جعلوا يعاملون أهل الهند بالقسوة والفظاظة ويعبثون بهم ~~ويسخرون منهم فبدت الشحناء في النفوس ورأى أهل الهند خراج بلادهم يحمل ~~ويصرف إلى غيرهم وقد دخلوا تحت حكم الأعاجم فداخلتهم الغيرة والحمية فعرفوا ~~فضل ما كانوا فيه ومشقة ما صاروا إليه فبسطوا ألسنتهم بالتسخط وتوقف ~~المرزبان عن ردعهم لئلا يوحشهم فكان أمرهم إلى زيادة وأما الأركن فإن ~~وزرائه أشاروا عليه بالصبر وكف الأذى وبسط العدل والإحسان وبذل المال ~~والصفح عن المجرم وتألف المستوحش فكانت سمعته تزداد حسنا والنفوس إليه ميلا ~~والألسنة له شكرا والمرزبان بعكس ذلك واتفق أن غلاما من عمال المرزبان على ~~بعض الثغور أساء السيرة فقام إليه ناسك من نساك الهند يعظه فغضب عليه وأمر ~~بقتله فثار أهل البلد على العامل فقتلوه فبلغ الخبر إلى المرزبان فجاءه ~~بجنوده فانحاز أهل تلك الناحية إلى حصن الأركن ثم ثارت الهنود في البلاد ~~وسار المرزبان راجعا إلى بلاده لما قامت الرعية وخرج من تلك المملكة وعاد ~~الأركن إلى دار ملكه فجرى على سنن العدل قامعا للشهوات باذلا للراحات ~~مستعملا ما أفادته التجارب من الأداب حتى بلغ أجله # PageV01P504 # الحكاية الثانية # قيل لما عزم الأمين على انتزاع العهد بالخلافة عن أخيه المأمون وكان ~~المأمون أميرا بخراسان كتب إليه الأمين يستدعيه # PageV01P505 # ويذكر حاجته إليه وأنه يريده لأمر مهم تضيق عنه الكتب وإن جواسيس المأمون ~~وعيونه ببغداد كتبوا إليه يعرفونه أن أخاه الأمين يريد تحويل الخلافة عنه ~~إلى ولده موسى الناطق فاطلع المأمون خاصته على الخبر واستشارهم ms071 في أمره ~~فأشاروا عليه أن يثبت مكانه وينتظر الفرج ويكتب إلى أخيه يعتذر إليه ويتعلل ~~بأعلال ففعل ذلك فعلم الأمين أنه قد فطن # PageV01P506 # لما يراد به وأيس من نجح مكيدته # فحينئذ دعا الناس إلى خلع المأمون من عهد الخلافة ثم التفت إلى علي بن ~~عيسى بن ماهان وشاوره في أمر خراسان وكان علي بن عيسى قد ولى خراسان قبل ~~ذلك واصطنع إلى أهلها جلائل الصنائع وغمرهم بالإحسان والعدل # PageV01P507 # فضمن له ما يريده منها فجهزه الأمين بأحسن جهاز وولاه خراسان وجهز معه ~~جمهور جنوده فخرج علي بن عيسى بالجيوش طالبا خراسان فبلغ ذلك إلى المأمون ~~فاضطرب أمره وعلم أنه يعجز عن مقاومة علي بن عيسى لميل أهل خراسان إليه ~~ومحبتهم له فركب إلى متنزه له ليشاور وزراءه في تدبير أمره فعارضه في ~~الطريق شيخ مجوسي قد احدودب من هرمه وكبره فناداه بالفارسية مستعينا به من ~~مظلمة نالته فلما نظر المأمون إلى هرمه وكبر سنه رق له وأمر أن يحمل على ~~دابة إلى الموضع الذي هو قاصده ويدخل عليه بغير استئذان ولما استقر المأمون ~~ووزراءه # PageV01P508 # في ذلك الموضع أدخل عليه ذلك الشيخ المجوسي فأمره بالجلوس في حاشية ~~المجلس ثم أقبل على خاصته وأخبرهم بما انتهى إليه من أمر علي بن عيسى ~~وأمرهم بإدارة الفكر في الرأي في ذلك وهو يظن أن ذلك الشيخ لا يحسن العربية ~~إلى أن قال أحد الوزراء الرأي اصطناع أجناد من الأغنام الذين لا يعرفون علي ~~بن عيسى فنلقاه بهم قبل دخوله أرض خراسان # فقال الوزير الثاني الرأي أن تبادر بالإرسال إلى أخيك معتذرا ومنقادا لما ~~يريده منك اليوم ومنتظرا نصر الله تعالى في غد فإنك مكره على الخروج # PageV01P509 # من عهد الخلافة إكراها لم يخف على أحد من الناس فهو حق لك متى أمكنك طلبه ~~وكنت فيه على حجة ظاهرة # قال الوزير الثالث الرأي أن تجمع من تثق بموالاته من ذي النجدة والشجاعة ~~فتزيح عللهم وتقصد بهم بعض هذه الممالك الكافرة المجاورة لنا فتصدقهم ~~القتال فلعل الله تعالى ms072 أن يظفرنا بهم فنصير إلى مملكته منيعة قوية ويفزع ~~إلينا من كان على مثال أمرنا ونجاهد حتى يقضي الله أمره # قال الوزير الرابع الرأي أن تنحاز إلى ملك # PageV01P510 # الترك مستجيرا به ومستيعنا على اخيك الغادر فهذا أمر لم تزل الملوك تفعله ~~إذا دهمها مالا قبل لها به فلما سمع المأمون كلامهم جميعا قال لهم قوموا ~~عني حتى أنظر فيما ذكره كل واحد منكم ثم إنه التفت إلى الشيخ فناداه ورفق ~~به وسأله عن حاجته فقال له بالعربية جئت لحاجة فعرض لي ما هو أوكد منها ~~فقال له المامون تكلم بما في نفسك قال أيها الأمير لا تصدنك حقارة قدري فإن ~~الدرة النفسية لا يزري بها حقارة الغواص # PageV01P511 # فقال المأمون ما بنا عنك أيها الشيخ رغبة فتكلم بما عندك قال إني سمعت ما ~~أشار به القوم عليك وكل منهم متجهد في الإصابة وإني لست أرضي شيئا مما ~~قالوه وإني وجدت في الحكم التي أخذها آبائي عن آبائهم أنه ينبغي للعاقل إذا ~~دهمه ما لا قبل له به أن يلتزم نفسه التسليم لأحكام الحكيم واهب العقل ~~وقاسم الحظوظ ولا يترك بذلك الدفاع بحسب طاقته فإنه إن لم يحصل على الظفر ~~حصل على العذر فقال له المأمون إن هذا الرجل الذي هو قاصدنا أملك منا ~~بالبلاد ولا يمكننا مقاومته قال الشيخ ينبغي أن تمحو هذا من نفسك ولا تصغي ~~إلى من ينطق به فإنه ما كثر من كثرة البغي ولا قوي من قواه الظلم وإن أخاك ~~ظالم باغ عليك فهو هالك لا محالة وأنت منصور عليه ظافر به # PageV01P512 # وسأحدثك حديثا إن حذوت مثاله نلت مناله فقال المأمون هات يا شيخ قال إن ~~اخشنوار ملك الهياطلة لما أسر فيروز بن يزدجرد ملك الفرس وأراد إطلاقه أخذ ~~عليه عهدا أن لا يغزو بلاده ولا يقصده بمكروه ولا يتعرض إليه بسوء ووضع في ~~أقصى تخوم أرض الهياطلة صخرة وواثق فيروز أن لا يتجاوز أحد منهما تلك ~~الصخرة بجيش ولا مكروه لصاحبه ثم أطلقه بعدما استوثق منه ms073 الخشنوار بالعهود ~~فلما وصل فيروز إلى دار ملكه داخلته الحمية والأنفة وعزم على غزو الخشنوار ~~وعلى أخذ بلاده واستيفاء ثأره فجمع وزراءه وشاورهم في ذلك فحذروه النكث ~~وخوفوه عاقبة البغي والغدر فما ردعه ذلك عما عزم عليه فاذكروه أيمانه التي ~~حلفها لا خشنوار والصخرة التي بين المملكتين فقال لهم إني عاهدته بأن لا ~~أتجاوزها بجيوشي وإذا أنا بلغتها حملتها على # PageV01P513 # فيل بين يدي جيوشي فلا يتجاوزها أحد منهم وإذا فعلت ذلك فلا أكون ناكثا ~~ولا غادرا فلما سمعوا ذلك منه علموا أن الهوى قد وقف به على حد الرضا بهذا ~~القول والتأويل فامسكوا عنه ثم إن فيروز جمع مرازبته وهم أربعة مع كل ~~مرزبان منهم خمسون ألف فارس وامرهم بالتجهز لحرب الهياطلة فلما فعلوا ذلك ~~سار بهم فيروز وظن أن جيوشه لا غالب لها لكثرتها وشدة شوكتها فعارضه موبذان ~~موبذ في طريقة فقال أيها الملك لا تفعل فإن رب العزة وخالق العالم يمهل ~~الملوك على الجور ولا يمهلهم إذا أخذوا في هدم أركان الدين وإن العهود من ~~أركان الدين فلا تعرض له بسوء فتهلك فلم يلتفت إلى كلامه وسار راكبا هواه ~~في معصيته ومخالف نصحائه حتى انتهى إلى الصخرة التي جعلها حاجزا بين أرضه ~~وأرض اخشنوار فحملها على فيل وسيرها بين يدي عسكره وإن الخشنوار لما بلغه ~~مسير فيروز إليه حمل نفسه على التثبت وفوض أمره إلى الرب الأعلى وسأله أن ~~يغضب لعهوده # PageV01P514 # ومواثيقه التي لم يرع حقها فيروز ولا خاف تبعه نكثها وأخذ في ذلك بالحزم ~~في سد ثغوره وجمع جنده ثم خرج إلى فيروز بعدما توسط أرضه وعاث في بلاده ~~ففاجأه الخشنوار وصدقه الحملة فانكشف فيروز منهزما وأسلم ما كان بيده فقتل ~~اخشنوار رجاله وغنم أمواله وأمعن في طلب فيروز فظفر به وقتله وأسر أهل بيته ~~وحماة أصحابه واستولى على بلاده كل ذلك بسبب الغدر ونقص الميثاق وكذلك سبب ~~أخيك لغدره بك ونقض ميثاق أبيك وأنت ظافر به لا محالة فلما سمع المأمون ~~كلام الشيخ تهلل وجهه وطابت ms074 نفسه وقال قد سمعت مقالتك فصادفت منا قبولا ~~وشكرا عليها وسرورا ثم حياة وأكرمه وعمل برأيه فأنجح الله عمله وبلغه من ~~الخلافة أمله # الحكاية الثالثة قيل إن عبد الملك بن مروان لما ندب # PageV01P515 # الناس لقتال عبد الله بن الزبير وخرج بالجيش متوجها إلى مكة شرفها الله ~~تعالى وعظمها وكان قد استصحب معه عمرو بن سعيد بن العاص # PageV01P516 # وكان عمرو قد اطوى على دغل نية وفساد طوية وطماعية في نيل الخلافة فلما ~~كان ببعض الطرق تمارض عمرو بن سعيد واستأذن عبد الملك بن مروان في العود ~~إلى دمشق فأذن له فلما دخل دمشق صعد المنبر فخطب الناس خطبة نال فيها من ~~عبد الملك ودعا الناس إلى خلعه من الخلافة فأجابوه إلى ذلك وبايعوه # PageV01P517 # واستولى على دمشق وحصن سورها وحمى ثغورها وبذل الرغائب # ثم اتصل الخبر إلى النعمان بن بشير أميرحمص فنزع يده من الطاعة أيضا ~~وكذلك صنع زفر بن الحارث أمير # PageV01P518 # قنسرين وكذلك نائل بن قيس أمير فلسطين ثم تشوف أهل الثغور للخلاف فبلغ ~~ذلك عبد الملك بن مروان فخرج على وزرائه وأهل خاصته فا طلعهم على ما بلغه ~~وقال هذه دمشق دار ملكنا قد استولى عليها عمرو بن سعيد وهذا عبد الله بن ~~الزبير قد استولى على الحجاز والعراق واليمن وهذا النعمان بن بشير أميرحمص ~~وزفر أمير قنسرين ونائل بن قيس أمير فلسطين قد نزعوا أيديهم من الطاعة ~~وبايع الناس لابن سعيد وقد تشوف أهل الثغور للخلاف فما عندكم من الرأي # PageV01P519 # قال فلما سمعوا مقالته ذهلت عقولهم ونكسوا رؤوسهم فقال لهم مالكم لا ~~تنطقون فهذا وقت الحاجة إليكم هل ترون الرجوع إلى دمشق أصوب أم التوجه إلى ~~ماخرجنا إليه أحزم أم اللحاق بفلسطين أجود أم النزول على حمص واستنزال ~~النعمان منها آكد أم الانحياز في هذا الوقت إلى مصر أغنم كيف ترون الرأي ~~فقال له أفضلهم لا أرى عندنا في هذا والله لقد وددت أن أكون حرباء # PageV01P520 # على عود من أشجار تهامة حتى تنقضي هذه الفتنة قال فلما سمع عبد ms075 الملك ~~كلامه علم أنه لا غنى له عندهم فقام عنهم وأمرهم بلزوم مواضعهم وركب من ~~فوره منفردا وهو يقول # (تكاثرت الظباء على خراش ... فما يدري خراش من يصيد) # وأمر جماعة من أصحابه أن يركبوا متباعدين منه بحيث يرون إشارته إذا أشار ~~إليهم وسار ثم تبعه القوم فلم يزل سائرا منفردا حتى أتى إلى شيخ كبير السن ~~ضعيف الجسم يجتني العفص من الأشجار # PageV01P521 # فسلم عليه عبد الملك ثم قال له أيها الشيخ ألك علم بمنزل هذا العسكر فقال ~~بلغني أنهم نزلوا بأرض كذا وكذا قال فهل بلغك شيء مما يقول الناس في أمر ~~الخليفة قال فما سؤالك عن ذلك قال لأني أريد اللحاق به والدخول عليه وقد ~~سمعت أن عمرو بن سعيد قد خالفه إلى دمشق واستولى عليها فقال الشيخ إني أراك ~~أديبا وأحسبك حسيبا فهل تحب أن أنصح لك قال نعم أيها الشيخ قال ينبغي لك أن ~~تصرف نفسك عن هذا الأمر الذي ترغب إليه فإن الأمير الذي أنت قاصده قد انحلت ~~عرى ملكه وقد نابذه أتباعه واضطربت أموره # وإن السلطان في حال اضطراب أموره كالبحر في حال هيجه لاينبغي أن يقرب أحد ~~منه فقال له عبد الملك إن الحنكة لم تبلغ بي في مغالبة نفسي في كل ما نزعت ~~إليه وإني أجدها تنزع إلى صحبة # PageV01P522 # هذا الأمير نزاعا شديدا ولا بد لي من ذلك فهل لك أن تخبرني بما تراه من ~~الرأي في تدبيره لهذه الخطوب التي دهمته حتى أعرض ذلك الرأي عليه وأتنفق به ~~عنده فلعله أن يكون سببا لقربي منه فقال الشيخ إن حكمة الله تعالى وعزته ~~لتقضيان بحجب العقول والأراء عن النفوذ في بعض النوازل وإني لأظن أن هذه ~~النازلة التي نزلت بالخليفة من النوازل التي لا ينفذ فيها الرأي وإني أكره ~~مع ذلك أن أرد مسألتك بالخيبة فها أنا أقول لك فيما سألتني عنه قولا أقضي ~~به حقك وإن كان الخطب عظيما قال عبد الملك إني لأرجوا أن يرشدك الله ~~ويرشدني بك فقال الشيخ إن ms076 عبد الملك خرج لمحاربة عبد الله بن الزبير فظهر ~~من مشيئة الله تعالى ما صده عن ذلك وإني مشير عليك أن تتفقد حال عبد الملك ~~فإن رأيته قد قصد عبد الله بن الزبير فاعلم أنه مخذول لامحالة لأنه لج في ~~طلب ما منع منه وإن رأيته رجع من حيث # PageV01P523 # جاء فارجوا له السلامة والنصر لأنه مستقيل فقال له عبد الملك أيها الشيخ ~~أوضح لي ما ذكرت لينطبع في فهمي صورته قال الشيخ إن عبد الملك إذا قصد عبد ~~الله بن الزبير كان في صورة ظالم له لأن ابن الزبير لم يعطه قط طاعة ولا ~~وثب له على مملكة فأما إذا قصد عمرو بن سعيد بدمشق فإنه يكون في صورة مظلوم ~~لأن عمرا رجل من رعيته طلب الخلافة لنفسه واغتصب دار ملك لم تكن له ولا ~~لأبيه بل كانت لعبد الملك ولأبيه ثم إن عمروا بن سعيد ظالم له من وجه آخر ~~وذلك أنه ابن عم عبد الملك وعز عبد الملك عز له وقد كان محسنا إليه فلما ~~خرج عبد الملك لتشييد عز نصب عمروا بن سعيد منه أوفر حظ غدر به ونكث عهده ~~فخذله ثم سعى في اجتثاثه من # PageV01P524 # أصله وأشمت به عدوهما فرجوع عبد الملك إلى دمشق استقالة وهو أشبه ~~بالتفويض والتسليم لأمر الله تعالى ولا شك أنه يظفر بمن خانه وبغى عليه ~~ونقض عهده فإن الباغي مصروع وإذا ظفر به استقال النعمان وزفر ومن عداها من ~~أهل الثغور ورجعوا إلى الطاعة عند معاينة الظفر بعمرو بن سعيد # قال فسر عبد الملك بمقاله الشيخ وعزم على اتباع رأيه وقال له جزاك الله ~~خيرا يا شيخ فقد أحسنت فيما أشرت فاخبرني باسمك وأين منزلك فقال الشيخ وما ~~تريد من ذلك قال لأقضي حقك # PageV01P525 # فارفع إلي حوائجك فإني أنا عبد الملك فقال الشيخ وأنا أيضا عبد الملك ~~فهلم بنا نرفع حوائجنا جميعا إلى من أنا وأنت له عبدان ثم تركه الشيخ ~~وانصرف قال فذهب عبد الملك وعمل برأي الشيخ فأنجح وبالله ms077 التوفيق # PageV01P526 # الباب العاشر في معرفة أصول السياسة والتدبير # إعلم أن الملك العظيم يحسن به أن يكون في تصاريف تدبيره وسياسة أموره ~~متشبها بطباع ثمانية وهي الغيث والشمس والقمر والريح والنار والماء والأرض ~~والموت # أما الغيث فإنه ينزل متواترا في أربعة أشهر من السنة فيساوي بين كل أكمة ~~مشرفة وموضع منخفض فتخزن تلك البقاع ما تغذي منه نباتها في الثمانية الأشهر ~~الباقية من السنة وكذلك ينبغي # PageV01P527 # للملك أن يعطي جنده وعماله في أربعة أشهر للثمانية أشهر الباقي حسب ما ~~يراه من المصلحة فيجعل رفيعهم ووضيعهم في الحق الذي يستوجبه في القسمة ~~بينهم على قدر مراتبهم كما يسوي الغيث بين بقاع الأرض # PageV01P528 # وأما الشمس فإنها تستقض بحرها وحدة وقعها في الثمانية أشهر الباقية من ~~السنة نداوة الغيث الذي تواتر في أربعة أشهر كذلك ينبغي أن يستقضي قبض ما ~~حل من خراجه في الثمانية أشهر # PageV01P530 # الباقية