######OpenITI# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم ~~مقدمة الشيخ المصنف ~~الحمد لله الذي لا كيف لكيفه ، ولا شيء لمثله ، ولا أين لمكانه، ولا ~~حين لزمنه، ولا حيث أين هو، ولا أين حيث هو، كيف هو وهو كما هو، ~~ليس كمثله شيء وهو السميع العليم، وصلواته على رسوله محمد وآله سيد ~~المرسلين، وأصحابه الطيبين الطاهرين المتقين الأخيار. # أما بعد: فإن هذا شرح كتاب الأنفاس التي جمعها الإمامان ~~الكبيران سيدا أهل المعرفة قدوتا مشايخ الصوفية أبو القاسم الجنيد محمد ، ~~وأبو العباس أحمد بن عطاء قدس الله أرواحهما، فجمعا جميعا في هذا ~~الكتاب ما صح وثبت عندهما من ألفاظهما، وألفاظ المشايخ الكبار بعدما ~~التقطا ألفاظا صحاحا، وعرضا على العقل والشرع، والمعرفة جميعا، فما وافق ~~الحق، والتزم الصدق، وعرفوها أنه صدق أوردها في هذا الكتاب، وإن كان ~~ألفاظها بظواهرها ينبو عقول المنكرين عنها غير أنهم أوجزوا هذه الألفاظ ~~وغموها تغمية ضنة بها على غير أهلها لا بخلا منهم بها على أهلها، لكن ~~الأهلون حرموا عنها ضرورة لإجمالها، وها أنا شارع في شرحها، وأسأل الله ~~التسهيل، والتيسير إنه خبير بصير، وعلى ما يشاء قدير. # 93 ~~94 ~~فصل ~~اعلم أنك تحتاج في هذا الكتاب إلى معرفة النفس، والقلب، والسر، ~~والخفي، وما فوقها لتسهل عليك معرفة معاني ألفاظهم، وعباراتهم، وأقوالهم إن ~~لم تكن من أهل المكاشفة يتسارع إليك مكاشفتها تفهم معاني ألفاظهم سريعا ~~وإنما يعرف ذلك بمطالعة الشكل والصورة التي كتبتها في كتاب مرآة ~~الآرواح التي اسمها صورة الوجاه، وفيه شرح النفس، والقلب، والسر، ~~والخفي، وما فوقها من عالم القدرة، والصفات، ونشير هاهنا إليها على سبيل ~~الاقتصاد. # فنقول: إن بدن الإنسان بجوارحها هي ما تشاهدها ، ثم النفس فيها ~~جسم لطيف على شكل البدن فلطافتها كالهواء ، وهى أكبر من البدن لبعض ~~الناس حتى يكون بمقدار جبل عظيم، وبمقدار ما بين السماء والأرض، وأكبر ~~من ذلك، وهو مع ذلك في ذلك البدن مكتنز فيه مركبة كالرائحة في قطعة من ~~العود مثلا، فإذا خرج بالإحراق يمتلأ البيت منها، قال الله تعالى: ~~(في أي ms001 صورة ما شاء ركبك) [الانفطار:8]، يعني بالصورة: البدن، ثم القلب ~~في قلب النفس، كما أن قلب النفس في قلب البدن، ثم هذا القلب الذي في قلب ~~النفس محل العقل ، والروح المسمى بالسر، فالعقل في جانب ، وهذا الروح في ~~جانب، وهذا الروح أكبر من العقل، وألطف منه، ثم فوق السر روح آخر ~~يسمونه خفيا هو ألطف من السر، وأعظم منه، وهو قلب السر، كما أن السر قلب ~~القلب الذي هو في قلب النفس ، ثم الخفي قريب من عالم القدرة وهم يسمون ~~95 ~~الخفي الروح الأقرب ، ويسمون القدرة الروح الأعلى ، ويقولون : هذا روح ~~قديم، وهذا غير بعيد، لأنه قدرة الله تعالى و هي قديمة على أهل السنة غير أن ~~الناس يشنعون عليهم من قوتهم : إن الروح قديم ، وهذا على التفسير غير مشنع ~~إلا عند من يميل إلى مذهب الاعتزال، ثم إنهم إنما يسمونها روحا أعلى لأنها ~~صفة الله تعالى فكان أعلى ضرورة، وإنما سموها روحا لأنهم رأوا إن كل كائن بها، ~~وكل موجود موجود بها، وكل محدث محدث بها، وكل مخلوق مخلوق بها، وكل ~~باق باق بها، وكل قائم قائم بها، ولذا جلال كل جليل بها، وجمال كل جميل بها، ~~وبهاء كل بهي بها ، فقالوا: هى روح الأرواح كلها ، وحياة المكونات بأسرها ، ~~وهذا على هذا التفسير غير منكر عليهم، ثم هذه الأرواح والنفوس التي ذكرناها ~~بعضها فوق بعض رتبة، كما ذكرنا وكل ما كان أعلى كان ألطف وأكبر، وتفاوت ~~لطافتها على ضعاف ما عرف من التفاوت بين النفس، والبدن تفهم إن شاء الله ~~وحده. # 96 ~~فصل ~~ثم اعلم أنهم سموا هذا الكتاب كتاب الأنفاس لكونها مشتملة على ~~بيان الأنفاس التي نذكرها بعد هذا، وهي أحد عشر بابا، وفيها باب واحد إنما هو ~~باب الأنفاس تخصيصا لها من بين الأبواب؛ لأنها منها كان أقرب إلى ما يذكر من ~~بعد من تفسير الأنفاس ، مع أن المعاني التي نذكرها في جميع الأبواب هي أنفاس ~~أيضا ، لكنها أنواع من جنس الأنفاس [.........] ذكر في الباب الأول هي ms002 ~~نفس عن كل النفائس بانفراد عنها، والمحبة تنفس عن الخيبة، والغفلة، والغربة، ~~والفكرة، والعلم تنفس عن الجهل [.......] المعرفة، وعلى هذا فقس إذا عرفت ~~ذلك فاعلم أن الأنفاس جمع النفس ، وهى اسم لغوى في لغة العرب لا بد من ~~معرفته لغة ، وهو ريح متردد في الإنسان إلى جوفه من خارج، ومن جوفه إلى ~~خارج من طريق 8000،ظن أن الروح والنفس بسكون الفاء والنفس متحرك ~~الفاء واحد، وهو الريح المتردد في الإنسان، قالوا: أما الروح هو الريح بدليل أنهما ~~يجمعان على كلمة واحدة وهى الأرواح في جمع الروح ظاهر ، وأما في جمع الريح ~~قال الشاعر: ~~ألا حبذا الأرواح والبلد القفر ~~يعني : ألا حبذا الرياح، وإذا ثبت ذلك لزم أن تكون روح الإنسان هو ~~الريح المختص به الذي لولاه يموت الحيوان ، وما إلى ذلك إلا الريح المتردد فيه ~~الذي نسميه نفسا مفتوح الفاء إذ لولاه لمات الإنسان دليله المتحقق، وإذا ثبت أن ~~97 ~~عند أهل اللغة الروح هو الريح المتردد في الإنسان فكذلك عندهم هو الريح لا ~~غير . هذا متعارف مشهور عند العامة، فضلا عن الخواص يقولون انقطع نفس ~~المريض إذا مات، و انقطع تردد الريح فيه ولم ينقطع نفسه بعد، أي بقي رمقه بعد ~~وهذا ظاهر ، وروي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الريح ، فإنها نفس الرحمن ~~سمى الريح نفسا. # أما اصطلاح هؤلاء المشايخ يريدون بالنفس متحرك الفاء : ما يتروح به ~~الصوفي، ويتسلى به السالك في طريق الله السائرين إلى الله تعالى ويستريح به عما ~~هو فيه من حرقة المحبة، وكلفة الحال عليه ، ومشقة الشوق إليه، والمشابهة من ~~اصطلاحهم هذا. # ومن اصطلاح أهل اللغة: أن الحيوان يستريح بنفسه الذي هو الريح ~~المتردد فيه ، ويلائمه ذلك الاسترواح حتى لو أمسك عنه ذلك الريح المتردد فيه ~~هلك في الحال ، وقد وجد ذلك في أنفاسهم المصطلحة بينهم ؛ لأن الصوفي ~~يستريح بذلك النفس حتى لو أمسك فيه ربما هلك في الحال، ثم إن ذلك النفس ~~ربما يكون قولا، وربما يكون فعلا، وربما ms003 يكون تأوها، وأنينا، وصياحا على ما ~~يعرف زيادة الشرح لذلك عند شرح الألفاظ في الأبواب هذا في أنفاس العباد. # فأما الأنفاس الرحمانية : فالمراد منها تجلي صفات الذات ، أو صفات ~~الفعل، والقول على ما يعرف عند شرح الألفاظ، وإنما سموه بذلك تشبيها بنفس ~~الصبح، إذا تجلى من ظلمة الليل، وتجلي الصفات يشبه ذلك، ولا يفهم ذلك إلا ~~البالغون. # 98 ~~أما قول صلى الله عليه وسلم : إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن يعني إني لأجد ~~أنوار الكبرياء من قبل اليمن، ولم يرد به أرض اليمن غير أنه لما وقع اليمن من ~~يمين المتوجه إلى صوب المتوجه المشرق في ديار الحجاز ذكر اليمن وأراد اليمين . # ولذلك التفسير أصل لا ينشرح بدون معرفة ذلك الأصل، وذلك الأصل ~~لا يعرف إلا بمعاينة هذا التجلي مرارا كثيرة في جهات جمة من الآفاق، أو يعرف ~~بخير من يعاين بعين القلب فمن قبل خبره إيمانا فهم هذا التفسير، وإلا فلا ~~وذلك أن المرتقي إلى أعلى العليين، أو النازل إلى أسفل السافلين أو السائر إلى ~~صوب يمين، أو يسار، أو خلف، أو قدام، أو عرج حتى خرج من عالم الملكوت ~~وسار إلى ما وراءه ما لا نهاية له، ثم تجلى له ذلك الوصف، حيث هو فإنما يشاهد ~~غلبتها، وازدحامها من يمنه ثم لا من يمينه ثم أعنى من يمينه ثم يمين المتوجه إلى ~~صوب المشرق حتى أنه لو توجه إلى المغرب واستدبر المشرق ثم تجلى له ذلك ~~النور من الكبرياء لرآه من قبل شماله ؛ لأن شماله الآن عين المتوجه إلى صوب ~~المشرق تفهم جيدا جدا أن شاء الله. # فإن قال قائل: روي في خبر آخر أنه صلى الله عليه وسلم كان جالسا مستدبر اليمن فقال: ~~99 ~~إني لأجد نفس الرحمن من هاهنا وأشار إلى خلفه. # قلنا : صح ذلك وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن اليمن من قبل عين المتوجه إلى ~~صوب المشرق في جميع ديار الحجاز ، وهو صلوات الله عليه كان الآن مستدبرا ~~لليمني فكان غلبة ms004 نور الكبرياء من خلفه نحو اليمن، وهكذا يكون لأصحاب ~~المعاريج لذا كان في ديار الحجاز وتجلى له ذلك الصفة ، وإنما يتجلى من قبل اليمن ~~سواء كان مستدبرا لليمن، أو مستقبلا أو مستيمن، أو مستيسرا، وإن كان على ~~جبل قاف وراء اليمن فإنما يتجلى له ذلك الصفة من جانب يمين من توجه ثم إلى ~~صوب المشرق لا من قبل اليمن؛ لأن اليمن ثم من جانب اليسار. # وفيما ذكرناه من البيان ظهر النفي مكان الأجسام، حيث لم يلزم أرض ~~اليمن في ذلك التجلي تفهم إن شاء الله وحده. # وبذلك يبطل قول من يقول: إن هذا التجلي خيال يظهر في مخيلة الدماغ. # أو القلب، إذا لو كان كذلك لما اختص بقبل اليمن، واختلف بالتيامن، والتياسر، ~~والاستقبال، والاستدبار، ودار حيث ما دار القلب، والدماغ وليس كذلك فبطل ~~قول الفلسفي. # اعلم أن هذا النور الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم «نفس الرحمن» هو الذي سماه ~~علي بن أبى طالب علمه : «نور صبح الأزل» في جواب السائل الذي سأله عن ~~الحقيقة ، فقال : الحقيقة نور يشرق في صبح الأزل فيلوح على هياكل التوحيد ~~آثاره، وقد مر في كتاب: «الآزال والآباد» وإنما سيماه بذلك لأنها نور متنفس من ~~100 ~~ظلمة الأزل كالصبح المتنفس من ظلمة الليل ، ثم مقامات المشاهدين لذلك ~~متفاوتة، منهم من يرى كأول تنفس الصبح مختلطا بظلمات الليل الأزلي، ومنهم ~~من يرى مسفرا، ومنهم من يرى كعند اقتران الشمس من الطلوع، ومنهم من ~~يرى شمسا طالعا ثم شموسا طوالع تفهم إن شاء الله وحده. # 101 فصل ~~ثم اعلم أن من أدرك تفسير ألفاظ قوم لابد أن يحمل على ما أوردها ~~ويفسر على ما اصطلحوا عليها، وإلا كان تفسيره مزيدا في الإجمال، وإرشادا إلى ~~الجهل والضلال، ولا يهتدي إلى مثل ذلك التفسير إلا من علم علومهم، ولسانهم ~~و لا سبيل إلى ذلك مشاهدة، ومشافهة منهم إلا(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت) ~~[البقرة : 134] فلم يبق طريق إذا، إلا أن يعرف حرفتهم، وصنائعهم، وما كانوا ~~يتعاملونها ms005 فيما بينهم من العدد، والأدوات ويستعملونها من الآلات، ويشاركهم ~~في الأعمال ، والاستعمال ، ويقتدى بهم فيما سبقوه فيقف على معاني أقوالهم، ~~وماهيات أعمالهم بالارتقاء على مقاماتهم، ومنازلهم، فيشاهد أحوالهم، وأفعالهم. # وإن هؤلاء المشايخ أعنى أئمة الصوفية كانت آلاتهم القلوب، وأدواتهم ~~الأرواح، وعددهم الهم، وأقوالهم الأسرار، وأعمالهم المعاريج، ودأبهم الوقوف ~~بالدوام بين يدي الله تعالى متوجها إليه، متوكلا عليه، فارا عن كل ما لديه سواه، ~~قالوا: لا إله إلا الله أي: لا شيء إلا الله، ولا موجود إلا الله، ولا باق إلا الله، ولا ~~دائم إلا الله، ولا إله إلا الله، كما قال الله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) ~~[القصص:88] معناه كل شيء لا شيء إلا الله، وكل موجود فان إلا الله، وشددوا ~~في ذلك المضايقة حتى قالوا: «من أحب الله لبره فهو مشرك بالبار، ومن شكر الله ~~لنعمه فقد أشرك، ومن نظر إلى غير الله فقد ارتد ، من علم الغير عند معرفة الله ~~فهو بالله جاهل، ومن ذكر عند ذكر الله غير الله فهو عابد الوثن». # ومن هنا قالوا: إن الصوفي لا يجد رائحة التوحيد إلا بالفناء، وقالوا: لو ~~رأى الموحد توحيده فقد أشرك. # والتوحيد عندهم ألا يذكر شيئا إلا الله تعالى، ولا يعلم شيء إلا هو، ولا ~~102 ~~يفهم شيء سواه، ويجب ذاته لذاته ويريد ذاته لذاته، ويشكر ذاته لذاته، ويخاف ~~ذاته لذاته، ويرجو ذاته لذاته، وعلى هذا الترتيب هو التوحيد عندهم، فافهم. # فإن قال قائل : الله تعالى ترجو رحمته ويخافون عذابه في وصف المؤمنين. # قلنا : هذا في صف المؤمنين دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ~~والأولياء، وقال الله في وصفهم: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا ~~يخشون أحدا إلا الله) [الأحزاب:39]. # وقال : (يحبهم ويحبونه) [المائدة : 54]. # وقال: (ولاةتطرد نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه) [الأنعام : 52] أي: ذاته. # وقال تعالى: (ويحذركم الله نفسه) [آل عمران:28]، أي: ذاته، وقال: ~~(وإلى ربك فارغب) [الشرح: 8]. # وقال: (الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) [الشورى:13]، ~~وقال النبي صلى الله عليه ms006 وسلم «إني أعوذ بك منك». # كل ذلك وأمثالها في القرآن والأخبار مؤكدة لمقالة هؤلاء الأئمة الصوفية، ~~فافهم إذا عرفت ذلك سهل عليك معرفة معاني ألفاظهم حملا على وفاق مذهبهم ~~مدخلا ومخرجا، كفرا وإسلاما، شركا وتوحيدا، والله ولى التوفيق. # 103 ~~باب صفة الهرب ~~اعلم أن الهرب في اللغة هو الفرار عن المكروه ، وفي الطريق هو الفتور ~~أي : الضعف عن السير والترقي. # وفي الحقيقة هو الالتفات إلى غير الحق ، وأما التوفيق على غير الحق انقطاع ~~عندهم. # ذكر في الباب حكاية قال : «كان ذو النون يحدث يوما في علم التجريد ، ~~والناس يبكون ورجل يضحك، فقال ذو النون: أسكت ضحكك أي: اسكت ~~عن ضحكك، فقال: صم حتى أسكت، فأراد ذو النون أن يأخذه، فطار إلى ~~السماء، فقال ذو النون : ما كان فرحه إلا من حزن باطنه، وما بكاؤكم إلا من ~~أنفسكم، قالوا: وكان الطائر إبراهيم الخواص» . # قوله : «صم حتى أسكت» يعني : اصمت أنت حتى أسكت أنا، فإن ~~ضحكي عن كلامك ظاهر، وبكائي عنه باطن أبكى وأضحك فرحا وحزنا بما ~~أسمع، ولما أسمع. # وإنما أورد هذه الحكاية بهذه الإشارة إلى أن طيرانه كان هربا وتنفسا إلى ~~غير حق، من حيث أن فيه دعوى الكرامة معنى بمحضر جمع، وهذا التفات إلى ~~غير الحق، وعمل بطيب قلبه، وإرادة نفسه، ولأنه كان ضحكه تنفسا من حزن ~~باطنه تفهم إن شاء الله وحده. # وقال ذو النون: سموا الأبرار، لأنهم عرفوا الله، وعرفوا أحديته، وعرفوا ~~المقام ببابه. # حوله : «عرفوا المقام ببابه» يعني عرفوا غوامض الهرب ، واحترزوا عنها ~~104 ~~بالمقام على بابه من كل وجه، والمقام من كل وجه هو المقام بالبدن، والنفس، ~~والقلب، والعقل، والروح المسمى سرا وهو الهمة. # وقال ذو النون: «من لم يهرب فهو على النار، ومن في النار فهو مشير ، ~~ومن علم الإشارة فوجده» يعني أن السالك في طريق التصوف إن لم يهرب عنها ~~فهو على النار أي على الشدة والمشقة العظيمة من كلف الطريقة ، أو طلب المزيد ~~من عالم الحقيقة. # قوله : «ومن علم الإشارة فوجده» أي: ms007 من علم صوب الإشارة وصار ~~محققا في صوب الإشارة ، والأصح أن يقال : من لم يهرب ؛ فهو على نار الشدة ، ~~والمشقة، وإنما صبر ولم يهرب، لأنه مشير أي: يظن أنه أصاب المطلوب، ومن علم ~~أنه مشير مخطئ في إشارته وظنه وجده ، لأنه تجاوز عن مكر الإشارة. # وقال: «إن الله تعالى لا يمنع بره من حضر بابه)، والحضور الاضطرار ~~على بابه، وبابه الرضا، وعطاؤه المعرفة ، والمشاهدة ، وعلامة المعرفة ألا ينسى ~~ذكره بقلبه وعلامة المشاهدة أن لا يفطر إلى من سواه ، فسر الحضور : بالاضطرار ~~إلى الباب، وفسر الباب: بالرضا بما قضى من العطاء يعني من اضطر إلى الرضا بما ~~قضى من العطاء لا يمنع منه عطاؤه ، وهو المعرفة والمشاهدة ، ثم جعل علامة ~~عطية المعرفة ألا ينساه ، ويدوم ذكره في قلبه ، وسره ، وجعل علامة المشاهدة ~~الموهوبة من الله تعالى : ألا ينظر إلى غير الله تعالى، وإنما يعني بالنظر إلى غير الله ~~تعالى، نظر السر، وإلا خفي الذي شاهده بها لا نظر الوجه، والمراد من النظر عقد ~~السر، والهمة على شيء غير الله تعالى. # وقال: «إن الله تعالى يدعو لمن هربه، ويعطى لمن حرمه»، وليس من صفة ~~الله تعالى أن يمنع بره من أحد، ومن لم يجد علامته فدلالته أن مجيء الهارب أقرب ~~105 ~~إلى الله تعالى من المطيع فمن عرف هربه ويرجع، وجد الله أقرب إليه من حبل ~~الوريد ، وفي نسخة الهارب أقرب إلى الله تعالى من المطيع فمن عرف هربه فقد ~~رجع، ومن رجع وجد الله أقرب إليه من حبل الوريد، يعني يدعو من هرب منه ~~على ألسنة الرسل، فقال الله تعالى : (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) أي: بأمره، حيث قال: ~~(اذع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) وقوله : «ويعطى لمن ~~حرمه»، كما أعطى مصر لفرعون، والكنوز لقارون، وفال: (وآتيناه من الكنوز) ~~[القصص: 76]. # قوله : «ومن لم يجد علامته» ، أي : لم يجد العلم بما قلت ، فدلالته أن مجيء ~~الهارب إلى الله تعالى أقر ، وهذا مجرب ms008 عندهم ، إن من فتر عن الذكر والمراقبة أياما ~~في مقامات الطريقة أو توقف عن الارتقاء ، وطلب المزيد في عالم الحقيقة ، ثم عاد ~~كان أقوى، وأسرع إلى المقصود من المطيع القائم الدائم على شأنه وذلك من شدة ~~إرادة الله الخير بعباده لو كسل واحد منهم جذبه إليه باللطف، وإن لم يأت ~~فبالعنف والسلاسل كالوالد يدعو ولده إلى التعلم بالرشد، فإن أبى فبالسوط، ~~وإن كان الولد رشيدا يخليه إلى رشده. # وقال : «الهرب الوحشة في العيودية» يعني بالوحشة : التكاسل والتباعد ~~عن العبودية ، ولا يعني بالعبودية العبادة، و إنما يعني بها الخاصية التي يصير بها ~~العبد عبدا، وهى التذلل والتواضع، كما عرف في كتاب «إصلاح الأخلاق» وفي ~~106 ~~كتاب «مهمات الواصلين». # قال : «وحال الهرب رد حكمه وترك أمره» إلى هاهنا كلام ذي النون رحمة ~~الله عليه ، وهذا كلام غيره ولم يسم قائله وكأنه توهم في صحة هذا التفسير ~~للهرب حيث لم يسم قائله أو ضعفه؛ لأنهم إذا ضعفوا كلام أحدا لا يسمون قائله ~~حفظا لحرمة ، ويقولون : قيل ويقال، ولو كان القائل معلوما مسمى ، وبيان ~~ضعف هذه الكلمة هو: أن رد حكم الله تعالى وترك أمره كفر في رده، ورده في ~~كفر عندهم، وفي الشريعة رد حكم الله تعالى كفر، وترك أمره فسق. # وقال : «الهرب النسيان» وهذا قريب، فإن النسيان ربيا يقع من البلغاء، ~~وإنما يعني به نسيانه وبه تعالى لحظة أو لحظتين وما فوقهما في السر، قال : «ويقال ~~الهرب وسخ المعصية» يعني أنه في الطريقة فوق المعصية في الشريعة وأقبح منها ~~قوله : «وسخ المعصية» أي : كوسخ المعصية. # قال : «ويقال الهرب نسيان التوبة وتسويفه» يعني يقال : إن الهرب في ~~الطريقة أو الحقيقة كنسيان التوبة وتأخيرها في الشريعة يعني أنه إن لم يكن كفرا ~~فهو من الكبائر العظام ؛ لأن تسويف التوبة و تأخيرها في الشريعة إصرار على ~~الذنب، والإصرار على الصغيرة كبيرة ، فكيف الإصرار على الكبيرة ، قال النبي ~~107 ~~صلى الله عليه وسلم لا صغيرة مع اصرار ، ولا كبيرة مع استغفار، فكذلك الفاتر عن سيره في ms009 ~~الطريقة ، والتفت إلى الغير في الحقيقة إن لم يرجع سريعا ، فهو كمسوف التوبة في ~~الشريعة ، وهذا قول ضعيف عندهم لأنهم يسمون الملتفت في الحقيقة والفاتر في ~~الطريقة هاربا ولو بلحظة، فأما من سوف الرجوع إلى شأنه لا يسمونه هاربا ~~وفاترا، بل يسمونه فاجرا، وكافرا. # قال : «ويقال الهرب العلم بالمعصية» يعني إن وقع ذلك منه ناسيا لا يعد ~~هربا، وإنما أراد به الهرب في الشريعة لا في الطريقة ؛ لأن المعصية في الشريعة هي ~~الصغيرة ، أو الكبيرة فلو وقع منه ناسيا كان معفو لقوله صلى الله عليه وسلم «رفع عن أمتي الخطأ ~~والنسيان وما استكرهوا عليه» ، وأما المعصية في الطريقة هي الفتور في التوقف ~~عن السير لحظة ، وذلك مأخوذ على المريدين، وإن وقع ناسيا، وكذلك الالتباس ~~في عالم الحقيقة إلى غير الحقيقة معصية مأخوذة على البالغ ، وإن كان ناسيا ولو كان ~~ذاكرا يسمى كاهلا مؤيدا فضلا عن كونه هاربا، اللهم إلا أن يكون كبيرا كاملا ~~قادرا على جمع كونا أن ينظر إلى غير الله تعالى فيقول : «السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين» فيقول الله تعالى في حقه (ما زاغ البصر وما طغى) [النجم : 17] ~~أي : لم يلتفت إلى غير الله تعالى ، فعلم بذلك أن لاحظ لهذه الكلمة في الحقيقية ~~والطريقة وإنما هي في الشريعة أن معصية الخاطئ والناسي ، والساهي معقولة ، ~~اللهم إلا أن يقول قائل منهم : أن للنسيان في الطريقة والحقيقة عذر، ولا أعلم ~~108 ~~ذلك من أحد منهم إنما المشهور من كبار أئمة الصوفية ما ذكرنا أن النسيان مأخوذ ~~على المريد ويدل على صدق مذهبهم قول الله تعالى : (وعصى آدم ربه قغوى) ~~[طه : 12] سماه عاصيا مع كونه ناسيا بدليل قول الله تبارك وتعالى: ~~(فنسي ولم نجد له عزما) [طه :115] فدل أن النسيان في حق البالغ ليس ~~بعذر ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال حسنات الأبرار سيئات المقربين فإذا كان حال ~~الحسنات هكذا فكيف حال السيئات، فافهم إن شاء الله وحده. # 109 ~~باب صفة الأنفاس ~~اعلم أن تفسير الأنفاس على مذهبهم قد ms010 مر في فصل مفرد من قبل. # قال أبو القاسم الجنيد بن محمد: «إن الله تعالى خلق القلوب وجعل ~~داخلها سره، وخلق الأنفاس وجعل مخرجها عن داخل القلب من السر والقلب، ~~ووضع معرفته وتوحيده في سرهء فما من نفس يخرج إلا بإشارة التوحيد على دلالة ~~المعرفة في بساط الاضطرار إلى الربوبية وكل نفس خلاف ذلك فهو ميت ، ~~وصاحبه مسئول عنه». # واعلم أنه أراد بالسر: الروح الا أقرب الذي هو قلب السر الذي نسميه ~~خفيا، وإنما حملناه على ذلك لأنه إضافة إلى اله تعالى. # بقوله: «وجعل داخلها سره» اي: سر الله تعالى، والروح الأقرب هو ~~الأخص باقه تعالى وبأسراره - جل وعلا - على ما عرف في كتاب «مرآة الأرواح» ~~ولأنه هو الموحد الذي يقوم فيه توحيد الله تعالى في عالم الفناء عند فناء كل ما ~~سواه. # قوله: «وجعل مخرجها من داخل القلب من السر والقلب» يعني جعل ~~مخرجها في السر الأدنى لأنه هو الروح الذي من القلب والخفي ، فالخفي فوقه ~~والقلب دونه فهو محله فكان ممر الأنفاس الخاصة التي أرادها الجنيد على ذلك ~~الروح الذي يسمونه سرا أدنى. # قوله : «وجعل مخرجها من داخل القلب» صحيح لأن جميع ذلك الأرواح ~~من داخل القلب. # 110 ~~قوله: «ووضع معرفته في قلبه» معنى به معرفة الله تعالى، والنفس عندهم ~~هو الذي حصل بالمشاهدة. # قوله : «وتوحيده في سره» أي : توحيد الله تعالى في السر الذي يسمونه ~~خفيا ، وتفسير التوحيد عندهم ما أشرنا إليه من قبل أنه لا يكون إلا في عالم ~~الفناء، وربما يأتي بعض مشروحه من بعد. # قوله : «فما من نفس يخرج إلا بإشارة التوحيد على دلالة المعرفة في بساط ~~الاضطرار إلى الربوبية» يعني لا يخرج النفس للبالغ إلا وهو من آثار نسيم ~~التوحيد وبتأشير عالمه الذي هداه بالمعرفة إلى هذا العالم حتى يشاهد من يفيد ~~فأداه إلى التنفس اضطرار، ويحتمل أنه أراد ألا يخرج إلا بإذن التوحيد، ومشاورة ~~المعرفة، فإذا [تحقق] على أن خروج النفس صواب يتنفس به النبي، أو الولي الذي ~~هو متمكن مضطر إلى ms011 الربوبية أي إلى مشاهدة الربوبية ، أو إلى طلبها ؛ فإنه لا ~~يكون تنفسه إلا على هذا الوجهه. # قوله : «وكل نفس على خلاف ذلك فهو ميت» أي: باطل فاسد، عدمه ~~خير من وجوده، وصاحبه مأخوذ به مسئول عنه. # اعلم أن من لا يقف على هذا الترتيب الدقيق الذي ذكره الجنيد - رحمة ~~الله عليه - لا يقدر على محافظة الأنفاس، وما يكون فاسدا من أنفاسه كان أكثرها ~~يكون صوابا صحيحا، وهذا الترتيب لا يقف عليه إلا الأكياس والحذاق من ~~أولياء الله تعالى، وكان طريقهم يإذن أن يحافظوا على كل طم، ورقة من أنفاسهم، ~~ولا يتنفسوا بحرف إلا من اضطرار الباطن والظاهر، ولا يتنفسوا إلا بعذر ~~الضرورة وهي التي تسد الرمق، فافهم إن شاء الله وحده. # وقال أيضا : «النفس ريح الله تعالى - عز وجل - مسلط على نار الله الذي ~~111 ~~في داخل العبد» يعني بناء الله لوعة المحبة وحرقة الشوق إلى الله، فتسكن بالتنفس ~~فلهذا وجب على المريد أن يحفظ أنفاسه كيلا يتنفس أكثر وأبلغ، وقيل: المحبة ~~نسيان ما سوى المحبوب، والشوق هيجان القلب عند ذكر المحبوب لا يحتاج إليه ~~من النفس فيفسد الحب، ويجمد الشوق فافهم. # وقال: «أصل النفس خمسة : من نار، أو من نور، أو على الظلمة، أو من ~~الظلمة في النور ، أو من نار النور» يعني : النفس الصالح الذي يكون إن تنفس به ~~المريد هو الذي ينشأ من هذه الأصول الخمسة ، وما عداه فباطل وصاحبه مسئول ~~عنه. # وأما الأصول الخمسة أولها النار : وهى نار الود والمحبة على ما مر من ~~قبل. # وثانيها: النور وهو نور الانشراح في الصدر ضوءها يشاهد ما يشاء من ~~الولي في عالم الخلق ثم أن كتمان هذا النور يثقل على صاحبه فيحتاج إلى التنفس ~~فإنها تسكن تثقيلها بالتنفس ، وغاية ما يكون له التنفس فيه أن يذكر ما يجد ~~للصديق الشفيق مسارة إليه، وإن كان له شيخ لا يذكر لشيخه. # وثالثها: قوله : «على الظلمة» يعني به ظلمة الحيرة وليس المريد السالك في ~~طريقته يخلو من الظلمات تستقبله فيتجرفها ويغرق ms012 في بحار الهموم فيضطر إلى ~~التنفس بالاستغاثة إلى من يخرجه منها ويهديه إلى سواء الصراط . # ورابعها: قوله : «أو من ظلمة النور». # 112 ~~وفي نسخة أخرى : «أو من ظلمة في النور» ومعناهما واحد وهو غلبة ~~انشراح الشأن المطلوب بانحسار الحجب كلها وانفساد انكشاف المحجوب عن ~~سرادقات الجمال فيدهش المريد ، ويبهته فيصير كمن في الظلمة فلو قدر على ~~التنفس جاز له التنفس إذا أفاق، ويحتمل أن يقال أراد به ازدحام الأنوار من قبل ~~اليمن وهو نفس الرحمن، فإن الولي إذا غرق في ذلك النور صار كمن غرق في ~~الظلمة سواء حيث لا يهتدي إلى خروج منها إلا بغوث الله تعالى فيباح له أن ~~يغيث بالله تعالى متنفسا. # وخامسها: قوله: «أو من نار النور» يعني الصفة الخاصة لله تعالى هي نار ~~ونور، كما ورد في الحديث المشهور لا يتخلى فيها الوجوه، والقلوب، وإنما يتجلى ~~للسر والخفي للأقوياء ، والأذكياء ، فإذا شاهده في ذلك الحجاب لا يطيقها ~~فيضطر إلى التنفس فيباح ليبقى. # وتلك الصفة هي ما روي عن أبى موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا ~~بأربعة كلمات قال : «إن الله تعالى لا ينام ولا يتبغي له أن ينام يخفض القسط ~~ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النار ~~لو كشفها لأحرقت سحبات وجهه كل شيء أدركه بصر سبحات وجهه جلاله ~~وجماله. # 113 ~~وفي لفظة أخرى: «حجابه النور لو كشفها لأحرقت مسبحات وجهه ما ~~انتهى إليه بصره من خل»، ~~وقال أيضا : «ما عبد الله بمثل ما عبد بالأنفاس، وما عصي الله بمثل ما ~~عصي با لأنفاس» يعني كل نفس كان عن غليان المحبة. # والرغبة إلى الله تعالى فهي عبادة عظيمة، ومن كان رغبته عن طريق الله ~~وفرارا عنه لما في طريقه من الكلف والمشاق فهو من أعظم الكفر، ويحتمل أن ~~يريد بالأنفاس هاهنا ذكر الله تعالى وحده والثبات عليه عند المشاهدة المعاينة ~~يعني بالأنفاس كل نفس بالباطل، كذكر الصنم، وعبادة الوثن، وطاعة الهوى. # وقال أيضا : «ليس شيء» ms013 أشر على أولياء الله تعالى «من حفظ الأوقات ~~عند الأنفاس» يعني بالأوقات والأحوال التي يأتي القوم ويسلبهم عنهم، ~~ويغيبهم منهم ويلجئهم إلى التأوه والتحنن والصياح، وحفظ الأنفاس في هذه ~~الأحوال يشق عليهم مشقة شديدة ولا بد لهم من حفظها كيلا يتنفس، فإنه لو ~~تنفس لزال ما وجد من الحال وفات ما أصاب من الوقت، وربما يتفوه في تنفسه ~~بشيء لا ينبغي أن يتفوه به وسيأت زيادة شرح الأوقات في باب العلم إن شاء الله ~~وحده. # وقال ابن عطاء: «ليس شيء أشد على أولياء الله تعالى من حفظ الأنفاس ~~عند الأوقات» يعني بالوقت والنفس أيضا عناه الجنيد - رحمة الله عليهما - ومع ~~114 ~~ذلك أنه قال على عكس ما قال الجنيد فهو صحيح أيضا لأن كليهما يشقان على ~~المريد أن يحفظهما ، أما حفظ النفس عن الوقت شاق ؛ لأنه إذا غلب الحال عليه لا ~~يمكن الصبر على التنفس بالحركة والأنين والصياح، وأشباه ذلك وكذلك إذا ~~صدر منه التنفس بذلك يحتاج إلى حفظ الحال والوقت كي يزول بها وذلك الحفظ ~~115 ~~أشد من الأول، ومن هنا قال بعض المشايخ: الوقت مبرد يسحقك ولا ~~يمحقك وإنما أراد به الحال الغالب يسحقه بشدته، وكذلك قولهم: الوقت سيف ~~قاطع، وقيل: قاتل، يريدون به الحال الغائب الشديد. # وقال الجنيد: «النفس الرحماني إذا هاج من السر يميت القلب، والصدر ~~والنفس لا يمر على شيء إلا ويحرق ذلك الشيء حتى العرش» يعني الرحماني إذا ~~هاج حتى جاوز من اليد إلى القلب يميت كل شيء من العبد حتى القلب ، ~~والصدر فيصعق عنده ذلك، كيما صعق موسى عليه السلام. # قوله : «والنفس لا يمر على شيء إلا ويحرق ذلك الشيء حتى العرش» ~~يعني لا يمر على شيء من بواطن العبد دون ظاهره من البدن والجوارح ، ويعني ~~بالعرش منظر الحق في الكتاب، وتحقق تفهم إن شاء الله وحده. # والدليل على حصول التنفس الرحماني الأحاديث المشهورة بعبارات ~~مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إذا رأيتم الريح فلا تسبوها، فإنها من النفس ~~الرحمن» ms014 بالرحمة ويأتي بالعذاب وبيان ذلك سيأتى إن شاء الله وحده. # 116 ~~فصل في أصناف النفس الرحماني ~~اعلم أن النفس الرحماني ثلاثة أصناف: ~~صنف من عالم الحكمة . # وصنف من عالم النقمة. # والثالث من عالم الحب والرحمة. # اما الأول كقوله تعالى عند خلق السماوات والأرض: (ائتيا طوعا أو ~~كرها )[فصلت:11] لما ترجح في حكمته تعالى أن وجودهما أولى نفس بقوله ~~تعالى (ائتيا طوعا أو كرها). # الثاني : قوله (كونوا قردة خاسئين) [البقرة : 65] فلما أسفوا ربهم بالعتو ~~عما ينهاهم عنها تنفس بقوله (كونوا قردة خاسئين). # أما الثالث فثلاثة أنواع: بالأقوال، والأفعال، والتجلي. # أما الأول: فنحو قوله تعالى: (كوني بردا وسلاما على إبراهيم) ~~لما غلبت الرحمة ، والحب ، والخلة ، والرقة له تعالى على إبراهيم عليه السلام تنفس ~~على النار بقوله تعالى: (كوني بردا وسلاما على إبراهيم) هذا تنفس بالأقوال. # وأما التنفس بالأفعال أنواع لا تحصى، والإشارة الجملية إليها أن يقال كل ~~فعل فعله الله تعالى سرعة فذاك تنفس رحماني، وأكثر ما يكون ذلك في أبواب ~~الانتقام إذا أراد الله تعالى أن يدمدم على قوم، أو على شيء غضبا دمدم عليه كلمح ~~بالبصر، كما أخبر بقوله تعالى (إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون) ~~117 ~~وأما التنفس بالتجلي فهو أن تتجلى الذات، أو الصفات كالتجلي للجبل ~~عند سؤال موسى عليه السلام الرؤية جعل الجبل دكا (وخر موسى صعقا) ~~وإذا صعق الإنسان مات في الحال فهذا من ذلك ، وهذا عما يكثر إذ لا يطيق ~~الرجل الضعيف المبتدئ مشاهدة التجلي فيزهق ويضمحل (كأن لم تغن ~~بالأمس) [يونس : 24] والجذبات أيضا كلها من الأنفاس الرحمانية وأدنى ~~الجذبات الجذبة إلى الجنة ، ولأن غاية [.....] الجذبة شبيهة التجلي ، وقريب من ~~وجهه. # واعلم أن النفس الرحماني ربما يكون بواسطة العباد، وقد يكون قولا ~~وفعلا، وتجليا، فأما تجلي الصفات ما روي أن موسى عليه السلام لما نزل من طور سيناء ~~كان كل حيوان ينظر إليه مات في الحال، فدعا الله تعالى، وقال: «يا رب لا يمكنني ~~أداء الرسالة مع هذه الحالة» فرفع الله تعالى عنه ms015 هذه الحالة» ~~وكان موسى عليه السلام إذا غضب تشتعل قلنسوته نارا، أو دخانا، وكان ذلك ~~الحال له بتجلي صفة من صفات الله تعالى عليه. # وكان في المشايخ من له مثل هذه الحالة مثيرا كما روي أن بعض القراء كان ~~منكرا على أبي يزيد البسطامي، فجاء يوما إليه في صحبة أبى تراب النخشبي ~~118 ~~ليراه فوجداه في جبل وعلى عاتقه حزمة من الحطب فلما وقع بصر القراء على أبي ~~119 ~~يزيد، خر على وجهه ميتا ولم يتحرك، وكان منهم من يحترق ثيابه، ويرتفع ~~الدخان، ولهيب النار من قلنسوته عند اشتداد حالته نحو عمر بن الحسان القردي ~~كان في زماننا هذا. # أما فعلا كمثل انشقاق القمر بإشارة إصبع النبي صلى الله عليه وسلم وكضرب موسى ~~البحر حتى انفلق ، والحجر حتى انفجر ، ومثل ذلك لأولياء الله تعالى نحو ما ~~يروى أن بعضهم وضع يده على باب مغلق فانفتح ، وأنه دخل في الجدار وخرج ~~إلى خارج، وأنه مر من المشرق إلى المغرب بلحظة، وكل ذلك وأمثالها كثير. # 120 ~~الأنفاس الرحمانية بتجلي صفة من صفات الفعل في العبد فيطهر في العبد ~~مثل ذلك الحوادث. # وأما القولية: فنحو قول عيسى عليه السلام إذ ليس لأحد من الخلق قوة إقامة ~~الموتى، وإنما ذلك لله تعالى لا كسب للعبد في ذلك وقوله (بإذن الله) [آل عمران ~~:49 ] كلام عيسى عليه السلام تبرأ به من أن يقول للميت: قم، وكذلك قول أبي يزيد: ~~«سبحاني ما أعظم شأني» ~~قوله : «سبحاني» نفس رحماني جرى على لسان أبى يزيد إذ ليس للخلق ~~إضافة السبحان إلى غير الله تعالى. # وقوله: «ما أعظم شأني» كلام أبى يزيد افتخر بما جرى على لسانه من ~~نفس الرحمن، ولم يكن فيه عظيم افتخار؛ لأن الله تعالى قد يجري أنفاسه على ~~الجمادات نحو الشجرة، والحجر، وأشباهها، قال الله تعال (فلما أتاها نودي ) ~~من الشجرة أن (يا موسى) (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) ~~وكذلك أدعية الأولياء والأنبياء التي تكون سريعة الإجابة تكون نفس ~~الرحمن ، أو تلازم ms016 نفس الرحمن فهو دعا بها وهو أجابها وأكثر ذلك يكون ~~للمظلومين كقول نوح عليه السلام : (فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب ~~السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر) ~~وفول أيوب عليه السلام : (أني مسني الشيطان بنصب وعذاب اركض ~~برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) [ص :41 : 42] . # 121 ~~هذه الأنفاس الرحمانية بما ذكرنا من الوجوه وهي القول ، والفعل، ~~والتجلي لا يكون شيء من ذلك كفرا، ولا إيمانا، ولا طاعة، ولا معصية، وإنما ~~الكفر، والطاعة في أنفاس العباد، وذلك متفاوت بتفاوت الرغبات، كما أشرنا ~~إليه من قبل، ثم أكثر الأنفاس من العباد يكون تنفسا من حرارة وغلبة حال بغير ~~الفصل والكلام، بل بالحنين، والأنين، والتأوه كمثل آه، وأواه، وآواه، وربما ~~يكون كلاما يتكلم بها الولي فيستريح بها عما هو فيه. # قال أبو الحسين النوري في النفس الرحماني : «إذا تنفس يموت السر أيضا» ~~يعني إذا هاج النفس من عالم القدرة، والصفات بغلبة عظيمة، وجاوز الخفي ~~حتى مر بالسر، يموت السر أيضا، كما يموت القلب. # وقال ابن عطاء: «في نفس واحد نجاة العبد، وفي نفس واحد يكون كافرا ~~بالله تعالى» وتفسيره كما مر في قول الجنيد حيث قال : «ما عبد الله بمثل ما عبد ~~بالأنفاس». # وقال النوري : «الأنفاس ثلاثة وما سواه باطل: نفس في العبودية، ونفس ~~بالربوبية، ونفس بالرب جل ذكره». # قد ذكرنا في باب الهرب في كلام ذي النون أن العبودية هى الخاصية التي ~~يصير العبد بها عبدا وهى التذلل، والتبذل، والتلين، وسيعود بيانها في باب العلم ~~في كلام ابن عطاء، والتنفس فيها يكون بالصبر ، والشكر، والرضا حسنا، ~~وبضدها قبيحا. # قوله: «ونفس الربوبية» حيث يفرح إذا توكل علي ووصل إليه، ولا يبالي ~~122 ~~بشدائد الدنيا ، ومشاق الطريق فذلك الفرح والطمأنينة ثمرة اليقين المتفرع من ~~التوكل عليه فهو النفس بالربوبية. # قوله: «ونفس بالرب» يعني فناء النفس، والعقل، والفرح، والسرور، ~~والتوكل، وكل شيء من صفات العبد عند ذلك يكون النفس بالرب وحده ~~لفوات الكل سواه وهذا النفس لا يكون له ms017 ولا عليه كقوله رضي الله عنه : «سبحاني»، ~~وقول الآخر : «أنا الحق». # 123 ~~124 ~~وقال أيضا : «النفس ثلاثة : من الله وإلى الله ومع الله». # 125 ~~أما «من الله» : دعاء، وجذب، وتجلي، وإلى ما أشبه ذلك مما قدمنا بيانها. # وأما «إلى الله» : من العبد رغبة، ورهبة، وشوق، ومحبة الله تعالى عند ~~الوصول أنسا، وتسليا بدعاء. # وأما قوله: «مع الله» يعني عند المشاهدة يشاهده ويعلم أنه هو الله. # وقال رويم بن محمد: «للعبد أوقات التنفس فيه حرام» وتفسيره، ما فسر ~~النوري عقيب ذلك وقال : «عند المشاهدة التنفس حرام ، وعند المكاشفة حرام ، ~~وعند المعاينة حلال، وعند المجاذبة حلال، وعند السابقة حلال، وعند النظرات ~~كلها حلال ، وعند الإشارة ليس بحلال» ، يعني بالتنفس هذا تنفسا بالكلام، ~~قوله: وعند المكاشفة، والمشاهدة حرام، لأن المكاشفة، والمشاهدة إنما تكون من ~~وراء الحجاب ، فلا يليق بالعبد أن يكالم السيد العظيم من وراء الحجاب وهذا ذم ~~الله تعالى قوما كانوا ينادون النبي صلى الله عليه وسلم على بابه : يا محمد ، اخرج لنا قال الله تعالى : ~~«إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون » ولو أنهم صبروا ~~حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم) [الحجرات :4 : 5] ~~وقوله : «وعند المعاينة حلال» فهذا صحيح لأنه لا حجاب عند المعاينة ~~فيتكلم ما يشاء بإذن الله تعالى، فهو دليل على قولنا: إن المعاينة أعلى وأبلغ من ~~المشاهدة ، فمن ثم كانت المعاينة داخل الحجاب والباقي خارج الحجاب على قول ~~النوري. # قوله : «عند المجاذبة حلال» أي : عند المجاذبة ، وإن كان وراء الحجاب إذا ~~كان الله تعالى يناجيه لاىبد له من الجواب والسؤال لا الآن سوء الأدب، لأنه بأصره ~~وإذنه والله تعالى يناديه من وراء الحجاب بدلالة قول الله تعالى (وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب) [الشورى:51]. # 126 ~~قوله : «وعند المجاذبة» بالجيم والذال والباء المعجمة كان تصحيف من ~~الكاتب وكان محادثة بالحاء والدال الغير المعجمتين والثاء المعجمة بثلاث نقط . # قوله : «وعند المكاشفة» يعني يحل للمبتدئ في المكاشفة ، والمشاهدة أن ~~يتنفس ms018 بالكلام ، لأنه صاحب الدهشة لكونه مبتدئا فيتعذر عليه حفظ الأدب ~~ولأن التكلم بتقوى قلبه فيثبت للمشاهدة، ويحتمل أنه أراد بالسابق عند سؤال ~~الذرية، حيث قال تعالى: (ألست بربكم قالوا بلى) [الأعراف : 172]. # وهكذا يجب أن يباح للعبد أن يكالم ربه تعالى إذا تقدم السؤال والكلام ~~منه تعالى ويعني بالخطرات التفات السر، والخفي، والقلب إلى غير الله تعالى ، ~~وهذه أحوال التفرقة لا يمتنع فيها من التنفس بما لا بأس به عقلا، وشرعا. # قوله : «وعند الإشارة ليس بحلال» يعني عند الإشارة إلى الحق تعالى لا ~~يحل له أن يقول هذا وذاك، ولا يلتفت إلى غيره بالاختيار ~~قال أبو العباس أحمد بن عطاء: «الحرمة من القلب، والتنفس فيه مباح، ~~والوفاء بالسر ، والتنفس فيه مباح، ووفاء الحرمة وفاء في الخفي ، والتنفس فيه ~~حرام] ~~قوله : «الحرمة من القلب» يعني التعظيم من العقل في القلب ،ويعني ~~بالتعظيم: تعظيم الله تعالى، وأن العقل هو الذي يتعاظم عليه وعنده وبه التعظيم ~~ولهذا لا يعظم السلطان والخليفة عند الصبيان والمجانين وهم عندهم مع البواب ~~والسواسي سواء، ولهذا كان العقل يستحق التعظيم، والاحترام حتى يتفاوت ~~حرمة العقلاء، ومواقعهم في القلوب على قدر تفاوت عقوهم فلا يعظم الصبي، ~~وإن كان نبيا مثل ما يعظم الكبير ثم العقل في القلب وملازمه لهذا قال : «الحرمة ~~في القلب» . # 127 ~~قوله : «والتنفس فيه مباح» يعني الاشتغال عنها بأمور الدنيا، والدين ~~نحو الطاعات ، والعبادات، وطلب الحلال مباح وإنما أبيح ذلك التنفس ~~لضرورته لأنه لا يمكن للقلب والتنفس بإقامة ذلك المصالح ما لم يشتغل عن ~~الاحترام والتعظيم. # قوله : «الوفاء بالسر، والتنفس فيه مباح» يعني بالسر : النور الذي في ~~القلب، وهو الروح دون الخفي، والخفي فيه كما عرفت من قبل، ويعنى بالوفاء في ~~السر دوام مراقبة العالم العليا، ومن لم يداوم النظر فليس بواف غير أن النفس فيه ~~مباح، لأن القلب والنفس لا يعيشان إلا بقيام مصالح هذا العالم، ولا يقدران على ~~إصلاحها إلا ببقاء العقل بدرقة ذلك النور؛ لأن ذلك النور هو الهمة ولا بد ~~للعقل في القلب ms019 والنفس من التنفس فيه مباحا. # قوله : «ووفاء الحرمة وفاء في الخفي ، والتنفس حرام» لأن الإعراض عنها ~~كون للعقل، والسر إلى مصالح الدين، والدنيا على ما مر من قبل فإنما جاز ذلك، ~~لأنه لابد للنفس والقلب من إقامة هذه المصالح، ولا يمكن إقامتها إلا بصرف ~~العقل، والهمة، والقلب، والنفس إليها عن غيرها، وفي الخفي لا يحتاج إليها في ~~إقامة مصالح الدين والدنيا فلا يحل حرفة عن تعظيم الحق تعالى وعن احترامه ~~جل وعز إذ لو صرفه فقد صرف من غير حاجة كيف وهو أن الصحيح عندي أن ~~حرف الخفي عن الوفاء بالحرمة والتعظيم لا يتصور إلا بالكفر ، ومداومة ~~الاحترام والتعظيم لازمة للخفي دائما ، والخفي مفتحة الإيمان ، ولهذا قالوا: إن ~~هذا الروح لا يكون للكفار قط. # فإن قال قائل : هل تقول على هذا القول أن العبد يغفل عن الاحترام ~~والتعظيم؟ # 128 ~~قلنا: نعم قد يغفل العبد ولا يغفل، أما الخفي لا يغفل؛ لأنه قريب من ~~الحق تعالى لا حجاب عليه إلا الصفات وأنه متوجه إليه دائما ولا شأن له إلا ~~ذلك بخلاف السر الذي هو دون الخفي ، فإنه همة ولا بد للعقل ، والقلب، ~~والنفس من بدرقة الهمة في شئون الدنيا والآخرة، فلهذا كان للهمة وجهان: وجه ~~إلى القلب، والنفس، والدنيا، والآخرة ووجه إلى ما هو أعلى كما بينا في كتاب ~~«مرآة الأرواح». # وقولنا: إن العبد قد يغفل لأن العبد اسم للنفس، والقلب ثم العقل ~~واحد وجهي السر، مما لا بد لهما من التفات إلى الدنيا ، والآخرة كما ذكرنا ولأن ~~التعظيم والاحترام لما بقى دائما في باطن الولي ما دام الخفي لها لا يحتاج العبد إلى ~~تجديد في كل ساعة ولحظة فجاز أن يغفل عنها لضرورة ثم يرجع إليها إذا فرغ ~~قوله تعالى (فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب) [الشرح : 7 : 8] ~~وهذا كالإيمان وكان نتيجة الخفي والمفتح قائم دائما منتجا جاز أن يغفل ~~النفس المؤمنة عنها بعوارض النوم ، والإغماء ، والسهو، والغفلة، والاشتغال ~~بأمور آخر ، كذا دوام الاحترام والتعظيم ألا ترى أن أكثر المتصوفين ms020 من أصحاب ~~المكاشفات لا يدرون ماهية الخفي ، ولا ما في الخفي من وفاء الحرمة ، ولا ما لها ~~من الوفاء ونقص الوفاء مع ما يوجد منهم الوفاء بالحرمة في الخفي دائما . # وقال ابن عطاء: «إذا كشفت الربوبية في السر وصاحبه تنفس تنفسا ~~فيحرم عنه لا تجد مرة أخرى، أما الربوبية خاصية الرب كالألوهية خاصية الله ~~تعالى والعبودية خاصية العبد، أعني وصف خاص له تعالى، والربوبية شائعة في ~~الألوهية، والألوهية عامة في الربوبية، فإذا كشف ذلك الوصف وصاحبه تنفس ~~يحرم عليه» يعني عند مشاهدة الربوبية يحرم عليه أن يلتفت إلى غيره، ولو التفت ~~129 ~~عنها يعاقب بحرمان ذلك ويحتجب عنه دائما. # قوله : «في السر» صحيح لأن الربوبية إنما يكشف في السر والخفي ، وما ~~فوقها، ولا يكشف للقلب، والعقل ما دونهما إلا إذا التحق النفس بسائر ~~الروحانيات لطافة وتشعشعا، ويتجاوز عنها فيكشف للنفس ذاته، وعينه ما لا ~~يكشف لغيره على ما بين في كتاب «مرآة الأرواح» وغيرها إن شاء الله وحده. # وقال الجنيد - رحمه الله تعالى : «إذا عاين القدرة يتنفس صاحبه لكره ذلك ، ~~وإذا عاين العظمة نهى عن النفس ، وإذا عاين الهيبة إذا تنفس فقد كفر» يعني ~~القدرة الكرامات الخارقة للعادات نحو طي الأرض ، والنفاذ في الجدار ، والمشي ~~على الماء ، والمسير في الهواء يكره أن يخبر الناس بذلك ، ويحتمل أن يراد إذا عاين ~~عالم القدرة وهى وراء عالم الخفي و فوقه و الأول أقرب إلى مذهب الجنيد في ~~الكرامات. # قوله : «إذا عاين العظمة نهى عن التنفس» يعني إذا عاين بعين السر و ~~الخفي عظمة الله تعالى يحرم أن يقول للناس أنه رأى كذا ؛ لأنه يمكن أن يخبر عنها ~~إلا بعبارة عن حقيقتها و يحتمل أن يقول : «إذا عاين عظمة الله تعالى كان منهيا ~~من التنفس حالة المعاينة» ويعني بالتنفس الالتفات إلى غير العظمة والاشتغال ~~بغيرها لأن ذلك من سوء الأدب. # قوله : «إذا عاين الهيبة إذا تنفس فقد كفر» اعلم أن الهيبة لغلبة العظمة كما ~~أن الأنس لغلبة الكبرياء واللطف والجمال «فإذا عاين الهيبة» ms021 يعني عاين سر غلبة ~~العظمة يجب عليه أن يتخمد ويندهش اختيار إن لم يدهش اضطرارا، وأغلب ~~الناس إذا عاينوا الهيبة يدهش عليهم وكثير منهم من يموت كما دهش موسى ~~عليه السلام وخر صعقا، ومات سبعون نفرا من بني إسرائيل، فأما لو كان الرائي قويا لا ~~130 ~~يدهش ، يجب عليه أن يندهش، ويتخمد ويصمت عن النطق، فلو نطق عن ~~اختيار فقد ادعى القوة في مقابلته فقد عظم جرمه، وكفر على مذهبهم. # قال جعفر الصادق : «نفس المتنفس يبطل أعمال الثقلين» يعني به النفس ~~الذي هو إعراض عن الحق ورغبة عنه وهو الشقوة على خلاف الجذبة تفهم إن ~~شاء الله وحده. # وقال أيضا : «إذا تنفس المتنفس بالذلة والافتقار يحرق كل حجاب بينه ~~وبين العرش» يعني به تنفسا على عكس التنفس المتقدم وهو التوجه إلى الله تعالى ~~بكل قلوبه مع الإعراض عن كل شيء سواه. # وقال الجنيد بن محمد : «نفس يخرج بالاضطرار يحرق الحجب والذنوب ~~التي بين العبد وبين ربه، ثم نظر صاحبه بعين القلب إلى ربه فيجد ربه مكرما ~~رؤوفا رحيما، فإذا استحق به فيرى الله تعالى أقرب إليه من حبل الوريد، فإذا أيقين ~~به فيرى الله تعالى قائده وسائقه، فإذا عاين هذا ينقطع إليه ويتعلق به، فإذا عاين ~~هذا لم يلتف إلى غيره ولا ينساه، فإذا وجد هذا فيعلم أنه عبد والله رب، فإذا علم ~~هذا قام بشرط الوفاء ، فإذا وفي فيظهر له عند سيده مقام ، فإذا ظهر المقام اعتذر إلى ~~سيده فأعذره» وفي نسخة «فعذره» ويعرض عليه التوحيد ، فيعطى له لواء ~~المعرفة ، فإذا عرف فصار موحدا ، ثم لا يكون له قرار ولا سكون في الدنيا ~~والآخرة، ثم المزيد من عند الله تعالى. # قوله : «نفس يخرج بالاضطرار» يعني نفس يخرج عن حرقة المحبة وغلبة ~~الاشتياق ولهيب الشوق إليه تعالى، فإذا خرج ولا اختيار للمريد في خروجها ~~يحرق الحجب التي تحجبه وتحول بينه وبين الرب تعالى ويحرق الذنوب أيضا؛ لأن ~~أظلم الحجب الذنوب، فإذا لم تبق الحجب نظر إلى من اشتاق إلى لقائه ms022 ، وإذا نظر ~~131 ~~يراه على صفاته من صفاته تعالى كونه رؤوفا رحيما كريما مكرما فيكرمه ويرحمه. # قوله : «فإذا استحق به فيرى الله تعالى أقرب إليه من حبل الوريد» يعني ~~فإذا تقرر قدمه على هذا المقام وصار مستحق لهذا المنزل . # قوله : «فإذا أيقين به فيرى الله تعالى قائده» يعني فإذا أيقن أن ما يرى يراه ~~حقيقة ليس بخيال عند ذلك يرى الله تعالى معه في كل مدخله، ومخرجه، ومرقده، ~~ومقلبه، ومنصرفه، عن يمينه، و عن يساره، وخلفه، وقدامه، يرشده إلى السداد، ~~ويصرفه عن الفساد، فإذا عاين هذا ينقطع إليه ويتعلق به لأنه رأى أنه إنما أصاب ~~الخير منه ، فإذا عاين هذا يعني إذا زاد معاينته، وإيقانه بذلك لا يلتفت إلى غيره ~~لأنه الآن يرى كل مقاصده، ومصالحه من عنده، وأنه هو الذي يهيئ له ويحصل ~~له كل خيراته ومراداته فلا جرم لا ينساه لحظة، ولا يلتفت إلى غيره لمحة ، إذ لو ~~رأى كلب من باب دار ذلك لربص هناك ولزم هنالك، وإن ضرب كل يوم ~~أسوطا. # قوله : «فإذا وجد هذا يعلم أنه عبد واقه رب» يعني إذا استحكم ذلك ~~المعانية وصارت كالمحسوس بالحواس الخمس فالآن يرجع إلى أوله ، وبدايته ، ~~وكان هؤلاء المشايخ إذا سألهم سائل : ما النهاية؟ قالوا: الرجوع إلى البداية ، وفي ~~البداية كان المريد عبد افه وانه تعالى ربه ، وفي هذا القول منه إنكار على من زعم ~~أن المريد يصير ربا بالرياضة والمجاهدة عند الحلول . # قوله : «فإذا علم هذا قام بشرط الوفاء» يعني الوفاء بالتوحيد لأنه الآن ~~وصل إلى التوحيد فيجب الوفاء به فلا يشرك بعبادة ربه أحدا لا الجنة، ولا النار، ~~ولا شيئا من خلفه، ولا يرغب في الجنة ، ولا يخاف من النار ، ولا يطمع في ~~المخلوق بعبادته. # 132 ~~قوله : «فإذا وفي ظهر له مقام عند سيده» يعني درجة معينة ومنزلة رفيعة ~~يختص به لا يكون لأحد سواه من الأنبياء، والأولياء مثل ذلك قط فهذا توحيد ~~الله تعالى له جزاء على توحيده لله تعالى. # قوله : «فإذا ظهر المقام اعتذر ms023 إلى سيده فأعذره» يعني أعذر فاعتذر عما ~~صدر منه في المقامات السالفة من الظنون، والشكوك الفاسدة فاعذره أي قبل ~~عذره، وعده معذورا عنده تعالى. # قوله : «وعرض عليه» يعني توحيد البداية إلى الله تعالى وعرض جزاء الله ~~تعالى على توحيد الله من العبد. # قوله : «فيعطى له لواء المعرفة» يعني يشهده بالمعرفة في الدنيا ، والآخرة ~~ويجعل معه علامة لا ينفك عنه معرفة الجن، والإنس بها. # قوله : «فإذا عرف فصار موحدا» بفتح الحاء يعني إذا صار معروفا بتلك ~~المعرفة صار واحدا بتوحيد الله تعالى إياه، وموحدا بتوحيده لله تعالى، وكان هو ~~موحد وموحدا. # عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «هل تدرون ما يقول ربكم؟ يقول: هل جزاء ~~من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا التوحيد؟» ~~قوله : «ثم لا يكون له قرار، ولا سكون في الدنيا والآخرة» يعني لا يريد ~~شيئا سواه، ولا يرغب في غيره قط، ولا يخاف إلا هو فحسب، ولا الدنيا، ولا ~~الآخرة العقبى، ولا الجنة، ولا النار. # قوله : «ثم المزيد من عند الله تعالى» يعني المزيد من الصفات بعد صفة ~~التوحيد، والدرجات بعد درجة التوحيد. # 132 ~~قال أبو علي الروذباري: «أدنى التنفس الذي يكون بالفقر، والفاقة، ~~والاضطرار، ولا غاية لأعلاه » ~~هذه إشارة إلى ما قاله الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه : «إذا تنفس المتنفس بالذلة ~~والافتقار يحرق كل حجاب» هذا للمبتدئ ، فأما الواصل المشاهد المشتاق إلى ما ~~هو فوق ذلك ولا غاية لمقامات هذا الفوق وليس من مقام إلا فوقه مقام آخر، ثم ~~الأنفاس الرحمانية أمور وراء ذلك تفهم إن شاء الله وحده. # قوله: «بالاضطرار» يدل على أن التنفس قد يكون بالاختيار أيضا، وهو ~~دون ذلك التنفس الذي هو بالاضطرار. # قال ابن عطاء: «من كان أول مدخله بالهمة فيبلغ إلى الله تعالى، ومن كان ~~أول مدخله بالخطرة فيبلغ ولا يجد الوصلة إلا ما يشاء، ومن كان أول مدخله ~~بالإرادة فيبلغ إلى الآخرة ، ومن كان أول مدخله المنية فيبلغ إلى الدنيا» . # إنما عني بالمدخل الشروع في مسالك الصوفية ، وإنما عني ms024 بالهمة ما يسميه ~~المشايخ سرا ، وكنا نحن سميناه رقيبا وهو الذي له وجهان يحتمل أنه أراد به ~~الخفي ؛ لأنه جعل المدخل الثاني الذي هو أوفي من الأول خطرة ، ولا خطرة إلا ~~من أعمال السر الذي هو دون الخفي على ما يأتي من بعد فدل على أن المدخل ~~الأول بالهمة السر، وسمى الخفي همة . # قوله : «فيبلغ إلى الله تعالى» صحيح ، لأن الهمة والخفي من أعلى أرواح ~~العبد الحاملة له إلى الله تعالى، وأسرع إفضائه إلى الخفي، و لأنه من الجائز بل ~~134 ~~الظاهر أنه أراد بالهمة إشارة الخفي ، وداعيته إلى الرب تعالى، وقد عرف في ~~مواضع آخر أن السر حاجب الرب إلى العبد، ورسوله إليه، فمن كان دخوله ~~بذلك الروح كان أسرع وصولا، لأنه إنما دخل بدعوة الرب تعالى على لسان ~~حاجبه وحاجبه يكون معه حتى يبلغ. # وقوله: «ومن كان أول مدخله بالخطرة فيبلغ و لا يجد الوصلة إلا ما ~~يشاء» وذلك أن الخطرة في القلب عند السر دون الخفي ، وهو من أعمال السر ، فلا ~~يصل به غالبا إلا إلى الخفي، ولأن الخطرة التفات السر إلى الآخرة على ما يأتي من ~~بعد، وطالب الآخرة، فلما يصل إلى عالم الحق، فافهم إن شاء الله وحده. # قوله : «ومن كان أول مدخله بالإرادة يبلغ إلى الآخرة» يعني إلى الجنة لأن ~~الإرادة عمل القلب ، ومحله القلب ، ومجاوره العقل بخلاف الخطرة ، فإنها عمل ~~السر، ومحله السر فلا تخلو الإرادة عن تدبير العقل فلا تجاوز عن عوالم العقل، ~~والقلب وهي الدنيا، والآخرة غير أنه إذا نظر إلى السر الذي هو في القلب بجنب ~~العقل يجد روائح الروحانيات فلا يفكر الماء واح ، والروحانيات وإن لم يراها أما ~~لا يبلغ بالوصول إليها يعني القلب، والعقل لا يصل إلا إن شاء الله تعالى. # قوله : «ومن كان أول مدخله المنية فيبلغ إلى الدنيا» يعني بالمنية أراد ~~العاجلة وذلك في طريق التصوف لا يكون إلا من هؤلاء المترسمة الزراقة ~~المتكاسلة طلاب الدنيا من الصدقات، والأوقاف وهم الذين كثروا في زماننا هذا ~~لا ms025 يصيبون بذلك إلا إلى الدنيا وسميناهم صوف خبزية. # قال الجنيد قدس الله روحه صاحب التعظم، صاحب الأنفاس : «والنفس ~~عنده ذنب ولا يقدر الكف عنه، وصاحب الهيبة في جمد وخمد، وهذا عنده ذنب ~~135 ~~ولا يقدر لو تنفس» : يعني من يغلب عليه مشاهدة صفة العظمة يكثر أنفاسه إن لم ~~يتصل العظمة بالهيبة إذ لو اتصل بالهيبة لا يتنفس إلا الدهشة والصعقة. # قوله: «والنفس عنده ذنب» لأن النفس أشغل عن مشاهدة العظمة، ولأن ~~والنفس عند ذلك فرار عن مشاهدتها. # وقوله : «ولا يقدر الكف عنه» هذا صحيح لأنه لو أسكت عن التنفس ~~هلك تحت ظلال العظمة فاضطر إلى النفس. # قوله : «وصاحب الهيبة في جمد وخمد» أي : دهشة عظيمة وحيرة وإغماء ~~وهذا عنده ذنب؛ لأنه به يعجز عن المشاهدة ويدخل في الحجاب ولا تعدد لو ~~تنفس؛ لأنه صار مدهوشا كالميت سواء فكيف يتنفس. # قال ذو النون - قدس الله روحه - ان الله تبارك وتعالى : «جعل الأنفاس ~~راحة وحزنا لأوليائه ولولا ذلك لماتوا جميعا» يعني : جعل الأنفاس تروحا وتسليا ~~عما في باطنه. # قوله : «حزنا» أي تحزنا وهو إظهار الحزن للناس كي يتفرح عنه. # قوله : «ولولا ذلك لماتوا جميعا» يعني لولا التنفس لماتوا من احتراق الحزن ~~والشوق. # وقال أيضا: «المحب إذا سكت هلك، والعارف إذا لم يسكت هلك» . # يعني إذا سكت المحب ولم يتنفس عما في قلبه يغلب عليه التهابا فيهلك، وأما ~~العارف إذا لم يسكت فما عرف من ذات الله تعالى وصفاته -جل وعلا- هلك ~~بزحمة الناس وأصحابه عليه، أو أهلكه الله تعالى حيث أسراره، أو أهلكه غيره من ~~العرفاء غيرة منهم على ما وقع من حجاب من محجوبهم أو أهلكه العامة غيرة ~~136 ~~منهم ، حيث علموا أنه أصاب من القرب إلى الرب ما لم يصيبوه ، أو أهلكوه ~~بالإنكار على حاله. # قال الشبلي: «إني أنتظر أن أتنفس نفسا لأعلم التجلي فلم أقدر عن بذلك» ~~ثم قول أبي يزيد: «سبحاني ما أعظم شأني» قالها ولم يعلم ما قال. # 137 ~~وقال عمر رضي الله عنه على المنبر : «يا سارية ms026 ، الجبل الجبل» ولم يعلم أيش قال ~~حتى أخبروه بذلك، وإنما قال: «انتظر أن أتنفس» كذلك لأن من يوهبه ألاقدر ~~للنفس الذي كان رياء فبالغ في الإخفاء حتى لا يدخلها الرياء فلم يتيسر أن يخفيه ~~عن القلب، وهذا كما قال أبو يعقوب السوسي رحمة الله عليه : «الإخلاص ما لم ~~يعلم به ملك فيكتبه، ولا عدو فيفسده، ولا نفس فيعجبه» والإخلاص منافي ~~الرياء الذي أراد الشبلي أن يفر عنه، فافهم. # ويحتمل انه أراد الإخفاء عن الأغيار غيرة منه لأنه كان بليغ الغيرة. # وقال أيضا : «إن الله تعالى جعل معدن الأنفاس» وفي نسخة : «تمر ~~الأنفاس على القلب» فلا يمر عليه إلا يعلم فإذا علم فينقطع عنده علم العبد» ~~يعني لا تمر إلا بعلم القلب ينقطع عنه علم العبد يعني ينقطع علم النفس وهي ~~العبد؛ لأنه ما لم يوجد بنفسه أي ذلك النفس إنما وجد بالحق تعالى، أو بالسر، أو ~~بالخفي، فكان النفس أجنبيا عنه بعيدا غريبا فلا يعمل غير أن القلب يعلم لأنه تمر ~~الأنفاس فإذا مر عليه النفس يشعر به. # وقال أيضا : «يقبل الله من العبد الكل، وإن علم هذه ما لم يشرك إلا ~~| ~~138 ~~النفس فإنه لا يقبل إلا فردا لم يعلم سره، ولا قلبه، ولا هو» يعني يقبل الله تعالى ~~طاعات عبده كلها ما لم يطع مشركا، أو ما لم يشرك بعبادة ربه أحدا ، أي لم يعمل ~~رياء، ولا طمع في الدنيا، وطلبا لها ورياء وسمعة. # قوله : «إلا النفس والبدن» لأنه لو علم شيء منه ذلك يمكن فيه شبه ~~الرياء، والله تعالى لا يقبل الذي وقع عليه رؤية الغير، والنفس، والقلب، والبدن ~~الأغيار من عالم الآجام دون الروحانيات. # قوله : «لا يعلم سره وقلبه ولا هو» فكلمة إشارة إلى النفس إذ هو ~~جعل السر غير أهل المعرفة للنفس وعندي السر أهل له إذ منشأه من السر ~~والخفي ، والسر ليس من عوالم المحسوسات ، وإنما الذي من هذا العالم هو القلب، ~~والنفس، والبدن فيجب أن يستر النفس من هؤلاء فحسب، فكأنه جعل هذا ms027 ~~النفس عمل الخفي بحيث يخفيه عن السر، والقلب، والنفس، والبدن ثم إنه ~~سمى الخفي عبدا وصدق لأنه عبد مخلص. # وقال النوري: «أفضل الأعمال الأنفاس بالتعظيم» يعني بتعظيم الله تعالى ~~لكن من شرطه أن يكون عن اضطرار دون اختيار، وإذا كان كذلك وخرج منه ~~التعظيم، كان يقول: سبحان ربي العظيم، يملأ فاه، ويرفع صوته، وهو مضطر ~~إلى ذلك كان هذا نفسا بالتعظيم وهو أفضل الأعمال، وهو عمل إسرافيل عليه السلام في ~~ثلاثين ألف سنة، روى أن الله تعالى لما خلق إسرافيل عليه السلام وفتح عينه فنظر على ~~عظمة الرب تعالى فبقى مدهوشا قائما على قوائم العرش ثلاثين ألف سنة فلما ~~أفاق بعده قال: «سبحان ربي العظيم» رافعا بها صوته الطيب فوكله الله تعالى على ~~أرواح العباد في الصور. # 139 ~~الأعلى إسرافيل». # وعن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أول من قال سبحان ربي ~~وقال الجنيد - قدس سره: «ما أحسن التنفس بالندامة وهذا أدنى النفس، ~~وهو أكبر عبادة من الكون»: يعني ما أحسن النفس بالاضطرار من غلبة الندامة ~~على الذنب، والتقصير، وتفسير الأحسنية ما ذكر أنه أكبر عبادة من الكون على ما ~~سبق. # اعلم أن موضع هذه الكلمة باب صفة الخطرات إلا أن يريد بالخطرة ~~النفس فيكون مثل قول ابن عطاء والجنيد رحمهم الله وقد تقدم شرحها . # قال النوري: «لولا الرجاء بصحة لحظة واحدة ، فما لي والعيش !» فهذا ~~أيضا من باب صفات الخطرات لكنهم أوردوه هنا غلطا، ثم إن لم يكن غلطا، ~~وكان في موضعه ، فالمراد منه : لولا رجائي بصحة النفس لحظة لمت ، ويعني ~~بصحة النفس كونه مقبولا عند الله تعالى واقعا موقعا عظيما كما وصفوه من قبل، ~~والله أعلم. # باب صفة الخطرات ~~قال الجنيد بن محمد - قدس سره : «اللحظ كلام القلب ، والخطرة كلام ~~السر والإشارة كلام الخفي» قيل : «والصواب الأخفى» اعلم أن اللحظ في اللغة ~~لمحة بالعين، ونظرة بباحرة الحدقة، وفي اصطلاح المشايخ : عبارة عن عمل القلب ~~أي عمل كان نحو النظر، والتفكر، والعلم، والجهل، والإرادة، والكراهة، ms028 ~~والخوف، والرجاء، والغم والسرور، وما أشبه ذلك. # قوله : «اللحظ كلام القلب» ليس المراد منه أنه ليس إلا كلاما، بل المراد ~~مته أنه يسمى كلام القلب لحظا ثم ذلك اللحظات هي التفاتات إلى شيء، وكل ~~ما كان التفاتا إلى غير الحقيقة وغير الحق كان مذموما ، ولم يكن محمودا عندهم ~~على ما يعرف من بعد ، وما كان التفاتا إلى الحق ، والحقيقة كان محمودا ثم إنه إنما ~~سمى ذلك لحظا إذ زال سريعا كلحظة البصر وإن بقى ساعة ودام مدة لا يسمى ~~لحفظا سواء كان لحظا إلى الحقيقة ، أو إلى غير الحقيقة ، فأما كلام القلب يكون ~~بحروف وأصوات مسموعة ولكن يكون خفيا لا يسمعه إلا الأكياس ذوي ~~الأفهام الحادة ويدل على كلام القلب لغة قول الشاعر # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما %~% جعل اللسان على الفؤاد دليلا ~~وإن شئت أريتك طريقة إذا سلكتها يسهل عليك إدراك كلام القلب، ~~وذلك أنك إذا حفظت القرآن، أو سورة، أو آية منها ثم قرأتها بلسانك تجد في ~~صدرك قارئا آخر يقرأ قراءة يقرئك بها، ويلقنك كلمة حتى لو غلطا قارئ ~~الباطن حصر قارئ اللسان الظاهر، فإذا أدركت ذلك فقد أدركت كلام القلب، ~~140 ~~141 ~~وطريقة أخرى أسهل من ذلك وهو أن تمسك لسانك عن القراءة وينطق فؤادك ~~بلا تحرك لسان ورفع صوتك بالكلام تقرأ في قلبك سورة، أو آية طويلة من أولها ~~إلى آخرها على الترتيب المرتب، فإذا قدرت على ذلك القراءة وقرأت فقد قرأت ~~بقلبك، ثم إن أدركت ذلك القراءة وسمعتها فقد سمعت كلام القلب ولا تسمع ~~ذلك أيضا إلا بإذنك الباطن، وهو القلب هذه مما عرفناها بالمشاهدة بالحواس ~~الباطنة، ونظير ذلك ما إذا تحرك برغوث في داخل أذنك تسمع صياحا من ~~حركات أرجلها كما تسمع من هبوب الريح العاصف، والسيل المنحدر، ولو كان ~~البرغوث خارج الأذن لا تسمع قط كأنه ليس ذلك البرغوث ولا حركتها في ~~الوجود كذلك حال حواس القلب الباطن لا يسمع كلامها إلا صاحبها فافهم. # ولا تستبعد أن يكون بعض الناس قاسية القلب ms029 لا يكون لقلبه لسان ~~ينطلق، ولا عين تبصر، ولا أذن تسمع، ولا خيشوم يشم به الروائح، ولا مذاق ~~يذوق به الطعوم والأذواق، وملمس يلمس به الملموسات اللطاف فذلك بليد ~~بعيد لا يفهم ما قلنا، كما لا يفهم الأعمى، الألوان ثم المشايخ إنما سموا هذه ~~اللحظات كلام القلب، وما سموها فكرا، أو علما، أو إرادة وما أشبه ذلك، وإن ~~كان جميع ذلك من لحظات القلب لأن الكلام في لغة العرب ، إنما سمى كلاما ~~لتأثيره في سمع السامع كالسهم والسيف يجرح المحل الذي يصيب ، والكلم ~~جرح ثم كان لهذه المعاني تأثير في انجراح صاحبها وتخلفه عن طريقه وانقطاعه ~~عن التوجه إلى الحقيقة إلى توجه إليها ، وإن كان لمحة فسموها باسم الكلام مجازا ~~إذا عرفت ذلك فقد عرفت أنه أراد بقوله « اللحظ كلام القلب» أي : اللحظ ~~التفات القلب إلى غير الحق تعالى ، فقد عرفت شكل القلب في كتاب «مرآة ~~الأرواح» ثم أكثر ما يكون لحظات القلب صرفا لصاحبها إلى الدنيا. # 142 ~~أما قوله : «الخطرة كلام السر» يعني بالسر الروح الذي سميناه سرا ~~ورقيبا، وهو الهمة وهو نور في القلب متوجه إلى العالم الأعلى، والخطرة أسرع من ~~اللحظ، وأسرع من لمحة البصر ولا يدركه إلا الأكياس من الأولياء؛ فإنما يسمى ~~خطرة إذا لم تبق لحظة وإن بقى ودام يضاف إليها نظر القلب، والعقل فلا تسمى ~~خطرة ثم ذلك الخطرة يكون كلاما خفيا منظوما وربما يكون حرفا واحدا يفهم ~~صاحبها منها كلاما طويلا كان يقول مثلا «ج» يفهم صاحبها الجفة والجحيم بما ~~فيها جميعا وربما يفهم جميع الموجودات إن كانت الخطرة كلاما ، وربما تكون ~~صوتا، أو فرحة، أو حزنة، أو قبضة، أو فتحة، أو لمحة نور، أو ضربة ظلمة، أو ~~نظرة، أو رؤية، وما أشبه ذلك بسرعة سريعة من لمحة يتخلف الصوفي بها عن ~~مراقيه من عالم الحقيقة في ذلك اللحظ ألف ألف فرسخ ، وأكثر ما يكون ذلك ~~الخطرات تصرف صاحبها إلى الآخرة. # أما قوله : «الإشارة كلام الحفي» فالخفي قد عرفنا من قبل ما هي ms030 الإشارة ~~في اللغة إذا كان بالأطراف نحو اليد، والرأس ، والعين ، والحاجبين ، في الإيماء ~~بهذه الأعضاء إلى غيرها ، ومشاهد محسوس ، وقد يكون الإشارة بالكلام وهي ~~قولهم : هذا وذاك وبالحركة مخرجها ، وإنما سمي تصرف الخفي إشارة لأن الخفي ~~مجاور لعالم الحقيقة ، والروحانيات ، وليس في عالم الحقيقة ولكنه شاهد عالم ~~الحقيقة ، إذ لا حائل، ولا واسطة بينه وبين أوليات عالم الحقيقة، وإشارتها يكون ~~إلى ما يشاهد ثمة، ولا يكون للخفي إشارة إلى خلق قط أعني إلى النفس، ~~والقلب،والدنيا، والآخرة إلا إشارة إلى السر بحكم عالم القدرة والصفات إذا ~~أغفل السر عن الأعلى ينبهه على التوجه إلى الأعلى كأنه رسول من الحق إلى العبد، ~~ثم السر يخبر بها العقل، والقلب، والنفس بيانه من الخفي، وكان السر رسول ~~143 ~~الرسول، وعلامة ذلك الإشارة بأن يتنبه العبد عن نوم الغفلة بغتة ولا يدري من ~~أين جاء ذلك التنبيه فافهم! # وحال الخفي بخلاف حال السر من حيث أن الخفي لا يلتفت إلى الدنيا ، ~~والآخرة ولا إلى القلب، والنفس كما ذكرنا بخلاف السر، والقلب، فإنهما يكونا ~~لهما إشارات إلى ما دونهما وإلى ما فوقها باللحظات والخطرات وغيرهما فافهم. # ويكون إشارة الخفي بالرأس، واليدين، والعينين، والحاجبين، والبدن ~~ويكون بالكلام كقوله هذا وذاك لكن بكلام روحاني، وأطراف روحانية ، ~~وعندي إشارات الخفي أشهر وأظهر من خطرات السر ، ومن الجائز أن يكون ~~لغيري كذلك، فافهم هذا كله إن كان له خفي. # وقد ذكرنا من قبل أن ليس لكل أحد سبيل إلى الخفي ثم إشارات الخفي ~~إلى ماذا? ~~اعلم أن إشارته إلى أمور شتى كالإشارات في عالم المحسوسات لكن ~~المشايخ أرادوا بذلك كل إشارة إلى أعلى، فإن أشار لا إلى أعلى فذلك إشارة ~~محمودة، وإن أشار إلى مقام هو فيه، أو إلى يمينه، أو يساره، أو خلفه، فذاك مذموم ~~عندهم فعلى العبد المرتقى أن يكون كل ساعة في مزيد ، ولا يقف على شيء من ~~مقاماته ومنازله، ولا يلتفت يمينا، ولا شمالا ويرتقي دائيا سريعا حتى يصل من ~~عالم الحقيقة إلى حق الحقيقة فإن ms031 فتح باب هذا العالم يسير إلى عالم حق حق حق ~~الحقيقة. # فالأول الذي سميناه عالم الحقيقة : هو عالم المكاشفات . # ثم الثاني : عالم المشاهدات. # 144 ~~ثم الثالث: عالم المعاينات، ثم عالم التوحيد، وإن شئت قلت : ~~الأول عالم الحروف، ثم عالم الأسماء، ثم عالم الصفات، ثم عالم الذات. # أما عالم المعاينة عالم الفناء، والعالم الرابع : عالم فناء الفناء وهو عالم البقاء ~~وهذا عالم الأنبياء، وكبار الأولياء، ثم يترتب على هذا العالم عالم خامس وهو عالم ~~العلم المجهول، ولا يصل إلى هذا العالم أيضا إلا الأنبياء، وكبار الأولياء ومن ~~وصل إلى هذا العالم عاد إلى البداية بالعجز عن الدراية ، وهو على غير دراية ~~فيقول : «يا دليل المتحيرين وزدنى تحيرا» ، ويقول : «إنما الإدراك والعجز عن ~~الإدراك» وهذا مقام من مقامات هذا العالم الخامس وفوقه مقامات يزول فيها ~~العجز والتحير مع أنه يعجز عن الإخبار بها وعن الإشارة إليها والكناية عنها، ~~ويصير كليل اللسان عن بيان ما علم عن إقامة البرهان على ما فهم إذ ليس عبارة ~~عن ذلك أشرح وأبين مما قال اله تعالى (ليس كمثله شيء) [الشورى آية : 11]. # وقلت: صفاته العجب، وذاته الأعجب، ثم الأعجب، والأعجب ولم ~~نبلغ نحن إلى عالم سادس ذوقا بعد فلا ندري كيف مذاقها، فافهم جميع ذلك إن ~~شاء الله تعالى. # اعلم أنه كان ذلك في بداية معاريجنا ثم بلغنا إلى عوالم الرحمة حتى وصلنا ~~إلى عوالم روائح الوحدانية العظمى فشممنا روائحها وعلمنا أنه لا وصول إليها ~~لغير الله تعالى، ثم رزقنا الله تعالى المعرفة العطائية بها عند معرفة عجزنا عنها على ~~ما تبين في فصل التوحيد من كتاب «عيون المعارف» وكتاب «جواهر الأسرار» ~~تطلب ثم إن شاء الله وحده. # 145 ~~قال الجنيد -رحمة الله عليه : «أهل القلوب ابتلوا باللحظات، وأهل السر ~~ابتلوا بالخطرات ، وأهل الخفي ابتلوا بالإشارات» وإنما قال ذلك لأن أهل ~~القلوب باللحظات يلتفتون إلى خلفهم وهو الدنيا وما فيها فكان هذا بلاء، ~~وابتلاء لهم حيث قطعوا في هذه الساعة من الزمان عما توجهوا إليه في سيرهم ms032 . # قوله: «وأهل السر ابتلوا بالخطرات» لأن خطراتهم التفات إلى خلفهم ~~وهو الآخرة ، والدنيا جميعا ، وينقطعون بها في ساعة لطيفة عن السير إلى ~~مقصودهم. # قوله : «وأهل الخفي ابتلوا بالإشارات» لأن إشاراتهم التفات إلى غير ~~المقصود الأصلي قصدا أو غلطا في ساعة لطيفة وذلك عندهم شرك، وإنما سمى ~~ذلك ابتلاء لأنه أكثر ما يقع، يقع اضطرارا لا اختيارا وأنه ما يكون شرا لهم من ~~وجه فهو خير لهم من وجه آخر فسموها ابتلاء من هذا الوجه، والدليل على أن ~~هذه