من السنة واستيفاء جميع حقوقه من رعيته من ثمن غلاتهم وما شيتهم ~~وغير ذلك من الحقوق الواجبة له عليهم كما تستقض الشمس نداوة الغيث من الأرض # وأما القمر فإنه إذا طلع لتمامه انتشر نوره على الخلق وأنس الناس لضوئة ~~وإشراقه واستوى في ذلك القريب والبعيد وكذلك ينبغي للملك أن يكون في بهجته ~~ورتبته وإشراقه في مجلسه وإيناس الرعية به وعدله مثل القمر في طلوعه ~~وإشراقه فلا يخص شريفا دون وضيع بعدله وإيناسه ولا يحتجب عنهم فتظلم ~~أحوالهم ويزول أنسهم # PageV01P531 # ويقل انتعاشهم كما إذا احتجب القمر في الليالي السود # وأما الريح فإنها بلطفها محيطة بالعالم السفلي وكذلك ينبغي للملك أن يكون ~~بلطفه وحذق جواسيسه وعيونه محيطا بمعرفة أحوال رعيته وقواده وولاه ثغوره ~~وأعماله وحاشيته وجنده عارفا بأخبار أعدائه # PageV01P532 # ونظرائه عالما بما يعملون وما يأتمرون بالعيون الثقاب والجواسيس المنتقاة # PageV01P533 # وأما النار فيكون مثلها في الحدة على أهل الدعارة والفساد # PageV01P536 # وأصحاب الشر لايبقى أحدا منهم ولا يذر ولا يترك لهم عينا ولا أثرا # وأما الماء فإنه مع لينه وسلاسته يقلع الأشجار العظيمة ويقهر من قاومه ~~بالسباحة وكذلك ينبغي للملك أن ms078 يكون لينا لمن لاينه شديدا على من خالفه ~~ينصب لأعدائه الغوائل مع لينه ورفقه حتى يقلعهم # PageV01P537 # كما يفعل الماء # وأما الأرض فإنها توصف بكتمان السر واحتمال الأذى والصبر على المكاره ~~وكذلك ينبغي للملك أن يكون مثلها في جميع ذلك # وأما الموت فإنه يأتي بغتة ويعافص أهل اللذات على ما هم عليه ولا يقبل ~~ممن نزل به رشوة وكذلك ينبغي للملك أن يبغت # PageV01P538 # عدوة من حيث لا يشعر به ويعافص أهل العداوة والدعارة في غفلاتهم كما يفعل ~~الموت # واعلم أن المملكة مثلها مثل البستان فينبغي أن يسوسها الملك في غالب ~~الأحوال كما يسوس صاحب البستان بستانه فمن ذلك أنه ينتخب أهل الشكيمة من ~~جنده وذوي الشوكة من أعوانه فيجعلهم في # PageV01P539 # أقاصي بلاده وأطرف مملكته ليحفظ بهم الرعية كما يفعل صاحب البستان فإنه ~~يخرج الشجر ذوات الشوك وما فضل من العيدان فيحيط بها على الشجرة المثمرة ~~والزرائع الطيبة لقيها من أهل الفساد والدواب المؤدية ثم يطهر رعيته من أهل ~~الفساد والدعارة ويخرجهم من بينهم أو يصلحهم بإقامة الحدود وإظهار السياسة ~~فإنه إذا فعل ذلك صلحت أحوال الرعية وانتعشوا وكثر خيرهم كما يفعل صاحب ~~البستان فإنه ينقي بستانه من الحشيش الذي لا فائدة فيه ويخرج ما فيها من ~~الشوك والنبات الخبيث فينتعش زرعها وينموا شجرها ويطيب ثمرها ومتى حل خراج ~~الملك أو تعين له حق على رعيته من أموال الثمار والغلات فلا يؤخر قبضه عن ~~وقت محله فيكون معرضا للهلاك بآفات الزمان كما يفعل صاحب البستان فإنه لا ~~يؤخر اجتناء ما نضج من ثمره وما طلع من ورده لأنه إن لم يبادر ألى التقاطه ~~سقط على الأرض # PageV01P540 # وأحاطت به الآفات وينبغي أن يتعاهد أبناء جنده وأعوانهم الذين ماتوا في ~~خدمته وطاعته ويرضخ لهم من بيت ماله رزقا يقوم بكفايتهم فإنهم أرجى للملك ~~عند بلوغهم وأشد نصحا في خدمته من غيرهم كما يتعاهد صاحب البستان خوالف ~~شجرة الهالكة بالسقي والتربية # PageV01P541 # لما يرجوه من خيرها واستطابة ثمرها ومتى تباغض قائدان من قواده وكانا ~~متجاورين في ms079 موضع فينبغي أن يفرق بينهما لأن خيرهما لا يرجى ما داما ~~متجاورين وربما نتج منهما أو من أحدهما ما لا يمكن تلافيه كما يفرق صاحب ~~البستان بين الشجرتين إذا تداخلت أغصانهما لعلمه أن خيرهما لا يرجى ما ~~دامتا كذلك واعلم أن الرعية وإن كانت ثمارا مجتناة وذخائر مقتناة وسيوفا ~~منتقاة وأحراسا مرتضاة فإن لها نفارا كنفار الوحوش وطغيانا كطغيان السيول ~~ومتى قدرت على أن تقول قدرت على أن تصول # PageV01P542 # وهم ثلاثة أصناف ينبغي للملك أن يسوسهم بثلاث سياسات # صنف من أهل العقل والديانة والفضل يعلمون فضل الملك وطول عنائه ويرثون له ~~من ثقل أعبائه فسياسة هؤلاء تحصل بالبشر عند لقائهم واستماع أحاديثهم وحسن ~~الإصغاء إليهم # وصنف فيهم خير وشر فسياسة هؤلاء تحصل بالترغيب والترهيب # PageV01P543 # وصنف هم السفلة الرعاع أتباع كل داع فسياسة هؤلاء بإخافة غير مقنطعة ~~وعقوبة غير مفرطة ولا يتحقق ذلك منه إلا أن يكون أغلب أوصافه عليه الرحمة ~~للرعية لأن الملك إنما يتميز عن السوقة بفضيلتين فضيلة ذاته وفضيلة آلاته # أما فضيلة ذاته فخمس خصال رحمة تشد رعيته ويقظة تحوطهم وصولة تذب عنهم ~~وفطنة يكيد بها الأعداء وحزامه ينتهز بها الفرص إذا أمكنته وأما فضيلة ~~آلاته فستة وهي وفور أمواله وكثرة # PageV01P544 # أجناده وحصانه معاقله واتخاذ المباني الوثيقة وإعداد الملابس السنية ~~وتحصيل الذخائر النفيسة ولا ينبغي للملك أن يعتمد على فطنته وقوة حيلته ~~وكثرة ماله وجنده وحصانه معاقلة فيترك الاستعداد للنوازل ولكل ما يجوز ~~وقوعه من الحوادث فيكون مثله كمثل خطيب اعتمد على فصاحة لسانه وقوة بديهته ~~فترك تزوير القول وترتيبه ثم صعد فيوشك أن يستولي عليه العي عند الحاجة # بل ينبغي أن يتقدم في الحيلة للأمر قبل نزوله فإن الأمور إذا # PageV01P545 # نزلت ضاقت عنها الحيل فهو في المثل كالسكر الذي يسكر على الأرض التي يخاف ~~غرقها فإنه إن عمل قبل وصول الماء إليها فإنه يثبت ويمنع الضرر عنها وإن ~~وصل الماء إليها فلا حيلة فيه بالسكر أنشدني بعض أهل العلم # (أقدر بغيرك أمر نفسك واعتبر ... وانظر وأنت من ms080 الأمور بمنظر) # (وإذا هممت بورد أمر فالتمس ... من قبل مورده طريق المصدر) # وإذا عرف الملك وجه الكيد الذي يكيد به عدوه فينبغي أن # PageV01P546 # يحترس من مثلها لأنه إذا لم يحترس من مثلها كان بمنزلة الرامي # PageV01P547 # الخاسر في الحرب الذي لا تصير معه فهو إن أصاب برمية فهو مستهدف رمية ~~غيره وكذلك الملك إذا احتال على عدوه بضروب الحيل ثم لم يتحفظ من كل مايظن ~~أن يبلغه من عدوه كان عمله معونة عليه غير نافع له في العاقبة وقد كان يقال ~~احترس من تدبيرك على عدوك كا حتراسك من تدبيره عليك # فرب هالك بما دبر وساقط في البئر الذي حفر وجريح بالسلاح الذي شهر وينبغي ~~للملك أن يأخذ في سائر أموره بالحزم وصدق العزم ولا يترك الاحتراس # PageV01P548 # والحذر فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الحزم سوء الظن ولا ~~يكون ظنه حقيقة بل للحذر والاحتياط # وقيل لبعض الحكماء ما الحزم قال أن تحذر من كل ما يمكن وقوعه قيل فما ~~العجز قال أن تأمن مما يمكن وقوعه # وقال بعض الشعراء # (لاتترك الحزم في شيء تحاذره ... فإن سلمت فما في الحزم من بأس) # (العجزذل وترك الحزم منقصه ... واحزم الحزم سوء الظن بالناس) # وإذا حاول الملك أمرا عرض له فليشمر في طلبه عند إمكان # PageV01P549 # الفرصة ولا يتراخ عنه لصغره فإن وثبه الأسد على الأرنب هي التي يثب بها ~~على الفيل ومتى استهان الملك بالأمر الصغير عاد كبيرا فإن القروح التي تظهر ~~في الجسد إذا استهان بها الإنسان لصغرها صارت إلى أعظم العلاج وأكبر ~~المداواة أنشدني بعضهم # PageV01P550 # (لا تحقرن عدوا رما ... ك وإن كان في ساعديه قصر) # (فإن السيوف تحز الرقا ... ب وتعجز عما تنال الابر) # وإذا وقع الملك في أمر من عدوه يخاف فيه على نفسه وسلطانه فينبغي أن يعطي ~~بلسانه كل ما يرضي عدوه مظهرا للرقة والانقباض وهو مع ذلك يكون متيقظا ~~محترسا مستعدا للوثبة عليه إذا أمكنته الفرصة كالصقر الذي يظهر الذلة ~~والانقباض عند صيده ثم ينقض انقضاضة ms081 إذا أمكنته الفرصة ينال فيها حاجته وقد ~~كان يقال الحزم التزام مداجات العدو ما دامت له ريح هابة ودولة مقبلة كما ~~أن العجز إضاعة الفرصة فيه إذا ركدت وأدبرت دولته وأنشدني بعضهم # PageV01P551 # في هذا المعنى # (وإذا عجزت عن العدو فداره ... وامزح له إن المزاح وفاق) # (فالنار بالماء الذي هو ضدها ... تعطي النضاج وطبعها الإحراق) # فإن دهمه أمر لا طاقة له به في أمر من أمور مملكته وأشرف منه على أن يذهب ~~كله ورأى أن يتلطف بالحيلة في أن يرجع إليه بعضه فليفعل ذلك ويكون رابحا ~~ولا يذهب به الأسف والأنفة والتمادي حتى يذهب كله فيكون مغبونا فإن العاقل ~~إذا أشرف له ابنان على الهلكة وطمع في نجاة أحدهما بموت الآخر فإن نفسه ~~تسمح موته لنجاة أخيه ولا يداخله الإشفاق عليهما والجزع فيهلكا جميعا # وإذا عادى الملك رجلا فلا يعادي كل جنسه فإنه ربما انتفع # PageV01P552 # ببعضهم انتفاعه بأهل مودته فإن السيف الذي يقتل بحده ويقطع بمضاوته هو من ~~جنس الدرع الذي يتحصن به عن مضاوة حد السيف # ولا ينبغي للملك أن يشتد جزعه على ما فاته وذهب عنه فإن فعل ذلك تعجلت له ~~المساءة بما لا يقدر على ارتجاعه ويستسلف الحسرة على ما لا يقدر على ~~استدراكه ثم يشغله ذلك عن تدبير مستأنف أمره وإصلاح باقي شأنه وربما أفضى ~~به الحال إلى الهلاك فإن شدة الجزع مهلك فقد حكي أن ملكا من ملوك الفرس جلس ~~على سريره في يوم نيروز وجعل الناس يهدون له أصناف الهدايا فدخل عليه # PageV01P553 # الموبذ ومعه ظرف مغطى فأهداه إليه فلما كشف عنه رأى فيه فحمتين فقال ~~الملك ما هذا فقال أيها الملك إن إحداهما بازي والآخر دراجة وإني رأيت ~~البازي أرسل على الدراجة فلم يزل يتبعها وهي تطير بين يديه إلى أن أتيا ~~أجمة قد وقعت فيها نار فحمل الجزع الدراجة على اقتحامها وحمل البازي الحرص ~~على إتباعها فاحترقا جميعا فرأيت أن خير الهدايا هذه الموعظة فأهديتها لك ~~فاجتنب أيها الملك الإفراط في الجزع والحرص فإنهما ms082 # PageV01P554 # سائقان إلى الهلكة فقال الملك ما أهديت لي هدية أنفع من هذه الهدية # ومتى صنع الملك بخطأ الرأي شيئا فأصاب فيه فلا يعاودنه ثانيا طمعا فيما ~~ناله أولا فإن من وطىء حية فنجا منها جدير أن لا يتعرض لها بالوطء مرة أخرى # واعلم أن كبار أعوان الملك مشايخ دولته الذين صحبوا أسلافه من الملوك ~~لأنهم وإن برأهم الزمان بحده فقد بقي كرم جوهرهم ومحض مودتهم فهم يزدادون ~~في النصح اجتهادا وفي البؤس صبرا وجلادا ومثلهم كمثل دعائم الساج للبيت ~~فإنها كلما مر عليها الزمان ازدادت قوة وصلابة حتى أن الأرضة لو حاولت نقب ~~عودها لم ينفذ عملها فيها فيكون البيت بها أقوم وأثبت # وينبغي للملك أن لا يصحب في أعوانه كذابا ولا مطبوعا على شر لأن الكذاب ~~إذا حدث كذب وإذا حدثه الملك لم يصدقه لما يظن في # PageV01P555 # نفسه والمطبوع على الشر غير تارك لطباعه لأنها أملك به فيكون الملك معه ~~على خطر ولا يطمع الملك في استصلاحهما ونقلهما عن طباعهما فإنهما بمنزلة ~~القرد الذي يطعم الدسم والحلاوة ليسمن جسمه ويحسن وجهه فهو وإن سمن جسمه لا ~~يزداد وجهه إلا قبحا # ومتى كان الملك يضبط أموره ويصول على عدوه بقوم ليس منهم على ثقة من رأى ~~ولا حفاظ فهو منهم على أعظم خطر حتى يحملهم إن استطاع على الرأي والأدب ~~الذي بمثله تكون الثقة أو يستبدل بهم ولا يغرنه منهم قوته بهم على غيرهم ~~فإنما هو كراكب الأسد الذي يهابه من ينظر إليه وهو لمركبه أهيب # ومتى أسرف الملك في توسعة الأرزاق على جنده أبطرهم ومتى ضيق عليهم أحقدهم ~~فيكون في هاتين الحالتين معرضا للهلاك # PageV01P556 # فإن الأسباب التي تجر الهلك إلى الملك ثلاثة أسباب أحدها من جهة الملك ~~وهو أن تغلب شهواته على عقله فلا تسنح له لذة إلا افتضها ولا راحة إلا ~~افترضها الثاني الوزراء وهو تحاسدهم المقتضي لتعارض الآراء فلا يسبق أحدهم ~~إلى حق إلا فندوه وعارضوه الثالث من جهة الجند وخواص الأعوان وهو النكول عن ~~الجلاد وترك ms083 المناصحة في الجهاد وهم صنفان # الصنف الأول وسع الملك عليهم الأرزاق فأبطرهم الترف والتنعم وافتراص ~~اللذات فضنوا بنفوسهم وخافوا عليها عند لقاء الأعداء فمنعهم ذلك من الإقدام # الصنف الثاني قتر الملك عليهم الأرزاق فانطووا منه على حقد ونفاق فنصبوا ~~له الغوائل وأسلموه عند النوازل # وينبغي للملك أن يتعرف أسباب الفتن ونتائجها المفضية إلى # PageV01P557 # اختلاف الكلمة والخروج عن الطاعة ليحسم موادها ويقطع أسبابها # فقد قيل إن ملكا من ملوك العجم كتب إلى حكيم من حكمائهم يقول إن الحكماء ~~قد أكثروا من وصف أسباب الفتن فاكتب إلي بما ينشئها وبما يميتها فكتب إليه ~~يقول ينشئها ضغائن وينتجها أطماع لم يقمعها هيبة وجرأة عامة يولدها استخفاف ~~بالخاصة وآكدها انبساط الألسن بضمائر القلوب وغفلة أمير ملتذ ويقظة قوى # PageV01P558 # محروم ويميتها عز السالب وذل المسلوب ودرك البغية وموت الأمل وتمكن الرعب ~~فكتب إليه إن الذي وصفت كما وصف فأي الأمور أدفع لما ذكرت فكتب إليه الحكيم ~~أخذ العدة لكل ما يخاف وقوعه وإيثار الجد على الهزل والعمل بالعدل في الرضا ~~والغضب # وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف أن صف لي الفتنة حتى كأني ~~أنظر إليها فكتب إليه الحجاج إن الفتنة تلقح بالنجوى وتنتج بالشكوى ويقوم ~~بها الخطباء وحصارها بالسيف # وحكي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه # PageV01P559 # قال يوما لجلسائه وهو محصور وددت لو أن رجلا صدوقا أخبرني عن نفسي وعن ~~هؤلاء القوم يعني الذين يحاصرونه فقام رجل من الأنصار فقال أنا أخبرك يا ~~أمير المؤمنين إنك تطأطأت لهم فركبوك وتغافلت عنهم فصلبوك وما جرأهم على ~~ظلمك إلا إفراط حلمك قال صدقت إجلس ثم قال له هل تعلم ما سبب ثيران الفتنة ~~قال نعم # PageV01P560 # سألت عن ذلك شيخا باعقة في العلم فقال لي إن الفتنة يثيرها أمران # أحدهما أثرة تضغن الخاصة # الثاني حلم يجرىء العامة # قال فهل سألته عما يخمدها قال نعم إن الذي يخمدها في ابتدائها استقالة ~~العثرة وتعميم الخاصة بالاثرة دون غيرهم فأما إذا استحكمت الفتنة فلا ~~يخمدها غير الصبر ms084 فقال عثمان رضي الله عنه هو ذاك حتى يحكم الله بيننا وهو ~~خير الحاكمين # PageV01P561 # الباب الحادي عشر # في الجلوس لكشف المظالم # اعلم أن جلوس الملك لكشف قصص المظلومين والفصل بين المتنازعين من أعظم ~~قوانين العدل الذي لا يعم الصلاح إلا # PageV01P562 # بمراعاته ولا يتم التناصف إلا به وقد كانت ملوك الفرس يرون ذلك من قواعد ~~الملك # PageV01P563 # وأول من أفرد للظلامات يوما معلوما يتصفح فيه قصص المتظلمين من غير ~~مباشرة للنظر عبد الملك بن مروان وكان إذا وقف منها على مشكل رده إلى قاضية ~~أبي إدريس الأودي فينفذ فيه الحكم # وكان أبو إدريس المباشر وعبد الملك هو الآمر ثم زاد ظلم الولاة وجور ~~النواب بعد ذلك فافتقرت الحاله إلى المباشرة فجلس عمر بن عبد العزيز رضي ~~الله عنه فكشف المظالم وهو أول من باشر ذلك بنفسه وجعل يراعي السنن العادلة ~~ورد مظالم بني أمية على أهلها # PageV01P564 # حتى قيل له وقد شدد عليهم إنا نخاف عليك العواقب من ردها فقال كل يوم ~~أخافه وأتقيه غير يوم القيامة لا وقيته # ثم جلس لكشف المظالم من خلفاء بني العباس المهدي حتى عادت الأملاك إلى ~~مستحقيها ثم جلس لها من بعده الهادي ثم # PageV01P565 # الرشيد ثم المأمون وأخر من جلس لها المهتدي # ثم احتجب الخلفاء لتظاهر الترك وغيرهم عليهم ودفعوا أمر المظالم إلى ~~وزرائهم ولما أفضى ملك الشام إلى الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ~~رحمه الله ابنتى له دارا في قلعة دمشق وسماها دار العدل فكان يجلس فيها ~~يتصفح قصص المظلومين ويفصل بين المتنازعين ولديه الفقهاء وأئمة الدين فيرجع ~~إليهم عما أشكل عليه من أمور الشرع ويبت القضايا ويفصل كلما انتهى إليه في ~~ذلك اليوم # PageV01P566 # وجعل هذا سنة في جميع مدائن الشام # حدثني الفقيه أبو طاهر إبراهيم بن الحسن بن الحصني الحموي قال كنت عند ~~الملك العادل محمود بن زنكي في دار العدل بدمشق وقد أخرج أملاك أهل الشام ~~فجعل ينظر فيها فلما انتهى إلى ذكر خراج معرة النعمان قال إني قد عزمت على ~~انتزاع ms085 # PageV01P567 # أملاك أهل المعرة من أيديهم فقد رفع إلي أهل الخير من الثقات أن جميع أهل ~~المعرة يتقارضون الشهادة فيشهد أحدهم لصاحبه في دعوى ملك حتى يشهد ذلك معه ~~في دعوى أخرى وأن الملك الذي في أيديهم إنما حصل لهم بهذه الطريقة قال فقلت ~~له أيها الملك إن الله تعالى أوجب عليك العدل في رعيتك فانظر واكشف وتوقف ~~في الأمور إذا رفعت إليك فإن أهل المعرة خلق كثير يستحيل تواطؤهم على شهادة ~~الزور وانتزاع الأملاك من أربابها بمجرد هذا القول لا يجوز قال فأطرق ساعة ~~ثم رفع رأسه وقال إني أمسكها عليهم ثم أكشف عنها بعد ذلك والتفت إلى كاتبه ~~وقال اكتب كتابا إلى الوالي في المعرة وليمسك جميع الملك الذي في أيدي ~~أهلها حتى يستدعي البينة # PageV01P568 # في ذلك فكتبه ووضعه بين يديه ليضع علامته عليه وإذا صبي على شاطىء بردى ~~يغني ويقول # (اعدلوا ما دام أمركم ... نافذا في النفع والضرر) # (واحفظوا أيام دولتكم ... إنكم منها على خطر) # (إنما الدنيا وزينتها طيب ... ما يبقى من الأثر) # PageV01P569 # فلما سمعه الملك العادل تغير لونه عيناه بالدموع ثم نظر إلي وقال {فمن ~~جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله} ثم استدار نحو القبلة ~~وقال اللهم إني استغفرك وأتوب إليك مما عزمت عليه الآن ثم تناول الكتاب ~~فمزقه وجعل يستغفر الله تعالى جميع ذلك اليوم # وينبغي للملك إذا جلس لكشف المظالم أن يستكمل مجلسه بحضور خمسة أصناف من ~~الناس لا غنى له عن حضورهم ولا ينتظم أمور نظره إلا بهم الصنف الأول ~~الفقهاء والعلماء أصحاب الفتوى ليرجع إليهم فيما أشكل ويسألهم عما أشتبه ~~عليه وأعضل # PageV01P570 # الصنف الثاني القضاة والحكام لاستعلام ما يثبت من الحقوق ومعرفة ما يجري ~~في مجالسهم بين الخصوم وتنفيذ القضايا والأحكام # الصنف الثالث العدول ومشايخ البلدة ليشهدهم على ما أوجبه من الحقوق ~~وأمضاه من الحكم # الصنف الرابع الكتاب ليثبتوا ما يجري بين الخصوم وما يوجبه الشرع المطهر ~~لهم أو عليهم من الحقوق # الصنف الخامس الكبار من حملة دولته ms086 وأعوانه وخاصته لتظهر بهم الرهبة ~~وتحصل بهم الهيبة فيخاف المعتدي فينزجر ويشتد أزر المظلوم فينتصر # PageV01P571 # فإذا استكمل مجلس نظره بمن ذكرناه شرع حينئذ في تصفح القصص وتنفيذ الأمور ~~والنظر في أمور الرعية والولاة والعمال على ما قدمناه # PageV01P572 # في وصف العدل في الباب الخامس والله الموفق للصواب # PageV01P574 # الباب الثاني عشر # في آداب صحبة الملوك # إذا أخلصك الأمير لخاصته وجعلك من أهل مجالسته فالزم الصمت واستعمل ~~الوقار ولا تحدثه باديا ولا تعد حديثك عليه ثانيا ولا تصل حديثا بحديث ولا ~~تعارض أحدا في حديث واخفض من # PageV01P575 # صوتك واختصر في لفظك ولا تعب أحدا عنده وإن كثرت عيوبه وعظمت ذنوبه # وإذا جالست الملك فغض عينيك وضم شفتيك ولا تقولن في غيبته ما لا تقوله في ~~حضرته ولا تأمن أن يكون له عليك عيون ترفع إليه أخبارك وتورد عليه أسرارك # وأنشدني بعضهم في المعنى يقول شعرا # PageV01P576 # (إذا صحبت الملوك فالبس ... من التواقي أجل ملبس) # (وادخل إذا ما دخلت أعمى ... واخرج إذا ما خرجت أخرس) # وإذا كان لك إلى الملك حاجة فلا ترفعها إليه ما لم يكن وجهه بسيطا وقلبه ~~نشيطا وليكن على مقدار حقك لا على مقدار عزمك وإذا طلبتها منه فقصر المقال ~~وتوق الملال ولا يحملك فرط ميله إليك على التبسط عليه في السؤال فتنحط ~~رتبتك وتذهب حرمتك وإذا تحدث الملك فاقبل عليه بوجهك واصغ إليه بسمعك واشغل ~~بحديثه خاطرك وبمنظره ناظرك واسمعه استماع مستظرف له مستبشر به واحذر أن ~~تعاقب الملك على تقصير أو تلومه في تدبير فإن ذلك يفضي إلى مقتك وبعدك منه ~~بعد قربك ولا تكاشفه بالنصيحة في الخلوة ولا تنبسط عليه فإن النصح في الملأ ~~تقريع والتبسط عليه تضييع # PageV01P577 # أنشدني بعض أهل العلم # (تعمدني بنصح في انفراد ... وجنبني النصيحة في الجماعة) # (فإن خالفتني لتريد نقصي ... فلا تغضب إذا لم تعط طاعة) # (فإن النصح بين الناس ضرب ... من التوبيخ لا أرضى استماعه) # وإذا قربك بأنسه وأدناك من مجلسه فالزم الاحترام وقابله بالإعظام ولا ~~يخرجك ما تراه من أنسه إلى الصياح ms087 ومكروه المزاح وإياك وإزالة الحشمة ~~وإضاعة الحرمة والهزل في الكلام والشره في أكل الطعام فإن هذه الأحوال تدعو ~~الملك إلى الملال ولا تسارر في مجلسه إنسانا ولا تحدق إلى أحد من الغلمان ~~وإذا دخلت على الملك فحيه بأحسن تحية وتواضع له بالكلية ولا تكثر من الدعاء ~~له بحضرته ولا تسأله عن حالته ولا عن مبيته في ليلته ولا تكثر مدحه وتظهر ~~نصحه في # PageV01P578 # حضرته فجميع ذلك من مساوىء الأخلاق والتملق والنفاق وإذا جلست على موائد ~~الملوك فلا تكن في الطعام شرها ولا في الأكل نهما وكل مما يليك وأطل المضغ ~~في فيك واجعل نظرك إلى الطعام الذي بين يديك ولا تنظر إلى من حواليك ولا ~~تأكل بكل الأصابع وقم عن المائدة وأنت جائع ولا تحذف ببصرك إلى الطعام ولا ~~إلى ما حضر من طرائف الألوان بل يكون نظرك إلى الملك عند كلامه والإطراق ~~عند مضغه لطعامه ولا تنقل من الصحفة إلى الرغيف شيئا من اللحم ولا تتعرض ~~لمشمشة العظم ولا تحول لقمتك من جانب فيك إلى الجانب الآخر ولا يسمع لمضغك ~~وبلعك صوت ظاهر لأن المقصود من طعام الملك الشرف بمواكلته والتجمل بلطف ~~كرامته ومن قام عن الطعام لغسل يده فسبيله أن يبعد عن حضرته إلى الموضع ~~الذي خص بمرتبته ولا يبصق # PageV01P579 # في الطشت بصاقا يعلو صوته ولا يستعمل بيديه التفرقع ولا بفيه التنخع ولا ~~يدلك بالمنديل يديه بل يمسح به فمه وشفتيه ولا يظهر في يديه شيئا من الخلال ~~على حال من الأحوال وسبيل من ساير الملك أن لا يساويه في محجته ولا يدني ~~رأس دابته من دابته ولا يأخذ عليه مهب الريح في مسايرته ولا يركب فرسا شغبا ~~ولا حرونا فيقف عنه ولا كثير الصهيل ولا ما فيه عيب يضحك منه # PageV01P580 # وينبغي أن يكون عارفا بالمنازل والمناهل داريا بكل ما يقع عليه عين الملك ~~ويسأل عنه من المياه والأنهار والنبات والأشجار ومضى ساعات الليل والنهار ~~عارفا بالكواكب وانتقالاتها ومنازل القمر وهيآتها وأن لا يظهر التعب ~~والكلال وإن يخفي ms088 العطا والسعال وليكن متفقد النكتة ظريفا في محادثته صبورا ~~على السهر غير متشاغل بالفكر حافظا للأسرار وما يطلع عليه من الأخبار ~~ومعتمدا على الصيانة مؤديا للأمانة فإذا لاعب الملك بالشطرنج فلا يظهر في ~~لعبه التحاذق عليه فأما في حال الفروسية ولعب الصولجان # PageV01P581 # فقد أطلق الملوك التحاذق عليهم في الميدان والله سبحانه وتعالى اعلم ~~بالصواب # PageV01P582 # الباب الثالث عشر # في معرفة ما تكاد به الملوك في غالب الأحوال # اعلم أن مكائد الأعداء وغوائل الحساد وطرق المضار وأسباب الدواهي كثيرة ~~ولا يحيط بطرقها علم البشر ولا يحصرها معقول ذوي الفكر فيجب على الملك ~~الاحتراز والتحفظ من كل ما يتصور عمله من المكائد ويمكن فعله من نصب ~~الغوائل ويعتبر بمن سلفه من أرباب الممالك وما نصب لهم من المكائد والمهالك ~~فيحسم عنه موادها ويقطع أسبابها ويحذر من مثلها وقد ذكرنا في الباب السادس ~~في وصف الحسد من حكاية بهرام وخاقان وما نصب كل واحد منهما لصاحبه من ~~المكائد ما فيه اعتبار لذوي البصائر والأفكار وأكثر ما رأينا الملوك ذهبت ~~في غالب الأحوال من أمور نحن ذاكروها إن شاء الله فمن ذلك السموم القاتلة ~~التي يتلطف بها الأعداء في الحيلة بوصولها إلى الملوك على يد النسوان ~~والغلمان # PageV01P583 # وهي تصنع غالبا في عشرة أشياء في السرج والسرير والكرسي # PageV01P584 # والحلي والآنية والطعام والشراب والفاكهة والثياب والفراش الذي ينام عليه # فينبغي للملك أن يكون متيقظا لذلك محترسا منه وسنذكر من العلامات الواضحة ~~على مصير السم في هذه الأشياء ما فيه كفاية للفطن بحيث إذا رآها علم أن ذلك ~~الشيء مسموم # فينبغي للملك أن يتفقد ثيابه في كل يوم وفراشه أيضا وغاشيته الذي على سرج ~~الحصان وكرسيه الذي يجلس عليه فإن علامة ذلك إن كان مسموما أن يظهر في صفاء ~~ألوانها لمع كالوسخ يضرب إلى سواد من غير وسخ ويكون هدبها وحواشيها في نظر ~~العين كأنها بالية وأما عود السرج والسرير والكرسي إذا كان # PageV01P585 # ملطوخا بالسم فإنه يكمد لونه ويعلوه كالغبرة # وأما الحلى والآنية وما يستخرج من معادن الأرض ms089 كالذهب والفضة والنحاس ~~والرصاص والحديد والجواهر فإن ذلك كله إذا كان مسموما يعلوه كالوسخ وأما ~~أواني الخزف والفخار فإنها إذا كانت مسمومة تحدث دسومة وزهومة وربما أفرط ~~صفاء لونها حتى يظهر فيها بريق ليس من ذاتها وربما ذهب بريقها الذي هو من ~~ذاتها وأما الطعام المسموم فيستدل عليه من وجهين أحدهما بالنار فإن الطعام ~~المسموم إذا وضعت منه شيئا في النار لم يصعد دخانه مستطيلا إلى الهواء بل ~~يدور على ذلك الطعام يسمع له صوت شرار وأيضا يكون طرف # PageV01P586 # ما ينبعث من النار كأنه عنق الطاووس وأيضا ربما ظهر منه إذا احترق رائحة ~~منتنة # الوجه الثاني أن يعرض الطعام على الطير والدواب التي هي معدة في دار ~~الملك لمعرفة الطعام المسموم وأما الطير فمنها الغراب فإنه إذا أكل من ~~الطعام المسموم انكسر صوته ومنها الصرد والقفعا فإنهما إذا شما رائحة ~~الطعام المسموم صوتا بأعلا صوتيهما ومنها طائر من جنس # PageV01P587 # الأوز الصيني يقال له الهيس فإنه إذا رأى الطعام المسموم أو شم رائحته ~~هرب منه وجعل يعثر في مشيته ومنها الكركي فإنه إذا شم رائحة الطعام المسموم ~~وأكله فإنه يدور حتى يظن أنه مغشي عليه ومنها الفواخت والعقعق فإنهما ~~يموتان بأكل الطعام المسموم وكذلك إذا شما رائحته # PageV01P588 # أيضا ومنها الطاووس فإنه إذا رأى الطعام المسموم تشوف إليه وطفق يأكله ~~ويهواه ومنها طائر من طيور الماء أحمر العينين يقال له حسون فإنه إذا نظر ~~إلى الطعام المسموم أو شم رائحته ذهب حمرة عينيه ومنها طائر من طيور الماء ~~أيضا يقال له حوصل فإنه إذا رأى الطعام المسموم خر إلى الأرض مغشيا عليه # والذباب إذا سقط على الطعام المسموم مات من ساعته وأما # PageV01P589 # الدواب المعدة لذلك فمنها السنور فإنه إذا أكل من الطعام المسموم أو شم ~~رائحته نفر من موضعه ولم يستقر فيه ومنها القرد فإنه إذا قدم إليه الطعام ~~المسموم أيضا لم يتمالك حتى يهرب منه ويصعد في الأشجار والحيطان فهذا كله ~~يستدل به على الطعام المسموم فينبغي للخادم المقدم للطعام أن ms090 يمتحن بالنار ~~ويعرضه على الطير والدواب التي ذكرناها قبل إحضاره بين يدي الملك وإذا كان ~~الطباخ بصيرا حاذقا عرف السم إذا طرح في القدر بالأمارات الدالة عليه فإن ~~قدر الأرز إذا وضع فيها السم أبطأ نضجها وإذا أنزل عن النار انعقد فيها ~~سريعا # PageV01P590 # وصلب حبها ويفور من القدر بخار كلون عنق الطاووس وقدور المرق إذا وضع ~~فيها السم فإن تلبث إلا قليلا حتى ينشف المرقة منها ويبقى اللحم يابسا لا ~~مرقة عليه ومهما بقي منه تغير لونه وكدر # وأما دليل معرفة الشراب المسموم فإن كل شراب حلو إذا طرح فيه السم يظهر ~~فيه خط مستطيل كلون النحاس ويظهر في المخيض خطوط من الخضرة والصفرة والسمرة ~~ويظهر في ماء العسل خط كلون شعاع الشمس ويظهر في الماء والنبيذ خط أسود # وأما معرفة الفواكة المسمومة فإن الذي لم يدرك منها يظهر للعين كأنها ~~مدركة والتي قد أدركت منها تظهر كأنها لم تدرك لتغيرها وانقباضها وكل رطب ~~منها تراه كأنه منهري وكل يابس تراه منقبضا متسيسا # PageV01P591 # وجميع الفاكهة يذهب صفاء لونها ويعلوها غبرة وكدرة # واللين منها يصلب والصلب منها يلين # واعلم أن من وضع السم في بعض هذه الأشياء أو صنع مكيدة من مكائد الأعداء ~~من النسوان والغلمان والخدام وغيرهم لا بد أن يظهر عليه من الريبة أمارات ~~لا يخفى بها عن الفطن اللبيب فينبغي للملك أن يتصفح وجوه خدمه وغلمانه ~~وجواريه ونسائه في كل وقت فإن المريب لا يملك نفسه أن يصفر لونه أو يخضر أو ~~يبتلع ريقه أو يخفق فؤاده أو يعض على شفته السفلى أو يدير عليها لسانه أو ~~يكثر تلفته وترعد فرائصه أو يعثر في مشيته أو يكثر تثاؤبه ويعرق جبينه أو ~~يفتل هدب ثيابه ويبعث بها أو ينكش الأرض بأبهام رجله أو ينقطع عما يريد أن ~~يتكلم به أو يكثر القيام من الذي بعلمه مثله ولم يتمه بغير عذر فجميع هذه ~~أمارات تدل على الريبة فليراعها الملك من متولي # PageV01P592 # طعامه وشرابه ومتولي خزانة ثيابه وفراشه وسورج دوابه وغيرهم ms091 من خدم داره ~~وأما الاحوال التي يترصدها أهل المكائد في الغالب فمنها المواضع الضيقة ~~والطرقات المجهولة فلا ينبغي أن يسلكها حتى يكون أمامه دليل خبير بذلك ~~الموضع ويتقدمه في حال سلوكه جماعة من أعوانه ومنها ازدحام الموكب عليه في ~~المواضع الضيقة أو في الأعياد والمحافل فلا يأمن أن يلج بين خواصه من يريد ~~به شرا ومنها الإمعاء في طلب الصيد والانفراد فيه عن الخاصة وثقات الأعوان ~~فلا يأمن أن يدس عليه أهل العداوة من يوقع به الفعل أو يكمن له الاعداء على ~~الخيول السريعة في المواضع الوعرة أو يعرض له أحد السباع الضارية عند ~~انفراده # ومنها الورود إلى الأنهار فإن اغتيال المرء صاحبه في الماء الجاري من ~~أيسر الحيل وأسهلها على المغتال لأن الماء معين له على هربه لا سيما إذا ~~كان رجال الملك من وراء ظهره فينبغي أن لا يردها حتى يتقدمه من أعوانه من ~~يختبر شطوطها ومشارعها ومنها حالة شدة المطر وحال شدة الحر وحال ظلام الليل ~~لأن في هذه الأحوال تقل الحفظة ويشتغل كل واحد منهم بمصلحة نفسه ومنها حال ~~سروره ولهوه وطربه في # PageV01P593 # مجلسه وسكره من شرابه فإن الحفظة أيضا يسكرون أو ينامون فيتمكن منه ~~المغتال ومنها الثقة إلى النسوان والركون إليهن فإن مكر النساء وحيلهن أكثر ~~من أن تسطر مع ضعفهن ونقصان عقولهن فلا يأمن مكرهن وغيرتهن وجرأتهن فقد ~~يقدمن من الأهوال على ما يكنع منه الرجال فليراعي الملك جميع ما ذكرناه وما ~~يخطر بباله من أشباه ذلك أو أمثاله مع تسليمه لأمر الله سبحانه وقضائه ~~وقدره # PageV01P594 # الباب الرابع عشر فيما ينبغي للملك من سياسة الجيش وتدبير الجنود # إذا فصل الملك بجنوده متوجها إلى أعدائه فينبغي له ان يضع في تدبيرهم ~~وسياسة أمورهم سبعة عشر حقا ليتم بذلك مصلحتهم # PageV01P595 # وينتظم به الفهم # أحدها استعراضهم قبل السير بهم فيتفقد خيلهم التي يجاهدون عليها فلا يدخل ~~عليهم كبيرا ولا كسيرا ولا صغيرا ولا حطيما كسيرا لأن ذلك كله وهنا في ~~المجاهدين وإنما يستعد للأعداء القوة وما يظهر ms092 به الهيبه والرهبة قال الله ~~تعالى {وأعدوا لهم} # PageV01P596 # {ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} # وقال رسول الله ص = أرتبطوا الخيل فإن ظهورها لكم عز # PageV01P597 # وبطونها لكم كنز ويتفقد جميع أسلحتهم وسائر آلاتهم وأمتعتهم ويامرهم ~~باتخاذ قويها واستبدال ضعيفها # الثاني أن يرفق بهم في السير الذي يقدر عليه ضعيفهم ويحفظ به قوة قويهم ~~ولا يجد السير فيهلك الضعيف ويستفرغ قوة القوي قال رسول الله ص = إن هذا ~~الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى # PageV01P598 # الثالث أن يراعي من معه من المقاتلة وهم صنفان مسترزقه ومتطوعة أما ~~المسترزقة فهم أصحاب الديوان فيفرض لهم من العطاء من بيت المال من الفيء ~~بحسب الغني والكفاية وأما المتطوعة فهم الخارجون عن الديوان الذين خرجوا في ~~النفير فيعطوا من بيت المال من # PageV01P599 # الصدقات دون الفيء من سهم رسول الله ص = المذكور في آية الصدقات # الرابع أن يعرف عليهم العرفاء وينقلب عليهم النقباء فيكون عارفا بجميع ~~أحوالهم من عرفائهم ونقبائهم وقد فعل ذلك رسول الله ص = # PageV01P600 # الخامس أن يجعل لكل قائد من قواده شعارا يتميز به أصحابه ليصيروا به عن ~~غيرهم متميزين وبالاجتماع فيه متظافرين # PageV01P601 # السادس أن يتصفح الجيش عند مسيره فيخرج منهم من كان به تخذيل للمجاهدين ~~وإرجاف بالمسلمين وكان عينا للمشركين فقد فعل ذلك رسول الله ص = ورد عبد ~~الله بن أبي بن سلول المنافق في بعض غزواته لتخذيله المسلمين # PageV01P602 # السابع أن يتعرض عند اللقاء لمن خالفه في العقيدة والمذهب أو لمن عليه ~~أمارات البغضاء أو لمن أساء أدبه على الملك أو قصر في خدمته لأن # PageV01P603 # التعرض لهؤلاء في مثل هذا الوقت يفضي إلى افتراق الكلمة وحصول الفشل قال ~~الله تعالى {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} يعني دولتكم وقيل معناه ~~قوتكم # PageV01P604 # الثامن حراسة الجيش من غرة يظفر بها العدو فينبغي أن ينتقي المكامن ~~ويحفظها عليهم ويحوط سوادهم بحرس يأمنون به على أنفسهم واموالهم وليسكنوا ~~في وقت الدعة ويأمنوا من وراءهم في وقت المحاربة ms093 # PageV01P605 # التاسع أن يتخير لهم مواضع نزولهم لمحاربة عدوهم فيقصد أوطأ الأرض مكانا ~~وأكثرها مرعى وماء واحرسها أطرافا واكنافا ويكون المواضع قريبا من جبل أو ~~شجر فإن ذلك كله أعون لهم على المنازلة واقوى لهم على المرابطة # PageV01P606 # العاشر إعداد ما يحتاج إليه الجيش من زاد وعلوفة ليغدق ذلك عليهم في ~~أوقات الحاجة حتى تسكن نفوسهم إلى مادة بغيتهم على طلب ليكونوا على الحرب ~~أوفر وعلى منازلة العدو أقدر # الحادي عشر أن يتعرف أخبار عدوه بالجواسيس الثقات التي تكون له عندهم ~~مكانة ليكون خبيرا بأحوالهم ويسلم من مكرهم ويلتمس الغرة في الهجوم عليهم # PageV01P607 # الثاني عشر ترتيب الجيش في مصاف الحرب والتعويل في كل جهة على من يراه ~~كفرءا لها ويتفقد الصفوف بنفسه من حصول خلل يقع فيها ويراعي كل جهة يميل ~~العدو إليها بمدد من يكون عونا لها 609 # الثالث عشر أن يحرض المجاهدين على القتال ويقوي نفوسهم ويشعرهم الظفر ~~ويذكر لهم أسباب النصرة ويصفر العدو في أعينهم # PageV01P608 # الثالث عشر أن يحرض المجاهدين على القتال ويقوي نفوسهم ويشعرهم الظفر ~~ويذكر لهم أسباب النصرة ويصغر العدو في أعينهم # PageV01P609 # ويعدهم الإقطاع والزيادة في الرزق إذا ظهرت منهم النكاية في العدو # الرابع عشر أن يذكرهم ثواب الله تعالى وما أعد لهم في الآخرة من # PageV01P610 # النعيم المقيم ويذكرهم فضل الشهادة ويعدهم بإبقاء رزقهم على بعدهم # الخامس عشر أن يشاور ذوي الرأي وأهل الخبرة بالقتال والمشايخ من أعوانه ~~وأهل دولته ويرجع فيما أعضل ويسلم الامر إليهم فيما أشكل عليه ليأمن الخطأ ~~ويسلم من الزلل # PageV01P611 # السادس عشر ان يلزم جيشه بما أوحبه الله تعالى من حقوق وبما أمره الله ~~تعالى من مراعاة حدوده لأنه من جاهد عن الدين كان احق الناس بالتزام أحكامه ~~والفصل بين حلاله وحرامه وقد قال رسول الله ص = انهوا جيوشكم عن الفساد ~~فإنه ما فسد جيش قط إلا قذف الله تعالى في قلوبهم الرعب وانهوا جيوشكم عن ~~الغلول فإنه ما غل جيش قط إلا سلط الله عليهم الرجلة وانهوا جيوشكم عن ~~الزنا فإنه ما ms094 زنى جيش قط إلا سلط اله عليهم الموتان # PageV01P612 # السابع عشر أن لا يترك أحدا من جيشه يتشاغل بتجارة أو زراعة لأن ذلك يصرف ~~الاهتمام عن مصابرة العدو وعن الصدق في الجهاد وقد روي أن نبيا من بني ~~إسرائيل غزا عدوا لهم فقال لا يغزون معي رجل بنى بناء لم يكمله ولا رجل ~~تزوج امرأة لم يدخل بها # PageV01P613 # ولا رجل زرع زرعا لم يحصده فإذا سار الملك بالجيش ودخل أرض العدو فينبغي ~~أن يكون طلائع عسكره ومقدمة جيشه كالنهر الجاري فإن النهر في أول جريه ~~يتخلل بما يمر به من الأرض المستوية فإذا بلغ نشزا من الأرض وقف عنده حتى ~~يقوى بالمدد من ورائه ثم يعلوا ذلك النشز وكذلك ينبغي أن يكون طلائع الجيش ~~التي تتقدم عليه لا يقتحم عند ما يرى من القوة من العدو أمامها إلا بأن ~~تستمد # PageV01P614 # من ورائها فإذا أتاها المدد قويت على من تمر به وعلته كعلو النهر إذا ~~استمد من ورائه ولا ينبغي أن يورد مقاتلة الناحية المجهولة حتى يقدم إليها ~~من يختبرها من طلائعه فقد كان يقال لا تطأ أسفل أرض عدوك إلا على ترقي ~~احتراس وتوقي افتراس فإنك لا تأمن أن يكون قد نصب لك فيها الاشتراك ودفن ~~الغوائل والشباك # PageV01P615 # فيما ينبغي لأهل الجيش ويلزمهم من حقوق الجهاد # إذا توجه الملك بالجيش إلى لقاء المشتركين لزم أهل الجيش من الحقوق أمران ~~أحدهما ما يلزمهم من حق الله تعالى والثاني ما يلزمهم من حق الملك # فأما ما يلزمهم من حق الله تعالى فأربعة أشياء أحدهما مصابرة العدو عند ~~التقاء الصفين ولا ينهزمون من مثليهم فما دون لآن الله تعالى كان قد فرض ~~على كل مسلم أن يقاتل عشرة من المشركين فقال تعالى {يا أيها النبي حرض ~~المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ~~مائة يغلبوا ألفا} ثم إن الله تعالى بعد ذلك خفف # PageV01P616 # عنهم لما شق عليهم الأمر فأوجب على كل مسلم أن يقاتل # PageV01P619 # رجلين من المشركين فقال ms095 عز وجل {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ~~فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن ~~الله} # ثم إن الله تعالى حرم على كل مسلم أن ينهزم من مثليه إلا لأحد أمرين إما ~~متحرفا لقتال فيأوي للاستراحة أو لمكيدة ويعود إلى قتالهم وإما أن يتحيز ~~إلى فئة أخرى ليتجمع معها على قتالهم لقوله تعالى {ومن يولهم يومئذ دبره ~~إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله} # الثاني أن يقصد بقتاله نصره دين الله تعالى وأبطال كلمة من خالفه من ~~الأديان فيكون بهذا الاعتقاد حائزا لثواب الله تعالى ومطيعا له # PageV01P620 # في أمره ولا يقصد بقتاله فائدة تحصل من الغنيمة فيصير من المكتسبين لا من ~~المجاهدين # PageV01P621 # الثالث أن يؤدي الأمانة فيما حازه من الغنائم ولا يغل منها شيئا بل يحمل ~~جميعه إلى المغنم ليقسم بين الغانمين الذين حضروا الوقعة لأن لكل واحد فيها ~~حقا # PageV01P622 # الرابع أن لا يحابي في نصره دين الله ذا قرابة أو مودة فإن حق الله تعالى ~~أوجب ونصرة دينه ألزم قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق} # PageV01P623 # وأما ما يلزم الجيش من حق الملك فأربعة أشياء أحدها التزام طاعته والدخول ~~في ولا يته والقبول لنهيه وامره ما لم يأمرهم بالمعصية فإن طاعه الملك ~~واجبة في غير المعصية لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا} # PageV01P624 # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) قال ابن عباس رضي الله # PageV01P625 # عنه أولوا الأمر هم الأمراء قال رسول الله ص = {اسمعوا وأطيعوا ولو ~~استعمل عليكم عبد حبشي} فأما إذا أمر بمعصية # PageV01P626 # فلا يجوز طاعته لقوله ص = لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق # الثاني أن يفوضوا أمرهم إلى رأيه ويكلوه إلى تدبيره حتى لا تختلف # PageV01P627 # آراؤهم فتختلف كلمتهم ويفترق جمعهم فإن ظهر لهم صواب في شيء خفى على ~~الملك فينبغي أن يبينوه له سرا ليرجع به إلى الصواب # والثالث ms096 المسارعة إلى امتثال أمره ونهيه في غير المعصية # الرابع أن لا ينازعه في شيء من قسمة الغنائم إذا قسمها فيهم بل # PageV01P628 # يرضوا به في القسمة فإنه يساوي بينهم فيها كما سوى الله تعالى فيها بين ~~القوي والضعيف وماثل بين الدني والشريف وسنذكر صفة القسمة في بابها إن شاء ~~الله تعالى # PageV01P629 # الباب السادس عشر في مصابرة المشركين # إذا تقاتل فريق المؤمنين وفريق المشركين وجب على الملك مصابرتهم ما صبروا ~~وإن طالت بهم المدة ولا يولى عنهم وبه قوة فقد قال الله عز وجل {يا أيها ~~الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} قال الحسن ~~معناه اصبروا على طاعة # PageV01P630 # الله وصابروا أعداء الله ورابطوا في سبيل الله # PageV01P631 # وينبغي للملك أن يرتب جيشه ويجعل لكل طبقة من أعدائه أشباههم من جيشه ~~فإنهم كالماء في الأذن إذا دخلها فلا حيلة أرفق في إخراجه من الماء الذي هو ~~من جنسه وإذا حمل على أعدائه فليكن كالنهر إذا جرى لا انثناء له ولا رجعة ~~حتى يبلغ غايته ومنتهاه من مغيضة وكذلك ينبغي أن يشتد الملك في حملته حتى ~~يوغل في عدوه ويبلغ غايته منه # وإذا دعي أحد من المشركين إلى البراز جاز للمسلم أن يخرج إليه # PageV01P633 # لأن أبي بن خلف دعا رسول الله ص = في يوم أحد إلى البراز فبرز إليه فقتله # PageV01P634 # وفي يوم بدر برز من المشركين ثلاثة نفر وهم عتبة بن ربيعة وابنه الوليد ~~وأخوه شيبة بن ربيعة ودعوا إلى البراز فبرز إليهم من الأنصار # PageV01P635 # عوذ ومعاذ أبناء عفراء وعبد الله بن رواحة فقالوا إنا لا نعرفكم فليبرز ~~إلينا أكفاؤنا من قريش فبرز إليهم ثلاثة من بني هاشم وهم علي بن أبي طالب ~~وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث بن # PageV01P636 # المطلب فأما علي رضي الله عنه فبرز إلى الوليد فقتله وبرز حمزة إلى عتبة ~~فقتله وبرز عبيدة إلى شيبة فاختلفا في ضربتين أثبت كل واحد منهما صاحبه ~~فمات شيبة لوقته وحمل عبيدة حيا فمات بعد ذلك # وروي أن عمرو بن ود ms097 العامري دعا إلى البراز يوم الخندق في أول يوم فلم ~~يجبه أحد ثم دعا إلى البراز في اليوم الثاني فلم يجبه أحد ثم دعا # PageV01P637 # في اليوم الثالث فلم يجبه أحد فقال يا محمد ألستم تؤمنون أن قتلاكم في ~~الجنة عند ربهم يرزقون وقتلانا في النار يعذبون فما يبالي أحدكم أن يقدم ~~على كرامة من ربه ويقدم عدوه إلى النار ثم أنشد # (ولقد دنوت إلى الندا ... ء لجمعهم هل من مبارز) # (ووقفت إذ جبن المشجع ... موقف القرن المناجز) # (إني كذلك لم أزل ... متسرعا نحو الهزاهز) # (إن الشجاعة في الفتى ... والجود من خير الغرائز) # قال فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فاستأذن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في مبارزته فأذن له وقال أخرج إليه في حفظ الله وعياذته فخرج علي ~~رضي الله عنه وهو يقول # (إبشر أتاك مجيب صو ... تك في الهزاهز غير عاجز) # (ذو نيه وبصيرة ... يرجو الغداة نجاة فائز) # (إني لأرجو أن أق ... يم عليك نائحة الجنائز) # (من طعنة نجلاء يب ... هر ذكرها عند الهزاهز) # PageV01P638 # قال فتجاولا ساعة ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه وثارت بينهما عجاجة ~~أخفتهما عن الأبصار ثم انجلت عنهما وإذا علي رضي الله عنه يمسح سيفه بثوب ~~عمرو وهو قتيل # وإذا أراد المسلم أن يدعو إلى البراز مبتدئا جاز له ذلك لأن جماعة من ~~الصحابة رضي الله عنهم فعلوه وقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم سئل عن المبارزة بين الصفين فقال لا بأس وينبغي # PageV01P639 # أن لا يبارز إلا من اشتهرت قوته وعلمت شجاعته لأن الضعيف إذا بارز لم ~~يؤمن أن يقتل فتضعف قلوب المسلمين # ويجوز لآحاد الجيش أن يحمل منفردا على جيش المشركين وقد كان يفعل ذلك ~~جماعة من الصحابة رضي الله عنهم # وروي أن الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية حضرت حرب القادسية ومعها ~~بنوها الأربعة فقالت لهم يا بني أسلمتم طائعين # PageV01P640 # وهاجرتم مختارين