الالتفاتات شر وقبح ابتلى بها الأولياء نص القرآن قال الله تعالى (فذلكم الله ~~ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال) [يونس 32] . وشرح الآية في سورة ~~يونس في كتاب «تصديق المعارف» تطلب ثم ، و لأنه زيغ عن المقصود ، وميل عن ~~المطلوب وهو الله تعالى، فيكون ضلالا باطلا غير أن فيه خيرات ومنافع وهو ~~علوم تجارب الأمور الروحانية واكتساب دقائق معارف عوالم التلوينات ~~والتمكينات وعلوم عوالم الصفات. # قال الجنيد رحمة الله عليه : «إن لله عبادا يرون ما ورائهم من الأشياء، يرون ~~أحوال الدنيا بلحظات قلوبهم، وأحوال الآخرة بخطرات سرهم، وأحوال ما عند ~~الله تعالى بإشارات خفيهم». # قوله: «عبادا» أراد به نفوسهم وذواتهم. # 146 ~~قوله : «يرون أحوال الدنيا بلحظات قلوبهم» هذا إذا كان لصاحب القلب ~~نظر قوى سمى النظرة بالقلب هنا لحظة، فقال : «يرون بلحظات قلوبهم» أي : ~~يرون بنظرات قلوبهم، وحيث قال: «اللحظ كلام القلب» علمنا أنه أراد به أنواع ~~التصرفات للقلب، والنظر الضامن جملتها كالكلام. # قوله : «يرون» يعني بالرؤية فيما يرى، والعلم بما للا يرى مثلا يرى رجلا ~~جاء من سفره، أو يراه محبوسا في موضع، أو يراه رابحا في سفره، أو خاسرا وهذا ~~يكون خيرا، وعافية، والآخر يكون شرا، وما أشبه ذلك، وإن هؤلاء هم ~~أصحاب الفراسات والبصائر الباطنة في الغيوب. # قوله : «يرون أحوال الدنيا» إنما قال ذلك لما قد ثبت عندهم أن الذي ~~يلتفت إلى الدنيا وما فيها هو القلب مع موافقة العقل وبدرقة السر، وكان القلب ~~هو الأصلي في ذلك النظر ms033 فإضافتها إلى القلب. # قوله: «يرون أحوال الآخرة بخطرات سرهم» قد ذكرنا من قبل أن ~~خطرات السر أنواع شتى من جملتها الرؤية ، والنظر، والالتفات إلى الآخرة فإذا ~~كان الروح الذي هو سر قوى البصيرة في الالتفات إلى الآخرة رأى أحوالها . # قوله : «يرون أحوال ما عند الله بإشارات خفيهم» لما قد عرف من قبل أن ~~إشارات الخفي نظر إلى ما عند الله تعالى في عالم الحقيقة ، والتفات إليها وتوقف ~~عندها على ما شرحناه من قبل. # قال ابن عطاء : «هلاك الأولياء بلحظات القلوب ، وهلاك العرفاء ~~بخطرات السر، وهلاك الموحد بإشارات الخفي» وإنما قال : «هلاكا» لما أشرنا إليها ~~من قبل أن ذلك التفات إلى غير المقصود ، وإنما يلتفت إلى الدنيا وما فيها من ~~الكرامات بقلبه فينقطع عن المقصود أبدا، وربما يرتد راجعا هاربا عن منزلة ~~147 ~~الولاة إلى منزلة المؤمنين من أبناء الدنيا ، وربما يعود إلى أسفل السافلين كما عاد ~~بلعام بن باعوراء. # قوله : «وهلاك العرفاء بخطرات السر» وإنما قال ذلك لما سبق خطرات ~~السر أكثرها التفات إلى الآخرة وهى غير المقصود، وإنما جعل هلاك الحاصل ~~بخطرات السر للعرفاء ؛ لأن عالم المعرفة درجة أصحاب السر لكن بشرط أن ~~يكون سرهم وهو الروح الذي نسميه رقيبا وهمة قد ارتفع إلى عالم وتجاوز إلى عالم ~~الحقيقة ؛ وكثر مشاهداته في عالم الحقيقة فإنه عند ذلك يحصل له المعرفة بالحقيقة ، ~~وحقيقة الحقيقة ، فيكون الآن عارفا ثم أنه مهما كان كذلك لا يخلو من التفات إلى ~~الآخرة فيرى أحوالها، وذلك ربما يكون هلاكا له بأن يقف عنده، ولو وقف عنده ~~يرتد راجعا عن منزلة المعرفة إلى منزلة أبناء الآخرة من الزهاد ، والعباد من ~~المؤمنين ، ومن الأولياء الذين هم أصحاب الفراسات الإلهامية ، والكرامات ~~العيانية، وذلك هلاك له. # قوله : «وهلاك الموحد بإشارات الخفي» واعلم أن التوحيد درجة رفيعة ~~عندهم يكون لأصحاب الخفي بشرط فنائه، وفناء فنائه، وفناء خفيه، وفناء جميع ~~صفاته، و فناء كل شيء عنده غير الواحد، وفي هذا كلام طويل غير أنه ما أراد ~~بالموحد هنا ذاك الموحد الذي ms034 دخل في عالم الفناء الذي يسمونه جمع الجمع ، وعين ~~الجمع لأن من عالم الفناء لا يتصور منه الإشارة ، وإنما أراد به من هو في الجمعية ~~وهو الذي لا في نظره ، وعلمه ، وفهمه، إلا هو مع المقصود، وهو الحقيقة اللهم ~~إلا أن يكون هو في عالم الفناء لكن يقع إشارته لا بصنعه واختياره، فيعرج بها عن ~~الفناء ، وهو الهلاك من عالم عين الجمع، فهذا أيضا قريب، وأما إشارته أنواع ~~مختلفة ؛ لكنه أراد بالإشارة هنا ما يجري في وهمه أن ما رأى هو المقصود فربما يقف ~~148 ~~فينقطع ؛ فإن قلت : هذا الهلاك بهذه الالتفاتات كائن لا محالة أم لا? ~~قلت: ما شاء ونعوذ بالله من ذلك؛ فإن هذه الالتفاتات مما يكثر وربما ~~يوجد أكثر من ذلك للأولياء الكبار ولا يهلك به لا محالة، والهلاك إنما يحصل إذا ~~ألف وأنس بما ألتفت إليه وولع به ورغب عما فوقه جهلا بما فوقه، أو كسلا عن ~~السر، أو استطابة لها مع دناءة الهمة فيقف عند الأدنى ويرضى بها، ولا يريدون ~~بهذا الهلاك الكفر ، أو الفسق في الشريعة، ولا استحقاق العقوبة عليها بنار ~~الجحيم ، بل عوقب هذا الملتفت إنما يعاقب بالانقطاع عما التفت عنها من ~~المقامات العالية إلى المنازل الدنية فيترك فيها ، وربما يقول بعضهم إن الالتفات من ~~الأعلى إلى الأدنى كفر، وشرك، وردة، وزندقة، يعنون به الارتداد والتنزل من ~~أعلى إلى أسفل لا ما هو كفر، وردة في الشريعة فافهم. # إنما قال ابن عطاء هذا القول لأمرين أحدهما: تحذيرا، والآخر: تنزيها، ~~فأما التنزيه فإن الالتفات على الغير تقصير وخلاف هذا المقام فأراد أن يكون ~~المريد منزها عن ذلك التقصير وأما التحذير فإنه لما كان ذلك الالتفاتات تفضي ~~إلى الهلاك أشار إليها على سبيل الندرة وحذرهم عن ذلك الالتفاتات لكي ~~يجتهدوا في الاحتياط ؛ لأنه لما كان تحذيرا من الله تعالى حذرهم إن شاء الله وحده. # 149 ~~فصل ~~اعلم أن هذا الكلام من ابن عطاء دليل على ترتيب درجات هؤلاء كما ~~رتبهم، فإنه جعل أصحاب القلوب واللحظات ms035 أولياء، وذلك أدنى الدرجات ~~الثلاثة، وسمى أصحاب السر ، والخنطرات «عرفاء» وهذه درجة متوسطة ، ~~وسمى أصحاب الخفي والإشارات موحدين. # فإن قال قائل : هذه المقامات الثلاث أعني كون العبد صاحب الخفي ، ~~وصاحب السر، وصاحب القلوب هل يجتمع لواحد من أصحابها أو يتفاوتون ~~فيها؟ # قلنا: قد يجتمع الكل لكبار الأولياء، وقد يقتصر بعضهم على بعض ومن ~~اجتمع له هذه الخصال؛ فإنهم يتفاوتون أيضا فيما لهم قوة وضعفا عنها ثم الذين ~~اجتمعت لهم هذه الخصال لا ينبغي لهم أن يلتفتوا على منازلهم التحتانية خوفا من ~~الارتداد إليها ، ومن التراجع عن المقامات الفوقانية ، وكل كلماتهم هذه إشارات ~~إلى ذلك، فافهم. # قال الشبلي: «اللحظة كفر، والخطرة شرك، والإشارة مكر» أما «اللحظ ~~كفر» في اصطلاحهم فلأنه التفات إلى الدنيا، ونظر إليها فذلك وإن كان لمحة فهو ~~إعراض عن الحق، وكان ارتدادا كفرا ، وهذا لو تأملت فيه لوجدته كفرا، وردة ~~حقيقة إلا أنه عفي في الشريعة من كل مؤمن ومسلم، فافهم. # قوله : «والخطرة شرك» يعني الالتفات إلى الآخرة ؛ لأنه رغبة في الآخرة ~~مع رغبة إلى الله تعالى، فكانت الآخرة إلها معبودا ثانيا له حيث يعبد خوفا من ~~النار وطمعا في الجنة فكان شركا، وإنما جعل هذا شركا، وجعل السابق كفرا ، ~~لأنه مع الالتفات إلى الآخرة بقى ملتفتا إلى الله تعالى لأن طالب الآخرة إنما يطلب ~~150 ~~من الله تعالى بخلاف اللحظة؛ فإنها رغبة في الدنيا والتفات إليها، وإن الدنيا قلما ~~يطلب طالبها من الله تعالى، وإنما يطلب من أربابها الذين لهم الدنيا في أيديهم ~~ظاهرا فكان إعراضا عن الله تعالى بالكلية وكفرا حرفا فسماه كفرا. # قوله : «والإشارة مكر» وقد عرف من قبل أن الإشارات أنواع جمة لكنه ~~إنما أراد بذلك ظن الخفي، أو منيته، أو زعمه أنه وصل إلى المقصود، وهذا مكر، ~~لأنه يغتر فينقطع من الارتقاء في عالم الحقيقة. # قال الجنيد - رحمه الله : «تقصير المحبين بلحظة يقع بالآفات» وذلك فضل ~~الله عليهم ليزيد على خوفهم، واضطرارهم، وفقرهم، وتقصير العارفين ~~بخطرات سرهم، وذلك تنبيه من الله تعالى لهم ms036 لكيلا يأمنوا مكر الله، لأن المكر ~~يظهر في هذا المقام ، وتقصير الموحدين بإشارات وذلك بشارة لهم من الله تعالى عز ~~وجل لكي يسكنوا به لأن ذلك مقام النفي، والنفي هلاك البدن، ويزيد ~~بإشاراتهم قوله هذا. # واعلم أن الجنيد - رحمه الله - جعل مقامات هؤلاء على ثلاث درجات كما ~~جعل اين عطاء، غير أنه سمى أصحاب القلوب المحبين، وابن عطاء سماهم ~~أولياء ، ثم إن كلام الجنيد -رحمه الله - دليل على أن المحب والولي الذي هو ~~صاحب القلب يحتاج إلى زيادة الخوف، والاضطرار ، والفقر إلى الله تعالى ، وأن ~~العارف الذي أعلى درجة وبلغ إلى مشاهدة الحقيقة يجب عليه أن يكون على حذر ~~من المكر ولا يغتر بما يجري معه من لطائف المشاهدات ، وأن الموحد يحتاج إلى ~~التقوية والتسكين كيلا ينمحي بالنفي في مقام التوحيد ، وأن التوحيد مع النفي ~~عندهم شرك، تفهم إن شاء الله تعالى وحده. # قوله : «تقصير المحبين بلحظة يقع بالآفات» أما تفسير المحبين والمحبة ~~151 ~~سيأتي بعد في بابها إن شاء الله تعالى ، يعني بذلك المحب السالك المتوجه إلى ~~المحبوب الذي اضطر بمحبته إلى سيده فربما يقع له التفات إلى خلقه وهو الدنيا ~~بآفات، وحاجات إلى الكسرة، والكسوة لستر العورة ، وسد الجوعة ، وذلك ~~الالتفات فضل الله تعالى عليهم ليزيد بذلك خوفهم في سيرهم واضطرأرهم إلى ~~سيرهم. # قوله : «وفقرهم» أي: محبتهم وافتقارهم إلى محبوبهم يزيد بذلك التقصير ~~خوفهم وفقرهم. # قوله : «تقصير العارفين بخطرات سرهم» وإنما قال ذلك لأن العارف ~~الذي هو صاحب السر لما جاوز سره إلى عالم الخفي وارتقى إلى عالم الحقيقة ، وكثر ~~مشاهداته لذلك العالم حتى صار به عارفا، فالتفاته إلى الآخرة من بعد ذلك ~~تراجع على خلف فيكون ذلك نقصا وتقصيرا بلا شبهة. # قوله : «ذلك تنبيه لهم من الله لكيلا يأمنوا من مكر الله تعالى» لأنه بذلك ~~الالتفات يعلم أنه لا تعويل ولا اعتماد على مقاماته التي بلغ إليها حيث رآه ~~متراجعا إلى أسفل من خلفه بعد ما ارتقى مقامات رفيعة كثيرة فيتنبه عليه فيطلع ~~على الآفات المؤدية إلى ms037 ذلك المهلكة . # قوله : «لأن المكر يكون في هذا المقام» هذا خلاف قول الشبلي حيث قال : ~~«والإشارة مكر إشارتا بالمكر إلى المقام الثالث» وهى مقام صاحب الخفي ~~وقال الجنيد قدس الله سره : «إن المكر يظهر في هذا المقام وهو المقام الثاني» ~~مقام صاحب السر ، والصحيح عندي أن المكر قد يكون في جميع المقامات ، ~~والمنازل ، والدرجات ما دام المريد في قيد البقاء في دار الفناء. # 152 ~~قوله : «وتقصير الموحدين بإشارات» قد ذكرنا في شرح كلام ابن عطاء ~~بعض الكلام في الموحد ، حيث قال : «هلاك الموحد بإشارات الخفي» فهو المراد ~~به هنا أيضا ، وإنما جعل الإشارة تقصيرا هنا لأنه التفات في عالم الحقيقة إلى غير ~~الحق مع أن المشار إليه عالم الحقيقة لكنه غير الحق تعالى فكان ذلك نقصا ، وإن ~~كان ساعة لطيفة لأنه تقصير وتقاعد عن الارتقاء حقيقة في الحقيقة ، ولأنه ربما ~~ينقطع به عن الارتقاء في عالم الحقيقة. # قوله: «وذلك بشارة لهم من الله تعالى لكيلا يسكنوا به» لأن ذلك مقام ~~النفي يعني أنه ترويح لهم واطمئنان لهم لكي يتقووا بها على الفناء، ويكون هذا ~~بمنزلة نزول المسافر وقت الضحوة ليسكن ساعة ويعلف الدابة فلا تنقطع بدوام ~~السير إلى الليل، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : «روحوا القلوب ساعة فساعة» ولأنه يكون في ~~تقوية السائر بمنزلة البشارة له أن يقول : إن المنزل قربت منك، وأن المقصود وراء ~~هذا المنزل، فإذا جاوزت وصلت فهذه تقوية بالبشارة، ثم إن هذا يدل على أنه ~~أراد بالموحد هنا من بلغ إلى الجمعية ولم يبلغ إلى عين الجمع وهو عند الفناء لكنه ~~في مقام لا يوجد الفناء إلا فيه، وإن لم يوجد الفناء بعد. # قوله : «النفي هلاك البدن» يعني بالنفي: الفناء وهو الذي أشرنا إليه بأنه ~~ينسى كل الأشياء، ويعمى عنها إلا الواحد وهو الله تعالى. # قال الشبلي: «إذا أشار الموحد فيكون كما أشار، وإذا خطر الخاطر فيهلك ~~153 ~~ذلك الشيء ، وإذا لاحظ الملاحظ فيقوى ذلك الشيء ، لأن اللحظ من ريح الله ~~تعالى، والخطرة من نار ms038 الله تعالى، والإشارة من نور الله». # قوله: «إذا أشار الموحد فيكون كما أشار»وإنما كان كذلك لأن إشارة ~~الموحد لا يكون منه، ولا كسب له فيه، ولا قصد، ولا إرادة له، ولا لغيره إلا الله ~~تعالى، والله تعالى لا يخطئ فيما يشير، فلا يكون إلا كما أشار وتطير تك الإشارة ~~التي لا كسب للمخلوق فيها. # قوله: «أنا الحق»، وقول: «سبحاني»، وقوله تعالى من الشجرة: (إنني أنا ~~الله لا إله إلا أنا فاعبدني) [طه : 14] لا كسب للشجرة. # قوله : «وإذا خطر الحاظر يهلك ذلك الشيء» وقد أجمل الخطرة هنا ؛ لأنه ~~أراد بها الرغبة وهي نوعان متنافيان ، أحدهما رغبة إلى المقصود الذي هو فوقه ، ~~والأخرى رغبة عنه وفرار منه لما في المراقي من الكلف والمشاق ، فأما الخطرة التي ~~هي رغبة عن الترقي في المراقي تبطل بها سيره السابق، ويهلك السلك الساري، ~~كما قال الصادق غلمه : «إذا تنفس المتنفس يبطل أعمال الثقلين» وإنما أراد بذلك ما ~~إذا تنفس رغبة عن الارتقاء لغلبة الكلف والمشاق عليه في المراقي والمدارج ~~كذلك هذا أي خطر هو ذلك التنفس بعينه ولم يختلف إلا العبارة «وأما الخطرة ~~التي هي رغبة إلى المقصود الأعلى» فذلك هو نفسه أيضا من غليان الاشتياق إلى ~~أعلى مع الانقطاع منها بسبب كثرة الحجب، والموانع، والآفات فذلك النفس ~~يحرق هذه الحجب والموانع والآفات كلها حتى لا يبقى بينه وبين المقصود الأعلى ~~حجاب، ولا مانع، كما قال الصادق : «إذا تنفس المتنفس بالذلة والافتقار يحرق ~~كل حجاب بينه وبين العرش». # وقال الجنيد - رحمه الله : «نفس يخرج بالاضطرار يحرق الحجب والذنوب ~~154 ~~التي بين العبد وبين الله تعالى» على ما سبق ذكره ، كذلك هذه الخطرات التي ~~ذكرها الشبلي فإنما أراد بها هذين النفسين بعينهما، فافهم إن شاء الله وحده. # قوله: «ويهلك ذلك الشيء أراد به أنه لو كان خطراته، وتنفسه رغبة إلى ~~الحق تعالى مع ما منعه موانع ، وآفات فذلك الخطرة تحرق كل الموانع ، والآفات ، ~~وإن كان إلى الدنيا فرارا عن الحق تعالى ، أو عن الآخرة فيحرق الموانع ، والحجب ms039 ~~أيضا ؛ لأن حجبه عن الدنيا توجهه إلى الحق ، وإلى الآخرء» فذلك الخطرة تكف ~~بصره ويطين وجه قلبه، ويرده إلى خلفه، ويهويه إلى أسفل، وهو الدنيا، ثم إلى ~~أسفل السافلين وهي الهاوية، والسقر، كيما عمل خطرة بلعام بن باعوراء ببلعام، ~~وخطرة برصيص ببرصيصا ردتهما على عقبيهما، حيث أخلدا إلى الأرض، واتبعا ~~هواهما وأطاعا شيطانهما فهكذا حكم كل تائب محب ومريد سالك، أو عارف ~~بالغ، أو ولي كامل إذا نقض عقده، ونكث عهده، ونبذ نوبته، ورمى إرادته، ~~ونكص على عقبيه مرتدا، وولى مدبرا التحق ببرصيص وبلعام، وكان مثلهم ~~كمثل الكلب أكل جيفة وقاء ثم عاد فيما قاء أكلا فكان عاقبتهم أنهم في النار ~~خالدين فيها، وذلك جزاء الظالمين. # قوله : «وإذا لاحظ الملاحظ فيقوى ذلك الشيء» أراد بذلك ملاحظة ~~القلب، والعقل، وأخذ وجهي السر إلى الدنيا اضطرارا وملاحظتهما تقوى الدنيا، ~~وأهلها ويقوى القلب، والعقل، والسر، أما قوة القلب، والسر فإنه إذا لاحظ إلى ~~الدنيا يأخذ منه بقدر ما يسد الجوعة ويستر العورة ، ولولاه لهلك النفس ، ~~والقلب، والعقل جميعا، أو ضعف عن اكتساب شأنه، وضعف عن الارتقاء إلى ~~أعلى فتحصل القوة لهؤلاء بما يأخذون ، أما قوة الدنيا، وأهلها يقتبسون بركة ~~البقاء، والسلامة من هؤلاء الأشخاص من نظرهم إليهم، ومكثهم لديهم، فإذا ~~155 ~~لاحظ الملاحظ منهم لضرورة حاجته إلى الدنيا يحلهم البركة المورثة للسلام ~~بالدوام، وإذا غاب عنهم يذكرهم عند ربهم لينظر إليهم، ويرحمهم. # قوله : «لأن اللحظ من ريح الله» يعني من نفس الله ورحمته، ويذكر الريح ~~ويراد به القوة مجازا، قال الله تعالى: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا ~~وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) [الأنفال: 46] أي: قوتكم. # قوله : «الخطرة من نار الله تعالى» أراد به النفس الذي يحرق الحجب على ~~الوجه الذي سبق. # قوله : «من نور الله تعالى» إنما سمى ذلك نورا لأنه مخبر صادق على ما مر ~~والخبر الصدق يكون مبينا بما خفي كالنور، وإنما أضاف جميع ذلك إلى الله تعالى، ~~لأن جميع ذلك من الله تعالى ، والمريد يكون مضطرا لا ms040 اختيار لنفسه فيها إلا ~~الملاحظة إلى الدنيا فإنه ربما يكون باختيار واضطرار تفهم إن شاء الله وحده. # قال ابن عطاء: «اللحظة شيء تصور في القلب» وذلك كما تصور، ~~والخطرة شيء يذكر في سره ، وذلك كما ذكر ، والإشارة تحكم يجري على لسانه من ~~اضطرار الخفي . # قوله : «اللحظ شيء تصور في القلب» فسر اللحظ هنا بالتصور وهو ~~صحيح، لأن ما يتصور في قلب الولي بأنه كان كذا؛ في العالم أو يكون كذا، فإنه ~~نوع من أنواع مسميات اللحظ على ما قدمنا في ابتداء الباب ، إن اللحظ التفات ~~القلب سواء كلاما، أو ذكرا، وربما يكون شيئا آخر على ما مر ثمة فهو يريد بفوله: ~~«يذكرفي سره» ذاك الذكر. # قوله : «والإشارة تحكم يجري على لسانه باضطرار الخفي» وقد فسرنا ~~الإشارة من قبل. # 156 ~~قوله : «تحكم يجري على لسانه» خص الكلام الذي يجري على لسانه وإن ~~كان نوعا واحدا من أنواع مسميات الإشارة. # قوله : «يجري على لسانه من اضطرار الخفي» يعني لا يكون بفعلهم ~~واختيارهم ، وعلل ذلك باضطرار الخفي ويريد به تقاعد الخفي ، والعقل ، ~~والقلب جميعا عن الاختيار، والالتفات إلى عالم الدنيا، وإنما يشير بذلك إلى مثل ~~كلمات الحسين بن منصور «أنا الحق» ، وأبي يزيد الطيفور «سبحاني» . # قال النوري : «اللحظة نظر القلب إلى شيء ، والخطرة سمع بالسر ، ~~والإشارة كلام الخفي بشيء» اعلم أن كل ذلك صحيح غير أنا قد ذكرنا أن ~~اللحظة والخطرة والإشارة لكل واحد مسميات كثيرة على اصطلاحهم ، والذي ~~أشار إليه النوري هاهنا نوع واحد من جملة أنواعها فافهم. # قال الشبلي : «اللحظة حرمان، والخطرة خذلان، والإشارة هجران» ~~فمعنى جميع ذلك صحيح لكن كان مقصوده العبارة المسجعة وإنما المعنى صحيح ~~لأن اللحظة التفات إلى الدنيا وهو حرمان عما فوقه أي حجاب عما فوقه بضده ~~عما وراءه، كما قال الله تعالى (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب) [الشورى:2٠] ~~والخطرة خذلان ؛ لأنها التفات عن الآخرة التي يختفي بها عالم الحقيقة ms041 ولو نصره ~~الله تعالى لما التفت إلى الآخرة فلما أخذله التفت . # قوله : «الإشارة هجران» لأنه التفات إلى غير ما فوقه من عالم الحقيقة ~~فينقطع بها عن حقيقة الحق على ما سبق شرحها. # قال الجنيد - قدس الله روحه : «اللحظة حرمان، والخطرة إيمان، والإشارة ~~غفران» هذا أيضا سجع، والمراد صحيح؛ لأن اللحظة حجاب عما فوقه ، حيث ~~157 ~~إلى الدنيا ليستر عنه ما فوقها كيما بينا، أما «الخطرة إيمان» لأنه التفات إلى الآخرة ~~وذلك صنع الإيمان وثمرته ؛ لأن الآخرة وأحوالها إنما يعرف بالإيمان بأخبار ~~الأنبياء - صلوات الله عليهم - أجمعين. # فالالتفات إلى الآخرة كما من قوة الإيمان ، وأما «الإشارة غفران» معناه ~~مغفور ذكر المصدر وأراد به المفعول كما يقال هذا كسب فلان، وصنعه، وفعله، ~~أي مكسوبه، ومصنوعه، ومفعوله، وإنما قال ذلك لأن المريد إذا سلك الطريق ~~لا بد له في كل منزل من منازله أن يشير له مشير بأن المقصود وراء المنزل الذي هو ~~فيه حتى يتقوى بذلك على الترقي مع أن كل ذلك خطأ، وكذب لكنه معفو ~~لضرورة أنه لا بد له من ذلك ثم إذا وصله إلى عالم الحقيقة فإنه لا ينقطع من ~~الترقي أبدا، وإنما يرتقي أيضا بذلك الطريق وهو يشترك أن بالخفية، أو مقصوده ~~عقيب ذلك المرقاة حتى يرتقي كذلك أبدا وهذه إشارة غير محمودة حقيقة لكنها ~~واقعة كائنة لا محالة ، وفيها فائدة وإليها حاجة المريد ماسة لتقوى بها كما سبق في ~~كلام الجنيد قدس الله سره حيث قال : «إن المريد يزيد بإشاراتهم قوة» فلهذا كان ~~معفو فافهم. # قال: «اللحظة راحة، والحظرة إمارة، والإشارة بشارة» اعلم أن هذه ~~الكلمات كلها موافقة لما سبق من تفاسيرنا ، أما «اللحظة راحة» لأنها إلى الدنيا ~~لطلب ما يسد الجوعة، ويستر العورة، وذلك راحة النفس، وقوة القلب، ولأن ~~الالتفات إلى هاهنا ترويح للقلب، والسر عن سآمة السير، وصعوبة الصعود، ~~وحرج التروح على الدوام. # 158 ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «روحوا قلوبكم ساعة فساعة» وإنما قال ذلك لتقوية ~~القلب على الارتقاء، وإزالة سآمة المواظبة على ms042 السمو . # قوله : «وبالإشارة بشارة» معناه ما تقدم أن المريد لا بد له من البشارة ~~بكينونته ، المقصود عقب العدم الذي فيه هو ، أو عقيب المنزل الذي وصل إليه ~~فيتقوى بتلك الإشارة المبشرة على الارتقاء إلى ما فوقه ، ولأنهم إنما يريدون ~~بالإشارة التلوينات التي في عوالم الحق تعالى ، والمريد يفرج ويتروح بها. # 159 ~~باب صفة المكر ~~قال الجنيد - قدس الله روحه - في قول الله تعالى (ومكروا مكرا ومكرنا ~~مكرا وهم لا يشعرون) [النمل:50] قال: «في طريق الله عز وجل ألف قصر، في كل ~~قصر قاطع من قطاع الطرق موكل على المريد السالك، ولكل موكل مكر، وغدر ~~خلاف آخر ، فإذا جاء السالك غدر الموكل معه بشيء يعطى شيئا ويمنعه من ~~الطريق ويحجبه عن الله تعالى». # اعلم أن المكر في لغة العرب : احتيال وخداع على الغير يقع بها في الشر ، ~~وفي اصطلاح المشايخ الصوفية هو : الابتلاء والامتحان ، فأما العلماء حملوا ظاهر ~~الآية على مجازاة المكر من الله تعالى (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا) [النمل : 50] ~~أي : جازيناهم بمكرهم، وهذا صحيح، لأن مجازات العمل يسمى باسم ذلك ~~العمل ، وإن كان لا يسمى به إذا لم يكن جزاء كقوله تعالى (والذين كسبوا ~~السيئات جزاء سيئة بمثلها) [يونس : 27] سمى الجزاء سيئة وإن كان حسنا كذا ~~قوله تعالى : (ومكرنا مكرا) أي : جازيناهم بمكرهم ، أما حمل الآية على المكر ~~الذي هو اصطلاح الصوفية ممكن جائز لأن الذي أراد الله تعالى بقوله: (ومكرنا ~~مكرا) كان ابتلاء أيضا لأن الابتلاء نوعان : ابتلاء بالنعمة، وابتلاء بالنقمة، كما ~~قال الله تعالى: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات) [الأعراف: 168] والذي أراد ~~بهذه الآية كان مكرا هو نقمة وعذاب بدلالة قوله تعالى (فانظر كيف كان عاقبة ~~مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين) [النمل:51] أما لا يمكن حمل الآية على ~~المكر الذي ذكره الجنيد لأنه ما أراد به المكر الذي هو نقمة وعذاب. # 160 ~~قال بعضهم: البلوى من الله تعالى على نوعين : بلوى رحمة ، وبلوى ~~عقوبة. # فبلوى الرحمة : تبعث صاحبه على إظهار فقره إلى الله تعالى وترك التدبير . # وبلوى العقوبة : تبعث صاحبه ms043 على التدبير والاختيار ، وإنما أراد به الابتلاء هو ~~نعمة يشتغل بها عن نعمة أخرى أعلى منها فيفوت الأعلى حيث قال: «يعطى شيئا ~~ويمنعه من الطريق فيحجبه من الله تعالى» والآية ما نزلت في المكر الذي هو عطاء ~~وابتلاء، ومن الجائز أن الجنيد ذكر هذا الكلام لا تفسيرا لهذه الآية ، وإنما زاد الآية ~~كاتب أو ناسخ ساهيا، أو فضوليا. # واما تفسير المكر بالابتلاء والامتحان على اصطلاح الصوفية صحيح ؛ ~~لأنهم يريدون بهذا المكر ما يمنع السالك عن الترقي سواء كان بلية أو عطية ؛ فإنه ~~إذا كان السالك يلتفت بسببه عن مقصوده إلى خلفه كان مكرا في حقه حيث ~~تقاعد بسببه عما هو خير له والذى أشار إليه الجنيد - رحمه الله - أحد نوعي المكر ~~وهو إعطاء عطية دنية يشغله عما هو أعلى، وربما يكون ذلك المكر بألا يعطى شيء ~~بل بسلب منه بعض ما وهبه إبتلاء ليريه أو يرى ملائكته أنه يصبر على فراقه ولا ~~يجزع قال الله تعالى : (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال ~~والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) [البقرة: 155] وربما يكون ذلك المكر، ~~والغدر بالأمر، والنهي كما قال تعالى للملائكة: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس) [البقرة : 34] وأمر إبراهيم عليه السلام بأوامر منها ذبح الولد، ~~وقطع القلفة وأشباه ذلك فأتمهن جميعا، قال الله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه ~~بكلمات فأتمهن) [البقرة : 124] قال: (قال إني جاعلك للناس إماما) [البقرة : ~~124]. # 161 ~~وكيف ما كان فمكر الله تعالى بطريق الابتلاء لا يكون إلا نعمة وإحسان ~~وتقاعد العبد مما هو أعلى لا يكون من الله تعالى، بل يكون بتقصير العبد، ودناءة ~~همته، حيث اشتغل بأدني النعمتين عن الأعلى. # فإن قال قائل : إن استقام بهذا في المكر ، والابتلاء الذي هو أعطى نعمة ~~لاستقام في الابتلاء الذي هو سلب نعمه ، أو هو أمر ونهي ، أو هو مغالطة ، ~~وخداع ليسقطه عن مقامه الأعلى. # قلنا : إن المغالطة والخداع لغرض أن يلقيه من مقامه الأعلى ، هذا مما لا ~~يصنعه الحكيم تعالى ، والكلام فيه ما عرف أن الله ms044 منزه عن الإغواء والتلبيس على ~~عباده لغرض أن يضلهم عن الحق إلى الباطل، وأما الأمر والنهي فانه لا يكون ~~من الله تعالى إلا إحسانا، وإنعاما لما عرف أن الله تعالى لا يكلف عبده بفعل ولا ~~يأمر بصنع ولا ينهاه عن شأن إلا لمصلحة وفائدة عائدة إلى العبد المكلف على ما ~~بينا في كتاب «التحسين والتقبح» . # فأما المكر الذي يسلب النعمة نحو سلب المال، والولد، وصحة البدن، ~~والجوارح ، إن قلنا : إنه لا يكون إلا نفعا وفائدة عائدة على العبد قلنا : وجه ظاهر ~~لكنا نقول : جاز ألا يكون مصلحة ولا مفسدة؛ لأن نعم العباد ودائع الله تعالى ~~عندهم لينتفعوا بها رزقا مباحا لهم ويسترد ما شاء متي شاء ممن شاء، وكان يحسن ~~منه تعالى أن يسترد ممن شاء ويصرف إلى من شاء فإذا عرفت ذلك فاعلم أن المكر ~~ابتلاء وامتحان الدنيا ذلك المكر منعا كان، أو عطاء، أو أمرا، أو نهيا، أو ما أشبه ~~ذلك ابتلى الله تعالى عباده بها وعموم الناس منقطعون عن التكاليف مرهنون ~~بالدنيا، ولو تخلص أحد من الدنيا على سبيل الندرة تحير في نفسه وصفاتها، ولو ~~تخلص عن النفس توجه إلى الآخرة هذا من النوادر في الدنيا ، وكان كل الدنيا ~~162 ~~ونفسه وصفاتها وأخرته كلها مكرا له في طريق الله تعالى مع أن جميع ذلك نعمة ~~عظيمة من الله تعالى. # ثم السالك الذي ينبذ دنياه ونفسه وآخرته ويتوجه إلى الله تعالى فعند ذلك ~~له هذه الآفات التي قالها الجنيد قدس الله سره ، وعند ذلك يقوم الشيطان وهو ~~مطلق العنان، ويعرض على هذا السالك كل شيء من أشياء الدنيا في كل ساعة ~~ولحظة ويستمد بنفسه، ويهيج صفات نفسه نحو الحرص، والحقد، والحسد، ~~والشهوة، وما أشبه ذلك فإذا عجز عن جميعها تمكن على صرفه إلى الآخرة فتارة ~~يرغبه في الجنة، وأخرى يخوفه بالنار، ثم إذا عجز الشيطان عن جميع ذلك ويسخر ~~له نفسه وهواه فبعد ذلك يمتحنه بالملائكة ويبتليه الله تعالى بأنواع الكرامات، ~~والفراسات، والإلهامات، ثم بأنواع المكاشفات فلو وفف ms045 عند شيء من ذلك فقد ~~انقطع ولو لم يقف عند شيء من ذلك وارتقى إلى آخر عمره فهو المبارز الذي لا ~~نعلم له نظيرا في زماننا هذا، فافهم إن شاء الله وحده. # قوله : «في طريق الله ألف قصر » وإنما أراد بها المنازل، والمقامات، ~~والدرجات التي يرتقي إليها المريد، وإنما قال :«ألف قصر» مبالغة وهو أكثر من ~~ألف ألف؛ فإن قال قائل: هب أن المكر والغدر نعمة حسنة والانقطاع يحصل ~~بتقصير العبد لكن ما المقصود من حملك الغدر قطع العبد من طريقه أو شيء ~~آخر؟ # إن قلت: قطع العبد! # نقول : أية حاجة إلى الغدر بالعبد ليقطعه عن طريقه المستقيم ، وهذا لا ~~يليق بحكمة الحكيم ، وإن قلتم المقصود شيء آخر يليق بحكمة الله تعالى بينوا ~~ذلك. # 163 ~~قلنا: أما قطع العبد فغير مقصود، إذ لو أراد قطعه لما رغبه، فيه، ولا أمره ~~بالتوجه إليه، وقد قال الله تعالى: (وإلى ربك فارغب) [الشرح: 8]. # وقال الله تعالى: (تجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) [الشورى: ~~13] وقال لموسى عليه السلام : (واصطنعتك لنفسي [طه : 41 ] وإنما المقصود وجهان ~~مستحسنان أحدهما: الإنعام بذلك النوع من النعمة. # والثاني : امتحان له وللملائكة؛ فإنه إذا كان صادقا في إرادته لا يلتفت إلى ~~هذه النعمة وإن كان من الله تعالى مباحا له فيظهر بإعراضه عن ذلك النعمة ~~وعدم الالتفات إليها إنه صادق بالغ في حبه لربه -جل وعلا- ورغبة إلى حضرته ~~تعالى فيظهر ذلك لهذا المريد والملائكة جميعا فيتقوى به المريد ويعتمد على نفسه ، ~~ويعلم أنه وافقه وانقاد له، وإن كان بخلافه يعلم مقدار نفسه في الدناءة والضعف ~~فيعتمد على فضل الله تعالى ويفرغ إلى التضرع، والتذلل، والخضوع له تعالى، وأما ~~ملائكة الله تعالى يثنون عليه، ويمجدونه، ويحبونه، فلهذه الحكمة حسن ذلك ~~المكر إذا عرفت ذلك ظهر ما أراد الجنيد قدس الله سره بكلامه الطويل. # فنقول: أراد به أن المريد والسالك يرى في كل منازله، ومقاماته في طريقه ~~إلى الله تعالى أمور وأشياء طيبة، فإذا استطاب شيئا في مسيره والتفت إليها ms046 انقطع ~~بها عما فوقها، وكان ذلك الذي استطابه نعمة الله تعالى له وفيها مكر وغد. # وقال أيضا : «في طريق الله ألف مانع للمريد السالك يحجبه عن الله تعالى ~~ولا بد من البصير عليهم» يعني لا بد للمريدين من الشيخ البصير العالم الكيس ~~الذي رأى المشايخ كثيرا ، ويعلم من كل واحد منهم ما لا بد للمتصوفين لينظر إلى ~~أحوالهم وواقعاتهم ، ويميز بين الصحيح، والسقيم، ويرشدهم إلى الصلاح ~~ويدفعهم عن الفساد، ويعلمهم الآفات والمهالك وما يحفظهم بجها عنها. # 164 ~~وقال الجنيد - قدس الله سره العزيز: «الرجال خمسة: واحد من الخارج ~~يدخل فيمنعه المانعون لغدره بشيء ويرجع من الباب إلا أن يكون عاقلا يعقل ~~ذلك ولا ينظر إليه، والثاني : من الداخل يخرج فيبقى من الخارج ولا يقدر على ~~الرجوع إذا نظر إلى شيء دونه ، والثالث : يجيء الملك يدخله من الخارج بغير المانع ؛ ~~لأنه مع المنشور، والرابع: يدخل من طريق أصعب وأهول وأشد لا يكون فيه ~~المانع ولا الغادر بالتشهر والتجلد على المخاطرة فيبلغ ويقعد على الباب حتى يفتح ~~له وإلا خرج من تحننه فيسمع الملك أنينه فيدخله، فإذا دخل من الدار فلا بد من ~~القبول، وهؤلاء أهل التصوف بنوا طريقهم على المخاطرة فلا يميلون إلى الخلق ، ~~ولا إلى الدنيا، ولا إلى أنفسهم، ولا إلى أهلهم، وإن نظروا ومالوا فمنعوا وجزوا، ~~والخامس: من الداخل يظهر، ومن الداخل يقبل، ومن الداخل يسكن، وهو نديم ~~الملك ، وذلك الحبيب محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وسلامه وخلاف ذلك ~~ألف مقام، ولكل مقام غدر مؤيد محمود وهو على عسى ولعل بالوصل، ~~والواصل به أقل ». # قوله : «الرجال خمسة» يعني به أن المريدين خمسة ، «واحد من الخارج» أي ~~ينشأ من الخارج من عالم المراد المطلوب هي عالم الحقيقة ، فالد اخل فيها داخل ، ~~والخارج منها خارج من الحقيقة . قوله : «بأن يدخل فيمنعه المانعون» أي يتوجه ~~إلى المراد، ويسلك الطريقة ليصل إليه ويقرب من الباب فيمنعه المانعون وتفسير ~~المانعين ما سبق من أنواع المكر، والغدر على ما مر ويرجع من الباب، ms047 إلا أن يكون ~~عاقلا يعقل أن ذلك غدر فلا ينظر إلى الكرامات في الدنيا والآخرة . # قوله : «الثاني الداخل يخرج فيبقى من الخارج ولا يقدر على الرجوع إذا ~~165 ~~نظر إلى شيء دونه» ، اعلم أن الذي يخرج من الداخل نوعان أحدهما : يكون ~~خارجيا فيدخل ويتمكن ثمة، ثم يخرج ويبقى في الخارج ولا يتمكن من الرجوع ~~إلى الداخل وهو بلعام بن باعوراء، وأمثاله كان متمكنا في الداخل فخرج ونظر ~~إلى الدنيا، وأخلد إلى الأرض واتبع هواه فلم يقدر على الرجوع إلى الداخل من ~~بعد، قال الله تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) [الأعراف: ~~175] إلى قوله : (ولكنه أخلد إلى الأرض) [الأعراف :176] أي : نظر إلى ~~الأرض يعني الدنيا وما فيها ( واتبع هواه) والتمسك بذلك ونظائره كثيرة، ~~والثاني: يكون منشؤه من الداخل فيخرج ويبقى خارجا ولا يتمكن من الرجوع ~~إلى الداخل وهو إبليس ولا أعلم له نظيرا في الناس ، والذي يكون في الداخل ~~ويخرج نوعان أيضا ، أحدهما: ما ذكرنا أنه يخرج ولا يعود وهو إبليس، والثاني : ~~يخرج ويتحير في الخارج ويبقى مدة مديدة ثم يعود بالشفعاء والندامات وما أشبه ~~ذلك، ونظائره كثيرة منهم آدم صلوات الله عليه، والملائكة هاروت، وماروت، ~~وهكذا كان جماعة من أهل التصوف بعد ما كشف له من عالم الحقيقة وفتح ~~أبواب المشاهدات انسلخ منها وانخلع من تصوفه وربما خرج من إيمانه وارتد من ~~دينه الإسلام والعياذ بالله ثم عاد ثانيا. # قوله : «والثالث يجى الملك فيدخله بغير المانع لأنه مع المنشور» يعني مع ~~الحاجب من الدليل ومع الحاجب إذن الملك، وأمره وطلبه بإدخاله، وهذا هو ~~الذي يسهل عليه الوصول، ولا يمنعه الدنيا والآخرة. # قيل واصحاب الجذبات من هؤلاء وليس كذلك عندي بل وصول ~~أصحاب الجذبات لا يكون بالمنشور والرسول ولا يحتاجون إلى الملك ، بل ~~وصولهم إلى الحق ووصول الحق إليهم واحد لا يدري صاحب الجذبة أنه إليه ~~166 ~~سار ، أو سار هو إليه إذ سيره وترك سيره سواه في وصوله، فافهم وصاحب ~~الجذبة قسم سادس وإنه قسم رفيع أدنى ms048 من قسم الأنبياء بدرجة، فافهم. # قوله : «والرابع يدخل من طريق أصعب لا يكون فيه