ووالله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنوا رجل واحد كما ms098 أنتم ~~بنوا امرأة واحدة ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت ~~نسبكم وقد تعلمون ما أعد الله تعالى من الثواب للمسلمين في حرب الكافرين ~~واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية لقول الله تعالى {ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} فإذا رأيتم ~~الحرب غدا قد شمرت عن # PageV01P641 # ساعداها واضطرمت لظى على ساقها فتيمموا وطيسها وجالدوا رئيسها تظفروا ~~بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة قال فخرج بنوها من عندها قابلين ~~لنصحها فلما كان الصبح باكروا مراكزهم فحين تقابل الصفان حمل أحدهم على جيش ~~المشركين وهو ينشد ويقول # (يا إخوتا إن العجوز الناصحة ... قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة) # PageV01P642 # (مقالة ذات بيان واضحة ... فبادروا الحرب الضروس الكالحة) # (فأنتم بين حياة صالحة ... وميتة تورث غنما رابحة) # فلم يزل يضربهم بسيفه ويطعنهم برمحه حتى استشهد رحمه الله تعالى ثم حمل ~~الثاني وهو يقول # (قد أمرتنا بالسداد والرشد ... نصيحة منها وبرا بالولد) # (فباكروا الحرب حماة في العدد ... إما بفوز بارد على الكبد) # (أو ميتة تورثكم غنم الأبد ... في جنة الفردوس والعيش الرغد) # PageV01P643 # فلم يزل يضربهم بسيفه ويطعنهم برمحه حتى استشهد رحمه الله ثم حمل الثالث ~~منهم وهو يقول # (نصحا وبرا صادقا ولطفا ... فبادروا الحرب العوان زحفا) # (حتى تكفوا آل كسرى كفا ... وتكشفوهم عن حماكم كشفا) # (إنا نرى التقصير عنهم ضعفا ... والقتل فيهم نجدة وعرفا) # فلم يزل يقاتل فيهم حتى استشهد رحمه الله # ثم حمل الرابع منهم وهو يقول # (لسنا لخنساء ولا للأكرم ... أعني عمرا ذا السماح الأقدم) # (إن لم أرد في الحرب جيش الأعجم ... إما لفوز عاجل أو مغنم) # (أو لوفاة في السبيل الأكرم ... ) # فلم يزل يطعن فيهم برمحه حتى استشهد رحمه الله تعالى فلما بلغ خنساء ~~الخبر قالت الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن # PageV01P644 # يجمعني وإياهم في مستقر رحمته فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~قال أعطوا الخنساء أرزاق أولادها الأربعة وأجروا عليها ذلك حتى تقبض قال ms099 ~~فلم تزل تأخذ عن كل واحد منهم مائتي درهم في كل شهر حتى قبضت رضي الله عنها ~~وينبغي أن يكون سواد العسكر وجمهور الموكب كامتداد النهر إذا طمي وزجر لا ~~يمر بشيء إلا علاه وغرقه # PageV01P645 # الباب السابع عشر في معرفة قتال أهل الردة وأهل البغي وقطاع الطريق # نقتصر في هذا الباب على ذكر ما يجوز للملك فعله ونوضح قواعد المذهب في ~~ذلك من غير ذكر خلاف ولا تطويل ليقع الفعل في ممارستهم موافقا للشرع وهو ~~ثلاثة فصول # PageV01P646 ### | الفصل الأول في معرفة قتال أهل الردة # إذا حكم بإسلام قوم ثم ارتدوا عن دين # PageV01P647 # الإسلام إلى أي دين خالفه لم يجز إقرارهم عليه لأن الإقرار بالحق يوجب ~~التزام أحكامه ثم لم يخل حال أهل الردة من أمرين # أحدهما أن يكونوا في دار الإسلام أفرادا لم يتحيزوا بدار يمتنعون # PageV01P648 # بها ويتميزون عن المسلمين فيها # الثاني أن يتجاوزوا إلى دار ينفردون بها عن المسلمين حتى يصيروا فيها ~~ممتنعين # فإن كانوا في دار الإسلام منفردين فلا حاجة إلى قتالهم لدخولهم تحت ~~القدرة بل يجب أن يأخذهم بالتوبة مما دخلوا فيه من الباطل فإن تابوا قبلت ~~توبتهم وأجري عليهم حكم الإسلام وممن أقام منهم على # PageV01P649 # ردته بعد ذلك وجب قتله رجلا كان أو امرأة لقوله صلى الله # PageV01P650 # عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه # PageV01P651 # واختلف العلماء في كيفية قتل المرتد والوقت الذي يقتل فيه فمنهم من قال ~~يقتل في الحال لأن حق الله تعالى إذا وجب لا يجوز تأخيره ومنهم من قال يؤجل ~~ثلاثة أيام لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنظر المستورد العجلي بالردة ~~ثلاثة أيام ثم قتله بعد ذلك # PageV01P652 # ويقتل ضربا بالسيف ومنهم من قال يقتل ضربا بالخشب وإذا قتل لم يغسل ولم ~~يكفن ولم يصل عليه ولم يدفن في مقابر # PageV01P654 # المسلمين ويكون ماله فيئا في بيت مال المسلمين # وأما إذا انحاز أهل الردة إلى دار ينفردون بها عن المسلمين حتى صاروا ~~فيها ممتنعين وجب قتالهم على ردتهم ويجري على قتالهم حكم قتال ms100 أهل الحرب في ~~جواز قتلهم غرة وبياتا ومقبلين ومدبرين ومن أسر منهم جاز قتله ولا يجوز ~~استرقاقه وإذا # PageV01P655 # غنمت أموالهم لم تقسم بين الغانمين بل يكون مال من قتل منهم فيئا لبيت ~~المال ومال من لم يقتل موقوفا على إسلامه فإن عاد إلى الإسلام رد عليه ماله # PageV01P656 ### | الفصل الثاني في معرفة قتال أهل البغي # وإذا خرجت طائفة من المسلمين وخالفوا رأي الجماعة وانفردوا # PageV01P657 # عنهم وخرجوا عن قبضة الإمام الأعظم وتحيزوا بدار وامتنعوا بمنعة وجب ~~قتالهم بعد أن ينذرهم ويسألهم ما تنقمون لأن عليا رضي الله عنه # PageV01P658 # بعث عبد الله بن عباس إلى الخوارج فسألهم ما تنقمون منه ثم # PageV01P659 # تأخذهم وانذرهم فإن رجعوا إلى الطاعة فكف عنهم فإن أبوا قاتلهم لقوله ~~تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما ~~على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} # PageV01P661 # وقد قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة # PageV01P662 # وقاتل علي رضي الله عنه الخوارد بالنهروان وقاتل معاوية بصفين # PageV01P663 # واعلم أن قتالهم يخالف قتال المشركين من تسعة اوجه # أحدهما لا يهجم عليهم غرة ولا بياتا ويجوز ذلك في قتال المشركين # الثاني أن يقصد بقتلهم ردهم وردعهم ورجوعهم إلى الحق ولا يعمد إلى قتلهم # الثالث يقاتلهم مقبلين ويكف عنهم مدبرين # PageV01P223 # حذف # PageV01P224 # الرابع أن لا يجهز على جريحهم # الخامس أن لا يقتل أسراهم # PageV01P665 # السادس أن لا يغنم أموالهم ولا يسبي ذراريهم # السابع أن لا يستعين في قتالهم بمشرك معاهد ولا ذمي # الثامن أن لا يهادنهم إلى مدة ولا يوادعهم على مال فإن هادنهم إلى مدة لم ~~تلزم فإن ضعف عن قتالهم انتظر بهم القوة عليهم وإن وادعهم على مال بطلت ~~الموادعة ثم ينظر في المال فإن كان من صدقاتهم أو خراجهم لم يرده عليهم وإن ~~كان من خالص أموالهم رده عليهم ولا يجوز أن يتملكه عليهم # التاسع أن لا ينصب عليهم العرادات والمنجنيقات # PageV01P666 # ولا يحرق عليهم المساكن ولا يقطع أشجارهم لأن دار الإسلام تمنع ما فيها ~~كل ذلك بخلاف قتال ms101 المشركين # فإن أحاطوا بأهل العدل وخافوا منهم الاصطدام جاز أن يدفعوا عنهم ما ~~استطاعوا من اعتماد قتلهم ونصب المنجنيقات عليهم وحريقهم وغير ذلك لأن ~~المسلم إذا أريدت نفسه جاز له الدفع عنها بقتل من أرادها إذا كان لا يندفع ~~إلا بالقتل ولا يجوز أن ينتفع بدوابهم ولا أسلحتهم ولا يستعان به في قتالهم ~~وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى يجوز ذلك كله # PageV01P667 # الفصل الثالث في معرفة قتال قطاع الطرق # وإن اجتمعت طائفة من أهل الفساد على شهر السلاح وقطع الطريق وأخذ الأموال ~~وقتل النفوس ومنع السبل فهم المحاربون الذين قال # PageV01P668 # الله تعالى في حقهم {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون} # PageV01P669 # في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ~~ينفوا من الأرض) # قال الشافعي رحمه الله ورضي عنه من قتل منهم وأخذ المال قتل وصلب بعد ~~قتله ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يصلب ومن أخذ # PageV01P670 # المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ومن لم يقتل ولم يأخذ المال ولكنه ~~رهب وأخاف السبيل عزر بالحبس وهو النفي من الأرض وقال مالك رضي الله عنه من ~~كان منهم ذا رأي وتدبير قتل ومن كان ذا بطش وقوة قطع يده ورجله من خلاف ومن ~~لم يكن منهم ذا رأي ولا بطش عزر وحبس # PageV01P671 # واعلم أن قتال قطاع الطريق كقتال أهل البغي في عامة أحوالهم ويخالفه من ~~خمسة أوجه # أحدها أنه يجوز قتالهم مقبلين ومدبرين # الثاني يجوز أن يعمد إلى قتل من قتل منهم في حال الحرب بخلاف قتال أهل ~~البغي # الثالث أنهم يؤاخذون بما استهلكوه من دم أو مال في حال # PageV01P673 # الحرب وغيرها بخلاف أهل البغي # الرابع أنه يجوز حبس من أسر منهم ليعلم براءة حاله من غير خلاف بخلاف أهل ~~البغي # الخامس أن ماجبوه من الخراج والصدقات يكون كالمأخوذ على وجه الغصب والنهب ~~لا يسقط عن أهل الخراج والصدقات ويكون غرمه مستحقا عليهم لمن أخذوه منهم ~~بخلاف أهل البغي # PageV01P674 # الباب الثامن عشر في ms102 معرفة قسم الغنيمة والأنفال # إذا أخذ المسلمون من الكفار مالا # PageV01P675 # بإيجاف الخيل والركاب فهو غنيمة يجب على الملك أن يقسمه بين الغانمين ~~فيجعله خمسة أخماس خمس منها لأهل الخمس الذين قال الله عز وجل في حقهم ~~{واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل} وأربعة # PageV01P676 # أخماس للغانمين # PageV01P678 # وينبغي أن يقسم ذلك جميعه في دار الحرب لأن رسول الله صلى # PageV01P679 # الله عليه وسلم قسم غنائم بني المصطلق على مياههم وقسم غنائم # PageV01P680 # حنين بأوطاس وهوواد من حنين ولا يدخل سلب المقتول في القسمة بل يكون ~~للقاتل دون غيره لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل السلب للقاتل # PageV01P681 # فإن كان الجيش كلهم فرسانا سوي بينهم في القسمة وكذلك إن كانوا رجالة وإن ~~كان بعضهم فرسانا وبعضهم رجالة جعل للراجل سهما واحدا وللفارس ثلاثة أسهم ~~بينهما سهما للرجل وسهمين للفرس ويجعل من قاتل ومن لم يقاتل في القسمة # PageV01P683 # سواء وكذلك من حضر بفرسين أو أكثر لم يزد سهمه على من حضر بفرس واحد وإذا ~~بعث الملك سرية من # PageV01P684 # الجيش إلى جهة الكفار فغنمت السرية شاركهم في ذلك أهل الجيش وكذلك إن غنم ~~أهل الجيش شاركهم أهل السرية لأن رسول الله ص = لما هزم هوزان بحنين أسرى ~~سرية قبل أوطاس فغنمت فقسم غنائمهم بين الجميع ومن فعل من أهل الجيش # PageV01P685 # فعلا يفضي إلى الظفر بالعدو كالتجسس والدلالة على الطريق أو قلعة أو ~~التقدم بالدخول إلى دار الحرب جاز للملك أن ينفله من الغنيمة بزيادة على ~~سهمه لأن رسول الله ص = كان يفعل ذلك وبالله التوفيق # PageV01P686 # الباب التاسع عشر فيما ينبغي للملك أن يفعله عند قفوله بالجيش # ينبغي للملك إذا قفل بالجيش من غزاة أو سفر أن يفعل كما كان يفعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في قفوله من غزواته وأسفاره كان يكبر على كل شرف ~~من الأرض ثلاث تكبيرات ويقول لاإله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله ~~الحمد يحيى ويميت وهو حى لايموت بيدة ms103 الخير وهو على كل شيء قدير آيبون ~~تائبون عابدون ساجدون لربنا # PageV01P687 # حامدون صدق الله وعده ونصر عبدة وأعز جندة وهزم الاحزاب وحدة كل شيء هالك ~~إلا وجهه له الحكم وإلية ترجعون # وينبغي إذا اشرف على مدينته أن يحرك دابته ويقول اللهم اجعل لنا بها ~~قرارا ورزقا حسنا ثم يرسل إلى نوابه وأهل مدينته فيخبرهم بقدومه ليخرجون ~~إلى لقائه لأن الرعية ينتعشون بطلعة الملك عليهم ورجوعه إليهم كانتعاش ~~النبت بوابل القطر # وإذا دخل البلد فليقصد المسجد وليصل فيه ركعتين كذلك كان يفعل رسول الله ~~ص = # وإذا دخل منزله واستقر على سريره فليقل توبا توبا لربنا أوبا لا يغادر ~~خطيئة ولا حوبا ثم يرفع حجابه ويفتح بابه ويأذن لوجوه بلدته وبياض رعيته ~~بالدخول إليه لتهنئته بما أفاء الله عليه وحققه لديه من شمول النعمة وحسن ~~المنقلب ثم يكثر من الصدقة والصلات ويوسع في العطايا والهبات ويرد الغصوب ~~والظلامات ويكشف عن أحوال من حبسه من أهل الجنايات ويستكثر من صنائع ~~المعروف وأفعال البر فإنه # PageV01P688 # إذا فعل ذلك كان شاكرا لله تعالى وكان لمزيد النعمة مستحقا ولتتابع ~~الإحسان من الله مستوجبا # PageV01P689 # الباب العشرون في الحث على استماع المواعظ وقبولها من النساك # اعلم أن استيلاء الدنيا على الملوك وإقبالها عليهم ربما شغلهم عن أمر ~~الآخرة وأغفلهم عن مهمات الدين فيجنحون إلى اللذات ويهملون أمر الديانات ~~لأن النفوس مطبوعة على الميل إلى الترف وإيثار التنعم وكراهة التكليف فلا ~~ينبغي أن تخلو مجالسهم من علماء الدين وأصالح المتنسكين لينهوهم عند طريان ~~الغفلة ويذكروهم عند ضراوة الشهوة ويوضحون لهم نهج الآخرة ومعالم الشريعة ~~وقد كان ذلك شعار الملوك الغابرين والخلفاء الراشدين في مجالسهم الحكماء ~~واستماع مواعظ العلماء وكانوا في ذلك ثلاث طبقات # فمنهم طبقة لما سمعوا الموعظة والتذكير نبذوا ملك الدنيا # PageV01P690 # الذي يفنى ليعتاضوا عنه ملك الآخرة الذي يبقى وأخرجوا ذلك من قلوبهم ~~وايديهم واهتموا بأمر الآخرة والعمل لها لينالوا الفوز الاكبر والنعيم ~~الدائم. # ومنهم طبقة عند سماع الموعظة أخرجوا ملك الدنيا من قلوبهم ولم يخرجوه من ~~أيديهم ms104 واهتموا بأمر الآخرة مع بقائهم في الملك وهذه الطبقة مجاهدتهم عظيمة ~~ومثلهم في ذلك مثل من ألزم نفسه الظمأ وبحضرته نهر بارد ينظر إليه ويقدر ~~على تناول شربة وهذا كان مقام الخلفاء الراشدين وأمرائهم وعمالهم ومن سلك ~~سبيلهم # ومنهم طبقة أصمهم حب الدنيا ونيل لذاتها عن استماع المواعظ واعمى أبصارهم ~~عن كل مذكر وواعظ فآثروا اللذات على المهمات وقطعتهم الشهوات عن أمور ~~الديانات وسأذكر من أخبار هذه الطبقات الثلاث ما يكون فيه رياض لذوي ~~الأفكار ورياضات لأولي الأبصار والله اعلم بالصواب # PageV01P692 ### | حكايات الطبقة الأولى خمس روضات ### | الروضة الأولى # ما حكاه أصحاب الحديث ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل عمير بن سعد ~~الأنصاري رضي الله عنه على حمص وأعمالها # PageV01P962 # فلبث بها سنة كاملة فجلس يوما وعنده رجل من أصحاب عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه كان قد أتاه يستدعي منه ما اجتمع عنده من المال فحضر عنده رجل معاهد ~~فجعل يتكلم ويرفع صوته فقال له عمير اسكت أخزاك الله # فقال له الرجل الذي عنده