المانع ولا الغادر» ~~لأن المانع والغادر أكثرها في الدنيا والآخرة والنفس والهوى وهؤلاء نبذوا جميع ~~ذلك فيقل لهم ذلك الموانع مع أنه إنما يمنع لكبارهم مع الوسواس والهواجس ، ~~فإذا كان المريد جلدا لا يلتفت إليها حتى يفرغ من الدنيا ومن صفات النفس، ثم ~~يسهل عليهم التفرغ من الآخرة والذي تحيل إليها إنما هو النفس والشهوات، فإذا ~~فرغوا من الآخرة وصلوا إلى عالم الحقيقة فيكون حالهم عند ذلك كسائر أحوال ~~الواصلين اعني في الموانع وعليهم الاحتياط مثل ما على غيرهم من غير أصحاب ~~الجذبات ؛ فإن الموانع لا يمنعهم لأن وصولهم إليه به بل هو الواصل إليه وهو ~~موصلهم إليه فلا مقصود المانع من هذا الوصال. # قوله : «فيبلغ ويقعد» يعني يقعد على الباب حتى يفتح له فإن لم يفتح ~~يصيح على الباب ويضرب رأسه على باب الدار حتى يفتح، ويفتح لا محالة؛ لأن ~~الله تعالى يحب الملحين في الدعاء، فإن الله تعالى أوحى لبعض الأنبياء ومن الذي ~~قرع بابي فلم افتح له، وهذا هو ما أراد الجنيد قدس الله تعالى سره بقوله : «فيسمع ~~الملك أنينه فيدخله فإذا دخل من الدار فلا بد من القبول» يعني لا بد من القبول ~~بحكم كرمه وجوده ~~قوله : «وإن هؤلاء أهل التصوف» وإنما أراد به متصوفي زمانهم ومن هو ~~في مثل حالهم. # قوله: «وإن نظروا ومالوا» يعني إن نظروا إلى الدنيا، والآخرة، والنفس، ~~والهوى، وجميع الزهاد وعموم العباد انقطعوا بذلك وعجزوا عن الوصول. # 167 ~~قوله : «والخامس: من الداخل يظهر، ومن الداخل يقبل، ومن الداخل ~~يسكن، وهو نديم الملك» هؤلاء أنبياء الله تعالى وهم الذين لا مانع لهم، ولا غدر، ~~ولا مكر، ولا يقال إن هؤلاء أصحاب الجذبات ، لأن الجذبة إنما يكون للفاصل ~~دون الواصل. # قوله: «وخلاف ذلك ألف مقام ولكل مقام غدر مؤيد» يعني به مقامات ~~عوام الناس من أبناء الدنيا، وأصحاب الحرف، والصنائع. # قوله : «وهو على عسى ولعل» يعني يحتمل أن يصل ms049 احتمالا نادرا بعيدا ، ~~والواصل به «أقل» أي أندر فافهم. # قال الجنيد قدس الله روحه : «الكرامة لذاتها حجاب مكر» يعني حجاب ~~يحجبه صاحبها عن الله تعالى وليس حجاب هلاك وعذاب وإنما هي حجاب ~~مكر، وابتلاء، وقال أيضا : «من نظر إلى كرامة فقد كفر بصاحب الكرامة» يعني ~~بهذا الكفر إعراضه في لحظة النظر إلى الكرامة وهذا حال من التفت إلى الكرامة ~~لحظة فلو زاد نظره إليها أورثه العجب وهو الكفر في الطريقة. # وقال الشبلي: «الكرامة غدر الله تعالى مانع عبد الله من الله تعالى، وهذا ~~مكر مكر به ، ولا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون» كل كلماته هذه ظاهرة لا ~~حاجة إلى التفسير وعنى بالغدر المكر. # قال جعفر بن محمد الصادق: «مكر الله أخفى من دبيب النملة على ~~صخرة سوداء في ليلة ظلماء» وهذا ظاهر ؛ فإن آفات هذه الطريقة لا تخفى وهي ~~أخفى عما قال ، لأن منها كان الالتفات إلى الجنة والنار مكر وذاك غاية الإيمان كان ~~الإيمان أيضا مكرا وأبلغ من ذلك الالتفات إلى عالم الحقيقة دون الحق مكر ، وهذا ~~أخفى مما قاله الصادق رضي الله عنه. # 168 ~~قال الجنيد -رحمة الله عليه - «المكر في الصلاة أظهر من غيره» يعني به ~~المكر في الصلاة بالصلاة وهو أن يعجبه صلاته من كثرته، وحسنه، ودوامه، ~~وطول قيامه، والقراءة، والركوع، والسجود، والخضوع، والخشوع، والطهارة، ~~والنظافة، وحضور القلب، والجمعية، فيبقى فيه كما يبقى في الدنيا صاحب الدنيا، ~~وهذا إذا أكمل صلاته بجميع صفاتها كما أمر بها، وأما من صلى هو غافل مشغول ~~بالدنيا يدبر شئونها وهو في الصلاة فهذه زندقة في نفاق لأن ترك الصلاة في ~~الطريقة زندقة، وهذا تارك الصلاة حقيقة، من حيث أنه ليس في صلاته شيء منه ~~إلا الصورة وصلاة الصورة صلاة المنافقين، وهو مذهب الزنادقة أيضا أن يصلي ~~كل غافل رسما للبلد وصيانة للمال والولد فكانت هذه الصلاة زندقة في نفاق ؛ ~~من هذا الوجه على مذهب التصوف. # قال أبو الحسين أحمد بن محمد النوري - رحمه الله : «المعصية لا تخلو من ms050 ~~الخذلان ، والطاعة لا تخلو من المكر» اعلم أن الخذلان في لغة العرب : ترك ~~النصرة، وفي اصطلاح المشايخ الصوفية : ترك العصمة، والتوفيق، والهداية من الله ~~تعالى غضبا على العاصي وغليظا عليه بما اقترف من المعصية ، وأما المكر فسرناه ~~من قبل وهو الابتلاء والامتحان نعمة من الله تعالى على العبد إحسانا معه. # قوله : «المعصية لا تخلو من الخذلان» ظاهر لأنه لولا الخذلان لعصمه الله ~~تعالى عنها «والطاعة لا تخلو من المكر» كما قال الجنيد - قدس الله سره - «إن المكر ~~في الصلاة أظهر» قد شرحناه من قبل. # قال الشبلي -رحمه الله : «اخترنا طريق التصوف سلامة من مكر الله تعالى» ~~إنما قال ذلك؛ لأن من سلك طريق التصوف أعرض عن الدنيا ، والآخرة، ~~والنفس جميعا فيقل المكر عليه في هذا الطريق كما بينا في كلام الجنيد . # 169 ~~وقال أيضا : «إن مذهب التصوف لا يخلو من المكر وفيه أظهر وهم ~~يعلمون لأنهم أكيس الناس به» يعني به أن الصوفي وإن نبذ الدنيا والآخرة، ~~ورمى نفسه وصفاتها الخبائث وتوجه إلى الحق تعالى مع ذلك لا يخلو عن المكر ~~وأنواع الآفات كم شرحنا من قبل. # قوله: «و هم يعلمون أنهم أكيس الناس به « يعني أن الصوفي البالغ أعلم ~~الناس بالمكر والآفات لأن ذلك من شأنه وحرفته بخلاف المريد المبتدئ فإنه لا بد ~~له من بصير عليه يخبره بآفاته. # وقال النوري : «المكر لا يفهم صاحب الوصل والمريد لا يدري ما المكر ~~لأنه له شوق وحرق» يعني من وصل إلى المقصود لا يعلم المكر أي : لا يراه ؛ لأن ~~المنكر في الطريق غير ان هذا مجمل وشرحه أنه لا يفهم المكر فيها خلفه من ~~الطريق ، أما فيما يرتقي في المستقبل دائما لا يأمن المكر لأن كل واصل إلى عالم ~~الحقيقة وما فوقها لا بد له من الارتقاء أبدا ومن وقف فقد انقطع مما فوقه ، كما ~~أشرنا إليه من قبل. # قوله : «والمريد لا يدري ما المكر» يعني به قبل التعلم من الشيتح لا يدري ~~ماهية المكر ، ويحتمل أنه أراد المحب فإن المحب ms051 لا يضره شيء من «المكر ، لأن ~~حبه يحرقه فلا يتوقف بشيء من الآفات فافهم. # قال وريم رحمه الله : «المكر غذاؤنا، وهو غواؤنا» إنما أراد بذلك المكر كل ~~الالتفات إلى الدنيا، والعقبى، والنفس، والحاجات ~~قوله : «غذاؤنا» أي : زادنا، ومعيننا، ومقوينا، إذ لولا ذلك لما عشنا في ~~170 ~~الأحياء، ولا قدرنا على الارتقاء، وهذا كما قال رويم في الباب السابق : «اللحظة ~~راحة، والخطرة إمارة، والإشارة بشارة» وقد مر شرحها، ثم هكذا أراد بقوله هنا ~~المكر غذاؤنا فافهم . # قال الجنيد - قدس الله سره: «خوف من القطع دائم بعد الوجود، وخوف ~~من المكر فرض دائم إلى الأبد ، وما أمن المكر إلا الهلاك» يعني أن الانقطاع من ~~المقصود متصور دائما بعد الوصول ولا بد من الانقطاع ؛ لأن ملائكة الله تعالى ~~(يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) «[النحل:50] ولكن هذا ما دام ~~المريد في الدنيا أما في الآخرة ، فإن تصور الانقطاع لكنه مأمون أبدا من الخوف ، ~~ومن كل مكروه ينادي به بوعد الله الحكيم تعالى وعدا صدقا. # قال الله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) ~~[الأنبياء :1٠1» إلى قوله : (لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم ~~خالدون) ~~وقال تعالى: (اذخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون) [الزخرف:70] إلى قوله ~~تعالى: (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون )[71]. # وقوله تعالى : (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما) ~~[الواقعة : 26،25] . # قوله : «وخوف من المكر دائما أبدا» يعني الخوف من المكر يكون في الدنيا ، ~~والآخرة أبدا لا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون ، لأن المكر من النعم وليس ~~بعذاب من الله بخلاف القطع، وإن المكر ليس إلا أن يشتغل بنعمة الله عن نعمة ~~أعظم منها ساعة، أو ساعتين، أو أكثر ، وذلك لا يبعد في الآخرة للأنبياء، ~~والأولياء، وغيرهم من أهل الجنة فإنهم يشتغلون بنعم الجنة عن مشاهدة الحق ~~171 ~~تعالى، والمحب الكامل يكره ذلك ، وما أمن المكر إلا الهلاك صحيح على ما ذكرنا ~~في تفسير المكر من قبل . # وقد قال ms052 الله تعالى: (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون) [الأعراف : 99] ، وفي الآية دلالة على أن أهل الجنة لا يأمنون مكر ~~الله تعالى؛ لأنهم قوم غير خاسرين. # قال أيضا: «الأمن من المكر للمريد من الكبائر، والأمن من المكر للواصل ~~من الكفر» ، وإنما قال ذلك ؛ لأن الالتفات إلى المكر انقطاع من الطريق ساعة أو ~~ساعتين أو أكثر و ربما ينقطع أبدا، والأمن من المكر مؤدي إلى الوقوع في المكر ، ~~والالتفات إليه علما، أو جهلا فلا بد من الخوف عن المكر ليكون على حذر منه ~~هذا للمريد السالك، فأما للواصل كفر، وهو أكبر من الكبائر لوجوه شتى: ~~أحدهما : أن الواصل يكون خائفا من المكر لا محالة، والأمن كفر الخوف ~~إذ هو ضده. # الثاني : أن الواصل، والأمن من المكر جهل ، والجهل كفر المعرفة . # الثالث : أن الفوات الواصل إلى المكر التفات منه إلى غير الله تعالى مع ~~كونه في الحضرة والمشاهدة ، وهذا كفر عظيم في أدب التصوف. # الرابع: أن الالتفات إلى غير الله تعالى للواصل أكبر ، وكبير للمريد؛ فإن ~~كان كبيرا للمريد كان كفرا من الواصل ؛ لأن العصيان التي هي أكبر الكبائر ~~وليس هو الا الكفر. # قال الشبلي : «حكم الله تعالى وقضى أن سالك طريق الله تعالى لا بد من ~~خوفين، خوف القطع، وخوف المكر» تفسيره ما مر من كلام الجنيد حيث قال : ~~172 ~~«خوف القطع دائم» غير أن الجنيد أراد من كلامه أمرا زائدا وهو أن الخوف من ~~«المكر أدوم من الخوف من القطع» ، وأن الشبلي أراد بكلامه أمرا زائدا وهو أن ~~الخوفين كليهما لقضاء الله تعالى قدره وإرادته وحكمه. # وقال النوري: «الخوف من الوصل أشد من الخوف من المكر» وإنما أراد ~~بالخوف من الوصل خوف وقوع سوء الأدب منه في الحضرة ، وذاك من الآفات ~~العظام كذلك الخوف من الدهشة ، والصعقة عند مشاهدة العظمة ؛ فإن ذلك ~~مهلك إلا الأقوياء ولهذا خر موسى صعقا مع قوة النبوة، وربما يموت المريد عند ~~المشاهدة. # وقال ابن عطاء رحمه الله: «للكل خوف واحد وللبالغ ثلاثة: ms053 خوف مكر، ~~وخوف وصل، وخوف قطع» يعني لكل منقطع غير سالك خوف واحد وهو ~~خوف السلوك أنه لو سلك هل يطيق تحمل مشاق الطريق، أم لا؟ إذ هو أجنبي ~~لا يدري ما في الطريق من الآفات، والبالغ هو البالغ إلى باب المحبوب وقد قرب ~~من الوصل فله خوف اللقاء، والدهشة عند الوصال، وخوف القطع والفراق ~~بعد الوصال كما قال: # وما في الدهر أشقى من فحب %~% وإن وجد الهوى حلو المذاق. # تراه باكيا في كل حين %~% مخافة فرقة أو لاشتياق ~~والثالث: خوف المكر قبل الوصول وبعد الوصول ( يخافون ربهم من فوقهم ~~ويفعلون ما يؤمرون) [النحل :50] قال الجنيد - قدس الله سره : «المعرفة مكر الله » ~~اعلم أن المعرفة عندهم درجة فوق الإيمان ، وأن الإيمان عن الغيب والمعرفة عن ~~المشاهدة لكنها إذ هي منزلة في عالم الإحسان وهى عالم مشاهدة الحقيقة ، ثم هي ~~مكر عظيم في اصطلاحهم ، بسبب أن أكثر ما يتوقف المريد هاهنا ، ولا يصعد إلى ~~173 ~~عالم التوحيد، وإلى عالم الفناء، وفناء الفناء، وما فوقها إلا نادر منهم، ويقيمون ~~ثمة لا محالة لكثرة ما فيها من الأيادي المبهجة ، والألطاف المؤانسة فيقف عنده ~~لأجلها؛ ولأن المقام هنا أسهل من الارتقاء إلى ما فوقها. # وقال أيضا : «المقامات كلها حجاب، أو مكر للقريب، وللبعيد حجاب» ~~إنما قال ذلك لأن القريب ربما يستطيب للمقام فيقم عنده وينقطع من الارتقاء ~~فكان مكرا له، وللبعيد حجاب لأنه حائل بينه وبين المقصود، والسالك لا يصل ~~إلى المقصود ما لم يجاوز المنازل ، والمقامات . # وقال الجنيد -قدس الله سره : «المكر أن يضاف إلى شيء والشيء غير ~~موجود» يعني أن من أنواع المكر أن يصرف السالك إلى شيء بأن يلقى في وهمه ~~أنه المقصود، وذلك الشيء لا يكون مقصودا كمن يزف إليه غير معشوقه. # وقال أيضا : «المكر طالب شيء يسكن بغيره» يعني كطالب جوهر يرضى ~~بزجاجة معنى ذلك أن الممكور طالب الحق فيرضى بغير الحق وهو المكر . # وقال النوري : «المكر يمضاف إلى الخير ومراده الشر» يعني بالمكر هنا ~~إضافة المريد إلى الخير ms054 وصرفه إليه ثم مراده بذلك أن يتوقف المريد على هذا الخير ~~ويقيم عنده وهذا شر للمريد وإن كان خيرا في نفسه ؛ لأنه ينقطع بذلك عن ~~الترقي إلى أعلى الخيرين ، ومقصوده الأعلى فوق هذا ( وعسى أن تحبوا شيئا وهو ~~شر لكم ) «البقرة آية : 216» ~~قوله : «ومراده الشر» يعني مراد الماكر بإعطاء ذلك الخير منعه عن الأعلى ~~هذا وجه، والأحسن أن يقال: أراد به أن مراد الماكر حقيقة لكنه في معنى الشر ~~بالإضافة إلى الممكور إذ لو غلط ووقف عنده انقطع، وإن ارتقى وصعد إلى فوقه ~~174 ~~مع بين هذا وذاك، وجاز الفضيلتين وهو مقصود الماكر لا غير ، وهو الله الحكيم ~~تعالى. # قال أبو علي الروذباري -رحمه الله : «المكر أن يكل العبد إلى نفسه» ، وهذا ~~في كونه آفة عظيمة ، حيث ما كان العياذ بالله ولكن الصحيح أنه ليس من باب ~~المكر ، وإنما هو خذلان والمكر امتحان وتفسيره ما عرفت من قبل في كلام ~~النوري. # وقال وريم : «المكر دعوة الشيء غير أهله» يعني المكر دعاء الماكر الممكور ~~إلى شيء وليس بأهل لذلك الشيء نظيره ، دعوة الله تعالى عموم الناس إلى دار ~~السلام من غير فصل بين مؤمن، ومنافق، وكافر، وأهل دار السلام المؤمن غير ~~الكافر، وكان هذا مكرا في حق الكفرة على قول رويم. # قال الشبلي : «المكر النعمة الباطنة ، والاستدراج النعمة الظاهرة ، والغدر ~~ستر ،والنظر معاينة» لعين القلب، والسر، والخفي، وأشباهها ~~قوله : «والاستدراج النعمة الظاهرة» يعني صحة البدن ،الجوارح ، ~~وأحوال الدنيا، وأشباهها وإنما سماها استدراجا لأنه يستدرج أبناء الدنيا فيها إلى ~~الشر في الآخرة، كما قال الله تعالى: (والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث ~~لا يعلمون) [الأعراف : 182] ثم بين ذلك الاستدراج بآية أخرى قال تعالى : ~~(ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت ~~له تمهيدا) [المديثر : 11 : 12 : 13 : 14] إلى قوله : (سأزهقة صعودا) [المدثر : ~~17] إلى قوله : (سأصليه سقره) [المدثر : 26] إلى قوله تعالى : (عليها تسعة ~~عشر) [المدثر :30 ~~وقال تعالى: (فذرهم في غمرتهم حتى حين أيحسبون أنما نمدهم به من ~~175 ~~مال ms055 وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون) المؤمنون : 54 : 55 : 56] ~~يعني لا يشعرون أنا نستدرجهم في الخيرات التي هم فيها فرحون إلى نار جهنم ~~مكافأة على كفرهم وظلمهم ويمكن أن يقال معنى قوله : «الاستدراج هى النعمة ~~الظاهرة» أي: كرامات عيانية ظاهرة يطلع عليها غير من وقعت الكرامة له وإنما ~~سماها استدراجا ؛ لأنه يستدرجه بها إلى الدنيا ثم يستدرج بنعيم الدنيا إلى النار إلا ~~أن يكون السالك عاقلا يفر من الدنيا جدا، وجهدا، أو كان أبلها معتوها، فالدنيا ~~دينارها، وترابها عنده سواء. # قوله : «الغدر ستر ، النظر المعاينة» يقال ليلة غدره ومغدرة أي مظلمة ~~تستر الأشياء التي تعاين في النهار، وذلك الغدر والستر لكبار العرفاء، وحجاب ~~العظمة، والكبرياء قبل الفناء، وكذا الفناء عند الفناء ستر وغدر غير أن الحجاب ~~الفنائي يكون بمعنى ترك الوفاء، والغدرة، بمعنى ترك الوفاء في اللغة ظاهر ، ~~والمريد يفنى طمعا في لقاء المعاينة ، فإذا فني لا معاينة ولا مكاشفة ولا شيء فإنه ~~هو ولا ثاني له. # قال السري السقطي : «المكر قول بلا فعل» وهذا يحتمل معاني شتى : ~~أحدهما يحتمل أنه أراد به أقوال العلماء الذين يعلمون الناس ولا يعملون، وهذا ~~مكر حيث غلط به العالم، قال الله تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ~~وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) [البقرة:44]. # الثاني : يحتمل أنه أراد به المدعي المتنمس كاذبا بما لا يعمل ، و هذا أيضا ~~غلط عظيم، ومكر ظاهر، قال الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) ~~والثالث: يحتمل أنه أراد به الهواجس من النفس والإلقاء من الشيطان، ~~176 ~~حيث يدعو إلى الباطل وإلى غير الحق ، والرابع : يحتمل أنه أراد به الهواتف التي ~~تنادي السالك في كل مقام نزل أن وراء هذا المقام مقام الحبيب يتجلى لك ثم ~~فيتقوى به المريد السالك ويتسارع إلى ذلك المقام طمعا في الوصول عنده فقد ~~يسمى هذا مكرا مع أنه يسوق إلى الحق وإنما يسمى مكرا لأنه يسوق إلى المقصود ms056 ~~في صورة المكر، قال الله تعالى : (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) [البقرة: ~~186] ~~والخامس: يحتمل أنه أراد اللحظات، والخواطر ، والإشارات التي تدعوه ~~إلى غير المحبوب باسم المحبوب. # قال أبو حمزة البغدادي رحمه الله: «المكر بذاته صدق مراد العبد ~~والسكون به» هذا أبو حمزة البغدادي البزاز كان عالما بالقراءة والفقه وهو من ~~أولاد عيسى بن أبان من كبار أصحاب السرى من أقران الجنيد، قيل: وكان أحمد ~~ابن حنبل يسأله ويقول في المسائل : ما تقول فيها يا صوفي ? ~~قوله : «المكر صدق مراد العبد» يعني يصدق المراد حصول مراده في غير ~~الله تعالى إذ لو كان في الله فهو عين المقصود فلا يعد مكرا إذ لو كان مكرا فأي ~~شيء لا يكون مكر. # قوله : «والسكون به» يحتمل معنيين أحدهما : ~~إن صدق المراد إنما يكون مكرا إذا اطمأن إليه وسكن به نفسه. # والثاني: أن السكون به مكر ثانى لأنه بحصول مراده يلتفت عن مقصوده ~~الأعلى، وبالسكون إليه يكون التفاتا ثانيا وهو أعظم من الأول فيكون مكرا ثانيا. # وقال الجنيد - قدس الله سره العزيز : «المكر المشي على الهواء ، والمشي على ~~177 ~~الماء، وإجابة السؤال، وصدق الوهم، وصحة الإشارة، وسعة الرزق، كل ذي ~~مكر علم من علم ، وجهل من جهل» يعني هذه الكرامات كلها مكرا؛ لأن المريد ~~يفتخر بها، ويلتفت إليها، ويعول عليها، ويقيم لديها فينقطع من الطريق. # قوله : «علم من علم» يعني أن ذلك لا يفهمه إلا الأكياس. # قوله: «وصدق الوهم» يعني ما حظر بباله أنه كذا، وكذا يكون فيكون كما ~~خطر بياله وتصور في وهمه فهو صدق الوهم، وهو الفراسة. # قوله : «صحة الإشارة» يعني إذا أشار إلى شيء في سره، وخفيه يكون كما ~~أشار إليه، وحكم به، وكذا سعة الرزق مكر؛ لأنه يشتغل المريد عن طريقه. # قوله: «علم من علم، وجهل من جهل» يعني من علم هذه الأصناف من ~~المكر فهو عالم الطريقة ، ومن جهل في جاهل. # وقال أيضا: «تحت كل نعمة ثلاث مكر، وتحت كل طاعة ست مكر» وإنما ~~قال ذلك لأن النعمة ms057 يلتفت المريد إليها، ويقول عليها، ويقيم لديها، فالالتفات ~~مكر، والتعويل مكر، والإقامة مكر، كل واحد من هذه الثلاثة سبب لانقطاعه ~~من مقصوده. # أما في الطاعة ست مكر فالثلاثة ما ذكرنا في النعمة ، والثلاثة الأخرى : ~~العجب، والرياء، والطمع في ثوابها، فالعجب نظر إلى العمل، والرياء نظر إلى ~~الخلق، والطمع في الثواب نظر إلى الآخرة ، وكل ذلك انقطاع من الحق تعالى . # 178 ~~فائدة ~~فالعجب نظر النفس بما يأتي منه من الأعمال، والطاعات فتتعجب ~~وتتعظم نفسه، وعمله، ونظره، ومراده التكبر، والرياء نظر إلى الخلق، ومراده ~~الدنيا ، والطمع في الثواب نظر إلى الآخرة ، ومراده الشهوات واللذات فهذه ~~الثلاثة أعني: النفس، والدنيا، والآخرة من معظمات المعقبات. # قال النوري : «لولا المكر لما طاب عيش الأولياء ، وما طاب عيش الأولياء ~~لولا الوصل» يعني به ما شرحناه من قبل في كلام رويم حيث قال : «المكر ~~غذاؤنا»، وكما قال رويم: «اللحظة راحة، والخطرة إمارة، والإشارة بشارة» ~~قوله : «وما طاب عيش الأولياء لولا الوصل» يعني لولا الوصل في جمعية ~~ورجاء الوصل في التفرقة لأن الولي لا يخلو من هاتين الحالتين على البدل. # وقال النوري: «وما السرور إلا بمكر، وما الخوف إلا بوصلة، وما النجاة ~~إلا بمعاينة، وما الهلاك إلا بغدر» يعن به أن سرور السالك المريد إنما يكون بالمكر ~~ويعنى بالماكر النعمة العالجة التي يميل ~~إليها المريد، وينقطع بها انقطاع تروح ساعة. # قوله : «على الخوف إلا بوصلة» يعني به خوف الفراق. # قوله : «وما النجاة إلا بمعاينة» يعني النجاة من الآفات ويعني بالمعاينة : ~~المعاينة بعد الموت ونزع النفس من البدن. # قوله : «وما الهلاك إلا بغدر» يعني بالغدر الحجاب ، والغدر في اللغة ~~الظلمة على ما مر من قبل، فافهم جميع ذلك جدا ينفعك الله بها إن شاء الله. # 179 ~~قال الجنيد - قدس الله سره: «المشاهدة ثلاثة: مشاهدة بالرب ، ~~ومشاهدة من الرب، ومشاهدة الرب» يعني بالمشاهدة بالرب: مشاهدة اضطرار، ~~يشاهد الله تعالى شاء أم أبى لا اختيار في له في مشاهدته ، أما المشاهدة من الرب : ~~مشاهدة اختيارية يشاهد الحق متى شاء بعونه ، وتوفيقه ms058 ، وهداته ، وإقداره ، ~~وتمكينه إياه على ذلك بفضله وجوده، أما مشاهدة الرب: هي مشاهدة الرب، ~~الرب عند الفناء، وهذا مذهب المشايخ، ولا يسع شرح ذلك أكثر من ذلك ويشبه ~~الحلول وهذا الكلام كمثله في المعرفة أيضا يقال المعرفة ثلاثة معرفة بالرب ، ~~ومعرفة من الرب، و معرفة الرب أما المعرفة بالرب: معرفة اضطرارية يخلق الله ~~تعالى في قلبه معرفته جل وعلا فيعرفه بها ضرورة شاء أم أبى كمعرفة سائر ~~المحسوسات ، أما المعرفة من الرب فمعرفة اختيارية يعرف بالنظر ، والاستدلال ~~بعون الله وتوقيفه، وهدايته ، وإقداره وتمكينه، وأما معرفة الرب: هو معرفة ~~الرب، وهذا على مذهب مشايخ الصوفية صحيح، فافهم. # وقال أيضا : «المشاهدة معاينة الشيء مع فقد ذاتك» يعني رؤية عند الفناء ~~بهذا لمن لم يبلغ إلى عالم فناء الفناء. # قوله : «معاينة الشيء» يعني معاينة الحق تعالى أراد بالشيء الحق خاصة ؛ ~~180 ~~لأنه المعهود منهم إلا يحتاج إلى الفناء لمعاينة شيء آخر ، هذا الكلام منه دليل على ~~أن المشاهدة فوق المعاينة عنده . # ومنهم من جعل المشاهدة معاينة مع فقد الذات، وكان كل مشاهدة ~~معاينة، لا كل معاينة مشاهدة حتى ينضم إليها فقد الذات ومثل ذلك روي عن ~~ابن عطاء أنه قال في تفسير قول الله تعالى : (وعنده مفاتح الغيب) [الأنعام : 59] ~~قال: يفتح للأنبياء المكاشفات والمشاهدات، وللأولياء بالإلهامات، وللصالحين ~~بالطاعات، وللعامة بالهداية، وما يكون للأنبياء يكون أعلى مما يكون للأولياء لا ~~محالة، فافهم. # وعندك أن الأمر على العكس وإنما يشترك فقد الذات للمعاينة لا ~~المشاهدة إلا أن يكون الساري قد بلغ إلى فناء الفناء، فإنه يعاين بدون فقد الذات، ~~وهو مشاهدة في الأحوال الثلاث أعنى قبل الفناء، وعند الفناء، وبعد الفناء، ~~فافهم هذا. # وهذا الخلاف في التسمية لا في المسمى ، وسنبين ذلك من بعد إن شاء الله ~~وحده. # وقال أيضا : «المشاهدة إقامة الربوبية بإزالة العبودية مع فقد الكل دونه» ~~يعني أن المشاهدة رؤية الرب بالسر مع فناء الكل عن رؤيته، وعن معرفته، ويعني ~~بإقامة الربوبية» بقاء الربوبية «وبإزالة العبودية» فناءها مع فقد الكل أي: مع ms059 فناء ~~الكل دونه تعالى، وهذا الفناء إنما يحتاج لمن هو في عالم الفناء، وما دونه، فأما من ~~جاوز إلى فناء الفناء، فإنه يشاهد بدون فقد الكل، والمراد من فقد الكل هو فقدها ~~عن علم، وذكر ورؤيته لا يرى، ولا يعلم، ولا يتذكر غير الله تعالى، فافهم جدا. # قال النوري : «إذا خرج نار التعظيم مع نار الهيبة بالسر ، ويهيج ريح ~~181 ~~المحبة من بحر العطف على النار والنور فيهتف منه الاشتياق ، ويحرق الحجب ، ~~وتلاشى العبودية فصار المشاهدة» ، اعلم أن الهيبة مع التعظيم صفتان متغايرتان ~~ولكل واحد منهما نار، أما التعظيم قد يكون من الغيبة عن التعظيم كما يكون مع ~~الحضور ، ويكون له نار أي خوف منه كمن يخاف من سلطان مع أنه بعيد منه ، ~~وأما الهيبة لا تكون إلا مع الحضور عند التعظيم ، وتكون الهيبة هنا زائدا أبلغ من ~~نار التعظيم، وهذا النار أيضا خوفه من العظيم لكنه أبلغ من ذلك، وتسمى ذلك ~~النار دهشة ، وربما يؤدي ذلك النار إلى الصعقة ، وربما يؤدي إلى الهلاك إن كان ~~المريد ضعيفا وإنما يكون ذلك إذا مزج هاتين النارين بالسر. # قوله : «ويهيج ريح المحبة» فيروح المريد ،و يقوته وذلك الريح إنما يهيج و ~~يفوح بغليان المحبة، و ذلك الغليان إنما يحصل «من بحر العطف» يعني من بحر ~~رحمة الله تعالى وعطفه على المريد إذ لولا رحمة الله تعالى لما غلت المحبة ولا هاج ~~منها الريح، والروح، وذلك الريح يهب على النارين؛ لأنه إنما جاء لتقوية المريد، ~~وتسكين النارين ليبقى المريد حيا فيهب على النارين، وعلى النور أيضا وهو نور ~~العطف، والرحمة لأن العطف والرحمة إذا قويت وغلبت تخمد النارين اللذين في ~~السر مع السر، وصاحب السر جميعا ، ولهذا يموت كثير من المردين فرحا، ~~وسرورا عما يرون من أحوالهم فريح المحبة يسكن نار العظمة ، ونار الهيبة ، ~~ويسكن أيضا نور العطف ، والرحمة حتى يبقى المريد حيا ثم «يهتف منه ~~الاشتياق» يعني ذلك يلتهب المحبة ذلك الالتهاب هو الاشتياق ، ثم لهب ~~الاشتياق «يحرق الحجب و يلاشي العبودية» ms060 وكل شيء سوى المراد «فصار ~~المشاهدة» يعني لما ارتفعت الحجب كلها واحترقت الموانع ، والحراد موجود أزلا ~~وأبدا كان العبد مشاهدا ضروري، فافهم، فإن كنت لا تفهم من عبارة ما قلنا ~~182 ~~نذكر ما أراده بعبارة أخرى فنقول: ~~قال النوري : «إذا التهبت الهيبة من التعظيم في السر تحصل القوة للمريد ~~من المحبة بعون رحمة الله تعالى ولطفه، وعطفه على لهب الهيبة، والعظمة، وعلى نور ~~العطف، والرحمة كى يثبت المريد في مقامه قويا، ولا يهلك بالنار، والنور ثم ~~يلتهب المحبة بالاشتياق فذلك اللهب يحرق الحجب فتكون مشاهدة لا محالة ، ~~وكل ذلك إشارة منه إلى حالة غالبة قوية لأصحاب الأحوال» يعني أنه لا يؤدي ~~أحوالهم إلى المشاهدة إلا إذا كانت حاصلة كاملة من هذا الطريق ، أما من لم يكن ~~صاحب حال وهم الأقوياء من الأنبياء والأولياء. فإنه يحل لهم المشاهدة، ~~والمعاينة، والمكاشفة عندي بدون ما ذكر النوري هنا، فافهم جدا إن شاء الله ~~وحده. # قال النوري : «إذا أوقد نار العطف، والرحمة، ويهيج ريح القدرة على النار ~~فهتف هافت بالفضل على الفضل فأخذ الأطراف أنينا فنفي من أنينه القلب، ~~والسر فنادى من الخفي منادي الألفة فصار المعاينة» يعني بنار العطف النور الذي ~~ذكر في الفصل السابق «وهو النور والنار» يعني إذا أوقد الله تعالى ذلك النار لأن ~~العطف والرحمة من الله تعالى لا كسب للعبد فيه «ولا يهيج ريح القدرة على النار» ~~يعني قدرة الله تعالى تمسك نار العطف والرحمة ، ويسكنها حتى لا يهلك المريد ~~فهتف هاتف بالفضل على الفضل» يعني بريح القدرة على نار العطف والرحمة ~~وهما جميعا فضل الله تعالى للعبد ، فإذا شاهد العبد المريد ذلك العطف ، والنظر ~~بقلبه، وسره، وخفيه أخذ أطرافه الرعدة، والأنين، والتنفس فينتفي بأنينه ~~واضطرار به القلب، والسر لأنهما ضعيفان بالنظر إلى الخفي فلا ينتفي الخفي لأنه ~~أقوى إذ هو أقرب إلى الحق تعالى فلا يندهش بمثل ما يندهش به القلب، والسر ~~183 ~~إذ هما أغرب من الخفي ، والخفي أقرب، وآلف من الحق تعالى وأعرف به جل ~~وعلا ms061 فيقل الدهشة فلا ينتفي ثم ينادي منادي الألفة وبها يأنس ويألف المريد به، ~~وإنما ينادي بذلك ليسكن المريد ويطمئن فيتمكن من المشاهدة ، والمعاينة ، كما قال ~~لموسى عليه الصلاة والسلام في أول ملاقاته : (وما تلك بيمينك يا موسى) ~~[طه : 17] ما كان هذا السؤال للاستفهام لأنه تعالى كان عالما بما في يده ، وكان ~~موسى أيضا عالما بذلك، وإنما قال ليسهل عليه الجواب فيجيب فيأنس به ويألف ~~ولا يتفرق فهمه لخطابات بليغة مدهشة كذا هذا، ثم إذا حصلت الألفة والأنس ~~للمريد عند ذلك كانت معاينة إذ لا حجاب هنا فإن الخفي وراء النفس وصفاتها ~~وراء الدنيا ، والآخرة و هؤلاء حجب وحوائل بينه وبين الحق تعالى غير أن ~~القلب، والسر يصعد أنوارهما وشعاعهما إلى عالم الخفي ، وعالم الحقيقة فكانا ~~يزاحمانه، وهما انتفيا بأنين أطراف المريد على ما سبق فلم يبق حجاب، ولا مزاحم ~~فكانت مشاهدة ضرورة هذا الكلام منه ، ولعل المشاهدة أعلى من المعاينة ، ~~والمعاينة أدنى ، كما قال الجنيد ؛ لأنه لم يشترط للمعاينة ما شرط للمشاهدة من نفي ~~الحجب كلها ، وقد يدل على عكس ذلك أيضا كما قلنا نحن : إن المشاهدة أدنى ~~والمعاينة أعلى ؛ لأنه جعل المعاينة للخفي ، والمشاهدة للسر ، والخفي أعلى من السر ~~وأقرب إلى الحق تعالى فجعل الأعلى لما هو أعلى، والأفضل لما هو الأقرب. # وقال أيضا : «إذا ذكر في السر الربوبية، ويذكر في القلب العبودية يتضمن ~~العبودية بالوفاء فلم يألف فيضمن الربوبية بالعطف فيألف فصار مضطرا من ~~طريق النفي، فقيرا من طريق البقاء، وجلا من طريق المجازاة فيظهر عن الخفايات ~~من الريوبية فسمى المكاشفة» يعني إذا ذكرت الربوبية في السر، وخطر فيه فذلك ~~خاطر، وفكر مفكر السير الربوبية فيه، وذكرت العبودية في القلب وفكر بها ~~184 ~~خاطر فيه، «وضمنت العبودية بالوفاء فلم يألف» أي لا يتم العبودية بالوفاء ~~الكامل لضرورة أن العبد يعجز عن الوفاء بها لما في سره وقلبه من الغلبة عليه، ~~«ويضمن الربوبية بالعطف فيألف» أي فيضمن الرب بالعطف فيألف، ولا يعجز ~~عن الوفاء فيصير العبد عند ذلك «مضطر» ms062 أي مسلوب الاختيار «من طريق ~~النفي» أي من طريق ما رأى من العجز عن الفناء بالعبادة و «فقيرا من طريق ~~البقاء » أي محتاجا من حيث أنه باق صورة وإن فنى معنى، و«وجلا من طريق ~~المجازاة» يعني صار وجلا خائفا من حيث الجزاء ، والمؤاخذة على ترك الوفاء ~~بالعبودية، فيظهر عنده الحالات الثلاثة أعني عند : الاضطرار، والفقر، والوجل ~~جميعا، أو يظهر عند الخفيات وهي جمع ، الخفي يظهر عند ذلك من علم الربوبية ~~لمحة وأنموذجة فيسمى ذلك الظهور مكاشفة، فافهم جدا. # وهذا الكلام دليل على أن المكاشفة عنده أبلغ من المعاينة والمشاهدة ، ~~حيث أنه آخرها عن المعاينة والمشاهدة بين المشاهدة في الفصل الأول ، ثم المعاين ~~في الفصل الثاني ، ثم المكاشفة في الفصل الأخير ويحتمل أنه قدم الأعلى وهو ~~المعاينة ، ووسط الوسط وهو المشاهدة وأخر الأدنى وهو المكاشفة ، بدأ بالأعلى ~~وختم بالأدنى، ويحتمل أنه قد ذكر المكاشفة وأخر ذكر المعاينة، وخلط الكاتب، ~~وهذا هو الذي نقول به؛ لأنه لم يشترك نفي الكل للمكاشفة مثل ما شرط في ~~المعاينة والمشاهدة فدل على أن المكاشفة أدنى من المعاينة ، فافهم إن شاء الله ~~وحده. # 185 ~~فصل ~~اعلم أن هذا وإن كان اختلافا في التسمية لا في المسمى ؛ لكنا نحتاج إلى ~~بيان أن ما قلناه أولى بيانه فهو عبارة لغوية معدولة بها للاصطلاح الصوفية، فكل ~~ما كان أشبه لوضع أهل اللغة كان أولى، وما قلناه أشبه أن المكاشفة أدنى؛ لأنه ~~عبارة عن كشف الحجاب لم يحصل للمشايخ ، وكذا المعاينة لفوات معاني أخرى ~~نحو فناء المشاهد، وفهم الأنفاس وأمثالها إما لا يحصل المعاينة، والمشاهدة بدون ~~الكشف قط ولأن الكشف وسيلة إلى المعاينة ، والمشاهدة وهما مقصودان ~~والوسيلة غير مرغوبة فيها ولا مطلوبة لعينها ولا محبوبة إلا لأجل الموصلة إليه ~~فكان أدنى، وأما المشاهدة مع المعاينة ، والمشاهدة أدنى ، والمعاينة أعلى لأن ~~المشاهدة من الشهود ، والحضور ، والمعاينة من الإدراك بالعين عين القلب ، أو ~~الرأس وليس من ضرورة الحضور ، والشهود المعاينة ، ومن ضرورة المعاينة ~~للشهود؛ لأن الشاهد هو الذي يرى لا الغائب، وأما ms063 ليس كل شاهد يرى ويعاين ~~كمن مشى في السوق من أوله إلى آخره شهد جميع الأشياء التي في السوق ولم يرى ~~إلا قليلا، ولأن المشاهدة شرط المعاينة، ووسيلة إليها. # والمعاينة هى المقصود الأعلى وهى الإدراك بالعين الباطن ، أو الظاهر، ~~والشهود مقرب مقوى للمعاينة وكانت المعاينة أقوى، أو أعلى وأجل، و أفضل ~~هذا من حيث العرف، واللفظ، فأما من حيث استعمال الصوفية وتعارفهم فإنا ~~وجدنا عموم استعمالهم الكشف والمكاشفة فيما كشف للمريد السالك بالحواس ~~الباطنة كلها، أو بعضها شاهد بها، ويرى المغيبات عن الحواس الظاهرة وهي ما ~~يجري في السماوات والأراضين ، وسائر الخلق ، وعالم الملكوت ، ولا يستعملون ~~المشاهدة إلا إذا كشف له عالم الجبروت يشاهد فيها ذات الله تعالى وصفاته - جل ~~186 ~~وعلا فتسمى المشاهدة في هذه المكاشفات ، وكان ذلك مكاشفة مخصوصة ~~يسمونها مشاهدة ، وأما المعاينة فهى لمشاهدة مخصوصة وهى أن تشاهد الحق تعالى ~~بلا حجاب صفات وفيه خلاف بينهم أنه : هل يصل أحد إلى حيث لا يكون ~~حجاب؟ ولكن ثبت عندي أنه يصل إلى حيث لا يبقى حجاب ولا حائل وقوله ~~عليه الصلاة والسلام [........] في ذات الله تعالى يؤكد ذلك فافهم مجملا إن ~~شاء الله تعالى. # قال الجنيد - قدس الله سره : «المشاهدة حظ الملك صرفا» يعني أنه لا ~~يحصل المشاهدة للعبد حتى ينسلخ من جميع جلوده وعظامه ، وأطرافه ، ~~وجوارحه، ونفسه، وقلبه، وجميع ما يكون للبشر من الأوصاف الخبيثة حتى تبقى ~~الروح الخالص كالملك ، وذلك الروح هو السر و الخفي ، والنفس المطمئنة فما ~~يرى ذلك الخالص يسمى مشاهدة ، فعلى هذا ما يراه النائم في منامه يسمى ~~مشاهدة بما شاهد إن لم يكن تلبيس إبليس وسوء المزاج وقس عليه ما يراه المريد ~~في أقواله. # وقال أيضا : «لو كان عرق قائم بذات العبد فلم يستحق المشاهدة» يعني ~~لا بد من فناء الجسوم، والأجساد، واللحوم، والعظام، وأشباهها كلها حتى إذا ~~بقي الروح الخالص عند ذلك يستحق المشاهدة. # 187 ~~قال ابن عطاء: «إن العبد قائم بين صفة الرب وبين الرب فإذا نظر إلى ~~الصفات ظهر ms064 العبودية وقوى بنفسه فبان للعبد القدرة، والقدرة من العبد هلاك ~~العبد، وإذا نظر إلى الله ظهرت الربوبية، وغلبت فصارت العبودية مقهورة تحت ~~الربوبية، والعبد عند الرب، فإذا نظر العبد فلا يرى الله إلا تعالى من قبل، ومن ~~بعد، ومن فوق، ومن تحت فهذه تسمى المشاهدة، فإذا نظر إلى الربوبية فلا تكون ~~المشاهدة ، فكيف العبودية» يعني أن العبد إذا صفا وانسلخ عن الدنيا للآخرة وما ~~منها من العوائق ، والآفات، ثم عمل المراقبة حتى علا إلى عليين من عالم ~~188 ~~منها من العوائق ، والآفات، ثم عمل المراقبة حتى علا إلى عليين من عالم ~~الجبروت فوقوفه ثم وقوف بين الصفات بين الصفات والذات إذ لا شيء غير ~~ذلك ، فانظر إلى الصفات وهى صفات الفعل نحو : الخالقية ، والرازقية ، ~~والرحمانية، والرحيمية، وكذا صفات الذات، وهى: العالمية، والقادرية، وما أشبه ~~ذلك فيظهر بهذا النظر العبودية، فإنه ما من صفة إلا وهي تشير إلى عالم العباد، ~~والعبودية، والعرفاء إنما يعرفون عالم الخلق من عالم الخالق بهذا الطريق يعرفون ~~الخالق أولا ثم يعرفون أن له خلقا آخر على عكس المتكلمين ؛ فإنهم يعرفون ~~الخلق أولا، ثم يستدلون بها على أن له خالق، فإذا كان كذلك كان نظر العبد إلى ~~الصفات يؤدي به إلى النظر في عالم العبد، فإذا نظر إلى صفة كونه معبودا أدى به ~~الصفات يؤدى به ~~ذلك النظر إلى كون العبد عابدا، وإذا نظر إلى كونه عابدا قوى بنفسه ورأى لنفسه ~~قدرا وقدرة على عمل العبادة، والقدرة من العبد هلاك العبد لأنه منتج الكبر ، ~~والعجب، والمرآة، والفخر، والأخيال. # قوله : «وإذا نظر إلى الله ظهرت الربوبية وغلبت». # قوله: «غلب» تفسير قوله : ««ظهرت الربوبية» أي غلبت وصارت ~~العبودية مقهورة تحت الربوبية؛ لأن العبد بالنظر إلى الرب ليس بشيء، وهو من ~~أهل النفي، والفناء. # قوله : «والعبد عند الرب» يعني عند ذلك كان العبد عند الرب غير بعيد، ~~ولا خارج، فإذا نظر عند ذلك فلا يرى إلا الله تعالى من قبل، ومن بعد، ومن ~~فوق، ومن تحت، ويسمى ذلك مشاهدة، وبهذا ms065 الكلام ظاهر غير خفي عند أهل ~~المعاينة ، والمشاهدة ، وإنما يشكل على غيرهم أنه كيف يقوم العبد بين الصفات ، ~~والذات؟ # 189 ~~قوله: «وإذا نظر إلى الله ظهرت الربوبية» لأن الربوبية من خاصية ذات الله ~~تعالى ، النظر إلى الذات نظر إلى الربوبية ضروري ، وإذا نظر إلى الربوبية لغلب ~~الربوبية على العبودية، تفهم إن شاء الله وحده. # قوله : «وإذا نظر إلى الربوبية فلا تكون المشاهدة ، فيكف العبودية» يعني ~~كل شيء يفنى في بحر الربوبية حتى يفنى مشاهدة الربوبية أيضا، فيكف لا تفنى ~~العبودية. # وقال أبو علي الروذباري -رحمه الله تعالى : «الطريق بين الصفة ~~والموصوف فمن نظر إلى الصفة حجب، ومن نظر إلى الموصوف ظفر» هذا الكلام ~~بعينه محل ما قال ابن عطاء وقد سبق شرحه. # قال الجنيد -ةقدس الله سره : «من لم يعاين صفات الله تعالى أجمع دقائقه ، ~~ولطائفه، فلم يوجد بالله تعالى، ولم يعرفه، والطريق من داخل المعرفة» يعني إنما ~~يمجد الله تعالى ومعرفته من طريق التصوف من عاين صفات الله تعالى أجمع ، ~~وهو الطريق إلى وجدان الله تعالى للمريد السالك. # قوله : «فلم يوجد بالله تعالى» يعني لم يجد بالله ولم يعرفه، «والطريق من ~~داخل المعرفة» يعني الطريق إلى الله تعالى وراء المعرفة ، والمعرفة تحصل بمعاينة ~~الصفات، وكان الوصول إلى الله تعالى وراء معاينة الصفات، ومشاهدتها. # وقال النوري : «القرار بالصفات حرمان المزيد» يعني لو أقام في منازل ~~الصفات لم يجاوز عنها إلى الموصوف بعد معاينة صفات الرب عند نفي العبد ، ~~والعبودية، يعني مع نفي العبد والعبودية، وقال أيضا : «إذا عاين صفات الرب ~~عند العبد فهو المكاشفة» وهو أدنى من المشاهدة ، حيث جعل المكاشفة معاينة ~~للصفات ، وجعل المشاهدة معاينة للذات الموصوف في الفصل المتقدم ، ~~والموصوف أعلى، وأبلغ، ومعاينته أتم وأكمل، وأفضل من معاينة الصفات على ~~190 ~~ما عرفت وهو الذي نقول نحن. # قوله : «إذا عاين صفات الرب عند العبد» يعني إذا تخلق بأخلاق الله تعالى ~~وجد صفات الله تعالى عنده وعاينه عنده ، ثم إن هذا إذا كان دائما للعبد غلط ~~العبد عنده ، كما ms066 غلط كثير من الحلولية ، فظن أنه الرب وهذا مكر ويحتمل أنه ~~أراده الشبلي بقوله: «إذا عاين صفات الرب عند العبد من غير أن يتخلق بها ~~العبد» ولكن كان عنده العبد لأن الموصوف هو الرب عند غير العبد بعيد منه ، ~~ولا غاب إذ هو أقرب إليه من حبل الوريد، وهو بكل شيء محيط، والصفة لا ~~تبعد عن الموصوف ، بل هي مع الموصوف فيكون ذلك مكاشفة على مذهب ~~الشبلي، وهذا الوجه الأخير أولى وأحسن. # وقال الشبلي: «إذا ظهر العبد عند العبد فهو العبودية، وإذا ظهر صفات ~~الرب عند الرب فسميت الربوبية، وإذا ظهر الرب تلاشى العبد فبقى الرب ~~بالربوبية ، فهو المشاهدة» يعني إذا كان العبد يرى نفسه ويشاهد ذاته فهو بعد في ~~عالم العبودية دون عالم الربوبية لكن هذا لمن كان في عالم الفناء ودون الفناء ، أما ~~من جاوز إلى عالم الفناء، وفناء الفناء تصح الربوبية عندي أن يشاهد العبد ربه ~~تعالى مع مشاهدة نفسه، وذاته لأن هذا في عالم البقاء. # قوله : «وإذا ظهر صفات الرب عند العبد فسمى الربوبية» بمعنى ظهور ~~صفات الرب عند العبد يسمي ظهور الربوبية مجازا، وهذا في اصطلاحهم من هنا ~~يقولون: إن فلان رباني. # قوله : «وإذا ظهر الرب تلاشى العبد» يعني فني العبد فبقى الرب ~~بالربوبية وحده فهو المشاهدة ولكن هذا لمن لم يبلغ فناء الفناء فافهم . # وقال الشبلي: «إن الله تعالى تسعة وتسعين اسما فمن عامل الله بأسمائه، ولم ~~191 ~~يرد به فأرجو أن يجد ماىيطلب، لأن المريد من داخل الأسماء مع الأسماء» يعني من ~~عامل الله تعالى بأسمائه أي طالع عوالم أسماء الله تعالى إن أمكنه ذلك، وسار في كل ~~عالم كل اسم على حدة وارتقى فيها علو، ونزله، وسفلا ومشى يمينا، وشمالا، ~~وخلفا، وقداما، ولم يرد بذلك غيره تعالى، «فأرجو أن يجد ما يطلب» يعني أرجو ~~أن يجد الموصوف لأن المريد من داخل الأسماء مع المسمى ، وكان أصلا إلى ~~المسمى ضرورة. # اعلم أن الشبلي وإن ذكر الأسماء لكنه إنما عني بها الصفات التي تبنى ms067 ~~عنها هذه الأسماء ، كقولنا مثلا : عظم تنبئ عن صفة العظمة ، والمعاملة باسم ~~العظمة، وهي المطالعة لصفة العظمة والسير في عالمها، ولا يفهم هذا الذي أشرنا ~~إليه إلا من شاهد وسار فيها، وقليل ما هم، ويحتمل أراد بقوله: «من عامل الله ~~تعالى بأسمائه» أي تخلق بأخلاق الله تعالى. فافهم. # قال الجنيد - رحمة اله عليه : «إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما فمن أقر بها ~~فهو مسلم، ومن عرفها فهو المؤمن، ومن عامل بها فهو العارف، ومن عامل ولم ~~يسكن بها وطلب المسمى فهو الموحد فله المشاهدة» يعني من أقر بلسانه بدون ~~العمل والاعتقاد في باطنه هو مسلم في الظاهر «من عرفها فهو المؤمن» أي : من ~~اعتقدها في قلبه وعلمها بالخبر والاستدلال فهو المؤمن ، «ومن عامل بها فهو ~~العارف» أي : من طالع عوالم الأسماء وسار فيها سيرا كما شرحنا في كلام الشيخ ~~فهو عارف، «ومن عامل ولم يسكن بها» أي لم يتوقف عليها ولم يطمئن إليها، ~~«وطلب المسمى» الموصوف بهذه الصفات «فهو الموحد» أي هو الذي لم يلتفت ~~إلى أحد غير اله تعالى فله المشاهدة ، أي له مشاهدة الموصوف ، إذ ليس فوق ~~الصفات إلى الموصوف وحده ، فمن لم يقف في عوالم الصفات ، وجاوز عنها ~~192 ~~وصل إلى الموصوف لا محالة. # قال أبو العباس أحمد بن عطاء: «رأيت بالغد الذي عرفته اليوم فمن عرف ~~الصفة فيرى، ومن عرف الموصوف فيرى» . # قوله : «رأيت» يعني رؤية المكاشفة لا رؤية المقام ، وهذا يحتمل معنيين ~~أحدهما: يقول: إنه رأى الله تعالى عقب اليوم الذي عرفه يعني عرفه أمس، ورآه ~~في غده ، ثم قوله : «فمن عرف الصفة فيرى ، ومن عرف الموصوف فيرى» هذا ~~كلام من تلقاء نفسه لا من مكاشفة ويحتمل أنه رأي هذه الكليات مكاشفة ~~وقوله: «يرى«بضم الياء أولا من الإراءة. # وقوله ثانيا: «يرى» بفتح الياء من الرؤية يعني من يرى الصفة كشف له ~~حتى الموصوف ، ومن عرف الموصوف وهو الذات يرى الذات، والصفات جميعا ~~من غير حجة إلى الكشف ، وهذا لأن الأول وراء حجب الصفات فلا بد ms068 من ~~كشف حجب الصفات حتى يصل إلى الذات بالمعرفة والرؤية. # وأما الثاني : الذي عرف الذات الموصوف هو في داخل حجب الصفات ~~معرفة فلا تحتاج إلى كشفها فافهم. # وإنما يريد ابن عطاء بهذه الكلمات أن معرفته تعالى رائد رؤيته والرائد لا ~~يكذب أهله، وهذا قريب من كلام الإمام علي رضي الله عنه حيث قال: «لم أعبد ربا لم أره» ~~وكلام علي رضي الله عنه أبلغ، فافهم. # قال الشبلي: «رأيت بالغد الذي رأيته اليوم، ومن لا مشاهدة له فلا رؤية ~~له» اعلم أن ابتداء كلامه كمثل ما سبق في كلام ابن عطاء غير أن إقامة الرؤية في ~~النوم مقام المعرفة في كلام ابن عطاء والرؤية بمعنى المعرفة مشهورة في اللغة و ~~القرآن و الأخبار ويحتمل أنه أراد بذلك رأيت الله في يوم ثم رأيت في غده هذه ~~الكلمة «ومن لا مشاهدة له فلا رؤية له» يعني :من لا يرتقي إلى عالم الشاهدة لا ~~193 ~~يراه عيانا لأن المشاهدة أضعف وأدنى من الرؤيه ، والمعاينة كما سبق الإشارة ~~إليها، وهذا أيضا دليل على أن الشبلي كان يقول : بأن المشاهدة أدنى ، والمعاينة ~~أعلى كما قلناه. # 194 ~~195 ~~196 ~~السر مع الحيرة» يعني بهذه المكاشفات إثيات رؤية الله تعالى في دار الآخرة بعين ~~وقال أيضا : «رأيت غدا بعين الوجه مع التحير الذي رأيت اليوم بعين ~~197 ~~الوجه ردا على من أنكرها. # قوله «مع التحير» إشارة منه إلى تحيره في صفاته العظام نحو العظمة ~~والكبرياء وغيرهما فإن رؤية ذاك يورث الدهشة والتحير والانقطاع من الإحاطة ~~بها لكل أحد لا محالة تأله فيها الأنبياء فكيف الأولياء! # قوله «الذي رأيت اليوم بعين السر مع الحيرة» إشارة منه إلى أن للسر عينا ~~فإنه رأى الله تعالى بذلك العين وتحير عند رؤيته. # قال النوري رحمه الله : «حرم الله تعالى الرؤية لعين الرؤية» يعني لعين ~~الوجه في دار الدنيا، قال أبو على الروذباري «لو زال عنا رؤيته ما عبدناه» يعني لو ~~لم نره بعين القلب وهذا صحيح لأن معرفة الله تعالى لهؤلاء ms069 القوم إنما تكون بتلك ~~198 ~~قال النوري رحمه الله : «حرم الله تعالى الرؤية لعين الرؤية» يعني لعين ~~الوجه في دار الدنيا، قال أبو علي الروذباري «لو زال عنا رؤيته ما عبدناه» يعني لو ~~لم نره بعين القلب وهذا صحيح لأن معرفة الله تعالى لهؤلاء القوم إنما تكون بتلك ~~الرؤية ومن لا يعرفه لا بعين ومن هنا قال على كرم الله وجهه : «لا أعبد ربا لم ~~أره». # وقال أبو يزيد -رحمة الله عليه : «إن لله عبادا لو حجبوا عن الله تعالى في ~~الدنيا والآخرة طرفة عين ارتد» يعني : لو نظروا إلى ما دونه تعالى أعرضوا عن ~~مشاهدته لضرورة الحجاب والنظر إلى غير الله تعالى والإعراض عنه ارتداد في ~~اصطلاحهم. # فإن قال قائل «كل عباد الله تعالى كذلك لو حجبوا عن الله تعالى التفتوا ~~إلى غير الله». # قلنا : الجواب من جوه أحدها : ~~ليس كل عباد الله كذلك، بل منهم من لو حجب عنه تعالى لا يرتد، ولا ~~يلتفت إلى غيره تعالى ولا ينقطع نظره عن وجهه التي حجب هو عنه حتى لا يرى ~~غير الله تعالى كما لا يرى الله تعالى. # والثاني : بل كل عباد الله تعالى كذلك ولكن كلامه صحيح فإنه إذا كان ~~كل العباد يرتدون ويلتفتون إلى غير الله تعالى عند الحجاب لم يكذب أبو يزيد ~~حيث قال : «إن لله تعالى عبادا لو حجبوا لارتدوا» إذ كل العباد كذلك ، أي كما ~~قال. # والثالث: إنما قال أبو يزيد ذلك في العباد الذين يرونه وليس كل العباد ~~199 ~~يرونه تعالى فصح تخصيص أبي يزيد لبعض العباد إن أراد التخصص. # وقال الجنيد -رحمة الله عليه : «من أبعد فرؤيته غدا رؤية الوجه ؛ لأنه لا ~~حجاب بين العبد وبين السيد، واليوم رؤية الستر لأن الحجب قائمة، ورأى محمد ~~صلى الله عليه وسلم مؤواده لأن الحجاب كان هناك حجابين» يعني: من أبعد رؤية الله تعالى فإني لا ~~أبعده، وأقول رؤية الله تعالى في دار الآخرة على مراتب ودرجات أخفاها رؤية ~~الوجه، ثم علل ذلك وقال: «لأنه ms070 لا حجاب بين العباد وبين السيد» وهذا القول ~~منه صحيح بليغ، وأما نحن هكذا نقول إن أدنى الرؤية رؤية الوجه وأن من ~~العباد من يرى الله تعالى يكل جزء من أجزائه وأبعاضه إذ هو أقرب إليه من حبل ~~الوريد ولا حجاب يومئذ لمن لا حجاب له. # قوله : «اليوم رؤية السر لأن الحجب قائمة ورأى محمد صلى الله عليه وسلم بفؤاده« يعني : ~~سائر الأولياء لرؤيته تعالى بالسر وهو النور الذي في القلب، والنبي صلى الله عليه وسلم رآه بفؤاده ~~وقلبه، ورؤية الفؤاد قريب من رؤية الوجه، فلا يكون إلا للأقوياء بخلاف رؤية ~~السر، فإن السر ألطف وأنور من القلب. # قوله «لأن الحجب كان هناك حجابين» يعني حجاب العظمة، وحجاب ~~الكبرياء ، وفيه يكون الحجب أكثر صن ذلك ، ولهذا لا يرونه بالفؤاد كما يرونه ~~برؤية السر فافهم. # وقال ذو النون رحمة الله عليه : «رأي الحق حيث فتح بصر السر إلى الله ~~تعالى، إنما رآه من يراه حيث فتح الله تعالى بصر سره - جل وعلا -». # وقال أيضا : «إن الله عز وجل ليس لمحجوب عن الخلق ، ولكن رأى من ~~نظر» وفي نسخة «ليس لمحجوب عن القلب» يعني رأى من نظر من أهل الرؤية ~~بعين القلب في الدنيا وهم الأنبياء، والأولياء وبعينى الوجه والقلب والسر أهل ~~الجنة . # 200 ~~وسئل أبو يزيد هل رأيت ربك؟ قال: لو حجبت عنه لمت ، يعني : بلى ~~رأيت وأره دائما ولو حجبت عنه لمت من فرط المحبة ولوعة المودة. # وقيل لعلي ابن أبي طالب - كرم الله وجهه - : تعبد من ترى أو تعبد من لا ~~ترى؟ قال: بل أعبد من أرى لا رؤية عيان؛ ولكن رؤية القلب بمشاهدة الإيمان. # قوله «لا رؤية عيان ~~، أي لا رؤية عين الوجه . # وقوله «بمشاهدة الإيمان» يعني بمشاهدة استفادة من الإيمان متصور ~~الرؤية ، وإمكان المشاهدة، وجواز المعاينة للرب تعالى في القلب السليم ، والسر ~~البصير، فافهم إن شاء الله وحده. # وسئل الجنيد قدس الله سره : هل عاينت أو شاهدت ? قال : «لو عاينت ~~لزندقت، ولو شاهدت لحيرت، ولكن حيرة في ms071 تيه وتيه في حيرة . # واعلم أن الزندقة عندهم كناية عن ترك الصلاة في أوقاتها سواء ترك ~~اختيارا، أو اضطرارا بسبب النوم، والإغماء، والجنون، وأمثالها، ثم إنه يريد بقوله ~~«لو عاينت لزندقت» أي لصرت مسلوب العقل مجنونا ، أو مصعوقا لغلبة المعاينة ~~بالعظمة وتركت الصلاة اضطرارا وهو زندقة في اصطلاحهم. # قوله «ولو شاهدت لحيرت» يعني ما زندقت ولكن صرت متحيرا كما ~~يتحير العامل عند رؤيته أمرا عجيبا عظيما وهذه الكلمة تدل على أن المعاينة عنده ~~أعلى وأبلغ من المشاهدة حيث كان يطيق المشاهدة فوق ما يطيق المعاينة. # قوله «حيرة في تيه ، وتيه في حيرة» وهذه إشارة إلى مشاهدة ضعيفة كانت ~~له أو مكاشفة بليغة لم يدخل بعد في حد المشاهدة ، حيث أفاد له حيرة في تيه ، ~~وتيها في حيرة يعني حيرة مختلطة في تيه ، والتيه أدنى من الحيرة ؛ لأن الحيرة معجزة ~~عن السير كالماء في الحائر ، والتيه غير معجز كالماء المرسل في التيه فهو تائه ، قال الله ~~تعالى : (يتيهون في الأرض) [المائدة : 26] فكأنه قال ذلك في بدايات شأنه، أو ~~أنه أخفي حاله عن السائل لأني أرى مقامه فوق ذلك إن شاء الله وحده. # 201 ~~202 ~~باب صفة العلم ~~قال الجنيد -رحمة الله عليه : «العلم أن تعلم قدرك» إنما أراد بهذا العلم، ~~العلم الذي يعلم الله تعالى به، قوله: «أن تعلم قدرك» أي تعلم نفسك بتمام قدرها ~~يعني أفضل العلوم، وأتمها لك ما تعلم الله تعالى به، وذاك مربوط بعلمك نفسك ~~لقول التبي صلى الله عليه وسلم «من عرف نفسه فقد عرف ربه» ~~وعن عيسى عليه السلام : «اعرف نفسك تعرف ربك» ~~وقال بعض الأنبياء، أو الأولياء والله أعلم: «اعرف قدرك تعرف ربك». # ومن هنا قال الجنيد قدس الله سره : «العلم أن تعلم قدرك» وعندي قدر ~~المرء مقدر بمقدار ما يرتقي في مراقي الارواح وذلك قدره وحده ، فعلى هذا كان ~~لكل امرئ قدرة يرتقي في كل ساعة قدر قدره وفي كل يوم أعظم، وأكبر مما كان ~~أمس، وقال أيضا «من عرف الله عليه العبودية» ms072 يعني من عرف الله تعالى يقينا ~~خف وسهل عنده قدر العبادة والعبودية ومقدار العبد. # وقال ابن عطاء «العلم أربعة: علم المعرفة، وعلم العبادة، وعلم العبودية، ~~وعلم الخدمة» اعلم أن المعرفة عنده أبلغ من العلم المطلق في العلم بالله تعالى ~~وصفاته تكون لعامة المؤمنين يحصل بالتقليد، أو النظر، والاستدلال بالأخبار، ~~والآيات، والأدلة العقلية، والشرعية، فأما المعرفة لا يكون إلا للأولياء يحصل ~~203 ~~لهم من طريق المكاشفات وهن العلم الضروري ، هذا في اصطلاحهم ، أما في ~~اصطلاح العلماء العلم بالله والمعرفة واحد وليس بضروري، وإنما هو كسب لا ~~ينتفي به الشك، أما قوله العلم أربعة هذا يحتمل وجوها ثلاثة، أحدها: أنه يعني ~~العلم الذي هو معرفة الله تعالى ، والثاني : يعني علم المعرفة لأنه إذا عرف ينبغي ~~أن يعلم أنه عرف الله تعالى ليحافظ على معرفته وإلا فيزول عنه ويحتجب منه ~~كمن يرى شيئا في السوق مثلا فيعلمه ضرورة فلو لم يحافظ على ما علم ضرورة ~~بالرؤية ينساه في الحال ، والثالث : يحتمل أنه أراد بعلم المعرفة علم العارفين فإن ~~العارف لا بد له من علوم جمة بها يكون عارفا، وتتفاوت درجات العارفين في ~~حرفتهم بتقاوت ذلك وهى هذه العلوم التي أدرجوها في كتاب الأنفاس، وهذه ~~الوجوه كلها محتمل صحيح حسن لهذه الكلمة. # قوله: «وعلم العبادة» يعني به علم الطاعة، والعبادة، وعلم الفرائض، ~~والسنن، والشريعة. قوله «وعلم العبودية» يعني العلم بالعبودية، والعبودية ~~خاصية العبد، وهي العبودة، والعبودية، وتفسير ذلك بحصول التواضع ~~والتذلل، والسقوط، والهوان للسيد؛ يعني ينبغي أن يعلم أنه عبد، وهذه صفته ~~الخاصة لا قوام له إلا بها لولاه لما كان له وجود، وإذا علم ذلك تواضع كالتراب، ~~وهان كالماء، وتذلل وتساقط لسيده كالأشياء على قارعة الطريق، فالآن تمت ~~العبودية له، فافهم. # قوله : «وعلم الخدمة» يحتمل أنه أراد به علم صحبة الأصحاب وتربيتهم ~~وهذا مما لابد منه للشيخ المربي للمريدين، وذلك علوم جمة كسبية ولدنية يعلم بها ~~مصالح العباد ، والأصحاب ، وما يصلح لكل واحد منهم على الانفراد من ~~الأوراد، ومقادرير مقاماتهم، ومنازهم، وقواهم على ms073 السير، والارتقاء ومسالكهم ~~204 ~~المختلفة، وتعبيرات واقعاتهم، وما فيها من الإشارات، والرموز، وإلى أمثال ذلك ~~كثير فذلك علم الخدمة، ويحتمل وجها آخر وهو علم مزج العبودية بالعبادة فإن ~~العبادة إنما يتم حسنها بتمام العبودية فيها، وهذا ضعيف، ويحتمل وجها ثالثا وهو ~~علم المراقبة التي هي باب المواصلة ، ثم علم الآداب المستحسنة عند الوصال ، ~~ومعرفة الشمائل الجميلة ، والشيم الحميدة في الحضرة العالية الرفيعة ليكون ~~القيام، والقعود، والركوع، والسجود، والأخذ والإعطاء، والنطق والإصغاء، ~~وامثالها كثيرة لا يحصى لحسن الآداب، فلا يعامل إلا بالوقار، والحياء، ~~والإجلال، والتعظيم لا يتكلم بدون الإذن، ولا يباسط بدون الإشارة، ولا ~~يلتفت إلى غيره، ولا إلى نفسه وإن لدغته الحية، ولسعته الأساود ، كما قال تعالى في ~~مدح نبيه عليه الصلاة والسلام (ما زاغ البصر وما طغى) [النجم: 17] فافهم ~~وسيأتي بعض شرح الأدب في باب صفة الغيرة عند تفسير كلام الشبلي. # قال النوري : «العلم علمان: داعي، ومدعي» يحتمل معنيين أحدهما : أنه ~~يعني به علم الشرع وهو في قلب العلم يدعو الناس بذلك العلم إلى الحق تعالى ، ~~وهو العلم النافع، وقد يكون في علم لا يدعو الناس بذلك العلم إلى الحق تعالى، ~~وهو العلم غير النافع، وقد يكون في علم لا يدعو الناس ، لكنه يدعى الرئاسة ~~بهذا العلم على الناس ، فذاك داع وهذا مدعى ، الثاني : أن الداعي علم الحقيقة ~~والمدعي علم الشريعة فعلم الحقيقة يدعوه إلى الحقيقة شاء أم أبى ، ولا يحتاج فيها ~~إلى الدعوة وهو علم ضروري وهو علم المعرفة كما مر في كلام ابن عطاء ، وعلم ~~الشريعة محتاج إلى الدعوى حتى لا يلتفت إلى علم الشريعة أحد ما لم تدعى العالم ~~المعلم ، أنه إنما جاء بهذا العلم من معدن الصدق الذي لا يكذب ثمة ، ويثبت ~~دعواه بالبينة فيقول: أخبرني فلان عن فلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صادق ~~205 ~~بدلالة المعجزة، ومن أخبرني عدل صادق ومن أخبر من أخبرني كذلك، وأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن الله تعالى ، والله تعالى صادق ms074 بدلالة الحكمة والاستغناء ~~عن الكذب ، فإنه لا يقبل منه العلم بخلاف علم الحقيقة فإنه لا يتوقف على ~~الدعوى ولا على البيان بالدليل، وإنما يتوقف على فضل الله تعالى لمن شاء من ~~عباده . # قال الشبلي رحمة الله عليه: «العلم واحد وهو أن نفسك بذاته»، وفي نسخة ~~أخرى : «العلم واحد، وهو أن تعلم أن نفسك قائم بذاته» اعلم أن ما في النسخة ~~ثانية تفسير الأول والهاء الداخل في الذات كفاية راجعة إلى الله تعالى ، معناه أن ~~نفسك موجودة باقية حية موصوفة بسائر صفاته بالله تعالى وبذاته -جل و علا- ~~فإن قيل: إن الحق إنما يكون قائما بصفات الله تعالى وصفته، وخلقه. # قلنا: بل إنما يقوم بذات الله تعالى الموصوف بالصفات التي أشرنا إليها لا ~~بالصفات الذاتية، وأن الخالق، الرازق، الحكيم ، العليم، هو الذات لا الصفات ~~وموصوف في الكلمة وهي العلم واحدة، وهو أن تعلم أن نفسك هو، وهو قائم ~~بذاته لا بعين الشيء، أما ما عيناه في الصورة الأولى، وإنما يعني بالصورة الأولى ~~القدرة، وهذا شبيه كلام [........] من غير أنه كان [.......] مكشوفا، وكان ~~الفعل من جهل. # قال الروذباري: «العلم سمة العبد، والجهل سمة العدو» يعني النفس ~~المطمئنة التي لها علم العبودية في كلام ابن عطاء ، ويعنى بالعدو : النفس الأمارة ~~بالسوء أي: هل يعلم العبودية فيكون نفسا خبيثا عدوا لك كما قال النبي عليه ~~206 ~~الصلاة والسلام «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك». # قال سهل ابن عبد الله «العلم ثلاثة بالله، وبأمر الله، وبأيام الله» ~~قوله : «بالله» يعني : معرفة الله و معرفته صفاته و معرفته - جل و علا- لأن ذلك ~~هو العلم بالله. # قوله : «بأمر الله» يعني بشريعة الله تعالى وأحكام الشرع كلها أوامر الله ~~تعالى ونواهيه، والوعد، والوعيد، وأشباهها. # قوله : «بأيام الله» يعني بما بعد الموت من سؤال المنكر، والقبر روضة ، أو ~~حفرة ، والحشر ، والنشر، والحساب، والصراط، والميزان، والجنة، والنار، وما ~~يجري من أحكام الله تعالى ثمة، وقال الله تعالى (وذكرهم بأيام الله) [إبراهيم: ~~5]، وقيل: أراد بالعلم بأيام الله علم التواريخ والقصص يقال: إن ms075 فلانا عالم بأيام ~~الله تعالى أي عالم بالتواريخ والقصص. # قال ذو النون المصري رحمة الله عليه : «العلم علمان مطلوب وموجود» ~~يعني كسبي وهو علم الشريعة، وعلم النظر والاستدلال والموجود هو معرفة الله ~~تعالى ضرورة ولا يكون ذلك إلا لأولياء الله تعالى. # قال أبو يزيد رحمه الله: «العلم علمان: علم بيان، وعلم برهان» يعني بعلم ~~البيان : علم النظر و الاستدلال وعلم الشريعة .و يعني بعلم البرهان : علم ~~المشاهدة ، وهى المعرفة الضرورية الحاصلة من المشاهدة . قال الصادق لمه : «العلم ~~ثلاثة: مع الله، وبالله، ومن الله. # قوله : «مع الله» يعني عند المشاهدة يشاهده ويعلم أنه هو الله. # كان غائيا عن المشاهدة. # قوله : «وبانفه» يعني عند الغيبة، والتفرقة عن المشاهدة بعلمه ضرورة وإن ~~207 ~~قوله: «ومن الله» يعني معرفه ذاته، ومعرفة صفاته، ومعرفة أحكام الشرع ~~كلها من الله تعالى لأن النظر والاستدلال بآيات الله تعالى ودلائله بالله تعالى، وكل ~~ذلك من الله تعالى. # وقال رويم : «العلم مصنوع ومصبوغ» يعني مكسوب وضروري ، وهذا ~~كما قال ذو النون: «العلم علمان: مطلوب وموجود» وقد سبق ذكرنا. # 208 ~~قال الجنيد - رحمة الله عليه : « إن الله تعالى أراد من العباد علمين معرفة ~~العبودية ومعرفة الربوبية وما سواهما فحظ أنفسهم» يعني أراد منهم معرفة علم ~~العبودية والعبادة جميعا لأن العبودية وهي التذلل، والتواضع، والاتضاع لله تعالى ~~إنما يظهر في طاعته وانقياده في الأوامر والنواهي، ومعرفة الربوبية: يعني به معرفة ~~الله تعالى ذاته وصفاته. # قوله : «وما سواهما فحظ أنفسهم» يعني لا يبالي الله تعالى بما وراء ذلك ~~من علوم العباد كان أو لم يكن، فإنما ذاك مرادات أنفسهم. # قال ابن عطاء: «من علم أوقاته فاز، ومن جهل أوقاته حار، ومن علم ~~أيامه هلك، ومن جهل ترك» اعلم أن الأوقات جمع الوقت، والوقت هو الزمان ~~الذي من الزمانين أعني من الماضي والمستقبل وهو الذي يسمونه حالا ، وفي ~~اصطلاح هؤلاء المشايخ الوقت ما العبد فيه من أوصافه وأعماله الدينية والدنيوية ~~209 ~~سواء كان ما هو فيه صالحا، أو فاسدا، ومته يقولون: طاب الوقت، ms076 وطاب ~~وقتي، وخاب وقته؛ وإن لم يكن في خير ولا شر، يقولون: ضاع وقته، يعني لم ~~يحصل في وقته نفع ولا ضر ولا خير، ولا شر، فأما ابن عطاء إنما أراد بقوله : «من ~~أوقاته» أي: من حفظ أوقاته وعد أزمنته كيلا يخيب ولا يضيع ولا يتعطل، ولكن ~~يتحصل فيها ما هو الأهم، فإن ذلك الإنسان يأمن من ضيعة الوقت وخيبته بما ~~حصل من الخير وقيل خير الطاعات عد الأوقات. # قوله : «من جهل أوقاته حار» أي: يتحير في حفظها إذ لا يمكنه حفظ ما ~~لا يعلم، ويحتمل أنه أراد بالأوقات هنا الواردات التي ترد عليه من الخواطر ، ~~واللحظات، والإشارات في القبض، والبسط، والحزن، والسرور بالله تعالى وما ~~أشبه ذلك من علم ذلك وعمل بمقتضياتها فاز وافلح ومن جهل ذلك تحير لا ~~يدري فيم هو وأي شيء أتم له، ويحتمل أنه أراد بالأوقات الأحوال التي تأتي ~~القوم ويسلبهم عنهم ويلحهم إلى التأوه، والتحنن، والصياح على ما مر شرحه في ~~باب الأنفاس في كلام الجنيد وابن عطاء إذا عرفت ذلك فنقول أراد بقوله : «من ~~علم أوقاته فاز» أي: من علم أحواله متى يجيء، وكيف يجوع، وكيف يبقى، وبم ~~يبقى، وبم يزول، وبم يأتي، ولم يعود، ولم يجيء، وما فوائده فاز لأن يحتاط فيها ~~كيلا يشوبها ما يشوبه. # قوله: «ومن جهل حار» أي تحير وأدى جهله إلى الحيرة والخلط ~~والجنون ، وربما يؤدي إلى الهلاك ، فيما قوله : «من علم أيامه هلك» يعني الماضي ، ~~والمستقبل، أو اشتغل بحفظها وعدها، والتأمل فيما عمل فيها من الخير، والشر ~~هلك أي ضاع الوقت الذي هو فيه بلا فائدة، وهذا يعني قولهم: «إن الصوفي ابن ~~وقته» والاشتغال بما ضاع من الوقت تضييع الوقت القائم. # 210 ~~قوله : «و من جهل ترك» أي: ترك ما لا يعنيه وهو عد الأوقات والأيام ~~التي ليست في ملكه ولا في تعرفه فيكون كمحاسب أحوال الناس. # قال الجنيد - قدس الله سره : «العلم الأكبر علم القيام بالدوام، وعلم ~~الحال بغير الاحتيال» أما علم القيام بالدوام في الطريقة ms077 والشريعة [.....]علم ~~أصغر وإنما المراد به علم المراقبة الدائمة في عالم الحقيقة والقيام بالأدب في الحضرة ~~العالية فوق الطريقة والشريعة ، قوله : «وعلم الحال بغير الاحتيال» إنما قال ذلك ~~لأن الحال إذا كان باحتيال التواجد لا يفيد شيئا، وإذا كان بغير احتيال التواجد ~~يفيد شيئا عظيما ثم علم ذلك هو أن تعلم الفرق بين الحال، والوقت، والوجود، ~~والوجد، والتواجد، وأضرابها فتعلم الصحيح، والسقيم فإن تلك الأمور وسائله ~~إلى المقصود ولا يتوسل إلا بالصحيح غير السقيم . # وقال الشبلي: «من علم نسيانه عاد بربه» إنما قال ذلك فيمن يتواجد بلا ~~وجد، والتواجد هو التكلف بالحال من غير حال، و في الحال نسيان الخير ، والشر ~~كما في النوم والإغماء ولهذا كان من غلب عليه الحال معذورا في تأخير الصلاة عن ~~وقتها، وإذا تكلف الحال وتواجد من غير حال ولا وجد كان هذا تناسيا من غير ~~نسيان وإذا فعل ذلك عاد بربه حيث كذب في الحال وجعل نفسه من النواسي ~~المعذورين في ترك الفرائض ولا عذر وذلك نوعان ، أحدهما يكون تواجدا ابتداء ~~يتواجد تكلفا طمعا في تحقيق الوجد لأنه ربما يكون ابتداؤه تكلفا ثم يتحقق ، ~~ومن هنا جوز بعض المشايخ التواجد طلبا لتحقق الوجد، ومنهم من لم يجوز ، ~~والثاني : أن يكون له وجد متحقق ثم يفيق فيتواجد استصحابا لما سبق وهذا ~~الاستصحاب هو الذي يريده الشبلي بقوله : «من علم نسيانه عاد بربه» يعني من ~~211 ~~علم نسيانه، فقد أفاق عن نسيانه لوجده، فإذا تواجد استصحابا عادى وتعدى. # وقال النوري : «من علم عند المعرفة فقد أشرك ، ومن عرف عن المشاهدة ~~فقد كفر» اعلم أن قد ذكرنا أن العلم أدنى درجة من المعرفة عندهم والمعرفة ~~ضرورية تحصل بالمشاهدة والمكاشفة والعلم الكسبي يحصل بالخبر والتقليد و ~~الاستدلال يعني بقوله : «من علم عتد المعرفة» أي من التفت إلى الخبر ، والنظر ، ~~والتقليد، والاستدلال واعتمد عليها مع أنه يعرف الله تعالى ضرورة في طريق هو ~~أعلى فقد أشرك ، أي أخطأ حيث أراد أن يشرك ويسوي بين العلم والمعرفة في ~~مقام واحد. ms078 # قوله : «ومن عرف عند المشاهدة فقد كفر» يعني المشاهدة درجة أعلى من ~~المعرفة ، فإن المشاهدة عندهم كشف الحجاب والمعرفة عندهم ستر الحجاب ، ~~فالالتفات عند المشاهدة إلى المعرفة إعراض عن المشاهدة ولهذا سماه كفرا ولأنه ~~لو التفت إلى المعرفة عند المشاهدة اختلفت المشاهدة ولا تصفو كمن اشتغل عند ~~مشاهدة الملك بشغل آخر غير المشاهدة تختل مشاهدته فلهذا أسماه كفرا ، وقال ~~أيضا: «من أجاب العلم ولم يجب دعوة المعرفة فحجب» يعني من علم الله تعالى ~~تقليدا بالخبر، أو بالنظر والاستدلال، وقد أجاب العلم يعني أجاب داعي العقل، ~~والشرع ثم لو دعاه داعي المعرفة فلا يجيبه حجب عن المعرفة ، ثم داعى المعرفة هو ~~ما يدعوه إلى طريقة الصوفية فلم يجب حجب عن المعرفة وبقي في العلم ، ~~والداعي إلى ذلك ربما يكون إرادة تعتريه في قلبه، وربما يكون سماع هاتف، أو ~~خطرة خاطر، أو رؤية نوم، أو هجسة هاجس من النفس، أو إلقاء ملك، أو ما ~~212 ~~أشبه ذلك، فإن العاقل إذا وجد داعيا من أشباه ذلك يدعوه إلى السلوك في طريق ~~التصوف ينيغي أن يجيبه فإن ذلك إنما دعاه لأمر ما، فلو لم يجب ويترك ما هو ~~عليه إلا أن تكون زيادة العناية عونه، فيعود كرة بعد كرة ولا يخليه حتى يسلك ~~الطريق ويصل إن شاء الله. # وأما أصحاب الجذبات خارجون من ذلك، فإنه لا دافع لجذبة الحق تعالى ~~وتقدس. # وقال الشبلي : «الدعوة ثلاثة : دعوة العلم، ودعوة المعرفة، ودعوة المعاينة، ~~والدعوة عند الدعوة كفر»، أما دعوة العلم هي دعوة العقل، والكتاب، والسنة، ~~فإنها تدعوه إلى أن يعلم الله تعالى بها، وأما دعوة المعرفة فهي دعوة المكاشفات بها ~~يعرف العارف ربه تعالى، وأما دعوة المعاينة فهى الفناء، فإن المعاينة عنده الفناء ~~وبعده. # قوله : «والدعوة عند الدعوة كفر» يعني كل واحدة من هذه الثلاثة ينفرد ~~عن صاحبها ولا يجتمع معها ألا ترى أن من علم شيئا ضرورة لا يصح أن يعلم ~~تقليدا، أو استدلالا، ومن كان في معاينة شيء لا يصح الاعتماد فيه على العلم ms079 ، ~~والمعرفة إذ المعاينة فوق ذلك ، ومن وجد ضالته في ضوء النهار عند الضحوة لا ~~يصح أن يطلبه بضوء السراج، فافهم إن شاء القه وحده. # قال الجنيد قدس الله سره : «العلم شيء بمحيط ، والمعرفة شيء بمحيط ، فأين ~~الله؟ فأين وجد العبودية؟» كما قال -عز وجل - (ولا يحيطون به علما [طه :11٠] ~~فإذا لم يعرف بالربوبية إلا الذي أحاط به علمك، ولا تعرف غيره لأن الغير ليس ~~هو الله تعالى عندك فأين الله تعالى إذن ? وإنما قال ذلك على سبيل الإنكار على من ~~213 ~~يزعم أن لذات الله مقدارا معلوما محاطا به علما، أو عيانا. # قوله : «فأين وجد العبودية» يعني أين الضعف، والدعة، والذلة، والقلة ~~إذا كنت أنت تحيط بالله علما، ومعرفة، ومشاهدة، ومعاينة، إذن أنت أكبر منه، ~~وأعظم حيث تحيط به علما، أو معاينة، ويحتمل أنه أراد به أن العلم حجاب حيث ~~يحيط بالمعلوم، والمعرفة حجاب لأنه يحيط بالمعروف، وأنت إنما تعلمه، وتعرفه ~~بواسطة العلم، والمعرفة ولا ينبغي أن يكون بين العبد، والرب واسطة وحجاب ~~يحول بينه وبين الرب ولا يصل. # قال أبو يزيد - رحمه الله: «العلم غدر، والمعرفة مكر، والمشاهدة حجاب، ~~فمتى وجدت ما طلبت» يعني هذه الأمور كلها حجاب وواسطة بين العبد ~~والرب، ووجود المطلوب ينبغي أن يكون أقرب من ذلك، وذلك إشارة إلى ما ~~زعم الحلاج غير أنه أرخى الستر وهتك الحلاج. # قال ابن عطاء: «العلم ينهى عن القرار بالمكر ، والكل مسفرون بالمكر ~~وينهاهم مكر، فالكل يعيشون بالنهي، ويحسبون أنهم على شيء» يعني العلم ينهى ~~عن القرار بالمكر وهذا النهي مكر، ثم الكل يسفرون بالمكر ويعيشون بالنهي ~~ويحسبون أنهم على شيء معناه أن الكل إما أن يعلموا بنهى العلم، حيث ينهاهم ~~عن المكر أو لا يعلموا، فإن علموا بنهي العلم فالنهى مكر، وإن لم يعلموا بالنهي ~~فقد تقرروا على المكر لأن العلم إنما ينهى عن المكر ، يريد به أن المريد السالك ~~ينبغي ألا يلتفت إلى شيء سوى الله تعالى وتعرض عن الكل وتتوجه إلى الله تعالى ~~وحده. # وتفسير آخر ms080 بعبارة أخرى مجملة، نقول: نريد به أن علم العلماء في الشرع ~~يمنع من سلوك طريق التصوف لكثرة ما فيها من الآفات والمكر ثم الوقوف عند ~~214 ~~علومهم مكر أيضا إذ هو توجه إلى الآخرة وإعراض عن الله تعالى، والقرار على ~~المكر منهي عنه عقلا ، وشرعا ، وتصوفا ، فإذا كل سالك في طريق التصوف ~~ارتكب المكر تحمل الآفات التي فيها وكل واقف على علم الشرع ارتكب مكر ~~الإعراض عن الحق على الجنة والنار ، وهذا هو الذي قال كلهم مسفرون بالمكر ~~يعيشون بالنهى، فافهم إن شاء الله وحده. # قال رويم رحمة الله عليه «الحجاب علم ، والعلم حجاب عن المقصود ~~الذي شرع الطريق إليه - من هذا الحجاب لأنه ما لم يقطع الطريق لا يصل إلى ~~-»، قال ذو النون : «من لم يعلم نسيانه عادى بربه» وهذا كقول الشلبي : «من ~~علم نسيانه» غير أن الشلبي أراد به وجده وحالته ثم تواجد وتناسى تكلفا ~~فهو معادي، وذو النون: من لم يعلم نسيانه أي من تجاهل إفاقته وتناسي صحوه ~~تكلف طلبا لزيادة الوجد فقد عادى بربه فافهم إن شاء الله وحده. # ال الشبلي : «العلم خبر، والخبر جحود» يعني علم الشريعة خبر ، والخبر ~~شك لاحتيال الصدق والكذب، والشك جحود العلم وضده، اعلم أن المؤمن ~~في إيمانه لا يخلو من الشك سواء كان مقلدا ، أو مستدلا ، وهذا متفق عليه عند ~~جميع أهل الإسلام من المتكلمين وغيرهم. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم سبعين ~~مرة» والغين الغطاء، والحجاب كالغيم، وقالت عائشة -رضي الله عنها- «ايا ~~رسول الله إني لأجد أنك لم تبعث، قال صلى الله عليه وسلم : أو تجدين ذلك؟ قالت : نعم، فقال ~~215 ~~صلى الله عليه وسلم: ذاك محض الإيمان». # وعن أبي هريرة، رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بمنزلة القميص تلبسه مرة ~~وتضعه عنك أخرى». # قال الروذباري: «من العبد إنكار يظهر عند علمه [.....] في كل معلوم ~~ينكره العبد في باطنه ما لم يعلم، فإذا علم أقر ms081 به »، ومنه قيل: من جهل شيئا عاداه، ~~وهذا أمر اضطراري؛ لأن من لم يعلم شيئا وجهله يتعذر عليه قبوله في قلبه وإن ~~اجتمع عليه الإنس والجن، ثم إذا علم يظهر له أنه كان منكرا عن جهل غير أنه ~~أراد بذلك الإنكار في باب معارف الحقيقة ودرجاتها فكل درجة لم يصل إليها بعد ~~فهو منكرها وإذا وصل علم فظهر له إنكاره من قبل باطلا. # قال الجنيد رحمة الفه عليه : «العلم ، والمعرفة فرض لازم على العبد» وهما ~~ليس من صفات العبد فإذا عرف أم علم، فالنظر كيف كان، يعني أنهما برهان على ~~العبد قبل الحصول، فإذا حصلا صارا صفة له، فكان الآن أفرض، وكان الجهل ~~أقوى هو ضدهما أقبح والاجتناب عنه أفرض وأفضل. # وقال الجنيد «أولا العلم ، ثم المعرفة بالعلم ، ثم الجحود بالمعرفة ، ثم ~~الإنكار بالجحود، ثم الإقرار بالإنكار ، ثم العلم بالإنكار، ثم العلم بالإقرار، ثم ~~المعرفة بالعلم ، ثم الجحود بالمعرفة ، ثم الإنكار بالمعرفة ، ثم الجحود بالإنكار، ثم ~~النفي، ثم الغرق، ثم الهلاك» فإذا وقعت النظر بكل ذي حجاب أعلم أن ذلك ~~216 ~~منه إشارة إلى التلوينات الكائنة في طريق المريد السالك في طريق الله تعالى . # واعلم أن الجحود هو الإنكار بالقلب ، والإنكار هو الجحود باللسان ~~[....] لكن الجحود بالقلب ، والإنكار باللسان ، وقيل : الجحود لا يكون إلا مع ~~العلم، قال الله تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) [النمل:14]. # قوله : «أولا» بيانه بأن الأول هو العلم يعني به معرفة الله تعالى تقليدا أو ~~استدلالا ، ثم الثاني المعرفة : وهو أن يصير علمه الكسبي ضروريا بكثرة شواهد ~~الآيات المعقولة ، والمسموعة ، ثم الثالث : المعرفة بالعلم : يعني ثم المعرفة الحاصلة ~~من المكاشفة مع المعرفة التي حصلت بكثرة الآيات المعقولة ، والمسموعة فهذا ~~أقوى مما سبق ، ثم الرابع : الجحود بالمعرفة يعني جحود المعرفة في قلبه وهو أن ~~يقول في نفسه أن المطلوب وراء ما كشف لي فلا أتوقف على ذلك ، وهذا في عالم ~~الحقيقة إذ هو بعد المكاشفة ، ثم الخامس : وهو الإنكار بالجحود يعني جحوده ~~السابق للمعرفة السابقة بسبب ما علم ms082 أن المطلوب وراء ما كشف، فإذا رأى هنا ~~أنه لا يرتقي مرتقى في عوالم الحقيقة إلا ومقصوده المراد فوق ذلك ، ويقول : لا ~~طريق إليه إلا العلم والمعرفة، فإن المكاشفة والمشاهدة مكر فيصدق العلم ، ~~والمعرفة اللذين كانا في المقام الثالث وينكر الجحود الذي كان في المقام الرابع ، ثم ~~السادس : وهو الإقرار بالإنكار يعني تقرير الإنكار ويعلم أنه كان في موضعه ~~السبب ما زاد له من الإمارات الدالة على أنه لا طريق له إلى وصال المراد إلا ~~بالعلم والمعرفة ، كما ذكرنا في الخامس وزاد هنا ذلك ، فأورث العلم بصحة تقرير ~~الإنكار على الجحود ثم السابع : وهو المعرفة بالعلم يعني ثم ينضم تقرير الإنكار ~~على الجحود بالمعرفة في الدرجة الرابعة فيكون علما ومعرفة جميعا ، ثم الثامن ~~الإنكار بالمعرفة : يعني : عند ذلك الدرجة ينكر المعرفة ، والعلم ، والجحود ، ~~والإنكار بالمعرفة يعني : عند تلك الدرجة ينكر المعرفة و العلم و الجحود و ~~217 ~~الإنكار جميعا فيقول كل ذلك حجاب لا بد من الوصول إلى المقصود ويمضي على ~~ذلك مدة ويرتقي زمانا في تلوينات، فإذا أطال ولم يصل بلغ إلى العاشر وهي ~~العاشر في المقامات ، فيجحد الإنكار التاسع ويقول ذلك لم يكن في موضعه ولا ~~وصول إلا بالعلم والمعرفة فيبقى في تلك الدرجة إلى أن يتفق له النفي والفناء ~~فيدخل من عالم التلوينات إلى عالم الفناء ، وعن بعض المشايخ في هذا المعنى : أول ~~مقام الوصل العلم، ثم التحير، ثم الدهشة، ثم الفناء. # واعلم أن شرحنا معنى الفناء من قبل وهذا عالم عين الجمع وفيه التوحيد ~~عندهم، ثم يترتب عليه الفرق وأنه مقام في عالم النفي أعلى من الفناء السابق لأنه ~~غرق في الفناء ثم الهلاك مقام أبلغ من الفرق هذا كمن شرع البحر وهو على ~~الساحل بعد وقدمه يصل إلى ما يقله من الأرض ثم لما توسط البحر غرق ثم لو ~~بقى ودام على هذا هلك ومات. # قوله : «وإذا وقعت التظر بكل ذي حجاب» يعني هذه الأحوال المتقدمة ~~والتلوينات السابقة كلها حجاب الدار والباب عند الوصول، وإن ms083 كان قبل ~~الوصول وسائل تؤدي إليه، واعلم أن هذا من حال الجنيد -رحمة الله عليه - أنه ~~أخبر بذلك عن أحوال نفسه أنهم متفاوتون في التلوينات، فمنهم من لا يخرج عن ~~التلوين قط، ومنهم من لا يرى التلوين قط من كان أقل تلوينا من ذلك ومنهم ~~من كان أكثر فافهم إن شاء الله وحده. # قال الجنيد رحمة الله عليه : «الإثبات مكر ، والعلم بالإثبات مكر ، ~~والحركات غدر ، والعلم بالحركات غدر والموجود من داخل غدر و مكر» قوله : ~~«الإثبات مكر» ظاهرة وهو ما ذكرنا في كلام الشبلي حيث قال : والإشارة مكر ، ~~وقال: الإشارة تحير، فيعني بالإثبات هنا ما عنى بالإشارة ثمة، وهو أن يبلغ المريد ~~218 ~~إلى درجة المكاشفة، فكل ما يشاهد [.....] وملكا أو ما أشبه ذلك يقول هذا هو ~~المطلوب ويقف عنده وينتهى على أنه مطلوبه ومحبوبه . # قوله : «والعلم بالإثبات مكر» يعني اعتقاده بأن ذلك مراده ومقصوده ~~ليس بعلم، وإنما هو ظن ومكر، قوله : «و الحركات غدر» يعني السير والمعاريج ~~ستر وحجاب و الغدر هنا بمعنى الستر على ما عرف في باب المكر ، قوله : ~~«والعلم بالحركات غدر» يعني اعتقاده بأن ذلك الحركات موصلات له إلى المراد ~~غدر وحجاب فافهم، قوله «والموجود من داخل غدر ومكر» يعني لابد للمريد ~~من الدخول في باب هذا المكر والغدر حتى يصل إلى المراد ، فإذا لم يدخل لم يصل ~~إلى المراد إذا خاف عنهما إذ لا طريق له إلا الدخول من باب هذا المكر والغدر ~~تعنيلا ينبغي للمريد أن ينقطع في شيء من ذلك ويقف عنده لأن المراد وراء ذلك ، ~~وذلك غدر ومكر وهو الطريقة لا محالة حتى إذا بلغ في المعاريج وارتقى ما لا ~~نهاية من المراقي يصل إلى الوحدانية العظمى بالمعرفة الضرورية العطائية من ~~المعروف تعالى لا بالمشاهدة والمعاينة وإلى الوحدانية اللطفي بالمشاهدة والمعاينة ، ~~والمعرفة الضرورية كما بينا في كتاب «المعاريج» وليس من كلمات هؤلاء المشايخ ~~في هذا الكتاب أعلى من هذه الكلمة من الجنيد -رحمة الله عليه - ~~قال الشبلي رحمة الله عليه : «العلم جحود ms084 ، والمعرفة إنكار ، والتوحيد ~~إلحاد» يعني من وقف على عالم المعرفة والشريعة في معرفة الله تعالى فقد جحد ~~الوصول إليه من طريق المشاهدة والمعاينة وما فوقه. # قوله : «المعرفة إنكار» يعني لو وقف على المعرفة فقد أنكر على ما فوقها ~~من المشاهدة والمعاينة والمواصلة. # 219 ~~قوله : «والتوحيد إلحاد» يعني به توحيد العامة أو توحيد من لم يدخل عالم ~~الفناء، والغرق، والمحق، والمحو بعد أن وقف على شيء من هذه العوالم فقد ألحد ~~عن المقصود ، ويحتمل أنه أراد بالعلم الاستدلالي ، وبالمعرفة الضرورية فمن عاد ~~إلى العلم الاستدلالي في معرفة شيء علمه ضرورة أنكر علمه الاستدلالي ~~الضروري بذلك الشيء وجحدهما. # قوله : «والمعرفة إنكار» المشاهدة هذا إن رجع إلى المعرفة مع وجود ~~المشاهدة ؛ لأن المشاهدة أبلغ من العلم الضروري وليس الخبر كالمعاينة فمن رجع ~~إلى العلم والمعرفة عند المشاهدة فقد أنكر المشاهدة. # قوله : «والتوحيد إلحاد» يعني مشاهدة التوحيد المجرد عن التعظيم ~~والتكبير والإثبات تعطيل. # وروى عن الجنيد قدس الله سره قال : «غاية التوحيد إلحاد» وهذا ~~صحيح على ما ذكرنا من المعنى فافهم. # وقد ذكرنا في مواضع أخرى أن التوحيد إذا تم وليس فيه شيء من ~~التعظيم والإجلال ولا ما دون شيء كان إلحادا [...] لأنه تعالى أعظم وأكبر من ~~أن يحيط به العلم، والوهم، والفهم، ولا يحيطون به علما، ويحتمل معاني أخرى ~~وهو أن العلم بالله تعالى هو الجحود لكل شيء سواه ، ومن هنا لزم لكل عاقل أن ~~يعتقد ويقول: لا إله إلا الله وهذا صحيح على أصولهم فإن كل شيئا ليس شيء إلا ~~الله وليس كل كائن إلا هو ويقولون بالفارسية «إلى هم توقال بلب حبست ~~داز كلبن حبست ورترغم نوايش إلى هم تو » وإلى هذا أشار علي بن أبى طالب رضي الله عنه ~~220 ~~في دعائه ب «يا هو يا من هو هو، يا من لا إلا إله إلا هو » و إنما قال ذلك بعد فنائه ~~في بحر وحدانيته وتلاشيه في غليان فردانيته واضمحلاله في مضيق تحنيق وجده ، ~~ثم قام به بعد هذه الأفنية ms085 وتقوى به وتعلم منه فقال: يا هو يا من هو ويا من لا ~~هو إلا هو وهذا بعينه مثل ما قال الحلاج في أبياته : # لا تتركن وإلها بحق حقي يا أنا %~% فهذا قال : أنا هو وهو أنا ~~وكذا قال: لا هو إلا هو فكأنه قال: كل ما يقع عليه اسم «هو » فهو هو ~~وهذا أبلغ مما أنكر به على الحلاج غير أنه أحسن وأجلى وإنما كان كذلك لأن ~~الحسين الحلاج كان مغلوبا في عالم الفناء وأن عليا لهه جاوز عالم الفناء إلى عالم ~~فناء الفناء وهو عالم البقاء، وكان معه العقل، والتمييز، إذ هو قام به وتقوى به ~~وتعلم منه مع العقل فافهم إن شاء الله وحده. # فإن قال قائل هذه الكلمات تدل على أن حال الحسين أبلغ من حال على ~~يلمه لأن عليا دعا الغائب لأن كلمته للغائب، وأن حسينا دعا الحاصر القريب ~~بقوله: أنا الحق، وبقوله: يا أنا قلنا : هذا غلط فإن الحسين قال : ذلك في عالم الفناء ~~ثم فوق عالم فناء الفناء عالم آخر وهو عالم علم مجهول ويسمونه هذا العالم في ~~اصطلاحهم مغلوب مجهولا ، وكلام على رضي الله عنه كان من هذا العالم ، ومن في هذا ~~العالم كان حاضرا غائبا، ومن في عالم الفناء كان غائبا من كل وجه بالإضافة إلى ~~هذا العالم وبهذا سمى ذلك العالم عالم الفناء، والفاني كيف لا يكون غائب ~~والدليل على انه كان غائبا هو أنه لو كان حاضرا لم ينطق بما نطق ولو لم يكن به من ~~النطق لأبهم وأخفي عن الخلق ثم الكلام في عالم العلم المجهول سيأتي بعد إن ~~شاء الله وحده. # قال النوري: «الخبر كفر ، ولا يكون التوحيد كفرا» يعني به توحيد إلى من ~~221 ~~خبر منهم بناء على خبر وهو عالم الشرع، والعقل، وذلك كفر أي حجاب عن ~~الناس، والعامة لمن اعتمد عليها وتوقف عندها ، قالوا: ليس الخبر كالمعاينة وأن ~~العيان يغني عن البيان والخبر لا يغني عن البيان ، ولا عن العيان ~~وقال النبي صلى الله ms086 عليه وسلم: «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب». # قوله : «لا يكون التوحيد كفرا» هذا صحيح مجمع عليه يريد بهذا الكلام أنه ينبغي ~~ألا يتوقف المريد عند شيء منه بالحجب المانعة من الواحد حتى يبلغ الله وهو ~~الواحد الذي لا واحد إلا هو ولا يبلغ إلا بنفي كل ما سواه فافهم. # قال ابن عطاء: «العلم علم الجهل ، والمعرفة معرفة الإنكار ، والمشاهدة ~~مشاهدة الجحود» اعلم أن لهذه الكلمات معنيين أحدهما : أدنى، والآخر : أعلى. # أما الأدنى قوله : «العلم علم الجهل» يعني علم الجهل خير من علم المعلوم ؛ لأنه ~~إذا علم المعلوم أدرك علم الجهل ، فلا يأمن الجهل أن يأتي وينفي المعلوم ويستره ~~عنه علم الجهل أنه جهل، وليس بعلم يلازمه العلم بالمعلوم؛ لأن المعلوم إذا علم ~~أن اعتقاده بنفي صانع العالم علم ضرورة أن للعالم صانعا وذلك عن الجهل، وإنما ~~يمكن الاحتراز عنه إذ هو عالم ضرورة كقولنا : «من لا يعلم أبواب الكفر ~~يوشك أن يقع فيه». # قوله : «والمعرفة إنكار» هذه معرفته ولا عند شيء من المعارف حتى تجاوز العلوم ، ~~والمعارف كلها إلى العلم المعروف ذاته كما مر في كلام أبى يزيد، والجنيد ، والشبلي ~~فيما سبق. # قوله : «والمشاهدة مشاهدة جحود» ويحتمل أنه أراد به مشاهدة كون كل ~~222 ~~شيء شاهده في مراقيه ومنازله مكرا، وسترا، وجحودا حجابا مانعا من الترقي إلى ~~فوق لمن ضعف عقله ، والتفت إليها إذ لو شاهد ذلك لما وقف على مشاهدته ~~وارتقى عنها إلى الوصول. # والمعنى الثاني : وهو عند غاية درجات الأولياء ونهاية مراقي الكبراء منهم وهي ~~معالم فوق عالم البقاء مع البقاء نهاية التوحيد، وذاك عالم ذو درجات أولها : ~~عالم علم مجهول. # وثانيها: عالم معرفة منكرة. # وثالثها: عالم مشاهدة مجحودة. # ورابعها: عالم معاينة معماة. # وأما قوله: «العلم علم جهل» أي: علم مع جهل، وهو أن يكون المعلوم ~~معلوما مجهولا يعلم لا عينه ولا غيره، ويجهله من حيث أنه لا يعلم ضرورة من ~~حيث إنه معه لا تعلم كمال العلم هذا في عالم العلم المجهول ، ثم يرتقي إلى عالم ms087 ~~معرفة منكر، وهذا أبلغ من العلم فيعرفه ضرورة و يعتريه شك في أنه مراده ~~ومقصوده؛ لكنه يتكره من حيث أنه يرى محالا عند العقل، والنفس ولا يدري ~~كيف يخبر به نفسه وعقله إذ لا تنبى عنه العبارة ، ولا تؤمئ إليه الإشارة، ولا ~~يسم الاسم عليه، ولا يدل الرسم إليه، فيتحير فيه عالما به جهلا عنه عارفا به ~~منكرا عنه ، فبهذه المعرفة ينشرح له المطلوب وبهذه النكرة يتكدر عليه المرغوب ~~وبهذه المعرفة من الله تعالى على نبيه عليه السلام فقال عز من قائل : (ألم نشرح لك ~~صدرك) [الشرح :1] وبهذه النكرة امتن الصديق رضي الله عنه ، فقال : «يا دليل المتحيرين ~~زدني تحيرا». # 222 ~~ومن ذلك أخبر أيضا حيث قال : «العجز عن درك الإدراك إدراك» يعني إنما ~~الإدراك للمطلوب مع العجز عن الإدراك والعلم به مع الجهل والمعرفة مع ~~الإنكار ولا خبر بذلك إلا لمن وصل إلى ذلك وقليل ماهم، وإن شئت أشرت ~~لك إلى أمارة من أمارات السبيل إلى هذا العالم وهو أن تشاهد أحدا كبيرا، وأحدا ~~كثيرا، فردا جمعا غفيرا، وحدا لا في مكان فردا في كل مكان، كلا لا في زمان كائينا ~~في كل يمن وأوان حاضرا عند كل شيء غائبا وعن كل شيء وذاته بنفسه غير ~~غائب لا عازب عن شيء جميلا، مهيبا، ساخطا، رحيما، منتقما، كريما سميعا كله ~~بكله، سميعا بصيرا كله بكله بصير، كله ذات، كله وجه، كله يد، كله واحد أحد ~~فرد وتر ليس كمثله شيء ، فإذا شاهدته بهذه الصفات المتنافية في العقل ، ~~وجاوزت عنها خلص أن بلغت من عرضة عوالم المعلوم المجهول ، وفهمت ~~تفسير ليس كمثله شيء ولم أجد في العقل ولا في الشرع عبارة منبئة عن هذا المقام ~~صريحا، ولا كناية الإشارة قوله تعالى: (ليس كمثله شيء) ~~وسماه علىي رضي الله عنه بقوله : «لا هو إلا هو» سماه هو مع نفي الهوية عن كل شيء ~~سواه إذ لم يجد عبارة أبين من ذلك وإني أقول : العجب الذي لا عجب إلا هو ~~وكل ذلك إشارة ms088 إلى أنه شيء مو جود ثابت ليس مثله شيء قط. # أما قوله : «والمشاهدة مشاهدة الجحود» يعني مسشاهدة مع الجحود ~~والمشاهدة أبلغ من المعرفة على ما عرف من قبل تعني أن المشاهدة في هذا العالم ~~أيضا هو مع الجحود لضرورة أنه يشاهد بالحقيقة العقل، والحواس ثمرة عالم ~~الأجسام فتشاهده وينكره نفسه، وعقل، وقلبه، وسره، وروحه، فهذا إدراك ~~وعجز عن الإدراك، فافهم إن شاء الله وحده. # ثم يرتقي من هنا إلى عالم المعاينة فيعاينه عيانا والمعاينة أبلغ من المشاهدة ~~224 ~~لكنه يعمى عن الأوصاف، والكيفيات، والأسماء إذ لا اسم، ولا وصف، ولا ~~كيفية، ثمة فكأنه يعاينه، ولا يعاينه إذ هو يعاينه بلا عين وقيل هذا آخر مقامات ~~العباد وعندي فوق ذلك مقام آخر وهي العالم العظمى أعظم من العوالم السابقة ~~كلها وهو أن يعلم بلا جهل، ويعرف بلا إنكار، ويشاهد بلا جحود، ويعاين بلا ~~عمه، ولا عماء، وهذا مقام الأنبياء ومن معهم ثمة فافهم إن شاء الله وحده. # وقال ذو النون رحمه الله : «في طريق المعرفة ألف علم ،و عند كل علم ~~جهل وألف معرفة، وعند كل معرفة إنكار» وهذا أيضا إشارة إلى ما سبق من ~~العلم، والجهل في كلام ابن عطاء ، غير أنه أشار إلى أن العلم بالجهل أهم من ~~العلم بالمعلوم وذو النون سكت عن العلم بالجهل، وأشار إلى أن في مقابلة كل ~~علم بمعلوم جهلا به أيضا فينبغي للسالك أن يكون على حذر من الإنكار، ولا ~~يكون على حذر من الإنكار والجهل إلا إذا علم ذلك الجهل وعرف ذلك الإنكار ~~فكان الأهم والأفضل له أن يعرف الجهل، والإنكار كما مر في كلام ابن عطاء ~~أولا فافهم، ويحتمل أنه أراد به كون العلم مكرا إن وقف عليه فإن الوقوف في ~~الطريق جهل وإن حصل به علم. # وقال أبو يزيد رحمه الله : «يفعلون ألف طريق، وواحد طريق إلى الله تعالى ~~الذي يصل به ،فإذا نظرت فالكل لا يجاوز عن مكر ، ومكره هو مكرهم» يعني ~~بهذا الكلام ما قيل: إن لله تعالى ms089 أسماء وهو ألف وواحدة بكل اسم طريق إليه ~~تعالى ؛ لأن كل اسم ينبئ عن صفة من صفات الله تعالى وبأي اسم توسلت ~~وصلت إليه لأن الوصف يهدى إلى الموصوف، والصفة تدل على المتصف بها . # قوله : «فإذا نظرت فالكل لا يجاوز عن مكر» يعني الطريق حجاب ~~وحائل من السالك والمسلوك إليه لسبب أنه لا يصل إليه ما لم يجاوز الطريق وربما ~~225 ~~ينقطع فيه، وكان الطريق مكرا، وحجابا. # قوله: «ومكره هو مكرهم» يعني مكر الله تعالى معهم حيث فوضهم إلى ~~الطريق إليه، وحرمهم الوصول إليه بدون قطع الطريق الشاق، والسبيل الحاق ~~كان من مكرهم أي مكر المريدين من العباد لأنه إذا رفع الحجب بمره وكشف ~~الغطاء من البيت بكرة لطغوا وبغوا في الارض وبدلوا نعمة الله كفرا فلا جرم ~~شدد انه تعالى عليهم وقدر الله السبيل للسير وشرع الشوارع، و ستر الأستار، ~~وارسل الحجب ليسيروا في الحجب ، وينتهوا في الأمادية أياما وليالي كادين غير . # واصلين ولا منقطعين بعون الله تعالى وحسن الطاعة وتوفيقه وجميل هدى الله . # وجزيل نعمه وآياديه فإذا وصلوا إن وصلوا وقد تبدلت خصالهم الخبائث . # باللطائف وجرد أوصافهم الكرام وخلصت الخلاصات منهم وذهب الزبد جفاء ~~عند ذلك حصلت الأمانة من الطغيان، وتبديل الشكر بالكفران فلاقوا بالحكمة. # الرحمانية، وكشف الكسوة، ورفع السترة، ولكن بهذا لمن علم الله من حالهم أنه لا ~~بغى، ولا طغيان، ولا جحود، ولا كفران منهم قط يجذبهم بلمحة إلى عالم حقيقة ~~الحق لا يرون الطريق ولا الآفات في الطريق ، كما أن من علم من حالهم انه لا ~~تبديل لأخلاقهم الخبائث بالأوصاف الجميلة لا يفتح لهم أبواب الحقيقة قط ، ~~وإن ذابوا بأنفسهم في نيران الرياضة والمجاهدة تفهم إن شاء الله وحده. # 226 ~~فصل ~~اعلم أن مقصودهم من كلماتهم هذه في هذا الباب أن تعلم أن العلم، ~~والمعرفة ، والمشاهدة ، والمعاينة درجات متفاوتة وتعلم درجاتها ومقاماتها وتعلم ~~أن كل واحدة منها مكر، وغدر، وحجب، وموانع وتعلم أنه لا بد للمريد ~~السالك عنها إذ لا سبيل إلى الوصول إلا من ms090 باب العلم ، والمعرفة ، والمشاهدة ، ~~والمعاينة فلاىبد للمريد من الوصول إلى هذه السبل ، فإذا وصل إليها لا ىبد من ~~السلوك فيها وقطع منازلها ومراقيها لأنها هي الموانع والحجب بينه وبينه فإذا قطع ~~السبل، وخلف الحوائل ودخل من الباب كان كل الوسائل خارجا عنه بعيدا منه ~~لا ينبغي أن يلتفت إليها فتزاحم. # فإن قال قائل: فما العلم المجهول؟ # قلنا : إنما أراد المشايخ بالعلم المجهول ما قاله عليه الصلاة والسلام : «إن من العلم ~~كهيئة المكنون لا يعلم إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به لا ينكر إلا أهل الغرة بالله ~~تعالى». # قال أبو عثمان : غطى على موسى علم الخضر للتأديب. # وسادات البدلاء من غير سماع، ولا دراسة وهى الأسرار التي لم يطلع عليها من ~~وقال أبو سعيد القرشي: هي أسرار الله تعالى يبديها إلى أمناء أوليائه ~~227 ~~عباده إلا الخواص وعندي العلم المجهول ما يجد العارف الذي هو صاحب ~~المعاريج في عوالم الحيرة فوق مقامات الفناء دون عوالم العلم البيضاء ، تفهم إن ~~شاء الله تعالى. # 228 ~~باب صفة الوجد والوجود ~~قال الجنيد رحمه الله منشدا: # وجودي أن أغيب عن الوجود %~% بما يبدو علي من الشهود ~~اعلم أن الوجود في اللغة هو وجود الضالة تقول : وجدت ما فقدت أجد ~~وجودا. # وأما الوجد بفتح الواو وسكون الجيم هو الحزن على شيء، أو خوف من شيء ، ~~تقول: وجدت وجدا أي حزنت حزنا، وخفت خوفا. # اعلم أن الصوفية لا يسمون كل حزن وخوف وجدا ما لم يكن في الدين ~~غير أن الدنيا وإلا تحرك الواجد في نفسه فإذا كان خوفا، أو حزنا في الدين وحركه ~~229 ~~في باطنه يسمونه وجدا، وإن لم يظهر تحريكه للناظرين ألا ترى أنهم لا يسمون ~~الحزين على ما فاته من ماله وأهله وما أشبه ذلك ولا الخائف من الظالم والسبع ~~واجدا، ولا خوفه وحزنه وجدا، وأما لا يسمون كل حزن في الدين وجدا لأن ~~المؤمن لا يخلو من الخوف ، والحزن على ما يصدر منه من المعاصي والتقصيرات في ~~جنب الله تعالى، والإخلال بفرائض ms091 الله جل وعلا وعلى ما في طريقه إلى لقاء الله ~~تعالى بعد الموت من السؤال إلى الجواب والحساب والكتاب إلى أن ينزل في ~~بحبوحة الجنة ولا يقولون أنه في وجد دائم ، وأما إذا حركه الخوف ، والحزن في ~~باطنه، أو حركة ظاهرا، وباطنا سمى وجدا، إما ظاهرا فظاهر وإما باطنا، فإن ~~الكبار من المشايخ الذين هم الأقوياء أولو الألباب القوية يحترزون عن الرعونة، ~~والتكلف، والحالة بمسكون ظواهر الجوارح منهم مع التحرك والاضطراب كيلا ~~يقف أحد على حاله ولا يعلم أنه يجد شيئا. # حكى عن أبى محمد الجريري قال : كنت عند الجنيد وعنده ابن مسروق ~~وغيره من الكبار ومعهم قوال، فقام ابن مسروق مع جماعة والجنيد ساكن لا ~~يتحرك ~~قال أبو محمد: قلت للجنيد يا سيدي مالك في السماع شيء يحركك كم ~~يحرك هؤلاء، فقال الجنيد : قال الله تعالى : (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمز مر ~~آلشحاب» [النمل:88] ثم قال الجنيد: وأنت يا أبا محمد مالك في السماع، فقلت: ~~أنا إذا حضرت موضعا فيه سماع وهناك محتشم أمسكت على نفسي وجدي، فإذا ~~خلوت أرسلت وجدي وتواجدت فدل هذه الحكاية على أن القوى من الرجال ~~2 ~~يقوى على إمساك الوجد في باطنه على وجه لا يتحرك الظاهر كيلا يقف مع ~~الأغيار على وجده لكنه يحركه في بطنه ، كما قال الجنيد : (وترى الجبال خحسيها جامدة ~~وهي تمر مر ألسحاب » [النمل : 88] إذا عرفت ذلك فاعلم أيضا أنهم يسمون ~~السرور في الدين وجدا مجازا ولكن إذا كان تحركه في باطنه أو في الباطن والظاهر ~~جميعا إذ لو لم يحركه أصلا لا يسمونه وجدا لأن المؤمن لآد في من فرح وسرور بي ~~أعد القه تعالى له في الآخرة وإنما سمى وجدا؛ إذا حركه، وإنما قلنا: إنهم اصطلحوا ~~على تسمية السرور وجدا مجازا لأن هذا مستعمل أهل اللغة وكان مجازا، وكان ~~الواجد في اصطلاح الصوفية اسما مشتركا من هذه المعاني وهى الحزن ، والخوف ، ~~والسرور فافهم ويدل على أن الوجد مستعمل في السرور عندهم كاستعيال في ~~الحزن ما يأتي ms092 في شرح كلماتهم من بعد إن شاء الله تعالى ، ثم اعلم أن الفرح، ~~والسرور الذي هو وجد أكثرها يكون بمشاهدة ما يحبه من الكرامات ورؤية ~~الملاثكة والجنة، وما فيها، أو بشارة له من الغيب، أو ما أشبه ذلك و أسماء الوجد ~~والجد الذي هو حزن وخوف أكثرها يكون بشهود ما يخاف منه ويحذر عندهم هو ~~هم النار وهو أن الموت، والقبر، والقيامة، وربما يكون على أهل فقدوا أو مشاهد ~~خلا مشاهدة من محبوبه فيحزن على فقدانه و فواته وكل الوجد أكثره يكون ~~مختلطا اختلاط الحزن بالفرح لأن مشابها ذلك يكون لحظة جد منهما ويفح ~~ويحزن يختلط فرحه بحزنه ويتكدر عليه حاله و المسلم أن المحققين الكبار من ~~المشايخ قالوا: إن الوجد وجد الله تعالى والوجود، والوجود وجود الله تعالى فأما ~~الوجد، والوجود بغير الله تعالى لا عبرة بها عندهم فإن قلت: وجد العبد لمولاه ~~كيف ؟ قلت : هو أن يجده بقلبه ويشاهده بعين و يعاينه بنظره الخنفي ساعة لطيفة ~~ثم يحجب في الحال فلو بقى وجدانه ساعتين سمى وجودا ، فلو دام ثلاث ~~ساعات فما فوقها فهي مشاهدة إذا عرفت هذا فاعلم أن الجنيد إنما أراد بقوله ~~«وجدي أن أغيب عن الوجود» أي عن وجود نفسي وذاتي «لأجل ما يبدو لي من ~~شهود الحق تعالى» أي من مشاهدته ويحتمل أن قال : «وجدي» أي بسبب أن ~~231 ~~أغيب عن الموجود وهو الحق تعالى بسبب ما يبدو لي من شهود نفسي معي ~~ومزاحمتها لي وهذا المعنى الثاني إنما يكون لمن يكون مشاهدة الحق تعالى أكثر من ~~مشاهدته نفسه ويكون في عموم أحواله حاضرا عنده غائيا عن نفسه فافهم(1) . # 232 ~~قال ابن عطاء: «وجدي به وجد، ووجد وجوده، ووجد وجود الواجدين ~~ذاك لهيب ، كتمت الذي ألقى من الوجد في الحشا وقد كنت في كتمان مصيب ، لئن ~~كنت حقا في محبة سيدي ، فإن المنايا في الوداد نصيب» . # قوله: «وجدي به وجد» اعلم أن الوجد بكسر الواو والفتح والضم جميعا ~~هو وجدان خير ونعمة عظيمة. # قوله : «ووجد ms093 وجوده» وهو مع أنه خير ونعمة فهو وجد لوجود المراد ~~المحبوب أي إدراك ولحوق بالمراد ووصول إلى وجوده أي إلى ذات ~~قوله : «ووجد وجود الواجدين» يعني الوقت والحال الحاصل للواجدين ~~لوجدانهم المراد ولحوقهم المحبوب الهيب» أي ملتهب محرق من سرور وفرح. # قوله : «كتمت الذي ألقى من الوجد في الحشا ، وقد كنت في كتمان ذاك ~~مصيب» أي أخفيت وجدي في باطني كيلا يطلع الناس عليه مثل ما فعل الجنيد ~~في حكاية أبى محمد الحريري ، وقد كنت مصيبا في كتمانه لأن ذلك أحسن ، ~~وأفضل، وأصوب. # قوله : «لئن كنت حقا في محبة سيدي ، فإن المنايا في الوداد نصيب» يعني ~~كيف أبالى بالوجد والتهابها وكتيماني لها باحتراقها لأني محب لسيدي حق المحبة ، ~~والمنايا في الحبة نصيب المحب فكيف الالتهاب والاحتراق في الوجد والكتمان . # وقال الجنيد : «الوجد هلاك الوجود» يعني أن الوجد إذا صح هلك ~~233 ~~الواجد بوجود الوجد أي: مات وخر صعقا وغشي عليه ~~قال النوري : «فقد الوجد بالموجود» يعني إذا وجد الوجد فقد الواجد ~~نفسه فما دام الواجد بنفسه مفقودا ومن عقله غائبا بقى الوجد، وإذا عاد الواجد ~~موجودا واجدا لنفسه فقد الوجد ؛ لأن وجود الواجد مع الوجد متزاحمان ، ~~ومعنى الواجد نفسه هو غيبته عن نفسه ونسيانه لنفسه وسقوط عقله عن عمله ~~ويحتمل أنه أراد بقوله فقد الوجد بالموجود أي لو وصل الواجد إلى ما وجد وبقي ~~معه لما حصل الوجد بعد ذلك لأن الوجد يكون لمن عليه الشوق ومن بقى مع ~~المحبوب واصلا دائيما فلا شوق له فلا وجد إذن. # قال الشبلي رحمة الله عليه : «الوجد إظهار الموجود» يعني إذا خرج أثر ~~الوجد بتحركه من الباب إلى الظاهر ظهر به الموجود الذي وجده الواجد يعني ~~يعلم غير الواجد أن الواجد وجد شيئا سربها، أو خوف منها، او حزن عليها ~~حتى اضطرب بذلك الحزن ، والسرور وقال في نسخة أخرى «الوجد إظهار ~~الموجد» يعني إظهار ما أفاد وجوده وجد له فافهم. # قال ابن عطاء: «الوجود وجد ما حجب فإذا كشف ذهب» يعني إذا ~~كشف ms094 يعني أن الوجد إنما يكون بوجدان ما حجب عنه من المحبوب، أو المكروه ~~فإذا كشف له ذلك ذهب يعني إذا كشف حصل معه ووصل إليه فذهب الوجد، ~~وهذا صحيح؛ لأن الوجد إنما يكون للمشتاق إلى المحبوب الذي هو محجوب عنه ~~فإذا وجد لائحة من بعيد وراء ستر يلهب اشتياقه فذلك هو الوجد ثم لو رفع ~~الحجاب بينه وبينه حتى وصل واتصل زال الالتهاب وسكن الشوق ولا يكون ~~وجد فقده وهكذا الوجد بالخوف عن الشيء ، فإذا وصل إليه ذلك الشيء خاف ~~سعمنه ولازمه لا خوف الآن ولا وجد بمعنى هذا الحنوف ، وقول ابن عطاء كقول ~~234 ~~النوري حيث قال : «فقد الوجد بالموجود» فافهم . # وقال الجنيد : «الوجد انقطاع الأوصاف عند سمة اللذات بالسرور» يعني ~~نقطاع أوصاف الوجد كزوال الفهم، والعقل، والحياء، الخجالة، وما أشبه ذلك. # قوله : «عند سمة اللذات» أي عند أثر اللذات الحاصلة بالسرور الحاصل ~~بما وجد. # وقال ابن عطاء: «الوجد انقطاع الأوصاف عند سمة اللذات بالحزن» ~~يعني بانقطاع الأوصاف ما ذكرنا في كلام الجنيد ~~قوله : «عند سمة اللذات بالحزن» صحيح ؛ لأن اللذات بالحزن كائن ~~للسالكين في طريق المتصوفة ، وكثير منهم من ينقطع عن لذات الحزن يبقى فيه ~~الحزن لأنه يستطيبه فلا يرتقى عنده، وقد رأيت بعضهم يقول: «اللهم احفظ على ~~ما أنا فيه من حزنك» ويقول : «لا أريد الوصال، ولا المشاهدة، والعيان، ولا ~~الجنة، ولا الجنان ، اللهم أبقني فيما أنا فيه» ثم إن هذه اللذات بيماذا تحصل بعين ~~الحزن، أو بغيره قيل : إن الله تعالى إذا رأي عبدا مستغرقا في الحزن وكاد يهلك به ~~يغيثه عند ذلك فيخلق له لذة بشيء لا يفهم الخخلق ما هو فيتقوى يتلك اللذة ~~ويبقى فلا يهلك الحزن ، وهذا وجه قوي غير أن كلمة ابن عطاء تدل على أنه ~~يتلذذ بعين الحزن وذاته؛ لأنه أضاف اللذات إلى الحزن بالباء والباء للتعليل ~~والتلصيق فافهم. # ثم إن كلام ابن عطاء وإن كان على خلاف الجنيد حيث أضاف إلى ~~اللذات بالحزن والجنيد أضاف إلى اللذات بالسرور ولكن لا ms095 خلاف بينهما في ~~ماهية الوجد، وحقيقته غير أنه وضع الكلام في أحد نوعي الوجد من غير إنكار ~~نوعه الآخر ، والجنيد وضع في نوعه الآخر من غير إنكار لهذا النوع فافهم ~~23 ~~قال الجنيد قدس الله سره : «الوجد يحيى الكل ، والمشاهدة يميت الكل ، ~~والوجد أفضل» يعني الوجد يقوي الحب، ويجدد الود، ويجدد الشوق، ويحرض ~~الواجد على طلب الوصال بمن وجد به وجده والمشاهدة تسكن الحب وتطفية ~~من الود لوعة الشوق، فكان الوجد أفضل لذلك السبب والأمر على العكس ~~عندي ؛ لأن غرة الحب وشرف الشوق لكون الحب عونا وكون الشوق سوقا إلى ~~المحبوب ولا فضيلة للوسيلة إلا بتطفل الموسول إليه تفهم إن شاء الله وحده. # قال ابن عطاء: «المشاهدة أفضل» وهذا الكلام أصح مما قال الجنيد لما ~~أشرت إليه من قبل ~~قال النوري : «الإخبار بالوجد فقد الوجد» يعني : إذا ظهر أثر الوجد على ~~ظاهر الواجد فقد الوجد وعنى بالإخبار اضطراب الواجد في الظاهر ، وهذا ~~صحيح؛ لأن الاضطراب الظاهر إن كان صادقا لا كاذبا كان من النفس والطبع ~~يحملان الواجد على هذا الاضطراب كي يزول وجده الذي يشق عليه شقا بذلك ~~الاضطراب ويعود الواجد عما وجد إلى نفسه ويسهل الشأن على النفس والطبع ~~فكان اضطرابه ظاهرا دليلا على زوال الوجد لكونه منافيا للوجد ولانه لو كان ~~الوجد قائيما باقيا لما قدر الواجد على تحريك أطرافه الظاهرة لكن خر صعقا ولأن ~~الوجد يكون لحظة كلمح البصر إذ لو بقي ودام إنما يبقى ويدوم بدوام ما وجد، ~~فلو دام ما وجد كان مشاهدة، والمشاهدة غير الوجد، بل هى مانعة للوجد على ما ~~سبق شرحه. # وقال النوري : «المشاهدة الغرق ، والوجد الهلاك» يعني المشاهدة غرق في ~~الموجود المحبوب الحاضر أي : وصول إليه كوصول الغريق في الماء إلى الماء وليس ~~مجرد الغرق هلاكا ولا سيما غرق المحب في المحبوب كغرق البط في الماء ~~236 ~~قوله : «الوجد الهلاك» يعني أن الوجد التهاب الشوق واحتراق المحب بما ~~يشاهد من أمارات حضور المحبوب كلمح بالبصرمع سرعة الاحتجاب بحجاب ~~الفقد فكان هلاكا، ms096 وإهلاكا للواجد بيما توقد من زيادة النار، والتهاب المحية ~~قال الشبلي : «إذا ظنتت أنى فقدت فحينئذ وجدت وإذا حسبت أنى ~~وجدت فهناك فقدت» يعني إن وجدي عن فقد المحبوب حزنا عليه لا على ~~وجوده، وهكذا يكون وجد من يكثر مشاهدته للمحبوب فيجد حزنا إذا فارقه. # قوله : «وإذا حسبت أنى وجدت فهناك فقدت» يعني إذا علمت وجدى ~~وفهمته زال الوجد وققدته فلو تواجدت بعد ذلك كان كذيا منى وإلى هذا أشار ~~الياب العلم حيث قال: من علم نسيانه عادى بربه أي من علم وجده زال وجده، ~~فلو تواجد بعد ذلك كان كذبا عادى بربه في كذبه كيما سبق شرحه، ويحتمل أنه ~~أراد بقوله: إذا ظننت أني فقدت حينئذ وجدت» أي إذا ظننت أنى فقدت ربى ~~حينئذ وجدته لأنه تعالى عند المنكسرة قلوبهم «وإذا حسبت أنى وجدته فهناك ~~فقدت» لأن حسبان الوجدان إثبات، والإثبات مكر كما قال الجنيد : «إن الإثبات ~~مكر، والعلم بالإثبات مكر» كما مر في باب صفة العلم. # قال ابن عطاء: «فمتى ما ذكرت بالوجد منك بعيد» يعني إذا كنت لا ~~تذكر المحبوب إلا بالوجد كان هو منك بعيدا لأن الحبيب القريب من تذكره دائما ~~ولا تنساه، كما قال قاتلهم: ~~الله يعلم أنى لست أذكره وكيف أذكره إذ لسست أنساه ~~وقال آخر ~~عجبت لمن يقول ذكرت ربي وهل أنسى فأذكر ما نسيت ~~2 ~~يحتجب سريعا فكذلك الوجد والذي يستمر زمانا فليس يوجد، وإنما هو تواجد ~~وأيت الوجد؟ # وقال أيضا : «إظهار الخفي هو الوجد، ونفي السر هو الموجود، وإقامة ~~القلب هو الواجد» يعني أن الوجد نفسه تجلي الخخفي للسر فإذا تجلى للسر ينتفي ~~السر فانتفاؤه هو الموجود ، ثم القلب هو الواجد لأنه هو العالم غير المنتفي إذ السر ~~قد انتفي فيبقى القلب واجدا لانتفاء السر إذ هو الموجود الباقي القائم ، وهذا ~~بعيد عندي لأن السر جار الخنفي متصل به مخالط معه كيف ينتفي بتجليه ، ثم لو ~~انتفي السر بتجلي الخنفي كيف لم ينتف القلب بتجلاه، والقلب أضعف من السر، ~~وكيف يصلح ms097 ظهور الخفي آلة للقلب يصير به القلب واجدا يجد به الموجود الذي ~~هو انتفاء السر، وبيان أن القلب أضعف من السر ما عرف فيما سبق أن السر ~~ملك، والقلب رعية، وأن السر يقوى على ولوج عالم الجبروت وهى عالم الحقيقة ، ~~والقلب، والعقل لا يقدران على ذلك، ولأن القلب، والعقل يخمدان بالنوم، ~~والإغماء، والضعف، والدهشة، والسر لا يخمد بذلك، وأن القلب، والعقل « ~~يصنعان صنائعهما بدون بدرقة السر، والسر لا يحتاج في صنائعه إلى القلب، ~~والعقل على ما عرف من قبل فعلم أنه لو فني السر بتجلي الخفي فلأن يفنى ~~القلب، والعقل بذلك أولى وأحرى. # قال أبو يزيد -رحمة الله عليه : «اذكر وجدي جحود بوجدي» هذا على ~~اصطلاحهم في التوحيد أن التوحيد أن ينسى كل شيء سوى الله تعالى، ولا يرى ~~شيئا إلا الله تعالى، ولا يدرى شيئا غير الله تعالى و على هذا فقس ثم إذا ذكر ~~الوجد ذكر مع غير الله تعالى ، فإن ذكر الوجد ذكر الله تعالى فقد أشرك، وإن ذكر ~~بدون الله تعالى فقد ألحد، وكل واحد منهما جحود التوحيد فافهم، وهذا في ~~238 ~~مقامات الغناء ومن ارتقى إلى فناء الفناء حاله بخلافه. # وقال الشبلي: «غاية التوحيد وجد والإنكار بالوجد عند إقامة اللذات ~~إشراك» يعني غاية التوحيد وجدان الله تعالى وحده مع فقد كل ما سواه، قوله ~~«والإنكار بالوجد عند إقامة اللذات إشراك» يعني كل وجد قام باللذات فهو ~~منكر ليس بتوحيد والإنكار به وعليه من إشراك التوحيد، فافهم إن شاء الله تعالى ~~وحده. # وقال النوري: «غاية التوحيد وجد وتوحيد الله بجهد العبودية» قوله : ~~«غاية التوحيد» قد مر شرحه في كلام الشبلي ~~قوله : «وتوحيد الله بجهد العبودية» أي: بقدر وسع العبد، هذا إن كان ~~بالجيم، وإن كان توحيد بالحاء غير المعجة فالمراد منه توحيد الله بجهد العبودية ~~وهو أن يلتجوع إلى الفناء فينتفي بنفسه وصفاته وبكل شيء سواه تعالى فيكون ~~هذا توحيد الله بجهد العبودية، وفي نسخة أخرى «بجهل العبودية» يعني بجهل ~~العبودية ونسيانها يعني ينسى نفس العبد ms098 ذاته وصفاته. # وقال الجنيد قدس الله سره : «غاية التوحيد إنكار التوحيد في عالم الوجد» ~~إذا ظهر الوجد عند واجد اللطيف بإثبات السر بجهل العبد يعني غاية مقامات ~~عالم التوحيد إنكار التوحيد مع إنكار كل شيء سواه، ثم قوله : «في عالم الوجد» ~~وهو عالم العلم المجهول على ما سبق في كلام ابن عطاء في باب صفة العلم، وإنما ~~سماه عالم الوجد لأنه ليس هنا إلا وجد الحق تعالى أي وجوده ~~قوله : «إذا ظهر الوجد عند واجد اللطيف باثبات السر» يعني إذا ظهر ~~الحق عند الخفي وهو الواجد اللطيف فاللطيف هو الله تعالى ~~239 ~~قوله : «بإثبات السر «يعني :مع السر بجهل العبد و يعني بالعبد العقل، ~~والنفس، والقلب، والبدن جميعا يجد الخفى، والسر اللطيف، ويجهل العبد ذلك ~~الوجدان، وينكر على السر، والخفي ولهذا سمى هذا العالم، وهذا المقام، مقام ~~العلم المجهول ، والمعرفة المنكرة ، والمشاهدة المجهودة ، والمعاينة المعماة . # قوله : «إذا ظهر الوجد» يعني الحق ذكر الوجد بمعناه لأن الوجد هو ~~الوجود، والوجود حقيقة الله تعالى. # وقال الشبلي: «الله وجد ووحدا» أحدهما بالجيم، والآخر بالحاء غير ~~المعجمة يعني أن الله تعالى وجود واحد، وموجود واحد، والوحد بمعنى الأحد ~~ظاهر تقول (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) وإن كان كلاهما بالجيم فمعناه ~~تأكيد كون الله تعالى وجدا أي الله تعالى وجد لا غير «وليس الله إلا الوجد» يعني ~~هو الوجود وهو الموجود وحده فكأنه يشير بذلك إلى نفي الصفات كلها مع ~~إثبات الذات المجردة وحده، و يحتمل أنه أراد بذلك أن لا وجد إلا وجود الله ~~تعالى أي وجدان وجود الله تعالى، وما وراء ذلك فليس بوجد، وإنما هو أحوال ~~وأوقات فافهم إن شاء الله تعالى ~~24 ~~فصل ع تضسير المحبة1) واثتمرادة وأنواعصا ~~ياب صضة المحية ~~241 ~~242 ~~اعلم أن مشايخ الصوفية : يسمون المعاني، والأعراض، والصفات كلها ~~أنوارا ، وذلك نحو الحياة ، والقدرة ، والعلم، والإرادة، والكلام، والمحبة، وما ~~آشبه ذلك بناء على أنهم يشاهدونها في عالم المكاشفات أنوارا مختلفة وأن ~~الفلاسفة: يسمونها قوى وعللا، ms099 والمتكلمون: يسمونها أعراضا وعللا ومعاني، ~~والفقهاء: يسمونها أوصافا، ومعافي ~~فإن قلت : هل يسمون الغم، والهم، والخوف، والجهل وما أشبه ذلك ~~أنوارا؟ # قلت: نعم، يسمونها أنوارا سوداء مظلمة فافهم إذا عرفت ذلك جئنا إلى ~~تفسير المحبة وهى إرادة تضطر بها المريد إلى طلب المراد ، إن قدر على طلب المراد ~~ولم يكن المراد معه ~~وإن شئت قلت : المحبة نور يضطر به صاحبه إلى طلب المراد المحيوب . # 243 ~~44 ~~الإنسان ويحمله على طلب الشيء الذي تعلقت به ويعلمها الإنسان ضرورة ~~أما الإرادة اسم جنس خاص من أجناس المعاني والأنوار التي توجد في ~~بالوجدان من نفسه() ~~245 ~~246 ~~41 ~~48 ~~249 ~~250 ~~وقولنا : «الإرادة اسم لجنس خاص من أجناس المعاني ، والأنوار» خرج ~~بها كل أجناس الأشياء من البين وبقى جنس واحد مخصوص داخلا تحت الحد ، ~~وقولنا: من أجناس المعاني، أو الأنوار: خرج بها كل ما ليس من أجناس المعاني، ~~والأنوار نحو الأجسام، والجوارح . # وقولنا «التي توجد في الإنسان» خرج بها كل المعاني التي لا توجد في ~~الإنسان . # وقولنا: « يحمله على طلب ما تعلقت به» نحو الكراهة تحمله على الفرار ~~251 ~~من المكروه ، والنفرة تحمله على الفرار من المنفور عنه ، والخنوف يحمله على الفرار ~~مما يخاف منه، الألم يحمله على الفرار من الألم والمؤلم، وكذلك الغم والهم. # وقولنا «يعلمها الإنسان ضرورة» بالوجدان من نفسه يحترز عن كل ما له ~~يجد من نفسه ضرورة كالحياة، والقدرة، والتأليف، والتركيب، والانفصال، ~~والافتراق ~~وقولنا : «يجدها الإنسان من نفسه ضرورة» فهذا عند العقلاء ظاهر أنه إذا ~~أراد شيئا يعلم ضرورة أنه يريد ولا يشك أنه يريد، وإنما يعلم ذلك من نفه ~~حيث يحجده في نفسه لا أنه يعلمه بالتظر والاستدلال، أو التعلم والإخبار. ولهذا ~~لا يصح أن يعلم المريد أنه مريد كذا بالخبر ، أو الدليل ، وهذا كالجوع يعلمه الجائع ~~بالوجدان من نفسه ضرورة ولا يشك فيه ولا يعلمه غيره أنه جائع بإبراز الدليل ~~وإقامة البرهان. # وقوله: « يحمله على طلبه» يعتي أنه لو كان من فعله يحمله على أن يفعل ~~ذلك، ms100 وإن كان من فعل غيره يحمله على أن يسصنع ذلك الغير و إن كان في ~~الوجود موجود يحمله على طلب ذلك الموجود وتحصيله لنفسه بأي طريق أمكن ~~فإن قال قائل في نفس الإنسان أجناس أخرى غير جنس الإرادة تحمله على طلب ~~متعلقة ويعلمها الإنسان ضرورة بالوجدان من نفسه فانتقص الحد ، والتفسير ، ~~حيث دخل ما ليس منها وتلك الأجناس هي اللذة، والسرور، والشهوة، ~~والعلم، والظن على طلبه قلنا: لم ينتقص اسم جنس خاص فهذه الكلمة ~~تخصيص الواحد من الأجناس كلها وتخرج البواقى من البين غير أنه يبقى فيه ~~نوع عاجمال حيث لم يتميز مسمى الإرادة عن مسمى العلم، والظن، والشهوة ~~جنس خاص إلا أن مثل ذلك الإجمال مجوز في الحدود والتفاسير باتفاق العليماء، ~~252 ~~ثم إنه لو مست الحاجة للسائل إلى المميز نقول : أما اللذة، والسرور خرجا من ~~البين بما ذكرنا في الحد من الحمل لأن اللذة والالتذاذ لا يحملان على طلب ما ~~تعلق به لأن ذلك اللذة، والسرور وهي المطلوب وقد وجد ذلك بوجود الملذوذ ~~والمسرور به غير أن الإنسان إذا علم اللذة، والسرور تلذذ بهما فإنه يريد لذة ~~وسرورا أخر غير ما سبق ويشتهيها، ويحبها فتحمله إرادته، ومحبته، وشهوته على ~~طلب أمثال ذلك اللذة، والسرور يطلب أسبابها وآلاتها وهى الطعام اللذيذ ~~والبشارة السارة، أما أن يقال إن اللذة، والسرور الحاصل له يحملانه على طلب ~~لذة وسرور آخرين فلا وجه لذلك لأنهيما لما وجدا عدما وضمحلا فنقول: لا ~~يخلو إما أن يحملانه حالة وجودهما، أو حالة انعدامهما أو اضمحلالهيما لا وجه ~~للأول لأن اللذة، والسرور موجود حاضر فلا حاجة إلى الطلب فلا يحملان على ~~الطلب إذ المطلب حاضر موجود ولا وجه إلى الثاني وهو حالة الانعدام لأن ~~المعدوم المتلاشى لا تأثير له في شيء ولا في حمل إنسان خاص على طلب شيء ~~وهذا ظاهر عند من له أدنى تأمل رياضة في هذا الجنس من العلم ولأن المعدوم ~~لا يكون في نفس إنسان ولا يجده من نفسه ، ونحن خصصنا المعنى الذي ms101 هو ~~موجود في الإنسان فافهم إن شاء الله وحده ~~وأما العلم، والظن، والشهوة، والجوع، والعطش أجناس أيضا يحتاج ~~فيها إلى التمييز بينها وبين الإرادة ، وهذا الميز بينها وبين الإرادة إنما يحصل في كل ~~موضع تجد إرادة لشيء ، أو إرادة فعل مع أنك لا تشتهيه ولا تعلم أن فيه ~~مصلحة، وهذا نحو أن تعلم، أو يغلب على ظنك أن في الطريق أسدا واجدا أو ~~عدوا آخر ومع هذا يحملك معنى في باطنك على سلوك هذا الطريق فهذا المعنى ~~الذي نسميه إرادة إذ ليس هنا علم ولا غلبة ظن يكون السلوك مصلحة، ولا ~~253 ~~شهوة بالسلوك، ولا جوع، ولا عطش بها، ولا لذة، ولا سرور بها فتغير المعنى ~~الذي نسميه إرادة ، وعلى هذا القياس بناء الدار واتخاذ السيف وشراء الدابة ~~وأمثالها، حيث يدعوك داع من باطنك إلى طلبها ويحمل على تحصيلها مع إنك لا ~~تشتهيها ولا تعلم أن لك فيها مصلحة ولا يغلب على ظنك أنها مصلحة ولا تلتذ ~~بها فذلك الداعى الحاصل هو الذي نسميه إرادة تفهم إن شاء الله وحده. # وتعلم أن كل داع من هذا الجنس يسمى إرادة ~~وقال المتكلمون في تفسير الإرادة : هي المعنى الذي إذا وجد في الإنسان ~~وكان المراد من فعله يحمله على أن يفعل ذلك الفعل على وجه دون وجه يريدون ~~بقولهم: «على وجه دون وجه» أن يحمله على أن يعمل على قدر ما أراده لا أصغر، ~~ولا أكبر، ولا أقل، ولا أكثر، وعلى شكل ما أراده، لا على شكل آخر، وفي وقت ~~ما أراده دون أوقات أخرى، وهذا أيضا صحيح ولكننا أردنا أن تذكر شرح ~~الإرادة أبين، وأفضل من ذلك فالحاصل أنك عرفت الآن حقيقة الشيء الذي ~~يسمى إرادة بالوجدان من النفس وعرفته مميزرا من سائر ما يزاحمه في الوجود ~~صشاجهة بيما ذكرنا من التفضيل فافهم . إذا عرفت جنس الإرادة سهل عليك معرفة ~~أنواعها كنحو الحب، والعشق، والشوق، ونحو القصد، والنية، والعزم وما أشبه ~~ذلك فإنها أنواع من جنس الإرادة وغرضنا الآن معرفة المحبة ms102 على اصطلاح ~~الصوفية فنقول : المريدون على درجات: منهم من يريد الحق تعالى ، أو يريد الشيخ ~~مثلا إرادة ضعيفة يحمله على طلبه ، ولكن لما في طلبه من المشقة تمتنع من طلبه ~~وعموم المسلمين مشتركون في ذلك لأنهم يريدون الحق تعالى بإيمانهم وإسلامهم ~~لكن يمنعهم من طلبه وطلب الوصول إليه ما في طلبه من المشقة وليس لهم الحب ~~للحق تعالى وإنما لهم إرادة ضعيفة ، ولهذا أخص الله تعالى المحبين منهم ، فقال ~~254 ~~(يحيهن ويحيونة» [المائدة : 54] ثم وصفهم بأنهم يجاهدون في سبيل الله ولا ~~يخافون لومة لائم وليس كل المسلمين كذلك فعلم أنه ليس كلهم يحبون الله ~~تعالى، وإنما هم يريدونه تعالى إرادة ضعيفة فافهم. # ثم فوق ذلك درجة ثانية : وهو أن يريد الحق تعالى إرادة وسطا يحمله على ~~طلبه على وجه لا يمنعه من طلبه ما في الطلب من المشقة وهم يسمون ذلك إرادة ~~صادقة والمريد بها مريدا صادقا، ثم فوق ذلك درجة ثالثة: وهى إرادة تحمله على ~~طلب المراد شاء أم أبى ، ويشق عليه الامتناع من طلبه وتلك الإرادة تسمى حبا ، ~~ومحبة، وهذا المريد يسمى محبا ولو كان ذلك الإرادة إرادة الدنيا يسمى حرصا. # ثم فوق ذلك درجة رابعة: وهم يسمون الإرادة في تلك الدرجة شوقا، ~~واشتياقا والسفهاء يسمونها عشقا ، وفي هذه الدرجة تلتهب هذه الإرادة التهابا ~~يحرق المريد إحراقا ، وفي ذلك الدرجة درجات أولها يلتهب التهابا كالتهاب ~~الشمس في وسط برج جوزاء في ديار الحجاز يضره في نفسه وجده ويذبل ~~ويضعف قواه، ويسود وجهه ولونه، واوسطها يلتهب التهابا فوق ذلك كالتهاب ~~الشمس في قلب الأسد يزيد على الأول ضررا في النفس، والبدن، ويسقمه، ~~ويجعله صاحب الفراش و محن، وآخرها أن يلتهب التهاب النار فيهلك في نفسه ~~وبدنه إلا أن يصل إلى المراد قبل الهلاك ، وربما يكون كالبرق سريع الإتلاف بأن ~~ينضم إليها لامعة الوجد فافهم هذا كله قبل الوصول إلى المراد، فإذا وصل تبقى ~~ذلك المحبة ، والإرادة ، وينقلب تأثيرها في الاحتراق ، والالتهاب إلى التلذد ~~والتطيب بالوصال فلا يحرق، ولا يحمل ms103 على الطلب إذ المراد حاصل واصل، ~~وهذه الإرادة ، والمحبة يسمى الآن رضا، ورضوانا في بعض الذوات : «اللهم ~~ارزقنا الرضوان الأكبر» يعني الحب مع دوام الوصال، والرضوان صنو الخلة ، ثم ~~255 ~~إن هذا الوصال لو تبدل بافجران لقى عارف المحبة محرقة فكره يقابلها رجاء ~~الوصال، فإن قرب رجاء الوصال كان الإحراق أقل، وإن بعد كان أكثر وأحر، ~~وإن انقطع الرجاء والعياذ بالله احترق وهلك منها ولو دام هذا الوصال لانقطع ~~دائتما واختفى الحب وقل التلذذ. # وهل يزول الحب بالكلية بدوام الوصال؟ # نقول : لا يزول لأن الحب إنما ينشأ من كون المحبوب على صفات جميلة ~~لطيفة، وكون المحب أهلا للمحبة، فلا يبطل ما دامت الصفات جميلة حتى إن ~~كان الحب لجمال الجارية مثلا لا يزول ما بقي الجمال أو زوال صفاتها الجسمانية أو ~~ماتت، فلو كان المحب خلق في الوصال الدائم لم يذق ذوق الفراق. # وهل يكون له حب المحبوب ؟ # قلنا : نعم، لما عرف أن الحب إنما كان لكون المحبوب على صفات جميلة ~~لطيفة وكون المحب أهلا للمحبة، وكان ما كان تلك الصفات إلى أن يموت ~~المحب ، أو ينسى المحبوب ، ويطول نسيانه بسبب الجنون، والإغماء، وأشباههيما، ~~أو يجد المحبوب مثلا فيبدل الحب وهذا بالحب متصور في حب المخلوق ، أما في ~~حب الخالق فلا ، وأما الذي خلق في الوصال الدائم يشق عليه دراية الحب ، حيث ~~إنه حبه لا يحرق، ولا يلتهب، ولا يحمله على الطلب؛ لأن جميع ذلك لا يكون مع ~~الوصال الدائم قط، وإنما يكون مع الفراق وهو لم يذق طعم الفراق غير أنه لو ~~كان دراكا الحب يمكنه إدراك الحب بأن يقدر الفراق وهما ، ويصور الهجران في ~~فؤاده فيلتهب الحب عند ذلك من داخله فيمكنه أن يدركه بذلك الطريق كمن له ~~محبوب في الشاهد نحو الولد والجارية والوصال بينهما يدوم كما يهوى فإنه لا ~~يعلم أنه يحبه إلا بأن يقدر الفراق بموت محبوبه، أو بفراره منه، أو بأن يسرق منه، ~~256 ~~فيان أمكنه ذلك وقدر في نفسه وخيل في باطنه يلتهب ms104 الآن حبه فيعلمه ضرورة ~~فلو أن المريد في عالم التصوف وصل إلى الحقيقة المراد ودام وصاله مع الحقيقة هل ~~يتصور له الزيادة في الحب حتى يصير شوقا، وعشقا يحمله على الطلب شاء أم ~~أبى، أو لا يتصور ذلك؟ # قلنا: فيما وصل إليه فلا يتصور وفيما فوقه يتصور بيانه أن الحقيقة لا نهاية ~~لها، ولا غاية لعجائب صفاتها فما من منزل وصل إليه وتحصل له إلا و فيما وراءه ~~ألطف من ذلك وأطيب منه، وإن العارف كلما يقول في منزل لوقف على منزل ~~فوقه المحب، ذلك كأنه يراه من بعيد، أو يسمع من صادق أن فوقه كذا، وكذا ~~فيرتقى في معاريجه دائتما، ويشاهد العجائب ويشتاق إلى ما لم يصل إليه، غير أن ~~ذلك الشوق، والاشتياق لا يكون مؤذيا بل يكون لذيذا، لأن أصل الوصال ~~قائم، وإنما يشتقاق إلى زيادة المزيد فلا يؤذيه الاشتياق ؛ و لأن رجاء الوصول إلى ~~ما لم يصل محكم ، فلا يؤذيه الشوق هذه الجملة في إرادة العبد مولاه ومحبته إياه . # فأما محبة الله تعالى لعبده فهي إرادة تخصيصه وتمييزه عن عموم عباده، أو ~~أكثر عباده بأياد مخصوصة أعنى بأيادي لا ينعم بمثلها على عامة عباده، وإنما ينعم ~~به الخواص وهم الأنبياء ، والأولياء وأدنى ذلك الأيادي في عالم الأجساد و ~~الكرامات الخنارقة للعادة ، وأعلاها الوصال الدائم في عوالم الذات، وبلعام بن ~~باعوراء كان محبوب الله تعالى حين كرمه بكرامات لكنه أخلد إلى الأرض واتبع ~~هواه فأبغض الله تعالى، ولو تقرر على ما كان فيه، وأرسى قدمه لرفعه الله تعالى إلى ~~أعلى العليين بمحبته، وأوصله إلى الوصال الدائم ولا يتصور في محبة الله تعالى ~~لعبده الشوق إليه؛ لأن المحبوب لا يعزب عنه تعالى مثقال ذرة ويتصور الترجح ~~فيكون هذا محبوب الله تعالى والآخر أحب منه عند الله تعالى وقد يحبه بع ~~أن لم ~~257 ~~يحبه يدل عليه قول النبي لم عن جبريل اللللم عن الله تعالى وتقدس : «لا يزال ~~عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا ms105 وبصرا بي يسمع ~~وبى يبصر وبي يأخذ وبي يمشى(1)» وقد يبغضه بعد أن أحبه، كما أبغض بلعام بن ~~باعوراء ومن شابهه، تفهم إن شاء الله وحده ~~فإن قال قائل: تغير محبة الله تعالى وتغير إرادته محال على مذهب أهل ~~السنة، ولا يختلف باختلاف الزمان واختلاف الأشخاص، وأفعال العباد. # قلنا: بل إرادة الله تعالى ومحبته صفة ذاتية لا تتغير ولا تختلف، وإنما ~~الاختلاف راجع إلى استحقاق العباد محبة الله وأنه تعالى يحجب الكفرة عن محبته ~~بالحجب ولا يحجب الأنبياء ، والأولياء وتقرير ذلك قد مر في «كتاب المحبة ~~وكتاب الخنلة» قلا نطول هنا. # قال الجنيد -رحمة الله عليه : «إن المحب إذا ذكر عند حبيبه حرم محبته »1، ~~يعني لو ذكر غير محبوبه منع محبته عنه، وقوله عند حبيبه إشارة إلى حالة انصباب ~~المحبة بالغليان فإن حنين المحب الصادق عند لوعة المحبة تلقها بغليان المحبة من ~~باطن إلى ظاهر وينصب معها من فضلات المحبة إذ لا يسعها الباطن وعندي ذكر ~~المحبوب في هذه الحالة محال فكيف ذكر غير المحبوب فافهم ~~وقال النوري: «إذا أحببت من قبل السبب فمحبتك سبب بلا مسبب لأن ~~مسبب المحبة هو الوصول إلى المحبوب ، وإذا كانت محبتك للدنيا والآخرة ، وذلك ~~ليس مسببا محبة الله تعالى، وإنيما ذلك مكر الله تعالى وحجابه يحجبك عنه تعالى » ، ~~258 ~~أو نقول: معناه محبتك حب بلا محبوب لأن محبوب محبتك هو الله تعالى وليس الله ~~تعالى لك بهذه المحبة لأنك إنيما تحبه لا لذاته، بل لغرض آخر وهو الدنيا، والآخرة ~~فلولا أن الله تعالى كان وسيلة موصلة لك إلى الدنيا، والآخرة لما أحببته فلا جرم ~~لا يكون الله تعالى لك بهذه المحبة . # وقال أيضا: «المحبة محبة المحبة، والإنكار من المحبة» اعلم أن ذلك على ~~وجهين أحدهما: ~~أن تحب الله تعالى، وتحب محبتك لله تعالى مع إنكار ذلك عند الأغيار. # والثاني : أن تحب محبة الله تعالى إياك وتنكر محبتك إياه اتقاء عن مقابلة ~~المحبة بالمحبة ، أو اتقاء من دعوى المحبة . # قال ابن عطاء: «من أراد صفاء ms106 المحبة يغمسه بين الذوق حتى الذوق حتى ~~أذاق المحبة مائتين وستين عرقا» لأن لكل عرق محبة وغذاء بخلاف آخر فإن ~~المحبة تنقلب في كل يوم وليلة على مائتين وستين حالا يعني : من أراد تصفية محبة ~~الله تعالى ينغمس بنفسه في عين ذوق محبة الله تعالى حتى يذوق عروقه كلها محبة ~~الله تعالى، فإذا أذاق الكل محبة الله تعالى زال عن كل واحدة منها ما فيها من محبة ~~غير الله تعالى بمحبة الله لأن المحبة تزاحم المحبة ، ولهذا قال الأطباء : تداوى ~~العاشق بمحبة غير المعشوق وإذا زال محبة غير الله تعالى تصفو محبة الله تعالى ~~وحده ، وهذا لأن في بدن الإنسان مائتي وستين عرقا لكل عرق محبة لشيء من ~~الأشياء غير الله تعالى كنحو حب الحياة ، والجاه ، والمال ، والمرأة والطعام ، ~~والشراب، والجنة، ونعيمها، وإلى ما أشبه ذلك وإن العبد المحب لهذه الأشياء ~~يتقلب في كل يوم وليلة على مائتي وستين حالة لضرورة و كونه محبا لمائتي وستين ~~محبة كل محبة على خلاف الأخرى. # 254 ~~ومن جملتها : محبة الله تعالى لا تقوى، ولا تصفو، بل تضمحل في ازدحام ~~المحبات المختلفة فمن شاء تصفيتها وتقويتها يغمس نفسه في عين ذوق محبة الله ~~تعالى حتى تزول سائر المحبات وتتبدل لكل بمحبة الله تعالى فيثبت في كل عرق ~~على محبة الله تعالى، وبهذا تصفو محبة الله تعالى وتقوى فافهم. # قإن قلت: ما عين ذوق محبة انله تعالى؟ # قلت : هي المداومة على ذكر المحبوب بالقلب إن قدرت وإن لم تقدر ~~فباللسان مع المراقبة في الخلوة الدائمة ليلا ، ونهارا ، قياما وقعودا، ركوعا ~~وسجودا، مع نسيان كل شيء سواه فبذلك الطريق تذيق محبة الله تعالى لسائر ~~عروقك، وأعضائك، وقلوبك، وأرواحك، وجلودك، وأعصابك تفهم إن شاء ~~الله وحده. # وقال أيضا: «المحب إذا ادعى الملك خرج من المحبة» يعني أن محبة الله ~~تعالى لا تحتمل الشركة فيستدعى أن يكون المحب عبدا مرقوقا بذاته وصفاته ~~لمحبوبه ولا يتحرك حركة، ولا ينطق بحرف إلا بإذن مولاه ويكون نظره دائتما إلى ~~محبوبه فإن ms107 ظن أن له تصرفا ما بدون إذنه، او شيئا من ذاته، وصفاته، وجوارحه، ~~وأطرافه له دون مولاه أوله ولمولاه شركة فهو مشرك مدع وأمارة تلك المحبة أن ~~يكون ماله مباح التناول لكل متناول، ودمه هدر لكل من يقتله، ولو سلب ~~عيمامته، ونزع ثوبه لا يحرك في قلبه ذلك، كما لو أخذ أحد عمامة نفسه فإن كان ~~بخلافه فهو مدعى الملك ومحبة الله تعالى له غير خالص، بل غير قائم، قال وأنشأ ~~ذو النون: ~~أريد أن أحبه من قلبه فعجزت إلا محبة غرضه ~~فإن عجزت فأحب محبة الحبيب الذي هو غرضه ~~260 ~~يعني نأريد أن أحبه ذاته لذاته لا لغيره و أعجز الاتحجبة غرضه يعني ~~أحب ذاته ولكن لفائدة وغرض ذلك غير انه تعالى وهو بره وإحسانه إلى. # اعلم أن محبة العاقل له تعالى لابد وأن يكون لفائدة إذ لو لم تكن لفائدة ~~كان عبثا وسفها لا يكون ذلك من العاقل الحكم قصدا ، أو اختيارا ولكن لا ~~ينيغي أن تكون تلك الفائدة غير ذاته ولا ينبغي أن تكون صفة من صفات ذاته ~~أيضا ، ولكن تكون فائدته وغرضه ذاته فحسب، فإن قلت: كيف يكون ذاته ~~غرضا وفائدة؟ # قلنا : كيف ثمة لكن من كان كل الفوائد منه كان هو الفائدة المفيدة حقا ~~وليس كون ذاته تعالى فائدة مرغوبة محبوبة مستنكرا عقلا، وشرعا وعلى هذا نبهنا ~~الله تعالى بقوله سجل وعلا - : (وإلى ربك فارغب) [الشرح : 8] أمرنا بالرغبة ~~إلى ذاته تعالى ولا يصح الأمر بالرغبة إلى شيء إلا إذا كان ذلك الشيء مرغوبا فيه. # وقوله تعالى حكاية عن أوليائه: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه) [الأنعام : 52] أي يريدون ذاته دل ذلك على ما قلناه ~~أيضا، وكذا قوله تعالى : (يحبهم ويحبونه ) [المائدة : 54] الهاء كناية راجعة إلى ~~ذاته تعالى، أما قوله : «فإن عجزت فأحب محبة الحبيب الذي هو غرضه» يعني : إذا ~~عجزت عن محبة ذاته لذاته فأحببت، كما يحبه بعض أحبائه الذين هم أغراضه ~~ومحبوبه فإن كثيرا من عباد الله تعالى يحبهم الله تعالى ms108 وهم يحبون الله تعالى ذاته لا ~~لذاته، بل لغيره فأكون في محبته كهؤلاء قوله : «الذي غرضه» يعني : هو مقصود ~~الله تعالى ومحبوبه وافه تعالى محبوبه أيضا تفهم إن شاء الله تعالى. # وقال ذو النون: «المحبة على وجهين اكتساب وهو محبة بره وعطائه وهو ~~محبة ذاته» اعلم أنه أظهر في هذه الكلمة ما أضمر في البيتين لأنه أشار ثمة إلى أنه ~~261 ~~عجز عن محبة ذاته لذاته، وهنا أشار إلى أن محبة ذاته لذاته عطاء، وعطاء الله تعالى ~~مما يعجز كل أحد عن كسبه ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، أما الكسبى فهو في ~~وسع العبد يمكنه أن يحصله لنفسه لا يعجز عنه وهو محبة بره، وهو الذي قال في ~~البيت الأول فعجزت إلا محبة غرضه أي إلا محبة لبره ~~قال أبو يزيد: «الطريق لا يخلو من المحبة وذا ممزوج، فإذا شرب صرفا ~~فصار شيمتي» يعني : أن الطريق إلى الله تعالى لا يخلو من المحبة لأنه ما خلق إلا ~~وهو يحب الله تعالى حتى يحبه الفجرة، والكفرة لما يرون من نعم الله تعالى عندهم ~~لكن كل ذلك ممزوج لأنهم يحبون المنافع ، والنعم في الدنيا ، والآخرة ، والمحبة ~~الصرف الصافي أن لا يمتزج بغير الله تعالى فيكون المحبوب هو الله تعالى وحده ~~ذاته لذاته بذاته وحده لا غير. # قوله: «فإذا شرب حرفا صار شيمتى» يعني أن رحمة الله عليه شربا حرفا ~~من شراب محبة الله تعالى ذاته لذاته جل وعلا غير ممزوج بشي آخر حتى صار كما ~~صار فمن شرب الصرف غير ممزوج صار مثله في المحبة الخنالصة، وقال أيضا : ~~«لا ينام المحب إلا من سرور، ولا يأكل إلا من حرقة، ولا يتكلم إلا من أنينه» ~~يعني المحب الذي كمل محبته لا ينام إلا من سروره بمحبوبه، أو إلا من سروره ~~لمحبته فإن السرور يرطب الدماغ ويحمى القلب فيورث النوم، قوله: «ولا يأكل ~~إلا من حرقة» يعني : إلا من حرقة محبته ، فإنه إذا التهيت المحبة ، يمحرق الغذاء ~~ويجوف العروق بواسطة إحراق الرطوبات فيشتهي ms109 الطعام أكلا على العروق. # قوله: «ولا يتكلم إلا من أنينه« يعني يكون كلامه أنينا، أو قائما مقام الأنين ~~فيتنفس المحبة يعني بأنينه فينطفيع به بعض ما به من التهاب المحبة ~~وقال أيضا المحبة الكاملة أن تحبه ببره: «من أحب الله يقبل بر الله تعالى ~~26 ~~عليه فهو مشرك» يعني مشرك المحبة بين الله تعالى وبين البر يعني مشرك الطريعة ~~لا مشرك الشريعة، وعندي أن هذا أبلغ من الشرك بتشريك من الله تعالى من البر، ~~وإنيما هو فرعنة في الطريق لا في الشريعة وهو دعوى الربوبية لنفسه والعبودية على ~~الله تعالى لنفسه، حيث أحب نفسه أصلا، ومقصودا، وأحب بر الله تعالى لنفسه ~~وأحب الله تعالى لبره وكان محبة اله تعالى تبعا لأنه وسيلة إلى مقصود نفسه وهو ~~التلذذ بالبر، وهذا حال كل من يجد عنده المنافعة التي ينتفع بها، وأظهر النصوص ~~الدالة على كون ذلك شركا قوله: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله) [البقرة:165] ومن أحب غير الله تعالى مع محبة الله تعالى ~~جعل ذلك الغير ندا نله تعالى في المحبة فكان مشركا بالنص، فكيف إذا أحب غير ~~القه تعالى أصلا ، وأحب الله تعالى تبعا لذلك الغير لولاه لما أحبه فالعياذ بالله، ثم ~~إن هذا لنا كان في الشريعة معفوا لكونه خفيا لا يطلع عليه كل أحد لكن في ~~الطريقة كفي بليغ سماه أبو يزيد حرحمة الله عليه- شركا وهو أبلغ من الشرك كيما ~~شرحنا هذا شرك خفي كالرياء شرك خفي. # فإن قيل روي : أن الله تعالى يطيع من أطاعه، وقال بعض المشايخ : أي ~~سيد يعبد عبده غيره؟ # الجواب ، قلنا : هذه إشارة إلى جوده تعالى، وفضله، وكرمه غير تذلله ~~تعالى وتقدس، وعموم ما يأتي من عالم جوده، وفضله، وكرمه لعبيده أبلغ، وأهنأ، ~~وأنفد، وأوفى من عبادة عبيده له - جل وعلا-. # وقال أيضا : «المحبة على أربعة أوجه : محب البر : وهو بعيد من المحبة ~~والبر، ومحب المحبة: وهو قريب وجد ووصل وصحب، ومحب الصفات: وهو ~~هالك إذا رضي به، ms110 ومحب الذات: فهو بالمحبة محب» ~~263 ~~قوله : «محب البر : وهو بعيد عن المحبة والبر» يعني من محبة انفه تعالى ، ~~ومن البر فهاهنا قال هو بعيد من البر وفي الفصل السابق قال هو مشرك ~~قوله : «ومحب المحية وهو قريب وجد ووصل» يعني محب محبة الله تعالى. # قوله : «وهو قريب» لأن حب المحبة يحمله على طلب محبة انله تعالى ومحبة ~~الله تعالى تحمله على طلب الله تعالى فيجده لا محالة إذا طلب وجد في الطلب ~~ويحتمل أن يريد بقوله ومحب المحبة أي ومحب محبة الله تعالى له وهو قريب ايضا ~~لأن محبة الله تعالى صفة لله تعالى، فإذا أحب صفة الله تعالى كان قريبا إلى محبة ذاته ~~تعالى إذ لا فاصل بين محبته لمحبة الله تعالى وبين الذات إلا صفة محبة الله محبة تعالى ~~له، والوجه الاأول أحسن وأقرب إلى كلامه لاأنه قال ثالثا ومحب الصفات وهو ~~هالك إذا رضي به، ومحب محبة الله تعالى التي هي صفة الله تعالى محب الصفات ~~وهو هالك إذا رضيء لأن ذلك انقطاع عن الارتقاء في عوام المعارف كما عرف ~~في الأبواب المتقدمة . # قوله : «ومحب الذات وهو بالمحبة محب» أي يحب الذات فهو بالمحبة ~~الأصلية المعتبرة محب ~~قال ابن عطاء : «مقام المحبة مقام العتابة» يعني مقام المحبة مقام الابتلاء ، ~~وابتلاء الله تعالى أولياءه عتاب لا عقاب، وإنها تختص بالأحباء، كما روي عن ~~النبي صعلعلم : «إذا أحب الله تعالى عبدا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، فإن رضي اصطفاه»، ~~وقال أيضا «المحبة محبة الله تعالى» يعني أن المحبة المعتبرة في الطريقة محبة الله تعالى ~~ذاته وحده إذا أحبه العبد وإن أراد به محبة الله عبده فهذا أحسن وأصح ~~قال أبو يزيد رحمة الله عليه : «المحبة معيار الله تعالى يظهر فيه القريب من ~~البعيد» يعني قرب كل قريب من الله تعالى بمقدار محبته له، والمحبون متفاوتون في ~~264 ~~القرب ، والبعد على قدر تفاوتهم في المحبات وكانت محبة الله تعالى معيارا مظهرا ~~لتفاوت المقربين في القرب ، والبعد كالميزان معيار يظهر لتفاوت ms111 الموزونات قلة ~~وكثرة، خفة وثقا ~~قال ذو النون: «من أحبه بسبب فهو على راحة، ومن أحبه بغير سبب فهو ~~المبتلى الممتحن» يعني : من أحب الله تعالى لبره وإحسانه لا لذاته فهو على راحة ~~من ابتلاء الله تعالى فإن الابتلاء إنما يكون لمن يحب الله تعالى لذاته لا لبره ~~وقال الجنيد قدس الله سره: «المحبة أمانة الله تعالى ولكن الذاتية لا ~~الفرعية» يعني : بالذاتية محبة ذات الله تعالى لذاته لا لبره ، ويعني بالفرعية ما كان ~~لغير الله تعالى وهو بره ، وله معنى آخر يعني بالذاتية المحبة المجبولة في ذات ~~الإنسان لا كسب له فيها، ويعني بالفرعنة المحبة الكسبية لا العطائية فافهم ~~قوله : «أمانة الله» أي مكنونة ، مكنوزة في قلب الولي محفوظة عن اطلاع ~~الغير عليها. # قال النوري : «التوحيد هو المحبة ففي قدر التوحيد تكون المحبة» هذا ~~الكلام متناقض لأنه قال: التوحيد : هو المحبة، يقتضى ذلك أن يكون التوحيد ~~عين المحبة، والمحبة عين التوحيد لا غير، ثم ناقض ~~وقال : «ففي قدر التوحيد يكون المحبة» جعل التوحيد معيارا لمقدار ~~المحبة ومعيار الشيء غير ذلك شيء ضرورة لا عينه هذا من حيث ظاهر الكلمة ~~وتأويله هو أن توحيد الله تعالى ينبغي أن يكون على وزان المحبة، والمحبة على ~~وزان التوحيد من حيث إن توحيد الله تعالى على اصطلاحهم هو أن يتجرد ذات ~~الله عن كل ما سواه في كل باب أعني في باب المعرفة لا يعرف إلا ذات الله تعالى ، ~~وفي باب المشاهدة ، أو المعاينة لا يشاهد ولا يعاين إلا ذات الله تعالى وحده ، وفي ~~265 ~~باب الإرادة و المحبة لا يريد و لا يحب إلا ذات الله تعالى وحده، وعلى هذا فقس ~~كذلك المحبة ينبغي أن تكون مجردة عن الأغيار والصفات، وهو أن تحب ذات ~~الله تعالى وحده ولا تحب الصفات، ولا شيئا ما سوى الذات وهكذا يقول بعض ~~الصوفية الضعاف. # قوله : «ففي قدر التوحيد يكون المحبة» يعني إذا وحد الله تعالى كما ذكرنا ~~كقلك يكون المحبة مجردة كما ذكرنا، ويحتمل أن يقال ms112 أراد بقوله : «التوحيد هو ~~المحبة» يعني التوحيد يلازم المحبة ، والمحبة تلازم التوحيد ، وهذا غير صحيح ؛ ~~لأن آخر كلامه ينفي ذلك؛ ولأنه ليس المحبة تلازم التوحيد، ولا التوحيد يلازم ~~المحبة لأن المحبة وصف المريد تلازمه في جميع مقامات الطريقة ولا تنفك عنه ~~بعد المجاوزة عن عالم الطريقة إلى عالم الحقيقة ويكون معه أبدا في جميع المراقي ~~والتوحيد المعتبر في اصطلاحهم لا يحصل للمريد إلا في عالم الفناء وما بعده ~~فافهم. # قال ابن عطاء: «المحب أن لا يحب غيره» يعني محبة الله تعالى لا تكمل إلا ~~بألا يحب المحب غيره يوحده في المحبة كي يخرج من ظلمة الشرك. # باب صفة الغيرة ~~قال الشبلى: «لولا محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وإلا فما أذنت ولا ~~نهيت عنه لكن الأمر شديد» ~~قوله : «فما أذنت» يعني ما أذنت بشيء من الطاعات ، والقربات المقربة ~~للعباد الله تعالى غيره من أن نصل بها أحد إلى الله تعالى كما وصلت أنا ولا نهيت ~~عن الحرمات المبعدة عن الله تعالى كي يبعدوا غيرة على الله تعالى ، ويحتمل: ولا ~~نهيت عن الطاعات والمعاصي، بل أطلقت وأيحت كيلا يظن أحد أن ذلك طريق ~~اقه تعالى يسلك فوصل ~~266 ~~قوله : «ولكن الأمر شديد» يعني الأمر صعب لأن الخصم محمد رسول ~~الله صلوات الله عليه وهو نبي غيور قتال كما ورد في أسمائه - صلوات الله عليه أنه ~~نبي ضحوك قتال صاحب الهراوة وسيفه على عاتقه ، وكان الشبلي في هذا المقال ~~قائلا من موعظة مغلظة وغير فاضحة ، نزلت بالحسين بن منصور الحلاج ~~بمحضر الشبلي وجماعة من امثاله فاعتبروه وفروا ولو فر عن هذا القدر الذي ~~أظهر أيضا كان أحب، وأصوب، ويحتمل أنه أراد ما أذنت من الأذان، ولا نهيت ~~عنه غيرة على ذكر محمد مع ذكر الله تعالى. # قال الشبلي: «ست وأي ست، أنا: صاحب الغيرة، وابن عطاء: صاحب ~~اللغة ، والتوري : صاحب الوفاء ، والجنيد : صاحب الحرمة ، ورويم : صاحب ~~الأدب، والشفقة، وأبو علي: صاحب حفاظ». # أما الشبلى كان معروفا بالغيرة، وروي أنه قيل للشبلي ms113 : متى تستريح ? ~~قال : إذا لم أر له ذاكرا، وروى أيضا أن الشبلي أذن مرة فلما انتهى إلى الشهادتين ~~قال: لولا إنك أمرتني ما ذكرت معك غيرك، أما تفسير الغيرة كراهة أن يستحق ~~به، أو بمحبوبه أحد وأن يحب محبوبه غيره، أو يحب محبوبه غيره باء المحبوب ~~مرفوع مرء ومنصوب أخرى و كذا راء غيره فافهم، أما غيرة الله تعالى كائنة أيضا ~~وهى ما ذكرنا من الكراهة ~~فإن قلت: لا كراهة لله تعالى في صفاته. # قلنا: قال الله تعالى: (كره الله انبعائهم فثبطهم) [التوبة:46]. # وقيل: «ما ترددت في شيء كما ترددت في قبض روح عبدي المؤمن يحرويكره ~~وأنا أكره إساءته ولابد له منه(1)» وأمثال ذلك كثير يشهد بكراهة الله تعالى وليس ~~كل كراهة لكل فعل غيرة ما لم تكن كراهة استحقاق به، أو بمحبوبه وكذا كراهة ~~أن يحب محبوبه غيره، أو يحب غيره محبوبه، فذلك الكراهة المخصوصة هي الغيرة ~~وليس تلك الكراهة من الصفات اللازمة للغيور يجوز أن يكون، وأن لا يكون، ~~ولكن إذا كان سمى غيرة، وأما ما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ~~«السعد غيور، وأنا أغير من السعد، والله أغير منى ومن سعد ومن غيرته حرم ~~الفواحش» يعني لما علم الله تعالى أن الفاحشة وهى الزنا من أبلغ أسباب محبة ~~العباد بعضهم بعضا لها حرم الله عليهم تلك الفاحشة، وأوجب الحد والزجر ~~عليها كيلا يؤدى إلى غلبة حبهم بعضهم بعضا لأنه تعالى إنما خلقهم ليكونوا ~~محبيه، ومحبوبيه خاصة لا شركة فيها فافهم. # قوله : «وابن عطاء صاحب اللغة» ، إنيما قال ذلك لأنه كان ابن عطاء ~~فصيحا بليغا في اللغة مرجوعا إليه فيها، وكان يسمى لسان الوقت من فصاحته. # قوله : «والنوري صاحب الوفاء» والوفاء في الشرع هو استكمال جميع ~~وظائف الشرع وفي الطريقة هو استكمال كل وظائف الطريقة ، والشريعة ، وفي ~~الحقيقة استكمال وظائف الشريعة ، والطريقة ، والحقيقة جميعا لأن الكل عهود الله ~~نعالى معه ~~فإن قال قائل : هلا شرطتم الاستطاعة في الوفاء ~~قلنا: الاستطاعة مشروطة في العهود كلها لا ms114 عهد بما لا طوق فكيف ~~الوفاء، وإبراهيم الذي وفي ابتلاه الله تعالى من التكليف الشاق عليه كذبح الولد، ~~68 ~~وقطع القلفة، وأمثالها فأتمهن إبراهيم القفلا، قال الله تعالى: (إني جاعلك للناس ~~إماما) [البقرة : 124] يعني بالوفاء صرت صالحكا للإمامة فأجعلك إماما نبيا، ~~كذلك النوري لما كان صاحب الوفاء جعله انله تعالى إمام الأولياء ~~قال أبو محمد المغازلي : «ما رأيت أعبد من النوري قيل ولا الجنيد» مذ ~~مات النوري لم تخخبر عن حقيقة الصدق أحد أراد بالصدق الوفاء، وكان من وفائه ~~مح أصحابه أنه قدم جماعة منهم ليجز رقباتهم و فيهم النوري فقدم الجلاد أحدا ~~ليجز رقبته فتقدم النوري ، وقال : أخره عني فتعجب الجلاد!