من اصحاب عمر يا عمير أما سمعت رسول الله ص = ~~يقول أنا ولي خصم المعاهد واليتيم ومن خاصمه خصمته يا عمير اتق من فوقك ~~يتقك من تحتك وكما تحب أن يصنع الله بك فاصنع برعيتك قال فبكى عمير بكاء ~~شديدا ثم انثنى إلى منزله فعمد إلى جراب زاده واداته وقصعته فعلقهن على ~~عصاة # PageV01P963 # وحملهن على عاتقه وخرج من حمص ماشيا حتى قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~فسلم عليه فرد عليه السلام متثاقلا ثم قال له عمير ما هذا الذي أرى بك من ~~سوء الحال أمرضت بعدي أم بلادك بلاد سوء أم هذه خديعة منك فقال له عمير يا ~~امير المؤمنين ألم ينهك الله عز وجل عن التجسس ثم ما الذي ترى بي من سوء ~~الحال ألست تراني صحيح البدن قد جئتك أحمل الدنيا فقال له عمر وما الذي جئت ~~به من الدنيا قال جرابي فيه زادي وإداتي فيها مائي لشرابي ووضوئي وقصعتي ~~لعجيني ms105 وعكازي أذب بها عن نفسي قال عمر صدقت رحمك الله فما فعل المسلمون ~~قال عمير تركتهم يوحدون الله تعالى ويصلون ولا تسألني عما وراء ذلك قال فما ~~فعل أهل لذمة قال أخذنا منهم الجزية عن يد وهم صاغرون قال فما اجتلبت من ~~المال قال ما أنت وذاك إني لما قدمت حمص اجتهدت رأي وجمعت من بها من ~~المسلمين فاخترت منهم رجالا فاستعملتهم ثم نظرت فيما اجتمع من المال فقسمته ~~في أهله ولو كان عندنا فضل لأتاك فقال يا عمير واين راحلتك قال لم يكن لي ~~راحلة فقال أما كان في رعيتك من يتبرع لك بدابة تركبها بئس المسلمون وبئس ~~المعاهدون ثم قال لابنه عبد الله جئني بصحيفة لأجدد لعمير عهدا ليرجع إلى ~~عمله فقال عمير لا والله لا أعمل على شيء أبدا قال عمر ولم ذاك # PageV01P694 # قال لأني ما نجوت فإني قلت يوما لمعاهد أخزاك الله وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنا ولي خصم المعاهد واليتيم ومن خاصمه خصمته فنهض عمر وأخذ ~~بيد عمير ثم أتى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال السلام عليك يا ~~رسول الله ثم قال السلام عليك يا أبا بكر ثم بكا عمر وقال ماذا لقيت بعدكما ~~اللهم ألحقني بصاحبي لم أغير ولم أبدل وبكا معه عمير طويلا ثم قال يا عمير ~~الحق بأهلك وكان أهله على مسيرة ثلاثة فراسخ من المدينة قال ثم قدم بعد ذلك ~~رجل على عمر بمال من عند بعض عماله فدعى رجلا من أصحابه اسمه حبيب فدفع ~~إليه صرة فيها مائة دينار وقال انطلق إلى منزل عمير فأقم عنده ثلاثا وتفقد ~~حاله ثم أعطه هذه الصرة فأتاه حبيب فوجده بفناء بيته يتفلى في الشمس فسلم ~~عليه فقال له عمير من أين أقبلت قال من المدينة قال كيف تركت عمر قال صالحا ~~قال لعله جار في الحكم قال لا قال فلعله وضع # PageV01P695 # السوط في أهل القبلة قال لا ولكنه ضرب ابنا له الحد فمات فقال اللهم اغفر ms106 ~~لعمر فإنه يحبك ويحب رسولك ويحب إقامة الحد فنزل عنده حبيب ثلاثة أيام ~~يقريه كل يوم قرصا مأدوما بزيت فلما انقضت الثلاث قال له عمير ارتحل عنا ~~رحمك الله فقد أجعتنا وإنك لم تصادف عندنا فضلا ولكن آثرناك فقال له حبيب ~~خذ هذه الصرة فإن عمر بعثها إليك فلما صارت في يده قال صحبت رسول الله ص = ~~فلم نبتل بشيء من الدنيا وصحبت أبا بكر كذلك ثم صحبت عمر فشر أيامي يوم ~~صحبت عمر وجعل ينتحب ويبكي فقالت له امرأته لا تبك رحمك الله ضعها حيث شئت ~~قال صدقت فاطرحي إلي بعض خلقانك ففعلت فجعل يصر الدنانير ثلاثة وأربعة وفوق ~~ذلك حتى قسمها في فقراء جيرانه وعاد حبيب إلى عمر فأخبره فارتاع لذلك ولبث ~~أياما واستدعى عميرا فقال له ما صنعت بالدنانير قال أقرضتها ربي ليوم فقري ~~قال هل عليك دين # PageV01P696 # قال لا فأمر عمر رضي الله عنه له بوقر بعير تمرا وبثوبين فقال أما ~~الثوبان فاقبلهما وأما التمر فلا حاجة بي إليه لأني قد تركت عند أهلي صاعا ~~من الشعير وهو مبلغهم إلى وقت ثم انصرف عمير إلى أهله فقال ما لبث أن توفي ~~فجزع عليه عمر رضي الله عنه وقال لأصحابه تمنوا فتمنوا فقال لكني أتمنى ~~رجالا مثل عمير استعين بهم على أمور المسلمين # PageV01P697 ### | الروضة الثانية # ما حكاه الأصمعي قال ركب النعمان بن أمرئ القيس بن عمرو الأكبر حتى أشرف ~~على الخورنق وهو الذي بناه فلما نظر # PageV01P698 # إلى ما حوله وكان في فصل الربيع وقد أخذت الأرض زينتها فرح طرفة مليا ~~فيما حوله وكان معجبا بالشقائق التي يقال لها شقائق النعمان ومن أجل إعجابه ~~بها وتتبعه لها في الرياض نسبت إليه قال وكان هناك روضة شقائق فلما تأملها ~~ورأى حسن تنضد الشقيق في منابته وقنو حمرته وخضرة سوقه وميسه وهبوب النسيم ~~عليه وتناثر القطر في أرجائه ارتاح قلبه إليه فأمر أن يبسط له بإزاء تلك ~~الروضة بساط وشى من الحرير المخمل فكان البساط كأنه روضة مختلفة بأصناف ~~النوار ms107 وضربت عليه قبة من الديباج الأحمر منضدة من الحشايا بما يضاهيها ~~ويجانسها في # PageV01P699 # لونها ولبس من ثياب الحرير افضل ما عنده ثم جلس في تلك القبة مواجها لتلك ~~الروضة وعنده أكابر قواده وخواص مملكته ووجوه رعيته وفيهم عدي بن زيد قال ~~فأعجب الملك بما هو فيه فقال لجلسائه هل رأيتم مثل ما أنا فيه أو علمتم أن ~~أحدا أوتي مثل ما أوتيت قالوا لا أيها الملك ما رأينا مثلك وعدي بن زيد ~~ساكت لا يتكلم فنظر إليه الملك مستدعيا لكلامه فقال عدي أيها الملك إن أذنت ~~لي تكلمت فقال تكلم قال أرأيت ماجمعت أشيء هو لك لم يزل أم شيء كان لمن كان ~~قبلك زال عنه وصار إليك قال بلى كان لمن كان قبلي ثم صار إلي قال أفيزول ~~عنك إلي غيرك أم يبقى إليك قال بلى يزول # PageV01P700 # عني ويصير إلي غيري قال فأراك أيها الملك سررت بشيء تذهب عنك لذته ويبقى ~~عليك تبعته تكون فيه قليلا وترتهن فيه طويلا قال فبكى النعمان وقال له يا ~~عدي فأين المهرب قال أحد أمرين الأول أن تقيم في ملكك وتعمل بطاعة ربك على ~~ما سرك وساءك والثاني أن تضع تاجك وتخلع أطمارك وتلبس أمساحك ثم تلحق ببعض ~~الجبال وحدك تعبد ربك حتى يأتيك أجلك قال إذا فعلت ذلك فمالي عنده قال حياة ~~لاتموت وشباب لايهرم وصحة لاتسقم وملك جديد لايبلى قال وكل ما أرى إلى فناء ~~وزوال قال نعم قال فأي خير فيما يفنى ويزول ثم إنه ركب من موضعه وسار طالبا ~~قصره وإلى جانبه عدي بن زيد فأتوا على مقبرة فقال عدي أتدري ما تقول هذه ~~المقبرة أيها الملك قال لا قال إنها تقول # (أيها الركب المحثون ... على الأرض المجدون) # (كما أنتم كذا كنا ... كما نحن تصيرون) # قال ثم ساروا فمروا بشجرات متناوحات عند عين جارية فقال عدي أيها الملك ~~أتدري ما تقول هذه الشرجات قال لا قال إنها تقول # PageV01P701 # (من رآنا فليحدث نفسه ... أنه موف على قرن زوال) # (وصروف الدهر ms108 لايبقى لها ... ولما تأتي به صم الجبال) # (رب ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال) # (عمروا دهرا بعيش حسن ... أفن ربي دهرهم غير عجال) # (ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالا بعد حال) # فلما انتهى الملك إلى قصره التفت إلى عدي وقال قد علمت أن المقبرة ~~والشجرات لا يتكلمن وإنما قصدت بذلك عظتي وقد حصلت الموعظة فإذا كان السحر ~~أحضر عندي فإن عندي خيرا حتى أطلعك عليه فلما كان وقت السحر حضر عنده عدي ~~فوجده قد لبس مسوح الشعر وأخذ أهبة السياحة فودع عديا ثم ارتقى إلى جبل فلم ~~يزل هناك يعبد ربه حتى لحق به رحمه الله تعالى # PageV01P702 ### | الروضة الثالثة # ما روى نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال كان فيمن سلف ملك دان ~~له الناس فلما أعجب بملكه قال لوزرائه وقهارمته ابنوا لي دارا لايكون فيها ~~عيب ففعلوا ذلك قال اتخذوا لي فيها طعاما لايكون فيه عيب ففعلوا ذلك وأمر ~~أن يدعى الناس إلى طعامه في تلك الدار ثم أقعد بالباب رجلين وأمرهما أن ~~يسألا كل من خرج من الدار هل رأى فيها عيبا أو في الطعام قال فمر بهما ~~رجلان عليهما ثياب الشعر فسألاهما فقالا نعم رأينا في الدار عيبين قبيحين ~~قال وما هما قالا رأينا دارا تخرب # PageV01P703 # وصاحبها يموت فمضيا وأخبر الملك بما قالا فأحضرهما وسألهما فذكرا له ذلك ~~فأطرق الملك ساعة ثم قال لهما فهل تعرفان دارا لا تخرب ولا يموت صاحبها قال ~~نعم قال وأين هي فقالا هي دار الله تعالى ربنا وربك وهي الجنة التي يدوم ~~نعيمها ولا يزول ملكها قال فصفاها لي فوصفاها له قال وبأي شيء تنال هذه ~~الدار فقالا بعبادة الله تعالى والانقطاع إليه قال وكيف تكون العبادة فشرحا ~~له الدين فوقع في قلبه أنه الحق فقال لهما أقيما عندي هذه الليلة حتى أنظر ~~فيما ذكرتماه لي فإن أقمت في ملكي جعلتكما وزيرين لا أعصيكما وإن خرجت منه ~~تبعتكما على أمركما ثم قام فدخل على ms109 ابنه له وكانت عاقلة فهمة فقص ما ذكراه ~~له # وأخبرهما أنه تارك لملكه وخارج معهما فقالت يا أبتي تنجي نفسك وتتركني ~~أهلك قال يا بنية أنت عورة فكيف أصنع بك فقالت إني أكف شخصي فلا يعلم أحد ~~أذكر أنا أم أنثى قال فاخلعي ثيابك واحترمي ففعلت ذلك وخرجت مع أبيها إلى ~~الرجلين فقال لهما سيروا بنا ما دام علينا ظلام الليل وهذا ولدي معي فساروا ~~حتى قطعوا المدينة وخرجوا منها ثم ساروا حتى جاوزوا مملكة ذلك الملك ثم ~~ساروا حتى بلغوا إلى دير فقالا له هذا موضعنا الذي نعبد ربنا فيه فدخلوا ~~إليه جميعا فأقام عندهما مدة طويلة يتعلم منهما الدين وأحكام الشريعة ثم ~~تجهز للخروج عنهما فقالا له ما شأنك هل آذاك أحد منا قال لا ولكني أراكما ~~تكرماني لما كنت فيه من الملك فأريد أن آتي موضعا لا أعرف فيه # PageV01P704 # فأكون في غمار الناس فتركاه ومضى حتى أتى ديرا كبيرا كثير الأهل فيه ~~مساكن كثيرة فقال هل من منزل فقيل له ادخل فدخل واختار مسكنا فكان هو ~~وابنته يعبدان الله تعالى فيه وكان لأهل ذلك الدير مزرعة وعلى كل رجل من ~~سكان الدير حراستها سنة كاملة فبلغت النوبة إلى الشيخ وكان مريضا فقيل له ~~في ذلك فقال إن عذري واضح فقالت له ابنته يا ابت انا أخرج عنك فخرجت إلى ~~المزرعة وهي مستترة فما كان يراها الناس إلا قائمة تصلي أو في أمر هي به ~~مغتبطة قال وكان بقربهم دير صغير ينسب إلى رجل بعينه وكانت له أبنة جميلة ~~فجاءت تلك الابنة فاتصلت بها وهي تظن أنها غلام فجعلت تعرض عليها نفسها ~~وجعلت تلك تعتصم بها من شرها فلما رأت الجارية أنها لا تفعل قالت والله ~~لاهلكنك ولاهلكن أباك ثم أنها ذهبت إلى راعي فأمكنت نفسها منه فحملت فلما ~~عظم بطنها قال لها أبوها ما هذا قالت إني كنت عند ولد الشيخ مطمئنة إليه ~~لما رأيت من كثرة عبادته واجتهاده وكان هذا منه فجاء أبوها واهل ديره ~~فأخبروا ms110 أهل ذلك الدير الكبير بذلك وقالوا لا ينبغي أن يكون هذا الشيخ ~~وولده عندكم وهموا بإخراجه إلا أنه لشدة مرضه لم يقدروا على ذلك ثم توفى ~~الشيخ مكانه فلم يأخذوا في جهازه فقال علماؤهم إنه لا ذنب له فاغسلوه ~~وكفنوه وادفنوه واطردوا ابنه فلا يدخل ديركم ففعلوا ذلك فقال دعوني ابني لي ~~بيتا في الصحراء أحرس نفسي فيه من السباع فبنت لها بيتا فكانت فيه تعبد ~~الله تعالى وتزور قبر أبيها حتى كانت ليلة من الليالي مر بها رجل من # PageV01P705 # أهل الدير فإذا باب بيتها مفتوح فناداه يا فتى فأجابته بصوت ضعيف فقال ~~أحسبك مريضا قال نعم قال فهل لك حاجة قال نعم إذا انا مت فلا تكشفوني ولا ~~تنزعوني أثوابي واغسلوني فيها وادفنوني إلى قبر ابي فقد حفرت إلى جانبه ~~قبرا ثم أصبحوا فإذا قائل يقول مات الفتى ولد الشيخ فقال علماؤهم لا نغير ~~سنتنا أبعثوا إليه من يغسله مجردا من ثيابه ثم كفنوه وادفنوه إلى جانب قبر ~~أبيه كما اوصى قال فلما جاء الرجال فكشفوا عنها ليغسلوها فوجدوها امرأة ~~فغطوها وتنادوا في الدير إن الذي طردتموه إنما هو امرأة فابعثوا إليها ~~النساء فغسلوها فلما جهزوها حشدوا إلى الصلاة عليها جميع من في تلك الأرض ~~ثم دفنوها إلى جانب قبر أبيها قال عبد الله بن عمر فلقد كان اهل تلك ~~الناحية إذا قحطوا جاؤوا إلى قبريهما فاستقوا الله تعالى فيسقون والله ~~سبحانه وتعالى أعلم # PageV01P706 ### | الروضة الرابعة # ما حكي أن ملكا من اليونان قام من منامه في بعض الغدوات فأتته القيمة على ~~ملابسه بثيابه فلبسها ثم ناولته المرآة فنظر فيها وجهه فرأى في لحيته شعرة ~~بيضاء فقال لها هات المقراض فأتته به فقصها فتناولتها الجارية وكانت حكيمة ~~لبيبة عاقلة فوضعتها في كفها وأصغت إليها بأذنها والملك ينظر إليها فقال ما ~~هذا الذي تصنعين قالت استمع ما تقول هذه الشعرة التي عظم مصابها بمفارقة ~~الكرامة لما سخطها الملك فأقصاها فقال الملك وما الذي سمعت من قولها فقالت ~~زعم # PageV01P707 # قلبي أنه سمعها ms111 تقول كلاما لا يجترىء عليه لساني خوفا من سطوة الملك فقال ~~لها الملك قولي ما شئت آمنة إن لزمت قانون الحكمة فقالت إنها تقول أيها ~~المسلط إلى أمد قصير إني كنت قد علمت منك البطش بي والاعتداء علي إذا ظهرت ~~على ظاهر بشرتك فلم أظهر في وقتي هذا حتى عهدت إلى أخواتي من بعدي في الأخذ ~~بثأري منك أما باستيصالك وأما بتنغيص لذتك وتنقيص قوتك حتى تعد الموت راحة ~~لك قال فقال لها الملك اكتبي كلامك فكتبته له في لوح فجعل يتدبره ساعة ثم ~~نهض مبادرا فأتى هيكلا من هياكلهم فنزع عنه تاجه وثياب الملوك وتزيا بزي ~~النساك وبلغ ذلك أهل مملكته فبادروا إليه وطالبوه بأن يعود إلى ملكه ~~وتدبيره فامتنع عليهم وسألهم إقالته وتمليك غيره فامتنعوا عليه وهموا بأخذه ~~قهرا فاصطلح أهل الهيكل معهم على أن يتركوه في الهيكل يعبد ربه ويستنيب ~~غيره فيما يستناب في مثله من الأمور ويلي هو غير ذلك من الأمور العظام ~~بنفسه مع إقامته في الهيكل فلبث على هذا الأمر حتى قبضه الله الله تعالى ~~إليه # PageV01P708 ### | الروضة الخامسة # ما حكاه أبو عبد الله محمد بن أبي محمد بن ظفر الحجازي رحمه الله تعالى ~~أن ملكا من ملوك الآن كان كافرا عاتيا متكبرا حديث # PageV01P709 # السن مستحكم الغرة وكان إذا ركب لم يرفع أحد صوته إلا بالثناء عليه وكان ~~له وزير مؤمن بالله تعالى قد أدرك بعض حواري المسيح وهو يكتم إيمانه ويتحين ~~وقتا يمكن فيه دعوة الملك إلى الله تعالى فركب الملك يوما فسمع شيخا رافعا ~~صوته لبعض شأنه فقال لبعض الأعوان خذوه فلما أخذوا ذلك الشيخ قال إن ربي ~~الله فقال الوزير خلوا عنه فخلى عنه الأعوان فاشتد غضب الملك على الوزير ~~ولم يمكنه الإنكار عليه في ذلك المقام فسكت ليوهم الناس أن الوزير فعل ذلك ~~بأمره فلما عاد الملك إلى قصره أحضر الوزير وقال له # ما دعاك إلى مناقضة أمري بمشهد من عبيدي فقال له الوزير إن لم يعجل الملك ~~علي أريته وجه ms112 نصحي له وشفقتي عليه فيما أتيته فقال الملك أرني ذلك فإني لا ~~أعجل عليك فقال الوزير أسأل الملك أن يختبي في مجلسه هذا خلف حجاب ويكون ~~بحيث يرى ويسمع ما يكون مني فقعد الملك لذلك ثم إن الوزير أحضر قوسا جيدة ~~صنعها للملك بعض خدمه وكتب الصانع اسمه عليها فأعطى القوس غلاما له وقال له ~~إني سأحضر صانع هذه القوس فإذا حضر وحادثته فاقرأ أنت اسم صاحبها جهلا حتى ~~تعلم أنه قد سمعك ثم أكسرها وهو ينظر إليك فحضر القواس وفعل الغلام ما أمره ~~به الوزير فلما كسر القوس لم يتمالك صانعها أن # PageV01P710 # ضرب الغلام فشجه فقال الوزير أتضرب غلامي بحضرتي قال نعم لأنه كسر القوس ~~التي هي صنعتي وعملي وهي في نهاية الجودة والحسن فلأي شيء كسرها وهو يعلم ~~أنها صنعتي قال الوزير فلعله ما علم أنها صنعتك قال بلى إن القوس قد أخبرته ~~أنها صنعتي قال الوزير أرأيت قوسا تخبر قال نعم إن اسمي كان مكتوبا عليها ~~وقد قرأه وأنا أسمع ثم إن الوزير صرف الصانع والغلام ثم قال للملك قد أوضحت ~~لك نصحي وإشفاقي عليك وذلك أنك لما أردت البطش بالشيخ أخبرك أن الله ربه ~~فخفت عليك من ربه أن يغضب له كما غضب هذا القواس لقوسه فقال له الملك وهل ~~للشيخ رب غيري قال الوزير ألم يره الملك شيخا والملك شاب فهل كان قبل أن ~~يولد الملك لا رب له فقال الملك إن أبي كان ربه قال الوزير فما بال الرب ~~هلك والمربوب بقي فسكت الملك ساعة ثم قال الآن علمت أن للملك والمملوك ربا ~~لا يزول فهل تعرفه قال الوزير نعم أعرفه قال صفه لي ودلني عليه فشرع الوزير ~~يشرح له صفات الخالق وأوضح له الدلالة على ذلك فانشرح صدر الملك للإيمان ~~فآمن بالله تعالى فلما رسخ في قلبه # PageV01P711 # التوحيد قال له أما لربنا خدمة نتقرب إليه بها قال إنه غني عن كل شئ قال ~~فما أمرنا بشيء إذا فعلنا حظينا عنده قال بلى إن ms113 له وظائف أمرنا بها ورضي ~~لنا فعلها ووعدنا عليها رضوانه والقرب منه فسأله عنها فذكر له الصلاة ~~والصيام وغيرهما من شرائع المسيح عليه السلام # فعرفها الملك وراض نفسه بها حتى صارت له طبعا ثم قال يوما للوزير مالك لا ~~تدعو الناس إلى الله تعالى كما دعوتني فقال لأن الأمة ذات قلوب قسية وفهوم ~~قصية ونفوس عصية ولست آمنهم على نفسي فقال الملك أنا أفعله إن لم تفعله أنت ~~فقال الوزير ليعلم الملك أنهم إن لم تردهم هيبته عني لم تردهم عنه وسأقيه ~~بنفسي آيسا من النجاة فليحذرهم الملك على نفسه إن اجترؤا بالقتل ثم إن ~~الوزير أحضر وجوه أهل تلك المملكة وولاة أحكام رعاياه وأفاضلها فلما ~~اجتمعوا في منزله قام فيهم خطيبا ثم بالدعوة إلى التوحيد فتواثبوا عليه ~~فقتلوه ثم أتوا إلى الملك فأخبروه بما كان من وزيره فأظهره لهم الرضى بقتله ~~فانقلبوا عنه راضين ثم إن الملك ضاق صدره على وزيره فلما كان الليل لبس مسح ~~الشعر والتحق بالرهبان ونبذ ما كان فيه من الملك ولم يزل يعبد الله حتى قضى ~~نحبه # PageV01P712 # وهذه حكايات الطبقة الثانية من الملوك وهي خمس روضات أيضا ### | الروضة الأولى # ما حكاه مالك بن أنس رضي الله عنه أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما ~~ولي الخلافة دخل عليه محمد بن كعب عنده هشام بن مصاد وقد وعظه فأبكاه فقال ~~له محمد ما الذي أبكاك يا أمير المؤمنين قال أبكاني هشام حين ذكرني وقوفي ~~بين يدي ربي فقال له محمد يا امير المؤمنين إنما الدنيا سوق من الأسواق ~~فمنها خرج الناس بما نفعهم ومنها خرجوا بما ضرهم فلا تكن من قوم قد غرهم ~~منها مثل الذي أصبحنا # PageV01P713 # فيه حتى أتاهم الموت فاستوعبهم فخرجوا منها ملومين لم يأخذوا لما أحبوه ~~من الآخرة عدة ولا لما كرهوا جنة فاقتسم ما جمعوا من لا يحمدهم وصاروا إلى ~~من لا يعذرهم فانظر يا أمير المؤمنين إلى تلك الأعمال التي تغيظهم بها ~~فاخلفهم فيها وإلى الأعمال التي تتخوف ms114 عليهم منها فكف عنها وانظر إلى الذي ~~تحب أن يكون معك إذا قدمت على ربك فاصنع منه وابدل حيث يوجد البدل ولا ~~تذهبن إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك ترجو أن تجوز عنك فاتق الله يا ~~أمير المؤمنين وافتح الباب وسهل الحجاب وانصر المظلوم واردع الظالم يا أمير ~~المؤمنين ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان من إذا رضي لم يدخله رضاه في ~~الباطل وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق وإذا قدر لم يتناول ما ليس له قال ~~فاشتد بكاء عمر بن عبد العزيز وعلا نحيبه قال # PageV01P714 # اللهم أعني على ما ابتليتني به من أمر عبادك وبلادك وارزقني فيهم العمل ~~بطاعتك واختم لي بخير منك وعافية منه # PageV01P715 ### | الروضة الثانية # ما حكي أن سليمان بن عبد الملك لما قدم المدينة أقام بها ثلاثا فقال ما ~~ها هنا رجل ممن أدرك الصحابة يحدثنا فقيل له إن ها هنا رجلا عابدا من ~~التابعين اسمه أبو حازم أدرك جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ونقل عنهم الأحاديث فبعث إليه فلما جاءه واستقر به المجلس قال له سليمان يا ~~أبا حازم ما لنا نكره الموت # PageV01P716 # قال لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فأنتم تكرهون النقلة من العمران ~~إلى الخراب قال صدقت يا أبا حازم فكيف القدوم على الله تعالى قال أما ~~المحسن فكغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالعبد الآبق يقدم على مولاه قال ~~فبكى سليمان وقال ليت شعري ما لنا عند الله يا أبا حازم فقال إعرض نفسك على ~~كتاب الله تعالى فإنك تعلم مالك وما عليك قال وأين أصيب ذلك من كتاب الله ~~قال عند قوله تعالى {إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم} قال يا أبا ~~حازم فأين رحمة الله تعالى قال {قريب من المحسنين} قال فبكى سليمان وأطرق ~~ساعة ثم رفع رأسه إليه وقال يا أبا حازم من أعقل الناس قال من تعلم الحكمة ~~وعلمها الناس قال فمن أحمق الناس قال من دخل في هوى رجل ms115 ظالم # PageV01P717 # فباع آخرته بدنيا غيره قال فما تقول فيما نحن فيه فقال أعفني من هذا ~~السؤال قال سليمان إنما هي نصيحة بلغتها فقال إن ناسا أخذوا هذا الأمر من ~~غير مشورة من المسلمين ولا إجماع من رأيهم فسفكوا الدماء على طلب الدنيا ثم ~~ارتحلوا عنها فليت شعري ما قالوا وما قيل لهم فقال رجل من جلسائه بئس ما ~~قلت يا شيخ قال أبو حازم كذبت والله يا جليس السوء إن الله تعالى أخذ ~~الميثاق على العلماء ليبينه للناس ولا يكتمونه فقال سليمان يا أبا حازم كيف ~~لنا على الصلاح قال تدع التكلف وتتمسك بالنصفة قال فكيف طريق المأخذ لذلك ~~قال تأخذ المال من حله وتضعفه في أهله قال ومن يقدر على ذلك # PageV01P718 # قال من قلده الله تعالى من الأرض ما قلدك # قال أصحلبنا يا أبا حازم تصيب منا ونصيب منك قال أعوذ بالله من ذلك قال ~~ولم ذاك قال أخاف أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذقني ضعف الحياة وضعف الممات ~~قال يا أبا حازم فدلني على ما أصنع قال اتق الله أن يراك حيث نهاك أو يفقدك ~~حيث أمرك قال ادع لنا يا أبا حازم قال اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير ~~الدنيا والآخره وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى فعل الخير واصلحه في الدنيا ~~والآخره فقال سليمان يا غلام أعط أبا حازم مائة دينار ليقضي بها دينه قال ~~لاحاجة بي إليها فإني أخاف أن تكون عوضا عن كلامي فيكون أكل الميتة أحب إلي ~~من أخذها ثم نهض فخرج من عنده فلما كان من الغد بعث إليه # PageV01P719 # فأحضره عنده فلما دخل عليه قال يا أبا حازم عظنا عظة ننتفع بها قال إن ~~هذا الأمر لم يصر إليك إلا بموت من كان قبلك وهو خارج من يدك بمثل ما صار ~~إليك فبكى سليمان وكان يسقط على جنبه فلما أفاق قال أبو حازم إنما أنت سوق ~~فما نفق عندك حمل إليك من خير أو شر فاختر لنفسك أيهما شئت قال سليمان ms116 إرفع ~~إلي حوائجك يا أبا حازم قال هيهات فإني قد رفعتها إلى من لا تحتجب دونه ~~الحوائج فما أعطاني منها قنعت وما منعني منها رضيت وذلك أني نظرت في هذا ~~الأمر فإذا هو على قسمين أحدهما لي والآخر لغيري أما ما كان لي فلو أني ~~احتلت فيه بكل # PageV01P720 # حيلة ما وصلت إليه قبل أوانه الذي قدر لي فيه وأما الذي لغيري فذلك الذي ~~لاتطمع نفسي فيه وكما منع غيري من رزقي كذلك منعت أنا من رزق غيري ثم تركه ~~وانصرف قال فما برح سليمان بعد ذلك متواضعا حتى مات # PageV01P721 ### | الروضة الثالثة # ما حكاه أبو القاسم عبد العزيز بن حسن بإسناده أن أمير المؤمنين المنصور ~~بعث إلى الأوزاعي وهو بالساحل فأحضره عنده فلما استقر # PageV01P722 # به المجلس فالله المنصور ما الذي أبطأ بك عنا يا أوزاعي قال وما الذي ~~تريد مني يا أمير المؤمنين قال أريد الأخذ عنك والاقتباس منك قال يا أمير ~~المؤمنين لا تجهل شيئا مما أقوله لك قال وكيف لا أجهله وأنا أسألك عنه قال ~~يا أمير المؤمنين تسمعه ولا تعمل به قال فصاح به الربيع وأهوى إليه بيده ~~إلى السيف فانتهره المنصور وقال هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة فقال ~~الأوزاعي رحمه الله يا أمير المؤمنين حدثنا مكحول عن عطية قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه # PageV01P723 # وسلم أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنها نعمة من الله تعالى ~~سيقت إليه فإن قبلها بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه ليزداد بها إثما ~~ويزداد الله بها عليه سخطا وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال أيما وال بات غاشا لرعيته حرم الله عليه الجنة # يا أمير المؤمنين من كره الحق فقد كره الله تعالى لأن الله هو الحق ~~المبين # PageV01P724 # يا أمير المؤمنين إن الذي لين لك قلوب الأمة حتى ولاك أمورهم لقرابتك من ~~نبيه ص = لحقيق أن يقوم لهم فيهم بالحق وأن يكون بالقسط فيهم قائما ~~ولعوراتهم ساترا فلا تغلق ms117 عليك دونهم الأبواب ولا تقيم عليك دونهم الحجاب ~~وابتهج بالنعمة عندهم وابتئس لما أصابهم من مكروه يا أمير المؤمنين لقد كنت ~~في شغل شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس الذين أصبحت تملك أحمرهم وأسودهم ~~مسلمهم وكافرهم وكل له عليك نصيب من العدل فكيف بك إذا بعثك الله يوم ~~القيامه وليس منهم أحد إلا وهو يشكو بلية أدخلتها عليه أوظلامة سقتها إليه ~~يا أمير المؤمنين حدثني مكحول قال كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جريدة يستاك بها ويروع بها المنافقين فأتاه جبريل عليه السلام فقال يا محمد ~~ما هذه الجريدة التي كسرت بها قلوب أمتك وملأت قلوبهم بها رعبا فكيف بمن ~~شقق أستارهم وسفك دماءهم وخرب ديارهم وأخذ أموالهم وأجلاهم عن بلادهم ~~وأذاقهم الخوف يا أمير # PageV01P725 # المؤمنين حدثني مكحول عن زياد بن جارية عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم دعا إلى القصاص من نفسه من خدشه أعرابيا لم يتعمده ~~فأتاه جبريل عليه السلام فقال يا محمد إن الله تعالى لم يبعثك جبارا ولا ~~متكبرا فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعرابي فقال اقتص مني فقال ~~الأعرابي إني قد أحللتك يا رسول الله بأبي أنت وأمي وما كنت لأفعل ذلك أبدا ~~فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم له بالخير # يا أمير المؤمنين رض نفسك بنفسك وخذ لها الأمان من ربك وارغب في جنة ~~السموات والأرض التي يقول فيها رسول الله ص = # PageV01P726 # لقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها # يا امير المؤمنين إن الملك لو بقي لمن كان قبلك لم يصل إليك وكذا لا يبقى ~~لك كما لم يبق لغيرك يا أمير المؤمنين أتدري ما جاء في تأويل قول الله ~~تعالى {ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} قال رسول الله ~~ص = الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك # فكيف بما عملته الأيدي وحصدته الألسن يا امير المؤمنين بلغني أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه قال لو ماتت سخلة ms118 على الشاطئ الفرات ضيعة لخشيت أن ~~أسأل عنها فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك يا أمير المؤمنين أتدري ما جاء ~~في تأويل هذه الآية عن جدك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما {يا داود إنا ~~جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس} # PageV01P727 # بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) قال يا داود إذا جعلناك خليفة ~~وقعد الخصمان بين يديك وكان لك في احدهما هوى فلا تميز أن يكون الحق له ~~فيفلج على صاحبه فأمحوك من نبوتي يا داود إنما جعلت رسلي إلى عبادي رعاة ~~كرعاة الإبل لعلمهم بالرعية ورفقهم بالسياسة الذين يجبرون الكسير ويرعون ~~الهزيل على الكلأ والماء # يا أمير المؤمنين إنك قد بليت بأمر لو عرض على السموات والأرض والجبال ~~لأبين أن يحملنه وأشفقن منه وقد حدثني يزيد بن جابر عن عبد الرحمن بن عمرة ~~الأنصاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه # PageV01P728 # استعمل رجلا من الأنصار على الصدقة فرآه بعد أيام مقيما فقال له ما منعك ~~من الخروج إلى عملك أما علمت أن لك فيه مثل أجر المجاهدين في سبيل الله قال ~~لا قال فكيف ذاك قال لأنه بلغني أن رسول الله ص = قال # ما من وال يلي شيئا من أمور المسلمين إلا اتى به يوم القيامة مغلولة يده ~~إلى عنقه فيوقف على جسر من النار فينتفض به الجسر انتفاضة يزيل بها كل عضو ~~منه عن موضعه ثم يعاد فيحاسب فإن كان محسنا نجا بإحسانه وإن كان مسيئا ~~انخرق به ذلك الجسر فهوى فيه في النار سبعين خريفا فقال له عمر ممن سمعت ~~هذا قال من أبي ذر # PageV01P729 # وسلمان فأرسل إليهما عمر رضي الله عنه فقالا نعم سمعنا من رسول الله ص = ~~فبكى عمر رضي الله عنه فقال واعمراه من يتولاها بما فيها فقال أبو ذر من ~~جدع الله أنفه والصق خده بالأرض قال فبكى المنصور وأخذ المنديل فوضعه على ~~وجهه وجعل ينتحب في بكائه حتى أبكى الحاضرين فأمسك الأوزاعي ساعة ثم قال يا ~~أمير ms119 المؤمنين إن جدك