، وقال : لم تفعل هذا ~~? ، قال : إيثارا منى حياة ساعة على إخواني فأخبر بذلك أمير المؤمنين فعفي ~~جميعهم ببركة صدقه في المؤاخاة، والوفاء به. # قوله «والجنيد صاحب التعظيم والتوقير» يعني أن له وقعا وعظمة في ~~قلوب الناس، وذلك من عظمة الله تعالى في قلبه لأن من هاب الله تعالى هابه كل ~~شيء. # كروى عن الجنيد أنه قال : «لو أقبل صادق على الله تعالى ألف ألف سنة ثم ~~أعرض عنه لمحة كان ما فاته أكثر مما ناله» وهذه الكلمة تشهد بما كان في قلبه من ~~عظمة الله تعالى ونموها لحظة فلحظة ، في كل لحظة أكثر وأبلغ مما ناله من قبل في ~~عمره ، وهذا مقام عبر عنه الجنيد رحمة الله عليه بهذه الكلمة ولا يدري معنى هذه ~~الكلمة إلا من بلغ إلى ذلك مشاهدة، ونال من ذلك في كل لحظة ثلاث أضعاف ~~ثلثى ما نال في جميع عمره قبل ذلك فافهم. # وقيل: إنه اراد به صاحب الاحترام، والتعظيم لأوامر الله تعالى وتكاليفه ~~و هكذا كان الجنيد -رحمة الله عليه - بليغا في المحافظة على الشريعة والتمسك ~~بالسنة، ولهذا صلح أن يكون إماما متقدما خلاف الآخرين ويحتمل أنه يريد ~~269 ~~صاحب وقار وحرمة عند الله تعالى أي صاحب حشمة عند الجميع المعروفة بين . # الصوفية، ونظير ذلك في الشاهد وزير السلطان هو صاحب حرمة، ms115 وإن كان عند ~~السلطان من هو أقرب منه وهو نديمه وأعز منه وهو ابنه، ومن حكمه أنفذ من ~~حكمه وهو له أتابكه وأحب منه وهو حليلته ولا يكون واحد من هؤلاء بحرمة ~~الوزير ، كذلك حال صاحب الحرمة عند الله تعالى ~~قوله: «ورويم صاحب الدب، والشفقة» أما الشفقة فهي رقة القلب ~~للغير مع إرادة الخخير له، والمراد منه الشفقة على خلق الله تعالى، وأما الأدب فهو ~~الخنصال الحميدة المستعملة بين يدى الكبراء ، وفي مجالس الأشراف هذا كذلك . # لغة، وشرعا، وطريقة، وحقيقة، قال الله تعالى: (ما زاغ البصر وما طغى) . # [النجم :17] في مدح النبي صلم، حيث لم يلتفت يمينا وشمالا إلى غيره تعالى، وقال ~~النبي صعلم «إن الله تعالى أدبنى فأحسن تأديبى(1)» أي: جعل مكارم الأخلاق مجبولة ~~في نفسي وذاتي. # وروي عن ابن عطاء في غير هذا الكتاب أنه قال: «الأدب الوقوف مع ~~المستحسنات» فقيل : وما معناه ؟ قال : أن يعامل الله تعالى بالأدب سرا، وعلانية ~~فإن كنت كذلك كنت أديبا، وإن كنت أعجميا ثم أنشأ يقول: ~~إذا نطقت جاءت بكل ملاحة وإن سكت جاءت بكل مليح ~~قال بعضهم في غير هذا الكتاب : منذ عشرين سنة ، ما مددت رجلي في ~~وقت جلوسي في الخلق، فإن حسن الأدب مع الله أ ولى. # وروي أن أبا حفص الحداد -رحمه الله- خرج من خراسان حاجا فليما ~~70 ~~دخل بغداد دخل على الجنيد رحمهما الله ومعه ألف رجل من أصحابه فلما جلس ~~أبو حفص قام كل أصحابه صفا حولهما، فقال الجنيد: لقد أدبت أصحابك آداب ~~الملوك ، فقال أبو حفص : «الظاهر عنوان الباطن» يعني تأدبت بواطنهم في ~~الحضرة فظهر الآداب على ظواهرهم في الغيبة . # وقد أشار الشبلي في غير هذا الكتاب إلى ترك الأدب فقال : «الانبساط ~~بالقول مع الحق ترك الأدب» وهو صحيح غير أنه مقتصر من مطول ومطلق لابد ~~من المقيد ، وذلك المطول المقيد أن يقول والانبساط بالقول وبكل شيء غير القول ~~مع الحق ترك الأدب إلا بإذنه. # قوله : «وأبو علي صاحب حفاظ» يريد أبا علي الروذباري حرحمه ms116 الله - ~~يعني صاحب المحافظة على الأسرار التي بينه وبين اله تعالى . اعلم أن حفظ ~~الأسرار في عالم المعرفة من أكبر الشروط وأعظم الأركان ~~قال يعقوب النبي اللل لابنه يوسف الصديق صلوات الله عليه : (يا بني ~~لا تقصض رؤياك على إخوتك) [يوسف:5] ومن هنا قال صدور الأحرار قبول ~~الأسرار ، ويحتمل أنه أراد به صاحب حفاظ على وظائف الشريعة، والطريقة، ~~والحقيقة ، قال أبو العباس ابن عطاء : «لو كان لصاحب الغيرة حالة صحيحة ~~فقتله أفضل كرامة له من إحياء غيره» يعني بالحالة الصحيحة أن يقابل من يؤذيه ~~لا ياليد، ولا باللسان لكنه يرجع إلى الله تعالى في سره فرجوعه إلى الله يكون قتله ~~غيره. # وروي عن النبي لم عن الله تعالى : «من آذى لي وليا فقد بارزني ~~بالمحاربة»(1) وهذا يدل على أن القاتل هو الله تعالى ، وروي أيضا أن الله تعالى إذا ~~271 ~~انتقم لأوليائه انتقم بنفسه، وإذا انتقم لنفسه انتقم بأوليائه والمسطور في كتاب ~~الفردوس عن علي غلم عن النبي صلوات الله عليه وسلامه أنه قال «إذا أراد الله ~~عز وجل أن ينتقم لوليه انقم بعدوه، وإذا أراد أن ينتقم لنفسه انتقم بوليه». # غيره من عباد الله تعالى ويؤذيهم ويمنعهم من طاعة الله تعالى. # قوله : «فقتله أفضل كرامة له من إحياء غيره» لأنه لو لم يقتله يقتل هو ~~قال الجنيد : «غيرة الصحيح ألا يكون في وقته مراد شيء» يعني لا يكون ~~في غيرته مراد النفس ، والهوى . # وقال النوري : «الغيرة معصية ولكن من قطعه صار أفضل الحيرة» يعني ~~من قطع نور الرحمة ، والرأفة ، والشفقة عن الغيرة على الحقيقة تبدلت الغيرة ~~بالحيرة ، والحيرة هي الغيبة الغالية التي تقع لأولياء انله تعالى ينمحى فيه النفس ، ~~والهوى ، ويلتحق القلب، والعقل بالسر، والخفي نظيره ما روى عن الشبلي أنه ~~دخل إلى الجنيد وعنده امرأته فأرادت أن تدخل البيت فقال الجنيد : «اصبري لا ~~خبر للشبلي عنك» فكلمه الجنيد حتى بكى الشبلي فقال لها : استترى فقد أفاق ~~الشبلى فهذه الغيبة هي الحيرة التي أشار إليها النوري وهي الحيرة من ms117 الغيرة . # واعلم أن الشبلي كان كثير الغيرة، ولكنه كان حاله صحيحا، وكان ~~صاحب رأفة، ورحمة، وكلما قطعت شفقته غيرته انقلبت غيرته مثل تلك الحيرة، ~~272 ~~وتلك الغيرة هي الاستغراق بالحق. # قوله : «الغيرة معصية» يعني قصد الخنلق بالأذية معصية، ولهذا قالوا أن ~~الغيرة من شيم المبتدئين ، وان الكبير لا يغار باطلا ، قال النبي عليه الصلاة ~~والسلام «إن الله تعالى يغار وإن المؤمن يغار ، وغيرة الله تعالى أن يأتي العبد المؤمن ~~ما حرم الله عليه ~~وعن أبي عثمان المغزبي -رحمة الله عليه - قال : «الغيرة من عمل المريدين ~~فأما أهل الحقائق فلا» ~~273 ~~باب صمضة الحقيقة ~~ضصمل ~~اعلم أن الحق في اللغة هو الكائن الثابت وقد استعمل في كائن كلمة نفع، ~~أو نفعه أكثر من ضره، قال الله تعالى (أن الله هو الحق المبين) [النور : 25] يعني ~~الكائن الثابت النافع الضار، ونفعه أبلغ من ضره، ورحمته وسعت كل شيء هو ~~الله تعالى، والحق عكس الباطل، والباطل في ~~اللغة هو المنعدم المتلاشي ، وقد ~~استعمل الباطل في شيء الموجود الذي كله شر، أو شره أكثر من تفعه، ومن ذلك ~~قال الله تعالى (وقل جاء الحق وزهن الباطل إن الباطل كان زهوقا) [الإسراء: ~~8] أي جاء أمر الله تعالى وزهق الشيطان وأمره، والباطل هو اسم الشيطان ~~هكذا قال أهل اللغة ~~وأما (الحقيقة) في اللغة هى : الراية أعني العلم ، قال : حامي الحقيقة ~~سائل الوريقة مستاق الوثيقة ؛ لأن حامى الحقيقة يعني : حافظ رايته وعلمه ، ~~والوريقة مريدة للفحل ، والوثيقة : الحاملة من النوق، يصف البعير هذا هو تفسير ~~الحق ، والحقيقة لغة . # أما في اصطلاح المشايخ: فقد اختلفوا فيها تعبيرا، ولا جامع ها كقول ~~النوري : الحقيقة جمع الهمة مع المراد ، ثم قال : عين العبد هو الحقيقة ومعلوم أن ~~عين العبد الذي سماه حقيقة هنا ليس جمع الهمة مع المراد الذي سماه حقيقة ثم ولا ~~من جنسه ، أو نوعه لضرورة أن جمع الهمة مع المراد فعل العبد لا عين العبد ، هذا ~~في كلام واحد منهم فكيف في كلمات جماعتهم ? ثم الأقرب عندي في تفسير ms118 ~~الحقيقة ، والحق على اصطلاح مشايخ الصوفية أن يقال الحق هو الذات ، والحقيقة ~~الصفات ثم إنهم إذا أطلقوا ذلك، فإنما يريدون ذات الله تعالى وصفاته -جل ~~وعلا- خاصة وإنما قلنا ذلك؛ لأن المريد السالك إذا تجاوز عن حدود النفس، ~~والهوى، وعن الدنيا، والآخرة، ودخل في عالم الإحسان يقولون دخل في عوالم ~~الحقيقة ، ووصل إلى مقام الحقائق ، وإن كان هو بعد في عالم الصفات ، والأسيماء ~~ومهما وصا ~~الله تعالى يقولون وصل إلى الحق، وقلما يستعملون ذلك في ذوات ~~أخر ، وفي صفاتها لأن مقصودهم الكلى هو التوحيد المجرد عن الكثرة ، وذلك ~~بالإعراض عن كل ما سوى الله تعالى سيجيء بعض الكلام في الحق ، والحقيقة في ~~274 ~~«كتاب عيون المعارف» إن شاء الله تعالى ~~الدليل على أن الحقيقة اسم للصفة هو أن للحقيقة مصدرا من ذلك ، ~~والمصدر بالصفات أولى كالعلم، والقدرة، والحياة، والشهوة، والنفرة، وأشباهها ~~بخلاف الحق لأنه في الأصل كان حاقا فذهب الألف بكثرة الاستعمال إذا عرفت ~~ذلك جئنا تفسير كلماتهم ~~قال النوري : «الحقيقة جمع الهمة مع المراد» يعني بالمراد هو الله تعالى ~~وبالهمة الخنفي لأنه قال في باب الإرادة ، والهمة إن الهمة فيه السر ويعني به الحنفي ~~لأن الخفي هو قلب السر ، وسر السر ، وخلاصته يريد أن الحقيقة هى كون الخنفي ~~مع الله تعالى ذاته . # قال ابن عطاء : «الحقيقة اسم العبد» ، وإيتما يريد بالعبد الإنسان الذي ~~انسلخ من سائر الصفات البشرية، وصار روحا عرفا فذاك هو حقيقة العبد، ~~ومسمى بالحقيقة وتمام كلامه أن يقول الحقيقة اسم العبد ، والحق اسم الرب ~~فافهم. # وقال الجنيد : «قوله تعالى : (عبادي) [البقرة : 186] حقيقة الحقيقة» . # وقوله : «عبادي حقيقة الحقيقة» يعني أن العبادة اسم جماعة العبيد، والعبد ~~هو الذي فسرناه في قول ابن عطاء قوله : «وعبادي حقيقة الحقيقة» لأن الإضافة ~~إلى الحق تقتضى زيادة التحقيق في العبودية لما صار أهلا للإضافة ، والقرب إليه . # تعالى، ويعني بريادة التحقيق زيادة التخليص، والتصفي، وذلك بأن ينسلخ مرة ~~أخرى عن الشوائب فيصير أهلا لقرب الحق تعالى ذاته جل وعلا . # قال النوري : «العبد هو التصديق ms119 وغيرة العيد هو الحقيقة» يعني من ~~275 ~~وصف العبد هو الإيمان فإذا انسلخ عن أوصاف البشرية، فالآن تجرد عين العبد ~~عن الشوائب و تبدل إيمانه باليقين فهو حقيقة العبد وعينه في عالم الحقيقة ~~وقال ابن عطاء: «لكل حق حقيقة، ولكل حقيقة حق، ولكل حق حق » ~~يعني لكل ذات صفة خاصة، ولكل صفة خاصة ذات موصوف بها، قوله : ~~«ولكل حق حق» يعني لكل ذات مخلوق ، أو صفة مخلوقة حق هو مكونه ، ~~وخالقه، وهذا كالعبد مثلا ذاته المجرد عن الصفات حق ، وخالقه حق الحق ، ~~ويمكن أن قال خاصية العبد ملازمة الضعف، والذلة، والهوان، والخشوع، ~~والخنضوع ، والتواضع لله تعالى وذاته هو المحصل لتلك الأوصاف اللوازم فذلك ~~ذات العبد وهي صفاته خاصة فهذه حقيقة ، وذاك هو الحق لهذه الحقيقة ، ثم حق ~~الحق هو الله تعالى لأنه محقق كل حقيقة ، ومكون كل حق وهو حق لا محقق له ، ~~ولا مكون، ولا حق فوقه، ولا بحذائه. # وقال الشبلي : «الحقيقة جمع الكل بالواحد فردا» ثم تضيف كون الكل ~~وجودا وبقاء، وزوالا ودواما إلى الواحد وهو الله تعالى تقول كون الكل بالله، ~~ووجود الكل بالله تعالى، وزوال الكل بالله تعالى، وفناء الكل بالله تعالى، ودوام ~~الكل بالله تعالى، وكيف تجمع الكل في واحد وإنما تجمعها في علمك، ومعرفتك، ~~أو مشاهدتك، ومعاينتك كأن تجمع المخلوقات مثلا كلها، وتركبها في تسميتك ~~باسم واحد فتقول كله عالم واحد ، وإن كان فيها ما لا يحصى من المختلفات ، ~~والمتماثلات، والمتضادات وكأن تجمع البلدة في محوطة، وتسميها همدان، وتقول ~~هي بلدة واحدة لا ثاني لها، وكأن تجمع كل جنس في اسم واحد كقولنا بنو آدم ~~ونظائرها كثير وهذا في اصطلاحهم مشهور غانهم يقو لون كل بالله، وكل من الله، ~~وكل إلى الله، وكل لله، وهذا قريب ويحتمل أنه أراد به جمع الكل في الخلق والبقاء ~~والفناء بالواحد الفرد الخالق القديم المغني، فافهم جدا إن شاء الله وحده. # قال الشبلي: «الباطن عند الظاهر حقيقة، والسر عند الباطن حق» وذكره ~~بالدوام حقيقة الحق ومشاهدة السر حقيقة ms120 يعني بالباطن أحوال القلب، والنفس ~~ويعني بالظاهر أطراف البدن، والجوارح ويعنيه ابالسر» الروح الذي في القلب ~~بحذاء العقل وغرضه من هذا الكلام إثبات الدرجات للحقائق ، فالبدن ~~وأطرافها لما كان ظاهرا من كل وجه سلب عنه تسميته الحقيقة ، ثم جعل الباطن ~~276 ~~وهو النفس، والقلب حقيقة، ثم سمى باطن الباطن حقا، وهو السر، ثم سمى ~~ذكر السر لله تعالى بالدوام حقيقة الحق لأن ذكر السر لما كان حقيقة السر ~~فمشاهدته أبلغ من ذكره فكان الخفي حقيقة السر ، اعلم أن كل ذلك من أوصاف ~~الشبلى بعضها حقا، وبعضها حقيقة فافهم ~~وقال الشبلي : «الهمة حقيقة ، والإرادة حق» هذا أيضا من صفات العبد ~~أحدهما : حقا، والآخر : حقيقة قوله «الهمة حقيقة ، والإرادة حق» فالأمر عندي ~~على العكس أولى، فالهمة(1) حق، والإراة(2) حق وتسميتهما حقا وحقيقة، إنيا قلت ~~77 ~~ذلك : لأن الهمة أعلى من الإرادة عندهم على ما يعرف من باب الإرادة والهمة ~~عقيب ذلك، والحق أعلى من الحقيقة عندهم أيضا ، ولهذا قال الشبلي فيا سبق : ~~الباطن ، إذ هو باطن الباطن» جعل الحق اسما لما هو أعلى ، والحقيقة اسما لما هو ~~«الباطن عند الظاهر حقيقة ، والسر عند الباطن حق، ثم السر أعلى من ~~] دني ~~قال ابن عطاء فيما سبق : «الحقيقة اسم العبد» ومعلوم أن العبد أدنى من ~~الحق ، والحق هو الله تعالى على ما قال جل وعلا أن الله هو الحق المبين ، فإذا ثبت ~~أن الحق أعلى من الحقيقة عندهم وثبت أن الهمة أعلى من الإرادة ومست الحاجة ~~إلى تسميتها حقا، وحقيقة وجب أن يجعل الأعلى اسيما لما هو أعلى، وأدنى اسما لما ~~هو أدنى فيسمى الهمة حقا، والإرادة حقيقة فافهم إن شاء الله وحده. # وقال الشبلي: «إن لكل حق حقيقة» أي : لكل إرادة همة لست أدرى أن ~~هذا التفير قول الشبلى، أو قول غيره والاأقرب انه من غيره والصحيح في تفسير ~~ذلك أن يقول يعتي لكل إرادة همة تجعل الإرادة للهمة ، لا الهمة للإرادة ؛ لأن ~~الهمة أعلى كما أشرنا إليها من قبل ولأن الإرادة مما ms121 يكثر للنفس، والقلب في باب ~~أمور الدنيا والهمة في اصطلاحهم شيء لا يكون إلا لأمور الدين والإرادة تتسافل ~~278 ~~والهمة تتعالى على ما يعرف من بعد ، ولأن الإرادة لا تستتبع الهمة في شئون الدنيا ، ~~والهمة تستتبع الإرادة في شئون العليا ، كما تستتبع القلب ، والنفس، والبدن ، ~~والجوارح ججيح ~~قال الجنيد : «حقيقة العبد ترك الاشتغال ، والاشتغال بالشغل الذي هو ~~أصل الفراغة» يعني أن العبد لا يكون محققا بدون الحقيقة ، وحقيقة ترك ~~الاشتغال بما لا يعنيه، ثم الاشتغال بالشغل الذي هو أصل الفراغة عن كل شيء ~~سواه يعني الاشتغال بالله هو أصل الفراغة عن كل ما سواه والله أعلم. # 79 ~~باب صمضة اثورادة والهعة ~~فصمل ~~اعلم أن الهمة في اللغة هي : الإرادة المخصوصة ، وهى إرادة الأمور ~~العظام، وليس كل إرادة تسمى همة، وإنما نسمى إذا كان مرادها عظييما قدرا عاليا ~~رتبة، ومنه الهمام اسم لكل ملك عظيم الهمة ~~وفي اصطلاح الصوفية : همة العبد إرادته ذات الله تعالى وصفاته جل ~~وعلا وهي الإرادة الأعلى، وربما نسمى نحن السر همة لكونه آلة الاهتمام على ما ~~نشرحه في كتاب «مرآة الأرواح ~~وأما الإرادة فقد مر شرحها في باب المحبة ، وأما المنية في اللغة هي تقدير ~~شيء في القلب ، والمنى قدر الله تعالى ، وأما في اصطلاح المتكلمين المنية إرادة ~~المحال . # وأما في اصطلاح الصوفية : هى إرادة الأمور الدنياوية العاجلة غير ~~الدينية فافهم ~~قال الجنيد قدس الله سره : «الهمة إشارة الله تعالى ، والإرادة إشارة الملك ، ~~والخطرة إشارة المعرفة ، والمنية إشارة الشيطان ، والشهوة إشارة النفس ، والهوى ~~إشارة الكفر» يعني الهمة إشارة الله تعالى وداعيته يدعوك إلى الله تعالى و تقدس ~~«والإرادة إشارة الملك» أي داعيته يدعوك إلى عوالم الروحانيات ، «والخطرة إشارة ~~المعرفة» يعني ما يعترى في سرك داعيا لك إلى أعمال البر والتجانب عن الشر ~~فذلك الخخاطر إنما جاء من عالم المعرفة ، واليقين بصدق ما أخبر الله به من الوعد ~~والوعيد. # قوله : «والمنية إشارة الشيطان» يعني كل ما يدعوك إلى الدنيا، ولذاتها ~~فذلك الدعاء من الشيطان، وذلك مما لا ms122 يكون لك فيه خير بوجه، وما لا يكون ~~لك فيه خير بوجه لا يخلو من الشر، قوله: «الشهوة إشارة النفس» يعني داعية ~~النفس الباطرة ، الشاطرة ، الباغية ، الطاغية تدعوك إلى قضائها من حل وحرمة ~~كيفما تيسر قوله : «والهوى إشارة الكفر» يعني بالهوى إرادة الشرور، والفجور، ~~والبدع، والضلال فذاك كلها دواعي الكفر يدعوك إليها لتسايرها، ثم تنزل في ~~طبقاتها إلى طبقة الكفر والعياذ بالله؛ لأنه إذا كان في باطن الإنسان كفر كامن لا ~~28 ~~يبرر إلى الخارج إلا من طريق الهوى ، فافهم . # وقال أيضا : ما عاقب الله تعالى صاحب الهمة وإن عصاه يريد بصاحب ~~الهمة الولي، والنبي البالغ الكامل في محبة الله تعالى ، وقال : النوري : «حرم الله النار ~~على أهل الهمة ، وحرم الآخرة على أهل الإرادة ، وحرم الزيادة على أهل النار» ~~يعني بأهل الهمة ما عنى الجنيد بصاحب الهمة ، وعني بأهل الإرادة الذين يريدون ~~الدنيا، والآخرة ويحبون الله تعالى لمنافع الدنيا والآخرة ، ويريد بالزيادة المحرمة ~~عليهم الرؤية والمشاهدة. # قال ابن عطاء: «الهمة لا يزائلها عوارض ، والإرادة يزائلها عوارض» ~~يعني أن الهمة لا يزائلها ، ولا يعارضها عوارض الدنيا ، والآخرة أي اشتغالها لا ~~يزاحمها، وآفاتها لا ينافيها بخلاف الإرادة فإنها تزول بالآفات، والعوارض حتى ~~النوم ، والغفلة، والنسيان، والجنون وغيرها يزيل الإرادة ، ولا يزيل الهمة يعني ~~أن الهمة يعمل أعمالها ويرتقى مراقيها، وإن كان صاحبها مستغرقا في النوم، ~~والإغيماء، والجنون، وأمثالها. # قال الشبلي: «صاحب الهمة لا يشتغل بشيء، وصاحب الإرادة يشتغل» ~~يعني صاحب الهمة لا يشتغل بشيء من مراده ، وصاحب الإرادة يشغله ~~الشواغل، والآفات هذا مثل قول ابن عطاء، وقال أيضا: «الهمة الله وما دونه ليس ~~بهمة» تعني : الهمة ألا يريد إلا الله تعالى، أو نقول :معناه أن الهمة إرادة الله تعالى ~~فحسب وإرادة ما دونه ليست جهمة ، وهذا كما قالوا في المحبة هى محبة الله تعالى ~~ذاته لذاته لا غير كان الشبلي أراد بالهمة هنا محبة الله تعالى ذاته، وجعل ما كان ~~ذلك غير الهمة ولهذه الكلمة معنى آخر وهو الحمل على الظاهر ويشير ms123 إليه قول ~~النبي التخلم : «من أصبح وهمه غير الله فليس من الله»(1) تفهم إن شاء الله وحده، ~~ومن هنا قال الحلاج: «أنا الحق» ، وأبو يزيد : « سبحاني ما أعظم شأني» ~~فمن كان إلى همه كان له الله، وهو الله، كما قال صلوات الله عليه «من كان ~~لله كان الله له» ، ويقال: الهمة حفاظ مع الوفاء، والإرادة عبادة مع الجفاء، والمنية ~~تحريك بالحنطأ ، اعلم أن هذه الكليمات لما لم يعلموا قائلها قالوا : يقال الهمة حفاظ ~~مع الوفاء ، يعني حفاظ الأسرار التي بينه وبينه مع الوفاء، يعني مع الوفاء ~~281 ~~بالعبودية. # قوله : «الإرادة عبادة مع الجفاء» يعني عبادة مع المشقة وتحمل الأذية ، ~~والثقل الذي فيها ليسأل بها ثواب الجنة، ويحتمل قوله عبادة مع الجفاء ، أي مع ~~التقصير والإخلال في العبادة ، أي مع التوبة مع التقصير و الإخلال في العبادة ~~أي : مع التوبة مع التقصير في التوبة. # قوله: «والمنية تحريك بالخطأ» يعني إرادة المنايا وطليها حركة وهى خطأ ~~وعرور ، وقال النوري «الهمة نية السر إلى شيء ، والإرادة نية القلب إلى شيء» ~~يعني بالسر هنا الخفي ، وهو الروح الذي هو قلب السر على ما عرفت من قبل ، ~~ويحتمل أنه يريد بنية السر إرادة السر، وأنه قريب إلى عالم الحقيقة ، فعموم إرادته ~~يكون إرادة القه، ولو قال : «الهمة نية الخفى» كان أولى لأن كل نظر الحنفي إلى عالم ~~الحق، والحقيقة ولا ينظر إلى عالم الدنيا، ولا إلى النفس تفهم إن شاء الله وحده ~~قال ابن عطاء : «الهمة لا تنزل من العرش ، والإرادة لا تنزل من الآخرة، ~~والمنية لا تخرج من الدنيا» هذا كما قال الشبلي : «الهمة الله» معناه : الهمة إرادة الله ~~وحده لا شريك له لا تنزل عنه يحبه ويريده أبد دائما و الإرادة إرادة الآخرة ~~يريدها ويحبها و لا يزول عنها ، والمنية إرادة الدنيا لا يرتفع عنها . # قال رويم -رحمة الله عليه : «الهمة لا تسكن ألا بالمحبة ، والإرادة لا تسكن ~~بالمحبة ، والمنية صاحب سعة» يعني أن صاحب الهمة يرتقي في الحق دائما ولا ~~يسكن ألا ms124 بالمحبة، وعندي أن الأمور على العكس ، فإن صاحب الهمة لا يسكن ~~ألا بالحق ويرتقي دائتما ، فلو انضمت المحبة إلى الهمة كانت الهمة أسرع في الطلب ~~وأعجل في الارتقاء حتى يصل إلى المقصود ، فإذا وصل إلى المقصود الأعلى سكن ~~لضرورة الحيرة ~~قوله : «الإرادة لا تسكن بالمحبة» يعني صاحب الإرادة لا يسكن بالمحبة ؛ ~~لأنه يميل إرادته إلى الآخرة فطالب الآخرة لا يكفيه إرادة الآخرة ولا محبتها يعنيه ~~بر جوعه، بل يحمله على الطلب ما دام حيا ~~أو نقول : المريد لا يسكن بمحبة الله تعالى حتى يصل إلى المحبوب ، ذكر ~~الإرادة وأراد بها المريد بخلاف صاحب الهمة فإنه مراد وليس بمريد، و ارتقاؤه ~~بمريده ومحبه فلا يخليه يسكن حتي يحب محبه الذي يحركه فافهم. # 282 ~~قوله : «المنية صاحب سعة» يعني صاحب المنية طالب دنيا ، فإن قنع يكفيه ~~القليل، وإن طمع في الكثير لا يكفيه الكثير، ومنهم من لا يقنع بقليل، ولا يشبع ~~بكثير، ومنهم من يشبع بقليل ولا يقنع بكثير، ومنهم بين ذلك. # وقال أيضا: «من له همة فهو في ديوان البالغين، ومن له إرادة فهو في ديوان ~~المريدين ، ومن له منية وشهوة فهو في ديوان العاصين» يعني من له همة قهو من ~~البالغين إلى الله تعالى، ومن له الإرادة فهو من المريدين لله نعالى لا لذاته ولكن ~~للآخرة، ومن له متية وشهوة فهو من العاصين، يعني وإن لم يعص في الشريعة، ~~فهو من العاصين في الطريقة ، أما في الشريعة فلا هو من العاصين ما لم يقترف ~~معصية. # قال النوري : «معصية الهمة طاعة ، وطاعة المنية معصية» ~~قوله : «معصية الهمة طاعة» أبلغ من قول الجنيد حيث قال : «ما عاقب الله ~~صاحب الهمة وإن عصاه» لأن النوري جعل معصيته طاعة ، والجنيد جعل ~~معصيته مغفرة ، والحق مع النوري لآن الهمة مع الحق دائما ، وكان تائبا دائتما منيبا ~~إلى الله تعالى، وقال الله تعالى في حق التائبين : (فأولئك يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات) [الفرقان: 7٠] . # قوله : «وطاعة المنية معصية» لأن المنية إرادة الدنيا ، ومحبة لذاتها ، وذلك ~~في نفسها معصية، ms125 قال النبي صلم «حب الدنيا رأس كل خطيئة(1)» وطاعة الخطيئة ، ~~خطيئة كعبادة الوثن، والسجدة للصنم، وأعمال هؤلاء ما قال انه تعالى (وقدمتا ~~إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) [الفرقان : 23]. # وقال الشبلي : «الهمة لا تكون في الدنيا» يعني الهمة من إرادة الله تعالى ~~ذاته، لا يميل إلى الدنيا، والآخرة، والنفس، وكل إرادة على خلاف ذلك ليست ~~همة ~~قال الجنيد : «الهمة بشرى لأوليائه ، كالوحي بشرى لأنبيائه» يعني الهمة ~~هنا السر، فإنه يبشر العبد بما يشاهد في عالم الحق ؛ لأن العبد بنفسه، وقلبه، وعقله ~~لا يلج عالم الحقيقية ، ولا يشاهد شيئا ثم إلا بعين السر، فسمى عين السر هنا ~~الهمة ، والبشرى لأولياء الله تعالى كالوحي لأنبيائه ، يعني الهمة عين السر ، بها ~~283 ~~ينظر أولياء الله تعالى إلى عالم الحقيقة ، أو لا ينظر ، ولكن الهمة مبشرة لأوليائه ~~تعالى كالوحي مبشرة لأنبيائه من غير نظرهم. # وقال أيضا: لامن له همة فيصبر، ومن له منية فيعمى» يعني إرادة الله تعالى ~~وحبك إياه يجعلك بالمعارف ، والمنية إرادة الدنيا ولذاتها تعميك، قال النبي علم : ~~«حبك للشيء يعمى ويصم» (1) يعني حبك للدنيا يعمي ويصم عن الحق تعالى ~~وعن الآخرة، وحبك للآخرة يعمى ويصم عن الله تعالى وعن الدنيا، وحبك لله ~~تعالى يعمى ويصم عن الدنيا والآخرة ~~وقال ذو النون -رحمه الله: «صاحب الهمة وإن كان أعمى فهو مسلم، ~~وصاحب الإرادة، وإن كان صحيحا فهو منافق» يعني أن صاحب الهمة يرى الله ~~وحده ولا يميل إلى غيره، فكيفما كان، كان مسلئا مؤمنا، وصاحب الإرادة مريد ~~الدنيا والآخرة، وكان منافقا «يظهر إرادة الله تعالى» بالإسلام، والإييان، كالمنافق ~~يدعى الإسلام ظاهرا ويريد غير الإسلام باطن ~~وقال أبو يزيد: «كفر أهل الهمة أسلم، ومن إسلام أهل المنية» يريد به أن ~~أهل الهمة لما كان يحب الله تعالى ويريده وحده، فهمته ل تتركه في الكفر، وكفره ~~يكون ضعيفا كضعف إيمان المنافق، وأما إسلام أهل المنية كان لدنياه، وكذا إرادته ~~وحبه الدنيا، وذلك كفر ونفاق، وكما قال ذو النون: «صاحب الإرادة وإن كان ms126 ~~صحيحا، فهو منافق) يعني هو منافق وإن كان مسليا، كذا قول أبي يزيد. # قال سهل بن عبد الله: «الهمة زائدة فإذا تم فقد بلغ إلى الله تعالى». # قال محمد بن حامد الخخراساني : «الهمة لم يجدها أحد بتمامها إلا أهل المحبة» ~~وهذا صحيح؛ لأن المحبة إرادة كما عرفت من قبل، والهمة إرادة على ما بينا، وإذا ~~كان كذلك لا تكون الهمة إلى الله تعالى ، إلا وهي محبة لله تعالى، أو محبة الله تعالى ~~تلازمها، فكل من كان أكمل محبة لله تعالى كان أكمل همة لله تعالى. # والأصح عندي : إن الهمة عينها وذاتها محبة غالبة مجاوزة إلى فوق الشوق، ~~والاشتياق حدة، وسرعة، وقوة على شأنها لكنها غير محرقة بالتهاجها، واحتراقها، ~~و لا يسمى همة إلا إذا كان متعلقها أمورا عظاما، بخلاف المحبة المطلقة والشوق، ~~والاشتياق فإنها مؤذية محرقة على ما عرفت من قبل في باب المحبة ، فافهم ~~284 ~~قال أبو علي الروذباري : «إن الله تعالى أحب الهمة فلذلك أحبهم» يعني ~~أن الله تعالى أحب الهمة العالية، فلذلك أحبهم يعني أحب الأنبياء، والأولياء ~~الكبار؛ لأنه تعالى أحب الهمة التي لهم ~~وقال أيضا: «الهمة شيء يغلى في القلب بين المعرفة كغلي القدر في النار» ~~فعند ذلك يسمى وجدا، وهذا كالشوق محبة غالبة، والمحبة إرادة غالبة، كذلك ~~الوجد همة غالبة غالية مرتفعة على قول ~~قال الجنيد : «الهمة لسان السر ، ومن له نطق السر يعجز عن الظاهر ، لأنه ~~يكلم مع الرب من الربوبية ، فكيف يدخل فيه التحريك ? ! والتحريك منه ~~الكفر»، قوله: «الهمة لسان السر» صحيح»، وهو الذي قلنا أنه قلب السر، ولسان ~~السر، وذلك هو الحق عندي. # قوله : «ومن نطق له السر يعجز عن الظاهر» يعني يعجز عن التكلم ~~بلسانه الظاهر، لأنه الآن تكلم مع الرب تعالى فكيف يتكلم مع غيره؟ وهو الآن ~~مستغرق فيما هو فيه ~~قوله: «فكيف يدخل فيه التحريك، والتحريك منه كفر » يعني تحريك ~~لسانه الظاهر، وسائر جوارحه البدن، وذاك كفر منه في الطريقة لأنه يعرض عن ~~مناجاة الحق تعالى إلى غيره مع ms127 أنه يناجيه . # وقال الشبلي : «الهمة تعليم الله تعالى في الباطن كالوحي تعليم الله تعالى في ~~الظاهر لأنبيائه» يعني بالتعليم المكالمة بالأوامر، والنواهي، والمناجاة بذلك فيكون ~~هذا القول منه على وفق قول الجنيد حيث قال : «الهمة لسان السر» وحيث قال : ~~«الهمة بشرى لأوليائه كالوحي بشرى لأنبيائه» ، وقال أيضا : «الهمة كلام السر مع ~~الله» ، والأصح أن يقال في معنى ذلك أنه : بالهمة يكالم السر مع الله تعالى لأن الهمة ~~لسان السر، وقلبه على ما سبق ذكره، وقال: «الهمة معاملة العبد مع الله قعالى» ~~يعني بالعبد هنا: النفس، والقلب، والسر جعيعا، فكان معناه بالهمة معاملة العبد ~~مع الله تعالى ، كما قلنا : الهمة يكالم السر مع الله تعالى ، ويعنى بالمعاملة معاملة ~~الباطن، ومعاملة السر و الخقو ~~وقال : «الهمة ترك منازعة العبد مع ربه» يعني بترك المنازعة الإعراض عن ~~كل شيء إلى الله تعالى ذاته والإقبال إليه تعالى بالهمة العالية. # 285 ~~وقال أيضا: «الهمة نسيان الذكر، والغيرة في الذكر» يعني به أن الهمة ما ~~يكون في الجمعية أي في عين الججمع وذاك عند الفناء عندهم . # قوله : «والغيرة في الذكر» يعني أن الغيرة إنما تكون في الذكر والتفرقة دون ~~الجمعية ، وعين الجمع لأن غيرة الغيور إنما تكون عند فهم المغار عليه ، وذلك لا ~~يكون في عالم الفناء، وعين الجمع لأنه ثمة لا يفهم شيئا سوى الله تعالى، ويحتمل ~~أن الهمة نسيان الذكر يعني التوحيد نسيان الذكر، كيما مر، والغيرة في الذكر أي ~~المغايرة ، والأثنينية في التذكر لغير الله تعالى ~~وقال أيضا: «الهمة عيان الربوبية» يعني الهمة ما يعاين الربوبية، وهى ~~قلب السر، وعينه، ولسانه على ما مر وهو الذي نسميه خفيا. # وقال أيضا «الهمة ترك الدنيا، والآخرة، والنفس معهما» يعني الهمة العلية ~~هي التي للا تلتفت إلى الدنيا و الآخرة و لا إلى النفس ويحتمل قوله : «والنفس ~~معهيا» أي : النفس يلتفت إليهما يشير بهذه الكليات إلى أن الهمة لها هذه الآثار، ~~والخصال ومقصودة من جميع ذلك أن يبين علامات الهمة ليعرف العارف بهذه ~~العلامات ماهية الهمة ms128 . # وقال أيضا: «الهمة ريح يسلط الله على قلب العبد» يعني أن الهمة روح ~~ونور مسلط على قلب العبد لا يمكنه من الميل إلى الدنيا والآخرة بل يجرده ~~ويلجته على التوجه إلى الحق تعالى . # وقال أيضا: «الهمة» أي النية، وهذا صحيح لأن النية، والقصد في الإرادة ~~والهمة أيضا؛ لكنها إرادة السر والخفي ، لا إرادة القلب ، فكان تسميتها نية ~~صحيحة لأنها نية السر، والخفي إلى الله تعالى ~~وقال أيضا «الهمة سكون القلب مع الله والفرار عما سواه» يعني ثمة الهمة ~~وعلامتها سكون القلب مع الله تعالى والفرار عن غيره تعالى ، فجعل الأثر ~~والثمر، تغير المثمر المؤثر، تفهم إن شاء الله وحده ~~تمت هذه الكليمات المجموعة في كتاب الأنفاس بتفاسير فسرتها على وفاق ~~مذاهبهم ولي في بعضها خلاف لكني حلمت عنها، وكظمتها مع ما بينت مذاهبي ~~في كتب أخر، والله المستعان وعليه والتكلان. # 286 ~~خادححة النسخة ~~كتبت هذه النسخة من نسخة مصححة منتقلة من خط المصنف -رحمة ~~الله عليه - وعليها حكاية خط المصنف كتب وجمع : محمد بن عبد الملك الديلمي ~~حامدا لربه، ومصليا على نبيه في شعبان سنة ثيمان وثمانين وخسمائة، وهذا خط ~~العبد أضعف البرايا ، والغريق في غموم الخطايا علي بن صوفي المدعو بشيخ علي ~~أصلح الله شأنه وصانه عيما شاته. # قد وقع الفراغ من تحريره في أواخر صفر ختم بالخير والظفر سنة تسعمائة ~~هجرية نبوية. # والحعد لله رب العالمين ~~والصملاة على سيدنا محعد ~~وآله الطيبين العلاهري ~~أجمعين ms129