العباس سأل رسول الله ص = إمارة على مكة والطائف ~~واليمن فقال رسول الله ص = يا عم النبي نفس تحييها خير لك من إمارة لا ~~تحصيها وهذه نصيحة منه لعمه وشفقة منه عليه يا أمير الؤمنين بلغني أن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه قال # PageV01P730 # الأمراء أربعة أمير ظلف نفسه وعماله فذلك كمالمجاهد في سبيل الله تعالى ~~يد الله باسطة عليه بالرحمة وأمير فيه ضعف ظلف نفسه وارتع عماله بضعفة فهو ~~على شفا هلاك إلا أن يرحمه الله تعالى وأمير ظلف عماله وأرتع نفسه فذلك هو ~~الحطمة الذي قال رسول الله ص = شر الرعاة الحطمة الهالك وحدة وأمير أرتع ~~نفسه وعماله فهلكوا جميعا # وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال # PageV01P731 # اللهم إن كنت تعلم اني أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من كان الحق ~~معه من قريب أو بعيد فلا تهملني طرفة عين # يا امير المؤمنين إن أشد الشدة القيام لله تعالى بحقه وإن أكرم الكرم عند ~~الله التقوى وإنه من طلب العز بطاعة الله رفعه الله وأعزه ومن طلبه بمعصية ~~الله وضعه الله تعالى وأذله وهذه نصيحتي إليك والسلام عليك ورحمة الله فلما ~~سكن عن المنصور البكاء رفع رأسه إليه وقال يا أوزاعي أنت المقبول القول غير ~~متهم في النصيحة وقد سمعناها منك فصادفت # PageV01P732 # قبولا إن شاء الله تعالى والله الموفق للخير والمعين عليه يا ربيع إدفع ~~إلى الأوزاعي ما يستعين به على زمانه قال يا أمير المؤمنين إني في غني عن ~~ذلك ما كنت أبيع نصيحتي بشيء من عرض الدنيا ثم إنه ودع المنصور وانصرف # PageV01P733 ### $ 734 - # الروضة الرابعة # ما حكاه ابن عبد ربه قال قدم أمير المؤمنين المنصور مكة حاجا فنزل في دار ~~الندوة وكان يخرج في آخر الليل إلى الطواف فيطوف ويصلي ولا يعلم به احد من ~~الناس فإذا طلع الفجر رجع إلى دار الندوة وجاء المؤذنون فسلموا عليه ثم ~~تقام الصلاة فيصلي بالناس قال فخرج ذات ليلة ms120 حين أسحر فبينما هو يطوف إذ ~~سمع رجلا عند الملتزم وهو يقول اللهم أشكو إليك ظهور البغي والفساد في ~~الأرض وما يحول # PageV01P734 # بين الحق واهله من الظلم والطمع قال فأسرع المنصور في مشيه حتى ملأ ~~مسامعه من قوله فرجع فجلس ناحية من المسجد وأرسل إليه فدعاه فلما حضر قال ~~له المنصور ما هذا الذي سمعتك تقول من ظهور البغي والفساد في الأرض وما ~~يحول بين الحق واهله من الطمع # فقال الرجل إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصلها قال له المنصور ~~أنت آمن على نفسك فقال الرجل يا أمير المؤمنين إن الله تعالى استرعاك أمور ~~المسلمين وأموالهم فأهملت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم وجعلت بينك وبينهم ~~حجاجا من الجص والآجر وأبوابا من الحديد وحجبة معهم السلاح ثم سجنت نفسك ~~فيها وبعثت عمالك في جمع الأموال وجبايتها واتخذت وزراء ظلمة وأعوانا غشمة ~~إن # PageV01P735 # نسيت لم يذكروك وإن أحسنت لم يعينوك ثم قويتهم على ظلم الناس إلا فلان ~~وفلان نفر سميتهم ولم تأمر بإدخال المظلوم ولا الملهوف ولا الجائع ولا ~~العاري ولا الضعيف الفقير ولا أحد إلا وله في هذا المال حق فلما رآك هؤلاء ~~النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك قد صنعت هذا كله قالوا هذا ~~قد خان الله فما بالنا لا نخونه وقد سخره الله لنا فائتمروا على أن لا ~~يوصلوا من أخبار رعيتك إلا ما أرادوا ومتى أخرجت عاملا فخالفهم في أمر ~~أقصوه وأبعدوه وبلغوك عنه المكروه حتى يسقط من عينك فلما اشتهر ذلك عنهم ~~أعظمهم الناس وهابوهم فكان أول من صانعهم بالهدايا والأموال عمالك ليتفقوا ~~على ظلم الرعية ثم فعل ذلك أهل القدرة والثروة من رعيتك لينالوا ظلم من ~~هودونهم من الرعية فامتلأت بلاد الله بالطمع بغيا وفسادا وصار هؤلاء القوم ~~شركاؤك في سلطانك وأنت غافل فإن جاء متظلم حيل بينه وبين الدخول إليك وإن ~~أراد قصة إليك عند ظهورك لم يأخذها أحد وإن أخذها لم يوصلها إليك وإذا ~~استغاث بك مظلوم بأعلا صوته ضربوه ضربا شديدا ms121 فما بقاء الإسلام بعد ذلك ~~ولقد كان بنوا أمية لا ينتهي # PageV01P736 # إليهم المظلوم إلا رفعت ظلامته وكان الرجل يأتي من أقصى البلاد حتى يبلغ ~~باب سلطانهم فيتنادى بأعلا صوته يا أهل الأسلام فيبتدرون إليه ويقولون مالك ~~مالك فيدفعون ظلامته إلى سلطانهم فينصف بينه وبين ظالمه # ولقد كنت يا امير المؤمنين أسافر إلى بلاد الصين وبها ملك قد ذهب سمعه ~~فجعل يبكي فقال له وزراؤه لابكت عيناك أيها الملك مم بكاؤك فقال لست أبكي ~~على ذهاب سمعي وأنما أبكي لأن المظلوم يقف بالباب يصرخ فلا أسمعه ثم قال ~~لئن كان ذهب سمعي فما ذهب بصري نادوا في الناس لا يلبس ثوبا أحمر إلا مظلوم ~~وكان يركب في كل يوم فيله ويخرج لعله يرى مظلوما هذا يا أمير المؤمنين مشرك ~~بالله تعالى قد غلبت عليه الرأفه على المشركين وأنت مؤمن بالله تعالى وابن ~~عم نبيه لاتغلبنك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك فما تقول إذا نزع الله منك ~~ملك الدنيا ودعاك إلى الحساب هل ينفعك الندم إذا زلت بك القدم قال فبكى ~~المنصور وأعلن بالنحيب ثم قال يا ليتني لم أخلق ثم قال كيف احتيالي ولم أر ~~من الناس إلا خائنا فقال الرجل يا أمير المؤمنين عليك بالأئمة المرشدين قال ~~ومن هم قال العلماء قال فقد فروا عني وهربوا مني قال إنما فروا عنك وهربوا ~~مخافة أن تحملهم على ماظهر منك من قبل عمالك # PageV01P737 # ولكن افتح الباب وسهل الحجاب وانصر المظلوم وخذ االمال من حله واقسمه في ~~أهله وأنا ضامن لك أن من هرب منك يأتيك فيعاونك على صلاح أمرك # فقال المنصور اللهم وفقني أن أعمل بما قال هذا الرجل ثم جاء المؤذنون ~~فسلموا عليه وأقيمت الصلاة فخرج يصلي بالناس وقال للحرس عليك بحفظ هذا ~~الرجل حتى أفرغ من الصلاة فلما فرغت الصلاة التفت الحرس يطلب الرجل في ~~موضعه فلم يره فأخبر المنصور بذلك فاشتد غضبه على الحرس وقال لئن لم يأتني ~~به لأضربن عنقك فخرج الحرس يطوف عليه وإذا به في بعض ms122 الشعاب قائم يصلي ~~الضحى فقال له أجب أمير المؤمنين قال ليس إلى ذلك من سبيل قال لأنه قد زعم ~~ليضربن عنقي إن لم آته بك قال إنه لن يقدر على ذلك ثم أخرج من جبته رقعة ~~مكتوبة وقال اجعل هذا في جيبك فإن فيها دعاء الفرج # PageV01P738 # فإنه إذا رآك ذهب غيظه وخشع قلبه وأوصل إليك ما يسرك فقال له الحرس يرحمك ~~الله فما دعاء الفرج قال من دعا به صباحا ومساء ذهبت ذنوبه ودام سروره وبسط ~~الله في رزقه وأعانه على عدوه وكان امنا من ظلم الجبارين ولايموت إلا شهيدا ~~قال الحرس ثم كأنه حصاة ملح ذابت فلم أر له أثرا فرجع الحرس إلى المنصور ~~فلما دخل عليه نظر إليه وتبسم وقال ويلك أتحسن السحر قال لا والله ياأمير ~~المؤمنين ولكني وجدته وكان من حديثه كذا وكذا فقال المنصور ادفع إلي الرقعة ~~فدفعها إليه فنظر فينها وجعل يبكي ثم أمر بنسخها وأمر للحرس بعشرة الاف ~~درهم وقال أتعرفون من كان الرجل قال الحاضرون لا يا أمير المؤمنين قال ذاك ~~هو الخضر عليه السلام ثم دفع الرقعة إلى من قرأها على الحاضرين فكان فيها ~~اللهم # PageV01P739 # كما لطفت بقدرتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء وعلمت ما تحت أرجل ~~ارضك كعلمك بما فوق عرشك وكانت الوساوس كالعلانية عندك وعلانية القول كالسر ~~في علمك وانقاد كل شيء لعظمتك وخضع كل ذي سلطان لسلطانك وصار أمر الدنيا ~~والآخر كله بيدك اجعل لي من كل هم أمسيت فيه فرجا ومخرجا اللهم إن عفوك عن ~~ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك عن قبيح عملي أطمعني أن أسألك مالا استوجبه ~~مما قصرت فيه أدعوك امنا وأسألك مستأنسا وأنت المحسن إلي وأنا المسيء إلى ~~نفسي فيما بيني وبينك تتودد إلي وأتبغض إليك ولكن الثقة بك حملتني على ~~الجرأة عليك فعد بفضلك وأحسانك علي وأنت التواب الرحيم قال فلما رجع ~~المنصور إلى بغداد استبدل عماله وحجابه ثم إنه فتح الباب وسهل الحجاب ولم ~~يزل عاملا بقوله حتى مات # PageV01P741 ### | الروضة الخامسة ms123 # ما حكاه الفضل بن الربيع قال لما حج الرشيد حججت معه فبينما أنا نائم ذات ~~لية إذا سمعت قرع االباب فخرجت فوجدته الرشيد فقلت يا أمير المؤمنين لو ~~أرسلت إلى أتيتك فقال ويحك إنه قد حاك في صدري شيء فانظر لي رجلا أسأله ~~فقلت إن ههنا سفيان بن عيينة فقال امض بنا إليه فأتياه فقرعت عليه الباب ~~فقال من هذا فقلت # PageV01P742 # أجب أمير المؤمنين فخرج مسرعا فقال يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك ~~فقال خذ لما جئناك به يرحمك الله فحادثه ساعة ثم قال له أعليك دين قال نعم ~~يا أمير المؤمنين قال يا أبا العباس اقض دينه ثم انصرفنا فقال ما أغنى عنى ~~صاحبك شيئا فانظر لي رجلا أسأله فقلت ههنا عبد الرازق بن همام قال امض بنا ~~إليه فأتيناه فقرعت عليه الباب فقال من هذا قلت أجب أمير المؤمنين فخرج ~~مسرعا فقال يا أمير الم منين لو أرسلت إلي أتيتك فقال خذ لما جئناك له ~~يرحمك الله فحادثه ساعة ثم قال له أعليك دين قال نعم يا أمير المؤمنين قال ~~يا أبا العباس اقض دينه ثم انصرفنا من عنده فقال ما أغنى عني صاحبك شيئا ~~فانظر لي رجلا أسأله قلت هذا الفضيل بن عياض فقال امض بنا إليه فأتيناه # PageV01P743 # فسمعناه يقرأ آية من كتاب الله تعالى وهو يرددها فقرعت عليه الباب فأوجز ~~في صلاته وقال من هذا قلت أجب أمير المؤمنين فقال ما لي ولأمير المؤمنين ~~قلت سبحان الله أما عليك طاعته فنزل وفتح الباب ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ ~~السراج ثم التجأ إلى زاوية وأخفى حسه فجعلنا نجول عليه بأدينا فسبقت كف ~~الرشيد إليه فقال آه من كف ما ألينها إن نجت غدا من عذاب الله تعالى فقلت ~~في نفسي ليكلمنه الليلة بكلام من قلب تقي فقال الرشيد خذ لما جئناك له ~~يرحمك الله فقال يا أمير المؤمنين إن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما ~~ولى الخلافة دعا سالم بن عبد الله بن عمر ms124 ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن ~~حيوة وقال لهم إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا على ما أصنع فعد الخلافة ~~بلاء وانت وأصحابك تعدونها نعمة # فقال له سالم بن عبد الله إن أردت النجاة من عذاب الله عز وجل فصم عن ~~الدنيا وليكن إفطارك منها الموت وقال له محمد بن كعب إن أردت # PageV01P744 # النجاة غدا من عذاب الله تعالى فليكن كبير المسلمين لك أبا ووسطهم عندك ~~أخا وصغيرهم عندك ولدا فوقر أباك وارحم أخاك وتحنن على ولدك وقال رجاء بن ~~حيوة إن أردت النجاة غدا من عذاب الله تعالى فأحب للمسلمين ما تحبه لنفسك ~~وأكره لهم ما تكره لنفسك ثم مت متى شئت فهل عندك يا أمير المؤمنين مثل ~~هؤلأء القوم او من يأمرك بمثل هذا الأمر وإني لأقول لك هذا وأخاف عليك أشد ~~الخوف يوم تزل الأقدام قال فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشى عليه فقلت له ~~يرحمك الله أرفق بأمير المؤمنين فقال يا ابن الربيع تقتله أنت وأصحابك ~~وأرفق أنا به فلما أفاق قال زدني قال يا امير المؤمنين بلغني أن عاملا لعمر ~~بن عبد العزيز رضي الله عنه شكى إليه فكتب إليه عمر يا أخي أذكر سهر أهل ~~النار في النار وخلود الأبدان فإن ذلك يطردك إلى ربك نائما ويقظانا وإياك ~~أن تزل بك قدمك عن هذه السبيل فيكون آخر العهد بك منقطع الرجاء منك فلما ~~قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم عليه فقال له ما أقدمك علي فقال خلعت قلبي ~~بكتابك فوالله ما وليت لك ولاية قط حتى # PageV01P745 # ألقى الله تعالى قال فبكى هارون بكاء شديدا ثم قال له زدني رحمك الله ~~فقال يا أمير المؤمنين إن العباس عم النبي ص = جاء إليه وقال يا رسول الله ~~أمرني إمارة فقال له رسول الله ص = يا عباس يا عم النبي نفس تحييها خير لك ~~من إمارة لا تحصيها إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت أن لا ~~تكون أميرا فافعل # قال فبكى هارون ثم قال له ms125 زدني يرحمك الله قال ياحسن الوجه أنت الذي ~~يسألك الله تعالى عن هذا الخلق يوم القيامة فإن استعطعت أن تقي هذا الوجه ~~من النار فافعل وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لرعيتك فقد قال رسول الله ~~ص = من أصبح غاشا لرعيته لم يرح رائحة الجنة قال فاشتد بكاء هارون فأمسك ~~عنه الفضيل فلما أفاق قال هل عليك دين قال الفضيل نعم دين لربي لم يحاسبني ~~عليه فالويل لي إن حاسبني والويل لي إن لم يلهمني حجتي فقال الرشيد إنما ~~أردت دين العباد قال لا فإن ربي لم يأمرني بذلك بل أمرني # PageV01P746 # أن أصدق وعده وأطيع أمره قال الله تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو ~~القوة المتين} # فقال له هارون هذه ألف دينار خذها وأنفقها على عيالك وتقو بها على عبادة ~~ربك فهي من وجه الحل فقال سبحان الله أنا أدلك على النجاة وأنت تدعوني إلى ~~النار # ثم صمت فلم يكلمنا فخرجنا من عنده فلما صرنا على الباب سمعنا امرأة من ~~نسائه تقول يا هذا قد ترى ما نحن فيه من الضائقة وسوء الحال فلو قبلت منه ~~هذا المال لتقوتنا به زمننا فقال لها إنما مثلي ومثلكم كقوم لهم بعير ~~يأكلون من كسبه فلما كبر وعجز عن الكسب نحروه وأكلوا لحمه قال فلما سمع ~~الرشيد ذلك قال يا ضل ادخل بنا إليه فلعله يقبل منا هذا المال فدخلنا عليه ~~ثانيا فما أحس بنا خرج فجلس على السطح على التراب فجلس الرشيد إلى جانبه ~~وجعل يكلمه فلم يجبه فخرجت جارية سوداء فقالت يا هذا قد آذيت الشيخ منذ ~~الليلة فانصرف عنه يرحمك الله قال فلما خرجنا من عنده قال لي الرشيد إذا ~~دللتني على رجل فدلني على مثل هذا الرجل هذا اليوم سيد المسلمين # وأما الطبقة الثالثة من الملوك فهم الأكثرون قلوبهم قسية وأنفسهم # PageV01P747 # عصية يؤثرون اللذات على أمور الديانات وفي المشاهدة منهم بالأبصار كفاية ~~عن ms126 الأخبار وقد انتهينا بكتابنا هذا إلى ما حاولناه وأوردنا فيه ما أردناه ~~وأتينا بما ضمناه بعد ما أوضحناه وذلك وسع الطاقة وجهد المقل وعلى الله ~~أتوكل وبه أستعين وهو حسبي ونعم الوكيل والحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا ~~وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين وعل آله وصحبه وسلامه PageV01P748 ms127